تسلية المجالس وزينة المجالس- الجزء 1
التجميع مكتبة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وأهل البيت عليهم السلام
الکاتب السيد الأديب محمد بن أبي طالب الحسيني الموسوي الحائري الكركي
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404
 شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام الثقافية -


كلمة الناشر

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله الأطياب الأخيار.

وبعد:

ففي عام ١١ للهجرة أفل النور المقدّس من الأرض، ذلك النور الذي بعثه الله بشيراً ونذيراً للعالمين، وقبل أن يوارى جثمانه الثرى بدأ خطّ الانحراف عن الرسالة التي جاء بها الرسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فكانت وفاتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حدّاً فاصلاً بين عهدين يختلفان كلّ الاختلاف، فذاك عهد اتّسم بالايمان والصدق والرحمة، وهذا عهد الانقلاب على الأعقاب، وكأنّ القوم أبوا إلا أن يطبقوا الوعد الإلهي( أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ) (١) .

وكان من نتائج هذا الانحراف هو انقسام الاُمة إلى قسمين:

أحدهما: محب لأهل البيتعليهم‌السلام موالٍ لهم، وملتزم بنهجهم الذي وضعوه، منكر لخطّ الانحراف ولمبدأ السقيفة في الحكم.

والثاني: خطّ أصحاب المصالح والهمج الرعاع، والّذي شمل إضافة إلى أتباع الشيخين، الحزب الأمويّ والخوارج الذين أردوا أمير المؤمنينعليه‌السلام شهيداً في محرابه، واستولى على الحكم معاوية بعد أن اُرغم الامام الحسنعليه‌السلام على الصلح معه لأسباب معروفة.

ومات معاوية وهو يوصي ابنه يزيد بأن يبادر إلى أخذ البيعة من جماعة، وخصّ بالذكر الإمام الحسينعليه‌السلام .

واستلم يزيد الخلافة بعد أبيه، وهو ليس أهلاً للحكومة فضلاً عن خلافة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإنّ بعض التأمّل في شخصيّة هذا الرجل وفي بعض ذاتياته وممارساته من خلال ما أوردته كتب التاريخ والسير عن فترة حكمه القصيرة، يظهر

__________________

١ - سورة آل عمران آيه: ١٤٤.

لكلّ ذي عقل بأنّه كان فاشلاً وخاسراً في جميع الامور وبالأخصّ في الخطّين الرئيسيين اللذين يجب أن يتّصف بهما الحاكم المسلم ؛ ألا وهي خطّي السياسة، والالتزام الديني.

وكان أبناء الاُمّة آنذاك قد تلبّد إحساسهم وأخلدوا إلى سبات عميق، فهم همج رعاع ينعقون مع كلّ ناعق، يميلون مع كلّ ريح، كما وصفهم أمير المؤمنينعليه‌السلام ، ولولا دم الحسينعليه‌السلام لما تغيّر هذا الحال.

فالحسين الرمز، هو ذلك الانسان الّذي عرف طريقه، فلم تلوه عنها نصائح المحبّين - كابن عبّاس -، ولا تحذيرات المنافسين - كالحرّ بن يزيد الرياحي -، ولكن الحسين مضى، لأنّه مُضاءٌ ببرقٍ داخليّ، يعرفه هو، لينفّذ ما في الكتب، كما يقول السيد المسيح

رفض عروض الوليد بن عقبة والي يزيد على المدينة، وخرج إلى مكّة لليلتين بقيتا من شهر رجب سنة ٦٠ للهجرة.

وخرجعليه‌السلام إلى العراق في الثامن من ذي الحجة، وقُتل رسوله إلى العراق مسلم بن عقيل بعد ذلك بيومٍ واحد.

وبلغعليه‌السلام مشارف الكوفة، وكان والي يزيد عليها عبيد الله بن زياد، فأرسل ألف فارس بقيادة الحرّ بن يزيد لاصطياد الحسين ومن معه والتقى الركبان ودار بين الامام الحسين وبين الحرّ بن يزيد حوار طويل غير انّه لم يثنِ الحسين بن عن غايته، لذلك انجذب إليه قائد الجيش الأمويّ « الحرّ » وجاهد ما استطاع دونه ودون آل بيته من النساء والأطفال حتى ضُرّج بدمه.

وهكذا سائر أصحاب الامام وأنصاره - مسلم بن عوسجة، وبرير، وزهير، وحبيب، و - تابعوه في مسيرة الشهادة، والمواقف الصامدة والبطولية التي وقفوها أمام الموت المحقّق، فصمدوا واستشهدوا، وضربوا أروع الأمثلة في التضحية والفداء في سبيل نصرة إمام زمانهم الحسينعليه‌السلام .

وتشابكت الأحداث وتعقّدت، ثم مرّت بسرعة، وإذا بالحسين مخضّب بدمه،

في كربلاء، لم يحد عن صراطه السويّ، فلم يُهادن الظالمين، ولم يستسلم للباطل، ولم يبايع، وإنّما خرج ثائراً على كلّ ذلك، فإصلاح اُمّة جدّه، وليجدّد إسلام الاُمّة التي انقلبت على أعقابها، فيجعلها خير اُمّة اُخرجت للناس.

فكان عاشوراء اختضاب الأرض بالدم الحسيني مرّة، ولكنّه سيظلّ زينة السماء الداعية إلى الحرية الحمراء، قبل كلّ شروق، وبعد كلّ غروب

ومع استشهاد الامام الحسينعليه‌السلام تيقّظت ضمائر أبناء الاُمّة، وانتشر حبّ آل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في صفوفهم، وتحرّك الأئمّةعليهم‌السلام واحداً تلو الآخر في سبيل نشر المبادئ التي ثار من أجلها الحسينعليه‌السلام ، وتوالت الثورات الشيعية التي تطالب بالثأر من قتلة الحسين فكانت ثورة المختاررحمه‌الله ، وثورة التوّابين، وعشرات الثورات الاُخرى، وأخذ العلماء والخطباء وأهل السير بالحديث عن الثورة والمآسي التي رافقتها.

وأضحى يوم عاشوراء رمزاً لكل المحرومين والثائرين ضدّ الظلم والطغيان في كلّ مكان وزمان، واُلّفت مئات الكتب التي تحدّثت عن وقائع ثورة الحسين « ع ».

ومن هذه الكتب القيّمة هذا الكتاب الذي بين يديك - عزيزي القاريء - وهو « تسلية المُجالس وزينة المَجالس » المسمّى ب‍ « مقتل الحسينعليه‌السلام » للسيد العالم الأديب محمد بن أبي طالب الحسيني الكركي الحائريرحمه‌الله ، وقد حوى على مقدّمة ومجالس عشرة، تطرّق المؤلّف في مقدّمته لبعض فضائل أهل البيتعليهم‌السلام ، وردّ بعض الأحاديث التي وضعها الأمويّون، وبالأخص في حكم معاوية، والتي حاولت الرفع من منزلة الصحابة، والحطّ من شخصيّة الإمام عليعليه‌السلام وأئمّة أهل البيتعليهم‌السلام .

وقد تصدّى الفاضل فارس حسّون كريم لتحقيق هذا السفر القيّم، ليخرجه لمحبّي أهل البيت من زوايا المكتبات، بعد أن تحمّل جهوداً مُضنية في الحصول على نسخة الكتاب النفيسة، واستنساخها، ومراجعة عشرات المصادر من أجل تثبيت الخبر الصحيح، فجزاه الله خير جزاء المحسنين.

مؤسسة المعارف الاسلامية - قم

الاهداء

سيديّ أبا الأحرار.

يا من كان اسمه نغمة حلوة في فم أبي الزهراء - صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - ،يستعذبها ولا يملّ من ترديدها، ففيك وفي أخيك كان يجد اُنسه وسلوته عمّا فقد من الأبناء، وما يؤذيككان يؤذيه، حتى انّه سمع بكاءك ذات مرّة فقال للزهراء عليها‌السلام :

أما علمت أنّ بكاءه يؤذيني؟

فما عساه أن يقول لو قد رأى اُمّة الضلال قد تكالبت على انتهاك حرمتك؟!

فقد بارزتك بسيوف الدهر، ورمتك بسهامه، غير أنّها جعلت منك قبلة للشفاعة نترنّم فيها طرباً.

فكان عملي هذا عنوان تذكار الولاء، عساه أن يحظى بالقبول، فأبلغ غاية المأمول.

فارس

ترجمة المؤلّف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الحكيم الوهّاب، ربّ الأرباب، والهادي إلى سبيل الهدى والصواب.

والصلاة والسلام على خير خلقه المؤيّد بفصل الخطاب، خاتم أنبيائه محمد أشرف الأحباب.

وعلى آله، النور المبين والصراط المستقيم ومنهاج الصواب، اُولي العلم المحسودين على ما آتاهم الله من فضله واُولي الأمر كما جاء به الكتاب، ترفع بهم درجات شيعتهم وتخفض درجات اعدائهم النصّاب.

وبعد:

فكثر هم الأعاظم الذين لم ينصفهم التاريخ، وهذا السيد الذي نحن بصدد الحديث عن حياهت واحد من اولئك الأكابر.

فالسيدرحمه‌الله رقم ناصع في جبين الدهر، وهو عالم كبير، فاضل خبير، كامل قدير، أديب جدير، شاعر ناثر، ناظم ماهر، يشهد له كتابه هذا بعلوّ كعبه، وشدّة إيمانه، ومع كلّ هذا لم نعثر له على ذكر شاف يفي بحقّ هذا السيد

الجليل.

والّذي وجدناه عبارات موجزة مقتضبة جدّاً لا تسمن ولا تغني من جوع، فلم تتطرّق لجانب بسيط من عمره الشريف، كنسبه، اُسرته، مدينته، محلّ وتاريخ ولادته، وما أعقبها من مراحل حياته، كدراسته وشيوخه وتلامذته، وأخيراً تاريخ وفاته.

وكأنّهرحمه‌الله على يقين بما تخبّئ له غِيَر الزمان من تجاهل وإهمال، ففي موضع من كتابه هذا أورد اسمه ونسبه ولقبه كاملاً(١) ، وفي موضع آخر بيّن محلّ ولادته وسبب تركه ذلك المحلّ واستيطانه الحائر(٢) ، وفي موضع ذكر أنّه رأى كتاب « روضة الشهداء » للكاشفي(٣) فصنّف « تسلية المجالس وزينة المجالس » على منواله(٤) ، وفي موضع ذكر أنّه بعث ابنه طاهر ليأتيه بكتاب « تذكرة الفقهاء » للعلّامة الحلّي(٥) (٦) ، وفي موضع آخر من هذا الكتاب أشاد

__________________

١ - في ج ١ / ٥٣.

٢ - في ج ١ / ٥٤.

٣ - « روضة الشهداء » فارسي، للحسين بن علي الكاشفي البيهقي، المتوفّى في حدود سنة ٩١٠ ه‍، مرتّب على عشرة أبواب وخاتمة فيها ذكر أولاد السبطين وجملة من السادات، واحتمل بعض أنّه أوّل مقتل فارسي شاعت قراءته بين الفرس حتى عرف قاريه ب‍ « روضة خوان »، ثمّ توسّع في هذا العنوان إلى هذا الزمان حتى يقال لكلّ قارئ « روضة خوان » « الذريعة: ١١ / ٢٩٤ رقم ١٧٧٥ ».

٤ - في ج ١ / ٦٩.

٥ - « تذكرة الفقهاء » في الفقه الاستدلالي من تصنيف العلّامة جمال الدين أبي منصور الحسن بن يوسف الحلّي، المتوفّى سنة ٧٢٦ ه‍، وقد طبع في مجلّدين ضخمين في إيران « الذريعة: ٤ / ٤٣ رقم ١٦٩ ».

وقد طبع مؤخّراً في قم بتحقيق ونشر مؤسّسة آل البيتعليهم‌السلام لإحياء التراث.

٦ - في أواخر الجزء الثاني.

بالسلطان الشاه إسماعيل أبو المظفّر الصفوي(١) (٢) ، وفي موضع ذكر غزو التتار وما فعلوا(٣) ،

اسمه ونسبه الشريف:

السيد محمد بن أبي طالب بن أحمد بن محمد المشهور بن طاهر بن يحيى ابن ناصر بن أبي العزّ(٤) الحسيني الموسوي الحائري الكركي.

__________________

١ - الشاه إسماعيل الأوّل بن السلطان حيدر الحسيني الموسوي الصفوي، ينتهي نسبه إلى حمزة بن الإمام موسى الكاظمعليه‌السلام ، ولد في ٢٥ رجب سنة ٨٩٢ ه‍، وتوفّي في تبريز ١٩ رجب سن ٩٣٠ ه‍ أو ٩٣١ ه‍، ودفن بمقبرة جدّه صفي الدين في أردبيل، ابتدأت سلطنته سنة ٩٠٦ ه‍ ومدّة ملكه ٢٤ سنة، وهو أوّل الملوك الصفويّة وموطّد دولتهم: « أعيان الشيعة: ٣ / ٣٢١ ».

٢ - في ج ١ / ٦٣.

٣ - في أواخر الجزء الثاني.

٤ - الظاهر أنّ « ابن أبي العزّ » هذا هو العالم الفاضل المعروف، وهو الذي ذهب مع والد العلامة الحلي والسيد مجد الدين بن طاووس لطلب الأمان لأهل الحلّة، والقصّة كما يلي:

قال العلامة الحلّي - المتوفّى سنة ٧٢٦ ه‍ - في كشف اليقين: ١٠١ ح ٩٣: لمّا وصل السلطان هولاكو إلى بغداد قبل أن يفتحها هرب أكثر أهل الحلّة إلى البطائح الا القليل، وكان من جملة القليل والديرحمه‌الله والسيد مجد الدين بن طاووس والفقيه ابن أبي العزّ، فأجمع رأيهم على مكاتبة السلطان بأنّهم مطيعون داخلون تحت الإيليّة، وأنفذوا به شخصاً أعجميّاً.

فأنفذ السلطان إليهم فرماناً [ الفرمان: الأمير الملوكي ] مع شخصين ؛ أحدهما يقال له تُكلْم، والآخر يقال له علاء الدين، وقال لهما: إن كانت قلوبهم كما وردت به كتبهم فيحضرون إلينا، فجاء الأميران فخافوا لعدم معرفتهم بما ينتهي الحال إليه، فقال والديرحمه‌الله : إن جئت وحدي كفى، فقالا: نعم، فاصعد معهما.

فلمّا حضر بين يديه، وكان ذلك قبل فتح بغداد وقبل قتل الخليفة، قال له: كيف أقدمتم على مكاتبتي والحضور عندي قبل أن تعلموا ما ينتهي إليه أمري وأمر صاحبكم؟ وكيف تأمنون إن صالحني ورحلت نقمته؟

محلّ ولادته وهجرته إلى الحائر:

حدّد المؤلّفرحمه‌الله مكان مولده قائلاً:

إنّي لمّا هجرت مهاجر أبي واُمّي وعمومتي وبني عمّي ومسقط رأسي ومولدي، ومصدري في الاُمور وموردي، وهي البلدة المشهورة بين أرباب الطريقة بالأرض المقدّسة، وهي في الحقيقة على تقوى الله مؤسّسة أعني البلدة المشهورة ب‍ « دمشق » معدن الفجور والغرور والفسق(١) .

فحثثت ركابي عن ديارهم، وأبعدت قراري من قرارهم وحططت رحلي ببلاد الوصيّين، وألقيت كلّي على إمام المتّقين، وجعلت مشهد قرّة

__________________

فقال له والدي: إنّما أقدمنا على ذلك، لأنّا روينا عن إمامنا عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام أنّه قال في بعض خطبه: الزوراء وما أدراك ما الزوراء؟ أرض ذات أثلٍ يشيّد فيها البنيان، ويكثر فيها السكّان، ويكون فيها مهارم وخزّان، يتّخذها ولد العبّاس موطناً، ولزخرفهم مسكناً، تكون لهم دار لهو ولعب، يكون بها الجور الجائر، والحيف المحيف، والأئمّة الفجرة، والقرّاء الفسقة، والوزراء الخونة، تخدمهم أبناء فارس والروم.

لا يأتمرون بينهم بمعروفٍ إذا عرفوه، ولا ينتهون عن منكرٍ إذا أنكروه، تكتفي الرجال منهم بالرجال، والنساء بالنساء، فعند ذلك الغمّ العميم، والكباء الطويل، والويل والعويل لأهل الزوراء من سطوات الترك، وما هم الترك، قوم صغار الحدق، وجوههم كالمجان المطرقة، لباسهم الحديد، جردٌ مردٌ، يقدمهم ملك يأتي من حيث بدا، ملكهم جهوري الصوت، قويّ الصولة، عالي الهمّة، لا يمرّ بمدينة إلا فتحها، ولا ترفع له راية الا نكسها، الويل الويل لمن ناواه، فلا يزال كذلك حتى يظفر.

فلمّا وصف لنا ذلك، ووجدنا الصفات فيكم، رجوناكم فقصدناك، فطيّب قلوبهم، وكتب لهم فرماناً باسم والديرحمه‌الله يطيّب فيه قلوب أهل الحلّة وأعمالها. انتهى.

ورواه العلّامة أيضاً في نهج الحقّ وكشف الصدق: ٢٤٣ - ٢٤٤، وعبد الله أفندي الأصفهاني في رياض العلماء: ٦ / ٩ ( إشارة )، والشيخ عبّاس القمّي في الكنى والألقاب: ١ / ١٨٩، وسفينة البحار: ٣ / ٥٣٣، والسيّد محسن الأمين في أعيان الشيعة: ٢ / ٢٥٨، والمدرّس في ريحان الأدب: ٥ / ٢٣٣ رقم ٤٣٠.

١ - انظر ج ١ / ٥٤.

عينه أبي عبد الله موطني، وحضرته الشريفة في حياتي ومماتي مسكني ومدفني(١) .

 ما قيل في الاطراء عليه:

كتب على ظهر النسخة ما هذا نصّه: كتاب « تسلية المجالس وزينة المجالس » تأليف السيد الحسيب النسيب، العالم الفاضل الكامل، خلاصة البلغاء، زبدة الخطباء النصحاء الألبّاء، اُنموذج سلفه الطاهرين، وصفوة الفضلاء البارعين، فخر الملّة والشريعة والدين، محمد بن أبي طالب أدام الله أوصاله(٢) .

وقال المجلسيرحمه‌الله : السيد النجيب العالم محمد بن أبي طالب(٣) .

وقال في موضع آخر: وكتاب « تسلية المجالس » مؤلّفه من سادة الأفاضل المتأخّرين(٤) .

وقال السيد إعجاز النيسابوري الكنتوري: السيد النجيب العالم محمد بن أبي طالب(٥) .

وقال الميرزا الخوانساري - ضمن كلامه عن الفقيه محمد بن أبي طالب الاسترابادي -: ثمّ ليعلم أنّ هذا الرجل غير محمد بن أي طالب الحسيني الحائري الذي كان هو أيضاً كما في رجال النيسابوري(٦) من جملة

__________________

١ - انظر ج ١ / ٦٢.

٢ - ستعرف أنّ النسخة كتبت في عصر المؤلّفرحمه‌الله .

٣ و ٤ - بحار الأنوار: ١ / ٢١ و ٤٠.

٥ - كشف الحجب والأستار: ١٢١ رقم ٥٧٩.

٦ - وهو الميرزا محمد الاخباري المقتول. « الذريعة: ١٠ / ١٥٧ رقم ٢٨٣ ».

المشايخ(١) .

وقال السيد الأمين: في رسالة « نزهة أهل الحرمين »(٢) وصفه بالعالم الجليل والسيد الجليل(٣) .

ولده:

صرّح المؤلّفرحمه‌الله أنّه أرسل ولده « طاهر » ليأتيه بكتاب « تذكرة الفقهاء » للعلّامة الحلّي. ولا نعلم كم له من الأولاد، وكم كان عمر ناصر حينذاك؟(٤)

فترة عمره الشريف:

بما أنّا لم نتعرّف على تاريخ ولادة المؤلّف ولا تاريخ وفاتهرحمه‌الله ،

____________

١ - روضات الجنّات: ٧ / ٣٥.

واحتمل الشيخ آقا بزرگ الطهراني في طبقات آعلام الشيعة « إحياء الداثر من مآثر أهل القرن العاشر: ٢١٤ أن يكون المؤلّف هو نفسه محمد بن أبي طالب الموسوي الحسيني الاسترابادي، تلميذ المحقّق الكركي، وشارح الجعفريّة، وسمّى الشرح « المطالب المظفّرية »، حيث قال:

ولعلّه الاسترابادي المذكور فإنّه في آخر المجلس الخامس في أحوال مسلم بن عقيل أظهر الشكوى من أهل زمانه وغدرهم به كما غدر أهل الكوفة بمسلم. قال: ولمّا نجّاه الله منهم هاجر إلى كربلاء واتّخذها موطناً ومستقرّاً فيظهر أنّه لم يكن حائريّ الأصل. انتهى.

أقول: يبدو أنّ الحقّ مع الميرزا الخوانساري، حيث إنّ المؤلّفرحمه‌الله صحيح لم يكن حائريّ الأصل لكنّه كركيّ، كما هو صرّح في كتابه، وكما بيّناه فيما سبق.

٢ - « نزهة أهل الحرمين في تاريخ تعميرات المشهدين » في النجف وكربلاء، لسيّدنا الحسن بن هادي صدر الدين العاملي الأصفهاني الكاظمي « ١٢٧٢ - ١٣٥٤ » صاحب « تأسيس الشيعة الكرام لفنون الاسلام ». الذريعة: ٢٤ / ١١٤ رقم ٥٩٢ ».

٣ - أعيان الشيعة: ٩ / ٦٢.

٤ - انظر أواخر الجزء الثاني.

فلذا من الصعب تحديد الفترة التي عاشها، الا أنّ هناك دلالات نعرف من خلالها العصر الذي عاش فيه هذا السيد البارع، وكما يلي:

١ - انّهرحمه‌الله عثر على كتاب « روضة الشهداء » للمولى الحسين الواعظ الكاشفي، المتوفّى سنة « ٩١٠ » ه‍، وتاريخ تأليف الروضة هو سنة « ٨٤٧ » ه‍، وألّف كتابه هذا على منوال الروضة.

٢ - أشادرحمه‌الله في كتابه هذا بالسلطان شاه إسماعيل الصفوي، المولود سنة « ٨٩٢ » ه‍، وتسلّم السلطة سنة « ٩٠٦ » ه‍، وقاتل شيك خان الاوزبك سنة « ٩١٦ » ه‍، وتوفّي سنة « ٩٣٠ » ه‍.

٣ - لقد زار المؤلّف مرقد أمير المؤمنينعليه‌السلام في سنة « ٩٢١ » ه‍(١) .

٤ - كتب بعض قصائده وصرّح بأن عمره كان « ٧٠ » سنة(٢) .

٥ - ألّف السجع النفيس عام ٩٥٥ ه‍.

٦ - صرّح بأنّه حصل على كتاب « تذكرة الفقهاء » للعلّامة الحلّي سنة « ٩٠٠ » ه‍.

ونستنتج من هذا انّهرحمه‌الله ولد في القرن التاسع وعاش إلى أواسط القرن العاشر.

__________________

١ - انظر ج ١ / ٢٣٠.

٢ - انظر ج ٢ / ٧٤ و ١٣٠.

حول الكتاب

سفر كبير ثمين جلّه في مقتل الإمام الحسين بن عليعليهما‌السلام ، وثواب إظهار الجزع لمصابه ومصاب أهل بيته، والبكاء لرزيّتهم والجلوس لعزيّتهم، وحمل سبايا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وبناته وأحفاده إلى الشام.

وقد قال مؤلّفه: إنّي بعد أن منّ الله عليَّ بمجاورة سبط نبيّه أطلق لساني بمدح رسوله المصطفى، ووليّه المرتضى، وأهل بيتهما الأئمة النجباء فصرتُ اُحلّي بذكرهم المنابر، واُزيّن بشكرهم المحاضر فقلّ أن يمضي يوم من الأيام التي حباهم الله فيها بتفضيله، ونوّه بذكرهم في محكم تنزيله، إلا وقد وضعتُ خطبة في فضل ذلك اليوم الشريف كخطبة مولد البشير النذير، وخطبة يوم الغدير وذيّلتها بأحاديث رائقة وخطبة يوم السادس من شهر ذي الحجّة الذي كان فيه تزويج البتول من صنو الرسول، ويوم نزول سوة « هل أتى » وما في فضلهم أتى، والمجلس المشهور ب‍ « تحفة الزوّار ومنحة الأبرار » وهو مجلس ذكرت فيه ثواب زيارة سيّد الشهداء وفضل كربلاء، وكالتعزية الموسومة ب‍ « مجرية العبرة ومحزنة العترة » وهي خطبة يوم التاسع من المحرّم، وكالمجلس المشهور ب‍ « قاطع أسباب النفاق وقامع أرباب الشقاق » وهو مجلس قلته بإذن الله في اليوم السادس والعشرين من ذي الحجّة وكالرسالة الموسومة ب‍ « السجع النفيس في محاورة الدلام وإبليس » وغير ذلك من رسائل وخطب وأشعار تحث على اقتناء الفضائل

وكان ذلك يشتمل على مائتي ورقة وأكثر، أبهى من عقود اللآلئ وأبهر

ثم إنّي بعد ذلك عثرت على كتاب لبعض فصحاء اللغة الفارسيّة، وفرسان البلاغة الأعجميّة(١) قد رتّبه على عشرة مجالس لقيام المآتم لمصاب الغرّ الميامين من بني هاشم شهداء كربلاء وجعلها خاصّة بالعشر الاُول من شهر محرّم الحرام وجعل لكلّ يومٍ من أيّامه مجلساً لقواعد الحزن والتعزية

فاستخرت الله سبحانه أن أنسخ على منواله في التصنيف والترتيب، وأقتدي بأفعاله في التأليف والتهذيب، واُزيّن مجالس أهل الايمان بمناقب سادتههم ومواليهم، واُهيّج أحزان قلوب أهل العرفان من شيعتهم ومواليهم، واُحلّي أجياد اللسان العربي بدرر نظمي ونثري، واُجدّد معاهد الأشجان بنواضح بدائع فكري، ورتّبته كترتيبه، وبوّبته كتبويبه، لكن لم أقصد ترجمة كلامه، ولا سلكت مسلكه في نثاره ونظامه، وجعلته عشرة مجالس ولم اُورد فيه من الأحاديث الا ما صحّحه علماؤنا، ورجّحه أعلامنا، ودوّنوه في كتبهم، ونقلوه عن أئمّتهم(٢) .

نسخة الكتاب:

هي النسخة النفيسة المخطوطة في مكتبة مدرسة النمازي في مدين « خوي » - من توابع محافظة تبريز - برقم ٤٥٩ مكتوبة بخطّ نسخ متوسّط، وأخطاؤها ليست قليلة، تقع في « ٥٨٥ » صفحة، احتوت كلّ صفحة « ٢٢ » سطراً قياس الصفحة ١٧ * ٧٠ / ١١ سم، سقط من وسطها سفحة واحدة أكلمناها من مقتل الإمام الحسينعليه‌السلام للخوارزمي - وأشرنا له في

__________________

١ - مراده « روضة الشهداء » للمولى الكاشفي.

٢ - انظر ج ١ / ٦٧ - ٧٠.

محلّه -، ومن آخرها أيضاً صفحة أو أكثر وهي من نثر المؤلّف، فلذا توقّفنا في آخر الكتاب كما في النسخة. كتبت على النسخة بعض الحواشي بالفارسية وبالعربية.

وقد كتب على ظهر النسخة - وبنفس خطّ كاتب النسخة - ما هذا نصّه: كتاب « تسلية المجالس وزينة المجالس » تأليف السيد الحسيب النسيب الحسيني الموسوي الحائري أدام الله أوصاله.

فيفهم من هذا انّ النسخة مكتوبة في عصر المؤلّف ولعلّ كاتبها تلميذ المؤلّف أو شخص آخر(١) .

تسمية الكتاب:

اُطلق على الكتاب عدّة تسميات، وكما يلي:

١ - تسلية المُجَالس.(٢)

٢ - تسلية المُجَالس وزينة المَجَالس.(٣)

٣ - زينة المَجَالس.(٤)

٤ - مقتل الإمام الحسينعليه‌السلام (٥) .

وجميعها غير بعيد عن الصحيح، وثانيها هو الأصح والأكمل، وهو الذي

__________________

١ - قال الشيخ آغا بزرگ الطهراني: نسخة - أي من هذا الكتاب - عند الشيخ محمد رضا فرج الله. « الذريعة: ٢٢ / ٢٧ ».

٢ - بحار الأنوار: ١ / ٤٠، الذريعة: ٤ / ١٧٩ رقم ٨٨٥.

٣ - بحار الأنوار: ١ / ٢١، كشف الحجب والأستار: ١٢١ رقم ٥٧٩، أعيان الشيعة ٩ / ٦٢، طبقات أعلام الشيعة ( القرن العاشر ): ٢١٤.

٤ - الذريعة: ١٢ / ٩٤.

٥ - بحار الأنوار: ١ / ٢١، الذريعة: ٢٢ / ٢٧.

صرّح به المؤلّف في مقدّمة للكتاب، وكان اختيارنا عليه.

اشتباهان حول الكتاب:

١ - قال الخوانساريرحمه‌الله - نقلاً عن رجال النيسابوري، وعند ذكره للمؤلّف -: وله كتاب « تسلية المُجالس » و « زينة المَجالس » كلاهما في مقتل مولانا الحسينعليه‌السلام (١) . انتهى.

والحال - كما عرفت - انّه كتاب واحد.

٢ - قال الاستاذ عبد الجبّار الرفاعي حفظه الله في « معجم ما كتب عن الرسول وأهل البيت صلوات الله عليهم » ج ٧ / ١٥٣: « تسلية المُجالس » للسيد محمد الحسيني الحائري. يأتي بعنوان « زينة المَجالس ». انتهى.

الا انّه قال في ص ٣٢٥ رقم ١٨٦٧٧:

« زينة المَجالس » ( مقتل فارسي ) للسيّد مجد الدين محمد بن أبي طالب الحسيني الحائري، فرغ منه سنة ١٠٠٤ ه‍ انتهى.

وقال ثالثة في ج ٨ / ٦٩:

« مقتل أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام » للسيّد محمد الحائري، تقدّم بعنوان: « زينة المَجالس ». انتهى.

ويمكن تصحيح هذا الاشتباه بالنقاط التالية:

أ: حصل خلط بين « تسلية المُجالس زينة المَجالس » - كتابنا هذا - وبين « زينة المَجالس » للسيد مجد الدين محمد بن أبي طالب الحائري، وذلك

__________________

١ - روضات الجنّات: ٧ / ٣٥.

نتيجة اشتراك اسم الكتاب واسم المؤلّف في الاثنين.

ب: إنّ « زينة المَجالس » هو في التواريخ وليس في مقتل الإمام الحسينعليه‌السلام .

وقد قال الشيخ آقا بزرگ الطهرانيرحمه‌الله : « زينة المَجَالس » في التواريخ، للأمير مجد الدين محمد الحسيني المتخلص « مجدي » ألّفه سنة « ١٠٠٤ » ه‍ باسم الشاه طهماسب، مرتّباً على تسعة أجزاء، وكلّ جزء على عشرة فصول، إلا الجزء الأخير فإنّه لم يخرج منه إلا ثمانية فصول في النسخة المخطوطة، لكنّه اُلحق بالكتاب فصلان في الطبع ؛ أحدهما في تواريخ المغول، والآخر في الصفويّة، وينقل عنه في « مطلع الشمس »، وهو فارسيّ إلى آخر كلامه(١) .

ج: إنّ مؤلّف « تسلية المُجَالس وزينة المَجَالس » أهدى كتابه للشاه إسماعيل الصفوي الذي كانت السلطة بيده في عام « ٩٠٦ - ٩٣٠ » ه‍، وهذا يعني أنّ تاريخ الكتاب يقع في هذه الفترة، ومؤلّف هذا كتاب من البعيد أن يقلّ عمره عن « ٢٠ » أو « ٢٥ » سنة، فعلى غالب الظنّ أنّ ميلاده كان قبل سنة « ٩٠٠ » ه‍.

وأمّا مؤلّف كتاب « زينة المَجالس » فقد ألّف كتابه سنة « ١٠٠٤ » ه‍، ومن المعلوم أنّه توفّي بعد هذا التاريخ.

وبالنتيجة فمن البعيد جدّاً أن يكون مؤلّف « تسلية المُجالس وزينة المَجالس » المولود قبل سنة « ٩٠٠ » ه‍ قد عمّر لما بعد سنة « ١٠٠٤ » ه‍.

* * *

__________________

١ - الذريعة: ١٢ / ٩٤ رقم ٦١٨.

ومن الجدير بالذكر انّ العلّامة المجلسيرحمه‌الله قد نقل في بحار الأنوار عن « تسلية المُجَالس وزينة المَجَالس » في المجلّد العاشر من الطبع القديم ( الحجري )، أي المجلّد ٤٤ ص ٣١٠ و ٣٥٤ وغيرها والمجلّد ٤٥ من الطبع الجديد.

منهجيّة التحقيق

كان أوّل عملي هو استنساخ النسخة الخطيّة، ومن ثمّ إرجاع الأحاديث إلى مصادرها الأصليّة - وإن لم يصرّح المؤلّف بمصادرها على الأغلب - حيث طابقت الأحاديث مع مصادرها، وبعد ذلك ضبطت النصّ ضبطاً متقناً - على قدر الوسع والإمكان، ولم أدّع الكمال في ذلك - وكما يلي:

١ - طابقت الآيات القرآنيّة الشريفة مع القرآن الكريم وأثبتّها كما هي في القرآن.

٢ - ما أضفته من المصادر جعلته بين [ ] وأشرت لذلك في محلّه.

٣ - اقتصرت في الإشارة لموارد الاختلافات - بين النسخة والمصادر - المهمّة منها فقط.

٤ - قمت باتّحاد الأحاديث الواردة في الكتاب مع المصادر الحديثيّة المعتبرة.

تقدير وعرفان:

لقد كان الأمل يحدوني بأن يُكتب لهذا السفر القيّم بالظهور قبل مدّة من الزمان، أي في حياة اُستاذنا العلّامة الراحل والمحقّق الخبير السيد عبد العزيز ابن السيد جواد الطباطبائي اليزدي النجفيقدس‌سره ، سيّما وانّه قد هيّأ لي النسخة التي اعتمدتها في التحقيق من مدرسة النمازي في مدينة « خوي »، وانّه أيضاً كان يرغب في أن يرى صدور هذا الكتاب، الا انّ اُموراً عديدة حالت دون إتمام تحقيق الكتاب في ذلك الوقت، وشاءت الإرادة الإلهية غير ما شئنا برحيل السيد عنّا، فجزاه الله خير جزاء المحسنين، وأسكنه فسيح جناه وأوفرها.

واُسجّل وافر شكري لكلّ من مدَّ لي يد العون في عملي هذا، وأخصّ بالذكر منهم: الاستاذ الفاضل محمود البدري: وأشقّائي: علي وعبد الكريم وصادق وفّقهم الله جميعاً.

وأشكر أيضاً اُمّ ولدي « حيدر » التي شاركتني في مختلف مراحل تحقيق الكتاب، من استنساخ واستخراج ومقابلة فجزاها الله خيراً.

والحمد لله رب العالمين.

فارس حسّون كريم

قم المقدّسة

ذكرى مولد سيّد الشهداءعليه‌السلام

٣ شعبان ١٤١٧ هـ

 

مقدّمة المؤلّف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي جعل مصائب دار الغرور مصروفة إلى وجوه أوليائه، ونوائب بطشها المشهور موقوفة على جهة أصفيائه، ووعدهم على الصبر الجميل بالثواب الجزيل في دار جزائه، وأراهم فضل درجة الشهادة في منازل دار السعادة الباقية ببقائه، فبذلوا أرواحهم لينالوا الزلفى من رحمته، وباعوا أنفسهم من الله بنعيم جنّته، وتلقّوا حدود الصّفاح(١) بشرائف وجوههم، وقابلوا رؤوس صدور الرماح بكرائم صدورهم، فكوّرتهم وقد أظلم ليل نقع(٢) الحرب، وبلغت القلوب الحناجر لوقع الطعن والضرب، وكفر القتام(٣) شمس النهار بركامه، وغمر الظلام فجاج الأقطار بغمامه، وخشعت الأصوات لوقع الصرام على هامات الرجال، وأشرقت الأرض بما سال عليها من شآبيب الجريال(٤) ، فلم تر الا رؤوساً تقطف، ونفوساً تختطف، وأبطالاً قد صبغت

__________________

١ - هي السيوف العريضة.

٢ - النَّقْعُ: رفع الصوت.

٣ - الكَفرُ: التغطية والقَتامُ: الغبار.

٤ - الجِريال: صبغ أحمر، وجِريال الذهب: حمرته. « لسان العرب: ١١ / ١٠٩ - جرل - ».

جيوبها بدم الحتوف، وفرساناً وجبت جنوبها بغروب السيوف(١) ، لرأيت منهم وجوهاً كالبدور في ظُلًم النقع مشرقة، واُسداً في غاب(٢) الرماح مطرقة، يرون الموت في طاعة ربهم راحة أرواحهم، وبذلوا الوسع في إعلاء كلمة خالقهم مجلية أفراحهم.

ليوث إذا ضربت الحرب جمرها، غيوث إذا السماء منعت درّها، رهبان إذا الليل أرخى ستوره، أعلام إذا النهار أشاع نوره، مصابيح الظلام إذا الغسق غَمّت سُدفُته، مجاديح(٣) الانعام إذا الزمان عمّت أزمّته، سادة الاُمّة، وقادة الأئمّة، ومعدة الحكمة، ومنبع العصمة، وبحار العلم، وبحار الحلم، إن سئلوا أوضحوا، وإن نطقوا أفصحوا، وإن استسمحوا جادوا، وإن استرفدوا عادوا، أصلهم معرق، وفرعهم معذق، وحوضهم مورود، ومجدهم محسود، وفخرهم(٤) ، النبوة اصلهم، والامامة نسلهم، لا شرف إلا وهم أصله،(٥) .

واُمروا بالجهاد في سبيل الله فأتمروا، لبسوا القلوب على الدروع عند مكافحة الكفاح، وتلقّوا بالخدود والصدور حدود الصفاح ورؤوس الرماح، يرون طعم الموت في طاعة ربهم أحلى من العسل المشار(٦) ، وارتكاب

__________________

١ - أي سَقَطَت جُنوبها إلى الأرض بحدود السيوف.

٢ - الغابة من الرماح: ما طال منها، وكان لها أطراف تُرى كأطراف الأجمَة ؛ وقيل: هي المضطربة من الرماح في الريح ؛ وقيل: هي الرماح إذا اجتمعت. « لسان العرب: ١ / ٦٥٦ - غيب - ».

٣ - مِجدّحٌ: نجم من النجوم كانت العرب تزعم أنها تُمطَرُ به، وهو المُجدَحُ أيضاً: وقيل: هو الدبَران لأنه يطلع آخراً ويسمّى حاديَ النجوم. « لسان العرب: ٢ / ٤٢١ - جدح - ».

٤ و ٥ - كانت هناك آثار ترميم على الصفحة الاُولى من الأل، ومن جرّاء ذلك فقد هنا مقدار ٣ سطور.

٦ - يقال: رجلٌ مِشرٌ: شديد الحُمرة. « القاموس المحيط: ٢ / ١٣٤ - مشر - ».

وقال في حياة الحيوان الكبرى: ٢ / ٣٥٠: وأجوده - أي العسل - الخريفي الصادق

الأخطار في إعلاء كلمة خالقهم أولى من ركوب العار.

جدّهم أكرم مبعوث، وخير مرسل، وأشرف مبعوث بالمجد الأعبل(١) ، والشرف الأطول، لم يضرب فيه فاجر، ولم يسهم فيه عاهر، نقله الله من الأصلاب الفاخرة إلى الأرحام الطاهرة، واختصّه بالكرامات الباهرة، والمعجزات الظاهرة، ونسخ الشرائع بشريعته، وفسخ المذاهب بملّته، أقام به الاسلام وشدّ أزره(٢) ، وأوضح به الايمان وأعلا أمره، وجعله مصباحاً لظلم الضلال، ومفتاحاً لما استعلن من الأحكام، وأحيا به السنّة والفرض، وجعله شفيع يوم الحشر والعرض، وأسرى به إلى حضيرة قدسه، وشرّفه ليلة الاسراء بخطاب نفسه، فهو أشرف الموجودات، وخلاصة الكائنات، أقسم ربّنا بحياته، وجعله أفضل أهل أرضه وسماواته، وأزلفه بقربه، واختصّه بحبّه، فهو سيّد المرسلين، وإمام المتّقين، وخاتم النبيين، النبيّ المهذّب، والمصطفى المقرّب، الحبيب المجيب، والأمين الأنجب.

صاحب الحوض والكوثر، والتاج والمغفر، والخطبة والمنبر، والركن والمشعر، والوجه الأنور، والجبين الأزهر، والدين الأظهر، والحسب الأطهر، والنسب الأشهر، محمد سيّد البشر، المختار للرسالة، الموضح للدلالة، المصطفى للوحي والنبوّة، المرتضى للعلم والفتوّة.

صاحب الفضل والسخاء، والجود والعطاء، والمذاكرة والبكاء،

__________________

الحلاوة والكثير الربيعي المائل إلى الحمرة.

وفي هامش الأصل: المشار: النشاط.

١ - العَبلُ: الضخم من كلّ شيء. وأعبلُ: غَلُظ وابيَضّ: « لسان العرب: ١١ / ٤٢٠ - عبل - ».

٢ - في هامش الأصل: الأزر: الظهر.

والخشوع والدعاء، والانابة والصفاء.

صاحب الملّة الحنيفيّة، والشريعة المرضيّة، والاُمّة المهديّة، والعترة الحسنيّة والحسينيّة.

صاحب الفضل الجليّ، والنور المضيّ، والكتاب البهيّ، الرسول النبيّ الاُميّ.

هذا الذي زيّنت بمدحه طروسي(١) ، ورصفت بوصفه بديعي وتجنيسي، وقابلت بدرّ كماله تربيعي وتسديسي، وجعلت ذكره في خلواتي أليفي وأنيسي، وحليت المجامع بملاقي(٢) ، وشققت المسامع بمعالي مرابته.

هو الذي رفع الله به قواعد الصدق بعد اندراسها، وأطلع أنوار الحقّ بعد انطماسها، وأقام حدود السنّة بجواهر لفظه، وحلّى أجياد الشريعة بزواجر وعظه، وأطلع شمس الملّة الحنيفيّة في فلك نبوّته، وأظهر بدر الشريعة المصطفويّة من مطالع رسالته، فتح به وختم، وفرض طاعته وحتم، ونسخ الشرائع بشريعته، ونسخ الملّة بملّته.

لم يخلق خلقاً أقرب منه إليه، ولم ينشئ نشأً أكرم منه عليه، شرفه من فلق الصبح أشهر، ودينه من نور الشمس أظهر، ونسبه من كلّ نسب أطهر، وحسبه من كل حسب أفخر، لما أخلص لله بوفاء حقّه، وسلك إلى الله بقدم صدقه، ورفض الدنيا رفضاً، وقرضها قرضاً، لعلمه بسوء موقع فتكها، وحذراً من مصارع هلكها، أطلعه الله على أسرار ملكوته، وشرّفه بخطاب حضرة

__________________

١ - الطرسُ: الصحيفة. ويقال: هي التي محيت ثم كتبت. « لسان العرب: ٦ / ١٢١ - طرس - ».

٢ - المَلاقي: أشراف نواحي أعلى الجبل لا يزال يَمثُل عليها الوعل يعتصم بها من الصيّاد. « لسان العرب: ١٥ / ٢٥٥ - لقا - ».

جبروته، وأرسله صادعاً بحكمه، وجعله خازناً لعلمه، فقامصلى‌الله‌عليه‌وآله بأعباء الرسالة جاهداً، وباع من الله روحه مجاهداً، وقطع من قربت قربته، ووصل من بعدت لحمته، وهجر في الله الأذنين، ووصل الأبعدين، سل عنه اُحداً وبدراً كم خسف الله به فيهما للشرك بدراً، وهتك للشرك ستراً، وقصم للظلم ظهراً، جاهد في الله حقّ جهاده، وصبر على الأذى في الله من جهاد عباده حتى كسرت في اُحد رباعيته، وشجّت لمناوشته(١) القتال جبهته، وثفنت من دمه لمّته(٢) ، وقتلت عترته واُسرته.

كم نصبوا له غوائلهم(٣) ؟ وكم وجّهوا نحوه عواملهم؟ وكم جرّدوا عليه مناصلهم(٤) ؟ وكم فوقوا إليه معابلهم(٥) ؟ وأبى الله إلا تأييده بنصره، وتمجيده بذكره.

ر وي أنّ النبيُّصلى‌الله‌عليه‌وآله كتب إلى كسرى بن هرمز:

أمّا بعد:

فأسلم تسلم، وإلاّ فأذن بحربٍ من الله ورسوله، والسلام على من اتّبع الهدى.

قال: فلمّا وصل إليه الكتاب مزّقه واستخفّ به، وقال: من هذا الذي يدعوني إلى دينه، ويبدأ باسمه قبل اسمي؟ وبعث إلى رسول الله صلّى الله عليه

____________

١ - في هامش الأصل: المناوشة: الاسراع في النهوض.

٢ - اللِّمَّة: شعر الرأس.

٣ - الغوائل: الدواهي.

٤ - النَّصْلُ: حديدة السهم والرمح.

٥ - المِعبَلة: نصلٌ طويل عريض، والجمع مَعابل ومنه حديث عليعليه‌السلام : تكَنّفتكم غَوائلُه وأقصَدَتكم معِابِلُه. « لسان العرب: ١١ / ٤٢٢ - عبل - ».

وآله بتراب، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : مزّق الله ملكه كما مزّق كتابي، أما إنّكم ستمزّقون ملكه، وبعث إليّ بتراب أما إنّكم ستمزّقون(١) أرضه، فكان كما قالصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ثم كتب كسرى في الوقت إلى عامله على اليمن، وكان اسمه باذام(٢) ، ويكنّى أبا مهران، أن امض إلى يثرب واحمل هذا الذي يزعم أنّه نبيّ، وبدأ باسمه قبل اسمي، ودعاني إلى غير ديني، فبعث باذام الى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فيروز الديلمي في جمع، وأرسل معه كتاباً يذكر فيه ما كتب إليه كسرى، فأتاه فيروز بمن معه، وقال: إنّ كسرى أمرني أن أحملك إليه، فاستنظرهصلى‌الله‌عليه‌وآله ليلته إلى الصباح.

فلمّا كان في(٣) الغد حضر فيروز مستحثّاً لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : أخبرني ربّي انّه قتل صاحبك البارحة، سلّط الله عليه ابنه شِيرَوَيه على سبع ساعات من الليل، فأمسك حتى يأتيك الخبر، فراع ذلك فيروز وهاله، ورجع إلى باذام فأخبره.

فقال له باذام: كيف وجدت نفسك حين دخلت عليه؟

فقال: والله ما هبت أحداً كهيبة هذا الرجل، فوصل الخبر إليه كما قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فأسلما، وظهر في زمانهما العنسي(٤) المتنبّئ

__________________

١ - في المناقب: ستملكون.

٢ - في المناقب ومصادر اُخرى: باذان.

انظر في قصّة إسلامه الاُنف للسهيلي: ١ / ٣٠٧.

٣ - في المناقب: من.

٤ - في الأصل: العبسي.

وهو عَيهلة بن كعب بن عوف العنسي، مشعوذ من أهل اليمن، كان بطّاشاً جبّاراً، أسلم لمّا أسلمت اليمن، وارتدّ في أيّام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فكان أوّل مرتدّ في الاسلام،

باليمن وما افتراه من الكذب، فأرسل إليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فيروز الديلمي، وقال: اقتله قتله الله، [ فقتله ](١) .(٢)

و روت(٣) العامّة عن جعفر بن محمدعليه‌السلام أنّهما لمّا نزلت سورة

____________

وادّعى النبوّة. « الكامل في التاريخ: ٢ / ٣٣٦، الأعلام: ٥ / ١١١ ».

١ - من المناقب.

٢ - روي كتابهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى ملك الفرس كسرى بن هرمز بألفاظ متفاوتة، انظر: مسند أحمد بن حنبل: ١ / ٢٤٣ و ج ٣ / ١٣٣. صحيح البخاري: ٦ / ١٠، تاريخ اليعقوبي: ٢ / ٧٧، تاريخ الطبري: ٢ / ٦٥٤، مشكل الآثار للطحاوي: ١ / ٢١٥. الأموال لأبي عبيد: ٢٣، دلائل النبّوة لأبي نعيم: ٢ / ٣٤٨ ح ٢٤١. السنن الكبرى للبيهقي: ٩ / ١٧٧، تاريخ بغداد: ١ / ١٣٢، الشفا للقاضي عياض: ١ / ٤٦٠، مناقب ابن شهراشوب: ١ / ٧٩، الكامل في التاريخ: ٢ / ٢١٣، البداية والنهاية ٤ / ٢٦٨ وص ٢٦٩، صبح الأعشى: ٦ / ٣٦٣، المواهب اللدنية للقسطاني: ٢ / ١٣٩، السيرة الحلبيّة: ٣ / ٢٧٧، بحار الأنوار: ٢٠ / ٣٨١ ح ٧ وص ٣٨٩، جمهرة رسائل العرب: ١ / ٤٠ رقم ٤، السيرة النبويّة لأحمد زيني دحلان المطبوع بهامش السيرة الحلبيّة: ٣ / ٦٥، أعيان الشيعة: ١ / ٢٤٤.

٣ - في هامش الأصل: وروى العيّاشي بإسناده عن خيثمة ( خثيمة ) قال: سمعت أبا عبداللهعليه‌السلام يقول: من حدّث عنّا بحديثٍ فنحن سائلوه عنه يوماً، فإن صدق علينا فإنّما يصدق على الله وعلى رسوله، وإن كذب علينا فإنّما يكذب على الله وعلى رسوله، وإن كذب علينا فإنّما يكذب على الله وعلى رسوله لأنّا إذا حدّثنا لا نقول: قال فلان وقال فلان، وإنّما نقول: قال الله وقال رسوله، ثمّ تلا هذه الآية:( ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودّة أليس في جهنّم مثوىً للمتكبّرين ) [ سورة الزمر: ٦٠ ]، ثمّ أشار خيثمة إلى اُذنيه فقال: صمّتا إن لم أكن سمعته.

قال الراوي [ سودة بن كليب ]: سألت أبا جعفرعليه‌السلام عن هذه الآية، فقال: كلّ إمام انتحل إمامة ليست له من الله.

قلت: وإن كان علويّاً؟

قال: وإن كان علويّاً.

فقلت: وإن كان فاطميّاً؟

قال: وإن كان فاطميّاً. « مجمع البيان: ٤ / ٥٠٥ ».

« والنجم إذا هوى » أخبر بذلك عتبة(١) بن أبي لهب، فجاء إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وتفل في وجهه وطلّق ابنته، وقال: كفرت بالنجم وبربّ النجم، فدعا عليه رسول الله وقال: اللهّم سلّط عليه كلباً من كلابك، فخرج إلى الشام، فنزل في بعض الطريق، وألقى الله عليه الرعب، فقال لأصحابه ليلاً: نيّموني بينكم، ففعلوا: فجاء أسد فافترسه من بين الناس، ففي ذلك يقول حسّان بن ثابت:

سائِل بني الأشعر(٢) إن جئتَهم

ما كان أنبـاءُ أبي(٣) واسِع

لا وسّـع اللهُ لـه قـبره

بل ضيَّقَ الله على القاطِع

رمى رسول الله من بينـهم

دون قريش رَمـية الـقادع

واستَوجَـبَ الـدَّعوةَ منه بما

بيّـن للنـاظـر والسامِـع

فـسلّـط الله بـه كـلبَـه

يمـشي الهوينا مشيةَ الخادع

حتى أتـاه وسـط أصحـابه

وقـد عَـلَتهُم سنـَةُ الهاجع(٤)

فالـتَقَمَ الـرَأسَ بـيافـوخِه

والنحر مـنه فغرة الـجائِع

مَن يـرجـع الـعام إلى أهله

فما أكيل الـسّـبع بالراجِع

__________________

١ - لعلّه عتيبة كما ذكرت بعض المصادر، لأنّ عتبة وأخوه معتب أسلما في عهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله . انظر الاصابة: ٢ / ٤٥٥ رقم ٥٤١٣ وج ٣ / ٤٤٣ رقم ٨١٢٠.

٢ - كذا في ديوان حسّان وغيره، وفي الأصل: بني الأصفر.

وبني الأصفر تطلق على الروم لأنّ أباهم الأوّل كان أصفر اللون. انظر « لسان العرب: ٤ / ٤٦٥ - صفر - ».

٣ - كذا في بعض المصادر، وفي الأصل: بني واسع.

وكان عتيبة بن أيب لهب بن عبد المطّلب يكنّى أبا واسع.

٤ - هذا البيت لم يورده في مجمع البيان.

قد كان هذا لكم عبرة

للسيّد المتبوعِ والتابع(١)

وبعد:

فيقول العبد الفقير، الذليل الحقير، المعترف بذنبه، المنيب إلى ربّه، الذي لم يكتب له الكرام الكاتبون عملاً صالحاً، ولم تشهد له الملائكة المقرّبون يقيناً ناصحاً، إلا ما يتقرّب به في كلّ آن من توحيد مالكه وربّه، والانابة اليه بقالبه وقلبه، وجعل ذكره أنيس خلوته، وتلاوة كتابه جليس وحدته، بالتوسّل إليه بأوليائه الطاهرين من أهل بيت نبيّه، المتوكّل عليه بمجاورة الأكرمين من ذرّيّة وليّه، وتشريف المنابر بذكر مناقبهم، وتزيين المحاضر بنشر مراتبهم، وإيضاح الدليل على سلوك سبيلهم، وشفاء الغليل بتشريفهم وتفضيلهم، وقمع رؤوس من عاداهم بمقامع نظمه ونثره، وغيّض نفوس من ناواهم بتواضع خطبه وشعره، محمد بن أبي طالب بن أحمد بن محمد المشهور بن طاهر بن يحيى بن ناصر بن أبي العزّ الحسيني الموسوي الحائري اُمّاً وأباً، الامامي ملّة ومذهباً، الحسيني نسباً ومحتداً(٢) ، الكركي(٣) منشأً ومولداً:

__________________

١ - روي الحديث والأبيات بتفاوتٍ. انظر:

تفسير القرآن لعبد الرزّاق الصنعاني: ٢ / ٢ / ٢٥٠، تفسر الطبري: ٢٧ / ٢٤، تفسير الكشف والبيان للثعلبي: ٢٩٧ ( مخطوط )، دلائل النبوّة لأبي نعيم: ٤٥٤ ح ٣٨٠ وص ٤٥٥ ح ٣٨١ وص ٤٥٧ ح ٣٨٣، دلائل النبوة للبيهقي: ٢ / ٣٣٨، الشفا للقاضي عياض: ١ / ٤٦٠، مجمع البيان: ٥ / ١٧٢، الدر المنثور: ٦ / ١٢١ - ١٢٢، ديوان حسّان بن ثابت: ١٥٣.

٢ - حَدا الشيء يَحدوه حَدواً واحتَداه: تبعه. « لسان العرب: ١٤ / ١٦٨ - حدا - ».

وقد تكون بالذال المعجمة ؛ حَذا حذوَة: فَعَل فعله، يقال: فلان يحتَذي على مثال فلان إذا اقتدى به في أمره، ويقال: حاذيت موضعاً إذا صرت بِحِذائه. « لسان العرب: ١٤ / ١٧٠ - حذا - ».

٣ - الكَرَك: قلعة حصينة جدّاً في طرف الشام، من نواحي البلقاء في جبالها: « مراصد

إ نّي لمّا هجرت مهاجر أبي واُمّي وعمومتي وبني عمّي ومسقط رأسي ومولدي، ومصدري في الأمور وموردي، وهي البلدة المشهورة بين أرباب الطريقة بالأرض المقدسة، وهي في الحقيقة على غير تقوى الله مؤسّسة، كم سبّ أمير المؤمنين على منابرها، واُظهرت كلمة الكفر في منائرها، وعصي ربّ العالمين في بواطنها وظواهرها، وحملت رؤوس بني النبي إلى يزيدها وفاجرها؟ فهي دار الفاسقين، وقرار المنافقين، ومغرس العصابة الناصبة، ومجمع الطائفة الكاذبة، أعني البلدة المشهورة بدمشق، معدن الفجور والغرور والفسق، ولمّا منّ الله بتوفيق الخروج منها، وتسهيل الطريق بالبعد عنها، وفارقتها غير آسف على حضرتها ونصرتها، ولا نادم على مفارقة جهتها وربوتها، أرى كلّ وارد من موارد يزيدها ثوراً، وكلّ ملازم لباب يزديدها من المعدلين آثماً أو كفوراً، وكلّ عاكف بأموتها من أعلام علمائها عتّلاً(١) فخوراً، وكلّ زبرج(٢) اُجري على صفحات عروشها وجدرانها حرفاً وغروراً.

علماؤها ذئاب بل ذباب، واُمراؤها سباع بل كلاب، ونساؤها أبغى من هند البغيّة، ومخدّراتها أزنى من اُمّ زياد سميّة، الاُبنة في علمائها فاشية، والدياثة من زعمائها ناشية، إن لامهم لائم على سوء فعلهم قالوا: « هذا تقدير ربّنا » بكفرهم وجهلهم، أو أنّبهم مؤنّب بفجور نسائهم قالوا: « هذا ما كتب الله على جباههنّ » بكفرهم وضلالهم، فجدعاً(٣) لهم وكبّاً، وبؤساً وغبّاً.

____________

الاطّلاع: ٣ / ١١٥٩ ».

١ - العُتُلّ: الشديد الجافي والفظّ الغليظ من الناس ؛ وقيل: هو الشديد الخصومة. « لسان العرب: ١١ / ٤٢٣ - عتل - ».

٢ - الزبرِجُ: الوَشيُ، الذَّهَب. « لسان العرب: ٢ / ٢٨٥ - زبرج - ».

٣ - الجَدع: القطع.

وما عسى أن أقول في وصف قوم حنيت جوانحهم على بغض الوصيّ وعترته، وبنيت جوارحهم على إنزال الأذى بمواليه وشيعته: يسلقون المؤمنين بألسنة حداد، ويقصدون الصالحين بالبغي في كلّ ناد، ويتشادقون(١) بغيبتهم في محاضرهم ومجامعهم، ويعلنون بسبّهم عقيب جمعهم في جوامعهم، يعدّون يوم عاشوراء من أعظم أعيادهم وزينتهم، ويسمّونه فجوراً رأس سنتهم، ويعتقدون طبخ الحبوب تلك الليلة من أعظم سنتهم، والمصافحة بالأكفّ المخضوبة في ذلك اليوم من أفضل طريقهم وسنتهم، ويتهادون بالتحف والهدايا في المنازل، ويتباركون بإذخار الأدوية والأشربة من ذلك اليوم إلى قابل، ويقصدون بالأذى من بكى فيه على آل الرسول، ويتجسّسون على من جلس لتعزية الطاهرة البتول.

وليس ذلك بعجيب من نفاقهم، ولا بغريب من شقاقهم، فقد ارتضعوا بغض الامام الوصيّ من أخلاف(٢) اخلافهم، واُشربوا هجر آل النبيّ من آبائهم وأسلافهم، أغصان الشجرة الملعونة في القرآن، وأفنان(٣) دوحة البغي والعدوان، الذين أعلنوا بسبّ الله ورسوله على منابرهم، ودلّ قبح ظاهرهم على خبث سرائرهم، كم أظهروا الفساد في البلاد وأشهروا العناد في العباد؟ وزيّن الشيطان للناس اتّباعهم، وصيّر علماءهم أشياعهم وأتباعهم، فبذلوا لهم

__________________

١ - المتَشَدّقون: المتوسّعون في الكلام من غير احتياط واحتراز، وقيل: المتشدّق: المستهزئ بالناس يلوي شِدقه بهم وعليهم. « لسان العرب: ١٠ / ١٧٣ - شدق - ».

٢ - الأخلاف: جمع خِلف - بالكسر - وهو الضرع لكلّ ذات خُفّ وظِلفٍ. « لسان العرب: ٩ / ٩٢ - خلف - ».

ومراده أنّهم ارتضعوا بغض الامام من آبائهم الماضين.

٣ - الفَنَنُ: الغُصنُ، وقيل: الغُصنُ القضيب يعني المقضوب، والفَنَنُ: ما تشعّب منه، والجمع أفنان: « لسان العرب: ١٣ / ٣٢٧ - فنن - ».

والدّوحة: الشجرة العظيمة المتّسعة.

الأموال، وولّوهم الأعمال، فغرّتهم الحياة الدنيا بزينتها، وفتنتهم بزهرتها، فبدّلوا كلام الله بآرائهم، وحرّفوا كتاب الله بأهوائهم، وسلكوا بقدم الغيّ إلى الباطل سبيلاً، واشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً، وأنكروا فضل الوصيّ وما اُنزل فيه من الآيات، وجحدوا النصّ الجليّ وما ورد في إمامته من الدلالات، تقرّباً إلى أئمّة ضلالهم، وحرّفوا مقال النبيّ طمعاً في نوالهم.

ألا ترى إلى أزكاهم البخاري قد ألغى حديث الخاتم وقصّة الغدير وخبر الطائر(١) وآية التطهير؟

و إن أنصفهم مسلم قد أنكر حديث الكهف والإخاء، وطعن في حديث « أنا مدينة العلم » وحديث اللوح.

وإنّ أشهرهم الطبري توقّف عن حديث الوصيّة(٢) ، وتأويل( يُوفُونَ بِالنُّذر ) (٣) ، ومن أعلام مبشّريهم وضلّال مفتريهم من نور الآيات والأخبار المجمع عليها نحو( إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) (٤)، ونحو

____________

١ - انظر الغدير: ٣ / ٢١٨ وما بعدها.

٢ - تفسير الطبري: ١٩ / ٧٥.

٣ - سورة الانسان: ٧.

٤ - سورة المائدة: ٥٥.

وقد اتّفق المفسّرون والمحدّثون وعلماء الأثر على نزول هذه الآية الشريفة في أمير المؤمنين عليعليه‌السلام ، ورووه بأسانيد وطرق كثيرة تنتهي إلى جماعة من كبار الصحابة والمفسّرن.

قال السيد ابن طاووس في سعد السعود: ٩٦: انّ محمّد بن العبّاس بن الماهيار المعروف بابن الحجّام قد رواه في كتابه « ما نزل من القرآن في عليّعليه‌السلام » من تسعين طريقاً بأسانيد متّصلة، كلّها أو جلّها من رجال المخالفين لأهل البيتعليهم‌السلام ، وذكر منهم: عمر بن الخطّاب، عثمان بن عفّان، الزبير بن العوّام، عبد الرحمان بن عوف، سعد بن أبي وقّاص، طلحة بن عبدالله، عبدالله بن عبّاس، أبو رافع، جابر بن عبدالله الأنصاري، أبو ذرّ، الخليل بن مرّة، عليّ بن الحسينعليه‌السلام ، أبو جعفر محمد بن

أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، وإنّي تارك فيكم الثقلين، وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوّاً، وجماعة من كبّار أنصابهم، وفجّار نصّابهم، جعلوا مقابل كلّ حقّ باطلاً، وبإزاء كلّ قائل قائلاً، مثل « الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة »(١) فوضعوا بإزائه « أبو بكر وعمر سيّدا كهول أهل الجنّة »(٢) ، و

__________________

عليعليه‌السلام ، جعفر بن محمدعليه‌السلام ، أبو هاشم عبدالله بن محمد بن الحنفيّة، مجاهد المكّي، محمد بن السري، عطاء بن السائب، عبد الرزاق، انتهى

يضاف إلى هؤلاء من مصادر اُخرى: عليعليه‌السلام ، عمار بن ياسر، سَلَمة بن كهيل، أنس بن مالك، عبدالله بن سلام، المقداد بن الأسود الكندي، عبد الملك بن جريح.

ورواه البلاذري في أنساب الأشراف: ١ / ١٥٠ ح ١٥١، الحاكم النيشابوري في معرفة علوم الحديث: ١٠٢، الحبري في ما نزل من القرآن في عليّعليه‌السلام : ٢٥٨ - ٢٦١ ح ٢١ - ٢٣، الشجري في أماليه: ١ / ١٣٧ و ١٣٨ بعدّة طرق، الواحدي في أسباب النزول: ١١٣، الحافظ أبو نعيم الأصفهاني في ما نزل من القرآن في عليّعليه‌السلام - على ما في النور المشتعل -: ٦١ - ٨٥ ح ٥ - ١٥، ابن عساكر في ترجمة الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام من تاريخ دمشق: ٢ / ٤٠٩ ح ٩١٥ و ٩١٦، الجويني في فرائد السمطين: ١ / ١٨٧ - ١٩٥ ح ١٤٩ - ١٥٣، ابن المغازلي في المناقب: ٣١١ - ٣١٤ ح ٣٥٤ - ٣٥٨، الگنجي في كفاية الطالب: ٢٢٨ و ٢٤٩، الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل: ١ / ١٦١ - ١٨٤ ح ٢١٦ - ٢٤٠ بأكثر من أربعة وعشرين طريقاً، السيوطي في لباب النقول: ٩٣، الجصّاص في احكام القرآن: ٤ / ١٠٢، الخوارزمي في المناقب: ١٨٦ و ١٨٧.

وأخرجه الشوكاني في فتح القدير: ٢ / ٥٣ عن الخطيب في المتّفق والمفترق عن ابن عبّاس، وعن عبد الرزّاق وعبد بن حميد وأبي الشيخ وابن مردويه عن ابن عبّاس، وعن أبي الشيخ وابن مردويه وابن عساكر عن علي، وعن ابن مردويه والطبراني في الأوسط عن عمّار.

١ - صحيح الترمذي: ٢ / ٣٠٦، سنن ابن ماجة: ١ / ٤٤، مسند أحمد: ٥ / ٣٩١، موارد الظمآن: ٥٥١، خصائص أمير المؤمنينعليه‌السلام للنسائي: ٣٦، تاريخ بغداد: ٩ / ٢٣١، حلية الأولياء: ٤ / ١٩٠، الاصابة: ١ / ٢٦٦، اُسد الغابة: ٥ / ٥٧٤، مناقب أمير المؤمنينعليه‌السلام لمحمد بن سليمان الكوفي: ٢ / ٢٣٨ ح ٧٠٣، المستدرك على الصحيحين: ٣ / ٣٨١.

٢ - صحيح الترمذي: ٥ / ٥٧٠، سنن ابن ماجة: ١ / ٣٦، و ٣٨، مسند أحمد: ١ / ٨٠،

« كان أحبّ الرجال إلى النبيّ عليّ، ومن النساء فاطمة »(١) فوضعوا الحديث في أبي بكر وعائشة(٢) ، وغرّوا الجاهل بمقالات الباطل ليدحضوا به الحقّ، ولو أردت لأوردت من أكاذيبهم وأغاليطهم، وزلفت من أباطيلهم ومخاليطهم، ما يعجز اللسان عن وصفه، ويكلّ البنان من رصفه، فأعرضت عن رقم ذلك في الدفاتر، وإن كان حاكي الكفر ليس بكافر.

شعر:

إذا ما روى الراوون ألف فضيلة

لأصحاب مولانا النبيّ محمد

يقولون هذا في الصحيحين مثبتٌ

بخطّ الامامين الحديـث يشيّد(٣)

ومهـما روينا في علـيّ فضيلة

يقولون هذا من أحاديث مُلحِد(٤)

آخر:

إذا في مجلسٍ ذكـروا عليّاً

وسبطيه وفاطـمة الزكيّة

يقول الحاضرون ذروا فهذا

سقيم من حديث الرافضيّة(٥)

__________________

تاريخ بغداد: ٥ / ٣٠٧، وج ٧ / ١١٨ - ١١٩، كنز العمّال: ١١ / ٥٦١ ح ٣٢٦٥٢ وص ٥٦٢ ح ٣٢٦٥٤ وص ٥٦٣ ح ٣٢٦٦٤، وج ١٢ / ٧٠٠ ح ٣٦٠٨٤.

١ - ترجمة أمير المؤمنينعليه‌السلام من تاريخ دمشق لابن عساكر: ٢ / ١٦٣ ح ٦٤١ وص ١٦٥ ح ٦٤٦. سنن الترمذي: ٥ / ٦٥٥ ح ٣٨٦٨، المستدرك للحاكم: ٣ / ١٥٥، سير أعلام النبلاء: ٢ / ١٣١.

٢ - الرياض النضرة: ١ / ١٣٥، كنز العمّال: ١٢ / ١٣٣ ح ٣٤٣٥٠.

٣ - في المناقب: فَسَدّد، وفي بعض نسخه: مسدّد.

٤ - مناقب ابن شهراشوب: ١ / ٣.

٥ - الأبيات للشافعي، انظر ديوانه ص ٩٠، مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢ / ١٢٩، مناقب ابن شهراشوب: ١ / ٣٠.

وروى الجويني في فرائد السمطين: ١ / ١٣٥ ح ٩٨ بإسناده الى أبي عبدالله محمد

فبدّل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم، وزلّة العالِم كانكسار السفينة تغرق ويغرق معها غيرها، بل إذا زلّ العالِم زلّ العالَم، وجماعة من الفسّاق حملهم النفاق إلى أن قالوا: كان أبو بكر أشجع من عليّ(١) ، وإنّ مرحباً قتله محمد بن مَسلمة(٢) ، وإنّ ذا الثديّة قتل بمصر(٣) ، وإنّ في أداء سورة براءة كان الأمير أبا بكر على عليّ(٤) ، وربّما قالوا: قرأها أنس بن مالك، وإنّ

__________________

ابن الفضل الرافعي بالبصرة، قال: سمعت الربيع بن سلمان يقول: قلت للشافعي: إنّ هاهنا قوماً لا يصيرون على سماع فضيلة لأهل البيت، فإذا أراد أحد أن يذكرها يقولون: هذا رافضي!!

قال: فأنشأ الشافعي يقول:

إذا في مـجلس ذكـروا عليّاً

وسبطيه وفاطـمة الـزكيّة

فأجرى بعضهم ذكرى سواهم

فأيقن أنّـه ابن سـلقـلقـيّة

إذا ذكـروا عليّـاً أو بنـيه

تشاغل بالروايـات العلـيّة

وقال تـجاوزوا يا قـوم هذا

فهذا من حديـث الرافضـيّة

بَرئت إلى المهيمن مـن اُناس

يرون الرفض حبّ الفاطميّة

على آل الرسـول صلاة ربّي

ولعنـته لتـلك الجـاهلـيّة

١ - الرياض النضرة: ١ / ١٣٨، تاريخ الخلفاء للسيوطي: ٣٦، مجمع الزوائد: ٩ / ٤٦.

ولقد أجاد الأمينيرحمه‌الله في الغدير: ٧ / ٢٠٠ - ٢١٥ في تفنيد هذا الزعم، فراجعه.

٢ - الكامل في التاريخ: ٢ / ٢١٩.

٣ - قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: ٢ / ٢٦٨: وفي كتاب صفّين أيضاً للمدائني، عن مسروق، أنّ عائشة قالت له لمّا عرفت أنّ عليّاًعليه‌السلام قتل ذا الثُديّة: لعن الله عمرو بن العاص، فإنّه كتب إليّ يخبرني أنّه قتله بالاسكندريّة، ألا إنّه ليس يمنعني ما في نفسي أن أقول ما سمعته من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: يقتله خير اُمّتي من بعدي، عنه البحار: ٣٣ / ٣٤٠، وج ٣٨ / ١٥ ح ٢٤.

٤ - انظر: السيرة النبويّة لابن هشام: ٤ / ١٨٨ - ١٩٠، تاريخ خليفة بن خيّاط: ٩٣، كتاب العثمانية للجاحظ: ١٢٩، سنن النسائي: ٥ / ٢٤٧، خصائص أمير المؤمنينعليه‌السلام للنسائي ( نشر مكتبة المعلا في الكويت ): ٩٣ ح ٧٨، السنن الكبرى للبيهقي: ٥ / ١١١، الرياض النضرة: ٣ / ١٣٢ - ١٣٦ وفيه تأويلات خبيثة، البداية والنهاية: ٧ / ٣٥٧،

محسناً ولد في حياة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله سقطاً(١) ، وإنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: إنّ بني المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم من عليّ فلا آذن، ثمّ لا آذن إلا أن يطلّق عليّ ابنتي وينكح ابنتهم(٢) ، وأسندوا إليهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انّه قال: إنّ آل أبي طالب(٣) ليسوا لي بأولياء، إنّما وليّي الله وصالح المؤمنين(٤) ، وقالوا: إنّ صدقة النبي كانت بيد العبّاس فغلب عليُّ العباس عليها، ومن ركب الباطل زلّت قدمه، وكقول الجاحظ(٥) : ليس إيمان علي إيماناً لأنّه آمن وهو صبيّ(٦) ، ولا شجاعته بشجاعة لأنّ النبيّ صلّى الله

__________________

تفسر القرآن العظيم لابن كثير: ١٠ / ٣٤٤ وما بعدها ( أوائل سورة التوبة ) أورد عدّة روايات بهذا المعنى.

١ - انظر: تاريخ الطبري: ٥ / ١٥٣، الكامل في التاريخ: ٣ / ٣٩٧ وفيهما بلفظ: توفّي صغيراً، تهذيب الكامل: ٢٠ / ٤٧٩ بلفظ: دَرَج سِقطاً، البداية والنهاية: ٧ / ٣٣١ بلفظ: فلمّا ولد الثالث - أي لعليعليه‌السلام - جاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال: أروني ابني ما سمّيتموه؟ فقلت: حرباً. فقال: بل هو محسن. وفي موضع آخر بلفظ: ومات وهو صغير.

٢ - انظر: صحيح مسلم: ٤ / ١٩٠٢ ح ٢٤٤٩، صحيح الترمذي: ٥ / ٦٩٨ ح ٣٨٦٧، عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي: ١٣ / ٢٤٦، اُسد الغابة: ٧ / ٢٢٢ وفيها جميعاً: هشام بن المغيرة.

٣ - في بعض المصادر: آل أبي فلان، وفي بعضها: آل فلان، وفي بعضها: آل أبي.

٤ - مسند أحمد: ٤ / ٢٠٣، صحيح مسلم: ١ / ١٩٧ رقم ٣٦٦، صحيح البخاري: ٨ / ٧، مسند أبي عوانة: ١ / ٩٦، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ١٦ / ٣٤٦، مشكاة المصابيح للتبريزي: ٣ / ١٣٧٦ ح ٤٩١٤، جامع الأحاديث للسيوطي: ٢ / ٢٠٩ ح ٤٨٥٦، الدرّ المنثور: ٣ / ١٨٣، كنز العمّال: ٣ / ٣٥٨ ح ٦٩٢٢، شرح نهج البلاغة: ٤ / ٦٤.

٥ - راجع كتابه « العثمانيّة » فقد نفث فيه ما يكون عليه وبالاً إن شاء الله.

٦ - انظر في هذا المعنى البداية والنهاية: ٧ / ٢٢٢ فقد قال: وكان سبب إسلام علي صغيراً أنّه كان في كفالة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لأنّه كان قد أصابهم سنة مجاعة، فأخذه من أبيه، فكان عنده، فلمّا بعثه الله بالحقّ آمنت خديجة وأهل البيت ومن جملتهم علي، وكان الايمان النافع المتعدي نفعه إلى الناس إيمان الصدّيق!!!

عليه وآله أخبره انّ ابن ملجم يقتله، ونسبة جماعة انّ حروبه كانت خطأ(١) ، وانّه قتل المسلمين عمداً، وقول واحد من علمائهم: إنّ الحسن قتل ابن ملجم، وكان لعلي أولاد صغار ولم يتربّص به، وقول القتيبي: أوّل خارج في الاسلام الحسين(٢) .

فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله، ولعمري انّ هذا الأمر عظيم، وخطب في الاسلام جسيم، بل هو كما قال الله:( إنَّ هَذَا لَهُوَ البَلَاءُ المُبِينُ ) (٣) ، فصارت الغوغاء تزعق(٤) على المحدّثين والذاكرين لأمير المؤمنين.

شعر:

إذا ما ذكرنا من عليّ فضيلة

رمينا بزنديق وبعض أبي بكر

__________________

١ - انظر الغدير: ٣ / ١٨٨ وص ٢٤٩.

٢ - وهكذا دواليك إلى ما شاء الله أن يدوّنوا ممّا ارتضته أنفسهم وأزاغهم الشيطان به، ولقد تصدّت لهذه المتاهات أقلام منصفة سجّلت القول الحقّ تارة في مؤلّفات خاصّة، وتارة في فصول أو أبواب ضمن تأليفاتهم، وتارة بالاشارة إلى ما وضعه الوضّاعون تقرّباً لسلطان، أو حبّاً في جاهٍ أو مالٍ.

وممّن تناول هذا الموضوع بالتأليف أو بالاشارة: ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة: ٣ / ١٧، وج ١١ / ٤٥ و ٤٦، والشهيد القاضي التستري في الصوارم المهرقة في جواب الصواعق المحرقة، والمير حامد حسين النيشابوري اللكنهوي المتوفّى سنة ١٣٠٦ ه‍ في كتابيه « شوارق النصوص في تكذيب فضائل اللصوص » و « عبقات الأنوار »، والعلامة الأميني في موسوعة « الغدير »، والأستاذ صائب عبد الحميد في منهج في الانتماء المذهبي: ١٩١ وما بعدها، والسيد علي الميلاني في مقالات نشرت في مجلة تراثنا « الاعداد ٢٠ - ٣١ » تحت عنوان: من الأحاديث الموضوعة.

٣ - سورة الصافات: ١٠٦.

٤ - أصل الغوغاء الجراد حين يخف للطيران، ثمّ استغير للسفلة من الناس والمتسرّعين إلى الشر، ويجوز أن يكون من الغوغاء الصوت والجلبة لكثرة لغطهم وصياحهم.

والزَّعق: الصياح.

وقال آخر:

وإن قلت عيناً من عليّ تغامزوا

عليّ وقالوا قد سببتَ معاوية(١)

( أفَرَأَيتَ مَنِ اتَّخَذَ إلههُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمعِهِ وَقَلبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً ) (٢) ، وبقيت علماء الشيعة في أمورهم متحيّرين، وعلى أنفسهم خائفين، وفي الزوايا متحجّرين، بل حالهم كحال الأنبياء والمرسلين، كما حكى سبحانه على الكافرين:( لَئِن لَم تَنتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخرَجِينَ ) (٣) ،( لَئِن لَم تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرجُومِينَ ) (٤) ،( لَنَخرُجَنَّكَ يا شُعَيبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَريَتِنَا أو لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنَا ) (٥) فقلتُ:( اهدِنَا الصِّراطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أنعَمتَ عَلَيهِم غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِم وَلَا الضَّالِّينَ ) (٦) .

فحثثت ركابي عن ديارهم، وأبعدت قراري من قرارهم، واستحليت البعد عن مزنهم، واستعذبت البروز(٧) عن برزتهم، وحططت رحلي ببلاد سيد الوصيّين، وألقيت كلّي(٨) على إمام المتّقين، وجعلت مشهد قرّة عينه أبي عبدالله موطني، وحضرته الشريفة في حياتي ومماتي مسكني ومدفني، لا اريد منها

____________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ١ / ٥.

٢ - سورة الجاثية: ٢٣.

٣ - سورة الشعراء: ١٦٧.

٤ - سورة الشعراء: ١١٦.

٥ - سورة الأعراف: ٨٨.

٦ - سورة الفاتحة: ٦ و ٧.

٧ - البروز: الخروج.

٨ - الكَلّ: الذي هو عيال وثقل على صاحبه، قال الله تعالى:( وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَولَاه ) أي عِيال. « لسان العرب: ١١ / ٥٩٤ - كلل - ».

بدلاً، ولا أبغي عنها حولاً، اُزيّن منابرها ببديع نظامي، واُسرّ محاضرها بمعاني كلامي، واُقلّد أجياد مدائحه بدرر لفظي، واُزيّن خرائد محامده بملابس وعظي، ملازماً على الدعاء آناء ليلي وأطراف نهاري، وعقيب تهجّدي وتلاوتي في أسحاري، بدوام دولة من أعلى كلمة الاسلام بعد رفضها، ورفع درجة الايمان بعد خفضها، وقطع عصب النفاق بقاطع غضبه، وقمع أرباب الشقاق بسطوة حربه، وأقرّ عين جدّه المصطفى، وأبيه المرتضى، وأسخن عيون اُولي الضلالة والشقاء، وجعل الدين الحنيف يميس(١) في حلل المهابة والبهاء، والحقّ يرفل في ميادين القوّة والعلاء.

فرع النبوة، وشجرة الفتوّة، الناطق بالصدق، والداعي إلى الحقّ، قامع كلّ ظالم، لا تأخذه في الله لومة لائم، عماد الدين، وعميد المؤمنين، علم الشريعة النبويّة، ومؤيّد الشيعة الاماميّة.

شعر:

علويّ النجار(٢) من آل موسى

أبحر العلم والجبال الرواسي

هاشـميّ لا من بني عبد شمس

فاطميّ لا من بـني العبّـاس

صاحب الأصل الراسخ، والفرع الشامخ، والمجد الأطول، والشرف الأعبل، قاتل الكفرة، وخاذل الفجرة، وطاهر الاُسرة، وجمال العترة، السيّد الأفخر، والعنصر الأطهر، والليث الغضنفر، زينة ولد جدّه أمير المؤمنين حيدر، وعمدة ذرّيّة السيد الشهيد السعيد شاه حيدر، مولانا وسيّدنا السلطان الجليل شاه إسماعيل أبو المظفّر، الّذي أيّد الله الاسلام بعزيز نصره، وقطع دابر البهتان

____________

١ - العَيس: التبختُر.

٢ - النجرُ والنجّار والنُجار: الأصل والحسب. « لسان العرب: ٥ / ١٩٣ - نجر - ».

بغالب أمره، وأظهر بدر الحقّ بعد خفائه، وأنار نور الصدق بعد انطفائه، وأنطق لساني بمدح سادتي وأئمّتي، وأطلق جناني بسبّ حسدتي وأعداء ملّتي.

أقطع بحدّي غراسهم، وأقلع بجدّي أساسهم، معتقداً ذلك من أفضل أعمالي، وأكمل أفعالي، الّذي أتّصل به إلى منازل السعادة الباقية، والجنّة العالية، جعل الله أركان دولته في صعيد السعادة الثابتة، ودوحة سلطنته في ربوة السيادة نابتة، وأعلام النصر منصوبة على هامة رفعته، وكلل المجد مضروبة على عظمة سدته، وآيات الايمان بدوام أيّامه متلوّة، ورايات الاسلام بسديد آرائه مجلوّة، وشمس شرفه في أفلاك التأييد سائرة، وأنجم عظمته في منازل التأييد دائرة، والعكوس إلى قضايا عدوّه موجّهة، والنحوس بذكر مساوئ ضدّه منوّهة.

اللهمّ اجعل أعداءه في قبضة أسرة مأسورين، وبصارم سطوته مقهورين، وبعد الامرة مأمورين، وبعد الرفعة مدحورين، واجعل لهم بأنفسهم شغلاً شاغلاً، ومن أعدائهم بلاءً نازلاً، واشف صدورنا بغيظهم، وأظللنا بظلّك من فيضهم، فإنّهم قد ألحدوا في آياتك، ولدّنوا(١) ببيّناتك، وأهانوا أولياءك، وأعزّوا أعداءك، وراموا إطفاء أنوار الايمان، وإخفاء اعلام القرآن، وقتل ذرّيّة نبيّك سيد المرسلين، وهضم عترة وليّك أفضل الوصيّين، ونصبوا نصاب الشرك، وأظهروا كلمة الكفر، وقصدوا المؤمنين في أنفسهم وأموالهم، وأجلبوا عليهم بخيلهم ورجالهم، وغزوهم في ديارهم، وراموا قلع آثارهم، وقطع أدبارهم، واستئصال شأفتهم، واستحلال حرمتهم، وأسر ذراريهم ونسائهم، وقهر علمائهم وأعلامهم، وشنّوا عليهم الغارات، وأظهروا فيهم الترّات،

____________

١ - يقال: تلدّن عليه إذا تلكّأ عليه. « لسان العرب: ١٣ / ٣٨٣ - لدن - ».

وشرّدوهم عن بلادهم، وقطعوهم عن موادّهم، وجعلوا الجزع شعارهم، والهلع دثارهم، وتركوهم عماله يتكفكفون، وحاملين لا يعرفون، عباديد(١) في الأقطار، ومتفرّقين في الأمصار، قد اُخرجوا من ديارهم بغير حقّ الا أن يقولوا ربّنا الله(٢) ، واوذوا لاعتقادهم العصمة والصدق في أولياء الله لا ذنب لهم إلا حب أهل بيت نبيهم الأطهار، وبغض أعدائهم الظلمة الفجّار، الّذين خالفوا نبيك، وهضموا وليّك، واستحلّوا حقّه، وأكذبوا صدقه، وجحدوا نصّ النبي عليه، ووجّهوا وجهة ظلمهم إليه، ومنعوا الزهراء نحلتها، واستصفوا بلغتها، وخالفوا والدها، وكذّبوا شاهدها، وقتلوا ذرّيّتها بعدها.

اللهم فطوّقهم أطواق لعنتك، واقرعهم بقوارع نقمتك، وصبّ عليهم سوط عذابك، وصخّ(٣) أسماعهم بصوت عقابك، وارفع لنا عندك درجة ببغضهم، وهيّئ لنا من أمرنا رَشداً(٤) - بغضهم - ولا تجعلنا فتنةً للقوم الظالمين، ونجّنا برحمتك من القوم الكافرين(٥) .

اللهمّ الحظ سلطاننا بعين عنايتك، ونوّر نصره واحففه بملائكتك، وافرغ عليه منك واقية باقية، وثبّت له قدم صدق في معارج التوفيق راقية، واجعل له من لدنك سلطاناً نصيراً، واقسم له من مغانم ألطافك فضلاً كبيراً، وردّ أعداءه بغيظهم لن ينالوا خيراً( رَبَّنَا ءَاتِهِم ضِعفَينِ مِنَ العَذَابِ وَالعَنهُم لَعناً كَبِيراً ) (٦)

__________________

١ - عباديد وعباييد: أي متفرّقين. « لسان العرب: ٣ / ٢٧٦ - عبد - ».

٢ - إشارة إلى الآية: ٤٠ من سورة الحجّ.

٣ - الصاخّة: صيحة تصخّ الاُذن أي تطعنها فتصمّها لشدّتها، ومنه سمّيت القيامة الصاخّة. « لسان العرب: ٣ / ٣٣ - صخخ - ».

٤ - إشارة إلى الآية: ١٠ من سورة الكهف.

٥ - إشارة إلى الآيتين: ٨٥ و ٨٦ من سورة يونس.

٦ - سورة الأحزاب: ٦٨.

فإنّه والى أولياءك، وعادى أعداءك، وقطع فيك الأقربين، ووصل الأبعدين.

و لمّا استقرّت لي الدار في حضرة سيّد الشهداء، وطاب لي القرار في مقام خامس أصحاب الكساء، أردت أن أسم حبيبي بميسم العبوديّة لشريف حضرته، وأرقم اسمي في دفاتر أرقّاء خدمته، واُعطّر المَجالس بنشر مناقبه، واُسرّ المُجالس بذكر مراثيه، فجمعت هذا الكتاب مع قلّة بضاعتي، وركود قريحتي، فكنتُ بإهدائه إلى عزيز جنابه كناقل التمر إلى هجر(١) ، ومهدي الحصى إلى الدرر، وقد روى لساني عن قلبي، ورقم بناني عن لبّي:

فارَقـتُ قـَومـاً دينهـُم

نَـصبٌ وإلحـادٌ وكُفـرُ

بذوي الفـسـوق بأرضِهِم

سـوق وللـفُجّـارِ فجر

لقَضائِهِم فـي هتـك دينِ

المُـصْطَـفَى نابٌ وظَفرُ

إن قلتُ عينـاً مـَن عليّ

أظـهَرُوا حـِقْـداً وهرُّوا(٢)

شبه الكِـلابِ إذَا عَـوَت

فالشَّرُّ مِنْــهُـمْ مُسـْتَمِرُّ

عُلمَاؤُهُـم عُلَـماءُ سـوءٍ

طَبْعُـهُـمْ غَـدْرٌ ومَـكْرُ

وَرجـالُـهُم بَــقَـرٌ إذا

ذُكِرَ الوَصِـيُّ عتوا وفَرُّوا

وَنِـساؤُهُم بالـغنـج كَمْ

من زَاهِـدٍ فَتَـنُوا وغِرُّوا

هـَذا وكَـمْ مَــنْـزِلةٌ

بَعْدَ الغنى مِـنْهُـنَّ فَقْـرُ

كَمْ لَيْـلَةٍ مـن هَـجْرِهِمْ

أمْسىَ فؤَادِي فيـهِ جـَمرُ

فَهَجَرْتُ مُنْصَرَفــي إذْ

لِي لِسَـمع الهَـْجرِ وَقْـرُ

وَحَثثْتُ رَحْليِ نَحْـوَ مَنْ

هُوَ للنَّبِـيِّ أخٌ وصِـهْـرٌ

____________

١ - أورد هذا المثل الميداني في مجمع الأمثال: ٢ / ١٥٢ رقم ٣٠٨٠ بهذا اللفظ: كَمُسْتَبضِعِ التَّمْرِ إلى هَجَرَ.

٢ - الِهرُّ: الاسم من قولك هَرَرْتُه هَرّاً أي كرهته. « لسان العرب: ٥ / ٢٦٠ - هرر - ».

مولىً اُزيحُ بِقَصْدِهِ

عن سَاحَتِي ضُرٌّ وعِسِرُ

و تلوت:( الحَمدُ لِلّهِ الَّذي نَجَّانَا مِنَ القَوم الظَّالِمينَ وَقُل رَبِّ أنزِلنِي مُنزَلاً مُبَارَكاً وأَنتَ خَيرُ المُنزِلِينَ ) (١) .

ثمّ إنّي بعد أن منّ الله عليّ بمجاورة سبط نبيّه، وأهّلني للاقامة في حضرة وليّه وابن وليّه، أطلق لساني بمدح رسوله المصطفى، ووليّه المرتضى، وأهل بيتهما الأئمّة النجباء سادة أهل الدنيا والاُخرى، الّذين جعل الله أجر الرسالة مودّتهم، وألزم الكافّة طاعتهم، فصرت اُحلّي بذكرهم المنابر، واُزيّن بشكرهم المحاضر، واُشنّف بمدحهم المسامع، واُشرّف بوصفهم الجوامع، واقمع هامات من ناواهم بمقامع نظمي ونثري، وارغم معاطس(٢) من عاداهم بأكفّ خطبي وشعري.

فقلّ أن يمضي يوم من الأيّام التي حباهم الله فيها بتفضيله، ونوّه بذكرهم في محكم تنزيله، الا وقد وضعتُ خطبة في فضل ذلك اليوم الشريف، وأوردت كلمة في عمل ذلك الوقت المنيف، كخطبة « مولد البشير النذير »، وخطبة « يوم الغدير » وذيّلتها بأحاديث رائقة، ونكت شائقة، يطرب لها المؤمن التقي، ويهجرها سمع المنافق الشقيّ، وخطبة « يوم السادس من شهر ذي الحجّة » الّذي كان فيه تزويج البتول من صنو الرسول، ويوم نزول سورة « هل أتى »، وما في فضلهم أتى، والمجلس المشهور ب‍ « تحفة الزوّار ومنحة الأبرار » وهو مجلس ذكرت فيه ثواب زيارة سيد الشهداء وفضل كربلاء، وكالتعزية الموسومة ب‍ « مجرية العبرة ومحزنة العترة » وهي خطبة يوم التاسع من المحرّم، وكالمجلس

____________

١ - سورة المؤمنون: ٢٨ و ٢٩.

٢ - المَعطِس والمَعْطَس: الأنف لأنّ العُطاس منه يخرج. « لسان العرب: ٦ / ١٤٢ - عطس - ».

المشهور ب‍ « قاطع أسباب النفاق، وقامع أرباب الشقاق » وهو مجلس قلته بإذن الله في اليوم السادس والعشرين من ذي الحجّة، وخطبت به على صهوة(١) المنبر، وأوردت فيه مآثم على عدوّ الله إبليس الأكبر، وكالرسالة الموسومة ب‍ « السجع النفيس في محاورة الدلام وإبليس ».

و غير ذلك من رسالات وخطب وأشعار تحثّ على اقتناء الفضائل، وتنهى عن اقتراف الرذائل، وتوضح من أدلّة التوحيد ما فيه تلال الطالب، وبلاغ الراغب، بأدلّة قاطعة، وحجج ساطعة، والتحذير من الدار الفانية، والترغيب في الحياة الباقية، وكان ذلك يشتمل على مائتي ورقة وأكثر، أبهى من عقود اللآلئ وأبهر، قد فاز من البلاغة بالسهم المعلّى، وحاز من الفصاحة السهم الأعلى، تمجّ فقراته مسمع الحاسد البغيض، وتسمر(٢) حلاوة ترصّعاته فم المعاند المريض، كما وصفت في راتق(٣) نظمي من رام بصعر خدّه هظمي:

كـم شـامـخ بأنـفـه تـكبـّراً

وبـاذخ بـخـدّه تـصعـّرا

ومـضمر لحـسن لفـظي حسداً

ووجهه يظهر مـا قد أضمرا

ترجـف منه وحـشـاه حـنـقاً

يـكاد يزلـقـني بـما يـرا

يـنأى وينهى عن مقامي جـاهداً

يريد أن يشنأنـي بين الورى

كـانّ لـفـظي أسهـم بـقلـبه

حـدّ يـبالي لمعـاينـها برا

في مدح صنو المصطفى اسنادها

بالصدق ما كان حديثاً مفـترا

يمـجّها مســمع ذي وقـاحـة

أعسى النفاق سمعه والمبصرا

يعرض عنّـي مـعرضاّ بعارضٍ

فداً له كم فيه من لــوم جرا

____________

١ - صَهوَةُ كل شيء: أعلاه. « لسان العرب: ١٤ / ٤٧١ - صها - ».

٢ - السمرُ: شَدّك شيئاً بالمسمار. « لسان العرب: ٤ / ٣٧٨ - سمر - ».

٣ - الراتق: الملتئم.

كذا مريض القلب في لهاته

يرى الزلال العذب صابا ممقرا

لا زال في أحشائه وقـلبه

من سقط زند مقولي نار الـشرا

ثمّ إنّي بعد ذلك عثرت على كتاب لبعض فصحاء اللغة الفارسيّة(١) ، وفرسان البلاغة الأعجميّة، أصحاب المجد القديم، والدين القويم، الّذين قال الله سبحانه فيهم:( وَءَاخَرِينَ مِنهُم لَمَّا يَلحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ) (٢) تزيّن بتحقيقهم وتدقيقهم المجامع والمجالس، وكيف لا يكون ذلك كذلك وقدقال سيد المرسلين: لو كان العلم معلّقاً بالثريّا لناله رجال من فارس(٣) ؟

____________

١ - مراده كتاب « روضة الشهداء »، للمولى الواعظ الحسين بن علي الكاشفي البيهقي، المتوفّى في حدود سنة ٩١٠ ه‍، مرتّب على عشرة أبواب وخاتمة، وهو أوّل مقتل فارسي شاعت قراءته بين الفرس حتى عرف قاريه ب‍ « روضة خوان »، « الذريعة: ١١ / ٢٩٤ رقم ١٧٧٥ ».

٢ - سورة الجمعة: ٣.

٣ - روي هذا الحديث بألفاظ مختلفة، ففي بعضها: لو كان الدين، وفي بعضها: لو كان الإيمان. وإليك جملة من مصادره:

مصنّف عبد الرزّاق: ١١ / ٦٦ ح ١٩٩٢٣، مصنّف ابن أبي شيبة: ١٢ / ٢٠٦ ح ١٢٥٦١ وص ٢٠٧ ح ١٢٥٦٢، مسند أحمد: ٢ / ٢٩٦ - ٢٩٧ وص ٣٠٨ - ٢٠٩ وص ٤١٧ وص ٤٢٠ وص ٤٢٢ وص ٤٦٩، صحيح البخاري: ٦ / ١٨٨، صحيح مسلم: ٤: ١٩٧٢ ب ٥٩ ح ٢٥٤٦، سنن الترمذي: ٥ / ٣٨٤ ب ٤٨ ح ٣٢٦١ وص ٤١٣ ب ٦٣ ح ٣٣١٠ وص ٧٢٥ ب ٧١ ح ٣٩٣٣، شعب الايمان: ٤ / ٣٤٢ ح ٥٣٣٠، مسند أبي يعلى: ٣ / ٢٣ ح ١٤٣٣ وص ٢٧ ح ١٤٣٨، تفسير الطبري: ٢٦ / ٤٢ وج ٢٨ / ٦٢، المطالب العالية: ٤ / ١٥٨ ح ٤٢٢٨، المعجم الكبير للطبراني: ١٠ / ٢٥١ ح ١٠٤٧٠، حلية الأولياء: ٦ / ٦٤، دلائل النبوّة: ٦ / ٣٣٣ و ٣٣٤، فردوس الأخبار: ٤ / ٣٦٧ ح ٧٠٦٠، تفسير البغوي: ٤ / ١٨٧ وص ٣٣٩، البداية والنهاية: ٦ / ١٩٧، تفسير الكشّاف: ٤ / ٥٣٠، زاد المسير: ٧ / ٤١٥، كنز العمّال: ١٢ / ٩٢ ح ٣٤١٣٤، جامع الاُصول: ١٦ / ٢٥٨ وج ١٨ / ٩٣، مدارك التنزيل: ٤ / ١٤٣، لباب التأويل: ٤ / ١٤٣ وص ٢٦٤، البحر المحيط: ٨ / ٨٦، تفسير ابن كثير: ٤ / ١٩٦، وص ٣٨٨، مجمع الزوائد: ١٠ / ٦٤ وص ٦٥، كشف الهيثمي: ٣ / ٣١٦ ح ٢٨٣٥، تفسير أبي

ووجدته رضي الله عنه قد رتّبه على عشرة مجالس لقيام المآتم، لمصاب الغرّ الميامين من بني هاشم، شهداء كربلاء وأهل( قُل لَا أسألُكُم عَلَيهِ أجراً إلَّا المَوَدَّةَ فِي القُربَى ) (١) وجعلها خاصّة بالعشر الاُول من شهر محرّم الحرام الّذي فيه هتكت حرمة الاسلام، وقتلت ذرّيّة سيد الأنام، وجعل لكلّ يومٍ من أيّامه مجلساً لقواعد الحزن والتعزية مؤسّساً.

أثابه الله ثواب الصدّيقين، وحشره في زمرة أوليائه الطاهرين.

فاستخرت الله سبحانه أن أنسخ على منواله في التصنيف والترتيب، وأقتدي بأفعاله في التأليف والتهذيب، واُزيّن مجالس أهل الإيمان بمناقب سادتهم ومواليهم، واُهيّج أحزان قلوب أهل العرفان من شيعتهم ومواليهم، واُحلّي أجياد اللسان العربي بدرر نظمي ونثري، واُجدِّد معاهد الأشجان بنواضح بدائع فكري، ورتّبته كترتيبه، وبوّبته كتبويبه، لكن لم أقصد ترجمة كلامه، ولا سلكت مسلكه في نثاره ونظامه، وجعلته عشرة مجالس، وسمّيته ب‍ «تَسلية المُجالس وزينة المَجالس »، ولم اٌورد فيه من الأحاديث الا ما صحّحه علماؤنا، ورجّحه أعلامنا، ودوّنوه في كتبهم، ونقلوه عن أئمّتهم.

اللهم اجعلنا من السالكين بقدم الصدق إلى ما أوردوا، والمؤيّدين من السنّة النبويّة لما أيّدوا، إنّك على كل شيء قدير.

__________________

السعود: ٨ / ١٠٣، الجامع الصغير: ٢ / ٤٣٤ ح ٧٤٥٩ و ٧٤٦٤، الدر المنثور: ٦ / ٧٦ وص ٢١٥، الفتوحات الإلهيّة: ٤ / ١٥٥، روح المعاني: ٢٦ / ٧٥ وج ٢٨ / ٨٣، قرب الاسناد: ٥٢، مجمع البيان: ٥ / ١٠٨ وص ٢٨٤، تفسير أبي الفتوح الرازي: ١٠ / ١٩٨ وج ١١ / ١٤٣، منهج الصادقين: ٨ / ٣٥٧ وج ٩ / ٢٧٤، تفسير الصافي: ٥ / ٣٢ وص ١٧٣، نور الثقلين: ٥ / ٤٦ ح ٣٩ وص ٣٢٣ ح ٢٢.

١ - سورة الشورى: ٢٣.

المجلس الأوّل

في ذكر اُمور تتعلّق بظلامة أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام

وما في معناها، وطرق في ذكر ثواب من أظهر الجزع

لمصابه ومصاب أهل بيته، وثواب من بكى

لرزيّتهم، وجلس لعزيّتهم

الحمد لله الّذي زيّن قلوب أوليائه بملابس عنايته، وحلّى نفوس أصفيائه بنفائس كرامته، وشرى منهم أنفسهم وأموالهم بنعيم جنّته، وأطلعهم على أسرار ملكوته، فعزفت(١) أنفسهم عن الدنيا الدنيّة إلى جوار حضرته لما جذب أنفسهم بزمام عنايته إلى جنابه الأقدس، وأجلسهم على بساط اُنسه في ظلّ جواره المقدّس، وناداهم في سرائرهم في ذلك المقام المشرّف، وخاطبهم في ضمائرهم بخطابه الجليل الأشرف، وسقاهم من شراب جنّته بالكأس الرويّة، وأطلعهم على ما أعدّ للمجاهدين في سبيله من المقامات السنيّة والدرجات العليّة.

بذلوا أنفسهم فنالوا فضلها، وكانوا أحقّ بها وأهلها، وصلوا بقدوم صدقهم إلى تلك المعاهد والمعالم، واستظلّوا بظلال تلك العواطف والمراحم، يجاهدون

__________________

١ - العَزف - بفتح العين المهملة وسكون الزاي المعجمة -: الزهد. « ح ».

في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، قرعت أسماعهم(١) رنّة آيات الذكر الحكيم( إنَّ اللهَ اشتَرَى مِنَ المُؤمِنِينَ أنفُسَهُمْ وَأَموالَهُمْ بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبيلِ اللهِ فَيَقتُلُونَ ويُقتَلُونَ وَعداً عَلَيهِ حَقّاً فِي التَّوراةِ وَالإنجِيلِ وَالقُرآنِ وَمَن أوفَى بِعَهدِهِ مِنَ اللهِ فَاستَبشِرُوا بِبَيعِكُمُ الَّذِي بَايَعتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوزُ العَظِيمُ ) (٢) فهاموا بلذيذ نعمتها طرباً، وقضوا بامتثال أوامرها من السعادة الأبديّة إرباً، لمّا رؤا انّ الجهاد في سبيل ربّهم من أفضل الطاعات، وبذل الوسع في إعلاء كلمة خالقهم من أعظم القربات، تلقّوا حدود الصفاح بوجوههم الشريفة، وصبروا على ألم الجراح شوقاً إلى تلك المنازل المنيفة.

وكان أفضل من فاز بالمعلّى من سهامها، وتلقّى بشريف طلعته مواقع نصالها وسهامها، سبط سيّد المرسلين، وقرّة عين إمام المتّقين، صفوة المصطفين، أبا عبد الله الحسين، الّذي هُدِم ركن الايمان بوفاته، وقُصِم حبل الاسلام بفواته، واهتزّ العرش لمصيبته، وبكت الأفلاك لرزيّته، وأمطرت السماء دماً وتراباً، وحيّرت من اُولي العرفان أفكاراً وألباباً.

يا لها من مصيبة لا ترقى عبرتها، ولا تخبو(٣) زفرتها، ولا نتسى واقعتها، ولا توشى جراحتها، تضرم نيران الأحزان في قلوب خالصي الايمان، وتشيّد قواعد الأشجان في نفوس أرباب أهل العرفان، فهي التي كست السماء شفقاً من دماء شهدائها، وأذكت في القلوب حرقاً بشدّة بلائها، لم تَحدُث في الخلق مصيبة مثلها منذ قامت السماوات والأرض، ولم يغضب الجليل غضبها إلى يوم الحساب والعرض، زفرت جهنّم حين حدوثها زفرة

__________________

١ - أي ضربت بشدّة الاعتماد.

٢ - سورة التوبة: ١١١.

٣ - أي ولا تسكن.

لولا أنّ الحقّ منعها إلى أجل مسمّى لأحرقت الأرض بزفرتها، وشهقت شهقة لولا الأمر الّذي كتب الله لعباده لأهلتك الخلق بفضيع شهقتها، شردت على خزّانها فخوطبت: قرّي فلأجعلنّك لقتلته سجناً مؤبّداً، ولأكتبنّ على أغلالهم وأصفادهم دواماً مخلّداً، ولأجعلنّ فراعنة الأنبياء وأعداء الدين تستعيذ من عذابهم، ولاُصيّرنّ الكفرة والفجرة من أهل سجّين يعجبوا من عقابهم، يشرف عليهم إبليس فيلعنهم، ويطلع عليهم عبدة الأوثان فتوبّخهم، ولأجعلنّ وليّي وابن أوليائي، وصفيّي ونجل أصفيائي، صاحب هذه المصيبة العظمى، والواقعة الكبرى، المجاهد بنفسه وولده، والموفي بعقده وعهده، الّذي لم يجاهد جهاده نبيّ من أنبيائي، ولا صبر صبره مخلص من اُمنائي، سيد الشهداء في الدنيا والآخرة، ولاُقيمنّ حججي على عبادي من ذرّيّته الطاهرة.

فيا إخواني، أفي غفلة أنتم من هذا الشهر الّذي أظلّكم؟ أم في رقدة من هذا العشر الّذي نزل بكم؟ أتعلمون أيّ رحم فيه للرسول قطعت؟ وأيّ مصيبة على بني البتول وقعت؟ وأيّ سادة منهم على الصعيد صرعت؟ وأيّ قادة بكؤوس الحمام جرعت؟ وأيّ كبد لسيّد الأنبياء فريت؟ وأيّ مهجة منه بسهام الأعداء رميت؟

فيا له من شهر لا يحسن الجزع الا في أيّامه ولياليه، وياله من عشر لا يليق الهلع الا في أعجازه وبواديه، سقيت فيه بنو الرسول كؤوس الحتوف بعد الظماء، واُسلبت أرواحهم بغروب(١) السيوف والظباء، وصارت أجسادهم على الرمضاء بلا وطاء، منعوا فيه من شرب المباح، وصدروا من دم الجراح،

__________________

١ - الغَربُ: الحدّة، غَربُ السيف، أي كانت تُدارَى حّدّتُه وتُتَّقى. « لسان العرب: ١ / ٦٤١ - غرب - ».

فيا ليت نفيس كانت لأنفسهم فداء، ووجهي لأوجههم وقاء، فلو أنّ عين الرسول عاينت سبطه وقد تحوّطت عليه بقيّة الأحزاب، وأحاطت به كتائب كفرة الكتاب، وهو يذكّرهم بآيات الله، ويحذّرهم من سخط الله، ويورد عليهم الحجّة، ويوضح بهم المحجّة، ولا يزدادون من عظته الا نفوراً، ولا من تذكِرَته الا غروراً، وراموا منه خطّة لا تليق بمثله، وطلبوا منه خصلة لا تحسن بفرعه وأصله.

فأبى أبو الاُسد الهاصرة(١) ، أو الليوث الحاسرة(٢) ، وقدّم بينه وبين الله أفراطاً بين يديه، فصدقوا ما عاهدوا الله عليه، وبذلوا الوسع في طاعة ربّهم ووليّهم، واستشعروا الصبر في نصرة ابن نبيّهم، يرون القتل في العزّ حياة، والحياة في العزّ القتل، كشف الله عن بصائرهم، وتجلّى لهم في سرائرهم، فرأوا ما أعدّ لهم من السعادة الباقية( في جَنَّّةٍ عَالِيَةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ - وقيل لهم: -كُلُوا وَاشرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أسلَفتُمْ فِي الأيَّامِ الخَالِيَةِ ) (٣) فتلقّوا رماح الأعداء بصدور بنيت على الاخلاص قواعدها، وبقلوب بنيت على الايمان عقائدها، وقابلوا صفاح الأشقياء بوجوه طالما أحيت ليلها بسجودها وركوعها، وارضت ربّها بتهجّدها وخشوعها، محامية عن ابن إمامها ورسولها، تابعة أمر هاديها ودليلها، كلّ منهم قد أرضى بتصمّم عزيمة إلهه وربّه قائلاً: اليوم

__________________

١ - أسدٌ هَصورٌ وهصّارٌ وهَيصرٌ وهَيصارٌ ...: يَكسِرُ ويُميلُ. « لسان العرب: ٥ / ٢٦٤ - هصر - ».

٢ - في الحديث: يخرج في آخر الزمان رجلٌ يسمّى أمير العُصَب، وقال بعضهم: يسمّى أمير الغَضَب، أصحابه مُحشّرون مُحقّرون مُقصَون عن أبواب السلطان ومجالس الملوك، يأتونه من كل أوبٍ كأنّهم قَزَع الخريف، يُورّثهم الله مشارق الأرض ومغاربها، محسّرون محقّرون أي مؤذون محمولون على الحسرة أو مطرودون متعبون من حَسَرَ الدابّة إذا أتعبها. « لسان العرب: ٤ / ١٩٠ - حسر - ».

٣ - سورة الحاقّة: ٢٢ - ٢٤.

نلقى الأحبّة، محمد وحزبه، حتى إذا فازوا من السعادة بالدرجة العليّة، وحازوا أعظم سهم من السعادة الأبدية، وأصبحت أجسادهم بسيوف الأعداء مبضّعة، وأطرافهم بصفاح الأشقياء مقطّعة، ورؤوسهم عن الأجساد منتزعة، وعلى الرماح مرفعة، قد سقوا من كؤوس الحتوف بالكأس المترعة، وتلقّوا حدود السيوف بوجوه كانت إلى ربّها مسرعة، وعمّا نهى عنه ورعة، قد أشرق صعيد كربلاء بدمائهم، وشرف طفّ نينوى باسلابهم، وصار مختلف أرواح الأنبياء والمرسلين، ومهبط ملائكة الله المقرّبين، فهم التائبون العابدون الحامدون الراكعون الساجدون(١) يحسبهم الجاهل أمواتاً وهم أحياء عند ربّهم يرزقون(٢) ويظنّهم رفاتاً وهم في الغرفات آمنون(٣) ( لاَ يَحزُنُهُمُ الفَزَعُ الأَكبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ المَلَائِكَةُ هذَا يَومُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ) (٤) ( فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضلِهِ وَيَستَبشِرُونَ بِالَّذِينَ لَم يَلحَقُوا بِهِم مِن خَلفِهِم ألَّا خَوفٌ عَلَيهِم وَلَا هُمْ يَحزَنُونَ ) (٥) .

ولمّا شاهد فوزهم بالشهادة العظمى، ونيلهم السعادة الكبرى، وصار وحيداً من أهله واُسرته، فقيداً لإخوانه وصَحَبَتِه، وقد أحدقت به الأعداء من كلّ جانب، وضاقت به المسالك والمذاهب، وفوّقت(٦) الأعداء نحوه سهامها ومعابلها، وجرّدت عليه مناصلها وعواملها، وبنات المصطفى يلذن به صارخات، ويتوسّلن

__________________

١ - إشارة إلى الآية: ١١٢ من سورة التوبة.

٢ - إشارة إلى الآية: ١٦٩ من سورة آل عمران.

٣ - إشارة إلى الآية: ٣٧ من سورة سبأ.

٤ - سورة الأنبياء: ١٠٣.

٥ - سورة آل عمران: ١٧٠.

٦ - الفُوقُ من السهم: موضع الوتر ومَشَقُّ رأس السهم حيث يقع الوتر.

وفَوّقتُه تفويقاً: عملت له فُوقاً. وفَوّقَ نبله تَفويقاً إذا فرضها وجعل لها أفواقاً. « لسان العرب: ١٠ / ٣١٩ و ٣٢٠ - فوق - ».

ضارعات، وهو يدافع عنهنّ، ويمانع دونهنّ، ويتلقّى السيوف بشريف طلعته، ويفرّق الصفوف بشدّة عزمته، قد قتلت رجاله، وذبحت أطفاله، وانتهكت حرمة الرسول بانتهاك حرمته، وعظمت مصيبة البتول لعظيم رزيّته.

فما ظنّكم بسيّد المرسلين لو رآه في تلك الحال عديم الأعوان، فقيد الاخوان، ممنوعاً من شرب المباح، مخضوباً بدم الجراح، قد أجمعت أئمّة السوء على قتله، واجتمعت عصابة البغي لخذله؟ هل كان يتلقّى عنه السيوف بيديه وساعديه؟ أم يدفع عنه الحتوف بجنبيه وعينيه؟

بل لو رآه أمير المؤمنين، وسيد الوصيين، وهو يستغيث ولا يغاث، ويستسقى فلا يسقى، قد أثخنه الجراح، وأثقله السلاح، وجعلته عصبة الضلال طعمة لمناصلها، ومَوْرداً لعواملها، وهو يحمل كَحَمَلات أبيه في اُحد وبدر، ويتلقّى سيوف أهل البغي والغدر، لا يزيده قلّة الأنصار الا بصيرة من أمره، ولا يكسبه تظافر الأشرار الا إخلاصاً في علانيته وسرّه، أهل كان يليق الصبر بجلال كماله؟ أم يتلقّى عنه السيوف بأعضائه وأوصاله؟

بل لو رأته سيّدة النساء وهو يتلظّى ظماً، ويتلهّف عطشاً، وعاينت بناتها اُسارى على الأقتاب، حيارى بغير نقابٍ ولا جلباب، يطاف بهنّ في البلاد، ويتشرّفهنّ الحاضر والباد، وشاهدت تلك الوجوه التي طالما قبّلها الرسول المجتبى، وأكرمها الوصي المرتضى، أصحاب سورة هل أتى، وأرباب( قُل لَا أَسأَلُكُمْ علَيهِ أَجراً إلّا المَوَدَّةَ فِي القُربَى ) (١) ، يسار بها على رماح الأعداء مخضباً شيبها بالدماء، أكانت تهنأ لها الحياة بعدها أم تتمنّى

__________________

١ - سورة الشورى: ٢٣.

الممات عندها؟(١)

ر وي من طريق أهل البيتعليهم‌السلام عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: تقبل فاطمة يوم القيامة على ناقة من نوق الجنّة، خطامها من لؤلؤ رطب، وقوائمها من الزمرّد الأخضر، وذنبها من المسك الأذفر(٢) ، وعيناها ياقوتتان حمراوان، عليها قبّة من النور، يرى باطنها من ظاهرها، وظاهرها من باطنها، داخلها عفو الله، وخارجها رحمة الله(٣) ، وعلى رأسها تاج من نور، للتاج سبعون [ ركناً، كلّ ركن مرصّع بالدر والياقوت يضيء كما يضيء الكوكب الدرّي في اُفق السماء، وعن يمينها سبعون ألف ملك، وعن شمالها سبعون ](٤) ألف ملك وجبرائيل آخذ بخطام الناقة ينادي بأعلى صوته: غضّوا أبصاركم حتى تجوز فاطمة، فتسير حتى تحاذي عرش ربّها وتزّج بنفسها عن الناقة وتقول: إلهي وسيّدي احكم بيني وبين من ظلمني، اللهم احكم بيني وبين من قتل ولدي، فإذا النداء من قبل الله: يا حبيبتي وابنة حبيبي، سلي تعطي، واشفعي تشفّعي، فوعزّتي وجلالي لا يفوتني في هذا اليوم ظلم ظالم.

____________

١ - وردت في « ح » عدّة أبيات:

وآل رسول الله تسـبَى نساؤهم

ومن حـولهنّ الستر يهتك والخدرُ

سبايا بأكوار المطـايا حواسراً

يلاحظهنّ العبدُ فـي الناس والحرّ

ورملة في ظلّ القصور مصانة

يناط على أقراطـها الـتبر والدرّ

فويل يزيد مـن عـذاب جـهنّم

إذا أقبلت في الحـشر فاطمة الطهر

ملابسها مـن السـمّ سـود

وآخـر قـان من دم الـسبط يخرّ

تنادي وأبصار الأنـام شواخص

وفي كـلّ قلـب من مـهابتها ذعر

٢ - أي طيّب الريح.

٣ - كنابة عن أنّها مشمولة بعفو الله ورحمته، وتجيء إلى القيامة شفيعة للعباد معها رحمة الله وعفوه لهم.

٤ - من أمالي الصدوق.

فتقول: إلهي ذرّيّتي وشيعتي وشيعة ذرّيّتي ومحبّي [ ومحبّي ](١) ذرّيّتي، فإذا النداء من قبل الله: أين ذرّيّة فاطمة وشيعتها ومحبّوها ومحبّوا ذرّيّتها؟ فيقومون وقد أحاطت بهم ملائكة الرحمة فتقدّمهم فاطمة كلّهم حتى تدخلهم الجنّة.(٢)

و في حديث آخر: قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : تحشر فاطمة وتخلع عليها الحلل وهي آخذة بقميص الحسين ملطّخ بالدماء وقد تعلّقت بقائمة العرش تقول: يا ربّ احكم بيني وبين قاتل ولدي، فيؤخذ لها بحقّها.(٣)

____________

١ - من أمالي الصدوق.

٢ - أمالي الصدوق: ٢٥ ح ٤، عنه غاية المرام: ٥٩٤ ح ٤٥، والبحار: ٤٣ / ٢١٩ ح ١، وعوالم العلوم: ١١ / ٥٦٤ ح ٤.

وأورده في مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ٣٢٦، وروضة الواعظين: ١٤٨، والفضائل لشاذان: ١١.

وفي « ح » عدّة أبيات أخرى:

إذا عـلـى الـدنيا الدنيـّة ظفرت

أيدي بغاة طغـاتهـا بهـداتـها

فـهـناك ينـصفـها الإله بـعدله

وتـسـوق شيـعهـا إلى جنّاتها

يـومـاً بـه تأتـي بتـولـة أحمد

تتمـرّغ الأمـلاك فـي خطواتها

وخديجة الـكـبـرى وحـوّا حولها

مع مريم يبـكيـان مـن كرباتها

وبكفّهـا ثـوب الـشهـيد مضمّـخ

ودموعها تـجري علـى وجناتها

تبـدي شـكايتـها لجبّـار السـما

ولها الخلائـق هـوّدت أصواته

يا مصرخ المستـصرخـين وناصر

ا المستضـعفــين منتهى دعواتها

هل امـّة فعـلت بـآل نـبـيّـهـم

كـفـعـال اُميـّة مـع ساداتهـا

غصبت نصيبي من أبـي واستضعفت

بَعلي مزيل الـكـرب في شدّاتـها

وغدت إلى ولدي تـسـنّ سـيوفهـا

وسقته كـأس الـموت في حملاتها

وسبت بـناتـي جهـرة ومضت بها

نـحو الـشـام هديّـة لـبغاتهـا

٣ - عيون أخبار الرضاعليه‌السلام : ٢ / ٨ ح ٢١ وص ٢٦ ح ٦، مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ٣٢٧.

وروي في صحيفة الامام الرضاعليه‌السلام : ٨٩ ح ٢١، وفيه تخريجات اُخرى، فراجع.

و في حديث آخر: انّها تقبل يوما لقيامة ومعها ألف نبيّ وألف صدّيق وألف شهيد، ومن الكرّوبيّين ألف ألف يسعدونها على البكاء، وانّها لتشهق شهقة فلا يبقى في السماء ملك إلا بكى رحمة لها، وما تسكن حتى يأتيها أبوها، فيقول: يا بنيّة، قد أبكيت أهل السماوات وشغلتيهم عن التسبيح، فكفّي حتى يقدّسوا، فإنّ الله بالغ أمره.(١)

سَوْف تأتي الزهراء تلتمس الحك‍

‍مَ إذا حان مَحْشَـرُ الـتعديل

وأبـوهـا وبـعلـها وبـنـوها

حولها والخصام غـير قـليل

وتُـنـادي يـا ربّ ذُبــّح أولا

دي لماذا وأنـت خيـر مديل(٢)

فينـادى بمـالـكٍ ألهـب الَّـنا

رَ وأجِّج وخُذ بأهـل الـغلولِ

ويُجازى كـل بـما كـان مـنه

من عقاب التَّخليد(٣) والتَّنكيل(٤)

فيا إخواني، أظهروا في هذا الشهر شعار الأحزان، وأفيضوا الدموع المقرحة للأجفان، فإنّ البكاء في هذا الشهر لمصاب آل الرسول من أفضل الطاعات، وإظهار الجزع لما نال عترة الوصيّ من أكمل القربات.

روى الشيخ الجليل الفقيه جعفر بن محمد [ بن قولويه بإسناده إلى الامام

____________

١ - كامل الزيارات: ٨٧ ذح ١٦، عن البحار: ٤٥ / ٢٢٥ ذح ١٧، وعوالم العلوم: ١٧ / ١١، ح ٢.

٢ - كذا في ديوان الصاحب، وفي الأصل: يا ربّ تذبح وأنت أنت مزيل.

٣ - كذا في ديوان الصاحب، وفي الأصل: عذاب التجليد.

٤ - الأبيات للصاحب بن عبّاد، المولود سنة « ٣٢٦ ه‍ »، والمتوفّى سنة « ٣٨٥ ه‍ »، انظر ديوانه ص ٢٦٣، ومقتل الخوارزمي: ٢ / ١٥٠، ومناقب ابن شهراشوب: ٣ / ٣٢٨، والبحار: ٤٥ / ٢٩٢، وعوالم العلوم: ١٧ / ٥٨٩.

أبي جعفر محمد ](١) بن علي الباقرعليه‌السلام قال: كان أبي علي الحسين صلوات الله عليه يقول: أيّما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسينعليه‌السلام دمعة حتى تسيل على خدّه بوّأه الله بها في الجنة [ غرفاً يسكنها ](٢) أحقاباً، وأيّما مؤمن دمعت عيناه حتى تسيل على خدّه لأذىً مسّنا من عدوّنا في الدنيا بوّأه [ الله بها] (٣) في الجنة مبوّأ صدق، وأيّما مؤمن مسّه أذىً فينا فدمعت عيناه حتى تسيل على خدّه من مضاضة ما اوذي فينا صرف الله عن وجهه الأذى وآمنه يوم القيامة من سخطه والنار(٤) .(٥)

و رى بإسناده متّصل إلى الامام أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام قال: كان يقول: إنّ الجزع والبكاء مكروه للعبد في كلّ ما جزع ما خلا البكاء على الحسينعليه‌السلام فإنّه فيه مأجور.(٦)

وروى رضي الله عنه بإسناده متّصل بالامام أبي عبد اللهعليه‌السلام قال: من ذكر عنده الحسينعليه‌السلام فخرج من عينه [ من الدموع ](٧) مقدار جناح

____________

١ - أثبتناه لما يتطلّبه السياق.

٢ - من الكامل.

٣ - من الكامل.

٤ - كذا في الكامل، وفي الأصل: سخط النار.

٥ - تفسير القمّي: ٢ / ٢٩١، كامل الزيارات: ١٠٠ ح ١، ثواب الأعمال: ١٠٨ ح ١، الملهوف: في مقدمة المؤلف، عنها البحار: ٤٤ / ٢٨١ ح ١٣، وعوالم العلوم: ١٧ / ٥٢٦ ح ٤.

وأخرجه في مدينة المعاجز: ٤ / ١٥٢ ح ٢١٧، وعوالم العلوم: ١٧ / ٥٣٢ ح ١ عن القمّي.

٦ - كامل الزيارات: ١٠٠ ح ٢، عنه البحار: ٤٤ / ٢٩١ ح ٣٢، وعوالم العلوم: ١٧ / ٥٣٣ ح ٥.

٧ - من الكامل.

ذباب كان ثوابه على الله عز وجل ولم يرض له بدون الجنّة.(١)

وروى رضي الله عنه عن مسمع بن عبد الملك البصري قال: قال لي أبو عبد الله الصادقعليه‌السلام : يا مسمع، أنت من أهل العراق؟

قلت: نعم.

قال: أما تأتي قبر الحسينعليه‌السلام ؟

قلت: يا مولاي، أنا رجل مشهور عند أهل البصرة، وعندنا من يتبع هوى هذا الخليفة وأعداؤنا كثير من القبائل(٢) من النصّاب وغيرهم، ولست آمنهم أن يرفعوا خبري عند ولد سليمان فيمثّلون بي.

قال: أما تذكر ما صنع به؟

قلت: بلى والله.

قال: فتجزع؟

قلت: نعم والله وأستعبر لذلك حتى يرى أهلي ذلك(٣) ، فأمتنع من الطعام الشراب حتى يستبين ذلك في وجهي.

قال: رحم الله دمعتك، أما إنّك من الذين يعدّون في أهل الجزع لنا، والذين يفرحون لفرحنا، ويحزنون لحزننا، ويخافون لخوفنا، ويأمنون إذا أمنّا، أما إنّك سترى عند موتك حضور آبائي لك ووصيّتهم ملك الموت بك، وما

__________________

١ - كامل الزيارات: ١٠٠ ح ٣، عنه البحار: ٤٤ / ٢٩١ ح ٣٣، وعوالم العلوم: ١٧ / ٥٣٣ ح ٤.

٢ - في الكامل: من أهل القبائل.

٣ - في الكامل: أثر ذلك.

يلقونك به من البشارة أفضل لك(١) ، ثم استعبر واستعبرت معه، فقال: الحمد لله الذي فضّلنا على خلقه بالرحمة، وخصّنا أهل البيت بالرحمة.

يا مسمع، إنّ السماوات والأرض لتبكي منذ قتل أمير المؤمنين رحمة لنا، ومن يبكي لنا من الملائكة أكثر منكم، وما رقأت دموع الملائكة منذ قتلنا، وما بكى أحد رحمة لنا ولما لقينا إلارحمه‌الله قبل أن تخرج الدمعة من عينه، فإذا سالت دمعته(٢) على خدّه فلو أنّ قطرة من دموعه سقطت في جهنّم لأطفأت حرّها، حتى لا يوجد لها حرارة، وإن الموجع قلبه لنا ليفرح يوم يرانا عند موته فرحة لا تزال تلك الفرحة في قلبه حتى يرد علينا لاحوض، وإنّ الكوثر ليفرح بمحبّينا إذا وردوا عليه(٣) .

يا مسمع، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً، ولم يستق بعدها أبداً، وهو في برد الكافور، وريح المسك، وطعم الزنجبيل، أحلى من العسل، وألين من الزبد، وأصفى من الدمع، وأذكى من العنبر، يخرج من تسنيم، ويمرّ في أنهار الجنان، يجري على رضراض(٤) الدرّ والياقوت، فيه من القدحان أكثر من عدد نجوم السماء، يوجد ريحه من مسيرة ألف عام، قد حانه من الذهب والفضّة وألوان الجواهر، وما عين(٥) بكت لنا إلا نعمت بالنظر إلى الكوثر وسقيت منه(٦) ،

__________________

١ - زاد في الكامل: ولملك الموت أرقّ عليك وأشدّ رحمة لك من الاُمّ الشفيقة على ولدها، قال.

٢ - في الكامل: دموعه.

٣ - في الكامل: وإنّ الكوثر ليفرح بمحبّنا إذا ورد عليه حتى انّه ليذيقه من ضروب الطعام ما لا يشتهي أن يصدر عنه.

٤ - الرضراض: الحصى أو صغارها.

٥ - في الكامل: وما من عين.

٦ - زاد في الكامل: من أحبّنا، وإنّ الشارب منه ليُعطى من اللذّة والطعم والشهوة له أكثر ممّا يعطاه من هو دونه في حبّنا.

وإنّ على الكوثر أمير المؤمنينعليه‌السلام وفي يده عصا من عوسج يحطّم بها أعداءنا، فيقول الرجل منهم: إنّي أشهد الشهادتين، فيقول له: انطلق إلى إمامك فلان فاسأله أن يشفع لك إذ كان عندك خير الخلق فإنّ خير الخلق لا تردّ شفاعته، فيقول: يا مولاي، اهلكت من العطش(١) ، فيقول: زادك الله ظماً وزادك عطشاً.

قال مسمع: فقلت: يا مولاي، كيف يقدر على الدنوّ من الحوض ولم يقدر على غيره؟

قال: إنّه ورع عن أشياء قبيحة، وكفّ، شتمنا إذا ذكرنا، وترك أشياء اجترى عليها غيره، وليس ذلك لحبّنا، ولا لهوىً منه لنا، ولكن ذلك لشدّة اجتهاده في عبادته، ولما(٢) شغل به نفسه عن ذكر الناس، فأمّا قلبه فمنافق، ودينه النصب(٣) ، وولاية الماضين، وتقدّمه لهم على كلّ أحد.(٤)

وعن عبد الله بن بكير، قال: حججت مع أبي عبد اللهعليه‌السلام ، فقلت له يوماً: يا ابن رسول الله، لو نبش قبر الحسينعليه‌السلام هل كان يصاب في قبره شيء؟

فقال: يا ابن بكير، ما أعظم مسألتك(٥) ؟ إن الحسين بن عليعليه‌السلام

__________________

١ - في الكامل: فاسلأله أن يشفع لك، فيقول: تبرّأ منّي إمامي الذي تذكره، فيقول: ارجع إلى ورائك فقل للّذي كنت تتولّاه وتقدّمه على الخلق فاسأله إذا كان خير الخلق عندك أن يشفع لك، فإنّ خير الخلق من يشفع، فيقول: إنّي أهلك عطشاً.

٢ - في الكامل: ولما قد.

٣ - في الكامل: ودينه النصب، واتباعه أهل النصب.

والمراد من الماضين: الخلفاء الثلاثة.

٤ - كامل الزيارات: ١٠١ ح ٦، عنه البحار: ٤٤ / ٢٨٩ ح ٣١، وعوالم العلوم: ١٧ / ٥٢٩ ح ١٣.

٥ - في الكامل: مسائلك.

مع أبيه واُمّه وأخيه في منزل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومعه يرزقون ويحبرون، وإنّه لعن يمين العرش متعلّق به يقول: يا ربّ، انجز لي ما وعدتني، وإنّه لينظر إلى زوّاره لهو أعرف بأسمائهم(١) وأسماء آبائهم وما في رحالهم من أحدهم بولده، وإنّه لينظر إلى من يبكيه فيستغفر له، ويسأل أباه الاستغفار له، ويقول: أيّها الباكي، لو علمت ما أعدّ الله لك لفرحت أكثر ممّا حزنت، وإنّه ليستغفر له من كلّ ذنب وخطيئة.(٢)

وعن ابن أبي عمير بإسناد متّصل إلى أبي عبد الله، قال: من ذكرنا عنده ففاض من عينيه مثل جناح الذباب غفر الله له ذنوبه، ولو كانت مثل زبد البحر.(٣)

وروى الشيخ الجليل علي بن الحسين بن بابويه القمّي رضي الله عنه بإسناد متّصل إلى الإمام أبي الحسن الرضاعليه‌السلام قال: إنّ أبي كان إذا أهلّ شهر المحرّم لا يرى ضاحكاً، وكانت الكآبة والحزن غالبين عليه، فإذا كان يوم عاشوراء كان يوم جزعه ومصيبته، ويقول: في مثل هذا اليوم قتل جدّي الحسين صلوات الله عليه.(٤)

وروى ابن فضّال، عن أبيه، عن الرضا علي بن موسىعليه‌السلام قال:

__________________

١ - في الكامل: وإنّه أعرف بهم وبأسمائهم.

٢ - كامل الزيارات: ١٠٣ ح ٧، عنه البحار: ٤٤ / ٢٩٢ ح ٣٥ و ٣٦، وعوالم العلوم: ١٧ / ٥٣٣ ح ٨.

٣ - المحاسن للبرقي: ١ / ٦٣ ح ١١٠، عنه البحار: ٤٤ / ٢٨٩ ح ٣٠، وعوالم العلوم، ١٧ / ٥٢٧ ح ٦.

ورواه بهذا الاسناد ايضاً في كامل الزيارات: ١٠٣ ح ٨، عنه البحار: ٤٤ / ٢٨٤ ح ٢٠، وعوالم العلوم: ١٧ / ٥٢٨ ح ١٠.

٤ - أمالي الصدوق: ١١١ ح ٢، عنه البحار: ٤٤ / ٢٨٣ ح ١٧، وعوالم العلوم: ١٧ / ٥٣٨ ح ١.

من ترك السعي في حوائجه يوم عاشوراء قضى الله له حوائج الدنيا والآخرة، ومن كان يوم عاشوراء يوم جزعه وبكائه جعل الله يوم القيامة يوم فرحه وسروره، وقرّت بنا في الجنان عينه، ومن سمّى يوم عاشوراء يوم بركة أو ادّخر لمنزله فيه شيئاً لم يبارك له فيه، وحشره الله في زمرة يزيد وعبيد الله بن زياد وعمر بن سعد لعنهم الله في أسفل درك من النار.(١)

و روى الشيخ الفقيه جعفر بن محمد بن قولويه القمّي رضي الله عنه قال: بكى علي بن الحسين بن عليعليه‌السلام على أبيه صلوات الله عليه عشرين سنة أو أربعين سنة، وما وضع بين يديه طعام إلا بكى حتى قال له مولاه، جعلت فداك، يابن رسول الله، إنّي أخاف عليك أن تكون من الهالكين(٢) ، فقال: إنّما أشكو بثّي وحزني إلى الله وأعلم من الله مالا تعلمون، إنّي لم أذكر مصرع بني(٣) فاطمة الا خنقتني العبرة لذلك.(٤)

وروى رضي الله عنه قال: أشرف مولى لعلي بن الحسينعليه‌السلام وهو في سقيفة له ساجد يبكي، فقال له: يا مولاي، أما آن لحزنك أن ينقضي؟

فرفع رأسه إليه، فقال: يا ويلك ثكلتك اُمّك، والله لقد شكى يعقوب إلى ربّه

____________

١ - أمالي الصدوق: ١١٢ ح ٤، علل الشرائع: ٢٢٧ ح ٢، عيون أخبار الرضاعليه‌السلام : ١ / ٢٩٨ ح ٥٧، عنها البحار: ١٠١ / ١٠٢ ح ١ و ٢.

وأخرجه في البحار: ٤٤ / ٢٨٤ ح ١٨، وعوالم العلوم: ١٧ / ٥٣٩ ح ٣ عن الأمالي.

٢ - كذا في الكمال، وفي الأصل: الجاهلين.

٣ - كذا في الكمال، وفي الأصل ابن.

٤ - كامل الزيارات: ١٠٧ ح ١، عنه البحار: ٤٦ / ١٠٩ ح ٣، وعوالم العلوم: ٣٨ / ١٥٧ ح ٢.

ورواه الصدوق في الخصال: ٢٧٢ ح ١٥، والأمالي: ١٢١ ح ٥، عنهما البحار، ٤٦ / ١٠٩ ح ٢، وعوالم العلوم: ١٨ / ١٥٦ ح ١.

في أقلّ ممّا رأيت(١) حين قال: يا أسفي على يوسف، إنّه فقد ابناً واحداً، وأنا رأيت أبي وجماعة أهل بيتي يذبّحون حولي.

قال: وكان علي بن الحسينعليه‌السلام يميل إلى ولد عقيل، فقيل له: لما تميل إلى ابن عمّك هؤلاء دون أولاد جعفر(٢) ؟

قال: إنّي أذكر يومهم مع أبي عبد اللهعليه‌السلام فأرقّ لهم.(٣)

و روى أيضاً رضي الله عنه عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال: قال الحسينعليه‌السلام : أنا قتيل العبرة(٤) ، قتلت مكروباً، وحقيق عليّ أن لا يأتيني مكروب الا ردّه الله وقلبه إلى أهله مسروراً.(٥)

فيا أصحاب القلوب السليمة، والعقول المستقيمة، لا يظنّ ظانّ منكم بجهله، أو يلبس الشيطان على عقله، أنّ ما حلّ بالسبط الشهيد من البلاء العتيد لهوانه على ربّه، أو لنقص في زلفته وقربه، ولكن الحقّ سبحانه يبتلي عباده الصالحين بالتكاليف الشاقّة في أنفسهم وأجسادهم، ويختبر أولياءه المخلصين بالمحن المتتابعة في أموالهم وأولادهم، ويحثّهم على جهاد أعدائه بأقوالهم وأفعالهم، ويوفّقهم لامتثال أوامره ونواهيه في جميع أحوالهم، قال سبحانه:( وَلَوْ يَشَاءُ اللهُ لَانتَصَرَ مِنهُمْ وَلكِن لِيَبلُوَا بَعضَكُمْ بِبَعضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي

____________

١ - كذا في الكمال، وفي الأصل: ترى.

٢ - في الكمال: دون آل جعفر.

٣ - كامل الزيارات: ١٠٧ ح ٢، عنه البحار: ٤٦ / ١١٠ ح ٤، وعوالم العلوم: ١٨ / ١٥٨ ح ٤.

٤ - قال المجلسيرحمه‌الله : أي قتيل منسوب إلى العبرة والبكاء، وسبب لها، أو اُقتل مع العبرة والحزن وشدّة الحال، والأوّل أظهر.

٥ - كامل الزيارات: ١٠٩ ح ٧، عنه البحار: ٤٤ / ٢٧٩ ح ٦، وعوالم العلوم: ١٧ / ٥٣٦ ح ٣.

سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أعمَالَهُمْ ) (١) ، وقال سبحانه:( أنِّي لَا اُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنكُم مِن ذَكَرٍ أَو اُنثَى بَعضُكُمْ مِن بَعضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَاُخرِجُوا مِن دِيَارِهِم وَاُوذُوا فِي سِبيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لاُكَفِّرَنَّ عَنهُمْ سَيِّئاتِهِم وَلاُدخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجرِي مِن تَحتِهَا الأَنهَارُ ثَوَاباً مِن عِندِ اللهِ وَاللهُ عِندَهُ حُسنُ الثَّوَابِ ) (٢) ، وقال سبحانه:( أمْ حَسِبتُمْ أن تَدخُلُوا الجَنّةَ ولَمّا يَعلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ ) (٣) ( وَلَم يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلاَ المُؤمِنِينَ وَلِيجَةً ) (٤) .

و قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : البلاء(٥) موكل بالأنبياء، ثمّ بالأولياء، ثمّ بالأمثل فالأمثل(٦) .(٧)

____________

١ - سورة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله : ٤.

٢ - سورة آل عمران: ١٩٥.

٣ - سورة آل عمران: ١٤٢.

٤ - سورة التوبة: ١٦.

٥ - قال المجلسي رضي الله عنه في البحار: ٦٧ / ٢٠٠: البلاء: ما يختبر ويمتحن به من خير أو شرّ، وأكثر ما يأتي مطلقاً الشرّ، وما اُريد به الخير يأتي مقيّداً كما قال تعالى:( بَلاءً حَسَناً ) - سورة الأنفال: ١٧ -، وأصله: المحنة.

والله تعالى يبتلي عبده بالصنع الجميل ليمتحن شكره، وبما يكره ليمتحن صبره، يقال: بلاه الله بخير أو شرّ يبلوه بلواً بمعنى امتحنه، والاسم: البلاء مثل سلام.

٦ - قال ابن الأثير في النهاية: ٤ / ٢٩٦: الأمثل فالأمثل: أي الأشرف فالأشرف، والأعلى فالأعلى في الرتبة والمنزلة، ثمّ يقال: هذا أمثل من هذا أي أفضل وأدنى إلى الخير، وأماثل الناس: خيارهم.

٧ - روي هذا الحديث بألفاظ متفاوته، انظر:

مسند أحمد بن حنبل: ٦ / ٣٦٩، مستدرك الحاكم: ٤ / ٤٠٤، كنز العمّال: ٣ / ٣٢٦ ح ٦٧٧٨ و ٦٧٨٠ - ٦٧٨٤.

وروي عن الامام علي بن أبي طالب والامام الباقر والامام الصادقعليهم‌السلام ، انظر: الكافي: ٢ / ٢٥٢ ح ١ و ٤ وص ٢٥٩ ح ٢٩.

ويأتي في ص ٨٣ هامش ٩.

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : ولو أراد الله سبحانه بأنبيائه حيثُ بعثهم أن يفتح لهم كنوزَ الذهبان، ومعادن العِقيان(١) ، ومَغارس الجنان، وأن يحشرَ معهم طير السماء ووحوش الأرضين لفعل، ولو فعل ذلك لسقط البلاء(٢) ، وبطل الجَزاء، واضمحلّ(٣) الانباء، ولَما وجَبَ للقابلين اُجور المبتَلين، ولا استحقَّ المؤمنون(٤) ثواب المحسنين، ولا لزِمت الأسماءُ معانيها، ولكنّ الله سبحانه جعل رسلَه اُولي قوّةٍ في عزائمهم، وضَعَفةً فيما ترى الأعين من حالاتهم، مع قَناعةٍ تملأُ القلوب والعيون غنىً، وخصاصة(٥) تملأُ الأبصار والأسماع أذىً.

ولو كانت الأنبياء أهل قوةٍ لا تُرامُ، وعزّةٍ لا تُضامُ، ومُلكٍ تُمدُّ نحوه أعناق الرجال [ وتشدّ إليه عُقَدُ الرحالِ ](٦) ، لكان ذلك أهون على الخلق في الاعتبار، وأبعد لهم عن الاستكبار، ولآمنوا عن رهبةٍ قاهرةٍ لهم، أو رغبة مائلةٍ بهم، فكانت النيّات مشتركةً، والحسنات مقتسمةً، ولكنّ الله سبحانه أراد أن يكون الاتّباع لرسله، والتصديق بكتبه، والخشوع لوجهه، والاستكانة لأمره، والاستسلام لطاعته، اموراً له خاصّةً، لاتَشوبها من غيرها شائبة، فكلّما كانت البلوى والاختبار أعظم كانت المثوبة والجزاءُ أجزلَ.(٧)

روى حنّان بن سدير، عن ابي عبد اللهعليه‌السلام [ قال: آمن مع نوح من

__________________

١ - الذهبان: جمع ذهب. والعِقبان: نوع من الذهب ينمو في معدنه.

٢ - أي الامتحان الذي به يتميّز الخبيث من الطيّب.

٣ - في النهج: اضمحلّت. والمراد: سقط الوعد والوعيد.

٤ - كذا في النهج، وفي الأصل: الموصوف، وهو تصحيف.

٥ - خصاصة: فقر وحاجة.

٦ - من النهج.

٧ - نهج البلاغة: ٢٩١ خطبة رقم ١٩٢ « الخطبة القاصعة »، عنه البحار: ٦ / ١١٤ ح ١١ ( قطعة )، وج ١٣ / ١٤١ ح ٦١ ( قطعة )، وج ١٤ / ٤٦٩.

ويأتي في ص ٦٥ أيضاً.

من قومه ثمانية نفر.

و في حديث وهب بن منبّه ](١) أن نوحاًعليه‌السلام دعا قومه إلى الله حتى انقرضت ثلاثة قرون منهم، كلّ قرن ثلاثمائة سنة يدعوهم سرّاً وجهراً فلا يزدادون إلا طغياناً، ولا يأتي منهم قرن إلا كان أعتى على الله من الذين من قبلهم، وكان الرجل منهم يأتي بابنه وهو صغير فيقيمه على رأس نوح فيقول: يا بنيّ، إن بقيت بعدي فلا تطيعنّ هذا المجنون.

وكانوا يثورون إلى نوح فيضربونه حتى يسيل مسامعه دماً، وحتى لا يعقل شيئاً ممّا يصنع به فيحملِ ويرمى [ به ](٢) في بيت أو على باب داره مغشيّاً عليه، فأوحى الله تعالى إليه:( أَنَّهُ لَنْ يُؤمِنُ مِن قَومِكَ إلاَّ مَن قَدْ آمَنَ ) (٣) ، فعندها أقبل بالدعاء عليهم ولم يكن دعا عليهم قبل ذلك فقال:( رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الأَرضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّاراً ) (٤) إلى آخر السورة.

فأعقم الله تعالى أصلاب الرجال وأرحام النساء فلبثوا أربعين سنة لا يولد لهم [ ولد ](٥) ، وقحطوا في تلك الأربعين سنة حتى هلكت أموالهم وأصابهم الجهد والبلاء، فقال لهم نوح:( استَغفِرُوا رَبَّكُمْ إنَّهُ كَانَ غَفَّاراً ) (٦) فأعذر إليهم وأنذر فلم يزدادوا الا كفراً، فلمّا يئس منهم أقصر عن كلامهم ودعا عليهم حتى أغرقهم الله سبحانه.(٧)

____________

١ و ٢ و ٥ - من المجمع.

٣ - سورة هود: ٣٦.

٤ - سورة نوح: ٢٦.

٦ - سورة نوح: ١٠.

٧ - مجمع البيان: ٢ / ٤٣٤ - ٤٣٥، عنه البحار: ١١ / ٢٩٩.

وانظر: قصص الأنبياء: ٨٤ ح ٧٥ و ٧٦، عنه البحار: ١١ / ٢٨٧ ح ٩.

و هذا إبراهيمعليه‌السلام خليل الله وصفيّه لمّا كسر الأصنام وجعلها أجذاذاً، وقطعها بشدّة عزمه أفلاذاً(١) قال بعضهم لبعض:( حَرِّقُوهُ - بالنار -وَانصُرُوا آلِهَتَكُم إن كُنتُم فَاعِلينَ ) (٢) أي ناصريها، والمعنى: أنّكم لا تنصرونها الا بتحريقه بالنار ؛ قيل: وكان الذي أشار بتحريق إبراهيم بالنار رجل من أكراد فارس، فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل(٣) فيها إلى يوم القيامة ؛ وقيل: إنّما قاله نمرود.(٤)

قال السدّي: فجمعوا له الحطب حتى انّ الرجل منهم ليمرض فيوصي بكذا وكذا من ماله فيُشترى به حطب، وحتى انّ المرأة لتغزل فتشتري به حطباً حتى جمعوا من ذلك ما أرادوا، فلمّا أرادوا أن يلقوه في النار لم يدروا كيف يلقونه، لأنّهم كانوا قد صنعوا للنار حائطاً طوله ثلاثون ذراعاً، وعرضه عشرة، وملؤوه حطباً، وأجّجوا فيه النار، ولم يقدروا من الدنوّ من النار لشدّة حرّها، فجاء إبليس فصنع لهم المنجنيق(٥) ، وهي أوّل منجنيق صنعت فوضعوه فيها، ثمّ رموه، قال الله سبحانه:( قُلنا يَا نَارُ كُونِي بَرداً وَسَلَاماً عَلَى إبرَاهِيمَ ) (٦) .

قال أبو العالية: لو لم يقل سبحانه:( وَسَلَاماً ) لكانت تؤذيه من شدّة

____________

١ - أجذاذاً: أي قِطَعاً، وكِسَراً. « النهاية: ١ / ٢٥٠ - جذذ - ».

والأفلاذ: جمع فِلَذٍ، والفِلَذُ: جمع فِلذَة، وهي القطعة المقطوعة طولاً: « النهاية ٣ / ٤٧٠ - فلذ - ».

٢ - سورة الأنبياء: ٦٨.

٣ - كذا في المجمع، وفي الأصل والبحار: يتخلخل.

وتَجَلجَلَ في الأرض: أي ساخ فيها ودخل. « لسان العرب: ١١ / ١٢١ - جلل - ».

٤ - زاد في المجمع: وفي الكلام حذف.

٥ - في المجمع: فجاء إبليس فدلّهم على المنجنيق.

٦ - سورة الأنبياء: ٦٩.

بردها، ولكان بردها أشدّ عليه من حرّها فصارت سلاماً(١) عليه، ولو لم يقل( عَلَى إبرَاهِيم ) لكان بردها باقياً إلى الأبد.

قال الصادقعليه‌السلام : لمّا اُجلس إبراهيم في المنجنيق وأرادوا أن يرموا به في النار أتاه جبرئيلعليه‌السلام وقال: السلام عليك يا إبراهيم [ ورحمة الله وبركاته ](٢) ، ألك حاجة؟

فقال: أمّا إليك فلا، فلمّا طرحوه دعا الله سبحانه فقال: يا الله، يا واحد، يا أحد، يا صمد، يا من لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، فحسرت النار عنه، فرأوه وانّه لمحتبٍ ومعه جبرئيلعليه‌السلام وهما يتحدّثان في روضة خضراء.

وروي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّ نمرود الجبّار لمّا ألقى إبراهيمعليه‌السلام في النار نزل إليه جبرئيلعليه‌السلام بقميص من الجنّة وطنفسة(٣) من الجنّة فألبسه القميص وأقعده على الطنفسة وقعد معه يحدّثه تمام الخبر.

قال كعب: لم تحرق منه النار غير وثاقه، قال الله سبحانه:( وَأرَادُوا بِهِ كَيداً فَجَعَلنَاهُمُ الأخسَرِينَ ) .(٤)

قال ابن عبّاس: هو ان الله سبحانه سلّط على نمرود وخيله البعوض حتى أخذت لحومهم، وشربت دماءهم، ووقعت واحدة في دماغه فأهلكته.(٥)

__________________

١ - كذا في المجمع، وفي الأصل: سلامة.

٢ - من المجمع.

٣ - كذا في المجمع، وفي الأصل: وطبقة، وكذا في الموضع الآخر.

والطنفِسَة والطنفُسَة: النُمرُقة فوق الرحل ؛ وقيل: هي البساط الذي له خَملٌ رقيق. « لسان العرب: ٦ / ١٢٧ - طنفس - ».

٤ - سورة الأنبياء: ٧٠.

٥ - مجمع البيان: ٤ / ٥٤ - ٥٥، عنه البحار: ١٢ / ٢٣ - ٢٥.

ثمّ انّ الله سبحانه ابتلاه كما ذكر في محكم كتابه بالكلمات التي أتمّها، والمحن التي احتملها، ووفّى بها حتى أثنى الله سبحانه عليه في كتابه بقوله:( وَإبرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ) (١) والابتلاء هو الاختبار، وسمّي ذلك اختباراً لأنّ ما يستعمله الانسان ينافي مثل ذلك(٢) يجري على جهة الاختبار والامتحان فأجرى سبحانه على أمره اسم اُمور العباد على طريق الاتّساع، وحقيقة الابتلاء تشديد التكليف.

ووجه آخر هو انّ الابتلاء على ضربين ؛ أحدهما يستحيل عليه سبحانه، والآخر جائز، فالمستحيل هو أن يختبره ليعلم ما تكشف الأيّام عنه وهذا لا يصحّ عليه سبحانه، لأنّه علّام الغيوب، والآخر أن يبتليه حتى يصبر على ما يبتليه فيكون ما يعطيه على سبيل الاستحقاق، ولينظر إليه الناظر فيقتدي به فيعلم من حكمة الله سبحانه انّه لم يكل(٣) أسباب الامامة الا إلى الكافي المستقلّ بها الذي كشفت الأيّام عنه، وممّا ابتلاه في نفسه ما ذكرناه أوّلاً وفي أهله حين خلص الله حرمته من عبادة القبطي، ثم في ولده حين اُمر بذبح ولده في قوله:( إنّي أرَى فِي المَنامِ أنّي أذبَحُكَ ) (٤) .(٥)

روى محمد بن إسحاق بن يسار(٦) أنّ إبراهيمعليه‌السلام كان إذا أراد إسماعيل وهاجر حمل على البراق، فيغدو من الشام ويقيل بمكّة، ويروح من

__________________

١ - سورة النجم: ٣٧.

٢ - في المجمع: لأنّ ما يستعمل الأمر منّا في مثل ذلك.

٣ - كذا في الخصال، وفي الاصل: يكمل، وفي المجمع: تكن.

٤ - سورة الصافّات: ١٠٢.

٥ - الخصال: ٣٠٥ - ٣٠٦ ح ٨، عنه البحار: ١٧ / ٦٦ - ٦٧.

وانظر مجمع البيان: ١ / ٢٠٠ - ٢٠١.

٦ - كذا في المجمع، وفي الأصل: محمد بن إبراهيم بن بشّار.

مكّة فيبيت في الشام عند أهله، حتى إذا بلغ إسماعيل السعي اُري في المنام أن يذبحه، فقال: يا بنيّ، خذ المدية والحبل وانطلق بنا إلى الشعب لنحتطب، فلمّا خلا إبراهيم بابنه في شعب ثبير أخبره بما قد ذكره الله عنه، فقال: يا أبت اشدد رباطي حتى لا أضطرب، واكفف عنّي ثيابك حتى لا تنتضح بدمي فتراه والدتي، واشحذ شفرتك، وأسرع مرّ السكّين على عنقي ليكون أهون عليّ فإنّ الموت شديد.

فقال إبراهيم: نعم العون أنت يا بنيّ على أمر الله.

قال: فأقبل شيخ على إبراهيم، فقال: يا إبراهيم، ما تريد من هذا الغلام؟

قال: اُريد أن أذبحه.

فقال: سبحان الله! تريد أن تذبح غلاماً لم يعص الله طرفة عين قطّ.

قال إبراهيم: إن الله أمرني بذلك.

قال: ربّك ينهاك عن ذلك، وإنّما أمرك بهذا الشيطان.

فقال إبراهيم: لا والله، ثمّ قال الغلام: يا أبت، حمّر وجهي، واشدد وثاقي.

فقال إبراهيم: الوثاق مع الذبح والله لا أجمعهما عليك اليوم، ثم تلّه لجبينه وأخذ المدية بيمينه، هذا والملائكة تنتحب والأرض تنحب، ثمّ رفع رأسه إلى السماء وانحنى عليه بالمدية، وقلب جبرئيل المدية على قفاها واجتر إليه الفدية من ثبير، واجتر الغلام من تحته، ووضع الكبش مكان الغلام، ونودي من ميسرة مسجد الخيف:( أنْ يَا إبرَاهِيمُ قَد صَدَّقتَ الرُّؤيَا إنَّا كَذلِكَ نَجزِي المُحسِنِينَ إنَّ هذا لَهُوَ البَلَاءُ المُبِينُ ) (١) .

__________________

١ - سورة الصافات: ١٠٤ - ١٠٦.

قال: ولحق إبليس باُمّ الغلام حين زارت البيت، فقال لها: ما شيخ رأيته بمنى؟

قالت: ذاك بعلي.

قال: فوصيف رأيته؟

قالت: ذاك ابني.

قال: فإنّي رأيته وقد أضجعه، وأخذ المدية ليذبحه.

قالت: كذبت! إبراهيم أرحم الناس، فكيف يذبح ابنه؟

قال: فوربّ السماء والأرض، وربّ هذه الكعبة، قد رأيته كذلك.

قالت: ولم؟

قال: زعم أنّ ربّه أمره بذلك.

قالت: حقّ له أن يطيع ربّه، فوقع في نفسها أنّه قد اُمر في ابنها بأمرٍ، فلمّا قضت منسكها(١) أسرعت في الوادي راجعة إلى منى، واضعة يدها(٢) على رأسها، فلمّا جاءت [ سارة ](٣) واُخبرت الخبر، قامت إلى ابنها تنظر مكان السكّين من نحره فوجدته خدشاً في حلقه، ففزعت واشتكت، وكان بدؤ مرضها الذي هلكت فيه.(٤)

وهذا يعقوب إسرائيل الله ابتلاه الله بفراق يوسف، فبكى عليه حتى

____________

١ - في المجمع: نسكها.

٢ - في المجمع: يديها.

٣ - من المجمع.

٤ - مجمع البيان: ٤ / ٤٥٤ - ٤٥٥، عنه البحار: ١٢ / ١٣٥.

وانظر قصص الأنبياء: « المسمّى عرائس المجالس » للثعلبي: ٩٣ - ٩٤.

ابيضّت عيناه من الحزن فهو كظيم(١) .

ر وى أبو حمزة الثمالي، عن علي بن الحسينعليه‌السلام أنّ يعقوب كان يذبح كلّ يوم كبشاً يتصدّق منه ويأكل هو وعياله، وأنّ سائلاً مؤمناً صوّاماً قوّاماً اعترى باب يعقوب عشيّة جمعة عند أوان إفطاره، وكان مجتازاً غريباً فهتف على بابه فاستطعم هو وهم يسمعونه فلم يصدّقوا قوله، فلمّا يئس أن يطعموه وغشيه الليل استعبر وشكا جوعه إلى الله سبحانه، ورات طاوياً، واصبح صائماً صابراً حامداً لله تعالى، وبات يعقوب وآل يعقبو بطاناً، وأصبحوا وعندهم فضلة من طعامهم، فابتلاه الله سبحانه في يوسفعليه‌السلام ، وأوحى إليه أن استعدّ لبلائي، وارض بقضائي، واصبر للمصائب، فرأى يوسف الرؤيا في تلك الليلة.

وروي أنّ يعقوبعليه‌السلام كان شديد الحبّ ليوسف، وكان يوسف من أحسن الناس وجهاً.

وروي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال: اُعطي يوسف شطر الحسن، والنصف الآخر لسائر الناس.

وقال كعب الأحبار: كان يوسف حسن الوجه، جعد الشعر، ضخم العين، مستوي الخلقة، أبيض اللون، وكان إذا تبسّم رأيت النور في ضواحكه، وإذا تكلّم رأيت شعاع النور يلتهب عن ثناياه، ولا يستطيع أحد وصفه، وكان حسنه كضوء النهار عن(٢) الليل، وكان يشبه آدمعليه‌السلام يوم خلقه الله عزّ وجلّ

____________

١ - إشارة للآية: ٨٤ من سورة يوسف.

٢ - في المجمع: عند.

وصوّره ونفخ فيه من روحه.(١)

فحسده إخوته ودبّروا في أمره، وذلك انّ يعقوب كان شديد الحبّ ليوسف، وكان يؤثره على سائر أولاده فحسدوه، ثم رأى الرؤيا فصار حسدهم له أشدّ.

وقيل: إنّ يعقوبعليه‌السلام كان يرحمه وأخاه لصغرهما فاستثقلوا ذلك، ودبّروا في هلاكه كما حكى سبحانه عنهم في قوله:( اقتُلُوا يُوسُفَ أوِ اطرَحُوهُ أرضاً يَخلُ لَكُمْ وَجهُ أبِيكُمْ ) (٢) أي اطرحوه في أرض بعيدة عن أبيه فلا يهتدي إليه.(٣)

ولمّا أقبلوا إلى أبيهم وسألوه أن يرسل يوسف معهم وأظهروا النصيحة والمحبّة والشفقة على يوسف، ولمّا همّ يعقوب أن يبعثه معهم وحثّهم على حفظه، وقال:( إنّي لَيَحُزُنُنِي أن تَذهَبُوا بهِ وَأَخَافُ أن يَأكُلَهُ الذِّئبُ وَأنتُم عَنهُ غَافِلُونَ ) (٤) وكانت أرضهم مذأبة، وكانت الذئاب ضارية في ذلك الوقت.

وقيل: إنّ يعقوب رأى في منامه كان يوسف قد شدّ عليه عشرة أذؤب ليقتلوه، وإذا ذئب منها يحمي عنه، فكأنّ الأرض انشقّت فدخل فيها يوسف فلم يخرج الا بعد ثلاثة أيّام، فمن ثمّ قال ذلك فلقّنهم العلّة وكانوا لا يدرون.

وروي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: لا تلقّنوا الكذب فيكذبوا، فإنّ بني يعقوب لم يعلموا أنّ الذئب يأكل الانسان حتى لقّنهم أبوهم.

__________________

١ - مجمع البيان: ٣ / ٢١٢ و ٢٢٠.

٢ - سورة يوسف: ٩.

٣ - مجمع البيان: ٣ / ٢١٢.

٤ - سورة يوسف: ١٣.

وهذا يدلّ على أنّ الخصم لا ينبغي أن يلقن حجّة.

ولمّا ذهبوا به أخرجوه عن يعقوب مكرّماً، فلمّا وصلوا إلى الصحراء أظهروا له العداوة وجعلو يضربونه وهو يستغيث بواحد واحد منهم فلا يغيثه، وكان يقول: يا أبتاه، فهمّوا بقتله، فمنعهم يهوذا - وقيل: لاوي - فذهبوا به إلى الجبّ، فجعلوا يدلونه فيه وهو يتعلّق بشفيره، ثمّ نزعوا عنه قميصه وهو يقول: لا تفعلوا، ردّوا عليّ القميص أتوارى به.

فيقولون: ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكباً يؤنسنك(١) ، فدلّوه في البئر حتى إذا بلغ نصفها فألقوه إرادة أن يموت وكان في البئر ماء فسقط فيه، ثمّ آوى إلى صخرة فيها فقام عليها، وكان يهوذا يأتيه بالطعام.

وقيل: وكّل الله به ملكاً يحرسه ويطعمه.

وقيل: إنّ إبراهيمعليه‌السلام لمّا اُلقي في النار عرياناً أتاه جبرئيلعليه‌السلام بقميص من حرير الجنّة فألبسه إيّاه، فكان ذلك القميص عند إبراهيمعليه‌السلام ، فلمّا مات ورثه إسحاق، فلمّا مات إسحاق ورثه يعقوب، فلمّا شبّ يوسف جعل يعقوب ذلك القميص في تعويذ وعلّقه في عنق يوسف، فكان لا يفارقه، فلمّا اُلقي في البئر عرياناً جاء جبرئيل وكان عليه ذلك التعويذ، فأخرج منه القميص وألبسه إيّاه.

قيل: وهو القميص الذي وجد يعقوب ريحه لمّا فصلت العير من مصر، وكان يعقوب بفلسطين فقال:( إنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ) (٢) .

وفي كتاب النبوّة، عن الحسن بن محبوب، عن الحسن بن عمارة، عن

__________________

١ - كذا في المجمع، وفي الأل: والإحدى عشر كوكباً تؤنسك.

٢ - سورة يوسف: ٩٤.

مسمع أبي سيّار(١) ، عن الصادقعليه‌السلام قال: لمّا ألقى إخوة يوسف يوسف في الجبّ نزل عليه جبرئيل وقال: يا غلام، من طرحك في الجبّ؟

قال: إخوتي لمنزلتي من أبي حسدوني، ولذلك في الجبّ طرحوني.

فقال: أتحبّ أن تخرج من هذا الجبّ؟

فقال: ذاك إلى إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب.

فقال له جبرئيل: إنّ إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب يقول لك: قل: اللّهمّ إنّي أسألك [ بأن لك الحمد لا إله الا أنت بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والاكرام ](٢) أن تصلّي على محمد وآل محمد، وأن تجعل لي من أمري فرجاً ومخرجاً، وترزقني من حيث أحتسب ومن حيث لا أحتسب، فجعل الله له من ذلك يومئذ فرجاً، ومن كيد المرأة مخرجاً، وآتاه ملك مصر من حيث لم يحتسب.

وروي أنّ يوسفعليه‌السلام قال في الجب: يا إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ارحم ضعفي وقلّة حيلتي وصغري.

قال مجاهد: أوحى الله إليه وهو في الجبّ ونبّأه وأوحى إليه أن اكتم حالك، واصبر على ما أصابك، فإنّك ستخبر(٣) إخوتك بما فعلوا بك في وقت لا يعرفونك.

ولمّا فعلوا بيوسف ما فعلوا جاءوا أباهم عشاءً يبكون(٤) كما ذكر سبحانه

__________________

١ - كذا في المجمع، وفي الاصل: مسمع بن سيّار.

٢ - من المجمع.

٣ - كذا في المجمع، وفي الاصل: تجير.

٤ - إشارة إلى الآية: ١٦ من سورة يوسف.

ليلبسوا على أبيهم، وإنّما أظهروا البكاء ليوهموا أنّهم صادقون، وفي هذا دلالة على أنّ البكاء لا يوجب صدق دعوى الباكي في دعواه.

ولمّا سمع يعقوب بكاءهم وصياحهم فزع وقال: ما لكم؟

فقالوا:( يَا أَبَانَا ذَهَبنَا نَستَبِقُ - على الأقدام ؛ وقيل: ننتصل(١) ونترامى فننظر أيّ السهام أسبق -وَتَرَكنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئبُ وَمَا أنتَ بِمُؤمِنٍ لَنَا - أي مصدّق -وَلَو كُنَّا صَادِقِينَ ) (٢) . وأظهروا ليعقوب قميص يوسف ملطّخاً بالدم، وقالوا: هذا دم يوسف حين أكله الذئب ؛ قيل: إنّهم ذبحوا سخلة وجعلوا دمها على القميص ولم يمزّقوا الثوب، ولم يخطر ببالهم انّ الذئب إذا أكل إنساناً يمزّق ثوبه ؛ وقيل: إنّ يعقوب قال: أروني القميص، فأروه إيّاه، فلمّا رآه صحيحاً قال: يا بنيّ، ما رأيت ذئباً أحلم من هذا الذئب! أكل ابني ولم يخرق قميصه.

وقيل: إنّه لمّا قال لهم يعقوب ذلك، قالوا: بل قتله اللصوص.

فقالعليه‌السلام : فكيف قتلوه وتركوا قميصه وهم إليه أحوج من قتله؟( بَل سَوَّلَتْ لَكُمْ أنفُسُكُمْ أمراً - أي زيّنت لكم -فَصَبرٌ جَمِيلٌ ) (٣) أي صبري صبر جميل لا أشكو إلى الناس.

وقيل: إنّما يكون الصبر جميلاً إذا قصد به وجه الله تعالى، وفعل للوجه الذي وجب.

وقيل: إنّ البلاء نزل على يعقوب في كبره، وعلى يوسف في صغره بلا

__________________

١ - كذا في المجمع، وفي الأصل: نتناصل.

٢ - سورة يوسف: ١٧.

٣ - سورة يوسف: ١٨.

ذنب كان منهما، فأكبّ يعقوب على حزنه، وانطلق يوسف في رقّه، وكان(١) ذلك بعين الله سبحانه يسمع ويرى، وكلّ ذلك امتحان من الله، ومكث يوسفعليه‌السلام في الجبّ ثلاثة أيّام.(٢)

ثم جاءت السيارة من قبل مدين يريدون مصر فأخطأوا الطريق، وانطلقوا يهيمون حتى نزلوا قريباً من الجب، وكان الجب في قفرة بعيدة من العمران، وإنّما هو للرعاة والمجتازة، وكان ماؤه ملحاً فعذب، فبعثوا رجلاً يقال له مالك بن داغر(٣) ليطلب الماء( فأدلَى دَلوَهُ ) فتعلّق يوسفعليه‌السلام بالدلو(٤) ، فلمّا خرج إذا هو بغلام أحسن ما يكون.

فنادى أصحابه وقال:( يَا بُشرَى هذَا غُلَامٌ وَأسَرُّوهُ ) (٥) من أصحابهم لئلّا يطلبوا منهم الشركة فيه، وكانت إخوته قريب منهم فآتوهم وقالوا: هذا عبد لنا أبق منّا واختفى في الجب(٦) ، وقالوا له بالعبرانية: لئن قلت أنا أخوهم قتلناك، فتابعهم(٧) على ذلك لئلّا يقتلوه، وطلبوا من القافلة أن يشروه منهم، فأذعنوا لهم بذلك، فشروه منهم كما قال سبحانه:( وَشَرَوهُ بِثَمَنٍ بَخسٍ دَرَاهِمَ مَعدُودَةٍ ) (٨) أي ناقص لا بركة فيه لأنّه حرام، وقوله سبحانه:( مَعدُودَة ) أي قليلة، وذكر العدد عبارة عن القلّة، وقيل: إنّهم كانوا لا يزنون من الدراهم دون

__________________

١ - في المجمع: وكلّ.

٢ - مجمع البيان: ٣ / ٢١٦ - ٢١٨. وانظر: عرائس المجالس: ١١٠ - ١١٦.

٣ - في العرائس: دعر، وفي المجمع: زعر، وكذا في الموضع الآتي.

٤ - في المجمع: بالحبل.

٥ - سورة يوسف: ١٩.

٦ - في المجمع: الموضع.

٧ - كذا في المجمع، وفي الأصل: فبايعهم.

٨ - سورة يوسف: ٢٠.

الاُوقية، وكانوا يزنون الاُوقية وهي أربعون درهماً فما زاد عليها ؛ وقيل: كانت الدراهم عشرين، وكانوا إخوته عشرة فاقتسموها درهمين درهمين.

ذكر أبو حمزة الثمالي أنّ مالك بن داغر وأصحابه لم يزالوا يتعرّفون من الله الخير في سفرهم ذلك حتى فارقوا يوسف ففقدوا ذلك، وتحرّك قلب مالك ليوسف فأتاه، فقال: اخبرني من أنت؟

فانتسب له يوسف ولم يكن مالك يعرفه، فقال: أنا يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فالتزمه مالك وبكى وكان مالك رجلاً عاقراً لا يولد له، فقال ليوسف: لو دعوت ربّك أن يهب لي ولداً، فدعا يوسف ربّه أن يهب له ولداً ويجعلهم ذكوراً، فولد له اثنا عشر بطناً، في كلّ بطن غلامان( وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ ) (١) أي من الزاهدين في شرائه لأنّهم لم يروا عليه آثار العبوديّة، ووجدوا فيه علامات الأحرار، فلذلك زهدوا فيه.(٢)

ولمّا عرض للبيع في سوق مصر تزايدوا فيه حتى بلغ ثمنه وزنه ورقاً ومسكاً وحريراً، فاشتراه العزيز بهذا الثمن، وقال لامرأته راعيل - ولقبها زليخا -:( أكرِمِي مَثواهُ عَسَى أن يَنفَعَنَا أَو نَتَّخِذَهُ وَلَداً ) (٣) ، وإنّما قال ذلك لما رأى على يوسف من الجمال والعقل والهداية في الأمور، والعزيز هو خان الملك وخليفته وكان اسمه اطفير(٤) ، والمل هو الريان بن الوليد(٥) وكان أصله

__________________

١ - سورة يوسف: ٢٠.

٢ - مجمع البيان: ٣ / ٢١٩ - ٢٢٠. وانظر: عرائس المجالس: ١١٦.

٣ - سورة يوسف: ٢١.

٤ - في العرائس: قطفير بن رحيب، وفي المجمع: واسمه قطفير، وكان لا يأتي النساء ؛ وقيل: إنّ اسمه اظفير.

٥ - في العرائس: الريان بن الوليد بن ثروان بن أراشة بن قاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوحعليه‌السلام .

من العماليق ؛ وقيل: إنّه لم يمت حتى آمن بيوسف واتّبعه على دينه، ثم مات ويوسفعليه‌السلام حيّ فملك بعده قابوس بن مصعب(١) ، فدعاه يوسف إلى الاسلام فأبى أن يقبل.(٢)

ولمّا أن استقرّ في منزل اطفير راودته زوجته زليخا عن نفسه، ورامت منه أن يواقعها، وعلق قلبها بحبّه لما رأت من جماله وهيبته ؛ قيل: إنّ يوسفعليه‌السلام كان إذا مشى في أزقّة مصر أشرق نور وجهه على الحيطان كما يشرق نور انعكاس نور الشمس على الحائط إذا قابلت الماء، كما قال سبحانه:( وَلَقد هَمَّت بِهِ وَهَمَّ ِبهَا ) معناه همّت هي بالفاحشة وهمّ يوسف بضربها ودفعها عن نفسه كما يقال: هممت بفلان أي بضربة أو إيقاع مكروه به، فيكون معنى رؤية البرهان أن الله سبحانه أراه برهاناً على انّه إن أقدم على ما همّ به أهلكه أهلها أو قتلوه، أو ادّعت عليه المراودة على القبيح وقذفته بأنّه دعها إليه وضربها لامتناعها منه فأخبر سبحانه أنّه صرف عنه السوء والفحشاء اللذين هما القتل وظنّ اقتراف الفاحشة به ويكون التقدير:( لَو لا أن رَأَى بُرهَان رَبِّهِ ) لفعل ذلك.(٣)

ويؤيّد انّه لم يهمّ بالفاحشة قوله سبحانه:( كَذلِكَ لِنَصرِفَ عَنهُ السُّوءَ وَالفَحشَاءَ ) (٤) وقوله ذلك ليعلم أنّي لم أخنه بالغيب.(٥)

ثم انّ يوسف لمّا رأى شدّة إقبالها عليه والتزامها له ولّى فارّاً منها قاصداً

__________________

١ - في العرائس: قابوس بن مصعب بن معاوية بن نمير بن السلواس بن فاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوحعليه‌السلام .

٢ - مجمع البيان: ٣ / ٢٢١. وانظر: عرائس المجالس: ١١٧.

٣ - مجمع البيان: ٣ / ٢٢٣ - ٢٢٤. وانظر: عرائس المجالس: ١١٨.

٤ - سورة يوسف: ٢٤.

٥ - مجمع البيان: ٣ / ٢٢٥.

للخروج من الباب، فسبقته إلى الباب وأرامت منعه من الخروج لتقضي شهوتها منه، ورام هو الفرار منها، فلحقته قبل أن يصل إلى الباب، والتزمته بقميصه من ورائه فقدّته - كما حكى سبحانه - وإذا سيّدها من وراء الباب، فلمّا رأته اندهشت وورّكت الذنب(١) على يوسف لتبرئ ساحتها عند زوجها وقالت:( مَا جَزَاءُ مَن أرَادَ بِأَهلِكَ سُوءاً إلَّا أن يُسجَنَ أو عَذَابٌ أَليمٌ ) (٢)

وأراد يوسف براءة ساحته فقال:( هِي رَاوَدَتنِي عَن نَفسِي ) لمّا ذكرت المرأة ذلك لم يجد يوسف بدّاً من تنزيه نفسه، ولو كفّت عن الكذب لم يذكر يوسف شيئاً من ذلك،( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِن أهلِهَا ) وهو صبيّ في المهد ؛ قيل: إنّه كان ابن اُخت زليخا وهو ابن ثلاثة أشهر، فقال:( إن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ وَإن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَت وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) (٣) لأنّه لو كان مقبلاً عليها لكان قميصه قدّ من قبل، فلمّا كان فارّاً منها كان القدّ من دبر لأنّه هو الهارب منها، وهي الطالبة له، وهذا الأمر ظاهر، فلمّا رأى زوجها ذلك علم خيانة المرأة، فقال:( إنَّهُ مِن كَيدِكُنَّ إنَّ كَيدَكُنَّ عَظِيمٌ ) (٤) ثم أقبل على يوسف، فقال:( يُوسُفُ أعرِض عَن هذا ) ولا تذكر هذا الحديث طلباً للبراءة فقد ظهر صدقك وبراءتك، ثم أقبل على زليخا وقال:( وَاستَغفِرِي لِذَنبِك ) (٥) ؛ قيل: إنّه لم يكن غيوراً فسلبه الله الغيرة لطفاً منه بيوسف حتى كفي شرّه، ولهذا قال ليوسف:( أعرِض عَن هذَا ) ، واقتصر على

__________________

١ - وَرّكَ فلان ذنبه على غيره تَوْريكاً: إذا أضافه إليه وقَرَفَه به، وإنّه لمُوَرّكٌ في هذا الأمر: أي ليس له فيه ذنب. « لسان العرب: ١٠ / ٥١٢ - ورك - ».

٢ - سورة يوسف: ٢٥.

٣ - سورة يوسف: ٢٦ و ٢٧.

٤ و ٥ - سورة يوسف: ٢٨ و ٢٩.

هذا القدر، ثم قال لها:( وَاستَغفِرِي لِذَنبِكِ ) فإنّ الذنب منك.(١)

ثم قال الله سبحانه:( ثُمَّ بَدَا لَهُم مِن بَعدِ مَا رَأوُا الآيَاتِ ) (٢) ، وذلك انّ زليخا لم تزل تفتِل منه(٣) في الذِّروْةِ، والغارب(٤) ، وكان مطواعاً لها وجملاً ذلولاً، زمامه بيدها حتى أنساه ذلك ما عاين من الآيات وعمل برأيها في سجنه، وكيد النساء أعظم من كيد الشيطان لانّ كيد الشيطان بالوسوسة، وكيد النساء اللطف لأنّه بالمشاهدة وقوله سبحانه:( وَمِن شَرّ النَّفَّاثَاتِ فِي العُقَدِ ) (٥) والمصريّات أعظم النساء كيداً لأنّه معهنّ ما ليس مع غيرهنّ من البوائق والحيل.

وعن بعض العلماء: انّي أخاف من النساء أكثر ممّا أخاف من الشيطان لأنّ الله سبحانه وتعالى يقول:( إنّ كَيد الشَّيطَان كَانَ ضَعِيفاً ) (٦) وفي النساء:( إنّ كَيدَكُنَّ عَظِيمٌ ) وخاصّة إذا قارن ذلك عدم الغيرة في الأزواج، وهذا الأمر مركوس في طبيعة أكثر رجال مصر.

قال شيخنا الشهيد شمس الدين محمد بن مكّي رضي الله عنه في كتاب الدروس: إنّ شرب ماء النيل يميت القلب، والأكل في فخارها، وغسل الرأس بطينها يذهب بالغيرة ويورث الدياثة.(٧)

ولمّا كثر اللغط في شأنها وشأن يوسف، وشاع الأمر بذلك، وتكلّمت

__________________

١ - مجمع البيان: ٣ / ٢٢٧.

٢ - سورة يوسف: ٣٥.

٣ - في « ح »: أي من زوجها.

٤ - في حديث الزبير: فما زال يَفتِلُ في الذَروَةِ والغارب حتى أجابته عائشة إلى الخروج. « لسان العرب: ١ / ٦٤٤ - غرب - ».

٥ - سورة الفلق: ٤.

٦ - سورة النساء: ٧٦.

٧ - الدروس: ٣ / ٤٧.

النسوة بذلك انّ( امرَأَةُ العَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَفسِهِِ ) (١) ، وأظهروا الانكار لفعلها وأشهروا خطأها دعتهنّ واستضافتهنّ وأظهرت حبّها إيّاه واستكتمتهنّ فأظهرنه، وأعتدت لكلّ واحدة منهنّ متّكأً - أي وسادة -، وقدّمت لهنّ الفواكه أوّلاً،( وَآتَت كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّيناً ) لتقطيع الفواكه، وكانت قد أجلست يوسف غير مجلسهنّ، وأمرته بالخروج عليهنّ في هيأته، ولم يكن يتهيّأ له أن لا يخرج لأنّه بمنزلة العبد لها،( فَلَمَّا رَأَينَهُ أكبَرنَهُ ) أي أعظمنه وتحيّرن في جماله إذ كان كالقمر ليلة البدر( وَقَطَّعنَ أيدِيَهُنَّ ) (٢) بتلك السكاكين، فما أحسسن إلا بالدم، ولم يجدن ألم القطع لاشتغال قلوبهنّ بيوسفعليه‌السلام ، والمعنى: جرحن أيديهنّ، وليس معناه أبنّ أيديهنّ، لأنّ هذا مستعمل في الكلام، تقول للرجل: قطعت يدي: أي خدشتها.(٣)

ثم قال الله سبحانه:( ثُمّ بَدَا لَهُم مِن بَعدِ مَا رَأوُا الآيَاتِ - الدالّة على براءة يوسف [ وهي قدّ القميص من دبره وجزّ الأيدي ](٤) -لَيَسجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ ) (٥) ، وذلك انّ المرأة قالت لزوجها: إنّ هذا العبد قد فضحني في الناس، من حيث إنّه يخبرهم انّي راودته عن نفسه، ولست اُطيق أن أعتذر بعذري، فإمّا أن تأذن لي فأخرج وأعتذر، وإمّا أن تحبسه كما حبستني.

فحبسه لذلك بعد علمه ببراءته وليظهر للناس انّ الذنب كان له لأنّه ما يحبس الا المجرم، وقيل: كان الحبس قريباً منها فأرادت انّها تكون إذا أرادت

__________________

١ - سورة يوسف: ٣٠.

٢ - سورة يوسف: ٣١.

٣ - مجمع البيان: ٣ / ٣٣٠.

٤ - من المجمع.

٥ - سورة يوسف: ٣٥.

أن تراه أشرفت عليه ورأته، وقوله:( وَلَيَسجُنُنَّهُ حَتَّى حينٍ ) قيل: حتى ينسى حديث الامرأة معه.(١)

ولمّا اُدخل السجن اُدخل معه غلامان للملك أحدهما صاحب شرابه، والآخر صاحب طعامه اُنهي إلى الملك الأعظم أنّهما يريدان يسمّانه فأدخلهما إلى السجن، وكان يوسف لمّا دخل السجن عرّفهما انّه يعبّر الرؤيا، فقال أحد العبدين للآخر: هلمّ حتى نجرّبه، فقال أحدهما وهو الساقي: رأيت أصل كرمة(٢) عليها ثلاثة عناقيد من عنب فجنيتها وعصرتها في كأس الملك وسقيته إيّاها.

وقال الآخر: إنّي رأيت كأنّ فوق رأسي ثلاث سلال فيها الخبز وألوان الأطعمة وسباع الطير تنهش منها( نَبِّئنَا بِتَأوِيلِهِ إنَّا نَرَاكَ مِنَ المُحسِنِينَ ) (٣) إنّك ذو أفعال جميلة.

قيل: إنّما نسباه إلى الاحسان لأنّه كان إذا ضاق على رجل مكانه وسّع له، وإن احتاج جمع له، وإن مرض قام عليه ؛ وقيل: إنّه كان يعين المظلوم، وينصر الضعيف، ويعود العليل، وكان يحبو كلّ رجل بما يؤتى به ذلك اليوم من منزله من الطعام، وهذا مثل قول عيسى:( وَاُنَبِّئُكُم بِمَا تَأكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ) (٤) ( ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ) (٥) .

وقيل: قالا له: من أين عرفت ذلك ولست بكاهن ولا عرّاف؟

__________________

١ - مجمع البيان: ٣ / ٢٣٢.

٢ - في المجتمع: حبلة.

٣ - سورة يوسف: ٣٦.

٤ - سورة آل عمران: ٤٩.

٥ - سورة يوسف: ٣٧.

فأخبرهما انّه رسول الله، وانّه سبحانه علّمه ذلك.

وكان يوسف قبل ذلك في السجن لم يدعهم إلى الله لأنّهم كانوا يعبدون الأصنام، فلمّا رأى إقبالهم عليه وتوجّههم إلى قبول قوله وحسن اعتقادهم فيه رجا منهم القبول فأظهر انّه نبيّ ودعاهم إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.

وروي أنّ أهل السجن قالوا له: قد أحببناك حين رأيناك.

فقال: لا تحبّوني، فوالله ما أحبّني أحد الا دخل عليّ من حبّه بلاء، أحبّتني عمّتي فنسبت إلى السرقة، وأحبّني أبي فاُلقيت في الجبّ، وأحبّتني امرأة العزيز فاُلقيت في السجن.(١)

ثم أقبل عليهم بالدعاء إلى الله سبحانه، فقال:( يَا صَاحِبَي السِّجنِ أأَربَابٌ مُتَفرِّقُونَ - أي متباينون من حجر وخشب لا تضرّ ولا تنفع -خَيرٌ أَمِ اللهُ الواحِدُ القَهَّارُ ) (٢) الذي إليه الحشر والنشر(٣) ، وبيده النفع والضرّ، أهو خير أم هذه الأصنام التي تعبدونها( ذَلِكَ - الذي بيّنت من توحيد الله(٤) وعبادته وترك عبادة غيره هو -الدِّينُ القَيِّمُ ) (٥) أي المستقيم الذي لا عوج فيه.

ثمّ عبّرعليه‌السلام رؤياهما، فقال: أمّا العناقيد الثلاثة فهي ثلاثة أيّام تبقى في السجن، ثمّ يخرجك الملك في اليوم الرابع وتعود إلى ما كنت عليه، وأمّا الآخر فقال له: أنت تصلب وتأكل الطير من رأسك، فقال: ما رأيت شيئاً

__________________

١ - مجمع البيان: ٣ / ٢٣٢ - ٢٣٣.

٢ - سورة يوسف: ٣٩.

٣ - في المجمع: الخير والشرّ.

٤ - كذا في المجمع، وفي الأصل: الذي يثبت من توحيد الله.

٥ - سورة يوسف: ٤٠.

وكنت ألعب، فقال يوسف:( قُضِيَ الأَمرُ الَّذي فِيهِ تَستَفتِيَانِ ) (١) ، وما قلته لكما فإنّه نازل بكما،( وقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ - أي تحقّق -أنَّهُ نَاجٍِ مِنهُمَا - وهو الساقي -اذكُرنِي عِندَ رَبّكَ ) (٢) أي اذكرني عند الملك انّي محبوس ظلماً، فأنسى الشيطان الساقي أن يذكر يوسف عند ربّه حتى لبث في السجن سبع سنين.

وعن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: عجبت من أخي يوسفعليه‌السلام كيف استعان(٣) بالمخلوق دون الخالق؟!

ولولا كلمته ما لبث في السجن طول ما لبث يعني قوله:( اذكُرنِي عِندَ رَبِّكَ ) .

وروي عن أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام قال: جاء جبرئيلعليه‌السلام إلى يوسف فقال: يا يوسف، من جعلك أحسن الناس؟

قال: ربّي.

قال: فمن حبّبك إلى أبيك دون إخوتك؟

قال: ربّي.

قال: من ساق إليك السيّارة؟

قال: ربّي.

قال: فمن صرف عنك الحجارة؟

قال: ربّي

__________________

١ - سورة يوسف: ٤١.

٢ - سورة يوسف: ٤٢.

٣ - في المجمع: استغاث.

قال: فمن أنقذك من الجبّ؟

قال: ربّي.

قال: فمن صرف عنك كيد النسوة؟

قال: ربّي.

قال: فإنّ ربّك يقول: ما دعاك إلى أن تنزل(١) حاجتك بمخلوق دوني؟ البث في السجن بضع سنين بما قلت.

قال: فبكى يوسف حتى بكى لبكائه الحيطان، فتأذّى أهل السجن لبكائه، فصالحهم على أن يبكي يوماً ويسكت يوماً، فكان في اليوم الذي يسكت أسوأ حالاً، والقول في ذلك: [ انّ ](٢) الاستعانة بمخلوق في دفع المضارّ والتخلّص من المكاره جائز غير منكر ولا قبيح، بل ربّما يجب ذلك، وكان نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله يستعين بالمهاجرين والأنصار وغيرهم فيما ينويه. ولو كان قبيحاً لم يفعلهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإنّما عوتب يوسفعليه‌السلام في ترك عادته الجميلة في الصبر والتوكّل على الله سبحانه في كلّ اُموره.

وإنّما كان يكون قبيحاً لو ترك التوكّل على الله سبحانه في كلّ اُموره أو اقتصر على غيره، وفي هذا ترغيب في الاعتصام بالله تعالى والاستعنة به دون غيره عند نزول الشدائد، وأكثر المفسّرين قالوا: إنّ مدّة إقامة يوسف في السجن كانت سبع سنين، وهذه السبع سوى الخمسة التي كانت قبل تعبير الرؤيا للساقي وصاحب الطعام.

وروي عن ابي عبد اللهعليه‌السلام قال: علّم جبرئيلعليه‌السلام يوسف

__________________

١ - كذا في المجمع، وفي الأصل: تقول.

٢ - من المجمع.

عليه‌السلام وهو في السجن، فقال: قل في دبر كلّ صلاة فريضة: اللّهمّ اجعل لي فرجاً ومخرجاً، وارزقني من حيث أحتسب ومن حيث لا أحتسب.

وروى شعيب(١) العقر قوفي عنهعليه‌السلام قال: لمّا انقضت المدّة وأذن الله ليوسف في دعاء الفرج وضععليه‌السلام خدّه على الأرض، ثم قال: اللّهمّ إن كانت ذنوبي قد أخلقت وجهي عندك فإنّي أتوجّه إليك بوجوه آبائي الصالحين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ففرّج الله عنه.

قال شعيب: فقلت: جعلت فداك، أندعو نحن بهذا الدعاء؟

فقال: ادعوا بمثله، اللّهمّ إن كانت ذنوبي قد أخلقت عندك وجهي فإنّي أتوجّه إليك بنبيّك(٢) نبيّ الرحمة، وعليّ وفاطمة والحسن والحسين والأئمّةعليهم‌السلام .(٣)

ثم لمّا أذن الله بالفرج رأى الملك الرؤيا التي هالته وهي التي ذكرها الله سبحانه في كتابه وهي( وَقَالَ المَلِكُ - يعني الوليد بن الريّان -إنِّي أَرَى سَبعَ بَقَرَاتٍ ) (٤) إلى آخر الآيات، فلمّا قصّ رؤياه على خواصّه( قَالُوا -: هذه -أَضغَاثُ أَحلَامٍ وَمَا نَحنُ بِتَأوِيلِ الأَحلَامِ بِعَالِمِينَ ) (٥) وكان جهلهم(٦) سبب نجاة يوسفعليه‌السلام ، لأنّ الساقي تذكّر حديث يوسف فجثا بين يدي الملك،

__________________

١ - كذا في المجمع - وهو الصحيح -، وفي الأصل: أبو شعيب، راجع في ترجمته ؛ معجم رجال الحديث: ٩ / ٣٤ رقم ٥٧٤٠.

٢ - في المجمع: بوجه نبيّك.

٣ - مجمع البيان: ٣ / ٢٣٤ - ٢٣٥.

وانظر: تفسير القمّي: ١ / ٣٤٤ - ٣٤٥.

٤ - سورة يوسف: ٤٣.

٥ - سورة يوسف: ٤٤.

٦ - أي بتأويل رؤيا الملك.

فقال: أيّها الملك إنّي قصت أنا وصاحب الطعام على رجل في السجن منامين فخبّرنا بتأويلهما، وصدق في جميع ما وصف، فإن أذنت مضيت اليه وأتيتك بتفسير رؤياك، فأذن به الملك، فأتى يوسف في السجن، فقال:( أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أفتِنَا فِي سَبعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ ) (١) إلى آخره لعلّي أرجع إلى الملك والعلماء الذين جمعهم لتعبير الرؤيا فعجزوا عنها، فيعرفون فضلك، ويخرجوك من السجن.

فقال يوسف في جوابه: أمّا السبع بقرات السمان والسبع العجاف والسبع السنابل الخضر والسبع اليابسات فإنّهنّ سبع سنين مخصبات يتعبهنّ سبع سنين مجدبات(٢) ، فادأبوا في الزراعة في تلك السنين المخصبة بجدّ واجتهاد، وكلّما تحصدونه ذروه في سنبله بغير دوس ولا تذرية( إلَّا قَلِيلاً مِمَّا تَأكُلُونَ ) (٣) وإنّما أمرهم بذلك ليكون أبقى وأبعد من الفساد، لأنّ السنبل إذا ترك بحاله لا يقع فيه السوس ولا يهلك وغن بقي مدّة من الزمان، وإذا صفّي أسرع إليه الفساد،( ثُمَّ يَأتِي مِن بَعدِ ذلِكَ سَبعٌ شِدَادٌ يَأكُلنَ مَا قَدَّمتُم لَهُنَّ ) (٤) وأضاف الأكل إلى السنين لأنّ الأكل يقع فيها أكثر.

وروي أنّ يوسفعليه‌السلام كان يقرّب زاد اثنين إلى واحد فيأكل نصفه فيشبع ويترك الباقي، فلمّا كان أول السنين المجدبة قرّب طعام اثنين إلى واحد فأكله، فقال: هذا أول السنين الشداد، وكانت السبع سنين المخصبات كثرت فيها الأمطار وفاض ماء النيل، فلمّا انقضت أمسك الله المطر ولم يوف النيل فوقع

__________________

١ - سورة يوسف: ٤٦.

٢ - في المجمع: قال يوسف في جوابه معبّراً ومعلّماً: أمّا البقرات السبع العجاف والسنابل السبع اليابسات فالسنون الجدبة، وأمّا السبع السمان والسنابل السبع الخضر فإنّهنّ سبع سنين مخصبات.

٣ - سورة يوسف: ٤٧.

٤ - سورة يوسف: ٤٨.

القحط وكان ما قضاه الله سبحانه.

وهذا التأويل من يوسف إنّما كان ممّا أطلعه الله عليه بالوحي من عالم الغيب ليكون من آيات نبوّتهعليه‌السلام .(١)

فلمّا رجع الرسول إلى الملك وقصّ عليه ما قال يوسف قال:( ائتوني به ) (٢) ، فاتاه الرسول، وقال: اجب الملك، فأبى أن يجيبه، وأن يخرج معه حتى بتبيّن براءته ممّا(٣) قذف به، وقال للرسول: ارجع إلى الملك واسأله أن يفحص عن النسوة اللاتي قطّعن أيديهنّ ليعلم صحّة براءتي ولم يفرد امرأة العزيز حسن عشرة منه ورعاية أدب لكونها زوجة خليفة الملك(٤) فخلطها بالنسوة.

ولو خرج يوسف مع الرسول من غير أن يعلم الملك براءته ما زالت في نفس الملك منه حالة(٥) ، وكان يقول: هذا الذي راود امرأة وزيري وخليفتي فيراه الملك بعين مشكوك فيه فأحبّ أن يراه بعد إزالة الشك من قلبه.

فأمر الملك بإحضار النسوة، فلمّا حضرن قال: ما شأنكنّ إذ راودتنّ يوسف عن نفسه ودعوتنّه إلى أنفسكنّ؟

( قُلنَ حَاشَ لِلّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيهِ مِنْ سُوءٍ ) وما فعل شيئاً ممّا نسب إليه، واعترفن ببراءته، وانّه حبس مظلوماً. فقالت امرأة العزيز من بينهنّ:( الآنَ حَصحَصَ الحَقُّ أنَا رَاوَدتُهُ عَن نَفسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ) (٦) في قوله:( هِيَ

__________________

١ - مجمع البيان: ٣ / ٢٣٧ - ٢٣٩.

٢ - سورة يوسف: ٥٠.

٣ - كذا في المجمع، وفي الأصل: وما.

٤ - في المجمع: لكونها زوجة الملك أو زوجة خليفة الملك.

٥ - في العرائس: حاجة.

٦ - سورة يوسف: ٥١.

رَاوَدَتنِي عَن نَفسِي ) (١) ، فلمّا ظهر أمر يوسف، قال صلوات الله عليه:( وَمَا اُبَرِّىءُ نَفسِي ) (٢) كره تزكية نفسه انقطاعاً إلى الله سبحانه.(٣)

ولمّا تبيّن للملك براءته من السوء قال:( ائتُونِي بِهِ أستَخلِصهُ لِنَفسِي ) (٤) ، فلمّا أتاه رسول الملك قال: قم، إنّ الملك يدعوك، فالق ثياب السجن عنك والبس ثياباً جدداً، فأقبل يوسف، وتنظّف من درن السجن، ولبس ثيابه، وأتى الملك وهو يومئذ ابن ثلاثين سنة.

وروي أنّ يوسف لمّا خرج من السجن تعلّق به أهل السجن وسألوه أن يدعو لهم، فقال: اللهم اعطف عليهم بقلوب الأخيار، ولا تعم عليهم الأخبار، فلذلك يكون أهل السجن أعرف الناس بالأخبار في كلّ بلدة، ولمّا خرج كتب على باب السجن: هذه قبور الأحياء، وبيوت(٥) الأحزان، وتجربة الأصدقاء، وشماتة الأعداء.

ولمّا وقف بباب الملك قال: حسبي ربّي من دنياي، وحسبي ربّي من خلقه عزّ جاره وجلّ ثناؤه ولا إله غيره، ولمّا دخل على الملك قال: اللهم إنّي أسألك بخيرك من خيره، وأعوذ بك من شرّه وشرّ غيره، ولمّا نظر إليه الملك سلّم عليه يوسف بالعربيّة، فقال له الملك: ما هذا اللسان؟

قال: لسان عمّي إسماعيل، ثمّ دعا له بالعبرانيّة، فقال له الملك: ما هذا اللسان؟

__________________

١ - سورة يوسف: ٢٦.

٢ - سورة يوسف: ٥٣.

٣ - مجمع البيان: ٣ / ٢٤٠ - ٢٤١.

٤ - سورة يوسف: ٥٤.

٥ - في المجمع: وبيت.

قال: لسان آبائي.

قيل: كان الملك يتكلّم بسبعين لساناً، فكلّما كلّم يوسف بلسانٍ أجابه بذلك اللسان، فتعجّب الملك من ذلك، فقال: يا يوسف، إنّي اُحبُّ أن أسمع رؤياي منك شفاهاً من غير أن أتكلّم بها.

فقال يوسف: نعم، أيّها الملك، رأيتَ سبع بقرات سمان شهب غرّ حسان، كشف عنهنّ النيل، وطلعن عليك من شاطئه تشخب أخلافهنّ لبناً، فبينا أنت تتعجّب من ذلك إذ نضب النيل فغار ماؤه، وبدا يبسه، فخرج من حمئه(١) ووحله سبع بقرات عجاف شعث مقلصات البطون، ليس لهنّ ضروع، ولهنّ أنياب وأضراس واكفّ كأكفّ الكلاب، وخراطيم كخراطيم السباع، فاختلطن بالسمان فافتر سنهنّ افتراس السبع، وأكلن لحومهنّ، ومزّقن جلودهنّ، فبينا أنت تنظر وتتعجّب إذا سبع سنابل خضر وسبع أُخر سود في منبت واحد عروقهنّ في الثرى والماء، فبينا أنت تقول في نفسك: أنّى هذا وهؤلاء خضر مثمرات وهؤلاء سود يابسات والمنبت واحد واُصولهنّ في الماء؟ إذ هبّت ريح فذرت الأرفات(٢) من اليابسات السود على(٣) المثمرات الخضر فاشتعلت فيهنّ النار وأحرقتهنّ وصرن سوداً متغيّرات، فهذا آخر ما رأيت، ثمّ انتبهت من نومك مذعوراً.

فقال الملك: ما شأن هذه الرؤيا بأعجب ممّا سمعته منك فما ترى في رؤياي أيّها الصدّيق؟

فقال يوسف: ارى أن تجمع الطعام وتزرع زرعاً كثيراً في هذه السنين

__________________

١ - كذا في العرائس والمجمع، وفي الأصل: جماده.

٢ - في العرائس: فردّت أوراق السود اليابسات.

ومراده: الرُفات: وهو الحطام من كلّ شيء تكسّر.

٣ - كذا في المجمع، وفي الأصل: إلى.

المخصبة وتبني الأهراء(١) والخزائن، فتجمع الطعام فيها بقصبه(٢) وسنبله [ ليكون قصبه وسنبله ](٣) علفاً للدوابّ، وتأمر الناس فيرفعون من طعامهم الخمس فيكفيك من الطعام الذي جمعته لأهل مصر ومن حولها، ويأتيك الخلق من النواحي فيمتارون منك بحكمك، ويجتمع عندك من الكنوز ما لم يجتمع لأحد.

فقال الملك: ومن لي بهذا؟ ومن يجمعه ويبيعه ويكفي الشغل فيه؟

فقال يوسف:( اجعَلنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ) (٤) أحفظ الشيء أن يجري فيه خيانة، عليم بمن يستحقّ منها شيئاً أولا يستحقّ ؛ وقيل: عليم بالألسن، وذلك انّ الناس يفدون(٥) من كلّ ناحية، ويتكلّمون بلغات مختلفة.

وفي هذا دلالة على انّ الانسان يجوز له أن يظهر فضله عند من لا يعرفه ؛ وقيل: إنّ الملك الأكبر فوّض إليه أمر مصر ودخل بيته وأغلق بابه.(٦)

وروى [ أحمد بن ](٧) محمد بن عيسى، عن الحسن بن علي بن بنت إلياس قال: سمعت الرضاعليه‌السلام يقول: وأقبل يوسف على جمع الطعام، فجمع في السبع السنين المخصبة وكبسه في الخزائن، فلمّا مضت تلك السنون وأقبلت السنون المجدبة أقبل يوسف على بيع الطعام.

__________________

١ - الهُريُ: بيت كبير ضَخم يُجمع فيه طعام السلطان، والجمع أهراء. « لسان العرب: ١٥ / ٣٦١ - هرا - ».

٢ - كذا في المجمع والعرائي، وفي الأصل: بنصبه.

٣ و ٧ - من المجمع.

٤ - سورة يوسف: ٥٥.

٥ - كذا في المجمع، وفي الأصل،: يبدون.

٦ - مجمع البيان: ٣ / ٢٤٢ - ٢٤٣، عرائس المجالس: ١٢٦ - ١٢٧.

فباعهم في السنة الاُولى بالدراهم والدنانير حتى لم يبق بمصر وما حولها دينار ولا درهم الا صار في ملك(١) يوسف.

وباعهم في السنة الثانية بالحلي والجواهر حتى لم يبق بمصر وما حولها حلي ولا جواهر الا صار في ملكه(٢) .

وباعهم في السنة الثالثة بالدوّاب والمواشي حتى لم يبق بمصر وما حولها دابّة ولا ماشية الا صارت في ملكه.

ثم باعهم في السنة الرابعة بالعبيد والإماء حتى لم يبق بمصر وما حولها عبد ولا أمة(٣) إلا صار في ملكه.

وباعهم في السنة الخامسة بالدور والعقار حتى لم يبق بمصر وما حولها دار ولا عقار الا صار في ملكه.

ثم باعهم في السنة السادسة بالمزارع والأنهار حتى لم يبق بمصر وما حولها نهر ولا مزرعة الا صار في ملكه.

ثمّ باعهم في السنة السابعة برقابهم حتى لم يبق بمصر وما حولها عبد ولا حرّ الا صار عبداً ليوسفعليه‌السلام ، فملك أحرارهم وعبيدهم وأموالهم، وقال الناس: ما سمعنا ولا رأينا بملك أعطاه الله من الملك مثل ما أعطى يوسف.(٤)

وقيل: إنّ الملك لمّا أراد توليته دعاه فتوجّه وردّاه وقلّده سيفه، وأمر بأن يوضع له سرير من ذهب، مكلّل بالدرّ والياقوت، ويضرب عليه كلّة(٥) من

__________________

١ - في المجمع: مملكة.

٢ - في المجمع: مملكته، وكذا في سائر المواضع الآتية.

٣ - كذا في المجمع، وفي الأصل: دابّة - وهو تصحيف -.

٤ - مجمع البيان: ٣ / ٢٤٤.

٥ - في العرائس: قبّة.

استبرق، وأمره أن يخرج متوّجاً ؛ لونه كالثلج(١) ، ووجهه كالقمر، يرى الناظر وجهه في صفاء وجهه(٢) ، فانطلق فجلس على السرير، ودانت له الملوك، فعدل بين الناس فأحبّه الرجال والنساء، وقال الناس: ما سمعنا ولا رأينا بملك أعطاه الله ما أعطى هذا الملك حكماً وعلماً.(٣)

ثمّ قال يوسف للملك: ما ترى فيما خوّلني ربّي من ملك مصر وأهلها أشر عليَّ برأيك فإنّي لم اُصلحهم لاُفسدهم، ولم اُنجهم من البلاء لأكون بلاء عليهم، ولكنّ الله تعالى أنجاهم على يدي.

قال له الملك: الرأي رايك.

قال يوسف: إنّي اُشهد الله واُشهدك أيّها الملك أنّي قد أعتقت أهل مصر كلّهم، ورددت عليهم أموالهم وعبيدهم، ورددت عليك أيّها الملك خاتمك وسريرك وتاجك على أن لا تسير وان لا تستولي ولا تحكم الا بحكمي.

قال له الملك: إنّ ذلك زيني وفخري أن لا أسير إلا بسيرتك، ولا أحكم إلا بحكمك، ولولاك لما قويت عليه، ولقد جعلت سلطاني عزيزاً ما يرام، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأنّك رسول الله، فأقم على ما ولّيتك إنّك لدينا مكين أمين(٤) ، وكان يوسف لا يمتلئ شبعاً من الطعام في الأيّام المجدبة ؛ فقيل له: أتجوع وفي يدك خزائن الأرض؟

__________________

١ - كذا في المجمع والعرائس، وفي الأصل: كالبِلج.

وقيل: الأبلَجُ: الأبيضُ الحسنُ الواسعُ الوجه ويقال للرجل الطلِق الوجه: أبلَجُ وبَلجُ. « لسان العرب: ٢ / ٢١٥ - بلج - ».

٢ - في العرائس: يرى فيه من بياض وجهه الناصر صفاء لونه.

٣ - مجمع البيان: ٣ / ٢٤٣، عرائس المجالس: ١٢٨.

٤ - إشارة إلى الآية: ٤٥ من سورة يوسف.

قالعليه‌السلام : أخاف أن أشبع فأنسى الجياع.(١)

وكان قطفير العزيز هلك في تلك الأيّام(٢) ، وافتقرت امرأته زليخا واحتاجت حتى سألت الناس، فقالوا لها: ما يضرّك لو قعدت للعزيز - وكان يوسف يسمّى بالعزيز، وكلّ ملك كان لهم سمّوه بهذا الاسم -؟

فقالت: أستحي منه، فلم يزالوا بها حتى قعدت له، فأقبل يوسف في موكبه(٣) ، فقامت إليه زليخا، فقالت: سبحان من جعل الملوك عبيداً بالمعصية، والعبيد ملوكاً بالطاعة!

فقال لها يوسف: أأنت تيك(٤) ؟

قالت: نعم، فأمر بها فحوّلت إلى منزله، وكانت هرمة، فقال لها يوسف: ألست فعلت [ بي ](٥) كذا وكذا؟

قالت: يا نبيّ الله، لا تلمني فإنّي بليت ببلاء لم يبل به أحد.

قال: وما هو؟

قالت: بليت بحبّك، ولم يخلق الله لك في الدنيا نظيراً، وبليت بأنّه لم تكن في مصر امرأة أجمل منّي، وبليت بزوج عنّين.

قال يوسف: فما حاجتك؟

قالت: اسأل الله ليردّ عليّ شبابي، فسأل الله فردّ عليها شبابها، وتزوّجها

__________________

١ - مجمع البيان: ٣ / ٢٤٤.

٢ - أي في تلك السنين الجدبة.

٣ - كذا في المجمع والقمّي، وفي الأصل: مركبه.

٤ - كذا في المجمع، وفي القمّي: أنت هاتيك؟ وفي الأصل: أنت منك؟

٥ - من المجمع والقمّي.

يوسف، ودخل بها فوجدها بكراً، ولمّا دخل بها قال: أو ليس هذا خيراً من ذاك؟ وولدت له افراثيم(١) وميشا.(٢)

ثمّ انّ يعقوب وبنيه أصابهم ام أصاب الناس فجمعهم أبوهم، وقال: يا بنيّ، بلغني انّ الطعام يباع بمصر، وانّ صاحبه رجل صالح فاذهبوا إليه فإنّه يحسن إليكم، فتجهّزوا وساروا حتى أتوا مصر فدخلوا على يوسف( فَعَرَفَهُم وهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ ) (٣) وكانوا عشرة، وأمسك يعقوب بنيامين أخا يوسف لاُمّه ؛ قيل: كان بين أن قذفوه في الجبّ وبين أن دخلوا عليه أربعون سنة، فلذلك أنكروه لأنّهم رأوه ملكاً جالساً على السرير، عليه ثياب الملوك، ولم يخطر ببالهم أنّه يصير إلى تلك الحال، وكان يوسف ينتظر قدومهم عليه وكان اثبت له، فلمّا نظر إليهم وكلّمهم بالعبرانيّة، قال لهم: من أنتم؟ وما أمركم؟ فإنّي اُنكر شأنكم.(٤)

[ فلمّا جهّزهم وأعطاهم وأحسن إليهم في الكيل قال لهم: من أنتم؟ ](٥)

قالوا: نحن قوم من أرض الشام رعاة أصابنا الجهد، فجئنا نمتار.

فقال: لعلّكم عيون جئتم تنظرون إلى عورة بلادي؟

فقالوا: لا والله، ما نحن بجواسيس، وإنّما نحن إخوة من أب واحد وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن، ولو تعلم بأبينا لكرمنا عليك، فإنّه نبيّ الله، وابن أنبيائه، وإنّه لمحزون.

__________________

١ - في المجمع: افرائيم.

٢ - مجمع البيان: ٣ / ٢٤٣، تفسير القمّي: ١/ ٣٥٧.

٣ - سورة يوسف: ٥٨.

٤ - مجمع البيان: ٣ / ٢٤٥، عرائس المجالس: ١٢٩.

٥ - من المجمع.

قال: وما الذي أحزَنه، فلعلّ حزنه كان من قبل سفهكم وجهلكم؟

قالوا: أيّها الملك، لسنا بسفهاء، ولا جهّال، ولا أتاه الحزن من قبلنا، ولكنّه كان له ابن أصغرنا(١) سنّاً، وإنّه خرج يوماً معنا إلى الصيد فأكله الذئب، فلم يزل بعده حزيناً باكياً.

فقال لهم يوسف: كلّكم من أبٍ واُمٍّ؟

قالوا: أبونا واحد، واُمّهاتنا شتّى.

قال: فما حمل أباكم [ على ](٢) أن سرّحكم كلّكم؟ ألا حبس واحداً منكم يستأنس به؟

قالوا: قد فعل، وإنّما حبس واحداً منّا وهو أصغرنا لأنّه أخو الذي هلك من اُمّه، فأبونا يتسلّى به.

قال: فمن يعلم أنّ الذي تقولونه حقّ؟

قالوا: أيها الملك، إنّا ببلاد لا يعرفنا أحد.

فقال يوسف: فائتوني بأخيكم الذي من أبيكم إن كنتم صادقين فأنا أرضى بذلك.

قالوا: إنّ أبانا يحزن على فراقه وسنراوده عنه.

قال: فدعوا عندي رهينة حتى تأتوني بأخيكم الذي من أبيكم، فاقترعوا بينهم فأصابت القرعة شمعون ؛ وقيل: إنّ يوسف اختار شمعون لأنّه كان

__________________

١ - في المجمع: كان له ابن كان أصغرنا.

٢ - من المجمع.

أحسنهم رأياً فيه، فجعلوه(١) عنده.

قيل: وكان يوسف أمر ترجماناً يعرف العبرانيّة أن يكلّمهم، وكان لا يكلّمهم بنفسه ليشبه عليهم، فإنّهم لو عرفوه لهاموا في الأرض حياء من أبيهم، فكان في معرفتهم إيّاه مفسدة،( وَقَالَ لِفِتيانِهِ اجعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ ) أي قال لعبيده وغلمانه: اجعلوا ثمن طعامهم وما كانوا جاؤا به في أوعيتهم ؛ ,قيل: كانت بضاعتهم النعال والادم( لَعَلَّهُمْ يَعرِفُونَهَا إذَا انقَلَبُوا إِلَى أهلِهِمْ لَعَلَّهُم يَرجِعُونَ ) (٢) بعد ذلك لطلب الميرة مرّة اُخرى، وإنّما فعل ذلك ليعلموا أنّ يوسف ما فعل ذلك الا إكراماً لهم.

وقيل: إنّهعليه‌السلام رأى لؤماً(٣) أن يأخذ ثمن الطعام من أبيه وإخوته مع حاجتهم إليه، فردّه عليهم من حيث لا يعلمون تفضّلاً وكرماً.(٤)

( فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِم قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الكَيلُ ) (٥) ؛ قيل: إنّهم لمّا رجعوا إلى يعقبو سلّموا عليه سلاماً ضعيفاً، قال لهم: يا بنيّ، ما لكم تسلّمون سلاماً ضعيفاً؟ وما لي لا أسمع منكم(٦) صوت شمعون؟

قالوا: يا أبانا، جئناك(٧) من عند أعظم الناس ملكاً، ولم ير الناس مثله حكماً وعلماً وخشوعاً وسكينة ووقاراً ولئن كان له شبيه في الدنيا فإنّه يشبهك،

__________________

١ - في المجمع: فخلّفوه.

٢ - سورة يوسف: ٦٢.

٣ - كذا في المجمع، وفي الأصل: يوماً.

٤ - مجمع البيان: ٣ / ٢٤٥ - ٢٤٦.

٥ - سورة يوسف: ٦٣.

٦ - في المجمع: فيكم.

٧ - في المجمع: إنّا جئناك.

ولكنّا أهل بيت خلقنا للبلاء(١) ، انّه اتّهمنا وزعم أن لا يصدقنا حتى ترسل معنا بنيامين برسالة منك تخبره عن(٢) حزنك، وما الذي أحزنك؟ وعن سرعة الشيب إليك، وذهاب بصرك، وقوله:( مُنِعَ مِنَّا الكَيلُ ) في المستقبل وإلاّ فهم كانوا قد اكتالوا، أي منع منّا في المستقبل إن لم نأته بأخينا لقوله:( فَلَا كَيلَ لَكُم عِندِي وَلَا تَقرَبُونِ ) (٣) فأرسل معنا، فإن لم ترسله معنا منعنا الكيل فأرسله معنا( فَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (٤) من أن يصيبه سوء أو مكروه.

( قَالَ - يعقوب: -هَل آمَنُكُم عَلَيهِ إِلَّا كَمَا أَمِنتُكُمُ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبلُ ) ، وإنّما قرعهمعليه‌السلام ليحثّهم على حفظه وكلاءته والا فإنّه كان يعلم أنّهم في هذه الحال لا يفعلون ما لا يجوز، ثم قال:( فَاللهُ خَيرٌ حَافِظاً وَهُوَ أرحَمُ الرَّاحِمِينَ ) (٥) ، يرحم ضعفي، وكبر سنّي، ويردّه عليّ.

روي في الخبر أن الله سبحانه قال: فبعزّتي وجلالي لأردّنّهما إليك بعد أن توكّلت عليّ،( وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُم ) يعني أوعية الطعام( وَجَدُوا بِضَاعَتَهُم رُدَّت إِلَيهِم قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبغِي ) أي أيّ [ شيء ](٦) نطلب بعد هذا؟ كال لنا، وردّ علينا بضاعتنا، أرادوا أن تطيب نفس يعقوب، ويرسل معهم أخاهم، أي فلا ينبغيِ أن نخاف على أخينا ممّن قد أحسن إلينا هذا الاحسان، فأرسله معنا فإنّا نحفظه، ونردّه سالماً،( وَنَزدَادُ كَيلَ بَعِيرٍ ) (٧) لأنّ يوسفعليه‌السلام كان لا

__________________

١ - كذا في المجمع، وفي الأصل: شيه في الدنيا إنّه ليشهد له.

٢ - في المجمع: ليخبره من.

٣ - سورة يوسف: ٦٠.

٤ - سورة يوسف: ٦٣.

٥ - سورة يوسف: ٦٤.

٦ - من المجمع.

٧ - سورة يوسف: ٦٥.

يزيد الرجل يأتي من الآفاق على وقر بعير.

فلمّا رأى يعقوبعليه‌السلام ردّه البضاعة، وتحقّق عنده إكرام الملك إيّاهم وعزم على إرسال ابن يامين،( قَالَ لَن أُرسِلَهُ مَعَكُم حَتَّى تُؤتُونِِ مَوثِقاً مِنَ اللهِ لَتَأتُنَّنِي بِهِ ) أي لتردّنّه إليّ.

قال ابن عبّاس: حتى تحلفوا بحقّ محمد خاتم النبيينصلى‌الله‌عليه‌وآله وسيد المرسلين الا تغدروا بأخيكم، ولتأتنّني به( إلَّا أَن يُحَاطَ بكُم ) أي تغلبوا عليه، والمعنى الا أن يحال بينكم وبينه بيد عالية، فحلفوا له بحقّ محمد ومنزلته من ربّه.

( قَالَ - يعقوب: -اللهُ عَلى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ) (١) أي شاهد حافظ، وإنّما أرسل يعقوب ابن يامين معهم لأنّه علم أنّهم لمّا كبروا ندموا على ما [ كان ](٢) فرط منهم في أمر يوسف، ولم يصرّوا على ذلك، ولهذا وثق بهم، وإنّما عيّرهم بحديث يوسف حثّاً لهم على حفظ أخيهم.(٣)

ولمّا تجهّزوا للمسير قال يعقوب:( يَا بَنِيَّ لَا تَدخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادخُلُوا مِن أبوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ ) (٤) خاف عليهم العين لأنّهم كانوا ذوي جمال وهيئة وكمال وهم إخوة أولاد رجل واحد.

وقيل: خاف عليهم حسد الناس لهم، وأن يبلغ الملك قوّتهم وبطشهم فيحبسهم أو يقتلهم خوفاً على ملكه، والأوّل أصح، لأنّه ورد في الخبر عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّ العين حقّ، والعين تستنزل الحالق، والحالق:

__________________

١ - سورة يوسف: ٦٦.

٢ - من المجمع.

٣ - مجمع البيان: ٣ / ٢٤٧ - ٢٤٨.

٤ - سورة يوسف: ٦٧.

المكان المرتفع من الجبل وغيره، فجعلصلى‌الله‌عليه‌وآله العين كأنّها تحطّ ذروة الجبل من قوّة أخذها، وشدّة بطشها.(١)

وروي أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يعوّذ الحسن والحسينعليهما‌السلام ، فكان يقول: اُعيذكما بكلمات الله التامّة، من كلّ شيطان وهامة، ومن كلّ عين لامّة.(٢)

وروي أنّ إبراهيمعليه‌السلام عوّذ ابنيه، وأنّ موسى عوّذ بني(٣) هارون بهذه العوذة.

وروي أنّ بني جعفر كانوا غلماناً بيضاً فقالت أسماء بنت عميس: يا رسول الله، إنّ العين إليهم سريعة أفأسترقي لهم من العين؟

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : نعم.(٤)

وروي أنّ جبريل رقى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعلّمه هذه الرقية: بسم الله أرقيك، من عين كلّ حاسد، الله يشفيك.(٥)

____________

١ - أخرجه في البحار: ٦٣ / ١٧ ح ٥ عن زبدة البيان ( انظر حاشية مصباح الكفعمي: ٢٢٠ ).

٢ - أخرجه في البحار: ٦٣ / ١٨ ح ٧ عن دعائم الاسلام: ٢ / ١٣٩ ح ٤٨٨.

وفي ج ٩٤ / ١٩٦ ح ٤ عن مجموعة الشهيد ودعوات الراوندي: ٨٥ ح ٢١٧.

٣ - في المجمع: ابني.

٤ - أورده في مجمع البيان: ٥ / ٣٤١.

وأخرجه في البحار: ٦٣ / ٢٦ ح ٣٠، وج ٩٥ / ١٣٢ ح ١٠ عن جامع الأخبار: ٤٤٣.

٥ - أخرجه في البحار: ١٨ / ٢٦٨ ح ٣٠، وج ٩٥ / ٣٠ ح ١٤ عن أمالي الطوسي: ٢ / ٢٥٢.

وقد روي في الأمالي بهذا اللفظ: بسم الله اُرقيك، من كلّ شيء يؤذيك، من شرّ كل نفسٍ أو عين حاسد، والله يشفيك، بسم الله اُرقيك.

وروي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله [ أنّه قال ](١) : لو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين.(٢)

( وَلَمَّا دَخَلُوا - مصر -مِن حَيثُ أمَرَهُم أبُوهُمْ ) (٣) أي من أبواب متفرّقة ؛ قيل: كان لمصر أربعة أبواب فدخلوا من أبوابها الأربعة متفرّقين.(٤)

ثمّ دخلوا على يوسف مجتمعين وقالوا: هذا أخونا قد جئنا به كما أمرتنا، فقال: أحسنتم، ثمّ أنزلهم وأكرمهم، ثم صنع لهم ضيافة وقال: ليجلس كلّ ابني(٥) اُمّ على مائدة، فجلسوا فبقي ابن يامين قائماً. فقال له يوسف: ما لك لا تجلس؟

قال: أيّها الملك [ إنّك قلت: ](٦) ليجلس كلّ ابني اُمّ على مائدة وليس لي فيهم ابن اُمّ.

فقال له يوسف: فما كان لك ابن اُمّ.

قال: بلى.

قال: فما فعل؟

قال: زعم هؤلاء أنّ الذئب أكله.

قال: فما بلغ من حزنك عليه؟

__________________

١ و ٦ - من المجمع.

٢ - أخرجه في البحار: ٦٣ / ٢٦ ح ٢٧، وج ٩٥ / ١٣١ ح ٩ عن مكارم الأخلاق: ٤١٤، إلا أنّ فيهم: عن أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام .

٣ - سورة يوسف: ٦٨.

٤ - مجمع البيان: ٣ / ٢٤٩، عنه البحار: ٦٣ / ٦ - ٧.

٥ - في المجمع: بني. وكذا في الموضع الآتي.

قال: ولد لي أحد عشر ابناً كلّهم اشتقت له اسماً من اسمه.

قال يوسف: اراك شممت النساء وعانقتهنّ، وشممت الولد من بعده؟

قال: إنّ لي أباً صالحاً وقد قال لي: تزوّج لعلّ الله يخرج منك ذرّيّة تثقل الأرض بالتسبيح.

فقال له يوسف: تعال فاجلس معي على مائدتي.

فقال إخوة يوسف: لقد فضّل الله يوسف وأخاه حتى أجلسه الملك على مائدته.

فلمّا نهضوا بعد أن أكلوا قال: دعوا أخاكم يبيت عندي، فبات عند يوسف، فقال له يوسف: أتحبّ أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك؟

فقال: من يجد - أيّها الملك - أخاً مثلك، لكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل، فبكى يوسف، وقام إليه واعتنقه، وقال له: أنا أخوك يوسف، فلا تحزن على ما صنعوا بنا فيما مضى، فإنّ الله قد أحسن إلينا، وجمعنا على خيرٍ، ولا تعلمهم بذلك، وأنا لا اُفارقك.

فقال: يا أخي، تعلم اغتمام والدي بي.

فقال: لا سبيل إلى ذلك إلا انّ السبيل إلى ما لا يحمل.

قال: لا اُبالي.

قال: افعل ما بدا لك.

فقال: إنّي اُدسّ صاعي في رحلك، ثمّ اُنادي عليك بأنّك سرقته ليتهيّأ لي ردّك بعد تسريحك معهم.

قال: افعل.

قال: وكانت الصاع اوّل مشربة للملك مصوغة من فضّة مموّهة بالذهب ؛ وقيل: كانت من ذهبٍ مرصّعة بالجواهر، ثمّ لمّا وقع القحط جعلت مكيالاً يكال بها الطعام، ثمّ انطلقوا راجعين إلى أبيهم ومعهم أخوهم ابن يامين، فلمّا فصلوا عن مصر أرسل يوسف في أعقابهم رجاله، فنادوا فيهم:( أَيَّتُهَا العِيرُ إنَّكُم لَسَارِقُونَ ) (١) ؛ قيل: إنّ يوسف أمر المنادي أن ينادي إنّكم لسارقون ولن ترد سرقة الصاع، وإنّما عني به إنّكم سرقتم يوسف من أبيه، وألقيتموه في الجبّ.

وأقبلوا أصحاب العير على أصحاب يوسف قائلين لهم:( مَاذَا تَفقِدُونَ قَالُوا نَفقِدُ صُوَاعَ المَلِكِ - أي: صاعه ومشربته(٢) -وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِملُ بَعِيرٍ ) (٣) ، فأجابهم إخوة يوسف:( تَاللهِ لَقَد عَلِمتُمْ مَا جِئنَا لِنُفسِدَ فِي الأَرضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ ) (٤) فإنّكم اطّلعتم على حسن سيرتنا مرّة بعد اُخرى، فقد علمتم أنّ السرقة ليست من شأننا ؛ وقيل: إنّما قالوا ذلك لأنّهم ردّوا البضاعة التي وجدوها في رحالهم مخافة أن تكون وضعت بغير إذن الملك لأنّ من ردّ ما وجد لا يكون سارقاً ؛ وقيل: إنّهم لمّا دخلوا مصر في أوّل مرّة رأوهم قد شدّوا أفواه دوابّهم كي لا تتناول الحرث والزرع.

فردّوا العير بأجمعها إلى مصر، فلمّا حضروا عند يوسف قيل لهم: إنّكم لسارقون.

قالوا: معاذ الله أن نكون سارقين.

__________________

١ - سورة يوسف: ٧٠.

٢ - في المجمع: وسقايته.

٣ - سورة يوسف: ٧١ و ٧٢.

٤ - سورة يوسف: ٧٣.

فقال لهم الذين ناداهم: فما جزاء السارق عندكم( إن كُنتُم كَاذِبِين ) (١) في قولكم: إنّا لم نسرق؟

( قَالُوا جَزَاؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ ) (٢) أي يسترق.

وقيل: إنّ السنّة كانت في بني إسرائيل انّ السارق يسترقّ بسرقته، وفي دين الملك الضرب والضمان، فلهذا قال لهم يوسف: ما جزاء السارق عندكم؟

قالوا: يسترقّ بسرقته،( فَبَدَأَ بِأَوعِيَتِهِم قَبلَ وِعَاءِ أَخِيهِ - لإزالة التهمة -ثُمَّ استَخرَجَهَا مِن وِعَاءِ أخِيهِ ) (٣) ، وإنّما بدأ بأوعيتم لأنّه لو بدأ بوعاء أخيه لعلموا أنّه هو الّذي وضعها فيه، فأقبلوا على بنيامين، وقالوا له: فضحتنا وسوّدت وجوهنا، متى أخذت هذا الصاع؟

فقال: وضع هذا الصاع في رحلي الذي وضع الدراهم في رحالكم.(٤)

فأقبلوا إخوة يوسف على يوسف قائلين:( إن يَسرِق - بنيامين -فَقَد سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِن قَبلُ ) فليست سرقته بأمر بديع فإنّه اقتدى بأخيه يوسف واختلف في السرقة التي أنبؤا بها يوسف ؛ فقيل: كانت منطقة إسحاقعليه‌السلام ، وكانت عند عمّة يوسف، وكانت أكبر ولد إسحاق، وكانوا يتوارثونها بالكبر، وكانت تحضن يوسف وتربّيه بعد وفاة اُمّه، وتحبّه حبّاً شديداً، فلمّا ترعرع أراد يعقوب أن يستردّه منها، فاحتالت وجاءت بالمنطقة وشدّتها على وسط يوسف وادّعت أنّه سرقها، وكان من سنّتهم استرقاق السارق، فحبسته بذلك السبب عندها.

__________________

١ - سورة يوسف: ٧٤.

٢ - سورة يوسف: ٧٥.

٣ - سورة يوسف: ٧٦.

٤ - مجمع البيان: ٣ / ٢٥١ - ٢٥٣، عرائس المجالس: ١٣١ - ١٣٢.

قال: فأخفى يوسف تلك الكلمة التي قالوها( وَلَم يُبدِهَا لَهُم ) ، بل( قَالَ أنتُم شَرٌّ مَكَاناً ) في السرق لأنّكم سرقتم أخاكم من أبيكم( وَاللهُ أَعلَمُ بِمَا تَصِفُونَ ) (١) .

والظاهر أنّه أسرّ هذا المقال في نفسه، ثمّ جهر بقوله:( وَاللهُ أعلَمُ بِمَا تَصِفُونَ ) فأقبلوا بالخضوع على يوسف والاستعطاف قائلين:( يَا أَيُّهَا العَزيزُ إنَّ لَهُ أَباً شَيخاً كَبِيراً فَخُذ أَحَدَنَا مَكَانَهُ ) ، إنّما قالوا هذا لما علموا أنّه استحقّه فسألوه أن يأخذ عنه بدلاً شفقة على والدهم، ورقّقوا(٢) في القول على سبيل الاسترحام ومعناه كبيراً في السنّ ؛ وقيل: كبيراً في القدر، فلا ينبغي ان يسترقّ ولده( إنَّا نَرَاكَ مِنَ المُحسِنِينَ ) .(٣)

فأجابهم يوسف:( مَعَاذَ اللهِ أن نَأخُذَ إلَّا مَن وَجَدنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ ) (٤) أي نأخذ البريء بجرم السقيم، ولم يقل: « من سرق » تحرّزاً من الكذب، فلمّا استيأسوا من يوسف أن يجيبهم إلى ما سألوه انفردوا عن الناس من غير أن يكون معهم من ليس منهم يتناجون فيما يفعلون في ذهابهم لأبيهم بغير أخيهم وهل يرجعون أو يقيمون.

قال كبيرهم وهو روبيل، وكان أسنّهم، وكان ابن خالة يوسف، وهو الذي نهى إخوته عن قتله:( أَلَم تَعلَمُوا أَنَّ أَبَاكُم قَد أَخَذَ عَلَيكُمْ مَوثِقاً مِنَ اللهِ ) فذكّرهم بذلك (فَلَنْ أبرَحَ الأَرضَ ) أي لا أزال بهذه الأرض، ولا أزول عنها

__________________

١ - سورة يوسف: ٧٧.

٢ - كذا في المجمع، وفي الأصل: فرفّعوا.

٣ - سورة يوسف: ٧٨.

٤ - سورة يوسف: ٧٩.

( حَتَّى يَأذَنَ لِي أَبِي ) (١) في البراح والرجوع أو الموت فيكون ذلك عذراً إليّ عند أبي.(٢)

( ارجِعُوا إِلَى أَبِيكُم فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدنَا إِلَّا بِمَا عَلِمنَا ) ؛ وقيل: وما شهدنا أنّ السارق يسترقّ إلا بما علمنا انّ الحكم ذلك، ولم نعلم أنّ ابنك سرق [ أم لا ](٣) ؟ وإنّما قالوا ذلك الا لما قال لهم يعقوبعليه‌السلام : وما يدري الملك انّ السارق يؤخذ بسرقته [ ويسترقّ ](٤) ، وإنّما علم ذلك بقولكم.

فقالوا: ما شهدنا الا بما علمنا( وَمَا كُنَّا لِلغَيبِ حَافِظِينَ ) (٥) ، أي لا نعلم أسرق أم كذبوا عليه؟ وإنّما نعلم منه ما كان يحدث في حضورنا معه، فإذا غاب لا نعلم ما يصنع(٦) ( واسأَلِ القَريَةَ ) أي أهل القرية، واسأل أهل العير، معناه: وسل من شئت من أهل مصر عن هذا الأمر، فإنّ هذا أمر شائع فيهم يخبرك به من سألته، وكان معهم جماعة من أهل مصر صاروا إلى الناحية التي كان فيها يعقوب، واسأل العير( الّتِي أَقبَلنَا فِيهَا ) (٧) أي القافلة التي أقبلنا فيها، وكانت القافلة من أرض كنعان، وكانوا يمتارون في مصر، وإنّما قالوا ذلك لأنّهم كانوا متّهمين عند يعقوب، فقال لهم يعقوب: ما عندي ان الأمر كما تقولونه،( بَل سَوَّلَت لَكُم أَنفُسُكُم أَمراً فَصَبرٌ جَمِيلٌ ) أي سأبر صبراً جميلاً( عَسَى اللهُ أَن يأتِيَنِي بِهِم جِمِيعاً ) أي بيوسف وابن يامين وروبيل أو شمعون [ أو لاوي أو

__________________

١ - سورة يوسف: ٨٠.

٢ - مجمع اليان: ٣ / ٢٥٤ - ٢٥٥.

٣ و ٤ - من المجمع.

٥ - سورة يوسف: ٨١.

٦ - يعنون انّه سرق ليلاً وهم نيام، والغيب هو الليل.

٧ - سورة يوسف: ٨٢.

يهوذا ](١) ( إِنَّهُ هُوَ العَلِيمُ الحَكِيمُ ) (٢) ،( وَتَوَلَى - يعقوب -عَنهُمْ ) لشدّة الحزن لما بلغه خبر [ حبس ](٢) ابن يامين، وهاج ذلك وجده بيوسف لانّه كان يتسلّى به،( وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ ) أي واطول حزني على يوسف.

عن سعيد بن جبير [ أنّه قال ](٤) : لقد اُعطيت هذه الاُمّة عند المصيبة ما لم يعط الأنبياء قبلهم إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولو اُعطيها الأنبياء لاُعطيها يعقوب،( وَابيَضَّت عَينَاهُ مِنَ الحُزنِ ) والبكاء.

وسئل الصادقعليه‌السلام : ما بلغ من حزن يعقوب(٥) على يوسف؟

قال: حزن سبعين حرى ثكلى ؛ وقيل: إنّه عمي ستّ سنين،( فَهُوَ كَظِيمٌ ) (٦) وهو المملوء من الهمّ والحزن، الممسك للغيض لا يشكوه إلى أهل زمانه، ولا يظهره بلسانه، ولذلك لقّب موسى بن جعفرعليهما‌السلام بالكاظم لكثره ما كان يتجرّع من الغيظ والغمّ طول أيّام خلافته لأبيه في ذات الله تعالى.

( قَالُوا - أي قال إخوة يوسف لأبيهم: -تَاللهِ تَفتَؤُا تَذكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً ) (٧) أي هالكاً دنفاً، فاسد العقل، قريباً من الموت ؛ وقيل: إنّهم قالوا ذلك تبرّماً ببكائه إذ تنغّص عيشهم(٨) بذلك( قَالَ - يعقوب في جوابهم: -إِنَّمَا أَشكُوا بَثِّي وَحُزنِي إِلَى اللهِ ) .

وروي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أن جبرئيل أتى يعقوب فقال: يا

__________________

١ و ٣ و ٤ - من المجمع.

٢ - سورة يوسف: ٨٣.

٥ - كذا في المجمع، وفي الأصل: ما يبلغ حزن يعقوب.

٦ - سورة يوسف: ٨٤.

٧ - سورة يوسف: ٨٥.

٨ - كذا في المجمع، وفي الأصل: عليهم - وهو تصحيف -.

يعقوب، إنّ الله يقرئك السلام ويقول: ابشر وليفرح قلبك، فوعزّتي وجلالي لو كانا ميّتين(١) لنشرتهما لك اصنع طعاماً للمساكين فإنّ أحبّ عبادي إليّ المساكين، أتدري لم أذهبتُ بصرك، وقوّستُ ظهرك؟ لأنّكم ذبحتم شاة، وأتاكم فلان المسكين وهو صائم فلم تطعموه شيئاً، فكان يعقوب بعد ذلك إذا أراد الغذاء أمر منادياً ينادي: ألا من أراد الغذاء من المساكين فليتغذّ مع يعقوب،( وَأَعلَمُ مِنَ اللهِ مَا لاَ تَعلَمُونَ ) (٢) أي وأعلم صدق رؤيا يوسف، وأعلم أنّه حيّ، وأنّكم ستجدونه.(٣)

وفي كتاب النبوّة: بالاسناد عن سدير الصيرفي، عن أبي جعفرعليه‌السلام ، قال: إنّ يعقوب دعا الله سبحانه أن يهبط عليه ملك الموت، فأجابه فقال: ما حاجتك؟

فقال: اخبرني هل مرّ بك روح يوسف يوسف في الأرواح؟

قال: لا، فعلم أنّه حيّ ؛ وقيل: إنّهم لمّا أخبروه بسيرة الملك قال: لعلّه يوسف، فلذلك قال:( يَا بَنِيَّ اذهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ ) أي استخبروا من شأنهما، واطلبوا خبرهما، وانظروا ملك مصر ما اسمه؟ وعلى أيّ دين هو؟ فإنّه قد اُلقي في روعي أنّ الذي حبس ابن يامين هو يوسف، وإنّه إنّما طلبه منكم، وجعل الصاع في رحله احتيالاً في حبس أخيه عند نفسه،( وَلَا تَيأَسُوا مِن رَوحِ اللهِ إِنَّهُ لَا يَيأَسُ مِن رَوحِ اللهِ إِلَّا القَومُ الكَافِرُونَ ) (٤) .

قال ابن عبّاس: يريد انّ المؤمن من الله على خيرٍ يرجوه في الشدائد

__________________

١ - في « ح »: أي يوسف وأخوه بنيامين.

٢ - سورة يوسف: ٨٦.

٣ - في المجمع: ستسجدون له كما اقتضاه رؤياه.

٤ - سورة يوسف: ٨٧.

والبلاء، ويشكره ويحمده في الرخاء، والكافر ليس كذلك.

سؤال: كيف خفي أخبار يوسف على يعقوب في المدّة الطويلة مع قرب(١) المسافة؟ وكيف لم يعلمه بخبره لتسكن نفسه ويزول وجده؟

الجواب: قال السيد المرتضىرضي‌الله‌عنه : يجوز أن يكون ذلك ممكناً، و [ كان ](٢) عليه قادراً، لكن الله سبحان أوحى إليه أن يعدل عن اطّلاعه على خبره تشديداً للمحنة عليه، ولله سبحانه أن يشدّد(٣) التكلّف وأن يسهّله.(٤)

ولمّا قال يعقوب لبنيه:( اذهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ ) ، خرجوا قاصدين مصر.(٥)

وروي في كتاب النبوّة: بالاسناد عن الحسن بن محبوب، عن أبي إسماعيل الفرّاء، عن طربال، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في خبرٍ طويلٍ أنّ يعقوب كتب إلى يوسف:

بسم الله الرحمن الرحيم

إلى عزيز مصر، ومظهر العدل، وموفي الكيل.

من يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن صاحب نمرود الذي جمع له النار ليحرقه بها فجعلها الله عليه برداً وسلاماً وأنجاه منها.

اُخبرك ايها العزيز، إنّا أهل بيت لم يزل البلاء إلينا سريعاً من الله ليبلونا

__________________

١ - كذا في المجمع، وفي الأصل: مدّة.

٢ - من المجمع.

٣ - في المجمع: يصعّب.

٤ - مجمع البيان: ٣ / ٢٥٧ - ٢٥٨.

٥ - مجمع البيان: ٣ / ٢٦٠.

عند السرّاء والضرّاء، وانّ مصائباً تتابعت عليّ منذ عشرين سنة ؛ أوّلها انّه كان لي ابن سمّيته يوسف، وكان سروري من بين ولدي وقرّة عيني وثمرة فؤادي، وانّ إخوته من غير اُمّه سألوني أن أرسله معهم يرتع ويلعب، فبعثته معهم بكرة فجاؤني عشاء يبكون، وجاءوا على قميصه بدم كذب، وزعموا أنّ الذئب أكله، فاشتدّ لفقده حزني، وكثر على فراقه بكائي حتى ابيضّت عيناي من الحزن، وكان له أخ وكنت به معجباً وكان لي أنيساً، وكنت إذا ذكرت يوسف ضممته إلى صدري فسكن بعض ما بي وما أجد في صدري، وإنّ إخوته ذكروا [ لي ](١) أنّك سألتهم عنه وامرتهم أن يأتوك به، فإن لم يأتوك به منعتهم الميرة، فبعثته معهم ليمتاروا [ لنا ](٢) قمحاً فرجعوا إليّ وليس هو معهم، وذروا انّه سرق مكيال الملك، ونحن أهل بيت لا نسرق، وقد حبسته عنّي وفجعتني به، [ وقد اشتدّ لفراقه حزني حتى تقوّس لذلك ظهري وعظمت به ](٣) مصيبتي مع مصائب تتابعت عليّ، فمنّ عليّ بتخلية سبيله وإطلاقه من حبسك، وطيّب لنا القمح، وعجّل سراح آل إبراهيم.

قال: فمضوا بكتابه حتى دخلوا على يوسف في دار الملك وقالوا:( يَا أَيُّهَا العَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهلَنَا الضُّرُّ ) (٤) فتصدّق علينا بأخينا ابن يامين، وهذا كتاب أبينا يعقوب أتينا به إليك يسألك تخلية سبيله، فمنّ به علينا، وأخذ يوسف كتاب يعقوب، وقبّله ووضعه على عينيه، وبكى وانتحب حتى بلّ دمعه القميص الذي عليه، ثمّ أقبل عليهم و( قَالَ هَل عَلِمتُم مَا فَعَلتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ ) من إذلاله وإبعاده عن أبيه، وإلقائه في الجبّ، والاجتماع على قتله وبيعه بثمن وكس، وما فعلتم بأخيه من إفراده عن يوسف والتفريق بينهما حتى صار وحيداً

__________________

١ و ٣ - من المجمع.

٤ - سورة يوسف: ٨٨.

ذليلاً [ فيما ](١) بينكم لا يكلّمكم الا كما يكلّم الذليل العزيز؟

وإنّما لم يذكر أباه يعقوب تعظيماً له، ورفعاً من قدره، وانّ ذلك كان بلاء له ليزداد به علوّ الدرجة عند الله تعالى،( إذ أَنتُمْ جَاهِلُونَ ) (٢) وكان هذا تلقيناً لهم بما يعتذرون به، وهذا هو الغاية في الكرم إذ صفح عنهم ولقّنهم وجه العذر(٣) ،( قَالُوا أإنَّكَ لأَنتَ يُوسُف ) ؟ قيل: إنّ يوسف لمّا قال لهم:( هَلْ عَلِمتُمْ مَا فَعَلتُم بِيُوسُفَ ) ، رفع التاج عن رأسه وتبسّم إليهم، فلمّا أبصروا ثناياه كأنّها اللؤلؤ المنظوم شبّهوه بيوسف و( قَالُوا أإنَّكَ لأَنتَ يُوسُفَ ) فقال:( أَنَا يُوسُفُ ) المظلوم المستحلّ منه المحرم،( وَهَذَا أَخِي ) المظلوم كظلمي( قَد مَنَّ اللهُ عَلَينَا ) (٤) بالاجتماع بعد طول الفرقة:( قَالُوا تَاللهِ لَقَد آثَرَكَ اللهُ علَينَا وَإِن كُنَّا لَخَاطئين ) (٥) أي اختارك بالحلم والعلم والملك(٦) والحسن.(٧)

قيل: إنّهعليه‌السلام لمّا عرّفهم نفسه سألهم عن أبيه، فقال: ما فعل أبي بعدي؟

قالوا: ذهبت عيناه.

فقال:( اذهَبُوا بِقَمِيصِي هذَا ) ، واطرحوه على وجه أبي يعد مبصراً(٨)

__________________

١ - من المجمع.

٢ - سورة يوسف: ٨٩.

٣ - كذا في المجمع، وفي الأل: وكفتهم العذر.

٤ - سورة يوسف: ٩٠.

٥ - سورة يوسف: ٩١.

٦ - في المجمع: والعقل.

٧ - مجمع البيان: ٣ / ٢٦٢ وبدون أن ينسب كتاب يعقوب إلى يوسف كتاب النبوّة - كما هو أعلاه -.

٨ - كذا في المجمع، وفي الأصل: منظراً.

( وَأتُونِي بِأَهلِكُمْ أَجمَعِينَ ) .(١)

وروي أنّ يوسفعليه‌السلام قال: إنّما يذهب بقميصي من ذهب به أوّلاً.

فقال يهوذا: أنا ذهبت به وهو متلطّخ بالدم، وأخبرته انّه أكله الذئب.

قال: فاذهب بهذا أيضاً واخبره أنّه حيّ، وافرحه كما أحزنته، فحمل القميص وخرج حافياً حاسراً حتى أتى يعقوب وكان معه سبعة أرغفة، وكانت مسافة ما بينهما ثمانين فرسخاً، فلم يستوف الأرغفة في الطريق وقد ذكرنا [ من ](٢) قبل شأن القميص، وإنّما أرسل القميص بأمر من جبرئيلعليه‌السلام قال له: أرسل إليه قميصك فإنّ فيه ريح الجنّة لا يقع على مبتلى ولا سقيم الا صحّ وعوفي.

ثمّ انّ يوسفعليه‌السلام أمر لهم بمائتي راحلة وما يحتاج إليه من آلات السفر، فلمّا قربوا من يعقوب قال لأولاد أولاده الذين كانوا عنده:( إنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ) .

روي عن ابي عبد اللهعليه‌السلام قال: وجد يعقوب ريح قميص يوسف(٣) عليه‌السلام حين فصلت العير من مصر وهو بفلسطين من مسيرة عشر ليال.

قال ابن عبّاس: هاجت ريح فحملت ريح قميص يوسف إلى يعقوب.(٤)

وروي أنّ ريح الصبا استأذنت الله ربّها في ان تأتي يعقوب بريح يوسف

__________________

١ - سورة يوسف: ٩٣.

٢ - من المجمع.

٣ - كذا في المجمع، وفي الأصل: إبراهيم.

٤ - مجمع البيان: ٣ / ٢٦١.

قبل أن يأتيه البشير بالقميص، فأذن لها، فأتته بها، ولذلك يستروح كلّ محزون بريح الصبا، وقد أكثر الشعراء من ذكرها، فمن ذلك قولهم:

فإنّ الصبا ريحٌ إذا ما تنسّمت

على نفسِ مهمومٍ تجلّت همومها

 وقول أبي الصخر(١) الهذلي:

إذَا قُلتُ هذا حِينَ أسلُو يُهيجَنِي

نَسِيمُ الصَّبَا مِن حَيثُ يَطَّلِعُ الفَجرُ

( لَولاَ أَنْ تُفَنِّدُونِ ) (٢) أي: تقولون إنّه شيخ قد هرم وخرف، وذهب عقله، (قَالُوا تَاللهِ إنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ القَدِيمِ ) (٣) عن الصواب في حبّ يوسفعليه‌السلام فإنّه كان عندهم أنّ يوسف قد مات منذ سنين، ولم يريدوا الضلال عن الدين.

( فَلَمَّا أَن جَاءَ الَبشِيرُ ) وهو يهوذا( ألقَاهُ عَلَى وَجهِهِ فَارتَدَّ بَصِيراً ) (٤) . قال الضحّاك: عاد إليه بصره بعد العمى، وقوّته بعد الضعف، وشبابه بعد الهرم، وسروره بعد الحزن. فقال للبشير: ما أدري ما اُثيبك [ به ](٥) هوّن الله عليك سكرات الموت.

ولمّا قدموا أولاده عليه( قَالُوا يَا أَبانَا استَغفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ ) (٦) .

فقال لهم:( سَوفَ أستَغفِرُ لَكُمْ رَبِّي إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ ) (٧) ؛ قيل: إنّه لم

__________________

١ - كذا في المجمع، وفي الأصل: منجب.

٢ - سورة يوسف: ٩٤.

٣ - سورة يوسف: ٩٥.

٤ - سورة يوسف: ٩٦.

٥ - من المجمع.

٦ - سورة يوسف: ٩٧.

٧ - سورة يوسف: ٩٨.

يستغفر لهم في الحال، لأنّه أخرّهم إلى سحر ليلة الجمعة، روي ذلك عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أنّه كان يستغفر لهم ليلة جمعة في نيّف وعشرين سنة حتى نزل قبول توبتهم.

وروي أن جبرئيلعليه‌السلام علّم يعقوب هذا الدعاء: يا رجاء المؤمنين لا تخيّب رجائي، ويا غوث المؤمنين أغثني، ويا عون المؤمنين أعنّي، ويا حبيب التوّابين تب عليّ، فاستجب لهم(١) .(٢)

وفي حديث ابن محبوب، عن أبي جعفرعليه‌السلام انّ يعقوب قال لولده: تحملوا من ساعتكم إلى يوسف في يومكم هذا بأهليكم(٣) أجمعين، فساروا من فورهم ويعقوب معهم وخالة يوسف [ اُمّ ](٤) يامين فحثّوا السير فرحاً وسروراً تسعة أيّام إلى مصر.

فلمّا دنا يعقوب من مصر تلقّاه يوسف في الجند وأهل مصر. فقال يعقوب: يا يهوذا، هذا فرعون مصر؟ قال: لا، هذا ابنك يوسف، ثمّ تلاقيا على يوم من مصر، فلمّا دنا كلّ واحد من صاحبه بدأ يعقوب بالسلام، فقال: السلام عليك يا مُذهب الأحزان.

ثمّ انّ يوسف اعتنق أبها وبكى،( وَقَالَ ) لهم قبل دخول مصر:( ادخُلُوا مِصرَ إن شَاءَ اللهُ آمِنِينَ ) (٥) ، وإنّما قال:( آمِنِينَ ) لأنّهم كانوا يخافون ملوك مصر، ولا يدخلونها الا بجوازهم ؛ قيل: دخلوا مصر وهم ثلاثة وسبعون إنساناً،

__________________

١ - كذا في المجمع، وفي الأصل: له.

٢ - مجمع البيان: ٣ / ٢٦٣.

٣ - في المجمع: تحملوا إلى يوسف من يومكم هذا بأهلكم.

٤ - من المجمع.

٥ - سورة يوسف: ٩٩.

وخرجوا مع موسى وهم ستّمائة وألف وخمسمائة وبضع وسبعون رجلاً،( وَرَفَعَ أَبَوَيهِ عَلَى العَرشِ ) على سرير ملكه إعظاماً لهما.

ثمّ دخل منزله واكتحل وادّهن، ولبس ثياب العزّ والملك، فلمّا رأوه سجدوا له جميعاً إعظاماً له، وشكراً لله، ولم يكن يوسف في تلك المدّة يدّهن، ولا يكتحل، ولا يتطيّب، حتى جمع الله بينه وبين أبيه وإخوته.

فلمّا رأوه( وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً ) وكانت تحيّة الناس - في ذلك الزمان - بعضهم لبعضٍ يومئذ السجود، والانحناء، والتكفير، ولم يكونوا نهوا عن السجود لغير الله في شريعتهم، وأعطى الله تعالى هذه الاُمّة السلام، وهو تحيّة أهل الجنّة.

( وَقَالَ ) يوسف:( يَا أَبَتِ هذَا تَأوِيلُ رُؤيَايَ مِنْ قَبلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً ) (١) في اليقظة.

وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: كان بين الرؤية وتأويلها أربعون سنة.

وولد ليوسف من امرأة العزيز زليخا: أفراثيم(٢) ، وميشا، ورحمة امرأة أيّوب، وكان بين يوسف وموسىعليهما‌السلام أربعمائة سنة.

وفي كتاب النبوّة بالاسناد عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال: قال يعقوب ليوسف: حدّثني كيف صنع بك إخوتك؟

قال: يا أبه دعني.

قال: أقسمت عليك إلا ما أخبرتني.

____________

١ - سورة يوسف: ١٠٠.

٢ - في المجمع: أفرايم.

فقال: أخذوني وأقعدوني على رأس الجبّ، ثمّ قالوا: انزع قميصك، فقلت لهم: إنّي أسألكم بوجه يعقوب إلا تنزعوا قميصي عنّي، ولا تبدوا عورتي، فرفع فلان السكّين عليّ، فصاح يعقوب وخرّ مغشيّاً عليه، ثم أفاق، فقال: يا بنيّ، كيف صنعوا بك؟

فقال يوسف: إنّي أسألك بإله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلا أعفيتني، قال: فتركه.

وروي أنّ يوسف قال ليعقوبعليهما‌السلام : يا أبة، لا تسألني عن صنع إخوتي، واسأل عن صنع الله بي.

قال أبو حمزة الثمالي: بلغنا أنّ يعقوب عاش مائة وسبعاً(١) وأربعين سنة، ودخل على يوسف في مصر وهو ابن مائة سنة وثلاثين سنة، وكان عند يوسف في مصر سبع عشرة سنة، ثمّ توفّي صلوات الله عليه فنقل إلى الشام في تابوت من ساج، ووافق ذلك اليوم يوم مات عيصو، وكان يعقوب وعيصو ولدا في بطن واحد ودفنا في قبر واحد.

وكان يوسفعليه‌السلام قد مضى مع تابوت أبيه إلى بيت المقدس، ولمّا دفنه رجع إلى مصر، وكان دفنه في بيت المقدس عن وصيّة منه إليه أن يدفن عند قبور آبائهعليهم‌السلام ، وعاشعليه‌السلام بعد أبيه ثلاثاً وعشرين سنة، ثمّ مات، وكان أوّل رسول في بني إسرائيل، وأوصى أن يدفن عند قبور آبائهعليهم‌السلام .(٢)

وعن أبي خالد، عن ابي عبد اللهعليه‌السلام قال: دخل يوسف السجن

__________________

١ - كذافي المجمع - وهو الصحيح -، وفي الأصل: سنة.

٢ - مجمع اليان: ٣ / ٢٦٤ - ٢٦٦.

وهو ابن اثنتي عشرة سنة، ومكث فيه ثمانية عشرة سنة، وبقي بعد خروجه ثمانين سنة، فذلك مائة سنة وعشر سنين.

قالوأ: ولمّا جمع الله سبحانه شمله، وأقرّ عينه، وأتمّ له رؤياه، ووسّع عليه في ملك الدنيا علم أنّ ذلك لا يبقى ولا يدوم، فطلب من الله سبحانه نعيماً لا يفنى، وتاقت نفسه إلى الجنّة، فتمنّى الموت ودعا به، ولم يتمنّ ذلك نبيّ قبله ولا بعده، فقال:( رَبِّ قَد ءَاتَيتَنِي مِنَ المُلكِ وَعَلَّمتَنِي مِن تَأوِيلِ الأَحادِيثِ فَاطِرَ السَّموَاتِ وَالأَرضِ أنتَ وَلِيّي فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسلِماً وَأَلحِقنِي بِالصَّالحِينَ ) (١) فتوفّاه الله تعالى بمصر وهو نبيّ، ودفن في النيل في صندوق من رخام، وذلك أنّه لمّا مات تشاحّ الناس عليه، كلّ يحبّ أن يدفن في محلّته، لما كانوا يرجون من بركاته، فرأوا أن يدفنوه في النيل فيمرّ الماء عليه، ثمّ يصل(٢) إلى جميع مصر، فيكون كلّهم شركاء في بركته شرعاً، فكان قبره في النيل إلى أن حمله موسىعليه‌السلام لمّا خرج من مصر، ودفنه عند آبائه الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين.(٣)

وإنّما أوردت هذه القصّة بتمامها ليكون ذلك تسلية للمؤمن التقيّ، وردّ على الجاحد الشقيّ، فإنّ الله سبحانه يبتلي عباده الصالحين بأعدائه الطالحين، ليكون الجزاء على قدر البلاء، والثواب على قدر المشقّة، لأنّه سبحانه هو المدبّر الحكيم العليم بمصالح عباده في معاشهم ومعادهم، فتارة يكون البلاء في النفس والولد - كما مرّ في قصّة يعقوب ويوسف -، وتارة يكون في ضنك العيش والفقر كما ذكر سيّدنا أمير المؤمنين عليه

__________________

١ - سورة يوسف: ١٠١.

٢ - كذا في المجمع، وفي الأصل: رحل.

٣ - مجمع اليان: ٣ / ٢٦٦، عرائس المجالس: ١٤٢.

السلام عن موسىعليه‌السلام في قوله:( رَبِّ إنِّي لِمَا أنزَلتَ إلَيَّ مِن خَيرٍ فَقِيرٌ ) (١) قال: والله ما سأله إلا خبزاً يأكله، لأنّه(٢) كان يأكل بقلةَ الأرض، ولقد كانت خضرة البقلِ نُرى من شفيف صِفاق بطنه(٣) ، لهزاله، وتشذّب لحمه(٤) .(٥)

و لقد دخل هو وأخوه هارونعليهما‌السلام على فرعون، وعليهما مدارعُ الصوف، وبأيديهما العصيّ، فشرطا له - إن أسلم - بقاء ملكه، ودوامَ عزّه.

فقال: ألا تعجبون من هذين يشترطان لي دوامَ العزّ، وبقاء الملك، وهما على ما ترونَ من حال الفقر والذلّ، فهلّا اُلقيَ عليهما أساورة من ذهب؟ إعظاماً للذهب وجمعه، واحتقاراً للصوف ولُبسه! ولو أراد الله سبحانه بأنبيائه حيث [ بعثهم ](٦) أن يفتح لهم كنوز الذهبان، ومعادن العِقيان، ومغارس الجنان، وأن يحشر معهم طير السماء ووحوش الأرضين لفعل، ولو فعل لسقط البلاء وبطل الجزاء.(٧) كما ذكرنا أوّلاً.(٨)

كما حكي عن بعضهم أنّه كان إذا أقبلت عليه الدينا يقول: هذا ذنب

____________

١ - سورة القصص: ٢٤.

٢ - كذا في النهج والمجمع، وفي الأصل: ولقد.

٣ - كذا في النهج والمجمع، وفي الأصل: من صفاق سفاف بطنه.

وشفيف: رقيق، يستشفّ ما وراءه.

والصفاق: الجلد الباطن الّذي فوقه الجلد الظاهر من البطن.

٤ - أي تفرّقه.

٥ - نهج البلاغة: ٢٢٦ خطبة رقم ١٦٠، مجمع البيان: ٤ / ٢٤٨.

٦ - من النهج.

٧ - نهج البلاغة: ٢٩١ خطبة رقم ١٩٢ « الخطبة القاصعة ».

٨ - في ص ٤٠، وذكرنا تخريجات اُخرى.

عجّلت عقوبته، وإذا افتقر أو أصابته خصاصة قال: مرحباً بشعار الصالحين(١) .(٢)

فكذلك الأنبياء والأولياء يسرّهم ما ينزل بهم من البلاء، ويفرحون بما امتحنوا به من الابتلاء، راحة أرواحهم فيما فيه رضى خالقهم، ولذّة أنفسهم فيما يمتحنهم الله به في أموالهم وأجسادهم، وما يختاره من فيض ثمرات قلوبهم وأحفادهم، فلا يغرّنّكم الشيطان بغروره، ولا يفتننّكم مروره فيلقي في روعكم، ويوسوس في صدوركم.

إنّ ما أصاب من كان قبلكم من الأنبياء والمرسلين، والأولياء والصالحين، في الدار الفانية والحياة البالية، من جهد البلاء وشدّة اللأواء، والامتحان بجهاد الأعداء، هواناً بهم على خالقهم، وهظماً لهم لدى بارئهم، بل أنزل بهم البأساء والضرّاء، ووجّه إليهم محن دار الفناء، من سقم الأجساد، وتحمّل الأذى من أهل الجحود والعناد، فتحمّلوا المشاقّ في ذاته من أداء الفرائض والنوافل، وصبروا على جهاد أعدائه من أهل الزيغ والباطل، يسوقون العباد بسوط وعظهم إلى غفران ربّهم، ويجذبون النفوس بصوت لفظهم إلى منازل قربهم، لا توحشهم مخالفة من خالفهم، ولا يرهبهم عناد من عاندهم، بل يصدعون بالحقّ، ويقرعون بالصدق، ويوضحون الحجّة، ويهدون إلى المحجّة، لا يزيدهم قلّة الأنصار الا تصميماً في عزائمهم، ولا يكسبهم تظافر الأشرار إلا شدّة لشكائمهم، ليس في قلوبهم جليل إلا جلاله، ولا في أعينهم جميل إلّا

__________________

١ - أي علامتهم. « مجمع البحرين: ٣ / ٣٤٩ - شعر - ».

٢ - تفسر القمّي: ١ / ٢٠٠، عنه البحار: ١٣ / ٣٤٠ ح ١٦، وج ٦٧ / ١٩٩.

ورواه في الكافي: ٢ / ٢٦٣ ح ١٢، عنه البحار: ٧٢ / ١٥ ح ١٤.

وأورده في إرشاد القلوب: ١٥٦.

جماله، لما شربوا من شراب جنّته في حضيرة قدسه، أتحفهم بمقام قربه واُنسه، يختارون قطع أوصالهم على قطع اتّصالهم، وذهاب أنفسهم على بعد مؤنسهم.

أما ترى كيف أثنى الله على نبيّه أيّوب بقول:( إنَّا وَجَدنَاهُ صَابِراً نِعْمَ العَبدُ إنَّهُ أوّابٌ ) (١) ؟ انظر كيف شرّفه الله بإضافته إلى نفسه، وأثنى عليه بالصبر الجميل في محكم التنزيل، وكانعليه‌السلام في زمن يعقوب بن إسحاقعليه‌السلام ، وتزوّج ليا(٢) بنت يعقوب ؛ وقيل: رحمة بنت يوسف(٣) ، وولد له سبعة بنين وثلاث بنات.

و كان له من المال والمواشي مالا يحصى كثرة. قيل: كان له أربعمائة عبد ما بين زرّاع وحمّال وراع وغير ذلك، وكان في أخفض عيش وأنعم بال مدّة أربعين سنة، ولمّا زاد الله ابتلاءه وامتحانه لا ليعلم صبره وشدّة عزيمته، بل زيادة في درجته، ورفعة لمنزلته، أتاه جبرئيلعليه‌السلام فقال: يا أيّوب، أربعون سنة لك في خفض العيش والنعمة، فاستعدّ للبلاء، وارض بالقضاء، فإنّك ستتبدّل بالنعمة محنة، وبالغنى فقراً، وبالصحّة سقماً.

فأجابه أيّوب: ليس عليّ بأس من ذلك إذا رضى الله به.

عذّب بما شئت غير البعد عنك تجد

أوفى محبّ بما يرضيك مبتهجاً

فمضى على ذلك مدّة فصلّى صلاة الصبح، وأسند ظهر إلى المحراب وإذا بالضجّة قد علت، وإذا بقائل يقول: يا أيّوب، إنّ مواشيك كانت في الواد الفلاني فأتاه السيل واحتملها جميعاً، وألقاها في البحر، فبينما هو كذلك إذ أتته رعاة

____________

١ - سورة ص: ٤٤.

٢ - في قصص الأنبياء للراوندي: ١٤١ ح ١٥١: إليا.

٣ - وقيل: رحمة بنت أفراثيم بن يوسفعليه‌السلام . انظر تفسير البرهان: ٤ / ٥٣ وما بعدها ح ١١، ففيه قصّة أيّوبعليه‌السلام مفصّلة نقلاً عن تحفة الاخوان.

الإبل، فسألهم: ما الخبر؟

فقال قائلهم: هبّت علينا سموم عاصف لو هبّت على جبل لأذابته بحرّها، فأتت على أرواح الإبل جميعها، ولم تترك منها كبيراً ولا صغيراً إلا أهلكته.

فبينا هو يتعجّب من ذلك ويحمد الله ويشكره إذ أتت الأكَرَةُ قائلين: قد نزلت بنا صاعقة فلم تترك من الزرع والأشجار والثمار شيئاً إلا أحرقته، فلم يزده ذلك ولم يغيّره ولم يفتر لسانه عن ذكر الله وعن التسبيح والتقديس.

فبينما هو كذلك يحمد الله ويشكره إذ أتاه آت قد أتى باكياً حزيناً يلطم وجهه ويحثو التراب على رأسه، فسأله أيّوب: ما الخبر؟

فقال: إنّ ابنك الأكبر أضاف باقي إخوته فوضع لهم الطعام وبعضهم قد ابتدأ بالأكل، وبعضهم لم يبتدئ إذ خرّ السقف عليهم فماتوا جميعهم، فاستعبر أيّوب، ثم استشعر لباس الصبر، والتوكّل على الله، وتفويض الأمر إليه، وأخذ في السجود قائلاً: يا ربّ إذا كنت لي لا أُبالي، ثمّ بعد ذلك حلّ به من الأسقام والأمراض في بدنه ما لا يوصف كثرة، ولم يشتك إلى مخلوق، ولم يفوّض أمره إلى غير ربّه سبحانه، وأمّا قوله:( أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أرحَمُ الرَّاحِمِينَ ) (١) فإنّما كان لما روي أنّ الشيطان أتاه في صورة طبيب فقال: إن أردت أن أشفيك من علّتك فاسجد لي، فإنّي اُزيل عنك ما يؤلمك، وأشفيك من علّتك، فصاح أيّوب عند ذلك، واستغاث بالله قائلاً:( أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرحَمُ الرَّاحِمِينَ ) ، فولّى عنه إبليس، وقد يأس منه فأتى زوجته رحمة بنت يوسف ووسوس إليها.

روي أنّه أتاه في صورة طبيب، فدعته إلى مداواة أيّوبعليه‌السلام ،

__________________

١ - سورة الأنبياء: ٨٣.

فقال: اُداويه على أنّه إذا برئ قال: أنت شفيتني، لا اُريد جزاء سوى ذلك.

قال: فأشارت إلى أيّوب بذلك، فصاح واضطرب واستجار بالله وحلف ليضربنّها مائة ضربة.

وقيل: أوحى الله إلى أيّوب: يا أيّوب، إنّ سبعين نبيّاً من أنبيائي سألوني هذا البلاء فلا تجزع، فلمّا أتاه الله بالعافية في بدنه اشتاق إلى ما كان عليه من البلاء، فلذلك قال سبحانه:( إنَّا وَجَدنَاهُ صَابِراً نِعمَ العَبدُ إنَّهُ أوَّابٌ ) (١) .

ولمّا انقضت المحنة وقرب الفرج أتاه جبرئيل بأمر الله بعد أن دامت به الأسقام والأمراض سبع سنين، وقال: يا أيّوب،( اركُضْ بِرِجلِكَ ) أي ادفع الأرض برجلك( هذا مُغتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ) (٢) ، فركض برجله فنبعث عينان، فاغتسل من أحدهما فبرئ، وشرب من الاُخرى.

وروي عن الصادقعليه‌السلام أنّ الله تعالى أحيا له أهله الذين ماتوا بأعيانهم قبل البليّة، وأحيا أهله الذين ماتوا وهو في البليّة.

قالوا: ولمّا ردّ الله عليه ولده وأهله وماله، وعافاه في بدنه أطعم أهل قريته سبعة أيّام، وأمرهم أن يحمدوا الله ويشكروه، ثمّ امره جبرئيل أن يأخذ ضغثاً وهو ملء الكفّ من الشماريخ وما أشبه ذلك، فيضربها ضربة واحدة براءة ليمينه لأنّه كان قد حلف ليضربنّها ماءة ضربة.(٣)

فانظر إلى شدّة إخلاصه، وعظيم اختصاصه، وحسن مراقبته لمعبوده، ومقابلته البلاء بالشكر في ركوعه وسجوده.

__________________

١ - سورة ص: ٤٤.

٢ - سورة ص: ٤٢.

٣ - مجمع البيان: ٤ / ٥٩ و ٤٧٨. عنه البحار: ١٢ / ٣٤٠.

وكذلك كان روح الله وكلمته المسيح بن مريم، كانعليه‌السلام كما وصفه أمير المؤمنين وسيّد الوصيّين بقوله: كان يَلبَسُ الخشِن، ويأكل الجشب(١) ، وكان إدامه الجوع(٢) ، وسراجه بالليل القمر، وظلاله في الشتاء مشارق الأرض ومغاربها، تولم يكن له ولد يحزنه، ولا زوجة تفتنه، دابّته(٣) رجلاه، وخادمه يداه.(٤)

و عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: والله ما تبع عيسى شيئاً من المساوئ قطّ، ولا انتهر يتيماً(٥) قطّ، ولا قهقه ضاحكاً قط، ولا ذبّ ذباباً عن وجهه، ولا أخذ على أنفه من شيء نتن قطّ(٦) ، ولا عبث قطّ.(٧)

وروي أنّهعليه‌السلام مرّ برهطٍ، فقال بعضهم لبعض: قد جاءكم الساحر ابن الساحرة، والفاعل ابن الفاعلة، فقذفوه باُمّه، فسمع ذلك عيسىعليه‌السلام ، فقال: اللهم أنت ربّي خلقتني ولم آتهم من تلقاء نفسي، اللهم العن من سبّني، وسبّ اُمّي، فاستجاب الله له دعوته، فمسخهم خنازير.

____________

١ - كذا في النج، وفي الأصل: الحشيش - وهو تصحيف -.

طَعامٌ جَشِبٌ ومجشوبٌ: أي غليظ خَشِنٌ. وقيل: هو الذي لا اُدم له « لسان العرب: ١ / ٢٦٥ - جشب - ».

٢ - قال المجلسيرحمه‌الله : لعلّ المعنى أنّ الانسان إنّما يحتاج إلى الإدام لأنّه يعسر على النفس أكل الخبز خالياً عنه، فأمّا مع الجوع الشديد فيلتذّ بالخبز ولا يطلب غيره، فهو بمنزلة الإدام، أو أنّه كان يأكل الخبز دون الشبع، فكان الجوع مخلوطاً به كالإدام.

٣ - في النهج: وظلاله في الشتاء مشارق الارض ومغاربها، وفاكهته وريحانه ما تنبتُ الأرض للبهائم، ولم تكن له زوجة تفتِنُهُ، ولا ولد يحزنُهُ، ولا مال يلفِتُه، ولا طمَعٌ يذلّه، دابّته

٤ - نهج البلاغة: ٢٢٧ خطبة رقم ١٦٠، عنه البحارر: ١٤ / ٢٣٨ ح ١٦.

٥ - كذا في المجمع وفي الأصل: شيء.

٦ - كذا في المجمع، وفي الأصل: ولا أخذ على نفسه من بين شيء قطّ.

٧ - مجمع البيان: ٢ / ٢٦٦، عنه البحار: ١٤ / ٢٦٣. وانظر: عرائس المجالس: ٣٩٨.

ولمّا مسخهم الله سبحانه بدعائه بلغ ذلك يهوذا وهو رأس اليهود، فخاف أن يدعو عليه، فجمع اليهود، فاتّفقوا على قتله، فبعث الله سبحانه جبرئيل يمنعه منهم، ويعينه عليهم، وذلك معنى قوله:( وَأَيَّدنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ ) (١) فاجتمع اليهود حول عيسى، فجعلوا يسألونه فيقول لهم: يا معشر يهود، إنّ الله تعالى يبغضكم، فثاروا(٢) إليه ليقتلوه، فأدخله جبرئيل خوخة البيت الداخل، لها روزنة في سقفها، فرفعه جبرئيل إلى السماء، فبعث رأس اليهود رجلاً من أصحابه اسمه ططيانوس(٣) ، ليدخل عليه الخوخة فيقتله، فدخل فلم يره، فأبطأ عليهم، فظنّوا أنّه يقاتله في الخوخة، فألقى الله عليه شبه عيسى، فلمّا خرج على أصحابه قتلوه وصلبوه ؛ وقيل: ألقى الله عليه شبه وجه عيسى، ولم يلق عليه شبه جسده، فقال بعض القوم: إنّ الوجه وجه عيسى، والجسد جسد ططيانوس، فقال بعضهم: إن كان هذا ططيانوس فأين عيسى؟ وإن كان هذا عيسى فأين ططيانوس؟ فاشتبه الأمر عليهم.(٤)

وعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّ عيسى لم يمت، وانّه راجع إليكم قبل يوم القيامة.

وقد صحّ عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم(٥) وإمامكم منكم. رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما.(٦)

__________________

١ - سورة البقرة: ٨٧ و ٢٥٣.

٢ - في المجمع: فساروا.

٣ - في المجمع: طيطانوس، وفي العرائس: فلطيانوس، وكذا في المواضع الآتية.

٤ - مجمع اليان: ٢ / ١٣٥ - ١٣٦، عرائس المجالس: ٤٠٠.

٥ - كذا في غالبية المصادر، وفي الأصل: عليكم.

٦ - صحيح البخاري: ٤ / ٢٠٥، صحيح مسلم: ١ / ١٣٦ ب ٧١ ح ٢٤٤ و ٢٤٥.

وانظر أيضاً: المصنف لعبد الرزّاق: ١١ / ٤٠٠ ح ٢٠٨٤١، جواهر البحار في فضائل النبي

وقوله سبحانه:( وَرَافِعُكَ إِليَّ ) (١) ؛ قيل: أي بعد نزولك من السماء في آخر الزمان.(٢)

وروي أنّ عيسى لمّا أخرجه قومه واُمّه من بين ظهرانيهم عاد إليهم مع الحواريّين، وصاح فيهم بالدعوة، فهمّوا بقتله، فرفعه جبرئيل إلى السماء - كما مرّ -.

وروي أنّ الحواريّين اتّبعوا عيسى، وكانوا إذا جاعوا قالوا: يا روح الله، جعنا، فيضرب بيده إلى الأرض، سهلاً كان أو جبلاً، فيخرج لكلّ إنسان رغيفين يأكلهما، وإذا عطشوا قالوا: يا روح الله، عطشنا، فيضرب بيده إلى الأرض، سهلاً

__________________

المختار للنبهاني: ١ / ٣١١، منتخب الصحيحين للنبهاني: ٢٨٩، مسند أحمد بن حنبل: ٢ / ٢٧٢ و ٣٣٦، مسند أبو عوانة: ١ / ١٠٦، ابن حبّان: ٨ / ٢٨٣ - ٢٨٤ ح ٦٧٦٤، الأسماء والصفات للبيهقي: ٥٣٥، مصابيح البغوي: ٣ / ٥١٦ ح ٤٢٦١، شرح السنّة للبغوي: ١٥ / ٨٢، الفردوس: ٣ / ٣٤٢ ح ٤٩١٦، جامع الاًُصول: ١١ / ٤٧ ح ٧٨٠٨، مطالب السؤول: ٢ / ٨٠، بيان الشافعي: ٤٩٥ - ٤٩٦ ب ٧، عقد الدرر: ٢٢٩ ب ١٠، الفصول المهمّة: ٢٩٤ ف ١٢ وص ٢٩٥ وص ٢٩٩، جمع الجوامع: ١ / ٦٣٢، برهان المتقي: ١٥٩ ب ٩ ح ٤، كنز العمّال: ١٤ / ٣٣٢ ح ٣٨٨٤٠ وص ٣٣٤ ح ٣٨٨٤٥، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٤ / ١٠١، وج ١٦ / ١٠٦، فرائد فوائد الفكر: ٢٢ ب ٦، نور الأبصار: ١٨٨، ينابيع المودّة: ١٨٦ ب ٥٦، فض القدير: ٥ / ٥٨ ح ٦٤٤٠، العطر الوردي: ٧١، تصريح الكشميري: ٩٧ ح ٢، عقيدة أهل اسنّة: ٨ ح ١ و ٢، العمدة لابن بطريق: ٤٣١ ح ٩٠٣ وص ٤٣٢ ح ٩٠٥، كشف الغمّة: ٣ / ٢٢٨ و ٢٦٩ و ٢٧٩، إثبات الهداة: ٣ / ٥٩٩ ح ٦٣ وص ٦٠٦ ح ١٠٦، غاية المرام للبحراني: ٦٩٨ ح ٦٥ وص ٦٩٧ ح ٤٠ - ٤٢ وص ٧٠٢ ح ١٢٨، حلية الأبرار: ٢ / ٦٩٢ و ٦٩٣ و ٦٩٨ و ٧١٠، البحار: ٥١ / ٨٨ ب ١.

١ - كذا الصحيح، وفي الأصل: إليَّ آمنوا.

والآية في سورة آل عمران: ٥٥.

٢ - مجع البيان: ١ / ٤٤٩.

كان أو جبلاً، فتنبع عين ماء(١) فيشربون.

فقالوا: يا روح الله، من أفضل منّا إذا جعنا أطعمتنا، وإذا عطشنا سقيتنا(٢) ، وقد آمنّا بك واتّبعناك؟

قال: أفضل منكم من يعمل بيده، ويأكل من كسبه، فصاروا يغسلون الثياب بالكراء.(٣)

والحوارى شدّة البياض، ومنه الحواري من الخبز لشدّة بياضه، فكأنّهم هم المبيّضون للثياب.(٤)

وقيل: إنّ الذي دلّهم على المسيح كان رجلاً من الحواريّين وكان منافقاً، وذلك أنّ عيسى جمعهم تلك الليلة، وأوصاهم، وقال: ليكفرنّ بي أحدكم قبل أن يصيح الديك، ويبيعني بدراهم يسيرة، وخرجوا وتفرّقوا، وكانت اليهود تطلبه، فأتى أحد الحواريّين إليهم فقال(٥) : ما تجعلون لي إن دللتكم عليه؟ فجعلوا له ثلاثين درهماً، فأخذها ودلّهم عليه، فألقى الله عليه شبه عيسىعليه‌السلام لما دخل البيت، ورفع عيسى فاُخذ وقال: أنا الذي دللتكم عليه! فلم يلتفتوا إلى قوله، وقتلوه وهم يظنّون أنّه عيسى.

فلمّا رفع عيسى وأتى عليه سبعة أيّام قال الله له: اهبط على مريم لتجمع لك الحواريّين، وتبثّهم في الأرض دعاة، فهبط عليها، واشتعل الجبل نوراً، فجمعت له الحواريّين، فبثّهم في الأرض دعاة، ثمّ رفعه الله

__________________

١ - في المجمع: فيخرج ماء.

٢ - في المجمع: إذا شئنا أطعمتنا، وإذا شئنا سقيتنا.

٣ - مجمع البيان: ١ / ٤٤٨.

٤ - مجمع البيان: ١ / ٤٤٧.

٥ - كذا في المجمع - وهو الصحيح -، وفي الأصل: وقالوا.

تعالى في تلك الليلة، وهذه الليلة هي الليلة التي تسمّيها النصارى ليلة الدخنة ويدخّنوا فيها.

فلمّا أصبح الحواريّون حدّث كلّ واحدٍ منهم بلغة من أرسله إليه(١) عيسىعليه‌السلام (٢) .

و كانت مريم بنت عمران اُمّ عيسى ليس أبوها عمران أبو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب، بل هو عمران بن الهشم(٣) بن امون من ولد سليمان بن داودعليه‌السلام ، وكان بينه وبين عمران أبي موسى ألف وثمانمائة سنة.

وكانت امرأة عمران اسمها حنّة اُمّ مريم، وهي جدّة عيسى واُختها إيشاع واسم أبيها فاقوذ بن قبيل، وهي امرأة زكريّا، فيحيى ومريم ولدا خالة.(٤)

وكان يحيى بن زكريّا كما وصفه الله سبحانه وأثنى عليه في كتابه العزيز بقوله:( وَآتَينَاهُ الحُكمَ صَبِيّاً وَحَنَاناً مِن لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكاَنَ تَقِيّاً وَبَرّاً بِوَالِدَيهِ وَلَم يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً وَسَلَامٌ عَلَيهِ يَومَ وُلِدَ وَيَومَ يَمُوتُ وَيَومَ يُبعثُ حَيّاً ) (٥) وكانت ولادته آية من آيات الله سبحانه، لأنّ زكريّا لمّا رأى من كرامات الله لمريم حين كفلها، وكان يرى عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في

____________

١ - في المجمع: إليهم.

٢ - مجمع البيان: ١ / ٤٤٨ - ٤٤٩.

٣ - كذا في المجمع، وفي الأصل: اشهم.

٤ - انظر: الكامل في التاريخ: ١ / ٢٩٨ - وفيه: عمران بن ماثان - عرائس المجالس: ١٦٦ و ٣٧١، ومجمع البيان: ١ / ٤٣٣ - ٤٣٤، وج ٣ / ٥٠٣.

٥ - سورة مريم: ١٢ - ١٥.

الصيف، خلاف ما جردت به العادة، فسألها عن ذلك فيقول: « أنّى لك هذا »؟ فتقول: من رزق الله.(١)

فعندها دعا الله سبحانه، كما قال سبحانه:( إِذ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً ) (٢) أي دعا ربّه سرّاً غير جهر يخفيه في نفسه لا يريد به رياء، وفي هذا دلالة على أنّ المستحبّ في الدعاء الإخفاء، فإنّه أقرب إلى الاجابة.

و في الحديث: خير الدعاء الخفيّ، وخير الرزق ما يكفي.

وقيل: إنّما أخفاه لئلّا يهزأ به الناس فيقولوا: انظروا إلى هذا الشيخ سأل الولد على الكبر.(٣)

قال ابن عبّاس: كان عمر زكريّا حين طلب الولد عشرين ومائة سنة، وكانت امرأته ابنة ثمان وتسعين سنة.(٤)

فأوحى الله إليه:( يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسمُهُ يَحيَى لَمْ نَجعَلْ لَهُ مِن قَبلُ سَمِيّاً ) (٥) أي لم نسمّ أحداً قبله بهذا الاسم.

وكذلك الحسينعليه‌السلام لم يسم أحد قبله باسمه.

وكان قاتل يحيى ولد زنا، وكذلك قاتل الحسينعليه‌السلام كان ولد زنا.

وحمل رأس يحيى بن زكريّا إلى بغيّ من بغايا بني إسرائيل.

وكذلك حمل رأس الحسين إلى نجل بغيّة من بغايا قريش، ولم تبك

____________

١ - إشارة إلى الآية: ٣٧ من سورة آل عمران.

٢ - سورة مريم: ٣.

٣ - مجمع البيان: ٣ / ٥٠٢.

٤ - مجمع البيان: ١ / ٤٣٩، وفيه: يوم بشّر بالولد.

٥ - سورة مريم: ٧.

السماء إلا عليهما بكت أربعين صباحاً.

و سئل الصادقعليه‌السلام عن بكائها، قال: كانت الشمس تطلع حمراء، وتغيب حمراء.(١)

وروي عن علي بن زيد، عن علي بن الحسينعليه‌السلام قال: خرجنا مع الحسينعليه‌السلام إلى العراق فما نزل منزلاً، ولا ارتحل منه إلا ذكر يحيى بن زكريّا.(٢) (٣)

وعن أبي جعفرعليه‌السلام ، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال: لا يقتل الأنبياء وولد الأنبياء إلا ولد زنا.(٤)

وسئل الصادقعليه‌السلام عن قول فرعون:( ذَرُونِي أَقتُلْ مُوسَى ) (٥) ، فقيل: من كان يمنعه منه؟

قال: إنّه كان لرشده، ولم يكن ولد زنا، لأنّ الأنبياء والحجج لا يقتلها إلا ولد الزنا.(٦)

____________

١ - انظر كامل الزيارات: ٨٨ ب ٢٨، قصص الأنبياء للراوندي: ٢٢٠ ح ٢٩١، بحار الأنوار: ٤٥ / ٢٠١ ب ٤٠، عوالم العلوم: ١٧ / ٤٦٦ ب ٢.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٤ / ٨٥، عنه البحار: ٤٥ / ٢٩٨ ح ١٠، وعوالم العلوم: ١٧ / ٦٠٨ ح ٣.

٣ - مجمع البيان: ٣ / ٥٠٤، عنه البحار: ١٤ / ١٧٥.

٤ - كامل الزيارات: ٧٨ ح ٩ وص ٧٩ ح ١٠، عنه البحار: ٢٧ / ٢٤٠ ح ٥ و ٦.

وأورده الراوندي في قصص الأنبياء: ٢٢٠ ح ٢٩٠ و ٢٩١، عنه البحار: ٢٧ / ٢٤٠ ح ٣ و ٤.

٥ - سورة غافر: ٢٦.

٦ - كامل الزيارات: ٧٨ ح ٧، علل الشرائع: ٥٧ ح ١، عنهما البحار: ٢٧ / ٢٣٩ ح ٢.

وأخرجه في البحار: ١٣ / ١٣٢ ح ٣٥ عن العلل.

وكان يحيى أكبر من عيسى بستّة أشهر، وكلّف التصديق به، وكان أوّل مصدّق به، وشهد أنّه كلمة الله وروحه، وكان ذلك أحد معجزات عيسىعليه‌السلام ، وأقوى الأسباب لإظهار أمره، فإنّ الناس كانوا يقبلون قوله لمعرفتهم بصدقه وزهده.(١)

فلهذا اجتمعت اليهود على قتله(٢) ، فلمّا أحسّ بذلك فرّ منهم واختفى في أصل شجرة، فالتأمت عليه، فدلّهم إبلي عليه ؛ وقيل: إنّه جذب طرف ردائه فلاح(٣) لهم في ظاهر الشجرة، فوضعوا عليه منشاراً، وقدّوا أصل الشجرة ويحيى بنصفين، فأرسل الله سبحانه عليهم بخت نصّر، وكان دم يحيى يفور من أصل الشجرة، فقتل عليه سبعين ألفاً، وكذلك قتل بالحسين سبعون وسبعون ألفاً، وما أُخذ بثأره إلى الآن.

المناجاة

يا من أغرق أصحاب الأفكار الصائبة في بحار إلهيّته، وحيّر أرباب الأنظار الثاقبة في مبدأ ربوبيّته، ويا من تفرّد بالبقاء في قديم أزليّته، ويا من توحّد بالعلى في دوام عظمته، ويا من وسم ما سواه بميسم( كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إلَّا وَجهَهُ ) (٤) ، ويا من جعل لكلّ حيّ إلى سبيل الموت غاية ووجهة، ويا

____________

١ - مجمع البيان: ١ / ٤٣٨، عنه البحار: ١٤ / ١٦٩.

٢ - روي هذا في زكريّاعليه‌السلام ، انظر: علل الشرائع: ٨٠ ح ١، عنه البحار: ١٤ / ١٧٩ ح ١٥.

وقصص الأنبياء للراوندي: ٢١٧ ح ٢٨٤، عنه البحار: ١٤ / ١٨١ ح ٢٢.

٣ - في « ح »: أي فظهر.

٤ - سورة القصص: ٨٨.

من رجوت وجوده منزّه عن العدم، ويا من دوام بقائه متّصف بالأحديّة والقدم، ويا من هدانا السبيل إلى ما يزلفنا برضوانه، وعرّفنا الدليل إلى ما يتحفنا بجنانه، ونصب لنا أعلاماً يهتدي بها الحائر عن قصد السبيل في معتقده ونحلته، وأثبت لنا في سماء الصباح إيضاح بيانه أنجماً ينجو بنورها السائر بغير دليل في ظلمة حيرته، وجعلهم خاصّة نفسه من عباده، وولاة أمره في بلاده، لذّتهم في امتثال أوامره ونواهيه، وفرحتههم فيما يقرّبهم من حضرته ويرضيه، وكلّفهم بالتكاليف الشاقّة من جهاد أعدائه، وألزمهم بكفّ أكفّ الملحدين في صفاته وآلائه.

فبذلوا وسعهم في إعلاء كلمته، وأجهدوا جهدهم إذعاناً لربوبيّته، وقابلوا بشرائف وجوههم صفاح الأعداء، وتلقّوا بكرائم صدورهم رماح الأشقياء، حتى قطعت أوصالهم، وذبحت أطفالهم، وسبيت ذراريهم ونساؤهم، واُنهبت أثقالهم وأموالهم، واُهديت إلى رؤوس البغاة رؤوسهم، واستلّت بسيوف الطغاة نفوسهم، وصارت أجسادهم على الرمضاء منبوذة، وبصوارم الأعداء موقوذة(١) ، تسفي(٢) عليهم الأعاصير بذيولها، وتطأهم الأشقياء بخيولها، وتبكي عليهم السموات السبع بأفلاكها، والأرضون السبع بأملاكها، والبحار ببينانها، والأعصار بأزمانها، والجنّة بولدانها، والنار بخزّانها، والعرش بحملته، والفرش بحملته، أبدانهم منبوذة بالعراء، وأرواحهم منّعمة في الرفيق الأعلى.

أسألك بحقّ ما ضمّت كربلاء من أشباحهم، وجنّة المأوى من أرواحهم،

__________________

١ - الوقذ: شدّة الضرب. « لسان العرب: ٣ / ٥١٩ - وقذ - ».

٢ - سَفَتِ الريح التراب تسفيه سَفياً، إذا أذرَته. « صحاح الجوهري: ٦ / ٢٣٧٧ - سفى - ».

وبحقّ ألوانهم الشاحبة في عراها، وأوداجهم الشاخبة(١) في ثراها، وبما ضمّ صعيدها من قبورهم وظرائحهم، وما غيّب في عراصها من أعضائهم وجوارحهم، وبحقّ تلك الوجوه التي طال ما قبّلها الرسول، وأكرمتها البتول، وبحقّ تلك الأبدان التي لم تزل تدأب في عبادتك، وتكدح في طاعتك، طالما سهرت نواظرها بلذيذ مناجاتك، وأظمأت هواجرها طلباً لمرضاتك، شاهدت أنوار تجلّيات عظمتك بأبصار بصائرها، ولاحظت جلال ربوبيّتك بأفكار ضمائرها، فأشرقت أنوار إلهيّتك على مرايا قلوبها، فأضاءت الأكوان بانعكاس أشعّة ذلك النور الّذي هو كمال مطلوبها.

أن تصلّي على محمد وآل محمد، وان تجعل قلوبنا معمورة بحبّهم، وأنفسنا مسرورة بقربهم، وألسنتنا بذكر مناقبهم ناطقة، وأبداننا بنشر فضائلهم عانقة، ومدائحنا إلى نحو جهاتهم موجّهة، وقرائحنا بمعاني صفاتهم مفوّهة، وشكرنا موقوفاً على حضرة رفعتهم، وذكرنا مصروفاً إلى مدحة عظمتهم، لانعقد سواهم سبيلاً موصلاً إليك، ولا نرى غير حبّهم سبباً منجياً لديك، نرى كلّ مجد غير مجدهم حقيراً، وكلّ غنيّ بغير ولاتهم فقيراً، وكلّ فخر سوى فخرهم زوراً، وكلّ ناطق بغير لسانهم زخرفاً وغروراً، وكلّ عالم بغير علمهم جاهلاً، وكلّ إمام يدّعي من دونهم باطلاً.

فلك الحمد على ما اطّلعنا عليه من سرّك المصون بعرفان فضلهم، وأهلّنا له من علمك المخزون بالاستمساك بحبلهم.

__________________

١ - في حديث الشهداء: أوداجهم تَشخُبُ دماً، قيل: هي ما أحاط بالعنق من العروق التي يقطعها الذابح « لسان العرب: ٢ / ٣٩٧ - ودج - ».

اللّهمّ فثبّتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ونوّر بمصابيح ولاتهم سبيل سلوكنا إليك في ظلمات الساهرة(١) ، وزيّن بذكرهم مجالس وعظنا، وشرّف بشركهم نفائس لفظنا، واجعلنا وحاضري مجلسنا ممّن يناله شفاعتهم يوم وقوفنا بين يديك، ومن تتلقّاهم الملائكة الكرام بالبشرى حين العرض عليك، وأثبنا على تحمّل الأذى فيهم من أعداء دينك ثواب الصدّيقين، وأيّدنا بروح قدسك، وانصرنا على القوم الكافرين.

والحمد لله رب العالمين، وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين.

__________________

١ - الساهرة: الأرض، الفلاة ؛ وقيل: أرض يجدّدها الله يوم القيامة. « لسان العرب: ٤ / ٣٨٣ - سهر - ».

المجلس الثاني

في ذكر سيّد المرسلين، وما ناله من الأذى من

أعداء الدين، وذكر وفاته، وذكر اُمور

تتعلّق بظلامة أهل بيته الطاهرين

صلوات الله عليهم أجمعين

الحمد لله الذي وعد على الصبر الجميل بالثواب الجزيل في دار جزائه، وتوعّد بالعذاب الأليم على ترك التسليم لقضائه، وابتلى أنبياءه بالمحن السابقة في علمه في دار بلائه، وكلّفهم بالتكاليف الشاقّة من حكمه في منزل ابتلائه، وأمرهم بكفّ أكفّ الملحدين في آياته، ورغم اُنوف الجاحدين لصفاته، وأطلعهم على أسرار عظمته بصغر ما سواه لديهم، وكشف عن أبصار بصائرهم فوعوا ما ألقاه إليهم، وتجلّى لهم في ضمائرهم فطاح وجودهم في شهودهم، وخاطبهم في سرائرهم، فهاموا طرباً بلذّة خطاب معبودهم، حصّن مدينة وجودهم بسور توفيقه من وساوس الشكّ، وحمى حوزة نفوسهم بتوفيق مشيئته من شُبه الشرك، وأطلعهم على عيوب دار الغرور فرفضوها، وحذّرهم مصارع بطشها المشهور ففرضوها.

وصلوا بقدم صدقهم إلى عين اليقين، وشربوا من شراب الجنّة بكأس من

معين، وسلكوا مفاوز البرزخ إلى الدار الباقية، فكشفوا حجب غيوبه لأهل الحياة الفانية، وحذّرهم ما يلقون في سلوكهم - بعد مماتهم - إلى دار قرارهم، وأراهم عواقب اُمورهم بعد الاخراج من ديارهم، وأمرهم باتّخاذ الزاد البعيد لسفرهم، وحسن الارتياد قبل انقطاع عذرهم، ما وهنوا في سبيل ربّهم، وما ضعفوا وما استكانوا بل أيّدوا الحقّ وأهله، ونصروا وأعانوا وجاهدوا في الله بأيديهم وألسنتهم، ونصحوا في سبيل الله في سرّهم وعلانيتهم، وكان أفضل سابق في حلبة الاخلاص لربّه، وأكمل داع دعا إلى الله بقالبه وقلبه، وخير مبعوث بدأ الله به وختم، وأجمل مبعوث بالمجد الأعبل والشرف الأقدم، كم تلقّى صفاح الأعداء بطلعته الشريفة؟! وكم قابل رماح الأشقياء ببهجته المنيفة؟! صاحب بدر الصغرى والكبرى، وسيّد أهل الدنيا والاُخرى، الذي لم يجاهد أحد في اُحد جهاده، ولا جالد جَليد في حنين جلاده(١) ، أشجع الخلق بالحقّ، واصدع الرسل بالصدق.

تاج رسالته:( سُبحَانَ الّّذِي أسرَى ) (٢) ، وتوقيع نبوّته:( فَأوحَى إلَى عَبدِهِ مَا أوحَى ) (٣) ، ودلالة محبّته:( مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ) (٤) ، وآية بعثه:( مَا كَذَبَ الفُؤَادُ مَا رَأى ) (٥) ، كلّ من الأنبياء مقدّمة جنده، وكلّ من الأولياء أخذ الميثاق على من بعده بوفاء عهده، في صحف الخليل ذكره أشهر من أن يشهر، وفي توراة الكليم فضله من فلق الصبح أظهر، والمسيح في إنجليه دعا إليه وبشّر، وصاحب الزبور لمّا دعا باسمه أظهر الله على جالوت ونصره أعني

__________________

١ - الجَلَد: القوّة والشدّة، الصلابة. « لسان العرب: ٣ / ١٢٥ - جلد - ».

٢ - سورة الاسراء: ١.

٣ - سورة النجم: ١٠.

٤ - سورة الضحى: ٣.

٥ - سورة النجم: ١١.

صاحب الحوض والكوثر، والتاج والمغفر، والدين الأظهر، والنسب الأطهر، محمد سيّد البشر، أشرف مبعوث إلى الكافّة، وخير مبعوث بالرحمة والرأفة، تحمّل أعباء الرسالة صابراً، وجاهد في الله مصابراً، ما اوذي أذاه نبيّ، ولا صبر صبره وليّ، كم راموا هدم بنيانه، وهدّ أركانه، وإدحاض حجّته، وإذلال صحبته؟ وأبى الله الا تأييده ونصره، وإعلاء فوق كلّ أمر أمره.

ر وى سيّدنا ومولانا الامام المفترض الطاعة الامام ابن الأئمّة، والسيد ابن السادة، نجل النبيّ، وسلالة الوصيّ، الامام الزكي، أبو القائم المهديّ الحسن بن عليّ العسكري صلوات الله وسلامه عليه وعلى آبائه الطاهرين، وولده الحجّة على الخلق أجميعن، أنّ أبا جهل كتب إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله - بعد أن هاجر إلى المدينة -: يا محمد، إنّ الخيوط(١) التي في رأسك هي التي ضيّقت عليك مكّة، ورمت بك إلى يثرب، وإنّها لا تزال بك إلى أن توردك موارد الهلكة إلى آخر الكتاب.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله للرسول: إنّ أبا جهل بالمكاره(٢) يهدّدني، وربّ العالمين بالنصر والظفر يعدني، وخبر الله أصدق، والقبول من الله أحقّ، لن يضرّ محمداً من خذله، أو يغضب عليه بعد أن ينصره الله عزّ وجلّ، ويتفضّل بكرمه وجوده عليه.

ثمّ قال للرسول: قل له: يا أبا جهل، إنّك راسلتني بما ألقاه الشيطان في خلدك(٣) ، وأنا اُجيبك بما ألفاه في خاطري الرحمن، إنّ الحرب بيننا وبينك

____________

١ - في تفسير العسكري: الخبوط. وهو من تخبّطه الشيطان: إذا مسّه بخبل أو جنون.

وما في المتن « الخيوط » فلعلّه كناية عن الجنون.

٢ - في التفسير والمناقب: بالمكاره والعطب.

٣ - الخَلَد: البال والقلب.

كافية(١) إلى تسعة وعشرين يوماً، وإنّ الله سيقتلك فيها بأضعف أصحابي، وستلقى أنت وشيبة وعتبة والوليد وفلان وفلان - وذكر عدداً من قريش - في قليب بدر مقتّلين، أقتل منكم سبعين، وآسر منكم سبعين، أحملهم على الفداء(٢) الثقيل.

ثمّ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ألا تحبّون أن اُريكم مصرع(٣) كلّ واحد من هؤلاء؟ هلمّوا إلى بدر، فإنّ هناك الملتقى والمحشر، وهناك البلاء [ الأكبر ](٤) ، فلم يجبه إلا أمير المؤمنين، وقال: نعم، بسم الله، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله لليهود: اخطوا خطوة واحدة فإنّ الله يطوي الأرض لكم، ويوصلكم إلى هناك، فخطا القوم خطوة، ثم الثانية: فإذا هم عند بئر بدر.

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : هذا مصرع عتبة، وذاك مصرع شيبة، وذاك مصرع الوليد، إلى أن سمّى تمام سبعين، وسيؤسر فلان وفلان، إلى أن ذكر سبعين منهم، فلمّا انتهى(٥) إلى آخرها وقال: هذا مصرع أبي جهل، يجرحه(٦) فلان الأنصاري، ويجهز عليه عبد الله بن مسعود أضعف أصحابي.

ثمّ قال: إنّ ذلك لحقّ كائن إلى بعد ثمانية وعشرين يوماً، فكان كما

____________

١ - في التفسير: كائنة.

٢ - كذا في التفسير والمناقب، وفي الأصل: النداء.

٣ - كذا في التفسير والمناقب، وفي الأصل: مصارع.

٤ - من التفسير والمناقب.

٥ - في التفسير والمناقب: انتهوا.

٦ - كذا في التفسير والمناقب، وفي الأصل: آخرها فإنّ هذا مصرع ابي جهل يخرجه - وهو تصحيف -.

قالصلى‌الله‌عليه‌وآله .(١)

و لمّا ائتمرت قريش أن يفتنوا المؤمنين عن دينهم، فوثبت كلّ قبيلة على من فيها من المسلمين، يؤذونهم ويعذّبونهم، فافتتن من افتتن، وعصم الله سبحانه منهم من شاء، وحمى(٢) الله نبيّه بعمّه أبي طالب رضي الله عنه، فلمّا رأى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ما بأصحابه، ولم يقدر على منعهم، ولم يؤمر بعد بالجهاد، أمرهم بالخروج إلى أرض الحبشة، وقال: إنّ بها ملكاً صالحاً، لا يظلم ولا يُظلم عنده أحد، فاخرجوا إليه حتى يجعل الله عزّ وجلّ للمسلمين فرجاً، وأراد به النجاشي، واسمه أصحمة، وهو بالحبشيّة عطيّة، وإنّما النجاشي اسم الملك، كقولهم تبع، وكسرى(٣) ، وقيصر.

فخرج إليها سرّاً أحد عشر رجلاً، واربع نسوة، وهم: الزبير بن العوّام، وعبد الله بن مسعود، وعبد الرحمان بن عوف، وأبو حذيفة بن عتبة، وامرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو، ومصعب بن عمير، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وامرأته سلمة بنت أبي اُميّة، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة، وامرأته ليلى بنت أبي خيثمة، وحاطب بن عمرو، وسهيل(٤) بن بيضاء، فخرجوا إلى البحر، وأخذوا سفينة إلى برّ(٥) الحبشة بنصف دينار، وذلك في رجب، في النسة الخامسة من

____________

١ - التفسير المنسوب إلى الامام العسكريعليه‌السلام : ٢٩٤ - ٢٩٦، عنه البحار: ١٧ / ٣٤٢، وتفسير البرهان: ١ / ١١٥ ح ١. وأورده في الاحتجاج: ١ / ٣٨، ومناقب ابن شهراشوب: ١ / ٦٨. وأخرجه في البحار: ١٩ / ٢٦٥ ح ٦ عن تفسير العسكري والاحتجاج.

وانظر: الأحاديث الغيبيّة: ٢ / ٥ - ٨ ح ٣٥١.

٢ - في المجمع: ومنع.

٣ - كذا في المجمع، وفي الأصل: كقوله: كسرى.

٤ - في المجمع: سهل.

٥ - في المجمع: أرض.

مبعث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله (١) .

ثم خرج بعدهم جعفر بن أبي طالب، وتتابع المسلمون إليها، وكان جميع من هاجر إلى الحبشة من المسلمين على التعاقب، اثنين وثمانين رجلاً(٢) ، سوى النساء والصبيان.

فلمّا علمت قريش بذلك وجّهت عمرو بن العاص وصاحبه عمارة بن الوليد بالهدايا إلى النجاشي وإلى بطارقته ليردّوهم، وكان عمارة بن الوليد شابّاً حسن الوجه، وأخرج عمرو بن العاص أهله معه.

فلمّا ركبوا السفينة شربوا الخمر. فقال عمارة لعمرو بن العاص: قل لأهلك تقبّلني، فلمّا انتشى(٣) عمرو دفعه عمارة في الماء، ونشب(٤) عمرو في صدر السفينة، واُخرج من الماء، وألقى الله العداوة بينهما في مسيرهما قبل أن يصلا إلى النجاشي.

ثمّ وردا على النجاشي، فأنزلهم، ثمّ استدعى بهما وسألهما ما أقدمهما إلى بلاده.

فقال عمرو: أيّها الملك، إنّ قوماً خالفونا في ديننا، وسبّوا آلهتنا(٥) ، وصاروا إليك، فردّهم إليان، فبعث النجاشي إلى جعفر، فحضر بين يديه، فقال: أيها الملك، سلهم أنحن عبيد لهم؟

فقال: لا، بل أحرار.

قال: سلهم ألهم علينا ديون يطالبونا بها؟

__________________

١ - زاد في المجمع: وهذه هي الهجرة الاُولى.

٢ - كذا في المجمع، وفي الأصل: إنساناً.

٣ - الانتشاء: أوّل السكر.

٤ - نشب الشيء في الشيء: علق.

٥ - كذا في المجمع، وفي الأصل: إلهنا.

قال: عمرو: لا، ما لنا عليك ديون.

قال: فلكم في أعناقنا دماء تطالبوننا بها؟

قال عمرو: لا.

قال: فما تريدون منّا؟! آذيتمونا، فخرجنا من بلادكم(١) .

قال جعفر: أيّها الملك، إنّ الله سبحانه بعث فينا نبيّاً أمرنا بخلع الأنداد، وبترك الاستقسام بالأزلام، وأمرنا بالصلاة، والزكاة، والعدل، والاحسان، وإيتاء ذي القربى، ونهانا عن الفحشاء، والمنكر، والبغي.

فقال النجاشي: بهذا بعث عيسى، ثمّ قال النجاشي(٢) : هل تحفظ ممّا اُنزل على نبيّك شيئاً؟

قال: نعم.

قال: اقرأ، فقرأ سورة مريم، فلمّا بلغ( وَهُزِّي إلَيكِ بِجِذعِ النَّخلَةِ تُسَاقِط عَلَيكِ رُطَباً جَنِيّاً ) (٣) قال النجاشي: هذا والله هو الحق.

فقال عمرو: إنّه مخالف لنا، فردّه علينا.

فرفع الملك يده ولطم عمرو، وقال: اسكت والله لئن ذكرته بسوء لأفعلنّ بك، ثمّ قال: ارجعوا إلى هذا هديته، وقال لجعفر ولأصحابه: امكثوا أنتم سيوم، والسيوم: الآمنون، وأمر لهم بما يصلحهم من الرزق، فانصرف عمرو وأقام المسلمون هناك بخير دار، وأحسن جوار، إلى أن هاجر رسول الله صلّى الله

__________________

١ - في المجمع: دياركم.

٢ - زاد في المجمع: لجعفر.

٣ - سورة مريم: ٢٥.

عليه وآله إلى المدينة، وعلا أمره، وهادن قريشاً، وفتح خيبر، فوافى جعفر إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بجميع من كانوا معه، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : لا أدري بأيّهما اُسرّ، بفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟

و أتى مع جعفر وأصحابه من الحبشة سبعون رجلاً، منهم اثنان وستّون من الحبشة، وثمانية من أهل الشام، منهم(١) بحيراء الراهب، فقرأ عليهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله سورة يس إلى آخرها، فبكوا حين سمعوا القرآن وآمنوا، وقالوا: ما أشبه هذا بما اُنزل على عيسى!(٢)

ثمّ لم يزل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقاسي منهم الأهوال، ولكنّ الله سبحانه كان يمنعهم عنه بعمّه أبي طالب، وكان أبو طالب رضي الله عنه يظهر لهم أنّه موافق لهم في دينهم ليتمّ له ما يريد من حماية رسول الله، وإلاّ فهو كان مسلماً موحّداً.

وقد أجمعت العصابة من أهل البيتعليهم‌السلام انّه قد مات مسلماً، وإجماعهم حجّة على ما ذكر في غير موضع(٣) ، وسبب الشبهة في ذلك أنّ أمير المؤمنين صلوات الله عليه كان يعلن بنفاق أبي سفيان، فشكا معاوية ذلك إلى مروان وعمر وعبد الله بن عامر فقالوا: إنّ إسلام أبيه أخفى من نفاق أبيك، فأظهر كفره، فجعل يقول: ألا إنّ أبا طالب مات كافراً، وأمر الناس بذلك فصارت سنّة.

وقال الصادقعليه‌السلام : مثل أبي طالب مثل أصحاب الكهف، أسرّوا

____________

١ - في المجمع: فيهم.

٢ - مجمع البيان: ٢ / ٢٣٣ - ٢٣٤، عنه البحار: ١٨ / ٤١١ - ٤١٣.

ورواه في تفسير القمّي: ١ / ١٧٦ - ١٧٨، بتفاوت، عنه البحار: ١٨ / ٤١٤ ح ١.

٣ - انظر البحار: ٣٥ / ١٣٩ نقلاً عن مجمع البيان.

الايمان وأظهروا الشرك، فآتاهم الله أجرهم مرّتين.(١)

وقد صنّف الشيخ أبو جعفر بن بابويه، وأبو علي الكوفي(٢) ، وسعد القمّي(٣) ، وعلي بن بلال المهلّبي(٤) ، والشيخ المفيد(٥) في فضائله، وقد أجمع أهل البيت على ذلك - كما ذكرنا أوّلاً -.

وروى شعبة، عن قتادة، عن الحسن في خبر طويل انّه لمّا حضرت أبا طالب الوفاة دعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وبكى وقال: يا محمد، إنّي أخرج من الدنيا وما لي غمّ إلا غمّك، وستلقى هزواً وحروباً كثيرة من بني اُميّة وبني المغيرة، فإذا متّ فخبّر أصحابك لينتقلوا من مكّة إلى حيث شاؤا، فلا مقام لهم بمكّة بعدي.

__________________

١ - أمالي الصدوق: ٤٩٢ ح ١٢، معاني الأخبار: ٢٨٥ ح ١، إيمان أبي طالب لفخّار بن معدّ: ٣٢١ - ٣٢٢ وص ٣٦٢ وص ٣٦٣.

وأخرجه في البحار: ٣٥ / ٧٢ ح ٧ عن أمالي الصدوق: وفي ص ٧٧ ح ١٥ عن معاني الأخبار. وفي ص ١٥٨ عن شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد.

٢ - إيمان أبي طالب لأبي علي الكوفي أحد بن محمد بن عمّار، المتوفّى سنة « ٣٤٦ ه‍ ». « رجال النجاشي: ٩٥ رقم ٢٣٦، فهرست الطوسي: ٢٩ رقم ٧٨ ».

٣ - فضل أبي طالب وعبد المطّلب وأبي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لسعد بن عبد الله بن أبي خلف الأشعري القمّي أبي القاسم، المتوفّى سنة « ٢٩٩ ه‍ » أو « ٣٠١ ه‍ » من ثقاة الطائفة ووجهائهم. « رجال النجاشي: ١٧٧ رقم ٤٦٧، فهرست الطوسي: ٧٥ رقم ٣٠٦ ».

٤ - البيان عن خيرة الرحمن لأبي الحسن عليّ بن بلال بن أبي معاوية المهلّبي الأزدي. « رجال النجاشي: ٢٦٥ رقم ٦٩٠، فهرست الطوسي: ٩٦ رقم ٤٠٢ ».

٥ - إيمان أبي طالب لأبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان الحارثي المفيد، المتوفّى سنة « ٤١٣ ه‍ »، طبع - ولأكثر من مرّة - ضمن « نفائس المخطوطات » التي قام بتحقيقها وإصدارها العلّامة الشيخ محمد حسن آل ياسين، وذلك سنة « ١٣٧٢ ه‍ »، كما طبع ضمن « عدّة رسائل للشيخ المفيد » نشر مكتبة المفيد - قم -، وطبع أخيراً بتحقيق مؤسّسة البعثة - قم سنة « ١٤١٢ ه‍ » -.

فبكى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقال: يا عمّ، إنّك راحل من الدنيا، وإنّي راحل بعدك من مكّة إلى المدينة، وراحل بعد المدينة إلى الله، وإنّي وإيّاك نلتقي بين يدي الله بعد الموت، فيسألك عن الايمان بي، ويسألك عن ولاية ابنك علي.

يا عمّ، فاشهد بكلمة الاخلاص معي في حياتك قبل موتك، اُخاصم بها عند ربّي فترضي ربّك عن نفسي، وترضيني وترضي ولدك عليّاً.

يا عمّ، أما تأسف بنفسك أن يكون عليّ ولدك إمام اُمّتي، وأسعد المقرّبين في الجنان، وتكونَ الشقيّ المعذّب إن متّ على كفرك في النيران؟

يا عمّ، إنّك تخاف عليّ أذى أعاديّ ولا تخاف على نفسك غداً عذاب ربّي!

فضحك ابو طالب، وقال:

ودعوتني وزعمت أنّك ناصحي

ولقد صدقت وكنت قدم أمينا(١)

وعقد على ثلاثة وستّين(٢) : عقد الخنصر والبنصر وعقد الإبهام على إصبعه الوسطى، وأشار بإصبعه المسبّحة، يقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله.

فقام عليعليه‌السلام وقال: الله أكبر، الله أكبر، والذي بعثك بالحقّ نبيّاً لقد شفّعك الله في عمّك وهداه بك.

__________________

١ - انظر « ديوان شيخ الأباطح أبي طالب » من جمع أبي هفّان المهزمي: ٤١.

٢ - كذا في البحار، وفي الأصل: ثلاثة وتسعين.

وتفسير ذلك أنّ الألف واحد واللام ثلاثون والهاء خمسة، والألف واحد والحاء ثمانية والدال أربعة والجيم ثلاثة والواو ستّة والألف واحد والدال أربعة ؛ فذلك ثلاثة وستّون.

فقام جعفر وقال: لقد سُدتنا في الجنّة يا شيخي كما سُدتنا في الدنيا.

فلمّا مات أبو طالب رضي الله عنه أنزل الله:( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إنّ أرضِي وَاسِعَةٌ فَإيّايَ فَاعبُدُونِ ) (١) .(٢)

تفسير وكيع: قال: حدّثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم(٣) ، عن أبيه، عن أبي ذرّ الغفاري قال: والله الذي لا إله إلا هو ما مات أبو طالب حتى آمن بلسان الحبشة، وقال لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا محمد، أتفقه لسان الحبشة؟

قال: يا عمّ، إنّ الله علّمني جميع الكلام.

قال: يا محمد، « اسدن ملصافافا طالاها »(٤) يعني: أشهد مخلصاً: لا إله إلا الله، فبكى رسول الله وقال: إنّ الله أقرّ عيني بأبي طالب.(٥)

الصادقعليه‌السلام : لمّا حضرت أبا طالب الوفاة أوصى بنيه، فكان فيما أوصى قال: إنّي اُوصيكم بمحمد، فإنّه الأمين في قريش، والصدّيق في العرب، فقد حباكم بأمر قبله الجَنان(٦) ، وأنكره اللسان مخافة الشنآن(٧) ، وأيم الله لكأنّي أنظر قد محضته العرب درّها، وصفّت له بلادها، وأعطته قيادها، فدونكم يا بني

____________

١ - سورة العنكبوت: ٥٦.

٢ - بحار الأنوار: ٣٥ / ٧٩ عن مناقب ابن شهراشوب - ولم أجده فيه -.

٣ - كذا في البحار، وفي الأصل: حدّثنا شيبان، عن منصور وإبراهيم.

٤ - في البحار: لمصافا قاطالاها.

٥ - بحار الأنوار: ٣٥ / ٧٨ ح ١٨ عن مناقب ابن شهراشوب - ولم أجده فيه -.

وقال المجلسيرحمه‌الله : يمكن حمل هذا الخبر على أنّه أظهر إسلامه في بعض المواطن لبعض المصالح بتلك اللغة، فلا ينافي كونه أظهر الاسلام بلغة اُخرى أيضاً في مواطن اُخر.

٦ - الجنان: القلب.

٧ - الشنآن: البغضاء. ومراده: لم اُظهره باللسان مخافة عداوة القوم.

عبد المطّلب، فقوه بآبائكم واُمّهاتكم وأولادكم، كونوا له دعاة، وفي حربه حماة، فوالله لا سلك أحد سبيله إلا رُشِد، ولا أخذ أحد بهداه غلّا سُعِد، ولو كان في نفسي مدّة، وفي أجلي تأخير لكفيته الكوافي، ودفعت عنه الدواهي، غير أنّي أشهد بشهادته، واُعظّم مقالته.(١)

وقال رجل لأمير المؤمنين: يا أمير المؤمنين، إنّك لبالمنزل الذي أنزلك الله، وأبوك يعذّب بالنار!

فقال أمير المؤمنين: فضّ الله فاك، والذي بعث محمداً بالحقّ نبيّاً، لو شفع أبي في كلّ مذنب على وجه الأرض لشفّعه الله تعالى فيهم، أبي يعذّب بالنار وابنه قسيم الجنّة والنار!

ثمّ قال: والذي بعث محمداً بالحقّ نبيّاً، إنّ نور أبي طالب يوم القيامة ليطفئ أنوار الخلق إلا خمسة أنوار، نور محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ونوري ونور فاطمة، ونور الحسن، ونور الحسين صلوات الله عليهم أجمعين، لأنّ نوره من نورنا الّذي خلقه الله سبحانه من قبل خلق آدم بألفي عام.(٢)

وما روي من أشعاره الدالّة على إسلامه التي تنفث في عُقَد السحر، وتُغيّر في وجه شعراء الدهر(٣) تزيد على ثلاثة آلاف بيت، مذكورة في كتب المغازي،

__________________

١ - أورده في روضة الواعظين: ١٣٩ - ١٤٠، باختلاف، عنه البحار: ٣٥ / ١٠٧ ضمن ح ٣٤.

وأورده في سيرة الحلبي: ١ / ٣٧٥ طبع مصر، باختلاف أيضاً.

٢ - مائة منقبة: ١٧٤ ح ٩٨، أمالي الطوسي: ١ / ٣١١ - ٣١٢، الاحتجاج: ٢٢٩ - ٢٣٠، إيمان أبي طالب لفخّار: ٧٤، كنز الفوائد: ١ / ١٨٣، بشارة المصطفى: ٢٤٩، البحار: ٣٥ / ٦٩ ح ٣ وص ١١٠ ح ٣٩، غاية المرام، ٤٦ ح ٦٣ وص ٢٠٨ ح ١٦، الدرجات الرفيعة: ٥٠، الغدير: ٧ / ٣٨٧ ح ٧.

٣ - كذا في المجمع، وفي الأصل: الذي ينفث في عند السجود يغبر في وجوه شعر الدهر.

يكاشف فيها من كاشف النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويصحّح نبوّته.(١)

في محاسن البرقي(٢) : يونس بن ظبيان، قال رجل عند الصادقعليه‌السلام : إنّ أبا طالب مات مشركاً.

قال أبو عبد الله: أبعد قوله:

ألم تعلموا أنّ نبيّـنا لا مكذّب

لدينا ولا يعنى بقول الأبـاطل(٣)

وأبيض يُستسقى الغمام بوجهه

ثِمال اليتامى(٤) عِصمةٌ للأراملِ

فأظهره(٥) ربّ العباد بـنصره

وأظهر ديناً حـقّه غير باطـل(٦) ؟

وتظافرت الروايات أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال عند وفاته: يا عمّ، وصلتك رَحم وجزيت خيراً يا عمّ، كفلتني صغيراً، وأحظيتني كبيراً، فجزيت عنّي

__________________

١ - مجمع البيان: ٤ / ٢٦٠، متشابه القرآن ومختلفه لابن شهراشوب: ٢ / ٦٥.

ولقد جمع أشعار شيخ الأباطح أبي طالب رضوان الله تعالى عليه: أبو هفّان عبد الله بن أحمد المهزمي، المتوفّى سنة « ٢٥٧ ه‍ »، ورواها عفيف بن أسعد، عن عثمان بن جني الموصلي البغدادي النحوي، المتوفّى سنة « ٣٩٢ ه‍ ».

وقد طبع أخيراً بتحقيق وإستدراك الشيخ محمد باقر المحمودي، وصدر عن مجمع إحياء الثقافة - قم -، وتلته طبعة اُخرى بتحقيق مؤسّسة البعثة - قم -.

٢ - لم أجده في المحاسن.

٣ - في بعض المصادر:

لقد علموا أنّ ابننا لا مكذّب

لديهم ولا يعنى بقول الأباطل

وفي بعضها:

ألم تعلموا أنّ ابننا لا مكذّب

لدينا ولا يعبأ بقـول الأباطل

٤ - في بعض المصادر: وربيع اليتامى.

٥ - في بعض المصادر: فأيّده.

٦ - انظر: إيمان أبي طالب للشيخ المفيد: ٢١، الحجّة على الذاهب: ٣٠٥ - ٣٢٣، ديوان شيخ الأباطح: ٢٦ - ٣٧، الطرائف: ٣٠٠ و ٣٠١ و ٣٠٥، البحار: ٣٥ / ٧٢ ح ٦ وص ١٣٦ ح ٨١ وص ١٦٦.

خيراً.

وفي رواية: فقد ربّيت وكفلت صغيراً، وآزرت ونصرت كبيراً.

ثمّ أقبل على الناس فقال: أم والله، لأشفعنّ لعمّي شفاعة يعجب بها الثقلان.(١)

فدعا لهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وليس للنبيّ أن يدعو بعد الموت لكافر لقوله تعالى:( وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنهُم مَاتَ أبَداً ) (٢) ، والشفاعة لا تكون إلا لمؤمن( وَلَا يَشفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارتَضَى ) (٣) .

وأجمع أهل النقل من الخاصّة والعامّة أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قيل له: ما ترجو لعمّك أبي طالب؟

قال: أرجو له كلّ خير من ربّي.(٤)

ولمّا مات أبو طالب أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أمير المؤمنين من بين أولاده الحاضرين بتغسيله وتكفينه مواراته دون عقيل وطالب، ولم يكن من أولاده من آمن في تلك الحال الا أمير المؤمنينعليه‌السلام وجعفر، وكان جعفر ببلاد الحبشة، ولو كان كافراً لما أمر أمير المؤمنين بتغسيله وتولية أمره،

__________________

١ - تاريخ اليعقوبي: ٢ / ٣٥، إيمان أبي طالب للشيخ المفيد: ٢٥ - ٢٦، متشابه القرآن ومتخلفه: ٢ / ٦٤، الحجّة على الذاهب، ٢٦٥، الطرائف: ٣٠٥ ح ٣٩٣، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ١٤ / ٧٦، بحار الأنوار، ٣٥ / ١٢٥ ح ٦٧ وص ١٦٣، الغدير: ٧ / ٣٧٣.

٢ - سورة التوبة: ٨٤.

٣ - سورة الأنبياء: ٢٨.

٤ - إيمان أبي طالب للشيخ المفيد: ٢٧، الحجّة على الذاهب: ٧١ - ٧٢، الطرائف: ٣٠٥ ح ٣٩٤، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ١٤ / ٦٨، كنز الفوائد: ١ / ١٨٤، بحار الأنوار: ٣٥ / ١٠٩ ح ٣٨ وص ١٥١ وص ١٥٦، الغدير: ٧ / ٣٧٣.

ولكان الكافر أحقّ به(١) .

وتوفّي أبو طالب وخديجة في سنة ستّ(٢) من الوحي، فسمّاه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عام الحزن.(٣)

وقالت فاطمة بنت أسد وعليّ صلوات الله عليه: أظهر إسلامك بسرّ محمد.

فقال لهما: آمنت به منذ أربعين سنة.

فقالا: جدّده.

فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنّ محمداً رسول الله، فاكتموا ذلك عليّ.

فقال أمير المؤمنين: لقد أظهرت دين عيسى وملّة إبراهيم.

في كتاب دلائل النبوّة: قال العباس: لمّا حضرت أبي طالب الوفاة قال له نبي اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا عمّ، قل كلمة واحدة أشفع لك بها يوم القيامة: « لا إله إلا الله ».

وكانت جميلة بنت حرب تقول: يا أبا طالب، مت على دين الأشياخ، فرأيته يحرّك شفتيه، وسمعته يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنّ محمّداً رسول الله.(٤)

__________________

١ - الفصول المختارة: ٢ / ٢٢٩، عنه البحار: ٣٥ / ١٧٣.

٢ - قيل: تسع، وقيل: عشر.

٣ - تاريخ اليعقوبي: ٢ / ٣٥، قصص الأنبياء للراوندي: ٣١٧، الحجّة على الذاهب: ٢٦١، البحار: ٣٥ / ٨٢ ح ٢٤.

٤ - أمالي الطوسي: ١ / ٢٧١ - ٢٧٢، عنه البحار: ٣٥ / ٧٦ ح ١١.

الخطيب في الأربعين: بالاسناد عن محمد بن كعب أنّ أبا طالب لمّا رأى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يتفل في فم علي، فقال: ما هذا، يا محمد؟

قال: إيمان وحكمة.

فقال أبو طالب لعليّ: يا بنيّ، انصر ابن عمّك وآزره.(١)

وإذا استقرأت ورمت معرفة من كان أشدّ متابعة، وأعظم حياطة للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأعظم محاماة عنه وعن دينه لم تجد في المهاجرين والأنصار وغيرهم من المسلمين مثل أبي طالب رضي الله عنه وولده، فإنّ أحداً لم يحام عن رسول الله كأبي طالب، فإنّه ذبّ عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مدّة حياته بمكّة، وكذلك لمّا حضر في الشعب، حتى انّ رسول الله لم يمكنه بعد موته الاقامة بمكّة، وهبط عليه جبرائيل وقال: يا محمد، إنّ الله يقرئك السلام، ويقول لك: اخرج قد مات ناصرك.(٢)

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ما نالت قريش منّي ما نالت وما أكره حتى مات أبو طالب.(٣)

ثمّ لم يستقرّ حتى خرجصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى الطائف.

وكذلك ولده جعفر رضي الله عنه لم يزل يذبّ في إعلاء كلمة الاسلام ونصر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله حتى قتل في دار غربة مقبلاً غير مدبر، وسمّاه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله « ذا الجناحين » لأنّ يديه قطعتا في الحرب، فأبدله

__________________

١ - مناقب الخوارزمي: ٧٨، عنه كشف الغمّة: ١ / ٢٨٨.

وأخرجه في البحار: ٣٨ / ٢٤٩ ح ٤٢ عن الكشف.

٢ - البحار: ١٩ / ١٤ ح ٦، وج ٣٥ / ١١٢ ح ٤٣ وص ١٣٧ ح ٨٣ وص ١٧٤.

٣ - مناقب ابن شهراشوب: ١ / ٦٧، عنه البحار: ١٩ / ١٧ ح ٩.

الله منهما جناحين يطير بهما في الجنّة، ووجد فيه بعد أن قتل بضع وتسعون رمية وطعنة، ليس منها شيء في دبره.(١)

وهذا أمير المؤمنين وسيّد الوصيّين، لم يجاهد أحد جهاده، ولا يواسي الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله مواساته، وهو صلوات الله عليه صاحب الوقائع المشهورة، والمقامات المذكورة، التي اتّفق المخالف والمؤالف على نقلها، وضربت الأمثال بشجاعته فيها، كبدر واُحد والأحزاب وخيبر وحنين وأوْطَاس(٢) وغيرها من الغزوات والسرايا، وفدى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بمبيته على فراشه حتى أنزل الله فيه:( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشرِي نَفسَهُ ابتِغَاءَ مَرضَاتِ اللهِ ) (٣) وما زال صلوات الله عليه يذبّ عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ويكدح في إعلاء كلمته في حياته وبعد موته حتى قتل في محرابه راكعاً.

وكذلك ولداه الحسن والحسين صلى الله عليهما، فإنّهما بالغا في النصحية لجدّهما، وثابرا على آثار دينه وقمع الملحدين فيه، لتكون كلمة الله العليا، وكلمة الّذين كفروا السفلى، حتى قتلا في سبيل الله وذرّيّتهما وولدهما، وسبيت نساؤهما وذرّيّتهما.

وكذلك زيد بن علي بن الحسين صلوات الله عليه، وولده يحيى بن زيد، ومحمد بن زيد، وغيرهما من أولاده وأحفاده.

__________________

١ - انظر: الاستيعاب: ١ / ٢١١، عنه البحار: ٢٢ / ٢٧٦.

وجامع الأصول: ٩ / ٢٤٨ ح ٦١٢٤، عنه البحار: ٢١ / ٥٨ ح ١٠.

وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ٢ / ٧٦٠، عنه البحار: ٢١ / ٦١ - ٦٢.

٢ - أوْطاس: واد في ديار هَوازن، فيه كانت وقعة حُنَين ويومئذ قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : حَمِيَ الوَطيسُ. « معجم البلدان: ١ / ٢٨١ ».

٣ - سورة البقرة: ٢٠٧.

وكذلك بنو الحسن كعبد الله ومحمد وإبراهيم وغيرهم كصاحب فخ ومن تابعه، وكانوا أكثر من ثلاثمائة من ولد أبي طالب، حتى قال سيّدنا أبو الحسن الثالث علي بن محمد الهادي العسكري صلّى الله عليه: ما اُصبنا بمصيبة بعد كربلاء كمصيبة صاحب فخّ.(١)

ومن حفدته مسلم بن عقيل، وولده الّذين شروا أنفسهم من الله بالثمن الأوفر، وقد صنّف فيهم كتاب مقاتل الطالبيّين(٢) وتواريخهم وسيرتهم فلا نطوّل بذلك، ولولا حسن اعتقادهم، وصفاء ودادهم، وشدّة جهادهم، وقوّة اجتهادهم لما جعلهم الله خلفاءه في أرضه، والاُمناء على سنّته وفرضه.

بحار العلم، ومعادن الحلم، وأئمّة الهدى، ومصابيح الدجى، أوّلهم عليّ، وآخرهم المهديّ، كلّما خوى لهم نجم بزغ نجم طالع، كلّما اختفى منهم علم بدا علم لامع، وكفى فخراً كون المهديّ من ذرّيّته الّذي يملأ الله الأرض به قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً.

وكان أبو طالب رضي الله عنه ربّى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله صغيراً،

__________________

١ - روى في عمدة الطالب: ١٨٣ عن محمد الجواد بن علي الرضاعليهما‌السلام أنّه قال: لم يكن لنا بعد الطف مصرع أعظم من فخّ. عنه عوالم العلوم: ٢١ / ٣٦٣ ح ٧.

وروى في معجم البلدان: ٤ / ٢٣٨ بهذا اللفظ: ولهذا يقال لم تكم مصيبة بعد كربلاء أشدّ وأفجع من فخ. عنه البحار: ٤٨ / ١٦٥ وعن عمدة الطالب.

٢ - مقاتل الطالبيّين لأبي الفرج الاصفهاني - صاحب الأغاني - المتوفّى ببغداد سنة ستّ أو سبع وخمسين وثلاثمائة، ذكر فيه شهداءهم إلى أواخر المقتدر الذي مات سنة « ٣٢٠ ه‍ »، ابتدأ فيه بجعفر الطيّار أوّل الشهداء من آل أبي طالب، واختتم بإسحاق بن عبّاس، المعروف ب‍ « المهلوس » الشهيد بأرمن، وذكر بعده جمعاً ممّن حكى له قتلهم، وتبرّأ من خطائه، وفرغ منه في جمادى الاولى سنة « ٣١٣ ه‍ ». الذريعة: ٢١ / ٣٧٦ ».

وقد طبع عدّة مرات، منها في إيران سنة « ١٣٠٧ ه‍ »، وفي النجف سنة « ١٣٨٥ ه‍ »، ومن ثمّ - بالاوفست على طبعة النجف - في قم سنة « ١٤٠٥ ه‍«.

وحصنه كبيراً.

و كانت زوجته فاطمة بنت أسد رضي الله عنها شديدة الحنوّ والشفقة على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهي أحد الصالحات القانتات، ولمّا سمعت قول الله:( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا جَاءَكَ المُؤمِنَاتُ يُبَايِعنَكَ ) (١) كانت أوّل امرأة بايعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله هي.

وروي عن جعفر بن محمد الصادقعليه‌السلام أنّ فاطمة بنت أسد أوّل امرأة هاجرت إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من مكّة إلى المدينة على قدمها، وكانت أبرّ الناس برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وسمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: الناس يحشرون يوم القيامة عراة، فقالت: واسوأتاه.

فقال لها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّي أسأل الله أن يبعثك كاسية.

وسمعته يذكر ضغطة القبر، فقالت: واضعفاه.

فقال لها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّي أسأل الله أن يكفيك ذلك.(٢)

وفي الخبر أنّها أسلمت بعد عشرين يوماً من مبعث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على يد أمير المؤمنين صلوات الله عليه ولدها، وجاءت إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله باكية واستزادت، فأمرها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن تقتفي آثار ابنها.

وروي أنّها لمّا ماتت دخل عليها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فجلس عند رأسها، وقال: يرحمك الله يا اُمّي، كنت اُمّي بعد اُمّي، تجوعين وتشبعيني،

____________

١ - سورة الممتحنة: ١٢.

٢ - روي نحوه في اعتقادات الصدوق: ٥٨ - ٥٩ ( المطبوع في مصنّفات الشيخ المفيد، ج ٥ )، عنه البحار: ٦ / ٢٧٩. وأورده أيضاً شاذان في الروضة: ٥ - مخطوط -.

وتعرين وتكسيني، وتمنعين نفسك من طيب الطعام وتطعميني، تريدين بذلك وجه الله والدار الآخرة، ثمّ أمرصلى‌الله‌عليه‌وآله أن تغسل ثلاثاً، فلمّا بلغ الماء الذي فيه الكافور سكبه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بيده، ثمّ خلع قميصه فألبسها إيّاه ولفّها فوقه، ثمّ دعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله اُسامة وأبا أيّوب وغلاماً أسود يحفرون قبرها، فلمّا بلغوا اللحد حفره رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأخرج ترابه بيده، فلمّا فرغ دخل فاضطجع فيه، ثمّ قال: الحمد لله الذي يحيي ويميت وهو حيّ لا يموت، [ اللّهمّ ](١) اغفر لاُمّي فاطمة بنت أسد، ولقّنها حجّتها، ووسّع عليها مدخلها، بحقّ نبيّك والأنبياء الذين من قبلي، فإنّك أرحم الراحمين.

ثمّ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله بعد وضعها في اللحد: يا فاطمة، أنا محمّد سيّد ولد آدم ولا فخر، فإذا أتاك منكر ونكير فسألاك: من ربّك؟ فقولي: الله ربّي، ومحمد نبيّي، والاسلام ديني، والقرآن كتابي، وابني عليّ إمامي ووليّي.

ثمّ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : اللهم ثبّت فاطمة بالقول الثابت، ثمّ ضرب بيده اليمنى على اليسرى فنفضهما، ثم قال: والذي نفس محمّد بيده لقد سمعت فاطمة تصفيق يميني على شمالي.

وروي أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله كبّر عليها أربعين تكبيرة، فسأله عمّار عن ذلك، فقال: يا عمّار، التفتّ عن يميني فنظرت أربعين صفّاً من الملائكة، فكبّرت لكلّ صفّ تكبيرة.

وفي خبر آخر: يا عمّار، إنّ الملائك قد ملأت الفضاء، وفتح لها باب من الجنّة، ومهّد لها مهاد من مهاد الجنّة، وبعث إليها بريحان من ريحان الجنّة، فهي

__________________

١ - من الفصول المهمّة.

في روح وريحان وجنّة نعيم، وقبرها روضة من رياض الجنّة.(١)

و كفاها رضي الله عنها فضلاً وفخراً في الدنيا والآخرة انّ ولدها ذرّيّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ونسله، وهم أحد الحبلين اللذين لم ينقطعا حتى يردا على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الحوض، ولولا خوف الإطالة لأوردت من شعر أبي طالب رضي الله عنه الذي يحثّ فيه بنيه على نصر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله واتّباع هديه جملة مفيدة تنبئ عن حسن عقيدته، وإخلاص سريرته، لكن اقتصرت على هذا القدر والله الموفّق، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وإنّما قالت الناصبة ما قالت فيه عداوة لولده أمير المؤمنين وخطّاً من قدره، ويأبى الله الا أن يتمّ نوره ولو كره المشركون.(٢)

ولمّا توفّي أبو طالب رضي الله عنه اشتدّ البلاء على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فعمد لثقيف في الطائف، فوجد ثلاثة، هم سادة، وهم إخوة: عبد ياليل، ومسعود، وحبيب، بنو عمرو، فعرضصلى‌الله‌عليه‌وآله عليهم نفسه.

فقال أحدهم: أنا أسرق باب(٣) الكعبة إن كان الله بعثك بشيء قطّ، وقال الآخر: أعجز الله أن يرسل غيرك؟ وقال الآخر: والله لا اُكلّمك بعد مجلسك هذا أبداً، فإن كنت نبيّاً كما تقول لأنت أعظم خطراً من أن يزد عليك الكلام، وإن كنت تكذب على الله فلا ينبغي لي أن اُكلّمك، وتهزّؤوا به وأفشوا في قومه ما

____________

١ - أمال يالصدوق: ٢٥٨ ح ١٤، روضة الواعظين: ١٤٢، الفصول المهمّة لابن الصبّاغ: ٣١.

وأخرجه في البحار: ٣٥ / ٧٠ ح ٤ عن الأمالي والروضة، وفي ص ١٧٩ عن الفصول المهمّة.

وفي ج ٨١ / ٣٥٠ ح ٢٢ عن الأمالي.

٢ - إشارة إلى الآية: ٣٢ من سورة التوبة.

٣ - في إعلام الورى: أستار. وفي مصادر اُخرى: أمرط ثياب الكعبة، ومراده: اُمزّقها.

راجعوه(١) ، ثمّ أغروا به سفهاءهم، فقعدوا له صفّين على طريقه.

فلمّا مرّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بين صفّيهم جعلوا لا يرفع قدماً ولا يضعها الا رضخوها بالحجارة حتى أدموا رجليه، فخلص منهم وهما تسيلان بالدماء، فعمد إلى حائط من حوائطهم، واستظلّ بظلّ حُبلة - وهي الكرمة - وهو مكروب موجع تسيل رجلاه دماً، فإذا في الحائط عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وهما من بني عبد شمس، وهما من أكابر قريش، وكان لهم أموال بالطائف، فلمّا رآهما كره مكانهما لما يعلم من عداوتهما لله ولرسوله.

وكلاهما قتلا يوم بدر وقتل معهما الوليد بن عتبة، قتل عتبة أبو عبيدة بن الحارث بن عبد المطّلب، ضربه على هامته بالسيف فقطعها، وضرب هو عبيدة بن الحارث على ساقه فأطنّها(٢) فسقطا جميعاً، وحمل شيبة - أخوه - على حمزة فتضاربا بالسيفين حتى انثلما، وحمل أمير المؤمنينعليه‌السلام على الوليد فضربه على حبل عاتقه فأخرج السيف من إبطه.

قال عليّ صلوات الله عليه: لقد أخذ الوليد يمينه بشماله فضرب بها هامتي، فظننت أنّ السماء سقطت على الأرض، ثمّ اعتنق حمزة وشيبة، فقال المسلمون: يا عليّ، أما ترى ا لكلب فقد أنهر(٣) عمّك؟ فحمل عليه عليعليه‌السلام ، ثم قال لحمزة: يا عمّ، طأطئ رأسك - وكان حمزة أطول من شيبة - فأدخل حمزة رأسه في صدره، فضربه عليّ صلوات الله عليه فطرح نصف

__________________

١ - في إعلام الورى: وأفشوا في قومهم الذي راجعوه به.

٢ - أي قطعها.

٣ - أنهر الطعنة: وسّعها. وأنهَرتُ الدم: أي أسلته. « لسان العرب: ٥ / ٢٣٧ - نهر - ».

وفي مناقب ابن شهراشوب: يهرّ.

يقال: هرّ الكلب يَهِرُّ هريراً: إذا نَبَحَ وكَشَرَ عن أنيابه. « لسان العرب: ٥ / ٢٦١ - هرر - ».

رأسه، ثمّ أتى إلى عتبة وبه رمق فأجهز عليه.

واحتمل عبيدة رضي الله عنه وبه رمق، وحملاه عليّ وحمزة وأتيا به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومخّ ساقه يسيل، فاستعبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال عبيدة: ألست أوّل شهيد من أهل بيتك؟ قال: بلى، أنت أوّل شهيد من أهل بيتي.(١)

رجعنا إلى تمام القصّة:

فلمّا رأيا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أرسلا غلاماً لهما يدعى عدّاس معه عنب - وهو نصرانيّ من أهل نينوى -، فلمّا جاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال له رسول الله: من أيّ أرض أنت؟

قال: من أهل نينوى.

قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : من مدينة الرجل الصالح يونس بن متّى؟

فقال عدّاس: وما أعلمك بيونس؟

قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : أنا رسول الله، والله تعالى أخبرني بخبره، فلمّا أخبره بما أخبره الله به من شأن يونس خرّ عدّاس ساجداً لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (٢) ، وجعل يقبّل قدميه وهما تسيلان دماً، فلمّا نظر عتبة وشيبة ما يصنع غلامهما سكتا، فلمّا أتاهما قالا: ما شأنك سجدت لمحمد، وقبّلت قدميه، ولم نرك فعلت بأحدٍ منّا ذلك؟

__________________

١ - انظر في وصف هذا الموقف في غزوة بدر: تفسير القمّي: ١ / ٢٦٥، مجمع البيان: ٢ / ٥٢٧، مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ١١٩، عنها البحار: ١٩ / ٢٥٤ ح ٣ وص ٢٢٥ وص ٢٩٠.

٢ - في إعلام الورى: ساجداً لله.

قال: هذا رجل صالح أخبرني بشيء عرفته من شأن رسول بعثه الله إلينا يدعى يونس بن متّى.

فضحكا وقالا: لا يفتننّك عن نصرانيّتك فإنّه رجل خدّاع.(١)

و روي أنّ المشركين لمّا مضوا إلى بدر لقتال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان عدّاس مع سيّديه عتبة وشيبة، فسأل منهما: من هذا الذي عزمتم على حربه والوقيعة به؟

فقالا له: يا عدّاس، أرأيت الّذي أرسلناك إليه بالعنب في الطائف؟ قد اتّبعه قوم من الصُّباه، وقد قصدنا حربهم، وتفريق كلمتهم، وأن نأتي بهم إلى مكّة اُسارى، ونعرّفهم ضلالهم.

فقال عدّاس: بالله يا سيّديّ، ارجعوا من فوركم هذا إلى مكّة، والله لئن لقيتموه لا تفرحوا بالحياة بعدها، والله إنّه نبي حق، وقوله صدق، فزجراه ولم يعبئا بكلامه.(٢)

ثمّ إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله رجع إلى مكة من الطائف واشتدّ البلاء، وأقبل المشركون يردّون المسلمين ويفتنونهم عن دينهم، ثمّ انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله استجار بالأخنس بن شَريق، وسهيل بن عمرو فتعلّلا، ثم استجار بالمطعم بن عديّ حتى دبّر في أمر الهجرة.(٣)

وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يعرض نفسه على قبائل العرب في

____________

١ - إعلام الورى: ٦٤، عنه البحار: ١٩ / ٦ ضمن ح ٥.

وأورده في مناقب شهراشوب: ١ / ٦٨، عنه البحار: ١٩ / ١٧ ح ٩.

٢ - المغازي للواقدي: ٣٣، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ١٤ / ٩٦، البحار: ١٩ / ٣٣٠.

٣ - إعلام الورى: ٦٥، عنه البحار: ١٩ / ٧.

الموسم، فلقي رهطاً من الخزرج، فقال: ألا تجلسون اُحدّثكم؟

قالوا: بلى، فجلسوا إليه، فدعاهم إلى الله، وتلا عليهم القرآن.

فقال بعضهم لبعض: يا قوم، تعلمون والله انّه النبيّ الّذي كانوا يوعدوكم به اليهود(١) ، فلا يسبقنّكم إليه أحد، فأجابوه، وقالوا له: إنّا تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والسوء مثل ما بينهم، وعسى الله أن يجمع بينهم بك، فستقدم عليهم وتدعوهم إلى أمرك، وكانوا ستّة نفر.

فلمّا قدموا المدينة أخبروا قومهم بالخبر، فما دار حول الا وفيها حديث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، حتى إذا كان العام المقبل أتى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلاً، فلقوا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فبايعوه على بيعة النساء ألاّ يشركوا بالله شيئاً، ولا يسرقوا، إلى آخرها، ثمّ انصرفوا وبعث معهم مصعب بن عمير يصلّي بهم، وكان يسمّى بينهم في المدينة « المقرئ »(٢) ، فلم تبق دار في المدينة إلا وفيها رجال ونساء مسلمون إلا دار اُميّة وحطيمة ووائل وهم من الأوس.

ثمّ عاد مصعب إلى مكّة، وخرج من خرج من الأنصار إلى الموسم، فاجتمعوا في الشعب عند العقبة ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان في أيّام التشريق بالليل عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : اُبايعكم على الاسلام.

فقال بعضهم: يا رسول الله، نريد أن تعرّفنا ما لله علينا، وما لك علينا، وما لنا على الله.

____________

١ - في المناقب والبحار: الذي كان يوعدكم به اليهود.

٢ - سمّي بذلك لأنّه كان يقرئهم القرآن.

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : أمّا ما لله عليكم فتعبدوه، ولا تشركوا به شيئاً، وأمّا ما لي عليكم فتنصرونني مثل نسائكم وأبنائكم، وأن تصبروا على عضّ السيوف، وأن يقتل خياركم.

قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا على الله؟

قال: أمّا في الدنيا فالظهور على من عاداكم، وفي الآخرة رضوان الله والجنّة، فأخذ البراء بن معرور بيده، وقال: والّذي بعثك بالحق نبيّاً لنمنعنّك بما نمنع به اُزرنا(١) ، فبايعنا يا رسول الله، فنحن أهل الحرب وأهل الحلقة ورثناها كبار عن كبار.

فقال أبو الهيثم: إنّ بيننا وبين الرجال حبالاً، وإنّا إن قطعناها أو قطعوها فهل عسيت إن فعلنا ذلك، ثمّ أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟

فتبسّم رسول الله، ثمّ قال: بل الدم الدم والهدم الهدم، اُحارب من حاربتم، واُسالم من سالمتم، ثمّ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : أخرجوا لكم(٢) اثنى عشر نقيباً، فاختاروا، فقال: اُبايعكم كبيعة عيسى بن مريم للحواريّين كفلاء على قومهم بما فيهم، وعلى أن تمنعوني بما(٣) تمنعون منه نساءكم وأبناءكم، فبايعوه على ذلك، فصرخ الشيطان في العقبة: يا أهل الجباجب(٤) ، هل لكم في محمّد

____________

١ - قال ابن الأثير في النهاية: ١ / ٤٥: وفي حديث بيعة العقبة « لَنَمْنَعَنَكَ ممّا نمنع به اُزُرَنا » أي نساءنا وأهلنا، كنّى عنهنّ بالأزر ؛ وقيل: أراد أنفسنا. وقد يكنّى عن النفس بالإزار.

٢ - في المناقب والبحار: إليّ.

٣ - في المناقب والبحار: ممّا.

٤ - قال ابن الأثير في النهاية: ١ / ٢٣٤: في حديث بيعة الأنصار « نادى الشيطان: يا أصحاب الجُباجِب » هي جمع جُبجُب - بالضم - وهو المستوى من الأرض ليس بحَزن، وهي هاهنا منازل بمنىً، سمّيت به، قيل: لأنّ كروش الأضاحي تُلقى فيها أيّام الحج. والجَبجَبة: الكَرِشُ يُجعل فيها اللحم يُتزوّد في الأسفار.

والصباة معه؟ اجتمعوا على حربكم، ثم نفر الناس من منى وفشى الخبر، فخرجوا في الطلب، فأدركوا سعد بن عبّادة والمنذر بن عمرو، فأمّا المنذر فأعجز القوم، وأمّا سعد فأخذوه، وربطوه بنسع رحله، وأدخلوه مكّة يضربونه، فبلغ خبره جبير بن مطعم والحارث بن حرب بن اُميّة فأتياه وخلّصاه.

و كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في ذلك الوقت لم يؤمر إلا بالدعاء والصبر على الأذى، والصفح عن الجاهل، فطالت قريش على المسلمين، فلمّا كثر عتوّهم أمرصلى‌الله‌عليه‌وآله بالهجرة، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله لأصحابه المؤمنين: إنّ الله قد جعل لكم داراً وإخواناً تأمنون بها، فخرجوا أرسالاً(١) يتسلّلون تحت الليل، حتى لم يبق مع النبي إلا عليّعليه‌السلام ، مع جماعة يسيرة من أصحابه، فحذرت قريش خروجه، وعلموا أنّه قد أجمع على حربهم، فاجتمعوا في دار الندوة وهي دار قُصيّ بن كلاب يتشاورون في أمره، فتمثّل لهم إبليس في صورة شيخ من أهل نجد، فقال: أنا ذو رأي حضرت لموازرتكم.

فقال عروة بن هشام: نتربّص به ريب المنون، وقال أبو البَختريّ: أخرجوه عنكم تستريحوا من أذاه.

وقال العاص بن وائل واُميّة واُبيّ ابنا خلف: نبني له علماً(٢) نستودعه فيه، فلا يخلص إليه(٣) من الصباة أحد.

____________

١ - قال المجلسيرحمه‌الله : الأرسال - بالفتح -: جمع الرسل - بالتحريك - وهو القطيع من كل شيء، أي زمراً زمراً. ويحتمل الإرسال - بالكسر -: وهو الرفق والتؤدة.

٢ - زاد في المناقب: ونترك له فرجاً.

يقال لما يُبنى في جواد الطريق من المنازل يستدلّ بها على الطريق: أعلامٌ، واحدها عَلَمٌ. والعلم: المنار والعلامة والعَلَم: شيء يُنصب في الفلوات تهتدي به الضالّة. « لسان العرب: ١٢ / ٤١٩ - علم - ».

٣ - كذا الصحيح، وفي الأصل: فلا يخلص منه إليه.

و قال عتبة وشيبة وأبو سفيان: نرحل بعيراً صعباً ونوثق محمداً عليه كتافاً وشدّاً، ثم نقصع(١) البعير بأطراف الرماح فيوشك أن يقطعه بين الدكادك(٢) إرباً إرباً.

فقال أبو جهل: أرى لكم أن تعمدوا إلى قبائلكم العشرة فتنتدبوا من كلّ قبيلة رجلاً نجداً(٣) ، وتأتونه بياتاً، فيذهب دمه في قبائل قريش جميعها، فلا يستطيع بنو هاشم وبنو المطّلب مناهضة قريش فيه فيرضون بالعقل.

فقال أبو مرّة: أحسنت يا أبا الحكم، هذا الرأي فلا نعدلنّ له رأياً، فأنزل الله سبحانه:( يَمكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثبِتُوكَ أَو يَقتُلُوكَ أَو يُخرِجُوكَ ) (٤) الآية، فهبط جبرئيل على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقال: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه، فدعا عليّاًعليه‌السلام ، فقال: إنّ الله سبحانه أوحى إليّ أن أهجر دار قومي، وأن أنطلق إلى غار ثور أطحل(٥) ليلتي هذه، وأمرني أن آمرك بالمبيت على مضجعي، وأن ألقي عليك شبهي.

فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : أو تسلم بمبيتي هناك؟

قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : نعم.

فتبسّم أمير المؤمنين ضاحكاً، وأهوى إلى الارض ساجداً، فكان أوّل من سجد لله شكراً، وأوّل من وضع وجهه على الأرض بعد سجدته، فلمّا رفع رأسه

____________

١ - أي نجرحه بأطراف الرماح حتى يغضب.

٢ - جمع الدكداك: وهو أرض فيها غلظ.

٣ - النجد: الشجاع الماضي فيما يعجز عنه غيره.

٤ - سورة الأنفال: ٣٠.

٥ - الطُحلَة - بالضم -: لون بين الغُبرة والسواد ببياض قليل. « القاموس المحيط: ٤ / ٦ - طحل - ».

قال: امض بما اُمرت به، فداك سمعي وبصري وسويداء قلبي.

قال: فارقد على فراشي، واشتمل بردي الحضرمي، ثمّ إنّي اُخبرك يا علي انّ الله تعالى يمتحن أولياءه على قدر إيمانهم ومنازلهم من دينهم(١) ، فأشدّ الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل(٢) ، وقد امتحنك الله يا ابن اُمّ بي، وامتحنني فيك بمثل ما امتحن خليله إبراهيم والذبيح إسماعيل، فصبراً صبراً( إنَّ رَحمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحسِنِينَ ) (٣) ثم ضمّه إلى صدره، واستتبع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أبو بكر وهند بن أبي هالة وعبيد الله(٤) بن فُهَيرة، ودليلهم اُريقط(٥) الليثي فأمرهم رسول الله بمكان ذكره لهم، ولبث(٦) صلى‌الله‌عليه‌وآله مع عليّ يوصيه، ثم خرج في فحمة العشاء(٧) والرصد من قريش قد أطافوا به ينتظرون انتصاف الليل ليهجموا عليه، وكانصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول:( وَجَعَلنَا مِن بَينِ أَيدِيهِم سَدّاً وَمِن خَلفِهِم سَدّاً ) (٨) الآية، وكان بيده قبضة تراب، فرمى بها في رؤوسهم، ومضى حتى انتهى إلى أصحابه الذين واعدهم، فنهضوا(٩) معه

__________________

١ - في المناقب: دينه.

٢ - تقدّمت تخريجاته ص ٣٩ هامش ١٦.

٣ - سورة الأعراف: ٥٦.

٤ - في المناقب: عبد الله، وكذا في المواضع الآتية.

وفي الكامل: عامر بن فُهَيرَة - وهو مولى الطُفَيل بن عبد الله الأزديّ - اشتراه أبو بكر. انظر في ترجمته « الكامل في التاريخ: ٢ / ٦٨ ».

٥ - في المناقب: اُزيقطة. ولعلّه أبو واقد - كما سيأتي في ص ٨٥ -.

وفي تاريخ الطبري: ٢ / ٣٧٨ و ٣٨٠ دليلهم: عبد الله بن أرقد.

٦ - كذا في المناقب، وفي الأصل: كتب - وهو تصحيف -.

٧ - الفَحمة من الليل: أوّله، أو أشدّ سواده، أو ما بين غروب الشمس إلى نوم الناس. « القاموس المحيط: ٤ / ١٥٨ - فحم - ».

٨ - سورة يس: ٩.

٩ - في المناقب: فمضوا.

حتى وصلوا إلى الغار، وانصرف هند وعبيد الله بن فهيرة راجعين إلى مكّة.(١)

وكان قد اجتمع حول دار رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أربعمائة رجل مكبّلين بالسلاح.

قال ابن عبّاس: فكان من بني عبد شمس عتبة وشيبة ابنا ربيعة بن هشام وأبو سفيان، ومن بني نوفل طعمة(٢) بن عديّ وجبير بن مُطعم والحارث بن عامر، ومن بني عبد الدار النضر بن الحارث، ومن بني أسد أبو البختري وزمعة(٣) ابن الأسود وحكيم بن حزام(٤) ، ومن بني مخزوم أبو جهل، ومن بني سهم نُبَيه ومُنبّه ابنا الحجّاج، ومن بني جُمَح اميّة بن خلف، هؤلاء الرؤساء وغيرهم ممّن(٥) لا يعدّ من قريش.(٦)

وأحاطوا بالدار إلى أن مضى من الليل شطره هجموا على أمير المؤمنين صلوات الله عليه شاهرين سيوفهم، ففطن بهم فاخترط سيفه وشدّ عليهم فانحازوا عنه، وقالوا: أين صاحبك؟

قال: لا أدري، أو رقيب كنت عليه، ألجأتموه إلى الخروج، فخرج.

__________________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ١ / ١٨١ - ١٨٣، عنه البحار: ١٩ / ٢٥ ح ١٥ « إلى قوله: يتشاورون في أمره ».

وأخرجه في البحار: ١٩ / ٢٣ عن المنتقى في مولد المصطفى للكازروني، ولم أعثر على غير طبعته الفارسيّة والمسمّاة « نهاية المسؤول في رواية الرسول ».

وانظر في هجرتهصلى‌الله‌عليه‌وآله : الكامل في التاريخ: ٢ / ١٠١ وما بعدها.

٢ - في تاريخ الطبري: طُعَيمَة.

٣ - كذا في المناقب وتاريخ الطبري، وفي الأصل: ربيعة.

٤ - كذا في المناقب وتاريخ الطبري، وفي الأصل: مزاحم.

٥ - كذا في المناق وتاريخ الطبري، وفي الأصل: ممّا.

٦ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٥٨، عنه البحار: ٣٨ / ٢٩٠.

وانظر تاريخ الطبري: ٢ / ٣٧٠.

و كان أمير المؤمنين في تلك الحال ابن عشرين سنة، فأقام صلوات الله عليه بمكّة حتى أدّى أمانات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأدّى إلى كل [ ذي ](١) حقّ حقّه، ثمّ عزم صلوات الله عليه على الهجرة.

فكان ذلك دلالة على خلافته وإمامته وشجاعته، وحمل نساء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بعد ثلاثة أيّام، وفيهنّ عائشة، فله المنّة على أبي بكر بحفظ ولده، ولعليّعليه‌السلام المنّة عليه في هجرته، وعليّ ذو الهجرتين والشجاع هو الثابت(٢) بين أربعمائة سيف، وإنّما أباته النبي على فراشه ثقة بنجدته، فكانوا محدقين به إلى طلوع الفجر ليقتلوه ظاهراً، فيذهب دمه بمشاهدة بني هاشم بأنّ قاتليه من جميع القبائل.(٣)

وقد ذكرنا رؤساءهم الذين اجتمعوا لقتله قبل ذلك.

وروي أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام لمّا عزم على الهجرة قال له العبّاس: إنّ محمداً ما خرج إلا خفية، وقد طلبته قريش أشدّ طلب، وأنت تخرج جهاراً في أثاث وهوادج ومال ونساء ورجال تقطع بهم السباسب(٤) والشعاب من بين قبائل قريش ما أرى لك أن تمضي الا في خُفارَة(٥) خزاعة.

فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام :

____________

١ - من المناقب.

٢ - في المناقب: والشجاع البائت.

٣ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٥٨ - ٥٩، عنه البحار ٣٨ / ٢٨٩ - ٢٩١.

٤ - السباسب: جمع السبسُب: المَفازة أو الأرض المستوية البعيدة. « القاموس المحيط: ١ / ٨١ - سَبّه - ».

٥ - خَفيرُ القوم: مُجيرهم. « المحيط في اللغة: ٤ / ٣٣١ - خفظ - ».

إنّ المـنيّة شـربـة مـورودة

لا تجز عـنّ(١) وشدّ للترحيل

إنّ ابن آمنـة النـبي محـمداً

رجل صدوق قال عن جبريل

أرخ الزمام ولا تخف من عائق

فاللـه يرديـهم عـن التنكيل

إنّي بـربّـي واثـق وبأحمـد

وسبـيـله متلاحق بـسـبيلِ

قالوا: وكمن مهلع غلام حنظلة بن أبي سفيان في طريقه بالليل، فلمّا رآه(٢) أمير المؤمنينعليه‌السلام اخترط(٣) سيفه ونهض إليه، فصاح أمير المؤمنينعليه‌السلام فيه صيحة خرّ على وجهه، وجَلَدَه(٤) بسيفه، ثمّ مضى صلوات الله عليه ليلاً.(٥)

وكان مبيت أمير المؤمنينعليه‌السلام أوّل ليلة.

واقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في الغار ثلاثة أيّام، ولمّا ورد المدينة نزل في بني عمرو بن عوف بقُباء منتظراً لأمير المؤمنينعليه‌السلام ، وكان أمير المؤمنين أمر ضعفاء المسلمين أن يتسلّلوا ويتخفّفوا إذا ملأ الليل بطن كلّ واد، وكان معه من النساء الفواطم(٦) وأيمن بن اُمّ أيمن(٧) مولى رسول الله صلّى الله

__________________

١ - في المناقب: لا تتزعنّ.

٢ - كذا في المناقب، وفي الأصل: رأى.

٣ - في المناقب: سلّ.

٤ - في المناقب: جلّله.

يقال: جَلَدته بالسيف والسوط جَلداً إذا ضربت جِلدَه: « لسان العرب: ٣ / ١٢٥ - جلد - ».

٥ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٥٩، عنه البحار: ٣٨ / ٢٩١.

٦ - أي: فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وامّه فاطمة بنت أسد بن هاشم، وفاطمة بنت الزبير بن عبد المطّلب - وقد قيل هي ضُباعة -.

٧ - كذا في المناقب، وفي الاصل: واُمّ أيمن.

عليه وآله وغيرهم، وخرجعليه‌السلام إلى ذي طوى، وابو واقد يسوق بالرواحل فأعنف بهم، فقال أمير المؤمنين: أبا واقد، ارفق بالنسوة فإنّهنّ ضعائف.

قال: إنّي أخاف أن يدركنا الطلب.

قال: اربع عليك(١) ، إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لي: يا علي، إنّهم لن يصلوا إليك من الآن بمكروه، ثمّ جعل أمير المؤمنين يسوق بهنّ سوقاً رفيقاً ويرتجزعليه‌السلام :

ليس إلا الله فارفع ظنّكا

يكفيك ربّ العرش(٢) ما أهمّكا

 فلمّا شارف ضجنان(٣) أدركه الطلب بثمانية فوارس، فأنزل النسوة واستقبلهم منتضياً سيفه، فأقبلوا عليه وقالوا: يا غُدَر(٤) ، كيف أنت(٥) ناج بالنسوة؟ ارجع لا أبا لك.

قال: فإن لم أفعل أفترجعون؟ ودنوا من النسوة فحال بينهم وبينها وقتل جناحاً، وكان يشدّ عليهم شدّ الأسد على فريسته، وهو يقول:

خلّوا سبيل الجاهد المجاهدِ

آليت لا اعبد غير الواحدِ

فتقهقروا عنه، فسار ظاهراً حتى وافى ضجنان فتلوّم بها يومه وليلته، ولحق به نفر من المستضعفين، فصلّى ليلته تلك والفواطم يذكرون الله قياماً

__________________

١ - أي توقّف وتحبّس.

٢ - في المناقب: الناس.

٣ - ضَجَنان: جبل قرب مكّة.

٤ - أي: يا غادر.

٥ - في المناقب: أظننت يا غدّار أنّك.

وقعوداً وعلى جنوبهم حتى طلع الفجر، فصلّى بهم صلاة الفجر، ثمّ سار بهم حتى وصل المدينة، وقد نزل الوحي بما كان من شأنهم قبل قدومهم، وهو قوله تعالى:( الَّذِينَ يَذكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِم - إلى قوله -أنِّي لَا اُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنكُم مِن ذَكَرٍ أَو اُنثَى - فالذكر عليّ والاُنثى فاطمة -بَعضُكُم مِن بَعضٍ - عليّ من الفواطم وهنّ من عليّ، إلى قوله -عِندَهُ حُسنُ الثَّوَابِ ) (١) .

وتلا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :( إنَّ اللهَ اشتَرَى مِنَ المُؤمِنِينَ أنفُسَهُم وَأموَالَهُم ) (٢) الآية، ثمّ قال: يا علي، أنت أول هذه الامّة إيماناً بالله وبرسوله، وأوّلهم هجرة إلى الله ورسوله، وآخرهم عهداً برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والذي نفسي بيده لا يحبّك إلا مؤمن قد امتحن الله قلبه للايمان، ولا يبغضك الا منافق أو كافر.

وكان قيام علي بعد النبي بمكّة ثلاث ليال، ثمّ لحق برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .(٣)

روى السدّي، عن ابن عبّاس، قال: نزل قوله تعالى:( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشرِي نَفسَهُ ابتِغَاءَ مَرضَاةِ اللهِ ) (٤) في عليّ بن أبي طالب حين هرب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ونزلت الآية بين مكّة والمدينة.

__________________

١ - سورة آل عمران: ١٩١ - ١٩٥.

٢ - سورة التوبة: ١١١.

٣ - مناقب ابن شهراشوب: ١ / ١٨٣ - ١٨٤.

ورواه الشيخ الطوسي في الأمالي: ٢ / ٨٤ - ٨٦، عنه البحار: ١٩ / ٦٥.

٤ - سورة البقرة: ٢٠٧.

وروي أنّه لمّا نام أمير المؤمنينعليه‌السلام قام جبرئيل عند(١) رأسه، وميكائيل عند رجليه، وجبرئيل ينادي: بخ بخ من مثلك يا ابن أبي طالب يباهي الله به الملائكة؟(٢)

و روي أنّ الله عزّ وجلّ أوحى إلى جبرئيل وميكائيل أنّي قد جعلت عمر أحدكما أطول من الآخر، فأيّكما يؤثر صاحبه بالزيادة؟ فلم يجيبا.

فأوحى الله إليهما: هذا عليّ بن أبي طالب قد آثر محمداً بعمره، ووقاه بنفسه، فاهبطا إليه واحفظانه، فهبط جبرئيل وميكائيل، الحديث(٣) .

وأمّا المشركون فركبوا الصعب والذلول في طلب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .(٤)

قال الزهري: ولمّا دخل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأبو بكر الغار أرسل زوجاً من حمام، حتى باضا في أسفل الثقب، والعنكبوت حتى تنسج بيتاً، فلمّا جاء سرقاة بن مالك في طلبهما فرأى بيض الحمام ونسج(٥) العنكبوت، قال: لو دخله أحد لانكسر البيض وتفسّخ [ بيت ](٦) العنكبوت، فانصرف.

____________

١ - كذا في المجمع، وفي الأل: على.

٢ - مجمع البيان: ١ / ٣٠١. وفيه: بك الملائكة.

٣ - أمالي الطوسي: ٢ / ٨٣ - ٨٤، إحياء علوم الدين: ٣ / ٢٥٨، الروضة لشاذان: ٢ ( مخطوط )، إرشاد القلوب للديلمي: ٢٢٤، تأويل الآيات: ١ / ٨٩ ح ٧٦.

وأخرجه في البحار: ١٩ / ٣٩ وص ٦٤ وص ٨٥ ح ٣٦ وص ٨٦ ح ٣٧ عن بعض المصادر أعلاه.

٤ - مناقب ابن شهراشوب: ١ / ١٨٣.

٥ - في المجمع: وبيت.

٦ - من المجمع.

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : اللّهمّ أعم أبصارهم عنّا، فعميت أبصارهم عن دخوله، وجعلوا ينظرون(١) يميناً وشمالاً حول الغار.

وقال أبو بكر: لو نظروا إلى أقدامهم لرأونا.

وروى علي بن ابراهيم في تفسيره: كان رجل من خزاعة، يقال له أبو كرز، فما زال يقفو أثر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حتى وقف بهم على الحجر(٢) ، فقال: [ هذه ](٣) قدم محمد، هي والله اُخت القدم التي في المقام، وقال: هذه قدم أبي قحافة والله، وقال: ما جاوزا هذا المكان، إمّا أن يكونا صعدا في السماء أو نزلا في الارض.

وجاء فارس من الملائكة في صورة الإنس، فوقف على باب الغار، وهو يقول: اطلبوه في هذه الشعاب فليس هاهنا.

ونزل رجل من قريش فاستقبل باب الغار وبال، فقال أبو بكر: قد أبصرونا يا رسول الله.

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : لو أبصرونا ما استقبلونا بعوراتهم.(٤)

( فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيهِ ) (٥) أي على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أي: ألقى في قلبه ما سكن به، وعلم أنّهم غير واصلين إليه.

وفي تخصيص رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالسكينة، وعد إدخال أبي

__________________

١ - في المجمع: يضربون.

٢ - في المجمع: باب الغار.

٣ - من المجمع.

٤ - أورده عن عليّ بن إبراهيم في مناقب ابن شهراشوب: ١ / ١٢٧ - ١٢٨، عنه البحار: ١٩ / ٧٧ ح ٢٨.

٥ - سورة التوبة: ٤٠.

بكر فيها، أقوى دليل على عدم إيمانه، وقوّة يقينهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ورباط جأشه، وقد أشرك الله المؤمنين مع رسوله في السكينة في هذه السورة وغيرها بقوله:( فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ ) على رسوله والمؤمنين، وأنزل جنوداً لم تروها، وفي سورة إنّا فتحنا:( فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلى المُؤمِنِينَ وَأَلزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقوَى ) (١) الآية.(٢)

وقد ردّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله هند وعبد الله بن فُهيرة حين أوصلاه إلى الغار، وحبس أبي بكر لعلمه برباط جأشهما، وشدّة يقينهما، وقوّة إيمانهما، وانّهما لو قتلا ما أخبرا بمكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وحبس أبا بكر عنده خوفاً على نفسه منه، لأنّه كان قد علم أوّلاً بعزم الرسول، وخاف إن اذن له كما أذن لهما أن تعلم قريشاً بمكانه فيخبرهم به إمّا رهبة أو نفاقاً.

وقد روى أبو المفضّل الشيباني بإسناده عن مجاهد، قال: فخرت عائشة بأبيها ومكانه مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في الغار، فقال لها عبد الله بن شّاد بن الهاد: فأين أنتِ من علي بن أبي طالب حيث نام [ في ](٣) مكانه وهو يرى أنّه يقتل؟ فسكتت ولم تجد جواباً.

وشتّان بين قوله تعالى:( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشرِي نَفسَهُ ابتِغَاءَ مَرضَاةِ اللهِ ) (٤) وبين قوله:( لَا تَحزَن إنَّ اللهَ مَعَنَا ) (٥) وكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يقوّي قلبه، ولم يكن مع عليّ أحد يقوّي قلبه، وهو لم يصبه وجع، وعليّ كان

__________________

١ - سورة الفتح: ٢٦.

٢ - مجمع البيان: ٣ / ٣١، عنه البحار: ١٩ / ٣٣.

٣ - من المناقب.

٤ - سورة البقرة: ٢٠٧.

٥ - سورة التوبة: ٤٠.

يرمى بالحجارة وهو على فراش رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأبو بكر مختف بالغار، وعليّ ظاهر للكفّار.

و استخلفه الرسول لردّ الودائع لأنّه كان أميناً، فلمّا أدّاها قام صلوات الله عليه على سطح الكعبة، فنادى بأعلى صوته: يا أيّها الناس، هل من صاحب أمانة؟ هل من صاحب وصيّة؟ هل من صاحب عدة له قِبَلَ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ فلمّا لم يأت أحد لحق بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .(١)

فنزل معه على كلثوم(٢) ، وكان أبو بكر في بيت خبيب(٣) بن إساف، فأقام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بقبا يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وأسّس مسجده، وصلّى يوم الجمعة في المسجد الذي ببطن الوادي - وادي رانوقا(٤) - فكانت أوّل صلاة صلّاها بالمدينة، ثمّ أتاه غسّان بن مالك وعبّاس بن عبادة في رجال من بني سالم، فقالوا: يا رسول الله، أقم عندنا في العدّة والعدد والمنعة.

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : خلّوا سبيلها، فإنّها مأمورة - يعني ناقته -، ثم

____________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٥٧ - ٥٨، عنه البحار: ٣٨ / ٢٨٩.

٢ - في المناقب: كلثوم بن هِدم.

وهو كلثوم بن هدم بن امرئ القيس بن الحارث بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي، كان يسكن قباء، ويعرف بصاحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكان شيخاً كبيراً، وأسلم قبل وصول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى المدينة، توفّي قبل بدر بيسير، وقيل: إنّه أوّل من مات من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله . « اُسد الغابة: ٤ / ٢٥٣ ».

٣ - كذا الصحيح، وفي الأصل والمناقب: حبيب - وهو تصحيف -.

وهو خُبَيب بن إساف ؛ وقيل: يساف، ابن عِنَبة بن عَمرو الأنصاري الخزرجي: شهد بدراً واُحداً والخندق، وكان نازلاً بالمدينة وتأخّر إسلامه حتى سار النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى بدر، فلحق النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في الطريق فأسلم. « اُحد الغابة: ١ / ٣٦٨، وج ٢ / ١٠١ - ١٠٢ ».

٤ - في المناقب: رافوقا.

تلقّا ه زياد بن لبيد وفروة بن عمرو في رجال من بني بياضة، فقال كذلك، ثمّ اعترضه سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو في رجال من بني ساعدة، ثمّ اعترضه سعد بن الربيع وخارجة بن زيد وعبد الله بن رواحة في رجال من بني الحارث، فانطلقت حتى إذا وازت دار بني مالك بن النجّار بركت على باب مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو يومئذ مِربَد(١) لغلامين يتيمين من بني النجّار، فلمّا بركت ورسول الله لم ينزل وثبت وسارت غير بعيد ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله واضع لها زمامها لا يثنيها به، ثم التفّت إلى خلفها فرجعت إلى مبركها أوّل مرّة فبركت، ثمّ تجلجلت(٢) ورزمت ووضعت جرانها، فنزلصلى‌الله‌عليه‌وآله عنها، واحتمل أبو أيّوب رحله ووضعه في بيته، ونزل رسول الله في بيت أبي أيّوب وسأل عن المربد فاُخبر انّه لسهل وسهيل يتيمين لمعاذ بن عفراء، فأرضاها معاذ، وأمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ببناء المسجد، وعمل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بنفسه، وعمل فيه المهاجرون والأنصار، وأخذ المسلمون يرتجزون وهم يعملون، فقال بعضهم:

لئن قعدنا والنبيّ يعمل

لذاك منّا العمل المضلّل

 ____________

١ - كذا في المناقب، وفي الأصل: مزيد. وكذا في المواضع التالية.

والمريد: موضع الإبل.

٢ - كذا في المناقب، وفي الأصل: تخلخلت.

وتجلجلت: أي تخاضعت وتضعضعت. وما في الأصل لعلّه: تحلحلت - وهو الموافق لما في سيرة ابن إسحاق، ومعناه: تحرّكت.

قال ابن الأثير في النهاية: ٤ / ٢٣٩: « ثم تَلَحلَحَت وأرزَمَت، ووَضَعت جِرانَها » تَلَحلَحَت: أي أقامَت وَلَزِمَت مكانها ولم تَبرح، وهو ضدّ تَحَلحَل.

وقال في ج ٢ / ٢٢٠: « وأرزمت » أي صَوّتَت، والإرزام: الصوت لا يفتح به الفَمُ، و « ناقة رازم » هي التي لا تتحرّك من الهزال.

والجران باطن العنق ؛ وقيل: مقدّمه.

والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول:

لا عيش إلا عيش الآخرة

ربّ(١) ارحم الأنصار والمهاجرة

و علي أمير المؤمنين يقول:

لا يستوي من يعمل(٢) المساجدا

يدأب فيها قائماً وقاعداً

 ومن يُرى عن الغبار(٣) حائداً

ثم انتقل من بيت أبي أيّوب إلى مساكنه التي بنيت له ؛ وقيل: كانت مدّة مقامه بالمدينة إلى أن بنى المسجد وبيوته من شهر ربيع الأوّل إلى صفر من السنة القابلة.(٤)

ولمّا كان بعد سبعة أشهر من الهجرة نزل جبرئيل عليهصلى‌الله‌عليه‌وآله بقول:( اُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ بأَنَّهُم ظُلِمُوا ) (٥) الآية، وقلّد في عنق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله سيفاً. وفي رواية: لم يكن له غمد، وقال: حارب بهذا قومك حتى يقولوا لا إله إلا الله.

وروى أهل السير أنّ جميع ما غزا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بنفسه ستّ وعشرون غزاة، على هذا النسق: الأبواء، بواط(٦) العشيرة، بدر الاُولى، بدر

____________

١ - في المناقب: اللهم.

٢ - كذا في المناقب، وفي الأصل: يعمر.

٣ - في المناقب: الغيار. - بمعنى: الغيرة -، وكلاهما يناسب المقام. والحائد: المعرض والمائل عن الشيء.

٤ - مناقب ابن شهراشوب: ١ / ١٨٤ - ١٨٦، عنه البحار: ١٩ / ١٢٢ ح ٩.

٥ - سورة الحج: ٤٠.

٦ - بُواط: واد من أودية القبليّة ...، وهو جبلٌ من جبال جُهينة، بناحية رَضوى به غزاة للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله . « مراصد الاطّلاع: ١ / ٢٢٨ ».

الكبرى، السويق، ذي أمر، اُحد، نجران، بنو سليم، الأسد، بنو النضير، ذات الرقاع، بدر الاُخرى، دومة الجندل، الخندق، بنو قريظة، بنو لحيان، بنو قرد، بنو المصطلق، [ الحديبيّة، خيبر، الفتح، حنين، الطائف ](١) ، تبوك، بنو قينقاع. قاتل في تسع، وهي: بدر الكبرى، واُحد، والخندق، وبني قريظة(٢) ، وبني لحيان، وخيبر، والفتح، وحنين، والطائف.

و أمّا سراياه فستّ وثلاثون، لا نطوّل بذكرها.(٣)

وكان أمير المؤمنينعليه‌السلام قطب رحاها التي عليه تدور، وفارسها البطل المشهور، إلا تبوك، فإنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خلّفه على المدينة لانّه علم أنّه لا يكون فيها حرب، ولمّا لحق برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقال: يا رسول الله، خلّفتني مع النساء والصبيان، فردّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من اللحوق، وقال: يا عليّ، أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلا انّه لا نبيّ بعدي، انّ المدينة لا تصلح إلا بي أو بك(٤) ، فرجع صلوات الله عليه.

وكان المنافق يتخرّصون الاخبار، ويرجفون(٥) في المدينة، ويزوّدون

____________

١ - من المناقب.

٢ - زاد في المناقب: وبني المصطلق.

٣ - مناقب ابن شهراشوب: ١ / ١٨٦ و ٢١٢، عنه البحار: ١٩ / ١٧٢ ح ١٨.

٤ - انظر: مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ١٥ - ١٧، بحار الأنوار: ٣٧ / ٢٥٤ - ٢٨٩ ب ٥٣، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ٥ / ١٨٢ - ١٩٠ حيث يتبيّن من خلالها انّ حديث المنزلة من حيث الأسانيد هو من أقوى الأحاديث والروايات الاسلاميّة التي وردت في مؤلّفات جميع الفرق الاسلاميّة بلا استثناء، وانّ هذا الحديث يوضح لأهل الإنصاف من حيث الدلالة أفضليّة عليعليه‌السلام على الامّة جمعاء، وأيضاً خلافته المباشرة - وبلا فصل - بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

٥ - يتخرّصون: أي يفتعلون. ويرجفون: أي يخوضون في الأخبار السيّئة وذكر الفتن التي يكون معها اضطراب في الناس.

الأحاديث ليشوّشوا على ضعفاء المؤمنين، وكانوا كلّما ألقوا إلى المسلمين ما بيّنوه من الإفك والإرجاف أمرهم أمير المؤمنين بالصبر، وأعلمهم أنّ ذلك لا حقيقة له، إلى أن رجع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مؤيّداً منصوراً قد خضعت له رقاب المشركين، والتزموا الشرائط شرطها عليهمصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وكفى أمير المؤمنين فخراً ودلالة على فضله وتقديمه ما صدر منه في بدر واُحد وخيبر والخندق، فإنّ القتلى كانت سبعين، قتل صلوات الله عليه بيده الشريفة ثمانية وعشرين، وقيل: ستّة وثلاثين، وقتلت الملائكة والناس تمام العدد.

موعظة جليلة

فرّغ نفسك أيها المؤمن متفكّراً بعين بصيرتك، وأيقظ قلبك أيها المخلص ناظراً بعين باصرتك، أما كان الله سبحانه قادراً على صبّ سوط عذابه(١) على من آذى نبيّه؟ أما كان جلّ جلاله عالماً عن نصب حبائل غوائله، وناجر وليّه؟ أما كان في شدّة بطشه قوّة تزيل جبال تهامة عن مراكزها، وتنسفها نسفاً(٢) ؟ أما كان في عموم سلطانه قدرة أن يخسف الأرض بأهلها، أو يسقط السماء عليهم كِسَفاً(٣) ، لما ارتكبوا من خلاف نبيّهم ما ارتكبوا، واحتقبوا من كبائر الذنوب ما احتقبوا، واتّخذوا الأصنام آلهة من دون مبدعهم وخالقهم، واستقسموا بالأزلام عتوّاً على مالكهم ورازقهم، وجعلوا له البنات ولهم البنين بجائر قسمتهم،

__________________

١ - إقتباس من الآية: ١٣ من سورة الفجر.

٢ - إقتباس من الآية: ١٠٥ من سورة طه.

٣ - إقتباس من الآية: ٩٢ من سورة الإسراء.

وبحروا البحيرة، وسيّبوا السائبة(١) ببدعة جاهليّتهم؟ أما كان سبحانه قادراً حين آذوا الرسول وراموا قتله على مسخهم قردة خاسئين(٢) ؟ أكان عاجزاً لمّا أخرجوا نبيّهم أن ينزل عليهم ىية فتضلّ أعناقهم لها خاضعين(٣) ؟

بلى هو القادر الّذي لا يعجزه شيء في الأرض، ولا في الساء، القاهر فلا يفلت من قبضة سطوته من دنا أو نأى، الّذي لا يزيد في ملكه طاعة مطيع من عباده، ولا ينقص من سلطانه معصية متهتّك بعباده، لكنّه سبحانه أمهلهم بحلمه، وأحصاهم بعلمه، ولم يعاجلهم بنقمته، ولم يخلهم من رحمته، وفتح لهم أبواب الهدى إلى رضوانه، وحذّرهم سلوك سبيل الردى إلى عصيانه، وكلّفهم بالتكاليف الشاقّة من بعثتهم على طاعته، وحذّرهم من الأعمال الموبقة بنهيهم عن مخالفته، ونصب لهم أعلاماً يستدلّون بمنارهها من حيرة الضلالة في مدارج السلوك، ونجوماً يهتدون بأنوارها من مداحض الجهالة ومهالك الشكوك.

ولمّا كان سبحانه منزّهاً عن العرض والجسم، مقدّساً عن التركيب والقسم، لا تخطر صفته بفكر، ولا يدرك سبحانه ببصر، ولا تعدّه الأيّام، ولا تحدّه الأنام، قصرت الأفكار عن تبصرة كماله، وحارت الأنظار عن تحديد جلاله، وحسرت الأبصار عن مشاهدة جماله، وتاهت الأفهام في بيداء معرفته، وكلّت الأوهام عن تعيين صفته.

لم يخلق سبحانه خلقه عبثاً، ولم يتركهم هملاً بل أمرهم بالطاعة وندبهم إليها، وكلّفهم بالعبادة وأثابهم عليها، قال سبحانه:( وَمَا خَلَقتُ الجِنَّ وَالإنسَ إلَّا

__________________

١ - إقتباس من الآية: ١٠٣ من سورة المائدة.

٢ - إقتباس من الآية: ٦٥ من سورة البقرة، والآية: ١٦٦ من سورة الأعراف.

٣ - إقتباس من الآية: ٤ من سورة الشعراء.

لِيَعبُدُونِ مَا اُرِيدُ مِنهُم مِن رِزقٍ وَمَا اُرِيدُ أَن يُطعِمونِ ) (١) ، والعبث لا يليق بحكمته، والإغراء بالقبيح لا يحسن بصفته.

وجب في لطفه إعلامهم بما فيه صلاحهم في دنياهم واُخراهم، وفي عدله تعريفهم مبدأهم ومنتهاهم، وجعل لهم قدرة واختياراً، ولم يجبرهم على فعل الطاعة وترك المعصية اضطراراً، بل هداهم النجدين، وأوضح لهم السبيلين.

ولمّا كانت كدورات الطبيعة غالبة على نفوسهم، وظلمة الجهالة مانعة من تطهيرهم وتقديسهم، والنفس الأمّارة تقودهم إلى مداحض البوار، والشهوة الحيوانيّة تحثّهم على ارتكاب موبقات الأوزار، والوسواس الخنّاس قد استولى بوساوسه على صدورهم، وزيّن لهم بزخارفه مزالق غرورهم، فوجب في عدله وحكمته إقامة من يسوقهم بسوط لفظه إلى ما يقرّبهم نم حضيرة جلاله، ويزجرهم بصوت وعظه عمّا يوبق أحدهم في معاشه وماله، إذ أنفسهم منحطّة عن مراتب الكمال، غاوية في مسالك الوبال، منخرطة في سلك أنّ النفس لأمّارة بالسوء الا من رحم(٢) ، غارقة في لجّة الجهل الا من عصم، تقصر قواها عن تلقّي نفحات رحمته، وتضعف مراياها لعدم جلاها عن مقابلة أشعّة معرفته.

فأقام سبحانه لهم حججاً من أبناء نوعهم، ظاهرين في عالم الانسانيّة، باطنين في عالم الروحانيّة، فظواهرهم أشخاص بشريّة، وبواطنهم أملاك عوليّة، قد توّجهم سبحانه بتيجان الحكمة، وأفرغ عليهم حلل العصمة، وطهّرهم من الأدناس، ونزّههم عن الأرجاس، فشربوا من شراب حبّه(٣) أشغلهم به عمّن سواه، واطّلعوا على أسرار ملكوته فما في قلوبهم إلا إيّاه، لما انتشت نشاءة

__________________

١ - سورة الذاريات: ٥٦ و ٥٧.

٢ - إقتباس من الآية: ٥٣ من سورة يوسف.

٣ - كذا الصحيح، وفي الأصل: حبّهما.

نفوسهم من رحيق خطابه في عالم الذرّ، وسكنت هيبة عزّة جلاله شغاف قلوبهم حين أقرّ من أقرّ، وأنكر من أنكر، لم تزل العناية الأزليّة تنقلهم من الأصلاب الفاخرة إلى الأرحام الطاهرة، والألطاف الإلهيّة تمنحهم شرف الدنيا والآخرة.

جعلهم سبحانه السفراء بينه وبين عباده، والاُمناء على وحيه في سائر أنامه وبلاده، بشّرت الأنبياء الماضية بظهورهم، وأشرقت السماوات العالية بساطع نورهم، كتب أسماءهم على سرادقات عرشه المجيد، وأوجب فرض ولايتهم على عباده من قريب وبعيد، كلّفهم بحمل أعباء رسالته، وجعلهم أهلاً لأداء أمانته، يتلقّون بوجه باطنهم أنوار سبحات جمال عزّته، ويقابلون بظاهر ضياء محاسن بهجاتهم عباده فيهتدون بنورهم إلى نعيم جنّته،( عِبَادٌ مُكرَمُونَ لَا يَسبِقُونَهُ بالقَولِ وَهُم بِأَمرِهِ يَعمَلُونَ يَعلَمُ مَا بَينَ أَيدِيهِم وَمَا خَلفَهُم وَلَا يَشفَعُونَ إلَّا لِمَنِ ارتَضَى وَهُم مِن خَشيَتِهِ مُشفِقُونَ ) (١) .

أصلهم نبيّ تمّمت به النبوّة، وكملت به الفتوّة، وانتهت إليه الرئاسة العامّة، وخصّ من الله بالكلمة التامّة، وأيّده سبحانه بنصره في المواطن المشهورة، وأظهره بقهره على أعدائه في حروبه المذكورة، وشدّ أزره بوصيّه المرتضى، وشيّد ملّته بصفيّه المجتبى، صارم نقمته، وحامي حوزته، الّذي لم يخلق الله خلقاً أكمل منه من بعده ولا قبله، ولم يدرك مدرك شأوه(٢) ولا فضله، ولا أخلص مخلص لله إخلاصه، ولا جاهد مجاهد في الله جهاده من العامّة والخاصّة.

إن دارت حرب فهو قطب رحاها، أو توجّهت آمال فهو غاية رجاها، أو ذكر علم فهو مطلع شمسه، أو اشتهر فضل فهو قالب نفسه، باب علم مدينة

__________________

١ - سورة الأنبياء: ٢٦ - ٢٨.

٢ - الشَأوُ: الغاية، الأمد، السَبق.

المصطفى، وقاضي دَينه، ومنجز عداته، وقاضي دينه، طال بقوادم الشرف لمّا على بقدمه على الكتف.

ناداه البيت الحرام بلسان الحال، وناجاه الركن والمقام بمعاني المقال: يا صاحب النفس القدسيّة، ويا منبع الأسرار الخفيّة، ويا مطلع الأنوار الإلهيّة، ويا دفتر العلوم الربّانية، أما ترى ما حلّ بي من الأرجاس؟ أما تنظر ما اكتنفني من الأدناس؟ الأنصاب حولي منصوبة، والأزلام في عراصي مضروبة، والأصنام مرفوعة على عرشي، والأوثان محدّقة بفرشي، تنضح بالدماء جدراني، وتستلم الأشقياء أركاني، ويعبد الشيطان في ساحتي، ويسجد لغير الرحمن حول بَنيّتي.

فالغوث الغوث يا صاحب الشدّة والقوّة، والعون العون يا رب النجدة والفتوة، خذ بمجامع الشرف بخلاصي واستنقاذي، وفز بالمعلّا من سهامه فيك معاذي وملاذي.

ولمّا شاهد ربّ الرسالة العامّة تضرّعها بوصيّه، وعاين صاحب الدعوة التامّة تشفّعها بوليّه، ناداه بلسان الاخلاص في طاعة معبوده، وأنهضه بيد القوّة القاهرة لاستيفاء حدوده، وفتح له إلى سبيل طاعة ربّه منهاجاً، وجعل كتفه الشريفة بأمر ذي المعارج لأخمصه(١) معراجاً، وأمره بتسنّم(٢) ذروة بيت ربّه، وتنزيهه عن الرجس من الأوثان بقالبه وقلبه، وتكسير صحيح جمعها بيد سطوته، وإلقاء هبلها عن ظهره بشدّة عزمته.

روي بحذف الأسناد عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: دخلنا مكّة

__________________

١ - الأخمص: باطنُ القَدَم وما رقّ من أشفلها وتجافى عن الأرض ؛ وقيل: الأخمَصُ خَصرُ القدم. « لسان العرب: ٧ / ٣٠ - خمص - ».

٢ - سَنَّم الشيء وتَسَنّمه: علاه. « لسان العرب: ١٢ / ٣٠٦ - سنم - ».

يوم الفتح مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في البيت وحوله ثلاثمائة وستّون صنماً، فأمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فاُلقيت جميعها على وجوهها، وأمر بإخراجها، وكان على البيت صنم - لقريش - طويل يقاله له « هبل »، وكان من نحاس على صورة رجل موتّد بأوتادٍ من حديد إلى الأرض في حائط الكعبة.

قال أمير المؤمنين: فقال لي رسول الله: اجلس، فجلست إلى جانب الكعبة، ثمّ صعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على منكبي، ثمّ قال لي: انهض بي، فنهضت به، فلمّا رأى ضعفي عنه، قال: اجلس، فجلست وأنزلته عنّي، فقال: قم - يا علي - على عاتقي حتى أرفعك، فأعطيته ثوبي، فوضعه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على عاتقه، ثمّ رفعني حتى وضعني على ظهر الكعبة، وكان طول الكعبة أربعين ذراعاً، فو الّذي فلق الحبّة، وبرأ النسمة، لو أردت أن أمسك السماء بيدي لمسكتها.

و روي أنّه صلوات الله عليه لمّا عالج قلعه اهتزّت الكعبة من شدّة معالجته، فكسره وألقاه من فوق الكعبة إلى الأرض، ثم نادى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : انزل، فوثب من أعلى الكعبة كأنّ له جناحين.(١)

وقيل: إنّه صلوات الله عليه تعلّق بالميزاب، ثمّ أرسل نفسه إلى الأرض، فلمّا سقط صلوات الله عليه ضحك، فقال النبي: ما يضحكك يا علي، أضحك الله سنّك؟

قال: ضحكت - يا رسول الله - متعجّباً من انّي رميت بنفسي من فوق البيت إلى الأرض فما تألّمت، ولا أصابني وجع!

____________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ١٣٥ - ١٣٦، وفيه عن جابر بن عبد الله ؛ وعن أبي مريم، عن أمير المؤمنين عليعليه‌السلام ؛ وعن ابن عبّاس.

فقال: كيف تتألّم يا أبا الحسن أو يصيبك وجع؟! إنّما رفعك محمد، وأنزلك جبرئيل.(١)

وروي أنّ عمر تمنّى على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يكسره، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ الذي عبده لا يكسره.

ولمّا صعد أبو بكر المنبر في بدء أمره نزل عن مقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مرقاة، فلمّا صعد عمر نزل عن مقام أبي بكر مرقاة، فلمّا صعد عثمان نزل عن مقام عمر مرقاة، فلمّا تولّى أمير المؤمنين صلوات الله عليه صعد إلى مقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فسمع من الناس ضوضاء، فقال: ما هذا الذي أسمع؟

قالوا: لصعودك إلى مقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الذي لم يصعد إليه مَن تقدّمك.

فقالعليه‌السلام : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: من قام مقامي ولم يعمل بعملي أكبّه الله في النار، وأنا والله العامل بعمله، الممتثل قوله، الحاكم بحكمه، فلذلك قمت هنا.

ثمّ ذكر في خطبته، فقال: معاشر الناس، قمت مقام أخي وابن عمّي لأنّه أعلمني بسرّي وما يكون منّي، فكأنّه صلوات الله عليه قال: أنا الّذي وضعت قدمي على خاتم النبوة، فما هذه الأعواد؟ أنا من محمد ومحمد منّي.

وقال صلوات الله عليه في خطبته(٢) : أنا كسرت الأصنام، أنا رفعت

__________________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ١٤١.

وانظر الغدير: ٧ / ١٢.

٢ - في المناقب: خطبة الافتخار.

الأعلام، أنا ثبّتّ الاسلام.

[ قال ابن نباتة: حتّى شدّ به أطناب الاسلام، وهدّ به أحزاب الأصنام، فأصبح الايمان فاشياً بأقياله، والبهتان متلاشياً بصياله ](١) ، ولمقام إبراهيم شرف على كل حجر لكونه مقاما لقدم إبراهيم، فيجب أن يكون قدم عليّ أشرف من رؤوس أعدائه لأن مقامه كتف النبوّة، والغالية والمشبّهة من المجبّرة يقولون أكثر من هذا.(٢)

حتى روت المجبّرة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: لمّا بلغت سدرة المنتهى ليلة المعراج وضع الجليل سبحانه يده على كتفي فأحسست ببردها على كبدي.(٣)

وقيل في ذلك شعراً:

قيل لي قل في عليّ المرتضى

مـدحاً يطفىء(٤) ناراً موقده

قلت لا يبلغ مـدحي(٥) رجلاً

حار ذو الجهل إلى أن عبده

وعـليّ واضــع أقـدامـه

فـي مقام(٦) وضع الله يده(٧)

وقيل أيضاً:

__________________

١ - من المناقب.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ١٣٥ - ١٣٦.

٣ - أورد مثل هذا الشهرستاني في الملل والنحل: ١ / ٩٧ في « مشبهة الحشويّة » بهذا اللفظ: حتى وجدت برد أنامله على كتفي.

٤ - في المناقب: كلمات تطفىء.

٥ - في المناقب: قولي.

٦ - في المناقب: وعليّ واضعاً رجلاً له بمكان.

٧ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ١٣٧ ناسباً الأبيات إلى أبي نؤاس.

وانظر الغدير: ٧ / ١٢.

قالوا مدحت عليّ الطهر قلت لهم

كلّ امتداح جميع الأرض معناه

مـاذا أقـول بـمن حطّت له قدم

في موضع وضع الرحمن يمناه(١)

فيا من يتصدّى سواه للامامة، ويدوك(٢) للزعامة، ويضعف سباله، ويرجل قذاله، وينتقص كمال الكامل، وينكر فضل الفاضل، ويكاثر بكثرة الأتباع، ويفاخر بالهمج الرعاع، يسبه الظمآن ماءً، حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً، ويظنّه الجاهل إماماً وقد ضرب الحمق على هامته من الجهل، ظلّاً وفيئاً، يدير لسانه في لهواته إذا سئل، ويجمد ريقه في بلعومه إذا جودل، يظنّ أنّه الفاصل الأعلم، وهو أجهل من البازل الأعلم، ويعذر انّه علم السنّة، وهو أضلّ الحقّ والسنة.

تنحّ عن رتبة وليّ الحق في الخلق، وميزان القسط والصدق، لفظه جلاء القلوب، ووعظه شفاء الكروب، ومعلّمه رب العالمين، ومؤدّبه سيد المرسلين، ينصب له كل يوم علماً من علمه، ويفتح له باباً م حِكَمِهِ وحُكمِهِ، يتّبعه اتّباع الفصيل أثر اُمّه، ويلازمه ملازمة شعاره(٣) لجسمه.

ويك اربع على ضلعك، وتفكّر في أصلك وفرعك، وطالع مراءة عقلك بعين الانصاف، واحذر ارتكاب طريقة الوقاحة والاعتساف، أليست اُمّك صهاك؟ أليس الخطّاب أباك؟ ألست جاحد النصوص على أهل الخصوص؟ ألست منكّس الراية يوم القموص؟ أما في حنين وأوطاس كنت أوّل المدبرين

__________________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ١٣٧. وفيه « لمن » بدل « بمن ».

٢ - في حديث خيبر: أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: لاُعطينّ الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه، فبات الناس يَدوكون تلك الليلة فيمن يدفعها اليه، قوله: يَدوكون أي يخوضون ويموجون ويختلفون فيه. والدَّوك: الاختلاط. وقع القوم في دَوكَةٍ ودوُكة وبوح أي وقعوا في اختلاط من أمرهم وخصومة وشرّ. « لسان العرب: ١٠ / ٤١٠ - دوك - ».

٣ - الشِّعار: ما ولي شَعَرَ جسد الإنسان دون ما سواه من الثياب وفي المثل: هم الشِعار دون الدِثار، يصفهم بالمودّة والقرب. « لسان العرب: ٤ / ٤١٢ - شعر - ».

من الناس؟ أأنت قاتل عمرو ومفرّق جموعه؟ أأنت المتصدّق بخاتمه في ركوعه؟ أرضيك الرسول دون الخلق صهراً؟ أم أوردك في الغدير من غدير الشرف ورداً وصدراً؟

ويحك قف عند حدّك، ولا تفاخر بأبيك وجدّك، ولا تجار فرسان المجد فتضلّ في الحلبة طريحاً، ولا تساجل(١) أبطال الفخر فتصبح بسيوف الفضيحة طليحاً.

يا مغرور غرّتك دار الغرور، يا مثبور(٢) وفتنتك ببطشها المشهور، وزيّنت لك سوء عملك فرأيته حسناً، فغادرتك بموبقات سيّئاتك مرتهناً، وعن قليل يسفر الصباح، ويرى المبدع في دين الله ما حضر وأباح، ويكشف الجليل لك عن وجه غفلتك حجاباً، ويقوم الروح والملائكة صفّاً لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً(٣) ، ويقف سيد المرسلين، ووصيه سيد الوصيّين، وابنته سيّدة نساء العالمين، ثم يؤتى بك موثوقاً بأغلالك، مرتهناً بأعمالك، يتبرّأ منك أتباعك، ويلعنك أشياعك، وملائكة العذاب تدعك إلى النار دعّاً، والزبانية تسفعك بعذبات العذاب سفعاً.

فعندها يجثو سيد المرسلين للخصومة، ويقف وصيّة المظلوم وابنته وينادى عليك باسمك، ويظهر للناس بعض حدّك ورسمك، وينظر في ديوان حسابك، وتتهيّأ ملائكة العذاب لأخذك وعذابك، ويقال لك على رؤوس الأشهاد ومجمع العباد: يا قاطعاً رحم نبيّه، يا جاحداً فضل وليّه، يا منكراً نصّ الغدير، يا ظالماً أهل آية التطهير، ألست القائل: إنّ نبيّكم ليهجر، وقد قال الله في

__________________

١ - ساجَلَ الرَّجُلَ: باراه والمساجَلة: المفاخرة. « لسان العرب: ١١ / ٣٢٦ - سجل - ».

٢ - المثبور: المغلوب، الملعون، المطرود، المعذّب، المحبوس.

٣ - إقتباس من الآية: ٣٨ من سورة النبأ.

شأنه:( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى ) (١) ؟ ألست الزاعم أنّه غوى في حبّ وصيّه، والله يقول:( مَا ضَلَّ صَاحِبُكمُ وَمَا غَوَى ) (٢) ؟ ألست المسند إلى رسول « ما تركناه صدقة »(٣) ؟

فلعن الله الحديث ومتخرّصه ومصدّقه، أما كان جزاء من أكلت الدنيا بسلطانه ترك فدك لذرّيّته؟ أما كان في شرع المروّة التغافل عن بقعة من الأرض ذات الطول والعرض لعترته؟ هنالك تصحو من خمار خمرتك، وتفيق من غمار غمرتك، ويحقّ الحقّ، ويأتي النداء من قبل الحق:( خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلسِلَةٍ ذَرعُهَا سَبعُونَ ذِرَاعاً فَاسلُكُوهُ إنَّهُ كَانَ لَا يُؤمِنُ بِاللهِ العَظِيمِ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ المِسكِينِ فَلَيسَ لَهُ اليَومَ هَا هُنَا حَمِيمٌ وَلَا طَعَامٌ إلَّا مِن غِسلِينٍ ) (٤) فتجرّ مصفّداً، وتسحب مقيّداً، وتلقى في الجحيم مركوساً، وتقذف في الحميم منكوساً، في شرّ سجن قعرها هاوية، وسجنتها زبانية، وما أدراك ما هي نار حامية.(٥)

ر وي أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام خطب فقال: ما لنا وقريش، وما تنكر منّا قريش غير أنّا أهل بيت شيّد الله فوق بنيانهم بنياننا، وأعلى فوق رؤوسهم رؤوسنا، واختارنا الله عليهم، فنقموا عليه أن اختارنا عليهم،

____________

١ - سورة النجم: ٣.

٢ - سورة النجم: ٢.

٣ - انظر: طبقات ابن سعد: ٨ / ٢٨، صحيح البخاري: ٤ / ٩٦ - ٩٨، وج ٥ / ٢٥ وص ١١٤ - ١١٥ وص ١٧٧، وج ٧ / ٨٢، وج ٨ / ١٨٥، وج ٩ / ١٢٢، صحيح مسلم: ٣ / ١٣٨٠ ح ١٧٥٩، الملل والنحل: ١ / ٣١.

٤ - سورة الحاقّة: ٣٠ - ٣٦.

٥ - إقتباس من الآية: ١٠ و ١١ من سورة القارعة.

[ وسخطوا ما رضي الله، وأحبّوا ما كره الله، فلمّا اختارنا عليهم ](١) شركناهم في حريمنا، وعرّفناهم الكتاب والسنّة، وعلّمناهم الفرائض والسنن، وحفظناهم الصدق والدين(٢) ، فوثبوا علينا، وجحدوا فضلنا، ومنعونا حقّنا، والتوونا أسباب أعمالنا.

اللهم فإنّي أستعديك على قريش، فخذ لي بحقّي منها، ولا تدع مظلمتي لها، وطالبهم - يا ربّ - بحقّي فإنّك الحكيم(٣) العدل، فإنّ قريشاً صغّرت قدري، واستحلّت المحارم منّي، واستخفّت بعرضي وعشيرتي، وقهرتني على ميراثي من ابن عمّي، وأغروا بي أعدائي، ووتروا بيني وبين العرب(٤) ، وسلبوني ما مهّدت لنفسي من لدن صباي بجهدي وكدّي، ومنعوني ما خلّفه أخي وحميمي وشقيقي(٥) ، وقالوا إنّك لحريص متّهم.

أليس بنا اهتدوا من متاه الكفر، ومن عمى الضلالة، وغيّ الظلماء؟ أليس أنقذتهم من الفتنة الصمّاء العمياء(٦) ؟ ويلهم ألم اُخلّصهم من نيران الطغاة(٧) ، وسيوف البغاة، ووطأ الاُسد، ومقارعة الطماطمة(٨) ، ومجادلة القماقمة الّذين

__________________

١ - من المناقب.

٢ - في المناقب: اللين، وديّنّاهم الدين والاسلام.

٣ - في المناقب: الحكم.

٤ - في المناقب: العرب والعجم.

٥ - كذا في المناقب، وفي الأصل: وجسمي وشفيقي.

٦ - في المناقب: الفتنة الظلماء والمحنة العمياء.

٧ - زاد في المناقب: وكره العتاة.

٨ - في المناقب: الصماء.

طَميم الناس: أخلاطهم وكثرتهم. والطَّمْطَمَةُ: العُجمة. والطماطِم: هو الأعجم الذي لا يُفصِح. « لسان العرب: ١٢ / ٣٧١ - طمم - ».

كانوا عجم العرب، وغنم الحرب(١) ، وقطب الأقدام، وحبال(٢) القتال، وسهام الخطوب، وسلّ السيوف؟ أليس بي تسنّموا(٣) الشرف، ونالوا لاحق والنصف؟ ألست آية نبوّة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ودليل رسالته، وعلامة رضاه، وسخطه الّذي يقطع بي الدرع الدلاص، ويصطلم(٤) الرجال الحراص، وبي كان يبري جماجم البهم(٥) وهام الأبطال إلى أن فزعت تيم إلى الفرار، وعديّ إلى الانتكاص.(٦)

ألا وإنّي لو أسلمت قريشاً للمنايا والحتوف وتركتها لحصدتها سيوف الغواة، ووطأتها الأعاجم، وكرّات الأعادي، وحملات الأعالي، وطحنتهم سنابك الصافنات(٧) ، وحوافر الصاهلات، في مواقف الأزل والهزل(٨) ، في طلاب الأعنّة، وبريق الأسنّة، ما بقوا لهظمي، ولا عاشوا لظلمي، ولما قالوا: إنّك لحريص [ متّهم ](٩) .

ثم قال بعد بكلام:

__________________

١ - أي الذين يطلبون غنائمها.

٢ - في المناقب: جبال.

٣ - تسنّم الشيء: علاه وارتفع به.

٤ - الدلاص: الليّن البرّاق الأملس. واصطلم: استأصل وأباد.

٥ - كذا في المناقب، وفي الأصل: الهمم.

والبهم: جمع بهمة: الفارس الذي لا يبالي في الحرب من شدّة بأسه.

٦ - كذا في المناقب، وفي الأصل: إلى أن قرعت بهم إلى الفرار، وعديّ إلى الانتقاص.

٧ - السنابك: أطراف الحوافر. والصافنات: جمع الصافن: وهو الفرس القائم على ثلاث قوائم، وطرف الحافر الرابعة. « المعجم الوسيط: ١ / ٤٥٣ و ٥١٧ ».

٨ - كذا في المناقب، وفي الأصل: والقول.

والأزل: شدّة الزمان، وضيق العيش. والهزل: الضعف، والهذيان واسترخاء الكلام.

٩ - من المناقب. وفي الأصل عبارة « ما بقوا » فيها تصحيف.

ألا وإنّي فتحت الاسلام، ونصرت الدين، وعزّزت الرسول، وثبّتّ(١) أعلامه، وأعليت مناره، وأعلنت أسراره، وأظهرت أثره وحاله، وصفيت الدولة، ووطأت الماشي(٢) والراكب، ثمّ قدتها صافية على أنّي بها مستأثر.

[ ثم قال بعد كلام: ](٣)

سبقني إليها التيمي والعدوي كسباق الفرس احتيالاً واغتيالاً وخدعة وغيلة.

ثم قال بعد كلامه:

يا معشر المهاجرين والأنصار، أين كانت سبقة تيم وعديّ إلى سقيفة بني ساعدة خوف الفتنة [ ألا كانت ](٤) يوم الأبواء، إذ تكافت الصفوف، وتكانفت الحتوف(٥) ، وتقارعت السيوف؟ أم هلا خشيا فتنة الإسلام يوم ابن عبد ودّ إذ شمخ بأنفه، وطمح ببصره؟

ولِمَ [ لم ](٦) يشفقا على الدين وأهله يوم بواط إذ اسودّ الاُفق، واعوجّ عظم العنق(٧) ؟

ولِمَ لم يشفقا يوم رضوى إذ السهام تطير، والمنايا تسير، والاُسد تزأر؟

وهلا بادرا يوم العشيرة إذ الأسنان [ تصطكّ، والآذان ](٨) تستك، والدروع تهتك؟

__________________

١ - في المناقب: وبنيت.

٢ - كذا في المناقب، وفي الأصل: للماضي.

٣ و ٤ و ٦ و ٨ - من المناقب.

٥ - في المناقب: إذ تكاثفت الصفوف، وتكاثرت الحتوف.

٧ - زاد في المناقب: وانحلّ سيل الغرق.

وهلا كانت مبادرتهما يوم بدر إذ الأرواح في الصعداء ترتقي، والجياد بالصناديد ترتدي، والأرض من دماء الأبطال ترتوي؟

ولِمَ لم يشفقا على الدين يوم بدر الثانية، والدعاس ترعب، والأوداج تشخب، والصدور تخضب؟

وهلا بادرا ذات الليوث(١) وقد أمجّ التولب(٢) ، واصطلم الشوقب، وادلّهم(٣) الكوكب.

[ ولم لا كانت شفقتهما على الاسلام يوكد الأكدر ](٤) ، والعين تدمع، والمنيّة تلمع، والصفائح تنزع.

ثم عدّد وقائع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثم قال: فإنّهما كانا في النظارة.

ثمّ قال: فما هذه الدهماء والدهياء التي وردت علينا(٥) من قريش؟ أنا صاحب هذه المشاهد، وأبو هذه المواقف، وابن هذه الأفعال الحميدة - إلى الآخر الخطبة -.

ومن جملة قصيدة للناشئ رحمة الله عليه:

فلِمَ لم يثـوروا(٦) ببدرٍ وقد

تبلت من القوم إذ بارزوكا؟

ولِمَ عرّدوا إذ شجيت العدى

بمهراس اُحد وقد(٧) نازلوكا؟

____________

١ - أي غزوة حنين.

٢ - أمجّ: جَرى جَرياً شديداً. والتولب: ولد الأتان من الحمار الوحشي إذا استكمل الحول.

٣ - الشوقب: الطويل من الرجال، النعام، الإبل. وادلّهم: اشتدّ ظلامه.

٤ - من المناقب: وفيه « والعيون » بدل « والعين ».

٥ - كذا في المناقب، ,في الأصل: عليها.

٦ - كذا في المناقب، وفي الأصل: تثور. والتبل: الثأر.

٧ - في المناقب: ولِمَ؟

وعرد: هرب. والمهراس: صخرة منقورة تسع كثيراً من الماء، وقد يعمل منه حياض للماء، وهو هنا اسم ما باُحد.

ولِمَ أجمحوا يوم سلعٍ(١) وقد

ثبتّ لـعمـرو ولِمَ أسـلموكا؟

ولِمَ يوم خيبـر لـم يثـبتوا

بـرايـة(٢) أحمد واستركبوكا؟

فلاقيت مرحباً والعنـكبوت

واسـداً يحـامـون إذ واجهوكا

فدكدكت حصـنهم قــاهراً

وطوّحت بالبـاب إذ حاجـزوكا

ولَم يحضروا بحـنين وقـد

صككت بنفسك جيـشاً صـكوكا

فأنت المقدّم فـي كـلّ ذلك

فلـلّه درّك لِـمَ أخّـــروكـا؟

ومن نهج البلاغة:

اللهم إنّي أستعديك على قريش، فإنّهم [ قد ](٣) قطعوا رحمي، وكفروا آياتي(٤) ، وأجمعوا على منازعتي حقّاً كنت أولى به من غيري، وقالوا: ألا [ إنّ ](٥) في الحق أن تأخذه، وفي الحقّ [ أن ](٦) تُمنعه، فاصبر مغموماً، أو مُت متأسّفاً، فنظرت فإذا ليس لي رافد، ولا ذابّ(٧) ولا مساعد، إلا أهل بيتي، فَضَننتُ(٨) بهم عن المنيّة، فأغضيت على القذى(٩) ، وجرعت ريقي على الشَجا(١٠) ، وصبرت على الأذى، ووطّنت(١١) نفسي على كظم الغيظ، وما هو أمرّ

__________________

١ - الجمح: استعمل بمعنى إدامة النظر مع فتح العين. وسلع: موضع بقرب المدينة.

٢ - في المناقب: صحابة.

٣ و ٥ و ٦ - من النهج والمناقب.

٤ - في النهج: وأكفَؤوا إنائي. وهنا كناية عن تضييع الحقّ.

٧ - الرافد: المعين. والذابّ: المدافع.

٨ - أي بخلتُ.

٩ - القذى: ما يقع في العين، ومرادهعليه‌السلام : غضضت الطرف عنه.

١٠ - الشجا: ما اعترض في الحلق من عظم ونحوه، يريد به غصّة الحزن.

١١ - في المناقب: وطبت وحر. وفي النهج: وصبرتُ من كظم الغيظ على أمرّ من العَلقم، وآلمَ للقلب من وَخزِ الشّفار.

من العلقم، وآلم من حزّ الشفار.

وكذلك قوله صلوات الله عليه في خطبته الشقشقيّة: أما والله لقد تقمّصها(١) ابن أبي قحافة - إلى آخرها -.(٢)

إذا تقرّر هذا فاعلم - أيها المؤمن - [ أنّ ](٣) الدنيا لم تزل مصائبها مولعة بالأنبياء والمرسلين، ومطالبها عسرة على الأولياء الصالحين، وأبناءها لم تزل ترمي بسهام حسدها من شيّد الله بالتقوى بنيانه، وشدّ بالاخلاص أركانه، وأعلى بالطاعة مجده، وأسعد بالجدّ جدّه، يحسد دنيّهم شريفهم، ويظلم قويّهم ضعيفهم، فتفكّروا في رأس أبنائها، وأساس زعمائها، أوّل كل حاسد، وأصل كلّ مارد، أعني الشيطان المغوي، والفتّان المردي، كيف افتخر بعنصره النوراني، وأصله النيرانيّ، ورمى صفيّ الله المجتبى عن قوس غروره، وأصمى منه المعابل بنبال فجوره، وأخرجه وروحه من الجنّة ينزع عنهما لباسهما، ويبدي لهما سوآتهما، فلعنه الله بما أبدى من حسده، وأبان عن سوء معتقده، وأخرجه من نعيم جنّته، وقلّدته بشوقته طوق لعنته، فطلب النظرة منه سبحانه إلى يوم الدين، فقال:( أنظِرنِي إِلَى يَومِ يُبعَثُونَ ) (٤) فقال سبحانه:( إنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ ) (٥) فقال:( فَبِعِزَّتِكَ لَاغوِيَنَّهُم أجمَعِينَ إلَّا عِبَادَكَ مِنهُمُ المُخلَصِينَ ) (٦) .

ثمّ ينظره سبحانه كرامة به عليه ولم يمهله لمنفعة واصلة منه إليه، ولكن

__________________

والعلقم: الحنظل. والشِفار: جمع شفرة: حدّ السيف ونحوه.

١ - أي لبسها كالقميص.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٢٠١ - ٢٠٤، نهج البلاغة: ٣٣٦ خطبة ٢١٧ وص ٤٨ خطبة ٣.

٣ - أثبتناه لضرورة السياق.

٤ و ٥ - سورة الأعراف: ١٤ و ١٥. وانظر الآيتين: ٧٩ و ٨٠ من سورة ص.

٦ - سورة ص: ٨٢ و ٨٣.

أراد سبحانه ليبلو عباده أيّهم أشدّ مخالفة لأمره، وحذراً من زروه ومكره، وتباعداً من موبقات زخارفه، وفراراً من موديات مواقفه، فصدق اللعين عليهم ظنّه، زيّن لهم ما فرض عليهم وسنّه، فاتّبعوه إلا فريقاً من المؤمنين، وعبدوه إلا قليلاً من المخلصين، واتّخذوه ربّاً دون خالقهم، وابتغوا عنده الرزق دون رازقهم، ونصروا أولياءه، وقهروا أعداءه، وذهبوا بهم كلّ مذهب، وسدّوا عليهم كلّ مطلب، واتّخذوا الأوثان أرباباً، والأصنام أنصاباً، وقتلوا النبيّين، وفتنوا المؤمنين.

فهم أبناؤه المخلصون في طاعته، والمناصحون في متابعته، زيّن لهم دينه، فاتّبعوا قوله وفعله، وموّه لهم سبيله، فاتّخذوه وجهة وقبلةً، وبحروا له البحيرة، وسيّبوا السايبة، ووصلوا الوصيلة بأحلامهم العازبة، فالصبور الشكور نوح، والخليل والكليم والروح، كم نصبت أسلافهم لهم العداوة والبغضاء، وأغرت أخلاقهم بهم السفهاء؟ حتى نادى نوح: ربّ( أنّي مَغلُوبٌ فَانتَصِر ) (١) ، واُلقي الخليل في نار ضرامها يستعر، وفرّ الكليم من الظالم الأشر، وابن مريم لولا انّ الله تعالى رفعه إلى سمائه لأحلّوا به الشيء النكر.

ثمّ لم يزل الأشرار من أشياعه، والفجّار من أتباعه، والأرجاس من ذرّيّته، والأوغاد من حفدته، ترفع بالأنبياء(٢) أوصياءهم، وتقصد بالأذى المخلصين من أوليائهم، إلى أن انتهت النوبة إلى سيّد المرسلين، وخاتم النبيّين، فنصبوا له غوائلهم، وفوّقوا نحوه معابلهم، حتى قتلوا في بدر واُحد أهله، وراموا بجدّهم وجمعهم قتله، وأخرجوه عن عقر داره، وطردوه عن محلّ قراره، وحزّبوا أحزابهم على حربه، وركبوا الصعب والذلول في طلبه، وضربوا بطون

__________________

١ - سورة القمر: ١٠.

٢ - كذا في الأصل.

دواخلهم لمتاجرته، وأغروا سفهاءهم وجهّالهم بمحاورته.

ولم يزل الله الله سبحانه مؤيّداً له بنصره، مشيّداً بنيانه بأخيه وصهره، قاصماً فقرات ظهور اُولي النفاق بمشهور فقاره، قامعاً هامات ذوي الشقاق بمشحوذ غراره، مظهراً دين الاسلام بشدّة عزمته، مدمّراً حزب الشيطان بعالي همّته، حتى أعلى الله بسيفه كلمة الاسلام وشيّدها، وأيّد ملّة الإيمان وأيّدها، وفلّ جنود الطغيان وفرّقها، وأذلّ جموع العدوان ومزّقها، وقتل من قريش أبطالها وطواغيتها، وألقى عن البيت الحرام أنصابها وجوابيتها.

ولمّا علم الله أنّه لا مزيد على تعنّيه وإخلاصه، ولا أقرب إلى الرسول من قرباه واختصاصه، توّجه بتاج العصمة والزعامة، وجعل الامامة فيه وفي نسله إلى يوم القيامة.

ولمّا أكمل الله دين الحقّ وأظهره، ونصب علم العدل ويسّره، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وسلكوا إلى سبيل رضوان الله منهاجاً، أراد الله أن ينقل نبيّه من داره الفانية إلى داره الباقية، وأن يتحفه بالحياة الدائمة في الجنّة عالية، أنزل عليه بعد أن فتح حصون الشرك ودمّرها، وأعلى كلمة الحق وأظهرها، ونسف جبال الشرك وجعلها سراباً، وفتح لأهل الحقّ إلى عرفان جلاله أبواباً، وصيّر لهم باتّباع نبيّه ووليّه إلى رضوانه مآباً( إذَا جَاءَ نَصرُ اللهِ وَالفَتحُ وَرَأيتَ النَّاسَ يَدخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أفوَاجاً فَسَبِّح بِحَمدِ رَبِّكَ وَاستَغفِرهُ إنَّهُ كَانَ تَوَّاباً ) (١) .

قال المفسّرون: لمّا نزلت هذه الآية( إنَّكَ مَيِّتٌ وَإنَّهُم مَيِّتُونَ ) (٢) قال

__________________

١ - سورة النصر: ١ - ٣.

٢ - سورة الزمر: ٣٠.

ر سول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ليتني أعلم متى يكون ذلك، فأنزل الله سبحانه سورة النصر، فكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يسكت بين التكبير والقراءة بعد نزول هذه السورة، فيقول: سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب اليه.

فقيل: يا رسول الله، لم تكن تقوله قبل هذا! [ فقال ](١) : أما إنّ نفسي نعيت إليّ، ثمّ بكى بكاء شديداً. فقيل: يا رسول الله، أو تبكي من الموت وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟!

قال: فأين هول المطّلع؟ وأين ضيق القبر، وظلمة اللحد؟ وأين القيامة والأهوال؟

فعاشصلى‌الله‌عليه‌وآله بعد نزولها عاماً تامّاً.

ثمّ نزلت( لَقَد جَاءَكُم رَسُولٌ مِن أنفُسِكُم ) (٢) الآية إلى آخر السورة، وهذه السورة آخر سورة كاملة نزلت من القرآن، فعاشصلى‌الله‌عليه‌وآله بعدها ستّة أشهر، ثمّ لمّا مضىصلى‌الله‌عليه‌وآله في حجّة الوداع نزلت عليه في الطريق( يَستَفتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفتِيكُم فِي الكَلَالَةِ ) (٣) إلى آخرها، فسمّيت آية الصيف.(٤)

ثمّ لمّا أتمّ صلوات الله عليه وآله مناسكه نزل عليه( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغ مَا اُنزِلَ إلَيكَ مِن رَبِّكَ وإن لَم تَفعَل فَمَا بَلَّغتَ رِسَالَتَهُ ) (٥) .

____________

١ - من المناقب.

٢ - سورة التوبة: ١٢٨.

٣ - سورة النساء: ١٧٦.

٤ - مناقب ابن شهراشوب: ١ / ٢٣٤، عنه البحار: ٢٢ / ٤٧١ ح ٢٠.

٥ - سورة المائدة: ٦٧.

ر وى العيّاشي(١) بإسناده عن ابن أبي عمير، عن ابن اُذينة، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس وجابر بن عبد الله قالا: أمر الله محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله أن ينصب عليّاًعليه‌السلام للناس فيخبرهم بولايته، فتخوّف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يقولوا حابى ابن عمّه، وأن يطعنوا في ذلك عليه، فأنزل الله هذه الآية، فقام صلوات الله عليه وآله بولايته يوم غدير خم.

وروى هذا الخبر أيضاً الحاكم ابو القاسم الحسكاني بإسناده عن ابن أبي عمير إلى آخره في كتاب شواهد التنزيل لقواعد التفضيل(٢) ، وفيه أيضاً(٣) قال: لمّا نزلت هذه الآية أخذ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بيد عليّعليه‌السلام ورفعها، وقال: من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه.

وقد أورد هذا الخبر أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي في تفسيره.(٤)

و [ قد ](٥) اشتهرت الروايات عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهما‌السلام انّ الله اوحى إلى نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يستخلف عليّاًعليه‌السلام ، فكان يخاف أن يشقّ ذلك على جماعة من أصحابه، فأنزل الله تعالى(٦) هذه الآية

____________

١ - تفسير العيّاشي: ١ / ٣٣١ ح ١٥٢، عنه البحار: ٣٧ / ١٣٩ ح ٣١، وتفسير البرهان: ١ / ٤٨٩ ح ٤، وعوالم العلوم: ١٥ / ٣ / ٥٠ ح ١٦ « حديث الغدير ».

٢ - شواهد التنزيل: ١ / ٢٥٥ ح ٢٤٩.

٣ - شواهد التنزيل: ١ / ٢٥١ ح ٢٤٥ وص ٢٥٢ ح ٢٤٧.

٤ - الكشف والبيان للثعلبي: ٧٨ ( مخطوط )، عنه كشف المهمّ: ١٠٧ ح ٢٠ وص ١٠٨ ح ٢٢، والغدير: ١ / ٢١٧ وص ٢٧٤.

٥ - من المجمع.

٦ - لفظ الجلالة من المجمع.

تشجيعاً له على القيام بما أمره الله(١) بأدائه.(٢)

الباقر والصادقعليهما‌السلام : لمّا نزلت هذه الآية وهي( اليَومَ أكمَلتُ لَكُم دِينَكُم وَأتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتِي ) (٣) إلى آخرها قال يهوديّ لابن عبّاس(٤) : لو كان هذا اليوم فينا لاتّخذناه عيداً.

فقال ابن عبّاس: وأيّ يوم أكمل من هذا اليوم(٥) ؟(٦)

وساُورد خطبة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في أثناء هذا الفصل عند ذكر خطبتي، فإنّي بنيتها على خطبة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وجاء في تفسير قوله تعالى:( فَأَوحَى إلَى عَبدِهِ مَا أوحَى ) (٧) ليلة المعراج في علي، فلمّا دخل وقته أوحى الله: بلّغ ما اُنزل إليك من ربّك في ليلة المعراج(٨) :

__________________

١ - لفظ الجلالة من المجمع.

٢ - مجمع البيان: ٢ / ٢٢٣، عنه البحار: ٣٧ / ٢٤٩ - ٢٥٠، وعوالم العلوم: ١٥ / ٣ / ٣٥٢ « حديث الغدير ».

٣ - سورة المائدة: ٣.

٤ - في المناقب: لعمر.

٥ - في المناقب: العيد.

٦ - مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ٢٣، عنه البحار: ٣٧ / ١٥٦ ح ٣٩، وعوالم العلوم: ١٥ / ٣ / ١١٥ ح ١٤٨ « حديث الغدير ».

وانظر الإبانة لابن بطّة: ٢ / ٦٣٢ - ٦٣٥ ح ٨١٨ - ٨٢١.

٧ - سورة النجم: ١٠.

٨ - في المناقب: قال: بلّغ ما انزل إليك من ربّك وما أوحى، أي بلّغ ما انزل اليك في عليعليه‌السلام ليلة المعراج.

ونسب فيه الأبيات الآتية إلى الشريف المرتضى.

وهو السيد المرتضى علم الهدى ذو المجدين عليّ بن الحسين بن موسى، وهو إمام في الفقه ومؤسّس لاُصوله، شاعر، متكلّم، مفسّر، ولد سنة « ٣٥٥ » ه‍، وتوفّي سنة « ٤٣٦ » ه‍.

لله درّ الـيوم ما أشرفا

ودرّ من كـان بـه أعرفا

ساقَ إلينا فيه ربّ العُلى

ما أمرض الأعداء أو أتلفا

وخصّ بالأمر عليّاً وإن

بدّل مـن بدّل أو حـرّفا

إن كان قولاً كافياً فالّذي

قال بـخمّ وحدَه قد كـفى

قيل له بلّغ فمن لم يكـن

مبلّغاً عـن ربـّه ما وفى(١)

عن أبي حاتم الرازي أنّ جعفر بن محمد الصادقعليه‌السلام قرأ( فَإِذَا فَرَغتَ ) (٢) من إكمال الشريعة( فَانصَب ) لهم عليّاً إماماً.

و روى النطنزي في كتابه الخصائص قال: لمّا نزل قوله:( اليومَ أكمَلتُ لَكُم دِينَكُم ) قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : الله أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضا الربّ برسالتي، وولاية عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام بعدي.

وروي: لمّا نزل قوله:( إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ ) (٣) أمر الله سبحانه أن ينادي بولاية عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، وضاق النبي بذلك ذرعاً لمعرفته بفساد قلوبهم، فأنزل الله سبحانه:( يَا أيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغ مَا اُنزِلَ إلَيكَ ) (٤) الآية، ثم أنزل( اذكُرُوا نِعمَةَ اللهِ عَلَيكُم ) (٥) ثم أنزل( اليَومَ أكمَلتُ لَكُم دِينَكُم ) ، وفي

____________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ٢١، عنه البحار: ٣٧ / ١٥٥ ح ٣٩.

٢ - سورة الشرح: ٧.

٣ - سورة المائدة: ٥٥.

٤ - سورة المائدة: ٦٧.

٥ - سورة المائدة: ١١ و ٢٠، سورة الأحزاب: ٩، سورة فاطر: ٣. وانظر سورة البقرة: ٢٣١، سورة آل عمران: ١٠٣، سورة المائدة: ٧.

هذه الآية خمس إشارات(١) : إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضا الرحمن، وإهانة الشيطان، ويأس الجاحدين.

وفي الحديث أنّ الغدير عيد المؤمنين، وعيد الله الأكبر.

و عن ابن عبّاس قال: اجتمعت في ذلك اليوم - الذي نصب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله [ فيه ](٢) عليّاً - خمسة أعياد: الجمعة والغدير وعيد اليهود والنصارى والمجوس، ولم يحتمل قبل ذلك قطّ.

والعلماء مطبقون على قبول هذا الخبر، وإنّما وقع الخلاف في تأويله.

ذكره محمد بن إسحاق، وأحمد البلاذري، ومسلم بن الحجّاج، وأبو إسحاق الثعلبي، وأحمد بن حنبل من أربعين طريقاً.(٣)

وذكر عن الصاحب كافي الكفاةرحمه‌الله أنّه قال: روى لنا قصّة غدير خم القاضي أبو بكر الجعابي عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وطلحة

____________

١ - في المناقب: بشارات.

٢ - أثبتناه لضرورة السياق.

٣ - في المناقب: ومسلم بن الحجّاج، وأبو نعيم الاصفهاني، وأبو الحسن الدارقطني، وأبو بكر بن مردويه، وابن شاهين، وأبو بكر الباقلاني، وابو المعالي الجويني، وأبو إسحاق الثعلبي، وأبو سعيد الخرگوشي، وأبو المظفّر السمعاني، وأبو بكر بن شيبة، وعليّ بن الجعد، وشعبة، والأعمش، وابن عبّاس، وابن الثلاج، والشعبي، والزهري، والأقليشي، وابن البيع، وابن ماجة، وابن عبد ربّه، والألكاني، وأبو يعلى الموصلي من عدّة طرق، وأحمد بن حنبل من أربعين طريقاً، وابن بطّة من ثلاث وعشرين طريقاً، وابن جرير الطبري من نيّف وسبعين طريقاً في كتاب الولاية، وابو العبّاس بن عقدة من مائة وخمس طرق، وأبو بكر الجعابي من مائة وخمس وعشرين طريقاً.

وقد صنّف عليّ بن بلال المهلّبي كتاب الغدير، وأحمد بن محمد بن سعيد كتاب من روى غدير خمّ، ومسعود السجزي كتباً فيه رواه هذا الخبر وطرقه، واستخرج منصور اللائي الرازي في كتابه أسماء رواته على حروف المعجم.

والزبير، والحسن، والحسين، وعبد الله بن جعفر، وعبّاس بن عبد المطلّب، وعبد الله بن عبّاس، وأبي ذرّ، وسلمان، وعبد الرحمان، وابي برزة الأسلمي، وسهل بن حنيف، إلى أن عدّ قريباً من مائة من أكابر الصحابة.

ومن النساء قد رواه: فاطمة الزهراء، وعائشة، واُمّ سلمة، واُمّ هانئ بنت أبي طالب، وفاطمة بنت حمزة.

والغدير بين مكّة والمدينة في واد يقال له وادي الأراك، وهو على أربعة أميال من الجحفة عند شجرات خمس دوحات غظام.

الصادقعليه‌السلام : تعطى حقوق الناس بشهادة عدلين(١) ، وما اُعطي عليّ حقّه بشهادة عشرة آلاف نفس [ - يعني الغدير - ](٢) .(٣)

فضائل أحمد بن حنبل وأحاديث أبي بكر بن مالك وإبانة ابن بطّة وكشف الثعلبي عن البراء، قال: لمّا أقبلنا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في حجّة الوداع كنّا بغدير خمّ، فنادىصلى‌الله‌عليه‌وآله : [ انّ ](٤) الصلاة جامعة، فكسح النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بين(٥) شجرتين: وأخذ بيد عليّ، وقال: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟

قالوا: بلى، يا رسول الله.

ثم قال: ألست أولى من كلّ مؤمن بنفسه؟

قالوا: بلى، يا رسول الله.

__________________

١ - في المناقب: شاهدين.

٢ و ٤ - من المناقب.

٣ - مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ٢٣ - ٢٦، عنه البحار: ٣٧ / ١٥٦ - ١٥٨ ح ٣٩ و ٤٠.

٥ - في المناقب: تحت.

فقال: هذا مولى من أنا مولاه، اللّهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه.

قال: فلقيه عمر بن الخطّاب، فقال: هنيئاً لك يا ابن أبي طالب، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة.

و روي هذا الحديث من عدّة طرق عن عمر بن الخطّاب.

السمعاني في فضائل الصحابة(١) : قيل لعمر بن الخطّاب: إنّا نراك تصنع بعليّ شيئاً لا تصنعه بأحد من أصحاب النبي؟!

قال: لأنّه مولاي.(٢)

فقد أجرى الله الحق على لسانه، ولكن كان باطنه بخلاف ظاهره.

روى معاوية بن عمّار، عن الصادقعليه‌السلام في خبر قال: لمّا قال النبي: من كنت مولاه فعليّ مولاه، قال العدويّ: لا والله ما أمره بهذا، وما هو إلا شيء تقوّله، فأنزل الله سبحانه( وَلَو تَقَوَّلَ عَلَينَا بَعضَ الأقَاوِيلِ - إلى قوله -عَلَى الكَافِرِينَ ) (٣) يعني محمداً، وقوله:( وَإنّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ ) (٤)

____________

١ - زاد في المناقب: بإسناده عن سالم بن أبي الجعد.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ٣٥ - ٣٦، عنه البحار: ٣٧ / ١٥٩، وعوالم العلوم: ١٥ / ٣ / ٢٠٢ ح ٢٧٠ وص ٢٠٧ ح ٢٨٤ « حديث الغدير ».

انظر: مسند أحمد بن حنبل: ١ / ٨٤ و ١١٩ و ١٥٢، وج ٤ / ٢٨١ و ٣٧٠ و ٣٧٢، وج ٥ / ٣٦١ و ٣٦٦ و ٣٧٠ و ٤١٩، فضائل الصحابة لأحمد: ٢ / ٥٦٣ ح ٩٤٧ وص ٥٦٩ ح ٩٥٩ وص ٥٩٨ ح ١٠٢١ وص ٦١٠ ح ١٠٤٢ وص ٦١٣ ح ١٠٤٨ وص ٦٨٢ ح ١١٦٧ وص ٧٠٥ ح ١٢٠٦.

وانظر: كشف المهمّ: ٩٩ ح ١ وص ١٠٣ ح ١١ وص ١٠٧ ح ٢١ وص ١٢٨ ح ٥٣ وص ١٢٩ ح ٥٥، عوالم العلوم المذكور: ٦٠ ح ٢٩ وص ١٠٢ ح ١١٨ وص ١٠٣ ح ١٢٠ وص ٢٠٢ ح ٢٧٠ وص ٢٠٥ ح ٢٧٨ وص ٢٠٧ ح ٢٨٤.

٣ - سورة الحاقّة: ٤١ - ٥٠.

٤ - سورة الحاقّة: ٥١.

يعني عليّاً.(١)

فهذا الحديث عن الصادقعليه‌السلام يؤيّد ما قلناه من فساد باطنه.

حسّان الجمّال، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في خبر أنّ المنافقين لمّا رأوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وآله رافعاً يد عليّ، قال بعضهم لبعض: انظروا عينيه كأنّهما عينا مجنون، فنزل جبرئيل بهذه الآية:( وَإن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزلِقُونَكَ بِأبصَارِهِم لمَّا سَمِعُوا الذِّكرَ وَيَقُولُونَ إنَّهُ لَمَجنُونٌ ) (٢) .(٣)

عبد العظيم الحسني: عن الصادقعليه‌السلام في خبر: قال رجل(٤) من بني عديّ: اجتمعت إليّ قريش، فأتينا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقالوا: يا رسول الله، إنّا تركنا عبادة الأوثان واتّبعناك، فأشركنا في ولاية عليعليه‌السلام ، فهبط جبرئيلعليه‌السلام على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقال:( لَئِن أَشرَكتَ ليَحبَطَنَّ عَمَلُكَ ) (٥) .

قال الرجل: فضاق صدري، فخرجت هارباً لما أصابني من الجهد، فإذا أنا بفارس قد تلقّاني على فرس أشقر، عليه عمامة صفراء، تفوح منه رائحة المسك، وقال لي: يا رجل، لقد عقد محمد عقدة لا يحلّها إلا كافر أو منافق.

____________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ٣٧، عنه البحار: ٣٧ / ١٦٠، وكشف المهمّ: ١٧٠ ح ١٧، وعوالم العلوم: ١٥ / ٣ / ١٤١ ح ٢٠٧ « حديث الغدير ».

٢ - سورة القلم: ٥١.

٣ - مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ٣٧، عنه البحار: ٣٧ / ١٦٠، وعوالم العلوم: ١٥ / ٣ / ١٤١ ح ٢٠٨ « حديث الغدير ».

ورواه في الكافي: ٤ / ٥٦٦ ح ٢. وفي التهذيب: ٣ / ٢٦٣ ح ٧٤٦، عنه كشف المهمّ: ١٦٩ ح ١٦.

٤ - كذا في المناقب، وفي الأصل: قال: جاء رجل.

٥ - سورة الزمر: ٦٥.

[ قال: ](١) فأتيت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فأخبرته، فقال: هل عرفت الفارس؟ ذاك جبرئيلعليه‌السلام عرض عليك(٢) الولاية، إن حللتم أو شككتم كنت خصمكم يوم القيامة.(٣)

الباقرعليه‌السلام قال: قام ابن هند وتمطّى(٤) وخرج مغضباً واضعاً يمينه على عبد الله بن قيس الأشعري، ويساره على المغيرة بن شعبة، وهو يقول: والله لا نصدّق محمداً على مقالته، ولا نقرّ لعليّ بولايته، فنزل( فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى ) (٥) الآيات، فهمّ به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يردّه ويقتله.

فقال جبرئيل:( لَا تُحرِّك بِهِ لِسَانَكَ لِتَعجَلَ بِهِ ) (٦) فسكت [ عنه ](٧) رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (٨) .

وروى الشيخ الطوسي وأبو علي الطبرسي في تفسيرهما(٩) بإسناده متّصل بالامام الصادقعليه‌السلام قال: لمّا نصب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عليّاً علماً يوم غدير خمّ، وقال: من كنت مولاه فعليّ مولاه، وطار ذلك في البلاد،

__________________

١ و ٧ - من المناقب.

٢ - في المناقب: عليكم.

٣ - مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ٣٨، عنه البحار: ٣٧ / ١٦١، وعوالم العلوم: ١٥ / ٣ / ١٤٩ ح ٢٢٤ « حديث الغدير ».

٤ - أي تبختر وتكبّر.

٥ - سورة القيامة: ٣١.

٦ - سورة القيامة: ١٦.

٨ - مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ٣٨، عنه البحار: ٣٧ / ١٦١، وعوالم العلوم: ١٥ / ٣ / ١٢٤ ح ١٧٤ « حديث الغدير ».

٩ - تفسير البيان: ١٠ / ١١٣، مجمع البيان: ٥ / ٣٥٢.

وانظر شواهد التنزيل: ٢ / ٣٨١ وما بعدها.

فقدم على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله النعمان بن الحارث الفهري(١) ، فقال: يا محمد، أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلا الله، وأنّك رسول الله، وأمرتنا بالجهاد والصوم والصلاة والزكاة فقبلنا، ثم لم ترض حتى فضّلت هذا الغلام، فقلت: من كنت مولاه فعليّ مولاه، فهذا شيء منك أو أمر من الله؟

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : والله الذي لا إله إلاّ هو انّ هذا من الله.

فولّى النعمان بن الحارث وهو يقول:( اللَّهُمَّ إِن كَانَ هذَا هُوَ الحَقُّ مِن عِندِكَ فَأَمطِر عَلَينَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائتِنَا بِعَذَابٍ ألِيمٍ ) (٢) فرماه الله بحجر على رأسه فقتله، وأنزل الله تعالى( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ لِلكَافِرينَ لَيسَ لَهُ دَافِعٌ مِنَ اللهِ ذِي المَعَارِجِ ) (٣) .(٤)

وروي أنّه في الحال قام يريد راحلته فرماه الله بحجر قبل أن يصل إليها.

وروي أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لمّا فرغ من غدير خمّ وتفرّق الناس اجتمع نفر من قريش يتأسّفون على ما جرى، فمرّ بهم ضبّ، فقال بعضهم: ليت محمداً أمّر علينا هذا الضبّ دون عليّ.

__________________

١ - في المناقب: الحارث بن النعمان الفهري - وفي رواية: أبي عبيد جابر بن النضر بن الحارث بن كلدة العبدريّ.

وفي التبيان أنّ السائل هو: النضر بن كلدة، وفي المجمع: النضر بن الحارث بن كلدة.

٢ - سورة الأنفال: ٣٢.

٣ - سورة المعارج: ١ - ٣.

٤ - مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ٤٠، عنه البحار: ٣٧ / ١٦٢، وعوالم العلوم: ١٥ / ٣ / ٦٨ ح ٤٥ « حديث الغدير ».

ورواه في الكافي: ٨ / ٥٧ ح ١٨، عنه البحار: ٣٥ / ٣٢٣ ح ٢٢، والبرهان: ٤ / ١٥٠، وغاية المرام: ٤٢٥ ب ١٨٤ ح ١، ومدينة المعاجز: ٢ / ٢٦٥ ح ٥٤٤.

فسمع ذلك أبو ذرّ، فحكى ذلك لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فبعث إليهم وأحضرهم، وأعرض عليهم مقالهم، فأنكروا وحلفوا، فأنزل سبحانه تعالى:( يَحلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُوا ) (١) الآية.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ما أظلّت الخضراء، ولا أقلّت الغبراء، الخبر.

و في رواية أبي بصير، عن الصادقعليه‌السلام : أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: نزل عليَّ جبرائيل وأخبرني أنّه يؤتى يوم القيامة بقوم إمامهم ضبّ، فانظروا ألا تكونوا اولئك، فأنزل سبحانه:( يَومَ نَدعُوا كُلَ اُنَاسٍ بِإمَامِهم ) ( ٢) .(٣)

وروى شيخنا أبو جعفر الطوسي رضي الله عنه في أماليه عن أحمد [ بن محمد ](٤) بن نصر، عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام أنّه قال: حدّثني ابي، عن أبيه أنّ يوم الغدير في السماء أشهر منه في الأرض، إنّ لله سبحانه في الفردوس قصراً لبنة من فضّة، ولبنة من ذهب، فيه مائة ألف خيمة من ياقوتة حمراء(٥) ، ومائة ألف خيمة من ياقوتة خضراء، ترابه المسك والعنبر، فيه أربعة أنهار: نهر من خمر، ونهر من ماء، ونهر من لبن، ونهر من عسل، حواليه أشجار جميع الفواكه، عليها(٦) طيور أبدانها من لؤلؤ، وأجنحتها من ياقوت، تصوّت بأنواع الأصوات، إذا كان يوم الغدير ورد إلى ذلك القصر أهل السماوات يسبّحون الله

____________

١ - سورة التوبة: ٧٤.

٢ - سورة الإسراء: ٧١.

٣ - مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ٤١، عنه البحار: ٣٧ / ١٦٣، وتفسير البرهان: ٢ / ١٤٧ ح ٧، وعوالم العلوم: ١٥ / ٣ / ١٦٣ ح ٢٤٠ « حديث الغدير ».

٤ - من المناقب.

٥ - في المناقب: فيه مائة ألف قبّة حمراء.

٦ - في المناقب: عليه.

ويقدّسونه ويهلّلونه، فتطاير تلك الطيور فتقع في ذلك الماء، وتتمرّغ على ذلك المسك والعنبر، فإذا اجتمعت الملائكة طارت فتنفض ذلك عليهم، وانّهم في ذلك [ اليوم ](١) ليتهادون نثار فاطمةعليها‌السلام ، فإذا كان آخر اليوم نودوا: انصرفوا إلى مراتبكم فقد امنتم من الخطر والزلل إلى قابل في هذا اليوم تكرمة لمحمد وعليّ، الخبر.(٢)

و في سنة أحد وعشرين وتسعمائة زرت مشهده الشريف صلوات الله عليه وكان الله سبحانه قد ألقى على لساني خطبة جليلة، وكلمات فصيحة في فضله صلوات الله عليه وذمّ أعدائه، وأوردت في أثنائها خطبة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم الغدير(٣) ، والخطبة التي من كلام أمير المؤمنينعليه‌السلام الّتي أوردها شيخنا أبو جعفر الطوسي في مصباحه الكبير(٤) ، وضممتها ألفاظاً رائقة،

____________

١ - من المناقب.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ٤٢، عنه البحار: ٣٧ / ١٦٣، وكشف المهم: ١٧٤ ح ٢١، وعوالم العلوم: ١٥ / ٣ / ١٥٢ ح ٢٣٣ وص ٢٢١ ح ٣٠٤ « حديث الغدير ».

وأورده في فرحة الغريّ: ١٠٦، عنه البحار: ٩٧ / ١١٨ ح ٩.

وفي إقبال الأعمال: ٤٦٨، عنه كشف المهم: ٧٢ ح ٢٠.

وأورد صدره في مصباح المتهجّد: ٧٣٧.

وانّ حديث الغدير ممّا تواتر نقله وروايته عند علماء الفريقين، حيث رواه عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله نحو مائة وعشرين من الصحابة.

ولقد أجاد يراع العلامة الحجة السيد عبد العزيز الطباطبائيقدس‌سره في إحصاء تدوين الكتب التي اُفردت في التأليف حول واقعة الغدير منذ القرن الثاني وحتى يومنا هذا.

ويمكنك أيضاً مراجعة تخريجات الحديث في مصادر أهمّها: مناظرة الشيخ والد البهائي مع أحد علماء العامّة في حلب: ٤٩، صحيفة الامام الرضاعليه‌السلام : ١٧٢ - ٢٢٤ ح ١٠٩.

٣ - انظر مثلاً: الاحتجاج للطبرسي: ٥٨، عنه عوالم العلوم: ١٥ / ٣ / ١٧٨ « حديث الغدير ».

٤ - مصباح المتهجّد: ٧٥٢.

واستعارات شائقة، يطرب لها المؤمن التقيّ، ويصدر عنها المنافق الشقيّ، فخطبت بها في ذلك اليوم الشريف في مشهده صلوات الله عليه تجاه ضريحه في جمع لا يحصى كثرة، وأحببت إيرادها في هذا المجموع لتكون تذكرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

الخطبة

الحمد لله الذي ثبّت بكلمة التوفيق قواعد عقائدنا، وأثبت في صحائف التصديق دلائل معارفنا، وذلّل لقلوبنا سلوك مشارع الايمان في مواردنا ومصادرنا، وسهّل لنفوسنا حزونة شرائع العرفان بقدم صدقنا واستقامتنا، وخاطبنا ببيان عنايته:

( أَجيبُوا دَاعِيَ اللهِ ) (١) فأجبنا، ونادانا بلسان سيد بريّته:( أن آمِنُوا بِرَبِّكُم فَآمَنَّا ) (٢) ، وأمرنا بالتمسّك بعروة خليفته في خليقته فقلنا: ربّنا( سَمِعنَا وَأَطَعنَا ) (٣) لمّا سلك الناس مسالك المهالك، وارتكبوا متن الضلالة فلم يحصلوا من طائل على ذلك، ورأوا شرار الضلالة وظنّوا سراباً، وشاهدوا علم الجهالة فحسبوه صواباً، سلكنا سبيل نبيّنا وعترته، واستقمنا على طريقه وليّنا وذرّيّته، الّذي زيّن الله كتابه بذكر مناقبه، وأوضح في تنزيله عن شرف مراتبه، بدلالة إشارة( إنَّمَا وَلِيُّكُمُ ) (٤) ، وآية عبارة( إنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أهلَ

__________________

١ - سورة الأحقاف: ٣١.

٢ - سورة آل عمران: ١٩٣.

٣ - سورة البقرة: ٢٨٥، سورة النساء: ٤٦، سورة المائدة: ٧، سورة النور: ٥١.

٤ - سورة المائدة: ٥٥.

البَيتِ وَيُطَهِّرَكُم ) (١) .

ولمّا علم الله صدق نبيّه، وإخلاص طويّته، ليس له ثان في الخلق، ولم يثنه ثان عن التوجّه إلى الحق، مصباح الظلام إذا العيون هجعت، المتهجّد القوّام إذا الجنوب اضطجعت، المستأنس بالحق إذا الليل سجا، المستوحش من الخلق إذا الغسق دجا، له مع الله حالات ومقامات، وتقلبه في صحائف الاخلاص سمات وعلامات، لا يقصد بتهجّده إلا مولاه، ولا يرجو بتعبّده إلا إيّاه، لولا جِدُّه لما قام للاسلام عمود، ولولا علمه لما عرف العابد من المعبود، اصطفاه سبحانه لنفسه، وأيّده بروح قدسه، وأوجب له عرض الولاية على جِنّه وإنسه، وساوى بينه وبين الرسول في علمه وحلمه، وطمّه ورمّه، وجدّه ورسمه، وفضله وحقّه.

وجعل له في قلوب المؤمنين ودّاً، وأمر نبيّه أن يورده من غدير الشرف في غدير صدراً وورداً، وأن يثبت له في الأعناق إلى يوم التلاق عقداً وعهداً، وأن يرفع له بالرئاسة العامّة في الآفاق على الاطلاق شرفاً ومجداً.

فقامصلى‌الله‌عليه‌وآله صادعاً بأمر الله، منفّذاً لحكم الله، خاطباً في الغدير على منبر الكرامة، مخاطباً للجمّ الغفير بفرض الامامة، مبيّناً أمر وصيّه ووليّ عهده، مظهراً شرف صفيّه وأخصّ الخلق من بعده، راغباً معاطياً طال ما شمخت تعزّزاً وكبراً، قاهراً أسى كم أظهرت لوليّ أمرها عقداً وعذراً، قاطعاً أسباب اُولي النفاق بمبين وعظه، قامعاً هامات الشقاق بمتين لفظه.

ما أظهرصلى‌الله‌عليه‌وآله شرفه وميثاقه في الخطبة إلا بعد أن أعلى الله في الملكوت الأعلى شأنه وخطبه، وأمر الصافّين الحافّين بالقيام على قدم

__________________

١ - سورة الأحزاب: ٣٣.

الخدمة لاستماع النصّ الجليّ على الامام العظيم، الذي زيّن الله كتابه بذكر أسمائه بقوله:( إنَّهُ فِي اُمِّ الكِتَابِ لَدَينَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ) (١) .

صاحب الكرامات السامية، والمقامات العالية، وجه الله الذي يتوجّه به إليه، وسبيله الّذي بسلوكه يفوز السالكون فيه يوم العرض عليه، ويده الباسطة في بلاده، وعينه الباصرة في عباده، وحبيبه حقّاً فمن فرط فيه فقد فرط في حبيب الله، ولسانه صدقاً فمن ردّ عليه فقد ردّ على الله، لما شرب بالكأس الرويّة من شراب( يُحبُّهُم وَيُحِبُّونَهُ ) (٢) ، وفاز بالدرجة العليّة من مقامات( لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَستَنبِطُونَهُ ) (٣) ، قابل بوجه باطنه أنوار تجلّيات قيّوم الملكوت، وظهرت بانعكاس مرآة كمال عرفانه أسرار صاحب العزّة والجبروت، فصار قلبه مشكاة النور الإلهي من حضيرة جلاله ونفسه، منبع السر الخفيّ من فيضان كماله.

جلّ أن يدرك وصفه بيان واصف، أو يوصف قدره بنان راصف، نقطة دائرة الموجودات فعليه مدارها، وصفوة خلاصة الكائنات فهو قيّمها ومختارها، من نحو منطقة يعرف الحقّ فما زيد وعمر؟ وإلى مصباح علمه يعشق الخلق فما خالد وبكر؟

من اعتقد أنّ الحقّ بميزان غير علومه يعرف فالوبال والنكال له وفيه، ومن زعمّ أنّ الربّ بمنطق غير بيانه يوصف فالتراب بل الكثكث(٤) بفيه، كلّيّ العلم وجزئيّه به يعرف، وفضل العدل وجنسه برسمه وحده معرّف.

__________________

١ - سورة الزخرف: ٤.

٢ - سورة المائدة: ٥٤.

٣ - سورة النساء: ٨٣.

٤ - الكثكث: دُقاق التراب، وفُتات الحجارة ؛ وقيل: التراب مع الحجر. « لسان العرب: ٢ / ١٧٩ - كثث - ».

لا شرف إلا لمن شرف باقتفاء آثاره، ولا سؤدد إلا لمن استضاء بلوامع أنواره، ولا عُرف إلا لمن تمسّك بأسبابه، ولا عَرَف إلا لمن تمسّك بترابه، فلك النجاة في بحار الضلالة، وعلم الهداة في أقطار الجهالة، من التجأ إلى كنف عصمته نجا، ومن غوى عن طرق طريقته هوى، لا يحبّه الا من علت همّته، وغلت قيمته، فطابت أرومته، وارتفعت جرثومته.

فيا أيها العارفون بفضله، المتمسّكون بحبله، السالكون سبيله، التابعون دليله، أبشروا بروح وريحان(١) ، ومغفرة ورضوان، وجنّات لكم فيها نعيم مقيم، خالوين فيها أبداً إنّ الله عنده أجر عظيم(٢) ، قلتم ربّنا ثمّ استقمتم، وسلكتم سبيل نبيّكم ووليّكم وتبتم، فأنتم خلاصة الله في خلقه، القائمون بوظائف عزائمه وحقّه، فهنّأكم الله في هذا اليوم الرحمة، وأتمّ عليكم النعمة، وجعلكم خير اُمّة، وسلك بكم سبيل سيد الأئمّة، الذي ضربه الله مثلاً في محكم تنزيله، وشدّ به عضد نبيّه ورسوله، وهزم بعزمه الأحزاب، وقصم بسيفه الأصلاب، وجعل حبّه فارقاً بين الكفر والإيمان، واتّباعه وسلة إلى الفوز بنعيم الجنان.

فانشروا في هذا اليوم أعلام الإسلام بنشر فضله، وابشروا إذ سلكتم منهاج سبيله واستمسكتم بحبله، وأظهروا آثار النعمة فهو يوم الزينة للمخلصين من أتباعه، واشكروا حسن صنيع ربّكم إذ جعلكم من خاصّته وأشياعه، وارعوا أسماعكم إلى ما أورد الرسول من شرفه في خطبته، واستضيئوا بلوامع أنواره واستسنّوا بسنّته.

فقد روي أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله لمّا أتمّ مناسك حجّه، وفرغ من شعائر

__________________

١ - إقتباس من الآية: ٨٩ من سورة الواقعة.

٢ - إقتباس من الآية: ٢١ و ٢٢ من سورة التوبة.

عجّه وثجّه(١) ، ناداه الله بلسان التشريف مبيّناً فضله من لدنه ومكانته:( يَا أيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغ مَا اُنزِلَ إِلَيكَ مِن رَبِّكَ وَإن لَم تَفعَل فَمَا بَلَّغتَ رِسَالَتَهُ ) .(٢)

فأرادصلى‌الله‌عليه‌وآله تأخير بلاغها إلى دار هجرته، ومستقرّ دعوته، ظنّاً منه أنّها فريضة موسعة، وأنّ الأمر فيه مندوحة وسعة، وفَرَقاً من فرق الضالّين المضلّين، الزالّين المزلّين، أن يكذّبوا بالكتاب وحججه وبيّناته، وأن يتّهموا الرسول فيما اُنزل عليه في وصيّه بمحاباته.

فعاتبه سبحانه على ترك الاولى مهدّداً، ووعده العصمة على من لجّ في الباطل واعتدى، وشرّف الله غدير خمّ بما أنزل فيه من الرحمة، وأتمّ من النعمة.

فقامصلى‌الله‌عليه‌وآله فيه خاطباً على منبر الكرامة، موضحاً فضل درجة الامامة، هذا والجليل سبحانه يسدّده، وروح القدس عن يمينه يمجّده، وميكائيل عن يساره يعضده، وجبرئيل معظم شانه وخطبه، وحملة العرش مادّة أعناقها لاستماع الخطبة، والروحانيّون وقوف على قدم الخدمة، والكروبيّون صفوف لتلقّي نفحات الرحمة، والحور العين من القصور على الأرائك ينظرون، والولدان المخلّدون لنثار السرور منتظرون، آخذاً بعضد من كان في المباهلة معاضده ومساعده، وفي المصاولة عضده وساعده.

سيفه القاطع، ونوره الساطع، وصدّيقه الصادق، ولسانه الناطق، أخوه وابن عمّه، والخصّيص به كابن اُمّه، ليث الشرى(٣) ، غيث الورى، أسد الله

__________________

١ - في الحديث: أفضل الحجّ العجّ والثجّ، العجّ: رفع الصوت بالتلبية، والثجّ صَبُّ الدم، وسَيَلان دماء الهديِ، يعني الذبح. « لسان العرب: ٢ / ٣١٨ - عجج - ».

٢ - سورة المائدة: ٦٧.

٣ - الشرى: موضع تُنسب إليه الاُسد. « لسان العرب: ١٤ / ٤٣١ - شري - ».

المحراب(١) ، حليف المسجد والمحراب، قاصم العُداة، وقاسم العِدات، في المعركة ليث، وفي المخمصة(٢) غيث، طريقه أبلج، ونهجه أوضح منهج، بابه عند سدّ الأبواب مفتوح، وصدره لتلقّي نفحات الرحمن مشروح.

كم عنيد بصارمه شدخ؟ وكم صنديد ببطشه دوّخ؟ وكم ريح للشرك أركد؟ وكم نار للظلم أخمد؟ وكم صنم جعله جذاذاً؟ وكم وثن تركه أفلاذاً؟ قسيم الجنّة والنار، وسيّد المهاجرين والأنصار، وحياة المجديين لدى الاغوار، ونكال الظالمين يوم البوار، جعله الله للمصطفى ختناً ونفساً، وله الزهراء سكناً وعرساً، ورفع له فوق عرش المجد عرشاً، وخلقه أشدّ خلقة قوّة وإيماناً وبطشاً.

كم أسد بثعلب رمحه قنص؟ وكم صنديد حذراً من حسامه كعَ وقعص؟ أعلم من على وجه الأرض، بالكتاب والسنّة والفرض، الإيمان بحبّه منوط، والكفر ببغضه مسوط(٣) ، أفصح من لفظ، وأنصح من وعظ، وأتقى من سجد لله وركع، وأخشى من خشي الرحمن بالغيب وخضع، حلل الإمامة ربّنا على هامة مجده أفرغ، ولبوس الزعامة نبيّنا على قدّ قامته فصّل وأسبغ، وله بالرئاسة العامّة فضّل وشرّف، ولأسماع أوليائه بذكر مناقبه لَذّذ وشَنّفَ، شهد الله له بالاخلاص وصدق، لما انّه بخاتمه في ركوعه تصدّق.

الزاهد السالك، العابد الناسك، العالم العامل، الوليّ الكامل، صراط الله المستقيم، ونهجه القويم، وأمينه المأمون، وخازن سرّه المخزون، النجم في منزله هوى، والرسول في نصبه علماً للمسلمين ما ضلّ وما غوى ولا ينطق عن

__________________

١ - المِحراب: شديد الحرب، شُجاع. « لسان العرب: ١ / ٣٠٣ - حرب - ».

٢ - المخمَصة: الجوع، المجاعة.

٣ - مَسوطٌ: أي ممزوجٌ ومخلوطٌ. « لسان العرب: ٧ / ٣٢٦ - سوط - ».

الهوى(١) ، المرجع في علم التوحيد إليه، والمعوّل في معرفة الكتاب والسنّة عليه، أجلّ العالمين جلالاً، وأفصحهم مقالاً.

الامام الزكيّ القدسيّ الربّانيّ الإلهيّ، أمير المؤمنين أبو الحسن عليّ الجليل العليّ، حامداً لله حمداً يليق بجلال عظمته، شاكراً لأنعمه شكراً يحسن بتمام نعمته، موضحاً دين الحقّ في خطبته، شارحاً قول الصدق في كلمته، قائلاً: معاشر الناس، ألست أولى منكم بأنفسكم؟

قالوا: بلى، يا رسول الله.

قال: فمن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه، ومن كنت نبيّه فعليّ إمامه ووليّه.

أيها الناس، إنّ الله آخى بيني وبين عليّ، وزوّجه ابنتي من فوق عرشه، وأشهد على ذلك مقرّبي ملائكته، فعليّ منّي وأنا من علي، محبّه محبّي، ومبغضه مبغضي، وهو وليّ الخلق من بعدي.

معاشر الناس، إنّ هذا اليوم وهو يوم غدير خمّ من أفضل أعياد اُمّتي، وهو اليوم الذي أمرني الله فيه بنصب عليّ أخي علماً لاُمّتي، يبيّن لهم ما اختلفوا فيه من سنّتي، وهو أمير المؤمنين، ويعسوب المتّقين، وقائد الغرّ المحجّلين.

أيها الناس، من أحبّ عليّاً أحببته، ومن أبغض عليّاً أبغضته، ومن وصل عليّاً وصلته، ومن قطع عليّاً قطعته، ومن والى عليّاً واليته، ومن عادى عليّاً عاديته.

أيها الناس، أنا مدينة الحكمة وعليّ بابها، لا تؤتى المدينة إلا من قبل الباب، وكذب من يزعم أنّه يحبّني ويبغض عليّاً.

__________________

١ - إشارة إلى الآيات: ١ - ٣ من سورة النجم.

أيها الناس، والذي بعثني بالرسالة، وانتجبني للنبوّة، ما أقمت عليّاً علماً في الأرض حتى نوّه الله بذكره في السماء، وفرض ولايته على سائر ملائكته.

ثم قلت عقيبها:

يا لها من خطبة نشر فيهاصلى‌الله‌عليه‌وآله لواء الايمان، وظهر منها رواء الإحسان، وخفق علما لحقّ في الملكوت الأعلى، وبرق بارق العدل في أقطار الدنيا، فالملائكة المقرّبون مشغولون بتكرارها لاستظهارها، والولدان المخلّدون مأمورون بإظهارها وإشهارها، يحيي موات القلوب مزن سحابها، وينشي نشوات السرور في النفوس رحيق شرابها، وتنعش قلب المؤمن التقيّ بلذّة خطابها، وتتعس جدّ المنافق الشقيّ بشدّة عتابها.

يا لها من خطبة الحقّ منبرها، والصدق مخبرها، والنبوّة أصلها، والإمامة نسلها، والنبيّ موردها ومصدرها، والوصيّ موردها ومصدرها، العهود فيها مؤكّدة، والعقود مشدّدة، والإيمان بامتثال نواهيها وأوامرها منوط، والكفر بمخالفة بواطنها وظواهرها مَسُوط، بلبل دوح فصاحتها يطرب أسماع القلوب بشهيّ نغمته، وسربال جمال بلاغتها يروق أبصار البصائر بوشيّ صنعته.

دقّت لها كؤوس الحبور في الملكوت الأعلى، واُديرت كؤوس السرور في جنّة المأوى، وتلقّت الملائكة المقرّبون بالبشرى أهل التحقيق على مراكب التوفيق، وطافت الولدان المخلّدون على أهل التصديق من الرحيق المختوم بأكواب وأباريق، وفتح رضوان باب الرضوان بأمر المهيمن السلام، وقال لأهل الولاية من المؤمنين:( ادخُلُوهَا بِسَلامٍ ) (١) ، ومشى بين أيديهم قائماً بشرائط

__________________

١ - سورة الحجر: ٤٦، سورة ق: ٣٤.

الخدمة، وأجلسهم على أرائك التعظيم مجرياً عليهم من الاكرام عادته ورسمه،( يَطُوفُ عَلَيهِم وِلدَانٌ مُخَلَّدُونَ بَأَكوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأسٍ مِن مَعِينٍ لَا يُصَدَّعُونَ عَنهَا وَلَا يُنزِفُونَ وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحمِ طَيرٍ مِمَّا يَشتَهُونَ ) (١) .

فابشروا - معار المؤمنين العارفين - بفضل هذا اليوم الشريف، والعيد المنيف، الّذي أقام الله فيه عليّاً أمير المؤمنين علماً للمسلمين، وأمركم باتّباع نيّر دليله في محكم تنزيله، فقال عزّ من قائل:( وَأنَّ هَذَا صِرَاطِي مُستَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُم عَن سَبِيلِهِ ) (٢) .

والله لقد نظرتم حيث نظر الله، وواليتم من والى الله، وعاديتم من عادى الله، أنتم الشعار والدثار، والأبرار الأطهار، طهرت ولادتكم، وخلصت طينتكم، فما المؤمنون إلا أنتم، ولا المخلصون إلا منكم، اختاركم الله لدينه، واصطفاكم على غيبه، فما خُلقت الجنّة إلا لكم، ولا برّزت الجحيم إلا لعدوّكم.

أنتم في النار تطلبون فلا توجدون، ومن الكوثر تردون ولا تصدّون، فلا يحزنكم إقبال الدنيا على غيركم، واجتماع أهلها على إهانتكم وتأخيركم، فإنّما هم ذئاب ضارية، بل كلاب عاوية، فلا تمدّوا أعينكم إلى ما متّعوا به من زينتها، وفتنوا فيه من زهرتها، من الثياب الموشّاة والمراكب المغشّاة، والخيل المسوّمة، والنعم المطهّمة، والحلل المزرّرة، والعمائم المقوّرة، والرقاب الغليظة، والأقفاء العريضة، والعثانين(٣) المصفّفة، واللحى المغفّلة، والدور المزخرفة، والقصور المشرفة، والأموال المكنوزة، والأمتعة المحروزة، والمنازل العامرة،

__________________

١ - سورة الواقعة: ١٧ - ٢١.

٢ - سورة الأنعام: ١٥٣.

٣ - العُثُنون من اللحية: ما نبت على الذَقَن وتحته سِفلاً ؛ وقيل: اللحية كلّها ؛ وقيل: عُثنون اللحية: طرفها. « لسان العرب: ١٣ / ٢٧٦ - عثن - ».

والجنان الغامرة، فإنّ ذلك متاع قليل، وجناب وبيل، مرجعه إلى زوال، وتملّكه إلى انتقال.

وعن قليل يسفر الصباح، ويحيعل الداعي إلى الفلاح، ويحمَد المؤمن التقيّ غِبّ السُّرى(١) ، وينجلي عن المنافق الشقيّ غيابات الكرى(٢) ، ويرى أنّ ما كان فيه من النعيم الزائد، والزبرج الجائد، إلا(٣) كسرابٍ بقيعةٍ(٤) ، أو حلم يقتضيها سويعة، ويتجلّى الجليل لحسابه، وتتهيّأ ملائكة العذاب لأخذه وعقابه، ويرى سيّده عتيق الأوّل، وابن صهاك الزنيم الأرذل، في الدرك الأسفل، والعذاب الأطول، مصفّدين مقرّنين، يستغيثان فلا يغاثان، ويناديان فلا يجابان، كلّما سدّت عليهما سبل المسالك استغاثا بخازن النار: يا مالك يا مالك، نضجت منّا الجلود، يا مالك أثقلتنا القيود.

إذا أراد الله أن يحلّ بأهل النار أليم عذابه، ووخيم عقابه، أمر ملائكة العذاب بفتح كوّة من سجنهما، فيتأذّى أهل النار من ريحهما ونتنهما، شرابهما حميم، وعذابهما مقيم، وأشياعهما من حولهما في السلاسل يسحبون، وبالمقامع يضربون، وفي النار يسجرون، وفي العذاب محضرون، يقولون:( رَبَّنَا أَخرِجنَا مِنهَا فَإن عُدنَا فإنَّا ظَالِمُونَ ) (٥) ، فيجابون:( اخسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونَ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِن عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغفِر لَنَا وارحَمنَا وَأَنتَ خَيرُ الرَّاحِمِينَ فَاتَّخَذتُمُوهُم سِخرِيّاً حَتَّى أَنسَوكُم ذِكرِي وَكُنتُم مِنهُم تَضحَكُونَ إنِّي جَزَيتُهُمُ

__________________

١ - غِبّ الأمر ومغبّته: عاقبته وآخره. السُّري: سير الليل بعامّته.

٢ - غَيابة كل شيء: عقره، الكَرى: النوم.

٣ - كذا في الأصل، ولو كانت العبارة هكذا: « لم يكن إلا » أو « ليس إلا » لكانت أصح.

والزبرج: الوشي، الذهب، وكل شيء حسن. والجائد: الكثير، الغزير.

٤ - إقتباس من الآية: ٣٩ من سورة النور.

٥ - سورة المؤمنون: ١٠٧.

اليَومَ بِمَا صَبَرُوا أنَّهُم هُمُ الفائِزُونَ ) (١) .

يطلع الله عليهما فيلعن، والملائكة تؤمّن، والنبيّ يعنّف، والوصيّ يؤفّف، والزهراء تتظلّم، والجحيم تتضرّم، والزبانية تقمع، والنار تسفع(٢) ، هذا جزاء من وسم غير إبله، وخالف الله ورسوله بقوله وعمله، ومنع الزهراء تراثها(٣) من والدها سيّد المرسلين، وآذى الله ورسوله وآذى إمام المسلمين وسيّد الوصيّين.

كلّ ذلك وأنتم على الأرائك تنظرون، ومن الكفّار تضحكون، ومن زيارة سادتكم لا تحجبون،( يُسقَونَ مِن رَحِيقٍ مَختُومٍ خِتَامُهُ مِسكٌ وَفِي ذلِكَ فليَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ وَمِزَاجُهُ مِن تَسنِيمٍ عَيناً يَشرَبُ بِهَا المُقرَّبُونَ ) (٤) إذا نظرتم إلى نبيّكم ووليّكم على الحوض للمؤمن يوردون، وللمنافق يطردون قلتم:( الحَمدُ للهِ الَّذي هَدَانَا لِهذَا وَمَا كُنَّا لِنَهتَدِيَ لَولَا أَن هَدَانَا اللهُ ) فيجابون:( أن تِلكُمُ الجَنَّةُ أُورِثتُمُوهَا بِمَا كُنتُم تَعمَلُونَ ) (٥) .

فاحمدوا ربّكم على هذه النعمة التي أهّلكم بها، وجعلكم من أهلها، واقتدوا في هذا اليوم بسنّه وليّكم ووسيلتكم إلى أمير المؤمنين وسيّد الوصيّين، فقد روي أنّه صلوات الله عليه خطب في هذا اليوم الكريم، والعيد العظيم، فقال - بعد أن حمد الله وأثنى عليه، وذكر النبي وصلّى عليه -: أيها الناس، هذا يوم

__________________

١ - سورة المؤمنون: ١٠٨ - ١١١.

٢ - سَفَعَتهُ النارُ والشمسُ: لَفَحته لَفحاً يسيراً فغيّرت لون بشرته وسوّدته. « لسان العرب: ٨ / ١٥٧ - سفع - ».

٣ - الوِرثُ والإرثُ والتراثُ والميراث: ما وُرٍثَ. « لسان العرب: ٢ / ٢٠٠ - ورث - ».

٤ - سورة المطفّفين: ٢٥ - ٢٨.

٥ - سورة الأعراف: ٤٣.

عظيم الشأن، فيه وقع الفرج، وعلت(١) الدرج، ووضحت الحجج، وهو يوم الايضاح، ويوم الافصاح، ويوم الكشف عن المقام الصراح، ويوم كمال الدين، ويوم العهد المعهود، ويوم الشاهد والمشهود، ويوم بيان(٢) العقود عن النفاق والجحود، ويوم البيان عن حقائق الايمان، ويوم البرهان، ويم دحر الشيطان.

هذا يوم الفصل الذي كنتم توعدون(٣) ، ويوم الملأ الأعلى إذ يختصمون، ويوم النبأ العظيم الّذي أنتم عنه معرضون(٤) ، ويوم الارشاد، ويوم محنة العباد، ويوم الدليل على الروّاد(٥) ، ويوم إبداء خفايا الصدور، ومضمرات الاُمور، هذا يوم النصوص على أهل الخصوص، هذا يوم شيث، هذا يوم إدريس، هذا يوم هود، هذا يوم يوشع، هذا يوم شمعون [ هذا يوم الأمن المأمون ](٦) ، هذا يوم إبراز المصون من المكنون، هذا يوم إبلاء السرائر.

فلم يزل صلوات الله عليه يقول: هذا يوم، هذا يوم، ثم قال: فراقبوا الله عزّ وجل واتّقوه، واسمعوا له وأطيعوه، واحذروا المكر ولا تخادعوه، وفتّشوا ضمائركم ولا تواربوه، وتقرّبوا إلى الله بتوحيده وطاعة من أمركم أن تطيعوه، ولا تمسّكوا بعصم الكوافر، ولا يجنح(٧) بكم الغيّ فتضلّوا عن سواء السبيل باتّباع اولئك الذين ضلّوا وأضلّوا، قال الله سبحانه عن طائفة ذكرهم بالذمّ في كتابه فقال سبحانه:( وَإذ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ الَّذِينَ استَكبَرُوا إنَّا

__________________

١ - في المتهجّد: ورفعت، وفي المناقب: ورفع الدرج، وصحّت الحجج.

٢ - في المتهجّد والمناقب: تبيان.

٣ - كذا في المتهجّد والمناقب، وفي الأصل: كنتم به تكذبون.

٤ - في المتهجّد والمناقب: ويوم الملأ الأعلى الذي أنتم عنه معرضون.

٥ - في المناقب: الذوّاد.

٦ - من المتهجّد.

٧ - كذا في المتهجّد، وفي الأصل: فيجمع.

كُنَّا لَكُم تَبَعاً فَهَل أَنتُم مُغنُونَ عَنَّا نَصيِباً مِنَ النَّارِ ) .(١)

وقال سبحانه:( رَبَّنَا إِنَّا أطَعنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا رَبَّنَا آتِهِم ضِعفَينِ مِنَ العَذَابِ وَالعَنهُم لَعناً كَبِيراً ) .(٢)

أتدرون ما الاستكبار؟ هو ترك الطاعة لمن اُمروا بطاعته، والترفّع عمّن ندبوا إلى متابعته، والقرآن ينطق من هذا عن كثير إن تدبّره متدبّر وعظه وزجره.

واعلموا - عباد الله - أنّ الله سبحانه يقول في محكم كتابه:( إنّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَرصُوصٌ ) (٣) أتدرون ما سبيل الله؟ ومن سبيل الله؟ وما صراط الله؟ ومن صراط الله؟

أنا صراط الله الذي نصبني(٤) للاتّباع بعد نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنا سبيل الله الذي من لم يسلكه بطاعة الله [ فيه ](٥) هويَ به في النار، وأنا حجّة الله على الأبرار والفجّار، [ ونور الأنوار ](٦) ، وأنا قسيم الجنّة والنار، فتيقّضوا من رقدة الغافلين(٧) ، [ وبادروا بالعمل قبل حلول الأجل، وسابقوا إلى مغفرة من ربّكم ](٨) قبل أن يُضرب بالسور بباطن الرحمة وظاهر العذاب، فتدعون فلا يسمع دعاؤكم، وتصيحون فلا يُحفل بصيحتكم، وأن(٩) تستغيثوا

__________________

١ - سورة غافر: ٤٧. وفي الأصل والمتهجّد تصحيف، حيث فيهما صدر الآية المذكورة يليه ذيل الآية ٢١ من سورة إبراهيم:( فَهَل أنتُم مُغنُونَ عَنَّا مِن عَذَابِ اللهِ مِن شَيءٍ قَالُوا لَو هَدَانَا اللهُ لَهَدَينَاكُم ) .

٢ - سورة الأحزاب: ٦٧ و ٦٨. وفي المتهجّد تقدّمت هاتان الآيتان على الآية السابقة.

٣ - سورة الصف: ٤.

٤ - كذا في المتهجّد، وفي الأصل: تصدى. وهذه الجملة جاءت في المتهجّد بعد قوله: هوي به إلى النار.

٥ و ٦ و ٨ - من المتهجّد.

٧ - في المتهجّد: فانتبهوا عن رقدة الغفلة.

٩ - في المتهجّد: فتنادون فلا يسمع نداؤكم، وتضجّون فلا يُحفل بضجيجكم، وقبل أن.

فلا(١) تغاثوا، بادروا بالطاعات قبل فوات الأوقات، فكأن قد جاءكم هادم اللذّات، ولات حين مناصٍ(٢) ، ولا محيص تخليص.

عودوا رحمكم الله بعد انقضاء مجمعكم بالتوسعة على عيالكم، والبرّ بإخوانكم، والشكر لله عزّ وجلّ على ما منحكم، واجتمعوا يجمع الله شملكم، وتبارّوا يصل الله اُلفتكم، وتهانوا نعمة الله كما هنّأكم بالثواب(٣) على أضعاف الأعياد قبله وبعده إلا في مثله، والبرّ فيه يثمر المال، ويزيد في العمر، والتعطّف فيه يقتضي رحمة الله وعطفه.

فافرحوا وفرّحوا إخوانكم باللباس الحسن، والمأكل الهنيء، والرائحة الطيّبة، وهنّؤا إخوانكم وعيالاتكم بالفضل من برّكم، وما(٤) تناله القدرة من استطاعتكم، وأظهروا البشر والحبور فيما بينكم، والسرور في ملاقاتكم، والحمد لله على ما منحكم، وعودوا بالمزيد من الخير على أهل التأميل لكم، وصلوا بكم ضعفاءكم بالفضل من أقواتكم(٥) ، وما تناله القدرة من استطاعتكم، وعلى حسب طاقتكم، فالدرهم فيه بمائة ألف درهم، والمزيد من الله عزّ وجلّ ما لادرك له، وصوم هذا اليوم ممّا ندب الله تعالى إليه، وجعل الثواب الجزيل كفالة عنه، حتى لو أنّ عبداً من العبيد تعبّد به بالتشبيه من ابتداء الدنيا إلى انتهائها، صائماً نهارها، قائماً ليلها، إذا أخلص المخلص في صيامه لتقاصرت إليه أيّام الدنيا [ عن كفاية، ومن أسعف أخاه مبتدأ وبرّه راغباً له كأجر من صام هذا اليوم

____________

١ - كذا في المتهجّد، وفي الأصل: لن.

٢ - في المتهجّد: فلا مناصَ نجاءٍ.

٣ - في المتهجّد: وتهادوا نعم الله كما منّاكم بالثواب فيه.

٤ - في المتهجّد: وهيّؤا لإخوانكم وعيالكم من فضله بالجهد من جودكم وبما.

٥ - في المتهجّد: وساووا بكم ضعفاءكم في مآكلكم.

وقام ليلته ](١) ، ومن فطّر مؤمناً في ليلته كان كمن فطّر فئاماً وفئاماً.

فلم يزل صلوات الله عليه يعدّ بيده الشريفة حتى عدّ عشراً.

فنهض ناهض وقال: يا أمير المؤمنين، وما الفئام؟

قال: مائة ألف نبيّ وصدّيق وشهيد، فما ظنّكم بمن تكفّل عدداً من المؤمنين؟ فأنا الضامن له على الله تعالى الأمان من الكفر والفقر، وإن مات في يومه أو في ليلته أو فيما بعده إلى مثله [ من غير ارتكاب كبيرة ](٢) فأجره على الله تعالى، ومن استدان لإخوانه فأسعفهم فأنا الضامن له على الله، إن بقّاه أدّاه، وإن مات قبل تأديته تحمّله عنه، وإذا تلاقيتم فتصافحوا بالتسليم، [ وتهانوا النعمة في هذا اليوم ](٣) ، وليعلم بذلك الشاهد الغائب والحاضر البائن، وليعد القويّ على الضعيف، والغني على الفقير، بذلك أمرني رسول الله عن الله.(٤)

وفي الحديث انّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يخبر عن وفاته بمدّة ويقول: قد حان منّي خفوق من بين أظهركم، وكان المنافقون يقولون: لئن مات محمد ليخرب دينه، فلمّا كان موقف الغدير قالوا: بطل كيدنا، فنزلت:( اليَومَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُم ) (٥) .(٦)

__________________

١ و ٢ - من المتهجّد.

٣ - من المتهجّد وفيه: « وليبلّغ » بدل « وليعلم ».

٤ - مصباح المتهجّد: ٧٥٥ - ٧٥٨ - وليس فيه: « عن الله » -، عنه مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ٤٣.

وأورده في إقبال الأعمال: ٤٦٢ - ٤٦٤، عنه كشف المهمّ: ٦٢ - ٦٥.

وأخرجه في البحار: ٣٧ / ١٦٤، وعوالم العلوم: ١٥ / ٣ / ١١٨ ح ١٥٩ وص ٢٠٩ ح ٢٩٠ « حديث الغدير » عن مناقب ابن شهراشوب.

٥ - سورة المائدة: ٣.

٦ - مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ٤٠، عنه البحار: ٣٧ / ١٦٣.

وكان الجمع الكبير والجمّ الغفير في الغدير حين أخذ البشير النذير بيد صنوه نور الله المبين، وسببه المتين، وإمام المتّقين، وأمير المؤمنين، أكثرهم ممّن الإلحاد دينه، والنفاق قرينه، قد استحوذ الشيطان على قلبه، واستولى على لبّه، فأعطى بلسانه ما ليس في فؤاده، وظهر على صفحات وجهه ما أضمر من إلحاده، وأسرّ غدراً، وأخفى مكراً، ونصب لنبيّه الغوائل، وجادل في أمر الغدير بالباطل، وأرصد بابه لتنفر ناقته، وعاقد على إنزال المنون بساحته، واستئصال شأفته.

وأطلع الله نبيّه على ما دبّروا، ووقاه سيّئات ما مكروا، ولمّا أشرقت دار الهجرة بنور مقدمه، وشرفت أرجاؤها بموطئ قدمه، وقد أكملصلى‌الله‌عليه‌وآله الدين بنصب وصيّه علماً لاُمّته، وعمّم النعمة بجعله حافظاً لشريعته، ونشر أعلام الإيمان بنشر مناقبه، وأعلى كلمة الاسلام بإعلاء مراتبه، وجلا أحكام الشريعة النبويّة في مدامس الاشتهار، وحلّى جيد الملّة الحنيفيّة بنفائس الافتخار(١) ، ودارت رحى العدل على قطبها، وأشرقت الأرض بنور بّها، دعاه

__________________

١ - في « ح »: نظم هذا المضمون علي بن حمّادرحمه‌الله وقال:

آخى الصـحابة أشكـالاً فـأفرده

فقال لم يا رســول اللـه تفردني

قال النبيّ لنفسي قد ذخـرتـك ما

في الأرض لي من أخ إلاّك يشبهني

أنا أخوك الذي ترضى وأنت أخي

ولا تـزال تواسـينـي وتسعفنـي

تشدّ أزري وتـرعى سنّتي وعلى

كلّ الأمور تواتيـني وتعـضدنـي

ما عشتُ أنت وزيـري وإذا

قضيتُ نحبي تـوالـيني وتـخلفني

وانت تغسّلـني عـند الـوفاة فما

يحلّ لغيرك عند الـغسل ينظـرني

وأنت وارث علمي والأمـين على

جميع أمري مـن سـرّ ومـن علن

وسوف تبدي لـك الأعداء مانقموا

من الضغـائن والأحـقاد والإحـن

واستعمل الحلم عنهم وانتظر ...

وبالإله عليــهـم فاستـعن تـعن

ألـقى إليـه رسـول الله سائر ما

ألقى إليـه مـن الرحمن ذي الـمنن

علماً بما كان ومـا قد يـكون وما

يقول في لقـن أوحـى إلـى لــقن

الله إلى جواره مختاراً، وناداه بلسان قضائه جهاراً: يا من أطلعته على سرّي المصون، وغيبي المكنون،( إنَّكَ مَيِّتٌ وَإنَّهُم مَيِّتُونَ ) (١) .

و لمّا انقضى أجله الجليل، وألمّت به الأسقام مؤذنة بوشك الرحيل، انصدعت لتوجّعه قلوب المؤمنين، وهمعت تألّمه عيون المسلمين.

وكان بدؤ مرضهصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم السبت أو يوم الأحد من صفر.

ولمّا اشتدّ مرضه قامصلى‌الله‌عليه‌وآله آخذاً بيد عليّعليه‌السلام ، وتبعه جماعة من أصحابه، وتوجّه إلى البقيع، فقال: السلام عليكم أهل القبور، ليهنئكم ما أصبحتم فيه ممّا فيه الناس، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يتبع

____________

وبعد دفـن رسول الله كم ظهرت

له معـاجــز قد دقّت عـلى ...

آل النبـيّ إليـكم كـلّ مكـرمة

تـتــرى علـى رغـم من ...

سفن النجـاة الـتي قـد فاز ...

لله مـا حـلّ فـي هاتيـكم السفن

قد جاد أجـداثكـم جـود به ...

وصار ربــعـكم صـوب ...

أنا ابن حمّـاد الـعبدي فضـّلني

ربــّي بما خـصـّني فيكم و ...

لا عذّب الله اُمّـي انـّها شـربت

حـبّ الوصيّ وأسقتنيـه في اللبن

وكان لـي والـد يهوى أبا حسن

فصرت من ذي وذا أهوى أباحسن

يا نفس إنّ شـبابي كان يغدرني

في اللهو والشيب فيه الـيوم يعذلني

كم من أخ لك علّلـتيه ثـمّ قضى

نحب الحياة وأدرجتيه فـي الكـفن

وأنت عمّا قلـيل تلحـقـين بـه

فأكثري الزاد للترحـال واحتـجن

وسوف تلقين بعد الموت ما كسبت

يداك من سيّء يا نفـس أو حـسن

لولا اتّكالي عـلى عفـو الإله إذاً

لكاد ذنـبي بما أسـلفت يـؤنسني

وليس لي عـمل أرجو الـنجاة به

إلاّ مــوالاة مـولاي أبي حسـن

أقول: وعلي بن حمّاد هو: أبو الحسن علي بن حمّاد بن عُبيد الله بن حمّاد العدويّ العبدي البصري، من معاصري الشيخ الصدوق والنجاشي. « انظر: الغدير: ٤ / ١٥٣، أدب الطف، ٢ / ١٦١ - ١٩٨ ».

١ - سورة الزمر: ٣٠.

آ خرها أوّلها، إنّ جبرئيل كان يعرض عليَّ القرآن كلّ سنة مرّة، وهذه السنة عرضه عليّ مرتين، ولا أراه إلا لحضور أجلي.

فقام إليه عمّار بن ياسر وقال: بأبي أنت واُمي يا رسول الله، إذا كان ذلك من يغسلك منّا؟

قال: ذاك عليّ بن أبي طالب، إنّه لا يهمّ بعضو من أعضائي إلا أعانته الملائكة على ذلك.

قال: فمن يصلّي عليك منّا إذا كان ذلك؟

قال: مه رحمك الله، ثم قال لأمير المؤمنينعليه‌السلام : يا عليّ، إذا رأيت روحي قد فارقت جسدي فاغسلني وانق غسلي، وكفّنّي في طمريّ اللذين اُصلّي فيهما أو في بياض مصر وبرد يمانيّ، ولا تغال في كفني، واحملوني حتى تضعوني على شفير قبري، فأوّل من يصلّي عليّ الجليل جلّ جلاله من فوق عرشه، ثمّ جبرئيل وميكائيل وإسرافيل في جنود من الملائكة لا يحصي عددهم إلا الله عز وجل، ثم الحافّون بالعرش، ثم أهل سماء فسماء، ثمّ جلّ أهل بيتي ونسائي الأقربون، يؤمون إيماء، ويسلّمون تسليماً، لا تؤذوني بصوت نادب ولا برنّة.

ثم قال لعمّه العبّاس: يا عبّاس، يا عمّ رسول الله، تقبل وصيّتي، وتنجز عدتي، وتقضي ديني.

فقال العباس: يا رسول الله، عمّك شيخ كبير، ذو عيال كثير، وأنت تباري الريح سمحاً وكرماً، وعليك وعد لا ينهض به عمّك.

فأقبل على عليّعليه‌السلام ، فقال: تقبل وصيّتي، وتنجز عدتي، وتقضي ديني؟

فقال: نعم، يا رسول الله.

فقال: ادن منّي، فدنا منه، فضمّه اليه ونزع خاتمه من يده، فقال: خذ هذا فضعه في يدك، ودعا بسيفه ودرعه وجميع لامته، فدفع ذلك إليه، والتمس عصابة كان يشدّها على بطنه إذا لبس الدرع، ورويّ أن جبرئيل أتاه بها من السماء، فجيء بها إليه، فدفعها إلى عليّ وقال: اقبض هذا في حياتي، ودفع إليه بغلته، وقال: امض على اسم الله إلى منزلك.

ثم اُغمي على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وحضر وقت الصلاة، وأذّن بلال، ونادى: الصلاة يا رسول الله.

ففتحصلى‌الله‌عليه‌وآله عينيه وقال: ادعوا لي حبيبي، فجعل يُعرَض عليه رجل فرجل وهو يُعرِض عنه، إلى أن حضر أمير المؤمنين فتهلّل وَجْهُهُ، ثم قال: يا بلال، هلمّ عليَّ بالناس، فأجمع الناس.

فخرجصلى‌الله‌عليه‌وآله متوكّئاً على أمير المؤمنين بيده اليمنى، وعلى الفضل بن العبّاس باليد الاُخرى، متعصّباً بعمامته، متوكّئاً على قوسه، فصلّى بالناس جالساً، وقد كانت عائشة قد أرسلت إلى أبيها أن يصلّي بالناس، فنحّاه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وصلّى.

ثمّ قام وصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنّه قد حان منّي خفوق من بين أظهركم، فأيّ نبيّ كنت لكم؟ ألم اُجاهد بين أظهركم، ألم تكسر رباعيتي؟ ألم يعفّر جبيني؟ ألم تسل الدماء على حرّ وجهي حتى لثقت(١) لحيتي؟ ألم اُكابد الشدّة والجهد مع جهّال قومي؟ ألم أربط حجر المجاعة على بطني؟

____________

١ - لثقت: ابتلّت.

قالوا: بلى، يا رسول الله، لقد كنت صابراً، وعن المنكر ناهياً، فجزاك الله عنّا أفضل الجزاء.

قال : وأنتم جزالك الله ربّي ثم قال: إنّ ربّي سبحانه أقسم الا يجوزه ظلم ظالم، فناشدتكم بالله أيّ رجل منكم كانت له قِبَل محمد مظلمة فليقم وليقتصّ، فإنّ القصاص في دار الدنيا أحبّ إليّ من القصاص في الآخرة على رؤوس الملائكة والأنبياء؟

فقام إليه رجل - من أقصى القوم - يقال له سوادة بن قيس فقال: فداك أبي واُمّي، إنّك - يا رسول الله - لمّا أقبلت من الطائف استقبلتك وأنت على ناقتك العضباء وبيدك القضيب الممشوق، فرفعت القضيب وأنت تريد الراحلة فأصاب بطني، فلا أدري أعمداً أم خطأ؟

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : معاذ الله أن أكون تعمّدت، ثم قال: يا بلال، قم إلى منزل فاطمة فائتني بالقضيب الممشوق، فخرج بلال وهو ينادي في سكك المدينة: معاشر الناس، من الذي يعطي القصاص من نفسه قبل يوم القيامة؟ فطرق بلال الباب على فاطمةعليها‌السلام وهو يقول: يا فاطمة، قومي فوالدك يريد القضيب الممشوق، فصاحت فاطمة وهي تقول: وما يصنع أبي بالقضيب وليس هذا اليوم يومه؟!

فقال: أما علمتِ أنّ أباك قد صعد المنبر وهو يودّع الناس ويعطي القصاص من نفسه؟ فصاحت فاطمة وهي تقول: واغمّاه لغمّك يا أبتاه، من للفقراء والمساكين وابن السبيل بعدك يا رسول الله، يا حبيب الله، وحبيب القلوب؟ ثمّ ناولت بلالاً القضيب، فجاء به وناوله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فقال رسول الله: أين الشيخ؟

فقال: ها أنذا يا رسول الله، بأبي أنت واُمّي.

قال: قم فاقتصّ حتى ترضى.

فقال الشيخ: اكشف لي عن بطنك يا رسول الله، فكشفصلى‌الله‌عليه‌وآله عن بطنه، فقال الشيخ: أتأذن لي - يا رسول الله - أن أضع فمي على بطنك؟ فأذن له، فقال: أعوذ بموضع القصاص من بطن رسول الله من النار.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا سوادة، أتعفو أم تقتصّ؟

قال: بل أعفو، يا رسول الله.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : اللهم اعف عن سوادة بن قيس كما عفا عن نبيّك.

ثم نزل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ودخل منزل اُمّ سلمة وهو يقول: ربّ سلّم اُمّة محمد من النار، ويسّر عليهم الحساب.

فقالت اُمّ سلمة: يا رسول الله، ما لي أراك مغموماً متغيّر اللون؟

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : نعيت غليّ نفسي، فسلام لك منّي في الدنيا فلا تسمعين صوت محمد بعد هذا أبداً.

فقالت اُمّ سلمة: واحزناه حزناً لا تدركه الندامة عليك يا محمد.

ثم قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ادع لي حبيبة نفسي وقرّة عيني فاطمة، فجاءت فاطمة وهي تقول: نفسي لنفسك الفداء، ووجهي لوجهك الوقاء، يا أبتاه، ألا تكلّمني كلمةً، فإنّي أراك مفارق الدنيا، وارى عساكر الموت تغشاك؟

فقال: يا بنيّة، إنّي مفارقك، فسلام عليك منّي.

قالت: يا أبتاه، فأين الملتقى يوم القيامة؟

قال: عند الحساب.

قالت: فإن لم ألقك عند الحساب؟

قال: عند الشفاعة لاُمّتي.

قالت: فإن لم ألقك عند الشفاعة لاُمّتك.

قال: عند الصراط، جبرئيل عن يميني، وميكائيل عن يساري، والملائكة من خلفي وقدّامي ينادون: ربّ سلّم اُمّة محمد من النار، ويسّر عليهم الحساب.

قالت فاطمةعليها‌السلام : فأين والدتي خديجة؟

قال: في قصر له أربعة أبواب إلى الجنّة.

و عن ابن عبّاس قال: اشتدّ برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وجعه يوم الخميس، فقال: ائتوني بدواة وكتف لأكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً.

فقال عمر: إنّ النبي قد اشتدّ به الوجع وهو يهجر، عندكم القرآن حسبنا كتاب الله(١) ، فاختلف الناس حينئذٍ بينهم، فمنهم من يقول: القول ما قال عمر،

__________________

١ - انظر: صحيح مسلم: ٣ / ١٢٥٩ ح ٢٢، شرح نهج البلاغة: ٢ / ٥٥، وج ٦ / ٥١، الملل والنحل للشهرستاني: ١ / ٢٩، المسند للحميدي: ١ / ٢٤١ ح ٥٢٦، طبقات ابن سعد: ٢ / ٣٦ و ٣٧، مسند أحمد بن حنبل: ٢٩٣ و ٣٥٥، صحيح البخاري: ١ / ٣٩، وج ٤ / ٨٥ و ١٢١، المعجم الكبير للطبراني: ١١ / ٤٤٥ ح ١٢٢٦١، شرح السنّة للبغوي: ١١ / ١٨٠ ح ٢٧٥٥، الكامل في التاريخ: ٢ / ٣٢٠.

وأخرجه في البحار: ٢٢ / ٤٦٨ عن إعلام الورى: ١٤١، إرشاد المفيد: ٨٩. وفي ص ٤٧٢ ح ٢١ عن مناقب ابن شهراشوب: ١ / ٢٣٥. وفي ص ٤٧٤ عن أمالي المفيد: ٣٦ ح ٣. وفي ص ٤٩٨ ح ٤٤ عن كتاب سُليم بن قيس: ٢١٠.

فلمّا كثر اللغط(١) عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: قوموا، فكان ابن عبّاس يقول: الرزيّة كلّ الرزيّة ما خلا بين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم.

ثمّ اُغمي على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلمّا أفاق قال: انطلقوا بي إلى فاطمة، فجيء به حتى وضع رأسه في حجرها، فإذا الحسن والحسينعليهما‌السلام يبكيان ويصيحان ويضطربان، وهما يقولان: أنفسنا لنفسك الفداء، ووجوهنا لوجهك الوقاء.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا عليّ، من هاذان؟

فقال: ابناك الحسن والحسين، فعانقهما وقبّلهما، وكان الحسن أشدّ بكاءً من الحسين.

فقال أمير المؤمنين: كفّ يا حسن، فقد شققت على رسول الله، ونزل ملك الموت، فقال: السلام عليك، يا رسول الله.

فقال: وعليك السلام، يا ملك الموت، لي إليك حاجة، ألاّ تقبض روحي حتى يأتي جبرئيل أخي.

فخرج ملك الموت وهو يقول: وامحمداه، فاستقبله جبرئيل في الهواء، وقال: يا ملك الموت، قبضت روح محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟

قال: سألني الا أقبضه حتى يلقاك فيسلّم عليك وتسلّم عليه.

فقال جبرئيل: يا ملك الموت، أما ترى أبواب السماء قد فتحت لروح محمد؟ أما ترى الحور العين قد تزيّنت لمحمد؟

____________

١ - كذا الصحيح، وفي الأصل: اللفظ.

ثم نزل جبرئيلعليه‌السلام فقال: السلام عليك، يا أبا القاسم.

فقال: وعليك السلام ادن منّي يا جبرئيل، فدنا منه، فنزل ملك الموت، فقال له جبرئيل: يا ملك الموت، احفظ وصيّة الله في روح محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكان جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، وملك الموت آخذ بروحهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وجبرئيل يقول: يا محمد( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَيِّتُونَ ) (١) ( كُلُّ نَفسٍ ذَائِقَةُ المَوتِ ) (٢) .(٣)

مسند ابي يعلى وفضائل أحمد(٤) : عن اُمّ سلمة في خبر: والذي تحلف اُمّ سلمة به انّه كان آخر عهد برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عليّعليه‌السلام ، وكان رسول الله قد بعثه في حاجة غداة قبض، وكان يقول: جاء عليّ - ثلاث مرّات - قالت: فجاء عليّ قبل طلوع الشمس، فخرجنا من البيت لمّا علمنا انّه له إليه حاجة، فانكبّ عليه علي، فكان آخر الناس به عهداً، وجعل يسارّه ويناجيه.(٥)

و من طريق أهل البيتعليهم‌السلام أنّ عائشة دعت أباها فأعرض عنه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ودعت حفصة أباها فأعرض عنه، ودعت اُمّ

____________

١ - سورة الزمر: ٣٠.

٢ - سورة آل عمران: ١٨٥، سورة الأنبياء: ٣٥، سورة العنكبوت: ٥٧.

٣ - أمالي الصدوق: ٥٠٥ ح ٦، عنه البحار: ٢٢ / ٥٠٧ ح ٩.

وأورد قطعات منه في مناقب ابن شهراشوب: ١ / ٢٣٤ - ٢٣٥، عنه البحار: ٢٢ / ٤٧٢. وانظر: الأحاديث الغيبيّة: ١ / ٣٨ ح ١٢.

٤ - مسند أبي يعلى الموصلي: ١٢ / ٣٦٤ ح ٦٩٣٤، فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل: ٢ / ٢٨٦ ح ١١٧١.

٥ - مناقب ابن شهراشوب: ١ / ٢٣٦.

سلمة عليّاًعليه‌السلام فناجاه طويلاً(١) . حتى إذا اشتدّ كربه، وارتفع أنينه، وعرق لهول الموت جبينه نادى لشدّة السياق: وا كرباه.

فنادت فاطمة: وا كرباه لكربك يا أبتاه.

فأجابها مسكّناً لحرقتها بين القوم: لا كرب على أبيك بعد اليوم.(٢)

ثمّ سالت نفسه الشريفةصلى‌الله‌عليه‌وآله مختاراً، فسالت لها العيون من شؤونها مدراراً، وانقطع بموته الوحي والتنزيل، وامتنع من الأرض جبرئيل، وأظلمت المدينة بعد نورها وضيائها، وارتفع الضجيج من قصورها وأرحابها.(٣)

وروي أنهصلى‌الله‌عليه‌وآله لمّا دنا منه الأجل المحتوم جذب عليّاً إليه، وغشّاه بثوبه الذي عليه، ووضع فاه على فيه، وجعل يناجيه.

فلمّا حضره الموت وقضىصلى‌الله‌عليه‌وآله استلّ أمير المؤمنينعليه‌السلام من تحت الثوب، وتركه على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ فقيل لأمير المؤمنين: ما الذي ناجاك به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟

فقال: علّمني ألف باب من العلم، ينتج كلّ باب إلى ألف باب(٤) ، وأوصاني بما أنا به قائم إن شاء الله.

ومن طريق أهل البيتعليهم‌السلام أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله جذب عليّاً تحت ثوبه، وجعل يناجيه، فلمّا حضره الموت قال: يا عليّ، ضع

__________________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ١ / ٢٣٦ - ٢٣٧، عنه البحار: ٢٢ / ٥٢١ ح ٢٩.

٢ - كشف الغمّة: ١ / ١٦، عنه البحار: ٢٢ / ٥٣١.

٣ - أرحاب: جمع رحبة، وهي الصحراء.

٤ - في المناقب: فُتح لي من كلّ باب ألف باب.

رأسي في حجرك، فقد جاء أمر الله، فإذا فاضت نفسي فتناولها بيدك، وامسح بها وجهك، ثمّ وجّهني إلى القبلة، وتولّ أمر، وصلّ عليّ أوّل الناس، ولا تفارقني حتى تواريني في رمسي، واستعن بالله سبحانه.

فأخذ عليّ برأسه، ووضعه في حجره، فاُغمي عليه، فبكت فاطمة، فأومأ إليها بالدنوّ منه، فأسرّ إليها شيئاً فضحكت وتهلّل وجهها.

فسئلت عن ذلك، فقالت: أعلمني أنّي أوّل أهل بيته لحوقاً به.

ثمّ قضىصلى‌الله‌عليه‌وآله ويد أمير المؤمنين تحت حنكه، ففاضت نفسهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فرفعها أمير المؤمنين إلى وجهه فمسحه بها، ثمّ مدّ عليه إزاره، واستقبل بالنظر في أمره.(١)

و ممّا قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه في نهج البلاغة في هذا المعنى: وقد علم المستحفظون من أصحاب محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّي لم أردّ على الله ولا على رسوله ساعةً قطّ، ولقد واسيته بنفسي في المواطن الّتي تنكص(٢) فيها الأبطال، وتتأخّر الأقدام، نجدةً(٣) أكرمني الله بها.

ولقد قُبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وإنّ رأسه لعلى صدري، وقد سالت نفسه في كفّي، فأمررتها على وجهي، ولقد ولّيت غسلهصلى‌الله‌عليه‌وآله والملائكة أعواني، فضجّت الدار والأفنية ؛ ملأ يهبط، وملأ يعرج، وما فارقت سمعي هينمة(٤) منهم، يصلّون عليه حتى واريناه في ضريحه، فمن ذا أحقّ به منّي حيّاً وميّتاً؟ فانفذوا على بصائركم، ولتصدق نيّاتكم في جهاد

____________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ١ / ٢٣٧، عنه البحار: ٢٢ / ٥٢١ - ٥٢٢.

٢ - تنكص: تتراجع.

٣ - النجدة: الشجاعة.

٤ - الهينمة: الكلام الخفيّ لا يفهم.

عدوّكم، فو الّذي لا إله إلا هو إنّي لعلى جادّة الحق، وإنّهم لعلى مزلّة الباطل، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم!(١)

عن أبي جعفر الباقرعليه‌السلام (٢) قال: قال الناس: كيف كانت الصلاة

__________________

١ - نهج البلاغة: ٣١١ خطبة رقم ١٩٧، عنه البحار: ٢٢ / ٥٤٠ ح ٤٩ من قوله « ولقد قبض ».

٢ - في « ح »: عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: لمّا قبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بات آل محمدعليهم‌السلام بأطول ليلة حتى ظنّوا أن لا سماء تظلّهم، ولا أرض تقلّهم، لأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وتر الأقربين والأبعدين في الله.

فبينما هم كذلك إذ أتاهم آت لا يرونه ويسمعون كلامه، فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، إنّ في الله عزاء من كل مصيبة، ونجاة من كلّ هلكة، ودركاً لما فات:( كُلُّ نَفسٍ ذَائِقَةُ المَوتِ وَإِنَّمَا تُوفَّونَ اُجُوَركُم يَومَ القِيَامَةِ فَمَن زَحزِحَ عَنِ النَّارِ وَاُدخِلَ الجَنَّةَ فَقَد فَازَ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنيا إلاَّ مَتَاعُ الغُرُورِ ) ، [ آل عمران: ١٨٥ ]، إنّ الله اختاركم وفضّكلم وطهّركم وجعلكم أهل بيت نبيّه، واستودعكم علمه، وأورثكم كتابه، وجعلكم تابوت علمه وعصا عزّه، وضرب لكم مثلاً من نوره، وعصمكم من الزلل، ,آمنكم من الفتن، فتعزّوا بعزاء الله، فإنّ الله لم ينزع منكم رحمته، ولن يزيل عنكم نعمته، فأنتم أهل الله عز وجل الذين بهم تمّت النعمة، واجتمعت الفرقة، وائتلفت الكلمة، وأنتم أولياؤه، فمن تولّاكم فاز، ومن ظلم حقّكم زهق، مودّتكم من الله واجبة في كتابه على عباده المؤمنين، ثمّ الله على نصركم إذا يشاء قدير، فاصبروا لعواقب الامور، فإنّها إلى الله تصير، قد قبلكم الله من نبيّه وديعة، واستودعكم أولياء المؤمنين في الأرض، فمن أدّى أمانته أتاه الله صدقه، وأنتم الأمانة المستودعة، ولكم المودّة الواجبة، والطاعة المفروضة، وقد قبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقد أكمل لكم الدين، وبيّن لكم سبيل المخرج، فلم يترك لجاهل حجّة، فمن جهل أو تجاهل أو أنكر أو نسي أو تناسى فعلى الله حسابه، والله من وراء حوائجكم، وأستودعكم الله، والسلام عليكم.

فسألت أبا جعفرعليه‌السلام ممّن أتاهم للتعزية.

قال: من الله تعالى شأنه.

نقل من كتاب اُصول الكافي للكلينيرحمه‌الله [ ج ١ ص ٤٤٥ ح ١٩، عنه البحار: ٢٢ / ٥٣٧ ح ٣٩ ].

عليه؟ فقال عليعليه‌السلام : [ إنّ ](١) رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إمام حيّاً وميّتاً فدخل عليه عشرة عشرة، فصلّوا عليه يوم الاثنين وليلة الثلاثاء حتى الصباح ويوم الثلاثاء، حتى صلّى عليه الأقرباء والخواصّ، ولم يحضر أهل السقيفة، وكان عليّعليه‌السلام أنفذ لهم بريدة، وإنّما تمّت بيعتهم بعد دفنهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

و قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: إنّما اُنزلت هذه الآية في الصلاة عليَّ بعد قبض الله لي:( إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ) (٢) الآية.

وسئل الباقرعليه‌السلام : كيف كانت الصلاة على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟

فقال: لمّا غسّله أمير المؤمنينعليه‌السلام وكفّنه وسجّاه أدخل عليه عشرة عشرة فداروا حوله، ثمّ وقف أمير المؤمنين في وسطهم فقال:( إنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيّ ) الآية، فيقول القوم مثل ما يقول حتى صلّى عليه أهل المدينة والعوالي، واختلفوا أين يدفن؟ فقال بعضهم: في البقيع، وقال آخرون: في صحن المسجد.

فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : إنّ الله لم يقبض نبيّه إلا في أطهر بقاع الأرض، فينبغي أن يدفن في البقعة التي قبض فيه، فاتّفقت الجماعة على قوله، ودفن في حجرته.

ونزل في قبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أمير المؤمنينعليه‌السلام

____________

١ - من المناقب.

٢ - سورة الأحزاب: ٥٦.

و الفضل بن العبّاس وقثم وشقران، ولهذا قال أمير المؤمنين: أنا الأوّل وأنا الآخر(١) .

وأنشأ أمير المؤمنين صلوات الله يقول:

نَفسي على زَفَراتها محبوسةٌ

يا لَيتها خـرجت مـع الزَفراتِ

لا خير بعدك في الحياة وإنّما

أخشى(٢) مخافة أن تطولَ حياتي(٣)

وله صلوات الله عليه:

أَلا طرق الناعي بـليلٍ فراعَني

وأرّقنـي لـمّا استقـلّ(٤) مُناديا

فقلت له لمّا سمعـت الذي نعى

حواست جمع كن

فحقّق ما أسعفت(٦) منه ولم أجد

وكـان خـليلي عزّتي(٧) وجماليا

____________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ١ / ٢٣٩ - ٢٤٠.

٢ - في الديوان: أبكي.

٣ - مناقب ابن شهراشوب: ١ / ٢٤٠، ديوان أمير المؤمنينعليه‌السلام : ٥٧ ( دار الكتاب العربي ) وص ٥٥ ( دار ابن زيدون ).

٤ - في الديوان: استهلّ.

٥ - في الديوان: لمّا رأيتُ الذي أتى أغير رسول الله أصبحت.

٦ - في المناقب: فخفق ما أشفقت.

٧ - في الديوان: ولم يبل وكان خليلي عدّتي.

وهذا البيت غير مذكور في طبعة دار الكتاب.

فَوَالـلّهِ مـا أنساك أحمد ما مَشَت(١)

بي العيس(٢) في أرضٍ وجاوزتُ واديا

وكنـتُ متى أهبط من الأرض تلعةً(٣)

أرى(٤) أثـراً مـنه جديـداً وبـالـيا

شجـاعٌ تشـطّ(٥) الخيل عنه كأنّما

يَرَين بـه ليـثاً علـيهـنّ عـاديا(٦)

[ ولهعليه‌السلام : ](٧)

ألا يا رسول الله كنتَ حمىً لنا(٨)

وكنت بنا بـرّاً ولـم تـك جافيا

وكأن على قـلبي لذكر محـمد

وما جيب(٩) من بعد النبي المكاويا

__________________

١ - في المناقب: مست.

٢ - في الديوان: العيش.

٣ - كذا في المناقب والديوان، وفي الأصل: بلغة.

٤ - في المناقب: أجد، وفي الديوان: أجد أثراً منه جديراً وعافيا.

٥ - كذا في المناقب، وفي الأصل: يشطي، وفي الديوان: جوادٌ تشظّي.

وتشط: أي تبعد.

٦ - في الديوان: ضاريا.

مناقب ابن شهراشوب: ١ / ٢٤١، ديوان أمير المؤمنينعليه‌السلام : ١٢٦ ( دار الكتاب العربي ) وص ١٥٣ ( دار ابن زيدون )، أنساب الأشراف: ١ / ٥٩٢.

٧ - من المناقب.

٨ - في المناقب: رجائيا.

٩ - في المناقب: وما جاء. والمكاوي: جمع المكواة.

أفاطم صلّى الله ربّ محـمّد

على جدث أمسى بـيثرب ثـاويا

فدى لرسول الله اُمّي وخالتي

وعمّي وزوجي(١) ثمّ نفسي وخاليا

فلو أنّ رب العشر أبقاك بيننا

سعدنا ولكن أمـره كـان ماضـيا

عليك من الله السلام تحيّـة

واُدخلتَ جنّات من العـدن راضيا(٢)

وقالت الزهراء صلوات الله عليها:

قل للمغيّب تحت أطباق الثرى

إن كنت تسمع صرختي وندائيا

صبّت عليّ مصائـب لو أنّها

صبّت على الأيّام عدن(٣) لياليا

قد كنتُ ذات حمىً بظلّ محمد

لا أخش من ضـيم وكان جماليا

فاليـوم أخشـع للذليل وأتّقي

ضيمي وأدفع ظـالمي بـردائيا

__________________

١ - كذا في المناقب، وفي الأصل: وروحي.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ١ / ٢٤٢، وأنساب الأشراف: ١ / ٥٩٤، وفيه الأبيات منسوبة لصفيّة بنت عبد المطّلب.

٣ - في المناقب: صرن.

فإذا بـكت قـمريّة فــي ليلـها

شجناً على غصن بكيت صـباحيا

[ فلأجعلنّ الحزن من بعدك مؤنسي ](١)

ولأجعلنّ الدمـع فيك وشـاحيـا(٢)

ماذا على من شـمّ تـربة أحـمد

ألاّ يشمّ مدى الزمـان غـوالـيا(٣)

ولها صلوات الله عليها:

كنتَ السواد لمقتـلي

يبكي عليك الناظ

من شاء بعدك فليمت

ر فعليك كنت اُحاذر(٤)

وقالت اُمّ سلمة:

فجعنا(٥) بالنبيّ وكان فينا

إمام كرامـة نعـم الإمـام

وكان قوامنا والرأس منّا

فنحن اليوم ليس لـنا قـوام

ننوح ونشتكي ما قد لقينا

ويشكو فقـدك البـلد الحرام

فلا تبعد فكلّ فتىً كريم

سيدركه وإن كره(٦) الحمام(٧)

__________________

١ - من المناقب.

٢ - الوشاح: نسيج عريض يرصّع بالجوهر، وتشدّه المرأة بين عاتقها وكشحَيها. « المعجم الوسيط: ٢ / ١٠٣٣ - وشح - ».

٣ - مناقب ابن شهراشوب: ١ / ٢٤٢.

والغوالي: جمع الغالية: أخلاط من الطيب كالمسك والعنبر. « المعجم الوسيط: ٢ / ٦٦٠ ».

٤ - مناقب ابن شهراشوب: ١ / ٢٤٢.

٥ - كذا في المناقب، وفي الاصل: فصُنّا.

٦ - كذا في المناقب، وفي الأصل: كرم.

٧ - مناقب ابن شهراشوب: ١ / ٢٤٣.

و قالت صفيّة بنت عبد المطّلب(١) :

يا عـَين جـودي بدمع منك منحدر

ولا تملّي وابـكي(٢) سيّد البشرِ

ابكي(٣) الرسول فقد هَدَّت مصيبته

جميع قومي وأهل البدوِ والحضر

ولا تَـملّي بكـاك الدهر معـولـةً

عليه ما غرّد القُمريّ في السحر(٤) (٥)

وقال حسّان:

إنّ الرزيـّة لا رزيّة مثلها

ميّت بطيـبة مثلـه لـم يفقـد

ميّت بطيبة أشرقت بحياته

ظلم البـلاد لِـمُتهِـمٍ أو مُنـجِدِ

والكوكب الدرّي أصبح آفلاً

بالنـور بعـد تبلـّج وتصـعّد

لله ما ضمّت(٦) حفيرة قبره

منه وما فقدت سواري الـمسجد(٧)

الكافي: اجتمعت نسوة بني هاشم، وجعلن يذكرن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقالت فاطمة الزهراءعليها‌السلام : اتركن التعداد وعليكنّ بالدعاء.

____________

١ - صفيّة بنت عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف، عمّة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، اُمّ الزبير بن العوّام، كانت من أشجع النساء في زمانها. انظر في ترجمتها: أعيان الشيعة: ٧ / ٣٩٠، الاصبة: ٤ / ٣٤٨، أعلام الزركلي: ٣ / ٢٠٦.

٢ - في المناقب: وبكّي.

٣ - في المناقب: بكّي.

٤ - كذا في المناقب، وفي الأصل: الشجر.

٥ - مناقب ابن شهراشوب: ١ / ٢٤٣، وأنساب الأشراف: ١ / ٥٩٤.

٦ - في المناقب: ضمنت.

٧ - مناقب ابن شهراشوب: ١ / ٢٤٤.

وقالت فاطمة: قال النيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لعليّ: يا عليّ، من اُصيب بمصيبة فليذكر مصيبته بي فإنّها من أعظم المصائب.(١)

ر وى يزيد بن بلال، عن أمير المؤمنينعليه‌السلام قال: أوصى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : أن لا يغسّله أحد غيري، فإنّه لا يرى أحد عورته إلا طمست عيناه.

قال: فما أتناول عضواً إلا كان كأنّما نقله ثلاثون رجلاً(٢) حتى فرغت من غسله.(٣)

وروي أنّه لمّا أراد أمير المؤمنين تغسيله استدعى الفضل بن العبّاس ليعينه، وكان مشدود العينين، وقد أمره أمير المؤمنينعليه‌السلام [ بذلك ](٤) إشفاقاً عليه من العمى(٥) .

المناجاة

يا من جمال جلاله منزّه عن التغيير والزوال، ويا من دوام كماله مقدّس عن الحدوث والانتقال، ويا من جلّ في ذاته وصفاته عن المعاني والأحوال. ويا من دلّ بافتقار مخلوقاته على انّه الكبير المتعال.

سبحانك من قاهر تردّى بالجبروت والكبرياء، وتعاليت من قادر لا

____________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ١ / ٢٣٨ - وليس فيه « وقالت فاطمة »، عنه البحار: ٢٢ / ٥٢٢. ولم أجده في الكافي.

٢ - في المناقب: فما تناولت عضواً إلا كأنّما يقلبه معي ثلاثون رجلاً.

٣ - مناقب ابن شهراشوب: ١ / ٢٣٩، عنه البحار: ٢٢ / ٥٢٤.

٤ - من المناقب.

٥ - مناقب ابن شهراشوب: ١ / ٢٣٩، عنه البحار: ٢٢ / ٥٢٤.

يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، لا تشارك في وجوب وجودك، ولا تضاهي في فضلك وجودك، ولا يخرج عن سلطانك قويّ ولا ضعيف، ولا يفلت من قبضتك دنيّ ولا شريف، ولا يخرج عن إحصائك وفيّ ولا طفيف، أنت الظاهر ببديع قدرتك، القاهر بعموم ربوبيّتك، حكمتَ بالموت، وقضيتَ بالفوت، فلا رادّ لقضائك، ولا مفرّ من بلائك.

سبحانك أخرجتنا من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، وقضيتَ لنا في دار بلائك الحسنى وزيادة، وجعلتَ لناأرضك فراشاً، وسخّرت لنا من رزقك معاشاً، وركبت فينا أدوات معرفتك، وآلات عبادتك، من عقول كاملة، وأركان عاملة، وجوارح مطيعة، وقوىً مستطيعة.

وأودعت في أجسادنا من عجائب حكمتك، وغرائب صنعتك، أعدل شاهد على وحدانيّتك، وأكبر دالّ على فردانيّتك، من آلات بسط وقبض، ورفع وخفض، وحركة وسكون، وظهور وبطون، وطبائع مصرفة، وقوىً مختلفة، من باصرة وسامعة، ومفرّقة وجامعة، وماسكة ودافعة، وموصلة ومانعة، وذاكرة وحافظة، وذائقة ولافظة.

ونصبت لنا من خواصّك أعلاماً جعلت قلوبها مواطن حبّك، ومعادن قربك، لما فازت بالدرجة العليّة من فيضان عنايتك، وشربت بالكأس الرويّة من شراب محبّتك، أطربها بلبل دوح عرفانك تشتهي نغمته، وأرقّها صوت مجيد فرقانك بفصيح كلمته، فطالعت جلال جمالك بأبصار بصائرها، وشاهدت أنوار تجلّيات عظمتك بأفكار سرائرها، فجرت في مضمار عشقها إلى حضيرة قدسك، وسلكت بقدم صدقها إلى مقام اُنسك، لم تقصر قواها عن الترقّي في مدارج السلوك بتوفيقك وتأييدك، ولم تختلجها عوارض الشكوك بإرشادك

وتسديدك، حتى إذا وردت عن اليقين ورداً وصدراً، وكشف بها الحقّ المبين عن غوامض أسراره حجاباً وستراً، وصار المحبّ حبيباً، والطالب مطلوباً.

جعلتهم معادن علمك، ومواضع حكمك، وتراجمة وحيك، وسفرة أمرك، وعصمتهم من كلّ عيب، ونزّهتهم من كل ريب، وتوّجهتهم بتاج عنايتك، وأفرغت عليهم خلع كرامتك، وأسريت بهاديهم إلى الصفيح الأعلى، وسموت بساميهم إلى المقام الأدنى، وأطلعته على أسرار ملكوتك، وشرّفته بخطاب حضرة جبروتك، ووسمته بخاتم النبيّين، وسمّيته بأحمد ومحمد وطه وياسين، وجعلته أفضل أهل السماوات وأهل الأرضين، وأيّدته بوليّك سيّد الوصيّين، وفرضت ولاءها وولاء أهل بيتهما على عبادك أجمعين، فقلت:( يَا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) (١) .

فمن سلك سبيلهم، واقتفى دليلهم، فهو ممّن ألحقته جناح رحمتك، وأورثته نعيم جنّتك، ورقمت اسمه في جرائد المنتجبين من خواصّك، وأثبتّ وسمه في صحائف الموسومين بإخلاصك.

ومن تولّى عن أمرهم، وأنكر عنهم برّهم، وتوالى من جرت عليه نعمتهم، وعظمت لديه مننهم، واستطال على الناس برفيع مجدهم، واشتهر بالباس بغرار حسدهم، وتاه في ظلمة ضلالته، وغرق في لجّة جهالته، فهو ممّن قلت فيه:( يُؤمِنُونَ بِالجِبتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤلاَءِ أهدَى مِنَ الَّذِينَ

__________________

١ - سورة التوبة: ١١٩.

آمَنُوا سَبِيلاً اُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَن يَلعَنِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لهُ نَصِيراً ) (١) ( يُرِيدُونَ أن يَتَحَاكَمُوا إلَى الطَّاغُوتِ وَقَد اُمِرُوا أَن يَكفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيطَانُ أن يُضِلَّهُم ضَلَالاً بَعِيداً وَإِذَا قِيلَ لَهُم تَعَالَوا إلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأيتَ المُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً ) (٢) ( اُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِم وَلِقَائِهِ فَحَبِطَت أعمَالُهُم فَلَا نُقِيمُ لَهُم يَومَ القِيَامَةِ وَزناً ذَلِكَ جَزَاؤُهُم جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً ) .(٣)

اللّهمّ إنّا لا نعلم نبيّاً من أنبيائك، ولا نعتقد وليّاً من أوليائك، ولا ملكاً من حملة عرشك، ولا هابطاً بوحيك وأمرك، ولا أميناً على غيبك وسرّك، أفضل لديك من نبيّك المصطفى، وأمينك المجتبى، الّذي انتجبته لرسالتك، واصطفيته بكلمتك، وختمت به أنبياءك، ووصيّه الذي اخترته لخلافتك، وقرنت طاعته بطاعتك، وضربته مثلاً في محكم تنزيلك، وشددت به عضد نبيّك ورسولك، وأيّدته بالفضل والحكم، وآتيته بسطة في العلم والجسم، وهزمت بجدّه الأحزاب، وقصمت بسيفه الأصلاب، وجعلت حبّه فارقاً بين الكفر والإيمان، وحبّه وسيلة إلى الفوز بنعيم الجنان.

لا نعقتد ذنباً بعد الإلحاد في آياتك، والجحود لصفاتك، وادّعاء إلهاً سواك، والتكبّر على جلالك وعلاك، أعظم ولا أكبر، ولا أوثق ولا أشقّ، من ذنب من وضع من قدره، واجترى عليه بكفره، وقدّم عليه من لا يعادل عند الله شسع نعله، وأخرّه عمّن ليس له فضل كفضله، ولا أصل كأصله، وجحد نصّ رسولك،

__________________

١ - سورة النساء: ٥١ و ٥٢.

٢ - سورة النساء: ٦٠ و ٦١.

٣ - سورة الكهف: ١٠٥ و ١٠٦.

وحرّف آيات تنزيلك، وشهد أنّ طاعتك مقرونة بطاعته، وولايتك مشروطة بولايته، إذ هو « اُولوا الأمر » الّذي أمرت باقتفاء أثره، ونوّهت في كتابك بذكره، وأمرت نبيّك بأن يأخذ ميثاق خلافته على كل مقرّ بوحدانيّتك، معتقد لربوبيّتك، فمن ردّ مقال رسولك، وسلك غير سبيلك، فهو ممّن قلّدته لعنتك، ووعدته نقمتك، وأعددت له أليم عذابك، ووخيم عقابك.

ونشهد أنّه سبيلك القويم، وصراطك المستقيم، ونشهد أنّ من ابتزّه سلطانه غاصباً، وتسمّى باسمه كاذباً، وأنكر ما أوصيت من فرض ولايته، وأخفى ما أظهرت من حقّ خلافته، فقد بعد من الصواب، وحقّت عليه كلمة العذاب، فلا عذاب أعظم من عذابه، ولا عقاب أنكى من عقابه، إذ الثواب والعقاب على مقدار الفعل المكتسب في دار البلاء، ومحلّه الابتلاء، ومن جحد الوصيّ منزلته، وردّ على الرسول مقالته، وأوّل نصّ الكتاب بالتأويل الواهي، والخيال الساهي، وقدّم من يستحقّ التأخير لنقصه، وأخّر من قدّم الله ورسوله منصبه، ونصب العداوة لأهل بيت نبيّه، وجحد الولاية بضلاله وغيّه، وعدل بميراث الرسول عن أهله، ووضعه في غير محلّه، فهو ممّن أنكر اصول الايمان، وانتظم في مسلك عبدة الأوثان، وأعداء الرحمن، ومقرّه في الدرك الأسفل، وجزاؤه العذاب الأطول، يتعوّذ فرعون وهامان من عذابه، وينفر عبدة الأوثان من أليم عقابه.

كما ذكرت هنا في فقرات نثري، وأوردت قديماً في خطبي وشعري، مخاطباً من تجرّأ على الله والرسول، وغصب حقّ الوصي والبتول:

غرّتك دنياك فصرت حاكماً

وللوصيّ والـبتول ظـالما

وللنبيّ المصطفى مخاصماً

فسوف تصلى بعد ذا سعيرا

عقوبة الذنب مـن الـلّه على

مقدار ذنب العبد في دار البلا

وظلم من يؤذي النبي المرسلا

هل فوقه ظلم فـكن بـصيرا

اللّهمّ فكما جعلتنا من المتمسكين بحبل نبيّك وعترته، والمستظلّين بظلال وليّك وذرّيّته، المعتصمين بمعاقل محبّيهم، الموسومين بخاصّة شيعتهم، الواثقين بعروة عصمتهم، السالكين واضح طريقتهم فصلّ على محمد وآله، وأمتنا على الحق الّذي هديتنا إليه من عرفان حقّهم، وابعثنا على النهج الذي نحن عليه من الاقرار بصدقهم، ومتّعنا بالنظر إلى جلال جمالهم في حشرنا، واجعلهم شفعاءنا إليك يوم نشرنا، وارزقنا منازل السعداء، واسقنا من حوضهم شربة لا نظمأ بعدها أبداً، إنّك على كلّ شيء قدير، وبالاجابة جدير، والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على سيّدنا محمد وآله الطاهرين.

المجلس الثالث

في ذكر شيء من فضائل أمير المؤمنين، وذكر أدلّة شريفة

على فرض إمامته، والاستدلال على كفر من أنكر نصّ

خلافته، وذكر طرف من ظلامة سيّدة النساء صلوات

الله عليها، وذكر وفاتها، ووفاة أمير المؤمنين

صلوات الله عليه وعلى أبنائه الطاهرين

الخطبة

الحمد لله الذي أسبغ علينا فضله العميم، وأسدى إلينا برّه الجسيم، وهدانا صراطه المستقيم، وسلك بنا سبيله القويم، وجعلنا من اُمّة رسوله الكريم، وشيعة وليّه الأوّاه الحليم، أعني سيّد الوصيّين، وإمام المتّقين، وحبل الله المتين، ونوره المبين، عليّ أمير المؤمنين، المغصوب أمره، المجهول قدره، المشهور فضله، المنشور عدله، المظلوم حقّه المكذوب صدقه، المقتول في محرابه، المهدوم ركن الاسلام بمصابه، أفضل من ارتدى بالخلافة واتّزر، وأشرف من تسمّى بالإمامة واشتهر، صنو الرسول ومواريه في رمسه، وصارمه المسلول

ومواسيه بنفسه.

كم ركن للشرك هدم، وركن صلب للكفر قصم، وكم أدحض للجهل حجّة، وكم أمعن للبغي مهجة، وكم أخفى للنفاق محجّة، وكم أفاء الله على المسلمين بسيفه أموالاً ودياراً وحدائق ذات بهجة.

كتب الله بيد عظمته منشور ولايته، وختم بطابع عنايته توقيع خلافته، وأوجب فرض ولايته على كافّة بريّته، وجعل الرئاسة العامّة إلى يوم القيامة فيه وفي ذرّيّته،( إِنَّمَا وَلِيُّكُم ) (١) تاج سلطانه، و( قُل لَا أَسأَلُكُمُ ) (٢) خلعة عظيم شأنه، وآية النجوى في حلية الفخر جواد سباقه، وسورة هل أتى في عرصة المجد ميدان انطلاقه.

قرن الشمس مقعد أصله، وهامة السماك مركب فضله، عدله عميم، وفضله عظيم، ونوره تامّ، وجوده عامّ، وعلمه بحر زاخر، وكفّه وجود هامر، ولفظه لؤلؤ منثور، وعزمه سيف مشهور، وحبّه شرف وفخر، وبغضه نفاق وكفر.

يعشق جماله قلبي، ويعتقد كماله لبّي، ويهوى ذكره لساني، ويعتاد شكره جناني، ويحلو تكرّر لفظه في لهواتي، ويجلو فصيح وعظه كرباتي، كلامه شفاء غمومي، وخطبه مجلية همومي، ونهج بلاغته سبيل بلاغتي، وغرر درره حلية فصاحتي، ينشي مدحه نشوات السرور في فؤادي، ويستعذب وصفه دقيق فكري في إصداري وإيرادي.

إن نابني من عدوّي ناب وظفر، فزعت إلى الدعاء باسمه في الجهر

__________________

١ - سورة المائدة: ٥٥.

٢ - سورة الشورى: ٢٣.

والسرّ، ليجعل الله معاندي بصواعق توسّلاتي مقهوراً، وبسهام دعواتي محسوراً، ويطرق لعيني مذؤوماً مدحوراً، وأن يردّ الّذي كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً(١) .

اللهمّ اجعل كيده في تضليل، وأرسل عليه حجارة من سجّيل(٢) ، وشهباً ثاقبة يضعف عن تحمّل سعيرها الطوق، وسحائب هلكه برد بارودها بمطر من تحت إلى فوق.

اللهم أرسل عليه شواظاً من نار ونحاس(٣) ، وبنادق من رصاص تتركه كهشيم المحتظر(٤) ، ولا توفّقه للتوبة، ولا ترشده للأوبة، وصمّ سمعه عن سماع نصيحتي، ولا تنفعه بتبياني وتذكرتي، حتى تخرجه من دار الفناء وأنت عليه غضبان، وتصليه جهنّم وقلبه غير مطمئنّ بالإيمان.

ربّنا أفرغ علينا صبراً على ظلمه، وأعظم لنا من لدنك أجراً على هظمه، واجعل لنا اُسوة بنبيّك وأهل بيته الأطهار، وارفع لنا عندك درجة في منازل الأبرار، إنّك ذو الفضل الجزيل، والصنع الجميل.

روي عن شمس فلك النبوّة، وروح جسد الفتوّة، ومن أعلى الله على كلّ علوّ علوّه، واسمى على كلّ سموّ سموّه، بلبل دوح( اقرَأ وَرَبُّكَ الأكرَمُ ) (٥) ، قارئ لوح( وَعَلَّمَكَ مَا لَم تَكُن تَعلَم ) (٦) ، صدر مجلس( ألَم نَشرَح لَكَ

__________________

١ - إقتباس من الآية: ٢٥ من سورة الأحزاب.

٢ - إقتباس من الآية: ٢ و ٤ من سورة الفيل.

٣ - إقتباس من الآية: ٣٥ من سورة الرحمن.

٤ - إقتباس من الآية: ٣١ من سورة القمر.

٥ - سورة العلق: ٣.

٦ - سورة النساء: ١١٣.

صَدرَكَ ) (١) ، بدر مشرق( وَرَفَعنَا لَكَ ذِكرَكَ ) (٢) ، تاج نبوّته( مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أحَدٍ مِن رِجَالِكُم وَلكِن رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيّينَ ) (٣) ، ومنهاج ملّته( وَمَن يَبتَغِ غَيرَ الإسلَامِ دِيناً فَلَن يُقبَلَ مِنهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ ) (٤) ، وقسم رسالته( يس وَالقُرآنِ الحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ المُرسَلِينَ ) (٥) ، وصحيفة أدبه( خُذِ العَفوَ وَأمُر بِالعُرفِ وَأَعرِض عَنِ الجَاهِلِينَ ) (٦) ، ومعراج رفعته( سُبحَانَ الَّذِي أَسرَى ) (٧) ، وكمال معرفته( سَنُقرِئُكَ فَلَا تَنسَى )(٨) .

رسخت قدمه في صعيد المجد الأطول، وشمخت شجرته في روضة الشرف الأعبل، طار بقوادم التقديم لمّا اُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وفاز بدرجة التعظيم لمّا وطئ بأخمصه بساط العزّة والكبرياء، ونودي في ذلك المقام: دس البساط بنعليك، وخوطب بلسان الحال:( إنَّا أوحَينَا ) (٩) النبيّون طلائع جنودك، والكروبيّون مقدّمة عديدك، و( إنَّا فَتَحنَا ) (١٠) علم نصرتك وتأييدك،( وَلَسَوفَ يُعطِيكَ رَبُّكَ فَتَرضَى ) (١١) علامة رفعتك وتمجيدك.

____________

١ - سورة الشرح: ١.

٢ - سورة الشرح: ٤.

٣ - سورة الأحزاب: ٤٠.

٤ - سورة آل عمران: ٨٥.

٥ - سورة يس: ١ - ٣.

٦ - سورة الأعراف: ١٩٩.

٧ - سورة الإسراء: ١.

٨ - سورة الأعلى: ٦.

٩ - سورة النساء: ١٦٣.

١٠ - سورة الفتح: ١.

١١ - سورة الضحى: ٥.

الدنيا والآخرة في قبضة حكمك، وعلوم الأوّلين والآخرين كالقطرة في بحر علمك، لم أخلق خلقاً أكرم منك عليّ، ولم اُنشئ نشأً أدنى منك إليّ، السبع الطباق ميدان سباق، وسدرة المنتهى غاية براقك، شجرتك في دوحة المجد نسقت، ونبعتك في ربوة العزّ سمقت، قلبك خزانة علمي، وشرعك مناط حكمي، ويمنك موضع سرّي، وأمرك قرين أمري.

( مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَد أطَاعَ اللهَ ) (١) عنوان صحيفتك،( فَاتَّبِعُونِي يُحبِبكُمُ اللهُ ) (٢) توقيع رسالتك، يا بدر دجى أسريت به ليلاً إلى حضرة قدسي، ويا شمس ضحى أبديت سناها من مقام اُنسي، خذ ما أتيتك بقوّة.

فإذا لسان حاله،صلى‌الله‌عليه‌وآله : يا من شرّفني - بلذيذ مناجاته بي(٣) - إلى الصفيح الأعلى من سماواته، وأطلعني على أسرار ملكوته، وأسمعني نغمة خطاب جبروته، ربّي وحقّ ما أزلفتني به من قربك، وأتحفتني من خالص حبّك، وما ضمّت عليه جوانحي وأحشائي من صحّة يقيني وولائي، وما سكن من بهجتك في سواد ناظري وسويداء ما في قلبي إلا جلال جمالك، ولا في نفسي إلا بهاء كمالك، صرفت كلّي نحو طاعتك، ووجّهت وجهي إلى كعبة محبّتك، ووقفت سمعي على خطاب حضرتك، حلية لساني شريف ذكرك، وراحة جناني دوام شكرك.

يا معبودي ومقصودي، ومن له خضوعي وسجودي، نوّر بمصابيح التوفيق سبيل سلوكي إليك، واحملني على مطايا التحقيق موضّحاً أدلّة الحقّ عليك، إنّك الهادي إلى الطريق الرشاد، والموضح سبيل السداد، هذا الذي جليت

__________________

١ - سورة النساء: ٨٠.

٢ - سورة آل عمران: ٣١.

٣ - كذا في الأصل.

رين القلوب بذكر مفاخره، وجلوت على النفوس غروس مآثره، ونقلت درّه من طور مراتبه، وصببت قطرة من بحر مناقبه.

ر وي عنه بالروايات القاطعة، والآثار الساطعة، متّصلة إليهصلى‌الله‌عليه‌وآله صعد المنبر فخطب بعد أن اجتمع الناس إليه، فقال:

يا معشر المؤمنين، إنّ الله سبحانه أوحى إليّ أنّي مقبوض، وانّ ابن عمّي علياً مقتول، وإنّي - أيها الناس - اُخبركم بخبرٍ إن علمتم به سلمتم، وإن تركتموه هلكتم، إنّ ابن عمّي علياً هو أخي ووزيري، وهو خليفتي، وهو المبلّغ عنّي، وهو إمام المتّقين، وقائد الغرّ المحجّلين، إن استرشدتموه أرشدكم، وإن تبعتموه نجوتم، وإن خالفتموه ضللتم، وإن أطعتموه فالله أطعتم، وإن عصيتموه فالله عصيتم، وإن بايعتموه فالله بايعتم، وإن نكثتم بيعته فبيعة الله نكثتم، وإنّ الله سبحانه أنزل عليَّ القرآن، وهو الذي من خالفه ضلّ، ومن ابتغى علمه عند غير علي هلك.

أيها الناس، اسمعوا قولي، واعرفوا حقّ نصيحتي، ولا تخلفوني في أهل بيتي إلا بالذي اُمرتم به من حقّهم(١) ، فإنّهم حامتي وقرابتي وإخوتي وأولادي، وإنكم مجموعون ومساءلون عن الثقلين، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، إنّهم أهل بيتي، فمن آذاهم آذاني، ومن ظلمهم ظلمني، ومن أذلّهم أذلّني، ومن أعزّهم أعزّني، ومن أكرمهم أكرمني [ ومن نصرهم نصرني، ومن خذلهم خذلني، ومن طلب الهدى في غيرهم فقد كذّبني ].(٢)

أيها الناس، اتّقوا الله وانظروا ما أنتم قائلون إذا لقيتموه، فإنّي خصيم لمن

____________

١ - في الأمالي: حفظهم.

٢ - من الأمالي.

آذاهم، ومن كنت خصمه خصمه الله(١) ، أقول قولي [ هذا ](٢) وأستغفر الله لي ولكم.(٣)

أقول: في موجب هذه الخطبة التي ذكر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله فيها شرف أمير المؤمنين، وأبان عن فضله الّذي لا يوازيه فضل أحد من العالمين، إذ اختصّه بخلافته وإخوته، وسجّل انّه الأولى بتدبير اُمّته، وأوضح عن شرف رتبته، وأفصح برفعة منزلته بقوله: هذا أخي ووزيري وخليفتي والمبلّغ عنّي، ثمّ زاده شرفاً بقوله: هذا أخي ووزيري وخليفتي والمبلّغ عنّي، ثمّ زاده شرفاً بقوله: هو إمام المتّقين، وقائد الغرّ المحجّلين، وإنّما خصّ المتّقين بالذكر لكونهم هم الفائزون بإخلاص الطاعة له في سرّهم وعلانيتهم، وهم المتّبعون بأداء أمره ونواهيه في ظواهرهم وبواطنهم، وهم الّذين اهتدوا فزادهم الله هدى وآتاهم تقواهم(٤) ، وهم الّذين اعتصموا بحبل الله فعصموا من الردى في دنياهم واُخراهم(٥) ، وان كان صلوات الله عليه إماماً لجميع الخلق من الثقلين، وسيّداً لمن أقرّ بتوحيد ربّ المشرقين وربّ المغربين.

ثم عرّفناصلى‌الله‌عليه‌وآله إن استرشدناه استرشدنا، وإن تبعناه نجونا، وإن خالفناه ضللنا، وإن أطعناه فالله أطعنا، وإن عصيناه فالله عصينا، وإن

__________________

١ - في الأمالي: خصمه خصمته.

٢ - من الأمالي.

٣ - أمالي الصدوق: ٦٢ ح ١١، عنه البحار: ٣٨ / ٩٤ ح ١٠، وإثبات الهداة: ١ / ٢٧٩ ح ١٤٨.

ورواه في بشارة المصطفى: ١٦ - ١٧ بالاسناد إلى الصدوق.

وأورده في مشارق أنوار اليقين: ٥٢ - ٥٣، عنه البحار: ٢٣ / ١٥٣ ح ١١٨.

٤ - إقتباس من الآية: ١٧ من سورة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله .

٥ - إقتباس من الآية: ١٠٣ من سورة آل عمران.

بايعناه فالله بايعنا، وإن نكثنا بيعته فبيعة الله نكثنا.

ثم قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ الله أنزل عليَّ القرآن الذي من خالفه ضلّ، ومن ابتغى علمه عند غير عليّ هلك.

وما كانصلى‌الله‌عليه‌وآله ليثبت له هذه الخصائص تشهّياً، ولا ليوجب له هذه الفضائل اقتراحاً، بل بوحي يوحى، لكونهصلى‌الله‌عليه‌وآله لا ينطق عن الهوى(١) .

ولم يكن سبحانه ليوجب علينا متابعته، ويفرض علينا ولايته، ولا يحثّنا على الاستمساك بعروته، ويأمرنا بسلوك طريقته، إلا لأنّه سبحانه علم تشدّده في حبّه، وإخلاصه بقالبه وقلبه.

قد طهّره سبحانه بالعصمة، وأيّده بالحكمة، لا تأخذ فيه لومة لائم، ولا يثني عزيمته عن التوجّه إليه عقائد العزائم، قلبه منبع الأسرار الإلهيّة، ونفسه معدن العلوم الربّانيّة والفضائل النفسانيّة، إلى كعبة علومه تشدّ الرحال، وببيت معارفه يطول الرجال، وعلى قواعد استنباطه تبنى الأحكام، وهو الذي وضع قوانين العلوم بأسرها، وتفرّد دون الخلق بضبطها وحصرها، فالعلوم الإلهيّة من عين يقينه نبعت، الأحكام الشرعيّة من تحقيقه وتبيينه تفرّعت، وموازين الفصاحة بلسانه استقام لسانها، وقعر البلاغة بنهج بلاغته قامت سوقها واستقامت أوزانها، والقواعد الرياضيّة بحدّة فطنته أوضح غامض إشكالها، وأقام البرهان على وحدة الصانع ووجوب وجوده بترتيب قضاياها وأشكالها.

كلّ علم لا يُعزى إليه فهو باطل، وكلّ نثر لا يحلّى بجواهر كلامه فهو

__________________

١ - إشارة إلى الآية: ٣ و ٤ من سورة النجم.

عاطل، وكلّ عالم لا يعتمد عليه فهو جاهل، وكلّ منطبق لا يقفو أثره فهو باقل(١) ، وكلّ فاضل لا يحذو حذوه فهو خامل.

ما من علم إلا وهو أصله وفرعه، وما من أدب إلا وهو بصره وسمعه، إليه يرجع المتألّهون في سلوكهم، وبنور كشفه تكشف ظلمة الحيرة من سلوكهم، أقدم الناس سلماً، وأغزرهم علماً، واعرفهم بكتاب الله، وأذبّهم عن وجه رسول الله.

سيفه القاطع، ونوره الساطع، وصدّيقه الصادق، ولسانه الناطق، وأنيس وحشته، وجليس وحدته، ووليّ عهده، وأبو ولده، وأفضل الخلق من بعده، لم يسبقه الأوّلون بعلم وجهاد، ولم يلحقه الآخرون بجدّ واجتهاد، نصر الرسول إذ خذلوا، وآزره إذ فشلوا، وآثره بنفسه إذ بخلوا، واستقام على طريقته، إذ غيّروا وبدّلوا.

مجده شامخ، وعلمه راسخ، كم حجّة لمارق أدحض، وكم شبهة لزاهق قوّض، وكم علم للشرك نكّس، وكم جدّ للظلم أتعس، وكم جمع للنفاس أركس، وكم منطبق من اولي الشقاق أبلس، أوّل من صام وصلّى وتصدّق، وأقام الإسلام في بدر وحنين واُحد والخندق، كم قصم فقار مشرك بذي الفقار، كالوليد وعمرو وذي الخِمار(٢) ، ردّت له الشمس وقد دنت للطفل، حتى أدّى فرضه وعن طاعة ربّه ما اشتغل.

أوّل في الدين ذو قدم

وله عزّ إذا انتسبا

خصّة ربّي فصـيّره

لبني بنت النبيّ أبا

 __________________

١ - باقلٌ: اسم رجل يضرب به المثل في العِيّ. « لسان العرب: ١١ / ٦٢ - بقل - ».

٢ - هو سُبيع بن الحارث، من بني مالك.

فهو سيّد الوصيّين، وزوج سيّدة نساء العالمين، وابناه سيّدا شباب أهل الجنّة، وعمّه حمزة سيّد الشهداء، وأخوه جعفر يسمّى ملكاً، سيّد الطيور في الجنّة يطير عبد مناف سيّد العرب، وحماته اُمّ المؤمنين أوّل امرأة أسلمت وصلّت وأنفقت، ومنها نسل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، واُمّه فاطمة بنت أسد أوّل هاشميّة ولدت من هاشميّين.

و روى الثقات عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: يا عليّ، لك أشياء ليس لي مثلها ؛ إنّ لك زوجة مثل فاطمة وليس لي مثلها، ولك ولدين من صلبك وليس لي مثلهما من صلبي، ولك مثل خديجة امّ أهلك وليس لي مثلها، ولك حمو(١) مثلي وليس لي حمو مثلي، ولك أخ في النسب مثل جعفر وليس لي مثله في النسب، ولك اُمّ مثل فاطمة بنت أسد الهاشميّة المهاجرة وليس لي اُمّ مثلها.

سلمان وأبوذرّ والمقداد: انّ رجلاً فاخر عليّاًعليه‌السلام فقال [ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ](٢) : إن فاخرت العرب فأنت أكرمهم ابن عمّ، وأكرمهم نفساً، وأكرمهم زوجة، وأكرمهم ولداً، واكرمهم أخاً، وأكرمهم عمّاً، وأعظمهم حلماً، وأكثرهم علماً، وأقدمهم سلماً، [ وفي خبر: ](٣) وأشجعهم قلباً، وأسخاهم كفّاً.

وفي خبر آخر: أنت أفضل اُمّتي فضلاً.(٤)

وروى شيخ السنّة القاضي أبو عمرو عثمان بن أحمد في خبر طويل أنّ

____________

١ - في المناقب: صهر، وكذا في الموضع الآتي.

٢ و ٣ - من المناقب.

٤ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ١٧٠، عنه البحار: ٤٠ / ٦٨ ح ١٠٢.

فاطمة بنت أسد رأت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يأكل تمراً له رائحة تزداد على كلّ الأطائب من المسك والعنبر، من نخلة لا شماريخ لها، فقالت: ناولني - يا رسول الله - أنل منها.

قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : لا تصلح إلا أن تشهدي معي [ أن ](١) لا إله إلا الله، وأنّ محمداً رسول الله، فشهدت الشهادتين، فناولها فأكلت، فازدادت رغبتها، وطلبت اُخرى لأبي طالب، فأوعز إليهاصلى‌الله‌عليه‌وآله الا تعطيه الا بعد الشهادتين.

فلمّا جنّ عليها الليل اشتمّ أبو طالب نسيماً ما اشتمّ مثله قطّ فأظهرت ما معها فالتمسه منها، فأبت عليه(٢) إلا أن يشهد الشهادتين، فلم يملك نفسه أن شهد الشهادتين غير أنّه سألها أن تكتم عليه لئلّا تعيّره قريش، فعاهدته على ذلك، وأعطته ما معها ودنا إليها، فعلقت بعليّ صلوات الله عليه في تلك الليلة، ولمّا علقت بعليّعليه‌السلام ازداد حسنها، وكان يتكلّم في بطنها، وكانت يوماً في الكعبة فتكلّم عليعليه‌السلام مع جعفر فغشي عليه، فالتفتت فإذا الأصنام خرّت على وجوهها، فمسحت على بطنها وقالت: يا قرّة العين، تخدمك(٣) الأصنام فيّ داخلاً، فكيف شأنك خارجاً؟! وذكرت لأبي طالب ذلك، فقال: هو الّذي قال لي عنه أسد في طريق الطائف.(٤)

وروى الحسن بن محبوب، عن الصادقعليه‌السلام أنّه لمّا أخذ فاطمة

__________________

١ - من المناقب.

٢ - كذا في المناقب، وفي الأصل: إليه.

٣ - في المناقب: سجدتك.

٤ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ١٧٢، عنه البحار: ٣٥ / ١٧ ح ١٤، وحلية الأبرار: ٢ / ١٩ ح ١.

بنت أسد الطلق أتت الكعبة فانفتح البيت من ظهره ودخلت فاطمة فيه، ثمّ عادت الفتحة والتصقت وبقيت فيه ثلاثة أيّام تأكل من ثمار الجنّة وأرزاقها حتى ولدت أمير المؤمنينعليه‌السلام في جوف الكعبة.

و قيل: إنّه لمّا أخذها المخاض أتت الكعبة وقالت: ربّ إنّ مؤمنة بك وبما جاء من عندك من كتب ورسل، مصدّقة بكلام جدّي إبراهيم، فبحقّ الّذي بنى هذا البيت، وبحقّ المولود الذي في بطني لما يسّرت عليّ ولادتي.

فانفتح البيت ودخلت فيه وإذا بحوّاء ومريم وآسية واُمّ موسى، وصنعن به كما صنعن برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عند ولادته، فلمّا ولدته سجد على الأرض يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنّ محمّداً رسول الله، [ وأشهد أنّ عليّاً وصيّ محمد رسول الله ](١) ، بمحمد تختم النبوّة، وبي تتمّ الوصيّة، وأنا أمير المؤمنين، ثمّ سلّم على النساء، وأشرقت الأرض(٢) بضيائها، فخرج أبو طالب وهو يقول: أبشروا، فقد خرج وليّ الله.

وفي رواية اُخرى: انّه لمّا خرجت به اُمّه من البيت قال لأبي طالب: السلام عليك يا أبة ورحمة الله وبركاته، ثمّ تنحنح وقرأ:( بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ قَد أفلَحَ المُؤمِنُونَ ) (٣) الآيات، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : قد أفلحوا بك، أنت والله أميرهم تميرهم من علومك فيمتارون، وانت والله دليلهم وبك يهتدون.

ووضع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لسانه في فيه فانفجر اثنتا عشرة

____________

١ - من المناقب.

٢ - في المناقب: السماء.

٣ - سورة المؤمنون: ١.

عيناً - الحديث - فحنّكه رسول الله بريقه، وأذّن في اُذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، فعرف الشهادتين وولد على الفطرة.(١)

وروي أنّه لمّا ولد [ عليعليه‌السلام ](٢) أخذ أبو طالب بيد فاطمة - وعليّ على صدره - وخرج ليلاً إلى الأبطح ونادى:

يا ربّ هذا الغـسق الدجيِّ

والقـمر المـبتلـج المضيّ

بيّن لنا من حكمك المقضيّ

[ ماذا ترى في اسم ذا الصبيّ؟ ](٣)

قال: فجاء شيء كالسحاب يدبّ على وجه الأرض حتى حصل في صدر أبي طالب فضمّه مع عليّ إلى صدره، فلمّا أصبح إذا هو بلوح أخضر فيه مكتوب:

خصصتما بالولد الزكيّ

والطاهر المنتجب الرضيّ

فاسمه من شامخ عليّ

عليّ اشــتقّ من العلـيّ(٤)

قال: فعلّق(٥) اللوح في الكعبة، وما زال هناك حتى أخذه هشام بن عبد الملك لعنه الله، وإجماع أهل البيت أنّه ولد في الزاوية اليمنى في الكعبة، فالولد الطاهر من النسل الطاهر، ولد في الموضع الطاهر، فأين توجد هذه

__________________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ١٧٣ - ١٧٤، عنه البحار: ٣٥ / ١٧ ذ ح ١٤.

٢ - من المناقب.

٣ - من المناقب.

وفي « ح »: قال أبو طالب:

سمّيته بعليّ كي يدوم له

عزّ العلوّ وخير العزّ أدومه

٤ - انظر كفاية الطالب: ٤٠٦، عنه الغدير: ٧ / ٣٤٧. وفي الفضائل لشاذان: ٥٦ - ٥٧، عنه البحار: ٣٥ / ١٠٢ - ١٠٣.

٥ - في المناقب: فعلّقوا.

الكرامة لغيره؟ فأشرف البقاع الحرم، وأشرف الحرم المسجد، وأشرف [ بقاع ](١) المسجد الكعبة، ولم يولد فيه مولود سواه، فالمولود فيه يكون في غاية الشرف، وليس المولود في سيّد الأيّام يوم الجمعة في الشهر الحرام في البيت الحرام سوى أمير المؤمنينعليه‌السلام .(٢)

و أجمع أهل البيت بأدلّة قاطعة بأنّه معصوم، وأجمع الناس انّه لم يشرك بالله أبداً، وانّه بايع(٣) النبيّ في صغره وترك أبويه.

وروى جابر رضي الله عنه، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: ثلاثة لم يكفروا بالله(٤) طرفة عين: مؤمن آل يس، وعليّ بن أبي طالب، وآسية امرأة فرعون.(٥)

وروي أنّه اعترف رجل [ محصن ](٦) عند أمير المؤمنينعليه‌السلام انّه زنا مرّة بعد مرّة وأمير المؤمنين يتغافل عنه حتى اعترف الرابعة، فأمر صلوات الله عليه بحبسه، ثمّ نادى في الناس، ثم أخرجه بالغلس(٧) ، ثمّ حفر له حفيرة ووضعه فيها، ثمّ نادى: أيها الناس، هذه حقوق الله لا يطلبها من كان عليه مثلها، فانصرفوا ما خلا عليّ بن أبي طالب والحسن والحسين صلوات الله عليهم.(٨)

____________

١ - من المناقب.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ١٧٤ - ١٧٥، عنه البحار: ٣٥ / ١٨ - ١٩.

٣ - كذا في المناقب، وفي الاصل: تابع.

٤ - في المناقب: بالوحي.

٥ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ١٧٧.

٦ - من المناقب.

٧ - الغلس: ظلمة آخر الليل.

٨ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ١٧٧، وزاد فيه: فرجمه، ثمّ صلّى عليه.

وفي التهذيب انّ محمد بن الحنفية كان ممّن رجع.(١)

و كان أمير المؤمنين ممّن وصفه الله تعالى( وَاجنُبنِي وَبَنِيَّ أَن نَعبُدَ الأَصنَامَ ) (٢) ثم قال:( وَمِن ذُرِّيَّتنَا اُمَّةً مُسلِمَةً لَكَ ) (٣) ، فنظرنا في أمر الظالم فإذا الاُمّة قد فسّروه انّه عابد الأصنام، وانّ من عبدها فقد لزمه الذّل، وقد نفى الله أن يكون الظالم إماماً(٤) لقوله:( لَا يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ ) (٥) .

ووجدنا العامّة بأسرهم إذا ذكروا عليّاً قالوا: كرّم الله وجهه، وأجروا ذلك على ألسنتهم، يعنون بذلك: عن عبادة الأصنام.(٦)

ديك الجنّ(٧) :

شرفي محبّة معشر

شرّفوا بسورة هـل أتى

وولاي من في فتكه

سمّاه ذو الـعرش الفتى

لم يعبد الأصنام قطّ

ولا ألام ولا عـتـا

ثبتاً إذا قدما سـواه

إلى المـهاوي زلـّـتا

ثقل الهدى وكتـابه

بـعـد الـنبـيّ تشتّتا

____________

١ - تهذيب الأحكام: ١٠ / ١١ ذ ح ٢٣ وفيه أن ذلك كان في قضيّة اُخرى.

٢ - سورة إبراهيم: ٣٥.

٣ - سورة البقرة: ١٢٨.

٤ - في المناقب: خليفة.

٥ - سورة البقرة: ١٢٤.

٦ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ١٧٧.

٧ - هو أبو محمد عبد السلام بن رغبان، أصله من مؤتة، وولد في حمص، وهو شاعر مشهور مجيد وكان يتشيّع، له مراث كثيرة للحسين بن علي بن أبي طالبعليهما‌السلام ، توفّي سنة « ٢٣٥ » ه‍. « الكنى والألقاب: ٢ / ٢١٢ ».

واحسرتاه من ذلّهم

وخضوعهم واحسرتا

طالت حياة عدوّهم

حتّى متى وإلى متى؟

ثمّ انّه صلوات الله عليه لم يشرب الخمر قطّ، ولم يأكل ما ذبح على النصب، وغير ذلك من الفسوق وقريش ملوّثون بها.(١)

ر وى قتادة، عن الحسن البصري، قال: اجتمع علي وعثمان بن مظعون وأبو طلحة وأبو عبيدة ومعاذ بن جبل وسهيل بن بيضاء وأبو دجانة في منزل سعد بن أبي وقّاص، فأكلوا شيئاً، ثم قُدّم إليهم شيئاً من الفضيح، فقام أمير المؤمنينعليه‌السلام وخرج من بينهم، فقال عثمان في ذلك، فقال علي: لعن الله الخمر، والله لا أشرب شيئاً يذهب بعقلي، ويضحك بي من رآني، واُزوّج كرمتي من لا اُريد، وخرج من بينهم، فأتى المسجد، وهبط جبرئيل بهذه الآية:( يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا - يعني الذين اجتمعوا في منزل سعد -إنَّمَا الخَمرُ وَالمَيسِرُ وَالأنصَابُ وَالأزلَامُ رِجسٌ مِن عَمَلِ الشَّيطَانِ ) (٢) إلى آخرها، فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : تبّاً لها، [ والله - يا رسول الله - لقد كان بصري فيها نافذ منذ كنت صغيراً.

قال الحسن: ](٣) والله الذي لا إله إلا هو ما شربها(٤) قبل تحريمها ولا ساعة قطّ.(٥)

ثم إنّه كان أبو طالب وفاطمة بنت أسد ربّيا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ،

____________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ١٧٨.

٢ - سورة المائدة: ٩٠.

٣ - من المناقب.

٤ - كذا في المناقب، وفي الأصل: ما شربتها.

٥ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ١٧٨.

وربّى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وخديجة لعليعليه‌السلام ، وسمعنا(١) مذاكرة أنّه لمّا ولد أمير المؤمنين صلوات الله عليه لم يفتح عينيه ثلاثة أيّام، فجاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ففتح عينيه، ونظر إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : خصّني بالنظر، وخصصته بالعلم.

و روي أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله حين تزوّج خديجة قال لعمّه أبي طالب: إنّي اُحبّ أن تدفع إليّ بعض ولدك يعينني على أمري ويكفيني، وأشكر لك بلاءك عندي.

فقال أبو طالب: خذ أيّهم شئت، فأخذ عليّاًعليه‌السلام .(٢)

نهج البلاغة: وقد علمتم موضعي من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالقرابة، والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا وليد يضمّني إلى صدره، ويلفّني(٣) في فراشه، ويمسّني خدّه(٤) ، ويشمّني عَرفَهُ(٥) ، وكان يمضغ الشيء ويلقمنيه، وما وجد لي كذبة في قول ولا خطلة(٦) في فعل، ولقد قرن الله بهصلى‌الله‌عليه‌وآله من لدن [ أن ](٧) كان فطيماً أعظم مَلَكٍ من ملائكته يسلك به طريق المكارم، ومحاسن أخلاق العالم، ليله ونهاره، ولقد كنت أتّبعه اتّباع الفصيل أثر اُمّه، يرفع لي [ في ](٨) كلّ يوم عَلَماً من أخلاقه،

____________

١ - في المناقب: وسمعت.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ١٧٩، عنه البحار: ٣٨ / ٢٩٤ ح ١، وحلية الأبرار: ٢ / ٢٨ ح ٢ ( صدره ).

٣ - في النهج: وأنا وَلَد ويكنفني.

٤ - في المناقب والنهج: جسده.

٥ - عرفه: رائحته الذكيّة.

٦ - الخلطة: واحدة الخَطَل، وهو الخطأ ينشأ عن عدم الروية.

٧ - من النهج.

٨ - من المناقب والنهج.

ويأمرني بالاقتداء به.(١)

فمن استقت عروقه من منبع النبوّة، ورضعت شجرته ثدي الرسالة، وتهدّلت أعصانه(٢) من نبعة الامامة، ونشأ في دار الوحي، وربّي في بيت التنزيل، ولم يفارق النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ساعة في حال حياته إلى حال وفاته، لا يقاس به أحد من سائر الخلق، وإذا كان صلوات الله عليه نشأ في أكرم اُرومة، وأطيب مغرس، والعرق الصالح ينمي، والشهاب الثاقب يسري، وتعليم الرسول نافع(٣) ، ولم يكن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ليتولّى تأديبه ويتضمّن حضانته وحسن تربيته إلا على ضربين(٤) : إمّا على التفرّس فيه، أو بالوحي من الله سبحانه، فإن كان بالتفرّس فلا تخطئ فراسته ولا يخيب [ ظنّه ](٥) ، وإن كان بالوحي فلا منزلة أعلى ولا حال أدلّ على الفضيلة والامامة منه.(٦)

ثمّ إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خصّه بسيّدة النساء دون غيره بأمر الله سبحانه، وتولّى سبحانه عقدة نكاحها، وأنزل في ذلك قرآناً يتلى إلى يوم القيامة.

روى ابن عبّاسرضي‌الله‌عنه وابن مسعود وجابر والبراء وأنس

__________________

١ - نهج البلاغة: ٣٠٠ خطبة رقم ١٩٢، عنه مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ١٨٠، والبحار: ٣٨ / ٣٢٠ ح ٣٣.

وأخرجه في حلية الأبرار: ٢ / ٣٠ ح ٤ عن المناقب.

٢ - كذا في المناقب، وفي الأصل: عليه أغصانه.

٣ - في المناقب: ناجع.

٤ - كذا في المناقب، وفي الأصل: إلا على خير بيّن.

٥ - من المناقب.

٦ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ١٨٠، عنه البحار: ٣٨ / ٢٩٥.

و اُمّ سلمة، ورواه السدّي وابن سيرين(١) والباقرعليه‌السلام في قوله تعالى:( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ المَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهراً ) قالوا: هو محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسينعليهم‌السلام ( وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً ) (٢) [ القائم في آخر الزمان ](٣) لأنّه لم يجتمع نسب وسبب في الصحابة [ والقرابة ](٤) إلا له.(٥)

عوتبصلى‌الله‌عليه‌وآله في أمر فاطمة، فقال: لو لم يخلق الله عليّ بن أبي طالب ما كان لفاطمة كفو على وجه الأرض.(٦)

و مثله روي عن ابي عبد الله الصادقعليه‌السلام ، وزاد فيه: آدم ومن دونه.(٧)

قالت الناصبة: تزوّج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من الشيخين، وزوّج عثمان بنتين.

قلنا: التزويج لا يدلّ على الفضل، وإنّما هو مبنيّ على إظهار الشهادتين، ثمّ إنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله تزوّج في جماعة، وأمّا عثمان ففي زواجه خلاف كثير، وأنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله [ كان زوّجهما من كافرين قبله، ](٨) وليس حكم

____________

١ - كذا في المناقب، وفي الأصل: سدير.

٢ - سورة الفرقان: ٥٤.

٣ و ٤ و ٧ - من المناقب.

٥ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ١٨١، عنه البحار: ٤٣ / ١٠٦، وعوالم العلوم: ١١ / ٢٧٩ ح ٨.

٦ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ١٨١، عنه البحار: ٤٣ / ١٠٧، وعوالم العلوم: ١١ / ٢٨٢ ح ١٧.

٧ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ١٨١، عنه البحار: ٤٣ / ١٠٧، وعوالم العلوم: ١١ / ٢٨١ ح ١٣.

فاطمة مثل ذلك، لأنّها ولدت في الاسلام، ومن أهل العباء والمباهلة والمهاجرة في أصعب وقت، ووردت فيها آية التطهير، وافتخر جبرائيل بكونه منهم، وشهد الله لهم بالصدق، ولها اُمومة الأئمة عليهم إلى يوم القيامة، ومنها الحسن والحسينعليهما‌السلام ، وعقب الرسول، وهي سيّدة نساء العالمين، وزوجها من أصلها وليس بأجنبيّ.

وأمّا الشيخان فقد توسّلا إلى النبي بذلك.

وأمّا علي فتوسّل النبيّ إليه بعدما ردّ خطبتهما، والعاقد عليها(١) هو الله تعالى، والقابل جبرائيل، والخاطب راحيل، والشهود حملة العرش، وصاحب النثار رضوان، وطبق النثار شجرة طوبى، والنثار الدرّ والياقوت والمرجان، والرسول هو الماشطة، وأسماء صاحبة الحجلة(٢) ، ووليد هذا النكاح الأئمّة الطاهرينعليهم‌السلام .(٣)

مع انّه قد روي أنّ زينب ورقيّة لم يكونا ابنتي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على الحقيقة، بل ربيبتيه من جحش - كان زوج خديجة قبل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله - روى ذلك صاحب كتاب الكشف واللمع، ورواه البلاذري(٤) أيضاً، وكانت زينب تحت أبي العاص بن الربيع، وأمّا رقيّة فتزوّجها عتبة بن أبي لهب ومات على كفره بعد أن طلّقها، وتزوّج بها عثمان.

__________________

١ - في المناقب: بينهما.

٢ - كذا في المناقب، وفي الأصل: وسيّدة النساء صاحبة الحجلة.

٣ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ١٨٢، عنه البحار: ٤٣ / ١٠٧، وعوالم العلوم: ١١ / ٢٨٢ ح ١٨.

٤ - أنساب الأشراف: ١ / ٣٩٧ و ٤٠١.

و صار أمير المؤمنين أخا رسول الله لى الله عليه وآله من ثلاثة أوجه:

[ أوّلها: ](١) لقولهعليه‌السلام : ما زال ينقل من الآباء الأخائر، الخبر.

الثاني: أنّ فاطمة بنت أسد ربّت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حتى قال: هذه اُمّي، وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عند ابي طالب من أعزّ أولاده، ربّاه في صغره، وحماه في كبره، ونصره بالمال واللسان والسيف والأولاد [ والهجرة ](٢) ، والأب أبوان: أب ولادة وأب إفادة، ثمّ انّ العمّ والد، قال سبحانه حكاية عن يعقوب:( مَا تَعبُدُونَ مِن بَعدِي قَالُوا نَعبُدُ إِلهَكَ وَإلهَ آبَائِكَ إبرَاهِيمَ وَإسمَاعِيلَ ) (٣) الآية، وإسماعيل كان عمّه.

وقال سبحانه حكاية عن إبراهيم:( وَإذ قَالَ إبرَاهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ ) (٤) قال الزجّاج: أجمع النسّابة أنّ اسم أبي إبراهيم تارخ.

[ والثالث: ](٥) آخاه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في عدّة مواضع: يوم بيعة العشيرة حين لم يبايعه أحد بايعه عليّ على أن يكون له أخاً في الدارين. وقال في مواضع كثيرة، منها: يوم خيبر: أنت أخي ووصيّي. وفي ويوم المؤاخاة ما ظهر عند الخاصّ والعامّ صحّته، وقد رواه ابن بطّة من ستّة طرق.

وروي أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كان بالنخيلة وحوله سبعمائة وأربعون رجلاً، فنزل جبرئيل وقال: إنّ الله تعالى آخى بين الملائكة: بيني وبين ميكائيل، وبين إسرافيل وعزرائيل، وبين دردائيل وراحيل، فآخى النبي صلّى

____________

١ و ٢ و ٥ - من المناقب.

٣ - سورة البقرة: ١٣٣.

٤ - سورة الأنعام: ٧٤.

الله عليه وآله بين أصحابه.

وروى خطيب خوارزم في كتابه(١) بالاسناد عن ابن مسعود، قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : أوّل من اتّخذ علي بن أبي طالب أخاً إسرافيل ثمّ جبرائيل، الخبر.

وعن ابن عبّاس، قال: لمّا نزل قوله تعالى:( إنَّمَا المُؤمِنُونَ إخوَةٌ ) (٢) آخى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بين الأشكال والأمثال، فآخى بين أبي بكر وعمر، وبين عثمان وعبد الرحمان، وبين سعدبن أبي وقّاص وسعيد بن زيد، وبين طلحة والزبير، وبين أبي عبيدة وسعد بن معاذ، وبين مصعب بن عمير وأبي أيّوب الأنصاري، وبين أبي ذرّ وابن مسعود، وبين سلمان وحذيفة، وبين حمزة وزيد، وبين أبي الدرداء وبلال، وبين جعفر الطيّار ومعاذ بن جبل، وبين المقداد وعمّار، وبين عائشة وحفصة، وبين زينب بنت جحش وميمونة، وبين اُمّ سلمة وصفيّة، حتى آخى بين أصحابه بأجمعهم على قدر منازلهم، ثمّ قال: يا عليّ، أنت أخي وأنا أخوك.

تاريخ البلاذري: قال عليّعليه‌السلام : يا رسول الله، آخيت بين أصحابك وتركتني!

فقال: أنت أخي، أما ترضى أن تدعى إذا دعيتُ، وتكسى إذا كسيتُ، وتدخل الجنّة إذا دخلتُ؟!(٣)

__________________

١ - مناقب الخوارزمي: ٣١ - وفيه: اسرافيل، ثم ميكائيل، ثم جبرئيل -، عنه كشف الغمّة: ١ / ٣٧٦. وفي البحار: ٣٩ / ١١٠ ح ١٧ عن الكشف.

٢ - سورة الحجرات: ١٠.

٣ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ١٨٤ - ١٨٥ وزاد فيه: قال: بلى، يا رسول الله، عنه البحار: ٣٨ / ٣٣٥ ح ١٠.

و قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ(١) من بطنان العرش: يا محمد، نعم الأب أبوك إبراهيم، ونعم الأخ أخوك عليّ بن أبي طالب.(٢)

وروى أبو إسحاق العدل، قال أبو يحيى: ما جلس عليّ صلوات الله عليه على المنبر الا قال: أنا عبد الله، وأخو رسول الله، لا يقولها بعدي إلّا كذّاب.(٣)

الصادقعليه‌السلام قال: لمّا آخى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بين أصحابه وترك عليّاً، فقال له في ذلك، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّما(٤) اخترتك لنفسي، أنت أخي وأنا أخوك في الدنيا والآخرة.

فبكى عند ذلك أمير المؤمنين وقال:

أقيك بنفسي أيها المصـطفى الّذي

هدانا به الرحمن من عَمَهِ(٥) الجهل

بروحي أفديه(٦) وما قدر مهجتي؟

لمن أنتمي منه إلى الفـرع والأصل

ومن ضمّني مذ كنت طفلاً ويافعاً

وأنعشني بالبـرّ والعـلّ والنهـل(٧)

____________

١ - في المناقب: نوديت.

٢ و ٣ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ١٨٦، وعنه البحار: ٣٨ / ٣٣٧.

٤ - كذا في المناقب، وفي الاصل: أنا.

٥ - العمه: الحيرة والتردّد.

٦ - في المناقب: وأفديك حوبائي. والحوباء: النفس.

٧ - العل: الشرب الثاني: والنهل: الشرب الأول. وهذا كناية عن غاية اهتمامه صلّى الله

ومن جدّه جـدّي ومـن عمـّه عمّي

ومن اُمّه(١) اُمّي ومن بنته أهلي

ومن حين آخى بين من كان حاضراً

دعاني وآخاني وبيّن من فضلي

لك الفضل إنّي ما حييـت لـشـاكرٌ

لإتمام ما أوليت يا خاتم الرسل(٢)

قيل لقثم بن العباس: بأيّ شيء ورث عليّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله دون العبّاس؟

قال: لأنّه [ كان ](٣) أشدّنا به لصوقاً، وأسرعنا به لحوقاً.(٤)

وقد علمنا أنّ أمير المؤمنين لم يكن أخاص للرسول في النسب، فلمّا جعله شكلاً له وأخاً بين الأشكال والأمثال واستخلصه لنفسه علمنا بذلك أنّه الإمام الحقّ على سائر المسلمين، فلا يجوز لأحدٍ أن يتقدّمه، ولا أن يتأمّر عليه، لأنّه شبه الرسول ومشاكله، والعرب تقول للشيء: إنّه أخو الشيء إذا أشبهه وقاربه، فكما لا يجوز التقدّم على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ( لَا تُقَدِّمُوا بَينَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ ) (٥) كذلك لا يجوز التقدّم على أمير المؤمنين صلوات الله عليه لأنّه

__________________

عليه وآله بتربيته على جميع الحالات.

١ - في المناقب: أهله.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ١٨٦ - ١٨٧، عنه البحار: ٣٨ / ٣٣٧.

وانظر ديوان الإمام عليعليه‌السلام - طبعة دار ابن زيدون -: ٢٤٦.

٣ - من المناقب.

٤ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ١٨٨، عنه البحار: ٣٨ / ٣٤٠.

٥ - سورة الحجرات: ١.

مشابهه ومماثله، ولهذا أمر الله نبيّه بسدّ أبواب الصحابة وترك باب عليّ لكونه مماثله ومشابهه.(١)

ر وى أحمد في كتاب الفضائل(٢) أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال في ذلك - لمّا تكلّم الناس -: والله ما سددت شيئاً ولافتحته، ولكن اُمرت بشيء فاتّبعه.(٣)

تاريخ البلاذري ومسند أحمد في خبر قال [ عمرو بن ميمون ](٤) : خلا ابن عبّاس مع جماعة، فنالوا من عليّ، فقام ابن عبّاس، ثمّ قال: اُف اُف وقعوا في رجل قال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : من كنت مولاه فعليّ مولاه، ومن كنت وليّه فعليّ وليّه.

وقال له: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، الخبر.

وقال: لأدفعنّ الراية غداً إلى رجل، الخبر.

وسدّ أبواب الصحابة إلا بابه. ونام مكان رسول الله ليلة الغار. وبعث ببراءة مع أبي بكر، ثمّ أرسل عليّاً فأخذها منه.(٥)

وفي فضائل أحمد: قال عبد الله بن عمر: ثالثة أشياء كنّ لعليّ لو كان لي واحدة منها لكانت أحبّ إليّ من حمر النعم ؛ أحدها: إعطاؤه الراية يوم خيبر، وتزويجه فاطمة، وسدّ الأبواب.

____________

١ - نحوه في مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ١٨٩، عنه البحار: ٣٨ / ٣٤٠.

٢ - فضائل الصحابة: ٢ / ٥٨١ ح ٩٨٥، مسند أحمد: ١ / ١٧٥، وج ٤ / ٣٦٩.

٣ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ١٩٠.

٤ - من المناقب.

٥ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ١٩١، عنه البحار: ٣٩ / ٢٨.

وقيل: إنّ العبّاس خرج يوم سدّ الأبواب، وهو يبكي ويقول: سددت باب عمّك(١) وأسكنت ابن عمّك!

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ما أخرجتك ولا أسكنته، ولكنّ الله أسكنه.(٢)

وفي رواية أنّه قال: أمّا علي فابن عمّ رسول الله وختنه، وهذا بيته - وأشار بيده إلى بيت عليّ - حيث ترون أمر الله تعالى نبيّه أن يبني مسجده فبنى فيه عشرة أبيات: تسعة لبنيه وأزواجه وأصحابه، وعاشرها وهو متوسّطها لعليّ وفاطمة، وكان ذلك في أول سنة الهجرة ؛ وقيل: كان في آخر عمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والأوّل أصحّ، وبقى على كونه مفتوح الباب إلى المسجد، ولم يزل عليّ وولده فيه إلى أيّام عبد الملك بن مروان، فعرف الخبر فحسد القوم على ذلك واغتاظ، وأمر بهدم الدار، وأظهر أنّه يريد أن يزيد في المسجد، وكان في الدار الحسن بن الحسن فقال: لا أخرج ولا اُمكّن من هدمها، فضرب بالسياط، وتصايح الناس، واُخرج عند ذلك، وهدمت الدار، وزيد في المسجد.(٣)

وروى عيسى بن عبد الله أنّ دار فاطمةعليها‌السلام حول تربة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وبينهما حوض.(١)

وفي منهاج الكراجكي أنّه ما بين البيت الذي فيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وبين الباب المحاذي لزقاق البقيع. فتح له باب وسدّ على سائر الأصحاب، من قلع الباب كيف يُسدّ عليه الباب؟ قلع باب الكفر من التخوم،

__________________

١ - في الماقب: ويقول: أخرجت عمّك.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ١٩١، عنه البحار: ٣٩ / ٢٨.

٣ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ١٩١ - ١٩٢، عنه البحار: ٣٨ / ٢٩ ح ١١.

٤ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ١٩٢، عنه البحار: ٣٩ / ٢٩.

فتح له أبواب من العلوم.(١)

ومن شدّة تحنّن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ما رواه ابن مسعود، قال: رأيت كفّ عليّ في كفّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو يقبّلها فقلت: ما منزلته منك، يا رسول الله؟

قال: منزلتي من الله؟(٢)

و سئل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله عن بعض أصحابه فذكره بخير(٣) ، فقال قائل: فعليّ؟

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّما سألتني عن الناس، ولم تسألني عن نفسي.(٤)

مَن نفسي مِن نفسه وجنسه من جنسه

وغرسه من غرسه(٥) فهل له معادل؟(٦)

 وروي أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان إذا جلس وأراد أن يقوم لا يأخذ بيده غير عليّعليه‌السلام .(٧)

أنساب الأشراف(٨) : قال رجل لابن عمر: حدّثني عن عليّ بن أبي

____________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ١٩٢، عنه البحار: ٣٩ / ٢٩.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٢٢٠.

٣ - في المناقب: فذكر فيه.

٤ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٢١٧.

٥ - في المناقب: وعرسه من عرسه.

٦ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٢١٨. والبيت للسوسي.

٧ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٢١٩، عنه البحار: ٣٨ / ٢٩٧.

٨ - أنساب الأشراف: ٢ / ١٨٠ ح ٢١١.

طالب.

قال: تريد أن تعلم ما كانت منزلته من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فانظر إلى بيته من بيوت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، هو ذاك بيته أوسط بيوت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .(١)

وكان النبي(٢) إذا غضب لم يجترئ عليه أحد [ أن ](٣) يكلّمه إلا عليّ، وأتاه يوماً فوجده نائماً فلم يوقظه.

لا شكّ انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كان أكبر سنّاً وأكثر(٤) جاهاً من عليّ، فلمّا كان يحترمه هذا الاحترام إمّا انّه كان من الله تعالى أو من قبل نفسه، وعلى الحالين جميعاً أظهر للناس فضله، وعلوّ درجته عند الله، ومنزلته عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .(٥)

وروي عن عائشة، قالت: رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله التزم عليّاً وقبّله وقال: بأبي الوحيد الشهيد، بأبي الوحيد الشهيد، ذكره أبو يعلى الموصلي في المسند.(٦)

وانّه لمّا جرح أمير المؤمنين في رأسه من ضربة عمرو بن ودّ يوم الخندق، فجاء إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فشدّه ونفث فيه فبرأ، فقال:

__________________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٢١٩، عنه البحار: ٣٨ / ٢٩٧.

٢ - أنساب الأشراف: ٢ / ١٠٧ ح ٤٤.

٣ - من المناقب.

٤ - كذا في المناقب، وفي الأصل: وأكبر.

٥ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٢١٩، عنه البحار: ٣٨ / ٢٩٨.

٦ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٢٢٠.

أين أكون إذا خضبت هذه من هذه؟(١)

وكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا لم ير(٢) عليّاً قال: أين حبيب الله، وحبيب رسوله؟(٣)

وكان أمير المؤمنين من أوثق أصحابه عنده.

روى محمد بن الحنفيّة أنّ الّذي قذفت به مارية وهو خصي يقال له مابور وكان المقوقس أهداه مع مارية(٤) إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وكان(٥) سبب القذف أنّ عائشة قالت لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ إبراهيم ليس منك، وإنّه من فلان القبطي.

فبعث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عليّاًعليه‌السلام وأمره بقتله، فلمّا رأى عليّاً وما يريد به تكشّف حتى يتبيّن لعليّ أنّه أجبّ لا شيء له ممّا يكون للرجال، فكفّعليه‌السلام عنه.(٦)

وفي خبر أنّه كان ابن عمّ مارية(٧) ، فأرسل عليّاً ليقتله، فقال أمير المؤمنين: يا رسول الله، أكون في أمرك كالسكّة المحماة - وفي رواية: أو المسمار المحمى - ولا يثنيني شيء حتى أمضي لما أمرتني به، أو الحاضر يرى ما يرى الغائب.

__________________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٢٢٠.

٢ - في المناقب: يلق.

٣ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٢٢١.

٤ - في المناقب: الجاريتين.

٥ - تفسير القمّي: ٢ / ٣١٨، عنه البحار: ٢٢ / ١٥٣ ح ٨.

٦ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٢٢٥.

٧ - أي الذي قُذفت به.

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : الحاضر يرى(١) ما لا يرى الغائب.

قال أمي المؤمنين: فأقبلت متوشّحاً بالسيف فوجدته عندها، فاخترطت السيف، فلمّا أقبلت نحوه عرف أنّي اُريده فأتى نخلة فرقى فيها، ثمّ رمى بنفسه على قفاه وشغر برجليه، وإذا به أجبّ أمسح ماله ممّا للرجال قليل ولا كثير، فأغمدت سيفي، وأتيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فأخبرته، فقال: الحمد لله الذي يصرف عنّا أهل البيت.(٢)

ودعا له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في عدّة مواضع: في قوله يوم الغدير: اللّهمّ وال من والاه.

و دعا له يوم خيبر: اللّهمّ قه الحرّ والبرد.

ودعا له يوم المباهلة: اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي وخاصّتي، فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.

ودعا له لمّا مرض: اللّهمّ عافه واشفه. وغير ذلك، ودعا له بالنصر والولاية، والولاية لا تجوز إلا لوليّ الأمر، فبان بذلك إمامته.(٣)

وفي أمالي الشيخ أبي جعفر بن بابويه رضي الله عنه في خبر طويل أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يوماً جالساً، فقال: يا معاشر أصحابي: أيّكم ينهض إلى ثلاثة نفر آلوا(٤) باللات والعزّى ليقتلوني، وقد كذبوا وربّ الكعبة؟ فأحجم الناس.

____________

١ - في المناقب: بل الشاهد قد يرى.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٢٢٥، وزاد فيه: الامتحان.

٣ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٢٢٦، عنه البحار: ٣٨ / ٣٠٣ ح ٥.

٤ - أي حلفوا.

فقال: ما أحسب عليّاً فيكم. فاُخبر أمير المؤمنينعليه‌السلام بذلك، فجاء إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقال: أنا وحدي لهم سريّة، يا رسول الله، فعمّمه ودرّعه وقلّده سيفه وأركبه فرسه.

فخرج أمير المؤمنين صلوات الله عليه فمكث ثلاثة أيّام لا يصل إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله منه خبر لا من السماء ولا من الأرض، فأقعدت فاطمةعليها‌السلام الحسن والحسينعليهما‌السلام على وركيها، وهي تقول: يوشك أن تؤتم هذين الغلامين.

فأسبل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله عينيه يبكي، ثم قال: معاشر الناس، من يأتيني بخبر علي فاُبشّره بالجنّة.

فافترق الناس في طلبه، وأقبل عامر(١) بن قتادة يبشّر بعليّ، فأقبل أمير المؤمنينعليه‌السلام ومعه أسيران، ورأس، وثلاثة أبعرة، وثلاثة أفراس، وقال: لمّا صرت في الوادي رأيت هؤلاء ركباناً على الأباعر، فنادوني: من أنت؟

فقلت: أنا علي بن أبي طالب ابن عم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فشدّ عليّ هذا المقتول ودارت(٢) بيني وبينه ضربات، وهبّت ريح حمراء سمعت صوتك فيها - يا رسول الله - وأنت تقول: قطعت لك جربّان(٣) درعه، فضربته، فلم أحفه(٤) ، ثم هبّت ريح صفراء سمعت صوتك فيها وأنت تقول: قلبت لك

__________________

١ - كذا في جميع المصادر، وفي الأصل: عمرو.

٢ - كذا في المناقب، وفي الأصل: وثارت.

٣ - جريّان: جيب القميص.

٤ - الإحفاء: المبالغة في الأخذ. وفي الأمالي: أخفه: أي لم أخف السيف في بدنه.

الدرع عن فخذه، فضربته ووكزته(١) ، فقال الرجلان: صاحبنا هذا كان يعدّ بألف فارس فلا تعجل علينا، وقد بلغنا أنّ محمّداً رفيق شفيق رحيم فاحملنا إليه.

فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : أمّا الصوت الأول فصوت جبرئيل، والآخر فصوت ميكائيل، فعرض النبيّ عليهما الإسلام فأبيا، فأمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بقتلهما، فقتل أحدهما بعد أن عرض عليه الإسلام وأبى، وقال [ الآخر ](٢) : الحقني بصاحبي، فهمّ أمير المؤمنين صلوات الله عليه بقتل الآخر، فهبط جبرائيل وقال لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : لا تقتله، فإنّه حسن الخلق، سخيّ في قومه.

فقال النبيّ: يا علي، أمسك، فإنّ هذا رسول الله جبرئيل يخبرني انّه سخيّ في قومه، حسن الخلق.

فقال الرجل: والله ما ملكت مع أخ لي درهماً قط، ولا قطبت(٣) وجهي في الحرب(٤) ، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأنّ محمداً رسول الله.(٥)

ومن قوّته وشدّته انّه قلع باب خيبر.

ر وى أحمد بن حنبل، عن مشيخته، عن جابر بن عبد الله أن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله دفع الراية إلى عليّ صلوات الله عليه يوم خيبر بعد أن دعا له،

____________

١ - الوكز: الضرب بجمع الكف والطعن والدفع.

٢ - أثبتناه لما يتطلّبه المقام.

٣ - القطوب: العبوس.

٤ - في الخصال: الجدب، ولعلّه الأنسب. والجَدب: القحط.

٥ - أمالي الصدوق: ٩٣ ح ٤، الخصال: ٩٤ ح ٤١، عنهما البحار: ٤١ / ٧٣ ح ٤، وج ٧١ / ٣٩٠ ح ٤٩.

وأخرجه في مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٢٣٦، وحلية الأبرار: ٢ / ٨٨ ح ٣ عن الأمالي.

فجعل يسرع السير وأصحابه يقولون له: ارفق، حتى انتهى إلى الحصن فاجتذب بابه والقاه على الأرض، ثم اجتمع منّا سبعون رجلاً وكان جهدهم أن أعادوا الباب.(١)

أبو عبد الله الحافظ بإسناده إلى أبي رافع: لمّا دنا عليّ من القموص أقبلوا يرمونه بالنبل والحجارة، فحمل حتى دنا من الباب فاقتلعه، ثمّ رمى به خلف ظهره أربعين ذراعاً، ولقد تكلّف حمله أربعون رجلاً فما أطاقوا.(٢)

وروى أبو القاسم محفوظ(٣) البستي في كتاب الدرجات أنّ أمير المؤمنين بعد أن قتل مرحب حمل على القوم فانهزموا إلى الحصن، فتقدّم إلى باب الحصن وضبط حلقته - وكان وزنها أربعين منّاً - وهزّ الباب، فارتعد الحصن بأجمعه حتى ظنّوا زلزلة، ثم هزّة اُخرى فقلعه، ودحا به في الهوى أربعين ذراعاً.(٤)

أبو سعيد الخدري: [ وهزّ حصن خيبر حتى ](٥) قالت صفيّة: كنت جالسة على طاق كما تجلس العروس، فوقعت على وجهي، فظننت الزلزلة ؛ فقيل: هذا عليّ قد هزّ الحصن يريد أن يقلع الباب.(٦)

وفي كتاب رامش أفزاي(٧) قال: كان طول الباب ثمانية عشر ذراعاً، وعرض الخندق عشرون، فوضع صلوات الله عليه طرف الباب على الخندق

__________________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٢٩٣، عنه البحار: ٤١ / ٢٧٩.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٢٩٣، عنه البحار: ٤١ / ٢٧٩.

٣ - كذا في المناقب، وفي الأصل: أبو القاسم بن محفوظ.

٤ و ٦ - ماقب ابن شهراشوب: ٢ / ٢٩٤، عنه البحار: ٤١ / ٢٨٠.

٥ - من المناقب.

٧ - رامش أفزاي آل محمد للشيخ محمد بن الحسين المحتسب، ويعني بالفارسية: الطرب والعيش. « الذريعة: ١٠ / ٥٩ ».

وضبط بيده الطرف الآخر، حتى عبر الجيش وكانوا ثمانية آلاف [ وسبعمائة رجل، وفيهم من كان يتردّد ويخف عليه ](١) .(٢)

روض الجنان: قال بعض الصحابة: ما عجبنا يا رسول الله من قوّته في حمله ورميه، وإنّما عجبنا من إجساره وإحدى طرفيه على يده!

فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كلاماً معناه: يا هذا، نظرت إلى يده فانظر إلى رجليه.

قال: فنظرت إلى رجليه فوجدتهما معلّقتين(٣) في الهواء، فقلت: هذا أعجب [ رجلاه ](٤) على الهواء!

فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : ليستا على الهواء وإنّما هما على جناحي(٥) جبرائيل.(٦)

و أمّا توجّهه إلى الله وإقباله بقلبه وكلّيته عليه، وإعراضه عن الدنيا فلا يختلف فيه أحد.

تفسير وكيع وعطاء والسدّي: انّه قال ابن عبّاس: اُهدي إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ناقتان سمينتان عظيمتان، فقال لأصحابه: هل فيكم أحد يصلّي ركعتين بقيامهما وركوعهما وسجودهما ووضوئهما وخشوعهما لا يهتمّ فيهما من أمر الدنيا بشيء، ولا يحدّث قلبه بفكر الدنيا أهدي إليه إحدى

____________

١ - من المناقب.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٢٩٤، عنه البحار: ٤١ / ٢٨٠.

٣ - كذا في المناقب، وفي الأصل: فوجدتها متعلّقتين.

٤ - من المناقب.

٥ - كذا في المناقب، وفي الأصل: جناح.

٦ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٢٩٥، عنه البحار: ٤١ / ٢٨١.

الناقتين؟

فقال لهم مرّة بعد مرّة، فلم يجبه أحد من الصحابة، فقام امير المؤمنين صلوات الله عليه، فقال: أنا - يا رسول الله - اُصلّي ركعتين اُكبّر التكبيرة الاولى وإلى أن اُسلّم منهما، لا اُحدّث نفسي بشيء من أمر الدنيا.

فقال: يا علي، صلِّ صلَّى الله عليك، فكبّر أمير المؤمنين ودخل في الصلاة، فلمّا سلّم من الركعتين هبط جبرئيل: وقال: يا رسول الله، إنّ الله يقرئك السلام، ويقول: أعط عليّاً إحدى الناقتين.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّي شارطته أن يصلّي ركعتين لا يحدّث [ فيهما ](١) نفسه بشيء من الدنيا، وإنّه جلس في التشهد ففكّر في نفسه أيّهما يأخذ.

فقال جبرائيل: إنّ الله يقرئك السلام، ويقول لك: إنّه تفكّر أيّهما يأخذ، أسمنهما وأعظمهما فينحرها ويتصدّق بها لوجه الله، فكان تفكّره لله عزّ وجلّ لا لنفسه [ ولا للدنيا ](٢) ، فبكى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأعطاه كلتيهما، وأنزل الله فيه:( إنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلبٌ أو ألقَى السَّمعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ) (٣) أي يستمع أمير المؤمنين باُذنيه إلى ما تلاه بلسانه من كلام الله، لا يتفكّر(٤) بشيء من أمر الدنيا، بمعنى أنّه حاضر القلب في صلاته لله.(٥)

__________________

١ و ٢ - من المناقب.

٣ - سورة ق: ٣٧.

٤ - كذا في المناقب - بتصرّف -، وفي الأصل: يسمع باُذنيه إلى ما تلاه لسانه لا يتفكّر.

٥ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٢٠، عنه تأويل الآيات: ٢ / ٦١٢ ح ٨، والبرهان: ٤ / ٢٢٨ ح ٣.

وأخرجه في البحار: ٣٦ / ١٦١ ح ١٤٢ من التأويل.

و أمّا سبقه بالعلم، فروى مقاتل بن سليمان، عن الضحّاك، عن ابن عبّاس في قوله(١) تعالى:( إنّمَا يَخشَى اللهَ مِن عِبَادِهِ العُلَمَاءُ ) (٢) قال: كان عليّ يخشى الله ويراقبه، ويعمل بفرائضه، ويجاهد في سبيله.(٣)

وروي من طريق الخاصّة والعامّة أنّهم قالوا في قوله تعالى:( قُل كَفَى بِاللهِ شَهِيداً بَينِي وَبَينَكُم وَمَن عِندَهُ عِلمُ الكِتَابِ ) (٤) هو عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام .

وزعم بعض الناصبة أنّ هذه الآية نزلت في عبد الله بن سلام فيقال له: إنّ السورة مكّيّة، وعبد الله بن سلام لم يسلم إلا بعد أن هاجر النبي المدينة.

وروي عن ابن عبّاس: لا والله ما هو إلا علي بن أبي طالبعليه‌السلام .(٥)

وقد ظهر علمه على سائر الصحابة بالأدلّة الساطعة والحجج القاطعة.

قال الجاحظ: اجتمعت الاُمّة [ على ](٦) أنّ الصحابة كانوا يأخذون العلم عن أربعة: عليّ، وابن عبّاس، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وقالت طائفة: وعمر بن الخطّاب، ثم أجمعوا [ على ](٧) أنّ الاربعة كانوا أقرأ من

____________

١ - كذا في المناقب، وفي الأصل: فروى سليمان، عن الضحّاك في قوله.

٢ - سورة فاطر: ٢٨.

٣ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٢٨، عنه البحار: ٤٠ / ١٤٥ ح ٥٣.

٤ - سورة الرعد: ٤٣.

٥ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٢٩، عنه البحار: ٤٠ / ١٤٦، وتفسير البرهان: ٢ / ٣٠٤ ح ٢٠ و ٢٢، وينابيع المعاجز: ١٩.

٦ و ٧ - من المناقب.

عمر لكتاب الله.

وقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : يؤمّ القوم أقرأهم لكتاب الله، فسقط عمر.

ثمّ أجمعوا على قول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : الأئمّة من قريش، فسقط ابن مسعود وزيد، وبقي علي وابن عباس إذ كانا عالمين فقيهين قرشيّين فأكبرهما سنّاً وأقدمهما هجرة علي، فسقط ابن عبّاس وبقي عليّ أحقّ بالإمامة بالاجماع.

وكانوا يسألونه ولا يسأل هو أحداً. وقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : إذا اختلفتم في شيء فكونوا مع عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام .(١)

قال صاحب كشف الغمّة رضي الله عنه كلاماً معناه: انّ الجاحظ كان عثمانيّاً شديد الانحراف عن أمير المؤمنين، ولكنّ الله ألقى على لسانه الحقّ، والفضل ما شهدت به الأعداء، ولو كان مع هذا الاعتراف معتقداً فضل أمير المؤمنين باطناً ظاهراً تراكاً لطريق التعصّب والضلال، مستمسكاً بدليل العقل والنقل لكان من أسعد الخلق، وهذا الكلام حجّة عليه فقد يهتدي به، ويحتجّ بصحّة استنباطه، ويستضيء بواضح أدلّته من ليس له قدرة على استنباط الأدلّة من مظانّها، فيكون ذلك سبباً لتصحيح عقيدته، وإزاحة شكّه، فيكون من الفائزين المنتظمين في سلك أصحاب السعادة الدائمة، نعوذ بالله من سلوك طريق الهوى، والتسايب عن سيبل الهدى.

احرم فيكم(٢) بما أقول وقد

نال به العاشقون من عشقوا

 __________________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٢٩، عنه البحار: ٤٠ / ١٤٦.

٢ - في الكشف: منكم.

صرت كأنّي ذبالة(١) نصبت

تضيء للناس وهي تحترقُ(٢)

قال ابن عباس: عليّ علم علماً علّمه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ورسول الله علّمه الله، فعلم النبيّ من علم الله(٣) ، وعلم عليّ من علم النبيّ، وعلمي من علم عليّ، وما علمي وعلم أصحاب محمد في علم عليّ إلا كقطرة في سبعة أبحر.(٤)

قال ابن عبّاس: اُعطي عليعليه‌السلام تسعة أعشار العلم، وإنّه لأعلم بالعشر الباقي.(٥)

أمالي الطوسي(٦) : مرّ أمير المؤمنين بملأ فيهم سلمان، فقال سلمان: قوموا فخذوا بحجزة هذا، فوالله لا يخبركم بسرّ نبيّكمصلى‌الله‌عليه‌وآله أحد غيره.(٧)

قال محمد بن المنذر(٨) : سمعت أبا اُمامة يقول: كان عليعليه‌السلام إذا قال شيئاً لم نشكّ فيه، وذلك انّا سمعنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: خازن سرّي [ بعدي ](٩) عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام .(١٠)

__________________

١ - الذبالة: الفتيلة.

٢ - كشف الغمّة: ١ / ٣٩ - ٤٠.

٣ - كذا في المناقب، وفي الأصل: علي.

٤ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٣٠، عنه البحار: ٤٠ / ١٤٧.

٥ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٣٠ - وفيه: لأعلمهم -، عنه البحار: ٤٠ / ١٤٧.

٦ - أمالي الطوسي: ١ / ١٢٤، عنه البحار: ٤٠ / ١٣١ ح ٩.

٧ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٣٠.

٨ - أمالي الصدوق: ٤٤٠ ح ١٨ - وفيه: محمد بن المنكدر -، عنه البحار: ٤٠ / ١٨٤ ح ٦٦.

٩ - من المناقب.

١٠ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٣٠.

وقد اشتهر عن أبي بكر أنّه قال: فإذا استقمت فاتّبعوني، وإذا زغت فقوّموني، وقوله: أمّا الفاكهة فأعرفها، وأمّا الأب فالله أعلم، وقوله في الكلالة: [ أقول فيها برأيي، فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمنّي ومن الشيطان، الكلالة: ](١) ما دون الوالد والولد.(٢)

وعن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : اُعطي عليّ من الفضل جزءاً لو قسّم على أهل الأرض لوسعهم.(٣)

حلية الأولياء(٤) : عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه سئل عن عليعليه‌السلام ، فقال: قسّمت الحكمة عشرة أجزاء، اُعطي عليّ تسعة أجزاء، والناس جزءاً واحداً.(٥)

أبان بن تغلب(٦) ، والحسين بن معاوية، وسليمان الجعفري [ وإسماعيل ابن عبد الله بن جعفر ](٧) ، كلّهم رووا عن أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام ، قال: لمّا حضرت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الوفاة دخل عليه عليّعليه‌السلام فأدخل رأسه معه، ثمّ قال له: يا علي، إذا متّ فغسّلني وكفّنّي وأقعدني واسألني واكتب.

[ تهذيب الأحكام(٨) : فخذ بمجامع كفني وأجلسني، ثمّ اسألني عمّا

__________________

١ و ٧ - من المناقب.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٣٢، عنه البار: ٤٠ / ١٤٩.

وانظر الغدير: ٧ / ١٠٤ وما بعدها.

٣ و ٥ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٣٢، عنه البحار: ٤٠ / ١٤٩.

٤ - حلية الأولياء: ١ / ٦٥.

٦ - الكافي: ١ / ٢٩٧ ح ٨.

٨ - تهذيب الأحكام: ١ / ٤٣٥ ذح ٤٢.

شئت ](١) فوالله لا تسألني عن شيء إلا أجبتك فيه.

قال أمير المؤمنين: ففعلت فأنبأني بما هو كائن إلى يوم القيامة.(٢)

و روى الشيخ الجليل أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّي رضي الله عنه في أماليه بإسناد متّصل إلى الأصبغ بن نباتة: [ قال: ](٣) لمّا جلس أمير المؤمنينعليه‌السلام في الخلافة وبايعه الناس ظاهراً خرج إلى مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله متعمّماً بعمامة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لابساً بردة رسول الله، متنعّلاً نعل رسول الله، متقلّداً سيف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فصعد المنبر وجلس عليه متمكّناً(٤) ، ثم شبك بين أصابعه فوضعها أسفل بطنه، ثم قال: يا معشر الناس، سلوني(٥) قبل(٦) أن تفقدوني، هذا سفط العلم، هذا لعاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، هذا ما زقّني رسول الله زقّاً زقّاً.

سلوني فإنّ عندي علم الأوّلين والآخرين، أما والله لو ثنيت لي الوسادة فجلست عليها لأفتيت أهل [ التوراة بتوراتهم حتى تنطق التوراة فتقول: صدق عليّ ما كذب، لقد أفتاكم بما أنزل الله فيَّ، وأفتيت أهل ](٧) الإنجيل بإنجيلهم حتى ينطق الله الإنجيل فيقول: صدق عليّ وما كذب، لقد أفتاكم بما أنزل الله فيّ، وأفتيت أهل القرآن بقرآنهم حتى ينطق الله القرآن فيقول: صدق عليّ وما كذب، لقد أفتاكم بما اُنزل فيّ، وأنتم تتلون القرآن ليلاً ونهاراً فهل فيكم أحد

____________

١ - من المناقب.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٣٧، عنه البحار: ٤٠ / ١٥٢.

٣ و ٧ - من الأمالي.

٤ - في الأمالي: متحنّكاً.

٥ - كذا في الأمالي، وفي الأصل: اسألوني، وكذا في الموضع الآتي.

٦ - كذا في الأمالي، وفي الأصل: من قبل.

يعلم ما نزل فيه؟ ولولا آية في كتاب الله سبحانه لأخبرتكم بما كان [ وبما يكون ](١) وبما هو كائن إلى يوم القيامة، وهي هذه الآية:( يَمحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثبِتُ وَعِندَهُ اُمُّ الكِتَابِ ) (٢) .

ثمّ قال صلوات الله عليه: سلوني قبل أن تفقدوني، فوالّذي فلق الحبّة، وبرأ النسمة، لو سألتموني عن آيةٍ آية في ليل اُنزلت أم في النهار، مكّيّها ومدنيّها، سفريّها وحضريّها، ناسخها ومنسوخها، ومحكمها ومتشابهها، وتأويلها وتنزيلها، لأخبرتكم به.

فقام إليه رجل يقال له ذِعْلب وكان ذرب اللسان(٣) ، بليغاً في الخطب، شجاع القلب، فقال: لقد ارتقى ابن أبي طالب مرقاة صعبة لأخجلنّه اليوم لكم في مسألتي إيّاه، فقال: يا أمير المؤمنين: هل رأيت ربّك؟

قال: ويلك يا ذعلب لم أكن بالّذي أعبد ربّاً لم أره.

قال: فكيف رأيته؟ صفه لنا.

قال: ويلك يا ذعلب، لم تره العيون بمشاهدة الأبصار، ولكن تراه(٤) القلوب بحقائق الإيمان.

ويلك يا ذعلب، إنّ ربّي لا يوصف بالعبد، ولا بالحركة، ولا بالسكون، ولا بقيام قيام انتصاب، ولا بجيئة ولا ذهاب، لطيف اللطافة لا يوصف باللطف، عظيم العظمة لا يوصف بالعظم، كبير الكبرياء لا يوصف بالكبر، جليل الجلالة لا

__________________

١ - من الأمالي.

٢ - سورة الرعد: ٣٩.

٣ - لسان ذرب: فصيح، فاحش.

٤ - في الأمالي: رأته.

يوصف بالغلظ، رؤوف الرحمة لا يوصف بالرقّة، مؤمن لا بعبادة، مدرك لا بمجسّة(١) ، قائل لا بلفظ، هو في الأشياء على غير ممازجة، خارج منها [ على ](٢) غير مباينة، فوق كلّ شيء لا يقال: شيء فوقه، أمام كلّ شيء ولا يقال: له أمام(٣) ، داخل في الأشياء لا كشيء في شيء داخل، وخارج من الاشياء لا كشيء من شيء خارج.

فخرّ ذعلب مغشيّاً عليه، ثم قال: ما سمعت بمثل هذا الجواب، والله لاعدت إلى مثلها.

ثمّ نادى صلوات الله عليه: سلوني قبل أن تفقدوني.

فقام إليه الأشعث بن قيس، فقال: يا أمير المؤمنين، كيف تؤخذ الجزية من المجوس، ولم ينزل عليهم كتاب، ولا بعث الله فيهم نبيّاً؟

فقال: بلى، يا أشعث، قد أنزل الله عليهم كتاباً، وبعث فيهم(٤) نبيّاً، وكان [ لهم ](٥) ملك سكر ذات ليلة فدعا بابنته إلى فراشه فارتكبها، فلمّا أصبح تسامع به قومه فاجتمعوا إلى بابه، فقالوا: أيها الملك، دنّست علينا ديننا فأهلكته، فاخرج نطهّرك ونقيم عليك الحدّ.

فقال لهم: اجتمعوا واسمعوا كلامي، فإن يكن لي مخرج ممّا ارتكبت وإلاّ فشأنكم، فاجتمعوا.

فقال لهم: هل علمتم أنّ الله سبحانه لم يخلق خلقاً أكرم عليه من أبينا آدم

__________________

١ - المجسّة: موضع اللمس. أي مدرك لا بالحواسّ.

٢ و ٥ - من الأمالي.

٣ - كذا في الأمالي، وفي الأصل: ولا يقام به امام.

٤ - في الأمالي: إليهم.

واُمّنا حوّاء؟

قالوا: لا.(١)

قال: أفليس قد زوّج بنيه من بناته وبناته من بنيه؟

قالوا: صدقت، هذا هو الدين، فتعاقدوا على ذلك، فمحا الله ما في صدورهم من العلم، ورفع عنهم الكتاب، فهم الكفرة يدخلون النار بغير حساب، والمنافقون أشدّ حالاً منهم.(٢)

فقال الأشعث: والله ما سمعت بمثل هذا الجواب، والله لاعدت إلى مثلها أبداً.

ثمّ نادى صلوات الله عليه: سلوني قبل أن تفقدوني.

فقام إليه رجل من أقصى المسجد متوكّئاً على عكازة، فلم يزل يتخطّى الناس حتى دنا منه، فقال: يا أمير المؤمنين، دلّني على عملٍ إذا أنا عملته نجّاني الله من النار.

قال: يا هذا، اسمع، ثمّ افهم، ثمّ استيقن، قامت الدنيا بثلاثة: بعالم ناطق مستعمل لعلمه، وبغنيّ لا يبخل بماله على أهل دين الله عزّ وجلّ، وبفقير صابر، فإذا كتم العالم علمه، وبخل الغنيّ، ولم يصبر الفقير، فعندها الويل والثبور، وعندها يعرف العارفون بالله إنّ الدار قد رجعت إلى بدئها - أي إلى الكفر بعد الإيمان -.

أيها السائل، لا تغترّنّ بكثرة المساجد، وجماعة أقوام أجسادهم

__________________

١ - في الأمالي: قالوا: صدقت أيّها الملك.

٢ - هنا تعريض بالسائل لأنّه كان منهم.

مجتمعة وقلوبهم شتّى.

أيها الناس، إنّما الناس ثلاثة: زاهد، وصابر، وراغب.

فأمّا الزاهد فلا يفرح بشيء من الدنيا أتاه، ولا يحزن على شيء منها فاته.

وأمّا الصابر فيتمنّاها بقلبه، فإذا أدرك منها شيئاً صرف [ عنها ](١) نفسه لما يعلم من سوء عاقبتها.

وأمّا الراغب فلا يبالي من حلّ أصابها أم من حرام.

قال: يا أمير المؤمنين، فما علامة المؤمن في ذلك الزمان؟

قال: ينظر إلى ما أوجب الله عليه من حقّ فيتولّاه، وينظر إلى ما خالفه فيتبرّأ منه، وإن كان المخالف حبيباً قريباً.

قال: صدقت والله، يا أمير المؤمنين، ثمّ غاب الرجل فلم نره، فطلبه الناس فلم يجدوه، فتبسّمعليه‌السلام على المنبر، ثم قال: ما لكم؟ هذا أخي الخضرعليه‌السلام .

ثمّ نادى: سلوني قبل أن تفقدوني، فلم يقم إليه أحد، فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثم قال للحسن: قم يا حسن، فاصعد المنبر، وتكلّم بكلام لا تجهلك قريش بعدي فيقولون: إنّ الحسن لا يحسن شيئاً.

قال الحسن: كيف أصعد وأتكلّم وأنت حاضر في الناس تسمع وترى؟

قال: بأبي أنت واُمّي اُواري نفسي عنك، وأسمع وأرى ولا تراني.

__________________

١ - من الأمالي.

فصعد الحسنعليه‌السلام المنبر، فحمد الله وأثنى عليه بمحامد بليغة، وصلى على النبيّ وآله صلاة موجزة، ثمّ قال: أيها الناس، سمعت جدّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: أنا مدينة العلم وعليّ بابها، وهل تدخل المدينة إلا من بابها، ثمّ نزل.

فوثب إليه أمير المؤمنينعليه‌السلام فضمّه إلى صدره.

ثمّ قال للحسينعليه‌السلام : قم يا بنيّ فاصعد المنبر، وتكلّم بكلام لا تجهلك قريش بعدي، فيقولون: إنّ الحسين لا يحسن(١) شيئاً، وليكن كلامك تبعاً لكلام أخيك.

فصعد الحسينعليه‌السلام المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على النبي [ وآله ](٢) صلاة موجزة، ثمّ قال: معاشر الناس، سمعت جدّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: إنّ عليّاً مدينة هدى من دخلها نجا، ومن تخلّف عنها هلك، فنزل.

فوثب إليه أمير المؤمنينعليه‌السلام فضمّه إلى صدره وقبّله، ثم قال: أيها الناس، اشهدوا أنّهما فرخا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ووديعته التي استودعنيها، وأن أستودعكموها - معاشر الناس - ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مسائلكم عنها(٣) .(٤)

__________________

١ - في الأمالي: لا يبصر.

٢ - من الأمالي.

٣ - في الأمالي: سائلكم عنها.

٤ - الأمالي للصدوق: ٢٨٠ ح ١، التوحيد: ٣٠٤ ح ١، الاختصاص: ٢٣٥، الاحتجاج: ٢٥٨، عنها البحار: ١٠ / ١١٧ ح ١.

وأخرج قطعات منه في البحار: ٤ / ٩٧ ح ٤، وج ١٤ / ٤٦١ ح ٢٦، وج ٧٠ / ٨ ح ١.

ومن عجيب أمره صلوات الله عليه في هذا الباب أنّه لا شيء من العلوم إلا وأهله يجعلون عليّاً قدوة فيه، فصار قوله قبلة في الشريعة.(١)

أبو نعيم في الحلية(٢) ، والخطيب في الأربعين: بالإسناد عن السدّي، عن عبد خير(٣) ، عن عليعليه‌السلام ، قال: لمّا قبض الله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أقسمت - أو حلفت - أن لا أضع ردائي عن ظهري حتى أجمع ما بين اللوحين، فما وضعت ردائي حتى جمعت القرآن.(٤)

و في أخبار أهل البيتعليهم‌السلام أنّه إلى أن لا يضع رداءه على عاتقه إلا للصلاة حتى يؤلّف القرآن ويجمعه، فانقطع عنهم مدّة إلى أن جمعه، فخرج إليهم به في إزار يحمله وهم مجتمعون في المسجد، فأنكروا مصيره بعد انقطاعه(٥) ، فقالوا: لأمر ما جاء أبو الحسن(٦) ، فلمّا توسّطهم وضع الكتاب بينهم، ثمّ قال: إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: إنّي مخلّف فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا ؛ كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وهذا كتاب الله وأن العترة.

فقام إليه الثاني، فقال: إن يكن عندك قرآن فعندنا مثله، فلا حاجة لنا فيكما، فحمل صلوات الله عليه الكتاب وعاد به بعد أن ألزمهم الحجّة.(٧)

وعن الصادقعليه‌السلام أنّه حمله وولّى راجعاً وهو يقول:( فَنَبَذُوهُ

____________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٤٠، عنه البحار: ٤٠ / ١٥٤، وج ٩٢ / ٥١ ح ١٨.

٢ - حلية الأولياء: ١ / ٦٧.

٣ - كذا في المناقب والحلية، وفي الأصل: الحسين.

٤ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٤١، عنه البحار: ٤٠ / ١٥٥، وج ٩٢ / ٥٢.

٥ - في المناقب: بعد انقطاع مع البته، والالبة: الجماعة.

٦ - في المناقب: الأمر ما جاء به أبو الحسن.

٧ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٤١، عنه البحار: ٤٠ / ١٥٥، وج ٩٢ / ٥٢.

وَرَاءَ ظُهُورِهِم وَاشتَرَوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئسَ مَا يَشتَرُونَ ) (١) .(٢)

فأمّا ما روي أنّه جمعه أبو بكر وعمر وعثمان فإنّ أبا بكر قال - لمّا التمسوا منه أن يجمع القرآن -: كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ولا أمرني به؟(٣)

رواه البخاري في صحيحه.(٤)

و منهم العلماء بالقراءات(٥) ، وكان عليّ أعلم الصحابة بالقراءات(٦) حتى انّ القرّاء السبعة إلى قراءته يرجعون.

فأمّا حمزة والكسائي فيعوّلان على قراءة عليّعليه‌السلام وابن مسعود، وليس مصحفهما مصحف ابن مسعود، فهما إنّما يرجعان إلى عليّ ويوافقان ابن مسعود فيما يجري مجرى الاعراب، وقد قال ابن مسعود: ما رأيت أحداً أقرأ من عليّ بن أبي طالب للقرآن.

فأمّا نافع وابن كثير وأبو عمرو فمعظم قراءتهم ترجع إلى ابن عبّاس، وقرأ ابن عباس على عليعليه‌السلام .

وأمّا عاصم فقرأ على أبي عبد الرحمان السلمي، وقال أبو عبد الرحمان: قرأت القرآن كلّه على عليّ بن أبي طالب، فقالوا: أفصح القراءات قراءة عاصم،

____________

١ - سورة آل عمران: ١٨٧.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٤١، عنه البحار: ٤٠ / ١٥٦، وج ٩٢ / ٥٢.

٣ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٤٢، عنه البحار: ٤٠ / ١٥٦، وج ٩٢ / ٥٣.

٤ - صحيح البخاري: ٦ / ٢٢٥.

٥ - كذا في المناقب، وفي الأصل: بالقرآن.

٦ - كذا الأنسب في المقام، وفي الأصل: بالقرآن.

لأنّه أتى بالأصل، وذلك أنّه يظهر ما أدغمه غيره، ويحقّق من الهمز ما سهّله(١) غيره، ويفتح من الألفات ما أماله غيره.

و العدد الكوفي في القرآن منسوب إلى عليّ صلوات الله عليه، وليس في الصحابة من ينسب إليه العدد غيره(٢) ، وإنّما كتب الناس العدد عن التابعين من أهل الأمصار(٣) .(٤)

ومنهم المفسرون كعبدالله بن العباس، وعبد الله بن مسعود، واُبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وهم معترفون له بالتقدّم.

تفسير النقّاش: قال ابن عبّاس: جُلّ ما تعلّمت من التفسير من علي بن أبي طالبعليه‌السلام .

وقال ابن مسعود: اُنزل القرآن(٥) على سبعة أحرف، ما منها إلا وله ظهر وبطن، وإنّ عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام علم الباطن والظاهر.(٦)

فضائل العكبري: قال الشعبيّ: ما أحد أعلم بكتاب الله بعد نبيّ الله من عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام .(٧)

____________

١ - في المناقب: ما ليّنه.

٢ - حيث ان عدد أهل المدينة منسوب إلى أبي جعفر يزيد بن القعقاع القارئ وشيبة بن نصّاح وإسماعيل بن جعفر، وعدد أهل البصرة منسوب إلى عاصم بن أبي الصباح الجحدري وأيّوب بن المتوكّل، وعدد أهل مكّة منسوب إلى مجاهد وإسماعيل المكّي، وعدد أهل الشام منسوب إلى عبد الله بن عامر، انظر « زبدة التفاسير لفتح الله الكاشاني: ٢ - مخطوط - ».

٣ - في المناقب: وإنّما كتب عدد ذلك كلّ مصر عن بعض التابعين.

٤ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٤٢، عنه البحار: ٤٠ / ١٥٦، وج ٩٢ / ٥٣.

٥ - في المناقب: جلّ ما تعلّمت من عليّ بن أبي طالب وابن مسعود، انّ القرآن اُنزل.

٦ و ٧ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٤٣، عنه البحار: ٤٠ / ١٥٧.

تاريخ البلاذري وحلية الأولياء(١) : قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيما نزلت وأين نزلت، أبليل نزلت أم بنهار نزلت، في سهل أو جبل، إنّ ربّي وهب لي قلباً عقولاً ولساناً سؤولاً.

قوت القلوب: قال عليعليه‌السلام : لو شئت لأوقرت سبعين بعيراً في تفسير الفاتحة.(٢)

و منهم الفقهاء وهو أفقههم، فإنّه ما ظهر عن جميعهم ما ظهر عنه، ثمّ إنّ جميع فقهاء الأمصار إليه يرجعون، ومن بحره يغترفون.

أمّا أهل الكوفة ففقهاؤهم: سفيان الثوريّ، والحسن بن صالح بن حيّ، وشريك بن عبد الله، وابن أبي ليلى، وهؤلاء يفرّعون المسائل ويقولون: هذا قياس قول عليّ بن أبي طالب، ويترجمون الأبواب بذلك.

وأمّا أهل البصرة ففقهاؤهم: الحسن، وابن سيرين، وكلاهما كانا يأخذان عن ابن عبّاس، وهو أخذ عن عليّ بن أبي طالب(٣) ، وابن سيرين يفصح بأنّه أخذ عن أهل الكوفة وعن عبيدة السلماني(٤) ، وهو أخصّ الناس بعليّ صلوات الله عليه.

وأمّا أهل مكّة فأخذوا عن ابن عبّاس، وعن عليعليه‌السلام .

وأمّا أهل المدينة فعنه أخذوا.(٥)

____________

١ - أشراف الأنساب: ٢ / ٩٨ ح ٢٧ وص ٩٩ ح ٢٨، حلية الأولياء: ١ / ٦٧.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٤٣، عنه البحار: ٤٠ / ١٥٧. وما في الأصل وقع فيه التصحيف، وصحّحناه وفقاً لما في المناقب.

٣ - في المناقب: يأخذان عمّن أخذ عن عليّ.

٤ - في المناقب: السمعاني، وهو اشتباه. انظر جامع الرواة: ١ / ٥٣١.

٥ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٤٤، عنه البحار: ٤٠ / ١٥٨.

وقد صنّف الشافعي كتباً مفرداً في الدلالة على اتّباع أهل المدينة لعليعليه‌السلام وعبد الله.

و قال محمدبن الحسن الفقيه: لولا عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ما علمنا حكم أهل البغي.

ولمحمد بن الحسن كتاب يشتمل على ثلاثمائة مسألة في قتال أهل البغي بناء على فعلهعليه‌السلام .(١)

مسند أبي حنيفة: هشام بن الحكم قال: قال الصادقعليه‌السلام لأبي حنيفة: من أين أخذت القياس؟

قال: من قول عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام وزيد بن ثابت حين سألهما(٢) عمر في الجدّ مع الإخوة، فقال له عليعليه‌السلام : لو أنّ شجرة انشعب منها غصن، وانشعب(٣) من الغصن غصنان أيّما أقرب إلى أحد الغصنين، أصحابه الذي يخرج معه أم الشجرة؟

فقال زيد: لو أنّ جدولاً انبعث فيه(٤) ساقيه، وانبعث من الساقيه ساقيتان، أيّما أقرب، أحد الساقيتين إلى صاحبتهما أم الجدول؟(٥)

ومنهم الفرضيّون وهو أمهرهم(٦) . فضائل أحمد(٧) : قال عبد الله: إنّ أعلم

____________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٤٤، عنه البحار: ٤٠ / ١٥٩.

٢ - في المناقب: شاهدهما.

٣ - كذا في المناقب، وفي الأصل: وانبعث.

٤ - كذا في المناقب، وفي الأصل: من.

٥ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٤٤، عنه البحار: ٤٠ / ١٥٩.

٦ - في المناقب: أشهرهم.

٧ - فضائل الصحابة: ١ / ٥٣٤ ح ٨٨٨.

أهل المدينة بالفرائض عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام .

قال الشعبي: ما رأيت أفرض من علي بن أبي طالب، ولا أحسب منه، وقد سئل - وهو على المنبر يخطب -: رجل مات وترك امرأة وأبوين وابنتين، كم نصيب الامرأة؟

قالعليه‌السلام : صار ثمنها تسعاً، فلقّبت بالمسألة المنبريّة.

شرح ذلك: للأبوين السدسان، وللبنتين الثلثان، وللمرأة الثمن، عالت الفريضة فكان لها ثلاث من أربعة وعشرين ثمنها، فلمّا صارت إلى سبعة وعشرين صار ثمنها تسعاً، فإنّ ثلاثة من سبعة وعشرين تسعها، ويبقى أربعة وعشرون، للبنتين ستّة عشر وللأبوين ثمانية.

و هذا القول صدر منه صلوات الله عليه إمّا على سبيل الاستفهام، أو على قولهم صار ثمنها تسعاً(١) ، أو بيّن كيف [ يجيء ](٢) الحكم على مذهب من يقول بالعول، أو على سبيل الانكار فبيّن الحساب والجواب، والقسمة والنسبة بأوجز لفظ.(٣)

ومنه أنّه سئلعليه‌السلام عن عدد تخرج منه الآحاد صحاحاً لا كسر فيها، فقال من غير تروٍّ: اضرب أيّام سنتك في أيّام اُسبوعك، والآحاد هي النصف والثلث والربع والخمس، هكذا إلى العشرة.

ومنهم الرواة وهم نيّف وعشرون رجلاً، منهم: ابن عباس، وابن مسعود،

____________

١ - زاد في المناقب: أو على مذهب نفسه.

٢ - من المناقب.

٣ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٤٤، عنه البحار: ٤٠ / ١٥٩.

[ وجابر الأنصاري، وأبو أيّوب، وأبو هريرة، وأنس، ](١) وأبو سعيد الخدري، وأبو رافع، وغيرهم، وهو صلوات الله عليه أكثرهم رواية، وأثبتهم(٢) حجّة، ومأمون الباطن، لقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ.

قال الترمذي(٣) والبلاذري(٤) : قيل لعليّ صلوات الله عليه: ما لك(٥) أكثر أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله حديثاً؟

قال: كنت إذا سألته أنبأني، ,إذا سكتّ ابتدأني.(٦)

و منهم المتكلّمون وهو الأصل في الكلام. قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : عليّ ربّاني هذه الاُمّة.(٧)

قال صلوات الله عليه: أوّل معرفة الله توحيده، وأصل توحيده نفي الصفات عنه، إلى آخر العبر.

وهو الذي وضع اُصول الكلام وفرّع المتكلّمون على ذلك، فالإماميّة يرجعون إلى الصادقعليه‌السلام ، وهو إلى آبائه، والمعتزلة والزيديّة يرجعون إلى رواية القاضي عبد الجبّار [ بن ](٨) أحمد، عن أبي عبد الله الحسين البصري، وأبو إسحاق عبّاس، عن أبي هاشم الجبّائيّ، عن أبيه أبي علي، عن أبي يعقوب الشحّام، عن أبي الهذيل العلّاف، عن ابي عثمان الطويل، عن واصل بن

____________

١ و ٨ - من المناقب.

٢ - في المناقب: وأتقنهم.

٣ - الجامع الصحيح: ٥ / ٦٣٧ ح ٣٧٢٢.

٤ - أنساب الأشراف: ٢ / ٩٨ ح ٢٦.

٥ - في الماقب: ما بالك؟

٦ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٤٥، عنه البحار: ٤٠ / ١٥٩ - ١٦٠.

٧ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٤٥، عنه البحار: ٤٠ / ١٦٠.

عطاء، عن أبي هاشم عبد الله بن محمد بن علي، عن أبيه محمد بن الحنفيّة، عن أبيه صلوات الله عليه.(١)

و منهم الخطباء والفصحاء، وهو أفصح الخلق، ألا ترى إلى خطبه مثل: خطبة التوحيد، [ والشقشقيّة ](٢) ، والهداية، والملاحم، واللؤلؤة، والغرّاء، والقاصعة، والافتخار، وخطبة الأشباح، والدرّة اليتيمة، والأقاليم، والوسيلة(٣) ، والطالوتيّة، والقصبيّة، والنخيليّة، والسلمانيّة، والناطقة، والدامغة، والفاضحة؟(٤)

بل تفكّر في نهج البلاغة فإنّ فيها عجباً لمن كان له حظّ من الذوق السليم، والفهم القويم، وأكثر الخطباء والبلغاء من مواعظه أخذوا، ومن شواظه اقتبسوا، وعلى مثاله احتذوا، وإذا تأمّل من له قلب سليم ولبّ مستقيم رأى من كلامه صلوات الله عليه ما يدلّ على أنّه صلوات الله عليه كان آية من آيات الله، وحجّة لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله دالّة على صحّة نبوّته، لكون كلامه قد اشتمل من أدلّة التوحيد، والتعظيم للملك المجيد، وإبطال كلّما يدّعى من دونه، وإدحاض حجّة من ألحد في آياته، وأبدع في صفاته، من الملاحدة والمشبّهة والمعطّلة والمجبّرة ما لا مزيد عليه.

وقد يذمّ مقال القائلين من متألّهة الحكماء كاُرسطوطاليس وجالينوس

____________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٤٦، عنه البحار: ٤٠ / ١٦١.

٢ - من المناقب.

٣ - كذا في المناقب، وفي الأصل: والدرّة، واليتيمة، والوسيلة.

٤ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٤٧، عنه البحار: ٤٠ / ١٦٢.

وبطليموس، وغيرهم ممّن وضع قوانين العلوم الربّانيّة، وشققوا الشعر في تحصيل القواعد الفلسفيّة، وغاصوا في بحار المعارف الإلهيّة، وهو صلوات الله عليه لم يتردّد إلى عالم غير سيّد المرسلين، ولم يكن بمكّة وما والاها من البلاد من أرباب العلوم الإلهيّة وغيرها من يسند عنه ذلك، وإنّما كانوا جاهليّة أجلافاً لا بصيرة لهم بالعلوم، ولا تمييز بين صحيح الفكر وفاسده، ولا استنباط دليل يهديهم إلى سبيل الرشاد، ولو كان لهم أدنى فكر صائب وترتيب مقدّمات تهديهم إلى سواء السبيل لم يتّخذوا الأصنام آلهة من دون الله، ولا نصبوا الأنصاب، ولا استقسموا بالأزلام، ولا بحروا البحيرة، ولا سيّبوا السائبة، ولا وصلوا الوصيلة، ولا وأدوا البنات، ولا عظّموا هبل واللات، ولم يعتقدوا من الجاهليّة، ولا أبطلوا القول بالدليل القاطع، ولم يقلّدوا آباءهم السالفين من لدن خندف إلى عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وإنّما سمّوا جاهليّة لفرط جهلهم، وشدّة عنادهم، وعدم انقيادهم، فإذا خرج منهم رجل لم يتردّد إلى عالم، ولم يطالع ما دوّنه القدماء من المتألّهة في دفاترهم عن المنطقي والطبيعي والإلهي والعلوم الرياضيّة من الحساب والهندسة وغيرها، ثمّ أتى بكلام أبطل مقالهم، وأدحض حجّتهم، وأبطل شبهتهم، ودلّ على وحدة الصانع سبحانه وقدمه، وحدوث ما سواه، وعلى قدرته واختياره، وعلمه بالحريّ الزماني وغيره ممّا كان قبل أن يكون وما هو كائن، ونزّهه عمّا لا يليق بكماله، علم أنّ علمه من علم صاحب الشريعة الّذي علمه بالوحي الإلهي من حضرة واجب الوجود سبحانه تعلى عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً.(١)

__________________

١ - اقتباس من الآية: ٤٣ من سورة الإسراء.

قال شيخنا وسيّدنا ومفخرنا السيد الجليل محمد الرضي الموسوي رضي الله عنه في خطبة كتاب نهج البلاغة: من كلام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، ومن عجائبه التي تفرّد بها، وأمن المشاركة فيها أنّ كلامه الوارد في الزهد والمواعظ، والتذكير والزواجر إذا تأمّله المتأمّل، وفكّر فيه المتفكّر، وخلع عن قلبه أنّه كلام مثله ممّن عظم قدره [ ونفذ أمره ](١) ، وأحاط بالرقاب ملكه، لم يعترضه الشكّ في أنه كلام مَن لا حظّ له في غير الزهادة، ولا شغل له في غير العبادة، قد قبع في كسر بيت(٢) ، أو انقطع في(٣) سفح جبل، لا يسمع الا حسّه، ولا يرى إلا نفسه، ولا يكاد يوقن بأنّه كلام من ينغمس في الحرب مصلتاً سيفه يقطّ الرقاب(٤) ، ويجدّل الأبطال، ويعود به ينطف(٥) دماً، ويقطر مُهَجاً، وهو مع ذلك زاهد الزهّاد، وبدل الأبدال(٦) ، وهذه من فضائله العجيبة، وخصائصه اللطيفة، التي جمع [ بها ](٧) بين الأضداد، وألّف بين الأشتات.(٨)

قال الفاضل عبد الحميد بن أبي الحديد عند شرحه الخطبة الّتي قالها أمير المؤمنين صلوات الله عليه عند تلاوته( ألهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ) (٩) وهي: يا له

__________________

١ - من النهج.

٢ - كسر بيت: جانب الخباء.

٣ - في النهج: إلى.

٤ - يقطّ الرقاب: يقطعها عرضاً. فإن كان القطع طولاً قيل: يقدّ.

٥ - ينطف: يسيل.

٦ - الأبدال: قوم صالحون لا تخلو الأرض منهم، إذا مات منهم واحد بدّل الله مكانه آخر، والواحد: بدل أو بديل.

٧ - من النهج والمناقب.

٨ - نهج البلاغة ( صبحى الصالح ): ٣٥ - ٣٦ وفي « عبده »: ١٢، عنه مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٤٩.

٩ - سورة التكاثر: ١.

مراماً ما أبعده! [ وزَوراً ما أغفله! ](١) وخطراً ما أفظعه(٢) ! إلى آخرها(٣) ، وقد أتى في هذه الخطبة ما لا مزيد عليه من ذكر الموت، والتحذير من الدنيا، وما يؤول من الانسان إليه حين الموت من السكرات والغمرات، وذكر من اعتزّ بالدنيا وركن إليها:

هذا موضع المثل ملعا يا ظليم وإلاّ فالتّخوية(٤) ، مَن أراد أن يعظ ويخوّف الناس، ويعرّفهم قدر الدنيا وتقلّبها بأهلها فليأت بمثل هذا الكلام الفصيح في مثل هذه الموعظة البالغة وإلاّ فليسكت، فإنّ السكوت أصلح، والعيّ خير من منطق يفضح صاحبه.

ولعمري من وقف على هذه الخطبة علم مصداق قول معاوية: والله ما سنّ الفصاحة لقريش غيره، وينبغي إذا اجتمع الفصحاء وتليت عليهم هذه الخطبة أن يسجدوا لها كما سجد الشعراء لقول عديّ بن الرقاع:

قلم أصابَ من الدواةِ مدادها(٥) .

فقيل لهم في ذلك، فقالوا: إنّا نعلم سجدات الشعر كما تعلمون أنتم سجدات القرآن.

وإنّي لاُطيل التعجّب من رجل يخطب في مقام الحرب بكلام يدلّ على أنّ طبعه مشابه لطباع الأسود والنمور وغيرهما من السباع الضارية، ثمّ يخطب

__________________

١ - من النهج: والزَور: الزائرون.

٢ - كذا في النهج، وفي الأصل: ما أوصفه.

٣ - نهج البلاغة ( صبحي الصالح ): ٣٣٨ خطبة رقم ٢٢١.

٤ - الملع: السير السريع. ويقال: خوّى الطائر، إذا أرسل جاحيه.

٥ - صدره:

تُزجِي أغنّ كأن إبرة روقه

في ذلك المقام بعينه إذا أراد الموعظة بكلام يدلّ على أنّ طبعه مشابه لطباع الرهبان لابسي المُسوح الّذين يأكلون لحماً، ولم يريقوا(١) دماً قطّ، فتارة يكون في صورة سقراط الحبر اليونانيّ، ويوحنّا المعمدان الإسرائيلي، وعيسى بن مريم الإلهيّ، وتارة يكون في صورة عتيبة بن الحارث اليربوعيّ، وعامر بن الطفيل العامريّ، وبسطان بن قيس الشيبانيّ.

واُقسم بالذي تقسم الاُمم كلّها به ؛ لقد تلوت هذه الخطبة منذ خمسين سنة وإلى الآن أكثر من ألف مرّة، وما تلوتها مرّة إلا وأحدثت في قلبي وجيباً، وفي أعضائي رعدة، وخيّل لي مصارع من مضى من أسلافي، وتصوّرت في نفسي أنّي أنا ذلك الشخص الذي وصف أمير المؤمنين صلوات الله عليه في قوله:

فكم أكلت الأرض من عزيز جسدٍ، وأنيق لون كان في الدنيا غذيّ ترف، وربيب شرف، إلى آخرها(٢) ؟

وكم قال الناس، وكم سمعت، وما دخل كلام ما دخل هذا الكلام من قلبي(٣) ، فإمّا أن يكون ذلك لفرط حبّي لصاحبه، أو أنّ نيّة القائل كانت صادقة، ويقينه ثابت، فصار لكلامه تأثير في النفوس.(٤)

وقال أيضاً الفاضل ابن ابي الحديد عند شرحه كلامه صلوات الله عليه في خطبة الأشباح(٥) : عالم السر من ضمائر(٦) المضمرين، إلى آخر الفصل: لو

__________________

١ - كذا في شرح النهج، وفي الأصل: يرتعوا.

٢ - نهج البلاغة ( صبحي الصالح ): ٢٤٠ خطبة رقم ٢٢١.

٣ - في شرح النهج: فلم أجد لشيء منه مثل تأثير هذا الكلام في نفسي.

٤ - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ١١ / ١٥٢ - ١٥٣.

٥ - نهج البلاغة ( صبحي الصالح ): ١٣٤ خطبة رقم ٩١.

سمع النضر بن كنانة هذا الكلام لقال لقائله ما قاله عليّ بن العبّاس بن جريح لإسماعيل بن بلبل:

قالوا أبو الصَقرِ مِن شَيبانَ قلتُ لهم

حاشا وكلّا ولكن منهُ(٧) شَيبانٌ

وكم أبٍ قد عـلا بابنٍ ذًُرا شرف(٨)

كما علا برسولِ اللـهِ عدنان

إذ كان يفخر به على عدنان وقحطان، بل كان يقرّ به عين أبيه إبراهيم خليل الرحمن(٩) ويقول له: إنّه لم يُعفِ ما شيّدتُ من معالم التوحيد، بل أخرج الله تعالى لك من ظهري ولداً ابتدع من علوم التوحيد في جاهليّة العرب ما لم تبتدعه أنت في جاهليّة النبط(١٠) ، بل لو سمع هذا الكلام أرسطو طاليس القائل بأنّه تعالى لا يعلم الجزئيّات ؛ لخشع قلبه، وقَفّ شعره(١١) ، وارتعدت فرائصه، واضطرب قلبه، أما ترى ما عليه من الرواء والجزالة والفخامة(١٢) ، مع ما قد اُشرب من الحلاوة والطلاوة واللطف والسلاسة؟ لا أرى كلاماً قطّ يشبه هذا الكلام إلا أن يكون كلام الخالق سبحانه، فإنّه نبعة من تلك الشجرة، أو جدول

__________________

٦ - كذا في النهج، وفي الأصل: ضمير.

٧ - في شرح النهج: كلّا ولكن لعمري منه.

٨ - كذا في شرح النهج، وفي الأصل: بابن له شرفاً.

٩ - كذا في شرح النهج، وفي الأصل: بل كان يفخر على عدنان وقحطان، بل كان يفخر على إبراهيم الخليل.

١٠ - كذا في شرح النهج، وفي الأصل: ويقول له: إنّ الله قد أخرج من صلبي ولداً وسيّدا من معالم التوحيد في جاهليّة العرب ما لم تشيّده أنت في جاهليّة النبط.

١١ - كذا في شرح النهج، وفي الأصل: لا يعلم الحري الزماني لفقّ شعره.

١٢ - في شرح النهج: من الرواء والمهابة، والعظمة والفخامة، والمتانة والجزالة.

من ذلك البحر، أو جذوة من تلك النار.(١)

و منهم الفصحاء والبلغاء وهو أوفرهم حظّاً.

قال السيد الرضي الموسوي رضي الله عنه: كان أمير المؤمنينعليه‌السلام مشرع الفصاحة وموردها، ومنشأ البلاغة ومولدها، ومنه ظهر مكنونها، وعنه أخذت قوانينها.(٢)

قال الجاحظ في كتاب الغرّة: كتب عليّ إلى معاوية: غرّك غزّك، فصار قصار ذلك ذلّك، فاخش فاحش فعلك فعلّك تهدأ بهذا، والسلام.(٣)

وروى أبو جعفر بن بابويه رضي الله عنه بإسناده عن الرضاعليه‌السلام ، عن آبائهعليهم‌السلام أنّ الصحابة اجتمعت فتذاكروا أنّ الألف أكثر دخولاً في الكلام من غيره، فارتجل صلوات الله عليه الخطبة المونقة(٤) وهي: حمدت من عظمت منّته، وسبقت نعمته، وسبقت رحمته(٥) ، وتمّت كلمته، ونفذت مشيئته، وبلغت قضيّته(٦) ، إلى آخرها.

ثم ارتجل صلوات الله عليه خطبة اُخرى على غير نقطة، أوّلها(٧) : الحمد

____________

١ - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ٧ / ٢٣ - ٢٤.

٢ - نهج البلاغة ( صبحي الصالح ): ٣٤.

٣ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٤٨، عنه البحار: ٤٠ / ١٦٣.

وأورد القطعة الأخيرة في مطالب السؤول: ١ / ١٧٦، عنه البحار: ٧٨ / ٨٣ ح ٨٦.

٤ - انظر: شرح نهج البلاغة: ١٩ / ١٤٠، الخرائج والجرائح: ٢ / ٧٤٠ ح ٥٦، كفاية الطالب: ٣٩٣، مطالب السؤول: ١ / ١٧٣، مصباح الكفعمي: ٧٤١ ف ٤٩، الصراط المستقيم: ١ / ٢٢٢، البحار: ٤١ / ٣٠٤ ح ٣٦، وج ٧٧ / ٣٤٠، إثبات الهداة: ٢ / ٤٩٩ ح ٣٧٢ وص ٥١٤ ح ٤٣٢ وص ٥١٩ ح ٤٥٧.

٥ - في بعض المصادر: وسبقت رحمته غضبه.

٦ - أي حكمه وقضاؤه.

٧ - في المناقب: من غير النقط، التي أوّلها.

لله اهل الحمد ومأواه، وله أوكد الحمد(١) وأحلاه، واسرع الحمد وأسراه، واطهر الحمد وأسماه وأكرم الحمد وأولاه الي آخرها.

و مثل قوله: من جهل شيئاً عاداه مثل قوله سبحانه:( بَل كَذَّبُوا بِمَا لَم يُحِيطُوا بِعِلمِهِ ) (٢) ، وقوله: المرء مخبوء تحت لسانه، مثله:( وَلَتَعرِفَنَّهُم فِي لَحنِ القَولِ ) (٣) وقوله: قيمة كل امرىء ما يحسنه مثله(٤) : « إنَّ اللهَ اصطَفَاهُ عَلَيكُم وَزَادَهُ بَسطَةً فِي العِلمِ وَالجِسمِ ».(٥) (٦)

ومنهم الشعراء والبلغاء [ وهو اشعرهم ].(٧)

قال الجاحظ في البيان والتبيين [ وفي كتاب فضائل بني هاشم أيضاً والبلاذري في أنساب الأشراف )(٨) : انَّ علياً كان أشعر الصحابه.

تاريخ البلاذري(٩) : كان ابوبكر يقول الشعر وعمر يقول الشعر وعثمان يقول الشعر وعلي أشعر الثلاثه.

ومنهم العروضيّون ومن داره خرجت دائره العروض.

روي أنّ الخليل بن احمد اخذ رسم العروض عن رجل من اصحاب محمد بن علي الباقر [ أو علي بن الحسين ](١٠) عليه‌السلام ، ووضع لذلك اُصولاً.

____________

١ - كذا في المناقب وفي الأصل: وأهل الحمدز

٢ - سورة يونس: ٣٩.

٣ - سورة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله : ٣٠.

٤ - كذا في المناقب، وفي الاصل: قوله.

٥ - سورة البقرة: ٢٤٧.

٦ - مناقب ابن شهر اشوب: ٤٨/٢، عنه البحار: ١٦٣/٤٠.

٧ و ٨ و ١٠ - من المناقب.

٩ - أنساب الأشراف: ٢/ ١٥٢ ح ١٥٥.

و منهم أصحاب اللغه العربّيه وهو أحكمهم.

قال أبو محمد القاسم(١) الحريري في كتابه درّة الغواص(٢) [ وابن فياض في شرح الاخبار ](٣) : إنّ الصحابه اختلفوا في الموءودة فقال لهم عليّعليه‌السلام : إنّها لا تكون موءودة حتى تاتي عليها التارات السبع.

فقال له عمر: صدقت اطال الله بقاءك أراد بذلك [ المبيّنه ](٤) بقوله سبحانه:( وَلَقَد خَلَقنَا الإنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِن طِينٍ ) (٥) إلى آخرها فاشار الي أنّه [ اذا ](٦) استهل بعد الولادة ثم دفن فقد وُئد.(٧)

ومنهم الوعّاظ وليس لأحد من الامثال والعبر [ والمواعظ ](٨) والزواجر ما له، نحو قوله: من زرع العدوان حصد الخسران، من ذكر المنيّه نسي الاُمنيّه من قعد به العقل قام به الجهل، يا أهل الغرور ما ألهجكم بدار خيرها زهيد، وشرّها عتيد ونعيمها مسلوب، [ وعزيزها منكوب ](٩) ومسالمها محروب، ومالكها مملوك، وتراثها متروك، وصنّف عبدالواحد الآمدي كتاب غرر الحكم(١٠) على حروف المعجم من كلامهعليه‌السلام .

ومنهم الفلاسفه وهو ارجحهمعليه‌السلام .

____________

١ - كذا الصحيح وفي الاصل: أبوالقاسم.

وهو ابو محمد القاسم بن علي الحريري، منسوب الي صناعه الحرير او بيعه، ولد قرب البصرة سنة ٤٤٦ ه‍، وتوفي فيها سنة ٥١٦ ه‍، « مقدمة كتاب: درّة الغواّص في أوهام الغواصّ ».

٢ - درّة الغواّص: ٨.

٣ و ٦ و ٨ و ٩ - من المناقب.

٤ - من المناقب. وفي درّة الغواّص: واراد عليّعليه‌السلام السبع طبقات الخلق السبعه المبيّنه في قوله تعالي.

٧ - قصدعليه‌السلام بذلك أن يدفع قولَ من توهم أن الحامل إذا اسقطت جنينها بالتداوي فقد وأدَته.

١٠ - غرر الحكم ودرر الكَلِم جمعه عبد الواحد بن محمد الآمدي التميمي المتوفي سنة « ٥١٠ » ه‍.

قال: آنا النقطة، انا الخط [ انا الخط، ](١) أنا النقطه، أنا النقطه والخطّ.

فقال جماعه: إن النقطه(٢) هي الأصل، والجسم حجابه والصوره حجاب الجسم لأنّ النقطه هي الأصل، والخط حجابه [ ومقامه ](٣) ، والحجاب غير الجسد الناسوتي.

و سئل صلوات الله عليه عن العالم العلوي، فقال: صور عاريه عن الموادّ، عاليه عن القوّه والاستعداد، تجلّى لها فأشرقت، وطالعها فتلألأت واُلقي في هويتّها مثاله فأظهر عنها أفعاله، وخلق الإنسان ذا نفسٍ ناطقه، إن زكّاها بالعلم فقد شابهت جواهر اوائل عللها، واذا عللها، واذا اعتدل مزاجها وفارقت الأضداد فقد شارك بها السبع الشداد.

قال الشيخ الرئيس ابو علي سينا: لم يكن فيلسوفاً شجاعاً قطّ إلا عليّ بن ابي طالبعليه‌السلام .(٤)

ومنهم المجمّون وهو أكيسهم.

سعيد بن جبير، قال: استقبل أمير المؤمنينعليه‌السلام دهقان: قيل: ان اسمه كان مرخان بن شاسوا(٥) استقبله من المدائن الي جسر توران(٦) ، فقال: يا امير المؤمنين، تناحست النجوم الطالعات وتمازجت النحوس بالسعود(٧) ، واذا كان مثل هذا وجب على الحكيم الاختفاء ويومك هذا يوم صعب قد

____________

١ و ٣ - من المناقب.

٢ - في المنافقب: القدره.

٤ - مناقب ابن شهر اشوب: ٢ / ٤٨ - ٤٩ عنه البحار: ٤٠ / ١٦٤ - ٦٥.

٥ - في المناقب: وفي رواية قيس بن سعد: مرجان بن شاشوا.

٧ - في المناقب: وتناحست السعود بالنحوس.

اقترن فيه كوكبان، وانكفأ فيه الميزان، وانقدح من برجك النيران، وليس الحرب لك بمكان.

فقال أمير المؤمنين: أيّها الدهقان، المبنىء بالآثار، المخوف من الأقدار، ما كان البارحة صاحب الميزان، وفي أيّ برج كان صاحب السرطان؟ وكم الطالع من الأسد والساعات في الحركات؟ وكم بين السراري والزراري؟

قال: سأنظر في الاسطرلاب.

فتبسّم أمير المؤمنين وقال: ويلك يا دهقان، انت مسيّر الثابتات؟ أم كيف تقضي علي الحادثات(١) ؟ وأين ساعات الاسد من المطالع؟ وما الزهرة من التوابع والجوامع؟ وما دور السراري المحرّكات؟ وكم قدر شعاع المنيرات؟ وكم التحصيل بالغدوات؟

فقال: لا علم بذلك، يا أمير المؤمنين.

فقال له: يا دهقان، هل نتج علمك أنّه انتقل بيت ملك الصين، واحترقت دور بالزنج، وخمد بيت نار فارس، وانهدمت منارة الهند، وغرقت سرانديب، وانقضّ حصن الأندلس [ ونتج بترك الروم بالروميّه ](٢) . وفي رواية: البارحه وقع بيت بالصين، وانفرج برج ماجين، وسقط سور سرانديب، وانهزم بطريق الروم بأرمينية، وفقد ديّان اليهود بايلة، وهاج النمل بوادي النمل، وهلك ملك افريقية، أكنت عالماً بهذا؟

قال: لا يا أمير المؤمنين وفي رواية: أظنّك حكمت باختلاف المشتري وزحل، إنّما أنارا لك في الشفق، ولاح لك شعاع المرّيخ في السحر،

__________________

١ - في المناقب: الجاريات.

٢ - من المناقب.

واتّصل جرمه بجرم القمر.

ثم قال صلوات الله عليه: البارحه سعد سبعون ألف عالم، وولد في كلّ عالم سبعون ألفاً، والليله يموت مثلهم، وأومأ ما بيده إلي سعد بن مسعدة الخارجي(١) وكان جاسوساً للخوارج في عسكره، وقال: هذا منهم فظنّ الملعون بأنّه يقول: خذوه، فأخذ بنفسه فمات، فخرّ الدهقان ساجداً، فلمّا أفاق قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : ألم أروّك من عين اليقين(٢) ؟

قال: بلي يا أمير المؤمنين.

فقالعليه‌السلام : أنا وصاحبي لا غريبّون ولا شرقيوّن، نحن ناشئه القطب واعلام الفلك، أمّا قولك انقدح من برجلك النيران(٣) ، فكان الواجب أن تحكم به لي لا عليَّ، اما نوره وضياؤه فعندي، وأمّا حريقه ولهبه فذهب عنّي، وهذه مسأله عقيمة احسبها ان كنت حاسباً.

فقال الدهقان: اشهد ان لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله وأنّك وليّ الله(٤) .

قلت: اللّهمّ انك اطلعته علي اسرار عظمتك، واظهرته علي آثار قدرتك، وجعلت قلبه مشكاة مخزون علمك، ونفسه مرآة مكنون حلمك، وكشفت عن بصر بصيرته فشاهد غرائب حكمتك، وعرجت بروحه إلى

____________

١ - في المناقب: الحارثي.

٢ - في المناقب: التوفيق.

٣ - كذا في المناقب، وزاد في الأصل: وظهر منه السرطان وذكر في هامش البحار أن هذه الجمله مشطوب عليها في النسخ وهي أيضاً ليست في كلام الدهقان.

٤ - مناقب ابن شهر اشوب: ٢ / ٥١ - ٥٢، عنه البحار: ٤٠ / ١٦٦ - ١٦٨، ومدينه المعاجز: ٢ / ١٥٤ ح ٤٦٤.

الصفيح الأعلى فعاين عجائب صنعتك، وأريته ملكوت سماواتك فعلم من اختلاف حركاتها ما أشبه علي غيره واحصي بلطيف روحانيّته مقادير كلّ من أفلاكها وتقديره في مسيره، ولاحظ ما رصعت به أجرامها من درر دراريها وزواهرها، وزّينت صفيحها بجواهر نيّراتها من ثابتها وسائرها، فالشمس والقمر بحسبان حسابه عرف انتقالهما بتحّولهما، وبكشف صور الأشياء لهوّيته علم مقدار صعودهما وهبوطهما.

آتيته من لدنك علماً فخرق بتأييدك صفوف ملائكتك، وكشفت الحجاب عن بصيرته فشاهد صفات أشباحهم بعين عنايتك، فعرفنا هيئاتهم، واختلاف اشخاصهم وأعلمنا بتقارب درجاتهم وخواصّهم، حتى كأنّه عمّر فيهم عمره، وأقام بينهم دهره، وشاركهم في الإخلاص بعبادة معبودهم، وشابههم بخشوعهم في ركوعهم وسجودهم، وساواهم في الاذعان بالطاعة لربّهم، وساماهم في شرف منازلهم وقربهم.

فاصبح يخبرنا عن شدّة اجتهادهم في تعظيم مبدعهم واخلاص جهادهم في توجهّهم إلى معبودهم وتضرّعهم، ووصف لنا من عظم اجسادهم ما أذهل عقولنا واعلمنا من تفاوت أشباحهم ما حيرنا وارجف قلوبنا بقوله صلوات الله عليه: ثم فتق ما بين السماوات العلى فملأهنّ أطواراً من ملائكته، منهم سجود لا يركعون، وركوع لا ينتصبون، وصافّون لا يتزايلون(١) ، ومسبّحون لا يسأمونَ - الى قوله صلوات الله: - ومنهم الثابتة في الأرضين السفلى أقدامهم، والمارقة من السماء العليا أعناقهم، والخارجة من الأقطار أركانهم، والمناسبة لقوائم العرش أكتافهم، ناكسة دونه أبصارهم، متلفّعون(٢)

__________________

١ - أي قائمون صفوفاً لا يتفارقون.

٢ - التلفّع: الالتحاف بالثوب وهو أن يشتمل به حتى يجللّ. « لسان العرب: ٨/٣٢٠ -

تحته بأجنحتهم، مضروبه بينهم وبين من دونهم حجب العزةّ وأستار القدرة، لا يتوهمون ربهم بالتصوير، ولا يجرون عليه صفات المصنوعين، ولا يحدّونه بالأماكن، ولا يشيرون اليه بالنظائر.(١)

فكان صلوات الله عليه في ذلك كما وصف نفسه بقوله: لأنا بطرق السماء أعلم منّي بطرق الارض(٢) .

فبهذا أوضح لنا عرفان صفات أفلاكها، وبيّن هيئات نفوسها وأملاكها، وكشف عن خواص نيرّاتها، واختلاف حركاتها، وهبوطها وصعودها، ونحوسها وسعودها، واجتماعها وافتراقها، وما اجري سبحانه من العادة من حوادث العالم عند غروبها واشراقها، وتاثيرات أشعّة اجرامها في الأجسام الحيوانيّه والنباتيّة، وما أودع سبحانه في كرة العناصر من كمونها وظهورها بتقدير الارادة الواحديّة وأرانا أنّ القادر المختار قد جعل له التصرّف في العالم العلويّ كما جعله له التصرف في العالم السفليّ، وأوجب له فرض الولاية على كلّ روحاني وجسماني، فلهذا ردت له الشمس وعليه سلّمت، وانقادت له أملاكها وله أسلمت، وزوّجه الجليل سبحانه بسيدة نساء الدنيا والآخرة في صفوف ملأهم، وزادهم بحضور عقدة نكاحة شرفاً الي شرفهم، وجعل نثار طوبى لشهود عرسه نثراً، واثبت الإمامة والزعامة فيه وفي غرسه إلى حين حلول القيامة الكبرى.

فيا أصحاب الارصاد والزيجات، ومعتقدي التأثيرات بالاقترانات

__________________

لفع ».

١ - نهج البلاغه ( د. صبحي العالم ): ٤١ / ٤٢ خطبة رقم ١.

٢ - نهج البلاغه ( د. صبحي العالم ): ٢٨٠ خطبه رقم ١٨٩.

والامتزاجات، دسوا في التراب هامات رؤوسكم، وامحوا اسطرلابكم وبطليموسكم، فهذا هو العالم المطلق الّذي كشف الله له من حجب غيوبه كل مغلق وسقاه بالكأس الرويّة من عين اليقين، وجمع فيه ما تفرّق في غيره من علوم الأوّلين والآخرين، فقال سبحانه وهو أصدق القائلين:( وَكُلَّ شَىءٍ أحصَينَاهُ فِي إمَامٍ مُبِينٍ ) .(١)

اللّهمّ فبحقّ ما أوجبت له من فرض الطاعة على العامة والخاصة، وجعلت له بعد نبيّك الرئاسه العامة والخاصة، فصلّ على محمد وآل محمد وأرقمنا في دفاتر المخلصين من أرقّائه وخدمه، واثبتنا في جرائد المطوقين بطوق العبوديّة لخدمة شريف حرمه، إنّك علي كل شيء قدير.

و منهم الحسّاب، وكان صلوات الله عليه اعرف الصحابه بعلم الفرائض والحساب.

روي ابن ابي ليلي أنّ رجلين جلسا يتغدّيان في سفرٍ ومع أحدهما خمسة أرغفة، ومع الآخر ثلاثة، فمّر بهما ثالث فواكلاه، فلمّا نهض أعطاهما ثمانية دراهم عوضاً عمّا أكل.

فقال صاحب الخمسة: أنا آخذ بعدد أرغفتي وخذ انت بعدد أرغفتك، فأبي صاحب الثلاثة، واختصما وارتفعا إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام .

فقال: هذا أمر فيه دناءة(٢) ، والخصومة فيه غير جميلة، والصلح أحسن. فقال صاحب الثلاثة: لا اُريد إلا مرّ الحقّ والقضاء.

فقالعليه‌السلام : إن كنت لا ترضي إلا بمرّ القضاء، فإنّ لك درهم واحد

____________

١ - سورة يس: ١٢.

٢ - كذا في المناقب، وفي الاصل: زيادة.

من الثمانية، ولصاحبك سبعه، أليس كانت لك ثلاثة أرغفة ولصاحبك خمسة؟ قال: بلى.

[ قال: ](١) فهذه اربعه وعشرون ثلثاً ؛ أكلت منها ثمانية والضيف ثمانيه، فلمّا أعطا كما الثمانية الدراهم كان لصاحبك سبعة ولك واحد.(٢)

و منهم أصحاب الكيمياء وهو أكثرهم حظّاً.

سئلعليه‌السلام عن الصنعه، فقال: هي اُخت النبوّه، وعصمة المروّة، والناس يتكلمّون فيها بالظاهر، واني لأعلم ظاهرها وباطنها، ما هي والله إلا ماء جامد، وهواء راكد، ونار جائلة، وأرض سائلة.

وسئلعليه‌السلام في أثناء خطبته عن الكيمياء: هل لها حقيقة؟

فقال: نعم، كانت وهي كائنه وستكون.

فقيل: من أيّ [ شيء ](٣) هي؟

قال: من الزئبق الرجراج، والاسرب والزاج، والحديد المزعفر، وزنجار النحاس الأخضر [ الحبور الا توقف على عابرهنّ ].(٤)

فقيل: فهمنا لا يبلغ إلى ذلك.

فقال: اجعلوا البعض أرضاً، واجعلوا البعض ماء، وأفلجوا الأرض بالماء فقد تمّ.

فقيل: زدنا، يا امير المؤمنين.

____________

١ و ٣ و ٤ - من المناقب.

٢ - رواه إبراهيم بن هاشم القمّي في كتابه « قضايا أمير المؤمنينعليه‌السلام » ح ١١٨ بإسناده إلى ابن ابي ليلي - وهو عندنا قيد التحقيق -.

فقال: لا زيادة عليه، فإنّ الحكماء القدماء ما زادوا عليه لئلاّ يتلاعب الناس بها.(١)

و منهم الصوفيّه ومن تكلّم في علم المكاشفة(٢) على طريق الصوفية، قالت مشايخهم: إنّه الأصل في علومهم، ولا يوجد لغيره إلا اليسير، وأكثر مشايخهم يتّصل سلسلة بكميل بن زياد، وهو تلميذ أمير المؤمنينعليه‌السلام ومن خواصه.(٣)

روي مولانا أبو عبد الله الصادقعليه‌السلام ، ورواه أيضاً أبو اُمامة الباهلي، كلاهما عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في خبر طويل، واللفظ لأبي اُمامة: ان الناس دخلوا علي النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يهنّؤونه بولادة الحسينعليه‌السلام ، فقام رجل من وسط الناس، فقال: بابي أنت واُمّي يا رسول الله، رأينا من عليّ عجباً في هذا اليوم.

قال: وما رأيتم؟

فقال: أتيناك لنسلّم عليك، ونهنّئك بولدك، فَحَجَبَنَا عنك، وأعلمنا أنّه هبط عليك مائة ألف ملك وأربعه وعشرون ألف ملك، فعجبنا من إحصائه عدد الملائكة.

فأقبل عليه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله متبسّماً وقال: ما أعلمك أنّه هبط عليّ مائة وأربعة وعشرون ألف ملك؟(٤)

____________

١ - مناقب ابن شهر اشوب: ٢ / ٥٢، عنه البحار: ٤٠ / ١٦٨.

٢ - في المناقب: المعاملة.

٣ - مناقب ابن شهر اشوب: ٢ / ٥٤، عنه البحار: ١٦٩ / ٤٠.

٤ - كذا في المناقب، وفي الأصل: مائة ألف ملك وأربعة وعشرون ملك.

فقال: بأبي أنت واُمّي يا رسول الله، سمعت مائة ألف لغة، وأربعة وعشرين ألف لغة، فعلمت أنّهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألف ملك.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : زادك الله علماً وحلماً، يا أبا الحسن؟(١)

قال الفرغاني شارح قصيدة نظم السلوك في حضائر الملائكة من نظم الشيخ عمر بن الفارض المصري العارف الصوفي(٢) عند شرحه لهذا البيت، وهو:

وحُز بالولاء ميراثَ أرفعِ عارفٍ

غدا همّهُ ايثارَ تأثيرِ همَّةِ

 « وحز »: أي اجمع، وفي قوله: « بالولاء » مرهم معنى الحب المذكور، ومعني الحبّ أهل البيتعليهم‌السلام على اصطلاح الشيعه القائلين بالولاء، و « أرفع عارف » المراد به أمير المؤمنين عليعليه‌السلام ، فإنّه صاحب المعرفة الحقيقيّة بالأصالة وغيره بالتبعيّة، فإنّ النسبة إلى الولاية الّتي هي منبع العلوم الحقيقية والمعارف الأصليّة لا تصحّ إلا من جهته وحيثيّته، فإنّه كان مظهر الولاية الأحمديّة حيث انشقّت عن نبوّتهصلى‌الله‌عليه‌وآله الّذي كان انشقاق القمر صورة ذلك الانشقاق وهو باطنه وسرّه الظاهر بسبب ظهوره فإنّ كل معنى لا بدّ أن يظهر له صورة محسوسة، وكان عليّعليه‌السلام هو أرفع عارف في الدنيا من حيث ما حضر أصله بقوله: أنا مدينة العلم وعليّ بابها،

__________________

١ - مناقب ابن شهر اشوب: ٢ / ٥٥، عنه البحار: ٤٠ / ١٧٠ - ١٧١.

٢ - هو أبو حفص عمر بن أبي الحسن الحموي الأصل، المصري المولد والدار، عرف بابن الفارض لأنّ أباه - على ما يظهر من هذا اللقب - كان يكتب فروض النساء علي الرجال. « مقدمة ديوانه المطبوع ».

والبيت المذكور هو في ص ٧٥ من الديوان.

وهو علم الحقيقة ما خلا أصلهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

و قوله: « غدا همه ايثار تأثير همّة » يعني انّه آثر الصبر على تأثير همّته.

انظر كيف تظاهر وتظافر خلق في غاية الكثرة وجماعة جمّة على إيذائه ووضعه وقمعه ومحاربته ومقابلته حتى قام الشيخ العارف سعيد مدافعتهم ومقاتلتهم في الظاهر بالسيف، ولم يسلّط عليهم همّته الفعّالة وهمّه لدفعهم وإهلاكهم عن آخرهم بحيث لم يبق منهم وادٍ ولا ديار مع تحققّه بذلك لكن تركهم بمعرفته علي الحقيقه لوقوع ذلك كلّه، وان لا مندوحة عمّا جرى على نحو ما جرى، فلذلك ترك التأثير بالهمّة ووكلّ الأمر إلي مجزيه تعالى وتقدّس.

ومنهم النحاة، وهو واضع النحو، لأنّهم يروونه عن الخليل بن أحمد بن عيسي بن عمرو الثقفي، عن عبدالله بن إسحاق الحضرمي، عن أبي عمرو بن العلاء، عن ميمون الأقرن، [ عن عنبسة الفيل ](١) عن أبي الأسود الدؤلي، عنهعليه‌السلام ، والسبب في ذلك أنّ قريشاً كانوا يتزوجّون في الأنباط، فرفع فيما بينهم أولادهم فافسدوا لسانهم، حتى انّ بنت حرملة بن خويلد الأسدي(٢) كانت متزّوجة في الأنباط، فقالت: إنّ أبوي مات وترك عليَّ مال كثيرٍ(٣) فلما رأوا فساد لسانها أخبروا أمير المؤمنينعليه‌السلام فأسّس النحو.

وروي أنّ أعرابيّاً سمع من سوقي يقرأ: ان الله بريء من المشركين

____________

١ - من المناقب.

٢ - في المناقب: انّ قريشاً كانوا يزوجون بالأنباط، فوقع فيما بينهم أولاد، ففسد لسانهم، حتى أنّ بنتاً لخويلد الأسدي.

٣ - والصحيح ان تقول: أنّ أباي مات وترك عليَّ مالاً كثيراً.

ورسولِهِ، فشجّ رأسه، فخاصمه إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فقال له في ذلك، فقال: إنّه كفر في قراءته.

فقال صلوات الله عليه: إنّه لم يتعمّد ذلك.

وروي أنّ أبا الأسود كان في بصره سوء وله بنيّة تقوده إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فقالت: يا أبتاه ما أشدّ حرّ الرمضاء! تريد التعجّب، فنهاها عن مقالتها، وأخبر أمير المؤمنينعليه‌السلام بذلك فأسّس النحو.

وروي أنّ أبا الأسود كان يمشي خلف جنازة، فقال قائل: من المتوفّي؟

فقال أبو الأسود: الله، ثمّ إنّه أخبر عليّاًعليه‌السلام بذلك فأسّس النحو ودفعه(١) إلى أبي الأسود، وقال: ما أحسن هذا النحو، فسمّي نحواً.

قال ابن سلّام: كانت الرقعة: الكلام ثلاثة أشياء: اسم وفعل وحرف جاء لمعنى.

فالإسم: ما أنبأ عن المسمّى.

والفعل: ما أنبأ عن حركة المسمّى.

والحرف: ما أوجد معنى في غيره.

وكتب صلوات الله: وكتبه عليّ بن أبو طالب، فعجزوا عن ذلك، فقالوا: أبو طالب: اسمه لا كنيته(٢) ، وقالوا: هذا تركيب مثل [ درّاحناو ](٣) حضرموت وبعل بك.

__________________

١ - في المناقب، فأسّس النحو، فعلى أي وجه كان وقّعه.

٢ - كذا الصحيح، وفي الأصل والمناقب: اسمه كنيته.

٣ - من المناقب.

و قال الزمخشري في الفائق(١) : تُرِك في حال الجرّ على لفظه في حال الرفع، لأنّه اشتهر بذلك وعُرف، فجَرى مجرى المثل الّذي لا يغيّر.(٢)

وأمّا إخلاصه وسبقه بالجهاد والأعمال الصالة التي لم يقصد بها إلا وجه الله فقد شهد الله له بها في كتابه، وكذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

روي أنّه لمّا اُسر العبّاس بن عبد المطّلب [ يوم بدر ](٣) أقبل المسلمون يعيّرونه بكفره بالله وقطيعة الرحم، وأغلظ له أمير المؤمنينعليه‌السلام القول، فقال العبّاس: ما لكم تذكرون مساوئنا ولا تذكرون محاسننا؟

فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : ألكم محاسن؟

فقال: نعم، إنّا لنعمّر المسجد الحرام [، ونحجب الكعبة، ونسقي الحاجّ، ونفكّ العاني(٤) ، فأنزل الله تعالى - ردّاً على العباس ووفاقاً لعليّ بن أبي طالبعليه‌السلام - ](٥) :( مَا كَانَ لِلمُشرِكِينَ أَن يَعمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ ) (٦) الآية، ثمّ قال:( إنَّمَا يَعمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَن آمَنَ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ ) (٧) الآية، ثم قال:( أجَعَلتُم سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسجِدِ الحَرَامِ كَمَن آمَنَ بِاللهِ واليَومِ الآخِرِ ) (٨) الآية.(٩)

وروى إسماعيل بن خالد، عن عامر. وابن جريج، عن عطاء، عن ابن عبّاس. ومقاتل، عن الضحّاك، عن ابن عبّاس، والسدّي، عن أبي صالح. وابن

____________

١ - الفائق في غريب الحديث: ١ / ١٤.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٤٦ - ٤٧، عنه البحار: ٤٠ / ١٦١ - ١٦٢.

٣ و ٥ - من المناقب.

٤ - العاني: الأسير.

٦ و ٨ - سورة التوبة: ١٧ - ١٩.

٩ - أسباب النزول للواحدي: ١٦٣.

أبي خالد وزكريّا(١) عن الشعبي أنّ هذه الآية نزلت في عليّعليه‌السلام .

[ الثعلبي والقشيريّ والجبّائي والفلكيّ في تفاسيرهم، والواحديّ في أسباب نزول القرآن(٢) عن الحسن البصري وعامر الشعبي ومحمد بن كعب القرظي. وروينا عن عثمان بن أبي شيبة ووكيع بن الجرّاح وشريك القاضي ومحمد بن سيرين ومقاتل بن سليمان والسدّي وأبي مالك ](٣) ومرّة الهمداني وابن عبّاس أنّه افتخر العبّاس بن عبد المطّلب، فقال: أنا عمّ محمد، وأنا صاحب سقاية الحجيج، فأنا أفضل من عليّ بن أبي طالب.

فقال شيبة بن عثمان أو طلحة أو عثمان: وأنا اعمّر بيت الله الحرام، وصاحب حجابته، فأنا أفضل.

وكان أمير المؤمنينعليه‌السلام حاضراً، فقال: أنا أفضل منكما، لقد صلّيت قبلكما بستّ سنين، وأنا اُجاهد في سبيل الله.

وفي رواية الحاكم أبي القاسم الحسكاني(٤) بإسناده عن ابن بريدة، عن أبيه قال: بينا شيبة والعبّاس يتفاخران إذ مرّ بهما علي بن أبي طالب، فقال: بماذا تتفاخران؟

فقال العبّاس: لقد اُوتيت من الفضل ما لم يؤت أحد سقاية الحاجّ. وقال شيبة: اُوتيت عمارة المسجد الحرام.

فقال أمير المؤمنين: لقد استحييت لكما فقد اُوتيت على صغري ما لم

__________________

١ - كذا في المناقب، وفي ا لأصل: وروي عن ابن عبّاس وعطاء وابن جريح ومقاتل، عن الضحّاك والسدّي، عن أبي صالح وزكريا.

٢ - أسباب النزول: ١٦٤.

٣ - من المناقب، وفي الأصل: وروى السدّي وأبو مالك.

٤ - شواد التنزيل: ١ / ٣٢٩ ح ٣٣٨.

تؤتيا.

فقالا: وما اُوتيت يا علي؟

قال: ضربت خراطيمكما بالسيف حتى آمنتما بالله ورسوله.

فقام العبّاس مغضباً يجرّ ذيله حتى دخل على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقال: أما ترى ما استقبلني به عليّ؟

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ادعوا لي عليّاً، فدعي له، فقال: ما حملك على ما استقبلت به عمّك؟

فقال: يا رسول الله صلّى الله عليك وآلك، صدمته بالحقّ، فمن شاء فليغضب، ومن شاء فليرض، فنزل جبرائيل وقال: يا محمد، إنّ ربّك يقرئك السلام ويقول لك: اتل عليهم( أجَعَلتُم سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسجِدِ الحَرَامِ ) (١) الآيات.

فقال العبّاس: أنا قد رضيت - ثلاث مرّات -.(٢)

في كتاب أبي بكر الشيرازي بإسناده عن مقاتل، [ عن مجاهد، ](٣) عن ابن عبّاس في قوله تعالى:( رِجَالٌ لَا تُلهِيهِم تِجَارَةٌ وَلَا بَيعٌ عَن ذِكرِ اللهِ - إلى قوله -بِغَيرِ حِسَابٍ ) (٤) قال: والله هو أمير المؤمنين.

ثمّ قال بعد كلام: [ وذلك ](٥) أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أعطى عليّاً

__________________

١ - سورة التوبة: ١٩.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٦٨ - ٦٩، عنه البحار: ٤١ / ٦٣ - ٦٤.

٣ و ٥ - من المناقب.

٤ - سورة النور: ٣٧ و ٣٨.

[ يوماً ](١) ثلاثمائة دينارٍ اُهديت إليه، قال علي: فأخذتها قلت: والله لأتصدّقنّ في هذه الليلة بصدقة يقبلها الله منّي من هذه الدنانير، فلمّا صلّيت العشاء الآخرة مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أخذت منها مائة دينار وخرجت من المسجد، فاستقبلتني امرأة فأعطيتها الدنانير، فأصبح الناس بالغد يقولون تصدّق عليّ في هذه الليلة بمائة دينار على امرأة فاجرة، فاغتممت غمّاً شديداً.

فلمّا صلّيت الليلة القابلة صلاة العتمة أخذت مائة دينار وخرجت من المسجد، وقلت: والله لأتصدّقنّ في هذه الليلة بصدقة يقبلها الله منّي، فلقيت رجلاً فتصدّقت عليه بالدنانير، فأصبح الناس(٢) يقولون: إنّ عليّا في هذه الليلة تصدّق بمائة دينار على رجل سارق، فاغتممت لذلك غمّاً شديداً، وقلت: والله لأتصدّقنّ في هذه الليلة بصدقة يقبلها الله منّي، فصلّيت العشاء الآخرة مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وخرجت من المسجد ومعي المائة دينار الباقية، فلقيت رجلاً فأعطيته إيّاها، فأصبح الناس يقولون: إنّ عليّاً تصدّق البارحة على رجل غنيّ، فاغتممت لذلك غمّاً شديداّ، وأتيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فأخبرته.

فقال: يا عليّ، [ هذا جبرئيل يقول لك: إنّ الله عزّ وجلّ قد قبل صدقاتك، وزكّى عملك، ](٣) إنّ المائة دينار الاُولى التي تصدّقت بها وقعت في يد امرأة فاسدة فرجعت إلى منزلها وتابت إلى الله تعالى من الفساد، وجعلت تلك الدنانير رأس مال لها(٤) ، وهي في طلب بعل تتزوّج

__________________

١ و ٣ - من المناقب.

٢ - في المناقب: أهل المدينة. وكذا في الموضع الآتي.

٤ - في المناقب: رأس مالها.

[ به ](١) ، وإنّ الصدقة الثانية وقعت في يد سارق فرجع إلى منزله وتاب إلى الله من سرقته، وجعل الدنانير رأس ماله يتّجر بها، وإنّ الصدقة الثالثة وقعت في يد غني لم يزكّ ماله منذ سنين، فرجع إلى منزله ووبّخ نفسه وقال: شحّاً عليك يا نفس، هذا علي بن أبي طالب تصدّق عليَّ بمائة دينار ولا مال له، وأنا قد أوجب الله عليَّ في مالي الزكاة أعواماً كثيرة لم أزكّه، فحسب ماله وكّاه وأخرج زكاة ماله كذا وكذا ديناراً، وأنزل الله سبحانه فيك:( رِجَالٌ لَا تُلهِيهِم تِجَارَةٌ وَلَا بَيعٌ عَن ذِكرِ اللهِ ) (٢) الآية.

أبو الطفيل: رأيت عليّاًعليه‌السلام يدعو اليتامى فيطعمهم العسل حتى قال بعض أصحابه: لوددت انّي كنت يتيماً.(٣)

محمد بن الصمّة، عن أبيه، [ عن عمّه، ](٤) قال: رأيت في المدينة رجلاً على كتفه(٥) قربة وفي يده صحفة يسقي ويطعم الفقراء ويقول: اللّهمّ وليّ المؤمنين، وإله المؤمنين، وجار المؤمنين، اقبل قرباتي [ الليلة ](٦) ، فما أمسيت أملك سوى ما في صحفتي وغير ما في قربتي(٧) ، فإنّك تعلم أنّي منعته نفسي من شدّة سغبي لطلب القربة إليك.(٨)

اللّهمّ فلا تخلق وجهي، ولا تردّ دعوتي. فأتيته وتأمّلته(٩) ، فإذا هو أمير

__________________

١ و ٤ و ٦ - من المناقب.

٢ - سورة النور: ٣٧.

٣ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٧٤ - ٧٥، عنه البحار: ٤١ / ٢٨ - ٢٩.

٥ - كذا في المناقب، وفي الاصل: في المدينة عليّاً وعلى كتفه.

٧ - في المناقب: وغير ما يواريني.

٨ - في المناقب: مع شدّة سغبي في طلب القربة إليك غنماً.

والسغب: الجوع.

٩ - في المناقب: فأتيته حتى عرفته.

المؤمنينعليه‌السلام [ فأتى رجلاً فأطعمه ](١) .(٢)

روت الخاصّة والعامّة [ منهم: ابن شاهين المروزيّ، وابن شيرويه الديلمي، عن الخدري وأبي هريرة ](٣) أنّ عليّاًعليه‌السلام أصبح ساغباً، فسأل فاطمة طعاماً، فقالت: ما كان ألاّ ما أطعمتك منذ يومين، آثرتك به على نفسي وعلى الحسن والحسين.

فقال: ألا أعلمتني فآتيكم بشيء؟

فقالت: يا أبا الحسن، إنّي لأستحيي من الله أن اُكلّفك ما لا تقدر عليه، فخرج واستقرض [ من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ](٤) ديناراً، وخرج يشتري به شيئاً، فلقيه المقداد قائلاً: ما شاء الله، فناوله عليّعليه‌السلام الدينار، ثمّ دخل المسجد ووضع رأسه ونام، فخرج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فإذا هو به، فحرّكه، وقال: ما صنعت؟ فأخبره، فقام وصلّى معه، فلمّا قضى النبيّ صلاته قال: يا أبا الحسن، هل عندك شيء نفطر عليه فنميل معك؟ فأطرق لا يجد جواباً حياء منه، وكان الله قد أوحى [ إليه ](٥) أن يتعشّى تلك الليلة عند عليّ، فانطلقا حتى دخلا على فاطمة وهي في مصلّاها وخلفها جفنة تفور دخاناً، فأخرجت فاطمة الجفنة فوضعتها بين أيديهما، فسألها عليعليه‌السلام : أنّى لك هذا؟

قالت: هو من عند الله(٦) إنّ الله يرزق من يشاء بغير حساب(٧) .

قال: فوضع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كفّه المبارك بين كتفي عليّ، وقال:

__________________

١ و ٣ و ٥ - من المناقب.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٧٦، عنه البحار: ٤١ / ٢٩ - ٣٠.

٦ - في المناقب: من فضل الله ورزقه.

٧ - إشارة إلى الآية: ٣٧ من سورة آل عمران.

هذا بدل دينارك، ثم استعبر النبي [ باكياً ](١) وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى رأيت في ابنتي ما رأى زكريّا لمريم.(٢)

و أمّا شجاعته فهي أشهر من أن تشهر، حتى انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يهدّد به قريشاً.

روي(٣) عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال لأهل الطائف: والّذي نفسي بيده لتقيمنّ الصلاة، ولتؤتنّ الزكاة، أو لأرسلنّ [ إليكم ](٤) رجلاً منّي - أو كنفسي - فليضربنّ أعناق مقاتليكم، وليسبينّ ذراريكم، ثمّ أخذ بيد عليّ فقال: هذا(٥) .

وروي عن الرضاعليه‌السلام أنّه قال: قوله سبحانه:( وَالذِينَ مَعَهُ أشِدَّاءٌ عَلَى الكُفَّارِ ) (٦) أنّ عليّاً منهم.(٧)

فواعجباً لمن يقايس من لم يصب محجمة [ من ](٨) دم في جاهليّته ولا إسلام مع من علم أنّه قتل في يوم بدر خمساً وثلاثين رجلاً مبارزاً دون الجرحى، وكانوا من أماثل قريش وابطالها وشجعانها والمشهورين بالنجدة والبأس، حتى سمّى الله سبحانه واقعة بدر بالبطشة الكبرى، وما ذاك إلا لهلاك من هلك فيها، فإنّه حصل بقتلهم هظيمة عظيمة في الشرك وأهله، وكانت

____________

١ و ٨ - من المناقب.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٧٦ - ٧٧، عنه البحار: ٤١ / ٣٠.

٣ - في المناقب: تاريخ النسوي: قال عبد الرحمان بن عوف: قال النبي

٤ - من المناقب. وفيه « لأبعثنّ » بدل « لأرسلنّ ».

٥ - في المناقب: قال: فرأى الناس انّه عنى أبا بكر وعمر! فأخذ بيد عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، فقال: هذا.

٦ - سورة الفتح: ٢٩.

٧ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٨٥، عنه البحار: ٤١ / ٦٨.

القتلى سبعين من سادات قريش وأعيانهم، قتل عليّ منهم خمساً وثلاثين رجلاً، وقتلت الملائكة وباقي الناس تمام العدد.

و أسماء الّذين قتلهم أمير المؤمنينعليه‌السلام : الوليد بن عتبة، والعاص بن سعيد بن العاص، وطعمة(١) بن عديّ بن نوفل، وحنظلة بن أبي سفيان، ونوفل بن خويلد، وزمعة(٢) بن الأسود، والحارث بن زمعة، والنضر بن الحارث بن عبد الدار، وعمير بن عثمان بن كعب عمّ طلحة، وعثمان ومالك أخوا طلحة(٣) ، ومسعود بن أبي اُميّة بن المغيرة، وقيس بن الفاكهة بن المغيرة، وأبو القيس بن الوليد بن المغيرة، وعمرو بن مخزوم، والمنذر بن أبي رفاعة، ومنبّه بن الحجّاج السهمي، والعاص بن منبّه، وعلقمة بن كلدة، وأبو العاص بن قيس بن عديّ، ومعاوية بن المغيرة بن أبي العاص، ولوذان بن ربيعة، وعبد الله بن المنذر بن أبي رفاعة، ومسعود بن اُميّة بن المغيرة، [ والحاجب بن السائب بن عويمر، وأوس بن المغيرة ](٤) بن لوذان، زيد بن مليص، وعاصم بن أبي عرف، سعيد بن وهب، ومعاوية بن عامر بن عبد القيس، وعبد الله بن جميل بن زهير، والسائب بن سعيد(٥) بن مالك، وأبو الحكم بن الأخنس، وهشام بن [ أبي ](٦) اُميّة ؛ وقيل: إنّه قتل بضعة وأربعين رجلاً.

وقتلعليه‌السلام يوم اُحد كبش الكتيبة طلحة بن [ أبي ](٧) طلحة، وابنه

____________

١ - في المناقب: ومطعم.

٢ - كذا في المناقب، وفي الأصل: ربيعة. وكذا في المورد التالي.

٣ - كذا في المناقب، وفي الأصل: وعثمان أخو طلحة.

٤ و ٦ - من المناقب.

٥ - كذا في المناقب، وفي الأصل: ومعاذ بن عامر سعد.

٧ - من المناقب، واسم أبي طلحة هو: عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار، وإليه ينتسب آل

أبا سعيد، وإخوته خالداً ومخلّداً وكلدة والمخالس(١) ، وعبد الرحمان بن حميد بن زهرة، والحكم بن الأخنس بن شريق الثقفي، والوليد بن أرطاة، واُميّة بن أبي حذيفة، وأرطاة بن شرحبيل، وهشام بن اُميّة، ومسافع، وعمرو بن عبد الله الجمحيّ، بشر بن مالك المغافري، وصؤاب مولى عبد الدار، وأبا حذيفة بن المغيرة، [ وقاسط بن شريح العبدي، والمغيرة بن المغيرة ](٢) سوى من قتلهم بعد ما هزمهم. ولا إشكال في هزيمة عمر وعثمان، وإنّما الإشكال في هزيمة أبي بكر، هل ثبت إلى وقت الفرج أو انهزم؟(٣)

قال الشيخ أبو علي الطبرسي في كتابه مجمع البيان: ذكر أبو القاسم البلخي انّه لم يبق مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله [ يوم اُحد ](٤) الا ثلاثة عشر نفساً ؛ خمسة من المهاجرين، وثمانية من الأنصار.

فأمّا المهاجرون فعليّعليه‌السلام وأبو بكر وطلحة وعبد الرحمان بن عوف وسعد بن أبي وقّاص، وقد اختلف في الجميع الا في عليّعليه‌السلام وطلحة.

وقد روي عن عمر بن الخطاب [ أنّه ](٥) قا: رأيتني أصعد في الجبل كأنّي أروى ولم يرجع عثمان [ من ](٦) الهزيمة إلا بعد ثلاثة أيّام، فقال له النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : لقد ذهبت فيها عريضة.(٧)

__________________

الشيبي الّذين لا يزال مفتاح الكعبة في أيديهم حتى اليوم.

١ - في المناقب: والمجالس. وفي بعض المصادر: الجُلاس.

٢ - من المناقب.

٣ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٨٢ - ٨٣، عنه البحار: ٤١ / ٦٥ - ٦٦.

٤ و ٦ - من المجمع.

٧ - مجمع البيان: ١ / ٥٢٤.

و قتلعليه‌السلام يوم الأحزاب عمرو بن عبد ودّ.

قال الشيخ أبو علي الطبرسي رضي الله عنه في تفسيره: كان عمرو بن عبد ودّ فارس قريش، وكان قد قاتل يوم بدر حتى ارتثّ(١) وأثبته الجراح فلم يشهد اُحداً، فلمّا كان يوم الخندق خرج مُعلماً ليرى مشهده، وكان يعدّ بألف فارس، وكان يسمّى فارس يليل، لأنّه أقبل في ركب من قريش حتى إذا هو بيليل - وهو واد قريب من بدر - عرض لهم بنو بكر بن وائل في عدد، فقال لأصحابه، امضوا، [ فمضوا، ](٢) فقام في وجوه بني بكر حتى منعهم من أن يصلوا إليه، فعرف بذلك، وكان الموضع الّذي حفر فيه الخندق يقال له المداد، وكان أوّل من طفره عمرو وأصحابه، فقيل في ذلك:

عمرو بن عبد كان أوّل فارس

جزع المداد وكان فارس يليل

  وذكر ابن إسحاق أنّ عمرو بن عبد ودّ كان ينادي: هل من مبارز؟

فقام عليّعليه‌السلام وهو مقنّع بالحديد، فقال: أنا له يا نبي الله.

فقال: إنّه عمرو، اجلس.

ونادى عمرو: ألا رجل - وهو يؤنّبهم ويقول: أين جنّتكم الّتي تزعمون أنّ من قتل منكم دخلها -؟

فقام عليعليه‌السلام وقال: أنا له يا رسول الله.

ثم نادى الثالثة وقال:

ولقد بححت من النداء

بجمعكم هل من مبارز

____________

١ - أي حُمل من المعركة.

٢ - من المجمع.

ووقفت إذ جبن المشجّع

موقف البـطل المـناجـز

إنّ السمـاحة والشـجا

عة في الفتى نعم(١) الغرائز

فقام أمير المؤمنين وقال: أنا له يا رسول الله.

فقال: إنّه عمرو.

فقال أمير المؤمنين: وإن كان عمراً، ثمّ استأذن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فأذن له.

وروى الحاكم أبو القاسم الحسكاني(٢) بالإسناد عن عمرو بن ثابت، عن أبيه، عن جدّه(٣) ، عن حذيفة، قال فألبسه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله درعه ذات الفضول، وأعطاه سيفه ذا الفقار، وعمّمه بعمامته السحاب، على رأسه تسعة أكوار، فقال له: تقدّم.

فمضى أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لمّا ولّى(٤) : اللّهمّ احفظه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، ومن فوق رأسه، ومن تحت قدميه.

قال ابن إسحاق: فمشى أمير المؤمنين وهو يقول:

لا تعلجـنّ فقـد أتا

ك مجيب صوتك غير عاجز

ذو نيّـةٍ وبصـيرة

والصدق منجـي كــلّ فائز

إنّي لأرجو أن اُقيـ

ـم علـيك نائحـة الجنـائز

__________________

١ - في المجمع: خير.

٢ - شواهد التنزيل: ٢ / ١٠ ح ٦٣٤.

٣ - قيل: « عن جدّه » زائدة.

٤ - كذا في المجمع، وفي الأصل: دنا.

من ضربة نجلاء يبقى

ذكرها عند الهزاهز

فلمّا دنا أمير المؤمنينعليه‌السلام منه قال عمرو: من أنت؟

قال: أنا علي.

قال: ابن عبد مناف.

قال: أنا عليّ بن أبي طالب.

قال: غيرك يا ابن أخي من أعمامك [ مَن هو ](١) أسنّ وأكبر منك فإنّي أكره أن اُهريق دمك.

فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : لكنّي والله ما أكره [ أن ](٢) اُهريق دمك، فغضب ونزل عن فرسه وسلّ سيفه كأنّه شلعة نار، ثمّ أقبل نحو عليّ مغضباً فاستقبله أمير المؤمنين بدرقته، وضربه عمرو في الدرقة فقدّها وأثبت فيها السيف، وأصاب رأس أمير المؤمنين فشجّه، وضربه أمير المؤمنين على حبل عاتقه فسقط.

وفي رواية حذيفة: فسيّف عليّ رجليه بالسيف من أسفل فوقع على قفاه، وثارت بينهما عجاجة، فسمع عليّ يكبّر.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : قتله والّذي نفسي بيده، فكان أوّل من ابتدر العجاج عمر بن الخطّاب فإذا عليّ يمسح سيفه بدرع عمرو، فكبّر عمر بن الخطّاب، وقال: يا رسول الله قتله، فحزّ أمير المؤمنين رأسه وأقبل به إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ووجهه يتهلّل.

فقال له عمر: هلا سلبته درعه فإنّه ليس في العرب درع خير منها؟

__________________

١ و ٢ - من المجمع.

فقال: ضربته فاتّقاني بسوءته فاستحييت أن أسلب ابن عمّي.

وروى الحاكم أبو القاسم الحسكاني(١) أنّ عبدالله بن مسعود كان يقرأ:( وَكَفَى اللهُ المُؤمِنِينَ القِتَالَ - بعليّ -) (٢) .

وخرج أصحابه منهزمين حتى طفرت خيولهم الخندق، [ وتبادر المسلمون ](٣) فوجدوا نوفل بن عبد العزى قد سقط، فجعل المسلمون يرمونه بالحجارة، فقال: موتة(٤) أجمل من هذه، ينزل إليّ بعضكم اُقاتله.

قال ابن إسحاق: فنزل إليه عليعليه‌السلام فطعنه في ترقوته حتى أخرجها من مراقه، فمات في الخندق.

قال: وأرسل المشركون إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يشترون جيفة عمرو بعشرة آلاف درهم، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : هو لكم لا نأكل ثمن الموتى.

وذكر أمير المؤمنين صلوات الله عليه أبياتاً، [ منها ](٥) :

نَصَرَ الحجارةَ من سفاهة رأيه

ونصرتُ ربّ محمدٍ بـصواب

فضربته وتـركتـه متـجدّلاً

كالجذع بيـن دكـادك وروابي(٦)

وعففت عن أثوابه ولـو أنّني

كنت المـقطّر بـزّنـي أثوابي(٧)

__________________

١ - شواهد التنزيل: ٢ / ٧ - ٩ ح ٦٢٩ - ٦٣٢.

٢ - سورة الأحزاب: ٢٥.

٣ و ٥ - من المجمع.

٤ - في المجمع: قتلة.

٦ - الدكادك: جمع دكداك: الرمل الليّن. والروابي: جمع الرابية: ما ارتفع وعلا وأشرف من الأرض.

٧ - أي قتلته ولم اُفكّر في سلبه، ولو كان هو الّذي قتلني لأخذ أثوابي.

وروى عمرو بن عبيد، عن الحسن البصري، قال: إنّ عليّاً لمّا قتل عمرو حمل رأسه وألقاه بين يدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقام أبو بكر وعمر فقبّلا رأس عليعليه‌السلام .

و روي عن أبي بكر بن عيّاش أنّه قال: ضَرب عليّ ضربة ما كان في الاسلام أعزّ منها - يعني ضربة عمرو - وضُرب عليّ ضربة ما كان في الاسلام أشأم منها - يعني ضربة ابن ملجم عليه لعنة الله -.(١)

قلت في المعنى:

يا منكراً فـضل الوصـيّ

وحقّـه حـسداً وغـدرا

وعليـه أعـلن بـالتقـدّم

بعد خيـر الخـلق طـرّا

هلا جسـرت بيوم سلـع

في الوغا وأجـبت عمرا

إذ ضلّ يخـطر شبه ليث

الغاب يــزأر مكفهـرّا

في كفّه ماضـي الـغرار

بحدّه الأعنـاق تــبرا

أسـدي جري بـأســه

قد فاق في الآفـاق ذكرا

لا ينـثني عـن قـرنـه

إذ لا يرى الاحجام غدرا

نادى فصرت تحيد عـنه

مخـافة وتـروم سـترا

شبه الكمـاع إذا جـرت

من ربّها ترجـو مفـرّا

هلا أجـبت كمـا أجـاب

مجدّل الأبـطال قـسرا

أعني الوصيّ أخا الـنبي

أجلّ خـلق الـله قـدرا

من أطلع الرحـمن فـي

بدر بـه للحـقّ بـدرا

وكـذاك فـي الأحـزاب

شدّ به لخير الخلق أزرا

__________________

١ - مجمع البيان: ٤ /٣٤٢ - ٣٤٤، عنه البحار ٢٠ / ٢٠٢ - ٢٠٦.

نـادى ألا هـل من مبارز

منـكم ويـحـوز فـخرا

فأجـابه هـا قــد أتـاك

مجـيب صـوتك لن يفرّا

في مـعـرك كــلا ولا

اولى المبـارز منه ظـهرا

مـن كان دون الـخلـق

للهادي النبـي أخا وصهرا

كـم أسبـغت حملاته في

الحرب جـامعـةٍ ويسـرا

فتـخـالـسا نـفسيـهما

وترامقا بالظـرف شـزرا

هذا لـديـن الحـقّ قـام

مؤيـّداً عـزّاً ونـصـرا

وقرينه فـي الـحـرب

أضحى ناصرا عزّاً ونسرا

فعـلاه مـنه بـصـارم

كم هـدّ ركـناً مـشمخرا

فهوى كجذع فـي الثرى

نحرته أيد الدهـر نحـرا

وأفاض من فيض الدماء

حللٍ عليـه صبغن حمرا

وأبـان مـنه الـرأس

ثمّ أتى به المخـتار جهرا

أعني بـه مولى الورى

وإمامهم بـرّاً وبـحرا

من بالزعامة والصرامة

والامـامـة كـان أحـرا

ليث الحـروب مـجدّل

أبطالهـا فتكـاً وصـبرا

رفع الـفخـار لمجـده

في هاشم نـسبـاً أغـرّا

ما خـاب متـّخذ ولايته

ليوم الحشــر ذخــرا

كـلا ولا تـربت يـداه

ولا غدا مسـعاه خـسرا

مـن فيه سورة هل أتى

أبداً مـدى الأيّـام تـقرا

ردّت عليه الشمس حتى

عاد وقت الفرض عصرا

فقضى فريضته وعادت

كالشهـاب إذا اسـتمرّا

هذا الذي قبّـلت مـنه

الرأس تلـبيـساً ومكراً

وفديـتـه بـالـروح لكـن

في حشاك حشوت غدرا

حتى إذا خـلـت الـديـار

من النـبي وعـدن قفرا

أبديت مـا أخـفـيت مـن

فرط النفاق وجرت كفرا

عن مذهب الحـقّ السـويّ

فجئت يا مغرور نكـرا

وأمّا قتلاهعليه‌السلام يوم حنين فقتل أربعين رجلاً وفارسهم(١) أبو جَروَل(٢) ، وإنّه صلوات الله عليه قدّه بنصفين بسيفه بضربه واحدة في الخوذة والعمامة والجوشن والبدن إلى القربوس.

و وقوفه صلوات الله عليه يوم حنين وسط أربعة وعشرين ألف ضارب سيف إلى أن ظهر المدد من السماء(٣) ، من أعظم الآيات على صحّة إمامته، وانّ هذه كرامة أكرمه الله بها، وقوّة اختصّه الله بفضلها، وكذلك جميع خواصّه الّتي اصطفاه الله بهاإذا استقرأها من له قلب سليم ولبّ مستقيم قضى منها عجباً، واستدلّ بها أنّ الله سبحانه ما أيّده بهذه الفضائل الّتي تخرج عن طوق البشر إلا لكونه أفضل خلقه، وأقربهم منزلة من جلال كبريائه، وأحقّ الخلق بالرئاسة العامّة في أمر الدين والدنيا، لكونه أكمل الخلق في علمه وحلمه زهده،

__________________

١ - كذا في المناقب، وفي الأصل: وأمّا قتلاهعليه‌السلام يوم اُحد فقتل أربعين رجلاً - وقد ذكرت أسماءهم من قبل - وفارسهم.

٢ - كان أبو جرول يرتجز ويقول:

أنا أبو جَروَلَ لا بَراحُ

حتى نُبيحَ القوم أو نُباح

فصمد له أمير المؤمنينعليه‌السلام فضرب عجز بعيره فَصَرَعه، ثم ضربه فَقَطّره، ثمّ قال:

قد عَلِم القومُ لدى الصَباح

أنّي في الهيجاء ذو نِصاح

فكانت هزيمة المشركين بقتل أبي جَروَل لعنه الله. انظر « إرشاد المفيد: ١ / ١٤٣ ».

٣ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٨٣، عنه البحار: ٤١ / ٦٦.

وتوجّهه إلى معبوده، وإخلاصه بطاعة ربّه في سرّه وعلانيته، وجهاده في سبيل خالقه، وشدّة بأسه، ومحاماته عن صاحب الدعوة وبذله نفسه وقاية له من أعدائه، فيظهر له بذلك أعظم دليل على وجوب اتّباعه، وهذه مقدّمة إجماعيّة لا يختلف فيها مسلم، بل جيمع الاُمّة مجمعة على صحّة ذلك، المؤالف والمخالف، إلا ما شذّ من أهل الزيغ والتعصّب بالباطل، الّذين لا يعبأ بشذوذهم، لكونهم قد خرجوا عن ربقة المؤمنين والصغرى ضروريّة، فثبت انّه صلوات الله عليه واجب الطاعة على الأحمر والأبيض.

روي أنّ عمرواً بن العاص قال: والله ما أحد يعيّر بفراره من عليّ بن أبي طالب.

ولمّا نعي بقتل أمير المؤمنينعليه‌السلام بالعراق دخل عمرو بن العاص على معاوية مبشّراً فقال: إنّ الأسد المفترش ذراعيه بالعراق لاقى شعوبه.(١)

صاحب الفائق(٢) قال: كانت ضربات عليّ أبكاراً. إذا اعتلى قدّ، وإذا اعترض قطّ، وإذا أتى حصناً هدّ.

وقالوا أيضاً: كانت ضربات علي أبكاراً لاعوناً: يقال: ضربه بكر أي [ قاطعة ](٣) لا يحتاج أن يثنّى، والعوان التي يحتاج أن تثنّى. زعمت الفرس أنّ اُصول الضرب سبعة(٤) ، وكلّها مأخوذة عنه صلوات الله عليه، [ وهي: ](٥) علويّة

__________________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٨٥ - ٨٦، عنه البحار: ٤١ / ٦٩.

٢ - الفائق في غريب الحديث للزمخشري: ١ / ١٢٥.

٣ و ٥ - من المناقب.

٤ - في المناقب: ستّة.

وسفيّة وغاله(١) وماله وحاله وجر وهام(٢) .

و لولا خوف الإطالة لأوردنا نبذة يسيرة بالنسبة إلى كثرة قتلاه بين يدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وبعده ؛ كمرحب في خيبر، وذي الخمار والعنكبوت، ما لا يحصى كثرة في غزاة السلاسل، وقتاله بعد الرسول الناكثين والقاسطين والمارقين في وقعة الجمل حتى بلغ إلى قطع يد الجمل ثمّ قطع رجليه حتى سقط، وله ليلة الهرير خمسمائة وستّ وثلاثين تكبيرة - وفي رواية: سبعمائة(٣) -.

وقال صلوات الله عليه: لو تظاهرت العرب على قتالي لما ولّيت عنها.

وكانت قريش إذا رأته في الحرب تواصت خوفاً منه، وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يخوّف المشركين به.(٤)

وأمّا كرمه فلا مزيد عليه حتى انّه آثر بقوته وقوت عياله حتى أنزل الله فيه وفي زوجته وابنيه سورة تتلى إلى يوم القيامة.

وروى المخالف أنّ عليّاًعليه‌السلام كان يحارب رجلاً من المشركين، فقال المشرك: يا ابن أبي طالب، هبني سيفك، فرماه إليه.

فقال المشرك: عجباً يا ابن أبي طالب في مثل هذا الوقت تدفع إليّ سيفك!

____________

١ - في المناقب: وغلبة.

٢ - في المناقب: وجرهام.

٣ - في المناقب: وله ليلة الهرير ثلاثمائة تكبيرة، أسقط بكلّ تكبيرة عدوّاً، وفي رواية: خمسمائة وثلاثة وعشرون، رواه الأعثم، وفي رواية: سبعمائة، ولم يكن لدرعه ظهر، ولا لمركوبه كرّ وفرّ.

٤ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٨٣ - ٨٤، عنه البحار: ٤١ / ٦٧ - ٦٨.

فقال: يا هذا، إنّك مددت إليّ يد المسألة، وليس من الكرم أن يردّ السائل، فرمى الكافر بنفسه إلى الأرض وأسلم، وقال: هذه شيمة(١) أهل الدين، وقبّل قدم أمير المؤمنين.

وقال جبرائيل في حقّه: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي.(٢)

و حسبه صلوات الله عليه فضيلة صدقته بخاتمه في ركوعه حتى أنزل الله فيه( إنَّمَا وَليُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ ) (٣) وأجمع الموالف والمخالف انّها نزلت في عليعليه‌السلام لمّا تصدّق بخاتمه في ركوعه، رواه أبو بكر الرازي في كتاب أحكام القرآن(٤) على ما حكاه المغربي عنه والطبري والرمّاني، وهو قول مجاهد والسدّي. وأمّا علماء أهل البيت لا يختلفون في ذلك كأبي جعفر الباقر وابنه أبي عبد اللهعليهما‌السلام . ورواه أبو صالح، عن ابن عبّاس.

وأورد الشيخ الجليل أبو علي الطبرسي رضي الله عنه في تفسيره بإسناد متّصل، قال: بينا ابن عبّاس رضي الله عنه جالس على شفير زمزم يقول: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إذ أقبل رجل معتمّ(٥) بعمامة، فجعل ابن عبّاس لا يقول: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلا قال الرجل: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

____________

١ - في المناقب: سيرة.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٨٧ نقلاً عن أبي السعادت في فضائل العشرة، عنه البحار: ٤١ / ٦٩.

٣ - سورة المائدة: ٥٥.

٤ - أحكام القرآن: ٢ / ٤٤٦.

٥ - في المجمع: متعمّم.

فقال ابن عبّاس: سألتك بالله - يا أيّها الرجل - من أنت؟

فكشف العمامة عن وجهه وقال: أيّها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا اُعرّفه بنفسي، أنا جندب بن جنادة البدري أبو ذرّ الغفاري سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بهاتين والا فصمّتا، ورأيته بهاتين وإلاّ فعميتا، يقول: عليّ قائد البررة، وقاتل الكفرة، منصور من نصره، مخذول من خذله، أما إنّي صلّيت العصر مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فسأل سائل في المسجد، فلم يعطه أحد شيئاً، فرفع السائل يده إلى السماء، فقال: اللّهمّ اشهد أنّي سألت في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فلم يعطني أحد شيئاً، وكان عليّ راكعاً فأوما بخنصره اليمنى إليه - وكان يتختّم فيها - فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم من خنصره، وذلك حين صلاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله (١) ، فلمّا فرغ النبي من صلاته رفع رأسه إلى السماء وقال: اللّهمّ إنّ أخي موسى سألك وقال:( ربِّ اشرَح لِي صَدرِي وَيَسِّر لِي أمرِي وَاحلُل عُقدَةً مِن لِسَانِي يَفقَهُوا قَولِي وَاجعَل لي وَزِيراً مِن أهلِي هَارُونَ أخِي اشدُد بِهِ أزرِي وَأشرِكْهُ فِي أمرِي ) (٢) فأنزلت عليه قرآناً ناطقا:( سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ وَنَجعَلُ لَكًُمَا سُلطَاناً فَلَا يَصِلُونَ إلَيكُمَا ) (٣) .

اللّهمّ وأنا محمد نبيّك وصفيّك فاشرح لي صدري، ويسّر لي أمري، واجعل لي وزيراً من أهلي، عليّاً اشدد به أزري.

قال أبو ذرّ: فوالله ما استتمّ رسول الله كلامه حتى نزل عليه جبرائيل من عند الله، فقال: يا محمد، اقرأ.

__________________

١ - في المجمع، وذلك بعين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

٢ - سورة طه: ٢٥ - ٣٢.

٣ - سورة القصص: ٣٥.

قال: وما أقرأ؟

قال: اقرأ( إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤتُون الزَّكاَةَ وَهُم رَاكِعُونَ ) (١) .

وروى هذا الخبر أبو إسحاق الثعلبي في تفسره بهذا الاسناد بعينه، وروى أبو بكر الرازي في كتاب أحكام القرآن، على ما حكاه المغربي عنه والطبري والرمّاني، وهو قول مجاهد والسدّي، وهو المرويّ عن جميع أهل البيتعليهم‌السلام .(٢)

وفي رواية اُخرى أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله دخل المسجد والناس بين راكع وساجد فبصر بسائل، فقال: هل أعطاك أحد شيئاً؟

فقال: نعم، خاتم من فضّة.

فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : من أعطاكه؟

قال: ذلك القائم - وأومأ بيده إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه -.

فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : علي أيّ حال أعطاكه؟

قال: أعطاني وهو راكع.

فكبّر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثمّ قرأ( وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فإنَّ حِزبَ اللهِ هُمُ الغَالِبُونَ ) (٣) .

فأنشأ حسّان بن ثابت(٤) :

__________________

١ - سورة المائدة: ٥٥.

٢ - مجمع البيان: ٢ / ٢١٠، عنه البحار: ٣٥ / ١٩٥.

٣ - سورة المائدة: ٥٦.

٤ - في المناقب: خزيمة بن ثابت.

أبا حسن تفديك روحي(١) ومهجتي

وكلّ بطيء في الهدى ومـسارع

أيذهب مدحيك المحبـر ضائـعاً

وما المدح في جنب الإله بضائع

فأنت الّذي أعطيتَ إذ كنتَ راكعاً

زكاة فدتك النفـس يا خَيـر رَاكِع

فأنـزل فيك اللـه خـير ولايـة

وبيّنهـا في محكـمات الشـرائع(٢)

فمن أوّل هذه الآية بالتأويلات الواهبة، والآراء الساهية، فقد عدل عن الظاهر، وارتكب الطريق الجائر، وأعمت العصبيّة قلبه فما له من قوّة ولا ناصر، وأصمّت الضلالة سمعه فصار من أهل المثل السائر، حبك الشيء يعمي ويصمّ، وإلاّ فالظاهر الّذي لا يعدل عنه في هذه الآية أنّ الله سبحانه بيّن في هذه الآية من له التصرّف في الخلق والولاية عليهم فقال:( إنَّمَا وَليُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ ) [ أي ](٣) الّذي يتولّى مصالحكم وتدبيركم هو الله الذي لا إله إلا هو، ثمّ من بعده رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، يفعل فيكم ما يفعل بأمر الله( وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ ) (٤) أي في حال ركوعهم.

و في هذه الآية أعظم دلالة على صحّة إمامة أمير المؤمنين صلوات الله عليه بعد رسول الله بلا فصل، والدلالة فيه انّ لفظة إنّما تفيد الحصر، فصارت الولاية منحصرة في الله ورسوله والّذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة يؤتون

____________

١ - في المجمع: نفسي.

٢ - مجمع البيان: ٢ / ٢١٠ - ٢١١.

وانظر: مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ٢ - ٦، كشف الغمّة: ١ / ٣٠١ و ٣١١، عنهما البحار: ٣٥ / ١٨٩ ح ١٣ وص ١٩٤ ح ١٥ وص ١٩٦ ح ١٦.

٣ - من المجمع.

٤ - سورة المائدة: ٥٥.

الزكاة وهم راكعون، كما تقول: إنّما الفصاحة للعرب، فحصرت الفصاحة فيهم ونفيتها عن غيرهم، وكما تقول: إنّما أكلت رغيفاً، وإنّما رأيت زيداً، فنفيت أكل أكثر من رغيف ورؤية غير زيد.

ووجه آخر وهو انّ الولاية مختصّة بمن ذكرنا هو انّه سبحانه قال:( إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ ) فخاطب جميع المؤمنين، ودخل في الخطاب النبيّ وغيره، ثم قال:( وَرَسُولُهُ ) فأخرج النبي من جملتهم لكونهم مضافين إلى ولايته، ثم قال:( وَالَّذِينَ آمَنُوا ) فوجب أن يكون الّذي خوطب بالآية غير الّذي حصلت له الولاية، ولا أدّى أن يكون المضاف هو المضاف إليه بعينه، وإلى أن يكون كلّ واحد من المؤمنين وليّ نفسه، وهذا باطل، فثبت بذلك الولاية العامّة لله ولرسوله وللمؤمنين الّذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة هم راكعون، وليس لأحد أن يقول: إنّ لفظ( الَّذِينَ آمَنُوا ) جمع ولا يجوز أن يتوجّه إلى أمير المؤمنين على الانفراد، وذلك انّ أهل اللغة يعبّرون بلفظ الجمع عن الواحد على سبيل التعظيم والتفخيم، وذلك أشهر في كلامهم من الاستدلال عليه، وليس لهم أن يقولوا: إنّ المراد بقوله:( وَهُم رَاكِعُونَ ) انّ هذه سمتهم(١) فلا يكون حالاً لإيتاء الزكاة وذلك لأنّ قوله:( يُقِيمُونَ الصَّلَاة ) قد دخل فيه الركوع، فإذا حملناه على أنّ من سمتهم(٢) الركوع كان ذلك كالتكرار الغير مفيد، وتأويل المفيد أولى من البعيد الّذي لا يفيد، فثبتت الولاية العامّة لأمير المؤمنينعليه‌السلام كما ثبتت لله ورسوله.(٣)

كلمات ألقاها جناني إلى لساني، وسجعات أملاها إيماني على بياني،

__________________

١ - في المجمع: شيمتهم.

٢ - في المجمع: صنعهم.

٣ - راجع مجمع البيان: ٢ / ٢١١ - ٢١٢.

ومناجاة توسّلت بها إلى ربّي، وفقرات أسداها صادق عهدي إلى قلبي:

اللّهمّ إنّك طهرت قلوبنا من كلّ ريب، ونزّهت نفوسنا من كلّ عيب، وجعلتها مأوى الإخلاص لولاية وليّك، ومثوى الإمحاض(١) لوصيّ نبيّك، لا نعتقدبعد نبيّك أقرب منه إليك، ولا نعلم وليّاً نتوسّل به سواه لديك، قرنت طاعته بطاعتك، وأوجبت ولايته كولايتك، ونوّهت بذكره في محكم تنزيلك، وشددت به عضد نبيّك ورسولك، وأفرغت على أعطاف إمامته خلع الرئاسة الكبرى، وجعلته أفضل خلقك بعد رسولك في الدنيا والاُخرى، لا يدخل الجنّة إلا مستمسكاً بحبله، ولا يذوق النار إلا جاحداً لفضله، حبّه فرض على كافّة بريّتك، وبغضه كفر موجب لنكال عقوبتك.

يطرب ذكره قلبي ويكشف مدحه كربي، وينشي وصفه نشوة السرور في سرائري، وينتج ذكره نشاءة الحبور في ضمائري.

حبّه منوط بلحمي ودمي، ولفظه شفاي من أوصابي وسقمي، لا تقبل صلاتي إلا بالصلاة عليه، ولاتخلص طاعتي إلا بتفويض اُموري إليه، لما جعلت حبّه عنوان الإيمان بك، التفريط في جنبه تفريط في جنبك، فهو وليّك في عبادك حين أخذت عليهم الميثاق، وخليفتك في بلادك على الاطلاق، ولسانك الناطق بالحقّ، ويدك الباسطة على الخلق، من أطاعه أدخلته جنّتك وإن عصاك، ومن عصاه خلّدته نارك وإن أطاعك، كنز علمك، ومعدن حكمك، ومشرق أنوارك، ومظهر أسرارك.

( هَل أَتَى ) (٢) في شأنه اُتيت،( إنَّمَا وَلِيُّكُم ) (٣) في بيانه اُنزلت، وآية

__________________

١ - كلّ شيء أخلصتَه فقد أمحَضتَه. « الصحاح: ٣ / ١١٠٤ - محض - ».

٢ - سورة الانسان: ١ وما بعدها.

المباهلة(٤) تشهد بمساواته لنبيّك، والإخلاص بحبّه أجر بلاغ صفيّك، ومائدة شرفه بحديث: « لحمك لحمي »(٥) كملت، وملّة الاسلام بنصبه علماً للاُمّة كملت، وسمت نفسي بميسم العبوديّة لحضرته، وقدّرت انّي أقلّ خدمه وإن كنت من حفدته.

إذا ذكرت صغائر ذنوبي وكبائرها، وموبقات عيوبي وتكاثرها، قرعت باب الرجاء بيد حبّه، وتوسّلت إلى خالقي بإخلاصه وقربه، فيناجيني بلسان نبيّه في سرائري، ويخاطبني ببيان وليّه في ضمائري: « حبّ علي حسنة لا يضرّ معها سيّئة، وبغضه سيّئة لا ينفع معها حسنة »(٦) ، فيحلو مكرّر حديثها في لهواتي، ويجلو ترداد خطابها همومي في خلواتي.

لا أعتقد بعد توحيد ربّي وتنزيهه عمّا لا يليق بكماله والاقرار لنبيّي بعدم المماثل له في شرفه وجلاله أوجب طاعة، ولا أفوض متابعة، ولا أثبت إيماناً، ولا أعلى تبياناً، ولا أشدّ ركناً، ولا أبين معنى، ولا أوضح حجّة، ولا أهيع

__________________

٣ ) سورة المائدة: ٥٥.

٤ -( فَمَن حَاجَّكَ فيهِ مِن بَعدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العِلمِ فَقُلْ تَعَالَوا نَدعُ أَبنَاءَنَا وأبنَاءَكُم وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُم وَأَنفُسَنَا وَأنفُسَكُم ثمَّّ نَبتَهِل فَنَجعَل لَعنَةَ اللهِ عَلَى الكَاذِبينَ ) آل عمران: ٦١.

٥ - ورد هذا الحديث بألفاظ متفاوتة، انظر: إحقاق الحقّ: ٤ / ٧٨ و ١٤٩ و ٢٤٥ - ٢٤٨ و ٤٨٢ و ٤٨٤ - ٤٨٦، و ج ٥ / ١ - ٢، و ج ٦ / ٤٤٣ - ٤٤٨، و ج ١٥ / ٦١ و ٦٦٤ و ٦٩٢، و ج ١٦ / ١١٧، و ج ٢٠ / ٢٤٩ و ٢٩٠ و ٢٩٢ و ٢٩٥ و ٣١٥.

٦ - أورده الديلمي في فردوس الأخبار: ٢ / ١٤٢ ح ٢٧٢٥ عن معاذ، عنه كشف الغمّة: ١ / ٩٣، والبحار: ٣٩ / ٣٠٤ ح ١١٨.

وأخرجه في مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ١٩٧ عن أبي تراب في الحدائق، والخوارزمي في الأربعين بإسنادهما عن أنس، والديلمي في الفردوس، وجماعة، عن ابن عمر، عنه البحار: ٣٩ / ٢٥٦ ح ٣١.

وفي البحار: ٣٩ / ٢٤٨ ح ١٠ عن كشف الغمّة.

محجّة، ولا أشمخ فخراً، ولا أرفع ذكراً، من الاذعان بالطاعة لنهيه وأمره، ولا يعاد بالمتابعة لسرّه وجهره.

فيا من يحسده على ما آتاه الله من فضله، ويدّعي رتبته، وهو لا يعادل عند الله شسع نعله، لقد طرت مستكبراً، وتعاظمت صغيراً، وأوثقت نفسك، وأنكرت جنسك، وجهلت قدرك، وشبت درّك، وبادرت خالقك بمعصيتك، ولم يحسن يوماً تؤخذ فيه بناصيتك، أتريد أن تستر الشمس بكفّك، أو تنقص البحر بغرفك، وتجار الجواد بأناتك، أو تنال السماء ببنانك؟

ويك ارفق بنفسك، ولاتفخر بغرسك، فهذا الذي شرّفت بذكره مقالي، ووجّهت إلى كعبة جوده آمالي، ورجوته معادي في حشري، ونوري في قبري، وكنزي لفقري، ووجهتي في عسري ويسري، هو البحر الّذي لا ينزف، والعارف الّذي لا يعرف، والشمس الّتي لا تخفى، والنور الّذي لا يطفأ، المنزّه بكماله عن الأنداد، الجامع في خصاله بين الأضداد، يحيي بجوده الآمال، ويميت بفتكه الأبطال، وتصل بكفّه الاقصار، وتقطع بسيفه الآجال.

إن ذكر ليل فهو راهب دجاه، أو ذكر حرب فهو قطب رحاه، أسد الله المحراب، حليف المسجد والمحراب، يجزّ بصارمه الأعناق، ويدرّ بنائله الأرزاق، نقمة الله على أعدائه، ورحمته لأوليائه، الشامخ بأنفه في الحرب، والمتواضع من عظمته للربّ، الناسك في خطوته، والفاتك بسطوته، قتّال الأبطال إذا الحروب وقعت، وبدل الأبدال إذا الجنوب اضطجعت، امتحن الله به خلقه، وأبان بالأدلّة الواضحة صدقه، وأكرمه بالشهادة التي فضّله بها على من سواه، وأحبّ سبحانه لقاءه، كما أحبّ صلوات الله عليه لقاءه، لما تفرّد عن النظير من أبناء جنسه، وتعالى عن التمثيل في طهارته وقدسه.

تعصّبت عصب الضلالة لقتاله، وتحزّبت أحزاب الجهالة لاغتياله، وضربت إلى حربه بطون رواحلها، وأجلبت على هظمه بأبطال كفرها وباطلها.

فتبّاً لها من اُمّةٍ الغدر شعارها، والمكر دثارها، والنفاق قرينها، والشقاق حديثها، خسرت صفقتها، وكسدت تجارتها، فما أضمى فيها، وظمي ريّها، وأضلّ سعيها، وأشقى ميّتها وحيّها، تاهت في بيداء حيرتها، وغرقت في متلاطم شقوتها، وزيّن الشيطان لها سوء فعلها، ودلّاها بغروره فأوقعها في ورطة جهلها.

أفهذا كان جزاء نعمة ربّها عليها، ومننه إليها؟! إذ أقام لها وليّاً من أوليائه يثقف(١) أودها، ويقوّم عوجها، ويوضح بها الدليل، ويهديها سواء السبيل، أن تشنّ عليها غاراتها، وتطلبه بنزّاتها(٢) ، وتقصده في نفسه وعترته، وتغمّده في حفدته وشيعته، وتنصب له الغوائل، وتضمي منه المقاتل، وأن تتقدّمه أو غادها سامريّها وعجلها، وأن تجلب مرافقها عليه بخيلها ورجلها، وأن تجمع فسّاقها على حربه في صفّينها وجملها، وأن تنكر فجّارها ما بيّن الرسول من قربه بتفضيلها وجملها.

وهكذا لم يزل الدنيّ يحسد العليّ، والطفيف يحسد الشريف، والباخل يحسد الباذل، واللئيم يحسد الكريم، والأوغاد تتقدّم الأمجاد، والناس أميل في أشكالهم، وأشبه بأمثالهم، أتباع كلّ ناعق، وأشياع كلّ زاهق، العلم أكسد بضاعة تجبى إليهم، والكتاب أنكد كلمة تتلى عليهم، يبدّلونه بأهوائهم،

__________________

١ - الأوَدُ: العوج، والثقاف: هو تقويم المعوج. « لسان العرب: ٣ / ٧٥ - أود - ».

٢ - قتلته النزّة: أي الشهوة. « لسان العرب: ٥ / ٤١٧ - نزز - ».

والتَنزّي: التوثُّب والتسرُّع والانتِزاءُ والّتنزّي أيضاً: تسرُّع الإنسان إلى الشرِّ. « لسان العرب: ١٥ / ٣٢٠ - نزا - ».

ويلحدون في آياته، ويكذّبون بيّناته، ويتّبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة(١) ، ويقصدون من سفه أحلامهم لتبديلهم بكلّ حجّة، ولما روى صلوات الله عليه شدّة شكيمتهم، وخبث عقيدتهم، يحرّفون الكلم عن مواضعه، ويعدلون بالحقّ عن مواقعه، لا يجيبون صوته، ولا يرهبون سوطه، ولا يستجيبون لدعائه، ولا يجعلون بندائه، فبرم من صحبتهم، وتظلّم من معصيتهم، وشكاهم إلى الله في خطبه ونثره، واستعدى عليهم الله في سرّه وجهره.

كقوله صلوات الله عليه:

اللّهمّ إنّي قد مللتهم وملّوني، وسمئتهم وسئموني، فأبدلني بهم خيراً منهم، وأبدلهم بي شرّاً منّي.

اللّهمّ مِث قلوبهم(٢) كما يُماث الملح في الماء.(٣)

وكقوله صلوات الله عليه - من جملة كلامه -:

أيها القوم الشاهد أبدانهم(٤) ، الغائبة عنهم عقولهم، المختلفة أهواؤهم، المبتلى بهم اُمراؤهم، صاحبكم يطيع الله وأنتم تعصونه، وصاحب أهل الشام يعصي الله وهم يطيعونه، لوددت - والله - أنّ معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم، فأخذ منّي عشرة منكم وأعطاني رجلاً منهم!

يا أهل الكوفة، منيت منكم بثلاثٍ واثنتين: صمّ ذوو أسماع، وبكم ذوو كلام، وعمي ذوو أبصارٍ، لا أحرار صدقٍ عند اللقاء، ولا إخوان ثقةٍ

__________________

١ - إشارة إلى الآية: ٧ من سورة آل عمران.

٢ - أي أذبها.

٣ - نهج البلاغة: ٦٧ خطبة رقم ٢٥. وانظر البحار: ٣٤ / ١٩.

٤ - كذا في النهج، وفي الأصل: أيها المشاهد أبدانهم.

عند البلاء! تربت أيديكم! يا أشباه الإبل غاب عنها رعاتها! كلّما جمعت من جانبٍ تفرّقت من آخر، والله لكأنّي [ بكم ](١) فيما إخالكم: [ أن ](٢) لو حمس الوغى، وحمي الضراب، قد انفرجتم عن ابن أبي طالب انفراج المرأة عن قبلها. وإنّي لعلى بيّنةٍ من ربّي، ومنهاجٍ من نبيّي، وإنّي لعلى الطريق الواضح ألقطه لقطاً.(٣)

و من كلام له صلوات الله عليه يخاطب به أصحابه:

يا أشباه الرجال ولا رجال! حلوم الأطفال، وعقول الحِجال(٤) ، وددت أنّي لم أركم ولم أعرفكم معرفةً - والله - جرّت ندماً، وأعقيت سدماً(٥) ، قاتلكم الله! لقد ملأتم قلبي قَيحاً، وشحنتم صدري غيظاً، وجرّعتموني نُغب التِّهمام أنفاساً، وأفسدتم(٦) عليَّ رأيي بالعصيان والخذلان ؛ حتى [ لقد ](٧) قالت قريش: إنّ ابن أبي طالب رجل شجاع، ولكن لا علم له بالحرب.

لله أبوهم! وهل أحد منهم أشدّ لها مِراساً(٨) ، وأقدم فيها مَقاماً منّي؟ لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، وها أنذا قدر ذرّفت على الستّين(٩) ! ولكن لا

____________

١ و ٢ - من النهج: وإخال: أظنّ. وحمس: اشتدّ. والوغى: الحرب.

٣ - نهج البلاغة: ١٤٢ خطبة رقم ٩٧.

٤ - ربّات الحِجال: النساء.

٥ - كذا في النهج، وفي الأصل: ذمّاً.

والسدم: الهم مع أسف أو غيظ.

٦ - كذا في النهج، وفي الأصل: وجرّعتموني قعب البهتان، وأفسدتم.

ونُغب: أي جُرَع. والتِّهمام: الهمّ. والمراد أنّ أنفاسه أمست همّاً يتجرّعه جرعة بعد جرعة.

٧ - من النهج.

٨ - أي عالجه وزاوله وعاناه.

٩ - أي زدت على الستين. وفي رواية المبرّد. نيّفت، وهو بمعناه.

رأي لمن لا يُطاع!(١)

و من كلام له في ذمّ أهل العراق:

أمّا بعد [ - يا أهل العراق - ](٢) ، فإنّما أنتم كالمرأة الحامل، حملت فلمّا أتمّت أملصت(٣) ، ومات قيّمها، وطال تأيّمها(٤) ، وورثها أبعدها. أما والله ما أتيتكم اختياراً، ولكن جئت إليكم سَوقاً. ولقد بلغني أنّكم تقولون: [ عليُّ ](٥) يكذب، قاتلكم الله تعالى! فعلى من أكذب؟ أعلى الله؟ فأنا أوّل من آمن به! أم على نبيّه؟ فأنا أوّل من صدّقه! كلّا - والله - ولكنّها لهجة غبتم عنها، ولم تكونوا من أهلها.(٦)

وغير ذلك من مقاماته المشهورة، ومكاناته المرموزة، فبعداً لها من اُمّة شرت الضلالة بالهدى، والعذاب المغفرة، فما أصبرها على النار، وأولاها بغضب الجبّار؟! ثم لم يجترئ أعلامها بغصب حقّه وتكذيب صدقه، حتى أعلنوا بسبّه على منابرهم، وتشادقوا بثلبه في منائرهم، وأبى الله إلا أن يتمّ نوره، ويجري في خلقه اُموره.

وأخفى الأعداء فضله حنقاً، وكتم مدحه الأولياء فرقاً، وظهر من بينهما ما طبق الآفاق، وملأ الأوراق، واستمرّت به الأزمان، وسادت به الركبان، وثبت على الحق من ثبّته الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة(٧) ،

____________

١ - نهج البلاغة: ٧٠ خطبة رقم ٢٧.

٢ و ٥ - من النهج.

٣ - أملصت: أسقطت، وألقت ولدها ميّتاً.

٤ - قيّمها: زوجها. وتأيّهما: خلوّها من الأزواج.

٦ - نهج البلاغة: ١٠٠ خطبة رقم ٧١.

٧ - إشارة إلى الآية: ٢٧ من سورة إبراهيم.

و استقام على الصدق من طاب خيمه(١) وصفا معينه، وكانت ينابيع اُصوله ظاهرة، لا تحرّكه الرياح العواصف، كما قال صلوات الله عليه: لو ضربت خيشوم(٢) المؤمن بسيفي على أن يبغضني لما بغضني، ولو صببت الدنيا بحذافيرها على المنافق أن يحبّني لما أحبّني، وذلك عهد عهده إليّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (٣) : لا يحبّك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق.(٤)

روى الحاتمي بإسناده إلى ابن عبّاس، قال: دخل أسود على أمير المؤمنينعليه‌السلام وأقرّ أنّه سرق، فسألهعليه‌السلام ثلاث مرّات، فقال: يا أمير المؤمنين، طهّرني فإنّي سرقت، فأمرعليه‌السلام بقطع يده، فأخذ يمينه بشماله ومضى، فاستقبله بن الكوّاء فقال: من قطع يدك؟

فقال: ليث الحجاز، وكبش العراق، ومصادم الأبطال، المنتقم من الجهّال، كريم الأصل، شريف الفضل، محلّ الحرمين، وارث المشعرين، أبو السبطين، أوّل السابقين، وآخر الوصيّين من آل يس، المؤيّد بجبرائيل، المنصور بميكائيل، حبل الله المتين، المحفوظ بجنود السماء أجمعين، ذلك والله أمير المؤمنين على رغم الراغمين - في كلام له -.

فقال ابن الكوّاء: قلع يدك وتثني عليه!

قال: لو قطّعني إرباً إرباً لمل ازددت له إلا حبّاً، فدخل ابن الكوّاء على

____________

١ - الخِيم: الشيمة والطبيعة والخُلُق والسجيّة والخِيم: الأصل. « لسان العرب: ١٢ / ١٩٤ - خيم - ».

٢ - الخيشوم: أصل الأنف.

٣ - كذا، وفي النهج: وذلك أنّه قُضي فانقضى على لسان النبي الاُمّيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ أنّه قال: يا علي، لا يبغضك مؤمن، ولا يحبّك منافق.

٤ - نهج البلاغة: ٤٧٧ حكمة رقم ٤٥، عنه البحار: ٣٩ / ٢٩٦ ح ٩٧.

وانظر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ٤ / ٨٣، عنه البحار: ٣٩ / ٢٩٥.

أمير المؤمنين وأخبره بقصّة الأسود.

فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : يا ابن الكوّاء، إنّ محبّينا لو قطّعناهم إرباً إرباً لما ازدادوا لنا إلا حبّاً، وإنّ في أعدائنا من لو ألعقناهم السمن والعسل ما ازدادوا لنا إلا بغضاً.

وقال أمير المؤمنين للحسنعليه‌السلام : عليك بعمّك الأسود.

فأحضر الحسنعليه‌السلام الأسود بين يدي أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فأخذ يده فنصبها في موضعها، وغطّاها بردائه، وتكلّم بكلمات أخفاها، فاستقرّت يده كما كانت، فصار يقاتل بين يدي أمير المؤمنينعليه‌السلام إلى أن استشهد بالنهروان، ويقال: كان اسم الأسود أفلح.(١)

وأمّا من كان من أعدائه بسبّه موسوم، وببغضه موسوم، وأصله دنيّ، وخيمه خني، قد اكتنفه فجور الآباء وعهر الاُمّهات، وأحاطت به رذالة الأقرباء والاُمور المظلمات، فأعلن بسبّه وبغضه، ولم يحسن الله يوم حشره وعرضه، وزيّن له الشيطان سوء عمله، وقبيح زلله، فاتّخذ بغضه وسيلة إلى أئمّة الضلال، وتقرّباً إلى الآثمة الضلّال، فأحلّ الله بهم أليم عقابه ووخيم عذابه، في دار الفناء

__________________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٣٣٥، عنه البحار: ٤١ / ٢١٠ ح ٢٤.

وأورد نحوه شاذان في الفضائل: ١٧٢ - ١٧٣، والروضة في الفضائل: ٤٢ ( مخطوط )، عنهما البحار: ٤٠ / ٢٨١ - ٢٨٣ ح ٤٤.

وفي الخرائج والجرائح: ٢ / ٥٦١ ح ١٩ ( مختصراً )، عنه البحار: ٤١ / ٢٠٢ ح ١٥، وج ٧٩ / ١٨٨ ح ٢٤، ومستدرك الوسال: ١٨ / ١٥١ ح ١١.

وأخرجه في إثبات الهداة: ٢ / ٥١٨ ح ٤٥٤ ( مختصراً ) عن الفخر الرازي في تفسيره مفاتيح الغيب.

وفي مدينة المعاجز: ٢ / ٦٨ ح ٤٠٣ عن البرسي - ولم نجده في مشارق أنوار اليقين - إلا أنّ ما فيه يوافق ما في الفضائل والروضة. وفي ص ٧١ ح ٤٠٤ عن السيد الرضي في المناقب الفاخرة.

قبل يومك الجزاء، ولعنهم كما لعن أصحاب السبت إذا اعتدون سبتهم، وأنزل بهم نكاله لما صرفوا عن آيات الله بزورهم وبهتهم، وجعلهم عبرة في بلاده، وتذكرة لعباده، وغيّر سبحانه صورهم، وقطع بدعائه دابرهم، فقد خرجوا عن حدّ الإحصاء، وفاتوا العدّ والاستقصاء، وبلغت أخبارهم من التواتر حدّاً شافياً، وقدراً كافياً.

كما روي عن الأعمش، [ عن رواته، ](١) عن حكيم بن جبير ؛ وعن عقبة الهجري، عن عمّته ؛ وعن أبي يحيى، قال: شهدت عليّاًعليه‌السلام على منبر الكوفة يقول: أنا عبد الله، وأخو رسول الله، ورثت نبيّ الرحمة، ونكحت سيّدة نساء الاُمّة(٢) ، وأنا سيّد الوصيّين، وآخر أوصياء النبيّين، لا يدّعي ذلك غيري إلا أصابه الله بسوء.

فقال رجل من عبس: من الذي لا يحسن أن يقول: أنا عبد الله، وأخو رسول الله؟ فلم يبرح مكانه حتى تخبّطه الشيطان، فجرّ برجله إلى باب المسجد.(٣)

ا لعيّاشي(٤) : بإسناده إلى الصادقعليه‌السلام في خبر قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا عليّ، إنّي سألت الله سبحانه أن يوالي بيني وبينك ففعل، وسألته أن

____________

١ - من المناقب.

٢ - في المناقب: أهل الجنّة.

٣ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٣٤١ - ٣٤٢، عنه مدينة المعاجز: ٢ / ٢٨٤ ح ٥٥٣.

وأورده في كشف الغمّة: ١ / ٢٨٤ مرسلاً.

وأخرجه في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ٢ / ٢٨٧ عن الغارات.

وفي البحار: ٤١ / ٢٠٥ ح ٢٢ عن إرشاد المفيد: ١ / ٣٥٢ - ٣٥٣، والمناقب، والخرائج والجرائح: ١ / ٢٠٩ ح ٥١.

٤ - تفسير العيّاشي: ٢ / ١٤١ ح ١١، عنه البحار: ٣٦ / ١٠٠ ح ٤٤.

يؤاخي بينهم وبينك ففعل، وسألته أن يجعلك وصيّي ففعل.

فقال رجل: والله لصاعٍ من تمر في شنّ(١) بالٍ خير ممّا سأل محمد ربّه، هلّا سأل ملكاً يعضده على عدوّه، أو كنزاً يستغني به على فاقته؟ فأنزل سبحانه( فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعضَ مَا يُوحَى إلَيكَ ) (٢) الآية. وفي رواية: انّه أصاب قائله علّة.(٣)

أبو بصير، عن الصادقعليه‌السلام ، قال: لمّا قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا علي، لولا أنّي أخاف أن يقال فيك كما قالت النصارى في المسيح لقلت اليوم فيك مقالة لا تمرّ بملأٍ من المسلمين إلا أخذوا التراب من تحت قدميك(٤) ، قال الحارث بن عمرو الفهري لقومٍ من أصحابه: ما وجد محمد لابن عمّه مثلاً إلا عيسى بن مريم يوشك أن يجعله نبيّاً من بعده والله إنّ آلهتنا الّتي كنّا نعبد خير منه، فأنزل الله تعالى:( وَلَمَّا ضُرِبَ ابنُ مَريَمَ مَثَلاً إذَا قَومُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ - إلى قوله: -وَإنَّهُ لَعِلمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمتَرُنَّ بِهَا واتَّبِعُونِ هذَا صِرَاطٌ مُستَقِيمٌ ) (٥) .

وفي رواية أنّه نزل أيضاً( إن هُوَ إلّا عَبدٌ أنعَمنَا عَلَيهِ ) (٦) ، فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا حارث، اتّق الله وارجع عمّا قلت من العدواة لعليّ.

فقال: إذا كنت رسول الله، وعليّ وصيّك من بعدك، وفاطمة بنتك سيّدة

__________________

١ - الشنّ: القرية الخلفة « خ ».

٢ - سورة هود: ١٢. وفي الأصل والمناقب:( فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفسَكَ ) ، وهي الآية: ٦ من سورة الكهف، وما أثبتناه وفقاً لما في العيّاشي.

٣ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٣٤٢، عنه البحار: ٤٠ / ٧٢ ذ ح ١٩ وعن أمالي المفيد: ٢٧٩ ح ٥، وأمالي الطوسي: ١ / ١٠٥.

٤ - كذا في المناقب، وزاد في الأصل: الخبر. ممّا يوهم بتقطيع الخبر.

٥ - سورة الزخرف: ٥٧ - ٦١.

٦ - سورة الزخرف: ٥٩.

نساء العالمين، والحسن والحسين ابناك سيّدا شباب أهل الجنة، وحمزة عمّك سيد الشهداء، وجعفر الطيّار ابن عمّك يطير مع الملائكة في الجنة، والسقاية للعبّاس عمّك، فما تركت لسائر قريش وهم ولد أبيك؟

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ويلك يا حارث، ما فعلتُ ذلك ببني عبد المطّلب، لكنّ الله سبحانه فعله بهم.

فقال الحارث:( اللّهُمَّ إن كَانَ هذَا هُوَ الحَقَّ مِن عِندِكَ فَأمطِر عَلَينَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ ) (١) فأنزل الله سبحانه:( وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُم وَأنتَ فِيهِم ) (٢) فدعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الحارث فقال: إمّا أن تتوب أو ترحل عنّا.

فقال: إنّ قلبي لا يطاوعني للتوبة، لكنّي أرحل عنك، فركب راحلته، فلمّا أصحر أرسل(٣) الله عليه طيراً من السماء في منقاره حصاة مثل العدسة، فأنزلها على هامته فخرجت من دبره إلى الأرض، ففحص برجله، وأنزل سبحانه( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِع ) (٤) للكافرين بولاية عليّ، [ قال: ](٥) هكذا نزل به جبرائيلعليه‌السلام .(٦)

قال زياد بن كليب: كنت جالساً في نفر فمرّ بنا محمد بن صفوان مع عبيد الله بن زياد، فدخلا المسجد، ثمّ رجعا إلينا وقد ذهبت عينا محمد بن صفوان،

__________________

١ و ٢ - سورة الأنفال: ٣٢ و ٣٣.

٣ - في المناقب: أنزل.

وأصحر: أي صار في الصحراء.

٤ - سورة المعراج: ١.

٥ - من المناقب.

٦ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٣٤٢ - ٣٤٣، عنه البحار: ٣٥ / ٣٢٠ ح ١٧.

فقلنا: ما شأنه؟

فقال: إنّه قام في المحراب وقال: إنّه من لم يسبّ عليّاً بيّنةٍ(١) فأنا أسبّه بيّنة، فطمس الله بصره.

وقد روى هذا عمرو بن ثابت، عن أبي معشر.

البلاذري(٢) والسمعاني والمامطيري(٣) والنطنزي والفلكي أنّ سعد بن مالك مرّ برجل يشتم عليّاًعليه‌السلام ، فقال: ويحك ما تقول؟

قال: أقول ما تسمع.

فقال: الّلهمّ إن كان كاذباً فاهلكه، فخبطه جمل بختيّ فقتله.(٤)

ابن المسيّب قال: صعد مروان المنبر وذكر عليّاًعليه‌السلام فشتمه، قال سعيد بن المسيّب: فهوّمت عيناي فرأيت كفّاً في منامي خرجت من قبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله - يرى الكفّ ولا يرى الذراع - عاقدة على ثلاث وستّين(٥) ، وسمعت قائلاً يقول: يا أموي( أكَفَرتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُطفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً ) (٦) ؟

قال: فما مرّت بمروان إلا ثلاث حتى مات.

__________________

١ - في الماقب: بنيّة. وكذا في الموضع التالي.

٢ - أنساب الأشراف: ٢ / ١٧٧ ح ٢٠٤.

٣ - هو أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله المامطيري، ومامطير: بليدة بناحية آمل طبرستان.

٤ - في انساب الأشراف والمناقب: فخبطه جمل حتى قتله.

والبُخت والبُختيّة: هي الإبل الخراسانيّة. « لسان العرب: ٢ / ٩ - بخت - ».

٥ - على حساب العقود العقد على ثلاث وستّين هو أن يثنّي الخنصر والبنصر والوسطي ويأخذ ظفر الإبهام بباطن العقدة الثانية من السبّابة، فأشار بعقد الثلاثة إلى أنه لا يعيش أكثر منها.

٦ - سورة الكهف: ٣٧.

مناقب إسحاق [ العدل ](١) : انّه كان في خلافة هشام خطيب يلعن عليّاًعليه‌السلام على المنبر، فخرجت كفّ من قبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله - يُرى الكفّ ولا يُرى الذراع - عاقدة على ثلاث وستّين، وإذا كلام من القبر: ويلك [ من أمويّ ](٢) ( أكَفَرتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُطفَةٍ ) الآية، وألفت ما فيها، فإذا دخان أزرق، قال: فما نزل عن المنبر إلا وهو أعمى يقاد، وما مضت عليه ثلاثة أيّام حتى مات.(٣)

وروى علماء واسط أنّه لمّا رفع عمر بن عبد العزيز اللعائن جعل خطيب واسط يلعن، فإذا هو بثور عبر الشطّ، وشقّ السور، ودخل المدينة، وأتى الجامع، وصعد المنبر، ونطح الخطيب فقتله، وغاب عن أعين الناس، فسدّوا الباب الذي دخل منه(٤) ، وأثره ظاهر وسمّوه باب الثور.

وقال هاشميّ: رأيت رجلاً بالشام قد اسودّ نصف وجهه - وهو يغطّيه - فسألته عن سبب ذلك، فقال: نعم، قد جعلت على نفسي أن لا يسألني أحد عن سبب ذلك إلا أخبرته، كنت شديد الوقيعة في عليّ، كثير الذكر له بالمكروه، فبينا أنا ذات ليلة نائم إذا بآتٍ أتاني في منامي فقال: أنت صاحب الوقيعة في عليّ؟ فضرب شقّ وجهي؟ فأصبحت وشقّ وجهي أسود كما ترى.(٥)

____________

١ و ٢ - من المناقب.

٣ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٣٤٣ - ٣٤٤، عنه البحار: ٣٩ / ٣١٨ ح ١٩، ومدينة المعاجز: ٢ / ٢٨٣ - ٢٨٤ ح ٥٥١ و ٥٥٢ إلى قوله: فخبطه جمل حتى قتله.

٤ - كذا في المناقب، وفي الأصل: فيه.

٥ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٣٤٤، عنه البحار: ٣٩ / ٣١٩ ح ٢٠، ومدينة المعاجز: ١ / ٣١٤ ح ١٩٨ من قوله « قال هاشمي ».

وأورد نحوه في الفضائل لشاذان: ١١٥، والروضة في الفضائل: ١٠ ( مخطوط )، عنهما البحار: ٤٢ / ٨ ح ١٠.

وأورده أيضاً في الثاقب في المناقب: ٢٤١ ح ٦.

وكان بالمدينة رجل ناصبيّ، ثم تشيّع بعد ذلك، فسئل عن السبب، فقال: إنّي رأيت في منامي عليّاًعليه‌السلام يقول [ لي ](١) : لو حضرت صفّين مع من كنت تقاتل؟

قافل: فأطرقت اُفكّر، فقالعليه‌السلام : يا خسيس، هذه مسألة تحتاج إلى [ هذا ](٢) الفكر العظيم! اصفعوا قفاه، فصفعت(٣) حتى انتبهت وقد ورم قفاي، فرجعت عمّا كنت عليه.(٤)

روى شيخنا ووسيلتنا إلى ربّنا الشيخ الجليل الفقيه عناد الدين محمد بن علي بن الحسين [ بن موسى ](٥) بن بابويه القمّي في أماليه، قال: حدّثني محمد بن إبراهيم بن إسحاق رضي الله عنه قال: حدّثني محمد بن جرير الطبري، قال: حدّثني أحمد بن رشيد، قال حدّثنا أبو معمر سعيد بن خثيم(٦) ، قال: حدّثني سعد، عن الحسن البصري أنّه بلغه أنّ زاعماً يزعم أنّه ينتقص عليّاً صلوات الله عليه، فقام في أصحابه يوماً فقال: لقد هممت أن أغلق بابي ثمّ لا أخرج من بيتي حتى يأتيني أجلي، بلغني أنّا زاعماً منكم يزعم أنّي أنتقص خير الناس بعد نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنيسه وجليسه، والمفرّج عنه الكرب عند الزلازل، والقاتل للأقران يوم التنازل، لقد فارقكم رجل قرأ القرآن فوقّره، [ وأخذ العلم

__________________

وأخرجه في مدينة المعاجز: ١ / ٣١٤ ح ١٩٩ عن البرسي - ولم نجده في مشارق أنوار اليقين - وما فيه يوافق ما في فضائل شاذان.

١ و ٢ - من المناقب.

٣ - في المناقب: اعطوا قفاه. فصفقت.

٤ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٣٤٤، عنه البحار: ٤٢ / ٧ ح ٧.

٥ - من الأمالي.

٦ - في الأمالي: خيثم ( خثيم ).

فوفّره، ](١) وحاز البأس فاستعمله في طاعة ربّه، صابراً على مضض الحرب، شاكراً عند اللأواء والكرب، عمل بكتاب الله، ونصح لنبيّه وابن عمّه وأخيه، آخاه دون أصحابه، وجعل عند سرّه، وجاهد عنه صغيراً، وقاتل معه كبيراً، يقتل الأقران، وينازل الفرسان دون دين الله حتى وضعت الحرب أوزارها، مستمسكاً بعهد نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لا يصدّه صادّ، ولا يمالي عليه مضادّ، ثمّ مضى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو عنه راض.

أعلم المسلمين علماً، وأفهمهم فهماً، وأقدمهم في الإسلام، لا نظير له في مناقبه، ولا شبيه له في ضرائبه، فظلفت(٢) نفسه عن الشهوات، وعمل لله في الغفلات، وأسبغ الوضوء(٣) في السبرات، وخشع(٤) لله في الصلوات، وقطع نفسه عن اللذات، مشمّراً عن ساق، طيّب الأخلاق، كريم الأعراق، واتّبع سنن نبيّه، واقتفى آثار وليّه، فكيف أقول فيه ما يوبقني؟ وما أحد أعلمه يجد فيه مقالاً، فكفّوا عنّا الأذى، وتجنّبوا طريق الردى.(٥)

وقال أيضاً رضي الله عنه في أماليه: حدّثنا أحمد بن الحسن القطّان وعلي بن أحمد بن موسى الدقّاق ومحمد بن أحمد السناني وعبد الله بن محمد الصائغ، قالوا: حدّثنا أبو العبّاس [ أحمد بن يحيى بن ](٦) زكريّا القطّان، قال: حدّثنا أبو محمد بكر بن عبدالله بن حبيب، قال: حدّثني علي بن محمد، قال: حدّثنا الفضل بن العبّاس، قال حدّثنا عبد القدّوس الورّاق، قال: حدّثنا

__________________

١ - من الأمالي.

٢ - كذا في الأمالي، وفي الأصل: طلقت. وظلفت: منعت.

٣ - في الأمالي: الطهور. والسيرات: جمع السبرة، الغداة الباردة.

٤ - كذا في الأمالي، وفي الأصل: وخضع.

٥ - أمالي الصدوق: ٣٥٢ ح ١، عنه البحار: ٤٠ / ١١٧ ح ٢.

٦ - من الأمالي.

محمد بن كثير، عن الأعمش.

و حدّثنا الحسن بن إبراهيم بن أحمد المكتّب، قال: حدّثنا أحمد بن يحيى القطّان، قال: حدّثنا بكر بن عبد الله بن حبيب، قال: حدّثني عبيد الله بن محمد بن باطويه(١) ، قال: حدّثنا محمد بن كثير، عن الأعمش.

وأخبرنا سليمان بن أحمد بن أيّوب اللخمي فيما كتب إلينا من أصفهان، قال: حدّثنا أحمد بن القاسم بن مساور الجوهري سنة ستّ وثمانين ومائتين، قال: حدّثنا الوليد بن الفضل العنزي، قال: حدّثنا الوليد بن الفضل العنزي، قال: حدّثنا مندل بن علي العنزي(٢) ، عن الأعمش.

وحدّثنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني، قال: حدّثنا أبو سعيد الحسن بن علي العدوي، قال: حدّثنا علي بن عيسى الكوفي، قال: حدّثنا جرير(٣) بن عبد الحميد، عن الأعمش، وزاد بعضهم على بعض في اللفظ، وقال بعضهم ما لم يقل بعض، وسياق الحديث لمندل بن علي العنزي، عن الأعمش، قال: بعث إليّ أبو جعفر الدوانيقي في جوف الليل أن أجب، قال: فبقيت(٤) متفكّراً فيما بيني وبين نفسي وقلت: ما بعث إليّ [ في ](٥) هذه الساعة الا ليسألني عن فضائل عليعليه‌السلام ، ولعلّي إن أخبرته قتلني.

قال: فكتبت وصيّتي، ولبست كفني، ودخلت عليه، فقال ادن منّي، فدنوت وعنده عمرو بن عبيد، فلمّا رأيته طابت نفسي شيئاً ثم قال: ادن منّي،

____________

١ - في الأمالي: عبد الله ( عبيد الله ) بن محمد بن باطويه ( ناطويه ).

٢ - في الأمالي: العنزي ( العتري ). وكذا في الموضع التالي.

٣ - كذا في الأمالي، وفي الاصل: حريز.

٤ - في الأمالي: فقمت.

٥ - من الأمالي.

فدنوت حتى كادت تمسّ ركبتي ركبته، قال: فوجد منّي رائحة الحنوط، فقال: والله لتصدقّنني وإلاّ لأصلبنّك.(١)

فقلت: ما حاجتك، يا أمير المؤمنين؟

قال: ما شأنك متحنّطاً؟

قلت: أتاني رسولك في جوف الليل أن أجب، فقلت: عسى أن يكون أمير المؤمنين بعث إليّ [ في ](٢) هذه الساعة ليسألني عن فضائل عليّعليه‌السلام . فلعلّي إن أخبرته قتلني، فكتبت وصيّتي، ولبست كفني.

قال: وكان متّكئاً فاستوى جالساً وقال: لا حول ولا قوّة إلا بالله، سألتك - يا أعمش(٣) - كم حديثاً ترويه في فضائل عليّعليه‌السلام ؟

قال: فقلت: يسيراً، يا أمير المؤمنين.

قال: كم.

قلت: عشرة آلاف وما زاد.

فقال: يا سليمان، لاُحدّثنّك بحديث في فضل عليّعليه‌السلام تنسى كلّ حديث [ سمعته ](٤) .

قال: قلت: حدّثني، يا أمير المؤمنين.

قال: إنّي كنت هارباً من بني اُميّة وكنت أتردّد في البلدان(٥) وأتقرّب إلى الناس بفضائل عليّعليه‌السلام ، وكانوا يطعموني ويزوّدوني حتى وردت إلى

__________________

١ - في الأمالي: لتصدّقني أو لاُصلبنّك.

٢ و ٤ - من الأمالي.

٣ - في الأمالي: سألتك بالله يا سليمان.

٥ - كذا في الأمالي، وفي الأصل: من بني يزدد في البلدان.

بلاد شام، وإنّي لفي كساءٍ خلق ما عليّ غيره، فسمعت الاقامة وأنا جائع، فدخلت المسجد لاُصلّي وفي نفسي أن اُكلّم الناس في عشاءٍ [ يعشوني ](١) ، فلمّا سلّم الإمام دخل المسجد صبيّان، فالتفت الإمام اليهما وقال: مرحباً بكما، ومرحباً بمن اسمكما على اسمهما، وكان إلى جانبي شابّ فقلت: يا شابّ، ما الصبيّان؟ ومن الشيخ؟

قال: هو جدّهما، وليس أحد في هذه المدينة يحبّ عليّاً إلا [ هذا ](٢) الشيخ، فلذلك سمّى أحدهما الحسن والآخر الحسين، فقمت فرحاً إلى الشيخ، فقلت: أيها الشيخ، هل لك حاجة في حديثٍ اُقرّ به عينك؟

قال: إن أقررت عيني أقررت عينك.

قال: قلت: حدّثني أبي، عن جدّي، عن أبيه قال: كنّا قعوداً عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إذ جاءت فاطمةعليها‌السلام وهي تبكي، فقال لها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ما يبكيك يا فاطمة؟

قالت: يا أبة، خرج الحسن والحسين فما أدري أين باتا.

فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا فاطمة، لا تبكي، فإنّ الله الذي خلقهما هو ألطف بهما منك، ورفع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يديه إلى السماء، وقال: اللّهمّ إن كانا أخذا برّاً أو بحراً فاحفظهما وسلّمهما، فنزل جبرائيلعليه‌السلام من السماء وقال: يا محمد، إنّ الله سبحانه يقرئك السلام ويقول: لا تحزن ولا تغتمّ فإنّهما فاضلان في الدنيا وفاضلان في الآخرة، وأبوهما أفضل منهما، هما نائمان في حظيرة بني النجّار، وقد وكّل الله بهما ملكاً.

قال: فقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فرحاً ومعه أصحابه حتى أتى

__________________

١ و ٢ - من الأمالي.

حظيرة بني النجّار، فإذا الحسن(١) معانقاً للحسينعليه‌السلام ، وإذا الملك الموكّل بهما قد افترش أحد جناحيه تحتهما وغطّاهما بالآخر.

قال: فمكث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يقبّلهما حتى انتبها، فلمّا استيقظا حمل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله الحسن، وحمل جبرائيل الحسين فخرج من الحظيرة وهو يقول: والله لاُشرّفنّكما كما شرّفكم الله عزّ وجل.

فقال له أبو بكر: ناولني أحد الصبيّين اُخفّف عنك.

فقال: يا أبا بكر، نعم الحاملان، ونعم الراكبان، وأبوهما أفضل منهما فخرجت حتى أتى باب المسجد فقال: يا بلال، هلمّ عليّ الناس، فنادى منادي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في المدينة، فاجتمع الناس عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في المسجد، فقام على قدميه، فقال: يا معشر الناس، هل أدلّكم على أفضل الناس جدّاً وجدّة؟

قالوا: بلى، يا رسول الله.

قال: الحسن والحسين فإنّ جدّهما محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وجدّتهما خديجة بنت خويلد.

يا معشر الناس، هل أدلّكم على خير الناس اُمّاً وأباً؟

قالوا: بلى، يا رسول الله.

قال: الحسن والحسين فإنّ أباهما يحبّ الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، واُمّهما فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

يا معشر الناس: هل أدلّكم على خير الناس عمّاً وعمّة؟

__________________

١ - في الأمالي: حتى أتوا حظيرة بني النجّار، فإذا هم بالحسن.

قالوا: بلى، يا رسول الله.

قال: الحسن والحسين فإنّ عمّهما جعفر الطيّار في الجنّة مع الملائكة، وعمّتهما اُمّ هانئ بنت أبي طالب.

يا معشر الناس، هل أدلّكم على خير الناس خالاً وخالة؟

قالوا: بلى، يا رسول الله.

قال: الحسن والحسين فإنّ خالهما القاسم بن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وخالتهما زينب بنت رسول الله، ثمّ قال بيده هكذا يحشرنا الله(١) ، ثمّ قال: اللّهمّ إنّك تعلم أنّ الحسن في الجنّة، والحسين في الجنّة، وجدّهما في الجنّة، وجدّتهما في الجنّة، [ وأباهما في الجنّة، واُمّهما في الجنّة ](٢) ، وعمّهما في الجنّة، وعمّتهما في الجنّة، وخالهما في الجنّة، وخالتهما في الجنّة.

اللّهمّ إنّك تعلم من يحبّهما في الجنّة، ومن يبغضهما في النار.

قال: فلمّا قلت ذلك للشيخ قال: من أنت يا فتى؟

قلت: رجل من أهل الكوفة.

قال: أعربيّ أنت أم مولى؟

قلت: بل عربيّ.

قال: فأنت تحدّث بهذا الحديث وأنت في هذا الكساء، فكساني خلعته،

__________________

١ - الظاهر أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ضمّهما إلى صدره وأشار إلى الناس: هكذا يحشرنا الله.

٢ - من الأمالي.

وحملني على بغلته فبعتها بمائة دينار، وقال يا شابّ(١) ، أقررت عيني فوالله لأقرّنّ عينك، ولأرشدنّك إلى شابّ يقرّ عينك اليوم.

قال: قلت: أرشدني.

قال: إنّ لي أخوين أحدهما إمام والآخر مؤذّن، أمّا الإمام فإنّه يحبّ عليّاً منذ خرج من بطن اُمّه، وأمّا المؤذّن فإنّه يبغض عليّاً منذ خرج من بطن اُمّه.

قال: قلت: أرشدني، فأخذ بيدي حتى أتى بي إلى باب الامام، فإذا برجل خرج إليّ وقال: أمّا البغلة والكسوة فأعرفهما، والله ما كان فلان يكسوك ويحملك إلا لأنّك تحبّ الله ورسوله ووصيّ رسوله، فحدّثني بحديث في فضل عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام .

قال: قلت: أخبرني أبي، عن أبيه، عن جدّه، قال: كنّا قعوداً عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إذ جاءت فاطمة تبكي بكاءً شديداً، فقال لها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ما يبكيك، يا فاطمة؟

قالت: يا أبة، عيّرتني نساء قريش وقلن: إنّ أباك زوّجك من معدم لا مال له.

فقال لها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : لا تبكي فوالله ما زوّجتك حتى زوّجك الله من فوق عرشه، وأشهد بذلك جبرائيل وميكائيل، وإنّ الله سبحانه اطّلع على أهل الأرض(٢) فاختار من الخلائق أباك فبعثه نبيّاً، ثمّ اطّلع الثانية فاختار من الخلائق عليّاً، فزوّجك إيّاه، واتّخذه وصيّاً، فعليّ أشجع الناس قلباً، وأحلم الناس حلماً، وأسمح الناس كفّاً، وأقدم الناس سلماً، وأعلم الناس علماً،

__________________

١ - كذا في الأمالي، وفي الأصل: بغلته باعها بمائة دينار، وقال: يا شيخ.

٢ - في الأمالي: الدنيا.

والحسن والحسين ابناه وهما سيّدا شباب أهل الجنة، واسمهما في التوراة شبير وشبر لكرامتهما على الله سبحانه.

يا فاطمة، لا تبكي فوالله إذا كان يوم القيامة يكسى أبوك حلّتين، وعليّ حلّتين، ولواء الحمد بيدي، فاُناوله عليّاً لكرامته على الله.

يا فاطمة، لا تبكي فإنّي إذا دعيت إلى ربّ العالمين يجيّ عليّ معي، وإذا شفّعني الله شفّع عليّ معي.

يا فاطمة، لا تبكي فإنّه إذا كان يوم القيامة ينادي منادٍ في أهوال ذلك اليوم: يا محمد، نعم الجدّ جدّك إبراهيم خليل الرحمن، ونعم الأخ أخوك علي بن أبي طالب.

يا فاطمة، علي يعينني على مفاتيح الجنّة، وشيعته هم الفائزون غداً يوم القيامة في الجنّة، فلمّا قلت ذلك قال: يا بنيّ ممّن أنت؟

قلت: من أهل الكوفة.

قال: أعربيّ أنت أم مولى؟

قلت: عربيّ.

قال: فكساني ثلاثين ثوباً، وأعطاني عشرة آلاف درهم، ثمّ قال: يا شابّ، أقررت عيني ولي إليك حاجة، قلت: انقضيت إن شاء الله.

قال: فإذا كان غداً فائت مسجد آل فلان كيما ترى أخي المبغض لعليّ بن أبي طالبعليه‌السلام .

قال: فطالت عليّ تلك الليلة، فلمّا أصبحت أتيت المسجد الذي وصف لي وقمت في الصف الأوّل فإذا إلى جانبي شابّ متعمّم فذهب ليركع فسقطت

عمامته، فنظرت في وجهه فإذا رأسه رأس خنزير، ووجهه وجه خنزير، فوالله ما علمت ما تكلّمت [ به ](١) في صلاتي حتى سلّم الامام، فقلت: يا ويحك ما الّذي أرى بك؟

فبكى وقال لي: انظر إلى هذه الدار، فنظرت، فقال لي: ادخل، فدخلت، فقال لي: كنت مؤذّناً لآل فلانٍ كلّما أذّنت(٢) لعنت عليّاً صلوات الله عليه ألف مرّة بين الاذان والإقامة، وكلّما كان يوم الجمعة لعنته أربعة آلاف مرّة، فخرجت من منزلي وأتيت داري واتّكأت على هذا الدكّان الّذي ترى فرأيت في منامي كأنّي في الجنّة وفيها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعليعليه‌السلام فرحين، ورأيت كأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله عن يمينه الحسن، وعن يساره الحسين ومعه كأس، فقال: يا حسن، اسقني فسقاه، ثمّ قال: اسق الجماعة، فسقاهم(٣) ، ثمّ رأيته كأنّه قال: اسق المتّكئ على [ هذا ](٤) الدكّان.

فقال الحسنعليه‌السلام : يا جدّ، أتأمرني أن أسقي هذا وهو يلعن أبي في كلّ يوم ألف مرّة بين الأذان والإقامة، وقد لعنه في هذا اليوم أربعة آلاف مرّة بين الأذان والإقامة؟! فأتاني النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وقال: مالك عليك لعنة الله تعلن عليّاً، وعليّ منّي، [ وتشتم عليّاً وعليّ منّي ](٥) ؟ ورأيته كأنّه تفل في وجهي وضربني برجله، وقال: قم غيّر الله ما بك من نعمة، فانتبهت [ من نومي ](٦) فإذا رأسي رأس خنزير، ووجهي وجه خنزير.

ثم قال لي أبو جعفر المنصور: أهذان الحديثان في يدك؟

__________________

١ و ٤ و ٥ و ٦ - من الأمالي.

٢ - في الأمالي: أصبحت.

٣ - في الأمالي: فشربوا.

فقلت: لا.

فقال: يا سليمان، حبّ عليّ إيمان، وبغضه نفاق، والله لا يحبّه إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق.

قال: فقلت: الأمان، يا أمير المؤمنين.

قال: لك الأمان.

فقتل: ما تقول في قاتل الحسينعليه‌السلام ؟

فقال: في النار، وإلى النار.

قلت: وكذلك من يقتل ولد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في النار، وإلى النار.

قال: يا سليمان، الملك عقيم، اخرج فحدّث بما سمعت.(١)

قلت: ثمّ لم تغن عنه الآيات والنذر، ولم يعتبر بما شاهد وحقّه أن يعتبر،

__________________

١ - أمالي الصدوق: ٣٥٣ ح ٢، عنه مدينة المعاجز: ١ / ٣١١ ح ١٩٦، وج ٣ / ٢٧٦ ح ٨٩٤، وغاية المرام: ٦٥٧ ح ١٠٨، وحلية الأبرار: ٢ / ١٣٧ ح ١.

ورواه في مناقب ابن المغازلي: ١٤٣ ح ١٨٨، ومناقب الخوارزمي: ٢٠٠، وبشارة المصطفى: ١٧٠ - ١٧٥.

وأورده في روضة الواعظين: ١٢٠ - ١٢٤، وفضائل شاذان: ١١٦ - ١٢١.

وأخرجه في البحار: ٣٧ / ٨٨ ح ٥٥ عن أمالي الصدوق وبشارة المصطفى ومناقب الخوارزمي والمناقب الفاخرة في العترة الطاهرة.

وفي ج ٤٣ / ٣٠٢، وعوالم العلوم: ١٦ / ٦٠ - ٦١ عن كشف الغمّة: ١ / ٥٢٣ - ٥٢٥ مختصراً.

وفي مدينة المعاجز: ٤ / ١١ ح ١٠٥١ عن عيون المعجزات: ٦٠ - ٦١. وفي غاية المرام: ٦٥٣ ح ١٠٧ عن مناقب الخوارزمي والمناقب الفاخرة.

وفي حلية الأبرار: ٢ / ١٣٨ ح ٢ عن مناقب الخوارزمي.

حتى يتبع بالأذى ذرّيّته، وقصد بالأدا(١) عترته، فكم علويّ أضحى منه ومن ولده في أضيق سجن وأسر، وأسبغ حكم وقهر، قد أكلت الجوامع لحم سواعده ويديه، ووضعت الأصفاد من قدميه إلى حقويه، وأثّرت الأغلال في عنقه وعضديه، ونظرت الحتوف عن كثب إليه، يستعذب الموت من أليم عذابهم، ويستطب الفوت لوخيم عقابهم.

وكم فاطميّ فطم عن ثدي الحياة بقواتل سمومهم، وكم حسينيّ انتظم في سلك الأموات بسيوف وقائعهم ونقمهم، سل فخّاً(٢) وما حلّ بآل الرسول في عراها، والزوراء وما غيّب من ولد البتول في ثراها، وخراسان ومن شرّفت به مرابع طوسها، والعراق وما حلّ من أمجادهم في ضرائح رموسها.

ترى مشاهدهم في الأقطار تشهد بجلالة قدرهم، وتعاهدهم في الأمصار ينبي عن غزارة فضلهم، وأنوار الايمان تسطع من قباب مزاراتهم، وسحائب الغفران تهمع من اكمال زياراتهم، يغفر الله الذنوب بالهجرة إليها، ويكشف الكروب بالعكوف بحضراتها ومبانيها.

كلّما تقادمت الأيّام تجدّد فجرهم، وكلّما تعاقبت الأعوام تعالى ذكرهم، ورثوا المجد بالأصالة، لما تمّمت بجدّهم الرسالة، وعلت كلمتهم في الآفاق، لما اُقيم أبوهم وليّاً على الإطلاق، شدّ الله بزكيّهم أزر ملّته، واستشهد بشهيدهم على برهان ربوبيّته، وزيّن بعابدهم أوراد عبادته، وبيّن بباقرهم وصادقهم أسرار شيعته، وأظهر بعالمهم وكاظمهم أنوار حكمته، وجعل رضاه مقروناً برضاهم، وعلمه مخزوناً في جوادهم ومرتضاهم، وهداه في اتّباع سبيل

__________________

١ - كذا في الأصل.

٢ - فخّ: واد بمكّة، قتل به الحسين بن علي بن الحسين يوم التروية سنة تسع وستّين ومائة، وقتل جماعة من أهل بيته « مراصد الاطّلاع: ٣ / ١٠١٩ ».

هاديهم، وولاه منوطاً بولاء عسكريّهم وزكيّهم، وقوام الخلق بقائمهم، وقيام الحقّ بعالمهم، صاحب الشوكة والقوّة، وظاهر الملّة والدعوة، حجّة الله على بريّته، ومحجّته في خليقته، والقائم بالقسط في اُمّة جدّه، والداعي إلى الحق بجدّه وجهده.

ذكر راحة روحي وقلبي، ومدحه مجلي همّي وكربي، وخياله نصب سواد مقلتي، وجماله في سويداء قلبي ومهجتي، أحنّ إلى ؤرؤيته ولو في طيف المنام، وأشتاق الى بهجته وإن بعد المرام، أوّ دلو ثبّتني في جرائد الخالصين من عبيده، وأن يرقمني في دفاتر المخلصين من جنوده، وأن يسمني بميسم العبوديّة في جنبي لعزيز جنابه، وأن يطوّقني بطوق الرقّية لملازمة ركابه، أسير بين يدي طرفه ولو على رأسي وطرفي، وأستلمح أنوار بهجته من بين يديّ ومن خلفي، واُسارع إلى أمره بقلبي وقالبي، وأستظلّ بظلّ جواده وذلك أقصى مطالبي، رافعاً صوتي مدّة مسيري بين يديه، متابعاً لفظي حين إشارتي بالصلاة عليه، قائلاً: معاشر المؤمنين، افرجوا عن سبيل سبيل ربّكم، وتنحّوا عن طريق وليّ أمركم.

هذا علّة وجودكم، هذا دليلكم على معبودكم، هذا صاحب زمانكم هذا ناصب أعلامكم، هذا وسيلتك إلى ربّكم يوم حشركم، هذا نوركم الّذي يسعى بين أيديكم ومن خلفكم حين بشركم، هذا الذي وعدكم به سيّد المرسلين ولا خلف لوعده، هذا الّذي الروح الأمين من بعض حشمه وجنده، هذا فرع الشجرة المباركة، هذا خليفة الله بلا مشاركة، هذا علم العترة الطاهرة، هذا مصباح الاُسرة الفاخرة، هذا شمس الشريعة النبويّة، هذا بدر الذرّيّة العلويّة، هذا ممصّر الأمصار، هذا مدمّر الفجّار، هذا هادم أركان النفاق، هذا قاطع أسباب الشقاق، هذا الصادق بالحقّ، هذا الناطق بالصدق، هذا طود الحلم، هذا

بحر العلم، هذا إمام الاُمّة، هذا صاحب( وَنُرِيدُ أن نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ استُضعِفُوا فِي الأرضِ وَنَجعَلَهُم أئِمَّةً ) (١) ، هذا الذي لولا وجوده لصاخت الأرض بكم، ولأخذكم العذاب من فوقكم ومن تحت أرجلكم، هذا خليفة الأنبياء، هذا خاتمة الأوصياء.

غضّوا أبصاركم إذا أشرتم بالصلاة عليه، واخفضوا أصواتكم ولا تقدّموا بين يديه، واسألوا الله بحقّه فهو من أعظم وسائلكم إليه، لا يقبل الله منكم صرفاً ولا عدلاً إلا باتّباع سبيله، ولا يقيم لكم يوم القيامة وزناً إلا باقتفاء دليله.

فلا أزال أهتف بهذه الكلمات مدّة مسيري في ظلّ ركابه، وأبهج بهذه الصفات منذ مصيري غاشياً دار جنابه، حتى إذا التقى الجمعان، واصطدم الفيلقان، ضربت بين يديه بسيفي قدماً قدماً، وقصمت الأصلاب بشدّة بطشي قصماً قصماً، وقيّضت الأجساد بثعلب رمحي شكاً شكاً، وجندلت الأبطال بقوّة عزمي فتكاً فتكاً، لا اُوقر كبير أهل النفاق، ولا أرحم صغيرهم، ولا أغمد حسامي حتى اُبيد أميرهم ومأمورهم.

لو نشر لي صدّيقهم نجل قحّافهم في تلك الحال لفلقت قحفته بنصفين، ولو تراءى لعيني زعيمهم فاروقهم عند مقارعة الأبطال لفرقت فرقه شطرين، ولصبغت من ذي نوريهم أثباجه من دم أوداجه، ولأطفأت لابن هندهم من نور الحياة ضوء سراجه، ولآذيت أهل هودجهم بقولي وفعلي، ولو جأت جبينها وخدها بسبت نعلي، وللعنت أباها وجدّها بعالي صوتي، ولشفيت عليك صدري منها ومن جندها قبل موتي، حتى أجعلها في عرصة الجمع تذكرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع.

__________________

١ - سورة القصص: ٥.

.

يا ابن من أسرى به الله إلى حضرته

وبه أظهر دين الـحقّ مـن بعثته

يا سميّ الفاتح الخاتم يا نـور الهدى

يا منار الحائر التـائـه فـي حيرته

يا أمان المـلك الجبـّار في عـالمه

يا أمين المصطفى المختـار في اُمّته

كم غياب عـن عليل عظمت علّته

كم حجاب من مشوق مات من غصّته

لو تزره عائداً لو في الكرى أحييته

وبثثت الـروح بعد الـموت في جثّته

لم يزل منك جمال في سويداء قلبه

وخيال فـي سواد الطـرف من مقلتهِ

مستمرّ عهده مـن عالـم الذرّ إلى

أن يوافيكم غـداً بالصدق في رجعتهِ

نوره مذتمّ منكم صار لا يخشى بكم

زخرفاً من باطـل يوديه فـي ظلمتهِ

مذ خلا عمّا سواكم قلـبه صار له

ذكـركـم دأباً به يأنس في خـلوته

نحوكم منطقه كالدرّ فـي ترصيعه

ببديع يطـرب الأسمـاع من دقّـته

ببيان من معـان صـرفهـا في مدحكم

يزدريه الجاهل الهالك فـي شبهته

قسماً بالله ثـمّ المصـطـفى أكرم من

أرسل الله وبالأطهار من عتـرتـه

انّ لي صدق يقـين بـولاكـم لا أرى

غيره ينقذ للإنسـان فـي لعـنـته

يا مليكاً جـعـل اللـه له فـي ملـكه

بسطة منها مدار الخلق في قبـضته

لو نهيت الشمس عن إشراقها ما أشرقت

ومنعت الـفلـك الدوّار عن دورته

كلّما فكّرت في جرمـي ومـا أسلفته

من كبير موبق أسعـفت مـن تبعته

قال لي حسن يقيـني لك حـصن مانع

ذلك المولى الذي بالـغت في مدحته

حجّة الـوقـت ولـيّ الـله في عالمه

ساطع البرهان والظاهر فـي حجّته

بحر علم طود حلـم لا يضاهـى مجده

كنز جود لا يسامى في عـلا رفعته

غائب عن مقلتي لـكن بقـلبي حاضر

لم يزل فيه خيال مـن سـنا بهجته

يا مديد العمر صل صبا تقضّى عمره

في انتظار واشفِهِ بالوصل من عـلّته

يا إلهي إن تقضّى أجلي من قبل أن

تقض لي بالسعد في دنياي من رؤيته

فامح عنّي موبقات ليس تحصى كثرة

واجعلنّي يوم حشر الخلق فـي زمرته

أقول: إنّ هذه الجملة المعترضة التي قرّرتها، والأبيات المسطّرة التي ذكرتها، ليست من ملازمات المجلس المذكور، ولا من غصون المقصد المذكور، لكن لما صبّت الصبابة شآبيبها على قلبي، وأضرمت الكآبة لهيبها في لبّي، وذلك لما ألقى الله على لسان الحائد عن الحقّ، ونطق به الجاحد من الصدق، وشهد بما هو حجّة عليه في الدنيا والاُخرى، فصار ومن انتمى إليه نحري الله أحقّ وأحرى، أوحى جناني إلى لساني، وألقى بياني على بناني، هذه الكلمات المحلّاة بترصيعي وتسجيعي، والأبيات المستمعة بمعاني بياني وبديعي، فصارت كالعقد في صدر الخريدة، أو العهد في صدر الجريدة.

و لنرجع إلى تمام المجلس الموعود، والله المستعان على كلّ جبّار كنود.

الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالبعليهم‌السلام : كان إبراهيم بن هاشم المخزومي والياً على المدينة، وكان يجمعنا كلّ يوم جمعة قريباً من المنبر ويشتم عليّاًعليه‌السلام ، فلصقت بالمنبر فأغفيت، وفرأيت القبر قد انفرج فخرج منه رجل عليه ثياب بيض، فقال لي: يا أبا عبد الله، ألا يحزنك ما يقول هذا؟

قلت: بلى، والله.

قال: افتح عينيك انظر ما يصنع الله به، وإذا هو قد ذكر عليّاً فرمي به من فوق المنبر فمات.(١)

عثمان بن عفّان السجستاني: [ إنّ محمد بن عبّاد ](٢) قال: كان في جواري رجل صالح، فرأى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في منامه على شفير الحوض والحسن والحسين يسقيان الاُمّة، فاستسقيت فأبيا عليَّ، فأتيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أسأله، فقال: لا تسقوه، فإنّ في جوارك رجل يلعن عليّاً فلم تنهه، ثم ناولني سكّيناً، وقال: اذهب فاذبحه.

قال: فخرجت فذبحته ودفعت السكّين إليه، فقال: يا حسين، اسقه، فسقاني، فأخذت الكأس بيدي ولا أدري أشربت أم لا، فانتبهت فإذا بولولة ويقولون: فلان ذبح على فراشه، وأخذ الشرطة الجيران، فقمت إلى الأمير، فقلت: أصلحك الله أنا فعلت به هذا والقوم براء، وقصصت عليه الرؤيا، فقال: اذهب جزاك الله خيراً.(٣)

عبد الله بن السائب وكثير بن الصلت، قالا: جمع زياد بن أبيه أشراف الكوفة في مسجد الرحبة ليحملهم على سبّ أمير المؤمنينعليه‌السلام والبراءة منه، فأغفيت فإذا أنا بشخص طويل العنق، أهدل أهدب(٤) ، قد سدّ ما بين السماء والأرض، فقلت له: من أنت؟

__________________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٣٤٥، عنه البحار، ٣٩ / ٣٢٠، ومدينة المعاجز: ٢ / ٢٨٥ ح ٥٥٤.

٢ - من المناقب.

٣ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٣٤٥، عنه البحار: ٣٩ / ٣٢٠.

وأخرجه في مدينة المعاجز: ٢ / ٢٨٦ ح ٥٥٥ عن مناقب ابن شهراشوب والثاقب في المناقب: ٢٣٩ ح ٢٠٣.

٤ - الأهدل: المسترخي الشفة السفلى الغليظها. والأهدب: طويل شعر الأجفان.

قال: أنا النقّاد ذو الرقبة طاعون بعثت إلى زياد، فانتبهت فزعاً فسمعت الواعية، وأنشأت أقول:

قد جشم الناس أمراً ضاق ذرعهـم

بحملهم(١) حين أدّاهم إلى الرحبة

يدعو على ناصر الإسلام حين يرى

له على المشركين الطول والغلبة

ما كان منتـهـياً عـمّا أراد بـه(٢)

حـتى تـناوله النقّاد ذو الرقبة

فأسط الـشقّ مـنه ضـربة عجباً

كما تناول ظلماً صاحب الرحبة(٣) (٤)

و لمّا أتم الله سبحانه به دينه، وأثبت في صحائف الاخلاص يقينه، قاتل على تأويل القرآن كما قاتل على تنزيله، وشدّ أركان الإيمان بواضح دليله، ومهّد سبيل الإسلام براسخ علمه، وبيّن طريق الأحكام بصائب حكمه، وأبطل شبهة أهل البغي بظاهر حجّة أدلّته، وأدحض حجّة اولي الغيّ بصائب حكمته، وأحيا سنّة أخيه الصادق الأمين في قوله: لتقاتلنّ بعدي الناكثين والقاسطين

____________

١ - كذا في المناقب، وفي الأصل: يحمله.

٢ - في الأمالي: بنا.

٣ - المراد من « صاحب الرحبة » أمير المؤمنينعليه‌السلام .

٤ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٣٤٥، عنه البحار: ٣٩ / ٣٢١.

ورواه في أمالي الطوسي: ١ / ٢٣٨ ( مختصراً )، عنه البحار: ٣٩ / ٣١٤ ح ١٠.

وفي ج ٢ / ٢٣٢، عنه البحار: ٤٢ / ٦ ح ٦.

وأخرجه في مدينة المعاجز: ٢ / ٢٦٢ ح ٥٤٢، عن الأمالي - الرواية الثانية - والمناقب.

والمارقين.(١)

روى الحسن وقتادة أنّ الله أكرم نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله بأن لم يره تلك النقمة، ولم ير في اُمّته إلا ما قرّت به عينه، وكان بعدهصلى‌الله‌عليه‌وآله نقمة شديدة.

وقد روي أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله اُري ما تلقى اُمّته من بعده، فما زال منقبضاً ولم ينبسط ضاحكاً حتى لقي الله تعالى.

وروى جابر بن عبد الله الأنصاري [ قال ](٢) : إنّي لأدناهم من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في حجّة الوداع بمنى حين(٣) قال: لألفينّكم ترجعون بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض، وأيم الله لئن فعلتموها لتعرفنّني في الكتيبة التي تقاتلكم(٤) ، ثمّ التفت إلى خلفه فقال: أو عليّ أو عليّ - ثلاث مرّات - فرأينا انّ جبرئيل غمزه(٥) ، فأنزل الله على أثر ذلك( فَإمَّا نَذهَبَنَّ بِكَ فَإنَّا مِنهُم مُنتَقِمُونَ ) (٦) بعليّ بن أبي طالبعليه‌السلام .(٧)

__________________

١ - حديث مشهور روي من طريق الخاصّة والعامّة. انظر الأحاديث الغيبيّة: ١ / ٧٢ - ٨٠ ح ٣٥ - ٣٨ ففيه جملة وافرة من المصادر.

٢ - من المجمع.

٣ - في المجمع: حتى.

٤ - في المجمع: تضاربكم.

٥ - انظر في هذا المعنى: أمالي المفيد: ١١٢ ح ٤، عنه البحار: ٣٢ / ٣٠٤ ح ٢٦٨.

وأمالي الطوسي: ٢ / ٧٥، عنه إثبات الهداة: ١ / ٣٠٩ ح ٢٣٩.

ومناقب ابن شهراشوب: ٣ / ٢١٩.

وتأويل الآيات: ٢ / ٥٥٩ ح ١٨، عنه البحار: ٣٢ / ٣١٣ ح ٢٧٩، والبرهان: ٤ / ١٤٤ ح ٤.

٦ - سورة الزخرف: ٤١.

٧ - مجمع البيان: ٥ / ٤٩، عنه البحار: ٩ / ١٥٠، وج ٣٢ / ٢٩٠ ح ٢٤٢ وما قبله، وج ٣٦ / ٢٣ ذ ح ٦.

و قال الشافعي كلاماً معناه: إنّما علم الناس قتال أهل البغي من عليّعليه‌السلام .(١)

وقال محمد بن الحسن الفقيه: لولا عليّ بن أبي طالب ما علمنا حكم أهل البغي، ولمحمد بن الحسن كتاب يشتمل على ثلاثمائة مسألة في قتال أهل البغي بناها على فعله صلوات الله عليه، والأصل في قتال أهل البغي قوله سبحانه:( وَإن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤمِنِينَ اقتَتَلُوا فَأصلِحُوا بَينَهُمَا فَإن بَغَت إحدَاهُمَا عَلَى الاُخرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبغِي ... ) (٢) فإذا بغت طائفة من أهل الإسلام على اُخرى وقلنا بوجوب قتالهم للأمر، فقتال الطائفة الخارجة على إمام الحقّ أولى، وقد قاتل أمير المؤمنينعليه‌السلام الناكثين والقاسطين والمارقين وهم أهل البصرة وعائشة وطلحة والزبير وعبد الله بن الزبير وغيرهم وهم الناكثون الّذين نكثوا بيعته، وقاتل أهل الشام معاوية ومن تابعه وهم القاسطون أي الحائرون ؛ وقيل: أهل النهروان وهم الخوارج، وهؤلاء جميعهم عندنا كفّار محكوم بكفرهم، لأنّ الإمامة عندنا من شرائط الإيمان كما انّ التوحيد والعدل والنبوّة من أركانه وشروطه ولا يستحق الثواب الدائم إلا به، ولقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : « يا عليّ، حربك حربي، وسلمك سلمي »(٣) وهذا الحديث لم يختلف أحد من أهل الاسلام فيه، وقد رواه أهل الخلاف في صحاحهم.(٤)

____________

١ - كنز العرفان للمقداد السيوري: ٣٨٦.

ونقل عن أبي حنيفة قوله: لولا سيرة أمير المؤمنينعليه‌السلام في اهل البغي ما كنّا نعرف أحكامهم. « شرح الأصول الخمسة: ١٤١ ».

٢ - سورة الحجرات: ٩.

٣ - الإفصاح: ١٢٨، تلخيص الشافي: ٢ / ١٣٤ - ١٣٥، مناقب ابن المغازلي: ٥٠، مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ٢١٧، مناقب الخوارزمي: ١٢٩، شرح المقاصد: ٥ / ٣٠٨، لسان الميزان: ٢ / ٤٨٣.

٤ - رووه بهذا اللفظ: يا عليّ، أنا حرب لمن حاربك، وسلم لمن سالمك.

و قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ما سمع واعيتنا أهل البيت أحد فلم يجيبنا إلا أكبّه الله على منخريه في النار(١) .(٢)

وكانت عائشة لمّا اجتمع الناس لقتل عثمان من أعظم المحرّضين عليه، كانت تقول: اقتلوا نعثلاً(٣) ، قتل الله نعثلاً. وكانت تقول: هذا قميص رسول الله لم يبل وقد بليت سنّته، وتركته في الفتنة ومضت إلى مكّة، وكانت تؤلّب عليه وتقول: لا يصلح للخلافة إلا ذو الاصبع - يعني طلحة -.(٤)

ولمّا سمعت بقتله أقبلت من مكّة قاصدة المدينة، وفي كلّ منزل تثني على طلحة وترجو أن يكون الأمر له، فلمّا وصلت إلى مكان في طريق مكّة يقال له « سرف » وسمعت ببيعة عليعليه‌السلام قالت: ردّوني، وانصرفت راجعة إلى مكّة تنتظر الأمر، وجعلت تؤلّب على عليعليه‌السلام ، وكاتبت طلحة والزبير وعبد الله بن عامر بن كريز، فلحقوا بها بعد أن طلبوا من أمير

____________

انظر: مسند أحمد: ٢ / ٤٤٢، سنن ابن ماجة: ١ / ٥٢، سنن الترمذي: ٥ / ٦٥٦، المستدرك على الصحيحين: ٣ / ١٤٩، تاريخ بغداد: ٧ / ١٣٧، مناقب ابن المغازلي: ٦٤، أسد الغابة: ٣ / ١١، ذخائر العقبى: ٢٥، الإحسان: ٩ / ٦١، مجمع الزوائد: ٩ / ١٦٩.

١ - قال المجلسيرحمه‌الله : لعل المراد أنّ مع سماع الواعية وترك النصرة العذاب أشدّ، وإلّا فالظاهر وجوب نصرتهم على أيّ حال.

٢ - روى الصدوق في الأمالي: ١١٨ ح ٦ قول الحسينعليه‌السلام : فوالّذي نفس الحسين بيده لا يسمع اليوم واعيتنا أحد فلا يعيننا إلا أكبّه الله لوجهه في جهنّم. عنه البحار: ٤٤ / ٢٥٦ ح ٤، ومدينة المعاجز: ٢ / ١٧١ ح ٤٧٣، وعوالم العلوم: ١٧ / ١٤٧ ح ٣.

٣ - قال ابنا الأثير في النهاية: ٥ / ٨٠: النَعثَل: الشيخ الأحمق. ومنه حديث عائشة: « اقتلوا نعثلاً، قتل الله نعثلاً » تعني عثمان.

وقال الفيروز آبادي في القاموس المحيط: ٤ / ٥٩: النَعثَل: الذَكَر من الضباع، والشيخ الأحمق، ويهودي كان بالمدينة، ورجل لِحيانيّ كان يُشبّه به عثمان.

٤ - انظر: كشف الغمّة: ١ / ٢٣٨ - ٢٣٩، ونهج الحقّ وكشف الصدق: ٣٦٨ - ٣٦٩.

ا لمؤمنينعليه‌السلام الاذن في المضيّ إلى مكّة.

فقال لهم: ما تريدون بمضيّكم إلى مكّة، وليس موسم حجّ؟

فقالوا: نريد العمرة.

فقالعليه‌السلام : والله ما تريدون إلا الغدرة، ثمّ أذن لهم بعد أن أخذ عليهم العهود والمواثيق، فأدركوا عائشة بمكّة، وعزموا على قتال أمير المؤمنين، ونكثوا بيعته، وأرادوا عبدالله بن عمر على البيعة، فقال: تريدون أن تلقوني في مخالب عليّ وأنيابه، لا حاجة لي بذلك.

ثمّ أدركهم يعلى بن منية من اليمن(١) وأقرضهم ستّين ألف دينار، وأرسلت عائشة إلى اُمّ سلمة تلتمس منها الخروج معها فأبت، وأمّا حفصة فأجابت، وصوّبت رأيها، ثمّ خرجت عائشة في النفر الأوّل عامدة إلى البصرة لكثرة ما بها من أهل النفاق وشيعة بني اُميّة، حتى إذا كانت بالحوأب وهو ماء على طريق البصرة من مكّة، صاحت كلابه عليها، فقالت: ما هذا الماء؟

فقيل: اسمه الحوأب.

فقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، وكانت قد سمعت من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول لنسائه: أيّتكنّ صاحبة الجمل الأدبّ(٢) تنبحها كلاب الحوأب؟(٣)

____________

١ - في البحار: قادماً من اليمن.

٢ - جَمَلٌ أدَبٌّ: كثير الوَبَر. « المحيط في اللغة: ٩ / ٢٦٧ - دب - ».

٣ - انظر: المصنّف لعبد الرزّاق: ١١ / ٣٦٥ ح ٢٠٧٥٣، المعيار والموازنة: ٢٨، الفتن لنعيم بن حمّاد: ١ / ٨٣ ح ١٨٨ وص ٨٤ ح ١٨٩، المصنّف لابن أبي شيبة: ١٥ / ٢٥٩ - ٢٦٠ ح ١٩٦١٧، مسند إسحاق بن راهويه: ٣ / ٨٩١ - ٨٩٢ ح ١٥٦٩.

ومن أراد المزيد من مصادر هذا الحديث فليرجع إلى الأحاديث الغيبيّة: ١ / ١٣٥ ح

و روى الأعثم في الفتوح(١) ، وشيرويه في الفردوس، وابن مردويه في فضائل عليّ، والموفّق في الأربعين، وشعبة والشعبي أنّ عائشة لمّا سمعت نباح الكلاب قالت: أيّ ماء هذا؟

فقالوا: الحوأب.

قالت: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، إنّي نهيت، قد سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعنده نساؤه [ يقول ](٢) : ليت شعري أيّتكنّ صاحبة الجمل الأدّب [ تخرج ](٣) وتنبحها كلاب الحوأب، يقتل عن يمينها ويسارها قتلى كثيرة، وتنجو بعدما كادت تقتل؟

ثمّ لم تعتبر بما رأت وسمعت من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لشدّة حنقها وعداوتها لأمير المؤمنينعليه‌السلام حتى قصدت البصرة بخيلها ورجلها.

فلمّا نزلت الخريبة خارج البصرة قصدهم عثمان بن حنيف رضي الله عنه - وكان والياً على البصرة من قبل أمير المؤمنين، فحاربهم حرباً شديداً، وسمّي ذلك اليوم « يوم الجمل الأوّل » وأصدعهم المصاع، ومنعهم من دخولها أشدّ المنع، وعلموا أنّه لا طاقة لهم به، ثمّ كتب إلى أمير المؤمنين يخبره الخبر، ثمّ بعد ذلك دعوا عثماناً إلى الصلح على أن يكون على حاله في يده بيت المال والإمرة والجمعة والجماعة والمسجد الجامع، ويقيموا على حالهم في الخريبة حتى يجمع الناس على أمر فيه صلاح المسلمين، وإلى أن يصل إليهم أمير

____________

٧٨.

١ - الفتوح: ٢ / ٤٦٠.

٢ و ٣ - من المناقب.

المؤمنينعليه‌السلام .

فقال طلحة لأصحابه في السرّ: والله لئن قدم عليّ القبصرة لنؤخذنّ بأعناقنا، وحثّهم على بيات عثمان ونقض عهده، فأجابوه وقصدوا عثمان في ليلة مظلمة وهو يصلّي بالناس العشاء الآخرة، وقتلوا من شرطه خمسين رجلاً، واستأسروه، ونتفوال شعر لحيته، وحلقوا رأسه، وحبسوه.

وكان أمير المؤمنينعليه‌السلام قد ولّى على المدينة أخاه سهل بن حنيف، فلمّا بلغه الخبر كتب إلى عائشة: أعطي الله عهداً لئن لم تخلوا سبيله لابلغنّ من أقرب الناس إليكم، فأطلقوه، وبعثت عائشة إلى الأحنف بن قيس تدعوه، فأبى واعتزل في الجَلحاء على فرسخين من البصرة في ستّة آلاف رجل، ثمّ بعث طلحة والزبير عبد الله بن الزبير في جماعة إلى بيت المال فقتل أبا سالمة الزطّي وكان على بيت المال ؛ وقيل: معه خمسي رجلاً من أصحابه.

وخرج أمير المؤمنينعليه‌السلام في ستّة آلاف رجل من المدينة ونزل بالربذة، ومنها إلى ذي قار بالقرب من الكوفة، وأرسل الحسن وعمّار إلى الكوفة وكتب معهم:

من عبد الله ووليّه عليّ أمير المؤمنين إلى أهل الكوفة حمية(١) الأنصار وسنام العرب، ثم ذكر ما تمّ على عثمان وفعل طلحة والزبير [ وعائشة ](٢) ، ثم قال: ألا إنّ دار الهجرة قد قلعت بأهلها وقلعوا بها، وجاشت جيش المرجل، وقامت الفتنة على القطب، فأسرعوا إلى أميركم، وبادروا عدوّكم.

فلمّا بلغوا الكوفة قال أبو موسى الأشعري: يا أهل الكوفة، اتّقوا الله

__________________

١ - في المناقب: جبهة.

٢ - من المناقب.

تقتلوا أنفسكم، إنّ الله كان بكم رحيماً( وَمَن يَقتُل مُؤمِناً مُتَعَمِّداً ) (١) الآية، وجعل يثبّط الناس، وكان رأساً من رؤساء المنافقين لأمير المؤمنينعليه‌السلام ، وكانت عائشة قد أرسلته أن يثبّط الناس عن عليّعليه‌السلام ، فسكّته عمّار.

فقال أبو موسى: هذا كتاب عائشة تأمرني أن اُثبّط الناس من أهل الكوفة، وأن لا يكوننّ لنا ولا علينا ليصل إليهم صلاحهم.

فقال عمّار: إنّ الله تعالى أمرها بالجلوس فقامت، وأمرنا بالقيام لندفع الفتنة فنجلس!! فقام زيد بن صوحان ومالك الأشتر في أصحابهما وتهدّدوه، فلمّا أصبحوا قام زيد بن صوحان وقرأ:( الم أحَسِبَ النَّاسُ أن يُترَكُوا أن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُم لَا يُفتَنُونَ ) (٢) الآيات.

ثمّ قال: أيها الناس، سيروا إلى أمير المؤمنين، وانفروا إليه أجمعين، تصيبوا الحق راشدين.

ثم قال عمار: هذا ابن عم رسول الله يستنفركم فأطيعوه - في كلام له -.

وقال الحسن بن عليعليهما‌السلام : أجيبوا دعوتنا، وأعينونا على ما بلينا به - في كلام له -، فخرج قعقاع بن عمرو، وهند بن عمرو، وهيثم بن شهاب، وزيد بن صوحان، والمسيّب بن نجبة، ويزيد بن قيس، وحجر بن عديّ، وابن مخدوج، والأشتر، يوم الثالث في تعسة آلاف، فاستقبلهم أمير المؤمنين على فرسخ، ووقال: مرحباً بكم أهل الكوفة سنام العرب، وفئة الإسلام، ومركز الدين - في كلام له - وخرج إلى أمير المؤمنين من شيعته من أهل البصرة من

__________________

١ - سورة النساء: ٩٣.

٢ - سورة العنكبوت: ١ و ٢.

ر بيعة ثلاث آلاف رجل، وبعث الأحنف إلى أمير المؤمنين: إن شئت جئتك في مائتي فارس فكنت معك، وإن شئت اعتزلت ببني سعد وكففت عنك ستّة آلاف سيف، فاختار يا أمير المؤمنين.

ثمّ كتب أمير المؤمنين إلى طلحة والزبير:

أمّا بعد:

فإنّي لم اُرد الناس حتى أرادوني، ولم اُبايعهم حتى أكرهوني، وأنتما ممّن أراد بيعتي، ثم قالعليه‌السلام بعد كلام: ودفعكما هذا الأمر قبل أن تدخلا فيه كان أوسع لكما من خروجكما منه بعد إقراركما.

البلاذري: قال: لمّا بلغ أمير المؤمنين قولهما: ما بايعناه إلا مكرهين تحت السيف، قال: أبعدهما الله إلى أقصى دار وأحرّ نار.

وكتب أمير المؤمنينعليه‌السلام إلى عائشة:

أمّا بعد:

فإنّك خرجت من بيتك عاصية لله تعالى ولرسوله محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله تطلبين أمراً كان عنك موضوعاً، ثمّ تزعمين أنّك تريدين الاصلاح بين المسلمين، فخبّريني ما للنساء وقود العساكر والاصلاح بين الناس؟ وطلبت كما زعمت بدم عثمان، وعثمان رجل من بني اُميّة، وأنت امرأة من بني تيم بن مرّة، ولعمري إنّ الذي عرّضك للبلاء، وحملك على العصبيّة، لأعظم إليك ذنباً من قتلة عثمان، وما غضبت حتى أُغضبت، ولا هجت حتى هيّجت، فاتّقي الله - يا عائشة - وارجعي إلى منزلك، واسبلي عليك سترك.

فقال طلحة والزبير: احكم كما تريد، فلن ندخل في طاعتك.

و قالت عائشة: لقد جلّ الأمر عن الخطاب، وأنشأ حبيب بن يساف الأنصاري:

أبا حسن أيقظت من كان نائماً

وما كلّ من يدعو(١) إلى الحق يتبعُ

وإنّ رجالاً بايعـوك وخـالفوا

هواك وأجروا في الضلال وضيّعوا(٢)

وطلحة فيها والزبيـر قرينـة

وليـس لـما لا يدفـع الله مدفعُ

وذكرهم قتل ابن عفّان خدعة

هم قـتـلوه والمـخادع يـخدع

 تاريخ الطبري والبلاذري: أنّه ذكر مجيء طلحة والزبير عند الحسن البصري، فقال: يا سبحان الله! ما كان للقوم أن يقولوا، والله ما قتله غيركم.

تاريخ الطبري: قال يونس النحوي: فكّرت في أمر عليّ وطلحة والزبير إن كانا صادقين أنّ عليّاًعليه‌السلام قتل عثمان، فعثمان هالك، وإن كذبا عليه فهما هالكان.

ثم أنفذ أمير المؤمنينعليه‌السلام زيد بن صوحان وابن عبّاس فوعظاها وخوّفاها.

فأجابتهم: لا طاقة لي بحجج عليّ.

____________

١ - في المناقب: وما كان من يدعى.

٢ - كذا في المناقب، وفي الأصل: وأوضعوا.

فقال ابن عبّاس: لا طاقة لك بحجج المخلوق، فكيف طاقتك بحجج الخالق؟(١)

ولمّا رأى أمير المؤمنين انّ الشيطان قد استحوذ، وانّ ّالآيات والنذر لا تغني عنهم، زحفعليه‌السلام بالناس غداة يوم الجمعة لعشر ليال خلون من جمادى الآخرة سنة ستّ وثلاثين، وعلى ميمنته الأشتر وسعيد بن قيس، وعلى ميسرته عمّار بن ياسر وشريح بن هانىء، وعلى القلب محمد بن أبي بكر وعديّ بن حاتم، وعلى الجناح زياد بن كعب وحجر بن عديّ، وعلى الكمين عمرو بن الحمق وجندب بن زهير، وعلى الرجّالة أبو قتادة الأنصاري، وأعطى رايته محمد بن الحنفيّة، ثم أوقفهم من صلاة الغداة إلى صلاة الظهر يدعوهم ويناشدهم، ويقول لعائشة: إنّ الله أمرك أن تقرّي في بيتك، فاتّقي الله وارجعي، ويقول لطلحة والزبير: خبّاتما نساءكما وأبرزتما زوجة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله واستغررتماها!(٢)

فيقولان: إنّما جئنا للطلب بدم عثمان، وأن نردّ الأمر شورى.

واُلبست عائشة درعاً، وضربت على هودجها صفائح حديد، واُلبس الهودج أيضاً درعاً، وكان الهودج يومئذ عند لواء أهل البصرة(٣) وهو على جمل يدعى عسكرا.(٤)

ابن مردويه في كتاب الفضائل: أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام قال للزبير: أما تذكر يوماً كنت مقبلاً بالمدينة تحدّثني إذ خرج رسول الله صلّى الله عليه

__________________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ١٤٩ - ١٥٣، عنه البحار: ٣٢ / ١١٧ ح ٩٤.

٢ - في المناقب: واستفززتماها.

٣ - في المناقب: وكان الهود لواء أهل البصرة.

٤ - إلى هنا رواه في أنساب الأشراف: ٢ / ٢٣٩.

وآله فرآك معي وأنت تتبسّم إليّ، فقال: يا زبير، أتحبّ عليّاً؟

فقلت: وكيف لا اُحبّه وبيني وبينه من النسب والمودّة في الله ما ليس لغيره؟!

فقال: إنّك ستقاتله وأنت ظالم له.

فقلتَ: أعوذ بالله من ذلك.

فقال: اللهم نعم.

فقال: أجئت تقاتلني؟

فقال: أعوذ بالله من ذلك.

فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : دع هذا، بايعتني طائعاً، ثم جئت محارباً، فما عدا ممّا بدا؟!

فقال: لا جرم والله لا قاتلتك.

قال: فلقيه عبدالله ابنه، فقال: جُبناً جُبناً.

فقال: يا بنيّ، قد علم الناس أنّي لست بجبان، ولكن ذكّرني عليّ شيئاً سمعته من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فحلفت [ أن ](١) لا اُقاتله.

فقال: دونك غلامك فلان فأعتقه كفّارة عن يمينك.

فقالت عائشة: لا والله، [ بل ](٢) خفت سيوف ابن أبي طالب، فإنّها طوال حداد، تحملها سواعد أنجاد(٣) ، ولئن خفتها فقد خافها الرجال من قبلك، فرجع

____________

١ و ٢ - من المناقب.

٣ - كذا في المناقب، وفي الأصل: أمجاد.

ورجل نَجدٌ: شجاع ماض فيما يعجز عنه غيره ؛ وقيل: هو الشديد البأس ؛ وقيل: هو

إلى القتال.

فقيل لأمير المؤمنين: إنّه قد رجع.

فقال: دعوه، فإنّ الشيخ محمول عليه.

ثم قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : أيّها الناس، غضّوا أبصاركم، وعضّوا على نواجذكم، وأكثروا من ذكر ربّكم، وإيّاكم وكثرة الكلام فإنّه فشل.

ونظرت إليه عائشة وهو يجول بين الصفّين، [ فقالت: ](١) انظروا إليه فإنّه يفعل كفعل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم بدر.

فقال أمير المؤمنين: يا عائشة، عمّا قليل لتصبحنّ نادمين.

فجدّ الناس في القتال، فنهاهم أمير المؤمنينعليه‌السلام وقال: اللّهمّ أعذرت وأنذرت، فكن لي عليهم من الشاهدين، ثم أخذ المصحف وطلب من يقرأ عليهم( وَإن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمِنِينَ اقتَتَلُوا ) (٢) الآية.

فقال مسلم المجاشعي: هاأنذا يا أمير المؤمنين، فخوّفه أمير المؤمنين بقطع يمينه وشماله وقتله.

فقال: لا عليك يا أمير المؤمنين، فهذا قليل في ذات الله، فأخذوه وهو يدعوهم إلى الله فقطعوا(٣) يده اليمنى، فأخذ المصحف بيده اليسرى فقطعت، فأخذه بأسنانه فقتل رضي الله عنه، فقالت اُمّه:

__________________

السريع الإجابة إلى ما دُعي إليه. « لسان العرب: ٣ / ٤١٧ - نجد ».

١ - من المناقب.

٢ - سورة الحجرات: ٩.

٣ - في المناقب: فأخذه ودعاهم إلى الله فقطعت.

يا ربّ إنّ مسـلماً أتاهم

بمحكم التنزيل إذ دعاهم

يتلو كتاب الله لا يخشاهم

فرمّلوه رمّلـت لحـاهم

فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : الآن طاب الضراب، ثم قال لابنه محمد بن الحنفيّة والراية في يده: يا بنيّ، تزول الجبال ولا تزول، عضّ على ناجذك، أعر الله جمجمتك، تد في الأرض قدميك، ارم ببصرك أقصى القوم وغضّ بصرك، واعلم أنّ النصر من عند الله(١) ، ثمّ صبر سويعة، فصاح الناس من كلّ جانب من وقع النبال.

فقال أمير المؤمنين: تقدّم يا بنيّ، وقال:

اطعن بها طعن أبيك تحمد

لا خير في حـرب إذا لم توقد

بالمشرفي والقـنا [ المسدّد

والضرب بالخطيّ ](٢) والمهنّد(٣)

و روي أن امير المؤمنينعليه‌السلام لمّا دفع الراية إلى ابنه محمد يوم الجمل وقال: تزول الجبال ولا تزول - الكلام المتقدّم -، ثم قال: احمل، فتوقّف محمد قليلاً، فقال أمير المؤمنين: احمل.

فقال: يا أمير المؤمنين، أما ترى السهام كأنّها شآبيب المطر؟

فدفع أمير المؤمنين في صدره وقال: أدركك عرق من اُمّك، ثمّ أخذعليه‌السلام الراية منه وهزّها وأنشد الأبيات المتقدّمة، ثم حملعليه‌السلام ، وحمل الناس خلفه، ففرّق عسكر البصرة كما تتفرّق الغنم من سطوة الذئب، ثمّ رجع

____________

١ - نهج البلاغة: ٥٥ خطبة رقم ١١، عنه البحار: ٣٢ / ١٩٥ ح ١٤٤، وج ١٠٠ / ٣٩ ح ٤١.

٢ - من المناقب.

٣ - مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ١٥٣ - ١٥٥، عنه البحار: ٣٢ / ١٧٢ ح ١٣٢.

عليه‌السلام ودفع الراية إلى محمد، وقال له: امح الاولى بالاُخرى وهؤلاء الأنصار معك، وضمّ إليه خزيمة بن ثابت ذا الشهادتين في جمع من البدريّين، فحمل حملات منكرة، وأبلى بلاء حسناً، وقتل خلقاً كثيراً، وصيّر عسكر الجمل كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف، ورجع إلى أمير المؤمنين.

فقال خزيمة بن ثابت: أما إنّه لو كان غير محمد لافتضح.

و قال الأنصار: لولا ما نعلم من جعل الإمامة للحسن والحسين لما قدّمنا على محمد أحداً.

فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : أين النجم من الشمس والقمر؟ أين نفع ابني من ابنيّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟

وأنشأ خزيمة بن ثابت رضي الله عنه يقول:

محمّد ما في عودك اليوم وضمة

ولا كنت في الحرب الضروس معرّدا(١)

أبوك الّذي لم يركب الخيل مثله

عـلـيّ وسمـّـاك النـبي محـمّدا

وانت بحمد الـله أطـول هاشم

لساناً وأنـداها بـما مـلكـت يدا

سوى أخويك السيّـدين كلاهما

إمام الورى والـداعيان إلى الـهدى

____________

١ - التعريد: الفِرار، وقيل: سرعة الذهاب في الهزيمة. « لسان العرب: ٣ / ٢٨٨ - عرد - ».

قيل لمحمد بن الحنفيّة: لِمَ كان أبوك يغرر بك في الحرب ولم يغرر بالحسن والحسين؟

قال: لأنّهما عيناه وأنا يمينه، فهو يدفع عن عينيه بيمينه.(١)

وروي أنّ أمير المؤمنين صلوات الله عليه أمر الأشتر أن يحمل، فحمل وقتل هلال بن وكيع صاحب ميمنة الجمل، وكان زيد بن صوحان يحمل ويقول:

ديني ديني وبيعتي بيعتي.(٢)

وجعل مخنف بن سليم(٣) يقول:

قد عشت يا نفس وقد غنيت

دهراً وقبل اليوم ما عييت

وبعد ذا لا شـك قـد فنيت

أما مللت طول ما حيـيت

فخرج عبد الله بن اليثربي يقول:

يا ربّ إنّي طالب أبا الحسن

ذاك الّذي يعرف حقّاً بالفتن

فبرز إليه أمير المؤمنينعليه‌السلام قائلاً:

__________________

١ - أورده في شرح نهج البلاغة: ١ / ٢٤٤ باختلاف يسير، عنه البحار: ٤٢ / ٩٩. وفي ذوب النضار لابن نما - بتحقيقنا -: ٥٥.

وأورده في كشف الغمّة: ٢ / ٢٥ بهذا اللفظ: قيل لمحمد بن الحنفيّةرحمه‌الله : أبوك يسمح بك في الحرب ويشحّ بالحسن والحسينعليهما‌السلام !!

فقال: هما عيناه وأنا يده، والانسان يقي عينيه بيده.

وقال مرّة اُخرى - وقد قيل له ذلك -: أنا ولده وهما ولدا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، عنه البحار: ٤٢ / ٩٦ ح ٢٧.

٢ - في المناقب: وبيعي بيعي.

٣ - كذا في البحار، ,في الأصل والمناقب: مسلم.

وهو مخنف بن سليم الأزدي، ابن خالة عائشة. راجع رجال الطوسي: ٥٨ رقم ١٢.

إن كنت تبغي أن ترى أبا الحسن

فاليوم تلقاه مليّاً فاعلمن

وضربه ضربة فقتله.

فخرج بنو ضبّة وجعل بعضهم يقول:

نحن بنو ضبّة أعداء عليّ

ذاك الذي يعرف فيهم بالوصيّ

وقال آخر منهم:

نحن بنو ضبّة أصحاب الجمل

والموت أحلى عندنا من العسل

ردّوا علينا شيخـنا بـمر تحل

إنّ عليّاً بعد مـن شـرّ النـذل

وقيل: إنّ ابن اليثربي عمرو - أخوه عبدالله المذكور - يقول:

إن تنكروني فأنا ابن اليثربي

قاتل علباء ثم(١) هند الجملي

ثمّ ابن صوحان على دين عليّ

فبرز إليه عمّار رضي الله عنه قائلاً:

لا تبرح العرصة يا ابن اليثربي

اثبت اُقاتلك على دين عليّ

فأرداه عمّار عن فرسه وجرّ برجله إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فقتله بيده.

فخرج أخوه أيضاً قائلاً:

أضربكم ولو أرى عليّا

عمّمته أبيض مشرفـيّا

وأسمراً عنطنطاً خطيّا(٢)

اُبكي عليه الولد والوليّا

__________________

١ - في المناقب: يوم.

٢ - الأسمر: الرمح وعنطنط: الطويل. والخَطُّ: مرفأ السفن بالبحرين تنسب إليه الرماح.

فخرج إليه أمير المؤمنينعليه‌السلام متنكّراً وهو يقول:

يا طالباً في حربه عليّا

يمنحه(١) أبيض مشرفيّا

اثبت لتلقاه(٢) بها مليّا

مهذّباً سميدعاً(٣) كمـيّا

فضربه فرمى بنصف رأسه، فنادى عبد الله بن خلف الخزاعي صاحب منزل عائشة بالبصرة لعليّ: أتبارزني؟

فقال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: ما أكره ذلك، ولكن ويحك يا ابن خلف ما راحتك في القتل وقد علمت من أنا؟

فقال: ذرني من بذخك يا ابن أبي طالب، ثم قال:

إن تدن منّي يا عليّ فترا

فإنّنـي دان إلـيك شـبرا

بصارم يسقيك كأساً مرّا

إن في صدري عليك وترا

فبرز إليه أمير المؤمنينعليه‌السلام قائلاً:

يا ذا الذي تطلب منّي الوترا

إن كنت تبغي أن تزور القبرا

حقّاً وتُصلّى بعد ذاك جمرا

فادن تجدني أسـداً هـزبـرا

اُذيقك(٤) اليوم ذعافاً صبرا

فضربه أمير المؤمنينعليه‌السلام فطيّر جمجمته.

__________________

١ - في المناقب: يمنعه.

٢ - في المناقب: ستلقاه.

٣ - السميدع: السيد الشريف السخيّ والشجاع.

٤ - في المناقب: اصعطك.

واصعطه: أي أدخله في أنفه. والذعاف: السمّ الذي يقتل من ساعته.

فخرج مازن الضبي قائلاً:

لا تطمعوا في جمعنا المكلّل

الموت دون الجمل المجلّل

فبرز إليه عبد الله بن نهشل قائلاً:

إن تنكروني فأنا ابن نهشل

فارس هيجاء وخطب فيصل

فقتله.

و كان طلحة يحثّ الناس ويقول: عباد الله، الصبر الصبر - في كالم له -.(١)

قال(٢) : وكان مروان بالقرب منه، فقال: والله لا أطلب أثراً بعد عين، ما أطلب ثاري بعثمان بعد اليوم ابداً، فرمى طلحة بسهم فأصاب ركبته، والتفت إلى أبان بن عثمان، وقال: لقد كفيتك أحد قتلة أبيك.

وفي ذلك يقول السيد الحميري من جملة قصيدته:

واغتر طلحة عند مختلف القنا

عبل الذراع شديد عـظـم(٣) المنكب

فاخـتل حبّـة قلـبه بـمدلق

ريان مـن دم جـوفـه المـتصبّب

في مارقين من الجماعة فارقوا

دين الهدى وحيا(٤) الربيع المخصب

____________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ١٥٥ - ١٥٧، عنه البحار: ٣٢ / ١٧٥ - ١٧٧.

٢ - نقله ابن شهراشوب عن البلاذري في أنساب الأشراف: ٢ / ٢٤٦.

٣ - في المناقب: أصل.

٤ - في المناقب: باب الهدى وجباء.

والجباء: الحوض.

وكانت بنو ضبّة مكتنفي الجمل، فحمل أمير المؤمنينعليه‌السلام عليهم فكانوا كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف، وكان كلّ من استقبل قبض على زمام الجمل، وانصرف الزبير فتبعه عمرو بن جرموز فقتله، وأتى برأسه إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام القصّة.

فقالوا العامّة: قتل طلحة والزبير وخرج عبدالله بن عامر، وقال: يا عائشة، صافحي عليّاً على يدي.(١)

فقالت: كبر(٢) عمرو عن الطوق، وجلّ أمر عن العتاب، ثمّ تقدّمت.

فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : إنّا لله وإنّا إليه راجعون، وجعل يخرج واحد بعد واحد ويأخذ الزمام حتى قطع أيدي ثمانية وتسعين رجلاً، ثمّ تقدّمهم كعب بن سور الأزدي - وكان قاضياً على البصرة - وهو يقول:

يا معشر الناس عليكـم اُمّكم

فإنّها صـلاتكم وصـومـكم

والحرمة العظمى التي تعمّكم

لا تفضحوا اليوم فداكم قومكم

فقتله الأشتر.

فخرج وائل بن كثير باكياً مرتجزاً:

يا ربّ فارحم سيّد القبائل

كعب بن سور غرّة الأوائل

__________________

١ - في المناقب: فقالوا: يا عائشة، قتل طلحة والزبير وجرح عبدالله بن عامر من يدي علي، فصالحي عليّاً.

٢ - كذا في المناقب، وفي الأصل: شب.

قال في القاموس المحيط: ٣ / ٢٥٩ - طوق -: « كَبِرَ عمروٌ عَن الطَوقِ » يضرب لمُلابس ما هو دون قدره، وهو عمرو بن عديّ

فقتله الأشتر أيضاً.

فخرج ابن جبير الأسدي(١) يقول:

قد وقع الأمر بما لا يحذر

والنبل يأخذن وراء العسكر

واُمّنا في خدرها المشهر

فبرز إليه الأشتر قائلاً:

اسمع ولا تعجل جواب الأشتر

واقرب تلاقي كأس موت أحمر

ينسيك ذكر الهودج(٢) المشهر

فقتله، ثمّ قتل عمير الغنوي و عبدالله بن عتاب بن اُسيد، ثمّ جال في الميدان جولاً وهو يقول:

نحن بنو الموت به غذينا

فخرج إليه عبدالله بن الزبير فطعنه الأشتر فأرداه، وجلس على صدره ليقتله، فصاح عبدالله: اقتلوني ومالكاً، واقتلوا مالكاً معي، وقصدوه(٣) من كلّ جانب فخلاه وركب فرسه، فلمّا رأوه راكباً تفرّقوا عنه ؛ وقيل: إنّه فرّ من تحت الأشتر و في ذلك يقول:

أعايش لولا أنّني كنتُ طاوياً

ثلاثاً(٤) لألفيت ابنَ اُختك هالِكاً

__________________

١ - في المناقب: ابن جفير الأزدي.

٢ - في المناقب: الجمل.

٣ - في المناقب: فقصد إليه.

٤ - قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: ١ / ٦٣ - ٦٤: وكان الأشتر طاوياً - أي جائعاً - ثلاثة أيّام لم يطعم، وهذه عادته في الحرب.

غَداة يُنادي والرماح تنوشُه

وسمر العوالي اقتلوني ومالكاً

فنجّاه منّي سبعة وشبابه

وإنّي شيخ لم أكن متماسكاً

وشدّ رجل من الأزد على محمد بن الحنفيّة وقال: يا معشر الأزد، كرّوا.

فضربه محمد بن الحنفيّة، فقطع يده، وقال: يا معضر الأزد، فرّوا.

فخرج الأسود بن البختري السلمي قائلاً:

ارحم إلهي الكهل(١) من سليم

وانظر إليه نظرة الرحيم(٢)

 فقتله عمرو بن الحمق.

فخرج جابر الأزدي قائلاً:

يا ليت أهلي من عمار حاضري

من سادة الأزد وكانوا ناصري(٣)

فقتله محمد بن أبي بكر.

وكانت عائشة تنادي بأعلى صوتها: أيها الناس عليكم بالصبر، فإنّما يصبر الأحرار.

فأجابها كوفيّ:

قلنا(٤) لها وهي على مهوات

انّ لنا سواك اُمّهات

في مسجد الرسول ثاويات

والتحم القتال وشكت السهام الهودج حتى كأنّه جناح نسر أو شوك قنفذ،

__________________

١ - في المناقب: الكلّ.

٢ - كذا في المناقب، وفي الأصل: الرحمة.

٣ - كذا في المناقب، وفي الأصل: حاضري.

٤ - في المناقب: قلت.

فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : ما أراه يقاتلكم إلا هذا الهودج، اعقروا الجمل. وفي رواية: عرقبوه فإنّه شيطان.

و قال أمير المؤمنين لمحمد بن أبي بكر: إذا عرقب الجمل فادرك اُختك فوارها، فعرقب رجل منه فدخل تحته رجل ضبيّ، ثم عرقب اُخرى [ عبد الرحمان ](١) فوقع على جنبه، فقطع عمّار نسعه، فأتاه أمير المؤمنينعليه‌السلام ودقّ رمحه على الهودج، وقال: يا عائشة، أهكذا أمرك رسول الله أن تفعلي؟

فقالت: يا أبا الحسن، ظفرت فأحسن، وملكت فأسجح(٢) .

فقال لمحمد بن أبي بكر: شأنك واُختك فلا يدنو أحد منها سواك.

قال محمد بن أبي بكر: فقلت لها: ما فعلت بنفسك؟ عصيت ربّك، وهتكت سترك، ثمّ أبحت حرمتك، وتعرّضت للقتل، فذهب بها إلى دار عبدالله بن خلف الخزاعي، فقالت: أقسمت عليك أن تطلب عبد الله بن الزبير جريحاً كان أو قتيلاً، فقلت: إنّه كان هدفاً للأشتر، فانصرف محمد إلى المعركة(٣) فوجده بين القتلى، فقال: أجلس يا ميشوم أهل بيته، فأتاها به، فصاحت وبكت، ثمّ قالت: يا أخي استأمن له من عليّ، فأتى أمير المؤمنينعليه‌السلام : فاستأمن له منه.

فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : أمنته وأمنت جميع الناس.

وكانت وقعة الجمل بالخريبة، وقع القتال بعد الظهر، وانقضى عند المساء،

____________

١ - من المناقب.

٢ - أي قدرت فسهّل وأحسن العفو.

٣ - في المناقب: العسكر.

وكان مع أمير المؤمنين صلوات الله عليه عشرون ألفاً، منهم البدريّون ثمانون رجلاً، وممّن بايع تحت الشجرة مائتان وخمسون، ومن الصحابة غير هؤلاء ألف وخمسمائة رجل، وكانت عائشة في ثلاثين ألفاً أو يزيدون، منها المكّيون ستّمائة رجل.

قال قتادة: قتل يوم الجمل عشرون ألفاً. وقال الكلبي: قتل من عسكر(١) علي ألف راجل وسبعون فارساً ؛ منهم زيد بن صوحان، وهند الجملي، وأبو عبدالله العبدي، وعبد الله بن رقيّة.

و قال أبو مخنف والكلبي: قتل من أصحاب الجمل من الأزد خاصّة أربعة آلاف رجل، ومن بني عديّ ومواليهم تسعون رجلاً، ومن بني بكر بن وائل ثمانمائة رجل، ومن بني حنظلة تسعمائة رجل، ومن بني ناجية أربعمائة رجل، والباقي من أخلاط الناس إلى تمام تسعة آلاف إلا تسعين رجلاً، والقرشيّون منهم طلحة، والزبير، وعبدالله بن عتّاب بن أسيد، وعبد الله بن حكيم بن حزام، وعبدالله بن شافع بن طلحة، ومحمد بن طلحة، وعبدالله بن أبي خلف(٢) الجمحي، وعبد الرحمان بن معد، [ وعبد الله بن معد ](٣) .

وعرقب الجمل أوّلاً أمير المؤمنينعليه‌السلام ، ويقال: مسلم بن عدنان، ويقال: رجل من الأنصار، ويقال: رجل من ذهل.(٤)

قلت: ولمّا صارت أحاديث هذه الفتنة الصمّاء، والمحنة العظمى

____________

١ - في المناقب: أصحاب.

٢ - كذا في المناقب، وفي الأصل: عبدالله بن خلف.

٣ - من المناقب.

٤ - مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ١٥٧ - ١٦٢، عنه البحار: ٣٢ / ١٧٧ - ١٨٢.

ضروريّة لا يختلف في صحّتها، ومتواترة لا يشكّ في واقعتها، ونقلها المخالف، ودوّنها الموالف، وصارت في وضوحها كالشمس، منزّهة عن الشك واللبس.

أمّا المؤمن التقيّ فلا يرتاب في كفر من أضرم نارها، وشبّ اُوارها(١) ، وارتكب عارها، واحتقب أوزارها، وركب جملها، وسلك سبلها.

وأمّا المنافق الشقيّ فيعدل عن ظواهر حقائقها، ويصوّب فعل قائدها وسائقها، ويرتكب التعسّف في تأويلها، والتعصّب في تنزليها، ويعتذر لمن سلب وقودها، ونصبت عمودها، وخالفت بعلها ونبيّها، وحاربت سيّدها ووليّها.

ولمّا رأيت شدّة عضتها، وحدة كلتها، لا يرتدع بوعظ واعظ، ولا ينتفع بلفظ لافظ، قد طبع الشيطان على قلبها، واستحوذ على فيها، فغرقت في لجّة نفاقها، وتاهت في بيداء شقاقها، قد أحدقت الطغاة بجملها، وحفّت البغاة بمحملها، تمثّلتها في فكري، وعنّفتها بزجري، وخاطبتها بلسان الحال، وعنّفتها ببيان المقال، وقلت مشيراً إليها، وزارياً عليها:

أيّها المائحة في غرب غيّها وجهلها، المخالفة أمر ربّها وبعلها، المنافقة بإسلامها، والخارجة على إمامها، الباغية بخروجها وحربها، الكافرة بقالبها وقلبها، ما للنساء وعقد البنود؟ وما لذوات وقود الجنود؟ ألم تؤمرين بالقرار في منزلك؟ أما كان لك شغل شاغل بمغزلك؟ نهيت أن تتبرّجي(٢) ، وعن بيتك

__________________

١ - الاُوار: شدّة حرّ الشمس ولفح النار ووهجها والعطش. « لسان العرب: ٤ / ٣٥ - أور - ».

٢ - إشارة إلى قوله تعالى في سورة الأحزاب: ٣٢ و ٣٣:( يَا نِسَاءَ النَّبيِّ وَقَرنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبرَّجنَ تَبَرُّج الجَاهِلِيَّةِ الاولَى ) .

أن لا تخرجي، فهتكت حجابك، وأسفرتِ نقابك، وقدت الفتنة بخطامها، وأرخيت لها فاضل زمامها، فحبطت بأرجلها، وقنصت بأحبلها، وكَشرت عن نابها، ومرقت عجلاً بها، لمّا أقبلتِ يحثّ بك جملك، عصيت ربّك بتفصلك وجملك، خرجت من ديارك بطراً ورئاء الناس، وفصلت عن قرارك تكتفك الأوغاد الأرجاس، لما علمك سيّد المرسلين بخروجك، جريت في تيه الضلال بل فروحك.

يا صاحبة العطفة، كفرت بالّذي خلقك من نطفة، يا ربّة الهودج، خالفت ربّك في المولج والمخرج، أظهرت غلّاً كامناً بحربك، وحسداً قاطناً في قلبك، لمّا انتقلت الزهراء إلى جوار ربّها، امتنعت من حضور عزيتها وقربها، وتعلّلت باستيلاء علّة على هامتك وفسادك، وذلك أعظم دليل على فكرك وإلحادك، فهلّا تعلّلت يوم مسيرك على بعيرك، قاصدة حرب حليلها بعيرك وبغيرك؟ ولم لا عصّبت رأسك يوم موت ولدها؟ بل أظهرت الشماتة بهلاك فلذّة كبدها، وأقبلت على بغلك، ولم تراع حرمة بعلك، ولم ترعوي عن جهلك، بل أجلبتِ على هضم آل الرسول بخيلك ورجلك.

فلعنة الله على فرعك وأصلك، وقومك وأهلك، اُمثّلك في يوم البصرة في محملك، تحرّضين الأوغاد بقولك وعملك، كالحيّة النافثة بسمّها، أو الذئبة الضارية بكلمها، حتى إذا خاب أملك، وعقر جملك، وقتلت رجالك، وخذلت أبطالك، وصار طلحتك طليحاً، وزبيرك طريحاً، ومعلّاك سفيحاً، ونافسك منيحاً.

ألحفك ساتر العورات جناح رحمته، وأسبل عليك مقيل العثرات سرت مغفرته، وأرجعك إلى قرارك الذي أخرجك الشيطان منه، وأعادك إلى منزلك الذي فصلك العدوان عنه، وسدّ عنك باب الانتقام، وستر منك ما فضحته

ا لآثام، كلّ ذلك وجدك يغلي بنار حقدك، وحودك يشبّ ضرام حسدك، ثم أتبعت بالطلقاء وأبناء الطلقاء على حربه، وأغريت الأشقياء اللصقاء بسبّه، وفعلت إلى ابن هند محرّضة له عليه، وأغريت بني حرب بإرسال شواظ حربهم إليه، ونبذت كلّ عهدٍ عهده الرسول إليك فيه، ثائرة بدم عثمان وكنت من أعظم خاذليه، لمّا وضعت قميصه على رأسك، وحفت به الأوغاد من أرجاسك.

حقّت عليكِ كلمة العذاب، واستوجبتِ اللعنة من ربّ الأرباب، واُقسم لو شاهدتك يوم بصرتك، وقد انفردت من أهلك واُسرتك، وعقر بعيرك، وقلّ نصيرك، وقتل جندك، وفلّ حدّك، لم اولك منّي صفحاً، ولم أطوِ عنك شكحاً، ولقرعت سمعك بقوارع عذلي، ولو جأت(١) خدّك بسبت نعلي، ولسفعت ناصيتك بسوطي، ولرفعت بلعنتك صوتي، لا لأنّي مخالف سيّدي في فعله، ولا زار على صفحه بفضله، إذ ستر بحلمه ما فضح منك، وعفا بمنّه ما صدر عنك، بل غضباً لله، وتعصّباً لأولياء الله.

يا من عصـت بخروجها

قصداً لحـرب ولـيّها

كفرت بأنـعـم ربـّهـا

وخلاف أمر نبيّـهـا

وأتت من البـلد الحـرام

بفـتنةٍ مـن غيـّهـا

تذكي سعـير ضـرامها

بسـفيههـا زهـريّها

وبذي السلا أحـببـت(٢)

غـادرٍ تيـمـيـّهـا

وكذا بنـجل طـريدها

وعتلـّها أمـويّـهـا

تنحب عـليها عاويات

الحـوب عنـد مجيّها

ومضت لشدّة حقـدها

لم تعتبر بعـويّــها

__________________

١ - الوجء: اللكز، الضرب.

٢ - كذا في الأصل.

حتى إذا نشرت صـحاف

بغيـها مـن طـيـّها

في عصبةٍ سـلكت سبيل

عنيـدها وعـصيّـها

صارت حماة بـعيـرها

قد فلّ حـلّ نـديّـها

بـسيوف أقـوام علـت

أعلامـهـم بعـلـيّها

صــنـو الـرسـول

وخير اُمّتـه وربّانيها

وأب الحـروب وربـّها

ومـدار قطب رحيّها

بـدريـّهـا اُحــديّها

سلـعيّها جمـليّهــا

عــلويّهـا قـدسـيّها

نوريّـها مـهديّـهـا

أعـني قصـيّ رتـبته

من ذاتـها وقصـيّها

أبدت خـضوعاً ظاهراً

والغدر حشو طـويّها

فلذاك موت الـسـبط

أبد الغلّ من مخفيّهـا

وأتت على بغل تـحثّ

بـكـفرها وفـديـّها

فالله يلعـن حـشدهـا

مـن تيـمها وعديّهـا

والسائقـين بعـيرهـا

ومن استظلّ بـفيـّها

لمّا فرغ أمير المؤمنينعليه‌السلام من هذه الفتنة التي طار شررها، وشاع خبرها، واشتهرت أوغادها، وأظهرت أحقادها، وعمّت بليّتها، وغمّت ظلمتها، وأحرق لهبها، واشتدّ كلبها، وأبرزت أعداء الرحمن فيها رؤوسها، وبذلت في طاعة الشيطان نفوسها، وسلكت طرق البغي بقتالها مولاها، وارتكبت سبيل الغيّ فما أحقّها بخزي الله وأولاها، لم تشكر ربّها على ما أولاها، ولم تحفظ نبيّها فيما أوصاها، الّذي أضرمت المخدّرة المصونة مقباسها، ووصلت البرّة الميمونة أمراسها، وأقامت السجاعة المطرقة سوقها، وأظهرت الأصيلة المعرقة فسوقها، حتى قتلت رجالها، وجدّلت أبطالها، وعقر مركبها

وخاب مطلبها.

فيالها فتنة كفر قتامها لراكبها، وغمر غمامها كتائبها، وبرقت بوارق صفاحها في سحائب غبرتها، ولمعت أسنّة رماحها في ظلمة فترتها، فكم اقتطفت فيها رؤوس، واختطفت نفوس، واُريق دم، وبري قدم، واُبين عضد وساعد، واُبيد معاضد ومساعد، أشنع فتنة في الاسلام حدثت، وأفضع واقعة بها القصاص تحدّثت، قطعت آجال رجالها بمصاعها، وصبغت أثباج أبطالها بجريانها.

يالها فتنة كانت رأساً لكلّ فتنة، وبدعة وضعت أساساً لأقبح سنّة، وهل قتال القاسطين إلا فرع شجرتها؟ وهل جهاد المارقين إلا شزرة من جمرتها؟ وهل اقتدى ابن حرب إلا بحربها؟ وهل اغترف نجل هند إلا من شربها؟ وهل نسج الطاغي إلا على منوالها؟ وهل احتذى الباغي إلا بمثالها؟

وكان أمير المؤمنين صلوات الله عليه أثر جلاها، وطلا عثناياها، وفحل شولها، وصاحب قولها، وخائض هولها، والمخصوص بقوّتها وحولها، كبش الكتيبة، مشهور الضريبة، جبر صدع الاسلام، لمّا كسر الأصنام، ونصب من الحقّ الأعلام، لمّا خفض الأنصاب والأزلام، كم كسر بعامله منصوباً؟ وكم وفّر من نائله نصيباً؟ كاسر هبل الكفرة، وعاقر جمل الغدرة، الفائز من قداح النجدة بمعلّاها، والحائز من خلال الشجاعة بأعلاها، قاطع أمراس(١) البغاة، وقالع أساس الطغاة، منه تعلّم الناس الشجاعة في قتالهم، ومن علومه فرّعوا مآخذ أقوالهم.

بنصرته جماعة الحقّ نصرت، وبطريقه طريقة العلم ظهرت، لمّا صبغ

__________________

١ - المَرِس: الشديد الذي مارَسَ الامور وجرّبها: والجمع: أمراس.

الحمرة نجيع(١) الأبطال صعيد البصرة، صار بياض وجه الاسلام لا يرهقه قترة، لكن بقي خدّ الخارجة من عتبة بيتها لقتاله صار حالكاً، وداخل فيضها من يدها منتزعاً هالكاً.

دراية فرحها نكيساً، وتدبير فكرها معكوساً، وصارت كرّتها خاسرة، وهمّتها قاصرة، وسلعتها بائرة، وخسرت الدنيا والآخرة، وقرعت بقوارع الملام، وكملت بمعابل الكلام.

فيا من يصوّب آراءها، ويداوي أدواءها، ويستخفّ وزرها، ويستقلّ شرّها، ويسدّد اجتهادها، ويصوّب مرادها، لقد أبعدت مرماك، واتّبعت هواك، ومهّدت قاعدة نفاقك، وغرست في ظلمة محاقك، وأوردت تصحيح المعتلّ من فعل وترجيح المرجوع من نقلك، لقد اجتثت اٌصولك، وفسد معقولك، وعتم قياسك، وقلع أساسك، واهملت قضيّتك، وانقبضت بسطتك، وفلّت غرستك، وقلّت بطشتك.

يا من عصت ربّها بخروجها وحربها، وتعصّبت على مولاها بقالبها وقلبها، أنّى لك هذه الشجاعة والقوّة، والشدّة والنخوة؟ أمن أبيك يوم خيبر؟ أم من جدّك المبجّل الموقّر، صاحب خوان بن جذعان، وناصب أنصاب الأوثان، أقتم قريش أصلاً، وألأمهم فعلاً، وأرذلهم بيتاً، وأنذلهم حيّاً وميّتاً(٢) من آل قصي، ولا في السراة من بني لؤي، فأنتم يا ابنة الكاذب المصدّق، كما قال فيكم الشاعر وصدق:

ويقضي الأمر حين تغيب تيم

ولا يستأذنون وهم شهود

فإنّك لو رأيـت عبـيد تـيم

وتيما قلت إنّهم العـبيـد

__________________

١ - النجيع: الدمُ.

٢ - غير مقروءة في الأصل.

فلعن الله ابن صهّاك المغتلمة، ونجل البغيّة حنتمة، فهو الّذي أعلى قدركم، وأسمى ذكركم، ورفع بعضكم، وصحّح المكسّر من جمعكم، وجعلكم أعلاماً تفضلون على أولياء الله، تفخرون على أهل بيت نبيّكم وبهم فخركم، وتتأمّرون على عترة وليّكم وبهم علا أمركم، وزيّن الشيطان للاُمّة الضالّة اتّباعكم، وصيّرهم أشياعكم وأتباعكم، فاتّبعوه إلا فريقاً من المؤمنين، وأطاعوه إلا قليلاً من المخلصين، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، وحرّفوا كلام الله بزخرفهم وغرورهم، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، ونصروا من أوجب العقل له أن يخذل، ونصبوا الغوائل لأهل بيت نبيّهم، وأراقوا القواتل لذرّيّة وليّهم، وجعلوا أحفادهم إلى يوم الناس هذا عالة يتكفكفون، وخاملين لا يعرفون.

قد أبكم الفقر فصيحهم، وقبح العسر صبيحهم، يرهن أحدهم إزاره لسدّ فورته، ويبذل مقداره لفرط عسرته، منعتموهم ما فرض الله لهم في محكم تنزيله، وحرمتموهم ما أوجب لهم من الحقّ على لسان رسوله، حتى نكحت به الفروج المحرّمة، واستبيحت من دين الله كلّ حرمة، واشتريت منه البغايا والقيان، وصار زمام الاسلام بأيدي عبدة الصلبان، فأنتم أصل البلاء، وفرع الشقاء، وحمة الشيطان، وجمة البهتان، هذه الشجرة الملعونة في القرآن، والطائفة المارقة عن الايمان، أعداء الرحمن، وأولياء الشيطان، قربتموها وكان أحقّ أن تبعد، ونشأتموها وكان أولى أن تعضد، وغرستم أصلها على رقاب المؤمنين، وسقيتم فرعها بدماء المهاجرين الأوّلين، رآهم الرسول ينزون على منبره نزو القردة فما رئي بعد ضاحكاً حتى بلغ من الحياة أمده.

روي عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهما‌السلام أنّ رسول الله صلّى الله

عليه وآله رأى في منامه أنّ قروداً تنزوا على منبره وتنزل وتصعد، فساءه ذلك واغتمّ، ولم ير بعدها ضاحكاً حتى مات.

( وَالشَّجرَةَ المَلعُونَةَ فِي القُرآنِ ) (١) هم بنو اُميّة أخبره سبحانه بتغلّبهم(٢) على مقامه وقتلهم ذرّيّته.(٣)

روي عن منهال بن عمرو، قال: دخلت على علي بن الحسينعليه‌السلام ، فقلت: كيف أصبحت، يا ابن رسول الله؟

قال: أصبحنا والله كبني إسرائيل في أيدي القبط، يذبّحون أبناءهم، ويستحيون نساءهم، وأصبح خير البريّة بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يلعن على المنابر، وأصبح من يحبّنا منقوصاً حقّه بحبّه إيّانا.(٤)

وقيل للحسن البصري: يا أبا سعيد، قتل الحسين بن عليعليه‌السلام ،

__________________

١ - سورة الاسراء: ٦٠.

٢ - كذا في المجمع، وفي الأصل: تغليبهم.

٣ - انظر: كتاب سليم بن قيس: ١٥٣، سنن الترمذي: ٥ / ٤١٤ ح ٣٣٥٠، الكافي: ٨ / ٢٢٢ ح ٢٨٠، تفسير العيّاشي: ٢ / ٢٩٨ ح ٩٨، تفسير القمّي: ٢ / ٤٣١، مستدرك الحاكم: ٣ / ١٧٠ - ١٧١، أمالي الطوسي: ٢ / ٣٠٠، إعلام الورى: ٤٦، مجمع البيان: ٣ / ٤٢٤، ترجمة الامام الحسنعليه‌السلام من تاريخ دمشق: ١٩٨ ح ٣٢٧، مناقب ابن شهراشوب: ٤ / ٣٥ - ٣٦، تفسير الرازي: ٢٠ / ٢٣٦، الكامل في التاريخ: ٣ / ٤٠٧، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ١٦ / ١٦، تفسير القرطبي، ٢٠ / ١٣٢، البداية والنهاية: ١٠ / ٤٨، تأويل الآيات: ١ / ٢٨١ ح ١٢، تفسير الصافي: ٥ / ٣٥١، إثبات الهداة: ١ / ١٥٦ ح ١٦ وص ٣٦٦ ح ٤٧٩، البحار: ٤٤ / ٥٨ ح ٧، وج ٦١ / ١٥٥ وص ١٦٨ ح ٢٣، تفسير نور الثقلين: ٣ / ١٨٠ ح ٢٨١، وج ٤ / ٦٥ - ٦٦ ح ٨٧.

٤ - انظر: مقتل الخوارزمي: ٢ / ٧١ - ٧٢، مجمع البيان: ٣ / ٤٢٤، مناقب ابن شهراشوب: ٤ / ١٦٩، البحار: ٤٥ / ١٧٥ ضمن ح ٢٢، عوالم العلوم: ١٧ / ٤٠٩ - ٤١٠ ضمن ح ٦، إحقاق الحقّ: ١٢ / ١٢١.

فبكى حتى اختلج جنباه، ثم قال: واذلّاه لاُمّةٍ قتل ابن دعيّها ابن بنت نبيّها.(١)

فهل تجرّوا على أولياء الله إلا بكم؟ وهل ألحدوا في دين الله إلا بسببكم؟ ما أقام أبوك ابن صهّاك والياً من بعده ولا قلّده ولاية عهده إلا لعلمه بقوّة شقاقه، وشدّة نفاقه، وعظيم إلحاده، وعميم فساده، فقام عدوّ الله ناسجاً على منواله، مقتدياً بأقواله وأفعاله، فرفع بضبع المنافق الشقيّ، وأعلا كعب المارق الغويّ، أعني ابن هند البغيّة، رأس العصابة الأمويّة، فولّاه رقاب المسلمين، وأذلّ بتوليته أعلام المؤمنين، ومهّد له قواعد ظلم الأطهار، وأوضح له مقاصد هضم الأخيار، وقرن دولته بدولته، وولايته بولايته، ثمّ جعل الأمر شورى بعد انقضاء أجله، وانتهاء اُكله، بيد ابن عوفه قرين الشيطان وأليفه، رأس الغدرة الكذبة، أصحاب ليلة العقبة، الذي نصبوا الغوائل لنبيّهم، وأضمروا له القواتل بغيّهم، وراموا تنفير ناقته، واستئصال شأفته، وأطلع الله نبيّه على ما أضمروا، وحاق بهم سيّئات ما مكروا.

ما أدخله الزنيم في مشورته، ولا جعله اللعين قياس نتيجته، إلا لعلمه بخبث سريرته، وسوء عقيدته، وبغضه للحقّ وأهله، وتعصّبه للباطل بقوله وفعله، فجعلها في البيت الّذي رسخت في الشرك قوائمه، وشمخت بالظلم دعائمه، وشقيت بالنفاق شجرته، وشاعت في الآفاق بدعته.

أوّل الاثمة، وثالث الظلمة، وفرع الشجرة الملعونة ورأس الاُمّة المفتونة، حتى إذا قام منه زرع الباطل على سوقه، وعمّ المسلمين بظلمه وفسوقه، أجمعت الاُمّة على خلعه وخذله، واجتمعت لحربه وقتله، وسقته من كؤوس

__________________

١ - مجمع البيان: ٦١ / ١٥٥.

المنون صبراً، واخترمته بسيوف الحتوف صبراً، وأعادته طريحاً مهيناً، وطليحاً ظميناً، وأخرجه الله من دار الفناء ملوماً محسوراً، وأعدّ له جهنّم وساءت مصيراً، حتى إذا عاد الحقّ إلى أهله، والتفّ الفرع على أصله، وقام بأمر الله وليّه الكامل، وجاء الحق وزهق الباطل، ظهر كامن غلّك وحسدكِ، واشتعلت نار البغي في فؤادك وجسدكِ، وشيّدتِ ما شيّد أبوك وعمّكِ، وأظهرت الطلب بدم المخذول بزعمكِ، ونصر الله الحقّ على رغمك، وخاب من سهام الخير وعد سهمك.

ثمّ لم يزل غلّك يغلي عليكِ، وحقدك يلقى إليك، والخنّاس يوسوس في صدرك، وينفث في سرّك، حتى أغريت الجبّار العنيد بعدواته، وحمّلت الشيطان المريد على مناجزته، فكفر الطليق بأنعم ربّه، وأجهد اللصيق جهده في حربه، ورابطه ثمانية عشر شهراً، مجدّاً في عداوته سرّاً وجهراً، فلولا خليفة أبيك، ونتيجة ذويك، لما حصل ما حصل، ولا اتّصل من اتّصل، فأنتم أصل البغي وفرعه، وموقف الظلم وجمعه، ووتر العدوان وشفعه، وبصر الشيطان وسمعه، فلعنة الله على اُصولك الماضية، وقرونك الخالية، وجموعك الباغية، وجنودك الطاغية، لعناً لا انقطاع لعدده، ولا نفاد لأمده، آمين ربّ العالمين.

و لنرجع إلى تمام المجلس:

نزل صلوات الله عليه بعد انقضاء الحرب في الرحبة السادس من رجب وخطب فقال: الحمد لله الذي نصر وليّه، وخذل عدوّه، وأعزّ الصادق المحقّ، وأذلّ الناكث المبطل.

ثمّ إنّهعليه‌السلام دعا الأشعث بن قيس من ثغر آذربايجان، والأحنف

بن قيس من البصرة، وجرير بن عبد الله البجلي من همذان فأتوه إلى(١) الكوفة، ووجّه جرير إلى معاوية يدعوه إلى طاعته.(٢)

وأمّا عائشة فإنّ أمير المؤمنين ردّها إلى المدينة وأرسل معها قريباً من مائتي امرأة(٣) ، فلم تلبث إلا قليلاً حتى لحقت بمعاوية بالشام ووضعت قميص عثمان ملطّخاً بالدم على رأسها.

فقال عمرو لمعاوية: حرّك لها جوارها نحن(٤) ، فأخذه معاوية وصعد المنبر، فكان من أمر صفّين ما أنا ذاكره:

لمّا قدم جرير على معاوية يدعوه إلى طاعة أمير المؤمنينعليه‌السلام توقّف معاوية وماطل جرير وطاوله حتى قدم عليه شرحبيل، فصعد معاوية المنبر وخطب، وقال: أيّها الناس، قد علمتم أنّي خليفة عمر وعثمان، وقد قتل عثمان مظلوماً، وأنا وليّه وابن عمّه وأولى الناس بالطلب بدمه، فما رأيكم؟

فقالوا: نحن طالبون بدمه.

فدعا عمرو بن العاص ووعده أن يطعمه مصر - وكان والياً عليها من قبل عثمان - فسار إليه، وكان يتثاقل في مسيره.

فقال له غلام له يقال له وردان، تفكّر في أمرك انّ الآخرة مع عليّ والدنيا مع معاوية.

__________________

١ - كذا في المناقب، وفي الأصل: فأقره في.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ١٦٤.

٣ - انظر: تاريخ اليعقوبي: ٢ / ١٨٣، تذكرة الخواصّ: ٨١، تاريخ الطبري: ٤ / ٥٤٤، تجارب الاُمم: ١ / ٣٣١، الكامل في التاريخ: ٣ / ٢٥٨، فقد ذكرت فيهما كيفيّة إرسال عائشة إلى المدينة، وفي عدد النساء اللاتي أرسلهنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام مع عائشة اختلاف.

٤ - كذا في الأصل.

فقال عمرو:

يا قاتل الله ورداناً وفطنته

لقد أصاب الّذي في القلب وردان(١)

فقال له ابن عمرو:

ألا يا عمرو ما أحرزت نصراً

ولا أنت الغداة إلى رشادِ

أبعت الديـن بالدنيـا خساراً

فأنت لذاك من شرّ العبادِ

 [ فانصرف جرير، ](٢) وكتب معاوية إلى أهل المدينة: إنّ عثمان قتل مظلوماً، وعليّ آوى قتلته، فإن دفعهم إلينا كففنا عنه، وجعلنا الأمر شورى بين المسلمين كما جعله عمر عند وفاته، فانهضوا معنا - رحمكم الله - إلى حربه.

فأجابوه بكتاب:

معاوي إنّ الحـقّ أبلـج واضـحٌ

وليس كا ربصت(٣) أنت ولا عمرو

نصبت لك(٤) اليوم ابن عفّان خدعة

كما نصب الشيخان إذ زخرف الأمر

____________

١ - البيت في المناقب هكذا:

لا قاتل الله ورداناً وابنه أبدى لعمري ما في الصدر وردان.

٢ - من المناقب.

٣ - كذا في المناقب، وفي الأصل غير مقروءة.

٤ - في المناقب: لنا.

رميتم عليّاً بالذي لم يضـرّه

وليس له في ذاك نهي(١) ولا أمر

فما ذنبه إن نال عثمان معشر

أتوه من الأحياء يـجمـعهم مصر(٢)

وكان عليّ لازماً قعر بيـته

وهمّته التسبيح والحـمد والـذكر

فما أنتما لا درّ درّ أبـيكـما

وذكركم الشورى وقد وضح الأمر

فما أنتما والنصر منّا وأنتما

طليقا اُسارى ما تبوح به الـخمر(٣)

و أرسل معاوية أبا مسلم الخولاني بكتاب إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام ، من جملته:

وكان أنصحهم لله خليفة الأوّل، ثم خليفة خليفته، ثم الخليفة الثالث المقتول ظلماً، فكلّهم حسدت، وعلى كلّهم بغيت، عرفنا ذلك من(٤) نظرك الشزر، وقولك الهجر، وتنفّسك الصعداء، وإبطاؤك عن الخلفاء، وفي كلّ ذلك تقاد كما يقاد الجمل المغشوش، ولم تكن لأحدٍ [ منهم ](٥) أشدّ حسداً منك لابن

____________

١ - كذا في المناقب، وفي الأصل: سعي.

٢ - كذا في المناقب، وفي الأصل غير مقروءة.

٣ - في المناقب: طليق اُسارى ما تبوح بها الخمر.

٤ - في المناقب: ثم.

٥ - من المناقب.

عمّك، وكان أحقّهم إلا تفعل [ ذلك ](١) لقرابته وفضله، فقطعت رحمه، قبّحت حسنه، وأظهرت له العداوة، وبطنت له بالغشّ، وألّبت الناس عليه، فقتل معك في المحلّة، وأنت تسمع الواعية(٢) ، لا تدرأ عنه بقول ولا فعل.

فلمّا وصل أبو مسلم وقرأ الكتاب على الناس قالوا: كلّنا قاتلون، ولأفعاله منكرون.

فكان جواب أمير المؤمنينعليه‌السلام :

و بعد، فإنّي رأيتك قد أكثرتَ في قتلة عثمان، فادخل فيما دخل فيه المسلمون من بيعتي، ثمّ حاكم القوم إليّ أحملكم على كتاب الله وسنّة رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأمّا الّذي تريده في خدعة(٣) الصبي عن اللبن، ولعمري لئن نظرت بعقلك [ دون هواك ](٤) لعلمت أنّي من أبرأ الناس من دم عثمان، وقد علمت أنّك من أبناء الطلقاء الّذين لا تحلّ لهم الخلافة.

قال: ثم صعدعليه‌السلام المنبر وحضّهم على ذلك.

قال ابن مردويه: قال قيس بن أبي حازم التميمي وأبو وائل: قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : انفروا إلى بقية الأحزاب وأولياء الشيطان، انفروا إلى من يقول كذب الله ورسوله.

وجاء رجل من عبس إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام فسئل: ما الخبر؟ فقال: إنّ في الشام يلعنون قتلة عثمان، ويبكون على قميصه.

____________

١ و ٤ - من المناقب.

٢ - في المناقب: الهائعة.

٣ - في المناقب: وأمّا تلك التي تريدها فإنّها خدعة.

فقالعليه‌السلام : ما قميص عثمان بقميص يوسف، ولا بكاؤهم عليه إلا كبكاء أولاد يعقوب، فامّا فتح الكتاب وجده بياضاً فحولق.

و كتب معاوية إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام : ليت القيامة قد قامت فترى المحقّ من المبطل.

فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام :( يَستَعجِلُ بِهَا الَّذِينَ لاَ يُؤمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشفِقُونَ مِنهَا ) (١) .

وكتب معاوية أيضاً إلى أمير المؤمنين - بعد كلام طويل -:

يا عليّ، اتّق الله، ولا تفسدنّ سابقة قدمك، وذر الحسد فلطالما لم ينتفع به أهله، فإنّ الأعمال بخواتيمها، ولا تعمدن بباطل في حقّ من لا حقّ له، فإنّ تفعل ذلك فلن تضرّ الا نفسك، ولا تمحق الا عملك.

فأجابه أمير المؤمنينعليه‌السلام - بعد كالم طويل -:

عظتي لا تنفع من حقّت عليه كلمة العذاب، ولم يخف العقاب، ولا يرجو الله وقاراً، ولم يخف إلا حذاراً(٢) ، فشأنك وما أنت عليه من الضلالة والحيرة والجهالة تجد الله عزّ وجلّ في ذلك بالمرصاد.

ثم قال في آخر كلامه:

فأنا أبو الحسن قاتل جدّك عتبة، وعمّك شيبة، وخالك الوليد بن عتبة، وأخيك حنظلة الذين سفك الله دماءهم على يدي في يوم بدر، وذلك السيف معي، وبذلك القلب ألقى عدوّي.

____________

١ - سورة الشورى: ١٨.

٢ - في المناقب: ولم يخف حذاراً.

[ ومن كلامه: ](١) ومتى ألفيت بني عبد المطّلب عن الأعداء ناكلين، وبالسيوف مخوفين، فالبث قليلاً تلحق الهيجاء جمّل، فسيطلبك من تطلب، ويقرب منك من تستبعد، وأنا مرقل نحوك في جحفل(٢) من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، شديد زحامهم، ساطع قتامهم، متسربلين سرابيل الموت، أحبّ اللقاء إليهم لقاء ربّهم، قد صحبتهم ذرّيّة بدريّة، وسيوف هاشميّة، قد عرفت مواقع نصلها في أخيك وخالك وجدّك، وما هي من الظالمين ببعيد.

فنهاه عمرو عن مكاتبته ولم يكتب بعدها الا بيتاً واحداً:

ليس بيني وبين قيس عتاب

غير طعن الكلا وضرب الرقاب

قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : قاتلت الناكثين هؤلاء القاسطين وساُقاتل المارقين، ثمّ سار أمير المؤمنين راكباً فرس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقصده في تسعين ألفاً.

قال سعيد بن جبير: منها تسعمائة رجل من الأنصار وثمانمائة من المهاجرين.

و قال عبد الرحمان بن أبي ليلى: وسبعون رجلاً من أهل بدر ؛ وقيل: مائة وثلاثون رجلا.

وخرج معاوية في مائة ألف وعشرين ألف، يتقدّمهم مروان وقد تقلّد بسيف عثمان، فنزل [ صفّين ](٣) في المحرّم على شريعة الفرات.

____________

١ - من المناقب.

٢ - المرقل: المسرع. والجحفل: الجيش.

٣ - من المناقب.

و منعوا عسكر أمير المؤمنينعليه‌السلام من الماء، فأنفذ أمير المؤمنين صعصعة(١) بن صوحان العبدي فقال في ذلك عنفاً.

فقال معاوية: أنتم قتلتم عثمان عطشاً.

فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : روّوا السيوف من الدماء ترووا من الماء والموت في حياتكم قاهرين خير من الحياة في دنياكم مقهورين(٢) .

وقال الأشتر رضي الله عنه:

ميعادنا الآن بياض الصبح

لا يصلح الزاد بغير ملحِ

وحملوا في سبعة عشر ألف رجل حملة واحدة فغرق بعضهم ولزم الباقون من عسكر معاوية، فملك الشريعة أصحاب عليعليه‌السلام ، فأمر أمير المؤمنين أن لا يمنعوهم من الماء، وكان نزولهعليه‌السلام بصفّين لليال بقين من ذي الحجّة سنة ستّ وثلاثين، فأمر معاوية النقّابين أن ينقّبوا تحت عسكر عليّ أمير المؤمنينعليه‌السلام .

فقال أمير المؤمنين:

فلو أنّي أطعت عصيت قومي

إلى ركن اليمامة أو شئام

ولكنّـي إذا أبـرمـت أمراً

تخالفـني أقاويل الطغام

فتقدّم الأشتر وقتل صالح بن فيروز العكّي(٣) ومالك بن الأدهم وزيد(٤) بن عبيد

____________

١ - في المناقب: شبث بن ربعي الرياحي وصعصعة.

٢ - في المناقب: في موتكم قاهرين.

٣ - كذا في وقعة صفّين: ١٧٤، وفي الأصل: العاملي، وفي المناقب: العتلي.

وفي وقعة صفّين هكذا عدّ الباقين: ومالك بن أدهم السلماني، ورياح بن عتيك الغسّاني، والأجلح بن منصور الكندي - وكان فارس أهل الشام - وإبراهيم بن وضّاح

ا لكناني وزامل بن عبيد الخزاعي ومالك بن روضة الجُمحي مبارزة. وطعن الأشعث لشُرحِبِيل بن السِمط ولأبي الأعور السلمي، فخرج حوشب ذو الظليم وذو الكلاع في نفر فقالوا: أمهلونا هذه الليلة:

فقالوا: لا نبيت إلّا في معسكرنا، فانكشفوا.

ثم إنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام أنفذ سعيد بن قيس الهمداني وبشر(٥) بن عمرو الأنصاري إلى معاوية ليدعواه إلى الحق فانصرفا بعد ما احتجّا عليه.

ثم أنفذ أمير المؤمنينعليه‌السلام [ شبث بن ربقي و ](٦) عديّ بن حاتم ويزيد بن قيس الأرحبي وزياد بن خصفة(٧) بمثل ذلك، فكان معاوية يقول: سلّموا إلينا قتلة عثمان لنقتلهم به، ثمّ نعتزل الأمر حتى يكون شورى، فتقاتلوا في ذي الحجّة وأمسكوا في المحرّم، فلمّا استهلّ صفر سنة سبع وثلاثين أمر أمير المؤمنينعليه‌السلام فنودي في عسكر الشام بالاعذار والانذار، ثم عبّى عسكره فجعل على ميمنة الجيش الحسنين وعبد الله بن جعفر ومسلم بن عقيل، وعلى ميسرته محمد بن الحنفيّة ومحمد بن أبي بكر وهاشم بن عتبة المرقال، وعلى القلب عبد الله بن العبّاس والعبّاس بن ربيعة بن الحارث والأشتر والأشعث، وعلى الجناح سعد(٨) بن قيس الهمداني وعبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي ورفاعة بن شدّاد البجلي وعديّ بن حاتم، وعلى الكمين عمّار بن ياسر وعمرو بن الحمق وعامر بن واثلة الكناني وقبيصة بن

____________

الجُمحي، وزامل بن عبيد الله الحِزامي، ومحمد بن روضة الجُمحي.

٤ - في المناقب: زياد.

٥ - في وقعة صفّين: بشير. وأضاف إليهما شبث بن رِبعي التميمي.

٦ - من وقعة صفّين والمناقب.

٧ - كذا في وقعة صفّين، وفي الأصل والمناقب: حفص.

٨ - كذا في وقعة صفّين والمناقب، وفي الأصل: سعيد. وكذا في الموضع الآتي.

جابر الأسدي.

وجعل معاوية على ميمنته ذاالكَلاع الحميري وحوشب ذاالظليم، وعلى الميسرة عمرو بن العاص وحبيب بن مَسلمة، وعلى القلب الضحّاك بن قيس الفهري وعبد الرحمان بن خالد بن الوليد، وعلى الساقة بسر بن أرطاة الفهري، وعلى الجناح عبد الله بن مسعدة الفزاري وهمام بن قبيصة النمري، وعلى الكمين أبا الأعور السلمي وحابس بن سعد الطائي.

فبعث أمير المؤمنينعليه‌السلام إلى معاوية أن اخرج إليّ اُبارزك، فلم يفعل، وقد جرى بين العسكرين أربعون وقعة تغلّب فيها أهل العراق: أوّلها يوم الأربعاء بين الأشتر وحبيب بن مسلمة، والثانية بين المرقال و [ أبي ](١) الأعور السلمي، والثالثة بين عمّار وعمرو بن العاص، والرابعة بين محمد بن الحنفيّة وعبيدالله بن عمر، والخامسة بين عبد الله بن عبّاس والوليد بن عقبة، والسادسة بين سعد بن قيس وذي الكلاع، إلى تمام الأربعين، وكان آخرها ليلة الهرير.(٢)

ولأبطال أهل العراق مع أبطال أهل الشام وقعات وحروب وأشعار لا نطوّل بذكرها خوف الملل، ففي بعض أيّامها جال أمير المؤمنينعليه‌السلام في الميدان قائلاً:

أنا علي فاسـألوني تخبروا

ثمّ ابرزوا لي في الوغى وابتدروا

سيفي حسام وسناني يزهرُ

منّا النـبـي الـطاهر المـطّهرُ

وحمزة الخير ومـنّا جعفر

وفـاطـمُ عرسـي وفيـها مفخرُ

 __________________

١ - من المناقب.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ١٦٤ - ١٦٩.

هذا لهذا وابن هند محجرٌ

مذبذب مطرد مؤخّر

فاستلحقه(١) عمرو بن الحصين السكوني على أن يطعنه فرآه سعيد بن قيس فطعنه.

و أنفذ معاوية ذا الكلاع إلى بني همدان فاشتبكت الحرب بينهم إلى الليل، ثم انهزم أهل الشام، وأنشد أمير المؤمنينعليه‌السلام :

فوارس من همدان ليسوا بعزل

غداة الوغى من شاكر وشبام

يقودهـم حـامي الحقيقة ماجد

سعيد بن قيس والكريم محام

جزى الله همدان الجنان فإنّهم

سهام العدى في يوم كلّ حمام(٢)

ونادى خال السدوسي من أصحاب عليعليه‌السلام : من يبايعني على الموت؟ فأجابه تسعة آلاف، فقاتلوا حتى بلغوا فسطاط معاوية، فهرب معاوية فنهبوا فسطاطه، وأنفذ معاوية إليه: يا خالد، لك عندي إمرة خراسان [ متى ](٣) ظفرت فاقصر ويحك عن فعالك هذا، فنكل عنه، فتفل أصحابه في وجهه وحاربوا إلى الليل.

وخرج حمزة بن مالك الهمداني من أصحاب معاوية قائلاً لهاشم المرقال:

يا أعور العين وما فينا عور

نبغي ابن عفّان ونلحَى من غَدَر(٤)

____________

١ - في المناقب: فاستخلفه.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ١٧١ - ١٧٢.

٣ - من المناقب.

٤ - اورد الأرجاز في وقعة صفّين: ٣٤٧ هكذا:

يا أعور العين وما بي من عَوَر

أثُبت فإنّي لستُ من فَرعَي مُضر

نحن اليمانون وما فينا خَوَر

كيـفَ ترى وقع غُلامٍ من عُذَر

فقتله المرقال، فهجموا على المرقال فقتلوه رحمة الله عليه، فأخذ سفيان بن الثور رايته(١) فقاتل حتى قتل، فأخذها عتبة بن المرقال فقاتل حتى قتل، فأخذها أبو الطفيل الكناني مرتجزاً:

يا هاشم الخير دخلت الجنّة

قتلت في الله عدوّ السنّة(٢)

فقاتل حتى جرح فرجع القهقرى، وأخذها عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي مرتجزاً:

أضربكم ولا أرى مـعاويه

أبرج العين العظيم الحاويه(٣)

هوت به في النار اُمّ هاوية

جاوَرَه(٤) فيها كلاب عاويه(٥)

فهجمو ا عليه فقتلوه، فأخذها عمرو بن الحمق وقاتل أشدّ قتال، وخرج من أصحاب معاوية ذو الظليم، وبرز من عسكر عليّعليه‌السلام سليمان بن صرد الخزاعي، وحملت الأنصار معه حملة رجل واحد، فقُتل ذو الظليم وذو

____________

يَنعى ابن عَفّانٍ ويَلحى مَن غَدَر

سِيّان عِندي مَن سَعى ومن أمَر

١ - كذا في المناقب، وفي الأصل: فجزّ شيبان بن الثور رأسه. وهو تصحيف.

٢ - أورد الأرجاز في وقعة صفّين: ٣٥٩ هكذا:

يا هاشمَ الخَيرِ جُزيتَ الجنّه

قاتلـتَ في الله عدوّ السّنّه

والتاركي الحقّ وأهلَ الظنّه

أعظِم بِِما فُزتَ به من مِنّه

صيّـرني الدَهر كأنّي شَنّه

يا ليتَ أهلي قد عَلَوني رَنّه

من حَوْبةٍ وعَمَّةٍ وَكَنَّهْ

٣ - الأبرج العين: أي كان بياضها محدقاً بالسواد كلّه. والحاوية: الأمعاء.

٤ - كذا في المناقب، وفي الأصل: خاوية.

٥ - نسب هذه الأرجاز في وقعة صفّين: ٣٩٩ إلى مالك الأشتر، وبهذا اللفظ:

أضربـُهَمْ ولا أرى مُعاويهْ

الأخزَرَ العَين العظيمَ الحاويهْ

هوتْ به في النار اُمّ هاويه

جاورهُ فيـهاَ كـلابٌ عاويهْ

أغوى طَغاماً لاهَدَته هاديه

الكلاع وساروا(١) إليهم وكاد معاوية يؤخذ.

وخرج عبدالله بن عمر ودعا محمد بن الحنفية إلى البراز، فنهض محمد فنهاه أبوه، وكان لعنة الله عليه وعلى أبيه يقول:

أنا عُبيد الله ينميني عمر

خيرُ قريشٍ مَن مضى ومن غَبرْ

فقتله عبد الله بن سوار ؛ ويقال: حريث بن خالد(٢) ؛ ويقال: هانئ بن الخطّاب: ويقال: محمد بن الصبيح، فأمر معاوية بتقديم سبعين راية، وبرز عمّار في رايات، فقُتل من أصحاب معاوية سبعمائة رجل، ومن أصحاب عليّ مائتا رجل.

وخرج العراد بن الأدهم ودعا العبّاس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطّلب، فقتله العبّاس، فنهاه عليّعليه‌السلام عن المبارزة، فقال معاوية: من قتل العبّاس فله عندي كذا ما يشاء، فخرج رجلان لخميان(٣) ، فدعاه أحدهما إلى البراز.

فقال: إن أذن لي سيّدي اُبارزك، وأتى عليّاًعليه‌السلام ، فلبس عليّ سلاح العبّاس، وركب فرسه متنكّراً.

فقال الرجل: أذن لك سيّدك؟ فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام :( اُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُم ظُلِمُوا ) (٤) فقتله، ثمّ برز الآخر، فقتله.

__________________

١ - كذا في المناقب، وفي الأصل: وساير، وفي وقعة صفّين: واستدار القوم.

٢ - في وقعة صفّين: ٢٩٩: حُريث بن جابر الحنفيّ.

٣ - كذا في المناقب، وفي الأصل: نحيبان.

واللخم: حيّ باليمن.

٤ - سورة الحجّ: ٣٩.

و خرج حَجل بن عامر(١) العبسي فطلب البراز، فبرز إليه ابنه(٢) اُثال، فلمّا رآه أبوه قال: انصرف إلى أهل الشام فإنّ فيها أموالاً جمّة فقال ابنه: يا أبة انصرف إلينا فجنّة الخلد مع عليّ.

وعبّى معاوية أربعة صفوف فتقدّم أبو الأعور السلمي يحرّض أهل الشام، ويقول: يا أهل الشام، إيّاكم والفرار فإنّه سبّة وعار، فدقّوا [ على ](٣) أهل العراق، فإنّهم أهل فتنة ونفاق، فبرز سعيد بن قيس وعديّ بن حاتم والأشتر والأشعث، فقتلوا منهم ثلاثة آلاف ونيّفاً، وانهزم الباقون.

وبرز عبدالله بن جعفر فقتل خلقا كثيراً حتى استغاث عمرو بن العاص، وأتى اُويس القرني وهو متقلّد بسيفين ؛ وقيل: كان معه مرماة ومخلاة من الحصى، فسلّم على أمير المؤمنينعليه‌السلام وودّعه وبرز مع(٤) رجّالة ربيعة، فقتل من يومه، فصلّى عليه أمير المؤمنين ودفنه.

ثم إنّ عمّار كان يقاتل ويقول:

نحن قتلناكم(٥) على تنزيله

ثمّ قتلناكم على تأويـلهِ

ضرباً يزيل الهامَ عن مَقيله

ويذهِل الخليل عن خليله(٦)

____________

١ - في الأصل والمناقب: حجل بن اُثال، والصحيح ما أثبتناه وفقاً لوقعة صفّين: ٤٤٣.

٢ - كذا في المناقب، وهو الصحيح، وفي الأصل: أبوه.

٣ - من المناقب.

٤ - كذا في المناقب، وفي الأصل: معه.

٥ - في المناقب: ضربناكم.

٦ - أورد الرجز في وقعة صفّين: ٣٤١ هكذا:

نحن ضربناكم على تنزيله

فاليوم نضربكم على تأويلهِ

ضرباً يُزِيلُ الهامَ عن مَقيلهِ

ويذهـل الـخليلَ عن خليله

أو يرجعَ الحقُّ إلى سبيلهِ

وما في المناقب يختلف عمّا هو في الأصل ووقعة صفّين.

ثم قال: والله لو قتلونا حتى بلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أنّا على الحق وهم على الباطل.(١)

و برز أمير المؤمنينعليه‌السلام ودعا معاوية وقال: أسألك أن تحقن دماء المسلمين وتبرز إليّ وأبرز إليك، فيكون الأمر لمن غلب، فبهت معاوية ولم ينطق بحرف، فحمل أمير المؤمنينعليه‌السلام على الميمنة فأزالها، ثم حمل على الميسرة فطحنها، ثم حمل على القلب وقتل منهم جماعة، ثم أنشد:

فهل لك في(٢) أبي حسن عليّ

لعلّ الله يمكّن من قفاكا

دعـاك إلى البراز فكعت عنه

ولو بارزته تربت(٣) يداكا

وانصرف أمير المؤمنينعليه‌السلام وخرج متنكّراً، فخرج عمرو بن العاص مرتجزاً:

يا قادة الكوفة من أهل الفتن

يا قاتلي عثمان ذاك المؤتمن

كفى بهذا حَزَناً مِنَ(٤) الحَزَن

أضربكم ولا أرى أبا الحسن(٥)

____________

١ - قوله: « ثمّ قال: والله على الباطل » ليس في المناقب. وسيأتي هذا الكلام مكرّراً في ص ٤٥٠، فراجع.

٢ - كذا في المناقب، وفي الأصل: من.

٣ - كذا في المناقب، وفي الأصل: ثبّت. وانظر الأبيات في وقعة صفّين: ٤٣٢.

٤ - في المناقب: مع.

٥ - رويت هذه الأرجاز والأرجاز التي تليها في وقعة صفّين: ٣٧١ منسوبة إلى عمرو بن العاص، وبهذا اللفظ:

أنا الـغلام الـقرشـيّ المؤتمن

الماجدُ الأبلجُ ليث كالشَّـطن

يرضى به الشام إلى أرض عدن

يا قادة الكوفة من أهـل الفتن

يأيّها الأشرافُ مـن أهـل اليمن

أضربكم ولا أرى أبا حـسن

أعني عليّاً وابنَ عـمّ الـمؤتَمَن

كفى بهذا حَزَناً مـن الحَـزَن

فتناكل(١) عنه عليّعليه‌السلام رجاء أن بتبعه عمرو، فتبعه، فرجع أمير المؤمنين إليه مرتجزاً:

أنا الـغلام الـقرشـيّ المؤتمن

الماجدُ الأبلج ليـث كـالشطن(٢)

يرضى به السادة من أهل اليمن

[ من ساكني نجد ومن أهل عَدَن ](٣)

أبو الحسين فاعلمن وأبو الحسن

جاك يقـتاد العـنان والرسـن

فولّى عمرو هارباً، فطعنه أمير المؤمنين فوقعت في ذيل درعه، فاستلقى على قفاه وأبدى عورته، فصفح عنه أمير المؤمنين استحياء وتكرّماً.

فقال له معاوية: أحمد الله الذي عافاك، وأحمد استك الّذي وقاك.

ففي ذلك يقول أبو نؤاس:

فلا خير في دفع الأذى(٤) بمذلّة

كما ردّها يوماً بسوءته عمرو

ثمّ دعا أمير المؤمنين معاوية إلى البراز، فنكل عنه، فخرج بسر بن أرطاة طامعاً في عليّ، فصرعه أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فاستلقى على قفاه وكشف عورته، فانصرف عليّعليه‌السلام .

فقال أهل العراق(٥) : ويلكم يا أهل الشام، أما تستحيون من معاملة المخانيث؟ لقد علّمكم رأس المخانيث عمرو في الحرب كشف الاساءة.

ولمّا رأى معاوية كثرة براز عليّ أخذ في الخديعة، فأنفذ عمرو إلى ربيعة

__________________

١ - أي نكص وأظهر الجبن.

٢ - الأبلج: المشرق الوجه أو منفصل الحاجبين. والشطن: الحبل المضطرب أو الطويل.

٣ - من المانقب، وليس فيه العجز الأخير: « جاك يقتاد ».

٤ - في المناقب: الردى.

٥ - نسب هذا القول في المناقب إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام .

فوقعوا فيه، فقال: اكتب إلى ابن عبّاس وغرّه، فكتب:

طال البلاء فما يدرى له آسِ

بعد الإله سوى رِفق ابن عبّاسِ

فكان جواب ابن عبّاس:

يا عمرو حسـبك من خَدعٍ ووَسواسِ

فاذهب فمالك فـي ترك الهدى(١) آسِ

إلاّ بــوادر(٢) طعن فـي نحوركم

تشجى النفوس لـه فـي النقع إفلاسِ

إن عادت الحرب عدنا فالتمس هرباً

في الأرض أو سلّماً في الاُفق يا قاسي

ثمّ كتب إليه معاوية أيضاً:

إ نّما بي من قريش ستّة نفر: أنا وعمرو بالشام، وسعد وابن عمر في الحجاز، وعلي وأنت في العراق، على خطبٍ عظيم، ولو بويع لك بعد عثمان لأسرعنا فيه.

فأجابه ابن عبّاس:

دعوتَ ابن عبّاس إلى السلم خدعة(٣)

وليس لها حتى تموت بقابِل(٤)

____________

١ - كذا في المناقب، وفي الأصل: الأذى.

٢ - البوادر: جمع البادرة، طرف السهم من جهة النصل. وفي وقعة صفّين: ٤١٣: تواتر.

٣ - كذا في المناقب، وفي الأصل: بدعة.

٤ - في المناقب: بخادع. والأبيات طويلة وردت في وقعة صفّين: ٤١٦ منسوبة إلى الفضل ابن عبّاس.

و كتب إلى عليّعليه‌السلام :

أمّا بعد، فإنّا لو علمنا أنّ الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت لِمَ تجهّمنا بعضنا على بعض؟ وإن كنّا قد غلبنا على عقولنا فقد بقي لنا ما نرمّ(١) به ما مضى، ونصلح به ما بقي، وقد كنت سألتك الشام على ألاّ تلزمني لك طاعة ولا بيعة، فأبيتَ، وأن أدعوك اليوم إلى ما دعوتك إليه أمس، فإنّك لا ترجو من البقاء إلا ما أرجو، ولاتخاف من الفناء الا ما أخاف، وقد والله رقّت الأجساد، وذهبت الرجال، ونحن بنو عبد مناف ليس لبعضنا فضل على بعض يستذلّ به عزيز، ويسترقّ به حرّ.

فأجابه أمير المؤمنينعليه‌السلام :

أمّا قولك إنّ الحرب قد أكلت العرب الا حشاشات أنفس بقيت، ألا ومن أكله الحقّ فإلى النار، وأمّا طلبك إليّ الشام فإنّي لم أكن لاُعطيك [ اليوم ](٢) ما منعتك أمس، وما استواؤنا في الخوف والرجاء(٣) ، فلست أمضي على الشكّ منّي على اليقين، وليس أهل الشام على الدنيا بأحرص من أهل العراق على الآخرة.

وأمّا قولك إنّا بنو عبد مناف فكذلك نحن، وليس اُميّة كهاشم، ولا حرب كعبد المطّلب، ولا أبو سفيان كأبي طالب، ولا الطليق كالمهاجر، ولا الصريح كاللصيق، ولا المحقّ كالمبطل، ولا المؤمن كالمدغل، وفي أيدينا فضل النبوّة الذي أذللنا به العزيز، وأنعشنا به الذليل، وبعنا بها الحرّ.

____________

١ - في المناقب: نصلح. وكلاهما بمعنى واحد.

٢ - من المناقب.

٣ - في المناقب: والرضا.

وأمر معاوية ابن خَديج الكندي أن يكاتب الأشعث، والنعمان بن بشير أن يكاتب قيس بن سعد في الصلح، ثمّ أنفذ عمراً وحبيب بن مسلمة والضحّاك بن قيس إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فلمّا كلّموه قال: أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة رسوله، فإن تجيبوا إلى ذلك فللرشد أصبتم، وللخير وفّقتم، وإن تابوا لم تزدادوا من الله الا بعداً.

فقالوا: قد رأينا أن تنصرف عنّا فنخلّي بينكم وبين عراقكم، وتخلّون بيننا وبين شامنا، فتحقن(١) دماء المسلمين.

فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : لم أجد إلا القتال أو الكفر بما اُنزل على محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ثمّ برز الأشتر وقال: سوّوا صفوفكم.

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : أيّها الناس، من بيع يربح في هذا اليوم - في كلام له - ألا إنّ خضاب النساء حنّاء، وخضاب الرجال الدماء، والصبر خير في عواقب الاُمور، ألا إنّها إحن بدريّة، وضغائن اُحديّة، وأحقاد جاهليّة، ثم قرأعليه‌السلام :( فَقَاتِلُوا أئمَّةَ الكُفرِ إنَّهُم لَا أيمَانَ لَهُم لَعَلَّهُم يَنتَهُونَ ) (٢) .

ثم تقدّمعليه‌السلام وهو يرتجز:

دُبّوا دَبيبَ النَمل لا تفوتوا

وأصبحوا في حربكم وبيتوا

كيما تَنالوا الدين أو تَمُوتوا

أو لا فإنّي طالما عُـصيتُ

__________________

١ - في المناقب: فنحن نحقن.

٢ - سورة التوبة: ١٢.

قد قلتم لو جئتنا فجيتُ(١)

ثمّ حملعليه‌السلام في سبعة آلاف(٢) رجل فكسروا الصفوف.

فقال معاوية لعمرو: اليوم صبر وغداً فخر.

فقال عمرو: صدقت، ولكنّ الموت حقّ، والحياة باطل، ولو حمل عليّ في أصحابه حملة اُخرى فهو البوار.

فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : فما انتظاركم إن كنتم تريدون الجنّة؟

فبرز أبو الهيثم بن التيهان قائلاً:

أحمد ربّي فهو الحميد

ذاك الّذي يفعل ما يريد

دين قويم وهو الرشيدُ

فقاتل حتى قُتل.

و برز عمّار بن ياسر، وكان له من العمر ثمانون سنة، فجعل يقول:

اليوم نلقى الأحبّه

محمداً وحزبه

والله والله لو قتلونا حتى بلغوا بنا سعفاتِ هجر لعلمنا أنّا على الحقّ وهم على الباطل، وهو الّذي قال رسو اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في حقّه: « عمّار جلدة بين عيني، تقتله الفئة الباغية لانالهم شفاعتي »(٣) ، فقاتل

____________

١ - انظر ديوان الامام علي بن أبي طالب ( طبعة دار الكتاب العربي ): ٥٤ ففي آخره:

قد قلتم لو جئتنا فجيتُ

ليس لكم ما شئتم وشيتُ

بل ما يريدُ المحييُ المميتُ

٢ - في المناقب: في سبعة عشر ألف.

٣ - انظر الأحاديث الغيبيّة: ١ / ٢١٨ - ٢٢٨.

حتى قُتِل.(١)

و برز خزيمة بن ثابت الأنصاري قائلاً:

كم ذا يُرجّي أن يعيشَ الماكثُ

والناس موروث ومنهم وارث

هذا عليٌَ مَن عَصاه ناكثُ(٢)

فقاتل حتى قتل.

وبرز عديّ بن حاتم قائلاً:

أبعد عمّارٍ وبعد هاشم

وابن بُديل صاحب المَلاحم

ترجو البقاءَ من بعد يا ابن حاتم(٣)

فما زال يقاتل حتى فقئت عينه.

وبرز الأشتر قائلاً:

سيروا إلى الله ولا تعرّجوا

دينٌ قويم وسبيل مُنهَج(٤)

وقتل جندب بن زهير، فلم يزالوا يقاتلوا حتى دخلت وقعة الخميس وهي ليلة الهرير، وكان أصحاب عليّعليه‌السلام يضربون الطبول من أربع جوانب عسكر معاوية، ويقولون: عليّ المنصور، وهوعليه‌السلام يرفع رأسه إلى السماء ساعة بعد ساعة ويقول: اللّهمّ إليك نقلت الأقدام، وإليك أفضت القلوب، ورفعت الأيدي، ومدّت الأعناق، وطلبت الحوائج، وشخصت الأبصار. اللّهمّ افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين.

____________

١ - قوله: « وبرز عمّار حتى قُتِل » لم يرد في المناقب.

٢ - انظر هذه الأرجاز في وقعة صفّين: ٣٩٨.

٣ - انظر هذه الأرجاز في وقعة صفّين: ٤٠٣.

٤ - انظر هذه الأرجاز في وقعة صفّين: ٤٠٤.

وكانعليه‌السلام يحمل عليهم مرّة بعد مرّة ويدخل في غمارهم ويقول: الله الله في البقيّة، الله الله في الحرم والذرّيّة، فكانوا يقاتلون أصحابهم بالجهل، فلمّا أصبح صلوات الله عليه كان القتلى من عسكره أربعة آلاف رجل، وقتل من عسكر معاوية اثنتين وثلاثين ألفاً، فصاحوا: يا معاوية، هلكت العرب، فاستغاث بعمروٍ، فأمره برفع المصاحف.

قال قتادة: كانت القتلى يوم صفّين ستّون ألفاً. وقال ابن سيرين: سبعون ألفاً، وهو المذكور في أنساب الأشراف، ووضعوا على كلّ قتيل قصبة، ثمّ عدّوا القصب.(١)

قلت: أعظم بها فتنة يملّ من رصفها البنان، ويكلّ عن وصفها اللسان، ويخفق لذكرها الجنان، ويرجف لهولها الانسان، طار شررها فعمّ الآفاق، وسطع لهبها فعمّ بالاحراق، وارتفع رهج سنابكها فبلغ أسباب السماء، وضاقت سبيل مسالكها فانسدّ باب الرجاء.

يالها فتنة اطّيّرت رؤوس رؤوسها عن أبدانها، وابترت نفوس قرومها بخرصانها، وبرقت بوارق صفاحها في غمائم عبرتها، وضعفت رواعد هزبر أبطالها في سحائب مزنها، قد كفر النقع شمسها، وأخرس الهول نفسها، وأبطلت مواقع صفاحها حركات أبطالها، وصبّغت أسنّة رماحها أثباج رجالها بحرباتها، لا يسمع فيها إلا زئير اُسد غابها سمر القنا، ولا ترى منها إلا وميض بريق مواضي الأسنّة والضبا، كم افترست ثعالب عواملها ليثاً عبوساً؟ وكم اخترمت بحدود مضاربها أرواحاً ونفوساً؟ وكم أرخصت في سوق قيامها على ساقها نفيساً؟ وكم أذلّت بتواصل صولات حملات

__________________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ١٧٤ - ١٨١، عنه البحار: ٣٢ / ٥٨٠ - ٥٨٩.

قرومها رئيساً؟

أبدان الشجعان ضرام وقودها، وأجساد الأمجاد طعام حديدها، ما صيحة عاد وثمود بأهول من وقعة صفعتها، ولا ظلّة أصحاب الأيكة بأصحى من ظلمة ظلّتها، طفى نحرها فأعرق، واضطرم جرها فأحرق، وعمّ قطرها فاجتاج فرعها وأصلها، ودارت رحى منونها فطحنت خيلها ورجلها، صبح عادياتها يذهل السامع، وقارعة قوارعها تصخّ المسامع، تزلّ الأقدام لتكاثر زلزالها، ويحجم الأبطال لخطر نزالها، اختلط خاثرها بزبادها، واُشبهت أمجادها بأوغادها، وموافقها بمنافقها، ومخخالفها بموالفها، ودنيّها بشريفها، وصريحها بحليفها، وبرّها بفاجرها، ومؤمنها بكافرها، فئة تقاتل في سبيل الله واُخرى كافرة، وفرقة تبتغي عرض الحياة الدنيا وفرقة ترجو ثواب الآخرة.

قد فتحت أبوا بالجنان لأرواح بذلت وسعها في طاعة ربّها ووليّها، وشجرة دركات النيران لأنفس أخلفت عهد إمامها ونبيّها، طالت ليلة هريرها فكم حلايلاً تمت؟ واضطربت حطمة سعيرها فكم أطفالاً أيتمت؟ امتدّت ظلمتها، واشتدّت سدفتها، وثلمت صفاحها، وحطمت رماحها، وعلا ضجيجها، وارتفع عجيجها، وتكادمت فحولها، وتصادمت خيولها، وتزأّرت آسادها، وتقطّرت أمجادها.

وكان أمير المؤمنينعليه‌السلام نجمها الثاقب، وسهمها الصائب، وليثها الخادر، وعينها الهامر، وبحرها الزاخر، وبدرها الزاهر، كم أغرق في لجّة بطشه منافقاً؟ وكم أخرق بشهاب سيفه متنافقاً؟

جبريل في حروبه مكتب كتابته، وميكائيل في وقائعه يعجب من

ضرائبه، وملك الموت طوع أمر حسامه، وروح القدس يفخر بثبات جأشه وإقدامه.

كم فلّ بحدّ غضبه حدّاً؟ وكم قدّ بعزم ضربه قدّاً؟ وكم عفّر في الثرى بصارمه جبيناً وخدّاً؟ وكم بني للاسلام بجهاده فخراً ومجداً؟

اُمثّله في فكرتي، واُصوّره في سريرتي، في حالتي مسيره بكتائبه إلى خصمه، وجلوسه على وسادته لنشر غرائب علمه، طوداً يقلّه طرف، وبحراً يظلّه سقف، إن تكلّم بيّن وأوضح، وإن كلم هشم وأوضح، يقط الأصلاب بضربه، ويقصّ الرقاب في حربه، آية الله في خلقه، ومعجز النبيّ على صدقه، ومساويه في وجوب حقّه، ومضاهيه في خَلقه وخُلقه، أفضل خلق من بعده، وأشرف مشارك له في مجده، كلّ من الرسل الاُولى عاتبه ربّه على ترك الأولى ؛ قال سحانه في آدم:( وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ) (١) ، وفي نوح:( إنّي أعِظُكَ أن تَكُونَ مِنَ الجَاهِلِينَ ) (٢) ، وفي الخليل:( قَالَ أوَلَم تُؤمِنْ ) (٣) ، وفي الكليم:( فَعَلتُها إذاً وَأنَا مِنَ الضَّالِّين ) (٤) ، وفي داود:( وَظَنَّ دَاوُدَ أنَّمَا فَتَنَّاهُ ) (٥) ، وفي سليمان:( إنّي أحبَبتُ حُبَّ الخَيرِِ عَن ذِكرِ رَبِّي ) (٦) ، وفي يونس:( وَذَا النُّونِ إذ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أن لَن نَقدِرَ عَلَيهِ ) (٧) .

وأمير المؤمنين باع نفسه من ربّه، وحبس قلبه على حبّه، ووقف

__________________

١ - سورة طه: ١٢١.

٢ - سورة هود: ٤٦.

٣ - سورة البقرة: ٢٦٠.

٤ - سورة الشعراء: ٢٠.

٥ - سورة ص: ٢٤.

٦ - سورة ص: ٣٢.

٧ - سورة الأنبياء: ٨٧.

جسده على طاعته، وفرغ روحه لمراقبته، أطلعه سبحانه على جلال عظمته، وكمال معرفته، وسقاه من شراب حبّه، واختصّه بشرف قربه، فما في فؤاده الا إيّاه، وما في لسانه إلا ذكراه، يفني وجوده في شهوده إذا هو ناجاه، ويصفو أبحر ندّه في سجوده عمّا سواه، قد استشعر لباس المراقبة، وحاسب نفسه قبل المحاسبة.

يأنس بالظلام إذا الليل سجى، ويستضيء بأنوار الكشف إذا الغسق دجا، ويستوحش من الخلق في حال خلوته مع حبيبه، ويستنشف نفحات الحقّ إذ هو كمال مطلوبه، رقي لقدم صدقه صفوف الكروبيّين بروحانيّته، وطار بقوادم عشقه ففات أشباح الصافّين الحافّين بإخلاص محبّته، جذبته يد المحبّة بزمام العناية إلى حضرة معشوقه، وأزاحت كدورات الطبيعة عن مسالك طريقه، حتى إذا آيس من جانب طور قيّوم الملكوت أنوار عظمته، واستأنس بمناجاة صاحب العزّة والجبروت واطّلع على أسرار إلهيّته، وقرع بيد إخلاصه شريف بابه، وأصغى بصماخ( وَتَعِيَهَا اُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) (١) إلى لذيذ خطابه، وأشعر قلبه لباس الخضوع بين يديه، وأحضر لبّه جلال من وجّه مطايا عزمه إليه، وشاهد بعين يقينه عزّه هيبة سلطانه، وقطع العلائق عمّا سوى القيام بشروط الخدمة لكبرياء عظم شأنه.

كشف فياض العناية به الحجاب عن جلال كمال عزّته، ورفع النقاب عن ذلك الجناب فأدرك بكمال عرفانه بهجة حضرته، أجلسه على بساط المنادمة في غسق الدجا، وناجاه بلسان المحبّة وقد برح الخفا، وسقاه بالكأس الرويّة من شراب( يُحِبُّهُم وَيُحِبُّونَهُ ) (٢) ، ويثب في مدارج السلوك إلى عين اليقين

__________________

١ - سورة الحاقّة: ١٢.

٢ - سورة المائدة: ٥٤.

يقينه، وتوّجه بتاج( إنَّمَا وَلِيُّكُمُ ) (١) ، ونفعه نحلة( وَأنَّ هَذَا صِرَاطِي مُستَقِيماً فَاتّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُم ) (٢) ، وجعل له الرئاسة العامّة في خلقه، وقرن طاعته بطاعته، وحقّه بحقّه، وأثبت في ديوان الصفيح الأعلى منشور عموم ولايته، ووقّع بيد القدرة العليا توقيع شمول خلافته، يطالع رهبان صوامع العالم الأشرف في اللوح المحفوظ أحرف صفاته، ويصغي بصماخ توجّهاتها إلى لذيذ مناجاته، فتحتقر شدّة كدحها في طاعة ربّها في حبّ طاعته، وترى عبادتها لمبدعها كالقطرة في اليمّ في جانب عبادته.

باهى الله به ليلة الفراش(٣) أمينيه جبرئيل وميكائيل، وناداهما بلسان الابتلاء وهو العالم من أفعال عباده بكلّ دقيق وجليل: إنّي قد جعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر، فأيّكما يؤثر أخاه بالزيادة؟ فكلّ منهما بخل ببذل الزيادة لأخيه، وتلكّأ عن جواب صانعه ومنشيه، فأوحى إليهما: هلّا كنتما كابن أبي طالب؟! فإنّه آثر أخاه بالبقيّة من أجَله، وبات مستاقا(٤) بسيوف الأعداء من أجله، اهبطا إلى الأرض فاحسنا كلاءته وحفظه، وامنعاه من كيد عدوّه في حالتي المنام واليقظة.

وكذلك يوم اُحد وقد ولّوا الأدبار، واعتصموا بالفرار، وأسلموا الرسول إلى الجبن، ولم يعد بعضهم إلا بعد يومين، هذا ووليّ الله يتلقّى عنه السيوف

__________________

١ - سورة المائدة: ٥٥.

٢ - سورة الأنعام: ١٥٣.

٣ - حديث مبيت أمير المؤمنين عليعليه‌السلام على فراش رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من الأحاديث المتواترة والمشهورة، انظر: الفصول المائة في حياة أبي الأئمّة: ١ / ٢٢٧ - ٢٦٣ فقد أوفى الكلام في هذا الحديث.

٤ - كذا في الأصل.

بشريف طلعته، ويمنع عوامل الحتوف بشدّة عزمته، حتى باهى الله يومئذ ملائكته ببطشه القويّ، ونادى منادٍ من السماء: لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى الا عليّ.

وفي بدر إذا التقى الجمعان، واصطدم الفيلقان، وشخصت الأعين، وخرست الألسن، وجبت الجيوب، ووجبت القلوب، كان صلوات الله عليه وآله قاصم أبطالها، وميتّم أشبالها، وليث ناديها، وصل داريها، صبّ الله بشدّة بطشه على أعدائه سوط عذابه، وأنزل بالملحدين في آياته من صولة سطوته وخيم عقابه.

صاحب بطشتها الكبرى، وناصب رايتها العظمى، جعل الله الملائكة المسوّمين فيها من جملة حشمه وجنده، ولواء الفتح المبين خافقاً على هامة رفعته ومجده، وشمس الشرك ببدر وجهه مكوّرة، وجموع البغي بتصحيح عزمه مكسّرة، وهل أتاك نبأ الخصم الألدّ؟ أعني مقدام الأحزاب عمرو بن ودّ، البطل الأعبل، وفارس يليل، إذ أقبل برز كالليث القرم، ويهدر كالفحل المغتلم، ويصول مدلّاً بنجدته، ويجول مفتخراً بشدّته، ويشمخ بأنفه كبراً، ويبذخ بخدّه صعراً، قد تحامته الفرسان خوفاً من سطوته، وأحجمت عنه الشجعان حذراً من صولته، وانهلعت قلوب الأبطال لمّا طبق الخندق بطرفه، وذهلت عقول الرجال لمّا شزرهم بطرفه، كالأسد الكاسر في غابه، أو النمر الكاشر عن نابه، فزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، وأحجمت الأنصار لمّا سمعت زئير الأسد المبادر، وامتدّت نحوه الأعناق، وشخصت إليه الأحداق، وخشعت الأصوات، وسكنت الحركات، وهو يؤنّب بتعنيفه، ويجبر بتأفيفه.

فعندها أشرق بدر الحقّ من شفق الفتوّة، وطلعت شمس المجد من برج

النبوّة، وأقبل علم الاسلام يرفل في ملابس الجلال، وتبدّى نور الايمان يخطر في حلل الكمال، كالطود الشامخ في مجده، أو البحر الزاخر عند مدّه، قد أيّده الله بروح قدسه، وأوجب من ولائه ما أوجب من ولاء نفسه، وأيّده بالعصمة التامّة، وشرّفه بالرئاسة العامّة، كالقمر المنير في كفّه شهاب ساطع، أو الموت المبير إذا علا بسيفه القاطع، حتى إذا قارنه وقاربه وشزره بطرفه عند المصاولة علاه بمشحوذ العذاب لو علا به رضوى لغادر كثيباً مهيلاً، ولو أهوى به على أكبر طود في الدنيا لصبّره منفطراً مقلولاً، فخرّ كالجذع المنقعر، أو البعير إذا نحر، يخور بدمه، ويضطرب لشدّة ألمه، قد سلبته ملابس الحياة أيدي المنيّة، وكسته من نجاح دمه حلّة عدميّة، وكفى الله المؤمنين القتال بوليّه المطلق، صدّيق نبيّه المصدّق، الّذي أعزّ الله الاسلام وأهله بعزمه، وأذلّ الشرك وجنده بقدمه.

فيا من كفر بأنعم ربّه، وأجلب بخيله ورجله على حربه، ورابطه مصابراً، وعانده مجاهراً، وأظهر نفاقه الكامن، وغلّه الباطن، ألم يكن أبوك في تلك المواطن رأساً للمشركين؟ ألم يكن في حرب نبيّه ظهيراً للكافرين؟ ألست ابن آكلة الأكباد البغيّة؟ ألست زعيم العصابة الأمويّة؟ ألست فرع الشجرة الملعونة؟ ألست رأس الاُمّة المفتونة؟ أليس قائد احزاب المشركين أباك؟ أليس أوّل المبارزين في بدر جدّك وخالك وأخاك، اُديرت كؤوس المنون بيد وليّ الله عليهم، وبطرت الحتوف من كثب إليهم، وأنزل سبحانه( فَاضرِبُوا فَوقَ الأَعناقِ وَاضرِبُوا مِنهُم كُلَّ بَنَانٍ ) (١) منهم ذلك بما قدّمت أيديهم، قلبت أشلاءهم بعد الموت في القلب،( وَلَو تَرَى إذ فَزِعُوا فَلَا فَوتَ

__________________

١ - سورة الأنفال: ١٢.

وَاُخِذُوا مِن مَكَانٍ قَرِيبً ) (١) ، لرأيت أعناقهم تقطع صبراً، وأشلاءهم تبضّع هبراً، واُمراءهم قد ولّوا الأدبار، ثمّ لا ينصرون، واُسراءهم كأنّما يساقون إلى الموت وهم ينظرون.

هؤ لاء أسلافك الماضية، وآباؤك الغالية، الذين قصّ الله قصصهم في محكم تنزيله، ولعنهم على لسان نبيّه ورسوله، وسمّاهم الشجرة الملعونة في القرآن(٢) ، والعصابة الخارجة عن الايمان، الذين اتّخذوا الأصنام آلهة من دون الله، واستقسموا بالأزلام خلافاً لأمر الله، وكان سيّدنا ووليّ أمرنا ومعتقدنا ووسيلتنا إلى ربّنا حينئذٍ أوّل من أسلم لربّ العالمين، قائماً يومئذ بنصر سيّد المرسلين.

مقالـكم في اُحدٍ اُعـل هــبل

وقولـه الـله أعـلى وأجـل

أوّل مـن آمـن بالـله ومـن

صلّى وصام تابعاً خير الرسل

وخير من واسى النبيّ في الوغا

وخير من في الله نفـسه بـذل

يا من تلـمني في هواه لا تـلم

فحبّه وجـدته خـير العـمـل

من كفّـه رجـوت اُسقى شربة

ختامها مـسك وفـي ذلـك فل

أنا الذي من عـهده مسـتمسك

بعروةو عـقد ولاها لاتـحـل

خير وليّ ليس يحـصى فضله

ومجـده عزّ عن الوصف وجل

بعـد إلـهي ونـبيـّي لا أرى

سواه ينجيني إذا الـخطب نزل

في القلب منّي منـزل لـحبّه

متحكّم بصـدق عهـدي لم يزل

أهتف باسمـه إذا خطب عرا

وأسـأل الـله بـه وأبـتـهـل

فإنّنـي ومـن أجـل كـيـده

بساحتي العكس جابـني الأمـل(٣)

 ____________

١ - سورة سبأ: ٥١.

٢ - إشارة إلى الآية: ٦٠ من سورة الاسراء.

٣ - البيت لا يخلو من اضطراب - كما تلاحظ -.

رفضت رجسـين تسـمّـيا بما

سمّـاه ذو الـعرش قديماً في الأُول

ودنـت ديـنـاً قيّـماً إنـّهـما

في الكفر شـرّ مـن يـغوث وهبل

وهكـذا ثـالـثـهم أظلـم من

حلّ علـى وجـه الثرى أو ارتحل

ومن أتت لـحربـه وخـالفت

إلـهـهـا وبـعلـها يوم الجـمل

وسائقي بعيرها وقائدي نفيرها

ومـن رضــي ومـن دخــل

ومن بـصفّين علـيه جـرّدوا

بيض الضـبا واعتقلوا سمر الأسل

وأقبلـوا يـقدمـهم زعيـمهم

رأس النفـاق والـغرور والحـيل

نجل الـطغـاة الطلقاء والذي

لعنهم في مـحـكم الـذكر نـزل

ومن عن الحقّ السـويّ مرقوا

وخالفوا جميـع أربـاب الـمـلل

كلّهم قد فـارقـوا ديـن الهدى

وقارفـوا الكـفر بـقول وعـمل

عليهم مـن ذي الجـلسال لعنة

دوامهـا حجتـى الــقيام متّصل

ما سيّرت أفلاكها بشمـسهـا

وابتلج الصبـح وأظلـم الطـَفَل(١)

اللّهمّ يا من أفرغ على أعطاف عقولنا ألطاف كرامته، وحلّى أجياد نفوسنا بجلي عنايته، ورفع قواعد ملّتنا، وجمع على التقوى كلمتنا، وأثبت في دوحة الايمان اصولنا، وسقى بزلال الاخلاص فروعنا، وتمّم باتّباع سبيل نبيّه ووليّه حدودنا ورسومنا، فصرنا لا نعتقد سواه قديماً أزليّاً، ولا نرى وجوداً غير وجوده أبديّاً ديموميّاً، ننزّهه عن الشريك والعديل، ونقدّسه عن الشبيه والمثيل، خلقنا لننزّهه ونمجدّه، وأوجدنا لنعبده ونوحّده، وجعل نفح ذلك واصلاً إلينا، ومضاعفاً علينا، لا لحاجة منه إلى عبادتنا، ولا لفائدة عائدة إليه من طاعتنا.

__________________

١ - الطَفَل: المساء.

ظهر لأفكارنا بآثار صنعته، واحتجب عن أبصارنا بكبريائه وعظمته، وفرض علينا بعد الاقرار بأنّه الواحد الأحد المبتدع المخترع، وعرفان ما يصحّ على ذاته الشريفة ويمتنع، وتعاليه عمّا لا يليق بجلاله من تعارض خلقه، والاذعان بالتسليم لأمره وقضاء حقّه، سلوك سبيل من أقامهم هداة إليه، وإدلاء في مفاوز الضلالة عليه، والتسليم لأمرهم، والتنويه بذكرهم، والاخلاص بشكرهم، والاتّضاع لقدرهم، والاغتراف من بحر علمهم، والاغتراف بصواب حكمهم، وأن لا يقدّم عليهم من سجد لصنم، أو استقسم بزلم، أو بحر بحيرة، أو عتر عتيرة، قد نمته الخبيثون والخبيثات، وحاق به دناءة الآباء وعهر الاُمّهات.

ونعتقده انّه سبحانه قرن حبّهم بحبّه، وجعل حربهم كحربه، وسلمهم كسلمه، وعلمهم من علمه، فهم اُولوا الأمر الذين قرن طاعتهم بطاعته، وهداة الخلق إلى ما اختلفوا فيه من فرض دينهم وسنّ حسدهم من لعنه الله وغضب عليه، وأعدّ له خزيه يوم يقوم الناس لديه.

أغرى الشيطان بهم سفهاءه، وأعلى عليهم أولياءه، وزيّن للناس اتّباعهم، وجعلهم أشياعهم واتباعهم، وسمّى رأس الكذبة صدّيقهم، وأساس الظلمة فاروقهم، وخائن الاُمّة وليّ أمرهم، وأجهل الاُمّة كاتب وحيهم، وولّوا الناس بغرورههم، وحرّفوا كتاب الله بزورهم، وأخلفوا عهد الرسول ونبذوا ميثاقه المأخوذ عليه، وجرّدوا عليهمه سيوفهم وعواملهم، وفوّقوا نحوهم سهامهم ومعابلهم.

ثمّ تفكّر في حال الرجس اللئيم، والدنس الأثيم، ابن آكلة الأكباد، ونتيجة الآثمة الأوغاد، وما أظهر من الكفر والالحاد، والبغي والعناد، وليس ذلك ببدع من قبيح فعله، وزنيم أصله، فهو من قوم طوّقهم الله بطوق لعنته في

ا لدار الفانية، وأعدّ لهم أليم عقوبته في جحيمه الهاوية.

اللّهمّ إنّا نتقرّب إليك بلعنته وسبّه، وتكفير مصوّبي اجتهاده في حربه، ولمّا تصوّرت شدّة شكيمته في غيّه، وخبث سريرته ببغيه، وأذاه للنبيّ وأهله، وعداوته للوصيّ ونجله، كنت اُخاطبه بكلمات أوحاها جناني، وأقصده بلعنتي في سرّي وإعلاني، وأذبحه بذكر مساويه ببليغ نثري، واورد نبذة من مخازيه بفصيح شعري، فمن جملة ذلك أبيات ألقاها خالص الايمان على بنان نطقي، وأهداها الملك الديّان إلى لسان صدقي، تحلّي الطروس بذكرها، وتسرّ النفوس بنشرها، وهي هذه:

يا ابن البغـيّة يـا رأس البغاة ويا

نجل الطغاة وأهل الزيـغ والـزلـلِ

وأهل بدر واُحـدٍ والّذين سـروا

لحرب خير الورى بالبيض والأسـل

ومن بلعنتهم جـاء الكـتاب وفي

الأحزاب ذكرهم حتى القيـام جلـي

ويا ابن من كان رأس المشركين ويا

رأس النفاق وأهل الشـرك والخطل

رمتم بأن تطفئوا نور الهدى بعدت

أحزابكم مثل سهـل الأرض والجبلِ

فأرسل الله جـنداً لم تروه على

جموعكم فانثنيـتم خائـبي الأمـلِ

              

حتى إذا قام ديـن الحـقّ منتــصباً

يزهو فخاراً إذ المحفوظ مـنه غلي

وذلّ ما عزّ مـن عُـزّاكـم وغــدا

مكسراً جمعها للكسر مـن هـبـل

وعـمرو ودّكم أمسـى كـودّكـم

مقسماً بحسام الضـيغـم البـطـل

هـادي الخـليقة محـمود الـطريقـة

معصوم الحقيقة نور الله فـي الأزل

ليث الكـتيبـة مشـهور الـضريـبة

ذي القربى القريبة ثاني خاتم الرسل

نفس الرسـول وواقــيه بمـهجـته

وناصر دينه بـالـقـول والـعمل

ربّ الفراش إذا المختـار اخرج مـن

مقامه في الدجا يسري على وجـل

بدت لأهل العـلى انــوار طلـعته

فوق الفراش كبدرٍ تمّ فـي الـطَفَل

من جدّك الرجس في بـدرٍ وخالك مع

أخيك عمّا لقـوه منه قـف وسـَل

يُنبيك صارمـه عنهــم بـأنـّهـم

ما بين منـعفـر مـنه ومـنجـدل

يا أكفر الـخلق مـن بدوٍ ومن حضرٍ

وأظـلم النـاس فـي حلٍّ ومـرتحـل

لو تؤمـنوا رغباً فـي الدين بل رهباً

وخشيتـه مـن حسـام قـاطع الأجل

في كـفّ أبلـج يـوم الروع طلعته

كالشـمس مـشرقة في دارة الـحمل

غدا وليدكـم من ثـدي صـارمـه

لبـان صـرف الردى بالـغلّ والنـهل

كهف الأنام وهـاديـهم ومنـقذهم

ومن بهم سـالـك في أوضـح السـبل

وغيث ما حلتم إن أزمـّه قـرعـت

وغيـث صـارخهم في الحاديث الجلل

سل عن فضـائـله جـماً فـإنّ له

في الذكر ذكـر جلـيل سـار كالمـثل

يوم القموص على شأناً بسـطوتـه

إذ ردّ شـانـئـه بـالخذل والفشـل

كانت حصوناً حـصاناً فـي شـوا

هقها إلى ذراها سـحاب المزن لم تصل

فافتضّ بالذكر الصـمصـام عذرتها

فأصبحت من دمـاء الـقـوم في حلل

وظيخها(١) طاح قد صرات سلالمه

منكساً منه أعـلاها إلـى الـسفل

يا قالع الباب يا باب النجاح ومـن

أوقفت دون الورى فـي بابه أملي

أرجو بك الله يـوم الشـحر ينقذني

وأن يضاعف ما قد قـلّ من عملي

ولا يجبهني حيث الفضـيحـة بي

أولى ويستر ما أخفيت من زللـي

ولا تكلني إلـى نفـسي وتجـعلني

في كلّ حال على علياه متـّكلـي

و لمّا جرى ما جرى في ليلة الهرير وكان القتل فاشياً في عسكر معاوية كما بيّنّا أوّلاً أنّ القتلى كانت من عسكر عليعليه‌السلام أربعة آلاف رجل، ومن عسكر معاوية اثنين وثلاثين ألفاً ؛ وقيل: أكثر كما ذكر فأصبح معاوية وقد أسقط في يده، وأشرف على الهلكة، فقال لعمرو: نفرّ أو نستأمن؟

قال: نرفع المصاحف على الرماح ونقرأ:( ألم تَرَ إلَى الَّذِينَ اُوتُوا نَصِيباً مِنَ الكِتَابِ يُدعَونَ إلَى كِتَابِ اللهِ لِيَحكُمَ بَينَهُم ) (٢) فإن قبلوا حكم القرآن رفعنا الحرب وواقفناهم(٢) إلى أجل مسمّى، وإن أبى بعضهم الا القتال فللنا شوكته(٤) ، ووقعت الفرقة بينهم.

__________________

١ - كذا في الأصل.

٢ - سورة آل عمران: ٢٣.

٣ - في المناقب: ورافعنا بهم.

٤ - في المناقب: شوكتهم، وتقع بينهم الفرقة، وآمر بالنداء: فلسنا ولستم من المشركين...

فرفعوا المصاحف على الرماح، وبان من جملتها مصحف يقال إنّه مصحف الإمام وحملوه على أربعة رماح، وأتبعوه بأربعمائة مصحف اُخرى، ونادوا من كلّ جانب: فلسنا ولستم من المشركين، ولا المجمعين على الردّة، فإن تقبلوها ففيها البقاء للفرقتين وللبلدة، وإن تدفعوها ففيها الفناء وكلّ بلاءٍ إلى مدّة.(١)

وكان جلّ عسكر أمير المؤمنينعليه‌السلام منافقين عليهم لعائن الله كمسعر بن فدكي، وزيد بن حصين الطائي، والأشعث بن قيس الكندي، وغيرهم، ممّن كان أشدّ الناس عداوة لأمير المؤمنين في الباطن، وإنّما خرجوا معه تعصّباً لأنّهم كان لهم أضراب وأنداد عند معاوية، فخرجوا حميّة لذلك وللدنيا، ولهذا كان أكثرهم ممّن حضر حرب الحسينعليه‌السلام ، واستحلّوا منه كلّ حرمة، وأظهروا له كامن عداوتهم، فلعنة الله عليهم، وكذلك خذلوا مسلم بن عقيل وزيد ابن علي بن الحسين حتى قتل بين ظهرانيهم، لم يراعوا فيه حرمة جدّه رسول الله، فلهذا رمى الله بلدتهم بالذلّ الشامل والسيف القاطع، واستجاب دعاء سيّد الوصيّين صلوات الله عليه بقوله: اللّهمّ سلّط عليهم غلام ثقيف الذيّال الميّال(٢) ، يبيد خضراءهم، ويستأصل شأفتهم(٣) .

قيل: إنّ رجلاً من ذوي العقول من أهل الكوفة لمّا رأى سبايا الحسينعليه‌السلام وحرم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وبناته يطاف بهنّ في شوارع الكوفة على أقتاب الجمال كاُسارى الخزر والترك عمد إلى جميع ما يملك من

__________________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ١٨٢.

٢ - الذيّال: الذي يجرّ ذيله على الأرض تبختراً. والميّال: الظالم.

٣ - نهج البلاغة: ١٧٤ خطبة رقم ١١٧، شرح نهج البلاغة: ٧ / ٢٧٧، الكامل في التاريخ: ٤ / ٥٨٧، البحار: ٣٤ / ٩١ ح ٩٤١، وج ٤١ / ٣٣٢ ح ٥٤، وج ٦٦ / ٣٢٧.

عقار وغيره فباعه وارتحل عنها، وقال: بلد يطاف فيه بعيال رسول الله ونسائه، وترفع رؤوس رجالهم على رؤوس الرماح لا يفلح أبداً، فما عسى أن يقال في بلدة خذل أهلها الوصيّ المرتضى، ونافقوا سبط خاتم الأنبياء، وراموا قتله، وانتهبوا ثقله، ونكثوا بيعته، ثمّ كانت واقعة سيّد الشهداء، وقرّة عين سيدّة النساء، وخامس أصحاب الكساء، كاتبوه ووعدوه النصر على عدوّه، فجرّدوا عليه سيوفهم وعواملهم، وقتلوه عطشاناً، وسبوا ذراريه ونساءه، ليس منهم رجل رشيد ينكر فعلهم، بل ضربت عليهم الذلّة وشملهم خزي الدنيا( وَلَعذَابُ الآخِرَةِ أخزَى وَهُم لا يُنصَرُونَ ) (١) ؟

فلهذا منعهم الله لطفه، وأحلّ بهم غضبه، وسلّط عليهم غلام ثقيف الذي توعّدهم به أمير المؤمنين، وزياد بن اُميّة، وغيرهم، من الخارجين في الاسلام حتى صارت براحاً كأن لم تغن بالأمس(٢) .

ر وي أنّه مات في سجن الحجّاج مائة وعشرون ألف من غير قتل(٣) ، وكان سجنه ليس له سقف يضلّ وحرٍّ أو قرّ، وكان عليه لعنة الله لا يرفع عنهم سيفه ولا سوطه، وكان لا يخاطبهم الا بالتهديد والوعيد ويقول: يا أهل العراق، يا أهل الشقاق والنفاق ومساوئ الأخلاق، إنّه قد ضاع سوطي فأقمت مقامه السيف، والله لأُلحوَنّكم لَحوَ العَصا(٤) ، ولأضربنّكم ضرب غرائب الإبل، ولمّا تجهّز عليه اللعنة إلى حرب الأزارقة قال: والله لا أرى أحداً منكم بعد ثلاث إلّا

____________

١ - سورة فصّلت: ١٦.

٢ - إشارة إلى الآية: ٢٤ من سورة يونس.

٣ - انظر: الكامل في التاريخ: ٤ / ٥٨٧.

٤ - انظر الكامل في التاريخ: ٤ / ٣٧٦ - ٣٧٧.

واللحاء: ما على العَصا مِن قشرها.

ضربت عنقه، ثمّ بعد ثلاث سار في أزقّة الكوفة فلم ير أحداً، وكان الرجل منهم يرسل أمته من منزل العسكر لتلحقه بزاده ولا يجسر على الدخول لذلك.

و هذا معنى قول أمير المؤمنين صلوات الله عليه: إنّي والله - يا أهل الكوفة - أعلم ما يصلحكم، ولكنّي لا اُفسد نفسي بصلاحكم.(١)

معنى كلامهعليه‌السلام : انّه لا يقيم أودهم إلا الظلم والعسف والقتل كما فعل الحجّاج وغيره بهم، ولو كان الايمان قد أثلج في قلوبهم، والاخلاص قد باشر نيّاتهم، لابتغوا الدليل المرشد، والهادي الناصح، والمعلّم المشفق، الّذي جعله الله لسانه في خلقه، وعينه في عباده، وأيّده بالعصمة، وقلّده أحكامه، لا يوازي في العلم، ولا يضاهى في المجد، فنافقوه وخذولوه وغدروا به بعد أن لاحت علامات النصر، وسطعت أنوار الفتح، وطلع فجر الحقّ، وأشرف صلوات الله عليه بثبات جأشه، وقوّة نصيحته، وحياطته للاسلام وأهله، على إدحاض الباطل وجدّ أصله، واستئصال شأفته، فتقاعسوا عن نصره، وأظهروا مكنون نفاقهم، وأبدوا مستور شقاقهم، وقالوا ما قالوا، وواجهوه بما واجهوا، فعليهم لعائن الله ما أخبث نيّاتهم، وأدغل قلوبهم، وأعظم فتنتهم، فلهذا أنزل الله بهم ما أنزل، وأحلّ بهم، فلا تراهم إلى الناس الا مقهورين مضطهدين تسومهم الاعتام سوء العذاب، ويفتح عليهم من الأذى كلّ باب، لا يخصلون من فتنة إلاّ

____________

١ - انظر: نهج البلاغة: ٩٩ خطبة رقم ٦٩.

وقعوا فيما هو أعظم منها، ولا ينجون من ظالم إلا أتاهم ظالم ينسيهم ذكر الظالم الأوّل.

روي أنّ مسعر بن فدكي وزيد بن حصين الطائي والأشعث بن قيس وكانوا من جلّة عسكر أهل العراق قالوا لأمير المؤمنين لمّا رفعت المصاحف: أجب القوم إلى كتاب الله.

فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : ويحكم والله ما رفعوا المصاحف إلا خديعة ومكيدة حين علوتموهم.

و قال خالد بن معمّر السدوسي: يا أمير المؤمنين، أحبّ الامور إلينا ما كفينا مؤنته.

فلمّا سمع عسكر أهل العراق كلامهم أقبل إلى أمير المؤمنين منهم عشرون ألفاً يقولون: يا عليّ، أجب القوم إلى كتاب الله إذ دعيت وإلاّ دفعناك برمّتك إلى القوم، أو نفعل بك كما فعلنا بعثمان.

فأجابهم صلوات الله عليه، فقال: احفظوا عنّي مقالتي فإنّي آمركم بالقتال، فإن تعصوني فافعلوا ما بدا لكم.

قالوا: فابعث إلى الأشتر ليأتيك، فبعث يزيد بن هانئ السبيعي يدعوه.

فقال الأشتر رضي الله عنه: قد رجوتُ أن يفتح الله لا تعجلني، وشدّد في القتال، فقالوا حرّضته على الحرب، ابعث إليه بعزيمتك فليأتيك وإلاّ والله اعتزلناك(١) .

فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : يا يزيد، عد إليه فقل له: أقبل إلينا فإنّ

____________

١ - كذا في المناقب، وفي الأصل: اغترفناك.

الفتنة قد وقعت.

فأ قبل الأشتر يقول: يا أهل العراق، يا أهل الذلّ والوهن، أحين علوتم القوم وعلموا أنّكم لهم قاهرون رفعوا المصاحف خديعة ومكراً؟

فقالوا: قاتلناهم في الله ونصالحهم في الله.

فقال: امهلوني ساعة، أحسست بالفتح، وأيقنت بالظفر.

قالوا: لا.

قال: أمهلوني عدوة فرسي.

فقالوا: إنّا لسنا نطيعك ولا لصاحبك، ونحن نرى المصاحف على رؤوس الرماح ندعى إليها.

فقال: خدعتم والله فانخدعتم، ودعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم.

فقام جماعة من بني بكر بن وائل، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن أجبت القوم أجبنا، وإن حاربت حاربنا، وإن أبيت أبينا.

فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : نحن أحقّ من أجاب إلى كتاب الله، وإنّ معاوية وعمرواً وابن أبي معيط وحبيب بن مسلمة وابن أبي سرح والضحّاك بن قيس ليسوا بأصحاب دين وقرآن، أنا أعرف منكم بهم، قد صحبتهم أطفالاً ورجالاً - في كلام له -، ثمّ اتّفقوا على أن يقيموا حكمين، فقال أهل الشام: قد اخترنا عمرواً.

فقال الأشعث وابن الكوّاء ومسعر بن فدكي وزيد الطائي: نحن اخترنا أبا موسى.

فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : إنّكم عصيتموني في أوّل الأمر فلا

تعصوني الآن.

فقالوا: إنّ أبا موسى كان يحذّرنا ممّا وقعنا فيه.

فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : إنّه ليس بثقة، إنّه فارقني وخذّل الناس عنّي، ثمّ هرب منّي حتى أمنته بعد شهر، ولكن هذا ابن عبّاس اولّيه ذلك.

فقالوا: ما نبالي أنت كنت أو ابن عبّاس.

قال: فالأشتر.

فقال الأشعث: رجل مسعر حرب وهل نحن(١) الا في حكم الأشتر؟

قال الأعمش: حدّني من رأى عليّاًعليه‌السلام يوم صفّين وهو يصفق إحدى يديه على الاُخرى ويقول: يا عجباً اُعصى ويطاع معاوية! ثم قال: قد أبيتم(٢) إلا أبا موسى؟

قالوا: نعم.

قال: فاصنعوا ما بدا لكم، اللّهمّ إنّي أبرأ إليك من صنيعهم.

فقال خريم(٣) بن فاتك الأسدي:

لو كان للقوم رأي يرشدون بـهِ

أهل العراق رموكم بابن عبّـاس

لكن رموكم بشيخ من ذوي يمنٍ

لم يدر ما ضرب أخماس بأسداس

فلمّا اجتعموا كان كاتب أمير المؤمنينعليه‌السلام عبيد الله بن أبي رافع، وكاتب معاوية عمير بن عبّاد الكلبي، فكتب عبيد الله بن أبي رافع: هذا ما

__________________

١ - كذا في المناقب، وفي الأصل: يجز.

٢ - كذا في المناقب، وفي الأصل: قال: رمتم.

٣ - كذا في أعيان الشيعة: ٦ / ٣١٥، وفي الأصل والمناقب، خزيم.

تقاضى عليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان.

فقال عمرو: اكتبوا اسمه واسم أبيه هو أميركم أمّا أميرنا فلا.

فقال الأحنف: لا تمسح إمارة المؤمنين، فلم يقبلوا منه.

فقال أمير المؤمنين: امح نزحة الله، ثم قال أمير المؤمنينعليه‌السلام (١) : الله أكبر، واحدة بواحدة، وسنّة بسنّة، ومثل بمثل، إنّي لكاتب رسول الله يوم الحديبيّة.

ر وى أحمد في المسند(٢) أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أمر أمير المؤمنينعليه‌السلام أن يكتب يوم الحديبيّة: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل بن عمرو: هذا كتاب بيننا وبينك فافتحه بما نعرفه، واكتب: باسمك اللّهمّ، هذا ما اصطلح عليه محمد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وسهيل بن عمرو وأهل مكّة.

فقال سهيل: لو أجبتك إلى هذا لأقررت لك بالنبوّة.

فقال: امحها يا عليّ، فجعل أمير المؤمنين يتلكّأ ويأبى فمحاها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكتب: هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله بن عبد المطّلب وأهل مكّة.

روى محمد بن إسحاق، عن بريدة بن سفيان، عن محمد بن كعب أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لعليّ: فإنّ لك مثلها تعطيها وأنت مضطهد(٣) .

____________

١ - في المناقب: لا تمح إمارة المؤمنين، امح نزحه من الله، فقال عليعليه‌السلام .

٢ - مسند أحمد: ٤ / ٨٦ - ٨٧.

٣ - انظر فيه وفيما يليه: وقعة صفّين: ٥٠٩، تفسير القمّي: ٢ / ٣١٣، خصائص النسائي: ١٥٢ ح ١٨٦، المسترشد: ٧٠، دلائل النبوّة للبيهقي، ٤ / ١٤٧، إرشاد المفيد: ٦٣، تنزيه الأنبياء، ١٤٨، الذخيرة ٤٠٦، أمالي الطوسي: ١ / ١٩١، مناقب الخوارزمي: ١٩٣

الماوردي في أعلام النبوّة أنه قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ستسأم مثلها يوم الحكمين.

و في رواية: ستدعى إلى مثل هذا فتجيب وأنت على مضض.

وفي رواية: إن لك يوماً - يا عليّ - مثل هذا اليوم، أنا أكتبها للآباء، وأنت تكتبها للأبناء.

فقال عمرو: يا سبحان الله! نشبّه بالكفّار ونحن مسلمون مؤمنون.

فقالعليه‌السلام : يا ابن الباغية(١) ، أو لم تكن للمشركين وليّاً وللمؤمنين عدوّاً؟ أو لم تكن في الضلالة رأساً وفي الاسلام ذنباً؟ - في كلام له - فكتبوا أن يحكموا بما في كتاب الله وينصرفوا والمدّة بينهم سنة واحدة كاملة ويكون مجتمع الحكمين بدومة الجندل.

فلمّا اجتمعا قال عمرو لأبي موسى: نخلع هذين الرجلين ونختار لهذه الاُمّة، فأجابه أبو موسى إلى ذلك وقال: سمّ لي رجلاً يليق لهذا الأمر.

قال عمرو: يا أبا موسى، أنت أولى أن تسمّي رجلاً يلي أمر هذه الاُمّة، فإنّي أقدر على أن اُبايعك منك على أن تبايعني.

قال أبو موسى: اُسمّي لك عبد الله بن عمر.

____________

ح ٢٣١، مجمع البيان: ٥ / ١١٩، إعلام الورى: ١٠٦ و ١٩١، الخرائج والجرائح: ١١٦ ح ١٩٢، الكامل لابن الأثير: ٢ / ٢٠٤، وج ٣ / ٣٢٠، مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ١٨٤، شرح نهج البلاغة: ٢ / ٢٣٢، الفصول المهمّة: ٩٧، كشف الغمّة: ١ / ٢١٠، سبل الهدى: ٥ / ١٢٣.

١ - في المناقب: النابغة.

فقال عمرو: فإنّي اُسمّي لك معاوية بن أبي سفيان.

وفي رواية: انّ عمرو قال: إنّهما ظالمان فإنّ عليّاً آوى قتلة عثمان، وأمّا معاوية فخذله، فنخلعهما ونبايع عبد الله بن عمر لزهادته واعتزاله عن الحرب.

فقال أبو موسى: نعم ما رأيت.

قال: فإنّي قد خلعت معاوية فاخلع أنت عليّاً، وإن شئت فاخلعه غداً، فإنّه يوم الاثنين، وكان ذلك بينهما، فلمّا أصبحا خرجا إلى الناس، فقالا: قد اتّفقنا، فقال أبو موسى: تقدّم فاخلع صاحبك بحضرة الناس.

فقال عمرو: سبحان الله! أتقدّم عليك وأنت في موضعك وسنّك وفضلك مقدّم في الإسلام والهجرة، ووافد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى اليمن، وصاحب مقاسم أبي بكر، وعامل عمر، وحكم أهل العراق، فتقدّم أنت، فقدّمه.

فقال أبو موسى لعنه الله: إنّا والله - أيها الناس - قد اجتهدنا رأينا ولم نر أصلح للاُمّة من خلع هذين الرجلين، وقد خلعت عليّاً ومعاوية كخلع خاتمي هذا.

فقال عمرو: لكنّي خلعت صاحبه كما خلع واُثبت معاوية كخاتمي [ هذا ](١) ، وجعله في شماله.(٢)

فلعنة الله على عمرو وصاحبه. فوالله لقد علما الحقّ وأنّه مع أمير المؤمنين

__________________

١ - من المناقب.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ١٨٢ - ١٨٥، عنه البحار: ٣٣ / ٣١٢ - ٣١٤ إلى قوله: « وأنت مضطهد ».

يدور حيث ما دار، وأنّه كتاب الله الناطق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولكن الحقد القديم، والنفاق الكامن، والميل مع الدنيا وأهلها كيف مالت، والشيطان المغويّ.

فلعنة الله عليهم كأنّهم لم يسمعوا قول الله سبحانه:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) (١) وقوله سبحانه:( أفَمَن يَهدِي إلى الحَقّ أحَقُّ أن يُتَّبَعَ أم مَن لاَ يَهدِّي إلّا أن يُهدَى فَمَا لكُم كَيفَ تَحكُمُونَ ) (٢) وقوله سبحانه:( تِلكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجعلُهَا لِلَّذينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرضِ وَلَا فَسَاداً وَالعَاقِبَةُ لِلمُتَّقِينَ ) (٣) بلى والله سمعوها ووعوها - كما قال أمير المؤمنين - ولكن حلت الدنيا في أعينهم، وراقهم زبرجها(٤) ، وعدلوا بالحقّ عن أهله، ووضعوه في غير محلّه، واتّبعوا كلّ ناعق، واقتدوا بكلّ ناهق.

وتبّاً لدنيا يقدّم فيها الأشرار على الأخيار، والأوغاد على الأبرار، وسحقاً لاُمّة عدلت سيّد الخلق وأعلمهم وأفضلهم، وأكملهم علماً وحلماً، وطاعة لله، وحياطة لرسول الله، ونصراً للاسلام وأهله، وجهاداً في الله، وقرباً من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أوّل الناس إسلاماً، وأقربهم من الله مقاماً، لم يشرك بالله طرفة عين، ولّاه الله أمر خلقه في كتابه، وأقامه إماماً لبريّته في تنزيله وعلى لسان رسوله، فقام بأمر الله صادعاً، وبالحقّ ناطقاً.

كم غرّر نفسه في المهالك لإقامة دين الحقّ؟ وكم قذف بذاته في أضيق

__________________

١ - سورة التوبة: ١١٩.

٢ - سورة يونس: ٣٥.

٣ - سورة القصص: ٨٣.

٤ - نهج البلاغة: ٤٩ - ٥٠ خطبة رقم ٣. والزِبرِج: الزينة من وَشي أو جوهر.

المسالك في الحروب لإعلاء كلمة الصدق؟ حتى قتل أبطال المشركين، وكسر أصنام الملحدين، وأدخل الناس في دين الله أفواجاً، بمن لا يعادل عند الله جناح بعوضة، أجهل الخلق أباً واُمّاً، وألأمهم أصلاً وفرعاً، ربّي في حجر الشرك، ونشي في مهد الكفر، وارتضع ثدي النفاق، فرع الشجرة، وأصل الفجرة، ورأس المنافقين، وأساس القاسطين، الذي لعنه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ولعن أباه وابنه في قوله: اللّهمّ العن الراكب والقائد والسائق(١) .

فتبّاً لها اُمة ضالّة، وسحقاً لها طائفة عن الحق عادلة، ما أشدّ جهلها، وأسفه حملها، وأضعف عقولها، وأخسر صفقتها، وأكسد تجارتها؟ إذ عدلت عن مهابط التنزيل إلى مواطن الأباطيل، وعن أعلام الإيمان إلى أحزاب الشيطان، واستبدلوا بالدرّ الثمين السرجين، واتّبعوا ما يتلو الشيطان(٢) .

روي في معنى قوله سبحانه:( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعبُدُ اللهَ عَلَى حَرفٍ ) (٣) أنّه كان أبو موسى وعمرو.

وروى ابن مردويه بأسانيده عن سويد بن غفلة، قال: كنت مع أبي موسى على شاطئ الفرات، فقال: سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: إنّ بني إسرائيل اختلفوا فلم يزال اختلاف بينهم حتى بعثوا حكمين ضالّين ضالّ من اتّبعهما، ولا تنفكّ اُموركم تختلف حتى تبعثوا حكمين يضلّان ويضلّ من تبعهما.

__________________

١ - وقعة صفّين: ٢٢٠، عنه البحار: ٣٣ / ١٩٠، والمقصودون هم: أبو سفيان، ومعاوية وأخوه.

٢ - إقتباس م نالآية: ١٠٢ من سورة البقرة.

٣ - سورة الحجّ: ١١.

فقلت: اُعيذك بالله أن تكون أحدهما.

قال: فخلع قميصه وقال: برّأني الله من ذلك كما برّأني من قميصي(١) . اللّهمّ العن عمرواً وأبا موسى، ومن أشار بتحكّمهما، ورضي بحكمهما، وصوّب اجتهادهما، وحسّن رأيهما، وشكّ في نفاقهما، وحصّر لعنهما، إنّك أشدّ بأساً وأشدّ تنكيلاً.

و لمّا رجع أمير المؤمنينعليه‌السلام بعد التحكّم إلى الكوفة اجتمعت الفرقة المارقة عن الايمان، أهل الزيغ والبهتان، وقالوا: إنّ عليّاً قد حكم في دين الله، وكلّ من حكم في دين فقد كفر، لقوله سبحانه:( وَمَن لَم يَحكُم بِمَا أنزَلَ اللهُ فَاُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ ) (٢) ودخلت عليهم الشبهة في ذلك، فهم الضالّون المضلّون الّذين قال الله فيهم:( قُل هَل نُنَبِّئُكُم بِالأخسَرِينَ أعمَالاً - قال أمير المؤمنين لمّا سئل عن معناها: هم أهل حروراء، ثم قال: -الَّذِينَ ضلَّ سَعيُهُم فِي الحَيَاةِ الدُّنيَا وَهُم يَحسَبُونَ أَنَّهُم يُحسِنُونَ صُنعاً - في قتال أمير المؤمنينعليه‌السلام -اُولَئِكَ الَّذينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِم وَلِقَائِهِ فَحَبطَت أعمَالُهُم فَلَا نُقِيمُ لَهُم يَومَ القِيامَةِ وَزناً ذَلِكَ جَزَاؤُهُم جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا - بولاية عليّ بن أبي طالب -وَاتَّخَذُوا آيَاتِي - القرآن -وَرُسُلِي - يعني محمّداً -هُزُواً ) (٣) واستهزؤا(٤) بقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : من كنتُ مولاه فعليّ مولاه.

____________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ١٨١ - ١٨٢، عنه البحار: ٣٣ / ٣١١ - ٣١٢ ح ٥٦٢.

وانظر: تاريخ اليعقوبي: ٢ / ١٩٠، ومروج الذهب: ٢ / ٤٠٣.

٢ - سورة المائدة: ٤٤.

٣ - سورة الكهف: ١٠٣ - ١٠٦.

٤ - كذا في المناقب، وفي الأصل: استهزاء.

تفسير الفلكي: قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في قوله سبحانه:( يَومَ تَبيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسوَدَّت وُجُوهُهُم ) (١) فهم الخوارج.(٢)

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله فيهم: ياتي قوم من بعيد يحتقر أحدكم صلاته في جنب صلاتهم وعبادتهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، طوبى لمن قتلهم وقتلوه.(٣)

وروى البخاري ومسلم والطبري والثعلبي في كتبهم أنّ ذا الخويصرة التميمي(٤) أتى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وقال: أعدل بالسويّة.

فقال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ويحك، إن لم أعدل أنا فمن يعدل؟

فقال عمر: ائذن لي حتى أضرب عنقه.

فقال: دعه فإنّ له أصحاباً، فذكر وصفه(٥) فنزل( وَمِنهُم مَن يَلمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ ) (٦) .

وروي من طرق شتّى أنّه ذكروه بين يدي(٧) رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله

____________

١ - سورة آل عمران: ١٠٦.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ١٨٦ - ١٨٧، عنه البحار: ٣٣ / ٣٢٦ - ٣٢٧ ح ٥٧٣.

وانظر: العمدة لابن البطريق: ٤٦١ ح ٩٦٧.

٣ - انظر: الأحاديث الغيبيّة: ١ / ٢٨١ - ٣٠٧ ح ١٦٤ - ١٧٧.

٤ - هو حرقوص بن زهير رئيس الخوارج.

٥ - كذا في المناقب، وفي الأصل: وصيّه.

٦ - سورة التوبة: ٥٨.

٧ - في المناقب: مسند أبي يعلى الموصلي وإبانة ا بن بطّة العكبري وعقد ابن عبد ربّه الأندلسي وحلية أبي نعيم الاصفهاني وزينة أبي حاتم الرازي وكتاب أبي بكر الشيرازي انّه ذُكر بين يدي..

بكثرة العبادة، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : لا أعرفه، فإذا هو قد طلع.

فقالوا: هو هذا.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّي لأرى بين عينيه سفعة(١) من الشيطان، فلمّا رآه قال: هل حدّثتك نفسك إذ طلعت علينا إنّه ليس في القوم مثلك؟

قال: نعم، ثمّ دخل المسجد فوقف يصلّي، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ألا رجل يقتله؟ فجرّد(٢) أبو بكر عن ذراعيه وصمد نحوه فرآه راكعاً، فقال: أقتل رجلاً يركع ويقول: لا إله إلا الله!

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : لستَ بصاحبه.

ثم قال: ألا رجل يقتله؟ فقام عمر فرآه ساجداً، فقال: أقتل رجلاً يسجد ويقول: لا إله إلا الله!

فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : اجلس فلستَ بصاحبه، قم يا عليّ، فإنّك أنت قاتله، فمضى وانصرف، فقال: ما رأيته.

فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : أما إنّه لو قتل لكان أوّل فتنة وآخرها.

و في رواية: هذا أوّل قرن يطلع في اُمّتي لو قتلتموه ما اختلف بعدي اثنان.

وقال ابن عبّاس: أنزل الله فيه( ثَانِيَ عِطفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللهِ لَهُ فِي

__________________

١ - السفعة: العلامة.

٢ - في المناقب: فحسر.

الدُّنيا خِزيٌ - القتل -وَنُذِيقُهُ يَومَ القِيَامَةِ عَذَابَ الحَرِيقِ ) (١) بقتاله أمير المؤمنينعليه‌السلام .

ثم إنّهم أتوا أمير المؤمنين صلوات الله عليه ورؤساؤهم زرعة بن البرج الطائي وحرقوص بن زهير التميمي - الذي تقدّم ذكره وهو ذو الثديّة - وقالوا: لا حكم إلا بالله.

فقالعليه‌السلام : كلمة حقّ يراد بها باطل.

قال حرقوص: فتب من خطيئتك، وارجع عن فعلتك(٢) ، واخرج بنا إلى عدوّنا نقاتلهم حتى نلقى ربّنا.

فقالعليه‌السلام : قد أردتكم على ذلك فعصيتموني، وقد كتبنا بيننا وبين القوم كتاباً وشروطاً، وأعطيناهم عليها عهوداً ومواثيقاً، وقد قال الله سبحانه:( وَأوفُوا بِعَهدِ اللهِ إذَا عَاهَدتُم ) (٣) .

فقال حرقوص: فذلك ذنب ينبغي أن تتوب عنه.

فقال أمير المؤمنين: ما هو ذنب، ولكنّه عجز من الرأي، وضعف في العقل، وقد تقدّمت ونهيتكم عنه.

فقال ابن الكوّاء: الآن صحّ عندنا أنّك لستَ بإمام، ولو كنتَ إماماً لما رجعت.

فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : يا ويلكم، قد رجع رسول الله صلّى الله

____________

١ - سورة الحج: ٩.

٢ - في المناقب: قصّتك.

٣ - سورة النحل: ٩١.

عليه وآله عام الحديبيّة عن قتال أهل مكّة، ففارقوا أمير المؤمنينعليه‌السلام وقالوا: لا حكم إلا لله، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وكانوا اثني عشر ألف رجل من أهل الكوفة والبصرة وغيرهما، ونادى مناديهم أنّ أمير القتال شبث بن ربعي، وأمير الصلاة عبد الله بن الكوّاء، والأمر شورى بعد الفتح، والبيعة لله على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وخرجوا من الكوفة إلى المدائن، ثمّ إلى النهروان، واستعرضوا الناس، وقتلوا عبد الله بن خبّاب بن الارت، وكان عامل أمير المؤمنينعليه‌السلام على النهروان.

فقصدهم أمير الؤمنينعليه‌السلام وأرسل إليهم ابن عبّاس، وقال: امض إلى هؤلاء القوم فانظر ما هم عليه، ولماذا اجتمعوا؟ فلمّا وصل إليهم قالوا: ويلك يا ابن عبّاس أكفرت كما كفر صاحبك علي بن أبي طالب؟!

وخرج خطيبهم عتّاب بن الأعور الثعلبي، فقال ابن عبّاس: من بنى الاسلام؟ قال: الله ورسوله.

قال: فالنبيّ أحكم اُموره وبيّن حدوده أم لا؟

قال: بلى.

قال: فالنبيّ بقي في دار الاسلام أم ارتحل؟

قال: بل ارتحل.

قال: فاُمور الشرع ارتحلت معه أم بقيت بعده؟

قال: بل بقيت.

قال: فهل أحد قام بعمارة ما بناه؟

قال: نعم.

قال: من هو؟

قال: الذرّيّة والصحابة.

قال: فعمّروها أم خرّبوها؟

قال: بل عمّروها.

قال: فالآن هي معمورة أم خراب؟

قال: بل خراب.

قال: خرّبها ذرّيّته أم اُمّته؟

قال: بل اُمّته.

قال: أنت من الذرّيّة أم من الاُمّة؟

قال: من الاُمّة.

قال: أنت من الاُمّة وخرّبت دار الاسلام، فكيف ترجو الجنّة؟ - وجرى بينهما كلام كثير - ثمّ حضر أمير المؤمنينعليه‌السلام بمائة رجل، فلمّا قابلهم خرج إليه ابن الكوّاء في مائة رجل، فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : أنشدكم بالله هل تعلمون حيث رفعوا المصاحف فقلتم: نجيبهم إلى كتاب الله، فقلت لكم: إنّي أعلم بالقوم منكم - وذكر مقاله إلى أن قال - فلمّا أبيتم إلى الكتاب اشترطت على الحكمين أن يحييها ما أحيا القرآن، وأن ميتا ما أمات القرآن، فإن حكما بحكم القرآن فليس لنا أن نخالف حكمه، وإن أبيا فنحن منه(١) براء.

__________________

١ - كذا في المناقب، وفي الأصل: منهم.

قالوا: أخبرنا أتراه عدلاً تحكيم الرجال في الدماء(١) ؟

فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : نحن ليس الرجال حكّمنا، وإنّما حكّمنا القرآن، والقرآن إنّما هو خطّ مسطور بين دفّتين لا ينطق، وإنّما يتلكّم به الرجال.

قالوا: فأخبرنا عن الأجل لم جعلته فيما بينك وبينهم؟

قال: ليعلم الجاهل، ويثبت العالم، ولعلّ الله يصلح في هذه المدّة هذه الاُمّة، وجرت بينهم مخاطبات وجعل بعضهم يرجع، فأعطى أمير المؤمنينعليه‌السلام راية أمان مع أبي أيّوب الأنصاري رضي الله عنه. فنادى أبو أيّوب: من جاء إلى هذه الراية، وفارق الجماعة فهو آمن، فرجع منهم ثمانية آلاف رجل فأمرهم أمير المؤمنينعليه‌السلام أن يتميّزوا منهم، وأقام الباقون على الخلاف.

و روي أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام استنفر الناس فلم يجيبوه، فقال:

أمرتكم أمري بمنعرج اللوى

فلم تستبينوا النصح إلا ضحى الغدِ

ثمّ استنفرهم فنفر معه ألفا رجل يقدمهم عديّ بن حاتم وهو يقول:

إلى شرّ خلق من شراة تحزّبوا

وعادوا إله الناس ربّ المشارق

 ثمّ توجّه أمير المؤمنين نحوهم، وكتب إليهم على يد(٢) عبد الله بن أبي عقب، وفيها: والسعيد من سعدت به رعيّته، والشقيّ من شقيت به رعيّته، وخير

____________

١ - كذا في المناقب، وفي الأصل: الدنيا.

٢ - في المناقب: يدي.

الناس خيرهم لنفسه، وشرّ الناس شرّهم لنفسه، وليس بين الله وبين أحد قرابة، و( كُلُ نَفسٍ بِمَا كَسَبَت رَهِينَةٌ ) (١) .

فلمّا وصل إليهم أمير المؤمنينعليه‌السلام استعطفهم فأبوا إلا قتاله، وتنادوا أن دعوا مخاطبة عليّ وأصحابه وبادروا إلى الجنّة، وصاحوا: الرواح الرواح إلى الجنّة، وأمير المؤمنين يعبّئ أصحابه ونهاهم أن يتقدّم إليهم أحد.

فكان أوّل من تقدّم من الخوارج أخنس بن العيزر(٢) الطائي، وجعل يقول:

ثمانون من حيي جديلة قـتّـلوا

على النهر كانوا يخضبون العواليا

ينـادون لا لا حكم إلا لـربّنـا

حنـانـيك فاغفر حوبنا والمساويا

هم فارقوا من جار في الله حكمه

فكلّ إلـى(٣) الرحمن أصبح ثاويا

فقتله أمير المؤمنينعليه‌السلام .

وخرج عبد الله بن وهب الراسبي، وقال:

أنا ابن وهب الراسبي الشاري

أضرب في القوم لأخذ الثار

حتـى تـزولـه دولة الأشرار

ويرجـع الحقّ إلى الأخيار

فقُتل.

وخرج مالك بن الوضّاح قائلاً:

إنّي لبائع ما يفنى بباقية

ولا اُريد لدى الهيجاء تربيضا

____________

١ - سورة المدّثر: ٣٨.

٢ - في المناقب: العيزار، وفي البحار: العزير.

٣ - في المناقب: على.

و خرج إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام الوضّاح بن الوضّاح من جانب، وابن عمّه حرقوص من جانب، فقتل الوضّاح، وضرب ضربة على رأس حرقوص فقطعه، ووقع [ رأس ](١) سيفه على الفرس فشرد وأرجله في الركاب حتى أوقعه في دولاب خراب فصارت الحروريّة كرمادٍ اشتدّت به الريح في يوم عاصفٍ.

وكان المقتولون من عسكر أمير المؤمنينعليه‌السلام : رؤبة بن وبر البجلي، ورفاعة بن وائل الأرحبي، والفياض بن خليل الأزدي، وكيسوم بن سلمة الجهني، وحبيب بن عاصم الأزدي، إلى تمام تسعة، وانفلت من الخوارج تسعة، كما أخبر أمير المؤمنينعليه‌السلام في بدء الأمر، فقال: إنّهم لا يقتلون منّا عشرة، ولا يسلم منهم عشرة.(٢)

أبو نعيم الأصفهاني: عن سفيان الثوري أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام أمر أن نفتّش على المُخدَج بين القتلى وفلم نجده.

فقال رجل: والله ما هو فيهم.

____________

١ - من المناقب.

٢ - انظر: الكامل للمبرّد: ٣ / ١٠٢، مقتل الامام أمير المؤمنين لابن أبي الدنيا: ٢٢، الفتوح لابن أعثم: ٤ / ١٢٠، الهداية الكبرى: ١٣٧، كمال الدين: ١ / ١٢٠، نهج البلاغة: ٩٣ خطبة رقم ٥٩، المحاسن والمساوئ: ٣٨٥، السنن الكبرى للبيهقي: ٨ / ١٥٨، تاريخ بغداد: ١٤ / ٣٦٥، مناقب ابن المغازلي: ٤٠٦، البدء والتاريخ: ٥ / ٢٢٤، مناقب الخوارزمي: ٢٦٣ ح ٢٤٥، شرح نهج البلاغة: ٢ / ٢٧٣، إعلام الورى: ١٧٣، الخرائج والجرائح: ١ / ٢٢٨، الكامل في التاريخ: ٣ / ٣٤٥، مطالب السؤول: ١٣٢، الفخري: ٩٥، كشف الغمّة: ١ / ٢٧٤، مشارق أنوار اليقين: ٨٠، مجمع الزوائد: ٦ / ٢٤١، كنز العمّال: ١١ / ٢٩٠.

فقال صلوات الله عليه: والله ما كذبت ولا كذّبت.

و روي(١) أنّ أمير المؤمنين قال: اطلبوا المُخدَج.

فقالوا: لم نجده.

فقال: والله ما كذبت ولا كذّبت، يا عجلان: ائتني ببغلة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فأتاه بالبغلة، فركبها وجال في القتلى، [ ثم ](٢) قال: اطلبوه هاهنا.

قال: فاستخرجوه من تحت القتلى في نهر وطين، فسجد أمير المؤمنين شكراً لله.

تاريخ القمّي: إنّه رجل أسود، عليه قريطق، مُخدَج اليد(٣) ، أحد ثدييه كثدي المرأة، عليه شعيرات مثل شعيرات تكون على ذنب اليربوع(٤) .

وفي مسند الموصلي: حبشيّ [ مثل البعير ](٥) في منكبه مثل ثدي المرأة، فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : صدق الله ورسوله.

وروي أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام قال: من يعرف هذا؟ فلم يعرفه أحد.

____________

١ - انظر: سنن أبي داود: ٤ / ٢٤٥، صحيح مسلم: ٧٤٩ ذح ١٥٦.

٢ - من المناقب.

٣ - قريطق: تصغير قرطق، وهو قباء. ومُخدَجُ اليد: ناقصها.

٤ - اليَربوعُ: حيوان صغير على هيئة الجُرَذ الصغير، وله ذنب طويل ينتهي بخصلة من الشعر، وهو قصير اليدين طويل الرجلين. « المعجم الوسيط: ١ / ٣٢٥ ».

٥ - من المناقب.

فقال رجل: أنا رأيت هذا بالحيرة فقلت: إلى أين تريد؟

فقال: هذه، وأشار إلى الكوفة، وما لي بهذا(١) معرفة.

فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : صدق، هو من الجانّ.

و في رواية: هو من الجنّ.

وفي مسند الموصلي: من زعم من الناس أنّه رآه قبل مصرعه فهو كاذب.

وفي مسند أحمد: إنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام قال: أما إنّه أخبرني خليلي بثلاثة إخوة من الجنّ هذا أكفرهم(٢) ، والثاني له جمع كثير، والثالث فيه ضعف.

وفي رواية عن سعد بن أبي وقّاص: هو شيطان الردهة(٣) .

وإلى هذا أشار أمير المؤمنين في خطبته القاصعة(٤) : ألا وقد أمرني الله سبحانه بقتال أهل البغي والنكث والفساد في الأرض، فأمّا الناكثون فقد قاتلت، وأمّا القاسطون فقد جاهدت، وأمّا المارقة فقد دوّخت، وأمّا شيطان الردهة فقد كفيته بصعقةٍ سمعت لها وجبة قلبه ورجّة صدره(٥) .

____________

١ - في المناق: بها.

٢ - في المناقب: أكبرهم.

٣ - الرَدهة: النُقرة في الجبل قد يجتمع فيها الماء، وشيطان الرَدهة: ذو الثَدِيّة وُجِد مقتولاً في ردهة.

٤ - نهج البلاغة: ٢٩٩ - ٣٠٠ خطبة رقم ١٩٢.

٥ - الصَعقة: الغشيّة تصيب الانسان من الهول. ووجبة القلب: اضطرابه وخفقانه. ورجّة الصدر: اهتزازه وارتعاده.

[ للحميري: ](١)

إنّي أدينُ بما دان الوصيُّ به

يوم الخُرَيبة(٢) من قتل المحلّينا

وما به دان يوم النهر دنت به

وبايعت كَفّه كفّي بصفّينا

في سفكِ ما سفكت فيها إذا حضروا

وأبرزَ الله للقسط المَوازينا

تلك الدماء معاً يا ربّ في عنقي

ثمّ اسقِني مثلَها آمينَ آمينا(٣)

ا لحميري:

ومارقة في دينهم فارقوا الهدى

ولم يأتلوا بغياً عليه وحكّموا

سطوا بابن خبّاب وألقى بنفسه

وقتل ابن خبّاب عليهم محرّم

فلمّا أبوا في الغيّ إلا تمادياً

سما لم عبل الذراعين ضيغم

فأضحوا كعادٍ أو ثمود كأنّما

تساقوا عقاراً أسكرتهم فنوّموا(٤)

ثمّ لمّا انقضى أمر الخوارج عليهم اللعنة خاض الناس في أمر الحكمين، فقال بعض الناس، ما يمنع أمير المؤمنينعليه‌السلام أن يأمر بعض أهل بيته فيتكلّم؟

فقال للحسنعليه‌السلام : قم فتكلّم في هذين الرجلين: عبد الله بن قيس، وعمرو بن العاص.

____________

١ - من المناقب.

٢ - الخريبة: موضع بالبصرة كانت فيه واقعة الجمل.

٣ - العقد الفريد: ٣ / ٢٨٥، الأغاني: ٧ / ٢٧٣، أعيان الشيعة: ٣ / ٤١٦، ديوان السيّد الحميري: ٤١٨.

٤ - ديوان السيّد الحميري: ٣٧٢.

فقام الحسنعليه‌السلام ، فقال: أيّها الناس، إنّكم قد أكثرتم في أمر عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص، وإنّما بعثناهما(١) ليحكما بكتاب الله فحكما بالهوى على الكتاب، ومن كان هكذا لم يسمّ حكماً ولكنّه محكوم عليه، وقد أخطأ عبد الله بن قيس إن أفضى(٢) بها إلى بعد الله بن عمر، فأخطأ في ذلك في ثلاث خصال: في أنّ أباه لم يرضه لها، وفي أنّه لم يستأمره، وفي أنّه لم يجتمع عليه الأنصار والمهاجرون الذين نفذوها لمن بعده، وإنّما الحكومة فرض من الله، وقد حكّم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله سعداً في بني قريظة لحكم فيهم بحكم الله لا شكّ فيه، فأنفذ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حكمه ولو خالف ذلك لم يجزه، ثمّ جلس.

ثمّ قال أمير المؤمنينعليه‌السلام لابن عبّاس: قم فتكلّم.

فقا م، وقال: أيها الناس، إنّ للحقّ أهلاً أصابوه بالتوفيق والناس بين راضٍ به وراغب عنه، وإنّما بعث عبد الله بن قيس لهدىً من ضلالة، وبعث عمرو لضلالة من هدى(٣) ، فلمّا التقيا رجع عبد الله عن هداه وثبت عمرو على ضلالته، والله لئن حكما بالكتاب لقد حكما عليه، وإن حكما بما اجتمعا عليه معاً ما اجتمعا على شيء، وإن كانا قد حكما بما سارا إليه لقد سار عبد الله وإمامه عليّ، وسار عمرو وإمامه ومعاوية، فما بعد هذا من غيب ينتظر، ولكنّهم سئموا الحرب وأحبّوا البقاء، ودفعوا البلاء، ورجا كلّ قوم صاحبهم.

____________

١ - في المناقب: بعثا.

٢ - في المناقب: أوصى.

٣ - في المناقب: بهدى إلى ضلالة بضلالة إلى الهدى.

ثم قالعليه‌السلام لعبد الله بن جعفر: قم فتكلّم.

فقام عبد الله، وقال: أيها الناس، إنّ هذا الأمر كان النظر فيه إلى عليّعليه‌السلام والرضى فيه لغيره فجئتم بعبد الله بن قيس فقلتم: لا نرضى إلا بهذا فارض به فإنّه رضانا، وأيم الله ما استفدنا علماً، ولا انتظرنا منه غائباً، ولا أمّلنا ضعفه، ولا رجونا به صاحبه، ولا أفسدا بما عملا العراق، ولا أصلحا الشام، ولا أماتا حقّ عليّ، ولا أحييا باطل معاوية، ولا يذهب الحقّ رقية راقٍ ولا نفحة الشيطان، وإنّا اليوم على ما كنّا عليه أمس، وجلس.

و من كلام أمير المؤمنينعليه‌السلام (١) : ألاّ ومن دعا إلى هذا الشعار(٢) فاقتلوه، ولو كان تحت عمامتي هذه، فإنّما حُكّم الحكمان ليحييا ما أحيى القرآن، ويميتا ما أمات القرآن، وإحياؤه الاجتماع عليه، وإماتته الافتراق عنه، فإن جرّنا القرآن إليهم اتّبعناهم، وإن جرّهم إلينا اتّبعونا، فلم آت - لا أبا لكم - بُجراً، ولا ختلتكم عن أمركم، ولا لبّسته(٣) عليكم، إنّما اجتمع رأي ملئِكم على اختيار رجلين، أخذنا(٤) عليهما ألاّ يعتدّيا القرآن، فتاها عنه، وتركا الحقّ وهما يبصرانه، فكان الجور هواهما فمضيا عليه، وقد سبق استثناؤنا

____________

١ - نهج البلاغة: ١٨٥ خطبة رقم ١٢٧.

٢ - الشِعار: علامة القوم في الحرب والسفر، وهو ما يتنادون به ليعرف بعضهم بعضاً.

٣ - البُجر: الشرّ والأمر العظيم. وختلتكم: خدعتكم. والتلبيس: خلط الأمر وتشبيهه حتى لا يعرف. وفي الأصل: لأ أبا لكم بجواب، لا قلبّنكم عن أمركم، ولا لبسنّه عليكم. وما أثبتناه في المتن وفقاً للنهج.

٤ - كذا في النهج، وفي الأصل: أخذتما.

عليهما - في الحكومة بالعدل والصمد(١) للحقّ - سوء رأيهما، وجور حكمهما.

ثم إنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام خطب الخطبة المذكورة في نهج البلاغة(٢) من كلامهعليه‌السلام الّذي رواه نوف البكالي أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام خطب بها قائماً على حجارةٍ نصبها له جعدة بن هبيرة المخزومي وهو ابن اُخت أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وهي التي أوّلها: الحمد لله الذي إليه مصائر الخلق، وعواقب الأمر، إلى آخرها، فلمّا فرغ من خطبتهعليه‌السلام نادى بأعلا صوته: الجهاد الجهاد عباد الله، ألا وإنّي معسكر في يومي هذا، فمن أراد الرواح إلى الله تعالى فليخرج.

قال نوف: وعقد للحسينعليه‌السلام في عشرة آلاف، وللحسن في عشرة آلاف، ولقيس بن سعد في عشرة آلاف، ولأبي أيّوب الأنصاري في عشرة آلاف، ولغيرهم على أعدادٍ اُخر وهو يريد الرجعة إلى صفّين، فما دارت الجمعة حتى ضربه ابن ملجم لعنة الله عليه، فتراجعت العساكر، فكنّا كأغنامٍ فقدت راعيها تتخطّفها الذئاب من كلّ مكان.(٣)

قلت: ولمّا تفكّرت في هذه العصابة المارقة عن الدين، الخارجة عن الحق المبين، التي كفى الله المؤمنين فتنتها، وأدحض حجّتها، واستأصل شأفتها، وأوضح فسادها، وبيّن إلحادها، على لسان لسانه الناطق، وأمينه الصادق، خير الخلق بعد نبيّ الله، وأعلمهم بصفات الله، وأقومهم بحدود الله، نظمت هذه

____________

١ - الصمد: القصد.

٢ - نهج البلاغة: ٢٦٠ خطبة رقم ١٨٢.

٣ - مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ١٨٧ - ١٩٤، عنه البحار: ٣٣ / ٣٨٨ - ٣٩٤ ح ٦١٨ من قوله: « ثمّ إنّهم أتوا أمير المؤمنين صلوات الله عليه ».

ا لأبيات تقرّباً إلى الله بلعنتهم وسبّهم، ووشحت نظامي بذمّهم وثلبهم، وأوضحت من مساوئهم، وكشفت عن مخازيهم، وخاطبتهم خطاب المجاهد المناجز، وقاتلتهم مقاتلة المصاول المبارز، وجرّدت عضب لساني من عمد مقولي، وطعنت بعامل نظامي في أعداء معاذي وموئلي، قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، أعلى من فاز بالمعلّا من قول ربّ العالمين:( وَكَأَيِّن مِن نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُم فِي سَبيلِ اللهِ وَمَا ضَعَفُوا وَمَا استَكَانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ) (١) .

يا اُمّة فـارقـت منـهاج هاديـهـا

وأوضعت بوجيف فـي مغاويها

وأصبحت عن طريق الحقّ خارجـة

كالنّبل تمرق من مـحني راميها

سوق العسوف بـها قامـت فأنفسـها

بالسيف اُرخص منها سعر غاليها

ما ان شرى الله منها أنـفساً زهقـت

في النهروان بل الشيطان شاريها

عن نور شمس الهدى أبصارها برقت

إذ البصائر فرط الجهل معشيـها

زلّت مطالبهـا ضلّـت مـذاهـبـها

عمّت مصائبها خابت مساعيهـا

ترى حـرورا بهـا معـنى لأعظمها

لمّا غدا البغي نحو الحتف داعيها

رامت على الحق أن تعـلو بشـبهتها

فانهدّ بنيانهـا وانحـطّ عاليـها

تنكّبت عن طريق الرشـد وارتكـبت

سبل الضلال فأضحى حتفها فيها

بسيف أعلا الورى جـدّاً وأشـرفـها

جدّاً وأعظمـها مـجداً وواليـها

وخير من فـرض الـلـه الـولاء له

على الخلائـق دانيـها وقاصيها

وأعظم النـاس قـدراً بـل وأسمحهم

كفّاً وأجـملهم وصفـاً وبـنويها

أخ الرسـول وفاديـه بـمهـجتـه

وخير اُمّـته طـرّاً وقـاضيـها

__________________

١ - سورة آل عمران: ١٤٦.

ومن إذا أشـكلت فـي الدين معضلة

فهو الـذي بقـضايـاه يـجليـها

في محكم الذكر كـم في مدحه نطقت

آياته وجـــلت عنـه مـعانيـها

عن حاز بالبضعة الزهـراء مكرّمة

دون الـعبـاد فـلا خلـق يدانيها

الله زوّجـهـا والـروح شـاهـدها

أكرم بشـاهدها أعـظم بـواليها

نثار طوبى لـحسـد العـرس يومئذٍ

كان النـثار فـيا طوبـى مواليـها

في سورة الدهر حاز الفخر من مدحٍ

في شأنه انزلت سبحـان مـنشيـها

حتى القيامة تـتلى فـي خصائصه

يسرّ قلب اُولي الايـمـان تـاليـها

يا من يــروم بلا عـلم مراتـبه

أقدام رومـك زلـّت عـن مراقيها

أبالاُصول التي شاعت فضـائحـها

أم بالفروع التي جمـّت مخـازيـها

ترجو بجهلك يا مــغرور منـزلة

من المهيـمن لا ترقـى مـعاليـهـا

منّتك نفـسك سلطانـاً مـناصبـه

لا يستطيع خبيث الأصـل يأتيـهـا

هي الخـلافة بالنصّ الجليّ من الله

الجـليـل فـما اعلى مبـانيـهـا

فصل

في مقتله صلوات الله وسلامه عليه، وما ورد فيه من الأحاديث

الصحيحة عن أئمّة الهدى وغيرهم من أهل العلم.

روى الشيخ محمد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّي رضي الله عنه بإسناد صحيح متّصل إلى عليّ بن الحسن بن فضال، عن أبيه، عن أبي الحسن الرضا علي بن موسى، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي، عن أبيه أمير المؤمنين صلوات الله عليهم أجمعين، قال: خطبنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ذات يوم - قلت: وربّما كانت هذه الخطبة آخر جمعة من شهر شعبان - فقال: أيها الناس، قد أظلّكم هر الله بالبركة والرحمة والمغفرة، شهر هو عند الله أفضل الشهور، وأيّامه أفضل الأيّام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات.

شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله، وجعلتم من أهل كرامة الله، أنفاسكم فيه تسبيح، ونومكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول، ودعاؤكم فيه مستجابٌ، فاسألوا الله ربّكم بنيّات صادقة وقلوب طاهرة أن يوفّقكم لصيامه وتلاوة كتاب الله فيه، فإنّ الشقيّ من حرم غفران الله في هذا الشهر العظيم - إلى تمام الخطبة، ذكرها الشيخ المذكور رضي الله عنه في أماليه، إلى أن قال: - أيها الناس، إنّ

أ بواب الجنان مفتّحة في هذا الشهر الشريف فاسألوا ربّكم أن لا يغلقها عليكم، وأبواب النيران مغلقة في هذا الشهر الشريف فاسألوا ربّكم أن لا يفتحها عليكم، والشياطين مغلولة فاسألوا ربّكم ألاّ يسلّطها عليكم.

قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : فقمت وقلت: يا رسول الله، ما أفضل الأعمال في هذا الشهر الشريف؟

فقال: يا أبا الحسن، أفضل الأعمال في هذا الشهر الورع عن محارم الله عزّ وجلّ، ثمّ بكى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقلت: يا رسول الله، ما يبكيك؟

قال: أبكي لما يستحلّ منك في هذا الشهر، كأنّي بك وأنت تصلّي ربّك، وقد انبعثت أشقى الأوّلين وأشقى الآخرين، شقيق(١) عاقر ناقة ثمود، فضربك على قرنك ضربة خضب منها لحيتك.

قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : فقلت: يا رسول الله، أفي سلامة من ديني؟

فقال: في سلامة من دينك.

ثم قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا عليّ من قتلك فقد قتلني، ومن أبغضك فقد أبغضني، ومن سبّك فقد سبّني، لأنّك منّي كنفسي، روحك من روحي، وطينتك من طينتي، إنّ الله سبحانه خلقني وإيّاك، واصطفاني وإيّاك، واختارني للنبوّة، واختارك للامامة، فمن أنكر إمامتك فقد أنكر نبوّتي.

يا عليّ، أنت وصيّي، وأبو ولدي، وزوج ابنتي، وخليفتي على اُمّتي في

__________________

١ - كذا في الأمالي، وفي الأصل: شبيه.

حياتي وبعد موتي، أمرك أمر، ونهيك نهيي، اُقسم بالذي بعثني بالنبوّة وجعلني خير البريّة إنّك لحجّة الله على خلقه، وأمينه على سرّه(١) ، وخليفته على عباده(٢) .

تفسير وكيع والسدّي وسفيان وأبي صالح: أنّ عبد الله بن عمر قرأ قوله تعالى:( أوَلَم يَرَوا أنَّا نَأتِي الأَرضَ نَنقُصهَا مِن أَطرَافِهَا ) (٣) قال: هو يوم قتل فيه أمير المؤمنينعليه‌السلام ، ثم قال: يا أمير المؤمنين، لقد كنتَ الطرف الأكبر في العلم، اليوم نقص علم الاسلام، ومضى ركن الايمان.

وروى الزعفراني، عن المزني، عن الشافعي(٤) ، عن مالك، [ عن سمّي، ](٥) عن أبي صالح، قال: لمّا قتل عليّ بن أبي طالب قال ابن عبّاس: هذا اليوم نقص العلم والفقه من أرض المدينة، ثمّ قال: إنّ نقصان الأرض نقصان علمائها وخيار أهلها، إنّ الله لا يقبض هذا العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الرجال، لكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتّخذ الناس دوننا(٦) جهّالاً، فيسألوا فيفتوا بغير علم، فضلّوا وأضلّوا.

سعيد بن جيبر، عن ابن عبّا س في قوله سبحانه:( رَبِّ اغفِر لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيتِي مُؤمِناً ) وقد كان قبر أمير المؤمنينعليه‌السلام مع نوح في

__________________

١ - كذا في الأمالي، وفي الأصل: بريّته.

٢ - أمالي الصدوق: ٨٤ ح ٤، عيون أخبار الرضاعليه‌السلام : ١ / ٢٩٥ ح ٥٣، فضائل الأشهر الثلاثة: ٧٧ ح ٦١، عنها البحار: ٩٦ / ٣٥٦ ح ٢٥.

وأخرجه في البحار: ٤٢ / ١٩٠ ح ١ عن الأمالي والعيون.

٣ - سورة الرعد: ٤١.

٤ - كذا في المناقب، وفي الأصل: وروى المازني عن الشافعي.

٥ - من المناقب.

٦ - في المناقب: رؤساء.

السفينة، فلمّا خرج من السفينة ترك قبره خارج الكوفة، فسأل نوح ربّه المغفرة لعليّ وفاطمة قوله:( وَلِلمُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ ) ، ثم قال:( وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ - لآل محمد -إلَّا تَبَاراً ) (١) .

وروي أنّه نزل فيه - أي في قاتل عليّ -:( وَسَيَعلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (٢) .

وروى أبو بكر بن مردويه في فضائل أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وأبو بكر الشيرازي في نزول القرآن، أنّه قال سعيد بن المسيّب: كان أمير المؤمنين يقرأ:( إذ انبعثَ أشقاها ) (٣) قال: والذي نفسي بيده لتخضبنّ هذه من هذا - وأشار بيده إلى رأسه ولحيته -(٤) .

وروى الثعلبيّ والواحديّ بإسنادهما عن عمّار وعن عثمان بن صهيب وعن الضحّاك. وروى ابن مردويه بإسناده عن جابر بن سمرة وعن صهيب وعن عمّار وعن ابن عديّ وعن الضحّاك. والخطيب في التاريخ عن جابر بن سمرة. وروى الطبري والموصلي عن عمّار. وروى أحمد بن حنبل عن الضحّاك أنّه قال(٥) النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا عليّ، أشقى الأوّلين عاقر ناقة ثمود، وأشقى الآخرين قاتلك.

__________________

١ - سورة نوح: ٢٨.

٢ - سورة الشعراء: ٢٢٧.

٣ - سورة الشمس: ١٢.

٤ - نعى أمير المؤمنينعليه‌السلام نفسه كثيراً، انظر: الأحاديث الغيبيّة: ٢ / ١٣٢ - ١٥٠ ح ٤٢٧ - ٤٤١.

٥ - كذا في المناقب، وفي الأصل: وروى الثعلبيّ والواحديّ بإسنادهما عن عمّار وجابر بن سمرة عن عمّار أنّه قال.

و في رواية: من يخضّب هذه من هذا.

وروى الحسن البصري أنّهعليه‌السلام سهر في تلك الليلة الّتي ضرب فيها ولم يخرج لصلاة الليل على عادته، فقالت اُمّ كلثوم: ما هذا السهر؟

قال: إنّي مقتول لو قد أصبت.

فقالت: مر جعدة فليصلّ بالناس.

[ قال: نعم، مروا جعدة ليصلّ ](١) ، ثمّ مرّ وقال: لا مفرّ من الأجل، وخرج قائلاً:

خلّوا سبيل الجاهد المجاهد

في الله ذي الكتب وذي المشاهد

في الله لا يعبد غير الواحد

ويوقظ النـاس إلى المســاجد

وروي أنّهعليه‌السلام سهر في تلك الليلة فأكثر الخروج والنظر إلى السماء، وهو يقول: والله ما كذبت ولا كذّبت، وإنّها الليلة التي وعدت بها، ثمّ يعاود مضجعه، فلمّا طلع الفجر نادى ابن النباح(٢) : الصلاة، فقام فاستقبلته الإوزّ، فصحن في وجهه، فقال: دعوهنّ، فإنّهنّ صوائح تتبعها نوائح، وتعلّقت حديدة غلق(٣) الباب بمئزره، فشدّ إزاره وهو يقول:

اُشدد حيازيمك للموت

فإنّ الموت لاقيك

ولا تجزع من الموت

إذا حلّ بنـاديـك

____________

١ - من المناقب.

٢ - في المناقب: ابن التياح.

٣ - في المناقب على.

فقد أعرف أقواماً

وإن كانوا صعاليك(١)

مساريع إلى الخير

وللشرّ متـاريـك(٢)

أبو صالح الحنفي: قال: سمعت عليّاًعليه‌السلام يقول: رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في منامي، فشكوت إليه ما لقيت من اُمّته من الأود واللدد(٣) ، وبكيت، فقال: لا تبك يا عليّ، والتفتَ والتفتُّ، فإذا رجلان مصفّدان، وإذا جلاميد ترضخ بها رؤوسهما.

و روي أنّهعليه‌السلام قال لابنته اُمّ كلثوم: يا بنيّة، إنّي أراني قلّ ما أصحبكم.

قالت: وكيف ذاك يا أبتاه؟

قال: رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في المنام وهو يمسح الغبار عن وجهي، ويقول: يا عليّ، لا عليك قضيت ما عليك.

قالت: فما مكثنا حتى ضرب في تلك الليلة.

وروي أنّه قال: يا بنيّة، إنّي رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يشير إليّ بكفّه، ويقول: يا علي، إلينا، فإنّ ما عندنا خير لك.

أبو مخنف الأزدي، وابن راشد، والرفاعي، والثقفي جميعاً، قالوا: لمّا رجع أمير المؤمنينعليه‌السلام من حرب الخوارج وقتلهم الله على يده، وأنجز ما وعده، اجتمع في مكّة جماعة من الخوارج فقالوا: إنّا شرينا أنفسنا لله فلو

____________

١ - الصعاليك: جمع الصعلوم، وهو الفقير، الضعيف.

٢ - انظر خصائص الأئمّةعليهم‌السلام : ٦٣.

٣ - الاود: الاعوجاج. اللدد: الخصومة.

أ تينا أئمّة الضلال، وطلبنا غِرّتهم أرحنا العباد والبلاد منهم.

فقال عبد الرحمان بن ملجم لعنه الله: أنا أكفيكم عليّاً، وقال الحجّاج بن عبد الله السعدي الملقّب بالبُرَك: أنا أكفيكم معاوية، وقال عمرو بن بكر التميمي: أنا أكفيكم عمرو بن العاص، واتّعدوا ليلة التاسع عشر من شهر رمضان، ثمّ تفرّقوا، فدخل ابن ملجم الكوفة فرأى رجلاً من تيم الرباب عند قَطام التميميّة، وكان أمير المؤمنينعليه‌السلام قتل أباها الأخضر وأخاها الأصبغ بالنهروان فشغف بها، وخطبها فأجابته بمهر ذكره العبدي في كلمته:

فلم أر مهراً ساقـهُ ذو سمـاحةٍ

كمهر قَطام مـن فصيـح وأعجم

ثـلاثـة آلافٍ وعبـدٌ وقَـينَةٌ

وقتل(١) عليّ بالحـسام الـمسمّم

فلا مهر أغلى من عليّ وإن غلا

ولا فتك إلا دون فتك(٢) ابن ملجم

فقبل ابن مُلجَم ذلك، ثمّ قال: يا ويلك، ومن يقدر على قتل عليّ، وهو فارس الفرسان، ومغالب الأقران، والسبّاق إلى الطعان؟ وأمّا المال فلا بأس عليّ منه.

قالت: اقبل، فقبل، وقال لها: إنّي ما أتيت هذه البلدة إلا لذلك، ولم اُظهر ذلك لأحد إلا لك.

قالت: فإنّي أرسل إلى جماعة رأيهم رأيك في ذلك، فبعثت إلى ابن عمّ لها يقال له وردان(٣) بن مجالد التميمي وسألته معونة ابن ملجم، واستعان ابن ملجم بشبيب بن بَجَرة، وأعانه رجل من وكلاء عمرو بن العاص فأطعمتهم

__________________

١ - في المناقب: وعبدٌ وفتية وضرب عليّ.

٢ - في المناقب: ولا قتل الا دون قتل.

٣ - كذا في المناقب، وفي الأصل: ورقاء.

اللوزينج والجوزينق وسقتهم الخمر العكبري، فنام شبيب وتمتّع ابن ملجم معها، ثمّ قامت فأيقظتهم وعصبت صدورهم بحرير، وتقلّدوا أسيافهم.

و قيل: إنّ ابن ملجم قال لها: أترضين منّي بضربة واحدة؟

قالت: نعم، ولكن اعطني سيفك، فأعطاها فأمست ملطّخة بالسمّ، ثمّ مضوا وكمنوا له مقابل السدّة، وحضر الأشعث بن قيس لمعونتهم، وقال لابن ملجم: النجا النجا لحاجتك، فقد فضحك الصبح، فأحسّ حجر بن عديّ بما أراد الأشعث، فقال: قتلته يا أشعث، وخرج مبادراً ليمضي إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فدخل المسجد فسبقه ابن ملجم فضربه بالسيف.

وعن عبد الله بن محمد(١) الأزدي، قال: أقبل أمير المؤمنينعليه‌السلام ينادي: الصلاة الصلاة، فإذا هو مضروب، وسمعت قائلاً يقول: الحكم لله يا عليّ لا لك ولا لأصحابك، وسمعت عليّاً يقول: فزت وربّ الكعبة، ثمّ قال: لا يفوتنّكم الرجل.

وكان قد ضربه شبيب فأخطأه ووقعت ضربته في الطاق، ومضى هارباً حتى دخل منزله ودخل عليه ابن عمّ له فرآه يحلّ الحرير عن صدره، فقال: لعلّك قتلت أمير المؤمنين؟ فاراد أن يقول: لا، فقال: نعم، فقتله الأزدي.

وأمّا ابن ملجم فإنّ رجلاً من همدان لحقه وطرح عليه قطيفة وصرعه.

وانسلّ الثالث بين الناس وأتوا بابن ملجم إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فقال: النفس بالنفس، إن أنا متّ فاقتلوه كما قتلني، وإن سلمت رأيت فيه رأيي.

وفي رواية: إن عشت رأيت فيه رأيي، وإن هلكت فاصنعوا به ما يفعل

____________

١ - في المناقب: محمد بن عبد الله.

بقاتل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فسئل: ما معناه؟

فقال: اقتلوه، ثمّ حرّقوه بالنار.

فقال ابن ملجم: لقد ابتعته بألفٍ وسممته بألف، فإن خانني فأبعده الله، ولقد ضربته ضربة لو قسّمت بين أهل الأرض لأهلكتهم.

وفي محاسن الجوابات عن الدينوريّ: أنّ ابن ملجم قال: لقد سألت الله أن يقتل به شرّ خلقه.

فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : لقد أجاب الله دعوتك، يا حسن، إذا متّ فاقتله بسيفه.

روي أنّهعليه‌السلام قال: أطعموه واسقوه وأحسنوا إساره، فإن أصحّ فأنا وليّ دمي، إن شئت عفوت، وإن شئت استنفذت، وإن هلكت فاقتلوه.

وروي أنّه لمّا ضرب أمير المؤمنينعليه‌السلام وسمعوا قوله: فزت وربّ الكعبة، وارتفع الصياح في المسجد: قُتِل أمير المؤمنين، أقبل أهل الكوفة رجالاً ونساءً بالمصابيح، فوجدوا أمير المؤمنينعليه‌السلام مطروحاً في محرابه، فارتفعت أصوات الناس بالبكاء والنحيب.

وأقبل الحسن والحسين، فلمّا رأيا أمير المؤمنين وقعا على قدميه وأعلنا بالبكاء والنحيب، وأقبلت بنات أمير المؤمنين مشقّقات الجيوب، وجعل أمير المؤمنين يأخذ الدم من رأسه ويلطّخ وجهه ومحاسنه، ويقول: هكذا ألقى الله، هكذا ألقى رسول الله، هكذا ألقى فاطمة، هكذا ألقى جعفر الطيّار، وسمع أمير المؤمنين بكاء بناته، فقال: احملوني إلى المنزل لاُودّع بناتي وأهلي،

فوضع إحدى يديه على كتف الحسن، والاُخرى على كتف الحسين، ومضيا به إلى حجرته ورجلاه تخطّان الأرض، وقد علا لونه الاصفرار، ولمّا وصل إلى الحجرة تنفّس الصبح، فقال: يا صبح، اشهد لي عند ربّك أنّني منذ كفلني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله طفلاً إلى يومي هذا ما طلعتَ عليّ وأنا نائم أبداً، ثمّ قال: اللّهمّ اشهد وكفى بك شهيداً أنّي لم أعص لك أمراً، ولا تركت فرضاً، ولا خطر في بالي ما يخالف أمرك.

وروى ابن نباتة في خبر أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام قال: لقد ضربت في الليلة الّتي قبض فيها يوشع بن نون، ولاُقبضنّ في الليلة التي رفع(١) فيها عيسىعليه‌السلام .

عن الحسنعليه‌السلام في خبر: ولقد صعد بروحه في الليلة الّتي صعد فيها بروح يحيى بن زكريّاعليهما‌السلام .

وكان عبد الرحمان بن ملجم لعنه الله في عداد مراد. قال ابن عبّاس: من نسل قدار عاقر ناقة صالح، وقصّتهما واحدة، لأنّ قدار عشق امرأة يقال لها رباب كما عشق ابن ملجم قطاماً.

وسُمِعَ ابن ملجم يقول: لأضربنّ عليّاً بسيفي هذا، فذهبوا به إليهعليه‌السلام ، فقال: ما اسمك؟

قال: عبد الرحمان بن ملجم.

قال: نشدتك بالله عن شيء تخبرني به؟

قال: نعم.

__________________

١ - كذا في المناقب، وفي الأصل: قبض.

قال: هل مرّ بك رجل متوكّئاً على عصا وأنت في الباب فمشقك بعصاه، ثم قال: بؤساً لك يا أشقى من عاقر ناقة ثمود؟

قال: نعم.

قال: هل كان الصبيان يسمّونك ابن راعية الكلاب؟

قال: نعم.

وروي انّه أتى ابن ملجم أمير المؤمنينعليه‌السلام يبايعه فردّه مرتين أو ثلاثاً، ثمّ بايعه وتوثّق منه إلا يغدر ولا ينكث، فقال: والله ما رأيتك تفعل هذا بغيري.

فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : امض يا ابن ملجم، فوالله لتخضبنّ هذه من هذا - وأشار إلى لحيته ورأسه -.

وروي أنّ ابن ملجم أتى أمير المؤمنينعليه‌السلام يستحمله، فقال: يا غزوان احمله على الأشقر، ثمّ قالعليه‌السلام :

اُريد حياته ويريد قتلي

عذيري من خليلي(١) من مراد(٢)

وروي أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام كان كثيراً ما يقول: ما يمنع أشقاها؟ أو ما ينتظر أشقاها أن يخضب هذه من دم هذا؟ وكان يقول: والله ليخضبنّ هذه من دم هذا، ثمّ يشير إلى لحيته ورأسه خضاب دم لا خضاب عطر ولا عبير(٣) .

__________________

١ - في المناقب: عذيرك من خليلك.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ٣٠٨ - ٣١٣، عنه البحار: ٤٢ / ٢٣٦ - ٢٤٠ ح ٤٥.

٣ - انظر: الطبقات الكبرى: ٣ / ٣٣، مقتل أمير المؤمنينعليه‌السلام لابن أبي الدنيا: ٤١ ح ٢٦، الآحاد والمثاني: ١ / ١٤٨ ح ١٧٦، أنساب الأشراف: ٢ / ٥٠٠ ح ٥٤٥.

و قيل لأمير المؤمنينعليه‌السلام : إنّ ابن ملجم يسمّ بسيفه ويقول: إنّه سيقتلك به فتكةً يتحدّث بها العرب، فبعث إليه، فقال له: لِم تسمّ سيفك؟

قال: لعدوّي وعدوّك، فخلّا عنه، وقال: ما قتلني بعد.

وقال ابن عبد الرحمان السلمي: أخبرني الحسن بن عليعليه‌السلام أنّه سمع أباه في ذلك السحر يقول: يا بنيّ، إنّي رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الليلة في المنام، فقلت: يا رسول الله، ماذا لقيت من اُمّتك من الأود واللدد؟

فقال: ادع عليهم.

فقلت: اللّهمّ أبدلني بهم خيراً منهم، وأبدلهم بي شرّاً منهم(١) . ثم انتبه وجاء مؤذّنه يؤذنه بالصلاة، فخرج فاعتوره الرجلان، فأمّا أحدهما فوقعت ضربته في الطاق، وأمّا الآخر فضربه في رأسه وذلك في صبيحة يوم الجمعة لتسع عشرة من رمضان صبيحة بدر.

وروي أنّه جمع الأطبّاء لأمير المؤمنينعليه‌السلام ، وكان أبصرهم بالطبّ أثير(٢) بن عمرو السكوني، وكان صاحب كسرى يتطبّب له، وهو الّذي تنسب إليه صحراء أثير فأخذ رئة شاة حارّة فتتبّع عرقاً منها فأخرجه وأدخله في جراحة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، ثمّ نفخ العرق واستخرجه فإذا عليه بياض دماغ وإذا الضربة قد وصلت إلى اُمّ رأسه.

____________

١ - انظر نهج البلاغة: ٩٩ خطبة رقم ٧٠، عنه البحار: ٣٤ / ٧٩ ح ٩٣٦، وج ٤٢ / ٢٢٦ ح ٣٧.

٢ - كذا في الاستيعاب، وفي الأصل: كثير، وفي مقتل أمير المؤمنين لابن أبي الدنيا: ٤٣ ح ٢٨ أنّ طبيبه كان ابن أثير الكندي.

فقال: يا أمير المؤمنين، اعهد فإنّك ميّت(١) .

فعندها أوصى أمير المؤمنينعليه‌السلام للحسن والحسين صلوات الله عليهما بالوصيّة التي رواها سيّدنا ومفخرنا السيد محمد الرضي الموسويّ في كتاب نهج البلاغة من كلام أمير المؤمنين، وهي قولهعليه‌السلام :

و من وصيّة لهعليه‌السلام للحسن والحسينعليهما‌السلام لمّا ضربه ابن ملجم عليه اللعنة:

اُوصيكما بتقوى الله، وألاّ تبغياً الدنيا وإن بغتكما، ولا تأسفا على شيء منها زوي عنكما، وقولا بالحقّ، واعملا للآخرة(٢) ، وكونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً.

اُوصيكما وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي بتقوى الله، ونظم أمركم، وصلاح ذات بينكم، فإنّي سمعت جدّكما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: صلاح ذات البيت أفضل من عامّة الصلاة والصوم.

الله الله في الأيتام فلا تُغبّوا أفواههم، ولا يضيعوا بحضرتكم.

الله الله في جيرانكم، فإنّهم وصيّة نبيّكم، وما زالعليه‌السلام يوصي بهم حتى ظننّا(٣) أنّه سيورثهم.

والله الله في القرآن لا يسبقكم بالعمل به غيركم.

والله الله في الصلاة فإنّها عمود دينكم.

____________

١ - الاستيعاب: ٣ / ٦٢.

٢ - في النهج: للأجر.

٣ - كذا في النهج، وفي الأصل: ظننت.

والله الله في بيت ربّكم، لا تخلوه ما بقيتم، فإنّه إن ترك لم تناظروا.

والله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم في سبيل الله.

وعليكم بالتواصل والتباذل، وإيّاكم والتدابر والتقاطع، ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولّى عليكم اشراركم ثمّ تدعون فلا يستجاب لكم.

[ ثمّ ](١) قال: يا بني عبد المطّلب، لا ألفينّكم تخوضون دماء المسلمين خوضاً تقولون: قتل أمير المؤمنين(٢) ، ألا لا يقتل فيَّ(٣) إلا قاتلي.

انظروا إذا أنا متّ من ضربته هذه فاضربوه ضربة بضربة، ولا تمثّلوا بالرجل، فإنّي سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: إيّاكم والمُثلة ولو بالكلب العقور.(٤)

أبو بكر الشيرازي في كتابه عن الحسن البصري، قال: أوصى عليّ صلوات الله عليه عند موته للحسن والحسينعليهما‌السلام وقال لهما: إذا أنا متّ فإنّكما ستجدان عند رأسي حنوطاً من الجنّة وثلاثة أكفان من استبرق الجنّة فغسّلوني وحنّطوني بالحنوط وكفّنوني.

قال الحسنعليه‌السلام : فلمّا قبضعليه‌السلام وجدنا عند رأسه طبقاً

__________________

١ - من النهج.

٢ - كرّرت هذه الجملة في الأصل.

٣ - في النهج: لا تقتلنّ بي.

٤ - نهج: ٤٢١ رقم ٤٧، عنه البحار: ٤٢ / ٢٥٦ ح ٧٨.

وروى الوصيّة أيضاً ابن أبي الدنيا في مقتل الامام أمير المؤمنينعليه‌السلام ص ٤٥ وما بعدها، فراجع.

من الذهب عليه خمس شمّامات من كافور الجنّة، وسدراً من سدر الجنّة.

ومن الطريق أهل البيتعليهم‌السلام ما جاء في تهذيب الأحكام(١) عن سعد الاسكافي قال: حدّثني أبو عبد اللهعليه‌السلام [ قال ](٢) : لمّا اُصيب أمير المؤمنينعليه‌السلام قال للحسن والحسينعليهما‌السلام : غسّلاني وكفّناني وحنّطاني، واحملاني على سريري، واحملا مؤخّره تكفيان مقدّمه، فإنّكما تنتهيان إلى قبر محفور، ولحد ملحود، ولبن موضوع، فالحداني واشرجا اللبن عليَّ، وارفعا لبنة من عند(٣) رأسي فانظرا ما تسمعان.

وعن منصور بن محمد بن عيسى، عن أبيه، عن جدّه [ زيد بن عليّ، عن أبيه، عن جدّه ](٤) الحسين بن عليعليهم‌السلام في خبر طويل يذكر فيه:

اُوصيكما وصيّة فلا تظهرا على أمري أحداً، فأمرهما أن يستخرجا من الزاوية اليمنى لوحاً وأن يكفّناه فيما يجدان، فإذا غسّلاه وكفّناه وضعاه على اللوح وإذا وجدا السرير يشال مقدّمه فيشيلان مؤخّره، وأن يصلّي الحسن مرّة والحسين مرّة صلاة إمام، ففعلا بما رسمعليه‌السلام ، فوجدا اللوح وعليه مكتوب:

بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما ادّخره نوح النبي لعلي بن أبي طالب،

__________________

١ - تهذيب الأحكام: ٦ / ١٠٦ ح ٣.

ورواه في الكافي: ١ / ٤٥٧ ح ٩، وفرحة الغريّ: ٣٠، عنهما البحار: ٤٢ / ٢١٣ ح ١٤.

وأخرج قطعة منه في البحار: ٤٢ / ٢٥١ ح ٥٣ عن الكافي.

٢ - من المناقب.

٣ - في المناقب: ممّا يلي.

٤ - من المناقب.

وأصابا الكفن في دهليز الدار موضوعاً فيه حنوط د أضاء نوره على نور النهار.

وروي أنّ الحسينعليه‌السلام قال وقت الغسل: أما ترى خفّة أمير المؤمنين؟

فقال الحسن: يا أبا عبد الله، إنّ معنا قوماً يعينونا، فلمّا قضينا صلاة العشاء الآخرة إذا قد شيل مقدّم السرير، ولم نزل نتّبعه إلى أن وردنا الغريّ، فأتينا إلى قبر كما وصفعليه‌السلام ونحن نسمع خفق أجنحة كثيرة وضجّة وجَلَبة(١) ، فوضعنا السرير وصلّينا على أمير المؤمنينعليه‌السلام كما وصف لنا، ونزلنا قبره فأضجعناه في لحده، ونضّدنا عليه اللبن.

وفي الخبر عن الصادقعليه‌السلام : فأخذنا اللبنة من عند رأسه بعدما أشرجنا عليه اللبن، وإذا ليس في القبر شيء، وإذا هاتف يهتف: أمير المؤمنينعليه‌السلام كان عبداً صالحاً، فألحقه الله بنبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكذلك يفعل بالأوصياء بعد الأنبياء، حتى لو أنّ نبيّاً مات بالمشرق و [ مات ](٢) وصيّه بالمغرب لألحق الله الوصيّ بالنبيّ.

وفي خبر عن اُمّ كلثوم بنت عليعليه‌السلام : فاشنقّ القبر عن ضريح فإذا هم بساجة(٣) مكتوب عليها بالسريانيّة:

بسم الله الرحمن الرحيم، هذا قبر حفره نوح لعليّ بن أبي طالب وصيّ

__________________

١ - الجلبة - بالتحريك -: اختلاط الصوت.

٢ - من المناقب.

٣ - الساجة: الطيلسان الواسع المدوّر.

محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله قبل الطوفان بسبعمائة سنة.

و عنها رضي الله عنها أنّه لمّا دفن أمير المؤمنين علهي السام سمع ناطق يقول: أحسن الله لكم العزاء في سيّدكم وحجّة الله على خلقه.

التهذيب(١) في خبر أنّه نفذ إسماعيل بن عيسى العبّاسي غلاماً أسود شديد البأس يعرف بالجمل في ذي الحجّة سنة ثلاث وتسعين ومائتين في جماعةٍ وقال: امضوا إلى هذا القبر الذي قد افتتن به الناس ويقولون انّه قبر عليّ حتى تنبشوه(٢) إلى قعره، فحفروا حتى نزلوا خمسة أذرع فبلغوا إلى موضع صلب عجزوا عنه، فنزل الحبشي وضرب ضربة سمع طنينها في البرّ(٣) ، ثمّ ضرب ثانية وثالثة، ثمّ صاح صيحة وجعل يستغيث فأخرجوه بالحبل فإذا على يده من أطراف أصابعه إلى ترقوته(٤) دم فحملوه على بغل، ولم يزل ينتثر من عضده وسائر شقّه الأيمن فرجعوا إلى العبّاسي، فلمّا رآه التفت إلى القبلة وتاب من فعله وتولّى وتبرّأ، ومات الغلام من وقته، وركب في الليل إلى عليّ بن مصعب ابن جابر وسأله أن يجعل(٥) على القبر صندوقاً.

قال الشيخ أبو جعفر الطوسي رضي الله عنه: حدّثني أبو الحسن محمد بن تمّام الكوفي، قال: حدّثني أبو الحسن بن الحجّاج، قال: رأينا هذا الصندوق

____________

١ - تهذيب الأحكام: ٦ / ١١١ ح ١٦. وفيه إسماعيل بن عديّ العبّاسي.

٢ - كذا في التهذيب، وفي الأصل والمناقب: تنبشون.

٣ - في التهذيب: القبر.

٤ - في التهذيب: مرفقه.

٥ - في التهذيب والمناقب: يعمل.

وذلك قبل أن يبني الحسن بن زيد الحائط.(١)

أ قول: وإنّما أمر أمير المؤمنينعليه‌السلام بإخفاء قبره عن غير أهله وولده لأمرٍ لا نعلم نحن سرّه، ولتكن المحنة أشدّ، والبلاء أعظم، أو لكثرة أعدائه، وقصدهم إطفاء نوره، أو غيرهما ؛ كخوف شدّة عداوة أعدائه له في حياته، كالناكثين والقاسطين والمارقين الذين غرّروا بأنفسهم في حربه، ورابطوه قاصدين إطفاء نوره واستئصال شأفته، حتى قتلوه في محرابه راكعاً، وأعلنوا بسبّه على منابرهم، وقتلوا ولده وشيعته، وسبوا نساءه وبناته وولده، ثمّ تتبّعوا أبرار شيعته بالأذى والقتل، كما فعل زياد بن أبيه والحجّاج، وغيرهما، وكانوا يقتلون على التهمة والظنّة، حتى روي أنّهم سمعوا برجل يحدّث الناس بفضائل أمير المؤمنينعليه‌السلام ببلاد ما وراء النهر فاجتهدوا في قتله وقتلوه غيلة(٢)، فما ظنّك لو علموا بموضع قبره؟ وهوعليه‌السلام أعلم بما قال وأوصى.

ولم يكن قبرهعليه‌السلام مخفيّاً عند ولده وأهله وأحفاده الأئمّة الطاهرين صلوات الله عليهم، حتى انّ الإمام المعصوم عليّ بن الحسين سيّد العابدين أتى من المدينة لزيارته وأخفى نفسه في الحياة وزاره ليلاً ورجع من فوره إلى المدينة، وكذلك الباقرعليه‌السلام .

روى جابر بن عبد الله الأنصاري، عن أبي جعفر الباقرعليه‌السلام ، قال: أتى عليّ بن الحسين عليه السالم زائراً أمير المؤمنين فوضع خدّه على القبر،

____________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٣٤٨ - ٣٥٠، عنه البحار: ٤٢ / ٢٣٤ - ٢٣٦ ح ٤٤.

٢ - الغيلة: المكر.

وقال: السلام عليك يا وليّ(١) الله في أرضه، وحجّته على عباده، إلى آخر الزيارة، ثمّ قال: اللّهمّ إنّ قلوب المخبتين إليك والهة(٢) ، وسبل الراغبين إليك شارعة، إلى آخره، كما ذكر الشيخ أبو جعفر الطوسي في مصباحه(٣) .

ولم يزل قبرهعليه‌السلام مخفيّاً عند العامّة معلوماً عند الخاصّة إلى أن، انقرضت دولة الشجرة الملعونة في القرآن - أعني بني اُميذة عليهم لعائن الله - فأظهره الصادقعليه‌السلام لخاصّته وأصحابه(٤) .

وكان يأتي إليه من المدينة جماعة من شيعته، وكان معلوماً لأكثر الناس في تلك الناحية، حتى انّ بعض خلفاء بني العبّاس خرج يتصيّد في ناحية الغريّين والثويّة وأرسل الكلاب فلجأت [ الظباء ](٥) إلى أكمة ورجعت الكلاب، ثمّ إنّ الضباء هبطت منها وصنعت الكلاب مثل الأوّل، فسئل شيخاً من بني أسد فقال: إنّ فيها قبر علي بن أبي طالبعليه‌السلام جعله الله حرماً لا يأوى إليه شيء إلا أمن.(٦)

__________________

١ - في الصحيفة السجّاديّة ومصباح المتهجّد: يا أمين. وهذه الزيارة معروفة بزيارة أمين الله.

٢ - المخبتين: الخاشعين: والهة: متحيّرة من شدّة الوجد.

٣ - مصباح المتهجّد: ٧٣٨، الصحيفة السجّاديّة الجامعة: ٥٩٠ دعاء ٢٥٥.

وانظر أيضاً: كامل الزيارات: ٣٩ ب ١١ ح ١، مزار الشهيد: ٩٥، البلد الأمين: ٢٩٥، مصباح الكفعمي: ٤٨٠، فرحة الغريّ: ٤٠.

٤ - انظر: إرشاد المفيد: ١٢.

٥ - من المناقب.

٦ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٣٥٠.

ورواه مفصّلاً في فرحة الغريّ: ١١٩ وفيه أنّ الخليفة هو هارون الرشيد، عنه البحار: ٤٢ / ٣٢٩ ح ١٦.

ولنرجع إلى تمام الحديث:

و لمّا فرغ أمير المؤمنين من وصيّته وكانت ليلة الحادي والعشرين وذهب شطر من الليل فتحت أبواب السماء، وزيّنت الجنان، وتهيّأت أرواح الأنبياء والأولياء لاستقبال روحه الشريفة صلوات الله عليه. قالعليه‌السلام للحسن والحسين: احملوني إلى هذا البيت، ودعوني وحدي، واغلقوا عليَّ الباب، واجلسوا خارج الباب إلى أن أمضي إلى جوار الله تعالى، فوضعوهعليه‌السلام وفعلوا ما أمرهم، فلم يلبثوا إلا قليلاً حتى سمعوا أمير المؤمنينعليه‌السلام يقول: لا إله إلا الله، فلمّا سمع الحسن والحسين تهليله صلوات الله عليه لم يتمالكا إلى أن دخلا عليه، فوجدوه قد قضى صلوات الله عليه نحبه، فأخذوا في تجهيزه كما ذكرنا أوّلاً صلوات الله ورحمته وبركاته عليه وعلى روحه وبدنه، ولعنة الله على ظالمه وقاتله ومانعه حقّه.

وروى الكليني في الكافي(١) أنّه لمّا توفّي أمير المؤمنينعليه‌السلام جاء شيخ يبكي وهو يقول: اليوم انقطعت علاقة النبوّة، حتى وقف بباب البيت الذي فيه أمير المؤمنينعليه‌السلام - وذلك حين موته قبل أن يخرجوه ويأخذوا في جهازه - فأخذ بعضادتي الباب، ثم قال: رحمك الله، لفقد كنتَ أول الناس إسلاماً، وأفضلهم إيماناً، وأشدّهم يقيناً، وأخوفهم من الله، وأطوعهم لنبيّ الله، وأفضلهم مناقباً، وأكثرهم سوابقاً، وأشبههم به خَلقاً وخُلقاً، وسيماء وفضلاً، وكنتَ أخفضهم صوتاً، وأعلاهم طوداً، وأقلّهم كلاماً، وأصوبهم منطقاً،

____________

١ - الكافي: ١ / ٤٥٤ ح ٤، عنه البحار: ٤٢ / ٣٠٣ ح ٤ وعن كمال الدين: ٣٨٧ ح ٣.

وأخرجه في مدينة المعاجز: ٣ / ٦٥ ح ٧٣٠ عن الكافي.

و أشجعهم قلباً، وأحسنهم عملاً(١) ، وأقواهم يقيناً، محفظت ما ضيّعوا، ورعيت ما أهملوا، وشمّرت إذا اجتمعوا، وعلوت إذا هلعوا، ووقفت إذا أسرعوا، وأدركت أوتار ما ظلموا.

كنتَ على الكافرين عذاباً واصباً، وللمؤمنين كهفاً وحصناً، كنت كالجبل الراسخ لا تحرّكه العواصف، ولا تزيله القواصف، كنت للأطفال كالأب الشفيق، وللأرامل كالبعل العطوف، قسمت بالسويّة، وعدلت بالرعيّة، وأطفأت النيران، وكسرت الأصنام، وذللت الأوثان، وعبدت الرحمن - في كلام كثير - فالتفتوا فلم يروا أحداً، فسئل الحسنعليه‌السلام عنه، فقال: كان الخضر، فارتجّت الدار بالبكاء والنحيب، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.(٢)

ولمّا رجع الحسن والحسينعليهما‌السلام من دفن أمير المؤمنينعليه‌السلام أمر الحسنعليه‌السلام بإخراج ابن ملجم والاتيان به، فأمرعليه‌السلام فضربت عنقه، واستوهبت اُمّ الهيثم بنت الأسود النخعيّة جيفته لتتولّى إحراقها، فوهبها لها فأحرقتها بالنار، وأمّا الرجلان اللذان كانا مع ابن ملجم في العقد على معاوية وعمرو بن العاص، فإنّ أحدهما ضرب معاوية على إليته وهو راكع، وأمّا الآخر فإنّه قتل خارجة بن أبي حنيفة العامري وهو يظنّ أنّه عمرو، وكان قد استخلفه لعلّة وجدها.(٣)

وممّا رثي بهعليه‌السلام قول سيّدنا ومولانا الحسن السبط التابع لمرضاة

____________

١ - كذا في المناقب، وفي الأصل: علماً.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٣٤٧، عنه مدينة المعاجز: ٣ / ٦٨ ح ٧٣١.

٣ - إرشاد المفيد: ١٨ وفيه: خارجة بن أي حبيبة العامري، مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ٣١٣.

الله صلوات الله عليه:

أين من كـان لعلم

المصطفى في الناس بابا

أين مـن كـان إذا

ما أقحـط الـناس سحابا

أين من كان إذا نو

دي فـي الحـرب أجابا

أين من كـان دعا

ه مستـجابـاً ومجـابـا(١)

و سمع هاتف من الجنّ يقول:

يا من يؤمّ إلى المدينـة قـاصـداً

أدّ الرسالة غير ما متـوان

قتلت شرار بـني اُميّـة سيــّداً

خير البريّة ماجداً ذا شـان

ربّ الفضائل في السماء وأرضها

سيف النـبي وهادم الأوثان

بكت المشاعر والمساجـد بـعدما

بكت الأنـام لـه بكلّ مكان

صعصعة بن صوحان:

إلى من لي باُنسـك يا اُخيّا

ومن لتي أن أبثّـك مـالديّا

طوتك خطوب دهر قد تولّى

كذاك خطوبـه نشـراً وطيّا

فلو نشرت قواك إلى المنايا

شكوت إلـيك ما صنعت إليّا

بكيتك يا عليّ بدمع(٢) عيني

فلم يغن البكاء علـيك شـيّا

كفى حزناً بدفنك ثمّ إنّي

نفضت تراب قبرك من يديّا

وكانت في حياتك لي عظات

وأنت الـيوم أوعظ منك حيّا

فيا أسفي عليك وطول شوقي

إليك لـو أنّ ذلـك ردّ شـيّا

____________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ٣١٣.

٢ - في المناقب: لدرّ.

و له أيضاً:

هل خبّر القبر سائليـه

أم قرّ عيناً بزائريه؟

أم هل تراه أحاط علماً

بالجسد المستكن فيه؟

لو علم القبر من يواري

تاه على كلّ من يليه

يا موت ماذا أردت منّي

حقّقت ما كنت أتّقيه

يا موت لو تقبل افتداء

لكنت بالروح أفتديه

دهر رماني بفقد الـفي

أذمّ دهري وأشتكيه(١)

عن ابن عبّاس رضي الله عنه: لقد قتل أمير المؤمنينعليه‌السلامعليه‌السلام على أرض الكوفة فأمطرت السماء ثلاثة أيّام دماً.

أبو حمزة، عن الصادقعليه‌السلام أنّه لمّا قبض أمير المؤمنينعليه‌السلام لم يرفع من وجه الأرض حجر الا وجد تحته دم عبيط.

وفي أخبار الطالبيّين أنّ الروم أسروا قوماً من المسلمين فاُتي بهم الملك فعرض عليهم الكفر، فأبوا، فأمر بإلقائهم في الزيت المغليّ، وأطلق منهم رجلاً يخبر بحالهم، فبينا هو يسير إذ سمع وقع حوافر الخيل، فوقف فنظر إلى أصحابه الذين اُلقوا في الزيت، فقال لهم في ذلك، فقالوا: قد كان ذلك، فنادى مناد من السماء في شهداء البرّ والبحر انّ عليّ بن أبي طالب قد استشهد في هذه الليلة، فصلّوا عليه، فصلّينا عليه ونحن راجعون إلى مصارعنا.

أبو ذرعة الرازي، عن منصور بن عمّار أنّه سئل عن أعجب ما رآه، قال: ترى هذه الصخرة في وسط البحر، يخرج من هذا البحر طائر في كلّ يوم مثل

____________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ٣١٤ - ٣١٥.

النعامة فيقع عليها، فإذا استوى واقفاً تقيّأ رأساً، ثم تقيّأ يداً، وهكذا عضواً عضواً، ثمّ تلتئم الأعضاء بعضها إلى بعض حتى يستوي إنساناً قاعداً، ثمّ يهمّ بالقيام، فإذا همّ للقيام نقره نقرةً فيأخذ رأسه، ثمّ يأخذ عضواً عضواً كما قاءه، فلمّا طال عليَّ ذلك ناديته يوماً: ويلك من أنت؟

فالتفت إليّ ذليلاً وقال: أنا ابن ملجم قاتل أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وكّل الله بي هذا الطائر فهو يعذّبني إلى يوم القيامة.(١)

و سأل أبو مسكان الصادقعليه‌السلام عن القائم المائل في طريق الغريّ. فقال: نعم، إنّهم لمّا جاءوا بسرير أمير المؤمنين عليه السالم انحنى أسفاً وحزناً على أمير المؤمنين صلوات الله عليه.(٢)

وممّا رثاه به أبو الأسود الدؤلي رضي الله عنه:

ألا يا عين ويحك فاسـعدينا

ألا فابكي أمير المـؤمـنيـنا

رزئنا خير من ركب المطايا

وأفضلها(٣) ومن ركب السفينا

ومن لبس النعال ومن حذاها

ومن قرأ المثـانـي والمـبينا(٤)

إذا استقبلت وجه أبي حسين

رأيت البدر راق الناظـرينـا

يقيم الحدّ لا يـرتـاب فـيه

ويقضي بالسرائـر(٥) مستبينا

ألا أبلغ معاويـة بـن حرب

فلا قرّت عيـون الشـامتيـنا

____________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٣٤٦ - ٣٤٧، عنه البحار: ٤٢ / ٣٠٨ - ٣٠٩ ح ٩.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٢ / ٣٤٨.

٣ - في المناقب: وحثحثها، وفي الديوان: وخَيّسها، وفي الأعيان: وفارسها. وحثحثها: أي أسرعها.

٤ - في الديوان والأعيان: والمئينا.

٥ - في المناقب: بالفرائض.

أفي شهر الصيام فجـعتمـونا

بخير النـاس طرّاً أجمعينا

ومن بعد النبـيّ فخير نفـس

أبو حسـن وخير الصالحينا

كأنّ الـناس إذ فقـدوا علـيّاً

نعام جـال فـي بلـد سنينا

وكنّا قـبل مهـلكة بخـيـر

نـرى فينا وصيّ المسلمينا

فلا والله لا أنسـى عـليّاً

وحسن صلاته في الراكعينا

لقد علمت قريش حيث كانت

بأنّك خيرها نسباً(١) ودينـا

فلا تشمت معاوية بن حرب

فإنّ بقيّة الـخلفـاء فيـنا(٢)

و لمّا قال عمران بن حِطّان الخارجي لعنة الله عليه في ابن ملجم:

يا ضربة من تقيّ ما أراد بها

إلاّ ليدرك من ذي العرش رضوانا

إنّي لأذكره حينـاً فأحسـبه

أوفـى البريّة عند الـله مـيزانا(٣)

 أجابه بكر(٤) بن حمّاد التاهرتي معارضاً له:

قل لابـن ملجم والأقدار غالبة

هدّمتَ ويلك للإسـلام أركانا

قتلتَ أفضل من يمشي على قدمٍ

وأوّل الناس إسلامـاً وإيماناً

واعلم النـاس بالـقرآن ثمّ بما

سنّ الرسول لنا شرعاً وتبيانا

____________

١ - في المناقب: خيرهم حسباً.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ٣١٥، ديوان أبي الأسود الدوؤلي: ٧١ رقم ٤٥، أعيان الشيعة: ٧ / ٤٠٣.

وقد اختلف في نسبة هذه القصيدة وفي عدد أبياتها ؛ فقد نسب في الاستيعاب وكفاية الطالب لاُمّ الهيثم بنت العريان النخعيّة، ونسبت في الكامل في التاريخ لاُمّ العريان، ونسبت في الأغاني وإنباه الرواة وتاريخ الطبري للدؤلي.

٣ - الفَرق بين الفِرق: ٧٢، الغدير: ١ / ٣٢٤.

٤ - كذا في الأصل والاصابة: ٣ / ١٧٩، وفي الاستيعاب: ٢ / ٤٧٢: أبو بكر، وفي الغدير: ١ / ٣٢٦: بكر بن حسّان الباهلي.

صهر الرسول ومـولاه(١) وناصره

أضحت مـناقبـه نـوراً وبرهانا

وكان منه على رغم الحـسود لـه

مكان هارون من موسى بن عمرانا

وكان في الحرب سيفاً صارماً ذكراً

ليثاً إذا ما لـقى الأقـران أقـرانا

ذكرتُ قـاتـله والـدمـع منـحدر

فقلت سبحـان ربّ الـناس سبحانا

إنّي لأحـسبه مـا كـان مـن بشرٍ

يخشى المعـاد ولكـن كان شيطانا

اشقى مــراد إذا عدّت قبـائلـها

وأخسر الناس عند الـله مــيزانا

كعاقـر الـناقة الاولى التي جلبت

على ثمود بأرض الحجر خـسرانا

قد كان يخبرهم أن سوف يخضبها

قبل المـنيـّة أزماناً فـأزمـانـا

فلا عـفا الله عـنه مـا تحـمّله

ولا سقـى قبر عمـران بن حِطّانا

لقوله فـي شقـيٍّ ظـلّ مجـترماً

ونال ما ناله ظـلـماً وعـدوانـا

يا ضربـة مـن تقـيّ ما أراد بها

إلاّ ليبلغ من ذي الـعرش رضوانا

بل ضربة من غويّ أورثـته لظى

وسوف يلقى بها الرحمن غـضبانا

كأنّه لـم يـرد قـصداً بضـربته

إلاّ ليصلى عذاب الخلـد نيـرانـا(٢)

قلت : يا من حبّه أعظم وسائلي إلى ربّي في حشري، ويا من ذكره أطيب ما يخطر بقلبي ويمرّ بفكري، ويا من ولاه رأس إيماني واعتقادي، ويا من مدحه راحة روحي وأقصى مرادي، مصابك جدّد أحزاني، وهيّج أشجاني، وقرّح مقلتي، وأجرى عبرتي، وأسهر ناظري، وأظهر سرائري، كلّما أردت أن اُكفكف دموعي ذكت نيران الأسى في ضلوعي، وكيف لا اُذيب فؤادي بنار حسراتي، واُصاعده دماً من شؤوني بتصاعد زفراتي، وأشقّ لمصابك فؤادي لا

____________

١ - في الغدير: صهر النبيّ ومولانا.

٢ - الغدير: ١ / ٣٢٦ - ٣٢٧.

قميص حزني، واُحرّم رقادي لوفاتك على قريح جفني، وحبّك جُنّتي وجَنّتي في دنياي وآخرتي، وولاؤك معاذي وملاذي يوم حشري وفاقتي؟

كتبت أحرف خالص اعتقادي في حبّك على صفحات سرائري، وظهرت آثار محض ودادي لمجدك على وجهات بواطني وظواهري، عمّر الله لحبّك في قلبي منزلاً شامخاً، وثبّت بي في طريق شكوكي إلى عرفانك قدماً راسخاً، لمّا شرّفني ربّي باتّباعك، وأكرمني بولائك، ونزّهني عن دنس الشكّ في أمرك، وأطلعني على جلال مجدك وفخرك، وأعلمني أنّ أفضل الأعمال حبّك، وأقرب القربى إلى الرسول قربك.

وقفت خالص ودّي على باب جلالك، ووجّهت شكري إلى كعبة إفضالك، لا اُريد بعد الله ورسوله منك بدلاً، ولا أبغي عن اتّباع سبيلك حولاً، بل طوّقت بطوق العبوديّة عنقي، ووسمت بميسم الرقية لجنابك حسّي ومفرقي، راجياً أن يثبتني في جرائد أرقّائك عبداً حبشيّاً، وإن كنت علويّاً قرشيّاً.

نزّهك الله عن الدنيا الفانية، واختار لك الدار الباقية، وابتلى عباده بولائك، وأخبرهم باتّباعك، فمن اتّبع سبيلك فقد اتّبع سبيل المؤمنين، وانتظم في سلك المخلصين، وٍأسلم لربّ العالمين، واستمسك بحبله المتين، ومن تولّى عن أمرك وخفض المرفوع من قدرك، ولم يفق واضح أمرك، وكذّب بعلانيتك وسرّك، وغشى بصره عن نور عدلك، وقدّم عليك من لا يعادل عند الله شسع نعلك، وسمّى الكاذب صدّيقاً، والجاهل فاروقاً، فقد ألحد في دين الله، وكذّب ببيّنات الله، وصار اسمه في صحائف التحقيق مذؤوماً مدحوراً، وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له جهنّم وساءت مصيراً، وخرج من عبادة الله إلى عبادة

الشيطان، واتّبع ما تتلو الشياطين على ملك سليمان(١) .

أنت نور الحقّ، ومحنة الخلق، والسبب المتّصل بين الله وعباده، والنهج الموصل لسالكه إلى سبيل رشاده، لمّا أعلى الله على كلّ شأن شأنك، ورفع على كلّ بنيان بنيانك، وتوّجك بتاج العلم، وحلّاك بحلية الحلم، فصارت نفسك أشرف النفوس الإنسيّة، وروحك أطهر الأرواح القدسيّة، وقلبك مشكاة الأنوار الإلهيّة، وذاتك مظهر الأسرار الربّانيّة، وقرن طاعتك بطاعته، ومعصيتك بمعصيته، يدخل الجنّة من أطاعك وإن عصاه، ويدخل النار من أبغضك وإن والاه.

وأمر رسوله أن يوردك في الغدير من زلال الاختصاص كأساً رويّاً، وأن يرفع لك بآية التطهير في سماء الاخلاص كاناً عليّاً، وأن يكمل الاسلام بعد نقصه بولايتك، وأن يتمّ الايمان بصريح نصّه على خلافتك، فقامصلى‌الله‌عليه‌وآله آخذاً ميثاقك على الأسود والأحمر، موجباً ولاءك على كلّ من أخلص بالوحدانيّة لربّه وأقرّ، وأخلصك بالاصطفاء، وخصّك بسيّدة النساء، وأعلمنا أنّ الله سبحانه تولّى عقدة نكاحها بشريف إرادته، وأشهد على ذلك مقرّبي ملائكته، وقرن حبّه بحبّك، وجعل ذرّيّته من صلبك.

فشمخت لذلك معاطس أقوام حسداً وكفراً، وأضمروا في حياة نبيّهم لجلال رفعتك حقداً وغدراً، حتى إذا نقل الله نبيّه إلى جواره، واختصّه بدار قراره، أظهروا ما كمن من نفاقهم، وأشهروا ما بطن من شقاقهم، واتّخذوا عجلاً كقوم موسى، وفارقوا الحقّ كاُمّة عيسى، وبالغوا في إخفاء دين الله بآرائهم،

__________________

١ - اقتباس من سورة البقرة: ١٠٢.

وراموا إطفاء نور الله بأفواههم، وخالفوا الرسول بما أكّد عليهم بوصيّته، وقطعوا الموصول ممّا أمر الله بصلته من عترته، واتّخذوا الولائج من دون الله ورسوله، وأجهدوا جهدهم في تحرف كتاب ربّهم وتبديله، وعبدوا الطاغوت وقد اُمروا أن يكفروا به، وصدّقوا من اتّفق النقل والعقل على تكذيبه، وأقاموا مقام الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله شيطاناً مريداً، وجبّاراً عنيداً، وجهولاً ظلوماً، وعتلّاً زنيماً، وأكفأوا الاسلام، وعبّروا الأحكام، وحرّفوا الكتاب بأهوائهم، وأوّلوا القرآن بآرائهم، فلم يبق من الملّة الحنيفيّة إلا رسمها، ولا من الشريعة النبويّة إلا اسمها.

ثمّ لم يقنعوا باغتصاب تراثك، وانتهاب ميراثك، حتى نصبوا لك غوائلهم، ودفنوا لاخترامك حبائلهم، وجرّدوا عليك مناصلهم وعواملهم، وفوّقوا نحوك سهامهم ومعابلهم، ولم يتركوا عهداً فيك إلا نكثوه، ولا وعداً إلا أخلفوه، وعدلوا بك من لا يمتّ بنسبك، ولا يتّصل بسببك.

ثمّ أظهروا ما أخفوا من النفاق في عهد نبيّهم، وأبدوا ما أضمروا من العناد بحقدهم وبغيهم، وجعلوا خلافة الله ملكاً عضوضاً، وما عاهدوا الرسول عليه عهداً منقوضاً، وتواصوا بظلمك وهضمك، وتعاهدوا على إخفاء فضلك وعلمك، وموّهوا على الاُمّة المفتونة بزورهم، وشبّهوا عليها بغرورهم، وأغرّوا سفهاءها بسبّك، وحملوا طلقاءها على حربك، حتى اغتالوك في حال توجّهك إلى معبودك، وقتلوك حين ركوعك وسجودك، وهدموا دين الاسلام بهدم بنيتك، وفرّقوا كلمة الايمان بفرق هامتك، وغاوروك في محرابك طريحاً، وبين أصحابك طليحاً.

قد صدقت ما عاهدت الله عليه، ووفيت بما ندبك سبحانه إليه، ففزت

بالشهادة التي فضّلك بها، واصطفاك بفضلها، وفكنت لوقتها منتظراً، وبوصفها مشتهراً، بما أعلمك به الصادق الأمين، ومن هو على الغيب ليس بضنين(١) ، بقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : لتخضبنّ هذه من هذا(٢) ، وبقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله كأنّي وأنت قائم تصلّي لربّك وقد انبعث أشقى الأوّلين والآخرين فضربك على هامتك ضربة خضب منها لحيتك(٣) ، وقال سبحانه في شأنك، ومن أصدق من الله قيلاً:( رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدَوا اللهَ عَلَيهِ فَمِنهُم مَن قَضَى نَحبَهُ وَمِنهُم مَن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبدِيلاً ) (٤) .

فلأنفذنّ لمصابك ماء شؤوني، ولأحرمنّ لذيذ الكرى على عيوني، ولأستنفذنّ العمر في مدائحك ومراثيك، ولأبكينّ الدهر على ما حلّ بك وبنيك، ولاُذيبنّ بنار حزني فؤادي، ولأصعدنّه دماً من مقلتي بطول سهادي، ولأندبنّك آناء ليلي ونهاري، ولأجعلنّ الحزن بمهجتي ألفاً، والبكاء على مقلتي وقفاً، ولاُوجّهنّ إلى غاصبي حقّك مطايا لعني وهضمي، ولأقرعنّ هامات مكذّبي صدقك بمقامع نثري ونظمي، ولاُبيّنّن ما دلّسوا بغرورهم، ولاُظهرنّ ما أخفوا من باطلهم وزورهم، معتقداً ذلك من أعظم الوسائل إلى ربّي في حشري، وأكمل الفضائل يوم بعثتي من قبري.

فمن جملة ذلك قصيدة تحلّي الطروس بجواهر مصارعها، وتسرّ النفوس بتواصل مقاطعها، نظمتها قبل ابتدائي بتأليف كتاب، والله الموفّق للصواب:

__________________

١ - اقتباس من سورة التكوير: ٢٤.

٢ - انظر: الأحاديث الغيبيّة: ١ / ٤٨ ح ١٩ وص ٤٩ ح ٢٠ وص ٥١ ح ٢٢.

٣ - انظر: الأحاديث الغيبّة: ١ / ٥٣ ح ٢٣.

٤ - سورة الأحزاب: ٢٣.

صرف الردى بفنـي الزمان موكل

ولهم بأسـيـفا المـنيـّة تـقتل

وهُم لأسـهم فتـكه غـرض فليس

لهم سبـيـل عـنه أن يتـحوّلوا

في حكمةٍ بـقضائه فـي أخـذهم

بالموت جـمعاً لا يجـور ويعدل

كم غادرت غَـدراتـه مــن قاهرٍ

في الترب مـقهوراً تطأه الأرجل

عفت العواصف قـبره بهـبوبهـا

وعلى ثراه الـسائمات تهـرول

أين الملوك بنـو الملـوك ومن هم

كانوا إذا ركبوا يـذوب الجـندل

لعب الزمان بهـم فعمّا قـد جرى

في حقّهم من صرفـه لا تـسألوا

بليت محاسنهـم وشـتّت شمـلهم

وخلت مجالسهم وأفـنى الـمنزل

واستبدلوا بطن الثرى من ظهرها

واروعتا بحشاي مـمّا استـبدلوا

يا من حيث مدامعي مـن أجلـهم

في صحن خـدّي مطلق ومسلسل

عنّي خذوا خبـر الصبابة انـّني

ما بين أربـاب الـغرام مــعدل

سقـمي لدعـواي المحبّة معـجز

إذ دمع عيني مذ نـأيتـم مـرسل

يا مـن حقـيقة محنتي في حبّهم

منـها سقـامـي مجـمل ومفصّل

ما ان ضـمـمت إلى زلال لقاكم

إلاّ ولي مـن فيـض دمعي منهل

كلا ولا عـنّي تـأخّـر وصلكم

إلاّ وهيّـجنـي غـرام مقـــبل

فلأندبنّ بحرقـةٍ مـن لـوعتي

رضـوى يـذوب لهـا ويـذبـل

بالخيف خفت منيـّتي إذ لم أنل

بمنى المنى منكم فـخطـبي مشكل

وبجمع أجمعتم قـطيـعة صبّكم

فـغدا جـمالـكم يخـد ويـزمـل

ورميـتم قلـبي بجمـرة لوعةٍ

بشُواظها مـنّي اُصـيـب المقـتل

فلأصـرفنّ مـودّتي عنكم إلى

قـوم لـهم فـي المـجد باع أطول

قـوم هـم اما ولـيّك عـادل

أو عـالـم أو حـاكـم أو مـرسل

              

أو عــابـد أو حـامـد أو زاهـد

أو مـاجـد أو عـاضد أو مفضل

أو فائز يـوم الـغـديـر بـرتـبـة

بعلوّها خـضع السمـاك الأعزلُ

مولى إليـه فـي الـحساب حسابـنا

وعلـيه فـي ذاك المـقام نـعوّل

وإذا بنـو الـدنـيا توالت مثـلهـا

فإليه من دون الـخـلائق نعـدلُ

فـرض الإلـه عــلى الأنـام ولاءهُ

فرضـاً بـه نـزل الكتاب المنزل

إن كنتَ مرتابـاً فسـل عـن إنّما(١)

فهي الدليل لـمن يصـحّ ويعـقل

كـتف النـبيّ لأخمصيـك مـواطىء

فلذاك خـدّ سـواك حـقّاً أسفـل

يــا أوّل الأقوام إيـمـانـاً بـما

أوحى الإله لابن عمـّك مـن عل

يا آخـراً عـهـداً بـه لمّا قـضـى

حزت الـعلى أنت الأخـير الأوّل

مـا رمـتُ نـظـماً فيـك إلا زانه

سحراً يـزيـّن مقـولي ويجمـّل

وإذا مـديـح سواك رامت فكـرتي

سمح القريض له وكـلّ المقـول

وإذا طـغى ريب الزمـان بـعسـره

فدعائي باسمك للعسـر يسهــّل

أعمـالنـا منقوصـة مـقـصـورة

إن لم يصحـّحها ولاك ويـكمـّل

مديـحك ألبسـنـي ملابـس رفعة

لعلوّهـا فـوق الـمجـرّة أرفـل

كــم مـنـبـر شـرّفته بـمدائح

في وصف مجدك فضلها لا يجهل

وخـطـابة رصّـعتها بـجـواهـر

هام الثناء بهـا عـليـك يكـلّـل

تـعنوا وجـوه اُولي التـقـى لجلالها

وذوو الشقاء حسـداً بها يتضاءلوا

ماطال مـجـد بالمـكـارم والتـقى

إلاّ ومـجد عـلاك مـنه أطـول

رقمت حروف علاك في الصحف الاُولى

مفروضـة إذ مـا سواهـا مهمل

__________________

١ - أي قوله تعالى في سورة المائدة: ٥٥:( إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ ) .

سـل عنـه بـدراً والوليد وعتـبة

تنـبيك عـن نـدب يـقول ويفعل

قـدّ ابـن ميـشا فانثنى وحسـامه

بدمـائـه متـوشّـح متـسـربل

وقـموص خيبر مذ اُبيـد غدت لها

قمـص الـمذلّة والإهـانـة تشمل

وبنو قريظة لـم يزل ربّ الـعلى

بيديـك يـا مـولى الأنـام يزلزلُ

أعمالنا فـي حـشرنا وصـلاتـنا

بسـوى ولائـك ربـّنا لا يـقـبل

علـقت يدي منـه بأوثـق عـروة

يفنـى الزمـان وحـبلها لا يفصلُ

يا مـن يقيس يـبه سـواه سفاهة

مـا أنـت إلا أعـفـك(١) لا يعقل

تربت يداك فضلّ سعيك فـي الورى

أيقاس بـالـدرّ الثـميـن الجـندلُ

من تـيم مـن أعلامها مـا فضلها

ما مجدها مـن حبـترٍ مـن نـعثل

بل ما الأكاسـرة العـظـام ومـا

القياصرة الكرام ومن يجـور ويعدل

فيـه بـنوح والـخليـل وبالكليم

وبابن مريـم وهـو مـنهـم أفضل

يا زائـراً جـدث الوصيّ معظماً

ولـه على البـيت الحـرام يفـضل

ويرى الخضوع لديه خير وسيلة

بثـوابـهـا يـتوسّـل المـتوسـّل

قف خاشعاً والثـم ثـراه ففضله

وكمـالـه مـن كـلّ فضـل أكمل

واعدد قيامك في صـعيد مـقامه

سبـباً إلى رضـوان ربّك يـوصـل

وجميع ما تأتي بـه من طـاعةٍ

جـزمــاً بغـير ولائـه لا يـقبـل

وأبـلغه عنّـي بالـسلام تحيـّة

هي خـير مـا يـهـدى إليه ويرسل

ومدائحاً في غير وصـف كمـاله

ترصيعـها وبديـعـها لا يـجـمـل

وإليه أيدي بالـخطـاب ألوكـه

عن صدق إخلاصي رواهـا الـمقول

من بعد ما نأتي بـه مـن طاعةٍ

بـأدائـها يـتـنـفّل الـمتـنـفّل

__________________

١ - الأعفك: الأحمق.

وإذا فــرض أو إقـامـة سـنـّة

أو زورة منـهـا الـنجاة تـؤمّل

قف ثمّ قـل يـا خيـر مـن لولائه

في مهجـتي دون الخـلائق منزل

ومعـارج الـدعوات حول ضريحه

وعلـيه أمـلاك السـماء تـنزل

تركـوك يـا طود الـعلوم وقدّمـوا

رجسـاً بحبـّة خردل لا يـعـدل

وبنوا قواعد ديـنهم سفهاً على جرفٍ

فتاهـوا فـي الـضلال وضلّـلوا

وتراث أحـمد منـك حـازوه ومـا

استحيوا وللقـرآن جهـلاً أوّلـوا

وعلـى عبادة عجلهم عكفوا وأضـ

ـحى السـامريّ بهم إليه يـعدلوا

ولزوجك الـزهـراء عـن ميراثها

حجبوا وحـكم الـله فيـها بـدّلوا

وعليك من بعـد النـبيّ تحـزّبت

أحزابهم وأتـوا لحربك يـرفلـوا

وغدا براكبة البـعيـر بعـيرهـا

للكفر والإلـحاد منـهـا يحـمـل

وأتت مـن البلد الـحرام بفـتنـةٍ

لبّ اللـبـيب لها يحـير ويذهـل

لم أنسهـا وجمـوعـها من حولها

لضبا الـعوامـل والـمناصل مأكل

حتى إذا شرفت بعـصبـة بغـيها

ورأت بنيها حولـها قـد قـتـّلوا

أبدت خضوعاً واسـتـقالت عثرة

ما أن يقال ومـثلـها لا يـحـمل

ثمّ انثنت نـحو ابن هـند والحشا

منها بـه لـلحـقد نـار تـشعـل

جعلت دم الـمقـتول حقـّاً شبهة

منها بـدار أخ الـرسـول تؤمـّل

ما تيـم مـرّة مـن اُميّة فانكصي

فالبغي يصـرع طـالبـيه ويـخذل

أغراك غلّ فـي فـؤادك كـامنٌ

يغــلي مـراجـلـه وحـقد أوّل

لم تجر بعد المصطفى من فـتنةٍ

إلاّ وبغـيك وردهـا والـمنـهـل

فلذاك رأس القاسطـين ورهطـه

بك في الضلال تـتابعوا وتـوغّـلوا

والمارقون عن الهـدى والسابقون

إلى الـردى وبنـهروان جـدّلــوا

منك احتدوا وبك اقتدوا في ضيمهم

وعلى اجتهادك في خروجـك عوّلوا

              

أغواهم الشـيطـان حـتى أكفروا

بحر الـعلوم وخـطّأوه وجهــّلوا

وعدوا عـليه مـصلّياً متـهجّـداً

بتـخـشـّع وتـضـرّع يـتبـتّل

كفــروا بأنعم ربـّهم ونـبيّـهم

ووليّهـم إذ ضيّـعـوا مـا حمـلوا

بكـت السـماوات العلى لمصابه

بدم عـبـيـط لا بـدمـع يـهمل

أذكت رزيّـته بقـلـبي لـوعـة

حتى الـمـمات رسيسـها يتجلجل

وعلى عيوني حرّمت طيب الكرى

فلذا بفيـض نجـيـعها لا تـبخـل

صلّى عليـك الـله يا مـن ديننا

حـقـّاً بغـير ولائـه لا يـقبـل

وعـلى الذيـن تـقـدّمـوك وفا

رقوا دين الهدى ووكيد عهدك أهملوا

لعناً وبيلاً ليـس يحـصـى عدّه

حتـى القـيامة وصله لا يفـصـل

ما ارتاح ذو شجن ينـشر صارماً

عصفت جـنوب واستـمرّت شمائل

فصل

في ذكر سيّدة النساء صلوات الله وسلامه عليها

نبدأ من ذلك بخطبة في ذكر شيء من مناقبها وتزويجها بأمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه، قلتها بإذن الله وخطبت في مشهد ولدها السبط التابع لمرضاة الله أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام يوم السادس من ذي الحجّة الحرام، وهي هذه:

الحمد لله الذي أعلا بعليّ أمره كلمة رسوله ونبيّه وانمى له في سماء المجد قدراً، وأوضح أحكام شريعته بوصيّه في اُمّته وشدّ به منه عضداً وأزراً، ونصب أعلام ملّته بشدّة عزمته وجعله نسباً وصهراً.

و أمر نبيّه أن يورده من غدير الشرف في الغدير ورداً وصدراً، وأن يخاطبا لجمّ الغفير بفرض ولايته علانية وسرّاً، وأن يرفع له بالرئاسة العامّة إلى حين حلول الطامّة الكبرى قدراً، لمّا زوّجه الجليل سبحانه بالبتولة الزهراء والإنسيّة الحوراء جعل سبحانه نثار طوبى لشهود العرس نثراً، وتولّى سبحانه عقدة نكاحها بلسان العناية الإلهيّة، وخاطب نبيّه ببيان الإرادة الإلهيّة الأزليّة: إنّي قد زوّجت نوري من نوري فأعظم بذلك فخراً.

يا له نكاحاً وليّه الملك الجليل، وعقد شاهداه جبرائيل وميكائيل، وجمعا(١) خطبته على منبر الكرامة راجيل، قد جعل الله نثار قاصرات الطرف فيه

__________________

١ - كذا في الأصل.

ياقوتاً ودرّاً، يتفاخرن به في قصور دار المقامة، ويتهادينه في منازل السرور إلى يوم القيامة، تلك أرواح سالكي طريق الحقّ من أهل الامامة، قد جعل الله لهنّ حسن إخلاص المخلصين بالايمان(١) مهر الولاء وجود عين الوجود في الكربين، أعني صاحب بدر واُحد وحنين، لم يكن للزهراء كفو ما بين المشرقين والمغربين، فلهذا أحدث الله لهما في صحائف التطهير والتقديس أمراً.

بحران التقيا بتدبير العليّ العظيم، وبدران اقترنا بتقدير العزيز العليم، ونوران اجتمعا بمشيئة المدبّر الحكيم، قد كفّر الله بولائهما سيّئات أوليائهما وأعظم لهم أجراً، يخرج من صدف بحريهما اللؤلؤ والمرجان، ويشرق بزاهر نوريهما الملوان(٢) والخافقان، ويهتدي بعلم علمهما الثقلان من الإنس والجانّ، ويجعل الله بذرّيتهما لدين الحقّ بعد الطيّ نشراً، اُمناء الحقّ من نجلهما، وهداة الخلق من نسلهما، ودعاة الصدق من الهماهم غيوث وليوث في قرى، وقراع فهم اُسد الشرى، سادة الخلق والورى، فعليهم أهل بيت ومقام وصفا، ومناجاة بصدق صفا، من لهم بالمجد حقّاً وصفا، نال من ذي العرش صلوات الله تتراً، توقيراً وبرّاً.

نحمد ربّنا على ما اختصّنا به من عرفان حقّهم، ونكشره إذ جعلنا من الموقنين بفضلهم وصدقهم، ووفّقنا في حلبة الفخر للاقرار بتقديمهم وسبقهم، وخلص ابريز خالص معتقدنا لحبّهم سرّاً وجهراً.

ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تدحض عن قائلها ذنباً ووزراً، وترمض من منكرها سحراً وبحراً.

__________________

١ - الظاهر سقط من الأصل هنا بمقدار صفحة واحدة.

٢ - كذا في الأصل.

ونشهد أنّ محمداً عبده ورسوله الذي أطلعه الله على أسرار ملكوته ليلة الاسراء، وشرّفه حضرة جبروته على الخلق طرّاً.

صلّى الله عليه صلاة عرفها كالمسك عطراً، ونشرها كالروض نشراً، وعلى آلها الّذين من استمسك بحبل ولائهم فاز من الله بالبشرى، وحاز السعادة الكبرى في الدنيا والاُخرى، ما أظهر النهار بنور صباه من الليل فجراً، وهزم بمسلول صارم حسامه صباحه جنود الحنادس فلم يبق منها عينا ولا أثراً.

يا أيّها الّذين آمنوا هل أدلّكم على تجارةٍ تنجيكم من عذاب أليم(١) وسعادة باقية ببقاء الرب الرحيم، وجنّات لكم فيها نعيم مقيم خالدين فيها أبداً إنّ الله عنده أجر عظيم(٢) ، أن تسلكوا سبيل وليّ الله في برّه وبحره، والداعي إلى الله على بصيرةٍ من أمره، والمخلص بطاعته لربّه في برّه وبحره، والداعي إلى الله على بصيرةٍ من أمره، والمخلص بطاعته لربّه في سرّه وجهره، وعيبة علمه، وموضع سرّه، ووجهه الواضح في خلقه، ولسانه الناطق بحقّه، ويده الباسطة في بلاده، وعينه الباصرة في عباده.

صاحب الخندق وبدر، وقاتل الوليد وعمرو، الذي دكّ الله بيده حصن القموص، واختصّه بأشرف النصوص على الخصوص.

بحر العلم، طود الحلم، وينبوع الكرم، ومعدن الحكم.

أفصح الخلق لساناً، وأوضحهم بياناً، وأكرمهم بناناً، وأعلاهم في الشرف تبياناً.

السائق الصادق، والصادع الناطق، والفاتح الخاتم، والمتصدّق في

__________________

١ - إقتباس من سورة الصف: ١٠.

٢ - إقتباس من سورة التوبة: ٢١ و ٢٢.

ر كوعه بالخاتم.

نفسه نفس الرسول، وعرسه الطاهرة البتول، سيّدة نساء الاُمّة، واُمّ السادة الأئمّة، وابنة شفيع المحشر، وحليلة ساقي الكوثر، الخاشعة الزاهدة، الراكعة الساجدة، الصائمة القائمة، العاملة العالمة، السالكة الناسكة، العفيفة الشريفة، المتهجّدة المتعبّدة، البتولة الطاهرة، سيّدة نساء الدنيا والآخرة، اُمّ الحسنين، وابنة شفيع الكونين، وحليلة إمام الثقلين.

تخجل الشمس حياءً منها إن أسفرت، وتبتهج الأرض سروراً إن عليها خطرت، شجرة دوحة النبوّة، ودرّة صدفة الفتوّة، نور من نور خلقت، وشمس من شمس أشرقت، فضلها لا يخفى، ونورها لا يطفى، لمّا كان والدها لقلادة النبوّة واسطة، كلّمه الجليل سبحانه ليلة الاسراء بلا واسطة، وجعل بعلها له وصيّاً ووليّاً، وبأعباء رسالته حفيّاً مليّاً، وتولّى سبحانه عقدة نكاحها في حضيرة القدس، وجعل جبرائيل وميكائيل من جملة خدمها ليلة العرس:

بنت خيـر الـخلق طرّاً

وأجلّ الخـلق قـدرا

من بها الله بصنو المصـ

ـطفى أصفى وبـرّا

عالم الاُمـّة والهـادي لها

بـرّاً وبـــحـرا

ولا سـما الخـلق مـجداً

نسـباً كـان وصهرا

وبـاُحـدٍ شــدّ مـنه ا

لله لـلمخـتـار أزرا

وببـدر أطلـع الـحـقّ

به للـحــقّ بـدرا

هـازم الأحـزاب والقاتل

ذاك اليـوم عـمـرا

سـل بـه خــيبـركـم

هدّ بها ركناً وقصـرا

ناصب الرايـة لمّـا كـعّ

مَـن كــَعّ وفــرّا

في حنـين نـصـر الـلّه

به الاسـلام نـصـرا

رفع اللـه له فـي الـدوح

بـالإمــرة أمـــرا

كان بالـزهـراء مـن كلّ

عــباد الـله أحـرى

لم يكن كفـواً لـها لـولاه

بـيـن الـناس يـدري

جعل الـله لهـا خـمـس

جمـيع الأرض مهـرا

طهرت مـع نجـلها مـن

سائر الأرجـاس طهرا

ذكرها يـوم الكـساء فـي

الذكـر يتـلى مستمرّا

بـعلـها قامـع هـامـات

جنود الشـرك قـهـرا

قاصم الأصلاب والـقاسـم

للأسـلاب قـســرا

وامرح فكـري مـدحاً في

وصفه نـظمـاً ونثرا

فرأيت اللــه قد أعلى له

فـي الـذكـر ذكـرا

هـل أتـى(١) فيـه وفي

زوجته وابنيـه تـقرا

آثـروا بالـقـوت لمّـا

أن وفوا عـهداً ونذرا

عبد الخـالق لـمّا عـبد

الأقـوام جـهــرا

هـبـلاً ثـمّ يـغــوث

وسواعــاً ثم نسرا

مذ بني بالبضعة الزهراء

أهدى الـله عطـرا

شرفـاً مـنه لـها قــد

فاق في الآفـاق ذكرا

عرفه من يثرب في مـكّةٍ

يـنفـح نـشــرا

روي عن الأصبغ بن نباتة بإسناد متّصل قال: لمّا زوّج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فاطمة من عليّعليه‌السلام وأراد أن يدخلها به أتاه جبرائيل،

____________

١ - المراد سورة الانسان.

فقال: يا محمد، ما تصنع؟

قال: اُدخل فاطمة بعليّ.

قال: إنّ ربّك يقرؤك السلام، ويقول لك: لا تحدث شيئاً حتى آتيك، ثمّ عرج جبرائيل وهبط على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومعه قدح من الياقوت فيه من مسك الجنّة، وزعفران من زعفران الجنّة، مضروب بماء الحياة، وقال لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ربّك يقرؤك السلام، ويقول لك: مر فاطمة فلتضع هذا في مفرقها ونحرها، ففعلت ذلك، فكانت صلوات الله عليها بعد ذلك إذا حكّت رأسها بالمدينة تفوح رائحة من مكّة، فيقول الناس: ما هذه الرائحة؟

فيقال: إنّ فاطمة قد حكّت رأسها بالمدينة اليوم، فهذه رائحة الطيب الذي أهداه الله إليها.

و روى الشيخ الجليل محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّي رضي الله عنه في أماليه عن أمير المؤمنينعليه‌السلام قال: لقد هممت بتزويج فاطمةعليها‌السلام وما يمنعني من ذلك إلا انّي لم أتجرّأ على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإنّ ذلك ليختلج في صدري ليلاً ونهاراً حتى دخلت على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ذات يوم فقال: يا علي.

فقلت: لبّيك، يا رسول الله.

قال: هل لك في التزويج؟

قلت: رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أعلم، وإذا به يريد أن يزوّجني بعض نساء قريش(١) وإنّي لخائف على فوات فاطمة، فانصرفت فلم أشعر بشيء حتى

__________________

١ - كذا في الأمالي، وفي الأصل: بعض بنات نساء قريش.

أتاني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال لي: أجب النبيّ وأسرع، فما رأيت أشدّ فرحاً منه اليوم، قال: فأتيته مسرعاً، فإذا هو في حجرة اُمّ سلمة رضي الله عنها، فلمّا نظر إليّ تهلّل وجهه فرحاً، وتبسّم حتى نظرت إلى بياض أسنانه يبرق.

فقال: يا عليّ، أبشر، فإنّ الله سبحانه قد كفاني ما كان أهمّني من أمر تزويجك.

فقلت: وكيف ذلك، يا رسول الله؟

فقال: أتاني جبرائيل ومعه من سنبل الجنّة وقرنفلها وناولنيهما فأخذتهما وشممتهما، وقلت: ما سبب هذا السنبل والقرنفل؟

فقال: إنّ الله سبحانه أمر سكّان الجنّة(١) من الملائكة ومن فيها أن يزيّنوا الجنان كلّها بمغارسها وأشجارها وأثمارها وقصورها، وأمر ريحها فهبّت بأنواع الطيب والعطر، وأمر حور عينها بقراءة سورة طه وطواسين ويس وحمعسق، ثمّ نادى منادٍ من تحت العرش:

ألا إنّ اليوم يوم وليمة علي بن أبي طالب، ألا إنّي اُشهدكم أنّي قد زوّجت فاطمة بنت محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله من عليّ بن أبي طالب رضي منّي بعضهما لبعضٍ.

ثمّ بعث الله سبحانه سحابة بيضاء فمطرت عليهم من لؤلؤها وزبرجدها ويواقيتها، وقامت الملائكة من سنبل الجنّة وقرنفلها، وهذا ممّا نثرته الملائكة.

__________________

١ - في الأمالي: الجنان.

ثمّ أمر الله سبحانه ملكاً من ملائكة الجنّة يقال له راحيل(١) ، وليس في الملائكة أبلغ منه، فقال: اخطب يا راحيل، فخطب بخطبةٍ لم يسمع بمثلها أهل السماوات ولا أهل الأرض، ثمّ نادى منادٍ: ألا يا ملائكتي وسكّان جنّتي، باركوا على عليّ حبيب محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله وفاطمة بنت محمد فقد باركت عليهما، ألا إنّي قد زوّجت أحبّ النساء إليّ من أحبّ الرجال إليّ بعد النبيّين والمرسلين(٢) .

فقال راحيل الملك: يا ربّ وما بركتك عليهما بأكثر ممّا رأينا [ لهما ](٣) في جنّتك ودار رضوانك؟

فقال عزّ وجل: يا راحيل، إنّ من بركتي عليهما أنّ أجمعهما على محبّتي، وأجعلهما حجّة على خلقي، وعزّتي وجلالي لأخلقنّ منهما خلقاً، ولأنشئنّ منما ذرّيّة أجعلهم خزّاني في أرضي، ومعادن لعلمي، ودعاة إلى ديني، بهم أحتجّ على خلقي بعد النبيّين والمرسلين.

فأبشر يا عليّ، فإنّ الله عزّ وجلّ أكرمك بكرامةٍ لم يكرم بمثلها أحداً، وقد زوّجتك ابنتي على ما زوّجك الرحمن، ورضيت بما رضي الله لها، فدونك أهلك، فإنّك أحقّ بها منّي ومن كلّ أحد، وقد أخبرني جبرائيل أنّ الجنّة مشتاقة

__________________

١ - كذا في الأمالي، وفي الأصل: راجيل، وكذا في المواضع الآتية.

٢ - في « ح »: سمعت من علماء الشيعة رضوان الله عليهم أجمعين [ أنّه ] قد وجد بالكوفة بعد قتل الحسينعليه‌السلام درّة حمراء وقد كتب فيها بخطّ كوفيّ جليّ هذا الرباعي بحسن الخط:

أنا درّ من السمـاء نثروني

يوم تزويج والد الـحسنين

كنت أصفى من اللجين ولكن

صبّغتني دماء نحر حسين

٣ - من الأمالي، وفيه بعده: في جنانك ودارك.

إليكما، ولولا أنّ الله سبحانه قدّر أن يخرج منكما ما يتّخده على الخلق حجّة لأجاب فيكما الجنّة وأهلها، فنعم الأخ أنت، ونعم الختن أنت، ونعم الصاحب أنت، وكفاك برضى الله رضى.

قال عليّعليه‌السلام : فقلت: يا رسول الله، أبلغ بقدري حتى ذكرتُ في السماء(١) وزوّجني ربّي في ملائكته؟!

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ الله سبحانه إذا أكرم وليّه أكرمه بما لا عين رأت ولا اُذن سمعت، فأحباها الله لك.

فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام بعد أن سجد شكراً لله:( رَبِّ أوزِعنِي أَن أَشكُرَ نِعمَتَكَ الَّتِي أَنعَمتَ عَلَيَّ ) (٢) .

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : آمين(٣) .

الخرگوشي في كتابيه شرف المصطفى واللوامع، بإسناده عن سلمان. وأبو بكر الشيرازي أيضاً روى في كتابه. وأبو إسحاق الثعلبي، وعليّ بن أحمد الطائي، وغيرهم من علماء السنّة في تفاسيرهم عن سعيد بن جبير. وروى أيضاً سفيان الثوري وأبو نعيم الأصفهاني أيضاً فيما نزل من القرآن في أمير المؤمنينعليه‌السلام عن حمّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، وعن [ أبي مالك، عن ](٤) ابن عبّاس والقاضي النطنزي عن سفيان بن عيينة، عن الصادقعليه‌السلام .

__________________

١ - في الأمالي: الجنّة.

٢ - سورة النمل: ١٩.

٣ - أمالي الصدوق: ٤٤٨ ح ١، عيون أخبار الرضاعليه‌السلام : ١ / ٢٢٢ ح ١ وص ٢٢٥ ح ٢، عنهما البحار: ٤٣ / ١٠١ ح ١٢، وفي ص ١٠٣ عن تفسير فرات: ١٥٦.

٤ - من المناقب.

وروى مشايخنا رضي الله عنهم عن الصادقعليه‌السلام في قوله تعالى:( مَرَجَ البَحرَينِ يَلتَقِيَانِ ) (١) قال: عليّ وفاطمة بحران من العلم عميقان لا يبغي أحدهما على صاحبه، وفي رواية:( بَينَهُماَ بَرزَخٌ ) (٢) رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ( يَخرُجُ مِنهُمَا اللُّؤلُؤُ وَالمَرجَانَ ) (٣) الحسن الحسينعليهما‌السلام .(٤)

أبو معاوية الضرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس أنّ فاطمةعليها‌السلام بكت للجوع والعري، فقال لها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : اقنعي يا فاطمة بزوجك، فوالله إنّه سيّد في الدنيا، سيّد في الآخرة، وأصلح بينهما، فأنزل سبحانه:( مَرَجَ البَحرَينِ يَلتَقِيَانِ ) يقول: أنا الله أرسلت البحرين: عليّاً بحر العلم، وفاطمة بحر النبوّة، يلتقيان: يتّصلان، أنا الله أوقعت الوصلة بينهما، ثم قال:( بَينَهُمَا بَرزَخٌ ) أي مانع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يمنع عليّاً أن يحزن لأجل الدنيا، ويمنع فاطمة أن تخاصم بعلها لأجل الدنيا( فَبِأيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا ) يا معشر الجنّ والإنس( تُكَذِّبَان ) بولاية أمير المؤمنين وحبّ فاطمة الزهراء، فاللؤلؤ الحسن، والمرجان الحسين، لأنّ اللؤلؤ الكبار والمرجان الصغار، ولا غرو أن يكونا بحرين لسعة فضلهما وكثرة خيرهما، فإنّ البحر ما سمّي بحراً إلا لسعته، وأجرى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فرساً فقال: وجدته بحراً.(٥)

القاضي أبو محمد الكرخي في كتابه عن الصادقعليه‌السلام ، عن فاطمة

__________________

١ - سورة الرحمن: ١٩.

٢ - سورة الرحمن: ٢٠.

٣ - سورة الرحمن: ٢٢.

٤ - مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ٣١٨ - ٣١٩، عنه البحار: ٤٣ / ٣١ ح ٣٩.

٥ - مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ٣١٩، عنه البحار: ٢٤ / ٩٩ ح ٦.

عليها‌السلام قالت: لمّا نزلت( لاَ تَجعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَينَكُم كَدُعَاءِ بَعضِكُم بَعضاً ) (١) هبت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن أقول له يا أبة، فكنت أقول: يا رسول الله، فأعرض عنّي مرّتين أو ثلاثاً، ثمّ اقبل عليَّ، وقال: يا فاطمة، إنّها لم تنزل فيك ولا في أهلك ولا في نسلك، أنت منّي وأنا منك، إنّما اُنزلت في أهل الجفاء والغلظة من قريش أصحاب البذخ والكبر، قولي: يا أبة، فإنّها أحيى للقلب، وأرضى للربّ.(٢)

سفيان الثوري، عن الأعمش، عن أبي صالح في قوله سبحانه:( وَإذَا النُّفُوسُ زُوِّجَت ) (٣) قال: ما من مؤمن يوم القيامة إلا إذا قطع الصراط زوّجه الله على باب الجنّة بأربع نسوة من نساء الدنيا، وسبعين [ ألف ](٤) حوراء من حور الجنّة إلا عليّ بن أبي طالب، فإنّه زوج البتول فاطمة في الدنيا، وهو زوجها في الجنّة، ليست له في الجنّة زوجة غيرها من نساء الدنيا، لكن له في الجنّة سبعون ألف حوراء، لكلّ حوراء سبعون ألف خادم(٥) .

عن الصادقعليه‌السلام قال: حرّم الله النساء على عليّ ما دامت فاطمة حيّة لأنّها طاهرة لا تحيض.

وقال أبو عبيد الهروي في الغريبين(٦) : سمّيت مريم بتولاً لأنّها بتلت عن

__________________

١ - سورة النور: ٦٣.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ٣٢٠، عنه البحار: ٤٣ / ٣٢ - ٣٣، وعوالم العلوم: ١١ / ٧٤ ح ٦.

٣ - سورة التكوير: ٧.

٤ - من المناقب.

٥ - مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ٣٢٤ - ٣٢٥، عنه البحار: ٤٣ / ١٥٤.

٦ - الغريبين: ٣٨ ( مخطوط ). وفيه: وقال الليث: البتول كلّ امرأة منقطعة عن الرجال لا شهوة لها. وقال أحمد بن يحيى: سمّيت فاطمة البتول لانقطاعها عن نساء زمانها ونساء

الرجال، وسمّيت فاطمة بتولاً لأنّها بتلت عن النظير.

أو هاشم العسكري قال: سألت صاحب العسكرعليه‌السلام : لِمَ سمّيت فاطمة الزهراء؟

قال: كان وجهها يزهر لأمير المؤمنين من أوّل النهار كالشمس الضاحية، وعند الزوال كالقمر المنير، وعند غروب الشمس كالكوكب.(١)

وروي عن الباقر والصادقعليهما‌السلام ، ورواه أيضاً عامر الشعبيّ والحسن البصري [ وسفيان الثوري ومجاهد وابن جبير وجابر الأنصاري ](٢) ، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها فقد أغضبني. أخرجه البخاري عن المسوّر بن مخرمة.

وفي رواية جابر: فمن آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله.(٣)

ابن عبد ربّه الأندلسي في العقد، عن عبد الله بن الزبير - في خبر - عن معاوية بن أبي سفيان، قال: دخل الحسن بن عليّ على جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو يتعثّر بذيله، فأسرّ إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله سرّاً فرأيته قد تغيّر لونه، ثمّ قامصلى‌الله‌عليه‌وآله حتى أتى منزل فاطمة، فأخذ بيدها فهزّها هزّاً، وقال لها: يا فاطمة، إيّاك وغضب عليّ، فإنّ الله يغضب لغضبه، ويرضى لرضاه، ثمّ جاء إلى عليّعليه‌السلام فأخذه بيد، ثمّ هزّها هزّاً خفيفاً، ثمّ قال:

__________________

الاُمّة فضلاً عن دينها

وفي الأصل والمناقب والبحار: « عبيد » بدل « أبو عبيد ».

١ - مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ٣٣٠، عنه البحار: ٤٣ / ١٦.

٢ - من المناقب.

٣ - مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ٣٣٢، عنه البحار: ٤٣ / ٣٩.

يا أبا الحسن، إيّاك وغضب فاطمة، فإنّ الملائكة تغضب لغضبها، وترضى لرضاها.

فقلت(١) : يا رسول الله، مضيت مذعوراً ورجعت مسروراً!

فقال: يا معاوية: كيف لا اُسرّ وقد أصلحت بين اثنين هما أكرم أهل الأرض على الله؟(٢)

قلت: في روايته لهذا الحديث ثمّ خلافه له وارتكاب ما حذّر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله من أنّ الله يغضب لغضب عليّ، ويرضى لرضاه أكبر دليل على نفاقه واستهزائه بقول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقلّة مبالاة بأمره ونهيه، وخروج عن الدين بقالبه وقلبه، وأنّه لا يعتقد الاسلام ديناً، ولا الله ربّاً، ولا محمداً رسولاً، ولا كان متمسّكاً بالكتاب، ولا أنّه منزل من عند الله، ولا مقرّاً بما اُنزل فيه، ولا معتقداً ما وعد الله من الحشر والنشر والحساب، والجنّة والنار وما أعدّ الله فيهما من الثواب والعقاب، فلهذا أظهر ما أبطن من بغض النبيّ وأهله، وأجلب عليهم بخيله ورجله، وأفضى بوصيّه إلى فتنته، واُسرته وذروته وشيعته، بالانتقام منهم، وإظهار الأحقاد البدريّة فيهم، فالله حسبه وطلبته، وهو بالمرصاد لكلّ ظالم.

قال الشيخ محمد بن بابويه القمّي رضي الله عنه: وهذا الحديث ليس بمعتمد لأنّهما منزّهان [ عن ](٣) أن يحتاجا أن يصلح بينهما رسول الله صلّى الله

__________________

١ - كذا في المناقب، وفي الأصل: فقلنا.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ٣٣٤، عنه البحار: ٤٣ / ٤٢ - ٤٣، وعوالم العلوم: ١١ / ١٥٤ ح ١.

٣ - من المناقب.

عليه وآله.(١)

الباقر والصادقعليهما‌السلام : أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كان لا ينام حتى يقبّل عرض وجه فاطمة، ويضع وجهه بين ثدييها.(٢)

اُتي برجل إلى الفضل بن الربيع زعموا أنّه سبّ فاطمة فقال لابن غانم: انظر في أمره ما تقول؟

قال: يجب عليه الحدّ.

فقال له الفضل: إذاً كاُمّك إن حددته، فأمر به أن يضرب بألف سوط، وأن يصلب في الطريق.(٣)

أبو علي الصولي في أخبار فاطمة، وأبو السعادات في فضائل العشرة، بالاسناد عن أبي ذرّ الغفاري، قال: بعثني النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أدعوا عليّاً، فأتيت بيته وناديته، فلم يجبني، فأخبرت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال: عد إليه فإنّه في البيت فأتيت ودخلت عليه، فرأيت الرحى تطحن ولا أحد عندها، فقلت لعليّ: إنّ النبيّ يدعوك، فخرج متوشّحاً حتى أتى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فأخبرت النبي بما رأيت، فقال: يا أبا ذرّ، لا تعجب فإنّ لله ملائكة سيّاحون في الأرض، موكّلون بمعونة آل محمد.

الحسن البصري وابن إسحاق، عن عمّار وميمونة أنّ كليهما قالا: وجدت فاطمة نائمة والرحى تدور، فأخبرت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بذلك،

__________________

١ - انظر التخريجة السابقة.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ٣٣٤، عنه البحار: ٤٣ / ٤٢، وعوالم العلوم: ١١ / ١٣٤ ح ٤.

٣ - مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ٣٣٥، عنه البحار: ٤٣ / ٤٣ ذح ٤٢، وعوالم العلوم: ١١ / ١٥٢ ح ١.

فقال: إنّ الله علم ضعف أمته فأوى إلى الرحى أن تدور فدارت.

وقد أورد هذا الحديث أبو القاسم البستيّ في فضائل أمير المؤمنين صلوات الله عليه. وروي أنّهاعليها‌السلام ربّما اشتغلت بصلاتها وعبادتها فربّما بكى ولدها فرؤي المهد يتحرّك وكان ملك يحرّكه.

و روي عن الباقرعليه‌السلام ، قال: بعث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله سلمان إلى منزل فاطمةعليها‌السلام بحاجة.

قال سلمان: فوقفت بالباب وقفة حتى سلّمت، فسمعت فاطمة تقرأ القرآن من داخل البيت والرحى تدور من خارج ما عندها أنيس، فأخبرت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بذلك، فتبسّم، وقال: يا سلمان، إنّ ابنتي فاطمة ملأ الله قلبها وجوارحها إيماناً إلى مشاشها(١) ، تفرّغت لطاعة الله فبعث الله ملكاً يقال له زوقابيل ؛ وقيل: جبريل، فأدار لها الرحى، وكفاها الله مؤنة الدنيا مع مؤنة الآخرة.(٢)

أبو القاسم القشيري في كتابه: قال بعضهم: انقطعت في البادية عن قافلة الحجّ، فوجدت امرأة، فقلت لها: من أنت؟

فقالت:( وقُل سَلامٌ فَسَوفَ يَعلَمُونَ ) (٣) .

فسلّمت عليها، فقلت: ما تصنعين هاهنا؟

____________

١ - أي رؤوس العظام اللينة.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ٣٣٧ - ٣٣٨، عنه البحار: ٤٣ / ٤٥ - ٤٦، وعوالم العلوم: ١١ / ١٥٥ ح ٤ وص ١٨٣ ح ٢٣.

٣ - سورة الزخرف: ٨٩.

قالت:( مَن يُضلِلِ اللهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ ) (١) .

فقلت: أمن الجنّ أنتِ أم من الإنس؟

قالت:( يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسجِدٍ ) (٢) .

فقلت: من أين أقبلت؟

قالت:( اُولَئِكَ يُنَادَونَ مِن مَكَانٍ بَعِيدٍ ) (٣) .

فقلت: أين تقصدين؟

فقالت:( وللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيتِ مَنِ استَطَاعَ إلَيهِِ سَبِيلاً ) (٤) .

فقلت: متى انقطعت؟

فقالت:( وَلَقَدْ خَلَقنَا السَّموَاتِ وَالأَرضَ وَمَا بَينَهُمَا فِي سِتَّةِ أيَّامٍ ) (٥) .

فقلت: أتشتهين طعاماً؟

فقالت:( وَمَا جَعَلنَاهُمْ جَسَداً لا يَأكُلُونَ الطَّعامَ ) (٦) فأطعمتها.

ثمّ قلت: هرولي وتعجّلي.

فقال:( لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نفساً الاَّ وُسعَهَا ) (٧) .

فقلت: أردفك.

____________

١ - سورة الأعراف: ١٨٦.

٢ - سورة الأعراف: ٣١.

٣ - سورة فصّلت: ٤٤.

٤ - سورة آل عمران: ٩٧.

٥ - سورة ق: ٣٨.

٦ - سورة الأنبياء: ٨.

٧ - سورة البقرة: ٢٨٦.

فقالت:( لَو كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا ) (١) .

فنزلت وأركبتها، فقالت:( سُبحانَ الَّذي سَخَّرَ لَنَا هذا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقرِنينَ ) (٢) .

فلمّا أدركنا القافلة قلت: هل لك أحد فيها؟

قالت:( يا دَاوُدُ إنَّا جَعَلنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرضِ ) (٣) ( وَمَا مُحَمَّدٌ إلَّا رَسُولٌ قَد خَلَت مِن قَبلِهِ الرُّسُلُ ) ) ( يَا يَحيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ ) (٥) ( يَا مُوسَى إنَّني أنَا اللهُ ) (٦) .

فصحت بهذه الأسماء، فإذا أنا بأربعة شباب متوجّهين نحوها(٧) ، فقلت: من هؤلاء منك؟

قالت:( المَالُ وَالبَنُونَ زِينَةُ الحَيَاةِ الدُّنيَا ) (٨) ، فلمّا أتوها قالت:( يَا أَبَتِ استَأجِرهُ إنَّ خَيرَ مَنِ استَأجَرتَ القَوِيُّ الأَمِينُ ) (٩) فكافوني بأشياء فقالت:( وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ) (١٠) فزادوا عليّ فسألتهم عنها، فقالوا: هذه اُمّنا فضّة

__________________

١ - سورة الأنبياء: ٢٢.

٢ - سورة الزخرف: ١٣.

٣ - سورة ص: ٢٦.

٤ - سورة آل عمران: ١٤٤.

٥ - سورة مريم: ١٢.

٦ - سورة طه: ١١ و ١٤.

٧ - كذا في المناقب، وفي الأصل: موجّهين إليّ.

٨ - سورة الكهف: ٤٦.

٩ - سورة القصص: ٢٦.

١٠ - سورة البقرة: ٢٦١.

جارية الزهراء صلّى الله عليها، ما تكلّمت منذ عشرين سنة إلا بالقرآن.(١)

قلت: يا أصحاب الفكر الصائب، والنظر الثاقب، والقلب السليم، واللبّ المستقيم، تفكّروا في هذه النفس التي قدّسها الله وطهّرها وأطلعها على أسرار كلامه، وطهّرها وشرّفها بخدمة اُولي نهيه وأمره، وأطلعها ببركات فضلهم على مكنون سرّه، وجعل قلبها مشكاة نور حكمته، وباطنها مرآة كمال معرفته، وأسكن حبّه سويداء فؤادها، وجعل ذكره أقصى مرادها، فصارت لا تنطق الا بكلامه المجيد، الذي( لاَ يَأتِيهِ البَاطِلُ مِن بَينِ يَدَيهِ وَلَا مِن خَلفِهِ تَنزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) (٢) .

و أذهب عنها كلفة المشقّة في استنباط غرائبه، وإعمال الفكرة في إظهار عجائبه، وجعل جبلتها مطبوعة عليه، وفكرتها مصبوبة لديه، ينبي عن مقاصدها بوجيز كلماته، ويخبر عن مطالبها بعزيز آياته، فهو في لوح نفسها مسطور، وفي رقّ عملها منشور، فكأنّه روضة أنيقة بين يديها، أو جنّة يانعة تهدّلت أغصانها عليها، تلتقط ما شاءت من أزاهير هذه وأنوارها، وتقتطف ما أرادت من فواكه تلك وثمارها، لمّا أخلصت لله بطاعتها، وعظّمت ما عظّم الله من جلالة سيّدتها، وعلمت أنّ الله سبحانه عصمها وصفاها، وعلى نساء العالمين اصطفاها، وجعل والدها كلمته التامّة في خلقه، وبعلها لسانه الناطق بحقّه، وذرّيّتها أولياءه على عباده، وعترها اُمناءه في بلاده، لا يقبل الله عمل عامل إلا بولايتهم، ولا يدخل الجنّة الا مستمسكاً بعروة محبّتهم، تشاركهم في إخلاص الطاعة لمعبودهم، وساوتهم في وفاء نذورهم وعهودهم، فأدخلها سبحانه في

____________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ٣٤٣ - ٣٤٤، عنه البحار: ٤٣ / ٨٦ - ٨٧.

٢ - سورة فصّلت: ٤٢.

زمرتهم، وأشركها في مدحتهم، وجعل ذكرها في جملة ذكره مذكوراً، في قوله سبحانه:( إنَّ الأبرَارَ يَشرَبُونَ مِن كَأسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً ) (١) ، وأثبت في صحائف الايمان شرفها ورفعتها، وأصلح بصلاحها ولدها وحفدتها.

مالك بن دينار قال: رأيت في مودع الحجّ امرأة ضعيفة على دابّة نحيفة والناس ينصحونها لتنكص وهي تمتنع، فلمّا توسّطنا البادية كلّت دابّتها فعذلتها في إتيانها وعنّفتها فرفعت طرفها(٢) إلى السماء، وقالت: لا في بيتي تركتني، ولا إلى بيتك حملتني، فوعزّتك وجلالك لو فعل هذا بي غيرك لما شكوته الا إليك، فإذا شخص أتاها من الفيفاء(٣) وفي يده زمام ناقة وقال لها: اركبي، فركبت وسارت الناقة كالبرق الخاطف، فلمّا بلغت المطاف رأيتها تطوف فحلّفتها: من أنتِ؟

فقالت: أنا شهرة بنت مسكة بنت فضّة جارية(٤) الزهراءعليها‌السلام .

و روي أنّ فاطمة الزهراءعليها‌السلام سألت من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خاتماً، فقال لها: إذا صلّيت صلاة الليل فاطلبي من الله عز وجل خاتماً، فإنّك تنالين حاجتك.

قال: فدعت ربّها سبحانه فإذا بهاتف يهتف: يا فاطمة، الذي طلبتِ منّي تحت المصلّى، فرفعت المصلّى فإذا الخاتم ياقوت لا قيمة له، فجعلته في إصبعها وفرحت، فلمّا نامت من ليلتها رأت في منامها كأنّها في الجنّة فرأت

____________

١ - سورة الانسان: ٥.

٢ - في المناقب: رأسها.

٣ - الفيفاء: البادية.

٤ - في المناقب: خادمة.

ثلاث قصور لم تر في الجنّة مثلها، قالت: لمن هذه القصور؟

قالوا: لفاطمة بنت محمد.

قال: فكأنّها دخلت قصراً من تلك ودارت [ فيه ](١) فرأت سريراً قد مال على ثلاث قوائم، فقالت: ما لهذا السرير قد مال على ثلاث قوائم؟ فلمّا أصبحت دخلت على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقصّت القصّة.

فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : معاشر آل عبد المطّلب، ليس لكم الدنيا، إنّما لكم الآخرة، وميعادكم الجنّة، ما تصنعون بالدنيا فإنّها زائلة غرّارة، فأمرها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أن تردّ الخاتم تحت المصلّى، فردّته، ثمّ نامت على المصلّى فرأت في المنام أنّها دخلت الجنة، ودخلت ذلك القصر، ورأت السرير على أربع قوائم، فسألت عن حاله: فقالوا: رددت الخاتم فرجع السرير إلى هيئته.

أبو جعفر الطوسي: عن الصادقعليه‌السلام ؛ وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه أنّه لمّا استخرج أمير المؤمنينعليه‌السلام للبيعة من منزله خرجت فاطمة حتى انتهت إلى القبر وقالت: خلّوا عن ابن عمّي، فوالذي بعث محمداً بالحقّ لأن لم تخلّوا عنه لأنشرنّ شعري، ولأضعنّ قميص رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على رأسي، ولأصرخنّ إلى الله(٢) ، فما ناقة صالح بأكرم على الله منّي، ولا الفصيل على الله بأكرم من ولدي(٣) .

قال سلمان: فوالله رأيت أساس حيطان المسجد قد تقلّعت من أسفلها

__________________

١ - من المناقب.

٢ - كذا في المناقب، وفي الأصل: ولأخرجنّ.

٣ - في المناقب: فما ناقة صالح بأكرم على الله من ولدي.

حتى لو اراد رجل أن ينفذ من تحتها نفذ، فدنوت منها وقلت: يا سيّدتي ومولاتي، إنّ الله سبحانه بعث أباك رحمة فلا تكوني نقمة، فرجعت الحيطان حتى سطعت الغبرة من أسفلها فدخلت في خياشيمنا.(١)

في الصحيحين(٢) : أنّ عليّاًعليه‌السلام قال لفاطمة: إنّي أشتكي ممّا أندأ بالقِرَب.

فقالت: والله وأنا أشتكي يديّ ممّا أطحن بالرحى، وكان قد اُتي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بسبي، فأمرها أمير المؤمنينعليه‌السلام أن تمضي إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وتطلب منه جارية، فدخلت على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ت ورجعت، فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : ما لك؟

فقالت: والله ما استطعت أن اُكلّم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من هيبته، فانطلق عليّ معها، فقال لهما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : لقد جاءت بكما إليّ حاجة.

فقال أمير المؤمنين لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ فاطمة قد طحنت بالرحى حتى مجلت كفّاها، وقمّت البيت حتى دكنت ثيابها، وخبّره بمرادهما.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : اُريد أن أبيعهم وأنفق أثمانهم على أهل الصفّة، وعلّمها تسبيح الزهراء.

وعن أبي بكر الشيرازي(٣) : أنّها لمّا ذكرت حالها للرسول بكى صلّى الله

__________________

١ - مناقب ابن شهر اشوب: ٣ / ٣٣٨ - ٣٤٠، عنه البحار: ٤٣ / ٤٦ ح ٤٦، وعوالم العلوم: ١١ / ١٥٦ ح ٦ صدره.

٢ - كذا في المناقب، وفي الأصل: كتاب الشيرازي: وفي الصحيحين.

٣ - في المناقب: كتاب الشيرازي.

عليه وآله وقال: يا فاطمة، والذي بعثني بالحقّ إنّ في المسجد أربعمائة رجل ما لهم طعام ولا ثياب، ولولا خشيتي خصلة لأعطيتك ما سألت.

يا فاطمة، إنّي لا اُريد أن ينفكّ عنك أجرك إلى الجارية، وإنّي أخاف أن يخصمك عليّ يوم القيامة بين يدي الله عزّ وجل(١) إذا طلب حقّه منك، ثمّ علّمها صلاة التسبيح.

فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : مضيتِ تريدين من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الدنيا فأعطانا الله ثواب الآخرة.

قال أبو هريرة: فلمّا خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من عند فاطمة أنزل الله سبحانه عليه:( وإمَّا تُعرِضَنَّ عَنهُمُ ابتِغَاءَ رَحمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَولاً مَيسُوراً ) (٢) يعني قولاً حسناً. فلمّا نزلت هذه الآية أنفذ إليها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله جارية للخدمة وسمّاها فضّة.

تفسير القشيري: عن جابر الأنصاري، قال: رأى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فاطمة صلّى الله عليها وعليها كساء من أجلّة الإبل وهي تطحن بيديها وترضع ولدها، فدمعت عينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقال: يا بنتاه، تعجّلي مرارة الدنيا بحلاوة الآخرة.

فقالت: يا رسول الله، الحمد لله على نعمائه، والشكر لله على آلائه، فأنزل سبحانه( وَلَسَوفَ يُعطِيكَ رَبُّكَ فَتَرضَى ) (٣) .

أبو صالح المؤذّن في كتابه بالاسناد عن عليّعليه‌السلام أنّ النبي صلّى

__________________

١ - لفظ الجلالة من المناقب.

٢ - سورة الإسراء: ٢٨.

٣ - سورة الضحى: ٥.

الله عليه وآله دخل على فاطمة وإذا في عنقها قلادة، فأعرض عنها، فقطعتها ورمت بها [ فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : أنت منّي يا فاطمة ](١) ، ثمّ جاءها سائل فناولته إيّاها.(٢)

و في مسند الرضاعليه‌السلام أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: يا فاطمة، لا يغرّنّك الناس أن يقولوا بنت محمد وعليك لبس الجبابرة، فقطعتها وباعتها واشترت بثمنها رقبة فأعتقتها، فسرّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بذلك.(٣)

تاريخ بغداد(٤) : بالاسناد عن بلال بن حمامة: طلع علينا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ووجهه مشرق كالبدر، فسأله ابن عوف عن ذلك، فقال: بشارة من ربّي أتتني لأخي عليّ بن أبي طالب وابنتي فاطمة، وأنّ الله زوّج عليّاً بفاطمة وأمر رضوان خازن الجنان فهزّ شجرة طوبى فحملت رقاعاً بعدد محبّي أهل بيتي، وأنشأ من تحتها ملائكة من نور، ودفع إلى كلّ ملك صكّاً، فإذا استوت القيامة بأهلها نادت الملائكة في الخلائق: أين محبّو عليّ وفاطمةعليهما‌السلام ؟ فلا يبقى محبّاً لنا إلا دفعت إليه صكّاً براءة من النار، بأخي وابن عمّي وابنتي فكاك رقاب رجال ونساء من اُمّتي.

____________

١ - من المناقب.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ٣٤١ - ٣٤٣، عنه البحار: ٤٣ / ٨٥ - ٨٦ ح ٨.

٣ - مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ٣٤٣.

ورواه في عيون أخبار الرضاعليه‌السلام : ٢ / ٤٤ ح ١٦١، وفيه: يا فاطمة لا يقول الناس إنّ فاطمة بنت محمد تلبس لبس الجبابرة ..، عنه البحار: ٤٣ / ٨١ ح ٢، وعوالم العلوم: ١١ / ٢٦٩ ح ٩.

٤ - تاريخ بغداد: ٤ / ٢١٠.

وفي رواية: أنّ في الصكوك: براءة من العليّ الجبّار، لشيعة علي وفاطمة من النار.(١)

ابن بطّة والسمعاني في كتبهم بالاسناد عن ابن عبّاس وأنس بن مالك، قالا: بينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله جالس إذ جاء عليّ، فقال: يا عليّ، ما جاء بك؟

قال: جئت اُسلّم عليك.

قال: هذا جبرئيل يخبرني أنّ الله سبحانه زوّجك فاطمة، وأشهد على تزويجها أربعين ألف ملك، وأمر سبحانه شجرة طوبى أن انثري عليهم الدرّ والياقوت، وهنّ يتهادينه إلى يوم القيامة، وكانوا يتهادونه ويقلن: هذا تحفة خير النساء.

وفي رواية ابن بطّة عن عبد الله: فمن أخذ منه شيئاً أكثر ممّا أخذ منه صاحبه أو أحسن افتخر به على صاحبه إلى يوم القيامة.

وفي رواية خبّاب بن الأرتّ، أنّ الله تعالى أوحى إلى جبرئيل أن زوّج النور من النور، وكان الوليّ الله، والخطيب جبرئيل، والمنادي ميكائيل، والداعي إسرافيل، والناثر عزرائيل، والشهود ملائكة السماء والأرض، ثمّ أوحى سبحانه إلى شجرة طوبى أن انثري ما عليك، فنثرت الدرّ الأبيض، والياقوت الأحمر، والزبرجد الأخضر، واللؤلؤ الرطب، فبادرن الحور العين يلتقطن ويهدين بعضهنّ إلى بعض.

__________________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ٣٤٦، عنه البحار: ٤٣ / ١٢٣ ذح ٣١ وعن كشف الغمّة: ١ / ٣٥٢ نقلاً من مناقب الخوارزمي: ٢٤٦.

وفي خبر أنّ الخطيب كان ملكاً يقال له راحيل(١) ، وقد جاء في بعض الكتب أنّه خطب راحيل في البيت المعمور في جمع من أهل السماوات السبع، فقال:

الحمد لله الأوّل قبل أوّلية الأوّلين، والباقي بعد فناء العالمين، نحمده إذ جعلنا ملائكة روحانيّين، ولربوبيّته مذعنينن، وله على ما أنعم علينا شاكرين، حجبنا من الذنوب، وسترنا من العيوب، أسكننا في السماوات، وقريباً من السرادقات، وحبس(٢) عنّا النهم من الشهوات، وجعل شهوتنا ونهمتنا في تسبيحه وتقديسه، الباسط رحمته، الواهب نعمته، جلّ عن إلحاد أهل الأرض من المشركين، وتعالى بعظمته عن إفك الملحدين.

ثم قال بعد كلام(٣) : اختار الملك الجبّار صفوة كرمه، وعبد عظمته لأمته سيّدة النساء بنت خير النبيّين، وسيّد المرسلين، وإمام المتّقين، فوصل حبله بحبل رجل من أهله وصاحبه، المصدّق دعوته، المبادر إلى كلمته، عليّ الوصول بفاطمة البتول، ابنة الرسول.

وروي أنّ جبرئيل روى عن الله سبحانه أنّه قال عقيبها: الحمد ردائي، والعظمة كبريائي، والخلق كلّهم عبيدي وإمائي، زوّجت فاطمة أمتي، من عليّ صفوتي، اشهدوا يا ملائكتي.

وكان بين تزويج فاطمة بعليّ صلّى الله عليهما في السماء وتزويجهما في الأرض أربعين يوماً، زوّجها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من عليعليه‌السلام

__________________

١ - كذا في المناقب، وفي الأصل: راجيل. وكذا في المواضع الآتية.

٢ - في المناقب: وقرّبنا إلى السرادقات، وحجب.

٣ - كذا في المناقب، وفي الأصل: بعد ذلك.

أوّل يوم من ذي الحجّة ؛ وقيل: يوم السادس منه.(١)

علي(٢) بن جعفر، عن موسى بن جعفرعليه‌السلام ، قال: بينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله جالس إذ دخل عليه ملك له أربعة وعشرون وجهاً، فقال له: حبيبي جبرئيل، لم أرك في هذه الصورة؟!

قال الملك: لست بجبرئيل، أنا محمود، بعثني الله أن اُزوّج النور من النور.

قال: مَن بِمَن؟

قال: فاطمة من عليّ.

قال: فلمّا ولّى الملك إذا بين كتفيه: محمد رسول الله، عليّ وصيّه.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : منذ كم كتب هذا(٣) بين كتفيك؟

فقال: من قبل أن يخلق الله آدم باثنين وعشرين ألف عام.

وفي رواية: أربع وعشرون ألف عام.

وروي أنّه كان للملك عشرون رأساً، في كلّ رأس ألف لسان، وكان اسم الملك صرصائيل.

وبالاسناد عن أبي أيّوب، قال: دخل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله على

__________________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ٣٤٦ - ٣٤٩، عنه البحار: ٤٣ / ١٠٩ - ١١٠.

٢ - روى هذا الحديث الصدوق في معاني الأخبار: ١٠٣ ح ١، الخصال: ٦٤ ح ١٧، الأمالي: ٤٧٤ ح ١٩.

٣ - كذا في المناقب، وفي الأصل: منذ كم كنتَ وهذا؟

فاطمة وقال: يا فاطمة، إنّي اُمرت بتزويجك من عليّ من البيضاء(١) . وفي رواية: من السماء.

و عن الضحّاك، قال: دخل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله على فاطمة، وقال: يا فاطمة، إنّ عليّ بن أبي طالب ممّن عرفت قرابته منّي، وفضله في الاسلام، وإنّي سألت الله أن يزوّجك خير خلقه، وأحبّهم إليه، وقد ذكر من أمرك شيئاً فما ترين؟

فسكتت، فخرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو يقول: الله أكبر، سكوتها إقرارها.

وخطب رسول الله(٢) صلى‌الله‌عليه‌وآله في تزويج فاطمة أمام العقد على المنبر، رواها يحيى بن معين في أماليه، وابن بطّة في الإبانة، بإسناده عن أنس ابن مالك مرفوعاً، ورويناها نحن عن الرضا عليّ بن موسىعليه‌السلام ، فقال:

الحمد لله المحمود بنعمته، المعبود بقدرته، المطاع في سلطانه، المرغوب إليه فيما عنده، المرهوب من عذابه، النافذ أمره في سمائه وأرضه، الذي خلق الخلق بقدرته، وميّزهم بأحكامه، وأعزّهم بدينه، وأكرمهم بنبيّه محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، إنّ الله تعالى جعل المصاهرة نسباً لاحقاً، وأمراً مفترضاً، وشج بها الأرحام، وألزمها الانام، فقال سبحانه:( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ المَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهراً ) (٣) ثمّ إنّ الله سبحانه أمرني أن اُزوّج فاطمة من عليّ، وقد

____________

١ - في المناقب: بتزويجك من البيضاء.

٢ - أخرج هذه الخطبة في كشف الغمّة: ١ / ٣٤٨ نقلاً من مناقب الخوارزمي: ٢٤٢، عنه البحار: ٤٣ / ١١٩ ح ٢٩.

٣ - سورة الفرقان: ٥٤.

زوّجتها إيّاه على أربعمائة مثقال فضّة، أرضيت يا عليّ؟

فقال صلوات الله عليه: رضيت، يا رسول الله.

و روى ابن مردويه أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لعليّ: تكلّم يا عليّ خطيباً لنفسك.

فقال: الحمد لله الذي قرب من حامديه، ودنا من سائليه، ووعد الجنّة من يتّقيه، وأنذر بالنار من يعصيه، نحمده على قديم إحسانه وأياديه، حمد من يعلم أنّه خالقه وباريه، ومميته ومحييه، وسائله عن مساويه، ونستعينه ونستهديه، ونؤمن به ونستكفيه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تبلغه وترضيه، وأنّ محمّداً عبده ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله صلاة تزلفه وتحظيه، وترفعه وتصطفيه، والنكاح ممّا أمر الله [ به ](١) ويرضيه، واجتماعنا ممّا قدّره الله وأذن فيه، وهذا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله زوّجني ابنته فاطمة على خمسمائة درهم، وقد رضيت، فاسألوه واشهدوا.

[ وفي خبر: زوّجتك ابنتي فاطمة على ما زوّجك الرحمن، وقد رضيت بما رضي الله لها، فدونك أهلك فإنّك أحقّ بها منّي ](٢) .

وفي خبر: فنعم الأخ أنت، ونعم الصهر، ونعم الختن أنت، فخرّ أمير المؤمنينعليه‌السلام ساجداً، فلمّا رفع أمير المؤمنينعليه‌السلام رأسه قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : بارك الله عليكما، وبارك فيكما، وأسعد جدّكما، وجمع شملكما(٣) ، وأخرج منكما الكثير الطيّب، ثمّ أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بطبق بُسر وأمر بنهبه، ودخل حجرة النساء وأمرهنّ بضرب الدفّ.

____________

١ و ٢ - من المناقب.

٣ - في المناقب: بينكما.

و قيل للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : قد علمنا مهر فاطمة في الأرض، فما مهرها في السماء؟

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : سل عمّا يعنيك، ودع ما لا يعنيك.

فقيل: هذا ممّا يعنينا، يا رسول الله.

قال: مهرها في السماء خمس الأرض، فمن مشى عليها مبغضاً لها ولولدها مشى عليها حراماً إلى أن تقوم الساعة.

وفي الجلاء والشفاء عن الباقرعليه‌السلام - في خبر طويل -: جعلت نحلتها من عليّ خمس الدنيا وثلثي الجنّة، وجعلت لها في الأرض أربعة أنهار: الفرات، ونيل مصر، ونهروان، ونهر بلخ.

ثم(١) إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لأمير المؤمنينعليه‌السلام : قم فبع الدرع، فباعه بخمسمائة درهم من أعرابي، وأتى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بها.

فقال: أعرفت الأعرابي؟

قال: لا.

قال: كان ذاك جبرئيل، وأتاني بدرعك.

قال الصادقعليه‌السلام (٢) : وسكب الدراهم في حجره، فأعطى منها قبضة كانت ثلاثة وستّين أو ستّة وستّين إلى اُم أيمن لمتاع البيت، وقبضة إلى أسماء بنت عميس للطيب، وقبضة إلى اُمّ سلمة للطعام، وأنفذ عمّاراً وأبا بكر

____________

١ - روي نحو هذا في دلائل الامامة: ١٣، عنه مدينة المعاجز: ٢ / ٣٢٥ - ٣٢٦ وص ٤٤٣ - ٤٤٤ ح ٦٦.

٢ - رواه الطوسي في الأمالي: ١ / ٣٩.

وبلالاً لابتياع ما يصلحها، فكان ممّا اشتروه: قميص بسبعة دراهم، وخمار بأربعة دراهم، وقطيفة سوداء خيبريّة، وسرير مزمّل بشريطٍ، وفراشان من خَيش مصر(١) ، حشو أحدهما ليف، والآخر من جزّ الغنم، وأربع مرافق من أدم الطائف حشوها إذخِر(٢) ، وستر من صوف، وحصير هَجَري، ورحى اليد، وسقاء من آدم، ومِخضَب(٣) من نحاس، وقفّة(٤) للّبن، ومطهرة للماء مزفّتة(٥) ، وجرّة خضراء وكيزان خزف.

وفي رواية: ونطع من أدم، وعباء قطراني، وقربة ماء.

و كان من تجهيز عليّ داره انتشار رمل لبن، وخشبة من حائط إلى حائط للثياب، وبسط إهاب كبش، ومخدّة ليف.

أبو بكر بن مردويه قال: لبث أمير المؤمنينعليه‌السلام بعد عقده تسعة وعشرين يوماً، فقال له جعفر وعقيل: سل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يدخل عليك أهلك، فعرفت اُمّ أيمن ذلك، وقالت: هذا من أمر النساء، وخلت به أيضاً اُمّ سلمة وطالبته بذلك، فدعاه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقال: حبّاً وكرامة، فأتى الصحابة بالهدايا والتحف، فأمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بطحن البرّ وخبزه، وأمر عليّاً بذبح البقر والغنم، فكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله

____________

١ - كذا في المناقب، وفي الأصل: جنس.

والخَيش: ثيابٌ رقاقُ النسج، غلاظُ الخُيُوط، تُتّخذُ من مُشاقَة الكتّان ومن أردَئه. « لسان العرب: ٦ / ٣٠١ - خيش - ».

٢ - الإذخِر: حشيش طيّب الرائحة، أطول من الثيّل.

٣ - المِخضَب: إناء تغسل فيه الثياب.

٤ - في المناقب: قعب.

٥ - في المناقب: وشن للماء ومطهرة مزفّته.

يفصل اللحم ولم ير على يده أثر الدم.

فلمّا فرغوا من الطبخ أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عليّاً أن ينادي على رأس داره: أجيبوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فأجابوه من النخلات والزروع، فبسط النطوع في المسجد، وصدر الناس وهم أكثر من أربعة آلاف رجل، وسائر نساء المدينة، ورفعوا منها ما أرادوا ولم ينقص من الطعام شيء، ثمّ عادوا في اليوم الثاني فأكلوا، وفي الثالث أكلوا مبعوثة أبي أيّوب الأنصاري رضي الله عنه، ثمّ دعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالصحاف فملئت، ووجّه إلى منازل أزواجه، ثمّ أخذ صحفة، وقال: هذه لفاطمة وبعلها، ثمّ دعا فاطمة فأخذ يدها ووضعها في يد عليّ، وقال: بارك لكَ الله في ابنة رسول الله ؛ يا عليّ، نعم الزوج فاطمة، ويا فاطمة، نعم البعل عليّ.

وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أمر نساءه أن تزيّنها ويصلحن من شأنها في حجرة اُمّ سلمة فاستدعين من فاطمةعليها‌السلام طيباً فأتت بقارورة، فسئلت عنها، فقالت: كان دحية الكلبيّ يدخل على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فيقول: يا فاطمة، هاتي الوسادة فاطرحيها لعمّك، فكان إذا نهض سقط من بين ثيابه شيء، فيأمرني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بجمعه، فسألت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عن ذلك، فقال: عنبر يسقط من زغب أجنحة جبرئيل، وأتت بماء ورد فسألتها عنه اُمّ سلمة، فقالت: هذا عرق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كنت آخذه عند قيلولته عندي.

وروي أنّ جبرئيل أتى بحلّةٍ قيمتها الدنيا، فلمّا لبستها تحيّرت نسوة قريش منها، وقلن: أنّى لك هذا؟

قالت: هو من عند الله سبحانه(١) .

تا ريخ الخطيب: بإسناده إلى ابن عبّاس وجابر(٢) أنّه لمّا كانت الليلة التي زفّت فيها فاطمة إلى عليّعليهما‌السلام كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أمامها، وجبرئيل عن يمينها، وميكائيل عن يسارها، وسبعون ألف ملك يشيّعونها من خلفها، يسبّحون الله ويقدّسونه حتى طلع الفجر.

كتاب مولد فاطمةعليها‌السلام عن ابن بابويه رضي الله عنه - في خبر - أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أمر بنات عبد المطّلب ونساء المهاجرين والأنصار أن يمضين في صحبة فاطمةعليها‌السلام ، وأن يفرحن ويرجزن ويكبّرن ويحمدن، ولا يقلن ما لا يرضي الله.

قال جابر: فأركبها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله [ على ](٣) ناقته. وفي رواية: على بغلته الشهباء، وأخذ سلمان بزمامها، وحولها سبعون حوراء والنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وحمزة وعقيل وجعفر وأهل البيت يمشون خلفها مشهرين سيوفهم، ونساء النبي قدّامهم يرجزن، فأنشأت اُمّ سلمة رضي الله عنها:

سرن(٤) بعون الله جاراتي

واشكرنه في كلّ حالات

واذكرن ما أنعم ربّ العُلى

من كشف مكروه وآفات

____________

١ - في « ح »: كما قيل لمريم اُمّ عيسىعليه‌السلام فقالت كقولها:( هُوَ مِن عِندِ اللهِ ) [ سورة آل عمران: ٣٧ ].

٢ - في المناقب: تاريخ الخطيب، وكتاب ابن مردويه ؛ وابن المؤذّن ؛ وابن شيرويه الديلميّ، بأسانيدهم عن علي بن الجعد، عن ابن بسطام، عن شعبة بن الحجّاج ؛ وعن علوان، عن شعبة، عن أبي حمزة الضبعيّ، عن ابن عبّاس وجابر.

٣ - من المناقب.

٤ - كذا في المناقب، وفي الأصل: سرّت.

فقد هدانـا بعـد كـفر وقد

أنعشنا ربّ الـسموات

فسرن مع خير نساء الورى

تفدى بعمّات وخـالات

يا بنت من فضّله ذو العلى

بالوحي منه والرسالات

ثمّ قالت عائشة:

يا نسوة اسـترن بالـمعـاجر

واذكرن ما يحسن في المحاضر

واذكرن ربّ الناس إذ يخصّنا

بدينه مـع كـلّ عبـد شـاكر

فالحمد لله عـلى إفـضاله

والشكر لله الـعزيز الـقادر

سرن بها فالله أعلـى قدرها(١)

وخصـّهـا مـنه بطهر طاهر

ثمّ قالت حفصة:

فاطمة خـير نـساء البشر

ومن لها وجه كـوجـه القمر

فضّلك الله على كلّ الورى

بفضل من خُصّ بآي السـور(٢)

زوّجك اللـه فتىً مفضّلاً(٣)

أعني عليّاً خير مَن في الحضر

فسرن جاراتي بها فيالها(٤)

كريمة بنت عظـيم الخـطـر

ثمّ قالت معاذة اُمّ سعد بن معاذ:

أقول قولاً فيه ما فيه

وأذكر الخيـر واُبـديه

محمد خير بنـي آدم

ما فيه من كبر ولا تيه

بفضله عرّفنا رشدنا(٥)

فالله بالخـير يـجازيه

__________________

١ - في المناقب: فالله أعطى ذكرها.

٢ - في المناقب: الزمر.

٣ - في المناقب: فاضلاً.

٤ - في المناقب: بها إنّها.

٥ - أي دليلنا.

ونحن مع بنت نبيّ الهدى

ذي شرف قد مكّنت فيه

في ذروة شامخـة أصلها

فما أرى شيـئاً يـدانيه

و كانت النسوة يرجعن أوّل بيت من كلّ رجز، ثمّ يكبّرن حتى دخلن الدار، ثمّ أنفذ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى عليّ ودعاه إلى المسجد، ثمّ دعا فاطمة فاخذ يدها ووضعها في يد عليّ، وقال: بارك الله لكَ في ابنة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

كتاب ابن مردويه: أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله دعا بماء، فأخذ منه جرعة فتمضمض بها، ثمّ مجّها في القعب، ثمّ صبّ منها على رأسها، ثمّ قال: أقبلي، فلمّا أقبلت نضح بين ثدييها، ثمّ قال: أدبري، فلمّا أدبرت نضح بين كتفيها، ثمّ دعا لهما.

أبو عبيد في غريب الحديث أنّه قال: اللّهمّ اونسهما أي ثبّت الودّ بينهما.

وروي أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: اللّهمّ إنّهما أحبّ خلقك إليّ فأحبّهما وبارك في ذرّيّتهما، واجعل عليهما منك حافظاً، وإنّي اُعيذهما وذرّيّتهما بك من الشيطان الرجيم.

[ وروي أنّه دعا لها فقال: ](١) أذهب الله عنكِ الرجس وطهّركِ(٢) تطهيراً.

وروي أنّه قال: مرحباً ببحرين يلتقيان ونجمين يقترنان، ثمّ خرج إلى الباب وهو يقول: طهّركما الله وطهّر نسلكما، أنا حرب لمن حاربكما، وسلم لمن سالمكما، أستودعكما الله وأستخلفه عليكما، وباتت عندها أسماء بنت

____________

١ - من المناقب.

٢ - كذا في المناقب، وفي الأصل: عنكم الرجس وطهّركم.

عميس اُسبوعاً بوصيّة خديجة إليها، فدعا لها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في دنياها وآخرتها.

ثمّ أتاهما في صبيحتهما، وقال: السلام عليكم، أدخل رحمكما الله، ففتحت له أسماء الباب، وكانا نائمين تحت الكساء، فقال: على حالكما، فأدخل رجليه بين أرجلهما، فأخبر الله عن أورادهما( تَتَجَافَى جُنُوبُهُم عَنِ المَضَاجِعِ ) (١) الآية، فسأل عليّاً: كيف وجدت أهلك؟

قال: نعم العون على طاعة الله.

وسأل فاطمة، فقال: كيف وجدتِ بعلك؟

فقالت: خير بعل.

فقال: اللّهمّ اجمع شملهما، وألّف بين قلوبهما، واجعلهما وذرّيّتهما من ورثة جنّة النعيم، وارزقهما ذرّيّة طيّبة طاهرة مباركة، واجعل في ذرّيّتهما البركة، واجعلهم أئمّة يهدون بأمرك إلى طاعتك، ويأمرون بما يرضيك، ثمّ أمر بخروج أسماء، وقال: جزاك الله خيراً، ثمّ خلا بها بعد ذلك بإشارة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وروي أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لمّا كانت صبيحة عرس فاطمة جاء النبي بعسّ(٢) فيه لبن، فقال لفاطمة: اشربي فداك أبوك، وقال لعليّ: اشرب فداك ابن عمّك.(٣)

__________________

١ - سورة السجدة: ١٦.

٢ - العسّ: القدح أو الغناء الكبير.

٣ - مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ٣٤٩ - ٣٥٦، عنه البحار: ٤٣ / ١١١ - ١١٧ ح ٢٣ و ٢٤.

فصل

في مولدها وأحوالها وأسمائها وكناهاعليها‌السلام

ولدت فاطمة بمكّة بعد النبوّة بخمس سنين، وبعد الاسراء بثلاث سنين، في العشرين من جمادى الاُخرى، وإقامتها مع أبيها بمكّة ثماني سنين، ثمّ هاجرت إلى المدينة فزوّجها من عليّ بعد مقدمه(١) المدينة بسنتين ؛ أوّل يوم من ذي الحجّة ؛ وقيل: اليوم السادس منه، ودخل بها يوم الثلاثاء لستّ خلون منه بعد بدر.(٢)

وقبضصلى‌الله‌عليه‌وآله وكان لها ثماني عشرة سنة وسبعة أشهر، وعاشت بعده اثنين وسبعين يوماً ؛ ويقال: خمسة وسبعين ؛ وقليل: أربعة أشهر، وقال القرباني: أربعين يوماً وهو أصحّ.

وولدت الحسن والحسين ولها اثنتا عشرة سنة(٣) .

وتوفّيت ليلة الأحد لثلاث عشرة سنة خلت من شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة من الهجرة، ومشهدها بالبقيع، وقالوا: إنّها دفنت في بيتها،

__________________

١ - في المناقب: مقدمها.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ٣٥٧.

٣ - في المناقب: وولدت الحسن ولها اثنتا عشرة سنة.

وقالوا: قبرها بين قبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وبين منبره.(١)

و كناها: اُمّ الحسن، واُمّ الحسين، واُمّ محسن، واُمّ الأئمّة، واُمّ أبيها.

وأسماؤها - على ما ذكره أبو جعفر القمّي -: فاطمة، البتول، الحصان، الحرّة، السيّدة، العذراء، الزهراء، الحوراء، المباركة، الطاهرة، الزكيّة، الراضية، المرضيّة، المحدّثة، مريم الكبرى، الصدّيقة ؛ ويقال لها في السماء: النوريّة، السماويّة، الحانية(٢) ، الزاهدة، الصفيّة، المتهجّدة الشريفة، القانتة العفيفة، سيّدة النسوان، وحبيبة حبيب الرحمن، ابنة خير المرسلين، وقرّة عين سيّد الخلائق أجمعين، وواسطة العقد بين سيّدات نساء العالمين، والمتظلّمة بين يدي العرش يوم الدين، ثمرة النبوّة، واُمّ الأئمّة، وزهرة فؤاد شفيع الاُمّة، الزهراء المحترمة، والغرّاء المحتشمة، المكرّمة.(٣)

فيامن يروم حصر مناقبها، ويطلب ضبط مراتبها، ويسأل عن معاليها ومحامدها، ويبحث عن خصائصها ومحاممدها، لقد رمت حصر كواكب السماء الدنيا، وأردت عدّ رمل عالج والدهناء، هذه ابنة من اُخذ عهده على أهل الأرض والسماء، وعرج بروحه وبدنه كقاب قوسين أو أدنى، ورقمت أحرف أسمائه على العرش المجيد، وجعل شفيع من استمسك بعروة عصمته يوم الوعيد.

القرآن منشور نبوّته، والروح الأمين سفير رسالته، « أرسله بالهدى ودين الحقّ »(٤) بشير بعثته،( فاتَّبِعُونِي يُحبِبكُمُ اللهُ ) (٥) دليل محبّته،( كَتَبَ

____________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ٣٥٧، عنه البحار: ٤٣ / ١٨٠ ح ١٦.

٢ - أي المشفقة على زوجها وأولادها.

٣ - مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ٣٥٧ - ٣٥٨، عنه البحار: ٤٣ / ١٦ ح ١٥.

٤ - في سورة التوبة، ٣٣، وسورة الفتح: ٢٨، وسورة الصفّ: ٩:( أرسَلَ رَسُولهُ بِالهُدَى وَدِينِ

اللهُ لَأَغلِبَنَّ أنَا وَرُسُلِي ) (٦) علم بصيرته، ختم سجلّ ولايته( مَا كَانَ مُحَمّدٌ أبَا أحَدٍ مِن رِجَالِكُم وَلَكِن رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ) (٧) ، وتوقيع علّة رسالته( وَمَا أرسَلنَاكَ إلَّا رَحمَةً لِلعَالَمِينَ ) (٨) ، نشأ في حجر الفتوّة، وربّي في دار النبوّة، واُضجع في مهد العصمة، واُرضع ثدي الحكمة، ثمّ اُدخل مكتب( سَنُقرِئُكَ فَلاَ تَنسَى ) (٩) ، واُدّب بأدب( خُذِ العَفوَ وَأمُر بِالعُرفِ وَأعرِض عَنِ الجَاهِلِينَ ) (١٠) ، فبلغ من القيام بشروطها الغاية القصوى.

مدّت يد العصمة بقلم القدرة على لوح نفسه( وَعَلَّمَكَ مَا لَم تَكُن تَعلَمُ ) (١١) ، وخوطب بلسان العزّة والرفعة:( اقرَأ بِاسمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإنسَانَ مِن عَلَقٍ اقرَأْ وَرَبُّكَ الأكرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ ) (١٢) .

لمّا استندت عناية المعلّم سبحانه بتهذيبه وتأديبه، وشرّفه باختصاصه بتعليمه وتقريبه، تفجّرت ينابيع الحكمة من صفا سريرته، وظهرت أسرار العناية من ضفا روحانيّته، وزفّت يد الإرادة الأزليّة عروس الرسالة النبويّة إليه، وحلتها ماشطة المحبّة الإلهيّة في ملابس الألطاف الخفيّة عليه، وأفرغت على أعطاف نبوّته من ملابس الرئاسة العامّة تعظيماً وتوقيراً، وضربت على

__________________

ا لحَقِّ) .

٥ - سورة آل عمران: ٣١.

٦ - سورة المجادلة: ٢١.

٧ - سورة الأحزاب: ٤٠.

٨ - سورة الأنبياء: ١٠٧.

٩ - سورة الأعلى: ٦.

١٠ - سورة الأعراف: ١٩٩.

١١ - سورة النساء: ١١٣.

١٢ - سورة العلق: ١ - ٤.

هامة رفعته حجلة( إنَّا أَرسَلنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ) (١) ،( وَدَاعِياً إلَى اللهِ بِإِذنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً ) (٢) .

لمّا انشرح صدره بخطاب( ألَم نَشرَح لَكَ صَدرَكَ ) (٣) ، وعلا أمره بمقال( وَرَفَعنَا لَكَ ذِكرَكَ ) (٤) ، وصار قلبه مشكاة النور الإلهيّ، وفضله حتى القيامة غير متناهي، اجلس في صدر صفة مشارق فيضان الأنوار الإلهيّة على جنانه، فأضاءت الأكوان بانعكاس أشعّة مرآة كمال عرفانه، فأظهر بدروس علومه من الايمان ما كان دارساً، وأنار بوضع قواعد شرعه من الاسلام ما كان طامساً.

وهذه النبذة التي أوردتها، واللمعة التي ذكرتها قطرة من بحر صفته، وذرّة من طود مدحته، اللّهمّ اجعلنا من المهتدين بواضح دليله، السالكين في منجم سبيله، المهتدين بأبرار عترته، المستضيئين بأنوار ذرّيّته.

وأمّا بعلها فحسبك ما نطق به القرآن من خصائصه وفضائله، ووضح بالبرهان الساطع فيه من مناقبه ودلائله،( إنَّمَا وَليُّكُم ) (٥) عنوان منشور ولايته، و( قُل لَا أَسألُكُم ) (٦) توقيع مسطور نسبته، وسورة هل أتى نزلت في رفعة عظيم إخلاصه، وآية النجوى(٧) وردت في صفاته وخواصّه، خسف الله

__________________

١ - سورة الفتح: ٨.

٢ - سورة الأحزاب: ٤٦.

٣ - سورة الشرح: ١.

٤ - سورة الشرح: ٤.

٥ - سورة المائدة: ٥٥.

٦ - سورة الشورى: ٢٣.

٧ - أي قوله تعالى في سورة المجادلة: ١٢:( يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا ناجيتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَينَ يَدَي نَجوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيرٌ لَكُم وَأطهَرُ فَإن لَم تَجِدُوا فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) .

بشمس وجهه بدر الشرك في بدر واُحد، وأخمد بنور طلعته نار الكفر يوم عمرو بن ودّ، وهزم أحزابه بجدّ عزائمه، وقطع أسبابه بحدّ صارمه، وشدّ أزر الايمان ببطشه شدّاً، وألبس دين الاسلام بفتكه شرفاً ومجداً.

لمّا آثر بالقرص في صيام نذره، ردّ الله له القرص بعد مغيبه وستره، وأثبت في الذكر العزيز ذكره، وأعلى في الكتاب المجيد قدره، تتلى آيات مدحه ومدح ذرّيّته إلى يوم القيامة، وتنشر رايات شكره بإعجازه ومناديه إلى حين حلول الطامّة، سمّاه الله وزوجته وابنيه في محكم تنزيله أبراراً(١) ، وزادهم في ديوان شكره بمدحه إيّاهم فخاراً.

فالحمد لله الذي أوضح لقلوبنا سلوك سبيلهم، وزادها لهم هدى ونوراً. وشرح صدورنا لاتّباع دليلهم، وألبسها من ملابس ولائهم تزكية وتوقيراً. وقرّبنا زلفى من رضوانه بعرفان حقّهم، وجعلنا من الموقنين بفضلهم وصدقهم، وسقانا من زلال خالص حبّهم شراباً طهوراً. ثم أنزل لذّة زلاله في مذاق أفئدتنا منذ عالم الذرّ حين قال ربّنا:( ألَستُ بِرَبِّكُم ) (٢) فأقرّ من أقرّ، وأنكر من أنكر، ولم تزل عين عنايتهم تحرسنا من ظلم الضلال الأكبر إلى أن جعل الله لنا في عالم الشهادة بروراً وطهوراً. لولا استمساكنا بعروة عصمتهم، والتزامنا بحبل مودّتهم، واتّباعنا سبيل شرعتهم لم نكن شيئاً مذكوراً.

طهّرنا ربّنا بفاضل طهورهم من دنس الشرك، ونزّهنا باتّباع زاهر نورهم من دين الشكّ، وخلص إبريز خالص معتقدنا بنار حبّهم عند السبك، ورفع لنا في مقام المجد منبراً وسريراً.

__________________

١ - في قوله تعالى في سورة الانسان:( إنَّ الأبرَارَ يَشرَبُونَ مِن كَأسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً ) .

٢ - سورة الأعراف: ١٧٢.

ووسم قلوبنا بميسم مودّتهم وطهّرها من الزلل، ورقم على إبريز خالص معتقدنا أحرف حبّهم في دار ضرب الأزل، وأذاقنا من رحيق عنايتهم ما لذّته في مذاق أفئدتنا لم تزل كأساً كان مزاجها كافوراً.

نشهد أنّهم أبواب وسائلنا إلى ربّنا، وأسباب اتّصالنا بمنازل قربنا، فلهذا وجّهنا إلى كعبة شرفهم مطايا حبّنا، واعتقدنا ما سوى جلال جنابهم من الخلق هباء منثوراً.

هل أتى نصّ هل أتى إلا في مدحة فضلهم؟ وهل اُنزلت آية النجوى الا تزكية لفعلهم؟ وهل دنا بقدم الصدق إلى الملكوت الأعلى غير جدّهم صاحب آيات( إنّا أرسَلنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ) (١) ( وَدَاعِياً إلَى اللهِ بِإذنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً ) (٢) ؟

ردّ الله له القرص حين آثر في صيامه بالقرص، وعليه الرسول بالرئاسة العامّة يوم الغدير نصّ، وله الله بالبضعة الزهراء دون اخلق خصّ، وجعله نسباً وصهراً وكان ربّك قديراً(٣) .

لمّا لم يثنهم عن الوفاء بعهد ربّي ثاني، ولم يكن لهم بالاخلاص في الطاعة من الخلق ثاني، أثنى عليهم بآيات المثاني، فقال:( يُوفُونَ بِالنَّذرِ وَيَخَافُونَ يَوماً كَانَ شَرُّهُ مُستَطِيراً ) (٤) .

مصابيح ظلام إذا العيون هجعت، ومجارع اكرام إذا الغيوث منعت،

__________________

١ - سورة الفتح: ٨.

٢ - سورة الأحزاب: ٤٦.

٣ - إشارة إلى الآية: ٥٤ من سورة الفرقان.

٤ - سورة الإنسان: ٧.

يؤثرون في صومهم بقوت يومهم ولا يخشون أزمّة قرعت،( وَيُطعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسكِيناً وَيَتِيماً وَأسِيراً ) (١) .

لم يتبعوا صدقاتهم منّاً ولا أذى لمّا تصدّقوا، وما فاهوا بما يكدر الصنعة وما نطقوا، بل قالوا في سرائر ضمائرهم لمّا تصدّقوا وصدقوا:( إنَّمَا نُطعِمُكُمْ لِوَجهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنكُم جَزَاءً وَلَا شُكُوراً ) (٢) .

إنّا نطمع أن يغفر لنا ربّنا خطايانا يوم الدين، إنّا نرغب أن يخلصنا ببذل معروفنا بالصالحين، إنّا نطلب إليه أن يرقم أسماءنا في دفاتر المخلصين،( إنّا نَخَافُ مِن رَبِّنَا يَوماً عَبُوساً قَمطَرِيراً ) (٣) .

تحقّقوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه، وفرقوا من مقام التوبيخ حين العرض عليه، وأشفقوا يوماً يعضّ الظالم على يديه(٤) ( فَوَقَاهُمُ اللهُ شَرَّ ذَلِكَ اليَومِ وَلَقَّاهُم نَضرَةً وَسُرُوراً ) (٥) .

أجلسهم على بساط اُنسه في ظلّ جنابه، وسقاهم من شراب قدسه أصفى شرابه، وجعلهم خاصّة نفسه في دار ثوابه( وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً ) (٦) .

متقابلين فيها على مضاعفات الأسرّة والفرش، في جنّة صعيدها رضوان الله وسقفها العرش، قد نزع الله ما في صدورهم من غلّ وغشّ،( مُتَّكِئِينَ فِيهَا

__________________

١ - سورة الإنسان: ٨.

٢ - سورة الإنسان: ٩.

٣ - سورة الإنسان: ١٠.

٤ - إشارة إلى الآية: ٥٧ من سورة الفرقان.

٥ - سورة الإنسان: ١١.

٦ - سورة الإنسان: ١٢.

عَلَى الأرائِكِ لَا يَرَونَ فِيهَا شَمساً وَلَا زَمهَرِيراً ) (١) .

ظـلالـها ممـدودة علـيهم

قـطوفـها دانـيـة إليـهم

ولـدانهـا قـائــمة لديهم

كلـولؤ يحـسبه مـنـثورا

يطوف بالأكواب والكـؤوس

في مجلس التطهير والتقديس

صار بأمـر بارئ الـنفـوس

لهم شراباً سائغـاً طـهـورا

جوهرهـا من فضـّة نقـيّة

من كوثر متـرعـة رويـّة

موضوعة في الغرف المبنيّة

قدّرها مـدبّـرهـا تقـديرا

من دارهـم منبع عين تسنيم

ارقّ باللـطـف من النسـيم

مـقسـمٌ فـي جنـّة النعيم

يكسـهم بـشـربه سـرورا

عن سلسبيل سل سبيل تخبر

بأنّ بدء جـزئه مـن كـوثر

____________

١ - سورة الإنسان: ١٣.

خـصّوا بـه مـن ذي الجلال الأكبر

يزيدهـم بـصفـوه حبورا

طووا ثلاثـاً لـم يـذوقـوا مطعـماً

بل آثـروا بـقوتهـم تكرّما

فقال فـيهم ذو الـعـلـى ونـعـما

قال مـديحاً فيـهم مـشهورا

إن شئت فاتـل سـورة الانـسـان

ترى لـهم شأناً عظيـم الشأن

بـه أقـرّ خـالـص الإيــمـان

لمّا غـدا الرجس به كفـورا

وإنـّـمـا وليـّـكم(١) في المائـدة

عـليهم بكـلّ فضـل عائـدة

يمجّهـا مـسـمع ذي المـعانــدة

فيـنثني بـغـيـظه مقهـورا

إنّ عصبة النصّاب أضحـت عازلة

لنا وفـي فضـلهم مجـادلـة

إذا تـلـونـا آيـة المـباهـلـة(٢)

ولّوا عـلى أدبـارهـم نفورا

__________________

١ - سورة المائدة: ٥٥.

٢ - سورة آل عمران: ٦١.

أبحر علـم وسـواهـم آل

وهـم لخير المرسـليـن آل

إليـهم المـرجـع والـمآل

يومـاً عبوساً كالـحاً عسيرا

آل العـبا خصّوا بآي الذكر

والنصف من شفيع يوم الحشر

ونزّهوا من كلّ عيب يجري

في غيـرهم وطهّروا تطهيرا

يا من يروم رتـبة الامـامة

سواهـم والأمـر والـزعامة

بغير علم متـقناً أحكـامـه

لقد رقوت موبــقاً خطـيرا

أتحسب الإمرة والـخلافـة

بالكبر والغلــظة والخـلافة

أم بأب مثل أبـي قـحافـة

بؤ خـاسئـاً مذمماً مـدحوراً

سل اُمّك البغــيّة الشـقيّة

صهّـاك عـن اُصولك العليّة

فإنّها أخـبـر بالـقضـيّة

فلا تكن بغيرهــا فـخـورا

غرّتك دنياك فصرت حاكماً

وللوصيّ والبـتول ظـالـماً

وللـنبـيّ مـؤذيـاً مـخاصـماً

فـسوف تـصلى بعـد ذا سعيرا

عقوبـة الذنـب مـن الله على

مقدار ذنب العـبد فـي دار البلا

وظلم مـن يؤذي النبـيّ المرسلا

هل فوقـه ظـلم فـكن بصيـرا

دع رتبـة الوصيّ خير من برى

إلهنا وخيـر من فـوق الـثرى

بعد النبيّ المصطفى هادي الورى

عنه اسأل الـتوراة والـزبـورا

والصحف الاولى ومـن أتى بها

من لدن ذي العرش ومن صحابها

سل بـرّة المـزمور في كتـابها

معيّــناً مبيـّنـاً مـسطـورا

صاحـب بـدر وحنـين واُحـد

وخيـبر وخنـدق يوم ابـن ودّ

إذ ضلّت الـقلوب مـنه ترتعـد

فصـار مـن سطوتـه مثبورا

جـلـّله عضـباً بائنـا ذكــر

فخرّ كالجذع الغـريم المنـعقر

له مـن المنـون ورداً وصـدر

معـفّراً بـدمـه تـعـفيـرا

سل كلّ باغٍ غـادر مشافق

من ناكث وقاسط ومـارق

ماذا لقوا من الإمام الصادق

في حربهم فاسأل به خبيرا

لنا قلوب ملئـت من حبّه

وحبّ أهل بيته وصحـبه

لمّا علمنا قربه مـن ربـّه

بارئنا زدنا هدىً ونـورا

اللّهمّ فكما جعلت له في فؤادي ودّاً، لا اُعادي له وليّاً، ولا اُوالي له ضدّاً، فصلّ على محمد وآله واجعل لي بصدق ودادي عندك عهداً يوم ألقاك في معادي منشوراً.

وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة اُعدّها لهول القيامة وظلماته نوراً مستنيراً، وعلى الملحدين في آياته سيفاً مشهوراً.

وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله أفضل من أتى على الطاعة بالنعيم بشيراً، وبالجحيم على المعصية نذيراً.

صلّى الله عليه وعلى آله سادة الخلق أوّلاً وآخراً، الذي أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً(١) .

روى الشيخ الجليل أبو جعفر محمد بن علي الحسين بن موسى بن بابويه القمّي في أماليه: قال: حدّثنا الحسن بن مهران، قال: حدّثنا مسملة بن

__________________

١ - إشارة إلى الآية: ٣٣ من سورة الأحزاب.

خالد، عن أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام .

و روى هذا الحديث بعينه شعيب بن واقد، عن القاسم بن بهرام، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عبّاس رضي الله عنه.(١)

وروى الشيخ الجليل أبو علي الطبرسي في تفسيره مجمع البيان لعلوم القرآن(٢) أنّ هذه الآيات وهي:( إنّ الاَبرَارَ يَشرَبُونَ مِن كَأسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً - إلى قوله -وَكَانَ سَعيُكُم مَشكُوراً ) (٣) نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسينعليهم‌السلام وجارية لهم تسمّى فضّة.

ومضمون القصّة بالاسناد المتقدّم عن الصادقعليه‌السلام وابن عبّاس، قالوا: مرض الحسن والحسينعليهما‌السلام وهما صبيّان صغيران فعادهما رسول الهلصلى‌الله‌عليه‌وآله ومعه رجلان، فقال أحدهما لأمير المؤمنينعليه‌السلام : يا أبا الحسن، لو نذرت في ابنيك نذراً إن الله(٤) عافاهما.

فقال صلوات الله عليه: أصوم ثلاثة أيّاك شكراً لله سبحانه، وكذلك قالت فاطمةعليها‌السلام ، وقال الصبيّان: ونحن أيضاً نصوم ثلاثة أيّام، وكذلك قالت جاريتهم فضّة، فألبسهما الله عافيته، فأصبحوا صيّاماً وليس عندهم شيئاً من الطعام، فانطلق أمير المؤمنينعليه‌السلام إلى جار له يهوديّ يعالج الصوف

____________

١ - في الأمالي: حدّثنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق، قال: حدّثنا أبو أحمد عبد العزيز بن يحيى الجلوديّ البصريّ، قال: حدّثنا محمد بن زكريّا، قال: حدّثنا شعيب بن واقد عن ابن عبّاس ؛ وحدّثنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق، قال: حدّثنا أبو أحمد عبد العزيز بن يحيى الجلودي، قال: حدّثنا الحسن بن مهران عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيهعليهما‌السلام في قوله عزّ وجلّ

٢ - مجمع البيان: ٥ / ٤٠٤.

٣ - سورة الإنسان: ٥ - ٢٢.

٤ - لفظ الجلالة أثبتناه من الأمالي.

اسمه شمعون، فقال له أمير المؤمنينعليه‌السلام : هل لك أن تعطيني جزازاً(١) من صوف تغزلها لك ابنة محمد بثلاثة أصواع من شعير؟

قال اليهودي: نعم. فأعطاه، فجاء بالصوف والشعير، وأخبر فاطمةعليها‌السلام بذلك، فقبلت وأطاعت، ثمّ عمدت فغزلت ثلث الصوف، ثمّ أخذت صاعاً من الشعير، فطحنته وعجنته وخبزت منه خمسة أقراص لكلّ واحد قرصاً(٢) ، وصلّى أمير المؤمنينعليه‌السلام صلاة المغرب مع رسول الله

__________________

١ - في الأمالي: جزّة.

٢ - في « ح »:

في كتاب زهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله [ لأبي محمد جعفر بن أحمد القمّي ]: لمّا نزلت آية:( وَإنَّ جَهَنَّم لَمَوعِدُهُم أجمَعيِنَ لَهَا سَبعَةُ أبوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنهُم جُزءٌ مَقسومٌ ) [ سورة الحجر: ٤٣ و ٤٤ ] بكى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بكاءً شديداً، وبكى أصحابه لبكائه، ولم يدروا ما نزل به جبرئيلعليه‌السلام ، ولم يستطع أحد من أصحابه أن يكلّمه، وكان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا رأى فاطمةعليها‌السلام فرح بها، فانطلق بعض أصحابه إلى بابها فوجد بين يديها شعير وهي تطحن فيه وتقول:( وَمَا عِندَ اللهِ خَيرٌ وَأبقَى ) [ سورة القصص: ٦٠ ] فسلّم عليها وأخبرها بخبر النبي، فنهضت والتفّت بشملة لها خلقة قد خيطت في اثني عشر مكاناً بسعف النخل، فلمّا خرجت نظر سلمان إلى الشملة وبكى وقال: واحزناه! إنّ قيصر وكسرى لفي السندس والحرير وابنة محمد عليها شملة صوف خلقة قد خيطت في اثني عشر مكاناً، فلمّا دخلت فاطمةعليها‌السلام على النبيّ قالت: يا رسول الله، إنّ سلمان تعجّب من لباسي، فوالذي بعثك بالحقّ نبيّاً ما لي ولعلي منذ خمس سنين الا مسك [ المسك: الجلد ] كبش نعلف عليه بالنهار بعيرنا، فإذا كان الليل افترشناه، وإنّ مرفقتنا [ المرفقة: المخدّة ] لمن اُدم حشوها ليف.

ثمّ قالت: يا أبت فدتك نفسي، ما الذي أبكاك؟ فذكر لها ما نزل به جبرئيل من الآية، فسقطت فاطمةعليها‌السلام على وجهها، وهي تقول: الويل، ثمّ ا لويل لمن دخل النار. فسمع سلمان، فقال: يا ليتني كنت كبشاً فأكلوا لحمي ومزّقوا جلدي.

وقال أبو ذرّ: يا ليت اُمّي كانت عاقراً ولم تلدني.

وقال عمّار: يا ليتني كنت طائراً في القفار، ولم يكن عليّ حساب ولا عقاب.

وقال عليّعليه‌السلام : يا ليت السباع مزّقت لحمي، وليت اُمّي لم تلدني، ولم أسمع بذكر النار. ثم وضع عليّعليه‌السلام يده على رأسه وجعل يبكي ويقول: وابعد سفراه! واقلّة زاداه! في سفر

صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثمّ أتى منزله فوضع الخوان وجلسوا يتعشّون خمستهم، فأوّل لقمة كسرها أمير المؤمنينعليه‌السلام وإذا مسكين قد وقف بالباب، فقال: السلام عليكم يا أهل بيت النبوّة، أنا مسكين من مساكين المسلمين أطعموني ممّا تأكلون أطعمكم الله على موائد الجنّة، فوضع أمير المؤمنينعليه‌السلام اللقمة من يده، ثم قال:

فاطم ذات المجـد والـيقـين

يا بنت خير الـناس أجميعن

أما ترين البائـس المـسكين

قد قام بـالـباب(١) له حنين

يشكو إلى اللـه ويستـكيـن

يشكوا إلـيـنا جـائعاً حزين

كلّ امـرء بكـسبه رهيـن

من يفعل الخـير يقف سمين

موعـده فـي جنّــة دهين

حرّمها اللـه عـلى الضنين

وصاحب البخل يقف حزيـن

تهوي به النـار إلى سجّـين

شرابه حميم والغسلين

__________________

القيامة يذهبون، في النار يتردّدون، وبكلاليب النار يتخطّفون، مرضى لا يعاد سقيمهم، وجرحى لا يداوى جريحهم، أسرى لا يفكّ أسيرهم، من النار يأكلون، ومنها يشربون، وبين أطباقها يتقلّبون، وبعد لبس القطن والكتّان مقطّعات النار يلبسون، وبعد معانقة الأزواج مع الشياطين مقرّنين. [ أخرجه في البحار: ٨ / ٣٠٣ ].

وفي الكتاب المذكور أنّ النيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: أخبرني عن النار - يا أخي جبرئيل - حين خلقها الله تعالى، فقال: إنّه سبحالنه أوقد عليها ألف عام فابيضّت، ثمّ أوقد عليها بألف عام فاسودّت، فهي سوداء مظلمة لا يضيء جمرها، ولا ينطفئ لهبها. والذي بعثك بالحقّ نبيّاً لو أنّ مثل خرق إبرة خرج منها على أهل الأرض لاحترقوا عن آخرهم، ولو أنّ رجلاً دخل جهنّم ثمّ اُخرج منها لهلك أهل الأرض جميعاً حين ينظرون إليه، لما يرون به الحديث. [ أخرجه في البحار: ٨ / ٣٠٥ ].

١ - في الأمالي: جاء إلى الباب.

فأقبلت فاطمةعليها‌السلام تقول:

أمرك سمع يا ابن عمّ وطاعة

ما بي من لوم ولا ضراعـة

غذّيت باللبّ وبـالبـراعـة

أرجو إذا أشبعت من مجاعة

أن ألحق الأخيار والجمـاعة

وأدخل الجنّة في شـفاعـة

وعمدت إلى ما كان على الخوان جميعه فدفعته إلى المسكين، وباتوا جياعاً، وأصبحوا صائمين لم يذوقوا الا الماء القراح، ثمّ عمدت إلى الثلث الثاني من الصوف فغزلته، ثمّ أخذت صاعاً من الشعير، فطحنته وعجنته وخبزت منه خمسة أقراص لكلّ واحد قرصاً، وصلّى أمير المؤمنينعليه‌السلام مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله المغرب، ثمّ أتى المنزل، فلمّا وضع الخوان بين يديه وجلسوا خمستهم، فأوّل لقمة كسرها أمير المؤمنينعليه‌السلام إذا يتيم ينادي بالباب: السلام عليكم أهل بيت النبوّة، أنا يتيم من يتامى المسلمين، أطعموني ممّا تأكلون أطعمكم الله على موائد الجنّة، فرمى(١) أمير المؤمنينعليه‌السلام اللقمة من يده، ثمّ قال:

فاطم بنت السـيد الـكريـم

بنت نـبيّ ليــس بالزنيـم

قد جاءنا الله بـذا اليـتيـم

من يرحـم اليـوم هو الرحيم

موعـده في جنـّة النعـيم

حرّمها الــله عـلى الـلئيم

وصاحب البخل يقف ذمـيم

تهوي به إلى النار الى الجحيم

شرابه الصديد والحميم

فأقبلت فاطمةعليها‌السلام وهي تقول:

فسوف اُعطيه ولا أُبالي

واُؤثر الله على عيالي

__________________

١ - في الأمالي: فوضع. وكذا في الموضع الآتي.

أمسوا جياعاً وهم أشـبالي

أصغرهما يقتل في القـتال

بكربلاء يقـتل باغتـيال

لقاتليه الويل مع الوبال

تهوي به النار إلى سفال

كبولة زادت على الاكبـال

ثمّ عمدت إلى جميع ما على الخوان من الخبز فأعطته اليتيم وباتوا جياعاً لم يذوقوا إلا الماء، وأصبحوا صيّاماً، فعمدت فاطمة إلى الثلث الباقي من الصوف فغزلته، وطحنت الباقي من الشعير وعجنته وخبزت منه خمسة أقراص لكلّ واحد قرصاً، وصلّى أمير المؤمنينعليه‌السلام مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله صفلاة المغرب، وأتى المنزل فوضع الخوان وجلسوا خمستهم، فأوّل لقمة كسرها أمير المؤمنينعليه‌السلام وأراد وضعها في فيه إذا أسير من اُسارى المشركين ينادي بالباب: السلام عليكم يا أهل بيت محمد، تأسروننا وتشدّونا ولا تطعمونا، فرمى أمير المؤمنينعليه‌السلام باللقمة من يده، ثم قال:

فاطم يـا بنت النـبي أحمـد

بنـت نـبيّ سيـّد مـسـدّد(١)

قد جاءنا(٢) الأسير ليس يهتدي

مكـبّلاً فـي غـلـّه مقـيـّد

يشكو إلينا الجـوع قـد تقدّد

من يطعم اليوم يجده فـي غد

عند العليّ الواحـد المـوحّد

ما يزرع الزارع سوف يحصد

[ فأعطيه ولا تجعليه ينكد ](٣)

__________________

١ - في الأمالي: مسوّد.

٢ - في الأمالي: جاءك.

٣ - من الأمالي.

فأقبلت فاطمةعليها‌السلام تقول:

لم يبق ممّا كان غير صاعٍ

قد دبرت كفـّي مـع الـذراع

شبلاي واللـه هما جـياع

يا ربّ لا تـتركـها ضيـاع

أبوهما للخير ذو اصطناع

عبل الذراعين(١) طويل الباع

وما على رأسي من قناع

إلاّ عبـاً نسجـتهـا بـصاع

وعمدت إلى ما كان على الخوان جميعه فدفعته إلى الأسير، وباتوا ليلتهم جياعاً، وأصبحوا مفطرين وليس عندهم شيء.

قال شعيب في حديثه: وأقبل عليّ بالحسن والحسينعليهم‌السلام نحو رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهما يرتعشان كالفراخ من شدّة الجوع، فلمّا بصر بهما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: يا أبا الحسن شدّ ما يسوءني ما أرى بكم.

فقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وانطلق مع عليّعليه‌السلام إلى منزل فاطمةعليها‌السلام ، فإذا هي في محرابها قد لصق بطنها بظهرها من شدّة الجوع، وغارت عيناها في وجهها، فلمّا رآها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ضمّها إليه، وقال: واغوثاه أنتم منذ ثلاث فيما أرى، فهبط جبرئيلعليه‌السلام ، وقال: خذ يا محمد ما هيّا الله لك في أهل بيتك.

قال: وما آخذ يا جبرئي؟ [ قال: ](٢) ( هَل أَتَى عَلَى الإنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهرِ - حتى بلغ -إنَّ هذَا كَانَ لَكُم جَزَاءً وَكَانَ سَعيُكُم مَشكُوراً ) (٣) .

__________________

١ - أي ضخمهما.

٢ - من الأمالي.

٣ - سورة الإنسان: ١ - ٢٢.

وقال الحسن بن مهران في حديثه: فوثب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله حتى دخل منزل فاطمةعليها‌السلام فرأى ما بهم فجمعهم، ثمّ انكبّ عليهم يبكي ويقول: أنتم منذ ثلاث فيما أرى وأنا غافل عنكم! فهبط عليه جبريل بهذه الآيات:( إنَّ الأبرَارَ يَشرَبُونَ مِن كَأسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً عَيناً يَشرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفجِيراً ) (١) .

قال: هي عين في دار النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله تفجّر إلى دور الأنبياء والمرسلين(٢) .

وفي الحديث(٣) أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله سئل عن هذه، فقال: هي عين في داري في الجنّة، ثمّ سئل مرّة اُخرى، فقال: هي عين في دار عليّ.

فقيل: يا رسول الله، ألم تقل عين في داري؟

فقال: إنّ داري ودار عليّ في الجنّة واحدة.

( يُوفُونَ بِالنَّذرِ - يعني عليّاً وفاطمة والحسن والحسين وجاريتهم فضّة -وَيَخَافُونَ يَوماً كَانَ شَرُّهُ مُستَطِيراً - أي عابساً كلوحاً -وَيُطعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ - أي على شهوتهم للطعام وإيثارهم له -مِسكِيناً - من مساكين المسلمين -وَيَتِيماً - من يتامى المسلمين -وَأسِيراً - من أُسارى المشركين، ويقولون إذا أطعموهم: -إنَّمَا نُطعِمُكُم لِوَجهِ اللهِ لَا نُرِيدُ مِنكُم

__________________

١ - سورة الإنسان: ٥ و ٦.

٢ - في الأمالي: والمؤمنين.

٣ - وقد سئل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله عن شجرة طوبى أين هي؟ فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : هي في داري في الجنّة، وقد سأله آخر فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : هي في دار عليعليه‌السلام في الجنّة، فقيل له في ذلك، فقال: إنّ داري ودار عليّ واحدة في الجنّة. انظر: تفسير فرات الكوفي: ٧٥ - ٧٦.

جَزَاءً وَلَا شُكُوراً ) (١) أي جزاء يجازوننا به من نفع عاجل، ولا نريد أن تشكرونا عليه عن الخلق بل فعلناه لله، قال: والله ما قالوا هذا لهم ولكنّهم أظهروه في أنفسهم، فأخبر الله بإضمارهم وأثنى عليهم ليرغّب في ذلك الراغب.

عن سعيد بن جبير ومجاهد: قال الله سبحانه:( فَوَقَاهُمُ اللهُ شَرَّ ذَلِكَ اليَومِ وَلَقَّاهُم نَضرَةً - في الوجوه -وَسُرُوراً - في القلوب -وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً - يسكنونها -وَحَرِيراً - يلبسونه ويفترشونه -مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأرَائِكِ - والأريكة: السرير عليه الحجلة -لَا يَرَونَ فِيهَا شَمساً ) (٢) يتأذّون بحرّها.

قال ابن عبّاس: بينا أهل الجنّة في الجنّة إذ يرون نوراً مثل الشمس قد أشرقت له الجنان، فيقول أهل الجنّة: يا ربّ، إنّك قلت: - وقولك الحقّ - في كتابك:( لَا يَرَونَ فِيهَا شَمساً وَلَا زَمهَرِيراً ) ، فيرسل الله جلّ اسمه جبرئيل فيقول: ليس هذا بشمس ولكن عليّاً وفاطمة ضحكا من شيء أعجبهما فأشرقت الجنان من نور ضحكهما.(٣)

__________________

١ - سورة الانسان: ٧ - ٩.

٢ - سورة الانسان: ١١ - ١٣.

٣ - أمالي الصدوق: ٢١٢ ح ١١، عنه البحار: ٣٥ / ٢٣٧ ح ١.

وأورد في مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ٣٧٣ - ٣٧٥.

فصل

في وفاتها(١) عليها‌السلام

عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لعليّعليه‌السلام قبل موته: السلام عليك أبا الريحانتين، اوصيك بريحانتيّ من الدنيا، فعن قليل ينهدّ ركناك عليك، فلمّا قضى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : هذا(٢) الركن الأوّل، فلمّا ماتت فاطمة قال: هذا الركن الثاني.

وروت عائشة أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله دعا فاطمة فسارّها فبكت، ثمّ دعاها فسارّها فضحكت، فسئلت عن ذلك، فقالت: أعلمني أنّه مقبوض فبكيت، ثمّ أخبرني أنّي أوّل أهله لحوقاً به فضحكت.

وعن اُمّ سلمة رضي الله عنها وعائشة أيضاً أنّها لمّا سئلت عن بكائها وضحكها قالت: أخبرني النبيّ أنّه مقبوض، ثمّ اخبرني أن بنيّ سيصيبهم بعدي شدّة فبكيت، ثمّ أخبرني أنّي أوّل أهله لحوقاً به، فضحكت.

__________________

١ - ذكرت في « ح » ٨ أبيات شعريّة لعليّ بن حمّادرحمه‌الله ، مطلعها: فلمّا قضى الهادي النبيّ تناكروا غير انّي لم أتمكّن من قراءة بعض ألفاظها، ولم أعثر عليها في مصدر آخر كي يسهل عليّ ذلك، فتركتها، آملاً تثبيتها في طبعات لاحقة إن شاء الله تعالى.

٢ - كذا في المناقب، وفي الأصل يحتمل القراءتين: « هذا »، « هدّ ».

وأيضاً عن عائشة قالت: أقبلت فاطمة لا تخطي مشيتها مشية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : مرحباً بابنتي، فأجلسها عن يمينه، وأسرّ إليها حديثاً فبكت، ثمّ أسرّ إليها حديثاً فضحكت، فسألتها عن ذلك، فقالت: ما أفشي سرّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، حتى إذا قبضصلى‌الله‌عليه‌وآله سألتها، فقالت: إنّه أسرّ إليّ، فقال: إنّ جبرئيل كان يعارضني بالقرآن كلّ سنة مرّة، وإنّه عارضني [ به ](١) العام مرّتين، ولا أراني إلا وقد حضر أجلي، وإنّكِ أوّل أهل بيتي لحوقاً بي، ونعم السلف أنا لك، فبكيت لذلك، ثمّ قال: ألا ترضين أن تكوني سيّدة نساء المؤمنين(٢) ؟ فضحكت لذلك.

روي أنّها صلّى الله عليها ما زالت بعد أبيها معصّبة الرأس، ناحلة الجسم، منهدّة الركن، باكية العين، محترقة القلب، يغشى عليها ساعة بعد ساعة، وتقول لولديها: أين أبوكما الذي كان أشدّ الناس شفقة عليكما فلا يدعكما تمشيان على الأرض، ولا أراه يفتح هذا الباب أبداً، ولا يحملكما على عاتقه كما لم يزل يفعل بكما، ثمّ مرضت ومكثت أربعين ليلة، ثمّ دعت اُمّ أيمن وأسماء بنت عميس(٣) وعليّاً صلوات الله عليه، وأوصت إلى علي بثلاث: أن يتزوّج بابنة [ اُختها ](٤) اُمامة لحبّها أولادها، وأن يتّخذ نعشاً لأنّها كانت رأت الملائكة بصورة فصوّرته ووصفته لأمير المؤمنينعليه‌السلام ، وألاّ يشهد أحد جنازتها

__________________

١ - من المناقب.

٢ - في المناقب: نساء العالمين المؤمنين.

٣ - انظر هامش البحار: ٤٣ / ١٨١ - ١٨٢ حيث استظهر أنّ أسماء مصحّف سلمى امرأة أبي رافع، أو سلمى امرأة حمزة بن عبد المطّلب - وهي اُخت أسماء -، أو أسماء بنت يزيد بن السكن، فراجع.

٤ - من المناقب.

ممّن ظلمها، وألاّ يترك أحد منهم يصلّي عليها.

و ذكر مسلم، عن عبد الرزّاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة - في خبر طويل - يذكر فيه أنّ فاطمة أرسلت إلى أبي بكر تسأل ميراثها من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فمنعها - والقصّة مشهورة -، فهجرته ولم تكلّمه حتى توفّيت ولم يؤذن بها أبو بكر، ولم يصل عليها.

الواقدي: أنّ فاطمةعليها‌السلام أوصت إلى عليّ إذا حضرتها الوفاة ألاّ يصلّي عليها أبو بكر ولا عمر، فعمل بوصيّتها.

وعن ابن عبّاس، قال: أوصت فاطمة إلى عليّعليه‌السلام ألاّ يعلم - إذا ماتت - أبا بكر ولا عمر، ولا يصلّيا عليها.

قال: فدفنها عليّعليه‌السلام ليلاً ولم يعلمهما بذلك، وغيّب قبرها.

وعن عائشة: عاشت فاطمة بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ستّة أشهر، فلمّا توفّيت دفنها عليّ ليلاً، وصلّى عليّ عليها.

وعن الزهريّ أن فاطمة دفنت ليلاً، دفنها أمير المؤمنين والحسن والحسينعليهم‌السلام ، وغيّبوا قبرها.

وفي روايتنا أنّه صلّى عليها أمير المؤمنين والحسن والحسينعليهم‌السلام وعقيل وسلمان وأبو ذرّ والمقداد وعمّار وبريدة.

وفي رواية اُخرى: والعبّاس وابنه الفضل.

وفي رواية اخرى: وحذيفة وابن مسعود.

الأصبغ بن نباتة أنّه سئل أمير المؤمنينعليه‌السلام عن دفنها ليلاً، فقال: إنّها كانت ساخطة على قوم كرهت حضورهم جنازتها، وحرام على من

يتولّاهم أن يصلّي على أحدٍ من ولدها.

و روي أنّه صلوات الله عليه سوّى قبرها مع الأرض مستوياً وقالوا: إنّه سوّى حواليها قبوراً مزوّرة مقدار سبعة حتى لا يعرف قبرها.

وروي أنّه صلوات الله عليه رشّ أربعين قبراً حتى لا يبتيّن قبرها من القبور فيصلّوا عليها(١) .

روى أبو عبد الله حمّويه(٢) بن عليّ البصري، وأحمد بن حنبل(٣) ، وأبو عبد الله بن بطّة(٤) بأسانيدهم قالت سلمى(٥) امرأة أبي رافع: اشتكت فاطمة شكواها التي قبضت فيها وكنت اُمرضّها فأصبحت يوماً أسكن ما كانت، فخرج عليّعليه‌السلام إلى بعض حوائجه وقالت: اسكبي لي غسلاً. فسكبت، وقامت واغتسلت أحسن ما يكون من الغسل، ثمّ لبست أثوابها الجدد، ثمّ قالت: افرشي فراشي وسط البيت، ثمّ استقبلت القبلة ونامت، وقالت: أنا مقبوضة، وقد اغتسلت فلا يكشفني(٦) أحد، ثمّ وضعت خدّها على يدها(٧) ، ثمّ ماتت.

وعن أسماء بنت عميس، قالت: أوصت فاطمة إليّ إلا يغسّلها إذا ماتت الا أنا وعليّ، فأعنت عليّاً على غسلها.

____________

١ - كذا في المناقب، وفي الأصل: عليه.

٢ - كذا في المناقب، وفي الأصل: روى عبد الله بن حمّويه.

٣ - فضائل أحمد: ٢ / ٦٢٩ ح ١٠٧٤ وص ٧٢٥ ح ١٢٤٣.

٤ - كذا في المناقب، وفي الأصل: رملة.

٥ - كذا الصحيح، وفي الأصل: اُمّ سلمى.

٦ - كذا في المناقب، وفي الأصل: فلا يكفّنني.

٧ - كذا في المناقب، وفي الأصل: يدها على خدّها.

و عن أبي الحسن الخزّاز القمّي في الأحكام الشرعيّة: سئل أبو عبد اللهعليه‌السلام عن فاطمة من غسّلها؟

فقال: غسّلها أمير المؤمنينعليه‌السلام لأنّها كانت صدّيقة لم يغسّلها إلا صدّيق.

تهذيب الأحكام(١) : روى سليمان بن خالد، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال: سألته عن أوّل من جعل له النعش.

قال: فاطمة بنت محمد صلّى الله عليها.

وفي رواية عبد الرحمان أنّها قالت لأسماء: استريني سترك الله من النار - يعني بالنعش -.

وروي(٢) أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام قال عند دفنها:

السلام عليك يا رسول الله، عنّي وعن ابنتك النازلة في جوارك، والسريعة اللحاق بك، قلّ عن صفيّتك صبري، ورقّ فيها تجلّدي، إلا أنّ في التأسّي بعظيم فرقتك وفادح مصيبتك موضع تعزّ، ولقد وسّدتك في ملحود قبرك، وفاضت بين صدري ونحري نفسك، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، فلقد استرجعت الوديعة، واُخذت الرهينة، أمّا حزني فسرمد وأمّا ليلي فمسهّد، إلى أن يختار الله لي دارك التي أنت بها مقيم، وستنبئك ابنتك، فأحفها السؤال، واستخبرها الحال، هذا ولم يطل العهد، ولم يخلق الذكر، والسلام عليكما سلام مودّع لا سئم ولا قال: فإن أنصرف فلا عن ملالة، وإن أقم فلا عن سوء

____________

١ - تهذيب الأحكام: ١ / ٤٦٩ ح ١٨٤، عنه البحار: ٤٣ / ٢١٢ ح ٤٢.

٢ - الكافي: ١ / ٤٥٨، عنه البحار: ٤٣ / ١٩٣ ح ٢١.

ظنّ بما وعد الله الصابرين.

و روي أنّه لمّا سار بها إلى القبر المبارك خرجت يد فتناولتها، وانصرف. وأنشأ أمير المؤمنينعليه‌السلام :

ذكرت أبا ودّي(١) فبتّ كأنّني

بردِّ الهموم الماضيات وكيل

لكلّ اجتماع من خليلين فرقة

وكلّ الذي دون الفراق قليل

وإنّ افتقادي فاطماً بعد أحمد

دليل على أن لا يدوم خليل

فأجابه هاتف:

يريد الفـتى ألاّ يـموت خـليـله

وليس لـه إلا الممات سبيل

فلا بدَّ مـن موت(٢) ولا بد من بلى

وإنّ بقائي بعدكـم لـقـليل

إذا انقطـعت يوماً من العيش مدّتي

فإنّ بكاء الـباكيـات قـليل

ستعرض عن ذكري وتنسى مودّتي

ويحدث من بعد الخليل خليل(٣) (٤)

قال شيخنا أبو جعفر الطوسي رضي الله عنه: الأصوب أنّها مدفونة في دارها، أو في الروضة، ويؤيّد ذلك قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنّة.

وفي البخاري وصحيح مسلم: ما بين بيتي ومنبري.

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : منبري على ترعة من ترع الجنّة.

____________

١ - أي من كان يلازم ودّي وحبّي.

٢ - لعلّه من تتمّة أبياتهعليه‌السلام لا كلام الهاتف، ولو كان من كلام الهاتف فلعلّه ألقاه على وجه التلقين.

٣ - في المناقب: ويحدث بعدي للخليل بديل.

٤ - مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ٣٦١ - ٣٦٥، عنه البحار: ٤٣ / ١٨٠ - ١٨٤ ذ ح ١٦.

و قالوا: حدّ الروضة ما بين القبر إلى المنبر إلى الأساطين التي تلي صحن المسجد.

أحمد بن محمد بن أبي نصر، قال: سألت الرضاعليه‌السلام عن قبر فاطمةعليها‌السلام ، فقال: دفنت في بيتها، فلمّا زادت بنو اُميّة في المسجد صارت في المسجد.

عن يزيد بن عبد الملك، عن أبيه، عن جده، قال: دخلت على فاطمةعليها‌السلام فبدأتني بالسلام، ثمّ قالت: ما غدا بك؟

قلت: طلب البركة.

قالت: أخبرني أبي وهو ذا: من سلّم عليه وعليَّ ثلاثة أيّام أوجب الله له الجنّة.

قلت لها: في حياته وحياتك؟

قالت: نعم، وبعد موتنا.(١)

يا قبر فاطمـة الـذي مـا مثله

قبر بطيبة طاب فـيه مبيتـا

إذ فيه(٢) حلّت زهرة الدنيا الّتي

بحلي محاسن وجههـا حـليتا

فسقى ثراك الغيث ما بقيت به

نور القبـور بـطيبـة وبقيتا

فلقد بريـّاهـا ظللت مطـيّـباً

وغداك مسكاً في الاُنوف قتيتا

قلت: أيها الكريمة الممجّدة، المظلومة المضطهدة، القانتة العفيفة، السيّدة الشريفة، المغصوبة ميراثها، المسلوبة تراثها، المحرومة نحلتها،

____________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ٣ / ٣٦٥، عنه البحار: ٤٣ / ١٨٥ ح ١٧.

٢ - في المناقب: فيك.

المنهوبة بلغتها، المشهور في الذكر ذكرها، المخفيّ من دون القبور قبرها، التي امتحن الله فيها اُمّة أبيها، فلم ترع حرمته فيها، وفوّقت نحوها سهام ظلمها، واُنزلت بساحتها مطايا هضمها، حتى ماتت بغصّتها عليها ساخطة، ومن خيرها قانطة.

أوّل مظلوم بعد الرسول من الرجال بعلها، وأضيع حقّ بعد النبيّ حقّها.

فيا لها من اُمّة غادرة، وصحبة كافرة، وعصبة مارقة، وثلّة منافقة، أجلبت على هدم الاسلام بجنودها وأحزابها، ومنعت مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، وسعت في خرابها، أعاد عتيقها الأوّل دين الجاهليّة بعد الضعف شديداً، وصيّر الثاني الأرذل بناء الكفر بعد الاندراس مشيّداً، أطاع الشيطان وعصى الرحمن في يوم السقيفة، وولي المسلمين بغرور وشهادة زور بشبهته السخيفة، ومنع الزهراء نحلتها من والدها سيّد المرسلين، وآذى الله ورسوله إذ آذى إمام المسلمين وسيّد الوصيّين.

فلعن الله السقيفة ومن حوت، والعصابة الناصبة وما روت، حملوا الناس على أكتاف آل الرسول فيها، وجحدوا النصّ الجليّ على الامام العليّ فأبعد بها وبذويها، فاجتماع الأرجاس في ساحتها سبب لاغتيال سيّد الأوصياء، وتعصّب عصب الضلال في عرصتها وسيلة لاغتصاب تراث سيّدة النساء، وسمّ سبط المصطفى وغلبة ظلمة الظلمة في باحتها طريق إلى قتل سيّد الشهداء وخامس أصحاب الكساء.

فأبعد بزمن صار فيه عتيق تيم للمسلمين إماماً، ولعنت اُمّة رضيت بالدلام نجل صهّاك باُمور الدين قوّاماً، أليس هو الذي حمل بني اُميّة على رقاب المسلمين؟ أليس هو الذي منع الزهراء نحلتها وردّ شهادة

أمير المؤمنين؟ أما جعل أمر خلافة الله شورى؟ أما لفق من باطل القول زخرفاً وغروراً؟ أما أسند إلى النبيّ الاُمّي: « ما تركناه صدقة » بزوره وكذبه؟ فلعن الله الكاذب في جدّه ولعبه، فهو زعيم الفتنة ورأسها، وأصل المحنة وأساسها، والمصلّي والسابق في الجمل صفّين، والقائد والسائق في قتل ذرّيّة سيّد المرسلين.

فما قام ثالث القوم الا لمشورته وإشارته، ولا تجرّى ابن حرب على حرب أمير المؤمنين الا بوصيّته وإرادته، ولا سفك دم السبط الشهيد الا وهو مثبت في صفحات صحيفته، وطامته في الظلم عالية، وبدعته في الغيّ غالية، والشيطان يسوق الناس إلى اتّباعه، وهو في الحققة من بعض جنده وأتباعه، وتجرّأت عصبته على المؤمنين بكلّ ناد، ورمتهم عن قوس واحدة دون العباد، حتى لقد برح الخفاء، وانطقع الرجاء.

اللّهمّ العنه وأشياعه وأتباعه ومحبّيه والمائلين إليه، والمتّفقين عليه، والمعتقدين لإمامته، والناهضين بأجنحته، والمستنّين بسنّته، والمتسمين بسمته، الذي اُسّس على الباطل دينهم، وفصل من ينبوع الشرع معينهم، وبنيت على غير تقوى الله مساجدهم، وشيّدت بعداوة أهل بيت رسول الله مشاهدهم، كلّ منهم في ثوبه ضلّ عابس، وفي بدنه قلب حامس، إذا عاينتهم يروقك عيانهم، وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم، كأنّهم خُشب مسنّدة، أو صور على الجدران مجسّدة، إذا تليت عليهم سورة هل أتى تلت وجوههم عبس وتولّى، وإذا قرأت عليهم آية النجوى حقّت عليهم كلمة العذاب والبلوى.

مساجدهم بواطن الفجّار، ومدارسهم معادن الأشرار، فهم الوجوه الخاشعة العاملة الناصبة، والطائفة المارقة الزاهقة الكاذبة، يسندون كلّ منكر

في العالم إلى ربّهم، وينسبون كبائر بني آدم إلى خالقهم بزورهم وكذبهم، ويعتقدون ربّهم جمادات حدود وأقطار، مدرك في الدنيا والآخرة بحاسّة العيان والابصار، يشبهون على الهمج الرعاع بأقاويلهم المزخرفة، ويتستّرون عند النزاع بحجّة التكلفة، ملّتهم محرفة، وقلوبهم مغلفة، وعمائمهم كقباب بيض على كنف، وقلوبهم من عمص الحقّ سود وغلف.

يسبّون النبيّ والوصيّ بتكفير أبويهما، ويسندون العيوب الموصمة بكفرهم إليهما، وأيّ سبّ أعظم من أن يقال للرجل: يا ابن الكافر؟ وأيّ خطب أفضع من نسبة سيّد الأوّلين والآخرين إلى أنّه يهجر في المحاضر، تعاهدوا على خلاف نبيّهم، وتعاقدوا على إخراج الحقّ عن سيّدهم ووليّهم، وجحدوا نصّ الغدير، وضلّلوا الهادي البشير، ونصبوا أنصاب الشرك بنصب شقيّهم وعتيقهم، وسوّدوا وجه الاسلام إذ وسموه بزكيّهم وصدّيقهم، وهو أكذب من أبي تمامة، وأحقر من قلامة في قمامة، انتهت إليه الزعامة، أم حبرت له الامامة، من أبيه أبي قحافة، ذي الرذالة والخلافة؟ الذي كان اسمه في المجد كالنون في حال الاضافة، تلقّد عارها في الدارين، وباء بإثمها في الخافقين.

ثمّ لم يجترئ بكفرها في حياتي حتى احتقب وزرها بعد وفاته، وأوصى بها إلى ابن صهّاك لعلمه بشدّة عناده، وعظيم إلحاده، فقام عدوّ الله ناسجاً على منواله، متقرّباً في عداوة آل الرسول بأقواله وأفعاله، وهدّ الجمل وصفّين، ومن قتل فيهم من المسلمين إلا جدول من بحره، وشعبة من كفره.

اللّهمّ إنّا نتقرّب إليك بلعنته في دار الفناء، راجين بذلك الفوز في دار البقاء، أبغضناه حبّاً لك، وعصيناه طاعة لأمرك، وخالفناه موافقة لكتابك، وشنأناه رجاء لثوابك، لمّا قرعت أسماعنا رنّة آيات( وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهدَ

اللهِ مِن بَعدِ مِيثَاقِهِ وَيَقطَعُونَ مَا أمَرَ اللهُ بِهِ أن يُوصَلَ وَيُفسِدُونَ فِي الاَرضِ اُولئِكَ لَهُمُ اللَعنَةُ وَلَهُم سُوءُ الدَّارِ ) (١) ، ونعقت في أفكارنا نعمة بيّنات( إنَّ الَّذِينَ يُؤذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ وَأعَدَّ لَهُم عَذَاباً مُهِيناً ) (٢) ، ورسخت في أفهامنا كلمة سيّد أنبيائك ومبلّغ أنبائك: فاطمة بضعة منّي، من آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله أكبّه الله على منخريه في النار.(٣)

وتجلّت لألبابنا رواية السيّد ابن السادة، الفائز بدرجتي السعادة والشهادة، فرع نبيّك، وسلامة وليّك، المجاهد في سبيلك، والداعي إلى الرضا من آل رسولك، زيد بن إمام المتّقين، عليّ بن الحسين زين العابدين، زاد الله شرفاً إلى شرفه، وأحلّه من جوار جدّه في أعلى غرفه، وهو ما روى عنه الشيخ العالم العامل، الوليّ الكامل، المخصوص بكشف أسرار الكلام المجيد القدسيّ، شيخنا ووسيلتنا إلى ربّنا أبو علي الطبرسي، أفاض الله عليه تيجان رحمته، وحشره في زمرة نبيّه وأئمّته.

__________________

١ - سورة الرعد: ٢٥.

٢ - سورة الأحزاب: ٥٧.

٣ - قاله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مراراً: انظر: بحار الأنوار: ٢١ / ٢٧٩، وج ٢٢ / ٢٣٦، وج ٢٣ / ١٤٣ ح ٩٧ وص ٢٣٤، وج ٢٧ / ٦٢ و ٦٣ ح ٢١، وج ٢٨ / ٣٨ ح ١ وص ٤٠ وص ٣٠٣ ح ٤٨، وج ٣٦ / ٢٨٨ ح ١١٠ وص ٣٠٨ ح ١٤٦، وج ٣٧ / ٦٦ - ٦٨ ح ٣٨ وص ٦٩ وص ٨٥، وج ٤٣ / ٣٢ ح ١٧ وص ٢٤ ح ٢٠ وص ٣٩ ح ٤٠ و ٤١ وص ٥٤ ح ٤٨ وص ٧٦ ح ٦٣ وص ٨٠ ح ٦٩ وص ٩١ و ٩٢ ح ١٦ وص ١٣٣ ح ٣٢ وص ١٧١ ح ١١ وص ١٧٢ ح ١٣ وص ١٩٩ ح ٢٩ وص ٢٠٢ و ٢٠٤ح ٣١، وج ٤٩ / ٢٨٣، وج ١٠٣ / ٢٣٩ ح ٤٣ وص ٢٥٠ ح ٤٠ وج ١٠٤ / ٣٨ ح ٣٦ فقد أخرجه بألفاظ مختلفة وعن عدّة مصادر معتبرة.

قال: حدّثني الحاكم أبو القاسم الحسكاني القاي(١) ، قال: حدّثنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدّثني أحمد بن [ محمد بن أبي ](٢) دارم الحافظ، [ قال: حدّثنا علي بن أحمد العجلي، ](٣) قال: حدّثني عبّاد بن يعقوب. قال: حدّثني أرطاة بن حبيب، قال: حدّثني أبو خالد الواسطي - وهو آخذ بشعره -، قال: حدّثني زيد بن عليّ - وهو آخذ بشعره -، قال: حدّثني أبي سعيد العابدين - وهو آخذ بشعره -، قال: حدّثني أبي السيد الشهيد أبو عبد الله الحسين - وهو آخذ بشعره -، قال: حدّثني أبي أمير المؤمنين وسيّد الوصيّين - وهو آخذ بشعره -، قال: قال لي سيّد الأولين والآخرين محمد بن عبد الله الصادق الأمين - وهو آخذ بشعره -: يا علي، من آذى منك شعرة فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فعليه لعنة الله.(٤)

وقد علمنا يا إلهنا ما اُسدي إلى سليلة نبيّك، وحليلة وليّك، من اغتصاب تراثها، وانتهاب ميراثها، واغتصاب نحلتها من أبيها، واستصفاء بلغتها وبلغة بنيها، قائلاً: آتوني بنار وحطب لأحرق منزلها على من حوى(٥) ، ناوياً إطفاء نور الله بناره ولكلّ امرئ ما نوى، مخالفاً بقوله وفعله سيّد المرسلين، سالّاً سيف بغيه على أمير المؤمنين وإمام المتّقين، فظهر لأفكارنا، ونعق في أسرارنا،

__________________

١ - كذا في الأصل، ولعلّها « قاضي ».

٢ و ٣ - من الجمع.

٤ - مجمع البيان: ٤ / ٣٧٠.

وروى مثله في أمالي الطوسي: ٢ / ٦٦، وعيوون أخبار الرضاعليه‌السلام : ١ / ٢٥٠ ح ٣، وأمالي الصدوق: ٢٧١ ح ١٠، عنها البحار: ٢٧ / ٢٠٦ ح ١٣.

٥ - الامامة والسياسة، ١ / ١٩، عنه البحار: ٢٨ / ٣٥٤ ح ٦٩.

وأخرجه في البحار: ٢٨ / ٢٣١ ح ١٦ و ١٧ عن تفسير العيّاشي: ٢ / ٣٠٦ ح ١٣٤ وأمالي المفيد: ٤٩ ح ٩. وفي ص ٣٠٧ ح ٥٠ عن إثبات الوصيّة: ١١٢.

بالأدلّة الساطعة، والحجج القاطعة، انّ الجمل وصفّين، وقتل ذرّيّة خاتم النبيّين، نتيجة قياسه، وثمرة غراسه، إذ هو الذي أعلى الطلقاء القاسطين، ورفع كعبهم على رقاب المسلمين، مع علمه بأنّهم الشجرة الملعونة في القرآن، والطائفة المارقة عن الايمان، أعني بني اُميّة الضالّين المضلّين، الزالّين المزلّين، كفرة الكتاب، وبقيّة الأحزاب.(١)

__________________

١ - في « ح »: روي عن الصادق القمّي أنّ جميع الأئمةعليهم‌السلام خرجوا من الدنيا على الشهادة: قتل عليّعليه‌السلام فتكاً. وسمّ الحسنعليه‌السلام سرّاً، و [ قتل ] الحسينعليه‌السلام جهراً، وسمّ الوليد بن عبد الملك زين العابدينعليه‌السلام ، وسمّ إبراهيم بن الوليد الباقرعليه‌السلام ، وسمّ أبو جعفر المنصور الصادقعليه‌السلام ، وسمّ الرشيد الكاظمعليه‌السلام ، وسمّ المأمون الملعون الرضاعليه‌السلام ، وسمّ المعتصم محمد الجوادعليه‌السلام ، وسمّ المعتزّ عليّ بن محمدعليه‌السلام ، وسمّ المعتمد الحسن بن عليعليه‌السلام ، وأمّا القائم عجّل الله فرجه فروي أنّه هرب خوفاً من المتوكّل عليه اللعنة لأنّه أراد قتله، ويأبى الله إلا أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون، وكان أوّل من استفتح بالظلم من أخّر عليّاً عن الخلافة، وغصب فاطمة ميراث أبيها، وقتل المحسن في بطن اُمّه، ووجاء عنق سلمان، وقتل سعد بن عبادة، ومالك بن نويرة، وداس بطن عمّار بن ياسر، وكسر أضلاع عبد الله بن مسعود بالمدينة، ونفى أبا ذرّ إلى الربذة، وأشخص عمّار بن قيس، وغرب الأشتر النخعي، وأخرج عديّ بن حاتم الطائي، وسيّر عميراً بن زرارة إلى الشام، ونفى كميل بن زياد إلى العراق، وخاض في دم محمد بن أبي بكر، ونكب كعب بن جبل جارية بن قدامة، وعذّب عثمان ين حنيف، وعمل ما عمل بحباب بن زهير وشريح بن هانئ، ونحو هؤلاء ممّن مضى قتيلاً وعاش في غصّة ذليلاّ، نقل من كتاب الفخري النجفيرحمه‌الله .

فانظروا - يا إخواني - إلى فعل أوائلهم، واقتفاء أرجاس بني اُميّة آثارهم، يقتلون من قاربهم، ويعذّبون من ظاهرهم، كقتل معاوية عمّار بن ياسر وزيد بن صوحان وصعصعة بن صوحان وحنيف بن ثابت واويس القرني ومالك الأشتر ومحمد بن أبي بكر وهاشم المرقال وعبد الرحمان بن حسّان وغيرهم، وتسليط زياد بن سميّة على قتل الاُلوف من الشيعة بالكوفة، وهو الذي دسّ في قتل الحسن بن عليعليهما‌السلام إلى جعدة بنت أشعث بن قيس، وتبعه ابنه يزيد على ذلك الظلم حتى قتل الحسين بن عليعليهما‌السلام في نيّف وسبعين رجلاً ؛ منهم تسعة من بني عقيل، وثلاثة من بني جعفر الطيّار، وتسعة من بني عليّعليه‌السلام ، وأربعة من بني الحسنعليه‌السلام ، وستّة من بني الحسينعليه‌السلام ، والباقي من أصحابه، وقتل زيد بن عليّ بن الحسين على يد

اللّهمّ العنه بما أعلى من قدرهم، ورفع من ذكرهم، وسدّ من خلّتهم، وكر من قلبهم.

اللّهمّ العنه بعدد كلّ نفاق أخفاه، وشقاق أبداه، وحقّ اغتصبه، وظلم نصبه، وعهد نقضه، وإمام رفضه.

اللّهمّ العنه بعدد كلّ رطب ويابس، ولين وجامس، وبرّ وفاجر، وعاجز وقادر.

اللهم العنه بعدد كل مكيل وموزون، ومتروك ومخزون، ومعدود ومحسوب، ومرقوم ومكتوب.

اللّهمّ العنه بعدد ما أنبتت الأرض منذ خلقت، وأحيت المساء منذ فتقت، والعن أبويه وعترته، وابنيه وابنته، وأنصاره وشيعته.

الله مأذقه أليم عذابك، ووخيم عقابك، واجعله في أسفل درك من الدرك الأسفل، وأخفض منزل في العذاب الأطول، يشرف عليه إبليس فيلعنه، وتطلع عليه عبدة الأوثان فتوبّخه، شرابه حميم، وعذابه مقيم، وطعامه زقّوم، وكتابه في سجّين مرقوم، ومقرّه في تابوت من حديد، وعذابه في كلّ آن جديد، قد وضعت سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً في فيه، واُخرجت من دبره، ووضعت أغلال من قدميه إلى حقويه زيادة في ضلاله وسعره، يتأذّى أهل

__________________

نصر بن خزيمة الأسدي، وصلبه يوسف بن عمر بالكناسة في الكوفة عرياناً فكسي من بطنه جلدة سترت عورته وبقي مصلوباً أربع سنوات، وكان لا يقدر أحد يندب عليه، وألقوا امرأة زيد على المزبلة بعدما دقّت بالضرب حتى ماتت، وعبيد الله بن زياد لعنه الله يصلب الشيعة على جذوع النخل، ويقتّلهم ألوان القتل، وهو الذي خرّب سناباد لمّا رجم أهلها من كان مع رأس الحسين فبقيت خراباً إلى الآن. « الفخري » [ انظر منتخب الطريحي: ٣ - ٥ ].

النيران من رائحة قصبه، وينفر عبدة الأوثان من مشامته وقربه.

اللّهمّ اجعله في سفال الفيلوق مديداً غمّه، طويلاً همّه، وافراً حزنه، والعن من لا يلعنه.

اللّهمّ العنه لعناً وبيلاً، وعذّبه عذاباً جزيلاً، فإنّك أشدّ بأساً وأشدّ تنكيلاً، والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين.(١)

تم المجلّد الأوّل ولله الحمد، ويليه المجلّد الثاني بإذنه تعالى.

____________

١ - في الأصل: تمّ المجلس الثالث يوم الجمعة ثالث بعد طلوع الأسد بخمسة أيّام.

الفهرس

كلمة الناشر ٦

الاهداء ٩

ترجمة المؤلّف.. ١١

اسمه ونسبه الشريف: ١٣

محلّ ولادته وهجرته إلى الحائر: ١٤

ما قيل في الاطراء عليه: ١٥

ولده: ١٦

فترة عمره الشريف: ١٦

حول الكتاب.. ١٨

نسخة الكتاب: ١٩

تسمية الكتاب: ٢٠

اشتباهان حول الكتاب: ٢١

منهجيّة التحقيق. ٢٣

تقدير وعرفان: ٢٤

مقدّمة المؤلّف.. ٢٧

كتاب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى كسرى. ٣١

نزول سورة النحم. ٣٣

في هجرة المؤلف رحمه‌الله من دمشق. ٣٦

في مناقب ومثالب اصطنعتها العامّة ٣٨

في أن المؤلف رحمه‌الله استوطن كربلاء ٤٤

إشادة المؤلف بالسلطان إسماعيل الصفوي. ٤٥

قصيدة للمؤلف رحمه‌الله في هجره موطنه دمشق واستقراره في كربلاء. ٤٨

في ذكر المؤلف خطبه ومجالسه المختلفة ٤٩

قصيدة للمؤلف رحمه‌الله مفتخراً بما ينظم ويقول في مدح المصطفى وآله عليهم‌السلام.... ٥٠

عثور المؤلف على كتاب روضة الشهداء للكاشفي وتأليفه كتابه هذا على منواله ٥١

المجلس الأوّل: في ذكر اُمور تتعلّق بظلامة أبي عبد الله الحسين عليه‌السلام وما في معناها، وطرق في ذكر ثواب من أظهر الجزع لمصابه ومصاب أهل بيته، وثواب من بكى لرزيّتهم، وجلس لعزيّتهم  ٥٣

مجيء فاطمة عليها‌السلام يوم القيامة قائلة: إلهي احكم بيني وبين من ظلمني ومن قتل ولدي. ٥٩

تحشر فاطمة عليها‌السلام وهي آخذة بقميص الحسين ملطّخ بالدم ٦٠

تقبل فاطمة عليها‌السلام يوم القيامة ومعها ألف نبي وألف وصيّ وألف شهيد، وأبيات شعريّة للصاحب بن عباد في ذلك   ٦١

في ثواب البكاء على الحسين عليه‌السلام.... ٦٢

في بكاء زين العابدين على أبيه عليهما‌السلام..... ٦٧

أن الحسين عليه‌السلام قتيل العبرة ٦٨

أنّ البلاء موكل بالأنبياء، ثم بالأولياء، ثم بالأمثل. ٦٩

ما عاناه نوح عليه‌السلام من قومه ٧١

ما عاناه ابراهيم عليه‌السلام من قومه ٧٢

قصّة يوسف عليه‌السلام.... ٧٧

في إبتلاء موسى وهارون عليهما‌السلام..... ١٢٤

في صبر أيوب عليه‌السلام.... ١٢٦

في إبتلاء عيسى بن مريم عليه‌السلام.... ١٢٩

في معجزة ميلاد يحيى بن زكريا عليهم‌السلام.... ١٣٣

أنّ قاتل يحيى عليه‌السلام كان ولد زنا، وكذلك قاتل الحسين بن علي عليهما‌السلام..... ١٣٤

لا يقتل الأنبياء وولد الأنبياء إلاّ ولد زنا ١٣٥

مناجاة للمؤلف رحمه‌الله.. ١٣٦

المجلس الثاني: في ذكر سيّد المرسلين، وما ناله من الأذى من أعداء الدين، وذكر وفاته، وذكر اُمور تتعلّق بظلامة أهل بيته الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين. ١٤١

الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وأبوجهل. ١٤٣

إخبار النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بمصارع المشركين في بدر ١٤٤

الهجرة إلى الحبشة ١٤٥

في إيمان أبي طالب رضي‌الله‌عنه.... ١٤٨

في شفقة فاطمة بنت أسد رضي‌الله‌عنها على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله.... ١٥٩

فيما لاقاه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله من الأذي في الطائف من عتبة وشيبة ١٦١

رجوع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله من الطائف إلى مكة، وعرضه نفسه على قبائل العرب.. ١٦٤

بيعة العقبة ١٦٥

في أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أصحابه بالهجرة من مكة إلى المدينة واجتماع دار الندوة ١٦٧

مبيت علي عليه‌السلام في فراش رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله.... ١٦٨

في هجرة علي عليه‌السلام من مكة إلى مدينة ١٧١

في دخول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وصاحبه الغار ١٧٥

أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله أسس مسجده بقبا ١٧٨

نزول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في بيت أبي أيّوب.. ١٧٩

غزوات رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله.... ١٨٠

سرايا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله.... ١٨١

موعظة جليلة للمؤلف رحمه‌الله.. ١٨٢

فتح مكة ١٨٧

خطبة لأمير المؤمنين عليه‌السلام يشكو فيها قريش.. ١٩٢

في نعي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله نفسه ٢٠١

أن الله تعالى أوحى إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أن ينصب علياً للناس ويخبرهم بولاية، وقول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله: « من كنت مولاه فعليّ مولاه »  ٢٠٢

في قوله تعالى: ( اليوم أكملت لكم دينكم ) ٢٠٤

رواة حديث الغدير ٢٠٥

قول عمر بن خطاب لعلي عليه‌السلام: أصبحت مولاي. ٢٠٧

أقاويل المنافقين في ولاية علي عليه‌السلام.... ٢٠٨

أنّ يوم الغدير في السماء أشهر منه في الأرض.. ٢١١

زيارة المؤلف رحمه‌الله لمرقد أمير المؤمنين عليه‌السلام.... ٢١٢

خطبة يوم الغدير للمؤلف رحمه‌الله، متضمّنه خطبة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله يوم الغدير، وخطبة أمير المؤمنين عليه‌السلام التي رواها الشيخ الطوسي في مصباحه ٢١٣

بدء مرض النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله.... ٢٢٩

النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله يوصى قبل وفاته ٢٣٠

الضلاة الأخيرة للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بالناس. ٢٣١

الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله يعطي القصاص من نفسه ٢٣٢

قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله: « ائتوني بدواة وكتف ..» وقول عمر: « إنّ النبي قد اشتدّ به الوجع وهو يهجر »  ٢٣٤

نزول ملك الموت لقبض روح النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله.... ٢٣٥

مناجاة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله لعلي عليه‌السلام.... ٢٣٦

قبض النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ويد أمير المؤمنين عليه‌السلام تحت حنكه، وما قاله أمير المؤمنين عليه‌السلام في هذا المعنى  ٢٣٨

أن أميرالمؤمنين عليه‌السلام نزل قبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله.... ٢٤٠

أمير المؤمنين عليه‌السلام يرثي النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله.... ٢٤١

صفيّة بنت عبد المطّلب وحسان بن ثابت يرثيان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله.... ٢٤٥

أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أوصى علياً عليه‌السلام بأن لا يغسّله غيره ٢٤٦

مناجاة للمؤلف رحمه‌الله.. ٢٤٦

المجلس الثالث: في ذكر شيء من فضائل أمير المؤمنين، وذكر أدلّة شريفة على فرض إمامته، والاستدلال على كفر من أنكر نصّ خلافته، وذكر طرف من ظلامة سيّدة النساء صلوات الله عليها، وذكر وفاتها، ووفاة أمير المؤمنين صلوات الله عليه وعلى أبنائه الطاهرين  ٢٥٣

خطبة للمؤلف رحمه‌الله.. ٢٥٣

إخبار النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله باستشهاد أمير المؤمنين عليه‌السلام.... ٢٥٨

قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لعلي عليه‌السلام: « لك أشياء ليس لي مثلها ». ٢٦٢

ميلاد أمير المؤمنين علي عليه‌السلام في الكعبة ٢٦٤

أمير المؤمنين عليه‌السلام يقضي في رجل زنى مرّة بعد مرّة ٢٦٦

أبيات لديك الجنّ. ٢٦٧

أن أمير المؤمنين عليه‌السلام لم يشرب الخمر حتى قبل تحريمها ٢٦٨

أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أخذ علياً عليه‌السلام من أبي طالب ليعينه على أمره ٢٦٩

أنّ علياً عليه‌السلام كان كفو فاطمة عليها‌السلام.... ٢٧١

الجواب على ما قالته الناصبة: تزوّج النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله من الشيخين، وزوّج عثمان بنتين. ٢٧١

مؤاخاة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لعلي عليه‌السلام.... ٢٧٣

أبيان لأمير المؤمنين عليه‌السلام بعد مؤاخاة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله له ٢٧٥

سدّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أبواب الصحابة وترك باب عليّ عليه‌السلام.... ٢٧٧

محبّة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لعليّ عليه‌السلام.... ٢٧٩

دعاء الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله لعليّ عليه‌السلام في عدّة مواضع، وإرساله إيّاه إلى ثلاثة نفر آلوا باللات والعزّى ليقتلوا النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله      ٢٨٢

أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله دفع الراية إلى عليّ عليه‌السلام يوم خيبر. ٢٨٤

في توجه أمير المؤمنين عليه‌السلام إلى الله وإقباله عليه، وإعراضه عن الدنيا ٢٨٦

رغم انحرافه عنه ٢٨٨

خطبة أمير المؤمنين عليه‌السلام وقوله: «سلوني قبل أن تفقدوني». ٢٩٢

أن أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام جمع القرآن. ٢٩٨

أن أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام أعلم الصحابة بالقراءات.. ٢٩٩

أن أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام أعلم الصحابة بكتاب الله تعالى. ٣٠٠

أن أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام أفقه الصحابة ٣٠١

أن أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام أعلم أهل المدينة بالفرائض.. ٣٠٢

أن أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام أكثر الصحابة رواية ٣٠٣

أن أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام وضع اُصول الكلام ٣٠٤

أن أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام هو أفصح الخلق. ٣٠٥

أن أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام هو أوفر الفصحاء والبلغاء حظّا، وخطبته الخالية من الألف، وخطبته الخالية من النقطة ٣١١

أن أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام هو أشعر الشعراء والبلغاء، وأنّ من داره خرجت دائرة العروض.. ٣١٢

أن أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام هو أحكم أصجاب اللغة العربيّة، وأنه ليس للوعّاظ مثل ما له من الأمثال والعبر والمواعظ والزواجر، وأنّه أرجخ الفلاسفة ٣١٣

أن أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام هو أكيس المنجّمين. ٣١٤

أن أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام هو أعلم الصحابة بلعم الفرائض والحساب.. ٣١٩

أن أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام هو أكثر أصحاب الكيمياء حظّاَ ٣٢٠

أن أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام هو الأصل في العلم المكاشفة على طريق الصوفية ٣٢١

أن أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام هو واضع النحو ٣٢٣

في اخلاص أمير المؤمنين عليه‌السلام وسبقه بالجهاد وأعماله الصالحة ٣٢٥

في شجاعة أمير المؤمنين عليه‌السلام.... ٣٣١

أسماء الذين قتلهم أميرالمؤمنين عليه‌السلام في بدر واُحد. ٣٣٢

كيفيّة قتل أمير المؤمنين عليه‌السلام لعمر وبن عبدودّ في يوم الأحزاب.. ٣٣٤

قصيدة للمؤلف رحمه‌الله بهذا المعنى. ٣٣٨

في شجاعة أميرالمؤمنين عليه‌السلام في يوم حنين. ٣٤٠

في كرم أمير المؤمنين عليه‌السلام.... ٣٤٢

تصدّق أمير المؤمنين عليه‌السلام بخاتمه وهو راكع. ٣٤٣

أبيات لحسّان بن ثابت بهذا المعنى. ٣٤٦

من كلام أمير المؤمنين عليه‌السلام يخاطب به أصحابه ٣٥٣

من كلام أمير المؤمنين عليه‌السلام في ذمّ أهل العراق. ٣٥٤

معجزة أمير المؤمنين عليه‌السلام في قطع يد السارق الأسود وإرجاعها مكانها ٣٥٥

في فضائل أمير المؤمنين عليه‌السلام، وما حدث لمن لعن أو شتم عليّاً عليه‌السلام.... ٣٥٧

حديث أبي جعفر الدوانيقي للأعمش في فضل علي عليه‌السلام.... ٣٦٤

قصيدة للمؤلف رحمه‌الله في الامام المهدي عليه‌السلام.... ٣٧٦

ما حدث لمن لعن أو شتم عليّاً عليه‌السلام.... ٣٧٨

إخبار النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بما يلقاه أمير المؤمنين عليه‌السلام من بعده ٣٨٠

لولا أمير المؤمنين عليه‌السلام ما علم حكم أهل البغي. ٣٨٢

بدء فتنة عائشة ومضيّها إلى مكّة، واستئذان طلحة والزبير من أمير المؤمنين عليه‌السلام في المضيّ إلى مكّة ٣٨٣

خروج عائشة إلى البصرة ٣٨٤

خروج أمير المؤمنين عليه‌السلام من المدينة إلى الزبدة، ومنها إلى ذي قار، وكتابه إلى أهل الكوفة ٣٨٥

كتاب أمير المؤمنين عليه‌السلام إلى طلحة وزبير، وكتابه إلى عائشة ٣٨٨

أبيات لحبيب بن يساف الأنصاري، وإرسال أمير المؤمنين عليه‌السلام زيد بن صوحان وابن عبّاس إلى عائشة فوعظاها وخوّفاها ٣٨٩

بروز محمد بن الحنفيّة للقتال. ٣٩٣

أبيات لخزيمة بن ثابت.. ٣٩٤

مصرع طلحة، وأبيات للسيّد الحميري. ٣٩٨

أنّ أمير المؤمنين عليه‌السلام أوصى محمد بن أبي بكر بأن يدرك اُخته عائشة ٤٠٢

عدد القتلى يوم الجمل. ٤٠٣

قصيدة للمؤلف رحمه‌الله في ذمّ عائشة ٤٠٦

تزول أمير المؤمنين عليه‌السلام - بعد انقضاء حرب الجمل - في الرحبة ٤١٣

كتاب معاوية إلى أهل المدينة، وجواب أهل المدينة له ٤١٥

كتاب معاوية إلى أمير المؤمنين عليه‌السلام.... ٤١٦

جواب أميرالمؤمنين عليه‌السلام لمعاوية ٤١٧

مكاتبات بين أمير المؤمنين عليه‌السلام ومعاوية ٤١٨

خروج معاوية ونزل صفّين. ٤١٩

نزول أمير المؤمنين عليه‌السلام بصفيّن. ٤٢٠

تعبئة الجيشين للقتال. ٤٢١

بدء المبارزات بين الطرفين. ٤٢٣

استشهاد هاشم المرقال وعبدالله بن بديل الخزاعي. ٤٢٤

استشهاد اويس القرني. ٤٢٦

بروز أمير المؤمنين عليه‌السلام لعمروبن العاص متنكّرا ٤٢٧

مكاتبات بين معاوية وعمروبن العاص وابن عبّاس. ٤٢٩

كتاب معاوية إلى أمير المؤمنين عليه‌السلام، وجواب أميرالمؤمنين له ٤٣٠

استشهاد أبي الهيثم بن التيهان وعمّار بن ياسر ٤٣٢

استشهاد خزيمة بن ثابت الأنصاري. ٤٣٣

قصيدة في امير المؤمنين عليه‌السلام.... ٤٤١

قصيدة للمؤلف رحمه‌الله في مثالب أعداء أمير المؤمنين عليه‌السلام.... ٤٤٤

في عدد القتلى من العسكرين، ورفع المصاحف.. ٤٤٧

في كثرة من مات في السجن الحجّأج، وسيرته مع أهل العراق. ٤٤٩

كلام أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام مع أهل الكوفة ٤٥٠

انخداع أصحاب أمير المؤمنين علي عليه‌السلام حين رفع المصاحف.. ٤٥١

رجوع الأشتر، واختيار المخدوعين لأبي موسى. ٤٥٢

في صلح الحديبيّة، وإخبار النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لأمير المؤمنين عليه‌السلام بأن له مثلها يعطيها وهو مضطهد. ٤٥٤

اتّفاق الحكمين: عمرو بن العاص وأبوموسى الأشعريّ. ٤٥٥

رجوع أميرالمؤمنين عليه‌السلام بعد التحكّم إلى الكوفة ٤٥٩

قول رئيس الخوارج حرقوص بن زهير لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: أعدل بالسويّة! ٤٦١

قول الخوارج لأمير المؤمنين عليه‌السلام: لا حكم إلاّ لله. ٤٦٢

توجّه أمير المؤمنين عليه‌السلام لقتال الخوارج. ٤٦٥

في القتلى من العسكرين. ٤٦٧

العثور على المخدج بين القتلى. ٤٦٨

خطبة أمير المؤمنين عليه‌السلام القاصعة ٤٦٩

أبيات للحميري. ٤٧٠

خطبة الامام الحسن عليه‌السلام وابن عباس في أمر عبدالله بن قيس وعمروبن العاص.. ٤٧١

خطبة عبدالله بن جعفر في أمر عبدالله بن قيس وعمروبن العاص، وكلام أمير المؤمنين عليه‌السلام.... ٤٧٢

خطبة لأمير المؤمنين عليه‌السلام.... ٤٧٣

قصيدة للمؤلف رحمه‌الله في الخوارج. ٤٧٤

فصل: في مقتله صلوات الله وسلامه عليه، وما ورد فيه من الأحاديث الصحيحة عن أئمّة الهدى وغيرهم من أهل العلم. ٤٧٦

خطبة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في آخر جمعة من شهر شعبان. ٤٧٦

أخبار النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بمقتله عليه‌السلام.... ٤٧٧

أنّ أمير المؤمنين عليه‌السلام سهر في ليلة مقتله ٤٨٠

أمير المؤمنين عليه‌السلام ينعي نفسه ٤٨١

اجتماع جماعة من الخوارج وفيهم عبدالرحمان بن ملجم واتّفاقهم علي قتل أمير المؤمنين عليه‌السلام ومعاوية وعمروبن العاص، وشغف ابن ملجم بقطام التميميّة ٤٨٢

ضرب ابن ملجم لأمير المؤمنين عليه‌السلام.... ٤٨٣

اجتماع الأطباء لأمير المؤمنين عليه‌السلام.... ٤٨٧

وصيّة أمير المؤمنين عليه‌السلام للحسن والحسين عليهما‌السلام..... ٤٨٨

سعي إسماعيل بن عيسى العبّاسي عام ٢٩٣ في تخريب قبر أمير المؤمنين عليه‌السلام.... ٤٩٢

العلة في إخفاء قبر أمير المؤمنين عليه‌السلام.... ٤٩٣

قضى أمير المؤمنين عليه‌السلام نحبه ليلة الحادي والعشرين، ونعي الخضر عليه‌السلام له ٤٩٥

مقتل ابن ملجم عليه اللعنة ٤٩٦

في رثاء أمير المؤمنين عليه‌السلام.... ٤٩٧

العلامات التي ظهرت عند مقتل أمير المؤمنين عليه‌السلام.... ٤٩٨

أبيات لأبي الأسود الدوئلي في رثاء أمير المؤمنين عليه‌السلام.... ٤٩٩

ما قاله عمران بن حطان الخارجي في ابن ملجم، وجواب بكربن حمّاد التاهرتي له ٥٠٠

كلام للمؤلف رحمه‌الله.. ٥٠١

فصل في ذكر سيّدة النساء صلوات الله وسلامه عليها ٥١١

خطبة للمؤلف رحمه‌الله.. ٥١١

قصيدة في حق الزهراء عليها‌السلام.... ٥١٤

جملة من مناقبها عليها‌السلام.... ٥١٦

كلام فضّة القرآني. ٥٢٥

كلام للمؤلف رحمه‌الله.. ٥٢٨

كرامة شهرة بنت مسكة بنت فضّة جارية الزهراء عليها‌السلام.... ٥٢٩

الأمر الإلهيّ بتزويج أمير المؤمنين من فاطمة عليهما‌السلام..... ٥٣٣

خطبة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في تزويج فاطمة عليها‌السلام.... ٥٣٧

خطبة أمير المؤمنين عليه‌السلام في زواجه ٥٣٨

في مهر الزهراء عليها‌السلام.... ٥٣٩

مراسم زواح أميرالمؤمنين وفاطمة عليها‌السلام.... ٥٤٠

ما أنشأن نساء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في زفاف الزهراء عليها‌السلام.... ٥٤٢

دعاء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لهما عليهما‌السلام في زواجهما ٥٤٤

فصل في مولدها وأحوالها وأسمائها وكناها عليها‌السلام.... ٥٤٦

كلام للمؤلف رحمه‌الله.. ٥٤٧

في قصة نزول آيات ( إنّ الأبرارَ يشربون من كأس كان مزاجها كافورا مشكورا ) في علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم‌السلام وجاريتهم فضّة ٥٥٨

فصل في وفاتها عليها‌السلام.... ٥٦٦

علّة دفنها عليها‌السلام ليلاً. ٥٦٨

في تغسيلها عليها‌السلام.... ٥٦٩

كلام أمير المؤمنين عليه‌السلام عند دفنها عليها‌السلام.... ٥٧٠

ما قاله أمير المؤمنين والهاتف عند رجوعه عليه‌السلام من دفن الزهراء، وفي موضع قبرها عليها‌السلام.... ٥٧١

كلام للمؤلف رحمه‌الله.. ٥٧٢

مؤلف: السيد الأديب محمد بن أبي طالب الحسيني الموسوي الحائري الكركي
صفحات: