المأتم الحسيني مشروعيته وأسراره

تأليف

السيد عبد الحسين شرف الدين الموسويقدس‌سره

تحقيق

فارس الحسّون

مركز الأبحاث العقائدية

بسم الله الرحمن الرحيم

مُقدّمة المركز:

إنّ الحسينَعليه‌السلام ليس حُكراً على الشيعة فحسب، وإنّ مأتمهعليه‌السلام ليس من مختصّات الشيعة، كما قد يظنّ البعض ذلك، بل الحسينعليه‌السلام حسين جميع المسلمين، والأحرى أنْ يكون حسينُ جميع الإنسانيّة.

وإنّ مأتم الحسينعليه‌السلام ومأساته جرح ما زال لم يندمل، ومصاب لا زال المسلمون يأنّون من ألمه حتّى يأخذ الله تعالى بثأرهعليه‌السلام .

مِنَ الحسين عليه‌السلام ومأتمه استلهم الشيعة درس التضحية لأجل العقيدة والدفاع عنه.

مِنَ الحسين عليه‌السلام ومأتمه استلهم المسلمون درس التضحية في سبيل البحث عن العقيدة الحقّة ; لأنّ المأتم الحسيني يجعل النّفوس ملتهبة بالعواطف النقيّة، فتكون النّفوس عندئذٍ أقرب ما تكون لاستماع الحقيقة والتجرّد عن التعصّب.

مِن الحسين عليه‌السلام ومأتمه استلهم جميع بني آدم درس الإنسانيّة والرجوع إلى الفطرة.

بالحسين عليه‌السلام ومأتمه يمكن تبديد غيوم العصبيّة وغبار الجهل والأفلات من الوقوع في براثن الفتن وتيّارات الضلال.

وبالحسين عليه‌السلام ومأتمه يمتلك الإنسان القدرة على اجتياز الطريق الشائك لمعرفة الحقّ، وتحطيم عقبة:( إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ) (١) ؛ لأنّ الحسينَعليه‌السلام حسينُ الله، ومأتمَهُ مأتمُ أمر الله عزّ وجل بإحيائه.

لأنّ الحسينَعليه‌السلام حسينُ الحقِّ، ومأتمَهُ درسٌ للوصول إلى الحقِّ.

لأنّ الحسينَعليه‌السلام حسينُ المُصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومأتمَهُ مأتمُهُ.

لأنّ الحسينَعليه‌السلام حسينُ عليٍّ وفاطمة وأهلِ البيتعليهم‌السلام ، ومأتمَهُ مأتمُهُمْ.

لأنّ الحسينَعليه‌السلام حسينُ الأنبياءِ والمُرسَلينعليهم‌السلام ، ومأتمَهُ مأتمُهُمْ.

____________________

(١) سورة الزخرف / ٢٣.

لأنّ الحسينَعليه‌السلام حُسينُنا جميعاً، ومأتمَهُ مأتمُنا.

وقسماً بالله الذي لا إله إلاّ هو، إنّ البشريّة لو عرفت الحسينعليه‌السلام على حقيقته لأسلمت عن بكرة أبيها، إلاّ مَن كان قد تخلّى منهم عن إنسانيّته.

وكذلك لو عرف المسلمون الحسينعليه‌السلام على حقيقته، لاهتدوا بهديه واتّبعوا نهجه وركبوا سفينة النّجاة وما تركوا أهل البيتعليهم‌السلام طرفة عين، إلاّ مَن كان منهم وفي قلبه مرض، وعليه؛ فإنّ مسؤوليّة أتباع الحسينعليه‌السلام تتضاعف في إيصال حقيقة الحسينعليه‌السلام وأهمّيّة إقامة مأتمه إلى الجميع؛ ليؤدّي كلّ منهم هذه المهمّة على قدر وسعِه.

وهذا الكتاب الماثل بين يدَي القارئ العزيز، وإنْ كان صغيراً في حجمه، إلاّ أنّه عظيم في محتواه، قد جمع بين دفّتيه على اختصاره زبدة ما يتعلّق بمشروعيّة المأتم وأسراره، وهو بقلم علَم الأعلام وسيّد السّادات - الذي اهتدى أكثر من اهتدى إلى مذهب أهل البيتعليهم‌السلام بسبب كتابه

( المراجعات ) - آية الله السيّد عبد الحسين شرف الدِّين الموسوي (رضوان الله عليه).

وهذا الكتاب في الواقع هو مُقدّمة كتابه ( المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة )، الذي أحرقته الأيدي الأثيمة، وما بقي منه سوى المُقدّمة التي قمنا بتحقيقها والتعليق عليها، وإخراجها بهذا الكتاب الذي سمّيناه( المأتم الحسيني مشروعيّتُهُ وأسرارُه ) ؛ ليكون الكتاب الثاني من ( سلسلة الكتب الإهدائيّة ) المخصّصة لروّاد المركز من المشتركين والمساهمين في المسابقات الهادفة؛ وذلك لإيجاد ثقافة علميّة عقائديّة لمجتمعاتنا المؤمنة، التي نأمل منها كلّ الخير في نشر مذهب أهل البيتعليهم‌السلام ودرء الشبهات عنه.

مركز الأبحاث العقائديّة

فارس الحسّون

تمهيد:

الحمد لله على جميل بلائه وجليل عزائه، والصلاة والسّلام على اُسوة أنبيائه، وعلى الأئمّة المظلومين من أوصيائه، ورحمة الله وبركاته.

أمّا بعد، فهذا كتاب ( المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة )(١) وضعته تقرّباً إليهم في الدُّنيا، وتوسّلاً بهم في الآخرة،

____________________

(١) ألّفه في أربع مجلّدات ضخمة، تضمّنت سيرة النّبيِّصلى‌الله‌عليه‌وآله وعترتهعليهم‌السلام ، وحياتهم وبعض خطبهم.

وقال عنه المؤلّفقدس‌سره : كتاباً اجتماعيّاً سياسيّاً عمرانيّاً، مِن أحسن ما كُتب في الإمامة والسّياسة.

وكانقدس‌سره قد كتب له مُقدّمة حول مشروعيّة أصل المأتم وأسراره، طُبعت قبل طبع الكتاب، وهذه المُقدّمة هي كتابنا الحاضر الذي سمّيناه ( المأتم الحسيني مشروعيّته وأسراره ).

وأمّا أصل الكتاب، فقد أعدّه المؤلّف للنشر، ولكنّ شعلة الحرب العالميّة الاُولى حالت المؤلّف عن طبعه حتّى أصبح هذا الكتاب ومؤلّفاته الاُخرى - ما يقرب من ثلاثين مُجلّداً مخطوطاً كلّها بقلمه الشريف - طعمة حريق سلطة الاحتلال الفرنسي؛ حيث سلّطت النّار على داره في ( شحور )، وبعده احتلّت داره الكبرى في ( صور ) واُبيحت للأيادي الأثيمة سلباً ونهباً.

سائلاً من الله سبحانه أنْ يكون خالصاً لوجهه الكريم، إنّه الرؤوف الرحيم.

المُقدّمة:

الأصل العملي يقتضي إباحة:

١ - البكاء على مطلق الموتى.

٢ - رثائهم بالقريض.

٣ - تلاوة مناقبهم ومصائبهم.

٤ - الجلوس حزناً عليهم.

٥ - الإنفاق عنهم في وجوه البرّ.

ولا دليل على خلاف هذا الأصل، بل السّيرة القطعيّة والأدلّة اللفظيّة حاكمان بمقتضاه، بل يُستفاد من بعضها استحباب هذه الاُمور إذا كان الميّت من أهل المزايا الفاضلة والآثار النافعة، وفقاً لقواعد المدنيّة وعملاً باُُصول العمران ; لأنّ تمييز المُصلحين يكون سبباً في تنشيط أمثالهم، وأداء حقوقهم يكون داعياً إلى كثرة الناسجين

على منوالهم، وتلاوة أخبارهم ترشد العاملين إلى اقتفاء آثارهم.

وهنا مطالب:

المطلب الأوّل: في البكاء

ولنا على ما اخترناه فيه - مضافاً إلى السّيرة القطعيّة - فِعل النّبيِّصلى‌الله‌عليه‌وآله وقوله وتقريره:

أمّا الأوّل ، فإنّه متواتر عنه في موارد عديدة منها: يوم اُحد، إذ علم النّاس كافّة بكاءه يومئذٍ على عمّه أسد الله وأسد رسوله، حتّى قال ابن عبد البرّ في ترجمة حمزة من استيعابه: لمّا رأى النّبيُّصلى‌الله‌عليه‌وآله حمزة قتيلاً بكى، فلمّا رأى ما مُثّل به شهق.

وذكر الواقدي، كما في أوائل الجزء الخامس عشر من شرح نهج البلاغة(١) للعلاّمة المعتزلي: أنّ النّبيَّصلى‌الله‌عليه‌وآله

____________________

(١) في أواخر صفحة ٣٨٧ من المُجلّد الثالث - طبعة مصر ( المؤلّف ).

كان يومئذٍ إذا بكت صفيّة يبكي، وإذا نشجت ينشج(١) . قال: وجعلت فاطمة تبكي لمّا بكى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (٢) .

ومنها: يوم نعى زيداً وذا الجناحين وابن رواحة، فيما أخرجه البخاري في الصفحة الثالثة من أبواب الجنائز من صحيحه، وذكر ابن عبد البرّ في ترجمة زيد من استيعابه: أنّ النّبيَّصلى‌الله‌عليه‌وآله بكى على جعفر وزيد، وقال:« أخَواي ومُؤنساي ومُحَدّثاي » (٣) .

ومنها: يوم مات ولده إبراهيم، إذ بكى عليه، فقال له عبد الرحمن بن عوف، كما في صفحة ١٤٨ من الجزء

____________________

(١) قد اشتمل هذا الحديث على فعل النّبيِّصلى‌الله‌عليه‌وآله وتقريره، فهو حجّة من جهتين، على أنّ بكاء سيّدة النّساءعليها‌السلام كافٍ كما لا يخفى. ( المؤلّف ).

(٢) وراجع أيضاً في بكاء النّبيِّصلى‌الله‌عليه‌وآله على عمّه حمزة وتحريض النّساء على البكاء: مسند أحمد ٢ / ٤٠، الفصول المهمّة / ٩٢، شفاء الغرام ٢/٣٤٧، ذخائر العقبى / ١٨٠، السّيرة الحلبيّة ٢ / ٢٤٧، الروض الاُنف ٦ / ٢٤.

(٣) وراجع أيضاً: ذخائر العقبى / ٢١٨، أنساب الأشراف / ٤٣، تاريخ اليعقوبي ٢ / ٦٦، تذكرة الخواصّ / ١٧٢، المعجم الكبير ٢ / ١٠٥.

الأوّل من صحيح البخاري: وأنت يا رسول الله! قال:« يابنَ عَوف، إنّها رَحمَة » (١) . ثمّ أتبعها - يعني عبرته - باُخرى، فقال:« إنّ العَينَ تدمعُ، والقلبَ يَحزنُ، ولا نَقولُ (٢) إلاّ ما يُرضي ربنَّا، وإنّا بفراقِكَ يا إبراهيمُ لمَحزونون » (٣) .

ومنها: يوم ماتت إحدى بناتهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، إذ جلس على قبرها، كما في صفحة ١٤٦ من الجزء الأوّل من صحيح البخاري، وعيناه تدمعان(٤) .

ومنها: يوم مات صبي لإحدى بناته، إذ فاضت عيناه يومئذٍ، كما في الصحيحين(٥) وغيرهما، فقال له سعد: ما هذا يا رسول الله؟!

____________________

(١) لا يخفى ما في تسميتها ( رحمة ) من الدلالة على حُسن البكاء في مثل المقام. ( المؤلّف ).

(٢) أراد بهذا: أنّ الملامة والإثم في المقام إنّما يكونان بالقول الذي يسخط الربّ عزّ وجل، كالاعتراض عليه والسّخط لقضائه، لا بمجرّد دمع العين وحزن القلب. ( المؤلف ).

(٣) وراجع أيضاً: ذخائر العقبى / ١٥٥، سيرة ابن إسحاق / ٢٧٠، العقد الفريد ٣/١٩٠.

(٤) وراجع أيضاً: ذخائر العقبى / ١٦٦، المُحلّى ٥ / ١٤٥.

(٥) راجع: صحيح البخاري ١ / ١٤٦، وصحيح مسلم - باب البكاء على الميّت. ( المؤلّف ).

قال:« هذه رَحمَةٌ جَعلَها اللهُ فِي قلوبِ عبادِه، وإنَّما يرحَم اللهُ مِن عِبادِه الرُّحَماء » (٢) .

ومنها: ما أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحَين عن ابن عمر، قال: اشتكى سعد، فعاده رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مع جماعة من أصحابه، فوجده في غشية، فبكى. قال: فلمّا رأى القوم بكاءه بكوا. الحديث(٣) .

والأخبار في ذلك لا تُحصى ولا تُستقصى(٤) .

____________________

(١) دلالة قوله:« وإنّما يرحمُ اللهُ مِن عبادِه الرُّحماء » على استحباب البكاء في غاية الوضوح كما لا يخفى. ( المؤلّف ).

(٢) فراجعه في صحيح البخاري - باب البكاء عند المريض، وفي صحيح مسلم - باب البكاء على الميّت، ولا يخفى اشتماله على كلٍّ مِن فعل النّبيِّصلى‌الله‌عليه‌وآله وتقريره، فهو حجّة من جهتين. ( المؤلّف ).

(٣) كبكائهصلى‌الله‌عليه‌وآله على عترته من بعده، المُصنّف ٨ / ٦٩٧، الفصول المهمّة / ١٥٥.

وبكائه على عليِّ بن أبي طالبعليه‌السلام لِما سيلقاه من بعده، مناقب الخوارزمي / ٢٤، ٢٦، تذكرة الخواصّ / ٤٥.

وبكائه على الحسينعليه‌السلام لمّا أخبره جبرئيل بما سيجري عليه، كما سيأتي عن قريب.

وبكائه على شهداء فخ لمّا أخبره جبرئيل بالواقعة، مقاتل الطالبيِّين / ٤٣٦.

وبكائه على جدّه عبد المطّلب، تذكرة الخواصّ / ٧.

وبكائه على أبي طالب، الطبقات ١ / ١٠٥، تذكرة الخواصّ / ٨، تاريخ اليعقوبي ٢ / ٣٥.

وبكائه على فاطمة بنت أسد، ذخائر العقبى / ٥٦، الفصول المهمّة / ١٣، مناقب ابن المغازلي / ٧٧، تاريخ اليعقوبي ٢ / ١٤.

وبكائه على اُمّه عند قبرها، المستدرك على الصحيحين ١/٣٧٥، تاريخ المدينة المنوّرة ١ / ١١٨، ذخائر العقبى / ٢٥٨، المُصنّف لابن أبي شيبة ٣ / ٢٢٤.

وبكائه على عثمان بن مظعون، المستدرك على الصحيحين ١/٣٦١، سنن البيهقي ٣ / ٤٠٧.

وبكائه على سعد بن ربيع، المغازي ١ / ٣٢٩.

وأمّا قوله وتقريره فمستفيضان، ومواردهما كثيرة:

فمنها: ما ذكره ابن عبد البر في ترجمة جعفر من استيعابه، قال: لمّا جاء النّبيَّصلى‌الله‌عليه‌وآله نعيُ جعفر(١) ، أتى

____________________

(١) هذا الحديث مشتمل على تقريرهصلى‌الله‌عليه‌وآله على البكاء وأمره به، على أنّ مجرّد صدوره من سيّدة النّساءعليها‌السلام حجّة كما لا يخفى. ( المؤلف ).

امرأته أسماء بنت عميس فعزّاها.

قال: ودخلت فاطمةعليها‌السلام وهي تبكي، وتقول:« وا عَمّاه! » . فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :« عَلى مِثلِ جعفر فلتبكِ (١) البَواكِي » (٢) .

ومنها: ما ذكره ابن جرير وابن الأثير وصاحب العقد الفريد وجميع أهل السّيَر، وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل من حديث ابن عمر في صفحة ٤٠ من الجزء الثاني من مسنده، قال: رجع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من اُحد، فجعلت نساء الأنصار يبكين على مَن قُتل من أزواجهنَّ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :« ولكِنْ حَمزَةَ لا بَواكِيَ لَه » . قال: ثمّ نام فاستنبه وهُنَّ يبكين حمزة، قال: فهنّ اليوم إذا بكين يبدأن بحمزة.

وفي ترجمة حمزة من الاستيعاب نقلاً عن الواقدي، قال: لم تبكِ امرأة من الأنصار على ميّت بعد قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :« ولكِنْ حَمزَةَ لا بَواكِيَ لَه » . إلى اليوم إلاّ بدأت بالبكاء على حمزة(١) .

____________________

(١) هذا أمرٌ منهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالبكاء ندباً على أمثال جعفر من رجال الاُمّة، وحسبك به حجّة على الاستحباب. ( المؤلّف ).

(٢) وراجع أيضاً: أنساب الأشراف / ٤٣، وتاريخ اليعقوبي ٢ / ٦٦.

(٣) وراجع أيضاً: شفاء الغرام ٢ / ٣٤٧، السّيرة النبويّة ٣ / ١٠٥، الروض الاُنف ٦ / ٢٤، ذخائر العقبى / ١٨٣، الفصول المهمّة / ٩٢.

وحسبك تلك السّيرة في رجحان البكاء على مَن هو كحمزة، وإنْ بَعُد العهد بموته.

ولا تنسَ ما في قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله :« ولكِنْ حَمزَةَ لا بَواكِيَ لَه » . من البعث على البكاء والملامة لهنّ على تركه، وحسبك به وبقوله:« على مِثل جعفر فلتَبكِ البَواكِي » . دليلاً على الاستحباب.

وأخرج الإمام أحمد من حديث ابن عبّاس، في صفحة ٣٣٥ من الجزء الأوّل، من مسنده من جملة حديث ذكر فيه موت رقيّة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وبكاء النّساء عليها، قال: فجعل عمر يضربهنّ بسوطه، فقال النّبيُّصلى‌الله‌عليه‌وآله :« دَعهنَّ يبكينَ » . ثمّ قال:« مَهما يكُنْ مِن القلبِ والعَينِ فمِن اللهِ والرَّحمة ». وقعد على شفير القبر وفاطمةعليها‌السلام إلى جنبه تبكي، قال: فجعل النّبيُّصلى‌الله‌عليه‌وآله يمسح عين فاطمة بثوبه رحمةً لها.

وأخرج أحمد أيضاً من حديث أبي هريرة، الجزء الثاني صفحة ٣٣٣ من مسنده، حديثاً جاء فيه: إنّه مرّ على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله جنازة معها بواكي، فنهرهنّ عمر، فقال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :« دَعهُنَّ، فإنّ النَّفسَ مُصابةٌ والعَينَ دامِعةٌ » . إلى غير ذلك ممّا لا يسعنا استيفاؤه.

وقد بكى يعقوب إذ غيّب الله ولده:( وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزَنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ) (١) . حتّى قيل - كما في تفسير هذه الآية من الكشّاف -: ما جفّت عيناه من وقت فراق يوسف إلى حين لقائه ثمانين عام، وما على وجه الأرض أكرم على الله منه.

وعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله - كما في تفسير هذه الآية من الكشّاف أيضاً -:« أنَّهُ سُئلَ جبرئيل عليه‌السلام : ما بلغ وَجدُ يعقوبَ على يُوسفَ؟ قال: وَجْدُ سبعينَ ثكلَى. قال: فما كانَ لهُ مِنَ الأجرِ؟

____________________

(١) سورة يوسف / ٨٤.

قال: أجرُ مئةِ شهيدٍ (١) ، وما ساء ظنُّه باللهِ قَط » .

قلتُ: أيّ عاقل يرغب عن مذهبنا في البكاء بعد ثبوته عن الأنبياء:( وَمَنْ يَرْغَب عَنْ مِلَّةِ إبْرَاهِيمُ إلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ) (٢) .

وأمّا ما جاء في الصحيحين: منْ أنّ الميّت يُعذّب لبكاء أهله عليه. وفي رواية: ببعض بكاء أهله عليه. وفي رواية: ببكاء الحيّ. وفي رواية: يُعذّب في قبره بما نيح عليه. وفي رواية: مَن يبكِ عليه يُعذّب. فإنّه خطأ من الراوي بحكم العقل والنّقل.

قال الفاضل النّووي(٣) : هذه الروايات كلُّها من رواية عمر بن الخطّاب وابنه عبد الله.

____________________

(١) هذا كالصريح في استحباب البكاء، إذ ليس المستحب إلاّ ما يترتب الثواب على فعله كما هو واضح. ( المؤلّف ).

(٢) سورة البقرة / ١٣٠.

(٣) عند ذكر هذه الروايات في باب الميّت يُعذّب ببكاء أهله عليه، من شرح صحيح مسلم. ( المؤلّف ).

قال: وأنكرت عائشة عليهما، ونسبتهما إلى النّسيان والاشتباه، واحتجّت بقوله تعالى:( وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) (١) .

قلتُ: وأنكر هذه الروايات أيضاً عبد الله بن عبّاس، واحتجّ على خطأ راويه، والتفصيل في الصحيحَين وشروحهما.

وما زالت عائشة وعمر في هذه المسألة على طرفي نقيض، حتّى أخرج الطبري(٢) في حوادث سنة ١٣ من تاريخه، بالإسناد إلى سعيد بن المسيّب، قال: لمّا تُوفّي أبو بكر، أقامت عليه عائشة النّوح، فأقبل عمر بن الخطّاب حتّى قام ببابها فنهاهنّ عن البكاء على أبي بكر، فأبين أنْ ينتهين، فقال عمر لهشام بن الوليد: ادخل فأخرج إليَّ ابنة أبي قُحافة. فقالت عائشة لهشام - حين سمعت ذلك من عمر: إنّي أحرج عليك بيتي. فقال عمر لهشام: ادخل فقد أذنت لك.

____________________

(١) سورة الأنعام / ١٦٤.

(٢) عند ذكر وفاة أبي بكر في الجزء الرابع من تاريخه. ( المؤلّف ).

فدخل هشام وأخرج اُمَّ فروة اُخت أبي بكر إلى عمر، فعلاها بالدرّة فضربها ضربات، فتفرّق النّوح حين سمعوا ذلك.

قلتُ: كأنّه لم يعلم تقريرَ النّبيِّ نساء الأنصار على البكاء على موتاهنَّ، ولم يبلغه قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله :« ولكِنْ حَمزَةَ لا بَواكِيَ لَه » . وقوله:« على مِثل جعفر فلتَبكِ البَواكِي ». وقوله:« وإنّما يَرحم اللهُ مِن عِبادِه الرُّحماء ».

ولعلّه نسي نهي النّبيِّصلى‌الله‌عليه‌وآله إيّاه عن ضرب البواكي يوم ماتت رقيّة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ونسي نهيه إيّاه عن انتهارهنّ في مقام آخر مرّ عليك آنفاً.

ثمّ إذا كان البكاء على الميّت حراماً، فلماذا أباح لنساء بني مخزوم أنْ يبكين على خالد بن الوليد(١) ؟ حتّى ذكر

____________________

(١) وبكى هو على النّعمان بن مقرن واضعاً يده على رأسه، كما نصّ عليه ابن عبد البرّ في ترجمة النّعمان من استيعابه، وفي أوائل الجزء الثاني من العقد الفريد قال: ولمّا نعي النّعمان بن مقرن إلى عمر بن الخطاب وضع يده على رأسه وصاح: يا أسفاً على النّعمان!... وبكائه على أخيه زيد معلوم بالتواتر. ( المؤلّف ).

محمّد بن سلام، كما في ترجمة خالد من الاستيعاب، أنّه لَم تبقَ امرأة من بني المغيرة إلاّ وضعت لمّتها ( أي حلقت رأسها ) على قبر خالد. وهذا حرام بلا ارتياب، والله أعلم.

المطلب الثاني: في رثاء الميّت بالقريض

ويظهر من القسطلاني في شرح البخاري(١) أنّ الجماعة يُفصِّلون القول فيه: فيحُرّمون ما اشتمل منه على مدح الميّت وذكر محاسنه الباعث على تحريك الحزن وتهييج اللوعة، ويبيحون ما عدا ذلك.

والحقّ إباحته مطلقاً؛ إذ لا دليل هنا يعدل بنا عن مقتضى الأصل، والنّواهي التي يزعمونها إنّما يُستفاد منها الكراهة في موارد مخصوصة، على أنّها غير صحيحة بلا ارتياب.

وقد رثى آدمعليه‌السلام ولده هابيل، واستمرّت على ذلك

____________________

(١) راجع: إرشاد الساري للقسطلاني ٣ / ٢٩٨، باب رثى النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله سعد بن خولي. ( المؤلّف ).

ذريّته إلى يومنا هذا بلا نكير.

وأبقى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أصحابه عليه، مع إكثارهم من تهييج الحزن به، وتفننهم بمدائح الموتى فيه، وتلك مراثيهم منتشرة في كتب الأخبار.

فراجع من الاستيعاب إنْ أردت بعضها أحوال: سيّد الشهداء حمزة، وعثمان بن مظعون، وسعد بن معاذ، وشمّاس بن عثمان بن الشريد، والوليد بن الوليد بن المغيرة، وأبي خراش الهذلي، وأياس بن البكير الليثي، وعاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل، وغيرهم.

ولاحظ من الاصابة أحوال: ذي الجناحين جعفر بن أبي طالب، وأبي زيد الطائي، وأبي سنان بن حريث المخزومي، والأشهب بن رميلة الدارمي، وزينب بنت العوام، وعبد الله بن عبد المدان الحارثي، وجماعة آخرين لا تحضرني أسماؤهم.

ودونك كتاب الدرة في التعازي والمراثي، وهو في أوَّل الجزء الثاني من العقد الفريد، تجد فيه من مراثي الصحابة ومن بعدهم شيئاً كثيراً.

وليس شيء ممّا أشرنا إليه إلاّ وقد اشتمل على ما يهيج

الحزن، ويُجدّد اللوعة بمدح الميّت وذكر محاسنه.

ولمّا تُوفّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله تنافست فضلاء الصحابة في رثائه، فرثته سيّدة نساء العالمينعليها‌السلام بأبيات تهيج الأحزان.

ذكر القسطلاني(١) في إرشاد السّاري بَيتين منها، وهما قولهاعليها‌السلام :

ماذا على مَنْ شَمَّ تُربةَ أحمدٍ

أنْ لا يشمَّ مَدى الزَّمانِ غواليَا

صُبّتْ عليَّ مصائبٌ لو أنّها

صُبّتْ على الأيامِ صرنَ لياليَا

ورثته أيضاً بأبيات تثير لواعج الأشجان، ذكر ابن عبد ربّه المالكي بيتَين منها في أوائل الجزء الثاني من العقد الفريد، وهما:

إنّا فقدناكَ فقْدَ الأرضِ وابلها

وغابَ مُذْ غبتَ عنَّا الوحيُ والكُتبُ

فليتَ قبلكَ كان الموتُ صادَفَنا

لـمّا نُعيتَ وحالتْ دونكَ الكُثبُ

____________________

(١) إرشاد السّاري ٣ / ٢١٨، باب رثى النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله سعد بن خولي. ( المؤلّف ).

ورثته عمّته صفيّة بقصيدة يائيّة، ذكر ابن عبد البرّ في أحوال النّبيِّصلى‌الله‌عليه‌وآله من استيعابه جملة منها.

ورثاه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المُطّلب بقصيدة لاميّة، ذكر بعضها صاحبا الاستيعاب والإصابة في ترجمة أبي سفيان المذكور.

ورثاه أبو ذويب الهذّلي - كما يعلم من ترجمته في الاستيعاب والإصابة - بقصيدة حائيّة، ورثاه أبو الهيثم بن التيهان بقصيدة داليّة، أشار إليها ابن حجر في ترجمة أبي الهيثم من إصابته، ورثته اُمّ رعلة القشيريّة بقصيدة رائيّة، أشار إليها العسقلاني في ترجمة اُمّ رعلة من إصابته، ورثاه عامر بن الطفيل بن الحارث الأزدي بقصيدة جيميّة، أشار إليها بن حجر في ترجمة عامر من الإصابة.

ومَن استوعب الاستيعاب، وتصفّح الإصابة واُسد الغابة، ومارس كتب الأخبار، يجد من مراثيهم المشتملة على تهييج الحزن بذكر محاسن الموتى شيئاً يتجاوز حدّ الإحصاء.

وقد أكثرت الخنساء، وهي صحابيّة، من رثاء أخَويها

صخر ومعاوية، وهما كافران، وأبدعت في مدائح صخر، وأهاجت عليه لواعج الحزن، فما أنكر عليها منكر.

وأكثر أيضاً متمّم بن نويرة من تهييج الحزن على أخيه مالك في مراثيه السّائرة، حتّى وقف مرّة في المسجد، وهو غاص بالصحابة، أمام أبي بكر بعد صلاة الصبح واتّكأ على سيّة قوسه، فأنشد:

نِعمَ القتيلُ إذا الرِّياحُ تناوَحَتْ

خلفَ البُيوتِ قتلتَ يابنَ الأزورِ

ثمّ أومأ إلى أبي بكر، كما في ترجمة وثيمة بن موسى بن الفرات من وفيات ابن خلكان، فقال مخاطباً له:

أدعوتَهُ باللهِ ثُمَّ غدرتَهُ

لَو هُوْ دعاكَ بذمَّةٍ لَمْ يغدرِ

فقال أبو بكر: والله، ما دعوته ولا غدرته.

ثمّ قال:

ولَنِعمَ حشوَ الدّرعِ كانَ وحاسراً

ولَنعمَ مأوى الطَّارقِ المتنوِّرِ

لا يُمسكُ الفحشاءَ تحتَ ثيابِهِ

حلوٌ شمائلُهُ عفيفُ المئزَرِ

وبكى حتّى انحطّ عن سيّة قوسه، قالوا: فما زال يبكي حتّى دمعت عينه العوراء.

فما أنكر عليه في بكائه ولا في رثائه منكر، بل قال له عمر - كما في ترجمة وثيمة من الوفيات -: لَوددتُ أنّك رثيت زيداً أخي بمثل ما رثيت به مالكاً أخاك. فرثى مُتمّم بعدها زيد بن الخطاب فما أجاد، فقال له عمر: لِمَ لَمْ ترثي زيداً كما رثيت مالكاً؟ فقال: إنّه والله، لَيُحرّكني لمالك ما لا يُحرّكني لزيد.

واستحسن الصحابة ومَن تأخّر عنهم مراثيه في مالك، وكانوا يتمثّلون بها، كما اتّفق ذلك من عائشة إذ وقفت على قبر أخيها عبد الرحمن، كما في ترجمته من الاستيعاب، فبكت عليه وتمثّلت:

وكُنّا كَندمانَي جذيمةَ حقبةً

من الدَّهرِ حتى قيلَ لَنْ يَتصدَّعَا

فلمَّا تَفَرّقنَا كأنِّي ومالكاً

لطولِ اجتماعٍ لَمْ نَبتْ ليلةً مَعَا

وما زال الرثاء فاشياً بين المسلمين وغيرهم في كلّ عصر ومصر لا يتناكرونه مطلقاً.

المطلب الثالث: في تلاوة الأحاديث المشتملة على مناقب الميّت ومصائبه

كما كانت عليه سيرة السّلف، وفعلته عائشة إذ وقفت على قبر أبيها باكية، فقالت: كُنتَ للدُّنيا مُذلاً بإدبارك عنها، وكُنتَ للآخرة مُعزّاً بإقبالك عليها، وكان أجلّ الحوادث بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله رزؤك، وأعظم المصائب بعده فقدك.

وفعله محمّد بن الحنفيّة إذ وقف على قبر أخيه المجتبىعليه‌السلام ، فخنقته العبرة - كما في أوائل الجزء الثاني من العقد الفريد - ثمّ نطف فقال: يرحمك الله أبا محمّد، فإنْ عزّتْ حياتُكَ فقد هدّتْ وفاتُكَ، ولَنِعم الرّوح روح ضمّه بدنك، ولَنِعم البدن بدن ضمّه كفنك، وكيف لا تكون

كذلك وأنت بقيّة ولد الأنبياء، وسليل الهدى، وخامس أصحاب الكساء؛ غذّتك أكفّ الحقّ، وربيت في حجر الإسلام، فطبت حيّاً وطبت ميّتاً، وإنْ كانت أنفسنا غير طيّبة بفراقك، ولا شاكّة في الخيار لك. ثمّ بكى بكاءً شديداً، وبكى الحاضرون حتّى سمع نشيجهم(١) .

ووقف أمير المؤمنينعليه‌السلام على قبر خباب بن الأرت في ظهر الكوفة، وهو أوّل مَن دُفن هناك كما نصّ عليه ابن الأثير في آخر تتمّة صفين، فقال:« رَحم اللهُ خباباً، لقد أسلَمَ راغِباً وجاهَد طائِعاً، وعاش مُجاهِداً، وابتلى في جِسمِهِ أحوالاً، ولَنْ يضيع اللهُ أجرَ مَنْ أحسنَ عملاً ».

ولمّا تُوفّي أميرُ المؤمنينعليه‌السلام ، قام الخلف من بعده أبو محمّد الحسن الزكيعليه‌السلام خطيباً، فقال، كما في حوادث سنة ( ٤٠ هـ ) من تاريخ ابن جرير وابن الأثير وغيرهما:« لَقد قَتلتُمْ اللَّيلَةَ رَجُلاً، والله، ما سَبقهُ أحَدٌ كانَ قَبلَه، ولا يُدركُهُ أحدٌ يكونُ بَعدهُ،

____________________

(١) العقد الفريد ٢ / ٨ و ٣ / ١٩٧، تذكرة الخواصّ / ٢١٣.

إنْ كانَ رسولُ اللهِ صلى‌الله‌عليه‌وآله ليبعَثَه في السّريّة وجبرئيلُ عَن يمينِهِ وميكائيلُ عَن يَسارِهِ، ما تَرَك صفراءَ ولا بَيضاءَ... » .

ووقف الإمام زين العابدين على قبر جدّه أمير المؤمنينعليهما‌السلام ، فقال:« أشهدُ أنّكَ جاهدتَ في اللهِ حقَّ جِهادِه، وعملتَ بِكتابِه، واتّبعتَ سُننَ نبيِّهِ صلى‌الله‌عليه‌وآله حَتّى دَعاكَ اللهُ إلى جِوارِه، فقَبضَكَ إليهِ باختيارِه، لكَ كريمُ ثوابِهِ، وألزَمَ أعداءَكَ الحُجَّةَ مع ما لَكَ مِنْ الحُجَجِ البالِغةِ على جَميعِ خَلقِهِ » .

وعن أنس بن مالك، كما في العقد الفريد وغيره، قال: لمّا فرغنا من دفن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بكت فاطمةعليها‌السلام ونادت:« يا أبتاه! أجابَ ربّاً دَعاه، يا أبتاه! مِنْ ربِّهُ ما أدناه، يا أبتاه! إلى جِبرَئيل نَنعاهُ، يا أبتاه! جَنّةُ الفِردَوسِ مأواه ».

ولَو أردنا أنْ نستوفي ما كان من هذا القبيل، لخرجنا عن الغرض المقصود.

وحاصله : أنّ تأبين الموتى من أهل الآثار النافعة، بنشر مناقبهم وذكر مصائبهم، ممّا حكم بحسنه العقل والنّقل،

واستمرّت عليه سيرة السّلف والخلف، وأوجبته قواعد المدنيّة، واقتضته اُصول الترقّي في المعارف؛ إذ به تُحفظ الآثار النافعة، وبالتنافس فيه تعرج الخطباء إلى أوج البلاغة.

والقول بتحريمه يستلزم تحريم قراءة التاريخ وعلم الرجال، بل يستوجب المنع من تلاوة الكتاب والسنَّة؛ لاشتمالهما على جملة من مناقب الأنبياء ومصائبهم، ومَن يرضى لنفسه هذا الحمق أو يختار لها هذا العمى؟! نعوذ بالله من سفه الجاهلين.

المطلب الرابع: في الجلوس حُزناً على الموتى من أهل الحفائظ والأيادي المشكورة

وحسبك في رجحان ذلك، ما تواتر عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من الحزن الشديد على عمّه أبي طالب، وزوجته الصدِّيقة الكبرى اُمّ المؤمنينعليهما‌السلام ، وقد ماتا في عام واحد، فسُمّي: عام الحزن، وهذا معلوم بالضرورة من أخبار الماضين.

وأخرج البخاري في باب مَن جلس عند المصيبة يعرف فيه الحزن، من الجزء الأوّل من صحيحه، بالإسناد إلى عائشة، قالت: لمّا جاء النّبيَّصلى‌الله‌عليه‌وآله قتْلُ ابن حارثة وجعفر وابن رواحة، جلس ( أي في المسجد، كما في رواية أبي داود ) يعرف فيه الحزن.

وأخرج البخاري في الباب المذكور أيضاً، عن أنس قال: قنت رسولُ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله شهراً حين قُتل القرآء، فما رأيته حزن حزناً قط أشدّ منه...(١) .

والأخبار في ذلك أكثر من أنْ تُحصى أو تُستقصى.

والقول: بأنّه إنّما يحسن ترتيب آثار الحزن إذا لَم يتقادم العهد بالمصيبة، مدفوعٌ: بأنّ من الفجائع ما لا تخبو زفرتها ولا تخمد لوعتها، فقرب العهد بها وبعده عنها سواء.

نعم، يتمّ قول هؤلاء اللائمين إذا تلاشى الحزن بمرور الأزمنة، ولم يكُنْ دليلٌ ولا مصلحة يوجبان التعبّد بترتيب آثاره.

وما أحسن قول القائل في هذا المقام:

خلّي اُميمةُ عَنْ مَلا

مِكِ ما المُعزّى كالثَّكولِ

ما الراقدُ الوسنانُ مِثْ

لُ مُعذَّبِ القلبِ العليلِ

____________________

(١) وأخرجه مسلم أيضاً في باب التشديد في النّياحة من صحيحه. ( المؤلّف ).

سَهرانُ مِنْ ألمٍ وها

ذا نائمُ اللَّيلِ الطَّويلِ

ذوقِي اُميمةُ ما أذوْ

قُ وبعدهُ ما شئتِ قولِي

على أنّ في ترتيب آثار الحزن بما أصاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من تلك الفجائع، وحلّ بساحته من هاتيك القوارع، حكماً توجب التعبّد بترتيب آثار الحزن بسببها على كلّ حال، والأدلّة على ترتيب تلك الآثار في جميع الأعصار متوفّرة، وستسمع اليسير منها إنْ شاء الله تعالى.

وقد علمت سيرة أهل المدينة الطيّبة، واستمرارها على ندب حمزة وبكائه مع بعد العهد بمصيبته، فلم ينكر عليهم في ذلك أحد، حتّى بلغني أنّهم لا يزالوا إلى الآن إذا ناحوا على ميّت بدوا بالنّياحة عليه، وما ذاك إلاّ مواساة لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بمصيبته في عمّه، وأداء لحقّ تلك الكلمة التي قالها في البعث على البكاء عليه، وهي قوله:« ولكِنْ حَمزةَ لا بَواكِي لَه » .

وكان الأولى لهم ولسائر المسلمين مواساته في الحزن على أهل بيتهعليهم‌السلام ، والاقتداء به في البكاء عليهم، وقد لام بعضُ أهل البيتعليهم‌السلام مَنْ لم يواسِهم في ذلك، فقالعليه‌السلام :« يا للهِ

لِقلبٍ لا يَنصدعُ لِتذكارِ تلكَ الاُمورِ! ويا عَجباً مِن غَفلةِ أهلِ الدّهور! وما عذرُ أهلِ الإسلامِ والإيمانِ في إضاعةِ أقسامِ الأحزانِ؟! ألم يعلموا أنّ محمّداً صلى‌الله‌عليه‌وآله موتورٌ وجيعٌ، وحَبيبَهُ مقهورٌ صريعٌ؟!... » . وقالعليه‌السلام :«... وقَد أصبَحَ لَحمُهُ صلى‌الله‌عليه‌وآله مُجرّداً على الرّمالِ، ودَمُهُ الشّريفُ مَسفوكاً بِسيوفِ أهلِ الضّلالِ، فيا لَيتَ لِفاطمةَ وأبيها عيناً تنظرُ إلى بناتِها وبنيِها، وهُمْ ما بَينَ مَسلوبٍ وجَريحٍ، ومَسحوبٍ وذَبيحٍ... » . إلى آخر كلامهعليه‌السلام .

ومَن وقف على كلام أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام في هذا الشأن، لا يتوقّف في ترتيب آثار الحزن عليهم مدى الدوران، لكنّا منينا بقوم لا ينصفون، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

المطلب الخامس: في الإنفاق على الميّت في وجوه البرّ والإحسان

ويكفي في استحبابه عمومُ ما دلّ على استحباب مطلق المبرّات والخيرات، على أنّ فعل النّبيِّصلى‌الله‌عليه‌وآله وقوله دالاّن على الاستحباب في خصوص المقام، وحسبك من فعله: ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحَيهما(١) بطرق متعدّدة عن عائشة: ما غِرتُ على أحد من نساء النّبيِّصلى‌الله‌عليه‌وآله ما غِرتُ على خديجة، وما رأيتها، ولكنْ كان النَّبيُّصلى‌الله‌عليه‌وآله يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يُقطّعها أعضاءً ثمّ يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلتُ له: كأنْ لَم يكن في الدُّنيا إلاّ خديجة! فيقولصلى‌الله‌عليه‌وآله :« إنّما كانَتْ وكانَ لي مِنها ولدٌ » .

قلتُ: وهذا يدلّ على استحباب صلة أصدقاء الميّت

____________________

(١) فراجع من صحيح البخاري، باب تزويج النّبيِّصلى‌الله‌عليه‌وآله خديجة وفضلها، ومن صحيح مسلم، باب فضائل خديجة اُمّ المؤمنينعليها‌السلام . ( المؤلّف ).

وأوليائه في الله عزّ وجل بالخصوص.

ويكفيك من قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله ما أخرجه مسلم في باب وصول ثواب الصدقة عن الميّت إليه، من كتاب الزكاة، في الجزء الأوّل من صحيحه بطرق متعدّدة، عن عائشة: أنّ رجلاً أتى النّبيَّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال: يا رسول الله، إنّ اُمّي افتلتت(١) نفسها ولَم توصِ، أفلها أجر إنْ تصدّقتُ عنها؟ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله :« نعَمْ » .

ومثله: ما أخرجه أحمد من حديث عبد الله بن عبّاس، في ص٣٣٣ من الجزء الأوّل من مسنده، من أنّ سعد بن عبادة قال: إنّ ابن بكر أخا بني ساعدة تُوفّيت اُمّه وهو غائب عنها، فقال: يا رسول الله، إنّ اُمّي تُوفّيتْ وأنا غائب عنها، فهل ينفعها إن تصدقتُ بشيء عنها؟ قال:« نعَمْ » . قال: فإنّي اُشهدك أنّ حائطَ المخرف صدقة عليها.

والأخبار في ذلك متضافرة، ولا سيّما من طريق العترة الطاهرةعليهم‌السلام (٢) .

____________________

(١) أي: ماتت فجأة وأخذت نفسها فلتة.(موقع معهد الإمامَين الحسَنين)

(٢) وربما كان المُنكِر علينا فيما نفعله من المبرّات عن الحسينعليه‌السلام ، لا يقنع بأقوال النّبيِّصلى‌الله‌عليه‌وآله ولا بأفعاله، وإنّما تقنعه أقوالُ سلفه وأفعالهم، وحينئذٍ نحتجّ عليه بما فعله الوليد بن عقبة بن أبي معيط الاُموي، إذ مات لبيد بن ربيعة العامري الشاعر، فبعث الوليد إلى منزله عشرين جزوراً، فنُحرت عنه، كما نصّ عليه ابن عبد البر في ترجمة لبيد من الاستيعاب ( المؤلّف ).

فصلٌ: مآتمنا المختصّة بسيّد الشهداءعليه‌السلام

كلّ مَن وقف على ما سلف من هذه المُقدّمة، يعلم أنّه لا وجه للإنكار علينا في مآتمنا المختصّة بسيّد الشهداءعليه‌السلام ؛ ضرورة أنّه لا تشتمل إلاّ على تلك المطالب الخمسة، وقد عرفت إباحتها بالنّسبة إلى مطلق الموتى من كافّة المؤمنين.

وما أدري كيف يستنكرون مآتم انعقدت لمواساة

النّبيِّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، واُسّست على الحزن لحزنه؟! أيبكي - بأبي هو واُمّي - قبل الفاجعة، ونحن لا نبكي بعدها؟! ما هذا شأن المتأسّي بنبيّه والمقتصّ لأثره، إنّ هذا إلاّ خروج عن قواعد المتأسّين، بل عدول عن سنن النّبيِّين.

بكاء النَّبيِّصلى‌الله‌عليه‌وآله على الحسينعليه‌السلام في مصادر العامّة:

ألم يروِ الإمام أحمد بن حنبل من حديث عليٍّعليه‌السلام في مسنده ١ / ٨٥، بالإسناد إلى عبد الله بن نجا عن أبيه: أنّه سار مع عليٍّعليه‌السلام ، فلمّا حاذى نينوى، وهو منطلق إلى صفين، نادى:« صَبراً أبا عبدِ اللهِ، صبراً أبا عبدِ اللهِ بِشطِّ الفُرات » . قال: قلتُ: وما ذاك؟ قالعليه‌السلام :« دَخلتُ على رسولِ اللهِ صلى‌الله‌عليه‌وآله ذاتَ يومٍ وعيناهُ تفيضان، قلتُ: يا نبيَّ اللهِ، ما شأنُ عينَيكَ تفيضان؟ قال: قامَ من عندِي جبرئيلُ قبلُ، فحدّثني أنّ ولدِي الحُسينَ يُقتل بشطِّ الفُراتِ. قال: فقال: هل لك إلى أنْ أشمّكَ مِنْ تُربتِهِ؟ قال: قلتُ: نعمْ. فمدَّ يدَهُ فقَبضَ قبضةً مِن تُرابٍ

فأعطانيهِ، فلَمْ أملك عَينَيَّ إنْ فاضتا » (١) .

وأخرج ابن سعد، كما في الفصل الثالث من الباب الحادي عشر من الصواعق المحرقة لابن حجر(٢) ، عن الشعبي، قال: مرّ عليٌّرضي‌الله‌عنه بكربلاء عند مسيره إلى صفين، وحاذى نينوى، فوقف وسأل عن اسم الأرض، فقيل: كربلاء. فبكى حتّى بلّ الأرض من دموعه، ثمّ قال:« دَخلتُ على رسولِ اللهِ صلى‌الله‌عليه‌وآله وهو يبكِي، فقلتُ: ما يُبكيك - بأبي أنت واُمّي -؟ قال: كانَ عندي جِبرائيلُ آنفاً، وأخبرني أنّ ولديَ الحسينَ يُقتلُ بشاطئِ الفُراتِ، بمَوضعٍ يُقال لَهُ كربَلاء » (٣) .

____________________

(١) الصواعق المحرقة ٢ / ٥٦٦، وراجع أيضاً: مسند أبي يعلى / ٣٦٣، مسند البزّار / ٨٨٤، والذخائر للمُحب الطبري / ١٤٨، المعجم الكبير / ٢٨١١، مجمع الزوائد ٩ / ١٨٧، وقال: رجالُه ثقات. سِيَر أعلام النُّبلاء ٣ / ٢٨٨.

(٢) كلّ ما ننقله في هذا المقام عن الصواعق، من هذا الحديث وغيره، موجود في أثناء كلامه في الحديث الثلاثين من الأحاديث التي أوردها في ذلك الفصل، فراجع. ( المؤلّف ).

(٣) الصواعق المحرقة ٢ / ٥٦٦، وراجع أيضاً: المعجم الكبير للطبراني / ٢٨١١، مجمع الزوائد ٩ / ١٨٧، وقال: رجالُه ثقات.

وأخرج الملاّ، كما في الصواعق(١) أيضاً: أنّ عليّاً مرّ بموضع قبر الحسينعليهما‌السلام ، فقال:« ها هُنا مناخُ ركابِهمْ، وها هُنا موضِعُ رحالِهمْ، وها هُنا مِهراق دِمائِهمْ؛ فتيةٌ مِن آلِ مُحمّدٍ يُقتلون بهذهِ العرصة، تبكِي عليهم السّماءُ والأرضُ » (٢) .

ومن حديث اُمّ سلمة، كما نصّ عليه ابن عبد ربّه المالكي(٣) ، حيث ذكر مقتل الحسينعليه‌السلام في الجزء الثاني من العقد الفريد، قالت: كان عندي النّبيُّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومعي الحسينعليه‌السلام ، فدنا من النّبيِّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فأخذته فبكى فتركته،

____________________

(١) الصواعق المحرقة ٢ / ٥٦٦.

(٢) وهذا الحديث رواه أصحابنا بكيفيّة مشجية عن الباقر (عليه الصلاة والسّلام)، ورووه عن هرثمة وعن ابن عبّاس، وإنْ أردت الوقوف عليه فدونك الخصائص الحسينيّة / ١٠٨ - ١١٢ ( المؤلّف ).

(٣) في سطر ١٥ من ص٢٤٣ من جزئه الثاني، المطبوع سنة ١٣٠٥ هـ، وفي هامشه زهر الآداب. ( المؤلّف ).

فدنا منهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فأخذته فبكى فتركته، فقال له جبرئيل: أتحبّهُ يا محمّد؟ قال:« نَعَم » . قال: أما إنّ اُمّتك ستقتله، وإنْ شئتَ أريتك الأرض التي يُقتل بها. فبكى النّبيُّصلى‌الله‌عليه‌وآله (١) .

وروى الماوردي الشافعي - في باب إنذار النّبيِّصلى‌الله‌عليه‌وآله بما سيحدث بعده(٢) ، من كتابه أعلام النبوّة - عن عروة، عن عائشة، قالت: دخل الحسينُ بن عليٍّ على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو يوحى إليه، فقال جبرائيل: إنّ اُمّتك ستفتتن بعدك وتقتل ابنك هذا من بعدك. ومدّ يده فأتاه بتربة بيضاء، وقال: في هذه يُقتل ابنك، اسمها الطفِّ. قال: فلمّا ذهب جبرائيل، خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى أصحابه والتربة بيده، وفيهم: أبو بكر وعمر، وعليٌّعليه‌السلام وحذيفة، وعثمان وأبو ذر، وهو يبكي، فقالوا: ما يُبكيك يا رسول الله؟ فقال:« أخبَرني جِبرائيلُ: أنّ ابني الحسَينَ يُقتل بَعدي

____________________

(١) وأخرج البغوي في معجمه، وأبو حاتم في صحيحه من حديث أنس، كما في الصواعق، نحوه. ( المؤلّف ). راجع: الصواعق المحرقة ٢ / ٥٦٤ - ٥٦٥.

(٢) وهو الباب الثاني عشر في ص٢٣ من ذلك الكتاب. ( المؤلّف ).

بأرضِ الطَّفِّ، وجاءني بِهذهِ التُّربةِ، فأخبَرَنِي أنّ فيها مَضجَعهُ » .

وأخرج الترمذي، كما في الصواعق وغيرها: أنّ اُمّ سلمة رأت النّبيَّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فيما يراه النائم، باكياً وبرأسه ولحيته التراب، فسألته، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله :« قُتلَ الحُسينُ آنفاً » (١) .

قال في الصواعق: وكذلك رآه ابن عبّاس نصف النّهار أشعثاً أغبراً، بيده قارورة فيها دم يلتقطه، فسأله، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله :« دَمُ الحُسينِ وأصحابِهِ، لَم أزَلْ أتتبّعه مُنذُ اليومِ » (٢) . قال: فنظروا فوجدوه قد قُتل في ذلك اليوم(٣)(٤) .

____________________

(١) سنن الترمذي / ٣٧٧٤، الصواعق المحرقة ٢ / ٥٦٧، ذخائر العقبى / ١٤٨.

(٢) وأخرجه من حديث ابن عبّاس أحمد بن حنبل في المسند ١ / ٢٨٣، وابن عبد البر والعسقلاني في ترجمة الحسينعليه‌السلام من الاستيعاب والإصابة، وخلق كثير. ( المؤلّف ).

(٣) وراجع أيضاً: الصواعق المحرقة ٢ / ٥٦٧، المعجم الكبير / ٢٨٢٢، مختصر تاريخ ابن عساكر ٧ / ١٥٢، سِيَر أعلام النبلاء ٣ / ٣١٥، البداية والنّهاية ٨ / ٢٠٠، ذخائر العقبى / ١٤٨.

(٤) وللمزيد حول بكاء النّبيِّصلى‌الله‌عليه‌وآله على الحسينعليه‌السلام في مصادر أهل السُنّة راجع: مستدرك الحاكم ٣ / ١٧٦ و ٤ / ٣٩٨، تاريخ الخميس ١ / ٣٠٠، ٤١٨، الأمالي للشجري / ١٦٥، كنز العمال ١٣ / ١١١ و ٦ / ٢٢٣، مقتل الحسينعليه‌السلام ١ / ١٥٨، ١٥٩، ١٦٣، وسيلة المآل / ١٨٣، الفصول المهمّة / ١٥٤، ينابيع المودّة / ٣١٨ و ٣٢٠، الفتح الكبير ١ / ٥٥، روض الأزهر / ١٠٤، الكواكب الدرّيّة ١ / ٥٦، الخصائص الكبرى ٢ / ١٢٦، تاريخ الخلفاء / ١٠، التاج الجامع ٣ / ٣١٨، الكامل في التاريخ ٣ / ٣٠٣، ذخائر المواريث ٤ / ٣٠٠، تاريخ الإسلام ٢ / ٣٥٠، كفاية الطالب / ٢٨٦، مصابيح السنَّة / ٢٠٧، تاريخ الرقّة / ٧٥، نظم درر السّمطين / ٢١٥، الغُنية لطالبي طريق الحقِّ ٢ / ٥٦، لسان العرب ١١ / ٣٤٩، النّهاية ٢ / ٢١٢.

وراجع أيضاً: كتاب سيرتنا وسنّتنا للعلاّمة الأميني، وكتاب أنباء السّماء برزيّة كربلاء للمحقّق الطباطبائي، وكتاب إحقاق الحق - المجلّد الحادي عشر.

بكاء النّبيِّصلى‌الله‌عليه‌وآله على الحسينعليه‌السلام في مصادر الشيعة:

وأمّا صحاحنا، فإنّها متواترة في بكائهصلى‌الله‌عليه‌وآله على الحسينعليه‌السلام في مقامات عديدة: يوم ولادته وقبله، ويوم السّابع من مولده، وبعده في بيت فاطمة، وفي حجرته،

وعلى منبره، وفي بعض أسفاره.

تارة يبكيه وحده، يُقبّله في نحره ويبكي، ويُقبّله في شفتَيه ويبكي، وإذا رآه فَرِحاً يبكي، وإذا رآه حَزِناً يبكي؛ بل صحّ أنّه قد بكاه: آدم ونوح، وإبراهيم وإسماعيل، وموسى وعيسى، وزكريّا ويحيى، والخضر وسليمانعليهم‌السلام . وتفصيل ذلك كلّه موكول إلى مظانّه من كتب الحديث(١) .

إقامة الأئمّةعليهم‌السلام المأتم على الحسينعليه‌السلام وحث أولياؤهم على ذلك

وأمّا أئمّة العترة الطاهرةعليهم‌السلام الذين هم كسفينة نوح، وباب حطّة،

____________________

(١) فراجع: الخصائص الحسينيّة / ١٠٥ - ٢٣٢، وإنْ شئتَ فراجع: جلاء العيون، أو البحار، أو غيرهما. ( المؤلّف ).

وراجع: أمالي الصدوق - المجلس ٩٢، كامل الزيارات / ٦٧ - ٦٨، ٨٣ - ٨٤، ٩٢، ١١٥، ١٩٢، علل الشرائع ١ / ١٥٤، الكافي ١ / ٢٨٣، ٥٣٤، مناقب آل أبي طالب ٤ / ٥٥، المحتضر / ١٤٦ - ١٤٧، بحار الأنوار ٤٥ / ٢٢٠ - ٢٢٩، الباب ٤١.

وأمان أهل الأرض، وأحد الثقلين اللذين لا يضلّ مَن تمسّك بهما ولا يهتدي إلى الله من صدّ عنهما، فقد استمرّت سيرتهم على النّدب والعويل، وأمروا أولياءهم بإقامة مآتم الحزن، جيلاً بعد جيل.

فعن الصادقعليه‌السلام ، فيما رواه ابن قولويه في الكامل، وابن شهر آشوب في المناقب وغيرهما:« إنَّ عليَّ بنَ الحسين عليهما‌السلام بكى على أبيهِ مُدّةَ حياتِهِ، وما وُضِعَ بَينَ يدَيهِ طعامٌ إلاّ بكى، ولا اُتِيَ بشرابٍ إلاّ بكى حتّى قال له أحدُ مواليه: جُعلتُ فِداك يابن رسولِ الله، إنّي أخافُ أنْ تكون مِنَ الهالكين » . قالعليه‌السلام :« إنّما أشكو بثِّي وحُزني إلى الله، وأعلمُ مِن اللهِ ما لا تَعلمونَ » .

وروى ابن قولويه وابن شهر آشوب أيضاً وغيرهما: أنّه لمّا كثر بكاؤه، قال له مولاه: أما آنَ لحُزنك أنْ ينقضي؟ فقال:« وَيحَك! إنّ يعقوبَ عليه‌السلام كانَ لَه اثنا عَشرَ وَلداً، فَغيّبَ اللهُ واحداً مِنهُمْ فابيضّتْ عَيناهُ مِنْ كثرةِ بُكائِهِ عليهِ، واحدَودَب ظهرُه مِن الغَمِّ، وابنُه حَيٌّ في الدُّنيا، وأنا نَظرتُ إلى أبي وأخي، وعمومَتي وسبعةَ عشرَ مِن أهلِ بَيتي

مقتولين حَولي، فَكيف ينقَضي حُزني؟! » .

وعن الباقرعليه‌السلام (١) قال:« كانَ أبي عليُّ بنُ الحسينِ (صَلواتُ اللهِ عليهِ) يقول: أيّما مُؤمنٍ دَمعتْ عَيناه لِقتلِ الحسين بن عليٍّ عليه‌السلام دَمعةً حتّى تسيلُ على خَدّه، بوّأه اللهُ تعالى في الجنّةِ غُرفاً يسكنها أحقاباً.

وأيّما مُؤمنٍ دَمعتْ عَيناه حتّى تَسيلَ على خدِّه فينا، لأذىً مَسّنا مِن عدوِّنا في الدُّنيا، بوّأه الله في الجنَّة مبوّأ صِدقٍ، وأيّما مُؤمنٍ مَسّهُ أذىً فينا فدمعت عيناه حتّى تسيلَ على خدِّه صرفَ اللهُ عن وجههِ الأذى، وآمنَهُ يومَ القيامةِ مِن سخطهِ والنّارِ » (٢) .

وقال الرضاعليه‌السلام (٣) ، وهو الثامن من أئمّة الهدى (صلوات الله وسلامه عليهم):« إنّ المُحرّمَ شهرٌ كان أهلُ الجاهليّة يُحرّمونَ فيه القتالَ، فاستُحلَّتْ فيه دِماؤنَا، وهُتكتْ فيه حُرمتُنَا،

____________________

(١) فيما أخرجه جماعة، منهم: ابن قولويه في كامله. ( المؤلّف ).

(٢) كامل الزيارات / ١٠٠. وراجع: تفسير القمّي / ٦١٦، ثواب الأعمال / ٤٧، بحار الأنوار ٤٤ / ٢٨١.

(٣) فيما أخرجه الصدوق في أماليه وغير واحد من أصحابنا. ( المؤلّف ).

وسُبيتْ فيه ذرارينَا ونساؤنَا، واُضرِمتْ فيه النّارُ في مَضارِبنَا، وانتُهبَ ما فيها مِن ثقلِنا (١) ، ولَمْ ترعَ لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله حُرمةٌ في أمرِنا.

إنّ يومَ الحُسينِ أقرحَ جفونَنا، وأسبلَ دموعَنا، وأذلّ عزيزَنا.... فَعلى مثلِ الحسينِ فليبكِ الباكون؛ فإنّ البكاءَ عليه يحطّ الذنوبَ العِظام ». ثمّ قالعليه‌السلام :« كانَ أبي إذا دخلَ شهرُ المُحرّمِ، لا يُرى ضاحِكاً، وكانت الكآبةُ تغلبُ عليه حتّى يمضي منه عشرةُ أيّام، فإذا كانَ يوم العاشرِ كانَ ذلك اليوم يومَ مصيبتِهِ وحُزنِهِ وبُكائِهِ » (٢) . وقالعليه‌السلام (٣) :« مَنْ تذكَّرَ مُصابَنا وبكى لِما ارتُكِبَ منّا، كانَ معنا في درجتِنَا يومَ القيامةِ، ومَن ذكَر مُصابَنَا فَبكى

____________________

(١) الثقل: وزان سبب متاع المسافر، وكلّ شيء نفيس مصون. ( المؤلّف ).

(٢) أمالي الصدوق - المجلس السابع والعشرون - الرقم الثاني، وراجع: بحار الأنوار ٤٤ / ٢٨٣.

(٣) فيما أخرجه الصدوق في أماليه. ( المؤلّف ).

وأبكى، لَم تبكِ عينُهُ يومَ تبكي العيونُ، ومَنْ جَلَس مَجلِساً يُحيَى فيهِ أمرُنا، لَم يمُتْ قلبُهُ يومَ تموتُ القلوبُ » (١) .

وعن الريّان بن شبيب، فيما أخرجه الشيخ الصدوق في العيون، قال: دخلتُ على الرِّضاعليه‌السلام في أوّل يوم من المُحرّم، فقال لي:« يابنَ شَبيب، إنّ المُحرّمَ هو الشّهرُ الذي كانَ أهلُ الجاهليّةِ فيما مَضى يُحرّمون فيهِ الظُّلمَ والقِتالَ لِحُرمَتِهِ، فَما عرفتْ هذه الاُمّةُ حُرمةَ شهرِها، ولا حُرمَةَ نبيِّها صلى‌الله‌عليه‌وآله ; إذ قَتلوا في هذا الشَّهرِ ذُرِّيَّتهُ، وسَبَوا نساءَه، وانتهبُوا ثِقلَهُ... يابنَ شَبيب، إنْ كُنتَ باكِياً لِشيءٍ فابكِ لِلحسينِ عليه‌السلام ؛ فإنّه ذُبِحَ كما يُذبَحُ الكَبشُ (٢) ،وقُتِل معه مِن أهلِ بيتهِ

____________________

(١) أمالي الصدوق - المجلس السّابع عشر - الرقم الرابع، وراجع: عيون أخبار الرضاعليه‌السلام ١ / ٢٩٤، بحار الأنوار ٤٤ / ٢٧٨.

(٢) إنّ التعبير كهذا ممّا يدلّك على غاية همجيّة القوم، وشقائهم وبُعدهم عن العطف الإنساني، بالإضافة على قتلهم ريحانة الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهتكهم حرمته في سبطه ( روحي فداه ).

وقد أجمل الإمام (عليه أفضل الصلاة والسّلام) لمّا أدى عن الفاجعة وأهمّيّتها بهذا الكلام القصير، وأشار به إلى معنى جسيم يُدركه الباحث المُتعمّق بعد التحليل والاختبار، ويندهش المجموع البشري لمثل هذه الرزيّة، عندما علم أنّه لَم يوجد بين تلك الجموع المحتشدة في كربلاء مَن يردعهم عن موقفهم البغيض، ولا أقل من تسائل بعضهم: لماذا نُقاتل الحسين؟ وبأيّ عمل استحقّ ذلك منّا؟ أو هل كان دمُ الحسينعليه‌السلام مُباحاً إلى حدّ إباحة دم الكبش، ويُذبح - بأبي هو واُمّي! - بلا ملامةٍ لآثم، ومِنْ دون خشية محاسب؟! ( المؤلّف ).

ثمانيةَ عشرَ رجلاً، ما لَهُمْ في الأرضِ مِنْ شَبيهٍ، ولَقد بَكتْ السّماواتُ السَّبع لِقتلِه... » .

إلى أنْ قال:« يابنَ شَبيب، إنْ سَرّكَ أنْ تكونَ معنا في الدَّرجاتِ العُلا من الجنانِ، فاحزَنْ لِحُزنِنا وافرَحْ لِفَرحِنا، وعليكَ بولايَتِنا... » (١) .

وقالعليه‌السلام ، فيما أخرجه الصدوق في أماليه:« مَن تَركَ السَّعيَ في حوائِجِهِ يومَ عاشوراء قضَى اللهُ لهُ حوائجَ الدُّنيا والآخِرةِ، ومَن كانَ يومُ عاشوراء يومَ مُصيبَتِهِ وحُزنِهِ وبُكائِهِ،

____________________

(١) عيون أخبار الرضاعليه‌السلام ١ / ٢٩٩، وراجع: أمالي الصدوق - المجلس ٢٧، بحار الأنوار ٤٤ / ٢٨٥.

جعلَ اللهُ عزّ وجل يومَ القيامةِ يومَ فَرحِهِ وسرورِهِ وقرّت بنا في الجنانِ عينُه... » (١) .

وبكى (صلوات الله عليه) إذ أنشده دعبل بن عليٍّ الخُزاعي قصيدته التائيّة السائرة، التي اُغمي عليه في أثنائها مرّتين، كما نصّ عليه الفاضل العبّاسي في ترجمة دعبل من معاهد التنصيص، وغيره من أهل الأخبار.

وفي البحار وغيره: أنّهعليه‌السلام أمر - قبل إنشادها - بسترٍ فضُرب دون عقائله، فجلسنَ خلفه يسمعن الرثاء ويبكينَ على جدّهن سيد الشهداءعليه‌السلام ، وأنّه قال يومئذ:« يا دِعبلُ، مَن بَكى أو أبكَى على مُصابِنا ولَو واحداً كانَ أجرُهُ على اللهِ. يا دعبلُ، مَنْ ذرفتْ عَيناهُ على مُصابِنا حشرَه اللهُ مَعنا ».

وحدّث محمّد بن سهل، كما في ترجمة الكميت من معاهد التنصيص، قال: دخلت مع الكميت على أبي عبد الله

____________________

(١) أمالي الصدوق - المجلس السّابع والعشرون - الرقم الرابع، وراجع: بحار الأنوار ٤٤ / ٢٨٤.

جعفر بن محمّد الصّادقعليه‌السلام في أيّام التشريق، فقال له: جُعلت فداك! ألا أنشدك؟ قال:« إنّها أيّامٌ عِظام » . قال: إنّها فيكم. قالعليه‌السلام :« هاتْ » . وبعث أبو عبد الله إلى بعض أهله فقرب، فأنشده، في رثاء الحسينعليه‌السلام ، فكثر البكاء حتّى أتى على هذا البيت:

يُصيبُ به الرَّامُونَ عَنْ قَوسِ غَيرِهِمْ

فَيَا آخِراً أسدَّى له الغَيَّ أوَّلُ

قال: فرفع أبو عبد اللهعليه‌السلام يدَيهِ، فقال:« اللهمّ، اغفِرْ للكُميتْ ما قدَّمَ وما أخّرَ، وما أسرَّ وما أعلنَ حتّى يَرضَى » (١) .

____________________

(١) بخٍ بخٍ، هنيئاً لمَن نال من أئمّة الهُدىعليهم‌السلام بعضَ ذلك، وأنت تعلم أنّهعليه‌السلام لَم يبتهل بالدُّعاء للكميت هذا الابتهال إلاّ لِما دلّ عليه بيته هذا من معرفته بحقيقة الحال.

وقد أكثر الشعراء من نظم هذا المعنى، فنظمه المهيار في قصيدته اللاميّة، وقبل ذلك نظمه الشريف الرضي، فقال:

بَنى لَهُمُ الماضونَ آساسَ هَذِهِ

فَعَلّوا عَلى آساسِ تِلكَ القَواعِدِ

إلى آخر ما قال.

وكأنّ سيدة نساء عصرها زينبعليها‌السلام أشارت إلى هذا المعنى بقولها مخاطبة ليزيد: وسيعلمُ مَنْ سوّل لك، ومكّنكَ من رقابِ المُسلمين.

بل أشار إليه معاوية إذ كتبَ إليه محمّد بن أبي بكر يلومه في تمرّده على أمير المؤمنينعليه‌السلام ، ويذكر له فضله وسابقته، فكتب له معاوية في الجواب ما يتضمّن الإشارة إلى المعنى الذي نظمه الكميت، فراجع ذلك الجواب في كتاب: وقعة صفين لنصر بن مزاحم، أو شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، أو مروج الذهب للمسعودي.

وقد اعترف بذلك المعنى يزيد بن معاوية، إذ كتب إليه ابن عمر يلومه على قتل الحسينعليه‌السلام ، فأجابه: أمّا بعد، فإنّا أقبلنا على فُرش مُمهّدة ونمارق مُنضّدة... إلى آخر الكتاب.

وقد نقله البلاذري وغيره من أهل السير والأخبار، وفي كتابنا ( سبيل المؤمنين ) من هذا شيء كثير، فحقيق بالباحثين أنْ يقفوا عليه. ( المؤلّف ).

وفي كامل الزيارات بالإسناد إلى عبد الله بن غالب، قال: دخلتُ على أبي عبد اللهعليه‌السلام فأنشدتُه مرثيّة للحسينعليه‌السلام ، فلمّا انتهيتُ إلى قولي:

لبليّة تسقو حُسيناً

بمسقاةِ الثَّرى غير التُّرابِ

صاحت باكية من وراء الستر: يا أبتاه!(١) .

____________________

(١) كامل الزيارات / ١٠٥، وراجع: بحار الأنوار ٤٤ / ٢٨٦.

وروى الصدوق في الأمالي وثواب الأعمال، وابن قولَويه، بأسانيد معتبرة عن أبي عمارة، قال: قال لي أبو عبد اللهعليه‌السلام :« يا أبا عُمارة، أنشِدْني في الحسين عليه‌السلام » . فأنشدته فبكى، ثمّ أنشدته فبكى. قال: فو الله. ما زِلتُ أنشده وهو يبكي حتّى سمعت البكاء من الدار. قال: فقال لي:« يا أبا عُمارة، مَن أنشدَ في الحسينِ بن عليٍّ عليهما‌السلام فأبكى خمسينَ فلَهُ الجنّة، ومَن أنشدَ في الحسينِ فأبكى ثلاثينَ فلَه الجنّة، ومَن أنشدَ في الحسينِ فأبكى عشرينَ فله الجنّة، ومَن أنشدَ في الحسينِ فأبكى عشرةً فله الجنّة، ومَن أنشدَ في الحسينِ فأبكى واحداً فله الجنّة، ومَن أنشدَ في الحسينِ فبكى فَلَهُ الجنّة، ومَن أنشدَ في الحسينِ فتباكى فلَه الجنّة » (١) .

____________________

(١) أمالي الصدوق - المجلس ٢٩ - الرقم ٦، ثواب الأعمال / ٤٧، كامل الزيارات / ١٠٥.

وراجع: بحار الأنوار ٤٤ / ٢٨٢.

وروى الصدوق في ثواب الأعمال بالإسناد إلى هارون المكفوف، قال: دخلتُ على أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام ، فقال لي:« يا أبا هارونَ، أنشِدْني في الحسين عليه‌السلام » . فأنشدته، فقال لي:« أنشِدْني كما تُنشدونَ » - يعني بالرقّة -. قال: فأنشدته:

اُمرُرْ على جَدثِ الحُسيـْ

ـنِ فقُلْ لأعظُمِهِ الزَّكيّهْ

قال: فبكى، ثمّ قال:« زدني » . فأنشدته القصيدة الاُخرى. قال: فبكى، وسمعتُ البكاء من خلف السّتر. قال: فلمّا فرغت، قال:« يا أبا هارونَ، مَن أنشدَ في الحُسينِ فبكَى وأبكَى عشرةً كُتبتْ لهُمْ الجنّة... إلى أنْ قال:ومَن ذُكر الحسينُ عندَه فخرجَ مِنْ عَينَيهِ مِنَ الدَّمعِ مقدارُ جناحِ ذبابةٍ، كانَ ثوابُهُ على اللهِ عزّ وجل، ولم يرضَ له بدونِ الجنّةِ » (١) .

____________________

(١) ثواب الأعمال / ٤٧، وراجع: كامل الزيارات / ١٠٠، ١٠٤، بحار الأنوار ٤٤ / ٢٨٨.

وروى الكشِّي بسند معتبر عن زيد الشحّام، قال: كنّا عند أبي عبد اللهعليه‌السلام ، فدخل عليه جعفر بن عثمان، فقرّبه وأدناه، ثمّ قال:« يا جعفر » . قال: لبّيك، جعلني الله فداك. قال:« بلَغنِي أنّكَ تقولُ الشّعرَ في الحُسينِ عليه‌السلام وتُجيدُ » . فقال له: نعم، جعلني الله فداك. قال:« قُلْ » . فأنشدته، فبكى ومَن حوله حتّى صارت الدموع على وجهه ولحيته، ثمّ قال:« يا جعفرُ، واللهِ، لقد شهَدتْ الملائكةُ المُقرَّبونَ ها هُنا يسمعون قولَك في الحسينِ عليه‌السلام ، ولقد بكَوا كَما بَكينا وأكثر ... إلى أنْ قال:ما مِن أحدٍ قالَ في الحُسينِ شعراً فبكَى وأبكَى بهِ إلاّ أوجب اللهُ لَه الجنّةَ، وغَفَرَ لَهُ » (١) .

وروى ابن قولويه في الكامل بسند معتبر حديثاً عن الصادقعليه‌السلام جاء فيه:« وكانَ جدّي عليُّ بنُ الحُسينِ عليهما‌السلام إذا ذكرَه ( يعني: الحسينعليه‌السلام )بَكى حتّى تملأ عيناه لحيته، وحتّى يبكي لِبكائِهِ - رَحمةً لَه - مَنْ رآه، وأنّ الملائِكَةَ

____________________

(١) رجال الكشّي / ١٨٧.

الذين عند قبرِهِ لَيبكون فيبكي لِبكائِهمْ كُلُّ مَن في الهواء والسّماء. وما مِن باكٍ يبكيه إلاّ وقد وصلَ فاطمةَ وأسعدَها، ووصلَ رسولَ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وأدّى حقّنا... » .

وفي قرب الإسناد عن بكر بن محمّد الأزدي، قال: قال أبو عبد الله الصادقعليه‌السلام لفضيل بن يسار:« أتجلسون وتُحدّثون؟ » . قال: نعم، جعلتُ فداك. قالعليه‌السلام :« إنّ تلكَ المجالِسَ اُحبُّها، فأحيوا أمرَنا؛ فرَحمَ اللهُ مَن أحيا أمرَنا. يا فُضيلُ، مَن ذَكَرَنا أو ذُكِرْنا عندهُ فخرجَ مِن عَينِهِ مثلُ جناحِ الذُّباب غفرَ اللهُ له ذنوبَه » .

وفي خصال الصدوق، عن أمير المؤمنينعليه‌السلام ، قال:« إنّ اللهَ تبارَك وتعالى اطّلَعَ إلى الأرضِ فاختارَنا، واختارَ لَنا شيعةً يَنصرونَنا، ويفرحونَ لِفَرَحِنا، ويَحزَنونَ لِحُزنِنا، ويَبذلون أموالَهُمْ وأنفُسَهمْ فِينا، أُولئِكَ مِنّا وإلَينا » .

وفي كامل الزيارات بالإسناد إلى أبي عمارة المنشد، قال: ما ذُكر الحسينُعليه‌السلام عند أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام في يوم قط فرؤيَ مُتبسِّماً في ذلك اليوم إلى الليل.

قال: وكان أبو عبد اللهعليه‌السلام يقول:« الحسينُ عليه‌السلام عَبرَةُ كُلِّ مُؤمنٍ » (١) .

وفيه بالإسناد إلى الصادقعليه‌السلام ، قال:« قال الحسينُ عليه‌السلام : أنا قتيلُ العَبرَة، لا يَذكُرنِي مُؤمِنٌ إلاّ استعبَرَ » (٢) .

إلى غير ذلك من صحاح الأخبار المتواترة عن الأئمّة الأبرارعليهم‌السلام (٣) .

حجّية أقوال الأئمّةعليهم‌السلام في رجحان إقامة المأتم

وناهيك بها حجّة على رجحان هذه المآتم، واستحبابها شرعاً؛ فإنّ أقوالَ أئمّة الهدى من أهل البيتعليهم‌السلام وأفعالَهم وتقريرَهم حجّةٌ بالغة؛ لوجوب عصمتهم بحكم العقل والنقل، كما هو مُقرّر في مظانه من كتب المتكلّمين من أصحابنا، والتفصيل في كتابنا ( سبيل المؤمنين ).

____________________

كامل الزيارات / ١٠٨، وراجع: بحار الأنوار ٤٤ / ٢٨٠.

(٢) كامل الزيارات / ١٠٨، وراجع: بحار الأنوار ٤٤ / ٢٨٤.

(٣) راجع: بحار الأنوار ٤٤ / ٢٧٨ - ٢٩٦، الباب الرابع والثلاثون.

على أنّ الاقتداء بهم في هذه المآتم وغيرها لا يتوقّف عند الخصم على عصمتهم، بل يكفينا فيه ما اتّفقت عليه الكلمة من إمامتهم في الفتوى، وأنّهم في أنفسهم لا يقصرون عن الفقهاء الأربعة والثوري والأوزاعي وأضرابهم علماً ولا عملاً.

وأنت تعلم أنّ هذه المآتم لَو ثبتت عن أبي حنيفة أو صاحبَيه أبي يوسف والشيباني مثلاً، لاستبق الخصم إليها وعكف أيّام حياته عليها، فلِمَ ينكرها علينا ويندّد بها بعد ثبوتها عن أئمّة أهل البيت يا منصفون؟!

أتراه يرى في أئمّة الثقلين أمراً يقتضي الإعراض عنهم، أو يجد فيهم شيئاً يستوجب الإنكار على الآخذين بمذهبهم، أو أنّ هناك أدلّة خاصّة تقصر الإمامة في الفتوى على أئمّة خصومنا ولا تبيح الرجوع إلى غيرهم، كلاّ إنّ واقع الأمر وحقيقة الحال بالعكس.

حديث الثقلين

هذا حديث الثقلين المجمع على صحّته واستفاضته،

قد أنزل العترة منزلة الكتاب، وجعلها قدوةً لاُولي الألباب، فراجعه:

في باب فضائل عليعليه‌السلام من صحيح مسلم. أو في الجمع بين الصحيحين. أو الجمع بين الصحاح الستّة. أو في حديث أبي سعيد الخدري من مسند أحمد بن حنبل. أو خصائص عليعليه‌السلام للإمام النّسائي. أو في تفسيري الثعلبي والبيهقي. أو في حلية الحافظ الأصفهاني. أو كتب الحاكم والطبراني وغيرها من كتب الحديث(١) .

____________________

(١) حديث الثقلين حديث صحيح ثابت متواتر عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أخرجه الحفّاظ وأئمّة الحديث في الصحاح والمسانيد والسّنن والمعاجم بطرق كثيرة صحيحة عن بضع وعشرين صحابيّاً، فالنّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لمّا أحسّ بقرب أجله أوصى اُمّته بأهمّ الاُمور لدَيه وأعزّها عليه، وهما ثقلاه وخليفتاه، وحثّ على التمسّك بهما

.............................................................................

____________________

واتّباعهما، وحذّر من تركهما والتخلّف عنهما، وكان ذلك منهصلى‌الله‌عليه‌وآله في مواقف مشهودة، أعلنها صرخةً مدوّية كلّما وجد تجمّعاً من الاُمّة ومحتشداً من الصحابة ليبلّغوا مَن وراءهم وينقلوا إلى مَن بعدهم، وقد صدع بهاصلى‌الله‌عليه‌وآله في ملأ من النّاس أربع مرّات:

(ألف) موقف يوم عرفة:

سنن الترمذي ٥ / ٦٦٢ رقم ٣٧٨٦، كنز العمّال ١ / ٤٨ عن ابن أبي شَيبة والخطيب، نوادر الاُصول للحكيم الترمذي / ٦٨، المعجم الكبير ٣ / ٦٣ رقم ٢٦٧٩، مجمع الزوائد ٥ / ١٩٥ و ٩ / ١٦٣ و ١٠ / ٣٦٣ و ٣٦٨، المصابيح للبغوي ٢ / ٢٠٦، جامع الاُصول ١ / ٢٧٧ رقم ٦٥، تهذيب الكمال ١٠ / ٥١، تحفة الأشراف ٢ / ٢ / ٢٧٨ رقم ٢٦١٥، مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي ١ / ١١٤، مشكاة المصابيح ٣ / ٢٥٨، نظم درر السّمطين / ٢٣٢.

(ب) موقف يوم الغدير:

النّسائي في خصائص عليعليه‌السلام / ٩٦ رقم ٧٩، التاريخ الكبير للبخاري ٣ / ٩٦، صحيح مسلم / باب فضائل علي رقم ٢٤٠٨، مسند أحمد ٣ / ١٧ و ٤ / ٣٦٦، مسند عبد بن حميد رقم ٢٦٥، المطالب العالية لابن حجر ٤ / ٦٥ رقم ١٨٧٣ عن إسحاق بن راهوَيه في صحيحه وقال:

.............................................................................

____________________

هذا إسناد صحيح، سنن الدارمي ٢ / ٣١٠ رقم ٢٣١٩، تذكرة خواصّ الاُمّة / ٣٢٢، السُنّة لابن أبي عاصم / ٦٢٩ رقم ١٥٥١ و ٦٣٠ رقم ١٥٥٥، تاريخ اليعقوبي ٢ / ١١٢، حلية الأولياء ١ / ٣٥٥ و ٩ / ٦٤، المعرفة والتاريخ ١ / ٥٣٦، كنز العمّال ١٣ / ٣٦٣٤٠ و ٣٦٤٤١، جمع الجوامع ٢ / ٦٦ و ٣٥٧ و ٣٩٥، أنساب الأشراف، ترجمة أمير المؤمنين، مشكل الآثار ٢ / ٣٠٧ و ٤ / ٣٦٨، المعجم الكبير ٣/٢٦٧٩ و ٢٦٨١ و ٢٦٨٣ و ٣٠٥٢ و ٥ / ٤٩٦٩ و ٤٩٧٠ و ٤٩٧١ و ٤٩٨٦ و ٥٠٢٦ و ٥٠٢٨، المستدرك على الصحيحَين ٣ / ١٩ بثلاث طرق وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين وأقرّه الذهبي و ٣ / ١١٠ بطريق آخر وقال: صحيح على شرط الشيخَين، تاريخ بغداد ٨ / ٤٤٢، مصابيح السنة ٢ / ٢٠٥، منهاج السنّة ٤ / ٨٥.

(ج) موقف مسجد المدينة:

تفسير المحرّر الوجيز لابن عطيّة ١ / ٣٤، تفسير البحر المحيط ١ / ١٣، الصواعق المحرقة / ٧٥ و ١٣٦، ينابيع المودّة / ٤٠.

(د) موقفهصلى‌الله‌عليه‌وآله في مرضه في الحجرة:

رواه ابن أبي شيبة كما عنه العصامي في سمط النّجوم العوالي ٢ / ٥٠٢ رقم ١٣٦، وأخرجه البزّار في مسنده كما في كشف الأستار ٣ / ٢٢١ رقم ٢٦١٢، تهذيب اللغة للأزهري ٩ / ٧٨، مقتل الحسينعليه‌السلام ١ / ١٦٤، الصواعق المحرقة / ٨٩.

ومَن أراد التفصيل فعلَيه بمراجعة كتاب قبسات من فضائل أمير المؤمنين للمحقّق الطباطبائي / ٢٨ - ٤٣، نفحات الأزهار، حديث الثقلين، في ثلاث مجلدات.

وأنا أورده لك بلفظ الترمذي(١) بحذف الإسناد: قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :« إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر:

____________________

(١) قال ابن حجر - بعد نقله عن الترمذي - في أثناء تفسيره للآية الرابعة من الآيات التي أوردها في الفصل الأوّل من الباب الحادي عشر من صواعقه ما هذا لفظه: ثمّ اعلم أنّ لحديث التمسّك بذلك طُرقاً كثيرة وردت عن نَيف وعشرين صحابيّاً. قال: ومرّ له طُرق مبسوطة في حادي عشر الشبه، وفي بعض تلك الطُرق أنّه قال ذلك في حَجّة الوداع بعرفة، وفي اُخرى أنّه قال بالمدينة في مرضه وقد امتلأت الحجرة بأصحابه، وفي اُخرى أنّه قال ذلك بغدير خم، وفي اُخرى أنّه قاله لِما قام خطيباً بعد انصرافه من الطائف. قال: ولا تنافي، إذ لا مانع من أنه كرّر عليهم ذلك في تلك المواطن وغيرها، اهتماماً بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة ( المؤلّف ). راجع الصواعق المحرقة ٢ / ٤٤٠.

كتاب الله عزّ وجلّ حبل ممدود من السّماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولَن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما » (١) .

وقد زاد الطبراني:« فلا تقدّموهما فتهلكوا، ولا تقصّروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم » (٢) .

قلتُ: لا يخفى أنّ تعليق عدم الضلال على التمسّك بهما يقتضي بحكم المفهوم ثبوت الضلال لِمَن تخلّى عن أحدهما، وناهيك به في وجوب اتّباع العترة والانقطاع في الدّين إليها وإلى القرآن العزيز.

على أنّ اقترانهم بالكتاب وهو معصوم، وجعلهم في وجوب التمسّك بهم مثله، دليل قاطع على حجّية أقوالهم وأفعالهم، وأنّ الرجوع في الدِّين إلى خلافهم ليس إلاّ كتَرك القرآن والرجوع إلى كتاب يخالف أحكامه.

____________________

(١) سنن الترمذي / ٣٧٨٨، وأورده السّيوطي في الدرّ المنثور ٢ / ٦٠، والتبريزي في المشكاة / ٦٢٤٤، والهندي في الكنز / ٨٧٣.

(٢) الصواعق المحرقة ٢ / ٤٣٩، المعجم الكبير / ٢٦٨١.

ولا تنس دلالة قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله :« ولَن يَفتَرِقا » على عدم خلوّ الزمان ممَّن يفرغ منهم عن القرآن والقرآن يفرغ عنه(١) .

ثمّ إنّ قوله:« فلا تقدّموهم فتهلكوا، ولا تقصّروا عنهم فتهلكوا، ولا تعلِّموهم فإنَّهم أعلم مِنكم »، نصّ صريح فيما قلناه، كما لا يخفى.

نظائر حديث الثقلين

وكم لهذا الحديث من نظير في الدلالة على وجوب

____________________

(١) ومثله قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « في كلِّ خلَف مِن اُمّتي عُدول مِن أهلِ بَيتي، ينفون عَن هذا الدِّينِ تَحريفَ الضّالّين وانتحالَ المبطِلين وتأويلَ الجاهِلين، ألا وإنّ اُئمّتكم وفدكم إلى الله عزّ وجلّ، فانظروا مَن توفدون ».

أخرجه الملا، كما في تفسير الآية الرابعة من الآيات التي أوردها ابن حجر في الفصل الأوّل من الباب الحادي عشر من صواعقه، وفي هذا المعنى صحاح متواترة من طريق العترة الطاهرة، بل هو من ضروريّات مذهبهمعليهم‌السلام ( المؤلّف ). راجع الصواعق المحرقة ٢ / ٤٤١.

الاقتداء بالعترة الطاهرة أو المنع من مخالفتها، نستلفت الباحثين إلى ما أخرجناه من ذلك في مبحث العصمة من سبيل المؤمنين.

وحسبك منه ما أخرجه الحاكم بسند صحّحه على شرط البخاري ومسلم(١) عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال من جملة حديث:« وأهلُ بَيتي أمانٌ لاُمّتي مِن الاختلافِ، فإذا خالَفَتها قبيلةٌ مِن العَرَبِ [ في بعض أحكام الدِّين ]اختلَفوا [ في فتاويهم ]فصاروا حِزبَ إبليس » (٢) .

أليس هذا نصّاً في وجوب اتّباعهم، وحرمة مخالفتهم، وهل في لغة العرب أو غيرها عبارة أبلغ منه في إنذار مخالفيهم؟!

____________________

(١) كما في تفسير الآية السّابعة من الآيات التي أوردها ابن حجر في الفصل الأوّل من الباب الحادي عشر من صواعقه، ونقله حاكماً بصحّته أيضاً في باب الأمان ببقائهم من أواخر الصواعق ( المؤلّف ).

(٢) الصواعق المحرقة ٢ / ٤٤٥، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٤٩ عن ابن عبّاس مرفوعاً وصحّحه.

وأخرج أحمد بن حنبل وغيره(١) بالإسناد إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال:« النّجومُ أمانٌ لأهلَ السَّماء، فإذا ذهبتْ ذهبوا، وأهلُ بَيتي أمانٌ لأهلِ الأرضِ، فإذا ذهبَ أهلُ بَيتي ذهبَ أهلُ الأرضِ » . وفي رواية:« فإذا هلكَ أهلُ بيتي جاء أهلَ الأرضِ مِن الآياتِ ما كانوا يوعَدون » . وفي هذا المعنى صحاح متضافرة من طريق العترة الطاهرة، ومتى كانوا أماناً لأهل الأرض، فكيف يستبدل بهم، وأنّى يعدل عنهم؟!

حديث السّفينة

وجاء من طرق عديدة يقوي بعضها بعضاً - كذا قال ابن حجر(٢)

____________________

(١) كما نصّ عليه ابن حجر في باب الأمان ببقائهم من صواعقه. ( المؤلّف ). راجع الصواعق المحرقة ٢ / ٤٤٥، مسند أحمد / الفضائل / ١١٤٥، المعجم الكبير / ٦٢٦٠، مجمع الزوائد ٩ / ١٧٤، المطالب العالية / ٢٥٦٢، المستدرك على الصحَيحين ٢ / ٤٤٨ و ٣ / ١٤٩، ذخائر العقبى / ١٧.

(١) في تفسير الآية السّابعة من الآيات التي أوردها في الفصل الأوّل من الباب الحادي عشر من صواعقه، وفي باب الأمان ببقائهم من أواخر الصواعق أيضاً ( المؤلّف ).

: أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال:« إنّما مَثَل أهل بيتي فيكم كمَثَلِ سفينة نوح، مَن رَكِبها نجا » . قال ابن حجر: وفي رواية مسلم:« ومَن تخلّف عنها غرِق » . قال: وفي رواية:« هلك ». و « إنّما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطّة في بني إسرائيل، مَن دخله غُفر له » . قال: وفي رواية:« غُفر له الذنوب » (١) .

ولا يخفى أنّ المراد من تمثيلهم بسفينة نوح إنّما هو إلزام الاُمّة باتّباع طريقتهم والتمسّك بالعروة الوثقى من ولايتهم، وليس المراد من النّجاة بذلك إلاّ رضوان الله عزّ وجلّ والجنّة، كما أنّ المراد بغرق المتخلّفين عنهم أو

____________________

(١) راجع الصواعق المحرقة ٢ / ٤٣٨ - ٤٣٩ و ٤٤٥ و ٥٤٣ و ٦٧٥، المعجم الكبير / ٢٦٣٦ و ٢٦٣٧ و ٢٦٣٨، المعجم الصغير ١ / ١٣٩ - ١٤٠، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٥١، مجمع الزوائد ٩ / ١٦٨، المشكاة / ٦١٧٤ .

هلاكهم إنّما هو سخط الله سبحانه والنّار.

والمراد من تمثيلهم بباب حطّة إنّما هو بعث الاُمّة على التواضع لله عزّ وجلّ بالاقتداء بهم والاستسلام لأوامرهم ونواهيهم، وهذا كلّه ظاهر كما ترى.

قال ابن حجر، بعد إيراد هذه الأحاديث في تفسير الآية السّابعة من الآيات التي أوردها في الفصل الأوّل من الباب الحادي عشر من الصواعق ما هذا لفظه: ووجه تشبيههم بـ ( السّفينة ) فيما مرّ، أنّ مَن أحبّهم وعظّمهم شكراً لنعمة مشرفهمصلى‌الله‌عليه‌وآله وأخذ بهدي علمائهم نجا من ظلمة المخالفات، ومَن تخلّف عن ذلك غرق في بحر كفر النِّعَم وهلك في مفاوز الطغيان، إلى أنْ قال: و بـ ( باب حطّة ) يعني ووجه تشبيههم بـ ( باب حطّة ) أنّ الله تعالى جعل دخول ذلك الباب الذي هو باب أريحا أو بيت المَقدِس مع التواضع والاستغفار سبباً للمغفرة، وجعل لهذه الاُمّة مودّة أهل البيتعليهم‌السلام سبباً لها. إلى آخر كلامه(١) .

____________________

(١) الصواعق المحرقة ٢ / ٤٤٦ - ٤٤٧.

ولَو أردنا استيفاء ما جاء من الصحاح الستّة في وجوب اتّباع أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام ، والانقطاع في الدين إليهم عن العالمين، لطال المقام وخرجنا عن موضوع هذه المُقدّمة.

سيرة أئمّة الهدىعليهم‌السلام القطعيّة في إقامة المأتم

وحاصله: أنّ مآتمنا - بما فيها من الجلوس بعنوان الحزن على مصائب أهل البيت، والانفاق عنهم في وجوه البرّ، وتلاوة رثائهم ومناقبهم، والبكاء رحمة لهم - سيرة قطعيّة قد استمرّت عليها أئمّة الهدى من أهل البيتعليهم‌السلام ، وأمروا بها أولياءهم على مرّ الليالي والأيّام، فورثناها منهم، وثابرنا عليها، عملاً بما هو المأثور عنهم.

فكيف والحال هذه تنكرونها علينا وتقولون فيها ما تقولون؟ والله يعلم أنّها ليست كما تظنّون.

نوح الجن ورثاء الطير وبكاء الوحش...

دَع بكاء الأنبياء والأوصياء، ودَع عنك ما كان من ملائكة السّماء، وقُل لي: هل جهلت نوح الجنّ في طبقاتها،

ورثاء الطير في وكناتها، وبكاء الوحش في فلَواتها، ورسيس حيتان البحر في غمراتها؟

وهل نسيت الشمس وكسوفها، والنّجوم وخسوفها، والأرض وزلزالها، وتلك الفجائع وأهوالها؟

أم هل ذهلت عن الأحجار ودمائها، والأشجار وبكائها، والآفاق وغبرتها، والسّماء وحمرتها، وقارورة اُمّ سلمة وحصياتها(١) ، وتلك السّاعة وآياتها؟

____________________

(١) أشرنا بهذا إلى ما رواه الملاّ في سيرته وابن أحمد في زيادة المسند - كما في الصواعق - عن اُمّ سلمة، قالت من حديث: ثمّ ناولَني كفاً من تراب أحمر وقال:« إنّ هذا من تربة الأرض التي يُقتل بها - ولدي - فمتى صار دماً فاعلمي أنّه قد قُتل » . قالت: فوضعته في قارورة عندي وكنت أقول: إنّ يوماً يتحوّل فيه دماً ليوم عظيم. وفي رواية اُخرى كما في الصواعق أيضاً: أنّ جبرئيل جاء بحصيات، فجعلهنّ النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في قارورة، قالت اُمّ سلمة: فلمّا كانت ليلة قتْلِ الحسين سمعت قائلاً يقول:

أيّها القاتلون جهلاً حسيناً

أبشروا بالعذاب والتنكيل

قد لعنتم على لسان ابن داو

د وموسى وصاحب الانجيل

قالت: فبكيتُ وفتحتُ القارورة، فإذا الحصيات قد جرت دماً. ( المؤلّف ). راجع: الصواعق المحرقة ٢ / ٥٦٤ - ٥٦٥، المعجم الكبير / ٢٨١٧، مجمع الزوائد ٩ / ١٨٩، ذخائر العقبى / ١٤٧، مختصر تاريخ دمشق ٧ / ١٥٤، البداية والنهاية ٨ / ٢١٨.

ألم يرَو الملاّ عن اُمّ سلمة كما في الصواعق(١) وغيرها: أنّها قالت: سمعتُ نَوح الجنّ على الحسينعليه‌السلام (٢)؟

وروى ابن سعد(٣) ، كما في الصواعق أيضاً، أنّها بكت حينئذ حتّى غشي عليها.

وأخرج أبو نعيم الحافظ في الدلائل عنها، كما نقله

____________________

(١) كلّما ننقله هنا عن الصواعق موجود في أثناء كلامه في الحديث الثلاثين من الأحاديث التي أوردها في الفصل الثالث من الباب الحادي عشر ( المؤلّف ).

(٢) الصواعق المحرقة ٢ / ٥٧٣، المعجم الكبير / ٢٨٦٧، سِيَر أعلام النبلاء ٣ / ٣١٦، مجمع الزوائد ٩ / ١٩٩.

(٣) الصواعق المحرقة ٢ / ٥٧٣، وراجع ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام ومقتله من طبقات ابن سعد / ٨٧ رقم ٣٠١، وحكاه سبط ابن الجوزي في تذكرة خواص الاُمّة / ٢٦٧ عن ابن سعد أيضاً.

السّيوطي(١) قالت: سمعت الجنّ تبكي على الحسينعليه‌السلام وتنوح عليه.

وأخرج ثعلب في أماليه، كما في تاريخ الخلفاء أيضاً عن أبي خباب الكلبي، قال: أتيت كربلاء، فقلتُ لرجل من أشراف العرب: أخبرني بما بلغني أنّكم تسمعونه من نَوح الجنِّ؟ فقال: ما تلقى أحداً إلاّ أخبرك أنّه سمع ذلك. قال: فأخبرني بما سمعت أنت؟ قال سمعتهم يقولون:

مسح الرسول جبينه

فله بريق في الخدود

أبواه من عليا قريش

وجدّه خير الجدود

وأخرج أبو نعيم الحافظ في كتابه دلائل النبوّة عن نصرة الأزديّة قالت: لما قُتل الحسين بن عليعليه‌السلام أمطرت السّماء دماً، فأصبحنا وحبابنا وجرارنا مملوءة دماً(٢) .

قال ابن حجر، بعد إيراده في الصواعق: وكذا رُوي في أحاديث غير هذه.

____________________

(١) في أحوال يزيد، من كتابه تاريخ الخلفاء ( المؤلّف ).

(٢) الصواعق المحرقة ٢ / ٥٦٨، مختصر تاريخ دمشق ٧ / ١٤٩ - ١٥٠.

قال: وممّا ظهر يوم قتله من الآيات أيضاً: أنّ السّماء اسودّت اسوداداً عظيماً حتّى رؤيت النّجوم نهاراً. قال: ولَم يُرفع حجر إلاّ وُجِد تحته دم عبيط(١) .

وأخرج أبو الشيخ، كما في الصواعق أيضاً: أنّ السّماء احمرّت لقتلهعليه‌السلام ، وانكسفت الشمس حتّى بدت الكواكب نصف النّهار، وظنّ النّاس أنّ القيامة قد قامت. قال: ولَم يُرفع حجر في الشام إلاّ رُؤي تحته دم عبيط(٢) .

وأخرج عثمان بن أبي شيبة، كما في الصواعق وغيرها: أنّ الشمس مكثت بعد قتلهعليه‌السلام سبعة أيّام ترى على الحيطان كأنها ملاحف معصفرة من شدة حمرتها، وضربت الكواكب بعضها بعضاً(٣) . قال في الصواعق: ونقل ابن الجوزي عن ابن سيرين:

____________________

(١) الصواعق المحرقة ٢ / ٥٦٨.

(٢) الصواعق المحرقة ٢ / ٥٦٩، مختصر تاريخ دمشق ٧ / ١٥٠.

(٣) الصواعق المحرقة ٢ / ٥٦٩، المعجم الكبير / ٢٨٣٩، مختصر تاريخ دمشق ٧ / ١٤٩، سِيَر أعلام النبلاء ٣ / ٣١٢.

أنّ الدُّنيا اظلمّت ثلاثة أيّام، ثمّ ظهرت الحُمرة في السّماء. قال: وقال أبو سعيد: ما رُفع حجر من الدُّنيا إلاّ وُجِد تحته دم عبيط، ولقد مطرت السّماء دماً بقي أثره في الثياب مدّة حتّى تقطّعت. قال: وأخرج الثعلبي: أنّ السّماء بكت وبكاؤها حمرتها، وقال غيره: احمرّت آفاق السّماء ستّة أشهر بعد قتله، ثمّ لا زالت الحمرة ترى بعد ذلك، وأنّ ابن سيرين قال: أخبرنا أنّ الحُمرة التي مع الشفق لَم تكن قبل قتْلِ الحسينعليه‌السلام ، قال: وذكر ابن سعد: أنّ هذه الحمرة لَم تُرَ في السّماء قبل قتْلِه(١) . إلى آخر ماهو مذكور في كتب السُنّة، ممّا يدلّك على انقلاب الكَون بمقتلهعليه‌السلام ، وأنّه قد بكته السّماء وصخور الأرض دماً(٢) .

____________________

(١) الصواعق المحرقة ٢ / ٥٦٩ - ٥٧٠.

(٢) وللمزيد من المصادر التي تعرّفك على البينات التي ظهرت بعد شهادة الإمام الحسينعليه‌السلام راجع صحيح الترمذي ١٣ / ٩٧، المناقب لأحمد،

ولَو فرض خصمنا جاهلاً بما في تلك الكتب ممّا سمعت بعضه، فهل يجهل ما قام به ابن نباتة خطيباً على أعواده،

____________________

عمدة القاري ١٦ / ٢٤١، جامع الاُصول ١٠ / ٢٥، الإصابة ١ / ٣٣٤، تفسير ابن كثير ٩ / ١٦٢، تاريخ الخلفاء / ٨٠، الكامل في التاريخ ٣ / ٢٩٦ و ٣٠١، المعجم الكبير / ٢٨٣٠ و ٢٨٣٤ و ٢٨٣٩ و ٢٨٥٧ و ٢٨٥٨، مجمع الزوائد ٩ / ١٩٧، نور الأبصار / ١٢٣، الفصول المهمّة / ١٧٩، المحاسن والمساوي / ٦٢، أخبار الدول / ١٠٩، تهذيب التهذيب ٢ / ٣٥٣، سِيَر أعلام النبلاء ٣ / ٣١٢، تهذيب تاريخ دمشق ٤ / ٣٤١ و ٣٤٢ و ٣٤٣، اُسد الغابة ٢ / ٢٢، مجابي الدعوة / ٣٨، الاُنس الجليل / ٢٥٢، العقد الفريد ٢ /٢٢٠، مقتل الحسينعليه‌السلام ٢ / ٨٩ - ٩١ و ١٠١، كفاية الطالب / ٢٨٤ و ٢٨٩ و ٢٩٥ و ٢٩٦، تاريخ الإسلام ٢ / ٣٤٨ و ٣٤٩، نظم درر السمطين / ٢٢٠، الأخبار الطوال / ١٠٩، وسيلة المآل / ١٩٧، الخصائص الكبرى ٢ / ١٢٦ و ١٢٧، حياة الحيوان ١ / ٦٠، تاريخ الاُمم والملوك ٤ / ٣٢٧ و ٣٥٧، الشرف المؤبد / ٦٨، إسعاف الراغبين / ١١١ و ٢١٥ و ٢١٨ و ٢٥١، تاج العروس ٣ / ١٩٦، الكواكب الدرية / ٥٧. وراجع من مصادر الشيعة ماذكره العلاّمة المجلسي في البحار ٤٥ / ٢٠١ - ٢١٩ الباب ٤٠.

وتركه سنّة لخطباء المسلمين في الجمعة الثانية من المحرّم في كلّ سنة، وإليك ما اشتملت عليه تلك الخطبة بعين لفظه:

قال: بكت لِمَوته الأرض والسّماوات، وأمطرت دماً، وأظلمت الأفلاك من الكسوف، واشتدّ سواد السّماء، ودام ذلك ثلاث أيّام، والكواكب في أفلاكها تتهافت، وعظمت الأهوال حتّى ظنّ أنّ القيامة قد قامت. قال: كيف لا وهو ابن السيّدة فاطمة الزهراء، وسبط سيّد الخلائق دنياً وآخرة، وكان (عليه الصلاة والسّلام) من حبّه في الحسين يقبّل شفتَيه، ويحمله كثيراً على كتفَيه، فكيف لو رآه ملقىً على جنبَيه، شديد العطش والماء بين يدَيه، وأطفاله يصيحون بالبكاء عليه؟! لصاح (عليه الصلاة والسّلام)، وخرّ مغشياً عليه.

قال: فتأسّفوا - رحمكم الله - على هذا السّبط السّعيد الشهيد، وتسلّوا بما أصابه عمّا سلف لكم من موت الأحرار والعبيد، واتّقوا الله حقّ تقواه. قال: وفي الحديث:« إذا حُشر النّاس في عرصات القيامة،

نادى منادٍ من وراء حجب العرش: يا أهل الموقف، غضّوا أبصاركم حتّى تجوز فاطمة بنت محمّد. فتجوز وعليها ثوب مخضوب بدم الحسين، وتتعلّق بساق العرش وتقول: أنت الجبّار العدل، اقضي بيني وبين مَن قتل ابني. فيقضي الله بينها وبينهم، ثمّ تقول: اللّهمّ شفّعني في مَن بكى على مصيبتي. فيشفّعها الله تعالى فيهم...» إلى آخر كلامه.

ابك لبكاء الشمس والقمر

فهل بعد هذا كلّه تقول: إنّ البكاء على مصائب أهل البيت بدعة؟!

وهب أنّك لا ترجوا شفاعة الزهراء، ولا تبكي لبكاء الأنبياء والأوصياء، فابك لبكاء الشمس والقمر، ولا يكن قلبك أقسى من الحجر، إبك لبكاء عمر بن سعد أو عمرو بن الحجّاج والأخنس بن يزيد ويزيد بن معاوية أو خولي، والسّالب لحليّ فاطمة بنت الحسينعليه‌السلام ، إبك لبكاء العسكر بأجمعه، فقد شهدت كتب السِّيَر بكاءهم مع خبث اُمّهاتهم وآبائهم.

أيحسن منك - وأنت مسلم - أنْ يصاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بهذه الفجائع، وتحلّ بساحته تلك القوارع، ثمّ تتّخذها ظهريّاً، وتكون عندك نسياً منسيّاً؟! ما هذا شأن أهل الوفاء، ولا بهذا تكون المواساة لسيّد الأنبياءصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ثمّ إنّ الانقلاب الهائل، وتلك الأحوال المدهشة، من الخسوف والكسوف، ورجف الأرض وظلمة الاُفق، وتهافت النجوم وحمرة السّماء، وبكاء الصخر الأصم دماً، لَم تكن إلاّ إظهاراً لغضب الله عزّ وجلّ، وتنبيهاً على فظاعة الخطب، وتسجيلاً لتلك النازلة في صفحات الاُفق؛ لئلاّ تُنسى على مرّ الليالي والأيّام، وفيها من بعث النّاس على استشعار الحزن وادثار الكآبة ما لا يخفى على أولي الألباب.

فصل أسرار مآتمنا المختصّة بأهل البيتعليهم‌السلام

علم الباحثون من مدقّقي الفلاسفة: أنّ في مآتمنا المختصّة بأهل البيتعليهم‌السلام أسراراً شريفة(١) ، تعود على

____________________

(١) نبَّهكَ إلى بعضها حكيما الغربيين وفيلسوفا المستشرقين: الدكتور جوزف الفرنساوي في كتابه: ( الإسلام والمسلمون )، والمسيو ماربين الالماني في كتابه ( السّياسة الإسلاميّة ).

وقد ترجمت جريدة ( حبل المتين ) الفارسيّة في ٨٢ من أعداد سنة ١٧ فصلَين من ذينك الكتابين النّفيسين، يحتويان على أسرار شهادة الحسينعليه‌السلام وفلسفة مأتمهعليه‌السلام ، فكان لهما دوي في العالم الإسلامي، وأخذا في الشرق دوراً مهمّاً، وترجما بالتركيّة والهنديّة، وعرّبهما العلاّمة الباحث السيّد صدر الدين الموسوي نجل آية الله السيّد إسماعيل الصدر، فنشرت مجلّة ( العلم ) أحد الفصلَين، ومجلّة العرفان نشرت الآخر.

وإليك ماذكره الدكتور جوزف تحت عنوان ( الشيعة وترقياتها المحيرة للعقول )،

.........................................................................

____________________

قال من جملة كلام له طويل: لَم تكن هذه الفرقة ( يعني الشيعة ) ظاهرة في القرون الاُولى الاسلاميّة كأختها، ويمكن أنْ تنسَب قلّتهم إلى سببين؛ أحدهما: أنّ الرئاسة والحكومة التي هي سبب ازدياد تابعي المذهب كانت بيد الفرقة الاُخرى. والسّبب الآخر: هو القتل والغارات التي كانت تتوالى عليهم.

ونظراً لحفظ نفوس الشيعة حكم أحد أئمّتهم في أوائل القرن الثاني عليهم بالتقيّة، فزادت في قوّتهم؛ لعدم تمكن العدوّ القوي الشكيمة من قتلهم والإغارة عليهم، بعد أنْ لَم يكونوا ظاهرين، وصاروا يعقدون المجالس سرّاً ويبكون على مصائب الحسين، واستحكمت هذه العاطفة في قلوبهم على وجه لَم يمضِ زمان قليل إلاّ وارتقوا، حتّى صار منهم الخلفاء والسّلاطين والوزراء، وهؤلاء بين مَن أخفى مذهبه وتشيّعه، وبين مَن أظهره.

وبعد أمير تيمور، حيث رجعت السّلطنة في إيران إلى الصفويّة، صارت إيران مركز فرقة الشيعة، وبمقتضى تخمين بعض سوّاح فرنسا أنّ الشيعة فعلاً: سُدس المسلمين أو سُبعهم.

( الإحصائيّات الآن تنبئنا بأن الشيعة تتراوح نسبتهم بين الربع والثلث من عدد المسلمين )

.........................................................................

____________________

ونظراً إلى هذا الترقّي الذي حازته فرقة الشيعة في زمان قليل، من دون جبر وإكراه، يمكن أن يقال: إنّهم سيفوقون سائر فرق الإسلام بعد قرن أو قرنين.

والسّبب في ذلك هو إقامة عزاء الحسين الذي قد جعله كلّ واحد منهم داعياً إلى مذهبه، ولا يوجد اليوم مكان فيه الواحد أو الاثنان من الشيعة إلاّ ويقيمان فيه عزاء الحسين، ويبذلان في هذا السبيل الآموال الكثيرة.

فقد رأيتُ في ( نزل ما رسل ) شيعياً عربياً من أهالي البحرين يقيم مأتم الحسين وهو منفرد، ويرقى المنبر ويقرأ في كتاب ويبكي، ثم يقسّم ما أحضره من الطعام على الفقراء.

هذه الطائفة تبذل الأموال في هذا السّبيل على وجهَين: فبعضهم يبذلها من خالص أمواله في كلّ سنة بقدر استطاعته، وصرفيّات هذا القسم تزيد على ملايين فرنك.

وبعضهم يعيّن أوقافاً لهذا المشروع لخصوص هذه الطائفة، وهذا القسم أضعاف الأوّل.

ويمكن أن يقال: إنّ جميع فرق الإسلام من حيث المجموع

.........................................................................

____________________

لا يبذلون في سبيل تأييد مذهبهم بمقدار ما تبذله هذه الفرقة في سبيل ترقيات مذهبها، وموقوفات هذه الفرقة ضعفا أوقاف سائر المسلمين، أو ثلاثة أضعافها.

كلّ واحد من هذه الفرقة هو في الحقيقة داع إلى مذهبه من حيث يخفى على سائر المسلمين، بل إنّ الشيعة أنفسهم لا يدركون هذه الفائدة المترتبة على عملهم، وليس في نظرهم إلاّ الثواب الاُخروي.

ولكن حيث أنّ كل من عمل في هذا العالم لابدّ وأن يكون له أثر طبيعي في العالم الاجتماعي، قصده الفاعل أو لم يقصده، لم تحرم هذه الفرقة فوائد هذا العمل الطبيعيّة في هذا العالم.

ومن المعلوم أن مذهباً دعاته خمسون أو ستّون مليوناً لابدّ وأن يرتقي أربابه على وجه التدريج إلى ما يليق بشأنهم، حتّى أنّ الرؤساء الروحانيين من هذه الفرقة وسلاطينها ووزرائها لم يخرجوا عن صفة كونهم دعاة، وسعي الفقراء والضعفاء في محافظة إقامة عزاء الحسين من حيث انتفاعهم من هذا الباب أكثر من الأعيان والأكابر؛ لأنّهم يرون في ذلك خير الدُّنيا والآخرة؛ لهذا ترى جماعة كثيرين من عقلاء هذه الفرقة قد تركوا سائر أشغالهم المعاشيّة وتفرّغوا لهذا العمل، وهم يكابدون المشاق في

.........................................................................

____________________

تحرّي العبارات الرائفة والجمل الواضحة عند إلقاء فضائل رؤساء دينهم ومصائب أهل البيت على المنابر في المجالس العموميّة، ولأجل هذه المشقات التي اختارتها هذه الجماعة فاق خطباء هذه الفرقة على خطباء جميع فرق المسلمين. وحيث أنّ تكرار الأمر الواحد يوجب اشمئزاز القلوب ومللها وعدم التأثير، تسعى هذه الجماعة في ذكر تمام المسائل الإسلامية الراجعة إلى مذهبهم بهذا العنوان على المنابر، حتّى آل الامر إلى عوام الشيعة بفضل هؤلاء الخطباء أن أصبحوا أعرف بمسائل مذهبهم من معرفة كلّ فرقة من فرق المسلمين بمذهبها، كما أنّ اكتساب الشيعة واحترافهم بهذه الوسيلة وسائر الوسائل الراجعة إليها أيضاً أكثر من سائر المسلمين.

ولَو نظرنا اليوم في أقطار العالم، نرى أنّ الأفراد التّي هي أولى بالمعرفة والعلم والصنعة والثروة إنّما توجد بين الشيعة، والدعوة التي قام بها الشيعة إلى مذهبهم أو سائر الفرق الإسلاميّة غير محدودة، بل أنّ آحاد وأفراد الطائفة دعاة، ما دخلوا بين اُمّة إلاّ وسرى هذا الأثر في قلوبها، وليس العدد الذي نراه اليوم في الهند من الشيعة إلاّ هو أثر إقامة هذه المآتم.

.........................................................................

____________________

الشيعة لم تؤيّد دينها بقوّة ولا سيف، حتّى في زمن الصفويّة، بل أنّهم بلغوا هذه الدرجة من الترقّي المحيّر للعقول بقوة الكلام والدعوة التي أثرها أمضى من السّيف.

ولقد بلغ اهتمام هذه الفرقة في أداء مراسم مذهبها مبلغاً عظيماً، حتّى جعلت ثلثي المسلمين من أتباع سيرتها، بل اشترك معها كثير من الهنود والمجوس وسائر المذاهب.

ومن المعلوم أنّ بعد مُضيّ قرن ووصل هذه الأعمال بالإرث إلى أبناء اُولئك الطوائف يذعنون بها ويصدقون هذا المذهب.

وبما أنّ فرقة الشيعة تعتقد بأنّ جميع المطالب والمقاصد موكول نجاحها إلى أكابر مذهبهم، وهم يفزعون إليهم في قضاء الحوائج، ويستمدّون منهم عند الشدائد، سرت هذه الروح أيضاً إلى سائر الفِرق التي اشتركت معهم في تلك الأعمال والأفعال، ومن المعلوم أنّ بمجرّد قضاء حاجتهم وبلوغ آمالهم تزداد عقيدتهم بهذا المذهب رسوخاً.

من هذه القرائن والأسباب يمكننا أنْ نقول: لا يمضي على هذه الفرقة زمان قليل إلاّ وتفوق سائر المسلمين من حيث العدد، وكانت هذه الفرقة قبل قرن أو قرنَين تلازم التقيّة - فيما عدا إيران -؛ نظراً لقلّتهم، وعدم قدرتهم على إظهار شعائر مذهبهم. ولكن من يوم

.........................................................................

____________________

استولت الدولة الغربية على الممالك الشرقيّة ومنحت جميع المذاهب الحريّة قامت هذه الفرقة تقيم شعائر مذهبها علناً في كلّ مكان، واستفادوا من هذه الحريّة فائدة تامّة حتّى أنّهم تركوا التقيّة.

لهذه الأسباب المذكورة كانت هذه الفرقة أعرف من غيرها بمقتضيات العصر الحاضر، وأكثر سعياً باكتساب المعاش وتحصيل المعارف، لذلك ترى العمّال في هذه الفرقة أكثر ممّا تراه في سائر فرق المسلمين؛ لاشتغال الغالب منهم المستلزم لمتابعة غير الغالب، مضافاً إلى أنّ مثابرتهم على العمل ممّا توجب احتياج الغير إليهم، كما أنّ اختلاطهم مع سائر الفِرق وصلاتهم الوداديّة مع غيرهم تلازم غالباً اشتراك الغير في مجالسهم ومحافلهم، فيسمعون اُصول مذهبهم، ويصغون إلى كلماتهم وعباراتهم، وبتكرار ذلك يأنسون بطريقتهم ومذهبهم.

وهذا هو عمل الدعاة، والأثر الذي يترتّب على هذه السيرة هو الأثر الذي يتطلّبه جميع ساسة الغرب في رقي دين المسيح مع تلك المصارف الباهظة.

ومن جملة الاُمور: السّياسة التي أظهرها أكابر فرقة الشيعة بصيغة مذهبيّة منذ قرون وأوجبت جلب قلب البعيد والقريب هو: قاعدة

.........................................................................

____________________

التمثيل باسم الشبيه في مآتم الحسين، وقد قرّر حكماء الهند التمثيل لأغراض ليس هذا موضع ذكرها وجعلوه من أجزاء عباداتهم، فأخذته أورپا وأخرجته بمقتضى السّياسة بصورة التفرّج، وصارت تمثّل الاُمور المهمّة السّياسيّة في دور التمثيل الخاصّة والعامّة، وجلبت القلوب بسببه، وأصابت بسهم غرضَين: تفريج النّفوس وجلب القلوب في الاُمور السياسيّة، والشيعة قد استفادت من ذلك فوائد كاملة وأظهرته بصيغة دينيّة، ويمكن القول بأنّ الشيعة قد أخذت ذلك من الهنود.

وكيف كان، فالأثر الذي ينبغي أنْ يعود من التمثيل إلى قلوب الخواص والعوام قد عاد، ومن المعلوم أنّ تواتر إقامة المآتم وذكر المصائب الواردة على أكابر دينهم، والمظالم التي وردت على الحسين، مع تلك الأخبار الواردة في فضل البكاء على مصائب آل محمّد، إذا انضمّت إلى تمثيل تلك المصائب، تكون شديدة الأثر، وتوجب رسوخ عقائد خواصّ هذه الفرقة وعوامها، فوق ما يتصوّر.

وهذا هو السّبب الذي لَم يسمع من ابتداء ترقّي مذهب الشيعة إلى الآن أنْ ترك بعضهم دين الإسلام أو دخل في سائر الفرق الإسلاميّة.

هذه الفرقة تقيم التمثيل على أقسام مختلفة، فتارة في مجالس

.........................................................................

____________________

خصوصيّة وأمكنة معيّنة، وحيث أنّ الفرق الاُخرى قلّما تشترك معهم في المجالس، اخترعوا تمثيلاً خاصّاً وصاروا يدورون به في الازقّة والطرقات وبين جميع الفرق، فتتأثر قلوب جميع الفرق من القريب والبعيد، عين الأثر الذي يحصل من التمثيل، ولَم يزل هذا العمل يزداد إليه توجّه الأنظار من الخاصّ والعام حتّى قلّد الشيعة فيه بعض الفِرق الإسلاميّة والهنود واشتركوا معهم في ذلك، وهو في الهند أكثر رواجاً من جميع الممالك الإسلاميّة، كما أنّ سائر فِرق الإسلام هناك أكثر اشتراكاً مع الشيعة في هذا العمل من سائر البلاد.

ويغلب على الظن أنّ اُصول التمثيل بين الشيعة قد تداول في زمن الصفويّة الذين هم أوّل من نال السّلطنة بقوّة المذهب، وأجاز العلماء والرؤساء الروحانيّون هذه الاُصول.

ومن جملة الاُمور التي أوجبت رقي هذه الفرقة وشهرتهم في كلّ مكان هو تعرّفهم، بمعنى أنّ هذه الطائفة قد جلبت إليها قلوب سائر الفِرق من حيث الجاه والقوّة والشوكة والاعتبار بواسطة المجالس والمآتم والتشبيه واللطم والدوران وحمل الرايات والألوية في عزاء الحسين.

إنّ من المعلوم أنّ كل جمعيّة وجماعة تجلب إليها الأنظار والخواطر بدرجة ما، مثلاً لو كان في بلد عشرة آلاف متفرقين، وفي محل ألف نفس مجتمعة، كانت شوكة الألف المجتمعين وأبّهتهم في أنظار الخاصّة والعامّة أكثر من العشرة آلاف المتفرّقين، مضافاً إلى أنّهم لَو اجتمع ألف نفس انضمّ إليهم من غيرهم مثل عددهم، إمّا للتفرّج، أو لأجل صداقة ورفاقة، أو لأغراض اُخرى، وبهذا الانضمام تزيد شوكة الألف وقوّتهم في الأنظار وتتضاعف.

الاُمّة بصلاح آخرتها ودنياها، اُنبّهك إليها بذكر بعضها، واُوكل الباقي إلى فطنتك، فمنها: إنّها جامعة إسلاميّة ورابطة إماميّة باسم النّبي وآلهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ينبعث عنها الاعتصام بحبل الله عزّ وجلّ والتمسك بثقلي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وفيها من اجتماع القلوب على أداء أجر الرسالة بمودّة القربى، وترادف العزائم على إحياء أمر أهل البيتعليهم‌السلام ما ليس في غيرها.

وحسبك في رجحانها ما يتسنّى بها للحكيم من إلقاء المواعظ والنّصائح، وإيقاف المجتمعين على الشؤون الإسلاميّة والاُمور الإماميّة ولو إجمالاً، وبذلك يكون أمل العاملي نفس أمل إخوانه في العراق وفارس والبحرين

والهند وغيرها من بلاد الاسلام.

ولا تنسَ ما يتهيّأ للمجتمعين فيها من الاطّلاع على شؤونهم، والبحث عن شؤون إخوانهم النائبين عنهم، وما يتيّسر لهم حينئذ من تبادل الآراء فيما يعود عليهم بالنّفع، ويجعلهم كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضاً، أو كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو أنَّت له سائر الأعضاء، وبذلك يكونون مستقيمين في السّير على خطّة واحدة يسعون فيها وراء كلّ ما يرمون إليه.

ومنها: إنّ هذه المآتم دعوة إلى الدِّين بأحسن صورة وألطف اُسلوب، بل هي أعلا صرخة للإسلام توقظ الغافل من سباته، وتنبّه الجاهل من سكراته، بما تشربه في قلوب المجتمعين، وتنفّثه في آذان المستمعين، وتبثّه في العالم وتصوّره قالباً لجميع بني آدم، من أعلام الرسالة، وآيات الإسلام، وأدلّة الدِّين، وحجج المسلمين، والسّيرة النبويّة، والخصائص العلويّة، ومصائب أهل البيت في سبيل الله، وصبرهم على الأذى في إعلاء كلمة الله.

فاُولوا النظر والتحقيق يعلمون أنّ خطباء هذه المآتم

كلّهم دعاة إلى الدِّين من حيث لم يقصدوا ذلك، بل لا مبشّر بالإسلام على التحقيق سواهم، وأنت تعلم أنّ الموظّفين لهذا العمل الشريف لا يقصّرون في أنحاء البسيطة عن الاُلوف المؤلّفة، فلَو بذل المسلمون شطر أموالهم ليوظفوا دعاة إلى دينهم بعدد أولئك الخطباء ما تيسّر ذلك لهم، ولو تيسّر فلا يتيسّر من يستمع الدعوة على ممرّ الدهور استماع النّاس لما يتلى في هذه المآتم بكلّ رغبة وإقبال.

ومنها: ماقد أثبته العيان وشهد به الحس والوجدان من بثّ روح المعارف بسبب هذه المآتم، ونشر أطراف من العلوم ببركتها، إذ هي - بشرط كونها على اُصولها - أرقى مدرسة للعوام، يستضيئون فيها بأنوار الحكم من جوامع الكلم، ويلتقطون منها درر السّير، ويقفون بها على أنواع العبر، ويتلقّون فيها من الحديث والتفسير والفقه ما يلزمهم حمله ولا يسعهم جهله، بل هي المدرسة الوحيدة للعوام في جميع بلاد الإسلام.

وقد تفنّن خطباؤها في ما يصدعون به أولاً على أعوادها، ثمّ يتخلّصون منه إلى ذكر المصيبة وتلاوة الفاجعة.

فمنهم من يشنف المسامع ويشرف الجوامع بالحكم النبوية والمواعظ العلوية، أو يتلو أولاً من كلام أئمة أهل البيت ما يقرب المستمعين إلى الله ويأخذ بأعناقهم إلى تقواه.

ومنهم من يتلو أولاً من سيرة النّبي (صلى الله عليه وآله) وتاريخ أوصيائهعليهم‌السلام ما يبعث المستمعين على مودّتهم ويضطرّهم إلى بذل الجهد في طاعتهم.

ومنهم مَن ينبّه الأفكار أوّلاً إلى فضل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومقام أوصيائهعليهم‌السلام بما يسرده من الأحاديث الصحيحة والآيات المحكمة الصريحة.

ومنهم مَن يتلو أوّلاً من الأحكام الشرعيّة والعقائد الدينيّة ما تعمّ به البلوى للمكلّفين ولا مندوحة عن معرفته لأحد من العالمين.

هذه سيرتهم المستمرّة أيّام حياتهم، فهل ترى بجدّك للعوام مدرسة تقوم مقامها في جسيم فوائدها وعظيم مقاصدها؟ لا، وسرّ الحكماء الذين بعثوا شيعتهم عليها

وحكمة الأوصياء الذين أرشدوا أوليائهم إليها.

ومنها: الارتقاء في الخطابة والعروج إلى منتهى البراعة، كما يشهد به الوجدان، ولا نحتاج فيه إلى برهان.

ومنها: العزاء عن كلّ مصيبة، والسلوة لكلّ فادحة، إذ تهون الفجائع بذكر فجائعهم، وتنسى القوارع بتلاوة قوارعهم، كما قيل في رثائهمعليه‌السلام :

أنست رزيّتكم رزايانا التي

سلفت وهوّنت الرزايا الآتية

ومنها: إنعاش أهل الفاقة وإثلاج أكباد حرّا من أهل المسكنة على الدوام، بما ينفق في هذه المآتم من الأموال في سبيل الله عزّ وجلّ، وما يبذل فيها لأهل المسغبة وغيرهم، وأنت تعلم أنّه لا وسيلة لقرّاء تلك المآتم في التعيّش غالباً إلاّ هذه الوظيفة، وهم من الرجال والنّساء - بقطع النّظر عمّن يقومون بنفقته - اُلوف مؤلّفة يعيشون ببركة أهل البيت ويتنعّمون بيمن مآتمهمعليهم‌السلام .

ومنها: إنّ المصلحة التي استشهد الحسين بأبي واُمّي! في سبيلها وسفك دمه الزكي تلقاءها، تستوجب استمرار هذه المآتم، وتقتضي دوامها إلى يوم القيامة.

وبيان ذلك: إنّ المنافقين حيث دفعوا أهل البيتعليهم‌السلام عن مقامهم، وأزالوهم عن مراتبهم التي رتّبهم الله فيها، ظهروا للنّاس بمظاهر النيابة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأظهروا التأييد لدينه والخدمة لشريعته، فوقع الالتباس واغترّ بهم أكثر النّاس، ولمّا ملكوا من الاُمّة أزمّتها واستسلمت لهم برمّتها، حرّموا - والنّاس في سِنة عن سوء مقاصدهم - من حلال الله ما شاؤوا، وحلّلوا من حرامه ما أرادوا، وعاثوا في الدِّين وحكموا في القاسطين، فسمّلوا أعين أولياء الله، وقطّعوا أيديهم وأرجلهم من خلاف، وصلبوهم على جذوع النّخل، ونفَوهم عن عقر ديارهم، حتّى تفرّقوا أيدي سبا، ولَعنوا أمير المؤمنينعليه‌السلام وكنّوا به عن أخيه الصادق الأمينصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فلَو دامت تلك الأحوال، وهم أولياء السّلطة المطلقة والرئاسة الروحانيّة، لما أبقوا للإسلام عيناً ولا أثراً، لكن ثأر الحسينعليه‌السلام فادياً دين الله عزّ وجلّ بنفسه وأحبّائه حتّى وردوا حياض المنايا، ولسان حاله يقول:

إن كان دين محمّد لم يستقم

إلاّ بقتلي يا سيوف خذيني

فاستنقذ الدين من أيدي الظالمين، وانكشف الغطاء بوقوع تلك الرزايا عن نفاق القوم، حتى تجلت عداوتهم لله عز وجل وظهر انتقامهم من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إذ لم يكتفوا بقتل الرجال من بنيه عطاشاً والماء تعبث فيه خنازير البرّ وكلابه، ولم يقنعوا بذبح الأطفال من أشباله أحياء وقد غارت أعينهم من شدّة العطش، ولا اكتفوا باستئصال العترة الطاهرة ونجوم الأرض من شيبة الحمد حتّى وطأوا جثثهم بسنابك الخيل، وحملوا رؤوسهم على أطراف الأسنّة، وتركوا أشلاءهم الموزّعة عاريةً بالعراء مباحةً لوحوش الأرض وطير السّماء.

ثمّ أبرزوا ودائع الرسالة وحرائر الوحي مسلبات، وطافوا البلاد بهنّ سبايا، كأنّهن من كوافر البربر، حتّى أدخلوهنّ تارة على ابن مرجانة، واُخرى على ابن آكلة الأكباد، وأوقفوهنّ على درج الجامع في دمشق حيث تباع جواري السبي. فلم تبقَ بعدها وقفة من عداوتهم لله، ولا ريبة بنفاقهم في دين الإسلام.

ما كان ليزيد أن يرتكب ما ارتكب لولا ما مهّده سلفه

وعَلِمَ حينئذ أهلُ البحث والتنقيب من اُولي الألباب أنّ هذه اُمور دُبّرت بليل، وأنّها عن عهد السّلف بها إلى خلفه، وما كانت ارتجالاً من يزيد، وما المسبّب لَو لَم ينجح السّبب.

ثمّ لَم تزل أنوار هذه الحقيقة تتجلّى لكلّ مَن نظر نظراً فلسفيّاً في فجائع الطفّ وخطوب أهل البيتعليهم‌السلام ، أو بحث بحثاً مدققاً عن أساس تلك القوارع وأسباب هاتيك الفظائع.

وقد علم أهلُ التدقيق من أولي البصائر أنّه ما كان لهذا الفاجر أنْ يرتكب من أهل البيتعليهم‌السلام ما ارتكب، لَولا ما مهّده سلفه من هدم سورهم وإطفاء نورهم وحمله النّاسَ على رقابهم وفعله الشنيع يوم بابهم.

لولا ما بذله الحسينعليه‌السلام لأمسى الإسلام خبراً من الأخبار

وتالله لَولا ما بذله الحسينعليه‌السلام في سبيل إحياء الدِّين

من نفسه الزكيّة ونفوس أحبّائه بتلك الكيفيّة، لأمسى الإسلام خبراً من الأخبار السّالفة(١) ، وأضحى المسلمون

____________________

(١) كما شهد به العظماء من فلاسفة الغرب، وإليك ماذكره ( المسيو ماربين ) في كتابه ( السّياسة الإسلاميّة ) - بعين لفظ المعرِّب - قال من جملة كلام طويل: لا يشكّ صاحب الوجدان إذا دقّق النّظر في أوضاع ذلك العصر، وكيفيّة نجاح بني اُميّة في مقاصدهم واستيلائهم على جميع طبقات النّاس وتزلزل المسلمين، أنّ الحسين قد أحيا بقتله دين جدّه وقوانين الإسلام، وإنْ لم تقع تلك الواقعة ولَم تظهر تلك الحسيّات الصادقة بين المسلمين لأجل قتل الحسين، لَم يكن الإسلام على ماهو عليه الآن قطعاً، بل كان من الممكن ضياع رسومه وقوانينه، حيث كان يومئذ حديث العهد.

عزم الحسين إنجاح هذا المقصد وإعلان الثورة ضدّ بني اُميّة من يوم توفّي والده، فلمّا قام يزيد مقام معاوية خرج الحسين من المدينة، وكان يظهر مقصده العالي ويبثّ روح الثورة في المراكز المهمّة الإسلاميّة كمكّة والعراق وأينما حلّ، فازداد به نفرة قلوب المسلمين التي هي مُقدّمة الثورة على بني اُميّة، ولَم يكن يجهل يزيد مقاصد الحسين، وكان يعلم أنّ الثورة إذا أعلنت في جهه والحسين قائدها مع

.............................................................................

____________________

تنفّر المسلمين عموماً من حكومة بني اُميّة وميل القلوب وتوجّه الأنظار إلى الحسين، عمّت جميع البلاد، وفي ذلك زوال ملكهم وسلطانهم، فعزم يزيد قبل كلّ شيء من يوم بُويع على قتل الحسين.

ولقد كان هذا العزم أعظم خطأ سياسيٍّ صدر من بني اُميّة، الذي جعلهم نسياً منسيّاً، ولَم يبقَ منهم أثر ولا خبر.

وأعظم الأدلّة على أنّ الحسين أقدم على قتل نفسه، ولَم تكن في نظره سلطنة ولا رئاسة، هو: أنّه مضافاً إلى ما كان عليه من العلم والسّياسة والتجربة التي وقف عليها زمن أبيه وأخيه في قتال بني اُميّة، كان يعلم أنّه مع عدم تهيئة الأسباب له واقتدار يزيد لا يمكنه المقاومة والغلبة، وكان يقول من يوم توفّي والده إنّه يُقتل، وأعلن يوم خروجه من المدينة أنّه يمضي إلى القتل، وأظهر ذلك لأصحابه والذين اتّبعوه من باب إتمام الحجّة، حتّى يتفرّق الذين التفّوا حوله طمعاً بالدُّنيا، وطالما كان يقول:« خُيِّر لي مَصرَعٌ أنا مُلاقيهِ » .

ولَو لَم يكن قصده ذلك ولَم يكن عالماً عامداً، لَجمع الجنود ولسعى في تكثير أصحابه وزيادة استعداده، لا أنْ يفرّق الذين كانوا معه.

ولكن لمّا لَم يكن له قصد إلاّ القتل، مُقدّمة لذلك المقصد العالي

.............................................................................

____________________

وإعلان الثورة المقدّسة ضد يزيد، رأى أنّ خير الوسائل إلى ذلك الوحدة والمظلوميّة، فإنّ أثر هكذا مصائب أشدّ وأكثر في القلوب.

من الظاهر أنّ الحسين مع ما كانت له من المحبوبيّة في قلوب المسلمين في ذلك الزمان، لَو كان يطلب قوّةً واستعداداً لأمكنه أنْ يخرج إلى حرب يزيد جيشاً جراراً، ولكنّه لَو وضع ذلك لكان قتله في سبيل طلب السّلطنة والإمارة، ولَم يفز بالمظلوميّة التي أنتجت تلك الثورة العظيمة، هذا هو الذي سبّب أن لا يبقي معه أحداً إلاّ الذين لا يمكن انفكاكهم عنه، كأولاده وإخوانه وبني إخوته وبني أعمامه وجماعة من خواصّ أصحابه، حتّى أنّه أمر هؤلاء أيضاً بمفارقته، ولكنّهم أبَوا عليه ذلك، وهؤلاء أيضاً كانوا من المعروفين بين المسلمين بجلالة القدر وعظم المنزلة، وقتلهم معه ممّا يزيد في عظم المصيبة وأثر الواقعة.

نعم، إن الحسين بمبلغ علمه وحسن سياسته بذل كمال جهده في إفشاء ظلم بني اُميّة، وإظهار عداوتهم لبني هاشم، وسلك في ذلك كلّ طريق؛ لِما كان يعلم من عداوة بني اُميّة له ولبني هاشم، ويعرف أنّهم بعد قتله يأسرون عياله وأطفاله، وذلك يؤيّد مقصده، ويكون له أثر عظيم في قلوب المسلمين، سيّما العرب، كما وقع ذلك حملهم معه وجاء بهم من المدينة.

.............................................................................

____________________

نعم، إنّ ظلم بني اُميّة وقساوة قلوبهم في معاملاتهم مع حرم محمّد وصباياه أثّر في قلوب المسلمين تأثيراً عظيماً لا ينقص عن أثر قتله وأصحابه، ولقد أظهر في فعله هذا عقيدة بني اُميّة في الإسلام وسلوكهم مع المسلمين، سيّما ذراري نبيّهم؛ لهذا كان الحسين يقول في جواب أصحابه والذين كانوا يمنعونه عن هذا السّفر:« إنّي أمضي إلى القتل ».

ولمّا كانت أفكار المانعين محدودة وأنظارهم قاصرة لا يدركون مقاصد الحسين العالية، لَم يألوا جهدهم في منعه، وآخر ما أجابهم به أن قال لهم:« شاءَ اللهُ ذلكَ، وجدّي أمَرني بِهِ » . فقالوا: إنْ كنت تمضي إلى القتل فما وجه حملك النّسوة والأطفال؟ فقال:« إنّ اللهَ شاءَ انْ يراهنّ سَبايا » . ولمّا كان بينهم رئيساً روحانيّاً لم يكن لهم بدّ عن السّكوت.

وممّا يدلّ على أنّه لَم يكن له غرض إلاّ ذلك المقصد العالي الذي كان في نفسه، ولَم يتحمّل تلك المصائب لسلطنة وإمارة، ولَم يقدم على هذا الخطر من غير علم ودراية، كما يصوّره بعض المؤرّخين من أنّه قال لبعض ذوي النّباهة قبل الواقعة بأعوام كثيرة على سبيل التسلية:« إنّ بَعدَ قتلي وظهورَ تلكَ المصائِب المُحزِنة يبعثُ اللهُ رجالاً

.............................................................................

____________________

- يعرفون الحقَّ مِن الباطلِ - يزورون قبورَنا، ويبكونَ على مصابِنا، ويأخذون بثأرِنا مِن أعدائِنا، واُولئكَ جماعة ينشرون دينَ اللهِ وشريعةَ جدّي، وأنا وجدّي نُحِبّهم، وهم يُحشرونَ مَعنا يومَ القيامةِ ».

ولَو تأمّل المتأمّل في كلام الحسينعليه‌السلام وحركاته، يرى أنّه لَم يترك طريقاً من السّياسة إلاّ سلكه في إظهار شنائع بني اُميّة وعداوتهم القلبيّة لبني هاشم ومظلوميّة نفسه، وهذا ممّا يدلّ على حسن سياسته وقوّة قلبه وتضحية نفسه في طريق الوصول إلى المقصد الذي كان في نظره، حتّى أنّه في آخر ساعات حياته عمل عملاً حيّر عقول الفلاسفة، ولَم يصرف نظره عن ذلك المقصد العالي مع تلك المصائب المحزنة والهموم المتراكمة وكثرة العطش والجراحات، وهو قصّة الرضيع، لمّا كان يعلم أنّ بني اُميّة لا يرحمون له صغيراً، رفع طفله الصغير تعظيماً للمصيبة على يده أمام القوم، وطلب منهم أن يأتوه شربةً من الماء، فلَم يجيبوه إلاّ بالسّهم.

ويغلب على الظنّ أنّ غرض الحسينعليه‌السلام من هذا العمل تفهيم العالم بشدّة عداوة بني اُميّة لبني هاشم، وأنّها إلى أي درجة بلغت، ولا يظنّ أحد أنّ يزيد كان مجبوراً على تلك الإقدامات الفجيعة لأجل الدفاع عن نفسه؛ لأنّ قتل الطفل الرضيع في ذلك الحال بتلك الكيفيّة ليس هو

.............................................................................

____________________

إلاّ توحّش وعداوة سبعيّة منافية لقواعد كلّ دِين وشريعة.

ويمكن أن تكون هذه الفاجعة كافية في افتضاح بني اُميّة ورفع السّتار عن قبائح أعمالهم ونيّاتهم الفاسدة بين العالم، سيّما المسلمين، وأنّهم يخالفون الإسلام في حركاتهم، بل يسعَون بعصبيّة جاهليّه إلى اضمحلال آل محمّد وجعلهم أيدي سبا.

ونظراً لتلك المقاصد العالية التي كانت في نظر الحسين، مضافاً إلى وفور علمه وسياسته التي كان لا يشكّ فيها اثنان، لَّم يرتكب أمراً يوجب مجبوريّة بني اُميّة للدفاع، حتّى أنّه مع ذلك النفوذ والاقتدار الذي كان له في ذلك العصر، لَم يسع في تسخير البلاد الإسلاميّة وضمّها إليه، ولا هاجم ولاية من ولايات يزيد، إلى ان حاصروه في واد غير ذي زرع، قبل أن تبدو منه أقل حركة عدائيّة، أو تظهر منه ثورة ضدّ بني اُميّة.

لَم يقل الحسين يوماً سأكون ملكاً أو سلطاناً وأصبح صاحب سلطة، نعم كان يبثّ روح الثورة في المسلمين بنشره شنائع بني اُميّة واضمحلال الدِّين إن دام ذلك الحال، وكان يخبر بقتله ومظلوميّته وهو مسرور.

ولمّا حوصر في تلك الأرض القفراء أظهر لهم من باب إتمام الحجّة بأنّهم لَو تركوه لرحل بعياله وأطفاله، وخرج من سلطة يزيد، ولقد كان لهذا الإظهار الدال على سلامة نفس الحسينعليه‌السلام في قلوب المسلمين غاية التأثير.

قُتل قبل الحسين ظلماً وعدواناً كثير من الرؤساء الروحانيين وأرباب الديانات، وقامت الثورة بعد قتلهم بين تابعيهم ضد الأعداء، كما وقع مكرراً في بني إسرائيل، وقصّة يحيى من أعظم الحوادث التأريخيّة، ومعاملة اليهود مع المسيح لَم يرَ نظيرها إلى ذلك العهد، ولكن واقعة الحسين فاقت الجميع.

اُمّة من الاُمم التالفة.

إذ لَو بقي المنافقون على ماكانوا عليه من الظهور للعامّة بالنيابة عن رسول الله والنّصح لدينهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهم أولياء السّلطة المطلقة والإرادة المقدّسة، لغرسوا من شجرة النّفاق ما أرادوا، وبثّوا من روح الزندقة ما شاؤوا، وفعلوا بالدِّين ما توجبه عداواتهم له، وارتكبوا من الشريعة كلّ أمر يقتضيه نفاقهم.

لولا ما تحمّله الحسينعليه‌السلام ما قامت لأهل البيتعليهم‌السلام قائمة

وأمّا - وشيبة الحسينعليه‌السلام المخضوبة بدمه الطاهر - لولا ما

تحمّله (سلام الله عليه) في سبيل الله، ما قامت لأهل البيتعليهم‌السلام - وهم حجج الله - قائمة. ولا عرفهم - وهم أولوا الأمر - ممّن تأخّر عنهم أحد. لكنّه بأبي وأمي! فضح المنافقين، وأسقطهم من أنظار العالمين، واستلفت الأبصار بمصيبته إلى سائر مصائب أهل البيتعليهم‌السلام ، واضطرّ النّاس بحلول هذه القارعة إلى البحث عن أساسها، وحملهم على التنقيب عن أسبابها، والفحص عن جذرها وبذرها، واستنهض الهمم إلى حفظ مقام أهل البيتعليهم‌السلام وحرّك الحميّة على الانتصار لهم؛ لأنّ الطبيعة البشريّة والجبلة الانسانية تنتصر للمظلومين وتنتقم بجهدها من الضالمين.

فاندفع المسلمون إلى موالاة أهل البيتعليهم‌السلام حتّى كأنّهم قد دخلوا - بعد فاجعة الطفّ - في دَور جديد، وظهرت الروحانيّة الإسلاميّة بأجلى مظاهرها، وسطع نور أهل البيتعليهم‌السلام بعد أنْ كان محجوباً بسحائب ظلم الظالمين، وانتبه النّاس إلى نصوص الكتاب والسنّة فيهمعليهم‌السلام ، فهدى الله بها من هدى لدينه، وضلّ عنها من عمى عن سبيله.

عِلم الإمام الحسينعليه‌السلام بما سيجري في كربلاء

وكان الحسين، بأبي واُمّي! على يقين من ترتّب هذه الآثار الشريفة على قتله، وانتهاب رحله، وذبح أطفاله وسبي عياله، بل لَم يجد طريقاً لإرشاد الخلق إلى الأئمّة بالحقّ واستنقاذ الدِّين من أئمّة المنافقين - الذين خفي مكرهم وعلا في نفوس العامّة أمرهم - إلاّ الإستسلام لتلك الرزايا والصبر على هاتيك البلايا.

وما قصد كربلاء إلاّ لتحمّل ذلك البلاء عهد معهود عن أخيه عن أبيه عن جدّه عن الله عزّ وجلّ.

ويرشدك إلى ذلك - مضافاً إلى أخبارنا المتواترة من طريق العترة الطاهرة - دلائل أقواله وقرائن أفعاله، فإنّها نصّ فيما قلناه.

وحسبك منها جوابه لاُمّ سلمة إذ قالت له، كما في البحار وجلاء العيون وغيرهما: يا بُني، لا تحزن بخروجك إلى العراق، فإنّي سمعت جدّكصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول:

« يُقتل ولدي الحسين بأرضِ العراقِ في أرضٍ يقال لَها كربلاء » . فقال لها:« يا اُمّاه، وأنا والله أعلَمُ ذلكَ، وإنّي مقتولٌ لا محالة، وليسَ لي منه بدّ، وقد شاء اللهُ عزّ وجلّ أن يراني مقتولاً، ويرى حرمي مُشرّدين، وأطفالي مَذبوحين » (١) .

وجوابه لأخيه عمر، إذ قال له حين امتنع من البيعة ليزيد: حدّثني أخوك أبو محمّد عن أبيه، ثمّ بكى حتّى علا شهيقه، فضمّه الحسينعليه‌السلام إليه وقال، كما في الملهوف وغيره:« حدّثك أني مقتول؟ » قال: حوشيت يابن رسول الله، فقال:« بحقِّ أبيكَ، بِقتلي خبّرك؟ » قال: نعم، فلَو بايعت. فقالعليه‌السلام :« حدّثني أبي: أنّ رسولَ اللهِ صلى‌الله‌عليه‌وآله أخبرَه بِقتله وقتلي، وأنّ تربتي تكون بِقربِ تربتِهِ. أتظنّ أنّك علمتَ ما لَم أعلم؟ » (٢) .

____________________

(١) بحار الأنوار ٤٤ / ٣٣١.

(٢) الملهوف / ٩٩ - ١٠٠، وتكملة الحديث: « وإنّه لا أعطي الدنيّةَ مِن نَفسي أبداً، ولتلقين فاطمة أباها شاكية مالقيت ذرّيتها من اُمّته، ولا يدخل الجنّة أحدٌ آذاها في ذرّيتها ».

والرؤيا التي رآها في مسجد جدّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، حين ذهب ليودّعه، وقول النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله له فيها، كما في أمالي الصدوق وغيره:« بأبي أنت! كأنّي أراكَ مرمّلاً بدمِك بَينَ عصابةٍ مِن هذهِ الاُمّة يرجونَ شفاعتي، مالهم عند اللهِ مِن خَلاق » (١) .

وكتابه إلى بني هاشم لمّا فصل من المدينة، وقوله فيه، كما في الملهوف نقلاً عن رسائل ثقة الإسلام:« أمّا بعد، فإنّ مَن لَحِق بي منكم استشهد ومَن تخلّف لَم يبلغ الفتح » (٢) . وخطبته ليلة خروجه من مكّة، وقوله فيها، كما في الملهوف وغيره:« كأنّي بأوصالي تُقطّعُها عَسلان الفلَوات بَينَ النّواويس وكربلاء » إلى أنْ قال:

____________________

(١) أمالي الصدوق / ١٥٠ المجلس الثلاثون وراجع البحار ٤٤ / ٣١٣.

(٢) الملهوف / ١٢٩.

« ألا ومَن كان باذلاً فينا مهجته موطّئاً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا، فإنّي راحل مصبحاً إن شاء الله تعالى » (١) . وقوله، كما في الملهوف وغيره:« لَولا تقارب الأشياء وهبوط الأجل، لقاتلتهم بهؤلاء، ولكنّي أعلم يقيناً أنّ هناك مصرعي ومصرع أصحابي، لا ينجو منهم إلاّ ولدي علي » (٢) .

وجوابه لأخيه محمّد بن الحنفيّة، إذ قال له، كما في الملهوف وغيره: يا أخي، ألم تعدني النّظر فيما سألتك؟ قالعليه‌السلام :« بلى، ولكن أتاني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بعدما فارقتك، فقال: يا حسين اخرج، فإنّ الله قد شاء أنْ يراك قتيلاً » . فقال ابن الحنفيّة: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، فما معنى حملك هذه النّسوة وأنت تخرج على مثل هذه الحال؟ فقال له:« قال لي: إنّ الله شاء أن يراهنّ سبايا » (٣) .

____________________

(١) الملهوف / ١٢٦ - ١٢٧.

(٢) الملهوف / ١٢٦.

(٣) الملهوف / ١٢٨.

وجوابه لابن عبّاس وابن الزبير إذ أشارا عليه بالإمساك، فقالعليه‌السلام لهما، كما في الملهوف وغيره:« إنّ رسول الله قد أمرني بأمر وأنا ماض فيه » . فخرج ابن عبّاس وهو يقول: وآ حسيناه!(١) .

وجوابه لعبد الله بن جعفر ويحيى بن سعيد إذ حاولا منه الرجوع، فأبى وقال لهما، كما في تاريخي ابن جرير وابن الأثير وغيرهما:« رأيتُ رؤيا، رأيتُ فيها رسولَ اللهِ صلى‌الله‌عليه‌وآله واُمرتُ فيها بأمرٍ أنا ماضٍ له » (٢) .

وقوله في كلام له مع ابن الزبير، كما في تاريخَي ابن جرير وابن الاثير وغيرهما:« وأيم اللهِ، لَو كنتُ في حجر هامةٍ من هذه الهوام، لاستخرجوني حتّى يقضوا فيَّ حاجتَهم، و واللهِ ليعتُدنّ عليَّ كما اعتدت اليهودُ في السّبتِ » (٣) .

____________________

(١) الملهوف / ١٠١.

(٢) تاريخ الطبري ٥ / ٣٨٨، الكامل في التاريخ ٤ / ٤٠ - ٤١.

(٣) تاريخ الطبري ٥ / ٣٨٥، الكامل في التاريخ ٤ / ٣٨.

وقوله في مقام آخر، كما في كامل ابن الأثير وغيره:« واللهِ لا يَدَعونني حتّى يستخرجوا هذه العلقة من جَوفي، فإذا فعلوا ذلك سلّط اللهُ عليهم مَن يذلّهم، حتّى يكونوا أذلّ من فَرْم المرأة » (١) ( يعني: من خرقة الحيض ).

وقوله لأبي هرّة، كما في تاريخ ابن جرير وغيره:« وأيمَ اللهِ لتقتلني الفئةُ الباغيةُ ».

ورؤياه التي رآها لما ارتحل من قصر بني مقاتل، كما في تاريخ الطبري وغيره - فقال حين انتبه:« إنّا للهِ وإنّا له راجعون، والحمد لله ربّ العالمين ». قال: ففعل ذلك مرّتين أو ثلاثاً، قال: فأقبل إليه ابنه علي بن الحسين على فرس له فقال: يا أبتاه جعلتُ فداك ممَّ حمدت الله واسترجعت؟ فقال:« يا بُني، خَفقتُ بِرأسي خَفقةً، فعنّ لي فارسٌ فقال: القَوم يَسيرون والمَنايا تَسير إلَيهم، فَعلِمتُ أنّها أنفسَنا نُعيت إلَينا ». فقال: يا أبت، لا أراك الله سوءاً،

____________________

(١) الكامل في التاريخ ٥ / ٣٩، وراجع تاريخ الطبري ٥ / ٣٩٤.

ألسنا على الحق؟ قالعليه‌السلام :« بَلى والذي إليهِ مرجعُ العِبادِ » . قال: يا أبت، إذاً لا نبالي نموت مُحقّين، فقالعليه‌السلام له:« جزاكَ اللهُ مِن وَلَدٍ خيرَ ما جزى ولداً عن والدِه » (١) .

وقوله لمّا اُخبر بقتل قيس بن مسهر الصيداوي، كما في تاريخ الطبري وغيره:( فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدّلُوا تَبْدِيلاً ) (٢)(٣) .

إلى غير ذلك من أقواله الصريحة بأنّه كان على يقين ممّا انتهى إليه حاله، وأنّه ما خرج إلاّ ليبذل في سبيل الله نفسه وجميع ما ملكته يده، ويضحّي في إحياء دين الله: أولاده وإخوته وأبناء أخيه وبني عمومته، وخاصّة أوليائه، والعقائل الطاهرات من نسائه.

إذ لم ير السبط للدين الحنيف شفا

إلاّ إذا دمه في نصره سفكا

____________________

(١) تاريخ الطبري ٥ / ٤٠٧ - ٤٠٨.

(٢) سورة الأحزاب / ٢٣.

(٣) تاريخ الطبري ٥ / ٤٠٥.

وما سمعنا عليلاً لا علاج له

إلاّ بنفس مداويه إذ هلكا

بقتله فاح للاسلام طيب هدى

فكلّما ذكرته المسلمون ذكا

وصان ستر الهدى عن كلّ خائنة

ستر الفواطم يوم الطف إذ هتكا

نفسي الفداء لفاد شرع والده

بنفسه وبأهليه وماملكا

قد آثر الدين أن يحيى فقحمها

حيث استقام القنا الخطي واشتبكا(١)

على أنّ الأمر الذي انتهى إليه حاله كان من الوضوح بمثابة لَم تخفَ على أحد، وقد نهاه عن ذلك الوجه - جهلاً بمقاصده السامية - كثير من النّاس، وأشفقوا عليه وأنذروه بلؤم بني اُميّة وغدر أهل العراق:

____________________

(١) هذه الأبيات من قصيدة للشريف الفاضل السيّد جعفر الحلي، يرثي بها جدّهعليه‌السلام . ( المؤلّف ).

فقال له أخوه محمّد بن الحنفيّة، كما في الملهوف وغيره: يا أخي إنّ أهل الكوفة مَن قد عرفت غدرهم بأبيك وأخيك، وقد خفتُ أنْ يكون حالك كحال مَن مضى، فإنْ رأيت أن تقيم فإنّك أعزّ مَن في الحرم وأمنعه... فإنْ خفتَ فسر إلى اليمن أو بعض نواحي البر، فإنّك أمنع النّاس به ولا يقدر عليك أحد. فردّه الحسينعليه‌السلام برأفة ورفق، وقال:« أنظرُ فيما قلتَ » (١) .

وأتاه ابن عبّاس فقال: يابن عم، قد أرجف النّاس أنّك سائر إلى العراق، فبيِّن لي ما أنت صانع؟ قالعليه‌السلام :« إنّي قد أجمعت المسير في أحد يومَي هذين إن شاء الله تعالى » . فقال له ابن عبّاس، كما في تاريخَي الطبري وابن الأثير وغيرهما: فإنّي اُعيذك بالله من ذلك، أتسير إلى قوم قتلوا أميرهم وضبطوا بلادهم ونفوا عدوّهم؟ فإنْ كانوا فعلوا ذلك فسر إليهم، وإن كانوا إنّما دَعَوك إليهم وأميرهم عليهم

____________________

(١) الملهوف: ١٢٧ - ١٢٨.

قاهر لهم وعمّاله تجبي بلادهم، فإنّهم إنّما دَعوك إلى الحرب والقتال، ولا آمن عليك أن يغرّوك ويكذبوك ويخالفوك ويخذلوك وأن يستنفروا إليك، فيكونوا أشدّ النّاس عليك، فردّه الحسينعليه‌السلام ردّ رحمة وحنان فقال له:« أستخير الله وأنظر ما يكون » (١) .

فخرج ابن عبّاس، ثمّ جاءه مرّة اُخرى فقال له، كما في تاريخَي الطبري وابن الأثير وغيرهما: يابن عم، إنّي أتصبّر ولا أصبر، إنّي أتخوّف عليك في هذا الوجه الهلاك والاستئصال، إنّ أهل العراق قوم غُدُر فلا تقربنّهم، أقم بهذا البلد فإنّك سيّد أهل الحجاز، فإن كان أهل العراق يريدونك كما زعموا فاكتب إليهم فلينفوا عدوّهم ثمّ أقدم عليهم، فإنْ أبيت إلاّ أنْ تخرج فسِر إلى اليمن، فإنّ بها حصوناً وشعاباً، وهي أرض طويلة عريضة، ولأبيك بها شيعة، وأنت عن النّاس في عزلة، فتكتُب إلى النّاس

____________________

(١) تاريخ الطبري ٥ / ٣٨٣، الكامل في التاريخ ٤ / ٣٧.

وترسل وتبث دعاتك، فإنّي أرجو أن يأتيك عند ذلك الذي تحبّ في عافية، فقال له الحسينعليه‌السلام :« يابن عم، إنّي والله لأعلم أنّك ناصحٌ مُشفِق، ولكن قد أزمعتُ وأجمعتُ على المَسير » (١) .

ودخل عليه عمر بن عبد الرحمن المخزومي فقال له، كما في تاريخَي الطبري وابن الأثير وغيرهما: إنّي مُشفِق عليك، إنّك تأتي بلداً فيه عمّاله وأمراؤه، ومعهم بيوت الأموال، وإنّما النّاس عبيد الدينار والدرهم، فلا آمن عليك أن يقاتلك من وعدك نصرَه، فقال له الحسينعليه‌السلام :« جزاك الله خيراً يابن عم، فقد والله علمتُ أنّك مشيت بنصح وتكلّمت بعقل، ومهما يُقض من أمر يكن » (٢) .

وكتب إليه عبد الله بن جعفر بعد خروجه من مكّة، كما في تاريخَي الطبري وابن الأثير وغيرهما: أمّا بعد، فإنّي أسألك بالله لِما انصرفت حين تقرأ كتابي هذا، فإنّي مشفق

____________________

(١) تاريخ الطبري ٥ / ٣٨٣ - ٣٨٤، الكامل في التاريخ ٤ / ٣٨ - ٣٩.

(٢) تاريخ الطبري ٥ / ٣٨٢، الكامل في التاريخ ٤ / ٣٧.

عليك من هذا الوجه أنْ يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك، وإنْ هلكتَ اليوم طُفىء نور الأرض، فإنّك علم المهتدين ورجاء المؤمنين، فلا تعجّل بالسّير، فإنّي في أثر كتابي، والسّلام.

وقام عبد الله بن جعفر إلى عمرو بن سعيد، وهو عامل يزيد يومئذ بمكّة فقال له: اكتب للحسين كتاباً تجعل له الأمان فيه، وتمنّيه فيه البرّ والصلة واسأله الرجوع، ففعل عمرو ذلك وأرسل الكتاب مع أخيه يحيى بن سعيد وعبد الله بن جعفر، فلحقاه وقرّءا عليه الكتاب وجهداً أن يرجع، فلَم يفعل(١) .

وقال له عبد الله بن مطيع - إذ إجتمع به في الطريق على بعض مياه العرب -، كما في تاريخ الطبري وغيره: اُذكّرك الله يابن رسول الله وحرمةَ الإسلام أنْ تنهتك، اُنشدك الله في حرمة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، اُنشدك الله في حرمة العرب،

____________________

(١) تاريخ الطبري ٥ / ٣٨٨، الكامل في التاريخ ٤ / ٤٠.

فو الله لئن طلبت ما في أيدي بني اُميّة ليقتلنّك، ولئن قتلوك لا يهابون بعدك أحداً أبداً، والله إنّها لحرمة الإسلام تنتهك، وحرمة قريش، وحرمة العرب، فلا تفعل ولا تأت الكوفة، ولا تعرَّض لبني اُميّة. قال: فأبى إلاّ أنْ يمضي(١) ، إنجازاً لمقاصده السّامية.

ولقيَه أحد بني عكرمة ببطن العقبة، كما في تاريخ الطبري وغيره - فقال له: اُنشدك الله لما انصرفتَ، فو الله لا تقدم إلاّ على الأسنّة وحدّ السيوف، فانّ هؤلاء الذين بعثوا إليك لَو كانوا كفَوك مؤنة القتال ووطأوا لك الأشياء فقدِمت عليهم كان ذلك رأياً، فأمّا على هذه الحال التي تذكرها فإنّي لا أرى لك أنْ تفعل. قال: فقالعليه‌السلام له:« يا عبدَ اللهِ، إنّه ليس يخفى عليّ، الرأيُ ما رأيتَ، ولكنّ الله لا يُغْلَب على أمرِهِ » (٢) .

ولقيه بعض بني تميم قريباً من القادسيّة، كما في تاريخ الطبري وغيره،

____________________

(١) تاريخ الطبري ٥ / ٣٩٥.

(٢) تاريخ الطبري ٥ / ٣٩٩.

فقال له: إرجع، فإنّي لَم أدَع لك خيراً أرجوه.

وكان قد لقيه الفرزدق بن غالب الشاعر في الصفاح، كما في تاريخ الطبري وغيره، فقال له: قلوب النّاس معك وسيوفهم مع بني اُميّة(١) .

وما التقى في الطريق بأحد إلاّ التمسه على الرجوع، إشفاقاً عليه من لؤم بني اُميّة وغدر أهل العراق، وما كان ليخفى عليه ماظهر لأغلب النّاس، لكنّه وهؤلاء كما قيل: أنت بواد والعذول بوادي.

ما نزل، بأبي واُمّي! منزلاً ولا ارتحل منه، كما في الإرشاد وغيره، إلاّ ذكر يحيى بن زكريا وقتله.

وقال يوماً:« مِن هَوانِ الدُّنيا على اللهِ إنّ رأس يَحيى بن زكرّيا اُهدِيَ إلى بَغيٍ مِن بَغايا بَني إسرائيل » .

فهل تراه أراد بهذا غير الإشارة إلى أنّ سبيله في هذا الوجه

____________________

(١) تاريخ الطبري ٥ / ٣٨٦.

إنّما هو سبيل يحيىعليه‌السلام ؟

وأخبره الأسديّان وهو نازل في الثعلبيّة، كما في تاريخ الطبري وغيره، بقتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة، وأنّهما يجرّان بأرجلهما في الأسواق بلا نكير(١) .

فهل يمكن بعد هذا أنْ يبقى له أمل بنصرة أهل الكوفة، أو طمع في شيء من خيرهم؟! والله ما جاءهم إلاّ يائساً منهم، عالماً بكلّ ما كان منهم عليه.

وقد كتب، وهو نازل بزبالة، كتاباً قُرىء بأمره على النّاس وفيه:

« بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعد، فإنّه قد أتانا خبر فظيع، قُتل مسلمُ بن عقيل، وهانئ بن عروة، وعبدُ اللهِ بن بُقطر، وقد خذلتنا شيعتُنا، فمَن أحبّ منكم الانصرافَ فَلينصَرف، ليس عليه منّا ذِمام ».

قال محمّد بن جرير الطبري في تاريخ الاُمم والملوك:

____________________

(١) تاريخ الطبري ٥ / ٣٩٧.

فتفرّق النّاس عنه تفرّقاً، فأخذوا يميناً وشمالاً، حتّى بَقي في أصحابه الذين جاؤوا معه من المدينة. قال: وإنّما فعل ذلك؛ لأنّه ظنّ إنّما اتّبعه الأعراب؛ لأنّهم ظنّوا أنّه يأتي بلداً قد استقامت له طاعة أهله، فكره أن يسيروا معه إلاّ وهم يعلمون علامَ يقدمون.

قال: وقد علم أنّهم إذا بيّن لهم لم يصحبه إلاّ مَن يريد مواساته والموت معه(١) .

وذكر أهل الأخبار: إنّ الطرمّاح بن عدي لمّا اجتمع به في عذيب الهجانات دنا منه فقال له، كما في تاريخ الطبري وغيره: والله إنّي لانظر فما أرى معك أحداً، ولَو لَم يقاتلك إلاّ هؤلاء الذين أراهم ملازميك ( يعني: الحرّ وأصحابه - لكان كفى بهم، وقد رأيتُ قبل خروجي من الكوفة إليك بيوم ظهر الكوفة وفيه من النّاس مالَم ترَ عيناي في صعيد واحد جمعاً أكثر منه، فسألت عنهم؟ فقيل:

____________________

(١) تاريخ الطبري ٥ / ٣٩٨ - ٣٩٩.

اجتمعوا ليعرضوا ثمّ يسرحوا إلى حرب الحسينعليه‌السلام ، فاُنشدك الله إن قدرتَ على أن لا تقدم عليهم شبراً إلاّ فعلت، فإنْ أردت أنْ تنزل بلداً يمنعك الله به حتّى ترى من رأيك ويستبيّن لك ما أنت صانع، فسر حتّى اُنزلك مناع جبلنا الذي يُدعى ( أجأ )، امتنعنا والله به من ملوك غسّان وحمير ومن النّعمان بن المنذر ومن الأسود والأحمر، والله ما دخل علينا فيه ذل قط، فأسير معك حتّى أنزلك القرية، ثمّ نبعث إلى الرجال ممّن بأجأ وسلمى من طيّئ، فو الله لا يأتي عليك عشرة أيام حتّى تأتيك طيئ رجالاً وركباناً، ثمّ أقم فينا مابدا لك، فإنْ هاجك هيج فأنا زعيم لك بعشرين ألف طائيّ يضربون بين يدَيك بأسيافهم، والله لا يوصل إليك أبداً ومنهم عين تطرف. فقالعليه‌السلام له:« جزاكَ اللهُ وقومَك خيراً » (١) . وأبى أن ينصرف عن مقصده.

____________________

(١) تاريخ الطبري ٥ / ٤٠٦، وتكملة الحديث: « إنّه قد كانَ بيننا وبين هؤلاءِ القومِ قولٌ لسنا نقدر معهُ على الانصراف، ولا ندري علامَ تنصرف بنا وبهم الاُمور في عاقبه ».

وأنت تعلم أنّه لَو كان له رغبة في غلبة أو مَيل إلى سلطان، لكان لكلام الطرمّاح وقع في نفسهعليه‌السلام ، ولظهر منه المَيل إلى ما عرضه عليه، لكنّه بأبي واُمّي! أبى إلاّ الفوز بالشهادة، والموت في إحياء دين الإسلام.

وقد صرّح بذلك فيما تمثل به، إذ قال له الحرّ: أذكّرك الله في نفسك فإنّي أشهد لئن قاتلت لتُقتلن، فقالعليه‌السلام ، كما في تاريخ الطبري وغيره:

سأمضي وما بالموت عار على الفتى

إذا ما نوى حقاً وجاهد مسلماً

وآسى الرجال الصالحين بنفسه

وفارق مثبوراً يغُشّ ويُرغما(١)

وحسبك في إثبات علمه من أوّل الأمر بما انتهى إليه حاله ما سمعته من؛ إخبار النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بقتله في شاطىء الفرات بموضع يقال له كربلاء،

____________________

(١) تاريخ الطبري ٥ / ٤٠٤.

وبكائه عليه، ونداء أمير المؤمنينعليه‌السلام لمّا حاذى نينوى وهو منصرف إلى صفين:« صَبراً أبا عبدِ اللهِ، صبراً أبا عبدِ اللهِ بشاطىء الفراتِ ». وقولهعليه‌السلام إذ مرّ بكربلاء:« ها هنا مناخُ رِكابِهم، وها هنا مَوضعُ رحالِهم، وها هنا مِهراق دمائِهم ». وقول الحسينعليه‌السلام لأخيه عمر:« حدّثَني أبي أنّ رسولَ اللهِ صلى‌الله‌عليه‌وآله أخبرهُ بقتلِه وقتلي، وأنّ تُربتي تَكونَ بقربِ تربتِهِ ». وقول الحسن للحسينعليهما‌السلام ، كما في أمالي الصدوق وغيره، من جملة كلام كان بينهما:« ولكنَّ لا يوم كيومِكَ يا أبا عبدِ اللهِ، يزدلفُ إليكَ ثلاثون ألف رجل، فيجتمعون على قتلك وسفك دمك وانتهاك حرمتك وسبي ذراريك ونسائك وانتهاب ثقلك، فعندها يحلّ الله ببني اُميّة اللعنة ».

إلى غير ذلك من الأخبار الدالّة على أنّ قُتل

الحسينعليه‌السلام كان معروفاً عند أهل البيت منذ أخبر الله به نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، بل صريح أخبارنا أنّ ذلك ممّا اُوحي إلى الأنبياء السّابقين(١) ، وقد سمعت ما أشرنا إليه من بكائهمعليهم‌السلام .

ويظهر من بعض الأخبار أنّ قتل الحسينعليه‌السلام كان معروفاً عند جملة من الصحابة والتابعين، حتّى أنّهم لَيعلمون أنّ قاتله عمر بن سعد.

وحسبك ما نقله ابن الأثير، حيث ذكر مقتل عمر بن سعد في كامله، عن عبد الله بن شريك، قال: أدرك أصحاب الأردية المعلمة وأصحاب البرانس السّود من أصحاب السّواري، إذ مرّ بهم عمر بن سعد، قالوا: هذا قاتل الحسين، وذلك قبل أنْ يقتله.

قال: وقال ابن سيرين: قال عليعليه‌السلام لعمر بن سعد:« كيفَ أنتَ إذا قُمتَ مقاماً تخيّر فيهِ بينَ الجنّةِ والنّارِ، فتختار النّارَ » (٢) .

____________________

(١) راجع: بحار الأنوار ٤٤ / ٢٢٣ - ٢٤٩ الباب ٣٠.

(٢) الكامل في التاريخ ٤ / ٢٤٢.

أترى الحسينعليه‌السلام كان جاهلاً بما عليه أصحاب السّواري؟ كلاّ، والله ما علم أصحاب البرانس السّود ذلك إلاّ منه، أو من أخيه، أو من جدّه، أو من أبيه.

وقد أطلنا الكلام في هذا المقام، إذ لم نجد مَن وفّاه حقّه وخرج من عهدة التكليف بإيضاحه، والحمد لله على التوفيق لتحرير هذه المسألة، وتقرير شواهدها وأدلّتها، على وجه تركن النّفس إليه، ولا يجد المُنصف بدّاً من البناء عليه، بل لا أظنّ أحداً يقف على ما تلوناه ثمّ يرتاب فيما قرّرناه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الفهرس

مُقدّمة المركز: ٢

تمهيد: ٦

المُقدّمة: ٨

المطلب الأوّل: في البكاء ١٠

المطلب الثاني: في رثاء الميّت بالقريض.. ٢٢

المطلب الثالث: في تلاوة الأحاديث المشتملة على مناقب الميّت ومصائبه ٢٨

المطلب الرابع: في الجلوس حُزناً على الموتى من أهل الحفائظ والأيادي المشكورة ٣٢

المطلب الخامس: في الإنفاق على الميّت في وجوه البرّ والإحسان. ٣٦

فصلٌ: مآتمنا المختصّة بسيّد الشهداء عليه‌السلام.... ٣٨

بكاء النَّبيِّ صلى‌الله‌عليه‌وآله على الحسين عليه‌السلام في مصادر العامّة: ٣٩

بكاء النّبيِّ صلى‌الله‌عليه‌وآله على الحسين عليه‌السلام في مصادر الشيعة: ٤٤

إقامة الأئمّة عليهم‌السلام المأتم على الحسين عليه‌السلام وحث أولياؤهم على ذلك.. ٤٥

حجّية أقوال الأئمّة عليهم‌السلام في رجحان إقامة المأتم. ٥٨

حديث الثقلين. ٥٩

حديث السّفينة ٦٧

سيرة أئمّة الهدى عليهم‌السلام القطعيّة في إقامة المأتم. ٧٠

فصل أسرار مآتمنا المختصّة بأهل البيت عليهم‌السلام.... ٨٠

مؤلف: السيد عبد الحسين شرف الدين
صفحات: