تسلية المجالس وزينة المجالس- الجزء 2
التجميع مكتبة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وأهل البيت عليهم السلام
الکاتب السيد الأديب محمد بن أبي طالب الحسيني الموسوي الحائري الكركي
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404
 شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام الثقافية -

المجلس الرابع

في خصائص الامام الثاني سبط المصطفى، ورابع

أصحاب الكساء ذي المآثر والمنن، مولانا وسيّدنا

أبي محمد الحسن، وذكر شيء من فضائله المختصّة

به والمشتركة مع جدّه وأبيه وأمّه وأخيه

صلوات الله عليهم أجمعين.

الخطبة : الحمد لله الّذي جعل حمده سبيلاً موصلاً إلى نعيم جنّته، وسبباً متّصلاً بعميم رحمته، وشكره وسيلة لشاكره إلى المزيد من نعمته، وذكره شرفاً لذاكره في سرّه وعلانيته، وبنى قواعد دينه على توحيده ومعرفته، وأخذ عباده بتقديسه وتنزيهه عمّا لا يليق بربوبيته، ونصب لهم أعلاماً يهتدي بها المتردّد في تيه حيرته، وأطلع في سماء العرفان أنجماً ينجو بزواهرها ضالهم في ظلمة شبهته، وجعل تلك الأعلام الواضحة، والأنجم اللائحة، عباداً مكرمين من خواصه، وأولياء معصومين قد صفاهم واصطفاهم بإخلاصه.

أولهم نبيّ تمّمت به الرسالة والنبوّة، وإمام انتهت إليه الرئاسة والفتوة، لما جعله سبحانه أشدّ خلقه بسطة في العلم والجسم والقوّة، واختصه الرسول بالوصية والخلافة والاخوة، ثبت في العقل والنقل عموم رئاسته، وقبح في

الحقيقة والطريقة تقديم من قصر عن رتبته.

نحمد ربّنا على ما أطلعنا عليه من سرة المكنون، وعلمه المخزون، ونزهنا عن اتباع كلّ ناعق بالباطل، وزاهق بغير الحق قائل، وبنى على حب آله قواعد عقائدنا، وركز في جبلّتنا معرفة سادتنا وأئمّتنا، وانهم أولوا الأمر الّذين ألزم عباده بطاعتهم، وحث أنامه على متابعتهم، فمن سلك غير سبيلهم، واهتدى بغير دليلهم، قاده سوء اختياره إلى الشقاوة السرمدية، وأوقعه ضلال سعيه في الهلكة الأبدية.

لا نشك في كفر من تقدّمهم غاصباً وتسمى بغير اسمه كاذباً، واستوجب اللعنة بإلحاده في دين الله، واستحق العقوبة بجحده ولاية الله، وتوالى في الله أوليائهم، وتعادى في الله أعداءهم، ويلعن الحانث صدّيقهم، والناكث فاروقهم، والثالث زهوقهم، والرابع زنديقهم، الّذي كان إسلامه نفاقاً، ودينه شقاقاً، وطبعه غدراً، ومعتقده كفراً، الباغي بحربه والكافر بربه، والخارج على إمام الحق بجنده، والباغي على وليّ الخلق بحسده، والمدبر في قتل السيد الزكي قرة عين النبيّ وثمرة قلب الوصيّ، والمديف له قواتل سمومه بغدره، والمفسد رؤساء جنوده بمكره.

اللّهمّ العنه والعن كلّ منقاد طوعاً لأمره، وكل شاك في ضلاله وكفره.

فصل

فيما ورد في فضل السيد الشكور، والامام الصبور،

سبط خير المرسلين، ورهط إمام المتقين، ونجل سيد

الوصيين، ونتيجة سيّدة نسة العالمين، العالمين، رابع الخمسة

الميامين، وثالث الأولياء المنتجبين، الّذي جعله الله

وأخاه أشرف خلقه أجمعين.

الجد النبيّ، والأب الوصيّ، والاُم الزهراء، والدار البطحاء، فضله معروف، وكرمه موصوف، يخل الغيث بفيض كفه، ويخجل البحر بسبب عرفه، اصوله كريمة، وأياديه عميقة، وحبّه فرض واجب، ووده حكم لازب، وطاعته تمام الايمان، ومعصيته سبيل الخسران، الناطق بالحكمة، والمؤيد بالعصمة، إمام الاُمّة، وثاني الأئمّة، مَن حبّه من النيران جُنّة، واتباعه سبيل موصل إلى نعيم الجنّة، وولاؤه على أهل الأرض فرض لا سنّة، ذو النسب الطاهر، والحسب الفاخر والمجد الأعبل، والشرف الأطول، والعلم المأثور، والحلم المشهور، الّذي تردى بالمجد واتزر، وتصدى للبذل واشتهر، وظهر عنه العلم وانتشر، وبخدمته الأمين جبرئيل افتخر.

آل عمران تشهد للرسول بنبوّته يوم المباهلة، وسورة الانسان تنبىء عن كمال فضيلته حين المفاضلة، وأحزاب المجد بحجّة آية تطهيرها لعصمته

ناصرة، وأبصار الفخر إلى نضرة بهجته يوم الكساء ناظرة، شاطر الله ماله مراراً، وآثر المسكين واليتيم والأسير بقوّته إيثاراً، وكان للمسلمين نوراً ومناراً، وللعارفين غيثاً مدراراً، تشمخ المنابر فخراً إن علاها بقدمه، وتشرق المحاضر سروراً إذا غمرها بكرمه، موات الآمال يحيى بوابل جوده، وأموات الافضال تنشر بها طل جوده، والرئاسة العامّة تتجلّى على رفعة إمامته، والمناقب التامة تخطر بين يدي زعامته.

من اتخذه بضاعة ربحت تجارته في الدنيا والآخرة، ومن تولّى عن أمره إلى غيره ومعاندة أضحت كرته خاسرة، رضيت به وبأهل بيته سادة عمن سواهم، ووسمت جبهتي بميسم العبودية لجلال علاهم، فإن رقموني في دفاتر عبيدهم، وأثبتوني في جرائد عديدهم، فذلك غاية مرادي وأقصى مناي، وإن طردوني عن أبواب كرمهم، ومحوني من جرائد خدمهم، فيا شقوتي وخيبة مسعاي.

اللّهمّ نور قلبي بحبهم، واشرح صدري بقربهم، ولا تخلني من حياطتهم، ولا تصرف وجهي عن وجههم، والحظني بعين عنايتهم، ولا تنزع منّي بركة رأفتهم، إنّك على كلّ شيء قدير.

محمد بن إسحاق، بالاسناد: جاء أبوسفيان إلى عليّعليه‌السلام ، فقال: يا أبا الحسن، جئتك في حاجة.

قال: وفيما جئتني؟

قال: تمشي معي إلى ابن عمّك محمد فتسأله أن يعقد لنا عقداً، ويكتب لنا كتاباً. فقال أمير المؤمنين: لقد عقد لك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عقداً لا يرجع عنه أبداً، وكانت فاطمة من وراء الستر، والحسن يدرج بين يديها وهو

طفل من أبناء أربعة عشر شهراً(١) ، فقال: يا بنت محمد، قولي لهذا الطفل يكلّم لي جدّه فيسود بكلامه العرب والعجم.

فأقبل الحسنعليه‌السلام على أبي سفيان وضرب بإحدى يديه على أنفه والاخرى على لحيته، ثمّ أنطقه الله سبحانه بأن قال: يا ابا سفيان، قل: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، حتّى أكون لك شفيعاً.

فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : الحمد لله الّذي جعل من ذرّيّة محمد المصطفى نظير يحيى بن زكريا، آتاه(٢) الحكم صبياً.

و استغاث الناس إليهعليه‌السلام من زياد بن أبيه، فرفع يده وقال: اللّهمّ خُذ لنا ولشيعتنا من زياد بن أبيه، وأرنا فيه نكالاً عاجلاً، إنّك على كلّ شيء قدير.

قال: فخرج خراج في إبهام يمينه، ويقال: السلعة(٣) ، وورم إلى عنقه فمات لارحمه‌الله (٤) .

قال محمد بن إسحاق: ما بلغ أحد من الشرف بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ما بلغ الحسن بن عليّ، كان يبسط له بساط على باب داره فإذا خرج وجلس انقطع الطريق، فما يراه أحد من خلق الله إلاّ قام إجلالاً له، فإذا علم قام

__________________

١ - وردت هذه القصة في كتب السير عند ذكر فتح مكّة سنة ثم‏ّان للهجرة حين جاء أبو سفيان إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ليبرم عهد المشركين ويزيد في مدته.

وقد قيل كان عمر الحسنعليه‌السلام خمس سنين، وفي الكامل في التاريخ: ٢/٢٤١ انّه غلام.

٢ - في المناقب:( وَآتَينَاهُ الحُكمَ صَبِيّاً ) سورة مريم: ١٢.

٣ - في المناقب، خراج في إبهام يمينه يقال لها: السلعة.

٤ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/٦ - ٧، عنه البحار: ٤٣/٣٢٦ ح ٦.

فدخل داره فيمر الناس، ولقد رأيته في طريق مكّة ماشياً فما أحد من خلق الله رآه إلا نزل ومشى.

أبو السعادات في الفضائل: إن الشيخ أبو الفتوح أملى في المدرسة الناجية أنّ الحسن بن عليّعليه‌السلام كان يحضر مجلس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو ابن سبع سنين فيسمع الوحي فيحفظه، فيأتي إلى اُمّه فيلقي إليها ما حفظه، فلمـّا دخل عليها أمير المؤمنينعليه‌السلام وجد عندها علماً بالتنزيل، فسألها عن ذلك، فقالت: من ولدك الحسن، فتخفّى يوماً في الدار وقد دخل الحسن فأراد أن يلقيه إليها فأرتج(١) عليه، فعجبت(٢) ، فخرج أمير المؤمنينعليه‌السلام وضمه إليه وقبّله.

و في رواية: يا اماه، قلَّ بياني، وكل لساني، لعل سيداً يرعاني.(٣)

الحسين بن أبي العلاء، عن جعفر بن محمدعليه‌السلام : قال الحسن بن عليّعليه‌السلام لأهل بيته: يا قوم، إنّي أموت بالسم كما مات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فقال له أهل بيته: ومن الّذي يسمك؟

قال: جاريتي أو امرأتي.

فقالوا له: أخرجها من ملكك عليها لعنة الله.

____________

١ - أُرتِجَ على القارىء إذا لم يقدر على القراءة كأنه اُطبِقَ عليه، كما يُرتَجُ الباب، وكذلك ارْتُتِجَ عليه. ولا تقل: ارتُجَّ عليه بالتشديد. « الصحاح: ١/٣١٧ - رتج - ».

٢ - في المناقب: فعجبت اُمّه من ذلك، فقال: لا تعجبين يا اُماه، فإن كبيراً يسمعني واستماعه قد أوقفني، فخرج

٣ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/٧ - ٨، عنه البحار: ٤٣/٣٣٨ ح ١١.

فقال: هيهات من إخراجها ومنيتي على يدها، مالي منها محيص، ولو أخرجتها لم يقتلني غيرها، كان قضاء مقضياً وأمراً واجباً من الله؛ فما ذهبت الأيّام حتّى بعث معاوية إلى زوجته بالسمّ.

فقال الحسن لها: هل عندك شربة لبن؟

فقالت: نعم، فأتت باللبن وفيه السمّ الّذي بعث به معاوية، فلمـّا شربه وجد مسّ [ السمّ ](١) في بدنه، فقال: يا عدوة الله، قتلتيني قاتلك الله، أمّا والله لا تصيرين منّي خلفاً، ولا تصيبين(٢) من الفاسق اللعين عدوّ الله خيراً أبداً.(٣) .

محمد الفتال النيشابوري في كتاب مونس الحزين: بالاسناد عن عيسى ابن الحسن، عن الصادقعليه‌السلام : قال بعضهم للحسن بن علي في احتمال الشدائد من معاوية، فقال صلوات الله عليه كلاماً معناه: لو دعوت الله سبحانه لجعل العراق شاماً والشام عراقاً، ولجعل الرجل امرأةً والمرأة رجلاً.

فقال السائل(٤) : ومن يقدر على ذلك؟

فقالعليه‌السلام : انهضي، ألا تخجلين وتستحين أن تقعدي بين الرجال؟ فوجد الرجل نفسه امرأة بيّنة كالنساء، ثمّ قال: قد صارت عيالك رجلاً ويقاربك وتحملين منها وتلدين(٥) ولداً خنثى، فكان كما قالعليه‌السلام ، ثمّ إنهما تابا وجاءا إليه، فدعا لهما، فأعادهما الله تعالى إلى الحالة الاُولى.(٦)

__________________

١ - من المناقب.

٢ - في المناقب: لا تصيبين منّي خلفاً، ولا تنالين.

٣ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/٨، عنه البحار: ٤٣/٣٢٧ ذ ح ٦.

٤ - في المناقب: الشاميّ.

٥ - في المناقب: وتقاربك وتحمل عنها وتلد.

٦ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/٨ - ٩، عنه البحار: ٤٣/٣٢٧ ضمن ح ٦.

قال أحدهماعليهما‌السلام في قوله:( هَل يَستَوِي الَّذِينَ يَعلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعلَمُونَ ) :(١) نحن الّذين نعلم، وعدونا لا يعلم، وشيعتنا اُولوا الألباب(٢) .

وقيل للحسنعليه‌السلام : إن فيك عظمة.

قال: لا، العظمة لله، بل فيَّ عزّة، قال الله تعالى:( وَلِلّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلمُؤمِنِينَ ) (٣) .

و قال واصل بن عطاء: كان الحسنعليه‌السلام عليه سيماء الأنبياء، وبهاء الملوك.(٤)

محمد بن أبي عمير(٥) : عن رجاله، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، عن الحسن بن عليّعليه‌السلام قال: إنّ لله سبحانه مدينتين: إحداهما في المشرق والاخرى في المغرب، عليهما سور من حديد، وعلى كلّ مدينة ألف [ ألف ](٦) باب، لكلّ باب مصراعان(٧) من ذهب، وفيهما سبعون ألف لغة، يتكلم كلّ واحد بخلاف لغة صاحبه، وأنا أعرف جميع اللغات وما فيهما وما بينهما وما عليهما حجّة لله غيري وغير أخي الحسينعليه‌السلام .(٨)

____________

١ - سورة الزمر: ٩.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/٩.

٣ - سورة المنافقون: ٨.

٤ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/٩، عنه البحار: ٤٣/٣٣٨ ح ١٢.

٥ - كذا الصحيح، وفي الأصل والمناقب: محمد بن عمير.

٦ - من المناقب.

٧ - كذا في المناقب، وفي الأصل: مصراع.

٨ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/٩ - ١٠، عنه البحار: ٤٣/٣٣٧ ح ٧، وعوالم العلوم: ١٦/١٠٩ ح ٦ وعن بصائر الدرجات: ٣٣٩ وص ٤٩٣ ح ١١.

الكليني في كتابه الكافي(١) : انّه جاء في حديث عمرو بن عثمان، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أنّه سئل الحسن عن امرأة جامعها زوجها، فقامت بحرارة جماعه فساحقت جارية بكراً، وألقت النطفة إليها، فحملت.

فقالعليه‌السلام : أمّا في العاجل فتؤخذ المرأة بصداق هذه البكر، لأن الولد لا يخرج منها حتّى تذهب عذرتها، ثمّ ينتظر بها حتّى تلد فيقام عليها الحدّ ويؤخذ الولد فيرد إلى صاحب النطفة، وتؤخذ المرأة ذات الزوج فترجم.

قال: فاطلع أمير المؤمنينعليه‌السلام فرآهم يضحكون، فقصوا عليه القصة، فقال: ما أحكم إلا بما حكم به الحسن.

و في رواية: لو أن أبا الحسن لقيهم ما كان عنده إلا ما قال الحسن.(٢)

محمد بن سيرين: أن عليّاًعليه‌السلام قال لابنه الحسن: أجمع الناس، فلمـّا اجتمعوا قام صلوات الله عليه فخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، وتشهد، ثمّ قال: أيّها الناس، إنّ الله اختارنا [ لنفسه ](٣) ، وارتضانا لدينه، واصطفانا على خلقه، وأنزل علينا كتابة ووحيه، وأيم الله لا ينقصنا أحد من حقنا شيئاً إلا انتقصه الله من حقّه، في عاجل دنياه وآجل آخرته، ولا يكون علينا دولة إلا كانت لنا العاقبة( وَلَتَعلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعدَ حِينٍ ) (٤) ، ثمّ نزل وجمع بالناس، وبلغ أباه، فقبل بين عينيه، وقال: بأبي أنت وأمي( ذُرِّيَّةً بَعضُهَا مِن

____________

واخرجه في البحار: ٢٧/٤١ ح ٢، وج ٥٧/٣٢٦ ح ٦ عن البصائر بطريقيه.

١ - الكافي: ٧/٢٠٢ ح ١، عنه البحار: ٤٣/٣٥٢ ح ٣٠، وعوالم العلوم: ١٦/١٠٩ ح ٥.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/١٠ - ١١.

٣ - من المناقب.

٤ - سورة ص: ٨٨.

بَعضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (١) .

في كتاب العقد لابن عبد ربّه الأندلسي وكتاب المدائني أيضاً: قال عمروبن العاص لمعاوية: لو أمرت الحسن بن عليّ أن يخطب على المنبر، فلعله يحصر فيكون ذلك وضعاً من قدره عند الناس، فأمر الحسن بذلك.

فلمـّا صعد المنبر تكلّم فأحسن، ثمّ قال: أيّها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن عليّ بن أبي طالب، أنا ابن أوّل المسلمين إسلاماً، وأمي فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنا ابن البشير النذير، أنا ابن السراج المنير، أنا ابن من بعث رحمة للعالمين.

وعن ابن عبد ربّه أيضاً: أنّه قال: لو طلبتم ابناً لنبيّكم ما بين لابتيها(٢) لم تجدوا غيري وغير أخي.

فناداه معاوية: يا أبا محمد، حدثنا بنعت الرطب - وأراد بذلك أن يخجله ويقطع عليه كلامه -، فقال: نعم تلقحه الشمال، وتخرجه الجنوب، وتنضجه الشمس، ويطيبه(٣) القمر.

وفي رواية المدائني: الريح تنضجه(٤) ، والليل يبرّده ويطيّبه.

وفي رواية المدائني قال: فقال عمرو: انعت لنا الخرأة.

قال: نعم، تبعد الممشى في الأرض الصحصح(٥) حتّى تتوارى من القوم،

____________

١ - سورة آل عمران: ٣٤.

٢ - أيّ ما أحاطت به الحرتان من المدينة.

٣ - كذا في المناقب، وفي الأصل: ويصنعه.

٤ - في المناقب: تنفخه.

٥ - كذا في المناقب، وفي الأصل: الصحيح. والصحصح: ما استوى من الأرض وكان

ولا تستقبل القبلة ولا تستدبرها، ولا تمسح باللقمة والرمة - يريد العظم والروث - ولا تبل في الماء الراكد.(١)

وفي روضة الواعظين: ان الحسنعليه‌السلام كان إذا توضّأ ارتعدت مفاصله، واصفرّ لونه، فقيل له في ذلك. فقال: حقّ على كلّ من وقف بين يدي ربّ العرش أن يصفر لونه، وترتعد مفاصله.

وكان صلوات الله عليه إذا بلغ باب المسجد رفع رأسه ويقول: اللّهمّ ضيفك(٢) ببابك، يا محسن، قد أتاك المسيء، فتجاوز عن قبيح ما عندي بجميل ما عندك يا كريم.

وعن الصادقعليه‌السلام : أنّ الحسنعليه‌السلام حج خمساً وعشرين حجّة على قدميه.

و بالاسناد(٣) عن القاسم بن عبد الرحمان، عن محمد بن عليّعليه‌السلام : قال الحسنعليه‌السلام : إنّي لأستحيي من ربّي أن القاه ولم أمش إلى بيته، فمشى عشرين مرّة من المدينة على رجليه.

وفي كتابه(٤) بالاسناد: أنّ الحسنعليه‌السلام قاسم ربّه ماله نصفين.

وعن شهاب بن عامر أنّ الحسن قاسم ربّه ماله مرّتين حتّى تصدّق بفرد نعله.

____________

أجرد.

١ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/١١ - ١٢، عنه البحار: ٤٣/ ٣٥٥ ح ٣٣.

٢ - كذا في المناقب، وفي الأصل: صفيك.

٣ - حلية الأولياء: ٢/٣٧.

٤ - أيّ حلية الأولياء لأبي نعيم الاصفهاني.

وفي رواية: أنّه تصدّق ثلاث مرات يقاسم ربّه ماله حتّى إنّه كان ليعطي نعلاً ويمسك نعلاً، ويعطي خفّاً ويمسك خفّاً.

وكان يمشي في طريق مكّة، وإن النجائب لتقاد معه.(١)

روي أنّه دخلت على الحسنعليه‌السلام امرأة جميلة وهو في صلاته فأوجز في صلاته، ثمّ قال لها: ألك حاجة؟

قالت: نعم.

قال: وما هي؟

قالت: قم فأصب منّي فإنّي وفدت ولا بعل لي.

قال: إليك عنّي لا تحرقيني بالنار ونفسك، فجعلت تراوده عن نفسه وهو يبكي ويقول: ويحك إليك عنّي، واشتدّ بكاؤه، فلمـّا رأت ذلك بكت لبكائه، فدخل الحسينعليه‌السلام ورآهما يبكيان، فجلس يبكي، وجعل أصحابه يأتون ويجلسون ويبكون حتّى كثر البكاء وعلت الأصوات، فخرجت الأعرابية، وقام القوم، ولبث الحسينعليه‌السلام بعد ذلك وهو لا يسأل الحسن عن ذلك إجلالاً له، فبينا الحسنعليه‌السلام ذات يوم(٢) نائماً إذ استيقظ وهو يبكي، فقال الحسينعليه‌السلام : ما شأنك، يا أخي؟

قال: رؤيا رأيتها.

قال: وما هي؟

قال: لا تخبر أحداً ما دمت حياً.

__________________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/١٤، عنه البحار: ٤٣/٣٣٩ ح ١٣.

٢ - في المناقب: ليلة.

قال: نعم.

قال: رأيت يوسفعليه‌السلام في المنام فجئت أنظر إليه فيمن نظر، فلمـّا رأيت حسنه بكيت، فنظر إليّ في الناس، فقال: ما يبكيك، يا أخي، بأبي واُمّي؟

فقلت: ذكرتك وامرأة العزيز، وما ابتليت به من أمرها، وما لقيت في السجن، وحرقة الشيخ يعقوب، فبكيت من ذلك، وكنت أتعجب منه.

فقالعليه‌السلام : فهلا تعجبت ممّا كان من المرأة البدوية بالأبواء؟

و للحسنعليه‌السلام :

ذري كدر الأيّام إن صفـاءها

تولّى بأيام الـسرور الـذواهب

وكيف يغر الدهر من كان بينه

وبين الليالي محكمات التجارب

ولهعليه‌السلام :

قل للمقيم بغير(١) دار إقامة

حان الرحيـل فودع الأحبابـا

إن الّذين لقـيتهم وصحبتهم

صاروا جميعاً في القبور ترابا

ومن سخائهعليه‌السلام أنّه سأله رجل فأعطاه خمسين ألف درهم وخمسمائة دينار وقال: ائت بحمال يحمل لك، فأعطى الحمال طيلسانه، وقال: هذا الكرى للحمال.

وجاء بعض الأعراب فقال: أعطوه ما في الخزانة، فوجدوا فيها عشرون ألف درهم، فدفعها إلى الأعرابي.

فقال الأعرابي: هلا تركتني أبوح بحاجتي واُظهر مدحتي؟

____________

١ - كذا في المناقب، وفي الأصل: تغيرّ.

فأنشأ صلوات الله عليه:

نحن انـاس عطاؤنا خـضل(١)

يرتع فيـه الرجـاء والأمل

تجود قبـل السـؤال أنفـسنا

خوفاً على ماء وجه من يسل

لو علم البحر فضل(٢) نائلنا

لغاض من بعد فيضه خجل(٣)

أبو جعفر المدائني - في حديث طويل -: قال: خرج الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر حجاجاً ففاتهم أثقالهم، فجاعوا وعطشوا، فرأوا في بعض الشعاب خباءً رثاً وعجوزاً فاستسقوها.

فقالت: اطلبوا هذه الشويهة، ففعلوا واستطعموها فقالت: ليس إلا هي فليقم أحدكم فليذبحها حتّى أصنع لكم طعاماً، فذبحها أحدهم، ثمّ شوت لهم من لحمها، وأكلوا وقيّلوا عندها، فلمـّا نهضوا قالوا لها: نحن نفر من قريش نريد هذا الوجه، فإذا نحن انصرفنا وعدنا فالممي بنا فإنّا صانعون بك خيراً، ثمّ رجلوا.

فلمـّا جاء زوجها وعرف الحال أوجعها ضرباً، ثمّ مضت الأيّام وأضرت بها الحال فرحلت حتّى اجتازت بالمدينة، فبصر بها الحسنعليه‌السلام فأمر لها بألف شاة وأعطاها ألف دينار، وبعث معها رسولاً إلى الحسينعليه‌السلام فأعطاها مثل ذلك، ثمّ بعثها إلى عبد الله بن جعفر فأعطاها مثل ذلك.

ودخل عليه رجل(٤) فقال: يا ابن رسول الله، إنّي عصيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

__________________

١ - الخضل: كلُّ شيء نَدٍ يُترشّف نداه.

٢ - كذا في المناقب، وفي الأصل: علم.

٣ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/١٤ - ١٦، عنه البحار: ٤٣/٣٤٠ ح ١٤.

٤ - في المناقب: ودخل الغاضريعليه‌السلام .

فقالعليه‌السلام : بئس ما فعلت، كيف فعلت؟

فقال: إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: لا يفلح قوم ملكت عليهم امرأة، وقد ملكت عليّ امرأتي فأمرتني أن اشتري غلاماً(١) ، فاشتريته وقد أبق منّي.

فقال صلوات الله عليه: اختر أحد ثلاثة: إن شئت قيمة عبد. فقال: ها هنا لا تتجاوز! قد اخترت، فأعطاه ذلك.

وقال أنس: حيّت(٢) جارية للحسنعليه‌السلام بطاقة ريحان، فقال لها: أنت حرة لوجه الله، فقلت له في ذلك، فقال: أدبنا الله سبحانه وقال:( وَإذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحسَنَ مِنهَا ) (٣) وكان أحسن منها إعتاقها.(٤)

و روى المبرد قال: رآه شاميّ راكباً فجعل يلعنه والحسنعليه‌السلام لا يرد، فلمـّا فرغ أقبل عليه الحسن وضحك وقال: أيّها الشيخ، أظنّك غريباً ولعلك شبهتني، فلو استعنتنا أعناك(٥) ، ولو سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا حملناك، وإن كنت جائعاً أشبعناك، وإن كنت عرياناً كسوناك، وإن كنت محتاجاً أغنيناك، وإن كنت طريداً آويناك، وإن كنت ذا حاجة قضيناها لك، فلو كنت حرّكت رحلك إلينا، وكنت ضيفاً لنا إلى وقت ارتحالك كان أعود عليك، لأن لنا موضعاً رحباً، وجاهاً عريضاً، ومالاً كثيراً.

____________

١ - في المناقب: عبداً.

٢ - كذا في المناقب، وفي الأصل: جاءت.

٣ - سورة النساء: ٨٦.

٤ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/١٦ - ١٨، عنه البحار: ٤٣/٣٤١ ح ١٥.

٥ - في المناقب: فلو استعتبتنا أعتبناك. أيّ لو استرضيتنا فرضّيناك.

فلمـّا سمع الرجل كلامه بكى، ثمّ قال: أشهد أنّك خليفة الله في أرضه، الله أعلم حيث يجعل رسالته، وكنت أنت وأبوك أبغض خلق الله إليّ، فالآن أنت أحبّ الخلق إليّ، وحوّل رحله إليه، وكان ضيفه إلى أن ارتحل، وصار معتقداً محبّتهم.(١)

و روى البخاري والموصلي: قال إسماعيل بن خالد لأبي جحيفة: رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟

قال: نعم، وكان الحسنعليه‌السلام يشبهه.

أبو هريرة [ قال ](٢) : دخل الحسن يوماً وهو معتمّ فظننت أنّ(٣) النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قد بعث.

وروى الغزالي: أن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال للحسن: أشبهت خَلقي وخُلقي.(٤)

دعا أمير المؤمنينعليه‌السلام محمد بن الحنفيّة يوم الجمل فأعطاه رمحه وقال له: اقصد بهذا الرمح قصد الجمل، فذهب فمنعوه بنو ضبّة، فلمـّا رجع إنتزع الحسن الرمح من يده، وقصد قصد الجمل، وطعنه برمحه، ورجع إلى والده، وعلى الرمح أثر الدم، فتمغر وجه محمد من ذلك، فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : لا تأنف فإنّه ابن النبيّ وأنت ابن علي.(٥)

____________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/١٩، عنه البحار: ٤٣/٣٤٤ ذ ح ١٦.

٢ - من المناقب.

٣ - كذا في المناقب، وفي الأصل: أن.

٤ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/٢٠ - ٢١، عنه البحار: ٤٣/٢٩٣ - ٢٩٤.

٥ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/٢١، عنه البحار: ٣٢/١٨٧ ح ١٣٧، وج ٤٣/٣٤٥ ذ ح ١٧.

و طاف الحسنعليه‌السلام بالبيت يوماً فسمع رجلاً يقول: هذا ابن فاطمة الزهراء، فالتفت إليه فقال: قل هذا ابن عليّ بن أبي طالب، فأبي خير من أمي.(١)

وتفاخرت قريش والحسنعليه‌السلام ساكت لا ينطق، فقال له معاوية: [ يا ](٢) أبا محمد ما لك لا تنطق؟ فوالله ما أنت بمشوب الحسب، ولا بكليل اللسان.

فقال الحسنعليه‌السلام : ما ذكروا فضيلة إلا وليّ محضها ولبابها.(٣)

أخبار أبي حاتم(٤) : إنّ معاوية فخر يوماً، فقال: أنا ابن بطحاء مكّة، أنا ابن أغزرها(٥) جوداً، وأكرمها جدوداً، وأنا ابن من ساد قريشاً فضلاً ناشئاً وكهلاً.

فقال الحسنعليه‌السلام : يا معاوية، أعليّ تفتخر؟! أنا ابن عروق الثرى، أنا ابن مأوى التقى، أنا ابن من جاء بالهدى، أنا ابن من ساد اهل الدنيا، بالفضل السابق، والحسب الفائق، أنا ابن من طاعته طاعة الله، ومعصية معصية الله، فهل لك أب كأبي تباهيني به، وقديم كقديمي تساميني به؟ قل: نعم، أو لا.

فقال معاوية: بل أقول: لا، وهي لك تصديق.(٦)

____________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/٢١، عنه البحار: ٤٣/٣٤٥ صدر ح ١٨.

٢ - من المناقب.

٣ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/٢١، عنه البحار: ٤٤/١٠٣ ح ١٠.

٤ - كذا في المناقب، وفي الأصل: أمثال أبي حازم.

٥ - كذا في المناقب، وفي الأصل: أعرفها.

٦ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/٢١ - ٢٢، عنه البحار: ٤٤/١٠٣ ح ١١ وعن كشف الغمة: ١/٥٧٥.

وقال معاوية يوماً للحسنعليه‌السلام : أنا خير منك.

قال: كيف ذاك: يا ابن هند؟

قال: لأن الناس قد اجتمعوا عليّ ولم يجمعوا عليك.

قال الحسن: هيهات هيهات لشرّ ما علوت، يا ابن آكلة الأكباد، المجتمعون عليك رجلان: بين مطيع ومكره، فالطائع لك عاص لله، والمكره معذور بكتاب الله، وحاشى لله أن أقول أنا خير منك فلا خير فيك، ولكن الله برأني من الرذائل كما برأك من الفضائل.

كتاب الشيرازي: روى سفيان الثوري، عن واصل، عن الحسن، عن ابن عبّاس في قوله سبحانه:( وَشَارِكهُم فِي الأَموَالِ وَالأَولاَدِ ) (١) أنّه جلس الحسن بن عليّعليه‌السلام ويزيد بن معاوية يأكلان الرطب، فقال يزيد: يا حسن، إنّي مذ كنت أبغضك.

فقال الحسن: يا يزيد، اعلم أن إبليس شارك أباك في جماعه فاختلط الماء ان فأورثك ذلك عداوتي، لأنّ الله سبحانه يقول:( وَشَارِكهُم فِي الأَموَالِ وَالأَولاَدِ ) وشارك الشيطان حرباً عند جماعه فولد له صخر، فلذلك كان يبغض جدّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

هرب سعيد بن سرح(٢) من زياد إلى الحسنعليه‌السلام ، فكتب الحسن إليه يشفع فيه.

فكتب زياد إلى الحسن:

__________________

١ - سورة الإسراء: ٦٤.

٢ - كذا في المناقب، وفي الأصل: سعد بن أبي شرح.

من زياد بن أبي سفيان إلى الحسن بن فاطمة.

أمّا بعد:

فقد أتاني كتابك تبدأ فيه باسمك قبل اسمي وأنت طالب حاجة، وأنا سلطان وأنت سوقة(١) ، وذكر نحواً من ذلك.

فلمـّا قرأ الحسن الكتاب تبسم وأنفذ بالكتاب إلى معاوية، فكتب معاوية إلى زياد لعنه الله يؤنّبه ويأمره أن يخلّي عن أخي سعيد وولده وامرأته وردّ ماله وبناء ما قد هدمه من داره، ثمّ قال:

و أمّا كتابك إلى الحسن باسمه واسم اُمّه لا تنسبه إلى أبيه، واُمّه بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وذلك أفخر له إن كنت تعقل.(٢)

كتاب الفنون(٣) عن أحمد المؤدّب ونزهة الأبصار: أنّه مرّ الحسنعليه‌السلام بقوم فقراء وقد وضعوا كسيرات لهم على الأرض وهم يلتقطونها ويأكلونها، فقالوا له: هلمّ يا ابن رسول الله إلى الغذاء، فنزل وقال: إنّ الله لا يحبّ المستكبرين(٤) ، وجعل يأكل معهم حتّى اكتفوا والزاد على حاله ببركته، ثمّ دعاهم إلى منزله(٥) وأطعمهم وكساهم.(٦)

و في العقد: أنّ مروان بن الحكم قال للحسن بن عليّعليه‌السلام بين

____________

١ - السُوقَة: الرعية.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/٢٢ - ٢٣، عنه البحار: ٤٤/١٠٤ ح ١٢ وعن كشف الغمة: ١/٥٧٣.

٣ - كذا في المناقب، وفي الأصل: العيون.

٤ - إقتباس من قوله تعالى في سورة النحل: ٢٣.

٥ - في المناقب: ضيافته.

٦ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/٢٣، عنه البحار: ٤٣/٣٥١ ح ٢٨.

يدي معاوية: أسرع الشيب إلى شاربك يا حسن. ويقال: إن ذلك من الخرق.

فقالعليه‌السلام : ليس كما بلغك ولكنّا معشر بني هاشم أفواهنا عذبة وشفاهنا طيبة(١) ، فنساؤنا يقبلن علينا بأنفاسهن، وأنتم معشر بني اُميّة فيكم بخر شديد، فنساؤكم يصرفن أفواههن وأنفاسهن إلى أصداغكم، فإنّما يشيب منكم موضع العذار من أجل ذلك.

فقال مروان: أمّا إنّ يا بني هاشم فيكم خصلة سوء.

قال: وما هي؟

قال: الغلمة(٢) .

قال: أجل، نزعت من نسائنا ووضعت في رجالنا، ونزعت الغلمة من رجالكم ووضعت في نسائكم، فما قام لاُموية إلا هاشمي، ثمّ خرج، وأنشد صلوات الله عليه:

و ما رست هذا الدهر خمسين حجة

وخمساً اُرجّي قابـلاً بعد قابلِ

فما أنا في الـدنيا بلـغت جسيمها

ولا في الّذي أهوى كدحت بطائلِ

وقد أشرعتني فـي المـنايا أكفها(٣)

وأيقنت أنّي رهـن موت معاجل(٤)

____________

١ - في المناقب: طيبة أفواهنا، عذبة شفاهنا.

٢ - الغلمة: شهوة الجماع.

٣ - استظهر في هامش البحار: فقد أشرعت في المنايا أكفها.

٤ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/٢٣ - ٢٤، عنه البحار: ٤٤/١٠٥ ح ١٣.

قيل لمجنون: الحسن كان أفضل أم الحسين؟

قال: الحسن، لقوله سبحانه:( رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً ) (١) ولم يقل: حسينة.(٢)

و روى أبو يعلى الموصلي في المسند: عن ثابت البناني، عن أنس وعبد الله ابن شيبة(٣) ، عن أبيه أن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قام إلى صلاة والحسن متعلق به، فوضعه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى جانبه وصلّى، فلمـّا سجد أطال السجود فرفعت رأسي من بين القوم فإذا الحسن على كتف النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلمـّا سلم قال له القوم: يا رسول الله، لقد سجدت في صلاتك سجدة ما كنت تسجدها، كأنما يوحى إليك.

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : لم يوح إليّ، ولكن ابني كان على كتفي فكرهت أن اعجله حتّى نزل.

وفي رواية اخرى أنّه قال: إن ابني ارتحلني فكرهت أن اعجله حتّى يقضي حاجته.

وفي رواية اخرى: قال: كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يصلي بنا وهو ساجد فيجيء الحسن وهو صبي صغير حتّى يصير على ظهره أو رقبته فيرفعه رفعاً رفيقاً، فلمـّا صلّى صلاته قالوا: يا رسول الله، إنّك لتصنع بهذا الصبي شيئاً لم تصنعه بأحد!

فقال: هذا ريحانتي.

____________

١ - سورة البقرة: ٢٠١.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/٢٤.

٣ - كذا في المناقب، وفي الأصل: شبيب.

و عن أبي هريرة: قال: ما رأيت الحسن قطّ إلا فاضت عيناي بدموعها، وذلك أنّه أتى يوماً يشتد حتّى قعد في حجر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فجعل يقول في لحية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله هكذا وهكذا ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يفتح فمه، ثمّ يدخل فمه في فمه، ويقول: اللّهمّ انّي اُحبّه فأحبّه وأحبّ من يحبّه، يقولها ثلاث مرات.

عبد الرحمان بن أبي ليلى: كنّا عند النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فجاء الحسن وأقبل يتمرّغ عليه فرفع قميصه وقبل زُبيبته.(١)

الخدري: إن الحسنعليه‌السلام جاء والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يصلي فأخذ بعنقه وهو جالس، فقام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وإن الحسن ليمسك بيديه حتّى ركع.

و عن أبي هريرة: كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يقبّل الحسن، فقال الأقرع بن حابس: إنّ لي عشرة من الولد ما قبلت أحداً منهم.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : من لا يرحم لا يُرحم.(٢)

وروي من طرق العامّة، ورواه أصحابنارضي‌الله‌عنهم في كتبهم: عن أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وعن عليّ بن الحسين، وعن أسماء بنت عميس، قالت: لمـّا ولدت فاطمة الحسنعليهما‌السلام جاءني النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وقال: يا أسماء هاتي ابني، فدفعته إليه في خرقة صفراء، فرمى بها، وقال: يا

____________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/٢٤ - ٢٥، عنه البحار: ٤٣/٢٩٤ ح ٥٥.

وانظر ترجمة الإمام الحسنعليه‌السلام من القسم غير المطبوع من طبقات ابن سعد: ٤٠ ح ٤٠، ففيه مصادر كثيرة للحديث.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/٢٥، عنه البحار: ٤٣/٢٩٥ ح ٥٦.

أسماء ألم أعهد إليكم ألا تلفوا المولود في خرقة صفراء؟ فلففته في خرقة بيضاء ودفعته إليه، فأذن في اذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، وقال لعليّ: أيّ شيء سميت ابني هذا؟

فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : ما كنت لأسبقك باسمه، وقد كنت اُحبّ أن اُسمّيه حرباً.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : وأنا لا اُحبّ أن أسبق ربّي باسمه، ثمّ هبط جبرئيل، فقال: السلام عليك يا محمد، العلي الأعلى يقرؤك السلام، ويقول: علي منك بمنزلة هارون من موسى ولا نبيّ بعدك، سمّ ابنك هذا باسم ابن هارون.

قال: وما اسم ابن هارون، يا جبرئيل؟

قال: شبّر.

قال: لساني عربيّ.

قال: سمّه الحسن.

قال: فلمـّا كان يوم سابعه عق عنه بكبشين أملحين، وأعطى القابلة فخذاً وحلق رأسه، وتصدق بوزن الشعر ورقاً، وطلى رأسه بالخلوق(١) ، ثمّ قال: يا أسماء، الدم فعل الجاهلية.

قالت: فلمـّا ولد الحسين فعل مثل ذلك.(٢)

__________________

١ - الخلوق: طيب معروف مركب يتخذ من الزعفران وغيره من أنواع الطيب وتغلب عليه الحمرة والصفرة.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/٢٥ - ٢٦، عنه البحار: ٤٣/٢٣٨ ح ٤ وعن عيون أخبار الرضاعليه‌السلام : ٢/٢٥ ح ٥، وصحيفة الرضاعليه‌السلام : ٢٤٠ ح ١٤٦.

قال الباقرعليه‌السلام - في خبر -: فوزنوا الشعر فكان وزنه درهماً ونصفاً.(١)

الصادقعليه‌السلام وابن عبّاس وأبوهريرة أيضاً: إن فاطمة عادت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في مرضه الّذي عوفي منه ومعها الحسنعليه‌السلام والحسينعليه‌السلام ، فأقبلا يغمزان ممّا يليهما من يد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حتّى اضطجعا على عضديه وناما، فلمـّا انتبها خرجا في ليلة ظلماء مدلهمة ذات رعد وبرق وقد أرخت السماء عزاليها، فسطع لهما نور، فلم يزالا يمشيان في ذلك النور ويتحدثان حتّى أتيا حديقة بني النجار فاضطجعا وناما، إلى تمام الحديث(٢) ، وهذا الحديث أوردته مستوفى من أمالي الشيخ الجليل أبي جعفر محمد بن عليّ بن بابوية القميرضي‌الله‌عنه عند ذكر مأتم للأعمش مع أبي جعفر المنصور الدوانيقي قبل هذا المجلس، فلا حاجة لإعادته.

وكان مولدهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالمدينة ليلة النصف من شهر رمضان عام اُحد سنة ثلاث من الهجرة، وقيل: سنة اثنتين، وجاءت به فاطمةعليها‌السلام يوم السابع من مولده في خرقة من حرير الجنّة، وكان جبرئيل أتى بها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فسماه حسناً، وعق عنه كبشاً، فعاش مع جدّه سبع سنين وأشهراً، وقيل: ثمان، ومع أبيه صلوات الله عليه ثلاثين سنة، وبعده تسع سنين، وفي رواية: عشر سنين.

وكان صلوات الله عليه ربع القامة، وله محاسن كثّة(٣) .

__________________

١ و ٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/٢٦.

٣ - كذا في المناقب، وفي الأصل: كثير.

ويقال: كثّ اللحية: إذا اجتمع شعرها وكثر نبته وجعد من غير طول.

و أصحابه(١) أصحاب أبيه.

وبابه: قيس بن ورقاء(٢) المعروف بسفينة ورشيد الهجري، ويقال: وميثم التمار.

وبويع بعد أبيه يوم الجمعة الحادي العشرين [ من ](٣) شهر رمضان في سنة أربعين.

وكان أمير جيشه عبيد الله بن العبّاس، ثمّ قيس بن سعد بن عبادة.

وكان عمره لما بويع سبعاً وثلاثين سنة، فبقي في خلافته أربعة أشهر وثلاثة أيام، ووقع الصلح بينه وبين معاوية لعنه الله في سنة إحدى وأربعين، ثمّ خرجعليه‌السلام إلى المدينة فأقام بها عشر سنين.

وسمّاه الله تعالى الحسن، وسمّاه في التوراة شبراً.

وكنيته: أبو محمد وأبوالقاسم.

وألقابه: السيد، والسبط، والأمين، والحجّة، والبرّ، والتقيّ، والزكيّ، والمجتبى، والسبط الأوّل، والزاهد.

واُمّه فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وظلّ مظلوماً، ومات مسموماً.

وقبض بالمدينة بعد مضي عشر سنين من ملك معاوية، فكان في سني إمامته أوّل ملك معاوية، ومرض صلوات الله عليه أربعين يوماً ومضى لليلتين

____________

١ - البحار: ٤٤/١١٢ ح ٦ عن المناقب.

٢ - كذا في المناقب، وفي الأصل: بن أبي ورقاء.

٣ - من المناقب.

بقيتا من صفر سنة خمسين من الهجرة، وقيل: سنة تسع وأربعين وعمره سبعة وأربعون سنة وأشهر، وقيل: ثمان وأربعون، وقيل: في تمام سنة خمسين من الهجرة.

وكان معاوية بذل لجعده بنت محمد بن الأشعث الكندي وهي ابنة اُمّ فروة اخت(١) أبي بكر بن أبي قحافة عشرة آلاف دينار، وإقطاع عشرة ضياع من سقي سُورا(٢) وسواد الكوفة على أن تسم الحسنعليه‌السلام وتولّى الحسينعليه‌السلام غسله وتكفينه ودفنه، وقبره بالبقيع عند جدته فاطمة بنت أسد.(٣)

و أولاده خمسة(٤) عشر ذكراً وبنت واحدة، عبد الله وعمر والقاسم اُمهم اُمّ ولد، والحسين الأثرم والحسن اُمّهما خولة بنت منظور بن رباب الفزارية، وعقيل والحسن اُمّهما اُمّ بشير بنت منظور بنت أبي مسعود الخزرجية، وزيد وعمر من الثقفية، وعبد الرحمان من أم ولد، وطلحة وابوبكر اُمّهما اُمّ إسحاق بنت طلحة التيمي، وأحمد وإسماعيل والحسن الأصغر، ابنته اُمّ الحسن فقط، ويقال: واُم الحسين وكانتا من اُمّ بشير الخزاعية، وفاطمة من اُمّ إسحاق بنت طلحة، واُم عبد الله واُم سلمة ورقية لاُمهات أولاد.

وقتل مع الحسينعليه‌السلام من أولاده: عبد الله والقاسم وأبوبكر.

والمعقبون من أولاده اثنان: زيد بن الحسن، والحسن بن الحسن.

في كتاب قوت القلوب: ان الحسنعليه‌السلام تزوج مائتين وخمسين

____________

١ - كذا في المناقب، وفي الأصل: بنت

٢ - موضع بالعراق، وهو من بلد السريانيين.

٣ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/٢٨ - ٢٩، عنه البحار: ٤٤/١٣٤ ح ٣.

٤ - في المناقب: ثلاثة.

امرأة، وقيل: ثلاثمائة(١) وكان أمير المؤمنينعليه‌السلام ينضجر من ذلك.(٢)

أبو عبد الله المحدث في رامش أفزاي: إنّ هذه النساء كلهن خرجن في جنازته حافيات.(٣)

__________________

١ - لقد تعددت القصص عن زوجات الحسنعليه‌السلام وطلاقه والذي يبدو أنّها حيكت بعده بفترة، وإلا فطيلة حياتهعليه‌السلام لم نر معاوية ولا واحداً من زبانيته عاب الحسنعليه‌السلام بذلك، وهو الّذي كان يتسقّط عثرات الحسنعليه‌السلام ، فلم يجد فيه ما يشينه، فهو ممّن أذهب الله عنهم الرِّجس وطهرهم تطهيراً.

ولو كان هناك بعض الشيء لزمّر له معاوية وطبّل، أضف إلى ذلك كلّه أن المراجع التاريخية وكتب الانساب والرجال لا تعدّ له من النساء والأولاد أكثر من المعتاد في ذلك العصر، فلو كان أحصن سبعين امرأة أو تسعين لكان أولاده يعدون بالمئات.

فانظر لطبقات ابن سعد فلا تجده يسمّي للحسنعليه‌السلام أكثر من ستّ نساء وأربع امهات أولاد. والمدائني كذلك لم يعد للحسنعليه‌السلام أكثر من عشر نساء كما في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ١٦/٢١.

٢ - إشارة واحدة من أمير المؤمنينعليه‌السلام كانت تكفي في أن يمتنع الحسنعليه‌السلام عمّا لا يرتضيه له أبوه ووليّ أمره وأميرالمسلمين جميعاً، وأميرالمؤمنينعليه‌السلام وأعرف الناس بطواعية ابنه البارّ له، وانّه المعصوم المطهر بنص الكتاب والسنّة الثابتة الصحيحة، وقد نص هو أيضاً على عصمته فيما أخرجه الحافظ أبو سعيد بن الأعرابي في معجمه الورقة ١٥٧/أ: أخبرنا داوود بن يحيى الدهقان، أخبرنا بكار بن أحمد، أخبرنا إسحاق - يعني بن يزيد - عن عمرو بن أبي المقدام، عن العلاء بن صالح عن طارق بن شهاب، قال: سمعت عليّاً يقول: المعصوم منّا أهل البيت خمسة، رسول الله وأنا وفاطمة والحسن والحسين.

٣ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/٢٩ - ٣٠، عنه البحار: ٤٤/ ١٦٨ ح ٤.

فصل

في أمرهعليه‌السلام مع معاوية عليه لعنة الله

لمـّا مات أمير المؤمنينعليه‌السلام خطب الحسنعليه‌السلام بالكوفة، فقال: أيّها الناس، إنّ الدنيا دار بلاء وفتنة، وكل ما فيها فإلى زوال واضمحلال - إلى أن قال -: وإنّي ابايعكم على أن تحاربوا من حاربت، وتسالموا من سالمت.

فقال الناس: سمعنا وأطعنا فمرنا بأمرك يا إمام المؤمنين، فأقام بالكوفة شهرين.(١)

و روى صاحب مقاتل الطالبيّين: ان الحسن خطب صبيحة الليلة الّتي قتل فيها أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فقال: لقد قبض الله في هذه الليلة رجلاً لم يسبقه الأوّلون، ولا يدركه الآخرون [ بعمل ](٢) ، ولقد كان يجاهد بين يدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقيه بنفسه، ولقد كان يوجهه برايته فيكتنفه جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، فلا يرجع حتّى يفتح الله عليه، ولقد توفّي في الليلة الّتي عرج فيها بعيسى بن مريم، والّتي توفّي فيها يوشع بن نون، ولا خلّف صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم بقيت من عطائه أراد أن يبتاع بها خادماً

____________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/٣١، عنه البحار: ٤٤/٥٤ ح ٦.

٢ - من المقاتل.

لأهله، ثمّ خنقته العبرة، فبكا [ وبكى ](١) الناس معه.

ثمّ قال: أيّها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن ابن محمد المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنا ابن البشير، أنا ابن النذير، أنا ابن الداعي إلى الله عزّوجلّ بإذنه، وأنا ابن السراج المنير، وأنا من أهل البيت الّذين أذهب الله عنهم الرِّجس وطهرهم تطهيرا، والذين افترض الله مودتهم، فقال:( قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودّة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا ) (٢) فاقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت.

قال: فقام ابن عبّاسرضي‌الله‌عنه فدعا الناس إلى بيعته فاستجابوا وقالوا: ما أحبه إلينا وأحقه بالخلافة، فبايعوه، ثمّ نزل عن المنبر.

قال: ودسّ معاوية رجلاً من [ بني ](٣) حمير الى الكوفة، ورجلاً من بني القين إلى البصرة يكتبان إليه بالأخبار، فدلّ على الحمـيري عند لحـام جرير(٤) ، ودلّ على القيني بالبصرة في بني سليم فأخذا وقتلا.

و كتب الحسنعليه‌السلام إلى المعاوية:

أمّا بعد: فإنّك دسست إليّ الرجال كأنّك تحب اللقاء، وما أشكّ في ذلك فتوقّعه إن شاء الله، وقد بلغني أنّك شمت بما لا يشمت(٥) به أهل الحجى، وإنّما مثلك في ذلك كما قال الأوّل:

____________

١ و ٣ - من المقاتل.

٢ - سورة الشورى: ٢٣.

٤ - كذا في المقاتل، وفي الأصل: لجام بن حريز.

٥ - كذا في المقاتل، وفي الأصل: انّك تسميت بما يسمّى.

و قل للّذي يبغي خلاف الّذي مضى

تـأخّر(١) لاخرى مثلها فكأن قد

وإنّا ومـن قد مـات منّا فكالذي

يروح فيمسي في المبيت ويغتدي

فأجابه معاوية:

أ مّا بعد: فقد وصل إليّ كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، وقد علمت بما حدث فلم أفرح قطّ ولم أشمت ولم آس، وإنّ عليّ بن أبي طالب لكما قال أعشى بني قيس بن ثعلبة(٢) :

فأنت الـجواد وأنت الـذي

إذا مـا القلوب مـلأن الصـدورا ء

جــدير بطعنة يـوم اللقا

تضـرب فيـه النسـاء النحورا

وما مزيد من خليج البـحا

ر يعلـو الآكـام ويعلو الـجسورا(٣)

بأجـود منـه بمـا عنـده

فيعطي الاُلوف(٤) ويعطي البدورا

قال: وكتب عبد الله بن عبّاس من البصرة إلى معاوية:

فأمّا بعد: فإنّك ودسك أخا بني قين إلى البصرة تلتمس من غفلات(٥) قريش مثل الّذي ظفرت به من يمانيتك لكما قال اُميّة بن الصلت(٦) :

لعمرك إنّي والخزاعي طاويا(٧)

كنعـجة عـاد حتفها تتـحفر

أثارت عليها شفرة بكراعها

فضلت بها من آخر الليل تنحر

____________

١ - في المقاتل: تجهّز.

٢ - كذا في المقاتل، وفي الأصل: أعشى بني تغلبة.

٣ - كذا في المقاتل، وفي الأصل: خليج البحور النحورا.

٤ - كذا في المقاتل، وفي الأصل: غير مقروءة.

٥ - كذا في المقاتل، وفي الأصل: غيلان.

٦ - في المقاتل: قال بن الأسكر.

٧ - في المقاتل: طارقا.

شمت بقوم من صديقك أهلكوا

أصابهم يوماً من الموت أصفر(١)

فكتب إليه معاوية:

أ مّا بعد: فإن الحسن كتب إليّ بنحو ممّا كتبت، وأنبأني بما لم أحسن ظناً وسوء رأي، وإنّك لم تصب مثلك ومثلي ولكن مثلياً كما قال طارق الخزاعي:

فوالله ما أدري وإنّي لصادق

إلى أيّ مـن يظنّني أتعذّر(٢)

اعنف إن كانت زبينة أهلكت

ونال بني لحيان شرّ فأنفروا

و كتب الحسنعليه‌السلام إلى معاوية:

من عبد الله الحسن بن أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان.

سلام عليك، فإنّي أحمد الله الّذي لا إله إلا هو.

أمّا بعد:

فإنّ الله تعالى بعث محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله رحمة للعالمين، ومنّة على المؤمنين، وكافّة إلى الناس اجمعين، لينذر من كان حيّاً، ويحق القول على الكافرين، فبلّغ رسالات الله وأقام على أمر الله حتّى توفّاه الله وهو غير مقصّر ولا وان حتّى(٣) اظهر الله به الحق، ومحق به الشرك، ونصر به المؤمنين، وأعزّ به العرب، وشرف به قريشاً خاصة، فقال سبحانه:( وَاِنَّهُ لذِكرٌ لَكَ وَلِقَومِكَ ) (٤) فلمـّا توفّيصلى‌الله‌عليه‌وآله تنازعت سلطانه العرب، فقالت قريش: نحن قبيلته واسرته وأولياؤه فلا يحلّ لكم أن تنازعونا سلطان محمد في الناس

____________

١ - في المقاتل: من الدهر أعسر.

٢ - كذا في المقاتل، وفي الأصل: إلى من تظنّيني له أتعذّروا.

٣ - كذا في المقاتل، وفي الأصل: حين.

٤ - سورة الزخرف: ٤٤.

وحقّه، فرأت العرب أن القول ما قالت قريش وانّ الحجّة لهم في ذلك على من ينازعهم أمر محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فأذعنت(١) لهم العرب وسلّمت ذلك، ثمّ حاججنا نحن قريشاً بمثل ما حاجّت به العرب، فلم تنصفنا قريش إنصاف العرب لها إنّهم أخذوا هذا الأمر دون العرب بالانتصاف والاحتجاج، فلمـّا صرنا اهل بيت محمد وأوّلناه(٢) إلى محاجتهم وطلب النصف بينهم(٣) باعدونا واستولوا بالاجتماع على ظلمنا ومراغمتنا والعنت منهم لنا ظالمين عند الله وهو الولي والنصير.

وقد تعجبنا لتوثب المتوثّبين علينا في حقنا وسلطان نبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله وإن كانوا ذوي فضيلة وسابقة في الاسلام فأمسكنا عن منازعتهم مخافة على الدين أن يجد المنافقون والأحزاب بذلك مغمزاً يثلمونه به، أو يكون لهم بذلك سبب لما أرادوا من فساده، واليوم فليعجب المتعجب من توثبك - يا معاوية - على أمر لست من أهله لا بفضل في الدين معروف، ولا أثر في الاسلام محمود، وأنت ابن حزب من الأحزاب، وابن اعدى قريش لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولكن الله خيّبك، وسترد فتعلم لمن عقبى الدار، تالله لتلقين عن قليل ربّك، ثمّ ليجزينّك(٤) بما قدمت يداك وما الله بظلّام للعبيد.

إنّ عليّاً لما مضى لسبيله رحمة الله عليه يوم قبض ويوم يبعث حيّاً وّلاني المسلمون الأمر من بعده، فأسأل الله ألا يزيدنا في الدنيا الفانية شيئاً ينقصنا به غداً في الآخرة ممّا عنده من كرامته، وإنّما حملني على الكتاب إليك الاعذار

__________________

١ - في المقاتل: فأنعمت.

٢ - في المقاتل: وأوليائه.

٣ - في المقاتل: منهم.

٤ - كذا في المقاتل، وفي الأصل: ولكتابه والله حسبك ليجزينّك.

فيما بيني وبين الله سبحانه في أمرك، ولك في ذلك إن فعلت الحظّ الجسيم، وللمسلمين فيه صلاح، فدع التمادي في الباطل وادخل فيما دخل فيه الناس من بيعتي فإنّك تعلم أنّي أحقّ بهذا الأمر منك عند الله وعند كلّ أوّاب حفيظ ومن له قلب منيب، واتق الله ودع البغي واحقن دماء المسلمين فوالله مالك من خير في أن تلقى الله من دمائهم بأكثر ممّا أنت لاقيه، وادخل في السلم والطاعة ولا تنازع الأمر ممّن هو أحقّ به منك ليطفىء الله(١) النائرة بذلك، وتجتمع الكلمة، ويصلح ذات البين، وإن أنت أبيت إلا التمادي في غيك نهدت إليك بالمسلمين فحاكمتك حتّى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين.

و أجابه(٢) معاوية على يدي جندب الأزدي موصل كتاب الحسنعليه‌السلام :

فهمت ما ذكرت به محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو أحقّ الأوّلين والآخرين بالفضل كلّه، وذكرت تنازع المسلمين الأمر بعده فصرحت بنميمة فلان وفلان وأبي عبيده وغيره، فكرهت ذلك لك لأنّ الاُمّة قد علمت أن قريشاً أحقّ بها، وقد علمت ما جرى من أمر الحكمين، فكيف تدعوني إلى أمر إنّما تطلبه بحقّ أبيك وقد خرج أبوك منه؟

ثمّ كتب:

أمّا بعد:

فإنّ الله يفعل في عباده ما يشاء(٣) ، لا معقب لحكمه وهو سريع

____________

١ - لفظ الجلالة اثبتناه من المقاتل.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/٣١.

٣ - إقتباس من سورة الحج: ١٨.

الحساب(١) ، فاحذر أن تكون منيّتك على يدي رعاع الناس وآيس أن تجد فينا غميزة، وإن أنت أعرضت عمّا أنت فيه وبايعتني وفيت لك بما وعدت، وأنجزت لك ما شرطت، وأكون في ذلك كما قال أعشى قيس(٢) :

وإن أحـد أسدى إليـك كـرامة

فأوف بما يدعى إذا مت وافيا

فلا تحسد المولى إذا كان ذا غنىً

ولا تجفه إن كـان للمال نائيا

ثمّ الخلافة لك من بعدي وأنت أولى الناس بها.

وفي رواية: لو كنت أعلم أنّك أقوى للأمر، وأضبط للناس، وأكبت للعدوّ، وأقوى على جمع الأموال منّي لبايعتك لأنّني أراك لكلّ خير أهلاً. ثمّ قال: إن أمري وأمرك شبيه بأمر أبي بكر [ وأبيك ](٣) بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ثمّ كتب:

فادخل في طاعتي [ ولك الأمر من بعدي ](٤) ولك ما في بيت مال العراق بالغاً ما بلغ تحمله إلى حيث أحببت، ولك خراج كور العراق يثبته معاوية لك إعانة على نفقتك(٥) يجيبها أمينك ويحملها إليك كلّ سنة، ولك ألا يستولى عليك

__________________

١ - إقتباس من سورة الرعد: ٤١.

٢ - في المناقب: أعشى بني قيس.

وهو ميمون بن قيس بن جندل من بني قيس بن ثعلبة الوائلي أبو بصير، يقال له أعشى بكر بن وائل والأعشى الكبير، توفّي سنة ( ٧ ) ه‍. ( أعلام الزركلي: ٨/٣٠٠ ).

٣ - من المناقب.

٤ - من المقاتل.

٥ - في المقاتل: ولك خراج أيّ كور العراق شئت معونة لك على نفقتك.

بالاساءة، ولا تقضى دونك الامور، فلا تعصى في أمرٍ أردت به طاعة الله عزّوجلّ أعاننا الله وإيّاك على طاعته إنّه سميع مجيب.

قال جندب: فلمـّا أتيت الحسنعليه‌السلام بكتاب معاوية قلت له: إنّ الرجل سائر إليك فابدأه بالمسير حتّى تقاتله في أرضه وبلاده وعمله، فإمّا إنّك تقدر أنّه ينقاد لك فلا والله حتّى ترى أعظم(١) من يوم صفّين.

فقال: أفعل.

ثمّ كتب معاوية إلى عماله على النواحي نسخة واحدة:

بسم الله الرحمن الرحيم

من عبد الله معاوية أمير المؤمنين إلى فلان وفلان ومن قبله من المسلمين.

سلام عليكم، فإنّي أحمد الله الّذي لا إله إلا هو إليكم.

أ مّا بعد:

فالحمد لله الّذي كفاكم مؤنة عدوكم وقتلة خليفتكم إنّ الله بلطفه نتّج(٢) لعليّ بن أبي طالب رجلاً من عباده فاغتاله فقتله، وترك أصحابه متفرقين مختلفين، وقد جاءتنا كتب أشرافهم وقادتهم يلتمسون الأمان لأنفسهم وعشائرهم فأقبلوا إليّ حين يأتيكم كتابي بجدكم(٣) وجندكم وحسن عدتكم، فقد أصبتم بحمد الله الثأر، وبلغتم الأمل، وأهلك الله أهل البغي والعدوان، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.

____________

١ - في المقاتل: إنّه يتناولك فلا والله حتّى يرى يوماً أعظم.

٢ - في المقاتل: أتاح.

٣ - في المقاتل: بجهدكم.

قال: فاجتمعت العساكر إلى معاوية وسار قاصداً إلى العراق، وبلغ الحسن خبر مسيره وانّه قد بلغ جسر منبج، فتحرّك عند ذلك وبعث حجر بن عديّ يأمر الناس بالتهيّؤ للمسير، ونادى المنادي، الصلاة جامعة، فأقبل الناس يثوبون ويجتمعون، فصعدعليه‌السلام المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال:

أ مّا بعد:

فإنّ الله كتب الجهاد على خلقه وسمّاه كرهاً، ثمّ قال لأهل الجهاد من المؤمنين:( وَاصبِرُوا إنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) (١) فلستم - أيّها الناس - بنائلين ما تحبّون إلا بالصبر على ما تكرهون، إنّه بلغني انّ معاوية بلغه انّا كنّا أزمعنا [ على ](٢) المسير إليه فتحرّك لذلك، اخرجوا رحمكم الله إلى معسكركم بالنخيلة حتّى ننظر وينظرون، ونرى ويرون.(٣)

قال: وإنّه في كلامه يتخوف خذلان الناس إيّاه، فسكتوا فما تكلّم منهم أحد ولا أجابه بحرف، فلمـّا رأى ذلك عديّ بن حاتم قال: أنا ابن حاتم(٤) ، سبحان الله! ما أقبح هذا المقام؟ ألا تجيبون إمامكم وابن بنت نبيّكم؟ أين خطباء مضر؟ أين المتبلغون الخوّاضون(٥) من أهل مصر الّذين ألسنتهم كالمخاريق في الدعة، فإذا جاء(٦) الجدّ فروّاغون كالثعالب؟ أمّا يخافون مقت

____________

١ - سورة الأنفال: ٤٦.

٢ - من المقاتل.

٣ - في المقاتل: حتّى ننظر وتنظروا، ونرى وتروا.

٤ - بعده - في الأصل - كلمة غير مقروءة.

٥ - في المقاتل: أين خبطاء مضر؟ أين المسلمون؟ أين الخوّاضون ...؟

٦ - في المقاتل: جدّ.

الله ولا عيبها وعارها؟

ثمّ استقبل الحسن بوجهه وقال: أصاب الله بك المراشد، وجنبك المكاره، ووفقك لما يحمد ورده وصدره، وقد سمعنا مقالتك، وانتهينا(١) إلى أمرك، واُسمعنا وأطعنا(٢) فيما قلت ورأيت، وهذا وجهي إلى معسكري فمن أحبّ أن يوافي فليواف، ثمّ مضى لوجهه، فخرج من المسجد ودابّته بالباب فركب ومضى إلى النخيلة، وأمر غلامه أن يلحقه بما يصلحه، وكان عديّ أوّل الناس عسكراً.

ثمّ قام قيس بن سعد بن عبادةرضي‌الله‌عنه ومعقل الرياحي وزياد بن صعصعة(٣) التميمي فأنّبوا الناس ولا موهم وحرّضوهم، وكلّموا الحسن بمثل كلام عديّ بن حاتم في الاجابة والقبول.

فقال لهم الحسنعليه‌السلام : صدقتهم ما زلت أعرفكم بصدق النية والوفاء بالقول والمودة الصحيحة، فجزاكم الله خيراً، ثمّ نزل.

وخرج الناس فعسكروا ونشطوا للخروج، وخرج الحسن إلى المعسكر واستخلف على الكوفة المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب وأمره باستحثاث الناس وإشخاصهم إليه، فجعل يحثهم حتّى التأم العسكر.

ثمّ إن الحسنعليه‌السلام سار في عسكر عظيم وعدّة حسنة حتّى أتى دير عبد الرحمان فأقام به ثلاثاً حتّى اجتمع الناس، ثمّ دعا عبيد الله بن العبّاس، فقال: يا ابن عمّ، إنّي باعث معك اثني عشر ألفاً من فرسان العرب وقرّاء المصر،

__________________

١ - كذا في المقاتل، وفي الأصل: وأتينا.

٢ - في المقاتل: وسمعنا منك وأطعناك.

٣ - كذا في المقاتل، وفي الأصل: خصفة.

الرجل منهم يزيد على الكتيبة(١) ، فسرّ بهم، وألن لهم جانبك، وابسط وجهك، وادنهم من مجلسك، فإنّهم بقيّة ثقة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وسر بهم على شط الفرات حتّى تقطع بهم الفرات(٢) ، ثمّ سر إلى مسكن، ثمّ امض حتّى تستقبل معاوية، فإن أنت لقيته فاحبسه حتّى أتيك فإنّي في اثرك، وليكن خبرك عندي في كلّ يوم، وشاور هذين - يعني قيس بن سعد وسعيد بن قيس -، وإذا لقيت معاوية فلا تقاتله حتّى يقاتلك، فإن اُصبت [ فقيس بن سعد على الناس، وإن اصيب قيس ](٣) فسعيد بن قيس، فسار حتّى نزل الفلوجة، ثمّ أتى مسكن.

و كان أكثر عسكر مولانا الحسنعليه‌السلام أخلاط من شيعة ومحكمة وشكاك وأصحاب عصبية وفتن ونفاق، فسار صلوات الله عليه حتّى أتى حمام عمر، ثمّ أخذ على دير كعب [ ثمّ بكر ](٤) فنزل ساباط، فلمـّا أصبح نادى بالصلاة جامعة، فاجتمعوا، فصعد المنبر فخطب وقال تجربة لهم ليظهر لهم بواطنهم:

أمّا بعد:

فإني أرجو أن أكون قد أصبحت بحمد الله ومنّه وأنا أنصح خلق الله لخلقه، وما أصبحت محتملاً علم مسلم ضغينة، ولا مريداً له بسوء ولا غائلة، ألا وإن لكم ما تكرهون في الجماعة خير ممّا تحبّون في الفرقة، ألا وإنّي ناظر لكم خير من نظركم لأنفسكم، فلا تخالفوا أمري، ولا تردّوا عليَّ رأيي غفر الله لي ولكم، وأرشدني وإيّاكم لما فيه المحبّة والرضا.

____________

١ - في المقاتل: الرجل منهم يزن الكتيبة.

٢ - كذا في المقاتل، وفي الأصل: التراز.

٣ و ٤ - من المقاتل.

فقالوا: والله يريد أن يصالح معاوية ويسلم الأمر إليه، كفر والله الرجل كما كفر أبوه، فثاروا عليه وأنهبوا فسطاطه حتّى أخذوا مصلاه من تحته، ونزع مطرفه عبد الرحمان بن جعال الأسدي، وطعنه جراح بن سنان الأسدي في فخذه فشقه حتّى خالط اربيته، وسقط الحسنعليه‌السلام بعد أن ضرب الّذي طعنه واعتنقه فخرّا جميعاً إلى الأرض، فوثب عبد الله بن الخطل الطائي فنزع المعول من يده فخضخضه به وأكبّ ظبيان بن عمارة عليه فقطع أنفه، ثمّ أخذوا الآجر فشدخوا وجهه ورأسه حتّى قتلوه.

و حمل الحسنعليه‌السلام علي سرير إلى المدائن وبها سعد بن مسعود ووال عليها من قبله، وكان أمير المؤمنينعليه‌السلام قد ولاه عليها فأقره الحسنعليه‌السلام .

ثمّ إنّ جماعة من رؤساء القبائل كتبوا إلى معاوية بالطاعة في السرّ واستحثّوه على المسير نحوهم وضمنوا له تسليم الحسنعليه‌السلام إليه عند دنوّه من عسكره، وورد عليه كتاب قيس بن سعد وكان قد أنفذه الحسن مع عبيد الله بن العبّاس عند مسيره من الكوفة ليلقى معاوية وجعله أميراً وبعده قيس يعلمه بما فعل عبيد الله بن العبّاس عند مسيره.

وقصته إنّ معاوية نزل قرية يقال لها الجنوبيّة(١) فأقبل عبيد الله حتّى نزل بازائه، فلمـّا كان الغد وجّه معاوية بخيل إليه، فخرج إليهم عبيد الله فيمن معه فضربهم حتّى ردهم إلى معسكرهم، فلمـّا كان الليل أرسل معاوية إلى عبيد الله بن العبّاس أنّ الحسن قد راسلني في الصلح وهو مسلم الأمر إليّ، فإن دخلت في

____________

١ - في المقاتل: الحيوضيّة بمسكن.

طاعتي الآن كنت متبوعاً وإلا دخلت وأنت تابع، ولك إن جئتني الآن أن اُعطيك ألف الف درهم، اعجل في هذا الوقت نصفها، وإذا دخلت الكوفة النصف الآخر، فأقبل عبيد الله ليلاً فدخل عسكر معاوية فوفى له بما وعده، وأصبح الناس ينتظرون أن يخرج فيصلي بهم، فلم يخرج حتّى أصبحوا فطلبوه فلم يجدوه فصلى بهم قيس بن سعد، ثمّ خطبهم فقال:

أ يها الناس، لا يهولنّكم ولا يعظمن عليكم ما صنع هذا الرجل الوله الوزع، إنّ هذا وأباه وأخاه لم يأتوا بخير قطّ، إنّ أباه عمّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خرج عليه يقاتله في بدر فأسّره أبو اليسر كعب بن عمرو الأنصاري وأتى به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فأخذ فداءه فقسمه بين المسلمين، فإن أخاه ولاه أمير المؤمنينعليه‌السلام على البصرة فسرق مال الله ومال المسلمين فاشترى به الجواري، وزعم أنّ ذلك له حلال، وإنّ هذا ولاه أمير المؤمنينعليه‌السلام على اليمن فهرب من بسر بن أرطاة وترك ولده حتّى قتلوا وصنع الآن ما صنع.

قال: فتنادى الناس: الحمد لله الّذي أخرجه من بيننا، انهض بنا إلى عدوّنا، فنهض وخرج إليه بسر بن أرطاة في عشرين الفاً فصاحوا بهم: هذا أميركم قد بايع، وهذا الحسن قد صالح، فعلام تقتلون أنفسكم؟

فقال لهم قيس بن سعد: اختاروا أحد شيئين(١) : إمّا القتال مع غير إمام، أو تبايعون بيعة ضلال؟

فقالوا: بل نقاتل بلا إمام، فخرجوا وضربوا أهل الشام حتّى ردّوهم إلى

____________

١ - في المقاتل: إحدى اثنتين.

مضاربهم(١) .

فكتب معاوية إلى قيس يدعوه ويمنيه.

فكتب إليه قيس:

لا والله لا تلقاني أبداً إلا وبيني وبينك الرمح.

فكتب إليه معاوية.

إ نّما أنت يهوديّ بن يهوديّ، تشقى نفسك وتقتلها فيما ليس لك، فإن ظهر أحبّ الفريقين إليك فبدّلك وعزلك، وإن ظهر أبغضهما إليك نكل بك، وقد كان أبوك أوتر غير قوسه، ورمى غير غرضه، فأكثر الحز وأخطأ المفصل(٢) ، فخذله قومه وأدركه يومه، فمات بحوران طريداً غريباً، والسلام.

فكتب إليه قيس:

أمّا بعد:

فإنّما أنت وثن من هذه الأوثان، دخلت في الاسلام كرها، وأقمت عليه فرقاً، وخرجت منه طوعاً، ولم يجعل الله لك فيه نصيباً، لم تقدّم إسلامك، ولم تحدث نفاقك، ولم تزل حرباً لله ولرسوله، وحزباً من أحزاب المشركين، فأنت عدوّ الله وعدو رسوله والمؤمنين من عباده، وذكرت أبي، ولعمري ما أوتر إلا قوسه، ولا رمى إلا غرضه، فشغب عليه من لا يشقّ غباره، ولا يبلغ كعبه، وكان أمراً مرغوباً عنه، مزهوداً فيه، وزعمت أنّي يهوديّ بن يهوديّ(٣) وقد علمت

____________

١ - في المقاتل: مصافهم.

٢ - كذا في المقاتل، وفي الأصل: النصل.

٣ - من المقاتل.

وعلمنا أنّ أبي من أنصار(١) الدين الّذي خرجت عنه، وأعداء الدين الّذي دخلت فيه وصرت إليه، والسلام.

فلمـّا قرأ معاوية كتابه أغاظه فأراد إجابته، فقال له عمرو: مهلاً، إن كاتبته أجابك بأشأم(٢) من هذا، وإن تركته دخل فيما دخل فيه الناس، فأمسك عنه.

قال: وجعل أهل العراق يستأمنون إلى معاوية ويدخلون عليه قبيلة بعد قبيلة، فازدادت بصيرة الحسنعليه‌السلام بنياتهم، فكتب معاوية بالصلح إليه وأنفذ بكتب أصحابه على يد عبد الله بن عامر وعبد الرحمان بن سمرة فدعواه إلى الصلح، وزهداه في الأمر، وأعطياه ما شرط له معاوية، وألا يتبع أحد بما مضى، ولا ينال أحد من شيعة عليّ بمكروه، ولا يذكر علي إلا بخير، وأشياء اشترطها، فأجابهما الحسنعليه‌السلام إلى ذلك وانصرف قيس بمن معه إلى الكوفة، وانصرف الحسن إليها أيضاً، وأقبل معاوية قاصداً الكوفة، واقبل إلى الحسن وجوه الشيعة وأكابر أصحاب اميرالمؤمنين يلومونه ويتباكون عليه جزعاً ممّا فعل.(٣)

و إنّما أجابعليه‌السلام إلى ذلك لأنّه علم أنّ أكثر عسكره منافقون

____________

١ - في المقاتل: وقد علمت وعلم الناس أنّي وابي من أنصار.

٢ - في المقاتل: بأشد.

٣ - مقاتل الطالبيّين: ٣٢ - ٤٣، عنه شرح نهج البلاغة: ١٦/٣٠.

ورواه في إرشاد المفيد: ١٨٧، عنه البحار، ٤٣/٣٦٢، وعوالم العلوم: ١٦/١٣٧ ح ٢ وعن شرح النهج.

وأخرجه في كشف الغمة: ١/٥٣٢ عن مسند أحمد بن حنبل، وفي ص ٥٣٧ - ٥٣٨ عن الارشاد، وفي ص ٥٤٧ عن كتاب معالم العترة الطاهرة للجنابذي.

وفي البحار: ٢٥/٢١٤ ح ٥ عن كنز الفوائد: ٢/٤٥٨ ح ٢٣ وص ٤٥٩ ح ٣٤.

وانظر: مناقب ابن شهراشوب: ٤/٣١ وما بعدها.

ومحيلة لا يسدّ بهم ثغر، ولا ينقضي بهم أمر، وأكثرهم كانوا يكاتبون معاوية من قبل أن يخرج من الشام، وعلم الحسنعليه‌السلام ذلك منهم وتحققه، وربّما كانوا ينصرفون إلى معاوية إذا التقى الجمعان ويقاتلونه إلا قليلاً منهم لا يقاومه الجمهور العظيم والجم الغفير، فأجابعليه‌السلام من بعدما علم وتحقق احتيال معاوية واغتياله غير أنّه لم يجد بداً من إجابته.

فقال الحسين: أعيذك من هذا بالله، فأبى.

وأنفذ إلى معاوية عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب فتوثّق منه لتأكيد الحجّة بأن يعمل في الناس بكتاب الله وسنّة رسوله، والأمر من بعده شورى، وأن [ يترك سبّ عليّ، وأن يؤمن شيعته ولا يتعرض لأحد منهم و ](١) يوصل إلى كلّ ذي حقّ حقّه، ويوفر عليه حقّ كلّ سنة خمسون ألف درهم، فعاهده معاوية على ذلك وحلف على الوفاء [ به ](٢) ، وشهد بذلك عبد الله ابن الحارث وعمرو بن أبي سلمة وعبد الله بن عامر بن كريز وعبد الرحمان ابن أبي سمرة وغيرهم.

وروي أنّ الحسنعليه‌السلام قال في صلح معاوية: أيّها الناس، لو طلبتم ما بين جابلقا وجابرسا رجلاً جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ما وجدتموه غيري وغير أخي، وإن معاوية نازعني حقّاً هولي فتركته لصلاح الاُمّة وحقن دمائها، وقد بايعتموني على أن تسالموا من سالمت، وقد رأيت أن اسالمه، وأن يكون ما صنعت حجّة على من كان يتمنّى هذا الأمر،( وَإِن أَدرِي لَعَلَّه فِتنَةٌ لَكُم وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ) (٣) .

__________________

١ و ٢ - من المناقب.

٣ - سورة الأنبياء: ١١١.

وفي رواية: إنّما هادنت حقناً للدماء وصيانتها، وإشفاقاً على نفسي وأهلي والمخلصين من أصحابي.

وروي أنّهعليه‌السلام قال: يا أهل العراق، إنّما سمحت(١) بنفسي عليكم لثلاث: قتلكم أبي، وطعنكم إيّاي في فخذي، وانتهابكم متاعي.(٢)

وروى الشعبي، عن سفيان بن الليل(٣) قال: أتيت الحسنعليه‌السلام حين بايع معاوية فوجدته بفناء داره وعنده رهط، فقلت السلام عليك يا مذل المؤمنين.

فقال: وعليك السلام، يا سفيان، انزل، فنزلت فعقلت راحلتي، ثمّ أتيت فجلست إليه، فقال: كيف قلت يا سفيان؟

قلت: السلام عليك يا مذل المؤمنين.

فقال: ما جر هذا منك إلينا.

فقلت: إي والله بأبي أنت واُمّي أذللت رقابنا حتّى أعطيت هذا الطاغية البيعة، وسلّمت الأمر إليه اللعين بن اللعين، بن آكلة الأكباد، ومعك مائة ألف كلّهم يموتون دونك.

قال: يا سفيان، إنّا أهل بيت إذا علمنا الحق تمسكنا به، وإنّي سمعت عليّاًعليه‌السلام يقول: سمعت رسول الله صلّى عليه وآله يقول: لا تذهب الليالي

__________________

١ - في المناقب: سخي. اي جعلني سخيّاً في ترككم.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/٣٣ - ٣٤، عنه البحار: ٤٤/٥٦.

٣ - كذا الصحيح، وفي الأصل: لبيد، وفي المقاتل: بن ابي ليلى.

والأيّام حتّى يجتمع أمر هذه الاُمّة على رجل واسع السرم، ضخم البلعوم، يأكل ولا يشبع، لا ينظر الله إليه، ولا يموت حتّى لا يكون له في السماء عاذر، ولا في الأرض ناصر، وإنّه لمعاوية(١) ، وإنّي عرفت انّ الله بالغ أمره(٢) ، ثمّ قام إلى المسجد وقال: يا سفيان، إنّي سمعت عليّاًعليه‌السلام يقول: سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: يرد عليَّ الحوض من أهل بيتي ومن أحبني من اُمّتي كهاتين - يعني السبّابتين -.

يا سفيان، إنّ الدنيا تسع البرّ والفاجر حتّى يبعث الله إمام الحق من آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله .

قال: وسار معاوية حتّى نزل النخيلة وجمع الناس فخطبهم خطبة طويلة قبل أن يدخل الكوفة، من جملتها انّه قال: ما اختلفت اُمّة بعد نبيّها إلا ظهر [ أهل ](٣) باطلها على أهل حقها، ثمّ انتبه فندم، فقال: إلا هذه الاُمّة، ثمّ قال: ألا إن كلّ شيء أعطيته الحسن تحت قدمي هذه، وكان والله غدّاراً لعنة الله عليه.

و قيل: إنّ معاوية صلّى بالناس الجمعة بالنخيلة، ثمّ خطب وقال: إنّي والله ما قاتلتكم لتصلّوا ولا لتصوموا ولا لتحجّوا ولا لتزكّوا، إنكم لتفعلون ذلك، ولكن إنّما قاتلتكم لأتأمّر عليكم، فأعطاني الله ذلك وأنتم كارهون. فأيّ تهتك أعظم

____________

١ - كتاب الفتن لنعيم بن حماد: ١/١١٦ ح ٢٦٧، الاختصاص: ٨٢، اختيار معرفة الرجال: ١١١ - ١١٢ ح ١٧٨، الملاحم والفتن: ٢٤ ب ١٤، النهاية لابن الأثير: ٢/٣٦٢ن شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد: ٤/١٠٨، وج ١٦/٤٤ - ٤٥، لسان العرب: ١٢/٢٨٦، البداية والنهاية: ٦/٢٢٠، كنز العمال: ١١/٣٤٨ - ٣٤٩ ح ٣١٧٠٨، البحار: ٣٣/٢١٧ ضمن ح ٤٩٢، وج ٤٤/٢٣ - ٢٤ ح ٧ وص ٦٠ ضمن ح ٧.

٢ - إقتباس من سورة الطلاق: ٣.

٣ - من المقاتل.

من هذا عليه لعنة الله ولعنة اللاعنين؟

وقيل: إنّ الحسينعليه‌السلام دخل على أخيه باكياً ثمّ خرج ضاحكاً، فقال له مواليه: ما هذا؟

قال: العجب من دخولي على إمام اُريد أن اعلمه فقلت: ما دعاك إلى تسليم الخلافة؟

قال: الّذي دعا أباك فيما تقدّم.

ولمـّا انقضى أمر الصلح طلب معاوية البيعة من الحسينعليه‌السلام .

فقال الحسنعليه‌السلام : يا معاوية، لا تكرهه فإنّه لن يبايع أبداً أو يقتل، ولن يُقتل حتّى يُقتل أهل بيته، ولن يُقتل أهل بيته حتّى يقتل أهل الشام.(١)

قال: فلمـّا تمّ لمعاوية ما أراد وخطب وذكر عليّاً فنال منه ومن الحسن والحسين.

فقال الحسن: أيّها الذاكر عليّاً، أنا الحسن وأبي عليّ، وأنت معاوية وأبوك صخر، واُمّي فاطمة واُمّك هند، وجدّي رسول الله وجدّك حرب، وجدّتي خديجة وجدتك قتيلة، ولعن الله أخملنا ذكراً، وألأمنا حسباً، وشرّنا قوماً(٢) ، واقدمنا كفراً ونفاقاً.

فقال الناس: آمين، ونحن نقول أيضاً: آمين.

__________________

١ - قوله: « وقيل: إنّ الحسينعليه‌السلام اهل الشام » في مناقب ابن شهراشوب: ٤/٣٤ - ٣٥.

٢ - في المقاتل: قدماً.

قال: ثمّ إنّ معاوية دخل الكوفة بعد فراغه من خطبته بالنخيلةوبين يديه خالد بن عرفطة ومعه رجل يقال له حبيب بن حمّار يحمل رايته، حتّى دخل الكوفة وصار إلى المسجد فدخل من باب الفيل، واجتمع الناس إليه.

روى عطاء بن السائب، عن أبيه، قال: بينما عليّعليه‌السلام على المنبر يخطب إذ دخل رجل، فقال: يا أمير المؤمنين، مات خالد بن عرفطة.

فقال أمير المؤمنين: والله ما مات، إذ دخل رجل آخر، فقال: يا أمير المؤمنين، مات خالد بن عرفطة.

فقال صلوات الله عليه: والله ما مات ولا يموت حتّى يدخل من باب هذا المسجد - يعني باب الفيل - براية ضلالة يحملها له حبيب بن حمّار(١) ، فوثب رجل، فقال: يا أمير المؤمنين، أنا حبيب بن حمّار.

قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : إنّه ما أقول، فقدم خالد بن عرفطة على مقدّمة معاوية يحمل رايته حبيب بن حمّار.(٢)

قيل: ولمـّا تمّ الصلح بين معاوية والحسن أرسل إلى قيس بن سعد بن عبادة يدعوه إلى البيعة فأبى، وكان رجلاً طويلاً إذا ركب الفرس المسرف

____________

١ - في بعض المصادر: عمّار، وفي بعضها: حمّاد، وفي بعضها: جمّاز.

٢ - الإيضاح لابن شاذان: ٣٣٠، بصائر الدرجات: ٢٩٨ ح ١١، الهداية الكبرى: ١٦١، خصائص الأئمّة: ٥٢، إرشاد المفيد: ١٧٤، الاختصاص: ٢٨٠، تيسير المطالب: ٣٧، أعلام الورى: ١٧٧، الثاقب في المناقب: ٢٦٧ ح ٢٣١، الخرائج والجرائح: ٢/٧٤٥ ح ٦٣، مناقب ابن شهراشوب: ٢/٢٧٠، الملاحم والفتن: ١١٣، كشف اليقين: ٩٨/٩٩ ح ٩٠، نهج الحق وكشف الصدق: ٢٤٣، إرشاد القلوب: ٢٢٥، الإصابة: ١/٤١٠، إثبات الهداة: ٢/٤٣٩ - ٤٤٠ ح ١١٨، البحار: ٤١/٢٨٨ ح ١٢ وص ٣١٣، وج ٤٢/٦١، ح ٣٢، وج ٤٤/٢٥٩ ح ١١.

خطّت رجلاه الأرض، فلمـّا أرادوا أن يدخلوه إليه قال: إنّي حلفت أن لا ألقاه إلا بيني وبينه الرمح أو السيف، فأمر معاوية برمح أو سيف فوضعه بينه وبينه ليوفي في يمينه(١) .

و كان قد انعزل في أربعة آلاف وأبى أن يبايع، فلمـّا أتم الأمر لمعاوية لم يجد بداً من ذلك وأقبل على الحسن وقال: أنا في حلّ من بيعتك.

قال: نعم، فوضع يده على فخذه ولم يمدّها إلى معاوية، فجثا معاوية على سريره، وأكبّ على قيس حتّى مسح على يده فما رفع إليه قيس يده.

وقيل: إنّ معاوية أمر الحسن بعد الصلح أن يخطب وظن أنّه سيحصر.

فقالعليه‌السلام : إنّما الخليفة من سار بكتاب الله وسنّة رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله وليس الخليفة من سار بالجور ذاك مِلكٌ ملكَ مُلكاً يتمتع فيه قليلاً، ثمّ تنقطع لذته وتبقى تبعته،( وَإِن أدرِي لَعَلَّهُ فِتنَةٌ لَكُم وَمَتَاعٌ إلَى حِينٍ ) .(٢)

ثمّ انصرف الحسنعليه‌السلام بعد ذلك إلى المدينة، ورجع معاوية إلى الشام، وأراد البيعة لابنه يزيد، فلم يكن عليه أثقل من أمر الحسنعليه‌السلام ، فجعل يحتال على قتله، وسيأتي تمام القصة عند ذكر وفاته صلوات الله عليه.(٣)

قلت: وكان سيّدنا ومولانا سبط الرسول، ومهجة البتول، ثابت الجأش، حمي الأنف، لا تأخذه في قول الحق لومة لائم، ولا يثني عزيمته عن الأمر بالمعروف مخافة شاغب ولا غاشم، خذلته الغدرة الفجرة، وخانته الاثمة الكفرة، وأسلموه إلى الحتف، وساقوه إلى الموت، وأظهروا له الطاعة ودينهم

____________

١ - في المقاتل: ليبرّ يمينه.

٢ - سورة الأنبياء: ١١١.

٣ - مقاتل الطالبيّين: ٤٤ - ٤٧.

النفاق، وبذلوا النصيحة وطبعهم الشقاق.

وكانعليه‌السلام عالماً بذلك من لئيم طبعهم، متحقّقاً لغدرهم وخذلهم، متيقناً ممالاتهم عدوّه عليه، عالماً بإنفاذ رسائلهم إليه، قد مال بهم الهوى، وأغواهم حب الدنيا، فباعوا الآخرة الباقية، بلذّتها الزائلة الفانية.

هل أغوى ابن حرب بحربه واستحثه على طلبه إلا حب زينتها، والافتتان بزهرتها، وطلب متاعها، والتلذّذ باستماعها، والميل مع بنيها، إيثاراً من حطامها، ويتمتع بزائل أيامها، وكانت جماعة أكابرهم ورؤسائهم وأعيانهم وزعمائهم في كلّ حين لهم عيون ورسل ومكاتبات إلى اللعين بن اللعين، فعليه وعليهم لعنة الله ولعنة اللاعنين، وإنّما سار بهمعليه‌السلام إلى خصمه مع شدّة يقينه بغدرهم، وعلمه(١) بقبيح نكثهم ومكرهم، قياماً للحجّة عليهم، وتوجيهاً لقطع المعذرة منهم، لئلا يقولوا يوم القيامة:( إنّا كُنَّا عَن هذَا غَافِلِينَ ) (٢) أو يقولوا: لو سرت بنا إلى عدوّك لوجدتنا لك من الناصحين، فأقام عليهم الحجّة بمسيره، وأظهر خفي نفاقهم بتدبيره، وكان ذلك فرض الله عليه، وما فوض من الرئاسة العامّة إليه، مع علمه بخذلهم لأبيه وغدرهم به، فأذعن للهدنة، وأطفأ بصلحه الفتنة، ودرك عليهم الحجّة فباءوا بغضب من الله بشملهم، وخزي في الدارين ببغيهم، وسيجازى كلّ بفعله، ولا يحيق المكر السيّء إلا بأهله، كلّ ذلك وهوعليه‌السلام كما وصف الله إباءه في محكم ذكره، ونوه فيه بمدحه وشكره، فقال سبحانه في كتابه المبين وذكره الحكيم:( أذِلَّةٍ عَلَى المُؤمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا يَخَافُونَ لَومَةَ لَائِمٍ ذلِكَ

____________

١ - كذا الصحيح، وفي الأصل: علمهم.

٢ - سورة الأعراف: ١٧٢.

فَضلُ اللهِ يُؤتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) .(١)

وكذلك كان صلوات الله عليه سالكاً طريق شيخه ووالده، بانياً في مكارم الأخلاق على قواعده، ساعياً فيما فيه الصلاح لاُمة جَدّه، ناصراً مظلومهم بجهده وجِدّه، كالطود الشامخ على المتكبرين، وكالماء الرائق للمؤمنين، لا يخضع إذا قل ناصره، ولا يضرع إذا غلب قاهره، كما قال الأوّل:

لا يخرج القرمني غير ما بيه

ولا ألين لمن لا يبتغي ليني

و كذلك كان أخوه سيّد الشهداء، وخامس أصحاب الكساء، لا يقذع صفاته، ولا يكدر صفاءه، ذا أنف حمي وطبع أبي، لما كان مجده أرفع من السماك الأعزل وأعلى، رأي القتل في العزّ حياة والحياة في الذلّ قتلاً، صلّى الله عليهما وعلى جدهما وابيهما واُمّهما.

روي أن يزيد بن معاوية عليه وعلى أبيه وعلى المعتقد إسلامهما والشاكّ في كفرهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين رأى زوجة عبد الله بن عامر بن كريز، وهي اُمّ خالد بنت أبي جندل بن سهيل بن عمرو، وكانت من الجمال والحسن في الغاية القصوى، فهام بها حتّى امتنع من الطعام والشراب، وآلى أمره إلى ملازمة الفراش من شدّة السقم والشغف بها، فعاده أبوه لعنه الله، فشكا ذلك إليه وأعلمه بسبب علته، وكان الرجل منزله المدينة، فأرسل معاوية إلى عامله عليها أن أرسل إليّ بعبد الله بن عامر موقّراً معظّماً له، قائماً بجميع ما يحتاج إليه في سفره، وفيما فيه صلاح أهله.

فلمـّا وصل عبد الله إلى معاوية أراه من التعظيم والتبجيل ما لا مزيد عليه،

__________________

١ - سورة المائدة: ٥٤.

ثمّ قال: إنّي ما دعوتك إلا لأني تفكرت في رجل أعتمد عليه في اُموري وأجعله عيبة سري، فما رأيت أصلح لذلك إلا أنت، وقد أردت أن اُولّيك البصرة، واُزوّجك ابنتي رملة اخت يزيد لأني ما وجدت لها كفواً غيرك، فاغترّ الأحمق بقوله، فأتاه في اليوم الثاني وقال: إنّي عرفتها ذلك فرضيت، وقالت: كفو كريم، ولكن له زوجة ولا يليق بمثلي أن أكون عند رجل له زوجة غيري، فإن طلق زوجته كنت له أهلا وكان لي بعلاً، فرضي عبد الله بذلك وطلق زوجته اُمّ خالد، فلمـّا انقضت عدتها طلب من معاوية ما وعده.

فقال: إن أمرها إليها، وإنّها قالت: اذا كان الرجل لم يوف لابنة عمّه وهي من الجمال والحسن على ما ليس عندي فكيف يوفي لي؟ وامتنعت.

ثمّ إنّ معاوية أرسل بأبي الدرداء صاحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يخطبها - أيّ اُمّ خالد - على ابنه يزيد، وكانت الصحابة إذا ورد أحد منهم المدينة أوّل ما يبدأ بالسلام على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثمّ يأتي إلى سيّدنا الحسن بن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله تبرّكاً به وتيمّناً بطلعته الشريفة صلوات الله عليه، فدخل أبوالدرداء على الحسنعليه‌السلام ، فقال: ما أقدمك - يا عمّ - المدينة؟ فأعلمه بالقصة.

فقال: يا أبا الدرداء، هل لك أن تذكرني لها؟ فمضى أبو الدرداء وأعلمها ما كان من أمر بعلها، وأنّه طلّقها، وأنّ معاوية أرسله ليخطبها على ابنه يزيد، وأعلمها بمقالة الحسنعليه‌السلام ، فقالت: يا عمّ، اختر لي أيّ الرجلين أصلح.

فقال أبو الدرداء: اعلمك أنّي رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقبّل الحسن ويضع شفته على شفته، وإنّي مشير عليك أن تضعي شفتك موضعاً وضع

رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله شفته.

فقالت: رضيت بالحسن، وزوّجته نفسها، فوصل الخبر بذلك إلى معاوية، فأقامه ذلك واقعده، ولعن أبا الدرداء.

ثمّ إن عبد الله بن عامر أتى المدينة حقيراً خائباً ممّا اُمّل، وأتى الحسن وقال: يا ابن رسول الله، إنّ لي عند أهلك - ابنة عمّي - أمانات وودائع لي وللناس، فإن تفضلت بإعلامها بذلك فافعل.

فمضى به الحسن إليها وضرب بينهما حجاب، فأتته بالأمانات الّتي كانت عندها، فبكى الرجل واشتدّ حزنه، وبكت المرأة من وراء الستر.

فقال الحسنعليه‌السلام : ألك هوى في ابنة عمّك؟

فقال: نعم، يا ابن رسول الله.

و في رواية: أنّه صلوات الله عليه وقال: أولا ترضى أن أكون محلّلكما؟ فطلّقها الحسن صلوات الله عليه وردها إلى بعلها كرماً منه وتفضلاً ورأفة باُمة جدّه صلوات الله وسلامه عليه.(١)

عن عبد الملك بن عمير والحاكم [ والعبّاس ](٢) قالوا: خطب الحسنعليه‌السلام عائشة بنت عثمان، فقال مروان: اُزوّجها من عبد الله بن الزبير.

ثمّ إنّ معاوية كتب إلى مروان وهو عامله على الحجاز يأمره أن يخطب اُمّ كلثوم بنت عبد الله بن جعفر لابنه يزيد، فأتى مروان عبد الله بن جعفر فاخبره بذلك.

__________________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/٣٨ ملخّصاً، عنه البحار: ٤٤/١٧١ ضمن ح ٥، وعوالم العلوم: ١٦/٣٠٣ ح ١.

٢ - من المناقب.

فقال عبد الله: إن أمرها ليس إليّ، إنّما أمرها إلى سيّدنا أبي عبد الله الحسين وهو خالها، فأخبر الحسين بذلك.

فقال: أستخير الله تعالى، ألّلهمّ وفّق لهذه الجارية رضاك من آل محمد، فلمـّا اجتمع الناس في مسجد رسول الله عليه وآله أقبل مروان حتّى جلس إلى الحسينعليه‌السلام وعنده جماعة من الجلّة(١) ، وقال: [ إنّ ](٢) أمير المؤمنين معاوية أمرني بذلك وأن أجعل مهرها حكم أبيها بالغاً ما بلغ مع صلح ما بين هذين الحيّين مع قضاء دينه، واعلم أن من يغبطكم بيزيد أكثر ممّن يغبطه بكم، والعجب كيف يستمهر يزيد وبوجهه يستسقى الغمام، وهو كفو من لا كفو له؟ فرد خيراً يا أبا عبد الله.

فقال الحسينعليه‌السلام : الحمدلله الّذي اختارنا لنفسه، وارتضانا لدينه، واصطفانا على خلقه - إلى آخر كلامه -، ثمّ قال: يا مروان، قد قلت فسمعنا، أمّا قولك: مهرها حكم أبيها بالغاً ما بلغ، فلعمري لو أردنا ذلك ما عدوّنا سنّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في بناته ونسائه وأهل بيته [ وهو ](٣) أثنتا عشرة اُوقيّة يكون أربعمائة وثمانون درهماً.

وأمّا قولك: مع قضاء دين أبيها، فمتى كنّ نساؤنا يقضين عنّا ديوننا؟

وأمّا صلح ما بين هذين الحيّين، فإنّا قوم عاديناكم في الله فلم نكن نصالحكم للدنيا، فقد أعيا النسب فكيف السبب؟

وأمّا قولك: العجب من يزيد كيف يستمهر؟! فقد استمهر من هو خير من يزيد، ومن أبي يزيد، ومن جدّ يزيد.

__________________

١ - كذا في المناقب، وفي الأصل: الجهلة.

٢ و ٣ - من المناقب.

وأمّا قولك: إن يزيد كفو من لا كفو له، فمن كان كفوه قبل اليوم فهو كفوه اليوم، ما زادته امارته في الكفاءة شيئاً.

وأمّا قولك: بوجهه يستسقى الغمام، فإنّما كان ذلك بوجه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وأمّا قولك: من يغبط منّا له أكثر ممّن يغبطه بنا، فإنّما يغبطنا به أهل الجهل ويغبطه بنا أهل العقل.

ثمّ قال الحسين - بعد كلام -: فاشهدوا جميعاً أنّي قد زوجت اُمّ كلثوم بنت عبد الله بن جعفر من ابن عمها القاسم بن محمد بن جعفر على أربعمائة وثمانين درهماً، وقد نحلتها ضيعتي بالمدينة، أوقال: أرضي بالعقيق، وإنّ غلّتها في السنة ثمانية آلاف دينار ففيها لهما غنى إن شاء الله.

قال: فتغير وجه مروان، وقال: ما أتيتم إلا غدراً يا بني هاشم، تأبون إلا العداوة، فذكره(١) الحسينعليه‌السلام خطبة الحسن عائشة بنت عثمان وفعله، ثمّ قال: فأين موضع الغدر يا مروان(٢) ؟

وقال الحسنعليه‌السلام : إنّ لله مدينتين: إحداهما بالمشرق والاُخرى بالمغرب فيهما خلق لم يهموا بمعصية الله قطّ، والله ما فيهما وما بينهما حجّة لله على خلقه غيري وغير أخي الحسينعليه‌السلام .(٣)

__________________

١ - كذا في المناقب، وفي الأصل: فذكر.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/٣٨ - ٤٠، عنه البحار: ٤٤/٢٠٧ ح ٤، وعوالم العلوم: ١٧/٨٧ ح ٢.

٣ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/٤٠.

ورواه في بصائر الدرجات: ٣٣٩ ح ٤ و٥ وص ٤٩٣ ح ١١ وص ٤٩٤ ح ١٢، الكافي: ١/٤٦٢ ح ٥، مختصر بصائر الدرجات: ١١ و١٢، الاختصاص: ٢٩١، المحتضر:

فضائل السمعاني: قال اُسامة بن زيد: جاء الحسنعليه‌السلام إلى أبي بكر وهو يخطب على منبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال: انزل عن مجلس أبي.

قال: صدقت هذا مجلس أبيك، ثمّ أجلسه في حجره وبكى.

فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : والله ما هذا من أمري.

قال: صدقت والله صدّقتك وما اتّهمتك.(١)

و في رواية الخطيب(٢) : ان الحسينعليه‌السلام قال يوماً لعمر: انزل عن منبر أبي وامضى إلى منبر أبيك.

فقال عمر: لم يكن لأبي منبر، وأخذني وأجلسني معه، ثمّ سالني: من علمك هذا؟

فقلت: والله ما علّمني أحد.(٣)

____________

١٠٤

١ - ترجمة الامام الحسنعليه‌السلام من القسم غير المطبوع من طبقات ابن سعد: ٦٨ ح ١٠٨ باختلاف، أنساب الأشراف: ٣/٢٦ رقم ٤١.

٢ - تاريخ بغداد: ١/١٤١.

٣ - مناقب ابن شهراشوب ٤/٤٠.

فصل

في ذكر وفاتهعليه‌السلام

لمـّا تمّت من إمرة معاوية عشر سنين عزم على البيعة لابنه يزيد لعنه الله، ولم يكن أثقل عليه من الحسنعليه‌السلام وسعد بن أبي وقّاص، فأرسل بما دسّه لسعد بن أبي وقّاص فقتله به، ثمّ أرسل إلى ابنة الأشعث: انّي اُزوّجك من ابني يزيد على أن تسمّي الحسن، وبعث إليها بمائة ألف درهم، ففعلت وسمّته، فسوّغها المال ولم يزوّجها من يزيد، فتزوّجها رجل من بني طلحة فأولدها، فكان إذا جرى كلام عيّروهم وقالوا: يا بني مسمّمة الأزواج.(١)

كتاب الأنوار: قال: إنّهعليه‌السلام قال: لقد سقيت السمّ مرّتين وهذه الثالثة.

كتاب روضة الواعظين: إن الحسنعليه‌السلام قال: لقد سقيت السمّ مراراً ما سقيت مثل هذه المرّة، لقد تقطّعت كبدي قطعة قطعة فجعلت اقلبها بعود معي، ثمّ قال للحسينعليه‌السلام : يا أخي إنّي مفارقك ولاحق بربي، وقد سقيت السمّ، ورميت بكبدي في الطشت، وإنّي لعارف بمن سقاني، ومن أين دهيت، وأنا اُخاصمه إلى الله سبحانه.

____________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/٤٢، عنه البحار: ٤٤/١٥٥ ح ٢٥ وعن الارشاد للمفيد: ١٩٢.

فقال له الحسينعليه‌السلام : فمن سقاكه؟

قال: ما تريد منه؟ أتريد أن تقتله؟ إن يكن هو هو فالله أشدّ نقمة منك، وإن لم يكن هو فما اُحبّ أن يؤخذ ( بي )(١) بريء، فبحقّي عليك إن تكلمت بكلمة واحدة، وانتظر ما يحدث الله فيّ.

و في خبر: بالله اقسم عليك إن تهريق في أمري محجمة دم.(٢)

وحكي أنّ الحسنعليه‌السلام لما أشرف على الموت قال له الحسينعليه‌السلام : اريد أن أعلم حالك يا أخي.

فقاله له الحسن: سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: لا يفارق العقل منّا أهل البيت ما دامت الروح فينا، فضع يدك في يدي حتّى إذا عاينت ملك الموت أغمزيدك، فوضع يده في يده، فلمـّا كان بعد ساعة غمز يده غمزاً خفيفاً، فقرب الحسين اذنه من فمه، فقال: قال لي ملك الموت: أبشر فإنّ الله عنك راض وجدّك شافع.(٣)

وكان الحسنعليه‌السلام أوصى بأن يجدّد عهده عند جدّه، فلمـّا مضى لسبيله غسّله الحسين وكفّنه وحمله على سريره، فلمـّا توجّه بالحسن إلى قبر جَدّهصلى‌الله‌عليه‌وآله أقبلوا إليه بجمعهم وجعل مروان يقول: يا ربّ هيجا هي خير من دعة، أيدفن عثمان في اقصى المدينة ويدفن الحسن مع النبيّ؟ أمّا لا يكون ذلك أبداً وأنا أحمل السيف.

فبادر ابن عبّاس وكثر المقال بينهما حتّى قال ابن عبّاس: ارجع من حيث

____________

١ - من المناقب.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/٤٢، عنه البحار: ٤٤/١٥٨ ح ٢٨.

٣ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/٤٣، عنه البحار: ٤٤/١٦٠ ح ٢٩.

جئت فإنّا لا نريد دفنه هاهنا، لكنا نريد [ أن ](١) نجدّد عهداً بزيارته، ثمّ نرده إلى جدته فاطمة فندفنه عندها بوصيته، فلو كان أوصى بدفنه عند النبيّ لعلمت أنّك أقصر باعاً من ردّنا عن ذلك، لكنه كان أعلم بحرمة قبر جدّه من أن يطرق إليه(٢) هدماً، ورموا بالنبال جنازته صلوات الله عليه حتّى سل منها سبعون سهماً.

قال ابن عبّاس: وأقبلت امرأة(٣) على بغل برحل في أربعين راكباً تقول: مالي ولكم تريدون أن تدخلوا بيتي من لا أهوى ولا اُحبّ؟

فقال ابن عبّاس - بعد كلام -: عائشة يوماً على جمل ويوماً على بغل.(٤)

فنظمه الصقر البصريرضي‌الله‌عنه :

و يوم الحسـن السبط(٥)

على بغلـك أقبلـت(٦)

وما يست ومانعـت

وخاصمت وقاتـلتِ

وفي بيت رسول الله

في الكلّ(٧) تحكّمت

هل الزوجة أولى با

لمواريث من البـنت

لك التسع من الثمن

وللكـلّ تملــكت(٨)

____________

١ - من المناقب.

٢ - في المناقب: عليه.

٣ - في المناقب: عائشة.

٤ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/٤٤، عنه البحار: ٤٤/١٥٦ - ١٥٧ ذ ح ٢٥ وعن إرشاد المفيد: ١٩٢ - ١٩٣.

٥ - في المناقب: الهادي.

٦ - في المناقب: أسرعت.

٧ - في المناقب: بالظلم.

٨ - في المناقب: فبالكلّ تحكّمت.

تجمّلت تبغّلت

وإن عشت تفيلت(١)

و لمـّا وضع الحسنعليه‌السلام في قبره أنشأ سيّدنا ومولانا أبو عبد الله الحسينعليه‌السلام :

أأدهن رأسي اُمّ اُطيـّب مـجالسي

ورأسـك معـفور وأنت سليــب

أو اسـتمتع الدنيـا بشـيء اُحبُّه

ألا كلّ مــا أدنى إليـك حــبيب

فلا زلت أبكي مـا تغنـت حمامة

عليك ومــا هبـت صبا وجنوب

وما هملت عيني من الدمـع قطرة

وما اخضرّ في دوح الحجاز قضيب

بكائي طويل والدمـوع غزيـرة

وأنـت بعيـد والمـزار قــريب

غريب وأطراف البيوت تنوشُـهُ(٢)

ألا كلّ مـن تحت التراب غـريب

فلا يفرح الباقي خلاف الّذي مضى

فكـل فتـى للمـوت فيـه نصيب

وليس حريب مـن اصـيب بماله

ولكــن مـن وارى أخـاه حريب

____________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/٤٤ - ٤٥.

٢ - في المناقب: تحوطه.

نسيبك من أمسى يناجيك طرفه

وليس لمن تحت التراب نسيب(١)

وقال سليمان بن قتة يرثي الحسنعليه‌السلام :

يا كذّب الله من نعى حسناً

ليس لتكذيب نعيه ثمن(٢)

كنت حليفي(٣) وكنت خالصتي

لكل حي من أهله سكن

أجول في الدار لا أراك وفي

الدار اناس جوارهم غبن

بدلتهم منك ليت إنهم

أضحوا وبيني وبينهم عدن(٤)

و قال دعبل بن علي الخزاعيرضي‌الله‌عنه :

تعز بمن قد مضى اُسوة

فإنّ العزاء يسلّي الحزن

بموت النبيّ وقتل الوصيّ

وذبح الحسين وسم الحسن(٥)

عن عمر بن بشير الهمداني، قال: قلت لأبي إسحاق: متى ذل الناس؟

قال: حين مات الحسنعليه‌السلام ، وادّعى زياد، وقتل حجر.(٦)

عن هشام بن سالم وجميل بن درّاج، عن الصادقعليه‌السلام أنّ الحسنعليه‌السلام توفّي وهو ابن ثمان وأربعين سنة.

____________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/٤٥، عنه البحار: ٤٤/١٦٠ ذ ح ٢٩، وعوالم العلوم: ١٦/٢٩٩ ح ١.

٢ - كذا في الديوان، وفي الأصل: حسن.

٣ - في المناقب: خليلي.

٤ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/٤٥، عنه البحار: ٤٤/١٦١ ح ٣٠، وعوالم العلوم: ١٦/٣٠٠ ح ١.

٥ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/٤٦، ديوان دعبل الخزاعي: ٣٠٣.

٦ - مقاتل الطالبيّين: ٥٠.

و روي أيضاً أنّه توفّي وهو ابن ستّ وأربعين.(١)

روى الزمخشري في كتابه ربيع الأبرار، وروى ابن عبد ربّه في كتابه العقد(٢) أنّه لما بلغ إلى معاوية بموت الحسن سجد وسجد من حوله، وكبر وكبروا معه، فدخل [ عليه ](٣) ابن عبّاس بعد ذلك، فقال معاوية: يا ابن عبّاس، أمات أبو محمد؟

قال: نعم، ورحمة الله عليه، وبلغني تكبيرك وسجودك، أمّا والله لا يسدّ جثمانه حفرتك، ولا يزيد انقضاء أجله في عمرك.

[ قال ](٤) أحسبه ترك صبية صغاراً ولم يترك عليهم كثير معاش. فقال ابن عبّاس: إنّ الّذي وكلهم إليه غيرك، وكلنا كنّا صغاراً فكبرنا.

قال: فأنت تكون سيّد القوم بعده.

قال: أمّا وأبو عبد الله الحسينعليه‌السلام حي فلا.(٥)

قال شيخنا السعيد الشهيد محمد بن مكي الفقيهرضي‌الله‌عنه في دروسه:

ولد الحسن ليلة(٦) الثلاثاء بالمدينة منتصف شهر رمضان سنة اثنتين من الهجرة.(٧)

وقال المفيد: سنة ثلاث، وقبض بها مسموماً يوم الخميس سابع صفر سنة

____________

١ - مقاتل الطالبيّين: ٥٠.

٢ - ربيع الأبرار: ٤/١٨٦، العقد الفريد: ٤/٣٦١ - ٣٦٢.

٣ و ٤ - من المناقب.

٥ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/٤٣، عنه البحار: ٤٤/١٥٩، وعوالم العلوم: ١٦/٢٩٨ ح ١.

٦ - في الدروس: يوم.

٧ - الدروس: ١٥٢، عنه البحار: ٤٤/١٣٤.

تسع وأربعين أو سنة خمسين من الهجرة، عن سبع أو ثمان وأربعين سنة.

قال الحسن للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا رسول الله، ما لمن زارنا؟

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : من زارني حيّاً أو ميّتاً، أو زار أخاك حيّاً أو ميّتاً كان حقّاً عليَّ أن أستنقذه يوم القيامة.(١)

و قيل للصادقعليه‌السلام : ما لمن زار واحداً منكم؟

قال: كان كمن زار رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، إن لكلّ إمام عهداً في عنق أوليائهم وشيعتهم، وإن من تمام الوفاء بالعهد وحسن الأداء زيارة قبورهم، فمن زارهم رغبة في زيارتهم وتصديقاً لما رغبوا فيه كان أئمته شفعاؤه يوم القيامة.(٢)

____________

١ - أخرجه في البحار: ٩٩/٣٧٣ ح ٨ عن الهداية: ٦٧.

وفي ج ١٠٠/١٤٠ ح ٧ عن علل الشرائع: ٤٦٠، وفي ص ١٤١ ح ٨ - ١١ عن كامل الزيارات: ١١ وح ١٢ عن أمالي الصدوق: ٥٧ ح ٤، وح ١٣ عن ثواب الأعمال: ١٠٧ ح ١، وح ١٥ عن ثواب الأعمال: ١٠٧ - ١٠٨ ح ٢، وفي ص ٢٥٩ ح ٦ عن كامل الزيارات.

٢ - أخرجه في البحار: ١٠٠/١١٦ ح ١ عن عيون أخبار الرضاعليه‌السلام وعلل الشرائع، وفي ص١١٧ ح ٢ و٣ و٦ عن كامل الزيارات، وح ٥ عن العيون والعلل.

الندبة

يا من نسبه من كلّ نسب أعلى، وسببه من كلّ سبب أقوى، ومجده بكل فضل أولى، وحبه شرف الآخرة والاولى، جدّك فارس البراق ليلة الاسراء، وأبوك أوّل السبّاق إلى دين الهدى، واُمك سيّدة نساء الدنيا والاُخرى، قد اكتنفتك الاُصول الطاهرة، واحتوشتك المحامد الفاخرة، طوت بقوادم الشرف وخوافيه(١) ، وتسمّت ذروة الشرف وأعاليه، فلا شرف إلا وإليك منتهاه، ولا سؤدد إلا وأنت بدؤه وقصاراه.

همّتك أعلى من هامة السماك الأعزل، ورفعتك أسمى من رفعة السماء وأطول، عالية مبانيك، هامية أياديك، صادقة أقوالك، زاكية أفعالك، غامر إفضالك، وافر نوالك، طاهرة آباؤك واُمّهاتك، ظاهرة في صحائف المجد سماتك.

نُزّهت عن كلّ عيب، وقُدّست من كلّ ريب، لا جرم من كان جدّه خاتم النبيّين، جاز أن يقول: أنا أشرف خلق الله أجمعين، ومن كان أبوه سيّد الوصيّين، كان مجده في الشرف أعلى من عليين، ومن كانت أمه سيّدة النساء كان أفخر من أشرقت عليه ذكاء.

رزؤك يا ابن المصطفى أجرى عبرتي، وسمّك يا نجل المرتضى أسهر

__________________

١ - الخوافي: جمع الخافية، وهي الريش الصغار الّتي في جناح الطير عند القوادم.

مقلتي، وهضمك أطال حزني، وظلمك أذوى عصبي، أمّا ليلي فزفرة وعبرة، وأمّا نهاري فحيرة وفكرة، أتفكّر في فوادح مصائبكم، وأتذكّر عظيم نوائبكم، وأتصور علم الاسلام والدكم، وإمام الأنام قائدكم، خير الاُمّة بعد نبيّها، وخير الملّة وحفيّها، الّذي أخذ الله ميثاق ولاته على خلقه، وأحيى بمعين علمه موات حقّه، وجعله الهادي إليه، والدليل عليه.

كلّ علم لا يؤخذ عنه فهو ضلال، وكلّ دين لا يتلقّى منه فهو محال، لولا جهاده لما قام عمود الاسلام، ولولا بيانه لما عرف الحلال من الحرام، قلبه مخزن علم الله، ونفسه مشرق نور الله، بحر لا يدرك قراره، وسائق لا يشقّ غباره، لا يعرف الله إلا من سلك سبيله، ولا ينجو في تيه الضلالة إلا من اتبع دليله، كيف اجتمعت اُمّة السوء على قتاله، وانبعث أشقاها لاغتياله، وصيره ضَمناً في حال ركوعه، ملقىً في خلال خشوعه؟ بعد أن سلبوه تراث ابن عمّه، وغصبوه ميراث شقيق دمه ولحمه، وجعلوا وليّ أمرهم أرذلهم نسباً، وإمام عصرهم أخملهم حسباً، أخفض بيت في تيم بن مرّة، وأكذب منعوت بالصدق والامرة، لمـّا شادوا بالباطل سقيفتهم، وسموه بخلاف تسمية ربّهم خليفتهم، هدموا من الحق ما شيّد وليّ الله بجدّه وجهده، وطمسوا من الصدق ما بين في صدره وورده، وفرقوا كلمة الاسلام بجبتهم وفاروقهم، وعطّلوا أحكام القرآن بثالثهم طاغوتهم.

فتبّاً لها من أُمة سوء شرت الضلالة بالهدى، وباعت الآخرة بالاُولى، وعدلت بصفوة الله من لا يمت بفضله، بل ولا يعدل عند الله شرك نعله، وأهانت خلافة الله حتّى تلاعبت بها اُولوا الأخلاق الذميمة، والأعراق الموصومة، وصيروها ملكاً عضوضاً، وعهداً منقوضاً، فعاد المؤمن فيها يحذر من فيّه وظلّه،

ويخفي شخصه عن صحبه وأهله، ويبتغي نفقاً في الأرض أو سلّماً في السماء، وينحجر في الزوايا خشية الرقباء، يرى حتفه بعينيه، ويسمع لعنه باُذنيه، وكيف لا يخشى بادرتهم، ويحذر فاقرتهم، وهو يرى صنيعهم لسيّدهم ووليّهم، وخذلهم هاديهم وخليفة نبيّهم، وأذاهم له بقولهم وفعلهم، وإجلابهم عليه بخيلهم ورجلهم، وحربهم له في صفّينهم وجملهم، وقتلهم له في قبلة مسجده، وفتكهم به في حال تهجده، وتصييرهم ولديه سبطي نبيّ الرحمة، وفرعي شفيع الاُمّة، وسيّدي شباب أهل الجنّة، ومن جعل الله وجودهما في الخلق أعظم منّة، ما بين مسموم ومقتول، ومهضوم ومخذول؟

فأبعدها الله من اُمّة خبل سعيها، ودام غيّها، وطال شقاها، وخاب رجاها، تقتل ذرّيّة نبيّها بين ظهرانيها، وتسبي بنات رسولها وهي تنظر إليها، ليس فيها رشيد يردعها، ولا سديد يدفعها، فما أبعدها من رحمة الله واشقاها، وأحقها بخزي الله وأولاها؟ قد أوثقها الله بذنوبها، وختم على قلوبها وغرها سرابها، وتقطعت أسبابها، فارتدت على أعقابها، وضلت في ذهابها وإيابها، قد طوقها الله طوق لعنته، وحرم عليها نعيم جنته، فالمؤمن فيها حامل حتفه على كتفه، وناظر هلكه بطرفه، يسلقونه بحداد ألسنتهم، ويعنفونه بفضيع مقالتهم، فهو بينهم كالشاة بين الذئاب، أو الغريب تحتوشه الكلاب، وعلماؤهم يتجسسون على عورات المؤمنين، ويبتغون زلات الصالحين، ويحرمون ما أحل الله بأهوائهم، ويحلون ما حرم الله بآرائهم، ويسفهون أحلام من التزم بحبل أهل بيت نبيّه، ويستهزئون بمن استمسك بولاء عترة وليّه، وهم مع ذلك يتولّى بعضهم بعضاً، ويعظم بعضهم بعضاً، وما ذاك إلا لاختصاص قول المؤمنين بآل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله فلعداوتهم لهم رموهم عن قوس واحدة.

هذا أبو حنيفة النعمان بن ثابت يقول: لو أن رجلاً عقد على اُمّه عقد نكاح وهو يعلم أنّها اُمّه ثمّ وطئها لسقط عنه الحدّ ولحق به الولد.

وكذلك قوله في الاخت والبنت وسائر المحرّمات ويزعم أن هذا نكاح شبهة أوجب سقوط الحدّ عنه.(١)

و يقول: لو أن رجلاً استأجر غسّالة، أو خياطة، أو خبّازة، أو غير ذلك من أصحاب الصناعات ثمّ وثب عليها ووطئها وحملت منه لأسقطت عنه الحدّ وألحقت به الولد.

ويقول: إذا لف الرجل على إحليله حريرة ثمّ أولجه في فرج امرأة ليست له بمحرم لم يكن زانياً، ولا يجب عليه الحد.

ويقول: إنّ الرجل إذا تلوط بغلام فأوقب لم يجب عليه الحدّ، ولكن يردع بالكلام الغليظ والأدب والخفقة والخفقتين بالنعل، وما أشبه ذلك.

ويقول: إنّ شرب النبيذ الصلب المسكر حلال طلق إذا طبخ وبقي على الثلث وهو سنّة وتحريمه بدعة.

وقال الشافعي: إنّ الرجل إذا فجر بامرأة فحملت وولدت بنتاً فإنّه يحلّ للفاجر أن يتزوج بها ويطأها ويستولدها لا حرج عليه في ذلك، فأحل نكاح البنات(٢) .

وقال: لو أن رجلاً اشترى اخته من الرضاعة ثمّ وطئها لما وجب عليه الحدّ، وكان يجوّز سماع الغناء بالقصب وما أشبه.

__________________

١ - الام للشافعي: ٥/١٥٣، الفقه على المذاهب الأربعة للجزيري: ٤/٦٦ و١٢٤.

٢ - الفقه على المذاهب الأربعة للجزيري: ٤/٦٦ و١٢٤.

وكان مالك بن أنس يرى سماع الغناء بالدفّ وأشباهه من الملاهي، ويزعم أنّ ذلك سنّة، وكان يجيز وطيء الغلمان المماليك بملك اليمين.

و قال داود بن علي الاصفهاني(١) : إن الجمع بين الاختين بملك اليمين حلالاً طلق، والجمع بين الاُم والبنت غير محظور.

فاقيم هؤلاء الفجور وكل منكر فيما بينهم واستحلّوه، ولم ينكر بعضهم على بعض، مع أن الكتاب والسنّة والاجماع تشهد بضلالهم في ذلك، وعظموا أمر المتعة واستنكروها وضللوا فاعلها، مع أن القرآن والسنّة يشهدان بصحتها، وأن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أباحها، وفعلت على زمانه، وماتصلى‌الله‌عليه‌وآله وهي جارية في الصحابة وغيرهم حتّى حرّمها الثاني بجهله وكفره تعصّبه بالباطل، فصوبوا آراءه، وسددوا اجتهاده في تحريمها، فيعلم أنهم ليسوا من أهل الدين، ولكنهم من أهل العصبية والعدواة لآل محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

ولنختم المجلس بقصيدة أملاها خالص إيماني على جناني، وألقاها محض اعتقادي إلى فؤادي، وكتبتها يد محبتي على لوح فكرتي، واستخرجتها صناعة بلاغتي من خزانة فصاحتي، أسأل الله أن يجعلها صدر جريدة عملي، وبيت قصيدة أملي، وهو حسبنا ونعم الوكيل:

عصرُ الشبابِ تولّى وانقضى زَمَني

كطيف حلم مضى في غمضة الوسنِ

____________

١ - داود بن عليّ بن خلف الاصفهاني، المعروف بالظاهري، ولد عام « ٢٠٢ » ه‍، وتوفّي عام « ٢٧٠ » ه‍، ولد بالكوفة، ورحل إلى نيسابور، ونشأ ببغداد وتوفّي بها، من تصانيفه: كتابان في فضائل الشافعي. « معجم المؤلفين: ٤/١٣٩ ».

وخاننـي جلـدي لمـا دنـا أجـلي

وأقبل الشيـب بالترحال يـؤذنني

سبعون عاماً مضت ما كان أجمعها

إلا كومض بريـق لاح فـي مزنِ

لـم أسـتفد صالحـاً فيها ولا عملاً

إلى رضا الله فـي الاخرى يقرّبني

فكّرت في عصبٍ من اُسرتي سلفوا

وأهـل ودّي وفيمن كان يصحبني

فمـا وجدت لهـم عينـاً ولا أثراً

وليس حـي سواي من بني زمني

أيقنت انّـي بهـم لا شـكّ ملتحقٌ

وان دهري بسهم المـوت يرشقني

فعـادني منهـم عيـد فسـال دماً

دمعي لـذكرهم كـالعارض الهتن

علمت من عادة الدهر الخؤون بأنّ

الشيب والموت مقرونان في قرني

وابيض فودي ولكن سوّدت صحفي

كبائر ذكرها ما عـشت يـحزنني

أيام عمري في دنياي مـذ قصرت

طالت خوادع آمـالي فيـاغبـني

وكلمـا ضعفت منّي القوى قَوِيَت

عزيمتي في الّذي فـي الحشر يوبقني

لم أستفد في حياتـي غير صدقٍ ولا

صفـو اعتقـادي وإيمانـي عليه بُني

بحـب أحمـد والأطهـار عتـرته

اولي النهـى وذوي الآلاء والمــنن

قوم هم العروة الوثقى فمـن علـقت

بهـا يداه رآهـا أحصـن الجــنن

لا يقبـل الله مـن أعمالنـا عمـلاً

إلا بحبهـم فـي السـرّ والعلـــن

ماذا أقـول لقـوم كـان والــدهم

للمصطفــى خير منصوب ومؤتمن

رب الـغدير وقسّــام السعيــر

وذي العلم الغزير مبين الفرض والسنن

وصاحـب النصّ فـي آي العقود

فإنمــا وليكـم إن تتــل تستبـن

كـل إلى علمـه ذو حـاجـة وإذا

أخبرته فهـو عنهـم بالكمـال غنـي

به استقامت طريق الحق واتّضحت

وثبــت الله مـا بالديـن مـن وهن

توراة موســى وإنجيل المسيح له

في طيــها نشر ذكر واضح السنن

أهل السماء وأهل الأرض لو طلبوا

أن يحصـروا عد ما فيه من الحسن

ضاقـت مذاهبهم عـجزاً وما بلغوا

معشار ما جاء في المولى أبي حسن

سل عنه بدراً وأحـزاب الطغاة بني

حرب وعمـرو بن ودٍّ عابدي الوَثَن

لمـا علاه بمشحوذ الغـرار هـوى

يصافح الأرض بالكفّين والذقـن

علـيّ علـى كتف المختار معتمداً

طهارة البيت مـن رجس ومن درنِ

ما قلته قطـرة مـن بحـر مدحته

يكل عنـه بيــان الماهـر اللسن

في هـل أتى هل أتى إلا له شرف

آيات مدحتــه تتلـى مدى الزمن

الله مادحــه والذكـر شاهــده

هذي المكـارم لا قعبـان مـن لبن

به قواعـد إيماني علــت شرفاً

فصـرف ودّي لـه أرجوه يزلفني

بآلــه وبــه أرجـو النجـاة غداً

إذا عرا بي داعي الموت يطلبني

وصرت في اللحد منبــوذاً وفارقني

رهطي وأنكرني من كان يعرفني

وطال في الترب مكثي وانمحى أثري

كـأنني أرى الدنيـا ولم ترنـي

وقمت بين يدي ربّي وطائر أع‍

ـمالي بما كان من فعلي يذكرني

هناك أرجــو إذا نوديــت منفرداً

بثابت القول ربـي أن يثبّتنـي

من عالــم الذرّ حتـى الآن حبّهم

في مهـجتي مستقرّ لا يفـارقني

وهكذا بـغض من نـاواهم حسداً

به اديــن إذا مـا الله يسألنـي

يا من هموا في حياتي عدتي وهُمُوا

عقدي وعهدي إذا لُفّفت في كفني

وجدي لمـا نالـكم لا ينقضـي فإذا

ذكرته هاج بي من لوعتي حزني

وما لقى بعـد خيـر الخلـق والدكم

صنو النبيّ من الأرجاس يقلقني

من الّذي نفقـت سوق الفسوق وقـا

م البغي منهم على سـاق من الفتن

لولا عتيـق وثانيـه لمــا ظهرت

من آل حرب خفايا الحقد والضغن

ولا غدا الصنو في المحراب منجدلاً

قـد قُدَّ مفرقة في ظلمـة الدجن

من بعد مـا كفروا بـالله إذ نصبوا

لـه الحروب وثنـوا بابنه الحسن

هروا بسمهـم منـه الحشـا فثوى

خلف المنون من الأوغاد ذي الاجن

وجدي وصبري موصول ومنقطـع

لرزئـه وفـؤادي بالغمـوم منـي

يابن النبيّ ويا نجل الوصيّ ويــا

أعلى الورى نسبـاً يا خير ممتحن

لذكر صدّك عن بيت الرسول ودفـ

‍ن الأوّليـن به حزني يسهّدني

وفعل مـن اقدمــوا للمنع تقدّمهم

اُمّ الشـرور علـى بغـل يحيّرني

وإن تفكرت في يـوم الطفوف وما

عليكم ثمّ هـاج الوجد فـي بدنـي

وذكر صنـوك مقتـولاً على ظمأ

مـن الصبابـة تطويني وتنشرني

لهفي على ماجد بالطف يهتف بالـ

ـطغاة هل ناصر في الله ينصرني

هل من رحيم لـه فـي الله معتقد

يرى أوامـي ومـا ألقى فيسعفني

هل عالم أن جدّي المصطفى وأبي

وصيّه المرتضى حقـاً فيسعدني

أليست البضعة الزهراء اُمّي والـ

ـطيّار عمّي فلا خلق يسـاجلني

لم آتكـم رغبة فيكـم ولا طمعـاً

في ملككم بل خشيت الله يمقتنـي

بترك فرض جهاد القاسطين فكـا

نت حجّة الله إذ خـالفت تلـزمني

وكنـت أعلـم أن الغدر طبعكـم

لكن رجــاء ثواب الله يسترنـي

وددت لـو كان بعد المشرقين غداً

منكم مقامـي وعنكـم نازح وطني

يا ناكصيـن علـى أعقابكم تربت

يداكم فانثنيتم راكــدي السفــنِ

أليس بالطهر جـدي والوصـيّ أبي

عليكــم الله أعلانــي وشرّفني

بما استبحتم دمي والله أوجب في ال‍ـ

ـ‍تـنزيل ودّي وصفّانـي وطهّرني

من كلّ رجس وفي يوم الكساء رسو

ل الله خامسهـم بالنـصّ صيّـرني

وهذه النسـوة اللاتــي ترون بنـا

ت المصطفى فانتهوا يا عادمي الفطن

منعتموهنّ من شرب المبــاح فعد

ن يشتكيـن الظمـاء بالمدمـع الهتنِ

يا اُمـة سفهــت بالبغي أنفسهـا

فرأيهـا فالّـذي اختـارت إلى أفـنِ

أجبت أن لنـا علـم بأنّك أو

لـى النـاس بالناس من باد ومقتطنِ

وان جدّك هاديـهم وشيخــك وا

ليهم وأنتم معـاذ الخلق فـي المحنِ

لكنما زينة الدنيــا وزهرتهــا

نقد ومـن ذا يبيـع النقـد بالظنـن

لم يقس ماتـم في بدر فليس لنـا

قلب لما صار فيها غير مضطعــن

جزرتــم عتبـة بعـد الوليـد بها

جزر كجزركم كومـاً مـن البدنِ

فمـذ تحـقق أن القـوم طبعهــم

غدرٍ وجمعهـم بالله لــم يهـنِ

رأى جهادهـــم فرضـاً فناجزهم

على سواء فلم ينكـل ولم يهـنِ

وباع نفسـاً علت فوق السهـا شرفاً

من ذي المعارج بالغالي من الثمن

بجنـة طـاب مثواهــا فساكنهـا

قد فازمنها بعيش في الخلود هني

وناجــز القوم فـي أبرار عترتـه

فما استكانوا إلى الأعداء من وهن

حتى إذا استلبـوا أرواحهـم وغدوا

طعم المناصـل والخطيـة اللدنِ

أضحى فتى المصطفى فرداً فوا أسفي

على الفريد ويا وجدي ويـا شجنِ

ضرام وجدي إذا أجريت مصـرعه

بفكري شبّ فـي قلبـي فيحرقني

فيرســل الطرف مدراراً فيطفي نا

ر الحزن لكن بفيض الدمع يغرقني

لهفـي علـى نسوةٍ ضلّت مهتّكة

يسترن تلــك الوجوه الغرّ بالردنِ

تسـاق عنفاً على الأقتاب ليس ترى

إلّا زنيماً مـن الأرجـاس ذا ظغن

كنسوة من اسـارى الشرك طيف بها

وبرّزت جهــرة فـي سائر المدن

يا اشرف الخلق جدّاً في الورى واباً

وأسمـح النــاس بالآلاء والمنـنِ

ومن به عذب من ريب الزمان ومـن

حططت رحلي به عند انتهاء زمني

حزني لما نالكم لا ينقضي ولو أن ال‍ـ

‍ـلحد أصبـح بعـد الموت يسترني

لو كنـت حاضركـم في كربلا لرأي‍ـ

‍ـت القتل فرضاً به الجبّار ألزمني

وكنت أجعـل وجهـي جنّة لك من

سهام قـوم بغاة فيــك تقصـدني

حتـى أضــل وأوصالـي مقطّعـة

أذبّ عنــك وعيـن الله تلحضني

وصرت فـي عصبـة جادت بأنفسها

فذكر ما صنعت في الفخر غير دنيّ

بــاعت مـن الله أرواحـاً مطهّرة

ما في الّذي بذلت في الله من غبن

مولاي إذ لم أنل فضل الشهادة بال‍ـ

‍ـجهاد فيك ولا التوفيـق أسعدني

فقد وقفت لساني في جهاد اولي ال‍ـ

‍ـضلال من فيكم بغيـاً يـؤنّبني

عتيــق يغـلي أراه قيمة لعتي‍ـ

‍ـقهم وانظره أدنـى مـن الثمنِ

وهكــذا الظـالم الثـاني وثالثهم

ذو الغيّ أخبـث مغرور ومـفتتنِ

وعصبة صرعت حول البعير على

أكــفار رتــبهم الله أطـلعني

وتابعوا الرِّجس فـي صفّين لعنهم

فرض علـيَّ لـه الرحمن وفّقني

وهكذا أنـا نحـو المارقين بغا

ة النهـر في كلّ آن مرسل لعني

هذا اعتقادي به أرجـو النجاة إذا

أُوقفت بيـن يـدي ربّي ليسألني

ثمّ الصلاة عليكـم كلمـا سجعت

حمائـم الأيك في دوحٍ على فنن

المجلس الخامس

في خصائص الامام السبط التابع لمرضاة الله أبي عبدالله

الحسينعليه‌السلام ، وما تمّ عليه من أعدائه، وذكر شيء

من فضائله، وما قال الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله في حقّه،

وما جرى عليه من الامور الّتي امتحنه الله بها واختصه

بفضائلها حتّى صار سيّد الشهداء وسيلة لأهل البلاء،

وتعزية لأهل العزاء، صلوات الله عليه وعلى جدّه وأبيه،

واُمّه وأخيه، والأئمّة من بنيه، ولعن الله من ظلمهم،

واغتصبهم حقهم، آمين ربّ العالمين.

ا لحمد لله الّذي طهر بزلال الاخلاص قلوب أوليائه، وألزم نفوس الخواص بحمده وثنائه، وأطلع أحباءه على جلال عظمته وكبريائه، ورفع خلصاءه من حضيض النقصان إلى أوج الكمال باحتضانه، وسرّح عقولهم في دوح معرفته فرتعوا في تلك الرياض المونقة، وشرح صدورهم بافاضة أنوار عنايته على قوابل أنفسهم المشرقة، فاقتطفوا بأنامل إخلاصهم ثمار العرفان من تلك الحدائق المغدقة، واستنشقوا بمشامّ هممهم عاطر أنوارها وأزهارها المحدقة، واساموا ابصار بصائرهم في خمائل جمالها، فشاهدوا ما تكلّ عن

وصفه الألسن، واجتنوا من ثمرات شجرات دوحها ما تشتهي الأنفس وتلذّ الأعين.

ولمـّا عاينوا أنهار العناية قد فجّرت خلالها تفجيراً. وأدارت ولدان المحبّة على خالص المودّة كأساً كان مزاجها كافوراً، ارتاحت أرواحهم إلى أسير(١) زلال تلك الكؤوس المترعة، وسارت منهم النفوس إلى موارد مشارع معرفة الملك القدوس مسرعة، حتّى إذا شربوا بالكأس الروية من شراب إخلاص المحبّة، انبسطت أرواحهم من لذة حلاوة الشربة، وكشف لهم الغطاء عن السرّ المحجوب، واطلعوا من أحوال البرزخ على خفيّات الغيوب.

ولمـّا اطلّع سبحانه على حقيقة إخلاصهم تفرد بإحبائهم واختصاصهم، وثبّت في مداحض الأقدام اقدامهم، وأثبت في دفاتر الاعظام مقامهم، وصيرهم الوسائط بينه وبين عباده، والرسائل لأنامه في بلاده، واصطفاهم بالعصمة التامة، واجتباهم بالرئاسة العامّة، فأنقذوا الجهال بإفاضة علومهم، ووازنوا الجبال برزانة حلومهم، ونفعوا العليل بفصيح وعظهم، وشفوا الغليل بمبين لفظهم، وساقوا الناس بسوط حكمهم إلى شريعة ربّهم، ونادوا الخلق بصوت عزمهم إلى منازل قربهم، وعادوا في الله أعداءه، ووالوا في الحق اولياءه، حتّى أشرقت بنور هداهم الأقطار، وازّيّنت بذكر علاهم الأمصار، ورفل الحق في سرابيل العزّة والافتخار، وخطر الصدق في ميادين القوّة والاشتهار، ويسرت معالم الايمان بمعالم علمهم، وظهرت أحكام القرآن بواضح حكمهم، ورسخت اصول الدين في صعيد القوّة بجدّهم، وبسقت فروع الشرع في سماء العزّة بجهدهم، فعلوم التوحيد منهم ينابيعها تفجرت، وأسرار التنزيل بقوانين معارفهم ظهرت، والعدل والحكمة صحّة استنباطهم طرائقها قرّرت.

__________________

١ - غير مقروءة في الأصل.

لم يخلق الله خلقاً أكرم عليه منهم، ولم يصدر عنه من العلوم ما صدر عنهم.

ولمـّا تمت كلمتهم، وكملت صفتهم، وشملت رئاستهم، وعمت خلافتهم، وعمر برّهم، وعلا أمرهم، وخلصت قلوبهم، وصعبت نفوسهم، وأفاض الجليل سبحانه على أفئدتهم أنوار جلال عظمته، ورقّى أرواحهم إلى سماء العرفان فاطلعوا على أسرار إلهيته، أراد سبحانه أن لا يترك خصلة من خصال المجد، ولا مزيّة من مزايا الفخر إلا ويجعلهم عيبتها ومجمعها ومنبعها ومشرعها وموئلها ومرجعها ومربعها، ففازوا من خلال الكرم بالعلى من سهامها، والأعلى من مقامها، حتّى وصفهم سبحانه بأشرف خصال الكرامة، وأنزل قرآناً تتلى آيات مدحتهم فيه إلى يوم القيامة، وحازوا من المعارف الربّانيّة والأحكام الشرعية ما ينفع العليل، ويبلّ الغليل.

عنهم اصول العلوم اخذت، وبنهم اولوا المعارف احتذت، وعلى قواعدهم بنوا، وعن أعلامهم رووا، وجعلهم الله لسانه الناطق بحقّه، ومناره الساطع في خلقه.

ولمـّا انتهت في الكمال رتبتهم، وعلت في الجلال غايتهم، وعرفوا المبدع حقّ معرفته، ونزهوه عمّا لا يليق بصفته، صفّوا في مقام الخدمة أقدامهم، ونصبوا في حضرة العزّة أبدانهم، ولحظوا بعين التعظيم جلال مبدعهم، وشاهدوا بعين اليقين كمال مخترعهم، اشتاقت أنفسهم إلى المقام الأسنى، وتاقت أرواحهم إلى الجناب الأعلى، من جهاد أعداء ربّهم، والمموّهين بزورهم وكذبهم، الّذين باض الشرك في رؤوسهم، وفرّخ وثبت الكفر في نفوسهم، ورسخ ونعق ناعق النفاق في قلوبهم فاتّبعوه، ودعاهم داع الشقاق في صدورهم فأطاعوه،

فأجلبوا على حرب الفتى، وثنّوا بقتال الوصيّ، وتلبثوا بسم الزكي، وكفروا بأنعم ربّهم العلي.

وكان أفضل من جاهدهم في الله حقّ جهاده، وبذل نفسه لله بجده واجتهاده، وتلقى حر الحديد بذاته وولده، وقاتل بجد مجيد بعد أبيه وجده.

ثاني السبطين، وثالث أئمة الثقلين، وخامس الخمسة، أشرف من بذل في الله نفسه، منبع الأئمّة، ومعدن العصمة، السيد الممجد، والمظلوم المضطهد، سيّد شباب أهل الجنّة، ومن جعل الله حبه فرضاً لا سنّة، وولاءه من النّار أعظم جُنّة، سبط الاسباط، وطالب الثأر يوم الصراط، أشرف من مشى على وجه الأرض، وأقوم من قام بالسنّة والفرض، وأفضل من بكت السماء لقتله، وأمجد من اجتمعت أمّة السوء على خذله.

الإمام الشهيد، والوليّ الرشيد، قرة عين سيّدة النساء، وثمرة قلب سيّد الأوصياء، ومن شرفت بمصرعه كربلاء، وصارت مختلف أملاك السماء، السيد الماجد، والوليّ المجاهد، قتيل العبرة، وسليل العترة، وفرع السادة البررة، الإمام المظلوم، والسيد المحروم، الّذي مصيبته لا تنسى، وحرها لا يطفى، المنهتك الحرمة، والمخفور الذمة، الّذي لا يحق الجزع إلا على مصيبته، ولا يليق الهلع إلا من واقعته، الصبور عند البلاء، والشكور عند الرخاء.

كان للسائل كنزاً، وللعائذ عزّاً، وللمجدب غيثاً، وللمستصرخ مغيثاً، عبرة كلّ مؤمن، واسوة كلّ ممتحن، صفوة المصطفين، وأحد السيّدين، وابن صاحب بدر واحد وحنين، سيّدنا ومولانا أبا عبد الله الحسين، الّذي هضمت مصيبته الاسلام هضماً، وهدمت محنته الايمان هدماً، وألبست قلوب المؤمنين كرباً وغماً.

يا لها مصيبة شقّ لها المؤمنون قلوبهم لا جيوبهم، وتجافت لعظمها عن المضاجع جنوبهم، وأمطرت السماء دماً وتراباً، وخبرت من أخي العرفان أكفاراً وألباباً، واضطربت لهولها السبع العلى، واهتز لها عرش المليك الأعلى.

النبي والوصيّ فيها أهل العزاء، وسيدة النساء تود لو تكون له النداء، أنسى كلّ مصيبة مصابها، وأمر كلّ طعم صابها، وأدارت كؤوس الأحزان على قلوب المؤمنين، وجدّدت معاهد الأشجان في نفوس المخلصين، كسيت السماء بحمرة نجيع شهدائها سقفاً، وأذكت في قلوب المؤمنين بفادح زنادها حرقاً، وأنفذت بتراكم أحزانها ماء الشؤون، وأذابت بتفاقم أشجانها القلوب فاسالتها دماً من العيون، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون. أيّ مصيبة طمت وعمت وأشجت قلوب المؤمنين وأعمت.

فيا إخواني عزّوا نبيّكم المصطفى في هذا اليوم بسبطه، اسعدوا وليكم المرتضى في مصابه برهطه، فإن البكاء في هذا العشر لمصاب آل الرسول من أفضل الطاعات، وإظهار الجزع لما نال ولد الطاهرة البتول من أكمل القربات ولمـّا كانت هذه المصيبة لم تقع منذ خلق الله السماوات والأرض كواقعتها، ولا انهتكت حرمة نبيّ ولا وليّ كانتهاك حرمتها، ولا غضب الله غضبها على من شبّ ضرامها، ونصب أعلامها، وقاد جنودها، وعقد بنودها، أردت أن أنفت حزازة(١) صدري، وأبوح بما في سري، واخاطب المؤمنين من إخواني بما خطر في جناني، ونطق به لساني، فقلت من شدّة اسفي، وفرط لهفي، ودمعي

__________________

١ - نفتت القدر تنفت نفتا إذا كانت ترمي بمثل السهام من الغلي « لسان العرب: ٢/١٠٠ - نفت - ».

والحزازة: وجع في القلب من غيظ ونحوه. « لسان العرب: ٥/٣٣٥ - حزز - ».

يملي ولا يمل، ووجدي يقلي ولا يقل:

يا إخواني، تفكّروا في هذا الخطب الجسيم، والرزء العظيم، أيقتل ابن رسول الله في مفازة من الأرض من غير ذنب ارتكبه، ولا وزر احتقبه، ولا فريضة بدلها، ولا سنّة أبطلها؟ فتجتمع عصابة تزعم أنّها من اُمّه جدّه، وسالكة منهاجه من بعده، فتحرم عليه الماء المباح، وتجعل ورده من دم الجراح، لا تأخذها به رافة، ولا تخشى أن ينزل بها من غضب الله آفة، وهو يستغيث بأوغادها فلم يغيثوه، ويستعين بهم ولم يعينه، بل قست قلوبهم فهي كالحجارة أو أشدّ قسوة، ونقضوا عهدهم كالتي نقضت غزلها من بعد قوّة، لم يوقروا شيبته، ولم يذكروا قربته، ولا رحموا صبيته، ولا احترموا نسوته، ولا راعوا غربته، ولا استهابوا حرمة جدّه، ولا تألموا من خلف وعده، بل ذبحوا أطفاله، وهتكوا عياله، وقتلوا ذرّيّته، واستأصلوا اسرته، وانتهبوا ثقله، واستباحوا قتله، وأضرموا النّار في مضاربه، وسدّوا عليه أبواب مطالبه، وأظهروا ما كان كامناً من نفاقهم، وأبدوا ما أخفوا من سقامهم.

فأي مسلم يعتقد إسلامهم؟ وأي عاقل يؤول مرامهم؟ فلا يشكّ في كفرهم إلا من بلغ في الغيّ غايتهم، وسلك في البغي جادتهم، فأحوال الملاحدة منكري الصانع أحسن من أحوالهم، وأفعال جاحدي الشرائع أضرب من فعالهم واقوالهم، إذ هم يعتقدون ما حسّن العقل حسناً صريحاً، وما قبح العقل شنيعاً قبيحاً، وأهل الملل المنسوخة والشرائع المفسوخة من أهل الكتاب وغيرهم يعمظمون ذراري أنبيائهم، ويثابرون على محبة أبنائهم، ويتبرّكون بآثارهم ومزاراتهم، ويسجدون لصورهم المصورة في بيعهم ودياراتهم، وهذه الطائفة المارقة، والعصابة المنافقة، من بقايا الأحزاب، وسفهاء الأعراب، كانوا أهل

ضرّ ومتربة، وعسر ومسغبة، يخافون أن يتخطّفوا من دارهم، وينفوا عن قرارهم، قد ضربت عليهم الذلّة، وشملتهم البليّة، وألجأتهم الأعداء إلى المفاوز المقفرة والبوادي المنقطعة، وأجلتهم خصماؤهم عن القرى المحتفة بالجنان الملتفة، والعيشة الرضيّة، والأقوات الشهية، كما قال سيّدنا ومولانا أمير المؤمنينعليه‌السلام : واعتبروا بحال ولد إسماعيل وبني إسحاق وبني إسرائيلعليهم‌السلام ، فما أشدّ اعتدال الأحوال، وأقرب اشتباه(١) الأمثال!

تأمّلوا امورهم(٢) في حال تشتتهم وتفرقهم، ليالي كانت الأكاسرة والقياصرة أرباباً لهم يحتازونهم(٣) عن ريف الآفاق، وبحر العراق، وخضرة الدنيا، إلى منابت الشيع، ومهافي الريح، ونكد(٤) المعاش، فتركوهم عالة مساكين إخوان دَبرٍ ووَبرٍ(٥) ، أذل الاُمم داراً، وأجدبهم قاراراً لا يأوون إلى جناح دعوة يعتصمون بها(٦) ، ولا إلى ظلّ اُلفةً(٧) يعتمدون على عزها، فالأحوال مضطربة، والأيدي مختلفة، والكثرة متفرقة، في بلاء أزل(٨) ، وأطباق جهل! من بنات موؤودة، وأصنام معبودة، وأرحام مقطوعة، وغارات مشنونة.

فانظروا إلى مواقع نعم الله عليهم حين بعث إليهم رسولاً، فعقد بملّته طاعتهم، وجمع على دعوته اُلفتهم، كيف نشرت عليهم النعمة جناح كرامتها،

__________________

١ - أيّ تشابه.

٢ - في النهج: أمرهم.

٣ - أيّ يقبضونهم عن الأراضي الخصبة.

٤ - المهافي: المواضع الّتي تهفو فيها الرياح أيّ تهب. والنكد: الشدة والعسر.

٥ - الدبر: القرحة في ظهر الدابّة. والوبر: شعر الجمال. والمراد أنهم رعاة

٦ - أيّ لم يكن فيهم داع إلى الحق فيأووا إليه ويعتصموا بمناصرة دعوته.

٧ - كذا في النهج، وفي الأصل: ولا إلى لغة.

٨ - الأزل: الشدة.

وأسالت لهم جداول نعمتها(١) ، والتفت الملّة بهم في عوائد بركتها، فأصبحوا في نعيمها(٢) عرقين، وفي(٣) خضرة عيشها فكهين، قد تراحت لهم الاُمور(٤) ، في ظلّ سلطان قاهر، وآوتهم الحال إلى كنف عزّ غالب، وتعطف الامور عليهم في ذُرى ملك ثابت، فهم حكام على العالمين، وملوك في أطراف الأرضين، يملكون الامور على من كان يملكها عليهم، ويمضون الأحكام فيمن(٥) كان يمضيها فيهم! لا تغمز لهم قناة، ولا تقرع لهم صفاة(٦) (٧) إنتهى كلامه.

قلت: فما كان جزاء من أسدى هذه المنّة إليهم، وأسدل النعمة عليهم، إلا أن تركوه ميّتاً لم يكفّن، ومحبوراً لم يدفن، وأظهروا ما كان من حقدهم مخفياً، ونشروا من غيّهم ما كان منطوياً، وأنكروا وصيته، وأهانوا ذرّيّته، وجحدوا نصّه وعهده، وأخلفوا وعده وعقده، وجعلوا زمام امورهم بأيدي أدناهم نسباً وألأمهم حسباً، وأقلهم علماً، وأسفههم حلماً، لا في السراة القصوى من قصّتهم، ولا في المرتبة العليا من لومهم، ثمّ لم يقنعوا بما فعلوا، فلم يعترفوا إذ جهلوا، ولم يتحولوا إذ غيروا وبدلوا، ولم يستجيبوا إذ ضلّوا، وضلّوا حتّى دبروا في قطع دابرهم، وإخفاء مآثرهم، يجرعونهم الغصص، ويوردونهم الربق(٨) ، ويأكلون

__________________

١ - في النهج: نعيمها.

٢ - في النهج: نعمتها.

٣ - كذا في النهج، وفي الأصل: وعن.

٤ - في النهج: قد تربعت الامور بهم. وتربّعت: أقامت.

٥ - كذا في النهج، وفي الأصل: على من.

٦ - القناة: الرمح. وغمزها: جسّها باليد لينظر هل هي محتاجة للتقويم والتعديل فيفعل بها ذلك.

والصفاة: الحجر الصلد. وقرعها: صدمها لتكسر.

٧ - نهج البلاغة: ٢٩٧ ضمن خطبة رقم ١٩٢.

٨ - الربق: الكرب.

تراثهم، ويحوزون ميراثهم.

ثمّ لم تزل الأوغاد تنسخ على منوالهم، وتقتدي بأفعالهم وأقوالهم، إلى أن شنوا عليهم الغارات، وعقدوا لحربهم الرايات، واصطفوا لقتالهم بصفينهم وبصرتهم، وابتدروا لبوارهم وبوار شيعتهم، ثمّ اغتالوا وصيه في محرابه ساجداً راكعاً، وخذلوه متهجداً خاشعاً، وجرعوا سبط نبيّهم ذعاف سمومهم، وصرعوا رهطه في كربلاء بشدة عزمهم وتصميمهم.

ثمّ جعلوا سب ذرّيّته على منابرهم في جوامعهم، وهمز عترته في محاضرهم ومجامعهم، شرطاً من شروط صلواتهم، وشطراً من أوراد عباداتهم، وجعلوا شيعتهم إلى يوم الناس هذا أذلّاء مقهورين، وضعفاء مستورين، قد كعمتهم(١) التقيّة، وشملتهم البليّة، يقصدونهم في أنفسهم وأموالهم، ويغرّون السفهاء من جهّالهم، ويعيرونهم بزيارة قبور أوليائهم وساداتهم، ويبدعونهم في قصد مشاهد أئمتهم، بغض آل الرسول مركوز في جبلّتهم، وهظم الطاهرة البتول مرموز في خطابهم ومحاورتهم.

و لقد شاهدت في القرية الظالم أهلها، النائي عن الحقّ محلّها، المغضوب عليها، المنصوب علم الكفر لديها، أعني بلدة دمشق الشام محل الفجرة الطغاة، شرقي مسجدها الأعظم، وبيت أصنامها الأقدام، الّذي لا طهر ولا قدس، بل على شفا جرف هار اُسِّس، معدن العقوق، ومركز الفسوق، وبيت النّار، ومجمع الفجار، ومنبع الأشرار، وشر من مسجد ضرار، خربة - كانت فيما تقدّم مسجداً - مكتوب على صخرة عتبة بابها أسماء النبيّ وآله والأئمّة الاثني عشر عليهم

____________

١ - الكعام: شيء يجعل على فم البعير وقد يجعل على فم الكلب لئلا ينبح.

« لسان العرب: ١٢/٥٢٢ - كعم - ».

السلام، وبعدهم: هذا قبر السيّدة ملكة بنت الحسينعليه‌السلام بن أمير المؤمنين ولفرط بغضهم لأهل بيت نبيّهم، تركوا القيام بعمارة ذلك المقام إلى أن استهدم، ثمّ جعلوه مطرحاً لقماماتهم، ومرمي لنجاساتهم وقاذوراتهم، فهزت أريحية الايمان رجلاً ممّن تمسك بولائهم أن يميط الأذى والقاذورات عن تلك الخربة، لأنّها وإن لم تكن مدفناً لأحد من ذريتهم فقد شرفت بنسبتها إليهم، فجدد بناءه واتّخذه مسجداً مهيّئاً للصلاة.

فلمـّا أتمه وأماط الأرجاس عنه وألقى القمامة علم بذلك شيخ إسلامهم وبلغام(١) زمانهم وأحد أعلامهم وأكثر أصنامهم، عدوّ الله ورسوله، الكافر بفعله وقوله، المانع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، التام في النفاق حدّه ورسمه، فأقبل الشقيّ في جمع من المنافقين، والعصب المارقين وأمر بهدم ذلك المسجد، وأن يعاد مطرحاً للقمامات والقاذورات كما كان أولاً، وأحضر معه رجلاً نصرانياً ممّن يعالج قطع الأحجار وأمره أن يمحو أسماء النبيّ والأئمّة الطاهرين عن تلك الصخرة قائلاً: ترك هذه الأسماء على هذه الصخرة من أعظم بدعة في الاسلام، أفمن كان هذا دينهم ومعتقدهم هل يشكّ عاقل في كفرهم وارتدادهم، أو يرتاب في إلحادهم؟ وليس ذلك ببدع من نفاقهم، فهم فرع الشجرة الملعونة في القرآن، وأتباع جند الشيطان، وأعداء الرحمن، شرّ من قوم لوط وثمود، وأخبث من عاد قوم هود، فهم الكافرون الجاحدون المنافقون المارقون،( يُريدُونَ لِيُطفئُوا نُورَ اللهِ بِأَفوَاهِهِم وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَو كَرِهَ الكَافِرُونَ ) (٢) . اللّهمّ العنهم وأشياعهم وأتباعهم لعناً وبيلاً، وعذبهم عذاباً أليماً.

__________________

١ - كذا في الأصل.

٢ - سورة الصف: ٨.

فصل

في مناقب مولانا إمام الثقلين، وثاني السبطين، وأحد

السيّدين، أبي عبد الله الحسين صلوات الله وسلامه عليه

فمنها ما اختص به في حياته، ومنها ما ظهر بعد وفاته، فلنبدأ بما حصل في حياته وقبل مولده.

في كتاب الأنوار: إنّ الله سبحانه هنّأ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بحمل الحسينعليه‌السلام وولادته، وعزاه بقتله، فعرفت فاطمة ذلك فكرهته، فنزل قوله تعالى:( حَمَلَتهُ اُمُّهُ كُرهاً وَوَضَعَتهُ كُرهاً وَحَملُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهراً ) (١) فحمل النساء تسعة أشهر، ولم يولد مولود لستّة أشهر فعاش غير الحسين وعيسىعليهما‌السلام .

غرر أبي الفضل بن خيرانة(٢) أن فاطمةعليها‌السلام اعتلت لمـّا ولدت الحسينعليه‌السلام وجف لبنها، فطلب له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مرضعاً فلم يجد، فكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يأتيه فيلقمه إبهامه فيمصّها، فيجعل الله له في إبهام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله رزقاً يغذوه.

____________

١ - سورة الأحقاف: ١٥.

٢ - كذا في المناقب، وفي الأصل: عن أبي الفضل بن جبير.

وقيل: إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يدخل لسانه في فيه فيغرّه(١) كما يغر الطير فرخه، فيجعل الله له في ذلك رزقاً يغذوه، ففعل ذلك أربعين يوماً وليلة، فنبت اللحم واشتدّ العظم منه من لحم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .(٢) .

عن برّة أبنة أميّة الخزاعي قالت: لما حملت فاطمة بالحسنعليه‌السلام خرج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في بعض حوائجه(٣) فقال لها: إنّك ستلدين غلاماً قد هنأني به جبرئيل فلا ترضعيه حتّى أصير إليك.

قالت: فدخلت على فاطمة حين وضعت(٤) الحسنعليه‌السلام ولها(٥) ثلاث ما أرضعته، فقلت لها: أعطينيه حتّى ارضعه.

قالت: كلا، ثمّ أدركتها رقة الاُمّهات فأرضعته، فلمـّا جاء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لها: ماذا صنعت؟

قالت: أدركتني عليه رقة الاُمّهات فأرضعته.

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : أبى الله سبحانه إلا ما أراد، فلمـّا حملت بالحسينعليه‌السلام قال لها: يا فاطمة، إنّك ستلدين غلاماً قد هنأني به جبرئيل فلا ترضعيه حتّى أجيء إليك ولو أقمت شهراً.

قالت: أفعل، وخرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في بعض حوائجه(٦) ،

__________________

١ - أيّ يزقّه.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/٥٠، عنه البحار: ٤٣/٢٥٣ ح ٣١، ومدينة المعاجز: ٣/٤٩٢ ح ١٠٠٤ وص٤٩٣ ح ١٠٠٥، وعوالم العلوم: ١٧/٢١ ح ١٤ و١.

٣ - في المناقب: وجوهه.

٤ - في المناقب: ولدت.

٥ - في المناقب: وله.

٦ - في المناقب: وجوهه.

فولدت فاطمة الحسينعليهما‌السلام ، فما أرضعته حتّى جاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال لها: ماذا صنعت؟

قالت: ما أرضعته، فأخذه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فوضع(١) لسانه في فمه، فجعل الحسينعليه‌السلام يمص حتّى قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : إيهاً حسين، إيهاً حسين، ثمّ قال: أبى الله إلا ما يريد هي فيك وفي ولدك - يعني الامامة -.(٢)

ولمـّا منع الحسينعليه‌السلام من الماء أخذ سهماً وعدّ فوق خيام النساء تسع خطوات، فحفر الموضع، فنبع ماء طيّب فشربوا وملأوا قربهم.(٣)

و روى الكلبي: أنّ مروان قال للحسينعليه‌السلام : لولا فخركم بفاطمة بما كنتم تفخرون علينا؟

فوثب الحسينعليه‌السلام فقبض على حلقه وعصره، ولوى عمامته في عنقه حتّى غشي عليه، ثمّ تركه، ثمّ تكلّم وقال آخر كلامه: والله ما بين جابلقا(٤) وجابرسا رجل ممّن ينتحل الاسلام أعدى لله ولرسوله ولأهل بيته منك ومن أبيك إذ كان، وعلامة ذلك أنّك إذا غضبت سقط رداؤك عن منكبك.

قال: فوالله ما قام مروان [ من مجلسه ](٥) حتّى غضب فانتفض فسقط

____________

١ - في المناقب: وجوهه.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/٥٠، عنه البحار: ٤٣/٢٥٤ ح ٣٢، ومدينة المعاجز: ٣/٤٩٣ ح ١٠٠٦، وعوالم العلوم: ١٧/٢٢ ح ٢.

٣ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/٥٠، عنه مدينة المعاجز: ٣/٤٩٤ ح ١٠٠٧.

٤ - كذا في المناقب، وفي الأصل: جابرقا.

٥ - من المناقب.

ر داؤه عن عاتقه.(١)

زرارة بن أعين: قال: سمعت الصادقعليه‌السلام يحدث عن آبائهعليهم‌السلام أنّ مريضاً شديد الحمّى عادة الحسينعليه‌السلام ، فلمـّا دخل من باب الدار طارت الحمّى عن الرجل، فقال الرجل: رضيت بما اُوتيتم [ به ](٢) حقّاً، والحمّى تهرب منكم.

فقال الحسينعليه‌السلام : والله ما خلق الله شيئاً إلا وقد أمره بالطاعة لنا.

قال: فإذا نحن نسمع الصوت ولا نرى الشخص يقوم: لبيك.

قال: أليس أمير المؤمنين أمرك ألا تقربي إلا عدوّاً لنا أو مذنباً لكي تكوني كفّارة لذنوبه، فما بال هذا(٣) وكان المريض عبد الله بن شداد الليثي.(٤)

تهذيب الأحكام(٥) : [ قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : ](٦) إنّ امرأة كانت

____________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/٥١، عنه البحار: ٤٤/٢٠٦ ح ٢، وعوالم العلوم: ١٧/٨٦ ح ١ وعن الاحتجاج: ٢٩٩.

وأخرجه في مدينة المعاجز: ٣/٤٩٧ ح ١٠١١ عن الاحتجاج. وفي ص ٤٩٨ ح ١٠١٢ عن المناقب.

٢ و ٣ - من المناقب.

٤ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/٥١، عنه البحار: ٤٤/١٨٣ ح ٨، ومدينة المعاجز: ٣/٤٩٩ ح ١٠١٣، وعوالم العلوم: ١٧/٤٨ ح ١.

وروى مثله في رجال الكشي: ٨٧، عنه البحار: ٤٤/١٨٣ ح ٩، وعوالم العلوم: ١٧/٤٨ ح ٢.

٥ - تهذيب الأحكام: ٥/٤٧٠ ح ٢٩٣، عنه البحار: ٤٤/١٨٣ ح ١٠، ومدينة المعاجز: ٣/٥٠٦ ح ١٠٢٣، وعوالم العلوم: ١٧/٤٧ ح ٣.

٦ - من المناقب.

تطوف وخلفها رجل فأخرجت ذراعها، فمال بيده حتّى وضعها على ذراعها فبقيت(١) يده في ذراعها حتّى قطع الطواف، فأرسل إلى الأمير واجتمع الناس، وارسل إلى الفقهاء فجعلوا يقولون: اقطع يده فهو الّذي جنى الجناية.

فقال: ها هنا أحد(٢) من ولد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟

فقالوا: نعم، الحسين بن عليّعليه‌السلام قدم الليلة، فأرسل إليه فدعاه، فقال: انظر ما لقي هذان، فاستقبل الكعبة ورفع يديه ومكث طويلاً يدعو، ثمّ جاء إليهما حتّى تخلّصت يده من يدها، فقال الأمير: ألا نعاقبه بما صنع؟

قال: لا.(٣)

صفوان بن مهران: قال: سمعت الصادقعليه‌السلام يقول: رجلان اختصما في زمن الحسينعليه‌السلام في إمرأة وولدها، فقال واحد: هذا لي، وقال الآخر: هو لي، فمرّ بهما الحسينعليه‌السلام فقال لهما: فيما تمرجان؟

قال أحدهما: إنّ هذه الامرأة لي.

و قال الآخر: بل الولد والامرأة لي.

فقال للمدّعي الأوّل: اقعد، فقعد وكان الغلام رضيعاً، فقال الحسينعليه‌السلام : يا هذه اصدقي من قبل أن يهتك الله سترك.

فقالت: هذا زوجي، والولد له، ولا أعرف هذا.

فقالعليه‌السلام للغلام: انطق بإذن الله.

____________

١ - في المناقب: فأثبت الله.

٢ - كذا في المناقب، وفي الأصل: فقيل: هنا رجل.

٣ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/٥١.

فقال الغلام: ما أنا لهذا، ولا لهذا وما أبي الا راعي لآل فلان. فأمرعليه‌السلام برجمها.

قال جعفرعليه‌السلام (١) : فلم يسمع أحد انّ غلاماً نطق بعدها(٢) .

ا لأصبغ بن نباتة: قال: سألت الحسينعليه‌السلام ، فقلت: يا سيّدي، أسألك عن شيء أنا به موقن، وإنّه من سر الله وأنت المسرور إليه ذلك السرّ.

فقال: يا اصبغ، أتريد أن ترى مخاطبة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لأبي دون(٣) يوم مسجد قبا؟

قلت: هوالذي أردت. قال: قم، فإذا أنا وهو بالكوفة، فنظرت فإذا أنا بالمسجد من قبل ان يرتد إليّ بصري، فتبسم في وجهي، ثمّ قال: يا أصبغ، إن سليمانعليه‌السلام اُعطي الريح غدوها شهر ورواحها شهر، وأنا قد اُعطيت أكثر ممّا اُعطي.

فقلت: صدقت والله يا ابن رسول الله.

فقال: نحن الّذين عندنا علم الكتاب وبيان ما فيه، وليس عند أحد من خلقه ما عندنا لأننا أهل سر الله، ثمّ تبسم في وجهي، ثمّ قال: نحن آل الله، وورثة رسول الله عليه وآله.

فقلت: الحمد لله على ذلك، ثمّ قال: اُدخل، فدخلت فإذا أنا برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مختبىء في المحراب بردائه، فنظرت فإذا أنا بأميرالمؤمنين

____________

١ - كذا في المناقب، وفي الأصل: أبوجعفر - وهو تصحيف -.

٢ - في المناقب: فلم يسمع أحد نطق ذلك الغلام بعدها.

٣ - في المناقب: لأبي دون.

والدون: الخسيس، عبر به عن الأوّل والثاني تقيّة.

عليه‌السلام قابض على تلابيب الأعسر(١) ، فرأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يعض على الأنامل وهو يقول: بئس الخلف خلّفتني أنت وأصحابك، عليكم لعنة الله ولعنتي، الخبر.(٢)

كتاب الإبانة: قال بشر بن عاصم: سمعت ابن الزبير يقول: قلت للحسينعليه‌السلام : إنّك تذهب إلى قوم قتلوا أباك، وخذلوا أخاك!

فقالعليه‌السلام : لإن اقتل في موضع كذا وكذا أحبّ إليّ من أن يستحل بي مكّة، عرّض بهعليه‌السلام .

كتاب التخريج: عن العامري بالإسناد عن هبيرة بن مريم(٣) ، عن ابن عبّاس، قال: رأيت الحسينعليه‌السلام قبل أن يتوجه إلى العراق على باب الكعبة وكف جبرئيل في كفه، وجبرئيل ينادي: هلمّوا إلى بيعة الله سبحانه.

و عُنّف ابن عبّاس على تركه الحسينعليه‌السلام ، فقال: إنّ أصحاب الحسين لم ينقصوا رجلاً ولم يزيدوا رجلاً، نعرفهم بأسمائهم من قبل شهودهم.

وقال محمد بن الحنفيّة: وإنّ أصحابه عندنا لمكتوبون بأسمائهم وأسماء آبائهم.(٤)

____________

١ - الأعسر: الشديد أو الشؤوم، والمراد به الأوّل أو الثاني.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/٥١ - ٥٢، عنه البحار: ٤٤/١٨٤ ذ ح ١١، ومدينة المعاجز: ٣/٥٠٠ ح ١٠١٥ وص ٥٠١ ح ١٠١٦، وعوالم العلوم: ١٧/٤٩ ح ١ وص ٥٠ ح ١.

٣ - في المناقب: بريم.

٤ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/٥٢ - ٥٣، عنه البحار: ٤٤/١٨٥ ح ١٢، ومدينة المعاجز: ٣/٥٠٣ ح ١٠١٧ - ١٠١٩، وعوالم العلوم: ١٧/٥٤ ح ٢ وص ٤١ ح ١.

فصل

في مكارم أخلاقهعليه‌السلام

سأل رجل الحسين(١) عليه‌السلام حاجة، فقال صلوات الله عليه: يا هذا، سؤالك إيّاي يعظم لديّ، ومعرفتي بما يجب لك يكبر عليّ، ويدي تعجز عن نيلك ممّا أنت أهله، والكثير في ذات الله قليل، وما في ملكي وفاء لشكرك، فإن قبلت الميسور دفعت عنّي مؤنة(٢) الاحتيال لك، والاهتمام لما أتكلّف من واجب حقك.

فقال الرجل: يا ابن رسول الله، أقبل ( اليسير )(٣) ، وأشكر العطية، وأعذر على المنع، فدعا الحسينعليه‌السلام بوكيله وجعل يحاسبه على نفقاته حتّى استقصاها، ثمّ قال: هات الفاضل من الثلاثمائة الف، فأحضر خمسين ألفاً من الدراهم. فقال: ما فعلت الخمسمائة دينار؟

قال: هي عندي.

قال: احضرها، فدفع الدراهم والدنانير إلى الرجل، فقال: هات من

__________________

١ - في جميع المصادر باستثناء مقتل الخوارزمي: الحسين.

٢ - في المقتل: مرارة، وفي الكشف: [ الاحتفال ] بدل [ الاحتيال ].

يقال: احتفل في الأمر: أيّ بالغ فيه.

٣ - من المقتل.

يحمل معك هذا المال، فأتاه بالحمّالين، فدفع الحسين إليهم رداءه لكراء حملهم حتّى حملوه معه، فقال مولى له: والله لم يبق عندنا درهم واحد.

قال: لكنّي أرجوا أن يكون لي بفعلي هذا عندالله، أجر عظيم.(١)

قيل: خرج الحسنعليه‌السلام في سفر فأضلّ طريقة ليلاً، فمرّ براعي غنم فنزل عنده وألطفه وبات عنده، فلمـّا أصبح دله على الطريق، فقال له الحسنعليه‌السلام : إنّي ماض إلى ضيعتي(٢) ، ثمّ أعود إلى المدينة، ووقّت له وقتاً قال: تأتيني فيه، فلمـّا جاء الوقت شغل الحسن بشيء من اموره عن قدوم المدينة، فجاء الراعي وكان عبداً لرجل من أهل المدينة فصار إلى أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام وهو يظنّه الحسن، فقال: يا مولاي، أنا العبد الّذي بتَّ عندي ليلة كذا وأمرتني(٣) أن اصير إليك في هذا الوقت، وأراه علامات عرف الحسينعليه‌السلام أنّه كان الحسنعليه‌السلام .

فقال الحسينعليه‌السلام : لمن أنت؟

فقال: لفلان. قال: كم غنمك؟ قال: ثلاثمائة.

__________________

١ - مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ١/١٥٣.

ورواه في مطالب السؤول: ٢/٩، عنه كشف الغمة: ١/٥٥٨ - ٥٥٩.

ورواه في الفصول المهمة: ١٥٧، عنه حلية الأبرار: ٣/٦٣ ح ٦ وعن المطالب.

وأخرجه في البحار: ٤٣/٣٤٧ ح ٢٠ عن الكشف.

٢ - الضيعة: النخل والكرم والأرض.

٣ - في المقتل: ووعدتني.

فأرسلعليه‌السلام إلى الرجل فرغّبه حتّى باعه الغنم والعبد فأعتقه ووهب له الغنم مكافأة عمّا صنع بأخيه، وقال: إنّ الّذي بات عندك أخي وقد كافيتك بفعلك به.(١)

وروى الحسن البصري: قال: كان الحسين سيداً، زاهداً، ورعاً، صالحاً، ناصحاً، حسن الخلق، فذهب ذات يوم مع أصحابه إلى بستان له وكان في ذلك البستان غلام له يقال له صافي، فلمـّا قرب من البستان رأى الغلام قاعداً يأكل خبزاً، فنظر الحسين إليه وجلس مستتراً ببعض النخل، فكان الغلام يرفع الرغيف فيرمي بنصفه إلى اكلب ويأكل نصفه، فتعجب الحسينعليه‌السلام من فعل الغلام، فلمـّا فرغ من الأكل قال: الحمد لله ربّ العالمين. اللّهمّ اغفر لي ولسيدي وبارك له كما باركت على أبويه برحمتك يا أرحم الراحمين.

فقام الحسينعليه‌السلام وقال: يا صافي، فقام الغلام فزعاً، فقال: يا سيّدي وسيد المؤمنين إلى يوم القيامة، إنّي ما رأيتك فاعف عني.

فقال الحسينعليه‌السلام : اجعلني في حلّ يا صافي لأني دخلت بستانك بغير إذنك.

فقال صافي: يا سيّدي بفضلك وكرمك وسؤددك تقول هذا.

فقال الحسينعليه‌السلام : إنّي رأيتك ترمي بنصف الرغيف إلى الكلب وتأكل نصفه، فما معنى ذلك؟

فقال الغلام: إن [ هذا ](٢) الكلب ينظر إليّ حين أكلي، فإنّي أستحي منه يا

__________________

١ - مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ١/١٥٣.

٢ - من المقتل.

سيدي لنظره إليّ، وهذا كلبك يحرس بستانك من الأعداء، وأنا عبدك وهذا كلبك نأكل من رزقك معاً.

فبكى الحسينعليه‌السلام وقال: إن كان كذلك فأنت عتيق لله ووهبت لك ألفي دينار بطيبة من قلبي.

فقام الغلام: إن أعتقتني لله فإنّي اريد القيام ببستانك.

فقال الحسين: إنّ الكريم(١) إذا تكلّم بالكلام ينبغي له أن يصدقه بالفعل، وأنا قلت حين دخلت البستان: اجعلني في حلّ فإنّي دخلت بستانك بغير إذنك، فصدقت قولي، ووهبت البستان لك بما فيه، غير أنّ أصحابي هؤلاء جاءوالأكل الثمار والرطب فاجعلهم أضيافاً لك، وأكرمهم لأجلي أكرمك الله يوم القيامة وبارك لك في حسن خلقك وأدبك.

فقال الغلام: إن كنت أوهبت لي بستانك فإنّي قد سبلته لأصحابك وشيعتك.

قال الحسن البصري: فينبغي للمؤمن أن يكون في الفعال كنافلة(٢) رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .(٣)

وروي: أنّ الحسينعليه‌السلام كان جالساً في المسجد، مسجد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في الموضع الّذي كان يجلس فيه أخوه الحسنعليه‌السلام ، بعد وفاة أخيهعليه‌السلام ، فأتاه أعرابي فسلّم عليه، فردّعليه‌السلام وقال: ما حاجتك؟

__________________

١ - في المقتل: الرجل.

٢ - النافلة: الذرّيّة من الأحفاد والأسباط.

٣ - مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ١/١٥٣ - ١٥٤.

قال إنّي قتلت ابن عمّ لي وقد طولبت بالدية، وقد قصدتك في دية مسلمة إلى أهلها.

قال أقصدت أحداً قبلي؟

قال: نعم، قال: قصدت عتبة بن أبي سفيان فناولني خمسين ديناراً، فرددتها عليه، وقلت: لأقصدنّ خيراً منك وأكرم.

فقال عتبة: ومن خير منّي وأكرم لا اُمّ لك؟ فقلت الحسين وعبد الله بن جعفر(١) ، وقد أتيتك بدءاً لتقيم بها عمود ظهري وتردّني إلى أهلي.

فقال الحسينعليه‌السلام : يا أعرابي، إنّا قوم نعطي المعروف على قدر المعرفة.

فقال: سل، يا ابن رسول الله.

فقال الحسين: ما النجاة من الهلكة؟

قال: التوكّل على الله.

فقال: ما أوفى للهمة؟

فقال: الثقة بالله.

فقال: ما احصن ما يتحصّن به العبد؟

قال: بحبّكم أهل البيت.

قال: ما أزين ما يتزيّن به العبد؟

قال: علم يزيّنه حلم.

____________

١ - في المقتل: إمّا الحسين بن علي وإما عبد الله بن جعفر.

قال: فإن أخطأه ذلك.

قال: عقل يزيّنه تُقى.

قال: فإن أخطأه ذلك.

قال: سخاء يزيّنه خلق حسن.

قال: فإن أخطأه ذلك.

قال: شجاعة يزينها ترك العجب.

قال: فإن أخطأه ذلك.

قال: والله يا ابن رسول الله إن أخطأ المرء هذه الخصال فالموت أنسب به من الحياة.

وفي رواية أنّه قال: فصاعقة تنزل عليه من السماء فتحرقه.

فضحك الحسينعليه‌السلام وأمر بعشرة آلاف درهم له وقال: هذا قضاء ديتك الّتي وجبت عليك، وعشرة آلاف اخرى ترمّ(١) بها معيشتك، فأخذ الجميع الأعرابي وأنشأ يقول:

طربت وماهاج بي(٢) مقلق

وما بي سقام ولا معشق(٣)

ولكن طربت لآل الرسول

فهاج بي(٤) الشعر والمنطق

هم الأكرمون هم الأنجبون

نجوم السماء بهم تشرق

__________________

١ - الرمّ: إصلاح الشيء.

٢ - في المقتل: قلقت وما هاجني.

٣ - في المقتل: موبق.

٤ - في المقتل: ففاجأني.

فأنت الامام(١) وبدر الظلام

ومعطي الأنام إذا أملقوا

سبقت الأنام إلى المركمات

فأنت الجواد فلا تلحق(٢)

أبوك الّذي فاز بالمكرمات

فقصّر عن سبقه السبّق

بكم فتح الله باب االرشاد(٣)

وباب الضلال بكم مغلق(٤)

__________________

١ - في المقتل: الهمام.

٢ - في المقتل: وأنت سبقت الأنام إلى الطيبات وما.

٣ - في المقتل: الهدى.

٤ - مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ١/١٥٥ - ١٥٧، باختلاف.

فصل

فيما جاء في فضلهعليه‌السلام من الأحاديث المسندة

روي بحذف الإسناد: أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال يوماً لاُمّ سلمة: اجلسي على الباب فلا يلجنّ عليّ أحد.

قال: فجاء الحسينعليه‌السلام وهو وحف(١) ، قالت: فذهبت أتناوله فسبقني، فلمـّا طال عليَّ خفت أن يكون قد وجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله علي شيئاً، فتطلعت من الباب فوجدته يقلب بكفيه شيئاً والصبيّ نائم على بطنه ودموعه تسيل، فأمرني أن أدخل، فدخلت وقلت: يا رسول الله صلّى الله عليك، إن ابنك جاء فذهبت أتناوله فسبقني فلمـّا طال عليَّ خفت أن تكون وجدت في نفسك عليَّ شيئاً، فتطلعّت من الباب فوجدتك تقلّب بكفّيك شيئاً ودموعك تسيل والصبيّ نائم على بطنك.

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ جبرئيل أتاني بهذه التربة الّتي يقتل عليها ابني، وأخبرني إنّ اُمّتي تقتله.(٢)

____________

١ - كذا في المقتل، وفي الأصل: وصيف.

والوحف: المسرع.

٢ - مقتل الحسينعليه‌السلام الخوارزمي: ١/١٥٨.

وروى نحوه في أمالي الصدوق: ١٢٠ ح ٣، عنه البحار: ٤٤/٢٢٥ ح ٨، وعوالم العلوم: ١٧/١٢٨ ح ١٠.

وفي رواية اخرى: عن اُمّ الفضل بنت الحارث أنّها دخلت على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقالت: يا رسول الله، إنّي رأيت حلماً منكراً الليلة.

قال: وما هو؟

قالت: رأيت كأنّ قطعة من جسدك قطعت ووضعت في حجري.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : رأيت خيراً، تلد فاطمة إن شاء الله غلاماً فيكون في حجرك.

فولدت فاطمة الحسينعليه‌السلام فكان في حجري كما قالصلى‌الله‌عليه‌وآله فدخلت يوماً على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فوضعته في حجره، ثمّ حانت منّي التفاتة فإذا عينا رسول الله عليه وآله تهرقان بالدموع، فقلت: يا نبيّ الله، بأبي أنت واُمّي مالك.

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أتاني جبرئيل وأخبرني إنّ اُمّتي ستقتل ابني هذا.

فقلت: هذا؟

فقال: نعم، وأتاني بتربة من تربتة حمراء.(١)

وفي رواية اُمّ سلمة: أخبرني جبرائيل إن اُمّتي ستقتله بأرض العراق. فقلت: يا جبرائيل، أرني تربة الأرض الّتي يقتل بها، فأراني(٢) ، فهذه

__________________

١ - مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ١/١٥٨ - ١٥٩.

ورواه في مستدرك الحاكم: ٣/١٧٦، دلائل الامامة: ٧٢، إرشاد المفيد: ٢٥٠، ترجمة الامام الحسينعليه‌السلام من تاريخ دمشق: ١٨٣/٢٣٢.

وأخرجه في البحار: ٤٤/٢٣٨ ح ٣٠، وعوالم العلوم: ١٧/١٢٧ ح ٧ عن الارشاد.

٢ - في المقتل: قال.

تربتها.(١)

وعن ابن عبّاس: قال: ما كنّا نشك وأهل البيت متوافدون على أنّ الحسينعليه‌السلام يقتل بالطف(٢) .

روي بالاسناد: أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: هبط عليَّ جبرائيلعليه‌السلام في قبيل من الملائكة قد نشروا أجنحتهم يبكون حزناً على الحسين، وجبرائيل معه قبضة من تربة الحسينعليه‌السلام تفوح مسكاً أذفر، فدفعها إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقال: يا حبيب الله، هذه تربة ولدك الحسينعليه‌السلام وسيقتله اللعناء بأرض يقال لها كربلاء.

قال: فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : حبيبي جبرائيل، وهل تفلح اُمّة تقتل فرخي وفرخ ابنتي؟

قال: لا، بل يضربهم الله بالاختلاف، فتختلف قلوبهم وألسنتهم آخر الدهر.

وقال شرحبيل بن أبي عون: إن الملك الّذي جاء إلى النبيّ إنّما كان ملك البحار، وذلك انّ ملكاً من ملائكة الفردوس(٣) نزل إلى البحر الأعظم، ثمّ نشر أجنحته وصاح صيحة، وقال في صيحته: يا أهل البحار البسوا أثواب الحزن فإن فرخ محمد مقتول مذبوح، ثمّ جاء إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال: يا حبيب الله، تقتتل على هذه الأرض [ فرقتان؛ ](٤) فرقة من اُمّتك ظالمة معتدية

__________________

١ - مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ١/١٥٩.

٢ - مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ١/١٦٠.

٣ - في المقتل: الفراديس.

٤ - من المقتل.

فاسقة يقتلون فرخك الحسين بن بنتك بأرض كرب وبلاء، وهذه تربته.

قال: ثمّ ناوله قبضة من أرض كربلاء وقال: تكون هذه التربة عندك حتّى ترى علامة ذلك، ثمّ حمل ذلك الملك من تربة [ الحسين في بعض أجنحته فلم يبق ملك في سماء الدنيا إلا شم تلك التربة ](١) وصار لها عنده أثر وخبر.

قال: ثمّ أخذ النبيّ تلك القبضة الّتي جاء بها الملك فشمها وهو يبكي ويقول في بكائه: اللّهمّ لا تبارك في قاتل الحسين ولدي، وأصله نار جهنّم، ثمّ دفع القبضة إلى اُمّ سلمة وأخبرها بمقتل الحسينعليه‌السلام على شاطىء الفرات وقال: يا اُمّ سلمة، خذي هذه التربة إليك فإنها إذا تغيّرت وتحوّلت دماً عبيطاً فعند ذلك يقتل ولدي الحسين، فلمـّا أتى على الحسين سنة كاملة من مولده هبط على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اثنا عشر ملكاً أحدهم على صور الأسد، والثاني على صورة الثور، والثالث على صورة التنيين والرابع على صورة بني(٢) آدم، والثمانية الباقية(٣) على صور شتّى محمرة وجوههم قد نشروا أجنحتهم، يقولون: يا محمد إنّه سينزل بولدك الحسين بن فاطمة ما نزل بهابيل وقابيل.(٤)

قال: ولم يبق في السماء ملك إلا نزل إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كلّ يعزّيه بالحسينعليه‌السلام ويخبره بثواب ما يعطى، ويعرض عليه تربته،

__________________

١ - من المقتل.

٢ - في المقاتل: ولد.

٣ - في المقتل: الباقون.

٤ - زاد في المقتل: وسيعطى مثل أجر هابيل، ويحمل على قاتله مثل وزر قابيل.

والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: اللّهمّ اخذل من خذله، واقتل من قتله، ولا تمتعه بما طلبه.

قال المسور بن مخرمة: ولقد أتى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ملك من ملائكة الصفيح الأعلى لم ينزل إلى الأرض منذ خلق الله الدنيا، وإنّما استأذن ذلك الملك ربّه ونزل شوقاً منه إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فلمـّا نزل إلى الأرض أوحى الله سبحانه إليه أن اخبر محمّداً بأن رجلاً من اُمته يقال له يزيد لعنه الله تعالى يقتل فرخه الطاهر ابن الطاهرة نظيرة البتول مريم.

قال: فقال الملك: إلهي وسيّدي، لقد نزلت من السماء وأنا مسرور بنزولي إلى نبيّك محمد، فكيف أخبره بهذا الخبر؟! ليتني لم أنزل عليه، فنودي الملك من فوق رأسه: أن امض لما اُمرت، فجاء وقد نشر أجنحته [ حتّى وقف ](١) بين يدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقال: السلام عليك يا حبيب الله، إنّي استأذنت ربّي في النزول إليك فأذن لي، فليت ربّي دق جناحي ولم آتك بهذا الخبر، ولكنّي مأمور، يا نبيّ الله، اعلم أن رجلاً من اُمتك يقال له يزيد زاده الله عذاباً، يقتل فرخك الطاهر ابن فرختك الطاهرة نظيرة البتول مريم، ولم يتمتع بعد ولدك، وسيأخذه الله معاوضة على أسوء عمله، فيكون من أصحاب النار.

قال: فلمـّا أتى على الحسين سنتان كاملتان خرج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في سفر، فلمـّا كان(٢) ببعض الطريق وقف واسترجع ودمعت عيناه، فسئل عن ذلك، فقال: هذا جبرائيل يخبرني عن أرض بشاطىء الفرات يقال لها

__________________

١ - من المقتل.

٢ - صار - خ ل -.

كربلاء يقتل فيها ولدي الحسين بن فاطمة.

فقيل: من يقتله، يا رسول الله؟

قال: رجل يقال له يزيد، لا بارك الله له في نفسه، وكأنّي أنظر إلى مصرعه ومدفنه بها وقد اُهدي رأسه، ما ينظر أحد إلى رأس الحسين ولدي فيفرح إلا خالف الله بين قلبه ولسانه، يعني ليس في قلبه ما يقول(١) بلسانه من الشهادة.

قال: ثمّ رجع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من سفره ذلك مغموماً، ثمّ صعد المنبر فخطب ووعظ الناس، والحسن والحسين بين يديه، فلمـّا فرغ من خطبته وضع يده اليمنى على رأس الحسن، واليسرى على رأس الحسينعليهما‌السلام ، ثمّ رفع رأسه إلى السماء، فقال: اللّهمّ إنّي محمد عبدك ونبيك، وهذان أطائب عترتي، وخيار ذرّيّتي وأرومتي ومن اُخلفهما(٢) في اُمّتي.

اللّهمّ وقد أخبرني جبرائيل بأنّ ولدي هذا مخذول مقتول.

اللّهمّ بارك لي في قتله، واجعله من سادات الشهداء، إنّك على كلّ شيء قدير.

اللّهمّ ولا تبارك في قاتله وخاذله.

قال: فضج الناس بالبكاء في المسجد، فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : أتبكون ولا تنصرونه؟ اللّهمّ فكن أنت له ولياً وناصراً.

قال ابن عبّاس: خرج(٣) النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في سفر قبل موته بأيام

__________________

١ - في المقتل: ما يكون.

٢ - كذا في المقتل:، وفي الأصل: اُخلفهم.

٣ - كذا في المقتل، وفي الأصل: ثمّ خرج.

يسيرة، ثمّ رجع وهو متغيّر اللون محمرّ الوجه، فخطب خطبة بليغة موجزة وعيناه تهملان دموعاً، ثمّ قال: أيّها الناس، إنّي قد خلّفت فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي وأرومتي ومراح قلبي وثمرتي، لم(١) يفترقاحتى يراد عليّ الحوض، ألا وإنّي أنتظرهما، ألا وإنّي لا أسألكم في ذلك إلا ما أمرني ربّي، إنّي أسألكم المودّة في القربى، فانظروا لا تلقوني غداً على الحوض وقد أبغضتم عترتي وظلمتموهم، ألا وإنّه سترد علي في القيامة ثلاث رايات من هذه الاُمّة: راية سوداء مظلمة فتقف علي فأقول: من أنتم؟ فينسون ذكري ويقولون: نحن أهل التوحيد من العرب، فأقل: أنا أحمد نبيّ العرب والعجم، فيقولون: نحن من اُمتك، فأقول: كيف خلّفتموني في أهلي وعترتي من بعدي وكتاب ربّي؟ فيقولون: أمّا الكتاب فضيعنا ومزقنا، وأمّا عترتك فحرصنا على أن نبيدهم(٢) عن جديد الأرض، فاُوليّ وجهي، فيصدرون ظماء عطاشاً مسودة وجوههم.

ثمّ ترد علي راية اُخرى أشدّ سواداً من الاُولى [ فأقول لهم: من أنتم؟ ](٣) فيقولون كالقول الأوّل بأنهم من أهل التوحيد، فإذا ذكرت لهم اسمي عرفوني، وقالوا: نحن اُمتك، فاقول: كيف خلّفتموني في الثقلين الأكبر والأصغر؟ فيقولون: أمّا الأكبر فخالفنا، وأمّا الاصغر فخذلنا( وَمَزَّقنَاهُم كُلَّ مُمَزَّقٍ ) (٤) ، فأقول لهم: إليكم عنّي، فيصدرون ظماء عطاشاً مسودة وجوههم.

ثمّ ترد عليَّ راية اُخرى تلمع نوراً، فأقول: من أنتم؟ فيقولون: نحن أهل

__________________

١ - في المقتل: ومزاج مائي وثمرتي، ولن.

٢ - في المقتل: ننبذهم.

٣ - من المقتل.

٤ - سورة سبأ: ١٩.

كلمة التوحيد والتقوى، نحن اُمّة محمد، ونحن بقيّة أهل الحقّ الّذين حملنا كتاب الله ربّنا فحللنا حلاله، وحرمنا حرامه، وأحببنا ذرّيّة محمد فنصرناهم من كلّ ما نصرنا به(١) أنفسنا، وقاتلنا معهم، وقتلنا من ناواهم، فأقول لهم: أبشروا، فأنا نبيّكم محمد، ولقد كنتم في دار الدنيا كما وصفتم، ثمّ أسقيهم من حوضي فيصدرون رواءً.

أ لا وإن جبرئيل قد أخبرني بأنّ اُمّتي تقتل ولدي الحسين بأرض كربلاء، ألا فلعنة الله على قاتله وخاذله آخر الدهر.

قال: ثمّ نزل عن المنبر ولم يبق أحد من المهاجرين والأنصار إلا وتيقّن بأن الحسينعليه‌السلام مقتول.

ولمـّا أسلم كعب الأحبار وقدم جعل أهل المدينة يسألونه عن الملاحم الّتي تكون في آخر الزمان وكعب يخبرهم بأنواع الملاحم والفتن ثمّ قال كعب: نعم، وأعظمها فتنة وملحمة هي الملحمة الّتي لا تنسى أبداً، وهو الفساد الّذي ذكره الله سبحانه في الكتب، وقد ذكره في كتابكم بقوله:( ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالبَحرِ ) (٢) وإنّما فتح بقتل هابيل، ويختم بقتل الحسينعليه‌السلام .(٣)

روى عبد الله [ بن عبد الله ](٤) بن الأصم، عن عمّه يزيد بن الأصم قال: خرجت مع الحسن من الحمام، فبينا هو جالس إذ أتته اضبارة من الكتب، فما

____________

١ و ٤ - من المقتل.

٢ - سورة الروم: ٤١.

٣ - مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ١/١٦٢ - ١٦٥.

نظر في شيء منها حتّى دعا الخادم بإحضار مخضب فيه ماء، ثمّ دلكها(١) ، فقلت: يا أبا محمد، من أين هذه الكتب؟

فقال: من العراق، من عند قوم لا يقصرون عن باطل، ولا يرجعون إلى حقّ، ثمّ قال: إنّي لست أخشاهم على نفسي ولكن أخشاهم على ذاك - وأشار إلى الحسينعليه‌السلام -.

و عن ابن عبّاسرضي‌الله‌عنه : قال: أخذ بيدي عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، فقال: يا عبد الله بن عبّاس، كيف بك إذا قتلنا، وولغت الفتنة في أولادنا، وسبيت ذرارينا ونساؤنا كما تسبى الأعاجم؟

قلت: اعيذك بالله يا أبا الحسن يا ابن عمّ، لقد كلمتني بشيء ساءني، وما ظننت أنّه يكون، أمّا ترى الايمان ما أحسنه، والاسلام ما أزينه؟ أتراهم فاعلين ذلك؟ لعلها غير هذه الاُمة.

قال: لا والله، بل هذه الاُمّة، فأمرض قلبي وساءني وصرت إلى رسول الله صلّى عليه وآله فخبرته على استحياء وخوف، وشاركتني في ذلك ميمونة وكأنّي اُريدها بالحديث.

فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : الله أكبر، من أخبرك بذلك؟

قلت: أخبرني به عليّ.

فقال: رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ائت عليّاً فادعه، فإذا هو بالباب فدخل فأمره بالجلوس، فقال: حبيبي ما لي أراك متغيّر اللون؟

قال: خيراً يا رسول الله.

____________

١ - في المقتل: دعا الخادم بالمخضب والماء فألقاها فيه، ثمّ دلكها.

قال : لعلّك ذكرت أمراً فأحزنك؟

قال: قد كان ذلك.

قال: إن عبد الله قد حدّث عنك بما حدث، فمن أين قلت؟ لقد أمرضت قلبي وأحزنتني.

قال: إنّ ابنتك فاطمة أخبرتني انها رأت رؤيا أقلقتني عندما قصّتها عليّ.

فقال رسول الهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ما هيأته؟ قال: أخبرتني انّ قائلاً يقول لها: ستكون بعدك فتنة، وانّه يؤخذ منك ولدك وولد ولدك فلولا أنّ الله يريد ألا يهلك العباد كلّهم لرجمهم كما رجم قوم لوط بالحجارة.

فقام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وسمع المنام من فاطمةعليها‌السلام وقال لها: إن ولدك يقتل، وزوجك يقتل(١) ، وتحمل نسائي وبناتي إلى الشام، والملائكة بذلك تخبرني، وجاءني جبرئيل وهو يقرأ عليك السلام ويقرأ عليّاً السلام ويعزيني فيكما وفي ولديكما ولا تسكن الفتنة إلا بكما، وإن الله جلّ جلاله وعدكما(٢) الأجر والثواب، ولك عند الله فضيلة ليس لغيرك بصبرك واحتسابك على ما ابلاك، وعلى ولدك من بعدك، وإنّه ليعطيك - يا علي - علماً(٣) من نور فتجلس على حوضي وبين يديك ولدان من نور، فكل من أراد الشرب من الناس والصدّيقين غير النبيّين والمرسلين والشهداء البريّين والبحريّين يكتب في رق فيعرض عليك فيأخذ الولدان أواني من نور فيسقون

____________

١ - في المقتل: وذريتك تقتل.

٢ - كذا في المقتل، وفي الأصل: وفي ولدكما وعدك.

٣ - في المقتل: قلَماً.

أ ولياءك(١) بإذنك، وإذا أذن لأحد منهم إلى الجنّة كتبت له رقعة إلى رضوان فهي جوازه حتّى يدخل الجنة.

عليك السلام بعدي، وأنت الخليفة على كلامي(٢) وكتاب ربّي وسنّتي فلا تكن من القاعدين، والعن الكسلين، إنّ الله سبحانه قد منعك من حرام الدنيا ولم يجعل لها عليك سبيلاً ولا على ولدك، وجعل قوتهم قدراً منها ليقل حسابهم(٣) ، ووهب لمن تمسك بسيرتك واعتقد محبتك ونصرة ولدك، شفاعتك والنظر اليك جزاء بما كانوا يكسبون لا يطردون(٤) عنها ولهم فيها ما تشتهي أنفسهم، فإن كانت لهم حاجة عند ربّهم في آبائهم وأزواجهم وأولادهم وإخوانهم قضاها، فبشر عنّي اُمّتي وعرفها ذلك، فان السعيد يقبل، والشقي يحرم.(٥)

قلت: سعير وجدي بتأسّفي لا تخمد، وغزير دمعي بتلهفي لا يجمد، وزفراتي من التراقي تصاعد، وحسراتي بتجدّد ساعاتي تتجدّد، حزناً على دين الحق كيف قوّضت أركانه، ونقضت ايمانه، وبدّلت أحكامه، ونكست أعلامه، وانمحت آثاره، وخمدت أنواره، وارتفعت اوغاد المنافقين على أمجاده، وعلت كلمة المارقين في بلاده، وارتدّت أهل ملته على الأعقاب، وعلت على الرؤوس فيه الأذناب، لمـّا مات صاحب الشريعة الغرّاء، والملّة الزهراء، والدين الظاهر، والنسب الطاهر، والحسب الفاخر، محمد سيّد

____________

١ - في المقتل: تكتب لهم برقّ من نور فيأخذه الولدان وتملأ أواني اُولئك

٢ - في المقتل: كتابي.

٣ - في المقتل: الحساب.

٤ - في المقتل: لا يصرفون.

٥ - مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ١/١٦٦ - ١٦٩.

الأوائل والأواخر.

ظهر الفساد في البرّ والبحر(١) ، واشتهر العناد في البدو والحضر، واظهرت الأحقاد القديمة، وغيرت الطرائق القويمة، وعلت الأسافل على الأعالي، وانحط من سعر الاسلام كلّ غالي، وصار زمامه في أيدي أرذاله، وقواُمّه في قبضة جهاله، وسلطانه إلى أعداء صاحب دعوته مفوضاً، وبنيانه بأكف الملحدين في آياته مقوضاً، فأجهدوا جهدهم في إدحاض حجته، وبذلوا وسعهم في إبطال أدلته، ولمـّا رأوا دعوته قد حكمت، وفروضه قد استحكمت، وقدمه في صعيد القوّة راسخة، وفروعه في سماء العزّة شامخة، واصوله في القلوب ثابتة، ومسله(٢) في النفوس ثابتة، وأنواره في الآفاق ساطعة، وحدوده لأسباب الشرك قاطعة.

لم يتمكنوا من إطفاء نوره، ولم يتحكّموا في إخفاء منشوره، ولم يجدوا إلى هدم بنيانه سبباً، وما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقباً، أظهروا النصيحة للأنام والغدر حشو صدورهم، وأضمروا هدم الاسلام بزخرفهم وغرورهم.

فكان أوّل تدبيرهم في تغيير قواعده، وأعظم تزويرهم في إبطال مقاصده، صرف الأمر عن ذرّيّة نبيّهم، والعدول بالحقّ عن عترة وليّهم، فنقضوا عهد الرسول إليهم فيهم، وخالفوا نصّه في الغدير وغيره عليهم، وراموا بوارهم عن جديد الغبراء، وإعدامهم من أقطار الدنيا، ولو يجدوا موافقاً على جاهليّتهم، مدافعاً عن معتقدهم ونحلتهم، لعبدوا الأصنام، ولاقتسموا بالأزلام، ولعظموا الرِّجس من الأوثان، ولا شتغلوا بعبادة الشيطان عن عبادة

__________________

١ - إقتباس من الآية: ٤١ من سورة الروم.

٢ - كذا في الأصل.

الرحمن، وهم وإن لم ينصبوا الأنصاب جهرة ولم يتّخذوا الأصنام آلهة فقد أحدثوا من الفساد في البلاد، والعدوان على العباد، والظلم لآل الرسول والهضم لذرية البتول، ما نقضوا عبادة الأوثان عن عشر عشيره، ويختفر بعظيم الأنداد في جنب حقيره، من ظلم سادتهم وامرائهم، ومن قرن الله ذكره بذكرهم، فقتلوهم في محاريب صلواتهم، وخذلوهم في حروبهم وغزواتهم، وأرهفوهم برحى سمومهم، ولم يراقبوا الله في هديهم وفديتهم، وشنّوا عليهم غاراتهم، ونصبوا العداوة لأحفادهم وذرّيّاتهم.

فانظر إلى صاحب المحنة العظيمة، والواقعة الجسيمة والمصيبة الّتي أنفدت بتراكمها ماء الشؤون، وقرحت بتفاقمها الآماق والجفون، مصيبة أشرف الثقلين، وسبط سيّد الكونين، وابن صاحب بدر واحد وحنين، أبي عبد الله الحسين، كاتبوه وراسلوه ووعدوه وعاهدوه، حتّى إذا انقطعت معذرته بظنة وجود الناصر، ولزمه القيام بأمر الله في الظاهر، خذلوه وأسلموه، وجحدوه وقتلوه، وسقوه من غروب سيوفهم كؤوس الحمام، وسودوا بقتله وقتل ولده وجه الاسلام.

فياعيوني لمصيبتة بعبرتي لا تبخلي، ويا كربتي لرزيّته عن حشاشتي لا تنجلي، ويا حرقتي لما ناله لا تخمدي ويا زفرتي لمصرعه من التراقي تصاعدي، ألغيره أذخر حزني وبكائي؟ أم على سواه أصف وجدي وبلوائي؟ أم على هالك بعده أنثر جواهر نثري؟ أم على قانت غيره أسمط بالمراثي شعري؟

يهيج في وجدي إذا ذكرت غربته، وتضطرب أحشائي وقلبي إذا تصورت محبّته، وتذكو آثار الأسى في جوانحي بفضيع مصرعه، وينحلّ قلبي

بصبري ويجود طرفي بمدمعه، إذا مثّلت شيبه بدمائه مخضوباً، وكريمه على القناة منصوباً، ونساءه على الأقتاب حيارى، وأبناءه في الأصفاد اُسارى، وشلوه على الرمضاء طريحاً، وطفله بسهام الأعداء ذبيحاً، وثقلة نهيباً، ورداءه سليباً، وجبينه تريباً، ويومه عصيباً، وجسده بسهام البغاة صريعاً، وثغره بقضيب الطغاة قريعاً، ذكت بثوران الأسى في أضلعي، وأغرقتني بفيضها أدمعي، ونفى ذكره عن عيني رقادي، وأطال حزني ليلي بسهادي.

فها أنذا لواقعته حليف الأحزان، أليف الأشجان، قريح الأجفان، جريح الجنان، أقطع ليلي بالتأسف والأنين، ونهاري بالتأوّه والحنين، وأوقاتي بإهداء تحيّاتي وصلواتي إليه، وساعاتي بلعن من اجترى بكفره عليه، ويروي لساني عن جناني، وبناني عن إيماني، غرراً من بدائع نثري ونظمي، ودرراً من تواضع حكمي وفهمي، اُشنّف بها المسامع، واُشرّف المجامع، واُسيل بتردادها المدامع، وأشجي بإنشادها الطبائع، وأقمع بها هامة الكفور الجاحد وأقطع دابر الكنود الحاسد، وأبوح بسري في شعري، وأنوح ودمعي من طرفي يجري، وأقول وفؤادي بنار حزني يتأجج، ولساني من شدّة نحيبي يتلجلج:

حـزن قلبي وهيـامي

ونحولــي وسقـامي

لا على عيش تقضّى

لم أنل منـه مرامـي

لا ولا مـن فقــد آلا

ف تناءوا عـن مقامي

بل لقوم من بني المخ‍ـ

‍ـتار سادات كــرام

من أبوهم صاحب الكو

ثر فيب يوم القيــام

و الذيـــن امهـم ذو

شرف في المجد سامي

أصبحوا في كربلا مـا

بين مقتول وظــامي

في صعيد الطفّ قد جر

ع كاسات الحمــام

من نجيع النحـر يسقى

صـــدراً بعـد الاوام

ونســاء حـاسـراتٍ

غاب عنهنّ المحـامي

عترة المختار خير الـ‍

ـ‍ناس من خاصٍّ وعامي

لهـف قلـبي لشهيـد

ضــل مخفور الذمـام

حـر صـدري لإمـامٍ

طــاهر وابن إمــام

جسمه غودر ضمنــاً

بسيـــوف وسهــام

طول حزني لتريب ال‍ـ

ـ‍خدّ منــه النحردامي

رأسه مـن فوق رمـح

مخجل بــدر التمــام

وبنات المصطفى شب‍ـ

ـ‍ه اُسـارى نجل حامي

فكذا قلبـي وطرفي

في احتـراق وانسحـام

وكذا عن مقلتي حز

ني نفى طيب منامي

فاصطباري في انتقاض

وجوابي فـي تمامي

وإذا فكّرت فيمــا

قد جرى زاد هيامي

حــاسرات يتسترّ

ن بــأطراف الكمام

ويســاقون بـلا رف‍ـ

ـ‍ق إلى شرّ الأنام

يا بني المختار ما حلـ‍

ـ‍ل بكم يذكي ضـرامي

وبعـــاشور يزيد ال‍ـ

ـ‍حزن لي في كلّ عام

واســح الدمع من طر

ف لفرط الحزن دامي

ثمرات نثرهــا كال‍ـ

ـ‍درّ في سلك النظــام

يزدريها الناصب الها

ئم فـي تيـه الظلام

وإليها المؤمـن المخـ‍

ـ‍لص يصغـي باحتشام

واحتــراق وزفيــر

من فؤاد مستهام

يـا بني طـه مـن صفا

كـم مـــن كلّ دامي

حبّكـم غذّى بـه قـل‍ـ

ـ‍بي ومخـي وعظامي

قد اُضيعت حرمة المخ‍ـ

ـ‍تار في الشهر الحرام

حين أصبحتـم لقـا بي‍ـ

ـ‍ن الروابــي والآكام

بكت السبــع عليـكم

بدماءٍ كــالغمـام

إن يكـن فـاتكم نص‍ـ

ـ‍ري برمحي وحسامي

فلكم أنصـر بـالحج‍ـ

ـ‍جة فـي كـلّ مـقام

ولمن نــاواكــم ارد

ي بكم مـن كلامــي

اهشم الهــامات من آ

ل وليــد وهشــام

وزياد وابـن سعـــد

وبني حرب اللئـــام

وكذا افلق قحــف اب‍ـ

ـ‍ن قحاف بملامــي

وابن خطاب ومـن يت‍ـ

ـ‍لوه مــن بخل اللئام

وكـذا مــن قــادت

الفتنة تعبــأ بالـرمام

وأتت في جحـفلٍ ته‍ـ

ـ‍وي من البيت الحرام

وعلى أشياعهــم لعن‍ـ

ـ‍ي اُوالــي بـدوام

من حجازي وبصـري

ي وكوفيّ وشــامي

وبهذا أرتـجي مــن

خالقـي يـوم قيـامي

محشراً في ضمن قـوم

هم معاذي واعتصامـي

أهل أركـان وبيــت

وحطيــم ومقـــام

بولاهم يقبــل الل‍ـ

ـ‍ه صلاتي وصيـامي

وعليهــم صلــوات

ناميــات بســلامي

ما شدت في الايك ورق

ساجعــات بغــرام

المجلس السادس

في ذكر مقامات أذكر فيها ما تمّ على الحسين عليه

السلام بعد موت معاوية عليه اللعنة والعذاب، وذكر

ولاية يزيد عليه من الله ما يستحق من العذاب

المهين أبد الآبدين إلى يوم الدين، وغير ذلك من

رسائل صدرت إليهعليه‌السلام من مواليه

ومخالفيه، وما أجاب عنها، صلوات الله وسلامه

عليه، وعلى آبائه الطاهرين، وأبنائه المنتجبين.

الخطبة

ا لحمد لله الّذي جعل البلاء موكّلاً بأنبيائه وأوليائه، والابتلاء وسيلة لهم إلى اجتبائه واصطفائه، وكلفهم ببذل الأرواح في جهاد أعدائه، وشرى منهم الأنفس والأموال بنعيمه الباقي ببقائه، وربحت تجارتهم لما أوقعوا عقد بيعة ربّهم، وفازت صفقتهم لما حازوا من الزلفى بقربهم، وشمّروا عن ساق في سوق عباده إلى طاعته، وكشفوا عن ساعد الاستنقاذ أنامه من ورطة معصيته، وتلقوا حر الصفاح بوجوههم وأجسادهم، وصبروا على مضّ الجراح لاستخلاص الهلكى وإرشادهم، فأغرى الشيطان سفهاءهم، وحمل أولياءه على حربهم،

فركبوا الصعب والذلول في قتالهم، وخالفوا نص الرسول بكفرهم وضلالهم وقصدوهم في أنفسهم وأموالهم، وحاربوهم بخيلهم ورجالهم، فاستشعروا لباس الصبر الجميل طلباً للثواب الجزيل، وباعوا النزر القليل بالباقي الجليل، وجاهدوا الفجرة بجدّهم وجهدهم، وحاربوا الكفرة بذاتهم وولدهم، وتبرّموا بالحياة في دولة الظّالمين، واستطابوا الممات لغلبة الضالين، وامتثلوا أمر الله بعزائم أبية، وانوف حمية، واصول نبوية، وفروع علوية، وأرواح روحانية، وأنفس قدسية، وقلوب على تقوى الله جبلت، وبالحق قضت وعدلت.

عرجت أرواحها إلى المحلّ الأسنى، ورقت نفوسها إلى الملكوت الأعلى، فشاهدت بأبصار بصائرها منازل الشهداء في جنّة المأوى، ولاحظت بأفكار ضمائرها ما اعد للمجاهدين في سبيله في دار الجزاء، فآثرت الآخرة على الاولى، وما يبقى على ما يفنى.

فيا من يخطّىء صوابهم، ويستحب عتابهم، ويستعذب ملامهم، ويسفّه أحلامهم، ويتلو بنية فاسدة مشتركة:( وَلَا تُلقُوا بِأيـدِيكُم إلَى التَّهلُـكَةِ ) (١) ، جهلاً منه بمواقع التنزيل، وغيّاً عن مواضع التأويل، تبت يدك، وفلَّ جدّك، لقد نافقت بإسلامك، وأخطأت عن مرامك، وعشى عن ضوء شمس الحق إنسان عينك، واستولى الشك على مشوب يقينك، أتعلم من أنزل في بيوتهم، وورد الذكر في صفاتهم ونعوتهم، وفخر جبريل يوم العبا بصحبتهم، واُنزلت سورة « هل أتى » في مدحتهم؟

يا ويلك أتورد حجتك، وتوّرك شبهتك، على قوم الدنيا في أعينهم أقلّ من كلّ قليل، وعزيزها لديهم أذل من كلّ ذليل؟ علمهم لدني، وكشفهم

__________________

١ - سورة البقرة: ١٩٥.

رحمانيّ، أطلعهم سبحانه على مصون سره، وقلّدهم ولاية أمره في برّه وبحره، وسهله ووعره، فهم الوسائل إليه، والأدلاء عليه، قصرت الأفهام عن إدراك جلالهم، وحصرت الأوهام عن تصور كمالهم، فاقوا الخضر في علم الباطن والظاهر، وفاتوا الحصر بالدليل القاطع والمعجز الباهر، فالخليل يفخر باُبوّتهم، والكليم يقصر عن رتبتهم، والمسيح باسمائهم يبرىء الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، والروح الأمين يتنزّل عليهم في منازلهم بأمر الله.

لما علموا أنّ الحياة الفانية مبالغة لهم عن حصول مطلوبهم، قاطعة عن الوصول إلى محبوبهم، حاجبة عن منازل قربهم، حاجزة عن جوار ربّهم، قطعوا العلائق للاتصال بالمحل الأسنى، وخلعوا لباس العيش الدني الاولى، وتلقوا بوجههم الصفاح والرماح، وصبروا بشدة عزمهم على مضّ الجراح، تشوفاً إلى الاتصال بمنازل القبول والرضوان، وتشوقاً إلى الاستظلال بأظلة تلك العواطف والامتنان، وبذلوا أنفسهم فنالوا فضلها، وكانوا أحقّ بها وأهلها، وكان أعظم من أطاع الله منهم بجدّه وجهده، وأخلص لله ببذل نفسه وولده، وأراد أن تكون كلمة الله العليا، وكلمة الّذين كفروا السفلى، وسبب الله الأقوى، ودينه الأعلى، إمام الاُمّة، وأب الأئمّة، ومنبع الحكمة، ومجمع العصمة، صاحب الأصل السامي، والفرع النامي، والمجاهد المحامي، معاذي وملاذي يوم حشري وقيامي، وحياتي ومماتي وارتحالي ومقامي، والأوّاه الحليم، الجواد الكريم، صاحب المصيبة العامّة، والرزيّة الطامّة، والواقعة الكبرى، والمحنة العظمى، قتيل العبرة وصريع الفجرة، وسليل البررة، وسراج العترة، وطاهر الاسرة.

النبوّة أصله، والامامة نسله، خاتم أصحاب الكساء، ابن خير الرجال وخير النساء، جدّه النبيّ، وأبوه الوصيّ، واُمّه الزهراء ومغرسه البطحاء، طار

بقوادم الشرف وخوافيه، وتعالى في سماء الكرم بمعاليه، أشرف خلق الله، وأفضل شهيد في الله، الباذل ذاته في الله، البائع نفسه من الله، القائم بأمر الله، الصادع بحكم الله، المخلص بجهاده في الله، الموفي بما عاهد عليه الله.

كتف الرسول مركبه، وثدي البتول مشربه، كلّ شرف لشرفه يخضع، وكل مجد لمجده يصرع، وكل مؤمن له ولأبيه وجده يتبع، وكل منافق عن سبيله وسبيل آله يتكعكع، لا يقبل الله إيمان امرىء إلا بولائه، ولا يزكّي عمل عامل إلا باتباعه، ولا يدخل الجنّة إلا مستمسكاً بحبله، ولا يصلى النّار إلا منكراً لفضله، أطول خلق في المجد باعاً وذراعاً، وأشرف رهط في الفخر ذرّيّة وأشياعاً، جدّه عليّ، وجدّه نبيّ، وأبوه وليّ، وولده أطهار، ونجله أبرار.

المجاهد الصبور، الحامد الشكور، منبع الأئمّة، وسراج الاُمّة، أطهر الأنام أصلا، وأظهرهم فضلاً، وأزكاهم فعلاً، وأتقاهم نجلاً، وأنداهم كفاً، وأعلاهم وصفاً، وأشرفهم رهطاً، وأقومهم قسطاً، سؤدده فاخر، ومعدنه طاهر، لا يقذع صفاته، ولا تغمز قناته، ولايدرك ثناؤه، ولا يحصى نعماؤه، كم أغنى ببره عائلاً؟ وكم آثر بقوته سائلاً؟ أفخر أسباط الانبياء، وأفضل أولاد الأولياء، محيي الليل بركوعه وسجوده، ومجاري السيل بنائله وجوده، واقوى من بذل في الله غاية مجهوده، وأسمى من استأثر من العلى بطارفه وتليده.

إمام المشرقين والمغربين، ونتيجة القمرين، بل الشمسي، وابن مجلي الكربين، عن وجه سيّد الكونين، في بدر وحنين، ومصلي القبلتين، وصاحب الهجرتين، سيّدنا ومولانا أبا عبد الله الحسين، عليه تحيّاتي بتوالي صلواتي تتلى، وفي فضله تروى قصائدي، وبذكره تنجح مقاصدي، وبسببه تتّصل أسبابي، وفي حضرته محطّ ركابي، ولرزيته تتصاعد زفراتي، ولمصيبته تتقاطر

عبراتي، ولواقعته تستهلّ شؤوني، ولقتله لا تبخل بدمعها عيوني.

فها أنذا أنشد من قلب جريح، وأروي عن طرف قريح:

و لّى الشبـاب فقلبي فيه حسـرات

وفي حشـاي لفرط الحزن حرقاتُ

وحين ولّى شبابي وانقضى عمري

حلت بجسمي لفرط الضعـف آفاتُ

في كلّ يوم يزيد الوهن في جسدي

وتعترينـي من الأسقـام فتـراتُ

وابيض فودي ولكن سودّت صحفي

كبـائر صـدرت عنــي وزلّاتُ

إذا تذكرتها أذكـت رسيـس جوى

في مهجتي وجرت في الخدّ عبرات

كم ليلـة بـتَّ أحسبهـا بمـوبقة

تذكو لتذكارها فـي القلب جمراتُ

كأن ما كان من شرح الشباب ومن

لذات عيـش مضـت إلا مناماتُ

أعملـت فكري فـي قوم صحبتهم

لم يبق مـن أثرهـم إلا الروايات

سألـت ربعهـم عنّي فجــاوبني

من الصدى كلّ مـن ناديتَهم ماتوا

يذيـب تذكـارهـم قلـبي ويجعلـه

دمعـاً يصـاعده وجـد وزفراتُ

سبعون عاماً تقضّت صرت أحصرها

في عدها لفناء عمـري علامـاتُ

لـم أستفد صالحـاً فيهـا ولا علقت

يدي بما فيه لي في الحشر منجاتُ

سوى اعتصامي بمن في مدحهم نزلت

مـن المهيمـن في التنزيل آياتُ

في سورة الدهر والأحـزاب فضلهم

مقامهـم قصـرت عنه المقاماتُ

وفي العقود مـن المجـد الرفيع لهم

عقود مـدح لهـا فيهـم إشاراتُ

ليوث حرب إذا نيـرانها اضطرمت

غيوث جـدب إذا مـا عمّ أزماتُ

مطهّرون من الأرجـاس إن وصفوا

منزّهون عـن الأدنـاس ساداتُ

هم المصـابيح فـي جنح الدجا فلهم

فيـه مـن الله بالاخلاص حالاتُ

هـم البحـار إذ وازنـت فضلهـم

بهـا فعلمهــم فيــه زيـاداتُ

باعـوا مـن الله أرواحـاً مطهّـرة

أثمانهـا مـن جـوار الله جنّاتُ

يطـاف منهـا عليهم فـي منـازلهم

من الرحيق بأيدي الحور كاساتُ

نـاداهـم الله بـالتعظيـم إذ لـهم

أرواح صدق سميعات مطيعـاتُ

أن ابذلــوا أنفسـاً في طاعتي فلكم

ببذلها في جنان الخلد روضـاتُ

أجاب منهـم لسـان الحـال ان لنا

رضاك روح وريحان وراحـاتُ

الخلــد والجنـة العليـا ولذتهــا

في جنب حبك إيانا حقيــراتُ

أنت المــراد وأنت السؤل قد صدقت

منا لأمرك في الدنيا العزيمـاتُ

هذا الحسيــن الّذي وفّى ببيعته

لله صدقاً فوافته السعـــادات

نال المعـــالي ببـذل النفس مجتهداً

لم تثنه من بني الدنيا خيـالاتُ

إن قيل في الناس من أعلى الورى نسباً

أومت إليه اُصول هاشميـّـاتُ

أعلى الورى حسبــاً أقواهم سببـاً

أزكاهم نسباً ما فيه شبهــاتُ

الجدّ أكرم مبعــوث ووالـده

في الله كم كشفت منه ملمـّاتُ

حزني لمـا نالـه لا ينقضي فــإذا

ذكرته هـاج بي للوجد حسراتُ

وينثني الطرف منّي والحشا لهمــا

في الخد والقلب عبرات وحرقاتُ

لم أنسه في صعيد الطفّ مُنعفــراً

قد أثخنته مــن القوم الجراحاتُ

يشكوا الاوام ويستسقي وليس لعص‍ـ

ـبة به أحدقت فـي الله رغباتُ

لهفي عليه تريب الخد قد قطعـت

أوصاله من أكف القوم شفـراتُ

أردوه في الترب تعفوه الرياح له

من الدماء سرابيل وخلعـــاتُ

وصيروا رأسه مــن فوق ذابلهـم

كبدر تمّ به تجلـى الدجنــاتُ

وسيدات نساء العالميــن لها

فوق الرحـال لفرط الحزن أنّاتُ

تساق والصدر فيه مـن تألّمها

عقود دمع لهـا في الخد حبـّاتُ

يسترن منهن بالأيدي الوجـوه وفي

قلوبهن مـن التبريـح جمـراتُ

يندبن من كان كهف العائذيـن ومن

في كفه لذوي الحاجـات نعمـاتُ

أو في الأنـام فتـى وفـي ببيعته

وخير من ربحت منه التجـاراتُ

مـن عرقت فيـه أصلاب مطهّرة

من كلّ رجس وأرحـام زكيـّاتُ

وامهات وآباء علــت شرفــاً

على السمـاك وأجداد وجــدّاتُ

إن عد علم وحكم كـان فيه لهـم

بالخطب والحرب آراءٌ ورايـاتُ

في حبهـم قدمـي مـا ان لثابتها

حتى اضطجاعي في لحدي مزلّاتُ

أبكي لخطبهـم بدل الدموع دمـاً

كأنّني لعظيــم الـحزن مـقلاة

إذا ذكرت ابن بنت المصطفى وبه

قد أحدقت مـن جنود البغي ثلّاتُ

وصار فيهم وحيداً لا نصيـر لـه

منهم ولا من له في الخير عاداتُ

قوم بغاة شروا دين الضلالة بال‍ـ

ـ‍هدى فخابت لهم للخسر صفقاتُ

فيا عيوني أذرفي حزناً عليه لكي

تطفي سعيراً لها في القلب لدغاتُ

إذا خبت زادها منّي رسيس جوىً

يذيب ناحل جسمي منه نفحــاتُ

يا للرجال أمّا للحقّ مـن عصب

لهــا وفـاء وآنـاف حميـّاتُ

تذب عن أهل بيت للأنـام هـم

نور به تنجلي عنهـم مغمـّـاتُ

قوم لهم نسب كالشمس في شرف

تزينـه أوجــه منهـم نقيّـاتُ

البذل شيمتهم والمجـد همّتهـم

والذكر فيـه لهـم فضل ومِدحاتُ

البيت يزهو إذا طافوا بـه ولهم

مجد به شرّفـت منهـم بيوتـاتُ

أخنى الزمان عليهم فانثنى وهم

في كربلا لسيوف البغي طعمـاتُ

اُولي رؤوس وأطراف مقطّعـة

تُقرأ عليها مــن الله التحيـّـات

نفسي الفدا لهم صرعى جسومهم

تسفي عليها من الأعصاب قتراتُ

أرواحها فارقت أجسادها فلهـا

بذاك في دار عفـوا الله غرفـاتُ

حزني لنسوته حسرى مهتّكــة

إلى يزيد بها تسـري الحمـولاتُ

اُولي وجوه لحرّ الشمس ضاحية

ما آن لها من هجير القيظ ستراتُ

حتى إذا دخلـوا شـر البلاد على

شرّ العبـاد بدت منـه المسـرّاتُ

وعاده عيــد أفـراح بمقدمهـم

عليه أسرى ووافتـه البشــاراتُ

فأظهر الكفـر والإلحـاد حينئـذ

بقوله ليت أشياخــي الاُولى فاتوا

في يوم بدر رأوا فعلي وما كسبت

يدي لطابت لهم بالصفو أوقــاتُ

ولا استهلوا وقالوا يا يزيـد لقـد

بك انجلت من غموم الحزن كرباتُ(١)

[ وذكر الامام أحمد بن أعثم الكوفي انّ معاوية لما حجّ حجّته الأخيرة ارتحل من مكّة، فلمـّا صار بالابواء ونزلها قام في جوف الليل لقضاء حاجته، فاطلع في بئر الأبواء، فلمـّا اطّلع فيها اقشعرّ جلده وأصابته اللقوة في وجهه، فأصبح وهو لما به مغموم، فدخل عليه الناس يعودونه، فدعوا له وخرجوا من عنده، وجعل معاوية يبكي لما قد نزل به.

فقال له مروان بن الحكم: أجزعت يا أمير المؤمنين؟

فقال: لا يا مروان، ولكنّي ذكرت ما كنت عنه عزوفاً، ثمّ إنّي بكيت في إحني، وما يظهر للناس منّي، فأخاف أن يكون عقوبة عجلت لي لما كان من دفعي حقّ عليّ بن ابي طالبعليه‌السلام ، وما فعلت بحجر بن عديّ وأصحابه، ولولا هواي من يزيد لأبصرت رشدي، وعرفت قصدي.

__________________

١ - سقط من الأصل - ما بعد هذا - مقدار صفحة واحدة أو صفحتين، ولعلّ القصيدة لم تنته بعد.

قال : ولمـّا أخذ البيعة ليزيد أقبل عليه فقال: يا بنيّ، اخبرني الآن ما أنت صانع في هذه الاُمّة، أتسير فيهم بسيرة أبي بكر الصدّيق الّذي قاتل أهل الردة، وقاتل في سبيل الله حتّى مضى والناس عنه راضون؟

فقال: يا أمير المؤمنين، إنّي لا اطيق أن أسير بسيرة أبي بكر، ولكن آخذهم بكتاب الله وسنّة رسوله.

فقال: يا بنيّ، أتسير فيهم بسيرة عمر بن الخطّاب الّذي مصرّ الأمصار، وفتح الديار، وجنّد الأجناد، وفرض الفروض، ودوّن الدواوين، وجبى الفيء، وجاهد في سبيل الله حتّى مضى والناس عنه راضون؟

فقال يزيد: لا أدري ما صنع عمر، ولكن آخذ الناس بكتاب الله والسنة.

فقال معاوية: يا بنيّ، أفتسير فيهم بسيرة ابن عمّك عثمان بن عفّان الّذي أكلها في حياته، وورثها بعد مماته، واستعمل أقاربه؟

فقال يزيد: قد أخبرتك يا أمير المؤمنين، إن الكتاب بيني وبين هذه الاُمّة به آخذهم وعليه أقتلهم.

قال: فتنفس معاوية الصعداء وقال: إنّي من أجلك آثرت الدنيا على الآخرة، ودفعت حقّ عليّ بن ابي طالب، وحملت الوزر على ظهري، وإنّي لخائف انّك لا تقبل وصيّتي فتقتل خيار قومك، ثمّ تغزو حرم ربّك فتقتلهم بغير حقّ، ثمّ يأتي الموت بغتة، فلا دنيا أصبت، ولا آخرة أدركت.

يا بنيّ، إنّي جعلت هذا الملك مطعماً لك ولولدك من بعدك، وإنّي موصيك بوصية فاقبلها فإنّك تحمد عاقبتها، وإنّك بحمد الله صارم حازم؛ انظر ان تثب

على أعدائك كوثوب الهزبر البطل، ولا تجبن كجبن الضعيف النكل، فإنّي قد كفيتك الحل والترحال، وجوامع الكلم والمنطق، ونهاية البلاغة، ورفع المؤنة، وسهولة الحفظ، ولقد وطأت لك يا بنيّ البلاد، وذللت لك رقاب العرب الصعاب، واقمت لك المنار، وسهلت لك السبل، وجمعت لك اللجين والعقيان، فعليك يا بنيّ من الاُمور بما قرب مأخذه، وسهل مطلبه، وذر عنك ما اعتاص عليك.

وأعلم - يا بنيّ - ان سياسة الخلافة لا تتم إلا بثلاث: بقلب واسع، وكفّ بسيط، وخلق رحيب، وثلاث اُخر: علم ظاهر، وخلق طاهر، ووجه طلق، ثمّ تردف ذلك بعشر اُخر: بالصبر، والأناة والتودّد، والوقار، والسكينة، والرزانة، والمروءة الظاهرة، والشجاعة، والسخاء، والاحتمال للرعية بما تحب وتكره.

ولقد علمت - يا بنيّ! - أنّي قد كنت في أمرٍ الخلافة جائعاً شبعان، بشماً شهوان، اُصبح عليها جزعاً، واُمسي هلعاً، حتّى أعطاني الناس ثمرة قلوبهم وبادروا إلى طاعتي، فادخل - يا بنيّ - من هذه الدنيا في حلالها، واخرج من حرامها، وانصف الرعية، واقسم فيهم بالسويّة.

واعلم - يا بنيّ - أنّي أخاف عليك من هذه الاُمّة أربعة نفر من قريش: عبد الرحمان بن أبي بكر، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وشبيه أبيه الحسين بن علي.

فأمّا عبد الرحمان بن أبي بكر فإنّه إذا صنع أصحابه صنع مثلهم وهو رجل همته النساء ولذة الدنيا فذره - يا بنيّ - وما يريد، ولا تأخذ عليه شيئاً من أمره فقد علمت ما لأبيه من الفضل على هذه الاُمّة، وقد يحفظ الولد في أبيه.

وأمّا عبد الله بن عمر فإنّه رجل صدق وحش من الناس، قد أنس بالعبادة، وخلا بالوحدة فترك الدنيا وتخلّى منها، فهو لا يأخذ منها شيئاً، وإنّما

تجارته من الدنيا كتجارة أبيه عمر بن الخطّاب، فاقرأ عليه - يا بنيّ - منك السلام وابعث إليه بعطاياه موفرة مهنأة.

وأمّا عبد الله بن الزبير فما أخوفني منه عنتاً فإنّه صاحب خلل في القول، وزلل في الرأي، وضعف في النظر، مفرّط في الاُمور، مقصّر عن الحقّ، وإنّه ليجثو لك كما يجثوا الأسد في عرينه، ويراوغك روغان الثعلب، فإذا أمكنته منك فرصة لعب بك كيف شاء، فكن له - يا بنيّ - كذلك، واحذه كحذو النعل بالنعل، إلا أن يدخل لك في الصلح والبيعة فأمسك عنه واحقن دمه، وأقمه على ما يريد.

وأمّا الحسين بن عليّ، فأوه أوه يا يزيد، ماذا أقول لك فيه؟ فاحذر أن تتعرّض له إلا بسبيل خير، وامدد له حبلاً طويلاً، وذره يذهب في الأرض كيف يشاء، ولاتؤذه ولكن أرعد له وأبرق، وإيّاك والمكاشفة له في محاربة بسيف أو منازعة بطعن رمح، بل أعطه وقرّبه وبجّله، فإن جاء إليك أحد من أهل بيته فوسّع عليهم وأرضهم، فإنّهم أهل بيت لا يسعهم إلا الرضا والمنزلة الرفيعة.

وإياك - يا بنيّ - أن تلقى الله بدمه فتكون من الهالكين، فقد حدّثني ابن عبّاس، فقال: حضرت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عند وفاته وهو يجود بنفسه وقد ضمّ الحسين إلى صدره وهو يقول: هذا من أطائب أرومتي، وأبرار عترتي، وخيار ذرّيّتي، لا بارك الله فيمن لم يحفظه من بعدي.

قال ابن عبّاس: ثمّ اُغمي على رسول الله ساعة ثمّ أفاق فقال: يا حسين، إنّ لي ولقاتلك يوم القيامة مقاماً بين يدي ربّي وخصومة، وقد طابت نفسي إذ جعلني الله خصماً لمن قاتلك يوم القيامة.

يا بنيّ، فهذا حديث ابن عبّاس وأنا اُحدّثك عن رسول الله صلّى الله عليه

و آله انّه قال: أتاني يوماً حبيبي جبرئيل فقال: يا محمد، إنّ اُمّتك تقتل ابنك حسيناً، وقاتله لعين هذه الاُمّة، ولقد لعن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قاتل حسين مراراً.

فانظر - يا بنيّ -، ثمّ انظر أن تتعرّض له بأذى، فإنّه مزاج ماء رسول الله، وحقّه والله - يا بنيّ - عظيم، وقد رأيتني كيف كنت أحتمله في(١) حياتي، واضع له رقبتي وهو يجبهني بالكلام القبيح الّذي يوجع قلبي فلا اجيبه، ولا أقدر له على حيلة، لأنّه بقيّة أهل الأرض في يومه هذا.(٢)

قلت: لعن الله معاوية ما أشدّ نفاقه، وأعظم شقاقه؟ فإنّه كان يعرف الحقّ لكن الشقاق وحبّ الدنيا غلب على قلبه، حتّى كفر بأنعم ربّه، وارتدّ عن الدين الّذي كان قد تديّن به ظاهراً، وأبوه من قبله لا باطناً، وهب إنّه كان في الظاهر والباطن مسلماً وليس كذلك، أليس قد كفر بحرب أميرالمؤمنينن وقتل جماعة من المهاجرين الأوّلين، كخزيمة بن ثابت وعمار وغيرهما من أكابر الصحابة والتابعين لهم بإحسان؟ فهو إمّا كافر أصلي أو مرتد عن الاسلام، فعلى كلا الأمرين لا تقبل توبته لقول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا عليّ، حربك حربي(٣) .

وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : محاربوا عليّ كفرة(٤) .

وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا عليّ، من آذى شعرة منك فقد آذاني، ومن

__________________

١ - ما بين المعقوفتين أثبتناه من مقتل الخوارزمي.

٢ - مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ١/١٧٣ - ١٧٦.

٣ - انظر: إحقاق الحقّ: ٦/٤٤٠ - ٤٤١، وج ٧/٢٩٦، وج ١٣/٧٠.

٤ - انظر في معناه: إحقاق الحقّ: ٤/٢٣٥ و٢٣٨ - ٢٣٩ و٢٧٦ و٢٧٧، وج ٧/٣٣١ و٣٣٧ وج ١٥/٥٨٠، وج ١٧/٢٧٩، وج ١٨/٤٧٠.

آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فعليه لعنة الله.(١)

وممّا يدلّ على كفره وإلحاده فعله بالامام السبط التابع لمرضاة الله أبي محمد الحسنعليه‌السلام من شن الغارات عليه، وإفساد قلوب الناس له، وبذل الأموال في حربه، وإفساد جموعه وجنوده، ثمّ دسّ السمّ له حتّى ألقى كبده وحشاه، ومضى شهيداً مظلوماً مسموماً، فهل في فعله هذه الأفعال الشنيعة من حرب أمير المؤمنين وموارطته ثمانية عشر شهراً، ثمّ قتل سبعة من أكابر الصحابة بعد كحجر بن عديّ وأصحابه، ثمّ بسبّه أمير المؤمنينعليه‌السلام على المنابر إلا كما قال الله سبحانه:( فَلمـّا رَأَوا بَأسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحدَهُ وَكَفَرنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشرِكِينَ فَلَم يَكُ يَنفَعُهُم إيمَانُهُم لمـّا رَأَوا بَأسَنَا ) (٢) وكقول فرعون لما أدركه الغرق:( قَالَ آمَنتُ أنَّهُ لَا إلهَ إلَّا الَّذِي آمَنَت بِهِ بَنُوا إسرَائِيلَ وَأنَا مِنَ المُسلِمِينَ ) (٣) فردّ الله سبحانه عليه بقوله:( الآنَ وَقَد عَصَيتَ قَبلُ وَكُنتَ مِنَ المُفسِدِينَ ) (٤) .

فكان حال معاوية لما رأى علامات الموت كحال فرعون والكفّار الّذين ذكرهم سبحانه بقوله:( فَلمـّا رَأَوا بَأسَنَا ) ، فعليه وعلى من يعتذر له، ويصوّب آراءه واجتهاده فيما علم بطلانه من الدين ضرورة لعنة الله ولعنة اللاعنين، لأن إنكار ولاية أمير المؤمنين وحربه، واستحلال وسفك دمه ودم ذرّيّته وشيعته، كحال منكري الشرائع من الصلاة والزكاة والحج والنبوّة، فهل يحلّ لمؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصوّب اجتهاده، ويؤوّل مراده، ويمهد له العذر على فعله؟

__________________

١ - انظر: إحقاق الحقّ: ٦/٣٨٠ - ٣٩٤، وج ١٦/٥٨٨ - ٥٩٩، وج ٢١/٥٣٧ - ٥٤٣.

٢ - سورة غافر: ٨٤ و٨٥.

٣ - سورة يونس: ٩٠.

٤ - سورة يونس: ٩١.

وإذا قبّحنا باب تصويت اجتهاده وإنكار ما علم من الدين ضرورة بطلانه من استحلال حرب أمير المؤمنين، وقتل ذرّيّته وشيعته، فاليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأصنام أن يعتذروا ويحتجوا علينا باجتهاده ويقولوا: نحن ساقنا اجتهادنا إلى القول بصحة ما اعتقدناه من خلافكم ففعله عليه اللعنة والعذر له من أعظم حجّة لهم علينا فلا نمنع من سبّه، ولا نقول بإيمانه إلا من حاله كحاله في الكفر والبغي، وعداوة الحق وأهله.

وأقول: إنّ معاوية عليه اللعنة مع كفره ونفاقه كان يري أهل الشام والهمج الرعاع الصلاح واللين والتحلم والصفح عن المسيء منهم حتّى استمال قلوب الناس، وصاروا يعدّونه من أكابر الصحابة، ويسمونه « خال المؤمنين »، و « كاتب الوحي »، ويرون القتال معه جهاداً، وكان الحسن والحسين صلوات الله عليهما إذا دخلا عليه أراهم من التعظيم والاجلال ما لا مزيد عليه مع كفره وبغضه لهما في الباطن.

وأمّا يزيد عليه اللعنة فإن حاله كانت في الظاهر بخلاف حاله، لأنّه كان متهتكاً متظاهراً بالفجور وشرب الخمر والتماجن والتشبيب بالسناء واقتناء الكلاب والفهود وآلات اللهو، وكان قد اتخذ قرداً وكلّف به وأخدمه رجالاً، وسمّاه قيساً، كان إذا ركب أركبه معه في موكبه والخدم مكتنفة به وعليه ثياب الديباج، وكان إذا جلس للشرب أحضره معه في مجلسه ويسقي الحاضرين الخمر.

فمن كانت هذه حاله كيف يليق بأهل الصلاح والدين أن يقرّوا ببيعته، أو يدخلوا تحت طاعة أولاد الأنبياء وشيعتهم؟ فلولا جهاد سيّدنا أبي عبد اللهعليه‌السلام ، وبذله نفسه وولده في إظهار كفره، وعدم الرضا بفعله، وأمره بالمعروف،

ونهيه عن المنكر في متاجرته، لفسد نظام الاسلام، وارتدّ أكثر الناس على الأعقاب، ولحصل فتق في الاسلام ليس له راتق، فجزاه الله عن الاسلام وأهله أفضل الجزاء.

و لنرجع إلى ما كنّا فيه:

ثمّ قال معاوية: وانظر - يا بنيّ - أهل الحجاز فإنّهم أصلك وفرعك، فأكرم من قدم عليك، ومن غاب عنك فلا تجفه ولا تعنفه.

وانظر أهل العراق فإنّهم لا يحبّونك أبداً، ولا ينصحونك، ولكن دارهم ما أمكنك، وإن سألوك أن تعزل عنهم كلّ يوم عاملاً فافعل، فإن عزل عامل واحد أهون من سل مائة ألف سيف.

وانظر أهل الشام فإنّهم بطانتك وظهارتك، وقد بلوت بهم وعرفت ثباتهم(١) ، وهم صبر عند اللقاء، حماة في الوغى، فإن رابك(٢) أمر من عدوّ يخرج عليك فانتصر بهم، فإذا أصبت حاجتك فارددهم إلى بلادهم يكونوا [ بها ](٣) لوقت حاجتك، ثمّ اُغمي على معاوية، فلم يفق بقيّة يومه من غشيته، فلمـّا أفاق قال: اوه اوه جاء الحق وزهق الباطل، ثمّ قال: إنّي كنت بين يدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ذات يوم وهو يقلم أظفاره، فأخذت القلامة، وأخذت بشقص من شعره على الصفا، فجعلتها في قارورة فهي عندي، فاجعلوا الشعر والأظفار في فمي واُذني، ثمّ صلّوا عليَّ وواروني في حفرتي(٤) .

__________________

١ - في المقتل: نيّاتهم.

٢ - في المقتل: دار بك.

٣ - من المقتل.

٤ - مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ١/١٧٦ - ١٧٧.

فليت يا شعري كيف لم يستحي من الله ورسوله وقد بارز أهل بيته بالعداوة ونصب الغوائل لهم والوقيعة في أسفارهم وانسارهم(١) أجسادهم؟! ثمّ عقد الأمر عند موته وولاية عهده لابنه يزيد الّذي لا يوازيه كافر، ولا يلحقه فاجر، أكفر الخلق بالله، وأبغضهم للحقّ وأهله، وأشد الخلق تهتكاً مع خلعه جلباب الحياء، وتظاهره بشرب الخمور، وتعاطي الزنا والفجور، وسفك الدماء المحرّمة، وغصب الأموال المحترمة، فعليه وعلى أبيه أشدّ العذاب وأعظم النكال، والله لو واروه في حفرة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يغن عنه ذلك من الله شيئاً، كما لم يغن عن الأوّلين الّذين دفنا إلى جانبهصلى‌الله‌عليه‌وآله نزهه الله عنهما ونقلهما عنه،( وَقِيلَ لَهُمَا ادخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ) (٢) وهو يرجو مع قبيح فعله الشفاعة من النبيّ، ويتبرّك بشعره وظفره، والله يقول:( وَلَا يَشفَعُونَ إلَّا لِمَنِ ارتَضَى ) (٣) .

ثمّ انقطع كلام معاوية ولم ينطق بشيء، وخرج يزيد على عادته في التهتك واللهو والصيد في يومه ذلك إلى نواحي حوران للنزهة والصيد وترك أباه بحاله، وقال للضحاك بن قيس: انظر لا تخف عليَّ شيئاً من أمره، وتوفّي معاوية من غد وليس يزيد حاضر، فكان ملكه عليه اللعنة تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر، ومات بدمشق يوم الأحد لأيّام خلت من شهر رجب سنة ستّين، وهو ابن ثمان وسبعين سنة.

قال : فخرج الضحّاك من دار معاوية لا يكلّم أحداً والأكفان معه حتّى دخل المسجد الأعظم ونودي له في الناس، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه،

____________

١ - كذا في الأصل.

٢ - سورة التحريم: ١٠.

٣ - سورة الأنبياء: ٢٨.

ثمّ قال: إن أمير المؤمنين معاوية قد ذاق الموت، وشرب بكأس الحتف، وهذه أكفانه، ونحن مدرجوه فيها، ومدخلوه قبره، ومخلون بينه وبين عمله، فمن كان منكم يريد أن يشهد فليحضر بين الصلاتين ولا تقعدوا عن الصلاة عليه، ثمّ نزل عن المنبر وكتب إلى يزيد:

[ بسم الله الرحمن الرحيم ](١)

ا لحمد لله الّذي لبس ( رداء )(٢) البقاء، وكتب على عباده الفناء، فقال سبحانه:( كُلُّ مَن عَلَيهَا فَانٍ وَيَبقَى وَجهُ رَبِّكَ ذُوالجَلَالِ وَالإِكرَامِ ) (٣) .

لعبد الله أمير المؤمنين يزيد من الضحّاك بن قيس.

أمّا بعد:

فكتابي(٤) إلى أمير المؤمنين كتاب تهنئة ومصيبة، فأمّا التهنئة فبالخلافة الّتي جاءتك عفواً، وأمّا المصيبة فبموت أمير المؤمنين معاوية، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، فإذا قرأت كتابي هذا فالعجل العجل لتأخذ الناس بالبيعة، بيعة اخرى مجددة.

قال: فلمـّا ورد الكتاب على يزيد وقرأه وثب من ساعته صائحاً باكياً، وأمر بإسراج دوابّه، وسار يريد دمشق، فصار إليها بعد ثلاث من موت معاوية، وخرج [ الناس ](٥) إلى استقباله، فلم يبق أحد يطيق حمل السلاح إلا ركب

____________

١ و٢ و٥ - من المقتل.

٣ - سورة الرحمن: ٢٦ و٢٧.

٤ - كذا في المقتل، وفي الأصل: فكتب.

[ وخرج ](١) ، حتّى إذا وافى اللعين قريباً من دمشق وجعل الناس يتلقّونه فيبكون ويبكي معهم.

ثمّ نزل في قبّة خضراء لابنه وهو معتمّ بعمامة خزّ سوداء متقلّداً سيف أبيه، فلمـّا دخلها نظر فإذا قد فرش له فرش كثيرة بعضها على بعض، ما يمكن لأحد أن يرقى عليها إلا بالكراسي، فصعد حتّى جلس والناس يدخلون عليه يهنئونه بالخلافة ويعزونه بأبيه، ويزيد يقول: نحن أهل الحقّ وأنصار الدين، فأبشروا يا أهل الشام فإن الخير لم يزل فيكم وسيكون بيني(٢) وبين أهل العراق ملحمة، وذلك انّي رأيت في المنام منذ ثلاث ليال كأنّ بيني وبين أهل العراق نهراً يطرد بالدم العبيط [ ويجري ](٣) جرياً شديداً، وجعلت أجتهد في منامي أن أجوزه فلم أقدر حتّى جاء عبيد الله بن زياد فجازه بين يدي وأنا أنظر إليه.

قال : فأجابه أهل الشام وقالوا: يا أمير المؤمنين، امض بنا حيث شئت فنحن بين يديك، وسيوفنا هي الّتي عرفها أهل العراق في صفّين.

فقال يزيد: أنتم لعمري كذلك، ثمّ قال: أيّها الناس، إنّ معاوية كان عبداً من عباد الله أنعم الله عليه، ثمّ قبضه إليه، وهو خير ممّن بعده، ودون من كان قبله، ولا اُزكّيه على الله، فهو أعلم به منّي، فإن عفا عنه فبرحمته، وإن عاقبه فبذنوبه، ولقد ولّيت هذا الأمر من بعده ولست اُقصّر عن طلب حقّ، ولا أعتذر من تفريط في باطل، وإذا أراد الله شيئاً كان، فصاح الناس من كلّ جانب: سمعنا وأطعنا، يا أميرالمؤمنين.

قال: فبايع الناس بأجمعهم يزيد وابنه معاوية بن يزيد من بعده، وفتح

____________

١ و ٣ - من المقتل.

٢ - في المقتل: بينكم.

بيوت الأموال وأخرج أموالاً جليلة(١) ففرّقها عليهم، ثمّ عزم على إنفاذ الكتب إلى ( جميع )(٢) البلاد بأخذ البيعة له، وكان مروان بن الحكم والياً على المدينة فعزله وولى مكانه ابن عمّه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وكتب إليه يقول:

بسم الله الرحمن الرحيم

من عبد الله يزيد أمير المؤمنين إلى الوليد بن عتبة.

أ مّا بعد:

فإن معاوية كان عبداً من عباد الله أكرمه فاستخلفه ومكّن له، ثمّ قبضه إلى روحه وريحانه أو عقابه(٣) ، عاش بقدر، ومات بأجل، وقد كان عهد إليّ وأوصاني أن أحذر آل أبي تراب وجرأتهم على سفك الدماء، وقد آن - يا وليد - أن ينتقم الله للمظلوم(٤) عثمان من آل أبي تراب بآل أبي سفيان، فإذا ورد عليك كتابي هذا فخذ البيعة [ لي ](٥) على جميع الخلق في المدينة.

قال: ثمّ كتب في رقعة صغيرة:

أمّا بعد:

فخذ الحسين وعبد الله بن عمر وعبد الرحمان بن أبي بكر وعبد الله بن الزبير بالبيعة أخذاً عنيفاً ليست فيه رخصة، فمن أبى عليك فاضرب عنقه، وابعث إليّ برأسه، والسلام.(٦)

____________

١ - في المقتل: جزيلة.

٢ و ٥ - من المقتل.

٣ - في المقتل: إلى روحه وريحانه ورحمته وثوابه.

٤ - في المقتل: وقد علمت يا وليد أنّ الله تعالى منتقم للمظلوم.

٦ - مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ١/١٧٧ - ١٨٠.

و روي عن مكحول، عن أبي عبيدة الجراح، قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : لا يزال أمر أمتي قائماً بالقسط حتّى يكون أوّل من يثلمه رجل من بني اُميّة [ يقال له يزيد ].(١)

وبإسناد متّصل بأبي ذررضي‌الله‌عنه قال: سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: أوّل من يبدّل ديني رجل من بني اُميّة.

قال: ابن أعثم: فلمـّا ورد الكتاب على الوليد بن عتبة قرأه واسترجع، ثمّ قال: يا ويح الوليد بن عتبة من دخوله في هذه الامارة، ما لي وللحسين؟ ثمّ بعث إلى مروان فدعاه وقرأ الكتاب عليه، فاسترجع مروان، ثمّ قال: رحم الله معاوية.

فقال الوليد: أشر عليَّ برأيك.

فقال مروان: أرى أن ترسل إليهم في هذه الساعة فتدعوهم إلى الطاعة والدخول في بيعة يزيد، فإن فعلوا قبلت ذلك منهم، وإن أبوا قدمتهم وضربت أعناقهم قبل أن يعلموا بموت معاوية، فإنّهم إن علموا بموته وثب كلّ واحد منهم وأظهر الخلاف ودعا إلى نفسه، فعند ذلك أخاف أن يأتيك منهم ما لا قبل لك به، إلا عبد الله بن عمر فإنّي لا أراه ينازع، فذره عنك، وابعث إلى الحسين وعبد الرحمان بن أبي بكر وعبد الله بن الزبير فادعهم إلى البيعة، مع أنّي أعلم أنّ الحسين خاصة لا يجيبك إلى بيعة يزيد أبداً، ولا يرى له عليه طاعة، والله إنّي لو كنت موضعك لم اراجع الحسين في كلمة واحدة حتّى أضرب عنقه، فأطرق الوليد بن عتبة، ثمّ رفع رأسه وقال: ليت الوليد بن عتبة لم يولد.

____________

١ - من المقتل.

قال : ثمّ دمعت عيناه، فقال له عدوّ الله مروان: أيّها الامير، لا تجزع بما ذكرت لك، فإنّ آل أبي تراب هم الأعداء في قديم الدهر ولم يزالوا، وهم الّذين قتلوا عثمان، ثمّ ساروا إلى معاوية فحاربوه، فإنّي لست آمن - أيّها الأمير - إن أنت لم تعاجل الحسين خاصة أن تسقط منزلتك عند أمير المؤمنين يزيد.

فقال الوليد: مهلاً - يا مروان - اُقصّر من كلامك وأحسن القول في ابن فاطمة، فإنّه بقيّة ولد النبيّين.

قال: ثمّ بعث الوليد بن عتبة إلى الحسين وعبد الرحمان بن أبي بكر وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن الزبير فدعاهم، وأقبل الرسول وهو عمرو بن عثمان، فلم يصب القوم في منازلهم، فمضى نحو المسجد فإذا القوم عند قبر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فسلّم، ثمّ قال: إنّ الأمير يدعوكم، فصيروا إليه.

فقال الحسين: نفعل إن شاء الله إذا نحن فرغنا من مجلسنا، فانصرف الرسول وأخبر الوليد بذلك، واقبل عبد الله بن الزبير على الحسين، فقال: يا أبا عبد الله، إنّ هذه ساعة لم يكن الوليد بن عتبة يجلس فيها للناس، وإنّي قد أنكرت بعثته إلينا في مثل هذا الوقت، فترى لما بعث إلينا(١) ؟

فقال الحسينعليه‌السلام : اخبرك إنّي أظنّ أنّ معاوية هلك، وذلك انّي رأيت البارحة في منامي كأنّ منبر معاوية منكوس، ورأيت النّار تشتعل في داره، فتأوّلت ذلك في نفسي بأنّه قد مات.

قال ابن الزبير: فاعمل على ذلك بأنّه كذلك، فما ترى أن تصنع إذا دعيت إلى بيعة يزيد؟

____________

١ - في المقتل: أنكرت بعثه أفترى لماذا بعث إلينا؟

فقال الحسينعليه‌السلام : لا اُبايع أبداً، لأنّ الأمر إنّما كان لي بعد أخي الحسن فصنع معاوية ما صنع، وحلف لأخي الحسن انّه لا يجعل الخلافة لأحد من بعده من ولده، وأن يردّها عليَّ إن كنت حيّاً، فإن كان معاوية قد خرج من دنياه ولم يف لي ولا لأخي فوالله لقد جاءنا مالا قوام(١) لنا به، أتظنّ أنّي اُبايع يزيد، ويزيد رجل فاسق معلن بالفسق، وشرب الخمر، واللعب بالكلاب والفهود، ونحن بقيّة آل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ والله لا يكون ذلك أبداً، فبينما هما في المحاورة إذ رجع الرسول وقال للحسين: أبا عبد الله، إنّ الأمير قاعد لكما خاصة فقوما إليه، فزبره الحسين وقال: انطلق إلى أميرك لا اُمّ لك أنا صائر إليه الساعة إن شاء الله ولا قوّة إلا بالله.

قال: فرجع الرسول إلى الوليد فأخبره بذلك، وقال: إنّ الحسين قد أجاب وهو صائر إليك هذه الساعة في أثري.

فقال مروان: غدر والله الحسين.

فقال الوليد: مهلاً ليس مثل الحسين يغدر، ولا يقول ما لا يفعل، ثمّ أقبل الحسين على الجماعة وقال: قوموا(٢) إلى منازلكم فإنّي صائر إليه فأنظر ما عنده.

فقال له ابن الزبير: إنّي أخشى(٣) عليك أن يحبسوك عندهم ولا يفارقونك أبداً حتّى تبايع أو تقتل.

فقال: لست أدخل عليه وحدي، ولكن أجمع أصحابي وخدمي

__________________

١ - في المقتل: قرار.

٢ - في المقتل: صيروا.

٣ - في المقتل: خائف.

و أنصاري وأهل الحقّ من شيعتي، وآمر كلّ واحد منهم أن يأخذ سيفه مسلولاً تحت ثيابه، ثمّ يصيروا بإزائي، فإذا أنا أومأت إليهم وقلت: [ يا آل الرسول، ادخلوا ] دخلوا وفعلوا ما أمرتهم به، ولا اُعطي القياد من نفسي، فقد علمت والله أنّه قد أتى من الأمر ما لا قوام له، ولكن قدر الله ماضٍ، وهو الّذي يفعل في أهل البيت ما يشاء ويرضى.

ثمّ وثب الحسين فصار إلى منزله، ثمّ دعا بماء فاغتسل، ولبس ثيابه، وصلّى ركعتين، فلمـّا انفتل من صلاته أرسل إلى فتيانه ومواليه وأهل بيته فأعلمهم شأنه، ثمّ قال: كونوا بباب هذا الرجل، فإذا سمعتم صوتي وكلامي وصحت: [ يا آل الرسول ] فاقتحموا بغير إذن، ثمّ أشهروا السيف(١) ولا تعجلوا، فإن رأيتم ما لا تحبّون فضعوا سيوفكم فيهم واقتلوا من يريد قتلي.

قال: ثمّ خرج الحسين من منزله، وفي يده قضيب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو في ثلاثين رجلاً من مواليه وشيعته حتّى أوقفهم على باب الوليد، ثمّ قال: انظروا ما اُوصيكم(٢) به فلا تعدوه وأنا أرجو أن أخرج إليكم سالماً، ثمّ دخل الحسينعليه‌السلام على الوليد وسلم، وقال: كيف أصبح الأمير؟

قال: فردّ عليه الوليد ردّاً حسناً، ثمّ أدناه وقرّبه، وكان مروان حاضراً في مجلس الوليد، وكان بيد الوليد ومروان قبل ذلك منازعة، فلمـّا نظر الحسين إلى مروان جالساً في مجلس الوليد، قال: أصلح الله الأمير الصلح(٣) خير من

____________

١ - في المقتل: السيوف.

٢ - في المقتل: ما أوصيتكم.

٣ - في المقتل: الصلاح.

الفساد، وقد آن لكما أن تجتمعا، الحمد لله الّذي أصلح ذات بينكم.

قال: فلم يجيباه بشيء في هذا، فقال الحسينعليه‌السلام : هل ورد عليكم خبر من معاوية؟ فإنّه قد كان عليلاً وقد طالت علته، فكيف هو الآن؟

قال: فتأوّه الوليد، ثمّ قال: يا أبا عبد الله، آجرك الله(١) في معاوية، فقد كان لك عمّ صدق، ووالي عدل، فقد ذاق الموت، وهذا كتاب أمير المؤمنين يزيد.

فقال الحسينعليه‌السلام : إنّا لله وإنّا إليه راجعون، وعظم الله لكما الأجر، ولكن لماذا دعوتني؟

فقال: دعوتك للبيعة الّتي قد اجتمع عليها الناس.

قال: فقال الحسينعليه‌السلام : إنّ مثلي لا يعطي بيعته سرّاً، وإنّما يجب أن تكون البيعة علانية بحضرة الجماعة، ولكن غداً إذا دعوت الناس إلى البيعة دعوتنا معهم، فيكون أمراً واحداً.

فقال له الوليد: لقد قلت فأحسنت القول وكذا كان ظنّي فيك، فانصرف راشداً حتّى تأتينا غدا مع الناس.

قال: فقام مروان، وقال: إنّه إن فارقك الساعة ولم يبايع فإنّك لا تقدر عليه بعدها أبداً حتّى تكثر القتلى بينك وبينه، فاحتبسه عندك ولا تدعه يخرج أو يبايع وإلا فاضرب عنقه.

قال: فالتفت الحسين إليه، وقال: ويلي عليك ياابن الزرقاء، أتأمره بضرب عنقي؟ كذبت والله ولؤمت، والله لو رام ذلك أحد من الناس لسقيت

__________________

١ - لفظ الجلالة أثبتناه من المقتل.

الأرض من دمه، فإن شئت ذلك فقم أنت فاضرب(١) عنقي إن كنت صادقاً.

قال : ثمّ أقبل الحسين على الوليد وقال: أيّها الأمير، إنّا أهل بيت النبوّة، ومعدن الرسالة، وبنا فتح الله وبنا ختم، ويزيد رجل فاسق، شارب خمر، قاتل النفس، معلق بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون، وننظر وتنظرون أينا أحقّ بالخلافة والبيعة.

قال: فسمع من بالباب صوت الحسين فهمّوا أن يقتحموا الدار بالسيوف، وخرج إليهم الحسينعليه‌السلام فأمرهم بالانصراف، وأقبل الحسين إلى منزله، فقال مروان للوليد: عصيتني حتّى أفلت الحسين من يدك، أمّا والله لا تقدر منه على مثلها، والله ليخرجنّ عليك وعلى يزيد.

فقال الوليد: ويحك يا مروان، أشرت عليَّ بقتل الحسين، وفي قتله ذهاب ديني ودنياي، والله ما اُحبّ(٢) أن أملك الدنيا بأسرها وانّي قتلت الحسين، ما أظنّ أحداً يلقى الله يوم القيامة بدم الحسين إلا وهو خفيف الميزان عندالله، لا ينظر إليه، ولا يزكّيه، وله عذاب أليم.

قال: وخرج الحسينعليه‌السلام من منزله يسمع الأخبار فإذا هو بمروان بن الحكم قد عارضه في طريقه، فقال: يا أبا عبد الله، إنّي لك ناصح فأطعني ترشد وتسدّد.

فقال الحسينعليه‌السلام : وما ذاك؟

قال: إنّي آمرك ببيعة يزيد فإنّه خير لك في دينك ودنياك.

____________

١ - في المقتل: فرم أنت ضرب.

٢ - في المقتل: والله إنّي لا احب.

قال: فاسترجع الحسينعليه‌السلام وقال: على الاسلام العفا إذ قد بليت الاُمّة براع مثل يزيد، ثمّ أقبل الحسين على مروان، وقال: ويحك تأمرني ببيعة يزيد، ويزيد رجل فاسق، لقد قلت شططاً، لا ألومك على قولك لأنّك اللعين الّذي لعنك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأنت في صلب أبيك الحكم بن ابي العاص، ومن لعنه رسول الله فإنّه لا ينكر منه أن يدعو إلى بيعة يزيد، ثمّ قال: إليك عنّي يا عدوّ الله فإنّا أهل بيت رسول الله على الحقّ والحقّ فينا، وقد سمعت جدّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: الخلافة محرمة على آل أبي سفيان الطلقاء وأبناء الطلقاء، فإذا رأيتم معاوية على منبري فابقروا بطنه(١) ، فوالله لقد رآه أهل المدينة على منبر جدّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فلم يفعلوا ما امرهم به فابتلاهم الله بابنه يزيد.

قال: فغضب مروان، ثمّ قال: والله لا تفارقني أو تبايع ليزيد صاغراً، فإنكم آل أبي تراب قد ملئتم كلاماً واشربتم بغض آل أبي سفيان، وحقيق عليهم أن يبغضوكم.

فقال الحسينعليه‌السلام : ويلك إليك عنّي، فإنّك رجس وإنّا أهل بيت

__________________

١ - السنة لعبد الله بن أحمد بن حنبل: ١٥١ ح ٨١٤، مناقب الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام لمحمد بن سليمان الكوفي: ٢/٣٠٠ ح ٧٧٥ وص ٣٠٥ ح ٧٧٩ وص ٧٨٠ وص٣١٨ ح ٧٩٠، أنساب الأشراف: ١/١٢٨ ح ٣٦٩ وص ١٢٨ - ١٢٩ ح ٣٧١، تاريخ الطبري: ١٠ / ٥٨، الكامل لابن عديّ: ٣/١٢٥٥، وج ٥/١٨٤٤ وص١٩٥١، وج ٦/٢١٢٥ وص٢٤١٦، وج ٧/٢٥٤٤، معاني الأخبار: ٣٤٦ ح ١، تاريخ بغداد: ١٢/١٨١، شرح نهج البلاغة: ١٥/١٧٦، الملاحم والفتن: ١١١ وص ١٦٨ - ١٦٩ ب ١٩، ميزان الاعتدال: ٢/٦١٣، الاصول الستة عشر، كتاب عبّاد العصفري: ١٩، وقعة صفّين: ٢١٦ وص٢٢١، سير أعلام النبلاء: ٣/١٤٩، البداية والنهاية: ٨/١٣٣، المطالب العالية: ٤/٣١٣ ح ٤٤٩٩.

الطهارة الّذي أنزل الله فينا:( إنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أهلَ البَيتِ وَيُطَهِّرَكُم تَطهِيراً ) (١) فنكس مروان رأسه، فقال له الحسين: أبشر يا ابن الزرقاء بكل ما تكره من الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم تقدّم على جدّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فيسألك عن حقي وحق يزيد.

قال : فمضى مروان مغضباً حتّى دخل على الوليد فخبّره بما كان من مقالة الحسينعليه‌السلام ، وكان ابن الزبير قد خرج ليلاً قاصداً مكّة حين اشتغلوا بالحسين، فبعث الوليد بن عتبة في طلبه فلم يقدروا عليه وفاتهم، فكتب الوليد إلى يزيد يخبره الخبر بما كان من ابن الزبير، ثمّ ذكر له بعد ذلك أمر الحسين، فلمـّا ورد الكتاب على يزيد وقرأه غضب غضباً شديداً، وكان إذا غضب انقلبت عيناه فصار أحول، فكتب إلى الوليد بن عتبة:

من عبد الله أمير المؤمنين يزيد إلى الوليد بن عتبة.

أمّا بعد:

فإذا ورد عليك كتابي هذا فخذ البيعة ثانياً على أهل المدينة وذر عبد الله ابن الزبير فإنّه لا يفوتنا، وليكن مع جواب كتابي رأس الحسين، فإن فعلت ذلك فقد جعلت لك أعنّة الخيل، ولك عندي الجائزة العظمى والحظّ الأوفر، والسلام.

فلمـّا ورد الكتاب على الوليد وقرأه عظم ذلك عليه، ثمّ قال: لا والله لا يراني الله بقتل ابن نبيّه(٢) ولو جعل يزيد لي الدنيا بما فيها.

قال: وخرج الحسينعليه‌السلام من منزله ذات ليلة وأقبل إلى قبر جدّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال: السلام عليك يا رسول الله، أنا الحسين بن فاطمة

____________

١ - سورة الأحزاب: ٣٣.

٢ - كذا في المقتل، وفي الأصل: بنته.

فرخك وابن فرختك، وسبطك الّذي خلّفتني في اُمّتك، فاشهد عليهم يا نبيّ الله أنهم قد خذلوني، وضيّعوني، ولم يحفظوني، وهذه شكواي إليك حتّى ألقاك.

قال: ثمّ قام فصفّ قدميه فلم يزل راكعاً ساجداً. قال: وأرسل الوليد إلى منزل الحسينعليه‌السلام لينظر أخرج من المدينة أم لا، فلم يصبه في منزله، فقال: الحمد لله الّذي(١) خرج ولم يبتلني الله(٢) بدمه.

قال: ورجع الحسين إلى منزله عند الصبح.

قال: فلمـّا كانت الليلة الثانية(٣) خرج إلى القبر أيضاً وصلّى ركعات، فلمـّا فرغ من صلاته جعل يقول: اللّهمّ هذا قبر نبيّك محمد، وأنا ابن بنت نبيّك، وقد حضرني من الأمر ما قد علمت.

اللّهمّ إنّي اُحبّ المعروف، واُنكر المنكر، وأنا أسألك يا ذا الجلال والاكرام بحقّ هذا(٤) القبر ومن فيه إلا اخترت لي ما هو لك رضى، ولرسولك رضى.

قال: ثمّ جعل يبكي عند القبر حتّى إذا كان قريباً من الصبح وضع رأسه على القبر فأغفى، فإذا هو برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قد أقبل في كتيبة من الملائكة عن يمينه وعن شماله وبين يديه حتّى ضمّ الحسين إلى صدره وقبّل بين عينيه وقال: حبيبي يا حسين كأنّي أراك عن قريب مرملاً بدمائك، مذبوحاً

__________________

١ - في المقتل: إذ.

٢ - لفظ الجلالة أثبتناه من المقتل.

٣ - في المقتل: الثالثة.

٤ - من المقتل.

بأرض كربلاء، بين(١) عصابة من اُمّتي، وأنت مع ذلك عطشان لا تسقى، وظمآن لا تروى، وهم مع ذلك يرجون شفاعتي، لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة.

حبيبي يا حسين، إنّ أباك واُمّك وأخاك قدموا عليَّ وهم مشتاقون إليك، وإنّ لك في الجنان لدرجات لن تنالها إلا بالشهادة.

قال : فجعل الحسينعليه‌السلام في منامه ينظر إلى جدّه ويقول: يا جدّاه، لا حاجة لي في الرجوع إلى الدنيا، فخذني إليك وأدخلني معك في قبرك.

فقال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : لا بدّ لك من الرجوع إلى الدنيا حتّى ترزق الشهادة، وما قد كتب الله لك فيها من الثواب العظيم، فإنّك وأباك وأخاك وعمك وعم أبيك تحشرون يوم القيامة في زمرة واحدة حتّى تدخلوا الجنة.

قال : فانتبه الحسينعليه‌السلام من نومه فزعاً مرعوباً فقصّ رؤياه على أهل بيته وبني عبد المطّلب، فلم يكن في ذلك اليوم في مشرق ولا مغرب قوم أشدّ غماً من أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ولا أكثر باك ولا باكية منهم.

قال: وتهيّأ الحسين صلوات الله عليه للخروج من المدينة ومضى في جوف الليل إلى قبر اُمّهعليها‌السلام فودّعها، ثمّ مضى إلى قبر أخيه الحسنعليه‌السلام ففعل كذلك، ثمّ رجع إلى منزله وقت الصبح، فأقبل إليه أخوه محمد إبن الحنفيّة وقال: يا أخي أنت أحبّ الخلق إليّ وأعزّهم عليَّ، ولست والله أدّخر النصيحة لأحد من الخلق، وليس أحد أحقّ بها منك لأنّك مزاج مائي

____________

١ - كذا في المقتل، وفي الأصل والبحار: من.

ونفسي وروحي وبصري، وكبير أهل بيتي، ومن وجبت طاعته في عنقي، لأنّ الله تبارك وتعالى قد شرّفك عليَّ وجعلك من سادات أهل الجنّة، واريد أن اُشير عليك فاقبل منّي.

فقال الحسينعليه‌السلام : يا أخي، قل ما بدا لك.

فقال: اُشير عليك أن تتنحّى عن يزيد وعن الأمصار ما استطعت، وتبعث رسلك إلى الناس تدعوهم إلى بيعتك، فإن بايعك الناس حمدت الله على ذلك وقمت فيهم بما كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقوم به فيهم حتّى يتوفّاك الله(١) وهو عنك راض، والمؤمنون عنك راضون كما رضوا عن أبيك وأخيك، وإن اجتمع الناس على غيرك حمدت الله على ذلك وسكتّ ولزمت منزلك(٢) فإنّي خائف عليك أن تدخل مصراً من الأمصار، أو تأتي جماعة من الناس فيقتتلون فتكون طائفة منهم معك وطائفة عليك فتقتل بينهم.

فقال الحسينعليه‌السلام : فإلى أين أذهب؟

قال: تخرج إلى مكّة، فإن اطمأنّت بك الدار بها فذاك، وإن تكن الاُخرى خرجت إلى بلاد اليمن، فإنّهم أنصار جدّك وأبيك، وهم أرأف الناس وأرقّهم قلوباً(٣) ، وأوسع الناس بلاداً، فإن اطمأنّت بك الدار فذاك(٤) وإلا لحقت بالرمال، وشعوب الجبال، وجزت(٥ ) من بلد إلى بلد، حتّى تنظر ما يؤل إليه أمر الناس ويحكم الله بيننا وبين القوم الفاسقين.

__________________

١ - لفظ الجلالة أثبتناه من المقتل.

٢ - كذا في المقتل، وفي الأصل: حمدت الله على ذلك، وتسكت منزلك.

٣ - في المقتل: وهم أرأف وأرقّ قلوباً.

٤ - من المقتل.

٥ - في المقتل: وصرت.

قال: فقال الحسينعليه‌السلام : يا أخي، والله لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية، فقد قال جدّيصلى‌الله‌عليه‌وآله : اللّهمّ لا تبارك في يزيد.

قال سيّدنا ومولانا علم العترة الطاهرة، ومصباح الاسرة الفاخرة، السيد عليّ بن موسى بن جعفر بن محمد بن طاووسرضي‌الله‌عنه وأرضاه في كتابه الّذي ذكر فيه ما تمّ على الامام السعيد أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام : ولعلّ [ بعض ](١) من لا يعرف حقائق شرف السعادة بالشهادة معتقداً(٢) أنّ الله سبحانه لا يتعبّد بمثل هذا الحال(٣) ، أمّا سمع في القرآن الصادق المقال أنّه سبحانه تعبّد قوماً بقتل أنفسهم، فقال تعالى:( فَتُوبُوا إلَى بَارِئِكُم فَاقتُلُوا أنفُسَكُم ذلِكُم خَيرٌ لَكُم عِندَ بَارِئِكُم ) (٤) ؟

ولعله يعتقد [ أن معنى ](٥) قوله سبحانه:( وَلَا تُلقُوا بِأَيدِيكُم إلَى التَّهلُكَةِ ) (٦) أنّه هو القتل، وليس الأمر كذلك، وإنّما التعبد به من أعظم(٧) درجات السعادة والفضل.

وقد ذكر صاحب المقتل المرويّ عن الصادقعليه‌السلام في تفسير هذه الآية ما يليق بالعقل:

فروى عن أسلم قال: غزونا نهاوند - أو قال غيرها - فاصطففنا والعدوّ

__________________

١ و ٥ - من الملهوف.

٢ - في الملهوف: يعتقد.

٣ - في الملهوف: هذه الحالة.

٤ - سورة البقرة: ٥٤.

٦ - سورة البقرة: ١٩٥.

٧ - في الملهوف: أبلغ.

صفّين لم أرَ أطول منهما ولا أعرض، والروم قد ألصقوا ظهورهم بحائط مدينتهم، فحمل رجل منّا على العدوّ، فقال الناس: لا إله إلا الله ألقى هذا بنفسه إلى التهلكة.

فقال أبو أيوب الأنصاريرضي‌الله‌عنه : إنّما تؤولون(١) هذه الآية على أنّه حمل هذا الرجل يلتمس الشهادة، وليس كذلك، إنّما اُنزلت فينا، لأنّا كنّا(٢) قد اشتغلنا بنصرة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وتركنا أهالينا وأموالنا لأن نقيم فيها ونصلح ما فسد منها، فقد ضاعت بتشاغلنا عنها، فأنزل الله سبحانه إنكاراً علينا لما وقع(٣) في نفوسنا من التخلف عن [ نصرة ](٤) رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لإصلاح أموالنا( وَلَا تُلقُوا بِأَيدِيكُم إلَى التَّهلُكَةِ ) ، معناه: إن تخلفتم عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأقمتم في بيوتكم ألقيتم بأيديكم إلى التَّهلكة، وسخط الله عليكم فهلكتم، وذلك ردّ علينا فيما قلنا وعزمنا عليه من الاقامة، وتحريض لنا على الغزو، وما نزلت هذه الآية في رجل حمل على العدوّ يحرّض أصحابه على أن يفعلوا كفعله ويطلب الشهادة بالجهاد في سبيل الله رجاء ثواب الآخرة.(٥)

قلت: وهذا معنى قول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : كلّ برٍّ فوقه برّ حتّى يخرج الرجل شاهراً سيفه في سبيل الله فيقتل فليس فوقه برّ.(٦)

__________________

١ - كذا في الملهوف، وفي الأصل: تتلون.

٢ - كذا في الملهوف، وفي الأصل: قلنا.

٣ - في الملهوف: فأنزل الله إنكال لما وقع.

٤ - من الملهوف.

٥ - الملهوف على قتلى الطفوف: ١٠٠.

٦ - أخرجه في الوسائل: ١١/١٠ ح ٢٥ عن التهذيب: ٦/١٢٢ ح ٢٠٩، والخصال:

ثمّ نرجع إلى تمام الحديث:

قال : قطع محمد بن الحنفيّة الكلام وبكى، فبكى [ معه ](١) الحسينعليه‌السلام ساعة، ثمّ قال: يا أخي، جزاك الله خيراً فقد نصحت وأشرت بالصواب، وأنا عازم على الخروج إلى مكّة، وقد تهيّأت لذلك أنا وإخوتي وبنو أخي وشيعتي ممّن أمرهم(٢) أمري ورأيهم رأيي، وأمّا أنت يا أخي فما عليك أن تقيم بالمدينة، فتكون لي عيناً عليهم لا تخف عنّي شيئاً من امورهم.

ثمّ دعا الحسينعليه‌السلام بدواة وبياض وكتب هذه الوصيّة لأخيه محمدرضي‌الله‌عنه :

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا ما أوصى به الحسين بن عليّ بن أبي طالب إلى أخيه محمد المعروف بابن الحنفيّة، أنّ الحسين يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمّداً عبده ورسوله، جاء بالحقّ من عند الحقّ، وأن الجنّة والنار حقّ، وأن الساعة أتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الاصلاح في اُمّة جدّيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، اريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله وأبي عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، فمن قبلني بقبول الحقّ فالله أولى بالحقّ، ومن ردّ علي هذا أصبر(٣) حتّى يقضي الله بيني وبين القوم

____________

٩ ح ٣١، والكافي: ٥/٥٣ ح ٢.

١ - من المقتل والبحار.

٢ - كذا في المقتل، وفي الأصل والبحار: وشيعتي وأمرهم.

٣ - في المقتل: صبرت.

بالحق [ ويحكم بيني وبينهم ](١) وهو خير الحاكمين، وهذه وصيّتي يا أخي إليك، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت وإليه اُنيب.

قلت: وهذه الوصيّة معنى قول أمير المؤمنين صلوات الله عليه الّذي رواه سيّدنا ومفخرنا السيد محمد الرضي بن الحسين الموسويرضي‌الله‌عنه في كتابه الّذي جمعه من كلام جدّه أمير المؤمنينعليه‌السلام وسمّاه ب‍ « نهج البلاغة » في باب الكلام القصير في قوله صلوات الله عليه:

روى ابن جرير الطبري في تاريخه(٢) عن عبد الرحمن(٣) بن أبي ليلى الفقيه - وكان ممّن خرج لقتال الحجّاج مع ابن الأشعث - أنّه قال فيما كان يحضّ به الناس على القتال(٤) : إنّي سمعت عليّاً رفع الله روحه(٥) في الصالحين، واثابه ثواب الشهداء والصدّيقين، يقول - لما(٦) لقينا أهل الشام -: أيّها المؤمنون، إنّه من رأى عدواناً يعمل به ومنكراً يدعى إليه، فأنكره بقلبه فقد سلم وبرىء(٧) ، ومن أنكره بلسانه فقد اجر، وهو أفضل من صاحبه، ومن أنكره بالسيف لتكون كلمة الله العليا وكلمة الظّالمين السفلى(٨) فذلك الّذي أصاب سبيل الهدى، وأقام على الطريقة المثلى(٩) ، ونوّر في قلبه اليقين.(١٠)

__________________

١ - من المقتل.

٢ - تاريخ الطبري: ٦/٣٥٧.

٣ - كذا في الطبري والنهج، وفي الأصل: عبد الله.

٤ - في النهج: الجهاد.

٥ - في النهج: درجته.

٦ - في النهج: يوم.

٧ - أيّ من العذاب المترتّب على فعل المنكر والرضا به لأنّه خرج بمجرّد ذلك عن العهدة.

٨ - في النهج: هي العليا هي السفلى.

٩ - في النهج: وقام على الطريق.

١٠ - نهج البلاغة: ٥٤١ رقم ٣٧٣، عنه البحار: ٣٢/٦٠٨ ح ٤٨٠، وج ١٠٠/٨٩ ح ٦٩.

وقولهعليه‌السلام : فمنهم المنكر للمنكر بيده ولسانه وقلبه، فذلك المستكمل لخصال الخير.

ثمّ قال بعد كلام يجري مجرى ذلك: وما أعمال البرّ كلّها والجهاد في سبيل الله عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلاّ كنفثةٍ(١) في بحر لجّيّ، وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقرّبان من أجل، ولا ينقصان من رزق، وأفضل من ذلك كلّه كلمة عدل عند سلطان(٢) جائر.(٣)

و عن أبي جُحيفة، قال: سمعت أمير المؤمنينعليه‌السلام يقول: إن أوّل ما تُغلبون عليه(٤) من الجهاد [ الجهاد ](٥) بأيديكم، ثمّ بألسنتكم، ثمّ بقلوبكم، فمن لم يعرف بقلبه معروفاً، ولم ينكر منكراً، قُلب(٦) فجعل أعلاه أسفله.(٧)

قال: ثمّ طوى الحسينعليه‌السلام الكتاب وختمه بخاتمه ودفعه إلى أخيه محمد، ثمّ ودّعه وخرج في جوف الليل(٨) يريد مكّة في جميع أهل بيته، وذلك لثلاث ليال مضين من شهر شعبان سنة ستّين، فلزم الطريق الأعظم،

____________

١ - يراد ما يمازج النفس من الريق عند النفّخ.

واللجّيّ: الكثير الموج.

٢ - في النهج: إمام.

٣ - نهج البلاغة: ٥٤٢ رقم ٣٧٤، عنه البحار: ١٠٠/٨٩ ح ٧٠.

٤ - بمعنى يُحدث أثراً شديداً عليكم إذا قمتم به.

٥ - من النهج.

٦ - كذا في النهج، وفي الأصل: قُلب قلبه.

٧ - نهج البلاغة: ٥٤٢ رقم ٣٧٥، عنه البحار: ١٠٠/٨٩ ح ٧١.

٨ - من قوله: « فلمـّا ورد الكتاب على الوليد » إلى هنا نقله المجلسيرحمه‌الله في البحار: ٤٤/٣٢٧ - ٣٣٠ عن كتابنا هذا، وكذا عوالم العلوم: ١٧/١٧٧.

وجعل [ يسيرو ](١) يتلو هذه الآية:( فَخَرَجَ مِنهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَومِ الظَّالِمِينَ ) (٢) فقاله له ابن عمّه [ مسلم بن عقيل بن أبي طالب ](٣) : يا ابن رسول الله، لو عدلنا عن الطريق وسلكنا غير الجادّة كما فعل ابن الزبير كان عندي [ خير ](٤) الرأي، فإنّا نخاف من الطلب.

فقال: لا يا ابن العمّ، لا فارقت هذا الطريق أو أنظر أبيات مكّة أو يقضي الله في ذلك ما يحبّ، فبينا الحسين بين مكّة والمدينة إذ استقبله عبد الله بن مطيع العدويّ، فقال: أين تريد يا أبا عبد الله، جعلني الله فداك؟

فقال: أمّا في وقتي هذا فإنّي اريد مكّة، فإذا صرت إليها استخرت الله.

فقال عبد الله بن مطيع: خار الله لك في ذلك، وإنّي اُشير عليك بمشورة فاقبلها منّي.

فقال الحسينعليه‌السلام : ما هي؟

قال: إذا أتيت مكّة فاحذر أن يغرّك أهل الكوفة فإن فيها قتل أبوك، وطعن أخوك طعنة كادت [ أن ](٥) تأتي على نفسه فيها، فالزم فيها الحرم فأنت سيّد العرب في دهرك، فوالله لئن هلكت ليهلكنّ أهل بيتك بهلاكك، والسلام.

قال: فودّعه الحسين ودعا له بالخير، وسار حتّى وافى مكّة، فلمـّا نظر إلى جبالها جعل يتلو:( وَلمـّا تَوَجَّهَ تِلقَاءَ مَديَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ ) (٦) .(٧)

__________________

١ و ٣ و ٤ و ٥ - من المقتل.

٢ - سورة القصص: ٢١.

٦ - سورة القصص: ٢٢.

٧ - مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ١/١٨٠ - ١٨٩.

فصل

فيما جرى للحسينعليه‌السلام بعد وصوله إلى مكة

قال(١) : ولمـّا دخل الحسين مكّة جعل أهلها يختلفون إليه، وكان قد نزل بأعلى مكّة، ونزل عبد الله بن الزبير داره، ثمّ تحوّل الحسين إلى دار العبّاس، وكان أمير مكّة من قبل يزيد عمر بن سعد، وهاب ابن سعد أن يميل الحجّاج مع الحسين لما(٢) يرى من كثرة اختلاف الناس إليه من الآفاق، فانحدر إلى المدينة وكتب بذلك إلى يزيد لعنة الله، وكان الحسين أثقل الخلق على ابن الزبير لأنّه كان يطمع أن يبايعه أهل مكّة، فلمـّا قدم الحسين صاروا يختلفون إليه وتركوا ابن الزبير، وكان ابن الزبير يختلف بكرة وعشيّة الى الحسين ويصلّي معه.

وبلغ أهل الكوفة أنّ الحسين قد صار في(٣) مكّة، وأقام الحسينعليه‌السلام في مكّة باقي شهر شعبان ورمضان وشوّال وذي القعدة، وكان عبد الله بن عبّاس وعبد الله بن عمر بمكة فأقبلا جميعاً وقد عزما أن ينصرفا إلى المدينة، فقال ابن عمر: يا أبا عبد الله اتّق الله، فقد عرفت عداوة أهل هذا البيت لكم، وظلمهم إيّاكم، وقد وليّ الناس هذا الرجل يزيد، ولست آمن أن تميل الناس إليه لمكان الصفراء والبيضاء فيقتلوك فيهلك بقتلك بشر كثير، فإنّي سمعت

__________________

١ - أيّ أحمد بن أعثم الكوفي.

٢ - قوله: « وهاب ابن سعد لما » أثبتناه كما في المقتل، وما في الأصل مصحف.

٣ - في المقتل: إلى.

رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: حسين مقتول، فلئن خذلوه ولم(١) ينصروه ليخذلنّهم الله إلى يوم القيامة، وأنا اُشير عليك بالصلح وتدخل فيما دخل فيه الناس، واصبر كما صبرت لمعاوية حتّى يحكم الله بينك وبين القوم الظالمين.

فقال الحسينعليه‌السلام : يا با عبد الرحمن، أنا أدخل في صلحه وقد قال النبيّ فيه وفي أبيه ما قال؟!

فقال ابن عبّاس: صدقت، قد قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : مالي وليزيد؟ لا بارك الله في يزيد، فإنّه يقتل ولدي وولد ابنتي الحسينعليه‌السلام ، والذي نفسي بيده لا يقتل ولدي بين ظهراني قوم فلا يمنعونه إلا خالف الله بين قلوبهم وألسنتهم(٢) ثمّ بكى ابن عبّاس وبكى الحسين معه، وقال: يا ابن عبّاس، أتعلم أنّي ابن بنت رسول الله؟

قال ابن عبّاس: اللّهمّ نعم، ما نعرف أحداً على وجه الأرض ابن بنت رسول الله غيرك، وانّ نصرك لفرض على هذه الاُمّة كفريضة الصيام والزكاة، لا يقبل الله أحدهما دون الآخر.

فقال الحسين: فما تقول في قوم أخرجوا ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من وطنه وداره، و [ موضع ](٣) وقراره ومولده، وحرم رسوله، ومجاورة قبر جدّه ومسجده، وموضع مهاجره فتركوه خائفاً مرعوباً لا يستقرّ في قرار، ولا يأوي إلى وطن، يريدون بذلك قتله، وسفك دمه، وهو لم يشرك

__________________

١ - كذا في المقتل، وفي الأصل: فلن.

٢ - المعجم الكبير: ٣/١٢٩ ح ٢٨٦١، الفردوس للديلمي: ٤/٢٨٥ ح ٦٨٤١، مثير الأحزان: ٢٢، مجمع الزوائد: ٩/١٩٠، الخصائص الكبرى: ٢/٢٣٧، جمع الجوامع ١/٨٥٧ و١٠٠١، كنز العمال: ١١/١٦٦ ح ٠٦١/٣، بحار الأنوار: ٤٤/٢٦٦ ح ٢٤.

٣ - من المقتل.

بالله شيئاً ولم يغيّر ما كان(١) عليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟

فقال ابن عبّاس: فماذا أقول فيهم؟ أقول فيهم إنّهم كفروا بالله ورسوله ولا يأتون الصلاة إلاّ وهم كسالى( يُرَاؤُونَ النّْاسَ وَلَا يَذْكُروُنَ اللهَ إلَّا قَلِيلاً ) (٢) . وأمّا أنت يا ابن رسول الله فإنّك رأس الفخار، ابن رسول الله [ وابن وصيّه ](٣) ، وابن بنته، فلا تظنّ - يا ابن رسول الله - أنّ الله غافلاً عمّا يعمل الظالمون(٤) ، وأنا أشهد أنّ من رغب عنك فماله من خلاق(٥) .

فقال الحسينعليه‌السلام : اللّهمّ فاشهد.

قال ابن عبّاس: يا ابن رسول الله، كأنّك تنعى إليَّ نفسك، وتريد منّي أن أنصرك، والله لو ضربت بسيفي بين يديك حتّى تنخلع يداي لما كنت بالّذي أبلغ من حقّك عشر العشير.

فقال ابن عمر: يا ابن عبّاس، ذرنا من هذا.

ثمّ أقبل ابن عمر على الحسين فقال: مهلاً - يا أبا عبد الله - عمّا قد أزمعت عليه، وارجع معنا إلى المدينة وادخل في صلح القوم، ولا تجعل لهؤلاء الّذين لا خلاق لهم عليك حجّة، وإن أحببت ألاّ تبايع فأنت متروك، فعسى يزيد لا يعيش إلاّ قليلاً فيكفيك الله أمره.

فقال الحسينعليه‌السلام : اُفّ لهذا الكلام.

____________

١ - في المقتل: ولم يتغيّر عمّا كان.

٢ - سورة النساء: ١٤٢.

٣ - من المقتل.

٤ - إقتباس من الآية: ٤٢ من سورة إبراهيم.

٥ - إقتباس من الآيتين: ١٠٢ و٢٠٠ من سورة البقرة.

فقال ابن عمر: إنّي أعلم أنّ الله تبارك وتعالى لم يكن ليجعل ابن بنت نبيّه على خطأ، ولكن أخشى أن يضرب وجهك هذا الحسن بالسيوف ونرى من هذا الأمر ما لا نحبّ(١) فارجع معنا إلى المدينة ولا تبايع أبداً، واقعد في منزلك.

فقال الحسينعليه‌السلام : هيهات، إنّ القوم لا يتركوني إن أصابوني، فإن لم يصيبوني فإنّهم يطلبونني أبداً حتّى اُبايع او يقتلونني، أمّا تعلم أنّ من هو ان الدنيا على الله انّه اُتي برأس يحيى بن زكريّا إلى بغيّ من بغايا بني إسرائيل والرأس ينطق بالحجّة عليهم فلم يضرّ ذلك يحيى بل ساد الشهداء؟ أو لا تعلم أنّ بني إسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس سبعين نبيّاً ثمّ يجلسون في أسواقهم كأنّهم لم يصنعوا شيئاً فلم يعجّل الله(٢) عليهم، ثمّ أخذهم بعد ذلك أخذ عزيز ذي انتقام؟ اتقّ الله - يا با عبد الرحمن - ولا تدعنّ نصرتي.

يا ابن عمر، إن كان الخروج يثقل عليك فأنت في أوسع عذر واجلس عن القوم ولا تعجل بالبيعة لهم حتّى تعلم ما يؤول الأمر إليه.

قال: ثمّ أقبل الحسينعليه‌السلام على ابن عبّاس، فقال: يا ابن عبّاس، إنّك ابن عمّ والدي، ولم تزل تأمر بالخير مذ عرفتك، وكان أبي يستشيرك، فامض إلى المدينة في حفظ الله(٣) ، ولا تخف عليَّ شيئاً من أخبارك، فإنّي مستوطن هذا الحرم ومقيم فيه أبداً ما رأيت أهله يحبونّي(٤) وينصرونني فإذا هم خذلوني استبدلت بهم غيرهم.

قال فبكى ابن عبّاس وابن عمر، ثمّ ودّعهما فسارا إلى المدينة، وأقام

__________________

١ - في المقتل: وترى من هذه الاُمّة ما لا تحبّ.

٢ و٣ - لفظ الجلالة أثبتناه من المقتل.

٤ - كذا في المقتل، وفي الأصل: يخيّروني.

الحسين بمكّة قد لزم الصوم والصلاة.

قال : واجتمعت الشيعة بالكوفة في منزل سليمان بن صرد الخزاعي، فلمـّا تكاملوا في منزله قام فيهم خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على النبيّ وآله، ثمّ ذكر عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام فترحمّ عليه وذكر مناقبه الشريفة، ثمّ قال:

يا معشر الشيعة، إنّكم قد علمتم بأنّ معاوية قد هلك وصار إلى ربّه، وقدم على عمله، وسيجزيه الله بما قدم، وقد قعد في موضعه ابنه يزيد اللعين، وهذا الحسين بن عليّ قد خالفه وصار إلى مكّة هارباً من طواغيت آل أبي سفيان، وأنتم شيعته وشيعة أبيه، وقد احتاج إلى نصرتكم، فإن كنتم تعلمون أنّكم ناصروه ومجاهدو عدوّه فاكتبوا إليه، وإن خفتم الوهن والفشل فلا تغروّا الرجل من نفسه.

فقال القوم: بل نؤويه وننصره ونقاتل عدوّه ونقتل أنفسنا بين يديه، فأخذ سليمان بذلك عليهم عهداً وميثاقاً أنّهم لا يغدرون ولا ينكثون، ثمّ قال: اكتبوا إليه الآن كتاباً من جماعتكم انكم له كما ذكرتم، وسلوه القدوم عليكم.

فقالوا: أفلا تكفينا أنت الكتاب إليه؟

فقال سليمان: لا، بل تكتب إليه جماعتكم.

قال: فكتب القوم إليه:

بسم الله الرحمن الرحيم

للحسين بن عليّ أمير المؤمنين من سليمان بن صرد والمسّيب بن نجبة وحبيب بن مظاهر ورفاعة بن شدّاد وعبد الله بن وآل وجماعة شيعته من

المؤمنين.

سلام عليك.

أمّا بعد:

فالحمد لله الّذي قصم عدوّك وعدوّ أبيك من قبل الجبّار العنيد، الغشوم الظلوم، الّذي ابتزّ(١) هذه الاُمّة أمرها، وغصبها فيئها، وتأمّر عليها بغير رضا منها، ثّم قتل خيارها، واستبقى شرارها، وجعل مال الله دولة بين جبارتها وعتاتها، فبعداً لهم كما بعدت ثمود، ثمّ إنّه قد بلغنا أنّ ولده اللعين قد تأمّر على هذه الاُمّة بلا مشورة ولا إجماع، وبعد، فإنّا مقاتلون معك وباذلون أنفسنا من دونك، فأقبل إلينا فرحاً مسروراً، أميراً مطاعاً، إماماً، خليفة مهديّاً، فإنّه ليس علينا إمام ولا أمير إلاّ النعمان بن بشير، وهو في قصر الامارة وحيد طريد، لا نجتمع معه في جمعة ولا جماعة، ولا نخرج معه إلى عيد، ولا نؤدّي إليه الخراج، يدعو فلا يجاب، ويأمر فلا يطاع، ولو بلغنا أنّك أقبلت إلينا لأخرجناه عنّا حتّى يلحق بالشام، فأقبل إلينا فلعلّ الله تعالى يجمعنا بك على الحقّ والسلام عليك يا ابن رسول الله ورحمة الله وبركاته.

ثمّ طووا الكتاب وختموه ودفعوه إلى عبد الله بن سبيع الهمداني وعبد الله ابن مسمع بن بكري(٢) .

قال: فقرأ الحسينعليه‌السلام الكتاب وسكت، ولم يجبهم بشيء، ثمّ قدم عليه قيس بن مسهر الصيداوي وعبد الله بن عبد الرحمن الأرحبي وعامر

__________________

١ - ابتزّ: اغتصب.

٢ - في المقتل: عبد الله بن مسمع البكري.

ابن عبيد السكوني(١) وعبد الله بن وال التيمي ومعهم نحو من مائة وخمسين كتاباً من الرجل والثلاثة والأربعة يسألونه القدوم عليهم والحسينعليه‌السلام يتأنّى فلا يجيبهم بشيء.

ثمّ قدم عليه بعد ذلك هانىء بن هانىء السبيعي وسعيد بن عبد الله الحنفي بهذا الكتاب، وهو آخر كتاب ورد عليه من الكوفة:

بسم الله الرحمن الرحيم

إلى الحسين بن أمير المؤمنين، من شيعته وشيعة أبيه عليّ أمير المؤمنينعليه‌السلام .

أمّا بعد:

فإنّ الناس ينتظرونك لا رأي لهم غيرك فالعجل العجل يا ابن رسول الله، فقد اخضرّت الحبّات(٢) ، واينعت الثمار، وأعشبت الأرض، وأورقت الأشجار، فاقدم إذا شئت، فإنّما تقدّم على جند مجنّدة لك، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.

فقال الحسين لهانىء بن هانىء السبيعي وسعيد بن عبد الله، خبّراني، من اجتمع على هذا الكتاب الّذي كتب معكما إليّ؟

فقالا: يا بن رسول الله، اجتمع عليه شبث بن ربعي وحجّار بن أبجر ويزيد بن الحارث، وذكروا له جماعة.

____________

١ - في المقتل: السلوكي.

٢ - في المقتل: الجَناب.

والجناب: الفناء وما قرب من محلّة النوم.

فقام الحسينعليه‌السلام وتطهرّ(١) وصلّى ركعتين بين الركن والمقام، ثمّ انفتل من صلاته وسأل ربّه الخيرة، ثمّ كتب إلى أهل الكوفة:

من الحسين بن عليّ إلى الملأ من المؤمنين.

سلام عليكم.

أمّا بعد:

فإنّ هانىء بن هانىء وسعيد بن عبد الله قدما عليَّ من رسلكم، وقد فهمت ما اقتصصتم، ولست اُقصّر عمّا أحببتم، وقد ارسلت إليكم أخي وابن عمّي مسلم بن عقيل بن أبي طالب، وقد أمرت أن يكتب إليّ بحالكم ورأيكم، وهو متوجّه إلى ما قبلكم إن شاء الله، فإن كنتم على ما قدمت به رسلكم فقوموا مع ابن عمّي وبايعوه ولا تخذلوه، فلعمري ما الامام العامل بالكتاب والعادل(٢) بالقسط كالّذي يحكم بغير الحقّ، جمعنا الله وإيّاكم على الهدى، وألزمنا وإيّاكم كلمة التقوى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته(٣) .

____________

١ - في المقتل: وتوضّأ.

٢ - في المقتل: القائم.

٣ - مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ١/١٩٠ - ١٩٦.

فصل

في إرسال مسلم بن عقيل إلى الكوفة

ثمّ دعا الحسينعليه‌السلام بمسلم بن عقيلرضي‌الله‌عنه ودفع إليه الكتاب وقال: إنّي موجّهك إلى أهل الكوفة، وهذه كتبهم إليّ، وسيقضي الله من أمرك ما يحبّ ويرضى، وأنا أرجو أن أكون أنا وأنت في درجة الشهداء، فامض على بركة الله وعونه حتّى تدخل الكوفة، فإذا دخلتها فانزل عند أوثق أهلها وادع الناس إلى طاعتي، فإن رأيت الناس مجتمعين على بيعتي فعجّل عليَّ بالخبر حتّى أعمل على حسب ذلك إن شاء الله تعالى.

قال : ثمّ عانقه الحسين وبكيا جميعاً، وكان الحسينعليه‌السلام ينظر إلى مصرعه، فخرج مسلم من مكّة قاصداً المدينة مستخفياً لئلّا يعلم به بنو اُميّة، فلمـّا دخل المدينة بدأ بمسجد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فصلّى عنده، ثمّ أقبل(١) في جوف الليل، فودع أهل بيته، ثمّ استأجر دليلين من قيس عيلان يدلّانه على الطريق، ويمضيان به إلى الكوفة على غير الجادّة، فخرج الدليلان به من المدينة ليلاً وسارا فأضلّا الطريق، واشتدّ بهما العطش فماتا عشطاً، وسار(٢) مسلم ومن معه إلى الماء وقد كادوا أن يهلكوا عطشاً، فكتب مسلم إلى الحسينعليه‌السلام :

____________

١ - في المقتل: خرج.

٢ - في المقتل: وصار.

[ بسم الله الرحمن الرحيم ](١)

أمّا بعد:

فإنّي خرجت من المدينة ليلاً مع دليلين استأجرتهما فضلّا عن الطريق واشتدّ بهما العطش فماتا، ثمّ صرنا إلى الماء بعد ذلك - وقد كدنا نهلك - وأصبنا الماء بموضع يقال له « المضيق » وقد تطيرّت من وجهي، فرأيك في إعفائي.

فعلم الحسينعليه‌السلام أنّه قد تشأّم وتطيّر، فكتب إليه:

[ بسم الله الرحمن الرحيم

من الحسين بن عليّ إلى مسلم بن عقيل ](٢)

أمّا بعد:

فقد خشيت أن لا يكون حملك على الكتاب إليّ والاستعفاء من وجهك إلاّ الجبن والفشل، فامض لما اُمرت به.

فلمـّا وصل الكتاب إليه وجد همّاً وحزناً في نفسه، ثمّ قال: لقد نسبني أبو عبد الله إلى الجبن، ثمّ سار مسلم حتّى دخل الكوفة.(٣)

و كتب الحسينعليه‌السلام كتاباً إلى اشراف البصرة مع مولى له يقال له سليمان ويكنّى أبا رزين يدعوهم فيه إلى نصرته ولزوم طاعته؛ منهم: يزيد بن مسعود النهشلي، والمنذر بن الجارود العبدي، فجمع يزيد بن مسعود بني تميم وبني حنظلة وبني سعد، فلمـّا حضروا قال: يا بني تميم، كيف ترون موضعي فيكم، وحسبي منكم؟

__________________

١ و ٢ - من المقتل.

٣ - مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ١/١٩٦ - ١٩٧.

قالوا: بخّ بخّ، أنت والله فقرة الظهر، ورأس الفخر، حللت في الشرف وسطاً، وتقدّمت فيه فرطاً.

قال: فإنّي قد جمعتكم لأمر اُريد أن اُشاوركم فيه وأستعين بكم عليه.

فقالوا: والله إنّا نمنحك النصيحة، ونجهد لك الرأي، فقل نسمع.

فقال: إنّ معاوية مات فأهون به هالكاً مفقوداً، وإنّه قد انكسر باب(١) الجور، وتضعضعت أركان الظلم، وقد كان أحدث بيعة عقد بها أمراً ظنّ أنّه قد أحكمه، وهيهات بالّذي أراد، اجتهد إليه ففشل، وشاور فخذل، وقد قام يزيد - شارب الخمر ورأس الفجور - يدّعي الخلافة على المسلمين، ويتأمّر عليهم، مع قصر حلم، وقلّة علم، لا يعرف من الحقّ موطىء قدمه، فاُقسم بالله قسماً مبروراً انّ الجهاد في الدين أفضل من جهاد المشركين.

وهذا الحسين بن عليّ ابن بنت رسول الله عليه وآله، ذو الشرف الأصيل والرأي الأثيل، [ له ](٢) فضل لا يوصف، وعلم لا ينزف، وهو أولى بهذا الأمر لسابقته وسنّه وقدمه وقرابته، يعطف على الصغير، ويحنو على الكبير، فأكرم به راعي رعيّة، وإمام قوم وجبت لله به الحجّة، وبلغت به الموعظة، فلا تعشوا عن نور الحقّ، ولا تسكّعوا(٣) في وهدة الباطل، فقد كان صخر بن قيس قد انخذل(٤) بكم يوم الجمل، فاغسلوها بخروجكم إلى ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ونصرته، والله لا يقصّر أحد عن نصرته إلا أورثه الله الذلّ في ولده،

__________________

١ - كذا في الملهوف، وفي الأصل: انكسرت نار.

٢ - من الملهوف.

٣ - التسكّع: التمادي في الباطل.

٤ - كذا في الملهوف، وفي الأصل: فقد صخر بن قيس انخذل.

والقلّة في عشيرته، وها أنذا قد لبست للحرب لامتها، وأدرعت لها بدرعها، من لم يقتل يمت، ومن يهرب لم يفت، فأحسنوا رحمكم الله في ردّ الجواب.

فتكلّمت بنو حنظلة، فقالوا: يا أبا خالد، نحن نبل كنانتك، وفرسان عشيرتك، إن رميتَ بنا أصبتَ، وإن غزوتَ بنا فتحتَ، لا تخوض والله غمرة إلا خضناها، ولا تلقى والله شدّة إلاّ لقيناها، نصول(١) بأسيافنان ونقيك بأبداننا.

و تكلّمت بنو سعد بن زيد، فقالوا: يا أبا خالد، إنّ أبغض الأشياء إلينا مخالفتك والخروج من رأيك(٢) ، وقد كان صخر بن قيس أمرنا بترك القتال فحمدنا أمرنا وبقي عزّنا فينا، فأمهلنا نراجع المشورة ويأتيك رأينا.

وتكلّمت بنو عامر بن تميم، فقالوا: يا أبا خالد، نحن بنو أبيك وخلفاؤك(٣) ، ولا نرضى إن غضبتَ، ولا نقطن إن ضعنتَ، والأمر إليك، فادعنا نجبك، وأْمرنا نطعك، والأمر لك إذا شئت.

فقال: والله يا بني سعد، لئن فعلتموها لارفع الله السيف عنكم أبداً، ولا زال سيفكم فيكم. ثمّ كتب إلى الحسينعليه‌السلام :

بسم الله الرحمن الرحيم

أمّا بعد:

فقد وصل إليَّ كتابك، وفهمت ما ندبتني إليه ودعوتني له بالأخذ بحظّي من طاعتك، والفوز بنصيبي من نصرتك، وأنّ الله لم يخل الأرض قطّ من عاملٍ

____________

١ - في الملهوف: ننصرك.

٢ - في الملهوف: خلافك والخروج عن رأيك.

٣ - في الملهوف: وحلفاؤك.

عليها بخير، أو دليل على سبيل نجاة، وأنتم حجّة الله على الخلق ووديعته في أرضه، تفرّعتم من زيتونة أحمديّة، هو أصلها، وأنتم فرعها، فأقدم سعدتَ بأسعد طائر، فقد ذلّلتُ لك أعناق بني تميم وتركتهم أشدّ تتابعاً في طاعتك من الإبل الظماء لورود الماء يوم خمسها، وقد ذلّلت لك بني سعد وغسلت درك صدورها بماء سحابة مزن حين استهلّ برقها يلمع.(١)

فلمـّا قرأ الحسينعليه‌السلام الكتاب، قال: مالك آمنك الله يوم الخوف، وأعزّك وأرواك يوم العطش، فلمـّا تجهّز المشار إليه للخروج إلى الحسينعليه‌السلام بلغه قتله قبل أن يسير، فجزع(٢) من انقطاعه عنه.

و أمّا المنذر بن الجارود خاف أن يكون الكتاب دسيساً من عبيد الله بن زياد، وكانت بحرية ابنة المنذر بن الجارود تحت عبيد الله بن زياد فأخذ المنذر الرسول والكتاب وأتى به إلى عبيد الله بن زياد فقتله، ثمّ صعد المنبر فخطب وتوعّد الناس من أهل البصرة على الخلاف وإثارة الإرجاف.

ثمّ بات تلك الليلة، فلمـّا أصبح استناب أخاه عثمان بن زياد على البصرة، وأسرع هو إلى الكوفة.(٣) ولمـّا دخل مسلم الكوفة - وكان قبل وصول ابن زياد إليها - نزل في دار مسلم(٤) بن المسيب، وهي دار المختار بن ابي عبيدة الثقفي.

قال: وجعلت الشيعة تختلف إليه وهو يقرأ عليهم كتاب الحسين عليه

____________

١ - في الملهوف: حتّى استهلّ برقها فلمع.

٢ - كذا في الملهوف، وفي الأصل: فخرج.

٣ - الملهوف على قتلى الطفوف: ١١٠ - ١١٤.

٤ - كذا في المقتل، وفي الأصل: سالم.

السلام، والقوم يبكون شوقاً منهم إلى مقدم الحسينعليه‌السلام ، ثمّ تقدّم إلى مسلم رجل من همذان يقال له عابس الشاكري، فقال:

أ مّا بعد، فإنّي لا اُخبرك عن الناس بشيء، فإنّي لا أعلم ما في أنفسهم، ولكنّي اُخبرك عمّا أنا موطّن عليه نفسي، والله لأجيبنّكم إذا دعوتم، ولاُقاتلنّ معكم عدوّكم، ولأضربنّ بسيفي دونكم حتّى ألقى الله، لا اُريد بذلك إلا ما عنده.

ثمّ قام حبيب بن مظاهر الأسدي الفقعسي، فقال: أنا والله الّذي لا إله إلا هو على مثل ما أنت عليه.

قال: وتتابعت الشيعة على كلام هذين الرجلين، ثمّ بذلوا لمسلم الأموال، فلم يقبل منها(١) شيئاً.

قال: وبلغ النعمان بن بشير قدوم مسلم واجتماع الشيعة إليه وهو يومئذ أمير الكوفة، فخرج من قصر الامارة مغضباً حتّى دخل المسجد الأعظم، فنادى في الناس وصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال:

أمّا بعد، يا أهل الكوفة، اتّقوا الله ربّكم ولا تسارعوا إلى الفتنة والفرقة، فإنّ فيها سفك الدماء، وقتل الرجال، وذهاب الأموال، واعلموا أنّي لست اُقاتل إلاّ من قاتلني، ولا أثب إلاّ من وثب عليَّ، ولا اُنبّه نائمكم، فإن أنتم انتهيتم عن ذلك ورجعتم وإلاّ فوالله وإلا فوالله الّذي لا إله إلاّ هو لأضربنّكم بسيفي ما بقي قائمه في يدي(٢) ، ولو لم يكن منكم ناصر، إنّي أرجو أن يكون من يعرف الحقّ منكم أكثر ممّن يريد البطل.

____________

١ - في المقتل: منهم.

٢ - في المقتل: ما ثبت قائمه بيدي.

فقام إليه عبد الله بن مسلم(١) بن سعيد الحضرمي فقال: أيّها الأمير، إنّ هذا الّذي(٢) أنت عليه من رأيك إنّما هو رأي المستضعفين.

فقال له النعمان بن بشير، يا هذا، والله لأن أكون مستضعفاً(٣) في طاعة الله تعالى أحبّ إليَّ من أن أكون من الغاوين في معصية الله، ثمّ نزل عن المنبر ودخل القصر، فكتب عبد الله بن مسلم(٤) إلى يزيد لعنه الله:

[ بسم الله الرحمن الرحيم ](٥)

لعبد الله يزيد أمير المؤمنين من شيعته من أهل الكوفة.

أمّا بعد:

إنّ مسلم بن عقيل قدم الكوفة، وقد بايعته الشيعة للحسينعليه‌السلام وهم خلق كثير، فإن كانت لك بالكوفة حاجة فابعث اليها رجلاً قويّاً ينفّذ فيا أمرك، ويعمل فيها كعملك في عدوّك، فإنّ النعمان بن بشير ضعيف أو هو مستضعف(٦) ، والسلام.

وكتب إليه عمارة بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط وعمر بن سعد بن أبي وقّاص بمثل ذلك، فلمـّا اجتمعت الكتب عند يزيد لعنه الله دعا بغلام كان لأبيه يقال له سرجون فأعلمه بما ورد عليه، فقال له: أُشير عليك بما تكره.

____________

١ - في المقتل: فقام إليه مسلم.

٢ - كذا في المقتل، وفي الأصل: الحضرمي أيّها انّها الّذي.

٣ - في المقتل: والله لئن أكوننّ من المستضعفين.

٤ - كذا في المقتل، وفي الأصل: سعيد.

٥ - من المقتل.

٦ - في المقتل: يتضعّف.

قال: وإن كرهت.

قال: استعمل عبيد الله بن زياد على الكوفة.

قال: إنّه لا خير فيه - وكان يزيد يبغضه - فأشر بغيره، فقال: لو كان معاوية حاضراً أكنت تقبله منه؟

قال: نعم.

قال: فهذا عهد عبيد الله على الكوفة، أمرني معاوية أن أكتبه فكتبته وخاتمه عليه، فمات وبقي العهد عندي.

قال: ويحك قد أمضيته(١) ، ثمّ كتب:

من عبد الله يزيد إلى عبيد الله بن زياد.

سلام عليك.

أمّا بعد:

فإن الممدوح مسبوب يوماً، والمسبوب ممدوح يوماً، ولك مالك، وعليك ما عليك، وقد انتميت ونميت إلى كلّ منصب، كما قال الأوّل:

رفعت فجاوزت السحاب برفعة

فمالك إلاّ مقعد الشمس مقعد

وقد ابتلي زمانك بالحسين من بين الأزمان، وابتلي [ به ](٢) بلدك من دون البلدان، وابتليت به من بين العمّال، وفي هذه تعتق أو تكون عبداً تعبد كما تعبد العبيد، وقد أخبرتني شيعتي من أهل الكوفة انّ مسلم بن عقيل في الكوفة يجمع المجموع، ويشقّ عصا المسلمين، وقد اجتمع إليه خلق كثير من شيعة أبي

____________

١ - في المقتل: ويحك فامضه.

٢ - من المقتل.

تراب، فإذا أتاك كتابي هذا فسرحين تقرأه حتّى تقدّم الكوفة فتكفيني أمرها فقد ضممتها إليك، وجعلتها زيادة في عملك، فاطلب مسلم بن عقيل طلب الخرز، فإذا ظفرت به فخذ بيعته أو اقتله إن لم يبايع، واعلم أنّه لا عذر لك عندي دون ما أمرتك، فالعجل العجل، الوَحاء(١) الوَحاء، والسلام.

ثمّ دفع الكتاب إلى مسلم بن عمرو الباهلي وأمره أن يسرع [ السير إلى عبيد الله ](٢) ، فلمـّا ورد الكتاب على ابن زياد وقرأه أمر بالجهاز وتهيّأ للمسير وقد كان الحسين قد كتب إلى أهل البصرة كما أشرنا أوّلاً.

فسار وفي صحبته مسلم بن عمرو والباهلي، والمنذر بن جارود، وشريك ابن عبد الله الهمداني، فلمـّا وصل قريب الكوفة نزل، فلمـّا أمسى دعا بعمامة سوداء فاعتمّ بها متلثماً، ثمّ تقلدّ سيفه، وتوشّح قوسه، وأخذ في يده قضيباً، واستوى على بغل له، وركب معه أصحابه، وأقبل حتّى دخل من طريق البادية، وذلك في ليلة مقمرة والناس متوقّعون قدوم الحسينعليه‌السلام ، وهم لا يشكّون انّه الحسين فهم يمشون بين يديه ويقولون: مرحباً بك يا ابن رسول الله، قدمت خير مقدم.

فرأى عبيد الله بن زياد من إرادة(٣) الناس بالحسين ما ساءه، فسكت ولم يكلّمهم، فتكلّم مسلم بن عمرو الباهلي، وقال: إليكم عن الأمير يا ترابيّة، فليس هذا من تظنّون، هذا عبيد الله بن زياد.

فتفرّق الناس عنه، وتحصّن النعمان بن بشير وهو يظنّه الحسين، فجعل

____________

١ - الوحاء: الاسراع.

٢ - من المقتل.

٣ - في المقتل: تباشير.

يناشده الله والفتنة، وهو ساكت من وراء الحائط، ثمّ قال له: افتح الباب عليك لعنة الله، وسمعها جماعة فصاحوا: ابن مرجانة والله، وفتح الباب، وتفرّق الناس، ونودي بالصلاة جامعة، فاجتمع الناس فخرج ابن زياد وقام خطيباً وقال: إن أمير المؤمنين يزيد ولاني مصركم وثغركم، وأمرني بإنصاف المظلوم منكم، وإطاء محرومكم، والاحسان إلى سامعكم، والشدّة على مريبكم، وأنا متبع أمره، ومنفّذ فيكم عهده، فأنا لمحبكم ومطيعكم كالوالد البارّ، وسيفي وسوطي على من ترك أمري.

وسمع مسلم بن عقيل بمجيء ابن زياد ومقالته، فانتقل عن موضعه حتّى أتى دار هانىء بن عروة المذحجي(١) ، فدخل، ثمّ أرسل إليه: إنّي أتيتك لتجيرني وتؤويني لأن ابن زياد قدم الكوفة، فاتقيته على نفسي، فخرج إليه هانىء، وقال: لقد كلفتني شططاً، ولولا دخولك [ داري ](٢) لأحببت أن تنصرف عنّي، غير أنّي أجد ذلك عاراً عليَّ أن يكون رجلاً أتاني مستجيراً فلا اُجيره، انزل على بركة الله.

وجعل عبيد الله يسأل عن مسلم ولا يجد أحداً يرشده إليه، وجعلت الشيعة تختلف إلى مسلم في دار هانىء ويبايعونه للحسين سرّاً، ومسلم بن عقيل يكتب أسماءهم عنده ويأخذ عليهم العهود ألا ينكثوا ولا يغدروا حتّى بايعه أكثر من عشرين ألفاً، وهم مسلم أن يثب بعبيدالله بن زياد فمنعه هانىء، وقال: جعلت فداك، لا تعجل فإنّ العجلة لا خير فيها.

____________

١ - في المقتل: المرادي.

٢ - من المقتل.

ودعا عبيد الله مولىً له يقال له معقل، وقال له: هذه ثلاثة آلاف(١) درهم خذها إليك والتمس مسلم بن عقيل حيث ما كان من الكوفة، فإذا علمت(٢) موضعه فادخل عليه وأعلمه أنّك من الشيعة وعلى مذهبه، وادفع إليه هذه الدراهم، وقل: استعن بها على عدوّك، فإنّك إذا دفعت إليه الدراهم وثق ولم يكتمك من أمره شيئاً، ثمّ اغد عليَّ بالأخبار.

فأقبل معقل حتّى دخل المسجد الأعظم، فنظر إلى رجل من الشيعة يقال له مسلم بن عوسجة، فجلس إليه، ثمّ قال: يا عبد الله، أنا رجل من أهل الشام غير أنّي اُحبّ أهل هذا البيت، ومعي ثلاثة آلاف درهم أحببت أن أدفعها إلى رجل بلغني انّه قدم إلى بلدكم هذا ليأخذ البيعة لابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فإن رأيت أن تدلّني عليه حتّى أدفع إليه المال الّذي معي واُبايعه، وإن شئت فخذ بيعتي قبل أن تدخلني(٣) عليه.

قال: فظنّ مسلم أن القول على ما يقوله: فأخذ عليه الأيمان المغلّظة والعهود انّه ناصح ويكون عوناً لابن عقيل على ابن زياد، وأعطاه معقل من العهود ما وثق به مسلم بن عوسجة.

وكان شريك بن عبد الله الأعور الهمداني قد نزل في دار هانىء(٤) ، وكان يرى رأي عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، وحكى معجزاتهعليه‌السلام ، ثمّ مرض شريك في دار هانىء وعزم ابن زياد أن يصير إليه، ودعا شريك مسلماً

__________________

١ - كذا في المقتل، وفي الأصل: هذه ألف.

٢ - في المقتل: عرفت.

٣ - في المقتل: تدلني.

٤ - في « ح »: وكانت اُخت هانىء زوجة شريك قيل: منعته من قتل

بن عقيل، وقال له: غداً يأتيني هذا الفاسق عائداً، وإنّي اُشاغله بالكلام فاخرج عليه واقتله، واجلس في قصر الامارة، وإن أنا عشت فسأكفيك أمر البصرة، ثمّ جاء ابن زياد حين أصبح عائداً شريك فجعل يسأله، فهمَّ مسلم بن عقيل أن يخرج عليه فيقتله، فمنعه هانىء عن الخروج، وقال: في داري نسوة وصبية وإنّي لا آمن الحدثان، وجعل شريك يقول:

ما الإنتظار بسلمى أن تحيّيها

حي سليمى وحي من يحيّيها

هل شربة عندها اسقى على ظمأ

وإن تلفت وكانت منيتي فيها(١)

فقال ابن زياد: ما يقول الشيخ؟

فقيل: إنّه مُبَرْسَمٌ(٢) ، فوقع في قلب ابن زياد أمر، فركب من فوره ورجع إلى القصر، وخرج مسلم بن عقيل إلى شريك من داخل البيت، فقال: ما منعك من الخروج إلى الفاسق وقد أمرتك بقتله؟ فقال: [ منعنى من ذلك ](٣) حديث سمعته من عمّي عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام قال: لا إيمان لمن قتل بالغدر مسلماً(٤) ، فلم اُحبّ أن أقتله به في منزل هذا الرجل.

فقال شريك: أمّا لو قتلته قتلت فاسقاً فاجراً منافقاً كافراً.

__________________

١ - البيت الثاني في المقتل هكذا:

ثمّ اسقنيها وإن تجلب عليّ ردى

فتلك أحلى من الدنيا وما فيها

وأمّا في « ح » فقد ورد هذان البيتان:

وإن تخشيت من سلمى مراقبة

فليس تأمن يوماً من دواهيها

لا تطمأن إلى سلمى وتأمنها

اخرج إليها بكأس الموت اسقيها

٢ - البرسام: علّة معروفة.

٣ - من المقتل.

٤ - في المقتل: الايمان قيد الفتك.

قال: فلم يلبث(١) شريك بعدها إلا ثلاثاً حتّى ماترحمه‌الله ، وكان من خيار الشيعة وعبّادها، وكان يكتم الايمان تقيّة.

وخرج ابن زياد فصلى على شريك ورجع إلى القصر، فلمـّا كان من الغد أقبل معقل على مسلم بن عوسجة وقال: إنّك كنت وعدتني أن تدخلني على هذا الرجل لأدفع إليه هذا المال فما الّذي بدا لك؟

فقال: إنّا اشتغلنا بموت هذا الرجل وكان من خيار الشيعة.

فقال معقل: أو مسلم بن عقيل في دار هانىء؟

قال: نعم.

قال: قم بنا إليه حتّى أدفع إليه هذا المال، فأخذ بيده وأدخله على مسلم، فرحب به وأدناه، وأخذ بيعته وأمر بقبض ما معه من المال، وأقام معقل في دار هانىء بقيّة يومه حتّى أمسى، ثمّ أتى ابن زياد فخبّره الخبر، فبقي ابن زياد متعجباً لذلك، ثمّ قال لمعقل: اختلف كلّ يوم إلى مسلم ولا تنقطع عنه فإنّك إن قطعته استراب وخرج من منزل هانىء فالقى في طلبه عناء.

ثمّ دعا ابن زياد محمد بن الأشعث لعنه الله وأسماء بن خارجة الفزاري وعمرو بن الحجّاج، وكانت رويحة بنت عمرو تحت هانىء، فقال ابن زياد: خبّروني ما الّذي يمنع هانىء من المصير إلينا؟

فقالوا أصلح الله الأمير، إنّه مريض.

فقال ابن زياد: إنّه كان مريضاً غير أنّه برأ، وجلس على باب داره، فلا عليكم أن تصيروا إليه وتأمروه أن لا يدع ما يجب عليه من حقّنا.

__________________

١ - كذا في المقتل، وفي الأصل: قال: ثمّ فما لبث.

فقالوا: نفعل ذلك، فبينا عبيد الله بن زياد مع هؤلاء القوم في المحاورة إذ دخل عليه رجل من أصحابه يقال له مالك بن يربوع التميمي، فقال: أصلح الله الأمير، إنّي كنت خارج الكوفة أجول على فرسي إذ نظرت إلى رجل خرج من الكوفة مسرعاً يريد البادية فأنكرته، ثمّ إنّي لحقته وسألته عن حاله، فذكر انّه من أهل المدينة، ثمّ نزلت عن فرسي ففتشته، فأصبت معه هذا الكتاب، فأخذه ابن زياد ففضه فإذا فيه:

بسم الله الرحمن الرحيم

إلى الحسين بن علي.

أمّا بعد:

فإني اُخبرك انّه بايعك من أهل الكوفة نيفاً على عشرين ألف رجل، فإذا أتاك كتابي فالعجل العجل، فإن الناس كلّهم معك، وليس لهم في يزيد هوىً.

فقال ابن زياد: أين هذا الرجل الّذي أصبت(١) معه الكتاب؟

قال: هو بالباب.

فقال: ائتوني به، فلمـّا وقف بين يديه، قال: ما اسمك؟

قال: عبد الله بن يقطين(٢) .

قال: من دفع إليك هذا الكتاب؟

قال: دفعته إليّ امرأة لا أعرفها، فضحك ابن زياد، وقال: اختر أحد اثنتين: إمّا أن تخبرني من دفع إليك الكتاب، أو القتل؟

__________________

١ - ارسل - خ ل -.

٢ - في المقتل: يقطر.

فقال: أمّا الكتاب فإنّي لا اخبرك، وأمّا القتل فإنّي لا أكرهه لأني لا أعلم قتيلاً عند الله أعظم أجراً ممّن يقتله مثلك.

قال : فأمر به، فضربت عنقهرضي‌الله‌عنه .

ثمّ أقبل على محمد بن الأشعث وعمرو بن الحجّاج وأسماء بن خارجة، وقال: صيروا إلى هانىء فاسألوه أن يصير إلينا فإنّا نريد مناظرته، فأتوا هانىء وهو جالس على باب داره، فسلّموا عليه، وقالوا: ما يمنعك من إتيان الأمير وقد ذكر غير مرّة؟

فقال: ما منعني من المصير إليه إلا العلّة.

فقالوا: صدقت، ولكنّه بلغه انّك تقعد على باب دارك في كلّ عشيّة، وقد استبطأك والابطاء والجفاء لا يحتمله السلطان، ونحن نقسم عليك إلا ما ركبت معنا، فدعا هانىء بثيابه فلبسها، ثمّ ركب وسار مع القوم حتّى إذا صار بباب القصر كأنّ نفسه أحسّت بالشرّ فالتفت إلى حسّان بن أسماء، فقال: يا ابن أخي، إن نفسي تحدثني بالشر.

فقال حسّان: سبحان الله يا عمّ! ما أتخوف عليك فلا تحدّثنّ نفسك بشيء، ثمّ دخل القوم على ابن زياد، فلمـّا نظر إليهم من بعيد التفت إلى شريح القاضي وكان في مجلسه، فقال: « أتتك بخائن رجلاه »(١) ، وأنشد:

اريد حياته ويريد قتلي

خليلي من عذيري(٢) من مراد

فقال هانىء: وما ذاك، أيّها الأمير؟

____________

١ - مثل جاهلي.

٢ - في المقتل: عذيري من خليل.

فقال: يا هانىء، جئت بمسلم بن عقيل وجمعت له الرجال والسلاح في الدور حولك، وظننت أنّ ذلك يخفى عليَّ؟

قال هانىء: ما فعلت.

فقال ابن زياد: بل فعلت، ثمّ استدعى بمعقل حتّى وقف بين يديه، فقال ابن زياد: أتعرف هذا؟

فنظر هانىء إلى معقل فعلم أنّه كان عيناً عليهم، فقال هانىء: أصلح الله الأمير، والله ما بعثت إلى مسلم ولا دعوته، ولكنّه جاءنى مستجيراً فاستحييت من ردّه وأخذني من ذلك ذمام، فأمّا إذ علمت فخل سبيلي حتّى أرجع إليه وآمره أن يخرج من داري، واعطيك من العهود والمواثيق ما تثق به انّي أرجع إليك واضع يدي في يدك.

فقال ابن زياد: والله لا تفارقني أو تأتيني بمسلم.

فقال: إذاً والله لا آتيك به، أنا آتيك بضيفي تقتله أيكون هذا في العرب؟!

فقال ابن زياد: والله لتأتينّي به.

فقال هانىء: والله لا آتيك به.

قال: فتقدم مسلم بن عمرو الباهلي، فقال: أصلح الله الأمير، ائذن لي في كلامه.

فقال: كلّمه بما أحببت ولا تخرجه من القصر، فأخذ مسلم بن عمرو بيد هانىء فنحّاه ناحية، فقال: ويحك يا هانىء اُنشدك الله(١) ان تقتل نفسك

__________________

١ - لفظ الجلالة أثبتناه من المقتل.

وتدخل البلاء على عشيرتك بسبب مسلم، يا هانىء سلمه إليه فإنّه لا يقدم عليه بالقتل، واُخرى انّه ليس عليك من ذلك ملامة فإن ه سلطان.

فقال هانىء: بلى والله عليَّ من ذلك أعظم عار وأكبر(١) خزي إن اُسلّم جاري وضيفي، ورسول ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأنا حيّ صحيح الساعدين(٢) كثير الأعوان والله لو لم أكن إلا وحدي لا ناصر لي لما سلمت أبداً ضيفي حتّى أموت دونه، فردّه مسلم بن عمرو إلى ابن زياد وقال: أيّها الأمير، إنّه أبى أن يسلم مسلماً او يقتل، فغضب ابن زياد، وقال: ائتيني به وإلا ضربت عنقك.

فقال: والله إذاً تكثر البارقة حول دارك.

فقال ابن زياد: أبالبارقة تخوفني؟ ثمّ أخذ قضيباً كان بيد يديه فضرب به وجه هانىء حتّى كسر أنفه وشج حاجبه.

قال: وضرب هانىء بيده إلى قائم سيف من سيف أصحاب عبيد الله فجاذبه الرجل ومنعه من السيف، وصاح ابن زياد: خذوه، فأخذوه وألقوه في بيت من بيوت القصر وأغلقوا عليه بابه.

قال: فوثب أسماء بن خارجة، فقال: أيّها الأمير أمرتنا بالرجل أن نأتيك به، فلمـّا جئناك به هشمت وجهه وسيّلت دمه.

قال: وأنت هاهنا أيضاً، فأمر به فضرب حتّى وقع لجنبه، فجلس أسماء ابن خارجة ناحية من القصر وهو يقول: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، إلى نفسي

__________________

١ - كذا في المقتل، وفي الأصل: أكثر.

٢ - في المقتل: صحيح شديد الساعدين.

أنعاك يا هانىء.

قال: وبلغ ذلك الخبر إلى مذحج فركبوا بأجمعهم وعليهم عمرو بن الحجّاج فوقفوا بباب القصر، ونادى عمرو: يا ابن زياد، هذه فرسان مذحج لم نخلع طاعة ولا فارقنا جماعة، فلم تقتل صاحبنا؟

فقال ابن زياد لشريح: ادخل على صاحبهم، فانظر إليه، ثمّ اخرج إليهم وأعلمهم أنّه لم يقتل.

قال شريح: فدخلت عليه، فقال: ويحكم هلكت عشيرتي، أين أهل الدين فينقذوني من يد عدوهم وابن عدوهم؟ [ ثمّ قال ](١) والدماء تسيل على لحيته: يا شريح، هذه أصوات عشيرتي أدخل منهم عشرة ليروني وينقذوني، فلمـّا خرجت تبعني حمير بن بكير وقد بعثه ابن زياد علي عيناً، فلو لا مكانه لأخبرت القوم بخبره.

قال: فخرج شريح، فقال: يا هؤلاء، لا تعجلوا بالفتنة، فإنّ صاحبكم لم يقتل، فانصرف القوم.

ثمّ خرج ابن زياد حتّى دخل المسجد الأعظم، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ التفت فنظر إلى أصحابه عن يمين المنبر وشماله في أيديهم الأعمدة والسيوف، فقال: أمّا بعد، يا أهل الكوفة، اعتصموا بطاعة الله ورسوله وطاعة أئمتمكم، ولا تختلفوا فتهلكوا وتندموا وتذلوا وتقهروا، ولا يجعلنّ أحد على نفسه سبيلاً، وقد أعذر من أنذر، فما أتمّ الخطبة حسناً حتّى سمع الصيحة، فقال: ما هذا؟

__________________

١ - من المقتل.

فقيل: أيّها الأمير، الحذر الحذر، فهذا مسلم بن عقيل قد أقبل في جميع من(١) بايعه، فنزل عن المنبر مسرعاً وبادر حتّى دخل القصر وأغلق عليه الأبواب، فأقبل مسلم بن عقيل ومعه ثمانية عشر ألفاً أو يزيدون، وبين يديه الأعلام والسلاح وهم مع ذلك يلعنون ابن زياد ويزيد وزياد، وكان شعارهم: « يا منصور أمت ».

و كان مسلم قد عقد لعبد الله الكندي على كندة وقدمة أمام الخيل، وعقد لمسلم بن عوسجة على مذحج [ وأسد ](٢) ، وعقد لأبي تمامة بن عمر الصائدي على تميم وهمدان، وعقد لعباس بن جعدة الجدلي على أهل المدينة، وأقبل مسلم يسير حتّى أحاط بالقصر وليس في القصر إلا نحواً من ثلاثين رجلاً من الشرط، ومقدار عشرين من الأشراف، وركب أصحاب ابن زياد واختلط القوم واقتتلوا قتالاً شديداً، وابن زياد في جماعة من الأشراف قد وقفوا على جدار القصر ينظرون إلى محاربة الناس.

قال: وجعل رجل من أصحاب ابن زياد يقال له كثير بن شهاب ومحمد ابن الأشعث والقعقاع بن شور(٣) وشبث بن ربعي ينادون بأعلى أصواتهم من فوق القصر: ألا يا شيعة الحسين، الله الله في أنفسكم وأهاليكم وأولادكم، فإنّ جنود الشام قد أقبلت، وإن الأمير عبيد الله قد عاهد الله لئن أقمتم على حربكم ولم تنصرفوا من يومكم ليحر منكم العطاء، وليفرقن مقاتليكم في مغازي أهل الشام، وليأخذن البريء بالسقيم، والشاهد بالغائب حتّى لا يبقي منكم بقيّة من

____________

١ - في المقتل: جمع ممّن.

٢ - من المقتل.

٣ - كذا في المقتل: وفي الأصل: الفقاع بن سويد.

أهل المعصية إلا أذاقها وبال أمرها.

فلمـّا سمع الناس ذلك جعلوا يتسلّلون ويتخاذلون عن مسلم، ويقول بعضهم لبعض: ما نصنع بتعجيل الفتنة وغداً تأتينا جموع أهل الشام؟ ينبغي لنا أن نقعد في منازلنا وندع هؤلاء القوم حتّى يصلح الله ذات بينهم.

قال : وكانت المرأة تأتي أخاها وابنها وزوجها وأباها فتشرده من بين القوم وتقول: ما لنا وللدخول بين السلاطين، فجعل القوم يتسلّلون والنهار يمضي، فما غابت الشمس حتّى بقي مع مسلم عشرة من أصحابه، واختلط الظلام فدخل مسلم المسجد الأعظم ليصلي المغرب فتفرّقت عنه العشرة، فلمـّا رأى ذلك استوى على فرسه ومضى في بعض الأزقّة وقد اُثخن بالجراح لا يدري أين يذهب، حتّى صار إلى امرأة يقال لها طوعة، وقد كانت قبل ذلك اُمّ ولد للأشعث بن قيس فتزوّجها رجل يقال له اُسيد الخضرمي، فولدت له بلال بن اُسيد، وكانت المرأة واقفه بباب دارها تنتظر ابنها، فسلّم عليها مسلم، فردت عليه.

فقال: يا أمة الله، اسقيني، فسقته، فجلس على بابها.

فقالت: يا عبد الله، ما شأنك، ألست قد شربت؟

فقال: بلى، ولكنّي ما لي في الكوفة من منزل، وإنّي لغريب قد خذلني من كنت أثق به، فهل لك في معروف تصطنعيه إليّ؟ فإنّي من أهل بيت شرف وكرم، ومثلي من يكافىء بالاحسان.

فقالت: ومن أنت؟

فقال: يا هذه، ذري عنك التفتيش وأدخليني منزلك فعسى الله أن

يكافيك عنّا بالحسنى.

فقالت: يا عبد الله، خبّرني باسمك، فإنّي أكره أن تدخل منزلي من قبل معرفة خبرك، وهذه الفتنة قائمة، وهذا اللعين ابن زياد بالكوفة.

فقال لها: أنا مسلم بن عقيل.

فقالت المرأة: قم فادخل، فأدخلته منزلها فجاءته بالمصباح، وأتته بالطعام فأبى أن يأكل، فلم يكن بأسرع من أن جاء ولدها، فلمـّا دخل رأى من أُمه أمراً منكراً من دخولها ذلك البيت وخروجها وهي تبكي.

فقال لها: يا اُماه، ما قضيتك(١) ؟

فقالت: يا بنيّ، اقبل على شأنك، فلمـّا ألح عليها قالت: يا بنيّ، إنّي اُخبرك بأمر فلا تفشيه، هذا مسلم بن عقيل في ذلك البيت، وكان من قضيته(٢) كذا وكذا، فسكت الغلام ولم يقل شيئاً ثمّ أخذ مضجعه.

فلمـّا أصبح ابن زياد نادى في الناس أن يجتمعوا، ثمّ خرج من القصر فدخل المسجد وصعد المنبر، وقال: أيّها الناس، إنّ مسلم بن عقيل السفيه أتى هذه البلدة، فأظهر الخلاف وشقّ العصا، وقد برئت الذمة من رجل أصبناه في داره، ومن جاء به فله ديته، والمنزلة الرفيعة من أمير المؤمنين يزيد، وله في كلّ يوم حاجة مقضية، ثمّ نزل عن المنبر ودعا بالحصين بن نمير، فقال: ثكلتك اُمّك إن فاتتك سكّة من سكك الكوفة ان لم تضيّق على أهلها أو يهدوك إلى مسلم، فوالله لئن خرج من الكوفة سالماً لتزهقنّ أنفسنا في طلبه، فانطلق الآن

__________________

١ - في المقتل: ما قصتك؟

٢ - في المقتل: قصته.

فقد سلّطتك على دور الكوفة، وسككها، فانصب المراصد، وجدّ(١) في الطلب حتّى تأتيني بهذا الرجل.

وأقبل محمد بن الأشعث حتّى دخل على ابن زياد، فلمـّا رآه رحّب به، وأقبل ابن تلك المرأة الّتي مسلم في دارها إلى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، فخبّره بمكان مسلم في دار طوعة، ثمّ تنحّى.

فقال ابن زياد: ما الّذي سارك يا عبد الرحمن؟

فقال: أصلح الله الأمير، البشارة الكبرى.

فقال: وما ذاك؟ فأخبره الخبر، فسرّ عدوّ الله، وقال: قم فائتني به ولك ما بذلت من الجائزة والحظّ الأوفر(٢) ، ثمّ أمر ابن زياد خليفته عمرو بن حريث لعنه الله أن يرسل مع محمد بن الأشعث ثلاثمائة رجل من صناديد أصحابه، فركب محمد بن الأشعث حتّى وافى الدار.

و سمع مسلم وقع حوافر الخيل وأصوات الرجال فعلم أنّه قد أتي، فبادر مسرعاً إلى فرسه فأسرجه وألجمه، وأفرغ عليه لامة حربة، وتقلد بسيفه، والقوم يرمون الدار بالحجارة، ويلهبون النّار في أطراف(٣) القصب، فتبسم مسلم، ثمّ قال: يا نفس، اخرجي إلى الموت الّذي ليس منه محيص، ثمّ قال للمرأة: رحمك الله وجزاك خيراً، اعلمي أنّي ما اُتيت إلا من قبل(٤) ابنك، ولكن افتحي الباب، ففتحت الباب، وخرج مسلم في وجوه ا لقوم كالأسد المغضب

____________

١ - في المقتل: وخذ

٢ - في المقتل: الأوفى.

٣ - في المقتل: هواري.

٤ - في المقتل: أنّي ابتليت من قبل.

فجعل يضاربهم بسيفه حتّى قتل منهم جماعة كثيرة، وبلغ ذلك ابن زياد فأرسل إلى محمد بن الأشعث يقول: بعثناك إلى رجل واحد لتأتينا به فثلم في أصحابك ثلمة عظيمة، فكيف إذا أرسلناك إلى غيره؟

فأرسل [ إليه ](١) ابن الأشعث: أيّها الأمير، أتظنّ(٢) أنّك بعثتني إلى بقال من بقالي(٣) الكوفة، أو جرمقاني من جرامقة الحيرة؟ أو لا تعلم أيّها الأمير أنّك بعثتني إلى أسد ضرغام، وسيف حسام، في كف بطل همام، من آل خير الأنام؟

فأرسل إليه ابن زياد أن أعطه الأمان فإنّك لا تقدر عليه إلا به.(٤)

فجعل محمد بن الأشعث يناديه: ويحك يا مسلم لا تقتل نفسك لك الأمان، ومسلم يقول: لا حاجة لي في أمان الغدرة الفجرة، ثمّ جعل يقاتلهم وهو يقول:

أقسمت لا اُقتل إلّا حرّاً

وإن رأيت الموت شيئاً نكرا

أكره أن اُخدع أو اُغرّا

أو يخلط البارد سخناً حرّا

كلُّ امرىءٍ يوماً سيلقى شرّا

أضربكم ولا أخاف ضراً(٥)

__________________

١ - من المقتل.

٢ - كذا في المقتل، وفي الأصل: انظر.

٣ - كذا في البحار، وفي الأصل والمقتل: بقاقيل.

٤ - من قوله: « حتّى قتل منهم جماعة كثيرة » إلى هنا نقله المجلسيرحمه‌الله في البحار: ٤٤/٣٥٤ عن كتابنا هذا، وكذا في عوالم العلوم: ١٧/٢٠٣.

٥ - رويت هذه الأرجاز في المقتل هكذا:

أقسمت لا أقتل إلا حرّا

وإن رأيت الموت شيئاً مرّا

كل امرىء يوماً ملاق شرّا

رُد شعاع الشمس فاستقرّا

أضربكم ولا أخاف ضرّا

ضرب همام يستهين الدهرا

ويُخلط البارد سخنا مُرّا

ولا اُقيم للأمان قدرا

أخاف أن اُخدع أو اُغرّا

فناداه ابن الأشعث: ويحك يا ابن عقيل، انّك لا تكدّ ولا تغرّ، والقوم اليسوا بقاتليك، فلا تقتل نفسك.

فلم يلتفت إليه وجعل يقاتل حتّى أثخن الجراح وضعف عن القتال، فتكاثروا عليه من كلّ جانب، وجعلوا يرمونه بالنبل والحجارة، فقال مسلم: ويلكم ما لكم ترموني بالحجارة كما يرمي الكفار وأنا من أهل بيت النبوّة الأبرار؟ ويلكم أمّا ترعون حقّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ولا حقّ ذرّيّته، ثمّ حمل عليهم مع ضعفه فهزمهم وكسرهم في الدروب والسكك، ثمّ رجع وأسند ظهره إلى باب دار من تلك الدور، ورجع القوم إليه، فصاح بهم محمد بن الأشعث، ذروه حتّى اكلمه، فدنا منه وقال: ويحك يا مسلم لا تقتل نفسك أنت آمن ودمك في عنقي، وأنت في ذمّتي.

فقال مسلم: يا ابن الأشعث، أتظنّ أنّي أعطي بيدي يداً وأنا أقدر على القتال؟ لا والله لا كان ذلك، ثمّ حمل عليه حتّى ألحقه بأصحابه، ثمّ رجع إلى موقعه فوقف وهو يقول: اللّهمّ إنّ العطش قد بلغ منّي فلم يجترىء أحد أن يسقيه ويدنو منه.

فأقبل ابن الأشعث على أصحابه، وقال: والله إنّ هذا لهو العار والشنار. أن تجزعوا(١) من رجل واحد، فحملوا عليه، وحمل عليهم.

وقال ابن الأشعث: احملوا عليه بأجمعكم حملة رجل واحد، فقصده رجل من أهل الكوفة يقال له بكير بن حمران، فاختلفا بضربتين ضرب بكير ضربة على شفة مسلم العليا وضرب ضربة مسلم بن عقيل فبلغت الضربة إلى

__________________

١ - في المقتل: أتجزعون؟

جوفه فسقط قتيلاً فطعن من ورائه، فسقط إلى الأرض، فاُخذ أسيراً، ثمّ اُخذ فرسه وسلاحه، وتقدّم رجل من بني سليم يقال له عبد الله بن العبّاس فأخذ عمامته، فجعل يقول: اسقوني شربة.

فقال مسلم بن عمرو الباهلي: لا والله لا تذوق الماء أو تذوق الموت.

فقال له مسلم: ويلك ما أجفاك وأقسى قلبك، أشهد عليك إن كنت من قريش فإنّك(١) ملصق، وإن كنت من غير قريش فأنت دعي، من أنت يا عدوّ الله؟

قال : أنا من عرف الحقّ إذ أنكرته، ونصح الامام إذ غششته، وسمع وأطاع إذ خالفته، أنا مسلم بن عمرو الباهلي.

فقال له مسلم: لاُمّك الهبل يا ابن باهلة، أنت أولى بالحميم والخلود في نار جهنّم، إذ آثرت طاعة آل أبي سفيان على آل رسولصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ثمّ قال: ويحكم يا أهل الكوفة، اسقوني شربة من ماء، فأتاه غلام لعمرو ابن حريث المخزومي بقلّةٍ من ماء وقدح قوارير قصب القلة في القدح وناوله، فأخذ مسلم القدح، فلمـّا أراد أن يشرب امتلأ القدح دماً، فلم يقدر أن يشرب من كثرة الدم، وسقطت ثناياه في القدح، فامتنع من شرب الماء فأخذوه وحملوه على بغل، فدمعت عيناه، وقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون.

فقال له عبيد الله بن العبّاس: من يطلب مثل الّذي طلبت لا يبكي.

فقال: والله إنّي لا أبكي على نفسي، ولكن أبكي على أهلي المقبلين - أعني الحسينعليه‌السلام -، ولمـّا اركب البغل ونزع عنه السيف قال لمحمد

____________

١ - كذا في المقتل، وفي الأصل: فأنا.

ابن الأشعث: أتستطيع أن تبعث رجلاً عن لساني يبلّغ حسيناً فإنّي لا أراه إلا قد خرج إلى ما قبلكم هو وأهل بيته فيقول له: إنّ مسلم بن عقيل بعثني إليك وهو أسير في أيدي العدوّ يسار(١) به إلى القتل فارجع بأهلك ولا تغتر بأهل الكوفة فإنّهم أصحاب أبيك الّذين(٢) كان يتمنّى فراقهم بالموت أو القتل، إن أهل الكوفة قد كذّبوني فكذبتك(٣) .

فقال ابن الأشعث: لأفعلن، ومعنى قول مسلم: « كذبتك »: أن مسلم كان قد كتب إليهعليه‌السلام كتاباً ذكر فيه كثرة من بايعه، فهو معنى قوله « كذّبوني فكذبتك »، ثمّ اُتي به واُدخل على ابن زياد، فلم يسلم، فقيل له: سلم على الأمير.

فقال مسلم للقائل: اسكت لا اُمّ لك، ما هو لي بأمير فاُسلّم عليه، واخرى انّه ما ينفعني السلام عليه وهو يريد قتلي، فإن استبقاني فسيكثر سلامي عليه.

فقال ابن زياد: لا عليك سلّمت أم لا تسلّم، إنّك مقتول.

فقال مسلم: إن قتلتني فقد قتل من هو شرّ منك من هو خير منّي.

ثمّ قال ابن زياد: يا شاقّ، يا عاقّ، خرجت على إمامك، وشققت عصا المسلمين، وألحقت الفتنة.

فقال مسلم: كذبت يا ابن زياد، وإنّما شقّ عصا المسلمين معاوية وابنه يزيد، وأمّا الفتنة فإنّما ألقحها أنت وأبوك زياد علج من علوج ثقيف(٤) ، وأنا

__________________

١ - في المقتل: يذهبون.

٢ - في المقتل الّذي.

٣ - في المقتل: كذبوني، فكتبت إليك، وليس لمكذوب رأي.

٤ - في المقتل: زياد بن عبيد بن علاج من ثقيف.

أرجو أن يرزقني الله الشهادة على يدي شرّ خلقه(١) ، فوالله ما خلعت ولا غيرت، وإنّما أنا في طاعة إمامي الحسين بن علي وابن فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ونحن(٢) أولى بالخلافة من معاوية وابنه وآل زياد.

فقال له ابن زياد: يا فاسق، ألم تكن تشرب الخمر في المدينة؟

فقال المسلم: أحقّ بشرب الخمر منّي من يقتل النفس الحرام، ويقتل على العداوة والغضب والظن وهو في ذلك يلهو ويلعب كأنه لم يصنع شيئاً.

فقال له ابن زياد: يا فاسق، منّتك نفسك أمراً حال الله دونه وجعله لأهله.

فقال مسلم: ومن أهله، يا ابن مرجانة؟

فقال: أهله يزيد.

فقال مسلم: الحمد لله، رضينا بالله حكماً بيننا وبينكم؟

فقال ابن زياد: أتظنّ أنّ لك من الأمر شيء؟

فقال: لا والله ما هو الظنّ، ولكنّه اليقين.

فقال ابن زياد: قتلني الله إن لم أقتلك [ شرّ قتلة ](٣) .

فقال مسلم: أمّا إنّك لا تدع سوء القتلة، وقبيح المثلة، وخبث السريرة، ولؤم الغلبة(٤) ، والله لو كان معي عشرة ممّن أثق بهم وقدرت على شربة من ماء

__________________

١ - في المقتل: بريّته.

٢ - في المقتل: فهو.

٣ - من المقتل.

٤ - في المقتل: الفعلة.

لطال عليك أن تراني في هذا القصر الملعون والملعون من بناه، ولكن إن كنت عزمت على قتلي فأقم رجلاً من قريش اوصي إليه بما اُريد، ثمّ نظر مسلم إلى عمر بن سعد، وقال: إنّ بيني وبينك قرابة فاستمع منّي، فامتنع عمر بن سعد.

فقال ابن زياد: ما يمنعك من الاستماع إلى ابن عمّك؟

فقام عمر إليه، فقال: اُوصيك ونفسي بتقوى الله فإنّ تقوى الله منها درك كلّ خير، وليّ إليك حاجة.

فقال عمر: قل ما أحببت.

فقال مسلم: حاجتي أن تستردّ فرسي وسلاحي من هؤلاء القوم فتبيعه وتقضي عنيّ ديني وقدره سبعمائة درهم استدنتها في مصركم، وأن تستوهب جثّتي فتواريها إذا قتلني هذا الفاسق، وأن تكتب إلى الحسين بن عليّ أن لا يقدم فينزل به ما نزل بي.

فقال عمر: أيّها الأمير، إنّه يقول كذا وكذا.

فقال ابن زياد: أمّا [ ما ](١) ذكرت من دَينك فإنّما هو مالك تقضي به دَينك، ولسنا نمنعك أن تصنع فيه ما أحببت، وأمّا جسدك فإذا نحن قتلناك - والخيار في ذلك إلينا - فلسنا نبالي ما صنع الله بجثّتك، وأمّا الحسين فإنّه إن لم يردنا لم نرده، وإن أرادنا لم نكف عنه.

و في رواية اُخرى: انّه قال: وأمّا الحسين فلا ولا كرامة، ولكن اُريد - يا ابن عقيل - أن تخبرني لماذا(٢) جئت هذا البلد وأمرهم جيمع وكلمتهم واحدة

____________

١ - من المقتل.

٢ - كذا في المقتل، وفي الأصل: بماذا؟

فأردت أن تفرّق عليهم أمرهم وتحمل بعضهم على بعض؟

فقال مسلم: ليس لهذا أتيت، ولكن أهل هذا المصر زعموا أن أباك قتل خيارهم، وسفك دماءهم، وأنّ معاوية حمل فيهم غنيّهم(١) بغير رضا منهم، وغلبهم على ثغورهم الّتي أفاء الله عليهم، وأنّ عاملهم بتجبّر ويعمل أعمال كسرى وقيصر، فأتينا لنأمر بالعدل وندعوا إلى حكم الكتاب، وكنّا أهل ذلك ولم تزل الخلافة لنا وإن قهرنا عليها، رضيتم بذلك أم كرهتم، لأنّكم أوّل من خرج على إمام الهدى وشقّ عصا المسلمين، ولا نعلم لنا ولكم [ مثلاً ](٢) إلاّ قول الله:( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَموُا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) (٣) .

قال: فجعل ابن زياد يشتمه ويشتم عليّاً والحسن والحسين.

فقال مسلم: أنت وأبوك أحقّ بالشتيمة، فاقض ما أنت قاض يا عدوّ الله، فنحن أهل بيت البلاء موكل بنا.

فقال ابن زياد: اصعدوا به إلى أعلى القصر واضربوا عنقه، وأتبعو رأسه جسده.

فقال مسلم: أمّا والله يا ابن زياد، لوكنت من قريش وكانت(٤) بيني وبينك رحم لما قتلتني ولكنّك ابن أبيك، فازداد ابن زياد غيضاً(٥) ، ثمّ دعا برجل من أهل الشام كان مسلم قد ضربه على رأسه ضربة منكرة، فقال له: خذ مسلم بن

__________________

١ - في المقتل: وأنّ معاوية حكم فيهم ظلماً.

٢ - من المقتل.

٣ - سورة الشعراء: ٢٢٧.

٤ - في المقتل: أو كان.

٥ - في المقتل: غضباً.

عقيل، واصعد به إلى أعلى القصر، واضرب عنقه ليكون ذلك أشفى لصدرك.

قال: فأصعد مسلم إلى أعلى القصر وهو يسبّح الله ويستغفره ويقول: اللّهمّ احكم بيننا وبين قوم غرّونا وخذلونا، حتّى اُتي به إلى أعلى القصر، وتقدّم ذلك الشامي إليه فضرب عنقه صلوات الله ورحمته وبركاته عليه ثمّ نزل الشامي إلى ابن زياد وهو مذعور.

فقال ابن زياد: ما الّذي ذعرك؟

قال: رأيت ساعة قتلته رجلاً بحذائي أسود شديد السواد كريه المنظر وهو عاضّ على اصبعه - أو قال على شفته - ففزعت منه فزعاً لم أفزع مثله، فتبسّم ابن زياد، وقال: لعلّك دهشت وهذه عادة لم تعتدها.

قال : ثمّ دعا ابن زياد بهانىء بن عروة أن يخرج فيلحق بمسلم.

فقال: محمد بن الأشعث: أصلح الله الأمير، إنّك قد عرفت منزلته [ في المصر ](١) وشرفه في عشيرته، وقد علم قومه أنّي وأسماء(٢) بن خارجة جئناك به، فاُنشدك الله أيّها الأمير إلاّ وهبته لي، فإنّي أخاف عداوة قومه لي فإنّهم سادة أهل الكوفة، فزبره ابن زياد وأمر بهانىء بن عروة فاخرج الى السوق الى مكان يباع فيه الغنم، وهو مكتوف، وعلم هانيء أنّه مقتول، فجعل يقول: وامذحجاه وأين بني(٣) مذحج؟ واعشيرتاه وأين بني عشيرتي؟ ثمّ أخرج يده من الكتاف، فقال: أمّا من عصا أو سكيّن أو حجر يدرأ(٤) به الرجل عن نفسه؟ فوثبوا إليه

____________

١ - من المقتل.

٢ - كذا في المقتل، وفي الأصل: مسلم.

٣ - في المقتل: منّي، وكذا في الموضع الآتي.

٤ - في المقتل: يجاحش.

فشدّوه، ثمّ قالوا له: امدد عنقك.

فقال: ما أنا بمعينكم على نفسي، فضربه غلام لابن زياد بالسيف ضربه فلم تعمل فيه شيئاً.

فقال هانىء: إلى الله المعاد والمنقلب، اللّهمّ إلى رحمتك ورضوانك، اللّهمّ اجعل هذا اليوم كفّارة لذنوبي، فإنّي ما غضبت إلاّ لابن نبيّك محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فتقدم الغلام ثانية فقتله رحمة الله وبركاته عليه.

ثمّ أمر ابن زياد بمسلم وهانىء فصلبا منكسين.

روي أنّ مسلماً كان من أشجع الناس قلباً وأشدّهم بطشاً. ولقد كان من قوتّه انّه كان يأخذ الرجل بيده فيرمي به فوق البيت، فلعنة الله على قاتله وخاذله.

و لمـّا صلبا منكسينرضي‌الله‌عنهما قال فيهما عبد الله بن الزبير الأسدي:

فإن كنت ما(١) تدرين ما الموت فانظري

إلى هاني بالسوق وابن عقيل

إ لى بطل قد هشم السيف وجهه

وآخر يهوي من جدار(٢) قتيل

أصابهما ريب المنون(٣) فأصبحا

أحاديث من يسري بكلّ سبيل

____________

١ - في المقتل: إذا كنت لا.

٢ - في المقتل: طمار.

٣ - في المقتل: أمر الأمير.

ترى جسداً قد غيّر الموت لونه

ونضْح دمٍ قد سال كلّ مسيل

فتى كان أحيا من فتاة حيية

وأقطع من ذي شفرتين صقيل(١)

أيركب أسماء الهماليج(٢) آمناً

وقد طلبته مذحج بقبيل(٣)

فإن أنتم لم تثأروا بأخيكم

فكونوا أيامى(٤) اُرضيت بقليل

قال : ثمّ كتب عبيد الله بن زياد إلى عدوّ الله يزيد لعنه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

لعبد الله يزيد أمير المؤمنين من عبيد الله بن زياد.

الحمدلله الّذي أخذ لأميرالمؤمنين بحقّه وكفاه مؤونة عدوّه، ثمّ ذكر فيه قصّة مسلم وذكر هانىء بن عروة، وكيف أخذهما وقتلهما، ثمّ قال: وقد بعثت برأسهما مع هانىء بن حيّة(٥) الوادعي والزبير بن الأروح التميمي، وهما من أهل الطاعة والسنّة والجماعة، فليسألهما أمير المؤمنين عمّا أحبّ فإنّ عندهما

____________

١ - زاد في المقتل البيت التالي:

وأشجع من ليث بخفان مصحر

وأجرأ من ضار بغاية غيل

٢ - الهماليج: جمع هملاج، وهو البرذون.

٣ - في المقتل: بذحول، وزاد فيه البيت التالي:

تطوف حواليه مراد وكلّهم

على رقبةٍ من سائلٍ ومسول

٤ - في المقتل: بغايا.

٥ - في تاريخ الطبري: هانىء بن أبي حيّة، وفي الكامل في التاريخ: هانىء بن جبة الوداعي.

علماً وفهماً وصدقاً وورعاً.

قال : فلمـّا ورد الكتاب والرأسان على يزيد لعنه الله أمر بالرأسين فنصبا على باب دمشق، ثمّ كتب إلى ابن زياد:

أمّا بعد:

فإنك عملت عمل الحازم، وصِلْتَ صولة الشجاع الرابط الجأش، فقد كفيتَ ووفيتَ، وقد سألتُ رسوليك فوجدتهما كما زعمتَ، وقَد أمرتُ لكلّ واحد منهما بعشرة آلاف درهم وسرّحتهما إليك، فاستوص بهما خيراً وقد بلغني انّ الحسين قد عزم على المصير إلى العراق، فضع المراصد والمناظر والمسالح واحترس، واحبس على الظنّ، واقتل على التهمة، واكتب إليّ بذلك كلّ يوم بما يحدث من خبر.(١)

قلت: يا من بذل نفسه في طاعة ربّه ووليّ أمره، وأجهد جهده في جهاد أعداء الله في علانيته وسرّه، وكشف عن ساق في طلب السعادة الباقية، وشمّر عن ساعد لتحصيل الدرجة العالية، حزني عليك أقلقني، وما اُسدي إليك أرّقني، ودمعي لما أصابك أغرقني، ووجدي لمصابك أحرقني، أدّيت الأمانة جاهداً، وبذلت النفس مجاهداً، صابراً على ما أصابك في جنب الله، مصابراً بقلبك وقالبكأعداء الله، لم تضرع ولم تفشل، ولم تهن ولم تنكل، بل قابلتَ الأعداء بشريف طلعتك، وقاتلتَ الأشقياء بشدةّ عزمتك.

عاهدوك وغدروا، وأخلفوك وكفروا، واستحبّوا العمى على الهدى، واختار الدنيا على الاُخرى، فطوّقهم الله بذلك أطواق العار، وأعدلهم بقتالك

____________

١ - مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ١/١٩٧ - ٢١٥.

أُطباق النّار، وجعلهم ضرام وقودها، وطعام حديدها، وأفراط جنودها، فلقد حقّت عليهم كلمة العذاب بخذلانهم إيّاك، ونكصوا على الأعقاب إذ استبدلوا بك سواك.

فأبعد بالكوفة وساكنيها، وأهاليها وقاطنيها، فليست واقعتك بأعظم من واقعة عمّك وقتله في محرابه، ولا خذلك بأعظم من خذل الزكيّ وغدر أصحابه، ولا نقض عهدك بأقبح من نقض عهد المقتول بين خاصّتهم وعامّتهم، ولا خفر ذمّتك بأشنع من خفر ذمة المصلوب بكناستهم.

فلقد غدروا بعد مواثيقهم وأيمانهم، وكفروا بعد تظاهرهم بإيمانهم، فحرمهم الله ريح الجنّة، وطوقّهم أطواق اللعنة، ورمى مصرهم بالذلّ الشامل، والخزي الكامل، والسيف القاطع، والعذاب الواقع، ليس له من الله من دافع(١) ، حتّى صارت حصيداً كأن لم تغن بالأمس(٢) ، وبراحاً خالية من الإنس، للبوم في أرجائها تغريد، وللوحش في عراصها تطريد، وأهلها عباديد(٣) في الأقطار، ومتفرّقون في الأمصار، قد أذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار.

لمـّا خذلوا الحق وأهله، واسترهبوا الجهاد وفضله، وآثروا الدعة والراحة، واستشعروا السفاهة والوقاحة، سلّط الله عليهم شرّ خليقته، وأدنى بريّته، نجل سميّة الزانية، وزعيم العصابة الباغية، ثمّ قفّاه بالخصيم الألدّ، والكفور الأشدّ، الغيّ يظلّه عن التعريف، الأم نغل من ثقيف، الّذيّال الميّال،

__________________

١ - إقتباس من الآية: ٢ من سورة المعارج.

٢ - إقتباس من الآية: ٢٤ من سورة يونس.

٣ - عباديد: متفرّقون.

المغتال القتّال، السفّاك الفتّاك، الهتّاك الأفّاك، فداسهم دوس السنبل وذراهم ذرى الحبّ كما قال فيه بعض عارفيه: جاءنا أعمش اختفش ارحميمة برجلها وأخرج إليها ثياباً قصاراً، والله ما عرق فيها عنان في سبيل الله، فقال: بايعوني فبايعناه، وفي هذه الأعواد ينظر إلينا بالتصغير، وننظر إليه بالتعظيم، يأمرنا بالمعروف ونجيبه، وينهانا عن المنكر ونرتكبه، فاستعبد أحرارهم، وأباد خيارهم، وأذلّ بالتسخير رجالهم، وأيتم بفتكه أطفالهم، فتفرّقوا أيادي سبأ، واتّخذوا سبيلهم في الأرض سرباً.

فانظر إلى فروع اُصولها في زمانك، ونتائج مقدّماتها في أوانك، هل ترهم إلاّ بين شرطي ذميم، أو عتلّ زنيم، أو ممسك لئيم، أو معتد أثيم؟

بغض ذرّيّة الرسول في جبلّتهم مركوز، والتغامز عليهم بالحواجب في طبيعتهم مرموز، يقصدونهم في أنفسهم وأموالهم، ويهضمونهم بأقوالهم وأفعالهم، ويتجّسّسون على عوراتهم، ويتّبعون عثراتهم، وبالأعين عليهم يتلامزون، وإذا مروّا بهم يتغامزون، إن رأوا فضيلة من فضائلهم كتموها، وإن بدرت منهم صغيرة أكبروها، يغرون بهم سفاءهم، وينصرون عليهم أعداءهم، أتباع كلّ ناعق، وأشياع كلّ مارق، لا يستضيؤون بنور العلم، ولا يترتّبون برتبة الحلم، يدّعون حبّ ذرّيّة نبيّهم، وصفحات وجوههم تنطق بتكذيبهم، ويظهرون النصيحة لعترة وليهّم، ويقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، يؤذون الجار، ويهضمون الأخيار، ويعظّمون الأشرار، ويحسدون على ربع دينار.

ولقد أقمت فيهم مدّة، وصحبت منهم عدّة، وعمرّت المساكن المونقة وغرست الحدائق المغدمة، أكثر(١) سوادهم، ولا آكل زادهم، اُكافي على الحسنة بعشر أمثالها، واُجازي بالهدية أضعاف أثقالها، وأتعفّف عن ولائمهم،

__________________

١ - غير مقروءة في الأصل.

و أتصلّف عن مطاعمهم، حذراً من مننهم، وتقصيّاً عن نعمتهم، كما قال الأوّل:

فلا ذا يراني واقفاً في طريقه

ولا ذا يراني جالساً عند بابه

فنصبوا حبائل حسدهم قصداً لوقوعي، وأوفوا قواتل سمومهم ليجتاحوا أصلي وفروعي، وأطلعني ربّي على فساد ضمائرهم، وخبث سرائرهم، فاتخذّت الليل ستراً، وفصلت عن قراري سرّاً، قد أذهل الخوف لبيّ، وأرجف الوجل قلبي، ملتفتاً إلى ما خلفي، قد أحال الفرق لوني وغيّر وضعي، قائلاً:( رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ ) (١) ، ولا تجعلني فتنة للقوم الكافرين(٢) ، عامداً أفضل مشهد، وأكرم مرقد، وخير صعيد، وأفخر شهيد، سيّد الشهداء، وأشرف أولاد الأنبياء، صاحب كربلاء، حتّى إذا استقرّت في الدار، وأمنت البوار، خمدت مسراي عند الصباح، وجعلت مثواي حضرة خامس الأشباح، واتخذت بلدته موطناً ومستقرّاً، ونزلاً مستمرّاً، وهلّم جرّا، وتلوت:( سُبْحَانَ الَّذِي أسرَى ) (٣) . ولمـّا سئمتُ صحبتهم، وقلوتُ جبلهم، جعلتُ أشرح ما صدر لي عنهم، واُوضح ما تمّ عليَّ منهم، بسحر حلال من شعري، وراتق زلال من نثري.

فمن جملة ذلك أبيات من جملة قصيدة مطوّلة قلتها حين فررت، ونظمت فيها ما ذكرتُ، وأوردتُ ما تمّ على السيّد المجيد، والسبط الشهيد، عليه أفضل الصلوات، وأكمل التحيّات:

كربلا كم فيك من شيب خضيب

بدم النحر وكم هام نقيف

____________

١ - سورة القصص: ٢١.

٢ - إقتباس من الآية: ٨٥ من سورة يونس.

٣ - سورة الإسراء: ١.

وسعيدٍ بصعيد الطفّ ثاوٍ

رأسه يعلى على رمح ثقيف

لبني الزهراء أرباب المساعي

والمعالي والعوالي والسيوف

زلف نحوهم عصبة سوءٍ

ليس فيهم غير زنديق وكوفي

لعن الله بني الكوفة لم

يك فيهم من بعهد الله يوفي

سل يزيداً قائماً بالقسط من

حاز المعالي من تليد وطريف

صلبوه بعد خذل ثمّ قتل

آه ممّا حلّ بالبدن الشريف

فلذا صارت براحاً وخلت

أرجاؤها من قاطن فيها وريف

وغدت أبناؤها في كلّ فجٍّ

بين شرطي زنيم وعريف

ولئيم وذميم ورجيم

وشقيّ وغويّ وطفيف

وجبان يوم زحف وقراع

وعلى الجارات بالليل زحوف

هم فروع لاُصول لم يرقّوا

لبني الزهراء في يوم الطفوف

أسفوا إن لم يكونوا ذا اجتها

د مثل آبائهم بين الصفوف

فاستحلّوا من بينهم كلّ سوء

وأحلّوا بهم كلّ مخوف

فلذا نحوهم وجّهت دمي

وعليهم أنا داع بالحتوف

ولمـّا أسدوه من بغي وظلـ

ـم تسرّه بالسوء داني وأليف

ومن الله عليهم لعنات

دائماً تترى بلا كمّ وكيف

ما شكا ذو حرقة ما ناله

من فاجرٍ بالبغي والظلم عسوف

فيا من يعنّفني بسبّهم، ويؤفّفني بثلبهم، ويعيبني بعيبتهم، ويخطئني بتخطئتهم، ويعيّرني ويتجسس على عوراتي، ويسلك مسلكهم في التفحّص عن زلّاتي، لا تلمني على ما صدر منّي، ولا تفنّدني وتصدعني، فلا بدّ للملآن أن يطفح، وللصوفي عند غلبة الحال أن يشطح، فمهد لقاعدة نظمي ونثري عذراً، ولا ترهقني من أمري عسراً.

أمّا سمعت أخبار آبائهم الأوّلين؟ أمّا رأيت آثار أسلافهم الأقدمين؟ جدّل الوصيّ في جامعهم، وطعن الزكيّ بين مجامعهم، وقتل ابن عقيل لدى منازلهم، والاجاب على السبط الشهيد بقبائلهم وقنابلهم، وسبي ذراريه على أقتاب رواحلهم، هو الّذي أطلق لساني بما وصفت، وأجري بناني بما صغت

و رصفت، فلا تعذلني على نحيبي وعويلي، ولا تصدّني لبكائي عن سبيلي، إلاّ من اتّخذ في الأرض لنفاقه نفقاً، وجرى في تيه ضلاله حيفاً وعنفاً وسأختم هذا المجلس الجليل، بمرثيّة السيّد النبيل، مسلم بن عقيل:

لهف قلبي وحرقتي وعويلي

وبكائي حزناً لخير قتيلِ

نجل عمّ النبيّ خير وفيّ

عاهد الله مسلم بن عقيلِ

خذلوه وأسلموه إلى الحي‍ـ

‍ـن فوفى بعهد آل الرسول

وتلقّى السيوف منه بوجه

لم تهن في رضا المليك الجليلِ

نصر الحقّ باللسان وبالقل‍ـ

ـب وحاز الثنا بباع طويل

ومن الله باع نفساً رقت في

المجد أعلا العلى بصبرٍ جميل

بذل النفس في رضا ابن

وليّ الله صنو الرسول زوج البتول

لست أنسى الأوغاد إذ خذلوه

والعدا يطلبونه بذحول

وهو يسطو كليث غاب فكم جدّل

رجساً بالصارم المصقول

ثمّ صبّت عليه منهم شآبيب

سهام كصوب مزن هطول

وهو لا يخشى السهام ولا يضرع

للقاسطين أهل الغلول

ويصدّ الكماة عنه بغضب

كم جريح منه وكم من قتيل

كم هزيم من بأسه وقتيل

فرّ منه يقفو سبيل قبيل

ثمّ لمـّا أبلى بلاء عظيماً

صار يشكو الضما بقلب غليل

غادرته السهام من وقعها

ذا جسد من ضنى الجراح كليل

وغدا في يد البغاة أسيراً

لهف قلبي على الأسير الذليل

ثمّ من بعد أسره جرّعوه

كأس حتف بأمر شرّ سليل

من أبوه إلى سميّة يسمو

فرعه لا يسمو بأصل أصيل

يا بني المصطفى لما نالكم صبري

فيصبر لكن طويل عويل

وإذا رمتُ أن اُكفكف دمعي

قال قلبي للطرف جدّ بهمول

فعلى من سواهم آثر الدمع

وأرثي بالنظم من حسن قيل

وهم قادتي وأسباب إيماني

وقربي من خالقي ووصول

كشف الله لي بهم كلّ منشور

من الحقّ عن كفور جهول

فغدا حبّهم وبغض أعاديهم

بقلبي ما آن له من مزيل

وبإكفار من تقدّمهم اُوضح

عن حجّتي بصدق دليل

من كتاب وسنّة وقياس

ركبته ذوي الحجى والعقول

نصّ خير الأنام يوم غدير

ليس في الذكر فيه من تبديل

وكذا إنّما وليّكم فاتلُ إن

شئت إذا ما تلوتَ بالترتيل

تجد الله بالزعامة اصطفاهم

ففي الخلق ما لهم من مثيل

فلهم أرتجي لبرد اوامي

من رحيق من حوضهم سلسبيل

ومديحي في فضلهم ليس يحصى

بنظام كالذرّ في التعديل

وإليهم اُهدي عقود بناء

من قواد بالشكر غير ملول

ما دجى الليل ثمّ وأسفر صب‍ـ

‍ـح وزقا طائر بدوح ظليل

* * *

المجلس السابع

في مسير الحسينعليه‌السلام إلى العراق

ومن تبعه من أهله وإخوانه وبني أخيه

وبني عمّه صلوات الله عليهم أجمعين

الخطبة

الحمد لله الوفيّ وعده، العليّ مجده، الغالب جنده، العامّ رفده، لا راد لحكمه، ولا مغيّر لعلمه، المبدع المصّور، والمخترع المقدّر، الظاهر لخلقه بخلقه، والشامل لهم بلطفه ورزقه، حجب أفكارهم عن تصوّر كماله، وردع ابصارهم عن إدراك جلاله، وتجلّى لأوليائه بشواهد حكمته، وظهر لقلوبهم ببدائع صنعته، فانقادت قلوبهم بأزمّة التوفيق إلى مقام عرفانه، ووردوا مناهل التحقيق من فيض لطفه وإحسانه، وشربوا بالكأس الروّية من شراب عنايته، ووقفوا على قدم الصدق في مقام طاعته.

فأشرق نور الحقّ على مرايا قلوبهم فطاح وجودهم في شهودهم، لمـّا عاينوا من بهجة محبوبهم، فأصبحت قلوبهم بأنوار عرفان جلال مبدعهم مشرقة، ونفوسهم بالملكوت الأعلى من حصون صانعهم متعلّقة، فأطلعهم سبحانه على أسرار الصفيح الأعلى، وأراهم لما أعدّ للمجاهدين في سبيله في ذلك المقام الأسنى، من منازل مونقة، وحدائق مغدقة، وأنهار متدفّقة، وحسان

معشقة، وولدان ضياء جمالها قد أشرق، وثياب من سندس بطائنها من استبرق، اُكلها دائم، وساكنها سالم، لا يذوق الموت، ولا يخشى الفوت، ظلّها ظليل، دورها سلسبيل، وسقفها عرش الرحمن، وخدمها الحور الحسان،( يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ بِأكْوَابٍ وأبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعيِنٍ لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ وَفَاكَهِةٍ مِمَّا يَتَخيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (١) .

فاختاروا الاقامة في دار المقامة، والاستظلال بتلك الأطلال، وكرهوا الرجوع من دار البقاء إلى دار الفناء، والعود من المحلّ الأعلى إلى المقام الأدنى، ومن الصفيح الأرفع إلى الخراب البلقع، فطلبوا إلى ربّهم ألاّ يهبطهم من درجتهم، ولا يزحزحهم عن لذّتهم، ولا يخرجهم من جنّتهم، ولا يحطّهم عن رتبتهم.

فتجلّى لأفكارهم، وخاطبهم في أسرارهم: إنيّ قد جعلت الدنيا طريقاً يسلك به إلى نعيمي المقيم، وسبيلاً يتوصّل به إلى ثوابي الجسيم، فلو لا امتثال عبادي أوامري، وانزجارهم عن زواجري، والاخلاص بطاعتي والامحاص في محبّتي، وتحمّل المشاقّ في عبادتي، والاستظلال بأروقة طاعتي، لم أخلق خلقي، ولم أبسط رزقي، لكن أبدعتهم ليعرفوني ويوحّدوني وينزّهوني،( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) (٢) .

فاتّبعوا دليلي، وجاهدوا في سبيلي، وصابروا أعدائي، وانصروا أوليائي، أجعلكم خزّان علمي في عبادي، واُمناء وحيي في بلادي، وشهدائي

__________________

١ - سورة الواقعة: ١٧ - ٢٤.

٢ - سورة الذاريات: ٥٦.

على بريّتي، وأوليائي في خليقتي، ولأقرننّ طاعتكم بطاعتي، ومودتّكم بمودّتي، وولاءكم بولائي، ورضاكم برضائي، إن تنصروني أنصركم واُثبت أقدامكم، وإن تقرضوني اُجازكم واُضاعف أعمالكم.

فرجعت أجسادهم إلى الحضيض السفليّ، واستقرت أرواحهم العالم العلويّ، تطالع جمال حضرة معبودها في جميع حالاتها، وتستضيء بأنوار جلال مبدعها بأبصار كمالاتها حين توجّهاتها، ترى كلّ ما سواه مضمحلّاً باطلاً، وكلّ ما عداه للعدم قابلاً، فوصلوا أسبابهم بأسبابه، وقطعوا العلائق عمّا سوى الاتّصال بعزيز جنابه، ووقفوا على قدم الخدمة في جنح الظلام، ونادوا محبوبهم بلسان الاجلال والابتهال.

فاستخلصهم لنفسه لما أخلصوا بطاعته، واصطفاهم على خلقه لما صدقوا في محبّته، وتوّجهم بتيجان كرامته، وأفرغ عليهم حلل عصمته، وأطلعهم على مكنون سرّه، وقلّدهم ولاية أمره، فساقوا الخلق إلى طاعة ربّهم، ونصروا الحقّ بقالبهم وقلبهم، قد صدقت منهم العقائد والعزائم، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، حتّى إذا أدّوا النصيحة حقّها في جنب الله، وبذلوا أرواحاً وأجساداً قد أخلصت صدقها في طاعة الله، ورقوا في معارج السعادة إلى منازل الشهادة، وسلكوا سبيل المجد بقدم الجدّ، واتّبعوا دليل النجاة إلى عين الحياة، وركبوا سفينة الهدى، وتنكّبوا سبيل الردى، وجاهدوا في الله بأنفسهم وأموالهم، وأنكروا المنكر بأفعالهم وأقوالهم.

اُوذوا فصبروا، وابتلوا فشكروا، يعدوّن البأساء نعمة، والضرّاء رحمة، والجهاد في الله منحة، والقتل في سبيل الله حياة باقية، والبلاء في الله عيشة راضية، فحسدوا على ما اختصّهم الله به من قربه، وبذلوا الأجساد والأولاد في

حبّه، ونفوا عن عقر دارهم، واُخرجوا من منازلهم وقرارهم.

ضاقت بهم الأرض بعد رحبها، وقصدتهم الأعداء بفتكها وحربها، وكانت واقعة السبط الشهيد أبي عبد الله أفضع محنة، وأشنع فتنة، لم يحدث منذ وجود العالم مثلها، ولم يقع في الزمن المتقادم عديلها، اُخرج ابن الرسول من حرم جدّه خائفاً، وللحياة في دولة الظّالمين عائفاً، وللدنيا وأهلها قالياً، وللشهادة في الله راجياً، قد تبرّم بالبقاء في دولة الأشرار، وسئم الحياة في سلطان الفجّار.

فنصبوا له المهالك، وسدّوا عليه المسالك، لم يأمن في حرم يأمن فيه الطير الطائر، والوحش الجائر، ولم يطمئنّ في بلد يسكنه البرّ والفاجر، فوعده النصر على أعدائه قوم ذووا أحلام عازبة، وأيمان كاذبة، لم يثلج في قلوبهم برد الايمان، ولم يزالوا بنكثهم أحزاب الشيطان، حتّى إذا لزمته الحجّة بوجود الناصر، والقيام بجهاد الظّالمين في الظاهر، وامّ مصرهم ببنيه وبناته، وسار نحوهم بإخوانه وأخواته، وبلغ ضعفهم، وتوسّط جمعهم، خانوا عهده وأخلفوا وعده، فليتهم إذ نكثوا أيمانهم، ونقضوا أمانهم، تركوه يذهب حيث شاء، أو يرجع من حيث أتى، بل سدّوا عليه الموارد، وقعدوا له المراصد، وجندّوا لمنعه جموعهم وجنودهم، وأرهفوا لقتله حدّهم وحديدهم، وحرموا عليه ورد الماء المباح، ورفعوا عليه حدود الصفاح، فصار في أيديهم رهيناً، وبسيوفهم ضميناً، ثمّ ساقوا بناته وحلائله اُسارى، تحسبهم من هول ما أصابهم سكارى وما هم بسكارى، يسار بهم بين الأعداء على الأقتاب، ويساقون عنفاً بغير نقاب ولا جلباب، قد قشر حرّ الشمس وجوههم، وغيّر هجير القيض جسومهم.

فوا أسفا على تلك الأبدان المصرّعة، والأجساد المبضّعة، والأطراف المقطّعة، والرؤوس المرفعة.

وا لهفاه لتلك الوجوه الّتي هتكت بعد صونها وحجابها، وبرّزت بين طواغيتها وكذّابها، فدمعي عليهم مهتون، وقلبي لمصابهم محزون.

فيالله وللاسلام ايقتل نجل الرسول بين ظهرانيكم، وتسبى نساؤه وذراريه بين أيديكم، ويراق دمه وأنتم تنظرون، وللحق تخذلون، وللباطل تنصرون؟ لا منكر ينكر بقلبه ولسانه، ولا دافع يدفع بحسامه وسنانه، ولا ذو أنف حمي يغضب لله، ولا صاحب دين قويم يجاهد في سبيل الله، فأنتم أكفر اُمّة كفرت بعد إيمانها، وأفجر فرقة تظاهرت ببغيها وبهتانها، لم ترض بقائد النجاة دليلاً، اُولئك كالأنعام بل هم أضلَّ سبيلاً(١) ، بأنعم عدل بها هاديها، عن الحقّ السويّ، واسامها راعيها في المرعى الوبي.

فيا سبط نبيي، ورهط ولييّ، ويا سبيل نجاتي، ويا سليل هداتي، مصيبتك أرخصت في سوق أحزاني عبراتي، وأسعرت بلهيبها في جناني حسراتي، وحرمت على جفوني طيب منامي، وإفرغت على جسدي أثواب سقامي، ضاقت بك الدنيا يا ابن الرسول ومن أجلك خلقت، وشدّوا عليك القضا يا نجل البتول وابوابه دونك غلقت، أخرجوك من حرم جدّك خائفاً تترقّب، ونفوك عن مسقط رأسك وذهبوا بك كلّ مذهب، حتّى إذ وجّهت وجهة آمالك، وظعنت بعيالك وأطفالك، نحو اُناس لم ينصروا الحقّ مذ كانوا، ولم يؤثروا الصدق مذ خانوا، ولم يغضبوا لله، ولا انقادوا لأولياء الله، بل الغدر شيمتهم، والكذب سجيّتهم، إن خلفوا خبثوا، وإن عاهدوا نكثوا، اضر من ضافر إذا جرّدت السيوف، وألأم من مادر إذا طرقت الصنوف، أنباط أسقاط، أنذال أرذال، أنكاد أوغاد، للوصيّ وابنه خذلوا، وللسبط الشهيد وولده قتلوا، تساق بنات نبيّهم

__________________

١ - إقتباس من الآية: ٤٤ من سورة الفرقان.

على الأقتاب في أسواقهم وشوارعهم، وتشهر رؤوس أبناء وليّهم على الرماح في رحابهم ومجامعهم.

فيا دموعي لمصابهم حدّي بالدموع خدّي، ويا زفراتي تصاعدي بسعير حسراتي ووجدي، ويا كبدي لرزئهم تقطّعي، ويا أحشائي حزناً عليهم تضعضعي، وعمى لطرفي إن لم يسحّ دماً بقرينهم، وسحقاً لقلبي إن لم ينقطع أسفاً لمحنتهم، لمـّا كست السماء حمرة نجيع شهدائهم شفقاً، أروت في فؤادي بانعكاس أشعة لهيبها حرقاً، فقلبي حريق بسعير حزني، وطرفي غريق بمعين جفني، اُمثّل ثفنات وجوههم من أثر السجود على الرماح، كالكواكب الدرّيّة بضيائها أو كشمكاةٍ فيها مصباح.

فلهذا وقفت بكائي وجزعي عليهم، وصرفت المراثي من نظمي ونثري إليهم، أنثر في ثرى ضرائحهم عبراتي، واُصاعد في صعيد مراقدهم زفراتي، وأهدي إلى أرواحهم سلامي وتحيّاتي، واصلّي على أشباحهم عقيب صلواتي، وفي جميع آناتي، واُنشد لعظيم مصيبتي في خلواتي، ولجسيم رزيّتي نحيبي وأنّاتي:

يا مصاب السبط أورثت البكا

أعيُناً والقلب وجداً وعنا

و على عينّي حرّمت الكرى

ومزجت الدمع منّي بالدما

لا تلمني أيّها العاذل إن

نُحت بالترجيع من فرط الجوا

وجرى دمعي دماً ممّا على

سبط خير الرسل في الطفّ جرى

وعلى الأبرار من اُسرته

أهل بيت ومقام وصفا

صرّعوا فيه ظماة قد سقوا

بكؤوس الموت من بعد الظما

صاعدت نيران أحشائي الحشا

مدمعاً قانٍ على خدّي جرى

خير أهل الأرض أضحوا صرّعاً

بشبا البيض وأطراف القنا

سادة الخلق اُولي الأمر الّذي

مدحهم حقّاً أتى في هل أتى

بكت الأرض دماً مذ صّرعوا

فرقها حزناً وأطباق العلا

كربلا منك فؤادي ملؤه

من عظيم الوجد كرب وبلا

كم شموس غربت فيك وكم

من بدور أفلت بعد الضيا؟

ووجوه لبنات المصطفى

هتكت من بعد صون وحيا

وجسوم غيّرت أوصافها

منهم البَوْغَاءُ(١) من بعد السنا

وقلوب ظاميات لم تر

غير ورد الموت من كفّ الردى

كم علت فوق العوالي منهم

طلعت أنوارها تجلو الدجى

وأُبينت عضد مع ساعد

وأكفّ كبحور في الندى

ويرى الناظر من أوجههم

ثفنات كنجوم في السرا

يا عيوني إن تضنّي بالبكا

لهم لا نلت في الدنيا المنى

وكذا يا حرقتي إن سكنت

منك أحشائي أو طرفي غفا

أيها الراكب وجناء لها

أثر في الخدّ من جذب البرا

تقطع الال كرال نافل(٢)

ليس يثنيها كلال ووجا

لا تهاب السير في جنح الدجى

وكذا لا تخشي حرّ الضحى

__________________

١ - البوغاء، التراب الناعم الهابي في الهواء.

٢ - كذا في الأصل، ولعلها: تقطع الأتلال ناقة.

عجّ بأرض حلّ فيها سيّد

مجده أرفع قدراً من ذكا

خير من جاهد في الله ومن

في سبيل الله بالنفس سخا

تركوه في العرا منجدلاً

ذا فؤادٍ يشتكي حرّ الصدا

بدر تمّ صار من بعد الثرا

وعلوّ المجد ضمناً في الثرى

كربلا مذ أشرقت من دمه

أظلمت في الخلق أعلام الهدى

يا شريك الذكر من ذكرك في

مهجتي من حرّ أشجاني لظا

وبخدّي لحمه من أدمعي

فيضها أربى على بحر ظما

ما دروا كم فريت من بغيهم

كبد للمصطفى والمرتضى

يا مصاباً أهله فاطمة

وأبوها وعليَّ ذو العلا

أيها القاصد بيت الله بال‍ـ

‍ـعجّ والثجّ إذا نلت المُنى

من تمام الحجّ والعمرة عجّ

بضريح ضمّ خير الأنبيا

أبلغته من سلامي ما زكا

من فؤاد ضمنه صدق الولا

ثمّ قل يا خير مبعوث به

كشف الله عن الخلق العمى

لو ترى سبطك فرداً ماله

ناصر يفديه من جهد البلا

وبنات لك قد أثخنتها

من مديد السير افراط العنا

وأكفّاً بريت من ساعدٍ

كان في راحتها بحر الندى

ووجوهاً كالمصابيح لها

في ظلام الليل نور يستضا

كم تجافت عن وثير الفرحش أج‍ـ

‍ـسادها تخلص لله الدعا

أصبحت في كربلا مخضباً

شَيبْها بالدم من حدّ الظبا

يا بني الزهراء ممّا نالكم

مدمعي من فرط حزني ما رقى

وكذا نار الأسى في كبدي

حرّها يذكي رسيساً في الحشا

وبقلبي لوعة ما آن لها

فيكم حتّى مماتي منتهى

أنتم سفن نجاتي لا أرى

غيركم ينقذ إن خطب عرا

وبكم ارجو إذا ما نشرت

صحف الأعمال في يوم القضا

ان يراني الله رقاً خالصاً

لعلا مجدكم العالي البنا

آه من نسوتكم يسرا بها

حسراً يمشون في ذلّ السبا

بين أرجاس لهم أفئدة

ملئت حقداً كجلمود قسا

فوق أقتاب بها يسرى إلى ال‍ـ

‍ـرجس نجل ابن زياد ذي الشقا

قد مزجت الدمع فيكم بدم

وعلى عيني إذ نفث البكا

وبقلبي حرقة من هظمكم

حرّها منذ وجودي ما خبا

كم مراث فيكم أرسلتها

نظمها ينبىء عن صدق الولا

يزدريها حاسدي من غيظه

حين يطويها ولبّي بالثنا

ويرى للبغض منه وجهة

ذا امتناع لاح ما فيه خفى

يظهر النصح وفي أحشائه

من نظامي حرّ نار تصطلى

ويراني ضاحكاً مبتسماً

بمديح وثناء ودعا

وإذا ما غبت عنه سل من

بغيه غضباً به عرضي برا

يختل الأغمار بالزهد وفي

قلبه الفاسد مكر ودها

وترى في فرض عرضي جاهداً

معلناً كالنار في جزل الغضى

فإذا فكرّت فيما نالكم

هان ما ألقاه من فرط الأسى

وأرى الصبر جميلاً غبّه

فاُسلّي القلب منّي بالأسى

يا عياذي وملاذي إن عرت

غصّة تعرض في الحلق شجا

كلّ عامٍ ينقضي أقضي من

حقكم مأتم حزن وعزا

واسيل الدمع من نظم بكم

راق يستفديه ربّ النهى

وتراه شابني في فمه

علقماً لا يزدريه ذي الشقا

واُبكّي شيعة في حبّكم

طاب منها فرعها والمحتدى

وبكم أرجو نجاتي من لظى

حرّها ينزع باللفح الشوى

وعليكم صلوات ما بدا

كوكب أظهره ليل بدا

وعلى من منعوكم حقّكم

لعنات ما لها من منتهى

فصل

في خروج الحسين صلوات الله عليه إلى العراق، وما

جرى عليه في طريقه، ونزوله في الطفّ(١)

قيل: جمع الحسينعليه‌السلام أصحابه بعد أن وصل إليه كتاب مسلم بطاعة أهل العراق وحسن نيّاتهم وانقيادهم فعزمعليه‌السلام على الخروج وأعطى كلّ واحدٍ منهم عشرة دنانير وجملاً يحمل عليه رحله وزاده، ثمّ إنّه طاف بالبيت وتهيّأ للخروج وحمل بناته وأخواته على المحامل، فقصد(٢) من مكّة يوم الثلاثاء يوم التروية لثمان مضين من ذي الحجّة ومعه اثنان وثمانون رجلاً من شيعته ومواليه وأهل بيته، فلمـّا خرج اعترضه أصحاب الأمير عمرو بن سعيد بن العاص فجالدهم بالسياط ولم يزد على ذلك فتركوه وصاحوا على أثره: ألا تتّقي الله تعالى تخرج من الجماعة، وتفرّق بين هذه الاُمّة؟

فقال الحسينعليه‌السلام :( لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ) (٣) الآية.

و سار صلوات الله عليه حتّى صار بالتنعيم، ولقي هناك عيراً تحمل الورس والحلل إلى يزيد بن معاوية لعنه الله من عامله باليمن، فأخذ الحسين

__________________

١ - انظر فيما يتعلّق بهذا الفصل: الفتوح لابن أعثم الكوفي: ٥/١١٩ وما بعدها، تاريخ الطبري: ٥/٣٨٢ وما بعدها.

٢ - في المقتل: وفصل.

٣ - سورة يونس: ٤١.

ذلك كلّه وقال لأصحاب الإبل: لا اُكرهكم، من أحبّ أن يمضي معي إلى العراق أوفيناه كراه حسناً، وأحسنّا صحبته، ومن أراد فرقتنا من مكاننا هذا وفيناه كراه بقدر ما قطع من الطريق، فمن فارقه حاسبه ووفّاه حقّه(١) ، ومن مضى معه أعطاه كراه وكساه.(٢)

وإنّما أخذعليه‌السلام العير لأنّها كانت من أموال المسلمين، وكان حكم المسلمين، إليه صلوات الله عليه، وكان خروجه قبل أن يعلم بقتل مسلم؛ وقيل: كان خروجه من مكّة يوم قتل مسلم بعد أن كتب إليه مسلم بأخذ البيعة واجتماع الناس عليه وانتظارهم إيّاه.

وروى ابن جرير - بحذف الاسناد - عن الأعمش قال: قال لي أبو محمد الواقدي وزرارة بن صالح(٣) : لقينا الحسينعليه‌السلام قبل أن يخرج إلى العراق بثلاثة، فأخبرناه بضعف الناس بالكوفة، وأنّ قلوبهم معه واسيافهم عليه.

فأومأ بيده نحو السماء، ففتحت أبواب السماء، ونزلت الملائكة عدداً لا يحصيه إلاّ الله عزّوجلّ.

فقالعليه‌السلام : لو لا تقارب الاشياء، وسقوط الأجر،(٤) لقاتلتهم بهؤلاء، ولكنّي أعلم علماً(٥) أنّ هناك مصرعي، وهناك مصارع أصحابي، لا

__________________

١ - في المقتل: ما قطع من الأرض، فمن فارقه منهم حوسب وأوفاء حقّه.

٢ - مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ١/٢٢٠ نقلاً عن ابن أعثم.

٣ - في الملهوف: خلج.

وذكر في مستدركات علم الرجال: ٣/٤٢٥ زرارة بن خلج وزرارة بن صالح وعدّهما شخصين، وكلامهما تشرّف بلقاء الحسينعليه‌السلام ، ولعلّ الاسمين لشخص واحد.

٤ - في الملهوف: وحضور الأجل.

٥ - في الملهوف: يقيناً.

ينجو منهم إلاّ ولدي عليّ(١) .(٢)

و روى سيّدنا ومولانا، السيّد الجليل عليّ بن موسى بن جعفر بن محمد ابن طاووس الحسينيرضي‌الله‌عنه أنّ مولانا الحسينعليه‌السلام لمـّا عزم على الخروج إلى العراق قام خطيباً، فقال:

الحمد لله، وما شاء الله، ولا قوةّ إلاّ بالله، وصلّى الله على رسوله، خطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخُيّر لي مصرع أنا لاقيه، كأنّي بأوصالي تتقاطعها عسلان(٣) الفلوات بين النواويس وكربلاء، فيملأن منّي أكراشاً جوفاً، وأجوفة(٤) سبغاً، لا محيص عن يوم خطّ بالقلم، رضاء الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه ويوفّينا اُجور الصّابرين، لن تشذّ عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لحمته، هي مجموعة عليه(٥) في حضيرة القدس، تقربهم عينه، وينجز بهم وعده، من كان باذلاً فينا مهجته، وموطّناً على لقاء الله نفسه، فليرحل [ معنا ](٦) ، فإنّي راحل إن شاء الله(٧) .(٨)

وذكر محمد بن يعقوب الكليني في كتاب الرسائل عن محمد بن يحيى،

____________

١ - انظر: دلائل الامامة: ٧٤، نوادر المعجزات: ١٠٧ ح ١، الدرّ النظيم: ١٦٧ ( مخطوط ). إثبات الهداة: ٢/٥٨٨ ح ٦٨، البحار: ٤٤/٣٦٤.

٢ - الملهوف على قتلى الطفوف: ١٢٤ - ١٢٦ و١٣٠.

٣ - في الملهوف: تقطعها ذئاب.

٤ - في الملهوف: وأجربة.

٥ - في الملهوف: له.

٦ - من الملهوف.

٧ - انظر: مثير الأحزان: ٤١، كشف الغمّة: ٢/٢٩، البحار: ٤٤/٣٦٦ - ٣٦٧.

٨ - الملهوف على قتلى الطفوف: ١٢٦.

عن محمد بن الحسين، عن أيّوب بن نوح، عن صفوان، عن مروان بن إسماعيل، عن حمزة بن حمران، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال: ذكرنا خروج الحسينعليه‌السلام وتخّلف ابن الحنيفة عنه، فقال ابوعبد اللهعليه‌السلام : يا حمزة، إنّي ساُحدّثك(١) بحديث لا تسأل عنه بعد مجلسك(٢) هذا، إنّ الحسينعليه‌السلام لمـّا فصل متوجّهاً دعا(٣) بقرطاس وكتب فيه:

بسم الله الرحمن الرحيم

من الحسين بن عليّ بن أبي طالب إلى بني هاشم

أمّا بعد:

فإنه من لحق بي منكم استشهد، ومن تخلف [ عنّي ](٤) لم يبلغ مبلغ الفتح، والسلام.(٥)

وذكر شيخنا المفيد محمد بن [ محمد بن ](٦) النعمانرضي‌الله‌عنه [ في كتاب مولد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ومولد الأوصياء صلوات الله عليهم ](٧) بإسناده إلى أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال: لمـّا سار أبو عبد اللهعليه‌السلام من

____________

١ - في البحار: ساُخبرك.

٢ - في الملهوف: مجلسنا.

٣ - في الملهوف: أمر.

٤ - من الملهوف. وفيه: لم يبلغ الفتح.

٥ - انظر: بصائر الدرجات: ٤٨١ - ٤٨٢ ح ٥، كامل الزيارات: ٧٥، دلائل الامامة: ٧٧، نوادر المعجزات: ١٠٩ ح ٦، تيسير المطالب: ٩١، الخرائج والجرائح: ٢/٧٧١ ذ ح ٩٣، المناقب لابن شهراشوب: ٤/٧٦، مختصر بصائر الدرجات: ٦، إثبات الهداة: ٢/٥٧٧ ح ١٨، البحار: ٤٢/٨١ ح ١٢، وج ٤٥/٨٤ ح ١٣ وص ٨٧ ح ٢٣.

٦ و ٧ - من الملهوف.

[ مكّة ليدخل ](١) المدينة لقيه أفواج من الملائكة المسوّمة والمردفة(٢) في أيديهم الحراب، على نجب من نجب الجنّة، فسلّموا عليه وقالوا: يا حجّة الله على خلقه بعد جدّه وأبيه وأخيه، إنّ الله سبحانه أمدّ جدّكصلى‌الله‌عليه‌وآله بنا في مواطن كثيرة، وإنّ الله أمدّك بنا.

فقال لهم: الموعد حفرتي وبقعتي الّتي أستشهد فيها، وهي كربلاء، فإذا وردتها فأتوني.

فقالوا: يا حجّة الله، مرنا نسمع ونطع، فهل تخشى من عدوّ يلقاك فنكون معك؟

فقال: لا سبيل لهم عليَّ، ولا يلقوني بكريهة أو أصل إلى بقعتي.

و أتته أفواج مسلمي(٣) الجنّ، فقالوا: يا سيّدنا، نحن شيعتك وأنصارك، فمرنا بأمرك وما تشاء، فلو أمرتنا بقتل كلّ عدوّ لك وأنت بمكانك لكفيناك ذلك.

فجزاهم الحسين خيراً، وقال لهم: أمّا قرأتم كتاب الله المنزل على جدّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :( أَيْنَمَا تَكُونُوا يَدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ) (٤) وقال سبحانه:( لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إلَى مَضَاجِعِهِمْ ) (٥) ؟ وإذا أقمت بمكاني فبماذا يبتلى(٦) هذا الخلق المتعوس؟ وبماذا

____________

١ - من الملهوف.

٢ - في الملهوف: المسوّمين والمردفين.

٣ - في الملهوف: من مؤمني.

٤ - سورة النساء: ٧٨.

٥ - سورة آل عمران: ١٥٤.

٦ - في الملهوف: فبمَ يمتحن؟

يختبرون؟ ومن ذا يكون ساكن حفرتي بكربلاء وقد اختارها الله تعالى [ لي ](١) يوم دحا الأرض، وجعلها معقلاً لشيعتنا، وتكون لهم أماناً في الدنيا والآخرة؟ ولكن تحضرون يوم السبت، وهو يوم عاشوراء الّذي في آخره اُقتل، ولا يبقى بعدي مطلوب من أهلي ونسبي وإخوتي وأهل بيتي، ويسار برأسي إلى يزيد لعنه الله.

فقالت الجنّ: نحن والله يا حبيب الله وابن حبيبه، لو لا أنّ أمرك طاعة وأنّه لا يجوز لنا مخالفتك(٢) قتلنا جميع أعدائك قبل أن يصلوا إليك.

فقال لهمعليه‌السلام : نحن والله أقدر عليهم منكم، ولكن( لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ) (٣) .(٤)

ثمّ سار الحسين صلوات الله عليه حتّى بلغ ذات عرق(٥) فلقيه رجل من بني أسد يقال له بشر بن غالب، فقال الحسين: من أين أقبلت؟

قال : من العراق.

قال: كيف خلّفت أهل العراق؟

____________

١ - من الملهوف.

٢ - زاد في الملهوف: لخالفناك و.

٣ - سورة الأنفال: ٤٢.

٤ - الملهوف على قتلى الطفوف: ١٢٩ - ١٣٠.

ومن قوله: « روى محمد بن يعقوب في كتاب الرسائل » إلى هنا نقله المجلسيرحمه‌الله في البحار: ٤٤/٣٣٠ - ٣٣١ عن كتابنا هذا. وكذا في عوالم العلوم: ١٧/١٧٩.

٥ - ذات عرق: مُهَلّ أهل العراق، وهو الحدّ بين نجد وتهامة؛ وقيل: عرق جبل بطريق مكّة ومنه ذات عرق. وقال الأصمعي: ما ارتفع من بطن الرمة فهو نجد إلى ثنايا ذات عرق.

وعرق هو الجبل المشرف على ذات عرق. « معجم البلدان: ٤/١٠٧ - ١٠٨ ».

فقال: يا ابن رسول الله، خلّفت القلوب معك والسيوف مع بني اُميّة.

فقال: صدقت إنّ الله يفعل ما يشاء.

فقال الرجل: يا ابن رسول الله، خبّرني عن قول الله سبحانه:( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ اُنَاسٍ بإمَامِهِمْ ) (١) .

فقال الحسين: نعم، يا أخا بني أسد، هما إمامان، إمام هدى دعا إلى هدى، وإمام ضلالة دعا إلى ضلالة، فهذا ومن أجابه إلى الهدى في الجنّة، وهذا من أجابه إلى الضلالة في النار.

قال : واتّصل الخبر بالوليد بن عتبة أميرالمدينة بأنّ الحسينعليه‌السلام توجّه إلى العراق، فكتب إلى ابن زياد:

أمّا بعد:

فإن الحسين قد توجّه إلى العراق وهو ابن فاطمة، وفاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فاحذر - يا ابن زياد - أن تأتي إليه بسوء فتهيّج على نفسك [ وقومك ](٢) أمراً في مدّة(٣) الدنيا لا يسدّه(٤) شيء، ولا تنساه الخاصّة والعامّة أبداً ما دامت الدنيا.

قال: فلم يلتفت ابن زياد إلى كتاب الوليد.(٥)

____________

١ - سورة الاسراء: ٧١.

٢ - من البحار.

٣ - في المقتل والبحار: هذه.

٤ - في البحار: لا يصدّه.

٥ - مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ١/٢٢٠ - ٢٢١، الملهوف على قتلى الطفوف: ١٣١.

ومن قوله: « واتّصل الخير بالوليد » إلى هنا نقله المجلسيرحمه‌الله في البحار:

قال : ثمّ سار صلوات الله عليه حتّى نزل الثَّعلبيّة(١) وقت الظهيرة فوضع رأسه فرقد، ثمّ استيقظ، فقال: رأيت هاتفاً(٢) يقول: أنتم تسرعون(٣) والمنايا تسرع بكم إلى الجنّة.

فقال له ابنه علي: يا أباه، ألسنا على الحقّ؟

فقال: بلى، يا بنيّ، والّذي إليه مرجع العباد.

فقال: يا أباه، إذن لا نبالي بالموت.

فقال الحسينعليه‌السلام : جزاك الله خير ما جزى ولداً عن والده.

ثمّ بات صلوات الله عليه، فلمـّا أصبح إذا برجل من أهل الكوفة يكنّى أبا هِرّة الأزدي قد أتاه فسلّم عليه، ثمّ قال: يا ابن رسول الله، ما الّذي أخرجك من حرم الله وحرم جدّكصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟

فقال الحسينعليه‌السلام : ويحك يا أبا هرّة، إنّ بني اُميّة أخذوا مالي فصبرت، وشتموا عرضي فصبرت، وطلبوا دمي فهربت، وأيم الله لتقتلني الفئة الباغية وليلبسنّهم الله ذلّاً شاملاً وسيفاً قَاطعاً، وليسلّطنَّ عليهم من يذلّهم حتّى يكونوا أذلّ من قوم سبأ إذ ملكتهم امرأة [ منهم ](٤) فحكمت في أموالهم ودمائهم

____________

٤٤/٣٦٨ عن كتابنا هذا. وكذا في عوالم العلوم: ١٧/٢١٨.

١ - الثعلبية: من منازل طريق مكّة من الكوفة بعد الشقوق وقبل الخزيميّة، وهي ثلثا الطريق، وأسفل منها ماء يقال له الضُويجعة على ميل منها مشرف، وإنمّا سمّيت بالثعلبيّة لإقامة ثعلبة بن عمرو بها؛ وقيل: سمّيت بثَعلَبة بن دودان بن أسد وهو أوّل من حفرها ونزلها. « معجم البلدان: ٢/٧٨ ».

٢ - في المقتل: فارساً.

٣ - في الملهوف: تسيرون.

٤ - من المقتل والملهوف.

[ حتّى أذلّتهم ](١) .(٢)

وفي كتاب تاريخ غر الرياشي بإسناده عن راوي حديثه قال: حججت فتركت أصحابي وانطلقت أتعسّف الطريق وحدي، فبينا أنا أسير إذ رفعت طرفي إلى أخبية وفساطيط، فانطلقت نحوها حيث أتيت أدناها، فقلت: لمن هذه الأبنية؟

فقالوا: للحسينعليه‌السلام .

قلت: ابن عليّ وابن فاطمةعليهما‌السلام ؟

قالوا: نعم.

قلت: أين هو؟

قالوا: في ذلك الفسطاط، فانطلقت نحوه، فإذا الحسينعليه‌السلام متّكٍ على باب الفسطاط يقرأ كتباً بين يديه، فسلّمت فردّ عليَّ، فقلت: يا ابن رسول الله، بأبي أنت واُمّي ما أنزلك في هذه الأرض القفراء الّتي ليس فيها ريف ولا منعة؟

قال: إنّ هؤلاء أخافوني، وهذه كتب أهل الكوفة وهم قاتليّ، فإذا فعلوا ذلك لم يدعوا والله محرماً إلاّ انتهكوه، بعث الله إليهم من يقتلهم حتّى يكونوا أذلّ من فرم(٣) الأمة.

قال: ثمّ سار صلوات الله عليه وحدّث جماعة من فزارة وبجيلة قالوا: كنّا

__________________

١ - من الملهوف.

٢ - مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ١/٢٢٦، الملهوف على قتلى الطفوف: ١٣١ - ١٣٢.

٣ - الفرم: خرقة الحيض.

مع زهير بن القين لما أقبلنا من مكةّ، فكنّا نساير الحسينعليه‌السلام حتّى لحقناه، وكان إذا أراد النزول اعتزلناه فنزلنا ناحية(١) .

فلمـّا كان في بعض الأيّام نزل في مكان لم نجد بدّاً من أن ننازله فيه، فبينا نحن نتغدّى من زادٍ(٢) لنا إذ أقبل رسول الحسينعليه‌السلام حتّى سلّم.

ثمّ قال: يا زهير بن القين، إنّ أبا عبد اللهعليه‌السلام بعثني إليك لتاتيه، فطرح كلّ منّا ما في يده حتّى كأنّما على رؤوسنا الطير.

فقالت له امرأته(٣) - وهي ديلم بنت عمرو -: سبحان الله، أيبعث إليك ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ثمّ لا تأتيه؟ فلو أتيته فسمعتَ من كلامه.

فمضى إليه زهير، فما لبث أن جاء مستبشراً قد أشرق وجهه، فأمر بفسطاطه فقوّض وبثقله(٤) ومتاعه فحوّل إلى الحسينعليه‌السلام .

وقال لامرأته: أنتِ طالق، فإنّي لا اُحبّ أن يصيبك بسببي إلاّ خير، وقد عزمت على صحبة الحسينعليه‌السلام لأفديه بروحي، وأقيه بنفسي، ثمّ أعطاها حقّها(٥) وسلّمها إلى بعض بني عمّها ليوصلها إلى أهلها.

فقامت إليه [ وودّعته ](٦) وبكت، وقالت: كان(٧) الله لك، أسألك أن

__________________

١ - انظر: تاريخ الطبري: ٥/٣٩٣ - ٣٩٤، إرشاد المفيد: ٢٢٣، ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام من تاريخ دمشق: ٢١١ ح ٢٦٨، إعلام الورى: ٢٢٩، الكامل في التاريخ: ٤/٣٩، البداية والنهاية: ٨/١٦٩، البحار: ٤٤/١٨٦ ح ١٤.

٢ - في الملهوف: بطعامٍ.

٣ - في الملهوف: زوجته.

٤ - كذا في الملهوف: وفي الأصل: بفسطاطه وثقله

٥ - في الملهوف: مالها.

٦ - من الملهوف.

٧ - في الملهوف: خار.

تذكرني في القيامة عند جدّ الحسينعليه‌السلام .

ثمّ قالَ لأصحابه: من أراد(١) أن يصحبني، وإلاّ فهو آخر العهد [ منّي ](٢) به.

و هذا الحديث نقلته من كتاب إغاثة الملهوف لسيّدنا عليّ بن موسى بن جعفر بن طاووس(٣) .

ورأيت حديثاً أنّ زهيررضي‌الله‌عنه قال لأصحابه لمـّا ودّعهم: إنّي كنت غزوت بَلَنْجرَ(٤) مع سلمان الفارسيرضي‌الله‌عنه ، فلمـّا فتح الله علينا اشتدّ سرورنا، فقال سلمان: أفرحتم بما أفاء الله عليكم؟

قلنا: نعم.

فقال: إذا أدركتم شبّان آل محمد فكونوا أشدّ فرحاً لقتالكم معهم(٥) منكم ما أصبتم اليوم، وأنا أستودعكم الله تعالى، ثمّ ما زال الحسينعليه‌السلام حتّى قتلرحمه‌الله .(٦)

وقيل: إنّ الحسينعليه‌السلام لمـّا وصل إلى زرود لقي رجلاً على راحلة، فلمـّا رآه الرجل عدل عن الطريق، وكان الحسينعليه‌السلام قد وقف

____________

١ - في الملهوف: من أحبّ منكم.

٢ - من الملهوف.

٣ - الملهوف على قتلى الطفوف: ١٣٢ - ١٣٣. وانظر: وقعة الطفّ: ١٦١ - ١٦٢.

٤ - كذا في المقتل، وفي الأصل: عزمت بلخاً.

وبلنجر: مدينة ببلاد الخزر خلف باب الأبواب: « معجم البلدان: ١/٤٨٩ ».

٥ - في المقتل: بقتالكم معه.

٦ - مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ١/٢٢٥.

ينتظره، فلمـّا عدل مضى وتركه.

قال عبد الله بن سليم(١) والمنذر بن الشمعل(٢) الأسديّان: فعدلنا إلى الراكب، فسلّمنا عليه، فردّ علينا، فقلنا: ممّ الرجل؟

فقال: أسديّ.

قلنا: ونحن أسديّان، فما الخبر؟

قال : الخبر إنّ مسلم بن عقيل وهانىء بن عروة قتلا، ورأيتهما يجرّان في الأسواق. فأتينا الحسينعليه‌السلام : فقلنا: إن عندنا خبراً، فنظر إلى أصحابه، فقال: ما دون هؤلاء سرّاً.

قلنا: أرأيت الراكب الذّي عدل عن الطريق؟ إنّه أخبر بكذا وكذا.

فقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون.

قلنا: ننشدك الله في نفسك وهؤلاء الصبية فإّنه ليس لك في الكوفة ناصر قريب [ ولا شيعة، فنظر الحسين إلى بني عقيل فقال لهم: ما ترون فقد قتل مسلم؟ فبادر ](٣) بنو عقيل فقالوا: قتل صاحبنا، وننصرف! إنّك والله لست كمثل مسلم، ولو قد نظر الناس إليك ما عدلوا بك أحد، وإنّا والله لا نرجع حتّى ندرك ثأرنا أو نذوق الموت كما ذاق أخونا، فنظر الحسين إلينا، وقال: لا خير في

____________

١ - في المقتل: سليمان.

٢ - كذا في المقتل، وفي الأصل: والمراد بن إسماعيل، وفي وقعة الطفّ: والمذري المشمعل.

٣ - من المقتل.

الحياة بعد هؤلاء، فعلمنا أنّه يسير لا محالة، فقلنا: خار الله لك.(١)

و قيل: إنّ الخبر أتى الحسين بقتل مسلم في زُبالة(٢) ، فعرف بذلك جماعة ممّذن تبعه، فتفرّق عنه أهل الأطماع والارتياب، وبقي معه أهله وخيار أصحابه.

قال: وارتجّ الوضع لقتل مسلم وسالت الدموع كلّ مسيل.(٣)

ثمّ سار الحسينعليه‌السلام قاصداً لما دعاه الله إليه، فلقيه الفرزدق، فسلّم عليه ودنا منه وقبّل يده، فقال له الحسين: من أين أقبلت؟

قال: من الكوفة.

قال: كيف خلّفت الناس(٤) ؟

فقال الفرزدق: يا أبا عبد الله، كيف تركن إله أهل الكوفة وهم الّذين قتلوا ابن عمّك مسلم وشيعته؟

فاستعبر الحسينعليه‌السلام باكياً، ثمّ قال: رحم الله مسلماً، فقد صار إلى روح الله وريحانه، وجنّته(٥) ورضوانه، قد قضى ما عليه وبقي ما علينا، ثمّ أنشأ يقول:

فإن تكن الدنيا تعدّ نفيسة

فإنّ ثواب الله أعلى وأنبلُ

____________

١ - مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ١/٢٢٨ - ٢٢٩. وانظر: وقعة الطفّ: ١٦٤.

٢ - زبالة: منزل معروف بطريق مكّة من الكوفة، وهي قرية عامرة بها أسواق بين واقصة والثعلبية بعد القاع من الكوفة وقبل الشقوق فيها حصن وجامع لبني غاضرة من بني أسد. « معجم البلدان: ٣/١٢٩ ».

٣ - الملهوف على قتلى الطفوف: ١٣٤.

٤ - في المقتل: أهل الكوفة.

٥ - في المقتل والملهوف: وتحيّته.

وإن تكن الأرزاق قسماً مقدّراً

فقلّة سعي(١) المرء في الكسب(٢) أجمل

وإن تكن الأموال للترك جمعها

فما بال متروك به المرء يبخل

وإن تكن الأجساد(٣) للموت اُنشئت

فقتل امرىء بالسيف في الله أفضل

قال: وكتب الحسينعليه‌السلام إلى سليمان بن صرد والمسيّب بن نجبة ورفاعة بن شدّاد وجماعة من الشيعة بالكوفة، وبعث به مع قيس بن مسهر الصيداوي.

فلمـّا قارب دخول الكوفة اعترضه الحصين بن نمير صاحب عبيد الله بن زياد لعنه الله ليفتّشه، فأخرج الكتاب ومزّقه، فحمله الحصين إلى ابن زياد لعنه الله.

فلمـّا مثل بين يديه، قال: من أنت؟

قال : أنا رجل من شيعة عليّ بن أبي طالب وابنه الحسينعليه‌السلام .

قال: فلماذا مزّقت الكتاب؟

قال: لئلا تعلم ما فيه؟

قال: وممّن الكتاب؟ وإلى من؟

____________

١ - في المقتل والملهوف: حرص.

٢ - في المقتل: الرزق، وفي الملهوف: السعي، وجاء فيهما هذا البيت ثالثاً.

٣ - في المقتل والملهوف: الأبدان. وجاء فيهما هذا البيت ثانياً.

قال: من الحسينعليه‌السلام إلى جماعة من أهل الكوفة لا أعرف أسماءهم، فغضب ابن زياد وقال: والله لا تفارقني حتّى تخبرني بأسماء هؤلاء القوم، أو تصعد المنبر فتلعن الحسين وأباه وأخاه، أو لاُقطّعنّك(١) إرباً إرباً.

فقال: أمّا القوم فلا اُخبرك بأسمائهم، وأمّا لعن الحسين وأبيه وأخيه فأفعل.

فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأكثر من الترّحم على علي وولدهعليهم‌السلام ، ثمّ لعن عبيد الله بن زياد وأباه، ولعن عتاة بني اُميّة عن أوّلهم وآخرهم.

ثمّ قال: [ أيّها الناس ](٢) أنا رسول الحسين بن عليّعليه‌السلام إليكم، وقد خلّفته بموضع كذا فأجيبوه.

فأخبروا ابن زياد بذلك، فأمر بإلقائه من أعلى القصر، فاُلقي من هناك، فماترحمه‌الله .

وبلغ الحسينعليه‌السلام موته فاستعبر باكياً، وقال: اللّهمّ اجعل لنا ولشيعتنا منزلاً كريماً، واجمع بيننا وبينهم في مستقرّ من رحمتك(٣) ، إنّك على كلّ شيء قدير.

وروي أنّ هذا الكتاب كتب من الحاجز، وقيل غير ذلك(٤) .

__________________

١ - في الملهوف: وإلاّ قطّعتك.

٢ - من الملهوف.

٣ - في الملهوف: مستقرّ رحمتك.

٤ - مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ١/٢٢٣، الملهوف على قتلى الطفوف: ١٣٤ - ١٣٦.

وورد الخبر بقتل قيس على الحسينعليه‌السلام وهو بزبالة، وكان قد تبعه خلق كثير من المنازل الّتي كان يمرّ بها لأنّهم كانوا يظنون استقامة الأمر له صلوات الله عليه.

فلمـّا سار من زبالة قام في الناس خطيباً، فقال: إنّ أهل الكوفة وثبوا على مسلم بن عقيل وهانىء بن عروة فقتلوهما وقتلوا قيس بن مسهر(١) ، فمن أحبّ منكم أن ينصرف فلينصرف من غير حرج، ليس عليه منّا ذمام، فتفرّق الناس عنه وأخذوا يميناً وشمالاً حتّى بقي في أصحابه الّذين جاءوا معه من المدينة(٢) ، وإنّما أراد أن يصحبه إنسان إلاّ على بصيرة.

ثمّ سارعليه‌السلام حتّى بقي على مرحلتين من الكوفة، فقال رجل من القوم: الله أكبر.

فقال الحسين: ممّا كبّرت؟

قال: رأيت نخيل الكوفة.

قال الأسديان: هذا مكان ما رأينا فيه نخلاً قطّ.

قال الحسينعليه‌السلام : فما تريانه؟

قالا: والله نرى أسنّة(٣) الرماح، وآذان الخيل.

قال الحسينعليه‌السلام : وأنا أرى ذلك، فهل لنا ملجأ؟

____________

١ - في بعض المصادر: عبد الله بن بقطر ( يقطر ) وهو أخو الحسينعليه‌السلام من الرضاعة.

٢ - في المقتل: مكّة.

٣ - كذا في المقتل، وفي الأصل: قال: ما تريان إلاّ أسنّة.

قالا: بلى، ذو حُسَم(١) إلى جنبك فمل إليه عن يسارك، فإن سبقت القوم إليه فهو كما تريد، فأخذ ذات اليسار، وطلعت الخيل، فعدلوا إليه وسبق الخيل إلى ذي حسم، فنزل صلوات الله عليه فيه، فجاء الحرّ بن يزيد الرياحي في ألف رجل فوقفوا.

فقال الحسينعليه‌السلام لأصحابه: اسقوا القوم ومدّوهم، فسقوهم حتّى ارتووا وكانوا شاكّين في السلاح.

فقال الحسينعليه‌السلام : من قائدكم؟

فقالوا: الحرّ بن يزيد الرياحي، فناداه الحسين، وقال: يا حرّ، لنا أم علينا؟

فقال الحرّ: بل عليك.

فقال الحسينعليه‌السلام : لا حول ولا قوّة إلا بالله العظيم.

قال : ودنت صلاة الظهر، فقال الحسين للحجّاج بن مسروق: أذِّن يرحمك الله وأقم الصلا حتّى نصلّي.

قال: فأذّن، فلمـّا فرغ من أذانه صاح الحسين بالحر، فقال: أتريد أن تصلي بأصحابك وأصلي بأصحابي؟

فقال الحرّ: بل أنت صل ونصلّي بصلاتك، فتقدّم الحسينعليه‌السلام وصلّى بالعسكرين جميعاً، فلمـّا فرغ من صلاته وثب قائماً واتّكى على قائم

____________

١ - اسم جبل، كان النعمان يصطاد فيه، وبينه وبين عُذيب الهجانات إلى الكوفة ثلاث وثلاثون ميلاً.

سيفه، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: أيّها الناس معذرة إليّ وإلى(١) من حضر من المسلمين، إنّي لم أقدم إلى هذا البلد حتّى أتتني كتبكم، وقدمت عليَّ رسلكم أن أقدم إلينا فإنّه ليس علينا إمام، فلعلّ الله يجمعنا بك على الهدى، فإن كنتم على عهدكم فقد جئتكم، فإن تعطوني ما أطمئنّ إليه وأثق به من عهودكم ومواثيقكم أدخل مصركم معكم، وإن لم تفعلوا وكنتم كارهين لقدومي انصرفت على المكان الّذي جئت منه، والسلام.

فقال له الحرّ: أمّا والله ما ندري بهذه الكتب الّتي تقول.

فقال: يا عقبة(٢) بن سمعان، أخرج الخرجين وأخرجها، فنشر الكتب بين يديه.

فقال الحرّ: لسنا من هؤلاء.

و إذا بكتاب قد ورد من الكوفة من عبيد الله بن زياد إلى الحرّ:

أمّا بعد:

يا حرّ، فإذا أتاك كتابي فجعجع بالحسين ولا تفارقه حتّى تأتيني به، فإنّي قد أمرت رسولي أن يلازمك فلا يفارقك حتّى تأتيني بإنفاذ أمري إليك، والسلام.

فلمـّا قرأ الكتاب بعث إلى بقاية من أصحابه(٣) فدعاهم، ثمّ قال: ويحكم قد ورد عليَّ كتاب هذا اللعين ابن زياد يأمرني أن أقدم على الحسين بما يسوء

____________

١ - في المقتل: معذرة إليكم اُقدّمها إلى الله وإلى.

٢ - كذا في المقتل، وفي الأصل: عتبة.

٣ - في المقتل: إلى ثقات أصحابه.

ولا والله لا تطاوعني نفسي بذلك ولا تجيبني.

قال: فالتفت إليه رجل من أصحاب الحرّ يقال له أبو الشعثاء الكندي إلى رسول ابن زياد فقال له: فيما جئت ثكلتك اُمّك؟

فقال: أطعت إمامي، ووفيت ببيعتي، وجئت برسالة أميري.

فقال له أبو الشعثاء: لعمري لقد عصيت ربّك، وأطعت إمامك، وأهلكت نفسك، والتبست(١) عاراً، فبئس الإمام إمامك، قال الله سبحانه:( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ اِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ ) (٣) .

وقام الحسينعليه‌السلام على قدميه عند ذلك، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: أيّها الناس، إنّا أهل بيت نبيّكمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ونحن أولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم، السائرين فيكم بالظلم والعدوان، فإن تتّقوا وتعرفوا الحقّ لأهله فيكون ذلك رضى، وإن كرهتمونا وجهلتم حقّنا، وكان رأيكم على خلاف ما جاءت به كتبكم انصرفت عنكم.

فأجابه الحرّ بما أجابه، وقال: اُمرنا إن لقيناك لا نفارقك حتّى نقدم بك على الأمير.

قال: فتبسّم الحسين صلوات الله عليه، ثمّ قال: يا ابن يزيد، أولا تعلم أنّ الموت أولى من ذلك؟ ثمّ التفت الحسين إلى أصحابه وقال: احملوا النساء واركبوا حتّى ننظر ما(٣) الّذي يقدر أن يصنع هذا وأصحابه.

__________________

١ - في المقتل: واكتسبت.

٢ - سورة القصص: ٤١.

٣ - كذا في المقتل، وفي الأصل: ماذا؟

قال: فركب أصحاب الحسين وساقوا النساء بين أيديهم لينصرفوا إلى مكّة، فتقدّمت خيل أهل الكوفة حتّى حالت بينهم وبين المسير، وضرب الحسين بيده إلى سيفه، وقال: يا ابن يزيد، ثكلتك اُمّك، ما الّذي أن تصنع؟

فقال الحرّ: أمّا والله يا حسين، لو قالها أحد من العرب غيرك لرددتها عليه كائناً من كان، ولكن والله مالي إلى ذكر اُمّك من سبيل، غير أنّي لابّد أن أنطلق بك إلى ابن زياد.

فقال الحسينعليه‌السلام : أمّا والله لا أتبعك أو تذهب نفسي.

فقال الحرّ: إذا والله لا افارقك أو تذهب نفسي ونفس أصحابي.

قال الحسينعليه‌السلام : فذر أصحابك وأصحابي وابرز إليّ، فإن قتلتني حملت رأسي إلى ابن زياد، وإن قتلتك أرحت الخلق منك.

فقال الحرّ: إنّي لم أُؤمر بقتالك، وإنّما اُمرت أن لا أُفارقك أو أقدم بك على ابن زياد، وأنا كاره والله أن أبتلي بشيء من أمرك، غير أنّي أخذت بيعة القوم وخرجت إليك، وأنا أعلم أنّه ما يوافي أحد من هذه الاُمّة يوم القيامة الّا وهو يرجو شفاعة جدّك، وأنا خائف إن قاتلتك أن أخسر الدنيا والآخرة، لكن يا أبا عبد الله، لا أقدر على الرجوع إلى الكوفة في وقتي هذا، فخذ في غير الطريق وامض حيث شئت حتّى أكتب إلى ابن زياد انّ الحسين خالفني الطريق فلم أقدر عليه، وأنا اُنشدك الله في نفسك.

فقال: يا حرّ، كأنّك تخبرني أنّي مقتول.

قال الحرّ: نعم يا أبا عبد الله، ما أشكّ في ذلك إلاّ أن ترجع من حيث

جئت.

فقال الحسينعليه‌السلام : لا أدري ما أقول لك، ولكن أقول كما قال أخو الأوس لابن عمّ له لقيه وهو يريد نصر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال: أين تذهب إنّك مقتول؟

فقال:

سأمضي وما بالموت عار على الفتى

إذا ما نوى حقّاً وجاهد مسلما

وواسى الرجال الصالحين بنفسه

وفارق مذموماً وخالف مجرماً

أقدم نفسي لا اريد بقاءها

لتلقى خميساً في الوغى(١) وعرمرما

فإن عشت لم اُذمم وإن مت لم اُلم

كفى بك ذلّاً أن تعيش فترغما

ثمّ أقبل الحسينعليه‌السلام على أصحابه، وقال: هل فيكم أحد يعرف(٢) الطريق على غير الجادّة؟

فقال الطرمّاح(٣) : نعم، يا ابن رسول الله، أنا أخبر الطريق.

فقال الحسينعليه‌السلام : سر بين أيدينا، فسار الطرمّاح واتّبعه الحسين

__________________

١ - في المقتل: النزال.

٢ - في المقتل: يخبر.

٣ - هو الطرماح بن عديّ الطائي.

صلوات الله عليه وأصحابه، وجعل الطرمّاح يرتجز [ ويقول ](١) :

يا ناقتي لا تجزعي(٢) من زجر

وامضي بنا قبل طلوع الفجر

بخير فتيان وخير سفر

آل رسول الله آل(٣) الفخر

السادة البيض الوجوه الزهر(٤)

الطاعنين بالرماح السمر

الضاربين بالسيوف(٥) البتر

حتى تحلّى بكريم النجر(٦)

الماجد الجدّ(٧) الرحيب الصدر

أتى به(٨) الله لخير أمر(٩)

عمرّه الله بقاء الدهر

يا مالك النفع معاً والضرِّ

أيد حسيناً سيّدي بالنصر

على الطغاة من بقايا الكفر

على اللعينين سليلي صخر

يزيد لا زال حليف الخمر

و ابن زياد العهر وابن العهر(١٠)

____________

١ - من البحار.

٢ - في المقتل والبحار: لا تذعري.

٣ - في المقتل: أهل.

٤ - في المقتل: الغرّ.

٥ - في المقتل: بالصفاح.

٦ - في البحار: الفخر.

٧ - في المقتل: الحرّ.

٨ - في البحار: أثابه.

٩ - بقيّة الأرجاز في المقتل هكذا:

عمره الله بقاء الدهر

وزاده من طيّبات الذكر

يا مالك النفع معاً والضرّ

أيّد حسيناً سيّدي بالنصر

على الطغاة من باقايا الكفر

أعني اللعينين سليل صخر

وابن زياد العاهر ابن العهر

فأنت يا ربّ به ذو البر

وما في وقعة الطفّ يختلف عن المتن والمقتل.

١٠ - من قوله: « ثمّ أقبل الحسينعليه‌السلام » إلى هنا نقله المجلسيرحمه‌الله في البحار:

قال : وأصبح الحسينعليه‌السلام من وراء عذيب الهجانات(١) وإذا بالحرّ قد ظهر له(٢) أيضاً في جيشه، فقصد الحسين، فقال: ما وراءك يابن يزيد؟ أليس أمرتنا أن نأخذ على غير الطريق فأخذنا وقبلنا مشورتك؟

فقال: صدقت، ولكن هذا كتاب ابن زياد ورد عليَّ يؤنّبني ويضعّفني في أمرك.

قال الحسين: فذرنا ننزل بقرية نينوى أو الغاضريّة؟

فقال الحرّ: والله ما أستطيع ذلك، هذا رسول ابن زياد معي، وإنّما بعثه عيناً عليَّ.

فأقبل زهير بن القين على الحسين، فقال: يابن رسول الله، ذرنا نقاتل هؤلاء القوم فإنّ قتالنا إيّاهم الساعة أهون علينا من قتال من يأتينا بعدهم.

فقال الحسينعليه‌السلام : صدقت يا زهير، ولكن ما كنت بالّذي أبدأهم بالقتال حتّى يبدأوني.

فقال زهير: سر بنا حتّى ننزل كربلاء فإنّها [ على ](٣) شاطىء الفرات فنكون هناك، فإن قاتلونا قاتلناهم واستعنّا عليهم بالله.

فدمعت عينا الحسينعليه‌السلام ، وقال: ألّلهمّ إنّي أعوذ بك من

____________

٤٤/٣٧٨ - ٣٧٩ عن كتابنا هذا وكذا في عوالم العلوم: ١٧/٢٢٩.

١ - عذيب الهجانات قريب من عذيب القوادس، وعذيب القوادس ماء بين القادسيّة والمغيثة، بينه وبين القادسيّة أربعة أميال، وقيل غير ذلك. « معجم البلدان: ٤/٩٢ ».

٢ - في المقتل: عارضه.

٣ - من المقتل.

الكرب والبلاء ونزل الحسين في موضعه ونزل الحرّ حذاءه.(١) .

وقام إلى الحسين رجل من شيعته يقال له هلال بن نافع الجملي(٢) ، فقال: يا ابن رسول الله، الست تعلم أنّ جدّك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يقدر أن يشرب الناس محبّته، ولا أن يرجعوا من أمره إلى ما يحبّ(٣) ، وقد كان [ منهم ](٤) منافقون يعدّونه النصر ويضمرون له الغدر، ويلقونه بأحلى من العسل، ويخلفونه بأمر من الحنظل حتّى قبضه الله تعالى إليه، وأنّ أباك أمير المؤمنينعليه‌السلام كان في مثل ذلك، فقوم اجتمعوا على نصره وقاتلوا معه الناكثين والقاسطين والمارقين [ وقوم قعدوا عنه وخذلوه ](٥) حتّى آتاه الله أجله فمضى إلى رحمة الله ورضوانه، وأنت اليوم عندنا في مثل تلك الحالة، فمن نكث عهده وخلع بيته فلن يضرّ إلّا نفسه، والله تعالى مغن عنه، فسرّ بنا معافى راشداً إن شئت مشرقاً أو مغرباً، فوالله ما أشفقنا من قدر الله، ولا كرهنا لقاء ربّنا، وإنّا على نيّاتنا وبصائرنا، نوالي من والاك، ونعادي من عاداك.

ثمّ وثب إليه رجل من شيعته يقال له برير بن خضير الهمداني، فقال: والله يا ابن رسول الله، لقد منّ الله تعالى بك علينا أن نقاتل بين يديك، وتقطّع [ فيك ](٦) أعضاؤنا، ثمّ يكون جدّكصلى‌الله‌عليه‌وآله شفيعاً لنا يوم القيامة، لا أفلح قوم ضيّعوا ابن [ بنت ](٧) نبيّهم، اُفّ لهم غداً ما يلاقون، ينادون بالويل والثبور في نار جهنّم.

__________________

١ - مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ١/٢٢٩ - ٢٣٤. وانظر: وقعة الطفّ: ١٦٧ - ١٧٣.

٢ - كذا في المقتل، وفي الأصل: البجلي.

٣ - في المقتل: ما كان أحبّ.

٤ و ٥ و ٦ و ٧ - من المقتل.

قال : فجمع الحسينعليه‌السلام ولده وإخوته وأهل بيته بين يديه، ثمّ نظر إليهم، فبكى ساعة، ثمّ قال: اللّهمّ إنّا عترة نبيّكصلى‌الله‌عليه‌وآله وقد اُخرجنا وطردنا واُزعجنا عن حرم جدّنا، وتعدّت بنو اُميّة علينا، فخُذ لنا بحقّنا، وانصرنا على القوم الظالمين.

ثمّ نادىعليه‌السلام بأصحابه ورحل من موضعه(١) حتّى نزل كربلاء في يوم الأربعاء أو الخميس، وذلك في اليوم الثاني من المحرّم سنة إحدى وستّين، ثمّ أقبل على أصحابه، فقال: الناس عبيدالدنيا، والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درّت(٢) معايشهم، فإذا محصّوا بالبلاء قلَّ الديّانون.

ثمّ قال: أهذه كربلاء(٣) ؟

فقالوا: نعم.

فقال: هذا موضع كرب وبلا، هاهنا مناخ ركابنا، ومحطّ رحالنا، ومقتل رجالنا، ومسفك دمائنا.(٤)

فنزل القوم وحطّوا أثقالهم ناحية من الفرات، وضربت خيمة الحسين لأهله وبنيه وبناته، وضرب إخوته وبنو عمّه خيامهم حول خيمته، وجلس

____________

١ - كذا في المقتل، وفي الأصل: ودخل موضعه.

٢ - كذا في المقتل، وفي الأصل: ما دارت.

٣ - في « ح » وردت هذه الأبيات:

وجدّ السرى يطوي الفيافي فلم ينبعث مهر الحسين بخطوه فقالوا تسمىّ كربلا قال هوّنوا إلى أن أتى في سيره أرض كربلا فقال الله يا صحب ما هذه الفلا مسيركم يا قوم قد نزل البلا

٤ - انظر: الفتوح لابن أعثم: ٥/١٤٩، مطالب السؤول: ٢/٣٦، نظم درر السمطين: ٢١٦، أمالي الصدوق: ١٣٢، تيسير المطالب: ٩٢، المناقب لابن شهراشوب: ٤/٩٧، مثير الأحزان: ٤٩، كشف الغمّة: ٢/٤٧، البحار: ٤٤/٣١٥.

الحسينعليه‌السلام يصلح سيفه ومعه جون مولى أبي ذر الغفاري، فأنشأ الحسين يقول:

يا دهر أُفٍ لك من خليلِ

كم لك بالإشراق والأصيلِ

من طالب بحقّه قتيل(١)

والدهر لا يقنع بالبديلِ

وكلّ حيٍّ سالك سبيلِ

ما أقرب الوعد من الرحيلِ

وإنّما الأمر إلى الجليل

[ سبحانه جلّ عن المثيل ](٢)

فسمعت بذلك اُخت الحسين زينب واُمّ كلثوم، فقالت: يا أخي، هذا كلام من أيقن بالموت.

فقال: نعم، يا اُختاه، لوترك القطا لغفا ونام.

فقالت زينب: واثكلاه ليت الموت أعدمني الحياة، مات جدّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومات أبي عليّ، وماتت اُمّي فاطمة، ومات أخي الحسن، والآن ينعى إليّ أخي الحسين نفسه.

قال : وبكت النسوة، ولطمن الخدود، وشققن الجيوب، وجعلت اُمّ كلثوم تنادي(٣) : وا محمّداه، وا عليّاه، وا اُمّاه، وا حسناه، وا حسيناه، وا ضيعتاه، يا أبا عبد الله.

فعزّاها الحسين وصبّرها، وقال: يا اُختاه، تعزّي بعزاء الله، وارضي بقضاء الله، فإنّ سكّان السماء يفنون(٤) ، وأهل الأرض يموتون،( كُلُّ شَيْءٍ

____________

١ - في المقتل: من صاحبٍ وطالبٍ قتيل.

٢ - من المقتل.

٣ - في المقتل: وجعلت اُخته تنادي.

٤ - في المقتل: فإنّ أهل السماء يفوتون.

هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ) (١) .

يَا اُختاه، كان أبي وجدّي وأخي واُمّي أفضل منّي وقد ذاقوا الموت، وصاروا تحت الثرى، وانّ لي ولهم ولكلّ مؤمن اُسوة برسول الله.

و عزّاها الحسين: يا اُختاه يا اُمّ كلثوم ويا زينب ويا فاطمة، انظرن إذا قتلت فلا تشققن عليَّ جيباً، ولا تخمشن وجهاً، ولا تقلن هجراً.

وقال الطرمّاح بن عديّ: الوجه عندي في ذلك يا ابن رسول الله أن تركب معي جمازه فإنّي [ أبلغ ](٢) بك الليلة قبل الصباح أحياء طي، واُسوّي لك اُمورك، واُقيم بين يديك خمسة آلاف مقاتل يقاتلون عنك.

فقال الحسينعليه‌السلام : ليس من مروة الرجل أن ينجو بنفسه ويهلك أهل وعياله.

فقال له أصحابه: إنّ هؤلاء إذا لم يجدوك لم يفعلوا بالعيال مكروهاً، فلم يلتفت إلى قولهم، وجزى الطرمّاح خيراً.

وأقبل الحرّ حتّى نزل بإزاء الحسين بكربلاء.

وكتب ابن زياد إلى الحسينعليه‌السلام :

أمّا بعد:

يا حسين، فقد بلغني نزولك بكربلاء، وقد كتب إليّ أمير المؤمنين يزيد أن لا أتوسّد الوثير، ولا أشبع من الخمير، أو اُلحقك باللطيف الخبير، أو ترجع إلى حكمي وحكم يزيد.

____________

١ - سورة القصص: ٨٨.

٢ - من المقتل.

فلمـّا ورد كتابه على الحسينعليه‌السلام وقرأه رماه من يده، وقال: لا أفلح قوم شروا مرضاة المخلوق بسخط الخالق.

فقال له الرسول: الجواب يا أبا عبد الله.

فقال له: ما له عندي جواب، لأنّه قد حقّت عليه كلمة العذاب، فرجع الرسول إلى ابن زياد، فخبّره بذلك، فغضب عدوّ الله أشدّ الغضب، ثمّ جمع أصحابه وقال: من منكم يتولّى قتال الحسين أتولّى به(١) أيّ بلد شاء؟ فلم يجبه أحد، والتفت إلى عمر بن سعد بن أبي وقّاص وقد كان قبل ذلك بأيّام قد عقد له عهداً وولّاه الريّ وتستر، وأمره بحرب الديلم فأراد أن يخرج إليها، فلمـّا كان ذلك أقبل عليه ابن زياد: فقال: اُريد أن تمضي إلى حرب الحسين فإذا نحن فرغنا من أمره سرتَ إلى عملك.

فقال عمر بن سعد: أيّها الأمير، إن رأيت أن تعفيني عن قتال الحسين منعماً عليَّ.

فقال ابن زياد: فإنّا قد أعفيناك، فاردد علينا عهدنا الّذي كتبناه لك واجلس في منزلك حتّى نبعث غيرك.

فقال عمر: فأمهلني اليوم حتّى أنظر في أمري.

قال: قد أمهلتك.

قال : فانصرف عمر بن سعد إلى منزله ليستشير إخوانه ومن يثق به، فلا يشير عليه أحد بذلك غير أنّهم يقولون: آثر الله واتّق ربّك ولا تفعل، وأقبل اليه حمزة بن المغيرة بن شعبة وهو ابن اُخته، فقال اُنشدك الله يا خال ان تسير إلى

____________

١ - في المقتل: بولاية.

[ قتال ](١) الحسين فإنّك تأثم بذلك وتقطع رحمك، فوالله لئن خرجت من سلطان الأرض كلّها هو خير لك من أن تلقى الله بدم الحسين.

قال : فسكت عمر وفي قلبه من الريّ ما فيه(٢) ، فلمـّا أصبح أقبل على ابن زياد، فقال له: ما عندك يا عمر؟

فقال: أيّها الأمير، إنّك ولّيتني هذا بعمل، وقد تسامع الناس به، فإن رأيت أن تفسده لي وتولّي غيري فافعل، فإنّ في الكوفة أسماء بن خارجة، وكثير بن شهاب، ومحمد بن الأشعث، وغيرهم.

فقال له ابن زياد: لا تعلّمني بأشراف الكوفة، فإنّي لا أستأمرك فيمن اُريد أن أبعث، فإن سرت أنت فرّجت عنّا هذه الغمّة، وأنت الحبيب القريب، وإلّا فاردد علينا عملنا(٣) ، والزم منزلك فإنّا لا نكرهك.

قال: فسكت عمر، وغضب ابن زياد، وقال: يا ابن سعد، والله لئن لم تمض إلى حرب الحسين(٤) وتتولّاه لأضربنّ عنقك، ولأهدمنّ دارك، ولأنهبن مالك [ ولا اُبقي عليك ](٥) كائنا من كان.

فقال: إذاً فأنا سائر إليه غداً، فجزاه ابن زياد خيراً، ووصله وأعطاه، وضمّ إليه أربعة آلاف فارس، وقال له: خذ بكظم الحسين، وحل بينه وبين ماء الفرات أن يشرب منه، ثمّ سار عمر بن سعد في أربعة آلاف نحو الحسين، وكان

____________

١ و ٥ - من المقتل.

٢ - كذا في المقتل، وفي الأصل: ما في قلبه.

٣ - في المقتل: عهدنا.

٤ - في المقتل: لم تسر إلى الحسين.

[ الحرّ ](١) عنده ألف فذلك خمسة آلاف، ثمّ دعا عمر بن سعد برجل من أصحابه يقال له عروة بن قيس، فقال له: امض إلى الحسين فاسأله ما الّذي جاء به إلى هذا الموضع؟ وما الّذي أخرجه من مكّة؟

فقال عروة: أيّها الأمير، إنّي كنت قبل اليوم اُكاتب الحسين ويكاتبني، وأنا أستحي أن أصير إليه، فإن رايت أن تبعث غيري، فبعث ابن سعد برجل يقال له كثير بن عبد الله الشعبي(٢) ، وكان ملعوناً ناصبيّاً شديد العداوة لأهل البيتعليهم‌السلام فسلّ سيفه، فلمـّا رأى أبو ثمامة الصائدي(٣) قال للحسين: يا ابن رسول الله، قد جاءك شرّ الناس واجرأهم على سفك الدماء.

قال : فقام الحسين وقال له: ضع سيفك حتّى نكلّمك فقال: لا ولا كرامة، إنّما أنا رسول فإن سمعتَ منّي بلّغتُ ما اُرسلتُ به، وإن أبيتَ انصرفتُ.

فقال له أبو ثمامة: تكلّم بما تريد ولاتدن من الحسين فإنّك رجل فاسق، فغضب ورجع إلى ابن سعد، وقال: إنّهم لم يتركوني أن أدنو من الحسين فاُبلّغه رسالتك فابعث غيري، فأرسل إليه برجل يقال له قرّة بن قيس الحنظلي، فلمـّا أشرف على عسكر الحسين قال الحسين لأصحابه: هل تعرفون الرجل؟

فقال حبيب بن مظاهر: نعم، يا ابن رسول الله، هذا رجل من بني تميم ثمّ من بني حنظلة، وقد(٤) كنت أعرفه حسن الرأي، وما ظننت أنّه يشهد هذا المشهد، ثمّ تقدّم الحنظلي حتّى وقف بين يدي الحسينعليه‌السلام وأبلغه

____________

١ - من المقتل.

٢ - كذا في المقتل، وفي الأصل: يقال غيلان بن عبد الله السبيعي.

٣ - كذا في المقتل، وفي الأصل: الصيداوي.

٤ - كذا في المقتل، وفي الأصل: هذا رجل من تميم وقد.

رسالة عمر بن سعد.

فقال الحسينعليه‌السلام : يا هذا، أبلغ صاحبك انّي لم ارد هذا البلد، ولكن كتب إليّ أهله أن آتيهم يبايعوني ويمنعوني وينصروني، فإن كرهتموني انصرفت عنكم من حيث جئتُ.

ثمّ وثب إليه حبيب بن مظاهر، وقال: ويحك يا قرّة، عهدي بك وأنت حسن الرأي في أهل البيت، فما الّذي غيرك حتّى جئتنا بهذه الرسالة، فأقم عندنا وانصر هذا الرجل الّذي قد أتانا الله به؟

فقال الحنظلي: سمعت مقالتك، وهو أحقّ بالنصر من غيره، ولكنّي أرجع إلى صاحبي بالرسالة وأنظر في ذلك، ثمّ انصرف وأخبر ابن سعد بمقالة الحسين.

فقال ابن سعد: الحمد لله، والله إنّي لا أرجو أن يعافيني الله من حربه، ثمّ كتب إلى ابن زياد:

إلى الأمير عبيد الله بن زياد من عمر بن سعد.

أمّا بعد:

فإنّي نزلت بالحسين، ثمّ بعثت إليه رسولاً وسألته عمّا أقدمه، فذكر انّ أهل الكوفة أرسلوا يسألونه القدوم عليهم ليبايعوه وينصروه، فإذا قد بدا لهم في نصرته فإنّه ينصرف من حيث أتى ويلحق بيزيد بن معاوية، أو يلحق بأيّ بلد أردت فيكون كواحد من المسلمين، فأحببت أن اُعلم الأمير بذلك.

فلمـّا قرأ ابن زياد كتاب عمر فكر ساعة، ثمّ قال: الآن وقد علقت مخاليبنا يرجو ابن أبي تراب النجاة منها، هيهات لانجّى الله ابن زياد إن نجا منها

الحسين، ثمّ كتب إلى ابن سعد:

أمّا بعد:

فقد بلغني كتابك وما ذكرت من أمر الحسين، فإذا ورد عليك كتابي هذا فأعرض عليه البيعة ليزيد، فإن فعل وأجاب إلى البيعة وإلّا فائتني به، والسلام.

فلمـّا ورد الكتاب على ابن سعد قال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، أخاف أنّ ابن زياد لا يقبل العافية، والله المستعان، فلم يعرض ابن سعد على الحسين ما أرسل به ابن زياد لأنّه علم أنّ الحسين لا يبايع يزيد أبداً(١) .

قال: ثمّ جمع ابن زياد الناس في جامع الكوفة، ثمّ خرج فصعد المنبر، ثمّ قال: أيّها الناس، إنّكم بلوتم آل أبي سفيان فوجدتموهم كما تحبّون، وهذا أمير المؤمنين يزيد قد عرفتموه حسن السيرة، محمود الطريقة، محسناً إلى الرعيّة، يعطي العطاء في حقّه، قد أمنت السبل على عهده، وكذلك كان أبوه معاوية في عصره، وهذا ابنه يزيد من بعده يكرم العباد، ويغنيهم بالأموال ويكرمهم، وقد زادكم في أرزاقكم مائة مائة، وأمرني أن اُوفّرها عليكم واُخرجكم إلى حرب عدوّه الحسين، فاسمعوا له وأطيعوا.

ثمّ نزل عن المنبر ووفّر للناس العطاء، وأمرهم أن يخرجوا إلى حرب الحسينعليه‌السلام ، ويكونوا عوناً لابن سعد على حربه، فأوّل من خرج شمر بن ذي الجوشن في أربعة آلاف، فصار ابن سعد في تسعة آلاف، ثمّ أتبعه بيزيد بن ركاب الكلبي في ألفين، والحصين بن نمير السكوني في أربعة آلاف، وفلان المازني في ثلاثة آلاف، ونصر بن فلان في ألفين، فذلك عشرون ألفاً.

____________

١ - في المقتل: لا يجيبه إلى ذلك أبداً.

ثمّ أرسل إلى شبث بن ربعي أن أقبل إلينا فإنّا نريد أن نوجّه بك إلى حرب الحسين، فتمارض شبث وأراد أن يعفيه ابن زياد، فأرسل إليه:

أمّا بعد:

فإنّ رسولي خبّرني بتمارضك، وأخاف أن تكون من الّذين إذا لقوا الّذين آمنوا قالوا آمنّا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنّا معكم إنّما نحن مستهزءون(١) ، إن كنت في طاعتنا فأقبل إلينا مسرعاً، فأقبل إليه شبث بعد العشاء، لئلّا ينظر الملعون إلى وجهه فلا يرى عليه أثر العلّة، فلمـّا دخل رحّب به وقرّب مجلسه، وقال: اُحبّ أن تشخص إلى قتال هذا الرجل عوناً لابن سعد عليه.

فقال: أفعل أيّها الامير.(٢)

فما زال يرسل إليه بالعساكر حتّى تكامل عنده ثلاثون ألفاً ما بين فارس وراجل، ثمّ كتب إليه ابن زياد: إنّي لم أجعل لك علّة في كثرة الخيل والرجال، فانظر لا اُصبح ولا اُمسي إلاّ وخبرك عندي غدوة وعشيّة، وكان ابن زياد يستحثّ عمر بن سعد على قتال الحسينعليه‌السلام ، وعمر بن سعد يكره ذلك.(٣)

قال: والتأمت العساكر عند عمر بن سعد لستّة أيام مضين من المحرّم(٤) ، وأقبل حبيب بن مظاهر إلى الحسينعليه‌السلام ، فقال: يا ابن رسول الله، هاهنا

____________

١ - إشارة إلى الآية: ١٤ من سورة البقرة.

٢ - كذا في خ ل الأصل والمقتل، وفي الأصل: الرجل.

٣ - في المقتل: يكرة أن يكون قتل الحسين يده.

٤ - في البحار: وكان ابن زياد يستحثّ عمر بن سعد لستّة أيّام مضين من المحرّم.

حيّ من بني أسد بالقرب منّا أفتأذن لي بالمصير إليهم [ الليلة ](١) فأدعوهم إلى نصرتك، فعسى الله أن يدفع بهم الأذى عنك؟

قال : قد أذنت لك، فخرج حبيب إليهم في جوف الليل مستنكراً مستعجلاً حتّى أتى إليهم فعرفوه أنّه من بني أسد، فقالوا: ما حاجتك، يا ابن عمّنا؟

فقال: إنّي قد أتيتكم بخير ما أتى به وافد إلى قوم، أتيتكم أدعوكم إلى نصرة ابن بنت نبيّكم فإنّه في عصابة من المؤمنين، الرجل منهم خير من ألف رجل، لن يخذلوه، ولن يسلّموه بيد أعدائه(٢) وهذا عمر بن سعد قد أحاط به، وأنتم قومي وعشيرتي، وقد أتيتكم بهذه النصيحة، فأطيعوني اليوم في نصرته تنالوا بها شرف الدنيا والآخرة(٣) ، فإنّي اُقسم بالله لا يقتل أحد منكم في سبيل الله مع ابن بنت رسول الله صابراً محتسباً إلاّ كان رفيقاً لمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله في علّيّين.

قال: فوثب إليه رجل من بني أسد يقال له عبد الله بن بشر، فقال: أنا أوّل من يجيب إلى هذه الدعوة، ثمّ جعل يرتجز [ ويقول ](٤) :

قد علم القوم إذا تواكلوا(٥)

وأحجم الفرسان أو تثاقلوا(٦)

أنّي شجاع بطل مقاتل(٧)

كأنّني ليث عرين باسل

____________

١ - من المقتل.

٢ - في البحار: ولن يسلّموه أبداً.

٣ - في المقتل: وحسن ثواب الآخرة.

٤ - من البحار.

٥ - في المقتل: تناكلوا.

٦ - في المقتل: إذ تناضلوا.

٧ - في المقتل: إنّي الشجاع البطل المقاتل.

ثمّ تنادى(١) رجال الحيّ حتّى التأم(٢) منهم تسعون رجلاً فأقبلوا يريدون الحسينعليه‌السلام ، وخرج رجل في ذلك الوقت من الحي يقال له [ فلان ](٣) ابن عمرو حتّى صار إلى عمر بن سعد فأخبره بالحال، فدعا ابن سعد برجل من أصحابه يقال له الأزرق الشامي - وهو الّذي قتله وبنيه قاسم بن الحسنعليه‌السلام واحداً بعد واحد -، فضمّ إليه أربعمائة فارس ووجّه [ به ](٤) نحو حيّ بني أسد، بينا اُولئك القوم قد أقبلوا يريدون عسكر الحسينعليه‌السلام في جوف الليل إذ استقبلتهم خيل ابن سعد على شاطىء الفرات، وبينهم وبين عسكر الحسين النهر(٥) ، فناوش القوم بعضهم بعضاً واقتتلوا قتالاً شديداً، وصاح حبيب بن مظاهر بالأزرق: ويلك مالك ومالنا؟ انصرف عنّا ودعنا يشقى بنا غيرك(٦) ، فأبى الأزرق أن يرجع، وعلمت بنو أسد أنّه لا طاقة لهم بالقوم فانهزموا راجعين إلى حيّهم، ثمّ إنّهم ارتحلوا في جوف الليل خوفاً من ابن سعد أن يبيّتهم، ورجع حبيب بن مظاهر إلى الحسينعليه‌السلام فخبرّه بذلك.

فقالعليه‌السلام : لا حول ولا قوةّ إلاّ بالله.

قال: ورجعت خيل ابن سعد حتّى نزلوا على شاطىء الفرات، فحالوا بين الحسين وأصحابه وبين الماء، وأضرّ العطش بالحسين وأصحابه، فأخذ الحسين

__________________

١ - في المقتلت: بادر، وفي البحار: تبادر.

٢ - اجتمع - خ ل -.

٣ و ٤ - من المقتل.

٥ - كذا في المقتل والبحرا، وفي الأصل: النهر.

٦ - في المقتل: دعنا واشتق بغيرنا.

عليه‌السلام فأساً وجاء إلى وراء خيمة النساء فخطا في(١) الأرض تسع عشرة خطوة نحو القبلة، ثمّ حفر هناك، فنبعت له عين من الماء العذب، فشرب الحسينعليه‌السلام وشرب الناس بأجمعهم وملؤا أسقيتهم، ثمّ غارت العين، فلم ير لها أثر.(٢)

و بلغ ذلك ابن زياد، فأرسل إلى عمر بن سعد: بلغني أنّ الحسين يحفر الآبار، ويصيب الماء، فيشرب هو وأصحابه، فانظر إذ ورد عليك كتابي فامنعهم من حفر الآبار ما استطعت، وضيّق عليهم، ولا تدعهم يذوقوا الماء، وافعل بهم كما فعلوا بالزكيّ عثمان.

فعندما ضيّق عليهم عمر بن سعد غاية التضييق.

ثمّ دعا بعمرو بن الحجّاج الزبيدي فضمّ إليه خيلاً عظيمة، وأمره أن ينزل علي الشريعة الّتي [ هي ](٣) حذاء عسكر الحسين.

قال: فنزلوا على الشريعة، فلمـّا اشتدّ العطش بالحسين دعا بأخيه العبّاس بن عليّ فضمّ إليه ثلاثين فارساً وعشرين راجلاً وبعث معه عشرين قربة، فأقبلوا في جوف الليل حتّى دنوا من الفرات.

فقال عمرو بن الحجّاج: من أنتم؟

فقال رجل من أصحاب الحسينعليه‌السلام يقال له هلال بن نافع الجملي(٤) : أنا ابن عمٍّ لك من أصحاب الحسين، جئت أشرب من هذا الماء الّذي

____________

١ - في المقتل: على.

٢ - انظر أيضاً: مناقب ابن شهراشوب: ٤/٥٠ عنه مدينة المعاجز: ٣/٤٩٤ ح ١٠٠٧.

٣ - من المقتل.

٤ - كذا في المقتل، وفي الأصل والبحار: البجلي.

منعتمونا إيّاه(١) .

فقال عمرو: اشرب هنيئاً.

فقال هلال: ويحك كيف تأمرني أن أشرب والحسين بن عليّ ومن معه يموتون عطشاً؟!

فقال عمرو: صدقت، ولكن اُمرنا بأمر لا بدّ أن ننتهي إليه، فصاح هلال بأصحابه، فدخلوا الفرات، وصاح عمرو بالناس، فاقتتلوا على الماء قتالاً شديداً، فكان قوم يقاتلون وقوم يملأون [ القرب ](٢) حتّى ملؤها، [ قتل من أصحاب عمرو بن الحجّاج جماعة ](٣) ولم يقتل من أصحاب الحسين أحد، ثمّ رجع القوم إلى معسكرهم، فشرب الحسين ومن كان معه، ولهذا(٤) سمّي العبّاسعليه‌السلام السقّاء.

ثمّ أرسل الحسينعليه‌السلام إلى عمر بن سعد لعنه الله: إنّي أُريد أن اُكلّمك فالقني الليله بين عسكري وعسكرك، فخرج إليه ابن سعد في عشرين وخرج إليه الحسين في مثل ذلك، فلمـّا التقيا أمر الحسينعليه‌السلام أصحابه فتنحّوا عنه، فبقي معه أخوه العبّاس، وابنه علي الأكبر، وأمر عمر بن سعد أصحابه فتنحوا عنه، وبقي معه ابنه حفص وغلام له.

فقال له الحسينعليه‌السلام : ويلك يا ابن سعد، أمّا تتّقي الله الّذي إليه معادك؟ أتقاتلني وأنا ابن من علمت؟ ذر هؤلاء القوم وكن معي فإنّه أقرب لك إلى الله تعالى.

____________

١ - في المقتل: عنه.

٢ و ٣ - من المقتل.

٤ - في البحار: ولذلك.

فقال عمر بن سعد: أخاف أن تهدم داري.

فقال الحسينعليه‌السلام : أنا أبنيها لك.

فقال: أخاف أن تؤخذ ضيعتي.

فقال الحسينعليه‌السلام : أنا أخلف عليك خيراً منها من مالي بالحجاز.

فقال: لي عيالي(١) وأخاف عليهم.

[ فقال: أنا أضمن سلامتهم.

قال : ](٢) ثمّ سكت ولم يجبه إلى شيء فانصرف عنه الحسينعليه‌السلام وهو يقول: مالك ذبحك الله على فراشك عاجلاً، ولا غفر لك يوم حشرك؟ فوالله إنّي لا أرجو أن تأكل من برّ العراق إلاّ يسيراً.

فقال ابن النحس سعد: في الشعير كفاية عن البرّ - مستهزئاً بذلك القول(٣) -، ثمّ رجع ابن سعد إلى معسكره، وإذا كتاب ابن زياد قد ورد عليه يؤنّبه ويضعّفه ويقول: ما هذه المطاولة؟ انظر إن بايع الحسين وأصحابه فابعث بهم إليّ سالمين، وإن أبوا فازحف إليهم حتّى تقتلهم وتمثّل بهم فإنّهم لذلك مستحقّون، فإذا قتلت الحسين فأوطىء الخيل ظهره وبطنه، فإنّه عاقّ شاقّ، فإذا فعلت ذلك جزيناك جزاء السامع المطيع، وإن أبيت ذلك فاعتزل خيلنا وجندنا وسلّم الجند والعسكر إلى شمر بن ذي الجوشن فإنّه أحزم منك أمراً، وأمضى عزيمة.

____________

١ - في المقتل والبحار: عيال.

٢ - من المقتل.

٣ - من قوله: « فلم يعرض ابن سعد » إلى هنا نقله المجلسيرحمه‌الله في البحار: ٤٤/٣٨٥ - ٣٨٩ عن كتابنا هذا، وكذا في عوالم العلوم: ١٧/٢٣٦.

وروي أنّ ابن زياد بعث رجلاً يقال له جويرية بن زياد(١) [ وقال ](٢) : إذا أوصلت كتابي هذا إلى عمر بن سعد فإن قام من ساعته لحرب الحسين فذاك، وإن لم يقم فخذه وقيّده، وابعث به إليّ، ويكون شمر بن ذي الجوشن الأمير على الناس.

فوصل الكتاب [ وكان في الكتاب ](٣) : إنّي لم أبعثك يا ابن سعد لمنادمة الحسين، فإذا أتاك كتابي هذا فخيّره بين أن تأتيني به أو تقاتله، فوثب ابن سعد من ساعته وأخبر الحسين بذلك، فقال الحسينعليه‌السلام : أخّرنا إلى غد.(٤)

وأقبل العبّاس إلى القوم الّذين مع عمر بن سعد، فقال: يا هؤلاء، إنّ أبا عبد الله يسألكم الانصراف عنه باقي يومكم حتّى ننظر(٥) في هذا الأمر، ثمّ نلقاكم به غداً(٦) .

قال: فخبّر القوم بذلك أميرهم، فقال عمر بن سعد لشمر: ماذا ترى؟

قال: أنا أرى رأيك ايها الأمير، فقل(٧) ما تشاء.

فقال عمر بن سعد: إنّي أحببت ألا أكون أميراً فلم اُترك وأكرهت، ثمّ أقبل عمر بن سعد على أصحابه، فقال: الرأي عندكم.

فقال رجل من أصحابه وهو عمرو بن الحجّاج: سبحان الله! والله لو كانوا

__________________

١ - في المقتل: جويرة بن يزيد التميمي.

٢ و ٣ - من المقتل.

٤ - مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ١/٢٣٦ - ٢٤٦.

وانظر وقعة الطفّ: ١٧٥ - ١٨٩، الملهوف على قتلى الطفوف: ١٣٨ - ١٤٢.

٥ - في المقتل: ينظر.

٦ - كذا في المقتل، وفي الأصل: نلقاك غداً.

٧ - في المقتل: فافعل.

من أهل الترك والديلم ويسألوا هذه الخصلة(١) لكان ينبغي أن نجيبهم إلى ذلك، فكيف وهم آل الرسول؟

فقال عمر بن سعد: خبروهم أنا قد أجّلناهم باقي يومنا.

فنادى رجل من أصحاب ابن سعد: يا شيعة حسين، إنّا قد أجّلناكم يومنا إلى غدٍ، فإن استسلمتم ونزلتم عل الحكم وجّهنا بكم إلى الأمير، وإن أبيتم ناجزناكم، فانصرف الفريقان، وجاء الليل فبات الحسينعليه‌السلام ليلته تلك راكعاً وساجداً وباكياً ومستغفراً ومتضرّعاً، وكذلك كانت صبيحتهعليه‌السلام ، وكان يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة.

وقيل(٢) لعليّ بن الحسين ما أقلّ ولد أبيك؟!

فقالعليه‌السلام : العجب كيف ولدت أنا له، إنّه كان يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة، فمتى كان يتفرّغ للنساء؟

وكذلك أصحابه باتوا كذلك لهم دويّ كدويّ النحل، وأقبل شمر في نصف الليل [ يتجسّس ](٣) ومعه جماعة من أصحابه حتّى قرب من عسكر الحسينعليه‌السلام ، والحسين رافع صوته يتلو هذه الآية:( وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً ) (٤) الآية: ثمّ تلا:( مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَميِزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ) (٥)

__________________

١ - في المقتل: الليلة.

٢ - انظر: الملهوف على قتلى الطفوف: ١٥٤، البحار: ٤٤/١٩٦ ح ١٠، وج ٨٢/٣١١ ح ١٧، وعوالم العلوم: ١٧/٦١ ح ١.

٣ - من المقتل.

٤ - سورة آل عمران: ١٧٨.

٥ - سورة آل عمران: ١٧٩.

فصاح رجل من أصحاب شمر وقال: نحن وربّ الكعبة الطيّبون وأنتم الخبيثون، وقد ميّزنا منكم، فقطع برير بن خضير صلاته، ثمّ ناداه: يا فاسق: يا فاجر، يا عدوّ الله، يا ابن البوال على عقبيه، أمثلك يكون من الطيّبين والحسين من الخبيثين؟! والله ما أنت إلاّ بهيمة لا تعقل، فأبشر بالخزي يوم القيامة، فصاح به شمر وقال: أيّها المتكلم، إنّ الله قاتلك وقاتل صاحبك عن قريب.

فقال برير: يا عدوّ الله، أبالموت تخّوفني، والله إنّ الموت مع ابن رسول الله أحبّ إليَّ من الحياة معكم، والله لا نال شفاعة محمد قوماً أراقوا دماء ذرّيّاته(١) وأهل بيته.

و أقبل رجل من أصحاب الحسين، فقال: يا برير، إنّ أبا عبد الله يقول: إرجع إلى مكانك(٢) ، ولا تخاطب القوم، فلعمري لئن كان مؤمن آل فرعون نصح لقومه وأبلغ في الدعاء فلقد نصحتَ وأبلغتَ.

فلمـّا(٣) كان وقت السحر خفق الحسينعليه‌السلام برأسه، ثمّ استيقظ، فقال: أتعلمون ما رأيت في منامي الساعة؟ رأيت كأنّ كلاباً قد شدّت عليَّ [ لتنهشني ](٤) وفيها كلب أبقع رأيته أشدّها، وأظنّ الّذي يتولّى قتلي رجل أبرص من بين هؤلاء، ثمّ انّي رايت جدّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومعه جماعة من أصحابه وهو يقول لي: يا بنَيّ، أنت شهيد آل محمد، وقد استبشرت بك ملائكة السماوات(٥) وأهل الصفيح الأعلى فليكن إفطارك عندي الليلة، فعجّل

____________

١ - في المقتل: ذرّيّته.

٢ - في المقتل: موضعك.

٣ - انظر أيضاً: البحار: ٤٥/٣، وج ٦١/١٨٣ ح ٥٠.

٤ - من المقتل.

٥ - في المقتل: وقد استبشر بك أهل السماوات.

ولا تتأخّر، فهذا ملك من السماء قد نزل ليأخذ دمك في قارورة خضراء فهذا ما رأيت، وقد أزف الأمر واقترب الرحيل من هذه الدنيا، لا شكّ في ذلك(١) .

قال: فلطمت زينب وجهها وصاحت.

فقال الحسينعليه‌السلام : مهلاً، يا اُختاه، لا يشمت(٢) القوم بنا.

ثمّ جمع الحسينعليه‌السلام أصحابه بالليلة، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ أقبلّ عليهم، فقال:

أمّا بعد، فإنّي لا أعلم أصحاباً أصلح(٣) منكم، ولا أهل بيت آثر(٤) ولا أفضل من أهل بيتي، فجزاكم الله [ عنّي ](٥) جميعاً خيراً، وهذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً، وليأخذ كلّ رجل منك بيد رجل من أهل بيتي، وتفرّقوا في سواد [ هذا ](٦) الليل وذروني وهؤلاء، فإنّهم لا يريدون غيري.

فقال له إخوته وبنو عمّه وأولاد عبد الله بن جعفر: ولِمَ نفعل ذلك؟ لنبقى بعدك! لا أرانا الله ذلك أبداً، وكان الّذي بدأ بهذا القول العبّاس بن أمير المؤمنين، ثمّ تابعوه الباقون.

ثمّ نظر الحسينعليه‌السلام إلى بني عقيل فقال: حسبكم من القتل بصاحبكم مسلم، اذهبوا فقد أذنت لكم.

وروي من طريق آخر: فتكلّم إخوته وجميع أهل بيته، وقالوا: يا ابن

____________

١ - مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ١/٢٥٠ - ٢٥٢.

٢ - في الملهوف: لاتشمتي.

٣ - في الملهوف: خيراً.

٤ - في الملهوف: أبرّ.

٥ و ٦ - من الملهوف.

رسول الله، ما تقول الناس لنا؟ وماذا نقول لهم؟ إنّا(١) تركنا شيخنا وكبيرنا وابن [ بنت ](٢) نبيّنا ولم نرمِ معه بسهم، ولم نطعن برمح، ولم نضرب بسيف، لا والله يا ابن رسول الله لانفارقك أبداً ولكنّا نفديك(٣) بأنفسنا حتّى نُقتل بين يديك ونرِد موردك، فقبّح الله العيش بعدك.

ثمّ قام مسلم بن عوسجة، وقال: نحن نخلفك(٤) هكذا وننصرف عنك وقد أحاط بك هذا العدوّ! والله لا يراني الله أبداً أفعل ذلك حتّى أكسر في صدورهم رمحي، واُضاربهم بسيفي ما ثبت قائمه بيدي، ولو لم يكن لي سلاح اُقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة، ولم اُفارقك أو أموت.

قال: وقام سعيد بن عبد الله الحنفي فقال: لا والله يا ابن رسول الله لا نخلّيك أبداً حتّى نعلم أنّا قد حفظنا فيك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (٥) ، ولو علمت أنّي اقتل [ فيك ](٦) ، ثمّ اُحيى، ثمّ اُحرق، ثمّ اُذرى، يفعل ذلك بي سبعين مرّة، ما فارقتك حتّى ألقى حمامي من دونك، فكيف وإنّما هي قتله واحدة، ثمّ أنال الكرامة الّتي لا انقضاء لها؟!

ثمّ قام زهير بن القين، وقال: والله يا ابن رسول الله وددت أنّي قتلت، ثمّ نشرتُ ألف مرّة وأنّ الله تعالى قد دفع هذه الفتنة عنك(٧) وعن هؤلاء الفتية من إخوتك وولدك وأهل بيتك.

__________________

١ - في الملهوف: إذ.

٢ و ٦ - من الملهوف.

٣ - في الملهوف: نقيك.

٤ - في الملهوف: نخلّيك.

٥ - في الملهوف: حتّى يعلم الله فيك وصيّة رسوله محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله .

٧ - في الملهوف: قد دفع بذلك القتل عنك.

وتكلّم جماعة أصحابه بنحو من ذلك، وقالوا: أنفسنا لك الفداء نقيك بأيدينا ووجوهنا، فإذا نحن قُتلنا بين يديك نكون قد وفينا لربّنا [ وقضينا ](١) ما علينا.

وقيل لمحمد بن بشير الحضرمي في تلك الحال: قد اُسر ابنك بثغر الريّ.

فقال: عند الله أحتسبه ونفسي، ما كنت اُحبّ أن يؤسر وأبقى بعده.

فسمع الحسينعليه‌السلام قوله، فقال: رحمك الله، أنت في حلّ من بيعتي، فاعمل في فكاك ابنك.

فقال: أكلتني السباع حيّاً إن فارقتك.

قال: فأعط ابنك هذه الأثواب البرود(٢) يستعين بها على(٣) فكاك أخيه.

فأعطاه خسمة أثواب قيمتها ألف دينار.

قال: فلمـّا كان الغداة أمر الحسين بفسطاطه فضرب، وأمر بجفنة فيها مسك كثير وجعل عندها نورة، ثمّ دخل ليطلي.

فروي أن برير بن خضير(٤) وعبد الرحمان بن عبد ربّه الأنصاري وقفا على باب الفسطاط فتطلّيا بعد الحسينعليه‌السلام ، فجعل برير يضاحك عبد الرحمان.

فقال عبد الرحمن: يا برير، أتضحك؟! ما هذه ساعة ضحك ولا باطل.(٥)

____________

١ - من الملهوف.

٢ - في الملهوف: هذه البرود، والبُرد: ثوب.

٣ - في الملهوف: في.

٤ - في الملهوف: حصين.

٥ - كذا في الملهوف: وفي الأصل: أتضحك هذه حال باطل؟

فقال برير: لقد علم قومي أنى ما أحببت الباطل كهلاً ولا شاباً، وإنّما أفعل ذلك استبشاراً بما نصير إليه فوالله ما هو إلا أن نلقى(١) هؤلاء القوم بأسيافنا نعالجهم بها ساعة، ثمّ نعانق الحور العين.(٢) .

قال : وركب أصحاب عمر بن سعد، فقرّب إلى الحسينعليه‌السلام فرسه فاستوى عليه، وتقدّم نحو القوم في نفر من أصحابه، وبين يديه برير بن خضير فقال له الحسينعليه‌السلام : كلّم القوم، فتقدّم برير حتّى وقف قريباً من القوم وقد زحفوا نحو الحسين بأجمعهم، فقال لهم برير: يا قوم(٣) ، اتّقوا الله فإنّ ثقل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله قد أصبح بين أظهركم، هؤلاء ذرّيّته وعترته وبناته وحرمه، فهاتوا ما عندكم وما الّذي تريدون أن تصنعوه بهم؟

فقالوا: نريد أن نمكّن منهم الأمير ابن زياد فيرى رأيه فيهم.

فقال لهم برير: افلا تقبلون(٤) منهم إن يرجعوا إلى المكان الّذي جاءوا منه؟ ويلكم - يا أهل الكوفة - أنسيتم كتبكم وعهودكم الّتي أعطيتموها وأشهدتم الله عليها؟ يا ويلكم أدعوتم أهل بيت نبيّكم وزعمتم أنّكم تقتلون أنفسكم دونهم، حتّى إذا أتوكم أسلمتموهم إلى ابن زياد، وحرمتموهم(٥) عن ماء الفرات؟ بئسما خلّفتم نبيّكم في ذرّيّته، مالكم لا سقاكم الله(٦) يوم القيامة، فبئس القوم أنتم.

____________

١ - كذا في الملهوف، وفي اأصل: بما يصير، فوالله ما هو إلّا نلقى.

٢ - الملهوف على قتلى الطفوف: ١٥١ - ١٥٢.

٣ - في المقتل: يا هؤلاء.

٤ - في المقتل: ترضون.

٥ - في البحار: وحلّأتموهم.

٦ - لفظ الجلالة أثبتناه من المقتل.

فقال له نفر منهم: يا هذا، ما ندري ما تقول؟

فقال برير: الحمد لله الّذي زادني فيكم بصيرة، اللّهمّ إنّي أبرأ إليك من فعال هؤلاء القوم، اللّهمّ ألق بأسهم بينهم حتّى يلقوك وأنت عليهم غضبان، وفجعل القوم يرمونه بالسهام، فرجع(١) برير إلى ورائه.

و تقدّم الحسينعليه‌السلام حتّى وقف بإزاء(٢) القوم، فجعل ينظر إلى صفوفهم كأنّهم(٣) السيل، ونظر إلى عمر بن سعد واقفاً في صناديد الكوفة، فقال: الحمد لله الّذي خلق الدنيا فجعلنا دار فناء وزوال، ومتصرّفة بأهلها حالاً بعد حال، فالمغرور من غرّته، والشقي من فتنته، فلا تغرّنّكم هذه الدنيا، فإنّها تقطع رجاء من ركن إليها، وتخيّب طمع من طمع فيها، وأراكم قد اجتمعتم على أمرٍ قد أسخطتم الله في عليكم، وأعرض بوجهه الكريم عنكم، وأحلّ بكم نقمته، وجنّبكم رحمته، فنعم الربّ ربّنا هو، وبئس العبيد أنتم، أقررتم بالطاعة وآمنتم بالرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثمّ أنتم قد رجعتم(٤) إلى ذرّيّته وعترته تريدون قتلهم، لقد استحوذ عليكم الشيطان وانساكم ذكر الله، فتبّاً لكم ولمـّا تريدون، إنّا لله وإنّا إليه راجعون، هؤلاء قوم كفروا بعد إيمانهم، فبعداً للقوم الظالمين.

فقال عمر بن سعد: ويلكم كلّموه فإنّه ابن أبيه، والله لو وقف فيكم هكذا يوماً جديداً لما انقطع ولا حصر، فكلّموه، فتقدّم إليه شمر، فقال: يا حسين [ ما ](٥) هذا الّذي تقول؟ أفهمنا حتّى نفهم.

____________

١ - كذا في المقتل والبحار، وفي الأصل: فجعل.

٢ - في المقتل: قبالة.

٣ - في المقتل: كأنّها.

٤ - في المقتل والبحار: ثمّ إنّكم زحفتم.

٥ - من المقتل والبحار.

قالعليه‌السلام : أقول: أتّقوا الله ولا تقتلون، فإنّه لا يحلّ لكم قتلي، [ ولا انتهاك حرمتي ](١) فإنّي ابن بنت نبيّكم، وجدّتي خديجة زوجة نبيّكم، ولعلّكم قد بلغكم قول نبيّكمصلى‌الله‌عليه‌وآله : الحسن والحسين سيّدا [ شباب ](٢) أهل الجنّة(٣) ، فإن كذّبتموني فإنّ فيكم من الصحابة مثل جابر بن عبد الله [ وسهل بن سعد ](٤) وزيد بن أرقم وأنس بن مالك فاسالوهم عن هذا الحديث فإنّهم يخبرونكم انّهم سمعوه من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإن كنتم في شكٍّ من أمري أفلست ابن بنت نبيَكم؟ أتشكّون في ذلك؟ فوالله ما(٥) بين المشرقين والمغربين ابن بنت نبيّ غيري، أتطلبوني بدم أحد قتلته منكم، أو بمال استملكته(٦) ، أو بقصاص من جراحات [ استهلكته ](٧) ؟ فسكتوا لا يجيبونه.

ثمّ قالعليه‌السلام : والله لا اُعطي(٨) بيدي إعطاء الذليل، ولا أفر فرار العبيد، عبادالله إنّي عذت بربّي وربّكم [ أن ترجمون وأعوذ بربّي وربّكم ](٩) من كلّ متكبّر لا يؤمن بيوم الحساب.

فقال شمر: يا حسين، الشمر يعبد الله على حرف إن كان يدري ما تقول.

__________________

١ - من المقتل والبحار.

٢ و ٤ و ٧ و ٩ - من المقتل.

٣ - زاد في المقتل: ما خلا النبيّين والمرسلين، فإن صدّقتموني بما أقول وهو الحقّ، والله ما تعمّدت كذباً مذ علمت أنّ الله يمقت عليه أهله.

ومن قوله: « وركب أصحاب عمر بن سعد » إلى هنا نقله المجلسيرحمه‌الله في البحار: ٤٥/٥ - ٦ عن كتابنا هذا.

٥ - ليس - خ ل -.

٦ - كذا في المقتل، وفي الأصل: استهلكته.

٨ - في المقتل: اُعطيهم.

قال : فسكت الحسينعليه‌السلام ، وناداه حيبيب بن مظاهر: إنّي أظنّك تعبد الله على سبعين حرفاً يا فاسق، وأنا أشهد أنّك ما تدري ما تقول، وأنّ الله تعالى قد طبع على قلبك.

فقال له الحسينعليه‌السلام (١) : حسبك يا أخابني أسد، فقد قضى القضاء، وجفّ القلم، والله بالغ أمره، وإنّي لأشوق إلى جدّي وأبي واُمّي وأخي وأسلافي من يعقوب إلى يوسفعليه‌السلام وأخيه، وليّ مصرع أنا ملاقيه.(٢)

ثمّ إنّ الحسينعليه‌السلام عبّأ أصحابه وكان ذلك اليوم يوم عاشوراً، وكان معه اثنان وثلاثون فارساً وأربعون راجلاً، وفي رواية اُخرى: إثنان وثمانون راجلاً، فجعل على ميمنته زهير بن القين، وعلى ميسرته حبيب بن مظاهر، ودفع اللواء إلى أخيه العبّاس، وثبت الحسينعليه‌السلام مع أهل بيته في القلب.

وعبّأ عمر بن سعد أصحابه، فجعل على ميمنته عمرو بن الحجّاج، وعلى ميسرته شمر، وثبت هو في القلب، وكان جنده(٣) اثنين وعشرين ألفاً.

وفي رواية عن الصادقعليه‌السلام : ثلاثين ألفاً لما رواه ابن بابويهرضي‌الله‌عنه في أماليه في قول الحسن للحسينعليهما‌السلام : يزدلف إليك ثلاثون ألفاً.(٤)

وروي أنّ الحسينعليه‌السلام لما أحاط به القوم واُمراؤهم [ وأيقن

____________

١ - في المقتل: يا حسين بن عليّ أنا أعبد الله على حرف إن كنت أدري ما تقول.

٢ - مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ١/٢٥٢ - ٢٥٤.

٣ - كذا في المقتل، وفي الأصل: وكانوا على اثنين وعشرين ألفاً.

٤ - أمالي الصدوق: ١٠١ ح ٣، مناقب ابن شهراشوب: ٤/٨٦، مثير الأحزان: ٢٣، الملهوف على قتلى الطفوف: ٩٩، إثبات الهداة: ٢/٥٥٦ ح ٧، البحار: ٤٥/٢١٨ ح ٤٤.

أنّهم ](١) قاتلوه قام خطيباً في أصحابه، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: قد نزل من الأمر ما ترون، إنّ الدنيا قد أدبرت(٢) وتنكّرت، وأدبر معروفها، حتّى لم يبق منها إلاّ صبابة كصبابة الإناء، أو(٣) خسيس عيش كالمرعى الوبيل، أمّا ترون الحقّ لا يعمل به، والباطل لا يتناهى عنه؟ ليرغب المؤمن في لقاء الله، وإنّي لا أرى الموت إلّا سعادة، والحياة(٤) مع الظّالمين إلّا برماً.

و روي عن زيد بن عليّ، عن أبيه - بحذف الأسانيد -، قال: خطب الحسينعليه‌السلام أصحابه، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: أيّها الناس، خطّ الموت على بني آدم خط(٥) القلادة على جيد الفتاة، ما أولعني بالشوق إلى اسلافي، وإنّ لي مصرعاً أنا لاقيه، كأنّي أنظر إلى أوصالي تقطعها وحوش الفلوات قد ملأت منّي أكرشها، رضى الله رضانا أهل البيت نصبر على بلائه ليوفينا اُجور الصّابرين، لن تشذّ عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لحمته(٦) وعترته، ولن تفارقه أعضاؤه، وهي مجموعة له في حضيرة القدس تقربّهم(٧) عينه.

وروي أنّه لمـّا عبّأ عمر بن سعد أصحابه لمحاربة الحسينعليه‌السلام ، ورتّبهم [ في ](٨) مراتبهم، وأقام الرايات في مواضعها، وعبّأ [ الحسين أصحابه

____________

١ و ٨ - من المقتل.

٢ - في المقتل: تغيّرت.

٣ - في المقتل: من.

٤ - في المقتل: والعيش.

٥ - في المقتل: كمخطّ.

٦ - كذا في المقتل، وفي الأصل: حرمته.

٧ - في المقتل: بها.

في ](١) الميمنة والميسرة، وأحاطوا بالحسين من كلّ جانب حتّى جعلوه في مثل الحلقة، فخرج حتّى أتى الناس فاستنصتهم، فأبوا أن ينصتوا، حتّى قال لهم: ويلكم ما عليكم ان تنصتوا إليّ، فتسمعوا قولي، وإنّما أدعوكم إلى سبيل الرشاد.

ثمّ قال - بعد كلام طويل -: الّا إنّ الدعيّ بن الدعيّ، قد ركز بين اثنتين، بين السلّة(٢) والذلّة، وهيهات منّا آخذ الدنيّة، أبى الله [ ذلك ](٣) ورسوله، جدود طابت، وحجور طهرت، وانُوف حمّية، ونفوس أبيّه، ألا وقد أعذرت وأنذرت، ألا إنّي زاحف بهذه الاُسرة على قلّة العتاد، وخذلة الأصحاب، ثمّ أنشأ:

فإن نهزم فهزّامون قدما

وإن نُهزم فغير مهزّمينا

وما ان طبّنا جبن ولكن

منايانا ودولة آخرينا

ألا ثمّ لا تلبثون بعدها إلّا كريث ما يركب الفرس، حتّى تدور بكم [ دور ](٤) الرحى، عهد عهده إليَّ أبي [ عن جدّي ](٥) فاجمعوا أمركم وشركاءكم، ثمّ كيدوني فلا تنظرون، اللّهمّ احبس عنهم قطر السماء، وابعث عليهم سنيناً كسنين يوسف، وسلّط عليهم غلام ثقيف يسقيهم كأساً مصبرة، ولا يدع منهم(٦) أحداً إلّا قتله [ قتله ](٧) بقتلة، وضربة بضربة، ينتقم لي ولأوليائي ولأهل بيتي منهم، فإنّهم غرونا وخذلونا، وأنت ربّنا، عليك توكّلنا، وإليك أنبنا، وإليك

__________________

١ و ٤ و ٥ و٧ - من المقتل.

٢ - كذا في الملهوف، وفي الأصل: القلّة، وفي المتقل: القتلة.

٣ - من المقتل، وفي الملهوف: وهيهات منّا الذلّة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، حجور طابت، وحجور طهرت.

٦ - في المقتل: فيهم.

ا لمصير(١) .

ثمّ قال صلوات الله عليه: ادعوا لي عمر بن سعد، فدعي له - وكان كارهاً لا يحبّ أن يأتيه -، فقال: يا عمر، أنت تقتلني وتزعم أنّ الدعيّ بن الدعيّ يولّيك الريّ وجرجان، والله لا تتهنّأ بذلك أبداً، عهد معهود، فاصنع ما أنت صانع، فإنّك لا تفرح بعدي بدنيا ولا آخرة، ولكأنّي براسك على قصبة قد نصبت بالكوفة، يتراماه الصبيان بالحجارة ويتّخذونه غرضاً بينهم.(٢)

فاغتاض(٣) عمر بن سعد من كلامه، ثمّ صرف وجهه عنه ونادى بأصحابه: ما تنظرون؟ احملو عليه بأجمعكم.

قال : فدعا الحسينعليه‌السلام بفرس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله المرتجز، فركبه وعبّأ أصحابه، وزحف إليه عمر بن سعد ونادى غلامه دريداً: قدّم رايتك، ثمّ وضع عمر سهمه في قوسه، ثمّ رمى، وقال: اشهدوا لي عند الأمير عبيد الله أنّي أوّل من رمى الحسين، فرمى أصحابه كلّهم بأجمعهم، فما بقي أحد من أصحاب الحسينعليه‌السلام إلّا اصابه من سهامهم(٤)

قيل: فلمـّا رموهم هذه الرمية قلّ أصحاب الحسينعليه‌السلام ، وبقي القوم الّذين يذكرون، وقتل في هذه الحملة الاُولى من أصحاب الحسين خمسون رجلاً رحمة الله عليهم(٥) ، فعندها ضرب الحسينعليه‌السلام بيده إلى

____________

١ - انظر الأحاديث الغيبيّة: ٢/٣١١ ح ٥٧٢.

٢ - تيسير المطالب: ٩٥ - ٩٧.

٣ - في المقتل: فغضب.

٤ - في المقتل: من رميتهم سهم.

٥ - من قوله: « فرمى أصحابه كلّهم » إلى هنا نقله المجلسيرحمه‌الله في البحار: ٤٥/١٢ عن كتابنا هذا. وكذا في عوالم العلوم: ١٧/٢٥٥.

لحيته، وقال: اشتدّ غضب الله على اليهود والنصارى إذ جعلوا له ولداً، واشتدّ غضب الله على المجوس إذ عبدت [ الشمس والقمر و ](١) النّار، واشتدّ غضب الله على قوم اتّفقت آراؤهم على قتل ابن بنت نبيّهم، والله لا اُجيبهم إلى شيء ممّا يريدونه أبداً حتّى ألقى الله وأنا مخضّب بدمي.

ثمّ صاحعليه‌السلام : أمّا من مغيث يغيثنا لوجه الله تعالى؟ أمّا من ذابّ يذبّ عن حرم رسول الله؟

و كان الحرّ حين أمره عبيد الله بن زياد بالمسير الى حرب الحسين وخرج من منزله نودي ثلاث مرّات: يا حرّ، أبشر بالجنّة، فالتفت فلم ير أحد.

فقال: ثكلت الحرّ اُمّه، يمضي إلى حرب ابن رسول الله ويدخل الجنّة! فنمّ ذلك الكلام في فؤاده، فلمـّا سمع الحسينعليه‌السلام يستغيث اضطرب قلبه، ودمعت عيناه، فخرج باكياً متضرّعاً مع غلام له تركيّ، وأتى إلى عمر بن سعد، وقال: أمقاتل أنت هذا الرجل؟

فقال: إي والله قتالاً أيسره [ أن ](٢) تسقط الرؤوس وتطيح الأيدي.

فقال: أمّا لكم في الخصال الّتي عرض عليكم رضى؟

قال: والله لو كان الأمر إليّ لفعلت، ولكن أميرك قد أبى ذلك.

فأقبل الحرّ حتّى وقف موقفاً من أصحابه وأخذه مثل الأفكل(٣) ، فقال له المهاجر بن أوس: والله إنّ أمرك لمريب، ولو قيل: من أشجع أهل الكوفة؟ لما

____________

١ - من المقتل: وفي الملهوف: إذ عبدوا الشمس والقمر دونه.

٢ - من المقتل.

٣ - الأَفْكَل: الرعدة من برد أو خوف. « لسان العرب: ١١/ ١٩ - أفكل - ».

عدوتك، فما هذا الّذي أرى منك؟

فقال: والله إنّي اُخيّر نفسي بن الجنّة والنار، فوالله لا أختار على الجنّة شيئاً ولو قطّعت وحرّقت.

ثمّ ضرب فرسه قاصداً الحسينعليه‌السلام ويده على رأسه وهو يقول: اللّهمّ إنّي تبت فتب عليَّ، فقد أرعبت قلوب أوليائك وأولاد نبيّك.

وقال للحسينعليه‌السلام : جعلت فداك، أنا صاحبك الّذي حبستك عن الرجوع، وسايرتك في الطريق، والله الّذي لا إله إلّا هو، ما ظننت أنّ القوم يردّون عليك ما عرضتَ عليهم، والله لو حدثتني(١) نفسي أنّهم يقتلوك لما ركبتها منك(٢) أبداً، وإنّي قد جئتك تائباً إلى ربّي، ومواسيك بنفسي حتّى أموت بين يديك، فهل ترى لي من توبة؟

قال: نعم يتوب الله عليك ويغفر لك، ما اسمك؟

قال: انّا الحرّ.

قال: أنت الحرّ كما سمّتك اُمّك إن شاء الله في الدنيا والآخرة، انزل.

قال: أنا لك فارساً خير منّي لك راجلاً، اُقاتلهم على فرسي ساعة، وإلى النزول مصيري، ثمّ قال(٣) : يا ابن رسول الله، كنتُ أوّل خارج عليك، فائذن لي لأكون أوّل قتيل بين يديك، وأول من يصافح جدّك غداً - وإنّما قال الحرّ: لأكون أوّل قتيل من المبارزين، وإلا فإن جماعة كانوا قد قتلوا في الحملة

__________________

١ - في المقتل: لو سوّلت لي.

٢ - في المقتل: أنّهم يقتلونك لما ركبت هذا منك.

٣ - من هنا نقله المجلسيرحمه‌الله في البحار: ٤٥/١٣ عن كتابنا هذا وعن مناقب ابن شهراشوب والكامل في التاريخ: ٤/٦٤. وكذا في عوالم العلوم ١٧/٢٥٧.

الاُولى كما ذكر -، فكان أوّل من تقدّم إلى براز القوم، وجعل ينشد ويقول:

إنّي أنـا الحرّ ومـأوى الضيــف

أضرب في أعناقكم بالسيف

عن خير من حلّ بأرض(١) الخيف

أضربكم ولا أرى من حيف

و روي أنّ الحرّ لمـّا لحق بالحسينعليه‌السلام قال رجل من تميم يقال له يزيد بن سفيان: أمّا والله لو لحقته لأتبعته السنان، فبينا هو يقاتل، وانّ فرسه لمضروب على اُذنيه وحاجبيه، وانّ الدماء لتسيل، إذ قال الحصين: يا يزيد هذا الحرّ الّذي كنت تتمنّاه [ فهل لك به ](٢) ؟

قال: نعم.

قال: فخرج إليه، فما لبث الحرّ أن قتله وقتل أربعين فارساً وراجلاً، فلم يزل يقاتل حتّى عرقب(٣) فرسه، وبقي راجلاً [ فجعل يقاتل ](٤) وهو يقول:

إنّي أنا الحرّ ونجل الحرّ

أشجع من ذي لبدٍ هزبر

ولست بالجبان عند الكرّ

لكنّني الوقاف عند الفرّ(٥)

ثمّ لم يزل يقاتل حتّى قتل رحمة الله عليه، فاحتمله أصحاب الحسين

____________

١ - في المقتل: بوادي.

٢ و ٤ - من المقتل.

٣ - كذا في المقتل، وفي الأصل: غرقت.

٥ - روى الأرجاز في المقتل هكذا:

إن تعقروا بي فأنا ابن الحرّ

أشجع من ذي لبدة هزبر

ولست بالخوار عنـد الكـرّ

لكنّني الثابت عند الفرّ

عليه‌السلام حتّى وضعوه بين يدي الحسينعليه‌السلام وبه رمق، فجعل الحسين يمسح وجهه ويقول: أنت الحرّ كما سمّتك اُمّك، وأنت الحرّ في الدنيا، وأنت الحرّ في الآخرة.

ورثاه رجل من أصحاب الحسينعليه‌السلام ، وقيل: بل رثاه عليّ بن الحسينعليه‌السلام :

لنعم الحرّ حرّ بني رياح

صبور عنـد مختـلف(١) الرماح

ونعم الحرّ إذ نادي حسين

فجاد بنفسه عند الصياح(٢)

وروي أنّ الحرّ كان يقول:

آليت لا اُقتل حتّى اقتلا

أضربهم بالسيف ضرباً معضلا

لا ناكل عنهم ولا معللّا

لا عـاجز عنهـم ولا مبـدّلا

أحمي الحسين الماجد المؤمّلا(٣)

وكان من أراد الخروج ودّع الحسين صلوات الله عليه، وقال: السلام عليك يا ابن رسول الله، فيجيبه: وعليك السلام، ونحن خلفك، ويقرأعليه‌السلام :( فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلوُا تَبْدِيلاً ) (٤) .

ثمّ برز برير بن خضير الهمدانيرضي‌الله‌عنه بعد الحرّ، وكان من عباد الله الصالحين، فبرز وهو يقول:

__________________

١ - في المقتل: مشتبك.

٢ - كذا في المقتل، وفي الأصل: الصفاح.

٣ - روى الأرجاز في المقتل هكذا:

آليـت لا اُقتـل حتـى اقتـلا

ولا اُصاب اليوم إلاّ مقبلا

أضربهم بالسيف ضرباً معضلا

لا نـاكلاً فيهم ولا مهللّا

٤ - سورة الأحزاب: ٢٣.

أنـا بريـر وأبـي خضير

يرّوغ الاسـد عـن الزبير

يعرف فينا الحبر بن الحبر

أضربكم ولا أرى من ضير

كذلك فعل الخير من برير(١)

و جعل يحمل على القوم وهو يقول: اقتربوا منّي يا قتلة المؤمنين، اقتربوا منّي يا قتلة أولاد البدريّين، اقتربوا منّي يا قتلة أولاد رسول ربّ العالمين وذرّيّته الباقين، وكان برير أقرأ أهل زمانه، فلم يزل يقاتل حتّى قَتَل ثلاثين رجلاً، فبرز إليه رجل يقال له يزيد من معقل، فقال لبرير: أشهد أنّك من المضلّين.

فقال له برير: هلمّ فلندع الله أن يلعن الكاذب منّا، وأن يقتل المحقّ منّا المبطل، فتصاولا فضرب يزيد لبرير ضربة خفيفة لم تعمل شيئاً، ضربه برير ضربة قدّت المغفر ووصلت إلى دماغه فسقط قتيلاً.

قال : فحمل رجل من أصحاب ابن زياد فقتل بريراً رحمة الله عليه، وكان يقال لقاتله بجبر بن أوس الضبي، فجال في ميدان الحرب وجعل يقول:

سلي تخبرني عنّي وأنت ذميمة

غداة حسيـن والرمـاح شوارع

ألم آت أقصى ما كرهت ولم تحل

غداة الوغى والروع ما أنا صانع

____________

١ - روى الأرجاز في المقتل هكذا:

أنا برير وقتـي خضيـر

أضربكم ولا أرى من ضير

يعرف في الخير أهل الخير

كذلك فعل الخير مـن برير

معـي يزنـي لـم تخنــه كعوبـه

وأبيض مشحوذ الغرارين قاطع

فجـردتـه في عصبة ليـس ديـنهم

كديني وإنّـي بعـد ذاك لقـانع

وقد صيرّوا(١) للطعن والضرب حسّرا

وقد جالدوا لـو أنّ ذلـك نافـع

فأبلــغ عبيـدالله إذ مـا لقيتــه

بأنّي مطيـع للخليـفة ســامع

قتلـت بـريراً ثـمّ جلــت بهمـّةٍ

غداة الوغـى لمـّا دعا من يقارع

قال: ثمّ ذكر له بعد ذلك أنّ بريراً كان من عباد الله الصالحين فجاءه ابن عمّ له وقال: ويحك يا بجير، قتلت برير بن خضير فبأيّ وجه تلقى ربّك؟

قال: فندم الشقيّ، وأنشأ يقول:

فلو شاء ربّي ما شهدت قتالهم

ولا جعل النعماء عند ابن جائر

فقد كان ذا عار عليَّ وشبهة(٢)

يعيّر بها الأبناء عند المعـاشر

__________________

١ - في المقتل: صبروا.

٢ - في المقتل: لقد كان ذلك اليوم عاراً وسبّة.

فياليت إنّي كنت في الرحم حيضة

ويـوم حسين كنت ضمن المقابر(١)

فيا سوأتى مـاذا أقـول لخالقي؟

وما حجّتي يوم الحساب القُماطر؟

ثمّ برز من بعده وهب بن عبد الله بن حباب الكلبي، وقد كانت معه اُمّه يومئذ، فقالت: قم يا بنيّ، فانصر ابن بنت رسول الله.

فقال: أفعل يا اُمّاه ولا اُقصّر، فبرز وهو يقول:

إن تنكرونـي فأنـا ابـن الكلبي

سوف تروني وتـرون ضـربي

وحملتي وضربتي(٢) في الحرب

أدرك ثأري بعد ثـأر صحبـي

و أدفع الكرب أمــام(٣) الكرب

ليس جهادي(٤) في الوغى باللعب

ثمّ حمل فلم يزل يقاتل حتّى قتل منهم جماعة، فرجع إلى اُمّه وامرأته فوقف عليهما، فقال: يا اُمّاه أرضيت؟

فقالت: ما رضيت إلّا أن تقتل بين يدي الحسين.

فقالت امرأته: بالله لا تفجعني في نفسك.

____________

١ - في المقتل: في رمس قابر.

٢ - في المقتل والبحار: وصولتي.

٣ - في المقتل: بيوم.

٤ - في المقتل: فما جلادي.

فقالت اُمّه: يا بنيّ، لا تقبل(١) قولها، وارجع فقاتل بين يدي ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فيكون غداً في القيامة شفيعاً لك بين يدي الله، فرجع قائلاً:

إنّي زعيــم لـك اُمّ وهـب

بالطعن فيهم تارة والضرب

ضرب(٢) غلام مؤمن بالربّ

حتى يذيق القوم مرّ الحرب

إنّي امرؤ ذو مــرة وعصب

حسبي إلهي من عليم حسبي(٣)

فلم يزل يقاتل حتّى قتل تسعة عشر فارساً واثني عشر راجلاً، ثمّ قطعت يداه، فأخذت امرأته عموداً وأقبلت نحوه، وهي تقول: فداك أبي واُمّي، قاتل دون الطيّبين حرم رسول الله، فأقبل كي يردّها إلى النساء، فأخذت بجانب ثوبه وقالت: لن أعود أو أموت معك.

و جعل يقاتل حتّى قتل رضوان الله عليه.

قال: فذهبت امرأته تمسح الدم عن وجهه فبصر بها شمر فأمر غلاماً له فضربها بعمود كان معه فشدخها وقتلها، وهي أوّل امرأة قتلت في عسكر(٤) الحسينعليه‌السلام .

____________

١ - في المقتل: لا تسمع.

٢ - في المقتل: فعل.

٣ - روى في المقتل هذا الرجز هكذا:

إنّي امرؤ ذو مرّة وعصـب

ولست بالخوّار عند النكب

حسبي بنفسي من عليم حسبي

إذا انتميت في كرام العرب

٤ - في المقتل: حرب.

و رأيت حديثاً أنّ وهب هذا كان نصرانّياً، فأسلم [ هو واُمّه ](١) على يد الحسينعليه‌السلام ، فقتل في المبارزة أربعة وعشرين رجلاً واثني عشر فارساً، ثمّ أُخذ أسيراً، فاُتي به عمر بن سعد، فقال: ما أشدّ صولتك؟ ثمّ أمر فضربت عنقه، ورمى براسه إلى عسكر الحسينعليه‌السلام ، فأخذت اُمّه الرأس فقبّلته، ثمّ رمت بالرأس إلى عسكر ابن سعد فأصابت به رجلاً فقتلته، ثمّ شدّت بعمود الفسطاط فقتلت [ به ](٢) رجلين.

فقال لها الحسين: ارجعي يا اُمّ وهب، أنت وابنك مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في الجنّة، فإنّ الجهاد مرفوع عن النساء، فرجعت وهي تقول: إلهي لا تقطع رجائي.

فقال لها الحسينعليه‌السلام : لا يقطع الله رجاءك اُمّ وهب.

ثمّ برز من بعده عمرو بن خالد الأزدي، وهو يقول:

اليوم يا نفس إلى الرحمـن

تمضين بالروح وبالريحان

اليوم تجزين على الاحسان

قد كان منك غابر الزمـان

ما خطّ في اللوح لك الديّان

لا تجزعي فكلّ حيّ فـان

والصبر أحظى لك بالأمان(٣)

ثمّ قاتل حتّى قتلرضي‌الله‌عنه .

____________

١ و ٢ - من المقتل.

٣ - روى الرجز الأخير في المقتل هكذا:

ما خطّ باللوح لدى الديّان

فاليوم زال ذاك بالغفـران

لا تجزعي فكلّ حيّ فان

والصبر أحظى لك بالأمان

ثمّ تقدّم ابنه خالد بن عمرو، وهو يرتجز:

صبراً على الموت بني قحطان

كيما تكونوا(١) في رضى الرحمنِ

ذي المجد والعـزّة والبرهـانِ

وذي العـلا والطــول والاحسانِ

يا ليتني قد صـرت بالجنَانِ

فـي قصـر درّ حسـن البنيـان(٢)

فلم يزل يقاتل حتّى قتل رضوان الله عليه.

ثمّ برز من بعده سعد بن حنظلة التميمي، وهو يقول:

صبراً على الأسياف والأسنّـة

صبراً عليها لدخول الجنّة

وحور عين ناعمات هنّه

لمن يريد الفوز لا بالظنّة

يا نفس للراحة فاجهدنّه(٣)

وفي طلاب الخير فارغبنّه

ثمّ حمل فقاتل قتالاً شديداً، ثمّ قتل رضوان الله عليه.

و خرج من بعده عمير بن عبد الله المذحجي، وهو يرتجز:

قد علمت سعد وحي مذحج

أنّي لدى الهيجاء ليث مُحرج(٤)

أعلو بسيفي هامة المدجّج

وأترك القرن لدى التعرّج

فريسة الضبع الأزلّ الأعرج

[ فمن تراه واقفاً بمنهج ](٥)

ولم يزل يقاتل حتّى قتله مسلم الضبابيّ وعبد الله البجليّ.

ثمّ برز من بعده مسلم بن عوسجةرضي‌الله‌عنه ، وهو يرتجز.

____________

١ - في المقتل: نكون.

٢ - روى آخر الرجز في المقتل هكذا:

ذي المجد والعزّة والبرهان

يا أبتا قد صرت في الجنان

٣ - في المقتل: فاطرحنّه.

٤ - في المقتل: أنّي ليث الغاب لم أُهجهج.

٥ - من المقتل.

إن تسألوا عنّي فإنّي ذو لبد

من فرع قوم من ذرى بني أسد

فمن بغانا(١) حائد عن الرشد

وكافر بدين جبّار صمد

ثمّ قاتل قتالاً شديداً فسقط إلى الأرض وبه رمق، فمشى إليه الحسينعليه‌السلام ومعه حبيب بن مظاهر، فقال له الحسينعليه‌السلام : رحمك الله يا مسلم،( فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلوُا تَبْدِيلاً ) (٢) ثمّ دنا منه حبيب، فقال: يعزّ عليّ مصرعك، يا مسلم، أبشر بالجنّة.

فقال له قولاً ضعيفاً: بشّرك الله بخير.

فقال له حبيب: لولا أعلم أنّي في الأثر لأحببت أن توصي إليَّ بكلّ ما أهمّك.

فقال مسلم: فإنّي اُوصيك بهذا - وأشار إلى الحسينعليه‌السلام - فقاتِل دونه حتّى تموت.

فقال حبيب: لأنعمنّك عيناً.

ثمّ مات رضوان الله عليه.

قال : فصاحت جارية له: يا سيّداه، يا ابن عوسجتاه.

فنادى أصحاب ابن سعد مستبشرين: قتلنا مسلم بن عوسجة.

فقال شبث بن ربعي لبعض من حوله: ثكلتكم اُمّهاتكم، أمّا إنّكم تقتلون أنفسكم بأيديكم، وتذلّون عزّكم، أتفرحون بقتل مسلم بن عوسجة؟ أمّا والّذي

____________

١ - في المقتل: بغاني.

٢ - سورة الأحزاب: ٢٣.

أسلمت له، لربّ موقف له في المسلمين كريم، لقد رأيته يوم آذربيجان قتل ستّة من المشركين قبل أن تلتئم خيول المسلمين.

ثمّ حمل شمر بن ذي الجوشن في الميسرة، فثبتوا له وقاتلهم أصحاب الحسينعليه‌السلام قتالاً شديداً وإنّما هم إثنان وثلاثون فارساً فلا يحملون على جانب من أهل الكوفة إلّا كشفوهم(١) ، فدعا عمر بن سعد بالحصين بن نمير في خمسمائة من الرماة، فأقبلوا(٢) حتّى دنوا من الحسين وأصحابه، فرشقوهم بالنبل، فلم يلبثوا أن عقروا خيولهم، وقاتلوهم حتّى انتصف النهار، واشتدّ القتال، ولم يقدروا أن يأتوهم إلاّ من جانب واحد، لاجتماع أبنيتهم، وتقارب بعضها من بعض، فأرسل عمر بن سعد الرجال ليقوّضوها عن أيمانهم وشمائلهم، ليحيطوا بهم(٣) ، وأخذ الثلاثة والأربعة من أصحاب الحسين يتخلّلون [ بينها ](٤) فيشدّون على الرجل وهو يقوّض وينهب فيرمونه عن قريب فيصرعونه ويقتلونه.

فقال ابن سعد: احرقوها بالنار وأضرموا فيها.

فقال الحسينعليه‌السلام : دعوهم يحرقوها فإنّهم إذا فعلوا ذلك لم يجوزوا إليكم، فكان كما قال صلوات الله عليه.

و قيل: أتاه شبث بن ربعي، وقال: أفزعنا النساء فاستحيا، وأخذوا لا يقاتلونهم إلاّ من وجه واحد، وشدّ أصحاب زُهير بن القَين فقتلوا أبا عُذرة

____________

١ - في المقتل: كشفوه.

٢ - كذا في المقتل، وفي الأصل: فاقتتلوا، وهو تصحيف.

٣ - في المقتل: بها.

٤ - من المقتل.

ا لضبابي من أصحاب شمر.

فلم يزل يُقتل من أصحاب الحسين الواحد والاثنان فيبيّن ذلك فيهم لقلّتهم، ويُقتل من أصحاب عمر العشرة [ والعشرون ](١) فلا يبيّن فيهم ذلك لكثرتهم.

فلمـّا رأى ذلك أبو ثمامة الصيداويّ قال للحسينعليه‌السلام : يا أبا عبد الله، نفسي لنفسك الفداء، هؤلاء اقتربوا منك، ولا والله لا تقتل حتّى اُقتل دونك، واُحبّ أن ألقى الله ربّي وقد صلّيت هذه الصلاة، فرفع الحسين رأسه إلى السماء وقال: ذكرت الصلاة جعلك الله(٢) من المصلّين، نعم هذا أوّل وقتها.

ثمّ قال: سلوهم أن يكفّوا عنّا حتّى نصلّي، فكفّوا عنهم، فصلّى الحسينعليه‌السلام وأصحابه.

فقال الحصين بن نُمير: إنّها لا تقبل.

فقال حبيب بن مظاهر: لا تُقبل الصلاة زعمت من ابن رسول الله، وتُقبل منك يا ختّار، فحمل عليه الصحين بن نمير، وحمل عليه حبيب فضرب وجه فرسه بالسيف فشبّ [ به ](٣) الفرس ووقع عنه الحصين فاحتوشه أصحابه فاستنقذوه.

فقال الحسينعليه‌السلام لزهير بن القين وسعيد بن عبد الله: تقدّما أمامي حتّى أُصلّي الظهر، فتقدّما أمامه في نحو من نصف أصحابه حتّى صلّى بهم صلاة الخوف.

____________

١ - من المقتل.

٢ - لفظ الجلالة أثبتناه من المقتل والبحار.

٣ - من البحار.

و روي أنّ سعيد بن عبد الله الحنفي تقدّم أمام الحسينعليه‌السلام ، فاستهدف لهم يرمونه بالنبل، كلّما أخذ الحسينعليه‌السلام يميناً وشمالاً قام بين يديه، فما زال يرمى حتّى سقط إلى الأرض، وهو يقول: اللّهمّ العنهم لعن عاد وثمود، اللّهمّ أبلغ نبيّك السلام عنّي، وأبلغه ما لقيت من ألم الجراح، فإنّي أردت ثوابك في نصرة(١) ذرّيّة نبيّك، ثمّ ماترضي‌الله‌عنه ، فوجد به ثلاثة عشر سهماً سوى ما به من ضرب السيوف وطعن الرماح.(٢)

ثمّ خرج عبد الرحمان بن عبد الله اليزني، وهو يقول:

أ نا ابن عبد الله من آل يزن

ديني على دين حسين وحسن

أضربكم ضرب فتى من اليمن

أرجو بذاك الفوز عند المؤتمن

ثمّ حمل فقاتل حتّى قُتل.

ثمّ تقدّم جون مولى أبي ذرّ الغفاري وكان عبداً أسود، فقال له الحسينعليه‌السلام : أنت في إذن منّي، فإنّما تبعتنا طلباً للعافية، فلا تبتل بطريقنا.

فقال: يا ابن رسول الله، أنا في الرخاء ألحس قصاعكم(٣) ، وفي الشدةّ أخذلكم؟! والله إن ريحي لمنتن، وإن حسبي للئيم، ولوني لأسود، فتنفّس عليَّ بالجنّة، فيطيب ريحي، ويشرف حسبي، ويبيضّ وجهي، لا والله لا اُفارقكم حتّى يختلط هذا الدم الأسود مع دمائكم.

____________

١ - في المقتل والبحار: أردت بذلك نصرة.

٢ - من قوله: « ثمّ برز من بعده سعد بن حنظلة » إلى هنا نقله المجلسيرحمه‌الله في البحار: ٤٥/١٨ - ٢١، وكذا في عوالم العلوم: ١٧/٢٦١ وما بعدها.

٣ - كذا في المقتل، وفي الأصل: الرخاء الحسن اُصحابكم.

ثمّ برز للقتال، وهو [ ينشد و ](١) يقول:

كيف يرى الكفار ضرب الأسود

بالسيف ضرباً عن بني محمد

أذبّ عنهم باللسان واليد

أرجو به الجنةّ يوم المورد(٢)

ثمّ قاتل حتّى قُتل، فوقفعليه‌السلام ، وقال: اللّهمّ بيّض وجهه، وطيّب ريحه، واحشره مع الأبرار، وعرّف بينه وبين محمد وآل محمد.

و روي عن الباقر، عن عليّ بن الحسينعليهم‌السلام : أنّ الناس كانوا يحضرون المعركة، ويدفنون القتلى، فوجدوا جَوناً بعد عشرة أيّام تفوح منه رائحة المسك رضوان الله عليه.(٣)

قال : ثمّ برز عمر بن خالد الصيداويّ فقال للحسينعليه‌السلام : يا أبا عبد الله، قد هممتُ أن ألحق بأصحابي، وكرهتُ أن أتخلّف وأراك وحيداً من(٤) أهلك قتيلاً.

فقال له الحسينعليه‌السلام : تقدّم فإنّا لاحقون بك عن ساعة، فتقدّم فقاتل حتّى قُتل رضوان الله عليه.

____________

١ - من البحار.

٢ - روى الأرجاز في المقتل هكذا:

كيف يرى الفجّار ضرب الأسود

بالمشرفيّ القاطع المهنّد

أحمي الخيار من بني محمد

أذبّ عنهم باللسان واليد

أرجو بذاك الفوز عند المورد

من الإله الواحد الموحّد

٣ - من قوله: « ثمّ برز للقتال وهو ينشد ويقول: كيف يرى » إلى هنا نقله المجلسيرحمه‌الله في البحار: ٤٥/٢٢ - ٢٣. وكذا في عوالم العلوم: ١٧/٢٦٦.

٤ - في الملهوف: بين.

قال : وجاء حنظلة بن سعد الشبامي فوقف بين يدي الحسينعليه‌السلام يقيه السهام والرماح والسيوف بوجهه ونحره، وأخذ ينادي:( يَا قَوْمِ إِنِّي أخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمَ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ وَيَا قَوْمِ إِنِّي أخَافُ عَلَيْكًُمْ يَومَ التَّنَادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عَاصِمٍ ) (١) .

يا قوم، لا تقتلوا حسيناً فيسحتكم الله بعذابٍ وقد خابَ من افترى(٢) .

ثمّ التفت إلى الحسينعليه‌السلام وقال: أفلا نروح إلى ربّنا ونلحق بإخواننا؟

فقال له الحسينعليه‌السلام : بلى(٣) ، رُح إلى ما هو خير لك من الدنيا وما فيها، وإلى مُلكٍ لا يبلى.

وقاتل حتّى قَتل أبطالاً، وصبر صبراً جميلاً على احتمال الأهوال(٤) ، حتّى قُتلرضي‌الله‌عنه .

قال: وتقدّم [ سُويد ](٥) بن عمر بن أبي المطاع، وكان شريفاً كثير الصلاة، فقاتل قتال الاسد الباسل، وبالغ في الصبر على الخطب النازل، حتّى سقط بين القتلى وقد اُثخن بالجراح، فلم يزل كذلك وليس به حراك حتّى سمعهم يقولون: قتل الحسين، فتحامل وأخرج سكيّناً من خفّه، وجعل يقاتل حتّى قُتل رضوان

____________

١ - سورة غافر: ٣٠ - ٣٣.

٢ - إقتباس من الآية: ٦١ من سورة طه.

٣ - في الملهوف: بل.

٤ - في الملهوف: وصبر على احتمال الأهوال.

٥ - من الملهوف.

الله عليه.

ثمّ خرج الحجّاج بن مسروق وهو مؤذّن الحسينعليه‌السلام ، وهو يقول:

أ قدم حسين هادياً مهديّا

اليوم تلقى جدّاك النبيّا

ثمّ أباك ذا الندى(١) عليّا

[ والحسن الخير الرضا الوليّا

وذا الجناحين الفتى الكميّا

وأسد الله الشهيد الحيّا ](٢)

ثمّ حمل، فقاتل حتّى قُتل.

ثمّ خرج من بعده زُهير بن القَين [ البجلي ](٣) رضي‌الله‌عنه ، وهو يرتجز:

أنا زهير وأنا ابن القين

أذودكم بالسيف عن حسين

إنّ حسيناً أحد السبطين

من عترة البّر التّقي الزين

ذاك رسول الله غير المين

أضربكم ولا أرى من شينِ

* يا ليت نفسي قسمت قسمينِ *

فقاتل حتّى قَتَل مائة وعشرين رجلاً، فشدّ عليه كُثير بن عبد الله الشعبيّ ومهاجر بن أوس التميميّ فقتلاه.

فقال الحسينعليه‌السلام حين صرع زهير: لا يبعدك الله [ يا زهير ](٤) ، ولعن قاتلك لعن الّذين مسخوا قردة وخنازير.

ثمّ خرج سعيد بن عبد الله الحنفي، وهو يرتجز:

أقدم حسين اليوم تلقى أحمدا

وشيخك الحبر عليّاً ذا الندى

____________

١ - في المقتل: العلا.

٢ و ٣ - من المقتل.

٤ - من البحار.

و حسناً كالبدر وافى الأسعدا

وعمّك القرم الهمام الأرشدا(١)

حمزة ليث الله يدعى أسدا

وذا الجناحين تبوّأ مقعدا

* في جنّة الفردوس يعلو صعدا(٢) *

فلم يزل يقاتل حتّى قُتل.

ثمّ برز حبيب بن مظاهر الأسدي، وهو يقول:

أنا حبيب وأبي مظهّر

فارس هيجاء وحرب تسعر

و أنتم عند العديد أكثر

ونحن أعلى حجّة وأقهر(٣)

[ وأنتم عند الهياج غدّر

ونحن أوفى منكم وأصبر ](٤)

فقتل اثنين وستّين رجلاً، فقتله الحصين بن نمير وعلّق رأسه في عنق فرسه.

ثمّ برز هلال بن نافع البجلي(٥) ، وهو يقول:

أرمي بها معلمة أفواقها

والنفس لا ينفعها إشفاقها

مسمومة تجري بها أخفاقها

ليملأنّ أرضها رشاقها

فلم يزل يرميهم حتّى فنيت سهامه، ثمّ ضرب بيده إلى سيفه فاستلّه،

____________

١ - في المقتل: القرم الهجان الأصيدا.

٢ - روى الرجز الأخير في المقتل هكذا:

وحمزة ليث الإله الأسدا

في جنّة الفردوس نعلو صعدا

ومن قوله: « فقاتل حتّى قَتَل مائة وعشرين » إلى هنا نقله المجلسيرحمه‌الله في البحار: ٤٥/٢٥ - ٢٦.

٣ - في المقتل: وأظهر.

٤ - من المقتل.

٥ - لعلّه هو نفسه نافع بن هلال الجملي. وقد ذكرنا أنّ نسبة الجملي أصحّ.

و جعل يقول:

أنا الغلام اليمني البجليّ(١)

ديني على دين حسين وعليّ

إن اُقتل اليوم فهذا أملي

فذاك رأيي واُلاقي عملي

فقَتَل ثلاثة عشر رجلاً فكسّروا عضديه، واُخذ أسيراً، فقام إليه شمر فضرب عنقه.

قال: ثمّ خرج شابّ قُتل أبوه في المعركة، وكانت اُمّه معه، فقالت له اُمّه: اخرج يا بنيّ وقاتل بين يدي ابن رسول الله، فخرج، فقال الحسينعليه‌السلام : هذا شابّ قُتل أبوه، ولعلّ اُمّه تكره خروجه.

فقال الشابّ: اُمّي أمرتني بذلك، فبرز وهو يقول:

أميري حسين ونعم الأمير

سرور فؤاد البشير النذير

عليّ وفاطمة والداه

فهل تعلمون له من نظير؟

له طلعة مثل شمس الضحى

له غرة مثل بدر منير

و قاتل حتّى قُتل، وحزّ رأسه ورمي به إلى عسكر الحسينعليه‌السلام ، فحملت اُمّه رأسه وقالت: أحسنت يا بنيّ، يا سرور قلبي، ويا قرّة عيني، ثمّ رمت برأس ابنها رجلاً فقتلته، وأخذت عمود خيمة وحملت عليهم، وهي تقول:

أنا عجوز سيّدي ضعيفة(٢)

خاوية بالية نحيفة

أضربكم بضربة عنيفة

دون بني فاطمة الشريفة

____________

١ - في المقتل: الجملي.

٢ - في المقتل: أنا عجوز في النساء ضعيفة.

و ضربت رجلين فقتلتهما، فأمر الحسينعليه‌السلام بصرفها ودعا لها.

وجاء عابس بن أبي شبيب(١) الشاكري ومعه شَوذب مولى شاكر، فقال: يا شوذب، ما في نفسك أن تصنع؟

قال: ما أصنع؟! اُقاتل حتّى اُقتَل.

قال: ذاك الظنّ بك، تقدّم بين يدي أبي عبد الله حتّى يحتسبك(٢) كما احتسب غيرك، فإنّ هذا يوم ينبغي لنا أن نطلب فيه الأجر بكلّ ما نقدر عليه، فإنّه لا عمل بعد اليوم وإنّما هو الحساب.

فتقدّم فسلّم على الحسينعليه‌السلام ، وقال: يا أبا عبد الله، [ أمّا ](٣) والله ما أمسى على وجه(٤) الأرض قريب ولا بعيد أعزّ [ عليَّ ](٥) ولا أحبّ إليَّ منك، ولو قدرت على أن أدفع عنك الضيم أو القتل بشيءٍ أعزّ عليَّ من نفسي ودمي لفعلت، السلام عليك يا أبا عبد الله، أشهد أنّي على هداك وهدى أبيك، ثمّ مشى(٦) بالسيف نحوهم.

قال ربيع بن تميم: فلمـّا رأيته مقبلاً عرفته - وقد كنت شاهدته في المغازي - وكان أشجع الناس، فقلت: أيّها الناس، هذا أسد الاُسود، هذا ابن أبي شبيب، لا يخرجنّ إليه أحد منكم، فأخذ ينادي: ألا رجل؟ ألا رجل؟

فقال عمر بن سعد: أرضخوه بالحجارة، فرمي بالحجارة من كلّ جانب،

____________

١ - كذا الصحيح، وفي الأصل: عابس بن شبيب. وكذا في الموضع الآتي.

٢ - في المقتل: حتّى أحتسبك ويحتسبك.

٣ و ٥ - من البحار.

٤ - في المقتل: مطهر.

٦ - في البحار: مضى.

فلمـّا رأى ذلك ألقى درعه ومِغفَره، ثمّ شدّ على الناس، فوالله لقد رأيته يطرد أكثر من مائتين من الناس، ثمّ إنّه(١) تعطّفوا عليه من كلّ جانب، فقُتل، فرأيت رأسه في أيدي رجال ذوي عدّة، هذا يقول: أنا قتلته، والآخر يقول كذلك.

فقال عمر بن سعد: لا تختصموا هذا لم يقتله إنسان واحد، حتّى فرّق بينهم بهذا القول.

ثمّ جاءه عبد الله وعبد الرحمن الغفاريّان، فقالا: يا أبا عبد الله، السلام عليك، أحببنا أن نقتل بين يديك وندفع عنك.

فقال : مرحباً بكما، ادنوا منّي، فدنوا منه(٢) ، وهما يبكيان، فقال: يا ابني أخي ما يبكيكما؟ فوالله إنّي لأرجو أن تكونا بعد ساعة قريري العين.

فقالا: جعلنا الله فداك، والله ما على أنفسنا نبكي ولكن نبكي عليك نراك قد اُحيط بك ولا نقدر على أن نمنعك.(٣)

فقال: جزاكما الله يا ابني أخي بوجدكما من ذلك ومواساتكما إيّاي بأنفسكما أحسن جزاء المتّقين، ثمّ استقدما وقالا:

السلام عليك يا ابن رسول الله.

فقال: وعليكما السلام ورحمة الله وبركاته.

فقاتلا حتّى قُتلارضي‌الله‌عنهما .

____________

١ - في البحار: إنّهم.

٢ - كذا في المقتل والبحار، وزاد في الأصل: ثمّ قاتلا حتّى قُتلا، ثمّ جاءه سيف بن الحارث بن سريع ومالك بن سريع فدنوا منه.

٣ - في البحار: ننفعك.

قال : ثمّ خرج غلام تركيّ كان للحسينعليه‌السلام ، وكان قارئاً للقرآن، فجعل يقاتل [ ويرتجز ](١) ويقول:

البحر من طعني وضربي يصطلي

والجوّ من سهمي ونبلي يمتلي

إذا حسامي بيميني ينجلي

ينشقّ قلب الحاسد المبجّل

فقتل جماعة، ثمّ سقط صريعاً، فجاءه الحسينعليه‌السلام فبكى ووضع خدّهُ على خدّهِ، ففتح عينيه فرأى الحسينعليه‌السلام فتبسّم، ثمّ صار إلى ربّهرضي‌الله‌عنه .

[ قال: ثمّ رماهم يزيد بن زياد بن الشعثاء بثمانية أسهم ما أخطأ منها بخمسة أسهم، وكان كلّما رمى قال الحسينعليه‌السلام : اللّهمّ سدّد رميته، واجعل ثوابه الجنّة، فحملوا عليه فقتلوه ](٢)

و كان يأتي الحسينعليه‌السلام الرجل بعد الرجل، فيقول: السلام عليك يا ابن رسول الله، فيجيبه الحسين، ويقول: وعليك السلام ونحن خلفك، ثمّ يقرأ:( فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ) (٣) حتّى قتلوا عن آخرهم رضوان الله عليهم، ولم يبق مع الحسين إلاّ أهل بيته.

وهكذا(٤) يكون المؤمن يؤثر دينه على دنياه، وموته على حياته في سبيل الله، وينصر الحقّ وإن قتل، قال سبحانه:( وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أمْوَاتاً بَلْ أحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) (٥) وقال النبيّ صلّى الله عليه

____________

١ و ٢ - من البحار.

٣ - سورة الأحزاب: ٢٣.

٤ - الكلام من هنا للخوارزمي.

٥ - سورة آل عمران: ١٦٩.

وآله: كلّ قتيل في جنب الله شهيد، ولمـّا وقف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على شهداء اُحد وفيهم حمزةرضي‌الله‌عنه قال: أنا شهيد على هؤلاء القوم زمّلوهم بدمائهم فإنّهم يحشرون يوم القيامة وأوداجهم تشخب دماً، فاللون لوم الدم، والريح ريح السمك(١) ، [ فهم ](٢) كما قيل:

كسته القنا حلّة من دم

فأضحت لدى الله من أرجوان

جزته معانقة الدارعين

معانقة القاصرات الحسان(٣)

ولقد أحسنتُ في وصفهم، وبالغت نعيهم بالتعزية، وسمّيتها ب‍ « مجرية العبرة ومحزنة العترة » وهي الّتي وضعتها لتعزية المؤمنين يوم التاسع من المحرّم، وستأتي في المجلس التاسع يوم التاسع إن شاء الله، وهي مشتملة على نكت لطيفة، واستعارات ظريفة، وأشعار رائقة، وعبارات شائقة، أنشأتها بإذن الله، وأوردتها على المنبر بحضور جمع من المؤمنين، قبالة ضريح سيّد الشهداء، وثالث الأوصياء، وخامس أصحاب الكساء في حضرته الشريفة، أبكيت بها عيون المؤمنين، وأحزنت قلوب المخلصين، راجياً أن يكون جزائي عنها وثوابي منها ثواب المستشهدين بين يدي حضرته، الباذلين أنفسهم دونه ودون اُسرته.

ولمـّا قُتل أصحاب الحسينعليه‌السلام ولم يبق إلّا أهل بيته، وهم: ولد عليّ، وولد جعفر، وولد عقيل، وولد الحسن، وولده صلوات الله عليه اجتمعوا

____________

١ - من قوله: « فَقَتل اثنين وستّين » إلى هنا نقله المجلسيرحمه‌الله في البحار: ٤٥/٢٧ - ٣٢ عن كتابنا هذا.

٢ - عن المقتل.

٣ - انتهى كلام الخوارزمي.

و ودّع(١) بعضهم بعضاً، وعزموا على الحرب، فأوّل من برز من أهل بيته عبد الله ابن مسلم بن عقيل بن أبي طالبعليه‌السلام ، وهو يرتجز ويقول:

اليوم ألقى مسلماً وهو أبي

وفتية بادوا على دين النبيّ

ليسو بقوم(٢) عرفوا بالكذب

لكن خيار وكرام النسب

 [ من هاشم السادات أهل الحسب ](٣) .

فقاتل حتّى قتل ثمانية وتسعين رجلاً في ثلاث حملات، ثمّ قتله عمرو ابن صُبيح الصيداويّ وأسد بن مالك.

ثمّ خرج من بعده جعفر بن عقيل، وهو [ يرتجز و ](٤) يقول:

أنا الغلام الأبطحيّ الطالبيّ

من معشر في هاشم وغالبِ

ونحن حقّاً سادة الذوائبِ

هذا(٥) حسين أطيب الأطائبِ

* من عترة البرّ التقيّ العاقبِ *

فقتل خمسة عشر فارساً، ثمّ قتله بشر بن سوط الهمداني(٦) .

ثمّ خرج من بعده أخوه عبد الرحمان بن عقيل، وهو يقول:

أبي عقيل فاعرفوا مكاني

من هاشمٍ وهاشمٌ إخواني

____________

١ - في البحار: يودّع.

٢ - في المقتل: كقوم.

٣ و ٤ - من البحار.

٥ - في المقتل: فينا.

٦ - ذكر في وقعة الطفّ: ٢٤٧ أنّ قاتله عمرو بن صبيح الصُدّائي.

وفي ذوب النضار: ١٢٢: عمرو بن صُبيح الصيداويّ طلبه المختاررحمه‌الله فأتوه وهو على سطحه بعد ما هدأت العيون، وسيفه تحت رأسه، فأخذوه وسيفه، فقال: قبّحك الله من سيف، ما أبعدك على قربك؟! فجيء به إلى المختار، فلمـّا كان من الغداة طعنوه بالرماح حتّى مات.

كهول صدق سادة الأقرانِ

هذا حسين شامخ البنيانِ

و سيّد الشيب مع الشبّان(١)

فقتل سبعة عشر فارساً، ثمّ قتله عثمان بن خالد(٢) الجهنيّ.

و خرج من بعده محمد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وهو يقول:

نشكو إلى الله من العدوان

قتال(٣) قوم في الردى عميان

قد تركوا معالم القرآنِ

ومحكم التنزيل والبيانِ(٤)

* وأظهروا الكفر مع الطغيانِ *

ثمّ قاتل حتّى قتل عشرة أنفس، ثمّ قتله عامر بن نهشل التميمي.

ثمّ خرج من بعده عون بن عبد الله بن جعفر، وهو يقول:

إن تنكروني فأنا ابن جعفرِ

شهيد صدق في الجنان أزهرِ

يطير فيها بجناح أخضرِ

كفى بهذا شرفاً في المحشر

ثمّ قاتل حتّى قتل من القوم ثلاثة فوارس وثمانية عشر رجلاً، ثمّ قتله عبد الله بن قُطبة الطائي.

____________

١ - روى الرجز الأخير في المقتل هكذا:

فينا حسين سيّد الأقران

وسيّد الشباب في الجنان

٢ - ذكر في وقعة الطفّ: ٢٤٧ أنّ عثمان بن خالد بن أسير الجهنّي وبشر بن حوط القابضي الهمداني اشتركا في قتل عبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب، واشتركا في سلبه. وهما كانا في الجبانة فأخذهما المختاررحمه‌الله فضرب أعناقهما، ثمّ أحرقهما بالنار، انظر: ذوب النضار: ١١٨.

٣ - في المقتل: فعال.

٤ - في البحار: والتبيان.

وروى الرجز الأخير في المقتل هكذا:

قد تركوا معالم القرآن

وأظهروا الكفر مع الطغيان

ثمّ خرج من بعده عبد الله بن الحسن بن عليّ بن أبي طالبعليهم‌السلام . وفي أكثر الروايات أنّه القاسم بن الحسنعليه‌السلام وهو غلام صغير لم يبلغ الحلم، فلمـّا نظر الحسينعليه‌السلام إليه قد برز اعتنقه وجعلا يبكيان حتّى غشي عليهما، ثمّ استأذن الحسينعليه‌السلام في المبارزة، فأبى الحسين أن يأذن له، فلم يزل الغلام يقبّل يديه ورجليه حتّى أذن له، فخرج ودموعه تسيل على خدّيه، وهو يقول:

إن تنكروني فأنا فرع الحسن

سبط النبيّ المصطفى والمؤتمن

هذا حسين كالأسير المرتهن

بين اُناس لاسُقوا صوب المزن

وكان وجهه كفلقة القمر، فقاتل قتالاً شديداً حتّى قتل - على صغره - خَمسة وثلاثين رجلاً.

قال حميد: كنت في عسكر ابن سعد، فكنت أنظر إلى هذا الغلام عليه قميص وإزار ونعلان قد انقطع شسع أحدهما.

فقال عمرو بن سعد الأزديّ: والله لأشدّنّ عليه.

فقلت: سبحان الله! وما تريد بذلك؟ والله لو ضربني ما بسطت إليه يدي، يكفيك هؤلاء الّذين تراهم قد احتوشوه.

قال: والله لأفعلنّ، فشدّ، فما ولّى حتّى ضرب رأسه بالسيف ووقع الغلام لوجهه، ونادى: يا عمّاه.

قال: فجاءه الحسين كالصقر المنقضّ فتخلّل الصفوف، وشدّ شدّة الليث الحرب فضرب عمراً قاتله بالسيف، فاتّقاه بيده فأطنّها من المرفق، فصاح

فتنحّى عنه، وحملت [ خيل ](١) أهل الكوفة فاستنقذوه من يد الحسين، فوقف الحسين على رأس الغلام وهو يفحص [ برجليه ](٢) ، فقال الحسين: يعزّ على عمّك أن تدعوه فلا يجيبك، أو يجيبك ولا ينفعك(٣) ، بعداً لقوم قتلوك.

ثمّ احتمله، فكأنّي أنظر إلى رجلي الغلام يخطّان في الأرض، وقد وضع صدره على صدره، فقلت في نفسي: ما يصنع؟ فجاء حتّى ألقاه بين(٤) القتلى من أهل بيته.

ثمّ قال: اللّهمّ أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، ولا تغفر لهم أبداً، صبراً يا بني عمومتي، صبراً يا أهل بيتي، لا رأيتم هواناً بعد هذا اليوم أبداً.

ثمّ خرج عبد الله بن الحسن الّذي ذكرناه أوّلاً وهو الأصحّ أنّه برز بعد القاسم، وهو يقول:

إ ن تنكروني فأنا ابن حيدره

ضرغام آجام وليث قسوره

على الأعادي مثل ريح صرصره

[ أكيلكم بالسيف كيل السندره ](٥)

فقَتَل أربعة عشر رجلاً، ثمّ قَتَله هانىء بن ثُبيت الحضرمي لعنه الله فاسودّ وجهه.

____________

١ - من المقتل والبحار.

٢ و ٥ - من المقتل.

٣ - في المقتل والبحار: فلا يُعينك.

٤ - في المقتل: مع.

ثمّ تقدّم إخوة الحسينعليه‌السلام عازمين على أن يموتوا دونه، فأوّل من خرج منهم أبوبكر بن عليّ، واسمه عبيد الله(١) ، واُمّه ليلى بنت مسعود بن خالد بن ربعيّ التميميّة، فتقدّم، وهو يرتجز ويقول:

شيخي عليّ ذوالفخار الأطول

من هاشم الصدق الكريم المفضل

هذا حسين بن النبيّ المرسل

عنه نحامي(٢) بالحسام المصقل

تفديه نفسي من أخ مبجّل

[ يا ربّ فامنحني ثواب المجزل ](٣)

فلم يزل يقاتل حتّى قَتَله زَحْرُ بن بدر(٤) النخعي، وقيل: عبد الله بن عتبة الغنويّ.

ثمّ برز من بعده أخوه عمر بن عليّ، وهو يقول:

أ ضربكم ولا أرى فيكم زُحَر

ذاك الشقيّ بالنبيّ قد كفر

يازحر يازحر تدان من عمر

لعلّك اليوم تبوء من سقر

شرّ مكان في حريق وسعر

لأنّك الجاحد ياشرّ البشر

ثمّ حمل على زحر قاتل اخيه فقتله، واستقبل القوم وجعل يضرب بسيفه ضرباً منكراً وهو يقول:

خلّوا عداة الله خلّوا عن عمر

خلّوا عن الليث العبوس المكفهر

يضربكم بسيفه ولا يفرّ

وليس فيها(٥) كالجبان المنحجر

____________

١ - كذا في البحار، وفي الأصل والمقتل: عبد الله.

٢ - في المقتل: نذود عنه.

٣ - من المقتل.

٤ - في المقتل: قيس.

٥ - في المقتل: يغدو.

فلم يزل يقاتل حتّى قُتِل.

ثمّ خرج من بعده أخوه عثمان بن عليّ، واُمّه اُمّ البنين بنت حزام بن خالد من بني كلاب، وهو يقول:

إنّي أنا عثمان ذو المفاخر

شيخي عليّ ذو الفعال الظاهر

و ابن عمّ للنبيّ الطاهر

أخي حسين خيرة الأخائر

وسيدّ الكبار والأصاغر

بعد الرسول فالوصيّ الناصر(١)

فرماه خَوَليّ بن يزيد الأصبحي على جنبه(٢) فسقط عن فرسه، وحزّ(٣) رأسه رجل من بني أبان بن حازم فقَتَله.

ثمّ برز من بعده أخوه جعفر بن عليّ، واُمّه اُمّ البنين أيضاً، وهو يقول:

إنّي أنا جعفر ذو المعالي

ابن(٤) عليّ الخير ذوالنوالِ

حسبي بعمّي شرفاً وخالي

أحمي حسيناً ذي الندى المفضالِ(٥)

ثمّ قاتل فرماه خوليّ الأصبحي(٦) فأصاب شفيته أو عينه(٧) .

____________

١ - بدل قوله: « وابن عمّ فالوصيّ الناصر » في المقتل:

صنو النبيّ ذي الرشاد السائر

ما بين كلّ غائب وحاضر

٢ - في البحار: جبينه.

٣ - في البحار: وجزّ.

٤ - في المقتل: نجل.

٥ - روى هذا الرجز في المقتل هكذا:

أحمي حسيناً بالقنا العسال

وبالحسام الواضح الصقال

٦ - ذكر في تسمية مَنْ قُتل مع الحسين بن عليّعليهما‌السلام : ١٤٩رقم ٣ ان قاتله هانىء بن ثُبّيت الحضرمي.

٧ - في « ح » روى سلمان الفارسي قال: كان سيّدنا أمير المؤمنينعليه‌السلام يحدّثنا كثيراً بالأشياء المغيّبات الّتي تحدث على مرور السنين والأوقات، وانّه كان يوم الجمعة

ثمّ برز أخوه عبد الله بن عليّ [ وأُمّه اُمّ البنين أيضاً ](١) وهو يقول:

أنا ابن ذي النجدة والإفضال

ذاك عليّ الخير ذو(٢) الفعال

سيف رسول الله ذو النكال

في كلّ قوم ظاهر الأهوال(٣)

فقتله هانىء بن ثُبَيت الحضرمي(٤) .

و كان العبّاس(٥) السقّاء قمر بني هاشم صاحب لواء الحسين عليه

____________

يخطب على منبره في مسجد الكوفة فقال في خطبته: أيّها الناس، سلوني قبل أن تفقدوني، فوالله لاتسألوني عن فئة تضلّ مائة وتهدي مائة إلاّ نبّأتكم بناعقها وسائقها إلى يوم القيامة.

قال: فقام إليه رجل فاجر فاسق، وقال: يا عليّ، اخبرني كم في رأسي ولحيتي من طاقة شعر؟

فقال له الإمامعليه‌السلام : لقد أخبرني بسؤالك هذا ابن عمّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ونبّأني بما سألت عنه، وانّه على كلّ طاقة شعر من شعر رأسك ولحيتك شيطاناً يلعنك ويلعن ولدك ونسلك، وانّ لك ولداً رجساً ملعوناً يقتل ولدي وفرخي وقرّة عيني الحسينعليه‌السلام ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنت وولدك بريئان من الايمان، ولولا أنّ الّذي سألتني عنه يعسر برهانه لأخبرتك به، ولكن حسبك فيما نبّأتك به من لعنك ورجسك وولدك الملعون الّذي يقتل ولدي ومهجة قلبي الحسينعليه‌السلام .

قال: وكان له ولد صغير في ذلك الوقت، فلمـّا نشأ وكبر وكان من أمر الحسينعليه‌السلام ما كان نما الصبيّ وتجبّر وتولّى قتل الحسينعليه‌السلام .

وقيل: إنّ ذلك الصبي كان اسمه خوليّ بن يزيد الأصبحي، وهو الّذي طعن الحسينعليه‌السلام برمحه فخرج السنان من ظهره فسقط الحسينعليه‌السلام على وجهه يخور في دمه ويشكو إلى ربه. « فخر الدين صاحب مجمع البحرين » [ المنتخب: ١٦٥ ].

١ - من المقتل.

٢ - في المقتل: في.

٣ - في المقتل: وكاشف الخطوب والأهوال.

٤ - ذكر في تسمية مَن قُتل مع الحسين بن عليّعليهما‌السلام : ١٤٩ رقم ٤: رماه خوليّ بن يزيد الأصبحي بسهم، وأجهز عليه رجل من بني تميم بن أبان بن دارم.

٥ - ما يتعلّق بمصرع العبّاس بن عليّعليه‌السلام والأرجاز نقله المؤلّفرحمه‌الله من

السلام، وهو أكبر الاخوان، مضى يطلب الماء فحملوا عليه وحمل عليهم، وجعل يقول:

لا أرهب الموت إذا الموت رقى

حتى اُواري في المصاليت(١) لقى

نفسي لنفس المصطفى الطهر وقا

إنّي أنا العبّاس أغدو بالسقا

* ولا أخاف الشرّ يوم الملتقى *

ففرّقهم، فكمن له زيد بن ورقاء(٢) من وراء نخلة، وعاونه حكيم بن الطفيل السنبسي فضربه على يمينه، فأخذ السيف بشماله وحمل، وهو يرتجز:

و الله إن قطعتم يميني

انّي اُحامي أبداً عن ديني

وعن إمام صادق اليقين

نجل النبيّ الطاهر الأمينِ

فقاتل حتّى ضعف، فكمن له الحكيم(٣) بن الطفيل الطائي من وراء نخلة فضربه على شماله، فقال:

يا نفس لا تخشي من الكفّار

وأبشري برحمة الجبّار

مع النبيّ السيّد المختار

قد قطعوا ببغيهم يساري

فأصلِهم يا ربِّ حرَّ النار

____________

مناقب ابن شهراشوب: ٤/١٠٨.

١ - المصلات: الشجاع، الماضي في الحوائج.

٢ - الصحيح: زيد بن رقاد. انظر: تسمية مَن قتل مع الحسين بن عليّعليهما‌السلام : ١٤٩ رقم ٢.

٣ - كذا في المقتل، وفي الأصل والبحار: الحكم.

فضربه ملعون بعمود من حديد فقتله، فلمـّا رآه الحسينعليه‌السلام صريعاً على شاطىء الفرات بكى، وأنشأ:

تعدَّيتم شرَّ قوم ببغيكم

وخالفتموا(١) قول(٢) النبيّ محمد

أمّا كان خير الرسل أوصاكم بنا؟

أمّا نحن من نجل(٣) النبيّ المسدّد؟

[ أمّا كانت الزهراء اُمّي دونكم؟

أمّا كان من خير البرّية أحمد؟ ](٤)

لعنتم واُخزيتم بما قد جَنيتم

فسوف تلاقوا حرَّ نار توقّدِ

و لمـّا قُتل العبّاس قال الحسينعليه‌السلام : الآن انكسر ظهري، وقلّت حيلتي.

قال: تقدّم عليّ بن الحسينعليه‌السلام ، واُمّه ليلى بنت أبي مرّة بن عروة بن مسعود الثقفي، وهو يومئذ ابن ثماني عشرة سنة، ورفع الحسين سبّابته(٥) نحو السماء وقال: اللّهمّ اشهد على هؤلاء القوم فقد برز إليهم غلام أشبه الناس خَلقاً وخُلقاً ومنطقاً برسولكصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كنّا إذا اشتقنا إلى نبيّكصلى‌الله‌عليه‌وآله نظرنا إلى وجهه، اللّهمّ امنعهم بركات الأرض، وفرّقهم

____________

١ - في المناقب: بفعلكم وخالفتم.

٢ - في البحار: دين.

٣ - في المناقب: نسل.

٤ - من المناقب والبحار.

٥ - في المقتل: شيبته.

تفريقاً، ومزّقهم تمزيقاً، واجعلهم طرائق قدداً، ولا ترض الولاة عنهم أبداً، فإنّهم دعونا لينصرونا، ثمّ عدوا علينا يقاتلوننا.

ثمّ صاح الحسين بعمر بن سعد: مالك؟ قطع الله رحمك، ولا بارك لك في أمرك وسلّط عليك من يذبحك بعدي على فراشك، كما قطعت رحمي، ولم تحفظ قرابتي من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثمّ رفع الحسينعليه‌السلام صوته وتلا:( إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلىَ الْعَّالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (١) .

ثمّ حمل عليّ بن الحسين على القوم، وهو يقول:

أنا عليّ بن الحسين بن عليّ

من عصبة جدّ أبيهم النبيّ(٢)

و الله لا يحكم فينا ابن الدعيّ

أطعنكم بالرمح حتّى ينثني

أضربكم بالسيف أحمي عن أبي(٣)

ضرب غلام هاشميّ علويّ

فلم يزل يقاتل حتّى ضجّ الناس من كثرة من قَتَل منهم، وروي أنّه قتل على عطشه مائة وعشرين رجلاً، ثمّ رجع إلى أبيه وقد أصابته جراحات كثيرة، فقال: يا أبة، العطش قد قتلني، وثقل الحديد أجهدني، فهل إلى شربة من ماء سبيل أتقوّى بها على الأعداء؟

____________

١ - سورة آل عمران: ٣٣ و٣٤.

٢ - في المقتل: نحن وبيت الله اولى بالنبيّ.

٣ - في المقتل: حتّى يلتوي.

فبكى الحسينعليه‌السلام ، وقال: يا بنيّ، يعزّ على محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعلى عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، وعليَّ(١) أن تدعوهم فلا يجيبوك، وتستغيث بهم فلا يغيثوك.

يا بنيّ، هات لسانك، فأخذ بلسانه فمصّه ودفع إليه خاتمه، وقال: أمسكه في فيك وارجع إلى قتال عدوّك فإنّي أرجو أنّك لا تمسي حتّى يسقيك جدّك بكأسه الأوفى شربة لا تظمأ بعدها أبداً، فرجععليه‌السلام إلى القتال، وهو يقول:

الحرب قد قامت(٢) لها الحقائق

وظهرت من بعدها مصادق

والله ربّ العرش لا نفارق

جموعكم أو تُغمد البوارق

فلم يزل يقاتل حتّى قَتَل تمام المائتين، ثمّ ضربه مرّة بن مُنقِذ(٣) العبدي لعنه الله على مفرق رأسه ضربة صرعته، وضربه الناس بأسيافهم، ثمّ اعتنقعليه‌السلام فرسه، فاحتمله الفرس إلى عسكر الأعداء فقطّعوه بسيوفهم إرباً إرباً.

فلمـّا بغلت الروح(٤) التراقي قال رافعاً صوته: يا أبتاه، هذا جدّي رسول

__________________

١ - في المقتل: وعلى أبيك.

٢ - في المقتل والبحار: بانت.

٣ - كذا الصحيح، وفي الأصل والمقتل والبحار: منقذ بن مرّة.

وهو مرّة بن منقذ بن النعمان الكندي. انظر: تسمية مَن قُتل مع الحسين بن عليّعليهما‌السلام : ١٥٠ رقم ٨.

٤ - في المقتل: روحه.

اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قد سقاني بكأسه الأوفى شربة لا أظمأ بعدها أبداً، وهو يقول [ لك ](١) : العجل العجل، فإنّ لك كأساً مذخورة حتّى تشربها الساعة.

فصاح الحسينعليه‌السلام وقال: قتل الله قوماً قتلوك، ما أجرأهم على الله(٢) وعلى رسوله، وعلى انتهاك حرمة الرسول؟! على الدنيا بعدك العَفا.

قال حميد بن مسلم: فكأنّي أنظر إلى امرأة خرجت مسرعة كأنّها الشمس الطالعة تنادي بالويل والثبور، وتقول: يا حبيباه، يا ثمرة فؤاداه، ويا نور عيناه، فسألت عنها، فقيل: هي زينب بنت عليّعليه‌السلام ، وجاءت وانكبّت عليه فجاء [ إليها ](٣) الحسين فأخذ بيدها فردّها إلى الفسطاط، وأقبلعليه‌السلام بفتيانه وقال: احملوا أخاكم، فحملوه من مصرعه، فجاءوا به حتّى وضعوه عند الفسطاط الّذي كانوا يقاتلون أمامه(٤) .

قال: وخرج غلام من تلك الأبنية وفي اذنيه درّتان(٥) ، وهو مذعور فجعل يلتفت يميناً وشمالاً، فحمل عليه هانىء بن ثُبَيت لعنه الله، فقتله، فصارت شهربانوا تنظر إليه ولا تتكلّم كالمدهوشة.

ثمّ التفت الحسين عن يمينه فلم ير أحداً من الرجال، والتفت [ عن ](٦)

__________________

١ و ٣ - من المقتل.

٢ - في البحار: الرحمن.

٤ - في « ح » فنظر الحسين بطرفه إلى السماء وقال: اللّهمّ أنت الشاهد على القوم الّذين قتلوا أشبه الخلق بنبيّك.

والله مالي أنيس بعد فرقتكم

إلاّ البكاء وقرع السن من ندمي

ولا ذكرت الّذي أيد الزمان لكم

إلاّ جرت أدمعي ممزوجة بدم

٥ - في المقتل: قرطان.

٦ - من البحار.

يساره فلم ير أحداً، فخرج عليّ بن الحسين زين العابدينعليه‌السلام ، وكان مريضاً لا يقدر أن يقلّ سيفه، واُمّ كلثوم تنادي خلفه: يا بنيّ، ارجع.

فقال: يا عمّتاه، ذريني اُقاتل بين يدي ابن رسول الله.

و قال الحسينعليه‌السلام : يا اُمّ كلثوم، خذيه لئلّا تبقى الأرض خالية من نسل آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ولمـّا فجع الحسينعليه‌السلام بأهل بيته وولده، ولم يبق غيره وغير النساء والذراري نادى: هل من ذابّ يذبّ عن حرم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ هل من موحّد يخاف الله فينا؟ هل من مغيث يرجو الله في إغاثتنا؟ [ هل من معين يرجو ما عند الله في إعانتنا ](١) ؟ وارتفعت أصوات النساء بالعويل، فتقدّم صلوات الله عليه إلى باب الخيمة، فقال: ناولوني عليّاً ابني الطفل حتّى اودّعه، فناولوه الصبيّ، فجعل يقبّله وهو يقول: ويل لهؤلاء القوم إذا كان جدّك محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله خصمهم، والصبيّ في حجره، إذ رماه حرملة بن كاهل الأسديّ لعنه الله بسهم فذبحه في حجر الحسين، فتلقّى الحسين دمه حتّى امتلأت كفّه، ثمّ رمى به إلى السماء فما رجع منه شيء، ثمّ قال: لا يكون أهون عليك من فصيل، اللّهمّ إن كنتَ حبستَ عنّا النصر فاجعل ذلك لما هو خير لنا.(٢)

____________

١ - من المقتل.

٢ - في « ح » ونقل انّه لمـّا قُتل العبّاس تدافعوا الرجال على الحسينعليه‌السلام وأصحابه، فلمـّا نظر ذلك منهم نادى بالقوم: أمّا من مجير يجيرنا؟ أمّا من مغيث يغيثنا؟ أمّا من طالب حقّ ينصرنا؟ أمّا من خائف من النّار يذبّ عنّا؟ أمّا من أحدٍ يأتينا بشربة من الماء لهذا الطفل الصغير فإنّه لا يطيق الظمأ؟

فقام إليه ولده الأكبر شبيه الرسول، فقال: أنا أتيك بالماء يا سيّدي.

ثمّ قام الحسينعليه‌السلام وركب فرسه وتقدّم إلى القتال، وهو يقول:

كفر القوم وقدماً رغبوا

عن ثواب الله ربّ الثقلين

قتل(١) القوم عليّاً وابنه

حسن الخير كريم الأبوينِ

حنقاً منهم وقالوا أجمعوا

واحشروا الناس إلى حرب الحسين

[ يا لقوم من اُناس رُذّل

جمع الجمع لأهل الحرمين ](٢)

ثمّ ساروا وتواصوا كلّهم

باجتياحي لرضاء الملحدينِ

لم يخافوا الله في سفك دمي

لعبيد الله نسل الكافرينِ

و ابن سعد قد رماني عنوة

بجنود كوكوف الهاطلين(٣)

لا لشيء كان منّي قبل ذا

غير فخري بضياء النيرّينِ

بعليّ الخير من بعد النبيّ

والنبيّ القرشيّ الوالدين

خيرة الله من الخلق أبي

ثمّ اُمّي فأنا ابن الخيّرين

فضّة قد خلصت من ذهبٍ

فأنا الفضّة وابن الذهبينِ

مَن له جد كجدي في الورى

أو كشيخي فأنا ابن العلمينِ

____________

فقال: امض بارك الله فيك.

قال: فأخذ الركوة بيده واقتحم الشريعة وملأ الركوة فأقبل بها نحو أبيهعليه‌السلام وقال: الماء طلبت، يا أبي، اسق أخي الصغير فإنّه لا يطيق العطش، فإن بقي شيء فصبّه عليَّ، فإنّي والله عطشان.

فبكى الحسينعليه‌السلام من قوله وأجلس ولده الصغير على فخذه وأخذ الركوة وقرّبها إلى فمه، فلمـّا همّ وأراد أن يشرب الطفل الماء أتاه سهم مسموم فوقع في حلقه فذبحه قبل أن يشرب من الماء شيئاً، فبكى الحسينعليه‌السلام ورمى الركوة من يده، الفخري مؤلّف مجمع البحرين. [ المنتخب: ٤٤٣ ].

١ - في البحار: قتلوا.

٢ - من البحار.

٣ - يقال: وكف البيت بالمطر: تقاطر وسال قليلاً، والهطل: تتابع المطر والدمع وسيلانه.

فاطم الزهراء اُمّي وأبي

قاصم الكفر ببدر وحنينِ

عَبَدَالله غلاماً يافعاً

وقريش يعبدون الوثنين

يعبدون اللات والعزّى معاً

وعليّ كان صلّى القبلتين

وأبي شمس واُمّي قمر

فأنا الكوكب وابن القمرين

وله في يوم اُحد وقعةٍ

شفت الغل بفضّ العسكرين

ثمّ في الأحزاب والفتح معاً

كان فيها حتف أهل الفيلقينِ

في سبيل الله ماذا صَنَعَتْ

اُمّة السوء معاً بالعترتين

عترة البرّ النبيّ المصطفى

وعليّ القرم(١) يوم الجحفلين(٢)

ثمّ وقف صلوات الله عليه قبالة القوم وسيفه مُصلت في يده آيساً من الحياة، عازماً على الموت، وهو يقول:

أنا ابن عليّ الطهر(٣) من آل هاشم

كفاني بهذا مفخراً حين أفخر

وجدّي رسول الله أكرم من مضى

ونحن سراج الله في الأرض(٤) نزهر

وفاطم اُمّي من سلالة أحمد(٥)

وعمّي يدعى ذو الجناحين جعفر

____________

١ - في البحار: الورد.

٢ - انظر الأبيات أيضاً في: الاحتجاج: ٣٠١، الفتوح لابن أعثم: ٥/٢١٠، مطالب السؤول: ٢/٢٩، كشف الغمّة: ٢/٢٧، عبرات المصطفين: ٢/٩٣.

٣ - في المقتل: الخير.

٤ - في البحار: الخلق.

٥ - في المقتل: وفاطمة اُمّي ابنة الطهر أحمد.

وفينا كتاب الله اُنزل صادقاً(١)

وفينا الهدى والوحي بالخير بذكر

ونحن أمان الله للناس(٢) كلّهم

نسرّ بها في الأنام ونجهرُ

ونحن ولاة الحوض نسقي ولاتنا

بكأس رسول الله ما ليس ينكرُ(٣)

وشيعتنا في الناس أكرم شيعة(٤)

ومبغضنا يوم القيامة يخسر

وذكر أبو عليّ السلاميّ في تاريخه أنّ هذه الأبيات للحسينعليه‌السلام من إنشائه، وقال: وليس لأحد مثلها:

وإن تكن الدنيا تعدّ نفيسة

فإنّ ثواب الله أعلى وأنبلُ

وإن تكن الأبدان للموت اُنشئت

فقتل امرىء بالسيف في الله أفضل

وإن تكن الأرزاق قسماً مقدّراً

فقلّة سعي المرء في الكسب أجملّ

وإن تكن الأموال للترك جمعها

فما بال متروك به المرؤ يبخلُ؟

__________________

١ - في المقتل: صادعاً.

٢ - في المقتل: في الخلق.

٣ - في المقتل: نسقي محبّتنا بكأس وذاك الحوض للسقي كوثر.

٤ - في المقتل: فيسعد فينا في القيام محبّنا.

[ سأمضي وما بالقتل عار على الفتى

إذا في سبيل الله يمضي ويقتل ](١)

ثمّ إنّهعليه‌السلام دعا الناس إلى البراز، فلم يزل يقتل كلّ من دنا منه من عيون الرجال، حتّى قتل منهم مقتلة عظيمة.

ثمّ(٢) حملعليه‌السلام على الميمنة وقال:

الموت خير من ركوب العار

[ والعار أولى من دخول النّار ](٣)

ثمّ على الميسرة، وهو يقول:

أنا الحسين بن عليّ

آلـيـت ألاّ انـثـني

أحمي عيـالات أبي

أمضي على دين النبيّ

و لم يزل يقاتِل حتّى قَتَل ألف رجل وتسعمائة رجل وخمسين رجلاً سوى المجروحين.

فقال عمر بن سعد لقومه: الويل لكم أتدرون لمن تقاتلون؟ هذا ابن الأنزع البطين، هذا ابن قتّال العرب، فاحملوا عليه من كلّ جانب، وكانت الرماة أربعة آلاف ترمية بالسهام فحالوا بينه وبين رحله.

فصاح بهم: ويحكم يا شيعة آل أبي سفيان، إن لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحراراً في دنياكم، وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم أعراباً.

____________

١ - من المقتل.

٢ - من هنا إلى قوله: « من كلّ جانب » نقله المؤلّفرحمه‌الله من مناقب ابن شهراشوب: ٤/١١٠.

٣ - من المناقب.

فناداه شمر، فقال: ما تقول، يا ابن فاطمة؟

قال: أقول: انّا الّذي اُقاتلكم وتقاتولني، والنساء ليس عليهنّ جناح، فامنعوا عُتاتكم عن التعرّض لحرمي ما دمت حيّاً.

فقال شمر: لك هذا، ثمّ صاح شمر: إليكم عن حرم الرجل، فاقصدوه في نفسه، فلعمري لهو كفو كريم.

قال: فقصدوه القوم وهو في ضمن ذلك يطلب شربة ماء، فكلّما حمل بفرسه على الفرات حملوا عليه أجمعهم حتّى أحالوه(١) عنه، ثمّ رماه رجل من القوم يكنّى أبا الحتوف الجعفي لعنه الله بسهم، فوقع السهم في جبهته، فنزعه من جبهته، فسالت الدماء على وجهه ولحيته، فقال صلوات الله عليه، اللّهمّ إنّك ترى ما أنا فيه من عبادك هؤلاء العصاة، اللّهمّ أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تذر على وجه الأرض منهم أحداً، ولا تغفر لهم أبداً.

ثمّ حمل عليهم كالليث المغضب، فجعل لا يلحق منهم أحداً إلّا بعجه بسيفه فقتله، والسهام آخذة له من كلّ ناحية وهو يتّقيها بنحره وصدره، ويقول: يا اُمّة السوء، بئسما خلّفتم محمّداً في عترته، أمّا إنّكم لن تقتلوا بعدي عبداً من عباد الله فتهابوا قتله، بل يهون عليكم عند قتلكم إيّاي، وأيم الله إنّي لأرجو أن يكرمني ربّي بالشهادة بهوانكم، ثمّ ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون.

قال: فصاح به الحصين بن مالك السكوني، فقال: وبماذا ينتقم لك منّا؟

قال: يلقي بأسكم بينكم، ويسفك دماءكم، ثمّ يصّب عليكم العذاب

__________________

١ - في المقتل: أجلوه.

الأليم.

ثمّ لم يزل يقال حتّى أصابته جراحات عظيمة.

و روي عن أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام ، قال: وجد بالحسينعليه‌السلام ثلاث وثلاثون طعنة وأربع وثلاثون ضربة.

وقال الباقرعليه‌السلام : اُصيب الحسينعليه‌السلام ووجد به ثلاثمائة وبضعة وعشرون طعنة برمح، وضرب بسيف، ورمية بسهم.

وفي رواية: ألف وتسعمائة جراحة، وكانت السهام في درعة كالشوك في جلد القُنفذ، وروي أنّها كانت كلّها في مقدّمته.

وهذا الروايات رواها الشيخ الثقة رشيد الدين بن شهراشوب المازندرانيرضي‌الله‌عنه في كتابه المناقب.(١)

فوقف صلوات الله عليه يستريح ساعة وقد ضعف عن القتال، فبينا هو واقف إذ أتاه حجر فوقع على جبهته، فأخذ الثوب(٢) ليمسح الدم عن وجهه فأتاه سهم محدّد مسموم، له ثلاث شعب، فوقع السهم في صدره(٣) ، فقال الحسينعليه‌السلام : بسم الله، وبالله، وعلى ملّة رسول الله، ورفع رأسه إلى السماء وقال: إلهي إنّك تعلم أنهم يقتلون رجلاً ليس على وجه الأرض ابن نبيّ غيره، ثمّ أخذ السهم فأخرجه من قفاه فانبعث الدم كالميزاب، فوضع يده على

____________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/ ١١٠ - ١١١، عنه البحار: ٤٥ / ٥٢، وعوالم العلوم: ١٧/ ٢٩٥.

٢ - كذا في المقتل والبحار، وهو الصحيح، وفي الاصل: التراب

٣ - في المقتل: قلبه

الجرح، فلمـّا امتلأت [ دماً ](١) رمى به إلى السماء، فما رجع من ذلك الدم قطرة، وما عرفت الحمرة في السماء حتّى رمى الحسينعليه‌السلام بدمه إلى السماء، ثمّ وضع يده ثانياً، فلمـّا امتلأت لطّخ بها رأسه ولحيته، وقال: هكذا أكون حتّى ألقى جدّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأنا مخضوب بدمي، وأقول: يا رسول الله، قتلني فلان وفلان.

ثمّ ضعفعليه‌السلام عن القتال فوقف، فكلّما أتاه رجل من الناس وانتهى إليه انصرف عنه [ وكره أن يلقى الله بدمه ](٢) ، حتّى جاء رجل من كندة يقال له مالك بن النُّسَير(٣) لعنه الله فضربه بالسيف على رأسه، وعليه بُرنُس(٤) فقطع البرنس فامتلأ دماً.

فقال له الحسينعليه‌السلام : لا أكلت بها ولا شربت(٥) ، وحشرك الله مع الظّالمين، ثمّ ألقى البرنس ولبس قلنسوة واعتمّ عليها وقد أعيى، وجاء الكنديّ وأخذ البرنس، وكان من خزّ، فلمـّا قدم [ به ](٦) بعد الوقعة على امرأته فجعل يغسل الدم عنه، فقالت له امرأته، أتدخل بيتي سلب ابن رسول الله؟ اخرج عنّي حشى الله قبرك ناراً، فلم يزل بعد ذلك فقيراً بأسوء حال ويبست يداه، وكانتا في الشتاء ينضحان دماً، وفي الصيف يصيران يابستين كأنّهما

__________________

١ و ٢ و ٦ - من المقتل.

٣ - كذا ضبطه في الكامل في التاريخ: ٤/٧٥، لكنّه عاد وسمّاه مالك بنَ بشير البدّي، وذلك في ص ٢٣٩ حينما أحضره المختاررحمه‌الله فأمر بقطع يديه ورجليه وتُرك يضطرب حتّى مات.

وفي المقتل والملهوف: النسر، وفي والأصل: البشير، وفي البحار: اليسر.

٤ - البرنس: القلنسوة الطويلة.

٥ - في المقتل: لا أكلت بيمينك ولا شربت بها.

عودان.

و لمـّا ضعفعليه‌السلام نادى شمر لعنه الله: ما وقوفكم؟ وما تنتظرون بالرجل؟ قد أثخنته الجراح والسهام، احملوا عليه ثكلتكم اُمّهاتكم، فحملوا عليه من كلّ جانب، فرماه الحصين بن تميم في فيه، وأبو أيّوب الغنويّ بسهم في حلقه، وضربه زرعة بن شريك التميمي على كتفه اليسرى، وعمر بن خليفة الجعفي على حبل عاتقه، وطعنه صالح بن وهب المزنيّ في جنبه، وكان قد طعنه سنان(١) بن أنس النخعي في صدره، فوق صلوات الله عليه على الأرض على خدّه الأيمن، ثمّ استوى جالساً ونزع السهم من حلقه(٢) .

ثمّ دنا عمر بن سعد من الحسينعليه‌السلام .

قال حميد: وخرجت زينب بنت عليّعليه‌السلام وقُرطاها يجولان بين اُذنيها، وهي تقول: ليت السماء انطبقت على الأرض، يا عمر بن سعد: أيُقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه؟ ودموع عمر تسيل على خدّيه ولحيته، وهو يصرف وجهه عنها، والحسينعليه‌السلام جالس وعليه جبّة خزّ، وقد تحاماه الناس، فنادى شمر: ويلكم ما تنتظرون به؟ اقتلوه ثكلتكم اُمّهاتكم، فضربه زُرعة بن شريك فأبان كفّه اليسرى، ثمّ ضربه على عاتقه، ثمّ انصرفوا عنه، وهو يكبوا مرّة ويقوم اُخرى.

فحمل عليه سنان في تلك الحال فطعنه بالرمح فصرعه، وقال لخوليّ بن يزيد: اجتزّ رأسه، فضعف وارتعدت يده، فقال له سنان: جبّ(٣) الله عضدك،

____________

١ - كذا في المقتل والبحار، وفي الأصل: سفيان، وهو تصحيف.

٢ - في المقتل: نحره.

٣ - في المقتل والبحار: فتّ.

وأبان يدك، فنزل إليه شمر(١) لعنه الله، وكان اللعين أبرص، فضربه برجله فألقاه على قفاه، ثمّ أخذ بلحيته، فقال الحسينعليه‌السلام : أنت [ الكلب ](٢) الأبقع الّذي رأيتك في منامي.

فقال: اتشبّهني بالكلاب؟ ثمّ جعل يضرب بسيفه مذبح الحسينعليه‌السلام .(٣)

و قيل: لمـّا جاء شمر والحسينعليه‌السلام بآخر رمق يلوك لسانه من العطش، فطلب الماء فرفسه شمر لعنه الله برجليه، وقال: يا ابن أبي تراب، ألست تزعم أنّ أباك على حوض النبيّ يسقي من أحبّه؟ فاصبر حتّى تأخذ الماء من يده، ثمّ جلس على صدره.

فقال له الحسينعليه‌السلام : أتقتلني ولا تعلم من أنا؟

فقال: أعرفك حقّ المعرفة؛ اُمّك فاطمة الزهراء، وأبوك عليّ المرتضى، وجدّك محمد المصطفى، وخصمك العليّ الأعلى، أقتلك ولا اُبالي، فضربه بسيفه اثنتا عشرة ضربة، ثمّ جزّ رأسه صلوات الله وسلامه عليه، ولعن الله قاتله ومقاتله والسائرين إليه بجموعهم.

ثمّ سلبوه(٤) عليه‌السلام لباسه وجميع ما كان عليه؛ فأخذ عمامته جابر ابن يزيد الأزدي، وقميصه إسحاق بن حيوة(٥) ، وثوبه جعونة بن حوبة

____________

١ - في المقتل: فنزل إليه نصر بن خرشة الضبابي، وقيل: بل شمر.

٢ - من المقتل: وفيه « رأيته » بدل « رأيتك ».

٣ - من قوله: « ولمـّا قتل أصحاب الحسين » إلى هنا نقله المجلسيرحمه‌الله في البحار: ٤٥/٣٢ - ٥٦ عن كتابنا هذا.

٤ - انظر في أسماء من سلبهعليه‌السلام : مناقب ابن شهراشوب: ٤/١١١.

٥ - كذا في الكامل: ٤/٨٠ ووقعة الطفّ: ٢٥٥، وفي الأصل غير مقروءة، وفي الملهوف:

الحضرمي، وقطيفته من خزّ قيس بن الأشعث الكندي، وسراويله بحير بن عمرو الجرمي(١)

وكانعليه‌السلام قد قال لأهله: ائتوني بثوب لا يُرغب فيه لئلّا اُسلبه، فأتوه بتبان، فقال: هذا من لباس أهل الذمة، فأتوه بسراويل أوسع منه فسلبوه إيّاها، سلبها [ بحير بن ](٢) عمرو المذكور؛ وقيل: أخذها بحر بن كعب التميمي، وأخذ القوس والحلل الرحيل بن خيثمة الجعفي وهانىء بن ثُبيت الحضرمي وجرير بن مسعود الحضرمي، ونعليه الأسود الاوسي، وسيفه رجل من بني نهشل بن دارم(٣) ؛ وقيل: الأسود بن حنظلة، فأحرقهم المختاررضي‌الله‌عنه بالنار، ثمّ مال الناس على الورس والأمتعة والإبل فانتهبوها، ثمّ تسابقوا على نهب بيوت آل الرسول حتّى كانوا ينزعون ملحفة المرأة عن رأسها وظهرها.

وعن فاطمة بنت الحسين قالت: لمـّا دخلت العامّة علينا بالنهب دخل رجل وأنا صغيرة وفي رجليّ خلخالان فنزعهما من رجلي وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك؟

فقال: وكيف لا أبكي وأنا أسلب ابنة رسول الله؟!

فقلت: لا تسلبني.

فقال: أخاف أن يأخذه غيري.

__________________

حوبة، وفي البحار: حُويّة.

١ - في الكامل: ٤/٧٧ و٧٨ ووقعة الطفّ: ٢٥٥ والملهوف: بحر بن كعب التيمي، وفي البحار: أبجَر بن كعب التيمي.

٢ - أثبتناه للضرورة.

٣ - في المقتل: نهشل من بني دارم.

وقال حميد بن مسلم: انتهيت إلى عليّ بن الحسينعليه‌السلام وهو مضطجع على فراش له وهو مريض، وإذا شمر معه رجل يقول: ألا نقتل هذا الصبيّ؟

سبحان الله! ما معنى قتل الصبيان؟ فما زال دأبي كذلك أدفع عنه حتّى جاء عمر بن سعد، فقال: لا يدخلنّ أحد بيوت هذه النسوة، ولا يتعرّض لهذا الغلام أحد، ومن أخذ من متاعهم شيئاً فليردّه، فوالله ما ردّ أحد شيئاً غير انّهم كفّوا.

فقال لي عليّ بن الحسينعليه‌السلام : جزيت خيراً فقد دفع الله عنّا - بمقالتك - أشرار الناس.(١)

و لمـّا دخل الناس بعد قتل الحسين الفسطاط - فسطاط النساء - للنهب أقبلت امرأة من عسكر ابن سعد كانت مع زوجها، فلمـّا اقتحم الناس الفسطاط وأقبلوا يسلبون النساء أخذت سيفاً وأقبلت نحو الفسطاط، ونادت: يا آل بكر ابن وائل، أتسلب بنات رسول الله؟ يا لثارات رسول الله، فأخذها زوجها فردّها إلى رحله.

ثمّ أمر ابن سعد بإخراج النساء من الخيمة وأضرموا فيها النّار، فخرجن حواسر مسلّبات حافيات باكيات، يمشين سبايا في أسر الذلّة.

قال بعض من شهد الوقعة: ما رأيت مكثوراً(٢) قطّ قتل ولده وإخوته وبنو عمّه، وأهل بيته وأنصاره أربط جأشاً، ولا أمضى جناناً ما رأيت قبل ولا بعده

____________

١ - في المقتل: شرّ هؤلاء.

٢ - المكثور: المغلوب.

مثله - أعني الحسينعليه‌السلام - لقد رأيت الرجال تنكشف عنه انكشاف المعزى إذا عاث(١) فيها الذئب.

ثمّ إنّ عمر بن سعد لعنه الله نادى: من ينتدب للحسين فيطأه بفرسه(٢) ؟ فانتدب له عشرة نفر، منهم: أخنس بن مرثد الحضرمي، وهو القائل(٣) :

نحن رضضنا الظهر بعد الصدر

بكلّ يعبوب شديد الأسر

[ حتّى عصينا الله ربّ الأمر

بصنعنا مع الحسين الطهر ](٤)

و قال عمر بن سعد لعنه الله: بهذا أمر الأمير عبيدالله.

قال الراوي(٥) : فنظرنا في هؤلاء العشرة فوجدناهم أولاد زنا، وهؤلاء أخذهم المختاررضي‌الله‌عنه وشدّ أيديهم وأرجلهم بسكك من حديد، ثمّ أوطأهم الخيل حتّى ماتوا.

وأقام عمر بن سعد يومه ذاك بعد الواقعة إلى الغد، فجمع قتلاه فصلّى عليهم ودفنهم، وترك الحسين وأصحابه منبوذين بالعراء، فلمـّا ارتحلوا إلى الكوفة وتركوهم على تلك الحال عمد أهل الغاضريّة من بني أسد فصلوا عليهم ودفنوهم.(٦)

____________

١ - كذا في المقتل، وفي الأصل: غارت.

٢ - في المقتل: فيوطئة فرسه.

٣ - نسب الرجز في الملهوف: ١٨٣ إلى أسيد بن مالك.

٤ - من المقتل.

٥ - هو أبو عمرو الزاهد: انظر في ترجمته: وفيات الأعيان: ١/٥٠٠، تاريخ بغداد: ٢/٣٥٦، الأعملام للزركلي: ٦/٢٥٤.

٦ - من قوله: « وأقام عمر بن سعد يومه » إلى هنا نقله المجلسيرحمه‌الله في البحار: ٤٥/٦٢ عن كتابنا هذا. وكذا البحراني في عوالم العلوم: ١٧/٣٠٦.

و ابتلى الله سبحانه الّذين أخذوا سلب الحسينعليه‌السلام كلّ واحد منهم ببلاء، فالّذي أخذ سراويله بحير بن عمرو الجرمي فلبسها فصار زمناً مقعداً، والذي أخذ عمامته وهو جابر بن يزيد فصار مجذوماً، والّذي أخذ درعه مالك بن نسير صار معتوهاً، والذي أخذ خاتمه وهو بجدل بن سليم الكلبي وقطع اصبعهعليه‌السلام مع الخاتم أخذه المختار وقطع يديه ورجليه وتركه يتشحّط بدمه حتّى مات.(١)

وارتفعت في السماء - في تلك الساعة الّتي قتل فيها صلوات الله عليه وآله - غبرة شديدة سوداء مظلمة، فيها ريح حمراء، لا يرى فيها عين ولا أثر، حتّى ظنّ القوم أنّ العذاب قد جاءهم.

وقتل صلوات الله عليه(٢) يوم عاشوراء عاشر المحرّم الحرام سنة إحدى وستّين من الهجرة، وهو ابن أربع وخمسين سنة وستّة أشهر ونصف.

قال: وأقبل فرس الحسينعليه‌السلام وقد عدا من بين أيديهم أن لا يؤخذ، فوضع ناصيته في دم الحسينعليه‌السلام ، ثمّ أقبل يركض نحو خيمة النساء، وهو يصهل ويضرب الأرض برأسه عند الخيمة حتّى مات.(٣)

والسيف الّذي كان مع الحسين صلوات الله عليه حين قُتل ليس هو بذي الفقار، وإنّما هو غيره، لأنّ ذا الفقار [ كان مذخوراً ومصوناً مع أمثاله ](٤) من

____________

١ - انظر ذوب النضار: ١٢٣.

٢ - زاد في المقتل: باتّفاق الرواة، وفي البحار: باتّفاق الروايات.

٣ - من قوله: « وقُتل صلوات الله عليه يوم عاشوراء » إلى هنا نقله المجلسيرحمه‌الله في البحار: ٤٥/٦٠ عن كتابنا هذا. وكذا البحراني في عوالم العلوم: ١٧/٣٠٤.

٤ - من الملهوف.

ذخائر النبوّة والامامة لا يطّلع عليه أحد.

وكان عدة القتلى من أصحاب الحسينعليه‌السلام الّذين قتلوا معه اثنين وسبعين رجلاً رضوان الله عليهم ورحمته وسلامه هؤلاء الّذين قتلوا قبل أهل بيته.

و أمّا عدّة المقتولين من أهل بيته فالأكثرون على أنّهم كانوا سبعة وعشرين:

سبعة من بني مسلم ومن بني عقيل(١) : مسلم المقتول بالكوفة، وجعفر، وعبد الرحمان [ ابنا عقيل ](٢) ، ومحمد بن مسلم، وعبد الله بن مسلم، وجعفر بن محمد بن عقيل، ومحمد بن أبي سعيد بن عقيل.

وثلاثة من ولد جعفر: محمد بن عبد الله بن جعفر، وعون الأكبر بن عبد الله، وعبيدالله بن عبد الله.

وتسعة(٣) من ولد أمير المؤمنينعليه‌السلام : الحسينعليه‌السلام ، والعبّاس؛ ويقال: وابنه محمد بن العبّاس.(٤)

ذكر صاحب مقاتل الطالبيّين انّ العبّاس بن عليّ بن أبي طالب، وعثمان ابن عليّ بن ابي طالب، وجعفر بن عليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن عليّ بن أبي طالب هؤلاء الأربعة صلّوا مع الحسينعليه‌السلام وكانت اُمّهم اُمّ البنين بنت

____________

١ - في البحار: سبعة من بني عقيل، وفي مناقب ابن شهراشوب: ٤/١١٢: « تسعة » بدل « سبعة » وزاد في الأسماء: عون بن عقيل فقط.

٢ - من البحار.

٣ - كذا في المناقب والبحار، وفي الأصل: سبعة.

٤ - مقال الطالبيّين: ٥٣ - ٥٦، عنه البحار: ٤٥/٣٩.

حزام بن خالد بن ربيعة بن الوحيل(١) ، وهو عامر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وكان العبّاس أكبرهم، وهو آخر من قُتل من إخوته لاُمّه وأبيه.

و في العبّاسعليه‌السلام يقول الشاعر:

أحقّ الناس أن يبكي عليه

فتى أبكى الحسين بكربلاء

أخوه وابن والده عليّ

أبو الفضل المضرّج بالدماء

ومن واساه لا يثنيه شيء

فجادله على عطش بماء

وفيه يقول الكميت بن زيد:

وأبو الفضل إنّ ذكرهم الحلو

شفاء النفوس من أسقام

قتل الأدعياء إذا قتلوه

أكرم الشاربين صوب الغمام

وكان العبّاس رجلاً جسيماً وسيماً جميلاً، وكان يركب الفرس المطّهم(٢) ورجلاه تخطّان الأرض، وكان يقال له قمر بني هاشم، وكان لواء الحسينعليه‌السلام معه يوم قُتل.

وكانت اُمّ البنين اُمّ هؤلاء الإخوة الأربعة تخرج إلى البقيع فتندب بنيها أشجى ندبة وأحرقها، فيجتمع الناس إليها يسمعون منها، وكان مروان يجيء فيمن يجيء فيسمع ندبتها ويبكي.

وعبد الله الأصغر، ومحمد الأصغر، وأبوبكر، يشكّ في قتله.

وأربعة من بني الحسنعليه‌السلام : أبوبكر، وعبد الله، والقاسم؛ وقيل:

____________

١ - كذا في مقاتل الطالبيّين، وفي الأصل: بنت حزام بن خويلد بن الوحيل.

٢ - المُطَهَّمُ من الناس والخيل: الحَسَنُ التَامُّ كلّ شيء منه على حدته، فهو بارع الجمال « لسان العرب: ١٢/٣٧٢ - طهم - ».

وبشر؛ وقيل: عمر وكان صغيراً.

و ستّة من أولاد الحسينعليه‌السلام مع اختلاف فيهم: عليّ الأكبر، [ وإبراهيم ](١) ، وعبد الله، وعليّ الأصغر، وجعفر، ومحمد، وذبح(٢) عبد الله في حجره.

وأسّروا الحسن بن الحسن مقطوعة يده؛ وقيل: لم يقتل محمد الأصغر ابن الحسين(٣) لمرضه؛ ويقال: رماه رجل من بني دارم فقتله.

والمقتولون في الحملة الاُولى من أصحاب الحسين: نُعيم بن عَجلان، وعمران بن كعب، وأنس بن حارث(٤) الأشجعي، وحنظلة بن عمرو الشيباني(٥) ، وقاسط بن زهير، وكنانة بن عتيق، وعمرو بن مشيعة(٦) ، وضرغامة ابن مالك، وعامر بن مسلم، وسيف بن مالك النميري، وعبد الرحمان الأرحبي، ومجمع العائذي، وحباب بن الحارث، وعمرو الجندعي، والحلاس ابن عمرو الراسبي، وسوّار بن حمير(٧) الفهمي، وعمّار بن سلامة(٨) الدالاني،

____________

١ - من المناقب والبحار.

٢ - في المناقب: عبد الله ومحمد وحمزة وعلي وجعفر وعمر وزيد، وذبح

٣ - في المناقب: محمد الأصغر بن عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام .

٤ - في المناقب والبحار: عمران بن كعب بن حارث، وما في المتن يوافقه ما في تسمية من قتل مع الحسين بن عليّعليه‌السلام : ١٥٢ رقم ٢٧ وص ١٥٣ رقم ٥٣.

٥ - ذكر فيما مرّ حنظلة بن سعد الشبامي.

٦ - كذا في المناقب والبحار، وفي الأصل: عمر بن شيبة، وسمّاه في تسمية من قُتل مع الحسين بن عليّعليه‌السلام : ١٥٣ رقم ٤٢: عمرو بن ضبيعة.

٧ - في المناقب: سوّار بن أبي عمير، وفي البحار: سوّار بن أبي حمير، وسمّاه في تسمية من قُتل مع الحسينعليه‌السلام : ١٥٦ رقم ١٠٣: سوّار بن حمير الجابري.

٨ - في المناقب والبحار: عمّار بن أبي سلامة.

و النعمان ابن عمرو الراسبي، وزاهر بن عمرو مولى ابن الحمق، وجبلة بن عليّ، ومسعود بن الحجّاج، وعبد الله بن عروة الغفاري، وزهير بن بشر الخثعمي، وعمّار بن حسّان، وعبد الله بن عمير، ومسلم بن كثير، وزهير بن سليم(١) ، وعبد الله وعبيدالله ابنا زيد البصري، وعشرة من موالي الحسينعليه‌السلام ، وموليان من موالي أمير المؤمنينعليه‌السلام .

هؤلاء المقتولون في الحملة الاُولى الى تمام الخمسين، والباقون قتلوا بعد هؤلاء، وهم: الحرّ، وبرير، وعمرو بن خالد الأسدي، وحبيب بن مظاهر، وزهير بن القين، وغيرهم ممّن ذكرنا أوّلاًرضي‌الله‌عنهم أجمعين، ولعن الله قاتلهم إلى يوم الدين.

قال: ثمّ إنّ عمر بن سعد لعنه الله سرح(٢) برأس الحسينعليه‌السلام يوم عاشوراء - يوم قتل فيهعليه‌السلام - مع خوليّ بن يزيد الأصبحي وحميد بن مسلم الأسدي إلى ابن زياد لعنه الله، ثمّ أمر برؤوس الباقين من أهل بيته وأصحابه فقطعت وسرّح بها مع شمر بن ذي الجوشن [ وقيس بن الأشعث وعمرو بن الحجّاج ](٣) إلى الكوفة، وأقام ابن سعد يومه ذلك وغده إلى الزوال - كما أشرنا أوّلاً -.

وروي أنّ رؤوس أصحاب الحسينعليه‌السلام وأهل بيته كانت ثمانية وسبعين رأساً، وأقتسمتها القبائل لتتقرّب بذلك إلى عبيد الله وإلى يزيد:

فجاءت كندة بثلاثة عشر رأساً، وصاحبهم قيس بن الأشعث.

____________

١ - كذا في المناقب والبحار، وفي الأصل: مسلم.

٢ - في الملهوف: بعث.

٣ - من الملهوف.

و جاءت هوازن باثني عشر رأساً، وصاحبهم شمر.

وجاءت تميم بسبعة عشر رأساً.

وجاءت بنو أسد بستّة عشر رأساً.

وجاءت مذحج بسبعة رؤوس.

وجاء سائر الناس بثلاثة عشر رأساً.(١)

ثمّ أذن ابن سعد بالرحيل إلى الكوفة، وحمل بنات الحسين وأخواته وعلي بن الحسين وذراريهم، فاُخرجوا حافيات حاسرات مسلّبات باكيات يمشين سبايا في أسر الذلّة، فقلن: بحقّ الله ما نروح معكم ولو قتلتمونا إلاّ مررتم بنا على مصرع الحسين، فأمر ابن سعد لعنه الله ليمرّوا بهم من المقتل حتّى رأين إخوانهنّ، وأبناءهنّ، وودّعنهم، فذهبوا بهنّ إلى المعركة، فلمـّا نظر النسوة إلى القتلى صحن وضربن وجوههنّ.

قال: فوالله ما أنسى زينب بنت عليّ وهي تندب الحسين وتنادي بصوت حزين: يا محمدا، صلّى عليك مليك السماء، وهذا حسين مرمّل بالدماء، مقطّع الأعضاء، وبناتك سبايا، إلى الله المشتكى، وإلى محمد المصطفى، وإلى عليّ المرتضى، وإلى حمزة سيّد الشهداء.

وا محمداه هذا حسين بالعراء، تسفي عليه الصبا، قتيل أولاد البغايا، يا حزناه واكرباه، اليوم مات جدّي رسول الله، يا أصحاب محمد، هؤلاء ذرّيّة

____________

١ - نَقَل هذه القطعة المجلسيرحمه‌الله في البحار: ٤٥/٦٢ عن كتابنا هذا، وكذا البحراني في عوالم العلوم: ١٧/ ٣٠٦.

المصطفى يساقون سوق السبايا.

و في بعض الروايات: يا محمداه، بناتك سبايا، وذريتك قتلى، تسفي عليهم الصبا، هذا ابنك مجزوز(١) الرأس من القفا، لا هو غائب فيرجى، ولا جريح فيُداوى، فما زالت [ تقول هذا القول ](٢) حتّى أبكت والله كلّ صديق وعدوّ، حتّى رأينا دموع الخيل تنحدر على حوافرها، ثمّ إنّ سكيّنة اعتنقت جسد الحسين فاجتمع عدّة من الناس حتّى جرّوها.(٣) (٤) .

قلت: ولمـّا قرعت هذه الأخبار الشنيعة بقوارعها سمعي، وأحرقت هذه الآثار الفضيعة فؤادي، وأجرت دمعي بصورتهعليه‌السلام صريعاً بين يدي الأعادي بين بصيرتي، ومثّلته طريحاً في سرّي وفكرتي، ونقشت صورة ذاته الشريفة في لوح حياتي، وأجريت ذكره قتيلاً في خاطري وبالي، وأوقفت في عالم الخيال نحيل بدني بين يديه، ومزّقت بيد فكري جيب صبري جزعاً عليه، وناديت صارخاً بأنّه ينبىء عن عظيم مصيبتي، وندبت جازعاً بزفرة

____________

١ - في الملهوف، محزوز.

٢ - من المقتل.

٣ - في « ح »: لمحرّره الحقير:

أخي يابن اُمّي ليتك اليوم غائب

فلم أراك قطّ قبل يوم وفاة

فأرضى على نيران هجرك اُحرق

بشرط حياتك يا ذا الجود والحسنات

فيرجو وصالك قلبي وقلب مَن

هواك من الأحباب حال حياة

ويا ليت اُمّي لم تلدني ولم أعش

ولم أر جسمك مجروحاً بسيف طغاة

أخي نور عيني أنت امي ووالدي

فأيتمتني والله والأخوات

تنوح سكينة بالحزن والأسى

تقول أبي وأين صاحب الحملات

أبي ما يا أنيسي وكافلي

لحزن طويل منتهاه حياتي

٤ - مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢/٤ - ٣٩، الملهوف على قتلى الطفوف: ١٥٦ - ١٩٠.

تجبر في جنبه رزيّتي، قائلاً: يا حزني، موضع انقضاك مماتي، ويا وجدي خذ منتهاك وفاتي، ويا عبرتي موضع جمودك حفرتي، ويا زفرتي وقت جمودك منيّتي، ويا مهجتي تصاعدي دماً بنار أحزاني من مقلتي، ويا كبدي ذوبي بضرام أشجاني ونفسي، فلأيّ فقيد أدّخر دمعي بعد مصابي بأحبّائي؟ وعلى أيّ شهيد أبذل جهدي بنحيبي وبكائي.

فيا من خدّت واقعة أخاديد في خدودي من ماء جفوني، وأذابت رزّيته أحشائي فاسالتها دماً من شؤون عيوني، أعلى أيّ قانت سواك أشقّ ثوب صبري؟ أم على أيّ هالك غيرك أهتك مصون ستري؟ وحبّك ديني ومعتقدي، وولاؤك روحي في جسدي، وذكرك انيس وحدتي، ومدحك جليس خلوتي، وخيالك في سواد مقلتي، وجمالك في سويداء مهجتي، أيليق البكاء إلاّ على مصيبتك؟ أم يحسن العزاء إلاّ لرزيّتك؟ هل لنبيّي سبط غيرك شهيداً فأبكيه؟ أم لولييّ قرّة عين سواك فأرثيه؟ أم للزهراء ثمرة قلب إلاّ جمال بهجتك؟ وهل لأئمة الهدى شرف إلاّ من شريف حضرتك؟

واقعتك أرخصت في سوق الأحزان عقيق عبرتي، ومصيبتك هدّت بمعاول الأشجان قواعد تثبّتي، وأحرقت بقوادح الأسقام مهجتي، وأغرقت أسفاً بتناثر العبرات وجنتي، وبدّلت برقادي سهادي، وصيرّت الأوصاب دثاري ومهادي، فجسمي سقيم، وصبري عديم، وقلبي حريق، وطرفي غريق، لشيبك الخضيب، وخدّك التريب، ونسوتك الاُسارى، وذريتك الحيارى، وأطفالك الّذين سقوا من ثدي الحمام قبل الفطام، وجرعوا كؤوس الممات بمقابل الطعام، ذكر ظعنك يطيف الأحزان بقلبي، وتفوّر حتفك يهيج نيران الأسى غمومي وكربي، ومصرع شبانك يذهل عقلي ولبّي، ومقتل فتيانك

يجعل من دموعي شربي، لغمّتك شجرة الغموم بقلبي نبتت، ولكربتك قواعد الهموم بلبّي ثبتت، سحقاً لأيّامي إن استمسكت بغير عروتكم يدي، وبُعداً لمقامي إن جعلت سواكم معتقدي، وخرساً للهاتي إن فاهت بغير مدحتكم، وعمىً لطرفي إن نظر جميلاً سوى بهجتكم، لا قرّت عيني إن نثرت على غير عروس مجدكم فائق نثري. ولا راف معيني إن أطافت بسوى كعبة جودكم رائق شعري.

أنتم وسيلتي إلى خالقي، وبكم وضحت في الحقّ طرائقي، وإلى نحوكم منطق شكري صرفته، وعلى مدحكم بديع نظامي وقفته، إن رضيتم خدّي موطئاً لأقدامكم، ووجهي موضعاً لنعالكم، وأثبتم اسمي في جرائد عبيدكم، ووفرتم قسمي من عنايتكم وجودكم، فيا زلفتي من ربّي، ويا وصولي وقربي، وإن طردتموني عن أبواب كرمكم، ومحو تموني من دفاتر خدمتكم، فيا خسارة صفقتي ويا سوء عاقبتي، فيا سعادة أنفساً بذلت في طاعتكم أرواحاً وأبداناً، ويا فرحةً طائفة بلغت في نصرتكم بوجوهها وصدورها حساماً وسناناً.

فلعمري لقد حازوا بجميل صبرهم ثواباً جسيماً، فياليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً، جلت رياض الجنّة عرائس أزهارها على زهيرهم، وأعلت على منازل أبرارها درجة حرّهم وبريرهم، وجعلت حبيبهم حبيب حور عينها، وصيرت لمنثور لؤلؤها لون جُونها، ووهب وهبتها من غرفاتها أعلاها، ويسّرت لمسلمها من قداح لذاتها معلّاها، كانت دار النعيم أشدّ شوقاً إليهم، وأشدّ ابتهاجاً بمقدمهم منهم عليها، وفوا لله سعيهم فوفى لهم بما عاهدهم، وصدقوا ما عاهدوه عليه فأنالهم الحسنى وزيادة على ما وعدهم.

فوا أسفاه إذ لم أكن معهم شهيداً، وواحزناه إذ لم أكن في زمرتهم عديداً، أتلقّى عن سيّدي رماح الأعداء كما تلقّوا بقلوبهم وصدورهم، واُقابل صفاح الأشقياء كما قابلوا بوجوههم ونحورهم، وأجعل خدّي جُنّة لجَنّتي في حشري، ووجهي وقاية لمعادي يوم نشري، ويراني سيّدي لأمره سميعاً مطيعاً، وبين يديه شهيداً صريعاً، قد قطّعت في نصره أعضائي، واُريقت في جنبه دمائي، مجاهداً عنه بقولي وفعلي، مجالداً بسيفي ونبلي، قائلاً:

يا اُمّة كفرت بأنعم ربّها، واستوجبت سوء العذاب بحربها، وقطعت رحم رسولها، وانتهكت حرمة بتولها، وهدمت بنية إسلامها، ونكثت بيعة إمامها، تبّاً لك من اُمّة شرت ضلالها بهداها، ودنياها باُخراها، ونكصت على أعقابها، بلامع سرابها.

ويلكم أتدرون على من جرّدتم سيوفكم، ورتّبتم صفوفكم؟ هذا سبط خاتم الرسل، وريحانة موضح السبل، أشرف من مشى على وجه الغبراء، وأفضل من تأزّر بالمجد وارتدى، وأفخر من قامت سيّدة النساء، وأجمل من كفلته البضعة الزهراء، حجرها مهده، وفرعها ولده، وثديها مشربه، وكتف والدها مركبه، عنه سماء صلب نبيّكم انفطرت، ومنه ينابيع ذرّيّة وليكم تفجّرت، خادم مهده جبرائيل، وبشير مولده ميكائيل، ووليّ عقد نكاح اُمّه الملك الجليل، وخطيب عرس والده راجيل.

سفهت أحلامكم، ونكست أعلامكم، وأحاطت أطواق العار بأعناقكم، واستوجبت أطباق النّار بنفاقكم، يا عباد الجبت والطاغوت، ويا كفّاراً بصاحب العزّة والجبروت، يا جند الشيطان، ويا أعداء الرحمان، أليس

هذا ابن نبيّكم وهاديكم؟ أليس أبوه بنصّ الغدير واليكم؟ نقضتم حبل إسلامكم، وعكفتم على أصنامكم، أهذا كان جزءاً من اُرسل إليكم رحمة، وعليكم نعمة، أن تقتلوا ذرّيّته، وتهتكوا اُسرته، وتذبحوا أطفاله، وتقتلوا رجاله، تبّاً لكم يا قتلة أولاد النبيّين، وبعداً لكم يا خذلة أوصياء المرسلين.

ثمّ أزدلف لقتالهم بقالبي وقلبي، مشتاقاً بجهدي إلى لقاء ربّي، طالباً درجة الشهادة بين يدي وليّي وابن وليّي، راغباً في منازل السعادة بمرافقة رسولي ونبيّي، اُورد حسامي من نحورهم، واصدر عاملي من صدورهم، أتلقّى سيوفهم بسواعدي ومناكبي، وأردّ سهامهم بوجهي وترائبي، لا ضارع ولا ناكل، ولا خاضع ولا متواكل، بل عزمي أمضى من ذي شفرتين، وحدّي أقطع من ذي حدّين، أقذف بعزيز نسبي في جموعهم، واُبالغ بعروفي عصبي في تقطيعهم، مبالغاً في النصيحة لوليّ أمري. سمحاً في جهاد أعدائه بالبقيّة من عمري، متلقّياً من سهام القوم ما يصل إليه، مقطّعة اوصالي بسيوفهم بين يديه.

فيالها حسرة في قلبي مدّتها لا تنقضي، وغصّة في نفسي جمرتها لا تنطفي، إذ لم أرق بقدم الشهادة إلى منازل الأبرار، ولم اطر بقوادم السعادة إلى مواطن الأخيار، بل قعد بي جسدي، وكَلَّ عن ذلك جدّي، وتأخّر زمن وجودي، وغابت أنجم سعودي، قبل بلوغ مجهودي، ونيل مقصودي.

فها أنذا أنشد من قلب بسهام المصائب مصاب، وأروي عن فؤاد بضرام النوائب مذاب، مرتدياً ببردة حزني على ولد البتول، ومعارضاً برائق نظمي ببرداة أشرف نبيّ ورسول:

ا لصبر والحزن مقطوع وموصول

والنوم والدمع ممنوع ومبذولُ

والجسم منسقم والطرف منسجم

والوجد محتكم والقلب متبولُ

وفي فؤادي من فرط الأسى حرق

منها الحشا بضرام الحزن مشعولُ

من ما جرى بعد خير الرسل من عصبٍ

في الدين من سعيها نقص وتبديلُ

خانت عهوداً وأيماناً مؤكّدة

فالحقّ من جهلها في الناس مجهولُ

مما جنت سفها يوم السقيف دم

الوصيّ صنو رسول الله مطلولُ

وسبطه بوجي السمّ مخترم

وشِلْوُه في صعيد الطفّ مقتولُ

خانوه إذ وعدوه حفظ اُسرته

فالعقد منهم بكفّ الغدر محلولُ

وفي الغدير أقروّا باللسان وفي ال‍ـ

‍ـفؤاد عهدهم بالنقض مفلولُ

يا اُمّة كفرت بالله إذ مكرت

بعقد خمّ وغرّتها الأباطيلُ

وضيّعوا ما به أوصى النبيّ وما

يوم القيامة عنه المرء مسؤولُ

من صدق ودّ اولي قربى النبيّ ومَن

فيهم أتانا من الرحمن تنزيلُ

قوم ولاؤهم فرض وحبّهم

حبل بحبل إله العرش موصولُ

سل عنهم « هل أتى » تلقى بها شرفاً

في ذكره لهم مدح وتفضيلُ

وفي العقود وفي النجوى مديحهم

يزينه من سليم القلب ترتيلُ

وإن تلاه زنيم الأصل حلّ به

من خبث باطنه بالجهل تأويلُ

فكلّ فخر على أبواب مجدهم

له سجود وإذعان وتقبيل

البحر علمهم والطود حلمهم

بفضلهم كامل الإفضال مفضول

أخنى الزمان عليهم فانثنوا ولهم

بأس لمجمله بالصبر تفصيلُ

في كربلاء أصبحوا يروي مناقبهم

حتى القيامة جيل بعده جيلُ

طافت عليهم بكأس الموت طائفة

فكلهم لعقاب الحتف مغلولُ

فاستشعروا حبنا من حسن صبرهم

بها رضا الله مطلوب ومأمولُ

مضوا كراماً بأرض الطفّ يشملهم

من ذي المعارج توقير وتبجيلُ

نالوا بقتلهم في الله ما قصرت

عن وصفه من بني الدنيا الأقاويلُ

حازوا السعادة من بذل النفوس ففي

دار الخلود لهم فضل وتفضيلُ

لم ينسخ الظلّ منها ضوء مشرقه

فيا لهم بجميل الصبر تنويلُ

راقت مشاربها فاقت عجائبها

فسعى طالبها ما فيه تضليلُ

أشباحهم في الثرى منبوذة ولهم

أرواح صدق لها بالصفو تكميلُ

قوم لأوجههم يوم القراع وفي

بذل المكارم تقطيب وتهليلُ

قوم تراهم وسوق الحرب قائمة

والرمح والسيف منصوب ومسلولُ

أسد الشرى في ظلام النقع ترفل في

سرد الحديد لها سمر القناغيلُ

أجسادهم بعروض الموت قطعها

من الصوارم في الهيجاء تفاعيلُ

لها ثرى كربلاء مغنى وللملأ الـ

أعلى لدى تربها حمداً وتهليلُ

في الله مذ بذلوا الأرواح قيل لهم

في جنّة طاب مثواها لكم قيلُ

معارج العالم العلويّ منزلهم

له عليه بأمر الله تنزيلُ

يا من مصابهم أوهى قواي فما

للحزن عن قلبي المكروب تحويلُ

قضيّة الصبر في أحشائي مهملة

والكرب والغم موضوع ومحمولُ

لهفي لنسوتكم عنفاً تساق على

كور المطي لها بالسير تعجيلُ

وفي الرماح بدور من وجوهكم

لها بشمس الضحى بالحسن تمثيلُ

يا اُمّة قتلت آل الرسول وفي

عفو الإله لها بالظن تأميلُ

ضلّت مساعيكم خابت ظنونكم

فما لكم غير خزي الله محصولُ

قد هيّئت لكم في الحشر أربعة

نارٌ وعارٌ وأغلالٌ وتنكيلُ

يعوذ أهل لظى منكم ويلعنكم

أهل الضلال وفرعون وقابيلُ

قتلتم عترة خير الأنام لهم

جدُّ وسادسهم في العدِّ جبريلُ

ومن بفضلهم في الذكر قد شهدت

من غافر الذنب في القرآن تنزيلُ

ومن لهم بفؤادي منزل رحب

بخالص الودّ معمور ومأهولُ

يا عاذلي لا تلمني إن بكيت دماً

لما عراهم فما ذو الحزن معذولُ

من سفح عيني في سفح الطفوف جرى

عقيق دمع بكفّ الوجد معمول

ويا معاشر لوّامي على جزعي

لما أصابهم ما شئتم قولوا

اسناد وجدي صحيح لا خلاف به

لكن أحاديث سلواني مراسيلُ

دعواي صدق ولاءهم لا يدنّسه

شكّ بوسوسة الشيطان مغلولُ

لمرسل الدمع من عيني معجزة

فيها دليل على صدق ومدلولُ

صرفت نحوهم من منطقي درراً

بيانها من معاني الحبّ منقولُ

إذا تلاها وليّ طاب مولده

له فؤاد على الاخلاص مجبولُ

بهذه طرباً موصول نعمتها

ومن بلاغتها وصل وتذييلُ

يا سادتي يا بني طه الهداة ومن

بحبّهم عملي في الحشر مقبولُ

ومن إذا خابت الآمال كان بهم

لي في المعاد إذا حوسبت مأمولُ

كم شانىء صدّه الله العليّ بكم

عنّي فردّ بغيض وهو مخذولُ

يصدّ عنّي بوجه كالح وله

طرفٌ بمرود ما يجفيه مكحولُ

رام انتقاصي برأي قائل فلذا

ك الحدّ منه بعون الله مغلولُ

إذا تصوّرت ما ابداه من حمق

فيه لقلبي تخويف وتهويلُ

جعلتكم جُنّتي من ينل فتنته

فتنثني وهو بالتوبيخ مرذولُ

يا من هم عصمتي في النائبات ومَن

أمري إليهم مدى الأيّام موكولُ

لا تطردوني عن أبواب جودكم

فأنتم غايتي والقصد والسؤلُ

حسّاد رائق شعري في مديحكم

إليَّ ترمق منهم أعين حُولُ

مددت كفّ سؤالي نحو سيبكم

إذ ليس لي غيركم في الناس مسؤولُ

سجّل دعواي في صدق الولاء له

من حاكم العقل أبيات وتسجيلُ

ولي شهود على إثبات معتقدي

لها من الله بالتصديق تعذيلُ

لدر فائق نظمي في محبّتكم

بالدر من ناقد الألفاظ تعديلُ

منّي عليكم سلام ليس يحصره

من طالب عده جد ولا قيلُ

ما لاح صبح به للناظرين هدى

أو فاح روض بماء المزن مبلولُ

المجلس الثامن

في الأحوال الّتي جرت بعد قتل الحسينعليه‌السلام

من سبي ذراريه ونسائه، وحملهم إلى اللعين

ابن مرجانة لعنه الله، ثمّ منه إلى يزيد بن معاوية عليهما

لعنة الله والملائكة والناس أجمعين

الخطبة:

الحمد لله الّذي أشرقت بنور عناية قلوب العارفين، وتعلّقت بأذيال رحمته أرواح السالكين، وغرقت في بحار ربوبيّته عقول العالمين، واحترقت بشعاع سحاب بهجته أفئدة العالمين، وأطلعت على أسرار حكمته نفوس المخلصين، وتاهت في بيداء إلهيّته أفكار الطالبين، فانقلبت أبصار بصائرهم حيرة عن إدراك كمال عظمته، ورجعت أنفسهم خاسئة عن تصوّر جلال عزّته، وقعد بهم جدّهم عن الوصول إلى كعبة عرفانه، وطال عهدهم في طلب المحجوب من أسرار عظيم شأنه، فعلموا أنّ جلاله جلّ عن الاحاطة بفكر وضمير، ومجده عزّ عن الشبيه والنظير، فعزفت أنفسهم عن مشاركة اُولي الأنفس الناقصة لكمالها وتمامها، وعرجت إلى الرفيق الأعلى بأقدام عزمها وإقدامها، وشربت من عين الحياة الباقية الّتي لا انقطاع لمعينها، وطلبت درجة السعادة العالية الّتي لا انقضاء لنعيمها، فأطلعها مبدعها على أسرار ملكوته،

ونفعها صانعها بحلل عرفان صفات جبروته، فأشرقت أنوار توفيقه على مرايا أفئدتها، فانطبع مثال العالم العلويّ والسفليّ في ألواح معرفتها.

ولمـّا أفرغ سبحانه حلل العناية على أعطافها، ومنحها من كنوز العصمة ذخائر ألطافها، أنزلها إلى عالم الفناء لاستنقاذ عباده من ورطة جهالتهم، وتخليص أنامه من لجّة حيرتهم، وأن يسلكوا بهم سبيل النجاة إلى نعيم جنّته، ولورودهم معين الحياة من زلال رحمته، ويحكوا لهم ما شاهدوا من عجائب حكمته، ويصفوا ما عاينوا من غرائب صنعته، وما أطلعهم عليه سبحانه من خواصّ قدرته، وما أعدّ للمتّقين من نعيم لا تفنى أيّامه، ولا تنقضي أعواُمّه، ولا تبلى ثيابه، ولا يتسنّ طعامه وشرابه.

فهدوهم النجدين، وأوضحوا لهم السبيلين، وأروهم ما توعّد به من أرخى لامارته عنان شهوتها، وأجرى جواد معصيته في ميدان لذّتها، من نارٍ فضيع عقابها، وجيع عذابها، ساطع لهبها، شديد كلبها، حامية قدورها، فضيعة شرورها، سلاسلها طوال، ومقامعها ثقال، وأهلها في بلاء شامل، وعناء متواصل، لا ينظر إليهم، ولا يعطف عليهم، قد أغلقت أبواب الرحمة عنهم وانقطعت الآمال منهم، حتّى إذا أوضحوا لهم الدليل، وهدوهم السَّبيل، ونقعوا غليلهم من عين صافية، بكأس وافية، فلبّى دعوتهم، واتّبع شرعتهم، واقتفى أثرهم، وأطاع أمرهم.

رجال صدقت عهودهم، ووفت وعودهم، وخلص يقينهم، وصفى معينهم، لم يلبسوا الظلم إيمانهم، ولم يشوبوا بشكّ إنفاقهم، بذلوا الأجساد في طاعتهم، وجادوا بالأرواح في نصرتهم، فأثبتهم سبحانه في ديوان خواصّه، وشرّفهم بتشريفه واختصاصه، وألحقهم بدرجة سادتهم، ورقى بهم إلى منزل

قادتهم، لما بذلوا الأرواح والأجساد في جهاد الأعداء طاعة لربّهم، وتلقّوا الصفاح والصعاد(١) من أكفّ الأشقياء في حربهم، وقويت بامتثال عزائم الله منهم العزائم، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، جعلهم أشرف أهل الجنّة بعد الأنبياء والمرسلين، وسادة الشهداء من الأوّلين والآخرين.

وكان أعظم من اختصّ بهذه الصفات السنّية، والمقامات العليّة، وجعل نفسهُ جُنّة لوليّ أمره، ووقاية لإمام عصره، لمـّا كفر من كفر، وأنكر من أنكر، أصحاب كربلاء الّذين أشرقت أنوار العناية على سرائرهم، وبرقت بوارق الكرامة من ضمائرهم، فشاهدوا ما اُلقي إليهم من غيوب البرزخ بأبصار بصائرهم، ولا حظوا قيام الخلق شتاتاً حين مصادرهم، ورأوا سبط نبيّهم، ورهط وليّهم، قد حفّت بساحته كتائب الطغيان، وأحدقت بعرصته مواكب البهتان، قد خلعوا أربقة الايمان من أعناقهم، وقادهم الشيطان بزمام نفاقهم، فاعتقدوه ربّاً وخالقاًُ ومدبّراً ورازقاً فآثروا طاعته على طاعة ربّهم، وامتثلوا أوامره بقالبهم وقلبهم، وارتدوا على أدبارهم خاسرين، وأصبحوا بأنعم ربّهم كافرين، قد حقّت عليهم كلمة العذاب، واستوجبوا سوء العقاب، يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، ويهدموا منار الاسلام باعتامهم وسفهائهم، وخذلوا الأطهار من ذرّيّة رسولهم، ونصروا الأشرار بفعلهم وقولهم، فاستحبّوا العمى على الهدى، وباعوا الآخرة بالاُولى، وكحلوا بمرود الوقاحة أحداقهم، ولووا عن سماع الموعظة أعناقهم، وكفروا بعد إسلامهم، وجعلوا سيّد شباب أهل الجنّة غرضاً لسهامهم، وأشركوا وألحدوا، وأخلفوا ما أوعدوا، وصبّوا شآبيب نبالهم

__________________

١ - الصَّعْدَة: قيل: هي نحو من الألّة، والألّة أصغر من الحَرْبَة.

« لسان العرب: ٣/٢٥٥ - صعد - »

على شريف خدّه، وأوردوا معابل انتقامهم من وريد ولده، وجعلوا عياله يندبن صارخات، ويتوسّلن متصرّخات.

فعندها بعث روح القدس في عقولهم، وهزّتهم أريحية الايمان لما شاهدوا من بنات رسولهم، وجعلوا نحورهم موارد الصفاح، وصدورهم مصادر الرماح، ووجوههم وقاية لوليّ أمرهم، وجباههم جنة لوسيلتهم إلى ربّهم في حشرهم.

ولمـّا صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وأصبحو صرعى بين يديه، قد تحمّلوا الأذى واللأواء، وسبقتهم أعضاؤهم إلى جنّة المأوى، واطلّع سبحانه على أسرارهم وإعلانهم، فوجدهم لا يزيد على إخلاصهم وإيمانهم، نقلهم إلى جوار حضرته، ونعيم جنّته، في قصور عالية، وقطوف دانية، وأنهار جارية، ورياض زاهية، قد تفجّرت عيونها، وراق معينها، وابتسمت أزهارها، وأينعت ثمارها، نعيمها لا يبرح، وساكنها لا ينزح، وظلّها مديد، وعيشها رغيد، وأزواجها أطهار، وحورها أبكار، لا يذوقون الموت، ولا يخشون الفوت، سقفها عرش الرحمن، وصعيدها رضا المنّان.

ولمـّا فارقت الأرواح منهم الأشباح، وتكاملت بالسعادة الأبديّة لهم الأفراح، وسيقوا إلى الجنّة زمراً، واستنشقوا رياح الرحمة نشراً، اُقيموا على أعتابها، واُوقفوا بأبوابها، منتظرين قائدهم، وورود رائدهم، حتّى إذا شرب صلوات الله عليه من كأس المنيّة ما شربوا، ورغب من جوار الله بما فيه رغبوا، أقبلت صفوف الملائكة بين يدي حضرته قائمين، بشرائط خدمته قائلين: أبشر بلقاء جدّك وأبيك، وجوار اُمّك وأخيك، فهم إلى رؤيتك مشوّقون، ولمقدمك متشوّفون.

ولمـّا شاهد صلوات الله عليه شهداء قد سبقوا، وبفناء الجنّة أحدقوا، قد حمدوا مشاربهم، وبلغوا مناهم، وشكروا مسعاهم، قد أزلفهم مولاهم، وأتحفهم وحيّاهم، وقرّبهم وأدناهم، واطمأنّت بهم الدار، وطاب لهم القرار، وزالت المتاعب، وأمنت المصائب، وجمع شملهم بحبيب قلوبهم، واُنيلوا من النعيم المقيم زيادة على مطلوبهم، وفتحت لهم أبواب الجنّة بأمر ربّ العالمين، وقيل لهم:( ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنينَ ) (١) . فاستوطنوا من غرفها أعلاها، واستشعروا من حللها أضفاها، وسقوا من كؤوسها أصفاها، وعانقوا من حورها أسناها، تجري من تحت أبنيتهم الأنهار، والملائكة يدخلون عليهم من كلَّ باب( سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ) (٢) .

ولمـّا أحلّهم سبحانه دار المقامة، وأنزلهم منازل الكرامة، وأزارهم ملائكته المقرّبين، ورافق بهم أنبياءه المرسلين( وَقَالُوا الْحَمْدُ لله الَّذي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أجْرُ الْعَامِلِينَ ) (٣) فأقاَموا في نعمة لا حصر لعدّها، وداموا في سعادة لا انتهاء لحدّها،( يَطُوفُ عَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدوُنَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُوَنَ وحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (٤) .

فيا حسرتي إذ لم أكن من السابقين في حلبتهم، أو المصلّين في سبقتهم، المحسوبين في زمرتهم، المعدودين من جملتهم، أتمتّع برؤية أوليائي كما

__________________

١ - سورة الحجر: ٤٦.

٢ - سورة الرعد: ٢٤.

٣ - سورة الزمر: ٧٤.

٤ - سورة الواقعة: ١٧ - ٢٤.

تمتّعوا، وأنْقَع غليلة أشواقي بمشاهدة ساداتي كما نقعوا، إذا بارك الجليل عليهم من فوق عرشه عمّتني بركته، وإذا أرسل جوده إليهم غمرتني رحمته، وإذا علم سبحانه ذلك من خالص نيّتي، وصادق طويّتي، فالمرجوّ من فيضه العميم، وفضله الجسيم، أن يلحقني بدرجتهم، ويرقى بي إلى منزلتهم، وأن يبلغ فؤادي بهذه النيّة الخالصة غاية أمله، فإنّ نيّة المرء خير من عمله.

المناجاة

يا حليماً لا يعجل في حكمه، ويا عليماً لا يخرج شيء عن علمه، ويا قاهراً لا يعجزه شيء من مخلوقاته، ويا قادراً على كلّ من عداه من مصنوعاته، ويا مبدع كلّ صورة لا من مادّة وصورة، ويا من كلّ نفس في قبضة قهره مأسورة، ويا من أحيى قلوب أوليائه بزلال محبّته، ويا من فطر نفوس أحبّائه على مراقبته وطاعته، واستخلصهم لنفسه واصطفاهم، وأيّدهم بروح قدسه واجتباهم، وتجلّى لهم في ذكره الصادر عن حضرة عزّته، فظهر لبصائرهم في بدائع ما اخترع من لطيف صنعته، فشاهدوا كلّ ما سواه حقيراً في جنب عظمته أسيراً في قبضة مننه، معدوماً بالنسبة إلى وجوب وجوده، موسوماً بسمة الافتقار الى فيضان جوده.

ولمـّا ارتوت أنفسهم القدسيّة من معين عرفانه، واطّلعت أرواحهم العلويّة على جلال عظيم سلطانه، بذلوا تلك النفوس الطاهرة في حبّه، وطلبوا بهممهم العالية منازل قربه، ووالوا أولياءه بقلوب لا يشوبها شكّ، وجاهدوا أعداءه بأبدان لا يشيبها شرك، يرون القتل في حبّه عزّ الآخرة والاُولى، والموت في طاعته وسيلة إلى السعادة الكبرى، كشف لهم الحجاب فشاهدوا ما ستر عن

غيرهم، وحثّوا الركاب فنالوا المنى بسيرهم.

ولمـّا علموا أنّهم لا يمنعهم من حصول المطلوب بوصال المحبوب، ولا يحجبهم عن السرّ المحجوب في سترات الغيوب، إلّا خلع ملابس الحياة الفانية، والتجرّد عن خيالات النفس الواهية، والاتّصال بالمبدع الأكمل، والترقّي إلى المقام الأفضل.

بذلوا الأجساد والأموال لتخليص أنفسهم من كدورات ظلمات أبدانها، وبالغوا في إخراجها عن محلّ متاعها وحوادث أزمانها، وباعوها من ربّها بالثمن الأوفى، وبذلواها لمالكها بالعوض الأعلى، وجاهدوا أعداءه إعلاءً لكلمته، ونصروا أولياءه إخلاصاً بطاعته حتّى خلصت أنفسهم من سجون أحسادها، وبلغت أرواحهم من السعادة الأبديّة أقصى مرادها، فأصبحوا في عرصة كربلاء بين مخذول قد فقدت منه الأنصار، ومقتول تسفي عليه عواصف الأعصار، وظمآن سقى نهلته بكؤوس الحتوف، ولهفان لم تنقع غلّته إلاّ غروب السيوف.

أسألك بحقّ تلك الأرواح المبذولة في محبّتك، والأشباح المنبوذة في نصرتك، والأوداج المقطّعة في إعلاء كلمتك، والأشباح المبضّعة لتأييد حجّتك، وبحقّ تلك النفوس الّتي قواعد إيمانها على التقوى مؤسّسة، وبحقّ تلك الأبدان الّتي اُصول مجاريها بطهور العصمة مقدّسة، وبحقّ تلك الضرائح الّتي هي مهابط متقرّبي ملائكتك، وبحقّ تلك المشاهد الّتي شرفت ثراها بأجساد اوليائك وخاصّتك أن تصلّي على محمد وآل محمد، وأن تجعلنا ممّن جلّ مصابه لمصيبتهم، وعظم بلاؤه لبليّتهم، وأضرمت نيران الأحزان شواظها في فؤاده، وأوردته موارد الأشجان في إصداره وإيراده، وأغرقت في لجّة العبرات إنسان

مقلته، وأحرقت بتصاعد الزفرات لهفان مهجته، وأن يكشف كربنا بقيام قائمهم الداعي إليك، وأن تدفع غمّنا بظهور عالمهم الدليل عليك، وأن تجعلهم شفعاءنا إليك في حشرنا، ووسائلنا لديك يوم نشرنا، إنّك سميع قريب، رحيم مجيب.

فصل

ثمّ إنّ عمر بن سعد لعنة الله عليه ارتحل في اليوم الثاني عشر من مقتل الحسينعليه‌السلام وساق حرم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كما يساق الاُسارى، حافيات حاسرات مسلّبات باكيات يمشين في أسر الذلّ، حتّى إذا وصل الكوفة خرج الناس لاستقباله، فجعلوا يبكون ويتوجّعون، وعليّ بن الحسينعليه‌السلام مريض قد نهكته العلّة، فجعل يقول: إنّ هؤلاء يبكون ويتوجّعون من أجلنا، فمن قتلنا؟!

قال بشير بن خزيم(١) الأسدي: نظرت إلى زينب بنت عليّعليه‌السلام فلم أر خفرة قطّ أنطق منها كأنّما تفرغ من(٢) لسان أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فأومت إلى الناس أن اسكتوا فسكتت الأصوات، فقالت:

الحمد للهِ، والصلاة على محمد(٣) رسول الله وعلى آله الطيّبين الأخيار.

يا أهل الكوفة، يا أهل الختل والخذل، أتبكون؟ فلا رقأت الدمعة، ولا هدأت الرنّة، فإنّما مثلكم كمثل الّتي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثاً، تتّخذون أيمانكم دخلاً بينكم.

__________________

١ - في المقتل: حذيم، وفي مستدركات علم الرجال: ٢/٣٧: جزيم.

٢ - في المقتل: كأنّما تنطق عن.

٣ - في المقتل: أبي محمد، وفي الملهوف: جدّي محمد.

ألا وهل فيكم إلّا الصلف النطف، والصدر الشنف، وملق(١) الاماء، وغمز الأعداء؟ أو كمرعى على دمنة، أو كقصّة(٢) [ على ](٣) ملحودة.

ألا ساء ما قدّمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون.

أتبكون وتنتحبون؟ إي والله فابكوا كثيراً، واضحكوا قليلاً، [ فلقد ](٤) ذهبتم بعارها وشنارها، ولم ترحضوها بغسل بعدها أبداً، وأنّى ترحضون قتل سليل [ خاتم ](٥) الأنبياء، وسيّد شباب أهل الجنّة غداً، وملاذ خيرتكم، ومفزع نازلتكم، ومنار حجّتكم، ومدرة ألسنتكم.

ألا ساء ما تزرون، فبعداً لكم وسحقاً، فلقد خاب السعي، وتبّت الأيدي، وخسرت الصفقة، وبوّئتم بغضب من الله، وضربت عليكم الذلّة والمسكنة.

ويلكم يا أهل الكوفة، أتدرون أيّ كبد لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فريتم؟! وأيّ دم له سفكتم؟ [ وأيّ كريمة له أبرزتم؟! ](٦) وايّ حريم له أصبتم؟! وأيّ حرمة له انتهكتم؟!( لَقَدْْ جِئْتُمْ شَيْئاً إدْاً تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً ) (٧) إن [ ما ](٨) جئتم بها [ لصلعاء عنقاء سوداء فقماء ](٩) خرقاء شوهاء كطلاع الأرض أو ملء السماء.

__________________

١ - كذا في المقتل والملهوف، وفي الأصل: قلق.

والصلف: الوقاحة. النطف: التلطّخ بالعيب. الشنف: الكراهة والبغض.

٢ - كذا في المقتل، وهو الصحيح، وفي الأصل والملهوف: كفضّة.

والقصّة: الجصّة بلغة أهل الحجاز.

٣ و ٤ و ٥ و ٦ و ٨ و ٩ - من المقتل.

٧ - سورة مريم: ٨٩ و٩٠.

أ عجبتم أن مطرت(١) السماء دماً؟ ولعذاب الآخرة [ أشدّ و ](٢) أخزى وأنتم لا تنصرون، فلا يستخفنّكم المهل، فإنّه لا يحفزه البدار، ولا يخاف فوت الثار، كلّا وإنّ ربّكم لبالمرصاد، فترقّبوا أوّل النحل وآخر صاد(٣) .

قال بشير: فوالله(٤) لقد رأيت الناس حيارى يومئذ يبكون وقد وضعوا أيديهم(٥) في أفواههم، ورأيت شيخاً من قدماء أهل الكوفة وقد بكى حتّى اخضلّت لحيته بدموعه وهو يقول: صدقت المرأة، كهولهم خير كهول، وشبّانهم خير شبّان، ونساؤهم إذا نطقن أنطق النسوان [ ونسلكم خير نسل لا يخزى ولا يبزى ].(٦)

وروى زيد بن موسى(٧) ، قال: حدّثني أبي، عن جدّيعليه‌السلام ، قال: خطبت فاطمة الصغرى بعد أن ردّت(٨) من كربلاء، فقالت:

الحمد لله عدد الرمل والحصى، وزِنة العرش إلى الثرى، أحمده وأُؤمن به

____________

١ - في المقتل: قطرت.

٢ - من المقتل.

٣ - أيّ قوله تعالى في سورة النحل: ١:( أتَى أمْرُ اللهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ) ، وقوله تعالى في سورة ص: ٨٨:( وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ) .

٤ - كذا في المقتل، وفي الأصل: فوت الثار، وإنّ ربّك لبالمرصاد. قال: فوالله.

٥ - كذا في المقتل، وفي الأصل: وقد ردّوا أبدانهم.

٦ - مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢/٤٠ - ٤٢، الملهوف: ١٩٠ - ١٩٤. وما بين المعقوفين أثبتناه من المقتل.

٧ - هو زيد بن موسى بن جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالبعليهم‌السلام ، توفّي نحو سنة « ٢٥٠ » ه‍.

انظر في ترجمته، مقاتل الطالبيّين: ٥٣٤، جمهرة الأنساب: ٥٥، الكامل في التاريخ: ٦/١٠٤، الأعلام للزركلي: ٣/٦١.

٨ - في الملهوف: وردت.

وأتوكّل عليه، وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّداً عبده ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأن ذبحوا آله بشطّ(١) الفرات بغير ذحل(٢) ولا ترات.

اللّهمّ إنّي أعوذ بك أن أفتري عليك الكذب، وأن أقول عليك خلاف ما أنزلت عليه من أخذ العهود لوصيّة عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، المسلوب حقّه، المقتول من غير ذنب كما قتل والده بالأمس في بيتٍ من بيوت الله، فيه معشر مسلمة ألسنتهم، تعساً لرؤوسهم، ما دفعت عنه ضيماً في حياته ولا عند مماته، حتّى قبضته إليك محمود النقيبة، طيّب العريكة، معروف المناقب، مشهور المذاهب، لم تأخذه [ اللّهمّ ](٣) فيك لومة لائم، ولا عذل عاذل، هديته يا ربّ بالاسلام صغيراً، وحمدتَ مناقبه كبيراً، لم يزل ناصحاً لك ولرسولكصلى‌الله‌عليه‌وآله حتّى قبضته إليك، زاهداً في الدنيا، غير حريص عليها، راغباً في الآخرة، مجاهداً [ لك ](٤) في سبيلك، رضيته فهديته(٥) إلى صراطٍ مستقيم.

أمّا بعد: يا أهل الكوفة، يا أهل المكر والغدر والخيلاء، إنّا أهل بيت ابتلانا الله بكم، وابتلاكم بنا، فجعل بلاءنا حسناً، وجعل علمه عندنا، وفهمه لدينا، فنحن عيبة علمه، ووعاء فهمه وحكمته، وحجّته على الأرض في بلاده لعباده، أكرمنا الله بكرامته، وفضّلنا بنبيّه محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله على كثير ممّن خلق تفضيلاً بيّناً.

__________________

١ - في الملهوف: وأنّ ذرّيّته ذبحوا بشطّ.

٢ - الذحل: الحقد والعداوة؛ يقال: طلب بذحله، أيّ بثأره. « الصحاح: ٤/١٧٠١ - ذحل - ».

٣ و ٤ - من الملهوف.

٥ - في الملهوف: رضيته فاخترته وهديته.

فكذّبتمونا وكفّرتمونا، ورأيتم قتالنا حلالاً وأموالنا نهباً، كأنّا أولاد ترك وكابل، كما قتلتم جدّنا بالأمس، وسيوفكم تقطر من دمائنا أهل البيت لحقد متقدّم، قرّت بذلك عيونكم، وفرحت قلوبكم، افتراء على الله ومكراً مكرتم، والله خير الماكرين.

فلا تدعونّكم أنفسكم إلى الجذل بما أصبتم من دمائنا، ونالت أيديكم من أموالنا، فإنّ ما أصابنا من المصائب الجليلة والرزء العظيم في كتاب من قبل أن نبرأها، إنّ ذلك على الله يسير، لكيلا تأسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما أتاكم والله لا يحبّ كلّ مختال فخور، أمثالكم(١) ، فانتظروا اللعنة والعذاب، فكأن قد حلّ بكم، وتواترت من السماء نقمات فيسحتكم بما كسبتم، ويذيق(٢) بعضكم بأس بعض، ثمّ تخلّدون في العذاب الأليم يوم القيامة بما ظلمتمونا، ألا لعنة الله على الظالمين.

ويلكم، اتدرون أيّ أيد طاعنتنا منكم؟ وأيّ(٣) نفس نزعت إلى قتالنا؟ أم بأيّة رجل مشيتم إلينا تبغون محاربتنا؟ قست والله(٤) قلوبكم، وغلظت أكبادكم، وطبع على أفئدتكم، ختم على سمعكم وبصركم(٥) ، وسوّل لكم الشيطان وأملى لكم، وجعل على بصركم غشاوة فأنتم لا تهتدون.

تبّاً لكم يا أهل الكوفة، [ أيّ ](٦) ترات لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله

__________________

١ - في الملهوف: تبّاً لكم.

٢ - في الملهوف: فيسحتكم بعذاب ويذيق.

٣ - في الملهوف: أيّة يد وأيّة.

٤ - لفظ الجلالة أثبتناه من الملهوف.

٥ - في الملهوف: أسماعكم وابصاركم.

٦ - من الملهوف.

قبلكم، وذحول له لديكم بما عنتم(١) بأخيه عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام جدّي وبنيه عترة النبيّ الطاهرين الأخيار.

وافتخر بذلك مفتخركم(٢) ، فقال:

نحن قتلنا عليّاً وبني عليّ(٣)

بسيوف هنديّة ورماح

وسبينا نساءهم سبي ترك

ونطحناهم فأيّ نطاح

بفيك أيّها القائل الأثلب والكثكث(٤) ، افتخرت بقتل قوم زكّاهم الله وطهّرهم تطهيراً، وأذهب عنهم الرِّجس، فاكظم واقْعِ كما أقعَى أبوك، وإنّما لكلّ امرىء ما اكتسب وما قدّمت أوائله(٥) ، حسدتمونا - ويلا ً لكم - على ما فضّلنا الله به.

فما ذنبنا إن جاش دهراً بحوُرنا

وبحرُك ساج ما يواري الدّعامصا(٦)

( ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاء وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) (٧) ( وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ ) (٨) .

قال: فارتفعت الأصوات بالبكاء، وقالوا: حسبك يا ابنة الطيّبين، فقد

__________________

١ - في الملهوف: عند تم.

٢ - كذا في الملهوف، وفي الأصل: وافتخر مفتخر.

٣ - كذا في الملهوف، وفي الأصل: قد قتلنا عليّ وابن عليّ.

٤ - في « ح »: الأثلب والكثكث - بكسر الهمزة في الأوّل والكافين في الثاني -: لفظان مترادفان يعني دقاق التراب والحجر يستعملان في الحقارة والذمّ.

٥ - في الملهوف: يداه.

٦ - الدعموص: دويبة تغوص في الماء. « الصحاح: ٣/١٠٤٠ - دعمص - ».

٧ - سورة الحديد: ٢١.

٨ - سورة النور: ٤٠.

أحرقت قلوبنا، وأنضجت(١) نحورنا، وأضرمت أجوافنا، فسكتت.

قال: وخطبت اُمّ كلثوم بنت عليّعليه‌السلام في ذلك اليوم من وراء كلّتها، رافعة صوتها بالبكاء، وقالت:

يا أهل الكوفة، شوّه(٢) لكم، ما لكم خذلتم حسيناً [ وقتلتموه، وانتهبتم أمواله، وورثتموه، وسبيتم نساءه ](٣) ونكثتموه؟ فتبّاً لكم وسحقاً.

و يلكم أتدرون أيّ دواه دهتكم؟ وأيّ وزر على ظهوركم حملتم؟ وأيّ دماء سفكتموها؟ [ وأيّ كريمة اهتضمتموها؟ وأيّ صبية سلبتموها؟ وأيّ أموال نهبتموها؟ ](٤) قتلتم خير رجالات بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ونُزعت الرحمة من قلبوكم، الا إنّ حزب الله هم الغالبون وحزب الشيطان هم الخاسرون.

ثمّ قالت:

قتلتم أخي صبراً فويل لأُمّكم

ستُجْزون ناراً حرّا يتوقّدُ(٥) ن

سفكتم دماءً حرّم الله سفكَها

وحرّمها القرآنُ ثمّ محمدُ

ألا فابشروا بالنار إنّكم غداً

لفي سقرٍ حقّاً يقيناً تخلدوا

____________

١ - في الملهوف: وأنضحت.

٢ - في الملهوف: سوءاً.

٣ - من الملهوف. وفيه: « ونكبتموه » بدل « ونكثتموه ».

٤ - من الملهوف.

٥ - في الملهوف: لفي قعر نار حرّها يتصعّد.

وإنّي لأبكي في حياتي على أخي

على خير مَن بعد النبيّ سيوجد(١)

بدمعٍ غزيرٍ مستهلٍّ مكفكفٍ

على الخدّ منّي دائماً(٢) ليس يحمدُ

قال : فضجّ الناس بالبكاء والحنين(٣) والنوح، ونشرت النساء شعورها ووضعن التراب على رؤوسها، وخمشن الوجوه، وضربن الخدود(٤) ، ودعون بالويل والثبور، وبكى الرجال [ ونتفوا لحاهم ](٥) ، فلم يُر باكياً ولا باكية أكثر من ذلك اليوم.

ثمّ إنّ زين العابدينعليه‌السلام أومأ إلى الناس أن اسكتوا [ فسكتوا ](٦) ، فقام قائماً فحمد الله وأثنى عليه، ذكر النبيّ [ بما هو أهله ](٧) فصلّى عليه، ثمّ قال:

أيّها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا [ أُعرّفه بنفسي: أنا ](٨) عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، أنا ابن المذبوح بشطّ الفرات من غير ذحل ولا ترات، أنا ابن من انتُهك حريمه، واستُلب نعيمه، وانتُهب ماله، وسُبي عياله، أنا ابن مَنْ قُتل صبراً، وكفى بذلك فخراً.

أيّها الناس، ناشدتكم بالله هل تعلمون أنّكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه

____________

١ - في الملهوف: سيولد.

٢ - في الملهوف: دائب.

٣ - في الملهوف: قال الراوي: فضجّ الناس بالبكاء والنحيب.

٤ - في الملهوف: ونشرت النساء شعورهنّ، وحثين التراب على رؤوسهنّ، وخمشن وجوههنّ، ولطمن خدودهنّ.

٥ و ٦ و ٧ و ٨ - من الملهوف.

وأعطيتموه من أنفسكم العهد والميثاق والبيعة وقاتلتموه وخذلتموه؟! فتبّاً لِما قدّمتم لأنفسكم، وشوهاً(١) لرأيكم، بأيّة عين تنظرون إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله غداً إذ يقول لكم: قتلتم عترتي، وانتهكتم حرمتي، فلستم من أُمّتي؟!

قال [ الراوي ](٢) : فارتفعت اصوات الناس بالنحيب من كلّ ناحية، ويقول بعضهم لبعض: هلكتم وما تعلمون.

فقال صلوات الله عليه: رحم الله امرءً قَبِل نصيحتي، وحفِظ وصيّتي، في الله وفي رسوله وآهل بيته، فإنّ لنا في رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله اُسوة حسنة.

فقال الناس كلّهم بأجمعهم: نحن كلّنا يا ابن رسول الله سامعون مطيعون، حافظون لذمامكم(٣) ، غير زاهدين فيك، ولا راغبين عنك، فمرنا بأمرك يرحمك الله، فإنّا حرب لحربك، وسلم لسلمك، لنأخذنّ يزيد ونبرأ ممَّن ظلمك وظلمنا.

فقالعليه‌السلام : هيهات هيهات، أيّها الغدرة المكرة، حيل بينكم وبين ما تشتهي أنفسكم(٤) ، أتريدون أن تأتوا إليّ كما أتيتم إلى آبائي(٥) من قبل؟! كلّا وربّ الراقصات، فإنّ الجرح لمـّا يندمل، قُتِل أبي صلوات الله عليه بالأمس وأهل بيته معه، ولم يُنسني ثكل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وثكل أبي وبني

____________

١ - في الملهوف: وسوءاً.

٢ - من الملهوف.

٣ - في الملهوف: لذمامك.

٤ - في الملهوف: وبين شهوات أنفسكم.

٥ - في الملهوف: أبي.

أبي، ووجده بين لهواتي(١) ، ومرارته بين حناجري وحلقي، وغصصه تجري في فراش صدري، ومسألتي ألّا تكونوا لنا ولا علينا.

ثمّ قال صلوات الله عليه:

لا غرو إنْ قُتِل الحسين فشيخه

قد كان خيراً من حسين وأكرما

فإن تفرحوا يا أهل كوفان بالّذي

أصاب حسيناً كان ذلك أعظما

قتيلٌ بشطّ النهر روحي فداؤه

وإنّ الّذي ارداه يجزى جهنّما(٢)

ثمّ قالعليه‌السلام : رضينا منكم رأساً برأس، فلا يوم لنا ولا يوم علينا.(٣)

قال [ الراوي ](٤) : ثمّ إنّ ابن زياد جلس في القصر للناس، وأذن للناس إذناً عامّاً، وجيء برأس الحسينعليه‌السلام فوضع بين يديه، وأدخل نساء الحسين وبناته وأخواته وصبيانه [ إليه ](٥) .

فجلست زينب بنت عليّ سلام الله عليها متنكّرة، فسأل عنها؛ فقيل: هذه زينب بنت عليّ.

فأقبل عليها، فقال لعنة الله عليه: الحمد لله الّذي فضحكم وأكذب

____________

١ - كذا في الملهوف، وفي الأصل: لهاتي.

٢ - في الملهوف: جزاء الّذي ارداه نار جهنّما.

٣ - في الأصل - خ ل -: فلا اليوم لنا واليوم علينا، وفي الملهوف: فلا يوم لنا ولا علينا.

٤ و ٥ - من الملهوف.

اُحدوثتكم!!

فقالت: إنّما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر، وهو غيرنا.

فقال ابن زياد: كيف رأيتِ صُنع الله بأخيك وأهل بيتك؟

فقالت: ما رأيت إلاّ جميلاً، وهؤلاء قوم كُتِب(١) عليهم القتل، فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم - يا ابن زياد - فيحاجّون ويخاصمون(٢) ، فانظر لمن الفلج يومئذ(٣) ، هبلتك اُمّك يا ابن مرجانة.

[ قال الراوي: ](٤) فغضب ابن زياد فكأنّه همّ بها، فقال عمرو بن حريث: إنّها إمرأة(٥) ، والمرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها.

فقال ابن زياد: يا زينب، شفيت نفسي من طاغيتك(٦) الحسين والعصاة المردة من أهل بيتك.

فقالت زينب: لعمري لقد قتلتَ كهلي، وقطعتَ فرعي، واجتثثتَ أصلي، فإن كان هذا شفاك فقد اشتفيت.

فقال ابن زياد لعنه الله: هذه سجّاعة، ولقد كان أبوها شاعراً سجّاعاً.

__________________

١ - في الملهوف: كَتَب الله.

٢ - في الملهوف: فتحاجّ وتخاصَم.

٣ - كذا في الملهوف، وفي الأصل: فانظر يومئذ الفلج.

٤ - من الملهوف.

٥ - في الملهوف: فقال له عمرو بن حريث: أيّها الأمير إنّها امرأة.

وعمرو هذا هو: عمرو بن حريث بن عمرو بن عثمان المخزومي، كانت داره مأوى لأعداء أهل البيتعليهم‌السلام ، وليّ الكوفة لزياد بن أبيه ولابنه عبيد الله، مات سنة « ٨٥ » ه‍. « سير أعلام النبلاء: ٣/٤١٧ - ٤١٩، الأعلام: ٥/٧٦ ».

٦ - في الملهوف: فقال لها ابن زياد: لقد شفى الله قلبي من طاغيتك.

فقالت: يا ابن زياد، ما للمرأة والسجاعة؟ إنّ لي عن السجاعة لشغلاً.

فالتفت ابن زياد إلى عليّ بن الحسين، فقال: مَن أنتَ؟

فقال : أنا عليّ بن الحسين.

فقال: ألم يقتل الله(١) عليّ بن الحسين؟ فسكت.

فقال: ما لك لا تتكلّم؟

فقال: كان لي أخ يقال له عليّ(٢) ، قتله الناس - أو قال: قتلتموه - وانّ له منكم مطلباً يوم القيامة.

فقال الملعون: بل الله قتله.

فقال عليّ بن الحسينعليه‌السلام :( اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ) (٣) ،( وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً ) (٤) .

فقال الملعون: أنت والله منهم، وبكَ جرأة على جوابي، اذهبوا به، فاضربوا عنقه.

فسمعت عمّته زينب، فقالت: يا ابن زياد، إنّك لم تبقِ منّا أحداً، فإن كنتَ قد عزمتَ على قتله فاقتلني معه.

فقال عليّ بن الحسين: اسكتي يا عمّة حتّى اُكلّمه.

____________

١ - في الملهوف: أليس قد قَتَل الله؟

٢ - في الملهوف: كان لي أخ يسمّى عليّ بن الحسين.

٣ - سورة الزمر: ٤٢.

٤ - سورة آل عمران: ١٤٥.

ثمّ أقبل عليه(١) ، فقال: أبالقتل تهدّدني يا ابن زياد؟ أمّا علمَت أنّ القتل لنا عادة وكرامتنا الشهادة؟

فقال ابن زياد: دعوه ينطلق مع نسائه، اخرجوهم عنّي، فأخرجوهم إلى دار في جنب المسجد الأعظم، فقالت زينب: لا يدخلنّ علينا عربيّة إلّا اُمّ ولد أو مملوكة، فإنّهنّ سبين وقد(٢) سبينا.(٣)

ثمّ أمر ابن زياد برأس الحسينعليه‌السلام فوضع في طشت بين يديه فجعل ينكت بقضيب في وجهه وقال: ما رأيت مثل حسن هذا الوجه قطّ، وكان يشبه(٤) وجه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

و قيل: إنّ ابن زياد أرسل إلى أبي برزة صاحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال: كيف شأني وشأن الحسين؟

قال أبو برزة: الله أعلم، فما علمي بذلك؟

فقال: إنّما أسألك عن علمك؟

قال: أمّا إذا سألتني فإنّ الحسين يشفع فيه رسول الله جدّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ويشفع لك زياد.

فقال: اخرج، لو لا ما جعلت لك لضربت عنقك.

وروى [ محمد بن ](٥) خالد الضبي، عن إبراهيم؛ قال: لو أنّي كنت ممّن

____________

١ - في الملهوف: إليه.

٢ - في الملهوف: كما.

٣ - الملهوف على قتلى الطفوف: ١٩٤ - ٢٠٢.

٤ - في المقتل: فقلت: أمّا إنّه كان يشبه.

٥ - من المقتل.

قاتل الحسين ثمّ أتيت بالمغفرة من ربّي فاُدخلت الجنّة لاستحييت من محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ان أمرّ عليه فيراني.

و عن زيد بن أرقم: قال: كنت جالساً عند عبيد الله بن زياد إذ أُتى برأس الحسين صلّى الله عليه فوضع بين يديه فأخذ قضيبة فوضعه بين شفتيه، فقلت: إنّك تضع قضيبك في موضعٍ طالما لثمه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ! فقال: قم إنّك شيخ قد ذهب عقلك.

ثمّ رفع زيد صوته يبكي وخرج وهو يقول: ملك عبد حرّاً، أنتم - يا معشر العرب - العبيد بعد اليوم، قتلتم ابن فاطمة، وأمّرتم ابن مرجانة حتّى يقتل خياركم، ويستعبد شراركم، رضيتم بالذلّ فبعداً لمن رضي.(١)

وعن شهر بن حوشب: قال: لمـّا جاء نعي الحسينعليه‌السلام لعنت اُمّ سلمةرضي‌الله‌عنها أهل العراق، وقالت: قتلوه قتلهم الله تعالى، غرّوه وأذّلوه لعنهم الله.

قيل: إنّ أوّل ذلّ دخل على العرب قتل الحسين وادّعاء زياد.(٢)

ذكر سيّدنا السيّد الجليل فخر آل الرسول عليّ بن موسى بن محمد الطاوس الحسنيرضي‌الله‌عنه انّ ابن زياد لعنه الله أمر برأس الحسينعليه‌السلام فطيف به في سكك الكوفة.

ثمّ قالرضي‌الله‌عنه : ويحقّ أن أتمثّل بابيات لبعض ذوي العقول يرثي

____________

١ - من قوله: « ثمّ رفع يزيد » الى هنا اخرجه المجلسيرحمه‌الله في البحار: ٤٥/ ١١٧ عن كتابنا هذا. وكذا البحراني في عوالم العلوم: ١٧ / ٣٨٤.

٢ - مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢/ ٤١ - ٤٦.

بها قتيل آل الرسول:

رأس ابن بنت محمد ووصيّه

للناظرين على قناة يرفعُ

والمسلمون بمنظر وبمسمع

لا منكر منهم ولا متفجّعُ

كحلت بمنظرك العيون عمايةً

وأصمّ رزؤك كلّ اُذنٍ تسمعُ

أيقظت أجفاناً وكنتَ لها كرىً

وأنمتَ عيناً لم تكن بك تهجعُ

ما روضة إلاّ تمنّت أنّها

لك حفرة ولخطّ قبرك موضعُ(١)

قال: ثمّ خرج ابن زياد لعنه الله ودخل المسجد، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: الحمد لله الّذي أظهر الحقّ وأهله، ونصر أمير المؤمنين يزيد وأشياعه، وقتل الكذّاب ابن الكذّاب!!

قال : فما زاد على هذا الكلام شيئا حتّى وثب إليه عبد الله بن عفيف الأزدي، وكان من رؤساء الشيعة وخيارهم، وكانت عينه اليسرى قد ذهبت يوم الجمل، والاُخرى يوم صفّين، وكان لا يكاد أن يفارق المسجد(٢) الأعظم يصلّي فيه إلى الليل، ثمّ ينصرف إلى منزله، فلمـّا سمع مقالة اللعين وثب إليه قائماً وقال: يا ابن مرجانة، إنّ الكذّاب وابن الكذّاب أنتَ وأبوك، ومن استعملك وأبوه، يا عدوّ الله، أتقتلون أبناء خير النبيّين(٣) وتتكلّمون بهذا الكلام على منابر المسلمين؟

فغضب ابن زياد، ثمّ قال: من المتكلم؟

فقال: أنا المتكلّم، يا عدوّ الله، أتقتل الذرّيّة الطاهرة الّتي أذهب الله عنها

____________

١ - في الملهوف: مضجع.

٢ - في الملهوف: وكان يلازم المسجد.

٣ - في الملهوف: أتقتلون أولاد النبيّين.

الرجس في كتابه وتزعم أنّك على دين الاسلام؟ واغوثاه، اين أبناء المهاجرين والأنصار، [ ينتقمون منك و ](١) من طاغيتك اللعين بن اللعين على لسان محمد نبيّ ربّ العالمين؟

قال: فازداد غضب عدوّ الله، ثمّ قال: عليَّ به، فوثب إليه الجلاوزة فأخذوه فنادى بشعار الأزد وعبد الرحمان بن مخنف الأزدي في المسجد، فقال: ويحك أهلكت نفسك وقومك، وكان في الكوفة يومئذ سبعمائة [ مقاتل ](٢) من الأزد، فوثبوا إليه وانتزعوه منهم، وانطلقوا به إلى منزله، ونزل ابن زياد عن المنبر ودخل القصر، ودخل عليه أشراف الناس، فقال: أرأيتم ما صنع هؤلاء القوم؟

فقالوا: قد رأينا أصلح الله الأمير، وإنّما الأزد فعلت ذلك فشدّ يدك على ساداتهم فهم الّذين استنقذوه من يدك، فأرسل ابن زياد إلى عبد الرحمان بن مخنف الأزدي فأخذه، وأخذه معه جماعة من [ أشراف ](٣) الأزد فحبسهم، وقال: لاخرجتم من يدي أن تأتوني بعبد الله بن عفيف، ثمّ دعا بعمرو بن الحجّاج الزبيدي ومحمّد بن الأشعث وشبث بن ربعي وجماعة من أصحابه، وقال لهم: اذهبوا إلى هذا الأعمى الّذي أعمى الله قلبه كما أعمى بصره فائتوني به.

وانطلقت رسل اللعين، يريدون ابن عفيف، وبلغ ذلك الأزد فاجتمعوا، واجتمع معهم قبائل اليمن ليمنعوا صاحبهم عبد الله بن عفيف.

وبلغ ذلك ابن زياد فجمع قبائل مضر وضمّهم إلى محمد بن الأشعث

__________________

١ - من الملهوف.

٢ و ٣ - من المقتل.

وأمره(١) بقتال القوم.

قال: فأقبلت قبائل مضر نحو قبائل اليمن فاقتتلوا قتالاً شديداً، وبلغ ذلك ابن زياد فأرسل إلى أصحابه يوثّبهم ويضعّفهم، فأرسل إليه عمرو بن الحجّاج يخبره باجتماع اليمن عليهم، وبعث إليه شبث بن ربعي: أيّها الأمير، إنّك أرسلتنا إلى اُسود(٢) الآجام فلا تعجل.

قال : واشتدّ قتال القوم حتّى قتل بينهم جماعة من العرب.

ووصل القوم إلى دار عبد الله بن عفيف، فكسروا الباب واقتحموا عليه، وصاحب ابنته: يا أباه، أتاك القوم من حيث تحذر.

فقال: لا عليك يا ابنتي ناوليني سيفي، فناولته السيف، فأخذه وجعل يذبّ عن يمينه وشماله بسيفه(٣) ويقول:

أنا ابن ذي الفضل عفيف الطاهر

عفيف شيخي وابن اُمّ عامر

كم دارع من جمعكم وحاسر

وبطل جندلته مغاور؟

وجعلت ابنته تقول: القوم عن يمينك، القوم عن يسارك، يا ليتني كنت رجلاً فاُقاتل بين يديك هؤلاء الفجرة، قاتلي العترة البررة.

وجعل القوم يدورون حوله عن يمينه وشماله ومن ورائه وهو يذبّ عن

____________

١ - في الملهوف: وأمرهم.

٢ - كذا في المقتل، وفي الأصل: سواد.

٣ - في المقتل والملهوف: وجعل يذبّ عن نفسه.

نفسه بسيفه وليس أحد يقدم عليه، ثمّ تكاثروا عليه من كلّ ناحية حتّى أخذوه.

فقال جندب بن عبد الله الأزدي صاحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّا لله وإنّا إليه راجعون، اُخذ والله عبد الله بن عفيف، فقبّح العيش(١) من بعده، وقام ثمّ قاتل من دونه فاُخذ أيضاً، وانطلق بهما إلى ابن زياد لعنه الله وعبد الله يقول:

اُقسم لو يكشف(٢) لي عن بصري

ضاق عليكم موردي ومصدري

فلمـّا اُدخلا على ابن زياد قال لعبد الله: الحمد للهِ الّذي أخزاك.

قال عبد الله: وبما أخزاني، يا عدوّ الله؟

والله لو يكشف لي عن بصري

ضاق عليكم موردي ومصدري

فقال له ابن زياد: يا عدوّ نفسه، ما تقول في عثمان؟

فقال: يا ابن مرجانة، ويا ابن سميّة الزانية(٣) ، ما أنت وعثمان أساء أم أحسن، أصلح أم أفسد؟ والله تعالى وليّ خلقه، يقضي بينهم وبين عثمان بالعدل، ولكن سلني عنك، وعن أبيك، وعن يزيد وأبيه.

فقال ابن زياد: لا أسألك عن شيء إلّا أن تذوق الموت.

فقال ابن عفيف: الحمد لله ربّ العالمين، أمّا إنّي كنت أسأل ربّي أن يرزقني الشهادة قبل أن تلدك مرجانة، وسألته أن يجعل ذلك على يد ألعن خلق

____________

١ - في المقتل: أخذوا والله فقبح الله العيش.

٢ - في الملهوف: يُفسح.

٣ - في المقتل: يابن سميّة، يا عبد بني علاج.

الله وأبغضه إليه، فلمـّا ذهب بصري أيست من الشهادة، والآن الحمد لله الّذي رزقنيها بعد اليأس منها، وعرّفني الإجابة منه لي في قديم دعائي.

فقال ابن زياد لعنه الله: اضربوا عنقه، فضربت وصلبرحمه‌الله .(١)

ثمّ دعا ابن زياد لعنه الله بجندب بن عبد اللهرضي‌الله‌عنه ، فقال: يا عدوّ الله، ألست صاحب عليّ بن أبي طالب يوم صفّين؟

قال : نعم، وما زلت له وليّاً، ولكم عدوّاً، ولا أبرأ من ذلك إليك ولا أعتذر ولا أتنصّل.

فقال ابن زياد: أمّا إنّي أتقرّب إلى الله بدمك.

فقال جندب: والله ما يقرّبك دمي إلى الله تعالى، ولكن يباعدك منه، وبعد فلم(٢) يبق من عمري إلاّ أقلّه، وما أكره أن يكرمني الله بهوانك.

فقال لعنه الله: أخرجوه عنّي فإنّه شيخ قد خرف وذهب عقله، فاُخرج وخلّي سبيله.

ثمّ دعا بعبد الرحمان بن مخنف الأزدي، فقال: ما هذه الجماعة على بابك؟

فقال: ليس على بابي جماعة وقد قتلت صاحبنا، وأنا لك سامع مطيع وإخوتي جميعاً، فسكت ابن زياد، وخلّى سبيله وسبيل أصحابه.(٣)

____________

١ - زاد في الملهوف: في السبخة.

٢ - في المقتل: وبعد فإنّي لم.

٣ - مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢/٥٢ - ٥٥، الملهوف على قتلى الطفوف: ٢٠٣ - ٢٠٧.

وكان ابن زياد حين قتل الحسينعليه‌السلام أرسل يخبر يزيد بذلك، وكتب أيضاً إلى عمرو بن سعيد بن العاص ابن أخ عمرو بن العاص أمير المدينة بمثل ذلك.

فأمّا عمرو بن سعيد فحيث(١) وصله الخبر صعد المنبر وخطب الناس وأعلمهم ذلك، فعظمت واعية بني هاشم، وأقاموا سنن المصائب والمآتم، وكانت زينب بنت عقيل تندب الحسينعليه‌السلام وتقول:

ماذا تقولون إذ قال النبيّ لكم

ماذا فعلتم وأنتم آخر الاُمم

بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي

منهم اُسارى ومنهم ضُرّجوا بدم

ما كان هذا جزائي إذ نصحتُ لكم

أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي

قال : فلمـّا جاء الليل سمع أهل المدينة هاتفاً يقول:

أيّها القاتلون جهلاً(٢) حسيناً

أبشروا بالعذاب والتنكيلِ

كلّ مَن في السماء يدعو عليكم

من نبيٍّ ومرسل وقبيلِ(٣)

____________

١ - في الملهوف: فحين.

٢ - في الملهوف: ظلماً.

٣ - في الملهوف: يبكي عليه من نبيٍّ وشاهد ورسول.

قد لُعنتم على لسان ابن داود

وموسى(١) وصاحب الإنجيلِ

و أمّا يزيد فلمـّا قرأ كتاب ابن زياد أرسل إليه يأمره بحمل رأس الحسينعليه‌السلام ورؤوس أصحابه ومن قتل معه، وأمره بحمل أثقاله ونسائه وعياله وأطفاله، فاستدعى ابن زياد بمحَفَّر بن ثعلبة العائذي(٢) وسلّم إليه الرؤوس والاُسارى والنساء ومعهم عليّ بن الحسين وأخواته وعمّاته وجميع نسائه إلى يزيد، فسار بهم محَفَّر حتّى دخل الشام كما يسار بسبايا الكفّار، ويتصفّح وجوههم أهل الأقطار.(٣)

وروى سيّدنا فخر العترة وجمال الاُسرة عليّ بن موسى بن جعفر بن طاوس الحسنيرضي‌الله‌عنه عن ابن لهيعة وغيره حديثاً أخذنا منه موضع الحاجة، قال: كنت أطوف بالبيت وإذا أنا برجل يقول: اللّهمّ اغفر لي وما أراك فاعلاً.

فقلت: يا عبد الله، اتّق الله ولا تقل مثل هذا، فلو أنّ ذنوبك مثل قطر الأمطار(٤) ، وروق الأشجار واستغفرت الله لغفر لك، فإنّه غفور رحيم.

____________

١ - كذا في الملهوف، وفي الأصل: عيسى.

٢ - كذا في الملهوف، وفي الأصل: مخفر بن ثعلبة العابدي.

وهو محفّر بن ثعلبة بن مرّة بن خالد، من بني عائذة، من خزيمة بن لؤي، من رجال بني اُمّية في صدر دولتهم.

انظر في ترجمته: نسب قريش ٤٤١، جمهرة الأنساب: ١٦٥، أعلام الزركلي: ٥/٢١٩.

٣ - الملهوف على قتلى الطفوف: ٢٠٧ - ٢٠٨.

٤ - في الملهوف: الأمصار.

فقال: تعال حتّى اُخبرك بقصّتي فأتيته، فقال: اعلم أنّا كنّا خمسين نفراً ممّن سار برأس الحسين إلى الشام، وكنّا إذا أمسينا وضعنا الرأس في تابوت وشربنا الخمر حوله، فشرب أصحابي ليلة حتّى إذا سكروا ولم أشرب معهم وجنّ علينا الليل سمعت رعداً أو رأيت برقاً وإذا بأبواب السماء قد فتحت، ونزل آدم ونوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ونبيّنا محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ومعهم جبريل وخلق كثير من الملائكة، فدنا جبرئيل من التابوت، فأخرج الرأس فضمّه إلى نفسه وبكى وقبّله، ثمّ فعل الأنبياء كذلك والملائكة كلّهم وبكى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله على رأس الحسينعليه‌السلام وعزاه الأنبياء.

و قال جبرئيل للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا محمد، إنّ الله تعالى أمرني أن اُطيعك في اُمّتك، فإن أمرتني زلزلتُ بهم الأرض، وجعلت عاليها سافلها كما فعلت بقوم لوط.

فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : لا يا جبرئيل، فإنّ لي معهم(١) موقفاً بين يدي الله يوم القيامة، ثمّ جاء الملائكة نحونا ليقتلونا، فقلت: الأمان يا رسول الله.

فقال: اذهب لا غفر الله(٢) لك.(٣)

____________

١ - في الملهوف: فإنّ لهم معي.

٢ - لفظ الجلالة أثبتناه من الملهوف.

٣ - الملهوف على قتلى الطفوف: ٢٠٨ - ٢٠٩، عنه عوالم: ١٧/٤٢٥.

فصل

في ذكر حمل سبايا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله

وبناته وأحفاده إلى الشام

قلت : ولمـّا مرّ بفكري، وخطر في سرّي، وتصوّر قلبي، وانتعش في لبّي، مسير بنات المصطفى والمرتضى، وحمل ولد الزهراء على الأقتاب قسراً، قد غاب الشفيق عنهنّ، وبعد الشقيق منهنّ، صرخت بصوت ينبي عن عظيم أحزاني، وصرخت بلساني عمّا حوى جناني، ونثرت دمعي لديهنّ، وأشرت بنثري إليهنّ، قائلاً:

يا خفرات المصطفى، ويا بنات المرتضى، ويا مخدّرات الزهراء، ويا سيدّات نساء أهل الدنيا والاُخرى، عجباً للسماء لما أصابكنّ لا تنفطر، وللكواكب لمصابكنّ لم تنتثر، وللشمس لم تكوّر، وللبحار لم تفجّر، وللجبال لم تسيّر، وللأرض لم تفطّر! ذكر أسركنّ أسَرَ قلبي، وأطلق عبرتي، وذبح طفلكنّ هيّج وجدي، وأحرق مهجتي، وذكر مسيركنّ على الأقتاب قرح جفني، وخبر ورودكنّ على اللعين بغير نقاب ولا جلباب أثار حزني، ورؤوس رجالكنّ المرفعة على الرماح هيّج بلبالي، ونفوس فتياتكنّ المنتزعة بحدود الصفاح أشغل بالي.

فيا عيوني لغربتهنّ أذرفي، ويا نار حزني لكربتهنّ لا تنطفي، ويا سعير

و جدي عليهنّ لا تخمدي، ويا زفراتي لما نالهنّ لا تبردي، فلو أنّي نظرت بعيني مسير رواحلهنّ، وشاهدت عديد سبائهنّ لوضعت أكفّي لأكفّ مطاياهنّ موطئاً، بل خدّي، ولبذلت في خلاصهنّ غاية جهدي وجدّي، ولجاهدت القائد والسائق، وللعنت الناظر والرامق، ولاستغثت بصوت يفصح عمّا ضمت عليه جوانحي من غصّتي، ولناديت بأنّه ينبىء عن عظيم رزيّتي ومصيبتي، ولحثوت التراب على ترائبي ورأسي، ولأضرمت الخافقين بتصاعد زفراتي وأنفاسي، ولشققت قلبي بعويلي إلى جيبي، ولصدعت الصمّ الرواسخ بنديبي وتحريبي، منشداً بلسان حالي، موضحاً عمّا في بالي:

يا طول حزني ويا نحيبي

حزناً على النازح الغريب

على أجل الورى نجارا

دمعي كالعارض السكوب

تضرم نار الأسى بقلبي

مأتم في يومه العصيب

فيا أحشائي بنار حزني

ووجد قلبي عليه ذوبي

ويا عيوني سحّي بدمع من‍ـ

ـ‍ك بفيض الدماء مشوب

وابنته بين العدى تنادي

هل من مغيثٍ هل من مجيب؟

وأُسرة من ذويه أمسوا

قوتاً لذي مخلبٍ وذيب

أكرم بهم عصبة كراماً

واُسوة من فتية وشيب

باعت من الله أنفساً

لم تهن لدى الروع في الحروب

مذ أصبحوا في الطفوف صرعى

في الخلد أمسوا قبل المغيب

يا اُمّة فارقت هداها

واحتقبت أشنع الذنوب

ليس لكم بالّذي فعلتم

في عفو ذي العرش من نصيب

قتلتم سبط من إليكم

اُرسل من عالم الغيوب

لهفي على شلوه صريعاً

لهفي على خدّه التريب

لهفي على رأسه المعلّى

لهفي على شيبه الخضيب

لهفي على رهطه اُسارى

يعلن بالويل والنحيب

يسقن عنفاً بين الأعا

دي بلا كفيل ولا حسيب

إذا تذكّرتهم حيارى

يخفق قلبي من الوجيب

واغرق الصدر من دموعي

واحرق القلب باللهيب

لهفي على صحبه صراعاً

لهفي على ثقله النهيب

لهفي على ثغره المفدّى

ينكته الرِّجس بالقضيب

يا خير مولى من خير قوم

بهم نجاتي من الخطوب

ومَن هُم في العباد اولى

بالجود والصنيع من سحوب(١)

أنتم معاذي أنتم ملاذي

أنتم عياذي من الكروب

إلى فنا جودكم مديحي

وجّهت باللطف من نسيبي

تميس حسناً في برد نظم

ينسخ أوصافكم فشيب

بكلّ معنىً في اللطف أضحى

يدقّ عن فكره اللبيب

__________________

١ - كلمة « سحوب » غير مقروءة في الأصل، وأضفناها لإتمام البيت.

يمجّه سمع ذي نفاقٍ

قد ضلّ في شكّه المريب

يبادل الصفو في حضوري

ويأكل العرض في مغيب

إذا تذكّرت ما عراني

من حمقة قلت يا مجيبي

خذ لي بحقّي ولا تدعني

فريسة الغادر الكذوب

فأنت حسبي من كلّ سوء

وساتر في الملا عيوبي

قال : ولم يزل القوم سائرين بحرم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من الكوفة إلى الشام على محامل بغير وطاء من بلد إلى بلد، ومن منزل إلى منزل كما تساق اُسارى الترك والديلم.(١)

روي عن سهل بن سعد الساعدي، قال: خرجت إلى بيت المقدس حتّى أتيت دمشق فرأيت أهلها قد علّقوا الستور والحجب والديباج، وهم فرحون مستبشرون، وعندهم نساء يلعبن بالدفوف، فقلت في نفسي: الأهل الشام عيد لا نعرفه؟ فرأيت قوماً يتحدّثون، فقلت: يا قوم، ألكم في الشام عيد لا نعرفه؟

قالوا: يا شيخ، نراك غريباً؟

قلت: أنا سهل بن سعد، رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله [ وحملت

____________

١ - مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢/٥٥.

حديثه ](١) .

قالوا: يا سهل، ما أعجب(٢) السماء لا تمطر دماً، والأرض لم تنخسف بأهلها؟

قلت: ولمَ ذاك؟

قالوا: هذا رأس الحسين عترة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله يهدى من العراق.

فقلت: واعجبا! يهدى رأس الحسين والناس يفرحون! قلت: من أيّ باب يدخل؟ فاشاروا الى باب يقال له باب الساعات.

قال سهل: فبينا أنا كذلك إذ أقبلت الرايات يتلو بعضها بعضاً، وإذا بفارس بيده رمح منزع السنان، عليه رأس من أشبه الناس وجهاً برسول الله، وإذا من ورائه نسوة على جمال بغير وطاء، فدنوت من أُولاهنّ فقلت لجارية منهنّ(٣) : يا جارية، من أنت؟

قالت: أنا سكينة بنت الحسينعليه‌السلام .

فقلت: ألك حاجة، فأنا سهل بن سعد الساعدي، وقد رأيت جدّك وسمعت حديثه؟

قالت: يا سهل، قل لصاحب الرأس أن يقدّم الرأس أمامنا حتّى يشتغل الناس بالنظر إليه ولا ينظرو إلى حرم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

__________________

١ - من المقتل.

٢ - في المقتل: ما أعجبك؟

٣ - في المقتل: فدنوت من إحداهنّ فقلت لها.

قال سهل: فدنوت من صاحب الرأس: فقلت: هل لك أن تقضي لي حاجة وتأخذ منّي أربعمائة درهم؟

قال: ما هي؟

قلت: تقدّم الرأس أمام الحرم، ففعل ذلك فسلّمت إليه الدراهم، ووضع الرأس في طشت واُدخل على يزيد، فدخلت مع الناس، وكان يزيد جالساً على السرير، وعلى رأسه تاج مكلّل، وحوله كثير من مشايخ قريش، فلمـّا دخل صاحب الرأس جعل يقول:

أوقر ركابي فضّة وذهبا

أنا قتلت السيّد المهذّبا(١)

قتلت خير الناس اُمّاً وأبا

وخيرهم إذ ينسبون(٢) النسبا

فقال يزيد: إذا علمت أنّه خير الناس فلمَ قَتلتَه؟

قال: رجوت الجائزة.

فقيل: إنّ يزيد أمر بقتله.(٣)

وروى سيّدنا السند عليّ بن طاوسرضي‌الله‌عنه ، قال: لمـّا قرب القوم بالرؤوس والاُسارى من دمشق دنت اُمّ كلثوم من شمر لعنه الله، وكان في جملتهم، فقالت: لي إليك حاجة.

قال: وما حاجتك؟

قالت: إذا دخلت البلد فأدخلنا في درب قليل النظّارة، وتقدّم إلى

____________

١ - في المقتل: المحجّبا.

٢ - في المقتل: يذكرون.

٣ - مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢/٦٠ - ٦١، عنه عوالم العلوم: ١٧/٤٢٧.

أصحابك أن يخرجوا الرؤوس من بين المحامل وينحّونا عنها فقد خزينا من كثرة النظر إلينا ونحن في هذا الحال، فأمر في جواب سؤالها أن يجعلوا الرؤوس على الرماح في أوساط المحامل بغياً منه وكفراً، وسلك بهم على تلك الحال بين النظّارة حتّى أتى بهم باب دمشق فاقيموا على درج باب المسجد الجامع حيث يقام السبى، فروي أن بعض الفضلاء التابعين لمـّا شهد رأس الحسينعليه‌السلام أخفى نفسه شهراً من جميع أصحابه، فلمـّا وجدوه بعد أن فقدوه سألوه عن سبب ذلك، فقال: أمّا ترون ما نزل بنا؟ ثمّ أنشأ يقول:

جاءوا برأسك يا ابن بنت محمد

مترمّلاً بدمائه ترميلا

فكأنّما بك يا ابن بنت محمد

قتلوا جهاراً عامدين رسولا

قتلوك عطشاناً ولمـّا يرقبوا

في قتلك التأويل والتنزيلا

ويكبّرون بأن قُتلتَ وإنّما

قتلوا بك التكبير والتهليلا

يا من إذا حسن العزاء عن امرىء

كان البكاء حسناً عليه جميلا

فبكتك أرواح السحائب غدوة

وبكتك أرواح الرياح أصيلا(١)

و روي أنّهم لما دخلوا دمشق واُقيموا على درج المسجد منتظرين الإذن من يزيد حيث يقام السبي أقبل شيخ من أهل الشام حتّى دنا منهم، فقال: الحمد لله الّذي قتلكم وأهلكم، وأراح العباد من رجالكم، وأمكن أمير المؤمنين منكم.

فقال له عليّ بن الحسينعليه‌السلام : يا شيخ، هل قرأت القرآن؟

____________

١ - مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢/١٢٥ - ١٢٦، الملهوف على قتلى الطفوف: ٢١٠، وفيهما الأبيات الأربعة الاُولى فقط.

قال: نعم.

قال: قرأت هذه الآية( قُلْ لَا أسْألُكُمْ عَلَيْهِ أجْراً إلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (١) ؟

قال الشيخ: قرأت ذلك.

فقال عليّ بن الحسينعليه‌السلام : فنحن الـقربى، يا شيخ، هل قرأت( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَــأنَّ للهِ خُمُسهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى ) (٢) ؟

قال: نعم.

قال: فنحن القربى، يا شيخ، هل قرأت( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (٣) ؟

قال: نعم.

قال: فنحن أهل البيت الّذي خصصنا به.

قال: فبقي الشيخ مبهوتاً ساعة ساكتاً نادما على ما تكلّم به، ثمّ رفع رأسه إلى السماء، فقال: اللّهمّ إنّي اتوب إليك من بغض هؤلاء القوم، ثمّ التفت إلى عليّ بن الحسين، فقال: بالله أنتم هم؟

فقال عليّ بن الحسينعليه‌السلام : تالله إنّا لنحن هم من غير شكّ، وحقّ جدّنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

قال: فبكى الشيخ ورمى عمامته، ثمّ رفع رأسه إلى السماء، فقال: اللّهمّ

__________________

١ - سورة الشورى: ٢٣.

٢ - سورة الأنفال: ٤١.

٣ - سورة الأحزاب: ٣٣.

إنّي أبرأ إليك من عدوّ آل محمد من جنّ أو إنس، ثمّ قال: هل من توبة، يا ابن رسول الله؟

قال : نعم، إن تبت تاب الله عليك، وأنت معنا.

فقال: وأنا تائب، فبلغ يزيد مقالته، فأمر بقتله.

قال: ثمّ اُدخلوا على يزيد وهم مقرنون بالحبال، وكان أوّل من دخل شمر بن ذي الجوشن على يزيد بعليّ بن الحسينعليه‌السلام مغلولة يده إلى عنقه، فلمـّا وقفوا بين يديه على تلك الحال قال له عليّ بن الحسينعليه‌السلام : اُنشدك(١) بالله يا يزيد، ما ظنّك برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لو رآنا على هذا الحال ما كان يصنع؟ فأمر يزيد بالحبال فقطعت(٢) ، ثمّ وضع رأس الحسين في طشت بين يديه، وأجلس النساء خلفه كيلا ينظرن إليه، وأمّا زينب فإنّها لمـّا رأته أهوت إلى جيبها فشقّته(٣) ، ثمّ نادت بصوت حزين يقرح(٤) القلوب: يا حسيناه، يا حبيب رسول الله، يا ابن مكّة ومنى، ويا ابن فاطمة الزهراء سيّدة النساء، يا ابن بنت المصطفى.

قال: فوالله لقد أبكت كلّ من في المجلس ويزيد ساكت.

ثمّ جعلت امرأة من بني هاشم كانت في دار يزيد تندب الحسينعليه‌السلام وتنادي: وا حسيناه، وا سيّداه، يا ابن محمداه، يا ربيع الأرامل واليتامى، يا قتيل أولاد الأدعياء.

____________

١ - اُقسمك - خ ل -.

٢ - بقطع الحبال - خ ل -.

٣ - فشقت وجهه - خ ل -.

٤ - كذا في الملهوف، وفي الأصل: يفزع.

قال: فأبكت كلّ من سمعها.(١)

قال(٢) : وقام من أهل الشام أحمر، فقال: يا أمير المؤمنين، هب لي هذه الجارية تعينني.

قالت: وكنت(٣) جارية وضيئة، فارتعدت وفرقت وظننت أنّه يفعل ذلك، فأخذت بثياب اُختي زينب فقال: كذبتَ والله ولؤمتَ ما ذلك لك ولا له.

فغضب يزيد، فقال: بل أنت كذبت إنّ ذلك لي، ولو شئت فعلته.

فقالت: كلّا والله ما جعل الله ذلك لك إلّا أن تخرج من ملّتنا وتدين بغير ديننا.

فقال يزيد: إيايّ تستقبلين بهذا؟ إنّما خرج من الدين أبوك وأخوك.

فقالت: بدين الله ودين أبي وجدّي اهتديت.

قال: كذبتِ يا عدوّة الله.

قالت زينب: أمير متسلّط يشتم ظلماً، ويقهر بسلطانه، اللّهمّ إليك أشكو دون غيرك، فاستحيا يزيد وندم وسكت مطرقاً.

__________________

١ - مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢/٦١ - ٦٢، الملهوف على قتلى الطفوف: ٢١١ - ٢١٤.

٢ - في المقتل: وروي عن فاطمة بنت الحسين أنّها قالت: لما اُدخلنا على يزيد ساءه ما رأى من سوء حالنا، وظهر ذلك في وجهه، فقال: لعن الله ابن مرجانة، وابن سميّة، لوكان بينه وبينكم قرابة ما صنع بكم هذا، وما بعث بكنّ هكذا، قالت: فقام إليه رجل من أهل الشام

٣ - كذا في المقتل، وفي الأصل: قال: وكانت.

وأعاد الشامي فقال: يا أمير المؤمنين، هب لي هذه الجارية.

فقال يزيد: اعزب لعنك الله، ووهب لك حتفاً قاضياً، ويلك لا تقل ذلك، فهذه بنت عليّ وفاطمة، وهم أهل بيت لم يزالوا مبغضين لنا منذ كانوا.(١)

قال الشامي: الحسين بن فاطمة وابن عليّ بن أبي طالب!!

قال: نعم.

فقال الشامي: لعنك الله يا يزيد، تقتل عترة نبيّك وتسبي ذرّيّته، والله ما توهّمت إلّا أنّهم سبي الروم.

فقال يزيد: والله لألحقنّك بهم، ثمّ أمر به فضربت عنقه.

قال: ثمّ تقدّم عليّ بن الحسين بين يدي يزيد وقال:

لا تطمعوا أن تهينونا نكرمكم

وأن نكفّ الأذى عنكم وتؤذونا

الله يعلم أنّا لا نحبّكم

ولا نلومكم إذ(٣) لم تحبّونا

فقال يزيد: صدقت ولكن أراد أبوك وجدّك أن يكونا أميرين، فالحمد لله الّذي قتلهما، وسفك دمهما، ثمّ قال: يا عليّ، إنّ أباك قطع رحمي، وجهل حقّي، ونازعني سلطاني، فصنع الله به ما قد رأيت.

فقال عليّ بن الحسينعليه‌السلام :( مَا أصَابَ مِنْ مُصيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أنْفُسِكُمْ إلَّا في كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أنْ نَبْرَأَهَا إنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ ) (٤) .

__________________

١ - مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢/٦٢.

٢ - الملهوف على قتلى الطفوف: ٢١٨ - ٢١٩.

٣ - في المقتل: فالله يعلم إن.

٤ - سورة الحديد: ٢٢.

فقال يزيد لابنه [ خالد ](١) : اردد عليه، فلم يدر ما يقول، فقال يزيد:( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ ) (٢) .

ثمّ قال عليّ بن الحسينعليه‌السلام : يا ابن معاوية وهند وصخر، إنّ النبوّة والإمرة لم تزل لآبائي وأجدادي من قبل أن تولد، ولقد كان جدّي عليّ بن أبي طالب يوم بدر واُحد والأحزاب في يده راية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأبوك وجدّك في أيديهما رايات الكفّار.

ثمّ جعل صلوات الله عليه يقول:

ماذا تقولون إذ قال النبيّ لكم

ماذا فعلتم وأنتم آخر الاُمم

ثمّ قال عليّ بن الحسينعليه‌السلام : ويلك يا يزيد لو تدري ما صنعت، وما الّذي ارتكبت من أبي وأهل بيتي وأخي وعمومتي إذاً لهربت في الجبال، وافترشت الرماد، ودعوت بالويل والثبور ان يكون رأس الحسين بن فاطمة وعليّ ولده منصوبان(٣) على باب مدينتكم، وهو وديعة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، [ فيكم ](٤) فابشر بالخزي والندامة غداً إذا جمع الناس ليوم القيامة.(٥)

ووجدت رواية أحببت إيرادها هنا بحذف الأسانيد، قال: لمـّا اُدخل رأس الحسينعليه‌السلام وحرمه على يزيد وكان رأس الحسين بين يديه في طشت جعل ينكت ثناياه بمخصرة في يده يقول:

__________________

١ - من المقتل.

٢ - سورة الشورى: ٣٠.

٣ - في المقتل: أيكون رأس أبي الحسين بن عليّ وفاطمة منصوباً.

٤ - من المقتل.

٥ - مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢/٦٣.

ليت أشياخي ببدر شهدوا

جزع الخزرج من وقع الأسل

لأهلّوا واستهلّوا فرحاً

ثمّ قالوا يا يزيد لا تشل

لست من خندف إن لم أنتقم

من بني أحمد ما كان فعل

فقامت زينب بنت عليّ فقالت: الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على سيّد المرسلين صدق الله كذلك يقول:( ثُمّ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ أساءُوا السّؤى أنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ ) (١) أظننت يا يزيد حين أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء فأصبحنا نساق كما تساق الأسرى أنّ بنا هواناً على الله، وبك عليه كرامة؟ وانّ ذلك لعظيم خطرك عنده، وشمخت بأنفك، ونظرت إلى عطفك جذلان سروراً حين رأيت الدنيا مستوسقة، والاُمور متّسقة، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا، فمهلاً مهلاً أنسيت قول الله سبحانه:( وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ) (٢) آمن العدل - يا ابن الطلقاء - تخديرك حرائرك وإمائك، وسوقك بنات المصطفى رسول الله كسبايا قد هتكت ستورهنّ، وأبديت وجوههنّ من بلد الى بلد يستشر فهنّ أهل المناهل، ويتصفّح وجوههنّ القريب والبعيد، والدنيّ والشريف، وليس معهنّ من رجالهنّ وليّ، ولا من حماتهنّ حمي، وكيف [ ترتجى ](٣) مراقبة من لفظ فوه أكباد السعداء(٤) ، ونبت لحمه بدماء الشهداء؟!

و كيف يستبطأ في بغضنا أهل البيت من نظر إلينا بالشنف والشنآن والإحن

____________

١ - سورة الروم: ١٠.

٢ - سورة آل عمران: ١٧٨.

٣ - من الملهوف.

٤ - في الملهوف: الأزكياء.

والأضغان، ثمّ تقول غير متأثّم ولا مستعظم.

لأهلّوا واستهلّوا فرحاً

ثمّ قالوا يا يزيد لا تشل

منحنياً على ثنايا أبي عبد الله سيّد شباب أهل الجنّة تنكتها بمخصرتك.

وكيف لا تقول ذلك وقد نكأت القرحة، واستأصلت الشأفة، بإراقتك دماء آل محمد، وتهتف بأشياخك زعمت تناديهم؟ ولتردّن وشيكاً موردهم، ولتودّن أنّك شللت وبكمت ولم تكن قلتَ ما قلتَ.

وقالت: اللّهمّ خذ بحقّنا، وانتقم ممّن ظلمنا، واحلُل غضبك بمن سفك دماءنا وقتل حماتنا، فوالله ما فريتَ إلّا جلدك، ولا حززت إلّا لحمك، وسترد على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بما تحملت من سفك دماء ذرّيّته، وانتهكت من عترته وحرمة ولحمته، وليخاصمنّك حيث يجمع الله تعالى شملهم، ويلمّ شعثهم ويأخذ لهم بحقّهم،( وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) (١) .

وحسبك بالله حاكماً، وبمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله خصيماً، وبجبرئيل ظهيراً، وسيعلم من سوَّل لك هذا ومكّنك من رقاب المسلمين أن بئس للظالمين بدلاً، وأيّكم شرّ مكاناً وأضعف جنداً.

ولئن جرت عليَّ الدواهي مخاطبتك، أنّي لأستصغر قدرك، وأستعظم تقريعك، وأستكثر توبيخك، لكن العيون عبرى، والصدور حرّى.

ألا فالعجب كلّ العجب لقتل حزب الله النجباء بحزب الشيطان الطلقاء،

__________________

١ - سورة آل عمران: ١٦٩.

فهذه الأيدي تنطف(١) من دمائنا، والأفواه تتحلّب من لحومنا، وتلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها(٢) العواسل، وتعفوها اُمّهات الفراعل، ولئن اتّخذتنا مغنماً لتجدنّا وشيكاً مغرماً، حين لا تجد إلّا ما قدّمت [ يداك ](٣) ( وَمَا رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤) ) فإلى الله المشتكى وعليه المعوّل.

فكد كيدك، واسعَ سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا تدرك أمدنا، ولا ترحض عنك عارها، وهل رأيك إلّا فند، وأيّامك إلّا عدد، وجمعك إلّا بدد؟ ويوم ينادي المناد: ألا لعنة الله على الظالمين.

والحمدُ للهِ الّذي ختم لأوّلنا بالسعادة والمغفرة، ولآخرنا بالشهادة والرحمة، ونسأل الله(٥) أن يكمل لهم الثواب، ويوجب لهم المزيد، ويحسن علينا الخلف(٦) ، إنّه رحيم ودود، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

فقال يزيد لعنه الله:

يا صيحةً تعلن من صوائح

ما أهون الحزن(٧) على النوائح(٨)

قال: ودعا يزيد الخاطب وأمره أن يصعد المنبر ويذمّ الحسين وأباه

__________________

١ - في الملهوف: تنضح.

٢ - في الملهوف: تتناهبها.

٣ - من المقتل والملهوف.

٤ - سورة فصلت: ٤٦.

٥ - لفظ الجلالة أثبتناه من المقتل والملهوف.

٦ - في الملهوف: الخلافة.

٧ - يا صيحة تحمد الموت.

٨ - مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢/٦٤ - ٦٦، الملهوف على قتلى الطفوف ٢١٤ - ٢١٨، البحار: ٤٥/١٣٣.

عليهما‌السلام ، فصعد وبالغ في سبّ أمير المؤمنين والحسينعليهما‌السلام والمدح لمعاوية ويزيد.

فصاح به عليّ بن الحسينعليه‌السلام : ويلك أيّها الخاطب، اشتريتَ مرضاة المخلوق بسخط الخالق، فتبوّء مقعدك من النار.

ولقد أحسن من قال:

أعلى المنابر تعلنون بسبّه

وبسيفه نُصبتْ لكم أعوادها؟(١)

وروي: أنّ عليّ بن الحسينعليه‌السلام لمـّا سمع ما سمع من الخاطب لعنه الله قال ليزيد: اُريد أن تأذن لي أن اصعد المنبر فأتكلّم بكلمات فيهنّ لله رضاً ولهؤلاء الجلساء أجر، فأبى يزيد:

فقال الناس: يا أمير المؤمنين ائذن فليصعد، فلعلّنا نسمع منه شيئاً.

فقال: إنّه إن صعد لم ينزل إلّا بفضيحتي وبفضيحة آل أبي سفيان.

فقيل له: وما قدر ما يحسن هذا؟

فقال: إنّه من أهل بيت قد زقّوا العلم زقّاً.

قال: فلم يزالوا به حتّى أذن له، فصعد المنبر(٢) ، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ

____________

١ - الملهوف على قتلى الطفوف: ٢١٩.

٢ - في « ح »: حكي عن الشعبي الحافظ لكتاب الله عزّوجل أنّه قال: استدعاني الحجّاج بن يوسف يوم الأضحى فقال لي: أيّها الشيخ أيّ يوم هذا؟ فقلت: هذا يوم الأضحى، قال بم يتقرّب به الناس في مثل هذا اليوم؟ فقلت: بالأضحية والصدقة وأفعال البرّ والخير.

فقال: اعلم أنّي قد عزمت اليوم أن اضحي برجل حسيني.

قال الشعبي: فبينما هو يخاطبي إذ سمعت من خلفي صوت لسلسلة وحديد فخشيت أن ألتفت فيستخفني، وإذا قد مثل بين يديه رجل علوي وفي عنقه سلسلة وفي رجليه قيد من حديد، فقال له الحجّاج: ألست فلان بن فلان؟

__________________

قال: نعم.

فقال له: أنت القائل إنّ الحسن والحسين من ذرّيّة رسول الله؟

قال: ما قلت وما أقول، ولكنّي قلت وأقول: إنّ الحسن والحسين ولدا رسول الله وفرخاه، وإنّهما دخلا في ظهره وخرجا من صلبه على رغم أنفك يا حجّاج.

قال: وكان الملعون مستنداً فصار جالساً وقد اشتدّ غيضه وغضبه وانتفخت أوداجه حتّى تقطّعت أزرار بردته فدعا ببردة غيرها فلبسها، ثمّ قال للعلويّ: يا ويلك إن لم تأتني بدليل من القرآن يدلّ على انّ الحسن والحسين ولدا رسول الله دخلا في ظهره وخرجا من صلبه وإلّا لأصلبنّك ولأقتلنّك في هذا الحين أشرّ قتلة، وإن أتيتني بدليل يدلّ على ذلك أعطيتك هذه البدرة الّتي بيدي وخلّيتك سبيلك.

قال الشعبي: وكنت حافظاً لكتاب الله تعالى كلّه وأعرف وعده ووعيده، وناسخة ومنسوخه، فلم تخطر على بالي آية تدلّ على ذلك، فحزنت في نفسي يعزّ والله عليَّ ذهاب هذا الرجل العلوي.

قال: فابتدأ الرجل يقرأ الآية فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، فقطع عليه الحجّاج قراءته وقال: لعلّك تريد أن تحتج عليّ بآية المباهلة. [ وهي قوله تعالى:( قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم ) سورة آل عمران: ٦١ ].

فقال العلوي: هي والله حجّة مؤكدّة معتمدة، ولكنّي آتيك بغيرها، ثمّ ابتدأ يقرأ:( بسم الله الرحمن الرحيم ومن ذرّيّته داود وسليمان وأيوّب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين - وزكرّيا ويحيى ) [ سورة الأنعام: ٨٤ - ٨٥ ] وسكت فقال له الحجّاج: فلم لا قلت عيسى أنسيت عيسى؟

فقال: نعم صدقت يا حجّاج، فبأيّ شيء دخل عيسى في صلب نوحعليه‌السلام [ وليس له أب؟ فقال له الحجّاج: انّه دخل في صلب نوح ] من حيث اُمّه، فقال العلوي: وكذلك الحسن والحسين دخلا في صلب رسول الله من اُمّها فاطمة الزهراء.

قال: فبقي الحجّاج كأنّما أُلقي حجر في فيه.

فقال له الحجّاج: ما الدليل على أنّ الحسن والحسين إمامان؟ فقال العلويّ: يا حجّاج لقد ثبتت لهما الامامة بشهادة الرسول في حقّهما لأنّه قال في حقّهما: « ولداي هذان إمامان فاضلان إن قاما وإن قعدا، تميل عليهما الأعداء فيسفكون دماءهما ويسبون حرمهما » ولقد شهد لهم النبيّ بالإمامة أيضاً فقال: « ابني هذا - يعني الحسين - إمام ابن إمام أبو أئمّة تسعة ».

خطب خبطة أبكى بها العيون، وأوجل منها القلوب، ثمّ قال: أيّها الناس، اُعطينا ستّاً، وفضِّلنا، بسبع اُعطينا: العلم، والحلم والسماحة والفصاحة والشجاعة والمحبّة في قلوب المؤمنين، وفضّلنا بأنّ منّا النبيّ المختار محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومنّا الصّديق، ومنّا الطيّار، ومنّا أسد الله وأسد رسوله، ومنّا خيرة(١) نساء العالمين، ومنّا سبطا هذه الْاُمّة [ وسيّدا شباب أهل الجنّة ](٢) ، من عرفني فقد

____________

فقال الحجّاج: يا علويّ وكم عمر الحسين في دار الدنيا؟

فقال: ثماني وخمسون سنة، فقال له: وفي أيّ يوم قتل؟

قال: اليوم العاشر من المحرّم بين الظهر والعصر.

فقال: ومن قتله؟

فقال: يا حجّاج، لقد جند الجنود ابن زياد بأمر اللعين يزيد لعنه الله، فلمـّا اصطفّت العساكر لقتاله فقتلوا حماته وأنصاره وأطفاله وبقي فريداً، فبينما هو يستغيث فلا يغاث، ويستجير فلا يجار، يطلب جرعة من الماء ليطفى بها حرّ الظمأ، فبينما هو واقف يستغيث إلى ربّه إذ جاء سنان فطعنه بسنانه، ورماه خولي بسهم ميشوم فوقع في لبته، وسقط عن ظهر جواده إلى الأرض يجول في دمه، فجاء الشمر لعنه الله فاجتزّ رأسه بحسامه ورفعه فوق قناته، وأخذ قميصه إسحاق الحضرمي، وأخذ سيفه قيس النهشلي، وأخذ بغلته حارث الكندي، وأخذ خاتمه زيد بن ناجية الشعبي، وأحاط القوم بخبائه، وعاثوا في باقي أثاثه، وأسبوا حريمه ونساءه.

فقال الحجّاج: هكذا جرى عليهم يا علوي، والله لو لم تأتني بهذا الدليل من القرآن وبصحة إمامتهما لأخذت الّذي فيه عيناك، ولقد نجّاك الله تعالى ممّا عزمت عليه من قتلك، ولكن خذ هذه البدرة لا بارك الله لك فيها؛ فأخدها العلوي وهو يقول: هذا من عطاء ربّي وفضله لا من عطائك يا حجّاج، ثمّ إن العلويّ بكى وجعل يقول:

صلّى الإله ومن يحفّ بعرشه

والطيّبون على النبيّ الناصح

وعلى قرابته الّذين نهضوا

بالنائبات وكلّ خطب فادح

طلبوا الحقوق فاُبعدوا عن دارهم

وعوى عليهم كلّ كلب نائح

 [ المنتخب للطريحي: ٤٩١ - ٤٩٣ ]

١ - في المقتل: سيّدة.

٢ - من المقتل.

عرفني، ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي.

أيّها الناس، أنا ابن مكّة ومنى، أنا ابن زمزم والصفا، أنا ابن من حمل الركن بأطراف الرداء، أنا ابن خير من اتّزر وارتدى، أنا ابن خير من انتعل واحتفى، أنا ابن خير من طاف وسعى، أنا ابن خير من حجّ ولبّي، أنا ابن من حمل على البراق في الهواء، أنا ابن من اُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، أنا ابن من بلغ به جبرئيل إلى سدرة المنتهى، أنا ابن من دنا فتدلّى فكان من ربّه كقاب قوسين أو أدنى، أنا ابن من صلّى بملائكة السماء، أنا ابن من أوحي إليه الجليل ما أوحى، أنا ابن محمد المصطفى، أنا ابن عليّ المرتضى، أنا ابن من ضرب خراطيم الخلق حتّى قالوا: لا إله إلا الله، أنا ابن من ضرب بين يدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بسيفين، وطعن برمحين، وهاجر الهجرتين، وبايع البيعتين، وقاتل ببدر وحنين، ولم يكفر بالله طرفة عين.

أنا ابن صالح المؤمنين، ووارث النبيّين، وقامع الملحدين، ويعسوب المسلمين, ونور المجاهدين، وزين العابدين، وتاج البكّائين، وأصبر الصّابرين، وأفضل العالمين، وأفضل القائمين، من آل طه وياسين، أنا ابن المؤيّد بجبرئيل، المنصور بميكائيل، أنا ابن المحامي عن حرم المسلمين، وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، والمجاهد أعداءه الناصبين، وأفضل من مشى من قريش أجمعين، وأوّل من استجاب لله ولرسوله من المؤمنين، وأوّل السابقين، وقاصم المعتدين، ومبيد المشركين، وسهم مرامي الله على المنافقين، ولسان حكمة العابدين، وناصر دين الله، ووليّ أمر الله، وبستان حكمة الله وعيبة علمه.

سمح سخيّ، بهلول زكيّ، مقدّم همام، صبّار صوّام، مهذّب قوّام، قاطع

الأصلاب، ومفرق الأحزاب، أربطهم عناناً، وأثبتهم جناناً، وأمضاهم عزيمة، وأشدّهم شكيمة، أسد باسل يطحنهم في الحروب إذا ازدلفت الأسنّة، وقويت الأعنّة طحن الرحا، ويذروهم فيها ذري الريح الهشيم.

ليث الحجاز، وكبش العراق، مكّي مدنيّ [ أبطحي تهامي، ](١) خيفي عقبي، بدريّ اُحديّ، شجريّ مهاجري، من العرب سيّدها، وفي الوغا ليثها، وارث المشعرين، وأبو السبطين، الحسن والحسين [ مظهر العجائب، ومفرّق الكتائب، والشهاب الثاقب، والنور العاقب، أسد الله الغالب، مطلوب كلّ طالب ](٢) ، ذاك جدّي عليّ بن أبي طالب.

ثمّ قال: أنا ابن فاطمة الزهراء، أنا ابن سيّدة النساء.

فلم يزل يقول أنا أنا حتّى ضجّ الناس بالبكاء والنحيب والأنين، وخشي يزيد اللعين أن تكون فتنة فأمر المؤذّن، فقال: اقطع عليه الكلام.

فلمـّا قال المؤّذن: الله أكبر الله أكبر، قالعليه‌السلام : الله أكبر من كلّ شيء.

فلمـّا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال عليّ بن الحسينعليه‌السلام شهد بها شعري وبشري ولحمي ودمي.

فلمـّا قال المؤّذن: أشهد أنّ محمّداً رسول الله، التفت عليّعليه‌السلام من فوق المنبر إلى يزيد، فقال: محمد هذا جدّي أم جدّك، يا يزيد؟ فإن زعمت أنّه جدّك فقد كذبتَ وكفرتَ، وإن زعمتَ أنّه جدّي فلمَ قتلتَ عترته؟

__________________

١ و ٢ - من المقتل.

قال : وفرغ المؤذّن من الأذان والاقامة، وتقدّم يزيد وصلّى صلاة الظهر.

قال: وروي أنّه كان في مجلس يزيد حبر من أحبار اليهود، فقال من هذا الغلام، يا أمير المؤمنين؟

قال: هو عليّ بن الحسين.

قال: فمن الحسين؟

قال: ابن عليّ بن أبي طالب.

قال: فمن اُمّه؟

قال: فاطمة بنت محمد.

فقال الحبر: يا سبحان الله! فهذا ابن بنت نبيّكم قتلتموه في هذه السرعة، بئسما خلفتموه في ذرّيّته، لو ترك فينا موسى بن عمران سبطاً من صلبه لظننّا أنّا كنّا نعبده من دون ربّنا، وأنتم فارقتم نبيّكم بالأمس فوثبتم على ابنه فقلتموه، سوءة لكم من اُمّة.

قال: فأمر به يزيد فوجىء في حلقه ثلاثاً، فقام وهو يقول: إن شئتم فاقتلوني، وإن شئتم فذروني(١) ، فإنّي أجد في التوراة انّ من قتل ذرّيّة نبيّ لا يزال ملعوناً أبداً ما بقي، فإذا مات أصلاه الله جهنّم وساءت مصيراً.(٢)

قال: ثمّ أمر يزيد بهم فاُنزلوا منزلاً لا يكتمهم(٣) من حرٍّ ولا من برد، فأقاموا فيه حتّى تقشّرت وجوههم، وكانوا مدّة مقامهم في البلد المشار إليه

____________

١ - كذا في المقتل، وفي الأصل: إن شئتم فاضربوني، وإن شئتم فاقتلوني وتذروني.

٢ - مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢/٦٩ - ٧١.

٣ - في الملهوف: ولا يكنّهم.

ينوحون على الحسينعليه‌السلام .(١)

و روى عن زيد بن عليّ، [ و ](٢) عن محمد بن الحنفيّةرضي‌الله‌عنه ، عن عليّ بن الحسينعليه‌السلام أنّه لمـّا أُتي برأس الحسين إلى يزيد لعنه الله كان يتّخذ مجالس الشرب ويأتي برأس الحسين ويضعه بين يديه ويشرب عليه، فحضر ذات يوم في مجلس يزيد رسول ملك الروم وكان من عظمائهم، فقال: يا ملك العرب، هذا رأس مَن؟

فقال يزيد: ما لكَ ولهذا الرأس؟

فقال: إنّي إذا رجعت إلى ملكنا يسألني عن كلّ شيء رأيته فأحببت أن اُخبره بقصّة هذا الرأس وصاحبه حتّى نشاركك في السرور والفرح.

قال يزيد لعنه الله: هذا رأس الحسين بن عليّ بن أبي طالب.

فقال: ومن كانت اُمّه؟

قال: فاطمة الزهراء.

قال: بنت مَن؟

قال: بنت رسول الله.

فقال النصرانيّ: اُفّ لك ولدينك، ما من دين اخسّ من دينك [ اعلم ](٣) إنّي من أحفاد(٤) داود، وبيني وبينه آباء كثيرة والنصارى يعظّمونني ويأخذون

____________

١ - الملهوف على قتلى الطفوف: ٢١٩.

٢ و ٣ - من المقتل.

٤ - كذا في المقتل، وفي الأصل: حوافد، وكذا في الموضع الآتي.

التراب من تحت قدميّ تبرّكاً به لأني من أحفاد داود، وأنتم تقتلون ابن بنت نبيّكم وما بينه وبين نبيّكم إلّا اُمّ واحدة، فأيّ دين دينكم؟ ثمّ قال: هل سمعت بحديث كنيسة الحافر؟

فقال يزيد: قل حتّى أسمع.

قال: إن بين عمان والصين بحر مسيرة سنة، ليس فيه عامر(١) إلّا بلدة واحدة في وسط الماء، طولها ثمانون فرسخاً في ثمانين، ما على [ وجه ](٢) الأرض بلدة أكبر منها، ومنها يحمل الكافور والياقوت، أشجارهم العود ومنهم يحمل العنبر، وهي في أيدي النصارى، لا ملك لأحد فيها من الملوك، وفي تلك البلدة كنائس كثيرة أعظمها كنيسة الحافر، في محرابها حقّة من ذهب معلّقة فيها حافر يقولون إنّه حافر حمار كان يركبه عيسىعليه‌السلام ، وقد زيّنوا حول الحقّة من الذهب والديباج ما لا يوصف، في كلّ عام يقصدونها العلماء من النصارى، يطوفون بتلك الحقّة ويقبّلونها، ويرفعون حوائجهم إلى الله سبحانه، هذا شأنهم ودأبهم بحافر حمار يزعمون أنّه حافر حمار عيسى، وأنتم تقتلون ابن بنت نبيّكم، فلا بارك الله فيكم، ولا في دينكم.

فقال يزيد [ لأصحابه ](٣) : اقتلوا هذا النصرانيّ، فإنّه يفضحني إن رجع إلى بلاده فيشنّع عليَّ، فلمـّا أحسّ النصرانيّ بالقتل قال: يا يزيد، تريد أن تقتلني؟

قال: نعم.

قال: اعلم أنّي رأيت البارحة نبيّكم في المنام [ وهو ](٤) يقول لي: يا نصرانيّ، أنت من أهل الجنّة، فتعجّبت من كلامه، وها أنا أشهد أن لا إله إلّا

__________________

١ - في المقتل: عمران.

٢ و ٣ و ٤ - من المقتل.

الله، وأنّ محمّداً رسول الله، ثمّ وثب إلى رأس الحسينعليه‌السلام وضمّه إلى صدره، وجعل يقبّله ويبكي حتّى قتلرحمه‌الله .

و في رواية أنّ النصرانيّ اخترط سيفه وحمل على يزيد، فحال الخدم بينهما، ثمّ قتل على المكان وهو يقول: الشهادة الشهادة.

وذكر أبو مخنف انّ يزيد أمر بأن يصلب رأس الحسينعليه‌السلام على باب داره، وأمر بالنسوة أن يدخلوا داره، فلمـّا دخلت النسوة دار يزيد لم تبق امرأة من آل أبي سفيان ومعاوية(١) إلّا استقبلتهنّ بالبكاء والصراخ والنياحة على الحسينعليه‌السلام ، وألقين ما عليهنّ من الثياب والحلل والحليّ، وأقمن المآتم ثلاثة أيّام، وخرجت هند بنت عبد الله بن [ عامر بن ](٢) كريز امرأة يزيد مكشوفة الرأس، وكانت قبل ذلك تحت الحسينعليه‌السلام حتّى شقت الستر وهي حاسرة، فوثبت إلى يزيد وهو في مجلس عامّ فغطّاها، ثمّ قال: نعم فاعولي عليه - يا هند - وابكي على ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وصريخة قريش، عجّل عليه ابن زياد فقتله قتله الله.

ثمّ إنّ يزيد أنزلهم في داره الخاصّة، فما كان يتغدّى ولايتعشّى حتّى يحضر عليّ بن الحسينعليه‌السلام معه.

وروي أنّه عرض عليهم المقام بدمشق، فأبوا ذلك، فقالوا: بل ردّنا إلى المدينة لأنّها مهاجر جدّنا.

فقال للنعمان بن بشير: جهّز لهؤلاء بما يصلحهم، وابعث معهم رجلاً أميناً صالحاً، وابعث معهم خيلاً وأعواناً، ثمّ كساهم وحباهم وفرض لهم الأرزاق

____________

١ - كذا في المقتل، وفي الأصل: لم يبق من آل أبي سفيان ومعاوية أحد.

٢ - من المقتل.

والأنزال، ثمّ دعا بعليّ بن الحسين فقال له: لعن الله ابن مرجانة، أمّا والله لو كنت صاحبه ما سألني خطة إلاّ أعطيته إيّاها، ولدفعت عنه الحتف بكلّ ما قدرت ولو بهلاك بعض ولدي، ولكن قضى الله ما رأيت، فكاتبني بكل حاجة تكون لك(١) ، ثمّ أوصى بهم الرسول، فخرج بهم الرسول يسايرهم فيكونون أمامه حيث لا يفوتوا بطرفه، فإذا نزلوا تنحّى عنهم وتفرّق هو وأصحابه كهيئة الحرس، ثمّ ينزل بهم حيث أراد واحدهم الوضوء، ويعرض عليهم حوائجهم ويتلطّف بهم حتّى دخلوا المدينة.

قال الحارث بن كعب: قالت [ لي ](٢) فاطمة بنت علي: قلت لأُختي زينب: قد وجب علينا حقّ هذا لحسن صحبته لنا، فهل لكِ أن نصله؟

قالت: والله ما لنا ما نصل به إلّا أن نعطيه حليّنا، فأخذت سواري ودملجي وسوار اُختي ودملجها فبعثنا بها إلى الرسول واعتذرنا من قلّته، وقلنا: هذا بعض جزائك لحسن صحبتك إيّانا.

فقال: لو كان الّذي فعلته للدنيا لكان في بعض هذا رضاي، ولكن والله ما فعلته إلّا لله ولقرابتكم من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .(٣)

وآقول: لعن الله يزيد وأباه، وجدّيه وأخاه، ومن تابعه وولّاه، بينا هو ينكت ثنايا الحسين ويتمثّل بشعر ابن الزبعرى: يا غراب البين ما شئت فقل، إلى آخره، واغلاظه لزينب بنت عليّ بالكلام السيّء لمـّا سأله الشامي، وقال: هب لي هذه الجارية - يعني فاطمة بنت الحسينعليه‌السلام

____________

١ - كذا في المقتل، وفي الأصل: فكاتبني وأنّه إلى كلّ حاجة تكون لك.

٢ - من المقتل.

٣ - مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢/٧٢ - ٧٥، عنه البحار: ٤٥/١٤٢ - ١٤٥.

وقوله لعليّ بن الحسينعليه‌السلام : أراد أبوك وجدّك أن يكونا أميرين، فالحمد لله الّذي قتلهما وسفك دماءهما، وإنّ أباك قطع رحمي، وجهل حقّي ونازعني سلطاني، إلى آخر كلامه كما أشرنا إليه من قبل، ونصب رأس الحسينعليه‌السلام على باب القرية الظالم أهلها - أعني بلدة دمشق - وإيقافه ذرّيّة الرسول على درج المسجد كسبايا الترك والخزرج، ثمّ إنزاله إيّاهم في دار لا يكنّهم(١) من حرّ ولا قرّ حتّى تقشّرت وجوههم، وتغيّرت ألوانهم، وأمر خطيبه أن يرقى المنبر ويخبر الناس بمساوىء أمير المؤمنين ومساوىء الحسينعليهما‌السلام وأمثال ذلك، ثمّ هو يلعن ابن زياد ويتبرى من فعله وينتصل من صنعه، وهل فعل اللعين ما فعل إلّا بأمره وتحذيره من مخالفته؟ وهل سفك اللعين دماء أهل البيت إلّا بإرغابه وإرهابه له بقوله، ومراسلته بالكتاب الّذي ولّاه فيه الكوفة وجمع له بينها وبين البصرة الّذي ذكرنا لما وصل إليه الخبر بتوجّه مسلم بن عقيل إلى الكوفة وحثّه فيه على قتله، وأمره له بإقامة الارصاد وحفظ المسالك على الحسين، وقوله لابن زياد في كتابه: إنّه قد ابتلى زمانك بالحسين من بين الأزمان، وفي هذه الكرّة يعتق أو يكون رقّاً عبداً كما تعبد العبيد فاحبس على التهمة واقتل على الظنّة، الوحا الوحا، العجل العجل - كما ذكرنا أوّلاً -.

وإنّما أظهر اللعين التبرّي من فعل ابن زياد لعنه الله خوفاً من الفتنة وتمويهاً على العامّة لأنّ أكثر الناس في جميع الآفاق والأصقاع أنكروا فعله الشنيع وصنعه الفضيع، ولم يكونوا راضين بفعله وما صدر عنه خصوصاً من كان حيّاً من الصحابة والتابعين في زمنه كسهل بن سعد الساعدي والمنهال بن عمرو

__________________

١ - لا يصونهم - خ ل -.

والنعمان بن بشير وأبي برزة الأسلمي ممّن سمع ورأى إكرام الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله له ولأخيه، وكذلك جميع أرباب الملل المختلفة من اليهود والنصارى، وناهيك مقال حبر اليهود ورسول ملك الروم لما شاهداه وهو ينكث ثنايا الحسينعليه‌السلام بالقضيب - كما ذكر - ولم يكن أحد من المسلمين في جميع البلاد راض بفعله إلّا من استحكم النفاق في قلبه من شيعة آل أبي سفيان، بل كان أكثر أهل بيته ونسائه وبني عمّه غير راضين بذلك.

روي أنّ عبد الرحمان بن الحكم أخو مروان بن الحكم كان حاضراً عند يزيد لمـّا وضع رأس الحسينعليه‌السلام بين يديه وعرضت عليه سبايا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فجعل عبد الرحمان يقول:

لهام بجنب الطفّ أدنى قرابة

من ابن زياد العبد ذي النسب(١) الوغل

سميّة أمسى نسلها عدد الحصى

وبنت رسول الله ليست بذي نسل(٢)

فقال له يزيد: سبحان الله! أفي مثل هذا الموضع تتكلّم بهذا؟ أمّا يسعك السكوت؟(٣)

و روي أنّه لمـّا وضع رأس الحسين بين يدي يزيد فجعل ينكث ثنايا الحسين بالقضيب ويقول: لقد كان أبو عبد الله حسن المضحك، فأقبل إليه أبو برزة صاحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وكان حاضراً في مجلسه، وقال:

____________

١ - في المناقب: الحسب.

٢ - في المناقب: أمست بلا نسل.

٣ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/١١٤. وفيه: يحيى بن الحكم.

ويحك يا يزيد، أتنكت بقضيبك ثغر الحسين؟ لقد أخذ قضيبك هذا من ثغره مأخذاً، أشهد لقد رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يرشف ثناياه وثنايا أخيه الحسن، ويقول: إنّهما سيّدا شباب أهل الجنّة، قتل الله قاتلكما ولعنه وأعدّ له جهنّم وساءت مصيراً، أمّا أنت يا يزيد لتجيء يوم القيامة وعبيدالله بن زياد شفيقك، ويجي هذا وشفيقه محمد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فغضب يزيد وأمر بإخراجه، فاُخرج سحباً.

وقيل: إنّ سمرة بن جندب صاحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لمـّا رأى يزيد يقلّب ثنايا الحسينعليه‌السلام قال: يا يزيد، قطع الله يدك ارفع قضيبك، فطال ما رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يلثم هاتين الشفتين، ولم يكن أحد من أكثر الناس في جميع الآفاق راضياً بفعله فلذلك أبدى الاعتذار، وركن إلى الانكار، خوفاً أن يفتق عليه فتق لا يرتق، وأن ينفتح عليه باب من الشرّ لا يغلق، فاعتذر وأنّى له الاعتذار، ولم يكن له موافقاً على فعله وكفره إلّا أهل القرية الظالم أهلها - أعني شبيهة سدوم المؤتفكة، والطائفة الجاهلة المشركة أهل بلدة دمشق الشام فإنّهم ارتضعوا ثدي النفاق(١) من أخلاف أسلافهم،

____________

١ - في « ح »:

روي أنّ اُمّ الحجّاج بن يوسف قاتل السادات والحجّاج ولدته مشوّهاً لا دبر له فاثقب له دبر، وأبي أن يقبل الثدي من اُمّه وغيرها فأعياهم أمره.

وفي الحديث انّ إبليس تصوّر لهم بصورة حارث بن كلدة زوج اُمّه الأوّل، فقال: اذبحوا له تيساً والعقوه من دمه، واطلوا به وجهه وبدنه كلّه، ففعلوا به ذلك فقبل الثدي، فلهذا لا يقدر يصبر عن سفك الدماء، وكان لذاته سفك الدم وارتكاب اُمور لا يقدر عليها غيره، واحصر من قتل بأمره سوى من قتل في حروبه فكانوا مائة ألف وعشرين ألفاً، ووجد في سجنه خمسون ألف رجل وثلاثون ألف مرأة لم يجب على أحد منهم حدّ ولا قطع، وكان يحبس الرجال والنساء في موضع واحد؛ وقيل لو جاءت كلّ اُمّة بفساقها وخبيثها وجي بالحجّاج وحده لزاد عليهم كفراً ونفاقاً. انتهى

وجبلت على بغض أهل البيت طينتهم.

و لقد اُلقي على لساني من فيض فكري وجناني كلمات قصدتهم فيها بلعني وزجري، ووجّهت إليهم مطايا ذمّي في نثري، وأشرت إليهم بتعنيفي، وخاطبتهم بتأفيفي، أبعدهم الله من رحمته، وأحلّ بهم أليم عقوبته.

أيّها الأُمّة المغرورة برتبة دنياها، الكفورة بنعمة مولاها، المنكرة معادها ومبدأها، المنهمكة بطغواها في غيّها، المارقة بسعيها وبغيها، الجاحدة نصّ نبيّها، المنكرة فضل وليّها، السالكة نهج شركها، الحائرة في ظلمة شكّها.

يا أتباع أحزاب الشيطان، ويا نصّاب أنصاب الأوثان، ويا شيعة آل أبي سفيان، ويا صحبة الشجرة الملعونة في القرآن، يا من لم يؤمنوا منذ كفروا، ولم يؤتمنوا منذ غدروا، ألمع لهم شراب الباطل فوردوه، وظنّوه شراباً فلم يجدوه، ونعق بهم ناعق الظلم فأطاعوه، وبرق لهم بارق البغي فاتّبعوه، ولمع لهم علم الضلالة فأمّوه، وبدا لهم طريق الجهالة فسلكوه، لما كذبهم رائدهم، وأضلّهم قائدهم، أردتهم آراؤهم، وقادتهم أهواؤهم، إلى النّار الموصدة، والعمد الممدّدة، لا جرم من كان ابن الباغية دليله، ونجل النابغة قبيله، كان جزاؤه من عذاب الله جزاء موفوراً، وأعدّ له جهنّم وساءت مصيراً.

ويلكم ألم يأتكم نبأ الّذين راموا محق شمس الاسلام في احدهم وبدرهم، وإطفاء مصابيح الايمان بأحزابهم وقهرهم؟ ألم يكونوا لقائدكم آباء ولنبيّكم أعداء؟ أليست اُمّه آكلة أكباد الصدّيقين؟ أليس أبوه قائد أحزاب المشركين؟ الّذي لعنه وآباه وابنه الرسول الصادق في قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : اللّهمّ العن الراكب والقائد والسائق؟ أليست عمّته حمّالة الحطب الّتي تبَّ الله يدها ويد بعلها أبي لهب؟ يا ويلكم أضلّكم الشيطان فأزلّكم، وزين لكم بغروره

سوء عملكم، توادّون من حادّ الله ورسوله، وتتّبعون من كان الشيطان قائده ودليله، لا يشكّ في كفركم إلّا كافر، ولا يرتاب في فجوركم إلّا فاجر، أيصلب رأس ابن نبيّكم على باب جامعكم، ويسبّ صنو رسولكم في مجامعكم، وتساق نساؤه وبناته إلى يزيدكم، ويقمن مقام الخزرج والترك على باب يزيدكم؟

لا منكر منكم ينكر بلسانه وقلبه، ولا متقرّب يتقرّب بسترهم إلى ربّه، فأنتم قبل الفتح خير منكم بعده، وآباؤكم الهالكون على الكفر أفضل منكم يا أهل الردّة، أزنى من قوط لوط أمتكم، وأشأم من سدوم قريتكم، زنوة الفسوق، وجبهة العقوق، ومنزل الشيطان، ومعدن البهتان، تأتون الذكران من رجالكم، وتذرون ما خلق لكم ربّكم من أزواجكم، الابنة فاشية في أبنائكم، والغلمة ناشئة في نسائكم، أورثكم ذلك بغض وصيّ نبيّكم، وسبّكم له على منابركم بكفركم وغيكم، آه لو أنّ لي بكم قوّة يا بني الزواني، أو آوي إلى ركن شديد من أشباهي وإخواني، لاُصلينّكم في الدنيا قبل الآخرة ناراً، ولغادرتكم رماداً مستطاراً، ولمحوت آثاركم، ولقطعت أخباركم، ولعجلّت بواركم، ولهتكت أستاركم، ولقضيت بصلب قضاتكم، وحرب عتاتكم، وسبي نسائكم، وذبح أبنائكم، وقطع غراسكم، وقلع أساسكم.

يا أهل المؤتفكة، يا أتباع الطائفة المشركة، والله ما نظرتم حيث نظر الله، ولا اخترتم من اختار الله، ولا واليتم من والى الله، ولم تزالوا أتباع العصابة المفتونة، والشجرة الملعونة، تدحضون الحقّ بأيديكم وألسنتكم، وتنصرون الباطل في سرّكم وعلانيتكم، كم زينتم صفوفكم بصفين؟ وكم قتلتم أعلام المهاجرين الأوّلين؟ لما جبيت على بغض الوصيّ جوانح أضلاعكم، وأعلنتم

بسبّه في جوامعكم ومجامعكم، قامت سوق النفاق في الآفاق، وعلت كلمة الشقاق على الاطلاق، وصار وليّ أمركم وسبيل كفركم يزيد القرود، ويزيد اليهود، ويزيد الخمور، ويزيد الفجور.

يا ويلكم أيقرع ثغر ابن النبيّ بمرأى منكم؟ أيطاف ببناته ونسائه في شوارعكم؟ فأبعد بكم وبما صدر عنكم، رماكم الله بذلّ شامل، وعدوٍّ قاتل، وسيف قاطع، وعذاب واقع، ليس له من الله من دافع.

ويحكم أتتّخذون يوم مصاب نبيّكم بولده عيداً، وانّ بوار رهطه موسماً جديداً، وتظهرون فيه تمام زينتكم، وتعدّونه رأس سنتكم؟ فاُقسم بالله الّذي جعل لكم الأرض قراراً، والسماء بناءً، لأنتم أشرّ من اليهود والنصارى، أسأل الله أن يرمي دمشق شامكم، ومحلّ طغاتكم، وبيت أصنامكم، ومقرّ أنصابكم وأزلامكم، بالموت الذريع، والأخذ السريع، والقحط الفضيع، والظلم الشنيع، حتّى تصيروا حصيداً خامدين، ومواتاً جامدين، وعباديد في الأقطار، ومتفرقين في الأمصار، أن يطمس على أموالكم، ويشدّد على قلوبكم، فلا تؤمنوا حتّى تروا العذاب الأليم تريدون أن تخرجوا من النّار وما أنتم بخارجين ولكم عذاب مقيم.

وسأختم هذا المجلس بقصيدة تنبىء عن خالص ودادي، ومُصاص اعتقادي، وطويل أحزاني ومديد أشجاني، ومحتث منامي، ووافر كربي وهيامي، في مدح من هدت مصيبته أركان أفراحي ومسرّاتي، وشيّدت واقعته قواعد أحزاني وكرباتي، وقلّدت جند خدّي عقيقاً من عبراتي، وأضرمت في أحشائي حريقاً من زفراتي، أعني من جعل الله قلبي لحبّه وحبّ أهل بيته مسكناً، ولولائه وولاء آبائه وأبنائه موطناً، ولساني على مدحهم موقوفاً،

و شكري إلى كعبة جودهم مصروفاً.

سيّدي وابن سادتي، وقائدي وابن قادتي، أشرف من ارتدى بالمجد وأنور، وأفضل من عرف بالفخر واشتهر، سبط نبيّي، ورهط وليّي، ونجل سيّدتي، ووالد سادتي، وغناي يوم فقري وحاجتي، وغياثي إذا انقطعت من الدنيا وصلتي، سيّد الكونين وابن سادة الكونين، وإمام الثقلين وأب أئمّة الثقلين، المنزّه عن كلّ رجس ودين، مولاي وسيّدي أبي عبد الله الحسين، عليه من صلواتي ما نما وزكا، ومن تحيّاتي ما صفا وضفا، جعلها الله حجاباً من أليم عذابه، وستراً من وخيم عقابه، وهي هذه:

الفت فؤادي بعدكم أحزاني

لما جفا طيب الكرى أجفاني

يا من لهم منّي بقلبي منزل

ضمّت عليه جوانحي وجناني

أنا واحد في حبّكم لم يثنن

حتّى مماتي عن هواكم ثاني

أوقفت مدحي خالصاً لجلالكم

وعلى مراثيكم وقفت لساني

هدّت مصيبتكم وما فيكم جرا

ممّن جرا في كفره أركاني

فلأبكينّكم بدمع فيضه

بزري بصور العارض الهتّان

ولأضربنّ بمهجتي لمصابكم

ناراً تذيب الطود من أشجاني

أاُلاُم إن أرسلت نحو جمالكم

من منطقي نظماً جاه بياني

أو أرسلت عيني لفرط صبابتي

دمع يمازجه نجيع قاني

وبكم معادي إن عرتني أزمة

بقوارع من طارق الحدثان

وبكم اُرجّي فرحة يوماً به

اءُميت أو اُلَفُّ في أكفاني

وكذلك في قبري إذا اُجلست في

ظلماته وسئلت عن إيماني

وبيوم حشري لا أرى لي منقذاً

إلّا ولاءكم لدى الرحمن

وصفاءَ ودٍّ لا يشاب بشبهةٍ

مقرونة بوساوس الشيطان

وأراكم من بعد أفضل مرسل

خير الورى من نازح أو دان

وأباكم ذا المجد أشرف من مشى

فوق الثرى من إنسها والجان

قصّام أبطال الحروب وكاسر ال‍ـ

‍ـأصنام يوم الفتح والأوثان

وأخ الرسول وصنوه ووصيّه

ونديده في الفضل والإحسان

ما من نبيّ مرسل كلّا ولا

ملك رقى بالقرب خير مكان

ألا وفضل أبيكم من فضلهم

ما آن له يوم التفاضل ثاني

يا خير من في الله وفّي مخلصاً

بجهاده في السرّ والاعلان

يا من عناه المصطفى والمرتضى

والطهر فاطم خيرة النسوان

يا ابن الأباطح والمشاعر والصفا

والبيت ذي الأستار والأركان

يا خامساً لذوي الكسا فصبغ ما

لاقيته ثوب السقام كساني

ومشير رأسك بالدما مخضّباً

منه المشيب على سنان سنان

وأذاب قلبي ثمّ صَعّده دماً

من مقلتي كالسيل في الجريان

لنسائك اللاتي يسقن حواسراً

يسترن أوجههنّ بالأردان

ولقتل اُسرتك الّتي جادت بأن‍ـ

ـ‍فسها عليك كمسلم مع هاني

وكذلك من جعلوا وجوههم وقى

لك من سهام عصابة البهتان

أضحوا بعرصة كربلاء صرعى وأم‍ـ

ـ‍سوا في نعيم دائم وأمان

في جنّة يسقون من بعد الظما

فيها كؤوساً من يد الولدان

من سلسبيل في منازل جنّة

محفوفة بالرَّوح والريحان

يا راكباً يطوي الفلاء بجسرة

كالدال في بَيْدٍ بغير توان

عج بالطفوف مقبلاً أزكى ترى

من حبّه فرض على الأعيان

سبط النبيّ وخامس الأشباح وال‍ـ

ـ‍مخصوص بالتطهير في الفرقان

هدموا بمقتله الطغاة قواعد ال‍ـ

ـ‍اسلام والأحكام والإيمان

أبلغه عنّي من سلامي ما زكا

واخبره عمّا ساءني ودهاني

من فرط أحزاني لما لاقاه من

عصب الضلالة من بني سفيان

قوم بأنعم ربّهم كفروا فكم

قصدوا نبيّ الله بالشنئان؟

في حرب خير المرسلين ورهطه

بذلوا عناداً غاية الامكان

وعليه في بدر واُحد واجلبوا

بمضمر ومهنّد وسنان

وجرت صفوفهم بصفّين على

نهج الاُلى سلفوا اُولي الطغيان

حتى إذا أكلتهم الحرب الّتي

يروى مواقعها مدى الأزمانِ

وعليهم زأرت اُسود هريرها

لمـّا التقى في جنحها الجمعانِ

داموا فراراً حين صاروا طعمة

فيها لكلّ مهنّد ويمانِ

ورأوا دماء حماتهم مذ أصبحوا

فوق الصعيد كمفعم الغدران

رفعوا المصاحف حيلة وخديعة

مذ آل أمرهم إلى الخسرانِ

كفروا بأنعم ربّهم فغدوا لما

فعلوه بغياً حمة النيرانِ

وعلى ابن هند عجلهم عكفوه ك‍ـ

قوم السامريّ الغادر الخوّانِ

تركوا أخصّ العالمين برتبة ال‍ـ

‍ـهادي البشير بشاهد القرآنِ

وبنصّ أفضل مرسل ومبلّغ

وبحجّة من ساطع البرهانِ

وبنوا معالم دينهم جهلاً على

ابن قحّافهم ثمّ العتلّ الثاني

فأضلّ اُمّة أحمد بريائه

واسامها في مرتع البهتانِ

وأشار بالشورى فعاد الجور من‍ـ

ـ‍ه مكمّلاً والعدل في نقصانِ

حتى إذا ما قام ثالثهم وحا

نثهم وناكثهم فتى عفّان

جعل العتلّ زمامه بيد العتي‍ـ

ـ‍د ابن الطريد حميمه مروانِ

وغدا لمال الله يفرس جاهداً

كالذئب عاث بثلّة من ضأن

حتّى إذا غمر الأنام بظلمه

وتبرّمت من حكمه الثقلان

أردته بطنته فأصبح جارعاً

كأس المنيّة واهي الأركانِ

حتّى إذا قام الوصيّ بعهده

لله لا نكس ولا متوان

قصدته راكبة البعير بفتنة

يذكي ضرام سعيرها رجسانِ

حتّى إذا الحرب العوان تحكمّت

بوقودها من أنفس الشجعان

صارا طعام عوامل ومناصل

للعكس قد نأيا عن الأوطانِ

جاءا لنصر عصابة الشيطان فاخ‍ـ

ـ‍ترما ببطش عصابة الرحمن

يا فرقة نكثت عهود نبيّها

وأتت بكلّ منافق فتّان

يا جند راكبة البعير ومن عصت

بالبغي أمر الحاكم الديّانِ

وأتت من البلد الحرام وقلبها

يغلي بنار الحقد والأضغانِ

حتّى إذا صارت حماة بعيرها

قوتاً لزائرها من السيدانِ

أبدت خضوعاً واستقالت عثرة

واستسلمت بالذّل والإذعانِ

صفح الكريم بحلمه عنها وأف‍ـ

‍ـرشها مهاد تحنّنٍ وأمانِ

وأعادها كرماً فعادت وهي ذو

عقل لفادح هولها ولهانِ

لما اطمأنّت دارها قفلت إلى

نحو ابن هند ذا حشاً ملآن

واستنفرته فسار بالجيش الّذي

راياته نصبت على البهتانِ

فهي الّتي جعلت ضرام وقودها

أجساد قادتها من الفرسانِ

لمـّا أتت بقميص عثمان علي‍ـ

‍ـه نجيعه كالأرجوان القاني

دارت رحاء الحرب واشتبك القنا

من سعيها واستقتل الجيشانِ

والله ما خذل الوصيّ وقتله

متبتلاً في طاعة المنّانِ

إلّا لها فيه نصيب وافر

ولسان باغ غادر ويدان

وكذاك قتل ابن الرسول ورهطه

دوح الفخار وأشرف الأفنانِ

لم أنسها يوم الزكي وقد غدت

بالقول تنفث نفقة الثعبان

آليت ألّا تدفنوا في منزلي

من لستُ أهواه ولا يهواني

يا بن أرذل تيم مرّة خادم ال‍ـ

ـ‍تيمي نجل زعيمهم جدعان

هذي الشجاعة من أبيك بخيبر

جاءتك ترقل رقلة الفحلان

يا آل أحمد إن جزعت لثابت

في الناس غيركم فما أشقاني

حزني عليكم سرمداً لا ينقضي

ما شبّه في القلب بالسلوانِ

كم ناصب علم الأذيّة لي بكم

أمسى للعن عدوّكم يلحاني

ويلسمني وقراً إذا ما ضلّ عن

لعن الطواغيت الاُلى ينهاني

عن جاحدي نصّ الغدير وغاصبي

فدكاً من الزهراء ذات الشانِ

ستّ النساء وبنت أكرم مرسل

شرفت برفعته بنو عدنانِ

يا من مصابهم جميع مصائب ال‍ـ

ـ‍دنيا وفادح خطبها أنساني

أنتم عياذي والّذي أرجوهم

حصناً إذا الخطب الجسيم دهاني

وبكم اُرجّي يوم حشري زلفة

من خالقي بالعفو والغفرانِ

وإليه أفزع من عدوٍّ كاشح

بالبغي يقصدني وبالعدوان

إن يعدني عدوّاً عليه يرى لها

متسربلاً بالخزي ثوب هوان

ويصدّه عنّي بذلّ شامل

ليكون معتبراً لمن ناواني

أو أن تصبّرني على ما حلّ بي

من حمقه وأضرّ بي ودهاني

ثمّ الصلاة عليكم ما غرّدت

ورقاء في دوح على الأغصانِ

أو حرّكت ريح الصباء صاعداً

ناء عن الأوطان والخلّانِ

المجلس التاسع

مفتتحاً بالتعزية الّتي وسمتها ب‍ « مجرية العبرة ومحزنة العترة »

قلتها بإذن الله، وتلوتها يوم التاسع في شهر

المحرّم الحرام على المنبر في جمع لا يحصى كثرة أجريت

بها عيون المؤمنين، وأحزنت قلوب المتّقين، وأخزيت من

رام هظمي من الشانئين تجاه ضريحه الشريف، ومقامه

المنيف، متقرّباً بذلك إلى الله ربّ العالمين، ونبيّه الأمين،

ووليّه سيّد الوصيّين، وآلهم الأئمّة الطاهرين.

الخطبة

الحمد للهِ الّذي نوّر قلوب أوليائه بأنوار معرفته، وأظهر نفوس أصفيائه على أسرار حكمته، واختبرهم بالتكاليف الشّاقة من حكمه لينالوا الزلفى من رحمته، وامتحنهم بالمحن السابقة في علمه، ليصلوا بها إلى جوار حضرته، وابتلى عباده بفرض مودّتهم وجعلها ثمن جنّته، وألزمهم بالتزام عروة عصمتهم وقرن طاعتهم بطاعته، فمن امتثل أمر الله بإخلاص ودّه لهم في سرّه وعلانيته، واستمسك بحبل ولائهم واعتقده سبباً منجياً في دنياه وآخرته، فقد استمسك بالعروة الوثقى من عفو ربّه ومغفرته، وفاز بالسعادة العظمى يوم فقره وفاقته، ومن أخذ ذات اليمين وذات الشمال في معتقده ونحلته، واتّبع غير سبيل

المؤمنين فيما ينظر من خبث سريرته، ولّاه الله ما تولّى وأحلّ به نكال عقوبته.

نحمده على ما وفّقنا له من عرفان حقّهم، والإقرار بفضلهم وصدقهم، والإستمساك بعروة عصمتهم، والإلتزام بحبل مودّتهم، وتضليل من خالفهم بقوله وفعله، وتكفير من أجلب عليهم بخيله ورجله، والبراءة ممّن تقدّمهم غاصباً، وتحلّى بغير اسمه كاذباً، ولعن من نصب لهم العداوة والبغضاء علانية وسرّاً، وتخطئة من ردّ مقالهم خفيةً وجهراً.

ونشكره إذ جعلنا من فضل طينتهم، وغذانا بلبان مودّتهم، وجعلنا من ورق شجرتهم، وأسكن قلوبنا لذّة معرفتهم، حبّنا إيّاهم دليل على طهارة مولدنا، وبغضنا أعداءهم سبيل إلى إخلاص ودّنا في معتقدنا.

نحمده على هذه النعمة الجسيمة، والمنّة الوسيمة، اللاتي جهل الأشقياء عرفان قدرها، وقصر البلغاء عن تأدية شكرها، ونشهد أن لا إله إلّا الله شهادة توافق بها قلوبنا ألسنتنا، ويوافق بها سرّنا علانيتنا، ونشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله الأمين، وحبله المتين، وصراطه المستقيم، ونهجه القويم، صدع بالحقّ ناطقاً، وخبّر عن الله صادقاً، تمّم الله به الرسالة، وأيد بالمعجز مقاله، واختاره حاكماً بأمره، وموضعاً لسرّه، وشرّفه بالاسراء إلى حضيرة قدسه، وجعل خطابه إيّاه ليلة المعراج اُنساً وشرفاً لنفسه، فهو أصل الشرف وفرعه، وبصر المجد وسمعه.

سرّة البطحاء مغرس أصله، ومنكب الجوزاء مركب فضله، أروقة المفاخر على هامة عظمته مضروبة، وألوية المآثر على رفعة حضرته منصوبة، وظلال الشرف تتفيّؤ على جلال نبوّته، وحلال الكرم وقف على رتبته.

سلالة طود العلم فمنه تفجّرت عيونه، ودوح المجد فعليه تهدّلت

غصونه، أعرض عن الدنيا صفحاً، وطوى عنها كشحاً، وشمرّ عنها ذيلاً، ولم يرزء منها كثيراً ولا قليلاً، تحبّبت إليه فأبغض، وتشوّقت نحوه فرفض، وتعرّضت به فأعرض، وعلى نفسه وخاصّته تركها أوجب وفرض، ولأدلّتها نقض، ولحججها أدحض، ولم يزل صلوات الله عليه يحذّر غرورها، ويخوّف زورها، حتّى نصبت له الغوائل، وأصمّت منه المقاتل، وآذته في أهله واُسرته، وأغرت سفهاءها بنيه وعترته، وغادرتهم بين قتيل ومطلول، وأسير مخذول، وطريد مشرّد، ومسجون مصفّد، تساق نساؤهم اُسارى، على الأقتاب حيارى، بغير نقاب ولا جلباب، يطاف بهنّ في البلاد، ويتشرّفهنّ الحاضر والباد، فلو أنّ عيناً بعدها كفت لعظيم ما وكفت، ونفساً تلفت لفرط ما تلهّفت، وقلب انقطع بسيوف الحزن غمّاً، وروحاً فارقت جسدها كرباً وهمّاً، لم يكونوا في شرح الحقيقة ملومين، ولا بين أرباب الطريقة مذمومين؟

فتفكرّوا في نبيّكم ووليّكم، وانّهما الّذين هم الوسيلة لكم إلى ربّكم، كيف تجرّأت لقتالهم بقايا الأحزاب، وتكالبت على استئصالهم أبناء الكلاب، وجرّدت عليهم من مناصلها وعواملها، وفوّقت نحوهم سهامها ومعابلها، هذا خاتم النبيّين وسيّدالمرسلين إمام الدين، وقائد الخير ونبيّ الرحمة، وشفيع الاُمّة، صاحب الحوض والكوثر، والناتج والمغفر، والخطبة والمنبر، والركن والمشعر، والوجه الأنور، والجبين الأزهر، والدين الأظهر، والنسب الأطهر، محمد سيّد البشر، الّذي لا يسامي في الفضل، ولا يساوي في المجد، ولا يجاري في حلبة الفخر، ولا يضاهى في رفعة القدر.

السبع الطباق ميدان سباقه، وسدرة المنتهى غاية براقة، و( سُبْحَانَ

الَّذي أسْرَى ) (١) حظو الرهان،( فَأوْحَى إلَى عَبْدِهِ ما أوْحَى ) (٢) خلعة المليك السلطان، ووضع له كرسيّ الكرامة في عالم الملكوت الأعلى، ونصب لأخمصه منبر الزعامة فوق طرائق السبع العلى، حتّى رقى بقدم الصدق إلى أعلى مراقي الشرف، ونطق بلسان الحقّ في ذلك المقام المشرّف، فخوطب في سرائره، ونودي في ضمائره: يا من أطلعته على سرّي المصون، وأيّدته بكلامي المخزون( قُلْ يَا أيُّهَا النَّاسُ إنِّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكُمْ جَمِيعاً الّذي لَهُ مُلْكُ السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إلَّا هُوَ يُحْيي وَيُمِيُت فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبيِّ الاُمِّيِّ الّذي يُؤمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لِعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) (٣) فصدع بها ناطقاً، وأعلن بها صادقاً، فعندها جرى قلم القدرة على لوح المشيئة بيد المشيئة لرقم منشور نبوّته، واثبت أرباب ديوان الصفيح الأعلى على قرطاس الشرف مسطور عموم ولايته.

الابتداء:( كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أنَا وَرُسُلي إنَّ اللهَ قَويٌّ عَزِيزٌ ) (٤) الانتهاء:( ادْعُ إلىَ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ) (٥) باللفظ الوجيز.

لمـّا علم قيّوم الملكوت تسدّده في ذاته وإخلاصه ختم بيد العظمة والقدرة مرقوم ولايته بمهر الخاصّة، وأشهد على ذلك رهبان صوامع العالم الأقدس، وأمرهم بالتمسك في مقام الخدمة في ذلك المقام المقدّس، جبرئيل عن يمينه يعضده، وميكائيل عن يساره يمجّده.

__________________

١ - سورة الاسراء: ١.

٢ - سورة النجم: ١٠.

٣ - سورة الأعراف: ١٥٨.

٤ - سورة المجادلة: ٢١.

٥ - سورة النحل: ١٢٥.

ولمـّا وضع تاج الكرامة على همّته، واُفرغت خلع العصمة على أعطاف نبّوته، أثبت الكرام الكاتبون نسخة الميسور في رقّ منشور، متّصل الثبوت إلى يوم النشور، يفخر اللوح المحفوظ بتقريره، ويزهر الكتاب المسطور بمسطوره، وتشرق السموات السبع بنوره، ويخضل كلّ أمير لشرف أميره، اُعيد إلى قراره من البلد الحرام، بعد أخذ ميثاق ولايته على الخاصّ والعامّ، الروحانيّون يتألمّون لفراقه، والكرّوبيّون مكتنفوا براقه، وجبرائيل آخذ بركابه، وميكائيل غاشيه دار جنابه، قد نشرت أعلام الفخر عليه، وسلّمت مقاليد الجنّة والنار إليه، وجعل مدار أمر الدنيا والآخرة في قبضة حكمه، وعلوم الأوّلين والآخرين كالقطرة في بحر علمه.

فما عسى أن أقول في وصف من « لولاك لما خلقت الأفلاك » حلّة نبّوته، والسفرة الكرام البررة من الأملاك ملازموا حضرته، وسمّوه بعزل السماك الأعزل سمو عن مقام رفعته، وعلوّه يتبدّل انباك المجرّة علو بعالي همّته، به قوام العالم، وله مقام السلطنة على بنى آدم، ناقل كلّ مجد رفيع مجده، ويخضع كلّ شريف لشرف جدّه، ويفخر الخليل بنبوّته، وتشمّخ جبريل بنبوّته، وتفضّل إسماعيل على إسرائيل بوصلته، ويمنّ اللطيف الخبير على الجمّ الغفير من خلقه ببعثته.

البائع نفسه من خالقه، الواضع سيفه على عاتقه، تلوذ الأبطال بجانبه إذا حمي الوطيس، وتعوذ الرجال بشجاعته إذا التقى الخميس بالخميس، سل عنه بدراً واُحداً إذا اُنزلت الملائكة المتوّجون له جنداً.

لمـّا قام داعياً إلى الله على بصيرة من أمره، مخلصاً في جهاد أعداء الله في علانيته وسرّه، قاطعاً في الله الأقربين من اُولى أرحامه، واصلاً للأبعدين بآلائه

وإنعامه، تألّبت على قتاله أحزاب الشيطان، وتكتّبت لاستئصاله كتائب البهتان، وخلعت العرب أعنّة الطاعة لأمره، ورامت خفض ما رفع إليه من قدره، وهدِّ ما شدّ من أركانه، وهدم ما اُسّس من بنيانه، وإدحاض ما أوضح من حجّته، وإخفاء ما بيّن من أدلّته، وأبى الله إلّا أن ينصر دينه، ويؤيّد نبيّه وأمينه.

ولم يزلصلى‌الله‌عليه‌وآله مجاهداً صابراً يتلقّى حدود الصفاح بشريف طلعته، ويقابل رؤوس الرماح بزاهر بهجته، ويذلّ بشدّة بأسه كلّ متكبّر جبّار، ويفلّ بشباء سيفه كلّ متغلّب ختّار، يباشر بنفسه الحتوف، ويتلقى بوجهه السيوف، حتّى كسرت في اُحد رباعيته، وشجّت لمناوشته القتال جبهته، وقتل في بدر واُحد وحنين أهله واُسرته، لم يثنه ثانٍ عن نصرة دين الله، ولم يكن له في الخلق ثان في جهاد أعداء الله.

قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: كنّا إذا احمرّ البأس اتّقينا برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلم يكن أحد منّا أقرب إلى العدوّ منه.(١)

ولم يزلصلى‌الله‌عليه‌وآله يقاسي الأهوال في حروبه وغزواته، ويقطّع الآجال بتواصل صولاته وعزماته، حتّى قبضه الله إليه سعيداً، ودعاه إلى جواره شهيداً، موفياً ببيعته، موضحاً سبيل الحقّ بدعوته، ولمـّا نقله الله إلى جواره وقبضه إليه واختاره اشتدّ البلاء على ذرّيّته، وضاق الفضاء بعترته، ورمتهم عصب الباطل بسهام نفاقها، وأصمت منهم المقاتل بمعابل شقاقها، وجحدت نصّ الغدير ولم يطل العهد، وضللت الهادي البشير ولم تخلف المعتمدة(٢) ،

__________________

١ - انظر: بحار الأنوار: ١٦/١١٧ و ١٢١ و ٢٣٢ و ٢٥٤ و ٣٤٠، وج ١٩/١٩١ ح ٤٤، وج ٧٢/٥.

٢ - كذا في الأصل.

ووضعت الحقّ في غير محلّه، ونكثت ما عاهدت عليه الرسول في أهله وأظهرت فيهم الأجناد، ورمتهم عن قوس واحدة دون العباد، ومنعت الزهراء نحلتها من والدها، وردّت شهادة شاهدها، ولطموا خدّها وخلّوا جدّها، حتّى ماتت بغصّتها من قولهم وفعلهم، وأوصت أن تدفن ليلاً من أجلهم.

يا ويلهم ممّا ارتكبوا من ظلم آل نبيّهم، واحتقبوا من غصب حقّ وليّهم، جعلوا الضرير يقود مبصرهم، والضليل الشرّير حبرهم وخيّرهم، والكذوب على الله ورسوله زعيمهم وصدّيقهم، الظلوم لآل وليّهم وفاروقهم، فضلّوا وأضلّوا، وزلّوا وأزلّوا، وسلكوا منهاج الشرك، وأظهروا كلمة الكبر، وارتدّوا عن الدين الحنيف، وباعوا الآخرة بالنزر الطفيف.

فأبعدهم الله كما بعدت ثمود، وأوردهم النّار وبئس الورد المورود، ذلك بأنّهم اتّخذوا آيات الله هزواً ولعباً، وافتروا على الله كذباً، فأبوا شرّ مآب، ونكصوا على الأعقاب، حتّى إذا اُكملت العدّة، وانقضت المدّة، وأرهقتهم سعور وقدموا على ما قدموا من موبقات الذنوب وتكدّر من دار غرورهم ما راق وصفا، ورأوا المجرون النّار فظنّوا أنّهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفاً.

قد تهيّأت ملائكة العذاب لعذابهم، وسجّرت دركات النيران لعقاقهم، وحاق بهم ما كانوا بهم يستهزئون، وردّوا إلى الله مولاهم الحقّ وضلّ عنهم ما كانوا يفترون، وشاهدوا كتاب عملهم قد أحصى ما اقترفوه حساباً وعدواً قالوا: يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلّا أحصاها؟! ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربّك أحداً هنالك تشتمل أعناقهم الأغلال بجوامعها، وتنتابهم الزبانية بمقامعها، ويلقون في شرّ سجن يشرف عليهم إبليس فيلعنهم، وتطلع إليهم عبدة الأوثان فتوبّخهم، لا فترة من ريحة عقابها، ولا يقضى عليهم

فيموتوا ولا يخفّف عنهم من عذابها.

لم يرض وليّهم وفاروقهم، بل جبتهم وطاغوتهم بتقلّد عارها في دار الفناء، حتّى احتقبه وزرها إلى دار البقاء، وأفضى بوصيّته إلى من ضارعه من أهل النفاق، وتابعه من اُولي الشقاق، بقتل ذرّيّة نبيّهم، والانتقام من عترة وليّهم، وألّا يقتلوا عترتهم، ولا يرحموا عبرتهم، فنسجوا على منواله، واقتدوا بأفعاله وأقواله، وقتلوهم تحت كلّ كوكب، وذهبوا بهم كلّ مذهب.

فلا أنس وإن نسيت، ولا يعزب عن علمي ما حييت، قائدة الفتنة، وقاعدة المحنة، ابنة رأس الظلمة، وأساس الآثمة، أوّل باغ بغى في هذه الاُمّة، وأخبث طاغ طغى وأحلّ بآل الرسول ظلمه، يخب بها جملها من البلد الحرام، قد أجلبت بخيلها ورجلها على علمة الإسلام، وإمام الأنام، أفضل من صلّى وصام، وأجمل من نام وقام، وأكمل من دقّ ودرج، وأتقى من ولج وخرج، قصّام الأصلاب إذ تضرم الوقائع نارها، وقسّام الأسلاب حين تضع الحرب أوزارها.

شقيق النبيّ في المجانسة، ورفيقة في المجالسة، ومساوية في الحقيقة، ومواليه في الطريقة، ونفسه في المباهلة، وسيفه في المصاولة، وعليّه الأعلى، ووليّه الأدنى.

أعبد العبّاد، وأزهد الزهّاد، وبدل الأبدال، ومنكّس الأبطال، يقطّ الأصلاب إن بارز، ويجزّ الرقاب إن ناجز، يمشي إلى الحتوف مشياً سجحاً، ويبدي للضرب وجهاً سمحاً، يخطر في الحرب والمنايا أليفة سيوفه، ويشمرّ للضرب والبلايا طلائع صفوفه.

كم قصم قفاراً يدي قفاره؟ وكم جندل مغواراً بشباء غراره؟ وكم افترس

أ سداً بثعلب رمحه؟ وكم فلِّ عدداً بمبين فتحه؟ وكم أغنى عائلاً بعد سوء حاله؟ وكم آثر سائلا بقوته وقوت عياله؟

كالبدر المنير وجهه عند السؤال، وكالبحر الغزير كفّه عند النوال، وكالشمس الطالعة عند حلّ المشكلات، وكالهضبة المانعة عند حلول المعضلات، وحلّة إمامته( إنَّما وَلِيُّكُم ) (١) ، وحلية زعامته( قُلْ لَا أسأَلُكُمْ ) (٢) ، وجبريل في وقائعة مكتب كتائبه، وميكائيل في حروبه يعجب من ضرائبه.

فهو علم الإسلام، وعالم الأنام، وحبر الزمان، وحبوة المنّان، من تسمّى بإمرة المؤمنين سواه فالتراب بل الكثكث بفيه، ومن انتمى في الشرف إلى غير علاه فالوبال والنكال له وفيه، فما عسى أن أقول في وصف سيّدٍ نفسه نفس سيّد الأنبياء، وعرسه سيّدة النساء، وغرسه أئمّة الهدى، وشجرته من دوحة الأصفياء، راهب الليل، ومجاري السيل، ومدوّخ كلّ عنيد، ومشدخ كلّ صنديد، صاحب بدر واُحد وقاتل عمرو بن ودّ، ضربته يوم الأحزاب تعادل عمل الاُمّة إلى يوم الحساب.

هو الامام الّذي ما شانه نجل

ولا نبيّ قلبه عن قرنه فشل

من وجهه قمر في لحظه قدر

في سخه أجل من عفوه أمل

إذا مشى الحين والسيف في يده

حسبت بدر الدجى في كفّه زحل

__________________

١ - سورة المائدة: ٥٥.

٢ - سورة الشورى: ٢٣.

ما زال في الأرض أبطال فمنذ نشأ ال‍ـ

ـ‍وصيّ أبطلها يوم الوغى بطل

ينبي ببدر فقال المبصرون له

جلاله ملك ذا الشخص أو رجل

سل سلّة البيض من سلّ النفو

س بها من تخطّت به الخطّية الذبل

تراه يقطع آجال الكماة إذا

ما واصل السيف ضربٌ منه متّصل

حسامه ينثني من عند هزّته

كأنّه من طلى أعداءه ثملُ

للسيف في يده ضحك وليس فم

وللرؤوس بكاء منه ولا مقل

سائل به في الوغى والموت يقذفه

والرعب مقتبل والضرب مختبل

والبيض إن واصلت بيض الرؤوس ترى

لها الرؤوس عن الأجساد تنتقل

والمشرفية عند الضرب مشرفة

والسمهريّة عند الطعن تشتعل

والخيل راكعة في النفع ساجدة

لها من الدم ثوب مسبل خظل

والليل نقع وهاتيك الأسنّة قد

يلمعن فيه نجوم ثمّ او شعل

هناك تلقى به سيفاً بمضربه

جهل على معشر للحقّ قد جهلوا

خطبة مشتملة على السور القرآنية:

ذاك صدّيق النبيّ الأكبر، ووصيّه الأطهر، أبي شبير وشبّر، المسمّى بحيدر، وما أدراك ما حيدر؟ هو الكوكب الأزهر، بل القمر الأنور، الّذي فضائله في فاتحة الذكر مذكورة، ومناقبه في اُمّ الكتاب مسطورة.

( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابِتْغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ ) (١) في سورة البقرة بفضله قاطعة، وفي آل عمران رجالاً ونساء لشرف رجاله ونسائه خاضعة، ووجوه المحامد مصروفة إلى مائدة إنعامه، وأعراف أنفاله، والبراءة من النّار لا تكتب إلّا للمخلص بولائه وولاء آله، ويونس في الظلمات دعى ربّه بجاهه وحقّه، وهود يوم الطاغية توسّل بإخلاصه وصدقه، ونجىّ به يوسف من كيد إخوته لمـّا أرعدوا وأبرقوا،( وألْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبّ ) (٢) وبينه وبين أبيه فرقوا، وصارت النّار برداً وسلاماً على إبراهيم لكونه في صلبه، ولا جلس من حجر إلّا من حرّها،( وأتَى أمْرُ اللهِ ) (٣) إليه بوجوب حبّه.

وكشف الجليل سبحانه ليلة الاسراء لنبيّه الحجب من الملكوت الأعلى حتّى شاهد من وراء الحجب جلال بهجته، وأنزل عليه الكتاب( وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً ) (٤) بفرض إمامته، وضربه مثلاً كابن مريم فأذعن من أذعن، وصدّ

__________________

١ - سورة البقرة: ٢٠٧.

٢ - سورة يوسف: ١٠.

٣ - سورة النحل: ١.

٤ - سورة الكهف: ١.

من صدّ، وفضّله نبيّنا طه على سائر الأنبياء، فقبل من قبل، وردّ من ردّ، وائتمنهصلى‌الله‌عليه‌وآله على تأدية براءة يوم الحجّ الأكبر وأن يفيد إلى المشركين عهدهم، فأقرّ الله عيون المؤمنين في ذلك اليوم بنور فرقانه، وأعلى مجده وأثنى عليه في محكم تنزيله.

فما عسى أن يقول البلغاء والشعراء في وصفه، وآتاه ملكاً يفوق ملك صاحب النمل وأيّده بلطفه، قصص الذكر في بدر واُحد بذكر شجاعته ناطقة، وأحاديث مصير دين الشرك كالعنكبوت يوم كسرة الأصنام صادقة، وللذكر موافقة، بطلت أبطال فارس والروم عند ذكر شدّته وقوّته، وغدت حكمة لقمان كالقطرة في اليمّ في جنب حكمته، وامرت أحكام البلاغة بالسجدة لكعبة بلاغته.

كم سبا بفاطر حسامه في حروبه من المشركين ذرّيّة ونساء؟ وكم أباح الله للفقراء والمساكين من فيض أكفّه ثراء وغناء،( وَكُلَّ شَيءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إمَامٍ مُبِينٍ ) (١) راية مجده،( وَقِفُوهُمْ إنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ ) (٢) في سورة الصافّات آية عهده.

كم صاد بثعلب رمحه في حروبه أسداً، وفرّق زمراً؟ وكم أغنى بطوله عائلاً، وآثر فيه من صنائعه أثراً؟ في الذكر الحكيم آيات مناقبه فصلّت، وفي سورة الشورى تفاصيل مراتبه اُجملت، زخرف حجّ أعدائه كالدخان يعلو ثمّ يذهب جفاء، وأعلام شريعته تسمو إذ غيرها تصير هباء.

لمـّا جعله سبحانه صاحب أحقاف الأعراف في الاُخرى، وأيّده في قتاله

__________________

١ - سورة: يس: ١٢.

٢ - سورة الصافات: ٢٤.

بالفتح، وأسكنه حجرات الرئاسة الكبرى، صار ملكه شاملاً بسيط بساط الأرض من قاف إلى قاف، وسلطان أعدائه كرماد اشتدّت به الذاريات بشدّة الاعصاف، فضلَّ صاحب طور سيناء في جنب فضله كفضل النجم بالنسبة إلى القمر، وواقعة سيفه إلى الايمان بالرحمن أشهر من أن تشهر، كالحديد قلبه في مجادلة عُصب الضلال، وكالبحر كفّه لكن فيضه بالعذب الزلال.

شفيعنا إلى ربّنا في حشرنا، ومعاذنا يوم معادنا ونشرنا، قلوبنا ممتحنة بحبّه إذ اُوقفنا كصفّ الجمعة بين يدي إلهنا، وصار المنافقون في تغابن إذ نرى مقام إخلاصنا، لما التزم صلوات الله عليه بطلاق الدنيا وتجرّعها على نفسه آتاه الله ملكاً عظيماً وأيّده بروح قدسه، وأجرى قلم القدرة على لوح المشيّة بدواُمّه إلى حين حلول الحاقّة الكبرى، وزاده ذوالمعارج بسطة في العلم والجسم فما أحقّه بالمجد وأحرى، سأل نوح ربّه بحقّه فنجى من الطوفان والغرق، وإليه يفزع الجنّ والإنس إذا حسرت الأنام واُلجم الخلق العرق، جعل المزّمّل المدّثّر بأمر الله الرئاسة العامّة فيه وفي نجله إلى حين حلول القيامة الطامّة، يوم ينظر الانسان ما قدّمت يداه(١) من ولائه وحبّه، وترى مرسلات العذاب آخذة أعداءه إلى النّار بإذن ربّه، فهو النبأ العظيم الّذي هم فيه مختلفون(٢) ، والعهد المأخوذ في عالم الذرّ فهم عنه مسؤولون.

فيا حاسد صيّرت مدائحي له روحه في النازعات وقلبه أعمى، وكوّرت إنسان بصره عن ضوء شمس الحقّ أعشى، بلت كبدك إذا السماء انفطرت من رائق شعري، وعيناك إذا النجوم انكدرت من فائق نثري، رمتَ تطفيف

__________________

١ - إشارة إلى الآية: ٤٠ من سورة النبأ.

٢ - إشارة إلى الآية: ٢ و ٣ من سورة النبأ.

مكيال فصلي فانشقّت هامة فؤادك، وتبرّجتَ في بروج تيهك فهوى طارق مرادك، رمتَ أن تكون الأعلى على جواد فصاحتي فصرت حامل الغاشية، وأردت إخفاء فجر بلاغتي فصارت حمقتك في البلد فاشية.

لمـّا أشرقت شمس فضلي كاشفة ليل الضلال بضحاها، انشرحت صدور المؤمنين فما أحلاها في قلوبهم وأجلاها، وما عسى أن أقول في وصف من التين والزيتون بفضله نطقت، والدنيا والآخرة لذرّيّته خلقت؟ ناداني ربّي في سرائري:( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ) (١) ، وانطق بمدح وليّك فما أعلى قدر من يمدحه نطق، بيّنه دعواك جنّة لذي معدلة، وأقدام أعدائك عن طريق الحقّ مزلزلة، لا تخف عاديات قارعتهم فهم الّذين ألهاهم التكاثر وحبّ الرئاسة، وفتنتهم عصر الدنيا وطلب النفاسة، حتّى صار كلّ منهم همزة لمزة قد جمع مالاً وعدّده، يحسب أنّ ماله أخلده(٢) ،( أَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ) (٣) .

لمـّا على ربّهم تكبّروا؟ أمّا سمعوا ما حلّ بقريش لمـّا على نبيّهم تجبّروا؟ صار ماعون شركهم مكفو في بدر بكفّ صاحب الكوثر، وناداهم الحقّ سبحانه، سحقاً لمن أصرّ على الجحد بصاحب الفتح في الأحزاب وخيبر، وتبّاً لمن نازع من فضله مَن أهل التوحيد وفضله من فلق الصبح أشهر، وأضحى مقدّماً عليه في الناس من لا يعادل شسع نعل عبده قنبر.

هذه الّذي أوردت ذرّة من طود دلائله، وصببت قطرة من بحر فضائله،

__________________

١ - سورة العلق: ١.

٢ - إشارة إلى الآيات: ١ - ٣ من سورة الهمزة.

٣ - سورة الفيل: ١.

وذكرت قليلاً من كثير من حلائل مناقبه، وأسمعت نزراً من غزير من فواضل مراتبه، هو الّذي أجلبت المدعوّة باُمّكم على حربه، وكشفت عن ساق عداوته وثلبه، ونكثت بيعته، وقتلت شيعته، وخالفت أمر ربّها وبعلها، وأجلبت على هدم الإسلام بخيلها ورجلها، فلعنة الله على فرعها وأصلها وقومها وأهلها، أجلبت على حرب أشرف العالمين قبيلاً وأقومهم قيلاً، الّذي من استمسك بحبل ولائه فقد ابتغى إلى ذي العرش سبيلاً(١) ، الّذي أنزل الله فيه وفي أهل بيته( رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) (٢) .

عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا عليّ، ما ينتظر أشقى هذه الاُمّة فيضربك على هامتك ضربة يخضب منها لحيتك؟

و روي أيضاً عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا عليّ، كأنّي بك وأنت قائم تصلّي لربّك وقد انبعث أشقى الأوّلين وأشقى الآخرين، شقيق عاقر ناقة ثمود، فضربك على هامتك ضربة خضب منها لحيتك.

قال أمير المؤمنين: فقلت: يا رسول الله، أفي سلامةٍ من ديني؟

قال: نعم، في سلامةٍ من دينك.

يا عليّ، من قتلك فقد قتلني، ومن أبغضك فقد أبغضني، ومن سبّك فقد سبّني، لأنّك منّي وأنا منك، طينتك طينتي، أنت أبو ولدي، وخليفتي على اُمّتي في حياتي وبعد موتي، اُقسم بالله إنّك أمير المؤمنين وحجّة الله على

____________

١ - إشارة إلى الآية: ٤٢ من سورة الاسراء.

٢ - سورة الأحزاب: ٢٣.

الخلق أجمعين(١) .

روي أنّ أمير المؤمنين قال لابنته اُمّ كلثوم ليلة ضرب: يا بنيّة، إنّي أراني قلّ ما أصحبكم.

قالت: وكيف يا أبتاه؟

قال : رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو يمسح الغبار عن وجهي ويقول: يا عليّ، لا عليك لا عليك، قضيت ما عليك.

قالت: فما مكثنا حتّى ضرب تلك الليلة.

وفي رواية أنّه قال: رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يشير إلى بكفه: يا علي إلينا إلينا، فما عندنا خير لك(٢) .

ولمـّا فاز صلوات الله عليه بدرجة الشهادة، وحاز دوحة السعادة، قال مولانا وسيّدنا السبط التابع لمرضاة الله:

أين من كان لعلم ال‍ـ

ـ‍مصطفى في الناس بابا؟

أين من كان إذا ما

أقحط الناس سحابا؟

أين من كان إذا نو

دي في الحرب أجابا؟

أين من كان دعاه

مستجاباً ومجابا(٣)

غيره:

قام في المحراب لله يناجي

فانبرى أشقى الورى نجل الزيوف

____________

١ - انظر: الأحاديث الغيبيّة: ١/٥٣ ح ٢٣. وقد تقدّم مثل هذا الحديث في المجلّد الأوّل.

٢ - انظر: الأحاديث الغيبيّة: ٢/١٣٧ ح ٤٣١.

٣ - مناقب ابن شهراشوب: ٣/٣١٣.

فلق الهامة من خير وصيّ

فاز بالزلفة في الشهر الشريف

و أذاقوا الفتى السمّ عمداً

لعنة الله على الرِّجس المديف

* * *

يا آل أحمد ماذا كان جرمكم

فكلّ أرواحكم بالسيف تنتزع

تلقى جموعكم صرعى مشتّتة

دون الأنام(١) وشمل الناس مجتمع

وتستباحون أقماراً منكّسة

تهوى وأنفسها(٢) بالسمر تنتزع

ما للحوادث لا تعنو بظالمكم؟

ما للمصائب عنكم ليس ترتدع؟

منكم طريد ومقتول على ظمأ

ومنكم دنف بالسمّ منصرع

ومن محرّق جسم لا يزار له

قبر ولا مشهد يأتيه مرتدع(٣)

         

* * *

يا آل بيت محمد وجدي بكم

قد قل عنه تصبّري وتجلّدي

ما للمصائب أنشبت أظفارها

فيكم فبين مطرّد ومشرّد؟

من كلّ ناحية عليكم نائح

ينعاكم في مأتم متجدّد

من ذا أنوح له ومن أبكي ترى

تبعاً لكم يا آل بيت محمد

____________

١ - في المناقب: بين العباد.

٢ - في المناقب: وأرؤسها.

٣ - الأبيات للزاهي، المتوفّى سنة ٣٥٢ ه‍، أخرجها المحمودي في زفرات الثقلين: ٢/٤٢ عن مناقب ابن شهراشوب: ٢/٢١٤.

أعلى قتيل الملجمي وقد ثوى

متخصّباً بدمائه في المسجد

أم للّذي للسمّ اسقي عامداً

أم للغريب النازح المتفرّد؟

أم للعطاش مجندلين على الثرى

من كلّ كهل سيّد ومسود؟

أم للرؤوس السائرات على القنا

مثل البدور إذا سرت في الأسعد؟

أم للسبايا من بنات محمد

تسبى مهتّكة كسبي الأعبد(١)

وثنّ بابنة آكلة الأكباد الزنيم الطاغي، وابن هند الأثيم الباغي، رأس العصابة الأمويّة، وابن الفاجرة البغيّة، كيف أجلب على حرب أمير المؤمنين، وقتل أعلام المهاجرين الأوّلين، ووسم غير إبله، وخالف الله ورسوله بقوله وعمله، ثمّ دبّر في قتل سبط المصطفى، وقرّة عين سيّدة النسا، وأداف له قواتل سمومه، ولم يحسن الله في حديثه وقديمه، بعد أن فرّق جموعه بتدبيره ومكره، وأفسد جنوده بذهابه وغدره؟

وأعانه على ذلك قوم ظاهرهم الوفاق، وباطنهم النفاق، غرّتهم الدنيا بزينتها، واستهوتهم بزهرتها، فباعوا الآجلة بالعاجلة، والعالية بالسافلة، ونكثوا عهده، وأخلفوا وعده، ولم يحفظوا النبيّ في عترته، ولم يراعوا الوصيّ في اُسرته، وانتهبوا ثقله، وراموا قتله، وأظهروا ما كان من غدرهم مصوناً،

__________________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ٢/٢١٦. والأبيات لابن حمّاد العبدي.

و من حقدهم مكنوناً، وأطلع الله وليّه على ما دبّروا، وحاق بهم سيّئات ما مكروا، فمال صلوات الله عليه إلى إظهار الهدنة، وإطفاء الفتنة، لعدم الناصح، وقلّة المناصح، وحقناً لدماء ذرّيّته وذويه، وظنّاً بالمخلصين من شيعته وشيعة أبيه، وعاد إلى حرم جدّه وقد حصّل ما حصّل، وعاد بدار الهجرة وهو أعلم بما فعل، كلّ ذلك وابن هند يدبّر في إهلاكه، وينصب له أشراك كفره وإشراكه، حتّى قضى صلوات الله عليه شهيداً سعيداً، مظلوماً مسموماً، قد انتهكت حرمة الرسول بانتهاك حرمته، وعظمت مصيبة البتول لعظم مصيبته.

يا خير مبعوث وأكرم مرسل

أضحى لدين الحقّ فينا شارعا

لو أنّ عينك عاينت بعض الّذي

ببنيك حلّ لقد رأيت فظائعا

أمّا ابنك الحسن الزكيّ فإنّه

لمـّا مضيت سقوه سمّاً ناقعا

ففروا به كبداً لديك كريمة

منه وأحشاءً له وأضالعا

وسقوا حسيناً في الطفوف على الظما

كأس المنيّة فاحتساها جارعا

قتلوه عطشاناً بعرصة كربلا

وسبوا حلائله وخلف ضائعا

جسداً بلا رأس تمدّ على الثرى

رجلاً به وتكف اُخرى نازعا(١)

قيل: لمـّا بلغ معاوية موت الحسنعليه‌السلام سجد وسجد من حوله، وكبّر وكبّروا معه، فدخل عليه ابن عبّاس بعدها، فقال معاوية: يا ابن عبّاس، أمات الحسن أبو محمد؟

قال : نعم، رحمة الله وبركاته عليه وعلى روحه وبدنه، وبلغني تكبيرك وسجودك، أمّا والله لا يسدّ جثمانه حفرتك، ولا يزيد انقضاء أجله في عمرك.

قال: أحسبه ترك صبية صغاراً ولم يترك عليهم كثير معاش.

فقال: إنّ الّذي وكّلهم إليه غيرك، وكلّنا كنّا صغاراً فكبرنا.

قال معاوية: فأنت تكون سيّد القوم بعده؟

فقال: أمّا وأبو عبد الله الحسين حيّ، فلا.(٢)

يا ابن بنت المصطفى

وابن الوصيّ المرتضى

بك حزني ماله

حتى مماتي انقضا

كان وديّ لو أكن

منك بروحي عوضا

فيمنّ الله على

رمسك برد ورضا

وإذا ما مرّ ذكر الواقعة العظمى، والمصيبة الكبرى، وما مرّ بعرصة كربلاء بذرّيّة المصطفى، ففرّغ نفسك - أيّها المؤمن - لقيام المآتم، واستفرغ غرب

____________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/٤٣، زفرات الثقلين: ٢/٧، وليس فيهما البيت الأوّل. والأبيات للصقر البصري.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/٤٣

عيونك بالدموع السواجم، وطلّق النوم إلّا غراراً(١) ، واذرف الدموع من العيون مدراراً، بمصيبة من هدمت مصيبته الايمان هدماً، وتهظّمت واقعته الإسلام هظماً، وأكسبت قلوب المؤمنين حزناً وغمّاً، وألبست ألباب العارفين حيرة وهمّاً.

يا لها مصيبة شقّت لها من المؤمنين قلوبهم لا جيوبهم، وتجافت لعظيمها عن المضاجع جنوبهم، وأبكت السماء دماً وتراباً، وحيّرت من اُولي العرفان أفكاراً وألباباً، واضطربت لهولها السبع العلى، واهتزّ لها عرش المليك الأعلى، النبيّ والوصيّ فيها أهل العزاء، وسيّدة النساء تودّ لو تكون له الفداء! أنسى كلّ مصيبة مصابها، وأمر كلّ طعم صابها، وأدارت بكؤوس الأحزان على قلوب المؤمنين، وجدّدت معاهد الأشجان في نفوس المخلصين، سعرها لا ينسى وإن تقادمت الأيّام، وذكرها لا يستقصى وإن تعاقب الأعوام، كست السماء بحمرة نجيع شهدائها شفقاً، وأذكت في قلوب المؤمنين بقادح زنادها حرقاً، وأنفدت بتراكم أحزانها ماء الشؤوب، وأذابت بتفاقم أشجانها القلوب، فأسالتها دماً من العيون، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، أيّ مصيبة طمت وعمت، وأشجت قلوب المؤمنين وأغمت؟

فيا إخواني الّذين نوّر الله قلوبهم بأنوار الايمان، وأظهر نفوسهم على أسرار العرفان، وسلك بهم سبيل نبيّه وعترته، وألزمهم التمسّك بحبل وليّه وذرّيّته، وجعل حبّ آل محمد شعارهم ودثارهم، وقرّبهم زلفى من رضوانه باتباعهم آثارهم، جدّدوا في هذا اليوم معاهد الأحزان، وأفيضوا الدموع المقرحة للأجفان، واستشعروا شعار الأسف فهذا زمانه، وأظهروا شعار الجزع

__________________

١ - أيّ قليلاً.

فهذا أوانه، وعزّوا نبيّكم المصطفى في هذا اليوم بسبطه، وأسعدوا وليّكم المرتضى على مصابه برهطه، فإنّ البكاء في هذا اليوم لمصاب آل الرسول من أفضل الطاعات، وإظهار الجزع لما نال ولد الطاهرة البتول من أكمل القربات.

روى مسمع بن عبد الملك كردين البصري(١) ، عن سيّدنا أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام قال: يا مسمع، إنّ السماوات والأرض لم تزل تبكي مذ قتل أمير المؤمنين صلوات الله عليه، ومن يبكي لمصابنا من الملائكة أكثر من ذلك، وما من عبد بكى رحمة لنا إلّارحمه‌الله قبل أن تخرج الدمعة من عينه، فإذا سالت على خده فلو أن قطرة منها سقطت في جهنّم لأطفأت حرّها حتّى لا يوجد لها حرارة.

وما من ذي قلب يتوجّع لمصيبتنا إلّا أعطاه الله فرحة عند موته لا تزال معه حتّى يرد علينا الحوض، وإنّ الكوثر ليفرح بالمؤمن يقدم عليه فيسقى منه شربة لا يظمأ بعدها أبداً، ولا سقي بعدها أبداً، وإنّه لفي طعم الزنجبيل، ورائحة المسك، أحلى من العسل، وأبرد من الثلج، وأصفى من الدمع، وأذكى من العنبر، يخرج من معين تسنيم، فيمرّ في أنهار الجنّة على رضراض(٢) الدرّ والياقوت، وإنّ رائحته لتشمّ من مسيرة ألف عام وعليه قدحان من الدرّ والياقوت أكثر عدداً من نجوم السماء، وعلى حافّته أمير المؤمنينعليه‌السلام قائم وبيده عصا من عوسج يذود بها أعداءنا، وإنّ الرجل منهم ليأتي فيقول: يا أمير المؤمنين، اسقني شربة فإنّي كنت في دار الدنيا مقرّاً بالشهادتين.

فيقول له أمير المؤمنين: ارجع إلى إمامك الّذي كنت تتولّاه في دار الدنيا

__________________

١ - كذا في الكامل، وفي الأصل: مسمع بن عبدالكريم البصري.

٢ - كذا في الكامل، وفي الأصل: رضاض. والرضراض: الحصا أو صغارها.

و تقدّمه على إمام الحق فاسأله ليشفع لك.

فيقول: يا مولاي، إنّ إمامي الّذي ذكرت شرّ منّي. فيقول له أمير المؤمنين: ارجع وراءك لا سقاك الله أبداً.(١)

رزء سبط النبيّ خير شهيد

بفؤادي أحلّ نار الوقود

وأذاب الفؤاد منّي فأجراه د

ماً في محاجري في خدودي

حزن قلبي وإن تقادم عهدي

بي جديد في كلّ يوم جديد

ليس لي مونس إذا جنّ ليلي

غير وجدي وحرقتي وسهودي

سقم جسمي على عظيم مصابي

واصفراري أدلّتي وشهودي

وإذا رمت أن اُكفكف دمعي

قال حزني في القلب هل من مزيد؟

ما تذكّرت ما جرى يوم عاشورا

ء على سبط أحمد المحمود

من بني العاهرات آل زياد

وأعقّ الورى وشرّ العبيد

____________

١ - كامل الزيارات: ١٠١ ح ٦، عنه البحار: ٤٤/٢٩٠ ح ٣١.

وابن سعد إلّا ونضد وجدي

من دموعي قلائد في جيدي

ويزيد الغرام في مهجتي إن

مرّ تذكار ما جرى من يزيد

إذ بنو المصطفى تساق إلي‍ـ

ـ‍ه في وثاق وذلّة وقيود

وكريم على سِنانِ سَنانٍ

يخجل البدر في ليالي السعود

لهف قلبي وحرّ صدري على

أشرف مولى نمته خير جدود

في صعيد الطفوف ثاوٍ به ش‍ـ

ـ‍رف أكرم بتربة من صعيد

منعوهن شرب المباح ولكن

جعلوا ورده نجيع الوريد

يا بني المصطفى وحقّ الّذي أن‍ـ

ـ‍زل فيكم من المليك المجيد

وبما في جوانحي وفؤادي

من وفاءٍ لكم وصدق عهود

إنّ في مهجتي لعظم مصابي

بكم ما يذيب صلد الحديد

يا إخواني الّذين ارتضاهم الله لدينه، وسقاهم من زلال الاخلاص أصفى

معينه، وألزمهم كلمة التقوى، وأمرهم بالتمسّك بالسبب الأقوى، اعلموا أنّ هذا اليوم يوم كسف فيه بدر الايمان بل شمسه، وذوي غصن الايمان بل غرسه، وفتحت أبواب الجنان لأرواحٍ بذلت وسعها في طاعة ربّها ووليّها، وسجّرت دركات النيران لأنفسٍ قادها الشقاء إلى متابعة شيطانها وغويّها.

هذه تتلقّاها الملائكة الكرام بالبشرى بالنعيم المقيم، وهذه يتولّاها الزبانية الغلاظ الشداد بالعذاب الأليم، هيّء لهذه نزلٌ من غفور رحيم، ولهذه نزل من حميم وتصلية جحيم، هذه تعانق الحور العين، وهذه تقرن مع الشياطين في سجّين، هذه ربحت تجارتها، وهذه خسرت صفقتها، كم بين من تجاوز النبيّ والوصيّ في درجته، وبين من يقرن مع الشيطان الغويّ في جامعته؟ كم بين من اُريق دمه في نصرة وليّه وابن رسوله، وبين من باع دينه بدنيا شيطانه وضليله؟

فيا إخواني أذيبوا القلوب في هذا اليوم بشدّة حزنكم، وصعّدوها دماً من شؤون جفونكم بنار جزعكم، وأطفئوا غضب ربّكم بمعين دمعكم، ووجّهوا إلى قتلة أولاد النبيّين مطايا لعنكم وسبّكم، واذكروا سيّدكم، وقرّة عين نبيّكم وإمامكم، وثمرة قلب وليّكم، وقد ضاقت به المسالك والمذاهب، وأحدقت به الأعداء من كلّ جانب، ومنعوه من شرب المباح، وجعلوا ورده نجيع الجراح.

ترى الأطهار من ذرّيّته، والأبرار من شيعته، قد سقوا كؤوس الحتوف بعد الظما، وبلغوا من حدود السيوف حدّ الردى، ذوي أطراف مقطّعة، وأشلاء مبضّعة، تسفي عليهم الأعاصير بذيولها، وتطأهم الأعداء بخيولها.

والنسوة اللاتي يعدون النبيّ والوصيّ جدّاً وأباً، أصحاب( قُلْ لَا

أسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إلّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (١) ، يلذن به صارخات، ويتوسّلن به ضارعات، قد قتلت رجالهنّ، وذبحت أطفالهنّ، وهو يدافع عنهنّ صابراً، ويمانع دونهنّ ثائراً، كالأسد الهاصر، أو النمر الجاسر، يبري بسيفه المعاصم، ويجزّ الغلاصم، ويقطّ الأصلاب، ويقصّ الرقاب، ويندر الأكفّ مع الأعضاد، ويفرّق بين الرؤوس والأجساد، إن قصد قصد البطل ألقمه حصيصاً، وإن صمد صمد مبادر غادره بغصنه حريصاً، باع من الله روحه وجسده، وبذل في الله ماله وولده، لا يزيده قلّة الأنصار إلّا بصيرة من أمره، ولا يكسبه تظافر الأشرار إلّا إخلاصاً في علانية وسرّه.

وأعانه على امتثال أمر الله عصابة من ذويه واُسرته، ومتابعيه من شيعته، باعوا أنفسهم من الله بنعيم جنّته، فربحوا الزلفى من عظيم رحمته، فلو تراهم وقد أظلم ليل نقع الحرب، وبلغت القلوب الحناجر لوقع الطعن والضرب، والأعداء محدقة بهم من كلّ جانب، والأسنّة في الدروع كالنجوم في ظلم الغياهب، والسيوف لاختلاف المضارب كالبروق في كهول من ثقال السحائب، والخيل راكعة ساجدة من دفع القنا في صدورها، والرجال متلقّية جدود الصفاح ورؤوس الرماح بقلوبها ونحورها، والولدان المخلّدون قد أترعت الأكواب والأباريق للعطاش من ذرّيّة المصطفى، والحور العين قد هيّأت فرشاً من سندسٍ بطائنها من استبرق لأجسادهم المرمّلة بالدماء، والملائكة الكرام تعجب من صولة سطوتهم بتصميم عزيمتهم وشدّة جردهم مع قلة عددهم لرأيت وجوهاً كالبدور في ظلم النقع مشرقة، واُسداً في غاب الرماح مطرقة، يرون الموت في طاعة ربّهم أحلى من العسل المشار،

__________________

١ - سورة الشورى: ٢٣.

وارتكاب الأخطار أولى من ركوب العار.

أصبحوا في عرصة كربلاء مصرعين بين الروابي والدكادك، وأمسوا في جنّة المأوى متّكين على الأرائك، لقوا الله فوفى لهم بماعاهدهم، وأنالهم الحسنى وزيادة على ما وعدهم، أجلسهم على بساط اُنسه في ظلّ جنابه، وسقاهم من رحيق قدسه أصفى شرابه، وناداهم في سرائرهم، وخاطبهم في ضمائرهم: يا من بذلوا أنفسهم في طاعة وليّي وابن أوليائي، واُريقت دماؤهم ذابيّن عن صفيّي ونجل أصفيائي، تبوءّوا من النعيم المقيم ما لا عين رأت، ولا اُذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وهذا سيّدكم أبو عبد الله الحسين على الأثر.

ولمـّا صارت أشباحهم منبوذة بالعرا، وأرواحهم منعّمة في الرفيق الأعلى، ورؤوسهم منتزعة عن أبدانها بحدّ الظبا، ونفوسهم تتلقّاها الملائكة الكرام بالبشرى، صاروا فرطاً لسبط المصطفى وقرّة عين الزهراء، ومقدّمة بسيّد الشهداء إلى جنّة المأوى، ناداهم: على الدنيا بعدكم العفا، ثمّ ازدلف لقتال الظلمة بقالبه وقلبه، وبرز لجهاد الأئمّة طاعة لربّه، كم جدّل جليداً، وأباد صنديداً، وأزهق منافقاً، وأوبق مسابقاً، وافترس أسداً، وفلّ عدداً، وأرغم وأزهق أنفساً؟ قائلاً:

أنا الحسين بن عليّ

آليت ألاّ أنثني

أحمي عيالات أبي

أذبّ عن دين النبيّ

حتى قَتَل صلوات الله عليه مبارزة ومطاردة ألفاً وتسعمائة وخمسين راجلاً وفارساً، كذا ذكره الشيخ الثقة رشيد الدين بن شهراشوب المازندراني

في كتابه مطالب السؤول في مناقب آل الرسول.(١)

ولمـّا رأى ابن سعد تواصل صولاته، وتتابع حملاته، نادى في بقيّة الأحزاب من أحزابه، وكفرة الكتاب من كتائبه وصحابه: ويلكم أتدرون لمن تقاتلون؟ هذا ابن الأنزع البطين، هذا ابن قتّال العرب، فضيّقوا عليه المسالك والمذاهب، وأحدقوا به من كلّ جانب، ضرباً بالصفاح، وشجراً بالرماح.

عن ابي جعفر الباقرعليه‌السلام ، قال: وجد بالحسينعليه‌السلام ثلاثمائة وبضعة وعشرون جراحة ما بين ضربة بسيف، أو طعنة برمح، وكانت أكثرها في مقدّمته.

وعن ابن جرير الطبري، قال: وجد بالحسين ألف وتسعمائة جراحة ما بين ضربة بسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، وكانت السهام في درعه كالشوك في جلد القنفذ.(٢)

فيا إخواني، ما للعيون لهذا الرزء العظيم لا تدمع؟ وما للقلوب لهذا الخطب الجسيم لا تنجع؟ وما للأكباد بسيوف الأحزان لا تتقطّع؟ فعمىً بطرف لا يسحّ دماً لغربتهم، وسحقاً لقلب لا يتضعضع أسفاً لمحنتهم، أفلا تبكون على من بكت السماء دماً عليهم؟ أفلا تأسفون على من سجدت جباه الفجر لديهم؟ أفلا تجزعون لمصاب المصطفى والمرتضى والزهراء؟ أفلا تحزنون لأجسادهم مرمّلة بالدماء؟ أفلا تقرحون الأجفان لبدور غيّبت في كربلاء؟ أفلا تجدّدون الأحزان لمصاب أشرف أهل الأرض والسماء؟

كم سيّد لي بكربلاء

خضّب من نحره المشيب؟

__________________

١ و ٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/١١٠.

كم سيّد لي بكربلاء

عسكره بالعراء نهيب؟

كم سيّد لي بكربلاء

ليس لما يشتكي طبيب؟

كم سيّد لي بكربلاء

خاتمه والرداء سليب؟

كم سيّد لي بكربلاء

يسمع صوتي ولا يجيب؟

كم سيّد لي بكربلاء

ينكت(١) في ثغرة القضيب؟(٢)

عن ابن عبّاسرضي‌الله‌عنه قال: رؤي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في المنام بعد واقعة الحسينعليه‌السلام وهو مغبّر الوجه، حافي القدمين، وقد ضمّ ذيل(٣) قميصه إلى نفسه وهو يتلو هذه الآية:( وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهُ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ (٤) ) ، ويقول: إنّي مضيت إلى كربلاء فالتقطت دم الحسين من الأرض، وها هو في حجري، وأنا غداً(٥) أُخاصمهم بين يدي ربي.(٦)

يا قمراً غاب حين لاحا

أكسبني فَقْدُكَ النياحا

يا نوب الدهر لم تدع لي

صرفك من حادث صلاحا

أبعد يوم الحسين ويحيى

أسْتَعْذِبُ اللهو والمزاحا

بآبائي سادة ظماة

ماتوا ولم يشربوا المباحا

بآبائي سادة كراماً

غادرهم حتفهم صباحاً ن

يا سادتي يا بني عليّ

بكى الهدى فقدكم وناحا

____________

١ - في المناقب: ينقر.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/١٢٦.

٣ - في المناقب: حجز.

٤ - سورة إبراهيم: ٤٢.

٥ - في المناقب: ماض.

٦ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/٨٤.

يا سادتي يا بني إمامي

أقولها عنوة صراحا

أو حشتم الحجر والمساعي

أنستم القفر والبطاحا

أو حشتم الذكر والمثاني

والسور النزل الفصاحا(١)

عن أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام ، قال: دخل الحسين على أخيه الحسنعليهما‌السلام ، فلمـّا بصربه بكى، فقال: ما يبكيك، يا أبا عبد الله؟

قال أبكي لما يفعل بك.

قال : وما يفعل بي هل هو إلّا سمّ يلقى إليّ فاُقتل؟ ولكن لا يوم كيومك، يا أبا عبد الله، يزدلف إليك ثلاثون ألفاً، ينتحلون دين الإسلام، ويزعمون أنّهم من اُمّة جدّك فيجتمعون على قتلك، وسفك دمك، وانتهاك حرمتك، وسبي ذراريك ونسائك، فعندها تحلّ اللعنة ببني اُميّة، وتمطر السماء دماً وتراباً أحمر، ويبكي عليك كلّ شيء حتّى الوحوش في الفلوات، والحيتان في البحار، والطير في جوّ السماء.(٢)

كربلاء كم فيك من شيب خضيب

بدم النحر وكم هام نقيف؟

وسعيد بصعيد الطفّ ثاوٍ

رأسه يعلَى على رمح ثقيف

____________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/١١٩، مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢/١٥٥، عوالم العلوم: ١٧/٥٥٠، زفرات الثقلين: ٢/٣٧. والأبيات للعوني.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/٨٦.

وانظر: أمالي الصدوق: ١٠١ ح ٣، مثير الأحزان: ٢٣، الملهوف: ٩٩، إثبات الهداة: ٢/٥٥٦ ح ٧، البحار: ٤٥/٢١٨ ح ٤٤.

لبني الزهراء أرباب المساعي

والمعالي والعوالي والسيوف

زلف نحوهم عصبة سوءٍ

ليس فيهم غير زنديق وكوفي

لعن الله بني الكوفة لم

يكُ فيهم مَنْ بعهد الله يوفي

سل يزيداً قائماً بالقسط

من حاز المعالي من تليد وطريف

صلبوا من بعد خذل ثمّ قتل

آه ممّا حلّ بالبدن الشريف(١)

[ حديث يوم عاشوراء ]

عن سيّدنا ومولانا أبي الحسن الرضاعليه‌السلام ، قال: إنّ شهر المحرّم كان أهل الجاهليّة(٢) يحرّمون فيه القتال فاستحلّت فيه دماؤنا، وهتكت فيه حُرَمنا، وسبي فيه ذرارينا ونساؤنا، واُضرمت النيران في مضاربنا، ولم يترك لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حرمة فينا، إنّ يوم عاشوراء(٣) أقرح جفوننا، وأسبل دموعنا، وأذلّ عزيزنا، أرض كربلاء أورثتنا الكرب والبلاء، إلى يوم الانقضاء، فعلى مثل الحسين فليبك الباكون، فإنّ البكاء فيه محطّ الذنوب.

ثمّ قال صلوات الله صلّى الله عليه: إنّ أبيعليه‌السلام كان إذا هلّ المحرّم لم ير

____________

١ - تقدّمت هذه الأبيات ضمن قصيدة طويلة للمؤلّف في ص ٢٠٨.

٢ - كذا في الأمالي، وفي الأصل: كانت الجاهليّة.

٣ - في الأمالي: الحسين.

ضاحكاً، وكـانت الكـآبة والحزن غالبين عليه، فإذا كـان يوم عاشوراء كان يوم جزعه وبكائه، ويقول: في هذا اليوم قتل جدّي الحسينعليه‌السلام .(١)

وعن ابن فضّال، عن أبيه، عن الرضا عليّ بن موسىعليه‌السلام ، قال: من ترك السعي في حوائجه يوم عاشوراء قضى الله له حوائج الدنيا والآخرة، [ ومن كان يوم عاشوراء يو مصيبته وحزنه وبكائه جعل الله عزّوجلّ يوم القيامة يوم فرحه وسروره وقرّت بنـا في الجنـان عينه ](٢) ومن سمّى يوم عاشوراء يوم بركة أو ادّخر بمنزلة فيه شيئاً لم يبارك فيه، وحشره الله يوم القيامة في زمرة يزيد وعبيدالله وعمر بن سعد في أسفل درك من النار.(٣)

وعن جبّلة المكّيّة قالت: سمعت ميثم التمّاررضي‌الله‌عنه يقول: لتقتلنّ هذه الاُمّة ابن نبيّها في اليوم العاشر من المحرّم، ويتّخذون أعداء الله ذلك اليوم يوم سرور وبركة، أعلم ذلك بعهدٍ عهده إليّ أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وأعلمني أنّه يبكي عليه كلّ شيء حتّى الوحوش في الفلوات، والحيتان في البحار، والطير في جوّ السماء، وتبكي عليه الشمس والقمر والنجوم والعرش والكرسيّ وحملة العرش.

قالت جبلة: فقلت: يا ميثم، كيف يتّخذ الناس اليوم الّذي يقتل فيه ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم سرور وعيد وبركة؟

قال: بحديث يضعونه، ويزعمون أنّه اليوم الّذي تاب الله فيه على آدم

__________________

١ - أمالي الصدوق: ١١١ ح، مناقب ابن شهراشوب: ٤/٨٦.

وأخرجه في البحار: ٤٤/٢٨٣ ح ١٧ عن الأمالي.

٢ - من الأمالي.

٣ - أمالي الصدوق: ١١٢ ح ٤، مناقب ابن شهراشوب: ٤/٨٦.

وأخرجه في البحار: ٤٤/٢٨٤ ح ١٨ عن الأمالي.

عليه‌السلام ، وإنّما كان ذلك في ذي الحجّة.

ويزعمون أنّه اليوم الّذي قبل الله فيه توبة داود، وإنّما كان ذلك في ذي الحجّة أيضاً.

ويزعمون أنّه اليوم الّذي أخرج الله فيه يونس من بطن الحوت، وإنّما كان ذلك في ذي القعدة.

ويزعمون أنّه اليوم الّذي استقرّت فيه سفينة نوح على الجوديّ، وإنّما كان ذلك يوم الثامن عشر من ذي الحجّة.

ويزعمون أنّه اليوم الّذي فرق الله فيه البحر لموسى(١) ، وإنّما كان ذلك في ربيع الأوّل.

ثمّ قال: يا جبلة، إنّ الحسين سيّد الشهداء عند الله ولأصحابه درجة عند الله.

يا جبلة، إذا رأيتِ الشمس قد طلعت حمراء كالدم العبيط فاعلمي أنّ سيّدك الحسين قد قُتل.

قالت جبلة: فلمـّا مضى صلوات الله عليه إلى العراق خرجت ذات يوم فرأيت الشمس على الحيطان كالملاحف المعصفرة، فصحت وبكيت، وقلت: قُتل والله سيّدي ومولاي أبو عبد الله(٢) .

وعن الريّان بن شبيب قال: قال لي مولاي الرضاعليه‌السلام : يا ابن شبيب، اعلم أنّ الجاهليّة فيما مضى كانت تعظّم هذا الشهر وتحرّم الظلم

__________________

١ - في الأمالي: فلق فيه البحر لبني إسرائيل.

٢ - أمالي الصدوق: ١١٠ ح ١، علل الشرائع: ١/٢٢٧ - ٢٢٨ ح ٣، عنهما البحار: ٤٥/٢٠٢ ح ٤.

والقتال فيه، فما عرفت هذه الاُمّة حرمة شهرها ولا حرمة نبيّهاصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لقد قتَلوا والله في هذا الشهر ذرّيّته، وسبوا نساءه، وانتهبوا ثقله، فلا غفر الله لهم.

يا ابن شبيب، إن كنت باكياً من شيء فابك للحسينعليه‌السلام ، فإنّه ذبح في هذا الشهر كما يذبح الكبش، وقُتِل معه ثمانية عشر رجلاً من أهل بيته ليس لهم شبيه في الخلق.

ولقد حدّثني أبي، عن جدّي أنّه لمـّا قُتِل جدّي الحسينعليه‌السلام أمطرت السماء دماً وتراباً أحمر، وهبط إلى الأرض أربعة آلاف ملك لينصروه فوجدوه قد قُتِل، فهم عند قبره مقيمون يبكونه شعثاً غبراً إلى أن يقوم القائم من آل محمد فيكونون معه، وشعارهم: « يا لثارات الحسين ».

يا ابن شبيب، إن بكيت على الحسينعليه‌السلام حتّى تسيل دموعك على خدّيك غفر الله لك كلّ ذنب أذنبته، صغيراً كان أو كبيراً، دقيقاً أو جليلاً.

يا ابن شبيب، إن يسرّك أن تلقى الله عزّوجلّ ولا ذنب عليك فزر الحسينعليه‌السلام .

يا ابن شبيب، إن سرّك أن تكون معنا في الغرف المبنيّة فالعن قَتَلة الحسين.

يا ابن شبيب، إن سرّك أن يكون لك من الأجر مثل ما لمن قُتِل مع الحسينعليه‌السلام فقل متى ما ذكرتهم: يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً.

يا ابن شبيب، إن سرّك أن تكون معنا في الرفيق الأعلى فافرح لفرحنا،

و احزن لحزننا، وعليك بولايتنا، فلو أنّ أحداً أحبّ حجراً لحشر معه يوم القيامة.(١)

فيا إخواني، أفي غفلةٍ أنتم من هذا اليوم المعكوس الّذي ابتلى به العالم المركوس بذرّيّة نبيّهم الأطهار، وعترته الأبرار، الَّذين أوجبت الله مودّتهم، وألزم محبّتهم؟ كيف اقتطفوا ببيض الظبا رؤوسهم، واختطفوا بسمر القنا نفوسهم، وتركوا تلك الوجوه الّتي طال ما قبّلها الرسول، وأكرمتها البتول، وناغاها جبريل، وأوجب حقّها الجليل، يسار بها على أطراف الرماح، مخضّباً شيبها بدم الجراح، والنسوة اللاتي يعدّون الوصيّ والزهراء أبا ً واُمّاً، والنبيّ والطيّار جدّاً وعمّاً، على أقتاب الجمال اُسارى، وبين الأعداء حيارى، لا شفيق يجيب دعوتهنّ، ولا رفيق يسكنّ روعتهنّ.

فهذا كان جزاء فضل نبيهّم عليهم، ورأفته لديهم أن يبدّلوا نعمة الله كفراً، وأن يحلّوا بنبيّه حسداً وغدراً.

فاستشعروا وتنبّهوا رحمكم الله في هذا اليوم شعار الأحزان، وأفيضوا الدموع المقرحة للأجفان، فإنّه يوم المصيبة الكبرى، والواقعة العظمى، وعزّوا نبيّكم المصطفى، وإمامكم المرتضى، وسيّدتكم الزهراء، بهذا الرزء الّذي أبكى ملائكة السماء، واهتزّ له عرش المليك الأعلى، قائلين: يا سيّد الأنبياء، ويا خاتم الأصفياء، هذا سبطك منبوذ بالعراء، هذا سبطك محزوز الرأس من القفا، هؤلاء بناتك اُسارى يساربها إلى الأعداء.

يا خير من لبس النبو

وة من جميع الأنبياء

__________________

١ - أمالي الصدوق: ١١٢ ح ٥، عيون أخبار الرضاعليه‌السلام : ١/٢٩٩، عنهما البحار: ٤٤/٢٨٥ ح ٢٣.

وجدي على سبطيك وج‍ـ

ـ‍دٍ ليس يوذن بانقضاء

هذا قتيل الأدعيا

ء وذا قتيل الأشقياء

يوم الحسين ارقت دم‍ـ

ـ‍ع الأرض بل دمع السماء

يوم الحسين تركت با

ب الصبر مهجور الفناء

يا كربلاء خلقت من

كرب علا ومن بلاء

كم فيك من وجه تشر

رب ماؤه ماء البهاء

كم فيك من وجه تشر

نار الوغا أيّ اصطلاء

حيث الأسنّة في الجوا

شن كالكواكب في السماء

فاختار درع الصبر ان

ن الصبر من لبس الثناء(١)

وأبى إباء الاُسد إن

ن الاُسد صادقة الإباء

منعوه طعم الماء لا

ذاقوا لماءٍ طعم ماء

وقضى كريماً إذ قضى

ظمآن في نفر ظماء

من ذا لمعفور الجوا

دممال أعواد الخباء

من للطريح الشلو عر

ياناً مخلّى بالعراء؟

من للمحنّط بالترا

ب وللمغسّل بالدماء؟

من لابن فاطمة المغي‍ـ

ـ‍يب عن عيون الأولياء؟(٢)

إ خواني لولا أنّ الجزع عند تجدّد المصائب العظام دفعه غير مقدور، والأسف على من سلف من السادة الكرام صرفه غير منشور، وإنّا مندوبون إلى تجديد هذه العزيّة في كلّ عامٍ، وإظهار الجزع لهذه الرزيّة على ممرّ الأيّام، وإنّ

____________

١ - في المناقب: السناء.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/١٢٤. والأبيات للصنوبري.

لنا في ذلك قرّة العين، فكأنّا لعظيم مصابها ممّن استشهد بين يدي الحسين، لكان اللائق إظهار شعار السرور، وإبداء تمام الحبور، إذ سادتنا حضوا من السعادة الأبديّة بأعظم السعادات، وحضوا من الشهادة العليّة بأرفع الدرجات، إذ لم يسمع بأحدٍ جاهد في الله جهادهم، ولم يجتهد لإقامة دين الحقّ اجتهادهم، باعوا أنفسهم من الله بالثمن الأوفر، فربحوا أحسن الثناء في الدنيا والفوز في الاُخرى لعظيم هذا المتجر، أحلّهم الله بذلك على منازل رضوانه، ومنحهم حياة باقية ببقائه في جنانه، وغرفاً صاروا إليها في كتابة المكنون بقوله سبحانه:( وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ أمْوَاتاً بَل أحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) (١) .

[ في فضيلة الشهادة وثوابها وأجرها ]

عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : كلّ برّ فوقه برّ حتى يخرج الرجل شاهراً سيفه في سبيل الله فيقتل فليس فوقه برّ.(٢)

وروي عن إمام الهدى عليّ بن موسى الرضاعليه‌السلام ، عن آبائهعليهم‌السلام ، عن أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام ، قال: بينا أمير المؤمنينعليه‌السلام يخطب الناس ويحضّهم على الجهاد إذ قام إليه شابّ فقال: يا أمير المؤمنين، اخبرني عن فضل الجهاد والغزو في سبيل الله.

فقال صلوات الله عليه: كنت رديف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على ناقته العضباء ونحن منقلبون(٣) من غزاة ذات السلاسل، فسألته عمّا سألتني

____________

١ - سورة آل عمران: ١٦٩.

٢ - الخصال: ٩ ح ٣١، الكافي: ٥/٥٣ ح ٢، التهذيب: ٦/١٢٢ ح ٢٠٩.

٣ - كذا في المجمع، وفي الأصل: منتقلون.

عنه، فقال: إنّ الغزاة إذا همّوا بالغزو باهى الله بهم الملائكة، فإذا ودّعهم أهلوهم بكت عليهم الحيطان والبيوت، ويخرجون من الذنوب كما تخرج الحيّة من سلخها، ويوكّل الله بكلّ واحدٍ أربعين ملكاً يحفظونه من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، ولا يعمل حسنة إلّا ضوعفت له، ويكتب له بكلّ يوم عبادة ألف رجل يعبدون الله ألف سنة، كلّ سنة ثلاثمائة وستّون يوماً، اليوم مثل عمر الدنيا، فإذا صاروا بحضرة عدوّهم انقطع علم الخلائق عن ثواب الله إيّاهم، وإذا برزوا لعدوّهم وأشرعت الأسنّة وفوّقت السهام وتقدّم الرجل إلى الرجل حفّتهم الملائكة بأجنحتها يدعون الله تعالى بالنصر والتثبّت، وينادي مناد: الجنّة تحت ضلال السيوف، فتكون الضربة على الشهيد أهون من شرب الماء البارد في اليوم الصائف.

وإذا زال الشهيد عن فرسه بضربة أو طعنة لم يصل إلى الأرض حتّى يبعث الله إليه زوجة من الحور العين، فتبشّره بما أعدّ الله له من الكرامة، وتقول له الأرض: مرحباً بالروح الطيّبة الّتي اُخرجت من البدن الطيّب، أبشر فإنّ لك ما لا عين رأت، ولا اُذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ويقول الله سبحانه؛ أنا خليفته في أهله، من أرضاهم فقد أرضاني، ومن أسخطهم فقد أسخطني، ويجعل الله روحه في حواصل طيور خضر تسرح في الجنّة حيث تشاء، تأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلّقة بالعرش، ويعطي الرجل منهم سبعين غرفة من غرف الفردوس، سلوك كلّ غرفة ما بين صنعاء والشام، علا نورها ما بين الخافقين، في كلّ غرفة سبعون باباً، على كلّ باب سبعون مصراعاً من ذهب، على كلّ باب ستور مثله، في كلّ غرفة سبعون خيمة، في كلّ خيمة

سبعون سريراً من ذهب، قوائمها الدرّ والزبرجد، موصولة(١) بقضبان الزمرّد، على كلّ سرير أربعون فراشاً غلّظ، كلّ فراش أربعون ذراعاً، على كلّ فراش زوجة من الحور العين عرباً أتراباً.

فقال الرجل: أخبرني يا أمير المؤمنين، عن العروبة؟

قال: هي(٢) الغنجة الوضيّة الشهيّة لها سبعون ألف وصيفة وسبعون ألف وصيف، صفر الحليّ، بيض الوجوه، عليهنّ تيجان اللؤلؤ، على رقابهنّ المناديل، بأيديهم الأكوبة والأباريق.

فإذا كان يوم القيامة فو الّذي نفسه بيده لو كان الأنبياء على طريقهم لترجّلوا لهم لما يرون من بهائهم حتّى يأتوا إلى موائد من الجواهر فيقعدون عليها، ويشفّع الرجل منهم في سبعين ألفاً من أهل بيته وجيرانه، حتّى انّ الجارين يتخاصمان أيّهما أقرب جوار فيقعدون معي ومع إبراهيمعليه‌السلام على مائدة الخلد، فينظرون إلى الله عزّوجلّ في كلّ يوم بكرة وعشيّاً(٣) وهذا الحديث رواه شيخنا الشيخ أبو علي الطبرسيرضي‌الله‌عنه في كتاب مجمع البيان لعلوم القرآن(٤) عند تفسيره( وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيِل اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) (٥) .

لهفي على السبط وما ناله

قد مات عطشاناً بكرب الظما

__________________

١ - في المجتمع: مرمولة.

٢ - كذا في المجمع، وفي الأصل: هنّ.

٣ - صحيفة الامام الرضاعليه‌السلام : ٢٦٧ ح ١ « المستدركات »، البحار: ١٠٠/١٢ ح ٢٧.

وأورده أبوالفتوح الرازي في تفسيره: ٣/٢٥١ عن الطائي.

٤ - مجمع البيان: ١/٥٣٨.

٥ - سورة آل عمران: ١٦٩.

لهفي لمن نكس عن سرجه

ليس من الناس له من حما

لهفي على ذاك القوام الّذي

حبته بالطفّ سرو العدا

لهفي على ذاك العذر الّذي

عراه بالطفّ تراب العرا

لهفي على بدر العلى إذ على

في رمحه يخجل بدر الدجا

لهفي على النسوة إذ برّزت

تساق سوقاً بالعنا والجفا

لهفي على تلك الوجوه الّتي

أبرزن بعد الصون بين الملا(١)

و ممّا نسب إلى زينب بنت عليّعليهما‌السلام :

يا حرّ صدري يا لهيب الحشا

انهدَّ ركني يا أخي والقوى

كنت أخي ركني فلم يبق لي

ركن ولا ذخر ولا ملتجا

وكنت أرجوك فقد فاتني(٢)

ما كنت أرجوه فخاب الرجا

يا ابن اُمّي لو تأمّلتني

رأيت منّي ما يسرّ العدا

حلَّ بأعدائك ما حلَّ بي

من ألم السير وذلّ السبا

وددت لو بالروح أفديك من

يومك هذا وأكون الفدا(٣)

* * *

يا ابن خير الناس اُمّاً وأباً

وأجلّ الخلق طراً نسبا

نار حزني بك يا ابن المصطفى

حرّها منذ وجودي ما خبا

وإذا ما مرّ ذكر الطفّ في

مهجتي أذكى بقلبي لهبا

____________

١ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/١١٧، مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢/١٥٣.

٢ - في المناقب: خانني.

٣ - مناقب ابن شهراشوب: ٤/١٢٧.

الندبة

يا من طمست أنوار الاسلام بمصيبته، ودرست آثار الايمان بواقعته، وخفرت ذمّة الرسول لخفر ذمّته، ونتهكت حرمة البتول لانتهاك حرمته، ها نحن عبيدك وأبناء عبيدك، العارفون من مقامات الشرف بطارفك وتليدك، المستمسكون من دلائل بعروة عصمة لا انفصام لحبلها، المخلصون في ودادك بصدق نيّة لا مزيد على فرعها وأصلها.

قد اجتمعنا في حضرتك الشريفة، وبقعتك المنيفة، لنوفي التعزية بمصابك حقّها، ونفضي إليك بقلوب قد أخلصت لولائك صدقها، وتذرف عبرات من عيون قريحة، وتصاعد زفرات من قلوب جريحة، جزعاً لواقعتك الّتي هدّت أركان الدين هدّاً، وأحلّت في قلوب المؤمنين كرباً ووجداً، ونبدي أسفاً إذ لم نكن من المبارزين أعداءك في عرصة القتال، ونتأوه لها خيبة أنّا لم نكن من المناجزين أضدادك عند مقارعة الأبطال، ويرانا الله قد اُريقت في نصرتك دماؤنا، وقطعت أوصالنا، نتلقّى عنك حدود الصفاح بوجوهنا، ونقابل رؤوس الرماح بصدورنا، مخلصين في طاعتك، مناصحين في متابعتك، نرى طعم الموت في جهاد أعدائك، أحلى من العسل المشار، وارتكاب الأخطار في إظهار أمرك أولى من ركوب العار.

قد امتزجت دماؤنا بدمك، وحصلنا في عداد جندك وخدمك، قد سبقتنا أطرافنا إلى جنّة المأوى، وعرجت أرواحنا إلى الرفيق الأعلى، وسمينا بشهداء كربلاء، ووسمنا بسادة الشهداء، تبارك علينا الملائكة الكرام في صلواتها، وتهدي إلينا سلامها وتحيّاتها.

فيا لها غصّة في نفوسنا، وحسرة في قلوبنا، لا تنقضي إلّا بنصرة القائم

من ذرّيّتك، والخلف الصالح من عترتك، ولعمري لئن غابت أبداننا عن نصرتك، وتباعدت أشخاصنا عن مشاهدتك فلقد أدركنا واقعتك ونحن في الأصلاب نطف، واُمرنا بتجديد التعزية لمصابك بنقلها منّا خلف عن سلف، وأن نجدّد البيعة في حضرتك بوفاء عهدك، وعهد أبيك وجدّك والأئمّة الطاهرين من ولدك، وأن نعرض عليك قواعد عقائدنا، ونفضي إليك بأسرارنا في مصادرنا ومواردنا، ونتّخذ يوم رزئك يوم مصيبة لا ترقى عبرته، ولا تخبو حرقته، بديت تصاعد زفراتنا فيه زبر الحديد، ونشيت قطرات عبراتنا ضرب الغمام بل نزيد، ويربو حزننا على حزن نبيّ الله يعقوب، وتعلو رنّتنا على رنّة الثكلى الرقوب(١) .

لما اتّخذته العصابة الناصبة المشركة، يوم سرور وعيد وبركة، وأظهروا فيه تمام زينتهم، ووسموه برأس سنتهم، وليس ذلك ببدع من نفاقهم المكنون، وشقاقهم المصون، فهي فرع الشجرة الملعونة في القرآن، والطائفة المارقة عن الايمان، الّذين أعلنوا بالسبّ على منابرهم، ودلّ خبث ظاهرهم على قبح سرائرهم، وحيث إنّا لم نحض بالشهادة الكبرى بين يديك، ولم يقض لنا بالحسنى حين توجّه الفجرة إليك، وفاتنا نصرك بمناصلنا وعواملنا، ولم نتلقّ عنك السيوف بجباهنا وسواعدنا.

فها نحن نجاهد أعداءك بقولنا وفعلنا، ونقمع هاماتهم بمقامع نظمنا ونثرنا، ونعلن بسبّ أئمّة ضلالهم على أعواد منابرنا، ونشرح قبح خصالهم في شوامخ منائرنا، ونعتقد ذلك من أعظم الوسائل إلى ربّنا، وأكمل الفضائل يوم حشرنا ونشرنا.

__________________

١ - الرقوب: المرأة الّتي لا يعيش لها ولد، أو الّتي مات ولدها.

أحسين والمبعوث جدّك بالهدى

قسماً يكون الحقّ عنه مسائلي

لو كنت حاضر كربلاء لبذلت في

إعلاء أمرك جهد بذل الباذل

وسقيت حدّ السيف من أعدائكم

سقياً وحدّ السُمْهَري الذابل

لكنني اُخّرت عنه لشقوتي

قتلا يلى تا بين الغريّ وما يلي(١)

إذ لم أفز بالنصر من أعدائكم

فأقلّ من حزن ودمع سائل

التعزية للمؤمنين

جعلنا الله وإيّاكم في هذا اليوم ممّن جلّت مصيبته، وعظمت رزيّته، وتصاعدت زفرته، وتقاطرت عبرته، جزعاً لواقعة سيّده وابن سيّده، ومعتقده وابن معتقده، وممّن اطلّع الله على حقيقة أمره، وباطنه وسرّه، فوجده لا مزيد على إخلاصه، فألحقه بدرجة أوليائه وخواصّه، الّذين نوّه بذكرهم في كتابه المكنون، بقوله:( وَلَا تَحْسَبَنَّ الّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) (٢) .

اللّهمّ أحسن في هذا اليوم عزاءنا، وضاعف جزاء خلتنا، وارحم استكانتنا، فإنّا عائذون بقبر أمينك وابن أمينك، أفضل من اُريق دمه في نصرة دينك، مستمسكين بالهدى الّذي جاءنا به من عندك، مقرّين بالحقّ الّذي خبّرنا به عنك.

اللّهمّ وإذ حرمنا لشقوتنا، ولم تختم لنا بالسعادة العظمى في دنيانا وآخرتنا، إذ لم نكن ممّن اُريق دمه في نصرته، محامين عنه وعن عترته،

__________________

١ - كذا ورد العجز في الأصل.

٢ - سورة آل عمران: ١٦٩.

نباهي به الكرام من ملائكتك، وأرواح أنبيائك وخاصّتك، تعجب ملائكتك من تصميم عزيمته في حربه، وتضرب الأمثال بشدّة طعنه وضربه، فصلّ على محمد وآل محمد واختم لنا بذلك بين يدي الخلف الصالح من ولده، الداعي إلى دينك بجدّه وجهده، أمينك في بلادك، وعينك على عبادك، صاحب الرجعة البيضاء، والدولة الزهراء.

اللّهمّ اجعلنا من خاصّته وبطانته، ومن الداعين إلى نصره وملته.

اللّهمّ وإن أحللت بنا قضاءك قبل مشاهدة بهجته، ولم تكحل عيوننا بمعاينة طلعته، فصلّ على محمد وآل محمد، وأمتنا على ولايته وولاية آبائه، واجعلنا في عداد جنده وأوليائه، إنّك على كلّ شيء قدير.

فصل

و لمـّا أخزى الله تعالى يزيد الفاجر بما فعل، وطالت عليه الألسن لمـّا حصل ما حصل، ولامه من حضر من أماثل الصحابة وأرباب الملك، وشاع في الآفاق فضيع ظلمه وفتكه، وخشي الفتنة على نفسه وملكه، ركن إلى الاعتذار، ولجأ إلى الانكار، وأنّى له ذلك وقد زلّت القدم، وحلم الادم، وجلّت الرزية، وعظمت البليّة، وثلم في الإسلام ثلمة لا تسدّ، ووقعت فتنة لا تردّ، أشير إليه بتعظيم آل محمد وردّهم، وإشخاصهم إلى مدينة جدّهم، فأظهر لسيّد العابدين تكرمة وتبجيلاً، وسرّحه سراحاً جميلاً.

روي أنّ اللعين لما خشي شقّ العصا، وحصول الفتنة، أخذ في الاعتذار، والانكار لفعل ابن زياد، وإبداء التعظيم والتكريم لعليّ بن الحسينعليه‌السلام ، ونقل نساء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى داره الخاصّة، وكان لا يتغدّى ولا يتعشّى إلّا مع سيّدنا سيّد العابدينعليه‌السلام ، وكل من كان حاضراً من الصحابة والتابعين والأجلّة وبني اُميّة أشاروا عليه لعنه الله بردّ(١) حرم رسول الله والاحسان إليهم، والقيام بما يصلحهم، فأحضر سيّدنا عليّ بن الحسين، وقال: إنّي كنت قد وعدتك بقضاء ثلاث حاجات فاذكرها لي لأقضيها.

__________________

١ - بردّهم - خ ل -.

فقال: الاُولى: أن تريني وجه أبي عبد اللهعليه‌السلام فأتزوّد منه، وأنظر إليه، واُودّعه.

و الثانية: أن تردّ علينا ما اُخذ منّا.

والثالثة: إن كنتَ عزمتَ على قتلي أن توجّه مع هذه النسوة من يردّهنّ إلى حرم جدّهنّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فقال: أمّا وجه أبيك فلن تراه أبداً، وأمّا قتلك فقد عفوت عنك، وأمّا النساء فما يردّهنّ إلى المدينة غيرك، وأمّا ما اُخذ منكم فأنا اُعوّضكم عليه(١) أضعاف قيمته.

فقالعليه‌السلام : أمّا ما لك فلا نريده، هو موفّر عليك، وإنّما طلبت ما اُخذ منّا، لأنّه فيه مغزل فاطمة بنت محمد مقنعتها وقلادتها وقميصها.

فأمر بذلك، فردّ، وزيد عليه مائتي دينار، فأخذها عليّ بن الحسينعليه‌السلام وفرّقها في الفقراء والمساكين.

ثمّ أمر بردّ الاُسارى والسبايا - كما أشرنا أوّلاً - إلى مدينة الرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .(٢)

فسألوا أن يسار بهم على العراق ليجدّدوا عهداً بزيارة أبي عبد اللهعليه‌السلام ، فلمـّا بلغوا كربلاء ونزلوا موضع مصرعهعليه‌السلام وجدوا جابر بن عبد الله الأنصاري، وجماعة من بني هاشم، ورجالاً من آل الرسول قد وردوا لزيارة قبر الحسينعليه‌السلام لما كانوا يعلمون من فضل زيارته، فوافوا في

____________

١ - في الملهوف: عنه.

٢ - الملهوف على قتلى الطفوف: ٢١٩ و ٢٢٤.

وقت واحد وتلاقوا بالبكاء والحزن واللطم، وأقاموا المآتم المقرّحة للأكباد، واجتمع إليهم نساء أهل السواد، وأقاموا على ذلك أيّاماً.

وروى سيّدنا فخر العترة عليّ بن موسى بن جعفر بن محمد بن طاوس: روي عن أبي جناب الكلبي، قال: حدّثنا الجصّاصون قالوا: كنّا نخرج في الليل إلى الجبّانة عند مقتل الحسينعليه‌السلام فنسمع الجنّ ينوحون عليه ويقولون:

مسح الرسول جبينه

فله بريق في الخدود

أبواه من عَلُيا قريش

وجدّه خير الجدود

قتلوه ظلماً ويلهم

سكنوا به نار الخلود(١)

وأمّا رأس الحسينعليه‌السلام فروي أنّه اعيد إلى كربلاء ودفن مع جسده الشريف، وكان العمل من الطائفة على هذا.(٢)

قال : ثمّ فصلوا عن كربلاء يريدون المدينة.

قال: ولمـّا وصلوا بالقرب من المدينة عجّت نساء بني هاشم، وصاحت المدينة صيحة واحدة، فضحك عمرو بن سعيد بن العاص لعنة الله عليه، وكان أمير المؤمنين من قبل يزيد لعنه الله، وتمثّل بقول عمرو بن معدي كرب:

عجّت نساء بني زياد عجّة

كعجيج نسوتنا غداة الأرنب(٣)

ثمّ صعد لعنه الله المنبر، وقال: إنّها لدمة بلدمة، وصدمة بصدمة، كم

____________

١ - الملهوف على قتلى الطفوف: ٢٢٥ - ٢٢٦.

ورواه في مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢/٩٥ - ٩٦، وليس فيهما البيت الأخير.

٢ - الملهوف على قتلى الطفوف: ٢٢٥.

٣ - مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢/٧٦.

خطبة بعد خطبة، وموعظة بعد موعظة( حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرِ ) (١) وددت أنّ رأسه في بدنه، وروحه في جسده، أحياناً كان يسبّنا ونمدحه، ويقطعنا ونصله، كعادتنا وعادته، ولم يكن من أمره ما كان، ولكن كيف نصنع بمن سلّ سيفه يريد قتلنا إلّا أن ندفعه عن أنفسنا؟!

فقام عبد الله بن السائب، فقال: لو كانت فاطمة حيّة ورأت الحسين لبكت عليه، فجبهه عمرو بن سعيد لعنه الله، وقال: نحن أحقّ بفاطمة منك؛ أبوها عمّنا، وزوجها أخونا، وابنتها ابنتنا(٢) ، لو كانت فاطمة حيّة لبكت عينها، وحزن كبدها، وما لامت من قتله ومنعه عن نفسه.(٣)

فلعنة الله عليه وعلى من والاه، ما أجرأه على الله وعلى رسوله؟!

وروى سيّدنا السيّد عليّ بن موسى بن طاوس في كتابه، قال: لمـّا قرب عليّ بن الحسينعليه‌السلام من المدينة حطّ رحله، وضرب فسطاطه خارج البلد، وأنزل نساءه، وقال لبشير(٤) بن حذلم: يا بشير، رحم الله أباك لقد كان شاعراً، فهل تقدر على شيء؟

قلت: بلى، يا ابن رسول الله، إنّي لشاعر.

قال : فدخل المدينة وانع أبا عبد اللهعليه‌السلام .

قال بشير: فركبت فرسي وركضت حتّى دخلت المدينة، فلمـّا بلغت مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله رفعت صوتي بالبكاء، وأنشأت أقول:

____________

١ - سورة القمر: ٥.

٢ - في المقتل: وابنها ابننا.

٣ - مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢/٧٦ - ٧٧.

٤ - في الملهوف: بشر، وكذا في الموارد التالية.

يا أهل يثرب لا مقام لكم بها

قُتل الحسين فأدمعي مدرارُ

الجسم منه بكربلاء مضرّج

والرأس منه على القناة يدارُ

قال : ثمّ قلت: هذا عليّ بن الحسين في عمّاته وأخواته قد حلّوا بساحتكم، ونزلوا بفنائكم، وأنا رسوله إليكم، اُعرّفكم مكانه.

فما بقيت في المدينة مخدّرة ولا مخبية(١) إلّا برزن من خدورهنّ، يدعون بالويل والثبور، فلم أر باكياً أكثر من ذلك اليوم، ولا [ يوماً ](٢) أمرّ على المسلمين منه.

وسمعت جارية تنوح على الحسينعليه‌السلام وتقول:

نعى سيّدي ناعٍ نعاه فأوجعا

وأمرضني ناعٍ نعاه فأفجعا

فعيناي جودا بالدموع فأبكيا(٣)

وجودا بدمع بعد دمعكما معا

على من دهى عرش الجليل فزعزعا

وأصبح هذا(٤) الدين والمجد أجدعا

على ابن نبيّ الله وابن وصيّه

وإن كان عنّا شاحط الدار أشسعا(٥)

ثمّ قالت: أيّها الناعي، جدّدتَ حزننا بأبي عبد اللهعليه‌السلام ،

____________

١ - في الملهوف: محجّبة.

٢ - من الملهوف.

٣ - فاسكبا - خ ل -. وفي الملهوف: أعينيّ جوداً بالمدامع فاسكبا.

٤ - في الملهوف: أنف.

٥ - في « ح »: أيّ أبعدا.

وخدشتَ منّا قروحاً لم تندمل، فمن أنت رحمك الله؟

فقلت: أنا بشير بن حذلم، وجّهني مولاي عليّ بن الحسينعليه‌السلام ، وهو نازل بمكان كذا مع عيال أبي عبد اللهعليه‌السلام وبناته(١) .

قال : فتركوني بمكاني وبادروني، فضربت فرسي حتّى رجعت إليهعليه‌السلام ، فوجدت الناس قد أخذوا الطرق والمواضع، فنزلت عن فرسي وتخطّيت رقاب الناس، حتّى قربت من باب الفسطاط، وكان عليّ بن الحسينعليه‌السلام داخل الفسطاط، فخرج ومعه خرقة يمسح بها دموعه، وخلفه خادم معه كرسيّ، فوضعه له فجلس عليه وهو لا يتمالك من العبرة والبكاء، وارتفعت الأصوات بالنحيب، وحنين الجواري والنساء، والناس يعزّونه من كلّ ناحية، فضجّت تلك البقعة ضجّة شديدة.

وأومأ بيده إلى الناس أن اسكتوا، فسكتوا فقالعليه‌السلام : الحمد لله ربّ العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، بارىء الخلائق أجمعين، الّذي بَعْدَ فارتفع في السماوات العلى، وقرب فشهد النجوى، نحمده على عظائم الاُمور، وفجائع الدهور، وألم الفجائع، ومضاضة اللواذع(٢) ، وجليل الرزء، وعظيم المصائب، الفاظعة، الكاظّة، الفادحة الحامّة.(٣)

أيّها الناس، [ إن ](٤) الله وليّ الحمد ابتلانا بمصائب جليلة، وثلمة في الاسلام عظيمة، قُتِل أبو عبد اللهعليه‌السلام وعترته، وسُبيت نساؤه وصبيته،

____________

١ - في الملهوف: ونسائه.

٢ - في « ح »: يقال: لذعه بلسانه أيّ أوجعه، في الدعاء، نعوذ بك من لواذعه، كأنّها الّتي تلذع الانسان وتوجعه.

٣ - في الملهوف: الجائحة.

٤ - من الملهوف. وفيه: وله الحمد.

وداروا برأسه في البلدان من فوق عامل(١) السنان، وهذه الرزيّة الّتي لا مثلها رزيّة.

أيّها الناس، فأيّ رجالات منكم تسرون بعد قتله؟ أم ايّة عين منكم تحتبس دمعها، وتضنّ بانهمالها؟ فلقد بكت السبع الشداد لقتله، وبكت البحار بأمواجها، والسماوات بأركانها، والأرض بأرجائها، والأشجار بأغصانها، والحيتان في لجج البحار، والملائكة المقرّبون، وأهل السماوات أجمعون.

أيّها الناس، أيّ قلب لا ينصدع لقتله؟ أم أيّ فؤاد لا يحنّ إليه؟ أم أيّ سمع يسمع بهذه الثلمة الّتي ثلمت في الاسلام [ ولا يصم ](٢) ؟

أيّها الناس، أصبحنا مطرودين مذودين شاسعين(٣) عن الأمصار، كأنّنا أولاد ترك وكابل، من غير جرم اجترمناه، ولا مكروه ارتكبناه، ولا ثلمة في الاسلام ثلمناها، ما سمعنا بهذا في آبائنا الأوّلين،( إن هذَا إلَّا اخْتِلاقٌ ) (٤) ، والله لو أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله تقدّم إليهم في قتالنا كما تقدّم إليهم بالوصاية بنا لما زادوا على ما فعلوا بنا، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون من مصيبة ما أعظمها، وأوجعها، وأفجعها، وأكظّها، وأمضّها، وأفظعها، وأمرّها، وأفدحها، فعندالله نحتسب فيما أصابنا وبلغ بنا، إنّه عزيز ذو انتقام.

فقام صوحان(٥) بن صعصعة بن صوحان - وكان زمناً - فاعتذر إليهعليه‌السلام بما عنده من زمانه رجليه، فأجابهعليه‌السلام بقبول معذرته، وحسن

__________________

١ - في « ح »: العامل: ما يلي السنان.

٢ - من الملهوف.

٣ - أيّ بعيدين.

٤ - سورة ص: ٧.

٥ - كذا في الملهوف، وفي الأصل: صفوان.

الطويّة(١) ، وشكر له وترحّم على أبيه.

قال (٢) : ثمّ إنّه صلوات الله عليه رحل إلى المدينة بأهله وعياله.(٣)

قلت: ولمـّا شاهدعليه‌السلام منازل أحبّائه الّتي كانت مشارق أنوار الايمان، ومظاهر أسرار القرآن، ومواطن مصابيح العرفان، ومعادن مجاويع الاحسان، تندب بلسان حالها، وتنحب لفقد رجالها، وتذرف عبراتها من مئاقيها، وتصاعد زفراتها من تراقيها، وتنادي بصوت ينبىء عن شدّة لوعتها، ويخبر بحدّة كربتها، ويستخبر كلّ راكب وراجل، وينشد كلّ ظاعن ونازل:

أين من كانوا شموسي وبدوري؟

أين من كانوا جمالي وسروري؟

أين من كانوا حماتي ورعاتي

وهداتي حين تعييني اُموري؟

والّذي كنت بهم أسمو

على كلّ جليل ونبيل وخطير

والّذي كانوا إذا ما جنّ خطب

فجنّتي من فادح الخطب العسير

كم أفاضوا من أيادٍ بفنائي

لست اُحصيها وأغنوا من فقير

____________

١ - في الملهوف: وحسن الظنّ به.

٢ - أيّ ابن طاوس.

٣ - الملهوف على قتلى الطفوف: ٢٢٦ - ٢٣٠.

ذو حلوم وعلوم راسخات

كجبال شامخات وبحور

كم كبادٍ قطعوها نعراي

بحنين وأنين وزفير؟

وقلوب خالصات ورقاب

خاضعات لعلا الرب الغفور

مهبط الرحمة منهم كان ربعي

كلّ أن في مساءٍ وبكور

مذ نأوا بالبعد عن إنسان عيني

كثر الشامت إذ قلّ نصيري

يا عيوني إن تكن عَزَّت دموعي

فاذرفي بالدم من قلب كسير

فنادى مجالس كراماتهم، ومدارس تلاواتهم، ومقامات عباداتهم، ومحاريب صلواتهم: أين من كتب رياض الكرم بجودهم، وحماة الامم بوجودهم؟ أين عمّارك بركوعهم وسجودهم، وقوّامك في طاعة معبودهم؟ أين من كانت حدائق أنعمهم في فنائك مغدقة، وجداول كرمهم في خلالك متدفّقة، وأعلام علومهم منصوبة، وأروقة شرفهم مضروبة؟ كم أضاءوا بمصابيح نفقاتهم ظلمتك؟ وكم آنسوا بنغمات تلاوتهم وحشتك؟ وكم أحيوا بصلاتهم ليلك ونهارك؟ وكم أناروا بنور تهجّدهم حنادس أسحارك؟

فأجابه صداها بلسان حالها، وأخبره فناؤها بتنكّر أحوالها: رحلوا عن تقنّعي فسكنوا في بيت الأحزان قلبي، ونأوا عن ربوعي فأطالوا لطول نواهم

كربي، فآه فيا شوقاه لمواطىء أقدامهم على صعيدي، آه وا أسفاه لانتقال أقمار وجوههم عن منازل سعودي، خابني زماني بإبعادهم عنّي فأصبح باب سروري مرتجى، وعاندني دهري إذ أسلبهم منّي فليس لي بعدهم في الخلق مرتجى، فياكلم قلبي ذب أسفاً فمالك مأوى في رميم عظامي، ويا سقيم جسمي مت كمداً قبل تقضّي مدّتي وأيّامي.

فيا شقوتي، إذ لم أكن شخصاً حرباً، وبشراً سويّاً، أتلقّى عنهم حرّ الصفاح بحرّ وجهي، وأمنع صدور الرماح بعرض صدري، وأبذل النفس في طاعتهم، وأستعذب القتل في متابعتهم، قد جعلتني الأعداء غرضاً لمعابلها، وحرضاً بمناصلها.

فيا لها حسرة لا تنقضي، وحرقة لا تنطفي، وكبتّ إذا لم يثبّتني سعدي في جرائد أنصارهم، ولم يرقمني جدّي في دفاتر أبرارهم، كنت محطّاً لرحالهم، ومحبّاً لرجالهم، ومخطاً لقبورهم، ومغرباً لبدورهم، أفخر بمشاهدهم على البيت الحرام، وأسموا بمراقدهم على الركن والمقام، قد أشرق صعيدي بدمائهم، وشرفت تربتي بأبدانهم، تتنزّل الملائكة والروح بالسلام عليَّ، وتهدي تحيّاتها في صلواتها إليّ، وينظر الجليل سبحانه بعواطف رحمته إلى زوّاري، وينشر لطائف نعمته على عمّاري.

فآه واحزناه لفوت هذه النعمة منّي، آه واحزناه لبعد أحبّتي عنّي، آه وا ثكلاه لخفاء شموسي وأقماري، آه واكرباه لانطفاء ضيائي وأنواري.

كنت لهم والبين عنّي غافلٌ

في خفض عيش آمناً ريب الزمن

أرفل في برود عزّي شامخاً

أسموا بمجدهم على كلّ وطن

اُصافح العرش بعرشي وأرى

لأرتقي فضلاً على كلّ سكن

كم غرسوا من نعم في طللي؟

وكم أفادوا منناً بعد منن؟

وكم هدوا في الخلق من غاوٍ عن

الحقّ وساقوه إلى أهدى سنن؟

كانوا بحاراً للعلوم يجتنى

منها جواهر الفروض والسنن

فأصبحت غوراً وقاعاً صفصفاً

كأنّها ممّا عراها لم تكن

فحرّكت ساكنه بندبتها، وأجرت عبرته بأنّتها، وشاهد صلوات الله عليه منازل أحبّائه مظلمة لوحشتها، مقفرة لخلوتها، فكأنّي بلسان حاله قد ناجاها، وببيان مقاله ناداها:

يا أيّها المنازل الّتي غابت عنها حماتها، وغيّرت صفاتها، وحلّت مرابعها، وأقوت مجامعها، حزني لفقد عمّارك سرمد، ووجدي لبعد سمائك لا ينفد، وأنباء مصيبتهم تُرسِل عبراتي، وأحاديث محنتهم تهيّج حسراتي، وديارهم الخالية تحرق قلبي، وربوعهم الخاوية تُذْهِل لبّي، وكيف لا يقدح زند الفراق نار الاشتياق في جوانحي وأحشائي، ويفرغ فرط الغرام ثوب السقام على جوارحي وأعضائي؟

والّذي بُعدهم أورث جفني أرقاً، وصدّهم أضرم قلبي حرقاً، كانوا سروري إن غمّة فرعت، وحبوري إن أزمة وقعت، وُجنّتي إن عراني خطب، وسلوتي إن شجاني كرب، كشفت أنوارهم حنادس ظلمي، وشيّدت مكارمهم قواعد بنيّتي، كم أجروا من جودهم بربوعي بحوراً؟ وكم أغنوا عائلاً فانقلب إلى أهله مسروراً؟ وكم أسمت مطايا شكري في رياض كرمهم؟ وكم أجريت جواد شعري في ميادين نعيمهم؟ وكم سيّرت سفينة ذكري في نثار فضائلهم؟ وكم نثرت جواهر نثري على هامات فواضلهم؟

فأضحى ربعي بجودهم أهلاً، ونوري بوجودهم كاملاً، وجنابي بجلالهم محروساً، ومقامي بكمالهم مأنوساً، حتّى إذا انخسفت بدور سروري لبعدهم، وانكسفت شموس حوري لفقدهم، وأظلم ضيائي، وخلت أرجائي، وحارت مقاصدي، وشَمَتَ حاسدي، وعزّ لقائي، وجلّ عزائي، صرت غرضاً لسهام المصائب، وغرضاً في سوق النوائب، يطويني ثكلي وينشرني، ويبلغني وجدي ويحرقني.

فها أنذا قد شققتُ جَيْبَ صدري بكفّ وحشتي، وحرمت لذيذ رقادي على إنسان مقلتي، ولبست أثواب الأحزان مدّة حياتي، وخلعت جلباب السلوان إلى حين وفاتي، ونثرت من طرفٍ قريحٍ، ونظمت من قلبٍ جريحٍ:

ربعكم أحباب قلبي مذ خلا

ونأيتم عنه عيشي ما حلا

ومديد الشوق بي وافره

ببسيط السقم جسمي أنحلا

كنتم شمسي فلمـّا أفلت

من سماء السعد بدري أفلا

وأقام الوجد في قلبي مذ

حسنكم عنّي غدا مرتحلا

مذ بعدتم صيّر الحزن لكم

في صميم القلب عندي منزلا

والحشا منّي أنا لهب به

ثالث السورة يتلو من تلا

قَتَلَ الله غراباً منذراً

بالنوى صيّر طرفي مرسلا

مذ أتيت الأرْبُعَ اللاتي خلت

منكم أقبل ينعى مقبلا

فأهاج الوجد علمي أنّه

لا يرى إلّا بربع قد خلا

لو على جمر سليتم كبدي

وفؤادي عن هواكم ماسلا

سادتي كنتم لقلبي فرحة

ولعينيَّ ضياء وجلا

فغدت فرحة قلبي قرحة

ونهاري صار ليلاً أليلا

وإذا ما مرَّ معناكم على

فكرتي هاج الحشا واشتعلا

قاتل الله المطايا إذ سرت

بكم تقطع أجواز الفلا

حين غبتم وخلا مغناكم

معكم طيب رقادي رحلا

إن تكن عيني بنومي بخلت

فبدمعي بعدكم لن تبخلا

سادتي هل عودة لوفي الكرى

علّها تنعش صبّاً مبتلا

ليراكم وإليكم يشتكي

قرحة في القلب لن تندملا

عن المفضّل بن عمر الجعفي، قال: سمعت جعفر بن محمدعليه‌السلام يقول: حدّثني أبي محمد بن عليّ، قال: حدّثني أبي عليّ بن الحسينعليه‌السلام ، قال: لمـّا قتل الحسينعليه‌السلام جاء غراب فوقع في دمه، ثمّ تمرّغ، ثمّ طار فوقع في المدينة على جدار(١) فاطمة بنت الحسين بن عليّ - وكانت في المدينة -، فرفعت رأسها فنظرت إليه ملطّخ بالدم، فبكت بكاء شديداً، وأنشأت تقول:

نعب الغراب فقلت من

تنعاه ويحك يا غراب؟

__________________

١ - في المقتل: جدار دار.

قال الامام فقلت مَن؟

قال الموفّق للصواب

إنّ الحسين بكربلا

بين الأسنّة والضراب(١)

فابك الحسين بعبرة

ترضي الإله من(٢) الثواب

قلت الحسين فقال لي

حقّاً لقد سكن التراب(٣)

ثمّ استقلّ به الجنا

ح فلم يطق ردّ الجواب

فبكت ممّا حلّ بي

بعد الرضا بالمستراب

قال : فأخبرت به أهل المدينة، فما كان بأسرع ممّا جاء الخبر بقتل الحسينعليه‌السلام .(٤)

بحذف الاسناد: عن عبد الله بن عمر الخزاعي، عن هند بنت الجون، قالت: نزل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بخيمة خالتي اُمّ سعيد ومعه أصحابه، فكان من أمره في الشاة ما عرفه الناس، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله في الخيمة هو وأصحابه حتّى أبردوا وكان يوماً قائضاً شديد الحرّ، فقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من رقدته فدعا بماء، فغسل يديه وأنقاهما، ثمّ تمضمض، ثمّ مجّ الماء من فيه على عوسجة كانت إلى جنب خيمة خالتي ثلاث مرّات، واستنشق ثلاثاً، وقال: سيكون لهذه العوسجة شأن، ثمّ فعل من كان معه من أصحابه كذلك، ثمّ قام فصلّى ركعتين، فعجب أهل الحيّ من ذلك، وما كان عهدنا بالصلاة وما رأينا مصلّياً قبل ذلك.

____________

١ - في المقتل: بين المواضي والحراب.

٢ - في المقتل: مع.

٣ - في المقتل: ملقى على وجه التراب.

٤ - مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢/٩٢ - ٩٣، عنه البحار: ٤٥/١٧١ ح ١٩، وعوالم العلوم: ١٧/٤٩٠ ح ٢.

فلمـّا كان من الغد أصبحنا فرأينا العوسجة قد عظمت، حتّى كانت كأعظم ما يكون، وأبهى، وخضد الله شوكها، وساخت عروقها، وكثرت أغصانها، واخضرّ ساقها وورقها، وأثمرت بعد ذلك وأينعت بثمر كأعظم ما يكون من الكماة في لون الورس المسحوق، ورائحته كرائحة العنبر في طعم الشهد، والله ما أكل منه جائع إلّا شبع، ولا ظمآن إلّا روى، ولا سقيم إلّا برىء، ولا ذو حاجة ولا فاقة إلّا استغنى، ولا أكل من ورقها بعير ولا ناقة ولا شاة إلّا سمنت ودرّ لبنها، ورأينا النماء والبركة في أموالنا منذ يوم نزلصلى‌الله‌عليه‌وآله بنا، وأخصبت بلادنا وأمرعت وكنّا نسميّها المباركة، وكان ينتابها مَن حولنا من أهل البوادي يستظلّون بها، ويتزوّدون، من ورقها في الأسفار، ويحملونه معهم في الأرض القفر، فيقوم لهم مقام الطعام والشراب.

فلم تزل كذلك حتّى أصبحنا ذات يوم وقد تساقطت ثمارها، واصفرّ ورقها، فأحزننا ذلك وأفزعنا، فما كان إلّا قليل حتّى جاء نعي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله انّه قد قبض، وكانت بعد ذلك تثمر ثمراً دون الأوّل في العظم والطعم والرائحة، وأتت على ذلك ثلاثون سنة.

فلمـّا كان ذات يوم أصبحنا وإذا بها قد شاكت من أوّلها إلى آخرها، وذهبت نضارة عيدانها، وتساقط جميع ثمرها، فما كان إلّا يسيراً حتّى أتى الخبر بقتل أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فما أثمرت بعد ذلك قليلاً ولا كثيراً، وانقطع ثمرها، ولم نزل ومَن حولنا نأخذ من ورقها، ونداوي [ به ](١) مرضانا، ونستشفي به من أسقامنا، فأقامت على ذلك برهة طويلة.

__________________

١ - من المقتل.

ثمّ أصبحنا ذات يوم وإذا بها قد انبعث من ساقها دم عبيط، وورقها ذابل يقطر دماء كماء اللحم، فقلنا: قد حدث أمر عظيم، فبينا نحن كذلك فزعين مهمومين نتوقّع الداهية، فلمـّا أظلم الليل سمعنا بكاء وعويلاء من تحتها، وغلبة شديدة ورجّة، وسمعنا صوت باكية تقول:

يا ابن النبيّ ويا ابن الوصيّ

بقيّة ساداتنا الأكرمينا

ثمّ كثرت الرنّات والأصوات، فلم يفهم كثيراً ممّا كانوا يقولون، فأتانا بعد ذلك نعي الحسينعليه‌السلام ، ويبست الشجرة وجفّت، وكسرتها الريح والأمطار بعد ذلك، فذهب واندرس أثرها.

قال عبد الله بن محمد الأنصاري: لقيت دعبل بن عليّ الخزاعي بمدينة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله فحدثته بهذا الحديث فلم ينكره، وقال: حدّثني أبي، عن جدّي، عن اُمّه سعدى(١) بنت مالك الخزاعيّة أنّها أدركت تلك الشجرة، وأكلت من ثمرها على عهد عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، وأنّها سمعت تلك الليلة الجنّ فحفظت من جنّيّة منهنّ:

يا ابن الشهيد ويا شهيد عمّه

خير العمومة جعفر الطيّار

عجباً لمصقول أصابك حدّة

في الوجه منك وقد علاه غبار(٢)

قال دعبل: فقلت في قصيدتي:

زُر خير قبر بالعراق يزار

واعص الحمار فمن نهاك حمارُ

لِمَ لا أزورك يا حسين لك الفدا

قومي ومن عطف عليه نزار؟

ولك المودّة في قلوب اُولي النهى

وعلى عدوّك مَقْتَةٌ ودثار(٣)

____________

١ - في البحار: سعيدة.

٢ - مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢/٩٨ - ١٠٠، عنه البحار: ٤٥/٢٣٣ ح ١.

٣ - في البحار: ٤٥/٢٣٥: ودمار.

فصل

فأمّا قبر الحسينعليه‌السلام فإنّه لم يزل مشهوراً معلماً يقصده الخلائق من الآفاق، وكبار الصحابة قصدوا زيارته والاستشفاء بتربته لما سمعوا في فضله من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأميرالمؤمنينعليه‌السلام وآلهما، كجابر بن عبد الله، وغيره، ولقد جهدت بنو اُميّة على إخفائه، وصدّ الناس عنه، وأقاموا مسالح على الطرقات يقتلوا كلّ من ظفروا به من زوّارهعليه‌السلام ، كما رواه الشيخ جعفر بن قولويه، والشيخ الطوسيرضي‌الله‌عنه ، وسأذكر فيما بعد منه نبذة، وظهر من الكرامات له ما لا مزيد عليه من شفاء المرضى، والاستشفاء بتربته، وإجابة الدعاء لديه صلوات الله عليه.

و لم يتيسّر لبني اُميّة ما أرادوا وكان قد بني عليه مسجد، ولم يزل كذلك بعد بني اُميّة، وفي زمن بني العبّاس، إلّا على زمن الرشيد لعنه الله فإنّه خربه وقطع السدرة الّتي كانت نابتة عنده، وكرب موضع القبر، ثمّ اُعيد على زمن المأمون وغيره إلى أن حكم اللعين المتوكّل من بني العبّاس، وكان سيّء الاعتقاد في آل أبي طالب، شديد الوطأة عليهم، قبيح المعاملة معهم، ووافقه على ذلك وزيرة عبد الله بن يحيى لعنه الله، فبلغ من سوء معاملتهم ما لم يبلغه أحد ممّن تقدّم من بني اُميّة وبني العبّاس، فأمر بتخريب قبر الحسينعليه‌السلام وقبور أصحابه، وكرب مواضعها، وأجرى الماء عليها، ومنع الزوّار عن زيارتها، وأقام الرصد، وشدّد في ذلك حتّى كان يقتل من يوجد زائراً، وولّى

ذلك رجلاً كان أصله يهوديّاً، ثمّ أسلم يقال له: الديزج، وسلّط اللعين قوماً من اليهود على ذلك حتّى تولّوه، وسأذكر نبذة من فعله عليه اللعنة إلى أن قتل المتوكّل.

و قام بالأمر بعده ابنه المنتصر، فعطف على آل أبي طالب، وأحسن إليهم، وفرّق فيهم الأموال، وأعاد القبور في أيّامه إلى أن خرج الداعيان الحسن ومحمد ابنا زيد بن الحسن، فأمر محمد بعمارة المشهدين؛ مشهد أمير المؤمنين، ومشهد أبي عبد اللهعليهما‌السلام ، وأمر بالبناء عليهما، وبعد ذلك زيد فيهما، وبلغ عضد الدولة بن بويهرحمه‌الله الغاية في تعظيمهما وعمارتهما، والأوقاف عليهما، وكانرضي‌الله‌عنه يزورهما كلّ سنة.

وروى شيخنا الشيخ الجليل أبو جعفر محمد بن الحسن بن عليّ الطوسيرضي‌الله‌عنه في أماليه، قال: أخبرنا ابن خشيش، عن محمد بن عبد الله، قال: حدثنا محمد بن عليّ بن هاشم الاُبليّ(١) ، قال: حدّثنا الحسن بن أحمد بن النعمان الوجيهي الجوزجاني نزيل قومس وكان قاضيها، قال: حدّثني يحيى بن المغيرة الرازي، قال: كنت عند جرير بن عبدالحميد إذ جاءه رجل من أهل العراق، فسأله جرير عن خبر الناس، قال: تركت الرشيد وقد كرب قبر الحسينعليه‌السلام ، وأمر أن تقطع السدرة الّتي فيه، فرفع جرير يده، وقال: الله أكبر جاءنا فيه حديث عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: لعن الله قاطع السدرة - ثلاثاً - فلم نقف على معناه حتّى الآن، وكان قصده بقطعها تغيير مصرعهعليه‌السلام حتّى لا يقف الناس على قبره.(٢)

____________

١ - كذا في الأمالي، وفي الأصل: عليّ بن هاشم الآملي.

٢ - أمالي الطوسي: ٣٢٥ ح ٩٨ - طبعة مؤسّسة البعثة -، عنه البحار: ٤٥/٣٩٨ ح ٧.

وعنه: قال: أخبرنا ابن خشيش، [ قال: حدّثنا محمد بن عبد الله، ](١) قال: حدّثني محمد بن محمد بن الفرج الرخّجي، قال: حدّثني أبي، عن عمّه [ عمر ](٢) بن فرج، قال: أنفذني المتوكّل في تخريب قبر الحسينعليه‌السلام ، فصرت إلى الناحية فأمرنا بالبقر بمن بها على القبور فمرّت عليها كلّها، فلمـّا بلغت قبر الحسينعليه‌السلام لم تمرّ عليه.

قال عمّي عمر بن فرج: فأخذت العصا بيدي، فما زلت أضربها حتّى انكسرت العصا بيدي، والله ما جازت على قبره، وكان هذا الرجل شديد الانحراف عن آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله .(٣)

وعنهرضي‌الله‌عنه ، قال: أخبرنا ابن خشيش بإسناد متّصل إلى [ أبي علي الحسين بن ](٤) محمد بن مسلمة بن أبي عبيدة بن محمد بن عمّار بن ياسر، قال: حدّثني ابراهيم الديزج، قال: بعثني المتوكّل الى كربلاء لنبش قبر الحسينعليه‌السلام ، وكتب كتابة معي الى جعفر بن محمد بن عمّار القاضي: اعلمك أنّي بعثت إبراهيم الديزج إلى كربلاء لنبش قبر الحسين، فإذا قرأت كتابي فقف على الأمر حتّى تعرف فعل أو لم يفعل.

قال الديزج: فعرّفني جعفر بن محمد بن عمّار ما كتب به إليه، وفعلت ما أمرني به جعفر بن محمد بن عمّار، ثمّ أتيته، فقال لي: ما صنعت؟

فقلت: قد فعلت ما امرت [ به ](٥) ، فلم أر شيئاً، فقال: فهلّا عمّقته؟

قلت: قد فعلت فما رأيت شيئاً، فكتب إلى السلطان: إنّ إبراهيم الديزج قد نبش فلم ير شيئاً، فأمرته فمخره بالماء وكربه بالبقر.

__________________

١ و ٢ و ٤ و ٥ - من الأمالي.

٣ - أمالي الطوسي: ٣٢٥ ح ٩٩.

قال أبو علي العماري: فحدّثني إبراهيم الديزج، وقد سألته عن صورة الأمر، فقال لي: أتيت في خاصة غلماني فقط، وإنّي نبشت، فوجدت بارية جديدة وعليها بدن الحسينعليه‌السلام ، ووجدت منه رائحة المسك، فتركت البارية على حالها وبدن الحسين على حاله على البارية، وأمرت بطرح التراب عليه، وأطلقت عليه الماء، وأمرت بالبقر لتمخره وتحرثه، فلم تطأه، وكانت إذ جاءت إلى الموضع رَجَعْتَ عنه، فحلفت لغلماني بالله وبالإيمان المغلّظة لئن ذكر أحد هذا الحديث لأقتلنّه(١) .(٢)

وعنهرضي‌الله‌عنه ، قال: أخبرنا ابن خشيش، عن محمد بن عبد الله، قال: حدّثني محمد بن إبراهيم بن أبي السلاسل الأنباري الكاتب، قال: حدّثني أبو عبد الله الباقطاني قال: ضمّني عبيد الله بن يحيى بن خاقان إلى هارون المعرّي، وكان قائداً من قوّاد السلطان أكتب له، وكان بدنه أبيض شديد البياض حتّى يديه ورجليه، وكان وجهه أسود شديد السواد كأنّه القير، وكان يتفقأ مع ذلك مِدّة(٣) منتنة.

فلمـّا آنس بي سألته عن سواد وجهه، فأبى أن يخبرني، ثمّ إنّه مرض مرضه الّذي مات فيه، فعدته، وسألته عن ذلك، فرأيته يحبّ أن يكتم عليه، فضمنت له الكتمان، فحدثني، قال: وجّهني المتوكّل أنا والديزج لنبش قبر الحسينعليه‌السلام ، وإجراء الماء عليه، فلمـّا عزمت على الخروج والمسير إليه رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في المنام، فقال: لا تخرج مع الديزج،

__________________

١ - كذا في الأمالي، وفي الأصل: لأقتلنّهم.

٢ - أمالي الطوسي: ٣٢٦ ح ١٠٠.

٣ - أيّ القيح.

ولا تفعل ما اُمرتم به في قبر الحسين.

فلمـّا أصبحنا جاءوا يستحثّوني في المسير، فسرت معهم حتّى وافينا كربلاء، وفعلنا ما أمرنا به المتوكّل، فرأيت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في المنام، فقال: ألم آمرك ألّا تخرج، ولا تفعل فعلهم فلم تقبل حتّى فعلت ما فعلوا؟! ثمّ لطمني، وتفل في وجهي، فصار وجهي مسودّاً، وجسمي كما ترى على حالته الاُولى.(١)

وعنهرضي‌الله‌عنه ، قال: أخبرنا ابن خشيش، قال: حدّثنا محمد بن عبد الله، قال: حدّثني سعيد بن أحمد العرّاد أبوالقاسم الفقيه، قال: حدّثني أبوبرزة الفضل بن محمد بن عبدالحميد، قال: دخلت على إبراهيم الديزج - وكنت جاره - أعوده في مرضه الّذي مات فيه، فوجدته بحال سوء، وإذا هو كالمدهوش وعنده الطبيب، فسألته عن حاله، وكانت بيني وبينه خلطة واُنس يوجب الثقة بي، والانبساط إليَّ، فكاتمني حاله، وأشار إلى الطبيب، فشعر الطبيب بإشارته ولم يعرف عن حاله ما يصف له من الدواء، وما يستعمله، فقام وخرج، وخلا الموضع، فسألته عن حاله. فقال: اُخبرك والله، واستغفر الله، إنّ المتوكّل أمرني بالخروج إلى نينوى إلى قبر الحسينعليه‌السلام ، وأمرنا أن نكربه ونطمس أثر القبر، فوافيت الناحية مساء ومعنا الفعلة والروزكاريّون معهم المساحي والمرور(٢) ، فتقدّمت إلى غلماني وأصحابي أن يأخذوا الفعلة بخراب القبر، وخراب(٣) أرضه، وطرحت نفسي لما نالني من أمر السفر

__________________

١ - أمالي الطوسي: ٣٢٦ - ٣٢٧ ح ١٠١.

٢ - المُرور: جمع مرّ، وهو المسحاة أو ما كان نحوها.

٣ - في الامالي: وحرث.

ونمت، وذهب فيّ النوم فإذا ضوضاء شديدة، وأصوات عالية، وجعل الغلمان ينبّهوني، فقمت وأنا ذعر، وقلت للغلمان: ما شأنكم؟

قالوا: عجيب شأن.

قلت: وما ذاك؟

قالوا: إنّ بموضع القبر قوماً قد حالو بيننا وبين القبر، وهم يرموننا مع ذلك بالنّشاب، فقمت معهم لأتبيّن الأمر، فوجدته كما وصفوا، وكان ذلك في أوّل الليل من الليالي البيض، فقلت: ارموهم، فرموا فعادت سهامنا إلينا، فما سقط منها سهم إلّا في صاحبه الّذي رمى، فقتله، فاستوحشت لذلك، وجزعت وأخذتني الحمّى والقشعريرة، ورحلت عن(١) القبر لوقتي، ووطّنت نفسي على أن يقتلني [ المتوكّل ](٢) لما لم أبلغ في القبر [ جميع ](٣) ما تقدّم إليّ به.

فقيل: كفيت ما تحذر من المتوكّل قد قتل البارحة، وأعان في قتله ابنه المنتصر، فقال: قد سمعت بذلك، وقد نالني في جمسي ما لا أرجو معه البقاء.

قال أبو برزة: كان هذا أوّل النهار، فما أمسى الديزج حتّى مات.

قال ابن خشيش: قال أبوالفضل: إنّ المنتصر سمع أباه المتوكّل يسبّ فاطمةعليها‌السلام ، فسأل رجلاً من الناس عن ذلك، فقال له: قد وجب عليه القتل، إلّا أنّه من قتل أباه لم يطل له عمر.

قال: ما اُبالي إذا أطعت الله بقتله ألّا يطول عمري، فقتله وعاش بعده سبعة أشهر.(٤)

__________________

١ - كذا في الأمالي، وفي الأصل: فدخلت من.

٢ و ٣ - من الأمالي.

٤ - أمالي الطوسي: ٣٢٧ - ٣٢٨ ح ١٠٢، عنه البحار: ٤٥/٣٩٥ ح ٤.

وعنه، قال: أخبرنا ابن خشيش، عن محمد بن عبد الله، قال: حدّثني عليّ بن عبدالمنعم بن هارون الخديجي الكبير من شاطى النيل، قال: حدّثني(١) القاسم بن أحمد بن معمر الأسدي الكوفي - وكان له علم بالسير وأيّام الناس -، قال: بلغ المتوكّل أنّ أهل السواد يجتمعون بأرض نينوى لزيارة قبر الحسينعليه‌السلام ، فيصير إلى قبره منهم جماعة كثيرة وخلق عظيم فأنفذ قائداً من قواّده، وضمّ إليه كنفاً(٢) من الجند كثيراً ليشعّث(٣) من قبرهعليه‌السلام ، ويمنع الناس من زيارته والاجتماع عنده.

فخرج القائد إلى الطفّ، وعمل ما اُمر به، وذلك في سنة سبع وثلاثين ومائتين، فثار أهل السواد، واجتمعوا عليه، وقالوا: لو قُتلنا عن آخرنا لما أمسك ما بقي منّا عن زيارته، والاجتماع عنده، ورأوا من الدلائل ما حملهم على ما صنعوا، فكتب بالأمر إلى الحضرة، فورد كتاب المتوكّل إلى القائد بالكفّ عنهم، والسير إلى الكوفة مظهراً أنّ مسيرة إليها في مصالح أهلها، والانكفاء إلى المصر.

فمضى الأمر على ذلك حتّى كانت سنة سبع وأربعين، فبلغ المتوكّل أيضاً مصير الناس من أهل السواد والكوفة إلى كربلاء لزيارة قبر الحسينعليه‌السلام ، وأنّه قد كثر جمعهم لذلك، وصار لهم سوق عظيم، فأنفذ قائداً في جمع عظيم من الجند، وأمر منادياً ينادي ببراءة الذمّة ممّن زار قبرهعليه‌السلام ، ونبش القبر وحرثه، وانقطع الناس عن الزيارة، وعمل على تتبّع آل أبي طالب

__________________

١ - في الأمالي: حدّثني جدّي.

٢ - أيّ جانباً، كناية عن الجماعة منهم.

٣ - يقال: شعّث منه تشعيثاً نضح عنه وذبَّ ودفع.

والشيعة، فَقُتِلَ لعنه الله، ولم يتمّ ما قدّر(١) .(٢)

وعنهرضي‌الله‌عنه ، قال: أخبرنا ابن خشيش، قال: حدّثني أبوالفضل(٣) ، قال: حدّثني عبدالرزّاق بن سليمان بن غالب الأزدي، قال: حدّثني عبد الله بن دانية الطوري، قال: حججت سنة سبع وأربعين ومائتين، فلمـّا صدرت عن الحجّ صرت إلى العراق، فزرت أمير المؤمنينعليه‌السلام على حال خيفة من السلطان وتقيّة، ثمّ توجّهت إلى زيارة الحسينعليه‌السلام ، فإذا هو قد حرثت أرضه ومخر فيها الماء، واُرسلت الثيران والعوامل في الأرض، فبعيني وبصري كنت أرى الثيران تأتي في الأرض فتنساق لهم فيها حتّى إذا حاذت مكان القبر حادت يميناً وشمالاً، فتضرب بالعصيّ الضرب الشديد فلا ينفع ذلك فيها ولا تطأ القبر بوجه من الوجوه ولا سبب، فما أمكنني الزيارة، فتوجّهت إلى بغداد وأنا أقول:

تالله إن كانت اُميّة قد أتت

قتل ابن بنت نبيّها مظلوما

فلقد أتاك بنو أبيه بمثلها

هذا لعمرك قبره مهدوما

أسفوا على أن لا يكونوا شايعوا كن

في قتله فتتبّعوه رميما

فلمـّا قدمت بغداد سمعت الهائعة(٤) ، فقلت: ما الخبر؟

قالوا: وقع الطير بقتل جعفر المتوكلّ، فعجبت لذلك وقلت: إلهي ليلة بليلة.(٥)

__________________

١ - كذا في الأمالي، وفي الأصل: ما قال.

٢ - أمالي الطوسي: ٣٢٨ - ٣٢٩ ح ١٠٣، عنه البحار: ٤٥/٣٩٧ ح ٥.

٣ - كذا في الأمالي، وفي الأصل: حدّثني محمد بن عبد الله.

٤ - الهائعة: الصوت المفزع.

٥ - أمالي الطوسي: ٣٢٩ ح ١٠٤، عنه البحار: ٤٥/٣٩٧ ح ٦.

وعنهرضي‌الله‌عنه ، قال: حدّثنا ابن خشيش، عن محمد بن عبد الله، قال: حدّثنا، أبوالطيّب عليّ بن محمد(١) الجعفي الدّهان بالكوفة، قال: حدّثنا أحمد بن ميثم بن [ أبي ](٢) نعيم، قال حدّثنا: يحيى بن عبدالحميد الحمّاني أملاه عليّ في منزله، قال: خرجت أيّام ولاية موسى بن عيسى الهاشمي [ في ](٣) الكوفة من منزلي فليقيني أبوبكر بن عيّاش، فقال: امض بنا يا يحيى إلى هذا، فلم أدر من يعني، وكنت أُجلّ أبا بكر عن مراجعته، وكان راكباً حماراً، فجعل يسير عليه، وأنا أمشي في(٤) ركابه، فلمـّا صرنا عند الدار الّتي تعرف بدار عبد الله بن حازم التفت إليّ فقال: يا ابن الحمّاني، إنّما جررتك معي وجشّمتك أن تمشي خلفي لأُسمعك ما أقول لهذا الطاغية.

قال: فقلت: من هو، يا أبا بكر؟

قال: هذا الكافر الفاجر موسى بن عيسى، فسكتّ عنه، فمضى وأنا أتبعه حتّى إذا صرنا إلى باب موسى بن عيسى، وبصر به الحاجب وتبيّنه، وكان الناس ينزلون عند الرحبة، فلم ينزل أبوبكر هناك، وكان عليه قميص وإزار، وهو محلول الأزرار.

قال: فدخل على حماره وناداني، وقال: [ تعال ](٥) يا ابن الحمّاني، فمنعني الحاجب، فزجره أبوبكر، وقال له: أتمنعه يا فاعل - وهو معي -؟ فتركني، فما زال يسير على حماره حتّى دخل الايوان، فبصر بنا موسى وهو قاعد في صدر الايوان على سريره وبجنبي السرير رجال مسلّحون، فلمـّا رآه

____________

١ - في الأمالي: عليّ بن محمد بن مخلّد.

٢ و ٣ و ٥ - من الأمالي.

٤ - في الآمالي: مع.

موسى رحبّ به وقرّبه، وأقعده على سريره، ومنعت أنا حين وصلت إلى الايوان، فلمـّا استقرّ أبوبكر على السرير التفت إليّ [ فرآني ](١) حيث أنا واقف، فناداني: تعال ويحك، فصرت إليه، ونعلي في رجلي، وعليَّ قميص وإزار، فأجلسني بين يديه، فالتفت إليه موسى فقال: هذا رجل تكلّمنا فيه.

قال: لا، ولكنّي جئت به شاهداً عليك.

قال: فبماذا؟

قال: إنّي رأيتك وما صنعت بهذا القبر.

قال: أيّ قبر؟

قال: قبر الحسين بن عليّعليهما‌السلام ، وابن فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وكان موسى قد وجّه إليه من كربه، وكرب جميع أرض الحائر وحرثها(٢) وزرعها، فانتفخ موسى حتّى كاد أن ينقدّ. ثمّ قال: ما أنت وذاك؟

قال: اسمع حتّى اُخبرك.

قال: نعم، إنّي رأيت في منامي كأنّي خرجت إلى قومي من بني غاضرة، فلمـّا صرت إلى قنطرة الكوفة اعترضتني خنازير عشرة تريدني، فأغاثني الله برجل كنت أعرفه من بني أسد فدفعها عنّي، ومضيت لوجهي، فلمـّا صرت إلى شاهي(٣) ضللت الطريق ورأيت هناك عجوزاً، فقالت: إلى أين تريد، أيّها الشيخ؟

__________________

١ - من الأمالي.

٢ - كذا في الامالي، وفي الأصل: وخرّبها.

٣ - كذا في الأمالي، وفي الأصل: شياهي.

قلت: اُريد الغاضريّة.

فقالت: استبطن هذا الوادي، فإنّك إذا أتيت إلى آخره اتّضح لك الطريق.

فمضيت، وفعلت ما قالت، فلمـّا صرت إلى نينوى إذا أنا بشيخ كبير جالس هناك، فقلت: من أين أنت، أيّها الشيخ؟

فقال لي: أنا من أهل هذه القرية.

فقلت: كم تعدّ من السنين؟

فقال: ما أحفظ ما مضى من سني عمري، ولكن أبعد ذكري أنّي رأيت الحسينعليه‌السلام ، ومن كان معه من أهله، ومن تبعه يمنعون الماء الّذي نراه، ولا تمنع الكلاب والوحش من شربه، فاستفظعت(١) ذلك، وقلت: أنت ويحك رأيت هذا؟

فقال: إي والّذي سمك السماء، قد رأيت هذا أيّها الشيخ، وإنّك وأصحابك لهم الّذين يعينون على ما رأينا ممّا أقرح عيون المسلمين، إن كان في الدنيا مسلم.

قلت: ويحك ما هو؟

قال: حيث لم تنكروا ما أجرى سلطانكم إليه.

فقلت: ويحك ما أجرى إليه؟

قال: أيكرب قبر ابن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وتحرث أرضه؟

قلت: فأين القبر؟

__________________

١ - كذا في الأمالي، وفي الأصل: فاستقصيت.

قال: هو هذا أنت واقف في أرضه، فأمّا القبر فإنّه قد عمي عن أن يعرف موضعه.

قال أبوبكر بن عيّاش: وما كنت رأيت القبر قبل ذلك الوقت قطّ، ولا أتيته طول عمري، فقلت: من لي بمعرفته؟ فمضى معي الشيخ حتّى أوقفني على باب حائر له باب وآذن، وإذا جماعة كثيرة على الباب فقلت للآذن: اريد الدخول على ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فقال: لا تقدر على الوصول في هذا الوقت.

فقلت: ولم؟

فقال: هذا وقت زيارة إبراهيم خليل الله، ومحمد رسول الله، ومعهما جبريل وميكائيل في رعيل من الملائكة كثير.

قال أبوبكر بن عيّاش: فانتبهت، وقد دخلني روع شديد وحزن وكآبة، ومضت بي الأيّام حتّى كدت أن أنسى المنام، ثمّ اضطررت إلى الخروج إلى بني غاضرة لدين كان لي على رجل منهم، فخرجت وأنا لا أذكر الحديث حتّى إذا صرت إلى قنطرة الكوفة لقوني عشرة من اللصوص، فحيث رأيتهم ذكرت الحديث، ورعبت من خشيتي، فقالوا: الق ما معك وانج بنفسك، وكانت معي نفيقة.

فقلت: ويحكم أنا أبوبكر بن عيّاش، وإنّما خرجت لطلب دين لي، فالله الله لا تقطعوني عن طلب ديني، وتضرّوني في نفقتي، فإنّي شديد الإضافة(١) ، فنادى رجل منهم: مولاي وربّ الكعبة لا نتعرّض له، ثمّ قال لبعض غلمانه:

__________________

١ - من الإضافة: الضيافة.

كن معه حتّى يصير إلى الطريق الأيمن.

قال أبوبكر: فجعلت أتفكّر فيما رأيت في المنام، وأتعجّب من تأويل الخنازير، فمضيت حتّى صرت إلى شاهي ضللت الطريق ورأيت هناك عجوزاً، فقالت: أين تريد، أيّها الشيخ؟

قلت: اُريد الغاضريّة.

فقالت: استبطن هذا الوادي، فإنّك إذا أتيت إلى آخره اتّضح لك الطريق، فمضيت، وفعلت ما قالت، فلمـّا صرت إلى نينوى رأيت والله الّذي لا إله إلّا هو [ الشيخ ](١) الّذي رأيته في المنام، فحين رأيته ذكرت الأمر والرؤيا، وقلت: لا إله إلّا الله ما كانت هذه الرؤيا إلا وحياً، ورأيت الشيخ، ثمّ سألته كمسألتي [ إيّاه ](٢) في المنام، فأجابني كما كان أجابني، ثمّ قال: امض بنا، فمضيت، فوقف على الموضع المكروب، فلم يفتني شيء من المنام إلّا الآذن والحائر فإنّي لم أر حائراً ولا آذناً، فاتّق الله أيّها الرجل، فإنّي آليت على نفسي ألّا أدع إذاعة هذا الحديث، ولا زيارة ذلك الموضع وقصده وإعظامه، فإنّ موضعاً يأتيه إبراهيم ومحمد وجبريل وميكائيل لحقيق أن يرغب في إتيانه وزيارته، فإنّ أبا حصين حدّثني أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: من رآني في المنام فإيّاي رأى، فإنّ الشيطان لا يتشبّه بي.

فقال له موسى: إنّما سكتّ عن إجابة كلامك لأستوفي هذه الحمقة الّتي ظهرت منك، وتالله لئن بلغني بعد هذا الوقت أنّك تحدّث بهذا لأضربنّ عنقك، وعنق الّذي جئتَ به شاهداً عليّ.

__________________

١ و ٢ - من الأمالي.

فقال: إذاً يمنعني الله وإيّاه منك، فإنّي ما أردت إلّا الله سبحانه بما كلّمتك به.

فقال: أتراجعني يا ماص، وشتمه.

فقال أبوبكر: اسكت أخزاك الله، وقطع لسانك، فأرعد موسى على سريره، ثمّ قال: خذوه، فاُخذ الشيخ عن السرير، واُخذت أنا، فوالله لقد مرّ بنا من السحب والضرب ما ظننت أنّا لا نلبث حيّين، وكان أشدّ ما مرّ بي من ذلك أنّ رأسي كان يجرّ على الصخر، فكان بعض مواليه يأتيني فينتف لحيتي، وموسى يقول: اقتلوهما ابني كذا وكذا - بالزاني لا يكنّى(١) -، وأبوبكر يقول: امسك قطع الله لسانك، وانتقم منك، اللّهمّ إيّاك أردنا، ولولد نبيّك غضبنا، وعليك توكّلنا.

فصرنا(٢) جميعاً إلى الحبس، فما لبثنا في الحبس إلّا قليلاً، فالتفت إليّ أبوبكر فرأى ثيابي ممزّقة، وقد سالت دمائي على خدّي، فقال: يا حمّانيّ، قد قضينا لله حقّاً، واكتسبنا في يومنا هذا أجراً، ولن يضيع ذلك عند الله، ولا عند رسوله، فما لبثنا في السجن إلّا مقدار غدائه ونومه حتّى جاءنا رسوله فأخرجنا إليه، فطلب حمار أبوبكر فلم يوجد، فدخلنا عليه فإذا هو في سرداب يشبه الدور سعة وكبراً، فتعبنا في المشي إليه تعباً شديداً، وكان أبوبكر إذا تعب [ في المشي ](٣) جلس يسيراً، ثمّ يقول: اللّهمّ هذا فيك فلا تنسه، فلمـّا اُدخلنا على موسى إذا هو على سرير له، فحين بصر بنا قال: لا حيّا الله، ولا

__________________

١ - أيّ كان يقول في الشتم ألفاظ صريحة في الزنا ولا يكتفي بالكناية.

٢ - في الأمالي: فصيّر بنا.

٣ - من الأمالي.

قرّب يا جاهل يا أحمق تتعرّض لما تكره(١) ، ويلك يا دعيّ ما دخولك فيما بيننا معشر بني هاشم؟

قال أبوبكر: قد سمعت كلامك، والله حسبك.

فقال: اخرج قبّحك الله، والله لئن بلغني أنّ هذا الحديث شاع أو ذكر عنك لأضربنّ عنقك.

ثمّ التفت إليَّ وقال: يا كلب - وشتمني - وقال: إيّاك أن تظهر هذا، فإنّما خُيّل لهذا الشيخ الأحمق شيطان يلعب به في منامه، اخرجا عليكما لعنة الله وغضبه، فخرجنا وقد يئسنا من الحياة، فلمـّا صرنا إلى منزل الشيخ أبي بكر وهو يمشي وقد ذهب حماره، فلمـّا أراد أن يدخل منزله التفت إلّه، وقال: احفظ هذا الحديث وأثبته عندك، ولا تحدّثنّ به هؤلاء الرعاع ولكن حدّث به أهل العقول والدين(٢) .

قلت: فانظر إلى ما أصفى الله به هذه الاُسرة الزكيّة، والعترة النبويّة، من إظهار فضائلهم، وإيضاح دلائلهم، كلّما تقادمت الأيّام أظهر رفعتهم، وأشهر دينهم، رام الأعداء استئصال شأفتهم، وإدحاض حجّتهم، من حين موت الرسول المصطفى، وفوت النبيّ المجتبى، وجحدوا شايع فضلهم، وأجلبوا عليهم بخيلهم ورجلهم، من قتل الوصيّ، وسمّ الزكيّ، وهظم السبط المعصوم، والشهيد المظلوم.

وألجأوا سيّد الخلق بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن أوصى بإخفاء تربته الشريفة، وبقعته المنيفة، حذراً من فتنتهم، وخوفاً من سفاهتهم، لعلمه

____________

١ - في الأمالي: ولا قربّ من جاهل أحمق يتعرّض لما يكره.

٢ - أمالي الطوسي: ٣٢١ - ٣٢٥ ح ٩٧، عنه البحار: ٤٥/٣٩ ح ١.

بشدّة حقدهم وغدرهم، وعدواتهم ومكرهم، وأبى الله إلّا أن ينصر الحقّ، ويعلي كلمة الصدق، فأظهره بعد خفائه، وأوضح فضله لشيعته وأوليائه، وجعله حرماً آمناً تجبى إليه ثمرات كلّ شيء، يقصده أهل الآفاق من الفجّ العميق، وتثنى إليه الأعناق من كلّ مرمى سحيق، وتشدّ نحوه الرحال من مفاوز مقفرة، ويستطاب إليه الترحال في المهالك الخطرة، وتهوى إليه القلوب من جزائر منقطعة، وترتاح إليه النفوس من بلاد شسعة، يرجون من بركاته أرباح تجارتهم، ومن وفادتهم عليه إدرار معيشتهم، ثمّ جعله سبحانه لملائكته مهبطاً، ولبركاته مسقطاً، ولأوليائه معاذاً، ولأصفيائه ملاذاً، أطلعهم سبحانه على عرفان قدره، وعلوّ أمره، وانّه معدن البركات، وموطن الدعوات، يجيب سبحانه فيه دعاء المضطرّ من خلقه، ويثري ببركته طالب رزقه، ويكفّر كبائر ذنوب المسيئين بقصده، ويرحم دعاء المتوسّلين إليه بمجده.

ثمّ انظر إلى قبر الصدّيق الشهيد، والامام الرشيد، قتيل العبرة، ومصباح العترة، صاحب المصيبة التامّة، والبلية الطامّة، الّذي شرّف الله به كربلاء وطفوفها، وأوضح في الملكوت الأعلى بفضلها وتشريفها، وجعل قلوب المؤمنين ترتاح إلى وفادتها، وتحنّ إلى زيارتها، وجعل فضلها يربو على البيت الحرام، ويعلو شرفاً على الركن والمقام، يضاعف الحسنات في حضرتها، ويكفرّ السيّئات بوفادتها، إن قصدها مكروب فرّج الله كربته، وإن أمّها مغموم كشف الله غمّته.

كم راموا إخفاء منارها، وإطفاء أنوارها، وإعفاء آثارها، وإهلاك زوّارها، وتخريب عامرها، وإدحاض مآثرها، وتتبّعوا زمائمها، وأخفوا معالمها، ودرسوا قبورها، وطمسوا مشهورها؟ وجعلوها لسوامهم مرتعاً،

ولحرثهم مزرعاً، ولم يتركوا لها علماً مشهوراً، ولا جداراً معموراً.

وأظهر الله ما أخفوا، وأنار ما أطفوا، طار ذكر أهل بيت نبيّه في المغارب والمشارق، وألقى فضلهم على لسان كلّ ناطق، حتّى طبق الآفاق ذكرهم، وعلى السبع الطباق فخرهم، وسطّرت في الدفاتر مناقبهم، وشرفت على كلّ شرف مراتبهم، همّتهم تستخرج العذراء من خدرها، وزمام محبّتهم تجذب القلوب من برّها وبحرها، يقاسي وليّهم في هجرته إلى مشاهدهم من أعداء الله ما الموت أيسر بعضه، ويتحمّل الأذى في الله ممّن خفّ ميزانه يوم حسابه وعرضه، ويستعذب التعذيب في مسيره إلى زيارتهم، ويستطيب فراق الحميم والحبيب لمشاهدة أنوار بهجتهم.

ملقى رجال شرائف مراقدهم، وغاية مشقّة الآمال مشاهدة مشاهدهم، السيّئات في عراصها تغفر، والموبقات لدى مزاراتها تكفّر، تخضع رقاب الجبّارين حين معاينة قبابهم، وتسجد جباه المتكبّرين على أعتاب أبوابهم، ويضرعون بالاستكانة بين أيديهم، ويخشعون بالانابة حين توجهّهم إليهم، ويطلبون إلى الله بقاء ملكهم ببركاتهم، ويسألون منه سبحانه دوام عزّهم في حضراتهم، ويستفتحون على أعدائهم بحقّهم، ويستنجحون مقاصدهم بفضلهم وصدقهم، وينفقون الذخائر لتشييد مغانيهم، ويبذلون النفائس في تعظيم مبانيهم، ويتفاخرون بإجراء ابرهم على جدرانها وعروشها، ويثابرون على التفنّن في أصناف زينتها ونقوشها، ويجدّدون قناديل مصابيحها من عسجدهم(١) ، ويرصّعون حلية ضرائحها بيواقيتهم وزبرجدهمن ويسترون أبوابها بستور من سندس بطائنها من استبرق، قد اعمل ناسجها ذكرته في

__________________

١ - العسجد: الذهب.

نسجها بقضبان الذهب ودفق، يشرح صدور المؤمن الموافق، ويسخن عين الرِّجس المنافق.

يتجدّد فخرهم بتجدّد الأيّام، ويتعالى ذكرهم بتعدّد الأعوام، وما هذه إلّا كرامة ظاهرة، وفضيلة باهرة، يستدلّ بها ان الجليل سبحانه لحظهم بعين عنايته، واختصّهم بعظيم كرامته، وجعلهم أشرف كلّ موجود سواه، وأكمل كلّ مخلوق خلقه وسوّاه، وشحن كتابه بمدحهم، وشرّف تنزيله بوصفهم.

تهوى إليهم القلوب من جزائر منقطعة، وترتاح إليهم النفوس من أقطار شسعة، وزيّن سبحانه اللغات على اختلاف ألسنتهم بمدائحهم ومراتبهم، وحبب إلى الأنام ذكر مناقبهم ومساعيهم، حتّى زيّنت الشعراء مدائحها بذكرهم، وأعملت البلغاء قرائحها في شكرهم، فكلّ شعر لا يحلّى بجواهر فضائلهم فهو يهرج، وكلّ نثرلايسمط بوصف مناقبهم فهو يسمج، تفخر فصحاء العرب بتر صيع سجعها بتلالىء وصفهم، وتشمخ شعراء العجم بتجنيس رديفها بتعداد كرمهم ولطفهم، أجهدت الأعداء جهدها في محو صورهم من جرائد الأحياء، وأجلبت الأشقياء بخيلها ورجلها على إخفاء أوجههم عن وجه الدنيا، حتّى قتلوا رجالهم، وذبحوا أطفالهم، وانتهبوا أثقالهم، وتتبّعوا حيّهم، واستصفوا فيئهم، ولم يتركوا لهم وليّاً إلّا أرهقوه، ولا ناصراً إلّا اغتالوه، ولا رحماً إلّا قطعوها، ولا وصيّة إلّا ضيّعوها.

حتّى إذا ظنوا أنّ الدنيا قد أصفتهم لذّتها، ومنحتهم درّتها، وسلّمت إليهم مقاليد سلطانها، وفتحت عليهم كنوز ذهبانها، وأوطأت أقدامهم أعناق ملوكها، وأجرت أحكامهم على غنيّها وصعلوكها(١) ، وعمّت فتنتهم، وتمّت مدّتهم،

__________________

١ - الصعلوك: الفقير.

فمضت بأرجلها، وقنصت بأحبلها، فألقتهم على حسكها، وجعلت على عكسهم دورة فلكها، وأباح لهم من شيعة الحق من لم يكن في حسابهم مشهوراً، ولا في جرائد أعدائهم مزبوراً، فجعلهم حصيداً خامدين(١) ، ومواتاً جامدين، وصيّرهم كرمادٍ اشتدّت به الريح في يوم عاصف(٢) ، أو هشيماً تذروه(٣) الزعازع العواصف.

فلم تكن أيّامهم، إلا كأضغاث أحلام، أو طيف منام، قد سلبهم سبحانه بقهره ملكاً، وعزّاً، فهل تحّس منهم من أحد أو تسمع له ركزاً(٤) لا ذرّيّة لهم مذكورة، ولا تربة مشهورة، ولا قبر مزور، ولا مشهد معمور، بل أخذهم سبحانه أخذه رابية، فهل ترى لهم من باقية(٥) ؟

ولو لم يكن سبحانه أوضح من فضل آل محمد وما أوضح، ونصّ على وجوب طاعتهم وصرّح، وفرض على الكافّة مودّتهم، وقرن بطاعته طاعتهم، وجعلهم اُولى الأمر في خلقه، وأوجب من حقّهم ما أوجب من حقّه، لكان فيما ذكرت أقوم دليل، وأوضح سبيل، على أنّ أمرهم لدنيّ، وسلطانهم ربّانيّ، وخلافتهم من أمر الله، وإمامتهم من نصّ الله، وأنّهم السبب المتّصل بينه وبين عباده، والسبيل الموصل إلى مشيئته ومراده، فهم وذكره المجيد حبلاه المتّصلان، وسبباه الأطولان، لا انقطاع لاتّصالهما، ولا نقصان لكمالهما.

اللهمّ زدنا بحبّهم شرفاً إلى شرفنا، وهب لنا بهم من لدنك رحمة تخصّنا

__________________

١ - إقتباس من الآية: ١٥ من سورة الأنبياء.

٢ - إقتباس من الآية: ١٨ من سورة إبراهيم.

٣ - إقتباس من الآية: ٤٥ من سورة الكهف.

٤ - إقتباس من الآية: ٩٨ من سورة مريم.

٥ - إقتباس من الآيتين: ١٠ و ٨ من سورة الحاقّة.

بها وتزلفنا، إنّك على كلّ شيء قدير.

روي أنّه لما هلك يزيد عليه اللعنة، وولده معاوية، ومات مروان أيضاً، وكان عبيد الله بن زياد لعنه الله قد لحق بالشام لمـّا مات يزيد - وقصّته مشهورة - خوفاً من أهل الكوفة، فأرسله عبد الملك بن مروان في جيش كثيف إلى العراق، وتشايع بتوجّهه أهل الكوفة والعراق، وكان منهم جماعة من أبرار الشيعة قد حبسهم عبيد الله بن زياد، فلمـّا مضى إلى الشام كسروا الحبس، وتعاهدوا على قتال ابن زياد لعنه الله.

روى شيخنا أبو جعفر الطوسيرضي‌الله‌عنه في أماليه، قال: ظهر المختار بن عبيد الله الثقفيرحمه‌الله بالكوفة ليلة الأربعاء لأربع عشرة ليلة مضت(١) من ربيع الآخر سنة ستّ وستّين من الهجرة، فبايعه الناس على كتاب الله وسنّة رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله والأخذ بثأر الحسينعليه‌السلام ، والطلب بدمه ودماء أهل بيتهعليهم‌السلام ، والدفع عن الضعفاء، فقال الشاعر في ذلك:

ولمـّا أتى المختار جئنا لنصره

على الخيل تردى من كميت(٢) وأشقرا

دعا يا لثارات الحسين فأقبلت

تعادى بفرسان الصباح لتثأرا

و كان ابن الزبير قد تولّى على مكّة، وبايعه الناس، فأرسل إلى الكوفة بعبد الله بن مطيع، فلمـّا نهض المختاررضي‌الله‌عنه خرج عبد الله وأصحابه منهزمين، وأقام المختار بالكوفة إلى المحرّم سنة سبع وستّين، ثمّ عمل(٣) على إنفاذ الجيوش إلى ابن زياد، وكان اللعين بأرض الجزيرة، فصيّر على شُرَطِه

____________

١ - في الأمالي: بقيت.

٢ - تردى: تضرب الأرض بحوافرها، والكميت من الخيل: ما كان لونه بين الأسود والأحمر.

٣ - في الأمالي: عمد.

أبا عبد الله الجدلي وأبا عمارة كيسان مولى عرينة، وأمر إبراهيم بن مالك الأشتر بالتأهّب للمسير إلى ابن زياد، وجعله أميراً على الجند.

فخرج إبراهيمرضي‌الله‌عنه يوم السبت لسبع خلون من المحرّم سنة سبع وستّين في ألفين من مذحج وأسد، وألفين من تميم وهمدان، وألف وخمسمائة من قبائل المدينة، وألف وخمسمائة من قبائل كندة وربيعة، وألفين من الحمراء(١) .

و شيّع المختار إبراهيم بن مالك الأشتر ماشياً، فقال إبراهيم: اركب رحمك الله.

فقال المختار: إنّي لأحتسب الأجر في خطاي معك، واُحبّ أن تغبّر قدماي في نصر آل محمدعليهم‌السلام ، ثمّ ودّعه وانصرف.

فسار ابن الأشتر حتّى أتى المدائن، ثمّ سار يريد ابن زياد، فارتحل المختار من الكوفة، ونزل المدائن لمـّا بلغه انّ إبراهيم ارتحل عنها، ومرّ ابن الأشتر حتّى نزل نهر الخازر بالقرب من الموصل، وأقبل ابن زياد لعنه الله في الجموع، فنزل على أربعة فراسخ من عسكر ابن الأشتر، ثمّ التقوا فحرّض إبراهيم أصحابه، فقال: يا أهل الحقّ وأنصار الدين، هذا ابن زياد قاتل الحسين وأهل بيتهعليهم‌السلام قد أتاكم الله به وبحزبه حزب الشيطان، فقاتلوهم بنيّة وصبر، لعلّ الله سبحانه يقتله بأيديكم ويشفي صدوركم.

وتزاحفوا، وتنادى أهل العراق: يا لثارات الحسين، فجال أصحاب

____________

١ - الحمراء: العجم، لأنّ الغالب على ألوان العجم الحمرة، والعرب تسمّي الموالي الحمراء: « النهاية: ١/٤٣٧ - ٤٣٨ ».

[ ابن ](١) الأشتر جولة، فناداهم: يا أصحاب شرط الله، الصبر الصبر، فتراجعوا. فقال لهم عبد الله بن يسار بن أبي عقب الدؤلي: حدّثني خليلي عليّ ابن الحسينعليه‌السلام أنّا نلقى أهل الشام على نهر يقال له الخازر، فيكشفونا حتّى نقول: هي هي، ثمّ نكرّ عليهم فنقتل أميرهم، فأبشروا واصبروا فإنّكم لهم قاهرون.

ثمّ حمل ابن الأشتر عشيّاً فخالط القلب، فكشفوهم(٢) أهل العراق وركبوهم يقتلونهم، فانجلب الغمّة وقد قُتل عبيد الله بن زياد وحُصين بن نُمير وشرحبيل ابن ذي الكلاع وابن حوشب وغالب الباهلي وعبد الله بن إياس السلمي، وأبو الأشرس الّذي كان والياً على خراسان وأعيان أصحابه.

فقال ابن الأشتر لأصحابه: إنّي رأيت بعدما انكشف الناس طائفة منهم قد صبرت تقاتل، فأقدمت عليهم، وأقبل رجل في كبكبة كأنه بغل أقمر(٣) ، يُفري الناس، لا يدنو منه أحد إلّا صرعه، فدنا منّي فضربت يده فأبنتها، وسقط على شاطىء النهر فشرّقت يداه، وغرّبت رجلاه، فقتلته، ووجدت من رائحة المسك، وأظنّه ابن زياد فاطلبوه، فجاء رجل ونزع خفّيه وتأمّله، فإذا هو عبيد الله بن زياد على ما وصف ابن الأشتر، فاحتزّ رأسه، واستوقدوا عامّة الليل بجسده، فنظر إليه مهران مولى زياد وكان يحبّه حبّاً شديداً فحلف ألّا يأكل شحماً أبداً فأصبح الناس وحووا [ ما في ](٤) العسكر، وهرب غلام لعبيدالله إلى الشام، فقال له عبد الملك، متى عهدك بابن زياد؟

__________________

١ و ٤ - من الأمالي.

٢ - في الأمالي: فكسرهم.

٣ - الكبكبة: جماعة الخيل. الأقمر: الأبيض المشوب بكدُرة؛ وقيل: ما كان لونه إلى الخضرة.

فقال: جال الناس وتقدّم وقاتل، وقال: ائتني بجرّة فيها ماء، فأتيته فاحتملها وشرب منها وصبّ الباقي بين درعه وجسده وعلى ناصية فرسه فصهل، ثمّ اقحمه، فهذا آخر عهدي به.

قال: وبعث ابن الأشتر برأس ابن زياد إلى المختار ورؤوس أعيان من كان معه، فقدم بالرؤوس والمختار يتغدّى، فاُلقيت بين يديه، فقال: الحمد لله ربّ العالمين، وضع رأس الحسين عليه السالم بين يدي ابن زياد وهو يتغدّى، واُتيت برأس ابن زياد وأنا أتغدىّ.

قال : وانسابت حيّة بيضاء تتخلّل الرؤوس حتّى دخلت في نفس(١) ابن زياد وخرجت من اُذنيه، ودخلت في اُذنه، وخرجت من أنفه، فلمـّا فرغ المختار من الغداء قام فوطى وجه ابن زياد بنعله، ثمّ رمى بها إلى مولىً له وقال: اغسلها فإنّي وطئت بها وجه نجس كافر.

وخرج المختار إلى الكوفة وبعث برأس ابن زياد ورأس حصين بن نمير وشرحبيل بن ذي الكلاع مع عبد الرحمان بن أبي عمير الثقفي وعبد الله بن شدّاد الجشميّ والسائب بن مالك الأشعري إلى محمد بن الحنفيّة بمكّة، وعليّ بن الحسينعليه‌السلام يومئذ بمكّة، وكتب إليه معهم:

فأمّا بعد:

فإنّي بعثت أنصارك وشيعتك إلى عدوّك يطلبونه بدم أخيك الشهيد، فخرجوا محتسبين محنقين أسفين، فلقوهم دون نصيبين(٢) ، فقتلهم ربّ العباد،

____________

١ - في الأمالي: أنف.

٢ - نصيبين: مدينة عامرة من بلاد الجزيرة على جادة القوافل من الموصل إلى الشام. « معجم البلدان: ٥/٢٨٨ ».

والحمد لله الّذي طلب لكم بالثأر، وأدرك لكم رؤوس أعدائكم [ فقتلهم ](١) في كلّ فجّ، وغرّقهم في كلّ بحر، وشفى بذلك صدور قوم مؤمنين، وأذهب غيظ قلوبهم.

فقدموا بالرؤوس والكتاب عليه، فبعث برأس ابن زياد لعنه الله إلى عليّ ابن الحسينعليه‌السلام ، فاُدخل عليه وهو يتغدّى، فقال عليّ بن الحسينعليه‌السلام : اُدخلت على ابن زياد وهو يتغدّى ورأس ابي بين يديه، فقلت: اللّهمّ لاتمتني حتّى تريني رأس ابن زياد وأنا اتغدّى، فالحمد لله الّذي أجاب دعوتي.

ثمّ أمر فرمي به، فحمل إلى ابن الزبير فوضعه على قصبة، فحرّكته الريح فسقط، فخرجت حيّة من تحت اللسان(٢) فأخذت بأنفه، ففعل ذلك ثلاث مرّات، فأمر ابن الزبير فاُلقي في بعض شعاب مكّة.

قال : وكان المختاررحمه‌الله قد سئل في أمان عمر بن سعد لعنه الله، فآمنه على أن لا يخرج من الكوفة فإن خرج منها فدمه هدر.

قال: فخرج عمر حتّى أتى الحمّام؛ فقيل له: أترى هذا يخفى على المختار؟ فرجع ليلاً ودخل داره، فأتى عمر رجل فقال له: إنّي سمعت المختار يحلف ليقتلن رجلاً، والله ما أحسبه غيرك، فلمـّا كان الغد غدوت فدخلت على المختار، وجاء الهيثم بن الأسود فقعد، فجاء حفص بن عمر بن سعد، فقال للمختار: يقول لك أبو حفص: إنّي على العهد الّذي كان(٣) بيننا وبينك.

قال: اجلس، فدعا المختار أبا عمرة، فجاء رجل قصير يتخشخش في

____________

١ - من الأمالي.

٢ - في الأمالي: الستار.

٣ - في الأمالي: أنزلنا بالذي كان.

الحديد فسارّه، ودخل رجلان، فقال: اذهبا معه، والله ما أحسبه بلغ دار عمر ابن سعد حتّى جاء برأسه.

فقال المختار لحفص: أتعرف هذا الرأس؟

فقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، نعم.

فقال المختار: يا أبا عمرة ألحقه بأبيه، فقتله.

فقال المختار: عمر بن سعد بالحسين، وحفص بعليّ بن الحسين، ولا سواء.

قال: واشتدّ أمر المختار بعد قتل ابن زياد وأخاف الوجوه وقال: لا يسوغ لي طعام ولا شراب حتّى أقتل قتلة الحسينعليه‌السلام وأهل بيته، وما من [ ديني ](١) ترك أحد منهم حيّاً، وقال: أعلموني من شرك في دم الحسين وأهل بيته، فلم يكن يأتوه برجل فيقولون: هذا من قتلة الحسين أو ممّن أعان عليه إلّا قتله، وبلغه أن شمر بن ذي الجوشن لعنه الله أصاب مع الحسين(٢) إبلاً له قد أخذها، فلمـّا قدم الكوفة نحرها وقسم لحمها.

فقال المختار: احصوا لي كلّ دار دخلها شيء من ذلك اللحم، فأحصوها، فأرسل إلى كلّ من أخذ منه شيئاً فقتلهم وهدم دوراً بالكوفة(٣) .

واُتي المختار بعبد الله بن أُسيد الجهنيّ، ومالك بن هيثم البدّائي من كندة وحَمَل بن مالك المحاربيّ، فقال: يا أعداء الله، أين الحسين بن عليّ؟

__________________

١ - من الأمالي.

٢ - كذا، والظاهر: من الحسين، أو: مع الحصين.

٣ - انظر: ذوب النضار لابن نما: ١٢٤.

قالوا: اكرهنا على الخروج إليه.

فقال: أفلا مننتم عليه وسقيتموه من الماء؟!

وقال للبدائي: أنت صاحب برنسه لعنك الله؟

قال: لا.

قال: بلى.

ثمّ قال: اقطعوا يديه أو رجليه ودعوه يضطرب حتّى يموت، فقطعوه(١) ، وأمر بالآخرين فضربت أعناقهم، واتي بقراد بن مالك وعمرو بن خالد وعبد الرحمان البجلي وعبد الله بن قيس الخولاني، وقال لهم: يا قتلة الصالحين، ألا ترون الله بريئاً منكم؟ لقد جاءكم الورس بيوم نحس، فأخرجهم إلى السوق فقتلهم هناك(٢) .

وبعث المختار معاذ بن هانىء الكندي، وأبا عمرة كيسانرضي‌الله‌عنهما إلى دار خَوليّ بن يزيد الأصبحي - وهو الّذي حمل رأس الحسينعليه‌السلام إلى ابن زياد -، فأتوا داره فاستخفى في المخرج، فدخلوا عليه فوجدوه قد ترك(٣) على نفسه قوصرّة(٤) ، فأخذوه وخرجوا يريدون المختار، فتلقّاهم في ركب، وردّه إلى داره، وقتله عندها وأحرقه(٥) .

__________________

١ - انظر: ذوب النضار: ١٢٣.

٢ - انظر: ذوب النضار: ١٢٣ - ١٢٤.

٣ - في الأمالي: أكبّ.

٤ - القوصرّة: وعاء من قصب يُرفع فيه التمر من البواري.

٥ - انظر: ذوب النضار: ١١٨ - ١١٩.

وطلب [ المختار ](١) شمر بن ذي الجوشن فهرب إلى البادية، فسُعي به إلى أبي عمرة، فخرج إليه مع نفر من أصحابه فقاتلهم قتالاً شديداً فأثخنته الجراح، فأخذه أبو عمرة أسيراً، وبعث به إلى المختار فأغلى له دهناً في قدر وقذفه فيها فتفسّخ ووطىء مولى لآل حارثة بن مضرّب وجهه ورأسه.

ولم يزل المختار يتتبّع قتلة الحسينعليه‌السلام حتّى قتل منهم خلقاً كثير، وهرب الباقون فهدم دورهم، وقتلت العبيد مواليهم الّذين قاتلوا الحسينعليه‌السلام ، وأتوا المختار فأعتقهم.(٢)

وروى الشيخ أبو جعفر الطوسيرضي‌الله‌عنه قال: أخبرنا محمد بن محمد، قال: أخبرني المظفّر بن محمد البلخي، قال: حدّثنا أبو علي محمد بن همّام الاسكافي، قال: حدّثنا عبد الله بن جعفر الحميري، قال: حدّثنا داود بن عمر النهدي، عن الحسن بن محبوب، عن عبد الله بن يونس، عن المنهال بن عمرو، قال: دخلت على عليّ بن الحسينعليه‌السلام في مكّة، فقال لي: يا منهال، ما فعل حرملة بن كاهلة الأسدي؟

فقلت: تركته حيّاً بالكوفة.

قال: فرفع يديه جميعاً، ثمّ قال: اللّهمّ أذقه حرّ الحديد، اللّهمّ أذقه حرّ الحديد، اللّهمّ أذقه حرّ النّار، اللّهمّ أذقه حرّ النار.

قال المنهال: فقدمت الكوفة وقد ظهر المختار بن أبي عبيد، وكان لي صديقاً، قال: فكنت في منزلي أيّاماً حتّى انقطع الناس عنّي، ثمّ ركبت إليه فلقيته خارجاً من داره فقال: يا منهال، لم تأتنا في ولايتنا هذه، ولم تهننا بها،

__________________

١ - من الامالي.

٢ - أمالي الطوسي: ٢٤٠ - ٢٤٥ ح ١٦، عنه البحار: ٤٥/٣٣٣ ح ٢، وعوالم العلوم: ١٧/٦٥٨ ح ١.

ولم تشركنا فيها؟ فأعلمته أنّي كنت بمكّة، وأنّي قد جئتك الآن، وسايرته ونحن نتحدّث حتّى أتى الكناس، فوقف وقوفاً كأنّه منتظر لشيء، وقد كان اُخبر بمكان حرملة بن كاهلة لعنه الله، فوجّه في طلبه، فلم نلبث أن جاء قوم يركضون وقوم يشدّون حتّى قالوا: أيّها الأمير، البشارة، قد اُخذ حرملة بن كاهلة، فما لبثنا أن جيء به، فلمـّا نظر إليه المختار قال لحرملة: الحمد لله الّذي مكّنني منك، [ ثمّ ](١) قال: الجزّار الجزار، فُاتي بجزّار، فقال له: اقطع يديه، فقطعتا، ثمّ قال: اقطع رجليه، فقطعتا، ثمّ قال: النّار النار، فاُتي بنار وقصب فاُلقي عليه فاشتعلت فيه النار.

فقلت: سبحان الله! سبحان الله!

فقال: يا منهال، إنّ التسبيح لحسن، ففيم سبّحت؟

فقلت: أيّها الأمير، دخلت في سفرتي هذه منصرفي من مكّة على عليّ ابن الحسينعليه‌السلام ، فقال: يا منهال، ما فعل حرملة بن كاهلة؟ قلت: تركته حيّاً بالكوفة، فرفع يديه جميعاً وقال: اللّهمّ أذقه حرّ الحديد، اللّهمّ أذقه حرّ الحديد، اللّهمّ أذقه النّار، اللّهمّ أذقه حرّ النار.

فقال المختار: أسمعت عليّ بن الحسينعليه‌السلام يقول هذا؟

فقلت: والله لقد سمعته يقول هذا، فنزل عن دابّته وصلّى ركعتين وأطال السجود، ثمّ قام وركب، وقد احترق حرملة، وركبت معه وسرنا، فحاذيت داري، فقلت أيّها الأمير، إن رأيت أن تشرّفني وتكرّمني وتنزل عندي وتحرم بطعامي.

__________________

١ - من الأمالي.

فقال: يا منهال، تعلّمني أنّ عليّ بن الحسينعليه‌السلام دعا بأربع دعوات فأجابه الله على يدي، ثمّ تأمرني أن آكل! هذا يوم صوم شكراً لله على ما فعلته بتوفيقه، وحرملة هو الّذي حمل رأس الحسينعليه‌السلام إلى يزيد، وهو الّذي رمى عليّ بن الحسين الرضيع بسهم فذبحه.(١)

الندبة

يا شهيداً شهد الله له بوفاء حقّه، ويا صدّيقاً اخذ الله ميثاقه على خلقه، ويا من جاهد في الله حقّ جهاده، ويا من أخلص الله في إصداره وإيراده، ويا دليل الخلق على معبودهم، ويا سبيل الرشد إلى مقصودهم، ويا من أيده الله بالعصمة الّتي شرّفه بها على بني نوعه، وجعل أعلام الهدى ومصابيح الدجى من فروعه، ويا حجّة الله البالغة من الله على عباده، ويا ربيع اليتامى والأيامى ببره وإرفاده، ويا صاحب الفرع المرجب الّذي شاع وبان في الآفاق فضله، واتّصل بحبل القرآن حبله، وعمّ الخافقين نحله، وأرمض قلوب القاسطين عدله، وجعل برد الأمن على الظّالمين محرّماً، وأجسادهم بصارمه جماداً، قد أفاض عليها ملابس من فيض الدماء.

حزني عليك جلّ عن وصف الواصفين عظيمه، وجزعي لديك فات حصر الحاصرين جسيمه، أذرف المدامع في حضرتك، واُشنّف المسامع بمراثيك ومدحتك، إذا تصور فكري مصابك، وخطر بسرّي ما أصابك، سئمت

____________

١ - أمالي الطوسي: ٢٣٨ - ٢٣٩ ح ١٥، عنه البحار: ٤٥/٣٣٢ ح ١، وعوالم العلوم: ١٧/٦٦٤ ح ٢. وأورده في حكاية المختار في أخذ الثار برواية أبي مخنف: ٥٨ مرسلاً، وفي مناقب ابن شهراشوب: ٤/١٣٣، ذوب النضار: ١٢٠ - ١٢٢، كشف الغمة: ٢/١١٢.

الحياة ولذّتها، وقلوت الدنيا وزهرتها، فلا ضحكت سنّي إن ضحكت وقد ابتليتم بصروف الردى، ولا قرّت عيني إن سررت ونساؤكم أسرى يسار بها إلى العدى.

أيقرّ طرفي ورؤوسكم يسار بها إلى الطغاة؟ أم يسكن وجدي وعيالاتكم يساق بها إلى البغاة؟ أم ترقد مقلتي ومنازلكم نافذة لحمالكم(١) ؟ أم تبرد غلّتي ومحاريبكم خالية من صلواتكم؟

فها أنذا أستنبط بأكفّ لوعتي ينابيع أدمعي، وأستخرج بأيدي حسرتي زفراتي من أضلعي، واُنظم نثراً من سليم طبعي، واُنثر درّاً، من قويم صنعي، ويروي لساني عن جريح جناني، وبياني عن صحيح إيماني:

مصابكم في بحار الحزن ألقاني

وهَدَّ رُكْني وأجرى دمعي القاني

و صرت من دهري الجاني حليف جوى

إلى البكاء بدم الأجفان ألجاني

غريق إنسان عيني بالدموع سوى

جليل رزئكم في الخلق انساني

مررت بالأُربع اللاتي بكم شرفت

فعادني عيد أشجان فأبكاني

ناديتها أين من كانوا بحار ندى

ما ان لهم بالسخا والجود من ثان

____________

١ - كذا في الأصل.

كانوا مصابيح ظلماً الضلالة ما

أثناهم عن مقال الحقّ من ثان

كم فيك قد قطعوا طيب المنام

وواصلوا الظلام بتسبيحٍ وقرآنِ؟

وفي عراصك كم أحيوا بجودهم

آمال قوم بإفضالٍ وإحسانِ؟

كانوا بدوردجى لا بل شموسَ ضحى

يهدى بنور هداهم كلّ حيران

أعلام حقّ رقوا بالصدق منزلة

ما نالها غيرهم قاص ولا داني

بحار علم ولا حدّ لساحلها

بحار حلم وإخلاص بإيمان

كانت منازلهم كنز الفقير وأم‍ـ

ـ‍ن المستجير وكهف الخائف العاني

فأصبحت بعدهم قفراء موحشة

يروى لسان الصدى عنها بتحناني

إنّ البدور الّتي كانت مطالعها

منازلي هدّمتها البعد أركاني

وصرت خالية من بعد انسهم

يجاوب البوم منّي نعب غربان

أضحت مدارس ذكر الله دارسة

في أربعي فلهذا الحزن أوهاني

إلى الحسين شهيد الطفّ أندب أم

لمسلم حين أذري الدمع أوهاني؟

أوقفت فكري على الربع الّذي ظعنوا

عنه وأخلوه من أهلٍ وسكّان

والوجد يقلقني والشوق يحرقني

والدمع يغرقني من فيض أجفاني

وقلت والحزن يطويني وينشرني

والكرب يظهر في سرّي وإعلاني

يا ربع أين الاُولى كانوا حماتك من

ريب الزمان ومن هضمٍ وعدوان

ومن ألفتهم كانت غيوث سخا

بعارضٍ من سماء الجود هتّان

ومن هم في الندى كالشمس تحيي ما

على البسيطة من نبت وحيوان

غنا الفقير وأمن المستجير ومن

سُمّوا بمجدٍ وإخلاصٍ وعرفان

أعلام علم علت ما أمها بشرٌ

إلّا تنزّه عن جهلٍ ونقصان

أجابني الربع أوداني الزمان بهم

وكلّ شيء سوى ربّ العلى فان

أخْنَتْ عليهم صروف الدهر فانقلبوا

بالبعد نائين عن أهل وأوطان

في الله اُوذوا وباعوا أنفساً طهرت

من ذي الجلال بجنّات ورضوان

واستشعروا حبّنا من حسن صبرهم

في الله لم يصرعوا من فقد معواني

قلوبهم جعلوها للدروع وقا

من وقع حرب بني حرب وسفيان

كانت مجالس غاداني مكارمهم

وهم محال ساداتي وأعياني

فشتت البين شملاً كان مجتمعاً

وهدّني وبسهم الحزن أصماني

مأواهم في سويدا القلب ما بَرَحُوا

وفي سواد عيوني كلّ أحياني

يهزّني ذكرهم في خلوتي حزناً

كما يهزّ الصبا غصناً من الباني

فأرسل الطرف لي أطفي ضرام جوى

إطفاؤه بغزير الدمع أعياني

وددت لو كنت ترباً ضمّ أعظمهم

قد عظّم الله من مثواهم شاني

وصرت أسموا على البيت الحرام بما

اوتيت إذ خير أهل الأرض سكّان

فيا لها غصّة لا تنقضي وجوى

لا ينطفي وقضاءٍ جرّ حرماني

كانوا شموساً وأرجائي مشارقها

وحسن معناهم روحي وريحاني

حتّى إذا غربت عنّي محاسنهم

هَدَّ البعاد بكفّ البين بنياني

يا لائمي لا تلمني إن بكيت دماً

عليهم بعويلٍ طول أزماني

أو حرّمت مقلتي طيب المنام أو ال‍ـ

ـ‍فؤاد منّي لم يسمح بسلواني

فإنّ من عمروا ربعي بجودهم

وشادني مجدهم فخراً وأعلاني

آل الرسول وأولاد البتول وأب‍ـ

ـ‍واب الوصول إلى حورٍ وولدان

نجل الكرام مصابيح الظلام مجا

ديح الأنام وأعلا نجل عدنان

بفضلهم صُحُف الله الاولى نطقت

كما أتى مدحهم في آي فرقان

أخنى الزمان عليهم فانثنوا وهم

ما بين مخترم بالقتل ظمآني

وبين معتقل بالأسر يرسف في

قيوده بين غدّارٍ وخوّان

ما ان له مستجيب ان شكا برحا

من مستشيط بتقريعٍ وعدوان

كم من وليد لهم قبل الفطام سقي

من كأس حتف بكفّ الموت ملآن؟

ونسوة منهم عُنفاً تساق بها

إلى زنيمٍ لفرط البغي جذلان

فكم رؤوس لهم فوق الرماح غدت

تهدى إلى شرّ موصوفٍ بطغيان؟

من عصبة نشأوا في الكفر كم نصبوا

الوجوه منهم لأنصاب وأوثان؟

أصحاب بدرٍ واُحدٍ والّذي نصروا

وداً ونسراً بإشراكٍ وبهتان

كم أزمعوا حرب خير المرسلين

واعلا العالمين بفرسان وركبان

أولاد آكلة الأكباد أخبث من

نشأ على الكفر من شيبٍ وشبّان

وعترة الطلقاء القاسطين ومن

لم يخلصوا دينهم يوماً بإيمان

كلّا ولا اعتقدوا الاسلام مذ كفروا

حقّاً ولا اتخذوه دين ديّان

كلّا ولا أسلموا طوعاً بلى قهروا

فاستسلموا حذراً من فتك سلطان

حتّى إذا وجدوا عوناً يمدّ لهم

حبل الضلالة من رجسٍ وشيطان

أبدوا نفاقاً به ضاقت صدورهم

وأظهروا الغدر مقروناً بشتّان

وأقبلت نحو صفّين صفوفهم

بصافنات عليها شرّ فرسان

ليكتموا نعمة الله الّتي ظهرت

ويبدلوا شكرها بغياً بكفران

بحرب أولى الورى منهم بأنفسهم

بنصّ ذكر وتصديق ببرهان

ونصّ أكرم مبعوث وأشرف من‍ـ

ـ‍عوت بصدقٍ وتبليغٍ وتبيان

وأظهروا شبهة منهم مدلّسة

في حربه باخترام الرِّجس عثمان

وهكذا بوحي من سمومهم

أردوا فتاه بأمسى رهن أكفان

وسادة من ذويه في الطفوف ثووا

أكرم بهم خير سادات وفتيان

تجمّلوا بلباس الصبر لم يهنوا

في الله ما شأنهم في جدّهم شان

صلّى عليهم إله العرش ما طلعت

شمس وما أودعت روح بجثمان

ومثلها لعنات للّذين بغوا

عليهم ما شدّت ورق بأغصان

المجلس العاشر

في فضل زيارته صلوات الله عليه، وما صدر

في فضله من الأحاديث النبوّية، وإجابة

الدعاء لدى تربته الشريفة

و اُصدّر المجلس بالخطبة الموسومة ب‍ « تحفة الزوّار ومنحة الأبرار » قلتها بإذن الله في المشهد الشريف.

الحمد لله الّذي أظهر دين الاسلام ونشر أعلامه، وأشهر شرع الايمان وبيّن أحكامه، وجعل أسباب حججه، وبيّناته متّصلة إلى يوم القيامة، وأسّس بنيانه على عرفان درجتي النبوّة والإمامة، وأوضح برهانه بمقال سيّد الخلق وكلمة الله التامّة، محمد سيّد المرسلين وشفيع المذنبين يوم الطامّة.

شيّد الله به الرسالة، وأيّد بالمعجز مقاله، وأعلى على كلّ جلال جلاله ومقامه، فهوصلى‌الله‌عليه‌وآله أكرم وارث وموروث، وأفضل مرسل ومبعوث، إلى الخاصّة والعامّة.

أيدّه الله بوصيّه سيّد الأوصياء، وصفيّه قدوة الأصفياء، وبعاضده في الشدّة والرخاء، ربّ الرئاسة العامّة، أمير المؤمنين، ومبير الظّالمين، ونصير المظلومين، ذي الامامة والزعامة. صاحب الغدير، وصائم الهجير، وبدر الحقّ

المنير، إذا أبدى الباطل ظلامه.

جعل الله سبطي نبيّ الرحمة ولديه، وسيّدي شباب أهل الجنّة، وفرعي جميع الاُمّة فرعيه، وحبّه بداء الايمان وختامه، الأئمّة الأطهار من ولده، والعترة الأخيار من عدّه، والملائكة الأبرار من جنده، حين أظهر الحقّ ببدر وحنين وأقامه.

نحمد ربّنا إذ جعلنا من المستمسكين بعروة عصمته، السالكين واضح طريقته، لا نقدّم عليه من لا يعادل شسع نعله، ولا نؤخّره عمّن ليس له فضل كفضله ولا أصل كأصله، بل نعتقده بعد سيّد المرسلين، أفضل أهل السماوات وأهل الأرضين، ونقدّمه بعد خاتم النبيّين، على جميع الأنبياء والأولياء الصدّيقين، بل وعلى الصافّين الحافّين، وحملة العرش من الملائكة المقرّبين.

حبّه مفاتيح أبواب الجنان، وبغضه مقاليد دركات النيران، لا إيمان إلّا حبه، ولا قربى إلّا قربه، ولا عترة إلّا عترته، ولا ذرّيّة إلّا ذرّيّته، جلّ أن يدرك وصف الواصفين سيّداً البتولة الزهراء عرسه، والأئمّة النجباء غرسه، ونفس سيّد الأنبياء نفسه، وسرّة البطحاء فضله وجنسه.

حدّ شجاعته تامّ وما سواه ناقص، ورسم شهامته في أعلى مقام إذ غيره ناكص، فرّوا ولم يفرّ، وغيّروا ولم يغيّر، وبدّلوا ولم يبدّل، وخذلوا ولم يخذل، قياس من ساماه في الفخر عقم، وأساس من جاراه في المجد سقم، يقتطف رؤوس الأبطال اقتطافاً، ويختطف نفوس الشجعان اختطافاً، بدر الدجى في كفه زحل إذا مشى بين الصفين، وشمس الضحى في دارة الحمل إذا قضى بين الخصمين.

علم يهتدي المهتدون بواضح مبادئه، وعالم يقتدي المقتدون بساطع أنواره، فارس النهار والليل، ومنكس الأبطال عن صهوات الخيل، راهب العرب إذا جنّ الظلام، وكاشف الكرب عن وجه سيّد الأنام، طاهر النسب، ظاهر الحسب، ضرّاب القلل، بطل السهل والجبل، حليف الكتاب، أليف المحراب، خواض الغمرات، شديد العزمات.

خلفاء الله على عباده ورتبه، واُمناؤه في بلاده عترته، مشاهدهم معارج الدعوات، وضرائحهم مصاعد الحسنات، تحنّ قلوب المؤمنين إلى زيارتها حنين الطير إلى أوكارها، وتتشوّق نفوس المخلصين إلى وفادتها واعتمادها، جعلها الله أشرف بقاع الأرض، وسبب النجاة في الحساب والعرض، والهجرة إليها أفضل أعمال الثقلين، لا سيّما مرقد أبي عبد الله الحسين، الّذي هدم ركن الايمان بوفاته، وقصم حبل الاسلام بفواته، فهو مهبط ملائكة الله المقرّبين، ومختلف أرواح الأنبياء والمرسلين.

مسجده أفضل مسجد أُسّس على التقوى من أوّل يوم، ومشهده أشرف مشهد بنيانه من أولياء الله أشرف قوم، إن يكن البيت الحرام قبلة للأنام ومعدناً للبركات، فلكربلاء بحلول سبط المصطفى في تربتها مرجّحات، شمخت الكعبة فخراً إذ منحت رفعة تعلو على هامة السماك الأعزل والمشتري، فخوطبت بلسان التأديب: قرّي كعبة فلولا أرض يقال لها كربلا لما خلقتك، فأطيلي وأقصري.

شرف الكعبة بمولد سيّد الوصيّين كان مقدار ساعة، وشرف كربلاء بضريح سبط خاتم النبيّين إلى قيام الساعة، إن يكن الطواف بالكعبة به تمام الحجّ والعمرة، فالطواف بضريحه يعدل ثوابه ثواب ذلك ألف ألف مرّة، إن تكن

الكعبة قبلة جباه المسلمين، فكربلا وجهة قلوب المؤمنين، إن تكن الصلاة في المقام عزيمة وفريضة، فبغير ولايته وولاية آبائه وأبنائه لا تعادل عند الله جناح بعوضة، إن يكن البيت العتيق عتيق من الطوفان والغرق، فمقامه صلوات الله عليه لما اُجري عليه الماء جار وما انطلق، إن تكن أفئدة من الناس تهوي الى البيت الحرام، فقلوب المؤمنين تحنّ إلى زيارته على الدوام.

جعل الله التوفيق زمام عصابة من أوليائه تقودها به إليه، ومغناطيس نفوس خلاصةٍ من أصفيائه يتهافتون شوقاً عليه، لا تأخذهم في وفادته لومة لائم، ولا تثني عزائمهم عن زيارته مخافة ناصب ولا غاشم، بذلوا أنفسهم وأموالهم ليستظلّوا بظلال تلك العواطف والمراحم، وهجروا أبناءهم وديارهم هجرة إلى الله ورسوله لينالوا الزلفى من تلك الجوائز والمكارم، زجّوا القلوص من كلّ فجّ عميق، وحثحثوا الركاب من كلّ مرمى سحيق، تركوا الأطفال كاليتامى، والحلائل كالأيامى، تلفح وجوههم الهواجر بسمومها ورياحها، وتهزل أجسامهم المغاور بغدّوها ورواحها، تبسط الملائكة أجنحتها لمواطىء أقدامهم، وتبارك عليهم في صلواتها في مسيرهم ومقامهم، لهم معقّبات من بين أيديهم ومن خلفهم يحفظونهم من أمر الله بالغدّو والآصال، ولو لا ذلك لاصطلمتهم أكفّ الناصبة اُولي الجحود والضلال، حتّى إذا لاحت لهم من جانب طور كربلاء أنوار ذلك الجناب، وأشرقت عليهم شموس العرفان من تلك القباب، اُديرت كؤوس السرور على نفوسهم وقلوبهم، إذ فازوا بنيل المنى من وليّهم ومطلوبهم ومحبوبهم.

لمـّا شربوا من شراب حبّة بالكأس الرويّة صرفاً، زادهم العناية الإلهيّة توفيقاً وعرفاناً ولطفاً، نادى فيهم المنادي لمـّا دنا من النادي، وغنّى لهم الحادي

لمـّا ترنّم الشادي، وأنشد بشأن حالهم مفصحاً، وغرّد ببيان مقالهم موضحاً:

طور جمال حسنكم لمـّا بدا

لاح لقلب صبكم نور الهدى

بدا كبرق من سجاف مزنه

فجدّد العهد بكم وأكّدا

وحقّكم لا حلت عن عهدي وإن

اُتّهم فيكم لائمي وأنجدا

يروم منّي سلوة ولا أرى

ان يسلوني عن هواكم رشدا

كيف سلوي وهواكم مفزعي

إذا عرى خطب رماني واعتدى

حبكم لي جُنّة وجَنّة

في هذه الدنيا وفي الاُخرى غدا

سعت إليكم قدمي ولو على

رأسي سعيت كأن حظي أسعدا

إن تطردوني فإلى من ألتجي؟

أو تبعدوني فبمن أرمي العدا؟

يا كربلا سقا ثراك مسبلٌ

يكسو الربا ربر جدّاً وعسجداً

فيك ثوى أشرف من مشى على

وجه الثرى سبط النبيّ أحمدا

خير الورى جدّاً واُمّاً وأباً

ومنصباً ومنسباً ومحتدا

وتربة ومهجعاً ومصرعاً

ومعبداً ومسجداً ومشهدا

أملاك عرش الله حقّاً علموا

بفضله فاتّخذوه مسجدا

قد جعل الله لهم من عرشه

إلى ثراه مهبطاً ومصعدا

تهوي إليه عصبة ما وجدت

من دون آل أحمد ملتحدا

يلومهم في قصدهم قوم شروا

ببغيهم دين الضلال بالهدى

حتّى إذا ما شاهدوا مشهده

ولاح نور الله منه وبدا

وأقبلوا تحفّهم ملائك

بإذن ذي العرش يفون العددا

قاموا على الباب فنودوا طبتم

بما صبرتم فادخلوه سجّدا

وعفّروا الخدّ على أعتابه

شكراً تنالوا رفعة وسؤددا

يا زائري سبط النبيّ دينكم

دين الهدى وغير دينكم سدى

قد هيّأ الله لكم من أمركم

بزروة المقتول ظلماً رشدا

تصافحون الرسل الكرام

والأملاك في حضرته والشهدا

صاروا لكم خوان صدق عنده

وهم لكم يوم القيامة شهدا

أسماؤكم في صحف المجد غدت

معرفة وخبراً ومبتدا

اُوبوا بخير ما يؤوب وافد

به من الخلق على من وفدا

وجاهدوا وصابروا ورابطوا

من خالق الحقّ عناداً واغندا

فطربوا لنغمة الحادي شكراً، وأظهروا لله حمداً وشكراً، ولمـّا أطربهم بلبل ذلك الدوح بشهيّ نغمته، وحرّكهم محرّك الحيّ بفصيح كلمته، أقبلت الملائكة الكرام تزفّهم بأنواع التوقير والتعظيم، وتبشّرهم بمغفرة من ربّهم ورضوان وجنّات لهم فيها نعيم مقيم، خالدين فيها أبداً إنّ الله عنده أجر عظيم.(١)

حتّى إذا وقفوا بتلك الأعتاب، وقرعوا ببذل الاخلاص ذلك الباب، وكشف لهم عن وجه الحبيب النقاب، وارتفع الحجاب عن ذلك الجناب، ناداهم ربّ الأرباب، ومعتق الرقاب:( أَنِّي لَا اُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أوْ اُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَاُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَاُوذُوا في سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَاُكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَاُدْخَلِنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللهِ وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ ) (٢) وقيل لهم نيابة عن ربّ العالمين:( ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ ) (٣) .

__________________

١ - إقتباس من الآيتين: ٢١ و ٢٢ من سورة التوبة.

٢ - سورة آل عمران: ١٩٥.

٣ - سورة الحجر: ٤٦.

فأقبلوا يسافهون مسامع زعام ذلك المقام بشفاههم، وينفثون ثرى مواطىء الأقدام بجفونهم وجباههم، طالبين نظرة من محجوب جماله، سائلين قطرة من زلال إفضاله، قد أخضبوا النجاد بواكف عبراتهم، وأشرفوا البلاد بتصاعد زفراتهم، يعجّون إلى الله من ذنوبهم عجيج الثكلى، ويضجّون ضجيج شدّة البلوى.

ولمـّا أحرزوا الأرباح في متّجر عبادتهم، وفازوا بالنجاح من قبول زيارتهم، وضعت تيجان العرفان على هامات هممهم، واُفرغت خلع الأعطاف على أعطاف كرمهم، واُحبروا من جوائز الغفران بما لا عين رأت ولا اُذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولا حصر بحدّ ولا قدر، وقيل لهم: ارجعوا فقد حمد الله سعيكم وشكر، وغفر لكم ما تقدّم من ذنبكم وما تأخّر.

فأبوا مغفورة ذنوبهم، مستورة عيوبهم، قد أظلّهم الله بظلّ رحمته، ونظر إليهم بعين عنايته، يباهي بهم ملائكة أرضه وسمائه، وأرواح أنبيائه وأوليائه، قد أثبت أسماءهم في صحف مكرّمة مرفوعة مطهّرة، بأيدي سفرة كرام بررة،( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا يَطَأوُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍ نَيْلاً إلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحُ إنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أجْرَ الْمُحْسِنيِنَ وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيَرةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِياً إلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (١) .

الدعاء للزائرين من المؤمنين

اللّهمّ إنّ هذه العصابة الزائرة من أوليائك المؤمنين، والجماعة الحاضرة

____________

١ - سورة التوبة: ١٢١ و١٢٢.

من أصفيائك المخلصين، قد هجروا أوطانهم هجرة إليك، وفارقوا بلدانهم اعتماداً عليك، وأنفقوا أموالهم ثقة بما في يديك، وناديتهم إلى زيارة سبط نبيّك فأجابوا بلبيّك اللّهمّ لبيّك، قد نصبوا أنفسهم لاحتمال الأذى من العصابة الناصبة، ووطّنوا أسماعهم لاستماع الهجر من الطائفة المارقة الكاذبة، يقاسون في مسيرهم من أعداء الله ما الموت أيسر من(١) بعضه، ويتحمّلون الأذى في ذات الله ممّن خفّ ميزانه يوم حسابه وعرضه، يعيّرهم بنو الزناة بوفادتهم على وليّك وابن أوليائك، ويوبّخهم نجل البغاة بتوجّههم إلى صفيّك وابن أصفيائك، ويستحلّون أنفسهم وأموالهم، ويغرّون بهم سفهاءهم وجهّالهم، قد اعتقدوا أذى المؤمنين من أفضل الطاعات، والوقيعة في أعراض الصالحين من أكل القربات، وتكرار غيبتهم في لهواتهم أحلى من مكرّر القند والضرب، والتجسّس على عوراتهم أفخر ما يقتنى ويكتسب.

اللّهمّ إنّ علماءهم وأعلامهم واُمراءهم وحكّامهم ووعّاظهم وخطباءهم قد طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد، فصبّ عليهم من قهرك سوط عذاب، وكن لهم يا ربّ بالمرصاد.

اللّهمّ العن جبتهم وطاغوتهم، وودّهم وسواعهم، ولا تهم وعزاهم، وذكرهم واُنثاهم، ومبدأهم ومنتهاهم، وارم بلادهم بالخميس يتلوه الخميس، والعساكر يحقرها العساكر، وسلّط عليهم من لا يرحم صراخهم بتضرّعهم، ولا تقبل عشارهم بتوجّههم، فيسومهم الخسف، ويذيقهم الحتف، ويفلّ غربهم، ويذلّ صحبهم، ويثقل أغلالهم، ويسلب مالهم، ويذبح أطفالهم، ويستبيح نساءهم، ويستعبد أبناءهم، فإنّهم قد أهانوا أولياءك، وأغروا أعداءك،

__________________

١ - لفظ « من » أثبتناه لاقتضاء السياق.

وألحدوا في آياتك، وكذّبوا ببيّناتك.

عالمهم منافق، وواعظهم مارق، وسراجهم غاسق، وتقيّهم فاسق، عشاهم من رشاهم، وملبوسهم من تلبيسهم، وحللهم من حليّهم، ومزراتهم من مزواريهم(١) وسرابيلهم من أكاريبهم.

ذئاب بل ذباب، وسباع بل كلاب، يتهافتون على جمع الحطام، ويتهالكون على أكل الحرام.

( رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابِ الْأَلِيمَ ) (٢) ،( رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً إنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً ) (٣) .

اللّهمّ وأفرغ على زوّار سبط سيّد الأنبياء، وقرّة عين سيّدة النساء، صبراً جميلاً، وامنحهم فرجاً قريباً، واخلفهم فيمن خلفوا، واخلف عليهم ما أنفقوا، واجعل البرّ والتقوى شعارهم، والسلامة من كلّ الأسواء دثارهم، واجعل لهم معقّبات من بيد أيديهم ومن خلفهم يحفظونهم من أمرك، واكبت أعداءهم بشدّة بطشك وقهرك.

اللّهمّ إنّك آتيت لهم بكلّ درهم أنفقوه في زيارتهم عشرة آلاف مدينة في جنّتك، وأعددت لهم ما لا عين رأت ولا اُذن سمعت في جوار رحمتك، فصلّ على محمد وآل محمد، وزدهم من فضلك يا واسع الرحمة، وأتمم عليهم من

__________________

١ - كذا في الأصل.

٢ - سورة يونس: ٨٨.

٣ - سورة نوح: ٢٦ و٢٧.

جودك هذه النعمة، وأبلغهم مأمنهم، وأوصلهم موطنهم، مغفورة ذنوبهم، مستورة عيوبهم، معصومين في حلّهم وارتحالهم، محفوظين في عيالهم وأطفالهم.

اللّهمّ ومن أحللت به قضاءك منهم قبل وصول وطنه، وجرّعته كؤوس المنون قبل ورود عطنه، فصلّ على محمد وآل محمد، وارحم غربته، وصل وحدته، وآنس وحشته، بجوار نبيّك سيّد المرسلين، وأخيه عليّ أمير المؤمنين، وآلهما الأئمّة الطاهرين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللّهمّ وأنا عبدك المسكين، الضارع المستكين، حططت رحلي بفنائك، وألقيت كَلّي على وليّك وابن أوليائك، متّخداً حضرته الشريفة موطناً ومنزلاً، لا اُريد منها بدلاً، ولا ألقى عنها حولاً، حين ذرفت السنّ على السبعين، وخلّفت الاخوان والأهلين.

اللّهمّ فكما ختمت عمري بمجاورته، وأهّلتني للكون في حضرته، وجعلت لي عندك قدم صدق بملازمته، وأثبتّ اسمي في جرائد الموسومين بخدمته، والمخلصين في محبّته، اُزيّن المنابر بذكر مناقبه ومناقب آبائه، واُسرّ المحاضر بنشر مرابته ومراتب أبنائه، فصلّ على محمد وآل محمد، واجعل حضرته الشريفة موطن حياتي ومماتي، وكفّر بملازمتها سيّئاتي، وضاعف بمجاورتها حسناتي، واجعل ثراها موضعاً لقبري بعد وفاتي، وأحيني فيها سعيداً، وأمتني شهيداً، لامغيّراً ولا مبدّلاً، ولا ضالّاً ولا مضلّاً، بل مستمسكاً بعروتك الوثقى، سالكاً طريقة نبيّك المصطفى، وأخيه وليّك المرتضى، وآلهما الأئمّة النجباء، إنّك على كلّ شيء قدير، وبالإجابة جدير.

فصل

وأمّا فضل زيارتهعليه‌السلام ، والهجرة إلى بقعته، والاستشفاء بتربته، وإجابة الدعاء تحت قبّته، فلا يحصرها حدّ، ولا يستوفيها عدّ، وقد صنّف الشيخ الجليل أبوالقاسم جعفر بن محمد بن قولويه(١) القمّيرضي‌الله‌عنه في ذلك خاصّة كتاباً سمّاه ب‍ « كامل الزيارات »، مشتملاً على فضل زيارتهعليه‌السلام ، وفضل الصلاة عنده.

وروىرضي‌الله‌عنه في ذلك روايات وأخباراً وكرامات كثيرة، وكذلك غيره من فقهاء الشيعة وأبرارهم، كالشيخ الفقيه أبي جعفر الطوسيرضي‌الله‌عنه ، والشيخ عماد الدين أبي جعفر محمد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّيرضي‌الله‌عنهم أجمعين.(٢)

وساُورد نبذة ممّا رووهرضي‌الله‌عنهم وأوردوه في فضل زيارته، من

__________________

١ - كذا الصحيح، وفي الأصل: أبو جعفر محمد بن قولويه.

٢ - في « ح »: وعن عليّعليه‌السلام : إذا تصدّق المرء بنية الميّت أمر الله تعالى جبرئيل عليه السالم أن يحمل إلى قبره سبعين ألف ملك، بيد كلّ ملك طبق من نور، فيحملون إلى قبره، ويقولون: السلام عليك يا وليّ الله، هذه هديّة فلان بن فلان إليك، فتلألأ قبره وأعطاء الله ألف مدينة في الجنّة، وزوجه ألف حوراء، وألبسه ألف حلة، وقضى له ألف حاجة.

وقالعليه‌السلام : إذا قرأ المؤمن آية الكرسي وجعل ثواب قراءته لأهل القبور جعل الله له بكلّ حرف ملكاً يسبّح له إلى يوم القيامة. [ إرشاد القلوب للديلمي: ١٧٥ - ١٧٦ ].

الأحاديث الصحيحة، والروايات الصريحة، التقطتها من كتبهم.

ذلك ما رواه الشيخ أبو جعفر بن بابويه(١) رضي‌الله‌عنه : [ أبيرحمه‌الله ](٢) قال: حدّثنا سعد بن عبد الله، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطّاب، عن محمد بن إسماعيل، عن الخيبري(٣) ، عن الحسين بن محمد القمّي، عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام ، قال: من زار قبر الحسين أبي عبد اللهعليه‌السلام بشاطىء الفرات كان كمن زار الله فوق عرشه(٤) .(٥)

قال شيخنا الشيخ الشهيد محمد بن مكّيرضي‌الله‌عنه في دروسه - عند ذكر هذا الحديث -؛ هو كناية عن كثرة الثواب والإجلال، بمثابة من رفعة الله إلى سمائه، وأدناه من عرشه، وأراه من خاصّة ملكه ما يكون به توكيد كرامته.(٦)

وروى أيضاًرضي‌الله‌عنه في دروسه أنّ زيارته فرض على كلّ مؤمن، وأنّ تركتها ترك حقّ لله ولرسوله، وأنّ تركها عقوق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإنقاص في الإيمان والدين، وأنّه حقّ على الغنيّ زيارته في السنة مرّتين، والفقير في السنة مرّة، وأنّه من أتى عليه حول ولم يأت قبره نقص من عمره حول، وأنّها تطيل العمر، وأنّ أيّام زيارته لا تعدّ من الأجل، وتفرّج الغمّ،

__________________

١ - كذا الصحيح، وفي الأصل: قولويه.

٢ - من الثواب.

٣ - كذا في الثواب، وفي الأصل: الحريري.

٤ - قال المجلسي: أيّ عَبَدَ الله هناك، أو لاقى الأنبياء والأوصياء هناك فإنّ زيارتهم كزيارة الله، أو يحصل له مرتبة من القرب كمن صعد عرش ملك وزاره.

٥ - كامل الزيارات: ١٤٧ ح ٢، ثواب الأعمال: ١١٠ ح ١، عنهما البحار: ١٠١/٦٩ ح ٣ و٤.

٦ - الدروس الشرعية: ٢/١٠.

وتمحّص الذنوب، وبكلّ خطوة حجّة مبرورة، وله بزيارته عتق ألف نسمة، وحمل على ألف فرس في سبيل الله، وله بكلّ درهم أنفقه عشرة آلاف درهم، وأنّ من أتى قبره عارفاً بحقّه غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر.

وأنّ زيارته يوم عرفة مع المعرفة بحقّه بألف بألف حجّة وألف ألف عمرة متقبّلات، وألف غزوة مع نبيّ أو إمام.

وزيارته أوّل رجب مغفرة للذنب ألبتّة، ونصف شعبان يصافحه مائة(١) ألف نبّي وعشرون ألف نبيّ، وليلة القدر مغفرة للذنب، وأنّ الجمع بين زيارته في سنة واحدة ليلة عرفة والفطر وليلة النصف من شعبان بثواب ألف حجّة مبرورة، وألف عمرة متقبّلة، وقضاء ألف حاجة للدنيا والآخرة.

وزيارته في العشرين من صفر من علامات المؤمن، وزيارته في كلّ شهر ثوابها ثواب مائة ألف شهيد من شهداء بدر(٢) .

وقالرضي‌الله‌عنه أيضاً في دروسه: روى المفضّل بن عمر، عن الصادقعليه‌السلام في الصلاة عنده كلّ ركعة بألف حجّة، وألف عمرة، وعتق ألف رقبة، وألف وقفة في سبيل الله مع نبيّ مرسل.(٣)

وعن مولانا موسى بن جعفر الكاظمعليه‌السلام : أدنى ما يثاب به زائر أبي عبد اللهعليه‌السلام بشطّ الفرات إذا عرف حقّه وحرمته وولايته أن يغفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر.(٤)

__________________

١ - في الدروس: مائتا.

٢ - الدروس الشرعية: ٢/٩ - ١٠.

٣ - الدروس الشرعية: ٢/١١.

٤ - كامل الزيارات: ١٣٨ ح ٣ وص ١٥٣ ح ٥، ثواب الأعمال: ١١١ ح ٦، عنهما البحار: ١٠١/٢٤ ح ١٩ و٢٠.

روى الشيخ جعفر بن محمد بن قولويه(١) بحذف الأسانيد قال: سأل رجل أبا عبد اللهعليه‌السلام : ما لمن زار قبر الحسينعليه‌السلام ؟

فقال: إنّ الحسينعليه‌السلام (٢) وكلّ الله به أربعة آلاف ملك شعثاً غبراً يبكونه إلى يوم القيامة، رئيسهم ملك يقال له منصور، فلا يزوره زائر إلّا استقبلوه، ولا يودّعه مودّع إلا شيّعوه، ولا يمرض إلّا عادوه، ولا يموت إلّا صلّوا على جنازته واستغفروا له بعد موته.(٣)

وبحذف الاسناد، عن أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام ، قال: وكلّ الله بقبر الحسينعليه‌السلام سبعين ألف ملك يصلّون عليه، ويدعون لمن زاره، ويقولون: يا ربّنا، هؤلاء زوّار الحسين افعل بهم وافعل.(٤)

وبالاسناد عن صالح، عن الحارث بن المغيرة، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال: إنّ الله تبارك وتعالى ملائكة موكّلين بقبر الحسينعليه‌السلام ، فإذا همّ الرجل بزيارته أعطاهم الله ذنوبه، فإذا خطا محوها، ثمّ إذا خطا ضاعفوا له حسناته، فما تزال حسناته تضاعف حتّى يوجب له الجنّة، ثمّ اكتنفوه وقدّسوه، وينادون ملائكة السماوات: قدّسوا زوّار حبيب حبيب الله، فإذا اغتسلوا ناداهم [ محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا وفد الله، اُبشروا بمرافقتي في الجنّة، ثمّ ناداهم ](٥) امير المؤمنينعليه‌السلام : أنا ضامن

__________________

١ - كذا الصحيح، وفي الأصل: أبو جعفر محمد بن قولويه. ويحتمل أيضاً أن يكون: أبو جعفر محمد بن بابويه.

٢ - في المصادر: إنّ عند قبر الحسينعليه‌السلام .

٣ - كامل الزيارات: ١١٩ ح ١ وص ١٩١ ح ٨، ثواب الأعمال: ١١٣ ح ١٥، البحار: ١٠١/٦٣ ح ٤٢.

٤ - كامل الزيارات: ١١٩ ح ٢ و٤، التهذيب: ٦/٤٧ ح ١٠٤، عنهما البحار: ١٠١/٥٤ ح ١٢ و ١٣.

٥ - من الكامل.

لحوائجكم(١) ، ودفع البلاء عنكم في الدنيا والآخرة، ثمّ اكتنفوهم(٢) عن أيمانهم وعن شمائلهم حتّى ينصرفوا إلى أهاليهم(٣) .

وبالاسناد عن الأعمش، قال: كنت نازلاً بالكوفة وكان لي جار كثيراً ما كنت أقعد إليه، وكان ليلة جمعة فقلت له: ما تقول في زيارة الحسينعليه‌السلام ؟

فقال لي: بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار.

فقمت من بيد يديه وأنا أمتلىء غيظاً وقلت: إذا كان في السحر أتيته فحدّثته من فضائل أمير المؤمنين ما يسخّن الله به عينه.

قال: فأتيته وقرعت عليه الباب، فإذا أنا بصوت من وراء الباب: إنّه قد قصد الزيارة في أوّل الليل، فخرجت مسرعاً، فأتيت الحائر، فإذا أنا بالشيخ ساجد لا يملّ من السجود والركوع، فقلت له: بالأمس تقول لي بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النّار، واليوم تزوره؟!

فقال لي: يا سليمان، لا تلمني فإنّي ما كنت اُثبت لأهل هذا البيت إمامة حتّى كانت ليلتي هذه فرأيت رؤيا أرعبتني.

فقلت: ما رأيتَ أيّها الشيخ؟

قال: رأيت رجلاً لا بالطويل الشاهق، ولا بالقصير اللاصق، لا اُحسن أصفه من حسنه وبهائه، معه أقوام يحفّون به حفيفاً، ويزفّونه زفّاً، بين يديه

__________________

١ - في الكامل: لقضاء حوائجكم.

٢ - في الكامل: التقاهم - اكتنفهم خ ل -.

٣ - كامل الزيارات: ١٣٢ ح ٣ وص ١٥٢ ح ٣، ثواب الأعمال: ١١٧ ح ٣٣، عنهما البحار: ١٠١/٦٤ و٦٥ ح ٥٠ - ٥٢.

فارس على فرس له ذنوب، على رأسه تاج، للتاج أربعة أركان، في كلّ ركن جوهرة تضيء مسيرة ثلاثة أيّام، فقلت: من هذا؟

فقالوا: محمد بن عبد الله بن عبد المطّلبصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فقلت: والآخر؟

فقالوا: وصيّه عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام .

ثمّ مددت عيني فإذا أنا بناقة من نور، عليها هودج من نور، تطير بين السماء والأرض.

فقلت: لمن الناقة؟

قالوا: لخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمدعليها‌السلام .

فقلت: والغلام؟

قالوا: الحسن بن عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام .

قلت: فأين يريدون؟

قالوا: يمضون بأجمعهم إلى زيارة المقتول ظلماً الشهيد بكربلاء الحسين بن عليّ، ثمّ قصدت الهودج فإذا أنا برقاع تساقط من السماء أماناً من الله عزّ وجلّ لزوّار الحسين بن عليّ ليلة الجمعة، ثمّ هتف بنا هاتف: الا اننّا وشيعتنا في الدرجة العليا من الجنّة.

والله يا سليمان، لا اُفارق هذا المكان حتّى تفارق روحي جسدي.(١)

وبالاسناد قال: حدّثني محمد بن الحسن، قال: حدّثني أحمد بن

__________________

١ - المزار الكبير: ٤٦١ ( مخطوط )، عنه البحار: ١٠١/٥٨ ح ٢٦.

إدريس، عن محمد بن أحمد، [ عن محمد ](١) بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل، [ عن الخيبري، ](٢) عن موسى بن القاسم الحضرمي، قال: ورد أبو عبد الله الصادقعليه‌السلام في أوّل ولاية أبي جعفر فنزل النجف، ثمّ قال: يا موسى، اذهب إلى الطريق الأعظم فقف على الطريق وانظر فإنّه سيجيئك رجل من ناحية القادسيّة، فإذا دنا منك فقل: هنا رجل من ولد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يدعوك، فإنّه سيجيء معك.

قال: فذهبت حتّى قمت على الطريق والحرّ شديد، فلم أزل قائماً حتّى كدت أعصي وأنصرف وأدعه، إذ نظرت إلى شيء مقبل شبه رجل على بعير.

قال: فلم أزل أنظر إليه حتّى دنا منّي، فقلت: يا هذا، هنا رجل من ولد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يدعوك، وقد وصفك لي.

فقال: اذهب بنا إليه.

قال: فجاء حتّى أناخ بعيره ناحية قريباً من الخيمة، قال: فدعا به، فدخل الأعرابيّ إليه، ودنوت أنا فصرت على باب الخيمة أسمع الكلام ولا أراهما، فقال له أبو عبد اللهعليه‌السلام : من أين أقبلت؟

قال: من أقصى اليمن.

قال: أنت من موضع كذا وكذا؟

قال: نعم.

قال: فيم جئت إلى ها هنا؟

قال: جئت زائراً للحسينعليه‌السلام .

__________________

١ و ٢ - من الثواب.

فقال أبو عبد اللهعليه‌السلام : فجئت من غير حاجة ليس إلّا للزيارة؟

قال: نعم، جئت من غير حاجة إلّا أن اُصلّي عنده وأزوره واُسلّم عليه وأرجع إلى أهلي.

قال له أبو عبد اللهعليه‌السلام : وما ترون من زيارته؟

قال: إنّا نرى في زيارته البركة في أنفسنا وأهالينا وأولادنا وأموالنا ومعايشنا وقضاء حوائجنا.

قال: فقال له أبو عبد اللهعليه‌السلام : أفلا أزيدك من فضله [ فضلاً ](١) ، يا أخا اليمن؟

قال: زدني، يا ابن رسول الله.

قال: إنّ زيارة أبي عبد اللهعليه‌السلام تعدل حجّة مبرورة مقبولة زاكية مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فتعجّب الرجل من ذلك، فقال: إي والله وحجّتين مبرورتين مقبولتين زاكيتين مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فتعجّب، فلم يزل أبو عبد اللهعليه‌السلام يزيده حتّى قال: ثلاثين حجّة مبرورة متقبّلة زاكية مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .(٢)

وبالاسناد قال: [ أبيرحمه‌الله ، قال: ](٣) حدّثنا سعد بن عبد الله، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن يزيد بن عبد الملك، قال: كنت مع أبي عبد اللهعليه‌السلام فمرّ بنا قوم على حمير،

____________

١ و ٣ - من الثواب.

٢ - كامل الزيارات: ١٦٢ ح ٧، ثواب الأعمال: ١١٨ ح ٤٠، عنهما البحار: ١٠١/٣٧ ح ٥٢ و ٥٣.

فقال: أين يريدون هؤلاء؟

فقلت: قبور الشهداء.

قال: فما يمنعهم من زيارة قبر الغريب؟

فقال له رجل من أهل العراق: زيارته واجبة؟

قال: نعم، زيارته واجبة، ثمّ قال: زيارته خير من حجّة وعمرة، وعمرة وحجّة، حتّى عدَّ عشرين حجّة وعمرة، ثمّ قال: مبرورات متقبّلات.

قال: فوالله ما قمت حتّى أتاه رجل فقال: إنّي قد حججت تسع عشرة حجّة فادع الله أن يرزقني تمام العشرين.

قال: فهل زرت قبر الحسينعليه‌السلام ؟

قال: لا.

قال: لزيارته خير من عشرين حجّة.(١)

وبالاسناد عن سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد، عن محمد بن أبي عمير، عن معاوية بن وهب، قال: دخلت على أبي عبد اللهعليه‌السلام وهو في مصلّاه، فجلست حتّى قضى صلاته فسمعته وهو يناجي ربّه فيقول: يا من خصّنا بالكرامة، ووعدنا الشفاعة، وحمّلنا الرسالة، وجعلنا ورثة الأنبياء، وختم بنا الاُمم السالفة، وخصّنا بالوصيّة، وأعطانا علم ما مضى وما بقي، وجعل أفئدة من الناس تهوي إلينا، اغفر لي ولإخواني وزوّار قبر أبي عبد اللهعليه‌السلام الّذين أنفقوا أموالهم وأشخصوا أبدانهم رغبة في برنّا، ورجاءً لما

__________________

١ - كامل الزيارات: ١٦٠ ح ١٥ وص ١٦٣ ح ٨، ثواب الأعمال: ١١٩ ح ٤١، عنهما البحار: ١٠١/٤٠ ح ٦٢ - ٦٤.

عندك في صلتنا، وسروراً أدخلوه على نبيّك محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإجابة منهم لأمرنا، وغيظاً أدخلوه على عدّونا، أرادوا بذلك رضوانك، فكافهم عنّا بالرضوان، واكلأهم بالليل والنهار، واخلف على أهاليهم وأولادهم الّذين خلفوا بأحسن الخلف، وأصحبهم واكفهم شرّ كلّ جبّار عنيد، وكلّ ضعيف من خلقك وشديد، وشرّ شياطين الجنّ والإنس، وأعطهم أفضل ما أمّلوا منك من(١) غربتهم عن أوطانهم، وما آثرونا على أبنائهم وأهاليهم وقراباتهم.

اللّهمّ إنّ أعداءنا عابوا عليهم خروجهم فلم ينههم ذلك عن النهوض والشخوص إلينا خلافاً منهم على من خالفنا.

اللّهمّ فارحم تلك الوجوه الّتي غيّرتها الشمس، وارحم تلك الخدود الّتي تقلبت على قبر أبي عبد اللهعليه‌السلام ، وارحم تلك الأعين الّتي جرت دموعها رحمة لنا، وارحم تلك القلوب الّتي جزعت واحترقت لنا، وارحم تلك الصرخة الّتي كانت لنا.

اللّهمّ إنّي أستودعك تلك الأنفس وتلك الأبدان حتّى ترويهم من الحوض يوم العطش.

قال: فما زال صلوات الله عليه يدعو بهذا الدعاء وهو ساجد، فلمـّا انصرف قلت: جعلت فداك لو أنّ الدعاء الّذي سمعته منك كان لمن لا يعرف الله لظننت أنّ النّار لا تطعم منه شيئاً أبداً، والله لقد تمنّيت أنيّ كنت زرته ولم أحجّ، فقال: ما أقربك من ذلك؟! فما الّذي يمنعك من زيارته يا معاوية؟ ولِمَ

__________________

١ - في الثواب: في.

تدع ذلك؟

قلت: جعلت فداك، لم أدر أنّ الأمر يبلغ هذا كلّه.

فقال: يا معاوية، من يدعو لزّواره في السماء أكثر ممّن يدعو لهم في الأرض، لا تدعه لخوفٍ من أحد، فمن تركه لخوفٍ رأى من الحسرة ما يتمنّى أنّ قبره كان عنده(١) ، أمّا تحبّ أن ترى(٢) شخصك وسوادك ممّن يدعو له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ أمّا تحب أن تكون غداً فيمن رؤي(٣) وليس عليه ذنب فيتبع به؟ أمّا تحبّ أن تكون غداً فيمن تصافحه الملائكة؟ أمّا تحبّ أن تكون غداً فيمن يصافح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟(٤)

وبالاسناد عن الحسن بن محبوب، عن داود الرقّي، قال: سمعنا(٥) أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول: ما خلق الله خلقاً أكثر من الملائكة، وإنّه لينزل من السماء في كلّ مساء سبعون ألف ملك يطوفون بالبيت ليلتهم حتّى إذا طلع الفجر انصرفوا إلى قبر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فسلّموا عليه، ثمّ يأتون قبر أمير المؤمنينعليه‌السلام فيسلّمون عليه، ثمّ يأتون قبر الحسينعليه‌السلام فيسلّمون عليه، ثمّ يعرجون(٦) إلى السماء قبل أن تطلع الشمس، ثمّ تنزل

__________________

١ - في الثواب: بيده.

والمراد: أيّ يتمنّى أن يكون قتل لزيارتهعليه‌السلام وقُبر عنده.

٢ - في الثواب: أن يرى الله.

٣ - في الثواب: يأتي.

٤ - ثواب الأعمال: ١٢٠ ح ٤٤.

ورواه في كامل الزيارات: ١١٦ ح ١ و ٢ وص ١١٧ ح ٣، عنه البحار: ١٠١/٨ - ١٠ ح ٣٠ - ٣٧.

٥ - في الثواب: سمعت.

٦ - كذا في الثواب، وفي الأصل: يرجعون.

ملائكة النهار سبعون ألف ملك فيطوفون بالبيت الحرام نهارهم حتّى إذا غابت الشمس(١) انصرفوا إلى قبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فيسلّمون عليه، ثمّ يأتون قبر أمير المؤمنينعليه‌السلام فيسلمون عليه، ثمّ يأتون قبر الحسينعليه‌السلام فيسلمون [ عليه ](٢) ، ثمّ يعرجون الى السماء قبل ان تغيب الشمس.(٣)

وبالاسناد: [ أبيرحمه‌الله ](٤) ، قال: حدّثنا سعد بن عبد الله، عن محمد ابن الحسين، عن محمد بن إسماعيل، عن حنّان بن سدير، قال: قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : زوروه - يعني [ قبر ](٥) الحسينعليه‌السلام - ولا تجفوه، فإنّه سيّد [ الشهداء وسيّد ](٦) شباب أهل الجنّة.(٧)

__________________

١ - في الثواب: حتّى إذا دنت الشمس للغروب.

٢ و ٤ و ٥ و ٦ - من الثواب.

٣ - كامل الزيارات: ١١٤ ح ٢، ثواب الأعمال: ١٢١ ح ٤٦.

ورواه الطوسي في أماليه: ١/٢١٤، عنه البحار: ٥٩/١٧٦ ح ٨، وج ١٠٠/٥٧ ح ١، ومدينة المعاجز: ٤/٢٠١ ح ٢٧٤.

وأخرجه في البحار: ١٠٠/١١٧ ح ٨ عن الثواب.

٧ - كامل الزيارات: ١٠٩ ح ١، ثواب الأعمال: ١٢٢ ح ٤٨.

وأخرجه في البحار: ١٠١/١ ح ٢ عن الكامل، وفي ص ٧٤ ح ٢٣ عن الثواب.

فصل

في ذكر فضل كربلاء

بالاسناد عن محمد بن جعفر القرشي(١) الرزّاز، عن محمد بن الحسين ابن أبي الخطّاب [ عن أبي سعيد، عن بعض رجاله، عن أبي الجارود ](٢) ، قال: قال عليّ بن الحسينعليه‌السلام : اتّخذ الله كربلاء(٣) حرماً آمناً مباركاً قبل أن يخلق أرض الكعبة ويتّخذها حرماً بأربعة وعشرين ألف عام، وانّه إذا زلزل الله تبارك وتعالى الأرض وسيّرها رفعت كما هي بتربتها صافية(٤) فجعلت في أفضل(٥) مسكن في الجنّة لا يسكنها إلّا النبيّون والمرسلون - أو قال: واُولوا العزم من الرسل - وانّها لتزهر(٦) بين رياض الجنّة كما يزهر الكوكب الدرّيّ بين الكواكب لأهل الأرض يغشي نورها أصحاب الجنّة(٧) ، وهي تنادي: أنا أرض الله المقدّسة الطيّبة المباركة الّتي تضمنّت سيّد الشهداء وسيّد شباب أهل

__________________

١ - كذا الصحيح، وفي الأصل: بالاسناد المتقدّم عن أبي القاسم جعفر القرشي، وهو تصحيف.

٢ - من الكامل.

٣ - في الكامل: أرض كربلاء.

٤ - في الكامل: نورانيّة صافية.

٥ - في الكامل: أفضل روضة من رياض الجنّة، وأفضل مسكن

٦ - كذا في الكامل، وفي الأصل: لتزهو، وكذا في الموضع الآتي.

٧ - في الكامل: يغشي نورها أبصار أهل الجنّة جميعاً.

الجنّة.(١)

وبالاسناد قال: حدّثنا محمد بن جعفر الرزّاز، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطّاب، عن الحسن بن محبوب، عن إسحاق بن عمّار، قال: سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول: إنّ لموضع قبر الحسينعليه‌السلام حرمة معروفة، من عرفها واستجار بها اُجير.

قلت: فصفّ [ لي ](٢) موضعها، جعلت فداك.

فقال: امسح من موضع قبره اليوم خمساً وعشرين ذراعاً من ناحية رجليه، [ وخمساً وعشرين ذراعاً ممّا يلي وجهه، ](٣) وخمساً وعشرين ذراعاً من خلفه، وخمساً وعشرين ذراعاً من ناحية رأسه، وموضع قبره منذ [ يوم ](٤) دفن روضة من رياض الجنّة، ومنه معراج يعرج فيه بأعمال زوّاره إلى السماء، فليس ملك [ ولا نبيّ ](٥) في السماوات ولا في الأرض إلّا وهم يسألون الله عزّوجلّ [ أن يأذن لهم ](٦) في زيارة قبر الحسينعليه‌السلام ، ففوج ينزل وفوج يعرج.(٧)

وقال الصادقعليه‌السلام : حريم قبر الحسينعليه‌السلام خمس فراسخ من أربعة جوانب القبر.(٨)

__________________

١ - كامل الزيارات: ٢٦٨ ح ٥، كتاب عبّاد العصفري: ١٧ ( ضمن كتاب الاُصول الستّة عشر )، عنهما البحار: ١٠١/١٠٨ ح ١٠ - ١٢.

٢ و ٣ و ٤ و ٥ و ٦ - من الكامل.

٧ - كامل الزيارات: ٢٧٢ ح ٤، عنه البحار: ١٠١/١١٠ ح ١٩ - ٢٢ وعن مصباح المتهجد: ٧٣١، ومصباح الكفعمي: ٥٠٨، والكافي: ٤/٥٨٨ ح ٦، وثواب الأعمال: ١٢٠ ح ٤٢.

٨ - كامل الزيارات: ٢٧٢ ح ٣.

وأخرجه في البحار: ١٠١/١١١ ح ٢٥ - ٢٨ عن ثواب الأعمال: ١٢٠ ح ٤٣، ومصباح المتهجّد: ٧٣١، والكامل.

وروى الحسن بن محبوب، عن الحسين بن بنت أبي حمزة الثمالي قال(١) : خرجت من الكوفة قاصداً زيارة الحسينعليه‌السلام في آخر زمان بني مروان وقد أقاموا مشايخ من أهل الشام على الطرقات يقتلون من ظفروا به من زوّاره، فأتيت إلى القرية الّتي عند حائرهعليه‌السلام فأخفيت نفسي إلى الليل، ثمّ أتيت إلى الحائر الشريف، فخرج منه عليَّ رجل فقال: يا هذا، ارجع من حيث أتيت، عافاك الله، فإنّك لا تقدر على الزيارة في هذه الساعة، فرجعت إلى مكاني، فلمـّا ذهب من الليل شطره أقبلت لزيارةعليه‌السلام ، فخرج عليَّ ذلك الرجل وقال: يا هذا، ألم أقلّ لك إنّك لا تقدر على زيارة الحسين هذه الليلة؟

فقلت: وما يمنعني من ذلك وأنا قد أقبلت من الكوفة على خوفٍ من أهل الشام أن يقتلوني.

فقال: يا هذا، اعلم أنّ إبراهيم خليل الله وموسى كليم الله ومحمد حبيب اللهعليهم‌السلام استأذنوا الله في هذه الليلة أن يزوروا قبر الحسينعليه‌السلام فأذن لهم، فهم عنده من أوّل الليلة في جمع من الملائكة لا يحصى عددهم يسبّحون الله ويقدّسونه إلى الصباح.

فقلت له: وأنت من تكون، عافاك الله؟

قال: أنا من الملائكة الموكّلين بقبره صلوات الله عليه، فكاد يطير عقلي ممّا دخلني من الرعب، ورجعت إلى مكاني متفكّراً في ذلك حتّى انفجر عمود الصبح فأتيت فلم أر أحداً، فصلّيت وزرت وانصرفت على خوف من أهل

__________________

١ - كذا في الكامل، وفي الأصل: وروى الحسين بن بنت الحسن بن محبوب قال، وهو تصحيف.

الشام.(١)

وبالاسناد المتقدّم عن الحسين بن عبيد الله، عن الحسن بن عليّ [ بن أبي عثمان، عن عبد الجبّار النهاوندي، عن أبي سعيد، عن الحسين ](٢) بن ثوير بن أبي فاختة، قال: قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : يا حسين، من خرج من منزله يريد زيارة الحسينعليه‌السلام إن كان ماشياً كتبت له بكلّ خطوة حسنة، وحطّ بها عنه سيّئة، حتّى إذا صار في الحائر كتبه الله من المفلحين المنجحين حتّى إذا قضى مناسكه كتبه الله من الفائزين، حتّى إذا أراد الانصراف ناداه(٣) ملك فقال: إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله [ يقرئك السلام و ](٤) يقول لك: استأنف العمل فقد غفر الله لك ما مضى.(٥)

وبالاسناد عن الحسن بن عليّ الكوفي، عن عليّ بن حسّان الهاشمي، عن عبد الرحمان بن كثير مولى أبي جعفرعليه‌السلام ، قال: قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : لو أنّ أحدكم دهرة ثمّ لم يزر الحسينعليه‌السلام لكان تاركاً حقّاً من حقوق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله [ لأنّ حقّ الحسينعليه‌السلام فريضة من الله واجبة على كلّ مسلم ](٦) .(٧)

وبالاسناد عن محمد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن بشير الدهّان، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال: إنّ الرجل ليخرج إلى قبر الحسين

__________________

١ - كامل الزيارات: ١١١ ح ٢ باختلاف، عنه البحار: ١٠١/٥٩ ح ٢٩.

٢ و ٤ - من الكامل والثواب.

٣ - في الكامل والثواب: أتاه.

٥ - كامل الزيارات: ١٣٢ ح ١، ثواب الأعمال: ١١٦ ح ٣١، تهذيب الأحكام: ٦/٤٣ ح ٨٩.

٦ - من الكامل.

٧ - كامل الزيارات: ١٢٢ ح ٤، تهذيب الأحكام: ٦/٤٢ ح ٨٧، عنهما البحار: ١٠١/٣ ح ١٠ و١١.

عليه‌السلام فله إذا خرج من أهله بأوّل خطوة مغفرة ذنوبه، ثمّ لم يزل يقدّس [ بكلّ خطوة ](١) حتّى يأتيه، فإذا أتاه ناجاه الله فقال: عبدي سلني اُعطك، اُدعني اُجيبك، اطلب منّي اُعطك، سلني حاجة اُقضيها لك.

قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : وحقّ على الله أن يعطي ما بذل.(٢)

وبالاسناد عن سيف بن عميرة ومنصور بن حازم قالا: سمعناه صلوات الله عليه يقول: من أتى عليه حول ولم يزر قبر الحسينعليه‌السلام نقص من عمره حول، ولو قلت: إنّ أحدكم ليموت قبل أجله بثلاثين سنة لكنت صادقاً، وذلك لأنّكم تتركون زيارتهعليه‌السلام ، فلا تتركوها يمدّ الله في أعماركم وأرزاقكم، فتنافسوا في زيارته ولا تدعوا ذلك، فإنّ الحسين بن عليّ شاهد لكم عند الله وعند رسوله وعند أمير المؤمنين وفاطمةعليهم‌السلام .(٣)

وبالاسناد عن سلمة بن الخطّاب، عن إبراهيم بن محمد، عن عليّ بن المعلّى، عن إسحاق بن زياد(٤) ، قال: أتى رجل أبا عبد اللهعليه‌السلام فقال: إنّي قد ضربت على كلّ شيء لي ذهباً وفضّة، وبعت ضياعي، فقلت أنزل مكّة.

فقال: لا تفعل، فإنّ أهل مكّة يكفرون بالله جهرة.

__________________

١ - من الكامل والثواب.

٢ - كامل الزيارات: ١٣٢ ح ٢ وص ١٥٢ ح ٢، ثواب الأعمال: ١١٧ ح ٣٢، عنهما البحار: ١٠١/٢٤ ح ٢١ - ٢٣.

٣ - كامل الزيارات: ١٥١ ح ٢، عنه البحار: ١٠١/٤٧ ح ١١.

ورواه في تهذيب الاحكام: ٦/ ٤٣ ح ٩١، وفيه: سيف بن عمير ة، عن منصور بن حازم.

٤ - كذا في الكامل، وفيه: يزداد - خ ل -، وفي الأصل والتهذيب: داود، وفي التهذيب: إبراهيم بن محمد بن عليّ بن المعلّى.

قال (١) : ففي حرم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟

قال: هم شرّ منهم.

قال(٢) : فأين أنزل؟

قال: عليك بالعراق الكوفة، فإنّ البركة منها على اثني عشر ميلاً هكذا وهكذا(٣) ، وإلى جانبها قبر ما أتاه مكروب قطّ ولا ملهوف إلّا فرّج الله عنه.(٤)

وبالاسناد عن هشام بن الحكم، عن الفضيل بن يسار، قال: قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : إلى جانبكم لقبراً ما أتاه مكروب إلاّ نفّس الله كربته، وقضى حاجته(٥) - يعني قبر الحسينعليه‌السلام -.(٦)

ولو أردنا الاستقصاء في فضل زيارته لضاق الوقت وعزت الطوامير.

وأمّا كرامته صلوات الله عليه وما يظهر على تعاقب الزمان من العجائب والغرائب لدى ضريحه الشريف إلى يوم الناس هذا ما هو مشهور بتجدّد الأعوام والأيّام، ويظهر للخاصّ والعامّ، من إجابة الدعاء، وشفاء المرضى والزمنى قد بلغ حدّ التواتر وطار في الآفاق ذكره، وشاع على الاطلاق أمره.

____________

١ - كذا في الكامل، وفي الأصل: فقلت.

٢ - كذا في الكامل، وفي الأصل: قلت.

٣ - قال المجلسيرحمه‌الله : يحتمل أن يكونعليه‌السلام أشار إلى جانبي الغريّ وكربلاء لا إلى جميع الجوانب، ويحتمل أن يكون أشار إلى جميع الجوانب، وإنّما ذكر الراوي مرّتين اختصاراً.

٤ - كامل الزيارات: ١٦٩ ح ٩، عنه البحار: ٩٩/٣٧٧ ح ٩، وج ١٠٠/ ٤٠٤ ح ٦٠.

ورواه في تهذيب الاحكام: ٦/ ٤٤ ح ٩٢.

٥ - قال المجلسيرحمه‌الله : يحتمل أن يكون المراد به قبر أمير المؤمنينعليه‌السلام .

وعبارة « يعني قبر الحسينعليه‌السلام » ليست في الكامل والبحار.

٦ - كامل الزيارات: ١٦٧ ح ١، عنه البحار: ١٠١/٤٥ ح ١.

وسأذكر من ذلك نازلةً نزلت بي وعظم لواقعها خطبي، وتزلزل لقارعتها قلبي، وذلك أنّ الله سبحانه كان قد منّ عليَّ في سنة تسعمائة من الهجرة بكتاب « تذكرة الفقهاء » في فقه الخاصّة، من مصنّفات الشيخ الكامل العالم العامل أبي منصور الحسن جمال الدين بن يوسف بن المطهّر الحلّيّ أفاض الله على ضريحه شآبيب رحمته، وحشره في زمرة نبيّه وعترته، وكنت كلفاً به، ملازماً له، مثابراً على حصر فوائده، أستأنس به في خلوتي، وأستكشف بمطالعته غمّتي، إلى أن تقلّبت الاُمور، وتغيرّت الدهور، واستبدل الله بقوم قوماً، وبرجالٍ رجالاً، وقضى الله لي وأحسن القضاء بجوار سيّدالشهداء، إمام الثقلين، وسبط سيّد الكونين، أبي عبد الله الحسين، وملازمة حضرته الشريفة ليلاً ونهاراً، إلى أن دخلت سنة ثماني عشرة وتسعمائة حضر في المشهد الشريف رجل من بلدة شيراز يدعى بالسيّد شريف، وكان له قرب من السلطان، ثمّ نقم عليه وعزله.

وكان المذكور يظهر التشيّع ويدّعي الاحاطة بأكثر العلوم، وفي الباطن زنديقاً يتدّين بمذهب الحكيم، وإنّما أظهر التشيّع تقرّباً إلى السلطان رياء وسمعة، فلمـّا حضر في المشهد الشريف وكان قد أنهى إليه أمر الكتاب فطلب من الفقير شراءه منه وبذل له عنه ثمناً، فأبى الفقير عليه، فأغلظ للفقير في الكلام لأنّه كان من السفاهة والوقاحة والكبر والغلظة على جانب عظيم، فأجابه الفقير بأعظم من جوابه وأعان الله عليه.

فمضى المذكور ثانياً إلى باب السلطان، فوثب صدر الدولة وفوّض إليه أمر الحضرات والأوقاف والاُمور الشرعيّة في سائر البلاد، فأظهر من الظلم والعسف والعدوان ما لا مزيد عليه، ووليّ على الحضرات الشريفة في بلاد

العراق نائباً من قبله مشابهاً له في الكبر والغلظة والظلم، وفوّض إليه أمر بلدة الحلّة وغيرها من البلاد المتعلّقة بالحضرات الشريفة - حضرات الأئمّةعليهم‌السلام -، وأمره أن لا يجعل له بعد وصوله دأباً ولا همّة إلّا أخذ الكتاب قهراً، وكتب على يده رسالة تتضمّن التهديد والاغلاض في الكلام.

فحين وصل إلى المشهد الشريف أوصل الرسالة إلى العبد وأمره بإحضار الكتاب بسرعة من غير تعلّل، فرأى الفقير انّ الامتناع لا يجدي نفعاً، فسلّم الكتاب جميعه وعدّته سبع مجلّدات إلى النائب المذكور، وفوّض الأمر إلى الله سبحانه، ورأى أن ليس لكربته وغمّته وظلامته كاشفاً إلّا الله والتوسّل إليه بوليّه أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام وآبائه الطاهرين وذرّيّته الأكرمين.

وألقى الله على لسان الفقير كلمات - نثراً وشعراً - سمّاها ب‍ « استغاثة المظلوم اللهيف على الظلوم المسمّى بشريف » فكتبها الفقير وحفظها، ثمّ صلّى صلاة الحاجة عند رأس الضريح المقدّس، ثمّ دعا بالاستغاثة المذكورةبعد أن تلاما تيسّر من كتاب الله، ووضع الاستغاثة المذكورة على الضريح وتوسّل إلى الله بأبي عبد الله الحسين - بعد تلاوتها - وبأبيه وجدّه وأخيه وبالأئمّة التسعة من بنيه.

فرأى تلك الليلة في المنام إبراهيم بن سليمان الخطّي القطيفي(١) المجاور بمشهد سيّدنا ومولانا أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه كأنّ الفقير قد حظر تحت القبّة الشريفة ووضع أوراقه على الضريح المقدّس، وألحّ في المسألة والتضرّع إلى الله وإلى أبي عبد اللهعليه‌السلام ، فبينا هو يتوسّل إذا

__________________

١ - هو الشيخ أبي إسماعيل إبراهيم بن سليمان، المتوفّى بالغريّ، المعاصر للمحقّق الكركي، صاحب كتاب « الفرقة الناجية ». انظر في ترجمته: أمل الآمل: ٢/٨، رياض العلماء: ١/١٥١.

بيدٍ قد خرجت من الضريح الشريف مشيرة إلى الفقير بثلاث أصابع، وإذا بقائل يقول: لا تجزع قد بقي من عمر ظالمك ثلاثة.

فأخبر الشيخ المذكور حفدته صبيحة ذلك اليوم بذلك.

فبعد مدّة اجتمعتُ بالمذكور، فسألته عن ذلك، فأخبرني بصحّته، فقلت: يمكن أن الثلاثة ثلاثة أعوام، أو ثلاثة أشهر، وفوّضت الأمر إلى الله، واستشعرت لباس الصبر، وتأسّيت بالنبيّ ووصيّه وأهل بيتهما.

فما مضت مدّة يسيرة إلّا أقبلت عساكر الروم كالجراد المنتشر، فكان المذكور زعيم الراية العظمى، فحين التقى الجمعان وولّى المذكور دبره لا متحرّفاً لقتال ولا متحيّزاً إلى فئة، بل فراراً وجبناً، واقتدى بالتيمي وابن صهّاك في الهزيمة يوم خيبر، فلم يغن عنه الفرار من الله شيئاً، وأتاه الموت من كلّ مكان، فصار قتيلاً بدار غربة، طريحاً في منزل وحشة، مخضّباً بدم الوريد قوتاً لكلّ خامعة وسيد(١) ، وكان بين الدعاء وقتله ثلاثة أشهر لا ينقص ولا يزيد.

وكان النائب المذكور قد تأخّر في إرسال الكتاب إليه رجاء أن يمضي هو بنفسه مستصحباً للكتاب لينال الزلفى عنده بذلك، وكان مقيماً ببلدة بغداد منتظراً للأخبار، فأتاه خبر سيّده فصار بعد العزّ ذليلاً، وبعد الامارة مأموراً، فمضى ولدي طاهر إلى الغاصب المذكور وأخذ الكتاب منه قهراً، وأتى به.

فالحمد لله الّذي جبر كسري، واستجاب دعائي، ولم يشمت بي أعدائي، وإنّما أوردت هذه الاستغاثة في كتابي هذا تيمّناً وتبرّكاً بها، وإظهار الفضيلة للإمام الشهيد أبي عبد الله الحسين، مضافة إلى مناقه السالفة في حياته

__________________

١ - الخامعة، جمعها خوامع، وهي الضبع لأنّها تخمع، أيّ تضلع في مشيها.

والسيِّد: الذئب.

وبعد موته صلوات الله وسلامه عليه وعلى آبائه الطاهرين، وأبنائه المعصومين، صلاة زاكية نامية إلى يوم الدين.

[ الاستغاذة ]

وهذه الاستغاثة الّتي توسّلت واستعنت إلى الله بها.

اللّهمّ يا من عرشه مجيد، وبطشه شديد، وأخذه مبيد، وعدله مديد، ويا قاصم كلّ جبّار عنيد، وهاضم كلّ ختّار مريد، ويا ناصراً من استنصر بعزيز سلطانه، ويا قاهراً من تجبّر(١) وعدوانه، ويا جابراً قلوباً كسرتها عوامل المسرفين من أعدائه، ويا رافعاً نفوساً خفضتها مواضع المتجبّرين على أوليائه، ويا من فتح باب الدعاء لمن وجّه مطايا حوائجه إليه، ويا من تكفّل بإجابة من توكل في كشف حوائجه عليه، أو يضام أولياؤك ولك الخلق والأمر؟ أم يهظم أصفياؤك وبيدك الحكم والقهر؟ أم تتجرّى كفرة كتابك على المنقطعين إليك؟ أم تتجرّى فجرة عبادك أذى من ألقى كَلّه عليك؟

حاشا مجدك الّذي لا يضام، وجدّك الّذي لا يرام، وبطشك الّذي لا يطاق، وملكك الّذي لا يُحاق، أن تغلق أبواب فضلك عمّن أمّ ذراك، أو تقطع أسباب عدلك ممّن لم يجد له سواك، أو أن تفكّك أنامل رجاء من استمسك بمتين حبلك، أو أن تخيّب دعاء من التزم بوثيق عدلك، وأن تجبه بالودّ من بذل ماء وجهه لمسألتك، وأن تقنط بالمنع من وصف ظلامته لعالي حضرتك.

سبحانك خلقتَ طاغوتاً من عبادك(٢) ، وممدت له مدّاً، وآتيته من كلّ

__________________

١ - حُذف من الأصل مقدار كلمة واحدة نتيجة ترميم للنسخة، وتقديرها: ببطشه، أو ببغيه، أو

٢ - وردت في « ح » هذه الأبيات:

شيء، وعددت له عدّاً، لم تؤته ما أتيته ليكفر نعماك، ولم تعطه ما أعطيته ليغبط آلاءك، بل ليقيم شعائر شريعة دينك القويم، ويحيي معالم سنّة رسولك الكريم، وأن يحفظ نبيّك في ذرّيّته، ويخفض جناحه لاُمّته.

فغرّته الحياة الدنيا بزينتها، وفتنته الدار الفانية بزهرتها، فنسي ميثاقك المأخوذ عليه، ونبذ كتابك المنزل إليه، وتقوّى برزقك على ظلم عبادك، واستعان ببرّك على الافساد في بلادك، واتّخذ أموالك دولاً، وعبادك خولاً، واباح الأموال المحرّمة، وأراق الدماء المحترمة، ولم يترك لنبيّك رحماً إلا قطعها، ولا وصيّة إلّا ضيّعها، ولا مؤمناً إلّا آذاه، ولا مجرماً إلّا آواه.

يتنمس بالاسلام والالحاد دينه، ويندلس بالايمان والنفاق قرينه،(١) الأسفار بين يديه رياء وسمعة، قد أعمى الله بصره(٢) ، يزعم أنّه علّامة زمانه بالكتاب والسنّة، وهو عند التحقيق أضلّ من الحقّة والمسنّة، إذ لو عضَّ على العلم بضرس قاطع، واستضاء من الحقّ بشهاب ساطع، لم يتّخذ ظلم المؤمنين شعاراً، ولا أذى المتّقين دثاراً، ولا الكبر جلباباً، ولا العجب نقاباً، ولا الفجرة أصحاباً، ولا الغدرة أبواباً، بل كانت الدنيا في عينه أهون من قمامة، وأحقر من قلامة.

____________

قام الخليفة من بني العبّاس

بخلاف أمر إلهه في الناس

ضاهى بهتك حريم آل محمد

سفهاً فعال اُميّة الأرجاس

والله ما فعلت اُميّة فيهم

معشار ما فعلوه بنو العبّاس

ما قتلهم عندي بأعظم مأثماً

من حرقهم من بعد في الأرماس

وهذه الأفراد لهبة الله الشاعر.

١ - في الأصل بياض، وتقديره: يجعل.

٢ - في الأصل بياض، وتقديره: وأصمّ سمعه.

لكن نفخ الشيطان في أنفه فصعرّ خدّه، ونفث على لسانه من قبل أن يبلغ أشدّه، وتلاعبت به دنياه كتلاعب الوليد بكرته، والسنور بفويسقته، لفرط جهله لا يخشى إله السماء،( إنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ ) (١) .

فهو علويّ لكن جدّه غير هاشميّ، وفاطميّ لكن اُمّه ليست سيّده الفواطم، سيفه حلمه، قليل علمه، شديد مكره، عتيد غدره، كثير طيشه، خبيث عيشه، قلبه بين فكيّه، وعجبه رداء عطفيه، يزهر ببزّته، ويتهادى في مشيته، ويصول على آل الرسول بظلمه، ويجور عليهم بحكمه، فهم منه بين خائف يترّقب، وعازم بعد الهجرة أن يتعرّب، خوفاً من فتنته، وفرقاً من بادرته، إذ هو إلى الشرّ أسرع من النجم الثاقب، أو السهم الصائب، ينسلخ من آيات الله كانسلاخ الحيّة من قشرها، ويخرج عن دين الله كخروج الفويسقة من حجرها، فهو بلعم زمانه، وطاغوت أوانه، قد أتبعه الشيطان فكان من الغاوين،( فَمَثَلُهُ كَمَثَلٍ الْكَلْبِ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثُ أو تَتْرُكْهُ يلهث ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعلَّهُمْ يَتَفَكّرُونَ ) (٢) .

اللّهمّ إنّه قد جعلنا هدفاً لانتقامه، ونصبنا غرضاً لسهامه، وساتحلّ ما حرمت من أموالنا، واستباح ما حظرت من أعراضنا، فنحن على وجل من بطشه، وخوفٍ من طيشه، إذا هون سعيه في البغي الوجيف، وأطيب لفظه أنتن من الكنيف.

اللّهمّ فكمّا آتيته زينة وأموالاً في الحياة الدنيا ليضلّ عن سبيلك، ومهّدت

__________________

١ - سورة فاطر: ٢٨.

٢ - سورة الأعراف: ١٧٦.

له تمهيداً فصدف عن طريق رسولك، وفتحت عليه أبواب كلّ شيء بما اُوتي، وتقوّى على ضعفنا ثقة بما اُعطي، فجعله الشيطان عبداً له من دونك، وزيّن له سوء عمله فعدل عن دينك، وأرخى له عنان فجوره فجرى في ميدان كفره، وحمله على مطايا غروره فتاه في بيداء كبره، فهو عجز البغي وصدره، ويد الغيّ ونحره، فصلّ على محمد وآل محمد، واقطع دابره، واقمع سائره، واخسف بدره، واخفض قدره، واهدم بنيانه، وهدّ أركانه، واجعله عبرة لمن اعتبر، وتذكرة لمن يتذكّر.

اللّهمّ إنّا قد ألجأتنا ظلمة ظلمه إلى الاستضاءة بعدلك، وساقنا سوط بغيه إلى الاعتصام بحبلك، وأجاءنا طوفان عدوانه إلى هضبة إنصافك، وفررنا من صولة سطوته إلى عزة أكنافك، فلا تغلق دوننا أبواب رجائك، ولا تمد منّا الأيدي إلى سواك.

اللّهمّ إنّا قد استظللنا من هواجر ظلمه بأروقة منعك، واعتصمنا من عواصف هضمه بمعاقد دفعك، فصلّ على محمد وآل محمد، وأركل رياحه، وأطفِ مصباحه، واشغله بنفسه، وغيّبه في رمسه، واجعل دائرة السوء عليه دائرة، وكواكب النحوس في اُفق مطالعه سائرة، وشمس دولته بأيدي الطوارق مكوّرة، وقضيّة وجوده بأداة المهالك مسورة، والعكوس إلى قضايا حكمه موجّهة، والنحوس بذكر معايبه مفوّهة، وخبث عقيدته لقبح سريرته بين الناس مشهورة، وصحائف ذنوبه برذائل عيوبه على مرّ الزمان منشورة، حتّى تكون لعنة اللاعنين كالقلادة في جيده، وذمّ الذامّين كالعلاوة من فوق حبل وريده.

اللّهمّ أيّم عياله، وأيتم أطفاله، وكدّر زلاله، وخيّب آماله، واقمع هامته،

واستأصل شأفته(١) .

اللّهمّ إنّك حمدت نفسك على هلاك الظّالمين، ووعدت نصرك من انتصر بك من المظلومين، ولم تكن سبحانك لتحمد نفسك على ذلك إلّا لأنّه نعمة لا يحصى شكرها، ولا يستقصى ذكرها، فصلّ على محمد وآل محمد، واقض نعمتك على عبادك بإنزال عقابك بساحته، واكشف غمّة أنامك وبلادك بصبّ سوط عذابك على هامته.

اللّهمّ اشف صدورنا بمماته، وأذهب غيظ قلوبنا بوفاته، ولا تخرجنا من دار الفناء إلّا بأفئده مسرورة بهلكه، وأنفس مطمئنّة من فتكه.

اللّهمّ إنّه قد اقتدى في غصبنا وتكذيب صدقنا بعدّوك الزنيم الأكبر، نجل صهّاك الدلام الأفجر، إذ اغتصب ابنة نبيّك تراثها، وحاز دونها ميراثها، ورفع عليها صوته، وقنعها سوطه.

اللّهمّ فكما استجبت دعاءها عليه وخيبّت ظنّه، وأتحت له من بقر بمديته بطنه، ونقلته إلى دار نكالك، وقرى وبالك، وأصليته نارك الحامية، وعجّلت بروحه إلى جحيمك الهاوية، وصببت على هامته مقامع الزبانية، ولعنته وشيعته الناصبة الغاوية، فصلّ على محمدٍ وآل محمد، وأذقه ما أذقته

__________________

١ - وردت في « ح » هذه الأبيات:

عين تروم فراق شخصك ساعة

كحلت بأميال العمر آماقها

نفس للحظك لم تكن مشتاقة

ضربت بأسياف العدى أعناقها

* * *

عليك ابن خير المرسلين تأسّفي

وحزني وإن طال الزمان طويل

جللت فجلّ الرزء فيك على الورى

كذا كلّ رزء في الجليل جليل

من عذاب الدنيا والآخرة بحقّ محمدٍ وآل محمدٍ العترة الطاهرة.

عبد لعزّ جلال مجدك يخضع

بيد التذلّل باب جودك يقرع

لولا زفير سعير لوعة وجده

ممّا عراه لأغرقته المدمع

ضاقت به الدنيا فلا تهمله يا

من جوده من كلّ شيء أوسع

إن تطرد العافي فمن ذا يرتجى؟

أو تمنح الراجي فمن ذا يمنع؟

أشكو إليك ظلامة من ظالم

للبغي منه لدى الخلائق منبع

أضمى الحشا منّي بأسهم ظلمه

وأحلّ بي ما لم أكن أتوقّع

فمن الّذي أرجوه بعدك ناصراً؟

ومن الّذي منه إليه أفزع؟

و من الّذي أدعوه في غسق الدجى

فيرى مقامي في الظلام ويسمع؟

وبمن ألوذ من الردى وبمن أعوذ

من العدى وبمجد من أتشفّع؟

وبمن أرجى ناصراً ولكسر قلبي

جابراً وبحقّ من أتضرّع؟

يا من على العرش استوى يا من

على الملك احتوى يا من يذّل ويرفع

يا غافراً ساتراً يا جابراً يا

كاسراً يا فاطراً يا مبدع

يا عالماً يا دائماً يا قائماً

يا حاكماً يا قاهراً لا يدفع

يا من عليه توكلّي وبه عليه

توسّلي وبلطفه لي مطمع

خذ لي بحقّي من ظلوم لم يزل

قلبي بسهم عِنادِهِ يتقطّع

كم ليلة من بغية أمسيت ذا

كبد على حمر الغضا يتلوّع؟

والفكر منّي حائر والطرف ساهٍ

ساهرٌ وحشاي وجداً ينجع

من يحر وافر ظلمه ومديده

ليلي طويل فجره لا يطلع

فظّ غليظ أحمق متجبّر

متكبّر نذل دعيّ ألكع

لانت أسافله فقلّ حياؤه

وغدت وقاحته عليه تشنع

يا أيّها المهدار والمنقار

والختّار والرجس اللئيم المبدع

بُؤ خاسئاً من كلّ فضل

عارياً وعليك من نسج الملامة أدرع

وعلى جبينك إن قبلت نصيحتي

بدل العمامة للاءمة برقع

وعليك ألفا ألفي لعنة

من ذي المعارج وصلها لا يقطع

ما فاه مظلوم بلعنة ظالم

متهجّد في ليلة متضرع(١)

المناجاة

اللّهمّ لك الحمد إذ جعلت قلوبنا مجالس عرفانك، ومنحت نفوسنا نفائس رضوانك، وألهمتنا شكر فضلك وامتنانك، ووفّقتنا له من عرفان عظيم شأنك، وأطلقت السنتنا بحسن الثناء على مجدك، وجبلت أفئدتنا بزلال صدق الوفاء لعهدك، وأفضت من شآبيب الايمان على قلوبنا ما ينقع غليلها، وأرسلت من سحائب الايقان على نفوسنا ما شفا غليلها، وفضّلتنا على كثير ممّن خلقَت بالبيان الموضح، وشرّفتنا على الجمّ الغفير باللسان المفصح،

__________________

١ - وردت في « ح » هذه الأبيات:

تأدّب إن قدمت على اُناس

واجلس جلسة الرجل الأقلّ

فإن رفعوك كان الفضل منهم

وإن وضعوك قل هذا محلّي

مروق المجالس فيصحّ لفظنا، ويشوّق المجالس صحيح وعظنا، ويشنّف الأسماع بلآلىء، نثرنا، ويضرب الأمثال(١) ...

وقد تمّ الفراغ من تحقيق هذا السفر الثمين في الحادي عشر من شهر ذي القعدة ١٤١٧ ه‍. ق، سائليه تعالى أن يوفّقنا لمرضاته، ويتقبّل عملنا هذا بأحسن قبوله، إنّه نعم المولى ونعم النصير.

فارس حسّون كريم

قم المقدّسة

____________

١ - إلى هنا تنتهي النسخة الخطّيّة المعتمدة، ويبدو أنّ صفحة واحدة قد سقطت.

الفهرس

المجلس الرابع: في خصائص الامام الثاني سبط المصطفى، ورابع أصحاب الكساء ذي المآثر والمنن، مولانا وسيّدنا أبي محمد الحسن، وذكر شيء من فضائله المختصّة به والمشتركة مع جدّه وأبيه وأمّه وأخيه صلوات الله عليهم أجمعين. ٧

الخطبة ٧

فصل فيما ورد في فضل السيد الشكور، والامام الصبور، سبط خير المرسلين، ورهط إمام المتقين، ونجل سيد الوصيين، ونتيجة سيّدة نسة العالمين، العالمين، رابع الخمسة الميامين، وثالث الأولياء المنتجبين، الّذي جعله الله وأخاه أشرف خلقه أجمعين. ٩

في استجابة دعائه وهيبته عليه السلام ١١

أنه كان عليه السلام يسمع الوحي فيحفظه، وإخباره عليه السلام بمقتله على يد زوجته ١٢

قيل للحسن عليه السلام: إن فيك عظمة، قال: لا، العظمة لله ١٤

في قضائه عليه السلام، وخطبة له عليه السلام ١٥

في خشيته من ربه، وحجه وصدقته عليه السلام ١٧

في شعره وسخائه عليه السلام ١٩

في عفوه عليه السلام ٢١

في شبهه عليه السلام برسول الله صلى الله عليه وآله ٢٢

مفاخرة الحسن عليه السلام مع معاوية ٢٣

كتاب زياد بن أبي سفيان إل الحسن عليه السلام ٢٥

في تواضعه عليه السلام ٢٥

أبيات للحسن عليه السلام ٢٦

صعوده عليه السلام على كتف رسول الله صلى الله عليه وآله في صلاته ٢٧

في محبة رسول الله صلى الله عليه وآله للحسن عليه السلام ٢٨

في ميلاده وتسميته عليه السلام ٢٨

في وفاته عليه السلام ٣١

في ذكر أولاده وزوجاته عليه السلام ٣٢

فصل في أمره عليه‌السلام مع معاوية عليه لعنة الله. ٣٤

خطبة للحسن عليه السلام صبيح وفاة أمير المؤمنين عليه السلام ٣٤

كتاب الحسن عليه السلام إلى معاوية يخبره بعلمه أن معاوية دس إلى الرجال. ٣٥

جواب معاوية له عليه السلام ٣٦

كتاب عبدالله بن عباس من البصرة إلى معاوية ٣٦

جواب معاوة لابن عباس. ٣٧

كتاب الحسن عليه السلام إلى معاوية ٣٧

جواب معاوية له عليه السلام ٣٩

كتاب معاوية إل عماله على النواحي بعد مقتل أمير المؤمنين علي عليه السلام ٤١

خطبة للحسن عليه السلام بعد سماعه بتوجّه معاوية إلى العراق. ٤٢

خطبة للحسن عليه السلام في عسكره في ساباط. ٤٤

هجوم عسكر الحسن عليه السلام على الامام وجرحه ٤٥

إلتحاق عبيدالله بن العباس بمعاوية، وخطبة قيس بن سعد في الناس. ٤٦

المكاتبات بين معاوية وقيس بن سعد. ٤٧

إبرام الصلح بين الامام الحسن عليه السلام ومعاوية ٤٨

خطبة معاوية في النخلية قبل دخوله الكوفة ٥١

يقدم الكوفة على مقدمة معاوية ٥٣

خطبة للحسن عليه السلام بأمر معاوية ٥٤

الزواج بها، غير انها أرادت الزواج من الحسن عليه السلام ٥٦

أن الحسن عليه السلام يوماً لعمر: انزل عن منبر أبي. ٥٨

الحسين عليه السلام يوماً لعمر: انزل عن منبر أبي. ٦١

فصل في ذكر وفاته عليه‌السلام(إخباره عليه السلام بوفاته مسموماً) ٦٢

أنه عليه السلام أوصى بأن يجدد عهده عند جده صلى الله عليه وآله ٦٣

أبيات للصقر الصفدي. ٦٤

أبيات للحسين عليه السلام في رثاء اخيه الحسن عليه السلام ٦٥

أبيات لسليمان بن قتة، واُخرى لدعبل بن علي الخزاعي. ٦٦

تكبير معاوية بعد سماعه بوفاة الحسن عليه السلام ٦٧

ثواب زيارة رسول الله صلى الله عليه وآله الآئمة عليهم السلام ٦٨

ندبة للمؤلف رحمه الله. ٦٩

بعض الفتاوى الغريبة لابي حنيفة والشافعي وممالك وداوج بن علي. ٧٢

قصيدة للمؤلف رحمه الله. ٧٣

المجلس الخامس: في خصائص الامام السبط التابع لمرضاة الله أبي عبدالله الحسين عليه‌السلام، وما تمّ عليه من أعدائه، وذكر شيء من فضائله، وما قال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله في حقّه، وما جرى عليه من الامور الّتي امتحنه الله بها واختصه بفضائلها حتّى صار سيّد الشهداء وسيلة لأهل البلاء، وتعزية لأهل العزاء، صلوات الله عليه وعلى جدّه وأبيه، واُمّه وأخيه، والأئمّة من بنيه، ولعن الله من ظلمهم، واغتصبهم حقهم، آمين ربّ العالمين. ٨٥

خطبة للمؤلف رحمه الله. ٨٥

مشاهدة المؤلف رحمه الله قبراً كتب عليه: هذا قبر السيدة ملكة بنت الحسين عليه السلام ٩٣

فصل في مناقب مولانا إمام الثقلين، وثاني السبطين، وأحد السيّدين، أبي عبد الله الحسين صلوات الله وسلامه عليه ٩٥

أن الله سبحانه هنأ الني صلى الله عليه وآله بحمل الحسين عليه السلام وولادته، وفي أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يلقم الحسن عليه السلام إبهامه ٩٥

أن الحسين عليه السلام لما منع من الماء كان يحفر الموضع فينبع الماء طيب.. ٩٧

في إطاعة الحمي للحسين عليه السلام ٩٨

في إنطاق الحسين عليه اسلام الطفل الرضيع. ٩٩

أن الحسين عليه السلام أرى الأصبغ رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام ١٠٠

أصحابه لم ينقصوا ولم يزيدوا رجلاً. ١٠١

فصل في مكارم أخلاقه عليه‌السلام.... ١٠٢

فصل فيما جاء في فضله عليه‌السلام من الأحاديث المسندة ١٠٩

إخبرا النبي صلى الله عليه وآله باستشهاد الحسين عليه السلام ١٠٩

إخبار الحسن عليه السلام وكعب الأحبار باستشهاد الحسين عليه السلام ١١٦

إخبار أميرالمؤمنين باستشهاد الحسين عليهما السلام ١١٧

إخبار النبي صلى الله عليه وآله باستشهاد أمير المؤمنين والحسين عليهما السلام ١١٨

كلام للمؤلف رحمه الله. ١١٩

قصيدة للمؤلف رحمه الله. ١٢٢

المجلس السادس: في ذكر مقامات أذكر فيها ما تمّ على الحسين عليه السلام بعد موت معاوية عليه اللعنة والعذاب، وذكر ولاية يزيد عليه من الله ما يستحق من العذاب المهين أبد الآبدين إلى يوم الدين، وغير ذلك من رسائل صدرت إليه عليه‌السلام من مواليه ومخالفيه، وما أجاب عنها، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آبائه الطاهرين، وأبنائه المنتجبين. ١٢٥

خطبة للمؤلف رحمه الله. ١٢٥

قصيدة للمؤلف رحمه الله. ١٢٩

إصابة معاوية باللقوة في وجهه ١٣٥

أن معاوية بأخذ البيعة لابنه يزيد ويوصيه ١٣٦

كلام للمؤلف رحمه الله. ١٣٩

تتمة وصية معاوية لابنه بزيد عليهما اللعنة ١٤٢

موت معاوية ١٤٣

كتاب الضحاك بن قيس ليزيد يخبره بموت معاوية، وقدوم يزيد لدمشق. ١٤٤

تهنئة الناس ليزيد بالخلافة وتعزيتهم له بموت أبيه ١٤٥

كتاب يزيد بن معاوية إلى الوليد بن عتبة يوليه على المدينة ١٤٦

إخبار النبي صلى الله عليه وآله بخلافة يزيد، واستشارة الوليد بن عتبة لمروان بن الحكم. ١٤٧

دعوة الوليد بن عتبة للحسين عليه السلام وعبدالرحمان بن أبي بكر عبدالله بن عمر وعبدالله بن الزبير لمبايع يزيد  ١٤٨

مجيء الحسين عليه السلام إلى الوليد بن عتبة ١٥٠

أن الحسين عليه السلام عارضه في طريقه مروان بن الحكم وجرت بينهما محادثة ١٥٢

كتاب يزيد إلى الوليد بن عبتة يأمره بأخذ البيعة ثانية على أهل المدينة وبقتل الحسين عليه السلام ١٥٤

مجيء الحسين عليه السلام عند قبر النبي صلى الله عليه وآله ١٥٤

مجيء الحسين عليه السلام عند قبر اُمه فاطمة وأخيه الحسن عليهما السلام ١٥٦

مجيء محمد بن الحنفية عند الحسين عليه السلام للنصيحة ١٥٦

وصية الحسين عليها السلام لأخيه محمد بن الحنفية ١٦٠

خروج الحسين عليه السلام إلى مكة ١٦٢

فصل فيما جرى للحسين عليه‌السلام بعد وصوله إلى مكة ١٦٤

أحتماع الشيعة بالكوفة في منزل سليمان بن صرد الخزاعي، وخطبة سليمان فيهم، وكتابهم إلى الحسين عليه السلام يدعونه بالمسير إليهم  ١٦٨

كتاب آخر من شيعة الكوفة بدعونه عليه السلام بالمسير إليهم. ١٧٠

جواب الحسين عليه السلام لأهل الكوفة ١٧١

فصل في إرسال مسلم بن عقيل إلى الكوفة ١٧٢

خروج مسلم بنعقيل من مكة قاصداً المدينة ومنها إلى الكوفة ١٧٢

كتاب مسلم إلى الحسين عليه السلام وجوابه ١٧٣

كتاب الحسين عليه السلام إلى أشراف البصرة ١٧٣

جواب يزيد بن مسعود النهشلي للحسين عليه السلام ١٧٥

دخول مسلم الكوفة واختلاف الناس إليه ١٧٦

خطبة النعمان بن بشير في الناس بعد سماعه بقدوم مسلم. ١٧٧

كتاب عبد الله بن مسلم إلى يزيد يخبر بقدوم مسلم إلى الكوفة وحثه على الستبدال عامله على الكوفة ١٧٨

كتاب يزيد إلى عبيد الله بن زياد يوليه فيه على الكوفة ١٧٩

مسير ابن زياد إلى الكوفة ١٨٠

إحضار هانىء عند ابن زياد ١٨٦

هجوم مسلم على قصر ابن زياد ١٩٠

وصول مسلم إلى دار طوعة بعد أن خذله من معه ١٩١

إرسال الجيش لمحاصرة مسلم في دار طوعة ١٩٣

إسارة مسلم بن عقيل. ١٩٦

وصيّة مسلم بن عقيل قبل استشهاده ١٩٩

استشهاد مسلم بن عقيل رضوان الله عليه، وإخراج هانىء بن عروة إلى السوق. ٢٠١

استشهاد هانىء بن عروة وصلبه مع مسلم منكسين. ٢٠٢

أبيات لعبدالله بن الزبير الأسدي في مسلم وهانىء ٢٠٢

كتاب عبيدالله بن زياد إلى يزيد يخبره بمقتل مسلم وهانيء ٢٠٣

جواب يزيد على كتاب عبيد الله بن زياد ٢٠٤

كلام للمؤلف رحمه الله. ٢٠٤

قصيدة للمؤلف رحمه الله في الحسين عليه السلام ٢٠٧

كلام للمؤلف رحمه الله. ٢٠٩

قصيدة للمؤلف رحمه الله في مسلم بن عقيل. ٢١٠

المجلس السابع: في مسير الحسين عليه‌السلام إلى العراق ومن تبعه من أهله وإخوانه وبني أخيه وبني عمّه صلوات الله عليهم أجمعين  ٢١٥

خطبة وقصيدة للمؤلف رحمه الله. ٢١٥

قصيدة للمؤلف رحمه الله. ٢٢٠

فصل في خروج الحسين صلوات الله عليه إلى العراق، وما جرى عليه في طريقه، ونزوله في الطفّ   ٢٢٨

خروج الحسين عليه السلام من مكة ووصوله التنعيم. ٢٢٨

خطبة الحسين عليه السلام حين عزمه على الخورج إلى العراق. ٢٣٠

كتاب الحسين عليه السلام إلى بني هاشم. ٢٣١

أن الله تعالى أمد الحسين عليه السلام بافواج من الملائكة ومن مسلمي الجن. ٢٣٢

وصول الحسين عليه السلام إلى ذات عرق. ٢٣٣

كتاب الوليد بن عتبة إلى ابن زياد يعلمه بتوجه الحسين عليه السلام إلى العراق. ٢٣٤

وصول الحسين عليه السلام إلى الثعلبية ٢٣٥

وصول الحسين عليه السلام إلى زرود ٢٣٨

وصول خبر استهشاد مسلم وهانىء إلى الحسين عليه السلام وقيل وصله الخبر وهو في منطقة زبالة ٢٣٩

أبيات للحسين عليه السلام ٢٤٠

كتاب الحسين عليه السلام إلى سليمان بن صرد والمسيب بن نجبة ورفاعة بن شداد ٢٤١

ارتحال الحسين عليه السلام عن زبالة وخطبته في الناس يخبرهم باستشهاد مسلم وهانىء وقيس بن مسهر ٢٤٣

وصول الحسين عليه السلام إلى ذي حسم، والتقاء الحر بن يزيد الرياحي معه عليه السلام ٢٤٤

كتاب عبيدالله بن زياد إلى الحر بن يزيد يأمره بالتضييق على الحسين عليه السلام ٢٤٥

ارجاز للطرماح. ٢٤٩

نزول الحسين عليه السلام عذيب الهجانات.. ٢٥٠

نزول الحسين عليه السلام كربلاء ٢٥٢

ابيات للحسين عليه السلام ٢٥٣

كتاب ابن زياد إلى الحسين عليه السلام ٢٥٤

ابن زياد يأمر عمر بن سعد بتولي قتال الحسين عليه السلام ٢٥٥

مسير عمر بن سعد نحو الحسين عليه السلام ٢٥٦

مجيء رسول ابن سعد إلى الحسين عليه السلام ٢٥٧

كتاب ابن سعد إلى ابن زياد ٢٥٨

كتاب ابن زياد إلى ابن سعد، وخطبته في جامع الكوفة ٢٥٩

كتاب ابن زياد إلى شبث بن ربعي. ٢٦٠

توجه حبييب بن مظاهر إلى بني أسد يحثهم على نصرة الحسين عليه السلام ٢٦١

معجزة للحسين عليه السلام باستخراج الماء العذب بعد أن أضر به وبأصحابه العطش.. ٢٦٣

إلتقاء الامام الحسين عليه السلام بعمر بن سعد. ٢٦٤

كتاب ابن زياد غلى ابن سعد يأمره بقتل الحسين عليه السلام ٢٦٥

أن الحسين عليه السلام رأى في منامه كأن كلاباً قد شدت عليه لتنهشه وفيها كلب أبقع. ٢٦٨

خطبة الامام الحسين عليه السلام في أصحابه ليلة عاشوراء ٢٦٩

نصيحة برير للقوم بعدم التعرض للحسين عليه السلام ٢٧٢

خطبة اُخرى للحسين عليه السلام حين رأى صفوف القوم كأنها السيل. ٢٧٣

تعبئة الحسين عليه السلام وعمر بن سعد أصحابهما يوم عاشوراء ٢٧٥

خطبة للحسين عليه السلام في أصحابه يوم عاشوراء ٢٧٦

أن الحسين عليه السلام دعا عمر بن سعد وأخبره بأنه لا يفرح بعد الحسين بدنيا ولا آخرة ٢٧٨

قتل في الحملة الاُولى من أصحاب الحسين عليه السلام خمسون رجلاً. ٢٧٨

التحاق الر الرياحي بالحسين عليه السلام ٢٧٩

ارجاز للحر الرياحي، واستشهاده رحمة الله عليه ٢٨١

أرجاز الرير بن خضير، واستشهاده رحمة الله عليه ٢٨٣

أبيات لبجير بن أوس الضبي قاتل برير بنخضير. ٢٨٣

أرجاز لوهب بن عبدالله بنحباب الكلبي. ٢٨٥

استشهاد وهب بن عبدالله الكلبي وامرأته رحمه الله عليهما ٢٨٦

ارجاز لعمر بن خالد الأزدي واستشهاده رحمة الله عليه ٢٨٧

أرجاز لخالد بن عمرو الأزدي، واُخرى لسعد بن حنظلة التميمي، واُخرى لعمير بن عبدالله المذحجي، واستشهادهم رحمة الله عليهم  ٢٨٨

ارجاز لمسلم بن عوسجة، واستشهاد رحمة الله عليهم. ٢٨٩

إضرام النار في مخيم الحسين عليه السلام ٢٩٠

صلاة الحسين عليه السلام باصحابه يوم عاشوراء ٢٩١

استشهاد سعيد بن عبدالله الحنفي رحمة الله عليه ٢٩٢

ارجاز لعبدالرحمان بن عبدالله اليزني، واستشهاده رحمة الله عليه ٢٩٢

أرجاز لجون مولى أبي ذر الغفاري، واستشهاده رحمة الله عليه ٢٩٣

استشهاد عمرو بن خالد الصيداوي رحمة الله عليه ٢٩٣

استشهاد حنظلة بن سعد الشبامي وسويد بن عمر بن أبي المطاع رحمة الله عليهما ٢٩٤

ارجاز للحجاج بن مسروق وزهير بن القين البجلي وسعيد بن عبدالله الحنفي، واستشهادهم رحمة الله عليهم  ٢٩٥

أرجاز لحبيب بن مظاهر الأسدي، واستشهاده رحم الله عليه ٢٩٦

أرجاز لهلال بن نافع الجملي. ٢٩٦

أرجاز اُخرى لهلال بن نافع الجملي، واستشهاده رحمة الله عليه ٢٩٧

أبيات لشاب قتل أبوه في المعركة وأبيات لاُمه، واستشهاده رحم الله عليه ٢٩٧

استشهاد عابس بن ابي شبيب الشاكري رحمة الله عليه ٢٩٨

استشهاد عبد الله وعبدالرحمان الغفاريّان رحمة الله عليهما ٢٩٩

أرجاز لغلام تركي كان للحسين عليه السلام، واستشهاده رحمة الله عليه ٣٠٠

استشهاد يزيد بن زياد بن الشعثاء رحم الله عليه ٣٠٠

ارجاز عبدالله بن مسلم بن عقيل، واستشهاده رحمة الله عليه ٣٠٢

ارجاز جعفر وعبدالرحمان ابنا عقيل، واستشهادهما رحمة الله عليهما ٣٠٢

ارجاز محمد بن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب، واستشهاده رحمة الله عليه ٣٠٣

ارجاز عون بن عبدالله بن جعفر، واستشهاد رحمة الله عليه ٣٠٣

ارجاز القاسم بن الحسن عليه السلام، واستشهاده رحمة الله عليه ٣٠٤

أرجاز عبدالله بن الحسن عليه السلام، واستشهاده رحمة الله عليه ٣٠٥

أرجاز أبو بكر وعمر ابنا علي عليه السلام، واستشهادهما رحمة الله عليهما ٣٠٦

أرجاز عثمان وجعفر ابنا علي عليه السلام من أم النبين، واستشهادهما رحمة الله عليهما ٣٠٧

ارجاز عبدالله بن علي عليه السلام، واستشهاده رحمة الله عليه ٣٠٨

ارجاز العباس بن علي عليه السلام، واستشهاده رضوان الله عليه ٣٠٩

أبيات للحسين عليه السلام بعد مصرع العباس، وخروج علي الأكبر عليه السلام للقتال. ٣١٠

أرجاز لعلي الأكبر، واستشهاده عليه السلام ٣١١

خروج الإمام الحسين عليه السلام للقتال. ٣١٤

أبيات للإمام الحسين عليه السلام ٣١٥

ارجاز للإمام الحسين عليه السلام ٣١٨

كثرة الجراحات التي أصابه عليه السلام ٣٢٠

استشهاد الإمام الحسين عليه السلام ٣٢٢

ما سلب منه عليه السلام ٣٢٣

حرق الخيام ٣٢٥

أن الخيل وطأت الحسين عليه السلام ٣٢٦

بلاء الله تعالى النازل فيمن سلب الحسين عليه السلام ٣٢٧

في عدة المقتولين من أصحاب وأهل البيت الحسين عليه السلام ٣٢٨

مراثي في العباس عليه السلام ٣٢٩

المقتولون في الحملة الاُلى من أصحاب الحسين عليه السلام ٣٣٠

إرسال رأس الحسين عليه السلام إلى ابنزياد لعنه الله. ٣٣١

إقتسام القبائل رؤوس اصحاب وأهل بيت الحسين عليه السلام، وإرسال السبايا إلى الكوفة، وندبة زينب أخاها الحسين عليه السلام ٣٣٢

كلام للمؤلف رحمه الله. ٣٣٣

قصيدة للمؤلف رحمه الله. ٣٣٧

المجلس الثامن: في الأحوال الّتي جرت بعد قتل الحسين عليه‌السلام من سبي ذراريه ونسائه، وحملهم إلى اللعين ابن مرجانة لعنه الله، ثمّ منه إلى يزيد بن معاوية عليهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين  ٣٤٥

خطبة للمؤلف رحمه الله. ٣٤٥

مناجاة للمؤلف رحمه الله. ٣٥٠

فصل سوق السبايا إلى الكوفة، رخطب زينب عليها السلام في أهل الكوفة ٣٥٣

خطبة فاطمة الصغرى. ٣٥٥

خطبة أم كلثوم بنت علي عليه السلام ٣٥٩

خطبة زين العابدين عليه السلام ٣٦٠

إحضار السبايا في مجلس ابن زياد، وما دار بيته لعنه الله وبين زينب بنت علي عليهما السلام ٣٦٢

ما دار بين ابن زياد لعنه الله وبين زين العابدين عليه السلام ٣٦٤

ما دار بين ابن زياد لعنه الله وبين أبي برزة صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله ٣٦٥

ما دار بين ابن زياد لعنه الله وبين زيد بن أرقم. ٣٦٦

أبيات في رثاء الحسين عليه السلام، وخطبة ابن زياد في المسجد، وما دار بينه وبين عبد الله بن عفيف الأزدي  ٣٦٧

ارجاز لعبد الله بن عفيف الأزدي رحمه الله. ٣٦٩

إحضار جندب بن عبدالله وعبدالله بن عفيف الأزديان عند ابن زياد لعنه الله. ٣٧٠

إستشهاد عبدالله بن عفيف الأزدي نوما دار بين جندب بن عبدالله وعبد الرحمان بن مخنف الأزديان وبين ابن زياد لعنه الله  ٣٧١

ندبة زينب أخاها الحسين عليه السلام ٣٧٢

إرسال السبايا ورؤوس الشهداء إلى الشام بأمر يزيد لعنه الله. ٣٧٣

نزول آدم ونوح وإبراهيم وإسماعيل وغسحاق ونبيّنا وجبريل عليهم السلام وتقبيلهم الرأس الشريف والبكاء عليه في مسير السبايا إلى الشام ٣٧٤

فصل في ذكر حمل سبايا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وبناته وأحفاده إلى الشام ٣٧٥

كلام للمؤلف رحمه الله. ٣٧٥

قصيدة للمؤلف رحمه الله. ٣٧٦

دخول سهل بن سع الساعدي دمشق. ٣٧٩

ارجاز حامل رأس الحسين عليه السلام، وأمر يزيد بقتله ٣٨١

أبيات في رثاء الحسين عليه السلام، وما دار بين زين العابدين عليه السلام وشيخ من أهل الشلام ٣٨٢

دخول السبايا على يزيد، وما دار يبنهم وبينه لعنه الله. ٣٨٤

خطبة زينب عليها السلام ٣٨٨

خطبة زين العابدين عليه السلام ٣٩٣

ما دار بين يزيد لعنه الله وبين حبر من أحبار اليهود ٣٩٦

ما دار بين يزيد لعنه الله وبين رسول ملك الروم ٣٩٧

ان يزيد لعنه الله أمر بأن يصلب رأس الحسين عليه السلام على باب داره، وأمر بالنسوة أن يدخلوا داره ٣٩٩

خروج السبايا من الشام، وكلام للمؤلف رحمه الله. ٤٠٠

ابيات لعبد الرحمان بن الحكم في هجاء ابن زياد، وما دار بين يزيد لعنه الله وبين أبي برزة صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله ٤٠٢

كلام للمؤلف رحمه الله. ٤٠٤

قصيدة للمؤلف رحمه الله. ٤٠٧

المجلس التاسع: مفتتحاً بالتعزية الّتي وسمتها ب‍ « مجرية العبرة ومحزنة العترة »  ٤١٣

خطبة للمؤلف رحمه الله. ٤١٣

أبيات للمؤلف رحمه الله. ٤٢١

خطبة للمؤلف رحمه الله مشتملة على السور القرآنية ٤٢٣

إخبار النبي صلى الله عليه وآله باستشهاد أمير المؤمنين عليه السلام ٤٢٧

ابيات للحسين بن علي عليه السلام في رثاء أبيه أمير المؤمنين عليه السلام ٤٢٨

أبيات للزاهي، واُخرى لابن حماد العبدي. ٤٢٩

ابيات للصقر البصري. ٤٣١

كلام للمؤلف رحمه الله. ٤٣٢

ابيات للمؤلف رحمه الله. ٤٣٥

كلام للمؤلف رحمه الله. ٤٣٧

أبيات في رثاء الحسين عليه السلام، واُخرى للعوني. ٤٤١

إخبار الحسن باستشهاد أخيه الحسين عليهما السلام، وأبيات للمؤلف رحمه الله. ٤٤٢

حديث يوم عاشوراء ٤٤٣

كلام للمؤلف رحمه الله. ٤٤٧

أبيات للصنوري. ٤٤٨

في فضيلة الشهادة وثوابها وأجرها ٤٤٩

أيات لزينب عليها السلام ٤٥٢

ندبة للمؤلف رحمه الله. ٤٥٣

تعزية للمؤلف رحمه الله. ٤٥٥

فصل أن يزيد أخذ بإظهار التنكر لفعل ابن زياد خشية شق العصا وحصول الفتنة، وأمره برد حرم رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة ٤٥٧

وصول آل الرسول صلى الله عليه وآله إلى كربلاء ٤٥٨

نوح الجن على الحسين عليه السلام، ووصول آل الرسول صلى الله عليه وآله بالقرب من المدينة ٤٥٩

دخول بشير بن حذلم المدينة ناعياً الحسين عليه السلام ٤٦٠

نوح جارية على الحسين عليه السلام ٤٦١

خطبة زين العابدين عليه السلام بالناس. ٤٦٢

كلام وأبيات للمؤلف رحمه الله. ٤٦٤

أبيات لفاطمة بنت الحسين بن علي عليه السلام ٤٧٠

أبيات لدعبل الخزاعي. ٤٧٢

فصل. ٤٧٣

كلام للمؤلف رحمه الله. ٤٧٣

جور الخلفاء على قبر الحسين عليه السلام ٤٧٤

كلام للمؤلف رحمه الله. ٤٨٧

ظهرو المختار بالكوف ومطالبته بثأر الحسين عليه السلام ٤٩٢

خروج إبراهيم بن مالك الأشتر لقتال ابن زياد ٤٩٣

إرسال راس ابن زياد ومن كان معه إلى المختار، وأرسلها المختار إلى محمد بنالحنفية وعلي بن الحسين بمكة ٤٩٥

انتقام المختار من قتلة الحسين وأهل بيته عليهم السلام ٤٩٦

ندبة للمؤلف رحمه الله. ٥٠١

قصيدة للمؤلف رحمه الله. ٥٠٢

المجلس العاشر: في فضل زيارته صلوات الله عليه، وما صدر في فضله من الأحاديث النبوّية، وإجابة الدعاء لدى تربته الشريفة ٥٠٩

خطبة للمؤلف رحمه الله وسمها بـ « تحفة الزوار ومنحة الأبرار ». ٥٠٩

الدعاء للزائرين من المؤمنين. ٥١٥

فصل في فضال زيارته، والهجرة إلى بقعته، والاستشفاء بتربته، وإجابة الدعاء تحت قبته عليه السلام ٥١٩

فصل في ذكر فضل كربلاء ٥٣١

من كرامات الامام الحسين عليه السلام ٥٣٦

الاستغاذة ٥٤٠

قصيدة للمؤلف رحمه الله. ٥٤٥

مناجاة للمؤلف رحمه الله. ٥٤٧

مؤلف: السيد الأديب محمد بن أبي طالب الحسيني الموسوي الحائري الكركي
صفحات: