الإمام الحسينعليهالسلام
قدوةٌ واُسوة
تأليف
السيد محمد تقي المدرسي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين
تمهيد:
انبعث من ضمير الإنسانيّة رجالٌ، كانوا المعجزة في أقرب مفاهيمها وأصدق معاييرها، وفي أسنى تألّقها وأبهى تجلّيها. لا شكّ في أنّها كانت آية ظاهرة، تهدي إلى قوّة قاهرة وراء الغيب لتنير الكون، وتدفعه إلى سُبله المستقيمة، تدعو إلى التصديق الواعي بحقيقة اُخرى غير هذه المادّة، وغير ملابساتها الظاهريّة، تلك هي حقيقة الخالق العليم:«
بِنا عُرفَ اللهُ
»
.
وليس من شكٍّ في أنّ للمسلمين أحظى نصيب من هذا النّمط، البالغ في سنائه وبهائه حدّ المعجزة الخارقة من الأبطال البارعين؛ فالنّبيُّ محمّدصلىاللهعليهوآله
وأهل بيتهعليهمالسلام
قممٌ لاشكّ في مجدها وسموِّها، لِسِلسلة شاهقة من جبال لا يرقى إليها الطير، وسامقات متأصّلات كانت تحمل همّ وشرف الحقيقة، وأوتاد صعيد الفكر، ولولاهم لتزلزل وماد؛ إذ أنّهم سفن محيط الشكّ الذي لولاهم لغمر كلّ حي ونزل القعر البعيد.
ومِن قممِ هذه السّلسلة المباركة الإمامُ عليٌّعليهالسلام
الذي هو - بلا ريب - ثاني الرسول العظيمصلىاللهعليهوآله
،
_____________________________
ومنها الإمام الحسنُعليهالسلام
، الذي حفظ الله به الدِّين حين أصلح الله به بين فئتَين متنازعتَين من المسلمين، ومنها الإمام الحسينُعليهالسلام
، الذي استقرّ في أشمخ وأروع قمّة بعد النّبيِّصلىاللهعليهوآله
، وبعد الوصيِّعليهالسلام
.
ولا اُحبّ أنْ اُفاتحك الحديث قبل أوانه، فهذا الكتاب بين يدَيك سوف نفتح فيه أسرار المعجزة في هذه القمّة المجيدة، وسوف نُعالج كلَّ موضوع ولو كانت معالجة بتراء، إلاّ أنّي آملها معالجة واعية إنْ شاء الله. غير إنّي اُريد أنْ اُقدِّم شيئاً ممّا يجب أنْ أصبر عليه إلى أوانه القريب؛ لندخل فصول الكتاب في تفتّحٍ ذكري بالغ، وها هو بين يدَيك:
أصبح المسلمون اليوم أحوج إلى النّور من أيّ يوم آخر؛ لأنّهم أصبحوا وسط زوابع هادرة تلفّهم من كلِّ جانب، في ليل مظلم، وفي قفر لا يملكون هادياً أو رائداً. قد ظلَّت بهم السّبُل، واختلفت في وجههم التيّارات، وهم لا يدرون ما يعملون.
أقول:
إنّهم اليوم أحوج ما يكونون إلى النّور، في حين أنّهم أبعد ما كانوا عنه؛ لأنّهم - كما نراهم - مُجرّدون عن الوعي الكافي الذي يجب أنْ يكفل غذاءهم الفكري المستمرّ في خِضمّ هذه الأفكار الواردة، فلا يعرفون تعاليم دينهم، ولا يُميّزون معالمه الوضيئة التي دلَّت تجارب السّنين العديدة على أنّها الوحيدة
من نوعها التي تستطيع أنْ تنتشل الاُمّة من قعرها العميق إلى قمّتها المأمولة.
وإنّ هذا نموذج حيٌّ اُريد أنْ اُقدّمه إليك - أيّها القارئ - هنا ومن خلال السّطور التي نمرّ عليها، وسوف لا اُوقفك طويلاً لاُمهّد لك، فلنقطع الحديث للنّظر في سطور الكتاب، لنرى أحفل حياة بالمكرمات الرائعة.
الفصل الأول: الوليدُ السّعيد
كان ذلك الفجر آلف وأبهى فجر من السَّنة الثالثة للهجرة، حيث استقبل بأصابع من نورٍ وليداً، ما أسعده وما أعظمه.
في الثالث من شعبان غمر بيت الرسالة نور سنيٌّ متألّقٌ؛ إذ جاء ذلك الوليد المبارك واصطفاه الله ليكون امتداداً للرسالة، وقدوة للاُمّة، ومنقذاً للإنسان من أغلال الجهل والعبوديّة، ولا ريب أنّنا سوف ننبهر إذا لاحظنا بيت الرسالة وهو يستقبل الوليد الجديد، فهذا البيت البسيط الذي يستقرّ على مرفوعته الاُولى الرسولصلىاللهعليهوآله
، الجدّ الرؤوف والوالد الحنون (صلوات الله عليهما وآلهما).
وأتاه الخبر: إنّه وُلِد لفاطمةعليهاالسلام
وليدٌ، فإذا بهصلىاللهعليهوآله
يغمره مزيج من السّرور والحزن، ويطلب الوليد بكلّ رغبة ولهفة. فماذا دهاك يا رسول الله، بأبي أنت واُمّي! هل تخشى على الوليد نقصاً أو عيباً؟! كلاّ، إنّ تفكير صاحب الرسالة يبلغ به مسافات أوسع وأبعد ممّا يفكّر فيه أيّ رجل آخر، ومسؤوليّته أعظم من مسوؤليّة أب أو واجبات جدٍّ أو وظائف قائد، إنّه مُكوِّن اُمّة، وصانع تاريخ، ونذير الخالق تعالى إلى العالمين.
إنّه يذهب بعيداً في تفكيره الصائب فيقول: لا بدّ للمنيّة أنْ توافيه في يوم من الأيّام، ولا بدّ لجهوده أنْ تفسح أمامها مجالات أوسع ممّا بلغتها اليوم، فسوف تكون هناك اُمّة تُدعى ( بالاُمّة الإسلاميّة ) تتّخذ من شخص الرسولصلىاللهعليهوآله
اُسوة وقدوة صالحتَين.
ولا بدّ لهذه الاُمّة من هداة طاهرين، وقادة معصومين يهدون الاُمّة إلى الصراط المستقيم، إلى الله العزيز الحكيم، وسوف لا يكونون - كما أخبرته الرسالة مراراً - إلاّ ذرِّيّته هؤلاء؛ عليُّ ابنُ عمِّه، وولداهعليهمالسلام
، ثمّ ذُرِّيّتهم الطيّبة من بعدهم.
ولكن هل تجري الاُمور كما يريدها الرسولصلىاللهعليهوآله
في المستقبل؟
إنّ وجود العناصر المنحرفة بين المسلمين نذيرٌ لا يرتاح له الرسولصلىاللهعليهوآله
على مستقبل الاُمّة، وإنّ الوحي قد نزل عليه غير مرّة يخبره بأنّ المصير الذي رآه الحقُّ المتمثّل في شخص الرسولصلىاللهعليهوآله
هو نفس المصير الذي يترقّبه الحقّ المتمثّل في آلهعليهمالسلام
؛ وإنّ العناصر التي قاومت الرسالة في عهده سوف تكون نفس العناصر التي تقاوم - بنفس العنف والإصرار - امتداد الرسالة في عهد أبنائه الطيّبين (صلوات الله عليه وعليهم).
فقد علم أنّه سوف تبلغ الموجة مركزها الجائش، وسوف يقف أنصار الحقّ والباطل موقفهم الفاصل في عهد الإمام الحسينعليهالسلام
، هذا الوليد الرضيع الذي يُقلِّب وجهه فيظهر مستقبله على ملامح الرسول وهو يضطرب على ساعدَيه المباركتَين.
والنّبيُّصلىاللهعليهوآله
يلقي نظرةً على المستقبل البعيد ويعرج فيه، فيلقي نظرة اُخرى على هذا الرضيع الميمون فيهزّه البُشر حيناً، ويهيج به الحزن أحياناً، ولا يزال كذلك حتّى تنهمر من عينَيه
الوضيئتَين دموع ودموع. يبكي رسول اللهصلىاللهعليهوآله
وما أشجعه! وهو الذي يلوذ بعريشه أشجع قريش وأبسلها عليُّ بن أبي طالبعليهالسلام
حينما يشتدّ به الروع، فيكون أقرب المحاربين إلى العدو، ثمّ لايفلُّ ذلك من عزمه ومضائه قدر أنملة، لكنّه الآن يبكي وحوله نسوة في حفلة ميلاد، فما أعجبه من حادث!
تقول أسماء فقلتُ: فداك أبي واُمّي، ممَّ بكاؤك؟ قالصلىاللهعليهوآله
:«
على ابنِي هذا
».
فقلتُ: إنّه وُلِد السّاعة يا رسول الله! فقال:«
تقتله الاُمّة الباغية من بعدي. لا أنالهم الله شفاعتي
»
.
إنّ القضيّة التي تختلج في صدر رسول اللهصلىاللهعليهوآله
ليست عاطفة إنسانيّة، أو شهوة بشريّة حتّى تُغريه عاطفة إعلاء ذكره وبقاء أثره في آله، كلاّ، بل هي قضيّة رسول اصطفاه الله واختاره على علم منه، بعزمه ومضائه، وصدقه وإيمانه. قضيّة مَن تَحمَّل مسؤوليّةً أشفقت من حملها السّماوات والأرض والجبال الرواسي، إنّها مسؤوليّة الرسالة العامّة إلى العالمين جميعاً.
والحسينُعليهالسلام
ليس ابنه فقط، بل هو قدوة واُسوة لمن ينذر
_____________________________
من بعده، فنبأ مصرعه - هو بالذات - نبأ مصرع الحقّ بالباطل، والصدق بالكذب، والعدالة بالظلم، وهكذا.
فيبكي النّبيُّصلىاللهعليهوآله
لذلك، ويحقّ له البكاء، إنّها ظاهرة ميلادٍ غريبة نجدها السّاعة في بيت الرسالة، تمتزج المسرَّة بالدموع، والابتسامة بالكآبة، فهي حفلة الصّالحين تدوم في رحلة مستمرّة بين الخوف والرجاء، والضحك والبكاء.
لنصغ قليلاً لنسمع السّماء هل تشارك المحتفلين في هذا البيت الهادئ البسيط؟ نعم، نسمع حفيفاً يقترب ونظنّه حفيف الملائكة، فإذا بهم ملأوا رحاب البيت. يتقدّم جبرائيلعليهالسلام
فيقول: يا محمّد، العليُّ الأعلى يُقرؤك السّلام، ويقول:«
عليٌّ منك بمنزلةِ هارونَ منْ مُوسى، ولا نبيّ بعدَك. سمِّ ابنكَ هذا باسمِ ابنِ هارونَ
».
فيقول النّبيُّصلىاللهعليهوآله
:«
وما اسم ابن هارون؟
».
فيُجيب: شُبَير. فيقول النّبيُّصلىاللهعليهوآله
:«
لساني عربي
».
فيُجيب جبرائيل: سَمِّه الحسين. فيُسميه الحسين
.
_____________________________
ويتقدّم فطرس، ومَن هو هذا الملك المهيضة جناحاه يحمله رفاقه؟ إنَه مطرود من باب الله، لم يزل في السّجن يُعذب حتّى واتته أفواج من الملائكة، فقال لهم: مالي أراكم تعرجون وتهبطون، أقامت السّاعة؟ فقال جبرائيل: كلاّ، وإنّما وُلِد للنّبيِّ الخاتمصلىاللهعليهوآله
وليدٌ، فنحن ذاهبون إلى تهنئته السّاعة. فقال: أفلا يمكن أنْ تحملوني إليه علّه يشفع لي فيُشفّع؟ فجاء به جبرائيلعليهالسلام
.
فها هو ذا يتقدم إلى الرسولصلىاللهعليهوآله
يتوسّل به إلى الله، فأومأصلىاللهعليهوآله
إلى مهد الحسينعليهالسلام
وهو يهتزّ في وداعة، فراح الملك يلمس جوانب المهد بجناحيه المكسورتَين، فإذا هو وقد ردَّهما الله عليه؛ إكراماً منه لوجه الحسينعليهالسلام
عنده.
وتنتهي الحفلة، ويأخذ النّبيصلىاللهعليهوآله
الرضيع الميمون بيدَيه ويحتضنه، ويؤذِّن في إحدى أُذنَيه ويُقيم في الاُخرى، ثمّ يجعل لسانه في فم الوليد فيغذّيه من رضابه الشريف ما شاء، ثمّ يعقُّ عنه بعد اُسبوع بكبشَين أملحَين، ويتصدَّق بزنة شعر رأسه بعد أنْ حلقه دراهم، ثمّ يُعطِّره ويومئ إلى أسماء فيقول:«
الدَّم من الجاهليّة
».
وهكذا ينقلب الجدّ الحنون إلى اُسوة حسنة للمسلمين، فلا يكتفي بإجراء الآداب الإسلاميّة، وهي في روعتها ونضارتها عملاً، وإنّما ينسخ بالقول أيضاً لعنة الجاهليّة؛ حيث كانوا
يضمّخون رؤوس ولدانهم بالدَّم إعلاناً لتوحّشهم، وإيذاناً لطلب تِراتِهم.
ولَم يزل ذلك الوليد المبارك يترعرع في أحضان الرسالة، ويعتني به صاحبها محمّدصلىاللهعليهوآله
، وربيبها عليعليهالسلام
حتّى بلغ من العمر زهاء سنتَين، ولكن لم يتفتّح لسانه عن أداء الكلام أبداً. عجباً! إنّ ملامح الوليد تدلّ على ذكاء مفرط، ومضاء جديد، ومع ذلك فَلِم لَم يتكلَّم بعد، أيمكن أنْ يكون ذلك لثقل في لسانه؟!
وذات يوم إذ اصطفّ المسلمون لإقامة صلاة الجماعة يَؤمُّهم الرسول الأعظم، وإلى جانبه حفيده الحبيب الحسينعليهالسلام
، ولما تهيّأ القوم للتحريم، كان الخشوع مستولياً على القلوب، والهدوء سائداً على الجو، والكلّ ينتظرون أنْ يُكَبِّر الرسولصلىاللهعليهوآله
فَيُكَبِّروا معه، فإذا هم بصوته الخاشع الوديع يكسر سلطان السكوت ويقول:«
اللهُ أكبر
».
وإذا بصوت ناعم خافت يشبه تماماً صوت النّبيِّصلىاللهعليهوآله
بكلّ نغماته ونبراته، وما فيه من خشوع ووداعة يقول:«
اللهُ أكبر
».
إنّه صوت الحسينعليهالسلام
.
فكرّر الرسولصلىاللهعليهوآله
:«
اللهُ أكبر
».
فأرجع الحسينعليهالسلام
:«
اللهُ أكبر
».
والمسلمون يستمعون ويُكبِّرون ويتعجّبون، فردّد الرسولصلىاللهعليهوآله
ذلك سبعاً، ورجعه الحسينعليهالسلام
سبعاً، ثمّ استمرّ النّبيصلىاللهعليهوآله
في صلاته والحسينعليهالسلام
يسترجع منه،
فقد كانت أوّل كلمة لفظها فم الحسينعليهالسلام
كلمة التوحيد:«
اللهُ أكبر
».
وفيما نخطوا مع التاريخ بعض الخطوات الفاصلة، ننظر إلى هذا الوليد بالذات - ذلك الذي لم يفتح فمه إلاّ على كلمة ( الله أكبر ) - ننظر إليه بعد خمس وخمسين سنة وهو يمارس آخر خطوات الجهاد المقدّس، ويعالج آخر لحظات الألم وقد طُرح على الرمضاء تلفحه حرارة الشمس، ويمزّق كبده الشريف حرُّ العطش، ويلفّه حرّ السّلاح المصلصل.
فنستمع إليه وهو يحرّك شفَتَين طالما لمستهما شَفَتا رسول اللهصلىاللهعليهوآله
يتضرّع إلى بارئه، يقول:«
إلهِي، رِضاً بِرضَاكَ، لا مَعْبُودَ سِواكَ
».
ولا يزال يتمتّع حتّى يُعرَج بروحه الطاهرة المقدّسة إلى السّماء (عليه أفضل الصلاة والسّلام).
وإذا ثبت بالتجارب الحديثة أنّ للوراثة آثارها البالغة، وأنّ للتربية حظّها الكبير في إنماء خُلق الطفل وتكييف صفاته، فلا نشكّ في أنّ أبوي الحسين (عليه وعليهما السّلام) كانا من أرفع الآباء خُلقاً، وأكرمهم نسباً، وإنّ تربيتهما كانت أحسن تربية وأشرفها وأقدرها على إنماء الأخلاق الفاضلة، والسّجايا الحميدة في نفس الإنسان.
وهل نشكّ في ربيب الرسولصلىاللهعليهوآله
ذاته، وربيب مَن ربّاهما الرسول، فاطمة وعلي (عليهم جميعاً صلوات الله وتحياته)؟
أفلا نرضى من الله العزيز كلمته العظيمة في القرآن، حيث يقول:(
مرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَ يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ ءَالآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ
)
؟
فالبحران: هما بحر النبوّة ومنبعه فاطمةعليهاالسلام
عن الرسولصلىاللهعليهوآله
، وبحر الوصاية من قِبَلِ عليٍّعليهالسلام
. فلا بدّ لهذين البحرَين - إذا التقيا - أنْ يخرج منهما اللؤلؤ ( الحسنُ )، والمرجان ( الحسينُ )عليهماالسلام
. هذه هي الوراثة، إنّها أقدس وأرفع ممّا يُتصوّر.
ولا تسأل عن التربيّة، فلقد كانت أنصع وأروع من كلّ تربية، كان شخص الرسولصلىاللهعليهوآله
يهتمّ بالحسينعليهالسلام
وتربيته بصورة مباشرة. وبين يديك حديثان تعرف منهما مدى رعاية الرسولصلىاللهعليهوآله
لشأن الحسينعليهالسلام
، ممّا يؤكّد لك أنّ الحسينعليهالسلام
لَم يكن ربيب عليٍّ وفاطمةعليهماالسلام
فقط، بل تربّى على يد جدِّه النّبيِّصلىاللهعليهوآله
ذاته.
عن يعلى العامري: إنّه خرج من عند رسول اللهصلىاللهعليهوآله
إلى طعام دُعي له، فإذا هو بالحسينعليهالسلام
يلعب مع الصبيان، فاستقبل النّبيّصلىاللهعليهوآله
أمام القوم، ثمّ بسط يدَيه فطفر الصبيُّ ها هنا مرّة وها هنا مرّة، وجعل رسول اللهصلىاللهعليهوآله
يُضاحكه حتّى أخذه، فجعل إحدى يدَيه تحت ذقنه والاُخرى تحت قفاه، ووضع فاه إلى فيه وقبّله
.
_____________________________
واستسقى الحسنعليهالسلام
، فقام رسول اللهصلىاللهعليهوآله
فجدع له في غمر كان لهم
ثمّ أتاه به، فقام الحسينعليهالسلام
فقال:«
اسقنيه يا أبه
».
فأعطاه الحسن، ثمّ جرَّع للحسينعليهالسلام
فسقاه، فقالت فاطمةعليهاالسلام
:«
كأنّ الحسن أَحبَّهما إليك
».
قالصلىاللهعليهوآله
:«
إنّه استسقى قبله، وإنّي وإيّاك وهما وهذا الراقد -
وأومأ إلى عليٍّ أمير المؤمنينعليهالسلام
-في مكان من الجنّة
»
.
وظلّ الوليد النّبيه يشبّ في كنف الرسولصلىاللهعليهوآله
وظلِّ الوالدَين الطاهرَينعليهماالسلام
، والرسولصلىاللهعليهوآله
يُوليه من العناية والرعاية ما يبهر ألباب الصحابة ويحيِّزهم. ولطالما بعث الرسولصلىاللهعليهوآله
بكلماته النيِّرة على مسمع المئات المحتشدة من المسلمين، يقول:«
الحَسنُ والحُسينُ سَيِّدا شبابِ أهلِ الجَنَّة
».
و«
الحَسنُ والحُسينُ إمامانِ قامَا أو قعدَا
».
ويقول:«
حُسينٌ منِّي وأنا مِنْ حُسينٍ
».
ويرفعه بين النّاس - وهم ينظرون - فيُنادي:«
أيّها النّاسُ، هذا الحُسينُ بنُ عليٍّ فاعْرِفُوه
».
ثمّ يُردف قائلاً:«
والذي نفسِي بيدِهِ، إنّهُ في الجَنَّةِ ومعَهُ أحبَّاؤهُ
».
و قد يتبوّأ له مقعداً في حضنه المبارك ويشير إليه، فيقول:
_____________________________
(( اللهمّ، إنِّي أُحبُّه فأَحبّه
».
ولطالما يحمله هو وأخاه على كاهله الكريم وينقلهما من هنا إلى هناك، والملأ من المسلمين يشهدون.
وهكذا ترعرع الوليد الحبيب في ظلّ الرسالة وفي كنف الرسولصلىاللهعليهوآله
، وأخذ منهما حظّاً وافراً من المجد والسّناء.
الفصل الثاني: بعد الرسولِصلىاللهعليهوآله
وبعد الرسولصلىاللهعليهوآله
، حيث ازدحمت الحوادث واختلفت النّعرات، نراه يقف جنباً إلى جنب مع والده العظيم في قضيّة الحقّ، ويُعلنها في أوضح برهان، والمسلمون هناك، يهتدون على مَن يهتدون.
ومرّة اُخرى نلتقي بالحسينعليهالسلام
وهو شاب يمثّل شمائل أبيه المهيبة، ويقود الجيوش المزمجرة ضدّ طاغية الشام معاوية بن أبي سفيان، وتتمّ على مضاء عزمه ومضاء سيفه، وسداد فكره وسداد خططه انتصارات باهرة ضدّ الطغيان الاُموي الذي أراد أنْ يرجع بالاُمّة الإسلاميّة إلى جاهليّتها الاُولى، وقد فعل.
ثمّ تُدَبَّر مؤامرة لئيمة لاغتيال الإمام عليٍّعليهالسلام
، وينتهي الأمر بمصرعه الفاجع، وتلقي الاُمّة بأبهض مسؤوليّاتها وأخطرها على كاهل الإمام الحسنعليهالسلام
، فيمارس الإمام الحسينعليهالسلام
جهاده المقدّس في أداء أمانة الحقّ ومسؤوليّة الاُمّة، ويُحرّض الشعب الإسلامي ضدَّ الباطل المحتشدة كلّ قواه في عرصات الشام، ويُحذّره من كلِّ ما يُرتقب من مآسي وويلات على يد الطاغية إنْ تمَّ له الأمر.
وينتهي دور الإمام الحسنعليهالسلام
فيُقتل بسمٍّ يدسّه إليه طاغية الشام، فتقع دفّة الخلافة الإلهيّة بيد الحسينعليهالسلام
، ويتابعه المسلمون الواقعيّون الذين لم يشاهدوا في بني اُميّة إلاّ مُلكاً عضوضاً، كلُّ
همِّه القضاء على مُقدّسات الاُمّة ومشاعرها في آن واحد. نعم، انتقلت الإمامة إلى رحاب الحسينعليهالسلام
في أوائل السّنَة الخمسين من الهجرة النبويّة، ولنلقي نظرة خاطفة على الوضع السّائد في البلاد الإسلاميّة آنذاك.
في السّنَة الواحد والخمسين حجّ معاوية إلى بيت الله الحرام ليرى من قريب الوضع السّياسي في مركز الحركة المناوئة لخلافته؛ حيث إنّ الحَرمين كانا مقرّا الصحابة والمهاجرين، وهم أبغض خلق الله لمعاوية؛ لأنّهم أشدّهم خلافاً عليه. فلمّا طاف بالبلاد المقدّسة عرف أنّ الأنصار - بصورة خاصّة - يُبغضونه ويكرهون خلافته على أشدّ ما تكون الكراهيّة والبغض.
وذات يوم سأل الملأ حوله: ما بالُ الأنصار لَم يستقبلوني؟ فأجابه طائفة من زبانيته: إنّهم لايملكون من الإبل ما يستطيعون استقبالك عليها.
وكان معاوية يعرف الحقيقة من برودة تلقّي الأنصار مجيئه، فحينما سمع هذا الجواب الروتيني لمز وغمز، وقال: ما فعلت النّواضح؟ - أراد الاستهزاء بساحة الأنصار، بأنّهم كانوا ذات يوم من عمّال اليهود في المدينة، أصحاب إبل تنضح الماء لبساتين اليهود - وكان في الحاضرين بعضُ زعماء الأنصار فأجابه - وهو قيس بن سعد بن عبادة - قائلاً:
أفنوها يوم بدر واُحد وما بعدهما من مشاهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله
، حيث ضربوك وأباك على الإسلام حتّى ظهر أمر الله وأنتم كارهون. أما إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله
عهد إلينا أنّا سنلقي بعده أثرة.
ثمّ جاش صدر قيس، فاندلعت منه شرارة فيها ذكريات الماضي الزاهر، وعواصف هذا اليوم الأسود، فقال وأمعن في إيضاح سوابق بني اُميّة ولواحقهم، وشرح ما كان من وقوفهم ضدّ الدعوة النبويّة - أول يوم - وما كان من إنكارهم حقّ عليٍّعليهالسلام
بعد ذلك، وما كان من أمر معاوية - بالذات - مع إمام زمانه، وما جاء عن لسان النّبيِّصلىاللهعليهوآله
من الأحاديث بشأن عليٍّعليهالسلام
، الذي افترضه معاوية مناوئه الوحيد على كرسي الحكم.
ولَم يدرِ قيس - ذلك اليوم - ما الذي كان يحمله معاوية من بغضٍ وكره سوف يحدوان به إلى ما لا تُحمد عواقبه.
ورجع معاوية يفكّر في إجراء التدابير اللازمة ضدّ مناوآت الأنصار والمهاجرين. وأول خطّة اتخذها هي التي سوف يُتلى عليك تفصيلها. وعرف معاوية أنّ في البلاد الإسلاميّة كثرة واعية من المفكّرين الذين محضوا عن تجارب الماضي القريب، ولمسوا حقيقة أمر الحزب الاُموي الحاكم، كما آمنوا بقداسة الحق وبوجوب متابعته، والدفاع عن نواميسه السامية مهما كلّفهم الأمر.
وعرف كذلك أنّه يستقرّ في مركز حركة هؤلاء الذين ناوأوه،
عليّاً أولاً، والحسن ثانيا ً، وهذا الإمام ثالثاً، ثمّ عرف أيضاً ما لهذا البيت العلوي من دعائم وطيدة، ومؤهّلات كافية تنذر عرش الاُمويّين بالفناء العاجل.
فمن هنا بدأت خطّته اللئيمة، ففكّر في أنّ مَن يُحبّ عليّاً وآل عليٍّعليهمالسلام
لا شكّ في أنّه يستاء من مُلك بني اُميّة. إذاً فلنقلع حبّ الإمامعليهالسلام
أوّلاً من صدور الشعب المسلم، ولنستأصل مقاييس المسلمين التي يُميّزون بها الحقّ عن الباطل، ألا وهي تمثّل الإسلام الحقّ في بيت الرسالة.
فلذا أخذ يكتب إلى كلّ والٍ له في أطراف البلاد برسالة، إليك نصّها بالحرف: أمّا بعد، انظروا إلى مَن قامت عليه البيّنة أنّه يُحبّ عليّاً وأهل بيته؛ فامحوه من الديوان، واسقطوا عطاءه ورزقه، ولا تُجيزوا لأحدٍ من شيعة عليٍّ وأهل بيته شهادة. وهذه أوّل محنة واجهها أنصار عليٍّعليهالسلام
الذين كانوا يُشكّلون الجبهة المناوئة للحزب الاُموي الحاكم، وقد كانت جبهةً شديدةً عنيفةً جدّاً.
ثمّ راح معاوية في ظلمه يخطو خطوة اُخرى، أقسى من الاُولى وأعنف كثيراً، فكتب إلى ولاته يقول: أمّا بعد، خذوهم على الظنَّة، واقتلوهم على التُّهمة.
ففكِّروا في هذه الكلمة:( اقتلوهم على التُّهمة )
. فهل تعرفون
أقسى منها في قاموس المجرمين، وأعنف حُكماً؟! في مثل هذا الجوّ الرهيب كان يعيش الإمام الحسينعليهالسلام
وهو يتقلّد منصب الخلافة الإلهيّة، ولا شكّ في أنّه كان يؤلمه الشوك في طريق أصحاب الحقّ على الظنّة، وإبادتهم بالتُّهمة.
ولكنَّ الظروف التي كان يعيشها لم تكن بالتي تجيز له المقاومة المسلّحة ضدّ العدوان الاُموي الأرعن؛ لأنّ معاوية كان يعالج الأمر بالمكر والخدعة، ويخدّر أعصاب الاُمّة بالأموال الطائلة من ثروة الدولة التي إنْ لَمْ تُعطِ الفائدة فهناك شيء كان يُسمّيه بجنود العسل، ويقصد به الغدر بحياة الشخصيّات عن طريق السّمِّ يديفه في مطعمه أو مشربه، كما فعل ذلك بالإمام الحسنعليهالسلام
بواسطة زوجته الغادرة، وكان يستعمله دائماً ضدّ اُولئك العظماء الذين لا يخضعون لسلطان المال والمنصب.
أمّا إذا استعصى عليه الإغراء بالمال أو القضاء بالسّمِّ، فيأتي دور القوَّة التي كان يستعملها بدون رحمة في مناسبة وغير مناسبة. وبهذه الوسيلة الأخيرة قضى على الصّحابي الكبير والزعيم الشيعي القدير: حِجْر بن عَدي، حيث استدعاه هو وأصحابه إلى الشام، وقبل أنْ يصلوا إلى العاصمة أرسل سَريّة من شرطته، فقتلت بعضهم ودفنت بعضهم أحياءً بغير جرم إلاّ أنّهم كانوا أصحاب عليٍّعليهالسلام
وقوّاد جيشه.
وكان مقتل حِجْر هذا مُنبِّهاً فعّالاً للشعب الإسلامي الذي دعا إلى إعلان التمرّد حتّى من بعض أصحاب الاُمويّين، كوالي خراسان ربيع بن زياد الحارثي؛ حيث جاء المسجد ونادى بالنّاس ليجتمعوا، فلمّا اكتمل اجتماعهم قام خطيباً وذكر المأساة بالتفصيل، وقال: إنْ كان في المسلمين من حميّة شيء، لوجب عليهم أنْ يطالبوا بدم حِجْر الشهيد.
وحتّى من مثل عائشة التي كانت بالأمس في الصفِّ المخالف لعليٍّعليهالسلام
؛ فإنّها لما سمعت الفاجعة، قالت: أما والله، لقد كان لجمجمة العرب عزّاً ومنعةً. ثمّ أنشدت:
ذهبَ الذينَ يُعاشُ فِي أكنافِهمْ
|
|
وبقيتُ في خَلَفٍ كجلدِ الأجرِبِ
|
ومشت في الأوساط السياسيّة رجّة تبعتها اضطراباتٌ جعلت معاوية يندم من سوء فعله لأوّل مرّة.
ولكن لَمْ يكن مقتل حِجْر بالوحيد من نوعه، فقد رافقه مقتل الصّحابي الكبير، المعترَف به لدى سائر المسلمين، عمرو بن الحمق، الذي حُمل رأسه على الرمح لأوّل مرّة في تاريخ الإسلام؛ حيث لم يُحمل فيه قبل ذلك اليوم رأسُ مسلمٍ قط.
وتبع حادثة حِجْر وأصحابه الستّة عشر حوادث مُرعبة نشرت على دنيا المسلمين التوتّر والاضطراب.
ويُمكننا أنْ نكشف عن بعض مظاهر هذا التوتّر بما يلي:
لقد سيطر زياد ابن أبيه على الكوفة والبصرة، ولقد كان مُتشيّعاً قبل أنْ يُلحقه معاوية بنسبه، فكان يعرف أسرار الشيعة وخباياهم، وزعماءهم وقادتهم. فلمّا استتبّ له الأمر، راحَ يلاحقهم تحت كلّ حجر ومدر، ويُمعن فيهم القتل والتنكيل حتّى ليَقول الرجل: أنا كافر لا اُؤمن بنبيٍّ. خيرٌ له من أنْ يقول: إنّي شيعي اُؤمن بقداسة الحقِّ، وأكفر بالجبت والطاغوت.
فلمّا ضبط العراقيّين إرهاب بني اُميّة، رفع زياد كتاباً إلى البلاط الملكي، هذا نصّه بالحرف: إنّي ضبطت العراق بشمالي، ويميني فارغة، فولّني الحجاز أشغل يميني به. ولما اُذيع نبأ هذه الرسالة في المدينة المنوّرة، اجتمع المسلمون في المسجد النّبوي وابتهلوا إلى الله ضارعين: اللهمّ، اكفنا يمين زياد.
ولسنا بصدد بيان أنّه كفّ الله عنهم يمين زياد فعلاً، حيث أصابه الطاعون فمات ذليلاً، إلاّ أنّنا بصدد أنْ نعرف مدى الإرهاب المخيّم على الأوساط السياسيّة حتّى أنّ النّاس يجتمعون للدعاء ضدّ والٍ واحد؛ رهيب الجانب، مُرعب السّلطة.
وإذا سألتَ عن موقف السّبطعليهالسلام
، فنحن لا يهمّنا من هذا الاستعراض الخاطف للأوضاع السياسيّة في عهد معاوية إلاّ
لنعرف موقف الإمام الحسينعليهالسلام
منها.
ونستطيع أنْ نلمس موقفه بصورة إجماليّة إذا مضينا نُفكّر في هذه القضايا الثلاث التي سنتلوها تباعاً:
١ - كانت الأنباء تتوالى على المدينة بنكبات فجيعة، نزلت على رؤوس المسلمين بسبب مدحهم للإمام عليٍّعليهالسلام
، وبسبب تشيّعهم لأهل البيتعليهمالسلام
، تماماً بعد إعلان معاوية حكمه الصارم: كلُّ مَن نقل فضيلة عن عليٍّ فقدَ الأمان على نفسه وماله. وكان ذلك في مستهلّ السّنَة الواحدة والخمسين بعد الهجرة النبويّة.
فدبّر الإمامعليهالسلام
خطّة جريئة نفذّها بنفسه؛ فجمع النّاس في محفلٍ ضمّ من بني هاشم رجالاً ونساءً، ومن أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله
، ومن شيعته أكثر من سبعمئة رجلٍ، ومن التابعين أكثر من مئتين، فقام فيهم خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال:«
أمّا بعد، فإنّ هذا الطاغيةَ
( يعني: معاوية بن أبي سفيان )قدَ فَعلَ بنا وبشيِعَتِنا مَا قَدْ عَلمتُمْ وَشهدتُمْ، وإنّي اُريدُ أنْ أسألَكُمْ عَنْ شيءٍ، فإنْ صدَقتُ فصدِّقونِي، وإنْ كذَبتُ فكذِّبونِي، وأسألكُمْ بحقِّ اللهِ عليكُمْ وحقِّ رسولِ اللهِ وقرابَتي منْ نبيِّكُمْ لمَا سترتم مقامِي هذا، ووصفتُمْ مقالَتي، ودعوتُمْ أجمعينَ في أمصارِكُمْ مِن قبائِلِكُمْ مَن أمنتُمْ من النّاس.
اسمَعُوا مقالتي واكتُبوا قَولِي، ثمّ ارجعوا إلى أمصارِكُمْ وقبائلِكُمْ، فمَنْ أمنتُمْ مِنَ النّاسِ ووثقتُمْ بهِ فادعوهُمْ إلى ما تعلمونَ
مِنْ حقِّنا؛ فإنِّي أتخوّفُ أنْ يُدرسَ
هذا الأمرُ، ويذهبُ الحقُّ ويُغلب،وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ
».
ثمّ مضى الإمامعليهالسلام
في الخطبة القويّة الهادرة، يُذكِّر الجمع بعليٍّعليهالسلام
، وفي كلّ مقطوعة يصبر هُنيئة فيستشهد الأصحاب والتابعين على ذلك، وهم لا يزيدون على اعترافهم قائلين: اللهمّ نعم، اللهمّ نعم.
حتّى ما ترك شيئاً ممّا أنزل الله فيهم من القرآن إلاّ تلاه وفسّره، ولا شيئاً ممّا قاله الرسولصلىاللهعليهوآله
في أبيه وأخيه واُمّه، ونفسه وأهل بيته، إلاّ رواه، وفي كلّ ذلك يقول أصحابه: اللهمّ نعم، لقد سمعنا وشهدنا. ويقول التابعي: اللهمّ قد حدّثني به مَن اُصدِّقه وأئتمِنه من الصّحابة
. أما وقد أشهدوا الله على ذلك، قال:«
اُنشدكُمْ اللهَ إلاّ حدّثتُمْ بهِ مَنْ تثقُّونَ بهِ وبدينِهِ...
».
وكانت هذه خطَّة مناسبة للحدّ من طغيان معاوية في سبّ عليعليهالسلام
، بل كانت خطّة معاوية لسياسة بني اُميّة قاطبة، الذين ارتأوا محو سطور في التاريخ هي أسطع ما فيه وأروع ما يحتويه، ألا وهي مآثر أهل بيت الرسالة.
ولَم يكتفِ بنو اُميّة في محوها بالقوّة فقط بل لعبت خزينة
_____________________________
الدولة دوراً بعيداً في ذلك أيضاً؛ فقد كان الحديث يُشترى ويُباع كأيّ متاع آخر، وكان المحدِّثون أوسع النّاس ثروة أو أنكاهم نقمة؛ إنْ رضوا فلهم كلّ شيء، وإنْ أبوا فعليهم كلّ شيء.
ربّما كان معاوية، وهو الداهية المعروف، ينتظر من الإمام الحسينعليهالسلام
ذلك الاستنكار البالغ، بَيد أنّه لَم يكنْ يُفكّر في أنّ الأمر سوف يُدبّر على هذا الشكل المرعب، وعلى أيّ حالٍ فقد كان الأمر مُرتقباً، ولكن حدث بعد هذا التظاهر الصارخ أمرٌ لَم يكُنْ معاوية يحلم به أبداً.
٢- إنّ عيراً لوالي اليمن كانت مُحمّلة بأنواع الأمتعة إلى البلاط الملكي لتُوزَّع على أصحاب الضمائر المستأجرة، ومرَّت هذه العير بالمدينة فاستولى عليها الإمامعليهالسلام
وامتلكها حقّاً شرعيّاً له؛ ليصرفه في مواقعه اللازمة. وكتب إلى معاوية رسالة أرغمت أنفه وأطارت لبّه، وهذا نصّ الرسالة:«
مِنَ الحُسينِ بنِ عليٍّ إلى معاوية بنِ أبي سفيان. أمّا بعد، فإنّ عيراً مرَّتْ بِنا مِنَ اليَمنِ تَحْملُ مالاً وحُلَلاً، وعَنْبًراً وطيباً إليك؛ لتُودَعَها خزائنَ دِمشقَ، وتَعلُّ بها بعد النَّهلِ ببَني أبيكَ، وإنّي احْتجتُ إليها وأخذتُها، والسّلامُ
».
وأوّل ما لفت نظر معاوية من هذه الرسالة تقديم الإمام الحسينعليهالسلام
اسمه واسم أبيه على ذكر معاوية، ثمّ دعاؤه له باسمه الشخصي دون أنْ يشفعه بلقب ( أمير المؤمنين ) ويعتبر ذلك - في منطق القرون الاُولى - تحدّياً بليغاً لسلطة معاوية، بل يؤكّد هذا في أنّ الكاتب قد خلع عن نفسه الرضوخ لسلطان الدولة الباطلة. ثمّ جلب انتباهه موضوع أخذ اليد، وفيه أبلغ دليل على التمرّد على السّلطة الحاكمة.
بَيد أنّ معاوية بدهائه عرف أنّ الظروف لا تقتضي إلاّ الإغماض عن أمثال هذه الأعمال، ولَم يكن الإمامعليهالسلام
يُريد أنْ يبتدئ بإعلان التمرّد المسلّح؛ لأنّه كان حريصاً على حفظ دماء المسلمين كحرصه على نشر الحقيقة؛ فكتب إليه معاوية في منطق مستعتب، وبيّن أنّه عارف بمكانته وجليل شأنه، وإنّه لا يُريد أنْ يمسّ ساحته بسوء، بَيد أنّ خلَفه من بعده سوف يكون له بالمرصاد.
ومضى الحسينعليهالسلام
في توطيد دعائم الحقيقة؛ ببثّ الوعي، وجمع الأنصار، ولازالت الأنباء تتوارد على البلاط الملكي بشأن الإمامعليهالسلام
، وأنّه يعدّ العدّة لثورة فاصلة، بَيد أنّ معاوية كاد يتمّ الأمر بالخدعة قبل أنْ يدبّر النقمة لعدم مؤاتاة الظروف للسّاعة المرتقبة، فكتب رسالة اُخرى إلى الإمامعليهالسلام
يستعتب ويؤنّب، ويُذكّر بالصلات الوديّة بينه وبين الإمامعليهالسلام
، ولكنّ الإمام الحسينعليهالسلام
كان يعلم بالفجائع التي كانت تنقضّ على رؤوس الشيعة من مُحبّي آل الرسولصلىاللهعليهوآله
في كلّ بلد.
٣ - فكتب إليه برسالة اُخرى يسرد فيها أعماله واحداً تلو الآخر:«
أمّا بعد، فقَدْ بلغَنِي كتابٌ تَذْكرُ فيهِ أنَّهُ انْتَهتْ إليكَ عنّي اُمورٌ أنتَ لي عنها راغبٌ، وأنا بغَيرِها عنكَ جديرٌ، وإنَّ الحَسناتِ لا يَهدي لهَا ولا يُسدِّدُ إليهَا إلاّ اللهُ تعالى. وأمّا ما ذَكرتَ أنَّهُ رُقيَ إليكَ عنِّي، فإنَّهُ إنَّما رقَّاهُ إليكَ الملاّقونَ المشَّاؤونَ بالنَّميمةِ، المفرِّقونَ بينَ الجَمعِ، وكَذِبَ المعادونَ، ما أردْتُ حَرْباً ولا عليك خِلافاً، وإنِّي لأخشَى اللهَ في تَرْكِ ذلكَ مِنكَ ومِنَ الأعذارِ فيهِ إليكَ، وإلى أوليائِكَ القاسِطينَ الملحدينَ، حزبِ الظَّلمَةِ وأولياءِ الشَّياطين.
ألستَ القاتلَ حِجْرِ بنِ عَدِي أخا كندة، وأصحابِهِ المصَلِّينَ العابِدينَ، كانوا يُنكرُونَ ويَستفْظِعُونَ البِدَعَ، ويأمرونَ بالمعرُوفِ وينهَونَ عَنْ المنكَرِ، ولا يخافونَ في اللهِ لومةَ لائمٍ، ثُمّ قتلتَهُمْ ظُلماً وعُدواناً مِنْ بعدِ ما أعطيتَهُمْ الأيمانَ المغلَّظَةَ، والمواثيقَ المؤكَّدةَ؛ جرأةً على اللهِ واستخفافاً بعهده؟!
أوَلستَ قاتلَ عمرِو بنِ الحَمقِ صاحبِ رسولِ اللهِصلىاللهعليهوآله
، العَبدِ
الصَّالحِ الذي أبلتُهُ العِبادَةُ فنحلَ جسمُهُ واصفرّ لونُهُ، فقتلتَهُ بعدَ ما أمَّنْتَهُ وأعطيتَهُ من العُهُودِ ما لو فَهِمَهُ الموصمُ لزلَّتْ قَدمُهُ مِنْ رُؤوسِ الجِبالِ؟!
أوَلستَ بمُدَّعي زيادَ بنَ سُميَّة المولودَ على فِراشِ عُبيدِ ثَقيفٍ، فَزَعمتَ أنَّهُ ابنُ أبِيكَ، وقدْ قالَ رسولُ اللهِصلىاللهعليهوآله
: الولدُ للفِراشِ وللعاهِرِ الحَجَرِ. فتركتَ سُنَّةَ رَسولِ اللهِصلىاللهعليهوآله
تَعمُّداً، وتَبعْتَ هَواكَ بغيرِ هُدىً مِنْ اللهِ، ثُمَّ سَلَّطتَهُ على أهلِ الإسلامِ يقتلُهُمْ، ويقطعُ أيديهمْ وأرجُلَهُمْ، ويَسملُ أعيُنَهُمْ، ويَصلِبُهُمْ علَى جُذُوعِ النّخلِ، كأنَّكَ لستَ منْ هذهِ الاُمَّةِ وليسُو منكَ؟!
أوَلستَ قاتلَ الحَضرَميِّ الذي كتبَ إليكَ فيهِ زيادُ أنَّهُ على دينِ عليٍّ (صلوات الله عليه)، فكتبتَ إليه: أنْ اقتُلْ كلَّ مَنْ كانَ على دينِ عليٍّ. فقَتَلَهُمْ ومثَّلَ بِهِمْ؟!...».
إلى آخر الكتاب الذي كان سوطَ عذابٍ يُلهبُ متنَ معاوية، ومَنْ دارَ في فلكه من المنحرفين.
وهكذا عاش الإمامعليهالسلام
الصوت الوحيد الذي غدا يرعد أمام كلّ بدعة، والسّوط الفارع الذي بات يُسوِّي كلّ تخلّف أو تطرّف في المجتمع، فلطالما حرّض ذوي الفكر والجاه، وأثارهم على حكومة الضالين، بَيد أنّهم فضّلوا مصالح أنفسهم على مصالح الدِّين، ولَم يحفظوا ذممهم، في حين راحت ذمّة الإسلام ضحيّة كلّ فاجر.
ولطالما خاطر الإمام الحسينعليهالسلام
بوقوفه أمام اعتداءات بني اُميّة على مصلحة الاُمّة الإسلاميّة، وعلى مقدّسات الدِّين ونواميسه.
والواقع أنّنا لو أردنا أن نتصوّر الوضع الدِّيني في عصر الإمامعليهالسلام
خالياً عنه وعن جهاده، لكنَّا نراه أحلكَ عصر مرّ به المسلمون، وأقساه وأعنفه. ولو كنَّا نتصوّر الإسلام وقد مرّ به ذلك العصر بدون أبي عبد اللهعليهالسلام
لكنَّا نراه أضعف دينٍ، وأقربه إلى الانحراف.
فلَم يكنْ هناك من قوّة تستطيع الوقوف أمام المدّ الاُموي الأسود، إلاّ شخص أبي عبد اللهعليهالسلام
ومَن دار في اُفُقه من الأنصار والمهاجرين؛ لأنّ الحروب التي سبقت عصر الإمامعليهالسلام
أعلنت عن تجارب سيئة جدّاً، واختبارات فظيعة لقوى الخير في المسلمين، وما كان من شتيتها موجوداً لفّته زوابع الترهيب، وأعاصير الترغيب، فراحت مع التي راحت أوّلاً.
وبقي المحامي والنّصير الأوّل والأخير للإسلام، وهو الإمام الحسينعليهالسلام
، الذي استطاع بسداد رأيه ومضاء عزمه، وسبق قِدَمه وسموّ حَسبه ونسبه، وما كان له من مُؤهّلات ورثها من جدّه رسول الله وأبيه عليٍّ أمير المؤمنين (صلوات الله عليهما) استطاع بكلّ ذلك أنْ يُشكّل جبهة قويّة نسبيّاً أمام الطغيان الاُموي الوسيع.
وكان ذلك شأنه في عصري معاوية ويزيد.
وها نحن قد استعرضنا جانباً موجزاً من عصر معاوية، وسوف أستعرض شيئاً قليلاً عن عصر يزيد في الفصل الأخير، وسوف لا نذهب في سرد القضايا تفصيلاً، بل نجعلها موجزةً لسببين:
أولاً:
اشتهار نهضته العظيمة في عهد يزيد حتّى كاد يعيها كلُّ شيعيٍّ مؤمن.
وثانياً:
لأنّ ذلك يحتاج إلى موسوعة علميّة كبيرة تُحلّل القضايا السياسيّة والدينيّة التي رافقت نهضة الحسينعليهالسلام
، ليظفر من ذلك بأروع أمثلة الجهاد وأرفعها.
وهكذا يحقّ لنا أنْ ندع البحث أبتراً لندخل بحوثاً اُخرى، نتكلّم فيها حول السّمات الشخصيّة لسيّد الشهداء، الحسينعليهالسلام
، تاركين جانب الدِّين والسّياسة لمجال أفسح، وفي بحث أوسع.
الفصل الثالث: الخُلُقُ العظيم
الكريم السّخي
١ - جاء إلى الإمام الحسينعليهالسلام
أعرابي، فقال: يابن رسول الله، قد ضمنت ديّةً كاملة وعجزت عن أدائها، فقلت في نفسي: أسأل أكرم النّاس. وما رأيت أكرم من أهل بيت رسول اللهصلىاللهعليهوآله
.
فقال له الحسينعليهالسلام
:«
يا أخا العرب، أسألُكَ عن ثلاث مسائلٍ، فإنْ أجبتَ عَنْ واحدةٍ أعطيتُكَ ثُلثَ المالَ، وإنْ أجبتَ عَنْ اثنينِ أعطيتُكَ ثُلثَي المالِ، وإنْ أجبتَ عَنْ الكُلِّ أعطيتُكَ الكُلَّ».
فقال الأعرابي: أمثلك يسأل مثلي، وأنت من أهل العلم والشرف؟! فقال الحسينعليهالسلام
:«
بلى، سمعتُ جدِّي رسولَ اللهصلىاللهعليهوآله
يقول: المعروفُ بقَدرِ المعْرِفة».
فقال الأعرابي: سلْ عمّا بدا لك، فإنْ أجبتُ وإلاّ تعلّمتُ منك، ولا قوّة إلاّ بالله. فقال الحُسينعليهالسلام
:«
أيُّ الأعمالِ أفضل؟».
فقال الأعرابي: الإيمان بالله. فقال الحسينعليهالسلام
:«
فما النّجاة منَ الهَلَكة؟».
فقال الأعرابي: الثقة بالله. فقال الحسينعليهالسلام
:«
فما يزينُ الرَّجُلَ؟».
فقال الأعرابي: عِلمٌ معه حِلم.
فقالعليهالسلام
:«
فإنْ أخطأه ذلك؟
».
فقال: مالٌ معه مروءة. قال:«
فإنْ أخطأه ذلك؟
»
.
فقال: فقرٌ معه صبر. فقال الحسينعليهالسلام
:«
فإنْ أخطأه ذلك؟
»
. فقال الأعرابي: فصاعقة تنزل من السّماء فتحرقه؛ فإنّه أهلٌ لذلك.
فضحك الحسينعليهالسلام
وأعطاه صرّة فيها ألف دينار، وأعطاه خاتمه وفيه فصّ قيمته مئتا درهم، وقال:«
يا أعرابي، أعطِ الذَّهبَ إلى غُرمائِكَ، واصرفْ الخاتمَ في نفَقَتِكَ
».
فأخذ الأعرابي ذلك، وقال:(
اللهُ أعْلَمُ حيْثُ يَجْعَلُ رسَالَتَهُ
)
.
٢- قال أنس بن مالك: كنتُ عند الحسينعليهالسلام
، فدخلتْ عليه جارية فحيَّته بطاقة ريحان، فقال لها:«
أنتِ حُرّة لوجه اللهِ
».
فقلتُ تُحييك بطاقة ريحان لا خطر لها فتعتقها! قال:«
كذا أَدَّبنا الله، قال:
(
وإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِاَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ
)
. وكان أحسنَ منها عتقُها
»
.
٣- وجاء إليه أعرابي - فأنشده مقطوعة شعرية بيَّن بها
_____________________________
حاجته فقال:
لم يَخِبْ الآنَ مَنْ رَجاكَ ومَنْ
|
|
حَرَّكَ من دونِ بابِكَ الحلقَهْ
|
أنتَ جوادٌ وأنتَ مُعتمدٌ
|
|
أبوكَ قَدْ كانَ قاتلَ الفَسقَهْ
|
لولا الذي كانَ مِنْ أوائِلِكُمْ
|
|
كانتْ علينَا الجَحيمُ مُنطَبقَهْ
|
وكان الحسينعليهالسلام
يُصلّي آنذاك، فلمّا فرغ من صلاته لفّ على طرف رداء له أربعة آلاف دينار ذهب، وناوله قائلاً:
خُذهَا فإنِّي إليكَ مُعتذرٌ
|
|
واعلَمْ بأنِّي عليكَ ذُو شَفَقَهْ
|
لو كانَ في سَيرِنا الغداةَ عصاً
|
|
كانتْ سمانَا عليكَ مُندفِقَهْ
|
لكنَّ ريبَ الزَّمانِ ذو غِيَرٍ
|
|
والكفُّ منِّي قليلةُ النَّفقَهْ
|
فأخذ الأعرابي يبكي شوقاً، ثمّ تصعدت من أعماقه آهات حارة، وقال: كيف تبلى هذه الأيدي الكريمة؟!
.
عون الضعفاء:
وهذه صفة تأتي كالفرع الذي سبقها من سجيّة الكرم؛ فإنّ النّفس إذا بلغت رفعتها المأمولة حنَّت على الآخرين حنان السّحابة على الأرض، والشمس على الكواكب.
١ - وُجِد على كاهله الشريف بعد وقعة الطَّفِّ أثرٌ بليغٌ كأنّه من جُرح عدّة صوارم متقاربة، وحيث عرف الشاهدون أنّه ليس
_____________________________
من أثر جُرح عادي، سألوا علي بن الحسينعليهالسلام
عن ذلك، فقال:«
هذا ممّا كانَ ينقلُ الجرابَ على ظهرِهِ إلى مَنازلَ الأرامِلِ واليَتامَى والمساكين»
.
٢ - ويذكر بهذه المناسبة أيضاً أنّ مالاً وزّعه معاوية بين الزعماء والوجهاء، فلمّا فصلت الحمّالون، تذاكر الجالسون بحضرة معاوية أمر هؤلاء المرسَل إليهم الأموال حتّى انتهى الحديث إلى الحسينعليهالسلام
، فقال معاوية: وأمّا الحسين فيبدأ بأيتام مَن قُتلَ مع أبيه بصفيِّن، فإنْ بقي شيء نحر به الجزر وسقى به اللبن
.
ومعاوية كان من ألدِّ أعداء الحسينعليهالسلام
، ولكنّه يضطرّ الآنَ إلى أنْ يعترف بكرمه وسخائه؛ حيث لا يجد دون ذلك مهرباً.
وإلى هذا المدى البعيد يبلغ الحسينعليهالسلام
في الكرم، حتّى لَيقف عدوّه الكذّاب الذي لَم يترك أحداً من الزعماء الأبرياء إلاّ وكاد له بتهمةٍ، ووصمه بها وصمة حتّى إنّ عليّاً سيّد الصالحين، والحسن الزكي الأمينعليهماالسلام
، فإنّ معاوية هذا يقف على منبرٍ يشيد بهما وبسجاياهما المباركة.
٣ - وقالعليهالسلام
يُرغّب النّاس في الجود:
_____________________________
إذا جادَتْ الدُّنيا عليكَ فجُدْ بهَا
|
|
على النَّاسِ طُرّاً قبلَ أنْ تتفلَّتِ
|
فلا الجودُ يُفنيهَا إذا هي أقبَلَتْ
|
|
ولا البُخلُ يُبقيهَا إذا هيَ ولَّتِ
|
وفعلاً كان الحسينعليهالسلام
العامل قبل أنْ يكون القائل، وسأتلو عليكم هذه القصّة.
٤ - دخلعليهالسلام
على اُسامة بن زيد وهو على فراش المرض، يقول: وا غمَّاه! فقالعليهالسلام
:«
وما غمَّكَ يا أخي؟
».
قال: دَيني، وهو ستّون ألف درهم. فقالعليهالسلام
:«
هو عَليَّ
».
قال: إنّي أخشى أنْ أموتَ قبل أنْ يُقضى. قال:«
لَنْ تموتَ حتّى أقضيها عنكَ
».
فقضاها قبل موته
.
الشجاع البطل:
نعتقد نحن الشيعة أنَّ الأئمّة الاثنى عشرعليهمالسلام
قد بلغوا القمّة من كلِّ كمال، ولم يَدعوا مجالاً للسموّ إلاّ ولجوه، فكانوا السّابقين، بَيد أنّ الظروف التي مرّوا بها كانت تختلف في إنجاز مؤهّلاتهم بقدرها، وطبقاً لهذه الفلسفة؛ فإنّ كلّ واحد منهم اختصّ بصفة مميَّزة بين الآخرين، وإنّ ميزة الإمام الحسينعليهالسلام
هي الشجاعة والبطولة بين سائر الأئمّةعليهمالسلام
.
_____________________________
وكُلّما تصوّر الإنسان واقعة كربلاء ذات المشاهد الرهيبة، التي امتزج فيها الدمع بالدَّمِ، ويلتقي بها الصبر بالمروءة، والمواساة بالفداء، لاحت بسالة أبرز أبطالها الإمام الحسينعليهالسلام
في أروع وأبهى ما تكون بطولة في التاريخ. ولولا ما نعرفه في ذات الإمامعليهالسلام
من كفاءاته البطوليّة التي ورثها ساعداً عن ساعد، وفؤاداً عن فؤاد، ولولا الوثائق التاريخيّة التي لا يخالجها الشكّ، ولولا ما نعتقده من أنّ القدوة الروحيّة لا بدّ أنْ تكون آية الخلق ومعجزة الإله، فلربمّا شككنا في كثير من الحقائق الثابتة التي يذهل دونها العقل والفكر والضمير.
كان الإمام الحسينعليهالسلام
يوم الطَّفِّ ينزل إلى المعركة في كلِّ مُناسبة، فيكشف إسراف الخيل لتفصح عن جثمان صحابيٍّ أو هاشميٍّ يُريد بلوغَ مصرعه. ولربمّا احتدم النّزاع عنيداً شديداً بينه وبينهم وهو يحاول بلوغ مصرع مَن يريده، فكانت تعدّ كلَّ محاولة له من هذا النّوع هجمة فريدة، ومع ذلك كان يُكرّر ذلك كلَّ ساعة حتّى قُتل أصحابُه، وأبناؤه وإخوانه جميعاً.
والمصيبة ذاتها كانت ممّا ينيل من قوّة الإنسان كما تفلّ من عزيمته، والعطش والجوع يُضعفان المرء ويذهبان بكلّ طاقاته، والحَرُّ سببٌ آخر يأخذ جهداً من المرء كثيراً.
ويجتمع كلّ ذلك في شخص الحسينعليهالسلام
يوم عاشوراء، ومع ذلك فإنّه يلبس درعاً منصفاً ذو واجهة أماميّة فقط، ويهجم على
الجيش الضاري، فإذا به كالصاعقة تنقضّ، فيتساقط على جانبَيه الأبطال كما تتساقط أوراق الشجر في فصل الخريف.
فيقول بعض مَن حضر المشهد: إنّه ما رأيت أشجع منه، إذ يكرّ على الجيش فيفرّ أمامه فرار المعزى عن الأسد، وذلك في حين أنّه لم يكن آنذاك أفصح منه إنساناً.
وحينما نرجع بالتاريخ إلى الوراء نجد من الإمام الحسينعليهالسلام
بطولات نادرة في الفتوحات الإسلاميّة، ثمّ في حروب الإمام عليعليهالسلام
، إلاّ أنّها مهما بلغت من القوّة والأصالة فإنّها لا تبلغ شجاعتهعليهالسلام
يوم عاشوراء، تلك التي كانت آية رائعة في تاريخ الإنسانيّة بلا شك.
يقول العقّاد: وليس في بني الإنسان مَن هو أشجع قلباً ممَّن أقدمَ على ما أقدم عليه الحسينعليهالسلام
في يوم عاشوراء
.
الزاهد العابد:
كان الحسينعليهالسلام
يحجّ كلّ سنة، إلاّ إذا حالت دون ذلك الظروف، وكان يمشي على قدمَيه إذا حجّ، وتُقاد بجانبيه عشرات الإبل بغير راكب، فيتفقّد كلّ مسكين فقير صفرت يداه عن تهيئة راحلةٍ للحجِّ، فيسوق إليه الراحلة من الإبل التي معه.
وكان يُصلّي كلَّ ليلة ألف ركعة، حتّى سُئل نجله الإمام زين العابدينعليهالسلام
:
_____________________________
ما بال أبيك قليل الأولاد؟ فأجاب:«
إنّهُ كان يُصلِّي في كلِّ ليلةٍ ألفَ ركعة، فمَتى كان يتفرغُ للنِّساء».
الصابر الحكيم:
١ - الصبر: هو استطاعة الفرد على ضبط أعصابه في أحرج موقف. ولا ريب أنّ الإمام الحسينعليهالسلام
كان يوم عاشوراء في أحرج موقف وقفه إنسان أمام أعنف قوّة وأقسى حالة، ومع ذلك فقد صبر صبراً تعجَّبت ملائكة السّماء من طول استقامته، وقوّة إرادته، وامضاء عزيمته.
٢ - جنى عليه غلامٌ جناية توجب العقاب، فأمر به أنْ يُضرب، فقال: يا مولاي،
(
وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ
)
. قالعليهالسلام
:«
خَلُّوا عنه
».
فقال: يا مولاي،(
وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ
)
.
قالعليهالسلام
:«
قد عفوتُ عنكَ
».
قال: يا مولاي،
(
وَالله يُحِبُّ الْمحْسِنِينَ
)
. قالعليهالسلام
:«
أنتَ حُرٌّ لوجه اللهِ، ولك ضعْفُ ما كُنتُ أعطيكَ
»
.
الفصيحُ البديه:
لقد زخرت الكتب التاريخيّة بنوادره الرائعة من كلمات فصيحة يحسدها الدرُّ في ألمع نضارته وآلق روعته، وقد جُمع
_____________________________
ذلك في كتب برأسها، إلاّ أنّي ذاكر لك الآنَ شيئاً قليلاً منها:
١ - أبعد عثمانُ الصحابيَّ الكبيرَ أبا ذر (رض)، فشيَّعه عليٌّ وابناهعليهمالسلام
، فقال الإمام الحسينعليهالسلام
بالمناسبة:«
يا عمَّاه، إنّ اللهَ قادرٌ أنْ يُغيّرَ ما قد ترَى، واللهُ كلُّ يومٍ في شأن، وقد منعكَ القومُ دُنياهُمْ ومنعتَهُمْ دِينَكَ، وما أغناكَ عمَّا مَنعُوكَ، وأحوجَهُمْ إلى ما منعْتَهُمْ! فاسأل اللهَ الصَّبرَ والنَّصر، واستَعنْ بهِ منَ الجشَعِ والجزَعِ؛ فإنّ الصبرَ مِنَ الدِّينِ والكرَمِ، وإنَّ الجشعَ لا يُقدِّمُ رزْقَاً، والجزَعُ لا يُؤخِّر أجلاً»
.
٢ - جاء إليه أعرابي، فقال: إنّي جئتك من الهرقل والجعلل، والأنيم والمهمم. فتبسّم الحسينعليهالسلام
، وقال:«
يا أعرابي، لقد تكلَّمتَ بكلامٍ ما يعقلُهُ إلاّ العالِمون
».
فقال الأعرابي: وأقول أكثر من هذا، فهل أنت مُجيبي على قدر كلامي؟ فأذِن له الحسينُعليهالسلام
في ذلك، فأنشد يقول:
هفا قلبِي إلى اللَّهوِ
|
|
وقدْ ودَّعَ شَرْخَيْهِ
|
إلى تسعة أبيات على هذا الوزن.
فأجابه الحسينعليهالسلام
مثلها متشابهات، منها:
فما رسمٌ شجانِي قدْ
|
|
مُحتْ آياتُ رَسْمَيهِ
|
سفورٌ درَّجَتْ ذيليْـ
|
|
ـنِ في بوغاء قاعَيْهِ
|
_____________________________
ثمّ أخذ يُفسر ما غمض من كلامه، فقال:«
أمّا الهرقلُ: فهو ملكُ الرُّومِ. والجعللُ: فهو قصارُ النَّخلِ. والأنيمُ: بعوضُ النَّباتِ. والمهممُ: القليبُ الغزيرُ الماءِ».
وهذه كانت أوصاف الأرض التي جاء منها.
فقال الأعرابي: ما رأيت كاليوم أحسن من هذا الغلام كلاماً، وأذرب لساناً، ولا أفصح منه منطقاً
.
ومن روائعه المأثور قوله:«
شرُّ خصالِ الملوكِ الجُبنُ عَنْ الأعداءِ، والقسوةُ على الضُّعفاءِ، والبُخلُ عَنْ الإعطاءِ»
.
ومن حكمِهِ البديعة:«
لا تَتكلّف ما لا تطيقُ، ولا تَتعرّض لما لا تُدركُ، ولا تَعِد بما لا تقدرْ عليهِ، ولا تُنفق إلاّ بقدَرِ ما تستفيدُ، ولا تطلب منَ الجزاءِ إلاّ بقَدَرِ ما صنعتَ، ولا تفرح إلاّ بما نلتَ مِنْ طاعةِ اللهِ، ولا تتناول إلاّ ما رأيتَ نفسَكَ له أهلاً»
.
ومن بديع كلامه لما سُئل: ما الفضل؟ قال:«
ملكُ اللسانِ، وبذلُ الإحسانِ
».
قيل: فما النّقص؟ قال:«
التكلّفُ لما لا يُعنيكَ
».
_____________________________
الفصل الرابع: نهضته
على الطريق:
أولاً:
لم تكن الخلافة في المفهوم الإسلامي حقّاً يورث، ولكنَّ السّلطة التي استبدّت بالحكم في عصر عثمان أرادت أنْ تجعلها كذلك؛ ففي المحفل الحاشد الذي ضمّ كثيراً من المسلمين بينهم عثمان والإمام عليعليهالسلام
، جاء أبو سفيان شيخ بني اُميّة والوجيه لديهم، وهم الحزب الحاكم على الأوساط السياسيّة في البلاد الإسلاميّة ذلك اليوم، جاء يتفقّد طريقه بِعَصاً يحملها وقد كُف بصره - وكان آنذاك قد شعر بانتهاء دوره في الحياة واقتراب منيَّته - فسأل أحد الجالسين: هل في الحفل مَن يُخشى منه من غير بني اُميّة؟ قال له رجل: ليس ها هنا رجلٌ غريب. فقال: تَلَقَّفوها - أي السّلطة - تَلَقُّفَ الكرة، فو الذي يحلف به أبو سفيان، لا جنَّة ولا نار.
فأصاخ إليه كلّ سمع كان في بني اُميّة، ووعى نصيحته بكلّ التفات، ولَم يعترض عليه يومئذ سوى أمير المؤمنين عليٍّعليهالسلام
، إذ وبَّخه على إعلانه الكفر وأنَّبه، فاعتذر قائلاً: لقد كنتُ مغروراً بهذا الرجل الذي نفى وجودَ أيِّ غريب في المجلس، وإلاّ لم يكنْ من الحزم أنْ اُصارح مثلك بهذا.
وانتهى الحفل وتفرّق الجمع، إلاّ أنّه كان ذا تأثير كبير في تسيير الأوضاع السياسيّة لمستقبل المسلمين.
أجل، قد أفصح قول أبي سفيان عن خطّة له مدروسة ساعده على تنفيذها الحزب الاُموي أوّلاً، ومَن ابتغى السّلطة، بل ومَن ابتغى تقويض الاُسس الإسلاميّة لأضغان قديمة وأحقاد متراكمة.
ثانياً:
تلك هي رغبة السّيطرة على الحكم، ثمّ يَسهل عليهم كلّ ما يشاؤون.
وأبو سفيان - وهم معه - كانوا يستسهلون كلَّ صعب، ويستحسنون كلّ قبيح في سبيل ذلك، ماداموا لا يعتقدون بجنّة أو نار، ولا يؤمنون بنبيٍّ أو وصيٍّ، ولا يُبالون لأيّ مُقدَّس يُدحض، وأيّ شرف يُدنَّس، وأيّة سُمعةٍ تُساء؛ فإنّ أمامهم غاية يُبرّرون في سبيل الوصول إليها كلَّ واسطة، بل يعتبرون كلَّ واسطة تُؤدّي إليها أمراً مُقدَّساً ومُحرَّماً، تماماً كالفكرة الجاهليّة التي تمكّنت من أدمغتهم البالية.
وحينما نُجري مع الأحداث التي مرّت بالعالم الإسلامي من أواخر عهد عثمان حتّى قيام الدولة العباسيّة، نجد أوفق التفاسير لها هذا الذي قدّمناه لك الآن من كلام أبي سفيان، واعتقاده ومَن تابعه.
فالحروب التي رافقت عصر الإمام عليعليهالسلام
، والحُرمات
التي هُتكتْ في عصر معاوية، والغارات التي شُنّتْ في عهد يزيد، والمعارك التي شبَّتْ واُضرمتْ في عهد سائر الخلفاء الاُمويّين، كانت جميعاً جارية على هذا المبدأ، ومنفِّذة لهذه الخُطّة المدروسة.
فالحزب الاُموي لم يُفكّر إلاّ في ابتزاز الأموال وتشكيل السّلطان، واستعباد الخلق بكلّ وسيلة. ومَن أراد تفكيك الأحداث السياسيّة في هذه الحقبة الطويلة عن هذه الحقيقة الصريحة، فقد أراد تفكيك المعلول عن علَّته، والمسبِّب عن سببه.
الحقّ الموروث:
وهكذا فإنّ الحزب الاُموي شاء أنْ يجعل الخلافة حقّاً شخصيّاً وموروثاً منذ استبدّ بالحكم في عهد عثمان، إلاّ أنّ المسلمين أدركوا ذلك بوعيهم وبتنبُّه كبار صحابة رسول اللهصلىاللهعليهوآله
؛ أمثال أبي ذر الغفاري، وعمرو بن الحمق الخزاعي فأشعلوها ثورة أطاحت بآمال بني اُميّة، ونسفت أحلامهم وما بنوا عليها من صروح خياليّة.
بَيد أنّهم دبّروا الأمر بشكل آخر كما يعرفه الجميع، حيث طالبوا بدم عثمان، وهذه أوَّل آية تدلّ على أنّهم اعتبروا أنفسهم وارثين الخلافة بعد عثمان، وإلاّ فما كان يمكنهم أنْ يُطالبوا بذلك بعد أنْ يضمُّوا صوتهم إلى سائر أصوات المسلمين، ويبايعوا عليّاًعليهالسلام
، لا بل إنّهم يُريدونها كسرويّة وقيصريّة يرثها الحفيد، وتُبرَم
باسم الوليد وهو رضيع.
فما أغنى معاوية عن هذا الذي لجَّ فيه وتهالك عليه. لقد رفع في الشام قميص عثمان حيث حشد تحته خمسين ألف مقاتل خاضبي لحاهم بدموع أعينهم، ورافعيه على أطراف الرماح، قد عاهدوا الله ألاّ يُغمدوا سيوفهم حتّى يقتلوا قَتَلة عثمان، أو تلحق أرواحهم بالله.
هل كان نهج معاوية هو النّهج الصحيح الأمثل لإنزال القصاص باُولئك القتلة؟ أكان طريق القصاص أنْ يمتنع من البيعة للخليفة الجديد الذي اختاره المهاجرون والأنصار في المدينة، ثمّ دخل المسلمون في بيعته أفواجاً من كلّ الأمصار والأقطار؟ أكان طريق الثأر لعثمان أنْ يمتنع معاوية عن البيعة، ويتمرّد على الدولة في تلك الظروف المزلزلة التي لا تتطلّب شيئاً كما تتطلّب رأب الصدع وجمع الكلمة؟ أكانت آية ولائه وحبِّه لعثمان أنْ يجعل من ( قميصه ) المضمّخ بدمه رايةً يبعث تحتها كلّ غرائز الجاهليّة، ويدير تحتها أتعس حرب أهليّة تُزلزل الإسلام وتفني المسلمين
؟
لم يكن الهدف الثأر لعثمان، وإلاّ فما حداه إلى أنْ يكتب إلى
_____________________________
كلٍّ من طلحة والزبير يدعو كلاً منهما بإمرة المؤمنين، ويدَّعي أنّهما أحقّ بها من عليٍّعليهالسلام
، وأنّه من ورائهما ظهير، قد اتّخذ لهما البيعة من أهل الشام سلفاً؟! وإنّما كان هدفه أنْ يُثير استفزازاً في العالم الإسلامي المتوتّر، ويخرج من وراء ذلك بما يريد من الظفر بالسلطة المأمولة، والحزب الاُموي من وراء القصد.
ولنترك هذا المشهد إلى مشهد آخر. فحينما نجحت مؤامرة معاوية، وساعدته الأقدار على ابتزاز السّلطة من يد أهلها، وهيّأت له كلّ أهدافه وحقّقت له جميع شهواته، فما الذي حداه إذاً إلى استخلاف يزيد هذا السكِّير المقامر من بعده؟!
لا نستطيع تفسيراً لذلك إلاّ ما قد سبق: من أنَّ القضيّة كانت أعمق ممّا نخاله؛ فإنّها ليست قضيّة استخلاف والد ولده فقط، بل هي تحويل الخلافة إلى مُلكٍ اُمويٍّ عضوض، صرّح به مروان بن الحكم في عهد عثمان إذ قال للنّاس المحتشدين حول البلاط، يطالبون بحقوقهم الشرعيّة: ما تريدون من مُلكنا؟!
إذاً هو مُلكٌ لكم تُريدون الإبقاء عليه بما اُوتيتم من قوّة وسلطان! وراحت الأحداث تباعاً كلّها تؤكّد هذا التفسير حتّى جاء أحد الموالين لبني اُميّة، فصعد المنبر في حشد يضمّ زعماء المسلمين ذلك اليوم، ومعاوية مُتصدّر وإلى جنبه يزيد،
فنظر إلى معاوية، ثمّ إلى يزيد، ثمّ هز سيفه قائلاً: أمير المؤمنين هذا ( معاوية )، فإنْ مات فهذا ( يزيد )، وإلاّ فهذا. وهزّ السّيف، فتقبّل النّاس خوفاً من آخر الثلاثة.
ومات معاوية، وكتب يزيد إلى الولاة بأخذ البيعة له، وجاء كتابه إلى المدينة، وطلب حاكم المدينة من الحسينعليهالسلام
البيعة ليزيد فأبى، وكان من الطبيعي أنْ يأبى. ثمّ حشّد الحسينعليهالسلام
أهله وأصحابه، وسار إلى مكّة لإعلان ثورته، لا على يزيد فقط بل على الحزب الاُموي، وعلى التوتّر الذي يسود العالم الإسلامي أيضاً، ولا شكّ أنّه سوف يربح القضيّة.
وبقيعليهالسلام
في مكّة المكرمّة أيّاماً، يُعرّف النّاس مكانته السامية من الرسولصلىاللهعليهوآله
، وسابقته النّاصعة للرسالة، وقِدمه الأصيل في قضايا المسلمين.
وأرسل يزيد إلى اغتياله مئة مسلّح، فعرف الحسينعليهالسلام
ذلك، فتنكَّب الطريق وقصد الخروج إلى الكوفة. لماذا؟ لأسباب نوجزها فيما يلي:
١ - إنّه، إمّا أنْ يُعلن الحرب على بني اُميّة وأنصارهم في مكّة، وهو لا يُريد ذلك؛ لأنّه يخالف قداسة البيت وحرمته أولاً؛
ولأنّه إنْ ربحها لم يفد شيئاً؛ لأنّ من ورائه دولة مُسلّحة منتشرة قواها في كلّ مكان، في حين أنّ مكّة تكفيها سريّة تتّجه من المدينة، حيث لا تزال حكومة الاُمويّين متمكِّنة هناك، فتطحنها طحناً، بينما الكوفة هي الآن أعظم قوّة إسلاميّة على الإطلاق.
أضف إلى ذلك، أنّ هناك من اُجراءِ بني اُميّة كثيرون يُلفّقون عليه من الروايات ما هو بريء منها، كما فعلوا بالنّسبة إلى أمير المؤمنين عليٍّعليهالسلام
، والحسينعليهالسلام
لا يهمّه شيء كما يهمّه معرفة النّاس أنّه على حقٍّ، وأنّ مناوئيه على باطل حتّى يُتّبع نهج الحقّ الذي يُمثّله، ويترك نهج الباطل الذي يُمثّلونه. ولو أعلنها حرباً عليهم، لكانت النتيجة أنْ يُقتل بسيف هؤلاء الوافدين من قِبل السّلطة وتحت ألبستهم أسلحة الإجرام.
٢ - في مكّة ابنُ الزبير، وهو يزعم بأنّه أحقّ بالأمر من الحسينعليهالسلام
، ولا يهمّه أنْ يتّحد مع يزيد الذي يدّعي الآن أنّه من مناوئيه في سبيل القضاء على الحسينعليهالسلام
، كما صنع ذلك أبوه في معركة البصرة، حيث اصطفّ بجانب مناوئي عليٍّعليهالسلام
ليحظى بالخلافة دون الإمامعليهالسلام
.
٣ - الإمام الحسينعليهالسلام
لم يكنْ يُريد أنْ يشتغل به، وهناك القضيّة الكبرى، حيث تحوّلت الخلافة في الشام إلى مُلك عضوض،
وهذا انحراف يُجري الخلافة من حقٍّ إلى باطل، والاُولى أشدّ وأمرّ من الثانية قطعاً.
٤ - إنّ مجرّد سفره إلى العراق في حين يتقاطر النّاس إلى مكّة من كلّ حدب وصوب - يوم الثامن من ذي الحِجّة الحرام - إعلانٌ كافٍ لهم عن هدفه، بل هو وحده كافٍ لتنبيه أهل الأمصار والأقطار النائية بما يحدث في العاصمة من حقيقة أمر الخلافة.
ثمّ سار بموكبه الحافل يقصد الكوفة، وقد أعلنت متابعة الإمامعليهالسلام
وأعطت البيعة له، وتواعدت على الحرب معه، كما كانت تحارب مع أبيهعليهالسلام
أهلَ الشام.
ومسلم بن عقيل ابن عمّه والٍ عليهم، نافذ الكلمة، مطاعٌ أمين، ثم اختلفت الرياح السّود على الأوساط، وكما يبيّن الإمامعليهالسلام
نفسُه؛ خذلته شيعته وأنصاره، ونقضوا بيعته، وتلاشت قواه تحت ترهيب قوّة الشام وترغيبها.
وهناك سبب آخر غيّر مجرى التاريخ، وهو: التزام أنصار الحسينعليهالسلام
بالحقّ حتّى في أشدّ الظروف وأعتاها، فهذا في جانب، وفي جانب آخر عدم ارتداع أهل الشام عن أيّ جريمة، وأيّ اغتيال وخدعة.
وهنا أنقل لكم قصّتين فقط، ثمّ آتي بنظرتين لهما حتّى نعرف بالمجموع اختلاف السير والاتّجاه بين الحسينعليهالسلام
، وبين
يزيد وأنصارهما:
كان مسلم بن عقيل الحاكم على الكوفة مطلق اليد، وكان عبيد الله بن زياد قد جاء إليها ليرجعها لبني اُميّة، ويُرضي رجل من زعماء الشيعة يُدعى هاني بن عروة، فعاده ابن زياد علّه يستطيع أنْ يربحه، وكان مسلم حاضراً، فأمره هاني أنْ يختفي في مخدع، فإذا جاء ابن زياد، والي يزيد وزعيم المعارضة الاُمويّة في الكوفة، ضرب عنقه وتخلّص من شرّه وشرّ يزيد من بعده.
وجاء ابن زياد، وانتظر هاني خروج مسلم ساعة بعد ساعة تستطيل دقائقها أنْ لا يفوته الوقت، ومع ذلك فلم يوافِهِ مسلم على الوعد، فأخذ يُنشد أشعاراً يُحرّضه بتلميحٍ على قتل ابن زياد، فأحسّ ابن زياد بالسّرِّ وخرج هارباً، فلمّا جاء مسلم وبَّخه هاني على استمهاله، فقال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله
:«
المُسلمُ لا يغدُرُ
».
فقول رسول الله هو الميزان، وهو المقياس الأوّل والأخير للحركة في منطق أنصار الحسينعليهالسلام
؛ لأنّهم لا يهدفون إلى غاية سوى بلوغ مرضاة الله تعالى، ولنْ تُبلغ مرضاته بمعصيته، ولا يُطاع الله من حيث يُعصى.
وانقلبت الاُمور، وقُتل مسلم،
وجيء بخبر شهادته إلى الحسينعليهالسلام
وهو في طريقه إلى الكوفة، في منزل يُدعى ( زُبالة ).
وهو إذ ذاك أحوج ما يكون إلى أنصار يؤيِّدونه وينصرونه؛ لأنّ أمامه الكوفة المخلوعة المغلوبة على أمرها، ووراءه مكّة المحتشدة فيها قوى مناوئيه من أنصار بني اُميّة وغيرهم، ومعه الآن زهاء ألف من الأنصار، أشدّ ما يكون احتياجاً إلى الإبقاء عليهم بكلِّ وسيلة. لكنّه أبَى إلاّ أنْ يُصارحهم بالموضوع، ويُبيّن لهم سقوط حكومته في الكوفة وحرج موقفه، ويجيز لهم التخلّي عنه إنْ شاؤوا.
استمعوا إلى خطبته حينما سمع بسقوط الكوفة في أيدي بني اُميّة:«
أيّها النّاس، إنَّما جمعتُكُمْ على أنّ العراق لي، وقد أتانِي خَبرٌ فظيعٌ عن ابن عمِّي مسلمٍ يدلُّ على أنّ شيعَتَنا قد خذلتنا. فمَنْ منكُمْ يصبرُ على حرِّ السِّيوفِ وطعنِ الأسنّةِ فليأتِ معنا، وإلاّ فلينْصَرف عنَّا»
.
إنّه لا يبتغي من وراء نهضته سوى الله، وإذاً فليعمل كما يُريد الله صريحاً واضحاً فلا يخدع ولا يمكر.
_____________________________
وهنا ندع التاريخ يقصّ علينا عن أنصار يزيد قصّتين أيضاً:
١ - طلب ابنُ زياد الزعيمَ الشيعي الآنف الذكر، هاني بن عروة، ليتفاوض معه في بعض الشؤون، واغترّ الرجل وذهب إلى قصر الإمارة، فلمّا دخله أخذوه وعذّبوه ثمّ قتلوه، في حين أنّهم أعطوه الأيمان والمواثيق قبل قدومه القصر بأنّه لا يمسُّه سوء منهم.
٢ - حشّدت شيعة عليٍّعليهالسلام
أمرها، وجاءت تُحاصر قصر الإمارة تُريد إنقاذ هانئ الذي خدعوه ومكروا به، ولم يكن - إذ ذاك - على قيد الحياة، فإذا بأنصار بني اُميّة من فوق القصر يُطمْئنون النّاسَ ويُهدّئونهم بحياة هانئ، وأنّه سوف يخرج إليهم بعد إجراء بعض المفاوضات.
ثمّ راحوا يُهدّدونهم بجيش الشام، وأنّه قد اقترب من حدود الكوفة، مالهم به قِبَلٌ أبداً، ورغَّبوهم بالأموال الطائلة التي سوف تهطل عليهم من الخزينة، فإذا بالنّاس يتفرّقون قليلاً قليلاً حتّى سقطت الكوفة في أيدي هؤلاء، وأوَّل ما صنعوه قتْل مسلم بعد ما قتلوا هانئ بن عروة غدراً ومكراً.
إنّ المستفاد من تاريخ النّهضة الحُسينيّة أنّ سبب سقوطها إنّما
كان هذه القصّة بالذات، التي استقامت على وعود فارغة، وتهديد ماكر.
ثمّ حشّد ابن زياد بعد استيلائه التَّام على الكوفة جيشاً باسم محاربة الترك والدَّيلم، فلمّا اقتربت قافلة الإمامعليهالسلام
من الكوفة، وجَّهه إليه ليُقيِّده إليه أو إلى الموت، وأوّل سريّة لقيت الحسينعليهالسلام
من الجيش كانت مُكوّنة من ألف مقاتل، وعلى رأسها الحُرُّ بنُ يزيد الرياحي الذي طلب من الإمامعليهالسلام
: إمّا البيعة، وإمّا قدوم الكوفة أسيراً.
فأبى الإمامعليهالسلام
، وأخذ طريقاً وسطاً بين طريق الكوفة والمدينة، وأرسل الحُرُّ كتاباً إلى ابن زياد، فأجابه بلزوم محاربته، وحشّد إلى الإمامعليهالسلام
جيوشاً بلغ عددها أكثر من ثلاثين ألف رجل، فالتقوا على صعيد كربلاء التي تبعد عن بغداد اليوم مئةً وخمسة كيلو مترات، وعن الكوفة خمسة وسبعين كيلو متراً.
وكان ذلك اليوم عصر التاسع من شهر مُحرّم الحرام، حيث جاءت رسالة ابن زياد إلى عمر بن سعد قائد جيش بني اُميّة، يأمره بالحرب بعد منع الماء عن حرم الرسولصلىاللهعليهوآله
.
واستمهلهم الإمام الحسينعليهالسلام
سواد الليل، حتّى إذا أفصحت ليلة العاشر من المحرّم عن صبحٍ كئيب، زحف الجيش على مُخيّم أبي عبد اللهعليهالسلام
وقاوم أنصاره، وهم اثنان وسبعون بطلاً من
أشجع أبطال العالم الإسلامي، وصُرعوا واحداً بعد الآخر بعد ما أبلوا بلاءً حسناً.
وقُتل أيضاً إخوة الإمامعليهالسلام
، وعلى رأسهم بطل العلقمي أبو الفضل العبّاسعليهالسلام
، واستشهد أبناؤه حتّى الرضيع في حضن والده، ولَم يبقَ إلاّ الإمامعليهالسلام
، فزحف إلى القوم وجاهد جهاداً عظيماً، وقَتل من أهل الكوفة عدداً هائلاً، ولَمْ تمضِ إلاّ ساعات حتّى أصابه القدر سهمه الغدّار على يد حرملة الكاهلي (لعنه الله)، وأصابه الكفر برمحه على يد سنان بن أنس (لعنه الله)، وبسيفه على يد شمر بن ذي الجوشن ( لعنه الله وأعدّ له جحيماً وعذاباً أليماً )، فصُرع شهيداً رشيداً، ظامئاً مظلوماً، فعليه وعلى أنصاره ألف تحيّة وسلام.
ولما وقعت الواقعة الرهيبة، وانتهت بمصرع السّبط وأصحابه الأطهارعليهمالسلام
على أرض كربلاء بأبشع إجرام عرفه التاريخ، دوّى صداها في العالم الإسلامي، وزُلزل عرش بني اُميّة زلزالاً.
ولَم تمضِ مدّة طويلة حتّى اندلعت ثورات في كلّ مكان، واستمرّت حلقات متّصلة حتّى انتهت بسقوط الدولة الاُمويّة، وإنْ كان الأمر لم ينتهِ بسقوط بني اُميّة تماماً؛ حيث انحرفت القيادة الإسلاميّة أيضاً عن مجراها الصحيح، إلاّ أنّ ثورة أبي عبد اللهعليهالسلام
ونهضته الجبّارة كوَّنت جبهة قويّة مُتماسكة تقف دون أي انحراف يُريده المجرمون للحقِّ ومفاهيمه.
والواقع أنّنا إذا تابعنا أحداث التاريخ بدقّة، نرى أنّ كلّ دعوة صادعة ثارت على الطغيان في قرون متطاولة، إنّما كانت نابعة عن حركة الإمام الحسينعليهالسلام
.
وهكذا نستطيع أنْ نقول: إنّ نهضة الحسينعليهالسلام
ظلّت قاعدة أصيلة للحركات الإصلاحية في التاريخ الإسلامي على طول الخطِّ، وستظلّ هكذا إلى الأبد.
الفهرس
تمهيد: ٤
الفصل الأول: الوليدُ السّعيد. ٧
الفصل الثاني: بعد الرسولِ صلىاللهعليهوآله.... ١٩
الفصل الثالث: الخُلُقُ العظيم. ٣٧
الفصل الرابع: نهضته ٤٩
|