المأتم الحسيني مشروعيته وأسراره
تأليف
السيد عبد الحسين شرف الدين الموسويقدسسره
تحقيق
فارس الحسّون
مركز الأبحاث العقائدية
بسم الله الرحمن الرحيم
مُقدّمة المركز:
إنّ الحسينَعليهالسلام
ليس حُكراً على الشيعة فحسب، وإنّ مأتمهعليهالسلام
ليس من مختصّات الشيعة، كما قد يظنّ البعض ذلك، بل الحسينعليهالسلام
حسين جميع المسلمين، والأحرى أنْ يكون حسينُ جميع الإنسانيّة.
وإنّ مأتم الحسينعليهالسلام
ومأساته جرح ما زال لم يندمل، ومصاب لا زال المسلمون يأنّون من ألمه حتّى يأخذ الله تعالى بثأرهعليهالسلام
.
مِنَ الحسين
عليهالسلام
ومأتمه
استلهم الشيعة درس التضحية لأجل العقيدة والدفاع عنه.
مِنَ الحسين
عليهالسلام
ومأتمه
استلهم المسلمون درس التضحية في سبيل البحث عن العقيدة الحقّة ; لأنّ المأتم الحسيني يجعل النّفوس ملتهبة بالعواطف النقيّة، فتكون النّفوس عندئذٍ أقرب ما تكون لاستماع الحقيقة والتجرّد عن التعصّب.
مِن الحسين
عليهالسلام
ومأتمه
استلهم جميع بني آدم درس الإنسانيّة والرجوع إلى الفطرة.
بالحسين
عليهالسلام
ومأتمه
يمكن تبديد غيوم العصبيّة وغبار الجهل والأفلات من الوقوع في براثن الفتن وتيّارات الضلال.
وبالحسين
عليهالسلام
ومأتمه
يمتلك الإنسان القدرة على اجتياز الطريق الشائك لمعرفة الحقّ، وتحطيم عقبة:(
إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ
)
؛ لأنّ الحسينَعليهالسلام
حسينُ الله، ومأتمَهُ مأتمُ أمر الله عزّ وجل بإحيائه.
لأنّ الحسينَعليهالسلام
حسينُ الحقِّ، ومأتمَهُ درسٌ للوصول إلى الحقِّ.
لأنّ الحسينَعليهالسلام
حسينُ المُصطفىصلىاللهعليهوآله
، ومأتمَهُ مأتمُهُ.
لأنّ الحسينَعليهالسلام
حسينُ عليٍّ وفاطمة وأهلِ البيتعليهمالسلام
، ومأتمَهُ مأتمُهُمْ.
لأنّ الحسينَعليهالسلام
حسينُ الأنبياءِ والمُرسَلينعليهمالسلام
، ومأتمَهُ مأتمُهُمْ.
____________________
لأنّ الحسينَعليهالسلام
حُسينُنا جميعاً، ومأتمَهُ مأتمُنا.
وقسماً بالله الذي لا إله إلاّ هو، إنّ البشريّة لو عرفت الحسينعليهالسلام
على حقيقته لأسلمت عن بكرة أبيها، إلاّ مَن كان قد تخلّى منهم عن إنسانيّته.
وكذلك لو عرف المسلمون الحسينعليهالسلام
على حقيقته، لاهتدوا بهديه واتّبعوا نهجه وركبوا سفينة النّجاة وما تركوا أهل البيتعليهمالسلام
طرفة عين، إلاّ مَن كان منهم وفي قلبه مرض، وعليه؛ فإنّ مسؤوليّة أتباع الحسينعليهالسلام
تتضاعف في إيصال حقيقة الحسينعليهالسلام
وأهمّيّة إقامة مأتمه إلى الجميع؛ ليؤدّي كلّ منهم هذه المهمّة على قدر وسعِه.
وهذا الكتاب الماثل بين يدَي القارئ العزيز، وإنْ كان صغيراً في حجمه، إلاّ أنّه عظيم في محتواه، قد جمع بين دفّتيه على اختصاره زبدة ما يتعلّق بمشروعيّة المأتم وأسراره، وهو بقلم علَم الأعلام وسيّد السّادات - الذي اهتدى أكثر من اهتدى إلى مذهب أهل البيتعليهمالسلام
بسبب كتابه
( المراجعات ) - آية الله السيّد عبد الحسين شرف الدِّين الموسوي (رضوان الله عليه).
وهذا الكتاب في الواقع هو مُقدّمة كتابه ( المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة )، الذي أحرقته الأيدي الأثيمة، وما بقي منه سوى المُقدّمة التي قمنا بتحقيقها والتعليق عليها، وإخراجها بهذا الكتاب الذي سمّيناه( المأتم الحسيني مشروعيّتُهُ وأسرارُه )
؛ ليكون الكتاب الثاني من ( سلسلة الكتب الإهدائيّة ) المخصّصة لروّاد المركز من المشتركين والمساهمين في المسابقات الهادفة؛ وذلك لإيجاد ثقافة علميّة عقائديّة لمجتمعاتنا المؤمنة، التي نأمل منها كلّ الخير في نشر مذهب أهل البيتعليهمالسلام
ودرء الشبهات عنه.
مركز الأبحاث العقائديّة
فارس الحسّون
تمهيد:
الحمد لله على جميل بلائه وجليل عزائه، والصلاة والسّلام على اُسوة أنبيائه، وعلى الأئمّة المظلومين من أوصيائه، ورحمة الله وبركاته.
أمّا
بعد، فهذا كتاب ( المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة )
وضعته تقرّباً إليهم في الدُّنيا، وتوسّلاً بهم في الآخرة،
____________________
سائلاً من الله سبحانه أنْ يكون خالصاً لوجهه الكريم، إنّه الرؤوف الرحيم.
المُقدّمة:
الأصل العملي يقتضي إباحة:
١ - البكاء على مطلق الموتى.
٢ - رثائهم بالقريض.
٣ - تلاوة مناقبهم ومصائبهم.
٤ - الجلوس حزناً عليهم.
٥ - الإنفاق عنهم في وجوه البرّ.
ولا دليل على خلاف هذا الأصل، بل السّيرة القطعيّة والأدلّة اللفظيّة حاكمان بمقتضاه، بل يُستفاد من بعضها استحباب هذه الاُمور إذا كان الميّت من أهل المزايا الفاضلة والآثار النافعة، وفقاً لقواعد المدنيّة وعملاً باُُصول العمران ; لأنّ تمييز المُصلحين يكون سبباً في تنشيط أمثالهم، وأداء حقوقهم يكون داعياً إلى كثرة الناسجين
على منوالهم، وتلاوة أخبارهم ترشد العاملين إلى اقتفاء آثارهم.
وهنا مطالب:
المطلب الأوّل: في البكاء
ولنا على ما اخترناه فيه - مضافاً إلى السّيرة القطعيّة - فِعل النّبيِّصلىاللهعليهوآله
وقوله وتقريره:
أمّا الأوّل
، فإنّه متواتر عنه في موارد عديدة منها: يوم اُحد، إذ علم النّاس كافّة بكاءه يومئذٍ على عمّه أسد الله وأسد رسوله، حتّى قال ابن عبد البرّ في ترجمة حمزة من استيعابه: لمّا رأى النّبيُّصلىاللهعليهوآله
حمزة قتيلاً بكى، فلمّا رأى ما مُثّل به شهق.
وذكر الواقدي، كما في أوائل الجزء الخامس عشر من شرح نهج البلاغة
للعلاّمة المعتزلي: أنّ النّبيَّصلىاللهعليهوآله
____________________
كان يومئذٍ إذا بكت صفيّة يبكي، وإذا نشجت ينشج
. قال: وجعلت فاطمة تبكي لمّا بكى رسول اللهصلىاللهعليهوآله
.
ومنها:
يوم نعى زيداً وذا الجناحين وابن رواحة، فيما أخرجه البخاري في الصفحة الثالثة من أبواب الجنائز من صحيحه، وذكر ابن عبد البرّ في ترجمة زيد من استيعابه: أنّ النّبيَّصلىاللهعليهوآله
بكى على جعفر وزيد، وقال:« أخَواي ومُؤنساي ومُحَدّثاي »
.
ومنها:
يوم مات ولده إبراهيم، إذ بكى عليه، فقال له عبد الرحمن بن عوف، كما في صفحة ١٤٨ من الجزء
____________________
الأوّل من صحيح البخاري: وأنت يا رسول الله! قال:« يابنَ عَوف، إنّها رَحمَة »
. ثمّ أتبعها - يعني عبرته - باُخرى، فقال:« إنّ العَينَ تدمعُ، والقلبَ يَحزنُ، ولا نَقولُ
إلاّ ما يُرضي ربنَّا، وإنّا بفراقِكَ يا إبراهيمُ لمَحزونون »
.
ومنها:
يوم ماتت إحدى بناتهصلىاللهعليهوآله
، إذ جلس على قبرها، كما في صفحة ١٤٦ من الجزء الأوّل من صحيح البخاري، وعيناه تدمعان
.
ومنها:
يوم مات صبي لإحدى بناته، إذ فاضت عيناه يومئذٍ، كما في الصحيحين
وغيرهما، فقال له سعد: ما هذا يا رسول الله؟!
____________________
قال:« هذه رَحمَةٌ جَعلَها اللهُ فِي قلوبِ عبادِه، وإنَّما يرحَم اللهُ مِن عِبادِه الرُّحَماء »
.
ومنها:
ما أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحَين عن ابن عمر، قال: اشتكى سعد، فعاده رسول اللهصلىاللهعليهوآله
مع جماعة من أصحابه، فوجده في غشية، فبكى. قال: فلمّا رأى القوم بكاءه بكوا. الحديث
.
والأخبار في ذلك لا تُحصى ولا تُستقصى
.
____________________
وأمّا قوله وتقريره فمستفيضان، ومواردهما كثيرة:
فمنها:
ما ذكره ابن عبد البر في ترجمة جعفر من استيعابه، قال: لمّا جاء النّبيَّصلىاللهعليهوآله
نعيُ جعفر
، أتى
____________________
امرأته أسماء بنت عميس فعزّاها.
قال: ودخلت فاطمةعليهاالسلام
وهي تبكي، وتقول:« وا عَمّاه! »
. فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله
:« عَلى مِثلِ جعفر فلتبكِ
البَواكِي »
.
ومنها:
ما ذكره ابن جرير وابن الأثير وصاحب العقد الفريد وجميع أهل السّيَر، وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل من حديث ابن عمر في صفحة ٤٠ من الجزء الثاني من مسنده، قال: رجع رسول اللهصلىاللهعليهوآله
من اُحد، فجعلت نساء الأنصار يبكين على مَن قُتل من أزواجهنَّ، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله
:« ولكِنْ حَمزَةَ لا بَواكِيَ لَه »
. قال: ثمّ نام فاستنبه وهُنَّ يبكين حمزة، قال: فهنّ اليوم إذا بكين يبدأن بحمزة.
وفي ترجمة حمزة من الاستيعاب نقلاً عن الواقدي، قال: لم تبكِ امرأة من الأنصار على ميّت بعد قول رسول اللهصلىاللهعليهوآله
:« ولكِنْ حَمزَةَ لا بَواكِيَ لَه »
. إلى اليوم إلاّ بدأت بالبكاء على حمزة
.
____________________
وحسبك تلك السّيرة في رجحان البكاء على مَن هو كحمزة، وإنْ بَعُد العهد بموته.
ولا تنسَ ما في قولهصلىاللهعليهوآله
:« ولكِنْ حَمزَةَ لا بَواكِيَ لَه »
. من البعث على البكاء والملامة لهنّ على تركه، وحسبك به وبقوله:« على مِثل جعفر فلتَبكِ البَواكِي »
. دليلاً على الاستحباب.
وأخرج الإمام أحمد من حديث ابن عبّاس، في صفحة ٣٣٥ من الجزء الأوّل، من مسنده من جملة حديث ذكر فيه موت رقيّة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله
وبكاء النّساء عليها، قال: فجعل عمر يضربهنّ بسوطه، فقال النّبيُّصلىاللهعليهوآله
:« دَعهنَّ يبكينَ »
. ثمّ قال:« مَهما يكُنْ مِن القلبِ والعَينِ فمِن اللهِ والرَّحمة ».
وقعد على شفير القبر وفاطمةعليهاالسلام
إلى جنبه تبكي، قال: فجعل النّبيُّصلىاللهعليهوآله
يمسح عين فاطمة بثوبه رحمةً لها.
وأخرج أحمد أيضاً من حديث أبي هريرة، الجزء الثاني صفحة ٣٣٣ من مسنده، حديثاً جاء فيه: إنّه مرّ على رسول اللهصلىاللهعليهوآله
جنازة معها بواكي، فنهرهنّ عمر، فقال له رسول اللهصلىاللهعليهوآله
:« دَعهُنَّ، فإنّ النَّفسَ مُصابةٌ والعَينَ دامِعةٌ »
. إلى غير ذلك ممّا لا يسعنا استيفاؤه.
وقد بكى يعقوب إذ غيّب الله ولده:(
وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزَنِ فَهُوَ كَظِيمٌ
)
. حتّى قيل - كما في تفسير هذه الآية من الكشّاف -: ما جفّت عيناه من وقت فراق يوسف إلى حين لقائه ثمانين عام، وما على وجه الأرض أكرم على الله منه.
وعن رسول اللهصلىاللهعليهوآله
- كما في تفسير هذه الآية من الكشّاف أيضاً -:« أنَّهُ سُئلَ جبرئيل
عليهالسلام
: ما بلغ وَجدُ يعقوبَ على يُوسفَ؟ قال: وَجْدُ سبعينَ ثكلَى. قال: فما كانَ لهُ مِنَ الأجرِ؟
____________________
قال: أجرُ مئةِ شهيدٍ
، وما ساء ظنُّه باللهِ قَط »
.
قلتُ:
أيّ عاقل يرغب عن مذهبنا في البكاء بعد ثبوته عن الأنبياء:(
وَمَنْ يَرْغَب عَنْ مِلَّةِ إبْرَاهِيمُ إلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ
)
.
وأمّا ما جاء في الصحيحين: منْ أنّ الميّت يُعذّب لبكاء أهله عليه. وفي رواية: ببعض بكاء أهله عليه. وفي رواية: ببكاء الحيّ. وفي رواية: يُعذّب في قبره بما نيح عليه. وفي رواية: مَن يبكِ عليه يُعذّب. فإنّه خطأ من الراوي بحكم العقل والنّقل.
قال الفاضل النّووي
: هذه الروايات كلُّها من رواية عمر بن الخطّاب وابنه عبد الله.
____________________
قال: وأنكرت عائشة عليهما، ونسبتهما إلى النّسيان والاشتباه، واحتجّت بقوله تعالى:(
وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى
)
.
قلتُ:
وأنكر هذه الروايات أيضاً عبد الله بن عبّاس، واحتجّ على خطأ راويه، والتفصيل في الصحيحَين وشروحهما.
وما زالت عائشة وعمر في هذه المسألة على طرفي نقيض، حتّى أخرج الطبري
في حوادث سنة ١٣ من تاريخه، بالإسناد إلى سعيد بن المسيّب، قال: لمّا تُوفّي أبو بكر، أقامت عليه عائشة النّوح، فأقبل عمر بن الخطّاب حتّى قام ببابها فنهاهنّ عن البكاء على أبي بكر، فأبين أنْ ينتهين، فقال عمر لهشام بن الوليد: ادخل فأخرج إليَّ ابنة أبي قُحافة. فقالت عائشة لهشام - حين سمعت ذلك من عمر: إنّي أحرج عليك بيتي. فقال عمر لهشام: ادخل فقد أذنت لك.
____________________
فدخل هشام وأخرج اُمَّ فروة اُخت أبي بكر إلى عمر، فعلاها بالدرّة فضربها ضربات، فتفرّق النّوح حين سمعوا ذلك.
قلتُ:
كأنّه لم يعلم تقريرَ النّبيِّ نساء الأنصار على البكاء على موتاهنَّ، ولم يبلغه قولهصلىاللهعليهوآله
:« ولكِنْ حَمزَةَ لا بَواكِيَ لَه »
. وقوله:« على مِثل جعفر فلتَبكِ البَواكِي ».
وقوله:« وإنّما يَرحم اللهُ مِن عِبادِه الرُّحماء ».
ولعلّه نسي نهي النّبيِّصلىاللهعليهوآله
إيّاه عن ضرب البواكي يوم ماتت رقيّة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله
، ونسي نهيه إيّاه عن انتهارهنّ في مقام آخر مرّ عليك آنفاً.
ثمّ إذا كان البكاء على الميّت حراماً، فلماذا أباح لنساء بني مخزوم أنْ يبكين على خالد بن الوليد
؟ حتّى ذكر
____________________
محمّد بن سلام، كما في ترجمة خالد من الاستيعاب، أنّه لَم تبقَ امرأة من بني المغيرة إلاّ وضعت لمّتها ( أي حلقت رأسها ) على قبر خالد. وهذا حرام بلا ارتياب، والله أعلم.
المطلب الثاني: في رثاء الميّت بالقريض
ويظهر من القسطلاني في شرح البخاري
أنّ الجماعة يُفصِّلون القول فيه: فيحُرّمون ما اشتمل منه على مدح الميّت وذكر محاسنه الباعث على تحريك الحزن وتهييج اللوعة، ويبيحون ما عدا ذلك.
والحقّ إباحته مطلقاً؛ إذ لا دليل هنا يعدل بنا عن مقتضى الأصل، والنّواهي التي يزعمونها إنّما يُستفاد منها الكراهة في موارد مخصوصة، على أنّها غير صحيحة بلا ارتياب.
وقد رثى آدمعليهالسلام
ولده هابيل، واستمرّت على ذلك
____________________
ذريّته إلى يومنا هذا بلا نكير.
وأبقى رسول اللهصلىاللهعليهوآله
أصحابه عليه، مع إكثارهم من تهييج الحزن به، وتفننهم بمدائح الموتى فيه، وتلك مراثيهم منتشرة في كتب الأخبار.
فراجع من الاستيعاب إنْ أردت بعضها أحوال: سيّد الشهداء حمزة، وعثمان بن مظعون، وسعد بن معاذ، وشمّاس بن عثمان بن الشريد، والوليد بن الوليد بن المغيرة، وأبي خراش الهذلي، وأياس بن البكير الليثي، وعاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل، وغيرهم.
ولاحظ من الاصابة أحوال: ذي الجناحين جعفر بن أبي طالب، وأبي زيد الطائي، وأبي سنان بن حريث المخزومي، والأشهب بن رميلة الدارمي، وزينب بنت العوام، وعبد الله بن عبد المدان الحارثي، وجماعة آخرين لا تحضرني أسماؤهم.
ودونك كتاب الدرة في التعازي والمراثي، وهو في أوَّل الجزء الثاني من العقد الفريد، تجد فيه من مراثي الصحابة ومن بعدهم شيئاً كثيراً.
وليس شيء ممّا أشرنا إليه إلاّ وقد اشتمل على ما يهيج
الحزن، ويُجدّد اللوعة بمدح الميّت وذكر محاسنه.
ولمّا تُوفّي رسول اللهصلىاللهعليهوآله
تنافست فضلاء الصحابة في رثائه، فرثته سيّدة نساء العالمينعليهاالسلام
بأبيات تهيج الأحزان.
ذكر القسطلاني
في إرشاد السّاري بَيتين منها، وهما قولهاعليهاالسلام
:
ماذا على مَنْ شَمَّ تُربةَ أحمدٍ
|
|
أنْ لا يشمَّ مَدى الزَّمانِ غواليَا
|
صُبّتْ عليَّ مصائبٌ لو أنّها
|
|
صُبّتْ على الأيامِ صرنَ لياليَا
|
ورثته أيضاً بأبيات تثير لواعج الأشجان، ذكر ابن عبد ربّه المالكي بيتَين منها في أوائل الجزء الثاني من العقد الفريد، وهما:
إنّا فقدناكَ فقْدَ الأرضِ وابلها
|
|
وغابَ مُذْ غبتَ عنَّا الوحيُ والكُتبُ
|
فليتَ قبلكَ كان الموتُ صادَفَنا
|
|
لـمّا نُعيتَ وحالتْ دونكَ الكُثبُ
|
____________________
ورثته عمّته صفيّة بقصيدة يائيّة، ذكر ابن عبد البرّ في أحوال النّبيِّصلىاللهعليهوآله
من استيعابه جملة منها.
ورثاه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المُطّلب بقصيدة لاميّة، ذكر بعضها صاحبا الاستيعاب والإصابة في ترجمة أبي سفيان المذكور.
ورثاه أبو ذويب الهذّلي - كما يعلم من ترجمته في الاستيعاب والإصابة - بقصيدة حائيّة، ورثاه أبو الهيثم بن التيهان بقصيدة داليّة، أشار إليها ابن حجر في ترجمة أبي الهيثم من إصابته، ورثته اُمّ رعلة القشيريّة بقصيدة رائيّة، أشار إليها العسقلاني في ترجمة اُمّ رعلة من إصابته، ورثاه عامر بن الطفيل بن الحارث الأزدي بقصيدة جيميّة، أشار إليها بن حجر في ترجمة عامر من الإصابة.
ومَن استوعب الاستيعاب، وتصفّح الإصابة واُسد الغابة، ومارس كتب الأخبار، يجد من مراثيهم المشتملة على تهييج الحزن بذكر محاسن الموتى شيئاً يتجاوز حدّ الإحصاء.
وقد أكثرت الخنساء، وهي صحابيّة، من رثاء أخَويها
صخر ومعاوية، وهما كافران، وأبدعت في مدائح صخر، وأهاجت عليه لواعج الحزن، فما أنكر عليها منكر.
وأكثر أيضاً متمّم بن نويرة من تهييج الحزن على أخيه مالك في مراثيه السّائرة، حتّى وقف مرّة في المسجد، وهو غاص بالصحابة، أمام أبي بكر بعد صلاة الصبح واتّكأ على سيّة قوسه، فأنشد:
نِعمَ القتيلُ إذا الرِّياحُ تناوَحَتْ
|
|
خلفَ البُيوتِ قتلتَ يابنَ الأزورِ
|
ثمّ أومأ إلى أبي بكر، كما في ترجمة وثيمة بن موسى بن الفرات من وفيات ابن خلكان، فقال مخاطباً له:
أدعوتَهُ باللهِ ثُمَّ غدرتَهُ
|
|
لَو هُوْ دعاكَ بذمَّةٍ لَمْ يغدرِ
|
فقال أبو بكر: والله، ما دعوته ولا غدرته.
ثمّ قال:
ولَنِعمَ حشوَ الدّرعِ كانَ وحاسراً
|
|
ولَنعمَ مأوى الطَّارقِ المتنوِّرِ
|
لا يُمسكُ الفحشاءَ تحتَ ثيابِهِ
|
|
حلوٌ شمائلُهُ عفيفُ المئزَرِ
|
وبكى حتّى انحطّ عن سيّة قوسه، قالوا: فما زال يبكي حتّى دمعت عينه العوراء.
فما أنكر عليه في بكائه ولا في رثائه منكر، بل قال له عمر - كما في ترجمة وثيمة من الوفيات -: لَوددتُ أنّك رثيت زيداً أخي بمثل ما رثيت به مالكاً أخاك. فرثى مُتمّم بعدها زيد بن الخطاب فما أجاد، فقال له عمر: لِمَ لَمْ ترثي زيداً كما رثيت مالكاً؟ فقال: إنّه والله، لَيُحرّكني لمالك ما لا يُحرّكني لزيد.
واستحسن الصحابة ومَن تأخّر عنهم مراثيه في مالك، وكانوا يتمثّلون بها، كما اتّفق ذلك من عائشة إذ وقفت على قبر أخيها عبد الرحمن، كما في ترجمته من الاستيعاب، فبكت عليه وتمثّلت:
وكُنّا كَندمانَي جذيمةَ حقبةً
|
|
من الدَّهرِ حتى قيلَ لَنْ يَتصدَّعَا
|
فلمَّا تَفَرّقنَا كأنِّي ومالكاً
|
|
لطولِ اجتماعٍ لَمْ نَبتْ ليلةً مَعَا
|
وما زال الرثاء فاشياً بين المسلمين وغيرهم في كلّ عصر ومصر لا يتناكرونه مطلقاً.
المطلب الثالث: في تلاوة الأحاديث المشتملة على مناقب الميّت ومصائبه
كما كانت عليه سيرة السّلف، وفعلته عائشة إذ وقفت على قبر أبيها باكية، فقالت: كُنتَ للدُّنيا مُذلاً بإدبارك عنها، وكُنتَ للآخرة مُعزّاً بإقبالك عليها، وكان أجلّ الحوادث بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله
رزؤك، وأعظم المصائب بعده فقدك.
وفعله محمّد بن الحنفيّة إذ وقف على قبر أخيه المجتبىعليهالسلام
، فخنقته العبرة - كما في أوائل الجزء الثاني من العقد الفريد - ثمّ نطف فقال: يرحمك الله أبا محمّد، فإنْ عزّتْ حياتُكَ فقد هدّتْ وفاتُكَ، ولَنِعم الرّوح روح ضمّه بدنك، ولَنِعم البدن بدن ضمّه كفنك، وكيف لا تكون
كذلك وأنت بقيّة ولد الأنبياء، وسليل الهدى، وخامس أصحاب الكساء؛ غذّتك أكفّ الحقّ، وربيت في حجر الإسلام، فطبت حيّاً وطبت ميّتاً، وإنْ كانت أنفسنا غير طيّبة بفراقك، ولا شاكّة في الخيار لك. ثمّ بكى بكاءً شديداً، وبكى الحاضرون حتّى سمع نشيجهم
.
ووقف أمير المؤمنينعليهالسلام
على قبر خباب بن الأرت في ظهر الكوفة، وهو أوّل مَن دُفن هناك كما نصّ عليه ابن الأثير في آخر تتمّة صفين، فقال:« رَحم اللهُ خباباً، لقد أسلَمَ راغِباً وجاهَد طائِعاً، وعاش مُجاهِداً، وابتلى في جِسمِهِ أحوالاً، ولَنْ يضيع اللهُ أجرَ مَنْ أحسنَ عملاً ».
ولمّا تُوفّي أميرُ المؤمنينعليهالسلام
، قام الخلف من بعده أبو محمّد الحسن الزكيعليهالسلام
خطيباً، فقال، كما في حوادث سنة ( ٤٠ هـ ) من تاريخ ابن جرير وابن الأثير وغيرهما:« لَقد قَتلتُمْ اللَّيلَةَ رَجُلاً، والله، ما سَبقهُ أحَدٌ كانَ قَبلَه، ولا يُدركُهُ أحدٌ يكونُ بَعدهُ،
____________________
(١) العقد الفريد ٢ / ٨ و ٣ / ١٩٧، تذكرة الخواصّ / ٢١٣.
إنْ كانَ رسولُ اللهِ
صلىاللهعليهوآله
ليبعَثَه في السّريّة وجبرئيلُ عَن يمينِهِ وميكائيلُ عَن يَسارِهِ، ما تَرَك صفراءَ ولا بَيضاءَ... »
.
ووقف الإمام زين العابدين على قبر جدّه أمير المؤمنينعليهماالسلام
، فقال:« أشهدُ أنّكَ جاهدتَ في اللهِ حقَّ جِهادِه، وعملتَ بِكتابِه، واتّبعتَ سُننَ نبيِّهِ
صلىاللهعليهوآله
حَتّى دَعاكَ اللهُ إلى جِوارِه، فقَبضَكَ إليهِ باختيارِه، لكَ كريمُ ثوابِهِ، وألزَمَ أعداءَكَ الحُجَّةَ مع ما لَكَ مِنْ الحُجَجِ البالِغةِ على جَميعِ خَلقِهِ »
.
وعن أنس بن مالك، كما في العقد الفريد وغيره، قال: لمّا فرغنا من دفن رسول اللهصلىاللهعليهوآله
بكت فاطمةعليهاالسلام
ونادت:« يا أبتاه! أجابَ ربّاً دَعاه، يا أبتاه! مِنْ ربِّهُ ما أدناه، يا أبتاه! إلى جِبرَئيل نَنعاهُ، يا أبتاه! جَنّةُ الفِردَوسِ مأواه ».
ولَو أردنا أنْ نستوفي ما كان من هذا القبيل، لخرجنا عن الغرض المقصود.
وحاصله
: أنّ تأبين الموتى من أهل الآثار النافعة، بنشر مناقبهم وذكر مصائبهم، ممّا حكم بحسنه العقل والنّقل،
واستمرّت عليه سيرة السّلف والخلف، وأوجبته قواعد المدنيّة، واقتضته اُصول الترقّي في المعارف؛ إذ به تُحفظ الآثار النافعة، وبالتنافس فيه تعرج الخطباء إلى أوج البلاغة.
والقول بتحريمه يستلزم تحريم قراءة التاريخ وعلم الرجال، بل يستوجب المنع من تلاوة الكتاب والسنَّة؛ لاشتمالهما على جملة من مناقب الأنبياء ومصائبهم، ومَن يرضى لنفسه هذا الحمق أو يختار لها هذا العمى؟! نعوذ بالله من سفه الجاهلين.
المطلب الرابع: في الجلوس حُزناً على الموتى من أهل الحفائظ والأيادي المشكورة
وحسبك في رجحان ذلك، ما تواتر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله
من الحزن الشديد على عمّه أبي طالب، وزوجته الصدِّيقة الكبرى اُمّ المؤمنينعليهماالسلام
، وقد ماتا في عام واحد، فسُمّي: عام الحزن، وهذا معلوم بالضرورة من أخبار الماضين.
وأخرج البخاري في باب مَن جلس عند المصيبة يعرف فيه الحزن، من الجزء الأوّل من صحيحه، بالإسناد إلى عائشة، قالت: لمّا جاء النّبيَّصلىاللهعليهوآله
قتْلُ ابن حارثة وجعفر وابن رواحة، جلس ( أي في المسجد، كما في رواية أبي داود ) يعرف فيه الحزن.
وأخرج البخاري في الباب المذكور أيضاً، عن أنس قال: قنت رسولُ اللهصلىاللهعليهوآله
شهراً حين قُتل القرآء، فما رأيته حزن حزناً قط أشدّ منه...
.
والأخبار في ذلك أكثر من أنْ تُحصى أو تُستقصى.
والقول:
بأنّه إنّما يحسن ترتيب آثار الحزن إذا لَم يتقادم العهد بالمصيبة، مدفوعٌ: بأنّ من الفجائع ما لا تخبو زفرتها ولا تخمد لوعتها، فقرب العهد بها وبعده عنها سواء.
نعم، يتمّ قول هؤلاء اللائمين إذا تلاشى الحزن بمرور الأزمنة، ولم يكُنْ دليلٌ ولا مصلحة يوجبان التعبّد بترتيب آثاره.
وما أحسن قول القائل في هذا المقام:
خلّي اُميمةُ عَنْ مَلا
|
|
مِكِ ما المُعزّى كالثَّكولِ
|
ما الراقدُ الوسنانُ مِثْ
|
|
لُ مُعذَّبِ القلبِ العليلِ
|
____________________
سَهرانُ مِنْ ألمٍ وها
|
|
ذا نائمُ اللَّيلِ الطَّويلِ
|
ذوقِي اُميمةُ ما أذوْ
|
|
قُ وبعدهُ ما شئتِ قولِي
|
على أنّ في ترتيب آثار الحزن بما أصاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله
من تلك الفجائع، وحلّ بساحته من هاتيك القوارع، حكماً توجب التعبّد بترتيب آثار الحزن بسببها على كلّ حال، والأدلّة على ترتيب تلك الآثار في جميع الأعصار متوفّرة، وستسمع اليسير منها إنْ شاء الله تعالى.
وقد علمت سيرة أهل المدينة الطيّبة، واستمرارها على ندب حمزة وبكائه مع بعد العهد بمصيبته، فلم ينكر عليهم في ذلك أحد، حتّى بلغني أنّهم لا يزالوا إلى الآن إذا ناحوا على ميّت بدوا بالنّياحة عليه، وما ذاك إلاّ مواساة لرسول اللهصلىاللهعليهوآله
بمصيبته في عمّه، وأداء لحقّ تلك الكلمة التي قالها في البعث على البكاء عليه، وهي قوله:« ولكِنْ حَمزةَ لا بَواكِي لَه »
.
وكان الأولى لهم ولسائر المسلمين مواساته في الحزن على أهل بيتهعليهمالسلام
، والاقتداء به في البكاء عليهم، وقد لام بعضُ أهل البيتعليهمالسلام
مَنْ لم يواسِهم في ذلك، فقالعليهالسلام
:« يا للهِ
لِقلبٍ لا يَنصدعُ لِتذكارِ تلكَ الاُمورِ! ويا عَجباً مِن غَفلةِ أهلِ الدّهور! وما عذرُ أهلِ الإسلامِ والإيمانِ في إضاعةِ أقسامِ الأحزانِ؟! ألم يعلموا أنّ محمّداً
صلىاللهعليهوآله
موتورٌ وجيعٌ، وحَبيبَهُ مقهورٌ صريعٌ؟!... »
. وقالعليهالسلام
:«... وقَد أصبَحَ لَحمُهُ
صلىاللهعليهوآله
مُجرّداً على الرّمالِ، ودَمُهُ الشّريفُ مَسفوكاً بِسيوفِ أهلِ الضّلالِ، فيا لَيتَ لِفاطمةَ وأبيها عيناً تنظرُ إلى بناتِها وبنيِها، وهُمْ ما بَينَ مَسلوبٍ وجَريحٍ، ومَسحوبٍ وذَبيحٍ... »
. إلى آخر كلامهعليهالسلام
.
ومَن وقف على كلام أئمّة أهل البيتعليهمالسلام
في هذا الشأن، لا يتوقّف في ترتيب آثار الحزن عليهم مدى الدوران، لكنّا منينا بقوم لا ينصفون، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
المطلب الخامس: في الإنفاق على الميّت في وجوه البرّ والإحسان
ويكفي في استحبابه عمومُ ما دلّ على استحباب مطلق المبرّات والخيرات، على أنّ فعل النّبيِّصلىاللهعليهوآله
وقوله دالاّن على الاستحباب في خصوص المقام، وحسبك من فعله: ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحَيهما
بطرق متعدّدة عن عائشة: ما غِرتُ على أحد من نساء النّبيِّصلىاللهعليهوآله
ما غِرتُ على خديجة، وما رأيتها، ولكنْ كان النَّبيُّصلىاللهعليهوآله
يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يُقطّعها أعضاءً ثمّ يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلتُ له: كأنْ لَم يكن في الدُّنيا إلاّ خديجة! فيقولصلىاللهعليهوآله
:« إنّما كانَتْ وكانَ لي مِنها ولدٌ »
.
قلتُ:
وهذا يدلّ على استحباب صلة أصدقاء الميّت
____________________
وأوليائه في الله عزّ وجل بالخصوص.
ويكفيك من قولهصلىاللهعليهوآله
ما أخرجه مسلم في باب وصول ثواب الصدقة عن الميّت إليه، من كتاب الزكاة، في الجزء الأوّل من صحيحه بطرق متعدّدة، عن عائشة: أنّ رجلاً أتى النّبيَّصلىاللهعليهوآله
، فقال: يا رسول الله، إنّ اُمّي افتلتت
نفسها ولَم توصِ، أفلها أجر إنْ تصدّقتُ عنها؟ قالصلىاللهعليهوآله
:« نعَمْ »
.
ومثله:
ما أخرجه أحمد من حديث عبد الله بن عبّاس، في ص٣٣٣ من الجزء الأوّل من مسنده، من أنّ سعد بن عبادة قال: إنّ ابن بكر أخا بني ساعدة تُوفّيت اُمّه وهو غائب عنها، فقال: يا رسول الله، إنّ اُمّي تُوفّيتْ وأنا غائب عنها، فهل ينفعها إن تصدقتُ بشيء عنها؟ قال:« نعَمْ »
. قال: فإنّي اُشهدك أنّ حائطَ المخرف صدقة عليها.
والأخبار في ذلك متضافرة، ولا سيّما من طريق العترة الطاهرةعليهمالسلام
.
____________________
فصلٌ: مآتمنا المختصّة بسيّد الشهداءعليهالسلام
كلّ مَن وقف على ما سلف من هذه المُقدّمة، يعلم أنّه لا وجه للإنكار علينا في مآتمنا المختصّة بسيّد الشهداءعليهالسلام
؛ ضرورة أنّه لا تشتمل إلاّ على تلك المطالب الخمسة، وقد عرفت إباحتها بالنّسبة إلى مطلق الموتى من كافّة المؤمنين.
وما أدري كيف يستنكرون مآتم انعقدت لمواساة
النّبيِّصلىاللهعليهوآله
، واُسّست على الحزن لحزنه؟! أيبكي - بأبي هو واُمّي - قبل الفاجعة، ونحن لا نبكي بعدها؟! ما هذا شأن المتأسّي بنبيّه والمقتصّ لأثره، إنّ هذا إلاّ خروج عن قواعد المتأسّين، بل عدول عن سنن النّبيِّين.
بكاء النَّبيِّصلىاللهعليهوآله
على الحسينعليهالسلام
في مصادر العامّة:
ألم يروِ الإمام أحمد بن حنبل من حديث عليٍّعليهالسلام
في مسنده ١ / ٨٥، بالإسناد إلى عبد الله بن نجا عن أبيه: أنّه سار مع عليٍّعليهالسلام
، فلمّا حاذى نينوى، وهو منطلق إلى صفين، نادى:« صَبراً أبا عبدِ اللهِ، صبراً أبا عبدِ اللهِ بِشطِّ الفُرات »
. قال: قلتُ: وما ذاك؟ قالعليهالسلام
:« دَخلتُ على رسولِ اللهِ
صلىاللهعليهوآله
ذاتَ يومٍ وعيناهُ تفيضان، قلتُ: يا نبيَّ اللهِ، ما شأنُ عينَيكَ تفيضان؟ قال: قامَ من عندِي جبرئيلُ قبلُ، فحدّثني أنّ ولدِي الحُسينَ يُقتل بشطِّ الفُراتِ. قال: فقال: هل لك إلى أنْ أشمّكَ مِنْ تُربتِهِ؟ قال: قلتُ: نعمْ. فمدَّ يدَهُ فقَبضَ قبضةً مِن تُرابٍ
فأعطانيهِ، فلَمْ أملك عَينَيَّ إنْ فاضتا »
.
وأخرج ابن سعد، كما في الفصل الثالث من الباب الحادي عشر من الصواعق المحرقة لابن حجر
، عن الشعبي، قال: مرّ عليٌّرضياللهعنه
بكربلاء عند مسيره إلى صفين، وحاذى نينوى، فوقف وسأل عن اسم الأرض، فقيل: كربلاء. فبكى حتّى بلّ الأرض من دموعه، ثمّ قال:« دَخلتُ على رسولِ اللهِ
صلىاللهعليهوآله
وهو يبكِي، فقلتُ: ما يُبكيك - بأبي أنت واُمّي -؟ قال: كانَ عندي جِبرائيلُ آنفاً، وأخبرني أنّ ولديَ الحسينَ يُقتلُ بشاطئِ الفُراتِ، بمَوضعٍ يُقال لَهُ كربَلاء »
.
____________________
وأخرج الملاّ، كما في الصواعق
أيضاً: أنّ عليّاً مرّ بموضع قبر الحسينعليهماالسلام
، فقال:« ها هُنا مناخُ ركابِهمْ، وها هُنا موضِعُ رحالِهمْ، وها هُنا مِهراق دِمائِهمْ؛ فتيةٌ مِن آلِ مُحمّدٍ يُقتلون بهذهِ العرصة، تبكِي عليهم السّماءُ والأرضُ »
.
ومن حديث اُمّ سلمة، كما نصّ عليه ابن عبد ربّه المالكي
، حيث ذكر مقتل الحسينعليهالسلام
في الجزء الثاني من العقد الفريد، قالت: كان عندي النّبيُّصلىاللهعليهوآله
، ومعي الحسينعليهالسلام
، فدنا من النّبيِّصلىاللهعليهوآله
، فأخذته فبكى فتركته،
____________________
فدنا منهصلىاللهعليهوآله
، فأخذته فبكى فتركته، فقال له جبرئيل: أتحبّهُ يا محمّد؟ قال:« نَعَم »
. قال: أما إنّ اُمّتك ستقتله، وإنْ شئتَ أريتك الأرض التي يُقتل بها. فبكى النّبيُّصلىاللهعليهوآله
.
وروى الماوردي الشافعي - في باب إنذار النّبيِّصلىاللهعليهوآله
بما سيحدث بعده
، من كتابه أعلام النبوّة - عن عروة، عن عائشة، قالت: دخل الحسينُ بن عليٍّ على رسول اللهصلىاللهعليهوآله
وهو يوحى إليه، فقال جبرائيل: إنّ اُمّتك ستفتتن بعدك وتقتل ابنك هذا من بعدك. ومدّ يده فأتاه بتربة بيضاء، وقال: في هذه يُقتل ابنك، اسمها الطفِّ. قال: فلمّا ذهب جبرائيل، خرج رسول اللهصلىاللهعليهوآله
إلى أصحابه والتربة بيده، وفيهم: أبو بكر وعمر، وعليٌّعليهالسلام
وحذيفة، وعثمان وأبو ذر، وهو يبكي، فقالوا: ما يُبكيك يا رسول الله؟ فقال:« أخبَرني جِبرائيلُ: أنّ ابني الحسَينَ يُقتل بَعدي
____________________
بأرضِ الطَّفِّ، وجاءني بِهذهِ التُّربةِ، فأخبَرَنِي أنّ فيها مَضجَعهُ »
.
وأخرج الترمذي، كما في الصواعق وغيرها: أنّ اُمّ سلمة رأت النّبيَّصلىاللهعليهوآله
، فيما يراه النائم، باكياً وبرأسه ولحيته التراب، فسألته، فقالصلىاللهعليهوآله
:« قُتلَ الحُسينُ آنفاً »
.
قال في الصواعق: وكذلك رآه ابن عبّاس نصف النّهار أشعثاً أغبراً، بيده قارورة فيها دم يلتقطه، فسأله، فقالصلىاللهعليهوآله
:« دَمُ الحُسينِ وأصحابِهِ، لَم أزَلْ أتتبّعه مُنذُ اليومِ »
. قال: فنظروا فوجدوه قد قُتل في ذلك اليوم
.
____________________
بكاء النّبيِّصلىاللهعليهوآله
على الحسينعليهالسلام
في مصادر الشيعة:
وأمّا صحاحنا، فإنّها متواترة في بكائهصلىاللهعليهوآله
على الحسينعليهالسلام
في مقامات عديدة: يوم ولادته وقبله، ويوم السّابع من مولده، وبعده في بيت فاطمة، وفي حجرته،
وعلى منبره، وفي بعض أسفاره.
تارة يبكيه وحده، يُقبّله في نحره ويبكي، ويُقبّله في شفتَيه ويبكي، وإذا رآه فَرِحاً يبكي، وإذا رآه حَزِناً يبكي؛ بل صحّ أنّه قد بكاه: آدم ونوح، وإبراهيم وإسماعيل، وموسى وعيسى، وزكريّا ويحيى، والخضر وسليمانعليهمالسلام
. وتفصيل ذلك كلّه موكول إلى مظانّه من كتب الحديث
.
إقامة الأئمّةعليهمالسلام
المأتم على الحسينعليهالسلام
وحث أولياؤهم على ذلك
وأمّا أئمّة العترة الطاهرةعليهمالسلام
الذين هم كسفينة نوح، وباب حطّة،
____________________
وأمان أهل الأرض، وأحد الثقلين اللذين لا يضلّ مَن تمسّك بهما ولا يهتدي إلى الله من صدّ عنهما، فقد استمرّت سيرتهم على النّدب والعويل، وأمروا أولياءهم بإقامة مآتم الحزن، جيلاً بعد جيل.
فعن الصادقعليهالسلام
، فيما رواه ابن قولويه في الكامل، وابن شهر آشوب في المناقب وغيرهما:« إنَّ عليَّ بنَ الحسين
عليهماالسلام
بكى على أبيهِ مُدّةَ حياتِهِ، وما وُضِعَ بَينَ يدَيهِ طعامٌ إلاّ بكى، ولا اُتِيَ بشرابٍ إلاّ بكى حتّى قال له أحدُ مواليه: جُعلتُ فِداك يابن رسولِ الله، إنّي أخافُ أنْ تكون مِنَ الهالكين »
. قالعليهالسلام
:« إنّما أشكو بثِّي وحُزني إلى الله، وأعلمُ مِن اللهِ ما لا تَعلمونَ »
.
وروى ابن قولويه وابن شهر آشوب أيضاً وغيرهما: أنّه لمّا كثر بكاؤه، قال له مولاه: أما آنَ لحُزنك أنْ ينقضي؟ فقال:« وَيحَك! إنّ يعقوبَ
عليهالسلام
كانَ لَه اثنا عَشرَ وَلداً، فَغيّبَ اللهُ واحداً مِنهُمْ فابيضّتْ عَيناهُ مِنْ كثرةِ بُكائِهِ عليهِ، واحدَودَب ظهرُه مِن الغَمِّ، وابنُه حَيٌّ في الدُّنيا، وأنا نَظرتُ
إلى أبي وأخي، وعمومَتي وسبعةَ عشرَ مِن أهلِ بَيتي
مقتولين حَولي، فَكيف ينقَضي حُزني؟! »
.
وعن الباقرعليهالسلام
قال:« كانَ أبي عليُّ بنُ الحسينِ (صَلواتُ اللهِ عليهِ) يقول: أيّما مُؤمنٍ دَمعتْ عَيناه لِقتلِ الحسين بن عليٍّ
عليهالسلام
دَمعةً حتّى تسيلُ على خَدّه، بوّأه اللهُ تعالى في الجنّةِ غُرفاً يسكنها أحقاباً.
وأيّما مُؤمنٍ دَمعتْ عَيناه حتّى تَسيلَ على خدِّه فينا، لأذىً مَسّنا مِن عدوِّنا في الدُّنيا، بوّأه الله في الجنَّة مبوّأ صِدقٍ، وأيّما مُؤمنٍ مَسّهُ أذىً فينا فدمعت عيناه حتّى تسيلَ على خدِّه صرفَ اللهُ عن وجههِ الأذى، وآمنَهُ يومَ القيامةِ مِن سخطهِ والنّارِ »
.
وقال الرضاعليهالسلام
، وهو الثامن من أئمّة الهدى (صلوات الله وسلامه عليهم):« إنّ المُحرّمَ شهرٌ كان أهلُ الجاهليّة يُحرّمونَ فيه القتالَ، فاستُحلَّتْ فيه دِماؤنَا، وهُتكتْ فيه حُرمتُنَا،
____________________
وسُبيتْ فيه ذرارينَا ونساؤنَا، واُضرِمتْ فيه النّارُ في مَضارِبنَا، وانتُهبَ ما فيها مِن ثقلِنا
، ولَمْ ترعَ لرسول الله
صلىاللهعليهوآله
حُرمةٌ في أمرِنا.
إنّ يومَ الحُسينِ أقرحَ جفونَنا، وأسبلَ دموعَنا، وأذلّ عزيزَنا.... فَعلى مثلِ الحسينِ فليبكِ الباكون؛ فإنّ البكاءَ عليه يحطّ الذنوبَ العِظام ».
ثمّ قالعليهالسلام
:« كانَ أبي إذا دخلَ شهرُ المُحرّمِ، لا يُرى ضاحِكاً، وكانت الكآبةُ تغلبُ عليه حتّى يمضي منه عشرةُ أيّام، فإذا كانَ يوم العاشرِ كانَ ذلك اليوم يومَ مصيبتِهِ وحُزنِهِ وبُكائِهِ »
. وقالعليهالسلام
:« مَنْ تذكَّرَ مُصابَنا وبكى لِما ارتُكِبَ منّا، كانَ معنا في درجتِنَا يومَ القيامةِ، ومَن ذكَر مُصابَنَا فَبكى
____________________
وأبكى، لَم تبكِ عينُهُ يومَ تبكي العيونُ، ومَنْ جَلَس مَجلِساً يُحيَى فيهِ أمرُنا، لَم يمُتْ قلبُهُ يومَ تموتُ القلوبُ »
.
وعن الريّان بن شبيب، فيما أخرجه الشيخ الصدوق في العيون، قال: دخلتُ على الرِّضاعليهالسلام
في أوّل يوم من المُحرّم، فقال لي:« يابنَ شَبيب، إنّ المُحرّمَ هو الشّهرُ الذي كانَ أهلُ الجاهليّةِ فيما مَضى يُحرّمون فيهِ الظُّلمَ والقِتالَ لِحُرمَتِهِ، فَما عرفتْ هذه الاُمّةُ حُرمةَ شهرِها، ولا حُرمَةَ نبيِّها
صلىاللهعليهوآله
; إذ قَتلوا في هذا الشَّهرِ ذُرِّيَّتهُ، وسَبَوا نساءَه، وانتهبُوا ثِقلَهُ... يابنَ شَبيب، إنْ كُنتَ باكِياً لِشيءٍ فابكِ لِلحسينِ
عليهالسلام
؛ فإنّه ذُبِحَ كما يُذبَحُ الكَبشُ
،وقُتِل معه مِن أهلِ بيتهِ
____________________
ثمانيةَ عشرَ رجلاً، ما لَهُمْ في الأرضِ مِنْ شَبيهٍ، ولَقد بَكتْ السّماواتُ السَّبع لِقتلِه... »
.
إلى أنْ قال:« يابنَ شَبيب، إنْ سَرّكَ أنْ تكونَ معنا في الدَّرجاتِ العُلا من الجنانِ، فاحزَنْ لِحُزنِنا وافرَحْ لِفَرحِنا، وعليكَ بولايَتِنا... »
.
وقالعليهالسلام
، فيما أخرجه الصدوق في أماليه:« مَن تَركَ السَّعيَ في حوائِجِهِ يومَ عاشوراء قضَى اللهُ لهُ حوائجَ الدُّنيا والآخِرةِ، ومَن كانَ يومُ عاشوراء يومَ مُصيبَتِهِ وحُزنِهِ وبُكائِهِ،
____________________
جعلَ اللهُ عزّ وجل يومَ القيامةِ يومَ فَرحِهِ وسرورِهِ وقرّت بنا في الجنانِ عينُه... »
.
وبكى (صلوات الله عليه) إذ أنشده دعبل بن عليٍّ الخُزاعي قصيدته التائيّة السائرة، التي اُغمي عليه في أثنائها مرّتين، كما نصّ عليه الفاضل العبّاسي في ترجمة دعبل من معاهد التنصيص، وغيره من أهل الأخبار.
وفي البحار وغيره: أنّهعليهالسلام
أمر - قبل إنشادها - بسترٍ فضُرب دون عقائله، فجلسنَ خلفه يسمعن الرثاء ويبكينَ على جدّهن سيد الشهداءعليهالسلام
، وأنّه قال يومئذ:« يا دِعبلُ، مَن بَكى أو أبكَى على مُصابِنا ولَو واحداً كانَ أجرُهُ على اللهِ. يا دعبلُ، مَنْ ذرفتْ عَيناهُ على مُصابِنا حشرَه اللهُ مَعنا ».
وحدّث محمّد بن سهل، كما في ترجمة الكميت من معاهد التنصيص، قال: دخلت مع الكميت على أبي عبد الله
____________________
جعفر بن محمّد الصّادقعليهالسلام
في أيّام التشريق، فقال له: جُعلت فداك! ألا أنشدك؟ قال:« إنّها أيّامٌ عِظام »
. قال: إنّها فيكم. قالعليهالسلام
:« هاتْ »
. وبعث أبو عبد الله إلى بعض أهله فقرب، فأنشده، في رثاء الحسينعليهالسلام
، فكثر البكاء حتّى أتى على هذا البيت:
يُصيبُ به الرَّامُونَ عَنْ قَوسِ غَيرِهِمْ
|
|
فَيَا آخِراً أسدَّى له الغَيَّ أوَّلُ
|
قال: فرفع أبو عبد اللهعليهالسلام
يدَيهِ، فقال:« اللهمّ، اغفِرْ للكُميتْ ما قدَّمَ وما أخّرَ، وما أسرَّ وما أعلنَ حتّى يَرضَى »
.
____________________
بَنى لَهُمُ الماضونَ آساسَ هَذِهِ
|
|
فَعَلّوا عَلى آساسِ تِلكَ القَواعِدِ
|
وفي كامل الزيارات بالإسناد إلى عبد الله بن غالب، قال: دخلتُ على أبي عبد اللهعليهالسلام
فأنشدتُه مرثيّة للحسينعليهالسلام
، فلمّا انتهيتُ إلى قولي:
لبليّة تسقو حُسيناً
|
|
بمسقاةِ الثَّرى غير التُّرابِ
|
صاحت باكية من وراء الستر: يا أبتاه!
.
____________________
وروى الصدوق في الأمالي وثواب الأعمال، وابن قولَويه، بأسانيد معتبرة عن أبي عمارة، قال: قال لي أبو عبد اللهعليهالسلام
:« يا أبا عُمارة، أنشِدْني في الحسين
عليهالسلام
»
. فأنشدته فبكى، ثمّ أنشدته فبكى. قال: فو الله. ما زِلتُ أنشده وهو يبكي حتّى سمعت البكاء من الدار. قال: فقال لي:« يا أبا عُمارة، مَن أنشدَ في الحسينِ بن عليٍّ
عليهماالسلام
فأبكى خمسينَ فلَهُ الجنّة، ومَن أنشدَ في الحسينِ فأبكى ثلاثينَ فلَه الجنّة، ومَن أنشدَ في الحسينِ فأبكى عشرينَ فله الجنّة، ومَن أنشدَ في الحسينِ فأبكى عشرةً فله الجنّة، ومَن أنشدَ في الحسينِ فأبكى واحداً فله الجنّة، ومَن أنشدَ في الحسينِ فبكى فَلَهُ الجنّة، ومَن أنشدَ في الحسينِ فتباكى فلَه الجنّة »
.
____________________
وروى الصدوق في ثواب الأعمال بالإسناد إلى هارون المكفوف، قال: دخلتُ على أبي عبد الله الصادقعليهالسلام
، فقال لي:« يا أبا هارونَ، أنشِدْني في الحسين
عليهالسلام
»
. فأنشدته، فقال لي:« أنشِدْني كما تُنشدونَ »
- يعني بالرقّة -. قال: فأنشدته:
اُمرُرْ على جَدثِ الحُسيـْ
|
|
ـنِ فقُلْ لأعظُمِهِ الزَّكيّهْ
|
قال: فبكى، ثمّ قال:« زدني »
. فأنشدته القصيدة الاُخرى. قال: فبكى، وسمعتُ البكاء من خلف السّتر. قال: فلمّا فرغت، قال:« يا أبا هارونَ، مَن أنشدَ في الحُسينِ فبكَى وأبكَى عشرةً كُتبتْ لهُمْ الجنّة...
إلى أنْ قال:ومَن ذُكر الحسينُ عندَه فخرجَ مِنْ عَينَيهِ مِنَ الدَّمعِ مقدارُ جناحِ ذبابةٍ، كانَ ثوابُهُ على اللهِ عزّ وجل،
ولم يرضَ له بدونِ الجنّةِ »
.
____________________
وروى الكشِّي بسند معتبر عن زيد الشحّام، قال: كنّا عند أبي عبد اللهعليهالسلام
، فدخل عليه جعفر بن عثمان، فقرّبه وأدناه، ثمّ قال:« يا جعفر »
. قال: لبّيك، جعلني الله فداك. قال:« بلَغنِي أنّكَ تقولُ الشّعرَ في الحُسينِ
عليهالسلام
وتُجيدُ »
. فقال له: نعم، جعلني الله فداك. قال:« قُلْ »
. فأنشدته، فبكى ومَن حوله حتّى صارت الدموع على وجهه ولحيته، ثمّ قال:« يا جعفرُ، واللهِ، لقد شهَدتْ الملائكةُ المُقرَّبونَ ها هُنا يسمعون قولَك في الحسينِ
عليهالسلام
، ولقد بكَوا كَما بَكينا وأكثر
... إلى أنْ قال:ما مِن أحدٍ قالَ في الحُسينِ شعراً فبكَى وأبكَى بهِ إلاّ أوجب اللهُ لَه الجنّةَ، وغَفَرَ لَهُ »
.
وروى ابن قولويه في الكامل بسند معتبر حديثاً عن الصادقعليهالسلام
جاء فيه:« وكانَ جدّي عليُّ بنُ الحُسينِ
عليهماالسلام
إذا ذكرَه
( يعني: الحسينعليهالسلام
)بَكى حتّى تملأ عيناه لحيته، وحتّى يبكي لِبكائِهِ - رَحمةً لَه - مَنْ رآه، وأنّ الملائِكَةَ
____________________
الذين عند قبرِهِ لَيبكون فيبكي لِبكائِهمْ كُلُّ مَن في الهواء والسّماء. وما مِن باكٍ يبكيه إلاّ وقد وصلَ فاطمةَ وأسعدَها، ووصلَ رسولَ الله
صلىاللهعليهوآله
وأدّى حقّنا... »
.
وفي قرب الإسناد عن بكر بن محمّد الأزدي، قال: قال أبو عبد الله الصادقعليهالسلام
لفضيل بن يسار:« أتجلسون وتُحدّثون؟ »
. قال: نعم، جعلتُ فداك. قالعليهالسلام
:« إنّ تلكَ المجالِسَ اُحبُّها، فأحيوا أمرَنا؛ فرَحمَ اللهُ مَن أحيا أمرَنا. يا فُضيلُ، مَن ذَكَرَنا أو ذُكِرْنا عندهُ فخرجَ مِن عَينِهِ مثلُ جناحِ الذُّباب غفرَ اللهُ له ذنوبَه »
.
وفي خصال الصدوق، عن أمير المؤمنينعليهالسلام
، قال:« إنّ اللهَ تبارَك وتعالى اطّلَعَ إلى الأرضِ فاختارَنا، واختارَ لَنا شيعةً يَنصرونَنا، ويفرحونَ لِفَرَحِنا، ويَحزَنونَ لِحُزنِنا، ويَبذلون أموالَهُمْ وأنفُسَهمْ فِينا، أُولئِكَ مِنّا وإلَينا »
.
وفي كامل الزيارات بالإسناد إلى أبي عمارة المنشد، قال: ما ذُكر الحسينُعليهالسلام
عند أبي عبد الله الصادقعليهالسلام
في يوم قط فرؤيَ مُتبسِّماً في ذلك اليوم إلى الليل.
قال: وكان أبو عبد اللهعليهالسلام
يقول:« الحسينُ
عليهالسلام
عَبرَةُ كُلِّ مُؤمنٍ »
.
وفيه بالإسناد إلى الصادقعليهالسلام
، قال:« قال الحسينُ
عليهالسلام
: أنا قتيلُ العَبرَة، لا يَذكُرنِي مُؤمِنٌ إلاّ استعبَرَ »
.
إلى غير ذلك من صحاح الأخبار المتواترة عن الأئمّة الأبرارعليهمالسلام
.
حجّية أقوال الأئمّةعليهمالسلام
في رجحان إقامة المأتم
وناهيك بها حجّة على رجحان هذه المآتم، واستحبابها شرعاً؛ فإنّ أقوالَ أئمّة الهدى من أهل البيتعليهمالسلام
وأفعالَهم وتقريرَهم حجّةٌ بالغة؛ لوجوب عصمتهم بحكم العقل والنقل، كما هو مُقرّر في مظانه من كتب المتكلّمين من أصحابنا، والتفصيل في كتابنا ( سبيل المؤمنين ).
____________________
كامل الزيارات / ١٠٨، وراجع: بحار الأنوار ٤٤ / ٢٨٠.
(٢) كامل الزيارات / ١٠٨، وراجع: بحار الأنوار ٤٤ / ٢٨٤.
(٣) راجع: بحار الأنوار ٤٤ / ٢٧٨ - ٢٩٦، الباب الرابع والثلاثون.
على أنّ الاقتداء بهم في هذه المآتم وغيرها لا يتوقّف عند الخصم على عصمتهم، بل يكفينا فيه ما اتّفقت عليه الكلمة من إمامتهم في الفتوى، وأنّهم في أنفسهم لا يقصرون عن الفقهاء الأربعة والثوري والأوزاعي وأضرابهم علماً ولا عملاً.
وأنت تعلم أنّ هذه المآتم لَو ثبتت عن أبي حنيفة أو صاحبَيه أبي يوسف والشيباني مثلاً، لاستبق الخصم إليها وعكف أيّام حياته عليها، فلِمَ ينكرها علينا ويندّد بها بعد ثبوتها عن أئمّة أهل البيت يا منصفون؟!
أتراه يرى في أئمّة الثقلين أمراً يقتضي الإعراض عنهم، أو يجد فيهم شيئاً يستوجب الإنكار على الآخذين بمذهبهم، أو أنّ هناك أدلّة خاصّة تقصر الإمامة في الفتوى على أئمّة خصومنا ولا تبيح الرجوع إلى غيرهم، كلاّ إنّ واقع الأمر وحقيقة الحال بالعكس.
حديث الثقلين
هذا حديث الثقلين المجمع على صحّته واستفاضته،
قد أنزل العترة منزلة الكتاب، وجعلها قدوةً لاُولي الألباب، فراجعه:
في باب فضائل عليعليهالسلام
من صحيح مسلم. أو في الجمع بين الصحيحين. أو الجمع بين الصحاح الستّة. أو في حديث أبي سعيد الخدري من مسند أحمد بن حنبل. أو خصائص عليعليهالسلام
للإمام النّسائي. أو في تفسيري الثعلبي والبيهقي. أو في حلية الحافظ الأصفهاني. أو كتب الحاكم والطبراني وغيرها من كتب الحديث
.
____________________
.............................................................................
____________________
.............................................................................
____________________
وأنا أورده لك بلفظ الترمذي
بحذف الإسناد: قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله
:« إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر:
____________________
كتاب الله عزّ وجلّ حبل ممدود من السّماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولَن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما »
.
وقد زاد الطبراني:« فلا تقدّموهما فتهلكوا، ولا تقصّروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم »
.
قلتُ: لا يخفى أنّ تعليق عدم الضلال على التمسّك بهما يقتضي بحكم المفهوم ثبوت الضلال لِمَن تخلّى عن أحدهما، وناهيك به في وجوب اتّباع العترة والانقطاع في الدّين إليها وإلى القرآن العزيز.
على أنّ اقترانهم بالكتاب وهو معصوم، وجعلهم في وجوب التمسّك بهم مثله، دليل قاطع على حجّية أقوالهم وأفعالهم، وأنّ الرجوع في الدِّين إلى خلافهم ليس إلاّ كتَرك القرآن والرجوع إلى كتاب يخالف أحكامه.
____________________
ولا تنس دلالة قولهصلىاللهعليهوآله
:« ولَن يَفتَرِقا »
على عدم خلوّ الزمان ممَّن يفرغ منهم عن القرآن والقرآن يفرغ عنه
.
ثمّ إنّ قوله:« فلا تقدّموهم فتهلكوا، ولا تقصّروا عنهم فتهلكوا، ولا تعلِّموهم فإنَّهم أعلم مِنكم »،
نصّ صريح فيما قلناه، كما لا يخفى.
نظائر حديث الثقلين
وكم لهذا الحديث من نظير في الدلالة على وجوب
____________________
الاقتداء بالعترة الطاهرة أو المنع من مخالفتها، نستلفت الباحثين إلى ما أخرجناه من ذلك في مبحث العصمة من سبيل المؤمنين.
وحسبك منه ما أخرجه الحاكم بسند صحّحه على شرط البخاري ومسلم
عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله
، قال من جملة حديث:« وأهلُ بَيتي أمانٌ لاُمّتي مِن الاختلافِ، فإذا خالَفَتها قبيلةٌ مِن العَرَبِ
[ في بعض أحكام الدِّين ]اختلَفوا
[ في فتاويهم ]فصاروا حِزبَ إبليس »
.
أليس هذا نصّاً في وجوب اتّباعهم، وحرمة مخالفتهم، وهل في لغة العرب أو غيرها عبارة أبلغ منه في إنذار مخالفيهم؟!
____________________
وأخرج أحمد بن حنبل وغيره
بالإسناد إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله
قال:« النّجومُ أمانٌ لأهلَ السَّماء، فإذا ذهبتْ ذهبوا، وأهلُ بَيتي أمانٌ لأهلِ الأرضِ، فإذا ذهبَ أهلُ بَيتي ذهبَ أهلُ الأرضِ »
. وفي رواية:« فإذا هلكَ أهلُ بيتي جاء أهلَ الأرضِ مِن الآياتِ ما كانوا يوعَدون »
. وفي هذا المعنى صحاح متضافرة من طريق العترة الطاهرة، ومتى كانوا أماناً لأهل الأرض، فكيف يستبدل بهم، وأنّى يعدل عنهم؟!
حديث السّفينة
وجاء من طرق عديدة يقوي بعضها بعضاً - كذا قال ابن حجر
____________________
: أنّهصلىاللهعليهوآله
قال:« إنّما مَثَل أهل بيتي فيكم كمَثَلِ سفينة نوح، مَن رَكِبها نجا »
. قال ابن حجر: وفي رواية مسلم:« ومَن تخلّف عنها غرِق »
. قال: وفي رواية:« هلك ». و « إنّما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطّة في بني إسرائيل، مَن دخله غُفر له »
. قال: وفي رواية:« غُفر له الذنوب »
.
ولا يخفى أنّ المراد من تمثيلهم بسفينة نوح إنّما هو إلزام الاُمّة باتّباع طريقتهم والتمسّك بالعروة الوثقى من ولايتهم، وليس المراد من النّجاة بذلك إلاّ رضوان الله عزّ وجلّ والجنّة، كما أنّ المراد بغرق المتخلّفين عنهم أو
____________________
هلاكهم إنّما هو سخط الله سبحانه والنّار.
والمراد من تمثيلهم بباب حطّة إنّما هو بعث الاُمّة على التواضع لله عزّ وجلّ بالاقتداء بهم والاستسلام لأوامرهم ونواهيهم، وهذا كلّه ظاهر كما ترى.
قال ابن حجر، بعد إيراد هذه الأحاديث في تفسير الآية السّابعة من الآيات التي أوردها في الفصل الأوّل من الباب الحادي عشر من الصواعق ما هذا لفظه: ووجه تشبيههم بـ ( السّفينة ) فيما مرّ، أنّ مَن أحبّهم وعظّمهم شكراً لنعمة مشرفهمصلىاللهعليهوآله
وأخذ بهدي علمائهم نجا من ظلمة المخالفات، ومَن تخلّف عن ذلك غرق في بحر كفر النِّعَم وهلك في مفاوز الطغيان، إلى أنْ قال: و بـ ( باب حطّة ) يعني ووجه تشبيههم بـ ( باب حطّة ) أنّ الله تعالى جعل دخول ذلك الباب الذي هو باب أريحا أو بيت المَقدِس مع التواضع والاستغفار سبباً للمغفرة، وجعل لهذه الاُمّة مودّة أهل البيتعليهمالسلام
سبباً لها. إلى آخر كلامه
.
____________________
ولَو أردنا استيفاء ما جاء من الصحاح الستّة في وجوب اتّباع أئمّة أهل البيتعليهمالسلام
، والانقطاع في الدين إليهم عن العالمين، لطال المقام وخرجنا عن موضوع هذه المُقدّمة.
سيرة أئمّة الهدىعليهمالسلام
القطعيّة في إقامة المأتم
وحاصله: أنّ مآتمنا - بما فيها من الجلوس بعنوان الحزن على مصائب أهل البيت، والانفاق عنهم في وجوه البرّ، وتلاوة رثائهم ومناقبهم، والبكاء رحمة لهم - سيرة قطعيّة قد استمرّت عليها أئمّة الهدى من أهل البيتعليهمالسلام
، وأمروا بها أولياءهم على مرّ الليالي والأيّام، فورثناها منهم، وثابرنا عليها، عملاً بما هو المأثور عنهم.
فكيف والحال هذه تنكرونها علينا وتقولون فيها ما تقولون؟ والله يعلم أنّها ليست كما تظنّون.
نوح الجن ورثاء الطير وبكاء الوحش...
دَع بكاء الأنبياء والأوصياء، ودَع عنك ما كان من ملائكة السّماء، وقُل لي: هل جهلت نوح الجنّ في طبقاتها،
ورثاء الطير في وكناتها، وبكاء الوحش في فلَواتها، ورسيس حيتان البحر في غمراتها؟
وهل نسيت الشمس وكسوفها، والنّجوم وخسوفها، والأرض وزلزالها، وتلك الفجائع وأهوالها؟
أم هل ذهلت عن الأحجار ودمائها، والأشجار وبكائها، والآفاق وغبرتها، والسّماء وحمرتها، وقارورة اُمّ سلمة وحصياتها
، وتلك السّاعة وآياتها؟
____________________
ألم يرَو الملاّ عن اُمّ سلمة كما في الصواعق
وغيرها: أنّها قالت: سمعتُ نَوح الجنّ على الحسينعليهالسلام
وروى ابن سعد
، كما في الصواعق أيضاً، أنّها بكت حينئذ حتّى غشي عليها.
وأخرج أبو نعيم الحافظ في الدلائل عنها، كما نقله
____________________
السّيوطي
قالت: سمعت الجنّ تبكي على الحسينعليهالسلام
وتنوح عليه.
وأخرج ثعلب في أماليه، كما في تاريخ الخلفاء أيضاً عن أبي خباب الكلبي، قال: أتيت كربلاء، فقلتُ لرجل من أشراف العرب: أخبرني بما بلغني أنّكم تسمعونه من نَوح الجنِّ؟ فقال: ما تلقى أحداً إلاّ أخبرك أنّه سمع ذلك. قال: فأخبرني بما سمعت أنت؟ قال سمعتهم يقولون:
مسح الرسول جبينه
|
|
فله بريق في الخدود
|
أبواه من عليا قريش
|
|
وجدّه خير الجدود
|
وأخرج أبو نعيم الحافظ في كتابه دلائل النبوّة عن نصرة الأزديّة قالت: لما قُتل الحسين بن عليعليهالسلام
أمطرت السّماء دماً، فأصبحنا وحبابنا وجرارنا مملوءة دماً
.
قال ابن حجر، بعد إيراده في الصواعق: وكذا رُوي في أحاديث غير هذه.
____________________
قال: وممّا ظهر يوم قتله من الآيات أيضاً: أنّ السّماء اسودّت اسوداداً عظيماً حتّى رؤيت النّجوم نهاراً. قال: ولَم يُرفع حجر إلاّ وُجِد تحته دم عبيط
.
وأخرج أبو الشيخ، كما في الصواعق أيضاً: أنّ السّماء احمرّت لقتلهعليهالسلام
، وانكسفت الشمس حتّى بدت الكواكب نصف النّهار، وظنّ النّاس أنّ القيامة قد قامت. قال: ولَم يُرفع حجر في الشام إلاّ رُؤي تحته دم عبيط
.
وأخرج عثمان بن أبي شيبة، كما في الصواعق وغيرها: أنّ الشمس مكثت بعد قتلهعليهالسلام
سبعة أيّام ترى على الحيطان كأنها ملاحف معصفرة من شدة حمرتها، وضربت الكواكب بعضها بعضاً
. قال في الصواعق: ونقل ابن الجوزي عن ابن سيرين:
____________________
أنّ الدُّنيا اظلمّت ثلاثة أيّام، ثمّ ظهرت الحُمرة في السّماء. قال: وقال أبو سعيد: ما رُفع حجر من الدُّنيا إلاّ وُجِد تحته دم عبيط، ولقد مطرت السّماء دماً بقي أثره في الثياب مدّة حتّى تقطّعت. قال: وأخرج الثعلبي: أنّ السّماء بكت وبكاؤها حمرتها، وقال غيره: احمرّت آفاق السّماء ستّة أشهر بعد قتله، ثمّ لا زالت الحمرة ترى بعد ذلك، وأنّ ابن سيرين قال: أخبرنا أنّ الحُمرة التي مع الشفق لَم تكن قبل قتْلِ الحسينعليهالسلام
، قال: وذكر ابن سعد: أنّ هذه الحمرة لَم تُرَ في السّماء قبل قتْلِه
. إلى آخر ماهو مذكور في كتب السُنّة، ممّا يدلّك على انقلاب الكَون بمقتلهعليهالسلام
، وأنّه قد بكته السّماء وصخور الأرض دماً
.
____________________
ولَو فرض خصمنا جاهلاً بما في تلك الكتب ممّا سمعت بعضه، فهل يجهل ما قام به ابن نباتة خطيباً على أعواده،
____________________
وتركه سنّة لخطباء المسلمين في الجمعة الثانية من المحرّم في كلّ سنة، وإليك ما اشتملت عليه تلك الخطبة بعين لفظه:
قال: بكت لِمَوته الأرض والسّماوات، وأمطرت دماً، وأظلمت الأفلاك من الكسوف، واشتدّ سواد السّماء، ودام ذلك ثلاث أيّام، والكواكب في أفلاكها تتهافت، وعظمت الأهوال حتّى ظنّ أنّ القيامة قد قامت. قال: كيف لا وهو ابن السيّدة فاطمة الزهراء، وسبط سيّد الخلائق دنياً وآخرة، وكان (عليه الصلاة والسّلام) من حبّه في الحسين يقبّل شفتَيه، ويحمله كثيراً على كتفَيه، فكيف لو رآه ملقىً على جنبَيه، شديد العطش والماء بين يدَيه، وأطفاله يصيحون بالبكاء عليه؟! لصاح (عليه الصلاة والسّلام)، وخرّ مغشياً عليه.
قال: فتأسّفوا - رحمكم الله - على هذا السّبط السّعيد الشهيد، وتسلّوا بما أصابه عمّا سلف لكم من موت الأحرار والعبيد، واتّقوا الله حقّ تقواه. قال: وفي الحديث:« إذا حُشر النّاس في عرصات القيامة،
نادى منادٍ من وراء حجب العرش: يا أهل الموقف، غضّوا أبصاركم حتّى تجوز فاطمة بنت محمّد. فتجوز وعليها ثوب مخضوب بدم الحسين، وتتعلّق بساق العرش وتقول: أنت الجبّار العدل، اقضي بيني وبين مَن قتل ابني. فيقضي الله بينها وبينهم، ثمّ تقول: اللّهمّ شفّعني في مَن بكى على مصيبتي. فيشفّعها الله تعالى فيهم...»
إلى آخر كلامه.
ابك لبكاء الشمس والقمر
فهل بعد هذا كلّه تقول: إنّ البكاء على مصائب أهل البيت بدعة؟!
وهب أنّك لا ترجوا شفاعة الزهراء، ولا تبكي لبكاء الأنبياء والأوصياء، فابك لبكاء الشمس والقمر، ولا يكن قلبك أقسى من الحجر، إبك لبكاء عمر بن سعد أو عمرو بن الحجّاج والأخنس بن يزيد ويزيد بن معاوية أو خولي، والسّالب لحليّ فاطمة بنت الحسينعليهالسلام
، إبك لبكاء العسكر بأجمعه، فقد شهدت كتب السِّيَر بكاءهم مع خبث اُمّهاتهم وآبائهم.
أيحسن منك - وأنت مسلم - أنْ يصاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله
بهذه الفجائع، وتحلّ بساحته تلك القوارع، ثمّ تتّخذها ظهريّاً، وتكون عندك نسياً منسيّاً؟! ما هذا شأن أهل الوفاء، ولا بهذا تكون المواساة لسيّد الأنبياءصلىاللهعليهوآله
.
ثمّ إنّ الانقلاب الهائل، وتلك الأحوال المدهشة، من الخسوف والكسوف، ورجف الأرض وظلمة الاُفق، وتهافت النجوم وحمرة السّماء، وبكاء الصخر الأصم دماً، لَم تكن إلاّ إظهاراً لغضب الله عزّ وجلّ، وتنبيهاً على فظاعة الخطب، وتسجيلاً لتلك النازلة في صفحات الاُفق؛ لئلاّ تُنسى على مرّ الليالي والأيّام، وفيها من بعث النّاس على استشعار الحزن وادثار الكآبة ما لا يخفى على أولي الألباب.
فصل أسرار مآتمنا المختصّة بأهل البيتعليهمالسلام
علم الباحثون من مدقّقي الفلاسفة: أنّ في مآتمنا المختصّة بأهل البيتعليهمالسلام
أسراراً شريفة
، تعود على
____________________
.........................................................................
____________________
.........................................................................
____________________
.........................................................................
____________________
.........................................................................
____________________
.........................................................................
____________________
.........................................................................
____________________
.........................................................................
____________________
.........................................................................
____________________
الاُمّة بصلاح آخرتها ودنياها، اُنبّهك إليها بذكر بعضها، واُوكل الباقي إلى فطنتك، فمنها: إنّها جامعة إسلاميّة ورابطة إماميّة باسم النّبي وآلهصلىاللهعليهوآله
، ينبعث عنها الاعتصام بحبل الله عزّ وجلّ والتمسك بثقلي رسول اللهصلىاللهعليهوآله
، وفيها من اجتماع القلوب على أداء أجر الرسالة بمودّة القربى، وترادف العزائم على إحياء أمر أهل البيتعليهمالسلام
ما ليس في غيرها.
وحسبك في رجحانها ما يتسنّى بها للحكيم من إلقاء المواعظ والنّصائح، وإيقاف المجتمعين على الشؤون الإسلاميّة والاُمور الإماميّة ولو إجمالاً، وبذلك يكون أمل العاملي نفس أمل إخوانه في العراق وفارس والبحرين
والهند وغيرها من بلاد الاسلام.
ولا تنسَ ما يتهيّأ للمجتمعين فيها من الاطّلاع على شؤونهم، والبحث عن شؤون إخوانهم النائبين عنهم، وما يتيّسر لهم حينئذ من تبادل الآراء فيما يعود عليهم بالنّفع، ويجعلهم كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضاً، أو كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو أنَّت له سائر الأعضاء، وبذلك يكونون مستقيمين في السّير على خطّة واحدة يسعون فيها وراء كلّ ما يرمون إليه.
ومنها: إنّ هذه المآتم دعوة إلى الدِّين بأحسن صورة وألطف اُسلوب، بل هي أعلا صرخة للإسلام توقظ الغافل من سباته، وتنبّه الجاهل من سكراته، بما تشربه في قلوب المجتمعين، وتنفّثه في آذان المستمعين، وتبثّه في العالم وتصوّره قالباً لجميع بني آدم، من أعلام الرسالة، وآيات الإسلام، وأدلّة الدِّين، وحجج المسلمين، والسّيرة النبويّة، والخصائص العلويّة، ومصائب أهل البيت في سبيل الله، وصبرهم على الأذى في إعلاء كلمة الله.
فاُولوا النظر والتحقيق يعلمون أنّ خطباء هذه المآتم
كلّهم دعاة إلى الدِّين من حيث لم يقصدوا ذلك، بل لا مبشّر بالإسلام على التحقيق سواهم، وأنت تعلم أنّ الموظّفين لهذا العمل الشريف لا يقصّرون في أنحاء البسيطة عن الاُلوف المؤلّفة، فلَو بذل المسلمون شطر أموالهم ليوظفوا دعاة إلى دينهم بعدد أولئك الخطباء ما تيسّر ذلك لهم، ولو تيسّر فلا يتيسّر من يستمع الدعوة على ممرّ الدهور استماع النّاس لما يتلى في هذه المآتم بكلّ رغبة وإقبال.
ومنها: ماقد أثبته العيان وشهد به الحس والوجدان من بثّ روح المعارف بسبب هذه المآتم، ونشر أطراف من العلوم ببركتها، إذ هي - بشرط كونها على اُصولها - أرقى مدرسة للعوام، يستضيئون فيها بأنوار الحكم من جوامع الكلم، ويلتقطون منها درر السّير، ويقفون بها على أنواع العبر، ويتلقّون فيها من الحديث والتفسير والفقه ما يلزمهم حمله ولا يسعهم جهله، بل هي المدرسة الوحيدة للعوام في جميع بلاد الإسلام.
وقد تفنّن خطباؤها في ما يصدعون به أولاً على أعوادها، ثمّ يتخلّصون منه إلى ذكر المصيبة وتلاوة الفاجعة.
فمنهم من يشنف المسامع ويشرف الجوامع بالحكم النبوية والمواعظ العلوية، أو يتلو أولاً من كلام أئمة أهل البيت ما يقرب المستمعين إلى الله ويأخذ بأعناقهم إلى تقواه.
ومنهم من يتلو أولاً من سيرة النّبي (صلى الله عليه وآله) وتاريخ أوصيائهعليهمالسلام
ما يبعث المستمعين على مودّتهم ويضطرّهم إلى بذل الجهد في طاعتهم.
ومنهم مَن ينبّه الأفكار أوّلاً إلى فضل رسول اللهصلىاللهعليهوآله
ومقام أوصيائهعليهمالسلام
بما يسرده من الأحاديث الصحيحة والآيات المحكمة الصريحة.
ومنهم مَن يتلو أوّلاً من الأحكام الشرعيّة والعقائد الدينيّة ما تعمّ به البلوى للمكلّفين ولا مندوحة عن معرفته لأحد من العالمين.
هذه سيرتهم المستمرّة أيّام حياتهم، فهل ترى بجدّك للعوام مدرسة تقوم مقامها في جسيم فوائدها وعظيم مقاصدها؟ لا، وسرّ الحكماء الذين بعثوا شيعتهم عليها
وحكمة الأوصياء الذين أرشدوا أوليائهم إليها.
ومنها: الارتقاء في الخطابة والعروج إلى منتهى البراعة، كما يشهد به الوجدان، ولا نحتاج فيه إلى برهان.
ومنها: العزاء عن كلّ مصيبة، والسلوة لكلّ فادحة، إذ تهون الفجائع بذكر فجائعهم، وتنسى القوارع بتلاوة قوارعهم، كما قيل في رثائهمعليهالسلام
:
أنست رزيّتكم رزايانا التي
|
|
سلفت وهوّنت الرزايا الآتية
|
ومنها: إنعاش أهل الفاقة وإثلاج أكباد حرّا من أهل المسكنة على الدوام، بما ينفق في هذه المآتم من الأموال في سبيل الله عزّ وجلّ، وما يبذل فيها لأهل المسغبة وغيرهم، وأنت تعلم أنّه لا وسيلة لقرّاء تلك المآتم في التعيّش غالباً إلاّ هذه الوظيفة، وهم من الرجال والنّساء - بقطع النّظر عمّن يقومون بنفقته - اُلوف مؤلّفة يعيشون ببركة أهل البيت ويتنعّمون بيمن مآتمهمعليهمالسلام
.
ومنها: إنّ المصلحة التي استشهد الحسين بأبي واُمّي! في سبيلها وسفك دمه الزكي تلقاءها، تستوجب استمرار هذه المآتم، وتقتضي دوامها إلى يوم القيامة.
وبيان ذلك: إنّ المنافقين حيث دفعوا أهل البيتعليهمالسلام
عن مقامهم، وأزالوهم عن مراتبهم التي رتّبهم الله فيها، ظهروا للنّاس بمظاهر النيابة عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله
، وأظهروا التأييد لدينه والخدمة لشريعته، فوقع الالتباس واغترّ بهم أكثر النّاس، ولمّا ملكوا من الاُمّة أزمّتها واستسلمت لهم برمّتها، حرّموا - والنّاس في سِنة عن سوء مقاصدهم - من حلال الله ما شاؤوا، وحلّلوا من حرامه ما أرادوا، وعاثوا في الدِّين وحكموا في القاسطين، فسمّلوا أعين أولياء الله، وقطّعوا أيديهم وأرجلهم من خلاف، وصلبوهم على جذوع النّخل، ونفَوهم عن عقر ديارهم، حتّى تفرّقوا أيدي سبا، ولَعنوا أمير المؤمنينعليهالسلام
وكنّوا به عن أخيه الصادق الأمينصلىاللهعليهوآله
.
فلَو دامت تلك الأحوال، وهم أولياء السّلطة المطلقة والرئاسة الروحانيّة، لما أبقوا للإسلام عيناً ولا أثراً، لكن ثأر الحسينعليهالسلام
فادياً دين الله عزّ وجلّ بنفسه وأحبّائه حتّى وردوا حياض المنايا، ولسان حاله يقول:
إن كان دين محمّد لم يستقم
|
|
إلاّ بقتلي يا سيوف خذيني
|
فاستنقذ الدين من أيدي الظالمين، وانكشف الغطاء بوقوع تلك الرزايا عن نفاق القوم، حتى تجلت عداوتهم لله عز وجل وظهر انتقامهم من رسول اللهصلىاللهعليهوآله
إذ لم يكتفوا بقتل الرجال من بنيه عطاشاً والماء تعبث فيه خنازير البرّ وكلابه، ولم يقنعوا بذبح الأطفال من أشباله أحياء وقد غارت أعينهم من شدّة العطش، ولا اكتفوا باستئصال العترة الطاهرة ونجوم الأرض من شيبة الحمد حتّى وطأوا جثثهم بسنابك الخيل، وحملوا رؤوسهم على أطراف الأسنّة، وتركوا أشلاءهم الموزّعة عاريةً بالعراء مباحةً لوحوش الأرض وطير السّماء.
ثمّ أبرزوا ودائع الرسالة وحرائر الوحي مسلبات، وطافوا البلاد بهنّ سبايا، كأنّهن من كوافر البربر، حتّى أدخلوهنّ تارة على ابن مرجانة، واُخرى على ابن آكلة الأكباد، وأوقفوهنّ على درج الجامع في دمشق حيث تباع جواري السبي. فلم تبقَ بعدها وقفة من عداوتهم لله، ولا ريبة بنفاقهم في دين الإسلام.
ما كان ليزيد أن يرتكب ما ارتكب لولا ما مهّده سلفه
وعَلِمَ حينئذ أهلُ البحث والتنقيب من اُولي الألباب أنّ هذه اُمور دُبّرت بليل، وأنّها عن عهد السّلف بها إلى خلفه، وما كانت ارتجالاً من يزيد، وما المسبّب لَو لَم ينجح السّبب.
ثمّ لَم تزل أنوار هذه الحقيقة تتجلّى لكلّ مَن نظر نظراً فلسفيّاً في فجائع الطفّ وخطوب أهل البيتعليهمالسلام
، أو بحث بحثاً مدققاً عن أساس تلك القوارع وأسباب هاتيك الفظائع.
وقد علم أهلُ التدقيق من أولي البصائر أنّه ما كان لهذا الفاجر أنْ يرتكب من أهل البيتعليهمالسلام
ما ارتكب، لَولا ما مهّده سلفه من هدم سورهم وإطفاء نورهم وحمله النّاسَ على رقابهم وفعله الشنيع يوم بابهم.
لولا ما بذله الحسينعليهالسلام
لأمسى الإسلام خبراً من الأخبار
وتالله لَولا ما بذله الحسينعليهالسلام
في سبيل إحياء الدِّين
من نفسه الزكيّة ونفوس أحبّائه بتلك الكيفيّة، لأمسى الإسلام خبراً من الأخبار السّالفة
، وأضحى المسلمون
____________________
.............................................................................
____________________
.............................................................................
____________________
.............................................................................
____________________
.............................................................................
____________________
.............................................................................
____________________
اُمّة من الاُمم التالفة.
إذ لَو بقي المنافقون على ماكانوا عليه من الظهور للعامّة بالنيابة عن رسول الله والنّصح لدينهصلىاللهعليهوآله
وهم أولياء السّلطة المطلقة والإرادة المقدّسة، لغرسوا من شجرة النّفاق ما أرادوا، وبثّوا من روح الزندقة ما شاؤوا، وفعلوا بالدِّين ما توجبه عداواتهم له، وارتكبوا من الشريعة كلّ أمر يقتضيه نفاقهم.
لولا ما تحمّله الحسينعليهالسلام
ما قامت لأهل البيتعليهمالسلام
قائمة
وأمّا - وشيبة الحسينعليهالسلام
المخضوبة بدمه الطاهر - لولا ما
تحمّله (سلام الله عليه) في سبيل الله، ما قامت لأهل البيتعليهمالسلام
- وهم حجج الله - قائمة. ولا عرفهم - وهم أولوا الأمر - ممّن تأخّر عنهم أحد. لكنّه بأبي وأمي! فضح المنافقين، وأسقطهم من أنظار العالمين، واستلفت الأبصار بمصيبته إلى سائر مصائب أهل البيتعليهمالسلام
، واضطرّ النّاس بحلول هذه القارعة إلى البحث عن أساسها، وحملهم على التنقيب عن أسبابها، والفحص عن جذرها وبذرها، واستنهض الهمم إلى حفظ مقام أهل البيتعليهمالسلام
وحرّك الحميّة على الانتصار لهم؛ لأنّ الطبيعة البشريّة والجبلة الانسانية تنتصر للمظلومين وتنتقم بجهدها من الضالمين.
فاندفع المسلمون إلى موالاة أهل البيتعليهمالسلام
حتّى كأنّهم قد دخلوا - بعد فاجعة الطفّ - في دَور جديد، وظهرت الروحانيّة الإسلاميّة بأجلى مظاهرها، وسطع نور أهل البيتعليهمالسلام
بعد أنْ كان محجوباً بسحائب ظلم الظالمين، وانتبه النّاس إلى نصوص الكتاب والسنّة فيهمعليهمالسلام
، فهدى الله بها من هدى لدينه، وضلّ عنها من عمى عن سبيله.
عِلم الإمام الحسينعليهالسلام
بما سيجري في كربلاء
وكان الحسين، بأبي واُمّي! على يقين من ترتّب هذه الآثار الشريفة على قتله، وانتهاب رحله، وذبح أطفاله وسبي عياله، بل لَم يجد طريقاً لإرشاد الخلق إلى الأئمّة بالحقّ واستنقاذ الدِّين من أئمّة المنافقين - الذين خفي مكرهم وعلا في نفوس العامّة أمرهم - إلاّ الإستسلام لتلك الرزايا والصبر على هاتيك البلايا.
وما قصد كربلاء إلاّ لتحمّل ذلك البلاء عهد معهود عن أخيه عن أبيه عن جدّه عن الله عزّ وجلّ.
ويرشدك إلى ذلك - مضافاً إلى أخبارنا المتواترة من طريق العترة الطاهرة - دلائل أقواله وقرائن أفعاله، فإنّها نصّ فيما قلناه.
وحسبك منها جوابه لاُمّ سلمة إذ قالت له، كما في البحار وجلاء العيون وغيرهما: يا بُني، لا تحزن بخروجك إلى العراق، فإنّي سمعت جدّكصلىاللهعليهوآله
يقول:
« يُقتل ولدي الحسين بأرضِ العراقِ في أرضٍ يقال لَها كربلاء »
. فقال لها:« يا اُمّاه، وأنا والله أعلَمُ ذلكَ، وإنّي مقتولٌ لا محالة، وليسَ لي منه بدّ، وقد شاء اللهُ عزّ وجلّ أن يراني مقتولاً، ويرى حرمي مُشرّدين، وأطفالي مَذبوحين »
.
وجوابه لأخيه عمر، إذ قال له حين امتنع من البيعة ليزيد: حدّثني أخوك أبو محمّد عن أبيه، ثمّ بكى حتّى علا شهيقه، فضمّه الحسينعليهالسلام
إليه وقال، كما في الملهوف وغيره:« حدّثك أني مقتول؟ »
قال: حوشيت يابن رسول الله، فقال:« بحقِّ أبيكَ، بِقتلي خبّرك؟ »
قال: نعم، فلَو بايعت. فقالعليهالسلام
:« حدّثني أبي: أنّ رسولَ اللهِ
صلىاللهعليهوآله
أخبرَه بِقتله وقتلي، وأنّ تربتي تكون بِقربِ تربتِهِ. أتظنّ أنّك علمتَ ما لَم أعلم؟ »
.
____________________
والرؤيا التي رآها في مسجد جدّهصلىاللهعليهوآله
، حين ذهب ليودّعه، وقول النّبيصلىاللهعليهوآله
له فيها، كما في أمالي الصدوق وغيره:« بأبي أنت! كأنّي أراكَ مرمّلاً بدمِك بَينَ عصابةٍ مِن هذهِ الاُمّة يرجونَ شفاعتي، مالهم عند اللهِ مِن خَلاق »
.
وكتابه إلى بني هاشم لمّا فصل من المدينة، وقوله فيه، كما في الملهوف نقلاً عن رسائل ثقة الإسلام:« أمّا بعد، فإنّ مَن لَحِق بي منكم استشهد ومَن تخلّف لَم يبلغ الفتح »
. وخطبته ليلة خروجه من مكّة، وقوله فيها، كما في الملهوف وغيره:« كأنّي بأوصالي تُقطّعُها عَسلان الفلَوات بَينَ النّواويس وكربلاء »
إلى أنْ قال:
____________________
« ألا ومَن كان باذلاً فينا مهجته موطّئاً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا، فإنّي راحل مصبحاً إن شاء الله تعالى »
. وقوله، كما في الملهوف وغيره:« لَولا تقارب الأشياء وهبوط الأجل، لقاتلتهم بهؤلاء، ولكنّي أعلم يقيناً أنّ هناك مصرعي ومصرع أصحابي، لا ينجو منهم إلاّ ولدي علي »
.
وجوابه لأخيه محمّد بن الحنفيّة، إذ قال له، كما في الملهوف وغيره: يا أخي، ألم تعدني النّظر فيما سألتك؟ قالعليهالسلام
:« بلى، ولكن أتاني رسول الله
صلىاللهعليهوآله
بعدما فارقتك، فقال: يا حسين اخرج، فإنّ الله قد شاء أنْ يراك قتيلاً »
. فقال ابن الحنفيّة: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، فما معنى حملك هذه النّسوة وأنت تخرج على مثل هذه الحال؟ فقال له:« قال لي: إنّ الله شاء أن يراهنّ سبايا »
.
____________________
وجوابه لابن عبّاس وابن الزبير إذ أشارا عليه بالإمساك، فقالعليهالسلام
لهما، كما في الملهوف وغيره:« إنّ رسول الله قد أمرني بأمر وأنا ماض فيه »
. فخرج ابن عبّاس وهو يقول: وآ حسيناه!
.
وجوابه لعبد الله بن جعفر ويحيى بن سعيد إذ حاولا منه الرجوع، فأبى وقال لهما، كما في تاريخي ابن جرير وابن الأثير وغيرهما:« رأيتُ رؤيا، رأيتُ فيها رسولَ اللهِ
صلىاللهعليهوآله
واُمرتُ فيها بأمرٍ أنا ماضٍ له »
.
وقوله في كلام له مع ابن الزبير، كما في تاريخَي ابن جرير وابن الاثير وغيرهما:« وأيم اللهِ، لَو كنتُ في حجر هامةٍ من هذه الهوام، لاستخرجوني حتّى يقضوا فيَّ حاجتَهم، و واللهِ ليعتُدنّ عليَّ كما اعتدت اليهودُ في السّبتِ »
.
____________________
وقوله في مقام آخر، كما في كامل ابن الأثير وغيره:« واللهِ لا يَدَعونني حتّى يستخرجوا هذه العلقة من جَوفي، فإذا فعلوا ذلك سلّط اللهُ عليهم مَن يذلّهم، حتّى يكونوا أذلّ من فَرْم المرأة »
( يعني: من خرقة الحيض ).
وقوله لأبي هرّة، كما في تاريخ ابن جرير وغيره:« وأيمَ اللهِ لتقتلني الفئةُ الباغيةُ ».
ورؤياه التي رآها لما ارتحل من قصر بني مقاتل، كما في تاريخ الطبري وغيره - فقال حين انتبه:« إنّا للهِ وإنّا له راجعون، والحمد لله ربّ العالمين ».
قال: ففعل ذلك مرّتين أو ثلاثاً، قال: فأقبل إليه ابنه علي بن الحسين على فرس له فقال: يا أبتاه جعلتُ فداك ممَّ حمدت الله واسترجعت؟ فقال:« يا بُني، خَفقتُ بِرأسي خَفقةً، فعنّ لي فارسٌ فقال: القَوم يَسيرون والمَنايا تَسير إلَيهم، فَعلِمتُ أنّها أنفسَنا نُعيت إلَينا ».
فقال: يا أبت، لا أراك الله سوءاً،
____________________
ألسنا على الحق؟ قالعليهالسلام
:« بَلى والذي إليهِ مرجعُ العِبادِ »
. قال: يا أبت، إذاً لا نبالي نموت مُحقّين، فقالعليهالسلام
له:« جزاكَ اللهُ مِن وَلَدٍ خيرَ ما جزى ولداً عن والدِه »
.
وقوله لمّا اُخبر بقتل قيس بن مسهر الصيداوي، كما في تاريخ الطبري وغيره:(
فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدّلُوا تَبْدِيلاً
)
.
إلى غير ذلك من أقواله الصريحة بأنّه كان على يقين ممّا انتهى إليه حاله، وأنّه ما خرج إلاّ ليبذل في سبيل الله نفسه وجميع ما ملكته يده، ويضحّي في إحياء دين الله: أولاده وإخوته وأبناء أخيه وبني عمومته، وخاصّة أوليائه، والعقائل الطاهرات من نسائه.
إذ لم ير السبط للدين الحنيف شفا
|
|
إلاّ إذا دمه في نصره سفكا
|
____________________
وما سمعنا عليلاً لا علاج له
|
|
إلاّ بنفس مداويه إذ هلكا
|
بقتله فاح للاسلام طيب هدى
|
|
فكلّما ذكرته المسلمون ذكا
|
وصان ستر الهدى عن كلّ خائنة
|
|
ستر الفواطم يوم الطف إذ هتكا
|
نفسي الفداء لفاد شرع والده
|
|
بنفسه وبأهليه وماملكا
|
قد آثر الدين أن يحيى فقحمها
|
|
حيث استقام القنا الخطي واشتبكا
|
على أنّ الأمر الذي انتهى إليه حاله كان من الوضوح بمثابة لَم تخفَ على أحد، وقد نهاه عن ذلك الوجه - جهلاً بمقاصده السامية - كثير من النّاس، وأشفقوا عليه وأنذروه بلؤم بني اُميّة وغدر أهل العراق:
____________________
فقال له أخوه محمّد بن الحنفيّة، كما في الملهوف وغيره: يا أخي إنّ أهل الكوفة مَن قد عرفت غدرهم بأبيك وأخيك، وقد خفتُ أنْ يكون حالك كحال مَن مضى، فإنْ رأيت أن تقيم فإنّك أعزّ مَن في الحرم وأمنعه... فإنْ خفتَ فسر إلى اليمن أو بعض نواحي البر، فإنّك أمنع النّاس به ولا يقدر عليك أحد. فردّه الحسينعليهالسلام
برأفة ورفق، وقال:« أنظرُ فيما قلتَ »
.
وأتاه ابن عبّاس فقال: يابن عم، قد أرجف النّاس أنّك سائر إلى العراق، فبيِّن لي ما أنت صانع؟ قالعليهالسلام
:« إنّي قد أجمعت المسير في أحد يومَي هذين إن شاء الله تعالى »
. فقال له ابن عبّاس، كما في تاريخَي الطبري وابن الأثير وغيرهما: فإنّي اُعيذك بالله من ذلك، أتسير إلى قوم قتلوا أميرهم وضبطوا بلادهم ونفوا عدوّهم؟ فإنْ كانوا فعلوا ذلك فسر إليهم، وإن كانوا إنّما دَعَوك إليهم وأميرهم عليهم
____________________
قاهر لهم وعمّاله تجبي بلادهم، فإنّهم إنّما دَعوك إلى الحرب والقتال، ولا آمن عليك أن يغرّوك ويكذبوك ويخالفوك ويخذلوك وأن يستنفروا إليك، فيكونوا أشدّ النّاس عليك، فردّه الحسينعليهالسلام
ردّ رحمة وحنان فقال له:« أستخير الله وأنظر ما يكون »
.
فخرج ابن عبّاس، ثمّ جاءه مرّة اُخرى فقال له، كما في تاريخَي الطبري وابن الأثير وغيرهما: يابن عم، إنّي أتصبّر ولا أصبر، إنّي أتخوّف عليك في هذا الوجه الهلاك والاستئصال، إنّ أهل العراق قوم غُدُر فلا تقربنّهم، أقم بهذا البلد فإنّك سيّد أهل الحجاز، فإن كان أهل العراق يريدونك كما زعموا فاكتب إليهم فلينفوا عدوّهم ثمّ أقدم عليهم، فإنْ أبيت إلاّ أنْ تخرج فسِر إلى اليمن، فإنّ بها حصوناً وشعاباً، وهي أرض طويلة عريضة، ولأبيك بها شيعة، وأنت عن النّاس في عزلة، فتكتُب إلى النّاس
____________________
وترسل وتبث دعاتك، فإنّي أرجو أن يأتيك عند ذلك الذي تحبّ في عافية، فقال له الحسينعليهالسلام
:« يابن عم، إنّي والله لأعلم أنّك ناصحٌ مُشفِق، ولكن قد أزمعتُ وأجمعتُ على المَسير »
.
ودخل عليه عمر بن عبد الرحمن المخزومي فقال له، كما في تاريخَي الطبري وابن الأثير وغيرهما: إنّي مُشفِق عليك، إنّك تأتي بلداً فيه عمّاله وأمراؤه، ومعهم بيوت الأموال، وإنّما النّاس عبيد الدينار والدرهم، فلا آمن عليك أن يقاتلك من وعدك نصرَه، فقال له الحسينعليهالسلام
:« جزاك الله خيراً يابن عم، فقد والله علمتُ أنّك مشيت بنصح وتكلّمت بعقل، ومهما يُقض من أمر يكن »
.
وكتب إليه عبد الله بن جعفر بعد خروجه من مكّة، كما في تاريخَي الطبري وابن الأثير وغيرهما: أمّا بعد، فإنّي أسألك بالله لِما انصرفت حين تقرأ كتابي هذا، فإنّي مشفق
____________________
عليك من هذا الوجه أنْ يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك، وإنْ هلكتَ اليوم طُفىء نور الأرض، فإنّك علم المهتدين ورجاء المؤمنين، فلا تعجّل بالسّير، فإنّي في أثر كتابي، والسّلام.
وقام عبد الله بن جعفر إلى عمرو بن سعيد، وهو عامل يزيد يومئذ بمكّة فقال له: اكتب للحسين كتاباً تجعل له الأمان فيه، وتمنّيه فيه البرّ والصلة واسأله الرجوع، ففعل عمرو ذلك وأرسل الكتاب مع أخيه يحيى بن سعيد وعبد الله بن جعفر، فلحقاه وقرّءا عليه الكتاب وجهداً أن يرجع، فلَم يفعل
.
وقال له عبد الله بن مطيع - إذ إجتمع به في الطريق على بعض مياه العرب -، كما في تاريخ الطبري وغيره: اُذكّرك الله يابن رسول الله وحرمةَ الإسلام أنْ تنهتك، اُنشدك الله في حرمة رسول اللهصلىاللهعليهوآله
، اُنشدك الله في حرمة العرب،
____________________
فو الله لئن طلبت ما في أيدي بني اُميّة ليقتلنّك، ولئن قتلوك لا يهابون بعدك أحداً أبداً، والله إنّها لحرمة الإسلام تنتهك، وحرمة قريش، وحرمة العرب، فلا تفعل ولا تأت الكوفة، ولا تعرَّض لبني اُميّة. قال: فأبى إلاّ أنْ يمضي
، إنجازاً لمقاصده السّامية.
ولقيَه أحد بني عكرمة ببطن العقبة، كما في تاريخ الطبري وغيره - فقال له: اُنشدك الله لما انصرفتَ، فو الله لا تقدم إلاّ على الأسنّة وحدّ السيوف، فانّ هؤلاء الذين بعثوا إليك لَو كانوا كفَوك مؤنة القتال ووطأوا لك الأشياء فقدِمت عليهم كان ذلك رأياً، فأمّا على هذه الحال التي تذكرها فإنّي لا أرى لك أنْ تفعل. قال: فقالعليهالسلام
له:« يا عبدَ اللهِ، إنّه ليس يخفى عليّ، الرأيُ ما رأيتَ، ولكنّ الله لا يُغْلَب على أمرِهِ »
.
ولقيه بعض بني تميم قريباً من القادسيّة، كما في تاريخ الطبري وغيره،
____________________
فقال له: إرجع، فإنّي لَم أدَع لك خيراً أرجوه.
وكان قد لقيه الفرزدق بن غالب الشاعر في الصفاح، كما في تاريخ الطبري وغيره، فقال له: قلوب النّاس معك وسيوفهم مع بني اُميّة
.
وما التقى في الطريق بأحد إلاّ التمسه على الرجوع، إشفاقاً عليه من لؤم بني اُميّة وغدر أهل العراق، وما كان ليخفى عليه ماظهر لأغلب النّاس، لكنّه وهؤلاء كما قيل: أنت بواد والعذول بوادي.
ما نزل، بأبي واُمّي! منزلاً ولا ارتحل منه، كما في الإرشاد وغيره، إلاّ ذكر يحيى بن زكريا وقتله.
وقال يوماً:« مِن هَوانِ الدُّنيا على اللهِ إنّ رأس يَحيى بن زكرّيا اُهدِيَ إلى بَغيٍ مِن بَغايا بَني إسرائيل »
.
فهل تراه أراد بهذا غير الإشارة إلى أنّ سبيله في هذا الوجه
____________________
إنّما هو سبيل يحيىعليهالسلام
؟
وأخبره الأسديّان وهو نازل في الثعلبيّة، كما في تاريخ الطبري وغيره، بقتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة، وأنّهما يجرّان بأرجلهما في الأسواق بلا نكير
.
فهل يمكن بعد هذا أنْ يبقى له أمل بنصرة أهل الكوفة، أو طمع في شيء من خيرهم؟! والله ما جاءهم إلاّ يائساً منهم، عالماً بكلّ ما كان منهم عليه.
وقد كتب، وهو نازل بزبالة، كتاباً قُرىء بأمره على النّاس وفيه:
« بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعد، فإنّه قد أتانا خبر فظيع، قُتل مسلمُ بن عقيل، وهانئ بن عروة، وعبدُ اللهِ بن بُقطر، وقد خذلتنا شيعتُنا، فمَن أحبّ منكم الانصرافَ فَلينصَرف، ليس عليه منّا ذِمام ».
قال محمّد بن جرير الطبري في تاريخ الاُمم والملوك:
____________________
فتفرّق النّاس عنه تفرّقاً، فأخذوا يميناً وشمالاً، حتّى بَقي في أصحابه الذين جاؤوا معه من المدينة. قال: وإنّما فعل ذلك؛ لأنّه ظنّ إنّما اتّبعه الأعراب؛ لأنّهم ظنّوا أنّه يأتي بلداً قد استقامت له طاعة أهله، فكره أن يسيروا معه إلاّ وهم يعلمون علامَ يقدمون.
قال: وقد علم أنّهم إذا بيّن لهم لم يصحبه إلاّ مَن يريد مواساته والموت معه
.
وذكر أهل الأخبار: إنّ الطرمّاح بن عدي لمّا اجتمع به في عذيب الهجانات دنا منه فقال له، كما في تاريخ الطبري وغيره: والله إنّي لانظر فما أرى معك أحداً، ولَو لَم يقاتلك إلاّ هؤلاء الذين أراهم ملازميك ( يعني: الحرّ وأصحابه - لكان كفى بهم، وقد رأيتُ قبل خروجي من الكوفة إليك بيوم ظهر الكوفة وفيه من النّاس مالَم ترَ عيناي في صعيد واحد جمعاً أكثر منه، فسألت عنهم؟ فقيل:
____________________
اجتمعوا ليعرضوا ثمّ يسرحوا إلى حرب الحسينعليهالسلام
، فاُنشدك الله إن قدرتَ على أن لا تقدم عليهم شبراً إلاّ فعلت، فإنْ أردت أنْ تنزل بلداً يمنعك الله به حتّى ترى من رأيك ويستبيّن لك ما أنت صانع، فسر حتّى اُنزلك مناع جبلنا الذي يُدعى ( أجأ )، امتنعنا والله به من ملوك غسّان وحمير ومن النّعمان بن المنذر ومن الأسود والأحمر، والله ما دخل علينا فيه ذل قط، فأسير معك حتّى أنزلك القرية، ثمّ نبعث إلى الرجال ممّن بأجأ وسلمى من طيّئ، فو الله لا يأتي عليك عشرة أيام حتّى تأتيك طيئ رجالاً وركباناً، ثمّ أقم فينا مابدا لك، فإنْ هاجك هيج فأنا زعيم لك بعشرين ألف طائيّ يضربون بين يدَيك بأسيافهم، والله لا يوصل إليك أبداً ومنهم عين تطرف. فقالعليهالسلام
له:« جزاكَ اللهُ وقومَك خيراً »
. وأبى أن ينصرف عن مقصده.
____________________
وأنت تعلم أنّه لَو كان له رغبة في غلبة أو مَيل إلى سلطان، لكان لكلام الطرمّاح وقع في نفسهعليهالسلام
، ولظهر منه المَيل إلى ما عرضه عليه، لكنّه بأبي واُمّي! أبى إلاّ الفوز بالشهادة، والموت في إحياء دين الإسلام.
وقد صرّح بذلك فيما تمثل به، إذ قال له الحرّ: أذكّرك الله في نفسك فإنّي أشهد لئن قاتلت لتُقتلن، فقالعليهالسلام
، كما في تاريخ الطبري وغيره:
سأمضي وما بالموت عار على الفتى
|
|
إذا ما نوى حقاً وجاهد مسلماً
|
وآسى الرجال الصالحين بنفسه
|
|
وفارق مثبوراً يغُشّ ويُرغما
|
وحسبك في إثبات علمه من أوّل الأمر بما انتهى إليه حاله ما سمعته من؛ إخبار النّبيصلىاللهعليهوآله
بقتله في شاطىء الفرات بموضع يقال له كربلاء،
____________________
وبكائه عليه، ونداء أمير المؤمنينعليهالسلام
لمّا حاذى نينوى وهو منصرف إلى صفين:« صَبراً أبا عبدِ اللهِ، صبراً أبا عبدِ اللهِ بشاطىء الفراتِ ».
وقولهعليهالسلام
إذ مرّ بكربلاء:« ها هنا مناخُ رِكابِهم، وها هنا مَوضعُ رحالِهم، وها هنا مِهراق دمائِهم ».
وقول الحسينعليهالسلام
لأخيه عمر:« حدّثَني أبي أنّ رسولَ اللهِ
صلىاللهعليهوآله
أخبرهُ بقتلِه وقتلي، وأنّ تُربتي تَكونَ بقربِ تربتِهِ ».
وقول الحسن للحسينعليهماالسلام
، كما في أمالي الصدوق وغيره، من جملة كلام كان بينهما:« ولكنَّ لا يوم كيومِكَ يا أبا عبدِ اللهِ، يزدلفُ إليكَ ثلاثون ألف رجل، فيجتمعون على قتلك وسفك دمك وانتهاك حرمتك وسبي ذراريك ونسائك وانتهاب ثقلك، فعندها يحلّ الله ببني اُميّة اللعنة ».
إلى غير ذلك من الأخبار الدالّة على أنّ قُتل
الحسينعليهالسلام
كان معروفاً عند أهل البيت منذ أخبر الله به نبيّهصلىاللهعليهوآله
، بل صريح أخبارنا أنّ ذلك ممّا اُوحي إلى الأنبياء السّابقين
، وقد سمعت ما أشرنا إليه من بكائهمعليهمالسلام
.
ويظهر من بعض الأخبار أنّ قتل الحسينعليهالسلام
كان معروفاً عند جملة من الصحابة والتابعين، حتّى أنّهم لَيعلمون أنّ قاتله عمر بن سعد.
وحسبك ما نقله ابن الأثير، حيث ذكر مقتل عمر بن سعد في كامله، عن عبد الله بن شريك، قال: أدرك أصحاب الأردية المعلمة وأصحاب البرانس السّود من أصحاب السّواري، إذ مرّ بهم عمر بن سعد، قالوا: هذا قاتل الحسين، وذلك قبل أنْ يقتله.
قال: وقال ابن سيرين: قال عليعليهالسلام
لعمر بن سعد:« كيفَ أنتَ إذا قُمتَ مقاماً تخيّر فيهِ بينَ الجنّةِ والنّارِ، فتختار النّارَ »
.
____________________
أترى الحسينعليهالسلام
كان جاهلاً بما عليه أصحاب السّواري؟ كلاّ، والله ما علم أصحاب البرانس السّود ذلك إلاّ منه، أو من أخيه، أو من جدّه، أو من أبيه.
وقد أطلنا الكلام في هذا المقام، إذ لم نجد مَن وفّاه حقّه وخرج من عهدة التكليف بإيضاحه، والحمد لله على التوفيق لتحرير هذه المسألة، وتقرير شواهدها وأدلّتها، على وجه تركن النّفس إليه، ولا يجد المُنصف بدّاً من البناء عليه، بل لا أظنّ أحداً يقف على ما تلوناه ثمّ يرتاب فيما قرّرناه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الفهرس
مُقدّمة المركز: ٢
تمهيد: ٦
المُقدّمة: ٨
المطلب الأوّل: في البكاء ١٠
المطلب الثاني: في رثاء الميّت بالقريض.. ٢٢
المطلب الثالث: في تلاوة الأحاديث المشتملة على مناقب الميّت ومصائبه ٢٨
المطلب الرابع: في الجلوس حُزناً على الموتى من أهل الحفائظ والأيادي المشكورة ٣٢
المطلب الخامس: في الإنفاق على الميّت في وجوه البرّ والإحسان. ٣٦
فصلٌ: مآتمنا المختصّة بسيّد الشهداء عليهالسلام.... ٣٨
بكاء النَّبيِّ صلىاللهعليهوآله على الحسين عليهالسلام في مصادر العامّة: ٣٩
بكاء النّبيِّ صلىاللهعليهوآله على الحسين عليهالسلام في مصادر الشيعة: ٤٤
إقامة الأئمّة عليهمالسلام المأتم على الحسين عليهالسلام وحث أولياؤهم على ذلك.. ٤٥
حجّية أقوال الأئمّة عليهمالسلام في رجحان إقامة المأتم. ٥٨
حديث الثقلين. ٥٩
حديث السّفينة ٦٧
سيرة أئمّة الهدى عليهمالسلام القطعيّة في إقامة المأتم. ٧٠
فصل أسرار مآتمنا المختصّة بأهل البيت عليهمالسلام.... ٨٠
|