كتاب بهج الصباغة
في شرح نهج البلاغة
المجلد الثالث عشر
الشيخ محمد تقي التّستري
المجلد الرابع عشر
الفصل الخمسون في وصف الانصار و طوائف قريش و تميم و في الشعراء
١ الحكمة ( ٤٦٥ ) و قالعليهالسلام
في مدح الأنصار :
هُمْ وَ اَللَّهِ رَبَّوُا اَلْإِسْلاَمَ كَمَا يُرَبَّى اَلْفِلْوُ مَعَ غَنَائِهِمْ بِأَيْدِيهِمُ اَلسِّبَاطِ وَ أَلْسِنَتِهِمُ اَلسِّلاَطِ قول المصنّف : « و قالعليهالسلام
في مدح الأنصار » في ( الأغاني ) : حضرت وفود الأنصار باب معاوية فقيل له : استأذن للأنصار و كان عنده عمرو بن العاص فقال له : ما هذا اللقب ارددهم إلى أنسابهم إلى أن قال فدخلوا يقدمهم النعمان بن بشير و هو يقول :
يا سعد لا تجب الدعاء فما لنا
|
|
نسب نجيب به سوى الأنصار
|
نسب تخيره الإله لقومنا
|
|
أثقل به نسبا على الكفار
|
ان الذين ثووا ببدر منكم
|
|
يوم القليب هم وقود النار
|
فقال معاوية لعمرو بن العاص : قد كنّا لأغنياء عن هذا
.
و فيه : روى الزهري أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله
قال : من كان يؤمن باللَّه و اليوم الآخر فلا يبغض الأنصار .
و عنهصلىاللهعليهوآله
: بنو هاشم و الأنصار حلفان ، و بنو امية و ثقيف حلفان
.
و في ( المجازات النبوية ) للمصنف : قال النبيصلىاللهعليهوآله
للأنصار « أنتم الشعار و الناس الدثار »
و قال النبيصلىاللهعليهوآله
« الأنصار كرشي و عيبتي »
.
و في ( كامل الجزري ) : قال أبو سعيد الخدري : لمّا أعطى النبيصلىاللهعليهوآله
من غنائم حنين قريشا و قبائل العرب و لم تعط الأنصار شيئا وجدوا في أنفسهم حتى قال قائلهم : لقي النبي قومه فأخبر سعد بن عبادة النبي بذلك فقالصلىاللهعليهوآله
:
له : فأين أنت من ذلك يا سعد ؟ قال : ما أنا إلاّ من قومي قال : فاجمع لي قومك .
فجمعهم فأتاهم النبي فقال : ما حديث بلغني عنكم ، ألم آتكم ضلاّلا فهداكم اللَّه بي و فقراء فأغناكم اللَّه بي و أعداء فألّف اللَّه بين قلوبكم بي ؟ قالوا : بلى و اللَّه ، و للَّه و لرسوله المنّ و الفضل فقال : ألا تجيبوني ؟ قالوا : بماذا نجيبك ؟ فقال :
و اللَّه لو شئتم لقلتم فصدقتم « أتيتنا مكذّبا فصدّقناك و مخذولا فنصرناك و طريدا فآويناك و عائلا فواسيناك » أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألّفت بها قوما ليسلموا و وكلتكم إلى إسلامكم ، أفلا ترضون أن يذهب الناس بالشاة و البعير و ترجعوا برسول اللَّه إلى رحالكم ، و الذي نفسي بيده لو لا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار ، و لو سلك الناس شعبا و سلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار ، اللّهم ارحم الأنصار و أبناء
الأنصار و أبناء أبناء الأنصار فبكى القوم حتى اخضلو الحاهم و قالوا : رضينا برسول اللَّه قسما و حظا ، و تفرقوا
.
و قال كعب بن زهير فيهم :
من سرّه كرم الحياة فلا يزل
|
|
في مقنب من صالحي الأنصار
|
ورثوا المكارم كابرا عن كابر
|
|
ان الخيار هم بنو الأخيار
|
الناظرون بأعين محمرة
|
|
كالجمر غير كليلة الأبصار
|
الباذلون نفوسهم و دماءهم
|
|
يوم الهياج و سطوة الجبار
|
يتطهّرون يرونه نسكا لهم
|
|
بدماء من قتلوا من الكفار
|
فكساه النبيصلىاللهعليهوآله
بردة كانت عليه ، و هي البردة التي عند الخلفاء الآن اشتراها معاوية من ولده
.
و في ( الطبري ) : لما مات أبو امامة أسعد بن زرارة اجتمعت بنو النجار إلى النبيصلىاللهعليهوآله
فقالوا : ان هذا الرجل كان منّا فاجعل منّا رجلا مكانه يقيم من أمرنا ما كان يقيمه فقال لهم النبيصلىاللهعليهوآله
: أنتم أخوالي و أنا منكم و أنا نقيبكم .
كره النبيصلىاللهعليهوآله
أن يخص بها بعضهم دون بعض ، فكان من فضل بني النجار الذي يعدّ على قومهم ان النبيصلىاللهعليهوآله
كان نقيبهم
.
و قال ابن أبي الحديد قال النبيصلىاللهعليهوآله
للأنصار : إنّكم لتكثرون عند الفزع و تقلّون عند الطمع
.
و قالصلىاللهعليهوآله
لعامر بن الطفيل لما توعده : يكفي اللَّه ذلك و أبناء قيلة
.
و قالت الأنصار : لو لا عليعليهالسلام
لأنفنا أن يذكر المهاجرون معنا أو أن يقرنوا بنا ، و لكن ربّ واحد كألف بل كألوف
.
و قال الوزير المغربي و كان شديد العصبية للأنصار و لقحطان قاطبة ، و كان ينتمي إلى ازد شنؤة :
ان الذي أرسى دعائم أحمد
|
|
و علا بدعوته على كيوان
|
ابناء قيلة وارثو شرف العلى
|
|
و عراعر الأقيال من قحطان
|
بسيوفهم يوم الوغى و أكفّهم
|
|
ضربت مصاعب ملكه بجران
|
لو لا مصارعهم و صدق قراعهم
|
|
خرّت عروش الدين للأذقان
|
فليشكرنّ محمد أسياف من
|
|
لولاه كان كخالد بن سنان
|
و قال ابن أبي الحديد و هذا إفراط قبيح منه ، و لا سيما في البيت الأخير
.
قلت : بل ليشكرنّ الأنصار لهصلىاللهعليهوآله
، قال تعالى .(
بل اللَّه يمنّ عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين
)
.
قولهعليهالسلام
« هم و اللَّه ربوا » بفتح الباء من التربية .
« الإسلام كما يربى الفلو » بتشديد الواو و ضم الفاء أو فتحها ، أي : المهر لأنّه يفتلى أي يفطم .
في ( المروج ) في ورود النبيّصلىاللهعليهوآله
المدينة و إحداق الأنصار به يقول صرمة النجاري :
ثوى في قريش بضع عشرة حجّة
|
|
يذكر لا يلقى صديقا مواتيا
|
و يعرض في أهل المواسم نفسه
|
|
فلم ير من يوفي و لم ير داعيا
|
فلما أتانا أظهر اللَّه دينه
|
|
و أصبح مسرورا بطيبة راضيا
|
و أصبح لا يخشى من الناس واحدا
|
|
بعيدا و لا يخشى من الناس دانيا
|
بذلنا له الأموال في كل ملكنا
|
|
و أنفسنا عند الوغى و التآسيا
|
و نعلم أنّ اللَّه لا ربّ غيره
|
|
و أنّ رسول اللَّه للحق رائيا
|
نعادي الذي عادى من الناس كلّهم
|
|
جميعا و إن كان الحبيب المصافيا
|
و في ( الاستيعاب ) : اختلف إليه ابن عباس حتى تعلّم منه هذه الأبيات
.
« مع غنائهم بأيديهم السباط » قال الجوهري : شعر سبط و سبط :
مسترسل و رجل سبط الجسم إذا كان حسن القد و الاستواء ، قال جندح :
فجاءت به سبط العظام كأنّما
|
|
عمامته بين الرجال لواء
|
في ( الطبري ) : كان ممّا صنع اللَّه به لرسوله أنّ هذين الحيين الأوس و الخزرج من الأنصار كانا يتصاولان مع النبي تصاول الفحلين ، لا تصنع الأوس شيئا فيه عن النبي غناء إلاّ قالت الخزرج و اللَّه لا يذهبون بهذه فضلا علينا عند النبي في الاسلام حتى يوقعوا مثلها ، و إذا فعلت الخزرج شيئا قالت الأوس مثل ذلك ثم ذكر غيلة الأوس لكعب بن الأشرف الذي كان شديدا في عداوة النبيصلىاللهعليهوآله
، ثم ذكر غيلة الخزرج في قبالهم لسلام بن أبي الحقيق الخيبري الذي كان أيضا شديدا في عداوته قال : و كان المتصدون لقتله ثمانية ، و كان نهاهم أن يقتلوا وليدا أو امرأة ، و كانت امرأته تصيح فيرفعون السيف عليها فيذكرون نهي النبيّصلىاللهعليهوآله
فيكفّون أيديهم عنها ثم كلّ منهم يدّعي قتله لما رجعوا ، فنظر النبي إلى أسيافهم فقال : أرى أثر العظام في سيف
عبد اللَّه بن أنيس رجل من الثمانية .
و فيه في مجيء قريش إلى بدر : فبعثوا عمير الجمحي و قالوا له احزر لنا أصحاب محمد فاستجال بفرسه حول العسكر ثم رجع إليهم فقال ثلاثمائة يزيدون أو ينقصون ، و لكن يا معشر قريش رأيت الولايا تحمل المنايا نواضح يثرب تحمل الموت الناقع ، قوم ليس لهم منعة و لا ملجأ إلاّ سيوفهم ، و اللَّه ما أرى يقتل رجل منهم حتى يقتل رجل منكم . .
و فيه في مسير النبي إلى بدر ثم قالصلىاللهعليهوآله
: أشيروا عليّ أيّها الناس و إنّما يريد الأنصار لأنّهم كانوا عدد الناس و كانوا لما بايعوهصلىاللهعليهوآله
بالعقبة قالوا له : إذا وصلت إلينا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا و نساءنا فكان النبي يتخوّف ألا ترى الأنصار نصرته إلاّ من عدو دهمه بالمدينة ، فقال له سعد بن معاذ : و اللَّه لكأنّك تريدنا يا رسول اللَّه قال : أجل قال : فقد آمنّا بك و صدّقناك فامض لما أردت ، فو الذي بعثك بالحق إن استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك ، إنّا لصبر عند الحرب صدق عند اللقاء فسرّ النبيصلىاللهعليهوآله
بقوله فقال :
سيروا و ابشروا ، و اللَّه لكأنّي الآن أنظر إلى مصارع القوم
.
و في ( المروج ) : دخل قيس بن سعد بن عبادة بعد وفاة عليعليهالسلام
و وقوع الصلح في جماعة من الأنصار على معاوية فقال لهم معاوية : يا معشر الأنصار بم تطلبون ما قبلي ، فو اللَّه لقد كنتم قليلا معي كثيرا عليّ ، و لفللتم حدي يوم صفين حتى رأيت المنايا تلظى في أسنتكم ، و هجوتموني في أسلافي بأشدّ من وقع الأسنة حتى إذا أقام اللَّه ما حاولتم ميله قلتم « ارع وصيّة النبي فينا » هيهات يأبى الحقير الغدرة فقال قيس : نطلب ما قبلك بالإسلام الكافي به اللَّه لا بما تمت إليه الأحزاب ، و أما عداوتنا لك فلو شئت كففنا ، و أما هجاؤنا إيّاك
فقول يزول باطله و يثبت حقّه ، و اما استقامة الأمر لك فعلى كره كان منّا ، و اما فلّنا حدّك يوم صفين فانّا كنّا مع رجل طاعته طاعة اللَّه ، و أما وصيّة النبي بنا فمن آمن بالنبي رعاها بعده
.
و في ( صفين نصر ) : دعا معاوية النعمان بن بشير و مسلمة بن مخلد و لم يكن معه من الأنصار غيرهما فقال : يا هذان لقد غمّني ما لقيت من الأوس و الخزرج ، صاروا واضعي سيوفهم على عواتقهم يدعون إلى النزال ، حتى و اللَّه جبنوا أصحابي الشجاع و حتى ما أسأل عن فارس من أهل الشام إلاّ قالوا قتله الأنصار ، أما و اللَّه لألفينهم بحدّي و حديدي و لأعبين لكلّ فارس منهم فارسا ينشب في حلقه ، ثم لأرمينهم بأعدادهم من قريش رجال لم يغذهم التمر و الطفيشل ، آووا و نصروا و لكن أفسدوا حقّهم بباطلهم فغضب النعمان و قال : يا معاوية لا تلومن الأنصار بسرعتهم في الحرب ، فانّهم كانوا كذلك في الجاهلية ، و أما دعاؤهم إلى النزال فقد رأيتهم مع النبيصلىاللهعليهوآله
، و اما لقاؤك إيّاهم في أعدادهم من قريش فان أحببت ان ترى فيهم مثل ما رأيت آنفا فافعل ، و اما التمر فانّه كان لنا فلما ان ذقتموه شاركتمونا فيه ، و أما الطفيشل فكان لليهود فلما أكلناه غلبناهم عليه كما غلب قريش على السخينة .
إلى أن قال : و انتهى الكلام إلى الأنصار ، فجمعهم قيس بن سعد و خطبهم فقال : ان معاوية قال ما قد بلغكم و أجاب عنكم صاحبكم ، فلعمري لئن غظتم اليوم معاوية لقد غظتموه بالأمس ، و ان وترتموه في الاسلام لقد وترتموه في الشرك ، و ما لكم اليه ذنب غير نصر هذا الدين أنتم عليه ، فجدوا اليوم جدا تنسونه ما كان أمس ، وجدوا غدا فتنسوه ما كان اليوم ، و أنتم مع هذا الذي كان عن يمينه جبرئيل يقاتل و عن يساره ميكائيل يقاتل و القوم مع
لواء أبي جهل و الأحزاب
.
و في ( جمل المفيد ) : قال محمد بن الحنفية : فوقفت بين يدي أبي باللواء ، فقال قيس بن سعد بن عبادة :
هذا اللواء الذي كنّا نحفّ به
|
|
مع النبي و جبريل لنا مددا
|
ما ضرّ من كانت الأنصار عيبته
|
|
ألاّ يكون له من غيرهم أحدا
|
قوم إذا حاربوا طالت أكفّهم
|
|
بالمشرفية حتى يفتحوا البلدا
|
« و ألسنتهم السلاط » أي : الحداد .
في ( طبقات كاتب الواقدي ) : أقام النبيصلىاللهعليهوآله
بمكّة ما أقام يدعو القبائل إلى اللَّه و يعرض نفسه عليهم نفسه كلّ سنة بمجنة و عكاظ و منى أن يؤووه حتى يبلغ رسالة ربه و لهم الجنّة ، فلا يستجيب له قبيلة بل يؤذى و يشتم ، حتى أراد اللَّه إظهار دينه ساقه إلى هذا الحي من الأنصار ، فانتهى إلى نفر منهم و هم يحلقون رؤوسهم ، فجلس إليهم فدعاهم إلى اللَّه و قرأ عليهم القرآن ، فاستجابوا له و أسرعوا ، فآمنوا و صدقوا و آووا و نصروا و واسوا ، و كانوا أطول الناس ألسنة و أحدّهم سيوفا
.
هذا ، و في ( كامل المبرّد ) : قال رجل من بني مخزوم قلت و هم قوم أبي جهل لرجل من الأنصار : أتعرف الذي يقول :
ذهبت قريش بالمكارم كلّها
|
|
و اللؤم تحت عمائم الأنصار
|
قال : لا و لكن أعرف الذي يقول :
الناس كنوه أبا حكم
|
|
و اللَّه كنّاه أبا جهل
|
أبقت رئاسته لأسرته
|
|
لؤم الفروع و دقّة الأصل
|
و كان يزيد عتب على قوم من الأنصار ، فأمر كعب بن جعيل بهجائهم فقال : أهجو الأنصار فأردّ إلى الكفر ، أدلّك على غلام من الحي نصراني كأن لسانه لسان ثور يعني الأخطل فأمره فقال ذاك البيت ، فدخل النعمان بن بشير على معاوية ، فحسر عمامته عن رأسه ثم قال : يا معاوية أترى لؤما ؟
فقال : ما أرى إلاّ كرما فقال له :
فما لي ثار دون قطع لسانه .
و دونك من يرضيه عنك الدراهم
.
و روى ( سنن أبي داود ) عن أنس : أنّ المهاجرين قالوا للنبيصلىاللهعليهوآله
ذهبت الأنصار بالأجر كلّه قال : لا ما دعوتم اللَّه لهم و أثنيتم عليهم
.
هذا ، و في ( سيرة ابن هشام ) : أسعد أبو كرب تبع الآخر لما قاتل أهل المدينة تزعم الأنصار أنّهم كانوا يقاتلونه بالنهار و يقرونه بالليل ، فيعجبه ذلك منهم و يقول : و اللَّه ان قومنا لكرام
.
و فيه : بلغني عن يحيى بن سعيد أن النبيصلىاللهعليهوآله
حين افتتح مكة و دخلها قام على الصفا يدعو و قد أحدقت به الأنصار ، فقالوا فيما بينهم : أترون النبي إذ فتح اللَّه عليه أرضه و بلده يقيم بها فلما فرغ من دعائه قال : ما ذا قلتم ؟ قالوا : لا شيء فلم يزل بهم حتى أخبروه فقال النبي : معاذ اللَّه ، المحيى محياكم و الممات مماتكم .
٢ الحكمة ( ١٢٠ ) و سئلعليهالسلام
عن قريش فقال :
أَمَّا ؟ بَنُو مَخْزُومٍ ؟ فَرَيْحَانَةُ ؟ قُرَيْشٍ ؟ تُحِبُّ حَدِيثَ رِجَالِهِمْ وَ اَلنِّكَاحَ فِي نِسَائِهِمْ وَ أَمَّا ؟ بَنُو عَبْدِ شَمْسٍ ؟ فَأَبْعَدُهَا رَأْياً وَ أَمْنَعُهَا لِمَا وَرَاءَ ظُهُورِهَا وَ أَمَّا نَحْنُ فَأَبْذَلُ لِمَا فِي أَيْدِينَا وَ أَسْمَحُ عِنْدَ اَلْمَوْتِ بِنُفُوسِنَا وَ هُمْ أَكْثَرُ وَ أَمْكَرُ وَ أَنْكَرُ وَ نَحْنُ أَفْصَحُ وَ أَنْصَحُ وَ أَصْبَحُ أقول : و في ( رسالة الجاحظ ) كما في ( ينابيع مودة سليمان الحنفي ) قال عليعليهالسلام
حين سئل عن بني هاشم و بني امية « نحن أنجد و أمجد و أجود و هم أنكر و أمكر و أغدر »
.
و قالعليهالسلام
أيضا : نحن أطعم للطعام و أضرب للهام
.
و روى ( موفقيات ابن بكار ) عن عبد اللَّه بن إبراهيم الجمي عن نوفل بن عمارة : قال رجل من قريش لعليعليهالسلام
: أخبرنا عنكم و عن بني عبد شمس قال :
نحن أصبح و أفصح و أسمح فقال الرجل : ما أبقيت للقوم شيئا قال : بلى هم أكثر و أمكر و أنكر
.
و في ( العقد ) : قيل لعليعليهالسلام
: أخبرنا عنكم و عن بني امية فقال : بنو امية أنكر و أمكر و أفجر ، و نحن أصبح و أنصح و أسمح .
و قال الشعبي : قال عليعليهالسلام
: أما بنو هاشم فأطعمها للطعام و أضربها للهام ، و أمّا بنو أمية فأشدّها حجرا و أطلبها للأمر الذي لا ينال فينالونه
.
و في ( العيون ) : قال عليعليهالسلام
: خصصنا بخمس بصباحة و فصاحة و سماحة و رجاحة و حظوة يعني عند النساء
.
و سئلعليهالسلام
فقال : هم أغدر و أفجر و أمكر ، و نحن أفصح و أصبح و أسمح .
قول المصنّف : « و سئلعليهالسلام
عن قريش » في ( المروج ) : قريش خمسة و عشرون بطنا : بنو هاشم ، بنو المطلب ، بنو أسد بن عبد العزى ، بنو عبد الدار بن قصي ، بنو زهرة بن كلاب ، بنو تيم بن مرة ، بنو مخزوم ، بنو يقظة ، بنو عدي بن كعب ، بنو سهم ، بنو جمح و هم قريش البطاح ، بنو مالك بن حنبل ، بنو معيص ، بنو عامر ، بنو أسامة بن لؤي ، بنو الأدرم و هم تيم بن غالب ، بنو محارب بن فهم ، بنو الحرث بن عبد اللَّه ، بنو عائذة و هم خزيمة بن لؤي بنو بنانة و هم سعد بن لؤي قريش الظواهر
.
و في ( المعارف ) : النضر بن كنانة أبو قريش ، و ولده مالك و الصلت و صار الصلت في اليمن و رجعت قريش إلى مالك بن النضر فهو أبوها كلّها ، و ولده فهر و الحارث ، و من الحارث أبو عبيدة ، و أما فهر فمنه تفرّقت قبائل قريش و ولده غالب و محارب ، و من محارب ضرار بن الخطاب شاعر قريش في الجاهلية ، و ولد غالب لؤي و تيم و من تيم الأدرم من أعرابهم قال :
ان بني الأدرم ليسوا من أحد
|
|
ليسوا إلى قيس و ليسوا من أسد
|
و لا توفاهم قريش في العدد
و أمّا لؤي فإليه ينتهي عدد قريش و شرفها ، و ولده كعب و عامر و سعد و خزيمة و الحارث و عوف ، و ولد عامر حسل و معيص ، و من معيص ابن ام
كلثوم ، و من حسل سهل و سهيل و السكران بنو عمرو و سامة بن لؤي وقع بعمان ، و أما سعد بن لؤي فمنهم عائذة و هم في بني شيبان و مقاس العائذي الشاعر و أمّا كعب بن لؤي فولده مرة و هصيص و عدي ، و من هصيص بنو سهم و بنو جمح و أما عدي فمنهم عمر ، و أما مرة فمنهم تيم رهط أبي بكر و طلحة ، و منهم مخزوم و من مخزوم أبو جهل بن هشام ، و في هشام قالوا :
و أصبح بطن مكّة مقشعرا
|
|
كأنّ الأرض ليس بها هشام
|
و منهم كلاب و ولد كلاب زهرة و قصي ، و زهرة أخوال النبيصلىاللهعليهوآله
، و أمّا قصي و اسمه زيد فسمّي مجمعا لأنّه جمع قبائل قريش و أنزلها مكّة و بنى دار الندوة و أخذ المفتاح من خزاعة و ولده عبد مناف و اسمه المغيرة و عبد الدار و عبد العزى و عبد و قد باد و من عبد العزى خويلد بن أسد أبو خديجة و جد الزبير ، و من عبد الدار آل أبي طلحة قتلوا يوم أحد إلاّ عثمان بن طلحة أسلم فدفع النبيصلىاللهعليهوآله
إليه مفتاح الكعبة و شيبة بن عثمان في ولده المفتاح ، و ولد عبد مناف هاشم و عبد شمس و المطلب و نوفل و من نوفل جبير بن مطعم
.
« فقال أمّا بنو مخزوم » بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب قال الجوهري : يقال لكلّ مثقوب مخزوم .
و في ( البيان ) : قال خالد بن صفوان لعبدري : هشمتك هاشم و أمتك امية و خزمتك مخزوم ، و أنت من عبد دارها و منتهى عارها تفتح لها الأبواب إذا أقبلت و تغلقها إذا أدبرت
.
« فريحانة قريش » و في ( البيان ) : سأل معاوية دغفلا عن بني مخزوم
فقال : معزى مطيرة ، عليها قشعريرة ، إلاّ بني المغيرة ، فإنّ فيهم تشادق الكلام و مصاهرة الكرام
.
و في ( البيان ) : قال معاوية : لا ينبغي أن يكون الهاشمي غير جواد ، و لا الاموي غير حليم ، و لا الزبيري غير شجاع ، و لا المخزومي غير تياه فبلغ ذلك الحسن بن عليعليهماالسلام
فقال : قاتله اللَّه أراد أن يجود بنو هاشم فينفد ما بأيديهم ، و يحلم بنو امية فيتحببوا إلى الناس ، و يتشجع آل الزبير فيفنوا ، و يتيه بنو مخزوم فيبغضهم الناس
.
« تحب حديث رجالهم » قد عرفت أن دغفلا النسابة قال في بني المغيرة :
تشادق الكلام .
هذا ، و من المحبوبين حديثا مالك بن نويرة اليربوعي الذي قتله خالد بن الوليد من قبل أبي بكر غدرا و زنا بامرأته حتى أنكر ذلك عليه عمر ، قال أخوه متمم لعمر : أسرني بنو تغلب في الجاهلية فبلغ ذلك مالكا فجاء ليفتديني ، فلما رآه القوم أعجبهم جماله و حدّثهم فأعجبهم حديثه فأطلقوني له بغير فداء .
« و النكاح في نسائهم » و من نسائهم ام سلمة زوج النبيصلىاللهعليهوآله
و منهن ام سلمة زوجة السفاح .
في ( المروج ) : كانت ام سلمة بنت يعقوب بن سلمة بن عبد اللَّه بن الوليد بن المغيرة المخزومي عند عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك فهلك عنها ، ثم كانت عند هشام فهلك عنها ، فبينا هي ذات يوم إذ مر بها أبو العباس السفاح و كان جميلا وسيما فسألت عنه فنسب لها ، فأرسلت مولاة لها تعرض عليه أن يتزوجها و قالت لها : قولي له : هذه سبعمائة دينار وجه بها إليّ و كان معها
مال عظيم و جوهر و حشم فأتته المولاة فعرضت عليه ذلك فقال : أنا مملق لا مال عندي فدفعت إليه المال فأنعم لها و أقبل إلى أخيها فسأله التزويج فزوجه إيّاها ، فأصدقها خمسمائة دينار و أهدى مائتي دينار و دخل عليها من ليلته ، فإذا هي على منصة ، فصعد عليها فإذا كلّ عضو منها مكلّل بالجوهر فلم يصل إليها ، فدعت بعض جواريها فنزلت و غيّرت لبسها و لبست ثيابا مصبغة و فرشت له فراشا على الأرض دون ذلك ، فلم يصل إليها فقالت : لا يضرّك هذا ، كذلك كان يصيبهم مثل ما أصابك فلم تزل به حتى وصل إليها من ليلته و حظيت عنده ، و حلف ألا يتزوج عليها و لا يتسرى ، فولدت له محمدا و ريطة ، و غلبت عليه غلبة شديدة حتى ما كان يقطع أمرا إلاّ بمشورتها و بتدبيرها .
.
و في ( نسب قريش مصعب الزبيري ) : بعث عبد الملك بن مروان إلى المغيرة ابن عبد الرحمن المخزومي أن يقدم عليه أراد أن يزوجه اخته زينب فقدم المغيرة أيلة و بها يحيى بن الحكم ، فخطب إليه اخته زينب و جعل له أربعين ألف دينار فزوّجه إيّاها و لما قدم دمشق على عبد الملك خطب إليه زينب فقال له : مررت بعمّك يحيى فخطبها إليّ فزوجتها منه و لم أعلم أن لك فيها حاجة فغضب عبد الملك على عمّه و أخذ كلّ شيء له ، فقال يحيى « كعكتان و زينب » يعني لا ابالي إذا وجدت كعكتين و عندي زينب و كانت زينب تسمى من حسنها الموصولة ، لأنّ كل رب منها كأنّما حسن خلقه ثم وصل إلى الإرب الآخر
.
هذا ، و ورد مدح مطلق نساء قريش ، روى ( الكافي ) عن أحدهماعليهماالسلام
قال :
خطب النبيصلىاللهعليهوآله
ام هاني بنت أبي طالب فقالت : يا رسول اللَّه اني مصابة في
حجري أيتام و لا يصلح لك إلاّ امرأة فارغة فقال النبي : ما ركب الإبل مثل نساء قريش أحناها على ولد و لا أرعى على زوج في ذات يديه
.
هذا ، و أتى ابن أبي الحديد بما يضحك الثكلى ، فاقتصر في شرح العنوان على عد رجال مخزوم في الجاهلية و الاسلام و ما قيل فيهم من الأشعار ثم ان ابن أبي الحديد كأنّه كان من أكبر رجال مخزوم و أنف من قولهعليهالسلام
فيهم ، فقال : و يمكن أن يقال قالت مخزوم ما أنصفنا من اقتصر في ذكرنا على أن قال « مخزوم ريحانة قريش تحب حديث رجالهم و النكاح في نسائهم » و لنا في الجاهلية و الإسلام مآثر عظيمة و رجال كثيرة ثم عدّ منهم المغيرة و الوليد بن المغيرة و هشام بن المغيرة و أبا جهل بن هشام و عكرمة بن أبي جهل و عمر بن أبي ربيعة و خالد بن الوليد و ابنه عبد الرحمن و هشام بن إسماعيل و جمعا آخر ، و قال : ينبغي أن يقال إنّهعليهالسلام
لم يقل هذا الكلام احتقارا لهم ، و لكن لما كان أكثر همّه يوم المفاخرة أن يفاخر بني عبد شمس لما بينه و بينهم فلما مر ذكر مخزوم بالعرض قال فيهم ما قال ، و لو كان يريد مفاخرتهم لما اقتصر على ما قال على أن أكثر هؤلاء إسلاميون بعده و علي إنّما يذكر من قبله
.
فإنّ هذا الرجل يدّعي المعرفة و يتكلّم بمثل هذا الكلام ، إلاّ انّه لما كان كثير من الذين قال بامامتهم سابّين لهعليهالسلام
لا غرو منه ان يقتصر على هذا المقدار ، و كان يمكنه اذ أنف لمخزوم أن يقول انّه غير معلوم كون هذا من كلامهعليهالسلام
فقد عرفت ان ( رسالة الجاحظ ) و ( عقد ابن عبد ربه ) و ( عيون ابن قتيبة ) اقتصرت على نقل وصفهعليهالسلام
لهاشم و امية دون مخزوم .
ثم أيّ قيمة لرجال كفار و منافقين و مخالفين عند اللَّه تعالى و عند
رسولهصلىاللهعليهوآله
و عندهعليهالسلام
، و قد قال الجاحظ فيما نقل نفسه عنه ان في مخزوم نزل قوله تعالى(
و ذرني و المكذِّبين أولي النّعمة
)
.
و قوله تعالى .(
و تركتم ما خوّلناكم وراء ظهوركم
)
.
و في الوليد نزل قوله تعالى(
ذرني و من خلقتُ وحيداً و جعلت له مالاً ممدوداً و بنين شهوداً ثم يطمع أن أزيد كلا انّه كان عنيداً سأُرهقه صعوداً انّه فكّر و قدّر فقُتل كيف قدّر ثم قُتل كيف قدّر ثم نظر ثم عبس و بسر ثم أدبر و استكبر فقال ان هذا إلا سحرٌ يؤثر ان هذا إلاّ قول البشر سأُصليه سقر و ما أدراك ما سقر لا تبقي و لا تذر لواحة للبشر
)
و قوله تعالى أما من استغنى .
(
فأنت له تصدى و ما عليك ألاّ يزّكى
)
و في أبي جهل نزل قوله تعالى(
ذق انّك أنت العزيز الكريم
)
و قوله تعالى(
فليدع ناديه سندع الزبانية
)
.
و كان أبو جهل أعتى من فرعون ، ففرعون لما أدركه الغرق قال . .
(
آمنت أنّه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل
)
.
(
حتى قال له جبرئيل الان
)
(
و قد عصيت قبل
)
.
و أما أبو جهل فحين قتله ادّعى أنّه غلب على النبيّصلىاللهعليهوآله
.
و عكرمة بن أبي جهل كان سرّ أبيه ، فروى الزبير بن بكار أنّه لما بويع أبو بكر ندم قوم من الأنصار و ذكروا عليّاعليهالسلام
و هتفوا باسمه و أنّه في داره لم
يخرج إليهم ، و كان أشدّ قريش على الأنصار نفر سهيل بن عمرو العامري و الحرث بن هاشم و عكرمة بن أبي جهل المخزوميان و هؤلاء أشراف قريش الذين حاربوا النبيّصلىاللهعليهوآله
ثم دخلوا في الاسلام و كلّهم موتور قد وتره الأنصار إلى أن قال : فلما بلغ الأنصار قول هؤلاء الرهط قام ثابت بن قيس بن شماس فقال : يا معشر الأنصار إنّما يكبر عليكم هذا القول لو قاله أهل الدين من قريش ، فأما إذ كان من أهل الدّنيا لا سيما من أقوام كلّهم موتور فلا يكبرن عليكم ، فان تكلمت رجال قريش الذين هم أهل الآخرة مثل كلام هؤلاء فعند ذلك قولوا ما أحببتم و إلا فأمسكوا
.
و أما خالد بن الوليد فعمدة آثاره فراره بالمسلمين يوم موتة فصار عارا للإسلام ، و لما رجعوا إلى المدينة كان المسلمون يصيحون بهم يا فرار و يحثّون عليهم التراب ، و غدره بجمع من المسلمين زمان النبيصلىاللهعليهوآله
و قتله لهم بغير حق ، فتبرأ منه و من فعله النبيصلىاللهعليهوآله
و بعث لإرضاء أوليائهم ، و غدره بجمع من المسلمين زمان أبي بكر كما مر و قرره أبو بكر و دافع عنه فعزله عمر ساعة وفاة أبي بكر و قيامه بالأمر لذلك
.
و أما ابنه عبد الرحمن فأحد أعوان معاوية ، و كانعليهالسلام
يلعنه بعد صفين كما يلعن معاوية بعد صلاة غداته و مغربه
.
و أما عمر بن أبي ربيعة فهو الهتاك للمحصنات حتى سمّي بالفاسق و أحرقه اللَّه في الدنيا قبل الآخرة
.
و أما هشام بن اسماعيل فهو أحد من كان يسبّهعليهالسلام
، فلما عزله الوليد
عن المدينة و أمر ان يوقف للناس كان يحذّر السجادعليهالسلام
لذلك
، فلم يتعرّضعليهالسلام
له تكرّما فأي فخر في هؤلاء الذين كانوا لجهنم حطبا .
و مع أنّه طوّل في نقل جمع منهم فاته من معروفيهم عمر بن عبد الرحمن و هو الذي أتى في مكة إلى الحسين لما جاءته كتب أهل العراق و قال لهعليهالسلام
: إن تستنصحني أذكر نصيحتي و إلاّ كففت .
مع أنّ كلامهعليهالسلام
في بيان ذكر صفات طوائف قريش لا تعداد رجالهم فهل كانعليهالسلام
نسابة يذكر رجالهم ، فأراد ابن أبي الحديد أن يكون لهعليهالسلام
كتاب نسب لقريش ككتاب مصعب الزبيري و ابن بكار .
مع أنّ مخزوما مع اشتهارهم بالكبر و التيه لم يذكرعليهالسلام
ذلك بل اقتصر على صحة النقل على كونهم ريحانة قريش ، فقالوا : قال النبيصلىاللهعليهوآله
لحزن بن أبي وهب المخزومي جدّ سعيد بن المسيب : ما اسمك ؟ قال : حزن .
فقالعليهالسلام
له : بل أنت سهل فقال حزن : انّما السهولة للحمار قال سعيد بن المسيب : فما زالت تلك الحزونة تعرف فينا حتى اليوم
.
و في ( الاستيعاب ) : قال أهل النسب و في ولد حزن جروية و سوء خلق معروف ذلك فيهم لا يكاد يعدو منهم و لذلك قال معاوية كما مر لا ينبغي للمخزومي أن يكون غير تياه
.
و أما ردّ الحسنعليهالسلام
عليه إنّما لأن معاوية لم يقل ذلك عن غرض صحيح بل للتحريض على الازدياد من الصفة المذمومة .
و لو كان ابن أبي الحديد قال : إنّهم بعد بني عبد مناف أشرف طوائف
قريش كان كلامه صحيحا ، فلما سمع أبو قحافة أبو صديقهم قيام ابنه بالأمر تعجّب من تقدّم تيم الرذل على اولئك فقال : كيف رضيت بنو عبد مناف و بنو مخزوم بذلك
.
و كون مخزوم ريحانة قريش ليس وصفا من انشائهعليهالسلام
، بل كان مقولا قبلهعليهالسلام
و قد فسّرهعليهالسلام
لهم بتفسير حسن بأن لم يقتصر على حبّ نكاح نسائهم بل زاد حبّ حديث رجالهم فروى أبو عبيدة في كتاب تاجه و قد نقله ابن أبي الحديد
في موضع آخر إنّ خالد بن عبد الرحمن المخزومي دخل مسجد الكوفة ، فانتهى إلى حلقة فيها أبو الصقعب التيمي من تيم الرباب و كان من أعلم الناس فلما سمع علمه و حديثه حسده فقال له : ممن الرجل ؟
قال : من تيم الرباب فقال له : ما أنت من سعد الأكثرين و لا حنظلة الأكرمين و لا عمرو الأشدّين فقال له أبو الصقعب : فممّن أنت ؟ قال : من بني مخزوم قال :
و اللَّه ما أنت من هاشم المنتجبين و لا امية المستخلفين و لا عبد الدار المستحجبين فبم تفخر ؟ قال : نحن ريحانة قريش قال أبو الصقعب : قبحا لما جئت به ، و هل تدري لم سمّيت مخزوم ريحانة قريش ؟ سمّيت بحظوة نسائها عند الرجال فأفحمه .
و في خبر خالد بن صفوان مع السفاح : لما جعل يصف له أقسام النساء الجواري و الحرائر ليرغبه فيهن و يعطيه جائزة ، فسمعت ام سلمة امرأة السفاح ذلك و بعثت من خدمها من ضربه شديدا ، فعكس الأمر لارضاء ام سلمة و قال للسفاح : أخبرتك أنّ بني مخزوم ريحانة قريش و عندك ريحانة من الرياحين و أنت تسطح بعينك إلى حرائر النساء و الإماء .
ثم اعتذاره بأنّهعليهالسلام
لم يقصد احتقار مخزوم ، خبط في خبط فلم يكنعليهالسلام
أوّلا في مقام المفاخرة بل في مقام بيان صفات طوائف قريش ، و ثانيا أي ربط لهذا الكلام بمفاخرته مع عبد شمس و هل كون كتابهعليهالسلام
إلى معاوية « منّا النبيّ و منكم المكذّب » الوارد في ذلك يجعل كلّ كلام كذلك ، و ثالثا لم يمر ذكر مخزوم بالعرض كيف و في العنوان ذكر أوّلا ، و رابعا ان قوله « و عليعليهالسلام
إنّما يذكر من قبله » غلط ، فهذا شيء عام فكل إنسان يصف طائفة يصف من وجد منهم لا من يوجد بعده ، و انّما فرقهعليهالسلام
مع باقي الناس أنّه لا يكترث بغير الفضائل الدينية و الأخلاقية .
هذا ، و في ( الأغاني ) : وفد عمر بن أبي ربيعة على عبد الملك فسأله عن مفاخرته مع الفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب ، فقال : بينا أنا جالس في المسجد الحرام في جماعة من قريش إذ دخل الفضل و وافقني و أنا أتمثّل بهذا البيت :
و أصبح بطن مكّة مقشعرا
|
|
كأن الأرض ليس بها هشام
|
فقال : يا أخا بني مخزوم إنّ بلدة تبجح بها عبد المطلب و بعث فيها النبيصلىاللهعليهوآله
و فيها بيت اللَّه تعالى لحقيقة ألا تقشعر لهشام ، و إنّ أشعر من هذا البيت و أصدق قول من يقول :
انما عبد مناف جوهر
|
|
زين الجوهر عبد المطلب
|
فقلت : يا أخا بني هاشم أشعر من صاحبك الذي يقول :
إنّ الدليل على الخيرات أجمعها
|
|
أبناء مخزوم للخيرات مخزوم
|
فقال لي : أشعر و اللَّه من صاحبك الذي يقول :
جبريل أهدى لنا الخيرات أجمعها
|
|
أرام هاشم لا أبناء مخزوم
|
فقلت في نفسي : غلبني و اللَّه ، ثم حملني الطمع في انقطاعه عني فقلت له :
بل أشعر منه الذي يقول :
أبناء مخزوم الحريق إذا
|
|
حرّكته تارة ضرما
|
يخرج منه الشرار مع لهب
|
|
من حاد عن حده فقد سلما
|
فأقبل علي و قال : أشعر من صاحبك و أصدق الذي يقول :
هاشم بحر إذا سما و طما
|
|
أخمد حر الحريق و اضطرما
|
و اعلم و خير القول أصدقه
|
|
بأنّ من رام هاشما هشما
|
فتمنيت و اللَّه أن الأرض ساخت بي ، ثم تجلدت عليه فقلت : أشعر من صاحبك الذي يقول :
أبناء مخزوم أنجم طلعت
|
|
للناس تجلو بنورها الظلما
|
تجود بالنيل قبل تساله
|
|
جودا هنيئا و تضرب البهما
|
فأقبل عليّ بأسرع من اللحظ ، ثم قال أشعر من صاحبك و أصدق الذي يقول :
هاشم شمس بالسعد مطلعها
|
|
إذا بدت أخفت النجوم معا
|
اختارنا اللَّه في النبي فمن
|
|
قارعنا بعد أحمد قرعا
|
فأسودت الدّنيا في عيني ، فانقطعت فلم أجد جوابا ، ثم قلت له : يا أخا بني هاشم ان كنت تفتخر علينا بالنبي فما تسعنا مفاخرتك فقال : كيف لا أفتخر به و لو كان منك لفخرت به علي فقلت : صدقت إنّه لموضع الفخار .
و سررت بقطع الكلام إذ ابتدأ المناقضة ، ثم قال : قد قلت فلم أجد بدا من الاستماع فقلت : هات فقال :
نحن الذين إذا سما بفخارهم
|
|
ذو الفخر أقعده هناك القعدد
|
افخر بنا ان كنت يوما فاخرا
|
|
تلفى الاولى فخروا بفخرك أفردوا
|
قل يابن مخزوم لكلّ مفاخر
|
|
منّا المبارك ذو الرسالة أحمد
|
ما ذا يقول ذو الفخار هنا لكم
|
|
هيهات ذلك هل ينال الفرقد
|
فحصرت و تبلدت ثم قلت له : أنظرني و فكّرت مليّا ثم أنشأت أقول :
لا فخر إلاّ قد علاه محمّد
|
|
فإذا فخرت به فاني أشهد
|
ان قد فخرت وفقت كلّ مفاخر
|
|
و إليك في الشرف الرفيع المقصد
|
و لنا دعائم قد تناهى أول
|
|
في المكرمات جرى عليها المولد
|
من دامها حاشى النبي و أهله
|
|
في الأرض غطغطه الخليج المزبد
|
دع ذا ورح بفناء خودبضة
|
|
مما نطقت به و غنى معبد
|
مع فتية تندى بطون أكفّهم
|
|
جودا إذا هزّ الزمان الأنكد
|
يتناولون سلافة عامية
|
|
طابت لشاربها و طاب المقعد
|
فو اللَّه لقد أجابني بجواب مثل كان أشدّ عليّ من الشعر ، فقال لي : يا أخا بني مخزوم : « أريك السها و تريني القمر » فقلت له : لا أرى شيئا أصلح من السكوت فضحك و قام عنّي قال : فضحك عبد الملك حتى استلقى
.
« و أما بنو عبد شمس فأبعدها رأيا ، و أمنعها لما وراء ظهورها » في ( بيان الجاحظ ) : خاض جلساء عبد الملك يوما في قتل عثمان ، فقال رجل منهم : في أي سنّك كنت يومئذ ؟ قال : كنت دون المحتلم قال : فما بلغك من حزنك عليه ؟
قال : شغلني الغضب له عن الحزن عليه
.
و في ( موفقيات ابن بكار ) : كتب مروان إلى معاوية في معنى قتل عثمان و كونه بصدد الانتقام من قتلته :
و لقد طويت أديمهم على نغل يحلم منه الجلد ، كذبت نفس الظأن بنا ترك المظلمة و حبّ الهجوع ، الا تهويمة الراكب العجل حتى تجذ جماجم و جماجم
جذ العراجين المهدلة حين إيناعها و انا على صحة نيتي و قوّة عزيمتي و تحريك الرحم لي و غليان الدم مني غير سابقك بقول و لا متقدّمك بفعل ، و أنت ابن حرب طلاب الترات و آبي الضيم ، و كتابي إليك و انا كحرباء السبب في الهجير ترقب عين الغزالة و كالسبع المفلت من الشرك يفرق من صوت نفسه .
و كتب إليه عبد اللَّه بن عامر : و إنّا بني عبد شمس معشر أنف غرّ حجاج طلاب أوتار ، و اللَّه لو كان ذميّا مجاورنا ليطلب العزّ لم نقعد عن الجار ، فكيف عثمان لم يدفن بمزبلة على القمامة مطروحا .
و كتب إليه الوليد بن عقبة : فملء بطني عليّ حرام إلاّ مسكة الرمق ، حتى أفري أوداج قتلة عثمان فري الاهب بشبات الشفار ، و أما اللين فهنيهات إلا خيفة المرتقب يرتقب غفلة الطالب ، انا على مداجاة و لما تبد صفحاتنا بعد ، و ليس دون الدم بالدم مرحل ، ان العار منقصة و الضعف ذل ، أيخبط قتلة عثمان زهرة الحياة الدّنيا و يسقون برد المعين و لما يمتطوا الخوف و يستحلسوا الحذر ، مع بعد مسافة الطرد و امتطاء العقبة الكؤود في الرحلة ، لا دعيت لعقبة ان كان ذلك حتى أنصب لهم حربا تضع الحوامل لها أطفالها إلى أن قال :
نومي عليّ حرام ان لم أقم
|
|
بدم ابن امي من بني العلات
|
قامت عليّ إذا قعدت و لم أقم
|
|
بطلاب ذاك مناحة الأموات
|
و في ( كامل المبرّد ) : قال أحد الأمويين :
إذا ما وترنا لم ننم عن تراتنا
|
|
و لم نك أوغالا نقيم البواكيا
|
و لكننا نمضي الجياد شوازبا
|
|
فنرمي بها نحو الترات المراميا
|
« و أما نحن فأبذل لما في أيدينا » قال ابن الزبعرى في هاشم و اسمه عمرو :
عمرو العلى هشم الثريد لقومه
|
|
و رجال مكّة مسنتون عجاف
|
قال الجاحظ : عم ابن الزبعرى أهل مكّة بالأزل و العجف و جعل هاشما الذي هشم لهم الخبز و الثريد ، فغلب هذا اللقب على اسمه حتى صار لا يعرف إلاّ به .
و قال الجاحظ أيضا : كان أكثر ما يهب الملك من العرب مائة بعير ، فيقال ( ذهب هنيدة ) و انما يقال ذلك إذا أريد غاية المدح ، و لقد وهب النبيصلىاللهعليهوآله
لرجل ألف بعير .
و في ( خلفاء ابن قتيبة ) : ذكروا أنّ عبد اللَّه بن أبي محجن الثقفي قدم إلى معاوية و قال له : أتيتك من عند العي الجبان البخيل ابن أبي طالب فقال له معاوية : أتدري ما قلت ؟ أما قولك العي فو اللَّه لو أن ألسن الناس جمعت فجعلت لسانا واحدا لكفاها لسان علي ، و امّا انّه جبان فثكلتك امك هل رأيت أحدا قط بارزه إلاّ قتله ، و أما قولك إنّه بخيل فو اللَّه لو كان لعلي بيتان أحدهما من تبر و الآخر من تبن لأنفذ تبره قبل تبنه فقال الثقفي : فعلام تقاتله ؟ قال : على دم عثمان و على هذا الخاتم الذي من جعله في يده جازت طينته فضحك الثقفي و لحق بهعليهالسلام
.
« و أسمح بنفوسنا عند الموت » في ( الطبري ) : ان الحر قال للحسينعليهالسلام
لما أرسله ابن زياد إليه : أذكرك في نفسك ، فاني أشهد لئن قاتلت لتقتلن و لئن قوتلت لتهلكن فيما أرى فقال له الحسينعليهالسلام
: أفبالموت تخوّفني ، و هل يعدو
بكم الخطب أن تقتلوني ، أقول لك ما قال أخو الأوس لابن عمه لقيه و هو يريد نصرة النبيصلىاللهعليهوآله
فقال له : أين تذهب فانّك مقتول فقال :
سأمضي و ما بالموت عار على الفتى
|
|
إذا ما نوى حقّا و جاهد مسلما
|
و آسى الرجال الصالحين بنفسه
|
|
و فارق مثبورا يغش و يرغما
|
و فيه بعد ذكر أسر أهل البيت و إدخالهم على يزيد دعا يزيد يوما علي بن الحسينعليهماالسلام
و دعا عمرو بن الحسن بن علي و هو غلام صغير ، فقال لعمرو : أتقاتل هذا الفتى ؟ يعني خالدا ابنه قال : لا و لكن اعطني سكينا ثم اقاتله فقال له يزيد و ضمّه « شنشنة أعرفها من أخزم » هل تلد الحية إلاّ حيّة .
و في ( تنبيه البكري على أوهام القالي ) : عن عمرو بن دينار قال : قال الحجاج لعلي بن الحسينعليهماالسلام
: أنتم كنتم أكرم عند شيخكم من آل الزبير عند شيخهم قال ذلك لأنّه لم يشهد الطف أحد من بني هاشم أطاقت يده حمل حديدة إلاّ قتل قبل الحسينعليهالسلام
، و قتل الحجاج عبد اللَّه بن الزبير و طاف من العشي بين عباد و عامر ابني عبد اللَّه واضعا يديه عليهما
.
هذا ، و في ( نسب قريش مصعب الزبيري ) : إنّ الحسن المثنى لما وفد على عبد الملك لمنع الحجاج من إشراكه عمر الأطراف معه في صدقات جدّه و لقيه يحيى بن الحكم فقال له : سأنفعك عند عبد الملك و لما دخل الحسن على عبد الملك قال له عبد الملك : أسرع إليك الشيب و يحيى في المجلس فقال له :
و ما يمنعه شيبه أماني أهل العراق كلّ عام يقدم عليه منهم ركب يمنونه الخلافة فأقبل عليه الحسن فقال له : بئس الرفد و اللَّه رفدت ، و ليس كما قلت و لكنّا أهل البيت يسرع إلينا الشيب و عبد الملك يسمع فأقبل عليه و قال : هلم
ما قدمت له فأخبره بقول الحجاج ، فقال : ليس ذلك له و لما خرج لقيه يحيى فعاتبه الحسن على سوء محضره فقال له يحيى : أيها و اللَّه ما يزال يهابك ، و لو لا هيبته إيّاك ما قضى لك حاجة و ما ألوتك رفدا
.
« و هم أكثر و أمكر و أنكر » في ( الطبري ) في واقعة الحرة لما بايع أهل المدينة عبد اللَّه بن حنظلة الغسيل على خلع يزيد وثبوا على عثمان بن محمد بن أبي سفيان و من بالمدينة من بني امية و مواليهم و من يرى رأيهم من قريش ، فكانوا نحوا من ألف رجل ، فخرجوا بجماعتهم حتى نزلوا دار مروان ، فكتب بنو امية إلى يزيد مع رسول و خرج معه عبد الملك إلى ثنية الوداع و قال له : قد أجلتك اثنتي عشرة ليلة ذاهبا و اثنتي عشرة ليلة مقبلا ، فوافني لأربع و عشرين ليلة في هذا المكان تجدني جالسا أنتظرك فقدم على يزيد و هو جالس على كرسي واضع قدميه في ماء طست من وجع كان يجده و يقال كان به النقرس فقرأه ثم قال :
لقد بدّلوا الحلم الذي من سجيتي
|
|
فبدّلت قومي غلظة بليان
|
ثم قال : أما يكون بنو امية و مواليهم ألف رجل ؟ قال : بلى و أكثر قال : فما استطاعوا أن يقاتلوا ساعة قال : أجمع الناس عليهم فلم يكن لهم بهم طاقة إلى أن قال و أقبل مسلم بن عقبة بالجيش حتى إذا بلغ أهل المدينة إقباله وثبوا على من معهم من بني امية فحصروهم في دار مروان و قالوا : لا نكفّ عنكم حتى نستنزلكم و نضرب أعناقكم أو تعطونا عهد اللَّه و ميثاقه لا تبغونا غائلة و لا تدلون لنا على عورة إلى أن قال فقال عبد الملك لمسلم بن عقبة : أرى أن تسير بمن معك فتنكب هذا الطريق حتى إذا انتهيت إلى أدنى نخيل بالمدينة نزلت حتى إذا كان الليل أذكيت الحرس حتى إذا أصبحت تركت المدينة ذات
اليسار حتى تأتيهم من قبل الحرة مشرقا ثم تستقبل القوم و قد أشرفت عليهم و طلعت الشمس طلعت بين أكتاف أصحابك ، فلا تؤذيهم و تقع في وجوههم فيؤذيهم حرّها و تصيبهم أذاها ، و يرون ما دمتم مشرقين ايتلاق بيضكم و حرابكم و أسنة رماحكم و سيوفكم و دروعكم و سواعدكم ما لا ترونه أنتم لشيء من سلاحهم ما داموا مغربين فقال له مسلم : للَّه أبوك أي امرىء ولد إلى أن قال فدخل مسلم بن عقبة المدينة فدعا الناس للبيعة على أنّهم خول ليزيد يحكم في دمائهم و أموالهم و أهليهم ما شاء
.
و فيه : قال خالد بن يزيد ذات يوم لعبد الملك بن مروان : عجب منك و من عمرو بن سعيد كيف أصبت غرته ؟ فقال :
دانيته مني ليسكن روعه
|
|
فأصول صولة حازم مستمكن
|
غضبا و محمية لديني انّه
|
|
ليس المسيء سبيله كالمحسن
|
« و نحن أفصح » قال النبيصلىاللهعليهوآله
: أنا أفصح من نطق بالضاد و قال الصادقعليهالسلام
: اعربوا حديثنا فانّا قوم فصحاء
.
« و أنصح و أصبح » كان يقال لهاشم القمر لجماله .
قال الجاحظ في كتابه ( فضل هاشم ) يقال لهاشم القمر ، و في ذلك يقول مطرود الخزاعي و كان بينه و بين بعض قريش شيء فدعاه إلى المحاكمة إلى هاشم و قال :
إلى القمر الساري المنير دعوته
|
|
و مطعمهم في الازل من قمع الجزر
|
و كان عبد المطلب أجمل الناس جمالا و أظهرهم جودا و أكملهم كمالا ،
و كان الزبير بن عبد المطلب شجاعا أبيّا و جميلا بهيا
.
و في ( المقاتل ) لأبي الفرج : كان العباس بن عليعليهالسلام
رجلا و سيما جميلا يركب الفرس المطهم و رجلاه تخطان في الأرض ، و كان يقال له قمر بني هاشم
.
هذا ، و في ( المروج ) : إنّ صعصعة لما ورد بكتاب أمير المؤمنينعليهالسلام
على معاوية قال له معاوية : ممّن الرجل ؟ قال : من نزار فقال له : ما كان نزار ؟
قال : كان إذا غزا نكّس و إذا لقى افترس و إذا انصرف احترس .
قال : فمن أي أولاده ؟ قال : من ربيعة قال : و ما كان ربيعة ؟ قال : كان يطيل النجاد و يعول العباد و يضرب ببقاع الأرض العماد قال : فمن أي أولاده أنت ؟ قال : من جديلة قال : و ما كان جديلة ؟ قال : كان في الحرب سيفا قاطعا و في المكرمات غيثا نافعا و في اللقاء لهبا ساطعا قال : فمن أي أولاده ؟ قال : من عبد القيس قال : و ما كان عبد القيس ؟ قال : كان حضريا خصيبا أبيض وهابا لضيفه ما يجد و لا يسأل عمّا فقد ، كثير المرق طيب العرق ، يقوم للناس مقام الغيث من السماء قال : ويحك يابن صوحان فما تركت لهذا الحي من قريش مجدا و لا فخرا قال : بلى و اللَّه تركت لهم ما لا يصلح إلاّ بهم ، تركت لهم الأبيض و الأحمر و الأصفر و الأشقر و السرير و المنبر و الملك إلى المحشر ، و أنّى لا يكون ذلك كذلك و هم منار اللَّه في الأرض و نجومه في السماء ففرح معاوية و ظنّ ان كلامه يشتمل على قريش كلّها فقال : صدقت يابن صوحان ان ذلك كذلك فعرف صعصعة ما أراد فقال : ليس لك و لا لقومك في ذلك إصدار و لا ايراد ، بعدتم عن أنف المرعى و علوتم عن عذب الماء قال : فلم ذلك و يلك يابن
صوحان قال : الويل لأهل النار انما ذلك لبني هاشم فقال له معاوية : قم فقال صعصعة : « الصدق ينبىء عنك لا الوعيد »
.
هذا ، و روى ( نوادر نكاح الفقيه ) عن محمد بن مسلم عن الباقرعليهالسلام
قال :
ان اللَّه تعالى خلق الشهوة عشرة أجزاء تسعة في الرجال و واحدة في النساء ، ذلك لبني هاشم و شيعتهم ، و في نساء بني أمية و شيعتهم عشرة أجزاء تسعة في النساء و واحدة في الرجال ٢ .
٣ الكتاب ( ١٨ ) و من كتاب لهعليهالسلام
إلى عبد اللَّه بن العباس و هو عامله على البصرة :
اِعْلَمْ أَنَّ ؟ اَلْبَصْرَةَ ؟ مَهْبِطُ ؟ إِبْلِيسَ ؟ وَ مَغْرِسُ اَلْفِتَنِ فَحَادِثْ أَهْلَهَا بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ وَ اُحْلُلْ عُقْدَةَ اَلْخَوْفِ عَنْ قُلُوبِهِمْ وَ قَدْ بَلَغَنِي تَنَمُّرُكَ ؟ لِبَنِي تَمِيمٍ ؟
وَ غِلْظَتُك عَلَيْهِمْ وَ إِنَّ ؟ بَنِي تَمِيمٍ ؟ لَمْ يَغِبْ لَهُمْ نَجْمٌ إِلاَّ طَلَعَ لَهُمْ آخَرُ وَ إِنَّهُمْ لَمْ يُسْبَقُوا بِوَغْمٍ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَ لاَ إِسْلاَمٍ وَ إِنَّ لَهُمْ بِنَا رَحِماً مَاسَّةً وَ قَرَابَةً خَاصَّةً نَحْنُ مَأْجُورُونَ عَلَى صِلَتِهَا وَ مَأْزُورُونَ عَلَى قَطِيعَتِهَا فَارْبَعْ ؟ أَبَا اَلْعَبَّاسِ ؟ رَحِمَكَ اَللَّهُ فِيمَا جَرَى عَلَى لِسَانِكَ وَ يَدِكَ مِنْ خَيْرٍ وَ شَرٍّ فَإِنَّا شَرِيكَانِ فِي ذَلِكَ وَ كُنْ عِنْدَ صَالِحِ ظَنِّي بِكَ وَ لاَ يَفِيلَنَّ رَأْيِي فِيكَ وَ اَلسَّلاَمُ أقول : قال ابن ميثم روي أنّ ابن عباس كان قد أضر ببني تميم حين ولّى البصرة للذي عرفهم به من العداوة يوم الجمل لأنّهم كانوا من شيعة طلحة و الزبير و عائشة ، فحمل عليهم ابن عباس فأقصاهم و تنكّر عليهم و عيّرهم
بالجمل حتى كان يسمّيهم شيعة الجمل و أنصار عسكر اسم جمل عائشة كما في ( الدميري ) فاشتدّ ذلك على نفر من شيعة عليعليهالسلام
من بني تميم منهم جارية بن قدامة و في المصدر حارثة فكتب بذلك إليهعليهالسلام
يشكوه ، فكتبعليهالسلام
إليه : أما بعد ، فان خير الناس عند اللَّه أعملهم بطاعته في ما عليه و له ، و أقولهم بالحق و ان كان مرّا ألا و انّه بالحق قامت السماوات و الأرض فيما بين العباد ، فلتكن سريرتك كعلانيتك و ليكن حكمك واحدا و طريقك مستقيما ، و اعلم ان البصرة .
.
و في ( صفين نصر ) : كان عليعليهالسلام
قد استخلف بعد الجمل ابن عباس على البصرة ، فكتب إليه يذكر اختلافهم ، فكتبعليهالسلام
إليه : أمّا بعد فقد قدم عليّ رسولك و ذكرت ما رأيت و بلغك عن أهل البصرة بعد انصرافي و سأخبرك عن القوم ، هم من بين مقيم لرغبة يرجوها أو عقوبة يخشاها ، فارغب راغبهم بالعدل و الانصراف و الاحسان إليه ، و حل عقدة الخوف عن قلوبهم ، فانّه ليس لأمراء البصرة في قلوبهم عظم إلاّ قليل منهم ، و انته إلى أمري و لا تعده و أحسن إلى هذا الحي من ربيعة ، و كل من قبلك فأحسن إليهم ما استطعت ان شاء اللَّه و السّلام و كتب عبيد اللَّه بن أبي رافع في ذي القعدة سنة ( ٣٧ ) .
و فيه أيضا : و كتب عليّعليهالسلام
إلى ابن عباس : أما بعد ، فان خير الناس عند اللَّه عز و جل أقومهم للَّه بالطاعة في ما له و عليه ، و أقولهم بالحق و لو كان مرّا ، فان الحق به قامت السماوات و الأرض ، و لتكن سريرتك كعلانيتك ، و ليكن حكمك واحدا و طريقتك مستقيمة ، فان البصرة مهبط الشيطان ، فلا تفتحن على يد أحد بابا لا يطيق سدّه نحن و لا أنت ، و السّلام .
« اعلم أنّ البصرة مهبط ابليس و مغرس الفتن » روى كامل بن قولويه عن
أبي عبد اللَّهعليهالسلام
قال : لما مضى الحسين بكى عليه جميع ما خلق اللَّه إلاّ ثلاثة البصرة و دمشق و آل عثمان .
« فحادث » أي : عامل .
« أهلها بالإحسان إليهم » فان الإنسان أسير الإحسان .
« و احلل عقدة الخوف عن قلوبهم » لئلا يجرّهم إلى احداث فتنة
.
« و قد بلغني » المبلغ كان جارية بن قدامة كما قال ابن ميثم لأنّه كان من تميم و ان كان شيعتهعليهالسلام
.
« تنمرك » أي : تنكّرك كالنمر ، و النمر لا تلقاه أبدا إلاّ متنكرا غضبان
، و قال الجوهري في قول الشاعر :
قوم إذا لبسوا الحديد
|
|
تنمّروا حلقا وقدا
|
أي : تشبّهوا بالنمر لاختلاف ألوان القد و الحديد .
« لبني تميم و غلظتك عليهم » انّما تنمّر لهم و غلظ عليهم لأنّهم كانوا أعوان أهل الجمل ، فكان يسمّيهم كما في ( ابن ميثم ) : شيعة الجمل و أنصار عسكر اسم جمل عائشة و حزب الشيطان ، كما أنّهم في وقت غارات معاوية و بعث ابن الحضرمي إلى البصرة كانوا من أعوانه
.
قال في ( المروج ) : راسل معاوية من بالعراق من تميم ليثبوا بعليعليهالسلام
، فبلغه ذلك فقال في بعض مقاماته في كلام له طويل :
ان خبا يرى الصلاح فسادا
|
|
أو يرى الغي في الامور رشادا
|
لقريب من الهلاك كما
|
|
أهلك سابور بالسواد إيادا
|
« و إنّ بني تميم لم يغب لهم نجم إلاّ طلع لهم آخر » في ( تاريخ اليعقوبي ) :
كانت الرئاسة في تميم ، و كان أوّل رئيس منهم سعد بن زيد مناة بن تميم ثم حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم
.
و في ( الصحاح ) : قال النبيصلىاللهعليهوآله
: تميم كأهل مضر و عليها المحمل
.
و في ( القاموس ) : حكّام العرب في الجاهلية أكثم بن صيفي و حاجب بن زرارة و الأقرع بن حابس و ربيعة بن مخاشن و ضمرة بن أبي ضمرة لتميم
.
و في ( البيان ) : دخل الأحنف على معاوية فأشار له على الوساد فجلس على الأرض فقال له : ما منعك ؟ قال : ان فيما أوصى قيس بن عاصم المنقري ولده ان قال : لا تغش السلطان حتى يملك ، و لا تقطعه حتى ينساك ، و لا تجلس له على فراش و لا وساد ، و اجعل بينك مجلس رجل أو رجلين ، فانّه عسى أن يأتي من هو أولى بذلك المجلس مني فقال : لقد أوتيت تميم الحكمة مع رقة الحواشي
.
و في ( الصناعتين ) لأبي هلال : قال رجل من قريش لخالد بن صفوان التميمي : ما اسمك ؟ قال : خالد بن صفوان بن الأهتم فقال : ان اسمك لكذب ما خلد أحد ، و ان أباك لصفوان و هو حجر ، و ان جدّك لأهتم قلت و الأهتم من كسر ثناياه و ان الصحيح خير من الأهتم فقال له خالد : من أي قريش أنت ؟
قال : من بني عبد الدار قال : فمثلك يشتم تميما في عزّها و حسبها و قد هشتمك هاشم و امتك امية و جمحت بك جمح و خزمتك مخزوم و أقصتك قصي ، فجعلتك عبد دارها و موضع شنارها ، تفتح لهم الأبواب إذا دخلوها و تغلقها إذا خرجوا
.
هذا ، و نظير قولهعليهالسلام
« لم يغب لهم نجم إلاّ طلع لهم آخر » قول أبي الطحان القيني :
و اني من القوم الذين هم هم
|
|
إذا مات منهم سيد قام صاحبه
|
نجوم سماء كلّما غاب كوكب
|
|
بدا كوكب تأوي إليه كواكبه
|
أضاءت لهم أحسابهم و وجوههم
|
|
دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه
|
و ما زال منهم حيث كانوا مسود
|
|
تسير المنايا حيث سارت كتائبه
|
و في ( العيون ) قال شبيب بن شيبة : إنّي لأعرف أمرا لا يتلاقى به اثنان إلاّ وجب النجح بينهما فقال له خالد بن صفوان : ما هو ؟ قال : العقل ، فان العاقل لا يسأل ما لا يجوز و لا يرد عمّا يمكن فقال له خالد : نعيت إليّ نفسي ، انّا أهل بيت لا يموت منّا أحد حتى يرى خلفه
.
« و إنّهم لم يسبقوا بوغم » أي : ترة و حقد .
و في ( الأغاني ) : قدم عمارة بن تميم و محمد بن الحجاج سجستان لحرب ابن الأشعث ، فلما قدماها هرب و لم يبق من أصحابه بسجستان إلاّ نحو سبعمائة رجل من بني تميم كانوا مقيمين بها فقال لهما أبو حزابة التميمي الشاعر : ان الرجل قد هرب منكما و لم يبق من أصحابه أحد و انما
بسجستان من كان بها من بني تميم قبل قدومه فقالا : ما لهم عندنا أمان لأنّهم كانوا مع ابن الأشعث و خلعوا الطاعة فقال : ما خلعوا الطاعة و لكنه ورد عليهم في جمع عظيم لم يكن لهم بدفعه طاقة فلم يجيباه إلى ما أراد فعاد إلى قومه و حاصرهم أهل الشام فاستقلت بنو تميم ، فكانوا يخرجون إليهم في كل يوم فيواقعونهم و يبيتونهم بالليل و ينتهبون أطرافهم حتى ضجروا بذلك ، فلما رأى عمارة فعلهم صالحهم و خرجوا إليه ، فلما رأى قلتهم قال : ما كنتم إلاّ ما أرى قالوا : لا فان شئت أن نقيلك الصلح أقلناك وعدنا للحرب فقال : أنا غني عن ذلك فقال أبو حزابة :
للَّه عينا من رأى من فوارس
|
|
أكر على المكروه منهم و أصبرا
|
و أكرم لو لاقوا سوادا مقاربا
|
|
و لكن لقواطما من البحر أخضرا
|
فما برحوا حتى أعضوا سيوفهم
|
|
ذرى الهام منهم و الحديد المسمرا
|
و حتى حسبناهم فوارس كهمس
|
|
حيوا بعدما ماتوا من الدهر أعصرا
|
و في ( البيان ) : ذكر مؤمل بن خاقان ان تميم بن مر قال في خطبته : ان تميما لها الشرف العود ، و العزّ الأقعس و العدد الهيضل ، و هي في الجاهلية القدام و الذروة و السنام ، و قد قال الشاعر :
فقلت له و انكر بعض شأني
|
|
ألم تعرف رقاب بني تميم
|
و فيه أيضا : لما حضرت قيس بن عاصم الوفاة دعا بنيه فقال : يا بني احفظوا عني فلا أحد أنصح لكم مني ، إذا مت فسودوا كباركم و لا تسودوا صغاركم فيسفه الناس كباركم ، و لا تهونوا عليهم و عليكم باصلاح المال فانّه منبهة للكريم و يستغنى به عن اللئيم ، و إيّاكم و مسألة الناس فانّها أخزى كسب الرجل
.
و فيه : سئل دغفل النسابة عن تميم قال : حجر أخشن ان دنوت منه آذاك و ان تركته أعفاك
و قال الراجز :
ان تميما اعطيت تماما
|
|
و اعطيت مآثرا عظاما
|
و عددا و حسبا قمقاما
|
|
و بازخا من عزّها قداما
|
في الدهر أعيى الناس ان يراما
|
|
إذا رأيت منهم الأجساما
|
و الدل و الشيمة و الكلاما
|
|
و اذرعا و قصرا و هاما
|
عرفت ان لم يخلقوا طغاما
|
|
و لم يكن أبوهم مسقاما
|
لم تر في من يأكل الطعاما
|
|
أقل منهم سقطا وذاما
|
و في ( موفقيات ابن بكار ) : كان عبد الرحمن بن حسان معنى غريضا ذا كبر و نخوة ، فكتب من المدينة إلى مسكين بن عامر بن شريح بن عمرو بن عمرو ابن عدس بن زيد بن عبد اللَّه بن دارع يدعوه إلى المفاخرة و التهاجي في كتاب إلى أن قال فقال مسكين في قصيدة :
فان يبل الشباب فكلّ شيء
|
|
سمعت به سوى الرحمن بال
|
الا ان الشباب ثياب لبس
|
|
و ما الأموال إلا كالظلال
|
و ما أدري و ان جامعت قوما
|
|
أفيهم رغبتي أم في الزيال
|
و عاملة و ما تدري أفيه
|
|
يكون نجاحها أم في الحيال
|
لعلّك يابن فرخ اللؤم تنمي
|
|
تروم الراسيات من الجبال
|
فانّك لن تنال المجد حتى
|
|
ترد الماضيات من الليالي
|
أبي مضر الذي حدّثت عنه
|
|
و كلّ ربيعة الاثرين خالي
|
و اني حين أنسب من تميم
|
|
لفي الشمّ الشماريخ الطوال
|
و آبائي بنو عدس بن زيد
|
|
و خالي البشر بشر بني هلال
|
كساني عزّتي عمرو بن عمرو
|
|
و ردّاني زرارة بالفعال
|
كفانا حاجب كسرى و قوما
|
|
هم البيض الكرام ذوو السبال
|
و سار عطارد حتى أتاهم
|
|
فأعطوه المنى غير انتحال
|
قال : « كفانا حاجب » يعني كفى العرب جميعا أمر كسرى حيث منعهم أن يرعوا في بلاد العجم إلا بضمين ، فرهنه قوسه فأطلقه .
و ذو القرنين آخاه لقيط
|
|
و كان صفيّه دون الرجال
|
و ذو القرنين عمرو بن هند .
هما حبيا بديباج كريم
|
|
و ياقوت يفصل بالمحال
|
و كان الحازم القعقاع منّا
|
|
لزاز الخصم و الأمر العضال
|
شريح فارس النعمان جدي
|
|
و نازلها إذا دعيت نزال
|
و قاتل خاله بأبيه منّا
|
|
سماعة لم يبع حسبا بمال
|
و ندمان ابن جفنة كان خالي
|
|
ففارقه و ليس له بقال
|
و يوم مظلم لبني تميم
|
|
جلونا شمسه و الكف عال
|
دعتنا الحنظلية إذ لحقنا
|
|
و قد حملت على جمل ثقال
|
فأدركها و لم يعدل شريح
|
|
و اعوج عند مختلف العوالي
|
فغرنا ان غيرتنا كذاكم
|
|
إذا برز النساء من الحجال
|
متى نأسر و نؤسر في اناس
|
|
و يوجع كلّما عقد الحبال
|
فنحن الذائدون إذا بدئنا
|
|
و لا يرضون منّا بالبدال
|
إلى أن قال :
كأنّ قدور قومي كلّ يوم
|
|
قباب الترك ملبسة الجلال
|
أمام الحي تحملها أثاف
|
|
ململمة كأثباج الرئال
|
كأنّ الموقدين لها جمال
|
|
طلاها الزفت و القطران طال
|
بأيديهم معازف من حديد
|
|
يشبهها مقيرة الدوالي
|
و قال في قوله « متى نأسر و نؤسر في أناس » : أسرت بنو أسد رجلا من زرارة و في بني زرارة أسير من بني أسد فعوّضوه به ، فأبت بنو أسد حتى زادوهم في فداء الزراري
.
و في ( بلاغات نساء البغدادي ) : قال معاوية لجروة بنت غالب التميمية :
أخبريني عن قومك قالت : هم أكثر الناس عددا و أوسعهم بلدا و أبعدهم أمدا ، هم الذهب الأحمر و الحسب الأفخر ، اما بنو عمرو بن تميم فأصحاب بأس و نجدة و تحاشد و شدّة ، لا يتخاذلون عند اللقاء و لا يطمع فيهم الأعداء ، سلمهم فيهم و سيفهم على عدوّهم ، و اما بنو سعد بن زيد مناة ففي العدد الأكثرون و في النسب الأطيبون ، يضرون ان غضبوا و يدركون ان طلبوا ، أصحاب سيوف و جحف و نزال و زلف ، على ان بأسهم فيهم و سيفهم عليهم ، و اما حنظلة فالبيت الرفيع و الحسب البديع و العزّ المنيع ، المكرمون للجار و الطالبون بالثار و الناقضون للأوتار ، و اما البراجم فأصابع مجتمعة و كفّ ممتنعة ، و اما طهية فقوم هوج و قرن لجوج ، و أما بنو ربيعة فصخرة صماء و حية رقشاء ، يغزون غيرهم و يفخرون بقومهم ، و أما بنو يربوع ففرسان
الرماح و أسود الصباح ، يعتنقون الأقران و يقتلون الفرسان ، و اما بنو مالك فجمع غير مفلول و عزّ غير مجهول ليوث هرارة و خيول كرارة ، و اما بنو دارم فكرم لا يدانى و شرف لا يسامى و عزّ لا يوازى .
فقال لها معاوية : أنت أعلم الناس بتميم ، فما قولك في علي ؟ قالت : حاز و اللَّه الشرف حدّا لا يوصف و غاية لا تعرف ، و باللَّه أسأل إعفائي ممّا أتخوّف
.
و في ( كامل المبرد ) : وجّه الحجاج البراء بن قبيصة إلى المهلب يستحثه في مناجزة القوم ، و كتب إليه انّك لتحبّ بقاءهم لتأكل بهم فقال المهلب لأصحابه : حركوهم فخرج فرسان من أصحابه إليهم فخرج إليهم جمع فاقتتلوا إلى الليل ، فقال لهم الخوارج : أما تملّون فقالوا : لا حتى تملّوا قالوا :
فمن أنتم ؟ قالوا : تميم قالت الخوارج : و نحن بنو تميم فلما أمسوا افترقوا .
فلما كان من الغد خرج عشرة من أصحاب المهلب و خرج إليهم عشرة من الخوارج ، فاحتفر كلّ واحد منهم حفيرة و أثبت قدمه فيها ، فكلّما قتل رجل منهم جاء رجل من أصحابه فاجتره و وقف مكانه حتى اعتموا فقال لهم الخوارج : ارجعوا فقالوا : بل ارجعوا أنتم فقالوا : ويلكم من أنتم ؟ قالوا : تميم .
قالوا : و نحن تميم فرجع براء بن قبيصة إلى الحجاج فقال له : مه ؟ قال : رأيت قوما لا يعين عليهم إلاّ اللَّه
.
و في ( الطبري ) : وفد الأحنف بن قيس و جارية بن قدامة من بني ربيعة بن كعب و الجون بن قتادة العبشمي و الحتات بن يزيد أبو منازل أحد بني حوى بن سفيان بن مجاشع إلى معاوية ، فأعطى كلّ رجل منهم مائة ألف
و أعطى الحتات سبعين ألفا ، فلما كانوا في الطريق سأل بعضهم بعضا فأخبروا بجوائزهم ، فكان الحتات أخذ سبعين ألفا ، فرجع إلى معاوية فقال : ما ردّك ؟ قال : فضحتني في بني تميم ، أما حسبي بصحيح ؟ أولست ذا سن ؟
أولست مطاعا في عشيرتي ؟ فقال معاوية بلى قال : فما بالك خسست بي دون القوم ؟ فقال : اني اشتريت من القوم دينهم و وكلتك إلى دينك و رأيك في عثمان و كان عثمانيا فقال : و أنا فاشتر مني ديني فأمر له بتمام جائزة القوم و طعن في جائزته
قلت أي طعن بالوباء في إقامته لتحصيل ما أمر به فحبسها معاوية فقال الفرزدق في ذلك :
أبوك و عمي يا معاوية أورثا
|
|
تراثا فيحتاز التراث أقاربه
|
فما بال ميراث الحتات أخذته
|
|
و ميراث حرب جامد لك ذائبه
|
فلو أنّ هذا الأمر في جاهلية
|
|
علمت من المرء القليل حلائبه
|
و لو كان في دين سوى ذا شنأتم
|
|
لنا حقّنا أو غصّ بالماء شاربه
|
و لو كان إذ كنّا و في الكفّ بسطة
|
|
لصمم عضب فيك مضاربه
|
و قد رمت شيئا يا معاوي دونه
|
|
خياطيف علود صعاب مراتبه
|
و ما كنت أعطي النصف من غير قدرة
|
|
سواك و لو مالت عليّ كتائبه
|
ألست أعزّ الناس قوما و اسرة
|
|
و أمنعهم جارا إذا ضيم جانبه
|
و ما ولدت بعد النبي و آله
|
|
كمثلي حصان في الرجال يقاربه
|
أبي غالب و المرء ناجية الذي
|
|
إلى صعصع ينمي فمن ذا يناسبه
|
و بيتي إلى جنب الثريا فناؤه
|
|
و من دونه البدر المضيء كواكبه
|
أنا بن الجبال الصم في عدد الحصى
|
|
و عرق الثرى عرقي فمن ذا يحاسبه
|
أنا بن الذي أحيى الوئيد و ضامن
|
|
على الدهر اذ عزت لدهر مكاسبه
|
و كم من أب لي يا معاوي لم يزل
|
|
أغرّ يباري الريح ما أزور جانبه
|
نمته فروغ المالكين و لم يكن
|
|
أبوك الذي من عبد شمس يقاربه
|
تراه كنصل السيف يهتزّ للندى
|
|
كريما يلاقي المجد ماطر شاربه
|
طويل نجاد السيف مذ كان لم يكن
|
|
قصي و عبد الشمس ممّن يخاطبه
|
فردّ ثلاثين ألفا على أهله .
و قال ابن أبي الحديد ذكر أبو عبيدة في ( تاجه ) أنّ لبني تميم مآثر لم يشركها فيها غيرهم ، أما بنو سعد بن زيد مناة فلها ثلاث خصال يعرفها العرب : إحداها كثرة العدد حتى ملأت السهل و الجبل ، عدلت مضر كثرة و عامة ، العدد منها في كعب بن سعد و لذلك قال سعد بن معزا :
كعبي من خير الكعاب كعبا
|
|
من خيرها فوارسا و عقبا
|
تعدل جنبا و تميم جنبا
و لذا كانت تسمى سعد الأكثرين و في المثل ( في كل واد بنو سعد ) .
و الثانية : الإفاضة في الجاهلية ، كان ذلك في بني عطارد و هم يتوارثون ذلك كابرا عن كابر حتى قام الاسلام ، و كانوا إذا اجتمع الناس أيام الحج بمنى لم يبرح أحد حتى يجوز القائم بذلك من آل كرب بن صفوان ، قال أوس بن معزا :
و لا يريمون في التعريف موقفهم
|
|
حتى يقال أجيزوا آل صفوانا
|
و الثالثة : أنّ منهم أشرف بيت في العرب الذي شرفته ملوك لخم ، قال المنذر بن المنذر بن ماء السماء ذات يوم و عنده وفود العرب و دعا ببردي أبيه : ليلبس هذين أعزّ العرب و أكرمهم حسبا فأحجم الناس فقال أحيمر بن خلف بن بهدلة : أنا لهما قال الملك : بماذا ؟ قال : بأنّ مضر أكرم العرب و أعزّها و أكثرها عديدا ، و إنّ تميما كأهلها و أكثرها و ان بيتها و عددها في بني بهدلة و هو جدّي قال : هذا في أصلك و عشيرتك ، فكيف في عترتك و أدانيك ؟ قال : أنا
أبو عشرة و أخو عشرة و عم عشرة فدفعهما إليه و إلى هذا أشار الزبرقان في قوله :
و بردا ابن ماء المزن عمي اكتساهما
|
|
بفضل معدّ حيث عدّت محاصله
|
و لهم في الاسلام خصلة قدم قيس بن عاصم المنقري على النبيصلىاللهعليهوآله
في نفر من بني سعد ، فقالصلىاللهعليهوآله
: هذا سيّد أهل الوبر فجعله سيد خندف و قيس ممّن يسكن الوبر .
و أمّا بنو حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم فلهم خصال كثيرة ، فمن ذلك بيت زرارة بن عدس بن زيد بن دارم بن مالك بن حنظلة ، يقال انّه أشرف البيوت في بني تميم و من ذلك قوس حاجب بن زرارة المرهونة عند كسرى عن مضر كلّها و في ذلك قيل :
أقسم كسرى لا يصالح واحدا
|
|
من الناس حتى يرهن القوس حاجب
|
و من ذلك في صعصعة بن ناجية من مجاشع بن دارم ، و هو أول من أحيى الوئيد قام الإسلام و قد اشترى ثلاثمائة موءودة فأعتقهن و ربّاهن ، و كانت العرب تئد البنات خوف الإملاق .
و من ذلك غالب بن صعصعة أبو الفرزدق ، قرى مائة ضيف و احتمل عشر ديات لقوم لا يعرفهم و كان من حديث ذلك ان بني كلب بن وبرة افتخرت بينها في أنديتها ، فقالت : نحن لباب العرب الذين لا ينازعون حسبا و كرما فقال شيخ منهم : ان العرب غير مقرّة لكم بذلك ، ان لها احسابا و ان لها لبابا و ان لها فعالا ، و لكن ابعثوا مائة منكم في أحسن هيئة و بزة ينفرون من مروا به من العرب و يسألونه عشر ديات و لا ينتسبون له ، فمن قراهم و بذل لهم الديات فهو الكريم الذي لا ينازع فضلا فخرجوا حتى قدموا أرض بني تميم و أسد ، فنفروا الأحياء حيّا حيّا و ماء فماء لا يجدون أحدا على ما يريدون ،
حتى مروا على أكثم بن صيفي فسألوه ذلك فقال : من هؤلاء القتلى و من أنتم و ما قصّتكم ، فان لكم لشأنا باختلافكم في كلامكم ؟ فعدلوا عنه ثم مروا بعتيبة بن الحرث بن شهاب اليربوعي فسألوه ذلك ، فقال : من أنتم ؟ قالوا :
فقال : اني لأبغي كلبا بدم فان انسلخ الأشهر الحرم و أنتم بهذه الأرض و أدرككم الخيل نكلت بكم و أثكلتكم امهاتكم فخرجوا من عنده مرعوبين .
فمروا بعطارد بن حاجب بن زرارة فسألوه ذلك فقال : قولوا أبياتا و خذوها .
فقالوا : أما هذا فقد سألكم قبل أن يعطيكم فتركوه و مرّوا ببني مجاشع بن دارم فأتوا على واد قد امتلأ من البعير فيها غالب بن صعصعة يهنأها ، فسألوه القرى و الديات فقال لهم : هاكم البذل قبل النزول ، فابتزوها من البرك و خذوا دياتكم ثم انزلوا فنزلوا و أخبروه بالحال و قالوا : أرشدك اللَّه من سيد قوم لقد أرحتنا من طول النصب و لو علمنا لقصدنا إليك ، فذلك قول الفرزدق :
فللَّه عينا من رأى مثل غالب
|
|
قرى ماه ضيفا و لم يتكلّم
|
و اذ نبحت كلب على الناس أنّهم
|
|
أحقّ بتاج الماجد المتكرّم
|
فلم يجز عن أحسابها غير غالب
|
|
جرى بعناني كل أبلج خضرم
|
و أما بنو يربوع بن حنظلة فمنهم عتاب بن هرمي بن رباح ، كانت له ردافة ملوك آل المنذر ، و الردافة أن يثنى به في الشرب و إذا غاب الملك خلفه في مجلسه و ورث ذلك بنوه كابرا عن كابر حتى قام الإسلام
.
و دخل الفرزدق على سليمان و كان يشنأه لكثرة بأوه و أغلظ في خطابه حتى قال : من أنت لا ام لك ؟ قال : أو ما تعرفني ؟ أنا من حي هم أوفى العرب و أحلم العرب و أسود العرب و أجود العرب و أشجع العرب فقال سليمان : و اللَّه
لتحجن لما ذكرت أو لاوجعن ظهرك و لأبعدن دارك فقال : أما أوفى العرب فحاجب بن زرارة رهن قوسه عن العرب كلّها و أوفى ، و أمّا أحلم العرب فالأحنف يضرب به المثل حلما ، و أما أسود العرب فالحريش بن هلال السعدي ، و أما أجود العرب فخالد بن عتاب الرياحي ، و أما أشعر العرب فها أنا ذا عندك قال سليمان : فما جاء بك ؟ لا شيء لك عندنا و غمّه ما سمع من عزّه و لم يستطع له ردا
.
قال ابن أبي الحديد : و لو ذكر الفرزدق عتيبة بن الحارث بن شهاب اليربوعي و قال انّه أشجع العرب لثقافته بالرمح ، و كان يقال له صيّاد الفوارس ، و سمّ الفوارس و هو الذي أسر بسطام بن قيس فارس ربيعة و شجاعها ، مكث عنده في القيد حتى استوفى فداه و جز ناصيته و خلّى سبيله على أن لا يغزو بني يربوع و لكن لم يذكره الفرزدق لأنّه كان تميميا ، لأن جريرا يفتخر به لأنّه من بني يربوع ، فحمله عداوة جرير على أن عدل عن ذكره
.
قلت : لم يعلم كون وجهه ما ذكر ، لأن الانسان لا يفتخر بعمّه إذا كان في مقابل ابن عمه ، و أمّا إذا كان في مقابل أجنبي فيفتخر به و لو كان من أعدائه ، فهذا معاوية يفتخر ببني هاشم و هو أعدى عدوّهم في قبال ابن الزبير لكون امية و هاشم من عبد مناف .
ثم لم يذكر الفرزدق بدل الأحنف قيس بن عاصم المنقري ، فقيل للأحنف ممّن تعلمت الحلم ؟ قال : من قيس .
ثم ذكر قصّة عجيبة في حلمه و كيف كان ، فنقل ( أجواد التنوخي ) قصّة
المنذر مع أحيمر و بدّل الأول بنعمان بن المنذر و الثاني بعامر بن أحيمر و زاد :
ان النعمان قال له : كيف أنت في نفسك ؟ فقال : و أما في نفسي فوضع قدمه في الأرض و قال : من أزالها عن مكانها فلم يقم إليه أحد .
ثم ما ذكره أبو عبيدة في فضائل تميم فضائل دنيوية التي كانت العرب تفتخر بها و لم يكن لهم فضائل دينية ، و كلامهعليهالسلام
لا يقتضي أكثر من فضائل دنيوية ، و كيف نقول بفضائل دينية لهم و قد نزل بذمّهم القرآن ، ففسّر قوله تعالى:(
إنّ الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون
)
بهم .
ففي ( الطبري ) : قدم في سنة ( ٩ ) وفد تميم على النبيصلىاللهعليهوآله
عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس التميمي في أشراف منهم ، منهم الأقرع بن حابس و الزبرقان بن بدر و عمر بن الأهتم و الحتات بن فلان و نعيم بن زيد و قيس بن عاصم و معهم عيينة بن حصين الفزاري ، فلما دخل وفد تميم المسجد نادوا النبيصلىاللهعليهوآله
من وراء الحجرات أن أخرج إلينا يا محمد فآذى صياحهم النبي فخرج إليهم ، فقالوا : جئناك لتفاخرنا فأذن لشاعرنا و خطيبنا ؟ قال : نعم قد أذنت فقام عطارد بن حاجب فقال : الحمد للَّه الذي له علينا الفضل و هو أهله الذي جعلنا ملوكا ، و وهب لنا أموالا عظاما نفعل فيها المعروف ، و جعلنا أعزّ أهل المشرق و أكثره عددا و أيسره عدّة ، فمن مثلنا في الناس ، ألسنا برؤوس الناس و أولى فضلهم ، فمن يفاخرنا فليعدد مثل ما عددنا ، و انّا لو نشاء لأكثرنا الكلام و لكنّا نحيى من الاكثار فما أعطانا ، أقول هذا الان لتأتونا بمثل قولنا و بأمر أفضل من أمرنا .
إلى أن قال بعد ذكر أمر النبيصلىاللهعليهوآله
ثابت بن قيس الخزرجي أن يجيب خطيبهم ، ثم قالوا : يا محمّد ائذن لشاعرنا فقال : نعم فقام الزبرقان
بن بدر فقال :
نحن الكرام فلا حيّ يعادلنا
|
|
منّا الملوك و فينا تنصب البيع
|
و كم قسرنا من الأحياء كلّها
|
|
عند النهاب و فضل العز يتبع
|
و نحن نطعم عند القحط مطعمنا
|
|
من الشواء إذا لم يؤنس القزع
|
ثم ترى الناس تأتينا سراتهم
|
|
من كلّ أرض هويا ثم نصطنع
|
فننحر الكوم غبطا في أرومتنا
|
|
للنازلين إذا ما انزلوا شبعوا
|
فلا ترانا إلى حيّ نفاخرهم
|
|
إلاّ استقادوا و كاد الرأس يقتطع
|
إنّا أبينا و لا يأبى لنا أحد
|
|
إنّا كذلك عند الفخر نرتفع
|
فمن يقادرنا في ذاك يعرفنا
|
|
فيرجع القول و الأخبار تستمع
|
إلى أن قال بعد ذكر أمر النبيصلىاللهعليهوآله
حسانا أن يجيب شاعرهم و امتثاله ، فلما فرغ حسان قال الأقرع بن حابس و ابي : ان هذا الرجل لمؤتى له ، لخطيبه أخطب من خطيبنا و شاعره أشعر من شاعرنا و أصواتهم أعلى من أصواتنا .
فلما فرغ القوم أسلموا و جوّزهم النبيصلىاللهعليهوآله
فأحسن جوائزهم
.
و كيف لا و كانوا من أتباع جمل عائشة كما كان ابن عباس يقول لهم .
و في ( الأغاني ) : قال ابن الزبير : ان بني تميم كانوا وثبوا على البيت قبل الاسلام بمائة و خمسين سنة فاستلبوه ، فاجتمعت العرب عليها لما انتهكت منه ما لم ينتهكه أحد قط فأجلتها من أرض تهامة
.
هذا ، و في ( شعراء القتيبي ) : دسّ جرير رجلا إلى الأقيشر و قال له : اذهب إليه و قل له اني جئت لأهجو قومك و تهجو قومي فصار إليه بذلك فقال له الأقيشر : ممّن أنت ؟ قال : من بني تميم فقال الأقيشر :
فلا أسدا نسبّ و لا تميما
|
|
و كيف يحلّ سبّ الأكرمينا
|
و لكن التقارض حلّ بيني
|
|
و بينك يابن مضرطة العجينا
|
فسمّى الرجل ابن مضرطة العجين
.
هذا ، و في ( المروج ) : كان سابور لما يقتل العرب أتى على بلاد البحرين و فيها يومئذ بنو تميم فأمعن في قتلهم ، ففروا و شيخهم يومئذ عمرو بن تميم و له يومئذ ثلاثمائة سنة و كان يعلق في عمود البيت في قفة قد اتخذت له فأرادوا حمله فأبى و قال : أنا هالك اليوم أو غدا و ماذا بقي لي من فسحة العمر و لعل اللَّه ينجيكم من صولة هذا الملك المسلّط على العرب فتركوه فصبحت خيل سابور الديار فنظروا ارتحل أهلها و نظروا إلى قفة في شجرة ، فأقبل عمرو لما سمع الصهيل يصيح بصوت ضعيف ، فأخذوه و جاؤوا به إلى سابور ، فنظر إلى دلائل الهرم عليه قيل له : من أنت أيّها الشيخ الفاني ؟ قال : أنا عمرو بن تميم بلغت من العمر ما ترى و قد هرب الناس لإسرافك في القتل و أنا سائلك عن أمر قال : قل قال : ما الذي يحملك على قتل رعيتك و رجال العرب ؟
فقال : أقتلهم لأنّا ملوك الفرس نجد في مخزون علمنا ان العرب ستدال علينا و يكون لهم الغلبة علينا فقال : ان كنت تعلم ذلك فلأن تحسن إليهم ليكافئوك عند ادالة الدولة لهم على قومك بإحسانك فهو أحزم في الرأي ، و ان كان باطلا فلم تستعجل الإثم و تسفك دماء رعيتك فقال : صدقت و نصحت فنادى مناديه بالأمان و رفع السيف
.
« و إنّ لنا بهم رحما ماسة و قرابة خاصّة » الظاهر أنّهعليهالسلام
أشار إلى كون هند بن أبي هالة التميمي أخا فاطمة صلوات اللَّه عليها لامها و خال ابنيه
الحسن و الحسينعليهماالسلام
لامّهما .
و قال ابن ميثم قيل تلك القرابة لاتصال هاشم و تميم عند الياس بن مضر و هو كما ترى ، فولد الياس مدركة و طابخة و قمعة ، و من كلّ منهم قبائل كثيرة ، و تميم من طابخة كالرباب و ضبة و مزينة
.
و في ( فتوح البلاذري ) : إنّ سياه الأسواري الذي كان على مقدّمة يزدجرد ثم دخل الاسلام و شهد مع أبي موسى حصار تستر لما صار هو و أصحابه إلى البصرة سألوا : أيّ الأحياء أقرب نسبا إلى النبيصلىاللهعليهوآله
؟ فقيل : بنو تميم و كانوا على أن يحالفوا الأزد ، فتركوهم و حالفوا بني تميم ، ثم خطت لهم خططهم فنزلوا و حفروا نهرهم المعروف بنهر الأساورة
.
و في ( المعمرون ) لأبي حاتم : قال هشام : أخبرني عن واحد من بني تميم قالوا كانت الأتاوة أي الخراج من مضر في الكبر و القعدد في النسب ، فصارت إلى بني عمرو بن تميم فوليها ربيعة بن عزى بن بزى الأسيدي فطال عمره و هو أبو الحفاد و هو القائل : يا أبا الحفاد أفناك الكبر
.
« نحن مأجورون على صلتها » في ( الكافي ) : عن أبي جعفرعليهالسلام
: ان الرحم متعلقة يوم القيامة بالعرش تقول : اللّهم صل من وصلني و اقطع من قطعني
.
و عن أمير المؤمنينعليهالسلام
: صلوا أرحامكم و لو بالتسليم ، يقول تعالى . .(
اتقوا اللَّه الذي تساءلون به و الأرحام ان اللَّه كان عليكم رقيباً
)
.
« و مأزورون » و أصله ( موزورون ) لأنّه من الوزر ، و انّما قالعليهالسلام
« مأزورون » لمكان « مأجورون » .
« على قطيعتها » عنهعليهالسلام
: ان الرحم معلقة بالعرش تقول : اللّهم صل من وصلني و اقطع من قطعني .
« فأربع » أي : تحبس .
« أبا العباس » هو كنية ابن عباس .
« رحمك اللَّه » معترضة .
« فيما جرى على لسانك و يدك » هكذا في ( المصرية )
و الصواب : « على يدك و لسانك » كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية ) .
« من خير و شر » فإن كان خيرا فاعمله ، و ان كان شرّا فاجتنبه .
« فإنّا شريكان في ذلك » لأنّه لو لا السلطان ما قدر الوالي
.
« و كن عند صالح ظنّي بك » من إجراء الامور على مجاريها الصحيحة .
« و لا يفيلن رأيي فيك » أي : لا يخطىء فراستي فيك يقال فال الرأي يفيل أي ضعف و مما قيل في ذمّهم :
إذا ما تميميّ أتاك مفاخرا
|
|
فقل عدّ عن ذا كيف أكلك للضب
|
و لما راجز أبو النجم العجلي العجاج بن رؤبة من زيد بن تميم قال له فيما قال :
عيشي تميم و اصغري فيمن صغر
|
|
و باشري الذل و أعطي من عشر
|
و أمّري الانثى عليك و الذكر
٤ الحكمة ( ٤٥٥ ) و سئل عن أشعر الشعراء فقالعليهالسلام
:
إِنَّ اَلْقَوْمَ لَمْ يَجْرُوا فِي حَلْبَةٍ تُعْرَفُ اَلْغَايَةُ عِنْدَ قَصَبَتِهَا فَإِنْ كَانَ وَ لاَ بُدَّ فَالْمَلِكُ اَلضِّلِّيلُ ( يريد امرأ القيس ) .
أقول : قال ابن أبي الحديد في ( أمالي ابن دريد الحرموزي ) : عن ابن المهلبي عن ابن الكلبي عن شداد بن ابراهيم عن عبيد اللَّه بن الحسن العنبري عن ابن عرادة قال : كان عليعليهالسلام
يعشي الناس في شهر رمضان باللحم و لا يتعشى معهم فإذا فرغوا خطبهم و وعظهم ، فأفاضوا ليلة في الشعراء و هم على عشائهم ، فلما فرغوا خطبهم و قال في خطبته « ان ملاك أمركم الدين و عصمتكم التقوى و زينتكم الأدب و حصون أعراضكم الحلم » ثم قال : يا أبا الأسود قل فيما كنتم تفيضون فيه ، أيّ الشعراء أشعر فقال : الذي يقول :
و لقد اغتدى يدافع ركني
|
|
أعوجي ذو ميعة أضريج
|
مخلط مزيل معن مقن
|
|
مفنخ مطرح سيوح خروج
|
يعني أبا داود الإيادي فقالعليهالسلام
: ليس به قالوا : فمن ؟ فقالعليهالسلام
: لو رفعت للقوم غاية فجروا إليها معا علمنا من السابق منهم ، و لكن ان يكن فالذي لم يقل عن رغبة و لا رهبة قيل : من هو ؟ قال : هو الملك الضليل ذو القروح قيل :
امرؤ القيس ؟ قالعليهالسلام
: هو
.
قلت : و رواه أبو الفرج في ( أغانيه ) في ( أبي داود الإيادي ) بإسناده عن شداد لكن فيه « شداد بن عبيد اللَّه » لا « شداد بن إبراهيم » عن عبيد اللَّه بن الحر لا
« ابن الحسن » عن أبي عرادة لا « ابن عرادة » و لا بد أن أحدهما تحريف كلاّ أو بعضا .
و متنه أيضا هكذا : كان علي صلوات اللَّه عليه يفطر الناس في شهر رمضان ، فإذا فرغ من العشاء تكلّم فأقلّ و أوجز فأبلغ ، فاختصم الناس ليلة حتى ارتفعت أصواتهم في أشعر الناس ، فقالعليهالسلام
لأبي الأسود : قل فقال و كان يتعصّب لأبي داود الإيادي أشعرهم الذي يقول :
و لقد اغتدى يدافع ركني
|
|
أحوذي ذو ميعة اضريج
|
مخلط مزيل مكر مفر
|
|
منفخ مطرح سبوح خروج
|
سلهب سرحب كأنّ رماحا
|
|
حملته و في السراة دموج
|
فأقبلعليهالسلام
على الناس و قال : كلّ شعرائكم محسن و لو جمعهم زمان واحد و غاية واحدة و مذهب واحد في القول لعلمنا أيّهم أسبق إلى ذلك ، و كلّهم قد أصاب الذي أراد و أحسن فيه ، و إن يكن أحد أفضلهم فالذي لم يقل رغبة و لا رهبة امرؤ القيس بن حجر فانّه كان أصحّهم بادرة و أجودهم نادرة
.
قول المصنّف : « و سئل من أشعر الشعراء » هكذا في ( المصرية )
، و الصواب : « و سئلعليهالسلام
عن أشعر الشعراء » كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية )
.
و كيف كان فقال ابن أبي الحديد قال أبو الفرج في ( أغانيه ) : لا خلاف أنّ امرأ القيس و زهيرا و النابغة مقدّمون على الشعراء كلّهم ، و إنما اختلف في تقديم بعضهم على بعض ثم نقل عن ( الأغاني ) روايات عن جرير و الأحنف
و الحطيئة في تقديم زهير ، و قال : روي عن النبيصلىاللهعليهوآله
أيضا : أفضل شعرائكم القائل « و من و من » يعني زهيرا في قصيدته « أمن أم أوفى » ففيها :
و من يك ذا فضل فيبخل بفضله
|
|
على قومه يستغن عنه و يذمم
|
و من لم يذد عن حوضه بسلاحه
|
|
يهدم و من لم يظلم الناس يظلم
|
و من هاب أسباب المنايا ينلنه
|
|
و لو نال أسباب السماء بسلّم
|
و من لم يجعل المعروف من دون عرضه
|
|
يفره و من لا يتّق الشتم يشتم
|
ثم نقل عنه روايات عن عمر و عبد الملك و أبي الأسود و أبي عمرو و الشعبي في تقديم النابغة ، و نقل عن النقيب أيضا تفضيل النابغة في اعتذاره إلى النعمان
.
قلت : و بعدهم باقي السبعة صاحب السبع المعلّقات ، و هذا معنى بحث عنه في كلّ زمان عموما و خصوصا و كلّ قال بهواه ، ففي ( الأغاني ) : أنّ المأمون قال لعبد اللَّه بن طاهر : من أشعر من قال الشعر في خلافة بني هاشم ؟
قال : الذي يقول :
أيا قبر معن كنت أوّل حفرة
|
|
من الأرض خطّت للسماحة موضعا
|
فقال أحمد بن يوسف : بل أشعرهم الذي يقول :
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي
|
|
متأخر عنه و لا متقدّم
|
فقال له المأمون : أبيت إلا غزلا أين أنتم عن الذي يقول :
يا شقيق النفس من حكم
|
|
نمت عن عيني و لم أنم
|
و في ( تاريخ بغداد ) : قيل لأبي حاتم : من أشعر الناس ؟ قال : الذي يقول :
و لها مبتسم كثغر الأقاحي
|
|
و حديث كالوشي وشي البرود
|
نزلت في السواد من حبة القلب
|
|
و زادت زيادة المستزيد
|
عندها الصبر عن لقائي و عندي
|
|
زفرات يأكلن صبر الجليد
|
يعني بشارا و كان يقدمه على جميع الناس .
و فيه قال خالد الكاتب : بينا أنا مارّ بباب الطاق إذا براكب خلفي على بغلة ، فلما لحقني نخسني بسوطه فقال : أنت القائل « و ليل المحب بلا آخر » ؟
قلت : نعم قال : وصف امرؤ القيس الليل الطويل في ثلاث أبيات و وصفه النابغة في ثلاثة أبيات و وصفه بشّار في ثلاثة أبيات ، و برزت عليهم بشطر قلته ؟ قلت : و بم وصفه امرؤ القيس ؟ قال : بقوله :
و ليل كموج البحر أرخى سدوله
|
|
عليّ بأنواع الهموم ليبتلي
|
فقلت له لمّا تمطّى بصلبه
|
|
و أردف أعجازا و ناء بكلكل
|
ألا أيّها الليل الطويل ألا انجلي
|
|
بصبح و ما الإصباح منك بأمثل
|
قلت : و بم وصف النابغة ؟ فقال : بقوله :
كليني لهمّ يا اميمة ناصب
|
|
و ليل اقاسيه بطيء الكواكب
|
و صدر أزاح الليل عازب همّه
|
|
فضاعف فيه الهمّ من كلّ جانب
|
تقاعس حتى قلت ليس بمنقض
|
|
و ليس الذي يهدي النجوم بآئب
|
قلت : و بم وصفه بشّار ؟ فقال : بقوله :
خليلي ما بال الدجى لا تزحزح
|
|
و ما بال ضوء الصبح لا يتوضح
|
أظن الدجى طالت و ما طالت الدجى
|
|
و لكن أطال الليل سقم مبرح
|
أضلّ النهار المستنير طريقه
|
|
أم الدهر ليل كلّه ليس يبرح
|
إلى أن قال : فلما مضى سألت عنه فقيل : هو أبو تمام الطائي .
و هذا مع كونه عن هوى لا يبعد حيث انّه هو راوي مدح بيته وضعه له لترويجه ، و إلا فأين المعاني العالية التي تضمّنها ثلاثة الثلاثة من شطره العامي
.
و فيه : قال مسلمة بن مهدي : قلت لأبي العتاهية : من أشعر الناس ؟ فقال :
جاهليا أم إسلاميا أم مولدا ؟ قلت : كل قال : الذي يقول في المديح :
إذا نحن أثنينا عليك بصالح
|
|
فأنت كما تثنى و فوق الذي تثنى
|
و ان جرت الألفاظ منّا بمدحة
|
|
لغيرك إنسانا فأنت الذي تعنى
|
و الذي يقول في الزهد :
و ما الناس إلاّ هالك و ابن هالك
|
|
و ذو نسب في الهالكين عريق
|
إذا امتحن الدّنيا لبيب تكشفت
|
|
له عدوّ في ثياب صديق
|
و لقيت العتابي فسألته عن ذلك ، فردّ علي مثل ذلك
.
و فيه قال مسعود بن بشر : لقيت ابن مناذر بمكّة و كان عالما بالشعر زاهدا في الدنيا فقلت له : من أشعر الناس ؟ فقال : من إذا شبب لعب و إذا أخذ في ماجد قصد قلت : مثل من ؟ قال : مثل جرير إذ يقول :
ان الذين غدوا بلبك غادروا
|
|
و شلا بعينك لا يزال معينا
|
غيضن من عبراتهن و قلن لي
|
|
ماذا لقيت من الهوى و لقينا
|
ثم قال حين جدّ :
ان الذي حرم الخلافة تغلبا
|
|
جعل الخلافة و النبوّة فينا
|
مضر أبي و أبو الملوك فهل لكم
|
|
يا جرو تغلب من أب كأبينا ؟
|
هذا ابن عمي في دمشق خليفة
|
|
لو شئت ساقكم إليّ قطينا
|
و فيه : قال صدقة بن محمد : اجتمع عند المأمون ذات يوم عدّة من الشعراء ، فقال أيّكم القائل :
فلما تحساها وقفنا كأننا
|
|
نرى قمرا في الأرض يبلغ كوكبا
|
قالوا : أبو نؤاس قال فالقائل :
إذا نزلت دون اللهاة من الفتى
|
|
دعا همه عن صدره برحيل
|
قالوا : أبو نؤاس قال فالقائل :
فتمشت في مفاصلهم
|
|
كتمشي البرء في السقم
|
قالوا : أبو نؤاس قال هو إذن أشعركم
.
و فيه : قال أبو العتاهية : قلت عشرين ألف بيت في الزهد و ودت أنّ لي مكانها أبياتا ثلاثة قالها أبو نؤاس هي :
يا نواسي توقّر
|
|
و تعزّ و تصبّر
|
ان يكن ساءك دهر
|
|
ان ما ساءك أكثر
|
يا كبير الذنب عفو اللَّه
|
|
من ذنبك أكبر
|
و كانت هذه الأبيات مكتوبة على قبر أبي نؤاس .
و عن المناقب : قيل للأصمعي من أشعر الناس ؟ قال : من قال :
و كأن أكفّهم و الهام تهوي
|
|
عن الأعناق تلعب بالكرينا
|
فقال : هو السيّد الحميري فقال : هو و اللَّه أبغضهم إليّ .
و بالجملة إذا أعجبهم شعر حكموا بأشعرية قائله ، و إنّما يحتاج الحكم إلى الاطلاع على أشعار جميعهم و المقايسة بينها و قالوا : إنّ لبيدا أنشد النابغة قوله :
ألم تلمم على الدمن الخوالي
|
|
لسلمى بالمذائب فالقفال
|
فقال له : أنت أشعر هوازن فأنشده قوله :
عفت الديار محلّها فمقامها
|
|
بمنى تأبّد غولها فرجامها
|
فقال له : اذهب فأنت أشعر العرب
.
و في ( الشعراء ) لابن قتيبة : أنشد العتبي مروان بن أبي حفصة لزهير .
فقال : هذا أشعر الناس ، ثم أنشده للأعشى فقال بل هذا أشعر الناس ، ثم أنشده لأمرىء القيس فكأنما سمع غناء على الشراب فقال : امرؤ القيس و اللَّه أشعر الناس
.
و القول الفصل ما قالهعليهالسلام
من كون امرىء القيس أفضلهم على الجملة ، و أما ما روي عن النبيصلىاللهعليهوآله
أنّ أفضلهم زهير ، فإن صحّت الرواية فمحمول على أنّ المراد كونه أفضلهم من حيث بيان الكلمات الحكمية كما في قصيدته تلك ، و هو لا ينافي كون امرىء القيس أفضل منه في التشبيهات و المعاني الشعرية ، مع أنّه يأتي أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله
جعل امرأ القيس سابق الشعراء و جعله
الفرزدق مع الحطيئة و اسمه جرول و المخبل السعدي و كنيته أبو يزيد من النوابغ فقال :
وهب القصائد للنوابغ إذ مضوا
|
|
و أبو يزيد و ذي القروح و جرول
|
و أمّا في ( المناقب ) : عن أبي محمد الفحام قال : سأل المتوكل ابن الجهم عن أشعر الناس ؟ فذكر شعراء الجاهلية و الإسلام ثم إنّه سأل الهاديعليهالسلام
فقال : الجماني حيث يقول :
لقد فاخرتنا من قريش عصابة
|
|
بمطّ خدود و امتداد أصابع
|
فلما تنازعنا المقال قضى لنا
|
|
عليهم بما يهوى نداء الصوامع
|
ترانا سكوتا و الشهيد بفضلنا
|
|
عليهم جهير الصوت في كلّ جامع
|
فإنّ رسول اللَّه أحمد جدّنا
|
|
و نحن بنوه كالنجوم الطوالع
|
ل المتوكل : أشهد أنّ محمّدا رسول اللَّه فقالعليهالسلام
: محمّد جدّي أم جدّك ؟ فضحك المتوكل و قال : هو جدّك لا ندفعك عنه
.
فلا ينافي كلام جدّهعليهالسلام
، لأن كلامه في شعراء الجاهلية و كلام الهادي في شعراء الإسلام ، و كلامه من حيث العموم و كلام الهادي من حيث الخصوص .
ثم إنّه كما كان أبو الأسود يعتقد تقدّم أبي داود ، يعتقد ابن عباس تقدم زهير ، فروى الطبري في ذكر شيء من سير عمر عن عكرمة عن ابن عباس قال : بينما عمر و بعض أصحابه يتذاكرون الشعر فقال بعضهم : فلان أشعر .
و قال بعضهم : بل فلان أشعر أقبلت فقال : قد جاءكم أعلم الناس بها فقال لي :
من شاعر الشعراء يابن عباس ؟ قلت : زهير بن أبي سلمى فقال : هلم من شعره ما نستدلّ به على ما ذكرت فقلت : امتدح قوما من بني عبد اللَّه بن غطفان فقال :
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم
|
|
قوم بأوّلهم أو مجدهم قعدوا
|
قوم أبوهم سنان حين تنسبهم
|
|
طابوا و طاب من الأولاد ما ولدوا
|
إنس إذا أمنوا جنّ إذا فزعوا
|
|
مرزؤون بهاليل إذا حشدوا
|
محسدون على ما كان من نعم
|
|
لا ينزع اللَّه منهم ما له حسدوا
|
فقال عمر : أحسن ، و ما أعلم أولى بهذا الشعر من هذا الحي من بني هاشم لفضل النبيصلىاللهعليهوآله
و قرابتهم منه فقلت له : وفقت و لم تزل موفقا فقال :
يابن عباس أتدري ما منع قومكم منكم بعد محمّد ؟ فكرهت أن أجيبه فقلت : إن لم أكن أدري فأمير المؤمنين يدريني فقال : كرهوا أن يجمعوا لكم النبوّة و الخلافة فتبجحوا على قومكم بجحا بجحا ، فاختارت قريش لأنفسها فأصابت و وفقت فقلت له : إن تأذن لي في الكلام و تمطّ عني الغضب تكلمت ؟
فقال : تكلّم يابن عباس فقلت : أما قولك اختارت قريش لأنفسها فأصابت و وفقت فلو أن قريشا اختارت لأنفسها حيث اختار اللَّه عز و جل لها لكان الصواب بيدها غير مردود و لا محسود و أمّا قولك إنّهم كرهوا أن تكون لنا النبوّة و الخلافة فإنّ اللَّه عز و جل وصف قوما بالكراهية فقال(
ذلك بأنّهم كرهوا ما أنزل اللَّه فأحبط أعمالهم
)
.
فقال عمر : هيهات و اللَّه يابن عباس قد كانت تبلغني عنك أشياء كنت أكره أن تزيل منزلتك مني لها فقلت : و ما هي ، فإن كانت حقّا فما ينبغي أن تزيل منزلتي منك ، و إن كانت باطلا فمثلي أماط الباطل عن نفسه .
فقال عمر : بلغني أنّك تقول إنّما صرفوها عنّا حسدا و ظلما فقلت : أما قولك ظلما فقد تبيّن للجاهل و الحليم ، و امّا قولك حسدا فإن إبليس حسد آدم فنحن ولده المحسودون .
فقال عمر : هيهات أبت و اللَّه قلوبكم يا بني هاشم إلاّ حسدا ما يحول و غشا ما يزول فقلت له : مهلا لا تنسب قلوب قوم أذهب اللَّه عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا بالحسد و الغش ، فإنّ قلب رسول اللَّهصلىاللهعليهوآله
من قلوب بني هاشم فقال عمر : إليك عني يابن عباس فقلت : أفعل فلما ذهبت لأقوم استحيى مني فقال : يابن عباس مكانك ، فو اللَّه إنّي لراع لحقّك محبّ لما سرّك .
فقلت له : إنّ لي عليك حقّا و على كلّ مسلم فمن حفظه فحظّه أصاب و من أضاعه أخطأ ثم قام فمضى
.
بل كان عمر نفسه أيضا قائلا بتقدّم زهير و ان مرّ نقل ابن أبي الحديد عن ( الأغاني ) نقله ذهابه إلى تقدم النابغة
.
فروى الطبري في ذاك الباب أيضا عن ابن عباس قال : خرجت مع عمر في بعض أسفاره ، فإنّا لنسير ليلة و قد دنوت منه إذ ضرب مقدم رحله بسوطه و قال :
كذبتم و بيت اللَّه يقتل أحمد
|
|
و لما نطاعن دونه و نناضل
|
و نسلمه حتى نصرع حوله
|
|
و نذهل عن أبنائنا و الحلائل
|
ثم قال : استغفر اللَّه ثم سار فلم يتكلّم قليلا ثم قال :
و ما حملت من ناقة فوق رحلها
|
|
أبرّ و أوفى ذمّة من محمّد
|
و أكسى لبرد الخال قبل ابتذاله
|
|
و أعطى لرأس السابق المتجرّد
|
ثم قال : استغفر اللَّه ، يابن عباس ما منع عليّا من الخروج معنا ؟ قلت : لا أدري قال : يابن عباس أبوك عم النبي و أنت ابن عمه ، فما منع قومكم منكم ؟
قلت : لا أدري قال : لكني أدري يكرهون ولايتكم لهم قلت : لهم و نحن لهم كلّ
الخير قال : اللّهم غفرا يكرهون أن تجتمع فيكم النبوّة و الخلافة فيكون بجحا بجحا ، لعلّكم تقولون إنّ أبا بكر فعل ذلك ، لا و اللَّه و لكن أبا بكر أتى أحزم ما حضره و لو جعلها لكم ما نفعكم مع قربكم ، أنشدني لشاعر الشعراء زهير قوله :
إذا ابتدرت قيس بن عيلان غاية
|
|
من المجد من يسبق إليها يسوّد
|
فأنشدته و طلع الفجر
. .
قلت : و لم استغفر في كلّ مرّة من إنشاد أبيات قيلت في مدح النبيصلىاللهعليهوآله
، هل كان مدحه منكرا أستغفر منه ، و لم لم يستغفر من أمره ابن عباس بإنشاد قصيدة زهير في مدح قيس عيلان .
كما إنّه لم يقول لابن عباس « أنت ابن عم النبي و أبوك عمّه فما منع قريشا منكما » و يترك ذكر أمير المؤمنينعليهالسلام
مع أنّه لم يكن ابن عباس و لا أبوه يدعى في قباله ، بل كانا مذعنين بأنّ الخلافة لهعليهالسلام
، و إنّما أراد بذلك التفرقة بينهعليهالسلام
و بين أقربائه ، كما إنّه و صاحبه في أوّل الأمر ذهبا بإشارة المغيرة عليهما إلى العباس و جعلا له نصيبا ليضعفا بذلك أمرهعليهالسلام
، فأنكر العباس عليهما ، بما ذكره التاريخ .
هذا ، و كما اختلف في أشعر الشعراء اختلف في أشعر الأشعار ، فقيل لأبي عمرو بن العلاء كما في ( العقد ) أيّ بيت تقوله العرب أشعر ؟ قال : البيت الذي إذا سمعه سامعه سوّلت له نفسه أن يقول مثله ، و لأن يخدش أنفه بظفر كلب أهون عليه من أن يقول مثله .
و قيل مثل ذلك للأصمعي فقال : الذي يسابق لفظه معناه .
و قيل مثل ذلك للخليل فقال : البيت الذي يكون في أوّله دليل على قافيته .
و قيل مثل ذلك لعمير فقال : البيت الذي لا يحجبه عن القلب شيء قال :
و أحسن من هذا كلّه قول زهير :
و أحسن بيت أنت قائله
|
|
بيت يقال إذا أنشدته صدقا
|
و في ( صناعتي العسكري ) : قيل للأصمعي : من أشعر الناس ؟ فقال : من يأتي بالمعنى الخسيس فيجعله بلفظه كبيرا ، أو الكبير فيجعله بلفظه خسيسا ، أو ينقضي كلام قبل القافية فإذا احتاج إليها أفاد بها معنى قيل : نحو من ؟ قال :
نحو ذي الرمة حيث يقول :
قف العيس في إطلال مية فاسأل
|
|
رسوما كأخلاق الرداء المسلسل
|
فتم كلامه عند الرداء ، فزاد بالمسلسل معنى ثم قال :
أظنّ الذي يجد عليك سؤالها
|
|
دموعا كتبذير الجمان المفصل
|
فتم كلامه عند الجمان ، فزاد بالمفصل معنى ، و نحو قول الأعشى :
كناطح صخرة يوما ليفلقها
|
|
فلم يضرها و أوهى قرنه الوعل
|
فزاد بقوله « و أوهى قرنه الوعل » معنى
.
و فيه أيضا : سئل بعضهم عن أحذق الشعراء ؟ فقال : من يتفقد الابتداء و المقطع .
هذا ، و في ( اليتيمة ) : كانت بهمدان شاعرة مجيدة تعرف بالحنظلية ، و خطبها أبو علي كاتب بكر ، فلما ألحّ عليها و ألحف كتبت إليه :
أيرك أير ما له
|
|
عند حري هذا فرج
|
فاصرفه عن باب حري
|
|
و ادخله من حيث خرج
|
فقال الصاحب بن عباد : هذه و اللَّه في هذين البيتين أشعر من كبشة ام عمرو و الخنساء اخت صخر و من كعوب الهذلية و ليلى الأخيلية
.
هذا ، و كما اختلف في الأشعر عموما اختلف فيه في جرير و الفرزدق خصوصا ، ففي ( الأغاني ) : قال يونس بن حبيب : ما ذكر جرير و الفرزدق في مجلس شهدته قط فاتفق المجلس على أحدهما .
و فيه قيل للمفضل الضبي : الفرزدق أشعر أم جرير ؟ قال : الفرزدق ، قال بيتا هجا فيه قبيلتين و مدح قبيلتين فقال :
عجبت لعجل إذ تهاجى عبيدها
|
|
كما آل يربوع هجوا آل دارم
|
فقيل له قد قال جرير :
ان الفرزدق و البعيث و امه
|
|
و أبا البعيث لشر ما استار
|
فقال : و أي شيء أهون من أن يقال : فلان و فلان و فلان كلّهم بنو الفاعلة
.
قلت : و في لفظه « و أبا البعيث » ركاكة و إنّما حق الكلام « و أباه » كما قال :
و أمّه .
هذا ، و وصف أبو بكر الخوارزمي ابن اخت محمد بن جرير الطبري الشعراء بأوصاف فقال : ما ظنّك بقوم الاقتصار لمحمود إلا منهم و الكذب مذموم إلا فيهم ، و إذا ذموا ثلبوا ، و إذا مدحوا سلبوا ، و إذا رضوا رفعوا الوضيع ، و إذا غضبوا وضعوا الرفيع ، و إذا افتروا على أنفسهم بالكبائر لم يلزمهم حدّ و لم يمتدّ إليهم يد . .
أشار بقوله الأخير إلى ما حكي عن الفرزدق أنّه أنشد سليمان بن عبد
الملك قصيدته التي يقول فيها :
فبتن بجانبيّ مصرعات
|
|
و بتّ أفضّ أغلاق الختام
|
فقال له سليمان : أقررت بالزنا و لا بد من حدّك فقال له : كتاب اللَّه يدرأ عني الحد قال : و أين ؟ قال : قوله تعالى و الشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنّهم في كلّ واد يهيمون و أنّهم يقولون ما لا يفعلون
فضحك و أجازه .
قالوا : و عن هذه القصة أخذ صفي الدين الحلي قوله :
نحن الذين أتى الكتاب مخبّرا
|
|
بعفاف أنفسنا و فسق الألسن
|
هذا ، و عن الثعالبي : قال لي سهل بن المرزبان يوما : إنّ من الشعراء من شلشل و منهم من سلسل و منهم من قلقل و منهم من بلبل .
و قالوا : أراد بقوله « من شلشل » الأعشى في قوله :
و قد أروح إلى الحانوت يتبعني
|
|
شاو مشل شلول شلشل شول
|
و أراد بقوله « من سلسل » مسلم بن الوليد في قوله :
سلت و سلت ثم سل سليلها
|
|
فأتى سليل سليلها مسلولا
|
و أراد بقوله « من قلقل » المتنبي في قوله :
فقلقلت بالهمّ الذي قلقل الحشى
|
|
قلاقل عيس كلّهن قلاقل
|
و أراد بقوله « من بلبل » المتغلبي في قوله :
و إذا البلابل أفصحت بلغاتها
|
|
فانف البلابل باحتساء بلابل
|
قلت : و ململ أحد شعراء بلدتنا ( تستر ) المعروف بملاّ حسنا في قوله بالفارسية باللسان البلدي :
ساقيا مى بيار بى مل مل
|
|
ده بملاى بى تأمل مل
|
و هلهل في قوله أيضا :
داديمه يه هل ودو هل دهلم
|
|
دگه چو رى دلم مزن چه دهل
|
« فقال ان القوم » أي : الشعراء .
« لم يجروا » من : أجروا الخيل .
« في حلبة » بسكون اللام أي : ميدان و مجال واحد ، يقال « تجاروا في الحلبة » أي مجال الخيل للسباق ، و يقال مجازا : فلان يركض في كلّ حلبة من حلبات المجد .
« تعرف الغاية » أي : النهاية .
« عند قصبتها » في ( النهاية ) : في حديث سعيد ابن العاص « سبق بين الخيل فجعلها مائة قصبة » .
أراد أنّه ذرع الغابة بالقصب فجعلها مائة قصبة و يقال : ان تلك القصبة تركز عند أقصى الغابة ، فمن سبق إليها أخذها و استحق الخطر ، فلذلك يقال :
حاز قصب السبق
.
قالعليهالسلام
ذلك لاختلاف مشاربهم ، فكان امرؤ القيس مفتونا بالنساء ، و الأعشى بالشراب ، و طرفة بالدعة ، و طفيل بالخيل ، و قالوا : لم يقل أحد في التسلية أحسن من أوس بن حجر في قوله :
أيتها النفس اجملي جزعا
|
|
فإنّ ما تحذرين قد وقعا
|
و في رياضة النفوس من أبي ذؤيب في قوله :
و النفس راغبة إذا رغّبتها
|
|
و إذا تردّ إلى قليل تقنع
|
و في الهيبة أحسن من الفرزدق في قوله :
يغضي حياء و يغضى من مهابته
|
|
فلا يكلّم إلاّ حين يبتسم
|
و في المديح من جرير في قوله :
ألستم خير من ركب المطايا
|
|
و أندى العالمين بطون راح
|
و من زهير في قوله :
تراه إذا ما جئته متهللا
|
|
كأنّك تعطيه الذي أنت سائله
|
و لو لم يكن في كفّه غير نفسه
|
|
لجاد بها فليتق اللَّه سائله
|
و في الهجاء من الأعشى في قوله :
تبيتون في المشتى ملاء بطونكم
|
|
و جاراتكم غرثى يبتن خمائصا
|
و من جرير في قوله :
فغضّ الطرف إنّك من نمير
|
|
فلا كعبا بلغت و لا كلابا
|
و في القدرة من النابغة في قوله :
فإنّك كالليل الذي هو مدركي
|
|
و إن خلت أنّ المنتأى عنك واسع
|
و في الرقة من امرىء القيس في قوله :
و ما ذرفت عيناك إلاّ لتضربي
|
|
بسهميك في أعشار قلب مقتل
|
و في الكسل مما رواه يحيى بن سعيد الاموي لبعضهم :
سألت اللَّه أن يأتي بسلمى
|
|
و كان اللَّه يفعل ما يشاء
|
فيأخذها و يطرحها بجنبي
|
|
و يرقدها و قد كشف الغطاء
|
و يأخذني و يطرحني عليها
|
|
و يرقدنا و قد قضي القضاء
|
و يرسل ديمه سحا علينا
|
|
فيغسلنا و لا يلقى عناء
|
و هذا باب واسع و من أراد اطلاعا أكثر فليراجع ( ديوان المعاني ) لأبي
هلال العسكري
.
و في ( المعجم ) : قال محمد بن سلام : سألت يونس النحوي عن أشعر الناس فقال : لا أومي إلى رجل بعينه ، و لكني أقول امرؤ القيس إذا ركب و النابغة إذا رهب و زهير إذا رغب و الأعشى إذا طرب و قالوا : و جرير إذا غضب .
و لابن جني كتاب مترجم بالمهج في تفسير اسماء شعراء الحماسة
.
في ( الأغاني ) : قالوا : اجتمع الزبرقان بن بدر و المخبل السعدي و عبدة بن الطبيب و عمرو بن الأهتم قبل أن يسلموا و بعد المبعث ، قال : فجاءهم رجل من بني يربوع و هم جلوس يشربون ، فقالوا له : أخبرنا أيّنا أشعر قال : أخاف أن تغضبوا فأمّنوه فقال : أما عمرو فشعره برود يمينه تنشر و تطوى ، و أما أنت يا زبرقان فشعرك كلحم لم ينضج فيؤكل و لم يترك نيئا فينتفع به ، و اما أنت يا مخبل فشعرك شهب من نار اللَّه يلقيها على من يشاء ، و أما أنت يا عبدة فشعرك كمزادة أحكم خزرها فليس يقطر منها شيء
.
« فإن كان و لا بد » من ذكر أشعرهم مع اختلاف مشاربهم و تشتّت مساربهم .
« فالملك الضليل » و كما اختلف في الأشعر اختلف في الأشبه بأمرىء القيس ، فقال الحموي في الحسين بن أحمد بن الحجاج الكاتب : قالوا انّه في درجة امرىء القيس لم يكن بينهما مثلهما و ان كان جلّ شعره مجون و سخف ، و ناهيك برجل يصف نفسه بمثل قوله :
رجل يدّعي النبوّة في السخف
|
|
و من ذا يشكّ في الأنباء
|
جاء بالمعجزات يدعو إليها
|
|
فأجيبوا إليها يا معشر السخفاء
|
خاطر يصفح الفرزدق في الشعر
|
|
و نحو ينيك أمّ الكسائي
|
و قال الصاحب بن عباد : بدىء الشعر بملك يعني امرأ القيس و ختم بملك يعني أبا فراس
.
و أقول : إلاّ أنّ الملك الثاني كان مهديا لا ضليلا كالأول ، فان أبا فراس صاحب القصيدة الميمية في مظلومية أهل البيتعليهمالسلام
و ظالمية بني العباس .
يححى أنّه دخل بغداد و أمر أن يشهر خمسمائة سيف خلفه و قيل أكثر ، و وقف في المعسكر و أنشد القصيدة و خرج من باب آخر ، أول القصيدة :
الحقّ مهتضم و الدين مخترم
|
|
و فيء آل رسول اللَّه مقتسم
|
و منها قوله :
يا للرجال أما للَّه منتصر
|
|
من الطغاة و ما للدين منتقم
|
بنو علي رعايا في ديارهم
|
|
و الأمر يملكه النسوان و الخدم
|
محلؤون فأصفى شربهم و شل
|
|
عند الورود و أوفى وردهم لمم
|
فالأرض إلاّ على ملاكها سعة
|
|
و المال إلاّ على أربابها ديم
|
كان أبو فراس ابن عم ناصر الدولة الحمداني و سيف الدولة الحمداني ، فقالوا فيه : كان وشاح قلادة آل حمدان .
و أمّا كون امرىء القيس ملكا فلأن أباه حجر بن عمرو الكندي ملك على بني أسد ، و كان يأخذ منهم شيئا معلوما ، فامتنعوا منه فسار إليهم فأخذ
سرواتهم فقتلهم بالعصي ، ثم اجتمع بنو أسد فجاؤوا إليه على غفلة فوجدوه نائما فذبحوه ، فآلى أمرؤ القيس ألاّ يأكل لحما و لا يشرب خمرا حتى يثأر بأبيه ثم استجاش بكر ابن وائل فأوقع بهم .
و أمّا كونه ضليلا فلعهره ، حتى أنّ أباه أراد قتله لذلك ، قال ابن قتيبة في ( شعرائه ) : كان أبوه قد طرده لما صنع بفاطمة ما صنع ، كان عاشقا لها فطلبها زمانا فلم يصل إليها و كان يطلب غرة حتى كان منها يوم الغدير بدارة جلجل ، فلما بلغ ذلك أباه دعا مولى له و قال له : اقتل امرأ القيس و ائتني بعينيه ، فذبح جؤذرا فأتاه بعينيه ، فندم فقال له : أبيت اللعن إنّي لم أقتله
. .
و في ( الأغاني ) : كان امرؤ القيس عاشقا لابنة عم له يقال لها عنيزة ، فطلبها زمانا فلم يصل إليها ، و كان في طلب غرة من أهلها ليزورها فلم يقض له حتى كان يوم الغدير و هو يوم دارة جلجل و ذلك أن الحي احتملوا فتقدّم الرجال و تخلّف النساء و الخدم و الثقل ، فلما رأى ذلك امرؤ القيس تخلّف بعدما سار مع قومه غلوة ، فكمن في غابة من الأرض حتى مر به النساء فإذا فتيات و فيهن عنيزة ، فلما وردن الغدير قلن : لو نزلنا فذهب عنّا بعض الكلال فنزلن إليه و نحين العبيد عنهن ثم تجردن فاغتمسن في الغدير ، فأتاهن امرؤ القيس محتالا و هنّ غوافل ، فأخذ ثيابهن فجمعها و قال لهن : و اللَّه لا أعطي جارية منكن ثوبها و لو أقامت في الغدير يومها حتى تخرج مجرّدة : فأبين ذلك عليه حتى تعالى النهار ثم خشين أن يقصرن دون المنزل الذي أردنه ، فخرجت إحداهن فوضع لها ثوبها ناحية فأخذته فلبسته ، ثم تتابعن على ذلك حتى بقيت عنيزة ، فناشدته اللَّه أن يطرح إليها ثوبها فقال : دعينا منك فخرجت فنظر إليها مقبلة و مدبرة ، فأخذت ثوبها و أقبلن عليه يعذلنه و يقلن له : عريتنا
و حبستنا و جوعتنا قال : فان نحرت لكن مطيتي أتأكلن منهأ قلن : نعم .
فاخترط سيفه فعقرها و نحرها و كشطها و صاح بالخدم فجمعوا إليه حطبا فأجّج نارا عظيمة ، ثم جعل يقطع من سنامها و أطائبها و كبدها فيلقيها على الجمر فيأكلن و يأكل معهن و يشرب من ركوة كانت معه و يغنيهن و ينبذ إلى العبيد و الخدم من الكباب حتى شبعن و طربن ، فلما أراد الرحيل قالت احداهن :
أنا أحمل طنفسته و قالت الاخرى : أنا أحمل رحله و قالت الاخرى : أنا أحمل حشيته و انساعه فتقسمن متاع راحلته بينهن و بقيت عنيزة لم تحمل له شيئا ، فقال لها يا بنة الكرام لا بد لك أن تحمليني معك فإنّي لا أطيق المشي و ليس من عادتي فحملته على غارب بعيرها ، فكان يدخل رأسه في خدرها فيقبلها ، فإذا امتنعت مال حدجها فتقول له : يا امرأ القيس عقرت بعيري فانزل فذلك قوله :
تقول و قد مال الغبيط بنا
|
|
عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل
|
و قال ابن أبي الحديد كان يعلن في شعره بالفسق كقوله :
فمثلك حبلى قد طرقت و مرضع
|
|
فألهيتها عن ذي تمائم محول
|
إذا ما بكى من خلفها انصرفت له
|
|
بشقّ و تحتي شقها لم يحول
|
و كقوله :
سموت إليها بعدما نام أهلها
|
|
سمو حباب الماء حالا على حال
|
فقالت : لحاك اللَّه انّك فاضحي
|
|
ألست ترى السمار و الناس أحوالي
|
فقلت لها : تاللَّه أبرح قاعدا
|
|
و لو قطعوا رأسي لديك و أوصالي
|
فلما تنازعنا الحديث و أسمحت
|
|
هصرت بغصن ذي شماريخ ميال
|
فصرنا إلى الحسنى و رقّ كلامنا
|
|
و رضت فذلّت صعبة أي إذلال
|
حلفت لها باللَّه حلفة فاجر
|
|
لناموا فما ان حديث و لا صال
|
فأصبحت مشعوفا و أصبح بعلها
|
|
عليه القتام كاسف الوجه و البال
|
و كقوله :
و بيضة خدر لا يرام خباؤها
|
|
تمتعت من لهو بها غير معجل
|
تخطيت أبوابا إليها و معشرا
|
|
عليّ حراصا أو يسرون مقتلي
|
فجئت و قد نضت لنوم ثيابها
|
|
لدى الستر إلا لبسة المتفضل
|
فقالت : يمين اللَّه ما لك حيلة
|
|
و ما أن أرى عنك الغواية تنجلي
|
فقمت بها أمشي تجر وراءنا
|
|
على أثرنا اذيال مرط مرحل
|
فلما أجزنا ساحة الحي و انتحى
|
|
بنا بطن حبت ذي حقاف عقنقل
|
هصرت بفودي رأسها فتمايلت
|
|
عليّ هضيم الكشح ريا المخلخل
|
و كقوله :
فبتّ أكابد ليل التمام
|
|
و لم يبد منّا لدى البيت بشر
|
و قد رابني قولها يا هناه
|
|
ويحك الحقت شرا بشر
|
و كقوله :
تقول و قد جردت من ثيابها
|
|
كما رعت مكحول المدامع أتلعا
|
لعمرك لو شخص أتانا رسوله
|
|
سواك و لكن لم نجد لك مدفعا
|
فبتنا نصد الوحش عنّا كأننا
|
|
قتيلان لم يعلم لنا الناس مصرعا
|
تجافى عن المأثور بيني و بينها
|
|
و تدني عليّ السابري المضلعا
|
قلت : و جره عهره إلى هلكته ، فكان أتى قيصرا ليعينه على ثأر أبيه ،
فسمع بمراودته ابنته فأهلكه ، ففي ( شعراء ابن قتيبة ) : لم يزل امرؤ القيس يسير في العرب يطلب النصر حتى خرج إلى الروم و نظرت إليه ابنة قيصر فعشقته ، فكان يأتيها و تأتيه فطبن الطماح الأسدي لهما و كان حجر أبو امرىء القيس قتل أباه فوشى به إلى الملك فخرج امرؤ القيس متسرعا ، فبعث قيصر في طلبه رسولا فأدركه دون أنقرة بيوم و معه حلة مسمومة ، فلبسها في يوم صائف فتناثر لحمه و تفطّر جسده ، و كان يحمله جابر التغلبي فذلك قول امرىء القيس :
فأما تريني في رحالة جابر
|
|
على جرح كالقر تخفق أكفاني
|
فيا رب مكروب كررت وراءه
|
|
و عان فككت الغل منه ففداني
|
إذا المرء لم يخزن عليه لسانه
|
|
فليس على شيء سواه بخزان
|
و قال حين حضرته الوفاة بأنقرة :
رب خطبة محبرة
|
|
و طعنة مسحنفرة
|
و جفنة مثعنجرة
|
|
تبقى غدا بأنقرة
|
و هذا آخر شيء تكلّم به ثم مات
.
و مثله في الإسلام عمر بن أبي ربيعة المخزومي الشاعر ، فكانوا يسمّونه الفاسق لتعرضه للنساء ، ففي ( الشعراء ) : حجّ عبد الملك فلقيه عمر فقال له عبد الملك : يا فاسق فقال له : بئست تحية ابن العم على طول الشحط .
قال : يا فاسق أما إنّ قريشا تعلم إنّك أطولها صبوة و أبطأها توبة ، ألست القائل :
و لو لا أن تعنّفني قريش
|
|
مقال الناصح الأدنى الشفيق
|
لقلت إذا التقينا قبّليني
|
|
و لو كنّا على ظهر الطريق
|
و كان يتعرّض للنساء و يتشبب بهن ، فسيّره عمر بن عبد العزيز إلى الدهلك ثم غزا في البحر فاحرقت السفينة التي كان فيها فاحترق هو و من معه
.
و قد وصفعليهالسلام
امرأ القيس في رواية ابن دريد بذي القروح لما عرفت من لبسه الحلة المسمومة و توليدها فيه القروح
.
و في ( الأغاني ) : أرسل القراء الأشراف و هم سليمان بن صرد و هاني بن عروة و خالد بن عرفطة و مسروق بن الأجدع إلى لبيد : أيّ العرب أشعر ؟
قال : الملك الضليل ذو القروح قالوا : من ذو القروح ؟ قال : امرؤ القيس
.
قول المصنّف : « يريد امرؤ القيس » قال ابن أبي الحديد : قال محمد بن سلام الجمحي في ( طبقات شعرائه ) : حدث عوانة عن الحسن ان النبيصلىاللهعليهوآله
قال لحسان : من أشعر العرب ؟ قال : الزرق العيون من بني قيس قال : لست أسألك عن القبيلة ، انّما أسألك عن رجل واحد فقال : ان مثل الشعر كناقة نحرت فجاء امرؤ القيس فأخذ سنامها و أطائبها ، ثم جاء المتجاوران من الأوس و الخزرج فأخذا ما والى ذلك منها ، ثم جعلت العرب تمرعها حتى إذا بقي الفرث و الدم جاء عمرو بن تميم و النمر بن قاسط فأخذاه فقال النبيصلىاللهعليهوآله
: ذاك رجل مذكور في الدنيا شريف فيها ، خامل يوم القيامة معه لواء الشعراء إلى النار .
.
قلت : و روى الخطيب في ( تاريخ بغداده ) عن عفيف بن معديكرب قال :
كنّا عند النبيصلىاللهعليهوآله
فجاء وفد من أهل اليمن فقالوا له : لقد أحيانا اللَّه ببيتين من شعر امرىء القيس قال لهم : و ما ذاك ؟ قالوا : أقبلنا نريدك حتى إذا كنّا بموضع كذا و كذا أخطأنا الماء فمكثنا لا نقدر عليه ، فانتهينا إلى موضع طلح و ممر ، فانطلق كلّ منّا إلى أصل شجرة ليموت في ظلّها ، فبينما نحن في آخر رمق إذا راكب قد أقبل معتم ، فلما رآه بعضنا تمثّل :
و لما رأت أنّ الشريعة همّها
|
|
و أنّ بياضا في فرائصها دامي
|
تيممت العين التي عند ضارج
|
|
يفيء عليها الظل عرمضها طامي
|
فقال الراكب : من يقول هذا الشعر ؟ قلنا : امرؤ القيس قال : هذه و اللَّه ضارج أمامكم و قد رأى ما بنا من الجهد فرجعنا إليها فإذا بيننا و بينها نحو من خمسين ذراعا ، فإذا هي كما وصف امرؤ القيس عليها العرمض يفيء عليها الظلّ فقال النبيصلىاللهعليهوآله
: ذاك مشهور في الدنيا خامل في الآخرة ، مذكور في الدّنيا منسي في الآخرة ، يجيء يوم القيامة معه لواء الشعراء يقودهم إلى النار
.
رواه ( عيون ابن قتيبة ) و قد أشار ابن لنكك إلى حديث النبيصلىاللهعليهوآله
المتقدّم في قوله :
إذا خفق اللواء عليّ يوما
|
|
و قد حمل امرؤ القيس اللواء
|
رجوت اللَّه لا أرجو سواه
|
|
لعل اللَّه يرحم من أساء
|
و في ( حيوان الجاحظ ) : قال خلف الأحمر : لم أر أجمع من بيت لامرىء القيس :
أفاد و جاد و ساد و قاد
|
|
و عاد و زاد و أفضل
|
و من بيت له :
له أيطلا ظبي و ساقا نعامة
|
|
و ارخاء سرحان و تقريب تنفل
|
و قالوا : لم نر في التشبيه كقوله حين شبّه شيئين بشيئين في حالين مختلفين في بيت واحد :
كأن قلوب الطير رطبا و يابسا
|
|
لدى وكرها العناب و الحشف البالي
|
و في ( الشعراء ) : سبق امرؤ القيس الشعراء إلى أشياء ابتدعها و اتبعوه عليها من استيقافه صحبه في الديار و رقة النسيب و قرب الماجد و يستحسن من تشبيهه قوله :
كأنّ عيون الوحش حول قبابنا
|
|
و أرحلنا الجزع الذي لم يثقب
|
و قوله :
كأني غداة البين لما تحملوا
|
|
لدى سمرات الحي ناقف حنظل
|
و قد أجاد في وصف الفرس :
مكر مفر مقبل مدبر معا
|
|
كجلمود صخر حطّه السيل من عل
|
له ايطلا ظبي و ساقا نعامة
|
|
و ارخاء سرحان و تقريب تتفل
|
و في ( تاريخ اليعقوبي ) : لما بلغ امرؤ القيس مقتل بني أسد لأبيه و كان غائبا جمع جمعا و قصد لهم ، فلما كان في الليلة التي أراد أن يغير عليهم في صبيحتها نزل بجمعه ذلك فذعر القطا ، فطار عن مجاثمه فمر ببني أسد ، فقالت بنت علباء القائم بأمر بني أسد : ما رأيت كالليلة قطا أكثر فقال علباء : ( لو ترك القطا لنام ) ، فأرسلها مثلا و عرف أن جيشا قد قرب منه ، فارتحل و أصبح امرؤ
القيس فأوقع بكنانة فأصاب فيهم و جعل يقول : يا لثارات حجر فقالوا : و اللَّه ما نحن إلا من كنانة فقال :
ألا يا لهف نفسي بعد قوم
|
|
هم كانوا الشفاء فلم يصابوا
|
وقاهم جدّهم ببني أبيهم
|
|
و بالأشقين ما كان العقاب
|
و أفلتهن ( علباء ) جريضا
|
|
و لو أدركنه صفر الوطاب
|
و مضى إلى اليمن لما لم يكن به قوّة على بني أسد و من معهم من قيس ، فأقام زمانا و كان يدمن مع ندامى له ، فأشرف يوما فإذا براكب مقبل ، فسأله من أين أقبلت ؟ قال : من نجد فسقاه مما كان يشرب ، فلما أخذت منه الخمرة رفع عقيرته و قال :
سقينا امرأ القيس بن حجر بن حارث
|
|
كؤوس الشجا حتى تعوذ بالفهر
|
و ألهاه شرب ناعم و قراقر
|
|
و أعياه ثار كان يطلب في حجر
|
و ذاك لعمري كان أسهل مشرعا
|
|
عليه من البيض الصوارم و السمر
|
ففزع امرؤ القيس لذلك ثم قال : يا أخا أهل الحجاز من قائل هذا الشعر ؟
قال : عبيد بن الأبرص قال : صدقت ثم ركب و استنجد قومه فأمّدوه بخمسمائة من مذحج ، فخرج إلى أرض معد فأوقع بقبائل من معد و قتل الأشقر بن عمرو و هو سيّد بني أسد و شرب في قحف رأسه و قال :
قولا لدودان عبيد العصا
|
|
ما غرّكم بالأسد الباسل
|
و طلب قبائل معد امرأ القيس و ذهب من كان معه و بلغه ان المنذر ملك الحيرة قد نذر دمه ، فأراد الرجوع إلى اليمن فخاف حضرموت و طلبته بنو
أسد و قبائل معد ، فسار إلى سعد الأيادي و كان عاملا لكسرى على بعض كور العراق و استتر عنده إلى أن مات سعد ، فسار إلى تيماء و سأل السموأل بن عاديا أن يجيره ، فقال : أنا لا أجير على الملوك فأودعه أدرعا و انصرف عنه إلى ملك الروم و استنصره ، فوجه معه تسعمائة من أبناء البطارقة ، فسار الطماح الأسدي إلى قيصر و قال له : إنّ امرأ القيس شتمك في شعره و زعم أنّك علج أغلف فوجّه قيصر إليه بحلّة قد فضخ فيها السمّ ، فلما ألبسها تقطع جلده فقال :
تأوبني دائي القديم فغلسا
|
|
احاذر أن يزداد دائي فأنكسا
|
لقد طمح الطماح من بعد أرضه
|
|
ليلبسني من دائه ما تلبسا
|
فلو أنّها نفس تموت سوية
|
|
و لكنّها نفس تساقط أنفسا
|
هذا ، و في ( عقلاء مجانين النيسابوري ) قال الجاحظ : رأيت مجنونا بالكوفة فقال لي : من أنت ؟ قلت : عمرو بن بحر الجاحظ قال : يزعم أهل البصرة انّك أعلمهم قلت : ان ذلك يقال قال : من أشعر الناس ؟ قلت : امرؤ القيس قال : حيث يقول ماذا ؟ قلت :
كأنّ قلوب الطير رطبا و يابسا
|
|
لدى وكرها العناب و الحشف البالي
|
قال : فأنا أشعر منه قلت : حيث تقول ماذا ؟ قال : حيث أقول :
كأنّ وراء الستر فوق فراشها
|
|
قناديل زيت من وراء قرام
|
فأينا أشعر ؟ قلت : أنت و القرام : الستر الملوّن
.
هذا ، و ادّعى رجل شاعرية شخص عند شاعر فقال :
و تشابهت سور القرآن عليكم
|
|
فقرنتم الأنعام بالشعراء
|
الفصل الحادي و الخمسون في كلامه في الاستسقاء و في الاضحية
١ الخطبة ( ١١٣ ) و من خطبة لهعليهالسلام
في الاستسقاء :
اَللَّهُمَّ قَدِ اِنْصَاحَتْ جِبَالُنَا وَ اِغْبَرَّتْ أَرْضُنَا وَ هَامَتْ دَوَابُّنَا وَ تَحَيَّرَتْ فِي مَرَابِضِهَا وَ عَجَّتْ عَجِيجَ اَلثَّكَالَى وَ مَلَّتِ اَلتَّرَدُّدَ فِي مَرَاتِعِهَا وَ اَلْحَنِينَ إِلَى مَوَارِدِهَا اَللَّهُمَّ فَارْحَمْ أَنِينَ اَلْآنَّةِ وَ حَنِينَ اَلْحَانَّةِ اَللَّهُمَّ فَارْحَمْ حَيْرَتَهَا فِي مَذَاهِبِهَا وَ أَنِينَهَا فِي مَوَالِجِهَا اَللَّهُمَّ خَرَجْنَا إِلَيْكَ حِينَ اِعْتَكَرَتْ عَلَيْنَا حَدَابِيرُ اَلسِّنِينَ وَ أَخْلَفَتْنَا مَخَايِلُ اَلْجُودِ فَكُنْتَ اَلرَّجَاءَ لِلْمُبْتَئِسِ وَ اَلْبَلاَغَ لِلْمُلْتَمِسِ نَدْعُوكَ حِينَ قَنَطَ اَلْأَنَامُ وَ مُنِعَ اَلْغَمَامُ وَ هَلَكَ اَلسَّوَامُ أَلاَّ تُؤَاخِذَنَا بِأَعْمَالِنَا وَ لاَ تَأْخُذَنَا بِذُنُوبِنَا وَ اُنْشُرْ عَلَيْنَا رَحْمَتَكَ بِالسَّحَابِ اَلْمُنْبَعِقِ وَ اَلرَّبِيعِ اَلْمُغْدِقِ وَ اَلنَّبَاتِ اَلْمُونِقِ سَحّاً وَابِلاً تُحْيِي بِهِ مَا قَدْ مَاتَ وَ تَرُدُّ بِهِ مَا قَدْ فَاتَ اَللَّهُمَّ سُقْيَا مِنْكَ مُحْيِيَةً مُرْوِيَةً تَامَّةً عَامَّةً طَيِّبَةً مُبَارَكَةً هَنِيئَةً مَريِئَةً زَاكِياً نَبْتُهَا ثَامِراً فَرْعُهَا نَاضِراً وَرَقُهَا تُنْعِشُ
بِهَا اَلضَّعِيفَ مِنْ عِبَادِكَ وَ تُحْيِي بِهَا اَلْمَيِّتَ مِنْ بِلاَدِكَ اَللَّهُمَّ سُقْيَا مِنْكَ تُعْشِبُ بِهَا نِجَادُنَا وَ تَجْرِي بِهَا وِهَادُنَا وَ تُخْصِبُ بِهَا جَنَابُنَا وَ تُقْبِلُ بِهَا ثِمَارُنَا وَ تَعِيشُ بِهَا مَوَاشِينَا وَ تَنْدَى بِهَا أَقَاصِينَا وَ تَسْتَعِينُ بِهَا ضَوَاحِينَا مِنْ بَرَكَاتِكَ اَلْوَاسِعَةِ وَ عَطَايَاكَ اَلْجَزِيلَةِ عَلَى بَرِيَّتِكَ اَلْمُرْمِلَةِ وَ وَحْشِكَ اَلْمُهْمَلَةِ وَ أَنْزِلْ عَلَيْنَا سَمَاءً مُخْضِلَةً مِدْرَاراً هَاطِلَةً يُدَافِعُ اَلْوَدْقُ مِنْهَا اَلْوَدْقَ وَ يَحْفِزُ اَلْقَطْرُ مِنْهَا اَلْقَطْرَ غَيْرَ خُلَّبٍ بَرْقُهَا وَ لاَ جَهَامٍ عَارِضُهَا وَ لاَ قَزَعٍ رَبَابُهَا وَ لاَ شَفَّانٍ ذِهَابُهَا حَتَّى يُخْصِبَ لِإِمْرَاعِهَا اَلْمُجْدِبُونَ وَ يَحْيَا بِبَرَكَتِهَا اَلْمُسْنِتُونَ فَإِنَّكَ تُنْزِلُ اَلْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَ تَنْشُرُ رَحْمَتَكَ وَ أَنْتَ اَلْوَلِيُّ اَلْحَمِيدُ ١٥ ١٦ ٤٢ : ٢٨
قولهعليهالسلام
« انصاحت جبالنا » أي : تشققت من المحول ، يقال : انصاح الثوب إذا انشق ، و يقال أيضا انصاح انبت و صاح وصوح إذا جف و يبس .
و قولهعليهالسلام
« و هامت دوابنا » أي : عطشت ، و الهيام العطش .
و قوله « و حدابير السنين » جمع حدبار ، و هي الناقة التي أنضاها السير ، فشبّه بها السنة التي فشا فيها الجدب ، قال ذو الرمة :
حدابير ما تنفكّ إلاّ مناخة
|
|
على الخسف أو نرمي بها بلدا قفرا
|
و قوله « و لا قزع ربابها » القزع : الصغار المتفرقة من السحاب .
و قوله « و لا شفان ذهابها » تقديره : و لا ذات شفان ذهابها ، و الشفان الريح الباردة ، و الذهاب : الأمطار اللينة ، فحذف ( ذات ) لعلم السامع به .
أقول : رواها الشيخ في تهذيبه أبسط ، فقال : روي أنّهعليهالسلام
خطب في الاستسقاء فقال : « الحمد للَّه سابغ النعم و مفرّج الهم و بارىء النسم ، الذي جعل السماوات لكرسيه عمادا و الجبال للأرض أوتادا و الأرض للعباد مهادا ،
و ملائكته على أرجائها و عرشه على أمطائها ، و أقام بعزّته أركان العرش و أشرق بضوئه شعاع الشمس و أحيى بشعاعه ظلمة الغطش و فجّر الأرض عيونا و القمر نورا و النجوم بهورا ثم علا فتمكن و خلق فأتقن فتهيمن فخضعت له نخوة المستكبر و طلبت إليه خلّة المستكين » .
« اللّهم فبدرجتك الرفيعة و محلتك المنيعة و فضلك السابغ و سبيلك الواسع ، أسألك أن تصلّي على محمّد و آل محمّد كما دان لك و دعا إلى عبادتك و وفى بعهدك و أنفذ أحكامك و اتبع أعلامك ، عبدك و نبيّك و أمينك على عهدك إلى عبادك القائم بأحكامك و مؤيد من أطاعك و قاطع عذر من عصاك » .
« اللّهم فاجعل محمّدا أجزل من جعلت له نصيبا من رحمتك ، و انظر من أشرق وجهه بسجال عطاياك ، و أقرب الأنبياء زلفة يوم القيامة عندك ، و أوفرهم حظّا من رضوانك ، و أكثرهم صفوف امة في جنانك ، كما لم يسجد للأحجار ، و لم يعتكف للأشجار و لم يستحلّ السبا و لم يشرب الدماء » .
« اللّهم خرجنا إليك حين فاجأتنا المضايق الوعرة و ألجأتنا المجالس العسرة و عضتنا علائق الشين و تأثلت علينا لواحق المين و اعتكرت علينا حدابير السنين ، و أخلفتنا مخائل الجود و استظمأنا لصوارخ العود ، و كنت رجاء المبتئس و الثقة للملتمس ، ندعوك حين قنط الأنام و منع الغمام و هلك السوام ، يا حي يا قيوم عدد الشجر و النجوم ، و الملائكة الصفوف و العنان المكفوف ، ألاّ تردنا خائبين و لا تؤاخذنا بأعمالنا و لا تخاصمنا بذنوبنا ، و انشر علينا رحمتك بالسحاب المتألق و النبات المونق ، و امنن على عبادك بتنويع الثمرة و أحي بلادك ببلوغ الزهرة ، و أشهد ملائكتك الكرام السفرة سقيا منك نافعة دائمة غزرها واسعا درّها سحابا وابلا سريعا عاجلا ، تحيي به ما قد مات و تردّ به ما قد فات و تخرج به ما هو آت » .
« اللّهم اسقنا غيثا مغيثا ممرعا طبقا مجلجلا متتابعا خوفقة منبجسة بروقة مرتجسة هموعة ، و سيبه مستدر و صوبه مستمطر ، لا تجعل ظلّه علينا سموما و برده علينا حسوما و ضوءه علينا رجوما و ماءه اجاجا و نباته رمادا رمددا » .
« اللّهم إنّا نعوذ بك من الشرك و هواديه و الظلم و دواهيه و الفقر و دواعيه ، يا معطي الخيرات من أماكنها و مرسل البركات من معادنها ، منك الغيث المغيث و أنت الغياث المستغاث و نحن الخاطئون أهل الذنوب و أنت المستغفر الغفار ، نستغفرك للجمات من ذنوبنا و نتوب إليك من عوام خطايانا » .
« اللّهم فأرسل علينا ديمة مدرارا و اسقنا الغيث واكفا مغزارا غيثا واسعا ، و بركة من الوابل نافعة تدافع الودق بالودق و يتلو القطر منه القطر ، غير خلب برقه و لا مكذّب رعده و لا عاصفة جنائبه ، ريّا يقص بالري ربابه و فاض فانضاع به سحابه ، جرى آثار هيدبه جنابه سقيا منك ، محيية مروية محفلة مفضلة ، زاكيا نبتها ناميا زرعها ناضرا عودها ، ممرعة آثارها ، جارية بالخصب و الخير على أهلها ، تنعش بها الضعيف من عبادك و تحيي بها الميت من بلادك و تنعم بها المبسوط من رزقك و تخرج بها المخزون من رحمتك و تعمّ بها من ناء من خلقك ، حتى يخصب لإمراعها المجدبون و يحييا ببركتها المسنتون و تترع بالقيعان غدرانها و تورق ذرى الآكام زهراتها ، و يدهام بذرى الآجام شجرها و تستحق علينا بعد اليأس شكرا منة من مننك مجللة و نعمة من نعمك مفضلة على بريتك المرملة و بلادك المغرية و بهائمك المعملة و وحشك المهملة » .
« اللّهم منك ارتجاؤنا و إليك مآبنا ، فلا تحبسه علينا لتبطنك سرائرنا و لا
تؤاخذنا بما فعل السفهاء منّا ، فإنّك تنزل الغيث من بعد ما قنطوا و تنشر رحمتك و أنت الولي الحميد » .
ثم بكىعليهالسلام
، فقال : سيدي صاحب جبالنا و اغبرت أرضنا و هامت دوابنا و قنط اناس منّا و تاهت البهائم و تحيّرت في مراتعها ، و عجّت عجيج الثكالى على أولادها و ملّت الدوران في مراتعها حين حبست عنها قطر السماء فدقّ لذلك عظمها و ذهب لحمها و ذاب شحمها و انقطع درّها ، اللّهم ارحم أنين الآنّة و حنين الحانّة ارحم تحيّرها في مراتعها و أنينها في مرابضها
.
و رواه ( الفقيه )
مثله مع اختلاف يسير ، و رواه كتب غريب الحديث
.
« اللّهم قد انصاحت » من : انصاح الثوب و انصاحت العصا أي تشققا ، قال أبو عبيدة : إذا انشق الثوب من قبل نفسه قيل قد انصاح ، و منه قول عبيد : « من بين مرتتق منها و منصاح » .
« جبالنا » من يبسها و عدم نزول المطر عليها هذا و لكن في ( اللسان ) :
و في حديث الاستسقاء : « اللّهم ضاحت بلادنا و اغبرت أرضنا » أي : برزت للشمس و ظهرت بعدم النبات فيها ، و هي فاعلت من ( ضحا ) مثل رامت من ( رمى ) و أصلها : ضاحيت .
« و اغبرت » من باب ( احمر ) .
« أرضنا » من عدم جريان ماء عليها .
« و هامت » في ( المصباح ) : هام يهيم و هياما : خرج على وجهه لا يدري أين يتوجّه ، فهو هائم ان سلك طريقا مسلوكا ، فإن سلك طريقا غير مسلوك فهو
راكب التعاسيف
.
« دوابّنا » و في ( الأغاني ) : قال ابن الأعرابي في قول النمر بن تولب :
أقود خيلا رجعا فيها صرر
|
|
أطعمها اللحم إذا عزّ الشجر
|
كانت العرب إذا لم تجد العلف دقّت اللحم اليابس فأطعمته الخيل .
« و تحيرت في مرابضها » قال الجوهري : المرابض للغنم كالمعاطن للإبل .
.
و الأصح قول ابن دريد : ربضت الشاة و غيرها من الدواب ، و قد يقال للحافر أيضا : ربضت .
.
و الظاهر أنّ الجوهري رأى في كلامهم « مرابض الغنم » فتوهّم الاختصاص .
« و عجت » أي : رفعت صوتها .
« عجيج الثكالى » جمع الثكلى مرأة فقدت ولدها
.
« و ملّت التردد في مراتعها » و لا تجد علفا و في ( البيان ) : قال سلام الكلابي :
وجدنا أرضا ماحلة مثل جلد الأجرب تضيء و لا يسكت ذيبها و لا يقيد راكبها
.
« و الحنين » الصوت اشتياقا .
« إلى مواردها » من الماء .
« اللّهم فارحم أنين الآنّة و حنين الحانّة » قال الجوهري : ما له حانّة و لا آنّة ، أي : ناقة و لا شاة
.
« اللّهم فارحم حيرتها في مذاهبها » إلى تحصيل القوت .
« و أنينها في موالجها » دخولها في محل إقامتها .
قال ابن أبي الحديد : ابتدأ بذكر الأنعام و ما أصابها من الجدب اقتداء بسنّة النبيصلىاللهعليهوآله
، فقال : لو لا البهائم الرتّع و الصبيان الرضّع و الشيوخ الركّع لصبّ عليكم العذاب صبّا
.
و قال مجاهد في قوله تعالى .(
و يلعنهم اللاعنون
)
دوابّ الأرض تلعنهم يقولون : منعنا القطر بخطاياهم .
و قال الخوئي ابتدأعليهالسلام
بذكر الدواب لأنّها أقرب إلى مظنة الرحمة
.
و في ( منتخب التوراة ) : يا بني آدم كيف لا تجتنبون الحرام و اكتساب الآثام و لا تخافون النيران و لا تتقون غضب الرحمن ، فلو لا مشائخ ركع و بهائم رتع و شبّان خشعّ لجعلت السماء فوقكم حديدا و الأرض صفصفا و التراب رمادا ، و لا أنزلت عليكم قطرة و لا أنبت لكم من الأرض حبّة و لصبّ عليكم العذاب صبّا
.
قال : و في ( الفقيه ) عن أبي عبد اللَّهعليهالسلام
: إنّ سليمان خرج ذات يوم مع أصحابه ليستسقي ، فوجد نملة قد رفعت قائمة من قوائمها
إلى السماء و هي تقول : اللّهم انّا خلق من خلقك لا غنى بنا عن رزقك و لا تهلكنا بذنوب بني آدم فقال سليمانعليهالسلام
لأصحابه : ارجعوا فقد سقيتم بغيركم
.
و روى الرازي : إنّ الناس أصابهم في بعض الأزمنة قحط شديد ، فأصحروا يستسقون فلم يستجب لهم ، فأتيت بعض الجبال فإذا بظبية قلقة من كثرة العطش و شدة الهيام مبادرة نحو غدير هناك ، فلما وصلت إليه فلم تجد فيه ماء تحيرت و اضطربت و رفعت رأسها إلى السماء تحركه و تنظر إليها ، فبينما هي كذلك رأيت سحابة ارتفعت و امطرت حتى امتلأ الغدير ، فشربت منه و ارتوت ثم رجعت .
قلت : ليس الأمر كما قالا ، ففي ( الفقيه ) : كان النبيصلىاللهعليهوآله
إذا استسقى قال :
« اللّهم اسق عبادك و بهائمك و انشر رحمتك و احي بلادك الميتة » يرددها ثلاث مرات
.
« اللّهم خرجنا إليك حين اعتكرت » أي : كرت و غلظت قال : تطاول الليل علينا و اعتكر
.
« علينا حدابير السنين » أي : سنين كجمال بدا عظمها من الهزال .
و كتب ابن الاشعث إلى الحجاج : سأحملك على صعب حدباء حدبار .
و قال الأخطل :
و لو لا يزيد ابن الملوك و سيبه
|
|
تجللت حدبارا من الشر أنكدا
|
« و أخلفتنا » من : خلف الوعد ، استعارة يقال : أخلفت النجوم إذا أمحلت
فلم يكن فيها مطر .
« مخائل » جمع مخيلة : سحاب تخال فيها المطر .
« الجود » بالفتح ، أي : المطر الغزير الذي يروي كل شيء .
وقف أعرابي بقوم فقال : تتابعت علينا سنون جماد شداد ، لم يكن للسماء فيها رجع و لا للأرض فيها صدع ، فنضب العد و نشف الوشل و أمحل الخصب و كلح الجدب و شفّ المال و كسف البال و شظف المعاش و ذهب الرياش .
و دخلت ليلي الأخيلية على الحجاج فقالت : أتيت لإخلاف النجوم و قلة الغيوم و كلب البرد و شدة الجهد .
« فكنت الرجاء للمبتئس » أي : الحزين قال :
ما يقسم اللَّه اقبل غير مبتئس
|
|
منه و اقعد كريما ناعم البال
|
« و البلاغ » أي : الكفاية قال الراجز : تزج من دنياك بالبلاغ .
« للملتس » أي الطالب مرة بعد اخرى .
« ندعوك حين قنط الانام » كأنهعليهالسلام
أشار إلى قوله تعالى .(
ينزل الغيث من بعد ما قنطوا و ينشر رحمته و هو الولي الحميد
)
أي : وعدت تنزيلك الغيث بعد يأس الناس فندعوك أن تجود علينا كما وعدت .
« و منع » معلوما لكون قبله و بعده كذلك .
« الغمام » : أي السحاب قطره .
« و هلك السوام » بفتح السين و تخفيف الميم : بمعنى السائم ، من : سامت الماشية : رعت .
« ألاّ تؤاخذنا بأعمالنا » فقال تعالى(
و ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم و يعفو عن كثير
)
.
قال ابن أبي الحديد
: روي عن ابن مسعود إذا بخس المكيال حبس القطر .
و قال الخوئي روى ( الفقيه ) عن الصادقعليهالسلام
إذا فشت أربعة ظهرت أربعة : إذا فشا الزنا ظهرت الزلازل ، و إذا أمسكت الزكاة هلكت الماشية ، و إذا جار الحاكم في القضاء أمسك المطر من السماء ، و إذا خفرت الذمة نصر المشركون على المسلمين
.
و روى ( الكافي ) عن النبيصلىاللهعليهوآله
: خمس إن أدركتموهن فتعوّذوا باللَّه منهن : لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوها إلاّ ظهر فيهم الطاعون و الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا ، و لم ينقصوا المكيال و الميزان إلاّ أخذوا بالسنين و شدة المؤنة و جور السلطان ، و لم يمنعوا الزكاة إلاّ منعوا القطر ، و لم ينقضوا عهد اللَّه و عهد رسوله إلاّ سلط اللَّه عليهم عدوهم و أخذوا بعض ما في أيديهم ، و لم يحكموا بغير ما أنزل اللَّه إلاّ جعل بأسهم بينهم
.
قلت : و في ( الفقيه ) عن النبيّصلىاللهعليهوآله
: إذا غضب اللَّه تعالى على امّة ثم لم ينزل بها العذاب غلت أسعارها ، و قصرت أعمارها ، و لم تربح تجارها ، و لم تزك اثمارها ، و لم تغزر أنهارها ، و حبس عنها أمطارها ،
و سلط عليها أشرارها
.
و في الخبر : إنّ بني اسرائيل أصابهم قحط سبع سنين ، فخرج موسى يستسقي لهم في سبعين ألفا ، فأوحى إليه : كيف أستجيب لهم و قد أظلمت عليهم ذنوبهم ، و سرائرهم خبيثة ، يدعونني على غير يقين و يأمنون مكري ، ارجع إلى عبد من عبادي يقال له ( برخ ) حتى أستجيب له .
و في خبر آخر : استسقى موسىعليهالسلام
لبني إسرائيل حين أصابهم قحط ، فأوحى تعالى إليه لا أستجيب لك و لا لمن معك و فيكم نمام قد أصرّ على النميمة فقال : يا رب و من هو حتى نخرجه من بيننا ؟ فقال : يا موسى أنهاكم عن النميمة و اكون نماما ، فتابوا بأجمعهم فسقوا
.
« و لا تأخذنا بذنوبنا » قال ابن أبي الحديد : الفرق بين ( تأخذنا ) هنا و ( تؤاخذنا ) في سابقه أنّ المؤاخذة دون الأخذ ، لأنّ الأخذ الاستئصال
.
قلت : المؤاخذة مقدّمة الأخذ ، قال تعالى(
و لو يؤاخذ اللَّه الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة
)
.
.
« و انشر علينا رحمتك بالسحاب » و عنهعليهالسلام
كما في ( الفقيه ) السحاب :
غربال المطر ، لو لا ذلك لافسد كل شيء
.
« المنبعق » : أي المتصبب بشدة .
« و الربيع المغدق » أي : الكثير الماء قال تعالى .(
لأسقيناهم
ماء غدقا
)
.
« و النبات المؤنق » أي : المعجب .
و في ( الفقيه ) : عن الصادقعليهالسلام
: إنّ اللَّه تعالى إذا أراد أن ينفع بالمطر أمر السحاب فأخذ الماء من تحت العرش ، و إذا لم يرد النبات أمر السحاب فأخذ الماء من البحر قيل : إنّ ماء البحر مالح ؟ قال : إنّ السحاب يعذبه
.
« سحا » من : سحّ الماء إذا سال من فوق ، و سححت الماء صببته ، قال دريد :
فربة غارة أسرعت فيها
|
|
كسحّ الخزرجي جريم تمر
|
ثم الظاهر كونه مفعولا مطلقا ل ( انثر ) ، و الأصل انشر نشرا سحا ، لا ل ( لتسح ) محذوف كما قال الخوئي و يمكن كونه حالا من « رحمتك » بكونه بمعنى الوصف
.
« وابلا » أي : مطرا شديدا .
« تحيي به ما قد مات و تردّ به ما قد فات » في ( الأساس ) : فاتني بكذا : سبقني به و ذهب به عني ، قال الأخطل :
صحا القلب إلا من ظغائن فاتني
|
|
بهنّ أمير مستبدّ فأصعدا
|
و أعوذ باللَّه من موت الفوات ، و هو الفجأة .
« اللهم سقيا » بالضم اسم مصدر ، و الألف للتأنيث بشهادة أوصافها .
« منك محيية » لما مات من النباتات .
« مروية » لما ظمأ منها .
« عامّة » لجميع الأمكنة .
« طيبة مباركة » فيها النماء و الزيادة .
« هنيئة » قال الجوهري : كل أمر يأتيك من غير تعب فهو هنيء .
« مريعة » من ( مرع ) بالفتح و الضم ، قال في ( الأساس ) : مكان مريع و ممرع مكليء .
« زاكيا » ناميا .
« نبتها ثامرا فرعها » أعلاها .
« ناضرا » حسنا .
« ورقها تنعش » أي : ترفع ، قال النابغة و لبيد :
و إنّك غيث ينعش الناس سيبه
|
|
و سيف اعيرته المنية قاطع
|
و مني على السباق فضل و نعمة
|
|
كما نعش الدكداك صوب البوارق
|
« بها الضعيف من عبادك و تحيى به الميت » بالفتح فالسكون يستوي فيه المذكر و المؤنث ، قال تعالى(
لنحيي به بلدة ميتاً
)
.
.
« اللهم سقيا منك تعشب » أي : تأتي بالكلاء الرطب .
« بها نجادنا » مرتفعات أرضنا .
« و تجري بها » من جرى النهر .
« و هادنا » منخفضات أرضنا .
« و تقبل » بالضم ، قال ابن دريد : أقبل الشيء إذا ابتدأ بخير أو صلاح .
« بها ثمارنا و تعيش بها مواشينا » من الابل و الغنم و البقر
.
في ( كنايات الجرجاني ) : روي أنّ الحجاج سأل أعرابيا فقال : كيف كانت سنتكم هذه ؟ قال : تفرقت الغنم و مات الكلب و طفئت النار فقال لأصحابه :
أترون ذكر خصبا أم جدبا قالوا : جدبا قال : ما أقلّ بصركم إنّما ذكر خصبا ، ذكر أنّ الغنم تفرقت و صرفت وجوهها إلى المرعى ، و مات الكلب حين لم يمت من الغنم شيء فيأكل من لحمه ، و طفئت النار لاكتفاء الناس باللبن عن اللحم
.
و قال الجوهري في قول الشاعر :
إذا القوس وترها أيد
|
|
رمى فأصاب الكلي و الذرى
|
يعني أنّ اللَّه تعالى إذا وتر القوس التي في السحاب رمى كلى الإبل و اسنمتها بالشحم ، يعني من النبات الذي يكون من المطر .
« و تندى » أي : تصير مبتلة ذات ندى .
« بها أقاصينا » أي : أباعد أرضنا من الزرع .
« و تستعين بها ضواحينا » الظاهر أنّ المراد : ارزقنا سقيا تستعين بها في الشرب و الري نخيلنا التي في البر مما تشرب بعروقها و لا يسقيها أحد .
قال الجوهري في ( ضمن ) كتب النبيصلىاللهعليهوآله
لحارثة بن قطن و من بدومة الجندل من كلب : « إنّ لنا الضاحية من البعل و لكم الضامنة من النخل » الضاحية هي الظاهرة التي في البر من النخل ، و البعل الذي يشرب بعروقه من غير سقي ، و الضامنة ما تضمنه أمصارهم و قراهم من النخل
.
و يمكن أن يكون المراد « اسقنا سقيا تستعين بها قرانا » قال الجوهري :
ضاحية كل شيء ناحيته البارزة ، يقال : هم ينزلون الضواحي
.
« من بركاتك الواسعة » قال ابن دريد : في الشيء النماء بعد النقصان
.
« و عطاياك الجزيلة » أي : الكثيرة العظيمة و في ( الأساس ) : أنشد ثعلب :
فويها لقدرك ويها لها
|
|
إذا اختير في المحل جزل الحطب
|
و أنشد سيبويه :
متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا
|
|
تجد حطبا جزلا و نارا تأجّجا
|
« على بريتك » أي : خلقك .
« المرملة » أي : النافد زادهم .
« و وحشك » أي : حيوان البر .
« المهملة » بلا راع لها .
« و أنزل علينا سماء » أي : ماء السماء ، كقول الشاعر :
إذا نزل السماء بأرض قوم
|
|
رعيناه و ان كانوا غضابا
|
« مخضلة » قال ابن دريد : أخضل المطر الأرض إذا بلّها بالماء .
« مدرارا » أي : تدر بالمطر ، قال النمر بن تولب :
سلام الإله و ريحانه
|
|
و رحمته و سماء درر
|
غمام ينزل رزق العباد
|
|
فأحيى البلاد و طاب الشجر
|
« هاطلة » متتابعة المطر .
« يدافع الوذق » بالسكون .
« منها الودق » قال الشاعر :
فلا مزنة و دقت ودقها
|
|
و لا أرض أبقل منها ابقالها
|
قال ابن دريد : الودق : القطر الذي يخرج من خلل السحاب قبل احتفال المطر .
« و يحفز » أي : يدفع من خلف .
« القطر منها القطر غير خلب برقها »
قال الجوهري : البرق الخلب : الذي لا غيث فيه كأنه خادع ، و منه قيل لمن يعد و لا ينجز : انما انت كبرق خلب و يقال :
برق خلب بالإضافة .
« و لا جهام » بالفتح : السحاب بلا ماء .
« عارضها » أي : الذي يعترض في الافق
.
هذا و في ( المعجم ) لمحسن التنوخي :
خرجنا لنستسقي بيمن دعائه
|
|
و قد كاد هدب الغيم أن يبلغ الأرضا
|
فلما ابتدا يدعو تقشّعت السما
|
|
فما تمّ إلاّ و الغمام قد انقضّا
|
« و لا قزع » الأصل في القزع التفرق ، قال الاعشي :
قوم بيوتهم امن لجارهم
|
|
يوما إذا ضمت المحذورة القرعا
|
أي : فرقا مختلفة .
« ربابها » بالفتح أي : سحابها .
« و لا شفان » في ( المصباح ) : قال ابن السكيت : الشفان و الشفيف البرد ، و في ( الأساس ) : تقول عند هبوب الشفان تقلص الشفتان ، قال يصف ثورا :
الجاه شفان لها شفيف
|
|
في دف ارطاه لها دفوف
|
« ذهابها » قال الجوهري : الذهبة بالكسر المطرة ، و الجمع الذهاب قال البعيث :
و ذي اشر كالاشحوان تشوفه
|
|
ذهاب الصبا و المعصراة الدوالج
|
« حتى يخصب » بالضم من ( اخصبوا ) : صاروا إلى الخصب بالكسر نقيض الجدب .
« لإمراعها » أمرع الوادي أي : أكلأ ، و في المثل : أمرعت فانزل .
« المجدبون » أهل القحط .
« و يحيى ببركتها المسنتون » الواقعون في سنة القحط ، قال ابن الزبعرى في هاشم :
عمرو العلى هشم الثريد لقومه
|
|
و رجال مكة مسنتون عجاف
|
و يقال : « تسنت اللئيم الشريفة » إذا تزوجها في سنة قحط لغناه و فقرها .
« فإنّك تنزل الغيث » المطر في شدة الحاجة إليه .
« من بعد » و في ( المصرية ) : « بعد » .
« ما قنطوا » أي يأسوا .
« و تنشر رحمتك و أنت الولي الحميد »
.
في ( الفقيه )
عن الصادقعليهالسلام
: جاء أصحاب فرعون إليه فقالوا : غار ماء النيل و فيه هلاكنا فقال : انصرفوا اليوم فلما كان الليل توسط النيل و رفع يديه إلى السماء و قال : اللهم إنّك تعلم أنّي أعلم أنّه لا يقدر أن يجيء بالماء إلاّ أنت فجئنا به فأصبح النيل يندفق .
و في ( توحيد المفضل ) قالعليهالسلام
له : اتخذ اناس من الجهال هذه الآفات الحادثة في بعض الأزمان كمثل الوباء و اليرقان و البرد و الجراد ذريعة إلى جحود الخالق و التدبير و الخلق ، فيقال في جواب ذلك : إنّه إن لم يكن خالق و مدبر فلم لا يكون ما هو أكثر من هذا و أفضع ، فمن ذلك أن تسقط السماء على الأرض و تهوى الأرض فتذهب سفلا و تتخلف الشمس عن الطلوع أصلا و تجفّ الأنهار و العيون حتى لا يوجد ماء للشفه و تركد الريح حتى تخم الأشياء و تفسد و يفيض ماء البحر على الأرض حتى يغرقها ؟ ثم هذه الآفات التي ذكرناها من الوباء و الجراد و ما أشبه ذلك ما بالها لا تدوم و تمتدّ حتى يجتاح كل ما في العالم ، بل تحدث في الأحايين ثم لا تلبث أن ترفع ، أفلا ترى أنّ العالم يصان و يحفظ من تلك الأحداث الجليلة التي لو حدث عليه شيء منها كان فيه بواره ، و يلذع أحيانا بهذه الآفات اليسيرة لتأديب الناس و تقويمهم ، ثم لا تدوم بل تكشف عنهم عند القنوط منهم ، فيكون وقوعها لهم موعظه و كشفها عنهم رحمة
.
و في ( ذيل الطبري )
عن أبي جري الهجيمي : انتهيت إلى رجل و الناس حوله يصدرون عن رأيه و ما قال لهم من شيء رضوا به ، فقلت : من هو ؟ قالوا :
رسول اللَّه قلت : عليك السّلام يا رسول اللَّه قال عليك السّلام تحية الميت ، و لكن قل : السّلام عليك قلت : السّلام عليك أنت رسول اللَّه قال : نعم أنا رسول اللَّه الذي إذا أصابك ضرّ فدعوته استجاب لك ، و إذا كنت في سفر فضلّت راحلتك فدعوته ردّها عليك ، و إذا أصابك عام سنة فدعوته استجاب لك قلت :
اعهد إلي عهدا قال : لا تسبنّ أحدا و لا تزهدنّ في معروف
.
قال ابن أبي الحديد
: قال أبو حنيفة لا صلاة للاستسقاء ، و قال باقي الفقهاء بخلاف ذلك ، و قالوا : روي أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله
صلّى بالناس جماعة في الاستسقاء فصلى ركعتين جهر بالقراءة فيهما و حوّل رداءه و رفع يديه و استسقى .
قلت : ليس مخالفة أبي حنيفة للاجماع منحصرا بهذا ، فأنكر تكبيرات أيّام التشريق في غير الأمصار و أنكر العقيقة و قال : هي من عمل الجاهلية
.
قال ابن أبي الحديد : قالوا : يأمر الإمام الناس بصوم ثلاثة أيّام قبل الخروج ثم يخرج في اليوم الرابع و هم صيام
.
قلت : بل يخرج عندنا في اليوم الثالث و يستحب أن يكون يوم الاثنين .
روى ( الكافي )
عن مرة مولى محمّد بن خالد قال : صاح أهل المدينة إلى محمّد ابن خالد في الاستسقاء فقال لي : انطلق إلى أبي عبد اللَّهعليهالسلام
فاسأله : ما رأيك ؟ فأتيته فقال : قل له يخرج يوم الاثنين و يخرج المنبر ثم يخرج يمشي كما يمشي يوم العيدين و بين يديه المؤذنون في أيديهم عنزهم حتى إذا انتهى إلى
المصلى يصلي ركعتين بالناس بغير أذان و لا إقامة ثم يصعد المنبر فيقلب رداءه فيجعل الذي على يمينه على يساره و بالعكس ، ثم يستقبل القبلة فيكبر اللَّه مائة تكبيرة رافعا بها صوته ، ثم يلتفت إلى الناس عن يمنة فيسبح مائة تسبيحة رافعا بها صوته ، ثم يلتفت إلى الناس عن يساره فيهلل اللَّه مائة تهليلة رافعا بها صوته ، ثم يستقبل الناس فيحمد اللَّه مائة تحميدة ، ثم يرفع يديه فيدعو ثم يدعون فإنّي أرجو ألاّ يخيبوا قال : ففعل فما رجعنا إلاّ أهمّتنا أنفسنا .
فلما رجعنا قالوا : هذا اللَّه من تعليم جعفر
.
و فيه ، و في رواية ابن المغيرة : يكبر في العيدين في الاولى سبعا و في الثانية خمسا و يصلّي قبل الخطبة .
و زاد ( المقنعة ) الاستغفار و تكرار قلب الرداء و دعاء فقال : فإذا سلم رقي المنبر فحمد اللَّه و أثنى عليه و صلّى على نبيهصلىاللهعليهوآله
و وعظ و زجر و أنذر و حذر ، فإذا فرغ من خطبته قلب رداءه عن يمينه إلى يساره و عن يساره إلى يمينه ثلاث مرات ثم استقبل القبلة فرفع رأسه نحوها و كبر اللَّه مائة تكبيرة رافعا بها صوته و كبر الناس معه ، ثم التفت عن يمينه يسبح اللَّه تعالى مائة تسبيحة رافعا بها صوته و يسبح الناس معه ، ثم التفت عن يساره فحمد اللَّه مائة تحميدة رافعا بها صوته و حمد الناس معه ، ثم أقبل على الناس بوجهه فاستغفر اللَّه مائة مرة رافعا صوته و استغفر الناس معه ، ثم حول وجهه إلى القبلة فدعا و دعا الناس معه فقال : اللهم رب الأرباب و معتق الرقاب و منشىء السحاب و منزل القطر من السماء و محيي الأرض بعد موتها ، يا فالق الحب و النوى ، يا مخرج الزرع و النبات و محيي الأموات و جامع الشتات ، اللهم اسقنا غيثا مغيثا غدقا مغدقا هنيئا مريئا تنبت به الزرع و تدرّ به الضرع و تحيي به
الأرض بعد موتها و تسقي به مما خلقت أنعاما و أناسي كثيرا
.
و عن الكفعمي
: أفضل القنوت فيه ما روي عن النبيصلىاللهعليهوآله
: استغفر اللَّه الذي لا إله إلاّ هو الحي القيوم الرحمن الرحيم ذو الجلال و الاكرام و اسأله أن يتوب علي توبة عبد ذليل خاضع فقير بائس مسكين مستكين لا يملك لنفسه نفعا و لا ضرّا و لا موتا و لا حياة و لا نشورا ، اللهم معتق الرقاب و رب الارباب و منشىء السحاب و منزل القطر من السماء إلى الأرض بعد موتها فالق الحب و النوى و مخرج النبات و جامع الشتات صل على محمّد و آل محمّد و اسقنا غيثا مغيثا غدقا مغدوقا هنيئا مريئا تنبت به الزرع و تدرّ به الضرع و تحيي به مما خلقت أنعاما و أناسي كثيرا ، اللهم اسق عبادك و بهائمك و انشر رحمتك و أحي بلادك الميتة
.
و الأصل فيه و في دعاء المقنعة واحد لكن ذاك جعله بعد الاذكار .
و من دعائهعليهالسلام
رافعا يديه كما في ( الرضوي ) يا مغيثنا و مغنينا و معيننا على ديننا و دنيانا بالذي تنشر علينا من الرزق نزل بنا عظيم لا يقدر على تفريجه غير منزله ، عجّل على العباد فرجك فقد أشرفت الأبدان على الهلاك ، فإذا هلكت الأبدان هلك الدين ، يا ديان العباد و مقدّر امورهم بمقادير أرزاقهم لا تحل بيننا و بين رزقنا و ما أضعنا فيه من كرامتك معترفين قد اصيب من لا ذنب له من خلقك بذنوبنا ، ارحمنا بمن جعلته أهلا لاستجابة دعائه حين سألك يا رحيم لا تحبس عنا ماء السماء و انشر علينا نعمك و عد علينا برحمتك و ابسط علينا كنفك و عد علينا بقبولك و اسقنا الغيث و لا تجعلنا
فيه من القانطين و لا تهلكنا بالسنين و لا تؤاخذنا بما فعل المبطلون و عافنا يا رب من النقمة في الدين و شماتة القوم الكافرين ، يا ذا النفع و الضر إنّك إن أجبتنا فبجودك و كرمك و لإتمام ما بنا من نعمائك و إن تردّنا فبجنايتنا على أنفسنا فاعف عنا قبل أن تصرفنا و أقلنا و أقلبنا بإنجاح الحاجة يا اللَّه
.
قال ابن أبي الحديد : مذهب الشيعة أن يستقبل الإمام بعد الركعتين يكبر اللَّه مائة ، ثم يسبح مائة عن يمينه ثم يهلل مائة عن يساره ، ثم يستقبل الناس و يحمد مائة ثم يخطب بهذه الخطبة
.
قلت : بل اختلفوا في تقديم الخطبة و تأخيرها ، فابن بابويه و المفيد على الأول و النعماني و الشيخ على الثاني .
و كيف كان فروى قرب الاسناد عن أبي البختري عن جعفر عن أبيه عن جده قال : اجتمع عند عليعليهالسلام
قوم فشكوا إليه قلّة المطر و قالوا : يا أبا الحسن ادع لنا بدعوات في الاستسقاء فقال : يا حسن ادع فقال : « اللهم هيج لنا السحاب بفتح الأبواب بماء عباب و رباب بانصباب و انسكاب يا وهاب بصوب الماء يا وهاب يا فعال اسقنا مطرا قطرا طلاّ مطلا طبقا مطبقا عامّا معمّا مدهما بهما رشا مرشا واسعا كافيا عاجلا طيبا مباركا سلاطح بلاطح يناطح الاباطح مغدودقا مطبوبقا مغرورقا ، اسق سهلنا و جبلنا بدونا و حضرنا حتى ترخص به أسعارنا و تبارك به في ضياعنا و مدننا ، و ارنا الرزق موجودا و الغلاء مفقودا آمين رب العالمين » .
ثم قال للحسينعليهالسلام
: ادع فقال « اللهم معطى الخيرات من مظانّها و منزل الرحمات من معادنها و مجري البركات على أهلها ، منك الغيث المغيث
و أنت الغياث و المستغاث و نحن الخاطئؤن و أهل الذنوب و أنت المستغفر الغفار لا إله إلاّ أنت ، اللهم أرسل السماء علينا ديمة مدرارا و اسقنا الغيث واكفا مغزارا غيثا مغيثا واسعا مسبعا مهطلا مربعا غدقا مغدقا عبابا مجلجلا صحا صحصاحا بسا بساسا مسبلا عاما و دقا مطفاحا ، تدفع الودق بالودق دفاعا و يطلع القطر منه القطر غير خيب البرق و لا مكذب الرعد ، تنعش بها الضعيف من عبادك و تحيى به الميت من بلادك و تستحق علينا مننك آمين رب العالمين » .
فما تم كلامه حتى صب الماء صبا فسأل سلمان : أهذا شيء علماه ؟
فقال : ويحكم ألم تسمعوا قول النبيّصلىاللهعليهوآله
: اجريت الحكمة على لسان أهل بيتي
.
و رواه ( الفقيه ) : و فيه جاء قوم من أهل الكوفة فقالوا يا امير المؤمنين
.
قال ابن أبي الحديد : و من دعاء النبيّصلىاللهعليهوآله
في الاستسقاء : « اللهم اسقنا و أغثنا ، اللّهم اسقنا غيثا مغيثا و حيا ربيعا و حدا طبقا غدقا مغدقا مونقا عاما هنيئا مريئا وابلا سابلا مسملا دررا نافعا غير ضار عاجلا غير رائث تحيي به العباد و تغيث به البلاد و تجعله بلاغا منا للحاضر و الباد ، اللهم أنزل علينا في أرضنا زينتها و أنزل علينا في أرضنا سكنها ، اللهم أنزل علينا ماء طهورا و أحي به بلدة ميتا واسعة مما خلقت أنعاما و أناسي كثيرا »
.
قلت : و من دعاء السجاد « اللهم اسقنا الغيث و انشر علينا رحمتك بغيثك المغدق من السحاب المنساق لنبات أرضك المونق في جميع الآفاق ، و امنن
على عبادك بإيناع الثمرة و أحي بلادك ببلوغ الزهرة ، و أشهد ملائكتك الكرام السفرة بسقي منك نافع دائم غزره واسع درره وابل سريع عاجل تحيي به ما قد مات و ترد به ما قد فات و تخرج به ما هو آت و توسع به في الأقوات سحابا متراكما هنيئا مريئا طبقا مجلجلا غير ملث و دقه و لا خلب برقه ، اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريعا ممرعا عريضا واسعا غزيرا تردّ به النهيض و تجبر به المهيض ، اللهم اسقنا سقيا تسيل منه الظراب و تملأ منه الجباب و تفجر به الأنهار و تنبت به الأشجار و ترخص به الأسعار في جميع الأمصار و تنعش به البهائم و الخلق و تكمل لنا به طيبات الرزق و تنبت لنا به الزرع و تدر به الضرع و تزيدنا به قوة إلى قوتنا ، اللهم لا تجعل ظله علينا سموما و لا تجعل برده علينا حسوما و لا تجعل صوبه علينا رجوما و لا تجعل ماءه علينا اجاجا ، اللهم صل على محمّد و آل محمّد و ارزقنا من بركات السماوات و الأرض إنك على كل شيء قدير » .
قال ابن أبي الحديد
: جاء في الأخبار الصحيحة عن رقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم ابن عبد مناف قالت : تتابعت سنون أقحلت الضرع و أرقت العظم ، فبينا أنا راقدة اللهم أو مهومة إذا أنا بهاتف صيت يصرخ بصوت صحل : يا معشر قريش إنّ هذا النبيّ المبعوث فيكم قد أظلّتكم أيامه و هذا ابن نجومه فحي هذا بالخصب و الحبا ، ألا فانظروا رجلا منكم عظاما جساما أبيض بضا أوطف الأهداب سهل الخدين أشمّ العرنين له سنة يهدى إليه ، ألا فليخلص هو ولده و ليدلف إليه من كل بطن رجل ، ألا فليسنوا عليهم من الماء و ليمسوا من الطيب و ليطوفوا بالبيت سبعا و ليكن فيهم الطيب الطاهر فليستق الرجل و ليؤمّن القوم ، ألا فغثتم إذا ما شئتم فأصبحت علم اللَّه مذعورة قد
قف جلدي و وله عقلي ، فاقتصصت رؤياي على الناس ، فذهبت في شعاب مكة فو الحرمة و الحرم إن بقي أبطحي إلاّ و قال : هذا شيبة الحمد فتتامت رجال قريش و انفضّ إليه من كل بطن رجل فسنّوا عليهم ماء و مسّوا طيبا و استلموا و اطوفوا ثم ارتقوا أبا قبيس و طفق القوم يدفون حول عبد المطلب ما إن يدرك سعيهم مهله حتى استقروا بذروة الجبل و استكفوا جانبيه ، فقام ، فاعتضد ابن ابنه محمّدا فرفعه على عاتقه و هو يومئذ غلام قد أيفع أو كرب ، ثم قال : « اللهم سادّ الخلة و كاشف الكربة أنت عالم غير معلم و مسؤول غير مبخل و هذه عبداؤك و اماؤك بعذرات حرمك يشكون إليك سنتهم التي أذهبت الخف و الظلف فاسمعن ، اللهم و امطرن علينا غيثا مغدقا مريعا سحا طبقا دراكا » .
فو الكعبة ما راموا حتى انفجرت السماء بمائها و اكتظّ الوادي بثجثجه و انصرف الناس يقولون لعبد المطلب : هنيئا لك سيد البطحاء .
و في رواية أبي عبيدة : فسمعت شيخان قريش و جلتها عبد اللَّه بن جدعان و حرب بن امية و هشام بن المغيرة يقولون لعبد المطلب : هنيئا لك باب البطحاء ، و في ذلك قال شاعر قريش و قد روى هذا الشعر لرقيقة :
بشيبة الحمد أسقى اللَّه بلدتنا
|
|
و قد فقدنا الحيا و اجلوذ المطر
|
فجاد بالماء و سمى له سبل
|
|
فعاشت به الأنعام و الشجر
|
قلت : و رواه ( كاتب الواقدي ) و زاد في الأبيات :
منّا من اللَّه بالميمون طائره
|
|
و خير من بشرت يوما به مضر
|
مبارك الأمر يستسقى الغمام به
|
|
ما في الأنام له عدل و لا خطر
|
و رواه اليعقوبي في ( تاريخه )
إلاّ أنّه قال : توالت على قريش سنون مجدبة حتى ذهب الزرع و قحل الضرع ، ففزعوا إلى عبد المطلب و قالوا : قد
سقانا اللَّه بك مرة بعد اخرى فادع اللَّه أن يسقينا ، و سمعوا صوتا ينادي من بعض جبال مكة : معشر قريش إنّ النبيّ الامي منكم و هذا أوان توكفه ، ألا فانظروا منكم رجلا عظاما جساما له سنّ يدعو إليه . .
و رواه أحمد بن أبي طاهر البغدادي في ( بلاغات نسائه )
عن مخرمة بن نوفل عن امه رقيقة نباتة و كانت لدة
عبد المطلب قالت : تتابعت على قريش سنون إلى أن قال و في ذلك تقول رقيقة ، و نقل الأبيات الأربعة بيتي كاتب الواقدي مع بيتي أبي عبيدة
.
قال ابن أبي الحديد : عن أنس بن مالك : أصاب أهل المدينة قحط على عهد النبيّصلىاللهعليهوآله
، فقام إليه رجل و هو يخطب يوم جمعة فقال : هلك الشاء هلك الزرع ادع اللَّه أن يسقينا ، فمدّصلىاللهعليهوآله
يده و دعا و استسقى و إنّ السماء كمثل الزجاجة فهاجت ريح ثم أنشأ سحابا ثم اجتمع ثم أرسلت عزاليها ، فخرجنا نخوض الماء حتى اتينا منازلنا و دام القطر ، فقام إليه الرجل في اليوم الثالث فقال : يا رسول اللَّه تهدمت البيوت ادع اللَّه أن يحبسه عنا ، فتبسمصلىاللهعليهوآله
ثم رفع يده و قال : اللهم حوالينا و لا علينا فو الذي بعث محمّداصلىاللهعليهوآله
بالحق لقد نظرت إلى السماء و لقد انجاب حول المدينة كالإكليل
.
و في حديث عائشة أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله
استسقى حين بدأ قرن الشمس فقعد على المنبر و حمد اللَّه و كبّر ثم قال : إنّكم شكوتم جدب دياركم و قد أمركم اللَّه أن تدعوه و وعدكم أن يستجيب لكم فادعوه ، ثم رفع صوته فقال : « اللهم أنت الغنيّ و نحن الفقراء فأنزل علينا الغيث و لا تجعلنا من القانطين ، اللهم اجعل ما
تنزله علينا قوة لنا و بلاغا إلى حين برحمتك يا أرحم الراحمين » فأنشأ اللَّه سحابا فرعدت و برقت فلم يأت النبيّصلىاللهعليهوآله
منزله حتى سالت السيول ، فلما رأى سرعتهم إلى الكن ضحك حتى بدت نواجذه و قال : أشهد أنّي عبد اللَّه و رسوله و أنّ اللَّه على كل شيء قدير .
قلت : و روى كاتب الواقدي في ( طبقاته )
عن أبي وجزة السعدي أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله
لما رجع من غزوة تبوك و كانت سنة تسع قدم عليه وفد بني فزارة فسألهم عن بلادهم فقال أحدهم : أسنت بلادنا و هلكت مواشينا و أجدب جنابنا و غرث عيالنا فادع لنا ربك ، فصعد النبيّصلىاللهعليهوآله
المنبر و دعا فقال :
« اللهم اسق بلادك و بهائمك و انشر رحمتك و أحي بلدك الميت ، اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا مريعا واسعا عاجلا غير آجل نافعا غير ضار ، اللهم اسقنا سقيا رحمة لا سقيا عذاب و لا هدم و لا غرق و لا محق ، اللهم اسقنا الغيث و انصرنا على الأعداء » .
فمطرت فما رأوا السماء ستا ، فصعد النبيّصلىاللهعليهوآله
المنبر فدعا فانجابت السماء عن المدينة انجياب الثوب .
و روى أيضا : إنّ وفد بني مرة قدموا على النبيّصلىاللهعليهوآله
مرجعه من تبوك ، فقال لهم كيف البلاد ؟ قالوا : و اللَّه إنّا لمسنتون فادع اللَّه لنا فقال : « اللهم اسقهم الغيث » فرجعوا فوجدوا قد مطروا في اليوم الذي دعا لهم .
هذا ، و في ( الأرشاد ) : لما اغمي على النبيّصلىاللهعليهوآله
أكبّت فاطمةعليهاالسلام
تندبه و تبكي و تقول :
و أبيض يستسقى الغمام بوجهه
|
|
ثمال اليتامى عصمة للأرامل
|
ففتح النبيّصلىاللهعليهوآله
عينيه و قال بصوت ضئيل : يا بنية هذا قول عمك
أبي طالب و لكن قولي و ما محمّد الا رسول قد خلت من قبله الرسل أفان مات أو قتل انقلبتم على اعقابكم .
.
و قال ابن أبي الحديد روى ابن مسعود : إنّ عمر خرج يستسقي بالعباس فقال :(
اللهم إنّا نتقرب إليك بعم نبيك و بقية آبائه و كبر رجاله فإنّك قلت و قولك الحق و اما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة
)
. .
، فحفظتهما لصلاح أبيهما فاحفظ اللهم نبيك في عمه فقد دلونا به إليك مستشفعين و مستغفرين ثم أقبل على الناس فقال : استغفروا ربكم إنّه كان غفارا قال ابن مسعود : و رأيت العباس يومئذ و قد طال عمره و عيناه تنضحان و سبابته تجول على صدره و هو يقول :
« اللهم أنت الراعي فلا تهمل الضالّة و لا تدع الكسير بدار مضيعة ، فقد ضرع الصغير و رقّ الكبير و ارتفعت الشكوى و أنت تعلم السر و أخفى ، اللهم أغثهم بغياثك من قبل أن يقنطوا فيهلكوا إنّه لا ييأس الا القوم الكافرين » .
فنشأت طريرة من سحاب و قال الناس : ترون ترون ، ثم تلاءمت و استقلت و مشت فيها ريح ، ثم هدرت و درّت ، فو اللَّه ما برحوا حتى اعتلقوا الأحذية و قلصوا المآزر و طفق الناس يلوذون بالعباس يمسحون أركانه و يقولون هنيئا ساقي الحرمين
.
قلت : و نقله ( الفقيه )
بطريق آخر فقال : روي عن ابن عباس أنّ عمر خرج يستسقي فقال للعباس : قم و ادع ربك و استسق و قال : اللهم إنّا نتوسل إليك بعم نبيك فقام العباس فحمد اللَّه و أثنى عليه و قال :
« اللهم إنّ عندك سحابا و إنّ عندك مطرا فانشر السحاب و أنزل فيه الماء ثم انزله علينا و اشدد به الأصل و أطلع به الفرع و أحي به الزرع ، اللهم إنّا شفعاء إليك عمن لا منطق له من بهائمنا و أنعامنا شفعنا في أنفسنا و أهالينا ، اللهم إنّا لا ندعو إلاّ إيّاك و لا نرغب إلاّ إليك ، اللهم اسقنا سقيا وارعا نافعا طبقلا مجللا ، اللهم إنّا نشكو إليك جوع كل جائع و عري كل عار و خوف كل خائف و سغب كل ساغب » .
و أقول : لم لم يستسق عمر بنفس النبيّصلىاللهعليهوآله
امير المؤمنينعليهالسلام
؟ لم لم يستسق بريحانتي النبيّ و ابنيه و سيدي شباب أهل الجنة و قد باهل بهم النبيّ بأمر اللَّه تعالى في نصّ القرآن .
و العمية للنبيّصلىاللهعليهوآله
من حيث هي لا أثر لها ، فقد كان أبو لهب أيضا عمّا للنبيّ ثم إن كان معتقدا بعم النبيّصلىاللهعليهوآله
لم لم يجعله في الشورى إلاّ أنّه استسقى به لحطّ قدر أمير المؤمنينعليهالسلام
كما أنّه لما أراد استحكام أمر صاحبه توسل إلى العباس هو مع صاحبه بإشارة المغيرة بأن يجعلا له نصيبا في أمر الخلافة تضعيفا لجانب امير المؤمنين ، فيقولان له : إن كنت ابن عمه فهو عمه .
و أراد أيضا في الاستسقاء بالعباس أنّه إن لم ينزل لهم المطر يقول توسلت بعم النبيّ فلم يكن أهلا للإجابة ، و إن جاءهم المطر يقول : أنا الأصل في ذلك ، إلاّ أنّ اللَّه تعالى نقض غرضه فرأى الناس نزول المطر من دعاء العباس ، فقد عرفت لفظ الخبر ( طفق الناس يلوذون بالعباس يمسحون أركانه و يقولون هنيئا لك ساقي الحرمين ) .
و أشار إلى ذلك لقيط المحاربي في أبياته في المهدي ، ففي ( المعجم )
أمر المهدي في سنة ( ١٦٠ ) الناس بصوم ثلاثة أيام لبطء المطر ليستسقى ، فلما كان في اليوم الثالث من الليل طرق الناس ليلتهم كلها ثلج ملأ الارض ، فقال لقيط في ذلك مخاطبا للمهدي :
لما استغاث بك العباد بجهدهم
|
|
متوسلين إلى إله الناس
|
أسقاهم بك مثل ما أسقاهم
|
|
صوب الغمام بجدك العباس
|
هذا ، و قد دعا اللَّه تعالى قس بن ساعدة في الجاهلية لكونه قرأ الكتب بالنبيّصلىاللهعليهوآله
و الأئمة الاثني عشر الذين مثله في العصمة في استسقائه على ما روى السروي في ( مناقبه ) .
فقال : روى الكلبي عن شرقي بن قطامي عن تميم بن وعلة المرى عن الجارود بن المنذر العبدي و كان نصرانيا فأسلم عام الحديبية و أنشأ يقول :
يا بني المهدي أتتك رجال
|
|
قطعت فدفدا و أفرت جبالا
|
جابت البيد و المهامه حتى
|
|
غالها من طوى السرى ما غالا
|
أنبأ الأوّلون باسمك فينا
|
|
و بأسماء بعده تتتالى
|
فقال النبيّصلىاللهعليهوآله
: أفيكم من يعرف قس بن ساعدة الإيادي ؟ فقال الجارود : كلنا نعرفه غير أنّي من بينهم بخبره واقف على أثره فقال سلمان :
أخبرنا فقال : لقد شهدته و قد خرج من ناد من أنديته إلى ضحضاح ذي قتاد و سمر و غياد و هو مشتمل بنجاد فوقف في اضحيان ليل كالشمس رافعا إلى السماء وجهه و اصبعه ، فدنوت منه فسمعته يقول :
« اللهم ربّ السماوات الأرفعة و الأرضين الممرعة بحق محمّد و الثلاثة المحاميد معه و العليين الأربعة و فاطمة و الحسنين الأبرعة و جعفر و موسى التبعة سميّ الكليم الضرعة اولئك النقباء الشفعة و الطريق المهيعة راشة
الاناجيل و محاة الأضاليل و نفاة الأباطيل الصادقو القيل عدد نقباء بني إسرائيل فهم أوّل البداية و عليهم تقوم الساعة و بهم تنال الشفاعة و لهم من اللَّه فرض الطاعة اسقنا غيثا مغيثا » .
ثم قال : ليتني مدركهم و لو بعد لأي من عمري و محياي ، ثم أنشأ يقول :
أقسم قسّ قسما
|
|
ليس به مكتتما
|
لو عاش ألفى سنة
|
|
لم يلق منها سأما
|
حتى يلاقي أحمدا
|
|
و النجباء الحكما
|
هم أوصياء أحمد
|
|
أفضل من تحت السما
|
يعمى الأنام عنهم
|
|
و هم ضياء للعمى
|
لست بناس ذكرهم
|
|
حتى أحلّ الرجما
|
قال الجارود : فقلت : يا رسول اللَّه أنبأني بخبر هذه الأسماء التي لم نشهدها و أشهدنا قس ذكرها كما أنبأك اللَّه فقالصلىاللهعليهوآله
: يا جارود ليلة اسري بي إلى السماء اوحى إليّ عزّ و جلّ أن سل من قد أرسلنا قبلك من رسلنا على ما بعثوا قلت : على ما بعثوا ؟ قال : على نبوتك و ولاية علي و الأئمة منكما ثم عرّفني عزّ و جلّ بهم و بأسمائهم ثم ذكر النبيّصلىاللهعليهوآله
أسماءهم للجارود واحدا واحدا إلى المهدىعليهالسلام
، ثم قال : قال تعالى هؤلاء أولياء ، و هذا يعني المهدي المنتقم من أعدائي .
.
و أقول : ( الحسنين ) في دعاء قس بلفظ الجمع لأنّ المراد الحسنان و العسكريعليهمالسلام
.
قول المصنّف : « قال الشريف » هكذا في ( المصرية ) و لكن في ( ابن ميثم ) :
« قال السيد رحمه اللَّه » و في ( ابن أبي الحديد ) : « قال الشريف الرضي رحمه اللَّه » فالظاهر
كونه كلامهما لا كلام المصنف و لذا ليس في ( الخطية ) رأسا و كيف كان فزاد ابن ميثم عن المصنف جملة « تفسير ما في هذه الخطبة من الغريب » إلا أن يكون سقط لفظة « في » من أول الكلام من النسخة فيكون من إنشائه
.
قولهعليهالسلام
« انصاحت جبالنا » أي : تشققت .
« من المحول » قال الجوهري
: المحل القحط ، يقال : أرض محل و أرض محول كما قالوا : بلد سبسب و بلد سباسب يريدون بالواحد الجمع ، قال ابن السكيت : أمحل البلد فهو ما حل و لم يقولوا : ممحل
، « يقال انصاح الثوب إذا انشق و يقال أيضا انصاح النبت و صاح و صوح إذا جف و يبس » هكذا في ( المصرية و ابن ميثم و الخطية ) و زاد ابن أبي الحديد و الخوئي « كله بمعنى » .
و كيف كان فليس كله بمعنى ، فانصاح بمعنى انشقّ لازم ، و أما صوّح فقد يجيء لازما كما في حديثهعليهالسلام
« فبادروا العلم من قبل تصويح نبته » و قد يجيء متعديا بمعنى أيبس ، قال ذو الرمة :
و صوح البقل ناج تجيء به
|
|
هيف يمانية في مرها نكب
|
و أما ( صاح ) ففي ( الصحاح )
صحت الشيء فانصاح أي شققته فانشقّ
، و في ( المصباح ) :
صاحت الشجرة طالت .
« و قوله و هامت » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : هامت كما في ( ابن أبي
الحديد و ابن ميثم و الخطية ) .
« دوابنا أي عطشت و الهيام العطش » قد عرفت أنه يحتمل وجها آخر
.
« و قوله حدابير السنين » إلى :
حدابير ما تنفك إلاّ مناخة
|
|
على الخسف أو نرمى بها بلدا قفرا
|
قال ابن أبي الحديد : لا أعرف البيت إلاّ « حراجيج » و هكذا رأيته بخط ابن الخشاب
.
قلت : و نقله الجوهري
في ( فك ) و ابن هشام
في ( إلاّ الزائدة ) أيضا :
« حراجيج » .
« و قوله و لا قزع ربابها » ليست الجملة في ( ابن ميثم )
.
« القزع القطع الصغار المتفرقة من السحاب » التفسير لقوله « قزع ربابها » لا لمطلق القزع ، فقد عرفت أنه بمعنى مطلق التفرق و الاختلاف .
« و قوله و لا شفان ذهابها » إلى « فحذف ( ذات ) لعلم السامع به » هذا إن فسرنا « الشفان » بالريح الباردة ، و إن فسرناه بمطلق البرد كما مر فلا يحتاج إلى تقدير .
ثم إنّ الجزري فسّره بالريح الباردة و جعله من ( شفن ) و قال و يجوز أن يكون شفان فعلان من شف إذا نقص ، أي قليلة أمطارها مع أنّ غيره لم يذكره
إلاّ في ( شف )
.
هذا ، و يناسب قولهعليهالسلام
« بالسحاب المنبعق . » ، ما رواه ( شعراء القتيبي ) : أنّ واليا من قريش على المدينة كان عنده ابن مطير و كان مطر جود فقال له : صف لي هذا المطر قال : دعني اشرف عليه ، فأشرف ثم نزل فقال :
كثرت لكثرة قطره أطباؤه
|
|
فإذا تحلب فاضت الأطباء
|
و له رباب هيدب لرفيفه
|
|
قبل التبعق ديمة و طفاء
|
و كأن ريقه و لما يحتفل
|
|
و دق السماء عجاجة كدراء
|
و كأن بارقه حريق تلتقي
|
|
ريح عليه عرفج والاء
|
مستضحك بلوامع مستعبر
|
|
بمدامع لم تمرها الاقذاء
|
فله بلا حزن و لا بمسرة
|
|
ضحك يؤلف بينه و بكاء
|
حيران متبع صباه يقوده
|
|
و جنوبه كنف له و وعاء
|
غدق ينتج في الأباطح فرقا
|
|
تلد السيول و ما لها اسلاء
|
غرّ محجلة دوالج ضمّنت
|
|
حمل اللقاح و كلّهن عذراء
|
سحم فهنّ إذا كظمن سواجم
|
|
سود و هن إذا ضحكن وضاء
|
لو كان من لجج السواحل ماؤه
|
|
لم يبق في لجج السواحل ماء
|
٢ من الخطبة ( ١٤١ ) و من خطبة لهعليهالسلام
في الاستسقاء :
أَلاَ وَ إِنَّ اَلْأَرْضَ اَلَّتِي تَحْمِلُكُمْ وَ اَلسَّمَاءَ اَلَّتِي تُظِلُّكُمْ مُطِيعَتَانِ لِرَبِّكُمْ
وَ مَا أَصْبَحَتَا تَجُودَانِ لَكُمْ بِبَرَكَتِهِمَا تَوَجُّعاً لَكُمْ وَ لاَ زُلْفَةً إِلَيْكُمْ وَ لاَ لِخَيْرٍ تَرْجُوَانِهِ مِنْكُمْ وَ لَكِنْ أُمِرَتَا بِمَنَافِعِكُمْ فَأَطَاعَتَا وَ أُقِيمَتَا عَلَى حُدُودِ مَصَالِحِكُمْ فَأَقَامَتَا إِنَّ اَللَّهَ يَبْتَلِي عِبَادَهُ عِنْدَ اَلْأَعْمَالِ اَلسَّيِّئَةِ بِنَقْصِ اَلثَّمَرَاتِ وَ حَبْسِ اَلْبَرَكَاتِ وَ إِغْلاَقِ خَزَائِنِ اَلْخَيْرَاتِ لِيَتُوبَ تَائِبٌ وَ يُقْلِعَ مُقْلِعٌ وَ يَتَذَكَّرَ مُتَذَكِّرٌ وَ يَزْدَجِرَ مُزْدَجِرٌ وَ قَدْ جَعَلَ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ اَلاِسْتِغْفَارَ سَبَباً لِدُرُورِ اَلرِّزْقِ وَ رَحْمَةِ اَلْخَلْقِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ(
اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ اَلسَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَ يُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَ بَنِينَ
)
٢ ٢٣ ٧١ : ١٠ ١٢
فَرَحِمَ اَللَّهُ اِمْرَأً اِسْتَقْبَلَ تَوْبَتَهُ وَ اِسْتَقَالَ خَطِيئَتَهُ وَ بَادَرَ مَنِيَّتَهُ اَللَّهُمَّ إِنَّا خَرَجْنَا إِلَيْكَ مِنْ تَحْتِ اَلْأَسْتَارِ وَ اَلْأَكْنَانِ وَ بَعْدَ عَجِيجِ اَلْبَهَائِمِ وَ اَلْوِلْدَانِ رَاغِبِينَ فِي رَحْمَتِكَ وَ رَاجِينَ فَضْلَ نِعْمَتِكَ وَ خَائِفِينَ مِنْ عَذَابِكَ وَ نِقْمَتِكَ اَللَّهُمَّ فَاسْقِنَا غَيْثَكَ وَ لاَ تَجْعَلْنَا مِنَ اَلْقَانِطِينَ وَ لاَ تُهْلِكْنَا بِالسِّنِينَ وَ لاَ تُؤَاخِذْنَا بِمَا فَعَلَ اَلسُّفَهَاءُ مِنَّا يَا أَرْحَمَ اَلرَّاحِمِينَ اَللَّهُمَّ إِنَّا خَرَجْنَا نَشْكُو إِلَيْكَ مَا لاَ يَخْفَى عَلَيْكَ حِينَ أَلْجَأَتْنَا اَلْمَضَايِقُ اَلْوَعْرَةُ وَ أَجَاءَتْنَا اَلْمَقَاحِطُ اَلْمُجْدِبَةُ وَ أَعْيَتْنَا اَلْمَطَالِبُ اَلْمُتَعَسِّرَةُ وَ تَلاَحَمَتْ عَلَيْنَا اَلْفِتَنُ اَلْمَسْتَصْعَبَةُ اَللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ أَلاَّ تَرُدَّنَا خَائِبِينَ وَ لاَ تَقْلِبَنَا وَاجِمِينَ وَ لاَ تُخَاطِبَنَا بِذُنُوبِنَا وَ لاَ تُقَايِسَنَا بِأَعْمَالِنَا اَللَّهُمَّ اُنْشُرْ عَلَيْنَا غَيْثَكَ وَ بَرَكَتَكَ وَ رِزْقَكَ وَ رَحْمَتَكَ وَ اِسْقِنَا سُقْيَا نَافِعَةً مُرْوِيَةً مُعْشِبَةً تُنْبِتُ بِهَا مَا قَدْ فَاتَ وَ تُحْيِي بِهَا مَا قَدْ مَاتَ نَافِعَةَ اَلْحَيَا كَثِيرَةَ اَلْمُجْتَنَى تُرْوِي بِهَا اَلْقِيعَانَ وَ تُسِيلُ اَلْبُطْنَانَ وَ تَسْتَوْرِقُ اَلْأَشْجَارَ وَ تُرْخِصُ اَلْأَسْعَارَ إِنَّكَ عَلَى مَا تَشَاءُ قَدِيرٌ « ألا و ان الأرض التي تحملكم و السماء التي تظلكم »(
الذي جعل لكم الأرض
فراشا و السماء بناء
)
.
.
في ( توحيد المفضل ) : أوّل العبر و الدلائل على الباري جلّ قدسه تهيئة هذا العالم و تأليف أجزائه و نظمها على ما هي عليه ، فإنّك إذا تأملت العالم بفكرك و خبرته بعقلك وجدته كالبيت المبني المعدّ فيه جميع ما يحتاج إليه عباده ، فالسماء مرفوعة كالسقف ، و الأرض ممدودة كالبساط ، و النجوم مضيئة كالمصابيح ، و الجواهر مخزونة كالذخائر ، و كل شيء فيها لشأنه معدّ ، و الإنسان كالمملك ذلك البيت و المخول جميع ما فيه ، و ضروب النبات مهيأة لمآربه ، و صنوف الحيوان مصروفة في مصالحه و منافعه ، ففي هذا دلالة واضحة على أنّ العالم مخلوق بتقدير و حكمة و نظام و ملاءمة و أنّ الخالق له واحد ، و هو الذي ألّفه و نظمه بعضا إلى بعض ، تعالى عما يقول الجاحدون و عظم عما ينتحله الملحدون
.
« مطيعتان لربكم » .(
فقال لها و للأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سماوات في يومين و أوحى في كلِّ سماء أمرها
)
.
« و ما أصبحتا تجودان لكم ببركتهما توجّعا لكم » كغني يجود على مسكين توجعا له .
« و لا زلفة » أي : قربة .
« إليكم » كمن يهدي إلى سلطان أو أمير تقربا إليه .
« و لا لخير ترجوانه منكم » كمحترف يهدي إلى غني رجاء اكثر منه .
« و لكن امرتا بمنافعكم فأطاعتا و اقيمتا على حدود مصالحكم فأقامتا »(
أولم
ير الذين كفروا أنّ السماوات و الأرض كانتا رتقاً ففتقناهما
)
.
.
و عن السجادعليهالسلام
: جعل تعالى الأرض ملائمة لطبائعكم موافقة لأجسادكم و لم يجعلها شديدة الحرارة فتحرقكم و لا شديدة البرودة فتجمدكم و لا شديدة طيب الريح فتصدع هاماتكم و لا شديدة النتن فتعطبكم و لا شديدة اللين كالماء فتغرقكم و لا شديدة الصلابة فتمتنع عليكم في دوركم و أبنيتكم و قبور موتاكم ، و لكنّه عزّ و جلّ جعل فيها من المتانة ما تنتفعون به و تتماسكون عليه و تتماسك عليها أبدانكم و بينانكم ، و جعل فيها ما تنقاد به لدوركم و قبوركم و كثير من منافعكم ، فذلك قوله تعالى .(
جعل لكم الأرض فراشاً
)
.
و قوله تعالى .(
و السماء بناء
)
.
يعني سقفا محفوظا من فوقكم يرى فيها شمسها و قمرها و نجومها لمنافعكم ثم قال(
و أنزل من السماء ماء
)
يعني المطر ينزله من علو ليبلغ قلل جبالكم و تلالكم و هضابكم و أوهادكم ، ثم فرّقه رذاذا و وابلا و هطلا لتنشفه أرضوكم ، و لم يجعل ذلك المطر نازلا عليكم قطعة واحدة فيفسد أراضيكم و أشجاركم و زروعكم و ثماركم .
« إنّ اللَّه يبتلي عباده عند الاعمال السيئة بنقص الثمرات و حبس البركات و اغلاق خزائن الخيرات » في ( الكافي )
: عن الصادقعليهالسلام
في قوله تعالى :
(
فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا و ظلموا أنفسهم
)
.
هؤلاء قوم كانت لهم
قرى متصلة ينظر بعضهم إلى بعض و أنهار جارية و أموال ظاهرة ، فكفروا نعم اللَّه و غيّروا ما بأنفسهم من عافية اللَّه فغيّر اللَّه ما بهم من نعمة ، و إنّ اللَّه لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم ، فأرسل اللَّه عليهم سيل العرم ففرق قراهم و خرّب ديارهم و ذهب بأموالهم و أبدلهم مكان جنّاتهم جنتين ذواتي ، اكل خمط و أثل و شيء من سدر قليل ثم قال :(
ذلك جزيناهم بما كفروا و هل نجازي الا الكفور
)
(
و لو أنّ أهل القرى آمنوا و اتّقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء و الأرض
)
.
(
أفأمِن أهلُ القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا و هم نائمون أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحىً و هم يلعبون أفأمِنوا مكر اللَّه فلا يأمن مكر اللَّه الاّ القوم الخاسرون أو لم يهدِ للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم
)
.
.
و في ( الكافي ) : عن الرضاعليهالسلام
: أوحى اللَّه تعالى إلى نبي من الأنبياء : إذا أطعت رضيت و إذا رضيت باركت و ليس لبركتي نهاية ، و إذا عصيت غضبت و إذا غضبت لعنت و لعنتي تبلغ السابع من الورى
.
و عنهعليهالسلام
: كلما أحدث العباد من الذنوب ما لم يكونوا يعلمون أحدث اللَّه لهم من البلاء ما لم يكونوا يعرفون
.
و عنهعليهالسلام
: إنّ للَّه تعالى في كل يوم و ليلة مناديا ينادي : مهلا مهلا عباد اللَّه عن معاصي اللَّه ، فلو لا بهائم رتّع و صبية رضّع و شيوخ ركّع لصبّ
عليكم العذاب صبّا ترضون به رضا
.
و عن الصادقعليهالسلام
: من همّ بسيئة فلا يعملها فإنّه ربما عمل البلا لسيئة فيراه الرب فيقول : و عزّتي لا أغفر لك بعد ذلك أبدا ، و إنّ العمل السييء أسرع في صاحبه من السكين في اللحم
.
و عنهمعليهمالسلام
: حقّ على اللَّه ألاّ يعصى في دار إلاّ أضحاها الشمس حتى يطهرها
.
هذا ، و في ( الطبري ) : أصابت الناس في سنة ( ١٨ ) مجاعة شديدة و جدوب و قحوط و سمّي ذاك العام عام الرمادة ، قال ابن إسحاق : و كان في ذاك العام أيضا طاعون عمواس فتفانى فيها اناس
.
و في ( عيون القتيبي ) : عن وهب بن منبه قال : أوحى اللَّه تعالى إلى نبي من بني اسرائيل يقال له أرميا حين ظهرت فيهم المعاصي : أن قم بين ظهراني قومك فأخبرهم أنّ لهم قلوبا و لا يفقهون و أعينا و لا يبصرون و آذانا و لا يسمعون ، و إنّي تذكرت صلاح آبائهم فعطفني ذلك على أبنائهم ، سلهم كيف وجدوا غب طاعتي ؟ و هل سعد أحد ممن عصاني بمعصيتي ؟ و هل شقى أحد ممن أطاعني بطاعتي ؟ إنّ الدواب تذكر أوطانها فتنزع إليها و إنّ هؤلاء القوم تركوا الأمر الذي أكرمت عليه آباءهم و التمسوا الكرامة من غير وجهها ، أمّا أحبارهم فأنكروا حقي و أمّا قراؤهم فعبدوا غيري ، و اما نسّاكهم فلم ينتفعوا بما علموا من حكمتي ، و أما ولاتهم فكذبوا عليّ و كذبوا رسلي ، خزنوا المكر في قلوبهم و عوّدوا الكذب ألسنتهم ، و إنّي اقسم بجلالي و عزتي لأتيحنّ عليهم
جنودا لا يفقهون ألسنتهم و لا يعرفون وجوههم و لا يرحمون بكاءهم و لأبتعثن فيهم ملكا جبارا قاسيا له عساكر كقطع السحاب و مواكب كأمثال العجاج ، كأن خفقان راياته طيران النسور و كأنّ حمل فرسانه كرّ العقاب ، يعيدون العمران خرابا و يتركون القرى وحشة ، فيا ويل إيليا و سكّانها كيف اذللّهم للقتل و اسلّط عليهم السباء و اعيد بعد لجب الأعراس صراخ الهام ، و بعد صهيل الخيل عواء الذئب و بعد شرفات القصور مساكن السباع و بعد ضوء السرج رهج العجاج ، و لأبدّلن رجالهم بتلاوة الكتاب انتهار الأرباب و بالعزّ الذل و بالنعمة العبودية ، و لأبدلن نساءهم بالطيب التراب و بالمشي على الزرابي الخبب ، و لأجعلن أجسادهم زبلا للأرض و عظامهم ضاحية للشمس .
و في رواية : ثم لآمرنّ السماء فلتكونن طبقا من حديد و الأرض فلتكونن سبيكة من نحاس ، فإن أمطرت السماء و أنبتت الأرض شيئا في خلال ذلك فبرحمتي للبهائم ، ثم أحبسه في زمن الزرع و ارسله في زمن الحصاد ، فإن زرعوا خلال ذلك شيئا سلّطت عليه الآفة ، فإن خلص منه شيء نزعت منه البركة ، فإن دعوني لم أجبهم و إن سألوني لم اعطهم و إن بكوا لم أرحمهم و إن تضرّعوا صرفت وجهي عنهم
.
و عن أبي جعفرعليهالسلام
: أما إنّه ليس من سنة أقلّ مطرا من سنة ، و لكن اللَّه يضعه حيث يشاء ، إنّ اللَّه تعالى إذا عمل قوم بالمعاصي صرف عنهم ما كان قدر لهم من المطر في تلك السنة إلى غيرهم و إلى الفيافي و البحار و الجبال ، و إنّ اللَّه تعالى ليعذّب الجعل في جحرها بحبس المطر من الأرض التي بمحلتها بخطايا من بحضرتها ، و قد جعل اللَّه لها السبيل إلى مسلك سوى محلة أهل
المعاصي ثم قال : . .(
فاعتبروا يا اولي الأبصار
)
.
ثم قالعليهالسلام
: وجدنا في كتاب عليّعليهالسلام
أن النبيّصلىاللهعليهوآله
قال : إذا ظهر الزنا كثر موت الفجأة ، و إذا طفف المكيال أخذهم اللَّه بالسنين و النقص ، و إذا منعوا الزكاة منعت الأرض بركاتها من الزرع و الثمار و المعادن كلها ، و إذا جاروا في الأحكام تعاونوا على الظلم و العدوان ، و إذا نقضوا العهود سلّط اللَّه عليهم شرارهم فيدعو عند ذلك خيارهم فلا يستجاب لهم .
« ليتوب تائب »(
و لقد أرسلنا إلى اُمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء و الضرّاء لعلهم يتضرعون
)
.
« و يقلع » أي : يكف عن الجناية .
« مقلع و يتذكر متذكر »(
و لقد صرفناه بينهم ليذكروا
.
(
و لقد يسّرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر
)
.
« و يزدجر » أي يمتنع .
« مزدجر »(
و لقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر
)
.
« و قد جعل اللَّه » هكذا في ( المصرية )
و الصواب : « و قد جعل اللَّه سبحانه » كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية )
.
« الاستغفار سببا لدرور » من : درّ الضرع باللبن درورا .
« الرزق فقال » حكاية عن نوحعليهالسلام
لقومه .
(
استغفروا ربكم إنّه كان غفاراً يرسل السماء عليكم مدراراً
)
أي :
تدرّ بالمطر كثيرا و مرارا .
و يمددكم بأموال و بنين
في ( الكافي ) : قال رجل لأبي عبد اللَّهعليهالسلام
:
لا يولد لي فقال : استغفر ربك في السحر مائة مرة فإن نسيته فاقضه
.
و فيه : عن الأبرش الكلبي : شكا إلى أبي جعفرعليهالسلام
أنه لا يولد له قال :
استغفر اللَّه في كل يوم أو كل ليلة مائة مرة ، فإنّه تعالى يقول . .(
استغفروا ربكم إنّه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا و يمددكم بأموال و بنين
)
. .
و تتمة الآية الأخيرة و يجعل لكم جنات و يجعل لكم أنهارا .
« فرحم اللَّه امرأ استقبل توبته »(
قال هود لقومه و يا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدراراً و يزدكم قوة إلى قوتكم و لا تتولوا مجرمين
)
.
« و استقال خطيئته » في ( الكافي ) عن الصادقعليهالسلام
: أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله
نزل بأرض قرعاء ، فقال لأصحابه : إيتونا بحطب فقالوا : نحن بأرض قرعاء ما بها من حطب قال : فليأت كل إنسان بما قدر عليه فجاؤوا به حتى رموا بين يديه بعضه على بعض فقالصلىاللهعليهوآله
: هكذا تجتمع الذنوب ثم قال : إيّاكم و المحقّرات من الذنوب ، فإنّ لكل شيء طالبا الا و إنّ طالبها يكتب ما قدموا و آثارهم و كل شيء أحصيناه في إمام مبين .
« و بادر منيته »(
أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرّطت في جنب اللَّه
)
. .
.
« اللهم إنّا خرجنا إليك من تحت الأستار و الأكنان » و المراد بها لبيوت .
« و بعد عجيج » أي : رفع صوت .
« البهائم و الولدان راغبين في رحمتك » التي وسعت كل شيء .
« و راجين نعمتك » المسبغة على عبادك ظاهرة و باطنة .
« و خائفين من عذابك و نقمتك » أي الآيسين من رحمتك .
« و لا تهلكنا بالسنين » أي : سني القحط و الغلاء .
و في ( القاموس )
: في ( الشغر ) قال ابن هشام حفر السيل عن قبر باليمن فيه امرأة في عنقها سبع مخانق من در و في يديها و رجليها من الأسورة و الخلاخيل و الدماليج سبعة سبعة و في كل إصبع خاتم فيه جوهرة مثمنة و عند رأسها تابوت مملوّ مالا و لوح فيه مكتوب « باسمك اللّهم الرحمن الرحيم ، أنا تاجة بنت ذي شغر بعثت مائرنا الى يوسف فابطأ علينا ، فبعثت لاذنى بمدمن ورق لتأتيني بمدمن طحين فلم تجده ، فبعثت بمد من ذهب فلم تجده ، فبعثت بمد من بحري فلم تجده ، فأمرت به فطحن فلم انتفع به ، فاقتلفت فمن سمع بي فليرحمني و أية امرأة لبست حليا من حليتي فلا ماتت إلاّ ميتتي » .
و في ( الكافي )
عن الصادقعليهالسلام
: إنّ قوما افرغت عليهم النعمة و هم أهل الثرثار ، فعمدوا إلى مخ الحنطة فجعلوها خبزا و جعلوا ينجون به
صبيانهم ، حتى اجتمع من ذلك جبل عظيم ، فمرّ بهم رجل صالح و امرأة تفعل ذلك بصبي لها ، فقال : ويحكم اتقوا اللَّه و لا تغيّروا ما بكم من نعمة فقالت له :
كأنّك تخوّفنا بالجوع ، أما ما دام ثرثارنا يجري فإنّا لا نخاف الجوع فأسف اللَّه تعالى فأضعف لهم الثرثار و حبس عنهم قطر السماء و نبات الأرض فاحتاجوا إلى ذلك الجبل و انه كان ليقسم بينهم بالميزان
.
و عن النبيّصلىاللهعليهوآله
: كان نبي في من كان قبلكم يقال له دانيال ، و إنّه أعطى صاحب معبر رغيفا لكي يعبر به ، فرماه و قال : ما أصنع به ؟ الخبز عندنا يداس بالأرجل فلما رأى ذلك دانيال رفع يده إلى السماء ثم قال : اللهم أكرم الخبر فقد رأيت ما صنع هذا العبد و ما قال فأوحى اللَّه تعالى إلى السماء أن تحبس الغيث و إلى الأرض أن كوني طبقا كالفخار ، فلم يمطروا حتى بلغ من أمرهم أنّ بعضهم أكل بعضا ، فلما بلغ منهم ما أراد اللَّه تعالى من ذلك قالت امرأة لاخرى و لهما ولدان : يا فلانة تعالي حتى نأكل أنا و أنت اليوم ولدي ، و إذا كان غدا أكلنا ولدك قالت لها : نعم ، فأكلتاه فلما أن جاعتا راودت الاخرى على أكل ولدها فامتنعت عليها فقالت لها : بيني و بينك نبي اللَّه فاختصمتا إلى دانيال فقال لهما : بلغ الأمر إلى ذلك ؟ قالتا : و أشدّ فرفع يده إلى السماء فقال : اللهم عد علينا بفضلك و رحمتك و لا تعاقب الأطفال و من فيه خير بذنب صاحب المعبر فأمر اللَّه تعالى إلى السماء أن امطري على الأرض و إلى الأرض أن أنبتي لخلقي ما فاتهم من خيرك ، فإنّي لأرحمنهم بالطفل الصغير
.
« و لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منّا يا ارحم الراحمين » يؤاخذ اللَّه تعالى الحلماء بفعل السفهاء لانهم لا يأخذون على أيديهم .
و في الخبر : أوحى اللَّه تعالى إلى شعيب النبيّ أنّي معذّب من قومك مائة ألف ، أربعين من شرارهم و ستين من خيارهم فقالعليهالسلام
: يا رب هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار فأوحى تعالى إليه : لأنّهم داهنوا أهل المعاصي و لم يغضبوا لغضبي
.
« اللهم إنّا خرجنا إليك نشكو إليك ما لا يخفى عليك » و الشكاية إليه تعالى ليس فيها كراهة ، قال تعالى حكاية عن يعقوب : « إنّما أشكو بثّي و حزني إلى اللَّه » و إنّما المذموم الشكاية منه تعالى .
« حين ألجأتنا » أي : اضطرتنا .
« المضايق » جمع المضيقة .
« الوعرة » أي : الصعبة .
« و اجاءتنا » أي : جاءت بنا اضطرارا قال زهير :
و جار سار معتمدا إليكم
|
|
أجاءته المخافة و الرجاء
|
« المقاحط » جمع المقحطة .
« المجدبة » و الجدب : يبس الأرض و انقطاع المطر .
« و أعيتنا » أي : أعجزتنا .
« المطالب المتعسرة و تلاحمت علينا » أي : صارت كالمتلاحمة الشجة التي أخذت في اللحم .
« الفتن المستصعبة » قال اعرابي : اللهم أنت الرب يستغاث ، لك الحياة و لك الميراث ، و قد دعاك الناس و عندك الغياث ، لم يبق إلاّ عكرس انكاث ، و شيح اصولها مباث ، و طاحت الألبان و الأرماث .
« اللهم إنّا نسألك ألا تردّنا خائبين » خاب الرجل : إذا لم ينل ما طلب .
و في ( الكافي ) عن الصادقعليهالسلام
: لما استسقى النبيّصلىاللهعليهوآله
و سقي الناس حتى قالوا إنّه الغرق فقال بيده و ردّها « اللهم حوالينا و لا علينا » فتفرق السحاب ، فقالوا : يا رسول اللَّه استسقيت لنا فلم نسق ثم استسقيت فسقينا .
قال : إنّي دعوت و ليس لي في ذلك نية ثم دعوت و لي في ذلك نية
.
« و لا تقلبنا واجمين » الواجم الذي اشتدّ حزنه حتى أمسك عن الكلام .
« و لا تخاطبنا بذنوبنا » بأن تقول لنا : يا مذنبون بل خاطبنا باسمك و وصفك يا مرحومين و يا معفوين .
« و لا تقايسنا » و مصدره القياس كالمقايسة .
« بأعمالنا » فنكون من المهلكين .
« اللهم انشر علينا غيثك » المطر عقيب المحل و عند الحاجة إليه .
« و بركتك و رزقك و رحمتك » في ( الروضة ) عن النبيّصلىاللهعليهوآله
: إنّ اللَّه تعالى جعل السحاب غرابيل للمطر تذيب البرد حتى يصير ماء لكيلا يضرّ شيئا ، و الذي ترون فيه من البرد و الصواعق نقمة من اللَّه تصيب بها من يشاء من عباده
.
« و اسقنا سقيا نافعة مروية » من ( أرواه ) من الماء .
« معشبة » جائية بالعشب ، أي : الكلاء الرطب في أول الربيع .
« تنبت بها ما قد فات و تحيى بها ما قد مات » .
في ( الروضة )
عن أبي عبد اللَّهعليهالسلام
: اتى قوم النبيّصلىاللهعليهوآله
فقالوا : إنّ
بلادنا قد قحطت و توالت السنون علينا فادع اللَّه تعالى يرسل السماء علينا .
فأمر بالمنبر فاخرج و اجتمع الناس فصعده و دعا و أمر الناس أن يؤمّنوا ، فلم يلبث أن هبط جبرئيل فقال : أخبر الناس أنّ ربك قد وعدهم أن يمطرو اليوم كذا و كذا و ساعة كذا و كذا ، فلم يزل الناس ينتظرون ذلك اليوم و تلك الساعة حتى إذا كانت أهاج اللَّه تعالى ريحا فأثارت سحابا و جللت السماء و أرخت عزاليها ، فجاء اولئك النفر بأعيانهم إلى النبيّصلىاللهعليهوآله
فقالوا : ادع اللَّه أن يكفّ السماء عنّا فإنّا كدنا أن نغرق فاجتمع الناس و دعا النبيّصلىاللهعليهوآله
و أمر أن يؤمّنوا على دعائه ، فقال له رجل : اسمعنا فإنّ كل ما تقول ليس يسمع فقال : قولوا « اللهم حوالينا و لا علينا ، اللهم صبها في بطون الأودية و في نبات الشجر و حيث يروى أهل الوبر ، اللهم اجعلها رحمة و لا تجعلها عذابا »
.
« نافعة الحيا » في ( فقه اللغة ) : إذا أحيى المطر الأرض بعد موتها فهو الحيا ، و في ( الصحاح ) الحيا المطر و الخصب .
« كثيرة المجتنى » من اجتنيت الثمرة .
هذا و في ( الأغاني ) : قال إسحاق بن أيوب بن سلمة : اعتمرت في رجب سنة ( ١٠٥ ) فصادفني ابن ميادة بمكة قدمها معتمرا ، فأصابنا مطر شديد تهدمت منه البيوت و توالت فيه الصواعق ، فجلس إليّ ابن ميادة غد ذاك اليوم ، فجعل يأتيني من قومي و غيرهم فأستخبرهم عن ذلك الغيث فيقولون : صعق فلان و انهدم منزل فلان ، فقال ابن ميادة : هذا العيث لا الغيث .
فقلت : فما الغيث عندك ؟ فقال :
سحائب لا من صيب ذي صواعق
|
|
و لا محرقات ماؤهن حميم
|
إذا ما هبطن الأرض قد مات عودها
|
|
بكين بها حتى يعيش هشيم
|
« تروى » من أرواه من الماء .
« بها القيعان » جمع القاع : المستوي من الأرض .
« و تسيل » من سال الماء و أساله غيره .
« البطنان » جمع البطن : الغامض من الأرض .
« و تستورق الأشجار » أي : يخرج ورقها .
« و ترخص الأسعار انك على كل شيء قدير » فافعل بنا ما سألنا .
و روى ( توحيد الصدوق ) : إنّ النبيّصلىاللهعليهوآله
مر بالمحتكرين فأمر بحكرتهم أن تخرج إلى بطون الأسواق و حيث تنظر الأبصار إليها ، فقيل لهصلىاللهعليهوآله
: لو قومت عليهم فغضب حتى عرف الغضب في وجهه و قال : أنا أقوم عليهم ، إنّما السعر إلى اللَّه عزّ و جلّ يرفعه إذا شاء و يخفضه إذا شاء
.
و روى أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله
لما قيل له : لو أسعرت فإنّ الاسعار تزيد و تنقص ، قال : ما كنت لألقى اللَّه تعالى ببدعة لم يحدث لي فيها شيئا ، فدعوا عباد اللَّه يأكل بعضهم من بعض
.
و عن السجادعليهالسلام
: ان اللَّه تعالى و كل بالسعر ملكا يدبره بأمره
.
٣ من الحكمة ( ٤٧٢ ) و قالعليهالسلام
في دعاء استسقى به :
اَللَّهُمَّ اِسْقِنَا ذُلُلَ اَلسَّحَابِ دُونَ صِعَابِهَا
أقول : رواه كتب غريب الحديث ، كما يظهر من ( النهاية ) و حيث إنهعليهالسلام
دعا لذلل السحاب ننقل أوصاف السحاب و أسماءها من ( فقه لغة الثعالبي ) ، فقال : أوّل ما ينشأ السحاب فهو النشؤ ، فإذا انسحب في الهواء فهو السحاب ، فإذا تغيّرت له السماء فهو الغمام ، فإذا كان غيما ينشأ في عرض السماء فلا تبصره و لكن تسمع رعده من بعيد فهو العقر ، فإذا أظلّ السماء فهو العارض ، فإذا كان ذا رعد و برق فهو العراص ، فإذا كانت السحاب قطعا صغارا متدانيا بعضها من بعض فهي النمرة ، فإذا كانت متفرقة فهي القزع ، فإذا كانت قطعا متراكمة فهي الكرفي ، فإذا كانت كأنّها قطع الجبال فهي قلع و كنهور واحدتها كنهورة ، فإذا كانت قطعا مستدقة رقاقا فهي الطخارير واحدتها طخرور ، فإذا كانت حولها قطع من السحاب فهي مكللة ، فإذا كانت سوداء فهي طخياء و متطخطخة ، فإذا رأيتها و حسبتها ماطرة فهي مخيلة ، فإذا غلظ السحاب و ركب بعضه بعضا فهو المكفهر فإذا ارتفع و لم ينبسط فهو النشاص ، فإذا انقطع في أقطار السماء و تلبد بعضه فوق بعض فهو القرد ، و إذا ارتفع و حمل الماء و كثف و أطبق فهو العماء و العماية و الطخاء و الطخاف و الطهاء ، فإذا اعترض اعتراض الجبل قبل أن يطبق السماء فهو الحيا ، فإذا عن فهو العنان ، فإذا أظل الأرض فهو الدجن ، فإذا اسودّ تراكب فهو المحمومي ، فإذا تعلق سحاب دون السحاب فهو الرباب ، فإذا كان سحاب فوق السحاب فهو الغفارة ، فإذا تدلى و دنا من الأرض مثل هدب القطيفة فهو الهيدب ، فإذا كان ذا ماء كثير فهو القنيف ، فإذا كان أبيض فهو المزن و الصبير ، فإذا كان لرعده صوت فهو الهزيم ، فإذا اشتد صوت رعده فهو الأجشّ فإذا كان باردا و ليس فيه ماء فهو الصرار ، فإذا كان خفيفا تسفره الريح فهو الزبرج ، فإذا كان ذا صوت شديد
فهو الصيب ، فإذ اهراق ماؤه فهو الجهام و يقال بل ما لا ماء فيه
.
ثم الظاهر أنّ المراد بذلل السحاب سحاب إذا ظهر أمطر و أكثر ، و بصعابها سحاب ترعد و تبرق و تتكاثف و تتداني و لا ترى منها أثرا .
هذا ، و في ( الاسد ) : استسقى النبيّصلىاللهعليهوآله
فقال : « اللهم اسقنا » فقال أبو لبابة لهصلىاللهعليهوآله
: إنّ التمر في المربد و ما في السماء سحاب نراه فقال النبيّصلىاللهعليهوآله
ثلاثا « اللهم اسقنا » و قال في الثالثة « حتى يقوم أبو لبابة عريانا يسدّ ثعلب مربده بإزاره » فاستهلت السماء و أمطرت مطرا شديدا ، فأطافت الأنصار بأبي لبابة و قالوا له : إنّ السماء لن تقلع حتى تقوم عريانا فتسدّ ثعلب مربدك بأزارك كما قال النبيّصلىاللهعليهوآله
، فقام فسد ثعلب مربده بأزاره فأقلعت السماء
.
قول المصنّف : « قال الرضي » إنّه من كلام الشراح فليس في ( الخطية ) رأسا و في ( ابن ميثم ) « قال السيد »
.
« و هذا من الكلام العجيب الفصاحة » ككثير من كلامهعليهالسلام
.
« و ذلك أنّهعليهالسلام
شبه السحاب ذوات الرعود » قال الثعالبي في ( فقه لغته ) : تقول العرب رعدت السماء ، فإذا زاد صوتها قيل أرزمت و دوّت ، فإذا زاد و اشتدّ قيل قصفت و قعقعت ، فإذا بلغ النهاية قيل جلجلت و هدهدت
.
« و البوارق » قال الثعالبي أيضا : عن الأصمعي و أبي زيد : إذا برق البرق كأنه يبتسم و ذلك بقدر ما يريك سواد الغيم من بياضه قيل انكل انكلالا ، فإذا بدأ من السماء برق يسير قيل أوشمت السماء و منه قيل « أوشم النبت » إذا أبصرت أوّله ، فإذا برق برقا ضعيفا قيل خفى يخفى عن أبي عمرو ، و خفا
يخفو عن الكسائي ، فإذا لمع لمعا خفيفا قيل لمح و أومض ، فإذا تشقق قيل انعق انعقاقا ، فإذا ملأ السماء و تكشف و اضطرب قيل تبوج ، فإذا كثر و تتابع قيل ارتعج ، فإذا لمع و أطمع ثم عدل قيل له خلب
.
« و الرياح و الصواعق » قال الثعالبي أيضا : إذا وقعت الريح بين الريحين فهي النكباء ، فإذا وقعت بين الجنوب و الصبا فهي الجربيا ، فإذا هبت من جهات مختلفة فهي المتناوحة ، فإذا كانت لينة فهي الريدانة ، فإذا جاءت بنفس ضعيف و روح فهي النسيم ، فإذا كان لها حنين كحنين الإبل فهي الحنون ، فإذا ابتدأت بشدة فهي النافجة ، فإذا كانت شديدة فهي العاصف و السيهوج ، فإذا كانت شديدة و لها زفزفة و هي الصوت فهي الزفزافة ، فإذا اشتدت حتى تقلع الخيام فهي الهجوم ، فإذا حرّكت الأغصان تحريكا شديدا و قلعت الأشجار فهي الزعزع و الزعزاع و الزعزعان ، فإذا جاءت بالحصباء فهي الحاصبة ، فإذا درجت حتى ترى لها ذيلا كالرسن في الرمل فهي الدروج ، فإذا كانت شديدة المرور فهي النئوج ، فإذا كانت سريعة فهي المجفل و الجافة ، فإذا هبت من الأرض نحو السماء كالعمود فهي الإعصار و يقال لها زوبعة أيضا ، فإذا هبت بالغبرة فهي الهبوة ، فإذا حملت المور و جرت الذيل فهي الهوجاء ، فإذا كانت باردة فهي الحرجف و الصرصر و العرية فإذا كان مع بردها ندى فهي البليل ، فإذا كانت حارة فهي الحرور و السموم ، فإذا كانت حارة و أتت من قبل اليمن فهي الهيف ، فإذا كانت باردة شديدة تخرق الثوب فهي الخريق ، فإذا ضعفت و جرت فويق الأرض فهي المسفسفة ، فإذا لم تلقح شجرا و لم تحمل مطرا فهي العقيم و قد نطق بها القرآن
.
« بالابل الصعاب التي تقمص برحالها » قال الجوهري : يقال دابة فيها قماص ، و هو أن ترفع يديها و تطرحهما معا و تعجن برجليها ، و في المثل « ما بالعير من قماص » و هو الحمار يضرب لمن ذلّ بعد عزّ
.
و في ( الأساس ) : قمصت الناقة بالرديف : مضت به نشيطة ، قال لبيد :
عذافرة تقمص بالردا في
|
|
تخونها نزولي و ارتحالي
|
« و تقص » هكذا في ( المصرية )
و الصواب : « و تتوقص » كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية )
.
و في ( الأساس ) : « توقصت الركاب توقصا » ، و هو نزوها مع القرمطة كأنها تكسر الخطو
.
« بركبانها » جمع الركب أصحاب الإبل في السفر .
« و شبه السحاب خالية » هكذا في ( المصرية )
و الصواب : « الخالية » كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية ) .
« من تلك الروائع » جمع الروعة بالفتح أي : الفزعة .
« بالإبل الذلل التي تحتلب طيعة » أي : طائعة .
« و تقعد » في ( الصحاح ) : القعود البعير الذي يقتعده الراعي في كل حاجة ، و هو بالفارسية رخت ، و بتصغيره جاء المثل « اتخذوه قعيد الحاجات » إذا امتهنوا الرجل في حوائجهم .
« مسمحة » أي : ذلولة .
هذا ، و روى ( العيون ) : أنّ المأمون لما جعل الرضاعليهالسلام
ولي عهده احتبس المطر ، فجعل بعض حاشية المأمون من المتعصبين عليهعليهالسلام
يقولون انظروا لما جاءنا علي بن موسى و صار ولي عهدنا حبس عنا المطر ، فاتصل ذلك بالمأمون فاشتد عليه فقال لهعليهالسلام
: لو دعوت اللَّه قال : نعم قال :
متى و كان يوم الجمعة فقال : يوم الاثنين قال النبيّصلىاللهعليهوآله
: أتاني البارحة في منامي و معه أمير المؤمنينعليهالسلام
فقال : يا بني انتظر يوم الاثنين فابرز إلى الصحراء و استسق فإنّ اللَّه تعالى سيسقيهم و أخبرهم بما يريك اللَّه مما لا يعلمون من حالهم ليزداد علمهم بفضلك و مكانك من ربك تعالى فلما كان يوم الاثنين غدا إلى الصحراء و خرج الخلائق ينظرون ، فصعد المنبر فحمد اللَّه و أثنى عليه ثم قال : « اللهم يا ربّ أنت عظّمت حقنا أهل البيت فتوسلوا بنا كما أمرت و أمّلوا فضلك و رحمتك و توقّعوا إحسانك و نعمتك فاسقهم سقيا نافعا عاما غير رائث و لا ضائر ، و ليكن ابتداء مطرهم بعد انصرافهم من مشهدهم هذا إلى منازلهم و مقارّهم » فو الذي بعث محمّدا بالحق لقد نسجت الرياح في الهواء الغيوم و أرعدت و أبرقت و تحرك الناس كأنهم يريدون التنحي عن المطر ، فقالعليهالسلام
: على رسلكم فليس هذا الغيم لكن إنّما هو لأهل بلد كذا .
فمضت السحابة و عبرت ثم جاءت اخرى تشتمل على رعد و برق فتحركوا فقالعليهالسلام
: على رسلكم انما هو لأهل بلد كذا حتى جاءت عشر سحابة في كلها يقولعليهالسلام
: هي لبلد كذا ثم أقبلت سحابة فقالعليهالسلام
: هذه لكم فاشكروا اللَّه و إنّها ممسكة عنكم إلى ان تدخلوا مقارّكم فانصرفوا إلى ان قربوا من بيوتهم فجاءت بوابل المطر فملأت الأودية و الحياض و الغدران و الفلوات ، فجعلوا
يقولون : هنيئا لولد رسول اللَّه كراماته تعالى . .
.
٤ من الخطبة ( ٥٣ ) و من كلام لهعليهالسلام
في ذكر يوم النحر :
وَ مِنْ تَمَامِ اَلْأُضْحِيَّةِ اِسْتِشْرَافُ أُذُنِهَا وَ سَلاَمَةُ عَيْنِهَا فَإِذَا سَلِمَتِ اَلْأُذُنُ وَ اَلْعَيْنُ سَلِمَتِ اَلْأُضْحِيَّةُ وَ تَمَّتْ وَ لَوْ كَانَتْ عَضْبَاءَ اَلْقَرْنِ تَجُرُّ رِجْلَهَا إِلَى اَلْمَنْسَكِ قال الشريف : و المنسك هنا المذبح قول المصنّف : « و من كلام لهعليهالسلام
في ذكر يوم النحر » هكذا في ( المصرية )
و لكن في ( ابن ميثم ) : « و من كلام لهعليهالسلام
يوم النحر في صفة الأضحية » و في ( الخطية و ابن أبي الحديد ) : « و منها في ذكر يوم النحر و صفة الأضحية » و الصواب : ما في ( ابن ميثم ) لأنّ العنوان ليس فيه إلاّ صفة الأضحية
.
و كيف كان فالعنوان جزء من خطبتهعليهالسلام
في يوم النحر رواها ( الفقيه ) بتمامها في باب صلاة العيدين إلى أن قال : و إنّ هذا يوم حرمته عظيمة و بركته مأمولة و المغفرة فيه مرجوة ، فأكثروا ذكر اللَّه تعالى و استغفروه و توبوا إليه إنّه هو التواب الرحيم ، و من ضحى منكم بجذع من المعز فإنّه لا يجزي عنه و الجذع من الضأن يجزي ، و من تمام الأضحية استشراف عينها و اذنها و إذا سلمت العين و الاذن تمت الأضحية ، و إن كانت عضباء القرن أو
تجر برجلها فلا تجزي و إذا ضحيتم فكلوا و أطعموا و اهدوا و احمدوا اللَّه على ما رزقكم من بهيمة الأنعام .
.
قولهعليهالسلام
: « و من كمال » هكذا في ( المصرية )
و الصواب : « و من تمام » كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية )
، و كما في مستنده ( الفقيه ) .
« الأضحية » في ( إصلاح المنطق ) قال الأصمعي : فيها أربع لغات أضحية و أضحيّة و جمعها أضاحي و ضحية و جمعها ضحايا و أضحاة و جمعها أضحى ، كما يقال أرطاة و أرطى ، و به سمي يوم الأضحى و قال الفراء :
الأضحى مؤنثة و قد تذكّر يذهب بها إلى اليوم و أنشد :
رأيتكم بني الحذواء لما
|
|
دنا الأضحى و صللت اللحام
|
توليتم بودكم و قلتم
|
|
لعك منك أقرب أو جذام
|
« استشراف اذنها » قد عرفت أنّ رواية ( الفقيه ) « استشراف عينها و اذنها » .
قال الجوهري : استشرفت الشيء إذا رفعت بصرك تنظر إليه و بسطت كفك فوق حاجبك كالذي يستظل من الشمس ، و منه قول ابن نظير :
فيا عجبا للناس يستشرفونني
|
|
كأن لم يروا بعدي محبّا و لا قبلي
|
و روى ( المعاني )
و ( التهذيب ) عنهعليهالسلام
قال : أمرنا النبيّصلىاللهعليهوآله
في الأضاحي أن نستشرف العين و الاذن ، و نهانا عن الخرقاء و الشرقاء
و المقابلة و المدابرة
.
و زاد الأوّل « الخرقاء » أن يكون في الاذن ثقب مستدير و « الشرقاء » المشقوقة الاذن باثنين حتى ينفذ إلى الطرف ، و « المقابلة » أن يقطع من مقدم اذنها شيء ثم يترك ذلك معلقا لاينين كأنه زغبة ، و « المدابرة » ان يفعل ذلك بمؤخر اذن الشاة .
و في ( النهاية ) بعد ذكر تفسير ( الصحاح ) للاستشراف و منه حديث الأضاحي « أمرنا أن نستشرف العين و الاذن » أي : نتأمل سلامتهما من آفة
.
و في ( المغرب ) : قوله « فاستشرفوا العين و الاذن » أي : تأملوا سلامتهما من آفة أو عور .
و مما ذكرنا يظهر لك ما في قول ابن أبي الحديد و الخوئي استشراف اذنها : انتصابها و ارتفاعها ، اذن شرفاء أي : منتصبة ، و قول ابن ميثم و استشراف اذنها : طولها .
.
« و سلامة عينها » قد عرفت أنّ في رواية ( الفقيه ) بدل ما هنا ( استشراف اذنها و سلامة عينها ) : « استشراف عينها و اذنها » .
« و إذا سلمت الاذن و العين » قد عرفت أنّ رواية ( الفقيه ) بلفظ : « و إذا سلمت العين و الاذن » .
« سلمت الأضحية » في ( الكافي ) عن الصادقعليهالسلام
: إن كان شق اذن الأضحية وسما فلا بأس ، و إن كان شقّا فلا يصلح
.
و في ( الفقيه ) : سئل الكاظمعليهالسلام
عن الرجل يشتري الأضحية عوراء فلا
يعلم الا بعد شرائها هل تجزي عنه ؟ قال : نعم إلا أن يكون هديا واجبا فلا يجوز أن يكون ناقصا
.
و في ( التهذيب ) : عن أحدهماعليهماالسلام
في ما إذا كانت الاذن مشقوقة أو مثقوبة بسمة فقال : ما لم يكن منها مقطوعا فلا بأس
.
و مر خبر شريح : نهانا النبيّصلىاللهعليهوآله
عن الخرقاء و الشرقاء و المقابلة و المدابرة و مرّ كون الجميع من عيوب الاذن .
« و لو كانت عضباء القرن » قال أبو زيد كما في ( الصحاح ) العضباء :
الشاة المكسورة القرن الداخل و هو المشاش .
.
و في ( الجمهرة ) ظبي أعضب : إذا انكسر أحد قرنيه ، و الانثى عضباء و يتشاءم به ، قال الأخطل :
إنّ السيوف غدوها و رواحها
|
|
تركت هوازن مثل قرن الأعضب
|
و قال غيره :
غراب و ظبي اعضب القرن خبرا
|
|
ببين و صردان العشي تصيح
|
هذا ، و في ( الصحاح ) ناقة عضباء أي : مشقوقة الاذن
، و أمّا ناقة النبيّصلىاللهعليهوآله
التي تسمى العضباء فإنما كان ذلك لقبا لها و لم تكن مشقوقة الأذن
.
و فيه أيضا : كانت للنبيّصلىاللهعليهوآله
ناقة تسمى قصواء و لم تكن
مقطوعة الاذن
.
و مثله ( القاموس ) : و قال في ( جدع ) : لم تكن ناقة النبيّصلىاللهعليهوآله
جدعاء و لا عضباء و لا قصواء و إنّما هن ألقاب مع أنّهما وهما
، فإنّ ابن دريد إنّما قال :
كان اسمها العضباء و لم يقل لم يكن بها عيب
، و كذلك الطبري إنّما روى عن محمّد بن إبراهيم التيمي « ان اسم ناقة النبيّصلىاللهعليهوآله
كان القصواء و الجدعاء و العضباء » و لم يقل لم يكن بها عيب
.
و مما يوضح أنّ الاسم لم يكن مجردا ما رواه الطبري عن سعيد بن المسيب قال : كان اسم ناقة النبيّصلىاللهعليهوآله
العضباء و كان في طرف اذنها جدع
.
و كيف كان ، فالمصنف حرف الرواية و أسقط جواب ( لو ) فجعلها وصلية فحصر عيب الأضحية في العين و الاذن .
و كيف تجزى عضباء القرن و قد روى المشائخ الثلاثة عن السكوني عن جعفر عن آبائهعليهماالسلام
عن النبيّصلىاللهعليهوآله
: لا يضحي بالعرجاء بين عرجها ، و لا بالعوراء بين عورها ، و لا بالعجفاء و لا بالخرقاء ، و لا بالجذعاء و لا بالعضباء .
و زاد الأوّل و لا الجرباء » و قال الأخيران العضباء مكسورة القرن .
و روى الأوّلان صحيحا عن جميل عن الصادقعليهالسلام
في الأضحية يكسر قرنها قال : ان كان القرن الداخل صحيحا فهو يجزي
.
و رواه الأخير هكذا : في المقطوع القرن أو المكسور القرن إذا كان القرن
الداخل صحيحا و إن كان القرن الظاهر الخارج مقطوعا
.
و قال ابن بابويه : قال الصفار إذا ذهب من القرن الداخل ثلثاه و بقي ثلثه فلا بأس بأن يضحى به
.
« تجر رجلها إلى المنسك » قد عرفت أنّ رواية الصدوق ( و إن كانت عضباء القرن أو تجر برجلها فلا تجزي ) فالمصنّف حرّف في حذف الجواب و العاطف و الظاهر أنّ قوله « إلى المنسك » مصحف « فلا تجزى » فليس كلمة « إلى المنسك » في رواية ( الفقيه ) و لا مناسبة لها ، و إن كان ( مصباح الشيخ ) أيضا نقله مثل المصنّف
، فكما أنّ إجزاء العضباء خلاف مذهبنا كذلك إجزاء العرجاء ، فقد عرفت ثمة رواية الثلاثة عن النبيّصلىاللهعليهوآله
: لا يضحى بالعرجاء بيّن عرجها
.
ثم قد عرفت حكم عيب العين و الاذن و القرن و الرجل ، و أمّا باقي الاعضاء فقال ابن أبي عقيل يكره أن يضحى بالخصي ، و قال ابن الجنيد : لا يجوز في الهدي نقص بعض الأعضاء ، و قال الشيخ في ( النهاية ) : لا يجوز في الهدي الخصى إلا أن لا يتمكن ، و قال بجواز الموجوء
، و قال العماني كما في ( المختلف ) لا تصحّ بالجداء و هي التي ليس لها إلاّ ضرع واحد ، و الأخبار ظاهرة في الجواز
.
قول المصنّف : « و المنسك هنا المذبح » ليس في ( ابن ميثم ) رأسا و كيف
كان فالتقييد بهنا لأنّ المنسك يأتي كمعان ، ففي ( الصحاح ) : نسكت الشيء : أي غسلته بالماء
، العبادة ، و النسيكة الذبيحة ، و الجمع نسك و نسائك ، و المنسك و المنسك بفتح السين و كسره الموضع الذي تذبح فيه النسائك .
هذا ، و في ( طبقات كاتب الواقدي ) قالوا : كان النبيّصلىاللهعليهوآله
إذا ضحى اشترى كبشين سمينين أقرنين أملحين ، فإذا صلّى و خطب اتى بأحدهما و هو قائم في مصلاه فذبحه بيده بالمدية ثم يقول : « اللهم هذا عن امتي جميعا من شهد لك بالتوحيد و شهد لي بالبلاغ » ثم يؤتى بالآخر فيذبحه بيده ثم يقول « هذا عن محمّد و آل محمّد » فيأكل هو و أهله منها و يطعم المساكين
.
و في ( تنبيه المسعودي )
: ضحى النبيّصلىاللهعليهوآله
في سنة ( ٢ ) من الهجرة أول اضحى رآه المسلمون و امر بذلك ، و خرج إلى المصلى و ذبح به شاتين
.
و في ( تذكرة سبط ابن الجوزي )
: قال أحمد بن حنبل في ( فضائله ) :
بإسناده عن عليّعليهالسلام
قال : أمرني النبيّصلىاللهعليهوآله
أن اضحي عنه ، فأنا اضحي عنه أبدا فكانعليهالسلام
يضحي عنهصلىاللهعليهوآله
إلى أن استشهد ، بكبشين أملحين
.
قال محمّد بن شهاب الزهري : إنّما خص النبيّصلىاللهعليهوآله
علياعليهالسلام
بذلك دون أقاربه و أهله لقربه منه ، فكأنه فعل ذلك بنفسه
.
و في ( الطبري ) : خطب إبراهيم بن هشام المخزومي خال هشام بن عبد
الملك بمنى فقال : سلوني فأنا ابن الوحيد لا تسألون أحدا أعلم مني فقام إليه رجل من أهل العراق فسأله عن الأضحية أهي واجبة ؟ فما درى أي شيء يقول ، فنزل
.
و فيه أيضا : ضحى أهل سامراء في سنة ( ٢٤٦ ) يوم الاثنين على الرؤية و أهل مكة يوم الثلاثاء ، و قدم في سنة ( ٢٤٠ ) محمّد بن عبد اللَّه بن طاهر بغداد منصرفا من مكة في صفر فشكا ما ناله من الغم بما وقع من الخلاف في يوم النحر ، فأمر المتوكل بإنفاذ خريطة صفراء من الباب إلى أهل الموسم برؤية هلال ذي الحجة و أن يسار بها كما يسار بالخريطة الواردة بسلامة الموسم .
و في ( عيون القتيبي ) : كان بالبصرة ثلاثة إخوة من ولد عتاب بن أسيد ، كان احدهم يحج عن حمزة و يقول : استشهد قبل أن يحج و كان الآخر يفطر عن عائشة أيام التشريق و يقول : غلطت في صومها أيام العيد فمن صام عن أبيه و امه فأنا أفطر عن أمي عائشة و كان الآخر يضحى عن أبي بكر و عمر و يقول : أخطآ السنة في ترك الأضحية
و نقل ( بيان الجاحظ ) عن الخليل : أنّ الثلاثة كانوا إخوة أبي قطبة البخيل
.
و في ( عقد ابن عبد ربه ) : قال الأصمعي : ولي رجل قضاء الأهواز فأبطأت عليه أرزاقه و ليس عنده ما يضحي به ، فشكا ذلك إلى امرأته و اخبرها بما هو فيه من الضيق و أنّه لا يقدر على أضحية ، فقالت له : لا تغتم فإنّ عندي ديكا عظيما قد سمنته ، فإذا كان يوم الأضحى ذبحناه فبلغ جيرانه الخبر فأهدوا له ثلاثين كبشا و هو في المصلى لا يعلم فلما صار إلى منزله و رأى ما
فيه من الأضاحي قال لامرأته من أين هذا ؟ قالت : أهدى لنا فلان و فلان و فلان حتى سمت له جماعة فقال لها : يا هذه تحفظي بديكنا هذا فلهو أكرم على اللَّه من إسحاق بن إبراهيم ، إنّه فدى ذلك بكبش واحد و فدى ديكنا هذا بثلاثين كبشا
.
و في ( يتيمة الثعالبي )
: كتب الصابي إلى الشريف الموسوي السيد الرضي :
مرجيك و صابيك
|
|
هذا الأضحى يهنيكا
|
و يدعو لك ، و اللَّه
|
|
مجيب ما دعا فيكا
|
و قد أوجز إذ قال
|
|
مقالا و هو يكفيكا
|
أراني اللَّه اعداءك
|
|
في حال أضاحيكا
|
و فيه كتب الصابي إلى صمصام الدولة يهنيه بالأضحى :
يا سنة البدر في الدياجي
|
|
و غرة الشمس في الصباح
|
صمصام حرب و غيث سلم
|
|
ناهيك في البأس و السماح
|
اسعد بفطر مضى و اضحى
|
|
و افاك باليمن و النجاح
|
و انحر اعادي بني بويه
|
|
بالسيف في جملة الأضاحي
|
فالكل منهم ذوو قرون
|
|
يصلح للذهاب و النطاح
|
و فيه كتب الصابي إلى عضد الدولة في عيد أضحى :
و كفاك من نحر الأضاحي فيه ما
|
|
نحرت يمينك من طلا الاعداء
|
حرمت مآكلها علينا و اغتدت
|
|
حلاّ لوحش القفر و البيداء
|
صل يا ذا العلا لربك و انحر
|
|
كل ضد و شأن لك أبتر
|
أنت أعلى من أن تكون
|
|
أضاحيك قروما من الجمال تعفر
|
بل قروما من الملوك ذوي السؤدد
|
|
تيجانها أمامك تنثر
|
كلما خر ساجدا لك رأس
|
|
منهم قال سيفك اللَّه أكبر
|
و في ( العقد ) : خطب عبد اللَّه بن عامر بالبصرة في يوم أضحى ، فأرتج عليه فمكث ساعة ثم قال : و اللَّه لا أجمع عليكم عيا و لؤما من اخذ شاة من السوق فهي له و ثمنها علي
.
و في ( كنايات الجرجاني ) : حكي أن المفضل الضبي بعث بأضحية هزيلة إلى شاعر ، ثم لقيه فسأله عنها فقال : كانت قليلة الدم ، فضحك المفضل :
و قال مهلا أردت قوله :
و لو ذبح الضبي بالسيف لم تجد
|
|
من اللؤم للضبي لحما و لا دما
|
هذا ، و في ( سنن أبي داود ) عن النفيلي عن زهير عن أبي اسحاق عن شريح ابن النعمان و كان رجل صدق عن عليّعليهالسلام
قال : أمرنا النبيّصلىاللهعليهوآله
ان نستشرف العين و الاذنين و ألاّ نضحى بعوراء و لا مقابلة و لا مدابرة و لا خرقاء و لا شرقاء قال زهير : فقلت لأبي إسحاق أذكر عضباء ؟ فقال : لا قلت :
فما المقابلة قال : قطع طرف الاذن قلت : فالمدابرة ؟ قال : قطع من مؤخر الاذن .
قلت : فالشرقاء ؟ قال : شق الاذن قلت : فالخرقاء ؟ قال : خرق اذنها للسمة
.
و في ( ميزان الذهبي ) : عن عبد الرحمن بن محمّد بن حبيب الجرمي صاحب الانماط عن أبيه عن جدّه أنّه شهد خالدا ضحى بالجعد بن درهم
.
قلت : مراده بخالد خالد بن عبد اللَّه القسري و بالجعد الذي ينسب مروان ابن محمّد بن مروان آخر خلفاء بني امية إليه ، فكان معروفا بمروان الجعدي كما كان معروفا بمروان الحمار ، كان جعد زنديقا قالوا زعم أنّ اللَّه لم يتخذ إبراهيم خليلا و لم يكلم موسى ، و كان مروان على مذهبه فكان أهل الموصل يقولون لمروان : يا جعدي يا معطل ، قتل جعدا خالد القسري بالعراق يوم النحر و جعله عوض أضحية
.
الفصل الثاني و الخمسون في الاقبال و الادبار
١ من الحكمة ( ٨ ) قَالَ ع :
إِذَا أَقْبَلَتِ اَلدُّنْيَا عَلَى أَحَدٍ أَعَارَتْهُ مَحَاسِنَ غَيْرِهِ وَ إِذَا أَدْبَرَتْ عَنْهُ سَلَبَتْهُمْ مَحَاسِنَ نَفْسِهِ أقول : الأصل فيه كما في ( مروج المسعودي ) : نقل ضرار بن ضمرة ذلك الكلام عنهعليهالسلام
في جملة كلمات اخرى عنهعليهالسلام
لمعاوية
.
و روى سبط ابن الجوزي في ( تذكرته ) نقلا من ( كتاب سر العالمين للغزالي ) أبياتا لهعليهالسلام
قريبة من العنوان ، و هي :
المرء في زمن الاقبال كالشجره
|
|
و حولها الناس ما دامت لها الثمره
|
حتى إذا ما عرت من حملها انصرفوا
|
|
عنها عقوقا و قد كانوا لها برره
|
و حاولوا قطعها من بعد ما شفقوا
|
|
دهرا عليها من الارياح و الغبره
|
قلّت مروات أهل الأرض كلهم
|
|
الا الاقل فليس العشر من عشره
|
لا تحمدن امرأ حتى تجرّبه
|
|
فربما لا يوافي خبره خبره
|
و من شواهد كلامهعليهالسلام
ما في ( وزراء الجهشياري ) عن جبرئيل الطبيب و كان صنيع البرامكة قال : دخلت على الرشيد يوما و هو جالس على بساط على مشرعة باب خراسان في ما بين الخلد و الفرات و ام جعفر من وراء ستر ، فقال الرشيد : قد وجدت شيئا فأشر عليها بما تعمل به قال : فبينا أنا أنظر في ذلك ارتفعت صيحة عظيمة ، فسأل عنها فقيل له : يحيى بن خالد ينظر في امور المتظلمين فقال : بارك اللَّه عليه و أحسن جزاءه فقد خفف عني و حمل الثقل و ذكره بجميل ففعلت ام جعفر مثل ذلك و لم تدع شيئا يذكره أحد من جميل إلاّ ذكرته به قال : فامتلأت بذلك سرورا و قلت في ذلك بما أمكنني و خرجت مبادرا إلى يحيى فخبرته بذلك فسرّ به .
و مضت مدة ثم جاءني يوما رسول الرشيد ، فصرت إليه فوجدته جالسا في ذلك المجلس بعينه و ام جعفر من وراء الستر أيضا و الفضل بن الربيع بين يديه ، و قد وجدت ام جعفر شيئا فأمرني بتأمل علّتها ، و إنّي لفي ذلك إذ ارتفعت ضجة شديدة ، فقال الرشيد : ما هذا ؟ فقيل : يحيى ينظر في امور المتظلمين فقال : فعل اللَّه به و فعل و أقبل يذمّه و يسبّه و قال : استبدّ بالامور دوني و أمضاها على غير رأيي و عمل بما أحبّه دون محبتي ، و تكلمت ام جعفر بنحو من كلامه و ثلبته أكثر مما يثلب به أحد ، فورد علي من ذلك ما أقام و أقعد ، ثم أقبل علي الرشيد فقال لي : يا جبرئيل إنّه لم يسمع كلامي غيرك و غير الفضل ، و ليس الفضل ممن يحكى شيئا عني و علي لئن تجاوزك لأتلفن نفسك .
قال : فتبرأت عنده من ذكره و اكبرت الإقدام على حكاية شيء منه و انصرفت ،
فلم أصبر و قلت : و اللَّه إن تلفت نفسي في الوفاء لم ابال و صرت إلى يحيى فعرفته ما جرى ، فقال لي : أتذكر و قد جئتني في يوم كذا من شهر كذا و أنا في هذا الموضع فحكيت عن الرشيد إلاّ حماد و الثناء و عن ام جعفر مثل ذلك ؟
فقلت : نعم و عجبت من حفظه الوقت فقال : إنّه لم يكن مني في هذه الحال التي ذمني فيها شيء لم يكن مني في ذلك الوقت الذي أحمدني فيه ، و لكن المدة إذا آذنت بالانقضاء جعلت المحاسن مساوي و من أراد أن يتجني قدر
.
و في السير : قيل ليحيى البرمكي : أخبرنا بأحسن ما رأيت في أيام سعادتك فقال : ركبت يوما في سفينة اريد التنزه ، فلما أردت الخروج اتكأت على لوح من ألواحها و كان باصبعي خاتم ، فطار فصه من يدي و كان ياقوتا أحمر قيمته ألف مثقال من الذهب ، فتطيرت من ذلك ثم عدت إلى منزلي و إذا بالطباخ قد أتى بذلك الفص بعينه و قال : أيّها الوزير لقيت هذا الفص في بطن حوت من حيتان اشتريتها للمطبخ فقلت : هذا لا يصلح الا للوزير فقلت : الحمد للَّه هذا بلوغ الغاية .
و قيل له : أخبرنا ببعض ما لقيت من المحن قال : اشتهيت لحما في قدر و انا في السجن ، فغرمت ألف دينار في شهوتي حتى أتيت بقدر و لحم مقطع و أتيت بنار فأوقدت تحت القدر و نفخت و لحيتي في الأرض حتى كادت روحي تخرج فلما نضجت تركتها تفور و تغلى و فتتت الخبز و عمدت لإنزلها ، فانفلتت من يدي و انكسر القدر على الأرض فبقيت ألتقط اللحم و امسح منه التراب و آكله و ذهب المرق الذي كنت أشتهيه .
و في ( وزراء الجهشياري ) : ذكر الكرماني أنّ الفضل بن يحيى نقل من محبس كان فيه إلى محبس آخر ، فوقف له بعض العامة فدعا عليه ، فاضطرب
الفضل من ذلك اضطرابا لم ير منه مثل قبله في شيء من حوادث النكبة ، فقال لبعض من كان معه : أحبّ أن تلقى هذا الرجل و تسأله عما دعاه إلى ما كان هل لحقه من بعض أسبابنا على غير علم منا ظلم فنتلافيه ، فصار الرسول إليه فسأله هل لحقه منه ما يوجب ذلك ؟ قال : لا و اللَّه و لكن قيل لي إنّ هؤلاء كلهم زنادقة فلما عاد الرسول إليه بذلك قال : و اللَّه سريت عني و فرجت عني ثم أنشد :
غير ما طالبين ذحلا و لكن
|
|
مال دهر على اناس فمالوا
|
و قال ابن أبي الحديد : كان الرشيد أيام كان حسن الرأي في جعفر البرمكي يحلف باللَّه أن جعفرا أفصح من قس بن ساعدة و أشجع من عامر بن الطفيل و أكتب من عبد الحميد بن يحيى و أسوس من ابن الخطاب و أحسن من مصعب بن الزبير و لم يكن جعفر حسن الصورة كان طويل الوجه جدا و أنصح له من الحجاج لعبد الملك و أسمح من عبد اللَّه بن جعفر و أعفّ من يوسف بن يعقوب فلما تغير رأيه فيه أنكر محاسنه الحقيقية التي لا يختلف اثنان أنّها فيه نحو كياسته و سماحته ، و كان جعفر لم يجسر أحد أن يرد عليه قولا و لا رأيا ، فيقال : إنّ أوّل ما ظهر من تغير الرشيد له أنّه كلم الفضل بن الربيع بشيء فردّه عليه الفضل و لم تجر عادته من قبل أن يفتح فاه في وجهه .
فأنكر سليمان بن أبي جعفر ذلك على الفضل ، فغضب الرشيد لإنكار سليمان و قال له : ما دخولك بين أخي و مولاى كالراضي بما كان من الفضل ثم تكلم جعفر بشيء قاله للفضل فقال الفضل للرشيد : أشهد عليه فقال له جعفر : فضّ اللَّه فاك يا جاهل إذا كان الخليفة الشاهد فمن الحاكم المشهود عنده فضحك
الرشيد و قال : يا فضل لا تمار جعفرا فانك لا تقع عنه موقعا
.
و في صلة ( تاريخ الطبري ) : غضب المقتدر في سنة ( ٢٩٩ ) على وزيره علي ابن محمد بن فرات و كانت له أياد جليلة و فضائل كثيرة ، فلم يمسك الناس عن انتقاصه و هجوه مع حسن آثاره
.
و في ( كامل المبرد ) : دخل يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج على سليمان بن عبد الملك و كان يزيد دميما ، فلما رآه قال : قبّح اللَّه رجلا أجرك سنه و أشركك في أمانته فقال له يزيد : رأيتني و الأمر لك و هو عني مدبر ، و لو رأيتني و الأمر علي مقبل لاستكبرت مني ما استصغرت و استعظمت مني ما استحقرت فقال له سليمان : أترى الحجاج استقر في قعر جهنم بعد فقال : لا تقل ذلك ، فإنّ الحجاج وطأ لكم المنابر و أذلّ لكم الجبابر و هو يجيء يوم القيامة عن يمين أبيك و يسار أخيك فحيث كانا كان
.
و في ( كامل ابن الأثير ) : توفي المعز لدين اللَّه العلوي بمصر سنة ( ٣٦٥ ) و كان سبب موته أن ملك الروم بالقسطنطنية أرسل إليه رسولا كان يتردّد إليه بإفريقية ، فخلا به بعض الأيام فقال له المعز : أتذكر إذ أتيتني رسولا و أنا بالمهدية فقلت لك لتدخلّن عليّ و أنا بمصر مالكا لها ؟ قال : نعم قال : و أنا أقول لك لتدخلن علي بغداد و انا خليفة فقال له الرسول : إن آمنتني على نفسي و لم تغضب قلت لك ما عندي فقال له المعز : قل و أنت آمن قال الرسول : بعثني إليك الملك ذلك العام فرأيت من عظمتك في عيني و كثرة أصحابك ما كدت أموت منه ، و وصلت إلى قصرك فرأيت عليه نورا عظيما غطى بصري ، ثم
دخلت عليك فرأيتك على سريرك فظننتك خالقا ، فلو قلت لي إنّك لتعرج إلى السماء لتحققت ذلك ، ثم جئت إليك الآن فما رأيت من ذلك شيئا أشرفت على مدينتك فكانت في عيني سوداء مظلمة ، ثم دخلت عليك فما وجدت لك من المهابة ما وجدته ذلك العام ، فقلت : ان ذلك كان امرا مقبلا و إنّه الآن بضد ما كان عليه فأطرق المعز و خرج الرسول من عنده و اخذت المعز الحمى لشدة ما وجد حتى مات
.
٢ الحكمة ( ٢٣٩ ) وَ قَالَ ع :
صَوَابُ اَلرَّأْيِ بِالدُّوَلِ يُقْبِلُ بِإِقْبَالِهَا وَ يَذْهَبُ بِإِدْبَارِهَا أقول : و من شواهد كلامهعليهالسلام
ما في ( الطبري ) قال هشام بن عمرو التغلبي : كنت في عسكر أبي مسلم لما حارب عبد اللَّه بن علي من قبل المنصور ، فتحدث الناس فقيل : أي الناس أشد ؟ فقال : قولوا حتى أسمع فقال رجل : أشدّ الناس أهل خراسان ، و قال : قوم أهل الشام فقال أبو مسلم : كل قوم في دولتهم أشدّ الناس
.
و ما فيه في قتال المثنى بن حارثة مع العجم من قبل عمر قال المثنى :
قاتلت العرب و العجم في الجاهلية و الإسلام ، و اللَّه لمائة من العجم في الجاهلية كانوا أشدّ علي من ألف من العرب لمائة من العرب اليوم أشد علي من ألف من العجم ، إنّ اللَّه اذهب مصذوقتهم و وهن كيدهم ، فلا يرو عنكم زهاء ترونه و لا سواد و لا قسي فج و لا نبال طوال ، فإنّهم إذا أعجلوا عنها أو فقدوها كالبهائم
أينما وجهتموها اتجهت .
و ما في ( الأغاني ) : كان جعفر بن منصور يستخف مطيع بن إياس و يحبه و كان منقطعا إليه و له معه منزلة حسنة ، فذكر له حماد الراوية و كان صديقه و كان مطرحا مجفوا في أيامهم ، فقال : إيتنا به لنراه فأتى مطيع حمادا فأخبره بذلك و أمره بالمسير معه إليه ، فقال له حماد : دعني فإنّ دولتي كانت مع بني أمية و مالي عند هؤلاء خير فأبى مطيع إلاّ الذهاب إليه ، فاستعار حماد سوادا و سيفا ، ثم أتاه ثم مضى به مطيع إلى جعفر ، فأمره بالجلوس و قال له :
أنشدني قال : لمن أيها الأمير ؟ الشاعر بعينه أم لمن حضر ؟ قال : بل لجرير .
قال حماد : فسلخ و اللَّه شعر جرير كله من قلبي إلاّ قوله :
بأن الخليط برامتين فودعوا
|
|
أو كلما اعتزمو البين تجزع
|
فأنشدت حتى انتهيت إلى قوله :
و تقول بوزع قد دببت على العصا
|
|
هلا هزأت بغيرنا يا بوزع
|
فقال لي : اعد علي هذا البيت ، فأعدته فقال : بوزع أي شيء هو ؟ فقلت :
اسم امرأة قال : امرأة اسمها بوزع هو نفي من العباس بن عبد المطلب إن كانت بوزع إلاّ غولا من الغيلان ، تركتني و اللَّه يا هذا الليلة لا أنام من فزع بوزع ، يا غلمان قفاه فصفعت و اللَّه حتى لم أدر أين أنا ، ثم قال : جروا برجله فجروا برجلي حتى اخرجت من بين يديه مسحوبا فتخرق السواد و انكسر جفن السيف و لقيت شرا عظيما مما جرى علي ، و كان أغلظ من ذلك كله إغرامي ثمن السواد و جفن السيف ، فلما انصرفت أتاني مطيع يتوجع لي فقلت له : ألم
اخبرك أنّي لا اصيب منهم خيرا و إنّ حظي قد ذهب مع بني امية
.
و قال ابن أبي الحديد : قال الصولي : اجتمع بنو برمك عند يحيى في آخر دولتهم و هم يومئذ عشرة ، فأداروا الرأي بينهم في أمر فلم يصح لهم ، فقال يحيى : انّا للَّه ذهبت و اللَّه دولتنا ، كنّا و اللَّه في إقبالنا يبرم الواحد منّا عشرة آراء مشكلة في وقت واحد ، و اليوم نحن عشرة في أمر غير مشكل و لا يصحّ لنا فيه رأي
.
٣ الحكمة ( ٢٣٠ )
شَارِكُوا اَلَّذِي قَدْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ اَلرِّزْقُ فَإِنَّهُ أَخْلَقُ لِلْغِنَى وَ أَجْدَرُ بِإِقْبَالِ اَلْحَظِّ أقول : ( أخلق ) بمعنى : أجدر ، و الحظ : النصيب ، و في ( الصحاح ) : الحظ :
جمعه أحظ و حظوظ و يجيء على غير قياس أحاظ ، قال القريع :
و ليس الغنى و الفقر من حيل الفتى
|
|
و لكن أحاظ قسمت و جدود
|
في ( تاريخ بغداد ) : قال الصولي : تذاكرنا يوما عند المبرّد الحظوظ و أرزاق الناس من حيث لا يحتسبون ، قال : هذا يقع كثيرا ، فمنه قول ابن أبي فنن في أبيات عملها لمعنى أراده :
مالي و مالك قد كلفتني شططا
|
|
حمل السلاح و قول الدارعين قف
|
أمن رجال المنايا خلتني رجلا
|
|
أمسى و أصبح مشتاقا إلى التف
|
يمشي المنون إلى غيري فأكرهها
|
|
فكيف أسعى إليها بارز الكتف
|
أم هل حسبت سواد الليل شجّعني
|
|
أو أن قلبي في جنبي أبي دلف
|
فبلغ هذا الشعر أبا دلف فوجّه إليه أربعة آلاف درهم جاءه على غفلة
.
قلت : و كما جاء ابن أبي فنن دراهم على غفلة كذلك جاء أبا دلف مديح على غفلة ، و هو أمدح بيت حيث جعله كالمثل في الشجاعة .
و قال ابن أبي الحديد : قال بعضهم : البخت على صورة رجل أعمى أصمّ أخرس و بين يديه جواهر و حجارة و هو يرمي بكلتا يديه
.
ثم زيادة ( المصرية ) كلمة « عليه »
في آخر الكلام زائدة لعدم وجودها في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية )
.
٤ الحكمة ( ٥١ ) عَيْبُكَ مَسْتُورٌ مَا أَسْعَدَكَ جَدُّكَ أقول :
في ( الصحاح ) الجد الحظ و البخت ، و في الدعاء « و لا ينفع ذا الجد منك الجد » أي : لا ينفع ذا الغنى عندك غناء ، و « منك » أي عندك ، و قوله تعالى تعالى جد ربنا أي عظمته ، و قيل غناه
.
و في أخبارنا أنّ الجن قالوا ذلك الكلام جهالة فحكاه تعالى عنهم فلا بد أنّهم أرادوا بالجد الحظ و البخت ، و تعالى ربّنا عن الجدّ بمعنى قالوا .
و مما قيل في الجدّ :
و ما لبّ اللبيب بغير حظ
|
|
بأغنى في المعيشة من فتيل
|
رأيت الحظ يستر كلّ عيب
|
|
و هيهات الحظوظ من العقول
|
قلت : و في المصراع الأخير قلب ، و الأصل « و هيهات العقول من الحظوظ » .
أيضا :
إنّ المقادير إذا ساعدت
|
|
ألحقت العاجز بالحازم
|
أيضا :
و إذا جددت فكلّ شيء نافع
|
|
و إذا حددت فكلّ شيء ضائر
|
أيضا :
ألا فاخش ما يرجى وجدك هابط
|
|
و لا تخش ما يخشى وجدك رافع
|
فلا نافع إلاّ مع النحس ضائر
|
|
و لا ضائر إلاّ مع السعد نافع
|
و قال ابن أبي الحديد : أكثر الناس في الجد و الى الآن لم يتحقق معناه ، و من كلام بعضهم « إذا أقبل البخت باضت الدجاجة على الوتد و إذا أدبر البخت انشغر الهاون في الشمس »
.
و من كلام الحكماء : إنّ السعادة لتلحظ الحجر فيدعى ربّا
.
و قال أبو حيان : نوادر ابن الجصاص الدالة على تغفله و بلهه كثيرة جدّا ، قد صنّف فيها الكتب ، و من جملتها أنّه سمع إنسانا ينشد نسيبا فيه ذكر هند فقال : لا تذكروا حماة النبي إلاّ بخير و أشياء عجيبة أظرف من هذا ، و كانت
سعادته تضرب بها الأمثال و كثرة أمواله التي لم يجمع لقارون مثلها ، فكان الناس يعجبون من ذلك ، حتى أن جماعة من شيوخ بغداد كانوا يقولون ان ابن الجصاص أعقل الناس و أحزمهم ، و انّه هو الذي ألحم الحال بين المعتضد و بين خمارويه بن أحمد بن طولون و سفر بينهما سفارة عجيبة و بلغ من الجهتين احسن مبلغ ، خطب قطر الندى بنت خمارويه للمعتضد و جهّزها من مصر على أجمل وجه و أعلى ترتيب ، و لكنّه كان يقصد أن يتغافل و يتجاهل و يظهر البله و النقص يستبقي بذلك ماله و يحرس به نعمته و يدفع عنه عين الكمال و حسد الأعيان ، فقلت لأبي غسان البصري : أظنّ ما قاله هؤلاء صحيحا ، فان المعتضد مع حزمه و عقله و كماله و إصابة رأيه ما اختاره للسفارة و الصلح إلاّ و المرجو منه فيما يأتيه و يستقبله من أيامه نظير ما قد شوهد منه فيما مضى من زمانه ، و هل كان يجوز أن يصلح أمرا قد تفاقم فساده برسالة أحمق و سفارة أخرق فقال أبو غسان : إنّ الجد ينسلخ حال الأخرق و يستر عيب الأحمق و يذبّ عن عرض الملطخ و يقرب الصواب :
بمنطقه و الصحة برأيه و النجاح بسعيه ، و الجد يستخدم العقلاء لصاحبه و يستعمل آراءهم و أفكارهم في مطالبه ، و إن ابن الجصاص على ما قيل و حكى و لكن جده كفاه غائلة الحمق ، و لو عرفت خبط العاقل إذا فارقه الجد لعلمت أنّ الجد قد يصيب بجهله ما لا يصيب العالم بعلمه مع حرمانه فقلت له :
فما الجد ؟ فقال : ليس لي عنه عبارة معينة و لكن لي به علم شاف و استفدته بالتجربة و السماع العريض من الصغير و الكبير ، و سمعت امرأة من الأعراب ترقّص ابنا لها و تقول : رزقك اللَّه جدا يخدمك عليه ذوو العقول ، و لا رزقك عقلا تخدم به ذوي الجدود
.
٥ الحكمة ( ١٥٢ ) و قالعليهالسلام
:
لِكُلِّ مُقْبِلٍ إِدْبَارٌ وَ مَا أَدْبَرَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ أقول : في ( المروج ) قال إبراهيم بن المهدي : بعث إليّ الأمين و هو محاصر ، فصرت إليه فإذا هو جالس في طارمة خشبها من عود و صندل عشرة في عشرة ، و إذا سليمان بن أبي جعفر المنصور معه في الطارمة و هي قبة كان اتخذ لها فراشا مبطنا بأنواع الحرير و الديباج المنسوج بالذهب الأحمر و غير ذلك من أنواع الأبريسم ، فسلمت فإذا قدامه قدح بلور مخروز فيه شراب ينفذ مقداره خمسة أرطال و بين يدي سليمان قدح مثله ، فجلست بأزاء سليمان ، فأتيت بقدح كالأول و الثاني ، فقال : إنّما بعثت إليكما لما بلغني قدوم طاهر بن الحسين إلى النهروان و ما قد صنع في أمرنا من المكروه و قابلنا به من الاساءة ، فدعوتكما لأفرّح بكما و بحديثكما فأقبلنا نحدّثه و نؤنسه حتى سلا عمّا كان يجده و فرح و دعا بجارية من خواص جواريه تسمى ضعفا ، فتطيرت من اسمها و نحن على تلك الحال ، فقال لها : غنينا فوضعت العود في حجرها و غنت :
كليب لعمري كان أكثر ناصرا
|
|
و أيسر جرما منك ضرج بالدم
|
فتطير من قولها ثم قال لها : اسكتي قبّحك اللَّه ثم عاد إلى ما كان عليه من الغمّ و الإقطاب ، فأقبلنا نحادثه و نبسطه إلى أن سلا و ضحك ، ثم أقبل عليها و قال : هات ما عندك فغنت :
هم قتلوه كي يكونوا مكانه
|
|
كما غدرت يوما بكسرى مرازبه
|
فأسكتها و زأرها و عاد إلى الحالة الاولى ، فسليناه حتى عاد إلى
الضحك ، فأقبل عليها الثالثة و قال غني ، فغنّت :
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا
|
|
أنيس و لم يسمر بمكة سامر
|
بلى نحن كنّا أهلها فأدبانا
|
|
صروف الليالي و الجدود العواثر
|
و قيل بل غنّت :
أما و رب السكون و الحرك
|
|
إنّ المنايا كثيرة الشرك
|
فقال لها قومي عني فعل اللَّه بك و صنع بك فقامت فعثرت بالقدح الذي كان بين يديه فكسرته فانهرق الشراب ، و كانت ليلة قمراء و نحن في شاطىء دجلة في قصره المعروف بالخلد ، فسمعنا قائلا يقول . .
(
قُضي الأمر الذي فيه تسفتيان
)
قال إبراهيم بن المهدي : فقمت و قد وثب ، فسمعت منشدا من ناحية القصر ينشد :
لا تعجبن من العجب
|
|
قد جاء ما يقضي العجب
|
قد جاء أمر فادح
|
|
فيه لذي عجب عجب
|
قال إبراهيم : فما قمنا معه بعد تلك الليلة إلى أن قتل
.
و قال ابن أبي الحديد : قال شيخ من همدان : بعثني أهلي في الجاهلية إلى ذي الكلاع بهدايا ، فمكثت تحت قصره حولا لا أصل إليه ، ثم أشرف إشرافة من كوة فخرّ له من حول العرش سجدا ، ثم رأيته بعد ذلك بحمص فقيرا يشتري اللحم و يسمطه خلف دابته و هو القائل :
أفّ لدنيا إذا كانت كذا
|
|
أنا منها في هموم و أذى
|
إن صفا عيش امرىء في صبحها
|
|
بوجته ممسيا كأس القذى
|
و لقد كنت إذا قيل من
|
|
أنعم العالم عيشا قيل ذا
|
و قال الشاعر :
في هذه الدار في هذا الرواق على
|
|
هذي الوسادة كان العز فانقرضا
|
و في ( تاريخ خلفاء السيوطي ) : و في سنة ( ٣٢٠ ) ركب مونس على المقتدر فكان معظم جند مونس البربر ، رمى بربري المقتدر بحربة سقط منها ثم ذبحه بالسيف و شيل رأسه على الرمح و بقي مكشوف العورة حتى ستر بالحشيش قيل إنّ وزيره أخذ له ذلك اليوم طالعا فقال له المقتدر : أي وقت هو ؟ قال : وقت الزوال فتطير و هم بالرجوع ، فأشرفت خيل مونس و نشبت الحرب
.
هذا ، و عنهعليهالسلام
: إنّ للنكبة غايات لا بد أن تنتهي إليها ، فإذا حكم على أحدكم بها فليطأطىء لها و ليصبر حتى تجوز ، فإنّ إعمال الحيلة فيها عند إقبالها زائد في مكروهها
.
و يأتي في فصل القضاء و القدر قولهعليهالسلام
: تذلّ الامور للمقادير حتى يكون الحتف في التدبير
.
الفصل الثالث و الخمسون في الفتن و الشبه و البدع
١ في أوّل الباب الثالث من النهج باب المختار
من حكم امير المؤمنينعليهالسلام
و يدخل في ذلك المختار من أجوبة مسائله و الكلام القصير الخارج في ساير أغراضه .
قالعليهالسلام
:
كُنْ فِي اَلْفِتْنَةِ كَابْنِ اَللَّبُونِ لاَ ظَهْرٌ فَيُرْكَبَ وَ لاَ ضَرْعٌ فَيُحْلَبَ قول المصنّف : « باب المختار » هو القسم الأخير من كتابه « من حكم أمير المؤمنينعليهالسلام
» اقتصر عليه في ( المصرية ) و زاد ابن أبي الحديد و ابن ميثم : « و مواعظه » و هو الصحيح لأصحية نسختيهما لا سيما الأخير الذي نسخته بخط المصنف .
و لأنّ فيه مواعظ كثيرة و منها في العنوان ( ١٥٠ ) كلامهعليهالسلام
لرجل سأله أن يعظه الذي قال المصنف فيه « و لو لم يكن في هذا الكتاب إلاّ هذا الكلام لكفى به موعظة ناجعة » .
و وصف الشعبي كلامهعليهالسلام
في الحكم و غيرها فقال : تكلّم أمير المؤمنينعليهالسلام
بتسع كلمات ارتجلهن ارتجالا فقأن عيون البلاغة و أيتمن جواهر الحكمة و قطعن جميع الأنام عن اللحاق بواحدة منهن ، ثلاث منهن في الحكمة و ثلاث في المناجاة و ثلاث في الأدب ، أما اللائي في الحكمة فقال : قيمة كلّ امرىء ما يحسنه ، و ما هلك امرؤ عرف قدره ، و المرء مخبوء تحت لسانه .
و أما اللائي في المناجاة فقال : اللّهم كفى بي عزّا أن أكون لك عبدا ، و كفى بي فخرا أن تكون لي ربا ، أنت كما أحب فاجعلني كما تحب و أما اللائي في الأدب فقال : امنن على من شئت تكن أميره ، و استغن عمّن شئت تكن نظيره و احتج إلى من شئت تكن أسيره
.
« و يدخل في ذلك المختار من أجوبة مسألته » ترى أجوبة مسألته في العناوين ( ١٦ ) ( ٣٠ ) ( ٩٤ ) ( ١٢٠ ) ( ١٥٠ ) ( ٢٢٧ ) ( ٢٢٩ ) ( ٢٣٥ ) ( ٢٦٦ ) ( ٢٨٧ ) ( ٢٩٤ ) ( ٣٠٠ ) ( ٣١٨ ) ( ٣٥٦ ) ( ٤٧٠ ) .
« و الكلام القصير » كان حاجب هشام بن عبد الملك يأمر منتجعيه بالإيجاز في الكلام ، فقام أعرابي فقال : إنّ اللَّه تعالى جعل العطاء محبة و المنع مبغضة فلأن نحبك خير من أن نبغضك فأعطاه و أجزل له .
« الخارج في سائر أغراضه » أي باقي مقاصده ، و الأصل في ( الغرض ) الهدف و ( سائر ) يأتي بمعنى الجميع و معنى الباقي ، و الأخير هو المراد هنا .
قوله « كن في الفتنة » الأصل في « الفتنة » قولهم « دينار مفتون » فتن بالنار ، و كلّ شيء ادخل النار فقد فتن ، و قالوا « الناس عبيد الفتانين » أي الدرهم و الدينار .
« كابن اللبون » ابن اللبون : ولد الناقة الذكر إذا دخل في الثالثة ، لأن امّه
وضعت غيره فصار لها لبن ، و الانثى بنت اللبون ، و يجمعان بنات اللبون .
« لا ظهر فيركب و لا ضرع فيحلب » نظيره قول حاجب بن زرارة في القعقاع :
ما هو رطب فيعصر و لا يابس فيكسر .
و في المثل : لا تكن حلوا فتزدرد و لا مرّا فتلفظ .
و من الأمثال في الاعتزال قولهم : لا ناقة لي في هذا و لا جمل و قالوا : ان كنت من أهل الفطن فلا تدر حول الفتن .
ثم كما لا ينتفع بابن اللبون لصغره كذلك بالثلب لكبره ، و هو الذي انكسرت أنيابه من شدّة هرمه ، و إنما الانتفاع الكامل بالناب الذي في وسط الشباب ، قال بعضهم :
ألم تر أن الناب يحلب علبة
|
|
و يترك ثلب لا ضراب و لا ظهر
|
قال ابن أبي الحديد : أيام الفتنة هي أيام الخصومة بين رئيسين ضالين يدعوان كلاهما إلى ضلالة ، كفتنة عبد الملك و ابن الزبير و فتنة مروان و الضحاك و فتنة الحجاج و ابن الأشعث ، و أما إذا كان أحدهما صاحب حق فليست أيام فتنة كالجمل و صفين
.
قلت : إن جانبوا العصبية و أرادوا فهم الحقيقة فأول أيام الفتنة أيام أوّلهم ، ففي ( الطبري ) : قال أبو مويهبة مولى النبيّصلىاللهعليهوآله
: بعث إليّ النبي من جوف الليل فقال : يا أبا مويهبة إنّي قد امرت أن أستغفر لأهل البقيع فانطلق معي فانطلقت معه فلما وقف بين أظهرهم قال : السّلام عليكم أهل المقابر ، ليهن لكم ما أصبحتم ممّا أصبح الناس فيه ، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أوّلها ، الآخرة شرّ من الاولى إلى أن قال ثم انصرف فبدأ
بالنبيّصلىاللهعليهوآله
وجعه الذي قبض فيه
.
و في ( بلاغات نساء أحمد بن أبي طاهر البغدادي ) من رجالهم في ذكره خطبة سيّدة نساء العالمين باتفاق فرق المسلمين لما منعها أبو بكر فدك و في الخطبة : فأنقذكم اللَّه برسولهصلىاللهعليهوآله
بعد اللتيا و التي ، و بعد ما مني ببهم الرجال و ذؤبان العرب ، كلّما حشوا نارا للحرب أطفأها و نجم قرن للضلال و فغرت فاغرة من المشركين قذف بأخيه في لهواتها ، فلا ينكفي حتى يطأ صماخها بأخمصه و يخمد لهبها بحده ، مكدودا في ذات اللَّه قريبا من رسول اللَّه سيّدا في أولياء اللَّه ، و أنتم في بلهنية و ادعون آمنون ، حتى إذا اختار اللَّه تعالى لنبيه دار أنبيائه ظهرت خلّة النفاق و سمل جلباب الدين و نطق كاظم الغاوين و نبغ خامل الآفلين و هدر فنيق المبطلين ، فخطر في عرصاتكم و أطلع الشيطان رأسه من مغرزه صارخا بكم ، فوجدكم لدعائه مستجيبين و للغرة فيه ملاحظين ، فاستنهضكم فوجدكم خفافا و أحمشكم فألفاكم غضابا ، فوسمتم غير أبلكم و أوردتموها غير شربكم ، هذا و العهد قريب و الكلم رحيب و الجراح لما يندمل ، بدارا زعمتم خوف الفتنة ألا في الفتنة سقطوا و إنّ جهنم لمحيطة بالكافرين
.
و روى الإسكافي منهم في نقضه ( عثمانية الجاحظ ) عن أبي رافع قال :
أتيت أبا ذر بالربذة اودّعه ، فلما أردت الانصراف قال لي و لا ناس معي :
ستكون فتنة فاتقوا اللَّه و عليكم بالشيخ علي بن أبي طالب فاتبعوه ، فإني سمعت النبيّصلىاللهعليهوآله
يقول له : أنت أوّل من آمن بي و أوّل من يصافحني يوم القيامة ، و أنت الصدّيق الأكبر ، و أنت الفاروق الذي تفرّق بين الحق و الباطل ،
و أنت يعسوب المؤمنين و المال يعسوب الكافرين ، و أنت أخي و وزيري و خير من أترك بعدي
.
ثم ما قاله ابن أبي الحديد : من فتنة الحجاج و ابن الأشعث خلاف عقيدة أهل نحلته ، فإنّ عندهم كان قيام ابن الأشعث فتنة ، و أمّا الحجاج فكان عامل من بايعه جميع الناس و كان عندهم خليفة حقّا و أميرا للمؤمنين به .
و كذلك قوله « فتنة عبد الملك و ابن الزبير » غير صحيح عند أهل ملته ، فانّه عندهم كان ابتداء ابن الزبير ولي اللَّه و عبد الملك عدوّ اللَّه ، و لما غلب عبد الملك صار هو ولي اللَّه و ابن الزبير عدوّ اللَّه
.
ففي ( كامل المبرد ) : خرج مصعب بن الزبير إلى باجميراء ، ثم أتى الخوارج خبر مقتله بمسكن و لم يأت المهلب و أصحابه ، فتواقفوا يوما على الخندق ، فناداهم الخوارج : ما تقولون في المصعب ؟ قالوا : إمام هدى قالوا : فما تقولون في عبد الملك ؟ قالوا : ضالّ مضل فلما كان بعد يومين أتى المهلب قتل صعب و إنّ أهل الشام اجتمعوا على عبد الملك ، و ورد عليه كتاب عبد الملك بولايته ، فلما تواقفوا ناداهم الخوارج : ما تقولون في مصعب ؟ قالوا : لا نخبركم قالوا : فما تقولون في عبد الملك ؟ قالوا : إمام هدى قالوا : يا أعداء اللَّه بالأمس ضال مضل و اليوم امام هدى ، يا عبيد الدّنيا عليكم لعنة اللَّه
.
و الخوارج و إن طعنوا عليهم بكون ما عليهم خلاف العقل و خلاف الفطرة التي فطر الناس عليها ، إلاّ أنّه يقال لهم : إنّ ذلك لازم لكم أيضا بموافقة العامة في إمامة صديقهم و صديقه ، فلا يمكن القول بالملزوم و ترك اللازم .
و أما قوله « إذا كان أحدهما صاحب حق فليست أيام فتنة كالجمل و صفين » فأيضا أهل ملّته غير معترفين به ، فهذا ابن عبد البر من أئمتهم قال في سعد بن أبي وقاص الذي لم يشهد الجمل و صفين مع أمير المؤمنينعليهالسلام
:
كان ممّن قعد و لزم بيته في الفتنة و أمر أهله أن لا يخبروه من أخبار الناس بشيء حتى تجتمع الامة على إمام
.
و قال في ترجمة ابن فاروقهم : قيل لنافع : ما بال ابن عمر بايع معاوية و لم يبايع عليّا ؟ فقال : كان ابن عمر لا يعطي يدا في فرقة و لا يمنعها من جماعة ، و لم يبايع معاوية حتى اجتمعوا عليه
.
قبّح اللَّه هذا الدين الذي يصير معاوية الذي كان النبيّصلىاللهعليهوآله
لعنه في غير موطن و عدوّ الدين أولى بالإمامة من أمير المؤمنينعليهالسلام
الذي جعله اللَّه تعالى في كتابه كنفس النبيّصلىاللهعليهوآله
في قوله .(
و أنفسنا و أنفسكم .
)
و جعله النبي بمنزلة نفسه في المتواتر منه في قوله للناس : من كنت أولى به من نفسه فعلي أولى به من نفسه .
لا يقال : انّما قال « من كنت مولاه فعلي مولاه » لا ما قلت قلت : ما ذكرته ان لم يكن لفظه هو معناه ، ألم يكن قال تلك الجملة بعد قوله للناس « ألست بكم أولى من أنفسكم » و قول الناس له « بلى أنت أولى بنا من أنفسنا » فهل يصير معناها غير ما قلناه .
قبّح اللَّه هذا الدين الذي هو خلاف ناموس الإنسانية ، حتى ان الحجاج الذي قال عمر بن عبد العزيز الذي هو أحد خلفائهم : لو أنّ جميع الامم جاءت
يوم القيامة كلّ واحدة منهم بشرارهم و جئناهم بالحجاج لغلبنا جميعهم لم يرضه ، فقال الاسكافي أحد أئمتهم في نقض ( عثمانيته ) : امتنع ابن عمر من بيعة عليعليهالسلام
و طرق على الحجاج بابه ليلا ليبايع لعبد الملك كيلا يبيت تلك الليلة بلا إمام ، زعم لأنّه روي ان النبيّصلىاللهعليهوآله
قال « من مات و لا إمام له مات ميتة جاهلية »
و حتى بلغ من احتقار الحجاج له و استرذاله حاله أن أخرج رجله من الفراش فقال : اصفق بيدك عليها قال و رواه بعضهم و زاد : و لما خرج قال الحجاج : ما أحمق هذا يترك بيعة علي و يأتيني مبايعا في ليله .
٢ الخطبة ( ٩١ ) إِنَّ اَلْفِتَنَ
إِذَا أَقْبَلَتْ شَبَّهَتْ وَ إِذَا أَدْبَرَتْ نَبَّهَتْ يُنْكَرْنَ مُقْبِلاَتٍ وَ يُعْرَفْنَ مُدْبِرَاتٍ يَحُمْنَ حَوْلَ اَلرِّيَاحِ يُصِبْنَ بَلَداً وَ يُخْطِئْنَ بَلَداً أقول : رواه الثقفي في أول ( غاراته ) باسنادين عن زر بن حبيش عنهعليهالسلام
: الأول عن إسماعيل بن ابان عن عبد الغفار بن القاسم عن المنصور بن عمرو عن ذر و الثاني عن أحمد بن عمران الأنصاري عن أبيه عن أبن أبي ليلى عن المنهال بن عمرو عن زر قال : خطب عليعليهالسلام
بالنهروان إلى أن قال فقام إليه رجل آخر فقال لهعليهالسلام
: حدّثنا عن الفتن قال : ان الفتن إذا أقبلت شبهت و إذا أدبرت نبهت ، يشبهن مقبلات و يعرفن مدبرات ، ان الفتن تحوم كالرياح يصبن بلدا و يخطئن اخرى
.
« ان الفتن إذا أقبلت شبهت و إذا أدبرت نبهت » في ( نهاية الجزري ) : التشابه قسمان ، قسم إذا ردّ إلى المحكم يفهم معناه ، و قسم لا سبيل إلى معرفة
حقيقته ، فالمتتبع له متتبع للفتنة ، لأنّه لا يكاد ينتهي إلى شيء تسكن إليه نفسه ، و منه حديث ذكر فيه فتنة « تشبه مقبلة و تبين مدبرة » أي أنّها إذا أقبلت شبهت على القوم و أرتهم أنّهم على الحق حتى يدخلوا فيها و يركبوا منها ما لا يجوز ، فإذا أدبرت بان أمرها فعلم من دخل فيها أنّه كان على الخطأ
.
« ينكرن مقبلات و يعرفن مدبرات » قد عرفت أنّ ( غارات الثقفي ) رواه « يشبهن مقبلات و يعرفن مدبرات » .
« يحمن حول الرياح » هكذا في ( المصرية )
، و الصواب : « حوم الرياح » كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية )
، مع أنّه لا معنى لما في ( المصرية ) ، فالفتن لا يدرن حول الرياح بل يدرن حول الناس دور الرياح ، من قولهم « حام الطائر حول الشيء حوما » أي دار .
« يصبن بلدا و يخطئن اخرى » أي كما أن الرياح الشديدة تصيب بلدا و تخطىء بلدا كذلك الفتن يصبن بلدا فيبتلى الناس بوخامتهن و يخطئن بلدا فيسلمون منها .
٣ الحكمة ( ٧٦ ) و قالعليهالسلام
:
إِنَّ اَلْأُمُورَ إِذَا اِشْتَبَهَتْ اُعْتُبِرَ آخِرُهَا بِأَوَّلِهَا كان العباسيون يدّعون إجراء العدالة إذا ظهروا إلاّ انّه كان حالهم في الآخر معلومة من أوّلها .
و لما بايعت الأوس أبا بكر لئلا يصير الأمر إلى الخزرج و كانت بينهما رقابة من الجاهلية ، قال لهم المنذر بن الحباب : فعلتموها أما و اللَّه لكأني بأبنائكم على أبواب أبنائهم قد وقفوا يسألونهم بأكفّهم و لا يسقون الماء .
و صار كما قال
.
٤ الحكمة ( ٩٣ ) و قالعليهالسلام
:
لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ اَللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ اَلْفِتْنَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ إِلاَّ وَ هُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى فِتْنَةٍ وَ لَكِنْ مَنِ اِسْتَعَاذَ فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ مُضِلاَّتِ اَلْفِتَنِ فَإِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ وَ اِعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ١ ٧ ٨ : ٢٨ وَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ يَخْتَبِرُهُمْ بِالْأَمْوَالِ وَ اَلْأَوْلاَدِ لِيَتَبَيَّنَ اَلسَّاخِطَ لِرِزْقِهِ وَ اَلرَّاضِيَ بِقِسْمِهِ وَ إِنْ كَانَ سُبْحَانَهُ أَعْلَمَ بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ لَكِنْ لِتَظْهَرَ اَلْأَفْعَالُ اَلَّتِي بِهَا يُسْتَحَقُّ اَلثَّوَابُ وَ اَلْعِقَابُ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ يُحِبُّ اَلذُّكُورَ وَ يَكْرَهُ اَلْإِنَاثَ وَ بَعْضَهُمْ يُحِبُّ تَثْمِيرَ اَلْمَالِ وَ يَكْرَهُ اِنْثِلاَمَ اَلْحَالِ و هذا من غريب ما سمع منه في التفسير « لا يقولن أحدكم اللّهم اني أعوذ بك من الفتنة » قال ابن بابويه في ( توحيده ) :
الفتنة على عشرة أوجه : فوجه الضلال ، و الثاني : الاختبار و هو قوله تعالى .(
و فتناك فتونا
)
.
(
ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا و هم لا يفتنون
)
و الثالث : الحجّة و هو قوله تعالى(
ثم لم تكن فتنتهم إلاّ أن قالوا
_
___________________
و اللَّه ربنا ما كنّا مشركين
)
و الرابع : الشرك و هو قوله تعالى .(
و الفتنة أشدّ من القتل
)
.
و الخامس : الكفر و هو قوله تعالى .(
ألا في الفتنة سقطوا
)
.
و السادس : الإحراق بالنار و هو قوله تعالى(
إن الذين فتنوا المؤمنين و المؤمنات
)
. .
و السابع : العذاب كقوله تعالى(
يوم هم على النار يفتنون
)
(
ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون
)
.(
و من يرد اللَّه فتنته فلن تملك له من اللَّه شيئا
)
. .
و الثامن : القتل كقوله تعالى .(
إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا
)
.
(
فما آمن لموسى إلاّ ذريّة من قومه على خوف من فرعون و ملئهم أن يفتنهم
)
.
و التاسع : الصدّ كقوله تعالى(
و ان كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا اليك
)
.
و العاشر : شدّة المحنة كقوله تعالى .(
ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين
)
، و قد زاد علي بن ابراهيم وجها آخر ، و هو المحبة كقوله تعالى .(
انّما أموالكم و أولادكم فتنة
)
.
و عندي أنّه المحنة بالنون لا المحبة بالباء لقول النبيّصلىاللهعليهوآله
« الولد مجبنة مبخلة »
.
قلت : و المفهوم من الخليل أن الأصل في معناه الإحراق ، فقال : الفتن الإحراق
، قال تعالى(
يوم هم على النار يفتنون
)
، و ورق فتين أي فضة محرقة و يقال للحرة فتين كأن حجارتها محرقة .
هذا ، و عن الأصمعي لا يقال أفتنته بل فتنته ، ورد عليه بقول أعشى همدان في سعيد بن جبير :
لئن أفتنتني فهي بالأمس أفتنت سعيدا فأمسى قد قلى كلّ مسلم
و عن ام عمرو بنت الأهتم : مررنا بمجلس فيه سعيد بن جبير و نحن جوار و معنا جارية تغني بدف معها و تنشد البيت « لئن أفتنتني . » ، فقال سعيد : كذبتن كذبتن .
« لأنّه ليس أحد إلاّ و هو مشتمل على فتنة » و لو بالمال أو الولد ، و لأنّ سنته تعالى فتن عباده و لن تجد لسنته تبديلا ، قال تعالى(
أحسب الناس ان يتركوا أن يقولوا آمنا و هم لا يفتنون و لقد فتنا الذين من قبلهم فَليعلمنَّ اللَّه الذين صدقوا و ليعلَمَنَّ الكاذبين
)
.
« و لكن من استعاذ فليستعذ باللَّه من مضلاّت الفتن » كما في فتنة بني اسرائيل بالعجل الذي أضلّهم السامري به حتى تركوا هارون و أرادوا قتله .
و كما في فتنة المسلمين بعد وفاة النبيّصلىاللهعليهوآله
بمثل فتنة بني اسرائيل بجعل الثاني الأول عجله حتى تركوا خليفة نبيّهم و أرادوا قتله ، و كان النبيصلىاللهعليهوآله
قال لهم في المتواتر : لتتبعن بني إسرائيل حذوا بحذو حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه .
و في ( خلفاء ابن قتيبة ) في قصة السقيفة فأخرجوا عليّا فمضوا به إلى أبي بكر ، فقالوا له : بايع فقال : إن أنا لم أفعل فمه ؟ قالوا : إذن و اللَّه الذي لا إله إلاّ هو لضرب عنقك قال : إذن تقتلون عبد اللَّه و أخا رسوله قال عمر : أما عبد اللَّه فنعم و أما أخو رسوله فلا و أبو بكر ساكت لا يتكلّم ، فقال له عمر : ألا تأمر فيه ؟ فقال : لا اكرهه على شيء ما كانت فاطمة إلى جنبه فلحق علي بقبر رسول اللَّهصلىاللهعليهوآله
يصيح و يبكي و ينادي : يابن امّ إن القوم استضعفوني و كادوا يقتلونني إلى آخر ما ذكر
.
هذا ، و روى ( توحيد الصدوق ) أنّه تعالى قال : إنّ من عبادي المؤمنين لمن يريد الباب من العبادة فأكفّه عنه لئلا يدخله عجب فيفسده ، و إنّ منهم لمن لا يصلح ايمانه إلاّ بالفقر و لو أغنيته لأفسده ، و إنّ منهم لمن لا يصلح ايمانه إلاّ بالغنى و لو أفقرته لأفسده ، و ان منهم لمن لا يصلح إيمانه إلاّ بالسقم و لو صححت جسده لأفسده ذلك ، و إنّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلاّ بالصحّة و لو أسقمته لأفسده ، و إنّي ادبر عبادي بعلمي بقلوبهم فإنّي عليم خبير
.
« فإنّ اللَّه سبحانه يقول(
و اعلموا أنّما أموالكم و أولادكم فتنة و أن اللَّه عنده أجر عظيم
)
.
« و معنى ذلك أنّه سبحانه » سقطت كلمة « سبحانه » من ( المصرية )
مع وجودها في ( ابن ميثم و ابن أبي الحديد و الخطية )
.
« يختبرهم » أي : يمتحنهم .
« بالأموال و الأولاد ليتبيّن الساخط لرزقه » في الأموال .
« و الراضي بقسمه » في الأولاد .
« و إن كان سبحانه أعلم بهم من أنفسهم » .(
فليعلمن اللَّه الذين صدقوا و ليعلمن الكاذبين
)
.
« و لكن لتظهر الأفعال التي بها يستحق الثواب و العقاب » لأن الجزاء على العمل لا مجرّد النيّة و مقتضى الطوية ، و إن كان هو تعالى يثيب على مجردهما تفضلا و لا يؤاخذ على صرفهما تكرّما .
« لأنّ بعضهم يحب الذكور و يكره الاناث » حتى قال تعالى(
في مثلهم و إذا بُشّر أحدهم بالانثى ظلّ وجهه مسودّا و هو كظيم يتوارى عن القوم من سوء ما بُشّر به أيمسكه على هون أم يدسّه في التراب ألا ساء ما يحكمون
)
.
قالوا : و لحب الناس الذكور و كراهتم للإناث و كان الواجب عليهم التسليم لمشيته تعالى شأنه قدّم عز و جل هبة الإناث على الذكور فقال .(
يهب لمن يشاء إناثا و يهب لمن يشاء الذكور
)
.
« و بعضهم يحبّ تثمير المال و يكره انثلام الحال » أي وقوع الخلل فيه ، قال تعالى(
و إنّه لحبّ الخير لشديد
)
و فسر الخير هنا بالمال .
و قال تعالى في امتحان عبيده بالمال و الولد و غيرهما(
و لنبلونكم بشيء من الخوف و الجوع و نقص من الأموال و الأنفس و الثمرات
و بشّر الصابرين
)
.
« و هذا من غريب ما سمع منه في التفسير » و لو كان قال ما روي عنهعليهالسلام
بدل ما سمع منهعليهالسلام
كان أحسن .
جعله من غريب التفسير لأنّ المتبادر من كون الأموال فتنة أنّ الانسان يطغى أن رآه استغنى ، و أنّ كثيرا من الناس يميل المال بهم إلى الشهوات كما أنّ كثيرا منهم يصعب عليهم إخراج الحقوق التي أوجب اللَّه تعالى عليهم في المال فيهلكون كما ان المتبادر من كون الأولاد فتنة أنّهم يصيرون سببا للتخلّف عن الجهاد ، و البخل عن الزكاة ، و تحصيل المال لهم من غير طريق المشروع لو ضاق عليه المشروع و لموافقة الآباء غالبا أهواء أبنائهم المهوية ، كما اتفق للزبير مع ابنه ، فقالعليهالسلام
: ما زال الزبير منّا حتى نشأ ابنه الميشوم .
و روت العامة في تفسير الآية عن بريدة : إنّ النبيّصلىاللهعليهوآله
كان يخطب فجاء الحسن و الحسينعليهماالسلام
و عليهما قميصان أحمران يمشيان و يعثران ، فنزل النبيّصلىاللهعليهوآله
إليهما فأخذهما و وضعهما في حجره على المنبر و قال : صدق اللَّه تعالى(
انّما أموالكم و أولادكم فتنة
)
.
نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان و يعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي و رفعتهما
.
هذا ، و مما روي عنهعليهالسلام
من غريب التفسير غير ما مرّ أنّهعليهالسلام
قال :
الاستثناء في اليمين متى ما ذكر و لو بعد أربعين صباحا ثم تلا هذه الآية . و اذكر ربّك إذا نسيت .
.
و أنّهعليهالسلام
قال : تستحب المقاربة مع أهله ليلة أول شهر الصيام لقوله
تعالى(
اُحلّ لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم
)
. .
.
٥ في الخطبة ( ١٤٣ ) منها :
وَ مَا أُحْدِثَتْ بِدْعَةٌ إِلاَّ تُرِكَ بِهَا سُنَّةٌ فَاتَّقُوا اَلْبِدَعَ وَ اِلْزَمُوا اَلْمَهْيَعَ إِنَّ عَوَازِمَ اَلْأُمُورِ أَفْضَلُهَا إِنَّ مُحْدَثَاتِهَا شِرَارُهَا « و ما احدثت بدعة إلاّ ترك بها سنة » قال ابن أبي الحديد : البدعة كلّ ما لم يكن في عهد النبيّصلىاللهعليهوآله
، فمنها الحسن كصلاة التراويح و منها القبيح كالمنكرات التي ظهرت أواخر الخلافة العثمانية و إن كانت قد تكلّفت الأعذار عنها
.
قلت : صلاة التراويح أيضا من بدع ، قالعليهالسلام
ترك بها سنة ، و كيف تكون حسنة و كانت تشريعا في قبال الدين ، و إنما التشريع للَّه تعالى(
ما لكم كيف تحكمون أم لكم كتاب فيه تدرسون إنّ لكم فيه لما تخيرون
)
.
ما كان للنبيصلىاللهعليهوآله
أن يشرّع شيئا من قبل نفسه إلاّ بوحي منه تعالى إليه ، فكيف كان لعمر الذي أفحمته مرأة في أنفها فطس في حظره جعل الصداق أكثر من خمسمائة درهم بأنّه تعالى قال .(
و آتيتم إحداهن قنطاراً
)
.
فقال : كل الناس أفقه من عمر .
و روى سليم بن قيس الهلالي في كتابه أنّ أمير المؤمنينعليهالسلام
خطب فقال : قد عملت الولاة قبلي أعمالا خالفوا فيها رسول اللَّهصلىاللهعليهوآله
متعمّدين لخلافه
ناقضين لعهده مغيّرين لسنّته ، و لو حملت الناس على تركها تفرّق عني جندي حتى أبقى وحدي و قليل من شيعتي ، و اللَّه لقد أمرت أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلاّ في فريضة و أعلمتهم أن اجتماعهم في النوافل بدعة ، فتنادى بعض أهل عسكري ممّن يقاتل معي يا أهل الاسلام لقد غيرت سنّة عمر نهينا عن الصلاة في شهر رمضان تطوّعا ، و قد خفت أن يثوروا في ناحية عسكري
.
و روى محمد بن علي بن بابويه عن الباقر و الصادقعليهماالسلام
: أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله
قال : إنّ الصلاة بالليل في شهر رمضان في جماعة بدعة ، و صلاة الضحى بدعة ، ألا و إنّ كلّ بدعة ضلالة و كلّ ضلالة سبيلها إلى النار
.
و روى محمد بن يعقوب الكليني : إنّ أمير المؤمنينعليهالسلام
مر برجل يصلّي الضحى في مسجد الكوفة ، فغمز جنبه بالدرة و قال : نحرت صلاة الأوابين نحرك اللَّه
.
و أما أعمال عثمان و لم قال كالمنكرات التي ظهرت أواخر الخلافة العثمانية كنفيه أبا ذر و ضربه عمارا و نهبه بيت المال لأقاربه و توليته لهم حتى يصلّوا بالناس سكارى و يصلّوا الصبح أربعا و يغنوا في الصلاة و غيرها من نظائرها فشنائع ينكرها الموحد و الملحد و المسلم و الكافر .
و أما ما قاله من تكلّف الأعذار الذي نوريهم ، فالتكلّف لعدم منكرية عداوة أبي جهل مع النبيّصلىاللهعليهوآله
أقرب إلى العقول منه .
ثم جعلها في عداد البدع كصلاة التراويح في غير محله .
« فاتقوا البدع » روى ابن بابويه عن الصادقعليهالسلام
: من مشى إلى صاحب بدعة فوقرها فقد مشى في هدم الإسلام
.
« و الزموا المهيع » أي الطريق الواسع و هو طريق الاسلام ، قال تعالى(
و إنّ هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه و لا تتبعوا السبل فتفرّق بكم عن سبيله
)
. .
.
« إنّ عوازم الامور أفضلها » قال ابن أبي الحديد : عوازم ما تقادم منها من قولهم « عجوز عوزم » أي مسنّة ، و يجوز أن يكون جمع عازمة بمعنى مفعول أي معزوم عليها ، أي مقطوع معلوم بيقين صحتها ، و الأول أظهر لأن في مقابلته « و ان محدثاتها » و المحدث في مقابلة القدم
.
قلت : بل الظاهر أن « عوازم » محرف « قدائم » جمع قديم للتشابه الخطي بينهما ، لأن العزم في مقابل الرخصة لا المحدث ، يقال عزائم القرآن و رخصه ، ثم جمع العوزم بالعوازم كما قاله غير معلوم .
٦ الخطبة ( ٥٠ ) و من كلام لهعليهالسلام
:
إِنَّمَا بَدْءُ وُقُوعِ اَلْفِتَنِ أَهْوَاءٌ تُتَّبَعُ وَ أَحْكَامٌ تُبْتَدَعُ يُخَالَفُ فِيهَا كِتَابُ اَللَّهِ وَ يَتَوَلَّى عَلَيْهَا رِجَالٌ رِجَالاً عَلَى غَيْرِ دِينِ اَللَّهِ فَلَوْ أَنَّ اَلْبَاطِلَ خَلَصَ مِنْ مِزَاجِ اَلْحَقِّ لَمْ يَخْفَ عَلَى اَلْمُرْتَادِينَ وَ لَوْ أَنَّ اَلْحَقَّ خَلَصَ مِنْ اَلْبَاطِلِ اِنْقَطَعَتْ عَنْهُ أَلْسُنُ اَلْمُعَانِدِينَ وَ لَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ وَ مِنْ هَذَا
ضِغْثٌ فَيُمْزَجَانِ فَهُنَالِكَ يَسْتَوْلِي اَلشَّيْطَانُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ وَ يَنْجُو اَلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ ٢ ٤ ٢١ : ١٠١ مِنَ اَللَّهِ اَلْحُسْنى ٦ ٦ ٢١ : ١٠١ أقول : رواه الكليني في ( بدع كافيه ) بإسنادين عن عاصم بن حميد عن محمد ابن مسلم عن أبي جعفرعليهالسلام
قال : خطب أمير المؤمنينعليهالسلام
فقال : أيها الناس إنّما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع و أحكام تبتدع ، يخالف فيها كتاب اللَّه ، يؤخذ من هذا ضغث و من هذا ضغث فيمزجان فيجيئان معا ، فهنا لك استحوذ الشيطان على أوليائه و نجا الذين سبقت لهم منه الحسنى
.
و رواه في ( روضته ) مع زيادات ، فروى عن سليم بن قيس قال : خطب عليعليهالسلام
فقال : إنّما بدء وقوع الفتن من أهواء تتبع و أحكام تبتدع ، يخالف فيها حكم اللَّه ، يتولى فيها رجال رجالا ، إنّ الحق لو خلص لم يكن اختلاف و لو أنّ الباطل خلص لم يخف على ذي حجى ، لكنّه يؤخذ من هذا ضغث و من هذا ضغث فيمزجان فيجتمعان فيجللان معا ، فهنا لك يستولي الشيطان على أوليائه و نجا الذين سبقت لهم الحسنى ، إنّي سمعت رسول اللَّهصلىاللهعليهوآله
يقول :
كيف أنتم إذا لبستكم فتنة تربو فيها الصغير و يهرم فيها الكبير يجري الناس عليها و يتخذونها سنة ، فإذا غيّر منها شيء قيل قد غيّرت السنّة ، و قد أتى الناس منكرا ثم تشتدّ البلية و تسبى الذريّة و تدقهم الفتنة كما تدقّ النار الحطب و كما تدقّ الرحى بثفالها ، و يتفقهون لغير اللَّه و يتعلمون لغير العمل و يطلبون الدنيا بأعمال الآخرة .
ثم أقبل بوجهه و حوله ناس من أهل بيته و خاصته و شيعته فقال : قد عملت الولاة قبلي أعمالا خالفوا فيها رسول اللَّهصلىاللهعليهوآله
متعمّدين لخلافه ناقضين بعهده مغيّرين لسنّته ، و لو حملت الناس على تركها و حوّلتها إلى مواضعها
و الى ما كانت في عهد رسول اللَّه لتفرّق عني جندي حتى أبقى وحدي أو مع قليل من شيعتي الذين عرفوا فضلي و فرض إمامتي من كتاب اللَّه و سنّة رسوله ، أرأيتم لو أمرت بمقام ابراهيم فرددته إلى الموضع الذي وضعه فيه رسول اللَّه و رددت فدك إلى ذريّة فاطمة و رددت صاع رسول اللَّه كما كان و أمضيت قطائع أقطعها النبي لأقوام لم تمض لهم و لم تنفذ و رددت دار جعفر إلى ورثته و هدمتها من المسجد و رددت قضايا من الجور قضي بها و نزعت نساء تحت رجال بغير حق فرددتهن إلى أزواجهن و استقبلت بهن الحكم ( في الفروج و الأحكام ) و سبيت ذراري بني تغلب و رددت ما قسم من أرض خيبر و محيت دواوين العطاء و أعطيت كما كان النبي يعطي بالسوية و لم أجعلها دولة بين الأغنياء و ألقيت المساحة و سويت بين المناكح و أنفذت خمس الرسول كما أنزل اللَّه عز و جل و فرضه و رددته إلى ما كان عليه و سددت ما فتح من الأبواب و فتحت ما سد منه و حرمت المسح على الخفين و حددت على النبيذ و أمرت باحلال المتعتين و أمرت بالتكبير على الجنائز خمس تكبيرات و ألزمت الناس الجهر ببسم اللَّه الرحمن الرحيم و أخرجت من ادخل مع رسول اللَّه في مسجده ممن كان رسول اللَّه أخرجه و أدخلت من اخرج بعد رسول اللَّه و حملت الناس على حكم القرآن ( في ) الطلاق على السنّة و أخذت الصدقات على أصنافها و حدودها و رددت الوضوء و الغسل و الصلاة إلى مواقيتها و شرائعها و حدودها و رددت أهل نجران إلى مواضعهم و رددت سبايا فارس و سائر الامم إلى كتاب اللَّه و سنّة نبيّه ، إذن لتفرّقوا عني ، و اللَّه لقد أمرت الناس ألا يجتمعوا في شهر رمضان إلاّ في فريضة و أعلمتهم أنّ اجتماعهم في النوافل بدعة ، فتنادى بعض أهل عسكري ممن يقاتل معي : يا أهل الاسلام غيّرت سنّة عمر نهانا عن الصلاة في شهر رمضان تطوّعا ، و لقد خفت أن
يثوروا في ناحية جانب عسكري ، ما لقيت من هذه الامة من الفرقة و طاعة أئمة الضلالة و الدعاة إلى النار
و نقلهما الخوئي أيضا .
و رواه عاصم بن حميد في أصله فيما وصل إلينا من الاصول الأربعمائة عن محمد بن مسلم عن أبي جعفرعليهالسلام
قال : خطب عليعليهالسلام
الناس فقال : انما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع و أحكام تبتدع يخالف فيها كتاب اللَّه يتولى فيها رجال رجالا ، فلو أنّ الباطل أخلص لم يخف على ذي حجى ، و لو أن الحق أخلص لم يكن اختلاف ، و لكن يؤخذ من هذا ضغث و من هذا ضغث فيمزجان فيجيئان معا ، هنا لك استولى الشيطان على أوليائه و نجا الذين سبقت لهم منه الحسنى
.
و رواه اليعقوبي في ( تاريخه ) و زاد : إنّ خطبتهعليهالسلام
بها كانت بعد رجوعه من صفين و حكم الحكمين
.
قول المصنّف : « و من كلام لهعليهالسلام
» هكذا في ( المصرية )
و الصواب :
« و من خطبة لهعليهالسلام
» كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية ) و كما يشهد له مداركه
.
« إنما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع » كفتنة الاجتماع في السقيفة طلبا للرئاسة فقال المغيرة بن شعبة لأبي بكر و عمر : وسعوها في قريش تتسع ، أتريدون أن تجمعوا من أهل هذا البيت بيت هاشم خيل حلبة أي : بتصدي علي للأمر بعد محمّد
و كلامهعليهالسلام
و ان كان بعد وقوع فتنة الخوارج إلا انّه بيّن بدء فتنهم فلو لم يكن يوم السقيفة لم تحصل فتنة الخوارج ، لأنّها حصلت بسبب قيام معاوية في قبالهعليهالسلام
، و قيام معاوية مع محاربته للَّه و لرسوله حتى اسر فأظهر إسلاما و أسرّ كفره كان بواسطة قيام عثمان بأمر الخلافة ، و قيام عثمان به مع عدم سابقة له أيام النبيصلىاللهعليهوآله
إلا حمايته عن أعداء اللَّه و أعداء رسوله ذويه و بني أبيه كان بتدبير عمر له لما كان كتب في غشوة أبي بكر استخلافه لعمر ، و ان كان أبو بكر بعد إفاقته أمضاه له طوعا أو كرها .
« و أحكام تبتدع » فأوصياء الأنبياء في كلّ عصر كانوا في بيوتهم و من جنسهم ذريّة بعضها من بعض و أنكر الذين في قلوبهم مرض ذلك ، فقال عمر لابن عباس اعتذارا عن صرف الأمر عنهعليهالسلام
: إنّ قومكم كرهوا أن يجمعوا لكم الخلافة و النبوّة فتكونوا عليهم جحفا .
« يخالف فيها كتاب اللَّه » أليس تعالى قال(
في كتابه و ربّك يخلق ما يشاء و يختار ما كان لهم الخيرة سبحان اللَّه و تعالى عمّا يشركون
)
(
أم لكم كتاب فيه تدرسون ان لكم فيه لما تخيرون
)
.
و قد قضى اللَّه تعالى ولايتهعليهالسلام
في قوله جل و علا إنّما وليّكم اللَّه و رسوله و الذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة و يؤتون الزكاة و هم راكعون .
(
و من يتول اللَّه و رسوله و الذين آمنوا فإنّ حزب اللَّه هم الغالبون
)
.
و قد قضى رسولهصلىاللهعليهوآله
ولايتهعليهالسلام
بعد تقريرهم بأنّه أولى بهم من أنفسهم ، بأنّه من كان هو أولى به بنفسه فعليّ أولى به من نفسه في المتواتر
عنهصلىاللهعليهوآله
، و قد قال تعالى(
و ما كان لمؤمن و لا مؤمنة إذا قضى اللَّه و رسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم و من يعص اللَّه و رسوله فقد ضل ضلالا مبينا
)
.
و أما قول فاروقهم « إنّ قومكم كرهوا أن يجمعوا لكم الخلافة و النبوّة » فهل كانت النبوة بأيديهم حتى تكون الخلافة بأيديهم فيكرهوا جمعهما لهم ، و قد أجابه ابن عباس عن قوله بقوله جل و علا(
ذلك بأنّهم كرهوا ما أنزل اللَّه فأحبط أعمالهم
)
.
« و يتولى عليها رجال رجالا على غير دين اللَّه » قال أبو بكر يوم السقيفة للناس : إنّما أدعوكم إلى أبي عبيدة أو عمر كلاهما قد رضيت لكم و لهذا الأمر و كلاهما له أهل فقالا له : ما ينبغي لأحد من الناس أن يكون فوقك يا أبا بكر ، أنت صاحب الغار ثاني اثنين و أمرك النبي بالصلاة .
فهل هذا من دين اللَّه أن يجعلوا خلافة رسول اللَّهصلىاللهعليهوآله
نهبة بينهم ، أليس من قواعد أهل العالم أن يكون خليفة كلّ شخص أن يخرج عن عهدة ما خرج ذاك الشخص عنه و حينئذ و كما هو تعالى أعلم حيث يجعل رسالته يكون هو أعلم حيث يجعل خلافة رسوله ، و أين أولئك الأجلاف عن مقامهصلىاللهعليهوآله
.
« فلو أنّ الباطل خلص من مزاج الحق » أي : من مزجه به .
« لم يخف » بفتح الفاء من الخفاء .
« على المرتادين » أي : الطالبين و الأصل فيه طلب الكلاء قال ابن قتيبة في ( خلفائه )
بعد ذكر طلب الأنصار كون الأمر لهم لأن بواسطتهم تمكّن
النبيصلىاللهعليهوآله
من نشر الاسلام أو كون الأمر بينهم و بين قريش لئلا يبغي بعضهم على بعض قام أبو بكر و قال(
: إنّ اللَّه بعث محمدا رسولا إلى خلقه و شهيدا على امته ليعبدوا اللَّه و يوحّدوه ، و هم إذ ذاك يعبدون آلهة شتى يزعمون أنّها شافعة و عليهم بالغة نافعة ، و انما كانت حجارة منحوتة و خشبا منجورة ، فاقرأوا إن شئتم إنّكم و ما تعبدون من دون اللَّه حصب جهنم
)
.
(
و يعبدون من دون اللَّه ما لا يضرّهم و لا ينفعهم و يقولون هؤلاء شفعاؤنا عند اللَّه
)
.
.(
ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى اللَّه زلفى
)
.
فعظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم ، فخص اللَّه المهاجرين الأولين بتصديقه و الايمان به و المواساة و الصبر معه على الشدّة من قومهم و إذلالهم و تكذيبهم إيّاهم ، و كلّ الناس مخالف عليهم يزرؤهم فلم يستوحشوا من قلّة عددهم و إزراء الناس لهم و اجتماع قومهم عليهم ، فهم أول من عبد اللَّه في الأرض و أول من آمن باللَّه تعالى و رسوله ، و هم أولياؤه و عشيرته و أحقّ الناس بالأمر من بعده ، لا ينازعهم فيه إلاّ ظالم
.
فترى مزج الباطل كونه ولي الأمر بحق أعمال النبيصلىاللهعليهوآله
و عشيرته ، و لم يكن مصداق ذلك بتمام معنى الكلمة إلاّ أمير المؤمنينعليهالسلام
و أين كان هو و صاحبه يوم نزل(
و أنذر عشيرتك الأقربين
)
فجمع النبي بني عبد المطلب و هم أربعون و قال لهم : من يؤازرني حتى يكون خليفتي ؟ فلم يجبه إلاّ أمير المؤمنينعليهالسلام
.
و لم يجبهم الأنصار بذلك لأنّهم لما شاهدوا الأحوال في مرض النبيصلىاللهعليهوآله
و منعه من وصيته و مخالفته في تجهيز جيش اسامة و علموا بإرادة قريش تصديهم للسلطان ، و كانوا يعرفون عاقبة ذلك و ما يرد عليهم من الإذلال و المهانة كما كان النبي أيضا أخبرهم قبل بذلك ، و كانوا واترين لقريش المؤلفة الطلقاء الذين كان أبو بكر و عمر مستظهرين بهما و علموا أنهم لا يرضون بتأمير أمير المؤمنينعليهالسلام
أصلا ، أعرضوا عن جوابهم بذلك وجدوا أن يكونوا هم المتصدين أو شركاء .
و لم يحضر أمير المؤمنينعليهالسلام
لاشتغاله بتجهيز النبيصلىاللهعليهوآله
، و كانوا انتهزوا الفرصة في ذلك بأخذ البيعة من الناس و إتمام الأمر لهم ثم أحضروه للبيعة فقالعليهالسلام
كما في ( خلفاء ابن قتيبة ) لهم : أنا أحقّ بهذا الأمر منكم و أنتم أولى بالبيعة لي ، أخذتم هذا الأمر من الأنصار و احججتم عليهم بالقرابة من النبي و تأخذوه منّا أهل البيت غصبا .
حتى أن بشير بن سعد الخزرجي والد النعمان بن بشير الذي كان أوّل من بايع أبا بكر حتى قبل عمر حسدا لابن عمه سعد بن عبادة لئلا ينال الرئاسة ، لما سمع كلامهعليهالسلام
بما مر قال له : لو كان هذا الكلام سمعه الأنصار منك قبل بيعتهم لأبي بكر ما اختلفت عليك فقالعليهالسلام
له : أفكنت أدع رسول اللَّهصلىاللهعليهوآله
في بيته لا أدفنه و أخرج انازع الناس بسلطانه و قالت له فاطمة صلوات اللَّه عليها : ما صنع أبو الحسن إلاّ ما كان ينبغي له ، و لقد صنعوا ما اللَّه حسيبهم و طالبهم .
« و لو أنّ الحق خلص من الباطل » هكذا في ( المصرية )
، و الصواب : « من
لبس الباطل » كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية )
.
« انقطعت عنه ألسن المعاندين » رووا عن ابن عباس قال : كنت عند عمر فتنفس نفسا ظننت ان أضلاعه قد انفرجت ، فقلت له : ما أخرج هذا النفس منك إلاّ هم شديد قال : أي و اللَّه يابن عباس ، إني افتكرت فلم أدر فيمن أجعل هذا الأمر بعدي ثم قال : لعلّك ترى صاحبك لها أهلا قلت : و ما يمنعه من ذلك مع جهاده و سابقته و قرابته و علمه قال : صدقت و لكنه امرؤ فيه دعابة . .
و عن ( موفقيات الزبير بن بكار ) قال ابن عباس : إنّي لاماشي عمر إذ قال لي : ما أرى صاحبك إلاّ مظلوما فقلت في نفسي : و اللَّه لا يسبقني بها ، فقلت له :
فاردد إليه ظلامته فانتزع يده من يدي و مضى يهمهم ساعة ، ثم وقف فلحقته فقال : يابن عباس ما أظن منعهم إلاّ انّه استصغره قومه فقلت في نفسي : هذه شرّ من الاولى فقلت : و اللَّه ما استصغره اللَّه و رسوله حين أمره أن يأخذ ( براءة ) من صاحبك فأعرض عني و أسرع ، فرجعت .
و عن الكتاب عن ابن عباس قال : خرجت اريد عمر إلى أن قال فقال عمر : إنّ صاحبكم إن ولي هذا الأمر أخشى عجبه بنفسه أن يذهب به فليتني أراكم بعدي فقلت : إنّ صاحبنا من قد علمت إنّه ما غيّر و لا بدّل و لا أسخط النبيصلىاللهعليهوآله
أيام صحبته له فانقطع عليّ الكلام و قال : و لا في ابنة أبي جهل لما أراد أن يخطبها على فاطمة فقلت : قال اللَّه تعالى .(
و لم نجد له عزماً
)
إنّ صاحبنا لم يعزم على سخط النبيصلىاللهعليهوآله
و لكن الخواطر التي لا يقدر أحد على دفعها عن نفسه و ربما كانت من الفقيه في دين اللَّه العالم العامل بأمر اللَّه فقال :
يابن عباس من ظن أنّه يرد بحوركم فيغوص فيها معكم حتى يبلغ قعرها فقد ظنّ عجزا
.
و عن ابن عباس أيضا قال : دخلت على عمر في أول خلافته فقال : كيف خلفت ابن عمك ؟ فظننته يعني عبد اللَّه بن جعفر فقلت : خلفته يلعب مع أترابه .
قال : إنّما عنيت عظيمكم أهل البيت فقلت : خلّفته يمتح بالغرب على نخيلات من فلان و هو يقرأ القرآن قال : عليك دماء البدن إن كتمتنيها ، هل بقي في نفسه شيء من أمر الخلافة ؟ قلت : نعم قال : أيزعم أنّ النبي نص عليه ؟ قلت : نعم و ازيدك ، سألت أبي عمّا يدّعيه فقال صدق فقال : لقد كان من النبي في أمره ذر و من القول لا يثبت حجّة و لا يقطع عذرا ، و لقد كان يربع في أمره وقتّا ما ، و لقد أراد في مرضه أن يصرّح باسمه فمنعت من ذلك إشفاقا و حيطة على الإسلام ، لا و ربّ هذه البنية لا تجتمع عليه قريش أبدا و لو وليها لانتقضت عليه العرب من أقطارها ، فعلم رسول اللَّه أنّي علمت ما في نفسه فأمسك . .
فترى هذا المعاند ينسب تارة إليهعليهالسلام
الدعابة و اخرى صغر السن ، و تارة العجب بنفسه ، و اخرى عدم رضاء قريش به .
« و لكن يؤخذ من هذا » أي : الباطل .
« ضغث » أي : قبضة .
« و من هذا » أي : الحق .
« ضغث » أي : قبضة .
« فيخرجان » هكذا في ( المصرية )
و الصواب : « فيمزجان » كما في ( ابن
أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية )
.
« فهنالك » أي : فعند أخذ ضغث من الباطل و ضغث من الحق و مزجهما .
« يستولي الشيطان على أوليائه » لكونهم طالبي الشبهات و الشهوات .
« و ينجو الذين سبقت لهم من اللَّه الحسنى » و هم طالبوا الحق لا بالتقليد و العصبية قال جل و علا :(
الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا
)
. .
.
و قال ابن أبي الحديد : كلامهعليهالسلام
حق ، فإنّ الذين ضلّوا من مقلدة اليهود و النصارى و أرباب المقالات الفاسدة من أهل الملة الاسلامية إنّما ضلّ أكثرهم بتقليد الأسلاف ، و إنّما قلّدهم الاتباع لما شاهدوا من إصلاح ظواهرهم و رفضهم الدنيا و إقبالهم على العبادة و تمسكهم بالدين و أمرهم بالمعروف و نهيهم عن المنكر و صلابتهم في عقائدهم ، فاعتقد الأتباع و القرون التي جاءت بعدهم أنّ هؤلاء يجب اتباعهم و أنّ مخالفهم مبتدع ، و وقع الضلال و الغلط بذلك لأن الباطل استتر و انغمر بما مازجه من الحق الغالب الظاهر المشاهد عيانا و الحكم للظاهر و لولاه لما تروج الباطل و لا كان له قبول أصلا
.
٧ الخطبة ( ٣٨ ) و من خطبة لهعليهالسلام
وَ إِنَّمَا سُمِّيَتِ اَلشُّبْهَةُ شُبْهَةً لِأَنَّهَا تُشْبِهُ اَلْحَقَّ فَأَمَّا أَوْلِيَاءُ اَللَّهِ فَضِيَاؤُهُمْ فِيهَا اَلْيَقِينُ وَ دَلِيلُهُمْ سَمْتُ اَلْهُدَى وَ أَمَّا أَعْدَاءُ اَللَّهِ فَدُعَاؤُهُمْ فِيهَا
اَلضَّلاَلُ وَ دَلِيلُهُمُ اَلْعَمَى فَمَا يَنْجُو مِنَ اَلْمَوْتِ مَنْ خَافَهُ وَ لاَ يُعْطَى اَلْبَقَاءَ مَنْ أَحَبَّهُ أقول : قول المصنّف : « و من خطبة لهعليهالسلام
» الظاهر أن « من » ههنا للتبعيض أي بعض خطبة لهعليهالسلام
غير « من » في قوله « و من خطبة لهعليهالسلام
» في باقي المواضع ، ففي الباقي للتقسيم بمعنى قسم من خطبةعليهالسلام
قلنا ذلك لأنّ قوله « و إنّما سميت الشبة إلى دليلهم العمى » ليس أول كلام ، و قوله بعد « فما ينجو من الموت إلى من أحبه » ليس بمربوط بالمذكور بل بسابقه المحذوف .
« و انما سميت الشبهة شبهة لأنها تشبه الحق » أي : ليس بحق و إنّما هي شبيهة بالحق كقول الخوارج « لا حكم إلا للَّه » ، فإنّ أصله كلمة حق ، فقال تعالى(
حكاية عن يوسف
عليهالسلام ) (
لصاحبي سجنه ما تعبدون من دونه إلاّ أسماء سميتموها أنتم و آباؤكم ما أنزل اللَّه بها من سلطان إن الحكم الا للَّه
)
.
(
و عن يعقوب
عليهالسلام ) (
لبنيه و ادخلوا من أبواب متفرقة و ما اغنى عنكم من اللَّه من شيء إنّ الحكم إلاّ للَّه
)
.
و إرشادا لنبيهصلىاللهعليهوآله
إلى جواب المشركين .(
ما عندي ما تستعجلون به ان الحكم الا للَّه
)
.
.
فإنّ لفظهم ذاك اللفظ مع تبديل حرف نفي بنفي ، إلاّ أنّ المعنى من المعنى بمراحل ، فإنّ المراد من الآيات من سابقها و لاحقها معلوم ، ففي الأوّل أنّ الحكم في العبادة ليس لغير اللَّه ، و في الثاني أنّ القضاء و القدر ليس إلاّ بيده تعالى و في الثالث أنّ الوقت الذي ينزل فيه العذاب ليس تعيينه لغير اللَّه .
و الخوارج أرادوا بكلامهم أنه لا يجوز أن يحكم غير اللَّه في مقتضى آيات القرآن بأنه هل يجب أن يكون المتصدي لأمر الخلافة عليّا أم يجوز ان يكون معاوية .
فإن قلت : كان ذلك أمرا واضحا ، فقوله تعالى .(
هل يستوي الذين يعلمون و الذين لا يعلمون
)
.
و قوله جل و علا(
أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقاً
)
.
يوجبان تعين عليّعليهالسلام
.
قلت : الأمر كذلك ، إلاّ أنّ المبنى أدّى إلى ذلك ، فلازم جواز تصدي الثلاثة كان وجوب تصدي معاوية حيث إنّه كان ولي عثمان و عثمان مدبر عمر و عمر منصوب أبي بكر .
هذا ، و في ( ملل الشهرستاني ) : اعلم أنّ أوّل شبهة وقعت في الخليقة شبهة إبليس ، و مصدرها استبداده بالرأي في مقابلة النص إلى أن قال في بيان أوّل شبهة وقعت في الملة الاسلامية و إن خفي علينا ذلك في الامم السالفة لتمادي الزمان فلم يخف أنّ شبهات الملة الاسلامية نشأت كلها من شبهات منافقي زمن النبيّصلىاللهعليهوآله
، إذ لم يرضوا بحكمه فيما يأمر و ينهى و شرعوا فيما لا مسرح للفكر فيه و لا مسرى ، و سألوا عما منعوا من الخوض فيه و السؤال عنه ، و جادلوا بالباطل فيما لا يجوز الجدال فيه اعتبر حديث ذي الخويصرة التميمي إذ قال : اعدل يا محمّد فإنّك لم تعدل حتى قالصلىاللهعليهوآله
: إن لم أعدل فمن يعدل .
إلى أن قال : و أما الاختلافات الواقعة في حال مرض النبيّصلىاللهعليهوآله
و بعد وفاته بين الصحابة فهي اختلافات اجتهادية كما قيل إلى أن قال فأول تنازع
في مرضهصلىاللهعليهوآله
فيها رواه محمّد بن إسماعيل البخاري بأسناده عن عبد اللَّه بن العباس قال : لما اشتد بالنبي مرضه الذي مات فيه قال : إيتوني بدواة و قرطاس أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدي فقال عمر : إنّ رسول اللَّه قد غلبه الوجع حسبنا كتاب اللَّه و كثر اللغط فقال النبيّصلىاللهعليهوآله
: قوموا عني لا ينبغي عندي التنازع .
قال ابن عباس : الرزية كل الرزية ما حال بيننا و بين كتاب رسول اللَّهصلىاللهعليهوآله
.
إلى أن قال : الخلاف الثاني في مرضه قال النبيّصلىاللهعليهوآله
: جهزوا جيش اسامة لعن اللَّه من تخلف عنها فقال قوم : يجب علينا امتثال أمره و اسامة قد برز من المدينة ، و قال قوم قد اشتد مرض النبي فلا تسع قلوبنا مفارقته و الحال هذه فنصبر حتى نبصر أي شيء يكون من أمره
.
قال الشهرستاني : و إنّما أوردت هذين التنازعين لأنّ المخالفين ربما عدوا ذلك من المخالفات المؤثرة في أمر الدين ، و هو كذلك و إن كان الغرض كله اقامة مراسم الشرع في حال تزلزل القلوب
.
قلت : هل كان الأول و الثاني و صاحبهما أبو عبيدة أحرق قلبا على الدين من أمير المؤمنينعليهالسلام
و نعم ما قيل بالفارسية :
ز مادر مهربانتر دايه خاتون
هب ذلك ، هل كانوا أحوط على الدين من النبيّصلىاللهعليهوآله
؟ و هل كانوا أعرف من اللَّه تعالى ؟ و هل كان قوله تعالى : .(
اللَّه أعلم حيث يجعل رسالته
)
.
غير صحيح و جزافا .
(
و لعمر اللَّه لم يكن غرضهم إلاّ أمر دنياهم و استحكام أمر رياستهم
و إذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنّما نحن مصلحون ألا إنّهم هم المفسدون و لكن لا يشعرون
)
.
و أجابت سيدة نساء العالمين ادعاءهم بأنهم فعلوا ما فعلوا لئلا تكون فتنة : زعموا خوف الفتنة .(
ألا في الفتنة سقطوا و إنّ جهنم لمحيطة بالكافرين
)
.
ثم إنّ الشهرستاني لم يستقص جميع شبهاتهم و اعتراضاتهم على النبيّصلىاللهعليهوآله
، و منها اعتراضهم في تأمير زيد بن اسامة مولاه عليهم أولا ، ثم تأمير ابنه اسامة عليهم ثانيا ، ففي ( طبقات كاتب الواقدي ) : لما كان يوم الاثنين لأربع ليال بقين من صفر سنة ( ١١ ) أمر النبيّصلىاللهعليهوآله
بالتهيؤ لغزو الروم ، فلما كان من الغد دعا اسامة بن زيد فقال : سر إلى موضع مقتل أبيك فلما كان يوم الأربعاء بدىء بالنبيّصلىاللهعليهوآله
فحم و صدع ، فلما أصبح يوم الخميس عقد لاسامة بيده لواء فخرج معقودا بلوائه فدفعه إلى بريدة بن الخصيب و عسكر بالجرف ، فلم يبق من وجوه المهاجرين الأولين و الأنصار الا انتدب في تلك فيهم أبو بكر الصديق و عمر بن الخطاب و أبو عبيدة بن الجراح و سعد بن أبي وقاص و سعيد بن زيد ، فتكلم قوم و قالوا : استعمل هذا الغلام على المهاجرين الأولين فغضب النبيّصلىاللهعليهوآله
غضبا شديدا فخرج و قد عصب على رأسه عصابة و عليه قطيفة ، فصعد المنبر فحمد اللَّه و أثنى عليه ثم قال : أما بعد أيها الناس فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري اسامة ، و لئن طعنتم في إمارتي اسامة لقد طعنتم في إمارتي أباه من قبله ، و ايم اللَّه إن كان للإمارة
خليقا و إنّ بنه من بعد لخليق للإمارة
.
« فأما أولياء اللَّه فضياؤهم فيها اليقن » بحيث إنّ الشبهة باطل شبيه بالحق تكون كالظلمة ، فأولياء اللَّه لهم ضياء من اليقين يبصرون به الحق و الباطل و يميزون بينهما فيأخذون بالحق و يتركون الباطل .
« و دليلهم سمت الهدى » في ( صفين نصر ) : قال أبو نوح : كنت في خيل عليّعليهالسلام
و هو واقف بين جماعة من همدان و حمير و غيرهم من أفنان قحطان إذا أنا برجل من أهل الشام يقول : من دل على الحميري ؟ فقلنا : من تريد ؟ قال :
الكلاعي أبا نوح قلت : قد وجدته فمن أنت ؟ قال : أنا ذو الكلاع سر إلي فقلت :
معاذ اللَّه أن أسير إليك إلاّ في كتيبة قال : فسر فلك ذمة اللَّه و ذمة رسوله و ذمة ذي الكلاع حتى ترع إلى خيلك فإنّما اريد أن اسألكم عن أمر تمارينا فيه في حديث حدثناه عمرو بن العاص في إمارة عمر قال أبو نوح : و ما هو ؟ قال : ذو الكلاع حدّثنا أن النبيّصلىاللهعليهوآله
قال : « يلتقي أهل الشام و أهل الحق و في إحدى الكتيبتين الحق و إمام الهدى و معه عمار بن ياسر » قال أبو نوح : و اللَّه إنّه لفينا .
قال : أجاد هو في قتالنا ؟ قال أبو نوح : نعم و رب الكعبة لهو أشدّ على قتالكم مني ، و لوددت أنكم خلق واحد فذبحته و بدأت بك قبلهم و أنت ابن عمي إلى أن قال فسار أبو نوح معه حتى أتى عمرو بن العاص و هو عند معاوية و حوله الناس ، فقال ذو الكلاع لعمرو بن العاص : هل لك في رجل ناصح لبيب شفيق يخبرك عن عمار لا يكذبك قال : من هو ؟ قال : ابن عمي هذا و هو من أهل الكوفة فقال عمرو : إنّي لأرى عليك سيماء أبي تراب قال أبو نوح : علي سيماء محمّدصلىاللهعليهوآله
و أصحابه و عليك سيماء أبي جهل و سيماء فرعون .
.
« و أما أعداء اللَّه فدعاؤهم فيها الضلال و دليلهم العمى » في ( صفين نصر بن مزاحم ) : قال عمرو بن العاص لعمار بن ياسر : علام تقاتلنا ، أو لسنا نعبد إلها واحدا ، و نصلّي قبلتكم و ندعو دعوتكم و نقرأ كتابكم و نؤمن برسولكم ؟ قال عمار : الحمد للَّه الذي أخرجها من فيك ، إنّها القبلة و الدين و عبادة الرحمن و الكتاب ، لي و لأصحابي دونك و دون أصحابك ساخبرك على ما قاتلتك و أصحابك أمرني النبيّصلىاللهعليهوآله
أن اقاتل الناكثين و قد فعلت ، و أمرني أن اقاتل القاسطين و أنتم هم ، و أما المارقين فما أدري ادركهم أم لا ، ألم تعلم أيّها الأبتر ألست تعلم أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله
قال لعليّعليهالسلام
« من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم و ال من والاه و عاد من عاداه » و أنا مولى اللَّه و رسوله و علي بعده و ليس لك مولى .
قال له عمرو : و لم تشتمني و لست أشتمك قال عمار : بم تشتمني أتستطيع أن تقول إنّي عصيت اللَّه و رسوله يوما قال : إنّ فيك لمسبات غير ذلك فقال : ان الكريم من أكرمه اللَّه ، كنت وضيعا فرفعني و مملوكا فأعتقني و ضعيفا فقواني و فقيرا فأغناني قال عمرو : فما ترى في قتل عثمان ؟ قال : فتح لكم باب كل سوء قال عمرو : فعليّ قتله قال عمار : بل اللَّه رب علي قتله و علي معه قال عمرو : أكنت فيمن قتله ؟ قال : كنت مع من قتله و أنا اليوم اقاتل معهم قال عمرو : فلم قتلتموه ؟ قال عمار : أراد أن يغيّر ديننا فقتلناه قال عمرو : ألا تسمعون قد اعترف بقتل عثمان قال عمار : و قد قال قبلك فرعون لقومه « ألا تسمعون »
.
و روى ( صفين نصر أيضا ) عن السدي عن يعقوب بن الأوسط قال :
احتج رجلان بصفين في سلب عمار و في قتله ، فأتيا عبد اللَّه بن عمرو بن العاص فقال لهما : و يحكما اخرجا عني فإنّ النبيّصلىاللهعليهوآله
قال « مالهم و لعمار
يدعوهم إلى الجنة و يدعونه إلى النار قاتله و سالبه في النار » قال السدي :
فبلغني أنّ معاوية قال : إنّما قتله من أخرجه يخدع بذلك طغام أهل الشام
.
« فما ينجو من الموت من خافه » في ( الكافي )
: عن النبيّصلىاللهعليهوآله
أنّ ملكا كان له عند اللَّه منزلة عظيمة ، فتعتب عليه فأهبطه إلى الأرض فأتى إدريسعليهالسلام
فقال له : ان لك من اللَّه منزلة فاشفع لي عنده فصلى ثلاث ليالي لا يفتر و صام أيامها لا يفطر ، ثم طلب إلى اللَّه تعالى في السحر في الملك فقال له الملك : قد اعطيت سؤلك و قد اطلق لي جناح و أنا احب أن اكافيك فاطلب مني حاجة فقال :
تريني ملك الموت لعلي آنس به فإنّه ليس يهنئني مع ذكره شيء فبسط جناحه ثم قال : اركب فصعد به يطلب ملك الموت في السماء الدنيا فقيل له :
أصعد فاستقبله بين السماء الرابعة و الخامسة ، فقال الملك لملك الموت : مالي أراك قاطبا ؟ قال : العجب أنّي تحت ظل العرش حيث امرت أن أقبض روح آدمي بين السماء الرابعة و الخامسة فسمع إدريس صوته فامتعض فخرّ من جناح الملك فقبض روحه مكانه ، قال عزّ و جلّ(
و رفعناه مكاناً علياً
)
.
« و لا يعطي البقاء من أحبه » في ( الكافي ) عن الصادقعليهالسلام
: جاء جبرئيل إلى النبيّصلىاللهعليهوآله
فقال : عش ما شئت فإنّك ميت ، و احبب من شئت فإنّك مفارقه ، و اعمل ما شئت فإنّك لاقيه
.
الفصل الرابع و الخمسون في العقل
١ الحكمة ( ٢٣٥ ) وَ قِيلَ لَهُ صِفْ لَنَا اَلْعَاقِلَ
فَقَالَ ع هُوَ اَلَّذِي يَضَعُ اَلشَّيْءَ مَوَاضِعَهُ فَقِيلَ فَصِفْ لَنَا اَلْجَاهِلَ فَقَالَ قَدْ فَعَلْتُ قال الرضي : يعني ان الجاهل هو الذي لا يضع الشيء مواضعه ، فكان ترك صفته صفة له إذ كان بخلاف وصف العاقل « و قيل لهعليهالسلام
صف لنا العاقل » في ( مطالب السؤول ) قالعليهالسلام
: « العقل عقلان : عقل الطبع و عقل التجربة ، و كلاهما يؤدّي إلى المنفعة ، و الموثوق به صاحب العقل و الدين ، و من فاته العقل و المروة فرأس ماله المعصية ، و صديق كلّ امرىء عقله و عدوّه جهله ، و ليس العاقل من يعرف الخير من الشر و لكن العاقل من يعرف خير الشرّين ، و مجالسة العقلاء تزيد في الشرف ، و العقل الكامل قاهر للطبع السوء و على العاقل أن يحصي على نفسه مساوئها
في الدين و الرأي و الأخلاق و الأدب ، فيجمع ذلك في صدره أو في كتاب و يعمل على إزالتها .
( و فيه ) : و قالعليهالسلام
: « الإنسان عقل و صورة ، فمن أخطأه العقل و لزمته الصورة لم يكن كاملا و كان بمنزلة من لا روح له ، و من طلب العقل المتعارف فليعرف صورة الاصول و الفضول ، فإن كثيرا من الناس يطلبون الفضول و يضيعون الأصول ، فمن أحرز الأصل اكتفى به عن الفضل
.
و في ( تحف العقول ) : قال راهب للنبيصلىاللهعليهوآله
: أخبرني عن العقل ما هو ؟
و كيف هو ؟ و ما يتشعب منه ؟ فقالصلىاللهعليهوآله
: « العقل عقال من الجهل ، و النفس مثل أخبث الدّوابّ ، فإن لم تعقل حارث (( حرنت ظ )) ، و إنّ اللَّه تعالى خلق العقل فقال له : أقبل ، فأقبل ، و قال له : أدبر ، فأدبر ، فقال تعالى : و عزّتي و جلالي ما خلقت خلقا أعظم منك و لا أطوع منك ، بك ابدىء و بك اعيد ، لك الثواب و عليك العقاب ، فتشعب من العقل الحلم ، و من الحلم العلم ، و من العلم الرشد ، و من الرشد العفاف ، و من العفاف الصيانة ، و من الصيانة الحياء ، و من الحياء الرزانة ، و من الرزانة المداومة على الخير ، و من المداومة على الخير كراهيّة الشرّ ، و من كراهية الشرّ طاعة الناصح ، فهذه عشرة أصناف من أنواع الخير ، و لكلّ واحد من هذه العشرة الأصناف عشرة أنواع . »
.
« فقالعليهالسلام
: هو الذي يضع الشيء مواضعه » في ( شعراء ابن قتيبة ) : رأى دريد بن الصمة الخنساء تهنأ الابل فقال :
ما ان رأيت و لا سمعت به
|
|
كاليوم هانىء أنيق جرب
|
متبذّلا تبدو محاسنه
|
|
يضع الهناء مواضع النّقب
|
« فقيل : فصف لنا الجاهل فقالعليهالسلام
: قد فعلت » قيل لرجل : ما السّخاء ؟ قال :
جهد مقل قيل له : فما البخل ؟ قال : افّ و حوّل وجهه فقيل له : أجب فقال :
أجبت .
و في ( كنايات الجرجاني ) : تقول العرب في الكناية عن الجاهل : « لا يدري أيّ طرفيه أطول »
.
« يعني أنّ الجاهل هو الذي لا يضع الشيء مواضعه » قالوا : صعد ثابت بن قطنة منبر سجستان فأرتج عليه ، فلما نزل قال :
فان لم أكن فيهم خطيبا فإنّني
|
|
بسيفي إذا جدّ الوغى لخطيب
|
فقيل له : لو كنتها فوق المنبر لكنت أخطب الناس
.
٢ الحكمة ( ٤٥٠ ) و قالعليهالسلام
:
مَا مَزَحَ اِمْرُؤٌ مَزْحَةً إِلاَّ مَجَّ مِنْ عَقْلِهِ مَجَّةً أقول : قال ابن أبي الحديد قيل : إنّما سمّي المزاح مزاحا لأنّه ازيح عن الحق
.
قلت : لا ريب في أن « مزاح » فعال من مزح ، لا مفعل من زاح
حتى يحتمل ما قال ، إلاّ أنّ الأصل في كلامه خبر روي عن فاروقهم .
و قولهعليهالسلام
« إلاّ مجّ من عقله مجّة » استعارة من مجّ الشراب من فيه : إذا رمى به قال بعضهم : المزاج يجلب الشرّ صغيره و الحرب كبيره ، و لو كان المزاح فحلا لم ينتج إلاّ شرّا .
و في ( أخبار حكماء القفطي ) : عبث ابن حمدون النديم بابن ماسويه بحضرة المتوكّل ، فقال له ابن ماسويه : لو كان ما فيك من الجهل عقلا ثم قسّم على مئة خنفساء لكانت كلّ واحدة منهن أعقل من ارسطو طاليس .
إنّما السالم من ألجم فاه بلجام
|
|
ربما استفتحت بالمزح مغاليق الحمام
|
قد صار في الناس جدا ما مزحت به
|
|
كم مازح صار بين الناس مذموما
|
٣ الحكمة ( ٤٠ ) و قالعليهالسلام
:
لِسَانُ اَلْعَاقِلِ وَرَاءَ قَلْبِهِ وَ قَلْبُ اَلْأَحْمَقِ وَرَاءَ لِسَانِهِ قال الرضي : و هذا من المعاني العجيبة الشّريفة ، و المراد به أنّ العاقل لا يطلق لسانه إلاّ بعد مشاورة الرّويّة و مؤامرة الفكرة ، و الأحمق تسبق حذفات لسانه و فلتت كلامه مراجعة فكره و مماخضة رأيه ، فكأنّ لسان العاقل تابع لقلبه ، و كأنّ قلب الاحمق تابع للسانه و قد روى عنهعليهالسلام
هذا المعنى بلفظ آخر ، و هو قوله :
قلب الاحمق في فيه ، و لسان العاقل في قلبه و معناهما واحد .
أقول : و مرّ في فصل الخوارج رواية اخرى عنهعليهالسلام
في نظيره ، و هو :
« و إنّ لسان المؤمن من وراء قلبه ، و إنّ قلب المنافق من وراء لسانه »
.
و قال ابن أبي الحديد ثمّة مرادهعليهالسلام
بالمؤمن العاقل و بالمنافق الأحمق
و قلنا ثمّة بل هما معنيان ، و أغلب المنافقين في غاية الفطانة ، و إنّما قالعليهالسلام
ثمة : « إنّ لسان المؤمن من وراء قلبه » يعني في أمر دينه ، بدليل قولهعليهالسلام
بعد : « لأنّ المؤمن إذا أراد أن يتكلّم بكلام تدبّره في نفسه فإن كان خيرا أبداه و إن كان شرّا و اراه » .
و قالعليهالسلام
: « و ان قلب المنافق من وراء لسانه » يعني في عدم مبالاته بالدّين حتى يتجنّب من كذب أو غيبة بشهادة قولهعليهالسلام
بعد : « و ان المنافق يتكلّم بما أتى على لسانه لا يدري ما ذا له و ما ذا عليه » .
« لسان العاقل وراء قلبه » قالت الحكماء : لسان المرء من خدم الفؤاد
.
إذا قلت قدّر أنّ قولك عرضة
|
|
لبادرة أو حجّة لمخاصم
|
و إنّ امرأ لم يخش قبل كلامه
|
|
الجواب فينهى نفسه غير حازم
|
و في ( العقد ) : دخل صعصعة بن صوحان على معاوية و ابن العاص جالس معه على سريره ، فقال له : وسّع له على ترابيّة فيه فقال صعصعة : إنّي و اللَّه لترابيّ ، منه خلقت ، و إليه أعود ، و منه ابعث ، و إنّك لمارج من مارج من نار .
فقال له معاوية : إنّما أنت هاتف بلسانك لا تنظر في أود الكلام و استقامته ، فإن كنت تنظر في ذلك فأخبرني عن أفضل المال فقال : و اللَّه إنّي لأدع الكلام حتى
يختمر في صدري ثم أهبّ و لا أهتف به حتى أقيم أوده و اجيز متنه ، و إنّ أفضل المال لبرة سمراء في بريّة غبراء ، أو نعجة صفراء في نبعة خضراء ، أو عين فوّارة في أرض خوّارة فقال معاوية : للَّه أنت فأين الذهب و الفضة ؟ قال :
حجران يصطكّان ، إن أقبلت عليهما نفدا و إن تركتهما لم يزيدا
.
« و قلب الأحمق وراء لسانه » في بيان الجاحظ ، كان ابن ضحيان الازدي يقرأ(
قل يا أيها الكافرين
)
فقيل له في ذلك ، فقال : قد عرفت القراءة في ذلك و لكنّي لا أجلّ أمر الكفّار
.
و في ابن أبي الحديد : أرسل ابن لعجل بن لجيم فرسا له في حلبة فجاء سابقا ، فقيل له : سمّه باسم يعرف به فقام ففقا عينه و قال : سميته أعور فقال شاعر يهجوه :
رمتني بنو عجل بداء أبيهم
|
|
و أيّ عباد اللَّه أنوك من عجل
|
أليس أبوهم عار عين جواده
|
|
فأضحت به الأمثال تضرب بالجهل
|
و كتب مسلمة بن عبد الملك إلى يزيد بن المهلب لمّا خرج عليهم : إنّك لست بصاحب هذا الأمر ، ان صاحبه مغمور موتور ، و أنت مشهور غير موتور فقال له رجل من الأزد : قدّم ابنك مخلدا حتى يقتل فتصير موتورا .
قال : و مدح رجل من الأزد المهلب فقال :
نعم أمير الرفقة المهلّب
|
|
أبيض وضّاح كتيس الحلّب
|
فقال له حسبك
.
قال : و خرج كلاب بن صعصعة مع اخوته ، فاشترى اخوته خيلا و جاء كلاب بعجل يقوده ، فقيل له : ما هذا ؟ قال : فرس اشتريته قالوا : يا مائق هذه بقرة ، أما ترى قرنيها ، فرجع إلى منزله فقطع قرنيها ثم قادها فقال : أعددتها فرسا كما تريدون ، فأولاده يدعون بني فارس البقرة
.
و قال : و شرد بعير من هبنقة ، فجعل ينادي من أتى به له بعيران قيل له :
تبذل بعيرين في بعير قال : لحلاوة الوجدان
.
و قال : و سرق من أعرابي حمار فحمد اللَّه على أنّه لم يكن عليه
.
و قال : و قال المأمون يوما لثمامة : ما جهد البلاء ؟ قال : عالم يجري عليه حكم جاهل ، حبسني الرشيد عند مسرور الكبير فسمعته يوما يقرأ :(
ويلٌ يومئذٍ للمكذّبين
)
بفتح الذال قلت له : المكذبين الأنبياء قل المكذبين بكسر الذال فقال لي : يقال لي عنك إنّك قدريّ فلا نجوت إن نجوت منّي الليلة ، فعاينت منه تلك الليلة الموت من شدّة ما عذّبني
.
و قال : و دخل كعب البقر الهاشمي على محمد بن عبد اللَّه بن طاهر يعزّيه في أخيه ، فقال له : أعظم اللَّه مصيبة الأمير فقال : أما فيك فقد فعل .
و قال : و قال أبو كعب القاصّ في قصصه : إنّ النبيصلىاللهعليهوآله
قال في كبد حمزة : ما فعلتم فادعوا اللَّه أن يطعمنا من كبد حمزة .
و قال : و قال أيضا مرة اسم الذئب الذي أكل يوسف كذا و كذا فقيل له : ان يوسف لم يأكله الذئب فقال : إنّ هذا اسم الذئب الذي لم يأكله .
و قال : وطار لبكار بن عبد الملك بازي فقال لصاحب الشرطة : أغلق أبواب دمشق لئلا يخرج البازي .
و قال : و وقف معاوية بن مروان على باب طحان و حماره يدور بالرحى و في عنقه جلجل ، فقال للطحان : لم جعلت هذا في عنقه ؟ فقال : إذا لم أسمع الصوت علمت أنّه قد نام فصحت به ، فقال : أرأيته إن قام و حرّك رأسه ما علمك به أنّه قائم ؟ قال : و أين لحماري بمثل عقل الأمير
.
قلت : ما ذكره أمثلة لأعمال الحمقاء فعلا و قولا لا شواهد لكلامهعليهالسلام
.
« و قد روى عنهعليهالسلام
هذا المعنى بلفظ آخر ، و هو قوله : قلب الأحمق في فيه و لسان العاقل في قلبه » في ( بلاغات نساء البغدادي ) قال المدائني : قالت خالدة بنت هاشم ابن عبد مناف لأخ لها و قد سمعته تجهّم
صديقا له أي أخي لا تطلع من الكلام إلاّ ما قد روّأت
فيه قبل ذلك و مزجته بالحلم و داويته بالرفق ، فإنّ ذلك أشبه بك فسمعها أبوها فقام إليها فاعتنقها و قال : واها لك يا قبّة الديباج فكانت تلقّب بذلك
.
« و معناهما واحد » هذا الكلام زائد بعد قوله أولا « و قد روى عنهعليهالسلام
هذا المعنى بلفظ آخر » .
٤ الحكمة ( ٣٠١ ) و قالعليهالسلام
:
رَسُولُكَ تَرْجُمَانُ عَقْلِكَ وَ كِتَابُكَ أَبْلَغُ مَا يَنْطِقُ عَنْكَ أقول : في ( الطبري ) أراد معن بن زائدة أن يوفد إلى المنصور قوما يسلّون سخيمته و يستعطفون قلبه عليه ، و قال : قد أنفقت عمري في طاعته و اتعبت نفسي و أفنيت رجالي في حرب اليمن ثم يسخط عليّ أن أنفقت المال في طاعته ، فانتخب جماعة من عشيرته من أفناء ربيعة ، فكان فيمن اختار مجاعة ابن الأزهر ، فجعل يدعو اولئك الجماعة واحدا واحدا و يقول : ماذا أنت قائل للخليفة إذا وجّهتك ؟ فيقول : أقول و أقول حتى جاءه مجاعة فقال : تسألني عن مخاطبة رجل بالعراق و أنا باليمن أقصد لحاجتك حتى أن تأتي لها كما يمكن و ينبغي فقال : أنت صاحبي ثم التفت إلى عبد الرحمن بن عتيق المزني فقال له : شدّ على عضد ابن عمّك و قدّمه أمامك فإن سها عن شيء فتلافه .
و اختار من أصحابه ثمانية نفر معهما حتّى تمّوا عشرة و ودّعهم حتى مضوا و صاروا إلى المنصور ، فابتدأ مجاعة بحمد اللَّه تعالى و الثناء عليه حتى ظنّ القوم أنّه إنّما قصد لذلك ، ثم كرّ على ذكر النبيصلىاللهعليهوآله
و كيف اختاره اللَّه من بطون العرب و نشر من فضله حتى تعجّب القوم ثم كرّ على ذكر المنصور و ما شرّف به و ما قلّد ، ثم كرّ على حاجته في ذكر صاحبه ، فلما انتهى من كلامه قال له المنصور : أمّا ما وصفت من حمد اللَّه تعالى فاللَّه أجلّ و أكبر من أن تبلغه الصفات ، و أمّا ما ذكرت من النبيصلىاللهعليهوآله
فقد فضّله اللَّه بأكثر ممّا قلت ، و أمّا ما وصفت به الخليفة فإنّه فضّله اللَّه تعالى بذلك و هو معينه على طاعته ، و أمّا ما ذكرت من صاحبك فكذبت لؤمت أخرج فلا يقبل ما ذكرت قال : صدق
الخليفة و و اللَّه ما كذبت في صاحبي فأخرجوا فلما صاروا إلى آخر الايوان أمر بردّه مع أصحابه فقال : ما ذكرت ، فكرّر عليه الكلام حتى كأنّه يقرؤه في صحيفة فقال له : مثل القول الأول ، فاخرجوا حتى برزوا جميعا و أمر بهم فوقفوا ثم التفت إلى من حضر من مضر فقال : هل تعرفون فيكم مثل هذا ؟ و اللَّه لقد تكلّمم حتى حسدته و ما منعني أن أتمّ على ردّه إلاّ أن يقال : إنّه تعصب عليه لأنه ربعي ، و ما رأيت كاليوم رجلا أربط جأشا و لا أظهر بيانا ردّه يا غلام ، فلمّا صار بين يديه أعاد السّلام و أعاد أصحابه ، فقال له : اقصد لحاجتك و حاجة صاحبك قال : أيها الخليفة معن بن زائدة عبدك و سيفك و سهمك ، رميت به عدوّك فضرب و طعن و رمى حتى سهل ما حزن و ذلّ ما صعب و استوى ما كان معوّجا من اليمن ، فأصبحوا من خول الخليفة ، فإن كان في نفس الخليفة هنة من ساع أو واش أو حاسد فالخليفة أولى بالتفضّل على عبده و من أفنى عمره في طاعته فقبل وفادتهم و قبل العذر من معن و أمر بصرفهم إليه ، فلمّا صاروا إلى معن و قرأ الكتاب بالرضا ، قبّل بين عينيه و شكر أصحابه و خلع عليهم على أقدارهم
.
و قالوا : أرسل عبد الملك إلى الحجّاج رسولا فدخل عليه في ساعة مات صديق له فقال الحجاج : ليت إنسانا يعزّيني بأبيات فقال الرسول : أقول ؟ قال :
قل فقال : كلّ خليل يفارق خليله يموت أو يصلب أو يقع من فوق البيت أو يقع البيت عليه أو يقع في بئر أو يكون شيئا لا نعرفه .
فقال الحجّاج : لقد سليتني عن مصيبتي بأعظم منها في الخليفة إذ وجه رسولا مثلك .
« و كتابك أبلغ ما ينطق عنك » في ( المعجم ) قدم طاهر بن الحسين الكوفة
و العباس بن محمد بن موسى عليها ، فوجّه العباس كاتبه إليه ، فلمّا دخل على طاهر قال : أخيك أبي موسى يقرأ عليك السّلام قال : و ما أنت منه ؟ قال : كاتبه الذي يطعمه الخبز فدعا طاهر بكاتبه و قال له : اكتب و أنت قائم بصرف العباس عن الكوفة إذ لم يتخذ كاتبا يحسن الاداء عنه
.
و في ( ابن أبي الحديد ) قال الشاعر :
تخيّر إذا ما كنت في الأمر مرسلا
|
|
فمبلغ آراء الرجال رسولها
|
و روّ و فكّر في الكتاب فانّما
|
|
بأطراف أقلام الرجال عقولها
|
هذا ، و في ( الجهشياري ) : كتب كاتب مصعب « من المصعب » فقال مصعب : ما هاتان الزائدتان ؟ يعني الألف و اللام
.
٥ الحكمة ( ٤٠٧ ) و قالعليهالسلام
:
مَا اِسْتَوْدَعَ اَللَّهُ اِمْرَأً عَقْلاً إِلاَّ اِسْتَنْقَذَهُ بِهِ يَوْماً مَا أقول : هكذا في الطبعة ( المصرية )
، و لكن في ابن ميثم
و الخطية
« إلاّ ليستنقذه به يوما ما » و مثله ( ابن أبي الحديد ) لكنه قال : و رويت « استنقذه به يوما ما »
.
و كيف كان فمصداق ما قالهعليهالسلام
امرأة فاجرة استودعها اللَّه تعالى عقلا استنقذها به من هلكة عملها ، ففي ( روضة الكافي ) عن الصادقعليهالسلام
: كان عابد في بني اسرائيل لم يقارف شيئا من أمر الدنيا ، فنخر ابليس نخرة ، فاجتمع إليه جنوده ، فقال : من لي بفلان ، فقال بعضهم أنا ، فقال من أين تأتيه ؟
قال : من ناحية النساء ، قال : لست له فقال له آخر : فأنا ، فقال فمن أين تأتيه ، قال من ناحية الشراب و اللّذّات قال : لست له ، ليس هذا بهذا قال آخر : فأنا له ، قال :
من أين تأتيه ؟ قال من ناحية البر قال : أنت صاحبه فانطلق إلى موضع الرجل فأقام يصلّي ، و كان الرجل ينام و يصلّي و الشيطان يصلّي و لا ينام ، و الرجل يستريح و الشيطان لا يستريح ، فتحوّل إليه الرجل و قد تقاصرت إليه نفسه فقال : يا عبد اللَّه بأيّ شيء قويت على ما رأيت من الصلاة ، فلم يجبه ثم أعاد عليه فلم يجبه ثم أعاد فقال : يا عبد اللَّه إنّي أذنبت ذنبا و أنا تائب منه ، فإذا ذكرت الذنب قويت على الصلاة قال بصّرني ذنبك حتى أعمل و أتوب ، فإذا فعلته قويت على الصلاة قال : ادخل المدينة فسل عن فلانة البغية فأعطها درهمين و نل منها قال : و من أين لي درهمان ما أدري ما الدرهمان ؟ فتناول الشيطان من تحت قدميه درهمين فناوله .
فقام فدخل المدينة بجلابيبه يسأل عن منزل فلانة البغية ، فأرشدوه و ظنّوا أنّه جاء يعظها ، فجاء إليها و رمى بالدرهمين إليها و قال قومي فقامت و دخل منزلها و قالت ادخل . فقالت : إنّك جئتني في هيئة ليس يؤتى مثلي في مثلها ، فأخبرني بخبرك ، فأخبرها فقالت : يا عبد اللَّه إنّ ترك الذنب أهون من طلب التوبة و ليس كلّ من طلب التوبة وجدها ، و إنما ينبغي أن يكون هذا شيطانا مثل لك ، فانصرف فإنّك لا ترى شيئا فانصرف و ماتت المرأة من ليلتها ، فأصبحت فاذا على بابها مكتوب : « إحضروا فلانة فإنّها من أهل الجنّة »
فارتاب الناس فمكثوا ثلاثا ارتيابا في أمرها ، فأوحى اللَّه تعالى إلى نبيّ من الأنبياء لا أعلمه إلاّ موسى أن ائت فلانة فصلّ عليها و أمر الناس أن يصلّوا عليها فإنّي غفرت لها و أوجبت لها الجنّة بتثبيطها عبدي فلانا عن معصيتي
.
و في ( كامل الجزري ) : استوزر عبد المؤمن صاحب المغرب في سنة ( ٥٤٥ ) ابا جعفر بن أبي أحمد الأندلسي و كان مأسورا عنده فوصف له بالعقل وجودة الكتابة ، فأخرجه من الحبس و استوزره و هو أول وزير كان للموحدين
.
٦ الحكمة ( ٤٢١ ) و قالعليهالسلام
:
كَفَاكَ مِنْ عَقْلِكَ مَا أَوْضَحَ لَكَ سَبِيلَ غَيِّكَ مِنْ رُشْدِكَ أقول : العنوان ليس في ( الطبعة المصرية الاولى ) ، و إنّما موجود في الطبعة الثانية بين قوسين
علامة في أخذه عن ( ابن أبي الحديد )
، و الحق ثبوته ، لتصديق ( ابن ميثم )
الذي نسخته بخط مصنفه و النسخة الخطية له .
ثم المراد أنّ ذلك المقدار من العقل يكفي في تنجّز التكليف و في المسؤولية ، كما أن ما أتى به النبيصلىاللهعليهوآله
عن اللَّه تعالى يكفي في إتمام الحجّة قال تعالى :(
لا إكراه في الدين قد تبيّن الرُّشد من الغيّ
)
و في الخبر : انما
يداق اللَّه العباد في القيامة على قدر عقولهم
.
و في ( الكافي ) عن الباقرعليهالسلام
: لمّا خلق اللَّه تعالى العقل استنطقه ثم قال له : أقبل فأقبل ، ثم قال له : أدبر فأدبر ، ثمّ قال : و عزّتي و جلالي ما خلقت خلقا أحبّ إليّ منك ، و لا أكملتك إلاّ في من احبّ ، أما إنّي إيّاك آمر و إيّاك أنهى ، و إيّاك اعاقب و إيّاك اثيب
.
و عن النبيصلىاللهعليهوآله
: ما قسم اللَّه تعالى للعباد شيئا أفضل من العقل ، فنوم العاقل أفضل من سهر الجاهل ، و إقامة العاقل أفضل من شخوص الجاهل ، و لا بعث اللَّه نبيّا حتى يستكمل له العقل و يكون عقله أفضل من عقول جميع امّته إلى أن قال و لا بلغ جميع العابدين في فضل عبادتهم ما بلغ العاقل ، و العقلاء هم أولو الألباب الذين قال تعالى : . و ما يذَّكَّر إلاّ أولو الألباب
.
و عنهصلىاللهعليهوآله
: إذا رأيتم الرجل كثير الصلاة كثير الصيام فلا تباهوا به حتى تنظروا كيف عقله
.
و في الديوان المنسوب إليهعليهالسلام
:
و أفضل قسم اللَّه للمرء عقله
|
|
فليس من الخيرات شيء يقاربه
|
إذا أكمل الرحمن للمرء عقله
|
|
فقد كملت أخلاقه و مآربه
|
يعيش الفتى في الناس بالعقل إنّه
|
|
على العقل يجري علمه و تجاربه
|
يزين الفتى في الناس صحّة عقله
|
|
و إن كان محظورا عليه مكاسبه
|
يشين الفتى في الناس قلّة عقله
|
|
و إن كرمت أعراقه و مناصبه
|
و من كان غلاّبا بعقل و نجدة
|
|
فذو الجدّ في أمر المعيشة غالبه
|
٧ الحكمة ( ٤٢٤ ) و قالعليهالسلام
:
اَلْحِلْمُ غِطَاءٌ سَاتِرٌ وَ اَلْعَقْلُ حُسَامٌ قَاطِعٌ فَاسْتُرْ خَلَلَ خُلُقِكَ بِحِلْمِكَ وَ قَاتِلْ هَوَاكَ بِعَقْلِكَ أقول : رواه ( الكافي ) مع تغيير و زيادة ، روى في ( ١٣ ) من أخبار كتاب عقله و جهله عنهعليهالسلام
: العقل غطاء ستير
، و الفضل جمال ظاهر ، فاستر خلل خلقك بفضلك ، و قاتل هواك بعقلك ، تسلم لك المودة و تظهر لك المحبة
.
« الحلم غطاء ساتر » في ( الكافي ) عن الصادقعليهالسلام
: كظم الغيظ عن العدو في دولاتهم تقية حزم
لمن أخذ به ، و تحرّز من التعرّض للبلاء في الدنيا
.
« و العقل حسام » أي : سيف .
« قاطع » في ( الكافي ) عن الكاظمعليهالسلام
: إن العاقل لا يحدّث من يخاف تكذيبه ، و لا يسأل من يخاف منعه ، و لا يعد ما لا يقدر عليه ، و لا يرجو ما يعنّف
برجائه
، و لا يقدم على ما يخاف فوته بالعجز عنه
.
« فاستر خلل خلقك بحلمك » قد عرفت أن ( الكافي ) رواه « بفضلك » بدل « بحلمك » ، و كل منهما صحيح ، فكل من الحلم و الفضل أي الأفضال يستر كل خلل في الخلق ، إلاّ أنّ الحلم يمنع عن ظهوره و الافضال عن تأثيره .
« و قاتل هواك بعقلك » في ( الكافي ) عن الصادقعليهالسلام
: اعرفوا العقل و جنده و الجهل و جنده تهتدوا إلى أن قال و جعل للعقل خمسة و سبعون جندا و للجهل مثله ، فكان ممّا اعطي العقل ، الخير و هو وزيره ، و جعل ضده الشر و هو وزير الجهل ، و الايمان و ضده الكفر ، و التصديق و ضده الجحود ، و الرجاء و ضده القنوط ، و العدل و ضده الجور إلى أن قال و لا تجتمع هذه الخصال كلّها من أجناد العقل إلاّ في نبيّ أو وصيّ نبي أو مؤمن قد امتحن اللَّه قلبه للايمان ، و اما باقي موالينا فلا يخلون من أن يكون فيهم بعض هذه . .
٨ في الكتاب ( ٣ ) من عناوين فصل الموت :
شَهِدَ عَلَى ذَلِكَ اَلْعَقْلُ إِذَا خَرَجَ مِنْ أَسْرِ اَلْهَوَى وَ سَلِمَ مِنْ عَلاَئِقِ اَلدُّنْيَا و في أخلاق الوزيرين قال الشاعر :
كم من أسير في يدي شهواته
|
|
ظفر الهوى منه بحزم ضائع
|
و قال أعرابي :
لم أر كالعقل صديقا معقوقا ، و لا كالهوى عدوا معشوقا ، و من وفّقه اللَّه للخير
جعل هواه مقموعا و رأيه مرفوعا
.
و لبعض العرب ، و يقال هو عامر بن الظرب : الرأي نائم و الهوى يقظان فأرقدوا الهوى بفظاظة ، و أيقظوا الرأي بلطافة
.
و مرّ في فصل الجمل قولهعليهالسلام
: « كم من عالم قتله جهله و معه علمه لا ينفعه » و المراد من العلم فيه ، العلم المستفاد من العقل ، و من الجهل ، ملكات الصفات السيئة .
و يأتي في ٥ ٥٦ قولهعليهالسلام
: « لا غنى كالعقل و لا فقر كالجهل »
.
الفصل الخامس و الخمسون كلامهعليهالسلام
في القلوب
١ الحكمة ( ٩١ ) و قالعليهالسلام
:
إِنَّ هَذِهِ اَلْقُلُوبَ تَمَلُّ كَمَا تَمَلُّ اَلْأَبْدَانُ فَابْتَغُوا لَهَا طَرَائِفَ اَلْحِكْمَةِ أقول : و كرره في ١٩٧ ٣ أيضا غفلة ، و رواه مرفوعا حفص بن البحتري عنهعليهالسلام
هكذا : « روّحوا أنفسكم ببديع الحكمة ، فإنّها تكلّ كما تكل الأبدان » .
و رواه الحموي في أدبائه هكذا : « أجمّوا هذه القلوب و التمسوا لها طرائف الحكمة ، فإنّها تملّ كما تملّ الأبدان »
.
ثم ان في ( النهج ) كليهما بلفظ « الحكمة » و نقل الطبعة ( المصرية )
الأول بلفظ « الحكم » تصحيف ، و في نسخة غير مصحّحة من ( ابن ميثم )
ليس الثاني ، و كأنّه سقط من النسخة ، كما أن في ( النسخة الخطية )
ليس في الثاني لفظ « هذه » و لكنه موجود في ( ابن أبي الحديد )
.
و كيف كان ففي ( كامل المبرد ) قال أنو شروان : القلوب تحتاج إلى أقواتها من الحكمة كاحتياج الأبدان إلى أقواتها من الغذاء
.
( و فيه ) : قال اردشير : إنّ للآذان مجّة و للقلوب مللا ففرّقوا بين الحكمتين يكن ذلك استجماما
.
و قال الحسن : جاذبوا هذه القلوب فإنّها سريعة الدثور
.
و في ( المروج ) : قال أبو العتاهية : بعث إليّ المأمون فصرت إليه فألفيته مطرقا متفكّرا مغموما ، فأحجمت ، فأطرق مليا ثم رفع رأسه فقال : شأن الناس حبّ الاستطراف قلت : أجل و لي في هذا بيت شعر و هو :
لا يصلح النفس إذ كانت مطرفة
|
|
إلاّ التنقّل من حال إلى حال
|
و في ( الأغاني ) : قيل لبشّار : إنّك لتجيء بالشيء الهجين المتفاوت بينما تقول شعرا و تخلع به القلوب مثل قولك :
إذا ما غضبنا غضبة مضرية
|
|
هتكنا حجاب الشمس أو تمطر الدما
|
إذا ما أعرنا سيدا من قبيلة
|
|
ذرى منبر صلّى علينا و سلّما
|
تقول :
ربابة ربّة البيت
|
|
تصب الخلّ في الزيت
|
لها عشر دجاجات
|
|
و ديك حسن الصوت
|
فقال : لكل موضع ، فالقول الأول جدّ ، و هذا قلته في ربابة جاريتي و أنا لا آكل البيض من السوق ، و ربابة لها عشر دجاجات و ديك فهي تجمع لي البيض فهذا عندي من قولي أحسن من :
قفا نبك من ذكرى حبيب و منزل
|
|
بسقط اللوى بين الدخول فحومل
|
في ( عيون الأخبار ) : قيل لعطاء بن مصعب : كيف غلبت على البرامكة و عندهم من هو آدب منك ؟ قال : ليس للقرباء ظرافة الغرباء ، كنت بعيد الدار ، غريب الاسم عظيم الكبر صغير الجرم ، كثير الالتواء شحيحا بالاملاء ، فقرّبني إليهم تباعدي منهم ، و رغّبهم فيّ رغبتي عنهم
.
و في ( الأغاني ) : لمّا قال علي بن اميّة :
يا ريح ما تصنعين بالدمن ؟
|
|
كم لك من محو منظر حسن
|
كثر الناس إنشاده و غنّاه عمرو الغزال ، فقال أبو موسى الأعمى :
يا رب خذني و خذ عليا و خذ
|
|
يا ريح ما تصنعين بالدّمن
|
عجّل إلى النّار بالثلاثة
|
|
و الرابع عمرو الغزال في قرن
|
ثم ندم و قال هؤلاء أهل بيت و هم إخوتي و لا أحب أن أنشب بيني و بينهم شرّا ، فأتى امية فقال : قد أذنبت فيما بيني و بينكم ذنبا و قد جئتك مستجيرا بك من فتيانك فدعا بعليّ بن اميّة فقال : يا هذا عمك أبو موسى قد أتاك معتذرا من الشعر الذي قاله قال : و ما هو ؟ فأنشده فقال له : قد ضجرنا نحن و اللَّه منه كما ضجرت أنت و أكثر ، و أنت آمن من أن يكون منّا جواب
.
و في ( تاريخ بغداد ) : قال روح بن عبادة : كنّا عند شعبة فضجر من الحديث ، فرمى بطرفه فرأى أبا زيد سعيد بن أوس في أخريات الناس ، فقال : يا أبا زيد
استعجمت دارميّ ما تكلّمنا
|
|
و الدار لو كلّمتنا ذات أخبار
|
إليّ يا أبا زيد فجعلا يتناشدان الأشعار
.
٢ الحكمة ( ١٩٣ ) و قالعليهالسلام
:
إِنَّ لِلْقُلُوبِ شَهْوَةً وَ إِقْبَالاً وَ إِدْبَاراً
فَإِنَّ اَلْقَلْبَ إِذَا أُكْرِهَ عَمِيَ أقول : روى المبرد ذيله : « القلب إذا أكره عمي » في كتاب كامله
.
ثم إنّ الشهوة و الإقبال إحدى القوى المحركة للإنسان على الأعمال ، و لو لا من اللَّه تعالى به على عباده لاختل نظام العالم و فسد كثير من الامور .
مثلا : إذا لم يكن بين الزوجين تقارب القلوب ، من يلتام بينهما كما قد يتفق ؟
و لذا قال تعالى منّا على عباده :(
و من آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها و جعل بينكم مودّة و رحمة إنّ في ذلك لآيات لقوم يتفكرون
)
.
و قصة إقبال ابن الملك المهمل على كسب الأدب بعد افتتانه بابنة الوزير و شرط الوزير عليه في إجابته في ابنته بدستور الملك تحصيل الأدب و شروعه به لذلك معروفة .
و لو لا عاطفة جعلها تعالى في الامّهات من الإنسان و الوحش و الطير ،
من يربّي أولادهن ؟ و كذلك لو لا عشق كلّ إنسان إلى صناعة و عمل من أعمال الدنيا عاليها و سافلها ، لبقي كثير منها معطلا .
٣ الحكمة ( ٥٠ ) و قالعليهالسلام
:
قُلُوبُ اَلرِّجَالِ وَحْشِيَّةٌ فَمَنْ تَأَلَّفَهَا أَقْبَلَتْ عَلَيْهَا أقول : في ( كامل ابن الأثير )
في حروب عبد المؤمن المغربي مع عرب كانت هناك في سنة ( ٥٤٨ ) : ثم جهّز عبد المؤمن من الموحّدين ما يزيد على ثلاثين ألف فارس و كان العرب أضعافهم فاستجرّهم الموحدون و تبعهم العرب إلى أن وصلوا إلى أرض شطيف ، فحمل عليهم عسكر عبد المؤمن و العرب على غير أهبة ، و التقى الجمعان و اقتتلوا أشد قتال ، فانجلت المعركة عن انهزام العرب و نصرة الموحّدين ، و ترك العرب جميع ما لهم من أهل و ولد و أثاث و نعم ، فأخذ الموحّدون جميع ذلك ، فقسّم عبد المؤمن جميع الأموال على عسكره و ترك النساء و الأولاد تحت الاحتياط ، و وكّل بهم من الخدم الخصيان من يخدمهم و يقوم بحوائجهم و أمر بصيانتهم ، فلما وصلوا معه إلى مراكش أنزلهم في المساكن الفسيحة و أجرى لهم النفقات الواسعة ، و أمر ابنه محمدا أن يكاتب أمراء العرب و يعلمهم أن نساءهم و أولادهم تحت الحفظ و الصيانة و أنّه قد بذل لهم الأمان و الكرامة فلما وصل الكتاب إلى العرب سارعوا إلى المسير إلى مراكش ، فأعطاهم عبد المؤمن نساءهم و أموالهم و أحسن إليهم و أعطاهم أموالا جزيلة ، فاسترقّ قلوبهم بذلك و أقاموا عنده و كان بهم حفيا ، و استعان بهم على ولاية ابنه محمد للعهد
على ما سنذكره في سنة ( ٥٥١ )
.
و قال ابن أبي الحديد : من لان استمال ، و من قسا نفّر ، و ما استعبد الإنسان بمثل الإحسان إليه و قال الشاعر :
و إنّي لوحشيّ إذا ما زجرتني
|
|
و إنّي إذا ألّفتني لألوف
|
و أمّا قول عمارة بن عقيل :
تبحّثتم سخطي فكدّر بحثكم
|
|
نخيلة نفس كان صفوا ضميرها
|
و لم يلبث التخشين نفسا كريمة
|
|
على قومها ان يستمرّ مريرها
|
و ما النّفس إلاّ نطفة بقرارة
|
|
إذا لم تكدّر كان صفوا غديرها
|
فيكاد يخالف قولهعليهالسلام
، لأنّهعليهالسلام
جعل أصل طبيعة القلوب التوحّش و إنّما تستمال لأمر من خارج و هو التألّف و الإحسان ، و عمارة جعل أصل طبيعة النفس الصفو و السلامة و إنّما تتكدّر لأمر خارج
.
قلت : ما قاله ( ابن أبي الحديد ) من مخالفة شعر عمارة لكلامهعليهالسلام
خلاف الصواب ، فإنّ شعر عمارة في مقام ، و كلام أمير المؤمنين في مقام آخر ، فأمير المؤمنين يقول : القلوب متوحّشة ممّن لا تعرفه و لا يوصل نفعا إليها ، و من تألّفها بالمعروف و بذل المال أو حسن الفعال و المقال ، أقبلت عليه .
و أمّا عمارة فيقول : السخط يحتاج إلى سبب و الأصل في النفوس عدم السخط و العداوة و كلاهما صحيحان ، فكلّ شيء يحتاج إلى سبب ، فالمودّة تحتاج إلى سبب كما أنّ العداوة تحتاج إلى سبب ، و شعره الأول تضمّن المعنيين .
٤ الحكمة ( ٤٠٩ ) و قالعليهالسلام
:
اَلْقَلْبُ مُصْحَفُ اَلْبَصَرِ أقول : قال ابن أبي الحديد : معنى كلامهعليهالسلام
هذا مثل قول الشاعر :
تخبّرني العينان ما القلب كاتم
|
|
و ما جنّ بالبغضاء و النظر الشّزر
|
أي : كما أن الانسان إذا نظر في المصحف قرأ ما فيه ، كذلك إذا أبصر الانسان صاحبه فإنّه يرى قلبه بوساطة رؤية وجهه ، ثم يعلم ما في قلبه من ودّ و بغض و غيرهما ، كما يعلم برؤية الخط الذي في المصحف ما يدلّ الخطّ عليه ، و قال الشاعر :
إنّ العيون لتبدي في تقلّبها
|
|
ما في الضّمائر من ودّ و من حنق
|
و قال ابن ميثم : أرادعليهالسلام
بالقلب النفس أو الذهن ، و استعار له لفظ المصحف باعتبار أنّ كلّ تصوّر في الذهن اريد التعبير عنه ، فلا بدّ أن يتصوّر حروف العبارة عنه في لوح الخيال ، و الحس البصري يشاهدها من هناك و يقرأها ، فالقلب إذن كالمصحف الذي يشاهدون فيه الحروف و الألفاظ و يقرأونه بالبصر ، فلذلك أضافه إلى البصر
.
و قال بعض المحشّين : أي : إن ما يتناوله البصر يحفظ في القلب كأنّه يكتب فيه .
قلت : و الأظهر كون مرادهعليهالسلام
أنّ البصر لا يبصر إلاّ بعد توجّه القلب ، فالإنسان قد ينظر إلى شيء إلاّ أن قلبه متوجّه إلى غيره ، فلا ينطبع شبحه في
النفس كما يكون مع توجّه القلب ، و حينئذ فكما يحتاج الانسان غالبا لقراءته إلى مصحف كذلك تحتاج العين في إبصارها إلى القلب .
هذا ، و في خطبتهعليهالسلام
الموسومة بالوسيلة : « أيها الناس إنّ للقلوب شواهد تجري الأنفس عن مدرجة أهل التفريط فطنة الفهم للمواعظ ممّا يدعو النفس إلى الحذر من الخطأ ، و للنفوس خواط للهوى ، و العقول تزجر و تنهى ، و في التجارب علم مستأنف
.
و مرّ في فصل العبادات قولهعليهالسلام
: إنّ للقلوب اقبالا و إدبارا ، فإذا أقبلت فاحملها على النوافل ، و إذا أدبرت فاقتصر بها على الفرائض .
٥ الحكمة ( ٣٨٨ ) و قالعليهالسلام
:
أَلاَ وَ إِنَّ مِنَ اَلْبَلاَءِ اَلْفَاقَةَ وَ أَشَدُّ مِنَ اَلْفَاقَةِ مَرَضُ اَلْبَدَنِ وَ أَشَدُّ مِنْ مَرَضِ اَلْبَدَنِ مَرَضُ اَلْقَلْبِ أَلاَ وَ إِنَّ مِنَ اَلنِّعَمِ سَعَةَ اَلْمَالِ وَ أَفْضَلُ مِنْ سَعَةِ اَلْمَالِ صِحَّةُ اَلْبَدَنِ وَ أَفْضَلُ مِنْ صِحَّةِ اَلْبَدَنِ تَقْوَى اَلْقَلْبِ أقول : و رواه تحف عقول ابن أبي شعبة الحلبي
.
« ألا و إنّ من البلاء الفاقة » عن النبيصلىاللهعليهوآله
: كادت الفاقة أن تكون كفرا
.
و عن بزرجمهر : ان كان شيء مثل الموت فالفقر ، بل قيل شرّ من الموت ما يتمنى الموت له
.
« و أشد من الفاقة مرض البدن » في ( كامل المبرد ) : قيل لخريم المرّي : ما النعمة ؟ قال : الأمن ، فليس لخائف عيش ، و الغنى ، فليس لفقير عيش ، و الصحة ، فليس لسقيم عيش قيل : ثم ما ذا ؟ قال : لا مزيد بعد هذا
.
و في ( الطبري ) : و في سنة ( ٢٨٧ ) إنصرف أبو أحمد بن المتوكل من الجبل إلى العراق و قد اشتدّ به وجع النقرس حتى لم يقدر على الركوب ، فاتّخذ له سرير عليه قبّة ، فكان يقعد عليه و معه خادم يبرد رجله بالأشياء الباردة حتى بلغ من أمره أنّه كان يضع عليها الثلج ، ثم صارت علّة رجله داء الفيل و كان يحمل سريره أربعون حمّالا يتناوب عليه عشرون عشرون ، و ربّما اشتدّ به أحيانا فيأمرهم أن يضعوه .
فذكر أنّه قال يوما للّذين يحملونه : قد ضجرت بحملي ، بودّي أنّي أكون كواحد منكم أحمل على رأسي و أنا آكل في عافية و قال في مرضه هذا : اطبق دفتري على مائة ألف مرتزق ما أصبح فيهم أسوأ حالا منّي
.
قلت : و أبو أحمد هذا كان الخليفة بالمعنى و أخوه المعتمد الخليفة بالاسم .
« و أشد من مرض البدن مرض القلب » مرادهعليهالسلام
بالقلب ، القلب الباطني لقوله بعد : « و أفضل من صحّة البدن تقوى القلب » .
و أيضا القلب الظاهري و هو القلب الصنوبري محسوب من البدن ، و مرضه مرض البدن ، و أمّا القلب الحقيقي فمرضه التخلّق بالأخلاق الفاسدة المهلكة .
و إنّما كان مرضه أشد من مرض البدن لأنّ غاية أثر مرض البدن سلب
الحياة الدنيوية ، فإن كان سعيدا لا يضرّه الموت ، و ما عند اللَّه خير للأبرار ، و أمّا إن كان قلبه الحقيقي مريضا ، يقول صاحبه : يا ليتني كنت ترابا .
و قد وصف تعالى تلك القلوب بقوله جل و علا :(
فإنّها لا تعمى الأبصار و لكن تعمى القلوب التي في الصدور
)
و بقوله تعالى :(
لهم قلوب لا يفقهون بها إلى اولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون
)
.
« ألا و إنّ من النعم سعة المال » عن بزرجمهر : إن كان شيء مثل الحياة فالغنى
.
« و أفضل من سعة المال صحة البدن » عن بزرجمهر ان كان شيء فوق الحياة فالصحة و قالوا : خير من الحياة ما لا تطيب الحياة إلاّ به
.
و في ( البيان ) : خرج الحجّاج ذات يوم فأصحر و حضر غذاؤه ، فقال :
اطلبوا من يتغذّى معي ، فطلبوا فإذا أعرابي في شملة ، فاتي به فقال : السّلام عليكم : هلمّ أيّها الأعرابي قال : دعاني من هو أكرم منك فأجبته قال : و من هو .
قال : دعاني اللَّه ربّي إلى الصّوم فأنا صائم قال : و صوم في مثل هذا اليوم الحار قال : صمت ليوم هو أحرّ منه قال : فافطر اليوم و صم غدا قال : و يضمن لي الأمير أني أعيش إلى غد ؟ قال : ليس ذلك إليه قال : فكيف يسألني عاجلا بآجل ليس إليه قال : إنّه طعام طيّب قال : ما طيّبه خبّازك و لا طبّاخك قال : فمن طيبه ؟ قال : العافية قال الحجّاج : تاللَّه ما رأيت كاليوم أخرجوه
.
« و أفضل من صحة البدن تقوى القلب » قال تعالى :(
يا أيّها الناس إنّا
خلقناكم من ذكر و اُنثى و جعلناكم شعوباً و قبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند اللَّه أتقاكم إنّ اللَّه عليم خبير
)
.
(
و من يعظّم شعائر اللَّه فانّها من تقوى القلوب
)
.
هذا ، و مرّ في فصل « نقص الناس » قولهعليهالسلام
: لقد علق بنياط هذا الانسان بضعة هي أعجب ما فيه ، و ذلك القلب » إلى آخر ما مر .
الفصل السادس و الخمسون فيما ذكرهعليهالسلام
من الحقائق
مرّ في الفصل ( ٤٢ ) في العنوان ( ٧ ) منه قولهعليهالسلام
: « كم من صائم ليس له من صيامه إلاّ الجوع و الظمأ . » .
و في ( ٢٨ ) منه قولهعليهالسلام
: « ليس الخير أن يكثر مالك و ولدك . » .
و في ( ٢٩ ) منه قولهعليهالسلام
: « ما خير بخير بعده النار . » .
١ الخطبة ( ١٨٥ ) منها :
يَدَّعِي بِزَعْمِهِ أَنَّهُ يَرْجُو اَللَّهَ كَذَبَ وَ اَلْعَظِيمِ مَا بَالُهُ لاَ يَتَبَيَّنُ رَجَاؤُهُ فِي عَمَلِهِ فَكُلُّ مَنْ رَجَا عُرِفَ رَجَاؤُهُ فِي عَمَلِهِ إِلاَّ رَجَاءَ اَللَّهِ فَإِنَّهُ مَدْخُولٌ وَ كُلُّ خَوْفٍ مُحَقَّقٌ إِلاَّ خَوْفَ اَللَّهِ فَإِنَّهُ مَعْلُولٌ يَرْجُو اَللَّهَ فِي اَلْكَبِيرِ وَ يَرْجُو اَلْعِبَادَ فِي اَلصَّغِيرِ فَيُعْطِي اَلْعَبْدَ مَا لاَ يُعْطِي اَلرَّبَّ فَمَا بَالُ اَللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يُقَصَّرُ بِهِ عَمَّا يُصْنَعُ بِهِ لِعِبَادِهِ أَ تَخَافُ أَنْ تَكُونَ فِي رَجَائِكَ لَهُ كَاذِباً أَوْ تَكُونَ لاَ تَرَاهُ لِلرَّجَاءِ مَوْضِعاً وَ كَذَلِكَ إِنْ هُوَ خَافَ عَبْداً مِنْ عَبِيدِهِ أَعْطَاهُ مِنْ خَوْفِهِ مَا لاَ يُعْطِي رَبَّهُ فَجَعَلَ خَوْفَهُ مِنَ
اَلْعِبَادِ نَقْداً وَ خَوْفَهُ مِنْ خَالِقِهِ ضِمَاراً وَ وَعْداً وَ كَذَلِكَ مَنْ عَظُمَتِ اَلدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ وَ كَبُرَ مَوْقِعُهَا مِنْ قَلْبِهِ آثَرَهَا عَلَى اَللَّهِ فَانْقَطَعَ إِلَيْهَا وَ صَارَ عَبْداً لَهَا « يدّعي بزعمه أنّه يرجو اللَّه ، كذب و العظيم » أي : قسما بالربّ العظيم .
« ما باله لا يتبيّن رجاؤه في عمله ، فكل من رجا عرف رجاؤه في عمله إلاّ رجاء اللَّه فإنّه مدخول » قيل للصادقعليهالسلام
: إنّ قوما من مواليك يلمون بالمعاصي و يقولون : نرجو فقالعليهالسلام
: كذبوا ، ليسوا لنا بموال ، أولئك قوم ترجحت بهم الأماني ، من رجا شيئا عمل له ، و من خاف شيئا هرب منه
.
و قال الصادقعليهالسلام
أيضا : ما أحب اللَّه تعالى من عصاه ثم تمثّل :
تعصي الإله و أنت تظهر حبّه
|
|
هذا محال في الفعال بديع
|
لو كان حبك صادقا لأطعته
|
|
انّ المحبّ لمن يحبّ مطيع
|
و في الخبر : يقول اللَّه تعالى كذب من زعم انّه يحبني ، فاذا جاء الليل نام إلى الصبح ، أليس كلّ حبيب يحبّ خلوة حبيبه
.
و في ( الفقيه ) : شكا رجل إلى الصادقعليهالسلام
الحاجة فقال له : أ تصلّي بالليل قال نعم فالتفتعليهالسلام
إلى أصحابه و قال : كذب من زعم انّه يصلّي
بالليل و يجوع بالنهار
.
و في ( تاريخ بغداد ) : في ( سمنون الصولي الذي صحب سري السقطي ) قال سمنون :
فليس لي في سواك حظ
|
|
فكيفما شئت فامتحنّي
|
فحصر بوله في ساعته ، فسمّى نفسه سمنون الكذّاب
.
و في ( عيون القتيبي ) قال الحسن أي البصري : إنّ دين اللَّه ليس بالتحلّي و لا بالتمنّي ، و لكنه ما وقر في القلوب و صدّقته الأعمال
.
و قال محمود الوراق :
يا ناظرا يرنو بعيني راقد
|
|
مشاهدا للأمر غير مشاهد
|
تصل الذنوب إلى الذنوب و ترتجى
|
|
درك الجنان بها و فوز العابد
|
و نسيت أنّ اللَّه أخرج آدما
|
|
منها إلى الدّنيا بذنب واحد
|
و أخذ مضمونه البهائي فقال بالفارسية :
جد تو آدم بهشتش جاى بود
|
|
قدسيان كردند بهر او سجود
|
يك كنه ناكرده گفتندش تمام
|
|
مذنبى مذنب برو بيرون خرام
|
تو طمع دارى كه با چندان گناه
|
|
داخل جنت شوى اى رو سياه
|
« و كل خوف محقّق إلاّ خوف اللَّه فإنّه معلول » و لو كان خوفه محققا لكان كما قال الصادقعليهالسلام
: المؤمن بين مخافتين : ذنب قد مضى لا يدري ما اللَّه صانع فيه ، و عمر قد بقي لا يدري ممّا يكتسب فيه من المهالك ، فهو لا يصبح إلاّ خائفا
و لا يصلحه إلاّ الخوف
.
و كما قال الحسينعليهالسلام
لمّا كتب إليه بعد خروجه من مكة عمرو بن سعيد عاملها بطلب عبد اللَّه بن جعفر : إنّ لك الأمان عندي : « خير الأمان أمان اللَّه ، و لن يؤمن اللَّه يوم القيامة من لم يخفه في الدنيا ، فنسأل اللَّه مخافة في الدّنيا توجب لنا أمانة يوم القيامة »
.
« يرجو اللَّه في الكبير و يرجو العباد في الصغير ، فيعطي العبد ما لا يعطي الرب » قالت رابعة العدوية :
لك ألف معبود مطاع أمره
|
|
دون الإله و تدّعي التوحيدا
|
و قال زياد الأعجم :
و تشكر يشكر من ضامها
|
|
و يشكر اللَّه لا تشكر
|
و في الجمهرة يشكر بطن من بكر بن وائل
.
« فما بال اللَّه جل ثناؤه يقصر به عمّا يصنع لعباده » هكذا في ( الطبعة المصرية )
و الصواب : ( بعباده ) كما في ( ابن أبي الحديد
و ابن ميثم
و الخطية )
.
في ( المروج ) : دخل معن بن زائدة على الرشيد و كان قد وجد عليه فمشى فقارب الخطو ، فقال له الرشيد : كبرت يا معن قال : في طاعتك قال : و إنّ فيك على ذلك لبقية قال : لأوليائك قال : و إنك لجلد قال : على أعدائك فرضي عنه و ولاّه
.
قال : و عرض كلامه هذا على عبد الرحمن بن زيد زاهد أهل البصرة ، فقال ويح هذا ما ترك لربه شيئا .
و في ( سير ملوك الأعاجم ) : ان شيرويه بن أبرويز بينا هو في منتزهاته بأرض العراق و كان لا يسايره أحد و أهل المراتب العالية خلف ظهره على مراتبهم ، فإن التفت يمينا دنا منه صاحب الجيش ، و إن التفت شمالا دنا منه الموبذان فيأمره باحضار من أراد مسايرته ، فالتفت يمينا فدنا منه صاحب الجيش فقال أين شدّاد بن خزيمة ، فأحضر فسايره فقال له : أفكرت في حديث حدّثنا به عن أردشير بن بابك حين واقع ملك الخزر حدّثني به إن كنت تحفظه و كان شدّاد قد سمع هذا الحديث في مكيدة أوقعها أردشير بملك الخزر فاستعجم عليه و أوهمه أنّه لا يعرفه ، فحدّثه شيرويه بالحديث ، فأصغى إليه الرجل بجوارحه كلّها و كان مسيره على شاطىء نهر ، فترك الرجل لا قباله على شيرويه النظر إلى موطىء حافر دابته ، فزلّت احدى قوائمها فوقع في الماء ، فابتدر حاشية الملك فأخرجوه فنزل شيرويه و دعا بثياب من خاصّ كسوته فألقيت عليه و قال له : غفلت عن موضع حافر دابتك ، فقال : على قدر
النعم تكون المحن ، و ان اللَّه تعالى قد أنعم عليّ بنعمتين عظيمتين : إقبال الملك عليّ من بين هذا السواد الأعظم ، و فائدة تدبير الحرب التي حدث بها عن أردشير ، فلما اجتمعت نعمتان جليلتان قابلتهما هذه المحنة ، و لو لا اساورة الملك لكنت بمعرض هلكة ، و على ذلك لو كنت غرقت لكان أبقى لي الملك ذكرا مخلّدا ، فسرّ شيرويه بذلك و قال له : ما ظننتك بهذا المقدار الذي أنت فيه ، فحشا فاه جوهرا و استبطنه حتى غلب على أكثر أمره
.
و نقل نظير هذه القصة عن رجل مع معاوية ، و عن شخص مع السفاح
.
« أتخاف أن تكون في رجائك له كاذبا » و قد قالوا :
ترجو النجاة و لم تسلك مسالكها
|
|
إنّ السفينة لا تجري على اليبس
|
« أو تكون لا تراه للرجاء موضعا » و قد قال تعالى لموسىعليهالسلام
: ما دمت لا ترى زوال ملكي فلا ترج أحدا غيري
.
« و كذلك إن هو خاف عبدا من عبيده أعطاه من خوفه ما لا يعطي ربّه » و قالعليهالسلام
لرجل : كيف أنتم ؟ فقال : نرجو و نخاف فقالعليهالسلام
: من رجا شيئا طلبه ، و من خاف شيئا هرب منه ، ما أدري ما خوف رجل عرضت له شهوة فلم يدعها لمّا خاف منه ، و ما أدري ما رجاء رجل نزل به بلاء فلم يصبر عليه لمّا يرجو
.
« فجعل خوفه من العباد نقدا و خوفه من خالقهم ضمارا و وعدا » قال الجوهري : « الضمار » ما لا يرجى من الدين ، و « الوعد » ما لا تكون منه على ثقة قال :
حمدن مزاره فأصبن منه
|
|
عطاء لم يكن عدة ضمارا
|
قالوا : إنّ أعرابيا قال لابن الزبير : أعطني اقاتل عنك أهل الشام قال :
قاتل ، فإن أغنيت أعطيناك ، قال : أراك تجعل روحي نقدا و دراهمك وعدا .
و في ( الطبري ) : ان عبد الملك لمّا بعث خالدا الأسيدي إلى البصرة أيام ابن الزبير و كان قيس بن الهيثم السلمي من الزبيرية يستأجر الرجال يقاتلون معه ، فتقاضى منه رجل أجرته فقال : غدا أعطيكها و كان قيس يعلم في عنق فرسه جلاجل فقال بعضهم :
لبئس ما حكمت يا جلاجل
|
|
النقد دين و الطعان عاجل
|
و أنت بالباب سمير آجل
« و كذلك من عظمت الدّنيا في عينه و كبر موقعها في قلبه » هكذا في ( الطبعة المصرية )
و الصواب : ( من قلبه ) كما في ( ابن أبي الحديد
و ابن ميثم
و الخطية )
.
« آثرها » أي : اختارها .
« على اللَّه فانقطع إليها و صار عبدا لها » فأمّا من طغى و آثر الحياة الدُّنيا
فإنّ الجحيم هي المأوى
.
٢ الحكمة ( ٤١٧ ) و قالعليهالسلام
لقائل قال بحضرته « أستغفر اللَّه » :
ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ أَ تَدْرِي مَا اَلاِسْتِغْفَارُ اَلاِسْتِغْفَارُ دَرَجَةُ اَلْعِلِّيِّينَ وَ هُوَ اِسْمٌ وَاقِعٌ عَلَى سِتَّةِ مَعَانٍ أَوَّلُهَا اَلنَّدَمُ عَلَى مَا مَضَى وَ اَلثَّانِي اَلْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ اَلْعَوْدِ إِلَيْهِ أَبَداً وَ اَلثَّالِثُ أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى اَلْمَخْلُوقِينَ حُقُوقَهُمْ حَتَّى تَلْقَى اَللَّهَ أَمْلَسَ لَيْسَ عَلَيْكَ تَبِعَةٌ وَ اَلرَّابِعُ أَنْ تَعْمِدَ إِلَى كُلِّ فَرِيضَةٍ عَلَيْكَ ضَيَّعْتَهَا فَتُؤَدِّيَ حَقَّهَا وَ اَلْخَامِسُ أَنْ تَعْمِدَ إِلَى اَللَّحْمِ اَلَّذِي نَبَتَ عَلَى اَلسُّحْتِ فَتُذِيبَهُ بِالْأَحْزَانِ حَتَّى تُلْصِقَ اَلْجِلْدَ بِالْعَظْمِ وَ يَنْشَأَ بَيْنَهُمَا لَحْمٌ جَدِيدٌ اَلسَّادِسُ أَنْ تُذِيقَ اَلْجِسْمَ أَلَمَ اَلطَّاعَةِ كَمَا أَذَقْتَهُ حَلاَوَةَ اَلْمَعْصِيَةِ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَقُولُ أَسْتَغْفِرُ اَللَّهَ أقول : رواه تحف عقول ابن أبي شعبة الحلبي هكذا : قال كميل بن زياد قلت لأمير المؤمنينعليهالسلام
: العبد يصيب الذنب فيستغفر اللَّه فما حد الاستغفار ؟
قال : التوبة قلت : بس قال : لا قلت : فكيف قال : إنّ العبد إذا أصاب ذنبا يقول « أستغفر اللَّه » بالتحريك قلت : و ما التحريك ؟ قال : الشفتان و اللسان ، يريد أن يتبع ذلك بالحقيقة قلت : و ما الحقيقة ؟ قال : تصديق في القلب و إضمار أن لا يعود إلى الذنب الّذي استغفر منه قال كميل : فاذا فعلت ذلك فأنا من المستغفرين ؟ قال : لا قال : فكيف ذلك ؟ قال : لأنّك لم تبلغ الأصل بعد قال :
فأصل الاستغفار ما هو ؟ قال : الرجوع من الذنب الذي استغفرت منه ، و هي أول درجة العابدين ، و الاستغفار اسم واقع لمعان ست : أوّلها الندم على ما مضى ،
و الثاني العزم على ترك العود أبدا ، و الثالث أن تؤدي حقوق المخلوقين التي بينك و بينهم ، و الرابع أن تؤدي حق اللَّه في كلّ فرض ، و الخامس أن تذيب اللحم الذي نبت على السحت و الحرام حتى يرجع الجلد إلى عظمه ثم ينشأ في ما بينهما لحم جديدا ، و السادس ان تذيق البدن ألم الطاعات كما أذقته لذّات المعاصي
.
و عن ( مناقب ابن الجوزي ) : قال أمير المؤمنينعليهالسلام
: التوبة على أربعة دعائم : ندم بالقلب ، و استغفار باللسان ، و عمل بالجوارح ، و عزم على أن لا يعود
.
و عنه و قالعليهالسلام
في وصف التائبين : غرسوا أشجار ذنوبهم نصب عيونهم في قلوبهم و سقوه بمياه الندم ، فأثمرت لهم السلامة و أعقبتهم الرضا و الكرامة
.
« و قالعليهالسلام
لقائل قال بحضرته : أستغفر اللَّه » قلت : القائل كان رجل آخر غير كميل كما يشهد له تعبير خبره .
« ثكلتك امّك أ تدري ما الاستغفار » ؟ في ( تاريخ بغداد ) : قال أبو الحسن البصري : كنت في مجلس ابن عطا فبكى رجل فقال : ما هذا البكاء لا منفذ له ههنا ، أما سمعت قول الشاعر :
قال لي حين رمته
|
|
كل ذا قد علمته
|
لو بكى طول دهره
|
|
بدم ما رحمته
|
« الاستغفار درجة العلّيّين » هكذا في ( الطبعة المصرية )
، و الصواب : ( إنّ الاستغفار درجة العليين ) كما في ( ابن ميثم
و الخطية
و كذا ابن أبي الحديد )
.
« و هو اسم واقع على ستة معان » أي : له شروط ستة : « أوّلها الندم على ما مضى » في ( تاريخ بغداد ) قال محمد بن علي الكتاني : لو لا ان ذكره علي فرض ما ذكرته إجلالا له ، مثلي يذكره و لم يغسل فمه بألف توبة متقبلة
.
و قيل : من قدم الاستغفار على الندم كان مستهزئا باللَّه و هو لا يعلم ، قال :
أقرر بذنبك ثم اطلب تجاوزنا
|
|
عنه فإنّ جحود الذنب ذنبان
|
« و الثاني العزم على ترك العود إليه أبدا » في ( الحلية ) قال حذيفة : يحسب للرجل من الكذب أن يقول « استغفر اللَّه » ثم يعود
.
و عن الربيع بن خثيم لا تقل : « أستغفر اللَّه و أتوب إليه » فيكون ذنبا و كذبا إن لم تفعل ، و لكن قل : « اللّهم اغفر لي و تب علي »
.
« و الثالث أن يؤدّي إلى المخلوقين حقوقهم » روي أنّ شيخا من النخع قال للباقرعليهالسلام
: لم أزل واليا منذ زمن الحجّاج إلى يومي هذا فهل لي من توبة ؟
فسكت عنه ، ثم أعاد ، فقالعليهالسلام
: لا ، حتى تؤدّي إلى كلّ ذي حقّ حقّه
.
« حتى تلقى اللَّه أملس » في ( الصحاح ) : الملاسة ضد الخشونة ، و في المثل :
هان على الأملس ما لاقي الدبر
.
« ليس عليك تبعة »(
يوم لا ينفع مال و لا بنون إلاّ من أتى اللَّه بقلبٍ سليم
)
(
الذين آمنوا و لم يلبسوا إيمانهم بظلم اُولئك لهم الأمن
)
.
« و الرابع أن تعمد » أي : تقصد .
« إلى كلّ فريضة عليك ضيّعتها فتؤدّي حقّها » فكلّ صلاة لم يصلّها أو صلاّها باطلة يأتي بقضائها و في بعضها يأتي بقضائها و كفارتها .
و في ( الكافي ) عن الصادقعليهالسلام
في رجل نام عن العتمة فلم يقم إلا بعد انتصاف الليل قال : يصلّيها و يصبح صائما
.
و روى ( التهذيبان ) عن حريز عمّن أخبره عن الصادقعليهالسلام
: إذا انكسف القمر فاستيقظ الرجل فكسل أن يصلّي فليغتسل من غد و ليقض الصلاة ، و إن لم يستيقظ و لم يعلم بانكساف القمر فليس عليه إلاّ القضاء بغير غسل ، و حمل على انكسافه بتمامه .
و من أفطر يوما من شهر رمضان بغير عذر فعليه القضاء و الكفارة صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستّين مسكينا
.
« و الخامس أن تعمد » بالكسر أي تقصد .
« إلى اللحم الذي نبت على السحت » بالضم و الفتح أي : الحرام .
« فتذيبه » كذوب الحديد في النار .
« حتى يلصق الجلد بالعظم و ينشأ بينهما لحم جديد » من غير السحت .
في ( الحلية ) : قال حذيفة : قال النبيصلىاللهعليهوآله
: ليس لحم ينبت من سحت فيدخل الجنّة
.
و عن بعضهم : حلقت امرأة رأسها و كانت من أحسن الناس شعرا ، فسئلت عن ذلك فقالت : أردت أن أغلق باب البيت ، فلمحني رجل و رأسي مكشوف فما كنت لأدع على رأسي شعرا رآه من ليس بمحرم
.
« و السادس أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية » في ( تاريخ بغداد ) : كان سعيد بن وهب البصري شاعرا خليعا ماجنا ، أكثر القول في الغزل و الخمر ، ثم تاب و نسك و حج راجلا فبلغ منه و جهد فقال لنفسه :
قدميّ اعتورا رمل الكثيب
|
|
و اطرقا الآجن من ماء القليب
|
ربّ يوم رحتما فيه على
|
|
زهرة الدنيا و في واد خصيب
|
و سماع حسن من حسن
|
|
صخب المزهر كالضبي الربيب
|
فاحسبا ذاك بهذا و اصبرا
|
|
و خذا من كلّ فنّ بنصيب
|
إنّما أمشي لأنّي مذنب
|
|
فلعل اللَّه يعفو عن ذنوبي
|
و في ( المعجم ) : نقض ابن عبد ربه صاحب ( العقد الفريد ) كلّ قطعة قالها في الصب و الغزل بقطعة في المواعظ و الزهد سمّاها الممحّصات
.
هذا ، و قيل وقفت امرأة تنظر إلى رجل قبيح الصورة ، فقيل لها في ذلك فقالت : أذنبت عيني بنظرها إلى أمرد جميل الصورة ، فأحببت أن اعاقبها
بالنظر إلى هذه الصورة القبيحة .
« فعند ذلك تقول : استغفر اللَّه » روى ( أمالي الصدوق ) في مجلسه ( ٥٣ ) عن أبي حمزة الثمالي عن السجادعليهالسلام
قال : كان في بني إسرائيل رجل ينبش القبور ، فاعتلّ جار له فخاف الموت ، فبعث إلى النبّاش فقال : كيف كان جواري لك ؟ قال : أحسن جوار قال : فإنّ لي إليك حاجة قال : قضيت حاجتك قال :
فأخرج إليه كفنين فقال : أحبّ أن تأخذ أحبهما إليك و إذا دفنت فلا تنبشني ، فامتنع النباش من ذلك و أبي أن يأخذه ، فقال له الرجل : أحبّ أن تأخذه ، فلم يزل به حتى أخذ أحبّهما إليه و مات الرجل ، فلما دفن قال النباش : هذا قد دفن فما علمه بأني تركت كفنه أو أخذته ، لآخذنّه فأتى قبره فنبشه فسمع صائحا يصيح به لا تفعل ، ففزع النبّاش من ذلك فتركه و ترك ما كان عليه و قال لولده :
أيّ أب كنت لكم ؟ قالوا : نعم الأب كنت لنا قال : فإنّ لي إليكم حاجة قالوا : قل ما شئت فإنّا سنصير إليه ان شاء اللَّه قال : أحبّ إذا أنا متّ أن تأخذوني فتحرقوني بالنار فإذا صرت رمادا فدقّوني ثم تعمدوا بي ريحا عاصفا فذروا نصفي في البر و نصفي في البحر قالوا : نفعل فلما مات فعل به ولده ما أوصاهم به ، فلما ذرّوه قال اللَّه جل جلاله للبر : إجمع ما فيك ، و قال للبحر : إجمع ما فيك ، فإذا الرجل قائم بين يدي اللَّه جل جلاله ، فقال اللَّه عز و جل له : ما حملك على ما أوصيت به ولدك أن يفعلوه بك ؟ قال : حملني على ذلك و عزّتك خوفك فقال اللَّه جل جلاله : فإنّي سارضي خصومك ، و قد أمنت خوفك و غفرت لك
.
هذا ، و روى ( أمالي ابن الشيخ ) في جزئه الثالث عشر عن أمير
المؤمنينعليهالسلام
قال : تعطّروا بالاستغفار لا تفضحنّكم روائح الذنوب
.
٣ الحكمة ( ٤٥٢ ) و قالعليهالسلام
:
اَلْغِنَى وَ اَلْفَقْرُ بَعْدَ اَلْعَرْضِ عَلَى اَللَّهِ أقول : عن النبيصلىاللهعليهوآله
قالت أمّ سليمان بن داود له : يا بنيّ إيّاك و كثرة النيام بالليل
، فإنّها تدع الرجل فقيرا يوم القيامة
.
و في رجال الكشي عن الصادقعليهالسلام
: أرسل عثمان إلى أبي ذر موليين له و معهما مائتا دينار و قال لهما : قولا له : عثمان يقرؤك السّلام و يقول لك :
هذه مائتا دينار فاستعن بهما على ما نابك
، فقال لهما أبو ذر : هل أعطى أحدا من المسلمين مثل ما أعطاني ؟ قالا : لا قال : فإنّما أنا رجل من المسلمين فيسعني ما يسعهم قالا : إنّه يقول : هذا من صلب مالي ، و اللَّه الذي لا إله إلاّ هو ما خالطهما حرام فقال لهما : لا حاجة لي فيها ، و قد أصبحت يومي هذا و أنا من أغنى الناس فقالا له : ما نرى في بيتك قليلا و لا كثيرا فقال : بلى ، تحت هذا الآكاف الذي ترون رغيفا شعير قد أتى عليهما أيام ، فما أصنع بهذه الدنانير ، لا و اللَّه حتى يعلم أنّي لا أقدر على قليل و لا كثير و قد أصبحت غنيا بولاية علي بن أبي طالب و عترته الهادين المهديين ، الراضين المرضيين الذين يهدون بالحق و به يعدلون ، كذلك سمعت النبيصلىاللهعليهوآله
يقول ، و إنّه لقبيح بالشيخ أن يكون
كذّابا ثم قال لهما : فردّاها عليه و أعلماه أنّه لا حاجة لي فيها و لا فيما عنده حتى ألقى اللَّه ربّي فيكون هو الحاكم بيني و بينه
.
و روى ( الكافي ) : ان رجلا من أصحاب أبي عبد اللَّهعليهالسلام
كان يدخل عليه فغبر زمانا
لا يحجّ ، فدخل عليه بعض معارفه فقالعليهالسلام
: كيف فلان ؟ ما فعل ؟ قال : فجعل يضجع
الكلام يظن انّهعليهالسلام
يعني الميسرة و الدنيا فقالعليهالسلام
له : كيف دينه ؟ فقال : كما تحبّ فقالعليهالسلام
: هو و اللَّه الغني
.
و روى أن بلالا أقبل من جهة الحلبة ، فسأله رجل : من سبق ؟ قال :
المقرّبون قال : أسألك عن الخيل قال : و اجيبك عن الخير
.
٤ الحكمة ( ٣٤ ) و قالعليهالسلام
:
أَشْرَفُ اَلْغِنَى تَرْكُ اَلْمُنَى أقول : نقله المصنف جزء عنوانه ٢١١ ٣ فذكره هنا تكرار ، و وجهه ما قاله في الديباجة من الاعتذار
.
و كيف كان فوجه ما قالهعليهالسلام
ان من ترك المنى استغنى عن كثير من علائق الدنيا فيكون غناه أشرف غنى .
٥ الحكمة ( ٥٤ ) و قالعليهالسلام
:
لاَ غِنَى كَالْعَقْلِ وَ لاَ فَقْرَ كَالْجَهْلِ وَ لاَ مِيرَاثَ كَالْأَدَبِ وَ لاَ ظَهِيرَ كَالْمُشَاوَرَةِ « لا غنى كالعقل » قال ابن أبي الحديد : في ( كامل المبرد ) قال أبو عبد اللَّهعليهالسلام
: خمس من لم تكن فيه ، لم يكن فيه كثير مستمتع : العقل ، و الدين ، و الأدب ، و الحياء ، و حسن الخلق
.
و قال أيضا : لم يقسم بين الناس شيء أقل من خمس : اليقين و القناعة و الصبر و الشكر و الخامسة التي يكمل بها هذا كلّه العقل
.
و قال أيضا : قال النبيصلىاللهعليهوآله
: ان اللَّه ليبغض الضعيف الذي لا زبر له و الزبر العقل
.
و قال : قال النبيصلىاللهعليهوآله
: ما قسم اللَّه للعباد أفضل من العقل ، فنوم العاقل أفضل من سهر الجاهل ، و فطر العاقل أفضل من صوم الجاهل ، و إقامة العاقل أفضل من شخوص الجاهل ، و ما بعث اللَّه رسولا حتى يستكمل فيه العقل حتى يكون عقله أفضل من عقول جميع امّته ، و ما يضمره في نفسه أفضل من
اجتهاد جميع المجتهدين ، و ما أدّى العبد فرائض اللَّه تعالى حتى عقل عنه ، و لا يبلغ جميع العابدين في عباداتهم ما يبلغه العاقل ، و العقلاء هم أولو الألباب الذين قال تعالى عنهم و ما يَذَّكَّرُ إلاّ أولوا الألباب
.
و قال رجل من أصحاب أبي عبد اللَّهعليهالسلام
و قد سمعه يقول بل يروى مرفوعا ( إذا بلغكم عن رجل حسن حال فانظروا في حسن عقله فإنّما يجازى بعقله ) يا ابن رسول اللَّه إنّ لي جارا كثير الصدقة كثير الصلاة كثير الحجّ .
فقال : كيف عقله ؟ فقال : ليس له عقل فقال : لا يرتفع بذاك منه
.
و قال : ما بعث اللَّه نبيّا إلاّ عاقلا ، و بعض النبيين أرجح من بعض ، و ما استخلف داود سليمان حتى اختبر عقله و هو ابن ثلاث عشرة سنة ، فمكث في ملكه ثلاثين سنة
.
و قال : صديق كل امرىء عقله ، و عدوّه جهله
.
و قال النبيصلىاللهعليهوآله
: إنّا معاشر الأنبياء نكلّم الناس على قدر عقولهم
.
و سئل ما العقل ؟ فقال : ما عبد به الرحمن ، و اكتسب به الجنان
.
و قال : سئل الحسن بن عليعليهماالسلام
عن العقل فقال : التجرّع للغصة ،
و مداهنة الأعداء
.
و قالعليهالسلام
: العاقل لا يحدّث من يخاف تكذيبه ، و لا يسأل من يخاف منعه ، و لا يثق بمن يخاف غدره ، و لا يرجو من لا يوثق برجائه
.
و قال : قال المبرد : روي عن أبي جعفرعليهالسلام
قال : كان موسىعليهالسلام
يدني رجلا لطول سجوده و طول صمته ، فلا يكاد يذهب إلى موضع إلاّ هو معه ، فبينا هو يوما من الإمام إذ مرّ على أرض معشبة تهتزّ ، فتأوّه الرجل ، فقال له موسىعليهالسلام
: على ماذا تأوهت ؟ قال : تمنيت أن يكون لربي حمار أرعاه هنا .
فأكبّ موسىعليهالسلام
طويلا ببصره إلى الأرض اغتماما بما سمع منه ، فانحطّ عليه الوحي : ما الذي أنكرت من مقالة عبدي ، إنّما آخذ عبادي على قدر ما آتيتهم
.
قال : و روى عن عليعليهالسلام
: هبط جبرئيل على آدمعليهالسلام
بثلاث ليختار واحدة و يدع اثنتين ، و هي العقل و الحياء و الدين ، فاختار العقل فقال جبرئيل :
للحياء و الدين انصرفا ، فقالا : إنّا امرنا أن نكون مع العقل حيث كان فقال :
فشأنكما ، ففاز بالثلاث
.
قلت : و في السير : أتى نصيب الشاعر عبد الملك ، فأنشده فاستحسن شعره و وصله ثم دعا بالطعام فأكل معه ، فقال له : هل لك في المنادمة ؟ فقال له : تأمّلني قال : قد أراك قال : جلدي أسود و خلقي مشوّه و وجهي قبيح و لست في منصب ، و إنّما بلغ بي مجالستك و مؤاكتك عقلي ، و أنا أكره أن أدخل عليه
ما ينقصه ، فأعجبه كلامه فأعفاه
.
« و لا فقر كالجهل » قال شاعر :
و لم أر مثل الجهل أدنى إلى الردى
|
|
و لا مثل بغض الناس غمض صاحبه
|
أيضا :
تعلم فليس المرء يولد عالما
|
|
و ليس أخو علم كمن هو جاهل
|
و إنّ كبير القوم لا علم عنده
|
|
صغير إذا التفّت عليه المحافل
|
و في ( عيون ابن قتيبة ) : خرج الوليد بن يزيد حاجّا و معه عبد اللَّه بن معاوية بن عبد اللَّه بن جعفر ، فكانا ببعض الطريق يلعبان بالشطرنج ، فاستأذن عليه رجل من ثقيف ، فأذن له و ستر الشطرنج بمنديل ، فلمّا دخل سلّم فسأله حاجته فقال له الوليد : أقرأت القرآن قال : لا قال : أفتعرف الفقه قال : لا قال :
أفرويت من الشعر شيئا ؟ قال : لا قال : أفعلمت من أيام العرب شيئا ؟ قال : لا .
فكشف الوليد المنديل و قال لعبد اللَّه ما معنا أحد
.
و في السير : لمّا قدم عبد الملك الكوفة بعد قتل مصعب ، جلس لعرض أحياء العرب ، فقام إليه معبد الجدلي و كان قصيرا دميما فتقدّمه إليه رجل حسن الهيئة ، فنظر إليه عبد الملك و قال : من أنت ؟ فسكت و لم يقل شيئا قال معبد و كان منّا فقلت من خلفه : نحن من جديلة ، فأقبل على الرجل و تركني و قال له : من أيّكم ذو الأصبع قال الرجل : لا أدري قلت : كان عدوانيا ، فأقبل على الرجل و تركني و قال له : لم سمّي ذو الاصبع قال : لا أدري قلت : نهشته حيّة في اصبعه فيبست فأقبل على الرجل و تركني فقال : و بم كان يسمّى قبل
ذلك ؟ قال : لا أدري قلت : كان يسمّى حرثان فأقبل على الرجل و تركني و قال له : من أيّ عدوان كان ؟ فقلت من خلفه : من بني ناج الذين يقول فيهم الشاعر :
و أمّا بنو ناج فلا تذكرنّهم
|
|
و لا تتبعن عينيك ما كان هالكا
|
إذا قلت معروفا لاصلح بينهم
|
|
يقول و هيب لا اسلّم ذلكا
|
فأضحى كظهر الفحل جُبّ سنامه
|
|
يدبّ إلى الأعداء أحدب باركا
|
فأقبل على الرجل و تركني فقال له : أنشدني قوله
« عذير الحي من عدوان »
قال : لا أدري قلت : إن شئت أنشدتك قال : ادنّ منّي فإنّي أراك بقومك عالما ، فأنشدته أبياته فقال للرجل : كم عطاؤك ؟ قال : ألفان و قال لي : كم عطاؤك ؟ قلت : خمسمائة فأقبل على كاتبه و قال : إجعل الألفين لهذا و الخمسمائة لهذا ، فانصرفت بها
.
« و لا ميراث كالأدب » في أدب كاتب الصولي : قال فضل البريدي : كان ولد محمد بن نصر بن بسّام يقرأون عليّ الشعر ، و كذلك أولاد عبد اللَّه بن إسحاق بن إبراهيم و كانوا ادباء ، و كان محمد بن نصر و عبد اللَّه بن إسحاق منفردين ، فجلسا يوما في مجلس فيه أولادهما و مدّت ستارة لم يسمع الناس بأحذق في الغناء ممّن خلفها ، و في المجلس ما يكون مثله في مجالس الخلفاء و أزيد ، فغنت صاحبة الستارة شعرا لجرير :
ألا حيّ الديار بسعد
إني
|
|
أحبّ لحبّ فاطمة الديارا
|
فقال عبد اللَّه لمحمد : لو لا جهل الأعراب ما معنى السعد ها هنا .
فقال محمد : لا تغفل ، فإنّه يقوّي معدهم و يصلح أسنانهم .
قال فضل البريدي : فقال لي علي بن محمد : يا استاذ إصفع أيّا شئت
منهما و اجعله أبي
.
و في ( بيان الجاحظ ) : لحن الوليد بن عبد الملك على المنبر ، فقال الكروس : لا و اللَّه ان رأيته على هذه الأعواد قط فأمكنني أن أملأ عينيّ منه ، من كثرته في عيني و جلالته ، فإذا لحن هذا اللحن الفاحش صار عندي كبعض أعوانه قال عبد الملك : أضرّ بالوليد حبّنا له فلم نوجهه إلى البادية
.
و من الادباء في عصر السفّاح ، خالد بن صفوان الذي نقل ( مروج المسعودي ) عنه مباحثة بين رجل و امرأة و أن المرأة تقول للرجل : من أي قبيلة أنت ؟ فيقول الرجل : من القبيلة الفلانية فتقول المرأة هذه القبيلة : قال الشاعر فيها : و تذكر أبيات هجو و يقول الرجل بل من قبيلة اخرى ، فتفعل كذلك في كلّ قبيلة سمّاها حتى قبيلة هاشم ، فقال السفّاح لخالد : إن كنت تقوّلت هذا الخبر و نظمت فيمن ذكرت هذه الأشعار ، فأنت سيّد الكاذبين ، و ان كان الخبر حقّا فتلك المرأة من أحضر الناس جوابا و أبصرهم بمثالب الناس
.
و كان الجاحظ يتعجّب من قول خالد في وصف أهل اليمن أنّهم بين حائك برد ، و دابغ جلد ، ملكتهم امرأة ، و أغرقتهم فأرة ، و دلّ عليهم هدهد
.
و من الأدباء في عصر المتوكل ، أبو العيناء ، كان آية عجيبة في ذلك
.
و قال ابن أبي الحديد : في حكم الفرس عن بزرجمهر : ما ورّثت الآباء أبناءها شيئا أفضل من الأدب ، لأنّها إذا ورّثتها الأدب اكتسبت بالأدب المال ،
و إذا ورّثتها المال بلا أدب أتلفتها بالجهل و قعدت صفرا من المال و الأدب
.
و قال بعض الحكماء : من أدب ولده صغيرا سرّ به كبيرا
.
و ثلاثة لا غربة معهن ، مجانبة الريب ، و حسن الأدب ، و كفّ الأذى
.
و عليكم بالأدب ، فانّه صاحب في السفر ، و مؤنس في الوحدة ، و جمال في المحفل ، و سبب إلى طلب الحاجة
.
و قال بزرجمهر : من كثر أدبه كثر شرفه و ان كان قبل وضيعا ، و بعد صيته و إن كان خاملا ، و ساد و إن كان غريبا ، و كثرت الحاجة إليه و إن كان مقلاّ
.
و قال بعض الملوك لبعض وزرائه : ما خير ما يرزقه العبد ؟ قال : عقل يعيش به قال : فان عدمه ؟ قال : أدب يتحلّى به قال : فان عدمه ؟ قال : مال يستتر به قال : فان عدمه ؟ قال : صاعقة تحرقه فتريح منه العباد و البلاد
.
« و لا ظهير كالمشاورة » قال أعرابي : ما غبنت حتى يغبن قومي قيل له :
كيف ذلك ؟ قال : لأني لا أفعل شيئا حتى أشاورهم
.
و قال بشّار :
إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن
|
|
بحزم نصيح أو نصاحة حازم
|
و لا تجعل الشورى عليك غضاضة
|
|
فريش الخوافي تابع للقوادم
|
و عن الأصمعي قلت لبشّار : رأيت رجال الرأي يعجبون من أبياتك في المشورة فقال : أو ما علمت أنّ المشاور بين احدى الحسنيين : صواب يفوز بثمرته ، أو خطأ يشارك في مكروهه فقلت له : أنت و اللَّه في هذا الكلام أشعر منك في شعرك
.
و في ( المبهج ) : ثمرة رأي الأديب المشير أحلى من الأرى
المشور
.
٦ الخطبة ( ١٠١ ) ( و منها ) :
اَلْعَالِمُ مَنْ عَرَفَ قَدْرَهُ وَ كَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلاً أَلاَّ يَعْرِفَ قَدْرَهُ وَ إِنَّ مِنْ أَبْغَضِ اَلرِّجَالِ إِلَى اَللَّهِ لَعَبْداً وَكَلَهُ اَللَّهُ تَعَالَى إِلَى نَفْسِهِ جَائِراً عَنْ قَصْدِ اَلسَّبِيلِ سَائِراً بِغَيْرِ دَلِيلٍ إِنْ دُعِيَ إِلَى حَرْثِ اَلدُّنْيَا عَمِلَ وَ إِنْ دُعِيَ إِلَى حَرْثِ اَلْآخِرَةِ كَسِلَ كَأَنَّ مَا عَمِلَ لَهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ وَ كَأَنَّ مَا وَنَى فِيهِ سَاقِطٌ عَنْهُ « و منها » هكذا في الطبعة ( المصرية )
، و الصواب : ( منها ) كما في ابن أبي الآتي و ذكره ابن قتيبة :
إذا بلغ الرأي النصيحة فاستعن
|
|
برأي نصيح أو نصيحة حازم
|
و لا تحسب الشورى عليك غضاضة
|
|
فإن الخوافى راد فات القوادم
|
الحديد
و ابن ميثم
و الخطية
، و لأنه لا وجه للعطف .
« العالم من عرف قدره ، و كفى بالمرء جهلا ألاّ يعرف قدره » في ( الكافي ) عنهعليهالسلام
: ليس بعاقل من انزعج من قول الزور فيه ، و لا بحكيم من رضي بثناء الجاهل عليه
.
« و ان من أبغض الرجال إلى اللَّه » ليست كلمة « إلى اللَّه » في الطبعة ( المصرية ) مع انّها موجودة في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) و الخطية
.
« لعبدا وكله اللَّه إلى نفسه جائرا عن قصد السبيل » أي : مائلا عن عدل الطريق .
« سائرا بغير دليل » و لا بد في مثله أن يضلّ و لا يصل إلى مقصد .
و روى ( بدع الكافي ) عنهعليهالسلام
: إنّ من أبغض الخلق إلى اللَّه تعالى لرجلين : رجلا وكله اللَّه تعالى إلى نفسه فهو جائر عن قصد السبيل مشعوف بكلام بدعة قد لهج بالصوم و الصلاة ، فهو فتنة لمن افتتن به ضالّ عن هدى من كان قبله مضلّ لمن اقتدى به في حياته و بعد موته ، حمّال خطايا غيره ، رهن بخطيئته
.
« إن دعي إلى حرث الدّنيا عمل ، و إن دعي إلى حرث الآخرة كسل ، كأنّ ما عمل له واجب عليه ، و كأن ماونى » أي : ضعف و فتر .
« فيه ساقط عنه » .
روى ( الكافي ) عنهعليهالسلام
قال : أيّها الناس إعلموا أنّ كمال الدين طلب العلم و العمل به ، ألا و إنّ طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال ، إنّ المال مقسوم مضمون لكم ، قد قسّمه عادل بينكم و ضمنه و سيفي لكم ، و العلم مخزون عند أهله و قد امرتم بطلبه من أهله فاطلبوه
.
و قد نظم البهائي « ره » مضمون قولهعليهالسلام
( ان دعي إلى حرث الدّنيا عمل و ان دعي إلى حرث الآخرة كسل ) بالفارسية ، فقال مشيرا إلى الحرثين :
در ره آن تيز هوش و زيركى
|
|
در ره اين كند فهم و احمقى
|
در ره آن ميدوى از جان و دل
|
|
در ره اين ميروى چون خر به گل
|
٧ الحكمة ( ١١٣ ) و قالعليهالسلام
:
لاَ مَالَ أَعْوَدُ مِنَ اَلْعَقْلِ وَ لاَ وَحْدَةَ أَوْحَشُ مِنَ اَلْعُجْبِ وَ لاَ عَقْلَ كَالتَّدْبِيرِ وَ لاَ كَرَمَ كَالتَّقْوَى وَ لاَ قَرِينَ كَحُسْنِ اَلْخُلُقِ وَ لاَ مِيرَاثَ كَالْأَدَبِ وَ لاَ قَائِدَ كَالتَّوْفِيقِ وَ لاَ تِجَارَةَ كَالْعَمَلِ اَلصَّالِحِ وَ لاَ رِبْحَ كَالثَّوَابِ وَ لاَ وَرَعَ كَالْوُقُوفِ عِنْدَ اَلشُّبْهَةِ وَ لاَ زُهْدَ كَالزُّهْدِ فِي اَلْحَرَامِ وَ لاَ عِلْمَ كَالتَّفَكُّرِ وَ لاَ عِبَادَةَ كَأَدَاءِ اَلْفَرَائِضِ وَ لاَ إِيمَانَ كَالْحَيَاءِ وَ اَلصَّبْرِ وَ لاَ حَسَبَ كَالتَّوَاضُعِ وَ لاَ شَرَفَ كَالْعِلْمِ وَ لاَ مُظَاهَرَةَ أَوْثَقُ مِنَ اَلْمُشَاوَرَةِ أقول : هو جزء خطبة الوسيلة التي خطبعليهالسلام
بها لسبعة أيام من وفاة النبيصلىاللهعليهوآله
كما رواه ( روضة الكافي ) عن الباقرعليهالسلام
، لكن فيه : أيها الناس
إنّه لا مال أعود من العقل ، و لا فقر أشدّ من الجهل ، و لا واعظ أبلغ من النصح ، و لا عقل كالتدبّر ، و لا علم كالتفكّر ، و لا مظاهرة أوثق من المشاورة ، و لا وحشة أشدّ من العجب ، و لا ورع كالكفّ عن المحارم ، و لا حلم كالصبر و الصمت
.
« لا مال أعود من العقل » في ( كنز الكراجكي ) قال أمير المؤمنينعليهالسلام
:
العقل ولادة ، و العلم إفادة ، و مجالسة العلماء زيادة
.
و في ( الكافي ) عن الصادقعليهالسلام
: ليس بين الإيمان و الكفر إلاّ قلّة العقل
.
قيل : و كيف ذاك ؟ قال : ان العبد يرفع رغبته إلى مخلوق ، فلو أخلص نيّته للَّه لأتاه الذي يريد في أسرع من ذلك
.
و في ( عيون القتيبي ) : لو صور العقل لا ظلمت معه الشمس
.
« و لا وحدة أوحش من العجب » في ( عقاب الأعمال ) عن أبي جعفرعليهالسلام
: انّ اللَّه تعالى فوّض الأمر إلى ملك من الملائكة فخلق سبع سماوات و سبع أرضين و أشياء فلما رأى الأشياء قد انقادت له قال : من مثلي ؟ فأرسل اللَّه تعالى نويرة من نار مثل انملة ، فاستقبلها بجميع ما خلق حتى وصلت إليه لمّا أن دخله العجب
.
و في ( تفسير القمي ) : لمّا كلّم اللَّه تعالى موسىعليهالسلام
و أنزل عليه الألواح رجع إلى بني اسرائيل ، فصعد المنبر فأخبرهم أنّ اللَّه كلّمه و أنزل عليه التوراة
ثم قال في نفسه : ما خلق اللَّه خلقا أعلم منّي فأوحى اللَّه تعالى إلى جبرئيل أدرك موسى فقد هلك ، و أعلمه أنّ عند ملتقى البحرين عند الصخرة الكبيرة رجلا أعلم منك فصر إليه و تعلّم من علمه ، فنزل جبرئيل على موسىعليهالسلام
و أخبره بذلك .
.
« و لا عقل كالتدبير » قد عرفت أن ( روضة الكافي ) رواه « و لا عقل كالتدبّر » و كلاهما صحيح في نفسه
.
و في الخبر : ينبغي للعاقل أن لا يرى إلاّ في إحدى ثلاث تزود لمعاد ، أو مرمّة لمعاش ، أو لذّة في غير محرم ، و ينبغي للعاقل أن يكون عارفا بزمانه ، حافظا للسانه ، مقبلا على شأنه
.
و عن الباقرعليهالسلام
: الكمال كل الكمال ، التفقّه في الدين ، و الصبر على النّائبة ، و تقدير المعيشة
.
« و لا كرم كالتقوى » :
إذا أنت لم تلبس لباسا من التقى
|
|
تقلّبت عريانا و إن كنت كاسيا
|
« و لا قرين كحسن الخلق » عن النبيصلىاللهعليهوآله
: أنا زعيم بيت في ربض الجنّة و بيت في وسط الجنّة و بيت في أعلى الجنّة لمن ترك المراء و ان كان محقّا ، و لمن ترك الكذب و إن كان هازلا ، و لمن حسّن خلقه
.
١٧٢ .
كذا أخرجه المنذري في الترغيب و الترهيب عن معاذ بن جبل بلفظ « ببيت » أيضا و بدلا من « هازلا » ذكر « مازحا »
و في ( تاريخ بغداد ) : كان الفضل بن يحيى عبسا بسرا و كان سخيا كريما ، و كان أخوه جعفر طلقا بشرا و كان بخيلا لا عطاء له ، و كان الناس إلى لقاء جعفر أميل منهم إلى لقاء الفضل
.
قلت : فكان الفضل كمن قيل فيه بالفارسية « من عطايش را بلقايش بخشيدم » .
« و لا ميراث كالأدب » قال الشعبي : حلي الرجال العربية و حلي النساء الشحم .
و قال سعيد بن سلم : دخلت على الرشيد فبهرني هيبة و جمالا ، فلما لحن خفّ في عيني
.
و قال أبو عمرو الشيباني : تكلّم المنصور في مجلس فيه أعرابي فلحن ، فصرّ الأعرابي اذنيه ، فلحن مرّة اخرى أعظم من الاولى فقال الأعرابي : افّ لهذا ما هذا ؟ ثم تكلّم فلحن الثالثة فقال الأعرابي : أشهد لقد وليت هذا الأمر بقضاء و قدر
.
و عن الضحّاك السّكسكي قال : كنّا مع سليمان بن عبد الملك بدابق إذ قام إليه السحّاح الأزدي الموصلي فقال : إنّ أبينا هلك و ترك مال كثير ، فوثب أخانا على مال أبانا فأخذه فقال سليمان : فلا رحم اللَّه أباك ، و لا نيح عظام أخيك ، و لا بارك لك في ما ورثت أخرجوا هذا اللّحّان عنّي ، فأخذ بيده بعض الشاكرية فقال : قم فقد آذيت أمير المؤمنين بالضم فقال سليمان : و هذا انظر المنذري : الترغيب و الترهيب ١١ : ١٣ .
العاض بظر امّه ، إسحبوا برجله
.
و أخذ عبد الملك رجلا كان يرى رأي الخوارج فقال له ألست القائل :
و منّا سويد و البطين و قعنب
|
|
و منّا أمير المؤمنين شبيب
|
فقال : إنّما قلت : « أمير المؤمنين » أي : يا أمير المؤمنين ، فأمر بتخلية سبيله
.
و قال رجل للحسن : ما تقول في من ترك أبيه و أخيه ؟ فقال الحسن : ترك أباه و أخاه فقال الرجل : فما لأباه و أخاه قال الحسن : إنّما هو « فما لأبيه و أخيه » فقال الرجل : ما أشد خلافك عليّ قال : أنت أشد خلافا عليّ ، أدعوك إلى الصواب و تدعوني إلى الخطأ
.
و عن ابن المبارك : تعلّموا العلم شهرا و الأدب شهرين
.
و قال رجل لبنيه : أصلحوا من ألسنتكم ، فإنّ الرجل تنوبه النائبة يحتاج أن يتجمّل فيها فيستعير من أخيه دابّة و من صديقه ثوبا و لا يجد من يعيره لسانا
.
« و لا قائد كالتوفيق » من اللَّه تعالى .
و في ( الكافي ) عن الصادقعليهالسلام
: ان اللَّه تعالى إذا أراد بعبد خيرا نكت في قلبه نكتة من نور فأضاء لها سمعه و قلبه ثم تلا هذه الآية فمن يرد اللَّه أن يهديه يشرح صدره للاسلام و من يرد أن يضلّه يجعل صدره ضيّقا حرجا
كأنّما يصَّعَّد في السماء
.
« و لا تجارة كالعمل الصالح » في أرباحها و الأمن من الخسران فيها .
(
مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل اللَّه كمثل حبّة أنبتت سبع سنابل في كلّ سنبلة مائة حبّة و اللَّه يضاعف لمن يشاء و اللَّه واسع عليم
)
.
« و لا ربح كالثواب » في الخبر : ينادي ملك كلّ يوم : يا صاحب الخير أتمّ و أبشر
.
« و لا ورع كالوقوف عند الشبهة » لئلاّ يقع في الحرام فيهلك .
« و لا زهد كالزّهد في الحرام » و أمّا الزهد في المباح فليس بذاك ، قال تعالى :
(
قل من حرّم زينة اللَّه الّتي أخرج لعباده و الطيّبات من الرزق
)
.
« و لا علم كالتفكر » في ( الكافي ) عن الصادقعليهالسلام
: أفضل العبادة إدمان التفكّر في اللَّه و في قدرته
.
و عن أمير المؤمنينعليهالسلام
: التفكّر يدعو إلى البر و العمل به ، نبّه بالتفكّر قلبك و جاف عن الناس جنبك و اتّق اللَّه ربّك
.
و في الخبر : التفكر مرآتك تريك سيئاتك و حسناتك
.
« و لا عبادة كأداء الفرائض » في الخبر أعبد الناس من أقام الفرائض
.
« و لا ايمان كالحياء و الصبر » أما الحياء ففي الكافي عن الصادقعليهالسلام
:
الحياء و الايمان مقرونان في قرن ، فاذا ذهب أحدهما تبعه صاحبه
.
و عنهعليهالسلام
: لا إيمان لمن لا حياء له و أمّا الصبر فهو من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد .
« و لا حسب كالتواضع » يقال : إسمان متضادّان بمعنى واحد التواضع و الشرف و عن الصادقعليهالسلام
: وقع بين سلمان الفارسي و رجل خصومة ، فقال الرجل لسلمان : من أنت ؟ فقال : سلمان ، أمّا أوّلي و أوّلك فنطفة قذرة ، و أما آخري و آخرك فجيفة منتنة ، فإذا كان يوم القيامة و وضعت الموازين فمن ثقل ميزانه فهو الكريم و من خف ميزانه فهو اللئيم .
« و لا شرف كالعلم » قال الباقرعليهالسلام
: عالم ينتفع بعلمه أفضل من سبعين ألف عابد .
و أيّ شرف أعلى من شرف العلم و قد جعل اللَّه تعالى صاحب العلم رديف نفسه و ملائكته ، قال تعالى :(
شهد اللَّه أنّه لا إله إلاّ هو و الملائكة و أولوا العلم
)
.
« و لا مظاهرة أوثق من المشاورة » قال حكيم : إذا شاورت عاقلا صار عقله لك و قد قيل : نصف عقلك مع أخيك فاستشره .
و في الصديق و الصداقة للتوحيدي قال حكيم : إذا استشارك عدوّك فامحضه النصيحة ، فإنّه إن عمل برأيك و انتفع ندم على تفريطه في مناوأتك و أفضت عداوته إلى المودة ، و إن خالفك و استضرّ عرف قدر أمانتك بنصحه و بلغت مناك في مكروهه
.
٨ الحكمة ( ٢٥٩ ) و قالعليهالسلام
:
اَلْوَفَاءُ لِأَهْلِ اَلْغَدْرِ غَدْرٌ عِنْدَ اَللَّهِ وَ اَلْغَدْرُ لِأَهْلِ اَلْغَدْرِ وَفَاءٌ عِنْدَ اَللَّهِ في ( الطبري ) : كان مالك بن أبي السمح المغني و عمرو الوادي مع الوليد بن يزيد لمّا حصر ، فلما تفرّق أصحابه عنه قال مالك لعمرو : إذهب بنا فقال عمرو : ليس هذا من الوفاء و نحن لا يعرض لنا لأنّا لسنا ممّن يقاتل فقال له مالك : ويلك و اللَّه لئن ظفروا بنا لا يقتل أحد قبلي و قبلك فيوضع رأسه مع رأسينا و يقال للناس انظروا من كان معه في هذه الحال ، فلا يعيبونه بشيء أشد من هذا ، فهربا و قتل و كان قتله سنة ( ١٢٦ ) .
و فيه بعد ذكر شفاعة عبد اللَّه بن عمر للمختار عند عاملي ابن الزبير على الكوفة لمّا حبساه دعواه فحلّفاه باللَّه الذي لا إله إلاّ هو عالم الغيب و الشهادة الرحمن الرحيم لا يبغيهما غائلة و لا يخرج عليهما ما كان لهما سلطان ، فان هو فعل فعليه ألف بدنة ينحرها عند رتاج الكعبة ، و مماليكه كلّهم ذكرهم و انثاهم احرار ، فحلف لهما بذلك ثم خرج فقال :
قاتلهم اللَّه ما أحمقهم حين يرون أنّي أفي لهم بأيمانهم هذه ، أمّا حلفي لهم باللَّه فانه ينبغي لي إذا حلفت على يمين فرأيت ما هو خير منها أن أدع ما حلفت عليه و آتي الذي هو خير و أكفر يميني ، و خروجي عليهم خير من كفّي عنهم .
.
٩ الخطبة ( ٣٢٧ ) و قالعليهالسلام
:
مَا ظَفِرَ مَنْ ظَفِرَ اَلْإِثْمُ بِهِ وَ اَلْغَالِبُ بِالشَّرِّ مَغْلُوبٌ أقول : في ( اللهوف على قتلى الطفوف ) : أقبل ابن زياد على زينب فقال :
الحمد للَّه الذي فضحكم و أكذب أحدوثتكم فقالت : إنّما يفتضح الفاسق و يكذب الفاجر و هو غيرنا فقال : كيف رأيت صنع اللَّه بأخيك و بأهل بيتك ؟ فقالت : ما رأيت إلاّ جميلا ، هؤلاء قوم كتب عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم و سيجمع اللَّه بينك و بينهم فتحاجّ و تخاصم ، فانظر لمن الفلج يومئذ
.
و ( فيه ) أيضا في شرح ورود أهل بيت الحسينعليهالسلام
على يزيد : فقامت زينب و قالت : أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض و آفاق السماء فأصبحنا نساق كما تساق الاسارى ، أنّ بنا هوانا على اللَّه و بك عليه كرامة ؟ فشمخت بأنفك و نظرت في عطفك جذلان مسرورا حين رأيت لك الدنيا مستوسقة و الامور متّسقة ، و حين صفالك ملكنا و سلطاننا إلى أن قالت فكد كيدك واسع سعيك ، فو اللَّه لا تمحو ذكرنا و لا تميت وحينا و لا تدرك أمدنا و لا ترحض عنك عارها ، و هل رأيك إلاّ فندو أيّامك إلاّ عدد و جمعك إلاّ بدد ، و يوم يناد المناد ألا لعنة اللَّه على الظالمين
.
هذا و قال ابن أبي الحديد : بعد العنوان « و نظير قولهعليهالسلام
هذا قوله : من قصّر في الخصومة ظُلِم و من بالغ فيها أثم »
.
قلت : أين ذاك الكلام من هذا الكلام ، فان كلاّ منهما في مقام ، فإنّ المقصود من ذاك أنّ الخصومة أمر يعسر معه القيام على الجادة الوسطى حتى لا يكون ظالما و لا مظلوما ، و أمّا هذا فالمراد به أنّ الظافر على صاحبه بالشر و الغالب عليه بالإثم مغلوب و منكوب في الحقيقة و ان كان في الظاهر غالبا و ظافرا .
و إنّما نظير قولهعليهالسلام
هذا قول ابنه الصادقعليهالسلام
حين دخل عليه رجلان مدارأة بينهما في خصومة ، فلما أن سمع كلامهما قال : « ما ظفر أحد بخير من ظفر بظلم ، أما إنّ المظلوم يأخذ من دين الظالم أكثر ممّا يأخذ الظالم من مال المظلوم ، من يفعل الشر بالناس فلا ينكر الشر إذا فعل به ، إنّما يحصد ابن آدم ما يزرع ، و ليس يحصد أحد من المرّ حلوا و من الحلو مرّا » فاصطلح الرجلان
.
١٠ الحكمة ( ٤٢٨ ) و قالعليهالسلام
في بعض الاعياد :
إِنَّمَا هُوَ عِيدٌ لِمَنْ قَبِلَ اَللَّهُ صِيَامَهُ وَ شَكَرَ قِيَامَهُ وَ كُلُّ يَوْمٍ لاَ يُعْصَى اَللَّهُ فِيهِ فَهُوَ عِيدٌ « في بعض الأعياد » أي : الفطر بقرينة ذكر الصيام و القيام فيه .
« إنّما هو عيد لمن قبل اللَّه صيامه » و قبول الصيام بالكفّ عن جميع المحرّمات لا خصوص المفطرات ، و إنّما الكفّ عنها يوجب سقوط القضاء و الكفارة دون القبول .
ففي الخبر : ليس الصيام من الطعام و الشراب وحده ، إذا صمت فليصم
سمعك و بصرك و باقي جوارحك حتى شعرك
.
هذا ، و قال الصابي في بعض امراء عصره في شهر رمضان
:
يا ذا الذي صام عن الطعم
|
|
ليتك قد صمت عن الظّلم
|
هل ينفع الصوم امرءا ظالما
|
|
أحشاؤه ملأى من الإثم
|
« و شكر قيامه » أي : قبل صلاته ، و لا تقبل الصلاة إلاّ بالإقبال فيها على اللَّه ، إن كلا فكل و إن جزءا فجزء .
« و كل يوم لا يعصى اللَّه فيه فهو عيد » قالعليهالسلام
: لا تأمن البيات و قد عملت السيئات
.
و قال أيضا : و لا تبدينّ عن واضحة و قد عملت الأعمال الفاضحة
.
و قالوا : ليس العيد لمن لبس الجديد ، إنّما العيد لمن سلم من الوعيد ، و ليس العيد لمن ركب المطايا ، إنّما العيد لمن ترك الخطايا ، و ليس العيد لمن حضر المصلّى ، إنّما العيد لمن صام و صلّى .
و في ( الفقيه ) : نظر الحسن بن عليعليهماالسلام
إلى ناس في يوم فطر يلعبون و يضحكون ، فقالعليهالسلام
لأصحابه : إنّ اللَّه عز و جل خلق شهر رمضان مضمارا لخلقه يستبقون فيه بطاعته إلى رضوانه ، فسبق فيه قوم ففازوا و تخلّف
آخرون فخابوا ، فالعجب كلّ العجب من الضاحك اللاعب في اليوم الذي يثاب فيه المحسنون و يخيب فيه المقصّرون ، و أيم اللَّه لو كشف الغطاء لشغل كلّ محسن بإحسانه و مسيء بإساءته
.
و في الخبر : إنّ الملائكة ينادون الناس في أول أوقات الصلاة و يقولون لهم : قوموا و أطفئوا بالصلاة في أوّل الوقت النيران التي أوقدتموها على ظهوركم
.
و كما أنّ من أصيب بمصيبة في يوم عيد ليس له فيه سرور كباقي الناس في العيد ، حتى ورد عن الباقرعليهالسلام
: ما عيد للمسلمين أضحى و لا فطر إلاّ و يجدّد لآل محمّدعليهمالسلام
فيه حزن : قيل : و لم ذاك ؟ قال : لأنّهم يرون حقّهم في يد غيرهم كذلك من اصيب بخطيئة فيه استحقت العقوبة به
.
و في ( عيون ابن قتيبة ) قال زيد الحميري : قلت لثوبان الراهب : أخبرني عن لبس النصارى هذا السواد ما المعنى فيه ؟ قال : هو أشبه بلبس أهل المصائب قلت : كلّكم معشر الرهبان اصيب بمصيبة قال : و أي مصيبة أعظم من مصيبة الذنوب قال : فلا أذكر قوله ذاك إلاّ أبكاني
.
هذا و قال الصابي يهنّىء عضد الدولة بعيد الفطر :
يا ماجدا يده بالجود مفطرة
|
|
و فوه من كل هجر صائم أبدا
|
أسعد بصومك إذ قضّيت واجبه
|
|
نسكا و وفّيته من شهره العددا
|
و اسحب بذا العيد أذيالا مجدّدة
|
|
و استقبل العيش في إفطاره رغدا
|
و قال الصابي أيضا في بعض الوزراء :
يصوم الوزير الدهر عن كلّ منكر
|
|
و ليس لهذا الصوم عيد و لا فطر
|
و يفطر بالمعروف و الجود و الندى
|
|
و ليس لهذا الفطر صوم و لا حظر
|
١١ الحكمة ( ٥٣ ) و قالعليهالسلام
:
اَلسَّخَاءُ مَا كَانَ اِبْتِدَاءً فَأَمَّا مَا كَانَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَحَيَاءٌ وَ تَذَمُّمٌ في ( الكافي ) عن الصادقعليهالسلام
قال : بعث أمير المؤمنينعليهالسلام
إلى رجل يرجو نوافله و لا يسأله بخمسة أو ساق تمر فقال لهعليهالسلام
رجل : و اللَّه ما سألك فلان و لقد كان يجزيه من الخمسة أو ساق وسق واحد فقال أمير المؤمنينعليهالسلام
له : لا كثّر اللَّه في المؤمنين ضربك ، اعطي أنا و تبخل أنت إذا أنا لم اعط الذي يرجوني إلاّ من بعد المسألة فلم أعطه ثمن ما أخذت منه ، و ذلك لأني عرّضته أن يبذل لي وجهه الذي يعفّره في التراب لربي و ربّه عند تعبّده له و طلب حوائجه إليه ، فمن فعل هذا بأخيه المسلم و قد عرف أنّه موضع لصلته و معروفه فلم يصدّق اللَّه تعالى دعاءه له في قوله : « اللّهم اغفر للمؤمنين و المؤمنات » ، فإذا دعا لهم بالمغفرة فقد طلب لهم الجنة فما أنصف من فعل هذا بالقول و لم يحققه بالفعل
.
و قال الأحنف : إذا لم أصل مجتدي حتى ينتح جبينه عرقا كما ينتح الحمّيت فو اللَّه ما وصلته و الحمّيت الزق الذي لا شعر فيه .
و في ( تاريخ بغداد ) : لمّا خرج عبد اللَّه بن طاهر إلى المغرب كان معه
كاتبه أحمد بن نهيك ، فلما نزل دمشق اهديت إلى أحمد هدايا كثيرة في طريقه و بدمشق و كان يثبت كلّ ما يهدى إليه في قرطاس و يدفعه إلى خازن له ، فلمّا نزل عبد اللَّه بن طاهر دمشق أمر أحمد أن يعود عليه بعمل كان أمره أن يعمله ، فأمر أحمد خازنه أن يخرج إليه قرطاسا فيه العمل الذي أمر بإخراجه و يضعه في المحراب بين يديه لئلاّ ينساه وقت ركوبه في السحر ، فغلط الخازن فأخرج إليه القرطاس الذي فيه ثبت ما أهدي إليه فوضعه في المحراب ، فلما صلّى أحمد الفجر أخذ القرطاس و وضعه في خفّه ، فلما دخل على عبد اللَّه سأله عمّا أمره به ، فأخرج الدرج من خفه فدفعه إليه ، فقرأه عبد اللَّه من أوله إلى آخره و تأمّله ثم أدرجه و دفعه إلى أحمد و قال له : ليس هذا الذي أردت فلما نظر أحمد فيه اسقط في يديه ، فلمّا انصرف إلى مضربه وجّه إليه عبد اللَّه يعلمه أنّي قد وقفت على ما في القرطاس فوجدته سبعين ألف دينار ، و اعلم أنّك لزمتك مؤونة عظيمة في خروجك و معك زوّار و غيرهم ، و أنّك تحتاج إلى برّهم و ليس مقدار ما صار إليك يفيء بمؤونتك ، و قد وجّهت إليك بمائة ألف دينار لتصرفها في الوجوه التي قلت
.
١٢ الحكمة ( ٥٦ ) و قالعليهالسلام
:
اَلْغِنَى فِي اَلْغُرْبَةِ وَطَنٌ وَ اَلْفَقْرُ فِي اَلْوَطَنِ غُرْبَةٌ أقول : نظم معنى قولهعليهالسلام
« الغنى في الغربة وطن » بالفارسية من قال :
منعم بكوه و دشت و بيابان غريب نيست
|
|
هر جا كه رفت خيمه زد و بارگاه كرد
|
و نظم معنى « و الفقر في الوطن غربة » بالعربية مع تصرف فيه من قال :
فلو أنّي جعلت أمير جيش
|
|
لمّا قاتلت إلاّ بالسّؤال
|
فإنّ النّاس ينهزمون منه
|
|
و قد ثبتوا لأطراف العوالي
|
و نظم معنى الجملتين من قال :
ألم تر أنّ الفقر يهجر بيته
|
|
و بيت الغنى يهدى له و يزار
|
١٣ الحكمة ( ٥٩ ) و قالعليهالسلام
:
مَنْ حَذَّرَكَ كَمَنْ بَشَّرَكَ أقول : وجه كون المحذّر كالمبشّر أنّ المبشّر يبشّر بوقوع محبوب و نجاة و المحذّر يحذّر من الوقوع في المهالك .
و كما كان النبيصلىاللهعليهوآله
بشيرا بالثواب للمطيعين كان نذيرا بالعقاب للعاصين .
و في ( الكافي ) قال محمد بن عذافر : قال أبو عبد اللَّهعليهالسلام
لأبي : نبّئت أنّك تعامل أبا أيوب و الربيع ، فما حالك إذا نودي بك في أعوان الظلمة قال : فوجم
أبي فقالعليهالسلام
له : إنّما خوّفتك بما خوّفني اللَّه تعالى به قال : فلم يزل أبي مغموما مكروبا حتى مات
.
١٤ الحكمة ( ٢٨١ ) و قالعليهالسلام
:
لَيْسَتِ اَلرَّوِيَّةُ مَعَ اَلْإِبْصَارِ فَقَدْ تَكْذِبُ اَلْعُيُونُ أَهْلَهَا وَ لاَ يَغُشُّ اَلْعَقْلُ مَنِ اِسْتَنْصَحَهُ « ليست الرؤية مع الابصار » هكذا في ( ابن أبي الحديد
و ابن ميثم )
و نسختهما الصحيحة لا سيما الثاني الذي نسخته بخط مصنفه ، و امّا ما في الطبعة المصرية « ليست الرؤية كالمعاينة مع الابصار » فالظاهر أن « كالمعاينة » كان حاشية لبيان المعنى فخلط بالمتن كما هو كثير في الطبعة المصرية .
و حينئذ فالمعنى ليست الرؤية الحقيقية برؤية البصر بل برؤية العقل و النظر ، و حينئذ « فالأبصار » بالفتح جمع البصر بمعنى العيون .
« فقد تكذب العيون أهلها » كذب العين كناية فصيحة عن عدم كون ما رأته العين بالظاهر موجودا في الواقع ، قال الشاعر :
كذبتك عينك أم رأيت بواسط
|
|
غلس الظلام من الرباب خيالا
|
و الشاهد لوقوع الكذب من العين أحيانا أنّها ترى الكبير من بعيد صغيرا و قد ترى الصغير كبيرا ، و ترى القمر كبيرا ، و ترى القمر تحت السحاب
المتحرّك سائرا و انما السير للسحاب ، و ترى عند الوقوف على نهر جار الساحل جاريا و الجري للنهر .
« و لا يغش العقل من استنصحه » بخلاف باقي المستنصحين ، فقد يغشون و لا يبيّنون لك الرأي الصحيح ، و حينئذ فالرؤية الحقيقية إنّما هي لرؤية العقل الذي لا يكذب أصلا .
الفصل السابع و الخمسون في الفقر
١ الحكمة ( ١٦٣ ) و قالعليهالسلام
:
اَلْفَقْرُ اَلْمَوْتُ اَلْأَكْبَرُ أقول : هو من حديث الأربعمائة الذي رواه الخصال عن أبيه عن سعد عن اليقطيني عن القاسم بن يحيى عن جدّه الحسن بن راشد عن أبي بصير و محمد ابن مسلم عن الصادقعليهالسلام
عن آبائه عنهعليهمالسلام
تحت عنوان ( علّم أمير المؤمنينعليهالسلام
أصحابه في مجلس واحد أربعمائة باب ممّا يصلح للمسلم في دينه و دنياه )
.
و في ( المعاني ) قال الحرث الأعور لأمير المؤمنينعليهالسلام
: ما الفقر ؟ قال :
الحرص و الشره
.
و في ( الكافي ) عن الصادقعليهالسلام
: قيل له قولهم الفقر الموت الأحمر هو من الدينار و الدرهم ؟ قال : لا ، و لكن من الدين
.
و روي عن لقمان ، قال لقمان لابنه : حملت الجندل و الحديد و كلّ حمل ثقيل فلم أحمل شيئا أثقل من جار السوء ، و ذقت المرارات فلم أذق شيئا أمرّ من الفقر
.
قلت : و أصل الفقير في اللغة من كسر فقار ظهره .
٢ الحكمة ( ٣١٩ ) و قالعليهالسلام
لابنه محمّد بن الحنفية :
يَا بُنَيَّ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ اَلْفَقْرَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْهُ فَإِنَّ اَلْفَقْرَ مَنْقَصَةٌ لِلدِّينِ مَدْهَشَةٌ لِلْعَقْلِ دَاعِيَةٌ لِلْمَقْتِ قول المصنف « و قالعليهالسلام
لابنه محمد بن الحنفية » هو أكبر أولاده بعد الحسنينعليهمالسلام
اشتهر بالنسبة إلى امّه خولة الحنفية قال المدائني : إنّ زبيدا سبتها من بني حنيفة ، ثم ارتدّت زبيد مع عمرو بن معد يكرب باليمن ، فبعث النبيصلىاللهعليهوآله
أمير المؤمنينعليهالسلام
فأصابها فصارت في سهمه و قال النبيصلىاللهعليهوآله
له : إن ولدت منك غلاما فسمّه باسمي و كنّه بكنيتي
قال ابن قتيبة : مات بالطائف هاربا من ابن الزبير
.
و قالعليهالسلام
له أيضا على ما روى الخصال في باب الثلاثة : إيّاك و العجب طالبعليهالسلام
ابنه الحسنعليهالسلام
إن قال : ما الفقر قال : الحرص و الشره .
و سوء الخلق و قلّة الصبر ، فانّه لا يستقيم لك على هذه الخصال الثلاث صاحب و لا يزال لك عليها من الناس مجانب ، و ألزم نفسك التودّد و صبّر على مؤونات الناس نفسك ، و ابذل لصديقك نفسك و مالك ، و لعرفتك رفدك و محضرك ، و للعامة بشرك و محبتك ، و لعدوّك عدلك و إنصافك ، و اضنن بدينك و عرضك عن كلّ أحد
.
قولهعليهالسلام
« يا بنيّ إنّي أخاف عليك الفقر فاستعذ باللَّه منه » في دعاء أبي حمزة للسجّادعليهالسلام
« أعوذ بك من الفقر و الفاقة و كلّ بلية ، و الفواحش كلّها ما ظهر منها و ما بطن »
.
« فان الفقر منقصة للدّين » كون الفقر سببا لنقص الدين أنّ الفقير يتواضع غالبا للغنيّ ، و من تواضع لغنيّ ذهب ثلثا دينه .
و عنهمعليهمالسلام
: كاد الفقر أن يكون كفرا
.
و عن النبيصلىاللهعليهوآله
: نعم العون على التقوى المال
.
« مدهشة للعقل » قال شاعر :
إذا قلّ مال المرء قلّ حياؤه
|
|
و ضاقت عليه أرضه و سماؤه
|
و أصبح لا يدري و إن كان حازما
|
|
أقدّامه خير له أم وراؤه
|
« داعية للمقت » أي : انّه سبب لبغض الناس له ، فقالوا : المفلس عند الناس أكذب من لمعان السراب و من سحاب تموز ، لا يسأل عنه إن غاب و لا يسلّم عليه إذا قدم ، إن غاب شتموه و إن حضر طردوه ، مصافحته تنقض الطهارة
و قراءته تقطع الصلاة .
و في ( تاريخ بغداد ) : سئل أبو محمد الجريري عن الفقر و الغنى أيّهما أفضل ؟ فقال : لو لم يكن من فضل الفقر إلاّ ثلاث : إسقاط المطالبة ، و قطع عن المعصية ، و تقديم الدخول إلى الجنّة ، لكفى فقال أبو العباس بن عطا : يا سبحان اللَّه و أيّ فضل يكون أفضل ممّا أضافه اللَّه تعالى إلى نفسه ؟ و أيّ شيء يكون أعجز من شيء تنافى اللَّه تعالى عنه ؟ فانّه تعالى أضاف الغنى إلى نفسه و تنافى عن الفقر و اعتدّ على نبيهصلىاللهعليهوآله
فقال :(
و وجدك عائلا فأغنى
)
فإن احتجّ محتجّ بأنّهصلىاللهعليهوآله
عرض عليه مفاتيح الدنيا و لم يقبلها ، فيقال له :
تركها اختيارا و التارك لا يكون إلاّ غنيا
.
٣ الحكمة ( ٣٤٦ ) و قالعليهالسلام
:
مَاءُ وَجْهِكَ جَامِدٌ يُقْطِرُهُ اَلسُّؤَالُ فَانْظُرْ عِنْدَ مَنْ تُقْطِرُهُ أقول : هكذا في الطبعة ( المصرية )
، و لكن في ( ابن أبي الحديد
و الخطية
بدل « ماء وجهك جامد » « وجهك ماء جامد » و الصواب هنا ما في الطبعة المصرية لتصديق ( ابن ميثم )
الذي نسخته بخط المصنف لمّا فيها .
و كيف كان فيجوز في « يقطر » و « تقطر » التخفيف مجردا و التشديد ، ففي الصحاح « قطر الماء و قطرته » يتعدّى و لا يتعدّى ، و تقطير الشيء إسالته قطرة قطرة
.
و لا يجوز أن يكونا بضم المضارعة من باب الافعال ، فمعنى « اقطر » حان له أن يقطر ، و لا مناسبة له هنا .
دخل محمد بن واسع على بعض الامراء فقال : أتيتك في حاجة فإن شئت قضيتها فكنّا كريمين ، و إن شئت لم تقضها و كنّا لئيمين ، أراد انّه إذا لم يقضها كان طالب الحاجة أيضا لئيما حيث طلب حاجته من غير أهلها
.
و قال الطائي :
أعياش انّك لئيم و إنّني
|
|
مذ صرت موضع مطلبي للئيم
|
و قال أبو العيناء لمن طلب إليه حاجة فلم يقضها : سألتك حاجة فرددت بأقبح من وجهك و قال الطائي :
رددت رونق وجهي في صحيفته
|
|
ردّ الصقال بهاء الصارم الخذم
|
و ما ابالي و خير القول أصدقه
|
|
حقنت لي ماء وجهي أم حقنت دمي
|
و قال أبو الأسود :
و إنّ أحقّ الناس إن كنت مادحا
|
|
بمدحك من أعطاك و الوجه وافر
|
لآخر :
إذا أظمأتك أكفّ الرجال
|
|
كفتك القناعة شبعا و ريّا
|
فكن رجلا رجله في الثرى
|
|
و هامة همّته في الثريّا
|
فإنّ إراقة ماء الحياة
|
|
دون إراقة ماء المحيّا
|
و قال بشار في عمر بن العلاء :
دعاني إلى عمر جوده
|
|
و قول العشيرة بحر خضم
|
و لو لا الذي زعموا لم أكن
|
|
لأمدح ريحانة قبل شم
|
و في ( الكافي ) عن الحارث الهمداني قال : سامرت أمير المؤمنينعليهالسلام
فقلت : عرضت لي حاجة قال : رأيتني لها أهلا ؟ قلت : نعم قال : جزاك اللَّه عنّي خيرا ، ثم قام إلى السراج فأغشاها و جلس ثم قال : انّما أغشيت السراج لئلا أرى ذلّ حاجتك في وجهك فتكلّم فإنّي سمعت النبيصلىاللهعليهوآله
يقول : الحوائج أمانة من اللَّه في صدور العباد ، فمن كتمها كتبت له عبادة و من أفشاها كان حقّا على من سمعها أن يعينه
.
و عن الصادقعليهالسلام
قال : ما توسّل أحد إليّ بوسيلة و لا تذرّع بذريعة أقرب له إلى ما يريده منّي من رجل سلف إليه منّي يد اتبعها اختها و أحسنت ربّها أي تربيتها فإنّي رأيت منع الأواخر يقطع لسان شكر الأوائل ، و لا سخت نفسي بردّ بكر الحوائج و قد قال الشاعر :
و إذا بليت ببذل وجهك سائلا
|
|
فابذله للمتكرّم المفضال
|
إنّ الجواد إذا حباك بموعد
|
|
أعطاكه سلسا بغير مطال
|
و إذا السّؤال مع النوال و زنته رجح السّؤال و خفّ كل نوال
و عن الرضاعليهالسلام
: سأله رجل أن يعطيه ما يصل إلى بلده ، فدخل و ردّ الباب و أعطاه من أعلى الباب ، فقيل لهعليهالسلام
في ذلك ، فقال : أما سمعت قول الأول :
متى آته يوما لأطلب حاجة رجعت إلى أهلي و وجهي بمائه
هذا ، و في ( الكافي ) عن الصادقعليهالسلام
: ما من عبد يسأل من غير حاجة فيموت حتى يحوجه اللَّه إليها و يثبت اللَّه له بها النار
و عنهعليهالسلام
أيضا : رحم اللَّه عبدا عفّ و تعفّف و كفّ عن المسألة ، فإنّه يتعجّل الدنيّة في الدّنيا و لا يغني الناس عنه شيئا ثم تمثّل ببيت حاتم :
إذا ما عرفت اليأس ألفيته الغنى إذا عرفته النفس و الطمع الفقر
و عنهعليهالسلام
: جاءت فخذ من الأنصار إلى النبيصلىاللهعليهوآله
فقالوا : لنا حاجة .
قال : هاتوا قالوا : إنّها عظيمة فقال : هاتوها ما هي ؟ قالوا : تضمن لنا على ربّك الجنّة فنكس النبيصلىاللهعليهوآله
رأسه ثم نكت في الأرض ثم رفع رأسه فقال : أفعل ذلك بكم على أن لا تسألوا أحدا شيئا فكان الرجل منهم يكون في السفر فيسقط سوطه فيكره أن يقول لإنسان : ناولنيه فرارا من المسألة و ينزل فيأخذه ، و يكون على المائدة فيكون بعض الجلساء أقرب إلى الماء منه فلا يقول : ناولني ، حتى يقوم فيشرب
.
و عن النبيصلىاللهعليهوآله
: ان اللَّه تعالى أحبّ شيئا لنفسه و أبغضه لخلقه ، أبغض
لخلقه المسألة و أحبّ لنفسه أن يسأل ، و لا يستحي أحدكم أن يسأل اللَّه من فضله و لو شسع نعل
.
و عن النبيصلىاللهعليهوآله
أيضا : و الذي نفسي بيده لأن يأخذ أحدكم حبلا ثم يدخل عرض هذا الوادي فيحتطب حتى لا يلتقي طرفاه ثم يدخل به إلى السوق فيبيعه بمدّ من تمر و يأخذ ثلثيه و يتصدّق بثلثه خير له من أن يسأل الناس ، أعطوه أو حرموه
.
و عن الباقرعليهالسلام
: لو يعلم السائل ما في المسألة ما سأل أحد أحدا ، و لو يعلم المعطي ما في العطية ما ردّ أحد أحدا
.
٤ الحكمة ( ٤٢٧ ) و قالعليهالسلام
:
مَنْ شَكَا اَلْحَاجَةَ إِلَى مُؤْمِنٍ فَكَأَنَّمَا شَكَاهَا إِلَى اَللَّهِ وَ مَنْ شَكَاهَا إِلَى كَافِرٍ فَكَأَنَّمَا شَكَا اَللَّهَ هكذا في ( ابن أبي الحديد
و ابن ميثم )
و الخطية و ما في الطبعة المصرية
غلط .
أقول : في ( روضة الكافي ) عن الصادقعليهالسلام
قال لبعض شيعته : إذا نزلت بك نازلة فلا تشكها إلى أحد من أهل الخلاف ، و لكن اذكرها لبعض إخوانك
فانّك لن تعدم خصلة من أربع : إمّا كفاية بمال ، أو معونة بجاه ، أو دعوة فتستجاب ، أو مشورة برأي
.
هذا ، و في ( الكافي ) عن النبيصلىاللهعليهوآله
قال اللَّه تعالى : من مرض ثلاثا فلم يشك إلى أحد من عوّاده أبدلته لحما خيرا من لحمه و دما خيرا من دمه ، فإن عافيته عافيته و لا ذنب له ، و إن قبضته قبضته إلى رحمتي
.
و في خبر : إن قال حممت اليوم أو سهرت البارحة ليس بشكاة ، إنّما الشكوى أن يقول : لقد ابتليت بما لم يبتل به أحد ، و أصبت ما لم يصب أحدا
.
الفصل الثامن و الخمسون كلامهعليهالسلام
في النساء
١ الحكمة ( ١٢٤ ) و قالعليهالسلام
:
غَيْرَةُ اَلْمَرْأَةِ كُفْرٌ وَ غَيْرَةُ اَلرَّجُلِ إِيمَانٌ أقول : « الغيرة » بالفتح صرح به ابن السّكّيت
، روى ( الكافي ) عنهعليهالسلام
قال : كتب اللَّه الجهاد على الرجال و النساء ، و جهاد المرأة أن تصبر على ما ترى من أذى زوجها و غيرته
و في خبر آخر و جهاد المرأة حسن التبعل .
و روى ( الطبري ) عن ابن عباس قال : إنّ ليلى بنت الخطيم الخزرجية أقبلت إلى النبيصلىاللهعليهوآله
و هو مولّ ظهره الشمس ، فضربت على منكبه فقال : من هذه ؟ قالت : أنا ابنة مباري الريح ، جئتك أعرض عليك نفسي فتزوّجني قال : قد فعلت فرجعت إلى قومها فقالت : قد تزوّجني النبيّ فقالوا : بئس ما صنعت ، أنت امرأة غيرى و النبيصلىاللهعليهوآله
صاحب نساء ، إستقيليه نفسك ، فرجعت إلى
النبيصلىاللهعليهوآله
فقالت : أقلني قال : قد أقلتك
.
قلت : لو صح الخبر لدلّ على اختصاص النبيصلىاللهعليهوآله
بالإقالة بدل الطلاق .
و في ( ذيل الطبري ) : قال أبو معشر تزوّج النبيصلىاللهعليهوآله
مليكة بنت كعب الليثي و كانت تذكر بجمال بارع ، فدخلت عليها عائشة فقالت : أما تستحين أن تنكحي قاتل أبيك فاستعاذت من النبيصلىاللهعليهوآله
فطلقها ، فجاء قومها إلى النبي فقالوا : إنّها صغيرة و لا رأي لها و خدعت فارتجعها ، فأبى ، و كان أبوها قد قتل يوم فتح مكّة قتله خالد بن الوليد بالخندمة .
و ( فيه ) أيضا قال أبو اسيد الساعدي : تزوّج النبيصلىاللهعليهوآله
أسماء ابنة النعمان الجونية و أرسلني فجئت بها فقالت حفصة لعائشة أو عائشة لحفصة إخضبيها أنت و أمشطها أنا ، ففعلت ثم قالت إحداهما لها : إن النبيّ يعجبه من المرأة إذا ادخلت عليه أن تقول : « أعوذ باللَّه منك » ، فلما دخلت عليه و اغلق الباب و أرخى الستر مدّ يده إليها فقالت : أعوذ باللَّه منك فقال بكمه على وجهه فاستتر به و قال : عذت معاذا ثلاث مرّات قال أبو أسيد : ثم خرج النبيصلىاللهعليهوآله
عليّ و قال ألحقها بأهلها و متّعها برازقيتين يعني كرباسين فكانت تقول : ادعوني الشّقسّة ، فلما طلعت بها على القوم تصايحوا و قالوا : إنّك لغير مباركة ما دهاك ؟ فقالت : خدعت ، فقيل لي كيت و كيت فقال أهلها : لقد جعلتنا في العرب شهرة فنادت أبا أسيد و قالت : قد كان ما كان فالذي أصنع ما هو ؟ قال : أقيمي في بيتك فاحتجبي إلاّ من ذي محرم و لا يطمع فيك طامع بعد النبيصلىاللهعليهوآله
، فإنّك من امّهات المؤمنين .
فأقامت حتى توفّيت في خلافة عثمان قال زهير بن معاوية ماتت كمدا
.
و في ( عيون ابن قتيبة ) قالت عائشة : خطب النبيصلىاللهعليهوآله
امرأة من كلب ، فبعثني أنظر إليها فقال لي : كيف رأيت ؟ فقلت : ما رأيت طائلا فقال : لقد رأيت خالا بخدّها أقشعر كلّ شعرة منك على حدها فقالت : ما دونك ستر
.
و روى ( سنن أبي داود ) عن أنس أنّ النبيصلىاللهعليهوآله
كان عند بعض نسائه ، فأرسلت إحدى امهات المؤمنين مع خادمها قصعة فيها طعام ، فضربت بيدها فكسرت القصعة ، فأخذ النبيصلىاللهعليهوآله
الكسرتين فضمّ إحداهما إلى الاخرى فجعل يجمع فيها الطعام و يقول : غارت امّكم
.
قلت : و المرسلة للطعام في قصعة كانت صفية بن حيّ بن أخطب و الكاسرة لها عائشة كما صرّح به في خبر رواه بعد و في ذاك الخبر : أخذ عائشة أفكل فكسرت الإناء .
و في ( اسد الغابة ) في عنوان خديجة ، قالت عائشة : كان النبيصلىاللهعليهوآله
لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة فيحسن الثناء عليها ، فذكرها يوما فأدركتني الغيرة فقلت : هل كانت إلاّ عجوزا فقد أبدلك اللَّه خيرا منها فغضب حتى اهتزّ مقدّم شعره من الغضب ، ثم قال : لا و اللَّه ما أبدلني اللَّه خيرا منها ، آمنت بي إذ كفر الناس ، و صدّقتني إذ كذّبني الناس ، و واستني في مالها إذ حرمني الناس ، و رزقني اللَّه منها أولادا إذ حرمني أولاد النساء
.
قلت : و مغزى كلامهصلىاللهعليهوآله
أنّ أباها كان كافرا فيمن كفر و مكذّبا فيمن كذب حين اسلام خديجة ، كما أنّها هي من نسائه اللاتي حرم الولد منهن ، فكيف يدّعون لأبيها تقدم اسلامه .
و في ( تفسير القمّي ) في قوله تعالى :(
و امرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي
)
كان سبب نزولها أنّ امرأة من الأنصار أتت النبيصلىاللهعليهوآله
و قد تهيّأت و تزيّنت ، فقالت : يا رسول اللَّه هل لك فيّ حاجة فقد وهبت نفسي لك فقالت لها عائشة : قبّحك اللَّه ما أنهمك للرجال فقال النبيصلىاللهعليهوآله
: مه يا عائشة فإنّها رغبت في رسول اللَّهصلىاللهعليهوآله
إذ زهدتنّ فيه ثم قال : رحمك اللَّه و رحمكم يا معشر الأنصار ، نصرني رجالكم و رغبت فيّ نساؤكم ، إرجعي رحمك اللَّه فإنّي أنتظر أمر اللَّه فأنزل اللَّه تعالى(
و امرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبيّ أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين
)
فلا تحلّ الهبة إلاّ لرسول اللَّه
.
ثم من المضحك أنّ النووي في شرحه على صحيح مسلم قال بعد ذكر رواية مسلم عن عائشة قالت : قال لي النبيصلىاللهعليهوآله
: إنّي لأعلم إذا كنت عنّي راضية و إذا كنت عليّ غضبى قلت : و من أين تعرف ذلك ؟ قال : أمّا إذ كنت عني راضية تقولين : « لا و ربّ محمّد » و إذ كنت غضبى تقولين : « لا و ربّ إبراهيم » .
قلت : أجل و اللَّه لا أهجر إلاّ اسمك .
مغاضبة عائشة للنبيصلىاللهعليهوآله
هي ممّا سبق من الغيرة التي عفي عنها للنساء في كثير من الأحكام كما سبق لعدم انفكاكهن منها ، حتى قال مالك و غيره من علماء المدينة : يسقط عنها الحد إذا قذفت زوجها بالفاحشة على جهة الغيرة ، قال و احتج بما روي ان النبيصلىاللهعليهوآله
قال : ما تدري الغيراء أعلى الوادي من أسفله و لو لا ذلك لكان على عائشة في ذلك من الحرج ما فيه ، لأن الغضب على النبيصلىاللهعليهوآله
و هجره كبيرة عظيمة
.
فإنّ إخواننا إنّما عرفوا الحق بالأشخاص ، فاعتقدوا بحسب مذهبهم المتناقض أنّ عائشة صدّيقة ابنة صدّيق .
فاشتروا بذلك قول اللَّه جل و علا :(
يا نساء النبي من يأت منكنّ بفاحشة مبيّنة يضاعف لها العذاب ضعفين و كان ذلك على اللَّه يسيرا
)
و قوله تعالى فيها و في صاحبتها :(
و إن تظاهرا عليه فإنّ اللَّه هو مولاه و جبريل و صالح المؤمنين
)
.
و قوله عزّ اسمه تعريضا بهما كما صرّح به ( الزمخشري )
و رواه ( صحيح مسلم )
:(
ضرب اللَّه مثلا للّذين كفروا امرأت نوح و امرأت لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من اللَّه شيئا و قيل ادخلا النّار مع الدّاخلين
)
بثمن قليل ، فكان ضعف العذاب عليها لإتيانها بتلك الفواحش المبيّنة عليهم عسيرا ، و تظاهرها هي و صاحبتها على نبيّهصلىاللهعليهوآله
نسيا منسيا ، و أنّها مع خيانتها تلك الخيانات التي أثبتها التاريخ في الجمل و غير الجمل كان كونها تحت النبيصلىاللهعليهوآله
لا يغني عنها شيئا .
كما أغمضوا عمّا شاهدوا من أبيها و صاحبه مع النبيصلىاللهعليهوآله
بالتخلّف عن جيش اسامة الذي لعن المتخلف عنه و منعه من الوصية و نسبة الهجر إليه ، مع قوله تعالى :(
و ما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى
)
و مع أهل بيته بإحراقهم لو لم يبايعوا مع قوله تعالى فيهم(
إنّما يريد اللَّه ليذهب
عنكم الرجس أهل البيت و يطهّركم تطهيرا
)
.
و لمّا قال بعضهم لأمير المؤمنينعليهالسلام
: إني أعتزلك لاعتزال سعد و ابن عمر لك قالعليهالسلام
له : إنّك تعرف الحقّ بالرجال و الواجب أن تعرف الرجال بالحقّ
.
و كيف تكون غيرتهن عفوا و قد قال أمير المؤمنينعليهالسلام
« غيرتهن كفر » و قال الباقرعليهالسلام
: غيرة النساء الحسد ، و الحسد أصل الكفر ، إنّ النساء إذا غرن غضبن ، و إذا غضبن كفرن إلاّ المسلمات منهنّ
.
و قال الصادقعليهالسلام
: إن اللَّه تعالى لم يجعل الغيرة للنساء ، و إنّما تغار المنكرات منهن ، فأمّا المؤمنات فلا ، إنّما جعل اللَّه الغيرة للرجال
.
فأمّا قول النبيصلىاللهعليهوآله
« الغيراء لا تدري أعلى الوادي من أسفله » فبيان حالهن لا دليل جواز عملهن .
و ورد من طريقنا
أيضا هكذا : بينا كان النبيصلىاللهعليهوآله
قاعدا إذ جاءت امرأة عريانة حتى قامت بين يديه فقالت : إنّي قد فجرت فطهّرني ، و جاء رجل يعدو في أثرها و ألقى عليها ثوبا ، فقال : ما هي منك ؟ قال : صاحبتي خلوت بجاريتي فصنعت ما ترى فقال : ضمّها إليك ثم قال : ان الغيراء لا تبصر أعلى الوادي من أسفله
.
و كيف يعفى عنهنّ مع ترتب مفاسد كثيرة على غيرتهن ، فقد روى الكافي أنّ عمر اتي بجارية قد شهدوا عليها أنّها بغت و كان من قصتها أنّها كانت يتيمة عند رجل و كان الرجل كثيرا ما يغيب عن أهله ، فشبّت اليتيمة فتخوّفت المرأة أن يتزوجها زوجها ، فدعت بنسوة حتى أمسكنها فأخذت عذرتها بأصبعها ، فلما قدم زوجها من غيبته رمت المرأة اليتيمة بالفاحشة و أقامت البيّنة من جاراتها اللاّتي ساعدنها على ذلك ، فرفع ذلك إلى عمر فلم يدر كيف يقضي فيها ، ثم قال للرجل : إئت عليّ بن أبي طالب و إذهب بنا إليه .
فأتوهعليهالسلام
و قصوا عليه القصة ، فقالعليهالسلام
لامرأة الرجل : ألك بيّنة أو برهان ؟
قالت : هؤلاء جاراتي يشهدن عليها بما أقول ، و أحضرتهن فأخرج عليعليهالسلام
سيفه من غمده فطرحه بين يديه و أمر بكلّ واحدة منهن فأدخلت بيتا ، ثم دعا امرأة الرجل فأدارها بكل وجه فأبت أن تزول عن قولها ، فردّها إلى البيت الذي كانت فيه و دعا إحدى الشهود و جثا على ركبتيه ثم قال : تعرفيني أنا علي بن أبي طالب و هذا سيفي و قد قالت امرأة الرجل ما قالت و رجعت إلى الحق و أعطيتها الأمان و إن لم تصدقيني لأمكّننّ السيف منك فالتفتت المرأة إلى عمر و قالت : الأمان على الصدق فقال لها علي فاصدقي ، فقالت لا و اللَّه إلاّ أنّها رأت جمالا و هيئة فخافت فساد زوجها فسقتها المسكر و دعتنا فأمسكناها فافتضّتها بأصبعها فقال عليعليهالسلام
: اللَّه أكبر أنا أوّل من فرق بين الشهود إلاّ دانيال النبيعليهالسلام
، و الزمهن حدّ القاذف و الزمهن جميعا العقر و جعل عقرها أربعمائة درهم ، و أمر بالمرأة أن تنفى من الرجل و يطلقها زوجها ، و زوّجهعليهالسلام
الجارية و ساق المهر عنه .
.
و روى أيضا أنّه كان على عهد أمير المؤمنينعليهالسلام
رجلان متؤاخيان
في اللَّه عز و جل ، فمات أحدهما و أوصى إلى الآخر في حفظ بنية كانت له ، فحفظها الرجل و أنزلها منزلة ولده في اللطف و الإكرام ، ثم حضره سفر فخرج و أوصى امرأته في الصبية ، فأطال السفر حتى إذا أدركت الصبيّة و كان لها جمال و كان الرجل يكتب في حفظها و التعاهد لها ، فلما رأت ذلك امرأته خافت أن يقدم فيراها قد بلغت مبلغ النساء فيعجبه جمالها فيتزوجها ، فعمدت إليها هي و نسوة معها قد كانت أعدّتهن ، فأمسكنّها لها ثم افترعتها بأصبعها ، فلما قدم الرجل من سفره دعا الجارية ، فأبت أن تجيبه استحياء ممّا صارت إليه ، فألحّ عليها في الدعاء ، كلّ ذلك و هي تأبى أن تجيبه ، فلما أكثر عليها قالت له امرأته : دعها فانّها تستحي أن تأتيك من ذنب أتته ، و رمتها بالفجور ، فاسترجع الرجل ثم قام إلى الجارية فوبّخها و قال لها : ويحك أما علمت ما كنت أصنع بك من الألطاف ، و اللَّه ما كنت أعدّك إلاّ كبعض ولدي أو إخوتي و إن كنت لابنتي ، فما دعاك إلى ما صنعت ؟ فقالت له الجارية : أمّا إذ قيل لك ما قيل فو اللَّه ما فعلت الذي رمتني به امرأتك و لقد كذبت عليّ ، فإنّ القصة لكذا و كذا و وصفت له ما صنعت امرأته بها فأخذ الرجل بيد امرأته و يد الجارية فمضى بهما حتى أجلسهما بين يدي أمير المؤمنينعليهالسلام
و أخبره بالقصة كلّها و أقرّت المرأة بذلك ، و كان الحسنعليهالسلام
بين يدي أبيه فقال له : إقض فيها فقال الحسنعليهالسلام
:
نعم على المرأة الحد لقذفها الجارية و عليها القيامة لافتراعها فقالعليهالسلام
له :
صدقت
.
و في ( مناقب السروي ) عن تميم بن خزام الأسدي قال : صبّت امرأة بياض البيض على فراش ضرّتها و قالت لزوجها : قد بات عندها رجل ، ففتّش ثيابها فأصاب ذلك البيض ، فقص ذلك على عمر فهمّ أن يعاقبها فقال أمير
المؤمنينعليهالسلام
: إيتوني بماء حار قد اغلي غليانا شديدا ، فلما اتي به أمرهم فصبّوا على الموضع فاشتوى ذلك الموضع ، فرمى به إليها و قال :(
إنّه من كيدكن إنّ كيدكن عظيم
)
و قالعليهالسلام
لزوجها : أمسك عليك زوجك فإنّها حيلة تلك التي قذفتها ، فضربها الحدّ
.
و في ( معجم أدباء الحموي ) نقلا عن كتاب شعراء ابن المعتزّ : كان الخليل منقطعا إلى الليث بن رافع بن نصر بن سيّار ، و كان الليث من أكتب أهل زمانه بارع الأدب بصيرا بالشعر و الغريب و النحو ، و كان كاتبا للبرامكة و كانوا معجبين به ، فارتحل إليه الخليل و عاشره فوجده بحرا فأغناه ، و أحبّ الخليل أن يهدي إليه هدية تشبهه ، فاجتهد في تصنيف كتاب العين فصنّفه له و خصّه به دون الناس و حبّره و أهداه إليه ، فوقع منه موقعا عظيما و سرّ به و عوّضه عنه مائة ألف درهم و اعتذر إليه ، و أقبل الليث ينظر فيه ليلا و نهارا لا يملّ النظر فيه حتى حفظ نصفه و كانت ابنة عمّه تحته فاشترى عليها جارية نفيسة بمال جليل ، فبلغها ذلك فغارت غيرة شديدة ، فقالت و اللَّه لأغيظنّه و لا ابقي غاية فقالت : إن غظته في المال فذاك ما لا يبالي و لكني أراه مكبّا ليله و نهاره على هذا الدفتر و اللَّه لأفجعنه به ، فأخذت الكتاب و أضرمت نارا و ألقته فيها ، و أقبل الليث إلى منزله و دخل إلى البيت الذي كان فيه الكتاب ، فصاح بخدمه و سألهم عن الكتاب فقالوا : أخذته الحرة ، فبادر إليها و قد علم من أين اتي ، فلما دخل عليها ضحك في وجهها و قال لها : ردّي الكتاب فقد وهبت لك الجارية و حرّمتها على نفسي ، و كانت غضبى فأخذت بيده و أرته رماده ، فسقط في يد الليث فكتب نصفه من حفظه و جمع على الباقي أدباء زمانه و قال
لهم : مثلوا عليه و اجتهدوا ، فعملوا هذا النصف الذي بأيدي الناس ، فهو ليس من تصنيف الخليل و لا يشقّ غباره
.
هذا ، و في السير : ضرب البعث على كوفي إلى آذربيجان ، فاقتاد جارية و فرسا و كان مملكا بابنة عمه ، فكتب إليها ليغيرها :
ألا بلغوا ام البنين بأننا
|
|
غنينا و أغنتنا الغطارفة المرد
|
بعيد مناط المنكبين إذا جرى
|
|
و بيضاء كالتمثال زيّنها العقد
|
فهذا لأيّام العدو و هذه
|
|
لحاجة نفسي حين ينصرف الجند
|
فكبت إليه امرأته :
ألا فاقره منّي السّلام و قل له
|
|
غنينا و أغنتنا غطارفة المرد
|
إذا شئت أغناني غلام مرجّل
|
|
و نازعته في ماء معتصر الورد
|
و ان شاء منهم ناشىء مدّ كفّه
|
|
إلى عكن ملساء أو كفل نهد
|
فما كنتم تقضون حاجة أهلكم
|
|
شهودا قضيناها على النأي و البعد
|
فعجّل علينا بالسراح فإنّه
|
|
منانا و لا ندعو لك اللَّه بالرد
|
فلا قفل الجند الذي أنت فيهم
|
|
و زادك رب الناس بعدا على بعد
|
فلما ورد عليه الكتاب لم يزد ان ركب فرسه و أردف الجارية و لحق بها ، فكان أوّل شيء قال لها : تاللَّه هل كنت فاعلة قالت : أنت أحقر من أن أعصي اللَّه فيك ، كيف ذقت طعم الغيرة ، فوهب لها الجارية و انصرف إلى بعثه
.
و في المناقب عن غريب حديث أبي عبيد : جاءت امرأة إلى عليعليهالسلام
و قالت : ان زوجها يأتي جاريتها فقالعليهالسلام
: ان كنت صادقة رجمناه و ان كنت كاذبة جلدناك فقالت : ردوني إلى أهلي غيري نقزة قال أبو عبيد : تعني ان
جوفها يغلي من الغيظ و الغيرة
.
و في ( المروج ) : ذكر مصعب الزبيري أنّ امّ سلمة بنت يعقوب المخزومي كانت بعد هشام بن عبد الملك عند السفاح ، و كان حلف لها أن لا يتزوّج عليها و لا يتسرّى ، و غلبت عليه غلبة شديدة حتى ما كان يقطع أمرا إلاّ بمشورتها ، حتى أفضت الخلافة إليه فوفى لها بما حلف لها ، فلما كان ذات يوم خلا به خالد ابن صفوان فقال له : إني فكّرت في أمرك و سعة ملكك ، و قد ملكت نفسك امرأة واحدة ، فإن مرضت مرضت و ان غابت غبت و حرمت نفسك التلذّذ باستطراف الجواري و معرفة أخبار حالاتهن و التمتّع بما تشتهي منهنّ ، فإنّ منهن الطويلة الغيداء و منهن الفضة البيضاء ، و منهن العتيقة الأدماء و الدقيقة السمراء و البربرية العجزاء ، من مولدات المدينة تفتن بمحادثتها و تلذّ بخلوتها ، و أين أنت من بنات الأحرار و النظر إلى ما عندهن و حسن الحديث منهن ، و لو رأيت الطويلة البيضاء و السمراء اللعساء و الصفراء العجزاء و المولّدات من البصريات و الكوفيات ، ذوات الألسن العذبة و القدود المهفهفة و الأوساط المخصّرة و الأصداغ المزرفنة ، و العيون المكحلة و الثدي المحقة ، و حسن زيّهن و زينتهن و شكلهن ، لرأيت شيئا حسنا و جعل يجيد في الوصف و يجدّ في الاطناب بحلاوة لفظه وجودة صفته .
فلما فرغ قال له السفاح : و يحك يا خالد ما صكّ مسامعي و اللَّه قطّ كلام أحسن من كلامك ، فأعده علي فقد وقع منّي موقعا ، فأعاد عليه خالد أحسن ممّا ابتدأ ، ثم انصرف و بقي السفاح مفكّرا فيما سمع من خالد ، فدخلت عليه ام سلمة فلما رأته متفكّرا قالت : إنّي لأنكرك ، هل حدث أمر أو أتاك خبر ؟ قال : لم يكن من ذلك شيء قالت : فما قصّتك ؟ فجعل يزوي عنها فلم تزل به حتى
أخبرها بمقالة خالد ، فقالت : فما قلت لابن الفاعلة قال : سبحان اللَّه ينصحني و تشتمينه ، فخرجت من عنده مغضبة و أرسلت إلى خالد من البخارية و معهم من الكافر كوبات ، و أمرتهم أن لا يتركوا منه عضوا صحيحا .
قال خالد : فانصرفت إلى منزلي و أنا على السرور بما رأيت من السفاح و إعجابه بما ألقيته إليه ، و لم أشكّ أنّ صلته تأتيني ، فلم ألبث حتى صار إليّ اولئك البخارية و أنا قاعد على باب داري ، فلما رأيتهم أيقنت بالجائزة واصلة ، حتى وقفوا عليّ فسألوا عني فقلت : ها أنا ذا خالد ، فسبق اليّ أحدهم بهراوة كانت معه ، فلما أهوى بها اليّ و ثبت الى منزلي و أغلقت الباب و استترت ، و مكثت أيّاما على تلك الحال لا أخرج من منزلي ، و وقع في خلدي أنّي أوتيت من قبل امّ سلمة ، و طلبني السفاح طلبا شديدا فلم أشعر ذات يوم إلاّ بقوم هجموا عليّ و قالوا : أجب الخليفة فأيقنت بالموت ، فركبت و ليس عليّ لحم و لا دم ، فلما وصلت إلى الدار أومى اليّ بالجلوس و نظرت فإذا خلف ظهري باب عليه ستور قد ارخيت و حركة خلفها ، فقال السفاح : لم أرك يا خالد منذ ثلاث .
قلت : كنت عليلا قال : ويحك إنّك وصفت لي في آخر دخلة من أمر الناس و الجواري ما لم يخرق مسامعي قط كلام أحسن منه فأعده علي قلت : نعم .
أعلمتك أنّ العرب اشتقت اسم الضرّة من الضر ، و ان أحدهم ما تزوج من النساء أكثر من واحدة إلاّ كان في جهد فقال : ويحك لم يكن هذا في الحديث .
قلت : بلى ، و أخبرتك أنّ الثلاث من النساء كأثافي القدر يغلي عليهن قال : برئت من قرابتي من النبي إن كنت سمعت هذا منك في حديثك قلت : و أخبرتك أنّ الأربعة من النساء شرّ صيح بصاحبه يشنه و يهرمنه و يسقمنه قال : ويلك ما سمعت هذا منك و لا من غيرك قبل هذا قال خالد : بلى قال : ويلك تكذّبني .
قلت : و تريد أن تقتلني قال : مر في حديثك قلت : و أخبرتك ان أبكار الجواري
رجال و لكن لا خصي لهن .
قال خالد : و سمعت الضحك من وراء الستر قلت : و نعم و أخبرتك أيضا ان بني مخزوم ريحانة قريش و أنت عندك ريحانة من الرياحين و أنت تطمح بعينك إلى حرائر النساء و غيرهن من الاماء .
قال خالد : فقيل لي من وراء الستر صدقت يا عمّاه و برّرت بهذا حديث الخليفة و لكنه بدل و غيّر و نطق عن لسانك بغيره فقال لي السفاح : قاتلك اللَّه و أخزاك و فعل بك و فعل ، فتركته و خرجت و قد أيقنت بالحياة قال : فما شعرت إلاّ برسل ام سلمة قد صاروا إليّ و معهم عشرة آلاف درهم و تخت و برذون و غلام
.
و غيرة الرجل التي هي إيمان ، غيرته على ميل امرأته إلى رجل أجنبي ، و أمّا ميلها إلى زوج لها قبل بمعنى مدحها له بصفات ليست في الأخير فيغيّر زوجها فليس بايمان بل من الكفر ، ففي السير كانت مع سعد بن أبي وقاص بالقادسية زوجة له كانت قبل تحت المثنى بن حارثة ، فلما لم تر من سعد إقداما مثل المثنى قالت : و امثنياه و لا مثنى للمسلمين اليوم فلطمها سعد فقالت المرأة : أ غيرة و جبنا فذهبت مثلا
.
٢ الحكمة ( ٢٣٨ ) و قالعليهالسلام
:
اَلْمَرْأَةُ شَرٌّ كُلُّهَا وَ شَرُّ مَا فِيهَا أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْهَا « المرأة شرّ كلّها » قالوا : كتب بعض الحكماء على باب داره « لا يدخل داري
شرّ » فقال بعض آخر منهم : من أين تدخل امرأتك
؟
و قالوا : تزوّج بعضهم امرأة نحيفة فقيل له في ذلك فقال : اخترت من الشرّ أقلّه
.
و قالوا : رأى بعض الحكماء امرأة غريقة قد احتملها السيل فقال : زادت الكدر كدرا ، و الشر بالشر يهلك
.
و في ( الملل ) : رأى ديو جانس امرأة تحملها الماء فقال : على هذا المعنى جرى المثل « دع الشر يغسله الشر »
.
و رأى نساء يتشاورن فقال : على هذا جرى المثل : « هو ذا الثعبان يستقرض من الأفاعي سمّا » .
و رأى امرأة متزينة في ملعب فقال : هذه لم تخرج لترى و لكن لترى و قالوا : رأى بعضهم جارية تحمل نارا فقال : نار على نار ، و الحامل شر من المحمول و قالوا : رأى حكيم جارية تتعلّم الكتابة ، فقال : يسقى هذا السهم سمّا ليرمي به يوما ما
.
و قالوا : و نظر حكيم إلى امرأة مصلوبة على شجرة ، فقال : ليت كلّ شجرة تحمل مثل هذه الثمرة
.
و قال بعضهم :
ان النساء شياطين خلقن لنا
|
|
نعوذ باللَّه من شرّ الشياطين
|
و قال بعضهم في قولهم « بعد الّتي و اللّتيّا » : إن رجلا تزوج امرأة قصيرة و امرأة طويلة ، فلقي منهما شدّة ، فطلّقهما و قال : بعد اللتيا يعني القصيرة و الّتي أي الطويلة لا أتزوج أبدا
.
و في ( شعراء ابن قتيبة ) : كان جران العود و الرحال خدنين ، فتزوج كلّ واحد منهما امرأتين ، فلقيا منهما مكروها فقال الأول :
ألا لا تغرنّ امرأ نوفلية
|
|
على الرأس بعدي أو ترائب وضّح
|
و لا فاحم يسقي الدهان كأنّه
|
|
أساود يزهاها لعينك أبطح
|
و أذناب خيل علقت في عقيصة
|
|
ترى قرطها من تحتها يتطوّح
|
جرت يوم جئنا بالركاب نزفّها
|
|
عقاب و تشحاج من الطير متيح
|
فأمّا العقاب فهي منّا عقوبة
|
|
و أمّا الغراب فالغريب المطوّح
|
هي الغول و السعلاة حلقي منهما
|
|
مكدّح ما بين التراقي مجرّح
|
خذا نصف مالي و اتركا لي نصفه
|
|
و بينا بذم فالتعزّب أروح
|
و سمّي جران العود بقوله لامرأتيه :
خذا حذرا يا جارتيّ فإنّني
|
|
رأيت جران العود قد كان يصلح
|
فخوفهما بسير قدّ من صدر جمل مسن ، قال و يتمثل من شعره بقوله :
و لا تأمنوا مكر النساء و أمسكوا
|
|
عرى المال عن أبنائهن الأصاغر
|
فإنّك لم ينذرك أمر تخافه
|
|
إذا كنت منه خائفا مثل خابر
|
و في القاموس هو عامر بن الحرث و قول الصحاح اسمه المستورد غلط .
شم الرياحين ، راجع أدب الدنيا و الدين للماوردي : ١٥٦ .
و قال الثاني :
فلا بارك الرحمن في عود أهلها
|
|
عشية زفّوها و لا فيك من بكر
|
و لا الزعفران حين مسّحنها به
|
|
و لا الحلي منها حين نيط من النحر
|
و لا فرش طوهرن من كلّ جانب
|
|
كأنّي أطوي فوقهن من الجمر
|
فيا ليت أنّ الذئب خلّل درعها
|
|
و إن كان ذا ناب حديد و ذا ظفر
|
و جاءوا بها قبل المحاق بليلة
|
|
و كان محاقا كلّه آخر الشهر
|
لقد أصبح الرحّال عنهن صادفا
|
|
إلى يوم يلقى اللَّه في آخر العمر
|
و في ( الاستيعاب ) : كانت عند الأعشى المازني امرأة يقال لها معاذة ، فخرج يمير أهله من هجر ، فهربت امرأته بعده ناشزة عليه ، فعاذت برجل منهم يقال له مطرف ، فجعلها خلف ظهره ، فلما قدم الأعشى لم يجدها في بيته و اخبر أنّها نشزت و عاذت بمطرف ، فأتاه فقال له : يا ابن عم عندك امرأتي فادفعها اليّ فقال : ليست عندي و لو كانت عندي لم أدفعها إليك و كان مطرف أعزّ منه ، فخرج حتى أتى النبيصلىاللهعليهوآله
و أنشأ يقول :
يا سسّد الناس و ديّان العرب
|
|
أشكو إليك ذربة من الذرب
|
خرجت أبغيها الطعام في رجب
|
|
فخلفتني بنزاع و هرب
|
اخلفت العهد و ألظت بالذنب
|
|
و هنّ شر غالب لمن غلب
|
فقال النبيصلىاللهعليهوآله
« و هنّ شر غالب لمن غلب » و كتب إلى مطرف : إدفع إليه امرأته ، فلما قرأ الكتاب قال لمعاذة : هذا كتاب النبي فيك و أنا دافعك إليه فقالت :
خذ لي العهد أن لا يعاقبني فيما صنعت ، فأنشأ يقول :
لعمرك ما حبّي معاذة بالذي
|
|
يغيّره الواشي و لا قدم العهد
|
و لا سوء ما جاءت به إذ أزلّها
|
|
غواة رجال إذ ينادونها بعدي
|
و في ( الملل ) : قيل للاسكندر : إنّ روشنك امرأتك بنت دارا الملك و هي من أجمل النساء فلو قربتها إلى نفسك قال : أكره أن يقال : غلب الاسكندر دارا ، و غلبت روشنك الاسكندر
.
و قالوا : كان أحمد بن يوسف كاتب المأمون إذا دخل عليه حيّاه بتحية أبرويز الملك : « عشت الدهر ، و نلت المنى ، و حبيت طاعة النساء »
.
و في ( الكافي ) عن أمير المؤمنينعليهالسلام
: إتّقوا من شرار النساء و كونوا من خيارهن على حذر ، و إن أمرنكم بالمعروف فخالفوهنّ كيلا يطمعن في المنكر
.
و عنهعليهالسلام
: في خلاف النساء البركة
.
يا مالك الناس و ديان العرب
|
|
إنّي لقيتف دربة من الذّرب
|
ذهبت ابضيها الطعام في رجب
|
|
فخالفتني بنزاع و هرب
|
أخلفت العهد و الطّت بالذنب
|
|
و هن شر غالب لمن غلب
|
و كل أمر تدبرته امرأة فهو ملعون
.
و عن النبيصلىاللهعليهوآله
: إنّ النساء لا يشاورن في النجوى و لا يطعن في ذوي القربى ، إنّ المرأة إذا أسنّت ذهب خير شطريها و بقي شرهما ، يعقم رحمها و يسوء خلقها و يحتدّ لسانها ، و إن الرّجل إذا أسنّ ذهب شرّ شطريه و بقي خيرهما يؤوب عقله و يستحكم رأيه و يحسن خلقه
.
و عنهصلىاللهعليهوآله
: كان إذا أراد الحرب دعا نساءه فاستشارهن ثم خالفهن
.
و قال طفيل الغنوي :
إنّ النّساء متى ينهين عن خلق
|
|
فإنّه واجب لا بدّ مفعول
|
و قالوا : قيل لسقراط أيّ السباع أجسر ؟ قال : المرأة
.
قالوا : و مرّت به امرأة فقالت له : ما أقبحك فقال لها : لو لا أنّك من المرايا الحسنة ، و قال عنه : لم أره مرفوعا ، و لكن عن العسكري من احديث حفص بن عثمان بن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر قال : قال عمر : خالفوا النساء فإنّ خلافهن لبركة ( راجع المقاصد الحسنة : ٢٤٨ ح ٥٨٥ ) ٢ أورده المنقي الهندي في كنز العمّال عن ( عمر ) أنه قال : خالفوا النساء فإن خلافهن بركة ( كنز العمّال ٣ : ٤٥١ ) ٣ الزبيري في إتحاف السادة المتقين بشرح أسرار إحياء علوم الدين ٥ : ٣٥٦ ، يقول عنه هكذا اشتهر على الألسنه و ليس بحديث .
٤ ابن عراق الشافعي في تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الشيعة الموضوعة ٢ : ٢١٠ ، نسبه إلى عمر بن الخطاب ٥ ( ملا علي القالي في الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة ، المعروف بالموضوعات الكبرى : ٢٢٢ ) ذكر قائلا : حديث شاورهن و خالفوهن لم يثبت بهذا المعنى و إن كان له وجه من حيث المعنى .
الصديّة لغمّني ما بان من قبح صورتي فيك
.
هذا ، و عن ( ملح النوادر ) كان ذئب ينتاب بعض القرى و يعبث فيها ، فترصّدوه حتى أخذوه ، ثم تشاوروا فيه فقال بعضهم : تقطع يداه و رجلاه و تدقّ أسنانه و يخلع لسانه ، و قال آخر بل يصلب و يرمى بالنبال ، و قال آخر :
توقد نار عظيمة و يلقى فيها ، و قال بعض الممتحنين بالنساء : بل يزوّج و كفى بالتزويج تعذيبا و في هذه القصة قال الشاعر :
رب ذئب أخذوه
|
|
و تماروا في عقاب
|
ثم قالوا زوّجوه
|
|
و ذروه في عذاب
|
« و شر ما فيها أنّه لا بدّ منها » في ( الكافي ) عن الصادقعليهالسلام
: ان إبراهيمعليهالسلام
شكا إلى اللَّه ما يلقى من سوء خلق سارة ، فأوحى إليه : إنّما مثل المرأة مثل الضلع المعوجّ ، إن أقمته كسرته و إن تركته استمتعت فاصبر عليها
و نظم مضمونه من قال :
هي الضلع العوجاء لست تقيمها
|
|
ألا إنّ تقويم الضلوع انكسارها
|
و في ( البيان ) : سمع أعرابي يقول « اللّهم اغفر لامّ أوفى » قيل له : من امّ أوفى ؟ قال : إمرأتي ، إنّها لحمقاء مرغامة
أكول قامّة
لا تبقي خامّة
، غير
أنّها حسناء فلا تفرك و امّ غلمان فلا تترك
.
و نظير المرأة في مطلوبيتها مع شدائدها لعدم بدّ منها ، الشيب فرارا من الموت قال الشاعر :
الشيب كره و كره أن يفارقني
|
|
فأعجب لشيء على البغضاء مودود
|
٣ الحكمة ( ٦١ ) و قالعليهالسلام
:
اَلْمَرْأَةُ عَقْرَبٌ حُلْوَةُ اَللَّبْسِةِ « المرأة عقرب » في ( اللّسان ) العقرب يكون للذّكر و الانثى ، و الغالب عليه التأنيث ، و يقال للانثى : عقربة و عقرباء ، و العقربان : الذكر منها ، قال إياس بن الأرتّ :
كأنّ مرعى امكم إذ غدت
|
|
عقربة يكومها عقربان
|
و عقرب بن أبي عقرب كان من تجّار المدينة مشهورا بالمطل ، قال الزبير ابن بكار : عامله الفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب فلزم الفضل بيته زمانا فلم يعطه شيئا ، فقال الفضل :
قد تجرت في سوقنا عقرب
|
|
لا مرحبا بالعقرب التاجره
|
كلّ عدو يتّقى مقبلا
|
|
و عقرب تخشى من الدابره
|
إن عادت العقرب عدنا لها
|
|
و كانت النعل لها حاضره
|
كلّ عدوّ كيده في استه
|
|
فغير مخشي و لا ضائره
|
« حلوة اللبسة » هكذا في ( الطبعة المصرية )
، و الصواب : ( اللسبة ) كما نقله ( ابن أبي الحديد
و اللسبة من لسب بالفتح ، قال ابن السكيت يقال لسبته العقرب إذا لسعته ، و اما لسب بالكسر فبمعنى لعق ، يقال لسبت العسل أي لعقته
.
و لكون المرأة عقربا حلوة اللسبة قال كثيّر في صاحبته عزّة :
هنيئا مريئا غير داء مخامر
|
|
لعزّة من أعراضنا ما استحلّت
|
و عن مجنون في صاحبته ليلى :
حلال لليلى شتمنا و انتقاصنا
|
|
هنيئا و مغفور لليلى ذنوبها
|
و في ( الأغاني ) : قدم الوليد بن عبد الملك مكة فأراد أن يأتي الطائف فقال :
هل من رجل عالم يخبرني عنها قالوا : عمر بن أبي ربيعة قال : لا حاجة لي به ، ثم عاد فسأل فذكروه فقال : هاتوه فأتى و ركب معه ، فجعل يحدّثه ثم حوّل رداءه ليصلحه على نفسه ، فرأى الوليد على ظهره أثرا فقال : ما هذا ؟ قال : كنت عند جارية لي إذ جاءتني جارية برسالة من عند جارية اخرى و جعلت تسارّني بها ، فغارت التي كنت عندها فعضّت منكبي ، فما وجدت ألم عضتها من لذة ما كانت تلك تنفث في اذني حتى بلغت ما ترى و الوليد يضحك
.
و قال حجر آكل المرار في هند امرأته :
حلوة العين و الحديث و مرّ
|
|
كل شيء أجنّ منها الضمير
|
و قال أبو العتاهية :
رأيت الهوى جمر الغضا غير أنّه
|
|
على جمره في صدر صاحبه حلو
|
و في ( الجمهرة ) ( زينب ) اشتقاقه من زنابة العقرب و هي ابرته التي تلذع بها ، فأما زبانيا العقرب فهما قرناها
.
٤ الحكمة ( ٢٣٤ ) و قالعليهالسلام
:
خِيَارُ خِصَالِ اَلنِّسَاءِ شَرُّ خِصَالِ اَلرِّجَالِ اَلزَّهْوُ وَ اَلْجُبْنُ وَ اَلْبُخْلُ فَإِذَا كَانَتِ اَلْمَرْأَةُ مَزْهُوَّةً لَمْ تُمَكِّنْ مِنْ نَفْسِهَا وَ إِذَا كَانَتْ بَخِيلَةً حَفِظَتْ مَالَهَا وَ مَالَ بَعْلِهَا وَ إِذَا كَانَتْ جَبَانَةً فَرِقَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يَعْرِضُ لَهَا « خيار خصال النساء شرّ خصال الرجال » و ممّا قيل في اختلافهن مع الرجال في غير ما قالعليهالسلام
قول ابن شبرمة : ما رأيت لباسا على رجل أزين من فصاحته ، و لا رأيت لباسا على امرأة أزين من شحم
و لشاعر :
الخال يقبح بالفتى في خدّه
|
|
و الخال في خد الفتاة مليح
|
و الشيب يحسن بالفتى في رأسه
|
|
و الشيب في رأس الفتاة قبيح
|
الزهو : أي : الكبر و الفخر و كونه من شرار خصال الرجال واضح .
روى ( الكافي ) عن الصادقعليهالسلام
: ان يوسف لمّا دخل عليه يعقوب دخله عزّ الملك فلم ينزل إليه ، فهبط إليه جبرئيل فقال : يا يوسف ابسط راحتك ، فخرج منها نور ساطع فسار في جو السماء ، فقال له يوسف : ما هذا النور الذي خرج من راحتي ؟ فقال : نزعت النبوّة من عقبك عقوبة لمّا لم تنزل إلى الشيخ يعقوب فلا يكون من عقبك نبي
.
و عنهعليهالسلام
: ما من عبد إلاّ و في رأسه حكمة و ملك يمسكها ، فإذا تكبّر قال له : إتّضع وضعك اللَّه فلا يزال أعظم الناس في عينه و هو أصغر الناس في أعين الناس ، و إذا تواضع رفعه اللَّه ثم قال له انتعش نعشك اللَّه فلا يزال أصغر الناس في نفسه و أرفع الناس في أعين الناس
.
و عنهعليهالسلام
قال : أتى رجل النبيّصلىاللهعليهوآله
فقال : أنا فلان بن فلان حتى عد تسعة فقال له النبيصلىاللهعليهوآله
: أما إنّك عاشرهم في النار
.
و عنهعليهالسلام
: ان في جهنّم لواديا للمتكبرين يقال له سقر ، شكا إلى اللَّه تعالى شدّة حرّه و سأله أن يأذن له أن يتنفّس ، فتنفّس فأحرق جهنّم
.
قلت : في القرآن جعل « سقر » مؤنثا و في هذا الخبر مذكرا
.
و عنهعليهالسلام
: إنّ المتكبرين يجعلون في صور الذرّ يتوطأهم الناس حتى يفرغ اللَّه من الحساب
.
روى الثالث في باب الفخر و الباقي في باب الكبر .
« و الجبن » كونه ذمّا للرجال واضح و في ( عيون ابن قتيبة ) : كان خالد القسري من الجبناء ، فخرج عليه المغيرة بن سعيد صاحب المغيرية فقال من الدهش : أطعموني ماء فقال بعضهم :
عاد الظلوم ظليما حين جدّ به
|
|
و استطعم الماء لمّا جدّ في الهرب
|
قال : و قال عبيد اللَّه بن زياد للكنة فيه أو دهشة أو جبن : إفتحوا سيوفكم .
فقال ابن مفرغ الحميري :
و يوم فتحت سيفك من بعيد
|
|
أضعت و كلّ أمرك للضياع
|
قال : و قدم الحجّاج على الوليد بن عبد الملك ، فدخل عليه و عليه درع و عمامة سوداء و قوس عربية ، فبعثت إليه امّ البنين بنت عبد العزيز بن مروان فقالت : من هذا الأعرابي المستلام في السلاح عندك و أنت في غلالة ، فبعث إليها : إنّه الحجّاج ، فأعادت إليه الرسول بأن يخلو بك ملك الموت أحيانا أحبّ إليّ من أن يخلو بك الحجّاج ، فأخبره الوليد بذلك و هو يمازحه ، فقال له : دع عنك مفاكهة النساء بزخرف القول ، فإنّما المرأة ريحانة و ليست بقهرمانة فلا تطلعها على سرّك و مكايدة عدوّك فأخبرها الوليد بمقالة الحجّاج فقالت للوليد : حاجتي أن تأمره غدا بأن يأتيني مسلّما ، ففعل ذلك و أتاها الحجّاج فحجبته فلم يزل قائما ، ثم قالت : ايه يا حجّاج أنت الممتنّ على الخليفة بقتال ابن الزبير و ابن الأشعث ، أما و اللَّه لو لا أن اللَّه علم أنّك شرّ خلقه ما ابتلاك برمي الكعبة الحرام ، و أمّا نهيك إيّاه عن مفاكهة النساء و بلوغ لذّاته و أوطاره ، فإن كنّ ينفرجن عن مثله فغير قابل لقولك ، أما و اللَّه لقد نفض نساء الخليفة الطيب من غدائرهن فبعنه في أعطيات أهل الشام حين كنت في أضيق من القرن ، قد
أظلّتك رماحهم و أثخنك كفاحهم ، قاتل اللَّه القائل حين نظر إليك و سنان غزالة بين كتفيك :
أسد عليّ و في الحروب نعامة
|
|
فتخاء تنفر من صفير الصافر
|
هلاّ كررت على غزالة في الوغى
|
|
بل كان قلبك في جوانح طائر
|
غزالة : امرأة شبيب الخارجي ثم قالت للحجاج : اخرج فخرج
.
قال : و قال المدائني : رأى عمرو بن العاص يوما معاوية يضحك ، فقال له : ممّ تضحك ؟ قال : من حضور ذهنك عند ابدائك سوءتك يوم ابن أبي طالب ، أما و اللَّه لقد وافقته منّانا كريما ، و لو شاء أن يقتلك قتلك فقال له عمرو : أما و اللَّه إنّي لعن يمينك حين دعاك ابن أبي طالب إلى البراز فاحولّت عيناك و ربا سحرك و بدا منك ما أكره ذكره لك ، فمن نفسك فاضحك أو ، دع
.
قال : و كان بالبصرة شيخ من بني نهشل يقال له : عروة بن مرثد و يكنّى أبا الأغرّ ، ينزل ببني اخت له من قريش في سكّة بني مازن ، فخرج رجالهم إلى ضياعهم في شهر رمضان و خرج النساء يصلين في مسجدهم و لم يبق في الدار إلاّ الإماء ، فدخل كلب يعتسّ فرأى بيتا فدخله و انصفق الباب ، فسمع الحركة بعض الإماء فظنت أنّ لصا دخل الدار ، فذهبت إحداهن إلى أبي الأغرّ فأخبرته ، فقال : ما يبتغي اللص ثم أخذ عصاه و جاء فوقف على باب البيت و قال : إيه يا ملامان ، أما و اللَّه انّك بي لعارف فهل أنت إلاّ من لصوص بني مازن شربت حامضا خبيثا حتى إذا دارت القدوح في رأسك منّتك نفسك الأماني و قلت أطرق ديار بني عمرو و الرجال خلوف و النساء يصلين في مسجدهم فلم يبق في الدار إلاّ الإماء ، و أيم اللَّه لتخرجن أو لأهتفن هتفة مشؤومة يلتقي
فيها الحيّان عمرو و حنظلة ، و تجيء سعد بعدد الحصا و تسيل عليك الرجال من هاهنا و هاهنا ، و لئن فعلت لتكونن أشأم مولود .
فلمّا رأى انّه لا يجيبه أحد أخذ باللّين فقال : اخرج بأبي أنت و امّي ، أنت مستور ، إنّي و اللَّه ما أراك تعرفني و لو عرفتني لقنعت بقولي و اطمأننت إليّ ، أنا فديتك أبو الأغر النهشلي خال القوم و جلدة بين أعينهم لا يعصونني و لن تضارّ الليلة ، فأخرج فأنت في ذمّتي ، و عندي قوصرتان أهداهما إليّ ابن اختي البار الوصول ، فخذ إحداهما فانتبذها حلالا من اللَّه و رسوله .
و كان الكلب إذا سمع الكلام أطرق و إذا سكت وثب يريد المخرج فتهاتف أبو الأغر ثم تضاحك و قال : يا ألام الناس و أوضعهم لا أرى اني لك الليلة في واد و أنت في واد ، أقلب السوداء و البيضاء فتصيخ و تطرق و إذا سكت عنك و ثبت تريغ المخرج ، و اللَّه لتخرج أو لألجن عليك البيت ، فلما طال وقوفه جاءت إحدى الإماء فقالت : أعرابي مجنون و اللَّه ما أرى في البيت شيئا ، فدفعت البيت فخرج الكلب شدّا و حاد عنه أبو الأغرّ ساقطا على قفاه ، ثم قال : تاللَّه ما رأيت كالليلة ، و اللَّه ما أراه إلاّ كلبا ، أما و اللَّه لو علمت بحاله لولجت عليه .
و كان لأبي حية النميري سيف ليس بينه و بين الخشبة فرق و كان يسمّيه لعاب المنيّة قال جار له : أشرفت عليه ليلة و قد انتضاه و شمّر و هو يقول : أيّها المغترّ بنا و المجتري علينا بئس و اللَّه ما اخترت لنفسك ، خير قليل و سيف صقيل ، لعاب المنية الذي سمعت به ، مشهور ضربته لا تخاف نبوته ، اخرج بالعفو عنك و إلاّ دخلت بالعقوبة عليك ، إنّي و اللَّه إن أدع قيسا تملأ الأرض خيلا و رجلا ، يا سبحان اللَّه ما أكثرها و أطيبها ثم فتح الباب و إذا كلب قد خرج فقال : الحمد للَّه الذي مسخك كلبا و كفاني حربا
.
« و البخل » في ( الكافي ) عن النبيصلىاللهعليهوآله
قال لبني سلمة : من سيّدكم ؟ قالوا :
رجل فيه بخل فقال : و أيّ داء أدوى من البخل ؟ ثم قال : بل سيّدكم الأبيض الجسد البراء بن معرور
.
« فإذا كانت المرأة مزهوّة » أي : معجبة بنفسها قال الجوهري : للعرب أحرف لا يتكلّمون بها إلاّ على سبيل المفعول به و ان كانت بمعنى الفاعل ، كقولهم « عنى بالأمر » و « نتجت الناقة » و « زهي الرجل »
، و فيه لغة اخرى « زها يزهو » ، و منه قولهم « ما أزهاه »
لأن التعجب لا يبنى من المجهول .
« لم تمكّن من نفسها » في ( العيون ) لابن قتيبة قال المنصور : قال أبي :
حججت فرأيت امرأة من كلب شريفة قد حجّت ، فرآها عمر بن أبي ربيعة فجعل يكلّمها و يتبعها كلّ يوم ، فقالت لزوجها ذات يوم : إنّي أحبّ أن أتوكّأ عليك إذا رحت إلى المسجد ، فراحت متوكّئة على زوجها فلمّا أبصرها عمر ولّى ، فقالت المرأة له : على رسلك يا فتى .
تعدو الذئاب على من لا كلاب له
|
|
و تتّقى مربض المستأسد الحامي
|
و أمّا ان لم تكن مزهوّة فلا تدفع يد لامس ، بل تتعلق بكلّ رجل آنس
.
و في ( عيونه ) أيضا : كان أخوان يغيب أحدهما و يخلفه الآخر في أهله ، فهويت امرأة الغائب أخا زوجها ، فأرادته على نفسها فامتنع ، فلمّا قدم زوجها سألها عن حالها فقالت : ما حال امرأة تراود في كلّ حين فقال : أخي و ابن امّي لا أفضحه و لكن لا اكلّمه أبدا ، ثم حجّ و حجّ أخوه و المرأة ، فلمّا كانوا بوادي الدّوم هلك الأخ و دفنوه و قضوا حجّهم و رجعوا ، فمرّوا بذلك الوادي ليلا
فسمعوا هاتفا يقول :
أجدك تمضي الدّوم ليلا و لا ترى
|
|
عليك لأهل الدّوم أن تتكلّما
|
و بالدوم ثاو لو ثويت مكانه
|
|
و مرّ بوادي الدّوم حيّا لسلّما
|
فظنّت المرأة ان النداء من السماء ، فقالت لزوجها : هذا مقام العائذ ، كان من أخيك و منّي كيت و كيت ، فقال : و اللَّه لو حلّ قتلك لقتلتك ، ففارقها و ضرب قبة على قبر أخيه و قال :
هجرتك في طول الحياة و أبتغي
|
|
كلامك لمّا صرت رمسا و أعظما
|
ذكرت ذنوبا فيك اجترمتها
|
|
أنا منك فيها كنت أسوء و أظلما
|
و لم يزل مقيما على القبر حتى مات و دفن بجنبه ، و القبران معروفان ١ .
و فيه أيضا : سار أردشير إلى الحضر و كان ملك السواد و كان من أعظم ملوك الطوائف ، فحاصره فيها زمانا لا يجد إليه سبيلا ، حتى رقيت ابنة ملك السواد يوما فرأت أردشير فعشقته ، فنزلت و أخذت نشابة و كتبت عليها إن أنت شرطت لي أن تتزوجني دللتك على موضع تفتتح منه هذه المدينة بأيسر حيلة و أخف مؤونة ، ثم رمت بالنشابة نحو أردشير ، فكتب الجواب في نشابة « لك الوفاء بما سألت » ، فكتبت إليه تدلّه على الموضع ، فأرسل إليه أردشير فافتتحه و دخل هو و جنوده و أهل المدينة غارون ، فقتلوا ملكها و أكثر مقاتلتها و تزوّجها ، فبينما هي ذات ليلة على فراشها أنكرت مكانها حتى سهرت لذلك عامة ليلتها ، فنظروا في الفراش فوجدوا تحت المجس ورقة من ورق الآس قد أثّرت في جلدها ، فسألها أردشير عمّا كان أبوها يغذوها به فقالت : كان أكثر غذائها الشهد و الزبد و المخ فقال أردشير : ما أجد ببالغ لك في الحباء و الاكرام مبلغ أبيك ، و لئن كان جزاؤه عندك على جهد إحسانه مع لطف قرابته و عظم
حقّه جهد إساءتك ما أنا بآمن لمثله منك ثم أمر بأن تعقد قرونها بذنب فرس شديد المراح جموح ثم يجري ، ففعل ذلك حتى تساقطت عضوا عضوا
.
و في ( كامل الجزري ) في ذكر يوم البردان كان حجر الكندي أغار على البحرين فبلغ ذلك زياد بن هبولة الغساني ، فسار إلى أهل حجر و سبى امرأته هندا ، فلما عاد حجر طلبه إلى أن قال بعد ذكر بعثه رجلا مسمّى بسدوس ليتجسس له الخبر و دنا سدوس من قبة زياد ليسمع كلامه و دنا زياد من هند امرأة حجر فقبّلها و داعبها و قال لها : ما ظنّك الآن بحجر فقالت :
ما هو ظن و لكنه يقين ، إنّه و اللَّه لن يدع طلبك حتى تعاين القصور الحمر تعني قصور الشام ، و كأنّي به في فوارس من بني شيبان يذمرهم و يذمرونه و هو شديد الكلب تزبد شفتاه كأنّه أكل مرارا ، فالنجاء النجاء فإنّ وراءك طالبا حثيثا و جمعا كثيفا و كيدا متينا و رأيا صليبا فرفع زياد يده و لطمها ثم قال لها : ما قلت هذا إلاّ من عجبك به و حبّك له فقالت : و اللَّه ما أبغضت أحدا بغضي له و لا رأيت رجلا أحزم منه نائما و مستيقظا ، إن كان لتنام عيناه فبعض أعضائه مستيقظ ، و كان إذا أراد النوم أمرني أن أجعل عنده عسا من لبن ، فبينا هو ذات ليلة نائم و أنا قريبة منه أنظر إليه إذ أقبل أسود سالخ إلى رأسه فنحى رأسه ، فمال إلى يده فقبضها فمال إلى رجله فقبضها فمال إلى العس فشربه ثم مجّه فقلت : يستيقظ فيشربه فيموت فاستريح منه ، فانتبه من نومه فقال : عليّ بالإناء فناولته فشمّه ثم ألقاه فهريق فقال : أين ذهب الأسود ؟ فقلت : ما رأيته .
فقال : كذبت و اللَّه و سدوس يسمع ذلك فسار حتى أتى حجرا و قال له :
أتاك المرجفون بأمر غيب
|
|
على دهش و جئتك باليقين
|
فمن يك قد أتاك بأمر لبس
|
|
فقد آتي بأمر مستبين
|
ثم قص عليه ما سمع فجعل حجر يعبث بالمرار و يأكل منه غضبا و أسفا و لا يشعر أنّه يأكله من شدّة الغضب ، فلما فرغ سدوس من حديثه وجد حجر المرار فسمّي يومئذ آكل المرار ( و المرار نبت شديد المرارة لا تأكله دابة إلاّ قتلها ) ثم أمر حجر فنودي في الناس و ركب و سار إلى زياد فاقتتلوا فانهزم زياد إلى أن قال و أخذ حجر زوجته فربطها في فرسين ثم ركضهما حتى قطعاها و يقال بل أحرقها و قال :
إنّ من غرّه النساء بشيء
|
|
بعد هند لجاهل مغرور
|
حلوة العين و الحديث و مرّ
|
|
كلّ شيء أجنّ منها الضمير
|
كل انثى و إن بدا لك منها
|
|
آية الحبّ حبّها خيتعور
|
« و إذا كانت بخيلة حفظت مالها و مال زوجها » و في ( بخلاء الجاحظ ) طلّق ابن شحمة العنبري امرأة لبخلها ، فقيل له : إنّ البخل إنّما يعيب الرجل و متى سمعت بامرأة هجيت في البخل ؟ قال : ليس ذلك بي أخاف أن تلد لي مثلها
.
« و إذا كانت جبانة فرقت من كلّ شيء يعرض لها » في ( عيون ابن قتيبة ) : قال خالد الحذّاء : خطبت امرأة من بني أسد ، فجئت لأنظر إليها و بيني و بينها رواق يشف ، فدعت بجفنة مملوءة ثريدا مكلّلة باللحم فأتت على آخرها ، فاتي بإناء مملو لبنا أو نبيذا فشربته حتى كفأته على وجهها ثم قالت : يا جارية ارفعي السجف ، فاذا هي جالسة على جلد أسد و إذا شابة جميلة ، فقالت : يا عبد اللَّه أنا أسدة من بني أسد على جلد أسد و هذا مطعمي و مشربي ، فإن أحببت أن تتقدّم فافعل فقلت : استخير اللَّه ، فخرجت و لم أعد
.
٥ الخطبة ( ٧٨ ) و من خطبة لهعليهالسلام
:
بعد حرب جمل في ذم النساء مَعَاشِرَ اَلنَّاسِ إِنَّ اَلنِّسَاءَ نَوَاقِصُ اَلْإِيمَانِ نَوَاقِصُ اَلْحُظُوظِ نَوَاقِصُ اَلْعُقُولِ فَأَمَّا نُقْصَانُ إِيمَانِهِنَّ فَقُعُودُهُنَّ عَنِ اَلصَّلاَةِ وَ اَلصِّيَامِ أَيَّامَ حَيْضِهِنَّ وَ أَمَّا نُقْصَانُ عُقُولِهِنَّ فَشَهَادَةُ اِمْرَأَتَيْنِ كَشَهَادَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَ أَمَّا نُقْصَانُ حُظُوظِهِنَّ فَمَوَارِيثُهُنَّ عَلَى اَلْأَنْصَافِ مِنْ مَوَارِيثِ اَلرِّجَالِ فَاتَّقُوا شِرَارَ اَلنِّسَاءِ وَ كُونُوا مِنْ خِيَارِهِنَّ عَلَى حَذَرٍ وَ لاَ تُطِيعُوهُنَّ فِي اَلْمَعْرُوفِ حَتَّى لاَ يَطْمَعْنَ فِي اَلْمُنْكَرِ هكذا في ( الطبعة المصرية )
و فيها سقط و تحريف ، ففي ( ابن أبي الحديد
و ابن ميثم )
: « و من كلام لهعليهالسلام
بعد فراغه من حرب الجمل في ذمّ النساء » .
ثم إنّ كلامهعليهالسلام
و إن كان في مطلق النّساء إلاّ أن الباعث له عليه عمل عائشة ، و قال ابن أبي الحديد : هذا الفصل كلّه رمز إلى عائشة
.
قلت : فهو نظير قوله تعالى :(
ضرب اللَّه مثلاً للذين كفروا امرأت نوح و امرأت لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من اللَّه شيئاً و قيل ادخلا النار مع الداخلين
)
فهو في عمومه مثل لمطلق الكفّار لكنّه خصوصا رمز إلى عائشة و صاحبتها بنت صاحب أبيها كما اعترف به الزمخشري
و رواه صحيح مسلم
.
« معاشر الناس إن النساء نواقص الإيمان نواقص الحظوظ نواقص العقول » و نواقص القيامة في دمائهن فدية الرجل ألف دينار و دية
المرأة خمسمائة دينار .
و مر في السابع من فصل صفّين قولهعليهالسلام
: « و لا تهيجوا النساء بأذى و إن شتمن أعراضكم و سببن امراءكم ، فإنّهن ضعيفات القوى و الأنفس و العقول ، و إن كنّا لنؤمر بالكفّ عنهنّ و إن كنّ لمشركات ، و إن كان الرجل ليتناول المرأة في الجاهلية بالقهر أو الهراوة فيعيّر بها هو و عقبه من بعده » .
« فأمّا نقصان إيمانهن فقعودهن عن الصّلاة و الصيام أيّام حيضهن » و كذلك أيّام نفاسهن .
كما لا يجوز لهن فيها دخول المساجد و لا قراءة العزائم و لهما دخل في كمال الإيمان ، كما لا يجوز الاستمتاع منهن من حيث أمر اللَّه فيها و لا يقع الطلاق بهن فيها .
و هنّ و إن يقضين شهر رمضان إلاّ أنّهن يحرمن فضل الشهر ، و أمّا الصلاة فلا قضاء أيضا لها ، و قد سمّى اللَّه تعالى الصلاة إيمانا في قوله جل و علا :(
و ما كان اللَّه ليضيع إيمانكم
)
لمّا قال المسلمون بعد تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة فهل كانت صلواتنا الأولية بلا ثمرة .
و في ( الفقيه ) قال الباقرعليهالسلام
: إنّ الحيض للنساء نجاسة رماهن اللَّه تعالى بها و قد كنّ في زمن نوحعليهالسلام
إنّما تحيض المرأة في السنة حيضة حتى خرج نسوة من مجانّهنّ و كنّ سبعمائة فانطلقن فلبسن المعصفرات و تحلّين و تعطّرن ثم خرجن فتفرّقن في البلاد ، فجلسن مع الرجال و شهدن الأعياد معهم و جلسن في صفوفهم فرماهنّ اللَّه تعالى عند ذلك بالحيض و كسر شهوتهن ، و كان غيرهن من النساء اللواتي لم يفعلن مثل ما فعلن يحضن في كلّ سنة حيضة ، فامتزج القوم فحضن بنات هؤلاء و هؤلاء في كل شهر
حيضة ، فكثر أولاد اللاتي يحضن في كلّ شهر حيضة لاستقامة الحيض ، و قلّ أولاد اللاّتي يحضن في السنة حيضة لفساد الدم ، فكثر نسل هؤلاء و قل نسل اولئك .
هذا ، و روى أنّ الصادقعليهالسلام
سئل عن قوله تعالى(
لهم فيها أزواج مطهرة
)
فقال : اللاّئي لا يحضن و لا يحدثن .
و سئلعليهالسلام
عن المشوّهين في خلقهم فقال : هم الذين يأتي آباؤهم نساءهم في الطمث .
و روي : إنّ المرأة إذا اشتبه عليها دم الحيض و دم القرحة فربّما كانت قرحة في الفرج فعليها أن تستلقي على قفاها ، فإن خرج الدم من الجانب الأيمن فهو من القرحة و ان خرج من الأيسر فهو من الحيض .
و روي : أنّ المرأة إذا افتضّها زوجها و لم يرق دمها و لا تدري دم الحيض هو أم دم العذرة ، فعليها أن تدخل قطنة فإنّ خرجت مطوقة بالدم فهو من العذرة و ان خرجت منغمسة فهو من الحيض
.
« و أمّا نقصان عقولهنّ فشهادة امرأتين » هكذا في ( الطبعة المصرية )
و زاد ابن أبي الحديد
و الخطية ) « منهن » و في ( ابن ميثم )
« الامرأتين منهن » .
« كشهادة رجل واحد » هكذا في ( الطبعة المصرية ) و في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) « الرجل الواحد »
.
ثم كون شهادة اثنتين منهن كشهادة واحد منهم في الأموال و في غيرها تفصيل ، قال المفيد في ( مقنعته ) : لا تقبل شهادة النساء في الطلاق و النكاح و الحدود و في الهلال ، و تقبل شهادة امرأتين مسلمتين مستورتين فيما لا يراه الرجال كالعذرة و عيوب النساء و الحيض و النفاس و الولادة و الاستهلال و الرضاع ، و إذا لم يوجد على ذلك إلاّ شهادة امرأة واحدة مأمونة قبلت ، و تقبل شهادة امرأة واحدة في ربع الوصية لا في جميعها
.
و في ( الكافي ) عن الصادقعليهالسلام
: يجوز في حد الزنا ثلاثة رجال و امرأتان ، و لا يجوز إذا كان رجلان و أربع نسوة ، و لا يجوز شهادتهن في الرّجم
.
« و أمّا نقصان حظوظهن فمواريثهن على الأنصاف » روى ( الكافي ) أنّ ابن أبي العوجاء قال للصادقعليهالسلام
: ما بال المرأة المسكينة الضعيفة تأخذ سهما واحدا و يأخذ الرجل سهمين ؟ فقالعليهالسلام
: إنّ المرأة ليس عليها جهاد و لا نفقة و لا عليها معقلة إنّما ذلك على الرجال
.
و روى : ان الفهفكي سأل العسكريعليهالسلام
عن ذلك ، فأجابه بما أجاب الصادقعليهالسلام
ابن أبي العوجاء ، و كان إسحاق النخعي حاضرا فتخيّل في نفسه ان هذه مسألة ابن أبي العوجاء ، فقالعليهالسلام
لاسحق : نعم هذه مسألة ابن أبي العوجاء و الجواب واحد و أوّلنا و آخرنا في العلم سواء
.
هذا ، و اما كون ارث الاخت من الام مثل ارث الاخ منها و كون ارث الخالة مثل ارث الخال ، فلأن الأصل فيهما المرأة الام و الاخت .
و أما استواء الام مع الأب في اجتماعهما مع الولد بدون اخوة ، فلأن المناط فيهما الابوّة و الامومة لا الذّكورة و الانوثة و هما في الحق سواء .
هذا ، و ورد أن لبن الجارية أيضا دون لبن الغلام وزنا ، فنقل ابن طاوس في تشريفه عن مجموع المرزبان أن رجلا أودع شريحا أيام كونه قاضيا من قبل عمر امرأتين حاملين ، فولدتا غلاما و جارية و كلّ منهما تدّعي الغلام ، فلم يدر شريح كيف يحكم بينهما ، فجمع عمر الصحابة و سألهم فلم يدروا ، فأتوهعليهالسلام
و هو في حائط له و قصّوا عليه ذلك ، فأخذعليهالسلام
من الأرض شيئا و قال : الحكم فيه أهون من هذا ، فأحضر المرأتين و أحضر قدحا و دفعه إلى احداهما و قال لها احلبي فيه ، فحلبت ثم وزن القدح و دفعه إلى الاخرى و قال لها احلبي فيه فحلبت ثم وزنه ، فكان أحد اللبنين أخف ، فقال لصاحبة الخفيف خذي ابنتك و لصاحبة الثقيل خذي ابنك ، و قالعليهالسلام
لعمر : إنّ اللَّه تعالى حطّ المرأة عن الرجل فجعل عقلها و ميراثها دون عقله و ميراثه ، و كذلك لبنها دون لبنه فقال له عمر : لقد أرادك الحق يا أبا الحسن و لكن قومك أبوا فقالعليهالسلام
له :
خفّض عليك أبا حفص
(
إن يوم الفصل كان ميقاتاً
)
.
قلت : و كذلك قيمتها نصف قيمته ، فدية المرأة نصف دية الرجل .
« فاتّقوا شرار النّساء » في ( عيون القتيبي ) : كان ابن عباس يقول : مثل المرأة السوء كان قبلكم رجل صالح له امرأة سوء ، فعرض له رجل فقال : إنّي رسول من اللَّه إليك أنّه قد جعل لك ثلاث دعوات ، فسل ما شئت من دنيا و آخرة ، ثم نهض فرجع الرجل إلى منزله فقالت له امرأته : مالي أراك مفكّرا محزونا ، فأخبرها فقالت : ألست امرأتك و في صحبتك و بناتك مني فاجعل لي
دعوة ، فأبى فأقبل عليه ولده و قلن امّنا ، فلم يزلن به حتى قال لك دعوة ، فقالت اللّهم اجعلني أحسن الناس وجها فصارت كذلك ، فجعلت توطىء فراشها و هو يعظها فلا تتعظ ، فغضب يوما فقال : اللّهم اجعلها خنزيرة ، فتحوّلت كذلك ، فلمّا رأين بناته ما نزل بأمهن بكين و ضربن على وجوههن و نتفن شعورهن ، فرقّ لهن فقال : اللّهم اعدها كما كانت أو لا ، فذهبت دعواته الثلاث فيها
.
و في القاموس : كان اسم تلك المرأة بسوس .
و في ( تاريخ بغداد ) : قال الواقدي دخلت يوما على المهدي ، فدعا بمحبرته و دفتره فكتب عنّي أشياء حدّثته بها ، ثم نهض و قال : كن مكانك حتى أعود إليك و دخل إلى دار الحرم ثم خرج متنكّرا ممتلئا غيظا قلت : خرجت على خلاف حال دخولك فقال : دخلت على الخيزران ، فوثبت عليّ و مدّت يدها إليّ و خرقت ثوبي و قالت : يا قشّاش أيّ خير رأيت منك ؟ و إنّما اشتريتها من نخّاس و رأت مني ما رأت و عقدت لابنيها ولاية العهد فقلت : قال النبيصلىاللهعليهوآله
« إنّهنّ يغلبن الكرام و يغلبهنّ اللئام » و قال : « خيركم خيركم لأهله و أنا خيركم لأهلي » و قد خلقت المرأة من ضلع أعوج إن قوّمته كسرته و حدثته في هذا الباب بكل ما حضرني ، فسكن غضبه و أسفر وجهه و أمر لي بألفي دينار و انصرفت ، فلمّا دخلت منزلي و افاني رسول الخيزران و قال : تقرأ عليك ستي السّلام و تقول لك يا عم قد سمعت جميع ما كلّمت به الخليفة فأحسن اللَّه جزاك ، و هذه ألفا دينار إلاّ عشرة دنانير لم أحب أن اساوي صلة الخليفة ، و وجهت إليّ بأثواب
.
« و كونوا من خيارهن على حذر » .
قال عمر بن أبي ربيعة :
لا تأمنن الدهر انثى بعدها
|
|
بعد الّذي أعطتك من أيمانها
|
ما لا يطيق من العهود ثبير
|
|
فإذا و ذلك كان ظلّ سحابة
|
نفحت به في المعصرات دبور
و قال الطائي :
فلا تحسبن هندا لها الغدر وحدها
|
|
سجية نفس كلّ غانية هند
|
و قال الأعشى :
أرى سفها بالمرء تعليق لبّه
|
|
بغانية خود متى تدن تبعد
|
و في الخبر عن الصادقعليهالسلام
قال لامرأة سعد : هنيئا لك يا خنساء ، فلو لم يعطك اللَّه شيئا إلاّ ابنتك ام الحسين لقد أعطاك اللَّه خيرا كثيرا ، إنّما مثل المرأة الصالحة في النساء كمثل الغراب الأعصم و هو الأبيض في إحدى الرجلين في الغربان
.
« و لا تطيعوهن في المعروف حتى لا يطمعن في المنكر » في ( الكافي ) عن النبيصلىاللهعليهوآله
: من أطاع امرأته أكبّه اللَّه على وجهه في النار قيل : و ما تلك الطاعة .
قال : تطلب منه الذهاب إلى الحمامات و العرسات و العيدات و النياحات و الثياب الرقاق .
و في ( نوادر نكاح الفقيه ) عن أبي جعفرعليهالسلام
: لا تشاوروهن في النجوى
و لا تطيعوهن في ذي قرابة ، ان المرأة إذا كبرت ذهب خير شطريها و بقي شرّها ذهب جمالها و احتد لسانها و عقم رحمها ، و ان الرجل إذا كبر ذهب شرّ شطريه و بقي خيرهما ثبت عقله و استحكم رأيه و قل جهله
.
و قالعليهالسلام
: كل امرىء تدبّره امرأة فهو ملعون
.
و قالعليهالسلام
: في خلافهن البركة
.
و كان النبيصلىاللهعليهوآله
إذا أراد الحرب دعا نساءه فاستشارهن ثم خالفهن
.
و قال ابن أبي الحديد : لمّا نزل علي البصرة كتبت عائشة إلى زيد بن صوحان العبدي : أما بعد ، فأقم في بيتك و خذّل الناس عن علي فكتب إليها زيد :
إنّ اللَّه أمرك بأمر و أمرنا بأمر ، أمرك أن تقرّي في بيتك و أمرنا أن نجاهد ، و قد أتاني كتابك فأمرتني أن أصنع خلاف ما أمرني اللَّه فأكون قد صنعت ما أمرك اللَّه به و صنعت ما أمرني اللَّه به ، فأمرك عندي غير مطاع و كتابك غير مجاب و السّلام
.
هذا ، و في السير ان خالد بن يزيد بن معاوية قال لامرأته رملة بنت الزبير :
فإن تسلمي اسلم و إن تتنصّري
|
|
تعلّق رجال بين أعينهم صلبا
|
و قد مر في فصل كلامهعليهالسلام
الجامع بين مصالح الدّنيا و الدين في وصيتهعليهالسلام
لابنه : و اياك و مشاورة النساء ، فإنّ رأيهن إلى أفن و عزمهن إلى
وهن ، و اكفف عليهن من أبصارهن بحجابك إيّاهن ، فإنّ شدّة الحجاب أبقى عليهن ، و ليس خروجهن بأشدّ من إدخالك من لا يوثق به عليهن ، و إن استطعت أن لا يعرفن غيرك فافعل ، و لا تملّك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها ، فإنّ المرأة ريحانة و ليست بقهرمانة ، و لا تعد بكرامتها نفسها و لا تطمعها في أن تشفع لغيرها ، و إيّاك و التغاير في غير موضع غيرة ، فإنّ ذلك يدعو الصحيحة إلى السقم و البريئة إلى الريب فراجع شرحه
.
هذا ، و في ( الأغاني ) مات عكرمة و كثيّر عزة في يوم واحد ، فأخرجت جنازتاهما فما تخلفت امرأة بالمدينة و لا رجل عن جنازتيهما ، و قيل مات اليوم اشعر الناس و أعلم الناس ، و غلب النساء على جنازة كثيّر يبكينه و يذكرن عزّة في ندبتهنّ له ، فقال أبو جعفر محمد بن علي : أفرجوا لي عن جنازة كثيّر لأرفعها ، و جعل يضربهن بكمه و يقول تنحّين يا صواحبات يوسف فانتدبت له امرأة منهنّ فقالت : يا ابن رسول اللَّه لقد صدقت إنّا لصواحبات يوسف و قد كنّا له خيرا منكم له فقال أبو جعفرعليهالسلام
لبعض مواليه : احتفظ بها حتى تجيئني بها إذا انصرفنا ، فلما انصرف اتي بتلك المرأة كأنّها شرارة النار ، فقال لها : أنت القائلة إنّكّنّ ليوسف خير منّا قالت : نعم أتؤمنني غضبك يا ابن رسول اللَّه قال : أنت آمنة فأبيني قالت : نحن يا ابن رسول اللَّه دعوناه إلى اللّذات من المطعم و المشرب و التمتّع و التنعّم و أنتم معاشر الرجال القيتموه في الجبّ و بعتموه بأبخس الأثمان و حبستموه في السّجن فأيّنا كان أرأف ؟ فقال : للَّه درك و لن تغالب امرأة إلاّ غلبت .
ثم قال لها : ألك بعل ؟ قالت : لي من الرجال من أنا بعله فقال : صدقت مثلك من
تملك بعلها و لا يملكها
.
و في ( فصل مكارم أخلاقه و علمه ) : روي أنّهعليهالسلام
كان جالسا في أصحابه فمرّت بهم امرأة جميلة ، فرمقها القوم بأبصارهم فقالعليهالسلام
: إن أبصار هذه الفحول طوامح ، و إنّ ذلك سبب هبابها ، فإذا نظر أحدكم إلى امرأة تعجبه فليلامس أهله فإنّما هي امرأة كامرأة
.
و في ( فصل الجمل ) : و أمّا فلانة فأدركها رأي النساء وضعن غلا في صدرها كمرجل القين ، و لو دعيت لتنال من غيري ما أتت إليّ لم تفعل
.
و في ٦ من فصل آداب الحرب : و لا تهيجوا النساء بأذى و إن شتمن أعراضكم و سببن امراءكم ، فإنّهنّ ضعيفات القوى و الأنفس و العقول ، و إن كنّا لنؤمر بالكفّ عنهنّ و إنّهنّ لمشركات ، و ان كان الرجل ليتناول المرأة في الجاهلية بالفهر أو الهراوة فيعيّر بها و عقبه من بعده
.
هذا ، و في ( النهاية ) في حديث عليعليهالسلام
: « خير النساء الحارقة » و في رواية « كذبتكم الحارقة » الحارقة المرأة الضيّقة الفرج ، و قيل التي تغلبها شهوتها حتى تحرق أنيابها بعضا على بعض أي تحكها ، يقول عليكم بها ، و منه حديثه الآخر « وجدتها حارقة طارقة فائقة »
.
هذا ، و في ( نوادر نكاح الفقيه ) عن الفضيل قلت لأبي عبد اللَّهعليهالسلام
: شيء تقوله الناس ، ان أكثر أهل النار يوم القيامة النساء قال : و أنّى ذلك و قد يتزوج
الرجل في الآخرة ألفا من نساء الدّنيا في قصر من درة واحدة
.
و روى عمار الساباطي عنهعليهالسلام
: أكثر أهل الجنة : المستضعفين من النساء ، علم اللَّه تعالى ضعفهن فرحمهن
.
و قال الصادقعليهالسلام
: الحياء عشرة أجزاء تسعة في النساء و واحدة في الرجال ، فاذا خفضت المرأة ذهب جزء من حياها ، و إذا تزوجت ذهب جزء ، و إذا افترعت ذهب جزء ، و إذا ولدت ذهب جزء و بقي لها خمسة ، فاذا فجرت ذهب حياؤها كلّه و إذا عفّت بقي لها خمسة أجزاء
.
و قالعليهالسلام
« الخيّرات الحسان » من نساء أهل الدّنيا و هن أجمل من الحور العين
.
٦ من غريب كلامه رقم ( ٤ ) و في حديثهعليهالسلام
:
إِذَا بَلَغَ اَلنِّسَاءُ نَصَّ اَلْحِقَاقِ فَالْعَصَبَةُ أَوْلَى قال الرضي : و النص منتهى الأشياء و مبلغ اقصاها كالنص في السير لأنّه أقصى ما تقدر عليه الدابة ، و تقول نصصت الرجل عن الأمر إذا استقصيت مسألته عنه لتستخرج ما عنده فيه ، فنص الحقاق يريد به الإدراك لأنّه منتهى الصغر ، و الوقت الذي يخرج منه الصغير إلى حد الكبير ، و هو من أفصح الكنايات عن هذا الأمر ، فإذا بلغ النساء ذلك فالعصبة أولى بالمرأة من امّها إذا كانوا محرما ، مثل الاخوة و الاعمام ، و بتزويجها ان أرادوا ذلك .
و الحقاق : محاقّة الام للعصبة في المرأة ، و هو الجدال و الخصومة و قول كلّ واحد منهما للآخر : « أنا أحقّ منك بهذا » يقال منه : حاققته حقاقا مثل جادلته جدالا ، و قد قيل : إنّ « نصّ الحقاق » بلوغ العقل و هو الإدراك ، لأنّهعليهالسلام
إنّما أراد منتهى الأمر الذي تجب فيه الحقوق و الأحكام و من رواه « نص الحقائق » فإنّما أراد جمع حقيقه ، هذا معنى ما ذكره أبو عبيدة ، و الذي عندي أنّ المراد بنص الحقاق هاهنا ، بلوغ المرأة إلى الحد الذي يجوز تزويجها و تصرفها في حقوقها تشبيها بالحقاق من الابل و هو جمع حقّة و حقّ و هو الذي استكمل ثلاث سنين و دخل في الرابعة و عند ذلك يبلغ إلى الحد الذي يتمكّن فيه من ركوب ظهره و نصه ، و الحقائق أيضا جمع حقة ، فالروايتان جميعا ترجعان إلى معنى واحد ، و هذا أشبه بطريقة العرب من المعنى المذكور قول المصنف « و في حديثهعليهالسلام
» لم يعلم كونه حديثه كما يأتي .
« إذا بلغ النساء » هو من قبيل قوله تعالى :(
و قال نسوة في المدينة
)
في عدم تأنيث الفعل مع كون الفاعل مؤنثا حقيقيا لكونه اسم جمع .
« نص الحقاق » هكذا في ( الطبعة المصرية ) ، و في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) « نص الحقائق »
« و هو الصحيح لأصحية نسختهما و لا سيما الثاني لكونها بخط المصنف ، و يشهد له ما يأتي منهما من الزيادة .
و كيف كان ففي الأساس : الماشطة تنصّ العروس فتقعدها على المنصّة ، و هي تنتصّ عليها أي : ترفعها ، و « نص فلان سيّدا » أي : نصب
،
قال حاجز الأزدي :
إن قد نصصت بعد ما شبت سيدا
|
|
تقول و تهدي من كلامك ما تهدى
|
« فالعصبة أولى » و زاد في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) « و يروى نص الحقاق » و العصبة كما قال الجوهري : البنون و قرابة الأب ، ( سمّوا بذلك لأنّهم عصبوا به أي : أحاطوا فالأب طرف و الابن طرف و العم جانب و الأخ جانب )
.
في ( كامل المبرد ) : قال فلان بن السائب الأسدي من أسد بن عبد العزّى : زوّجت ابنتي عمرو بن عثمان ، فلمّا نصّت عليه طلقها على المنصّة ، فجئت إلى ابن الزبير فقلت له إنّ عمرا طلّق ابنتي على المنصّة و قد ظنّ الناس أنّ ذلك لعاهة و أنت عمّها فقم فادخل إليها فقال : أو خير من ذلك جيئوني بمصعب أي أخيه فخطب فزوجها منه و أقسم ليدخلن بها في ليلته ، فلا تعرف امرأة نصت على رجلين في ليلتين ولاء غيرها
.
و في ( الأغاني ) : قال أبو الهيثم : إجتمع مالك بن الريب و أبو صردبة و شظاظ يوما فقالوا : تعالوا نتحدّث بأعجب ما عملناه في سرقتنا إلى أن قال فقال شظاظ : كان لرجل من أهل البصرة بنت عم ذات مال كثير و هو وليّها و كان له نسوة فأبت أن تتزوجه فحلف ألاّ يزوجها من أحد ضرارا لها ، و كان يخطبها رجل غني من أهل البصرة فحرصت عليه و أبى الولي ، ثم إنّه حجّ حتّى إذا كان بالدّو
على مرحلة من البصرة مات فدفن برابية و شيّد على قبره ، فتزوجت بالرجل الذي كان يخطبها ، و خرجت رفقة من البصرة معهم بز و متاع فتبصّرتهم و ما معهم و اتّبعتهم حتى نزلوا فلمّا ناموا
بيّتّهم و أخذت من متاعهم .
ثم إنّ القوم لمّا انتبهوا أخذوني و ضربوني ضربا شديدا و جرّدوني ، و ذلك في ليلة قرة و سلبوني كلّ قليل و كثير فتركوني عريانا و تماوتّ لهم ، فارتحل القوم فقلت : كيف أصنع ؟ ثم ذكرت قبر الرجل فأتيته فنزعت لوحه ثم احتفرت فيه سربا فدخلت فيه ثم سددت عليّ باللوح و قلت لعلّي أدفأ فأتبعهم ، و مرّ الرجل الذي تزوج بالمرأة في الرفقة ، فمرّ بالقبر الذي أنا فيه فوقف عليه و قال لرفيقه : و اللَّه لأنزلنّ إلى قبر فلان حتى أنظر هل يحمي الآن بضع فلانة .
فعرفت صوته فقلعت اللوح ثم خرجت عليه من القبر و قلت : بلى و ربّ الكعبة لأحمينّها فوقع و اللَّه مغشيا عليه لا يتحرك و لا يعقل فجلست و أخذت كلّ أداة و ثياب عليه و مالا معه ، فكنت بعد ذلك أسمعه بالبصرة يحدّث الناس و يحلف لهم : إنّ الميت الذي كان منعه من تزويج المرأة خرج عليه من قبره بسلبه و كفنه فبقى يومه ثم هرب منه و الناس يعجبون منه ، فعاقلهم يكذبه و الأحمق منهم يصدقه و أنا أعرف القصة فأضحك منهم
.
هذا ، و في الكامل : كان ذو الأصبع العدواني رجلا غيورا و كانت له بنات أربع و كان لا يزوّجهنّ غيرة ، فاستمع عليهن يوما و قد خلون يتحدّثن ، فقالت قائلة منهنّ : لتقل كلّ واحدة منكن ما في نفسها و لتصدق ، ثم نقل أن إحداهنّ أنشدت أبياتا مشعرة بأنّها تريد زوجا شابّا غنيّا ، و الثانية عاقلا سخيّا ، و الثالثة ابن عمّ لها ، و سكتت الرابعة ، فقلن : لا ندعك حتى تقولين ، فقالت : زوج من عود خير من قعود فخطبن فزوّجهنّ
.
و في ( تاريخ بغداد ) في محمد بن جعفر بن أحمد بن جعفر المعروف
بزوج الحرة الذي روى عن الطبري و البغوي و غيرهما ، قال جعفر بن المكتفي العباسي كانت بنت بدر مولى المعتضد زوج المقتدر ، فأقامت عنده سنين و كان لها مكرما و عليها مفضلا الأفضال العظيم ، فتأثّلت حالها ، و انضاف ذلك إلى عظيم نعمتها الموروثة ، و قتل المقتدر و أفلتت من النكبة و سلم لها جميع أموالها و ذخائرها حتى لم يذهب لها شيء و خرجت عن الدار .
قال : و كان يدخل إلى مطبخها حدث يحمل فيه على رأسه و كان حركا ، فنفق على القهارمة بخدمته فنقلوه إلى أن صار وكيل المطبخ و بلغها خبره و رأته فاستكاسته فردت إليه الوكالة في غير المطبخ و تراقى أمره حتى صار ينظر في ضياعها و عقارها و غلب عليها ، فصارت تكلّمه من وراء ستر و خلف باب أو ستارة ، و زاد اختصاصه بها حتى علق بقلبها فاستدعته إلى تزويجها فلم يجسر على ذلك ، فجسّرته و بذلت له مالا حتى تمّ لها ذلك و قد كانت حاله تأثلت بها و أعطته لمّا أرادت ذلك منه أموالا جعلها لنفسه نعمة ظاهرة لئلاّ يمنعها أولياؤها منه بالفقر و أنّه ليس بكفء ، ثم هادت القضاة بهدايا جليلة حتى زوّجوها منه و اعترض الأولياء فغالبتهم بالحكم و الدراهم ، فتمّ له ذلك و لها ، فأقام معها سنين حتى ماتت فحصل له من مالها نحو ثلاثمائة ألف دينار قال : و هو الآن يعرف بزوج الحرّة ، و إنّما سمّيت الحرّة لأجل تزويج المقتدر بها و كذا عادة الخلفاء لغلبة المماليك عليهم إذا كانت لهم زوجة قيل لها : الحرّة
.
قلت : و المراد من قوله فيه « و أفلتت من النكبة » النكبة التي عرضت لزوجها المقتدر حتى قتل .
قول المصنف ( و النص منتهى الأشياء و مبلغ أقصاها كالنص في السير
لأنّه أقصى ما تقدر عليه الدابة ، و تقول نصصت الرجل عن الأمر ، إذا استقصيت مسألته عنه لتستخرج ما عنده فيه ، فنص الحقاق يريد به الإدراك لأنّه منتهى الصغر و الوقت الذي يخرج منه الصغير إلى حد الكبير ) .
ترى ان المصنف جعل الأصل في معنى النص الانتهاء و جعله الجامع بين قولهم « النص في السير » و قولهم « نصصت الرجل عن الأمر » ، و الأظهر كون الأصل فيه الإظهار كما صرّح به ابن دريد فقال : نصصت الحديث نصّا ، إذا أظهرته ، و نصصت العروس نصا ، إذا أظهرتها ، و نصصت البعير في السير نصّا ، إذا رفعته ، و نصصت الحديث ، إذا عزوته إلى محدثك به ، و نصصت العروس نصا ، إذا أقعدتها على المنصة ، و كلّ شيء أظهرته فقد نصصته ، و نصة المرأة الشعر الذي يقع على وجهها من مقدّم رأسها .
( و هو من أفصح الكنايات عن هذا الأمر ) زاد ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم )
« و أغربها » فلا بدّ من سقوطه من نسخنا .
( فإذا بلغ النساء فالعصبة أولى بالمرأة إذا كانوا محرما مثل الإخوة و الأعمام ان أرادوا ذلك ) ما ذكره من أنّ الإخوة و الأعمام أولى بالمرأة ، مذهب العامة و الخبر من طريقهم ، و الأصل في نقله أبو عبيدة ، و عندنا إنّما الوليّ الأب و الجدّ بالإجماع إذا كانت صغيرة و على خلاف إذا كانت كبيرة باكرة ، و أمّا غيرهما فلا خلاف عندنا في عدم ولايتهما .
( و الحقاق محاقة الام للعصبة في المرأة و هو الجدال و الخصومة و قول كلّ واحد منهما للآخر أنا أحقّ منك بهذا ، يقال منه حاققته حقاقا مثل جادلته جدالا ) لا كلام في مجيء الحقاق مصدر حاق بمعنى جادل كالمحاقة ، لكن (( الكلام )) في صحّة إضافة النص إليه بذاك المعنى فلم يذكر أحد أنه يقال
نصصت الجدال كما قالوا : نصصت الحديث و البعير و العروس كما مرّ .
( و قد قيل ان نص الحقاق بلوغ العقل و هو الإدراك ، لأنّهعليهالسلام
إنّما أراد منتهى الأمر الذي يجب فيه الحقوق و الأحكام ) هكذا في ( الطبعة المصرية )
و لكن في ( ابن أبي الحديد
و ابن ميثم )
« يجب به الحقوق و الأحكام » .
و كيف كان فقال الأول : لم ينقل أهل اللغة أن الحقاق استعملت في معنى الحقوق ( و من رواه نص الحقائق فإنّما أراد جمع حقيقة ) و في ( ابن أبي الحديد ) « و قال من رواه . » ، و الصواب ما في ( الطبعة المصرية ) لتصديق ( ابن ميثم ) له و لأنّه لا فاعل لقوله « و قال »
.
( هذا معنى ما ذكره أبو عبيد ) زاد في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) « القاسم بن سلام » فلا بدّ من سقوطها من ( الطبعة المصرية )
.
( و الذي عندي ان المراد بنصّ الحقاق هاهنا بلوغ المرأة إلى الحدّ الذي يجوز تزويجها و تصرّفها في حقوقها تشبيها بالحقاق من الإبل ) في ( اللسان )
و الحقة نبز ام جرير بن الخطفي ، خطبها سويد بن كراع إلى أبيها فقال : إنّها لصغيرة صرعة ، فقال سويد : لقد رأيتها و هي حقة ، أي : كالحقة من الإبل في عظمها و إضافة النص إلى الإبل كثيرة ، فلما فقد زيد بن حارثة في طفوليته قال أبوه :
سأعلم نص العيس في الأرض جاهدا
|
|
و لا أسأم التطواف أو تسأم الإبل
|
و قال زيد نفسه : لمّا حجّ ناس من قبيلته و رأوه عند النبيصلىاللهعليهوآله
:
فكفوا من الوجد الذي قد شجاكم
|
|
و لا تعملوا في الأرض نص الأباعر
|
( و هي جمع حقة و حق و هو الذي استكمل ثلاث سنين و دخل في الرابعة و عند ذلك يتمكن فيه من ركوب ظهره و نصه في السير )
هكذا في الطبعة ( المصرية ) و الصواب ( في سيره ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) و الخطية
، و الجوهري جعل الحقق ايضا جمعهما
.
( و الحقائق أيضا جمع حقة ، فالروايتان جميعا ترجعان إلى معنى واحد ) قال ( ابن أبي الحديد ) : الحقائق جمع حقاق ، و الحقاق جمع حق ، فالحقائق إذن جمع الجمع لحقّ لا لحِقة
.
قلت : إذا كان الحقائق جمع الحقاق و الحقاق جمع حق و حقة بالاتفاق يصدق ان الحقائق جمع حقة كما قال المصنف .
هذا ، و قال ( ابن أبي الحديد ) : يمكن أن يقال الحقاق هاهنا الخصومة ، يقال : ما له فيه حق و لا حقاق ، أي : و لا خصومة ، و يقال لمن نازع : إنّه لنزق الحقاق أي : خصومة في الدنيّ من الأمر ، فيكون المعنى : إذا بلغت المرأة الحدّ
الذي يستطيع الإنسان فيه الخصومة و الجدال فعصبتها أولى بها من أمّها
.
قلت : ما ذكره تطويل بلا طائل و تكرار بلا حاصل ، فهو عين ما ذكره المصنف سابقا بقوله : « و الحقاق محاقّة الام للعصبة في امرأة و هو الجدال و الخصومة و قول كلّ واحد منهما للآخر أنا أحقّ منك » إلاّ أنّ ما عبّر به ( ابن أبي الحديد ) لفظ الصحاح و ما عبّر به المصنف لفظ الجمهرة و المعنى واحد .
و قال ( ابن ميثم ) : قيل يحتمل أن يراد بالنص الارتفاع ، يقال نصّت الضبيّة رأسها : إذا رفعته ، و منه منصة العروس لارتفاعها عليها ، و يكون قد استعار لفظ الحقاق لأثداء الصغيرة إذا نهدت و ارتفعت لشبهها بالحقة صورة ، أي : إذا بلغت المرأة حدّ ارتفاع أثدائهن كانت العصبة أولى
.
قلت : لم يقل أحد : إن الحقاق جمع حقة بالضم ، بل اتّفقوا على أنّه جمع حق و حقّه بالكسر أي إبل دخل في الرابعة و استحق الحمل عليه ، فما ذكره ساقط و إن كان ما قاله من كون النص بمعنى الارتفاع صحيحا .
٧ من الخطبة ( ١٥١ ) اِعْقِلْ ذَلِكَ
فَإِنَّ اَلْمِثْلَ دَلِيلٌ عَلَى شِبْهِهِ إِنَّ اَلْبَهَائِمَ هَمُّهَا بُطُونُهَا وَ إِنَّ اَلسِّبَاعَ هَمُّهَا اَلْعُدْوَانُ عَلَى غَيْرِهَا وَ إِنَّ اَلنِّسَاءَ هَمُّهُنَّ زِينَةُ اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا وَ اَلْفَسَادُ فِيهَا إِنَّ اَلْمُؤْمِنِينَ مُسْتَكِينُونَ إِنَّ اَلْمُؤْمِنِينَ مُشْفِقُونَ إِنَّ اَلْمُؤْمِنِينَ خَائِفُونَ أقول : رواه ( الكافي )
في باب الاجمال من كتاب معيشته مسندا ، و رواه
تحف العقول )
في باب حكمهعليهالسلام
مرفوعا .
« اعقل ذلك » قال ابن أبي الحديد : فيه رمز بباطن هذا الكلام إلى الرؤساء يوم الجمل
.
« فإنّ المثل دليل على شبهه » في ( أمثال الميداني ) : قال المبرد المثل مأخوذ من المثال كقول كعب بن زهير :
كانت مواعيد عرقوب لها مثلا
|
|
و ما مواعيدها إلاّ الأباطيل
|
و قال ابن السّكّيت : المثل لفظ يخالف لفظ المضروب له و يوافق معناه معنى ذلك اللفظ ، شبّهوه بالمثال الذي يعمل عليه غيره .
و قال النظام : في المثل أربع لا تجتمع في غيره : ايجاز اللفظ ، و إصابة المعنى ، و حسن التشبيه ، و جودة الكناية فهو نهاية البلاغة
.
و لكون المثل دليلا على شبهه ، أكثر تعالى من الأمثال ، و منها :(
يا أيُّها النّاس ضرب مثل فاستمعوا له إن الّذين تدعون من دون اللَّه لن يخلقوا ذباباً و لو اجتمعوا له و إن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب و المطلوب
)
.
« ان البهائم همّها بطونها » ذكر الصادقعليهالسلام
للمفضل من حكم عدم دوام النهار ان لا تفرط البهائم في الأكل فتموت كعدم إفراط الإنسان في العمل فيموت
.
ثم ان ما ذكره ( ابن أبي الحديد ) من كون كلامهعليهالسلام
رمزا إلى أصحاب الجمل و هو الظاهر أشارعليهالسلام
إلى كون طلحة و الزبير كالبهائم همّهما بطونهما ، فلذا خرجا عليهعليهالسلام
فهلكا
.
روى المفيد في ( جمله ) انّه لمّا خرج عثمان بن حنيف عاملهعليهالسلام
من البصرة عاد طلحة و الزبير إلى بيت المال فتأملا ما فيه من الذهب و الفضة قالا هذه الغنائم التي وعدنا اللَّه بها و أخبرنا انّه يعجلها لنا قال أبو الأسود : سمعت هذا منهما و رأيت عليّاعليهالسلام
بعد ذلك و قد دخل بيت مال البصرة ، فلما رأى ما فيه قال : يا صفراء يا بيضاء غرّي غيري ، المال يعسوب الظلمة و أنا يعسوب المؤمنين فلا و اللَّه ما التفت إلى ما فيه و لا فكّر فيما رآه و ما وجدته عنده إلاّ كالتراب هوانا ، فتعجبت من القوم و منه ، فقلت اولئك ممّن يريد الدنيا و هذا ممّن يريد الآخرة
.
« و إنّ السباع همّها العدوان على غيرها » أشارعليهالسلام
في هذا الكلام أيضا إليهم و أنّهم كما كانوا في الشهوة كالبهائم يكونون كالسباع في الغضب ، فلمّا كتب طلحة و الزبير مع عثمان بن حنيف كتاب عهد بينهم بالمتاركة حتى يقدم أمير المؤمنينعليهالسلام
و فرّق ابن حنيف أصحابه غدر طلحة و الزبير به فأتياه في بيته و هو غافل و على باب الدار السبابجة يحرسون بيوت الأموال ، فوضعوا فيهم السيف فقتلوا أربعين رجلا منهم صبرا يتولى ذلك منهم الزبير خاصة ، ثم هجموا على عثمان فأوثقوه رباطا و عمدوا إلى لحيته فنتفوها و كان كث اللحية حتى لم يبق فيها شعرة ، و قال طلحة : عذّبوا الفاسق و انتفوا شعر
حاجبيه و أشفار عينيه و أوثقوه بالحديد
، ثم قال طلحة و الزبير لعائشة ماذا تأمرين فيه فقالت : اقتلوه قتله اللَّه .
« و إنّ النساء همّهنّ زينة الحياة الدّنيا و الفساد فيها » أشارعليهالسلام
على ما قال ( ابن أبي الحديد ) في هذا الكلام إلى عائشة
.
و روى المفيد في ( جمله ) و ( ابن أبي الحديد ) في موضع آخر : ان عائشة لمّا بلغها نزول أمير المؤمنينعليهالسلام
بذي قار كتبت إلى حفصة : أمّا بعد ، فإنّا نزلنا البصرة و نزل عليّ بذي قار و اللَّه داق عنقه كدق البيضة ، إنّه بمنزلة الأشقر إن تقدّم نحر و إن تأخّر عقر فلما وصل الكتاب إليها استبشرت بذلك و دعت صبيان بني تميم و عدي و أعطت جواريها دفوفا و أمرتهن أن يضربن بالدفوف و يقلن : « الخبر ما الخبر ؟ عليّ الأشقر ، إن تقدّم نحر و إن تأخّر عقر » إلى أن قال : فدخلت عليها ام كلثوم و قالت لحفصة إن تظاهرت أنت و اختك على أمير المؤمنين فقد تظاهرتما على أخيه النبيصلىاللهعليهوآله
فأنزل تعالى فيكما ما أنزل أي قوله تعالى : و إن تظاهرا عليه فإنّ اللَّه هو مولاه و جبريل و صالح المؤمنين و الملائكة بعد ذلك ظهير
.
و كلامهعليهالسلام
عام و ان كانت هي المراد بالخصوص ، و قد ضرب تعالى فيها و في اختها المثل في قوله :(
ضرب اللَّه مثلاً للذين كفروا امرأت نوح و امرأت لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من اللَّه شيئا و قيل ادخلا النار مع الداخلين
)
.
و قد صرّح بكونهما المرادتين الزمخشري
، و في اسد الغابة
في معبد بن أكثم الخزاعي روى عبد اللَّه بن محمد بن عقيل عن جابر بن عبد اللَّه قال : قال النبيصلىاللهعليهوآله
: عرضت عليّ النار و أكثر من رأيت فيها النساء اللاتي إن اؤتمنّ أفشين ، و إن سألن الحفن ، و إن اعطين لم يشكرن
.
قلت : و كانتا ممّن أفشى سرّهصلىاللهعليهوآله
(
و إذ أسرّ النبيّ إلى بعض أزواجه حديثاً
)
.
و قال ( ابن أبي الحديد ) : نظر حكيم إلى امرأة مصلوبة على شجرة فقال :
ليت كلّ شجرة تحمل مثل هذه الثمرة
.
و رأى بعض الحكماء امرأة غريقة قد احتملها السيل فقال : زادت الكدر كدرا و الشر بالشر يهلك
.
و رأى بعضهم جارية تحمل نارا فقال : نار على نار ، و الحامل شرّ من المحمول
.
و رأى حكيم امرأة تعلم الكتابة فقال : سهم يسقى سما ليرمى به يوما ما
.
و مرّت امرأة بسقراط و هو مشرق في الشمس فقالت : ما أقبحك أيها الشيخ فقال : لو لا أنّكنّ من المرائي الصديّة لغمّني ما بان فيكنّ من قبح صورتي
.
قلت : و في ( اصلاح المنطق ) في قولهصلىاللهعليهوآله
« إنّكنّ إذا شبعتنّ خجلتنّ ، و إذا جعتنّ دقعتنّ » الخجل سوء احتمال الغنى ، و الدقع سوء احتمال الفقر
.
« إنّ المؤمنين مستكينون » ليس همّهم بطونهم كالبهائم .
« إنّ المؤمنين مشفقون » ليسوا مثل فرقة همّهم العدوان على العباد .
« إنّ المؤمنين خائفون » ليسوا كطائفة كالنساء همّهم زينة الحياة الدنيا و الفساد فيها و الإفساد .
و في الكلام اشارة ثانية إلى أن أصحاب الجمل لم يكونوا من الايمان في شيء لخلّوهم من أوصافهم .
هذا ، و عن المغيرة : النساء أربع و الرجال أربعة : رجل مذكر و امرأة مؤنّثة فهو قوّام عليها ، و رجل مؤنّث و امرأة مذكّرة فهي قوّامة عليه ، و رجل مذكّر و امرأة مذكّرة فهما كالوعلين ينتطحان ، و رجل مؤنّث و امرأة مؤنّثة فهما لا يفلحان
و للأخطل :
يمددن من هفواتهن إلى الصبا
|
|
سببا يصدن به الغواة طوالا
|
ما إن رأيت كمكرهن إذا جرى
|
|
فينا و لا كحبالهنّ حبالا
|
المهديات لمن هوين مسبّة
|
|
و المحسنات لمن قلين مقالا
|
يرعين عهدك ما رأينك شاهدا
|
|
و إذا مذلت يصرن عنك مذالا
|
إنّ الغواني إن رأينك طاويا
|
|
برد الشباب طوين عنك وصالا
|
و إذا وعدنك نائلا أخلفنه
|
|
و وجدت عند عداتهن مطالا
|
و إذا دعونك عمّهن فإنّه
|
|
نسب يزيدك عندهن خبالا
|
و لعلقمة الفحل :
فإن تسألوني بالنساء فإنّني
|
|
بصير بأدواء النساء طبيب
|
إذا شاب رأس المرء أو قلّ ماله
|
|
فليس له في ودّهن نصيب
|
يردن ثراء المال حيث علمنه
|
|
و شرخ الشباب عندهن عجيب
|
و لطفيل الغنوي :
إنّ النساء كأشجار نبتن معا
|
|
منها المرار و بعض النبت مأكول
|
إنّ النساء و ان ينهين عن خلق
|
|
فإنّه واجب لا بدّ مفعول
|
لا يصرفنّ لرشد إن دعين له
|
|
و هنّ بعد ملائيم مخاذيل
|
و قال كعب بن زهير في قصيدته في مدح النبيصلىاللهعليهوآله
التي أولها
« بانت
سعاد فقلبي اليوم متبول »
فيا لها خلة لو أنّها صدقت
|
|
بوعدها أو لو أنّ النصح مقبول
|
لكنّها خلّة قد سيط من دمها
|
|
فجع و ولع و أخلاف و تبديل
|
فما تدوم على حال تكون بها
|
|
كما تلوّن في أثوابها الغول
|
و ما تمسك بالعهد الذي زعمت
|
|
إلاّ كما يمسك الماء الغرابيل
|
فلا يغرّنك ما منّت و ما وعدت
|
|
إنّ الأماني و الأحلام تضليل
|
كانت مواعيد عرقوب لها مثلا
|
|
و ما مواعيدها إلاّ الأباطيل
|
و في ( نوادر نكاح الفقيه ) عنهعليهالسلام
: لا تحملوا الفروج على السروج فتهيجوهن على الفجور
.
و مر في ٤ ٤٢ « و جهاد المرأة حسن التبعّل »
.
و روى ( حلية أبي نعيم ) إنّ النبيصلىاللهعليهوآله
إنصرف من الصبح يوما فأتى النساء فوقف عليهن فقال : اني قد رأيت انكن أكثر أهل النار فتقرّبن إلى اللَّه تعالى بما استطعتنّ و في خبر تصدقن و لو بحليّكنّ و كانت امرأة ابن مسعود فيهن ، فأخذت حليا لها فقال لها ابن مسعود : أين تذهبين به ؟ قالت :
أتقرّب به إلى اللَّه تعالى لعل اللَّه لا يجعلني من أهل النار فقال : هلمّي تصدّقي به عليّ و على ولدي فأنا له موضع قال : و سئل النبيصلىاللهعليهوآله
عن ذلك فقال : لها أجران أجر القرابة و أجر العلاقة
.
و في ( المعمرون ) لأبي حاتم : عاش شرية الجعفي
ثلاثمائة سنة ، و قيل له ما بال ابنك قد خرف و بك بقية قال : أما و اللَّه ما تزوّجت أمه حتى أتت عليّ سبعون سنة ، و تزوجتها ستيرة عفيفة إن رضيت رأيت ما تقرّبه عيني و إن
سخطت تأتت لي حتى أرضى ، و انّ ابني تزوّج امرأة فاحشة بذيّة إن رأى ما تقربه عينه تعرضت له حتى يسخط و ان سخط تلغبّته
حتى يهلك
.
الفصل التاسع و الخمسون في إبليس
١ الخطبة ( ٨١ ) في خطبة عجيبة :
أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اَللَّهِ اَلَّذِي أَعْذَرَ بِمَا أَنْذَرَ وَ اِحْتَجَّ بِمَا نَهَجَ وَ حَذَّرَكُمْ عَدُوّاً نَفَذَ فِي اَلصُّدُورِ خَفِيّاً وَ نَفَثَ فِي اَلْآذَانِ نَجِيّاً فَأَضَلَّ وَ أَرْدَى وَ وَعَدَ فَمَنَّى وَ زَيَّنَ سَيِّئَاتِ اَلْجَرَائِمِ وَ هَوَّنَ مُوبِقَاتِ اَلْعَظَائِمِ حَتَّى إِذَا اِسْتَدْرَجَ قَرِينَتَهُ وَ اِسْتَغْلَقَ رَهِينَتَهُ أَنْكَرَ مَا زَيَّنَ وَ اِسْتَعْظَمَ مَا هَوَّنَ وَ حَذَّرَ مَا أَمَّنَ « اوصيكم بتقوى اللَّه الذي أعذر بما أنذر »(
يا معشر الجن و الإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصّون عليكم آياتي و ينذورنكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا و غرّتهم الحياة الدُّنيا
)
.
قال الجوهري : كان ابن عباس يقرأ :(
و جاء المعذرون
)
مخفّفة من أعذر و يقول : و اللَّه لهكذا انزلت كان الأمر عنده أنّ المعذّر بالتشديد هو المظهر للعذر اعتلالا من غير حقيقة له في العذر و المعذر الذي له العذر
.
« و احتجّ بما نهج » أي : أوضح الطريق :(
و أن هذا صراطي مستقيماً فاتَّبعوه و لا تتّبعوا السبل فتفرّق بكم عن سبيله
)
.
« و حذّركم عدوّا نفذ في الصّدور خفيّا »(
يا بني آدم لا يفتنَّنكم الشَّيطان كما أَخرج أبويكم ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو و قبيله من حيث لا ترونهم
)
.
« و نفث في الآذان نجيّا » نفث من باب نصر و ضرب ، و النفث شبيه بالنفخ ، و النجيّ الذي تسارّه(
و إنّ الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم
)
.
هذا ، و في ( الكافي ) عن الصادقعليهالسلام
: إنّ العبد يوقظ ثلاث مرّات من الليل ، فإن لم يقم أتاه الشيطان فبال في أذنه
.
و في الخبر : اوحي إلى موسىعليهالسلام
: ما لم تسمع بموت إبليس فلاتأ من مكره
.
و في الخبر أيضا : أتى إبليس موسىعليهالسلام
و هو يناجي ربّه قال : أتطمع
في هذه الحال قال : نعم كما طمعت في أبيك آدم
.
و في الخبر : أتى عيسىعليهالسلام
و قد اضطجع و جعل تحت رأسه لبنة فقال :
أتطمع فيّ و ليس لي شيء من علائق الدنيا تخدعني به فقال : بلى ما دام لك علاقة بهذه اللّبنة أطمع فيك ، فأخذها و رماها
.
« فأضلّ و أردى » أي : أهلك « و وعد فمنى » و قال لأتخذن من عبادك نصيباً مفروضاً(
و لأضلّنّهم و لاُمنِّينَّهم
)
.
« و زيّن سيئات الجرائم »(
و زيّن لهم الشيطان ما كانوا يعملون
)
(
لاُزيِّننَّ لهم في الأرض
)
(
و زيَّن لهم الشيطان أعمالهم فصدَّهم عن السَّبيل فهم لا يهتدون
)
.
« و هوّن موبقات العظائم » أي :(
مهلكات الذنوب العظيمة و لآمرنَّهم فليغيّرنّ خلق اللَّه
)
.
« حتى إذا استدرج قرينته » أي : أدنى على التدريج صاحبه الذي كان قرينه .
« و استغلق رهينته » أي : صارت الرهينة غلقة عنده لا يقدر صاحبها على فكّها ، أي : في حال الاحتضار و ما بعده .
« أنكر ما زيّن و استعظم ما هوّن و حذّر ما أمّن »(
و قال الشّيطان لمّا قضي
الأمر إنّ اللَّه وعدكم وعد الحق و وعدتكم فأخلفتكم و ما كان لي عليكم من سلطان إلاّ أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني و لوموا أَنفسكم ما أَنا بمصرخكم و ما أَنتم بمصرخيّ إنّي كفرت بما أَشركتمون من قبل
)
و في سورة الحشر(
كمثل الشَّيطان إذ قال للإنسان اكفر فلمّا كفر قال إنّي بريءٌ منك إنّي أخاف اللَّه رَبَّ العالمين
)
.
٢ من الخطبة القاصعة ( ١٩٠ )
فَاعْتَبِرُوا بِمَا كَانَ مِنْ فِعْلِ اَللَّهِ ؟ بِإِبْلِيسَ ؟ إِذْ أَحْبَطَ عَمَلَهُ اَلطَّوِيلَ وَ جَهْدَهُ اَلْجَهِيدَ وَ كَانَ قَدْ عَبَدَ اَللَّهَ سِتَّةَ آلاَفِ سَنَةٍ لاَ يُدْرَى أَ مِنْ سِنِي اَلدُّنْيَا أَمْ مِنْ سِنِي اَلْآخِرَةِ عَنْ كِبْرِ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ فَمَنْ بَعْدَ ؟ إِبْلِيسَ ؟ يَسْلَمُ عَلَى اَللَّهِ بِمِثْلِ مَعْصِيَتِهِ كَلاَّ مَا كَانَ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ لِيُدْخِلَ اَلْجَنَّةَ بَشَراً بِأَمْرٍ أَخْرَجَ مِنْهَا مَلَكاً إِنَّ حُكْمَهُ فِي أَهْلِ اَلسَّمَاءِ وَ أَهْلِ اَلْأَرْضِ لَوَاحِدٌ وَ مَا بَيْنَ اَللَّهِ وَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ هَوَادَةٌ فِي إِبَاحَةِ حِمًى حَرَّمَهُ عَلَى اَلْعَالَمِينَ فَاحْذَرُوا عِبَادَ اَللَّهِ أَنْ يُعْدِيَكُمْ بِدَائِهِ وَ أَنْ يَسْتَفِزَّكُمْ بِنِدَائِهِ وَ أَنْ يُجْلِبَ عَلَيْكُمْ بِخَيْلِهِ وَ رَجْلِهِ فَلَعَمْرِي لَقَدْ فَوَّقَ لَكُمْ سَهْمَ اَلْوَعِيدِ وَ أَغْرَقَ لَكُمْ بِالنَّزْعِ اَلشَّدِيدِ وَ رَمَاكُمْ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ(
وَ قَالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي اَلْأَرْضِ
)
(
وَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
)
٢ ١١ ١٥ : ٣٩
قَذْفاً بِغَيْبٍ بَعِيدٍ وَ رَجْماً بِظَنٍّ مُصِيبٍ صَدَّقَهُ بِهِ أَبْنَاءُ اَلْحَمِيَّةِ وَ إِخْوَانُ اَلْعَصَبِيَّةِ وَ فُرْسَانُ اَلْكِبْرِ وَ اَلْجَاهِلِيَّةِ حَتَّى إِذَا اِنْقَادَتْ لَهُ اَلْجَامِحَةُ مِنْكُمْ وَ اِسْتَحْكَمَتِ
اَلطَّمَاعِيَّةُ مِنْهُ فِيكُمْ فَنَجَمَتِ اَلْحَالُ مِنَ اَلسِّرِّ اَلْخَفِيِّ إِلَى اَلْأَمْرِ اَلْجَلِيِّ اِسْتَفْحَلَ سُلْطَانُهُ عَلَيْكُمْ وَ دَلَفَ بِجُنُودِهِ نَحْوَكُمْ فَأَقْحَمُوكُمْ وَلَجَاتِ اَلذُّلِّ وَ أَحَلُّوكُمْ وَرَطَاتِ اَلْقَتْلِ وَ أَوْطَئُوكُمْ إِثْخَانَ اَلْجِرَاحَةِ طَعْناً فِي عُيُونِكُمْ وَ حَزّاً فِي حُلُوقِكُمْ وَ دَقّاً لِمَنَاخِرِكُمْ وَ قَصْداً لِمَقَاتِلِكُمْ وَ سَوْقاً بِخَزَائِمِ اَلْقَهْرِ إِلَى اَلنَّارِ اَلْمُعَدَّةِ لَكُمْ فَأَصْبَحَ أَعْظَمَ فِي دِينِكُمْ حَرْجاً وَ أَوْرَى فِي دُنْيَاكُمْ قَدْحاً مِنَ اَلَّذِينَ أَصْبَحْتُمْ لَهُمْ مُنَاصِبِينَ وَ عَلَيْهِمْ مُتَأَلِّبِينَ فَاجْعَلُوا عَلَيْهِ حَدَّكُمْ وَ لَهُ جِدَّكُمْ فَعَمْرُ اَللَّهِ لَقَدْ فَخَرَ عَلَى أَصْلِكُمْ وَ وَقَعَ فِي حَسَبِكُمْ وَ دَفَعَ فِي نَسَبِكُمْ وَ أَجْلَبَ بِخَيْلِهِ عَلَيْكُمْ وَ قَصَدَ بِرَجِلِهِ سَبِيلَكُمْ يَقْتَنِصُونَكُمْ بِكُلِّ مَكَانٍ وَ يَضْرِبُونَ مِنْكُمْ كُلَّ بَنَانٍ لاَ تَمْتَنِعُونَ بِحِيلَةٍ وَ لاَ تَدْفَعُونَ بِعَزِيمَةٍ فِي حَوْمَةِ ذُلٍّ وَ حَلْقَةِ ضِيقٍ وَ عَرْصَةِ مَوْتٍ وَ جَوْلَةِ بَلاَءٍ فَأَطْفِئُوا مَا كَمَنَ فِي قُلُوبِكُمْ مِنْ نِيرَانِ اَلْعَصَبِيَّةِ وَ أَحْقَادِ اَلْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّمَا تِلْكَ اَلْحَمِيَّةُ تَكُونُ فِي اَلْمُسْلِمِ مِنْ خَطَرَاتِ اَلشَّيْطَانِ وَ نَخَوَاتِهِ وَ نَزَغَاتِهِ وَ نَفَثَاتِهِ وَ اِعْتَمِدُوا وَضْعَ اَلتَّذَلُّلِ عَلَى رُءُوسِكُمْ وَ إِلْقَاءَ اَلتَّعَزُّزِ تَحْتَ أَقْدَامِكُمْ وَ خَلْعَ اَلتَّكَبُّرِ مِنْ أَعْنَاقِكُمْ وَ اِتَّخِذُوا اَلتَّوَاضُعَ مَسْلَحَةً بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ عَدُوِّكُمْ ؟ إِبْلِيسَ ؟ وَ جُنُودِهِ فَإِنَّ لَهُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ جُنُوداً وَ أَعْوَاناً وَ رَجْلاً وَ فُرْسَاناً إلى أن قال :
أَلاَ وَ قَدْ أَمْعَنْتُمْ فِي اَلْبَغْيِ وَ أَفْسَدْتُمْ فِي اَلْأَرْضِ مُصَارَحَةً لِلَّهِ بِالْمُنَاصَبَةِ وَ مُبَارَزَةً لِلْمُؤْمِنِينَ بِالْمُحَارَبَةِ فَاللَّهَ اَللَّهَ فِي كِبْرِ اَلْحَمِيَّةِ وَ فَخْرِ اَلْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّهُ مَلاَقِحُ اَلشَّنَئَانِ وَ مَنَافِخُ اَلشَّيْطَانِ اَلَّتِي خَدَعَ بِهَا اَلْأُمَمَ اَلْمَاضِيَةَ وَ اَلْقُرُونَ اَلْخَالِيَةَ حَتَّى أَعْنَقُوا فِي حَنَادِسِ جَهَالَتِهِ وَ مَهَاوِي ضَلاَلَتِهِ ذُلُلاً عَنْ سِيَاقِهِ سُلُساً فِي قِيَادِهِ أَمْراً تَشَابَهَتِ اَلْقُلُوبُ فِيهِ وَ تَتَابَعَتِ
اَلْقُرُونُ عَلَيْهِ وَ كِبْراً تَضَايَقَتِ اَلصُّدُورُ بِهِ أَلاَ فَالْحَذَرَ اَلْحَذَرَ مِنْ طَاعَةِ سَادَاتِكُمْ وَ كُبَرَائِكُمْ اَلَّذِينَ تَكَبَّرُوا عَنْ حَسَبِهِمْ وَ تَرَفَّعُوا فَوْقَ نَسَبِهِمْ وَ أَلْقَوُا اَلْهَجِينَةَ عَلَى رَبِّهِمْ وَ جَاحَدُوا اَللَّهَ عَلَى مَا صَنَعَ بِهِمْ مُكَابَرَةً لِقَضَائِهِ وَ مُغَالَبَةً لِآلاَئِهِ فَإِنَّهُمْ قَوَاعِدُ أَسَاسِ اَلْعَصَبِيَّةِ وَ دَعَائِمُ أَرْكَانِ اَلْفِتْنَةِ وَ سُيُوفُ اِعْتِزَاءِ اَلْجَاهِلِيَّةِ فَاتَّقُوا اَللَّهَ وَ لاَ تَكُونُوا لِنِعَمِهِ عَلَيْكُمْ أَضْدَاداً وَ لاَ لِفَضْلِهِ عِنْدَكُمْ حُسَّاداً وَ لاَ تُطِيعُوا اَلْأَدْعِيَاءَ اَلَّذِينَ شَرِبْتُمْ بِصَفْوِكُمْ كَدَرَهُمْ وَ خَلَطْتُمْ بِصِحَّتِكُمْ مَرَضَهُمْ وَ أَدْخَلْتُمْ فِي حَقِّكُمْ بَاطِلَهُمْ وَ هُمْ أَسَاسُ اَلْفُسُوقِ وَ أَحْلاَسُ اَلْعُقُوقِ اِتَّخَذَهُمْ ؟ إِبْلِيسُ ؟ مَطَايَا ضَلاَلٍ وَ جُنْداً بِهِمْ يَصُولُ عَلَى اَلنَّاسِ وَ تَرَاجِمَةً يَنْطِقُ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ اِسْتِرَاقاً لِعُقُولِكُمْ وَ دُخُولاً فِي عُيُونِكُمْ وَ نَفْثاً فِي أَسْمَاعِكُمْ فَجَعَلَكُمْ مَرْمَى نَبْلِهِ وَ مَوْطِئَ قَدَمِهِ وَ مَأْخَذَ يَدِهِ فَاعْتَبِرُوا بِمَا أَصَابَ اَلْأُمَمَ اَلْمُسْتَكْبِرِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنْ بَأْسِ اَللَّهِ وَ صَوْلاَتِهِ وَ وَقَائِعِهِ وَ مَثُلاَتِهِ وَ اِتَّعِظُوا بِمَثَاوِي خُدُودِهِمْ وَ مَصَارِعِ جُنُوبِهِمْ وَ اِسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ لَوَاقِحِ اَلْكِبْرِ كَمَا تَسْتَعِيذُونَ مِنْ طَوَارِقِ اَلدَّهْرِ إلى أن قال :
وَ لَقَدْ نَظَرْتُ فَمَا وَجَدْتُ أَحَداً مِنَ اَلْعَالَمِينَ يَتَعَصَّبُ لِشَيْءٍ مِنَ اَلْأَشْيَاءِ إِلاَّ عَنْ عِلَّةٍ تَحْتَمِلُ تَمْوِيهَ اَلْجُهَلاَءِ أَوْ حُجَّةٍ تَلِيطُ بِعُقُولِ اَلسُّفَهَاءِ غَيْرَكُمْ فَإِنَّكُمْ تَتَعَصَّبُونَ لِأَمْرٍ مَا يُعْرَفُ لَهُ سَبَبٌ وَ لاَ عِلَّةٌ أَمَّا ؟ إِبْلِيسُ ؟
فَتَعَصَّبَ عَلَى ؟ آدَمَ ؟ لِأَصْلِهِ وَ طَعَنَ عَلَيْهِ فِي خَلْقِهِ فَقَالَ أَنَا نَارِيٌّ وَ أَنْتَ طِينِيٌّ وَ أَمَّا اَلْأَغْنِيَاءُ مِنْ مُتْرَفَةِ اَلْأُمَمِ فَتَعَصَّبُوا لِآثَارِ مَوَاقِعِ اَلنِّعَمِ فَ قالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَ أَوْلاداً وَ ما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ٢ ١١ ٣٤ : ٣٥ فَإِنْ كَانَ لاَ بُدَّ مِنَ اَلْعَصَبِيَّةِ فَلْيَكُنْ تَعَصُّبُكُمْ لِمَكَارِمِ اَلْخِصَالِ وَ مَحَامِدِ اَلْأَفْعَالِ وَ مَحَاسِنِ اَلْأُمُورِ
اَلَّتِي تَفَاضَلَتْ فِيهَا اَلْمُجَدَاءُ وَ اَلنُّجَدَاءُ مِنْ بُيُوتَاتِ اَلْعَرَبِ وَ يَعَاسِيبِ اَلقَبَائِلِ بِالْأَخْلاَقِ اَلرَّغِيبَةِ وَ اَلْأَحْلاَمِ اَلْعَظِيمَةِ وَ اَلْأَخْطَارِ اَلْجَلِيلَةِ وَ اَلْآثَارِ اَلْمَحْمُودَةِ فَتَعَصَّبُوا لِخِلاَلِ اَلْحَمْدِ مِنَ اَلْحِفْظِ لِلْجِوَارِ وَ اَلْوَفَاءِ بِالذِّمَامِ وَ اَلطَّاعَةِ لِلْبِرِّ وَ اَلْمَعْصِيَةِ لِلْكِبْرِ وَ اَلْأَخْذِ بِالْفَضْلِ وَ اَلْكَفِّ عَنِ اَلْبَغْيِ وَ اَلْإِعْظَامِ لِلْقَتْلِ وَ اَلْإِنْصَافِ لِلْخَلْقِ وَ اَلْكَظْمِ لِلْغَيْظِ وَ اِجْتِنَابِ اَلْفَسَادِ فِي اَلْأَرْضِ وَ اِحْذَرُوا مَا نَزَلَ بِالْأُمَمِ قَبْلَكُمْ مِنَ اَلْمَثُلاَتِ بِسُوءِ اَلْأَفْعَالِ وَ ذَمِيمِ اَلْأَعْمَالِ فَتَذَكَّرُوا فِي اَلْخَيْرِ وَ اَلشَّرِّ أَحْوَالَهُمْ وَ اِحْذَرُوا أَنْ تَكُونُوا أَمْثَالَهُمْ فَإِذَا تَفَكَّرْتُمْ فِي تَفَاوُتِ حَالَيْهِمْ فَالْزَمُوا كُلَّ أَمْرٍ لَزِمَتِ اَلْعِزَّةُ بِهِ شَأْنَهُمْ وَ زَاحَتِ اَلْأَعْدَاءُ لَهُ عَنْهُمْ وَ مُدَّتِ اَلْعَافِيَةُ فِيهِ عَلَيْهِمْ وَ اِنْقَادَتِ اَلنِّعْمَةُ لَهُ مَعَهُمْ وَ وَصَلَتِ اَلْكَرَامَةُ عَلَيْهِ حَبْلَهُمْ مِنَ اَلاِجْتِنَابِ لِلْفُرْقَةِ وَ اَللُّزُومِ لِلْأُلْفَةِ وَ اَلتَّحَاضِّ عَلَيْهَا وَ اَلتَّوَاصِي بِهَا وَ اِجْتَنِبُوا كُلَّ أَمْرٍ كَسَرَ فِقْرَتَهُمْ وَ أَوْهَنَ مُنَّتَهُمْ مِنْ تَضَاغُنِ اَلْقُلُوبِ وَ تَشَاحُنِ اَلصُّدُورِ وَ تَدَابُرِ اَلنُّفُوسِ وَ تَخَاذُلِ اَلْأَيْدِي وَ تَدَبَّرُوا أَحْوَالَ اَلْمَاضِينَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ قَبْلَكُمْ كَيْفَ كَانُوا فِي حَالِ اَلتَّمْحِيصِ وَ اَلْبَلاَءِ أَ لَمْ يَكُونُوا أَثْقَلَ اَلْخَلْقِ أَعْبَاءً وَ أَجْهَدَ اَلْعِبَادِ بَلاَءً وَ أَضْيَقَ أَهْلِ اَلدُّنْيَا حَالاً اِتَّخَذَتْهُمُ اَلْفَرَاعِنَةُ عَبِيداً فَسَامُوهُمْ سُوءَ اَلْعَذَابِ وَ جَرَّعُوهُمُ اَلْمُرَارَ فَلَمْ تَبْرَحِ اَلْحَالُ بِهِمْ فِي ذُلِّ اَلْهَلَكَةِ وَ قَهْرِ اَلْغَلَبَةِ لاَ يَجِدُونَ حِيلَةً فِي اِمْتِنَاعٍ وَ لاَ سَبِيلاً إِلَى دِفَاعٍ حَتَّى إِذَا رَأَى اَللَّهُ جِدَّ اَلصَّبْرِ مِنْهُمْ عَلَى اَلْأَذَى فِي مَحَبَّتِهِ وَ اَلاِحْتِمَالَ لِلْمَكْرُوهِ مِنْ خَوْفِهِ جَعَلَ لَهُمْ مِنْ مَضَايِقِ اَلْبَلاَءِ فَرَجاً فَأَبْدَلَهُمُ اَلْعِزَّ مَكَانَ اَلذُّلِّ وَ اَلْأَمْنَ مَكَانَ اَلْخَوْفِ فَصَارُوا مُلُوكاً حُكَّاماً وَ أَئِمَّةً أَعْلاَماً وَ قَدْ بَلَغَتِ اَلْكَرَامَةُ مِنَ اَللَّهِ لَهُمْ مَا لَمْ تَبْلَغِ
اَلْآمَالُ إِلَيْهِ بِهِمْ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانُوا حَيْثُ كَانَتِ اَلْأَمْلاَءُ مُجْتَمِعَةً وَ اَلْأَهْوَاءُ مُتَّفِقَةً وَ اَلْقُلُوبُ مُعْتَدِلَةً وَ اَلْأَيْدِي مُتَرَادِفَةً وَ اَلسُّيُوفُ مُتَنَاصِرَةً وَ اَلْبَصَائِرُ نَافِذَةً وَ اَلْعَزَائِمُ وَاحِدَةً أَ لَمْ يَكُونُوا أَرْبَاباً فِي أَقْطَارِ اَلْأَرَضِينَ وَ مُلُوكاً عَلَى رِقَابِ اَلْعَالَمِينَ فَانْظُرُوا إِلَى مَا صَارُوا إِلَيْهِ فِي آخِرِ أُمُورِهِمْ حِينَ وَقَعَتِ اَلْفُرْقَةُ وَ تَشَتَّتَتِ اَلْأُلْفَةُ وَ اِخْتَلَفَتِ اَلْكَلِمَةُ وَ اَلْأَفْئِدَةُ تَشَعَّبُوا مُخْتَلِفِينَ وَ تَفَرَّقُوا مُتَحَارِبِينَ قَدْ خَلَعَ اَللَّهُ عَنْهُمْ لِبَاسَ كَرَامَتِهِ وَ سَلَبَهُمْ غَضَارَةَ نِعْمَتِهِ وَ بَقِيَ قَصَصُ أَخْبَارِهِمْ فِيكُمْ عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ « فاعتبروا بما كان من فعل اللَّه بإبليس » قال الجوهري : كان اسم إبليس عزازيل ، و سمّي إبليس من قولهم : أبلس من رحمة اللَّه أي : يئس
.
« إذ أحبط عمله الطويل » أي : أبطله ، قيل : الأصل في الإحباط أن يذهب ماء الركية فلا يعود كما كان .
« و جهده الجهيد » الجهد بالفتح من قولهم إجهد جهدك ، أي : ابلغ غايتك ، و أمّا بالضم فبمعنى الطاقة .
« و قد كان عبد اللَّه ستة آلاف سنة » و روى القمي في ( تفسيره ) عن الصادقعليهالسلام
: ركع ركعتين في السماء في أربعة آلاف سنة
.
« لا يدرى أمن سنيّ الدنيا أم من سنيّ الآخرة » قال ( ابن ميثم ) لا يدرى في نسخة الرضي بالبناء للفاعل و في غيرها للمفعول
.
ثم ان ( ابن أبي الحديد ) قال :(
في سني الآخرة آيات تعرج الملائكة
و الروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة
)
(
و يدبّر الأمر من السماء إلى الأَرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره أَلف سنة
و إنّ يوماً عند ربّك كألف سنة ممّا تعدّون
)
و المراد بالاولى ، مدّة عمر الدّنيا ، أي :
تعرج الملائكة و الروح بأعمال البشر طول هذه المدة ، و بالأخيرتين ، كمية أيام الآخرة ، و هو أنّ كلّ يوم منها مثل ألف سنة من سنيّ الدّنيا
.
و قالعليهالسلام
: قوله تعالى في موضع مقداره خمسين ألف سنة و في آخر مقداره ألف سنة إشارة إلى تفاوت تلك الأزمنة الموهومة بشدة أهوال أحوال الآخرة و ضعفها و طولها و قصرها ، و سرعة حساب بعضهم و خفّة ظهرها و ثقل أوزار قوم آخرين و طول حسابهم ، كما روي عن ابن عباس في قوله تعالى : في يوم كن مقداره خمسين ألف سنة هو يوم القيامة جعله اللَّه على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة
.
و عن أبي سعيد الخدري : قيل للنبيصلىاللهعليهوآله
(
يوم كان مقداره خمسين ألف سنة
)
ما أطول هذا اليوم ؟ فقال : و الذي نفسي بيده إنّه ليخفّ على المؤمن حتى يكون أخفّ عليه من صلاة مكتوبة يصلّيها في الدّنيا
.
و قال الشيخ في ( التبيان ) في قوله تعالى(
يدبّر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة ممّا تعدون
)
في سورة
الم السجدة ، قال ابن عباس و الضحّاك : معناه يوم كان مقداره لو ساره غير الملك ألف سنة ممّا يعدّه البشر ، و قيل معناه خمسمائة عام نزول و خمسمائة صعود فذلك ألف سنة ، و قال قوم : يجوز أن يكون يوم القيامة يوما له أول و ليس له آخر وقته أوقات يسمّى بعضها ألف سنة و بعضها خمسين ألف سنة ،(
و قيل ان معنى و إن يوماً عند ربّك كأَلف سنة ممّا تعدُّون
)
إنّه فعل في يوم واحد من الأيام الستة التي خلق فيها السماوات و الأرض ما لو كان يجوز أن يفعله غيره لمّا فعله إلاّ في ألف سنة ، و قيل : إنّ معناه أنّ كلّ يوم من الأيام الستة التي خلق فيها السماوات كألف سنة من أيام الدّنيا
.
و قال في قوله : و إنّ يوماً عند ربّك كألف سنة ممّا تعدّون في سورة الحج : قال ابن عباس و مجاهد و عكرمة : يوم من أيام الآخرة كألف سنة من أيام الدّنيا .
.
و في ( تفسير القمي ) في قوله تعالى :(
و يستعجلونك بالعذاب و لن يخلف اللَّه وعده و إنّ يوما عند ربّك كألف سنة ممّا تعدون
)
في الحج : إنّ النبيّصلىاللهعليهوآله
أخبرهم ان العذاب قد أتاهم فقالوا ابن العذاب استعجلوه ، فقال تعالى : و ان يوما عند ربك كألف سنة ممّا تعدون
.
و في قوله تعالى : اللَّه الذي خلق السماوات و الأرض و ما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي و لا شفيع أَفلا تتذكّرون(
يدبِّر الأَمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره
ألف سنة ممّا تعدّون
)
.
في السجدة ، يعني الأمور التي يدبرها و الأمر و النهي الذي أمر به و أعمال العباد ، كل هذا يظهر يوم القيامة فيكون مقدار ذلك اليوم ألف سنة من سني الدّنيا .
و قال في :(
تعرج الملائكة و الروح
)
في صبح ليلة القدر « إليه » من عند النبي و الوصي .
و قال في : يوم كان مقداره خمسين ألف سنة في القيامة خمسين موقفا كلّ موقف ألف سنة .
و روى الكليني و الشيخان ، في أماليّيهما مسندا عن حفص بن غياث عن الصادقعليهالسلام
: إذا أراد أحدكم أن لا يسأل ربّه شيئا إلاّ أعطاه فلييأس من الناس كلّهم و لا يكون له رجاء إلاّ عند اللَّه تعالى ، فإذا علم تعالى ذلك من قلبه لم يسأل اللَّه شيئا إلاّ أعطاه ، فحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا عليها ، فإنّ للقيامة خمسين موقفا كلّ موقف مقداره ألف سنة ثم تلا في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة
.
قال ( ابن أبي الحديد ) : إذا كانت عبادة إبليس ستة آلاف من سنيّ الآخرة و سنتها ألف سنة يكون الحاصل ألفي ألف ألف سنة و مائة و ستون ألف ألف ، و إن كانت سنتها خمسين ألفا يكون الحاصل ثمانية عشر ألف ألف ألف
.
« عن كبر ساعة واحدة » متعلّق بقولهعليهالسلام
« أحبط » .
« فمن بعد إبليس يسلم على اللَّه بمثل معصيته » و في ( ابن أبي الحديد ) : فمن ذا . .
« كلاّ ما كان اللَّه سبحانه ليدخل الجنة بشرا بأمر أخرج به منها ملكا » الباء في « بأمر » للمصاحبة و في « به » للسبية ، أي : إذا كان الكبر سببا للإخراج من الجنة لا يمكن إدخالها معه
.
« إنّ حكمه في أهل السماء و الأرض لواحد » فما لم يرتضه من الملك لم يرتضه من البشر .
« و ما بين اللَّه و بين أحد من خلقه هوادة » أي : صلح و ميل .
« في إباحة حمى » بالكسر فالفتح ، أي موضع محظور لا يقرب و في الخبر « لا حمى إلاّ للَّه و لرسوله »
.
« حرمه على العالمين » فلا استثناء فيه .
« فاحذروا عباد اللَّه » هكذا في ( الطبعة المصرية )
، و لكن في ( ابن ميثم )
« فاحذروا عدو اللَّه » و في ( ابن أبي الحديد )
و ( الخوئي )
« فاحذروا عباد اللَّه عدوّ اللَّه » .
« أن يعديكم بدائه » قال الجوهري : العدوى ما يعدى من جرب أو غيره أي يجاوز من صاحبه إلى غيره
.
قال ابن أبي الحديد « ان يعديكم » بدل من « عدو اللَّه »
، و قال الراوندي :
يجوز أن يكون مفعولا ثانيا ، و ليس بصحيح لأن « حذرت » لا يتعدّى إلى المفعولين
.
قلت : يمكن أن يكون مفعوله الثاني بنزع الخافض ، و الأصل « من أن يعديكم بدائه » و حذف الجار من أن و ان قياسى .
في ( عيون القتيبي ) : خطب سلمان إلى عمر فاجمع على تزويجه فشقّ ذلك على عبد اللَّه بن عمر فشكاه إلى عمرو بن العاص فقال : أنا أردّه عنك فقال :
إن رددته بما يكره أغضبت إياه قال : عليّ أن أردّه عنك راضيا ، فأتى سلمان فضرب بين كتفيه بيده ثم قال : هنيئا لك أبا عبد اللَّه هذا عمر يتواضع بتزويجك .
فالتفت إليه مغضبا و قال : أبي يتواضع و اللَّه لا أتزوّجها أبدا
.
قلت : فعل ذلك عمر على لسان ابنه ، و ابنه كان معروفا بالضعة .
و روى محمد بن عمرو الكشّي أنّ سلمان خطب إلى عمر فرده ، ثم ندم فعاد إليه فقال له سلمان : إنّما أردت أن أعلم ذهبت حميّة الجاهلية عن قلبك أم هي كما هي
.
« و أن يستفزّكم بندائه » « و ان يجلب عليكم بخيله و رجله » هكذا في ( الطبعة المصرية ) و لكن في ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخوئي و الخطية
« و ان يستفزكم بخيله و رجله » و قد عرفت في أوّل الكتاب أنّ المعتبر نسخة ابن أبي الحديد و ابن ميثم لا سيما الثاني الذي نسخته بخط المصنف ، و الظاهر ان ما في ( الطبعة المصرية ) كان حاشية أخذا من قوله تعالى :(
و استفزز من استطعت منهم بصوتك و أجلب عليهم بخيلك و رجلك
)
خلطت بالمتن .
و كيف كان ، فاستفزّه أي : استخفّه ، و أجلب على فرسه ، أي : صاح به من خلفه و استحثه للسبق ، و الخيل هنا مثل الآية بمعنى الفرسان كالرجل الرجالة ، و أمّا في قوله تعالى :(
و الخيل و البغال و الحمير
)
فالأفراس
.
و عن الصادقعليهالسلام
: إذا أخذ القوم في المعصية فإن كانوا ركبانا كانوا من خيل إبليس ، و إن كانوا رجالا كانوا من رجالته
.
« فلعمري لقد فوّق لكم سهم الوعيد » قال ابن أبي الحديد فوّقت السهم جعلت له فوقا و هو موضع الوتر ، و لا يجوز أن يفسّر بأنه وضع الفوق في الوتر ليرمي به ، لأن ذلك لا يقال فيه : « فوق » بل يقال : « أفقت السهم و أوفقته » و لا يقال : أفوقته و هو من النوادر
.
قلت : أخذ ما قاله عن ( الصحاح ) ، فقال : الفوق موضع الوتر من السهم و الجمع أفواق و فوق ، تقول فقت السّهم فانفاق ، أي : كسرت فوقه فانكسر ، و فوّقته ، أي : جعلت له فوقا
، و أفقت السّهم ، أي : وضعت فوقه في الوتر لأرمي به ، و أوفقته أيضا و لا يقال : أفوقته و هو من النوادر إلاّ أنّ ابن دريد قال :
فوّقت السهم تفويقا إذا جعلت الوتر في فوقه ، وفقته إذا جعلت له فوقا و هو الصحيح كما يشهد له سياق كلامهعليهالسلام
.
« و أغرق لكم بالنزع الشديد » و في حد « و أغرق إليكم »
، و كيف كان ، فالمراد انته استوفى نزع القوس ، أي : مدّها ، فيكون وقع سهمه أشد .
« و رماكم من مكان قريب » فلا بدّ من إصابة سهمه ، و إنّما قد يخطىء البعيد قالوا و قرب مكانه لأنه يجري من ابن آدم مجرى الدم كما في الخبر
قاله ابن أبي الحديد و تبعه ( ابن ميثم و الخوئي )
.
قلت : و يمكن أن يكون المراد أنّه يخدعهم من طريق ينخدعون له كما خدع آدم و حواء فأقسم لهما إنّه لهما لمن الناصحين و يخدع بنيهما بالتزيّن لهم في الأرض ، و المخادع إذا دخل من باب يليط بقلب من يريده انخدع له و لو تفطن لخدعته ، فكيف إذا لم يتفطن .
ففي غزوة الأحزاب بعد قرب قريش من المدينة جاء حيّ بن أخطب إلى بني قريظة في جوف الليل و كانوا في حصنهم قد تمسّكوا بعهد النبيصلىاللهعليهوآله
فدقّ باب الحصن فسمع كعب بن أسد قرع الباب ، فقال لأهله : هذا أخوك قد شأم قومه و جاء الآن يشأمنا و يهلكنا و يأمرنا بنقض العهد بيننا و بين محمّد ، فنزل إليه و قال له : من أنت ؟ قال : حيّ بن أخطب جئتك بعزّ الدهر .
قال : بل جئتني بذلّ الدهر فقال : يا كعب هذه قريش في قادتها و سادتها قد نزلت بالعقيق مع حلفائهم و كنانة ، و هذه فزارة مع قادتها و سادتها قد نزلت الزغابة ، و هذه سليم و غيرهم قد نزلوا حصن بني ذبيان ، و لا يفلت محمد
و أصحابه من هذا الجمع أبدا فافتح الباب فقال له : لست بفاتح إرجع من حيث شئت فقال حيّ : ما يمنعك من فتح الباب إلاّ خسيستك التي في التنور تخاف أن أشركك فيها ، فافتح فإنّك آمن من ذلك فقال له كعب : لعنك اللَّه دخلت من باب دقيق ، إفتحوا الباب . . و يشهد لمّا قلنا قولهعليهالسلام
بعد « فقال . »
.
(
قال ربِّ بما أغويتني لاُزيّننَّ لهم في الأَرض و لاُغوينَّهم أَجمعين
)
و في سورة الأعراف قال(
فبما أغويتني لأَقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينّهم من بين أَيديهم و من خلفهم و عن أَيمانهم و عن شمائلهم و لا تجدُ أَكثرهم شاكرين
)
و معنى قوله « أغويتني » كلفتني تكليفا أدّى إلى غوايتي .
« قذفا بغيب بعيد » قال ابن أبي الحديد إنتصب قذفا و كذا رجما بعد على المصدر الواقع موقع الحال
، و قال الراوندي : إنّهما مفعول له ، و ليس بصحيح ، لأنّهما ليسا بعلّة
.
قلت : و ما ذكره هو أيضا من كونهما حالا بمعنى قاذفا و راجما أيضا غير معيّن ، بل الظاهر كونهما على أصلهما و نصبهما على المفعول المطلق النوعي ، أي قال قولا قذفا و رجما .
و الأصل في القذف ، الرمي
، قال تعالى :(
و يقذفون بالغيب من مكان بعيد
)
.
« و رجما بظن مصيب » نقله ( ابن أبي الحديد ) : بظن غير مصيب ، و قال و روي بظن مصيب و قال ابن ميثم في نسخة الرضي « بظن مصيب »
و في أكثر النسخ غير مصيب .
قلت : لم أفهم معنى القائه التعارض بين نسخة المصنف و نسخ غيره ، فإنّ غيرها لو كانت مائة لا تقاوم نسخته لكونها الأصل في الكتاب ، و إنّما يمكن الخدش في نقل المصنف بالوقوف على مستنده و عدم مطابقة نقله له .
قال ابن ميثم كونه رجما بظن غير مصيب هو المناسب لقوله قبل « بغيب بعيد » لأنّ ما يقال عن غيب بعيد قلما يصيب ظنّه
.
قلت : إذا كان قذفه بغيب بعيد في قوله :(
لأَزيّننَّ لهم في الأرض و لأَغوينَّهم
)
و كان ذاك قذفا صحيحا كما قال تعالى :(
و لَقَد صَدَّقَ عليهم إِبليس ظَنّهُ فاتَّبعوه
)
و قالعليهالسلام
« صدقه به ابناء الحمية . » لم يصحّ ما قال .
و بالجملة قذف إبليس هذا و رجمه كان صوابا ، فلم يقال بظن غير مصيب ، و إن كان الغالب على الظن في غيره الخطأ كما في إنكار الكفّار الصانع و البعث ظنّا .
« صدّقه به أبناء الحميّة » أي : الأنفة عن الانقياد للحق .
« و اخوان العصبية » الذين يعينون قومهم على الظلم .
و عن النبيصلىاللهعليهوآله
: من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من عصبية بعثه اللَّه تعالى مع أعراب الجاهلية
.
و عن الصادقعليهالسلام
: من تعصب عمّمه اللَّه تعالى بعمامة من نار
.
« و فرسان الكبر و الجاهلية » قالوا : كان جذيمة الأبرش لا ينادم أحدا ذهابا بنفسه و ينادم الفرقدين ، فإذا شرب قدحا صبّ لهذا قدحا و لهذا قدحا
، و كان عامر بن عامر مزّيقا يلبس كلّ يوم حلّتين و يمزّقهما غدا يكره أن يعود فيهما و يأنف أن يلبسهما غيره .
« حتى إذا انقادت له الجامحة منكم » الجموح : الذي يركب هواه فلا يمكن ردّه ، و الأصل فيه الدّابّة .
« و استحكمت الطماعيّة » بالتخيف مصدر ( طمع ) كالطماعة .
« فنجمت الحال » أي : ظهرت و طلعت .
« من السرّ الخفيّ إلى الأمر الجليّ » و في الخبر عن أبي جعفرعليهالسلام
: كان قوم لوط أفضل قوم خلقهم اللَّه تعالى فطلبهم إبليس الطّلب الشديد ، و كانوا إذا خرجوا إلى العمل خرجوا بأجمعهم و كانوا إذا رجعوا خرب إبليس ما يعملون ، فقال بعضهم لبعض : نرصد هذا الذي يخرّب متاعنا ، فرصدوه فإذا هو غلام أحسن ما يكون من الغلمان ، فقالوا له : أنت الذي تخرّب متاعنا قال :
نعم فاجتمع رأيهم على أن يقتلوه ، فبيّتوه عند رجل ، فلمّا كان الليل صاح فقال :
مالك ؟ قال : كان أبي ينوّمني على بطنه ، فنوّمه على بطنه فلم يزل يدلك الرجل حتى علمه أن يعمل بنفسه ، فأوّلا عمله إبليس و الثانية عمله هو ، ثم انسلّ ففر منهم فأصبحوا فجعل الرجل يخبرهم بما فعل الغلام و يعجبهم منه شيئا لا يعرفونه ، فوضعوا أيديهم فيه حتى اكتفى الرجال بعضهم ببعض ، ثم جعلوا يرصدون مارّ الطريق ، ثم تركوا نساءهم و أقبلوا على الغلمان ، فلمّا رأى إبليس
أنّه قد أحكم أمره في الرجال دار إلى النساء فصيّر نفسه امرأة ثم قال رجالكن يفعل بعضهم ببعض قالوا : نعم قد رأينا ذلك و يعظهم لوط ، فعلّمهنّ السحق حتى اكتفت النساء بالنساء إلى أن قال : قال لوط لجبرئيل و ميكائيل و إسرافيل : بم أمركم ربّي فيهم ؟ قال أمرنا أن نأخذهم بالسّحر قال :
تأخذونهم الساعة قالوا :(
إنّ موعدهم الصبح أَليس الصبح بقريب
)
إلى أن قال : و قال تعالى لنبيهصلىاللهعليهوآله
:(
و ما هي من الظالمين ببعيد
)
من ظلمة امتك إن عملوا ما عمل قوم لوط
.
و في خبر عنهعليهالسلام
: اللّواط ما دون الدبر ، و الدبر هو الكفر
.
« استفحل سلطانه عليكم » روى ( الخصال ) عن الصادقعليهالسلام
، أن إبليس يقول لجنوده : إذا استمكنت من ابن آدم في ثلاث : إذا استكثر عمله و نسي ذنبه و دخله العجب ، لم أبال بما عمل فإنّه غير مقبول منه
.
هذا و « استفحل » جواب لقوله : « إذا انقادت » .
« و دلف » أي : تقدم .
« بجنوده نحوكم » روى ( الفقيه ) عن الباقرعليهالسلام
أنّ إبليس إنّما يبثّ جنود ليله من حين تغيب الشمس إلى مغيب الشفق ، و يبث جنود نهاره من حين يطلع الفجر إلى مطلع الشمس ، و كان النبيصلىاللهعليهوآله
يقول : أكثروا ذكر اللَّه تعالى في هاتين الساعتين ، و تعوّذوا باللَّه تعالى من شر إبليس و جنوده ، و عوّذوا
صغاركم في هاتين الساعتين فإنّهما ساعتا غفلة
.
« فأقحموكم و لجات الذلّ » أي : أدخلوكم قهرا كإدخال الراكب مركوبه مداخل الذلّة .
« و أحلّوكم ورطات القتل » أي : أنزلوكم مهالك مؤدّية إلى القتل .
« و أوطأوكم إثخان الجراحة » أي : إكثارها ، قال ابن أبي الحديد يعني جعلوكم واطئين لذلك
.
قلت : بل يعني جعلوكم موطئين للإثخان كما في قولك أوطأته دابتي ، فالدابة واطئة و الخصم موطوء ، و كون الإثخان واطئا لهم استعارة من قبيل قوله تعالى(
فصب عليهم ربّك سوط عذاب
)
.
مع ان على قول ابن أبي الحديد : لا معنى للكلام ، فإذا كانوا واطئين للإثخان أيّ نقص في ذلك حتى يكون من قبيل « فأقحموكم و لجات الذل و أحلّوكم و رطات القتل » .
هذا ، و أغرب الخوئي
فقال « اثخان » مفعول أول « لأوطؤكم » كما في قولك أعطيت درهما زيدا أي جعلوا اثخان الجراحة واطئا لهم ، لا أنّه جعلهم واطئين له على أنّه مفعول ثان كما توهّم ( ابن أبي الحديد ) فإنّه لا ريب في أنّ « كم » مفعول أول و أنّ المعنى عليه جعل الاثخان واطئا لهم
.
هذا ، و في ( الجمهرة ) الوطو يهمز و لا يهمز « وطيت » و « وطئت »
.
« طعنا في عيونكم » أي : يعمونكم لأن الطعن في العين يوجب عماها .
« و حزّا في حلوقكم » و حزّ الحلق أي : قطعه يوجب الهلاك .
« و دقّا لمناخركم » أي : انوفكم .
« و قصدا لمقاتلكم » مقاتل الإنسان المواضع التي إذا أصيبت قتلته .
« و سوقا لخزائم القهر إلى النّار المعدّة لكم » قال الجوهري : الخزامة حلقة من شعر تجعل في وترة أنف البعير يشدّ بها الزمام ، و يقال لكل مثقوب : مخزوم
.
قال ابن أبي الحديد نسبتهعليهالسلام
الطعن إلى العيون ، و الحزّ و هو الذبح إلى الحلوق ، و الدقّ و هو الصدم الشديد إلى المناخر من صناعة الخطابة التي علّمها اللَّه تعالى إيّاه بلا تعليم ، و تعلّمها الناس كلّهم بعده منهعليهالسلام
و قال أيضا : طعنا و حزّا و دقّا و قصدا و سوقا مفعول مطلق و العامل فيها محذوف ، و من روى « و أوطأوكم لاثخان الجراحة » يجعلها مفعولا به و ينبغي أن يكون « قصدا و سوقا » خالصين للمصدرية ، لأنّه يبعد أن يكون مفعولا به
.
و قال الخوئي يجوز جعل الخمسة مفعولا مطلقا ، و أن يكون طعنا و حزّا و دقّا بدلا من اثخان و قصدا و سوقا مفعولا مطلقا
.
قلت : يرد على كلّ منهما أنّ التفريق بين الخمسة غلط لأن الكلّ على سياق واحد ، و على الأول انّه لا معنى لجعلها مفعولا بها لاوطأوكم ، فأي معنى أن يقال « أوطأكم طعنا في عيونكم » الخ و على الثاني أيضا ذلك بجعل الثلاثة بدلا من « اثخان » .
ثم إنّه لم يتعيّن كونها مفعولات مطلقات ، فيحتمل كونها تميّزات أو حالات على كون المصدر بمعنى اسم الفاعل أو مفعولا لها لأوطأوكم و أحلّوكم و أقحموكم .
« فأصبح أعظم في دينكم جرحا » أصبح من الأفعال الناقصة ، و اسمه ضمير إبليس ، و « أعظم » خبره و هو اسم تفضيل كالمعطوف عليه « و أورى » بقرينة قوله بعد « من الذين . » و يجوز أن يكون « أعظم » كمعطوفه حالا مغنيا عن الخبر كقولهم « أخطب ما يكون الأمير إذا كان قائما » ، و هو الأقرب معنى ، قال تعالى :(
و لقد أَضلَّ منكم جبّلاً كثيراً أَفلم تكونوا تعقلون
)
.
« و أورى في دنياكم قدحا » أي : أوقد فيها نارا ، و إحراق إبليس لدنياهم فضلا عن دينهم لأنّ من يتعرّض بلا سبب للمعارضة مع الناس و يتبع العصبيات لا بدّ أن يصرف أمواله بلا فائدة و لا يفرغ لتحصيل عائدة فتصير دنياه أيضا بائدة .
و قال ابن أبي الحديد : إن قيل هل يفسد إبليس أمر الدنيا كالدين
؟ قلت :
نعم ، ألا ترى إذا أغرى السارق بالسرقة أفسد حال السارق من جهة الدين و المسروق من جهة الدنيا ، و كذلك القول في الغصب و القتل .
قلت : هو كما ترى ، فإنّهعليهالسلام
خاطب المطيعين لإبليس بإفساده لدنياهم ، و المسروق منه و المغصوب منه و المقتول يمكن أن يكون من الأنبياء و الأولياء ليس لابليس عليهم سبيل .
« من الذين » متعلق باسم التفضيل « أعظم » و « أورى » .
« أصبحتم لهم مناصبين » من « ناصبته الحرب » .
« و عليهم متألّبين » أي : مجتمعين .
و إنّما كان إبليس أفسد لدنياهم ممّن كانوا يحاربونهم لأنّهم لم تكن لم عداوة ثابتة بل عصبية و جهالة ، فقالوا في سبب خطبتهعليهالسلام
: إنّ في آخر خلافته : لمّا تضعضع أمر حكومتهعليهالسلام
أخيرا بالخوارج و غارات معاوية و كذلك حال الغوغاء و العامة عند ضعف الدول يخرج الرجل من قبيلته فيمرّ بقبيلة اخرى فينادي باسم قبيلته عاليا قصدا لإثارة الشرّ فيتألب عليه فتيان الحيّ الذي مرّ عليهم
.
« فاجعلوا عليه حدكم » أي : بأسكم و شدتكم .
« و له جدكم » أي : سعيكم و اجتهادكم .
« فو اللَّه لقد فخر على أصلكم » في ( الكافي ) عن الصادقعليهالسلام
: لمّا مات آدم شمت به إبليس و قابيل فاجتمعا في الأرض فجعلا المعارف و الملاهي شماتة بآدم ، فكل ما كان في الأرض من هذا الضرب الذي يتلذذ به الناس فإنّما هو من ذاك
.
« و وقع في حسبكم و دفع في نسبكم » قال الأزهري : الحسب مأخوذ من الحساب و هو عدّ المناقب ، لأنّهم كانوا إذا تفاخروا حسب كلّ واحد مناقبه و مناقب آبائه
.
و قال ابن السّكّيت : الحسب و الكرم يكونان في الرجل و ان لم تكن له آباء شرف ، و الشرف و المجد لا يكونان إلاّ بالآباء
يشهد له قول الشاعر :
و من كان ذا نسب كريم و لم يكن له
|
|
حسب كان اللئيم المذمما
|
ففرّق بين الحسب و النسب .
و كيف كان قال تعالى(
قال ما منعك ألاّ تسجد إذ أمرتك قال أَنا خيرٌ منه خلقتني من نارٍ و خلقته من طين
)
.
« و أجلب بخيله عليكم » قال :(
فبما أغويتني لأَقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينّهم من بين أَيديهم و من خلفهم و عن أَيمانهم و عن شمائلهم و لا تجد أَكثرهم شاكرين
)
.
و عن شقيق البلخي
: ما من صباح إلاّ قعد لي الشيطان على أربعة مراصد من بين يديّ و من خلفي و عن يميني و عن شمالي ، أمّا من بين يديّ فيقول :(
لا تخف فإنّ اللَّه غفور رحيم فأقرأ و إِنّي لغفّار لمن تاب و آمن و عمل صالحاً ثم اهتدى
)
، و أمّا من خلفي فيخوّفني الضّيعة على مخلفي فأقرأ(
و ما من دابّة في الأَرض إلاّ على اللَّه رزقها
)
،(
و اما من قبل يميني فيأتيني من جهة الثناء فأقرأ و العاقبة للمتقين
)
،(
و أمّا من قبل شمالي فيأتيني من قبل الشهوات فأقرأ و حيل بينهم و بين ما يشتهون
)
.
( يقتنصونكم بكلّ مكان ) أي : يصيدونكم .
روى ( المحاسن ) عن الصادقعليهالسلام
: أنّ إبليس ظهر ليحيىعليهالسلام
و إذا
عليه معاليق من كلّ شيء ، فقال يحيى : ما هذه ؟ قال : هذه الشهوات التي أصبتها من ابن آدم فقال : هل لي منها شيء ؟ فقال : ربما شبعت فثقلت عن الصلاة و الذكر قال : للَّه عليّ ألاّ أملأ بطني من طعام أبدا فقال إبليس : للَّه عليّ ألاّ أنصح مسلما أبدا ثم قال الصادقعليهالسلام
: للَّه على جعفر و آل جعفر ألاّ يملأوا بطونهم من طعام أبدا ، و للَّه على جعفر و آل جعفر ألا يعملوا للدنيا أبدا
.
« و يضربون منكم بكل بنان » أي : أطراف الأصابع و قال لأَتخذن من عبادك نصيباً مفروضاً(
و لاُضلنّهم و لاُمنِّينَّهم و لآمرنّهم فليبتّكنّ آذان الأنعام و لآمرنهم فليغيرنّ خلق اللَّه و من يتخذ الشيطان وليّاً من دون اللَّه فقد خسر خسراناً مبينا
)
.
« لا تمتنعون بحيلة »(
و إنّهم ليصدَّونهم عن السبيل و يحسبون أَنّهم مهتدون
)
.
« و لا تدفعون بعزيمة »(
و ما كان لي عليكم من سلطانٍ إلاّ أن دعوتكم فاَستجبتم لي
)
.
« في حومة ذل » أي : مجتمعة .
« و حلقة ضيق » الحلقة بالتسكين و عن أبي عمرو ابن العلا بالتحريك .
« و عرصة موت » قال الجوهري : كلّ بقعة بين الدور واسعة ليس فيها بناء عرصة
.
« و جولة بلاء » قال ابن ميثم : الحومة و الحلقة و العرصة و الجولة ألفاظ
كنى بها عن الدّنيا إذ كانت محل ذلّهم و الضيق عليهم و عرصة موتهم و مظنة بلائهم ، تبعه الخوئي
.
قلت : بل لا ربط لها بالدّنيا ، و إنّما هي من تتمّة ذكر حملة إبليس عليهم ، و المراد بها أنّ العدوّ إذا كان في غاية القوة و كمال العدة و الشخص في منتهى قلّة الحيلة كيف يكون حاله .
« فأطفئوا ما كمن » أي : استتر « في قلوبكم من نيران العصبية » النيران جمع للنار .
و في ( الكافي ) عن الباقرعليهالسلام
: إن هذا الغضب جمرة من الشيطان توقد في قلب ابن آدم ، و إنّ أحدكم إذا غضب احمرّت عيناه و انتفخت أوداجه و دخل الشيطان فيه ، فإذا خاف أحدكم ذلك من نفسه فليلزم الأرض ، فإنّ رجس الشيطان يذهب عنه عند ذلك
.
« و أحقاد الجاهلية » قال النبيصلىاللهعليهوآله
من كان في قلبه مثقال حبة خردل من الكبر بعثه اللَّه تعالى يوم القيامة مع أعراب الجاهلية
.
« فإنّما تلك الحميّة تكون في المسلم من خطرات الشيطان » المسلم يجب أن يكون كما قال نهار بن توسعة :
أبي الإسلام لا أب لي سواه
|
|
إذا افتخروا بقيس أو تميم
|
و إنّما الحميّة للكافر قال تعالى :(
إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحميّة حميّة الجاهليّة
)
.
« و نخواته و نزعاته » أي : افساداته .
في ( الطبري ) قال الشعبي : أوّل ما نزغ به الشيطان بين أهل الكوفة و هو أول مصر نزع الشيطان بينهم في الإسلام أنّ سعد بن أبي وقّاص استقرض من عبد اللَّه بن مسعود من بيت المال مالا فأقرضه ، فلمّا تقاضاه لم يتيسّر عليه ، فارتفع بينهما الكلام حتى استعان ابن مسعود بأناس من الناس على استخراج المال و استعان سعد بأناس من الناس على استنظاره ، فافترقوا و بعضهم يلوم بعضا يلوم هؤلاء سعدا و هؤلاء عبد اللَّه
.
« و نفثاته » من نفث في العقدة عند الرقي و هو البصاق اليسير
.
« و اعتمدوا وضع التذلل على رؤوسكم و القاء التعزز تحت أقدامكم » روى ( الكافي ) عن الصادقعليهالسلام
: ان في السماء ملكين موكلين بالعباد ، فمن تواضع للَّه رفعاه و من تكبّر وضعاه
.
« و خلع التكبر من أعناقكم » روى ( الكافي ) عن الصادقعليهالسلام
: ان النجاشي أرسل إلى جعفر بن أبي طالب و أصحابه أي لمّا كانوا بالحبشة عنده و هو في بيت له جالس على التراب و عليه خلقان الثياب ، فأشفقوا منه حين رأوه على تلك الحال ، فلمّا رأى ما بهم و تغيّر وجوههم قال : الحمد للَّه الذي نصر محمّدا و أقرّ عينه ، ألا ابشّركم إنّه جاءني الساعة عين من عيوني من نحو أرضكم فأخبرني أنّ اللَّه تعالى نصر محمداصلىاللهعليهوآله
و أهلك عدوّه و أسر فلان و فلان و فلان التقوا بواد يقال له بدر كثير الأراك لكأنّي أنظر إليه حيث كنت أرعى لسيدي و هو رجل من بني ضمرة هناك فقال له جعفر : أيها الملك فلم
أراك جالسا على التراب و عليك هذه الخلقان فقال : يا جعفر إنّا نجد فيما أنزل اللَّه على عيسىعليهالسلام
ان من حق اللَّه على عباده أن يحدثوا له تواضعا عندما يحدث لهم من نعمة ، فلمّا أحدث اللَّه لي نعمة بمحمّد أحدثت للَّه هذا التواضع ، فلمّا بلغ النبيصلىاللهعليهوآله
قوله قال : إنّ التواضع يزيد صاحبه رفعة ، فتواضعوا يرفعكم اللَّه
.
« و اتخذوا التواضع مسلحة بينكم و بين عدوّكم » المسلحة كالثغر .
و في الخبر : كان أدنى مسالح فارس إلى العرب العذيب
.
« فإنّ له من كلّ امة جنودا و أعوانا و رجلا و فرسانا » روى ( الكافي ) عن الصادقعليهالسلام
: الكبر رداء اللَّه ، فمن نازعه تعالى رداءه لم يزده تعالى إلاّ سفالا ، و إن النبيصلىاللهعليهوآله
مرّ في بعض طرق المدينة و سوداء تلقط السرقين فقيل لها تنحّي عن طريق النبي فقالت : ان الطريق لمعرض فهمّ بعض القوم أن يتناولوها فقالصلىاللهعليهوآله
: دعوها فإنّها جبارة
.
إلى أن قالعليهالسلام
بعد ذكر قابيل و كبره على أخيه و حسده له و قد مرّ في فصل آدم .
« ألا و قد أمعنتم في البغي » روى ( الكافي ) عن الصادقعليهالسلام
ان إبليس يقول لجنوده : ألقوا بينهم الحسد و البغي فإنّهما يعدلان عن اللَّه تعالى الشرك
.
و عن النبيصلىاللهعليهوآله
، إنّ أعجل الشرّ عقوبة ، البغي هذا و الإمعان التباعد في العدو
.
« و أفسدتم في الأرض » و هو من أبغض الأشياء عنده تعالى ، حكى تعالى عن شعيب لقومه(
و لا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين
)
و قال تعالى :(
فهل عسيتم إِن توليتم أَن تفسدوا في الأرض و تقطّعوا أَرحامكم
)
(
و لا تفسدوا في الأَرض بعد إِصلاحها و ادعوه خوفاً و طمعاً إِن رحمة اللَّه قريب من المحسنين
)
.
« مصارحة للَّه » أي : مواجهة له .
« بالمناصبة » أي : نصب الحرب .
« و مبارزة للمؤمنين بالمحاربة » روى ( عقاب الأعمال ) عن الصادقعليهالسلام
:
ان اللَّه تعالى يقول : ليأذن بحرب منّي من أذلّ عبدي المؤمن
.
و عنهعليهالسلام
: إنّ اللَّه عز و جل خلق المؤمنين من نور عظمته و جلال كرامته ، فمن طعن عليهم أو ردّ عليهم فقد ردّ على اللَّه في عرشه و ليس من اللَّه في شيء إنّما هو شرك الشيطان
.
و عن الباقرعليهالسلام
: قال النبيصلىاللهعليهوآله
سباب المؤمن فسوق و قتاله كفر و أكل لحمه معصية اللَّه
.
« فاللَّه اللَّه في كبر الحمية و فخر الجاهلية » كما قال المساور بن هند :
ما سرّني أنّ امّي من بني أسد
|
|
و أنّ ربّي ينجّيني من النار
|
« فإنّه ملاقح الشنآن » أي : البغض ، و الشنآن هنا بتسكين النون ليكون قرينة للشيطان في قوله بعد « و منافخ الشيطان » و قالوا يجوز فيه التحريك كما قالوا يجوز فيه سقوط الهمز و أما الملاقح فقال ابن أبي الحديد : قال الراوندي هي الفحول التي تلقح ، و ليس بصحيح ، نص الجوهري على أن الوجه لواقح كما في قوله تعالى :(
و أرسلنا الرياح لواقح
)
.
و قال هو من النوادر ، لأن الماضي رباعي ، و الصحيح ان ملاقح ههنا جمع ملقح و هو المصدر من لقحت كضربت مضربا و شربت مشربا
.
قلت : ما قاله الراوندي أيضا نص الجوهري ، و ليت ابن أبي الحديد لم يقتصر على مراجعة صدر كلام الجوهري و راجع ذيل كلامه « الملاقح الفحول الواحد ملقح »
حتى لا يعترض على الراوندي اعتراضا ساقطا .
ثم ليس في كلامي الجوهري تضادّ ، فإنّ صدر كلامه في قولهم « ألقحت الرياح السحاب » فلا يقال الرياح ملاقح بل لواقح ، و ذيله في قولهم « ألقحت الفحول الناقة فالفحول ملاقح و لا يقال لواقح و مثله ابن دريد فقال : ألقحها الفحول فهي ملقح و الجمع ملاقح ، ألقحت الريح السحاب إذا جمعته ، و تركوا القياس في هذا الباب فقالوا رياح لواقح و لم يقولوا ملاقح و هو الأصل .
و ممّا ذكرنا يظهر لك أن قول الفيروزآبادي : ألقحت الرياح الشجر فهي لواقح و ملاقح
و خلط فقد عرفت انّهم لا يقولون رياح ملاقح بل فحول ملاقح و استند الخوئي إليه غفلة
.
ثم قول ابن أبي الحديد : و الصحيح أنّ « ملاقح » في كلامه جمع ملقح المصدر الميمي ، ليس بصحيح فإنّ المعنى المصدري ليس بمناسب هنا بل المعنى الوصفي ، كما ان تمثيله بقوله : « ضربت مضربا و شربت مشربا » أيضا غير معلوم صحته ، لأنّه لم يعلم استعمال العرب للمضرب و المشرب بمعنى المصدر بل بمعنى المكان و الزمان ، و إنّما قالوا في المصدر الضرب و الشرب
.
ثم إنه كما يمكن ان يكون معنى كلامهعليهالسلام
: « فإنّه ملاقح الشنآن » كون فخر الجاهلية من فحول تلقح الشنآن كما قاله الراوندي ، كذلك يمكن أن يكون معناه كونه من حوامل تلدن الشنآن ، فقال الجوهري : و الملاقح أيضا الإناث التي في بطونها أولادها ، الواحدة ملقحة بفتح القاف .
« و منافخ الشيطان » قال ابن أبي الحديد المنافخ جمع منفخ مصدر نفخ
.
قلت : بل جمع المنفاخ ، أي : الذي ينفخ به ، أو جمع المنفخ بمعناه قال الفيّومي : المنفخ و المنفاخ الذي ينفخ به .
« التي خدع بها الامم الماضية و القرون الخالية » القرن من الناس أهل زمان واحد ، قال الشاعر :
إذا ذهب القرن الذي أنت فيهم
|
|
و خلّفت في قرن فأنت غريب
|
و « الخالية » الماضية ، و قال تعالى :(
و زين لهم الشيطان أعمالهم فصدّهم عن السبيل و كانوا مستبصرين
)
.
« حتى أعنقوا » قال الفيّومي : العنق بفتحتين ضرب من السير فسيح
سريع و هو اسم من أعنق إعناقا
.
« في حنادس » أي : ظلمات .
« جهالته » أي : الشيطان « و مهاوي ضلالته » المهواة ما بين الجبلين أو الوهدة العميقة .
« ذللا » بضمتين جمع ذلول بالفتح .
« عن سياقه » أي : سوق الشيطان .
« سلسا » بضمتين جمع سلس بالفتح فالكسر أي : المنقاد .
« في قياده » في الخبر ان النبيصلىاللهعليهوآله
رأى أبا سفيان راكبا و يزيد ابنه يقوده و معاوية ابنه الآخر يسوقه ، فقالصلىاللهعليهوآله
: لعن اللَّه الراكب و القائد و السائق
.
« أمرا تشابهت القلوب فيه » الأصل فيه قوله تعالى(
و قال الذين لا يعلمون لو لا يكلمنا اللَّه أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بيّنّا الآيات لقوم يوقنون
)
.
قال ابن أبي الحديد : « أمرا » منصوب باعتمدوا محذوف ، و تبعه ابن ميثم
.
و قال الخوئي : بل بنزع الخافض متعلق بقوله « أعنقوا » أي : أسرعوا إلى أمر تشابهت القلوب فيه
.
قلت : و كلّ منهما بلا معنى ، فإنّهم لم يعتمدوا و لم يسرعوا إلى أمر بذاك
الوصف ، و إنّما عملوا عملا كان بذاك الوصف ، و نزع الخافض يحتاج إلى قرينة و ليست .
و الصواب كونه خبرا لكان محذوف ، و حذف كان مع اسمها و إبقاء خبرها و لو غير بعد « أن » و « لو » كثير ، كقوله تعالى(
تنزيل العزيز الرحيم
)
و قول الشاعر :
من لدن شولا فالى اتلائها
« و تتابعت القرون عليه »(
يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسولٍ إلاّ كانوا به يستهزؤن
)
.
« و كبراً تضايقت الصدور به »(
و من يرد أن يضلّه يجعل صدره ضيّقاً حرجاً كأنّما يصَّعَّد في السماء
)
.
قال ابن أبي الحديد : و « كبرا » عطف على امرا أو منصوب على المصدر ، بأن يكون اسما واقعا موقعه كالعطاء موضع الإعطاء
.
قلت : بل لا ريب في كونه عطفا صونا لنسق الكلام .
« ألا فالحذر الحذر من طاعة ساداتكم و كبرائكم » قيل : إشارة إلى قوله تعالى :
(
ربنا إِنّا أطعنا سادتنا و كبراءنا فأَضلّونا السبيلا
)
.
« الذين تكبّروا عن حسبهم و ترفّعوا فوق نسبهم » قال النبيصلىاللهعليهوآله
كلّكم من
آدم و آدم من تراب
.
و في ( تذكرة سبط ابن الجوزي )
: كانت بنو امية تنقص عليّاعليهالسلام
باسم أبي تراب الذي سمّاه به النبيصلىاللهعليهوآله
مدّة ولايتهم ، و كانوا يستهزئون به و قد قال تعالى(
قل أَباللَّه و آياته و رسله كنتم تستهزؤن
)
.
و جاء رجل إلى سهل الساعدي فقال : هذا فلان يذكر عليّا فقال : ما يقول ؟ قال : يقول أبو تراب و يلعنه ، فغضب سهل و قال : و اللَّه ما كنّاه به إلاّ النبيصلىاللهعليهوآله
و ما كان اسم أحب إليه منه ، خرج عليعليهالسلام
إلى المسجد فاضطجع على التراب فسقط رداؤه و خلص التراب إلى ظهره ، فجاء النبيصلىاللهعليهوآله
فمسح التراب عن ظهره و قال : إجلس أبا تراب
.
و روى الكشي مسندا عن أبي جعفرعليهالسلام
قال : جلس عدّة من الصحابة ينتسبون و فيهم سلمان الفارسي ، فسأله عمر عن نسبه و أصله ، فقال : أنا سلمان ابن عبد اللَّه كنت ضالاّ فهداني اللَّه بمحمد ، و كنت عائلا فأغناني اللَّه بمحمد ، و كنت مملوكا فأعتقني اللَّه بمحمد ، هذا حسبي و نسبي ثم خرج النبيصلىاللهعليهوآله
فحدّثه سلمان بذلك و شكا إليه ما لقي من القوم و ما قال لهم ، فقال النبيصلىاللهعليهوآله
: يا معشر قريش إن حسب الرجل دينه ، و مروّته خلقه ، و أصله عقله ، قال تعالى :(
إنّا خلقناكم من ذكر و اُنثى و جعلناكم شعوباً و قبائل لتعارفوا إنّ أَكرمكم عند اللَّه أتقاكم
)
يا سلمان ليس لأحد من هؤلاء عليك
فضل إلاّ بتقوى اللَّه و إن كان التقوى لك فأنت أفضلهم
.
« و القوا الهجينة على ربّهم » قال الفيومي : الهجنة في الكلام ، العيب و القبح ، و الأصل في الهجنة بياض الروم و الصقالبة
قال تعالى :(
إنّا جعلنا الشياطين أَولياء للذين لا يؤمنون و إذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا و اللَّه أَمرنا بها قل إِنّ اللَّه لا يأمر بالفحشاء أتقولون على اللَّه ما لا تعلمونَ قل أَمر ربي بالقسط و أَقيموا وجوهكم عند كلّ مسجدٍ و ادعوه مخلصين له الدين
)
.
« و جاحدوا اللَّه على ما صنع بهم »(
و جحدوا بها و استيقنتها أَنفسهم ظلماً و علوّاً
)
.
« مكابرة لقضائه و مغالبة لآلائه » أي : لنعمائه و اللَّه جعل لكم من بيوتكم سكناً و جعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً تستخفونها يوم ظعنكم و يوم إِقامتكم و من أصوافها و أوبارها و أشعارها أَثاثاً و متاعاً إلى حين و اللَّه جعل لكم ممّا خلق ظلالاً و جعل لكم من الجبال أكناناً و جعل لكم سرابيل تقيكم الحرّ و سرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتمّ نعمته عليكم لعلّكم تسلمون فإن تولّوا فإنّما عليك البلاغ المبين(
يعرفون نعمة اللَّه ثم ينكرونها و أَكثرهم الكافرون
)
.
« فإنّهم قواعد أساس العصبية » قال ابن أبي الحديد : آساس بالمد :
جمع أساس
.
قلت : كونه بلفظ الجمع يشهد له قولهعليهالسلام
بعد « و دعائم أركان الفتنة » ، فكما أن الأركان جمع فلا بدّ أنه جمع ، و أمّا الاعتزاء بعد ذاك في قولهعليهالسلام
« و سيوف اعتزاء الجاهلية » فمصدر و المصدر لا يثنى و لا يجمع ، فقول الخوئي : رآه في النسخ بلفظ الإفراد ساقط إلاّ أن كونه جمع أساس كما قال ابن أبي الحديد : بلا أساس ، بل هو جمع أسس مخفّف أساس مثل سبب و أسباب ، و أمّا أساس فجمعه أسس بضمتين مثل قذال و قذل كما صرّح به الجوهري
.
« و دعائم أركان الفتنة » أي : عمدها .
« و سيوف اعتزاء الجاهلية » أي : الانتساب إليها قال ابن أبي الحديد : سمع ابي بن كعب رجلا يقول : « يا فلان » فقال عضضت بهن أبيك ، فقيل له : ما كنت فحّاشا ، قال : سمعت النبيصلىاللهعليهوآله
يقول : من تعزّى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه و لا تكنّوا
.
و قال ابن الأثير في الحديث : من لم يتعزّ بعزاء اللَّه فليس منّا ، أي : من لم يدع بدعوى الإسلام فيقول : يا للإسلام أو يا للمسلمين أو يا للَّه .
.
« فاتّقوا اللَّه و لا تكونوا لنعمه عليكم أضدادا »(
و تجعلون رزقكم أنّكم تكذّبون
)
(
أَلم تر إِلى الذين بدّلوا نعمة اللَّه كفراً و أَحلّوا
قومهم دار البوارِ
)
.
« و لا لفضله عندكم حسادا »(
أَم يحسدون الناس على ما آتاهم اللَّه من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب و الحكمة
)
فالأنبياء و الأوصياء و الكتب السماوية نعمه تعالى على الناس و فضله و لطفه عليهم ، و قد فسّر نعمة اللَّه في الآية السابقة و الناس في هذه الآية بأهل البيتعليهمالسلام
.
« و لا تطيعوا الأدعياء الذين شربتم بصفوكم كدرهم و خلطتم بصحتكم مرضهم » روى نصر بن مزاحم : أنّ عمارا قام في صفّين فقال : امضوا عباد اللَّه إلى قوم يطلبون فيما يزعمون بدم الظالم لنفسه الحاكم على عباد اللَّه بغير ما في كتاب اللَّه ، إنّما قتله الصالحون المنكرون للعدوان الآمرون بالاحسان فقال هؤلاء الذين لا يبالون إذا سلمت لهم دنياهم لو درس هذا الدين : لم قتلتموه ، فقلنا لاحداثه ، فقالوا : انّه ما أحدث شيئا و ذلك لأنّه مكّنهم من الدنيا فهم يأكلونها و يرعونها و لا يبالون لو انهدّت عليهم الجبال ، و اللَّه ما أظنّهم يطلبون دمه ، إنّهم ليعلمون إنّه لظالم و لكنّ القوم ذاقوا الدنيا فاستحبّوها و استمرؤوها و علموا لو أنّ الحق لزمهم لحال بينهم و بين ما يرعون فيه منها ، و لم يكن للقوم سابقة في الإسلام يستحقون بها الطاعة و الولاية ، فخدعوا أتباعهم بأن قالوا قتل إمامنا مظلوما ليكونوا بذلك جبابرة و ملوكا ، و تلك مكيدة قد بلغوا بها ما ترون ، و لولاهم ما بايعهم من الناس رجلان
.
« و أدخلتم في حقّكم » أي : ولايتهعليهالسلام
.
« باطلهم » أي : الثلاثة و أتباعهم أهل الجمل و صفّين و النهروان(
أفَمن
يهدي إلى الحق أَحقُّ أَن يُتَّبع أَمّن لا يهدّي إِلاّ أَن يهدي فما لكم كيف تحكمون
)
و قال النبيصلىاللهعليهوآله
في المتواتر عنه : عليّ مع الحقّ و الحقّ معه يدور حيثما دار
و قال عمر يوم الشورى : أما و اللَّه لئن وليها عليّ ليحملنّهم على المحجّة البيضاء
.
« و هم آساس الفسوق » آساس هنا أيضا بالمدّ جمع أسس ، و أغرب ابن ميثم فقال : و روي أسآس بسكون السين بوزن أحلاس و هو جمع أسس كحمل و أحمال ، فإنّ لازم قوله بسكون السين أن يكون جمع ساس لا أسس
.
« و أحلاس العقوق » أي : ملازميه .
و من الغريب أن أحلاس العقوق كانوا يقولون لمعادن البر و التقوى إنّهم عققة ، فكان أبو جهل يعدّ النبيصلىاللهعليهوآله
عاقّا ، و أبو سفيان وضع رمحه على فم حمزة و قال : ذق عقق
.
و روى أنّ عثمان قال لأمير المؤمنينعليهالسلام
: أصبحت بمنزلة الولد العاقّ لأبيه .
.
هذا ، و قال الفيّومي : أصل العق الشق ، يقال عق ثوبه كما يقال شقه ، و العقيق الوادي الذي شقه السيل قديما و منه : « عقّ الولد أباه »
.
« إتّخذهم إبليس مطايا ضلال » قال الفيّومي : المطا الظهر ، و منه قيل للبعير مطية فعلية بمعنى مفعولة ، لأنّه يركب مطاه يجمع على مطى و مطايا
.
و عن الأصمعي : المطية مأخوذ من المطو ، أي : المد ، قيل : يذكر و يؤنث .
و قال الجوهري : و المطايا فعالى ، و الأصل فعائل فعل به ما فعل بخطايا
. .
و روى ( الكافي ) عن الباقرعليهالسلام
: لا يزال العبد في فسحة من اللَّه تعالى حتى يشرب الخمر فإذا شربها خرق اللَّه تعالى سرباله و كان إبليس أخاه و وليّه و سمعه و بصره و يده و رجله يسوقه إلى كلّ ضلال و يصرفه عن كلّ خير
.
« و جندا بهم يصول على الناس » في تفسير القمي في ذكر غزوة بدر :
أتى إبليس إلى قريش في صورة سراقة بن مالك فقال لهم : أنا جاركم إدفعوا إليّ رايتكم ، فدفعوها إليه و جاء بشياطينه يهوّل بهم على أصحاب النبيصلىاللهعليهوآله
و يخيّل إليهم و يفزعهم
.
« و تراجمة ينطق على لسانهم » في تفسير القمي : لمّا أظهر النبيصلىاللهعليهوآله
الدعوة بمكّة قدمت عليه الأوس و الخزرج إلى أن قال بعد ذكر بيعة سبعين منهم له في دار عبد المطلب على العقبة ليلا و تعيينهصلىاللهعليهوآله
لهم اثني عشر نقيبا صاح إبليس : يا معشر قريش و العرب هذا محمّد و الصباة من أهل يثرب على جمرة العقبة يبايعونه على حربكم ، فأسمع أهل منى فأقبلت قريش إلى أن قال و خرج حمزة و أمير المؤمنينعليهالسلام
و معهما السيف فوقفا على العقبة ،
فلمّا نظرت قريش إليهما قالوا : ما هذا الذي اجتمعتم له ؟ فقال حمزة : ما اجتمعنا و ما هاهنا احد ، و اللَّه لا يجوز هذه العقبة أحد إلاّ ضربته بسيفي ، فرجعوا إلى مكة فاجتمعوا في الندوة و كان لا يدخل دار الندوة إلاّ من قد أتى عليه أربعون سنة فدخل أربعون رجلا من مشايخ قريش و جاء إبليس في صورة شيخ كبير فقال له البوّاب : من أنت ؟ قال : أنا رجل من أهل نجد لا يعدمكم منّي رأي صائب ، إنّي حيث بلغني اجتماعكم في أمر هذا الرجل فجئت لاشير عليكم فقال : أدخل فدخل إبليس .
فلمّا أخذوا مجالسهم قال أبو جهل : يا معشر قريش إنّه لم يكن أحد من العرب أعزّ منّا ، نحن أهل اللَّه تغدو إلينا العرب في السنة مرّتين و يكرموننا و نحن حرم اللَّه ، لا يطمع فينا طامع فلم نزل كذلك حتى نشأ فينا محمد بن عبد اللَّه ، فكنّا نسميه الأمين لصلاحه و سكونه و صدق لهجته ، حتى إذا بلغ ما بلغ و أكرمناه ادّعى أنّه رسول اللَّه و أن أخبار السماء تأتيه ، فسفّه أحلامنا و سب آلهتنا و أفسد شبابنا و فرّق جماعتنا ، و زعم أنّه من مات من أسلافنا ففي النّار ، فلم يرد علينا شيء أعظم من هذا ، و قد رأيت فيه رأيا ، رأيت أن ندسّ إليه رجلا منّا ليقتله ، فإنّ طلبت بنو هاشم بدمه أعطيناه عشر ديات فقال إبليس : هذا رأي خبيث قالوا : و كيف ؟ قال : لأنّ قاتل محمد مقتول لا محالة ، فمن الذي يبذل نفسه للقتل منكم ، فإنّه إذا قتل محمد يغضب بنو هاشم و حلفاؤهم من خزاعة ، و إنّ بني هاشم لا ترضى أن يمشي قاتل محمد على الأرض فيقع بينكم الحروب و تتفانوا .
فقال آخر : فعندي رأي آخر قال : و ما هو ؟ قال : نثبته في بيت و يلقى إليه قوته حتى يأتي عليه ريب المنون فيموت كما مات زهير و النابغة و امرؤ القيس فقال إبليس : هذا أخبث من الآخر ، لأنّ بني هاشم لا ترضى بذلك ، فإذا
جاء موسم من مواسم العرب استغاثوا بهم و اجتمعوا عليكم فأخرجوه .
فقال آخر منهم : نخرجه من بلادنا و نتفرّغ لعبادة آلهتنا فقال إبليس :
هذا أخبث من الرأيين المتقدمين ، لأنّكم تعمدون إلى أصبح الناس وجها و أنطق الناس لسانا و أفصحهم لهجة ، فتحملونه إلى وادي العرب فيخدعهم و يسحرهم بلسانه فلا يفجأكم إلاّ و قد ملأها عليكم خيلا و رجلا .
فبقوا حائرين فقالوا له : فما الرأي ؟ قال : يجتمع من كلّ بطن من بطون قريش واحد و يكون معهم من بني هاشم رجل فيأخذون سكينة أو حديدة أو سيفا فيدخلون عليه فيضربونه كلّهم ضربة واحدة حتى يتفرّق دمه في قريش كلّها ، فلا يستطيع بنو هاشم ان يطلبوا بدمه و قد شاركوا فيه ، فإن سألوكم أن تعطوا الدية فأعطوهم ثلاث ديات فقالوا : الرأي رأي الشيخ النجدي ، و دخل معهم عمّه أبو لهب
.
و رواه ( الطبري ) عن ابن عباس و فيه : إجتمع في دار الندوة من بني عبد شمس ابن عبد مناف ، شيبة و عتبة و أبو سفيان ، و من نوفل بن عبد مناف ، طعيمة بن عدي و جبير بن مطعم و الحارث بن عامر ، و من عبد الدار بن قصي ، النضر بن الحارث ، و من أسد بن عبد العزى ، أبو البختري بن هشام و زمعة بن الأسود و حكيم بن خرام ، و من بني مخزوم ، أبو جهل بن هشام ، و من بني سهم ، نبيه و منبه ، و من جمح ، اميّة بن خلف .
إلى أن قال : فقال أبو جهل و اللَّه إنّ لي لرأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد .
قالوا : و ما هو يا أبا الحكم ؟ قال : الرأي أن تأخذوا من كل قبيلة فتى شابا جلدا نسيبا و سيطا فينا ، ثم يعطى كلّ فتى منهم سيفا صارما ، ثم يعمدون إليه ثم يضربونه ضربة رجل واحد فيقتلونه فنستريح فإنّهم إذا فعلوا ذلك تفرّق دمه
في القبائل كلّها فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا و رضوا منّا بالعقل فقال الشيخ : القول ما قال الرجل ، هذا الرأي لا أرى لكم غيره
.
هذا ، و قال الفيّومي : « ترجم الكلام » إذا أوضحه ، و اسم الفاعل ترجمان
، و فيه لغات فتح التاء و ضم الجيم و فتحهما و ضمهما ، و جمعه تراجم ، و التاء و الجيم اصليتان و جعل الجوهري التاء زائدة أورده في رجم
.
قلت : الظاهر أنّ ما كان على فعلان كالترجمان و القهرمان إمّا معرّب و إن كان ورد في الفصيح ، فورد الترجمان و القهرمان في كلامهعليهالسلام
، أو مركّب من كلمتين و هو الأظهر ، و لذا لم يذكر أهل اللغة القهرمان أصلا و نحت المركب حتى يجعل كلمات كلمة كثيرة في جميع اللغات ، و منها بلاش في العربية منحوت بلا شيء .
« استراقا لعقولكم » أي : سرقة لها .
« و دخولا في عيونكم » الدخول في العين ، كناية عن كمال الاستيلاء كسابقه و لاحقه .
« و نفثا في أسماعكم » قال الفيّومي : نفث إذا بزق . .
روى ( الكافي ) عن الصادقعليهالسلام
: إن شيطانا يقال له القفندر إذا ضرب في منزل رجل أربعين يوما بالبربط و دخل عليه الرجال وضع ذلك الشيطان كلّ عضو منه على مثله من صاحب البيت ، ثم نفخ فيه نفخة فلا يغار بعدها حتى تؤتى نساؤه فلا يغار
.
« فجعلكم مرمى نبله » أي : سهمه ، جعله الفيّومي اسم جمع حيث قال :
النبل السهام العربية لا واحد لها من لفظها
و جعله الجوهري مفردا حيث قال : جمعوها على أنبال و نبال
.
و في الخبر : النظر سهم من سهام الشيطان مسموم
.
و عنهعليهالسلام
: الفتن ثلاث : حبّ النساء و هو سيف الشيطان ، و شرب الخمر و هو فخ الشيطان ، و حبّ الدينار و الدرهم و هو سهم الشيطان
.
« و موطىء قدمه » و من يتبع خطواته يصير موطىء أقدامه و وطئاته .
« و مأخذ يده » كناية عن غاية استيلائه عليهم كالحيوان الأهلي الذي يؤخذ باليد و لا يحتاج إلى عدو خلفه أو رمي إليه ، قال تعالى(
إنّا جعلنا الشياطين أَولياءَ للّذين لا يؤمنون
)
.
و في ( الكشي ) عن الهاديعليهالسلام
: لعن اللَّه القاسم اليقطيني و لعن اللَّه علي بن حسكة القمّي ، إن شيطانا تراءى للقاسم و فأوحى إليه زخرف القول غرورا
.
و عنهعليهالسلام
: يزعم ابن بابا أنّي بعثته نبيّا و أنّه باب ، عليه لعنة اللَّه ، سخر منه الشيطان فأغواه
.
« فاتعظوا بما أصاب الامم المستكبرين من قبلكم من بأس اللَّه و صولاته
و وقائعه و مثلاته » البأس : العذاب ، و المثلات : العقوبات ، و قال تعالى :(
و عاداً و ثمود و قد تبيّن لكم من مساكنهم و زيّن لهم الشيطان أَعمالهم فصدّهم عن السبيل و كانوا مستبصرين و قارون و فرعون و هامان و لقد جآءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض و ما كانوا سابقين فكُلاّ أَخذنا بذنبهِ فمنهم من أَرسلنا عليه حاصباً و منهم من أَخذته الصيحة و منهم من خسفنا به الأرض و منهم من أغرقنا و ما كان اللَّه ليظلمهم و لكن كانوا أنفسهم يظلمون
)
.
« و اتّعظوا بمثاوي خدودهم »(
قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فَبئس مثوى المتكبرين
)
.
« و مصارع جنوبهم » قال تعالى في قوم صالح :(
قال الملأُ الّذين استكبروا من قومه للّذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أَنّ صالحاً مُرسل من ربِّه قالوا إِنّا بما اُرسل به مؤمنون قال الذين استكبروا إِنّا بالذي آمنتم به كافرون فعقروا النّاقة و عتوا عن أمر ربِّهم و قالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كُنت من المرسلين فأَخَذَتهُمُ الرَّجفة فأَصبحوا في دارِهم جاثمين
)
.
« فاستعيذوا باللَّه من لواقح الكبر » أي : ممّا حمل به الكبر و حبل فأيّ سبع تلد .
« كما تستعيذون من طوارق الدهر » قال الجزري : قيل أصل الطرق الدق ، سمي الآتي بالليل طارقا لحاجته إلى طرق الباب ، و الطوارق جمع الطارقة ،
و منه الحديث : « أعوذ بك من طوارق الليل إلاّ طارقا يطرق بخير »
.
و كيف لا يستعاذ من لواقح الكبر كطوارق الدهر و قد قال تعالى(
و الذي تولى كبره منهم له عذابٌ عظيم
)
و(
و أمّا الذين استنكفوا و استكبروا فيعذّبهم عذاباً أليماً و لا يجدون لهم من دون اللَّه وليّاً و لا نصيراً
)
(
و إذا تتلى عليه آياتنا ولّى مستكبراً كأَنّ لم يسمعها كأَن في اُذنيه وقراً فبشّره بعذابٍ أليم
)
(
و إذا عَلِمَ من آياتنا شيئاً اتخذها هُزُواً اُولئك لهم عذابٌ مهين من ورائهم جهنّم و لا يغني عنهم ما كسبوا شيئاً و لا ما اتخذوا من دون اللَّه أولياءَ و لهم عذابٌ عظيم
)
.
في وزراء الجهشياري : قال الواقدي دخل الفضل بن يحيى على أبيه يتبختر في مشيته و أنا عنده ، فكره ذلك منه فقال لي : أتدري ما أبقى الحكيم في طرسه ؟ قلت : لا قال : أبقى الحكيم في طرسه أنّ البخل و الجهل مع التواضع أزين بالرجل من الكبر مع السخاء و العلم ، فيالها أي : لصفة التواضع حسنة غطّت على عيبين عظيمين ، و يالها أي لصفة الكبر سيئة غطت على حسنتين كبيرتين ثم أومى إليه بالجلوس
.
إلى أن قالعليهالسلام
« و لقد نظرت فما وجدت أحدا من العالمين يتعصّب لشيء من الأشياء إلاّ عن علّة تحتمل تمويه » أي : تلبيس ، و الأصل فيه نحاس أو حديد طلي بذهب أو فضة .
« الجهلاء أو حجّة » أي : احتجاج .
« تليط » أي : تلصق .
« بعقول السّفهاء » .
في ( الأغاني ) كانت الأوس و الخزرج أهل عزّ و منعة ، و هما أخوان لاب و امّ ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر ، و كانت أول حرب جرت بينهم في مولى كان لمالك بن العجلان أي الخزرجي قتله سمير بن يزيد الأوسي و كان مالك سيّد الحيّين في زمانه ، و هو الذي ساق تبعا إلى المدينة و قتل الفطيون
صاحب زهرة و أذلّ اليهود للحيّين جميعا ، فكان له بذلك الذكر و الشرف عليهم ، و كانت دية المولى و هو الحليف فيهم خمسا من الإبل ، و دية الصريح عشرا ، فبعث مالك إلى عمرو بن عوف إبعثوا الى سميرا حتى أقتله بمولاي فإنّا نكره أن تنشب بيننا و بينكم حرب ، فأرسلوا إليه : إنّا نعطيك الرضا من مولاك فخذ منّا عقله
فإنّك قد عرفت أنّ الصريح لا يقتل بالمولى .
قال : لا آخذ في مولاي دون دية الصريح ، فأبوا إلاّ ديّة المولى فلمّا رأى ذلك مالك بن العجلان جمع قومه من الخزرج و كان فيهم مطاعا و أمرهم بالتهيّىء للحرب ، فلمّا بلغ الأوس استعدوا لهم و تهيّأ و اللحرب و اختاروا الموت على الذل ، ثم خرج بعض القوم إلى بعض فالتقوا بالصفينة قرية بني عمرو بن عوف بين قباء و بني سالم فاقتتلوا شديدا حتى نال بعضهم من بعض .
ثم إن رجلا من الأوس نادى : يا مالك ننشدك باللَّه و الرّحم فاجعل بيننا و بينك عدلا من قومك فما حكم علينا سلّمنا لك فارعوى مالك عند ذلك و قال :
نعم ، فاختاروا عمرو بن امرىء القيس فقال : إنّي أقضي بينكم إن كان سمير
قتل صريحا من القوم فهو به قود ، و إن قبلوا العقل فلهم دية الصريح ، و إن كان قتل مولى فلهم دية المولى و ما أصبتم منّا في هذه الحرب ففيه الدية مسلّمة إلينا و ما أصبنا منكم علينا فيه دية مسلمة إليكم فغضب مالك و رأى أن يردّ عليه رأيه و أمر قومه بالقتال ، فجمع بعضهم لبعض ثم التقوا بالفصل عند آطام بني قينقعاع فاقتتلوا شديدا ، ثم تداعوا إلى الصلح فحكّموا ثابت بن حرام أبا حسان بن ثابت النجاري فقضى بينهم أن يدوا مولى مالك بدية الصريح ثم تكون السنة فيهم بعده كما كانت أول مرة فرضوا ، أراد ثابت إطفاء النائرة فأخرج خمسا من الإبل من قبيلته حين أبت عليه الأوس أن تؤدّي إلى مالك أكثر من خمس و أبى هو أن يأخذ دون عشر ، فلمّا أخرج ثابت الخمس أرضى مالكا بذلك و رضت الأوس و اصطلحوا بعهد و ميثاق أن لا يقتل رجل في داره و لا معقله و المعاقل النخل فإذا خرج رجل من داره أو معقله فلا دية له ، ثم انظروا في القتلى فأيّ الفريقين فضل على صاحبه ، فأفضلت الأوس على الخزرج بثلاثة نفر فودتهم الأوس و اصطلحوا ففي ذلك يقول حسان :
و أبي في سميحة القائل و الفا
|
|
صل حين التفّت عليه الخصوم
|
« غيركم فانكم تتعصّبون لأمر لا » هكذا في ( الطبعة المصرية ) و الصواب :
( ما ) كما في ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية
.
« يعرف له سبب و لا علّة » كرجلين تنازعا في العنب النيروزي و الرازقي أيّها أطيب .
ففي ( عيون القتيبي ) قال بعضهم : رأيت رجلين بصريا و كوفيا على باب
مويس
يتنازعان في العنب النيروزي و الرازقي أيّهما أطيب ، فجرى بينهما كلام إلى أن تواثبا فقطع الكوفيّ إصبع البصري وفقأ البصري عين الكوفي ثم لم ألبث إلاّ يسيرا حتى رأيتهما متصافيين متنادمين
.
و قيل : إن المسافرين أخذا في التمنّي ، فقال أحدهما ليت لي قطيع غنم ، فقال الآخر ليت لي قطيع ذئب تأكل أغنامك ، فتواثبا و تجارحا .
« أمّا إبليس فتعصّب على آدم لأصله » النار .
« و طعن عليه في خلقه » من التراب .
« فقال أنا ناري و أنت طيني » فكيف أسجد لك .
« و أمّا الأغنياء من مترفة الامم » أي : الطاغين منهم بالأموال .
« فتعصّبوا لآثار مواقع النعم ، فقالوا و نحن أكثر أموالا و أولادا و ما نحن بمعذبين » الآية في سورة سبأ ، و قبلها(
و ما أرسلنا في قرية من نذير إلاّ قال مترفوها إنّا بما ارسلتم به كافرون
)
.
« فإنّ كان لا بدّ من العصبية فليكن تعصّبكم لمكارم الخصال و محامد الأفعال و محاسن الامور الّتي تفاضلت فيها المجداء و النّجداء » أي : الشجعان ، ففي ( الصحاح ) : النجدة الشجاعة ، و منه نجد الرجل بالضم فهو نجيد ، و جمع نجيد نجداء .
« من بيوتات العرب » في ( الأسد ) : نافر خالد بن مالك التميمي النهشلي القعقاع بن معبد التميمي إلى ربيعة بن خالد الأسدي ، فقال هاتيكما مكارمكما ، فقال خالد أعطيت من سأل و أطعمت من أكل و نصبت قد وري حين وضعت
السماك ذيولها و طعنت يوم الشواحط فارسا فجللت فخذيه بفرسه فقال : يا قعقاع ما عندك ؟ فأخرج قوس حاجب فقال : هذه قوس عمي رهنا عن العرب ، و هاتان نعلا جدّي قسم فيها أربعين مرباعا ، و هذه ذريبة زرارة اصطلح عليها سبقة أملاك كلّهم حرب لصاحبه ، و عمّي سويد بن زرارة لم ير ناره خائف إلاّ أمن ، و لم يمسك بطنب فسطاطه أسير إلاّ افك فقال ربيعة : إنّ السماحة و اللهى و المرباع و الشرف الأسبغ للقعقاع ، إلاّ أنّي نفرت من كان أبوه معبدا و عمّه حاجبا و جدّه زرارة
.
« و يعاسيب » أي : سادات ، و الأصل فيه ملك النحل .
« القبائل بالأخلاق الرغيبة » قالوا : قيل لعامر بن حارثة الأزدي ، أبو مزيقياء : ماء السماء لأنّه كان إذا أجدب قومه مأنهم حتى يأتيهم الخصب ، فكان خلفا منه و قيل لولده : بنو ماء السماء و هم ملوك الشام ، قال بعض الأنصار :
أنا ابن مزيقيا عمرو و جدّي
|
|
أبوه عامر ماء السماء
|
« و الأحلام العظيمة » في ( الاستيعاب ) قيل للأحنف بن قيس : ممّن تعلمت الحلم ؟ قال : من قيس بن عاصم المنقري ، رأيته يوما قاعدا بفناء داره محتبيا بحمائل سيفه يحدّث قومه ، إذ اتى برجل مكتوف و آخر مقتول فقيل له : هذا ابن أخيك قد قتل ابنك ، فو اللَّه ما حلّ حبوته و لا قطع كلامه ، فلمّا أتمّه التفت إلى ابن أخيه فقال : يا ابن أخي بئس ما فعلت ، أثمت بربّك و قطعت رحمك و قتلت ابن عمك و رميت نفسك بسهمك ، ثم قال لابن له آخر : قم يا بنيّ فوار أخاك و حلّ
كتاف ابن عمك و سق إلى امّك مائة ناقة دية ابنها فإنّها غريبة
.
و قيس ، هو الذي قال فيه النبيصلىاللهعليهوآله
لمّا وفد عليه وفد بني تميم : هذا سيد أهل الوبر
.
و كان قيس قد حرّم على نفسه الخمر في الجاهلية ، و ذلك أنّه غمز عكنة ابنته و هو سكران و سبّ أبويها و رأى القمر فتكلم و أعطى الخمّار كثيرا من ماله فلمّا أفاق اخبر بذلك فحرّمها على نفسه .
و لمّا حضرته الوفاة قال لبنيه : إحفظوا عنّي فلا أحد أنصح لكم منّي ، إذا متّ فسوّدوا كباركم و لا تسوّدوا صغاركم فيسفه الناس كباركم و تهونون عليهم ، و عليكم بإصلاح المال فإنّه منبهة للكريم و يستغنى به عن اللئيم ، و إيّاكم و مسألة النّاس فإنّها أخزى كسب الرجل
.
« و الأخطار الجليلة و الآثار المحمودة » في أنساب السمعاني في الكرجي و أبو دلف القاسم بن عيسى بن ادريس بن معقل العجلي الكرجي الأمير المشهور بالجود و الشجاعة قلت : و حسده المأمون بقول الشاعر فيه :
إنّما الدّنيا أبو دلف
|
|
فإذا ولى ولت على أثره
|
قال العتابي : اجتمعنا على باب أبي دلف جماعة من الشعراء ، فوعدنا إذا جاءت أمواله من الكرج و غيرها ، فأتت الأموال فبسطها على الانطاع و أجلسنا حوله و دخل إلينا فقام على رؤوسنا متّكئا على قائم سيفه ، ثم أنشأ يقول :
ألا يا أيّها الزوّار لا يد عنكم
|
|
أياديكم عندي أجل و أكثر
|
فإن كنتم أفردتموني للرجا
|
|
فشكري لكم من شكركم لي أكثر
|
كفاني من مالي دلاص و سابح
|
|
و أبيض من صافي الحديد و مغفر
|
ثم أمر بنهب تلك الأموال ، فأخذ كلّ واحد على قدر قوته . و الدلاص الدرع اللينة ، و السابح الفرس الجواد ، و المراد بأبيض : السيف
.
و في ( شعراء القتيبي ) : مرّ حاتم في سفر له على عنزة و فيهم أسير ، فاستغاث به و لم يحضره فكاكه ، فساوم به العنزيين و اشتراه و أقام مكانه في القيد حتى أدى فداءه و قسّم ماله بضع عشر مرّة .
و كانت لحاتم قدور عظام بفنائه على الأثافي لا تنزل عنها ، فإذا أهلّ رجب نحر كلّ يوم و أطعم .
و كان أبوه جعله في إبل له و هو غلام ، فمرّ به عبيد بن الأبرص و بشر بن أبي حازم و النابغة الذبياني يريدون النعمان ، فنحر لكلّ منهم بعيرا و هو لا يعرفهم ، ثم سألهم عن أسمائهم فتسمّوا له ، ففرّق فيهم الإبل و جاء إلى أبيه و قال : يا أبه طوّقتك مجد الدهر طوق الحمامة و حدّثه بما صنع ، فقال أبوه :
إذن لا اساكنك فقال : إذن لا ابالي ، فاعتزله .
( و فيه ) : إن حاتما أتى ماوية بنت عفزر يخطبها ، فوجد عندها النابغة الذبياني و رجلا من النبيت يخطبانها ، فقالت انقلبوا إلى رحالكم و ليقل كلّ واحد منكم شعرا يذكر فيه فعاله و منصبه فاني متزوجة أكرمكم و أشعركم .
فانطلقوا و نحر كلّ منهم جزورا ، فلبست ماوية ثياب أمة لها و اتبعتهم ، فأتت النبيتي فاستطعمته فأطعمها ذنب جزوره فأخذته ، و أتت النابغة فأطعمها مثل ذلك ، و أتت حاتما فأطعمها عظما من العجز و قطعة من السنام و قطعة من الحارك ، فانصرفت و أهدى لها كلّ رجل منهم باقي جزوره و أهدى لها حاتم
مثل ما أهدى إلى واحدة من جاراته ، و صبّحها القوم فأنشدها كلّ منهم أبياتا ، فلمّا فرغوا من إنشادهم دعت بالمائدة و قدمت إلى كلّ رجل ما كان أطعمها ، فنكس النّبيتي و النابغة رأسيهما ، فلمّا رأى حاتم ذلك رمى بالذي قدم إليه إليهما و أطعمهما منه ، فتسلّلا لواذا
فتزوجت حاتما و كانت من بنات ملوك اليمن .
( و فيه ) : قالت امرأة حاتم النّوار : أصابتنا سنة اقشعرّت لها الأرض و اغبرّت الآفاق ، فضنت المراضيع عن أولادها فما تبض بقطرة ، و راحت الابل حدبا حدابيس
و حلقت السنة المال و أيقنّا أنّه الهلاك ، فو اللَّه إنّا لفي صنبر
بعيدة ما بين الطرفين إذ تضاغى أصبيتنا من الجوع عبد اللَّه و عدي و سفانة ، فقام حاتم إلى الصبيين و قمت إلى الصبية فو اللَّه ما سكتوا إلاّ بعد هدأة من الليل و أقبل يعلّلني بالحديث فعلمت الذي يريد فتناومت ، فلمّا تغوّرت النجوم إذا شيء قد رفع كسر البيت فقال من هذا ، فذهب ثم عاد فقال من هذا ، فذهب ثم عاد في آخر الليل فقال من هذا قال جارتك فلانة أتتك من عند أصبية يتعاوون عواء الذئب من الجوع و ما أجد معوّلا إلاّ عليك ، فقال لها أعجليهم فقد أشبعك اللَّه و إياهم ، فأقبلت المرأة تحمل اثنين و يمشي جنباتها أربعة كأنها نعامة حولها رئالها ، فقام إلى فرسه فوجأ لبته بمدية ثم كشطه و دفع المدية إلى المرأة فقال شأنك الآن ، فاجتمعوا على اللحم فقال سوءة : أتأكلون دون الصريم ، ثم أقبل يأتيهم بيتا بيتا و يقول : هبّوا أيها القوم عليكم بالنار ، فاجتمعوا و التفع ناحية بثوبه ينظر إلينا ، و لا و اللَّه ما ذاق منه مضغة و إنه
لأحوج إليه منّا ، فأصبحنا و ما على الأرض إلاّ عظم و حافر ، فعذلته على ذلك فقال :
مهلا نوار أقلّي اللّوم و العذلا
|
|
و لا تقولي لشيء فات ما فعلا
|
( و فيه ) : كان عنترة العبسي من أشدّ أهل زمانه و أجودهم بما ملكت يده ، و كان لا يقول من الشعر إلاّ البيتين و الثلاثة ، حتى سابّه رجل من قومه فذكر سواده و سواد امّه و أنّه لا يقول الشعر فقال عنترة : و اللَّه إنّ الناس ليترافدون الطعمة فما حضرت أنت و لا أبوك و لا جدّك مرفد الناس قط ، و إنّ الناس ليدعون في الغارات فيعرفون بتسويمهم فما رأيتك في خيل مغيرة في أوائل الناس قط ، و إن اللبس ليكون بيننا فما حضرت أنت و لا أبوك و لا جدّك خطة فصل ، و إنّما أنت فقع بقرقر و إنّي لاحتضر البأس و اوفى المغنم و أعفّ عن المسألة و أجود بما ملكت يدي و أفصل الخطة الصماء ، و أمّا الشعر فستعلم فكان أول ما قال :
هل غادر الشعراء من متردّم
|
|
تسمّى قصيدته تلك الذهبية .
|
« فتعصّبوا لخلال الحمد من الحفظ للجوار » في ( كامل المبرد ) : ذكر أبو عبيدة أنّ رجلا من السواقط أي من ورد اليمامة من غير أهلها من بني أبي بكر بن كلاب قدم اليمامة و معه أخ له ، فكتب له عمير بن سلمى أنّه له جار و كان أخو هذا الكلابي جميلا ، فقال له قرين أخو عمير لا تردنّ أبياتنا بأخيك هذا ، فرآه بعد بين أبياتهم فقتله و قيل ان أخا عمير يتحدث إلى امرأة أخي الكلابي فعثر عليه زوجها فخافه قرين عليها فقتله ، و كان عمير غائبا فأتى
الكلابي قبر سلمى أبي عمير و قرين فاستجار به فلجأ قرين إلى قتادة بن مسلمة من حنيفة فحمل قتادة إلى الكلابي ديات مضاعفة و فعلت وجوه بني حنيفة مثل ذلك ، فأبى الكلابي أن يقبل ، فلمّا قدم عمير قالت له امّه : لا تقتل أخاك و سق إلى الكلابي جميع ماله فأبى الكلابي أن يقبل ، فلجأ قرين إلى خاله فلم يمنع عميرا منه ، فأخذه عمير فمضى به حتى قطع الوادي فربطه إلى نخلة و قال للكلابي : أما إذا أبيت إلاّ قتله فامهل حتى أقطع الوادي و ارتحل عن جواري فلا خير لك فيه فقتله الكلابي ففي ذلك يقول عمير :
قتلنا أخانا للوفاء بجارنا
|
|
و كان أبونا قد تجير مقابره
|
« و الوفاء بالذمام » فرضي السموأل بقتل ولده و لم يدفع ما استودعه امرؤ القيس إلى خصمه .
« و الطاعة للبرّ و المعصية للكبر و الأخذ بالفضل » في ( العقد ) كان سلم بن نوفل سيّد بني كنانة ، فوثب رجل على ابنه و ابن أخيه فجرحهما فأتي به فقال :
ما امكنك
من انتقامي قال : فلِم سوّدناك إلاّ أن تكظم الغيظ و تحلم عن الجاهل و تحتمل المكروه ، فخلّى سبيله
.
هذا ، و من أمثالهم : « لو كان عنده كنز النطف ما غدا » قالوا : كان النطف فقيرا من بني يربوع يحمل الماء على ظهره فينطف أي : يقطر ، و كان أغار على مال بعث به باذان من اليمن إلى كسرى ، فأعطى منه يوما حتى غابت الشمس فضربته العرب مثلا
.
« و الكفّ عن البغي و الإعظام للقتل و الإنصاف للخلق و اجتناب الفساد في
الأرض » في ( العقد ) دخلت امرأة مشتكية على المأمون ، فقال لها : و أين الخصم .
قالت : الواقف على رأسك و أومأت إلى ابنه العباس بن المأمون فقال المأمون لأحمد بن أبي خالد : خذ بيد العباس فأجلسه مع المرأة ، فجلس الخصوم فجعل كلامها يعلو كلام العباس ، فقال لها أحمد : إنّك بين يدي الخليفة و تكلّمين الأمير فاخفضي من صوتك فقال له المأمون : دعها يا أحمد فإنّ الحقّ أنطقها و أخرسه ، ثم قضى لها برد ضيعتها إليها و أمر بالكتاب لها إلى العامل ببلدها أن يسقط خراجها و أمر لها بنفقة
.
( و فيه ) : ورد سليك بن سلكة على الحجّاج ، فقال له : عصى عاص من عرض العشيرة فحلق على اسمي و هدم منزلي و حرمت عطائي فقال له الحجّاج : هيهات أو ما سمعت قول الشاعر :
جانيك من يجني عليك و قد
|
|
تعدي الصّحاح مبارك الجرب
|
و لربّ مأخوذ بذنب عشيرة
|
|
و نجا المقارف صاحب الذّنب
|
فقال له سليك : إنّي سمعت اللَّه عز و جل قال في غير هذا فقال حاكيا عن اخوة يوسف له فخذ أَحدنا مكانه إِنّا نَراكَ من المحسنين(
قال معاذ اللَّه أن نأَخُذ إِلاّ من وجدنا متاعنا عندهُ إِنّا إِذاً لظالمُون
)
فقال الحجّاج ليزيد بن مسلم كاتبه : افكك لهذا عن اسمه و اصكك له بعطائه و ابن له منزله و مر مناديا صدق اللَّه و كذب الشاعر
.
( فيه ) : و قيل لقيس بن عاصم بم سوّدك قومك ؟ قال : بكفّ الأذى و بذل النّدى و نصر المولى
.
« و احذروا ما نزل بالأمم قبلكم من المثلات » جمع المثلة بالفتح فالضم فيهما ، أي : العقوبات .
« بسوء الأفعال و ذميم الأعمال » كقوم نوح قال تعالى : .(
فَلَبِثَ فيهم أَلفَ سنةٍ إِلاّ خمسينَ عاماً فأَخذُهُم الطوفإنّ و هم ظالمون
)
و كقوم هود ، قال :
تعالى :(
و اذكر أَخا عادٍ إِذ أَنذر قومه بالأَحقاف . فلمّا رأَوهُ عارضاً مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارضٌ ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريحٌ فيها عذابٌ أَليم تدمّر كلّ شيءٍ بأَمر ربّها فأَصبحوا لا يرى إِلاّ مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين
)
و كقوم صالح ، قال تعالى :(
و إلى ثمود أخاهم صالحاً .
)
.
(
فعقروها فقال تمتّعوا في داركم ثلاثة أيام . و أخذ الّذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في دارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها
)
.
و كقوم لوط ، قال تعالى :(
و لمّا جَآءت رسُلنا لوطاً سيء بهم و ضاق بهم ذرعاً و قال هذا يومٌ عصيب و جاءهُ قومُه يُهرعون إِليه و من قبل كانوا يعملون السيئات . قالوا يا لوط إِنّا رُسل ربِّك لن يصلوا إِليك فأَسر بأَهلك بقطعٍ من الليل و لا يلتفت منكم أَحدٌ إِلاّ امرأَتك إِنّه مصيبها ما أَصابهم إِنّ موعدهُم الصبح أَليس الصبح بقريب فلَمّا جاء أَمرنا جعلنا عاليها سافلها و أَمطرنا عليها حجارةً من سجيلٍ منضودٍ مسومةً عند ربك و ما هي من الظالمين ببعيد
)
و كقوم شعيب ، قال تعالى :(
و إِلى مدين أَخاهم شُعيباً
)
. .
(
و يا قوم أَوفوا المكيال و المِيزان بالقسط و لاَ تبخسوا الناس أَشياءهم و لا تعثوا في الأرض مفسدينَ . و يا قوم لا يجرمنكم شقاقي أَن يصيبكم مثل ما
أصاب قومَ نُوحٍ أو قوم هود أَو قوم صالح و ما قوم لوطٍ منكم ببعيد . و أَخذت الذين ظلموا الصيحة فأَصبحوا في ديارهم جاثمين كأَن لَم يغنوا فيها أَلا بعداً لمدين كما بعدت ثَمود
)
.
و قوم موسى ، قال تعالى :(
و قارون و فرعون و هامان و لقد جاءهم موسى بالبيّنات فاستكبروا في الأرض و ما كانوا سابقين فكلاّ أَخذنا بذنبه فمنهم من أَرسلنا عليه حاصباً و منهم من أَخذته الصيحة و منهم من خسفنا به الأرض و منهم من أغرقنا و ما كان اللَّه ليظلمهم و لكن كانوا أنفسهم يظلمون
)
.
« فتذكّروا في الخير و الشر أحوالهم ، و احذروا أن تكونوا أمثالهم » في الملالة من الخير و الميل إلى الشر فتستحقوا المثلات أمثالهم .
« فإذا تفكّرتم في تفاوت حاليهم » في الخير و الشر ، و أن حالهم لمّا كان عملهم خيرا كانت خيرا و لمّا كان عملهم شرّا كانت شرّا .
« فالزموا كلّ أمر لزمت العزّة به شأنهم و زاحت » أي : بعدت و ذهبت .
« الأعداء له » أي : لذلك الأمر .
« عنهم و مدّت العافية فيه » أي : في ذاك الأمر .
« عليهم ، و انقادت النعمة له » أي : لذلك الأمر .
« معهم » فصارت غير منقطعة عنهم .
« و وصلت الكرامة عليه » أي : على ذلك الأمر .
« حبلهم » فصارت ملازمة لهم .
« من » بيانية لكلّ أمر أوجب تلك الأمور .
« الاجتناب للفرقة »(
شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحاً و الذي أَوحينا إِليك و ما وصَّينا به إبراهيم و موسى و عيسى أَن أَقيموا الدّين و لا تتفَرقوا
)
.
« و اللزوم للألفة » و الاتفاق .
« و التحاضّ » أي : الحث و الترغيب .
« عليها » أي : على الالفة .
« و التواصي » أي : وصية الأول للآخر .
« بها » حتى تصيروا مثلهم في لزوم العزة شأنكم و دفع الأعداء عنكم و مدّ العافية عليكم و انقياد النعمة لكم وصلة الكرامة بحبلكم .
« و اجتنبوا كلّ أمر كسر فقرتهم » قال الجوهري : الفقارة بالفتح واحدة فقار الظهر ، و الفقرة بالكسر مثل الفقارة ، و أجود بيت في القصيدة يسمّى فقرة تشبيها بفقرة الظهر
.
« و أوهن » أي : أضعف .
« منتهم » قال الجوهري : في « منن » : المنة بالضم القوّة
.
« من تضاغن القلوب » أي : انطوائها على الحقد .
« و تشاحن الصدور » أي : امتلائها من العداوة و الشحناء .
« و تدابر النفوس » أي : تقاطعها .
« و تخاذل الأيدي » بترك التناصر .
« و تدبّروا أحوال الماضين من قبلكم كيف كانوا في حال التمحيص » أي :
الاختبار و الابتلاء من « محص الذهب » إذا خلّصه ممّا يشوبه .
« البلاء » السوء .
« ألم يكونوا أثقل الخلق أعباء » أي : احمالا جمع العبء بالكسر الحمل قال :
الحامل العبء الثقيل عن
الجاني بغير يد و لا شكر
« و أجهد العباد » أي : أشقهم .
« بلاء » أي : ابتلاء .
« و أضيق أهل الدنيا حالا » أي : مالا .
« إتخذتهم الفراعنة » قال الجوهري : فرعون لقب الوليد بن مصعب ، و كل عات فرعون ، و في الحديث « أخذنا فرعون هذه الامة »
.
« عبيدا » في تفسير القمّي : إستعبد آل فرعون قوم موسى و قالوا : لو كان لهؤلاء على اللَّه كرامة كما يقولون ما سلّطنا عليهم ، فقال موسى لقومه : يا قوم إن كنتم آمنتم باللَّه فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين فقالوا على اللَّه توكلنا ربّنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين
.
« فساموهم سوء العذاب » أي : أعطوهم قال :
إذا سمته وصل القرابة سامني
قطيعتها تلك السفاهة و الظلم
الأصل فيه قوله تعالى لبني اسرائيل في البقرة :(
و إِذ نجّيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يُذبّحون أبناءكم و يستحيون نساءَكم و في ذلكم بلاء من ربّكم عظيم
)
.
« و جرّعوهم المرار » من المرارة ، و أي مرّ أمر ممّا عملوه بهم من ذبح
أبنائهم و لذلك قال تعالى لهم :(
و في ذلكم بلاء من ربّكم عظيم
)
.
« فلم تبرح » أي : لم تزل .
« الحال بهم في ذل الهلكة » منهم .
« و قهر الغلبة » من أعدائهم .
« لا يجدون حيلة في امتناع » من الفراعنة .
« و لا سبيلا إلى دفاع » شرّهم عنهم .
« حتى إذا رأى اللَّه جدّ الصبر منهم على الأذى في محبّته ، و الاحتمال » أي :
التحمّل .
« للمكروه من خوفه ، جعل لهم من مضائق البلاء فرجا » قال تعالى في سورة الدخان :(
و لقد نجّينا بني إسرائيل من العذاب المهين من فرعون إِنّه كان عالياً من المسرفين
)
.
« فأبدلهم العزّ مكان الذلّ ، و الأمن مكان الخوف ، فصاروا ملوكا حكّاما و أئمة أعلاما » قال تعالى في سورة القصص :(
و نُريد أن نَمُنَّ على الذين استُضعفوا في الأرض و نجعلهم أئمة و نجعلَهُمُ الوارثين و نُمكّن لهم في الأرض و نُرِيَ فرعون و هامان و جنودهما منهم ما كانوا يحذرون
)
و في سورة الأعراف(
و أورثنا القوم الذين كانوا يُستَضعفون مشارق الأرض و مغاربها الّتي باركنا فيها و تمّت كلمة ربّك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا و دمّرنا ما كان يصنع فرعون و قومه و ما كانوا يعرشون
)
.
« و قد بلغت الكراهة من اللَّه لهم ما لم تبلغ » هكذا في ( الطبعة المصرية ) ،
و الصواب : ( ما لم تذهب ) كما في ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية
.
« الآمال إليه بهم » قال تعالى :(
و إذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة اللَّه عليكم إذ جعل فيكم أنبياء و جعلكم ملوكاً و آتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين
)
.
و في سورة البقرة :(
و ظَلّلنا عليكم الغمام و أَنزلنا عليكم المنّ و السلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم و ما ظلمونا و لكن كانوا أنفسهم يظلمون
)
.
في ( الجلالين ) :(
ظلّل عليهم الغمام من حر الشمس في التيه و أنزل عليهم الترنجبين و الطير السماني في التيه ، و كانوا منهيين عن الادّخار فادّخروا فانقطع عنهم
)
.
و في السورة نفسها(
و إِذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً قد علم كُلُّ اُناس مشربهُم كلوا و اشربوا من رزق اللَّه و لا تعثوا في الأَرض مفسدين
)
.
و في الجلالين أيضا : عطشوا في التيه فضرب موسى حجره الذي كان كرأس الرجل و هو الذي فر بثوبه فانفجرت منه بعدد الأسباط الإثنى عشر لكل سبط عين .
« فانظروا كيف كانوا حيث كانت الأملاء » جمع الملأ .
« مجتمعة و الأهواء متّفقة و القلوب معتدلة و الأيدي مترادفة » أي : متعاونة .
« و السيوف متناصرة » ينصر سيف ذا سيف ذاك ، و سيف ذاك سيف ذا .
« و البصائر نافذة » في العمل .
« و العزائم » الارادات المتحركة للشخص إلى العمل .
« واحدة » ما عزمه ذا عزمه ذاك .
« ألم يكونوا أربابا في أقطار الأرضين ، و ملوكا على رقاب العالمين » لمّا كانوا متّفقين .
« فانظروا إلى ما صاروا إليه في آخر أمورهم حين وقعت الفرقة و تشتّتت الالفة و اختلفت الكلمة و الأفئدة ، و تشعبوا مختلفين و تفرّقوا متحاربين ، قد خلع اللَّه عنهم لباس كرامته و سلبهم غضارة نعمته » أي : طراوتها و طيبها .
« و بقي قصص أخبارهم فيكم عبرة للمعتبرين منكم » كذلك شأن كل امة من الامم من العرب و العجم في غلبتهم وقت اتفاقهم ، و مغلوبيتهم وقت افتراقهم .
و في ( الأخبار الطوال ) : لمّا تمّ لملوك الطوائف مائتا سنة و ست و ستون ظهر أردشير بن بابك بن ساسان بمدينة إصطخر ، فدبّ في ردّ ملك فارس في نصابه فلم يزل يغلب ملكا و يقتل ملكا حتى انتهى إلى فرخان ملك الجبل فقتله في صحراء الهرمزدجان ، ثم سار إلى نهاوند ثم الريّ ثم خراسان لا يأتي حيّزا إلاّ أذعن له ، ثم سار إلى سجستان ثم إلى كرمان ثم سار إلى فارس ثم سار إلى العراق ، فتلقّاه من كان بها من ملوك الطوائف بالأهواز فقتلهم ، ثم سار حتى عسكر بموضع المدائن اليوم فاختطّها و بناها . .
هذا في أولهم إلى أن قال : في آخرهم ملكوا عليهم بوران بنت كسرى ، و ذلك أن شيرويه لم يدع احدا من اخوته خلا ( جوان شير ) لكونه طفلا ، فعند ذلك و هى أمرهم و ضعف سلطان فارس و فلّت شوكتهم ، فلمّا أفضى الأمر إلى
بوران بنت كسرى بن هرمز شاع في أطراف الأرضين أنّه لا ملك لأرض فارس و إنّما يلوذون بباب امرأة ، فخرج رجلان من بكر بن وائل يقال لأحدهما المثنى بن حارثة الشيباني و الآخر سويد بن قطبة العجلي ، فأقبلا حتى نزلا فيمن جمعا بتخوم أرض العجم ، فكانا يغيران على الدهاقين فيأخذان ما قدرا عليه ، فإذا طلبا أمعنا في البرّ فلا يتبعهما أحد ، و كان المثنّى يغير من ناحية الحيرة و سويد من ناحية الابلّة و ذلك في خلافة أبي بكر ، فكتب المثنّى إليه يعلمه ضراوته بفارس و يعرّفه و هنهم و يسأله أن يمدّه بجيش ، فلمّا انتهى كتابه إلى أبي بكر كتب إلى خالد بن الوليد و قد كان فرغ من أهل الردة أن يسير إلى أهل الحيرة فيحارب فارس و يضم المثنى و من معه إليه ، و كره المثنى ورود خالد عليه و كان ظن أن أبا بكر سيولّيه الأمر ، فسار خالد و المثنّى بأصحابهما حتى أناخا على الحيرة ، و تحصّن أهلها في القصور الثلاثة ، ثم نزل إليه عمرو بن بقيلة و حديثه مع خالد في البيش معروف ، ثم صالحوه في القصور الثلاثة على مائة ألف درهم يؤدّونها في كلّ عام إلى المسلمين ، ثم ورد كتاب أبي بكر إلى خالد يأمره بالشخوص إلى الشام لمدد أبي عبيدة ، فخلّف خالد بالحيرة مع المثنى عمرو بن حزم الأنصاري و سار على الأنبار و انحطّ على عين التمر و كان بها مسلحة لأهل فارس فحاصرهم حتى استنزلهم بغير أمان فضرب أعناقهم و سبى ذراريهم ، و من ذلك السبي أبو محمد بن سيرين و حمران بن عثمان مولى عثمان ، و قتل فيها خالد خفيرا كان بها من العرب يسمّى هلال بن عقبة من النمر بن قاسط و صلبه ، و مرّ بحيّ من بني تغلب و النمر ، فأغار عليهم فقتل و غنم حتى انتهى إلى الشام ، و لم يزل عمرو بن حزم و المثنى يتطرفإنّ أرض السواد و يغيران فيها حتى توفي أبو بكر و ولي عمر سنة ثلاث عشرة ، فعزم على
توجيه خيل إلى العراق فدعا أبا عبيد أبو المختار فعقد له على خمسة آلاف رجل
. .
و مثل الاختلاف في مصالح الدنيا ترك أحكام الدين و مخالفة أوامر اللَّه تعالى ، قال تعالى :(
و قضينا إِلى بني إِسرائيل في الكتاب لتُفسدنَّ في الأرض مرَّتين و لتعلُنَّ علوّاً كبيراً فإذا جاء وعد اُولاهما بعثنا عليكم عباداً لنا اُولي بأسٍ شديد فجاسوا خلال الديار و كان وعداً مفعولاً ثم رددنا لكم الكرّة عليهم و أَمددناكم بأموالٍ و بنين و جعلناكم أكثر نفيراً إِن أَحسنتم أَحسنتم لأنفُسكم و إِن أَسأتُم فلها فإذا جاء وعد الآخرةِ ليسوؤا وجوهكم و ليدخلوا المسجد كما دخلوه أوّل مرّة و ليتبّروا ما علوا تتبيراً
)
.
قال الزمخشري : و افسادهم في المرة الاولى كان قتلهم زكريا و حبسهم ارميا حين أنذرهم بسخط اللَّه ، و إفسادهم في المرة الأخيرة كان بقتل يحيى بن زكريا و قصد قتل عيسى بن مريم
.
و المراد بعباد أولي بأس شديد بعثوا عليهم سنحاريب و جنوده و قيل بختنصر و قيل جالوت قتلوا علماءهم و أحرقوا التوراة و خرّبوا المسجد و سبوا منهم سبعين ألفا .
و المراد بردّ الكرّة لهم عليهم لمّا أقلعوا عن الافساد قيل : قتل بختنصر و استنقاذ بني اسرائيل أسراءهم و أموالهم و رجوع الملك إليهم ، و قيل هي قتل داود لجالوت .
و قال في قوله تعالى بعد :(
عسى ربّكم أَن يرحمكم و إِن عُدتم عُدنا
)
قد عادوا إلى المعصية فأعاد اللَّه عليهم النقمة بتسليط الأكاسرة و ضرب الأتاوة عليهم .
و عن الحسن عادوا فبعث اللَّه محمّداصلىاللهعليهوآله
فهم يعطون الجزية عن يد و هم صاغرون .
و عن قتادة : ثم كان آخر ذلك أن بعث اللَّه عليهم هذا الحيّ من العرب فهم منهم في عذاب إلى يوم القيامة
.
هذا ، و في ( غارات الثقفي ) في فتنة ابن الحضرمي بالبصرة من قبل معاوية و تعارض مخنف بن سليم و شبث بن ربعي في قومهما الأزد و تميم قال عليعليهالسلام
: مه تناهوا أيّها الناس و ليردعكم الإسلام و وقاره عن التباغي
و التهاذي
، و لتجمع كلمتكم ، و الزموا دين اللَّه الذي لا يقبل من أحد غيره ، و كلمة الاخلاص التي هي قوام الدين و حجّة اللَّه على الكافرين ، و اذكروا إذ كنتم قليلا مشركين متفرقين متباغضين فألّف بينكم بالاسلام فكثّرتم و اجتمعتم و تحاببتم ، فلا تفرّقوا بعد إذ اجتمعتم و لا تباغضوا بعد إذ تحاببتم ، و إذا رأيتم الناس و بينهم النائرة قد تداعوا إلى العشائر و القبائل فاقصدوا لهامهم و وجوههم بالسّيف حتى يفزعوا إلى اللَّه تعالى و إلى كتابه و سنّة نبيّه ، فأمّا تلك الحميّة حين تكون في المسلمين ، من خطرات الشيطان فانتهوا عنها لا أبا لكم تفلحوا و تنجحوا
.
٣ الخطبة ( ٧ ) و من خطبة لهعليهالسلام
:
اِتَّخَذُوا اَلشَّيْطَانَ لِأَمْرِهِمْ مِلاَكاً وَ اِتَّخَذَهُمْ لَهُ أَشْرَاكاً فَبَاضَ وَ فَرَّخَ فِي صُدُورِهِمْ وَ دَبَّ وَ دَرَجَ فِي حُجُورِهِمْ فَنَظَرَ بِأَعْيُنِهِمْ وَ نَطَقَ بِأَلْسِنَتِهِمْ فَرَكِبَ بِهِمُ اَلزَّلَلَ وَ زَيَّنَ لَهُمُ اَلْخَطَلَ فِعْلَ مَنْ قَدْ شَرِكَهُ اَلشَّيْطَانُ فِي سُلْطَانِهِ وَ نَطَقَ بِالْبَاطِلِ عَلَى لِسَانِهِ أقول : أخذها منهعليهالسلام
الحجّاج فخطب بها بعد دير الجماجم فقال كما في ( بيان الجاحظ ) يا أهل العراق إنّ الشيطان قد استبطنكم فخالط اللّحم و الدّم و العصب و المسامع و الأطراف و الأعضاء و الشغاف ، ثم أفضى إلى الأمخاخ و الأصماخ ، ثم ارتفع فعشّش ثم باض و فرّخ ، فحشاكم نفاقا و شقاقا و أشعركم خلافا ، و اتخذتموه دليلا تتّبعونه و قائدا تطيعونه و مؤامرا تستشيرونه ، فكيف تنفعكم تجربة و تعظكم وقعة ، أو يحجزكم إسلام أو ينفعكم بيان ، ألستم أصحابي بالأهواز .
.
و كلامهعليهالسلام
كلّه استعارات و مجازات و كنايات ، و نظيره في ذلك كلامهعليهالسلام
في وصف التائبين و ان كان الموصوفون فيهما متضادّين ، فقالعليهالسلام
كما في ( تذكرة سبط ابن الجوزي ) غرسوا أشجار ذنوبهم نصب عيونهم و قلوبهم و سقوها بمياه الندم فأثمرت لهم السلامة و أعقبتهم الرضا و الكرامة
.
« إتخذوا الشّيطان » قال الجوهري : نون الشيطان أصلية و يقال زائدة
فإن جعلته فيعالا من قولهم « تشيطن الرجل » صرفته ، و ان جعلته من « شيط » لم تصرفه لأنّه فعلان .
و قال أيضا : و كلّ عات متمرّد من الجنّ و الإنس و الدوابّ ، شيطان أيضا
، و أمّا قوله تعالى :(
طلعها كأَنّه رؤوس الشياطين
)
فقال الفرّاء فيه أوجه : أحدها أن يشبه طلعها في قبحه برؤوس الشياطين لأنّها موصوفة بالقبح ، و ثانيها ان العرب تسمّي بعض الحيّات شيطانا و هو ذو العرف قبيح الوجه ، و الثالث أنّه نبت قبيح يسمّى رؤوس الشياطين
.
« لأمرهم ملاكا » أي :(
مالكا و قيّما و من يتَّخذ الشَّيطان وليّاً من دون اللَّه فقد خسر خُسراناً مبيناً
)
.
في ( صفّين نصر بن مزاحم ) : حمل شمر الخثعمي من أهل الشام على أبي كعب رأس خثعم الكوفة فطعنه فقتله ، ثم انصرف يبكي فقال : و اللَّه ما أدري ما أقول ، و لا أرى الشيطان إلاّ قد فتننا ، و لا أرى قريشا إلاّ لعبت بنا
.
و في ( تاريخ ابن الأثير ) : دخل قاضي قضاة الأندلس و هو منذر بن سعيد البلوطي المتوفى سنة ( ٣٦٦ ) يوما على عبد الرحمن الناصر صاحب الأندلس بعد أن فرغ من بناء « الزهراء » و قصورها ، و قد قعد في قبة مزخرفة بالذهب و البناء البديع الذي لم يسبق إليه و معه جماعة من الأعيان ، فقال عبد الرحمن : هل بلغكم أنّ أحدا بنى مثل هذا البناء فقال له الجماعة : لم نر و لم نسمع بمثله و أثنوا و بالغوا ، و القاضي مطرق ، فاستنطقه عبد الرحمن ، فبكى
القاضي و انحدرت دموعه على لحيته و قال : و اللَّه ما كنت أظنّ أنّ الشيطان يبلغ منك هذا المبلغ و لا أن تمكّنه من قيادك هذا التمكين ، مع ما آتاك اللَّه و فضّلك به حتى أنزلك منازل الكافرين فقال له عبد الرحمن ، انظر ما تقول و كيف أنزلنى منزلة الكافرين ؟ فقال له : قال تعالى :(
و لولا أَن يكُونَ الناسُ اُمّة واحِدَةً لجَعَلنا لمَن يكفُر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضةٍ و معارج عليها يظهرُون و لبيوتهم أبواباً و سرراً عليها يتّكئون و زخرفاً . و الآخرة عند ربك للمُتّقين
)
فوجم عبد الرحمن و بكى و قال : أكثر اللَّه في المسلمين مثلك
.
« و اتّخذهم له أشراكا » أي : مصائد قال الفيّومى ، الشّرك للصائد معروف ، و الجمع أشراك مثل سبب و أسباب
أو المعنى شركاء فقال الجوهري :
شريك يجمع على شركاء و أشراك
.
في ( الكشّي ) في عنوان ( غلاة وقت الهادىعليهالسلام
) علي بن حسكة و القاسم بن يقطين قال محمد بن عيسى : كتب إليّ أبو الحسنعليهالسلام
: لعن اللَّه القاسم اليقطيني ، و لعن اللَّه علي بن حسكة القمّي ، إن شيطانا تراءى للقاسم فيوحي إليه زخرف القول غرورا
.
و في ( الكشي ) أيضا في عنوان ( السرّي ) عن الصادقعليهالسلام
: إنّ بيانا و السرّي و بزيعا لعنهم اللَّه ترآءى لهم الشيطان في أحسن ما يكون صورة
آدمى من قرنه إلى سرّته
.
و في ( المروج ) قال إسحاق الموصلي : بينا أنا ذات ليلة عند الرشيد اغنّيه إذ طرب لغنائى و قال لا تبرح ، و لم أزل اغنّيه حتى نام فأمسكت و وضعت العود من حجري و جلست مكاني ، فإذا شاب حسن القدّ عليه مقطّعات خزّ وهية جميلة ، فدخل و سلم و جلس ، فجعلت أعجب من دخوله في ذلك الوقت إلى ذلك الموضع بغير استيذان ، ثم قلت في نفسي : لعل بعض ولد الرشيد من لم نعرفه و لم نره فضرب بيده على العود فأخذه و وضعه في حجره و جسّه فرأيت أنّه جس أحسن خلق اللَّه ، ثم أصلحه إصلاحا ما أدري ما هو ثم ضرب ضربا ما سمعت اذني أجود منه ، ثم اندفع يغنّي :
ألا علّلانى قبل أن نتفرقا
|
|
و هات اسقني صرفا شرابا مروّقا
|
فقد كاذ ضوء الصبح أن يفضح الدجى
|
|
و كاد قميص الليل أن يمتزقا
|
ثم وضع العود من حجره و قال : يا عاض بظر أمّه إذا غنّيت فغنّ هكذا .
ثم خرج فقمت على أثره فقلت للحاجب : من الفتى الذي خرج الساعة ؟ فقال : ما دخل هنا أحد و لا خرج ، فقمت متعجّبا و رجعت إلى مجلسي و انتبه الرشيد فقال شأنك ، فحدثته بالقصة فبقي متعجّبا و قال لقد صادقت شيطانا ثم قال :
أعد علي الصوت ، فأعدته فطرب طربا شديدا و أمر لي بجائزة فانصرفت .
و في ( الاغاني ) : قال إبراهيم الموصلي : سألت الرشيد أن يهب لي يوما في الجمعة لا يبعث فيه إليّ بوجه و لا سبب لأخلو فيه بجواريّ و إخواني ، فأذن لي في يوم السبت و قال : هو يوم أستثقله ما له بما شئت فأقمت فيه بمنزلي
و تقدّمت في إصلاح طعامي و شرابي بما احتجت إليه ، و أمرت بوّابي فأغلق الأبواب و تقدّمت ألاّ يأذن عليّ لأحد ، فبينا أنا في مجلسي و الحرم قد حفّوا بي و جواريّ يتردّدن بين يديّ ، إذا أنا بشيخ ذي هيئة و جمال عليه خفّان قصيران و قميصان ناعمان ، و على رأسه قلنسوة لاطية و بيده عكازة مقمّعة بفضة ، و روائح المسك تفوح منه حتى ملأ البيت و الدار ، فداخلني بدخوله عليّ مع ما تقدّمت فيه غيظ ما تداخلني قط مثله ، و هممت بطرد بوّابى ، فسلّم عليّ أحسن سلام فرددت عليه و أمرته بالجلوس ، فجلس ثم أخذ في أحاديث الناس و أيّام العرب و أشعارها حتى سلّى ما بي من الغضب ، و ظننت أنّ غلماني تحرّوا مسرّتي بإدخالهم مثله عليّ لأدبه و ظرفه ، فقلت : هل لك في الطعام ؟ فقال : لا حاجة لي فيه فقلت : هل لك في الشراب ؟ فقال : ذاك إليك .
فشربت رطلا و سقيته مثله : فقال لي : يا أبا إسحاق هل لك أن تغنّي لنا شيئا من صنعتك و ما قد نفقت به عند الخاص و العام ، فغاظني قوله ، ثم سهّلت على نفسي أمره ، فأخذت العود فجسسته ثم ضربت فغنّيت ، فقال : أحسنت يا إبراهيم فقلت : ما رضي بما فعله من دخوله عليّ بغير إذن ، و اقتراحه أن أغنّيه حتى سمّاني و لم يكنّني و لم يجمل مخاطبتي ، ثم قال : هل لك أن تزيدنا ، فتذمّمت فأخذت العود فغنّيت فقال : أجدت يا أبا إسحاق فأتمّ حتى نكافئك و نغنّيك ، فأخذت العود و تغنّيت و تحفّظت و قمت بما غنّيته إيّاه تامّا ما تحفّظت مثله و لا قمت بغناء كما قمت به له بين يدي خليفة قطّ ، لقوله : اكافئك ، فطرب و قال : أحسنت يا سيدي ثم قال : أتأذن بعدك بالغناء فقلت : شأنك و استضعفت عقله في أن يغنّي بحضرتي بعد ما سمعه منّي فأخذ العود و جسه فو اللَّه لخلته ينطق بلسان عربيّ لحسن ما سمعت من صوته ثم تغنّى :
و لي كبد مقروحة من يبيعنى
|
|
بها كبدا ليست بذات قروح
|
أباها عليّ الناس لا يشترونها
|
|
و من يشتري ذا علّة بصحيح
|
أئنّ من الشوق الذي في جوانبي
|
|
أنين غصيص بالشّراب جريح
|
فو اللَّه لقد ظننت الحيطان و كل ما في البيت يجيبه و يغنّي معه من حسن غنائه حتى خلت و اللَّه أنّي و عظامي و ثيابي تجاوبه ، و بقيت مبهوتا لا أستطيع الكلام و لا الجواب و لا الحركة لمّا خالط قلبي ثم غنّى :
ألا يا حمامات اللّوى عدن عودة
|
|
فإنّي إلى أصواتكنّ حزين
|
فعدن فلما عدن كدن يمتننى
|
|
و كدت بأسراري لهنّ ابين
|
دعون بترداد الهدير كأنّما
|
|
سقين حميّا أو بهنّ جنون
|
فلم تر عيني مثلهنّ حمائما
|
|
بكين و لم تدمع لهنّ عيون
|
فكاد و اللَّه عقلي أن يذهب طربا ممّا سمعت ، ثم غنّى :
ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد
|
|
لقد زادنى مسراك وجدا على وجد
|
بكيت كما يبكي الحزين صبابة
|
|
و ذبت من الحزن المبرّح و الجهد
|
أأن هتفت و رقاء في رونق الضّحى
|
|
على غصن غضّ
النّبات من الرّند
|
و قد زعموا أنّ المحبّ إذا نأى
|
|
يملّ و أنّ النأي يشفي من الوجد
|
بكلّ تداوينا فلم يشف ما بنا
|
|
على أنّ قرب الدار خير من البعد
|
ثم قال : يا إبراهيم هذا الغناء الماخوري فخذه وانح نحوه في غنائك و علّمه جواريك فقلت : أعده عليّ فقال : ليس تحتاج قد أخذته و فرغت منه ثم غاب من بين يديّ ، فقمت إلى السيف فجرّدته و عدوت نحو أبواب الحرم فوجدتها مغلقة ، فقلت للجواري : اي شيء سمعتنّ عندي فقلن : سمعنا احسن غناء سمع قط ، فخرجت متحيّرا إلى باب الدار فوجدته مغلقا ، فسألت البوّاب
عن الشيخ فقال : أيّ شيخ هو ، و اللَّه ما دخل إليك اليوم أحد فرجعت لأ تأمل أمري فإذا هو قد هتف من بعض جوانب البيت : لا بأس عليك يا أبا إسحاق ، أنا إبليس كنت نديمك اليوم فلا ترع فركبت إلى الرشيد و قلت : لا أطرفه بطرفة مثل هذه ، فدخلت عليه و حدثته بالحديث فقال : ويحك تأمّل هذه الابيات هل أخذتها ، فأخذت العود أمتحنها فإذا هي راسخة في صدري كأنّها لم تزل ، فطرب الرشيد و جلس يشرب و لم يكن عزم على الشراب و أمر لي بصلة و حملان و قال : كان الشيخ أعلم بما قال لك من أنك أخذتها و فرغت منها ، فليته أمتعنا بنفسه يوما واحدا كما أمتعك
.
قلت : عمره كان معه و هو يتمنّى يوما .
« فباض و فرّخ في صدورهم » و قال الجوهري : يقال : فرّخ الطائر و أفرخ
.
في ( تفسير العياشي ) عن زرارة عن الباقرعليهالسلام
: كان الحجّاج ابن شيطان ، يباضع ذي الردهة ، إنّ يوسف دخل على امرأته ام الحجّاج فأراد أن يصيبها فقالت : أليس إنّما عهدك بذلك الساعة ، فأمسك عنها فولدت الحجّاج
.
و روى مثله عن السجادعليهالسلام
و زاد : إنهعليهالسلام
أمر يوسف بالإمساك عن زوجته ( و فيه ) و هو ابن الشيطان ذي الردهة
.
و في ( المروج ) : ولد الحجّاج مشوّها لا دبر له ، فثقب عن دبره و أبى أن يقبل ثدي امّه ، فيقال : إنّ الشيطان تصور لهم في صورة الحرث بن كلدة فقال :
ما خبركم ؟ فأخبروه فقال : إذبحوا جديا أسود و أولغوه دمه ، فإذا كان في اليوم الثاني فافعلوا به كذلك ، فإذا كان في اليوم الثالث فاذبحوا له تيسا أسود
و أولغوه دمه ، ثم إذبحوا له أسود سالخا أي : الأسود من الحيّات فأولغوا دمه و اطلوا به وجهه فإنّه يقبل الثدي في اليوم الرابع ، ففعلوا به ذلك فكان بعد لا يصبر عن سفك الدماء
.
و عن ابن خلّكان : قال الفارسي : أنشدني ابن دريد لنفسه :
و حمراء قبل المزج صفراء بعده
|
|
بدت في لباسي نرجس و شقائق
|
حكت و جنة المعشوق صرفا فسلّطوا
|
|
عليها مزاجا فاكتست لون عاشق
|
و قال : جاءني إبليس في المنام و قال : أغرت على أبي نؤاس فقلت : نعم .
فقال : أجدت إلاّ أنّك أسأت في شيء ، قدّمت الحمراء فقلت : « و حمراء » ثم قلت « نرجس و شقائق » فقدّمت الصفراء
.
و قريب من استعارتهعليهالسلام
هذه من بيض الشيطان و إفراخه في صدورهم استعارة من النبيصلىاللهعليهوآله
في وصيته لامراء الجيش الذي بعثه إلى مؤتة على نقل المصنف في مجازاته « و ستجدون آخرين للشيطان في رؤوسهم مفاحص فاقلعوها بالسيوف » قال في شرحه : و هذه من الإستعارات العجيبة و المجازات اللطيفة ، و ذلك أنّ من كلام العرب أن يقول منهم إذا أراد ان يصف إنسانا بشدة الارتكاس في غيّه و الارتكاض في عنان بغيه : « قد فرخ الشيطان في رأسه » أو « قد عشّش الشيطان في قلبه » ، فذهبصلىاللهعليهوآله
إلى ذلك الوضع و بنى على ذلك الأصل فقال : « للشيطان في رؤوسهم مفاحص » ، و المفحص في الأصل الموضع الذي تبحثه القطاة لتجثم
عليه أو لتبيض فيه ، إنّما قيل له مفحص لأنّها لا تجثم فيه إلاّ بعد أن تفحص التراب عنه توطئة لمجثمها و تمهيدا لجسمها ، فيحتمل قولهصلىاللهعليهوآله
أحد معنيين :
أحدهما : أن يكون أراد أنّ الشيطان قد بدا يختدعهم و يغرّهم و يستوهنهم و يضلّهم و لم يبلغ بعد من ذلك غايته و لا استوعب خديعته كالقطاة التي بدأت باتخاذ المفحص لتبيض فيه و تربّي فرخها فيه .
و الثاني : أن يكون أراد أنّ الشيطان قد استوطن رؤوسهم فجعلها له مقيلا و مبركا و ملعبا و متمعّكا كما تتخذ القطاة مفحصا لتأوي إليه
.
هذا ، و في ( بلاغات نساء البغدادي ) قال إسحاق الموصلي : سألت أعرابية عن الأير ما هو ؟ فقالت : عصبة نفخ فيها الشيطان فلا يرد أمرها
.
« و دب و درج في حجورهم » الاصل في الدبّ دبيب النمل ، و يطلق على مشي الصبيّ على بدنه و مشي الشيخ على العصا ، فيقال « أدببت الصبى » حملته على الدبيب و « دبّ الشيخ » و الدرج المشي المتعارف ، و من أمثالهم : « أكذب من دبّ و درج » و أيضا : « أعييتنى من شبّ إلى دبّ »
أي : اكذب الصغار و الكبار و من شبابه إلى هرمه .
و في ( الإرشاد ) : روى زكريا بن يحيى القطّان عن فضيل بن الزبير عن أبي الحكم قال : سمعت مشيختنا و علماءنا يقولون : خطب عليّعليهالسلام
فقال في خطبته : سلوني قبل أن تفقدوني ، فو اللَّه لا تسألوني عن فئة تضل مائة و تهدي مائة إلاّ نبّأتكم بناعقها و سائقها إلى يوم القيامة فقام إليه رجل فقال : أخبرنى كم في رأسي و لحيتي طاقة شعر فقالعليهالسلام
: و اللَّه لقد حدثني خليلي رسول
اللَّهصلىاللهعليهوآله
بما سألت عنه و ان على كل طاقة شعر من رأسك ملكا يلعنك و على كل طاقة شعر من لحيتك شيطانا يستفزّك ، و ان في بيتك لسخلا يقتل ابن رسول اللَّه ، و لو لا أن الذي سألت عنه يعسر برهانه لأخبرتك به و كان ابنه في ذلك الوقت صغيرا يحبو ، فلمّا كان من أمر الحسينعليهالسلام
ما كان تولّى قتله و كان الأمر كما قالعليهالسلام
.
قلت : و في خبر ان السائل كان أبا سنان بن انس
.
« فنظر بأعينهم و نطق بألسنتهم » في الاستيعاب في عامر بن عبدة ، روى عامر عن النبيصلىاللهعليهوآله
ان الشيطان يأتي القوم في صورة الرجل يعرفون وجهه و لا يعرفون نسبه فيحدثهم فيقولون حدثنا فلان ما اسمه ليس يعرفونه
.
و في ( الأغاني ) عن حولا مولاة ابن جامع : انتبه مولاي يوما من قائلته فقال عليّ بهشام يعني ابنه ادعوه لي عجّلوه ، فجاء مسرعا فقال : خذ العود فإنّ رجلا من الجن ألقى عليّ في قائلتي صوتا فأخاف أن أنساه ، فأخذ هشام العود و تغنّى ابن جامع عليه رملا لم أسمع رملا أحسن منه و هو :
أمست رسوم الديار غيّرها
|
|
هوج الرّياح الزّعازع العصف
|
و كلّ حنّانة لها زجل
|
|
مثل حنين الروّائم الشّغف
|
فأخذه عنه هشام فكان بعد ذلك يتغناه و ينسبه إلى الجن
.
قلت : لا بدّ أنّه استحى أن يقول : إنّ الشيطان ألقى عليّ فقال : إنّ رجلا من الجنّ ألقى عليّ .
و في ( الكشّي ) في محمد بن أبي زينب ، قال بريد العجلي : سألت أبا
عبد اللَّهعليهالسلام
عن قوله تعالى :(
هل اُنبّئكم على من تنزّل الشياطين تَنزَّلُ على كلِّ أفاكٍ أَثيم
)
قال : هم سبعة ، المغيرة بن سعيد و بنان
و صائد
النهدي و الحرث
الشامي و عبد اللَّه بن الحارث و حمزة بن عمارة و أبو الخطاب
.
و عن الصادقعليهالسلام
و ذكر الغلاة قال : إنّ فيهم من يكذب حتى أنّ الشيطان ليحتاج إلى كذبه .
و عن زرارة ، قال أبو عبد اللَّهعليهالسلام
: أيزعم حمزة أن أبي يأتيه ؟ قلت : نعم .
قال : كذب و الله ما يأتيه إلاّ المتكون ، إنّ إبليس سلّط شيطانا يقال له المتكون يأتي الناس في أي صورة شاء ، و لا و اللَّه ما يستطيع ان يجيء في صورة أبي
.
و عن الصادقعليهالسلام
قال لأصحاب أبي الخطاب : إنّ شيطانا يقال له المذهب يأتي في كل صورة إلاّ أنّه لا يأتي في صورة نبيّ و لا وصيّ نبيّ ، و لا أحسبه إلاّ و قد ترأى لصاحبكم .
.
و أظنّ أنّ الأصل في « المذهب » و « المتكون » في سابقه واحد .
« فركب بهم الزلل و زيّن لهم الخطل » أي : المنطق الفاسد المضطرب .
« فعل من قد شركه الشيطان في سلطانه و نطق بالباطل على لسانه » في ( الكشّي ) عن الصادقعليهالسلام
: إبليس اتّخذ عرشا في ما بين السماء و الأرض ، فإذا
دعا رجلا فأجابه و وطىء عقبه و تخطّت إليه الأقدام تراءى له إبليس و رفع إليه
.
و في ( الأغاني ) : أتى الفرزدق الحسن البصري فقال : إني هجوت إبليس فاسمع منّي قال : لا حاجة لنا بما تقول قال : لتسمعنّ أو لأخرجنّ فأقول للناس إنّ الحسن ينهى عن هجاء إبليس فقال : اسكت فإنّك بلسانه تنطق
.
أيضا : ما زال بشّار يهجو حماد عجرد و لا يرفث في هجائه حتى قال حمّاد : من كان مثل أبيك يا أعمى أبوه فلا أبا له فقال بشّار : جزى اللَّه ابن نهبى خيرا لقد كنت أردّ على شيطاني أشياء من هجائه إبقاء على المودّة و لقد أطلق من لساني ما كان مقيدا عنه
.
أيضا : كان يزيد بن أسد جد خالد بن عبد اللَّه القسري يلقب خطيب الشيطان ، و كان أكذب الناس في كل شيء معروفا بذلك ، ثم نشأ ابنه عبد اللَّه فسلك منهاجه من الكذب ، ثم نشأ خالد ففاق الجماعة إلاّ أنّ رئاسة و سخاء كانا فيه سترا أمره
.
أيضا : قالت أسماء بنت المهدي : قلت لأخي إبراهيم : أشتهي و اللَّه أن أسمع من غنائك شيئا فقال : إذن و اللَّه يا اختي لا تسمعين مثله عليّ و عليّ و غلّظ باليمين إن لم يكن إبليس ظهر لي و علّمني و صافحني و قال لي : إذهب فأنت منّي و أنا منك .
أيضا : قال إبراهيم بن المهدي : غضب عليّ محمد الأمين في بعض هنات فسلّمني إلى كوثر فحبسني في سرداب و أغلق عليّ ، فمكثت فيه ليلتي فلمّا أصبحت إذا أنا بشيخ قد خرج عليّ من زاوية السرداب و دفع إليّ شيئا فقال :
كل فأكلت ثم أخرج قنّينة شراب فقال : إشرب فشربت ، ثم قال لي : غن
لي مدّة لا بدّ أبلغها
|
|
معلومة فإذا انقضت متّ
|
لو ساورتني الاسد ضارية
|
|
لغلبتها ما لم يجي الوقت
|
فغنّيته و سمع كوثر فصار إلى الامين و قال له : قد جنّ عمّك و هو جالس يغنّي بكيت و كيت ، فأمر بإحضاري فاحضرت و أخبرته بالقصة فأمر لي بسبعمائة الف درهم و رضي عنّي
.
و مرّ في فصل شكايتهعليهالسلام
من أهل عصره ما له ربط بما هنا .
و في ( الكافي ) عن الصادقعليهالسلام
: إنّ العبد يوقظ ثلاث مرات من اللّيل ، فإن لم يقم أتاه الشيطان فبال في اذنه
.
و في ( غناء الكافي ) في أشربته عن إسحاق بن حريز عن الصادقعليهالسلام
أن شيطانا يقال له القفندر إذا ضرب في منزل رجل أربعين يوما بالبربط و دخل عليه الرجال ، وضع ذلك الشيطان كل عضو منه على مثله من صاحب البيت ثم نفخ فيه نفخة فلا يغار بعده حتى تؤتى نساؤه فلا يغار
.
و في ( تقريب ابن حجر ) : كان محمد بن سعد بن أبي وقاص و هو أخو عمر ابن سعد يلقب ظل الشيطان لقصره
.
و عن أبي داود المسترق : من ضرب في بيته بربط أربعين يوما سلط
اللَّه عليه شيطانا يقال له القفندر ، فلا يبقى عضو من أعضائه إلاّ قعد عليه ، فإذا كان كذلك نزع منه الحياء و لم يبال ما قال و لا ما قيل فيه
.
و عن الحسن بن علي بن يقطين عن أبي جعفرعليهالسلام
: من أصغى إلى ناطق فقد عبده ، فإن كان الناطق يروي عن اللَّه عز و جل فقد عبد اللَّه ، و إن كان الناطق يروي عن الشيطان فقد عبد الشيطان
.
و في الخبر الثاني من أول صوم ( الكافي ) عن النبيصلىاللهعليهوآله
: ألا أخبركم بشيء ان أنتم فعلتموه تباعد الشيطان منكم كما تباعد المشرق من المغرب .
قالوا : بلى قال : الصوم يسوّد وجهه ، و الصدقة تكسر ظهره ، و الحبّ في اللَّه ، و المؤازرة على العمل الصالح يقطع دابره ، و الاستغفار يقطع و تينه ، و لكل شيء زكاة و زكاة الأبدان الصيام
.
الفصل الستون في موضوعات مختلفة
١ الكتاب ( ٧٤ ) و من حلف لهعليهالسلام
كتبه بين ربيعة و اليمن و نقل من خط هشام الكلبىّ :
هَذَا مَا اِجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ ؟ اَلْيَمَنِ ؟ حَاضِرُهَا وَ بَادِيهَا وَ ؟ رَبِيعَةُ ؟ حَاضِرُهَا وَ بَادِيهَا أَنَّهُمْ عَلَى كِتَابِ اَللَّهِ يَدْعُونَ إِلَيْهِ وَ يَأْمُرُونَ بِهِ وَ يُجِيبُونَ مَنْ دَعَا إِلَيْهِ وَ أَمَرَ بِهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً وَ لاَ يَرْضَوْنَ بِهِ بَدَلاً وَ أَنَّهُمْ يَدٌ وَاحِدَةٌ عَلَى مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ وَ تَرَكَهُ أَنْصَارٌ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ دَعْوَتُهُمْ وَاحِدَةٌ لاَ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ لِمَعْتَبَةِ عَاتِبٍ وَ لاَ لِغَضَبِ غَاضِبٍ وَ لاَ لاِسْتِذْلاَلِ قَوْمٍ قَوْماً عَلَى ذَلِكَ شَاهِدُهُمْ وَ غَائِبُهُمْ وَ سَفِيهُهُمْ وَ عَالِمُهُمْ وَ حَلِيمُهُمْ وَ جَاهِلُهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ عَهْدَ اَللَّهِ وَ مِيثَاقَهُ إِنَّ عَهْدَ اَللَّهِ كَانَ مَسْئُولاً وَ كَتَبَ ؟ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ؟
أقول : قول المصنف ( و من حلف لهعليهالسلام
) قال الجوهري : الحلف بالكسر العهد يكون بين القوم
، و المراد بالأحلاف في شعر زهير :
تداركتما الأحلاف قد ثلّ عرشها
|
|
و ذبيان قد زلّت بأقدامها النّعل
|
أسد و غطفان لأنهم تناصروا على التحالف ، و الأحلاف أيضا قوم من ثقيف لأنّ ثقيفا فرقتان : بنو مالك و الأحلاف ، و يقال لبني أسد وطيّ : الحليفان ، و يقال ايضا لفزارة و أسد : حليفان لأنّ خزاعة لمّا أجلت بني أسد عن الحرم و خرجت حالفت طيئا ثم حالفت بني فزارة .
و في ( العقد ) بعد عدّ بني ضبّة و بني الحرب بن كعب في جمرات العرب :
و قال أبو عبيدة طفئت جمرتان : بنو ضبّة لأنها صارت إلى الرباب فحالفتها و بنو الحرث لأنّها صارت إلى مذحج فحالفتها
.
« كتبه بين ربيعة و اليمن » هكذا في ( الطبعة المصرية )
و الصواب : ( بين اليمن و ربيعة ) كما في ( ابن أبي الحديد
و ابن ميثم
و الخطية )
ثم المراد بربيعة هنا طائفته أي : بنوه .
و في ( الطبري ) و غيره : ذكر بعضهم أنّ نزار بن معد بن عدنان لمّا حضرته الوفاة قسّم ماله بين بنيه مضر و ربيعة و أياد و أنمار ، فقال : هذه القبة و كانت من آدم حمراء و ما أشبهها من مالي لمضر فسمّي مضر الحمراء
و هذا الخباء الأسود و ما أشبهه من مالي و كان خلّف خيلا دهما لربيعة فسمّي ربيعة الفرس ، و هذه الخادم و كانت شمطاء و ما أشبهها من مالي لأياد ، و هذه البدرة و المجلس لأنمار ، فإن اختلفتم في شيء فعليكم بالأفعى الجرهمي ، فاختلفوا في القسمة فتوجّهوا إلى الأفعى ، فبينا هم يسيرون في مسيرهم إذ رأى مضر كلأ و قد رعي ، فقال : إنّ البعير الذي رعاه لأعور ، و قال ربيعة هو أزور ، و قال أياد هو أبتر ، و قال أنمار هو شرود فلم يسيروا إلاّ قليلا حتى لقيهم رجل فسألهم عن بعير ، فقال مضر : هو أعور ؟ قال نعم ، قال ربيعة :
هو أزور ؟ قال نعم ، قال أياد : هو أبتر ؟ قال نعم ، قال أنمار : هو شرود ؟ قال نعم ، هذه صفة بعيري دلّوني عليه ، فحلفوا ما رأوه فلزمهم و قال : كيف اصدّقكم و أنتم تصفون بعيري بصفته ؟
فساروا جميعا حتى قدموا نجران فنزلوا بالأفعى الجرهمي ، فنادى صاحب البعير : هؤلاء أصحاب بعيري وصفوا لي صفته ثم قالوا : لم نره فقال الجرهمي كيف وصفتموه و لم تروه ؟ قال مضر : رأيته يرعى جانبا و يدع جانبا فعرفت أنّه أعور ، و قال ربيعة : رأيت إحدى يديه ثابتة الأثر و الاخرى فاسدة فعرفت أنّه أفسده بشدّة وطئه لازوراره ، و قال أياد : عرفت أنّه أبتر باجتماع بعره و لو كان أذنب لمصع به ، و قال أنمار : عرفت أنّه شرود لأنّه يرعى المكان الملتف نبته ثم يجوزه إلى مكان آخر أرقّ منه نبتا و أخبث فقال الجرهمي : ليسوا بأصحاب بعيرك فاطلبه ، ثم سألهم من هم فأخبروه ، فرحّب بهم و قال : أ تحتاجون إليّ و أنتم كما أرى فدعا لهم بطعام فأكلوا و أكل و شربوا و شرب ، فقال مضر : لم أر كاليوم خمرا لو لا أنّها نبتت على قبر ، و قال ربيعة : لم أر كاليوم لحما لو لا أنّه ربّي بلبن كلب ، و قال أياد : لم أر كاليوم رجلا لو لا أنّه لغير أبيه الذي يدعى إليه ، و قال أنمار : لم أر كاليوم شهدا لو لا كون
نحله في هامة جبار .
و سمع الجرهمي الكلام فتعجب و أتى امّه فسألها فأخبرته أنّها كانت تحت ملك لا يولد له فكرهت أن يذهب الملك فأمكنت رجلا كان نزل بها من نفسها فحملت به ، و سأل القهرمان عن الخمر فقال : من حبلة غرستها على قبر أبيك ، و سأل الراعي عن اللحم فقال : شاة أرضعتها بلبن كلبة و لم يكن ولد في الغنم و ماتت امها ، و سأل عن الشهد فقيل : هجموا على عظام نخرة فإذا النحل قد عسلت في جمجمة منها لم ير عسل مثله ، فقال الأفعى : إن هؤلاء إلاّ شياطين .
ثم أحضرهم فقصّوا عليه قصّتهم فقضى بالقبّة الحمراء و الدنانير و الإبل و هي حمر لمضر ، و قضى بالخباء الأسود و الخيل الأدهم لربيعة ، و قضى بالخادم و كانت شمطاء و الماشية البلق لأياد ، و قضى بالأرض و الدراهم لأنمار .
و المراد من اليمن أيضا أهلها ، و هم من قحطان و ربيعة من عدنان ، و كان من اليمن حمير بن سبأ و كهلان بن سبأ و عمرو بن سبأ و الأشعر بن سبأ و أنمار بن سبأ و عاملة بن سبأ و مرّ بن سبأ .
و كانت ربيعة و اليمن متحالفتين من الجاهلية ، و لمّا أراد الكرماني و هو من اليمانية الخروج على نصر بن سيّار عامل مروان بن محمد آخر الأموية و هو من المضرية و أراد معاضدة ربيعة له في ذلك ، كتب إلى عمر بن إبراهيم و هو من ولد أبرهة آخر ملوك حمير فبعث إليه بنسخة حلفهما في الجاهلية
.
و قال أبو حنيفة الدينوري في ( أخباره الطوال ) : جمع الكرماني إليه
أشراف اليمن و عظماء ربيعة و قرأ عليهم نسخة الحلف ، و كانت النسخة :
« بسم اللَّه العلي العظيم الماجد المنعم ، هذا ما احتلف عليه آل قحطان و ربيعة الأخوان ، إحتلفوا على السّواء السّواء و الأواصر و الإخاء ، ما احتذى رجل حذا و ما راح راكب و اغتدى ، يحمله الصغار على الكبار و الأشرار على الأخيار ، آخر الدهر و الأبد إلى انقضاء مدّة الأمد و انقراض الآباء و الولد ، حلف يوطأ و يثب ما طلع نجم و غرب ، خلطوا عليه دماهم عند ملك أرضاهم خلطها بخمر و سقاهم ، جزّ من نواصيهم أشعارهم و قلّم عن أناملهم أظفارهم فجمع ذلك في صبر و دفنه تحت ماء غمر في جوف قعر بحر آخر الدهر ، لا سهو فيه و لا نسيان و لا غدر و لا خذلان ، بعقد مؤكّد شديد إلى آخر الدهر الأبيد ، ما دعا صبيّ أباه و ما حلب عبد في إناه ، تحمل عليه الحوامل و تقبل عليه القوابل ، ما حلّ بعد عام قابل ، عليه المحيا و الممات حتى ييبس الفرات ، و كتب في شهر الأصم عند ملك أخي ذمم تبّع بن ملكيكرب معدن الفضل و الحسب ، عليهم جميعا كفل و شهد اللَّه الأجل الذي ما شاء فعل ، عقله من عقل و جهله من جهل .
فلما قرىء عليهم هذا الكتاب توافقوا على أن ينصر بعضهم بعضا و يكون أمرهم واحدا
.
و وقع الاختلاف بين اليمن و ربيعة بحصول العصبيّة بين قحطان و عدنان و ربيعة منهم ، قال المسعودي في ( مروجه ) : إن عبد اللَّه بن معاوية بن جعفر بن أبي طالب قال للكميت : رأيت أن تقول شيئا تعصب به بين الناس لعل فتنة تحدث فيخرج من بين أصابعها بعض ما يحب ، فابتدأ الكميت و قال قصيدته التي يذكر فيها مناقب قومه مضر و ربيعة و أياد و أنمار بني نزار بن معد بن عدنان و يكثر فيها من تفضيلهم و يطنب في وصفهم و أنهم أفضل من
قحطان ، فعصب بها بين اليمانية و النزارية يقول في قصيدته :
لنا قمر السماء و كلّ نجم
|
|
تشير إليه أيدي المهتدينا
|
وجدت اللَّه قد أسمى نزارا
|
|
و أسكنهم بمكة قاطنينا
|
لنا جعل المكارم خالصات
|
|
و للناس القفا و لنا الجبينا
|
و ما ضربت هجائن من نزار
|
|
ثوالح من فحول الأعجمينا
|
و ما حملوا الحمير على عتاق
|
|
مظهّرة فيلفوا مبغلينا
|
و ما وجدت بنات بني نزار
|
|
حلائل أسودين و أحمرينا
|
و نمى قوله في النزارية و اليمانية ، و افتخرت نزار على اليمن و اليمن على نزار ، و أدلى كلّ فريق منه بماله من المناقب ، و تحزّبت الناس و ثارت العصبية في البدو و الحضر ، فنتج بذلك أمر مروان بن محمد الجعدي و تعصّبه لقومه من نزار على اليمن ، و انحرف اليمن عنه إلى الدعوة العباسية و تغلغل الأمر عن انتقال الدولة عن بني امية .
ثم ماتلا ذلك من قصة معن بن زائدة باليمن و قتله أهلها تعصّبا لقومه من ربيعة و غيرها من نزار ، و قطعه الحلف الذي كان بين اليمن و ربيعة في القدم ، و فعل عقبة بن سالم بعمان و البحرين و قتله عبد القيس و غيرهم من ربيعة كيادا لمعن و تعصّبا منه لقومه قحطان
.
و في ( الأغاني ) : قال المنصور لمعن بن زائدة : قد أمّلتك لأمر فكيف تكون فيه ؟ قال : كما تحب قال : ولّيتك اليمن فابسط السيف فيهم حتى تنقض حلف ربيعة و اليمن قال : أبلغ من ذلك ، فولاّه و توجّه إلى اليمن فبسط السيف فيهم حتى أسرف
.
و ربيعة كانوا مع أمير المؤمنينعليهالسلام
في غزواته ، و أما اليمن فأكثرهم كانوا مع معاوية ، و همدان منهم كانوا معهعليهالسلام
كالأنصار مع النبيّصلىاللهعليهوآله
.
و في ( صفّين نصر ) : جمع عليّعليهالسلام
همدان و قال : أنتم درعي و رمحي ما نصرتم إلاّ اللَّه و لا أجبتم غيره ، و في هذا اليوم قال عليعليهالسلام
:
و لو كنت بوّابا على باب جنّة
|
|
لقلت لهمدان ادخلي بسلام
|
« و نقل » هكذا في ( الطبعة المصرية )
و لكن في ابن أبي الحديد
و ابن ميثم ( نقل )
بدون واو فهو الصحيح ( من خط هشام بن الكلبي ) أما هشام فقال النجاشي و له الحديث المشهور قال : اعتللت علّة عظيمة نسيت علمي ، فجلست إلى جعفر بن محمدعليهماالسلام
فسقاني العلم في كأس فعاد إليّ علمي
.
و روى الخطيب عنه انّه قال : حفظت ما لم يحفظه أحد و نسيت ما لم ينسه أحد ، دخلت بيتا و حلفت ألاّ أخرج منه حتى أحفظ القرآن فحفظته في ثلاثة أيام ، و نظرت يوما في المرآة فقبضت على لحيتي لآخذ ما دون القبضة فأخذت ما فوق القبضة
.
و في ( الطبري ) : ورد على المهدي كتاب من صاحب الأندلس يعني الخليفة الاموي ثلبه فيه ثلبا عجيبا ، فأراه هشاما فقال له هشام : الثلب فيه و في آبائه و امّهاته ثم اندرأ يذكر مثالبهم ، فسرّ المهدي بذلك و أمره أن يملي
المثالب على كاتبه ليجيب صاحب الأندلس
.
و له كتاب في مثالب قريش ينقل عنه علي بن طاوس في طرائفه كثيرا ، و أمّا أبوه الكلبي و هو محمد بن السائب فقال ( الطبري في ذيله ) : كان عالما بالتفسير و الأنساب و أحاديث العرب ، شهد الجماجم مع ابن الأشعث
.
قولهعليهالسلام
« هذا ما اجتمع عليه أهل اليمن حاضرها و باديها و ربيعة حاضرها و باديها » قال الجوهري : يقال : فلان حضري و فلان بدوي ، الحاضرة المدن ، و القرى و الريف و البادية خلاف ذلك
.
« انّهم على كتاب اللَّه » قال ابن أبي الحديد : متعلق بمجتمعون محذوف
.
قلت : « على كتاب اللَّه » ليس بظرف لغو حتى يحتاج إلى ما ذكر .
« يدعون إليه و يأمرون به و يجيبون من دعا إليه و أمر به » قال ابن أبي الحديد : عن النبيصلىاللهعليهوآله
: كلّ حلف كان في الجاهلية فلا يزيده الإسلام إلاّ شدّة و لا حلف في الإسلام لكن فعل أمير المؤمنينعليهالسلام
أي : كتابته الحلف بين اليمن و ربيعة في الإسلام أولى بالاتّباع من خبر الواحد
.
قلت : الحلف إذا كان مثل جعلهعليهالسلام
من كونهم على كتاب اللَّه يدعون إليه و يأمرون به و يجيبون من دعا إليه و أمر به يكون واجبا بالذات و يزيده الحلف تأكيدا ، فإنّ البشر جميعهم مكلّفون على أن يكونوا على كتاب اللَّه و العمل به كما قالعليهالسلام
، فيكون هذا الحلف نظير بيعة الأنصار للنبيصلىاللهعليهوآله
في العقبة
و بيعتهم مع المهاجرين لهصلىاللهعليهوآله
تحت الشجرة ، و بيعة الناس لأمير المؤمنينعليهالسلام
بعد الثلاثة و بعد تحكيم الحكمين ، و مثل أن ينذر أحد أو يعهد اللَّه تعالى أو يحلف به على فعل الواجبات و ترك المحرمات ، و الأحلاف الجاهلية إذا كانت مشتملة على أمور غير مشروعة ، يحلّها الإسلام لا يؤكدها .
و الخبر وجدته بغير لفظه ، فروى أبو الفرج في قيس بن عاصم أنّه سأل النبيصلىاللهعليهوآله
عن الحلف فقال : لا حلف في الإسلام و لكن تمسّكوا بحلف الجاهلية
.
و أفضل أحلاف الجاهلية حلف الفضول ، قال المسعودي : كان رجل من زبيد باع سلعة له من العاص بن وائل السهمي فمطله بالثمن حتى يئس ، فعلا جبل أبي قبيس و قريش في مجالسها حول الكعبة فنادى بشعر يصف ظلامته رافعا صوته :
يا للرجال لمظلوم بضاعته
|
|
ببطن مكة نادى الحي و النفر
|
ان الحرام لمن تمت حرامته
|
|
و لا حرام كيومي لابس الغدر
|
فمشت قريش بعضها إلى بعض و كان أول من سعى في ذلك ، ة الزبير بن عبد المطلّب و اجتمعت قريش في دار الندوة و كانت للحلّ و العقد و كان ممّن اجتمع بها من قريش بنو هاشم و بنو المطلّب و بنو زهرة و تيم بن كلاب
و بنو الحرث بن فهر ، فاتّفقوا على أنّهم ينصفون المظلوم من الظالم ، فساروا إلى دار عبد اللَّه بن جدعان فتحالفوا هنالك ، ففي ذلك يقول الزبير بن عبد المطلّب . .
و قال الجزري : قال ابن إسحاق كان نفر من جرهم و قطورا يقال لهم الفضيل ابن الحرث الجرهمي و المفضل بن فضالة الجرهمي و الفضيل بن وداعة القطوري اجتمعوا و تحالفوا أن لا يقروا ببطن مكة ظالما ، فقال عمرو بن عوف الجرهمي :
إنّ الفضول تحالفوا و تعاقدوا
|
|
ألاّ يقرّ ببطن مكّة ظالم
|
أمر عليه تعاهدوا و تواثقوا
|
|
فالجار و المعترّ فيهم سالم
|
ثم درس ذلك فلم يبق إلاّ ذكره في قريش .
ثم إنّ قبائل من قريش تداعت إلى ذلك الحلف فتحالفوا و كانوا بني هاشم و بني المطلب و بني أسد بن عبد العزّى و زهرة و تيم بن مرّة ، فتحالفوا و تعاقدوا ألاّ يجدوا بمكّة مظلوما من أهلها أو من غيرهم إلاّ قاموا معه و كانوا على ظالمه حتى تردّ عليه مظلمته ، فسمّت قريش ذلك الحلف ، حلف الفضول و شهده النبيصلىاللهعليهوآله
فقال حين بعث : لقد شهدت مع عمومتي حلفا في دار عبد اللَّه بن جدعان ما أحب ان لي به حمر النعم و لو دعيت به في الإسلام لأجبت . .
و المستفاد من كلام ابن إسحاق أنّ تسميته بحلف الفضول لأن عاقديه الأولين كانوا مسمّين بفضيل و مفضل و فضيل .
« لا يشترون به ثمنا » الأصل فيه قوله تعالى :(
و إِذ أَخذ اللَّه ميثاق الذين اُوتوا الكتاب لتبيننُّهُ للناس و لا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم و اشتروا به
ثَمناً قليلاً فبئسَ ما يشترون
)
« و لا يرضون به بدلا » في معنى الأول .
« و أنّهم يد واحدة على من ترك ذلك و خالفه » كونهم يدا واحدة كناية عن اتّفاقهم .
و قال الجوهري : ضبّة و ثور و عكل و تيم و عديّ تجمّعوا فصاروا يدا واحدة و سمّوا ربابا بالكسر لأنّهم غمسوا أيديهم لتحالفهم في ربّ ، و قيل لأنّهم تربّبوا أي : تجمّعوا
هذا ، و قال الزمخشري : القوم عليّ يد واحدة و ساق واحدة إذا اجتمعوا على عداوته ، و قال البحتري و كان من طي من اليمن في أبي سعيد محمد بن يوسف و كان من ربيعة مشيرا إلى هذا الحلف :
نحن في خلة الصفاء و أنتم
|
|
كاليدين اصطفت شمال يمينا
|
ضمّنا الحلف فاتّصلنا ديارا
|
|
في المقامات و التففنا غصونا
|
لم تقلّب قلوبنا يوم هيجاء
|
|
و ليست أيدي سبا أيدينا
|
« أنصار بعضهم لبعض » و في ( ابن أبي الحديد ) « و إنهم أنصار بعضهم لبعض »
« دعوتهم واحدة » إلى الكتاب و حكمه .
« لا ينقضون عهدهم » في ( الجمهرة ) : و كتاب يكتب بين القوم يسمّى العهد
« لمعتبة عاتب » قال الخليل : العتاب مخاطبة الادلال و مذاكرة الموجدة
« و لا لغضب غاضب » قال الجوهري : يقال « غضبت لفلان » إذا كان فلان حيّا و « بفلان » إذا كان ميتا
« و لا لاستذلال قوم قوما » الاستذلال و التذليل و الاذلال بمعنى .
هذا ، و زاد ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) : « و لا لمسبة قوم قوما » ثم قال ( ابن ميثم ) و روي « و لا لمشية قوم قوما » و كيف كان فلا بدّ من سقوط فقرة من ( الطبعة المصرية ) بلفظ « لمسبة »
أو « لمشية » .
« على ذلك شاهدهم و غائبهم » هو و معطوفاه المثناة كنايات تأكيدية عن الجميع ، و الكل بلا استثناء .
« و سفيههم و عالمهم و حليمهم و جاهلهم » هكذا في ( الطبعة المصرية ) و لكن في نسخة ( ابن أبي الحديد ) : « و حليمهم و عالمهم و جاهلهم » و في نسخة ( ابن ميثم ) « و حليمهم و جاهلهم » ، و لا يبعد أن يكون الأصل « و حليمهم و سفيههم و عالمهم و جاهلهم » كما لا يخفى .
« ثم إنّ عليهم بذلك عهد اللَّه و ميثاقه » و في نسخة ( ابن أبي الحديد ) « ميثاق اللَّه و عهده » بدل عهد اللَّه و ميثاقه .
« إنّ عهد اللَّه كان مسؤولا » الأصل
فيه قوله تعالى(
و كان عَهدُ
اللَّه مسئولاً
)
هذا ، و في ( رسائل الصاحب ) : وصل كتاب مولانا بذكر الحلف الذي رسم مولانا عقده عند وروده البصرة بين سعد و ربيعة أخذا بسنّة النبيّصلىاللهعليهوآله
في الأوس و الخزرج حين وافي المدينة ، و الكتاب الذي أنشأه مولاي عقيلة الدهر ، فعقيلة و يتيمة الفضل ، و زبدة الأحقاب و فصل الخطاب ، أقول ذلك متحقّقا لا متجوّزا قول من أتقن شروط الاحلاف بين الأسلاف و الأخلاف ، فدرى كيف كان حلف المطيّبين و حلف الفضول و حلف الأحابيش و حلف الأحلاف
« و كتب علي بن أبي طالب » قال ( ابن ميثم ) : و في رواية : « و كتب علي بن أبو طالب » و هي المشهورة عنهعليهالسلام
، و وجهها انّه جعل هذه الكنية علما بمنزلة لفظة واحدة لا يتغيّر إعرابها
قلت : بل ما قاله رواية شاذة ، كيف و التعبير عنهعليهالسلام
بعلي بن أبي طالب و خطاب المخالفين له بابن أبي طالب متواتر .
هذا ، و في ( اسد الغابة ) في ( ابيّ ) عن الواقدي : كان أول من كتب للنبيصلىاللهعليهوآله
مقدمه المدينة أبيّ ، فإذا لم يحضر كتب زيد بن ثابت ، و كان من المواظبين على كتاب الرسائل عبد اللَّه بن أرقم الزهري ، و كان الكاتب لعهود النبيصلىاللهعليهوآله
إذا عاهد و صلحه إذا صالح علي بن أبي طالبعليهالسلام
. .
( و فيه ) في أحمر بن معاوية : كان وافد بني تميم كتب له و لأبنه النبيصلىاللهعليهوآله
كتابا « هذا كتاب لأحمر بن معاوية و شعبل بن أحمر في رحالهم
و أموالهم ، فمن آذاهم فذمة اللَّه منه خلية إن كانوا صادقين و كتب علي بن أبي طالب ، و ختم الكتاب بخاتم النبيصلىاللهعليهوآله
و في بديل والد عبد اللَّه بن بديل الخزاعي ان كتاب عهد النبيصلىاللهعليهوآله
له كان بخطهعليهالسلام
، و كذلك في جميل بن ردام العذري الذي أقطعه النبي الردماء
.
٢ الحكمة ( ١٥٥ ) و قالعليهالسلام
:
اِعْتَصِمُوا بِالذِّمَمِ فِي أَوْتَادِهَا أقول : قال ابن أبي الحديد : هذه كلمة قالهاعليهالسلام
بعد انقضاء أمر الجمل و حضور قوم من الطلقاء بين يديه ليبايعوه منهم مروان بن الحكم ، فقالعليهالسلام
له : و ما ذا أصنع ببيعتك ؟ ألم تبايعني بالأمس ؟ يعني بعد قتل عثمان ثم أمر بإخراجهم و رفع نفسه عن بيعة أمثالهم ، و تكلّم بكلام ذكر فيه ذمام العربية و ذمام الإسلام ، و ذكر أن من لا دين له فلا ذمام له ، ثم قال في أثناء الكلام :
فاعتصموا بالذمم في أوتادها ، أي : إذا صدرت عن ذوي الدين فمن لا دين له لا عهد له
.
قلت : لم ينقل سابق كلامهعليهالسلام
و لا لاحقه حتى يتّضح مرادهعليهالسلام
، و لعلّ المراد عدم عقد العهد مع من ليس عليه اعتماد ، لا عدم وجوب الوفاء بعهد غير المعتمدين إلاّ مع إعلامهم بحل العقد ، قال تعالى :(
و إِمّا تخافنَ من قومٍ خيانَة فانبذ إليهم على سواءٍ إِنّ اللَّه لا يُحبُّ الخآئنين
)
.
هذا ، و قال شاعر في مدح بعضهم بوفائه بذمته و عهده خلاف بعض آخر :
أنت الوفي بما تذم و بعضهم
|
|
تودي بذمته عقاب ملاع
|
٣ الحكمة ( ١٥٤ ) و قالعليهالسلام
:
اَلرَّاضِي بِفِعْلِ قَوْمٍ كَالدَّاخِلِ فِيهِ مَعَهُمْ وَ عَلَى كُلِّ دَاخِلٍ فِي بَاطِلٍ إِثْمَانِ إِثْمُ اَلْعَمَلِ بِهِ وَ إِثْمُ اَلرِّضَى بِهِ « و الرّاضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم » يشهد له قوله تعالى في ثمود :
فعقَرُوها فَدمدم علَيهم ربُهُم بِذنبِهم فَسَواها(
و لا يَخافُ عُقباها
)
نسب العقر إلى الجميع و أهلك الجميع مع كون العاقر واحدا و هو قيدار لكون الباقين راضين بفعله .
« و على كلّ داخل في باطل إثمان : إثم العمل به و إثم الرّضى به » قالعليهالسلام
ذلك لأنّه قد يدخل الإنسان في باطل مع كرهه و بدون رضاه .
قال الطبري بعد ذكر إباء شبث بن ربعي عن رمي خيل الحسينعليهالسلام
و ما زالوا يرون من شبث الكراهة لقتال الحسينعليهالسلام
، قال أبو زهير العبسي :
سمعت شبثا في إمارة مصعب يقول : لا يعطي اللَّه أهل هذا المصر خيرا أبدا و لا يسدّدهم لرشد ، ألا تعجبون أنّا قاتلنا مع علي بن أبي طالب و مع ابنه بعده آل أبي سفيان خمس سنين ثم عدونا على ابنه و هو خير أهل الأرض فقاتل مع آل معاوية و ابن سمية الزانية ضلال يا لك من ضلال
.
٤ الحكمة ( ١٥١ ) و قالعليهالسلام
:
لِكُلِّ اِمْرِئٍ عَاقِبَةٌ حُلْوَةٌ أَوْ مُرَّةٌ أقول : « عاقبة » في كلامهعليهالسلام
أعمّ من العاقبة في قوله تعالى :(
و العاقبةُ للمُتّقين في الأعراف ، فقبله إِنّ الأرض للَّه يورثها من يشاء من عباده
)
و في هود ، فقبله « فاصبر » و في القصص فقبله بعد ذكر خسف الأرض بقارون(
تِلكَ الدَّارُ الأَخِرَةُ نَجعَلُها لِلَّذِينَ لاَ يُرِيُدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرض وَ لاَ فَساداً
)
و في قوله تعالى :(
و العاقَبةُ لِلتَّقوَى
)
فإنّ المراد بها العاقبة الحسنة ، كما أنّها أعمّ من عاقبة في قوله تعالى :(
أَفلم يسيروا في الأَرض فينظروا كيفَ كانَ عاقِبةُ الّذين من قَبلهِم
)
فالمراد العاقبة السيئة .
هذا ، و ابن ميثم قرر العنوان و كذا ابن أبي الحديد إلاّ أنّه قال : و في كثير من النسخ بدون قوله « حلوة أو مرة »
.
٥ الحكمة ( ١٦٠ ) و قالعليهالسلام
:
مَنْ مَلَكَ اِسْتَأْثَرَ
و الحكمة ( ٢١٦ ) و قالعليهالسلام
:
مَنْ نَالَ اِسْتَطَالَ أقول : هما بمعنى واحد ، و الشواهد لكلامهعليهالسلام
كثيرة ، منها ما في ( الطبري ) في حوادث سنة ( ٢٢٩ ) : حبس الواثق الكتّاب و ألزمهم أموالا ، و سببه ما عن عزون الأنصاري قال : كنّا ليلة عند الواثق فقال : لست أشتهي الليلة النبيذ و لكن هلمّوا نتحدّث الليلة ، فجلس في رواقه الأوسط و كان في أحد شقي ذلك الرواق قبّة مرتفعة في السماء بيضاء كأنّها بيضه الاقدر ذراع فيما ترى العين حولها في وسطها ساج منقوش مغشّى باللاّزورد و الذهب و كانت تسمّى قبة المنطقة فتحدثنا فقال الواثق : من منكم يعلم السبب الذي به وثب جدّي الرشيد على البرامكة ؟ فقلت : أنا و اللَّه احدّثك إن الرشيد ذكرت له جارية لعون الخيّاط فأرسل إليها فاعترضها فرضي جمالها و عقلها و حسن أدبها ، فقال لعون : ما تقول في ثمنها قال : أمر ثمنها واضح مشهور حلفت بعتقها و عتق رقيقي جميعا و صدقة مالي الأيمان المغلّظة التي لا مخرج لي منها و أشهدت عليّ بذلك العدول ان لا أنقص ثمنها عن مائة ألف دينار و لا أحتال في ذلك بشيء من الحيل فقال الرشيد : قد أخذتها منك بمائة ألف دينار ثم أرسل إلى يحيى البرمكي يخبره بخبر الجارية و يأمره أن يرسل إليه بمائة ألف دينار فقال يحيى : هذا مفتاح سوء فأرسل يخبره أنّه لا يقدر على ذلك ، فغضب عليه الرشيد و قال : ليس في بيت مالي مائة ألف دينار ، فأعاد عليه لا بدّ منها فقال يحيى : إجعلوها دراهم ليراها فيستكثرها فلعلّه يردّها ، فأرسل بها دراهم و قال هذه قيمة مائة ألف دينار ، و أمر أن يوضع في رواقه الذي يمرّ فيه إذا أراد التوضؤ لصلاة الظهر ، فخرج في ذلك الوقت فإذا جبل من بدر فقال : ما
هذا ؟ قالوا : ثمن الجارية لم تحضر دنانير أرسل قيمتها دراهم ، فاستكثر ذلك و دعا خادما له فقال : اضمم هذه إليك و اجعل لي بيت مال لأضمّ إليه ما أريده و سمّاه بيت مال العروس و أمر بردّ الجارية إلى عون ، و أخذ في التفتيش عن المال فوجد البرامكة قد استملكوه ، فأقبل يهمّ بهم و يمسك ، فكان يرسل إلى قوم فيسامرهم و يتعشّى معهم فكان فيهم إنسان يعرف بأبي العود ، فحضر ليلة فيهم فأعجبه حديثه فأمر خادما له أن يأتي يحيى إذا أصبح يأمره أن يعطيه ثلاثين ألف درهم ففعل فقال يحيى لأبي العود : أفعل و ليس بحضرتنا اليوم مال ، يجيء المال و نعطيك ، ثم دافعه حتى طال به الأيام فأقبل أبو العود يحتال أن يجد من الرشيد وقتا يحرّضه على البرامكة و قد كان شاع في الناس ما كان يهمّ به الرشيد في أمرهم فدخل عليه ليلة فتحدّثوا فلم يزل أبو العود يحتال للحديث حتى وصله بقول عمر بن أبي ربيعة :
وعدت هند و ما كانت تعد
|
|
ليت هندا أنجزتنا ما تعد
|
و استبدّت مرّة واحدة
|
|
إنّما العاجز من لا يستبد
|
فقال الرشيد : أجل و اللَّه إنّما العاجز من لا يستبد حتى انقضى المجلس و كان يحيى قد اتخذ من خدم الرشيد خادما يأتيه بأخباره و أصبح يحيى غاديا ، فلما رآه قال : أردت البارحة أن أرسل إليك بشعر أنشدنيه بعض من كان عندي ثم كرهت أن أزعجك ، فأنشده البيتين و فطن لمّا أراد ، فلما انصرف أرسل إلى ذلك الخادم فسأله عمّن أنشد ذلك الشعر فقال أنشده أبو العود ، فدعا يحيى بأبي العود فقال له : إنّا كنّا قد لويناك بمالك و قد جاءنا مال ، ثم قال
لبعض خدمه إذهب فأعطه ثلاثين ألف دينار من بيت مال الخليفة و أعطه من عندي عشرين ألف درهم لمطلنا إيّاه و إذهب به إلى الفضل و جعفر و قل لهما هذا رجل مستحق ان يبر و قد كان الخليفة أمر له بمال فأطلت مطله ثم حضر المال فأمرت أن يعطى و وصلته من عندي صلة و قد أحببت أن تصلاه ، فسألاه : وصله بكم ؟ قال بعشرين ألف ، فوصله كلّ واحد منهما بعشرين ألف درهم ، فانصرف بذلك المال كلّه إلى منزله ، و جدّ الرشيد في أمرهم حتى وثب عليهم و قتل جعفرا و صنع ما صنع .
فقال الواثق صدق جدّي و اللَّه ، إنّما العاجز من لا يستبد و أخذ في ذكر الخيانة و ما يستحقه أهلها فقلت أحسبه سيوقع بكتّابه ، فما مضى اسبوع حتى أوقع بهم و أخذ إبراهيم بن رباح و سليمان بن وهب و أبا الوزير و أحمد بن الخصيب و جماعتهم ، و دفع أحمد بن إسرائيل إلى صاحب الحرس و أمر بضربه كلّ يوم عشرة أسواط ، فضربه فيما قيل نحوا من ألف سوط ، فأدى ثمانين ألف دينار ، و أخذ من سليمان بن وهب اربعمائة ألف دينار و من الحسن بن وهب أربعة عشر ألف دينار و من أحمد بن الخصيب و كتّابه ألف ألف دينار و من إبراهيم بن رباح و كتّابه مائة ألف دينار و من نجاح ستين ألف دينار و من أبي الوزير مائة و أربعين ألف دينار ، و ذلك سوى ما أخذ من العمّال بسبب عمالتهم
.
٦ الحكمة ( ١٦١ ) و قالعليهالسلام
:
مَنِ اِسْتَبَدَّ بِرَأْيِهِ هَلَكَ وَ مَنْ شَاوَرَ اَلرِّجَالَ شَارَكَهَا فِي عُقُولِهَا
« من استبد برأيه هلك » في ( كامل الجزري ) غزا سيف الدولة سنة ( ٣٤٩ ) بلاد الروم في جمع كثير ، فأثّر فيها آثارا كثيرة و أحرق و فتح عدّة حصون و أخذ من السبي و الغنائم و الاسارى شيئا كثيرا ، و بلغ إلى خرشنه .
ثم إنّ الروم أخذوا عليه المضايق ، فلمّا أراد الرجوع قال له من معه من أهل طرسوس : إنّ الروم قد خلّفوا الدرب خلف ظهرك فلا تقدر على العود منه و الرأي أن ترجع معنا ، فلم يقبل منهم و كان معجبا برأيه يحب أن يستبد و لا يشاور أحدا لئلاّ يقال : إنّه أصاب برأي غيره و عاد في الدرب الذي دخل منه ، فظهر الروم عليه و استردّوا ما كان معه من الغنائم و أخذوا أثقاله و وضعوا السيف في أصحابه فأتوا عليهم قتلا و أسرا ، و تخلّص هو في ثلاثمائة رجل بعد جهد و مشقة ، و هذا من سوء رأي كلّ من يجهل آراء الناس العقلاء
.
« و من شاور الرجال شاركها في عقولها » في ( الأغاني ) قال بشار في قصيدته التي مدح أولا بها إبراهيم بن عبد اللَّه بن الحسن و هجا منصورا ، ثم لمّا قتل إبراهيم بدّل في الأبيات من أبي جعفر أبا مسلم و حذف الأبيات التي لا تنطبق إلاّ على إبراهيم فجعلها في مدح المنصور و هجو أبي مسلم :
إذا بلغ الرأي المشورة
فاستعن
|
|
برأي
نصيح أو نصيحة حازم
|
و لا تجعل الشّورى عليك غضاضة
|
|
فإنّ
الخوافي قوة للقوادم
|
و ما خير كيف أمسك الغل أختها
|
|
و ما خير سيف لم يؤيّد بقائم
|
و روى عن الأصمعي قال : قلت لبشّار : إنّ الناس يعجبون من أبياتك في
المشورة ، فقال : إنّ المشاور بين صواب يفوز بثمرته أو خطأ يشارك في مكروهه فقلت : أنت و اللَّه في قولك هذا أشعر منك في شعرك
.
و في ( العيون ) : قال أعرابيّ : ما غبنت حتى يغبن قومي قيل : و كيف ؟
قال : لا أفعل شيئا حتى اشاورهم
.
و قيل لرجل من بني عبس : ما أكثر صوابكم ؟ فقال : نحن ألف رجل و فينا حازم واحد نطيعه فكأنّا ألف حازم
.
هذا ، و في ( المروج ) قال عيسى بن علي : ما زال المنصور يشاوره في جميع أموره حتى امتدحه ابن هرمة بقوله :
إذا ما أراد الأمر ناجى ضميره
|
|
فناجى ضميرا غير مختلف العقل
|
و لم يشرك الأدنين في سر أمره
|
|
إذا انتقضت بالأصبعين قوى الحبل
|
قلت : ابن هرمة خلط بين السر الذي يستر و المشورة التي تظهر تملقا و قبله المنصور عجبا .
هذا ، و في ( مشاورة العيون ) قال معاوية : لقد كنت ألقى الرجل من العرب أعلم أنّ في قلبه عليّ ضغنا فأستشيره فيثير
إليّ بقدر ما يجده في نفسه ، فلا يزال يوسعني شتما و أوسعه حلما حتى يرجع صديقا أستعين به فيعينني و أستنجده فينجدني
.
قلت : و هو خبط من ابن قتيبة في نقل الخبر في المشورة ، و وجه خبطه
أنّه حرّف قوله في الخبر « فأستثيره » بالثاء بقوله « فأستشيره » بالشين ، يوضح تحريفه أن في الخبر بعد « فيثير إليّ بقدر ما يجده في نفسه » و حينئذ فالخبر شاهد للرفق بالعدو حتى يصير صديقا و ليس من المشورة في شيء
.
٧ الحكمة ( ١٧٣ ) و قالعليهالسلام
:
مَنِ اِسْتَقْبَلَ وُجُوهَ اَلْآرَاءِ عَرَفَ مَوَاقِعَ اَلْخَطَإِ أقول : رواه ( روضة الكافي ) مسندا عن أبي جعفرعليهالسلام
جزء خطبة الوسيلة التي خطبعليهالسلام
بها بعد سبعة أيام من وفاة النبيصلىاللهعليهوآله
حين فرغ من جمع القرآن ، و بعده : و من أمسك عن الفضول عدلت رأيه العقول ، و من حصن شهوته فقد صان قدره ، و من أمسك لسانه أمنه قومه و نال حاجته .
.
في ( عيون القتيبي ) : كتب أبرويز إلى ابنه شيرويه و هو في حبسه : عليك بالمشاورة فإنّك واجد في الرجال من ينضج
لك الكيّ و يحسم عنك الداء و يخرج لك المستكنّ و لا يدع لك في عدوّك فرصة إلاّ انتهزها و لا لعدوك فيك فرصة إلاّ حصّنها ، و لا يمنعك شدّة رأيك في ظنّك و لا علوّ مكانك في نفسك من
أن تجمع إلى رأيك رأي غيرك ، فإن أحمدت اجتنيت و إن ذممت نقيّت
، فإنّ في ذلك خصالا منها أنّه إن وافق رأيك ازداد رأيك شدّة عنك و إن خالف رأيك عرضته على نظرك ، فإن رأيته معتليا لمّا رأيت قبلت و ان رأيته متضعا عنه استغنيت ، و منها أن يجدد لك النصيحة ممّن شاورت و إن اخطأ و يمحض لك مودته و إن قصر
.
٨ الحكمة ( ١٦٢ ) و قالعليهالسلام
:
مَنْ كَتَمَ سِرَّهُ كَانَتِ اَلْخِيَرَةُ بِيَدِهِ أقول : رواه ( الروضة )
عنهعليهالسلام
، و في ( عيون ابن قتيبة ) كان علي بن أبي طالبعليهالسلام
يتمثل بهذين البيتين :
فلا تفش سرّك إلاّ إليك
|
|
فإنّ لكلّ نصيح نصيحا
|
ألم تر أنّ غواة الرجال
|
|
لا يتركون أديما صحيحا
|
( و فيه ) أيضا : كانت الحكماء تقول « سرّك من دمك »
.
و قيل لأعرابي : كيف كتمانك للسر ؟ قال : قلبي له قبر
، و قال :
و لو قدرت على نسيان ما اشتملت
|
|
منّي الضلوع من السرر
|
لكنت أول من تنسى سرائره
|
|
إذ كنت من نشرها يوما على خطر
|
أيضا :
إذا أنت لم تحفظ لنفسك سرّها
|
|
فسرّك عند الناس أفشى و أضيع
|
أيضا :
إذا ما ضاق صدرك عن حديث
|
|
فأفشته الرجال فمن تلوم
|
إذا عاتبت من أفشى حديثي
|
|
و سري عنده فانا الظلوم
|
و إنّي حين أسأم حمل سرّي
|
|
و قد ضمّنته صدري سؤوم
|
و عن النبيصلىاللهعليهوآله
: استعينوا على الحوائج بالكتمان ، فإنّ كلّ ذي نعمة محسود
.
٩ الحكمة ( ١٧٥ ) و قالعليهالسلام
:
إِذَا هِبْتَ أَمْراً فَقَعْ فِيهِ فَإِنَّ شِدَّةَ تَوَقِّيهِ أَعْظَمُ مِمَّا تَخَافُ مِنْهُ أقول : « هبت » من الهيبة بمعنى المخافة ، و « قع » أمر من الوقوع و التوقّي الاتّقاء .
قال ابن أبي الحديد ما أحسن ما قال المتنبي في المعنى :
و إذا لم يكن من الموت بدّ
|
|
فمن العجز أن تكون جبانا
|
كل ما لم يكن من الصّعب في الأ
|
|
نفس سهل فيها إذا هو كانا
|
و قال آخر :
لعمرك ما المكروه إلاّ ارتقابه
|
|
و أعظم ممّا حلّ ما يتوقع
|
أيضا :
صعوبة الرزء تلقى في توقعه
|
|
مستقبلا و انقضاء الرزء أن يقعا
|
و كان يقال « توسط الخوف تأمن »
.
و من الأمثال العامية : أم المقتول تنام و ام المهدّد لا تنام
.
و كان يقال : كلّ أمر من خير أو شر فسماعه أعظم من عيانه
.
١٠ الحكمة ( ١٧٦ ) و قالعليهالسلام
:
آلَةُ اَلرِّيَاسَةِ سَعَةُ اَلصَّدْرِ أقول : في ( الاستيعاب ) قال معاوية لخير بن أوس الطائي : من سيّدكم اليوم ؟ قال : من أعطى سائلنا ، و أغضى عن جاهلنا ، و اغتفر زلتنا
.
و قيل للأحنف بن قيس : ممّن تعلمت الحلم ؟ قال : من قيس بن عاصم المنقري ، رأيته يوما قاعدا بفناء داره محتبيا بحمائل سيفه يحدث قومه ، إذ اتى برجل مكتوف و آخر مقتول فقيل له : هذا ابن أخيك قد قتل ابنك فو اللَّه ما حلّ حبوته و لا قطع كلامه ، فلمّا أتمّه التفت إلى ابن أخيه فقال : يا ابن أخي بئس ما
فعلت ، أثمت بربّك و قطعت رحمك و قتلت ابن عمك و رميت نفسك بسهمك ، ثم قال لابن له آخر : قم يا بنيّ فوار أخاك و حلّ كتاف ابن عمك و سق إلى امك مائة ناقة دية ابنها فإنّها غريبة .
و قال الحسن أي البصري لمّا حضرت قيس بن عاصم الوفاة دعا بنيه فقال : يا بنيّ احفظوا عنّي فلا أجد أنصح لكم مني ، إذا مت فسوّدوا كباركم و لا تسوّدوا صغاركم فيسفه الناس كباركم و تهونون عليهم ، و عليكم بإصلاح المال فإنّه منبهة للكريم و يستغنى به عن اللئيم ، و إيّاكم و مسألة الناس فإنّه أخزى كسب الرجل .
و قدم في وفد بني تميم على النبيصلىاللهعليهوآله
، فلما رأه قال : هذا سيد أهل الوبر
.
و في ( كتب العامة ) : قيل سأل عليّعليهالسلام
يوما الحسنعليهالسلام
: يا بنيّ ما السداد ؟ فقال : دفع المنكر بالمعروف قال : فما الشرف ؟ قال : إصطناع العشيرة و الاحتمال للجريرة قال : فما السّماح ؟ قال : البذل في العسر و اليسر قال : فما اللّؤم ؟ قال : إحراز المرء ماله و بذل عرضه قال : فما الجبن ؟ قال : الجرأة على الصديق و النكول عن العدو قال : فما الغنى ؟ قال : رضى النفس بما قسم اللَّه لها و إن قلّ قال : فما الحلم ؟ قال : كظم الغيظ و ملك النفس قال : فما النعمة ؟ قال :
شدّة البأس و منازعة أعزّ الناس قال : فما الذلّ ؟ قال : الفزع عند الصدمة قال :
فما الكلفة ؟ قال : كلامك في ما لا يعنيك قال : فما المجد ؟ قال : أن تعطي في الغرم و تعفو في الجرم قال : فما السّفه ؟ قال : اتّباع الدّناءة و محبة الغواية قال :
فما الغفلة ؟ قال : ترك المسجد و طاعة المفسد قال : فما السّؤدد ؟ قال : إتيان
الجميل و ترك القبيح
.
و في ( أخلاق الوزيرين ) قال أبو الأسود : لن تسود حتى تصبر على سرار الشيوخ البخر ، و قال الشاعر :
لا تحسب المجد تمرا أنت آكله
|
|
لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
|
و قيل لعدي بن حاتم : من السيّد ؟ قال : الأحمق في ماله ، الذّليل في عرضه المطرح لحقده المعنيّ بأمر جماعته ، فليس يسود المرء إلاّ بعد أن يسهر من أول ليله إلى آخره فكرا في قضاء الحقوق و كفّ السفاه
و ازدراع المحبّة في القلوب و بعث الألسنة على الشكر
.
١١ الحكمة ( ٢١٧ ) و قالعليهالسلام
:
فِي تَقَلُّبِ اَلْأَحْوَالِ عِلْمُ جَوَاهِرِ اَلرِّجَالِ أقول : هو جزء خطبة الوسيلة رواه ( الروضة ) و بعده : و الأيام توضح لك السرائر الكامنة ، و ليس في البرق الخاطف مستمتع لمن يخوض في الظلمة ، و من عرف بالحكمة لحظته العيون بالوقار و الهيبة
.
و قريب منه كلامهعليهالسلام
الآخر المذكور في الحكمة « ٤٤١ » من الباب « الولايات مضامير الرجال » ، و المراد منه أنّ في بعض الناس غرائز كامنة لا تظهر إلاّ بالحوادث المتجدّدة و الأحوال المختلفة ، لا ما قال ابن أبي الحديد : أنّه
لا تعلم أخلاق الناس إلاّ بالتجربة ثم ذكر أبياتا :
لا تحمدنّ امرأ حتى تجرّبه
|
|
و لا تذمنّه إلاّ بتجريب
|
و قديما قيل :
ترى الفتيان كالنخل
|
|
و ما يدريك ما الدخل
|
و قال الشاعر يمدح :
ما زال يحلب هذا الدهر أشطره
|
|
يكون متّبعا طورا و متّبعا
|
حتى استمرت على شزر مريرته
|
|
مستحكم الرأي لا قحما و لا ضرعا
|
فإنّه كما ترى لا ربط بكلامهعليهالسلام
و بعيد عن مرامه .
و إنّما يناسب كلامهعليهالسلام
قول أمير العرب قرواش الحجازي :
للَّه در النائبات فإنّها
|
|
صدأ اللئام و صيقل الأحرار
|
ما كنت إلاّ زبرة فطبعنني
|
|
سيفا و أطلق صرفهن غراري
|
و في ( الأغاني ) : دخل عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب ملاعب الأسنة و إخوته طفيل و معاوية و عبيدة و معهم لبيد و هو غلام على النعمان بن المنذر ، فوجدوا عنده الربيع بن زياد العبسي و كان إذا خلا بالنعمان طعن فيهم فصدّه عنهم فدخلوا عليه يوما فرأوا منه جفاء و كان يكرمهم قبل ذلك ، فخرجوا من عنده غضابا و لبيد في رحالهم يحفظ أمتعتهم و يغدو بإبلهم كلّ صباح فيرعاها فإذا أمسى انصرف بإبلهم ، فأتاهم ذات ليلة فألفاهم يتذاكرون أمر الربيع و ما يلقون منه ، فسألهم فكتموه فقال لهم : و اللَّه لا أحفظ لكم متاعا و لا أرعى لكم بعيرا أو تخبروني و كانت ام لبيد يتيمة من عبس في حجر الربيع فقالوا : خالك غلبنا على الملك و صدّ عنا وجهه فقال لهم : هل تقدرون
أن تجمعوا بيني و بينه فأزجره عنكم بقول ممضّ لا يلتفت النعمان إليه أبدا .
قالوا : و هل عندك من ذلك شيء ؟ قال : نعم قالوا : فإنّا نبلوك بشتم هذه البقلة لبقلة قدامهم دقيقة القضبان قليلة الورق لا صقة فروعها بالأرض تدعى التربة فقال : هذه التربة التي لا تذكي نارا و لا تؤهل دارا و لا تسرّ جارا ، عودها ضئيل و فرعها كليل و خيرها قليل ، بلدها شاسع و نبتها خاشع و آكلها جائع و المقيم عليها ضائع ، أقصر البقول فرعا و أخبثها مرعى و أشدها قلعا ، فتعسا لها و جدعا ، القوابي أخا بني عبس ارجعه عنكم بتعس و نكس و أتركه من أمره في لبس .
فقالوا : نصبح و نرى فيك رأينا فقال لهم عامر : ارعوا غلامكم فإن رأيتموه نائما فليس أمره بشيء و إنّما يتكلّم بما جاء على لسانه ، و إذا رأيتموه ساهرا فهو صاحبكم ، فرمقوه بأبصارهم فوجدوه قد ركب رحلا و هو يكدم بأوسطه حتى أصبح ، فقالوا له : أنت و اللَّه صاحبنا فحلقوا رأسه و تركوا له ذؤابتين و ألبسوه حلّة ثم غدوا به معهم على النعمان فوجدوه يتغدّى مع الربيع ، و الدّار مملوة من الوفود ، فلما فرغ من الغداء أذن لهم فدخلوا عليه و ذكروا له حاجتهم فاعترض الربيع في كلامهم فقام لبيد يرتجز و يقول :
يا ربّ هيجا هي خير من دعه
|
|
أكلّ يوم هامتي مقزّعه
|
نحن بنو امّ البنين الأربعة
|
|
و من خيار عامر بن صعصعه
|
المطعمون الجفنة المذعذعه
|
|
و الضاربون الهام تحت الخيضعه
|
يا واهب الخير الكثير من سعه
|
|
إليك جاوزنا بلادا مسبعه
|
مخبرا
عن هذا خبيرا
فاسمعه
|
|
مهلا أبيت اللّعن لا تأكلّ معه
|
إنّ استه من برص ملمّعه
|
|
و إنه يدخل فيها إصبعه
|
يدخلها حتى يواري أشجعه
|
|
كأنّما يطلب شيئا أطمعه
|
فالتفت النعمان إلى الربيع شزرا يرمقه فقال : أكذا أنت ؟ قال : لا و اللَّه لقد كذب عليّ فقال النعمان : افّ لهذا الغلام لقد خبث عليّ طعامي ، فأمر النعمان الربيع بالانصراف إلى أهله ، فقال الربيع : إني قد تخوّفت أن يكون قد وقر في صدرك ما قاله لبيد ، و لست برائم حتى تبعث من يجردني فيعلم من حضرك من الناس أنّي لست كما قال ، فأرسل إليه : إنّك لست صانعا بانتفائك ممّا قال لبيد شيئا و لا قادرا على ما زلّت به الألسن فالحق بأهلك
.
١٢ الحكمة ( ٢١٣ ) و قالعليهالسلام
:
أَغْضِ عَلَى اَلْقَذَى وَ اَلْأَلَمِ تَرْضَ أَبَداً أقول : قال الجوهري : الإغضاء إدناء الجفون ، و القذى ما يسقط في الشراب و في العين
، و قال بشار :
إذا كنت في كلّ الأمور معاتبا
|
|
صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
|
فعش واحدا أو صل أخاك فإنّه
|
|
مقارف ذنب مرة و مجانبه
|
إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى
|
|
ظمئت و أي الناس تصفوا مشاربه
|
و في ( الأغاني ) قال محمد بن الحجّاج : قلت لبشار : إنّي أنشد قولك :
إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى
|
|
ضمئت و أيّ النسا تصفو مشاربه
|
لفلان ، فقال ما أظنه إلاّ لرجل كبير ، فقال بشّار : ويلك أفلا قلت له : هو لأكبر الجن و الانس
.
و قال ابن أبي الحديد : قال شاعر :
و من لم يغمّض عينه عن صديقه
|
|
و عن بعض ما فيه يمت و هو عاتب
|
و من يتتبّع جاهدا كلّ عثرة
|
|
يجدها و لا يسلم له الدهر صاحب
|
١٣ الحكمة ( ١٩٦ ) و قالعليهالسلام
:
لَمْ يَذْهَبْ مِنْ مَالِكَ مَا وَعَظَكَ أقول : و في وصيتهعليهالسلام
إلى ابنه : « و خير ما جرّبت ما وعظك »
و قال ابن جبلة :
و أرى الليالي ما طوت من قوّتي
|
|
ردّته في عظتي و في إفهامي
|
هذا ، و في ( العيون ) دخل رجل على زياد فقال له : إنّ أبينا قد هلك ، و إنّ أخينا غصبنا ميراثنا من أبانا فقال له زياد : ما ضيّعت من نفسك أكثر ممّا ضاع من مالك
.
١٤ الحكمة ( ٢١٤ ) و قالعليهالسلام
:
مَنْ لاَنَ عُودُهُ كَثُفَتْ أَغْصَانُهُ أقول : هو نظير قولهعليهالسلام
المذكور في ( ١٢٢ ) « و من تلن حاشيته يستدم من قومه المودة » .
و قال ابن أبي الحديد : يكاد أن يكون كلامهعليهالسلام
إيماء إلى قوله تعالى :
و البَلَدُ الطيّبُ يَخرُج نَباتُه بإذن ربِّه
.
قلت : الآية من حيث استعداد التراب و جنسه ، و كلامهعليهالسلام
من حيث طبيعة الشجرة و جنسها .
١٥ الحكمة ( ٢٢٠ ) و قالعليهالسلام
:
لَيْسَ مِنَ اَلْعَدْلِ اَلْقَضَاءُ عَلَى اَلثِّقَةِ بِالظَّنِّ أقول : قال ابن أبي الحديد : الثقة هنا مرادف العلم ، فكأنّه قالعليهالسلام
لا يجوز أن يزال ما علم بطريق قطعية لأمر ظنّيّ
.
و قال ابن ميثم : المعنى من كان عندك ثقة معروفا بالأمانة فحكمك عليه بالخيانة عن ظن خروج عن العدل
.
قلت : هما جعلا قوله : « بالظن » متعلقا بقوله : « القضاء » بتقديم و تأخير في
الكلام ، و الأصل « القضاء بالظن على الثقة » .
و يمكن أن يكون الكلام على أصله ، بأن يكون « بالظن » متعلقا بقوله « على الثقة » فيصير المعنى قضاؤك على وثوقك بظنّك كما هو شأن كثير من الناس ليس من العدل و الحق ، و قد قال تعالى :(
و ما يتّبعُ أَكثرهم إِلاّ ظنّاً إِنّ الظنّ لا يُغني من الحقِ شيئاً إِن اللَّه عليم بما يفعلُون
)
(
إِن الَّذينَ لا يؤمنون بالأَخرة ليسمُّون الملائكة تسميةَ الاُنثى و ما لهم به من علمٍ إِن يتبعُون إِلاّ الظنَّ و إِنّ الظنَّ لا يُغني من الحق شيئاً
)
.
هذا و قال البحتري :
و ما هو غير خوض الشك ترمي
|
|
إليه حيث لا تجد اليقينا
|
١٦ الحكمة ( ٢٦٣ ) و قالعليهالسلام
:
صَاحِبُ اَلسُّلْطَانِ كَرَاكِبِ اَلْأَسَدِ يُغْبَطُ بِمَوْقِعِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَوْضِعِهِ أقول : أخذه ابن المقفع مع تصرّف في لفظه فقال : مثل صاحب السلطان مثل راكب الأسد يهابه الناس و هو لمركبه أهيب
.
و من ( فصول ابن المعتز ) : أشقى الناس بالسلطان صاحبه ، كما أنّ
أقرب الأشياء إلى النّار أشدّ احتراقا
.
و قال بعض الحكماء : إيّاك و السلطان فإنّه يغضب غضب الصبيّ و يأخذ أخذ السبع .
أيضا : خاطر من ولج البحر ، و أشدّ مخاطرة منه خادم السلطان
.
أيضا : إن الملوك إذا خدمتهم ملّوك و إن لم تخدمهم أذلّوك ، و إنّهم يستعظمون في الثواب رد الجواب ، و يستقلون في العقاب ضرب الرقاب ، و إنهم ليعثرون على العثرة من خدمهم فيبنون لهم منارا ثم يوقدون نارا و يعتقدونها ثارا .
أيضا : كن مكانك من الملوك مكانك من الشمس ، إنّها لتؤذيك و السماء لها مدار و الأرض لك دار ، فكيف لو أسفت لك قليلا و تدانت يسيرا ، و إنّ العاقل ليطلب منها مزيد بعد فيتخذ سربا لواذا منها و هربا ، و يبتغي في الأرض نفقا فرارا منها و فرقا
.
و في ( البيان ) : كان ابن عمّار الطائي خطيب مذحج كلّها ، فبلغ النعمان بن المنذر حسن حديثه فحمله على منادمته و كان النعمان أحمر العينين أحمر الجلد أحمر الشعر ، و كان شديد العربدة قتّالا للندماء فنهاه أبو قردودة الطائي عن منادمته فلم يسمع منه ، فصار نديما للنعمان فقتله فقال أبو قردودة :
إنّي نهيت ابن عمّار و قلت له
|
|
لا تأمنن أحمر العينين و الشعره
|
إنّ الملوك متى تنزل بساحتهم
|
|
تطر بنارك من نيرانهم شرره
|
يا جفنة كأزاء الحوض قد هدموا
|
|
و منطقا مثل و شيء اليمنة الحبره
|
و في ( الأغاني ) : كان علوية يغنّي بين يدي الأمين ، فغنّى في بعض غنائه :
ليت هندا أنجزتنا ما تعد
|
|
و شفت أنفسنا ممّا تجد
|
و كان الفضل بن الربيع يطعن عليه فقال للأمين إنّما يعرّض بك و يستبطىء المأمون في محاربته ، فأمر به فضرب خمسين سوطا و جرّ برجله و جفاه مدّة حتى ألقى نفسه على كوثر فترضّاه له و ردّه إلى خدمته ، فلمّا قدم المأمون تقرّب علوية إليه بذلك فلم يقع له بحيث يحب و قال له المأمون : إن الملك بمنزلة الأسد أو النار فلا تتعرّض لمّا يغضبه فإنّه ربما جرى منه ما يتلفك ثم لا تقدر بعد على تلافي ما فرط منك و لم يعطه شيئا
.
قلت : لم يقع له من المأمون ، لأنّ إنشاد البيت في مجلس الأمين لا يناسب ما قاله الفضل عنادا و قبله الأمين سفها و حمقا .
و من حمقه الذي نظير ذلك ما عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال :
دخلت على الأمين فرأيته مغضبا ، فقلت له : ما للخليفة تم اللَّه سروره ؟ قال :
غاظني أبوك الساعة لا رحمه اللَّه ، و اللَّه لو كان حيّا لضربته خمسمائة سوط و لولاك انبشت الساعة قبره و أحرقت عظامه فقمت على رجلي و قلت : و من أبي و ما مقداره حتى تغتاظ منه و ما الذي غاظك فلعلّ فيه عذرا ؟ فقال : شدّة محبته للمأمون و تقديمه إيّاه عليّ حتى قال في الرشيد شعرا قدّمه عليّ و غنّاه فيه و غنّيته الساعة فأورثني هذا الغيظ فقلت : و اللَّه ما سمعت بهذا قطّ و لا لأبي غناء إلاّ و أنا أرويه ، ما هو ؟ فقال قوله :
أبو المأمون فينا و الأمين
|
|
له كنفان من كرم و لين
|
فقلت له : لم يقدم المأمون في الشعر لتقديمه إيّاه في الموالاة و لكن الشعر لم يصح وزنه إلاّ هكذا فقال : كان ينبغي له إذا لم يصح الشعر إلاّ هكذا أن يدعه إلى لعنة اللَّه ، فلم أزل اداريه و أرفق به حتى سكن ، فلمّا قدم المأمون سألني عن هذا الحديث فحدثته به فجعل يعجب و يضحك منه
.
و قيل : من تحسّى مرقة السلطان احترقت شفتاه و لو بعد حين .
و كان إبراهيم بن العباس يقول : أصحاب السلطان كقوم رقوا جبلا ثم وقعوا منه ، فكان أقربهم إلى الردى أبعدهم في المرقى
.
و كان إبراهيم بن المدبر
إذا عرضت عليه الوزارة أنشد قول العتابي في هارون و البرامكة :
تلوم على ترك الغنى باهليّة
|
|
لوى الدهر عنها كلّ طرف و تالد
|
رأت حولها النسوان يرفلن كالدمى
|
|
مقلّدة أجيادها بالقلائد
|
فقلت لها لمّا رأيت دموعها
|
|
يحدّرن فوق الخدّ مثل الفرائد
|
أسرّك أنّي نلت ما نال جعفر
|
|
من المال أو ما نال يحيى بن خالد
|
و ان أمير المؤمنين أعضّني
|
|
معضّهما بالمرهفات البوارد
|
ذريني تجئني منيتي مطمئنّة
|
|
و لم أتجشّم هول تلك الموارد
|
فإنّ عليّات الأمور مشوبة
|
|
بمستودعات في بطون الأساود
|
و قال البستي :
حرّضوني على وزارة بست
|
|
و رأوها من أعظم الدرجات
|
قلت لا أشتهي وزارة بست
|
|
إنّني لم أملّ بعد حياتي
|
و قالوا : أوّل من وقع عليه اسم الوزارة في دولة بني العباس أبو سلمة الخلاّل ، كان يقال له : وزير آل محمّد ، فقتله أبو مسلمة غيلة في زمن السفاح ، فقال بعضهم :
إنّ الوزير وزير آل محمد
|
|
أودى فمن يشناك كان وزيرا
|
و قتل من الوزراء أبو أيوب المورياني
و أبو مسلم الخراساني
أيام المنصور ، و يعقوب بن داود
زمن المهدي ، و البرامكة زمان هارون ، و الفضل بن سهل
زمن المأمون ، و الفضل بن مروان
زمن المعتصم ، و الكتاب زمن الواثق ، و محمد بن عبد الملك الزيات
زمان المتوكل و من العجب وزراء المتوكل ، فإنّه كلّ يوم ينكّل بواحد و يختار آخر ، و لربما نكّل بكثير منهم مرتين أو ثلاثا كابن الفرات .
و في ( أخبار حكماء القفطي ) في الحسن بن هيثم المهندسي البصري نزيل مصر ، ولاّه الحاكم بمصر بعض الدواوين و كان الحاكم مريقا للدماء بغير سبب أو بأضعف سبب فأجال فكره في أمر يتخلص به فلم يجد طريقا إلاّ إظهار الجنون ، فاعتمد ذلك و شاع فأحيط بموجوداته على يد الحاكم و قيد
و ترك في موضع من منزله إلى أن مات الحاكم ، فأظهر بعد ذلك بيسير العقل و أقام متنسّكا متقنعا و اشتغل بالتصنيف و النسخ و اعيد ماله إليه
.
و في ( الحلية ) عن سفيان الثوري : لم أر للسلطان إلاّ مثلا ضرب على لسان الثعلب ، قال الثعلب : عرفت للكلب نيّفا و سبعين دستانا ليس منها دستان خيرا من أن لا أرى الكلب و لا يراني
.
و في ( الطبري ) : ان أبا مسلم لمّا توحش من المنصور كتب إليه : لم يبق لك عدوّ إلاّ أمكنت منه و قد كنّا نروي عن ملوك آل ساسان أنّ أخوف ما يكون الوزراء إذا سكنت الدهماء فنحن نافرون من قربك .
( فيه ) أيضا : دخل إسماعيل بن علي على المنصور ، فقال : إنّي رأيت في ليلتي هذه كأنّك ذبحت كبشا و إنّي توطأته برجلي فقال : قم فصدّق رؤياك قد قتل الفاسق ، فقام اسماعيل إلى الموضع الذي قتل فيه أبو مسلم فتوطأه
.
و لمّا حاصر طاهر من قبل المأمون بغداد كتب إليه الأمين بخطّه :
إعلم أنّه ما قام لنا مذ قمنا قائم بحقنا و كان جزاؤه إلاّ السيف ، فانظر لنفسك أو دع
.
في ( الطبري ) : اختلف في الذي قتل به ابن الزيّات ، فقيل بطح فضرب على بطنه خمسين مقرعة ثم قلب فضرب على استه مثلها فمات و هو يضرب و هم لا يعلمون إلى أن قال : قال مبارك العرني ما أظنّه أكل طول حبسه إلاّ رغيفا واحدا ، و كان يأكل العنبة و العنبتين ، و كان يقول لنفسه : يا محمد بن عبد الملك
قصة أو حكاية .
لم يقنعك النعمة و الدواب الفره و الدار النظيفة و الكسوة الفاخرة و أنت في عافية حتى طلبت الوزارة ذق ما عملت بنفسك كان يكرّر ذلك على نفسه
.
و في ( وزراء الجهشياري ) : قال خلاّد بن يزيد : كنّا يوما جلوسا عند أبي أيوب في مجلسه فأتاه رسول المنصور ، فامتقع لونه و تغيّر و مضى إليه ثم رجع ، فقال له بعض أصحابه في ذلك فقال : سأضرب لكم مثلا : تقوله العامة ، و هو أن البازي قال للديك : ما شيء أقلّ وفاء منك لأن أهلك أخذوك في بيضة فحضنوك و خرجت على أيديهم فأطعموك في أكفّهم و نشأت بينهم حتى إذا كبرت جعلت لا يدنو واحد منهم منك إلاّ طرت يمنة و يسرة و صحت و صوّت ، و أنا اخذت من الجبال كبيرا فعلّموني و ألّفوني ، ثم يخلّون عني فآخذ صيدي و أجيء إلى صاحبي فقال له الديك : لو رأيت في سفائدهم
من البزاة مثل الذي رأيت فيها من الديكة كنت شرّا منّي ، و لكنّكم لو كنتم تعلمون ما أعلمه أي : من الملوك و وزرائهم لم تتعجّبوا من خوفي مع ما ترون من تمكّني
.
( فيه أيضا ) : لمّا غضب المنصور على أبي أيّوب ذكر صالح بن سليمان انّه سيقتله و جميع أسبابه ، لأنّه سمع المنصور يتحدّث أنّ ملكا من الملوك كان يساير وزيرا له ، فضربت دابة الوزير رجل الملك فغضب و أمر بقطع رجل الوزير فقطعت ثم ندم فأمر بمعالجته حتى برأ ثم قال الملك في نفسه :
هذا لا يحبّني أبدا و قد قطعت رجله فقتله ، ثم قال : و أهل هذا الوزير لا يحبّونني أبدا و قد قتلته ، فقتلهم جميعا فعلمت أنّه سيفعل ذلك في المورياني ، ففعله و ما عدا ظنّي
، فأخذه و أخذ أخاه و بني أخيه و قتلهم .
هذا ، و في الأمثال « فرج في جبهة الأسد » و ان غفلوا عنه في كتب الأمثال
.
هذا ، و روى الشيخ عن ميسرة بن شريح قال : تقدّمت إلى شريح امرأة فقالت : إنّي امرأة لي إحليل و لي فرج تزوجها ابن عم لي و أخذ مني خادما فوطئتها فأولدتها ، و إنّما جئتك لمّا ولد لي لتفرّق بيني و بين زوجي فقام من مجلس القضاء فدخل على عليعليهالسلام
فأخبره بما قالت ، فأمر بها فأدخلت و سألها فقالت : هو الذي أخبرك فأحضرعليهالسلام
زوجها ابن عمّها فقال له هذه امرأتك و ابنة عمك ؟ قال : نعم قال : قد علمت ما كان قال : قد أخدمتها خادما فوطأتها فأولدتها قالعليهالسلام
: ثم وطأتها بعد ذلك ؟ قال : نعم قالعليهالسلام
له : لأنت أجرأ من خاصي الأسد
. .
و في آخر انهعليهالسلام
أمر بتعداد أضلاع جنبيها فكانت أضلاع الأيسر أقل فألحقها بالرجال ، فقال الرجل : ألحقت ابنة عمي بالرجال ، ممّن أخذت هذه القضية ؟ فقالعليهالسلام
: ورثتها من أبي آدم خلقت حواء من ضلعه و أضلاع الرجال أقل .
١٧ الحكمة ( ٢٦٤ ) و قالعليهالسلام
:
أَحْسِنُوا فِي عَقِبِ غَيْرِكُمْ تُحْفَظُوا فِي عَقِبِكُمْ أقول : العقب بكسر القاف و في لغة بالسكون الولد و ولد الولد ، و الأصل فيها مؤخر القدم .
و الأصل في كلامهعليهالسلام
قوله تعالى :(
وَ ليَخشَ الَّذين لو تَركوا من خلفهم ذُريّة ضعافاً خافوا عليهم فليتَّقُوا اللَّه و ليقولوا قولاً سديداً
)
.
و في ( الكافي ) عن الصادقعليهالسلام
: من ظلم سلّط اللَّه عليه من يظلمه أو على عقبه أو على عقب عقبه قيل لهعليهالسلام
: يظلم فيسلّط على عقبه أو على عقب عقبه ؟
فقالعليهالسلام
: إنّ اللَّه تعالى يقول : و ليخش الَّذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم فليتَّقوا اللَّه و ليقولوا قولاً سديداً
.
بل الإحسان مطلقا يوجب الحفظ في العقب ، قال تعالى(
في قصّة موسى
عليهالسلام ) (
و صاحبه فانطَلقا حتَّى إِذا أتَيا أَهل قريةٍ استطعما أَهلَها فأَبوا أَن يُضيِّفُوهما فَوَجدا فيها جداراً يُريد أَن ينقضَّ فأَقامهُ قال لو شِئتَ لاتَّخذت علَيه أَجراً . و أَما الجدارُ فكان لغُلامين يتيمين في المدينة و كانَ تحتهُ كنزٌ لهما و كانَ أَبُوهُما صالحاً فأراد رَبُّكَ أَن يَبلُغا أَشدَّهما و يستَخرجا كنزَهما رَحمةً من ربَّك و ما فعلتهُ عن أَمري ذلك تأويلُ مَا لَم تسطِع عليه صَبرا
)
.
و في آخر رسالة أبي غالب إلى ابن ابنه أبي طاهر الزراري : و إيّاه أسأل أن يحفظني فيك و يحفظ صالح أجدادك من بكير إليّ كما حفظ الغلامين بصلاح أبويهما ، فقد مرّ في بعض الحديث أنّه كان بين أبيهما الذي حفظا له و بينهما سبعمائة سنة
.
هذا و في الخبر : برّوا آباءكم يبرّكم أبناؤكم ، و عفّوا عن الناس يعفّ عن نسائكم
.
١٨ الحكمة ( ٢٦٧ ) و قالعليهالسلام
:
يَا اِبْنَ آدَمَ لاَ تَحْمِلْ هَمَّ يَوْمِكَ اَلَّذِي لَمْ يَأْتِكَ عَلَى يَوْمِكَ اَلَّذِي قَدْ أَتَاكَ فَإِنَّهُ إِنْ يَكُ مِنْ عُمُرِكَ يَأْتِ اَللَّهُ فِيهِ بِرِزْقِكَ ( ٣٧٩ ) :
و قالعليهالسلام
:
اَلرِّزْقُ رِزْقَانِ رِزْقٌ تَطْلُبُهُ وَ رِزْقٌ يَطْلُبُكَ فَإِنْ لَمْ تَأْتِهِ أَتَاكَ فَلاَ تَحْمِلْ هَمَّ سَنَتِكَ عَلَى هَمِّ يَوْمِكَ كَفَاكَ كُلَّ يَوْمٍ مَا فِيهِ فَإِنْ تَكُنِ اَلسَّنَةُ مِنْ عُمُرِكَ فَإِنَّ اَللَّهَ سَيُؤْتِيكَ فِي كُلِّ غَدٍ جَدِيدٍ مَا قَسَمَ لَكَ وَ إِنْ لَمْ تَكُنِ اَلسَّنَةُ مِنْ عُمُرِكَ فَمَا تَصْنَعُ بِالْهَمِّ لِمَا لَيْسَ لَكَ وَ لَنْ يَسْبِقَكَ إِلَى رِزْقِكَ طَالِبٌ وَ لَنْ يَغْلِبَكَ عَلَيْهِ غَالِبٌ وَ لَنْ يُبْطِئَ عَنْكَ مَا قَدَرَ لَكَ قال الرضي : و قد مضى هذا الكلام فيما تقدّم من هذا الباب إلاّ انّه هاهنا أوضح و أشرح ، فلذلك كررناه على القاعدة المقررة في أوّل الكتاب « يا ابن آدم » قال المبرد في ( كامله )
و ابن قتيبة
في ( عيونه )
و المسعودي في مروجه قال عليعليهالسلام
: يا ابن آدم لا تحمل همّ يومك الذي لم يأت على يومك الذي أنت فيه ، فإن يك من أجلك يأت فيه رزقك ،
و اعلم أنّك لا تكسب من المال شيئا فوق قوتك إلاّ كنت فيه خازنا لغيرك .
« الرزق رزقان : رزق تطلبه و رزق يطلبك فإن لم تأته أتاك » كان بعض الشعراء وصف نفسه في أشعاره بأنّه لا يطلب رزقه بل رزقه يأتيه ، فمدح بعض الملوك فلم يعطه شيئا و قال له : أما وصفت نفسك بما وصفت فرجع ثم ندم الملك و بعث إليه بعطية فلم يلحقه الرسول إلاّ على بابه ، فقال للرسول : قل للملك ألم يكن الأمر كما قلت ؟
« فلا تحمل همّ سنتك على همّ يومك ، كفاك كلّ يوم على » هكذا في ( الطبعة المصرية ) و كلمة « على » زائدة لعدم وجودها في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) و الخطية
.
« ما فيه » إنّما نهىعليهالسلام
عن حمل همّ السّنة على همّ اليوم إذا لم يتيسر له إحراز قوت سنته ، لأنّ مورد كلامهعليهالسلام
من كان همّه تحصيل قوت يومه ، و معلوم أنّ من لم يكن عنده قوت يوم كيف يمكنه تحصيل قوت سنته ، و أمّا من تمكّن فإحرازه حسن .
روى ( الكافي ) أن الصادقعليهالسلام
قال لسفيان الثوري و من معه من الصوفية الذين كانوا يأمرون الناس بإلقاء أمتعتهم بعد الاستدلال على ضلال طريقتهم بالكتاب و السنة ثم من قد علمتم من فضله و زهده سلمان و أبو ذر ، فأمّا سلمان فكان إذا أخذ عطاءه رفع منه قوته لسنته حتى يحضر عطاؤه من قابل ، فقيل له : أنت في زهدك تصنع هذا و أنت لا تدري لعلّك تموت اليوم أو غدا ؟ فكان جوابه أن قال : ما لكم لا ترجون لي البقاء كما خفتم عليّ الفناء أما علمتم يا جهلة أنّ النفس قد تلتاث
على صاحبها إذا لم يكن لها من العيش ما تعتمد عليه فإذا هي أحرزت معيشتها اطمأنّت
. .
و روى ( الكافي ) أيضا عن الرضاعليهالسلام
: إن الانسان إذا أدّخر طعام سنته خفّ ظهره و استراح
.
و كان أبو جعفر و أبو عبد اللَّهعليهماالسلام
لا يشتريان عقدة حتى يحرزا طعام سنتهما
.
« فإن تكن السّنة من عمرك فإنّ اللَّه تعالى » ليس كلمة « تعالى » في نسخة ( ابن أبي الحديد ) و لكن في ( ابن ميثم ) و الخطية : « تعالى جده »
.
« سيؤتيك في كلّ غد جديد ما قسم لك ، و إن لم تكن السنة من عمرك فما تصنع بالهمّ لمّا ليس لك » روي أنّ محمد بن الفرج كتب إلى الهاديعليهالسلام
يسأله الدعاء لرد ضياعه عليه و قد كان السلطان أخذها منه فكتبعليهالسلام
إليه : سوف تردّ عليك ضياعك و ما يضرّك ألاّ تردّ عليك ، فكتب السلطان بردّ ضياعه و مات و لم يتصرّف فيها
.
« و لن يسبقك إلى رزقك طالب و لن يغلبك عليه غالب و لن يبطىء عنك ما قدر لك » روى ( الكافي ) أنّ النبيصلىاللهعليهوآله
قال : أيّها الناس إنّي لم ادع شيئا يقرّبكم إلى الجنّة و يباعدكم من النار إلاّ و قد أنبأتكم به ، ألا و إنّ الروح القدس نفث في روعي و أخبرني أن لا تموت نفس حتى تستكمل رزقها ، فاتّقوا اللَّه عزّ و جل
و أجملوا في الطلب و لا يحملنّكم استبطاء شيء من الرزق أن تطلبوه بمعصية اللَّه ، فإنّه لا ينال ما عند اللَّه إلاّ بطاعته
.
« قال الرضي » هكذا في ( الطبعة المصرية ) و ليست جملة « قال الرضي » من كلام المصنف بل من الشرّاح ، بدليل خلوّ الخطية عنها رأسا و قول ( ابن ميثم ) « قال السيد » و قول ابن أبي الحديد : « قال »
.
« و قد مضى هذا الكلام » أشار إلى قوله في الحكمة ٢٦٧ الذي نقلناه أولا
و قد ذكره بعد أيضا في الباب مع اختلاف في ( ٤٣١ ) هكذا « الرزق رزقان طالب و مطلوب ، فمن طلب الدنيا طلبه الموت حتى يخرجه عنها ، و من طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى يستوفي رزقه منها » كما مر في فصل الدّنيا .
و قد رأيت رواية المبرد و غيره له بطريق آخر ، و يأتي في الآتي رواية المفيد له أيضا .
ثمّ في ابن أبي الحديد و الخطية في آخر كلام المصنف « في أول هذا الكتاب »
.
١٩ الحكمة ( ١٩٢ ) و قالعليهالسلام
:
يَا اِبْنَ آدَمَ مَا كَسَبْتَ فِيهِ فَوْقَ قُوتِكَ فَأَنْتَ خَازِنٌ فِيهِ لِغَيْرِكَ
أقول : قد عرفت في سابقه أن المبرد
و ابن قتيبة
و المسعودي
رووه ذيل الكلام الأول منه ، و كذا رواه المفيد في إرشاده مع زيادات ، فقد قالعليهالسلام
يا ابن آدم لا يكن أكبر همّك يومك الّذي إن فاتك لم يكن من أجلك ، فإنّ همّك يوم فإنّ كلّ يوم تحضره يأتي اللَّه فيه برزقك ، و اعلم أنّك لن تكتسب شيئا فوق قوتك إلاّ كنت فيه خازنا لغيرك يكثر فيها الدنيا نصبك و تحظي به وارثك و يطول معه يوم القيامة حسابك ، فاسعد بمالك في حياتك ، و قدّم ليوم معادك زادا يكون اماما ، فإنّ السفر بعيد و الموعد القيامة و المورد الجنة أو النار
.
في الخبر ما معناه : أن النبيصلىاللهعليهوآله
قال لأصحابه : أيّكم يكون مال الناس أحبّ إليه من مال نفسه قالوا : ليس فينا من يكون كذلك قال : بل كلكم كذلك ، فكل مال لا تقدموه و لم تصرفوه في مصارفكم يكون مال وراثكم و إنّما مالكم ما قدّمتموه لآخرتكم
.
و قال الشيرازي بالفارسية :
خزينة دارى ميراث خوارگان كفر است
|
|
بقول مطرب و ساقى بفتواى دف و نى
|
٢٠ الحكمة ( ٢٢ ) و قالعليهالسلام
:
مَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ حَسَبُهُ أقول : نسبه المصنف في ( مجازاته ) إلى النبيصلىاللهعليهوآله
، و من العجب أنّه لم يومىء ثمة و لا هنا إلى اختلاف رواية ، كما ان ابن أبي الحديد تفرّد بنقله في ( ٣٨٩ ) من الباب و زاد : و في رواية اخرى
« من فاته حسب نفسه لم ينفعه حسب آبائه » و أمّا نقل ( المصرية ) له « نسبه » بدل « حسبه » فغلط
.
ثم الظاهر في معناه ما قاله المصنف في ( مجازاته ) ، فإنّه قال في شرحه له : و هذه استعارة ، و المراد أنّ من تأخر بسوء عمله عن غايات الفضل و مواقف الفخر لم يتقدّم إليها بشرف نسبه و كريم حسبه ، فجعلصلىاللهعليهوآله
الإبطاء و الإسراع مكان التأخّر و التقدّم ، لأن المبطىء متأخّر و المسرع متقدّم ، و أضافهما إلى العمل و النسب و هما في الحقيقة لصاحبهما لا لهما ، و لكنّ العمل و النسب لمّا كانا سبب الإبطاء و الإسراع ، حسن أن يضاف ذلك إليهما على طريق المجاز و الاتّساع
.
لا ما قاله ابن أبي الحديد من أن كلامهعليهالسلام
ذاك حث على العبادة
مثل قول النبيصلىاللهعليهوآله
« يا فاطمة بنت محمد إنّي لا اغني عنك من اللَّه شيئا ، يا عباس
بن عبد المطلّب إنّي لا اغني عنك من اللَّه شيئا ، إنّ أكرمكم عند اللَّه أتقاكم . »
، فإنّه عنه بعيد .
كان بحر ولد الأحنف و به كان الأحنف يكنى مضعوفا ، قيل له : ما يمنعك أن تجري في بعض أخلاق أبيك ؟ فقال : الكسل
و كان لا يرى جارية إلاّ قال لها يا فاعلة ، فتقول لو كنت كما تقول ، أتيت أباك بمثلك
.
و كما لا يوجب الحسب الشبع و الكسوة كذلك لا يوجب رفع الدرجة ، فمن ادّعى لنفسه درجة بحسبه كان كالوحيدي الذي يختال في مشيته في إزار في يوم قرّ ، فقيل له : من أنت يا مقرور ؟ قال :
« أنا ابن الوحيد أمشي الخيزلي ، و يدفئني حسبي و نسبي » .
٢١ الحكمة ( ٢٥ ) و قالعليهالسلام
:
مَا أَضْمَرَ أَحَدٌ شَيْئاً إِلاَّ ظَهَرَ فِي فَلَتَاتِ لِسَانِهِ وَ صَفَحَاتِ وَجْهِهِ أقول : قد أكثروا من المعنى في الشعر ، قال ابن داود الاصبهاني :
لا خير في عاشق يبدي صبابته
|
|
بالقول و الشوق في زفراته بادي
|
يخفي هواه و ما يخفى على أحد
|
|
حتى على العيس و الركبان و الحادي
|
و قال ابن المعتزّ :
تفقّد مساقط لحظ المريب
|
|
فإنّ العيون وجوه القلوب
|
و طالع بوادره في الكلام
|
|
فإنّك تجني ثمار العيوب
|
و قال البحتري :
نمّت على ما في ضميري أدمعي
|
|
و تتابع الصعداء من أنفاسي
|
و قال سويد :
تحدّثني العينان ما القلب كاتم
|
|
و ما جنّ بالبغضاء و النظر الشزر
|
أي لا خفاء و لا ستر بهما ، و قال آخر :
و مراقبين تكاتما بهواهما
|
|
جعلا القلوب لمّا تجنّ قبورا
|
يتلاحظان تلاحظا فكأنّما
|
|
يتناسخان من الجفون سطورا
|
أيضا :
إن كاتمونا القلى نمّت عيونهم
|
|
و العين تظهر ما في القلب أو تصف
|
أيضا :
إذا قلوب أظهرت غير ما
|
|
تضمره أنبتك عنها العيون
|
أبو العتاهية :
و للقلب على القلب دليل حين يلقاه
|
|
و للناس من الناس مقاييس و أشباه
|
يقاس المرء بالمرء إذا ما هو ما شاه
|
|
و في العين غنى أن تنطق أفواه
|
أعرابية :
و مودّع يوم الفراق بلحظه
|
|
شرق من العبرات ما يتكلم
|
أعرابي :
و ما خاطبتها مقلتاي بنظرة
|
|
فتفهم نجوانا العيون النواظر
|
و لكن جعلت الوهم بيني و بينها
|
|
رسولا فأدّى ما تجنّ الضمائر
|
زهير :
و ما يك في عدوّ أو صديق
|
|
تخبّرك العيون عن القلوب
|
دريد :
و ما تخفي الضغينة حيث كانت
|
|
و لا النظر الصحيح من السقيم
|
آخر :
كتمت الهوى حتى إذا نطقت به
|
|
بوادر من دمع تسيل على الخدّ
|
و شاع الذي أضمرت من غير منطق
|
|
كأنّ ضمير القلب يرشح من جلدي
|
آخر :
العين تبدي الذي في نفس صاحبها
|
|
من المحبّة أو بغض إذا كانا
|
و العين تنطق و الأفواه صامتة
|
|
حتى ترى من ضمير القلب تبيانا
|
آخر :
و عين الفتى تبدي الذي في ضميره
|
|
و تعرف بالنجوى الحديث المغمّما
|
و قالوا : « رب طرف أفصح من لسان »
و في المثل : « كاد المريب يقول خذوني »
.
و في ( العقد ) عن بعضهم : إنّي لأعرف في العين إذا عرفت و إذا أنكرت ، و إذا لم تعرف و لم تنكر أمّا إذا عرفت فتخوص و إذا أنكرت فتجحظ و إذا لم تعرف و لم تنكر فتشجو
.
و في ( موفقيات الزبير بن بكّار ) في خبر : قال المأمون للأصمعي :
هات بيتا أنظر في معناه ، فقال :
فلا غرو إلاّ جارتي و سؤالها
|
|
ألا هل لنا أهل سئلت كذلكا
|
فجعل يفكر فيه ، و همّ أن يقول فقال له الأصمعي : أعد نظرا فقال : و كيف علمت قلت : رأيت ناظريك يجولان و قد استقرتا كان أوضح لاصابتك .
فضحك حتى انثنى ثم قال فأصاب ، فقلت : أصبت و اللَّه و أحسنت
.
و في ( الأغاني ) : أدرك النمر بن تولب العكلي النبيصلىاللهعليهوآله
فأسلم و حسن اسلامه و عمّر فطال عمره ، و كان جوادا واسع القرى كثير الأضياف وهّابا لماله ، فلمّا كبر خرف و اهتر فكان هجيراه « أصبحوا الرّاكب ، أغبقوا الراكب ، أقروا إنحروا للضيف ، أعطوا السائل ، تحمّلوا لهذا في حمالته كذا و كذا » لعادته بذلك في أيام استقامته ، فلم يزل مدّة خرفه يهذي بهذه حتى مات .
و خرفت امرأة من حيّ كرام عظيم خطرها فيهم ، فكان هجيرها « زوّجوني قولوا لزوجي يدخل ، مهّدوا لي إلى جانب زوجي » ، فبلغ خبرها عمر
فقال : ما لهج به أخو عكل في خرفه أجمل ممّا لهجت به صاحبتهم
.
هذا و في ( البيان ) دخل رجل على آخر يأكل اترجّة بعسل ، فأراد أن يقول السلام عليكم فقال عسليكم
.
و دخلت جارية رومية على راشد البستي لتبلغه عن مولاتها ، فبصرت بحمار قد أدلى في الدار فقالت : قالت مولاتي كيف أير حماركم
؟
و من أمثالهم « لحظ أصدق من لفظ » يعني أثر الحب و البغض يظهر في العين فيفهم ان اللفظ الذي على خلافه كذب و مين
.
٢٢ الحكمة ( ٢٦ ) و قالعليهالسلام
:
اِمْشِ بِدَائِكَ مَا مَشَى بِكَ أقول : روى ( الخصال ) عن الصادقعليهالسلام
قال : من ظهرت صحّته على سقمه فيعالج بشيء فمات فأنا إلى اللَّه منه بريء
.
٢٣ الحكمة ( ٤٩ ) و قالعليهالسلام
:
اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ
أقول : نسبه الجاحظ
إلى أردشير و ابن قتيبة
إلى كسرى ، فان فرض صحة قولهما فكسرى لم يعبر باللفظ بل بمعناه .
و كيف كان فهو نظير كلامهعليهالسلام
الآخر « الكريم يلين إذا استعطف و اللّئيم يقسو إذا الطف » .
« احذروا صولة الكريم إذا جاع » قال الصولي في ابن الزيّات :
أسد ضار إذا مانعته
|
|
و أب برّ إذا ما قدرا
|
يعرف الأبعد إن أثرى و لا
|
|
يعرف الأدنى إذا ما افتقرا
|
و قال البحتري :
اراقب صول الوغد حين يهزّه
|
|
اقتدار وصول الحرّ حين يضام
|
و قال قرواش بن مقلد الحجازي
|
|
للَّه در النائبات فإنّها
|
صدأ اللئام و صيقل الأحرار
|
|
ما كنت إلاّ زبرة فطبعنني
|
سيفا و أطلق صرفهن غراري
و كان يحيى البرمكي يقول : مطلك الغريم أحسم من مطلك الكريم ، لأن الغريم لا يسلف إلاّ من فضل و الكريم لا يطلب إلاّ من جهد
.
« و اللّئيم إذا شبع » ليس المراد اختصاص ذمّه بحال شبعه ، فاللّئيم مذموم في جميع أحواله و في حال شبعه أسوأ ، قال مسكين الدارمي :
إنّما الفحش و من يعتاده
|
|
كغراب السّوء ما شاء نعق
|
أو حمار السوء إن أشبعته
|
|
رمح الناس و إن شاء نهق
|
أو غلام السوء إن جوّعته
|
|
سرق الجار و إن يشبع فسق
|
و قال بعضهم لعبد : أشتريك من مولاك ؟ قال : لا قال : و لم ؟ قال : لأنّي إن أشبعت أحببت نوما ، و ان جعت أبغضت قوما أي : قياما .
و في ( الأغاني ) : اتي عثمان بعبد بني الحسحاس
ليشتريه فأعجب به فقالوا : انّه شاعر و أرادوا أن يرغّبوه فيه فقال : لا حاجة لي به ، العبد الشاعر إن شبع تشبّب بنساء أهله و إن جاع هجاهم
.
هذا ، و في ( الأغاني ) آلى امرؤ القيس أن لا يتزوّج امرأة حتى يسألها عن ثمانية و أربعة و ثنتين ، فجعل يخطب النساء فإذا سألهن عن هذا قلن : أربعة عشر ، فبينا هو يسير في جوف الليل إذا هو برجل يحمل ابنة صغيرة كأنّها البدر ، فأعجبته فقال لها : يا جارية ما ثمانية و أربعة و ثنتان ؟ فقالت : أمّا ثمانية فأطباء الكلبة ، و أمّا أربعة فأخلاف الناقة ، و أمّا ثنتان فثديا المرأة فخطبها إلى أبيها فزوّجه إيّاها و شرطت هي عليه أن تسأله ليلة بنائها عن ثلاث خصال فجعل لها ذلك و على أن يسوق إليها مائة من الإبل و عشرة أعبد و عشر و صائف و ثلاثة أفراس ففعل ذلك .
ثم إنّه بعث عبدا له إلى المرأة و أهدى إليها نحيا من سمن و نحيا من عسل و حلّة من قصب ، فنزل العبد ببعض المياه فنشر الحلة و لبسها فتعلقت بشجرة فانشقّت ، و فتح النحيين فطعم أهل الماء منهما فنقصا ثم قدم على حيّ المرأة و هم خلوف ، فسألها عن أبيها و امها و أخيها و دفع إليها هديّتها ، فقالت
له : أعلم مولاك أنّ أبي ذهب يقرّب بعيدا و يبعد قريبا ، و أنّ امّي ذهبت تشقّ النفس نفسين ، و أنّ أخي يرعى الشمس ، و أن سماءكم انشقّت ، و أنّ وعاءيكم نضبا .
فقدم الغلام على مولاه فأخبره فقال : أمّا قولها : « ذهب أبي يقرّب بعيدا و يبعد قريبا » فإن أباها ذهب يحالف قوما على قومه ، و أمّا قولها : « ذهبت امّي تشق النفس نفسين » فإنّ امّها ذهبت تقبّل امرأة نفسا ، و أما قولها : « إنّ أخي يرعى الشمس » فإنّ أخاها في سرح له يرعاه فهو ينتظر وجوب الشمس ليروح به ، و أمّا قولها : « إن سماءكم انشقّت » فإن البرد الذي بعثت به انشقّ ، و أمّا قولها : « إنّ وعاءيكم نضبا » فإنّ النحيين اللّذين بعثت بهما نقصا فأصدقني فقال : نزلت بماء فسألوني عن نسبي فأخبرتهم أنّي ابن عمك و نشرت الحلة فانشقّت و فتحت النحيين و أطعمت منهما أهل الماء فقال : أولى لك .
ثم ساق مائة من الإبل و خرج نحوها و معه الغلام ، فنزلا منزلا فخرج الغلام يسقي الإبل فعجز فأعانه امرؤ القيس فرمى به الغلام في البئر و ذهب إلى المرأة بالإبل و أخبرهم أنّه زوجها ، فقالت : و اللَّه ما أدري أهو أم لا و لكن انحروا له جزورا و أطعموه من كرشها و ذنبها ، ففعلوا فقالت : اسقوه لبنا خازرا و هو الحامض فسقوه فشرب ، فقالت : افرشوا له عند الفرث و الدم ففرشوا له فنام ، فلمّا أصبحت أرسلت إليه إنّي اريد أن أسألك ، فقال : سلي عمّا شئت فقالت : ممّ تختلج شفتاك ؟ قال : لتقبيلي إيّاك قالت : فممّ تختلج كشحاك ؟
قال : لالتزامي إيّاك قالت : فممّ يختلج فخذاك ؟ قال : لتوريكي إيّاك قالت : عليكم العبد فشدوا أيديكم به ففعلوا .
قال : و مرّ قوم فاستخرجوا امرأ القيس من البئر ، فرجع إلى حيّه فاستاق
مائة من الابل و أقبل إلى امرأته ، فقيل لها قد جاء زوجك ، قالت ما أدري و لكن انحروا له جزورا و أطعموه من كرشها و ذنبها ، فلما أتوه بذلك قال : و أين الكبد و السّنام و الملحاء
فأبى أن يأكل ، فقالت : اسقوه لبنا خازرا فأبى أن يشربه و قال : فأين الصّريف
و الرثيئة
، فقالت : افرشوا له عند الفرث و الدم فأبى أن ينام و قال : افرشوا لي فوق التلعة الحمراء و اضربوا عليها خباء ، ثم أرسلت إليه هلم شريطتي عليك في المسائل الثلاث ، فأرسل إليها أن سلي عمّا شئت ، فقالت : ممّ يختلج شفتاك ؟ قال : لشربي المشعشعات قالت : فكشحاك ؟ قال :
للبسي الحبرات قالت : ففخذاك ؟ قال : لركضي المطهّمات قالت : هذا زوجي لعمري فعليكم به و اقتلوا العبد
.
٢٤ الحكمة ( ٥٨ ) و قالعليهالسلام
:
اَلْمَالُ مَادَّةُ اَلشَّهَوَاتِ أقول : في ( عيون القتيبي ) كان يقال : عيب الغنى أنّه يورث البله ، و فضيلة الفقر أنّه يورث الفكرة
.
و قال الحسن : عيّرت اليهود عيسىعليهالسلام
بالفقر فقال : من الغنى اوتيتم
.
و قيل : حسبك من شرف الفقر ، أنّك لا ترى أحدا يعصي اللَّه ليفتقر ، و العاصي لتحصيل الغنى كثير
و قال محمود الورّاق :
يا عائب الفقر ألا تزدجر
|
|
عيب الغنى أكثر لو تعتبر
|
من شرف الفقر و من فضله
|
|
على الغنى إن صحّ منك النظر
|
إنّك تعصي اللَّه تبغي الغنى
|
|
و لست تعصي اللَّه كي تفتقر
|
و في ( الخصال ) عن الصادقعليهالسلام
: يقول إبليس : ما أعياني من ابن آدم فلن يعيني منه واحدة من ثلاث : أخذ مال من غير حقّه ، أو منعه من حقه ، أو وضعه في غير وجهه
.
و في ( الكافي ) عن الصادقعليهالسلام
قال تعالى لموسىعليهالسلام
: إذا رأيت الفقر مقبلا فقل : مرحبا بشعار الصالحين ، و إذا رأيت الغنى مقبلا فقل : ذنب عجّلت عقوبته
.
و عنهعليهالسلام
: جاء رجل موسر نقي الثوب إلى النبيصلىاللهعليهوآله
فجلس إليه ، فجاء معسر درن الثوب فجلس إلى جنبه ، فقبض الموسر ثيابه من تحت فخذيه فقال له النبيصلىاللهعليهوآله
: أخفت أن يمسّك من فقره شيء ؟ قال : لا قال : فخفت أن يصيبه من غناك شيء ؟ قال : لا قال : فخفت أن توسخ ثيابك ؟ قال : لا قال : فما حملك على ما صنعت ؟ قال : إنّ لي قرينا يزيّن لي كلّ قبيح و يقبّح لي كلّ حسن ، و قد جعلت له نصف مالي فقال النبيصلىاللهعليهوآله
للمعسر : أتقبل ؟ قال : لا فقال له الرجل :
و لم ؟ قال : أخاف أن يدخلني ما دخلك
.
و قال تعالى : أَيَحسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بهِ مِن مالٍ و بنين نُسارِعُ لَهُم في الخيراتِ بل لا يشعُرون
فلا تُعجبك أَموالُهُم و لا أَولادهم إِنَّما يريدُ اللَّه ليُعذبهُم بها في الحَياة الدُنيا و تَزهَق أَنفُسُهم و هُم كافرون
و ما أَموالُكم و لا أَولادُكم بالَّتي تُقرّبُكم عندنا زُلفى إِلاَّ من آمن و عَمِلَ صالحاً فأُولئكَ لَهُم جَزاءُ الضِعفِ بما عملوا و هُم في الغُرفاتِ آمنُونَ
.
٢٥ الحكمة ( ٤٠٦ ) و قالعليهالسلام
:
مَا أَحْسَنَ تَوَاضُعَ اَلْأَغْنِيَاءِ لِلْفُقَرَاءِ طَلَباً لِمَا عِنْدَ اَللَّهِ وَ أَحْسَنُ مِنْهُ تِيهُ اَلْفُقَرَاءِ عَلَى اَلْأَغْنِيَاءِ اِتِّكَالاً عَلَى اَللَّهِ أقول : إنّما روى المسعودي و الخطيب و ابن طاووس أنّهعليهالسلام
قال هذا الكلام في المنام ، قال الأول في ( مروجه ) بعد نقل خبر قال سمعته من إبراهيم بن جابر القاضي قبل ولايته القضاء و هو يومئذ ببغداد يعالج الفقر و يتلقّاه من خالقه بالرضا ناصرا للفقر على الغنى فما مضت أيام حتى لقيته بحلب في سنة تسع و ثلاثمائة و إذا هو بالضدّ عمّا عهدته ، متولّيا القضاء ، ناصرا للغنى على الفقر ، فقلت له : أيها القاضي تلك الحكاية التي كنت تحكيها عن الوالي بالريّ و أنّه قال لك : إعترضتني الخواطر بين منازل الفقراء و الأغنياء فرأيت في النوم أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام
فقال لي : يا
فلان ما أحسن تواضع الأغنياء للفقراء شكرا للَّه تعالى ، و أحسن منه تعزّز الفقراء على الأغنياء ثقة باللَّه تعالى إلى أن قال و ركب بعد ذلك الهماليج من الخيل و قطع لزوجته أربعين ثوبا تستريا على مقراض واحد
.
و قال الثاني في ( تاريخه ) في عبد اللَّه بن بشران قال أبو الحسين القاضي : سمعت الفتح بن شخرف يقول : رأيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام
في النوم فقلت له : أوصني فقال : ما أحسن تواضع الأغنياء للفقراء ، و أحسن من ذلك تيه الفقراء على الأغنياء فقلت له : زدني ، فأومى إليّ بكفّه فإذا فيه مكتوب :
قد كنت ميتا فصرت حيّا
|
|
و عن قليل تصير
ميتا
|
أعيى بدار الفناء بيت
|
|
فابن بدار البقاء بيتا
|
و نقله في الفتح نفسه أيضا ، و في تشريف علي بن طاووس الذي جمع فيه ثلاث فتن من العامة و ينقل فيه من كتب أخرى .
و من ( المجموع ) الذي لمحمد بن الحسين المرزبان ذكر يسير بن الحرث أنّه رأى أمير المؤمنين في المنام فقال : تقول شيئا لعل اللَّه ينفعني به فقال : ما أحسن عطف الأغنياء على الفقراء ، و أحسن منه تيه الفقراء على الأغنياء ثقة باللَّه فقلت : زدني ، فولّى و هو يقول :
قد كنت ميتا فصرت حيا
|
|
و عن قليل تصير ميتا
|
عزّ بدار الفناء بيت
|
|
فأبن بدار البقاء بيتا
|
« ما أحسن تواضع الأغنياء للفقراء طلبا لمّا عند اللَّه » في ( الكافي ) عن إسحاق بن عمّار قال لي أبو عبد اللَّهعليهالسلام
: كيف تصنع بزكاة مالك إذا حضرت ؟
فقلت : يأتوني إلى المنزل فاعطيهم فقال : أراك يا إسحاق قد أذللت المؤمنين ، فإيّاك إيّاك إنّ اللَّه تعالى يقول : من أذلّ لي وليّا فقد أرصد لي بالمحاربة
.
و في ( تاريخ بغداد ) : كان عمارة بن حمزة أتيه النّاس حتى ضرب به المثل فقيل : « أتيه من عمارة » ، و استأذن عليه قوم ليشفعوا إليه في برّقوم أصابتهم حاجة و كان قام عن مجلسه فأخبره حاجبه بحاجتهم فأمر لهم بمائة ألف درهم ، فاجتمعوا إليه ليدخلوا عليه للشكر له فقال لحاجبه : إقرأهم سلامي و قل لهم إنّي رفعت عنكم ذل المسألة فلا أحمّلكم مؤونة الشكر
.
« و أحسن منه تيه الفقراء على الأغنياء اتكالا على اللَّه » في ( حلية أبي نعيم ) :
جاء ابن لسليمان بن عبد الملك فجلس إلى جنب طاووس اليماني ، فلم يلتفت إليه فقيل له : جلس إليك ابن الخليفة فلم تلتفت إليه ، فقال : أردت أن يعلم أنّ للَّه تعالى عبادا يزهدون في ما في يديه و قال عمر بن عبد العزيز له : إرفع حاجتك إلى الخليفة يعني سليمان فقال : مالي إليه حاجة
.
و في ( تاريخ بغداد ) : قال عيسى بن يونس : ما رأيت الأغنياء و السلاطين
عند أحد أحقر منهم عند الأعمش مع فقره و حاجته
.
و في ( المعجم ) : وجّه سليمان بن علي والي الأهواز إلى الخليل لتأديب ولده ، فأخرج لرسوله خبزا يابسا و قال : ما دمت أجده فلا حاجة لي إلى سليمان
.
و في ( العيون ) : قال معاوية لحضين بن المنذر و كان يدخل عليه في أخريات الناس يا أبا ساسان كأنّه لا يحسن اذنك ، فأنشأ يقول :
كلّ خفيف الشأن يسعى مشمّرا
|
|
إذا فتح البوّاب بابك إصبعا
|
و نحن الجلوس الماكثون رزانة
|
|
و حلما إلى أن يفتح الباب أجمعا
|
٢٦ الحكمة ( ٣٠٧ ) و قالعليهالسلام
:
يَنَامُ اَلرَّجُلُ عَلَى اَلثُّكْلِ وَ لاَ يَنَامُ عَلَى اَلْحَرَبِ قال الرضي : و معنى ذلك أنه يصبر على قتل الأولاد و لا يصبر على سلب الأموال .
أقول : في ( كامل المبرد ) ان رجلا من قريش بعث إلى رجل منهم و كان أخذ غلاما له يا هذا إنّ الرجل ينام على الثكل و لا ينام على الحرب ، فإمّا رددته و إمّا عرضت اسمك على اللَّه كلّ يوم و ليلة خمس مرّات
.
و في ( نسب قريش ابن بكار ) : كان عبد اللَّه بن عروة بن الزبير دخل على هشام عام حج بالمدينة ، فقال : إنّك أطعمت إبراهيم بن هشام ما بين منابت
الزيتون من الشام إلى منابت القرظ
من اليمن فلم يغنه كثيرا ما بيده عن قليل ما بأيدينا ، و إنّا و اللَّه ما طبنا أنفسا بفراق الأحبة إلاّ بما ترك بأيدينا من معايشنا ، و لو لا ذلك لاخترنا بطن الأرض على ظهرها ، و قد أعطيتمونا من الأمان ما قد علمتم ، فإمّا وفيتم لنا بعهدنا أو رددتم إلينا سيوفنا فأعجب قوله هشاما
.
و في ( الاستيعاب ) أخذ أبو سفيان سعد بن النعمان الأنصاري أسيرا ففدا به ابنه عمرا و كان أسر يوم بدر فقيل له : ألا تفتديه ؟ فقال : قتل حنظلة و أفتدي عمرا بمالي فأصاب بمالي و ولدي لا أفعل و لكني أنتظر حتى أصيب منهم رجلا فأفديه به ، فأصاب سعدا هذا
، و قال ابن أبي الحديد قال الشاعر :
لنا إبل غرّ يضيق فضاؤها
|
|
و يغبرّ عنها أرضها و سماؤها
|
فمن دونها أن تستباح دماؤنا
|
|
و من دوننا أن تستباح دماؤها
|
حمى و قرى فالموت دون مرامها
|
|
و أيسر أمر يوم حق فناؤها
|
قلت : و ربطه بما نحن فيه كما ترى .
٢٧ الحكمة ( ٣١٥ ) وَ قَالَ ع لِكَاتِبِهِ ؟
عُبَيْدِ اَللَّهِ بْنِ رَافِعٍ ؟ : أَلِقْ دَوَاتَكَ وَ أَطِلْ جِلْفَةَ قَلَمِكَ وَ فَرِّجْ بَيْنَ اَلسُّطُورِ وَ قَرْمِطْ بَيْنَ اَلْحُرُوفِ فَإِنَّ ذَلِكَ أَجْدَرُ بِصَبَاحَةِ اَلْخَطِّ أقول : روى ( الخصال ) عنهعليهالسلام
: كتب إلى عماله : أدقّوا أقلامكم و قاربوا
بين سطوركم و أحذفوا من فضولكم و اقصدوا قصد المعاني و إيّاكم و الإكثار فإنّ أموال المسلمين لا تحتمل الإضرار
.
قول المصنف « لكاتبه عبيد اللَّه بن رافع » هكذا في ( الطبعة المصرية )
و الصواب : ( عبيد اللَّه بن أبي رافع ) كما في ابن أبي الحديد
، و عنون ( الخطيب ) عبيد اللَّه بن أبي رافع و وثقه و روى عنه حديث ذي الثديّة
.
و قال المبرد في ( كامله ) : كان لأبي رافع بنون أشراف منهم عبيد اللَّه بن أبي رافع و حديثه أثبت الحديث عن عليعليهالسلام
.
و قال الشيخ في ( فهرسته ) : له كتاب قضايا أمير المؤمنين و كتاب تسمية من شهد الجمل و صفّين و النهر من الصحابة
.
و كتبوا في كتّابه غير عبيد اللَّه ، عبد اللَّه بن جعفر الطيار و سعيد بن عمران الهمداني .
و في ( المعجم ) : كان محمد بن علي بن مقلة أوحد الدنيا في كتبه قلم الرقاع و التوقيعات ، و كان أخوه أبو عبد اللَّه بن مقلة أكتب منه في قلم الدفاتر و النسخ
.
و في ( كامل الجزري ) : الحسين بن علي بن خازن أبو الفوارس صاحب
الخط الجيّد مات سنة ( ٤٩٩ ) قيل كتب خمسمائة ختمة
.
و قالوا : كان الأحدب المزور يكتب خط كلّ أحد فلا يشك المكتوب عنه أنّه خطه مات سنة ( ٣٧٠ )
.
« ألق دواتك » قال ابن أبي الحديد : الاق لغة قليلة بها جاء كلامهعليهالسلام
و « لاق » هي الكثيرة .
قلت : بل ألاق أيضا كثيرة مثل لاق ، قال ابن دريد في ( جمهرته ) ( باب ما اتفق عليه أبو زيد و أبو عبيدة ممّا تكلمت به العرب من فعلت و أفعلت ) إلى أن قال : و لقت الدواة و القتها و نقل في بعض أمثلته خلاف الأصمعي في « فعل » أو « أفعل » و لم يذكر هنا شيئا فيعلم أنّه غير خلافي ، و قرّره حتى الأصمعي الذي يستشكل في كثير ممّا نقل عن العرب بعدم الثبوت
، و مثله الفيروز آبادي في قاموسه ذكر « لاق » و « الاق » بدون تفاضل
، إلاّ أنّ ابن أبي الحديد قلّد فيما قال الجوهري ، فإنه قال : لاقت الدواة تليق أي لصقت ، و لقتها أنا يتعدّى و لا يتعدّى ، و ألقتها لغة قليلة
و هو خطأ منه لمّا عرفت .
بل المفهوم من ( الصولي ) كون ( لاق ) لغة قليلة بل غير محقّقة ، فقال في ( أدب كاتبه ) : ألقت الدواة إذا أردت كرسفها حتى تسود إلى أن قال
و الصواب المختار أن تقول : ألقت الدواة ، و حكى عن ابن دريد ألقت و لقت
. .
و حينئذ فليقل للجوهري و لمقلده ابن أبي الحديد في نسبة كلامهعليهالسلام
إلى اللّغة القليلة : « إقلب تصب » .
و لعل منشأ توهّم الجوهري أنّه رأى أنّهم قالوا « القنا الدوايا رديئة » و مقصودهم رداءة الدوايا فظن كون مرادهم رداءة الاق ، فقال الصولي : يقال دواة و دوايا و هي رديئة ، قال الشاعر :
إذا نحن وجّهنا إليكم صحيفة
|
|
ألقنا الدوايا بالدموع السواجم
.
|
هذا ، و في ( اليتيمة ) كان كاتب سيف الدولة يعجن مداده بالمسك و لا تليق دواته إلاّ بماء الورد تفاديا من قول القائل :
دعيّ في الكتابة لا رويّ
|
|
له يعدّ و لا بديه
|
كأنّ دواته من ريق فيه
|
|
تلاق فريحها أبدا كريه
|
« تلاق » المستقبل المجهول من ألاق .
« و أطل جلفة قلمك » في ( الأساس ) : جلفة القلم من مبراه إلى سنّه ، من جلفته بالسيف إذا بضعت من لحمه بضعة
.
في ( تاريخ بغداد ) كان أحمد بن يوسف بن صبيح من أفاضل كتّاب المأمون ، قال : و رآني عبد الحميد بن يحيى أكتب خطّا رديئا ، فقال لي : ان أردت أن يجود خطّك فأطل جلفتك و أسمنها و حرّف قطعتك و أيمنها
.
هذا ، و ممّا لغز في القلم قول الشاعر :
عجبت لذي سنّين في الماء نبته
|
|
له أثر في كلّ مصر و معمر
|
و في ( اليتيمة ) قال السري في الفياض كاتب سيف الدولة :
لك القلم الذي يصبح و يمسي
|
|
به الاقليم محميّ الحريم
|
و في ( طرائف المقدسي ) : كما أقسم اللَّه تعالى بالأشياء الجليلة الأقدار الكبيرة الأخطار في نفوس عباده و عيون بلاده كالشمس و القمر و الليل و النهار و السماء و الأرض ، أقسم بالقلم فقال :(
ن و القَلَمِ وَ ما يَسطُرُون
)
و ذاكرت في هذا أبا الفتح البستي فأنشدني لنفسه :
إذا افتخروا يوما بسيفهم
|
|
و عدّوه ممّا يكسب المجد و الكرم
|
كفى قلم الكتّاب فخرا و رفعة
|
|
مدى الدهر أنّ اللَّه أقسم بالقلم
|
و قال آخر : لم أر باكيا أحسن تبسّما من القلم .
« و فرّج بين السطور » لا تنافي بين التفريج بينها كما هنا و المقاربة بنيها كما في خبر الخصال
كما لا يخفى .
« و قرمط بين الحروف » أي : قارب بينها ، و لا بد ان حروف كلّ كلمة لتكن أقرب إلى نفسها منها إلى حروف كلمة أخرى .
« فان ذلك أجدر بصباحة الخط » في ( الطرائف ) قال إقليدس : الخطّ هندسة روحانية و إن ظهرت بآلة جسمانية .
و قال إفلاطون : الخطّ عقال العقل
.
قولهعليهالسلام
في ( رواية الخصال ) : و احذفوا من فضولكم و اقصدوا المعاني ، و إيّاكم و الإكثار
.
في ( تاريخ بغداد ) : رئي مروان بن أبي حفصة واقفا بباب الجسر كئيبا آسفا ينكت بسوطه في معرفة دابته ، فقيل : ما الذي نراه بك ؟ قال : أخبركم بالعجب ، مدحت الرشيد فوصفت له ناقتي من خطامها إلى خفّيها و وصفت الفيافي من اليمامة إلى بابه أرضا أرضا و رملة رملة ، حتى إذا أشفيت منه على غناء الدهر جاء ابن بيّاعة النخاخير يعني أبا العتاهية فأنشده بيتين ضعضع بهما شعري و سوّاه في الجائزة بي و هما :
إنّ المطايا تشتكيك لأنّها
|
|
تطوي إليك سباسبا و رمالا
|
فإذا رحلن بنا رحلن مخفّة
|
|
و إذا رجعن بنا رجعن ثقالا
|
٢٨ الحكمة ( ٦٦ ) و قالعليهالسلام
:
فَوْتُ اَلْحَاجَةِ أَهْوَنُ مِنْ طَلَبِهَا إِلَى غَيْرِ أَهْلِهَا أقول : في الكافي عن الحسنعليهالسلام
: إذا طلبتم الحوائج فاطلبوها من أهلها .
قيل : يا ابن رسول اللَّه من أهلها قال : الذين ذكرهم اللَّه في كتابه فقال(
إِنّما يَتذكرُ اُولُو الأَلبابِ
)
و هم أولو العقل
.
و لمّا مطل أحمد بن أبي داود أبا الأسد في حاجته قال :
فصرت من سوء ما رميت به
|
|
اكنى أبا الكلب لا أبا الأسد
|
٢٩ الحكمة ( ٦٧ ) و قالعليهالسلام
:
لاَ تَسْتَحِ مِنْ إِعْطَاءِ اَلْقَلِيلِ فَإِنَّ اَلْحِرْمَانَ أَقَلُّ مِنْهُ أقول : في ( تاريخ بغداد ) كتب كلثوم بن عمرو إلى رجل :
إذا تكرّهت أن تعطي القليل و لا
|
|
تكون ذا سعة لم يظهر الجود
|
بثّ النّوال و لا يمنعك قلّته
|
|
فكلّ ما سدّ فقرا فهو محمود
|
فشاطره ماله حتى بعث بنصف خاتمه و فرد نعله
.
٣٠ الحكمة ( ٥ ) و قالعليهالسلام
:
صَدْرُ اَلْعَاقِلِ صُنْدُوقُ سِرِّهِ وَ اَلْبَشَاشَةُ حِبَالَةُ اَلْمَوَدَّةِ وَ اَلاِحْتِمَالُ قَبْرُ اَلْعُيُوبِ أَو وَ اَلْمُسَالَمَةُ خِبَاءُ اَلْعُيُوبِ وَ مَنْ رَضِيَ عَنْ نَفْسِهِ كَثُرَ اَلسَّاخِطُ عَلَيْهِ أقول : كون العنوان إلى هنا في ( الطبعة المصرية )
، و لكن ابن أبي الحديد جعل
فقرة « و من رضي . » جزء الآتي ، و أمّا ( ابن ميثم )
و الخطية
فجعلا من العنوان الثاني إلى السادس ، أي من الباب الثالث عنوانا واحدا .
« صدر العاقل صندوق سرّه » في ( أدب كاتب الصولي ) : كان رجل من الكتّاب يهوى مغنّية و يكاتبها ، فكانت تخرّق كتبه و تأمر بتخريق كتبها ، فكتب إليها : إنّي أحتفظ بكتبك و تتهاونين بكتبي فتخرّقينها ، فكتبت إليه :
يا ذا الذي لام في تخريق قرطاس
|
|
كم مرّ محلك في الدّنيا على راسي
|
الحزم تخريقه إن كنت ذا نظر
|
|
و إنّما الحزم سوء الظنّ بالناس
|
إذا أتاك و قد أدّى أمانته
|
|
فاجعل كرامته دفنا بأرماس
|
و شق قرطاس من تهوى و كن حذرا
|
|
يا رب ذي ضيعة من حفظ قرطاس
|
فكتب إليها : « الصواب رأيك » ، و خرّق رقاعها
.
و في ( كامل المبرد ) : أحسن ما سمع في صيانة السر ما يعزى إلى علي بن أبي طالبعليهالسلام
فقائل يقول هو له و قائل يقول قاله متمثلا و لم يختلف في انّه كان يكثر إنشاده :
فلا تفش سرّك إلاّ إليك
|
|
فان لكلّ نصيح نصيحا
|
و إنّي رأيت غواة الرجال
|
|
لا يتركون أديما صحيحا
|
و قال امرؤ القيس :
إذا المرء لم يخزن عليه لسانه
|
|
فليس على شيء سواه بخازن
|
و قال آخر :
سأكتمه سرّي و أحفظ سرّه
|
|
و ما غرّني أنّي عليه كريم
|
حليم فينسى أو جهول يضيعه
|
|
و ما الناس إلاّ جاهل و حليم
|
أيضا :
إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه
|
|
فصدر الذي يستودع السر أضيق
|
« و البشاشة حبالة المودة » عنهعليهالسلام
« إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بطلاقة الوجه و حسن اللقاء »
.
و عن علي بن محمد التنوخي :
الق العدوّ بوجه لا قطوب به
|
|
يكاد يقطر من ماء البشاشات
|
فأحزم الناس من يلقى أعاديه
|
|
في جسم حقد وثوب من مودّات
|
و عن أكثم بن صيفي : الانقباض من الناس مكسبة للعداوة ، و افراط الانس مكسبة لقرناء السوء
.
« و الاحتمال قبر العيوب » قال ابن أبي الحديد و من كلامهعليهالسلام
« وجدت الاحتمال أنصر لي من الرجال » .
و من كلامهعليهالسلام
: من سالم الناس سلم منهم ، و من حاربهم حاربوه ، فإنّ العثرة للكاثر .
و كان يقال : العاقل خادم الأحمق أبدا ، إن كان فوقه لا يجد بدّا من مداراته و إن كان دونه لم يجد من احتماله و استكفاف شرّه بدّا
.
« أو و المسالمة خباء العيوب » هكذا في ( الطبعة المصرية ) ، و لكن في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) : و ( روي أنّهعليهالسلام
قال في العبارة عن هذا المعنى أيضا :
« المسالمة خباء العيوب » و صرّح الثاني بأنّه كلام الرضي ) و هو الصحيح ، و خباء العيوب خفاؤها و استتارها
.
و في معنى قوله هذا الاحتمال أو المسالمة قبر العيوب أو خباء العيوب و قولهعليهالسلام
« البشاشة حبالة المودة »
و قولهعليهالسلام
« ليجتمع في قلبك الافتقار إلى النّاس و الاستغناء عنهم ، يكون افتقارك إليهم في لين كلامك و حسن سيرك ، و يكون استغناؤك عنهم في نزاهة عرضك و بقاء عزّك »
.
« و من رضي عن نفسه كثر الساخط عليه » لأنّه يعجب بنفسه ، و من أعجب بنفسه يتنفر الناس عنه و يكثرون السخط عليه .
و قال ابن أبي الحديد مثله قول الشاعر :
إذا كنت تقضي أنّ عقلك كامل
|
|
و أنّ بني حوّاء غيرك جاهل
|
و أنّ مفيض العلم صدرك كلّه
|
|
فمن ذا الذي يدري بأنّك عاقل
|
لكنه كما ترى معنى آخر .
٣١ الحكمة ( ٢٠ ) و قالعليهالسلام
:
قُرِنَتِ اَلْهَيْبَةُ بِالْخَيْبَةِ وَ اَلْحَيَاءُ بِالْحِرْمَانِ وَ اَلْفُرْصَةُ تَمُرُّ مَرَّ اَلسَّحَابِ فَانْتَهِزُوا فُرَصَ اَلْخَيْرِ
أقول : و روى الشيخ في ( أماليه ) مسندا عن الرضاعليهالسلام
قال : قال أمير المؤمنينعليهالسلام
: الهيبة خيبة و الفرصة خلصة و الحكمة ضالّة المؤمن فاطلبوها و لو عند المشرك تكونوا أحقّ بها و أهلها
.
و في ( الأغاني ) : قال دعبل : ما حسدت أحدا قط على شعر كما حسدت العتابي على قوله :
هيبة الإخوان قاطعة
|
|
لأخي الحاجات عن طلبه
|
فإذا ما هبت ذا أمل
|
|
مات ما أمّلت من سببه
|
قال ابن مهرويه : هذا سرقة العتابي من قول علي بن أبي طالب :
الهيبة مقرونة بالخيبة ، و الحياء مقرون بالحرمان ، و الفرصة تمرّ مرّ السّحاب .
حدّثني محمد بن داود عن محمد بن أبي الأزهر عن عيسى بن الحسن بن داود الجعفري عن أخيه عن علي بن أبي طالب بذلك
.
« قرنت الهيبة بالخيبة » قال ( ابن أبي الحديد ) : كانت العرب إذا أوفدت وافدا قالت له : إيّاك و الهيبة فإنّها خيبة ، و لا تبت عند ذنب الأمر و بت عند رأسه
. . و قال الشاعر :
من راقب الناس مات غمّا
|
|
و فاز باللذة الجسور
|
« و الحياء بالحرمان » في ( المعجم ) قال البلاذري : كانت بيني و بين عبيد اللَّه بن يحيى بن خاقان حرمة منذ أيام المتوكل ، و ما كنت أكلفه حاجة
لاستغنائي عنه ، فنالتني في أيّام المعتمد إضاقة ، فدخلت عليه و هو جالس للمظالم فشكوت إليه تأخّر رزقي و ثقل ديني و قلت : إنّ عيبا على الوزير حاجة مثلي في أيامه و غض طرفه عنّي فوقّع لي بعض ما أردت و قال : إنّ حياءك المانع لك من الشكوى عن الاستبطاء فقلت له : غرس البلوى يثمر الشكوى .
و انصرفت و كتبت إليه :
لحاني الوزير المرتضى في شكايتي
|
|
زمانا احّلت للجدوب محارمه
|
و قال لقد جاهرتني بملامة
|
|
و من لي بدهر كنت فيه اكاتمه
|
فقلت : حياء المرء ذي الدّين و التّقى
|
|
يقلّ إذا قلّت لديه دراهمه
|
و قال ( ابن أبي الحديد ) : قال الشاعر :
ليس للحاجات إلاّ
|
|
من له وجه وقاح
|
و لسان طرمذيّ
|
|
و غدوّ و رواح
|
فعليه السعي فيها
|
|
و على اللَّه النجاح
|
« و الفرصة تمرّ مرّ السحاب » قال ( ابن أبي الحديد ) : قال ابن المقفع : إنتهز الفرصة في إحراز المآثر ، و اغتنم الإمكان باصطناع الخير ، و لا تنتظر ما تعامل فتجازي عنه بمثله ، فإنّك إن عوملت بمكروه و اشتغلت ترصد المكافأة عنه قصر العمر بك عن اكتساب فائدة و اقتناء منقبة .
.
« فانتهزوا فرص الخير » أي : إغتنموها و لا تدعوها تفوت فتندموا .
٣٢ الحكمة ( ٢١١ ) و قالعليهالسلام
:
اَلْجُودُ حَارِسُ اَلْأَعْرَاضِ وَ اَلْحِلْمُ فِدَامُ اَلسَّفِيهِ وَ اَلْعَفْوُ زَكَاةُ اَلظَّفَرِ وَ اَلسُّلُوُّ عِوَضُكَ مِمَّنْ غَدَرَ وَ اَلاِسْتِشَارَةُ عَيْنُ اَلْهِدَايَةِ وَ قَدْ خَاطَرَ مَنِ اِسْتَغْنَى بِرَأْيِهِ وَ اَلصَّبْرُ يُنَاضِلُ اَلْحِدْثَانَ وَ اَلْجَزَعُ مِنْ أَعْوَانِ اَلزَّمَانِ وَ أَشْرَفُ اَلْغِنَى تَرْكُ اَلْمُنَى وَ كَمْ مِنْ عَقْلٍ أَسِيرٍ تَحْتَ هَوَى أَمِيرٍ وَ مِنَ اَلتَّوْفِيقِ حِفْظُ اَلتَّجْرِبَةِ وَ اَلْمَوَدَّةُ قَرَابَةٌ مُسْتَفَادَةٌ وَ لاَ تَأْمَنَنَّ مَلُولاً « الجود حارس الأعراض » في ( شعراء ابن قتيبة ) : جاور الحطيئة الزبرقان بن بدر ، فتحوّل عنه إلى بغيض فأحسن إليه ، فقال الحطيئة يمدح البغيض و يهجو الزبرقان :
ما كان ذنب بغيض أن رأى رجلا
|
|
ذا فاقة عاش في مستوغر
شاس
|
جار لقوم أطالوا هون منزله
|
|
و غادروه مقيما بين أرماس
|
ملّوا قراه و هدّته كلابهم
|
|
و جرّحوه بأنياب و أضراس
|
و قال للزبرقان :
دع المكارم لا تنهض لبغيتها
|
|
و اقعد فإنّك أنت الطاعم الكاسي
|
فاستعدى الزبرقان عليه عمر بن الخطاب و أنشده البيت ، فقال له عمر :
ما أراد هجاءك ، أما ترضى أن تكون طاعما كاسيا قال : إنّه لا يكون في الهجاء أشدّ من هذا فبعث إلى حسّان يسأله عن ذلك فقال : ما هجاه و لكن
سلح عليه فحبسه عمر
.
و قال بعضهم : كفى بالبخيل عارا أنّ اسمه لم يقع في حمد قط ، و كفى بالجواد مجدا أنّ اسمه لم يقع في ذمّ قط .
و قال آخر : لا أردّ سائلا إنّما هو كريم أسدّ خلّته أو لئيم أشتري عرضي منه ، و قال الشاعر :
و من يجعل المعروف من دون عرضه
|
|
يفره و من لا يتّق الشتم يشتم
|
« و الحلم » و ما في ( الطبعة المصرية ) « و العلم » غلط واضح .
« فدام السفيه » الفدام ما يوضع في فم الإبريق ليصفي ما فيه
.
و في ( كامل المبرد ) : دخل شامي المدينة فرأى رجلا راكبا على بغلة لم ير أحسن وجها و لا سمنا و لا ثوبا و لا دابة منه ، فمال قلبه إليه ، فسأل عنه قيل له هو الحسن بن علي بن أبي طالبعليهالسلام
، قال : فامتلأ قلبي له بغضا و حسدت عليّا أن يكون له ابن مثله ، فصرت إليه و قلت له : أنت ابن أبي طالب فقال : إبن ابنه فقلت : فبك و بأبيك أسبهما فلمّا انقضى كلامي قال لي : أحسبك غريبا .
قلت : أجل قال : فمل بنا فإن احتجت إلى منزل أنزلناك أو إلى مال آسيناك أو إلى حاجة عاونّاك فانصرفت عنه و و اللَّه ما على الأرض أحد أحبّ إليّ منه
.
« و العفو زكاة الظفر » هو نظير قولهعليهالسلام
في ( ١٠ ) : إذا قدرت على عدوّك فاجعل العفو عنه شكرا للقدرة عليه
.
و في ( العقد ) أمر عمر بن عبد العزيز بعقوبة رجل ، فقال له رجاء بن حيوه : إنّ اللَّه قد فعل ما تحبّ من الظّفر فافعل ما يحبّه من العفو
.
و قال مبارك بن فضالة : كنت عند المنصور فأمر بقتل رجل ، فقلت : قال النبيصلىاللهعليهوآله
« إذا كان يوم القيامة نادى مناد : ألا من كانت له عند اللَّه يد فليتقدّم فلا يتقدّم إلاّ من عفا عن مذنب » فأمر بإطلاقه
.
« و السلوّ عوضك ممّن غدر » يعني ان الغدر من الصديق يستعقب السلوّ عن تعلق القلب به ، و هو المراد من قول الشاعر :
أعتقني سوء ما صنعت من الرقّ
|
|
فيا بردها على كبدي
|
« و الاستشارة عين الهداية » يكفي في فضلها قوله تعالى لنبيّهصلىاللهعليهوآله
(
وَ شاورهُم في الأَمرِ
)
.
« و قد خاطر » أي : أشرف على الهلاك .
« من استغنى برأيه » قولهعليهالسلام
هنا في الاستشارة و الاستبداد نظير قولهعليهالسلام
في ( ١٦١ ) : « من استبد برأيه هلك و من شاور الرجال شاركها في عقولها »
.
« و الصبر يناضل الحدثان » أي : يرامي حوادث الدهر .
« و الجزع من أعوان الزمان » على بوار الإنسان ، ذكرعليهالسلام
فائدة الصبر و مضرّة الجزع تحريضا و تحذيرا .
« و أشرف الغنى ترك المنى » سها المصنف فذكر هذه الفقرة في
عنوانه ( ٣٤ )
.
« و كم من عقل أسير تحت هوى أمير » هو نظير قولهعليهالسلام
في كتاب اشتراء شريح لداره « شهد على ذلك العقل إذا خرج من أسر الهوى » فكل انسان يعلم بعقله بقاء الآخرة و فناء الدّنيا و وجوب العمل بالحقّ و التجنّب عن الباطل ، إلاّ أنّ هواه لا يدعه يعمل بمقتضاه .
« و من التوفيق حفظ التجربة » فالتجارب تحصل منها فوائد كثيرة ، فمن لم يحفظها حرم منها فلا يكون موفقا .
« و المودة قرابة مستفادة » و في العنوان ( ٣٠٨ ) « مودّة الآباء قرابة بين الابناء ، و القرابة إلى المودة أحوج من المودة إلى القرابة »
، و من كون المودة قرابة مستفادة تكون المصاهرة كنسب جديد ، و لذا أردفه اللَّه تعالى في قوله عز و جل(
فَجَعَلَهُ نَسَباً و صهراً
)
.
« و لا تأمننّ ملولا » فعول من الملالة ، و مصداق كلامهعليهالسلام
أصحابه في صفّين ، فقد كانوا ملّوا من الحرب فكانوا منتظرين لمكيدة من العدو و يكون عذرا لهم في ترك القتال .
٣٣ الحكمة ( ٥٢ ) و قالعليهالسلام
:
أَوْلَى اَلنَّاسِ بِالْعَفْوِ أَقْدَرُهُمْ عَلَى اَلْعُقُوبَةِ في ( العيون ) : قال رجل لبعض الأمراء : أسألك بالذي أنت بين يديه أذلّ
منّي بين يديك ، و هو على عقابك أقدر منك على عقابي ، إلاّ نظرت في أمري نظر من برئي أحبّ إليه من سقمي و براءتي أحبّ إليه من جرمي .
و أمر عبد الملك بقتل رجل فقال له : إنّك أعزّ ما تكون أحوج ما تكون إلى اللَّه تعالى ، فاعف عنّي له فإنّك به تعان و إليه تعود فخلّى سبيله
.
و قالوا : وقف رجل جنى جناية بين يدي المأمون ، فقال له : و اللَّه لأقتلنّك .
فقال الرجل : تأنّ عليّ فإنّ الرفق نصف العفو قال : و كيف و قد حفت ؟ فقال : ت لأن تلقى اللَّه حانثا خير من أن تلقاه قاتلا فخلّى سبيله
.
٣٤ الحكمة ( ١١٦ ) و قالعليهالسلام
:
كَمْ مِنْ مُسْتَدْرَجٍ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ وَ مَغْرُورٍ بِالسَّتْرِ عَلَيْهِ وَ مَفْتُونٍ بِحُسْنِ اَلْقَوْلِ فِيهِ وَ مَا اِبْتَلَى اَللَّهُ أَحَداً بِمِثْلِ اَلْإِمْلاَءِ لَهُ الحكمة ( ٤٦٢ ) و قالعليهالسلام
:
رُبَّ مَفْتُونٍ بِحُسْنِ اَلْقَوْلِ فِيهِ أقول : كرره بعينه بنقل ( ابن أبي الحديد ) و الخطية
في ( ٢٦٠ ) زائدا « و قد مضى هذا الكلام فيما تقدم إلاّ أنّ فيه ها هنا زيادة جيّدة » بنقل ابن أبي الحديد و « زيادة مفيدة » بنقل ( النسخة الخطية و الطبعة المصرية )
جمعت
بينهما ، لكن ليس في ( ابن ميثم )
تكرار ، لكن أواخر نسخته لا تخلو من السقم فلعلّه من سقط النسخة ، و لو كان نقل الأوّلين صحيحا لم يصح قول المصنف و قد مضى . ، بعد كونه بعينه بلا زيادة و لا نقصان .
و كيف كان فكرّر الفقرة الثالثة مستقلة في ( ٤٦٢ ) اتفاقا بلفظ « رب مفتون بحسن القول فيه » كما عرفت من العنوان ، و قد عرفت في أوّل الكتاب تصريح ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) بختم المصنف الكتاب أولا به
.
« كم من مستدرج بالإحسان إليه »(
أَيحسَبُون أَنّما نُمدُّهم بهِ مِن مَالٍ و بَنينَ نُسارِعُ لهُم فِي الخَيراتِ بل لا يشعُرون
)
(
فلمّا نَسُوا ما ذكرُوا به فتحنا عليهم أَبواب كلّ شيءٍ حتى إذا فرحوا بما اُوتُوا أَخذناهم بغتةً فإذا هم مبلسون فقطع دابرُ القوم الَّذين ظَلَموا و الحمدُ للَّه ربّ العالَمين
)
.(
سنَستَدرجهم من حَيثُ لا يعلَمُونَ
)
.
« و مغرور بالستر عليه » و ورد أنّه لو لا ستر اللَّه على الناس لكانوا يطرحون كثيرا من الناس على المزابل و لا يدفنونهم .
« و مفتون بحسن القول فيه » كخلفاء الباطل و المتملّقين لهم ، فكانوا يقولون لبيعة معاوية لابنه يزيد و بيعة هارون لبنيه و بيعة المتوكل لبنيه :
« إنها بيعة مثل بيعة الشجرة » .
و قال ابن قتيبة في ( خلفائه ) بعد ذكر أنّ فاطمةعليهاالسلام
قالت لأبي بكر و عمر بعد تقريرهما بقول النبيصلىاللهعليهوآله
فيها « رضا فاطمة من رضاي و سخط
فاطمة من سخطي ، و من أرضى فاطمة فقد أرضاني و من أسخط فاطمة فقد أسخطني » إنّي اشهد اللَّه و ملائكته أنّكما أسخطتماني و ما أرضيتماني ، و لئن لقيت النبيصلىاللهعليهوآله
لأشكونّكما إليه فانتحب أبو بكر يبكي و فاطمةعليهاالسلام
تقول :
و اللَّه لأدعونّ اللَّه عليك في كلّ صلاة اصلّيها ، فخرج باكيا و اجتمع إليه الناس فقال لهم : لا حاجة لي في بيعتكم أقيلوني بيعتي قالوا : إنّ هذا الأمر لا يستقيم و أنت أعلمنا بذلك ، إنّه إن كان هذا لم يقم للَّه دين فقال : و اللَّه لو لا ذلك و ما أخافه من رخاوة هذه العروة ما بت ليلة و لي في عنق مسلم بيعة بعد ما سمعت و رأيت من فاطمة .
.
فلو لا فتنته بحسن قولهم فيه لكان اللازم أن نقول : إنّ كلام النبيصلىاللهعليهوآله
كان جزافا و باطلا ، و هوى نفس لبنته و رضاه بخراب الدين لأجلها .
و قال ابن قتيبة أيضا : إنّ عمر دعا في احتضاره ابن عباس و قال له : لو أنّ لي ما طلعت عليه الشمس و ما غربت لافتديت به من هول المطلع فقال له ابن عباس : أسلمت و كان إسلامك عزّا ، و هاجرت و كانت هجرتك فتحا ، و وازرت الخليفة و قبض الخليفة عنك راضيا ، و مصر اللَّه بك الأمصار وجبى بك الأموال و أوصل بك على أهل بيت كلّ مسلم توسعة في دينهم و توسعة في أرزاقهم ثم ختم لك بالشهادة فقال له عمر : أتشهد لي بهذا يا عبد اللَّه عند اللَّه يوم القيامة قال : نعم فقال عمر : اللّهم لك الحمد .
.
فهل اللَّه محتاج إلى شهادة ابن عباس لو لا فتنته بمثل تلك الأقوال ؟
« و ما ابتلى اللَّه أحدا بمثل الإملاء له » قال تعالى في موضعين من كتابه :
و اُملي لهم إِنّ كيدي متينٌ
.
٣٥ الحكمة ( ٤٦٦ ) و قالعليهالسلام
:
اَلْعَيْنُ وِكَاءُ اَلسَّهِ أقول : أيّ حبل يسد به الاست ، فالوكاء الذي يشد به رأس القربة و ( السّه ) الاست ، أي : الدّبر و أصل سه « سته » لأن جمعه أستاه و قال الجوهري في سته إذا أردت الهاء الّتي هي لام الفعل و حذفت العين أي : من الاست قلت ( سه ) بالفتح قال الشاعر :
و أنت السّه السّفلى
|
|
إذا دعيت نصر
|
أي : أنت فيهم بمنزلة الاست ، و في الحديث : « العين وكاء السّه » .
في ( العيون ) : كان سليمان بن عبد الملك يأخذ الوليّ بالوليّ و الجار بالجار ، فدخل عليه رجل و على رأسه وصيفة روقة
، فنظر إليها فقال سليمان : أأعجبتك ؟ قال : بارك اللَّه للخليفة فيها قال : هات سبعة أمثال في الاست و خذها فقال : « صرّ عليه الغزو استه » قال : واحد ، قال : « است البائن أعلم » قال : إثنان ، قال : « أست لم تعوّد المجمر تحترق » قال : ثلاثة ، قال : « الحرّ يعطي و العبد ييجع باسته » قال : أربعة ، قال : « أستي أخبثي » قال : خمسة ، قال :
« عاد سلاها في استها » قال : ستة ، قال « لا مائك أبقيت و لا حرك أنفيت » قال :
ليس هذا من ذاك قال : أخذت الجار بالجار كما يفعل الخليفة قال : خذها
.
قلت : و لو ذكر السابع شعر جعفر بن الزبير في الفرزدق و امرأته نوار لمّا وكّلته في تزويجها فزوجها من نفسه فأبت و ما رضيته و حاكمته إلى ابن الزبير :
لقد أصبحت عرس الفرزدق ناشزا
|
|
و لو رضيت رمح استه لاستقرّت
|
كان وجها ، و الظاهر أنّه تعمّد التبديل و إلاّ فقولهم « أخطأت استه الحفرة » مثل معروف .
و في الأساس : و في مثل « إني لأعلم من المائح باست الماتح » و الثاني من ينزح من البئر و الأول من ينزل في البئر فيملا الدلوله
.
هذا ، و في ( الأغاني ) كانت امرأة من عقيل يقال لها ليلى يتحدّث إليها الشبّان ، فدخل عليها الفرزدق فجعل يحادثها ، و أقبل فتى من قومها فأقبلت عليه ، فغاظ ذلك الفرزدق فقال للرجل أ تصارعني ؟ قال : ذاك إليك فقام إليه فصرعه الفتى و جلس على صدره ، فخرج من الفرزدق صوت فقام الرجل و قال : ما أردت بك ما جرى فقال : ما بي إن صرعتني ، و لكن كأنك بجرير بلغه خبري فقال فيّ :
جلست إلى ليلى لتحظى بقربها
|
|
فخانك دبر لا يزال يخون
|
فلو كنت ذا حزم شددت و كاءها
|
|
كما شدّ خرتا للدّلاص قيون
|
فما مضت أيام حتى بلغ جرير الخبر فقال فيه البيتين
.
و من أمثالهم كما في ( الأغاني ) « أريها استها و تريني القمر »
.
و من أمثالهم كما في ( الكرماني ) « مالك است مع استك »
و قال : قال أبو زيد : يضرب لمن لم تكن له ثروة من مال و لا عدة من رجال .
و منها كما فيه « في أست المغبون عود »
أيضا « في استها ما لا ترى »
.
و في الأساس : « لقيت منه است الكلبة »
أي ما كرهته و « أضيق استا من ذاك »
أي : عاجز و « تركته باست الأرض »
أي : عديما لا شيء له و « يا ابن استها »
كناية عن احماض امه اياه و « على است الدهر »
أي : على وجهه و « باست فلان » إذا استخف به
.
هذا ، و في ( القاموس المحيط ) الحماء الاست جمعه حم .
و في ( الأغاني ) : حكى ابن الكلبي أنّ النبيصلىاللهعليهوآله
لمّا افتتح مكة قدمت عليه وفود العرب ، فكان فيمن قدم قيس بن عاصم و عمرو بن أهتم ابن عمّه ، فلمّا صارا عنده تسابّا ، فقال قيس لعمرو : و اللَّه ما هم منّا ، و إنّهم لمن أهل الحيرة .
فقال عمرو : هو و اللَّه من الروم و ليس منّا ثم قال له :
ظللت مفترش الهلباء تشتمني
|
|
عند الرسول فلم تصدق و لم تصب
|
الهلباء يعني استه ، يعيّره بذلك و بأن عانته وافية قال : و إنّما نسبه إلى الروم لأنّه كان أحمر ، فيقال : إنّ النبيّصلىاللهعليهوآله
نهاه عن هذا القول في قيس ، و قال :
إسماعيل بن إبراهيم كان أحمر
.
و في ( القاموس ) « و ام العزم و عزمه و ام عزمه مكسورات الاست »
.
و في ( النهاية ) : قال الأشعث لعمرو بن معد يكرب : لئن دنوت لاضرّطنّك .
فقال عمرو : كلاّ إنّها لعزوم مفرّغة ، يريد أنّ استه ذات عزم و قوّة
.
و في ( بديع ابن المعتز ) : قال عبد اللَّه بن أياد لسويد بن منجوف : اقعد على است الأرض فقال سويد : ما أعلم للأرض استا
.
و في ( الصحاح ) : الوباعة بالعين و الغين : الاست
.
و في ( تقريب المعاهد ) : قال المنصور الخالدي كنت ليلة عند التنوخي في ضيافة فأغفى إغفاء فخرجت منه ، فضحك بعض القوم فانتبه لضحكه فقال :
إذا نامت العينان من متيقّظ
|
|
تراخت بلا شكّ تشاريح فقحته
|
فمن كان ذا عقل فيعذر نائما
|
|
و من كان ذا جهل ففي جوف لحيته
|
و ذكروا أن المأمون وضع رأسه في حجر بوران بنت الحسن بن سهل
امرأته ، فلما صار في النوم وضعت رأسه على الأرض و قامت ، فانتبه المأمون و غضب لذلك فقالت : إنّ أبي أدّبني بأن لا أقعد عند نائم و لا أنام عند قاعد .
قول المصنف ( و هذه من الاستعارات العجيبة ، كأنّه شبّه السّه بالوعاء و العين بالوكاء ، فإذا اطلق الوكاء لم ينضبط الوعاء ، و هذا القول في الأشهر الأظهر من كلام النبيصلىاللهعليهوآله
) فروى أبو داود في سننه في آخر باب الوضوء من النوم عن حيوة بن شريح الحمصي ، في آخرين عن بقية عن الوضين بن عطا عن محفوظ بن علقمة عن عبد الرحمن بن عائذ عن عليعليهالسلام
قال : قال النبيصلىاللهعليهوآله
: وكاء السّه العينان فمن نام فليتوضأ
.
( و قد رواه قوم لأمير المؤمنينعليهالسلام
و ذكر ذلك المبرد محمد بن يزيد ) قال الحموي : لقب محمد بن يزيد بالمبرد لأنّه لمّا صنّف المازني كتاب الألف و اللام سأله عن دقيقه و عويصه ، فأجابه بأحسن جواب ، فقال له المازني : قم فأنت المبرّد بكسر الراء أي : المثبت للحق ، فحرفه الكوفيون و فتحوا الراء ، و كان متّهما بالوضع في اللغة و أرادوا امتحانه ، فسألوه عن القبعض فقال هو القطن و أنشد
« كأنّ سنامها حشي القبعضا »
فقالوا : إن كان صحيحا فهو عجيب و إن كان مختلقا فهو أعجب
.
( في كتاب المقتضب في باب اللفظ بالحروف ) في كشف الظنون المقتضب في الخطب للمبرد شرحه الرماني و علق على مشكلات أوائله الفارقي .
( و قد تكلمنا على هذه الاستعارة في كتابنا الموسوم بمجازات الآثار النبوية ) قال ثمة كأنّهعليهالسلام
شبّه السته بالوعاء و العين بالوكاء ، فإذا نامت العين
انحلّ صرار السته كما أنّه إذا زال الوكاء وسع بما فيه الوعاء ، الا أن حفظ العين للسته على خلاف حفظ الوكاء للوعاء ، فان العين إذا أشرجت لم تحفظ سيتها و الأوكية إذا حللت لم تضبط أوعيتها
.
٣٦ الخطبة ( ٧٩ ) و قالعليهالسلام
:
أَيُّهَا اَلنَّاسُ اَلزَّهَادَةُ قِصَرُ اَلْأَمَلِ وَ اَلشُّكْرُ عِنْدَ اَلنِّعَمِ وَ اَلوَرَعُ عِنْدَ اَلْمَحَارِمِ فَإِنْ عَزَبَ ذَلِكَ عَنْكُمْ فَلاَ يَغْلِبِ اَلْحَرَامُ صَبْرَكُمْ وَ لاَ تَنْسَوْا عِنْدَ اَلنِّعَمِ شُكْرَكُمْ فَقَدْ أَعْذَرَ اَللَّهُ إِلَيْكُمْ بِحُجَجٍ مُسْفِرَةٍ ظَاهِرَةٍ وَ كُتُبٍ بَارِزَةِ اَلْعُذْرِ وَاضِحَةٍ « أيها الناس إلى عند المحارم » جعلعليهالسلام
الزهد عبارة عن ثلاثة أمور :
قصر الأمل ، و شكر النعم ، و الورع عند المحارم .
أمّا الأول فقالوا : جمع اللَّه تعالى الزهد في كلمتين
:(
لكيلا تأسوا على ما فاتَكم و لا تَفرَحوا بِمآ آتاكم
)
و لا يحصل الحالان إلاّ بقصر الأمل .
و أما الثاني : فلأن من زهد في الدّنيا هان عليه الإنفاق ممّا أنعم اللَّه عليه من المال شكرا .
و قال الصادقعليهالسلام
إنّ اللَّه أنعم على قوم بالمواهب فلم يشكروا فصارت عليهم وبالا ، و ابتلى قوما بالمصائب فصبروا فصارت عليهم نعمة
.
و اما الثالث فسئل الصادقعليهالسلام
عن الزاهد في الدنيا فقال : الذي يترك
حلالها مخافة حسابه و يترك حرامها مخافة عقابه
.
« فإن عزب » أي : بعد و غاب .
« ذلك » الذي ذكر من الأمور الثلاثة .
« عنكم » فلا بدّ لكم من رعاية الثاني ، و الثالث شكر النعم و الورع عن المحارم ، و أشار إلى الورع بقوله .
« فلا يغلب الحرام صبركم » لأنّه ورد أنّه يؤتى يوم القيامة بأعمال قوم كالجبال فتصير هباء منثورا لغلبة الحرام على صبرهم .
و أشار إلى الشكر بقوله :
« و لا تنسوا عند النعم شكركم » فإنّ شكر المنعم واجب عقلي و قال تعالى :
(
و لئن كفرتم إنّ عذابي لشديد
)
.
« فقد أعذر اللَّه عليكم بحجج مسفرة » أي : مشرقة مضيئة(
لئلاّ يكون لِلنَّاس على اللَّهِ حُجَّةٌ بَعدَ الرُّسُل
)
.
« و كتب بارزة العذر واضحة » إلى نبيّناصلىاللهعليهوآله
و إلى أنبياء قبله .
٣٧ الحكمة ( ٤٢ ) و قالعليهالسلام
: لبعض أصحابه :
جَعَلَ اَللَّهُ مَا كَانَ مِنْ شَكْوَاكَ حَطّاً لِسَيِّئَاتِكَ فَإِنَّ اَلْمَرَضَ لاَ أَجْرَ فِيهِ وَ لَكِنَّهُ يَحُطُّ اَلسَّيِّئَاتِ وَ يَحُتُّهَا حَتَّ اَلْأَوْرَاقِ وَ إِنَّمَا اَلْأَجْرُ فِي اَلْقَوْلِ بِاللِّسَانِ وَ اَلْعَمَلِ بِالْأَيْدِي وَ اَلْأَقْدَامِ وَ إِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ يُدْخِلُ بِصِدْقِ
اَلنِّيَّةِ وَ اَلسَّرِيرَةِ اَلصَّالِحَةِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ اَلْجَنَّةَ قول المصنّف : ( و قالعليهالسلام
لبعض أصحابه ) :
هو صالح بن سليم بن سلامان بن طي ( في علة اعتلها ) فلم يشهد معه صفّين لمرضه ، فقالعليهالسلام
ما نقل
المصنف له لمّا رجع من صفّين في طريقه .
ففي ( صفّين نصر بن مزاحم ) : قال عبد الرحمن بن جندب : لمّا أقبل عليّعليهالسلام
من صفّين أقبلنا معه إلى أن قال حتى جزنا النخيلة و رأينا بيوت الكوفة ، فإذا نحن بشيخ جالس في ظلّ بيت على وجهه أثر المرض ، فأقبل إليه عليّعليهالسلام
و نحن معه ، فقال له : مالي أرى وجهك منكفتا ؟ أمن مرض ؟ قال : نعم .
قال : فلعلك كرهته فقال : ما أحبّ أن يعتري قال : أليس احتساب بالخير في ما أصابك منه ؟ قال : بلى قال : أبشر برحمة ربّك و غفران ذنبك ، من أنت يا عبد اللَّه ؟ قال : أنا صالح بن سليم قال : ممّن ؟ قال : أمّا الأصل فمن سلامان بن طي ، و أمّا الجوار و الدعوة فمن بني سليم بن منصور قال : سبحان اللَّه ما أحسن اسمك و اسم أبيك و اسم من اعتزيت إليه ، هل شهدت معنا غزاتنا هذه ؟ قال : لا و اللَّه ما شهدتها و لقد أردتها و لكن ما ترى بي من لحب الحمّى خذلني عنها .
قالعليهالسلام
: ليسَ على الضُعَفاءِ و لاَ عَلى المَرضَى و لا على الذين لا يَجدُونَ ما يُنفقُون حرجٌ(
إِذا نَصَحوا للَّه و رسوله ما على المحسنين من سبيلٍ و اللَّه غفورٌ رحيم
)
أخبرني ما يقول الناس فيما كان بيننا و بين أهل الشام ؟ قال : منهم المسرور فيما كان بينك و بينهم و اولئك أغبياء الناس ، و منهم المكبوت الأسف لمّا كان من ذلك و اولئك نصحاء الناس لك ، و ذهب لينصرف فقالعليهالسلام
له : صدقت جعل اللَّه ما كان من شكواك حطّا لسيّئاتك ، فإنّ المرض لا أجر فيه
و لكن لا يدع للعبد ذنبا إلاّ حطّه ، إنّما الأجر في القول باللّسان و العمل باليد و الرجل ، و إنّ اللَّه عز و جل يدخل بصدق النيّة و السريرة الصالحة من عباده الجنّة
.
« جعل اللَّه ما كان من شكواك حطّا لسيّئاتك » في الخبر عاد النبيصلىاللهعليهوآله
سلمان في علته فقال : إنّ لك فيها ثلاث خصال : أنت من اللَّه تعالى بذكر ، و دعاؤك فيه مستجاب ، و لا تدع العلّة عليك ذنبا إلاّ حطّته
.
و في الخبر : حمّى ليلة كفّارة سنة لأنّه يبقى أثرها إلى سنة
.
و في ( الطرائف ) : برىء الفضل بن سهل من علّة فقال : إنّ في المرض لنعما لا ينبغي للعقلاء أن يجحدوها ، منها تمحيص للذنوب و تعرّض للثواب و الصبر و إيقاظ من الغفلة و ادكار للنعمة الموجودة في الصحة و رضا بما قدر اللَّه و قضائه و استدعاء للتوبة و حضّ على الصدقة
.
« فإنّ المرض لا أجر فيه و لكنه يحط السيئات و يحتها حت الأوراق » يقال : حت الدم عن الثوب و حت الورق عن الشجر .
و في ( أدب كاتب الصولي ) لبعضهم تشبيها بمقط القلم لاصلاحه :
فإن تكن الحطوب فرين مني
|
|
أديما لم يكن قدما يعط
|
فإنّ كرائم الأقلام تحفى
|
|
فيصلح من تشعثها المقط
|
هذا ، و في ( تاريخ بغداد ) اعتل الحسن بن وهب من حمّى نافض و صالب و طاولته فكتب إليه أبو تمّام :
ليت حمّاك فيّ و كان لك الأجر
|
|
فلا تشتكي و كنت المريضا
|
( و فيه ) : إعتل الفضل بن سهل ذو الرياستين بخراسان ثم برىء فجلس للناس فهنّأوه بالعافية و تصرّفوا في الكلام ، فلمّا فرغوا أقبل على الناس فقال :
إنّ في العلل لنعما ينبغي للعقلاء أن يعلموها : تمحيص للذنوب ، و تعرّض لثواب الصبر ، و إيقاظ من الغفلة ، و ادكار للنعمة في حال الصحة ، و استدعاء للتوبة ، و حضّ على الصدقة ، و في قضاء اللَّه و قدره بعدم الخيار فنسي الناس ما تكلّموا به و انصرفوا بكلام الفضل
.
« و إنّما الأجر في القول باللّسان و العمل بالأيدي و الأقدام » و المرض ليس منهما فليس فيه أجر ، و أمّا قوله(
ذلك بأنّهم لا يصيبُهم ظمأ و لاَ نَصبُ و لا مخمصة في سبيل اللَّه و لا يطَؤُنَ موطئا يغيظ الكفّار و لا ينالُونَ من عَدُوّ نيلاً إِلاّ كُتب لهُم به عمل صالح إِن اللَّه لا يُضيعُ أجرَ المُحسِنينَ و لا يُنفِقونَ نَفَقَةً صغيرةً و لا كبيرةً و لا يقطَعُون وادياً إِلاّ كتب لَهُم ليَجزِيَهُمُ اللَّهُ أَحسَن ما كانوا يَعمَلُون
)
في جعل إصابتهم الجوع و العطش و التعب و هي ليست من أعمال الجوارح مثل وطىء الأقدام في غيظ الكفار و النيل منهم و الإنفاق و قطع الوادي في الجهاد و نحوها ممّا هو العمل بالأيدي و الأقدام ، فلا ينافي كلامهعليهالسلام
لأنّ ما ذكر أوّلا مسبّب عن أعمال الجوارح ، فإنّ الجوع و العطش و التعب كانت بواسطة الجهاد .
« و ان اللَّه سبحانه يدخل بصدق النيّة و السريرة الصالحة من يشاء من عباده الجنّة » الظاهر كون الكلام استدراكا من قولهعليهالسلام
السابق « و انما الأجر . » ،
بمعنى أن النيّة و إن لم تكن عمل الجوارح إلاّ أنّها لمّا كانت سببا لأعمال الجوارح كانت أيضا موجبا للأجر إن كانت صالحة ، و للوزر إن كانت فاسدة .
قال النبيصلىاللهعليهوآله
: « نيّة المؤمن خير من عمله و نيّة الكافر شرّ من عمله »
، و قال تعالى .(
إِن السَمعَ و البَصَرَ و الفؤاد كُل اُولئكَ كان عنه مسؤولاً
)
.
و قال الصادقعليهالسلام
: إنّما خلّد أهل النّار في النّار لأنّ نياتهم في الدّنيا ان لو خلّدوا فيها أن يعصوا اللَّه أبدا ، و إنّما خلّد أهل الجنّة في الجنّة لأنّ نيّاتهم أن لو بقوا في الدّنيا أن يطيعوا اللَّه أبدا ، فبالنيّات خلّد هؤلاء و هؤلاء ثم تلا قوله تعالى قُل كُلٌ يعمَلُ على شاكِلَتِه
.
و في ( الكافي ) : و إن المؤمن الفقير يقول : ربّ ارزقني حتى أفعل كذا و كذا من البرّ ، فإذا علم تعالى ذلك منه بصدق نيّة كتب له من الأجر مثل ما لو عمله ، إنّ اللَّه واسع كريم
.
هذا ، و قالعليهالسلام
بصدق النيّة ، لأنّه ليست كلّ نيّة صادقة ، فقد قال تعالى(
و منهم من عاهدَ اللَّه لئن آتانا من فَضلِهِ لنَصَّدَّقَنَّ و لنكُوننَّ من الصالحين فَلما آتاهُم من فَضلِهِ بَخِلُوا بهِ و تَولَّوا و هُم مُعرِضون فأَعقَبَهُم نفاقاً في قلوبهم إِلى يوم يلقونه بما أخلفوا اللَّه ما و عدُوه و بما كانوا يكذِبُونَ
)
.
و قال الصادقعليهالسلام
في صدق النية : عند تصحيح الضمائر تبدو الكبائر ، تصفية العمل أشدّ من العمل ، تخليص النيّة من الفساد أشد على العالمين
من طول الجهاد
.
( قال الرضي : و أقول : صدقعليهالسلام
، إنّ المرض لا أجر فيه لأنّه ليس من قبيل ما يستحق عليه العوض ، لأن العوض يستحق على ما كان في مقابلة فعل اللَّه تعالى بالعبد من الآلام و الأمراض و ما يجري مجرى ذلك ، و الأجر و الثواب يستحقان على ما كان في مقابلة فعل العبد ، فبينهما فرق قد بيّنه كما يقتضيه علمه الثاقب و رأيه الصائب ) و قد قالعليهالسلام
في المرض يصيب الصبي : إنّه كفارة لوالديه ، و ورد أنّ النّوم الموحش كفّارة
.
٣٨ الحكمة ( ٤٧ ) و قالعليهالسلام
:
قَدْرُ اَلرَّجُلِ عَلَى قَدْرِ هِمَّتِهِ وَ صِدْقُهُ عَلَى قَدْرِ مُرُوءَتِهِ وَ شَجَاعَتُهُ عَلَى قَدْرِ أَنَفَتِهِ وَ عِفَّتُهُ عَلَى قَدْرِ غَيْرَتِهِ « قدر الرجل على قدر همّته » في ( تاريخ بغداد ) غلب عبد اللَّه بن طاهر على الشام و وهب له المأمون ما وصل إليه من الأموال هنا لك ، ففرّقه على القوّاد ثم وقف على باب مصر فقال : أخزى اللَّه فرعون ما كان أخسّه و أدنى همّته ، ملك هذه القرية فقال(
أنا ربُّكم الأعلى
)
و اللَّه لا دخلتها
.
و في ( المعجم ) قال الصاحب بن عباد :
و قائلة : لم عرتك الهموم
|
|
و أمرك ممتثل في الامم
|
فقلت دعيني و ما قد عرى
|
|
فإنّ الهموم بقدر الهمم
|
و في ( الكامل ) : سافر كعب بن مامة الأيادي مع رجل من بني النمر بن قاسط ، فقلّ الماء فتصافناه و التصافن أن يطرح حجر في الاناء ثم يصبّ فيه من الماء ما يغمره لئلا يتغابنوا ، فجعل النمري يشرب نصيبه فإذا أخذ كعب نصيبه قال : اسق أخاك النمري فيؤثره ، حتى جهد كعب و رفعت له أعلام الماء ، فقيل له رد كعب و لا ورود به فمات عطشا .
و وفد أوس بن حارثة بن لام الطائي و حاتم الطائي على عمرو بن هند ملك الحيرة ، فدعا أوسا فقال له : أنت أفضل أم حاتم ؟ فقال له : أبيت اللعن ، لو ملكني حاتم و ولدي و لحمتي لوهبنا في غداة واحدة ، ثم دعا حاتما فقال له :
أنت أفضل أم أوس ؟ فقال : أبيت اللعن إنّما ذكّرت بأوس ، و لأحد ولده أفضل منّي .
و كان النعمان بن المنذر دعا بحلة و عنده وفود العرب من كلّ حي فقال :
احضروني في غد فانّي ملبس هذه الحلة أكرمكم ، فحضر القوم جميعا إلاّ أوسا ، فقيل له لم تخلفت ؟ فقال : إن كان المراد غيري فأجمل الأشياء بي ألاّ أكون حاضرا ، و إن كنت أنا المراد فسأطلب و يعرف مكاني ، فلما جلس النعمان لم ير أوسا فقال : إذهبوا إلى أوس فقولوا له : إحضر آمنا ممّا خفت ، فحضر فلبس الحلة فحسده قوم من أهله فقالوا للحطيئة : اهجه و لك ثلاثمائة ناقة فقال : كيف أهجو رجلا لا أرى في بيتي أثاثا و لا مالا إلاّ من عنده ، ثم قال :
كيف الهجاء و ما تنفكّ صالحة
|
|
من آل لأم
بظهر الغيب تأتيني
|
فقال لهم بشر بن أبي خازم الأسدي : أنا أهجوه لكم ، فأخذ الابل و فعل ، فأغار أوس على الابل فاكتسحها و جعل بشر لا يستجير حيّا إلاّ قالوا قد أجرناك إلاّ من أوس و كان في هجائه إيّاه ذكر امّه فأتى به فدخل على امه فقال : قد أتينا ببشر الهاجي لك و لي فما ترين فيه ؟ قالت : أرى أن ترد عليه ماله و تعفو عنه و تحبوه و أفعل مثل ذلك ، فانّه لا يغسل هجاه إلاّ مدحه ، فخرج إليه و قال له : إنّ امّي سعدى التي كنت تهجوها أمرت لك بكذا و كذا فقال : لا جرم ، لا و اللَّه لا مدحت أحدا حتى أموت غيرك
.
« و صدقه على قدر مروّته » في ( الكافي ) عن الصادقعليهالسلام
: لا تنظروا إلى طول ركوع الرجل و سجوده ، فإنّ ذلك شيء اعتاده فلو تركه استوحش لذلك ، و لكن انظروا إلى صدق حديثه و أداء أمانته
.
و عنهعليهالسلام
: إنّما سمّي اسماعيل صادق الوعد لأنّه وعد رجلا في مكان فانتظره في ذلك المكان سنة فأتاه بعد سنة فقال له إسماعيل : مازلت منتظرا لك
.
و في ( الخصال ) عن النبيصلىاللهعليهوآله
: ست من المروّة ، ثلاث منها في الحضر ، و ثلاث منها في السفر : فأمّا الّتي في الحضر ، فتلاوة كتاب اللَّه عز و جل و عمارة مساجد اللَّه و اتخاذ الإخوان في اللَّه عز و جل ، و أمّا الّتي في السفر ، فبذل الزاد و حسن الخلق و المزاح في غير معاصي اللَّه
.
« و شجاعته على قدر أنفته » في ( وزراء الجهشياري ) : بلغ موسى بن المهدي و هو الهادي حال بنت لعمارة بن حمزة مولاهم و هي جميلة
فراسلها فقالت لأبيها ذلك ، فقال : إبعثي إليه في المصير إليك و أعلميه أنّك تقدرين على إيصاله إليك في موضع يخفى أثره ، فأرسلت إليه بذلك و حمل موسى على المصير نفسه ، فأدخلته حجرة قد فرشت و اعدّت له ، فلما صار إليها دخل عليه عمارة فقال : السّلام عليك أيها الأمير ماذا تصنع هاهنا ؟
إتّخذناك وليّ عهد فينا أو فحلا في نسائنا ؟ ثم أمر به فبطح في موضعه فضربه عشرين درة خفيفة و ردّه إلى منزله ، فحقد عليه فلما ولي الخلافة دسّ إليه رجلا يدّعي عليه أنّه غصبه الضيعة المعروفة بالبيضاء بالكوفة و كانت قيمتها ألف ألف درهم فبينا الهادي ذات يوم جالس للمظالم و عمارة بحضرته ، و ثب الرجل فتظلم منه ، فقال الهادي لعمارة : ما تقول ؟ قال : ان كانت الضيعة لي فهي له و ان كانت له فهي له و وثب فانصرف عن المجلس
.
( و عفته على قدر غيرته ) كانعليهالسلام
يقول لأهل العراق : نبئت أن نساءكم يدافعن الرجال في الطريق ، أما تستحون و لا تغارون ؟
و في ( الكافي ) عن الصادقعليهالسلام
: ان اللَّه تعالى غيور يحب كلّ غيور ، و لغيرته حرّم الفواحش ظاهرها و باطنها ، و إذا لم يغر الرجل فهو منكوس القلب
.
و عنهعليهالسلام
: لمّا أقام العالم الجدار أوحى تعالى إلى موسىعليهالسلام
: إنّي مجازي الأبناء بسعي الآباء ، إن خيرا فخير و إن شرّا فشر ، لا تزنوا فتزني نساؤكم ، و من وطىء فراش امرىء مسلم وطىء فراشه ، كما تدين تدان
.
و عن الصادقعليهالسلام
: كانت في بني اسرائيل بغيّ و كان رجل منهم يكثر
الاختلاف إليها ، فلمّا كان في آخر ما أتاها أجرى اللَّه على لسانها : أما إنّك سترجع إلى أهلك فتجد معها رجلا ، فارتفعا إلى موسىعليهالسلام
فنزل جبرئيلعليهالسلام
و قال : يا موسى من يزن يزن به ، فنظر موسى إليهما فقال : عفّوا تعفّ نساؤكم
.
٣٩ الحكمة ( ٤٨ ) و قالعليهالسلام
:
اَلظَّفَرُ بِالْحَزْمِ وَ اَلْحَزْمُ بِإِجَالَةِ اَلرَّأْيِ وَ اَلرَّأْيُ بِتَحْصِينِ اَلْأَسْرَارِ هو قياس منتج : ان الظفر بتحصين الأسرار و هو قياس ينحلّ إلى قياسين ، لأنّ القضية الثانية كبرى بالنسبة إلى الاولى و صغرى بالنسبة إلى الثالثة .
أمّا كون الظّفر بالحزم ففي العيون : قيل لرجل من بني عبس : ما أكثر صوابكم فقال : نحن ألف رجل و فينا حازم واحد و نحن نطيعه ، فكأنّا ألف حازم
.
و يقال : روّ بحزم فإذا استوضحت فاعزم
.
و أمّا كون الحزم بإجالة الرأي فكان عامر بن الظرب حكيم العرب يقول :
دعوا الرأي يغبّ حتى يختمر ، و إيّاكم و الرأي الفطير
.
و لمّا استعجل الحجّاج المهلّب في حرب الأزارقة قال المهلّب : إنّ من
البلاء أن يكون الرأي لمن يملكه دون من يبصره
.
و يقال : ليس بين الملك و بين ان يملك رعيته أو تملكه رعيته إلاّ حزم أو توان .
و قيل : من التمس الرخصة من الإخوان عند المشورة و من الأطباء عند المرض و من الفقهاء عند الشبهة أخطأ الرأي و ازداد مرضا و حمل الوزر
.
و أمّا كون الرأي بتحصين الأسرار فيقال : ما كنت كاتمه من عدوك فلا تظهر عليه صديقك
.
و في ( وزراء الجهشياري ) : كان موسى بن عيسى الهاشمي يتقلّد للرشيد مصر ، و كثر التظلّم منه و اتّصلت السعايات به و قيل إنّه قد استكثر من العبيد و العدّة فقال الرشيد ليحيى البرمكي : اطلب لي رجلا كاتبا عفيفا يكمل لمصر و يستر خبره فلا يعلم موسى بن عيسى حتى يفجأه قال : قد وجدته هو عمر بن مهران و كان كتب للخيزران و لم يكتب لغيرها قط و كان رجلا أحول مشوّه الخلق خسيس اللّباس فأمر بإحضاره قال : فاستدناني الرشيد و نحّى الغلمان و أمرني أن أستر خبري حتى افاجىء موسى بن عيسى فأتسلّم العمل منه ، فأعلمته أنّه لا يقرأ لي ذكرا في كتب أصحاب الأخبار حتى أوافي مصر ، فكتب لي بخطّه إلى موسى ، فخرجت من غد مبكرا على بغلة لي و معي غلام أسود على بغل استأجرته ، معه خرج فيه قميص و مبطنة و طيلسان و شاشية و خف و مفرش صغير ، و اكتريت لثلاثة من أصحابي أثق بهم ثلاثة أبغل ، و أظهرت أنّي وجّهت ناظرا في أمور بعض العمّال ، كلّما وردت
بلدا توهّم من معي أنّي قصدته و ليس يعرف خبري أحد من أهل البلدان أمرّ بها في نزولي و نفوذي حتى وافيت الفسطاط فنزلت جنابا و خرجت منه وحدي في زيّ متظلم أو تاجر ، فدخلت دار الامارة و ديوان البلد و بيت المال ، و سألت و بحثت عن الأخبار و جلست مع المتظلمين و غيرهم ، فمكثت ثلاثة أيام أفعل ذلك حتى عرفت جميع ما احتجت إليه ، فلمّا نام الناس دعوت أصحابي فقلت للّذي أردت استكتابه على الديوان : قد رأيت مصر و قد استكتبتك على الديوان فبكّر إليه فاجلس فيه ، فإذا سمعت الحركة فاقبض على الكاتب و وكلّ به و بالكتاب و الأعمال ، و لا يخرج من الديوان أحد حتى أوافيك ، و دعوت بآخر فقلّدته بيت المال و أمرته بمثل ذلك ، و قلّدت الآخر عملا من الأعمال بالحضرة ، و أمرتهم أن يبكّروا و لا يظهروا أنفسهم حتى يسمعوا الحركة ، و بكّرت فلبست ثيابي و وضعت الشاشية على رأسي و مضيت إلى دار الامارة ، فأذن موسى للناس إذنا عامّا ، فدخلت فيمن دخل ، فإذا موسى على فرش و القوّاد وقوف عن يمينه و شماله و الناس يدخلون فيسلّمون و يخرجون و أنا جالس بحيث يراني و حاجبه ساعة بساعة يقيمني و يقول لي تكلّم بحاجتك ، فأعتلّ عليه حتى خفّ الناس ، فدنوت منه و أخرجت إليه كتاب الرشيد فقبّله و وضعه على عينه ثم قرأه فامتقع لونه و قال : السمع و الطاعة تقرىء أبا حفص السلام و تقول له : ينبغي لك أن تقيم بموضعك حتى نعدّ لك منزلا يشبهك و يخرج غدا أصحابنا يستقبلونك فتدخل مدخل مثلك .
فقال له : أنا عمر بن مهران قد أمرني الرشيد بإقامتك للناس و انصاف المظلوم منك و أنا فاعل ذلك فقال : أنت عمر بن مهران ؟ قلت : نعم قال :(
لعن اللَّه فرعون حيث يقول أليس لي مُلك مِصر
)
و اضطرب الصوت في الدار ،
فقبض كاتبي على الديوان و صاحبي الآخر على بيت المال و ختما عليه و وردت عليه رقاع أصحاب أخباره بذلك ، فنزل عن فرشه و قال : « لا إله إلاّ اللَّه هكذا تقوم الساعة ما ظننت أنّ أحدا بلغ من الحزم و الحيلة ما بلغت ، فإنّك قد تسلّمت الأعمال و أنت في مجلسي » ثم نهضت إلى الديوان فقطعت أمور المتظلمين منه و انصرفت على بغلتي التي دخلت عليها و معي غلامي الأسود
.
و في ( عيون ابن قتيبة ) قال النبيصلىاللهعليهوآله
: إستعينوا على الحوائج بالكتمان ، فإنّ كلّ ذي نعمة محسود
.
و كان عليعليهالسلام
يتمثل بهذين البيتين :
و لا تفش سرّك إلاّ إليك
|
|
فإنّ لكلّ نصيح نصيحا
|
فإنّي رأيت غواة الرجال
|
|
لا يتركون أديما صحيحا
|
و قال الشاعر :
و لو قدرت على نسيان ما اشتملت
|
|
منّي الضلوع من الأسرار و الخبر
|
لكنت أوّل من ينسى سرائره
|
|
إذ كنت من نشرها يوما على خطر
|
٤٠ الحكمة ( ٦٣ ) و قالعليهالسلام
:
اَلشَّفِيعُ جَنَاحُ اَلطَّالِبِ
قالوا : الشفاعات مفاتيح الطلبات و قيل في فضل البرمكي :
و من يكن الفضل بن يحيى بن خالد
|
|
شفيعا له عند الخليفة ينجح
|
و في ( تاريخ بغداد ) : إشترى أخ لشعبة من طعام السلطان فخسر هو و شركاؤه ، فحبس بستة آلاف دينار بحصته ، فخرج شعبة إلى المهدي ليكلّمه فيه ، فلمّا دخل عليه قال للمهدي : انشدني قتادة و سماك بن حرب لامية بن أبي الصلت يقوله لعبد اللَّه بن جدعان :
أأذكر حاجتي أم قد كفاني
|
|
حياؤك إن شيمتك الحياء
|
كريم لا يعطّله صباح
|
|
عن الخلق الكريم و لا مساء
|
فارضك أرض مكرمة بنتها
|
|
بنو تيم و أنت لهم سماء
|
فقال : لا ، لا تذكرها قد عرفناها و قضيناها لك ، إرفعوا إليه أخاه لا تلزموه شيئا
.
هذا ، و في المعجم قال أبو العيناء : كان لي صديق فجاءني يوما و قال :
أريد الخروج إلى فلان العامل و أحببت أن يكون معي إليه وسيلة و قد سألت عن صديقه فقيل لي الجاحظ و هو صديقك فاحبّ أن تأخذ لي كتابه إليه بالعناية ، فصرت إلى الجاحظ فقلت له جئتك مسلّما و قاضيا للحق و لبعض أصدقائي حاجة و هي كذا و كذا فقال : لا تشغلنا الساعة عن المحادثة و إذا كان في غد وجّهت إليك بالكتاب ، فلمّا كان في غد ، وجّه إليّ بالكتاب ، فقلت لابني :
وجّه هذا الكتاب إلى فلان ففيه حاجته فقال لي : إن الجاحظ بعيد الغور فينبغي أن نفضّه و ننظر ما فيه ، ففعل فإذا في الكتاب :
« هذا الكتاب مع من لا أعرفه و قد كلّمني فيه من لا أوجب حقّه ، فان
قضيت حاجته لم أحمدك ، و ان رددته لم أذممك » .
فلمّا قرأت الكتاب مضيت من فوري إلى الجاحظ فقال : قد علمت انّك أنكرت ما في الكتاب ، فقلت أو ليس موضع نكرة ، فقال لا هذه علامة بيني و بين الرجل في من أعتني به ، فقلت : لا إله إلاّ اللَّه ما رأيت أحدا أعلم بطبعك و ما جبلت عليه من هذا الرجل ، انّه لمّا قرأ هذا الكتاب قال : أم الجاحظ عشرة آلاف في عشرة آلاف قحبة و ام من يسأله حاجة فقلت له : يا هذا تشتم صديقنا فقال :
هذه علامة في من أشكره فضحك الجاحظ
.
٤١ الخطبة (( الحكمة )) ( ٦٨ ) و قالعليهالسلام
:
اَلْعَفَافُ زِينَةُ اَلْفَقْرِ وَ اَلشُّكْرُ زِينَةُ اَلْغِنَى أقول : كرّره المصنف في ( ٣٤٠ ) سهوا ، لكن نقله عنه هنا ابن ميثم بدون الفقرة الأخيرة
و انما نقله عنه معها ابن أبي الحديد
.
« العفاف زينة الفقر » و قد وصف اللَّه تعالى الفقراء المتزيّنين بالعفاف في قوله(
يَحسَبُهُم الجاهِلُ أَغنياءَ مِنَ التَّعفُّف تَعرفُهم بسيماهم لا يَسألونَ الناس إِلحافاً
)
.
« و الشكر زينة الغنى » قال سليمانعليهالسلام
(
ربِّ أَوزعني أن أَشكُر نعمتك الّتي أَنعمتَ عليَّ وَ على والديَّ
)
و قال أيضا لمّا رأى عرش ملكة سبأ مستقرا
عنده في أقل من طرفة عين(
هذا من فضل رَبّي ليبلوَني ءأشكُر أَم أكفُر و مَن شَكَرَ فإنّما يَشكُرُ لِنَفسِهِ
)
(
و مَن كَفَر فإن ربِّي غَنيٌ كريم
)
.
٤٢ الحكمة ( ٦٩ ) و قالعليهالسلام
:
إِذَا لَمْ يَكُنْ مَا تُرِيدُ فَلاَ تُبَلْ مَا كُنْتَ أقول : هكذا في ( الطبعة المصرية )
، و الصواب ما في ابن أبي الحديد
و ابن ميثم
و النسخة الخطية
« فلا تبل كيف كنت » و « تبل » بضم التاء و الأصل فيه تبال ، حذفوا الألف تخفيفا لكثرة الاستعمال كما حذفوا الياء من قولهم « لا أدر » قال زهير :
لقد باليت مظعن امّ أوفى
|
|
و لكن ام أوفى لا تبالي
|
قالوا : كان لامرأة ابن واحد ، فمات فقالت أردت أن لا يموت هذا ، فمن شاء بعده عاش و من شاء مات .
٤٣ الحكمة ( ٨٧ ) و قالعليهالسلام
:
عَجِبْتُ لِمَنْ يَقْنَطُ وَ مَعَهُ اَلاِسْتِغْفَارُ
أقول : روي عنهعليهالسلام
هذا المعنى بلفظ آخر ، فعنهعليهالسلام
قال « العجب لمن يهلك و النجاة معه » قيل : ما هي ؟ قالعليهالسلام
: الاستغفار
.
و ورد أنّ الزهري لمّا حصل له القنوط من عقوبته رجلا فمات قال له عليّ بن الحسينعليهالسلام
: أخاف عليك من قنوطك ما لا أخاف عليك من ذنبك .
و أمره ببعث ديته ثم الاستغفار ، فقال له فرّجت عني يا سيدي اللَّه أعلم حيث يجعل رسالته
.
و في ( الكافي ) عن النبيصلىاللهعليهوآله
: الاستغفار و قول لا إله إلاّ اللَّه خير العبادة ، قال تعالى(
فَاعلَم أَنّه لا إله إلاّ اللَّه و استَغفر لِذَنبك
)
.
و قد قال تعالى .(
وَ ما كانَ اللَّه مُعذِّبَهُم وَ هُم يَستَغفِرُون
)
.
٤٤ الحكمة ( ٨٩ ) و قالعليهالسلام
:
مَنْ أَصْلَحَ مَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ اَللَّهِ أَصْلَحَ اَللَّهُ مَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ اَلنَّاسِ وَ مَنْ أَصْلَحَ أَمْرَ آخِرَتِهِ أَصْلَحَ اَللَّهُ لَهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ وَ مَنْ كَانَ لَهُ فِي نَفْسِهِ وَاعِظٌ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ اَللَّهِ حَافِظٌ الحكمة ( ٤٢٣ ) و قالعليهالسلام
:
مَنْ أَصْلَحَ سَرِيرَتَهُ أَصْلَحَ اَللَّهُ عَلاَنِيَتَهُ وَ مَنْ عَمِلَ لِدِينِهِ كَفَاهُ اَللَّهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ وَ مَنْ أَحْسَنَ فِيمَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ اَللَّهِ أَحْسَنَ اَللَّهُ مَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ اَلنَّاسِ
أقول : روى ( روضة الكافي ) في حديثه ( ٤٧٧ ) عن الصادقعليهالسلام
: قال أمير المؤمنينعليهالسلام
: كانت الفقهاء و العلماء إذا كتب بعضهم إلى بعض كتبوا بثلاثة ليس معهنّ رابعة : من كانت همّته آخرته كفاه اللَّه همّه من الدنيا ، و من أصلح سريرته أصلح اللَّه علانيته ، و من أصلح فيما بينه و بينه تعالى أصلح اللَّه فيما بينه و بين الناس
.
قولهعليهالسلام
في الأول : « من أصلح ما بينه و بين اللَّه تعالى أصلح اللَّه ما بينه و بين الناس » و في الثاني : « و من أحسن في ما بينه و بين اللَّه أحسن اللَّه ما بينه و بين الناس » على ما في ( الطبعة المصرية
و ابن أبي الحديد )
، و لكن في ( ابن ميثم
و النسخة الخطية ) : « كفاه اللَّه ما بينه و بين الناس »
.
قال الصادقعليهالسلام
: ما نقل اللَّه عبدا من ذلّ المعاصي إلى عزّ التقوى إلاّ أغناه من غير مال و أعزّه من غير عشيرة و آنسه من غير بشر
.
و في الأول « و من أصلح أمر آخرته أصلح اللَّه له أمر دنياه » و في الثاني « و من عمل لدينه كفاه اللَّه أمر دنياه » قال تعالى : و من يَتّق اللَّه يَجعَل لهُ مخرجا .
(
و يَرزُقُه من حيثُ لا يَحتَسبُ
)
.
و عن عيسىعليهالسلام
: أوحى اللَّه تعالى إلى الدّنيا : من خدمني فاخدميه ، و من خدمك فاستخدميه
.
و عن الباقرعليهالسلام
: قال تعالى : و عزّتي و جلالي لا يؤثر عبد مؤمن هواي على هواه في شيء من أمر الدّنيا إلاّ جعلت غناه في نفسه و همّه في آخرته ، و ضمنت السماوات و الأرض رزقه ، و كنت له من وراء تجارة كلّ تاجر
.
و في ( المروج ) كان إسحاق بن إبراهيم بن مصعب على بغداد أي : في خلافة المتوكل فرأى في منامه كأنّ النبيصلىاللهعليهوآله
يقول له « أطلق القاتل » ، فارتاع لذلك روعا عظيما و نظر في الكتب الواردة لأصحاب الحبوس فلم يجد فيها ذكر قاتل ، فأمر باحضار السندي و عباس فسألهما هل رفع إليهما أحد ادّعي عليه بالقتل فقال له العباس : نعم و قد كتبنا بخبره ، فأعاد النظر فوجد الكتاب في أضعاف القراطيس و اذا الرجل قد شهد عليه بالقتل و أقر به ، فأمر باحضاره و قال له : إن صدقتني أطلقتك ، فذكر أنّه كان هو وعدّة من أصحابه يرتكبون كلّ عظيمة و يستحلّون كلّ محرم و أنّه كان اجتماعهم في منزل بمدينة المنصور يعكفون فيه على كلّ بلية ، فلمّا كان في هذا اليوم جاءتهم عجوز تختلف إليهم للفساد و معها جارية بارعة الجمال ، فلمّا توسط الجارية الدار صرخت صرخة ، فبادرت إليها من بين أصحابي فأدخلتها بيتا و سكّنت روعتها و سألتها عن قصتها فقالت : اللَّه اللَّه فيّ فإنّ هذه العجوز خدعتني و أعلمتني أنّ في خزانتها حقا لم ير مثله ، فشوّقتني إلى النظر إليه فخرجت معها واثقة بقولها فهجمت بي عليكم ، و جدّي رسول اللَّهصلىاللهعليهوآله
و امّي فاطمةعليهاالسلام
و أبي الحسن بن عليعليهماالسلام
فاحفظوهم فيّ ، فضمنت خلاصها و خرجت إلى أصحابي فعرّفتهم ، فكأنّي أغريتهم بها و قالوا : لمّا قضيت حاجتك منها أردت صرفنا عنها ، و بادروا إليها و قمت دونها أمنع عنها ، فتفاقم الأمر بيننا إلى أن نالتني جراح ، فعمدت إلى أشدّهم في أمرها و أكلبهم على هتكها فقتلته ، و لم
أزل أمنع عنها إلى أن خلّصتها و أخرجتها من الدار فقالت : سترك اللَّه كما سترتني و كان لك كما كنت لي و سمع الجيران الضجّة فتبادروا إلينا و السكين في يدي و الرجل يتشحّط في دمه ، فرفعت على هذه الحالة فقال له إسحاق : قد عرفت لك ما كان من حفظك للمرأة و وهبتك للَّه و لرسوله قال :
فوحق من وهبتني له لا عاودت معصية و لا دخلت في ريبة حتى ألقى اللَّه تعالى ، فأخبره إسحاق بالرؤيا التي رآها و أنّ اللَّه لم يضيّع له ذلك ، و عرض عليه برّا واسعا فأبى قبول شيء
.
و في ( المعجم ) عن المبرد أنّ يهوديا بذل للمازني مائة دينار ليقرئه كتاب سيبويه ، فامتنع من ذلك فقيل : لم امتنعت مع حاجتك و عيلتك ؟ فقال : إنّ في كتاب سيبويه كذا و كذا آية من كتاب اللَّه فكرهت أن أقرىء كتاب اللَّه للذمة ، فلم يمض على ذلك إلاّ مديدة حتى أرسل الواثق في طلبه و أخلف اللَّه عليه أضعاف ما تركه للَّه ، فبعث إليه يسأله عن قول الشاعر :
أظليم إن مصابكم رجلا
|
|
أهدى السّلام تحية ظلم
|
هل يصحّ رفع « رجل » ؟ فأجابه : لا لأنّه ليس بخبر و إنّما الخبر « ظلم » لأن به يتمّ الكلام ، فأمر له بألف دينار و في كل شهر مائة
.
و في الأول : « و من كان له من نفسه واعظ كان عليه من اللَّه حافظ » قال تعالى :
(
و الَّذينَ جاهَدُوا فينا لَنهديَنَّهُم سُبلنا
)
و في الثاني : « من أصلح سريرته
أصلح اللَّه علانيته » نقل كشكول البهائي
عن تفسير القاضي
قال : روى الحارث الهمداني عن أمير المؤمنين كرّم اللَّه وجهه قال : قال النبيصلىاللهعليهوآله
: يا علي ما من عبد إلاّ و له جوّاني و برّاني يعني سريرة و علانية فمن أصلح جوانيه أصلح اللَّه برّانيه ، و من أفسد جوانيه أفسد اللَّه برانيه ، و ما من أحد إلاّ و له صيت في أهل السماء ، فإذا حسن وضع اللَّه له ذلك في أهل الأرض ، و إذا ساء صيته في السماء وضع له ذلك في الأرض ، فسئل عن صيته ما هو ، قال : ذكره .
و أقول : الصيت يقال له بالفارسية : « آوازه » .
٤٥ الحكمة ( ١٠٦ ) و قالعليهالسلام
:
لاَ يَتْرُكُ اَلنَّاسُ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ لاِسْتِصْلاَحِ دُنْيَاهُمْ إِلاَّ فَتَحَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُوَ أَضَرُّ مِنْهُ في ( الكافي ) عن الصادقعليهالسلام
، ما من عبد يمنع درهما في حقّه إلاّ أنفق اثنين في غير حقّه ، و ما من رجل يمنع حقّا من ماله إلاّ طوقه اللَّه تعالى به حيّة من نار يوم القيامة
.
و في ( الفقيه ) عن الباقرعليهالسلام
: ما من عبد يؤثر على الحجّ حاجة من حوائج الدنيا إلاّ نظر إلى المحلّقين قد انصرفوا قبل أن يقضى له تلك الحاجة
.
و في ( الكافي ) عن الصادقعليهالسلام
قال لسماعة : مالك لا تحجّ العام ؟ قال :
معاملة كانت بيني و بين أقوام و أشغال و عسى أن يكون ذلك خيره فقال : لا
و اللَّه ما فعل اللَّه لك في ذلك من خيره ثم قال : ما حبس عبد عن هذا البيت إلاّ بذنب و ما يعفو أكثر
.
و عنهعليهالسلام
: إذا قام العبد في الصلاة فخفّف صلاته قال تعالى لملائكته :
أما ترون إلى عبدي كأنّه يرى ان قضاء حوائجه بيد غيري ، أما يعلم أن قضاء حوائجه بيدي
.
٤٦ الحكمة ( ١١٤ ) و قالعليهالسلام
:
إِذَا اِسْتَوْلَى اَلصَّلاَحُ عَلَى اَلزَّمَانِ وَ أَهْلِهِ ثُمَّ أَسَاءَ رَجُلٌ اَلظَّنَّ بِرَجُلٍ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ خَزْيَةٌ فَقَدْ ظَلَمَ هكذا في ( الطبعة المصرية )
و يصدقها ابن ميثم
و في ابن أبي الحديد بدل « خزية » حوبة
، و المعنى واحد لكن ما هنا أجود .
قال ابن أبي الحديد : روى جابر أنّ النبيصلىاللهعليهوآله
نظر إلى الكعبة فقال : ما أعظم حرمتك ، و إنّ المؤمن أعظم حرمة منك ، لأنّ اللَّه تعالى حرّم منك واحدة و من المؤمن ثلاثة : دمه و ماله و أنّ يظنّ به الظنّ السّوء
.
« و إذا استولى الفساد على الزمان و أهله فأحسن رجل الظن برجل فقد غرّر » قال ابن أبي الحديد : قال شاعر :
و قد كان حسن الظن بعض مذاهبي
|
|
فأدّبني هذا الزمان و أهله
|
و قيل لصوفي : ما صناعتك ؟ قال حسن الظن باللَّه و سوء الظن بالناس
.
قلت : كلامهعليهالسلام
هنا من حيث الزمان ، و أمّا من حيث الشخص فقد قالعليهالسلام
كما في ( ١٥٩ ) من وضع نفسه مواضع التهمة فلا يلومنّ من أساء به الظنّ .
٤٧ الحكمة ( ١٢١ ) و قالعليهالسلام
:
شَتَّانَ مَا بَيْنَ عَمَلَيْنِ عَمَلٍ تَذْهَبُ لَذَّتُهُ وَ تَبْقَى تَبِعَتُهُ وَ عَمَلٍ تَذْهَبُ مَئُونَتُهُ وَ يَبْقَى أَجْرُهُ أقول : هكذا في ( الطبعة المصرية ) « ما بين » و الصواب : ( بين ) بدون « ما » كما في ابن أبي الحديد و ابن ميثم و النسخة الخطية
.
و روي انّهعليهالسلام
كان أيام إقامته بالكوفة يبكّر كلّ يوم إلى السوق و يعظهم صنفا صنفا و يقول : قدّموا الاستخارة ، و تبرّكوا بالسهولة ، و اقتربوا من المبتاعين ، و تزيّنوا بالحلم ، و تناهوا عن اليمين ، و جانبوا الكذب ، و تجافوا عن الظلم ، و أنصفوا المظلومين ،(
و لا تبخسوا النّاسَ أشياءهُم و لا تَعثَوا في الأرض مُفسِدِينَ
)
ثم ينادي :
تفنى اللّذاذة ممّن نال صفوتها
|
|
من الحرام و يبقى الإثم و العار
|
تبقى عواقب سوء في مغبّتّها
|
|
لا خير في لذّة من بعدها النار
|
٤٨ الحكمة ( ٤٣٣ ) و قالعليهالسلام
:
اُذْكُرُوا اِنْقِطَاعَ اَللَّذَّاتِ وَ بَقَاءَ اَلتَّبِعَاتِ فِي الذُّنُوبِ و المَعَاصِي حَتَّى يَسْهُلَ عَلَيْكُمْ تَرْكُهَا وَ يَكْبُرَ عَلَيْكُمُ ارْتِكَابُهَا و في ( دعاء التوبة ) : من ذنوب أدبرت لذاتها فذهبت و أقامت تبعاتها فلزمت ، و قال الشاعر :
ما كان ذاك العيش إلاّ سكرة
|
|
رحلت لذاذتها و حلّ خمارها
|
٤٩ الحكمة ( ١٢٦ ) و قالعليهالسلام
:
عَجِبْتُ لِلْبَخِيلِ يَسْتَعْجِلُ اَلْفَقْرَ اَلَّذِي مِنْهُ هَرَبَ وَ يَفُوتُهُ اَلْغِنَى اَلَّذِي إِيَّاهُ طَلَبَ فَيَعِيشُ فِي اَلدُّنْيَا عَيْشَ اَلْفُقَرَاءِ وَ يُحَاسَبُ فِي اَلْآخِرَةِ حِسَابَ اَلْأَغْنِيَاءِ وَ عَجِبْتُ لِلْمُتَكَبِّرِ اَلَّذِي كَانَ بِالْأَمْسِ نُطْفَةً وَ يَكُونُ غَداً جِيفَةً وَ عَجِبْتُ لِمَنْ شَكَّ فِي اَللَّهِ وَ هُوَ يَرَى خَلْقَ اَللَّهِ وَ عَجِبْتُ لِمَنْ نَسِيَ اَلْمَوْتَ وَ هُوَ يَرَى اَلْمَوْتَى وَ عَجِبْتُ لِمَنْ أَنْكَرَ اَلنَّشْأَةَ اَلْأُخْرَى وَ هُوَ يَرَى اَلنَّشْأَةَ اَلْأُولَى وَ عَجِبْتُ لِعَامِرٍ دَارَ اَلْفَنَاءِ وَ تَارِكٍ دَارَ اَلْبَقَاءِ في ( الطبري ) قيل لجعفر بن محمدعليهالسلام
: إنّ المنصور يعرف بلباس جبّة هروية مرقوعة و انه يرقع قميصه ، فقالعليهالسلام
: الحمد للَّه الذي لطف له حتى ابتلاه بفقر نفسه أو قال بالفقر في ملكه .
و قال محمد بن سليمان الهاشمي : بلغني أنّ المنصور أخذ الدواء في يوم شائت شديد البرد ، فأتيته أسأله عن موافقة الدواء ، فادخلت مدخلا من القصر لم أدخله قط ، ثم صرت إلى حجرة صغيرة و فيها بيت واحد و رواق بين يديه في عرض البيت و عرض الصحن على أسطوانة ساج و قد سدل على وجه الرواق بواري كما يصنع بالمساجد ، فدخلت فإذا في البيت مسح ليس فيه شيء غيره إلاّ فراشه و مرافقه و دثاره ، فقلت له : هذا بيت أربأبك عنه فقال : يا عم هذا بيت مبيتي قلت له : ليس هنا غير الذي أرى قال : ما هو إلاّ ما ترى .
و مثل البخيل مثل الطائر الذي لا يروى من البحر لئلاّ ييبس ، و الدود الذي لا يشبع من التراب لئلاّ يفنى .
و قال واضع مولى المنصور : قال لي المنصور : انظر ما عندك من الثياب الخلقان فاجمعها و جئني بها و ليكن معها رقاع ، ففعلت و دخل عليه المهدي و هو يقدّر الرقاع فضحك و قال : من هاهنا يقول الناس : نظروا في الدينار و الدرهم و ما دون ذلك و لم يقل دانق فقال المنصور : إنّه لا جديد لمن لا يصلح خلقه ، و هذا الشتاء قد حضر و نحتاج إلى كسوة للعيال و الولد فقال المهدي : فعليّ كسوتك و كسوة عيالك و ولدك فقال له : دونك فافعل .
.
كان عمله هكذا مع انّه قال لابنه : قد جمعت لك من الأموال ما ان كسر عليك الخراج عشر سنين كان عندك كفاية لأرزاق الجند و النفقات و عطاء الذرية و مصلحة الثغور .
« فيعيش في الدنيا عيش الفقراء و يحاسب في الآخرة حساب الأغنياء » في ( الكافي ) عن الصادقعليهالسلام
: إنّ فقراء المؤمنين يتقلّبون في رياض الجنّة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا و قال : سأضرب لك مثل ذلك ، إنّما مثله مثل سفينتين
مرّ بهما على عاشر ، فنظر في إحداهما فلم ير فيها شيئا فقال : أسربوها ، و نظر في الاخرى فإذا هي موقرة فقال : إحبسوها .
و عنهعليهالسلام
: إذا كان يوم القيامة قام عنق من الناس حتى يأتوا باب الجنّة فيقولون : من أنتم ؟ فيقولون : نحن الفقراء فيقال لهم : أقبل الحساب فيقولون :
ما أعطيتمونا شيئا تحاسبونا عليه فيقول اللَّه تعالى : صدقوا ، ادخلوا الجنّة
.
« و عجبت للمتكبّر الذي كان بالأمس نطفة و يكون غدا جيفة » و خرج من مبال إلى مبال ثم يخرج منه ، فإن لم يخرج من الثاني فمن الأول لا محالة .
فقالوا : كان أحمد بن سهل و هو من ولد يزدجرد ماتت امّه و هو في بطنها ، فشق عنه فكان يتيه على الناس ، و إذا شتم أحدا قال له : ابن البضع ، و كان يفخر على أبناء الملوك بأنّه لم يخرج من بضع
.
« و عجبت لمن شكّ في اللَّه و هو يرى خلق اللَّه » مع عدم تجويز عقل حصول بناء محقّر بدون بان ، و قال تعالى :(
أَلم يأتِكُم نَبأُ الّذين من قَبلكم قوم نُوحٍ و عادٍ و ثَمودَ و الّذين من بَعدِهم لا يَعلمُهُم إِلاّ اللَّه جَاءَتهُم رُسُلهم بالبيّنات فردُّوا أيديهم في أَفواهِهِم و قالوا إِنّا كفرنا بما اُرسلتُم بِهِ و إِنّا لَفي شك ممّا تدعوننا إِليه مُريب قالت رُسُلهم أَفي اللَّه شكّ فاطِر السّماوات و الأرض
)
.
« و عجبت لمن نسي الموت و هو يرى الموتى » هكذا في ( الطبعة المصرية )
، و الصواب ما في ( ابن أبي الحديد
و ابن ميثم )
و النسخة
الخطية
( و هو يرى من يموت ) لصحّة تلك النسخ دون الطبعة المصرية ، و لأنّ العجب في رؤية أحياء مثله يموتون و ينساه دون مجرّد رؤية موتى لاحتمال حكم وهمه بكونهم أمواتا أبدا ، و أما الذين رآهم ماتوا فلا مجال لحكم و هم فيهم .
ثمّ العجب أنّه يرى أنّ أكثرهم كان منه أشدّ قوّة و أصحّ مزاجا و أسمن بدنا و أكثر أملا و ينسى .
و في الخبر : ما خلق اللَّه يقينا أشبه بالشكّ من الموت
.
« و عجبت لمن أنكر النشأة الاخرى و هو يرى النشأة الأولى » أَوَ لَم يرَ الإنسانُ أَنّا خَلقناهُ مِن نُطفَةٍ فإذا هُو خَصيمٌ مبين و ضَرَبَ لَنا مَثلاً وَ نَسي خَلقَه قالَ مَن يُحيي العِظامَ و هي رَميم(
قُل يُحييها الّذي أَنشأها أَوّلَ مرّةٍ وَ هو بِكُلِّ خَلقٍ عَليم
)
أَو لَيسَ الَّذي خَلَقَ السَّماواتِ و الأرض بقادرٍ عَلى أَن يَخلقَ مِثلَهم بَلى وَ هُو الخَلاّقُ العليم إِنّما أَمرُهُ إِذا أَرادَ شَيئاً أَن يَقولَ لَهُ كُن فيكون(
فَسُبحانَ الّذي بِيَده مَلكُوتُ كُلِّ شَيءٍ و إِليهِ تُرجَعُون
)
.
« و عجبت لعامر دار الفناء و تارك دار البقاء »(
انّما هذه الحياة الدُّنيا متاع و إنَّ الآخرة هي دار القرار
)
.
هذا ، و في الخبر : عجبت لأقوام يحتمون من الطعام مخافة الأذى كيف لا يحتمون من الذنوب مخافة النار ، عجبت لمن يشتري المماليك بماله كيف لا
يشتري الأحرار بمعروفه
.
٥٠ الحكمة ( ١٢٧ ) و قالعليهالسلام
:
مَنْ قَصَّرَ فِي اَلْعَمَلِ اُبْتُلِيَ بِالْهَمِّ وَ لاَ حَاجَةَ لِلَّهِ فِيمَنْ لَيْسَ لِلَّهِ فِي مَالِهِ وَ نَفْسِهِ نَصِيبٌ أقول : هكذا في ( الطبعة المصرية )
من كون الجميع عنوانا واحدا ، لكن ابن أبي الحديد
جعل قوله « و لا حاجة . » عنوانا آخر ، و الأصحّ ما هنا لتصديق ابن ميثم
له و نسخته من النهج بخط المصنف .
( من قصّر في العمل ابتلي بالهم ) و المراد أنّ من قصّر في عمل من الدنيا أو الآخرة كان الإتيان به واجبا و قصّر فيه يبتلى بالهمّ و الحسرة لم قصّر ، قال تعالى في الثاني(
و اتَّبعُوا أَحسَنَ ما اُنزلَ إِليكم من ربِّكم من قَبل أَن يأتيكم العذابُ بَغتةً و أَنتُم لا تَشعُرون أن تقول نفسٌ يا حَسرتى على ما فَرَّطتُ في جَنبِ اللَّه و إن كُنتُ لَمِنَ الساخرين
)
.
« و لا حاجة للَّه في من ليس للَّه في ماله و نفسه نصيب » هكذا في ( الطبعة المصرية )
و الصواب ما في ابن أبي الحديد و ابن ميثم ( و لا حاجة للَّه في من
ليس في نفسه و ماله نصيب ) فوقع في ( الطبعة المصرية ) زيادة و تقديم و تأخير .
أراد النبيصلىاللهعليهوآله
نكاح امرأة كلبية أو سلمية ، فقال أبوها : من صفتها كذا و كذا و كفاك من صحّة بدنها أنّها لم تمرض قط و لم تصدع فقالصلىاللهعليهوآله
: لا حاجة لنا فيها
.
قال البلاذري : قال بعضهم : عرض الضحّاك الكلابي ابنته على النبيّصلىاللهعليهوآله
و قال : إنها لم تمرض و لم تصدع فقالصلىاللهعليهوآله
: لا حاجة لنا فيها و قال الكلبي : التي قال أبوها انها لم تصدع قط و عرضها على النبي فقال لا حاجة لنا بها سلمية و أما الكلابية فاختارت قومها فذهبت عقلها فكانت تقول : أنا الشقية
.
و في ( الكافي ) عن الصادقعليهالسلام
: دعي النبيّصلىاللهعليهوآله
إلى طعام فنظر إلى دجاجة فوق حائط قد باضت فتقع البيضة على وتد في حائط فتثبت عليه ، فتعجب النبيصلىاللهعليهوآله
فقال له الرجل : أعجبت من هذه البيضة فو الذي بعثك بالحق ما رزئت شيئا قط فنهض النبي و لم يأكل شيئا من طعامه و قال : من لم يرزأ فما للَّه فيه من حاجة
.
و قال ابن أبي الحديد بروي أنّه دخل على النبيصلىاللهعليهوآله
أعرابي ذو جثمان عظيم ، فقال له متى عهدك بالحمّى قال : ما أعرفها قال : بالصداع ؟ قال : ما أدري ما هو قال : فاصبت بمالك ؟ قال : لا قال : فرزئت بولدك ؟ قال : لا فقالصلىاللهعليهوآله
: إنّ اللَّه تعالى ليكره العفريت النفريت الذي لا يرزأ في ولده و لا يصاب بماله
.
و عن النبيصلىاللهعليهوآله
قال لأصحابه : أيّكم يحبّ أن يصح فلا يسقم ؟ قالوا :
كلّنا قال : أتحبّون أن تكونوا كالحمر الصائلة ، ألا تحبّون أن تكونوا أصحاب بلايا و أصحاب كفّارات ، و الذي بعثني بالحق إنّ الرجل ليكون له الدرجة في الجنّة و لا يبلغها بشيء من عمله فيبتليه اللَّه ليبلغه تلك الدرجة
.
و في الخبر : مرّ موسىعليهالسلام
برجل كان يعرفه مطيعا للَّه تعالى قد مزقت السباع لحمه ، فوقف متعجّبا فاوحي إليه : إنّه سألني درجة لم يبلغها بعمله فجعلت له سبيلا بذلك
.
و عن جابر رفعه : يود أهل العافية يوم القيامة أنّ لحومهم كانت تقرض بالمقاريض لمّا يرون من ثواب أهل البلاء
.
و عن النبيصلىاللهعليهوآله
: ان اللَّه ليتعاهد عبده المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الوالد ولده بالطعام ، و اللَّه يحمي عبده المؤمن كما يحمي أحدكم المريض من الطعام
.
٥١ الحكمة ( ١٢٨ ) و قالعليهالسلام
:
تَوَقَّوُا اَلْبَرْدَ فِي أَوَّلِهِ وَ تَلَقَّوْهُ فِي آخِرِهِ فَإِنَّهُ يَفْعَلُ فِي اَلْأَبْدَانِ كَفِعْلِهِ فِي اَلْأَشْجَارِ أَوَّلُهُ يُحْرِقُ وَ آخِرُهُ يُورِقُ قال ابن ميثم إنّما وجب اتّقاء البرد في أوّله لأنّ الصيف و الخريف يشتركان في اليبس ، فإذا ورد البرد ورد على أبدان استعدت بحرارة الصيف
و يبسه للتخلخل و تفتح المسام ، فاشتد انفعال البدن عنه و أسرع في قهر الحرارة الغريزية فيقوى في البدن البرد و اليبس و هما طبيعة الموت ، فيكون بذلك يبس الأشجار و ضمور الأبدان ، و وجب تلقّيه في آخره لأن الشتاء و الربيع يشتركان في الرطوبة و يفترقان بأنّ الشتاء بارد و الربيع حار ، فالبرد المتأخّر إذا امتزج بحرارة الربيع و انكسرت سورتها بها لم يكن له بعد ذلك نكاية في الأبدان ، فقويت الحرارة الغريزية و كان منه النمو و قوّة الأبدان و بروز الأوراق و الثمار
.
٥٢ الحكمة ( ١٤١ ) و قالعليهالسلام
:
قِلَّةُ اَلْعِيَالِ أَحَدُ اَلْيَسَارَيْنِ أقول : هو من حديثهعليهالسلام
في الأربعمائة ، و نظيره قولهم : « العيال سوس المال » و قيل : « لا مال لكثير العيال » .
هذا ، و في ( الطبري ) قال الوضين بن عطاء : استزارني المنصور و كانت بيني و بينه خلالة قبل الخلافة ، فصرت إلى بغداد فخلونا يوما فقال لي : ما مالك ؟ قلت : القدر الذي يعرفه الخليفة قال : و ما عيالك ؟ قلت : ثلاث بنات و المرأة و خادم لهن فقال : أربع في بيتك ؟ قلت : نعم فو اللَّه لردد ذلك عليّ حتى ظننت انّه سيموّلني ثم رفع رأسه الي فقال لي : أنت أيسر العرب أربع مغازل يدرن في بيتك
.
٥٣ الحكمة ( ١٤٢ ) و قالعليهالسلام
:
اَلتَّوَدُّدُ نِصْفُ اَلْعَقْلِ و الحكمة ( ١٤٣ ) و قالعليهالسلام
:
اَلْهَمُّ نِصْفُ اَلْهَرَمِ أقول : هكذا في ابن أبي الحديد جعلهما عنوانين
، و أخذ منه ( الطبعة المصرية الثانية ) و اما الأولى فليس الأول فيه رأسا
، و الصواب كون الكلامين عنوانا واحدا كما في ابن ميثم لأن نسخته بخط المصنّف
، و لأنّهما في سياق واحد ، و لأن في مستندهما هما معا ، فرواه مناقب ابن الجوزي كذلك
، بل هما جزء العنوان السابق « قلّة العيال أحد اليسارين » كما في ابن أبي الحديد و النسخة الخطية
و إنّ جعله ابن أبي الحديد أيضا مستقلا .
ثم قال ابن أبي الحديد في شرح عنوانه الأول : كأن يقال : قلّ من تودّد إلاّ صار محبوبا و المحبوب مستور العيوب و قال في الثاني : قال الشاعر :
هموم قد أبت إلاّ التباسا
|
|
تبتّ الشّيب في رأس الوليد
|
و تقعد قائما بشجا حشاه
|
|
و تطلق للقيام جثى القعود
|
و أضحت خشّعا منها نزار
|
|
مركّبة الرواجب في الخدود
|
و قال أبو تمام :
شاب رأسي و ما رأيت مشيب
|
|
الرأس إلاّ من فضل شيب الفؤاد
|
كذلك
القلوب في كلّ بؤس
|
|
و نعيم طلايع الأجساد
|
طال انكاري البياض و لو عمّر
|
|
ت شيئا أنكرت لون السّواد
|
قلت : و في ( الطبري ) قال ابن هبيرة : ما رأيت رجلا قط في حرب و لا سمعت به في سلم أمكر و لا أبدع و لا أشد تيقّظا من المنصور ، لقد حصرني في مدينتي تسعة أشهر و معي فرسان العرب ، فجهدنا كلّ الجهد أن ننال من عسكره شيئا نكسره به و ما تهيّا ، و لقد حصرني و ما في رأسي بيضاء فخرجت إليه و ما في رأسي سوداء
.
٥٤ الحكمة ( ١٥٧ ) و قالعليهالسلام
:
قَدْ بُصِّرْتُمْ إِنْ أَبْصَرْتُمْ وَ قَدْ هُدِيتُمْ إِنِ اِهْتَدَيْتُمْ وَ أُسْمِعْتُمْ إِنِ اِسْتَمَعْتُمْ التبصير التعريف و الايضاح ، و أمّا الأبصار فقد يجيء بمعنى التبصير كما في قوله تعالى(
فلَمّا جاءَتهُم آياتُنا مبصِرَةً
)
و قد يجيء بمعنى الرؤية كما في قولهعليهالسلام
هذا .
و الأصل في كلامهعليهالسلام
قوله تعالى(
قَد جاءَكُم بصائِرُ من ربِّكم فمَن أَبصَرَ فَلِنَفسِه و من عَمي فَعَليها و ما أَنا عليكُم بِحفيظٍ
)
.
« و قد هديتم ان اهديتم »(
فمن تبع هداي فلا خَوفٌ عليهم و لا هم يحزَنون
)
(
قُل يا أيُّها الناسُ قد جاءَكم الحقُّ من ربّكُم فَمَن اهتَدى فإنّما يهتدي لِنَفسه و من ضَلَّ فإنّما يَضلُّ عليها و ما أَنا عليكُم بوَكيلٍ
)
.
« و اسمعتم إن استمعتم »(
فَبَشِّر عِباد الذين يستَمِعُون القَولَ فيتَّبِعُون أَحسنه أولئك الذين هداهُم اللَّه و أولئكَ هُم اُولوا الأَلبابِ
)
(
و ما أنت بمسمع من في القبور
)
(
و لو ترى إذ المُجرمون ناكسوا رؤُوسهم عندَ ربهم ربَّنا أَبصرنا و سَمعنا فأرجعنا نعمَل صالحاً إِنّا موقنون
)
.
٥٥ الحكمة ( ١٦٤ ) و قالعليهالسلام
:
مَنْ قَضَى حَقَّ مَنْ لاَ يَقْضِي حَقَّهُ فَقَدْ عَبَدَهُ قرأ ابن أبي الحديد « عبده » بالتشديد ، فجعل مدحا
، و قرأه ابن ميثم بالتخفيف
فجعله ذمّا .
قال الأول : المعنى مدح من يقضي حق من لا يقضي حقّه لأنّه استعبده ، لأنّه ما فعل به ما فعل مكافأة بل انعاما مبتدئا .
و قال الثاني : أي قضاء حق من كان كذلك في صورة عبادة له .
قلت : و الأظهر الثاني ، لأن في خط الرضي لا بد أنّه كان بلا تشديد ، لأن نسخة ابن ميثم
من النهج كانت بخطه ، و لأن المعنى الذي ذكر ابن أبي الحديد
ليس بصحيح ، فليس كل من تقضي حقّه و هو ما قضى حقك تستعبده كما هو مقتضى عموم « من » ، لاحتمال كون صاحبك رذلا غير أهل ، مع عدم مناسبة « لا يقضي » الظاهر في الاستمرار مع تعبيده ، فإذا صار عبده لا بدّ أن يقضي حقه كاملا ، و إنّما كان مناسبا لو كان بلفظ « لم يقض » و بالجملة ما ذكره ابن أبي الحديد غير جيّد لفظا و معنى .
٥٦ الحكمة ( ١٦٩ ) و قالعليهالسلام
:
قَدْ أَضَاءَ اَلصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ أقول : قد ذكره العسكري
و الميداني
في كتابيهما في الأمثال بدون أن يبيّنا أصله .
و قد ذكره الجرجاني في كنايته مع ذكر أصل له ، فقال : قرأت في كتاب الأمثال عن مؤرّج بن عمرو السدوسي قال : حدّث أبو خالد الكلابي أنّ الأحوص بن جعفر اتي فقيل له : أتانا رجل لا نعرفه ، فلمّا دنا من القوم حيث يرونه نزل عن راحلته فعلّق و طبا من لبن و وضع في بعض أغصان شجرة حنظلة و وضع صرّة من تراب و صرّة شوك ، ثم استوى على راحلته فنظر القوم و الأحوص من أمره ، فقال الأحوص : أرسلوا إلى قيس بن زهير ،
فأرسلوا إليه فأتى فقال له الأحوص : ألم تخبرني أنّه لا يرد عليك أمر إلاّ عرفت مأتاه ما لم ترم بنواصي الخيل فقال : ما الخبر ؟ فأعلمه فقال : « قد تبيّن الصبح لذي عينين » فصار مثلا يضرب لوضوح الشيء قال : أمّا صرّة التراب فإنّه يزعم أنّه قد أتاكم عدد كثير ، و أمّا الحنظلة فإنّ حنظلة أتاكم و قد أدركتكم ، و أمّا الشوك فإنّ لهم شوكة ، و أمّا اللبن فدليل على مقدار قرب القوم و بعدهم ، فإن كان حلوا فقد أتتكم الخيل و ان كان لا حلوا و لا حامضا فعلى قدر ذلك ، و إنّما ترك الكلام لأنّه اخذت عليه العهود ، و قال : أنذرتكم
.
فإن كان الأصل في المثل قيس بن زهير كما روى فلا بدّ أنّهعليهالسلام
تمثّل به لا أنّهعليهالسلام
الأصل كما فعل المصنّف .
٥٧ الحكمة ( ١٧١ ) و قالعليهالسلام
:
كَمْ مِنْ أَكْلَةٍ مَنَعَتْ أَكَلاَتٍ هكذا في ( الطبعة المصرية ) بلفظ « منعت »
و يصدقها ابن ميثم
و لكن في ابن أبي الحديد
و الخطية
بدله « تمنع » و ما هنا أنسب و أصحّ حيث إنّ نسخة ابن ميثم بخط مصنفه .
في بخلاء الجاحظ : كان الحكم بن أيوب الثقفي عاملا للحجّاج على البصرة و استعمل على العراق جرير بن بيهس المازني و لقب جرير العطرّق
فخرج الحكم يتنزه و هو باليمامة ، فدعا العطرّق إلى غذائه ، فأكل معه فتناول درّاجة كانت بين يديه ، فعزله و ولّى مكانه نويرة المازني ابن عمه ، فقال نويرة :
قد كان في العرق صيد لو قنعت به
|
|
غنى لك عن درّاجة
الحكم
|
و في عوارض لا تنفكّ تأكلها
|
|
لو كان يشفيك لحم الجزر من قرم
|
و بلغ الحكم ان نويرة ابن عم جرير العطرق فعزله فقال نويرة :
أبا يوسف لو كنت تعرف طاعتي
|
|
و نصحي إذا ما بعتني بالمحلّق
|
و لا انهلّ سرّاق العراقة صالح
|
|
عليّ و لا كلّفت ذنب العطرّق
|
و تناول رجل من قدام أمير كان لنا ضخم بيضة ، فقال خذها فانّها بيضة القروء فلم يزل محجوبا حتى مات
.
و قال ابن أبي الحديد كان الطعام الذي مات منه سليمان أنّه قال لديرانيّ كان صديقه قبل الخلافة : ويحك لا تقطعني ألطافك التي كنت تلطفني بها قال :
فأتيته بزنبيلين كبيرين أحدهما بيض مسلوق و الآخرتين قال : ألقمنيها فكنت أقشر البيضة و أقرنها بالتينة و القمه حتى أتى على الزنبيلين ، فأصابته تخمة عظيمة و مات
.
هذا ، و قد كان ابن عيّاش المنتوف يمازح المنصور فيحتمله على انّه كان جدّا كله فقدم المنصور يوما لجلسائه ببطة كثيرة الدهن ، فأكلوا و جعل
يأمرهم بالازدياد من الأكل لطيبها ، فقال له ابن عياش علمت غرضك انما تريد أن ترميهم منها بالهيضة فلا يأكلوا إلاّ عشرة أيام
.
و في المثل : « أكلة أبي خارجة » ، قال أعرابي بباب الكعبة : « اللّهم ميتة كميتة أبي خارجة » فسألوه فقال : أكل حملا و شرب وطبا من اللبن و تروّى من النبيذ و نام في الشمس فمات ، فلقي اللَّه شبعان ريّان دفئان
.
و ورد أعرابيّ على الحجّاج فقدّم له الطعام و كان مع الطعام حلواء ، فقعد الأعرابي يأكل و ينظر إلى الحجّاج نظرة و إلى الحلواء أخرى ، فقال الحجّاج : كلّ من أكل من هذا الحلواء ضربت عنقه ، ففكّر الأعرابي ساعة و قبض على لحيته ساعة ثم قال للحجّاج : أوصيك في الأولاد خيرا ، و أخذ يأكل فضحك الحجّاج و الحاضرون .
٥٨ الحكمة ( ٢٠٤ ) و قالعليهالسلام
:
لاَ يُزَهِّدَنَّكَ فِي اَلْمَعْرُوفِ مَنْ لاَ يَشْكُرُهُ لَكَ فَقَدْ يَشْكُرُكَ عَلَيْهِ مَنْ لاَ يَسْتَمْتِعُ بِشَيْءٍ مِنْهُ وَ قَدْ تُدْرِكُ مِنْ شُكْرِ اَلشَّاكِرِ أَكْثَرَ مِمَّا أَضَاعَ اَلْكَافِرُ وَ اَللَّهُ يُحِبُّ اَلْمُحْسِنِينَ ١٤ ١٧ ٣ : ١٣٤ أقول : و عن الباقرعليهالسلام
إنّ اللَّه عز و جل جعل للمعروف أهلا من خلقه حبّب إليهم فعاله ، و وجّه لطلاّب المعروف الطلب إليهم ، و يسّر لهم قضاءه كما يسّر الغيث للأرض المجدبة ليحييها و يحيي به أهلها ، و إنّ اللَّه تعالى جعل للمعروف أعداء من خلقه بغّض إليهم المعروف و بغّض إليهم أفعاله ، و حظر على طلاّب
المعروف له الطلب إليهم و حظر عليهم قضاءه كما يحرّم الغيث على الأرض المجدبة ليهلكها و يهلك أهلها
.
و قال ابن أبي الحديد رأى العباس بن مأمون يوما بحضرة المعتصم خاتما في يد إبراهيم بن المهدي ، فاستحسنه فقال له : ما فص هذا الخاتم و من أين حصلته ؟ قال : هذا خاتم رهنته في دولة أبيك و افتككته في دولة الخليفة .
فقال له العباس : إن لم تشكر أبي على حقنه دمك ، فأنت لا تشكر الخليفة على فكّه خاتمك و قال الشاعر :
لعمرك ما المعروف في غير أهله
|
|
و في أهله إلاّ كبعض الودائع
|
فمستودع ضاع الذي كان عنده
|
|
و مستودع ما عنده غير ضائع
|
و ما النّاس في شكر الصنيعة عندهم
|
|
و في كفرها إلاّ كبعض المزارع
|
فمزرعة طابت و أضعف نبتها
|
|
و مزرعة أكدت على كلّ زارع
|
٥٩ الحكمة ( ٢٠٨ ) و قالعليهالسلام
:
مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ رَبِحَ وَ مَنْ غَفَلَ عَنْهَا خَسِرَ وَ مَنْ خَافَ أَمِنَ وَ مَنِ اِعْتَبَرَ أَبْصَرَ وَ مَنْ أَبْصَرَ فَهِمَ وَ مَنْ فَهِمَ عَلِمَ « من حاسب نفسه ربح » في ( الكافي ) عن الكاظمعليهالسلام
: ليس منّا من لم يحاسب نفسه في كلّ يوم ، فإن عمل حسنة استزاد اللَّه تعالى ، و إن عمل سيّئة استغفر اللَّه منها و تاب إليه
.
« و من غفل عنها خسر » عن الباقرعليهالسلام
: لا يغرّنّك الناس من نفسك ، فإنّ الأمر يصل إليك دونهم ، و لا تقطع نهارك بكذا و كذا ، فإنّ معك من يحفظ عليك عملك .
.
« و من خاف أمن » و أمّا من خافَ مقامَ ربِّه و نهى النّفس عن الهوى .
(
فإنّ الجنَّةَ هي المأوى
)
.
« و من اعتبر أبصر » الاعتبار سبب لابصار جديد ، و إن كان هو بإبصار تليد ، قال تعالى :(
فاعتبروا يا اُولي الأَبصار
)
.
« و من أبصر فهم و من فهم علم » حمل الفهم على معرفة المقدّمات ، و العلم على معرفة النتيجة الّتي هي الثمرة الشريفة .
٦٠ الحكمة ( ٢٤٠ ) و قالعليهالسلام
:
اَلْحَجَرُ اَلْغَصِيبُ فِي اَلدَّارِ رَهْنٌ عَلَى خَرَابِهَا أقول هكذا في ( الطبعة المصرية ) بلفظ « الغصيب »
و الصواب :
( الغصب ) كما في ابن أبي الحديد
و ابن ميثم
و النسخة الخطية
، و الغصب هنا بمعنى المغصوب كما في قولهم : « شيء غصب » .
في ( كامل الجزري ) : و في سنة ( ٥٠٠ ) عزل الوزير أبو القاسم عليّ بن جهير و أمر الخليفة بنقض داره التي بباب العامّة و فيها عبرة ، فإنّ أباه أبا نصر بن جهير بناها بأنقاض أملاك الناس و أخذ بسببها أكثر ما دخل فيها فخربت عن قريب
.
و قال ابن أبي الحديد : قال ابن بسّام لابن مقلة لمّا بنى داره بالزاهر ببغداد من الغصب و ظلم الرعية :
بجنبك داران مهدومتان
|
|
و دارك ثالثة تهدم
|
و أشار بالدارين المهدومتين إلى دار ابن الفرات و دار ابن الجرّاح أي :
الوزيرين و قال أيضا :
قل لابن مقلة مهلا لا تكن عجلا
|
|
فإنّما أنت في أضغاث أحلام
|
تبني بأنقاض دور النّاس مجتهدا
|
|
دارا ستنقض أيضا بعد أيّام
|
و صار كما قال ، فنقضت داره في أيام الراضي حتى سوّيت بالأرض
.
« قال الرضي و يروى هذا الكلام عن النبيصلىاللهعليهوآله
» هكذا في ( الطبعة المصرية )
لكن في ابن أبي الحديد « قال الرضي : و قد روي ما يناسب هذا الكلام عن النبيصلىاللهعليهوآله
»
و في ابن ميثم : « و نحو هذا الكلام قول الرسول : اتقوا الحرام في البنيان فإنّه أسباب الخراب »
.
« و لا عجب أن يشتبه الكلامان لأن مستقاهما من قليب » أي : بئر واحدة ، قال أبو عبيد « قليب » البئر العادية القديمة .
« و مفرغهما » من فرغ الماء بالكسر ، أي : انصبّ « من ذنوب » بالفتح ، قال ابن السّكّيت : ذنوب ، دلو فيها ماء قريب من الملا تؤنث و تذكر
، و لا يقال لها ذنوب و هي فارغة .
و في معنى قول المصنف قول البحتري :
عودهما من نبعة و ثراهما
|
|
من تربة و صفاهما من مقطع
|
٦١ الحكمة ( ٢٤١ ) و قالعليهالسلام
:
إِذَا كَثُرَتِ اَلْمَقْدِرَةُ قَلَّتِ اَلشَّهْوَةُ عشق رجل جارية و كان يتحرّق في ذلك ، فقيل له : لم لا تشتريها فإنّها ليست كالحرّة عسرة المطلب ؟ قال : إنّي إن ملكتها تذهب شهوتها و في ذلك أجد لذّة .
٦٢ الحكمة ( ٢٤٧ ) و قالعليهالسلام
:
اَلْكَرَمُ أَعْطَفُ مِنَ اَلرَّحِمِ قال البحتري في إبراهيم بن الحسن بن سهل :
بنعمتكم يا آل سهل تسهّلت
|
|
عليّ نواحي دهري المتوعّر
|
شكرتكم حتى استكان عدوّكم
|
|
و من يول ما أوليتموني يشكر
|
ألست ابنكم دون البنين و أنتم
|
|
أحباء أهلي دون معن و بحتر
|
و كانت خنساء إلى أخيها من أبيها صخر أعطف منها إلى أخيها من أبويها معاوية لكرم صخر إليها
.
و في ( شعراء ابن قتيبة ) : لم تزل خنساء تبكي صخرا حتى عميت و دخلت على عائشة و عليها صدار من شعر ، فقالت لها : ما هذا فو اللَّه لقد مات النبيصلىاللهعليهوآله
فلم ألبس عليه صدارا قالت لها : إن له حديثا ، إنّ أبي زوّجني سيّدا من سادات قومي متلافا معطافا ، فأنفد ماله فقال لي : إلى أين يا خنساء ، فقلت :
إلى أخي صخر ، فأتيناه فقاسمنا ماله و أعطانا خير النصفين ، فأقبل زوجي يعطي و يهب و يحمل حتى أنفده ثم قال لي : إلى أين يا خنساء ؟ قلت : إلى أخي صخر ، فأتيناه و قاسمنا ماله و أعطانا خير النصفين إلى الثالثة ، فقالت له امرأته : أما ترضى أن تقاسمهم مالك حتى تعطيهم خير النصفين فقال لها :
و اللَّه لا أمنحها شرارها
|
|
و لو هلكت قدّدت خمارها
|
و اتّخذت من شعرها صدارها
|
|
فذلك الّذي دعاني إلى لبس الصدار
.
|
ثم كما أن الكرم أعطف من الرحم كذلك المودّة أعطف منها ، قال العتابي :
إنّي بلوت الناس في حالاتهم
|
|
و خبرت ما وصلوا من الأسباب
|
فإذا القرابة لا تقرّب قاطعا
|
|
و إذا المودة أقرب الأنساب
|
٦٣ الحكمة ( ٢٥٤ ) و قالعليهالسلام
:
يَا اِبْنَ آدَمَ كُنْ وَصِيَّ نَفْسِكَ فِي مَالِكَ وَ اِعْمَلْ فِيهِ مَا تُؤْثِرُ أَنْ يُعْمَلَ فِيهِ مِنْ بَعْدِكَ هكذا في ( الطبعة المصرية )
، و لفظ « في مالك » زائدة ، فليس في ابن أبي الحديد
و ابن ميثم
و النسخة الخطية
، و لا يحتاج المعنى إليه .
« و اعمل فيه ما تؤثر أن يعمل فيه من بعدك » هكذا في ( الطبعة المصرية )
و الصواب ما في الثلاثة ( و اعمل في مالك ما تؤثر أن يعمل فيه من بعدك ) فبعد عدم وجود « في مالك » أوّلا كما عرفت ، لا بدّ من ذكره هنا ، يعني أن أغلب الأوصياء لا يعملون و يبدلون ، فإن كنت ناصح نفسك فكن أنت المتصدّي لنفسك .
و في ( سبب وقف غيبة الشيخ ) عن الحسين بن أحمد بن فضّال قال :
كنت أرى عند عمّي علي بن فضّال شيخا من أهل بغداد و كان يهازل عمي فقال له يوما : ليس شرّا منكم يا معشر الشيعة قال له : لم لعنك اللَّه ؟ قال : أنا زوج بنت أحمد بن أبي بشر السرّاج قال لي لمّا حضرته الوفاة : كان عندي عشرة آلاف دينار وديعة لموسى بن جعفرعليهالسلام
فدفعت ابنه عنها بعد موته و شهدت أنّه لم يمت ، فاللَّه اللَّه خلّصوني من النار و سلّموها إلى الرّضا قال :
فو اللَّه ما أخرجنا حبة و لقد تركناه يصلى في نار جهنم
.
و كان السجادعليهالسلام
: كلّما مرض أوصى بوصية فإذا برىء أجرىعليهالسلام
بنفسه ما أوصى به
.
هذا ، و في كنز الكراجكي قال المفيد : دخل رجل صحيح على مريض فقال له : أوص فقال له : بم أوصي و انّما يرثني زوجتاك و اختاك و خالتاك و عمتاك و جدتاك .
و قال في شرح الكلام : إنّ ذاك المريض كان تزوج جدّتي ذاك الصحيح امّ أمّه و امّ أبيه ، فأولد كلّ واحدة منهما ابنتين فابنتاه من جدته امّ أمّه خالتا ذاك الصحيح و ابنتاه من جدّته امّ أبيه عمتا ذاك ، و تزوج الصحيح جدتي المريض و تزوج أبو المريض ام الصحيح فأولدها ابنتين ، و حينئذ فقد ترك المريض إذا مات أربع بنات هما عمتا الصحيح و خالتاه و ترك جدتيه زوجتي الصحيح و ترك زوجتيه جدتي الصحيح و ترك اختيه لأبيه و هما اختا الصحيح لامه ، فلبناته الثلثان و لزوجتيه الثمن و لجدتيه السدس و لاختيه لأبيه ما بقي .
و هذه القسمة على مذهب العامة دون الخاصة
.
اتيت الوليد ضحى عائدا
|
|
و قد خامر اللكب منه السقاما
|
فقلت له أوحي فيما تركت
|
|
فقال الا قد كفيت الكلاما
|
ففي عمتيك و في جدتيك
|
|
و في خالتيك تركت السواما
|
و زوجاك حقهما ثابت
|
|
و اختاك منه تجوز التماما
|
هنالك يا ابن أبي خالد
|
|
ظفرت بعشر حديث السهاما
|
و في ( شعراء القتيبي ) : قيل للحطيئة حين احتضاره : أوص ، فقال : مالي للذكور من ولدي دون الإناث قالوا : فإنّ اللَّه لم يأمر بذلك قال : فإنّي آمر به .
قيل له : قل « لا إله إلاّ اللَّه » قال : ويل للشعر من راوية السوء قيل له : ألا توصي بشيء للمساكين قال : أوصيهم بالمسألة ما عاشوا فإنّها تجارة لن تبور قيل له : أعتق عبدك يسارا قال : هو مملوك ما بقي عبسي قيل له : فلان اليتيم ما توصي له بشيء ؟ قال : أوصيكم أن تأخذوا ماله و تنيكوا امه قيل له : ليس إلاّ هذا قال : إحملوني على حمار فإنّه لم يمت عليه كريم لعلّي أنجو ، ثم قال :
لكلّ جديد لذّة غير أنّني
|
|
وجدت جديد الموت غير لذيذ
|
له خبطة في الحلق ليس بسكّر
|
|
و لا طعم راح يشتهى و نبيذ
|
و مات مكانه
.
٦٤ من غريب كلامه رقم ( ٢ ) و في حديثهعليهالسلام
:
هَذَا اَلْخَطِيبُ اَلشَّحْشَحُ أقول : قال ابن أبي الحديد
قال ابن ميثم
: هذه الكلمة لصعصعة بن صوحان العبدي ، و كفى صعصعة بها فخرا أن يكون مثل عليعليهالسلام
يثني عليه بالمهارة و فصاحة اللسان ، و كان صعصعة من أفصح الناس ذكر ذلك الجاحظ
.
قلت : بل قالعليهالسلام
هذه الكلمة ان صح كونها كلامهعليهالسلام
في شاب من قيس غير معروف ، ففي تاريخ الطبري بعد ذكره خبرا عن كليب الجرمي في أصحاب الجمل إلى أن قال قال كليب و نادىعليهالسلام
بعد ظفره : ألا لا تتبعوا مدبرا و لا تجهزوا على جريح و لا تدخلوا الدور ثم بعث إليهم ان أخرجوا للبيعة ، فبايعهم على الرايات و قال : من عرف شيئا فليأخذه حتى ما بقي في العسكرين شيء إلاّ قبض ، فانتهى إليه قوم من قيس شبان فخطب خطيبهم فقال عليعليهالسلام
:
أين امراؤكم ؟ فقال الخطيب : أصيبوا تحت نظار الجمل ثم أخذ في خطبته فقال عليعليهالسلام
أما ان هذا لهو الخطيب الشحشح .
.
و ممّا يشهد انّهعليهالسلام
قال ذلك في خطيب غير معروف الاسم ان الجاحظ قال في الجزء الثاني من بيانه : في حديث عليعليهالسلام
حين رأى فلانا يخطب قال هذا الخطيب الشحشح
.
و قال ابن الأثير في نهايته : في حديث عليعليهالسلام
انّه رأى رجلا يخطب فقال « هذا الخطيب الشحشح » أي : الماهر الماضي في الكلام .
.
و لو كانعليهالسلام
قال هذا الكلام في معروف مثل صعصعة لقالا : رأى صعصعة ، و ابن الأثير رأى كتب جميع من صنف في الغريب و ذكر هذا الحديث فيه فيعلم انّه لم يعينه أحد .
و أما ما قاله ابن أبي الحديد من قوله « ذكر ذلك الجاحظ » مشيرا إلى يضرب به المثل ، ثم قال : و إنّما أردنا بهذا الحديث خاصة ، الدلالة على تقديم صعصعة بن صوحان في الخطب .
جميع ما قاله
، فإنّما يصح منه ان الجاحظ قال : ان صعصعة كان من أفصح الناس و كفاه فخرا ان يكون مثل عليعليهالسلام
يثنى عليه بالمهارة ، دون كون الجاحظ قال إنّهعليهالسلام
قال تلك الكلمة لصعصعة ، و هذا نص الجاحظ في بيانه في الجزء الأول : قال أشيم بن شقيق بن ثور لعبيد اللَّه بن زياد بن ظبيان : ما أنت قائل لربّك و قد حملت رأس مصعب إلى عبد الملك ؟ قال : اسكت فأنت يوم القيامة أخطب من صعصعة إذا تكلمت الخوارج ، فما ظنّك ببلاغة رجل مثل عبيد اللَّه بن زياد بن ظبيان يضرب به المثل
، و إنّما أردنا بهذا الحديث خاصة الدلالة على تقديم صعصعة في الخطب ، و أولى من كلّ دلالة استنطاق عليعليهالسلام
له .
فترى الجاحظ إنّما قال : إن قاتل مصعب ضرب المثل بخطيبية صعصعة ثم قال أولى من كلّ دلالة على خطيبية صعصعة استنطاقهعليهالسلام
له لا أنّهعليهالسلام
قال فيه « هو خطيب شحشح » ، و قد روى قول قاتل مصعب ( الأغاني ) أيضا فقال : قال رجل لعبيد اللَّه : بما ذا تحتجّ عند ربك من قتلك لمصعب فقال :
ان تركت أحتجّ رجوت أن أكون أخطب من صعصعة بن صوحان
.
ثم الظاهر أصحية رواية ( الأغاني ) أن يكون قاتل مصعب قال : أنا أخطب من صعصعة ، من رواية البيان : أنت أخطب من صعصعة ، بشهادة السياق .
ثم الظاهر أن مراد الجاحظ من قوله : « و أولى من كلّ دلالة استنطاق عليعليهالسلام
له » ما رواه ( المروج ) أنّهعليهالسلام
بعد الجمل قال لصعصعة و نفرين
آخرين معه : أشيروا عليّ في أمر معاوية فقال صعصعة : الرأي أن ترسل إليه عينا من عيونك وثقة من ثقاتك بكتاب تدعوه إلى بيعتك ، فإن أجاب و إلاّ جاهدته فقال عليعليهالسلام
: عزمت عليك يا صعصعة إلاّ كتبت الكتاب بيدك و توجّهت به إلى معاوية و اجعل صدر الكتاب تحذيرا و تخويفا و عجزه استتابة و استنابة إلى أن قال ثم اكتب ما أشرت به عليّ و اجعل عنوان الكتاب(
ألا إلى اللَّه تصير الاُمور
)
قال : اعفني من ذلك قال : عزمت عليك لتفعلن قال : أفعل ، فخرج بالكتاب إلى أن قال فقال معاوية لشيء ما سوّده قومه ، وددت و اللَّه أنّي من صلبه ثم التفت إلى بني اميّة فقال هكذا فلتكن الرجال
.
و بالجملة لا ريب في أنّ هذا الكلام إنّما قالهعليهالسلام
إن ثبت صحّة نسبته إليهعليهالسلام
في خطيب من أعدائه من أصحاب الجمل كما عرفت ، كما لا ريب في أنّ الجاحظ إنّما قال بتقديم صعصعة في الخطب لضرب المثل به و لأنّهعليهالسلام
استنطقه و استكتبه دون أن يقول : إنّهعليهالسلام
قال ذلك الكلام فيه .
و ممّا يشهد لمسلّميّة مقام صعصعة في الخطابة ما في ( الطبري ) في قصة خروج المستورد الخارجي على المغيرة أيام امارته على الكوفة من قبل معاوية و تعيين المغيرة أوّلا معقل بن قيس من الشيعة لحربه قال مرّة بن منقذ فقال صعصعة بعد معقل و قال : إبعثني إليهم أيّها الأمير فأنا و اللَّه لدمائهم مستحل و بحملها مستقل فقال المغيرة : إجلس فإنّما أنت خطيب فكان أحفظه ذلك و إنّما قال المغيرة ذلك لأنّه بلغه أن صعصعة يعيب عثمان و يكثر ذكر عليعليهالسلام
و يفضّله و قد كان دعاه و قال له : إيّاك أن يبلغني عنك أنّك تعيب
عثمان عند أحد من الناس ، و إيّاك أن يبلغني عنك أنّك تظهر شيئا من فضل علي علانية ، فإنّك لست بذاكر من فضل عليّ شيئا أجهله بل أنا أعلم بذلك ، و لكن هذا السلطان قد ظهر و قد أخذنا بإظهار عيبه للناس فنحن ندع كثيرا ممّا أمرنا به و نذكر الشيء الذي لا نجد بدا منه ندفع هؤلاء القوم عن أنفسنا تقيّة ، فإن كنت ذاكرا فضله فاذكره بينك و بين أصحابك و في منازلكم سرّا ، و أمّا علانية في المسجد فإنّ هذا لا يحتمله الخليفة لنا و لا يعذرنا فيه .
فكان صعصعة يقول : نعم افعل ، ثم يبلغه أنّه قد عاد إلى ما نهاه عنه ، فلمّا قام إليه و قال له : إبعثني إليهم ، و جد المغيرة قد حقد عليه خلافه إيّاه ، فقال له ما قال « إجلس ، فإنّما أنت خطيب » فقال له صعصعة : أو ما أنا إلاّ خطيب ، أجل و اللَّه أنا الخطيب الصليب الرئيس ، أما و اللَّه لو شهدتني تحت راية عبد القيس يوم الجمل حيث اختلف القنا فشؤن تفرى و هامة تختلى لعلمت أنّي أنا اللّيث الهزبر فقال له المغيرة : حسبك الآن ، لعمري لقد أوتيت لسانا فصيحا
.
و في ( ديوان معاني العسكري ) : تكلّم صعصعة عند معاوية بكلام أحسن فيه ، فحسده عمرو بن العاص فقال : هذا بالتمر أبصر منه بالكلام فقال صعصعة ، أجل أجوده ما دق نواه و رق سحاؤه و عظم لحاؤه و الريح تنفجه و الشمس تنضجه و البرد يدمجه ، و لكنك يابن العاص لا تمرا تصف و لا الخير تعرف بل تحسد فتقرف
فقال معاوية لعمرو : رغما لك فقال عمرو :
و أضعاف الرغم لك و ما بي إلاّ بعض ما بك
.
و في ( عقد ابن عبد ربه ) : قال عبد الملك في عبد القيس : أشد الناس
و أسخى الناس و أطوع الناس في قومه و أحلم الناس و أحضرهم جوابا و أخطب الناس ، أمّا أحضرهم جوابا فصعصعة .
.
و فيه دخل صعصعة على معاوية و ابن العاص جالس معه على سريره فقال له : وسع له على ترابيّة فيه فقال صعصعة : إني و اللَّه لترابي ، منه خلقت و إليه أعود و منه ابعث ، و إنّك لمارج من نار فقال له معاوية : إنّما أنت هاتف بلسانك لا تنظر في أود الكلام و استقامته ، فإن كنت تنظر في ذلك فأخبرني عن أفضل المال ، فقال : و اللَّه إنّي لأدع الكلام حتى يختمر في صدري ثم أذهب و لا أهتف به حتى أقيم أوده و اجيز متنه ، و ان أفضل المال لبرة سمراء في برية غبراء ، أو نعجة صفراء في نبعة خضراء ، أو عين فوّارة في أرض خوّارة فقال معاوية : للَّه أنت فأين الذهب و الفضة ؟ قال : حجران يصطكّان ، إن أقبلت عليهما نفدا و إن تركتهما لم يزيدا
.
و في ( المروج ) : حبس معاوية صعصعة و ابن الكوّاء و رجالا من أصحاب عليعليهالسلام
مع رجال من قريش ، فدخل عليهم يوما فقال : نشدتكم باللَّه إلاّ ما قلتم حقّا و صدقا ، أيّ الخلفاء رأيتموني إلى أن قال فقال صعصعة :
تكلّمت يا ابن أبي سفيان فأبلغت و لم تقصر عمّا أردت و ليس الأمر على ما ذكرت ، أنّى يكون خليفة من ملك الناس قهرا و دانهم كبرا و استولى بأسباب الباطل كذبا و مكرا ، أما و اللَّه مالك في يوم بدر مضرب و لا مرمى ، و ما كنت فيه إلاّ كما قال القائل « لا حلّي و لا سيري » ، و لقد كنت و أبوك في العير و النفير ممّن أجلب على الرسولصلىاللهعليهوآله
، و إنّما أنت طليق ابن طليق أطلقكما الرسولصلىاللهعليهوآله
و أنّى تصلح الخلافة لطليق
.
( و فيه ) قال معاوية يوما و عنده صعصعة و كان قدم عليه بكتاب عليعليهالسلام
و عنده وجوه الناس : الأرض للَّه و أنا خليفة اللَّه ، فما آخذ من مال اللَّه فهو لي و ما تركت منه كان جايزا لي فقال صعصعة :
تمنيّك نفسك ما لا يكون
|
|
جهلا معاوي لا تأثم
|
فقال معاوية : يا صعصعة تعلمت الكلام قال صعصعة : العلم بالتعلّم و من لا يعلم يجهل قال معاوية : ما أحوجك إلى أن اذيقك و بال أمرك قال : ليس ذلك بيدك ، ذاك بيد الذي لا يؤخّر نفسا إذا جاء أجلها قال : و من يحول بيني و بينك ؟ قال : الذي يحول بين المرء و قلبه قال معاوية : إتّسع بطنك للكلام كما اتّسع بطن البعير للشعير قال صعصعة : إتّسع بطن من لا يشبع و دعا عليه من لا يجمع
.
( و فيه ) إن معاوية قال لابن عباس : ميّز لي أصحاب عليّعليهالسلام
و ابدأ بآل صوحان فإنّهم مخاريق الكلام قال : أمّا صعصعة فعظيم الشأن عضب اللّسان قائد فرسان قاتل أقران ، يرتق ما فتق و يفتق ما رتق قليل النظير
.
و يكفيه أنّ مثل ابن عباس مع مقامه في الخطابة و الأدب كان يسأله عن أمور كثيرة و يجيبه ، فقال له : أنت يا ابن صوحان باقر علم العرب و لمّا سأله عن السؤدد و المروة فأجابه و أنشده أبياتا في ذلك من مرّة بن ذهل بن شيبان قال ابن عباس : لو أنّ رجلا ضرب آباط الإبل مشرقا و مغربا لفائدة هذه الأبيات ما عنّقته
.
هذا و في ( بيان الجاحظ ) ذكر عليعليهالسلام
أكتل
فقال : « الصبيح الفصيح »
.
و في ( الاستيعاب ) : أكتل من شماخ ، نسبه ابن الكلبي إلى عوف بن عبد مناة بن طابخة ، و قال : كان عليعليهالسلام
إذا نظر إليه قال : من أحبّ أن ينظر إلى الصبيح الفصيح فلينظر إلى أكتل بن شماخ
.
قال المصنف ( يريد : الماهر بالخطبة الماضي فيها ، و كل ماض في كلام أو سير فهو شحشح ) قلت : أو في طيران فيقال قطاة شحشح أي سريع الطيران .
( و الشحشح في غير هذا الموضع البخيل الممسك ) .
قلت : و الفيروز آبادي ذكر للشحشح غير ما ذكر معاني اخر ، فقال :
الشحشح الفلاة الواسعة و السيّء الخلق و الشجاع و الغيور ، و من الغربان :
الكثير الصوت ، و من الأرض : ما لا تسيل إلاّ من مطر كثير و التي تسيل من أدنى مطر ضد ، و من الحمير : الخفيف ، و من القطا السريعة و الطويل
.
٦٥ من غريب كلامه رقم ( ٣ ) و في حديثهعليهالسلام
:
إِنَّ لِلْخُصُومَةِ قُحَماً أقول : قال ابن أبي الحديد : هذه الكلمة قالهاعليهالسلام
حين وكّل عبد اللَّه بن
جعفر في الخصومة عنه
.
و قال ابن ميثم : يروى أنّهعليهالسلام
وكّل أخاه في خصومة و قال : إن لها تقحّما و إنّ الشيطان يحضرها
.
و في ( المستجاد ) دخل عمارة بن حمزة على المنصور فقعد في مجلسه ، فقام رجل فقال للمنصور : مظلوم قال : من ظلمك قال عمارة :
غصبني ضيعتي فقال المنصور : قم يا عمارة فاقعد مع خصمك فقال : ما هو لي بخصم قال : و كيف ذلك ؟ قال : ان كانت الضيعة له فلست انازعه و ان كانت لي فهي له ، و لا أقوم من مجلس قد شرّفني به الخليفة أمير المؤمنين و أقعد في أدنى منه بسبب ضيعة
.
قال المصنف : ( يريد بالقحم المهالك لأنّها تقحم أصحابها في المهالك و المتالف في الأكثر ) في ( النهاية ) : اقتحم الأمر العظيم و تقحّمه ، إذا رمى نفسه فيه من غير رويّة ، و القحمة الورطة و الهلكه ، و منه حديث عليعليهالسلام
« ان للخصومة قحما »
.
« و من ذلك قحمة الاعراب و هو ان تصيبهم السنة » أي : سنة القحط .
« فتتعرق أموالهم » هكذا في ( الطبعة المصرية )
و الصواب ما في ابن أبي الحديد
و ابن ميثم
( فتتقرف أموالهم ) .
« فذلك تقحمها » أي : تقحّم السنة .
« فيهم » أي : في الاعراب .
« و قيل فيه » أي : في قول قحمة الاعراب .
« وجه آخر و هو أنّها تقحمهم » أي : تدخلهم .
« بلاد الريف » أي : الخصب .
« أي تحوجهم إلى دخول الحضر عند محول البدو » أي : قحط البادية .
قلت : و يشهد لكونه هو الوجه قولهم : « أقحمت السنة نابغة بني جعدة » أي : أخرجته من البادية و أدخلته الحضر .
٦٦ الحكمة ( ٢٩٨ ) و قالعليهالسلام
:
مَنْ بَالَغَ فِي اَلْخُصُومَةِ أَثِمَ وَ مَنْ قَصَّرَ فِيهَا ظُلِمَ وَ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَّقِيَ اَللَّهَ مَنْ خَاصَمَ أقول : قال ابن أبي الحديد هذا مثل قولهعليهالسلام
في موضع آخر : « الغالب بالشرّ مغلوب »
و كان يقال : ما تسابّ اثنان إلاّ غلب ألامهما
.
قلت : و أين ما ذكره ممّا قالهعليهالسلام
و إنّما كلامه هنا مثل قوله قبل : « إنّ للخصومة قحما » ، و كأنّ هذا تفصيل لإجمال ذاك ، و المراد بالخصومات التي ترفع إلى القضاة لا التسابّ الخارجي و يصير الرجل في خصومات القضاة موهونا اضافة إلى ما ذكره ، و لذا كان بعض الشرفاء يتركون حقّهم مع كون ادعائهم حقّا و يخسرون مع كون الادعاء باطلا حتى يخلصوا من الخصومة .
٦٧ الحكمة ( ٢٦٥ ) و قالعليهالسلام
:
إِنَّ كَلاَمَ اَلْحُكَمَاءِ إِذَا كَانَ صَوَاباً كَانَ دَوَاءً وَ إِذَا كَانَ خَطَأً كَانَ دَاءً أي : إن صواب كلامهم دواء لباقي الناس من أمراضهم الباطنية ، كما أنّ خطأ كلامهم يولّد فيهم أمراضا حادثة ، فإنّ عامة الناس ينظرون إلى القائل و ليسوا هم أهل التمييز .
و مثل قول الحكماء علم العلماء ، فإنّه إذا كان مقرونا بالعمل يكون دواء و إذا كان عاريا عنه كان داء
.
و في ( الكافي ) قال عيسىعليهالسلام
للحواريين : بالتواضع تعمر الحكمة لا بالتكبّر ، و كذلك في السهل ينبت الزرع لا في الجبل
، و قالت الحواريون لعيسىعليهالسلام
: من نجالس ؟ قال : من يذكّركم اللَّه رؤيته و يزيدكم في علمكم منطقه ، و يرغّبكم في الآخرة عمله
.
و أوحى اللَّه تعالى إلى داودعليهالسلام
: لا تجعل بيني و بينك عالما مفتونا بالدنيا فيصدّك عن طريق محبتي ، فإنّ اولئك قطّاع طريق عبادي المريدين ، إنّ أدنى ما أنا صانع بهم أن أنزع حلاوة مناجاتي من قلوبهم
.
و عن النبيصلىاللهعليهوآله
: الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدّنيا باتّباع السلطان ، فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم
.
و عن الصادقعليهالسلام
: إنّ العالم إذا لم يعمل بعلمه زلّت موعظته عن القلوب كما يزل المطر عن الصفا
.
٦٨ الحكمة ( ٢٩٦ ) وَ قَالَ ع لِرَجُلٍ يَسْعَى
عَلَى عَدُوٍّ لَهُ بِمَا فِيهِ إِضْرَارٌ بِنَفْسِهِ إِنَّمَا أَنْتَ كَالطَّاعِنِ نَفْسَهُ لِيَقْتُلَ رِدْفَهُ أقول : الظاهر أنّ الأصل في هذا الكلام ما رواه الطبري عن سيف باسناده : أنّ الناس كانوا في الوليد فرقتين : العامة معه و الخاصة عليه ، حتى كانت صفّين فولّى معاوية فجعلوا يقولون : عيب عثمان بالباطل ، فقال لهم علي : إنّكم و ما تعيّرون به عثمان كالطّاعن نفسه ليقتل ردفه ، و ما ذنب عثمان في رجل قد ضربه بقوله و عزله عن عمله ، و ما ذنب عثمان فيما صنع عن أمرنا
.
و الخبر كما ترى محرّف لا يفهم منه محصل ، ثم جميع ما يرويه الطبري عن سيف أمور منكرة خلاف ما يرويه الخاصة و العامّة
، و منها هذا الخبر فإنّ ضرب عثمان الوليد بن عقبة أخاه الرضاعي لمّا شكا أهل الكوفة صلاته بهم سكران و صلاته بهم الصبح أربعا و تغنّيه في الصّلاة إنّما كان بإجبار أمير المؤمنينعليهالسلام
له ، و كيف يعقل أن يعيب أحد عثمان بضربه الحدّ حتى ينكرعليهالسلام
ذلك ، و إنّما عابوا عثمان بتوليته مثل الوليد و آبائه عن إجراء الحد عليه حتى أنّبهعليهالسلام
بتضييعه حد اللَّه ، و تصدّىعليهالسلام
لضربه رغما لعثمان
بتفصيل ذكره المسعودي و لعلّ العنوان كان كلامهعليهالسلام
في مقام آخر فأسلكه سيف في هذا كما هو دأبه ، كما أنّ المصنّف إذا رأى كلمة بليغة منسوبة إليهعليهالسلام
ينقلها و لا يراعي السند .
و كيف كان ، فمن شواهد العنوان ما في ( جمل المفيد ) أنّ ابن الزبير يوم الجمل تناول خطام جمل عائشة ، فبرز إليه الأشتر فخلّى الخطام من يده و أقبل نحوه و اصطرعا فسقطا إلى الأرض ، فجعل ابن الزبير يقول و قد أخذ الأشتر بعنقه و ينادي « اقتلوني و مالكا معي » ، قال الأشتر فما سرّني إلاّ قوله « مالك » و لو كان قال « الأشتر » لقتلوني ، فو اللَّه لقد تعجّبت من حمقه إذ ينادي بقتله و قتلي و ما كان ينفعه المشؤوم إن قتلت و قتل هو معي ، فأفرجت عنه و انهزم و به ضربة مثخنة في جانب وجهه
.
هذا ، و في ( الأغاني ) كان عجل بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل من حمقى العرب ، قيل له : إن لكلّ فرس جواد اسما ، و إنّ فرسك هذا سابق جواد فسمّه ، ففقأ أحدى عينيه و قال : سمّيته « الأعور » .
( و فيه ) كان أسد بن يزيد بن مزيد الشيباني شبيها بأبيه جدّا بحيث لا يفصل بينهما إلاّ المتأمل ، و كان أكثر ما يباعد منه ضربة في وجه يزيد تأخذ من قصاص شعره و منحرفة على جبهته ، فكان أسد يتمنّى مثلها فهوت له ضربة في حرب أبيه من قبل الرشيد للوليد بن طريف الخارجي فأصابت في ذلك الموضع ، فيقال إنّه لو خطت على مثال ضربة أبيه ما عدا جاءت كأنّها هي
.
٦٩ الحكمة ( ٣٠٥ ) و قالعليهالسلام
:
مَا زَنَى غَيُورٌ قَطُّ في الخبر : أخبر جبرئيل النبيصلىاللهعليهوآله
أنّ جعفر بن أبي طالب كان له خصال في الجاهلية شكرها اللَّه تعالى له ، و منها عدم زناه لغيرته كعدم شربه لعزّته و عدم كذبه لشرفه
.
هذا ، و في ( الطبري ) بنى الحجّاج واسطا سنة ( ١٨٥ )
و كان سبب بنائه أنّه ضرب البعث على أهل الكوفة إلى خراسان ، فعسكروا بحمام عمر و كان فتى من بني أسد حديث عهد بعرس بابنة عمّ له ، فانصرف من العسكر إلى ابنة عمّه ليلا فطرق الباب طارق و دقّه دقّا شديدا ، فإذا سكران من أهل الشام فقالت المرأة لزوجها : لقد لقينا من هذا الشامي شرّا يفعل بنا كلّ ليلة ما ترى يريد المكروه و قد شكوته إلى مشيخة أصحابه فقال : إئذنوا له ، ففعلوا ، فأغلق الباب و أندر رأسه فلمّا اذن بالفجر خرج الرجل إلى العسكر و قال لامرأته إذا صليت الفجر بعثت إلى الشاميّين أن أخرجوا صاحبكم فسيأتون بك الحجّاج فأصدقيه الخبر على وجهه ، ففعلت و رفع القتيل إلى الحجّاج و ادخلت المرأة عليه فأخبرته ، فقال : صدقتني ثم قال لولاة الشامي : ادفنوا صاحبكم فإنه قتيل اللَّه إلى النار لا قود له و لا عقل ، ثم نادى مناديه : لا ينزلنّ أحد على أحد و أخرجوا ، و بعث روّادا يرتادون له منزلا حتى نزل في موضع واسط
.
٧٠ الحكمة ( ٣٠٦ ) و قالعليهالسلام
:
كَفَى بِالْأَجَلِ حَارِساً فالناس كما لا يملكون حياة لا يملكون موتا :
أكان الجبان يرى أنّه
|
|
يدافع عنه الفرار الأجل
|
فقد يدرك الحادثات الجبان
|
|
و يسلم منها الشجاع البطل
|
و في ( الكافي ) عن سعيد بن قيس الهمداني ، نظرت يوما في الحرب إلى رجل عليه ثوبان ، فحركت فرسي فإذا هو أمير المؤمنينعليهالسلام
، فقلت : في مثل هذا الموضع ؟ فقال : نعم يا سعيد بن قيس إنه ليس من عبد إلاّ و له من اللَّه حافظ و واقية معه ملكان يحفظانه من أن يسقط من رأس جبل أو يقع في بئر ، فإذا نزل القضاء خلّيا بينه و بين كلّ شيء
.
و عن الصادقعليهالسلام
: كان قنبر يحبّ عليّاعليهالسلام
حبّا شديدا ، فإذا خرج عليّعليهالسلام
خرج على أثره بالسيف ، فرآه ذات ليلة فقال : مالك يا قنبر ؟ قال : جئت لأمشي خلفك قال : و يحك أمن أهل السماء تحرسني أم من أهل الأرض ؟ فقال :
بل من أهل الأرض قال : انّهم لا يستطيعون لي شيئا إلاّ بإذن اللَّه من السماء .
إرجع ، فرجع
.
٧١ الحكمة ( ٣٢٦ ) و قالعليهالسلام
:
اَلْعُمُرُ اَلَّذِي أَعْذَرَ اَللَّهُ فِيهِ إِلَى اِبْنِ آدَمَ سِتُّونَ سَنَةً في ( الطبري ) لمّا قتل الحسينعليهالسلام
و رجع ابن زياد من معسكره بالنخيلة ، رأت الشيعة أنّها قد أخطأت خطأ كبيرا بدعائهم الحسينعليهالسلام
إلى النصرة و تركهم إجابته و مقتله إلى جانبهم لم ينصروه ، و رأوا أنّه لا يغسل عارهم و الإثم عنهم في مقتله إلاّ بقتل من قتله أو القتل فيه ففزعوا بالكوفة إلى خمسة نفر من رؤوس الشيعة : سليمان بن صرد الخزاعي و كانت له صحبة و إلى المسيب بن نجبة الفزاري و كان من خيار أصحاب عليعليهالسلام
و إلى عبد اللَّه بن سعيد بن نفيل الأزدي و إلى عبد اللَّه بن والي التيمي و الى رفاعة بن شداد البجلي ، فاجتمعوا في منزل سليمان فبدأ المسيّب فقال : قد ابتلينا بطول العمر و التعرّض لأنواع الفتن(
فنرغب إلى ربّنا أن لا يجعلنا ممّن يقول له غدا أَوَ لَم نُعمّركم ما يَتذكر فيه من تَذَكّر وَ جاءَكُم النذير
)
و ان أمير المؤمنينعليهالسلام
قال : العمر الّذي أعذر اللَّه فيه إلى ابن آدم ستّون سنة .
.
و في ( تاريخ بغداد ) : نظر العباس بن الفضل بن الربيع في المرآة فنظر إلى شيبة في لحيته فقال :
أهلا بواحدة للشيب وافدة
|
|
تنعى الشباب و تنهانا عن الغزل
|
جاءت لتنذرنا ترحال لذّتنا
|
|
عن الشباب و شيبا غير مرتحل
|
قد يعذر المرء ما دامت شبيبته
|
|
و ليس يعذر معذور كمكتهل
|
و في ( شعراء ابن قتيبة ) قال الاقيشر :
إذا المرء أو فى الأربعين و لم يكن
|
|
له دون ما يأتي حياء و لا ستر
|
فدعه و لا تنفس عليه الذي أتى
|
|
و إن جرّ ارسان الحياة له الدهر
|
هذا ، و روى ( الخصال ) عن الصادقعليهالسلام
قال : إنّ العبد لفي فسحة من أمره ما بينه و بين أربعين سنة ، فإذا بلغه أوحى اللَّه تعالى إلى ملائكته إنّي قد عمّرت عبدي عمرا و قد طال ، فغلّظا و شدّدا و تحفّظا و اكتبا عليه قليل عمله و كثيره و صغيره و كبيره
.
و قال الباقرعليهالسلام
: إذا أتت على العبد أربعون سنة قيل له : خذ حذرك فانّك غير معذور ، و ليس ابن أربعين أحق بالعذر من ابن عشرين سنة ، فإنّ الذي يطلبهما واحد و ليس عنهما براقد ، فاعمل لمّا أمامك من الهول ودع عنك فضول القول
.
و في ( بديع ابن المعتزّ ) : كان رجل من أهل الأدب له أصحاب يشرب معهم و ينادمهم ، فدعوه فلم يجبهم فقالوا : ما منعك ؟ قال : دخلت البارحة في الأربعين و أنا أستحي من سنّي
.
و روى أيضا عن الصادقعليهالسلام
في قوله تعالى(
أوَ لَم نُعمركم ما يَتذكر فيه من تَذكر
)
إنّه توبيخ لابن ثماني عشرة سنة
.
هذا و في ( كتاب سيبويه ) عن الخليل سمع أعرابيا يقول : إذا بلغ الرجل الستين فإيّاه و إيا الشّواب بالجر
.
٧٢ الحكمة ( ٣٢٩ ) و قالعليهالسلام
:
اَلاِسْتِغْنَاءُ عَنِ اَلْعُذْرِ أَعَزُّ مِنَ اَلصِّدْقِ بِهِ أقول : « أعزّ » هنا من عزّ الشيء إذا قلّ و لا يكاد يوجد فهو عزيز ، و حينئذ فالمراد أن الصدق في العذر و ان كان عزيزا قليل الوجود فقالوا : « المعاذير يشوبها الكذب » إلاّ أنّ جعل عمله بحيث لا يحتاج إلى عذر أعزّ و أقلّ وجودا من العذر الصادق ، و لو تيسّر للإنسان جعل عمله كذلك كان ممدوحا و مع العذر الصادق غير مذموم .
و قال ابن أبي الحديد : المعنى ، لا تفعل شيئا تعتذر منه أعزّ لك من أن تفعل ثم تعتذر و إن كنت صادقا و هو كما ترى ، فإنّهعليهالسلام
قال : الإستغناء أعزّ في نفسه لا أعزّ لك
.
٧٣ الحكمة ( ٣٣١ ) و قالعليهالسلام
:
إِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ اَلطَّاعَةَ غَنِيمَةَ اَلْأَكْيَاسِ عِنْدَ تَفْرِيطِ اَلْعَجَزَةِ قال تعالى :(
و الّذين يؤتُون ما آتوا و قُلوبهم وَجِلةٌ أَنّهم إلى ربِّهم
راجعُون اُولئكَ يُسارعونَ في الخَيراتِ وَ هُم لها سابِقُون
)
.(
فاستبقوا الخيرات إلى اللَّه مرجِعُكم جميعاً فيُنَبِّئكم بما كُنتم فيه تختلفونَ
)
(
سابقوا إلى مَغفِرةٍ مِن ربّكُم و جنّةٍ عرضها كعرض السَماءِ و الأرض
)
(
و أقبَل بعضُهم على بعضٍ يتساءَلُون قالوا إِنّا كُنّا قبل في أَهلنا مُشفقينَ فمنَّ اللَّه علينا وَ وَقانا عذابَ السَّموم إِنّا كُنّا من قبلُ ندعوهُ إنّه هو البرُّ الرّحيم
)
(
أَن تَقُولَ نَفسٌ يا حَسرتى على ما فَرَّطتُ في جَنبِ اللَّه و إِن كُنتُ لَمِنَ الساخِرينَ
)
.
٧٤ الحكمة ( ٣٣٧ ) و قالعليهالسلام
:
اَلدَّاعِي بِلاَ عَمَلٍ كَالرَّامِي بِلاَ وَتَرٍ أقول : هو من حديث الاربعمائة ، و الوتر بالتحريك واحد أوتار القوس .
في ( الكافي ) عن الصادقعليهالسلام
: إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلّت موعظته عن القلوب كما يزل المطر عن الصفا
.
و عنهعليهالسلام
: العلم يهتف بالعمل فإن أجابه و إلاّ ارتحل عنه
.
٧٥ الحكمة ( ٣٤٥ ) و قالعليهالسلام
:
مِنَ اَلْعِصْمَةِ تَعَذُّرُ اَلْمَعَاصِي أقول : قال ابن أبي الحديد هذه الكلمة على صيغ مختلفة « من العصمة أن لا تقدر » « من العصمة ألاّ تجد »
.
و ليس المراد بالعصمة العصمة التي يذكرها المتكلّمون .
قلت : الظاهر أنّ المراد أنّ عدم تيسّر أسباب المعصية للإنسان قسم من عصمة اللَّه تعالى له .
٧٦ الحكمة ( ٣٤٩ ) و قالعليهالسلام
:
مَنْ نَظَرَ فِي عَيْبِ نَفْسِهِ اِشْتَغَلَ عَنْ عَيْبِ غَيْرِهِ وَ مَنْ رَضِيَ بِرِزْقِ اَللَّهِ لَمْ يَحْزَنْ عَلَى مَا فَاتَهُ وَ مَنْ سَلَّ سَيْفَ اَلْبَغْيِ قُتِلَ به وَ مَنْ كَابَدَ اَلْأُمُورَ عَطِبَ وَ مَنِ اِقْتَحَمَ اَللُّجَجَ غَرِقَ وَ مَنْ دَخَلَ مَدَاخِلَ اَلسُّوءِ اُتُّهِمَ وَ مَنْ كَثُرَ كَلاَمُهُ كَثُرَ خَطَؤُهُ وَ مَنْ كَثُرَ خَطَؤُهُ قَلَّ حَيَاؤُهُ وَ مَنْ قَلَّ حَيَاؤُهُ قَلَّ وَرَعُهُ وَ مَنْ قَلَّ وَرَعُهُ مَاتَ قَلْبُهُ وَ مَنْ مَاتَ قَلْبُهُ دَخَلَ اَلنَّارَ وَ مَنْ نَظَرَ فِي عُيُوبِ اَلنَّاسِ فَأَنْكَرَهَا ثُمَّ رَضِيَهَا لِنَفْسِهِ فَذَلِكَ اَلْأَحْمَقُ بِعَيْنِهِ وَ اَلْقَنَاعَةُ مَالٌ لاَ يَنْفَدُ وَ مَنْ أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِ اَلْمَوْتِ رَضِيَ مِنَ اَلدُّنْيَا بِالْيَسِيرِ وَ مَنْ عَلِمَ أَنَّ كَلاَمَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلاَمُهُ إِلاَّ فِيمَا يَعْنِيهِ « من نظر في عيب نفسه اشتغل عن عيب غيره » و من اشتغل بعيب غيره
لا بدّ أنّه نسي عيوب نفسه .
« و من رضي برزق اللَّه لم يحزن على ما فاته » لأنّه يعلم أنّ ما فاته لم يكن رزقه فلم هو يحزن .
« و من سل سيف البغي قتل به » قتل أبو مسلم أبا سلمة غيلة و قتل ستمائة ألف صبرا ، فقتل غيلة و صبرا فقال له المنصور وقت قتله :
زعمت أن الدّين لا ينقضي
|
|
فاستوف بالكيل أبا مجرم
|
إشرب بكأس كنت تسقي بها
|
|
أمرّ في الحلق من العلقم
|
و في ( المروج ) : سخط المتوكل على محمد بن عبد الملك الزيّات بعد خلافته بأشهر و قبض أمواله و جميع ما كان له و قد كان ابن الزيّات في أيام وزارته للمعتصم و الواثق اتّخذ للمصادرين و المغضوب عليهم تنورا من الحديد رؤوس مساميره إلى داخل ، قائمة مثل رؤوس المسال أي الابر العظام فكان يعذّبهم فيه ، فأمر المتوكل بإدخاله في ذلك التنّور ، فكتب إلى المتوكل :
هي السبيل فمن يوم إلى يوم
|
|
كأنّه ما تريك العين في النوم
|
لا تجزعنّ رويدا إنّها دول
|
|
دنيا تنقّل من قوم إلى قوم
|
و وصلت الرقعة إليه في غد ، فأمر بإخراجه فوجده ميتا و كان حبسه في التنور أربعين يوما
.
و في ( تفسير القمي ) : بعث بختنّصر إلى دانيال و كان ألقاه في بئر بابل و ألقى معه لبوة ، فكانت اللبوة تأكل طين البئر و يشرب دانيال لبنها ، و كان اري في منامه كأنّ رأسه من حديد و رجلاه من نحاس و صدره من ذهب ، فدعا
المنجّمين فقال لهم : ما رأيت ؟ قالوا ما ندري لكن قص علينا ما رأيت فقال : و أنا اجري عليكم الأرزاق منذ كذا و لا تدرون ما رأيت في المنام ، فأمر بهم فقتلوا ، فقال له بعض من كان عنده : ان كان عند أحد شيء فعند صاحب الجبّ ، فان اللّبوة لم تتعرّض له تأكل الطين و ترضعه ، فبعث إليه فقال : ما رأيت في النوم ؟
قال : رأيت كأن رأسك من حديد و رجلك من نحاس و صدرك من ذهب ، قال :
هكذا رأيت فما ذاك ؟ قال : ذهب ملكك و أنت مقتول إلى ثلاثة أيام يقتلك رجل من ولد فارس فقال : إنّ عليّ سبع مدائن على باب كل مدينة حرس ، و وضعت بطة من نحاس على باب كلّ مدينة لا يدخل غريب إلاّ صاحت عليه حتى يؤخذ .
فقال : إنّ الأمر كما قلت لك فبث الخيل و قال لا تلقون أحدا من الخلق إلاّ قتلتموه كائنا من كان و قال لدانيال : لا تفارقني هذه الثلاثة فإن مضت و أنا سالم قتلتك ، فلمّا كان الثالث ممسيا أخذه الغمّ ، فخرج فتلقّاه غلام كان يخدم ابنا له من أهل فارس و هو لا يعلم أنّه من أهل فارس ، فدفع إليه سيفه و قال : لا تلق احدا من الخلق إلاّ قتلته و إن لقيتني فاقتلني ، فأخذ الغلام سيفه فضربه به فقتله
.
و في ( المروج ) قال البحتري : إجتمعنا ذات يوم مع الندماء في مجلس المتوكل ، فتذاكرنا أمر السيوف فقال بعض من حضر : بلغني أنّه وقع عند رجل من أهل البصرة سيف من الهند ليس له نظير ، فأمر المتوكل بالكتاب إلى عامل البصرة بشرائه بما بلغ ، فورد الجواب أنّ السيف اشتراه رجل من اليمن ، فأمر المتوكل بالبعث إلى اليمن يطلب السيف و ابتياعه فنفذت الكتب بذلك قال البحتري : فبينا نحن عند المتوكل إذ دخل عليه عبيد اللَّه و السيف معه و عرّفه أنّه ابتيع من صاحبه باليمن بعشرة آلاف درهم ، فسرّه بوجوده
و انتضاه فاستحسنه و تكلّم كلّ واحد منّا بما يجب و جعله تحت ثني فراشه ، فلمّا كان من الغداة قال للفتح : اطلب لي غلاما تثق بنجدته و شجاعته أدفع إليه هذا السيف ليكون واقفا به على رأسي لا يفارقني كلّ يوم ما دمت جالسا ، فلم يستتم الكلام حتى أقبل باغر التركي فقال له الفتح : هذا باغر التركي وصف لي بالشجاعة و البسالة و هو يصلح لمّا أردت فدعا به المتوكل و دفع إليه السيف و أمره بما أراد و تقدم ان يزاد في مرتبته و أن يضعف له الرزق .
قال البحتري : فو اللَّه ما انتضى ذلك السيف و لا خرج من غمده من الوقت الذي دفع إليه إلاّ في الليلة التي ضربه بذلك السيف إلى أن قال فسمعت صيحة المتوكل و قد ضربه باغر بالسيف الذي كان قد دفعه إليه على جانبه الأيمن فقده إلى خاصرته ، ثم ثنّاه على جانبه الأيسر ففعل مثل ذلك
.
و في ( المناقب ) : قال الحسينعليهالسلام
يوم الطف : اللّهم سلّط عليهم غلام ثقيف يسقيهم كأسا مصبّرة لا يدع منهم أحدا إلاّ قتله قتلة بقتلة و ضربة بضربة ينتقم لي و لأوليائي و أهل بيتي و أشياعي منهم
.
و في ( الطبري ) في وفاة المنتصر و هو ابن خمس و عشرين سنة قال بعضهم : كان المنتصر وجد حرارة فدعا بعض من كان يتطبّب له و أمره بفصده ففصده بمبضع مسموم فكان فيه منيته ، و الطبيب الذي فصده انصرف إلى منزله و قد وجد حرارة فدعا تلميذا له فأمره بفصده و وضع مباضعه بين يديه ليتخير أجودها و فيها المبضع المسموم الذي فصد به المنتصر و قد نسيه ، فلم يجد التلميذ فيها أجود من المبضع المسموم ففصد به استاذه و هو لا يعلم أمره فلمّا فصده به نظر إليه صاحبه فعلم أنّه هالك
فأوصى من ساعته و هلك من يومه
.
و في ( الطبري ) : كان نجاح بن سلمة على ديوان توقيع المتوكّل و تتبع عماله ، فكان العمال يتّقونه و ربّما نادمه المتوكّل ، و كان الحسن بن مخلد على ديوان الضياع و موسى بن عبد الملك على ديوان الخراج و كانا منقطعين إلى وزير المتوكل عبيد اللَّه بن يحيى بن خاقان فكتب نجاح إلى المتوكل : ان الحسن و موسى خانا و انه يستخرج منهما أربعين ألف ألف درهم ، فشاربه المتوكل تلك العشية و قال : بكّر الي حتى أدفعها إليك ، فغدا و قد رتب اصحابه و قال يا فلان خذ أنت الحسن و خذ يا فلان أنت موسى ، فغدا إلى المتوكل فلقي عبيد اللَّه الوزير و قد أمر أن يحجب عن المتوكل ، فقال له : يا أبا الفضل إنصرف حتى ننظر في هذا الأمر و أنا أشير عليك بأمر لك فيه صلاح قال : و ما هو ؟ قال :
اصلح بينك و بينهما و تكتب رقعة تذكر فيها أنّك كنت شاربا و أنّك تكلّمت بأشياء تحتاج إلى معاودة النظر فيها و أنا أصلح الأمر عند المتوكل ، فلم يزل يخدعه حتى كتب رقعة بما أمره به ، فأدخلها عبيد اللَّه على المتوكل و قال له : قد رجع نجاح عمّا قال البارحة و هذه رقعة موسى و الحسن يتقبّلان بنجاح بما كتبا فتأخذ ما ضمنا عنه ثم تعطف عليهما فتأخذ منهما قريبا ممّا ضمن نجاح لك عنهما .
فسرّ المتوكل و طمع في ما قال له عبيد اللَّه ، فقال إدفعه إليهما فانصرفا به و امرا بأخذ قلنسوته عن رأسه و كانت خزا فوجد البرد و وجّها إلى ابنيه أبي الفرج فاخذ و أبي محمد فهرب و اخذ كاتبه إسحاق القطربلي و اخذ ابن البواب المنقطع إليه فأقر نجاح و ابنه لهما بنحو من مائة و أربعين ألف دينار سوى قيمة قصورهما و فرشهما و مستغلاتهما بسامراء و بغداد ، و سوى
ضياع لهما كثيرة ، فقبض ذلك كلّه و ضرب مرارا بالمقارع نحوا من مائتي مقرعة و غمز و خنق ، و قيل عصر خصيتاه حتى مات و ضرب ابنه و كاتبه و المنقطع إليه نحوا من خمسين خمسين فأقرّ بعضهم بخمسين ألف دينار و بعضهم بأقل ، و أخذ جميع ما في دار نجاح و دار ابنه ، و قبضت دورهما و ضياعهما حيث كانت و أخرجت عيالهما و أخذ بسببه قوم فحبسوا
.
هذا ، و في ( نوادر حد الكافي ) عن الصادقعليهالسلام
في خبر أخذ محرم ثعلبا فجعل يقرب النار في وجهه و جعل الثعلب يصيح و يحدث من استه و جعل أصحابه ينهونه عمّا يصنع ثم أرسله بعد ذلك ، فبينما الرجل نائم إذ جاءته حية فدخلت في فيه فلم تدعه حتى جعل يحدث كما أحدث الثعلب ثم خلّت عنه
.
« و من كابد الأمور » أي : قاسى شدائدها .
« عطب » بالكسر أي : هلك .
« و من اقتحم اللجج غرق » قال الجوهري : قحم في الأمر ، رمى بنفسه فيه من غير رويّة ، و اقتحم النهر ، دخله
.
« و من دخل مداخل السوء اتّهم » و في الخبر : إتّقوا مواضع التّهم
و في ( ١٥٩ ) « من وضع نفسه مواضع التهمة فلا يلو منّ إلاّ من أساء به الظن »
.
« و من كثر كلامه كثر خطاؤه » قهرا .
« و من كثر خطاؤه قلّ حياؤه » اضطرارا .
« و من قلّ حياؤه قلّ ورعه » أيضا قهرا .
« و من قل ورعه مات قلبه » قال تعالى :(
و ما أنتَ بمُسمع من في القُبُور
)
.
« و من مات قلبه دخل النار » كلامهعليهالسلام
من قوله « و من كثر كلامه » إلى هنا جزء خطبة الوسيلة المروية في تحف العقول
، كما انه قياس مركب منتج أنّ من كثر كلامه دخل النار .
« و من نظر في عيوب الناس فأنكرها ثم رضيها لنفسه فذلك الأحمق بعينه » و أغلب الناس كذلك ، فعاب عبد الملك بن مروان يزيد بن معاوية بهدم الكعبة و فعل هو مثل فعله و أكثر ، و وصف المنصور عبد الملك بكونه جبارا لغدره بالناس و قتله لهم و سمّى نفسه خليفة مع أنّه فعل مثل فعله
.
« و القناعه مال لا ينفد » ذكره المصنف مستقلا في ( ٥٧ ) و في ( ٤٧٥ ) لكنّه إنّما في ( ابن أبي الحديد )
و اما ( ابن ميثم )
فليس فيه ، و صرّح بأن فقرات العنوان أربع عشرة .
« و من أكثر من ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير » فإنّ الحرص على الدنيا إنّما لطول الأمل و نسيان الموت .
« و من علم ان كلامه من عمله » لأنّه تعالى يقول :(
ما يَلفظُ من قولٍ إلاّ
لديه رقيبٌ عتيد
)
.
« قلّ كلامه إلاّ فيما يعنيه » في الخبر ، مرّ أمير المؤمنينعليهالسلام
برجل يتكلّم بفضول الكلام ، فوقف عليه و قال له : يا هذا إنّك تملي على حافظيك كتابا إلى ربّك فتكلّم بما يعنيك
.
و روي أيضا : أنّ آدم لمّا كثر ولده و ولد ولده كانوا يتحدّثون عنده و هو ساكت ، فقالوا : يا أبه مالك لا تتكلّم ؟ فقال : يا بنيّ إنّ اللَّه تعالى لمّا أخرجني من جواره عهد إليّ : أقلّ كلامك ترجع الى جواري
.
و في ( تاريخ بغداد ) : سفيان الثوري عن ام صالح عن صفية بنت شيبة عن ام حبيبة عن النبيصلىاللهعليهوآله
قال : كلّ كلام ابن آدم عليه إلاّ أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر أو الصلح بين الناس فقيل : ما أعجب هذا الحديث إمرأة عن امرأة عن النبيصلىاللهعليهوآله
فقال : ما تعجب و هو في كتاب اللَّه تعالى ،(
قال عزّ اسمه لا خيرَ في كثيرٍ من نجواهُم إِلاّ من أَمر بصَدَقةٍ أَو معرُوفٍ أَو إصلاحٍ بين النّاس
)
و العصر إنّ الإنسانَ لَفي خسر إلاّ الَّذين آمنوا و عملوا الصالحاتِ و تواصوا بالحقّ و تواصوا بالصَّبر
.
و في ( البيان ) قال رجل : صحبت الربيع بن خيثم سنتين فما كلّمني إلاّ كلمتين ، قال لي مرة « امك حيّة » و اخرى « كم في بني تميم من مسجد »
.
هذا ، و كأنّه حصل خلط في الفقرات ، و الظاهر أن فقرة : « و من نظر في عيوب الناس » كانت بعد الأولى و فقرة : « و من أكثر من ذكر الموت » بعد « و من رضي » و فقرة « و من علم » بعد « دخل النار » كما لا يخفى .
٧٧ الحكمة ( ٣٥٠ ) و قالعليهالسلام
:
لِلظَّالِمِ مِنَ اَلرِّجَالِ ثَلاَثُ عَلاَمَاتٍ يَظْلِمُ مَنْ فَوْقَهُ بِالْمَعْصِيَةِ وَ مَنْ دُونَهُ بِالْغَلَبَةِ وَ يُظَاهِرُ اَلْقَوْمَ اَلظَّلَمَةَ أقول : و عن أبي جعفرعليهالسلام
: الظلم ثلاثة : ظلم لا يغفر و هو الشرك ، و ظلم يغفر و هو ظلم الرجل نفسه في ما بينه و بين اللَّه تعالى ، و ظلم لا يدعه و هو المداينة بين العباد
.
« و يظاهر القوم الظلمه » في ( الكافي ) عن الصادقعليهالسلام
من أعان ظالما بظلم سلّط اللَّه عليه من يظلمه
.
و عنهعليهالسلام
: العامل بالظلم و المعين له و الراضي به شركاء ثلاثتهم .
و رواه الخصال عن أمير المؤمنينعليهالسلام
.
٧٨ الحكمة ( ٣٥٢ ) و قالعليهالسلام
لبعض أصحابه :
لاَ تَجْعَلَنَّ أَكْثَرَ شُغُلِكَ بِأَهْلِكَ وَ وَلَدِكَ فَإِنْ يَكُنْ أَهْلُكَ وَ وَلَدُكَ أَوْلِيَاءَ اَللَّهِ فَإِنَّ اَللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَوْلِيَاءَهُ وَ إِنْ يَكُونُوا أَعْدَاءَ اَللَّهِ فَمَا هَمُّكَ وَ شُغُلُكَ بِأَعْدَاءِ اَللَّهِ و من يتَّق اللَّه يَجعَل له مخرَجاً(
و يَرزقهُ من حَيث لا يَحتسب
)
(
ألا إِنَّ أولياء اللَّه لا خوفٌ عليهم و لا هُم يَحزنون الَّذِينَ آمنوا و كانوا يتّقون لهم البشرى في الحياة الدُّنيا و في الآخرة لا تبديل لكلمات اللَّه ذلكَ هو الفوز العظيم
)
.
« و إن يكونوا أعداء اللَّه فما همّك و شغلك بأعداء اللَّه »(
و يومَ يحشر أعداءُ اللَّه إلى النار فهُم يوزَعُون حتى إذا ما جاءوها شَهد عليهم سَمعهُم و أبصارُهم و جلودهم بما كانوا يَعملون
)
الآيات(
ذلك جَزاءُ أعداء اللَّه النارُ لهُم فيها دارُ الخُلدِ جَزاءً بما كانُوا بآياتنا يجحدون
)
.
و روى ( الروضة ) أنّ مولى لأمير المؤمنينعليهالسلام
سأله مالا فقالعليهالسلام
يخرج عطائي فأقاسمكه ، فقال : لا أكتفي و خرج إلى معاوية فوصله فكتبعليهالسلام
إليه : أمّا بعد ، فإنّ ما في يدك من المال قد كان له أهل قبلك و هو صائر إلى أهل بعدك ، و انما لك منه ما مهدت لنفسك ، فآثر نفسك على صلاح ولدك ، فإنّما أنت صانع لأحد الرجلين إمّا رجل عمل فيه بطاعة اللَّه فسعد بما شقيت ، و إمّا رجل
عمل فيه بمعصية اللَّه فشقي بما جمعت له ، و ليس من هذين أحد بأهل أن تؤثره على نفسك ، و ارج لمن مضى رحمة اللَّه و لمن بقي رزق اللَّه
.
و في ( البيان ) : باع عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود أرضا بثمانين ألفا ، فقيل له : لو اتخذت من هذا المال لولدك ذخرا فقال : إنّما أجعل هذا المال ذخرا لي عند اللَّه تعالى و أجعل اللَّه تعالى ذخرا لولدي
.
٧٩ الحكمة ( ٣٥٣ ) و قالعليهالسلام
:
أَكْبَرُ اَلْعَيْبِ أَنْ تَعِيبَ مَا فِيكَ مِثْلُهُ أقول : هو نظير قولهعليهالسلام
المتقدم في ( ٧٦ ) « من نظر في عيوب الناس فأنكرها ثم رضيها لنفسه فذلك الأحمق بعينه » .
و في ( كامل المبرد ) كان أبو الهندي قد غلب عليه الشراب على كرم منصبه و شرف اسرته حتى كاد يبطله و كان عجيب الجواب ، جلس إليه رجل مرة يعرف ببرزين المناقير و كان أبوه صلب في خرابة و الخرابة عندهم سرق الابل خاصة فأقبل يعرض لأبي الهندي بالشراب ، فلمّا أكثر عليه قال له أبو الهندي : أحدهم يرى القذاة في عين أخيه و لا يرى الجذع في است أبيه
.
و قال أبو البحتري العنبري :
يمنعني من عيب غيري الذي
|
|
اعرفه عندي من العيب
|
عيبي لهم بالظن منّي لهم
|
|
و لست من عيبي في ريب
|
إن كان عيبي غاب عنهم فقد
|
|
أحصى ذنوبي عالم الغيب
|
عيبي الأول في البيت الثاني مصدر و الثاني في الثالث اسم مصدر كالعيب في كلامهعليهالسلام
.
٨٠ الحكمة ( ٣٥٥ ) وَ بَنَى رَجُلٌ مِنْ عُمَّالِهِ
بِنَاءً فَخْماً فَقَالَ ع أَطْلَعَتِ اَلْوَرِقُ رُءُوسَهَا إِنَّ اَلْبِنَاءَ يَصِفُ لَكَ اَلْغِنَى هكذا في ( الطبعة المصرية )
و الصواب : ( ليصف ) كما في ابن أبي الحديد
و ابن ميثم
و النسخة الخطية
« لك الغنى » كما أنّه يصف الباني .
في ( الطبري ) خط خالد بن برمك مدينة المنصور له و أشار بها عليه ، فلمّا احتاج إلى الأنقاض قال له : ما ترى في نقض بناء مدينة إيوان كسرى بالمدائن و حمل نقضه إلى مدينتي هذه ؟ قال : لا أرى ذلك قال : و لم ؟ قال : لأنّه علم من أعلام الإسلام يستدل بها الناظر إليه على أنّه لم يكن ليزال مثل أصحابه عنه بأمر دنيا و انّما هو أمر دين ، و مع هذا فان فيه مصلّى لعلي بن أبي طالبعليهالسلام
قال : هيهات يا خالد أبيت إلاّ الميل إلى أصحابك العجم ، و أمر أن ينقض القصر الأبيض ، فنقضت ناحية منه و حمل نقضه فنظر في مقدار ما يلزمهم للنقض و الحمل فوجدوا ذلك أكثر من ثمن الجديد لو عمل ، فرفع ذلك إلى المنصور فدعا بخالد و قال له : ما ترى ؟ قال : كنت أرى قبل ان لا تفعل ، فأما إذ فعلت فإنّي أرى الآن أن تهدم حتى تلحق بقواعده لئلاّ يقال : إنّك قد عجزت
عن هدمه فأعرض المنصور عن ذلك و أمر أن لا يهدم .
قال موسى بن داود المهندس : حدّثني المأمون بهذا الحديث و قال لي :
إذا بنيت بناء فاجعله ما يعجز عن هدمه ليبقى طلله و رسمه
.
هذا ، و في ( الجهشياري ) حكّي أنّ جعفر البرمكي لمّا عزم على الانتقال إلى قصره المعروف بقصر جعفر جمع المنجّمين لاختيار وقت ، فاختاروا له وقتا من الليل ، فخرج إليه و الطرق خالية و الناس ساكنون ، فلمّا سار إلى سوق يحيى رأى رجلا قائما و هو يقول :
يدبّر
بالنّجوم و ليس يدري
|
|
و ربّ النجم يفعل ما يريد
|
فاستوحش و قال : ما أردت ؟ قال : شيء جاء على لساني ، فمضى و قد تنغّص عليه
.
و في الخبر : من جمع مالا من حرام سلّط اللَّه عليه الماء و الطين
.
٨١ الحكمة ( ٣٥٨ ) و قالعليهالسلام
:
أَيُّهَا اَلنَّاسُ لِيَرَكُمُ اَللَّهُ مِنَ اَلنِّعْمَةِ وَجِلِينَ كَمَا يَرَاكُمْ مِنَ اَلنِّقْمَةِ فَرِقِينَ إِنَّهُ مَنْ وُسِّعَ عَلَيْهِ فِي ذَاتِ يَدِهِ فَلَمْ يَرَ ذَلِكَ اِسْتِدْرَاجاً فَقَدْ أَمِنَ مَخُوفاً وَ مَنْ ضُيِّقَ عَلَيْهِ فِي ذَاتِ يَدِهِ فَلَمْ يَرَ ذَلِكَ اِخْتِبَاراً فَقَدْ ضَيَّعَ مَأْمُولاً أقول : رواه ( التحف ) و زاد قبله : « أيّها الناس إنّ للَّه في كلّ نعمة حقّا ، فمن
أدّاه زاده و من قصّر عنه خاطر بزوال النعمة ، فليركم اللَّه .
» .
و حينئذ فليكونوا وجلين من تقصيرهم في شكر النعمة كما ينبغي فيستحقوا سلبها و اخذهم بعقوبة كفرانها .
« انه من وسع عليه في ذات يده فلم ير ذلك استدراجا فقد أمن مخوفا » جعل ( التحف ) هذا الكلام . خبرا مستقلا ، و هو الوجه لأن التوسعة أعمّ من النعمة ، و إذا كانت استدراجا فهي نقمة ، قال تعالى(
فَلمّا نَسُوا ما ذُكّرُوا بِه فَتَحنا عَليهم أَبوابَ كُلِّ شيءٍ حَتّى إذا فَرحوا بما اُوتُوا أخذناهُم بَغتةً فإذا هم مُبلِسون
)
(
و الَّذينَ كَذّبُوا بآياتنا سَنَستَدرجُهم مِن حيثُ لا يَعلَمون
)
.
(
و اُملي لَهُم إِنّ كَيدي متين
)
(
فَذَرني و من يُكَذّب بهذا الحَديث سنَستَدرجُهم من حَيثُ لا يَعلَمُون و اُملي لَهُم إِنَ كَيدي مَتينٌ
)
.
« و من ضيّق عليه فلم ير ذلك اختبارا فقد ضيّع مأمولا » بدل ( التحف ) قوله « فلم ير ذلك اختبارا » بقوله « فلم يظن ان ذلك حسن نظر من اللَّه » و هو المناسب لقوله « فقد ضيّع مأمولا » ، فإنّما المأمول حسن نظره تعالى لعبده لا اختباره له ، و لعلّ اختباره سبب ضلاله .
و أما كون التضييق حسن نظر منه تعالى لعبده ففي ما ناجى موسى كما روى ( الكافي ) يا موسى إذا رأيت الفقر مقبلا فقل : مرحبا بشعار الصالحين ، و إذا رأيت الغنى مقبلا فقل ذنب عجّلت عقوبته
.
و عن الصادقعليهالسلام
: إن اللَّه تعالى ليعتذر إلى عبده المؤمن المحوج في
الدّنيا كما يعتذر الأخ إلى أخيه ، فيقول : و عزتي و جلالي ما أحوجتك في الدّنيا من هو ان كان بك عليّ فارفع هذا السجف فانظر إلى ما عوّضتك من الدنيا ، فيرفع فيقول ما ضرّني ما منعتني مع ما عوّضتني
.
و في خبر آخر : فمن زود أحدكم في دار الدّنيا معروفا فخذوا بيده و ادخلوه الجنة ، و لكلّ عبد منكم مثل ما أعطيت أهل الدّنيا منذ كانت إلى أن انقضت سبعون ضعفا
.
و عنهعليهالسلام
: إنّ فقراء المؤمنين
يتقلّبون في رياض الجنّة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا ، و مثل ذلك كسفينتين مرّ بهما على عاشر فنظر في إحداهما فلم ير شيئا فقال : أسربوها ، و نظر في الاخرى فإذا هي موقرة فقال : إحبسوها
.
و عنهعليهالسلام
: لو لا إلحاح هذه الشيعة على اللَّه في طلب الرزق لنقلهم من الحال التي هم فيها إلى ما هو أضيق
.
٨٢ الحكمة ( ٣٦٥ ) و قالعليهالسلام
:
اَلْفِكْرُ مِرْآةٌ صَافِيَةٌ وَ اَلاِعْتِبَارُ مُنْذِرٌ نَاصِحٌ وَ كَفَى أَدَباً لِنَفْسِكَ تَجَنُّبُكَ مَا كَرِهْتَهُ لِغَيْرِكَ أقول : كرّر المصنف الفقرة الأخيرة مستقلة في ( ٤١٢ ) سهوا بلفظ
« كفاك أدبا لنفسك اجتنابك ما تكرهه لغيرك » .
« الفكر مرآة صافية » في ( الكافي ) سئل الصادقعليهالسلام
عمّا يروى أنّ تفكّر ساعة خير من قيام ليلة كيف يتفكّر ؟ قال : يمرّ بالخربة أو الدار فيقول : أين ساكنوك ؟ أين بانوك ؟ مالك لا تتكلّمين
؟
« و الاعتبار منذر ناصح »(
أَلم تَر أَن اللَّه يُزجي سَحاباً ثم يُؤلّفُ بَينهُ ثُم يَجعَلُه رُكاماً فتَرى الودقَ يَخرُجُ مِن خلاله و يُنَزِّلُ من السّماء من جبال فيها من بردٍ فيُصيب به مَن يشاءُ و يصرفهُ عمّنَ يشاء يَكادُ سَنابرقهِ يذهبُ بالأَبصارِ يُقلِّبُ اللَّه الليلَ و النهارَ إِن في ذلكَ لعبرةً لاُولي الأبصار
)
.
« و كفى أدبا لنفسك تجنّبك ما كرهته من غيرك »(
و ما اُريد أن اُخالفكم إلى ما أَنهاكُم عَنهُ
)
.
و مرّ قولهعليهالسلام
« و من نظر في عيوب الناس فأنكرها ثم رضيها لنفسه فذلك الأحمق بعينه » و قولهعليهالسلام
« أكبر العيب أن تعيب ما فيك مثله » .
و قيل كتب بعض الكتّاب إلى بعض الملوك :
تضرب الناس بالمهندة البيض
|
|
على غدرهم و تنسى الوفاء
|
٨٣ الحكمة ( ٣٧١ ) و قالعليهالسلام
:
لاَ شَرَفَ أَعْلَى مِنَ اَلْإِسْلاَمِ وَ لاَ عِزَّ أَعَزُّ مِنَ اَلتَّقْوَى وَ لاَ مَعْقِلَ أَحْسَنُ مِنَ اَلْوَرَعِ وَ لاَ شَفِيعَ أَنْجَحُ مِنَ اَلتَّوْبَةِ وَ لاَ كَنْزَ أَغْنَى مِنَ اَلْقَنَاعَةِ وَ لاَ
مَالَ أَذْهَبُ لِلْفَاقَةِ مِنَ اَلرِّضَى بِالْقُوتِ وَ مَنِ اِقْتَصَرَ عَلَى بُلْغَةِ اَلْكَفَافِ فَقَدِ اِنْتَظَمَ اَلرَّاحَةَ وَ تَبَوَّأَ خَفْضَ اَلدَّعَةِ وَ اَلرَّغْبَةُ مِفْتَاحُ اَلنَّصَبِ وَ مَطِيَّةُ اَلتَّعَبِ وَ اَلْحِرْصُ وَ اَلْكِبْرُ وَ اَلْحَسَدُ دَوَاعٍ إِلَى اَلتَّقَحُّمِ فِي اَلذُّنُوبِ وَ اَلشَّرُّ جَامِعُ مَسَاوِئِ اَلْعُيُوبِ أقول : هذا العنوان جزء خطبة الوسيلة رواها ( روضة الكافي ) « لا شرف أعلى من الإسلام » روى ( الكافي ) عن الصادقعليهالسلام
في قوله تعالى :(
صبغَةَ اللَّه وَ مَن أحسنُ من اللَّه صبغَة
)
: إنّ الصبغة هي الإسلام
.
و في الخبر : الإسلام يعلو و لا يعلى عليه
.
و عنهعليهالسلام
في مجوسية أسلمت قبل أن يدخل بها زوجها و أبي أن يسلم :
لها عليه نصف الصداق و لم يزدها الإسلام إلاّ عزّا
، و قال تعالى(
اليوم أكملتُ لكُم دينَكُم و أَتمَمتُ عليكم نعمتي و رَضيتُ لكُم الإسلام ديناً
)
(
وَ مَن يَبتَغ غَير الإسلام ديناً فَلن يُقبل منه
)
.
« و لا عز أعز من التقوى »(
يا أيُّها الناس إِنّا خلقناكم من ذكرٍ و اُنثى و جَعلناكُم شُعُوباً و قبائِلَ لتعارَفوا إِن أكرمكُم عندَ اللَّه أتقاكم
)
.
« و لا معقل أحسن من الورع »(
و مَن يتّق اللَّه يَجعَل لُهُ مَخرَجاً و يَرزُقه من حيثُ لا يَحتَسِبُ
)
.
« و لا شفيع أنجح من التوبة »(
و هو الذي يَقبلُ التوبةَ عن عبادهِ و يعفو عن السيئات
)
(
إِن اللَّه يحبُّ التّوابينَ و يُحبُّ المُتَطهرين
)
و قال هود لقومه :
(
و يا قوم استغفروا ربَّكُم ثُمَ توبُوا إِليه يُرسِل السَّماءَ عليكم مدراراً و يزدكُم قُوّةً إلى قوتكم
)
(
و أَن استَغفروا ربَّكُم ثم توبوا إليه يُمتِّعكم متاعاً حسناً إِلى أجلٍ مُسمّى و يؤتِ كُلّ ذي فضلٍ فَضلُه
)
.
« و لا كنز أغنى من القناعة » في ( الكافي ) عنهعليهالسلام
من رضي من الدّنيا بما يجزيه كان أيسر ما فيها يكفيه ، و من لم يرض من الدّنيا بما يجزيه لم يكن فيها شيء يكفيه
.
« و لا مال أذهب للفاقة من الرضى بالقوت » في ( الروضة ) بعد هذه الفقرات « و لا لباس أجمل من العافية ، و لا غائبا أقرب من الموت ، أيّها الناس إنّه من مشى على وجه الأرض فإنّه يصير إلى بطنها ، و الليل و النهار مسرعان في هدم الأعمار ، و لكلّ ذي رمق قوت و أنت قوت الموت ، و ان من عرف الأيام لم يغفل عن الاستعداد ، و لن ينجو من الموت غني بماله و لا فقير لإقلاله »
.
« و من اقتصر على بلغة الكفاف فقد انتظم الراحة و تبوّأ خفض الدعة » أي :
السكون و الاستراحة ، من « ودع » بالضم .
قال النبيصلىاللهعليهوآله
: اللّهم ارزق محمّدا و آل محمّد الكفاف ، و ارزق من أحبّ
محمدا و آل محمّد العفاف و الكفاف ، و ارزق من أبغضهم المال و الولد
.
و عنهصلىاللهعليهوآله
قال تعالى : إنّ من أغبط أوليائي رجلا خفيف الحال ذا حفظ من الصلاة أحسن عبادة ربّه بالغيب ، و كان غامضا في الناس جعل رزقه كفافا فصبر عليه عجلت منيته فقلّ تراثه و قلّت بواكيه
.
« و الرغبة » أي : الحرص .
« مفتاح النصب » جعلعليهالسلام
النصب كقفل مفتاحه الرغبة .
« و مطية التعب » المطية ، المركب ، جعلعليهالسلام
التعب كمقصد لا تصل إليه إلاّ بمطيّة الرغبة .
« و الحرص و الكبر و الحسد دواع إلى التقحم » أي : رمي النفس .
« في الذنوب » الحرص كان داعي آدمعليهالسلام
إلى الشجرة المنهية و الكبر كان داعي إبليس إلى ترك السجود لآدم ، و الحسد كان داعي قابيل إلى قتل أخيه هابيل ، و الكبر أول ذنب أهل السماء ، و الحسد أول ذنب أهل الأرض .
« و الشر جامع مساوي » هكذا في ( الطبعة المصرية )
و الصواب :
( لمساوي ) كما في ابن أبي الحديد
و ابن ميثم
و النسخة الخطية
.
« العيوب » الحرص و الكبر و الحسد و غيرها من البخل و الجبن و العجب و غيرها ، لكن كون الشر أعم أمر واضح ، و الظاهر وقوع تصحيف ، و كون
الشر محرّف البخل ، ففي ( ٣٧٨ ) و قالعليهالسلام
: « البخل جامع لمساوىء العيوب ، و هو زمام يقاد به إلى كلّ سوء » و عليه ففي الثاني تكرار بعض الأول .
٨٤ الحكمة ( ٣٧٦ ) إِنَّ اَلْحَقَّ
ثَقِيلٌ مَرِيءٌ وَ إِنَّ اَلْبَاطِلَ خَفِيفٌ وَبِيءٌ أقول : قالعليهالسلام
: هذا الكلام لعثمان مع زيادة « و أنت رجل إن صدقت سخطت و ان كذبت رضيت » كما رواه ابن أبي الحديد في موضع آخر و نقل مثله عن لقمان و ورد : الحقّ أوسع الأشياء في التواصف و أضيقها في التناصف
.
و في ( الكافي ) قيل للصادقعليهالسلام
: يزعمون أنّ النبيصلىاللهعليهوآله
رخّص في أن نقول : « جئناكم جئناكم جيئونا جيئونا نجئكم نجئكم » فقال : كذبوا إنّ اللَّه تعالى يقول :(
و ما خلقنا السماءَ و الأرضَ و ما بينَهُما لاَعِبينَ لو أردنا أن نتَّخِذَ لَهواً لاتخذناهُ من لدُنّا إِن كُنّا فاعلين بل نَقذِفُ بالحقِّ عَلى الباطل فَيَدمَغُهُ فإذا هُو زاهِق و لَكُم الوَيل مِمّا تَصِفُون
)
.
و سئل الباقرعليهالسلام
عن الغناء
فقالعليهالسلام
: إذا ميّز اللَّه بين الحق و الباطل فأين يكون الغناء ؟ قال : مع الباطل فقال : قد حكمت و كذلك سئل عن النرد و الشطرنج فأجاب بكونهما مع الباطل إذا ميّز بينه و بين الحق
.
٨٥ الحكمة ( ٣٨١ ) و قالعليهالسلام
:
اَلْكَلاَمُ فِي وَثَاقِكَ مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ فَإِذَا تَكَلَّمْتَ بِهِ صِرْتَ فِي وَثَاقِهِ فَاخْزُنْ لِسَانَكَ كَمَا تَخْزُنُ ذَهَبَكَ وَ وَرِقَكَ فَرُبَّ كَلِمَةٍ سَلَبَتْ نِعْمَةً وَ جَلَبَتْ نِقْمَةً و « صرت وثاقه » في ( الطبعة المصرية )
تصحيف ، أي : هو في شدك ابتداء و تصير في شدّه انتهاء .
« فاخزن لسانك كما تخزن ذهبك و ورقك ، فربّ كلمة سلبت نعمة و جلبت نقمة » فقرة « و جلبت نقمة » ليست في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) و إنّما هي في ( الطبعة المصرية )
.
و في السير : نزل النعمان بن المنذر برابية ، فقال له رجل من أصحابه :
أبيت اللعن لو ذبح رجل على رأس هذه الرابية إلى أين كان يبلغ دمه فقال النعمان : المذبوح و اللَّه أنت و لأنظرن أين يبلغ دمك فذبحه
.
و في ( العيون ) : قال ابن إسحاق : النّسناس خلق باليمن لأحدهم عين و يد و رجل يقفز بها و أهل اليمن يصطادونهم ، فخرج قوم في صيدهم فرأوا ثلاثة منهم ، فأدركوا واحدا منهم فعقروه و ذبحوه و توارى اثنان في الشّجر ، فقال الذي ذبح الأول انّه لسمين ، فقال الثاني انّه أكل ضروا فأخذوه و ذبحوه ، فقال الذي ذبحه ما انفع الصمت فقال الثالث فها أنا الصمت فأخذوه و ذبحوه
.
و في ( الأغاني ) : صلب الحجّاج رجلا من الشّراة بالبصرة و راح عشيّا لينظر إليه ، فإذا برجل بازائه مقبل بوجهه عليه ، فدنا منه فسمعه يقول للمصلوب « طال ما ركبت فأعقب »
فقال الحجّاج : من هذا ؟ فقالوا : شظاظ اللص قال : لا جرم و اللَّه ليعقبنّك ، ثم وقف و أمر بالمصلوب فأنزل و صلب شظاظا مكانه
.
٨٦ الحكمة ( ٣٨٤ ) و قالعليهالسلام
:
اَلرُّكُونُ إِلَى اَلدُّنْيَا مَعَ مَا تُعَايِنُ جَهْلٌ وَ اَلتَّقْصِيرُ فِي حُسْنِ اَلْعَمَلِ إِذَا وَثِقْتَ بِالثَّوَابِ عَلَيْهِ غَبْنٌ وَ اَلطُّمَأْنِينَةُ إِلَى كُلِّ أَحَدٍ قَبْلَ اَلاِخْتِبَارِ لَهُ عَجْزٌ في ( الجهشياري ) قيل لعتابة أمّ جعفر بن يحيى بعد نكبتهم و هي بالكوفة في يوم أضحى ما أعجب ما رأيت ؟ فقالت : لقد رأيتني في مثل هذا اليوم و على رأسي مائة و صيفة لبوس كلّ واحدة منهنّ و حليها خلاف لبوس الاخرى و حليها ، و أنا يومي هذا اشتهي لحما فما أقدر عليه
.
و في ( المروج ) : لمّا دخل عمرو بن ليث إلى بغداد من المصلّى العتيق رافعا يديه يدعو و هو على جمل فالح و هو ذو السنامين و كان أنفذه إلى المعتضد في هدايا تقدّمت له قبل أسره قال ابن فهم :
ألم تر هذا الدهر كيف صروفه
|
|
يكون عسيرا مرّة و يسيرا
|
و حسبك بالصفّار نبلا و عزّة
|
|
يروح و يغدو في الجيوش أميرا
|
حباهم جمالا و هو لم يدر أنّه
|
|
على جمل منها يقاد أسيرا
|
و قال ابن بسام :
أيّها المغتر بالدنيا
|
|
أما أبصرت عمرا
|
مقبلا قد أركب الفالح
|
|
بعد الملك قهرا
|
و عليه برنس السّخطة
|
|
إذلالا و قهرا
|
رافعا كفّيه يدعو اللّه
|
|
إسرارا و جهرا
|
أن ينجّيه من القت
|
|
ل و ان يعمل صفرا
|
و في ( المعجم ) : كان أبو الفتح بن العميد قد دبّر على الصاحب بن عبّاد حتّى أزاله عن كتابة مؤيّد الدولة و أبعده عن حضرته بالريّ إلى اصفهان ، و انفرد هو بتدبير الأمور له كما كان يدبّرها لأبيه ركن الدولة ، و استدعى يوما ندماءه و عبأ لهم مجلسا عظيما و أظهر من الزينة و آلات الذهب و الفضة و الصيني و ما شاكله ما يفوت الحصر ، و شرب و استفزّه الطرب و كان قد شرب يومه و ليلته و عمل شعرا غني به :
دعوت المنى و دعوت العلا
|
|
فلمّا أجابا دعوت القدح
|
و شرب عليه إلى أن سكر و قال لغلمانه : غطوا المجلس و لا تسقطوا منه شيئا لأصطبح في غد عليه ، و قال لندمائه : باكروني ، و قام إلى بيت منامه و انصرف عنه الندماء ، فدعاه مؤيّد الدولة في السحر فلم يشك أنّه لمهم فقبض عليه و أنفذ إلى داره من استولى على جميع ما فيها و أعاد ابن عبّاد إلى وزارته و تطاول بابن العميد النكبة حتى مات فيها
.
و لبعضهم في الفضل بن مروان وزير المعتصم و كان قبله الفضل بن يحيى البرمكي و الفضل بن الربيع الحاجب وزيري الرشيد و الفضل بن سهل وزير المأمون :
تجبرت
يا فضل بن مروان فاعتبر
|
|
فقبلك كان الفضل و الفضل و الفضل
|
ثلاثة أملاك مضوا لسبيلهم
|
|
أبادهم الموت المشتت و القتل
|
فإنّك قد أصبحت في النّاس ظالما
|
|
ستودي كما أودى الثلاثة من قبل
|
« و التقصير في حسن العمل إذا وثقت بالثواب عليه غبن » فقد قال تعالى :
(
مَثَلُ الذين يُنفقونَ أَموالَهم في سَبيل اللَّه كَمَثَلِ حَبةٍ أنبتت سَبعَ سنابِلَ في كلّ سُنبلةٍ مائة حبّةٍ و اللَّه يُضاعف لِمن يشاء
)
و قال تعالى :(
تتجافى جُنوبهم عن المضاجِع يدعون رَبّهم خوفاً و طمعاً و ممّا رزقناهم يُنفقون فلا تَعلَمُ نَفسٌ ما اُخفي لَهُم مِن قُرّةِ أَعيُنٍ جَزاءً بما كانوا يَعمَلون
)
فإذا كان واثقا بذلك و قصر كان مغبونا ألبتّة .
« و الطمأنينة إلى كلّ أحد قبل الاختبار له عجز » فليس كلّ أحد صادقا .
٨٧ الحكمة ( ٣٨٦ ) و قالعليهالسلام
:
مَنْ طَلَبَ شَيْئاً نَالَهُ أَوْ بَعْضَهُ قيل : هو نظير قولهم : « من طلب شيئا وجدّ وجد »
و قولهم « من قرع
قرع بابا و لجّ ولج » و قال تعالى(
و الَّذين جاهدوا فينا لنَهديَّنهم سُبُلنا
)
.
.
و في ( الأمثال ) : إن عامر بن الطرف لمّا كبر قال له قومه : إجعل لنا قائدا بعدك ، فقال : من طلب شيئا وجده و ان لم يجده يوشك أن يوقع قريبا منه
.
٨٨ الحكمة ( ٣٩٢ ) و قالعليهالسلام
:
تَكَلَّمُوا تُعْرَفُوا فَإِنَّ اَلْمَرْءَ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ أقول : الفقرة الثانية تكرار من المصنف لعنوانه ( ١٤٨ ) « المرء مخبوء تحت لسانه » .
و كيف كان فمرّ في الديباجة قول الشعبي إنّهعليهالسلام
تكلّم بتسع كلمات ارتجلهن ارتجالا فقأن عيون البلاغة و أيتمن جواهر الحكمة و قطعن جميع الأنام عن اللحاق بواحدة منهن ، ثلاث منهن في المناجاة و ثلاث منهن في الحكمة إلى أن قال و أمّا اللاتي في الحكمة فقال : قيمة كلّ امرىء ما يحسنه ، و ما هلك امرؤ عرف قدره ، و المرء مخبوّ تحت لسانه
.
هذا ، و قد غيّروا كلامهعليهالسلام
« المرء مخبوّ تحت لسانه » فقالوا « المرء مخبو تحت طي لسانه لا طيلسانه » .
« تكلموا تعرفوا » قال تعالى :(
فلمّا كَلَّمهُ قال إنَّكَ اليوم لدينا
مَكينٌ أَمين
)
.
و في ( تاريخ بغداد ) : دخل عبد العزيز بن يحيى المكي و كانت خلقته شنعة على المأمون و عنده المعتصم ، فضحك منه فأقبل على المأمون و قال :
لم ضحك هذا ؟ لم يصطف اللَّه يوسف لجماله و إنّما اصطفاه لدينه و بيانه ، و لم يقل الملك لمّا رأى جماله إنّك اليوم لدينا مكين أمين بل لمّا كلّمه ، بياني أحسن من وجه هذا فأعجب المأمون قوله
.
و في ( العيون ) عن ربيعة الرأي : الساكت بين النائم و الأخرس و ذكروا أفضلية الكلام و الصمت فقال أبو مسهّر : كلاّ إنّ النجم ليس كالقمر ، إنّك تصف الصمت بالكلام و لا تصف الكلام بالصمت و قال يونس : ليس لعييّ مروّة ، و لا لمنقوص البيان بهاء و لو بلغ يافوخه أعنان السماء
.
و في ( تاريخ بغداد ) : قال ابن عمّار : كنت إذا نظرت إلى يحيى بن سعيد القطان ظننت انّه رجل لا يحسن شيئا فإذا تكلّم أنصت له الفقهاء
.
و في ( الطبري ) في قدوم الحجّاج الكوفة و صعوده المنبر فطال سكوته فتناول محمد بن عمير حصى أراد أن يحصبه بها و قال : قاتله اللَّه ما أعياه و اللَّه إنّي لأحسب خبره كروائه ، فلمّا تكلّم الحجّاج جعل الحصى ينتثر من يده و لا يعقل به
.
و في ( البلاذري ) : سعى عبد اللَّه بن الأهتم خليفة قتيبة على مرو بقتيبة إلى الحجّاج ، فأرسل الحجّاج كتابه إلى قتيبة فأحس بالشرّ ، فهرب إلى الشام
و وضع قطنة على احدى عينيه ثم عصبها و اكتنى بأبي قطنة ، و كان يبيع الزيت حتى إذا هلك الوليد و قام سليمان ألقى عنه ذاك الدنس و قام بخطبة تهنئة لسليمان و وقوعا في الحجّاج و قتيبة و كانا خلعا سليمان فتفرّق الناس و هم يقولون أبو قطنة الزيّات أبلغ الناس
.
هذا ، و عنهعليهالسلام
: اللسان معيار أطاشه الجهل و أرجحه العقل
.
و روي أنّهعليهالسلام
سئل أيّ شيء أحسن ؟ فقال : الكلام فقال : أيّ شيء أقبح ؟ فقال : الكلام ثم قال : بالكلام ابيضّت الوجوه و بالكلام اسودّت الوجوه
.
« المرء مخبوء تحت لسانه » و قال شاعر :
و النّار في أحجارها مخبوءة
|
|
ليست ترى إن لم يثرها الازند
|
و في ( العيون ) ذكر أعرابي رجلا فقال : رأيت عورات الناس بين أرجلهم و عورة فلان بين فكّيه
.
و عاب آخر رجلا فقال : ذاك من يتامى المجلس ، أبلغ ما يكون في نفسه و أعيى ما يكون عند جلسائه
.
و في ( تاريخ بغداد ) : كان رجل يجلس إلى أبي يوسف فيطيل الصمت ، فقال له : ألا تتكلّم ؟ فقال : بلى متى يفطر الصائم قال : إذا غابت الشمس قال :
فإن لم تغب إلى نصف الليل ، فضحك أبو يوسف و قال : أصبت في صمتك و أخطأت أنا في استدعاء نطقك ، ثم تمثّل :
عجبت لأزراء العييّ بنفسه
|
|
و صمت الذي قد كان للقول أعلما
|
و في الصمت ستر للعييّ و إنّما
|
|
صحيفة لب المرء أن يتكلما
|
و في ( كامل المبرد ) : إنّ الحجّاج بعث برأس ابن الأشعث بعد ظفره به مع عرّار بن عمرو بن شاس الأسدي و كان أسود دميما إلى عبد الملك فلمّا ورد به عليه جعل عبد الملك لا يسأل عن شيء من أمر الوقيعة إلاّ أنبأه به عرّار في أصح لفظ و أشبع قول و أجزأ اختصار و كان عبد الملك اقتحمه عينه حيث رآه فقال متمثلا :
أرادت عرارا بالهوان و من يرد
|
|
لعمري عرارا بالهوان فقد ظلم
|
و إنّ عرارا إن يكن غير واضح
|
|
فإنّي احبّ الجون ذا المنكب العمم
|
فقال له عرّار : أتعرفني أيها الخليفة ؟ قال : لا قال : فأنا و اللَّه عرّار فزاد في سروره و زاد في جائزته
.
و في ( الخلفاء ) : لمّا بنى الحجّاج خضراء واسط قال لجلسائه : كيف ترون هذه القبة ؟ قالوا : ما رأينا مثلها قال : و لها عيب ما هو ؟ قالوا : ما نرى قال :
سأبعث إلى من يخبرني ، فبعث إلى الغضبان الشيباني و كان في سجنه لأنّه كان قال لابن الأشعث تغدّ بالحجّاج قبل أن يتعشاك فأقبل به و هو يرسف في القيود فقال له : كيف قبتي هذه ؟ قال : نعمت حسنة مستوية قال : أخبرني بعيبها قال : بنيتها في غير بلدك لا يسكنها ولدك قال : صدق ردوه إلى السجن .
فقال : قد أكلني الحديد و أوهن ساقي القيود فما اطيق المشي قال : احملوه ، فلمّا حمل على الأيدي قال :(
سُبحان الذي سَخّرَ لنا هذا و ما كُنا لهُ مُقرنين
)
قال :
أنزلوه فقال :(
ربّ أَنزلني مُنزلاً مُباركاً و أنتَ خَيرُ المُنزِلينَ
)
قال : جرّوه .
فقال و هو يجر(
بسم اللَّه مجراها و مُرساها إنّ ربّي لغفورٌ رحيم
)
قال :
اضربوا به الأرض فقال :(
منها خلقناكم و فيها نُعيدُكم و منها نُخرجكم تارة اُخرى
)
فضحك الحجّاج حتى استلقى على قفاه ثم قال : و يحكم قد غلبني هذا الخبيث ، أطلقوه إلى صفحي عنه فقال الغضبان :(
فاصفح عنهُم و قُل سلام
)
فنجا من شرّه بلسانه
و كان قال له لأقطعن يديك و رجليك و لأضربن بلسانك عينيك
.
و في ( البيان ) : خرج صعصعة
إلى مكة ، فلقيه رجل فقال : يا عبد اللَّه كيف تركت الأرض قال : عريضة أريضة
قال : إنّما عنيت السماء قال : فوق البشر و مد البصر قال : سبحان اللَّه إنّما أردت السحاب قال : تحت الخضراء و فوق الغبراء قال : إنّما أعني المطر قال : قد عفّي الأثر و ملأ القتر
و بلّ الوبر و مطرنا أحيا المطر قال : إنسيّ أنت أم جني ؟ قال : بل إنسي من امّة رجل مهديّ
.
و في ( شعراء ابن قتيبة ) : كان الحارث بن حلزة اليشكري ارتجل بين
يدي عمرو بن هند في شيء كان بين بكر و تغلب بعد الصلح قصيدته « آذنتنا ببنيها اسماء » و كان ينشده من وراء سبع ستور ، فأمر برفع الستور عنه استحسانا لها
.
و نظر النعمان بن المنذر إلى ضمرة بن ضمرة ، فلمّا رأى دمامته قال :
تسمع بالمعيدي لا أن تراه فقال ضمرة : إنّ الرجال لا تكال بالقفزان ، و إنّما المرء بأصغريه لسانه و قلبه
.
و في ( المعجم ) قال خلف الأحمر : كنت أسمع ببشار بسرعة جوابه و جودة شعره ، فأنشدوني شيئا من شعره لم أحمده فقلت : لآتينّه و لاطأطأنّ منه ، فأتيته و هو جالس على باب بيته ، فرأيته أعمى قبيح المنظر عظيم الجثّة ، فقلت : لعن اللَّه من يبالي بهذا ، إذ جاء رجل فقال : إنّ فلانا سبّك عند الأمير و جاء قوم فسلّموا عليه فلم يردد عليهم فجعلوا ينظرون إليه و قد ورمت أوداجه فلم يلبث أن أنشدنا بأعلى صوته :
نبّئت نائك امّه يغتابني
|
|
عند الأمير و هل عليّ أمير
|
فارتعدت فرائصي و عظم في عيني فقلت : الحمد للَّه الذي أبعدني من شرّك
.
و همّ الفرزدق بهجاء عبد القيس فأرسل إليه زياد الأعجم :
فما ترك الهاجون لي إن هجوته مصحّا أراه في أديم الفرزدق .
فقال الفرزدق : مالي إلى هجاء هؤلاء سبيل ما عاش هذا العبد
.
و في ( العيون ) : قال عبد الملك بن عمير : قدم علينا الأحنف الكوفة مع
مصعب بن الزبير ، فما رأيت خصلة تذم إلاّ و رأيتها فيه ، كان أصغر
الرأس متراكب الأسنان في خدّه ميل
مائل الذّقن ناتىء الوجه ، غائر العين خفيف العارض أحنف الرّجل ، و لكنّه إذا تكلّم جلّى عن نفسه
و قال الشاعر :
و ما حسن الرجال لهم بحسن
|
|
إذا لم يسعد الحسن البيان
|
كفى بالمرء عيبا أن تراه
|
|
له وجه و ليس له بيان
|
و في ( الطبقات ) في وفد عبد القيس قال لهم النبيصلىاللهعليهوآله
: أيّكم عبد اللَّه الأشجّ ؟ فقال أحدهم : أنا و كان رجلا دميما فنظر إليه النبيصلىاللهعليهوآله
فقال : لا يستسقى في مسوك الرجال ، و إنّما يحتاج من الرجل إلى أصغريه لسانه و قلبه
و في ( العقد ) :
و ما المرء إلاّ الأصغران لسانه
|
|
و معقوله و الجسم خلق مصوّر
|
فإن تر منه ما يروق فربّما
|
|
أمرّ مذاق العود و العود أخضر
|
و قال زهير :
و كائن ترى من معجب لك صامت
|
|
زيادته أو نقصه في التّكلم
|
لسان الفتى نصف و نصف فؤاده
|
|
فلم يبق الا صورة اللحم و الدم
|
هذا ، و في أخبار حكماء القفطي : كان في مصر يهوديّ يرتزق بصناعة مداواة الجراح في غاية الخمول ، فاتفق أن عرض لرجل الحاكم عقر زمن عجز أطباؤه الخواص عنه ، فأحضر له الرجل فطرح عليه دواء يابسا فنشفه و شفاه
في ثلاثة أيام ، فأطلق له ألف دينار و خلع عليه و لقبه بالحقير النافع و جعله من أطبائه الخواصّ
.
٨٩ الحكمة ( ٣٩٤ ) و قالعليهالسلام
:
رُبَّ قَوْلٍ أَنْفَذُ مِنْ صَوْلٍ في ( الأغاني ) : وفد أبو براء ملاعب الأسنة و إخوته طفيل و معاوية و عبيدة بنو مالك بن جعفر بن كلاب و معهم لبيد بن ربيعة بن مالك و هو غلام على النعمان بن المنذر ، فوجدوا عنده الربيع بن زياد العبسي و كان ينادم النعمان فاذا خلا به يطعن في الجعفريين ، فرأوا من الملك جفاء و قد كان يكرمهم قبل ذلك فخرجوا من عنده غضابا و لبيد في رحالهم يحفظ أمتعتهم فألفاهم الليلة يتذاكرون أمر الربيع فسألهم فكتموه ، فقال : و اللَّه لا أحفظ لكم متاعا أو تخبروني و كانت أم لبيد امرأة من عبس فقالوا : خالك قد غلبنا على الملك فقال لهم : هل تقدرون على أن تجمعوا بيني و بينه فأزجره عنكم بقول ممضّ ثم لا يلتفت النعمان إليه أبدا إلى أن قال : ثم غدوا به معهم على النعمان فوجدوه يتغدّى و معه الربيع و هما يأكلان ليس معه غيره ، فلمّا فرغ أذن لهم فذكروا له حاجتهم ، فاعترض الربيع في كلامهم ، فقام لبيد و قال :
يا ربّ هيجا هي خير من دعه
|
|
أكلّ يوم هامتي مقرّعة
|
يخبرك عن هذا خبير فاسمعه
|
|
مهلا أبيت اللّعن لا تأكل معه
|
إنّ استه من برص ملمّعه
|
|
و إنّه يدخل فيها إصبعه
|
يدخلها حتى يواري أشجعه
|
|
كأنّما يطلب شيئا ضيّعه
|
فلمّا فرغ التفت النعمان إلى الربيع شزرا يرمقه قال : لا و اللَّه لقد كذب عليّ ، و انصرف إلى منزله و كتب إلى النعمان : إنّي قد تخوّفت أن يكون قد وقر في صدرك ما قاله لبيد ، و لست برائم حتى تبعث من يجرّدني فيعلم من حضرك أنّي لست كما قال ، فأرسل النعمان إليه : إنّك لست بانتفائك ممّا قال لبيد شيئا و لا قادرا على ما زلّت به الألسن و كتب إليه :
شرّد برحلك عنّي حيث شئت و لا
|
|
تكثر عليّ و دع عنك الأباطيلا
|
فقد ذكرت به و الركب حامله
|
|
وردا يعلّل أهل الشام و النّيلا
|
فما انتفاؤك منه بعد ما جزعت
|
|
هوج المطيّ به إبراق شمليلا
|
قد قيل ذلك إن حقا و إن كذبا
|
|
فما اعتذارك من شيء إذا قيلا
|
و في ( العيون ) : اسر معاوية يوم صفّين رجلا من أصحاب عليعليهالسلام
، فلمّا اقيم بين يديه قال : الحمد للَّه الذي أمكن منك قال : لا تقل ذلك ، فإنّها مصيبة .
قال : و أيّة نعمة أعظم من أن يكون اللَّه أظفرني برجل قتل في ساعة واحدة جماعة من أصحابي اضربا عنقه فقال : اللّهم اشهد ان معاوية لم يقتلني فيك و لا لأنّك ترضى قتلي و لكن قتلني في الغلبة على حطام الدّنيا ، فإن فعل فافعل به ما هو أهله و إن لم يفعل فافعل به ما أنت أهله فقال له معاوية : قاتلك اللَّه لقد سببت فأوجعت في السبّ و دعوت فأبلغت في الدّعاء ، خلّيا سبيله
.
و كان قول الفرزدق و علم قومه أكل الخبيص و قول أبي العتاهية « وضع سيفك خلخالا » في هجو الفزاري و ابن معن أنفذ من صول .
و قال الحطيئة « و القول ينفذ ما لا ينفذ الابر »
.
و في ( أنساب البلاذري ) : كان خالد بن يزيد يقاتل قرقيسا مع كلب و هم أخواله لأن ام يزيد ميسون بنت بجدل من كلب ، فألخّ عليهم بالقتال و الرمي حتى كاد يظفر ، فقال رجل من بني كلاب : لاسمعنّه قولا لا يعود بعده إلى ما يصنع ، و لأكسرنه به ، فلمّا غدا خالد للمحاربة أشرف الكلابي عليه و هو يقول :
ماذا ابتغاء خالد و همّه
|
|
إذ سلب الملك و نيكت امّه
|
فأنكر و استحى و لم يعد إلى الحرب حتى انقضى .
و تقاذف عبد الرحمن بن حسّان و يحيى بن الحكم في امارة أخيه مروان ، فضرب مروان أخاه عشرين و عبد الرحمن ثمانين ، فقال عبد الرحمن :
ضربني مروان ضرب حر و ضرب أخاه حد نصف عبد ، فكان هذا القول أشد على يحيى من سبّه و أنفذ من صوله
.
و في ( صفّين نصر ) : ذكروا أنّ عليّاعليهالسلام
أظهر أنه مصبح غدا معاوية و مناجزه ، ففزع أهل الشام لذلك و انكسروا و كان معاوية بن الضحّاك صاحب راية بني سليم مع معاوية و كان مبغضا له ، و كان يكتب بالأخبار إلى عبد اللَّه بن الطفيل العامري و يبعث بها إلى عليعليهالسلام
، فبعث إلى عبد اللَّه إنّي قائل شعرا إذ عرّبه أهل الشام ، و كان معاوية لا يتهمه ، فقال ليلا ليسمع أصحابه :
ألا ليت هذا الليل أطبق سرمدا
|
|
علينا و انا لا نرى بعده غدا
|
و يا ليتنا ان جاءنا بصباحه
|
|
وجدنا إلى مجرى الكواكب مصعدا
|
حذار عليّ إنّه غير مخلف
|
|
مدى الدهر ما لبّى الملبّون موعدا
|
فاما فراري في البلاد فليس لي
|
|
مقام و لو جاوزت جابلق مصعدا
|
كأني به في الناس كاشف رأسه
|
|
على ظهر خوّار الرحالة أجردا
|
يخوض غمار الموت في مرجحنة
|
|
ينادون في نقع العجاج محمدا
|
فوارس بدر و النضير و خيبر
|
|
و احد يروّون الفصيح المهندا
|
و يوم حنين جالدوا عن نبيّهم
|
|
فريقا من الأحزاب حتى تبدّدا
|
هنالك لا تلوي عجوز على ابنها
|
|
و إن أكثرت في القول نفسي لك الفدا
|
فقل لابن حرب ما الّذي أنت صانع
|
|
أتثبت أم ندعوك في الحرب قعددا
|
و ظنّي بألاّ يصبر القوم موقفا
|
|
يقفه و ان لم نجر في الدهر للمدا
|
فلا رأي إلاّ تركنا الشام جهرة
|
|
و ان أبرق الفجفاح فيها و أرعدا
|
فلمّا سمع أهل الشام شعره أتوا به معاوية ، فهم بقتله ثم راقب فيه قومه و طرده عن الشام فلحق بمصر ، و قال معاوية : لقول السلمي أشدّ على أهل الشام من لقاء علي ، ما له قاتله اللَّه لو أصاب خلف جابلق مصعدا نفذه و جابلق مدينة بالمشرق و جابلص بالمغرب ليس بعدهما شيء .
و قال هارون : لمّا سمع من وراء الستر محاجّة هشام بن الحكم مع المذاهب في اثبات أمير المؤمنينعليهالسلام
إلى موسى بن جعفرعليهالسلام
ببراهين بيّنة :
لكلام هذا أشدّ عليّ من مائة ألف سيف ، و العجب كيف بقيت خلافتي مع وجود مثل هذا الرجل في الناس ، و همّ بقتله لكن توارى هشام و انصدع قلبه من الخوف فمات
.
و قد نقل شرحه ( الإكمال ) في آخر بابه الرابع و الثلاثين .
٩٠ الحكمة ( ٣٩٥ ) و قالعليهالسلام
:
كُلُّ مُقْتَصَرٍ عَلَيْهِ كَافٍ و قالعليهالسلام
كما روى ( الكافي ) : من رضي من الدنيا بما يجزيه كان أيسر ما فيها يكفيه ، و من لم يرض من الدنيا بما يجزيه لم يكن فيها شيء يكفيه
.
و قال الباقر أو الصادقعليهماالسلام
: من قنع بما رزقه اللَّه فهو أغنى الناس .
و نزل هارون في سفر في ظل ميل و كان معه أبو العتاهية فقال أبياتا و منها :
و ما تصنع بالدّنيا
|
|
و ظلّ الميل يكفيكا
|
٩١ الحكمة ( ٤٠٢ ) و قالعليهالسلام
:
لبعض مخاطبيه و قد تكلم بكلمة يستصغر عن قول مثلها : لَقَدْ طِرْتَ شَكِيراً وَ هَدَرْتَ سَقْباً أقول : في ( المعجم ) صاحب ابن جنّي الفارسي أربعين سنة ، و كان السبب في صحبته أن الفارسي اجتاز بالموصل فمرّ بالجامع و ابن جني في حلقة يقرىء النحو و هو شاب ، فسأله الفارسي عن مسألة في التصريف فقصّر فيها ، فقال له الفارسي « زبّبت
و أنت حصرم » فسأل عنه فقيل له هذا الفارسي ، فلزمه فلمّا مات الفارسي تصدّر ابن جني في مجلسه ببغداد
.
قول المصنف ( و الشكير هاهنا أوّل ما ينبت من ريش الطائر قبل أن
يقوى و يستحصف ) أي : يستحكم ، إنّما قال المصنف « و الشكير هاهنا » أي : في كلامهعليهالسلام
لأنّه يأتي الشكير بمعنى آخر كما في قول الشاعر :
و من عضة ما ينبتن شكيرها
بمعنى ما ينبت حول الشجرة من أصلها ، يقال شكرت الشجرة بالكسر كثر شكيرها ، إلاّ أنّ الظاهر أنّ الأصل واحد ، و هو أوّل ما نبت ريش الطائر و قولهم « شكرت الشجرة » استعارة و تشبيه بالطائر كقولهم « اشتكر الجنين » نبت عليه الزغب و كقول هلال بن مجاعة لمّا قال له عمر بن عبد العزيز : هل بقي من شيوخ مجاعة أحد « نعم و شكير كثير » أي :
و احداث كثير .
« و السقب الصغير من الإبل و لا يهدر » بالتخفيف و التشديد ، أي : لا يردّد صوته في حنجرته قال الوليد بن عقبة لمعاوية « تهدّر في دمشق فما تريم »
.
و في ( المثل ) « كالمهدّر في العنّة » يضرب للرجل يصيح و يجلب و ليس وراء ذلك شيء كالبعير الذي يحبس في الحظيرة و يمنع من الضراب و هو يهدر « إلاّ بعد أن يستفحل » أي : يصير فحلا
.
هذا و ليس في نسخة ( ابن ميثم ) بيان المصنف
.
و من أمثالهم « قد استنوق الجمل » أي : صار الجمل ناقة قيل الأصل فيه ان شاعرا أنشد ملكا في وصف جمل ثم حوّله إلى ناقة ، فقال طرفة و كان حاضرا قد استنوق الجمل
.
٩٢ الحكمة ( ٤٠٣ ) و قالعليهالسلام
:
مَنْ أَوْمَأَ إِلَى مُتَفَاوِتٍ خَذَلَتْهُ اَلْحِيَلُ أقول : قال ( ابن أبي الحديد ) : قيل في تفسير الكلام : من استدلّ بالمتشابه من القرآن في التوحيد و العدل انكشفت حيلته ، فإنّ علماء التوحيد قد أوضحوا تأويل ذلك
و قيل : من بنى عقيدته على أمرين مختلفين حقّ و باطل كان مبطلا و قيل : من أومى بطمعه إلى فائت قد مضى لن تنفعه حيلته ، أي لا يتبعن أحدكم امله ما قد فاته و هذا ضعيف لأن المتفاوت في اللغة غير الفائت .
و قال ابن ميثم : المتفاوت كالامور المتضادّة ، أو التي يتعذّر الجمع بينها في العرف و العادة ، فلا يمكنه الجمع بين ما يرومه من تلك الامور
.
قلت : و الظاهر أنّ المراد عدم إمكان الجمع بين الحق و الباطل قال عامر بن الضرب العدواني لقومه : من جمع بين الحق و الباطل لم يجتمعا له ، و كان الباطل أولى به ، و إن الحق لم يزل ينفر من الباطل و لم يزل الباطل ينفر من الحق .
٩٣ الحكمة ( ٤٠٨ ) و قالعليهالسلام
:
مَنْ صَارَعَ اَلْحَقَّ صَرَعَهُ أقول : هو نظير قولعليهالسلام
في ١٥ ١ و في ١٨٨ ٣ « من ابدى صفحته
للحق هلك »
.
قال الاسكافي في ( نقض عثمانيته ) : علم الناس كافة ان الدولة و السلطان لأرباب مقالة العثمانية و عرف كلّ أحد علو أقدار شيوخهم و علمائهم و امرائهم و ظهور كلمتهم و قهر سلطانهم و ارتفاع التقية عنهم ، و إعطاء الجائزة لمن روى في فضل أبي بكر و ما كان من تأكيد بني امية في ذلك و ما ولّده المحدّثون طلبا لمّا في أيديهم ، فكانوا لا يألون جهدا في طول ما ملكوا ان يخملوا ذكر عليعليهالسلام
و ولده و يطفئوا انوارهم و يكتموا فضائلهم و مناقبهم و سوابقهم و يحملوا الناس على سبّهم و لعنهم على المنابر ، و لم يزل السيف يقطر من دمائهم مع قلّة عددهم و كثرة عدوّهم ، فكانوا بين قتيل و أسير و شريد ، و هارب و مستخف ذليل و خائف مترقب و يتقدّم إليهم ألاّ يذكروا شيئا من فضائلهم ، و حتى بلغ من تقية المحدّث منهم إذا ذكر حديثا عن عليعليهالسلام
كنّى عن ذكره برجل من قريش ، و رأينا جميع المخالفين قد حاولوا نقض فضائله و وجهوا الحيل و التأويلات نحوها ، من خارجي مارق و ناصبي حنق و نابت مستبهم و ناشي معاند و منافق مكذب و عثماني حسود يطعن فيها ، و معتزلي قد نظر في الكلام و أبصر علم الاختلاف و عرف الشبهة و مواضع الطعن و ضرب التأويل ، قد التمس الحيل في إبطال مناقبه و تأوّل مشهور فضائله ، فمرّة يتأولها بما لا يحتملها و مرّة يقصد أن يضع من قدرها بقياس منتقض ، و لا يزداد مع ذلك إلاّ قوّة و رفعة .
و قد علمت أنّ معاوية و يزيد و بني مروان أيام ملكهم نحو ثمانين سنة لم يدعوا جهدا في حمل الناس على شتمه و اخفاء فضائله ، فقال ابن لعامر بن عبد اللَّه بن الزبير لولده : يا بنيّ لا تذكر عليّا إلاّ بخير ، فإنّ بني امية لعنوه على
منابرهم ثمانين سنة فلم يزده اللَّه بذلك إلاّ رفعة ، ان الدّنيا لم تبن شيئا قط إلاّ رجعت على ما بنت فهدمته ، و ان الدين لم يبن شيئا قط و هدمه .
إلى أن قال بعد ذكر أخذ الحجّاج الناس بترك قراءة ابن مسعود و ابيّ و لزومهم قراءة عثمان و مهجورية قراءتهما و شيوع قراءته لذلك : و لقد كان الحجّاج و من ولاّه كعبد الملك و الوليد و من قبلهما و بعدهما من فراعنة بني امية على إخفاء محاسن عليعليهالسلام
و فضائل ولده و شيعته أحرص منهم على إسقاط قراءة الرجلين ، لأن قراءتهما لم تكن سببا لزوال ملكهم و في اشتهار فضل عليعليهالسلام
و ولده بوارهم ، فحرصوا في اخفاء فضائله و أبي اللَّه أن يزيد أمره و أمر ولده إلاّ استنارة و إشراقا و حبّهم إلاّ شغفا ، فلو لا أنّ فضائله كانت كالقبلة المنصوبة في الشهرة و كالسنن المحفوظة في الكثرة لم يصل إلينا منها في دهرنا حرف واحد مع ما قلنا
.
٩٤ الحكمة ( ١١٨ ) و قالعليهالسلام
:
إِضَاعَةُ اَلْفُرْصَةِ غُصَّةٌ أقول : و قالعليهالسلام
في قريب من هذا المعنى « التدبير قبل العمل يؤمنك من الندم بعده » و « الفرصة تمرّ مرّ السحاب »
.
قال تعالى :(
و أَنفقوا من مّا رزقناكم من قَبل أن يأتي أَحَدكُم المَوت فيقول ربِّ لو لا أَخّرتني إِلى أجلٍ قَريب فأصَّدَّقَ و أَكُن من الصالحين و لَن
يُؤخّر اللَّه نفساً إذا جاء أَجلُها و اللَّه خبير بما تعمَلُون
)
(
و اتَّبعوا أحسن ما أنزل إليكم من رَبكُم من قَبل أن يأتيَكُم العَذاب بغتَةً و أنتم لا تَشعرون أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرّطتُ في جنب اللَّه
)
.
.
و في الخبر : اغتنم خمسا قبل خمس : شبابك قبل هرمك ، و صحتك قبل سقمك ، و غناك قبل فقرك ، و فراغك قبل شغلك ، و حياتك قبل موتك
.
و في ( أخبار حكماء القفطي ) : كان أحمد بن محمد بن مروان الطبيب السرخسي تلميذ يعقوب بن إسحاق الكندي أحد المتفنّنين في علوم الفلسفة ، و كان الغالب عليه علمه لا عقله ، و كان أولا معلما للمعتضد ثم نادمه و كان يفضي إليه بأسراره ، فأفضى إليه بسر يتعلّق بالقاسم بن عبيد اللَّه و بدر غلام المعتضد ، فأذاعه بحيلة من القاسم عليه مشهورة ، فسلّمه المعتضد إليهما فاستصفيا ماله ثم أودعاه المطامير ، فلمّا خرج المعتضد لفتح آمد أفلت من المطامير جماعة و أقام أحمد في موضعه و كان قعوده سببا لمنيّته ، فأمر المعتضد القاسم بإثبات جماعة ممّا ينبغي أن يقتلوا ليستريح من تعلق القلب بهم ، فأثبتهم و أدخل أحمد في جملتهم فقتل و مضى بعد أن بلغ السماء رفعة
.
٩٥ الحكمة ( ٤١١ ) و قالعليهالسلام
:
لاَ تَجْعَلَنَّ ذَرَبَ لِسَانِكَ أي حدته عَلَى مَنْ أَنْطَقَكَ وَ بَلاَغَةَ قَوْلِكَ
عَلَى مَنْ سَدَّدَكَ أي اصلحك قال الشاعر :
فيا عجبا لمن ربيت طفلا
|
|
ألقمه بأطراف البنان
|
اعلمه الرماية كلّ يوم
|
|
فلمّا اشتد ساعده رماني
|
اعلمه الفتوة فلمّا
|
|
طر شاربه جفاني
|
و كم قد علمته نظم القوافي
|
|
فلمّا قال شعرا قد هجاني
|
٩٦ الحكمة ( ٤١٦ ) و قالعليهالسلام
لابنه الحسن :
يَا بُنَيَّ لاَ تُخَلِّفَنَّ وَرَاءَكَ شَيْئاً فَإِنَّكَ تَخَلِّفُهُ لِأَحَدِ رَجُلَيْنِ إِمَّا رَجُلٌ عَمِلَ فِيهِ بِطَاعَةِ اَللَّهِ فَسَعِدَ بِمَا شَقِيتَ بِهِ وَ إِمَّا رَجُلٌ عَمِلَ فِيهِ بِمَعْصِيَةِ اَللَّهِ فَشَقِيَ بِمَا جَمَعْتَ لَهُ فَكُنْتَ عَوْناً لَهُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ وَ لَيْسَ أَحَدُ هَذَيْنِ حَقِيقاً عَلَى أَنْ تُؤْثِرَهُ عَلَى نَفْسِكَ في ( المروج ) كان المهدي محبّبا الى الخاص و العام ، لأنّه افتتح أمره بالنظر في المظالم
، و الكفّ عن القتل ، و أمن الخائف ، و إنصاف المظلوم ، و بسط يده في الاعطاء ، فأذهب جميع ما خلّفه المنصور و هو ستمائة ألف ألف درهم و أربعة عشر ألف ألف دينار سوى ما جباه في أيامه
.
و في ( الطبري ) : قال محمد بن سليمان الهاشمي : كان المنصور لا يعزل أحدا من عمّاله إلاّ ألقاه في دار خالد البطين على شاطىء دجلة ملاصقا لدار
صالح المسكين ، فيستخرج منه مالا ، فما أخذ من شيء ، أمر به فعزل و كتب عليه اسم من أخذ منه و عزل في بيت المال و سمّاه بيت مال المظالم ، فكثر في ذلك البيت من المال و المتاع ، ثم قال للمهدي : إنّي قد هيّأت لك شيئا ترضي به الخلق و لا تغرم من مالك شيئا ، فإذا أنامت فادع هؤلاء الذين أخذت منهم هذه الأموال التي سميتها المظالم فاردد عليهم كلّ ما أخذ منهم فانّك تستحمد إليهم و إلى العامة ، ففعل ذلك المهدي لمّا ولي
.
قال المصنف ( و يروى هذا الكلام على وجه آخر ، و هو « أمّا بعد ، فإنّ الذي في يدك من الدنيا قد كان له أهل قبلك و هو صائر إلى أهل بعدك ) .
في ( الأنوار النعمانية ) : مرّ عيسىعليهالسلام
ذات يوم مع جماعة من أصحابه بزرع قد أمكن من الفرك ، فقالوا : يا نبي اللَّه إنّا جياع فاوحي إليه أن ائذن لهم في قوتهم ، فأذن لهم فتفرقوا في الزرع يفركون و يأكلون ، فبيناهم كذلك إذ جاء صاحب الزرع و هو يقول : زرعي و أرضي ورثتها من آبائي فبإذن من تأكلون ؟ فدعا عيسىعليهالسلام
ربه فبعث تعالى جميع من ملك تلك الأرض من لدن آدم إلى ساعته كلّ ينادي زرعي و أرضي ورثته من آبائي ففزع الرجل منهم و كان بلغه أمر عيسىعليهالسلام
، فأتاه و قال : لم أعرفك ، زرعي لك حلال ، فقال :
ويحك هؤلاء كلّهم قد ورثوا هذه الأرض و عمروها و ارتحلوا عنها و أنت مرتحل عنها و لاحق بهم ليس لك أرض و لا مال
.
( و انما أنت جامع لأحد رجلين رجل عمل فيما جمعته بطاعة اللَّه فسعد بما شقيت به ، و رجل عمل فيه بمعصية اللَّه فشقيت بما جمعت له ، و ليس أحد هذين أهلا أن تؤثره على نفسك و لا أن تحمل له على ظهرك ، فارج لمن مضى
رحمة اللَّه و لمن بقي رزق اللَّه ) .
الأصل في هذه الرواية ( الروضة ) ، روي أن مولى لأمير المؤمنينعليهالسلام
سأله مالا فقال : يخرج عطائي فاقاسمك فقال : لا أكتفي ، و خرج إلى معاوية فوصله ، فكتبعليهالسلام
إليه : أما بعد الخ و زاد بين قوله « بعدك » و قوله « و انما » و انما لك ما مهدت لنفسك فآثر نفسك على اصلاح ولدك
.
٩٧ الحكمة ( ٤٢٩ ) و قالعليهالسلام
:
إِنَّ أَعْظَمَ اَلْحَسَرَاتِ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ حَسْرَةُ رَجُلٍ كَسَبَ مَالاً فِي غَيْرِ طَاعَةِ اَللَّهِ فَوَرِثَهُ رَجُلٌ فَأَنْفَقَهُ فِي طَاعَةِ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ فَدَخَلَ بِهِ اَلْجَنَّةَ وَ دَخَلَ اَلْأَوَّلُ اَلنَّارَ هكذا في ( الطبعة المصرية )
و الصواب : ( فورّثه رجلا ) كما في ابن أبي الحديد
و ابن ميثم
و الخطية
.
« فأنفقه في طاعة اللَّه سبحانه فدخل به الجنة و دخل الأول به النار » .
قال ابن أبي الحديد : يقال لعمر بن عبد العزيز السعيد ابن الشقي ، و ذلك أنّ عبد العزيز ملك ضياعا كثيرة بمصر و الشام و العراق و المدينة من غير طاعة اللَّه لسلطان أخيه عبد الملك و بولايته مصر و غيرها ، ثم تركها لابنه عمر فكان ينفقها في طاعة اللَّه إلى أن أفضت الخلافة إليه ، فأخرج سجلات عبد الملك
بها لأبيه فمزّقها و أعادها إلى بيت المال
.
قلت : تسميته سعيدا بذلك على أصول العامة ، و أمّا على أصول الخاصة فكان أشقى من أبيه حيث إنّه تصدّى للخلافة بغير حقّ ، و هو فوق أخذ الأملاك بغير حق ، و كان مصداق قوله تعالى(
و حَمَلها الإنسانُ إنَّهُ كانَ ظلوماً جَهُولا
)
.
ثم ان كلامهعليهالسلام
في انفاق الوارث المال في الطاعة محمول على جهله بغاصبية مورثه ، و إلاّ فالواجب عليه ردّه إلى صاحبه ، و قد رد عمر بن عبد العزيز فدك التي صارت إلى أبيه على أهلها ، مع ان الأصل في غصبها صدّيقهم و فاروقهم ، و قد قال له أقرباؤه إنّك في عملك هذا تطعن على الشيخين فلم يكترث بهم .
٩٨ الحكمة ( ٤٢٦ ) و قالعليهالسلام
:
لاَ يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَثِقَ بِخَصْلَتَيْنِ اَلْعَافِيَةِ وَ اَلْغِنَى بَيْنَا تَرَاهُ مُعَافًى إِذْ سَقِمَ وَ بَيْنَا تَرَاهُ غَنِيّاً إِذِ اِفْتَقَرَ أقول : جزؤه الأول نظير قولهعليهالسلام
« ما المريض المبتلى بأحوج إلى الدعاء من الصحيح المعافى » .
و في ( دلالات الرضاعليهالسلام
: عاد بعض أعمامه و عمّه الآخر يبكي عليه ، فتبسّمعليهالسلام
و قال يبرأ المريض المحتضر المأيوس منه و يموت السالم الباكي
على أخيه ، فصار كما قالعليهالسلام
و من شعر الخليل :
و قبلك داوى الطبيب المريض
|
|
فعاش المريض و مات الطبيب
|
فكن مستعدّا لدار البقاء
|
|
فإنّ الذي هو آت قريب
|
و قال ابن أبي الحديد قال شاعر :
و ربّ غنيّ عظيم الثراء
|
|
أمسى مقلاّ عديما فقيرا
|
و كم بات من مترف في القصور
|
|
فعوّض في الصبح عنها القبورا
|
٩٩ الحكمة ( ٤٣٠ ) و قالعليهالسلام
:
إِنَّ أَخْسَرَ اَلنَّاسِ صَفْقَةً وَ أَخْيَبَهُمْ سَعْياً رَجُلٌ أَخْلَقَ بَدَنَهُ فِي طَلَبِ مَالِهِ وَ لَمْ تُسَاعِدْهُ اَلْمَقَادِيرُ عَلَى إِرَادَتِهِ فَخَرَجَ مِنَ اَلدُّنْيَا بِحَسْرَتِهِ وَ قَدِمَ عَلَى اَلْآخِرَةِ بِتَبِعَتِهِ قال الجوهري : يقال صفقة رابحة و صفقة خاسرة ، و الصفق الضرب الذي يسمع له صوت ، و صفقت له بالبيع و البيعة أي : ضربت يدي على يده
.
« و أخيبهم سعيا » أي : أيأسهم من سعيه و جده .
« رجل أخلق بدنه » أي : جعله باليا .
« في طلب آماله و لم تساعده المقادير على إرادته ، فخرج من الدّنيا بحسرته و قدم على الآخرة بتبعته » .
في ( كامل الجزري ) : مات بركيارق بن ملكشاه السلجوقي في سنة
٤٩٨ ) عن خمس و عشرين سنة و مدّة وقوع اسم السلطنة عليه ( ١٢ ) سنة ، قاسى من الحروب و اختلاف الأمور عليه ما لم يقاسه أحد ، و أشرف في عدّة نوب بعد إسلام النعمة على ذهاب المهجة ، و لمّا أطاعه المخالفون أدركته المنية
.
و في ( معجم بلدان الحموي ) : قادس جزيرة غربي الأندلس ، و كان صاحبها من ملوك الروم قبل الإسلام ، و كانت له بنت ذات جمال خطبها ملوك النواحي إلى أبيها فقال : لا ازوجها إلاّ بمن يصنع في جزيرتي طلسما يمنع البربر من الدخول إليها بغضا منها لهم أو يسوق الماء إليها من البر بحيث يدور فيها الرحى ، فخطبها ملكان فاختار أحدهما سوق الماء و الآخر عمل الطلسم على أن من سبق منهما يكون هو صاحب البنت ، فسبق صاحب الماء فلم يظهر الملك أبو البنت ذلك خوفا من أن يبطل الآخر ، فلمّا فرغ صاحب الطلسم و لم يبق إلاّ صقله أجرى صاحب الرحاء الماء و دارت رحاه ، فقيل لصاحب الطلسم انّك قد سبقت ، فألقى نفسه من أعلى الموضع الذي عليه الطلسم فمات و صارت الجارية لصاحب الماء .
قالوا : و الطلسم من حديد مخلوط بصفر على صورة بربري له لحية و في رأسه ذؤابة من شعر جعد قائمة في رأسه لجعودتها متأبط صورة كساء قد جمع فضلتيه على يده اليسرى قائم على رأس بناء عال مشرف طوله نيّف و ستون ذراعا و طول الصورة قدر ستة أذرع قد مدّ يده اليمنى بمفتاح قفل في يده قابضا عليه مشيرا إلى البحر كأنّه يقول : لا عبور .
.
و في ( جمل المفيد ) : قال الحسن البصري : خرج طلحة من رساتيق
أقطعه إيّاها عثمان إذ كان يقبضها ينخ به ألف راكب ثم يروحون فلم يعرف له ذلك حتى سعى في دمه ، فلمّا كان يوم البصرة خرج للقتال و قد لبس درعا استجن به من السهام إذ أتاه سهم فأصابه و كان أمر اللَّه قدراً مقدوراً
و رأيته يقول حين أصابه السهم : ما رأيت كاليوم مصرع شيخ أضيع من مصرعي و قد كان قبل ذلك جاهد مع النبيصلىاللهعليهوآله
و وقاه بيده فضيع أمر نفسه و لقد رأيت قبره مأوى الشقاء يضع عنده الغريب ثم يقضي عنده حاجته .
و أتى الزبير حيّا من أحياء العرب فقال أجيروني قال الحسن : و كنت يا زبير قبل ذلك تجير و لا يجار عليك و ما الذي أخافك و و اللَّه ما أخافك إلاّ ابنك فاتبعه ابن جرموز فقتله و و اللَّه ما رأيت مثله أحدا قط قد ضاع ، و هذا قبره بوادي السباع مخراة الثعالب ، فخرجا من الدّنيا لم يدركا ما طلبا و لم يرجعا إلى ما تركا قال الحسن : فعز عليّ هذه الشقوة التي كتبت عليهما
.
( و فيه أيضا ) : لمّا انجلت الحرب بالبصرة و قتل طلحة و الزبير و حملت عائشة إلى قصر بني خلف ركب أمير المؤمنينعليهالسلام
و عمّار يمشي مع ركابه حتى خرج إلى القتلى يطوف عليهم ، فمرّ بعبد اللَّه بن خلف الخزاعي و عليه ثياب حسان مشهرة ، فقال الناس : هذا و اللَّه رأس الناس فقالعليهالسلام
: ليس برأس الناس و لكنه شريف منيع النفس ثم مرّ بعبد الرحمن بن عتاب بن أسيد فقالعليهالسلام
: هذا يعسوب القوم و رأسهم ، ثم جعل يستعرض القتلى رجلا رجلا ، فلمّا رأى أشراف قريش صرعى في جملة القتلى قال : جدعت أنفي ، أما و اللَّه إن كان مصرعكم بغيضا إليّ و لقد تقدمت إليكم و حذرتكم عض السيوف و كنتم احداثا لا علم لكم بما ترون و لكن الحين و مصارع سوء
نعوذ باللَّه من سوء المصرع .
ثم سار حتى وقف على كعب بن سوار القاضي و هو مجدّل بين القتلى و في عنقه المصحف ، فقال : نحّوا المصحف وضعوه في مواضع الطهارة ثم قال : أجلسوا لي كعبا ، فاجلس فقالعليهالسلام
: يا كعب قد وجدت ما وعدني ربي حقّا فهل وجدت ما وعد ربك حقّا ؟ ثم قال : أضجعوا كعبا ، فتجاوزه فرأى طلحة صريعا فقال : أجلسوه ، فاجلس ، فقال : يا طلحة قد وجدت ما وعدني ربي حقّا فهل وجدت ما وعد ربك حقّا ؟ ثم قال أضجعوه ، فوقف رجل من القرّاء أمامه و قال لهعليهالسلام
: ما كلامك ؟ هذه الهام قد صديت لا تسمع لك و لا ترد جوابا فقالعليهالسلام
: إنّهما ليسمعان كلامي كما سمع أصحاب القليب كلام الرسول ، و لو أذن لهما في الجواب لرأيت عجبا .
و مرّ بمعبد بن المقداد و هو في الصرعى ، فقالعليهالسلام
: رحم اللَّه أبا هذا ، إنّما كان رأيه فينا أحسن من رأي هذا فقال عمّار : الحمد للَّه الذي أوقعه و جعل خدّه الأسفل ، و اللَّه لا نبالي بمن عند عن الحق من والد و ولد فقالعليهالسلام
: رحمك اللَّه يا عمّار و جزاك عن الحق خيرا .
و مرّ بعبد اللَّه بن ربيعة و هو في القتلى ، فقالعليهالسلام
: هذا البائس ما كان أخرجه نصر عثمان ، و اللَّه ما كان رأي عثمان فيه و لا في أبيه بحسن .
و مرّ بمعبد بن زهير بن امية فقالعليهالسلام
: لو كانت الفتنة برأس الثريا لتناولها هذا الغلام ، و اللَّه ما كان فيها بذي مخبرة ، و لقد أخبرني من أدركه انّه يلوذ خوفا من السيف حتى قتل البائس ضياعا .
و مرّ بمسلم بن قرضة فقال : البر أخرج هذا و لقد سألني أن أكلم عثمان في شيء يدّعيه عليه بمكّة فلم أزل به حتى أعطاه و قال لي : لو لا أنت ما أعطيته ان هذا ما علمت بئس العشيرة ، ثم جاء لحينه ينصر عثمان .
ثمّ مرّ بعبد اللَّه بن عمير بن زهير قال : هذا أيضا ممّن أوضع في قتالنا يطلب بزعمه دم عثمان و مرّ بعبد اللَّه بن حكيم بن حزام فقال : هذا خالف أباه في الخروج عليّ ، و إن أباه حيث لم ينصرنا بايع و جلس في بيته ، ما ألوم أحدا إذا كفّ عنا و عن غيرنا و لكن الملوم الذي يقاتلنا .
و مرّ بعبد اللَّه بن الأخنس فقال : أما هذا فقتل أبوه يوم قتل عثمان في الدار فخرج غضبا لمقتل أبيه و هو غلام لا علم له بعواقب الأمور و مرّ بعبد اللَّه بن الأخنس بن شريق فقال : أما هذا فاني أنظر إليه و قد أخذ القوم السيوف و انّه لهارب يعدو من السيف ، فنهيت عنه فلم يسمع حتى قتل
.
و أيضا مصداق ما ذكرهعليهالسلام
خلافة ابن المعتز ، فإنّه ولي الأمر ليلة ثم قتل
.
١٠٠ الحكمة ( ٤٣٥ ) و قالعليهالسلام
:
مَا كَانَ اَللَّهُ لِيَفْتَحَ عَلَى عَبْدٍ بَابَ اَلشُّكْرِ وَ يُغْلِقَ عَنْهُ بَابَ اَلزِّيَادَةِ قال تعالى(
لئن شَكرتُم لأَزيدَنّكُم
)
.
.
و قال الصادقعليهالسلام
: ما أنعم تعالى على عبد من نعمة فعرفها بقلبه و حمده تعالى بلسانه فتم كلامه حتى يؤمر له بالمزيد
.
« و لا ليفتح على عبد باب الدعاء و يغلق عنه باب الإجابة » قال تعالى
(
ادعُوني أَسَجِب لَكُم
)
(
و إذا سأَلك عبادي عَني فإنّي قَريب اُجيبُ دعوةَ الداعِ إذا دَعان فَليستَجيبوا لي و ليُؤمِنوا بي لعلَّهم يَرشُدون
)
.
و في ( الكافي ) عن الصادقعليهالسلام
: انّ العبد ليدعو فيقول تعالى للملكين قد استجبت له و لكن احبسوه بحاجته فإنّي احبّ أن أسمع صوته ، و إنّ العبد ليدعو فيقول تعالى : عجّلوا له حاجته فإني أبغض صوته
.
و عنهعليهالسلام
: خمس دعوات لا تحجبن عن الرّبّ تعالى : دعوة الإمام المقسط ، و المظلوم ، يقول تعالى : لأنتقمن لك و لو بعد حين ، و الولد الصالح لوالديه ، و الوالد الصالح لولده ، و المؤمن لأخيه بظهر الغيب و يقول : و لك مثله
.
و عنهعليهالسلام
: أربعة لا يستجاب لهم دعوة : الرجل الجالس في بيته يقول :
اللّهم ارزقني فيقال له : ألم آمرك بالطلب ، و من كانت له امرأة سوء فدعا عليها فيقال له : ألم أجعل أمرها إليك ، و رجل كان له مال فأفسده فيقول : اللّهم ارزقني فيقال له ألم آمرك بالاقتصاد :(
و الّذين إِذا أَنفَقُوا لم يُسرِفوا وَ لَم يقتُرُوا و كانَ بينَ ذلك قواماً
)
و رجل كان له مال فأدانه بغير بيّنه فيقال له : ألم آمرك بالشهادة
.
و عنهعليهالسلام
: كان في بني اسرائيل رجل فدعا اللَّه تعالى أن يرزقه غلاما ثلاث سنين ، فلمّا رأى انّه لا يجيبه قال : يا ربّ أبعيد أنا منك فلا تسمعني أم
قريب أنت منّي فلا تجيبني ، فأتى آت في منامه فقال : إنّك دعوته منذ ثلاث سنين بلسان بذيّ و قلب عات غير تقيّ و نيّة غير صادقة فأقلع عن بذائك و ليثق باللَّه تعالى قلبك و ليحسن نيتك ، ففعل الرجل ذلك ثم دعا فولد له
.
« و لا يفتح لعبد » هكذا في الطبعة المصرية
، و الصواب : ( على عبد ) كما في ابن أبي الحديد
و ابن ميثم
و الخطية ( باب التوبة و يغلق عنه باب المغفرة ) قال تعالى استَغفروا ربَّكُم إِنّه كان غفَّاراً يُرسِل السماء عليكم مدرارا
(
و هو الذي يَقبل التوبة عن عباده و يعفوا عن السيّئات
)
.
و في ( الكافي ) عن الصادقعليهالسلام
: إذا تاب العبد توبة نصوحا أحبه اللَّه تعالى فستر عليه ، ينسي ملكيه ما كانا يكتبان عليه ، و يوحي إلى جوارحه و إلى بقاعه أن اكتمي عليه ذنوبه ، فيلقى اللَّه تعالى حين يلقاه و ليس شيء يشهد عليه بذنب
.
و عن الباقرعليهالسلام
: أوحى تعالى إلى داودعليهالسلام
أن ائت عبدي دانيال فقل له انّك عصيتني فغفرت لك ، و عصيتني فغفرت لك ، و عصيتني فغفرت لك ، فإن أنت عصيتني الرابعة لم أغفر لك فأتاه داودعليهالسلام
و بلّغه ذلك فقال له دانيال : قد بلّغت يا نبيّ اللَّه ، فلمّا كان في السحر قام دانيال و ناجى ربّه فقال : يا ربّ إنّ داود أخبرني عنك كذا و كذا و عزّتك و جلالك لئن لم تعصمني لأعصينّك ثم
لأعصينك ثم لأعصينك
.
و أمّا قولهعليهالسلام
في الحكمة ١٣٥ : « من اعطي أربعا لم يحرم أربعا : من اعطي الدّعاء لم يحرم الإجابة ، و من اعطي التّوبة لم يحرم القبول ، و من اعطي الإستغفار لم يحرم المغفرة ، و من اعطي الشّكر لم يحرم الزّيادة » و تصديق ذلك في كتاب اللَّه قال اللَّه عز و جل في الدعاء(
ادعُوني أستَجب لَكُم
)
و قال في الاستغفار :(
و مَن يَعمل سُوءً أو يَظلم نَفسَه ثُمَّ يَستَغفِر اللَّه يَجدِ اللَّهَ غَفوراً رحيماً
)
و قال في الشكر(
لَئِن شَكَرتُم لأزيدنّكُم
)
و قال في التوبة :(
إنَّما التوبةُ عَلى اللَّه لِلَّذينَ يَعمَلون السُّوَءَ بِجَهالةٍ ثمَّ يتُوبُونَ مِن قَريبٍ فأُولئكَ يَتُوبُ اللَّه عليهم و كانَ اللَّه عَليماً حَكيماً
)
فلا يحتاج إلى شرح لأنّه في معنى سابقه ، و إنّما زيد في هذا الاستغفار مع أنّهعليهالسلام
استدل لكل منها بما في كتاب اللَّه تعالى .
و أمّا زيادة المصرية ، مطبعة الاستقامة جملة « قال الرضي » قبل قوله « و تصديق ذلك » فأخذتها من نقل ابن أبي الحديد و هو أخذها من حاشية و همية خلطت بالمتن
.
و يدل على كونها وهما أنّه لو كان كلام الرضي لقال : « و تصديق قولهعليهالسلام
» لا « و تصديق ذلك » و ابن ميثم و الخطية
لم ينقلا الجملة مع أنّ ابن
أبي الحديد أيضا قال : و في بعض الروايات ان الجملة من كلامهعليهالسلام
.
١٠١ الحكمة ( ٤٤١ ) و قالعليهالسلام
:
اَلْوِلاَيَاتُ مَضَامِيرُ اَلرِّجَالِ أقول : ذكرته ( المصرية ) بعد قولهعليهالسلام
: « ما أنقض النّوم لعزائم اليوم »
و ذكره ابن أبي الحديد
و ابن ميثم
و الخطية قبله
و الصحيح ما في تلك .
و كيف كان فهو نظير قولهعليهالسلام
« في تقلب الأحوال علم جواهر الرجال » ، و قد مرّ في أوائل الفصل .
و في ( معارف ابن قتيبة ) : كان أوّل ولاية وليها الحجّاج تبالة ، فلمّا رآها احتقرها و انصرف ، فقيل في المثل « أهون من تبالة على الحجّاج »
.
و في ( عقد ابن عبد ربه ) : كان الحجّاج أولا يعلّم الناس بالطائف ، ثم لحق بروح بن زنباع وزير عبد الملك ، فكان في عديد شرطته إلى أن شكا عبد الملك ما رأى من انحلال العسكر و أنّ الناس لا يرحلون برحيله و لا ينزلون بنزوله ، فقال له روح : إنّ في شرطتي رجلا لو ولّيته أمر عسكرك لأرحلهم برحيله و أنزلهم بنزوله يقال له : الحجّاج بن يوسف قال : فإنّا قد قلّدناه ذلك ، فكان لا يقدر أحد أن يتخلّف عن الرحيل و النزول إلاّ أعوان روح ، فوقف عليهم يوما
و قد رحل الناس و هم تخلفوا على طعام يأكلون فقال لهم : ما منعكم أن ترحلوا برحيل الخليفة ؟ فقالوا له : إنزل يا ابن اللخناء فكل معنا فقال : هيهات ذهب ما هنالك ثم أمر بهم فجلدوا بالسياط و طوّفهم في العسكر و أمر بفساطيط روح فاحرقت ، فدخل على عبد الملك باكيا فقال له : مالك ؟ قال : الرجل الذي كان في عديد شرطتي ضرب عبيدي و أحرق فساطيطي قال : عليّ به فلمّا دخل عليه قال : ما حملك على ما فعلت ؟ قال : ما أنا فعلته قال : و من فعله ؟ قال : أنت و اللَّه فعلته ، انّما يدي يدك و سوطي سوطك و ما على الخليفة أن يخلف على روح لفسطاط فسطاطين و لغلام غلامين و لا يكسرني فيما قدّمني له ، فأخلف لروح ما ذهب له و تقدّم الحجّاج في منزلته و كان ذلك أول ما عرف من كفايته
.
١٠٢ الحكمة ( ٤٤٢ ) و قالعليهالسلام
:
لَيْسَ بَلَدٌ بِأَحَقَّ بِكَ مِنْ بَلَدٍ خَيْرُ اَلْبِلاَدِ مَا حَمَلَكَ في ( الأغاني ) : قال عبد الملك للحارث : أيّ البلاد أحبّ إليك ؟ قال : ما حسنت فيه حالي وصين
وجهي ، ثم قال :
لا كوفة امّي و لا بصرة أبي
|
|
و لست كمن يثنيه عن وجهه الكسل
|
و قال ابن أبي الحديد : و ذهب كثير من الناس إلى غير هذا المذهب فجعلوا مسقط الرأس أحقّ به ، قال :
أحبّ بلاد اللَّه ما بين منبج
|
|
إليّ و سلمى أن يصوب سحابها
|
بلاد بها نيطت عليّ تمائمي
|
|
و أوّل أرض مسّ جلد ترابها
|
و كانت العرب إذا سافرت حملت معها من تربة أرضها ما تستنشق ريحه و تطرحه في الماء إذا شربته ، و كذلك كانت فلاسفة اليونان تفعل
.
قلت : ما ذكره أعمّ ، فإنّ الوطن من حيث هو أحق من غيره ، و كلامهعليهالسلام
فيما إذا لم يحمله وطنه فاختياره حينئذ سفاهة ، و قال البحتري :
اضيع في معشر و كم بلد
|
|
يعد عود الكباء من حطبه
|
الكباء عود البخور و قال أيضا :
و إذا ما تنكرت لي بلاد
|
|
أو خليل فإنّني بالخيار
|
أيضا :
متى لم يزل في العرب ارتيادي
|
|
حططت إلى رباع الأعجمينا
|
١٠٣ الحكمة ( ٤٤٥ ) و قالعليهالسلام
:
إِذَا كَانَ فِي رَجُلٍ خَلَّةٌ رَائِقَةٌ فَانْتَظِرُوا أَخَوَاتِهَا « الخلة » بالفتح خصلة .
« رائقة » هكذا في ( الطبعة المصرية )
، و الصواب : ( رائعة ) كما في ابن
أبي الحديد
و ابن ميثم
و الخطية
، و ان كانتا بمعنى واحد أي : معجبة ، لصحّة تلك دون الطبعة المصرية و كون نسخة ابن ميثم بخط مصنّفه .
« فانتظروا اخواتها » و في ابن أبي الحديد « فانتظروا منه اخواتها »
.
و كيف كان فإنّما حكمعليهالسلام
بانتظار أخواتها لأنّ تلك الخلّة لم تكن مصادفة و إنّما صدرت عن ملكة ، و تلك الملكة لم تكن موجبة لشخص تلك الخلّة بل كلّ ما كان من قبيلها .
و في ( الكامل ) مات علي بن بابويه بشيراز سنة ( ٣٣٨ ) من أسقام توالت عليه ، فلمّا أحسّ بالموت و لم يكن له ولد أنفذ إلى أخيه ركن الدولة أن يبعث إليه ابنه عضد الدولة لاستخلافه ، فوصل قبل موته بسنة ، فخرج في جميع عسكره للقائه و أجلسه على السرير و وقف هو بين يديه و كان يوما مشهودا ، و كان في قوّاده جماعة يخافهم و يعرفهم انّهم يرون أنفسهم أحق منه بالأمر ، فلمّا جعل ولد أخيه في الملك خافهم عليه فأفناهم بالقبض ، و كان منهم قائد كبير يقال له ( شير نحين ) فقبض عليه فشفع فيه أصحابه و قواده فقال لهم : اني احدثكم عنه بحديث فإن رأيتم أن اطلقه فعلت ، فحدّثهم أنّه كان في خراسان في خدمة نصر بن أحمد و نحن شرذمة قليلة من الديلم و معنا هذا ، فجلس يوما نصر و في خدمته من مماليكه و مماليك أبيه بضعة عشر ألفا سوى سائر العسكر ، فرأيت شير نحين هذا قد جرّد سكينا معه و لفّه في كسائه ، فقلت : ما هذا ؟ فقال :
أريد أن أقتل هذا الصبي يعني نصرا و لا ابالي بالقتل بعده فإنّي قد أنفت نفسي من القيام في خدمته ، و كان عمر نصر بن أحمد يومئذ عشرين سنة ،
فعلمت أنّه إذا فعل ذلك لم يقتل وحده بل نقتل كلنا ، فأخذت بيده و قلت له بيني و بينك حديث ، فمضيت به إلى ناحية و جمعت الديلم و حدّثتهم حديثه فأخذوا منه السكّين ، فتريدون منّي بعد أن سمعتم حديثه في نصر أن امكّنه من الوقوف بين يدي هذا الصبي يعني عضد الدولة فأمسكوا عنه و بقي محبوسا حتى مات في محبسه
.
١٠٤ الحكمة ( ٤٤٩ ) و قالعليهالسلام
:
مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ شَهَوَاتُهُ هكذا في ( الطبعة المصرية )
و الصواب : ( شهوته ) كما في ابن أبي الحديد
و ابن ميثم
و الخطية
، قال ابن أبي الحديد
: و الجيّد النادر في هذا قول الشاعر :
فإنّك إن أعطيت بطنك سؤله
|
|
و فرجك نالا منتهى الذّمّ أجمعا
|
قلت : الظاهر أنّ مرادهعليهالسلام
الشهوة المباحة فهي أيضا توجب هو ان النفس ، فمن كرمت عليه نفسه لا بدّ أن تهون الشهوات المباحة عنده فيتركها ، فمن عرفه الناس بكثرة الأكل و النكاح يكون موهونا عندهم و قال الشاعر :
إذا كنت في دار الهوان فإنّما
|
|
ينجّيك من دار الهوان اجتنابها
|
هذا ، و اعلم ان ابن أبي الحديد تفرّد بنقل عناوين في بابه الثالث لم تكن في الطبعة المصرية الأولى و نقلها الثانية عن ابن أبي الحديد بين قوسين .
منها الرقم ( ٣٣٦ ) « المسؤول حر حتى يعد »
و ( ٣٤٢ ) « الغنى الأكبر اليأس عمّا في أيدي الناس » .
و منها الأرقام ( ٣٧٩ ) إلى ( ٤١ ) « نعم الطيب المسك خفيف محمله عطر ريحه »
« ضع فخرك و احطط كبرك و اذكر قبرك »
و هو جزء العنوان ١٤٩ ١ « إنّ للولد على الوالد حقّا و إنّ للوالد على الولد حقّا ، فحقّ الوالد على الولد أن يطيعه في كلّ شيء إلاّ في معصية اللَّه سبحانه ، و حقّ الولد على الوالد أن يحسن اسمه و يحسن أدبه و يعلّمه القرآن »
.
« العين حقّ ، و الرّقى حقّ ، و السّحر حقّ ، و الفأل حقّ ، و الطّيرة ليست بحقّ ، و العدوى ليست بحقّ ، و الطّيب نشرة ، و العسل نشرة ، و الرّكوب نشرة ، و النّظر إلى الخضرة نشرة »
.
و منها الرقم ( ٤٧٤ ) : « أولى الناس بالكرم من عرفت به الكرام » و ( ٤٥٣ ) « ما زال الزبير رجلا منّا أهل البيت حتّى نشأ ابنه المشوم عبد اللَّه »
.
و منها ( ٤٧٤ ) « ما المجاهد الشهيد في سبيل اللَّه بأعظم أجرا ممّن قدر
فعفّ ، لكاد العفيف أن يكون ملكا من الملائكة »
.
و حيث إنّ ابن ميثم لم يصدقها و نسخته بخط الرضي رضي اللَّه عنه لم نعنونها و قد شرحها ابن أبي الحديد الذي تفرّد بنقلها ، و حيث إنّ نسخة ابن ميثم بخط مصنّفه و هي خالية فلا بدّ إمّا أن يكون المصنف استنسخ كتابه ثانيا فزاد فيها و غيّر ، كما هو شأن كلّ من استنسخ كتاب نفسه ثانية ، فقال ابن أبي الحديد بعد العنوان ( ٤٤٣ ) : « و قد جاءه نعي الأشتر » يقال : ان الرضيّ ختم الكتاب به و كتبت به نسخ ثم زاد عليه إلى ان وفّى الزيادات التي نذكرها فيما بعد
، و اما يكون ما زاد ابن أبي الحديد حواشي من المحشين اختلطت بالمتن و مثله يقع كثيرا في الكتب .
و منها ما في ( الطبعة المصرية ) في العنوانين الأخيرين في جعلها كلام المحشين كلام الرضي كما عرفت عند ذكرهما و هو الأظهر ، و ان قال ابن أبي الحديد : « إنّ النسخة التي بني هذا الشرح على فضلها أتم نسخة وجدتها لنهج البلاغة ، فإنّها مشتملة على زيادات تخلو عنها أكثر النسخ »
فإنّ الرضي رضي اللَّه عنه لا ينقل كل كلام رآه مرويا عنهعليهالسلام
بل ما كان في غاية الفصاحة ، و يبعد أن ينقل الرضي مثل قوله : « نعم الطيب المسك خفيف محمله عطر ريحه » و مثل قوله : « العين حق . » .
هذا ، و صرّح ابن أبي الحديد بأنّه نقل ممّا ليس في النهج عنهعليهالسلام
ألف كلمة المشهورة و غير المشهورة ، و نحن نقلنا بعض ما وجدنا ممّا يناسب العناوين عند شرحها
.
هذا ، و في آخر الطبعة المصرية بعد ( ٤٨٠ ) من عناوينه « و هذا حين انتهاء الغاية بنا إلى قطع المختار من كلام أمير المؤمنينعليهالسلام
حامدين له سبحانه على ما منّ به من توفيقنا لضمّ ما انتشر من أطرافه و تقريب ما بعد من أقطاره ، و تقرّر العزم كما شرط أوّلا على تفصيل أوراق من البياض في آخر كلّ باب من الأبواب ليكون لانتقاض الشارد و استلحاق الوارد و ما عسى أن يظهر لنا بعد الغموض و يقع إلينا بعد الشذوذ ، و ما توفيقنا إلاّ باللَّه عليه توكلنا و هو حسبنا و نعم الوكيل و ذلك في سنة أربعمائة من الهجرة ، و صلّى اللَّه على سيّدنا محمّد خاتم الرسل و الهادي إلى خير السبل و آله الطاهرين و أصحابه نجوم اليقين »
.
و لكن لم ينقله ابن أبي الحديد
و ابن ميثم
هنا بل بعد الرقم ( ٤٦١ ) « ربّ مفتون بحسن القول فيه » .
قال الأول : و اعلم أنّ الرضي رضى اللَّه عنه قطع كتاب نهج البلاغة على هذا الفصل ، و هكذا وجدت النسخة بخطه ، و قال : « هذا حين انتهاء الغاية بنا . » مثله لكن فيه « المنتزع » بدل « المختار » و « مقررين العزم كما شرطنا » بدل « و تقرر العزم كما شرط » و « و نعم الوكيل ، نعم المولى و نعم النصير » بدل « و نعم الوكيل و ذلك . » .
ثم قال ابن ميثم وجدنا نسخا كثيرة فيها زيادات بعد هذا الكلام قيل إنّها وجدت في نسخة كتبت في حياة الرضي و قرئت عليه فأمضاها و أذن في إلحاقها .
.
و قال الثاني « و قال الرضي : و هذا حين انتهاء الغاية بنا إلى قطع المختار إلى قوله و نعم الوكيل » بدون زيادة لكن فيه أيضا « و مقررين كما شرطناه أولا على تفصيل » و فيه « و ما عساه » و مثله في ابن أبي الحديد .
ثم قال ابن ميثم : بلغ المصنف في اختيار كلامهعليهالسلام
إلى هنا ثم كتبت على عهده زيادة من محاسن الكلمات إمّا باختياره هو أو بعض من كان يحضره من أهل العلم ، و تلك الزيادة تارة توجد خارجة عن المتن و تارة موضوعة فيه ملحقة بمنقطع اختياره ، و روي انّها قرئت عليه و أمر بالحاقها بالمتن
.
ثم ليس في واحد منهما ما في الطبعة المصرية من قوله « و ذلك . » ، لكن في نسخة خطية مؤرخة بسنة ( ١٠٧٥ ) « و ذلك في رجب سنة أربعمائة من الهجرة و صلاته على رسوله محمّد و آله و سلامه » بدل ما في الطبعة المصرية بدون زيادة .
الفهرست
الفهرست
الفصل الخمسون في وصف الانصار و طوائف قريش و تميم و في الشعراء ٣
١ الحكمة ( ٤٦٥ ) و قال عليهالسلام في مدح الأنصار : ٤
٢ الحكمة ( ١٢٠ ) و سئل عليهالسلام عن قريش فقال : ١٣
٣ الكتاب ( ١٨ ) و من كتاب له عليهالسلام.... ٣٢
٤ الحكمة ( ٤٥٥ ) و سئل عن أشعر الشعراء فقال عليهالسلام : ٥٣
الفصل الحادي و الخمسون في كلامه في الاستسقاء و في الاضحية ٨٠
١ الخطبة ( ١١٣ ) و من خطبة له عليهالسلام في الاستسقاء : ٨١
٢ من الخطبة ( ١٤١ ) و من خطبة له عليهالسلام في الاستسقاء : ١١٥
٣ من الحكمة ( ٤٧٢ ) و قال عليهالسلام في دعاء استسقى به : ١٢٩
٤ من الخطبة ( ٥٣ ) و من كلام له عليهالسلام في ذكر يوم النحر : ١٣٥
الفصل الثاني و الخمسون في الاقبال و الادبار ١٤٦
١ من الحكمة ( ٨ ) قَالَ ع : ١٤٧
٢ الحكمة ( ٢٣٩ ) وَ قَالَ ع : ١٥٢
٣ الحكمة ( ٢٣٠ ) ١٥٤
٤ الحكمة ( ٥١ ) عَيْبُكَ مَسْتُورٌ مَا أَسْعَدَكَ جَدُّكَ أقول : ١٥٥
٥ الحكمة ( ١٥٢ ) و قال عليهالسلام : ١٥٨
الفصل الثالث و الخمسون في الفتن و الشبه و البدع ١٦١
١ في أوّل الباب الثالث من النهج باب المختار ١٦٢
٢ الخطبة ( ٩١ ) إِنَّ اَلْفِتَنَ. ١٦٨
٣ الحكمة ( ٧٦ ) و قال عليهالسلام : ١٦٩
٤ الحكمة ( ٩٣ ) و قال عليهالسلام : ١٧٠
٥ في الخطبة ( ١٤٣ ) منها : ١٧٦
٦ الخطبة ( ٥٠ ) و من كلام له عليهالسلام : ١٧٨
٧ الخطبة ( ٣٨ ) و من خطبة له عليهالسلام.... ١٨٨
الفصل الرابع و الخمسون في العقل. ١٩٦
١ الحكمة ( ٢٣٥ ) وَ قِيلَ لَهُ صِفْ لَنَا اَلْعَاقِلَ ١٩٧
٢ الحكمة ( ٤٥٠ ) و قال عليهالسلام : ١٩٩
٣ الحكمة ( ٤٠ ) و قال عليهالسلام : ٢٠٠
٤ الحكمة ( ٣٠١ ) و قال عليهالسلام : ٢٠٥
٥ الحكمة ( ٤٠٧ ) و قال عليهالسلام : ٢٠٧
٦ الحكمة ( ٤٢١ ) و قال عليهالسلام : ٢٠٩
٧ الحكمة ( ٤٢٤ ) و قال عليهالسلام : ٢١١
٨ في الكتاب ( ٣ ) من عناوين فصل الموت : ٢١٢
الفصل الخامس و الخمسون كلامه عليهالسلام في القلوب ٢١٤
١ الحكمة ( ٩١ ) و قال عليهالسلام : ٢١٥
٢ الحكمة ( ١٩٣ ) و قال عليهالسلام : ٢١٨
٣ الحكمة ( ٥٠ ) و قال عليهالسلام : ٢١٩
٤ الحكمة ( ٤٠٩ ) و قال عليهالسلام : ٢٢١
٥ الحكمة ( ٣٨٨ ) و قال عليهالسلام : ٢٢٢
الفصل السادس و الخمسون فيما ذكره عليهالسلام من الحقائق ٢٢٦
١ الخطبة ( ١٨٥ ) منها : ٢٢٧
٢ الحكمة ( ٤١٧ ) و قال عليهالسلام.... ٢٣٤
٣ الحكمة ( ٤٥٢ ) و قال عليهالسلام : ٢٤٠
٤ الحكمة ( ٣٤ ) و قال عليهالسلام : ٢٤١
٥ الحكمة ( ٥٤ ) و قال عليهالسلام : ٢٤٢
٦ الخطبة ( ١٠١ ) ( و منها ) : ٢٤٩
٧ الحكمة ( ١١٣ ) و قال عليهالسلام : ٢٥١
٨ الحكمة ( ٢٥٩ ) و قال عليهالسلام : ٢٥٨
٩ الخطبة ( ٣٢٧ ) و قال عليهالسلام : ٢٥٩
١٠ الحكمة ( ٤٢٨ ) و قال عليهالسلام في بعض الاعياد : ٢٦٠
١١ الحكمة ( ٥٣ ) و قال عليهالسلام : ٢٦٣
١٢ الحكمة ( ٥٦ ) و قال عليهالسلام : ٢٦٤
١٣ الحكمة ( ٥٩ ) و قال عليهالسلام : ٢٦٥
١٤ الحكمة ( ٢٨١ ) و قال عليهالسلام : ٢٦٦
الفصل السابع و الخمسون في الفقر ٢٦٨
١ الحكمة ( ١٦٣ ) و قال عليهالسلام : ٢٦٩
٢ الحكمة ( ٣١٩ ) و قال عليهالسلام لابنه محمّد بن الحنفية : ٢٧٠
٣ الحكمة ( ٣٤٦ ) و قال عليهالسلام : ٢٧٢
٤ الحكمة ( ٤٢٧ ) و قال عليهالسلام : ٢٧٦
الفصل الثامن و الخمسون كلامه عليهالسلام في النساء ٢٧٨
١ الحكمة ( ١٢٤ ) و قال عليهالسلام : ٢٧٩
٢ الحكمة ( ٢٣٨ ) و قال عليهالسلام : ٢٩١
٣ الحكمة ( ٦١ ) و قال عليهالسلام : ٢٩٨
٤ الحكمة ( ٢٣٤ ) و قال عليهالسلام : ٣٠٠
٥ الخطبة ( ٧٨ ) و من خطبة له عليهالسلام : ٣٠٩
٦ من غريب كلامه رقم ( ٤ ) و في حديثه عليهالسلام : ٣١٩
٧ من الخطبة ( ١٥١ ) اِعْقِلْ ذَلِكَ.. ٣٢٧
الفصل التاسع و الخمسون في إبليس.. ٣٣٦
١ الخطبة ( ٨١ ) في خطبة عجيبة : ٣٣٧
٢ من الخطبة القاصعة ( ١٩٠ ) ٣٤٠
٣ الخطبة ( ٧ ) و من خطبة له عليهالسلام : ٤٠٢
الفصل الستون في موضوعات مختلفة ٤١٦
١ الكتاب ( ٧٤ ) و من حلف له عليهالسلام.... ٤١٧
٢ الحكمة ( ١٥٥ ) و قال عليهالسلام : ٤٣٠
٣ الحكمة ( ١٥٤ ) و قال عليهالسلام : ٤٣١
٤ الحكمة ( ١٥١ ) و قال عليهالسلام : ٤٣٢
٥ الحكمة ( ١٦٠ ) و قال عليهالسلام : ٤٣٢
٦ الحكمة ( ١٦١ ) و قال عليهالسلام : ٤٣٥
٧ الحكمة ( ١٧٣ ) و قال عليهالسلام : ٤٣٨
٨ الحكمة ( ١٦٢ ) و قال عليهالسلام : ٤٣٩
٩ الحكمة ( ١٧٥ ) و قال عليهالسلام : ٤٤٠
١٠ الحكمة ( ١٧٦ ) و قال عليهالسلام : ٤٤١
١١ الحكمة ( ٢١٧ ) و قال عليهالسلام : ٤٤٣
١٢ الحكمة ( ٢١٣ ) و قال عليهالسلام : ٤٤٦
١٣ الحكمة ( ١٩٦ ) و قال عليهالسلام : ٤٤٧
١٤ الحكمة ( ٢١٤ ) و قال عليهالسلام : ٤٤٨
١٥ الحكمة ( ٢٢٠ ) و قال عليهالسلام : ٤٤٨
١٦ الحكمة ( ٢٦٣ ) و قال عليهالسلام : ٤٤٩
١٧ الحكمة ( ٢٦٤ ) و قال عليهالسلام : ٤٥٦
١٨ الحكمة ( ٢٦٧ ) و قال عليهالسلام : ٤٥٨
١٩ الحكمة ( ١٩٢ ) و قال عليهالسلام : ٤٦١
٢٠ الحكمة ( ٢٢ ) و قال عليهالسلام : ٤٦٣
٢١ الحكمة ( ٢٥ ) و قال عليهالسلام : ٤٦٤
٢٢ الحكمة ( ٢٦ ) و قال عليهالسلام : ٤٦٨
٢٣ الحكمة ( ٤٩ ) و قال عليهالسلام : ٤٦٨
٢٤ الحكمة ( ٥٨ ) و قال عليهالسلام : ٤٧٢
٢٥ الحكمة ( ٤٠٦ ) و قال عليهالسلام : ٤٧٤
٢٦ الحكمة ( ٣٠٧ ) و قال عليهالسلام : ٤٧٧
٢٧ الحكمة ( ٣١٥ ) وَ قَالَ ع لِكَاتِبِهِ ؟ ٤٧٨
٢٨ الحكمة ( ٦٦ ) و قال عليهالسلام : ٤٨٣
٢٩ الحكمة ( ٦٧ ) و قال عليهالسلام : ٤٨٤
٣٠ الحكمة ( ٥ ) و قال عليهالسلام : ٤٨٤
٣١ الحكمة ( ٢٠ ) و قال عليهالسلام : ٤٨٧
٣٢ الحكمة ( ٢١١ ) و قال عليهالسلام : ٤٩٠
٣٣ الحكمة ( ٥٢ ) و قال عليهالسلام : ٤٩٣
٣٤ الحكمة ( ١١٦ ) و قال عليهالسلام : ٤٩٤
٣٥ الحكمة ( ٤٦٦ ) و قال عليهالسلام : ٤٩٧
٣٦ الخطبة ( ٧٩ ) و قال عليهالسلام : ٥٠٢
٣٧ الحكمة ( ٤٢ ) و قال عليهالسلام : لبعض أصحابه : ٥٠٣
٣٨ الحكمة ( ٤٧ ) و قال عليهالسلام : ٥٠٨
٣٩ الحكمة ( ٤٨ ) و قال عليهالسلام : ٥١٢
٤٠ الحكمة ( ٦٣ ) و قال عليهالسلام : ٥١٥
٤١ الخطبة (( الحكمة )) ( ٦٨ ) و قال عليهالسلام : ٥١٧
٤٢ الحكمة ( ٦٩ ) و قال عليهالسلام : ٥١٨
٤٣ الحكمة ( ٨٧ ) و قال عليهالسلام : ٥١٨
٤٤ الحكمة ( ٨٩ ) و قال عليهالسلام : ٥١٩
٤٥ الحكمة ( ١٠٦ ) و قال عليهالسلام : ٥٢٣
٤٦ الحكمة ( ١١٤ ) و قال عليهالسلام : ٥٢٤
٤٧ الحكمة ( ١٢١ ) و قال عليهالسلام : ٥٢٥
٤٨ الحكمة ( ٤٣٣ ) و قال عليهالسلام : ٥٢٦
٤٩ الحكمة ( ١٢٦ ) و قال عليهالسلام : ٥٢٦
٥٠ الحكمة ( ١٢٧ ) و قال عليهالسلام : ٥٣٠
٥١ الحكمة ( ١٢٨ ) و قال عليهالسلام : ٥٣٢
٥٢ الحكمة ( ١٤١ ) و قال عليهالسلام : ٥٣٣
٥٣ الحكمة ( ١٤٢ ) و قال عليهالسلام : ٥٣٤
٥٤ الحكمة ( ١٥٧ ) و قال عليهالسلام : ٥٣٥
٥٥ الحكمة ( ١٦٤ ) و قال عليهالسلام : ٥٣٦
٥٦ الحكمة ( ١٦٩ ) و قال عليهالسلام : ٥٣٧
٥٧ الحكمة ( ١٧١ ) و قال عليهالسلام : ٥٣٨
٥٨ الحكمة ( ٢٠٤ ) و قال عليهالسلام : ٥٤٠
٥٩ الحكمة ( ٢٠٨ ) و قال عليهالسلام : ٥٤١
٦٠ الحكمة ( ٢٤٠ ) و قال عليهالسلام : ٥٤٢
٦١ الحكمة ( ٢٤١ ) و قال عليهالسلام : ٥٤٤
٦٢ الحكمة ( ٢٤٧ ) و قال عليهالسلام : ٥٤٤
٦٣ الحكمة ( ٢٥٤ ) و قال عليهالسلام : ٥٤٦
٦٤ من غريب كلامه رقم ( ٢ ) و في حديثه عليهالسلام : ٥٤٩
٦٥ من غريب كلامه رقم ( ٣ ) و في حديثه عليهالسلام : ٥٥٦
٦٦ الحكمة ( ٢٩٨ ) و قال عليهالسلام : ٥٥٨
٦٧ الحكمة ( ٢٦٥ ) و قال عليهالسلام : ٥٥٩
٦٨ الحكمة ( ٢٩٦ ) وَ قَالَ ع لِرَجُلٍ يَسْعَى. ٥٦٠
٦٩ الحكمة ( ٣٠٥ ) و قال عليهالسلام : ٥٦٢
٧٠ الحكمة ( ٣٠٦ ) و قال عليهالسلام : ٥٦٣
٧١ الحكمة ( ٣٢٦ ) و قال عليهالسلام : ٥٦٤
٧٢ الحكمة ( ٣٢٩ ) و قال عليهالسلام : ٥٦٦
٧٣ الحكمة ( ٣٣١ ) و قال عليهالسلام : ٥٦٦
٧٤ الحكمة ( ٣٣٧ ) و قال عليهالسلام : ٥٦٧
٧٥ الحكمة ( ٣٤٥ ) و قال عليهالسلام : ٥٦٨
٧٦ الحكمة ( ٣٤٩ ) و قال عليهالسلام : ٥٦٨
٧٧ الحكمة ( ٣٥٠ ) و قال عليهالسلام : ٥٧٦
٧٨ الحكمة ( ٣٥٢ ) و قال عليهالسلام لبعض أصحابه : ٥٧٧
٧٩ الحكمة ( ٣٥٣ ) و قال عليهالسلام : ٥٧٨
٨٠ الحكمة ( ٣٥٥ ) وَ بَنَى رَجُلٌ مِنْ عُمَّالِهِ ٥٧٩
٨١ الحكمة ( ٣٥٨ ) و قال عليهالسلام : ٥٨٠
٨٢ الحكمة ( ٣٦٥ ) و قال عليهالسلام : ٥٨٢
٨٣ الحكمة ( ٣٧١ ) و قال عليهالسلام : ٥٨٣
٨٤ الحكمة ( ٣٧٦ ) إِنَّ اَلْحَقَّ. ٥٨٧
٨٥ الحكمة ( ٣٨١ ) و قال عليهالسلام : ٥٨٨
٨٦ الحكمة ( ٣٨٤ ) و قال عليهالسلام : ٥٨٩
٨٧ الحكمة ( ٣٨٦ ) و قال عليهالسلام : ٥٩١
٨٨ الحكمة ( ٣٩٢ ) و قال عليهالسلام : ٥٩٢
٨٩ الحكمة ( ٣٩٤ ) و قال عليهالسلام : ٥٩٩
٩٠ الحكمة ( ٣٩٥ ) و قال عليهالسلام : ٦٠٣
٩١ الحكمة ( ٤٠٢ ) و قال عليهالسلام : ٦٠٣
٩٢ الحكمة ( ٤٠٣ ) و قال عليهالسلام : ٦٠٥
٩٣ الحكمة ( ٤٠٨ ) و قال عليهالسلام : ٦٠٥
٩٤ الحكمة ( ١١٨ ) و قال عليهالسلام : ٦٠٧
٩٥ الحكمة ( ٤١١ ) و قال عليهالسلام : ٦٠٨
٩٦ الحكمة ( ٤١٦ ) و قال عليهالسلام لابنه الحسن : ٦٠٩
٩٧ الحكمة ( ٤٢٩ ) و قال عليهالسلام : ٦١١
٩٨ الحكمة ( ٤٢٦ ) و قال عليهالسلام : ٦١٢
٩٩ الحكمة ( ٤٣٠ ) و قال عليهالسلام : ٦١٣
١٠٠ الحكمة ( ٤٣٥ ) و قال عليهالسلام : ٦١٧
١٠١ الحكمة ( ٤٤١ ) و قال عليهالسلام : ٦٢١
١٠٢ الحكمة ( ٤٤٢ ) و قال عليهالسلام : ٦٢٢
١٠٣ الحكمة ( ٤٤٥ ) و قال عليهالسلام : ٦٢٣
١٠٤ الحكمة ( ٤٤٩ ) و قال عليهالسلام : ٦٢٥
الفهرست.. ٦٣٠
|