قسم اللجنة العلمية في الشبكة
أكاذيب وحقائق: الحلقة الأولى
ابن عبّاس و أموال البصرة
دراسة وتحليّل
جعفر مرتضى
الطّبعة الأولى، ١٣٩٦هـ،شعبان.
حقوق الطّبع محفوظة للمؤلف
بسم الله الرّحمن الرّحيّم
تقديم:
بسم الله الرّحمن الرحيّم
والحمّد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على خير خلقه أجمعين، سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطّاهرين.. .
وبعد:
فقد سنحت لي الفرصة أخيراً للقيام ببحث هذه القضّية، الّتي طالما تشوّقت لبحثها وتمّحيصها، وكشف النّقاب عن ظروفهاوملابساتها...
هذه القضّية التي لها علاقة مباشرة بابن عبّاس الشّخصيّة الفذّة، الّذي قام بدور رئيس في تأييد الامام عليّعليهالسلام
، سواء في حياة الإمامعليهالسلام
، أم في تأييد حق علي وحق أهل البيت بعد وفاته( صلوات الله وسلامه عليه)،والرجل الّذي أشتهر بصراحته المثيرة ومواقفه الجريئة،والإنسان الّذي كان - وما يزال - يتمتّع بالاحترام والتقدير، وله شهرة علميّة وأدبيّة واسعة. والّتي لم تكن لتكون له؛ لو لم يكن يتمتّع بالمؤهّلات الحقيقيّة والنّادرة، الّتي رسخّت بمعطياتها هذه الشّهرة الواسعة، وجسّدت المثال الحيّ للشّخصيّة الّتي تستحق كلّ هذا الإحترام، وكلّ ذلك التّقدير..
ولكنّنا - ومع كل أسى وأسف - نُلاحظ: أنّه قد نُسب إلى هذا الرّجل بالذّات ،ابن عبّاس،ما يمس كرامته، ويطعن في نزاهته، ويُنّزله من أوج الجلال والمهابة.. إلى حضيض الذل والمهانة.. لقد نُسب إليه سرقة بيت مال البصّرة، حينما كان والياً عليها من قبل عليّعليهالسلام
...
ولعلّ ممّا يعمّق فينا الشّعور بالأسف والمرارة، أنْ نرى كاتباً، كبيراً، وأديباً بارعاً كالدّكتور طه حسين، يحاول إستغلال هذه القضيّة، فيعقد لها فصلاً خاصاً في كتابه: الفتنة الكبرى، ويعرضها - من ثمّ - على طريقته الخاصّة، ويحاول أن يصوّرها بشكل مقنع ومقبول.. ودون ما أيّ تمّحيص أو بحث، نراه يعتبرها من المسلّمات التّاريخيّة ، بالرغم من محاولاته التّشكيّك فيما هو أكثر قوةً ووضوحاً منها ثم هو يركّز عليها بشكل بارز وملحوظ في كثير من إستنتاجاته وملاحظاته، في العديد من الموارد في كتابه الآنف الذكر... .
وعلى كل حال.. ومهما يكن الدّافع لطه حسين في موقفه هذا من ابن عبّاس، وزير عليّعليهالسلام
، ومدبّر أموره - على حدّ تعبير هذا الكاتب - ،فإنّ الشّيء الّذي لابدّ لنا من الإشارة إليه، هو:
إنّ شخصيّة ابن عبّاس الفذّة.. ، وإن بقيت طاغية على هذا الإتّهام، وخنقته في مهده أو كادت..، إلاّ أنّه لا يسع الباحث - في أيٍّ من الظّروف والأحوال - تجاهل إتّهام كهذا، والإستسلام في رده أو قبوله إلى إنّفعالات عاطفيّة، أو وجدانيّة بحتة.. كما قد يفعله الآخرون.. .
بل لابدّ للباحث المُنّصف من تلمُّس الحقيقة في الوقائع التّاريخيّة نفسها، ومحاكمة أيّة قضيّة في ضوئها، وعلى أساسها،
بعد التّعرّف الكامل على الأجواء والمناخات التّاريخيّة، الّتي تُعطي الباحث الضّوء الأخّضر، وتمنحه شجاعة إصّدار الرّأي الحر، قبولاً أو رفضاً؛ إذا اقتضى الأمر أياً من الرّفض أو القبول..
وكان ذلك هو المنطلق في هذه الدّراسة الموجزة، كما سيلمسه القارئ بنفسه..
ومن الله نستمد العون..
وهو الموفق والمسدّد..
جعفر مرتضى الحسيني العاملي
ابن عبّاس في سطور:
هو: عبدالله ، بن العبّاس، بن عبد المطّلب، بن هاشم، بن عبد مناف..
أبوه: العبّاس، عم النّبيصلىاللهعليهوآله
.
أمه: أمّ الفضل، لبابة بنت الحارث الهلاليّة..
ولادته: قبل هجرة النّبيصلىاللهعليهوآله
بثلاث سنين، عنّدما كان بنو هاشم محاصرين في الشعب من قبل قريش.. وقيل: بل قبل الهجرة بخمس سنين، وقيل غير ذلك. والأول هو الأشهر،وعليه الأكثر..
وفاته: في سنة ٦٨هـ ،على أشهر الأقوال، أي: في خلافة عبدالملك بن مروان في الشّام، وعبدالله بن الزّبير في مكّة.. ،عن عُمْرٍ ناف على السّبعين. وكانت وفاته بالطّائف، وصلّى عليه محمّد بن الحنفيّة..
صفته: كان أبيضاً، طويلاً، جسيماً، وسيماً، صبيح الوجه، له وفرة، ولما كُفّ بصره، إعترى لونه صفرة يسيرة..
يقال: إنّه غزا أفريقية مع ابن أبي سرح سنة سبع وعشرين.
شهد مع عليّعليهالسلام
: الجمل، وصفّين، والنّهروان..
كان على مقدّمة عليّعليهالسلام
في حرب الجمل، كما ذكره الشّيخ المفيّد في كتاب الجمل..، لكن يظهر من آخرين أنّه كان على ميّمنة عليّ فيها..،وكان على ميسرة عليّعليهالسلام
في صفّين..
ولاّه عليّعليهالسلام
البصرة بعد حرب الجمل، واستمر والياً عليها إلى أن قُتل عليّعليهالسلام
في سنة أربعين..
وولّي البصرة أيضاً من قِبل الإمام الحسنعليهالسلام
، وبقي عليها إلى أن صالح الحسن معاوية على شروط لم يفِ بها معاوية له.. ويقال: إنّه شهد الصّلح أيضاً..
رشّحه الإمام عليّعليهالسلام
ممثّلاً عنه في التّحكيم بعد صفّين، فرفضه أولئك الّذين أصبحوا فيما بعد خوارج..
ناظر الخوارج في النّهروان، وكان يُلقي عليهم ما يُلقّنه إياه الإمامعليهالسلام
؛ فرجع منهم - على ما قيل - ألفان عن غيّهم وضلالهم..
كان مع الطّالبيين الّذين حاصرهم ابن الزّبير، وجمع الحطب حول دورهم، وأراد إحراقهم، فأنّقذتهم النّجدة من الكوفة من شر ابن الزّبير..
اشتهر عنه: أنّه كان يكتب الحديث، ويحتفظ به، ويقصد بيوت الصّحابة في طلبه..
اشتهر بالتّفسير والفقه، وقوّة العارضة في الجواب، وإيراد الحجج..
له مواقف، واحتجاجات ومناظرات مشهورة مع معاوية، وابن العاص، ومروان، وابن الزّبير.. وغيرهم، من أعداء عليّعليهالسلام
وأهل بيته..
كُفّ بصره في آخر عمره، فعيّره معاوية بذلك؛ حيث قال له: أنتم يا بني هاشم تُصأبون في أبصاركم. فقال له ابن عبّاس: وأنتم يا بني أميّة تُصأبون في بصائركم.. ؛ ولعلّ فقْده بصره ،كان هو المانع له عن الخروج مع الحسين، كما يُفهم من ابن كثير في البداية والنّهاية.. .
وأخيراً.. فقد كان يتمتّع بمكانة مرموقة، سواء في حياة عليّعليهالسلام
، أم بعد وفاته..، وأمّا مكانته من عليّ نفسه؛ فتلك غنيّة عن البيان. ويكفي أن نذكر: أنّ طه حسين يراه: (أقرب النّاس إلى عليّ، وآثرهم عنده). وأنّه: (صاحب رأي عليّ، وأعرف النّاس بدخيلة أمره) إلى آخر كلامه.. الّذي لا نرى حاجة لإيراده..
ابن عبّاس وأموال البصرة..
البداية
النّص التّاريخي للرّواية
قيس بن سعد الغاضب
ابن الزّبير أيضاً
البداية:
يذكر بعض المؤرّخين: أنّ ابن عبّاس قد سرق أموال البصرة ؛وذلك عنّدما كان والياً عليها من قبل ابن عمّه عليّ بن أبي طالبعليهالسلام
.
ولقد أطال بعضهم في تفصيل هذه القضيّة، وذكر ملابساتها، ونصوص الكتب المتبادلة بين عليّ وأبي الأسود من جهة، ومن جهة ثانية: بين عليّ وابن عبّاس، وهو في البصرة تارة، وفي مكّة أخرى..
ونحن ننقل هذه القضيّة بعين النّصوص الّتي جاءت في المصادر الّتي رجعنا إليها،
ولا نُسقط منها إلاّ نصوص الكتب المتبادلة بين من ذكرنا آنفاً؛ لأنّنا رأينا: أن ذكر الرّسائل أيضاً سوف يطول به المقام، ويوجب - ولا شكْ - الملل لدى القارئ، كما لابدّ وأنْ نُشير إلى أنّنا قد حاولنا إدخال حديث بعض تلك المصادر في بعض، وتتميم ما نقص من بعضها، ممّا زاد في الآخر..
ونستطيع أن نعرض هذه الرّواية - بعدما قدّمناه - على النّحو التّالي:
(النّص التّاريخي للرّواية):
إنّه في سنة أربعين للهجرة
خرج عبدالله بن العبّاس من البصرة، ولحق بمكّة..
____________________
وسبب ذلك: أنّ عبدالله قد مرّ - وهو والي البصرة - على أبي الأسود الدؤلي، فقال له: يا أبا الأسود، لو كنت من البهائم كنت جملاً، ولو كنت راعياً ما بلغت المرعى، ولا أحسنت مهنته في المشتا..
فكتب أبو الأسود إلى عليّ يتّهم ابن عبّاس: بأنّه قد أكل ما تحت يده، بغير علمه..
فكتب عليّ إليه: يشكره على وشايته، ويطلب منه إعلامه بكل ما يكون بحضرته..ثم كتب إلى ابن عبّاس: يطلب منه أن يرفع إليه حسابه..فأجابه ابن عبّاس نافياً التّهمة عن نفسه، ويطلب منه أن لا يصدّق الظّنون فيه..فأجابهعليهالسلام
بالإصرار على محاسبته، ومعرفة كل ما أخذه، وأين وضعه..فأجابه ابن عبّاس، بكلام قاسٍ، يتّهمه فيه: بأنّه قتل النّاس، وسفك الدّماء من أجل الملك،وأنّه ظاعن عن عمله؛ فليبعث مكانه من أحب ، فعندّما تسلّم عليعليهالسلام
كتابه تعجّب منه،
وقال: أو ابن عبّاس لم يشركنا في هذه الدّماء؟!..
ثم كتب إليه: أنّه هو أيضاً قد شارك في سفك هذه الدّماء، ولكنه يقول ذلك؛ لأنّه لاحياء له..
قالوا: ولمّا أراد ابن عبّاس الخروج من البصرة، دعا أخواله من بني هلال بن عامر؛ فجاءه الضّحّاك بن عبدالله - وكان على شرطة البصرة - وعبدالله بن رزين، وقبيصة بن عبد عون، وغيرهم من الهلاليّين. فقال الهلاليّون: لا غناء بنا عن إخواننا من بني سليم. ثم اجتمعت معه قيس كلّها.
وصحب ابن عبّاس أيضاً: سنان بن سلمة بن المحبق الهذلي، والحصين بن أبي الحر العنبّري، والرّبيع بن زياد الحارثي..
فلما رأى عبدالله من معه، حمل المال - وهو ستة آلاف ألف - في الغرائز (قال أبو عبيدة: كانت أرزاقاً قد اجتمعت؛ فحمل مقدار ما اجتمع له)، ثم سار، واتّبعه أخماس البصرة
كلهم، فلحقوه بالطّف على أربعة فراسخ من البصرة؛ فتواقفوا يريدون أخذ المال.
____________________
فقالت قيس: والله، لا يصلون إليه ومنا عين تطرف. فطلب صبرة بن شيمان بن عكيف الحداني، وهو رأس الأزد، الإنصراف؛ إبقاءاً على مودّة عشيرته مع قيس. واعتزلت أيضاً بكر، وعبد القيس. وأبى بنو تميم الإنصراف، فنصحهم الأحنف، فأصرّوا على القتال من أجل المال؛ فاعتزلهم الأحنف؛ فرأسوا عليهم ابن المجاعة التّميمي. فاقتتلوا قتالاً كثيراً، وحمل الضّحّاك على ابن المجاعة؛ فطعنه، فاعتنقه عبدالله بن رزين، فسقطا إلى الأرض يعتركان. وكثُرت الجرحى من الفريقين، ولم يُقتل أحد..
فقالت الأخماس: ما صنعنا شيئاً؛ اعتزلناهم، وتركناهم يتحاربون؛ فضربوا وجوه بعضهم عن بعض، وحجزوا بينهم، وقالوا لبني تميم: والله، لنحن أسخى أنفساً منكم؛ حين تركنا هذا المال لبني عمّكم وأنتم تقاتلونهم عليه؛ إنّ القوم قد حملوا وحموا، فخلّوا عن القوم، وعن ابن أختهم؛ ففعلوا ذلك..
ومضى ابن عبّاس، ومعه من وجوههم نحو عشرين، سوى مواليهم، ومواليه، ولم يفارقه الضّحّاك، ولا ابن رزين، حتى وافى مكّة..
وقال قائل أهل البصرة، وقيل: بل القائل هو راجز عبدالله بن العبّاس نفسه:
صبح من كاظمة الحض الغضب
|
|
سبع دجاجات وسنور جرب
|
مع ابن عبّاس بن عبد المطلب
وجعل ابن عبّاس يرتجز ويقول:
آوي إلى أهلك يا رباب
|
|
آوي فقد آن لك الإياب
|
وجعل أيضاً يرتجز ويقول:
وهنَّ يمشين بنا هميسا
|
|
أن يصدق الطير (...) لميسا
|
فقالوا له: يا أبا العبّاس، أمثلك يرفث في هذا الموضع!، قال: إنما الرفث ما يقال عنّد النساء..
وكان ابن عبّاس يعطي في طريقه من سأله ، ومن لم يسأله من الضّعفاء، حتى قدم مكّة. ولمّا قدمها ابتاع من عطاء بن جبير، مولى بني كعب بن خزاعة: ثلاث مولِّدات: شادن، وحوراء، وفنون، بثلاثة آلاف دينار..
فأرسل إليه عليّعليهالسلام
كتاباً يؤنّبه فيه على شرائه الإماء بأموال اليتامى والأرامل ويتهدّده.
____________________
فأجابه عبدالله: بأنّ ما أخذه هو دون حقه في بيت المال..
فكتب إليه عليّ أيضاً مؤنّباً، ومخوّفاً من سوء الحساب.
فأجابه ابن عبّاس: (والله، لئن لم تدعني من أساطيرك لأحملنَّه إلى معاوية يقاتلك به..).
فكفّ عنه عليّ
.
____________________
قيس بن سعد الغاضب:
وعندما لحق عبيدالله بن العبّاس بمعاوية، الّذي جاء لحرب الحسنعليهالسلام
؛حيث أغراه معاوية بالمال.. قام قيس بن سعد، فخطب في الجند حينئذٍ، وقال: (إنّ هذا، وأباه، وأخاه لم يأتوا بيوم خير قط: إنّ أباه عمّ النّبي، خرج يقاتله ببدر؛ فأسره أبو اليسر كعب بن عمرو الأنصاري؛ فأتى به رسول الله، فأخذ فداءه وقسّمه بين المسلمين، وإنّ أخاه ولاّه عليّ أمير المؤمنين على البصرة؛ فسرق مال الله، ومال المسلمين، فاشترى به الجواري، وزعم أنّ ذلك له حلال)
.
وابن الزّبير أيضاً:
كما أنّ عبد الله بن الزّبير قد عرّض بابن عبّاس؛ وسرقته لبيت مال البصرة؛ فقال - بحيث يسمعه ابن عبّاس - : (.. وإنّ
____________________
هاهنا رجلاً قد أعمى الله قلبه، كما أعمى بصيرته، يزعم: أنّ متعة النّساء حلال من الله ورسوله، ويفتي في القملة والنّملة؛ وقد احتمل بيت مال البصرة بالأمس، وترك المسلمين بها يرتضخون النّوى. وكيف ألومه في ذلك، وقد قاتل أمّ المؤمنين.. ثم ذكر جواب ابن عبّاس له؛ فكان ممّا قاله: وأمّا حملي المال؛ فإنّه كان مالاً جبيناه، وأعطينا كلّ ذي حقٍ حقّه، وبقيت بقيّة، دون حقِّنا في كتاب الله؛ فأخذناها بحقِّنا..)
.
____________________
الرّواية
بين الواقع والخيال
حكمنا على هذه الرّواية
ملاحظات لابدّ منها
ما نستند إليه في حكمنا على هذه الرّواية
المبرّرات لا تجدي
الرّأي الأمثل
حكمنا على هذه الرّواية:
كان ذلك هو خلاصة ما يذكره بعض المؤرّخين حول سرقة ابن عبّاس لبيت مال البصرة.
أمّا نحن فنعتقد: أنّ هذه الرّواية بتمامها من نسج الخيال؛ لأنّنا نجد في الدّلائل والشّواهد التّاريخيّة ،ما يدل على أنّها لا يمكن أنْ تصُحَّ، وما يمكن أنْ يصحَّ - لو كان لهذه القضيّة أصل - هو رواية ابن أعثم الكوفي الآتية..
وأمّا هذه الرّواية الطّويلة العريضة، الّتي يطغى عليها
الطّابع الرّوائي المسرحي، وتنسجم كل الإنسجام مع الأسلوب الّذي كان ينتهجه القصّاصون، الّذين كانوا يستطيعون أن يجعلوا من الحبّة قُبّة - كما يظهر من ملاحظة وقائعها، والمعركة الّتي اقتتلوا فيها قتالاً كثيراً!!، وكثُر فيها الجرحى، ولم يكن بينهم قتيل...!!، وغير ذلك من الفقرات، الّتي لابدّ وأن تُثير عجب واستغراب كل من يلاحظها، ويتأمل فيها. أمّا هذه الرّواية ، فكلّ الأدلّة تشير إلى أنّها - بهذا النّحو - مُفتَعلة ومُختَلقة..
وقبل أنْ نذكر ما نستند إليه في حكمنا هذا، نودّ أنْ نشير إلى:
ملاحظات لابدّ منها:
١- إنّ عمر ابن عبّاس كان سنة أربعين للهجرة، يناهز الـ (٤٣) أو الـ (٤٥) عاماً، على اختلاف النقل في تاريخ ميلاده..
وكان له - على حد تعبير طه حسين: (من العلم بأمور الدّين والدّنيا، ومن المكانة في بني هاشم خاصة، وفي قريش عامّة،
وفي نفوس المسلمين جميعاً، ما كان خليقاً أن يعصمه عن الإنحراف عن ابن عمّه، مهما تعظُم الحوادث، وتدْلَهم الخطوب..)
.
كما أنّ كهولته، وعلمه، وسداد رأيه، ومكانته الّتي جعلت معاوية يرى أنّه: (رأس النّاس بعد عليّ)، كل ذلك - لم يمنعه من سرقة أموال المسلمين، والإنغماس في لذّاته، والإنقياد إلى شهواته، حتى ولو كان ذلك على حساب كل ما ذكرناه من مميّزاته تلك. وكأنّه لم يكن يعلم: أنّ المباح قد يحرم؛ لو كان يتنافى مع شخصية الإنسان، ومكانته الإجتماعيّة!!.
كما أنّ ذلك كله.. لم يمنعه من التفوّه بتلك الأرجاز الرّكيكة، الّتي تنسبها الرّواية إليه، سيما تلك الّتي تتضمّن الألفاظ القبيحة والصّريحة، حتى لقد جعل صاحبه يعترض عليه، ويقول له: (أمثلك يرفث في هذا الموضع؟!!)، مما يعني أنّ مكانة ابن عبّاس لم تكن لتسمح له - وهو الرّجل الكامل المُسن، العالم الحازم - بأن يصدر منه مثل ذلك..
____________________
٢- إنّنا بالإضافة إلى عدم علمنا الكثير، عن عدد من الشخصيّات الواردة أسماؤهم في هذه الرواية، وبعضهم مجهول لدينا تماماً.. نلاحظ: أنّ سلسلة رواة هذه الرّواية، تشتمل على مجهولين - كرجل من أهل اليمامة، وسليمان بن راشد، وغير ذلك - أو على من عُرفوا بالإنحراف عن أهل البيت، والبغض لعليّ وآله، وممالاتهم لأعدائهم ومناوئيهم، كالشّعبي، والزّهري وغيرهما..
٣- تذكر لنا هذه الرّواية: أنّ ابن عبّاس يتهم عليّاً في بعض رسائله له: بأنّه إنّما أراق دماء المسلمين؛ من أجل الملك والسّلطان، الأمر الّذي أثار عجب عليّعليهالسلام
، فقالعليهالسلام
: وابن عبّاس، ألم يشركنا في هذه الدّماء؟!
وهذا ينافي ما جرى بينه وبين ذلك الشّامي! ؛الّذي سأله عن الدّماء الّتي سفكها عليّعليهالسلام
..؛ حيث أثبت له ابن عبّاس - بعد موت عليّ - : أنّ سفك عليّعليهالسلام
لتلك الدّماء كان بالحقّ؛ لأنّها كانت كلها تستحق القتل، وقد أطال في إثبات هذا الأمر، حتى اقتنع ذلك الشّامي، وأقر، وعاد إلى موالاة عليّعليهالسلام
.
____________________
كما أنّه لا يتفق مع مواقف ابن عبّاس السّابقة واللاحقة، في دفاعه عن مواقف عليّعليهالسلام
، وتأكيداته المتكرّرة لكل خصوم عليّ: أنّهعليهالسلام
كان على الهدى والحقّ، ولم يكن يقصد في كل مواقفه إلاّ رضا الله تعالى...، بخلاف أعدائه ومناوئيه: معاوية، ومن لفّ لفّه، وابن الزّبير، وغيرهم؛ فإنهم كانوا طلاب ملك وسلطان..
ولم نجد أبداً من يشكل عليه: بأنّ ذلك يناقض قوله:
____________________
إنّ سفك عليّعليهالسلام
دماء المسلمين كان من أجل الملك والسّلطان!!.. أم أنّهم كانوا أغبياء إلى حد أنّهم جميعاً، ينسون هذه الحجة الدامغة؛ وفيهم دهاة العرب، المشهود لهم من كل أحد بالفطنة، والدّقة، والذّكاء؟!
٤- يُلاحظ: أنّ هذه الرّواية لم تبيّن حال هذه السّتة ملايين: هل هي من الدّراهم؟ أو من الدّنانير؟!..
٥- تَنُصّ الرّواية على أنّ الضّحّاك بن عبدالله، أو عبيدالله الهلالي، كان على شرطة البصرة.. لكن كتب التّاريخ تقول: إنّ الّذي كان على شرطة ابن عبّاس في البصرة هو: الضّحّاك بن قيس الهلالي
، أو الضّحّاك بن قيس بن عبدالله، حسبما ينصّ عليه البلاذري
، وذلك يناقض قول البلاذري الآخر في الرّواية: إنّ الّذي كان على شرطة ابن عبّاس في البصرة ،هو: الضّحّاك بن عبدالله..
وإذا ما أردنا توجيه ذلك: بأنّ كلاً من الرّجلين واحد؛ وذلك لشيوع النّسبة إلى اب تارة، وإلى الجد أخرى..
____________________
مؤيّدين ذلك بأنّ البعض قد صرّح بأنّ مجيب ابن الحضرمي ،هو الضّحّاك بن عبدالله الهلالي
، نفس البطل المذكور في رواية السّرقة المتقدمة..
فإنّنا سوف نجد أنّ القضيّة سوف نصبح أكثر إشكالاً بالنسبة إلى البلاذري، الّذي يرى: أنّ قضيّة السّرقة، وفرار ابن عبّاس إلى مكّة ، كانت قبل فتنة ابن الحضرمي، مع أنّه ، هو وغيره ، يصرّحون بأنّ الضّحّاك ،قد فرّ مع ابن عبّاس إلى مكّة، كما أنّه، هو نفسه، يصرّح بأنّ الضّحّاك قد واجه ابن الحضرمي بكلامٍ قاسٍ في البصرة!؛ فهل يعقل أنْ يكون الضّحّاك في البصرة، وفي مكّة، في وقت واحد؟!.. هناك مع ابن عبّاس، وهنا في موقفه مع ابن الحضرمي؟!.
ولو أنّنا احتملنا: أنْ يكون الضّحّاك قد أوصل ابن عبّاس إلى مكّة، فلمّا اطمأن عليه عاد إلى البصرة، ووقف من ابن الحضرمي ذلك الموقف الغريب، الّذي أيّد فيه عليّاً!!!.. بعد أنْ ناصر عامله، وأعانه على شق عصا الطّاعة، وسرقة بيت المال!!! ، الأمر الّذي أساءه وأزعجه جداً..،
____________________
- لو أنّنا احتملنا ذلك ، فإنّنا نجد من النّاحية الأخرى، أنّ الطّبري في تاريخه، وابن كثير في البداية والنّهاية، والمعتزلي، والثّقفي ،يصرّحون : بأنّ ابن عبّاس كان في سنة ٣٩ عنّد عليّ في الكوفة...، وأنّه كان في هذه السّنة - كما يصرّحون وابن الأثير معهم - والياً على البصرة من قبل عليّ، وهو الّذي ولّى في هذه السّنة أيضاً، زياداً على فارس، أو أشار بتوليته.. هذا بالإضافة إلى التّصريحات السّابقة بأنّ قضيّّة السّرقة، ومفارقة ابن عبّاس لعليّعليهالسلام
، كانت في سنة أربعين للهجرة. وأمّا فتنة ابن الحضرمي فقد كانت في سنة ٣٨هـ فكيف تكون فتنة ابن الحضرمي بعد سرقة ابن عبّاس للأموال، كما يقوله البلاذري؟!!..، وبعد فراره إلى مكّة؟!!.
٦- تنصّ الرّواية على أنّ إحدى عشر رسالة قد تُبودلت بين عليٍّعليهالسلام
وابن عبّاس، وعليٍّ وأبي الأسود. بل وإذا أضفنا إلى ذلك: أنّ ابن عبّاس قد ندم، واعتذر إلى عليّ، وأنّ عليّاً قد راسله بالرّضا عنه - حسب بعض الرّوايات - ؛ فإنّ الرّقم سوف يزيد عن ذلك أيضاً..، يضاف إلى ذلك: مسير ابن عبّاس من البصرة إلى مكّة، ووقائع طفّ البصرة، وكذلك ما
جرى في مكّة، ثم عودة ابن عبّاس منها إلى البصرة، بعد رضا عليّ عنه، - حسب بعض الرّوايات .
وأضفنا إليه أيضاً: أنّنا لم نجد ما يدلّ على سوء تفاهم بين عليّ وابن عبّاس في سنة تسع وثلاثين، بل نجد الكثير مما يدلّ على تمام التّفاهم والإنّسجام، خصوصاً وأنّه كان في هذه السّنة عندّه في الكوفة حسبما أشرنا إليه. هذا مع تصريح عدد من المؤرّخين: بأنّ هذه القضيّة قد كانت في سنة أربعين: نفس السّنة الّتي قتل فيها عليّعليهالسلام
... ثم إنّنا بملاحظة بُعد البصرة عن الكوفة من جهة، وبُعد مكّة عنها من الجهة الأخرى..
إنّنا بعد ملاحظة كلّ ذلك ، سوف نجد من أنفسنا القطع بأنّ الزّمان الّذي يفترض أنْ تجري كلّ هذه الحوادث فيه.. أو فقل افترضته تلك الرّواية لها.. لا يمكن ان يسعها في العادة، ولا يكفي لكل تلك الأحداث، والملابسات..
٧- لم يذكر لنا الّذين أوردوا قضيّة السّرقة، من تولّى البصرة بعد ابن عبّاس، لعليّ، أو لمعاوية؛ فهل تركها هملاً، ولم يستخلف عليها أحداً؟!.. وعليّ، هل غضّ النّظر عنها، او نسيها؟!، ثم معاوية، والحسن من بعده؟ فمن الّذي تولاها
للحسن الّذي بقي في الخلافة أكثر من ستة أشهر؟!، فهل بقيت سنة كاملة، أو أقل أو أكثر، من حين ترْك ابن عبّاس لها، وحتّى صلح الإمام الحسن مع معاوية ؟! هل بقيت - كلَّ هذه المدّة من دون وال ولا مشرف؟!!.. إنّ ذلك لعجيب حقاً!!، وأيّ عجيب!!
وأمّا ما ذكره البلاذري بقوله: (وكثرت غاشية ابن الحضرمي، وأتباعه؛ فهال ذلك زياداً، ورعبه، وراعه - وكان عبد الله بن عبّاس حين شخص إلى مكّة مغاضباً لعليّ خلَفه على البصرة؛ فلم ينزعه علّي، وكان يكاتبه ابن عبّاس على أنّه خليفته، ثم كاتب عليّاً دون ابن عبّاس - فكاتب زياداً؛ فلمّا رأى زيادٌ ما صار إليه أمر ابن الحضرمي الخ..)
أمّا هذا.. فلا ينسجم مع ما ذكره الطّبري، وابن الأثير، وسبط ابن الجوزي: من أنّ مفارقة ابن عبّاس لعليّ كانت سنة ٤٠ للهجرة، ومع ما ذكره الطّبري، وابن الأثير، وابن كثير، وغيرهم، من أنّه كان سنة ٣٩ نائباً عنه في البصرة، وأنّه هو الّذي ولّى زياداً على الأهواز في هذه السنة نفسها، وأنّه كان عند فتنة ابن الحضرمي عند عليّ..
____________________
كلّ ذلك لا ينسجم مع ما ذكره البلاذري؛ لأنّ فتنة ابن الحضرمي كانت سنة ٣٨ للهجرة..
والصّحيح: هو ما ذكره آخرون: من أنّ ابن عبّاس كان حين فتنة ابن الحضرمي عند عليّعليهالسلام
بالكوفة. وقد كاتبه زياد في أمر ابن الحضرمي، وطلب منه أنْ يخبر عليّاً بأمره؛ فأخبره، ثم كاتبه على نفسه إلى آخر ما ذكروه
.
ومن هنا نعرف: أنّ إصرار طه حسين على كون السّرقة قد وقعت قبل فتنة ابن الحضرمي، تبعاً للبلاذري، لا يمكن أنْ يستقيم تاريخيّاً، فضلاً عن سائر الدّلائل والشّواهد الدّالّة على عدم صحّة تلك الرّواية من أساسها..
كانت تلك هي بعض الملاحظات، الّتي أحببنا أنْ نسجّلها في هذه العجالة، قبل ذكرنا لبعض الأدلّة والشّواهد، الّتي نرى أنّها كافية للحكم على هذه الرّواية بالوضع والإفتعال..
____________________
(ما نستند إليه في حكمنا على هذه الرّواية):
وبعد ذلك.. فإنّ ما نستند إليه في حكمنا الآنف على هذه الرّواية، يتلخّص بالأمور التّالية:
أوّلاً:
إنّ أوّل ما يطالعنا في هذه الرّواية هو إعتداء ابن عبّاس، العالم، والحازم ،على أبي الأسود، الّذي لم يكن له شرف، ولا علم، ولا مكانة ابن عبّاس ، يعتدي عليه - بلا مبرر ظاهر.. الأمر الّذي دفعه للوشاية به إلى عليّعليهالسلام
، وفضحه، وكشف أوراقه أمام الرّأي العام!!، فلماذا لم يحاسنه ويلاطفه، ويتودّد إليه، حتّى لا يشي به، ويفضحّه أمام النّاس كلّهم؟!، ولماذا لا يشي به أبو الأسود إلاّ بعد أنْ اعتدى عليه!!.. وبعد..
فلا يمكننا أصلاً أنْ نصغي إلى طه حسين حيث يقول: إنّه إنّما شتم أبا الأسود ؛لأنّه آنس منه (شيئاً من النّكير، فأغلظ له في القول ذات يوم؛ فضاق أبو الأسود بما رأى وما سمع؛ فكتب إلى عليّ الخ..)
.
____________________
فإنّ ذلك لا يعدو أن يكون تخرُّصاً، ورجماً بالغيب.. ولعل المنطق السّليم يساعد على ضدّ ذلك تماماً: أي على محاسنة أبي الأسود، والتّحمّل منه مهما أمكن، أمّا أنّ سرّ شتمه له: أنّه آنس منه شيئاً من النّكير؛ فلا شاهد له أصلاً.. نعم.. لو أخذنا برواية ابن أعثم، الّتي هي الوحيدة المتعرّضة لذلك كما سيأتي.. فإنّنا نجدها تقول: إنّ سبب غضب ابن عبّاس على أبي الأسود، هو الخلاف الّذي نشب بين أبي الأسود وزياد ، في غيبة ابن عبّاس إلى الحج، وهجاء أبي الأسود لزياد.
ولكنّنا في مقابل ذلك نجد: أنّ عدداً من المؤرّخين يقول: إنّ ابن عبّاس لم يحج في خلافة عليّعليهالسلام
أصلاً.
ثانياً:
وابن عبّاس.. ألم يكن يخشى بطش عليّ وسطوته؟!، ألا يعرف حزمه وصلابته؟!.. فكيف يخاطر بنفسه، ويقدم على ما أقدم عليه؟! ثمّ.. كيف يذهب إلى مكّة؟ ؛ ولمَ لا يذهب إلى معاوية الّذي يستطيع أنْ يحميه من عليّ، والّذي ما زال يخطب ودّه، ويحاول أن يكون معه، وإلى جانبه؟!..
____________________
وإذا كان من الممكن: أنْ يمنعه إباء نفسه من الذّهاب إلى معاوية كما يقال.. فلمَ لا يمنعه هذا الإباء عن إرتكاب جريمة السّرقة نفسها، وعن شراء المولِّدات، والتفوّه بالألفاظ النّابية والقبيحة؟!.. وهل يمكن أن نصدّق أنّه يفضّل الموت والقصاص من عليّعليهالسلام
على الذّهاب إلى معاوية؟!
وإذا ما قيل: أنّه كان عازماً على الفرار إلى معاوية،عند الإضطرار، كما يدلّ عليه تهديده لعليّ،
فهل من الممكن أن نتصوّره لا يضطر إلى ذلك؛ وهو يعلم أنّ عليّاً هو الّذي يطالبه.. عليّ الّذي يقول: إنّه سوف يبقر الباطل حتى يخرج الحقّ من خاصرته.. والّذي يكون الذّليل عنده عزيزاً، حتّى يأخذ الحقّ له، والعزيز عنده ذليلاً حتّى يأخذ الحقّ منه؟!..
وإذا كان يرى أنّ التجاءه إلى البيت الحرام، يمنع عليّاً من أخذه؛ لتقيّد عليّ بالشّرع كما صرّح به طه حسين؛ حيث قال: إنّه لم يترك عمله: (ليعود إلى الكوفة، أو ليقيم في العراق؛ أو في حيث يستطيع الإمام أن يأخذه بتقديم الحساب؛ ويسأله عن عمله قبل أنْ يعتزله. وإنّما ترك المصر ولحق بمكّة حيث لا يبلغه سلطان الإمام؛ وحيث لا يقدر الإمام على أنْ يناله بالعقاب، أن
نبيّن استحقاقه للعقاب، وإنّما أقام بالحرم آمنا بأس إمامه عليّ، وخصمه معاوية..)
.
إنّه إذا كان من الممكن هذا.. فإنّه يعني أنّ مكّة لم تكن داخلة في سلطان عليّ، ولا في سلطان غيره.. وإلاّ فهل من الممكن أن يعطّل عليّ أو غيره الحدود في مكّة؟! فلا يقطع [يد]السّارق، ولا يرجم الزّاني؛ لأنّه في مكّة، البلد الحرام؟!!.. وابن عبّاس ألم يكن سارقاً، ولو في نظر عليّ على الأقل؟!، بل وفي نظر ابن عبّاس نفسه، حسبما يقوله طه حسين
، فلمَ لا يجوز لهعليهالسلام
أخذه، لينال قصاصه، ويأخذ حقّ الله والمسلمين منه؟!..
وعليّ.. لماذا لا يأمر عامله على مكّة، بالقبض على ابن عبّاس، وإرساله إليه مصفّداً بالحديد؟!، وإذا كانت مكّة قد غزاها بسر بن أرطاة،وأصبحت في حوزة معاوية الّذي لم يهج ابن عبّاس؟!،أوليس قد أعادها جارية بن قدامة إلى حوزة عليّعليهالسلام
؟!، فلماذا لم يطلب عليّ من ابن قدامة - ولو سراً - : أن يأتيه بابن عبّاس ليقتص منه؟!، أو على الأقل أن يقتص منه
____________________
هو بالنّيابة عن عليّ؟!!،وأيضاً لمَ لمْ يأمر عليّ عامله على البصرة ،بأن يرسل إليه كل من أعان ابن عبّاس، على سرقة بيت المال، وسهّل له سبيل الذّهاب به؟!..
وبعد موت عليّ.. لماذا يثق الحسن بابن عبّاس، ويتّخذه عوناً له وعضداً؟! ،ولا يطالبه بأموال المسلمين الّتي سرقها من بيت المال؟!..
أمّا معاوية - الّذي يعتبره طه حسين خصماً لابن عبّاس؛ فلم نجده بعد موت عليّ حاول أن يهيج خصمه القديم، ويأخذه بهذه الأموال؟! مع قدرته على ذلك؟!..
ثالثاً:
إنّ ابن عبّاس كان شوكة جارحة في عين معاوية وسائر الأمويين؛ وذلك لمَا كان يتمتّع به من مكانة مرموقة، واحترام وتقدير جميع الفئات، ومختلف الطّبقات.. حتى أنّ معاوية كان يرى: أنّه: (رأس النّاس بعد عليّ)
..
____________________
كما أنّ الخوارج كانوا يعْدلونه بعليّعليهالسلام
، حتّى أنّه عنّدما اقترحه أمير المؤمنين في التّحكيم ،رفضه الّذين صاروا فيما بعد خوارج، وغيرهم من المنافقين في جيش عليّ، وقالوا: (والله، ما نبالي: أكنت أنت، أو ابن عبّاس)
. و بحسب نصّ آخر: (لا والله، هو أنت، وأنت هو)
.
وكان معاوية يلعنه في صلاته مع: عليّ، والحسن؛ والحسين، والأشتر، وقيس بن سعد..
وأمّا عن صلابته واستبصاره في أمر عليّعليهالسلام
، فقد بلغ فيه مبلغاً عظيماً، جعل عمرو بن العاص يجيب معاوية، عند ما طلب منه هذا: أن يكتب إليه يستميله إلى جانبه، ويرققه،
____________________
ويبعده عن عليّعليهالسلام
في صفّين - قال عمرو لمعاوية: (لو طمعت فيه، لطمعت في عليّ)
.
وعليه.. وإذا كان معاوية قد حاول استمالة ابن عبّاس، في وقت كان فيه يضارع عليّاً في صلابته، وبصيرته ،في القضيّة الّتي يقاتل من أجلها، وفي سبيلها، وكان الطّمع فيه يوازي الطّمع في عليّ نفسه.. فلماذا لا ينتهز معاوية الآن هذه الفرصة، ويرسل إليه، بل ويعمل القليل والكثير من أجل أن يجلب رضاه؛ ليكون معه، وإلى جانبه. يتقوّى به على عليّعليهالسلام
، ويربح هذا السّلاح؛ ليشهره في وجه خصمه الّذي أعيته فيه الحيل؟!!..
وكيف يطمع فيه في صفّين، ولا يطمع فيه الآن.. بعد أن نزغ الشّيطان بينهما، وأصبح كلٌّ منهما عدواً للآخر، ويتحيّن الفرص للإنقضاض والقضاء عليه؟!.
وحتّى بعد موت عليّ.. لماذا لم يحاول: أن يستغلّ ذلك في إبعاده عن الحسن والحسينعليهماالسلام
؟!!، أم يمكن أن نصدّق: أنّ معاوية المعروف بالدّهاء، لم يتفطّن لهذا الأمر
____________________
الواضح، ولم يلتفت إليه؟!!..
وقد يمكن أن يقال في الجّواب: إنّ ابن عبّاس كان يربأ بنفسه عن أن يصير ذنباً لمعاوية، الّذي لم يكن له آنذاك مكانة في نفوس الصّفوة من آل محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم
، ورجال الأمّة.
ولكن هذا الجّواب لا يستقيم؛ إذ أنّ ذلك لا يمنع معاوية من بذل المحاولة؛ والسّعي إلى أن يخدع ابن عبّاس، ويكتب إليه ليغويه، على أمل أن يميل إليه؛ فإنّ معاوية كأبي مرّة لا ييأس.. ولقد كتب إليه في صفّين؛ مع علمه بشدّة تعصّبه لعليّ، ولم ييأس منه آنذاك، فكيف ييأس منه الآن، وهو يرى أنّ الوضع قد أصبح الآن مختلفاً عنه في صفّين؟!
رابعاً:
لقد جرت بين ابن عبّاس، الّذي كان يلعنه معاوية في قنوته، وبين معاوية، ويزيد، وعتبة بن أبي سفيان، وسعيد، وعمرو بني العاص، ومروان وعبدالرحمن بني الحكم، وابن الزّبير، وزياد، والمغيرة؛ وغيرهم - جرت بينه وبينهم - مناظرات واحتجاجات كثيرة، كانوا فيها يحاولون اتهامه،وعليّاًعليهالسلام
،بشتى التّهم الباطلة. ويحرصون على التّنبيه على أيّة زلّة له، أو لغيره من بني هاشم، ويحاولون مواجهته
بكل ما يقدرون عليه، ممّا يرون فيه انتقاصاً له، وحطّاً من كرامته، ومن موجبات إذلاله، وكسر شوكته.
ولم نرهم عيّروه - ولو مرّة واحدة - بسرقة أموال البصرة، أو بأيّ شيء يمتّ إلى خيانته بالأموال بصلة.. مع أنّ في ذلك مادة خصبة لهم، وشفاء لما في صدورهم. ومع أنّه هو قد عرض لهم بذلك، وعيّرهم به - على ما في العقد الفريد وغيره ؛ حيث أكّد لمعاوية أنّ استعمال عليّ لِولاته لنفسه لا لهواه، أمّا معاوية فقد استعمل رجالاً لهواه لا لنفسه..
بل إنّه عندّما قام ابن العاص في الموسم؛ فأطرى معاوية والأمويين، ونال من بني هاشم، ثم ذكر مشاهدة صفّين؛ وذلك بعد موت عليّ طبعاً؛ لأنّ ابن عبّاس لم يحجّ في ولاية عليّ كما قلنا.. فقال له ابن عبّاس: يا عمرو، إنّك بعت دينك من معاوية، فأعطيته ما في يدك، ومنّاك ما في يد غيره.. إلى أن قال له: ولعمري أنّ من باع دينه بدنيا غيره لحريّ بأن يطول حزنه على ما باع واشترى الخ
.. وواضح أنّ ذلك كان بعد وفاة عليعليهالسلام
بقليل ؛ لأنّ ابن العاص مات بمصر في سنة ٤٣هـ ..
____________________
كما أنّه قد عيّر عمرو بن العاص بقوله: (أردتََ الله، وأردتُ مصراً)؛ وذلك في كتاب أرسله إليه كلّه على هذه الوتيرة ، وبهذا الأسلوب...
، فكان المناسب: ولو أن يجيبوه على ذلك بالمثل، لو كان هناك ما يمكنهم الإجابة به، لكنّ ذلك لم يكن.
ولمَ لا يثأر منه ابن العاص في الموسم، على ما كان قد وصمه به في قضيّة مصر، وأخْذ عمرو لها من معاوية طمعة؟!، أم يعقل أنّهم حلموا عنه وصفحوا؟!.. ولمَ لا يحلمون ويصفحون عند ما كانوا يواجهونه، بما هو أنكى وأشد من قواذع القول وقوارعه؟!..
وقد يمكن الإعتذار عن ذلك، بأنّ تركهم تعييره بذلك، يمكن أن يكون مخافة أن يعلن ابن عبّاس على الملأ رأيه في الغنائم، ويقول لهم: هذا حقّنا الّذي ثبت لنا بنص الكتاب العزيز، المصرِّح بأنّ الخمس هو لأهل البيت.. ومن ثَّم ينتشر هذا بين النّاس، ويفهمون: أنّ لآل محمد حقّاً في الأموال،
____________________
يتعدّى النّقاش من ذلك إلى حقّهم في الخلافة.. وهو أمر لا يريد معاوية وأعوانه توجيه أنظار الناس إليه ، في أيّ من الظّروف والأحوال..
ولكن هذا ممّا لا يمكن قبوله؛ لأنّ إجابة ابن عبّاس على أقواله بالمثل، وتعييره بالسّرقة، وتعيير عليّعليهالسلام
بتولية الفسّاق، السّارقين لأموال الله والأمّة، أمر مهم جدّاً لمعاوية، يفوق أهميّة قضيّة الخمس..
وإذا كان معاوية قد استطاع أن يموّه على النّاس في قتل عمّار بن ياسر، الّذي جاء النّص الصّريح بأنّه: تقتله الفئة الباغية.. وخيّل لهم: أنّ من جاء به هو الّذي قتله؛ فلمَ لا يستطيع أن يموّه على النّاس في قضيّة الخمس، مع أنّ الأمر فيها أيسر وأسهل؛ لسبق اختلاف الصّحابة في تفسير آية الخمس والفيء، كما في أحكام القرآن. وتفسير الطّبري كما ستأتي الإشارة إليه، وكان قد صرف النّظر عن هذه القضيّة قبل زمان معاوية بوقت ليس بالقصير..
____________________
وبعد هذا.. فقد يعترض أيضاً على ما قلناه ،بكلام ابن الزّبير الآنف الذّكر، والّذي يعيّر فيه ابن عبّاس بسرقة أموال بيت مال البصرة.
ولكنّه اعتراض غير وارد؛ إذ رغم ضعف سند تلك الرّواية.. نرى أنّ كثيرين قد أوردوا كلام ابن الزّبير، وجواب ابن عبّاس له، ولم يذكروا هذه الفقرة المزعومة، ولا جوابها..
يضاف إلى ذلك: أنّ الرّواية تتّهم الزّبير بأنّه قد تزوّج أسماء متعة، وذلك غير صحيح؛ ﻷنّ الزّبير قد تزوّج أسماء معلناً زواجاً دائماً، زوّجه إيّاها أبوه..
وإرادة متعة الحج
____________________
غير صحيح أيضاً؛ بعد تصريح الرّواية نفسها بمتعة النّساء..
بل لقد نقل البعض: أنّه بعد أن قال ابن عبّاس لابن الزّبير: سلْ أمّك عن بُرديّ عوسجة.. ذهب ابن الزّبير إلى أمّه وقرّرها؛ فأقرّت بأنّ الزّبير قد تمتّعها على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله
ببُردين؛ فعلقت بعبد الله، وأنّه من متعة
.
ولكنّ ذلك بعيد أيضاً؛ لأنّ آية تشريع المتعة قد نزلت في المدينة، وعبدالله بن الزّبير حملت به أمّه في مكّة، ثم هاجرت وهي مُتم؛ فوضعته في المدينة؛
فكان - على ما قيل - أول
____________________
مولود ولد بعد الهجرة.. وعليه فلا يصحّ أيضاً: أن يكون الزّبير قد تمتّع بها قبل الزّواج المعلن.. ؛إلاّ على تقدير أن يكون الزّواج المؤقّت ، قد كان معمولاً به قبل اﻹسلام ، فجاء اﻹسلام وأمضاه.. ، كما أنّ من الممكن أنْ تكون المتعة قد شرّعت في مكّة على لسان النّبيصلىاللهعليهوآله
أوّلاً، ثم نزل النّص القرآني في المدينة بعد ذلك.
نعم.. قد ذكر الواقدي: أنّ ابن الزّبير قد وُلد في شوّال في السّنة الثّانية للهجرة
؛ وعلى هذا فيحتمل أن يكون الزّبير قد تمتّع بأسماء قبل ذلك، فيما لو فُرض أنّ المتعة قد شرّعت في مطلع الهجرة..
ويبقى أن نشير إلى احتمال آخر.. وهو أنّ الزّبير - على ما يقولون - قد طلّق أسماء بضغط من وَلَده عبدالله، الّذي قال له: (مثلي لا توطأ أمّه)
، فلعلّه بعد طلاقه لها كان يتمتّعها، وكان ثوبا
____________________
عوسجة من جملة ما تمتّعها به..
هذا كله.. على فرض صحّة الرّواية المصرّحة بتمتّع الزّبير بأسماء، وقد رأينا: أنّ النّاقلين لهذه الرّواية كثيرون، سيما لقوله: سلْ أمّك عن ثوبي عوسجة؛ ولذا فليس من السّهل تجاهلها، وعدم الإعتناء بها، بل لابدّ من التّوجه إلى الإحتمالات المذكورة آنفاً، واﻷخذ بأقربها، وعدم الحكم على الرّواية بالوضع من أساسها، ولكل فقراتها..
ويبقى أن نشير هنا.. إلى رواية أخرى تقول: عن شعبة بن مسلم قال: (دخلت على أسماء بنت أبي بكر؛ فسألناها عن المتعة، فقالت: فعلناها على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله
.
وورد أنّ ابن عبّاس قال لابن الزّبير: (سلْ أمّك ، تُخبرك؛ فإنّ أوّل متعة سطع مجمرها، لمجمر سطح بين أمّك وأبيك..)
.
ولعلّ المراد هنا متعة الحج، ولعلّ ما تقدم يمكن حمله على هذا؛ وذلك بقرينة ما رواه أحمد بن حنبل قال: (.. قال
____________________
عبدالله بن الزّبير: أفردوا بالحج، ودعوا قول هذا. يعني: ابن عبّاس. فقال ابن العبّاس: ألا تسأل أمّك عن هذا؟ ، فأرسل إليها، فقالت: صدق ابن عبّاس؛ خرجنا مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله
حجّاجاً؛ فأمرنا ، فجعلناها عمرة؛ فحلّ لنا الحلال، حتى سطعت المجامر بين النّساء والرّجال..)
.
وأمّا الكلام المنسوب إلى قيس بن سعد، والمنقول عن مقاتل الطّالبيين فيما تقدّم..
فيكفي أنْ نُشير بالنّسبة إليه إلى ما ذكره بعض المحقّقين
؛ من أنّه كلام مُفتعل، قد دُسّ في بعض نسخ مقاتل الطّالبيين دون بعض؛ وذلك لأنّ ابن أبي الحديد قد نقل كلام أبي الفرج بعينه، ولم يذكر كلام قيس هذا، وإنّما قال عن قيس: (ثم خطبهم، فثبّتهم، وذكر عبيد الله، فنال منه. ثم أمرهم بالصّبر والنّهوض إلى العدو؛ فأجأبوه..).
ونقل ابن أبي الحديد مقدّم؛ سيما ونحن نراه ينقل عن أبي الفرج بين قوله: (فاخرجوا ، رحمكم الله ، إلى معسكركم
____________________
بالنُّخيلة) ، وقوله: (ثم إنّ الحسن سار في عسكر عظيم) ، ينقل كلاماً كثيراً ليس في نُسخ المقاتل المطبوعة منه عين ولا أثر.. ، وابن أبي الحديد قد سمع المقاتل إملاءاً عن شيوخه؛ فنقْله أثبت؛ إذ يُحتمل قويّاً: أنْ تكون هوامش قد زادها النّساخ في الأصل اشتباهاً..
هذا كله.. فضلاً عن تلك الدّلائل والشّواهد المتقدّمة واﻵتية، الّتي تدلّ على افتعال هذه القصّة واختلاقها من أساسها..
خامساً:
إنّنا لم نجد لابن عبّاس ما يدلّ على أنّه كان يمتلك ثروة كبيرة، ولا ترك ما يُثبت ذلك: كملكه لدور، أو ضياع، أو موالي، أو هبات لشعراء، أو فقراء، أو صلات لذوي رحم، أو غير ذلك.. ، بل لم نجد ما يدلّ على امتلاكه لجزء من مئة جزء ممّا يقال: إنّه اختلسه من بيت مال البصرة!!.
فأين ذهب ذلك المال الّذي عبّأه ابن عبّاس في الغرائر؟!، وماذا جرى للسّتّة ملايين تلك؟!!، وهل ثلاث مولّدات بثلاثة آلاف دينار، تكفي للقضاء على تلك الثّروة الهائلة؟! ، سيما تلك الفترة الّتي كان للمال فيها قيمة كبيرة، والقليل منه يكفي في الشّيء الكثير!!..
وأين كان الشّعراء عنه. حينما علموا بحيازته لسّتّة ملايين؟! ، وكذلك أين كان الفقراء حينئذٍ؟!!.
ولقد تنبّه بعض الّذين ساهموا في افتعال هذه الرّواية لهذه النّقطة، فأورد بعضهم عبارة تشير إلى هذا ؛ في محاولة للإجابة على هذه الأسئلة؛ حيث جاء في رواية البلاذري فقط ، قوله: (.. وكان ابن عبّاس يُعطي في طريقه من سأله، ومن لم يسأله ، من الضّعفاء حتّى قدم مكّة)!!.
لكن ذلك لم يكن لينطلي على أحد ، بعد أنْ كانت السّتّة ملايين لا تزال تكفي في تلك الفترة للقيام بنفقات دولة بأسرها، ولا يؤثّر فيها عطاءاته للضّعفاء في الطّريق، من سأله منهم، ومن لم يسأله!!!..
سادساً:
لقد أنكر عمرو بن عبيد، المعروف بانحرافه عن عليّ، على سليمان، بن عليّ، بن عبدالله ، بن العبّاس: أن يكون ذلك قد صدر من عبدالله بن العبّاس، واحتج لذلك في جملة ما احتج ؛ بقوله:
(وأيّ مال يجتمع في بيت مال البصرة، مع حاجة عليّ إلى اﻷموال، وهو يفرغ بيت مال الكوفة في كلِّ خميس،
ويرشُّه، وقالوا: إنّه كان يُقيل فيه؛ فكيف يتْرُك المال يجتمع بالبصرة؟!).
سيما إذا كان مبلغ هذا المال ستّّة ملايين، الّتي تحتاج لإجتماعها إلى مدّة طويلة، لا يصبر عليها عليّعليهالسلام
.. الّذي كان لا يزال يعمل، ويتجهّز من أجل العودة إلى صفّين لمحاربة معاوية..
سابعاً:
إنّ ما بأيدينا من النّصوص التّاريخيّة يدلّ على أنّ ابن عبّاس لم يزل على البصرة حتّى قُتل عليّعليهالسلام
.. ، وقد ذهب إلى ذلك عدد من المؤرّخين. وقد اعترف نفس أولئك المُوردين لقضيّة السّرقة بوجود المنكرين لها.. ؛ حتّى لقد احتمل الرّاوندي: أنْ يكون السّارق هو عبيدالله بن العبّاس لا عبدالله.. وردّه ابن أبي الحديد: بأنّ عبيدالله كان والياً على اليمن، لا على البصرة..
.
وعلى كلِّ.. فقد قالوا: (.. وقد أنكر ذلك بعضهم،
____________________
وقال: لم يزل عاملاً عليها لعليّ، حتّى قُتل عليّ، وشهد صُلح الحسن مع معاوية، ثمَّ خرج إلى مكّة، والأوّل أصح، وإنّما كان الّذي شهد صُلح الحسن عبيدالله بن عبّاس..)
.
وقال آخرون ما هو قريب من ذلك، وأنّه بعد صُلح الحسن مع معاوية، خرج ابن عبّاس إلى مكّة..
.
ونقل الطّبري عن أبي عبيدة، أنّه قال: (إنّ ابن عبّاس لم يبرح من البصرة حتّى قُتلعليهالسلام
؛ فشخص إلى الحسن؛ فشهد الصّلح بينه وبين معاوية، ثمَّ رجع إلى البصرة، وثقْله بها؛ فحمله، ومالا من بيت المال قليلاً، وقال: هي أرزاقي. قال أبو زيد: وقد ذكرت ذلك ﻷبي الحسن؛ فأنكره، وزعم: أنّ عليّاً قُتل وابن عبّاس بمكّة، وأنّ الّذي شهد الصُلح ، بين الحسن ومعاوية ، عبيدالله بن عباس...)
.
____________________
.
هذا.. ولكن إنكار هؤلاء لشهود ابن عبّاس للصّلح، وإصرارهم على أنّ الّذي شهده ، هو أخوه عبيدالله ، لا يعني أنّه قد سرق الأموال وفرَّ إلى مكّة. مُضافاً إلى أنّنا لا نرى مانعاً من شهوده للصّلح، وأنّه قد قدم من البصرة خصّيصاً من أجل ذلك، ثم عاد إليها ، وثقله بها؛ فحمله، وعاد إلى مكّة، سيما بملاحظة ما سيأتي ممّا يدلُّ على أنّه كان والياً على البصرة من قبل الحسن أيضاً..
وعلى كل حال.. فلنعد اﻵن إلى متابعة أقوال القائلين بأنّه لم يفارق عليّاً، وأنّه ما زال والياً على البصرة ، إلى أنْ قُتل عليٌّعليهالسلام
، فنقول:
قال ابن أبي الحديد: (... وقال آخرون، وهم اﻷقلّون: هذا لم يكن، ولا فارق عبدالله بن عبّاس عليّاًعليهالسلام
، ولا باينه ، ولا خالفه، ولم يزل أميراً على البصرة ، إلى أنْ قُتل عليٌّعليهالسلام
..)
ثمَّ استدلَّ على ذلك ببعض ما أشرنا إليه، ثم قال: (وهذا عندي ، هو الأمثل ، والأصوب) ، وإنْ كان قد أظهر التّردد أخيراً..
____________________
أمّا اليعقوبي، فيرى: أنّ ابن عبّاس قد أخذ من بيت مال البصرة عشرة آلاف درهم؛ فكتب أبو الأسود إلى عليّ بذلك؛ فكتب إليه يأمره بردّها؛ فامتنع؛ فكتب يقسم له لتردنَّها، فلمّا ردّها، أورد أكثرها ، كتب إليه عليّ: أمّا بعد: فإن المرء ليُسره درك ، ما لم يكن ليفوته ....الخ
.
وعن أبي أراكة: أنّ ابن عبّاس قد ندم، واعتذر إلى عليّعليهالسلام
؛ وقبل أمير المؤمنين عذره..
.
وقال السّدي: (كان الشّيطان قد نزغ بين ابن عبّاس، وبين عليّ مدّة، ثم عاد إلى موالاته..)
.
وسيأتي كلام ابن أعثم في ذلك..
وقال عمرو بن عبيد لسليمان بن عليّ: (ابن عبّاس لم يفارق عليّاً حتّى قُتل، وشهد صلح الحسن..).
.
وقال ابن كثير: (.. وتأمّر على البصرة من جهة عليّ،
____________________
وكان إذا خرج منها يستخلف أبا الأسود الدؤلي على الصلاة، وزياد بن أبي سفيان على الخراج، وكان أهل البصرة مغبوطين به: يُفَقِّههم، ويُعَلِّم جاهلهم، ويَعِظ مجرمهم، ويعطي فقيرهم، فلم يزل عليها حتى مات عليّ، ويقال: إنّ عليّاً عزله عنها قبل موته..)
.
وقال ابن حجر: (.. فلم يزل ابن عبّاس على البصرة حتّى قُتل عليّ؛ فاستخلف على البصرة عبدالله بن الحارث، ومضى إلى الحجاز..)
.
كانت تلك طائفة من الأقوال، الّتي تؤيد بقاء ابن عبّاس والياً على البصرة إلى ما بعد مقتل عليّعليهالسلام
..
ثامناً:
وبعد.. فإنّ لدينا عدا الأقوال الآنفة ؛ عدّة أدلّة تُثبت: أنّ ابن عبّاس استمر على البصرة إلى ما بعد مقتل عليّعليهالسلام
. بل إلى ما بعد صلح الإمام الحسنعليهالسلام
مع معاوية..
____________________
ونحن نُشير إلى هذه الأمور المُثْبِتَة لذلك على النّحوالتّالي:
١ -
إنّ ممّا يدلّ على أنّ ابن عبّاس كان في الكوفة حين مقتل عليّعليهالسلام
، ما رواه المفيد: من أنّ عليّاًعليهالسلام
(كان في رمضان الّذي قُتل فيه، يفطر يوماً عند الحسن، ويوماً عند الحسين، وثالث عند عبدالله بن العبّاس، لا يزيد على ثلاث لقم..)
.
٢ -
ما ورد من أنّه:
(خطب الحسن صبيحة الّليلة الّتي قبض فيها أمير المؤمنينعليهالسلام
فقال: ( لقد قبض....... إلى أن قال: فقام عبدالله بن العبّاس بين يديه ، فقال: معاشر النّاس، هذا ابن نبيكم، ووصى إمامكم؛
____________________
فبايعوه..
) ، وذلك في يوم الواحد والعشرين من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة؛ فرتّب العمال، وأمر الأمرة، وأرسل عبدالله بن العبّاس إلى البصرة، ونظر في الأمور..)
.
٣ -
أمّا ابن أبي الحديد فيقول: (قال المدائني: ولمّا توفي عليّعليهالسلام
، خرج عبدالله بن العبّاس بن عبدالمطلب إلى النّاس؛ فقال: إنّ أمير المؤمنينعليهالسلام
قد تُوفّي، وقد ترك خلفاً؛ فإنْ أحببتم ، خرج إليكم، وإنْ كرهتم ، فلا أحد على أحد؛ فبكى النّاس، وقالوا: بل يخرج إلينا، فخرج الحسنعليهالسلام
، فخطبهم.. إلى أنْ قال: فبايعه النّاس..)
.
____________________
٤ -
أمّا ولاؤه للحسن ، فيدلّ عليه: رسالته الّتي أرسلها إليه - والظّاهر أنّه أرسلها إليه من البصرة، لا من مكّة ، كما يقول طه حسين؛ سيما بعد ما عرفت، وما سيأتي من تولّيّه البصرة لهعليهالسلام
- فهو يقول في تلك الرّسالة، يحثّه على ضبط الأمور، والنّهوض لجهاد معاوية: (إنّ المسلمين ولَّوك أمرهم بعد عليّ؛ فشمّر للحرب، وجاهد عدوّك، ودار أصحابك، واشتر من الضّنين دينه بما لا يثلم دينك. وولّ أهل البيوتات والشّرف ، تستصلح بهم عشائرهم، حتّى تكون الجماعة، فإنّ بعض ما يكره النّاس ما لم يتعد الحقّ، وكانت عواقبه تؤدي إلى ظهور العدل وعزّ الدّين، خير من كثير ممّا يحبّون؛ إذا كانت عواقبه تدعو إلى ظهور الجور، ووهن الدّين)
إلى آخر الرّسالة، الّتي يؤيد فيها حق عليّعليهالسلام
وأهل بيته، ويجرح فيها كل أعدائهعليهالسلام
ومناوئيه..
٥ -
وبعد ذلك يطالعنا موقف معاوية من ابن عبّاس
____________________
عند صلح الحسن؛ حيث كتب معاوية إلى ابن عبّاس يدعوه إلى بيعته، ويقول: (.. ولعمري، لو قتلتك بعثمان رجوت أن يكون ذلك لله رضا، وأن يكون رأياً صواباً؛ فإنّك من السّاعين عليه، والخاذلين له، والسّافكين دمه، وما جرى بيني وبينك صلح ، فيمنعك مني: ولا بيدك أمان..
فكتب إليه ابن عبّاس جواباً طويلاً، وكان ممّا قاله فيه - بعد ذكره أنّ القاتل الحقيقي لعثمان ، هو معاوية نفسه - : ثم علمت عند ذلك: أنّ النّاس لن يعدلوا بيننا وبينك؛ فطفقت تنعى عثمان وتلزمنا دمه، وتقول: قُتل مظلوماً؛ فإنْ يكُ قُتل مظلوماً ، فأنت أظلم الظالمين. ثم لم تَزل مصوّباً، ومصعّداً، وجاثماً، ورابضاً ، تستغوي الجهّال، وتنازعنا حقنا بالسّفهاء، حتّى أدركتَ ما طلبتَ..)
.
وتهديد معاوية لابن عبّاس عند صلح الحسن، إنْ دلَّ على شيء؛ فإنّما يدلُّ على مدى خوف معاوية منه، ورهبته إيّاه، ومعرفته بحقيقة موقفه منه، ومن خلافته، وجده واجتهاده في مناصرة عليّ، وولده الحسنعليهماالسلام
.. ولا نستبعد أنْ تكون هذه
____________________
الرّسالة قد أرسلها معاوية إليه إلى البصرة، حيث تكمن قدرة ابن عبّاس وقوَّته، الّتي يشير إليها زياد في كلامه اﻵتي؛ ولإنّ ابن عبّاس كان والياً على البصرة حينئذٍ..
٦ - قال ابن أبي الحديد ، نقلاً عن المدائني : (.. ثم وجَّه (أي الحسنعليهالسلام
) عبدالله بن عبّاس، ومعه قيس بن سعد بن عبادة مقدَّمة له في اثني عشر ألفاً إلى الشّام، وخرج وهو يريد المدائن؛ فطُعن بساباط، وانْتُهب متاعه، ودخل المدائن، وبلغ ذلك معاوية؛ فأشاعه، وجعل أصحاب الحسن الّذين وجّههم مع عبدالله يتسللون إلى معاوية، الوجوه وأهل البيوتات؛ فكتب عبدالله بن العبّاس بذلك إلى الحسنعليهالسلام
؛ فخطب النّاس، ووبّخهم وقال: خالفتم أبي حتّى حكم وهو كاره الخ..)
، ثم يذكر قضيّة الصّلح..
وهذا الّذي ذكره المدائني ، لا يمكن أنْ ينطبق على ما جرى من عبيدالله بن العبّاس من الخيانة، بل هو شاهد قويّ لما ذكره أولئك الّذين قالوا: إنّ عبدالله نفسه قد شهد صلح الإمام الحسن مع معاوية، ثم عاد إلى البصرة، وثقله بها، فحمله، وتوجّه
____________________
إلى مكّة.. والّذي يظهر هو ، أنّه قد جاء من البصرة، وجعله الحسن على مقدَّمته، لكن جيشه هو الّذي خان به؛ فكتب بذلك إلى إمامه؛ فكان ذلك من مشجّعات قبولهعليهالسلام
للصّلح، أمّا خيانة عبيدالله ، فلعلها كانت قبل ذلك أو بعده..
٧ -
ويدلّ على تولّي ابن عبّاس للبصرة من قبل الحسنعليهالسلام
، ما ورد من: أنّ معاوية قد دسَّ رجلاً: (من بني حمْيَر إلى الكوفة، ورجلاً من بني القين إلى البصرة، يكتبان إليه باﻷخبار، فدلَّ على الحمْيَري عند لحّام جرير، ودلَّ على القيني بالبصرة في بني سليم؛ فأُخذا، وقُتلا.. إلى أنْ قال: وكتب عبدالله بن العبّاس من البصرة إلى معاوية: أمّا بعد: فإنّك ودسِّك أخا بني قين إلى البصرة، تلتمس من غفلات قريش، مثل الّذي ظفرت به من يمانيتك. لكما قال أميّة بن الأسكر:
لعمرك أنّي والخزاعي طارقاً
|
|
كنعجة عاد حتفها تتحفّر
|
أثارت عليها شفرة بكراعها
|
|
فظلّت بها من آخر اللّيل تنحر
|
شمت بقوم من صديقك أهلكوا
|
|
أصابهم يوم من الدّهر أصفر
|
فأجابه معاوية: أمّا بعد: فإنّ الحسن بن عليّ ،قد كتب إليّ بنحو ما كتبت به، وأنبأني الخ..)
.
٨
- وأخيراً.. فإنّ ممّا يدلُّ على أنّ ابن عبّاس قد بقي على البصرة إلى ما بعد مقتل عليّعليهالسلام
، ثمّ ولّيها من بعده للامام الحسن (صلوات الله وسلامه عليه)، ما ورد من: إنّه لما قُتل عليّعليهالسلام
، بقى زياد على عمله، وخاف معاوية جانبه، وعلم صعوبة ناحيته، وأشفق من ممالاته الحسن بن عليّ؛ فكتب إلى زياد يتهدّده؛ فغضب زياد ، وقام خطيباً؛ فكان ممّا قال:
(كيف أرهبه وبيني وبينه ابن بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله
، وابن ابن
عمّه، في مئة ألف من المهاجرين والأنصار،
____________________
والله، لو أذن لي فيه، أوندبني إليه ﻷريته الكواكب نهاراً..)
. هذا على ما ذكره ابن أبي الحديد في ذلك..
وعبارة غيره: أنّ زياداً قال: (العجب من ابن آكلة الأكباد ، وكهف النّفاق، ورئيس الأحزاب، يتهدّدني؛ وبيني وبينه ابنا عمّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله
- يعني ابن عبّاس، والحسن بن عليّ - في سبعين ألفاً، واضعي سيوفهم على عواتقهم الخ..)
.
ولكنّه لمّا استلحق زياداً بعد ذلك، مال زياد إليه..
____________________
لكن ابن الأثير لم يقبل تفسير الطّبري لقول زياد ، على ذلك النّحو، وأنكر أن يكون قد عنى ابن عبّاس؛ وذلك استناداً إلى رواية السّرقة المتقدمة
.
ولكن، عدم قبول ابن الأثير لذلك لا قيمة له ؛ بعد أن كانت سائر الأدلّة والشّواهد ، تثبت كذب تلك الرّواية، وتؤكّد على أنّ ابن عبّاس لم يفارق عليّاً، وأنّه بقى على البصرة من قبل الحسن..
وقول زياد هذا، وذلك الذي نقلناه عن ابن أبي الحديد ، هو من تلك الدّلائل والشّواهد.. الّتي تؤكّد كذب تلك الرّواية وافتعالها، سيما بعد تلك اﻷدلّة الكثيرة، الّتي قدمنا جانباً منها..
المبررات لا تجدي:
وبعد..؛ وإذ قد ثبت بعد هذه الجولة ، كذب تلك الرّواية المتقدِّمة ؛ رواية السّرقة وافتعالها، بما لا مجال معه ﻷيِّ شكٍّ أو توهّم..؛
____________________
فلا تبقى ثمّة حاجة إلى تبريرات طه حسين للسّرقة بأنّ:
(ابن عبّاس عندما رأى نجم ابن عمّه في أفول، ونجم معاوية في صعود، لم يشهد النّهروان مع عليّ، وإنّما أقام بالبصرة، واكتفى بأن سرّح الجند إليه، و: (أقام في البصرة يُفكِّر في نفسه أكثر ممّا يفكِّر في ابن عمّه، وفي هذه الخطوب، الّتي كانت تزدحم عليه، وكأنّه آثر نفسه بشيء من الخير، وسار في بيت المال سيرة تخالف المألوف من أمر عليّ، ومن أمره هو، حين كانت الأيام مقبلة على ابن عمّه وعليه..)
.
لا حاجة إلى ذلك؛ ﻷنّه لا يعدو أن يكون مجرد توجيه اتهام، لا يستند إلى شيء ، إلاّ إلى تلك الرّواية الّتي لم يعد ثمّة شكٌّ في فسادها، وعدم صحتها..، مضيفاً إلى ذلك دعوى تكذّبها كل الشّواهد التّاريخيّة، وهي أنّ ابن عبّاس لم يكن مع عليّ في النّهروان.. مع أنّ ابن عبّاس قد حاج أهل النّهروان، بإشارة من عليٍّ نفسه، ورجع منهم - على ما قيل - ألفان عن غيّهم وضلالهم.
____________________
مع أنّه - لو فرض جدلاً: أنّه لم يحضر النّهروان؛ فإنّ ذلك لا يثبت ما يدّعيه طه حسين أصلاً؛ وذلك ﻷنّه قد تقدّم أنّه كان عند عليّ بعد ذلك، وفي سنة ٣٩ بالذّات، بل وفي سنة أربعين؛ سنة استشهادهعليهالسلام
حسبما عرفت، إلى آخر ما تقدم ممّا لا نرى حاجة إلى إعادته..
الرّأي الأمثل:
وبعد كلِّ ما قدمناه.. فإنّ ممّا تجدر الإشارة إليه هنا: أنّه لو فرض أنّ لهذه القضيّة أساس من الصّحة؛ فإنّ ما يمكن أنّ يكون قد حصل هو: إمّا ما ذكره اليعقوبي، أو ما ذكره ابن أعثم الكوفي في كتابه: الفتوح، على ما نُقل عنه، وهو:
أنّه لما ذهب عبدالله بن عبّاس إلى الحج، واستخلف زياداً على الخراج، وأبا اﻷسود على الصّلاة، وقع بينهما بعد خروجه تنافر؛ فهجاه أبو الأسود؛ فلمّا رجع ابن عبّاس شكاه زياد، وقرأ عليه أهاجيه فيه؛ فغضب ابن عبّاس، وسبَّ أبا اﻷسود، فاحتال أبو الأسود، فكتب إلى أمير المؤمنين: إنّ ابن عمّك خان في بيت المال..،
فكتبعليهالسلام
إلى ابن عبّاس: بلغني عنك أمور، الله أعلم بها، وهي منك غير منتظرة؛ فاكتب إليَّ بمقدار بيت المال..
فأجابه ابن عبّاس: (إنّ ذلك باطل، واعلِم من كتب إليك، ولا أتصدى بعد ذلك للعمل). واعتزل في بيته؛ فكتب عليّعليهالسلام
إليه:((لا تكن واجداً ممّا كتبت إليك؛ فإنّ ذلك كان من اعتمادي عليك، وتبيّن لي: أنّ ما كتبوا إليّ فيك باطل؛ فارجع إلى عملك))
، فلمّا وصل الكتاب إلى ابن عبّاس، سرّ، واشتغل بعمله..
.
وهذا.. وإنْ كان يبدو أنّه ، هو المعقول والمقبول، وأنّ القصّاصين، وذوي الأغراض والأهواء - كما عودونا - قد زادوا فيه، وحرّفوه بما يخدم أغراضهم، ومصالحهم..، لكنّه لا يخلو أيضاً من بعض الإشكال، سيما بملاحظة ما تقدم من إنكار بعض المؤرّخين: أنْ يكون ابن عبّاس قد حجّ في زمن عليّعليهالسلام
أصلاً..
إلاّ أنّ الظّاهر أنّه يمكن أن يكون ثمّة اشتباه من الرّاوي؛ وأنّ الصّحيح ، هو:
أنّ ابن عبّاس كان عند عليّعليهالسلام
____________________
في الكوفة حين اختلاف زياد وأبي الأسود، لا في الحجّ، ويظهر قرب هذا الإحتمال ممّا قدَّمناه في مطاوي هذا البحث..
ونخلص بعد ذلك إلى هذه النّتيجة، وهي:
إنّ الكتب المتبادلة بين عليّ والرّجل الآخر؛ إنّ لم تكن موضوعة؛ فلابدّ وأنْ تكون قد تبودلت بين عليّعليهالسلام
ورجل آخر، غير ابن عبّاس، ممّن كان يثق به عليّعليهالسلام
؛ لكنّها حُرّفت لتنطبق على ابن عبّاس ؛ لحاجة في أنفس المحرفين.. لا تخفى..
لماذا الكذب والإفتعال إذن؟!
تاريخ افتعال الرّواية
سر اختلاق الأُسطورة عند بعض
مبرّرات الوضع الحقيقيَّة
الحقّ يعلو ولا يُعلى عليه
تاريخ افتعال تلك الرّواية:
وأمّا تلك الأسطورة الطّويلة العريضة، فلا يمكن أنْ تصحَّ بأيِّ وجه من الوجوه، وكلّ الدّلائل والشّواهد متضافرة على أنّها مختلقة، ومفتعلة..، أمّا عن تاريخ وضعها وافتعالها..
فلا نكاد نشكُّ في أنّه قد حصل في أيّام الأمويّين، وعلى الخصوص في أيّام المروانيّين منهم.. ، ويدلُّنا على أنّها وضعت في أيّام الأمويّين ، السّؤال والجواب المتقدم ، المتبادل بين سليمان بن عليّ، وعمرو بن عبيد ؛ المُتوَفّى في مطلع الدّولة العباسيّة سنة ١٤٢، أو ١٤٣هـ عن هذه القضيّة.
كما أنّ المأمون نفسه ، قد أشار إليها في رسالته ، الّتي أرسلها للعباسيّين من مرو إلى بغداد..
.
هذا بالإضافة إلى أنّنا لا نجد لهذه القضيّة ذكراً من معاوية، أو من يزيد، أو من غيره من السفيانيّين.. ولا نجد مبرراً لوضع العباسيّين لمثل هذه الأسطورة، سيما بالنّسبة لجدّهم عبدالله بن العبّاس، الّذي ما زالوا يعتزّون ويفتخرون به.. ونجد الكثير من المبرّرات الدّالة على أنّ من مصلحتهم وضع ما يناقضها وينافيها..
سر اختلاق هذه اﻷسطورة عند بعض:
وأمّا عن سر اختلاق هذه الرّواية وافتعالها، فيرى بعضالمحقّقين
رأياً في ذلك لا نوافقه عليه:
____________________
ومُلَخَّص رأيه:
أنّه قد جاء في العقد الفريد: أنّ عبد الله بن العبّاس كان من أحبِّ النّاس إلى عمر. وكان يقدّمه على اﻷكابر من أصحاب محمّدصلىاللهعليهوآله
، ولم يستعمله قط ، فقال له يوماً: (كدتُ استعملك، ولكن أخشى: أن تستحلّ الفيء على التّأويل؛ فلمّا صار الأمر إلى عليّ، إستعمله على البصرة؛ فاستحلّ الفيء على تأويل قوله تعالى:(وَاعْلَمُوا أَنّمَا غَنِمْتُم مِن شَيْءٍ فَأَنّ للّهِِ خُمُسَهُ وَلِلرّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى)
واستحله من قرابته من رسول اللهصلىاللهعليهوآله
..)
، ثم ساق في العقد قضيّة سرقته الأموال على النّحو المتقدّم..
____________________
فأراد واضعو هذه الرّواية - بنظر ذلك البعض : أنْ يجدوا عذراً لعمر في عدم توليته أهل بيت النّبيصلىاللهعليهوآله
، سيما مثل ابن عبّاس ؛ الّذي كان مقرَّباً إليه كلَّ التقريب ؛ رغم أنّه كان يولّي غيرهم: ممّن عُرفوا بالإنحراف، وعدم الإستقامة، والبغض لهم : كالمُغيرة بن شعبة، ومعاوية، وعمرو بن العاص، وغيرهم..
.
فإذا وضعوا هذه الرّواية؛ فإنّ نبوءة الخليفة الثّاني تتحقّق، وتصُّح فراسته، ويثبُت من الجهة الأخرى، أنّ الخمس ليس حقاً ﻷهل البيت، وقد استحلَّ ابن عبّاس الفيء..
ويُلاحظ: أنّ ابن عبد ربّه قد ذكر رواية السّرقة بعد ذكره للعبارة المتقدّمة مباشرة؛ ليُثبت الدّعوى بالدّليّل - وإن كان فاسداً - كعادته في دسّ السّم في الدّسم.
ويلاحظ ذلك منه في موارد أخرى ، سيما في ذلك الّذي يرتبط باﻷئمة الطّاهرينعليهمالسلام
..
____________________
حيث يذكر قضيّة مفتعلة ؛ قبل أو بعد قضيّة لا مجال لإنكارها والتّشكيك فيها.. يفعل ذلك ليذهب بكل أثر لتلك، لا يريده هو أن يكون...
كما يُلاحظ ذلك في قضيّة أخرى ترتبط باﻹمام الرّضا والمأمون ، لا مجال لذكرها هنا، وقد ناقشناها في موضع آخر، لا يرتبط بموضوعنا هذا الّذي نحن بصدده..
ولكنّنا كما قلنا: لا نوافق على أنّ ما ذكره هذا المحقّق هو السّر الكامن وراء افتعال تلك الرّواية - رواية السّرقة - ، وإنْ كان قولاً ربَّما تكون له مبرّراته..
مبرّرات الوضع الحقيقيّة:
ونعتقد أنّ سرَّ ذلك يرجع إلى:
أوّلاً:
لقد كان ابن عبّاس شوكة جارحة في أعين اﻷمويّين ومن لفّ لفَّهم.. والزّبيريّين، وكل من يتعاطف معهم. سيما وهم يرونه يتمتّع بمكانة خاصة عند عليّعليهالسلام
، وفي المجتمع اﻹسلامي بشكل عام..
وكانت مناظراته القويّة، واحتجاجاته الدّامغة، على معاوية،
ومن لفّ لفّه، ممّن تقدّم ذكرهم وغيرهم.. قد شاعت وذاعت، وتناقلتها الألّسن في مختلف أرجاء وأنحاء الدّولة اﻹسلاميّة..
وهي احتجاجات قويّة ، يفضح فيها الأمويّين والزّبيريّين، ويبيّن كلَّ نقاط الضّعف فيهم. ويؤكّد على حق العلويّين وأهل البيت، ويُظهر الكثير من امتيازاتهم، وخصائصهم....؛ فأرادوا ضرب هذه الشّخصيّة الفذّة، وزعزعة مكانتها في نفوس النّاس، ومن ثمَّ... لتفقد كلَّ مواقفه تلك... حيويَّتها، ولا تبقى لها تلك القيمة، وذلك الإعتبار..
ثانياً:
إنّ سيرة الأمويّين وغيرهم (كالزّبيريّين) في أموال اﻷمّة ، كانت من الوضوح بحيث لا يجهلها أحد.. كذلك لم يكن أحد يجهل سيرة عليّعليهالسلام
بالنسبة إلى اﻷموال، وكذلك سيرة الحسن من بعده، وغيره من أئمة أهل البيتعليهمالسلام
..
وإذا كان الفرق بينهما يتلخّص؛ في استئثار الأمويّين ﻷنفسهم، وإيثار الهاشميّين على أنفسهم.. فإنّ من الطّبيعي: أنْ لا يجد النّاس المظلومون، والمقهورون، والمستغلّون.. إلاّ أهل البيت ملجأً وملاذاً، ﻷنّهم عرفوا عملاً: أنّهم هم وحدهم الّذين لا يحكمون فيهم ، إلاّ بحكم الله، ورسوله...
فوضع اﻷمويّون هذه اﻷكذوبة المفضوحة؛ ليظهروا للنّاس: أنّهم غير منفردين في أكل مال الله، والإستئثار بأموال المسلمين.. وأنّ من يتوجّه النّاس إليهم لإنصافهم، ويعلّقون الآمال عليهم، وعلى حكمهم، ليسوا بأفضل من غيرهم، من حكّام اﻷمويّين وولاتهم.. إنْ لم يكونوا أكثر منهم سوءاً.. سيما إذا رأوا أنّ أخصّ النّاس عند عليّ، ورأس النّاس بعده - على حدِّ تعبير معاوية -؛ يأكل ستّة ملايين دفعة واحدة ؛ فكيف بما يأكله سائر العمّال، أو أكلوه، ممّا لم يتيسّر له مثل أبي الأسود الغاضب ليفضحه، ويزيح السّتار عنه..
إذن.. فتكون النّتيجة هي: أنّ عليّاً، وسائر العلويّين هم: كسائر حكّام بني أميّة، وعمّالهم، إنْ لم يكن أولئك يزيدون على هؤلاء، ويتفوّقون عليهم.
وقد اختاروا لهذه اﻷكذوبة عبدالله بن العبّاس - الرّجل الّذي وصفه معاوية وغيره بما عرفت - عندما لم يكن لهم إلى الخدشة في عليّعليهالسلام
، وسيرته سبيل؛ كيف وهي كالنّار على المنار، وكالشّمس في رابعة النّهار.
ولو أنّهم حاولوا ذلك؛ فإنّ النّاس سوف لا يصدّقونهم ، بل إنّهم سوف يسخرون منهم، ويهزؤون.. وتكون النّتيجة من ثمَّ غير الّذي يتمنّون، وعلى خلاف ما يريدون..
الحقُّ يعلو ولا يُعلى عليه:
ولكن افتعال هذه القضيّة لم يستطع أنْ يحقّق الهدف الّذي كانوا يرمون إليه؛ ذلك ﻷنّ مواقف ابن عبّاس لم تفقد قيمتها، ولا حيويّتها. كما أنّ أهل البيت، وعلى رأسهم عليّعليهالسلام
، قد بقوا المثل اﻷعلى، والقدوة النّبيلة، واﻷمل الحي لهذه اﻷمّة على مرِّ العصور..
أمّا الزّبد ، فيذهب جُفاء، وأمّا ما ينفع النّاس ، فيمكث في اﻷرض....
٢٩ جمادى اﻷولى ١٣٩٦هـ ق
٢٩ آيار ١٩٧٦م
٨ خرداد ١٣٥٥هـ ش
نزيل قم المشرّفة
جعفر مرتضى الحسيني العاملي
شكر وتقدير:
وبعد.. فإنّني أتقدّم بجزيل شُكري، وعميق تقديري لصاحبيّ السّماحة: العلاّمة المحقّق السّيّد مهدي الرّوحاني، والعلاّمة المحقّق الشّيخ عليّ اﻷحمدي، اللّذين كان لتشجيعهما، ولآرائهما الصّائبة، وتوجيهاتهما السّديدة أثراً كبيراً على هذا البحث، ودوراً هامّاً في تكامله..
أسأل الله تعالى: أن يؤيِّدهما، ويُسدّد في سبيل الحقّ والخير خطاهما، ويجزيهما أحسن جزاء العلماء العاملين.
قم
جعفر مرتضى الحسيني العاملي
الفهارس
مصادر البحث
المحتويات
مصادر البحث
نذكر على سبيل المثال:
إثبات الهداة الحر العاملي
الإرشاد المفيد
الإستغاثة أبو القاسم الكوفي
الإستيعاب ابن عبد البر
أسد الغابة ابن اﻷثير
الإصابة العسقلاني
اعلام الورى الطّبرسي
اﻷغاني الأصفهاني
اﻷمالي الطّوسي
اﻷمالي السّيّد المرتضى
اﻹمامة والسّياسة ابن قتيبة
أنساب اﻷشراف البلاذري
البحار المجلسي
البداية والنّهاية ابن كثير
البيان والتّبيين الجاحظ
تاريخ ابن أعثم (فارسي) ابن أعثم
تاريخ اﻷمم والملوك الطّبري
تاريخ اليعقوبي ابن واضح
تذكرة الخواص سبط ابن الجوزي
تهذيب التّهذيب العسقلاني
جامع بيان العلم وفضله ابن عبد البر
الجمل (أو النّصرة في حرب البصرة) المفيد
رجال الكشّي الكشّي
رجال المامقاني المقامقاني
شرح النّهج ابن أبي الحديد
الطّبقات الكبرى ابن سعد
الطّرائف ابن طاووس
العقد الفريد ابن عبد ربه
عيون اﻷخبار ابن قتيبة
الغارات الثقفي
الغدير الأميني
الفتنة الكبرى طه حسين
الفخري في اﻵداب السّلطانية ابن الطّقطقي
الفصول المهمّة ابن الصّباغ
الكامل في التّاريخ ابن اﻷثير
كشف الغمّة الإربلي
المحاسن والمساوئ البيهقي
مروج الذّهب المسعودي
مستدرك الوسائل النّوري
مسند أحمد بن حنبل ابن حنبل
معجم رجال الحديث الخوئي
مقاتل الطّالبيين الأصفهاني
مكاتيب الرّسول الأحمدي
الوسائل الحر العاملي
وفيّات اﻷعيان ابن خلكان
وقعة صفّين ابن مزاحم
وبقيّة المراجع تعلم من هوامش الكتاب
محتویات
تقديم: ٥
ابن عبّاس في سطور: ٩
ابن عبّاس وأموال البصرة.. ١٣
البداية: ١٥
(النّص التّاريخي للرّواية): ١٦
قيس بن سعد الغاضب: ٢٢
وابن الزّبير أيضاً: ٢٢
الرّواية: بين الواقع والخيال. ٢٥
حكمنا على هذه الرّواية: ٢٧
ملاحظات لابدّ منها: ٢٨
(ما نستند إليه في حكمنا على هذه الرّواية): ٣٨
المبررات لا تجدي: ٦٩
الرّأي الأمثل: ٧١
لماذا الكذب والإفتعال إذن؟! ٧٥
تاريخ افتعال تلك الرّواية: ٧٧
سر اختلاق هذه اﻷسطورة عند بعض: ٧٨
مبرّرات الوضع الحقيقيّة: ٨١
الحقُّ يعلو ولا يُعلى عليه: ٨٤
شكر وتقدير: ٨٥
الفهارس.. ٨٧
مصادر البحث.. ٨٩
المحتويات.. ٩٣
|