مقتل العباس (عليه السلام)
تأليف: السيد عبد الرزاق الموسوي المقرّم
تحقيق: سماحة الشيخ محمد الحسون
بسم الله الرحمن الرحيم
مُقدّمة التّحقيق:
بعد سقوط النّظام البعثي في العراق، سعى مركز الأبحاث العقائديّة - الذي اُنشئ بمباركة ودعم سماحة المرجع الديني الأعلى زعيم الحوزة العلميّة آية اللّه العظمى السيّد علي الحسيني السّيستاني دام ظلّه الوارف، وبإشراف الأخ الكريم سماحة حجّة الإسلام والمسلمين السيّد جواد الشهرستاني - إلى إعادة الروح في مكتبات العتبات المقدّسة في العراق، والتي قضى عليها وأبادها النّظام البعثي الجائر.
فكان أوّلها مكتبة الروضة الحيدريّة في النّجف الأشرف، ومكتبة الروضة الحسينيّة، ومكتبة الروضة العبّاسيّة في كربلاء المقدّسة؛ إذ قام المركز بتجهيز هذه المكتبات بكلّ ما تحتاج إليها من كُتب وأجهزة كومبيوتر، ومقاعد ومناضد، وقفصات لحفظ الكتب، وسجّاد وغيره. ولم يكتفِ المركز بذلك، بل ظلّ طيلة هذه السّنوات يدعم هذه المكتبات بما تحتاجه، وحسب الإمكانات المتوفّرة لديه.
ومن أجل دعم الحركة العلميّة في هذه المكتبات قام المركز بإحياء مجموعة من الكتب وطبعها بالتعاون مع المسؤولين فيها، منها هذا الكتاب الماثل بين أيدينا، والذي قمنا بتحقيقه وطبعه في فترة قصيرة جدّاً؛ ليحمل الرقم الأوّل من إصدارات مكتبة الروضة
العبّاسيّة، ويُوزّع في افتتاح هذه المكتبة المباركة في أوائل شعبان سنة ١٤٢٧ هـ.
ونحاول في هذه المـُقدّمة البسيطة إلقاء ضوء على حياة المؤلِّف - السيّد المـُقرّم - وكتابه هذا.
المـُؤلِّف:
هو السيّد عبد الرزاق بن محمّد بن عباس بن حسن بن قاسم بن حسّون المـُقرّم الموسوي الدغاري النّجفي. أصل اُسرتِهِ من مدينة الحسكة، وقد هاجر جدّه الأعلى قاسم بن حسّون إلى مدينة النّجف الأشرف.
وُلد في مدينة النّجف الأشرف سنة ١٣١٦ هـ - ١٨٩٨ م، وترعرع في أحضان جدّه الذي تولّى تربيته وتعليمه، وما إنْ بلغ سنّ الرشد حتّى شرع في دراسة علوم آل محمّدصلىاللهعليهوآله
في مدينة باب علمه النّجف الأشرف، وحضر عند كبار علماء عصره، مثل:
العلاّمة الشيخ محمّد جواد البلاغي (ت ١٣٥٢ هـ).
الميرزا حسين النّائيني (ت ١٣٥٥ هـ).
الشيخ محمّد حسين الأصفهاني (ت ١٣٦١ هـ).
الشيخ ضياء الدِّين العراقي (ت ١٣٦١ هـ).
السيّد أبو الحسن الأصفهاني (ت ١٣٦٥ هـ).
السيّد أبو القاسم الخوئي (ت ١٤١٣ هـ).
وذكر الشيخ محمّد حسين حرز الدِّين، حفيد الشيخ محمّد حرز الدِّين (ت ١٣٦٥ هـ) في تعليقه على كتاب جدّه ( معارف الرجال ): إنّ السيّد المـُقرّم كان من المجازين في الرواية من الشيخ آقا بُزرك الطهراني (ت ١٣٨٩ هـ)
.
كانرحمهالله
يعقد مجالس عزاء الإمام الحسينعليهالسلام
في داره، ويقرأ التعزية بنفسه، ويحضر مجلسه هذا كبار العلماء والفضلاء، وفي مُقدّمتهم المرجع الديني السيّد أبو القاسم الخوئيرحمهالله
.
ذكره الشيخ محمّد هادي الأميني (ت ١٤٢١ هـ) قائلاً: عالمٌ متتبّع، ومُجتهدٌ محقّق، مُتضلّعٌ في الفقه المقارن والتأريخ الإسلامي، مُؤلِّف مُكثر له كتب
. ومدحه وأطراه السيّد محمّد الغروي، إذ قال: عالمٌ كاملٌ، ومجتهدٌ متتبّع، مؤرّخ محقّق،... كان على جانب كبير من الورع والتّقوى، والتفاني في حبّ أهل البيت الطاهرينعليهمالسلام
، والتمسّك بحبل مودّتهم، خشناً في ذات اللّه، لا تأخذه فيه لومة لائم، بعيداً عن التكلّف والتصنّع والرياء. وكانت له خِزانةُ كُتب قيّمة، كما كانت داره ندوة الأفاضل والعلماء، ومجمع الخطباء والمؤمنين. يتجنّب التدخّل في قضايا خارجة عن نطاق عقيدته ودينه، ولم تستهوه الحياة وزخارفها. كان يقرأ مقتل الإمام السّبط الشهيدعليهالسلام
كلَّ يوم عاشوراء في حسينية النّجفيّين في كربلاء المقدّسة، منذ طلوع الشمس إلى الظهر، مع البكاء والعويل
.
____________________
وقد عُرف السيّد المـُقرّم بكثرة تآليفه القيّمة، والتي أكثرها في حياة أهل البيتعليهمالسلام
؛ منها ما هو مطبوع، ومنها لازال خطّيّاً لم يرَ النّور لحدّ الآنّ، نذكرها مُرتّبة حسب الحروف الألفبائية:
(١) الإمام زين العابدينعليهالسلام
، طُبع في النّجف الأشرف سنة ١٣٧٤ هـ.
(٢) الإمام الجوادعليهالسلام
، طُبع سنة ١٣٧١ هـ.
(٣) الإمام الرضاعليهالسلام
، طُبع بدون تأريخ.
(٤) اُرجوزة ( الأنوار القُدسيّة ) في النّبيصلىاللهعليهوآله
وأهل بيتهعليهمالسلام
.
(٥) تعليقة في الفقه المقارن على المحاضرات في الفقه الجعفري.
(٦) تنزيه المختار الثقفي، طُبع سنة ١٣٥٦ هـ.
(٧) ثامن شوّال، في حوادث هدم القبور بالبقيع وأحوال الوهابيّة.
(٨) الحسن المـُجتبىعليهالسلام
.
(٩) زيد الشهيد، طُبع سنة ١٣٧١ هـ.
(١٠) زينب بنت أمير المؤمنينعليهالسلام
.
(١١) سرّ الإيمان في الشهادة الثالثة في الأذان، طُبع سنة ١٣٧٤ هـ.
(١٢) السيّدة سكينة بنت الإمام الحسينعليهالسلام
، طُبع سنة ١٣٧٨ هـ.
(١٣) الشهيد مسلم بن عقيل، طُبع سنة ١٣٦٩ هـ.
(١٤) الصدّيقة الزهراءعليهاالسلام
، طُبع في النّجف سنة ١٣٧٠ هـ.
(١٥) عاشوراء في الإسلام.
(١٦) العبّاس [ابن عليعليهالسلام
].
(١٧) علي الأكبر ابن الإمام الحسينعليهالسلام
، طُبع سنة ١٣٦٧ هـ.
(١٨) عمّار بن ياسر.
(١٩) قداسة ميثم التمّار.
(٢٠) قمر بني هاشم، طُبع سنة ١٣٦٩ هـ.
(٢١) الكشكول في ما جرى على آل الرسولصلىاللهعليهوآله
.
(٢٢) الكنى والألقاب، مخطوط.
(٢٣) ليلة عاشوراء عند الحسينعليهالسلام
.
(٢٤) مقتل الحسينعليهالسلام
وحديث كربلاء، وهو أشهر كتبه، طُبع عدّة مرات، وتُرجم إلى اللغة الإنكليزيّة.
(٢٥) المقداد الكندي.
(٢٦) نقد التأريخ.
(٢٧) يوم الأربعين، طُبع سنة ١٣٧٧ هـ.
وقد تُوفّي السيّد المـُقرّم في مدينة النّجف الأشرف في السّابع عشر من محرم الحرام سنة ١٣٩١ هـ الموافق ١٩٧١ م، بعد عمر قضاه في خدمة الدِّين الإسلامي الحنيف ومذهب أهل البيتعليهمالسلام
، فرحمه اللّه تعالى وأسكنه مع الأئمّة الطاهرينعليهمالسلام
.
هذا الكتاب:
حينما أعلمنا مسؤول مكتبة الروضة الحسينيّة والروضة
العبّاسيّة الأخ العزيز سماحة حجّة الإسلام الشيخ علي الفتلاوي، بقرب افتتاح مكتبة الروضة العبّاسيّة، بعد تهيئة مستلزماتها، فكّرت بطبع كتابٍ عن العبّاسعليهالسلام
يكون باكورة أعمال هذه المكتبة المباركة.
وقد استشرتُ الكثير من الفضلاء وخطباء المنبر الحسيني في هذا الموضوع، فأكثرهم أشاروا عليَّ بطبع هذا الكتاب بعد تحقيقه وضبط نصّه، وفعلاً شرعنا بتحقيقه وإخراجه في فترة قصيرة.
وقد واجهنا في تحقيقه بعض المصاعب؛ لأنّ المؤلّف لم ينقل نصوصه من نفس المصادر، بل اعتمد على محفوظاته؛ لذلك شاهدنا اختلافاً بين نصوص الكتاب ومصادره، فحاولنا قدر الإمكان تصحيحها وجعلها مطابقة للمصادر، إضافة لذلك: فإنّا شاهدنا أنّ هذا الكتاب طُبع عدّة مرّات وبأسماء متعدّدة، هي: العبّاسعليهالسلام
، العبّاس بن عليعليهالسلام
، العبّاس بن أمير المؤمنينعليهالسلام
، حياة العبّاس بن عليعليهالسلام
، قمر بني هاشمعليهالسلام
. وبعد التتبّع ظهر لنا أنّ الأسماء الأربعة الاُولى كلّها مسمّيات لكتاب واحد، وضعها النّاشرون لها لعدم بيان المؤلِّف اسم كتابه هذا، لا في أوّله ولا في آخره.
أمّا الكتاب الأخير ( قمر بني هاشم ) فهو كتاب آخر، أي: أنّ للسيّد المـُقرّم كتابين عن العبّاسعليهالسلام
، ألّف أوّلاً كتاب ( قمر بني هاشم )، ثمّ ألّف كتابه الآخر ( العبّاسعليهالسلام
)، إذ أضاف في كتابه الأخير بعض الفصول لم تكن موجودة في كتابه الأوّل، وغيّر بعض
عناوينه؛ لذلك فالكتاب الأخير أكبر من الأوّل، وبينهما عموم وخصوص مطلق.
وقد ذكر المتتبّع آقا بُزرك الطهراني هذين الكتابين مشيراً إلى عدد صفحاتهما، فقال:
( حياة العبّاس بن علي )، طُبع في ٢٤٠ صفحة
.
( قمر بني هاشم )، طُبع في ١٧٦ صفحة
.
وقد وقفنا على الطبعة الاُولى للكتاب الأوّل ( قمر بني هاشم ) الذي قامت بطبعه سنة ١٣٦٩ هـ المطبعة الحيدريّة في النّجف الأشرف، وطبعته في قم أيضاً سنة ١٤١٤ هـ بالتصوير على الطبعة الأولى.
أمّا الكتاب الثاني فقد طُبع عدّة طبعات، شاهدنا منها طبعة دار الأضواء في بيروت باسم ( العبّاس بن علي )، وطبعة مكتبة الشريف الرضي في قم المقدّسة، وهي بدون تأريخ، وباسم ( العبّاسعليهالسلام
)، وهذه الطبعة هي التي اعتمدنا عليها في تحقيق ونشر هذا الكتاب.
فقد قمنا بتصحيح الكتاب قدر المستطاع، واستخراج ما يحتاج إلى تخريج من: آيات قرآنيّة كريمة، وأحاديث شريفة، وأقوال العلماء المختلفة، كلّ ذلك من المصادر الرئيسة لها، المتوفّرة لدينا.
____________________
شكر وتقدير:
ختاماً نتقدّم بجزيل الشكر والتقدير لكلّ الإخوة والأخوات الذين ساهموا في إخراج هذا الكتاب بحلّته القشيبة هذه؛ ونخصّ بالذكر الأخ العزيز المـُحقّق الاُستاذ الشيخ لؤي المنصوري، الذي
أخذ على عاتقه عملية الاستخراجات كاملة، والعمّ الاُستاذ الفاضل عبد الحسين الحسّون، وزوجته الفاضلة اُمّ علاء الحسّون، اللذان قاما بمقابلة الكتاب وتصحيح أخطائه المطبعيّة، والأخ محمّد الجبوري، والأخ نجاح خازن، والاُخت سرور الموسوي، الذين قاموا بصفّ حروف هذا الكتاب في فترة وجيزة جدّاً، فللّه درهم جميعاً وعليه أجرهم.
سيّدي ومولاي يا أبا الفضل، يا حامي الحمى، ويا باب الحوائج، ويا ساقي العِطاشى، إنّا قمنا بإحياء هذا الكتاب المتعلّق بك؛ رجاءً منّا أنْ تحمينا وأهلنا من كلِّ مكروه، وتقضي حوائجنا، وتسقينا وتشفع لنا يوم لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون.
اللهمّ، اجعله في ميزان أعمالنا إنّك أنت الرحمن الرحيم، والصلاة والسّلام على نبيّنا ومقتدانا محمّد وآله الطيبين الطاهرين، آمين ربّ العالمين.
محمّـد الحسّـون
يوم مولد الصدّيقة الزهراءعليهاالسلام
١٤٢٧هـ.
site.aqaed.com/Mohammad
muhammad@aqaed.com
بسم اللّه الرحمن الرحيم
حمداً لك اللهمّ، وصلاة على خاتم أنبيائك وخلفائه المعصومين، ورضىً بقضائك وتقديرك بأوليائك الذين تحمّلوا المشاقّ في إحياء شرعك الأقدس، فقابلوا الأخطار بكلّ طلاقة وبشاشة حتّى كرعوا حياض المَنون، وانتهلت من دمائهم الزاكية بيض الصفاح، وأمسوا بجوارك متلفّعين بالبرود القانية....
فسلاماً على أرواحهم الطاهرة، وأشلائهم المقطّعة في سبيل مرضاتك يا ربَّ العالمين.
المـُقدّمة:
إنّ للنسب مكانةً كبرى في شتّى النّواحي، فليس من المستنكر دخله في تهذيب الأخلاق، فإنّ الإنسان مهما كان مولعاً بالشهوات مستهتراً ماجناً، إذا عرف أنّ له سلفاً مجيداً، وأنّ من ينتمي إليهم أُناس مبجّلون - كما هو الشأن في جلّ البشر، إنْ لم نقل كلّهم - لا يروقه أنْ يرتكب ما يشوّه سمعتهم، وإنّما يكون جلّ مسعاه أنْ يكون خلقاً صالحاً لهم، يجدّد ذكرياتهم، ويخلّد ذكرهم الجميل بالتلفّع بمكارم الأخلاق.
ولقد جعل اللّه تعالى أبناء آدمعليهالسلام
شعوباً وقبائل ليتعارفوا
، فتشتبك الأواصر، وتتواصل الأرحام، ويحمى الجوار بالتساند والمؤازرة، ويعرفهم مَن عداهم كتلة واحدة، فيهاب جانبهم ولا تخفر ذمَّتهم، فيسود بذلك السّلام والوئام؛ ومن هنا نشاهد المَردة من قوم شعيب قالوا له لما عتَوا عن أمره:(
وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ
)
.
فإذن يكون في مشتبك الأواصر مناخُ العزّ ومأوى الهيبة، كما
____________________
قال أمير المؤمنين لابنه الحسنعليهماالسلام
:« وأكرم عشيرتَك؛ فإنّهم جناحُك الذي به تطيرُ، وأصلُكَ الذي إليه تصيرُ، ويدُكَ التي بها
تصولُ. ولا يستغني الرجلُ عن عشيرته وإنْ كان ذا مالٍ؛ فإنّه يحتاج إلى دفاعهم عنه بأيديهم وألسنتهم، وهُمْ أعظم النّاس حيطةً من ورائه، وألمّهم لشعثه، وأعظمهم عليه إنْ نزلت به نازلة أو حلّت به مصيبة. ومَن يقبض يده عن عشيرته، فإنّما يقبض عنهم يداً واحدة، وتُقبض عنه أيدٍ كثيرة »
.
ولقد جاء في الشريعة المقدّسة أحكام منوطة بمعرفة الأنساب خاصّة أو عامّة، كالمواريث والأخماس، وصلة الأرحام وديّة قتل الخطأ... إلى غيرها من فوائد النّسب التي جعلته في الغارب والسّنام من بين العلوم الفاضلة، وأكسبته الأهمية الكبرى.
وجعلت منصّة النسّابة في المحلّ الأسمى عند الديني والاجتماعي والأخلاقي
. وهو أحد العلماء الذين لكلٍّ منهم اختصاص في فنٍّ من الفنون يرجع إليه في فنّه ويُستفتى، كما يراجع
____________________
غيره من العلماء فيما اختُصّ به من الفنون.
ولقد كان عقيل بن أبي طالبعليهالسلام
- على شرف أصله وقداسة منبته ومجده الهاشمي الأثيل - نسّابة عصره، يعرف أنساب العرب وقبائلها، ويميّز بين منابت المجد والخطر، ومناخ السّوأة والخزاية، وينوّه بواسع علمه بما تتحلّى به الفصائل والعمائر من المآثر، وما ترتديه البطون والأفخاذ من شية العار.
فكان يُخشى ويُرجى من هاتين النّاحيتين، ويراجع للوقوف على لوازم الكفاية عند المصاهرة؛ تحرّياً للحصول على الدّعة في العِشرة بين الزوجين، وكرائم الأخلاق المكتسبة من إرضاع الحرائر الكريمات، وعروق الأخوال الأكارم. والشريعة المـُطهّرة تقول في نصّها على ذلك:« اختاروا لنطفكم؛ فإنّ الخال أحدُ الضجيعين »
. كما حذّرت عن خلافه:« إياكم وخضراء الدِّمَنْ »
. وفسّره صاحب الشريعة بأنّها:« المرأة الحسناء في منبت السّوء »
.
فكان عقيل - كما وصفه الصفدي - أحد الذين يتحاكّم إليهم، ويوقَف عند قولهم في علم النّسبِّ؛ لكونه العليم به وبأيّام العرب. وكانت تُبسط له طنفسة تُطرح في مسجد رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
يُصلّي عليها، ويجتمع إليه في معرفة الأنساب وأيّام العرب وأخبارهم مع ما له من السّرعة في الجواب، والمراجعة في القول
.
____________________
ومن هنا قال له أمير المؤمنينعليهالسلام
:« انظُرْ لي امرأةً قد ولدتها الفُحولةُ من العرب لأتزوّجها؛ فتلد لي غُلاماً فارساً »
. فقال له: تزوّج باُمّ البنيّن الكلابيّة؛ فإنّه ليس في العرب أشجع من آبائها
.
هكذا جاء الحديث، ولكن لا يفوت القارئ إنّا نعتقد في حملة أعباء الإمامة، شمول علمهم كُلَّ ما ذرأ اللّه سبحانه وبرأ، وما جاءت به الاُمّم من فضائل ومخازٍ، وأوصاف وعادات في كُلّ حال. وللبرهنة على هذه الدعوى مجال في غير هذا المختصر.
إذاً، فأين يقع علم عقيل وغير عقيل من واسع علم أمير المؤمنينعليهالسلام
، المتدفّق بأحوال قبائل العرب، وبمعرفة الشجعان منهم حتّى يحتاج إلى نظر عقيل؟! وهل يخفى علم ذلك على مَن كان يعلمُ الذّكر والاُنثى من النّمل كما في حديث أبي ذر الغفاري: دخلت أنا وأمير المؤمنينعليهالسلام
وادياً فيه نمل كثير، فقلت: سبحان اللّه محصيه! فقالعليهالسلام
:« لا تقلّ ذلك، وقل: سبحان اللّه باريه! فواللّه، إنّي لأحصيه وأعرف الذّكر منه والاُنثى »
.
____________________
ويقولعليهالسلام
:« إنّ شيعتنا من طينة مخزونة قبل أنْ يُخلق آدم... لا يشذّ منها شاذٌّ ولا يدخل فيها داخل، وإنّي لأعرفهم حين ما أنظر
إليهم... ولأعرفُ عدوِّي منْ صديقي »
.
« وإنّهم لَمكتوبون عندنا بأسمائِهم وأسماء آبائهم، وعشائرهم وأنسابهم »
.
فمَن كان هذا علمه لا يحتاج إلى تعرّف القبائل والبطون من عقيل، مهما بلغ من العلم والمعرفة إلى ذُرَى عالية.
نعم:
وكَمْ سائلٍ عنْ أمرِهِ وهوَ عالمـُ
فإنّه جرى صلوات اللّه عليه مجرى العادة في أمثاله، وكم لهم من ضرائب في أعمالهمعليهمالسلام
لحكمٍ ومصالح لعلّنا نُدرك بعضها، والبعض الآخر منها مطويٌّ لديهم مع أمثالها من غوامض أسرارهم.
فهذا الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله
، وهو المـُسدَّد بالفيض الأقدس والإرادة الإلهيّة، المستغني عن الاستعانة بأيّ رأيّ، يمشي وراء العادة فيشاور أصحابه إذا أراد المضيَّ في أمر، ولعلّ النّكتة فيه - مضافاً إلى ذلك - تعريف خطأ الاستبداد وإنْ بلغ الرجل أعلى مراتب العقل، فكانت الصحابة تبُصر مِن أشعّةِ حِكَمِه فوائدَ الاستشارة
____________________
كالاستخارة، وتمضي على قولهصلىاللهعليهوآله
:« مَن اُعجب برأيه ضلّ،
ومَن استغنى بعقلهِ زلّ »
، و« لا يندَمُ مَن استشارَ، ولا خابَ مَن استخارَ »
.
ولمـّا خرجصلىاللهعليهوآله
من المدينة طالباً عِير أبي سفيان، بلغه في (ذفران)
أنّ قريشاً خرجت على كُلّ صعب وذلول، شاور أصحابه، فقالصلىاللهعليهوآله
:« ما تقولونَ؟ العيرُ أحبُّ إليكُمْ أم النّفيرُ؟ »
.
فقال بعضهم: العير. وقال (رجلان): يا رسول اللّه، إنّها قريش وخيلاؤها، ما ذلّت منذُ عزّت، وما آمنت منذُ كفرت. فساءه كلامهما، وتغيّر وجهه، فقام المـُقداد بن الأسود الكندي، وقال: امضِ يا رسول اللّه لِما أمرك به اللّه ونحن معك. فواللّه، لا نقول لك ما قالت بنو إسرائيل لموسى بن عمران:(
فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ
)
. ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون ما دام منّا عينٌ تطرف؛ نُقاتل عن يمينك وعن يسارك ومن خلفك. فوالذي بعثك بالحقِّ، لو سرت بنا إلى بركِ الغَمامِ (بلاد الحبشة)، لجالدنا معك من دونه حتّى تبلغه. فضحك رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
، وأشرق وجهُهُ وسُرّ بكلامه
.
____________________
ولمـّا نزل في بدر بأقرب ماء هناك، قال له الحباب بن المنذر: أرأيت يا رسول اللّه هذا المنزل؟ منزلاً أنزلك اللّه به أمْ هو الرأي والمكيدة والحرب؟
فقال:« هو الرأي والحرب »
.
فأشار عليه بأنْ ينهض ويأتي أدنى منزل من القوم فينزل على الماء، ثُمّ يعمل حوضاً يملأه ماءً يشرب منه المسلمون، ولا يشرب منه أعداؤهم. فأخذ برأيه وارتحل حتّى أتى الماء ونزل عليه
.
ولمـّا قصده الأحزاب أراد أنْ يُصالح عيينة بن حصين، والحارث بن عوف على ثلث أثمار المدينة؛ ليرجعا بمَنْ معهما من غطفان، فشاور في ذلك سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وسعد بن فزارة، فأشاروا عليه ألاّ يُعطيهم شيئاً، فعمل بمشورتهم، وكان الفتح له
. كُلّ ذلك إيذاناً وتنبيهاً بما هو اللازم من التريّث والأخذ بحقائق الاُمور.
وسار الأئمّة من آله على هذا النّهج، فكان الإمام الرضاعليهالسلام
يذكر أباه موسى بن جعفرعليهالسلام
ويقول:« كان عقلُهُ لا يُوازَن به العقول، وربما شاورَ بعضَ عبيدِهِ فيُشير عليه من الضَّيعةِ والبُستانِ فيعمل به، فقيل له: أتشاورُ مثل هذا؟! فقال
عليهالسلام
: رُبما فُتح على لسانِهِ »
.
ولمـّا كتب إليه عليُّ بنُ يقطين بما عزم عليه موسى الهادي من
____________________
الفتك به، وأنّه سمعه يقول: قتلني اللّه إنْ لم أقتل موسى بن جعفر، فلمـّا ورد الكتاب عليه، شاور أهل بيته وشيعته وأطلعهم على الكتاب، وقال لهم:« ما تُشيرون عليَّ؟ »
.
قالوا: نشير عليك - أصلحك اللّه - أنْ تُباعد شخصك من هذا الجبّار. فلم يتباعد عن مشورتهم، ولكنّه أوقفهم على غامض أسرار اللّه من هلاك الطاغي، فكان كما قال
.
وكان الأئمّةعليهمالسلام
- وهم العالمون بما كان وما يكون - يتّخذون الوسائل العادية لدفع الأضرار عنهم إذا علموا تأخّر القضاء؛ من مراجعة الطبيب، أو الشخوص نحو المـُهيمن جلّ شأنُه، أو الشكوى إلى جدّهم النّبيِّصلىاللهعليهوآله
. ولما سُقي الإمام الحسنعليهالسلام
العسلَ المسمومَ وأعتلّ، تداوى بالحليب فعُوفي، وحين عادت إليه العلّةُ أخذ يسيراً من تُربة النّبيصلىاللهعليهوآله
ومزجها بالماء فشربه وعوفي
.
وقال الإمام الهاديعليهالسلام
لأبي هاشم الجعفري حين مرض بسامراء:« ابعثوا رجلاً إلى (الحائر) يدعو اللّه لي بالشّفاء من العلّة »
. فقال علي بن بلال: ما يصنع بالحير، أليس هو الحير
؟! فلم يدرِ أبو هاشم ما يُجيبه حتّى دخل على الهاديعليهالسلام
وحكى له قوله. فقالعليهالسلام
:« ألا قُلتَ له: إنّ رسول اللّه
صلىاللهعليهوآله
كان يطوفُ بالبيت ويُقبّل الحَجَر، وحرمةُ النّبيِّ والمؤمنِ أعظمُ من حُرمة البيتِ. وأمرَه
____________________
اللّه تعالى أنْ يقف بعرفات، وإنّما هي مواطن يُحبّ اللّه أنْ يُذكر فيها، وأنا اُحبّ أنْ يُدعَى لي حيثُ يُحبُّ اللّهُ أنْ يُدعَى فيها »
.
والغرض من هذا كلِّه، التعريف بأنّه لم يجب في التكوينات إلاّ جري الاُمور على مجاريها العاديّة وأسبابها الطبيعيّة، وأنّه لا غناء عنها لأيّ أحد، وأنّ الأئمّة من أهل البيتعليهمالسلام
وإنْ أمكنهم إعمال ما أقدرهم عليه اللّه سبحانه من التصرّفات حسبما يُريدون، لكنّهم في جميع أدوارهم مُقتدى الاُمّةِ، ومُسيّروهم إلى ما يُراد منهم من أمر الدِّين والدُّنيا، فعلى نهجهم يسير النّاس، وبأفعالهم يتأسّى البشر، وبإرشادهم تُرفع حُجبُ الأوهام.
وعلى هذا الأساس مشى أمير المؤمنينعليهالسلام
في اختيار الزوجة الصالحة.
____________________
على أنّ التأمّل في كلامه يُفيدنا عدم الاستشارة من أخيه؛ فإنّه قال لعقيل:« انظُرْ لي امرأةً قد ولدتها الفحُولةُ من العرب »
. فهوعليهالسلام
في مقام الطلب من أخيه أنْ يخطب امرأةً تصلح له، لا أنّه في مقام الاستشارة والاستطلاع منه؛ لكونه عالماً بأنساب العرب، وعارفاً ببيوتات الشرف والمنعة والفروسيّة.
سلسلة الآباء:
هو العبّاس بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام
بن عبد المـُطّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النّضر بن كنانة بن خُزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نِزار بن معد بن عدنان.
إلى هنا يقف الباحث عن الإتيان بباقي الآباء الأكارم إلى آدمعليهالسلام
، بعد ما يقرأ قول النّبيِّصلىاللهعليهوآله
:« إذا بَلغ نَسبي إلى عدنانَ فامسكُوا »
. وكأنّه نظر إلى غرابة تلكم الأسماء وتعاصيها على نطق العامّة، فكان التصحيف إليها أسرع شيء، فيعود وهناً في ساحة جلالتهم، وخفّةً في مقدارهم، وقد ولدوا الرّسول الأعظم والوصيَّ المـُقدّم صلّى اللّه عليهم أجمعين.
وكيف كان فالمـُهمّ الذي يجب الهتاف به هو كون كُلّ واحد من هؤلاء الأنجاب غير مُدنّس بشيء من رجس الجاهليّة، ولا موصوماً بعبادة وثنٍ، وهو الذي يرتضيه علماء الحقّ؛ لكونهم صدّيقين بين أنبياء وأوصياء.
وقد نزّههم اللّه تعالى في خطابه لنبيّه الأقدسصلىاللهعليهوآله
:(
وَتَقَلُّبَكَ فِي
____________________
السّاجِدِينَ
)
. فإنّه أثبت لهم جميعاً - بلفظ الجمع المـُحلّى باللام - السّجودَ الحقَّ الذي يرتضيه لهم. وإنّ ما يؤثر عنهم من أشياء مستغربة لابدّ أنْ يكون من الشريعة المشروعة لهم، أو يكون له معنىً تُظهره الدراية والتنقيب.
وليس آزر - الذي كان ينحت الأصنام وكاهن نمرود - أبا إبراهيم الخليل
عليهالسلام
، الذي نزل من ظهره؛ لأنّ أباه اسمه تارخ، وآزد:
____________________
يابنَ الذَبيِحِ ويَابنَ أعراقِ الثّرى
|
|
طَابَتْ أروُمَتَهُ وطَابَ عُرُوقُها
|
فَبَعضَ اللّومِ عاذِلَتي فَإِنّي
|
|
سَتَكفيني التَّجارِبُ وَاِنتِسابي
|
إِلى عِرقِ الثَّرى وَشَجَت عُروقي
|
|
وَهَذا المَوتُ يَسلِبُني شَبابي
|
أَنا اِبنُ الجِبالِ الشُّمِّ في عَدَدِ الحَصى
|
|
وَعِرقُ الثَّرى عِرقي فَمَنْ ذا يُحاسِبُهْ
|
إمّا أنْ يكون عمّه، كما يرتئيه جماعة من المؤرّخين، وإطلاق الأب على العمّ شائع على المجاز، وجاء به الكتاب المجيد:(
أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ
)
. فأطلق على إسماعيل لفظ الأب، ولم يكن أبا يعقوب وإنَّما هو عمُّه، كما اُطلق على إبراهيم لفظ الأب وهو جدّه.
وإمّا أنْ يكون آزر جدَّ إبراهيم لاُمّه كما يراه المنقّبون، والجدُّ للاُمّ أبٌ في الحقيقة، ويؤيّد أنّه غير أبيه قوله تعالى:(
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ
)
. فميّزه باسمه، ولو أراد أباه الذي نزل من ظهره لاستغنى بإضافة الاُبوّة عن التسمية بآزر.
وصرّح الرسولصلىاللهعليهوآله
بطهارة آبائه عن رجس الجاهليّة وسفاح الكفر، فقال:« لمـّا أراد اللّه أنْ يخلقنا، صوّرنا عمودَ نورٍ في صُلب آدم، فكان ذلك النّور يلمع في جبينه، ثمّ انتقل إلى وصيّه شيث. وفيما أوصاه به: ألاّ يضع هذا النّور إلاّ في أرحام المـُطهّرات من النّساء،
ولم تزلْ هذه الوصيّةُ معمولاً بها يتناقلها كابرٌ عن كابر، فولَدَنا الأخيارُ من الرجال والخيِّراتُ المـُطهّرات المـُهذّبات من النّساء حتّى
____________________
انتهينا إلى صُلب عبد المـُطّلب، فجعله نصفين؛ نصفاً في عبد اللّه فصار إلى آمنة، ونصفاً في أبي طالب فصار إلى فاطمةَ بنتِ أسد »
.
أمّا ( عدنان ) فقد أوضح في خطبه عن ظهور النّبيصلىاللهعليهوآله
وأنّه من ذُرّيّته وأوصى باتّباعه.
وكان ابنه ( معد ) صاحب حروب وغارات على بني إسرائيل ممّن حاد عن التوحيد، ولم يُحارب أحداً إلاّ رجح عليه بالنّصر والظفر، ولكونه على دين التوحيد ودين إبراهيم الخليل، أمر اللّه أرميا أنْ يحمله معه على البراق كيلا تُصيبه نقمة بختنصّر، وقال سبحانه لأرميا:« إنّي سأخرجُ مِنْ صُلبِهِ نبيّاً كريماً أختمُ به الرُّسلَ »
. فحمله إلى أرض الشام إلى أنْ هدأت الفتن بموت بختنصّر
.
وكان السّبب في التسمية بـ ( نزار ): إنّ أباه لمـّا نظر إلى نور النّبوّة يشعُّ من جبهته سرّه ذلك، فأطعم النّاس لأجله، وقال: إنّه نزرٌ في حقّه
. وورد النّهي عن سبّ ربيعة ومضر؛ لأنّهما مؤمنان. ومن كلام مضر: مَن يزرع شرّاً يحصد ندامةً.
و ( إلياس بن مضر ) كبيرُ قومه وسيّدُ عشيرته، وكان لا يُقضى أمرٌ دونه، وهو أوّل مَن هدى البُدنَ إلى البيت الحرام، وأوّل مَن ظفر بمقام إبراهيم لمـّا غرق البيت في زمن نوح، وكان مؤمناً موحّداً وردّ النّهي عن سبّه
.
وقد أدرك مدركة بن إلياس كلَّ عزٍّ وفخر كان لآبائه، وكان فيه
____________________
نور النّبي محمّدصلىاللهعليهوآله
.
و ( كنانة ) شيخٌ عظيمُ القدر، حَسَن المنظر، كانت العرب تحجّ إليه لعلمه وفضله، وكان يقول: قد آن خروج نبيٍّ من مكّة يُدعى أحمد، يدعو إلى اللّه، وإلى البرّ والإحسان ومكارم الأخلاق، فاتّبعوه تزدادوا شرفاً وعزّاً إلى عزّكم، ولا تُكذِّبوا ما جاء به فهو الحقّ.
وممّا يؤثر عنه: رُبّ صورةٍ تخالف المـُخبرة قد غرّت بجمالها، واختُبر قبحُ فعالها، فاحذر الصور واطلب الخبر. وكان يأنف أنْ يأكل وحده.
وولده ( النّضر ) ( قريش عند الفقهاء ) فلا يُقال لأولاد مَن فوقه: قَرشي؛ وإنّما أولاده مثل مالك وفهر، فمَن وَلَده النّضر فهو قرشي، ومَن لمْ يلده فليس بقرشي
.
وأمّا ( فهر )، فقد حارب حسّان بن عبد كلال حين جاء من اليمن في حمير؛ لأخذ أحجار الكعبة ليبني بها بيتاً باليمن يزوره النّاس، فانتصر فهرٌ واُسّر حسّان وانهزمت حمير، وبقي حسّان في الأسر ثلاث سنين، ثمّ فدى نفسه بمال كثير وخرج، فمات بين مكّة واليمن، فهابت العرب فهراً وأعظموه وعلا أمره، خصوصاً مع ما يشاهدون في جبهته من نور النّبوّة.
ويؤثر عنه قوله لولده غالب: قليلُ ما في يدك أغنى لك من كثير ما أخلق وجهك وإنْ صار إليك. وكان مُوحّداً
.
ولم يزل كعب بن لؤي يذكر النّبيَّصلىاللهعليهوآله
، ويُعلِمْ قريشاً أنّه من وُلده، ويأمرهم باتّباعه ويقول: اسمَعوا وعُوا، وتعلَّموا تَعلَموا، وتفهّموا
____________________
تَفهَموا. ليلٌ داجٍ ونهارٌ ساجٍ، والأرضُ مهادٌ والجبالُ أوتادٌ، والأوّلون كالآخرين، كلُّ ذلك إلى بلاء، فصلوا أرحامكم، وأصلحوا أحوالكم، فهل رأيتم مَن هلك رجع، أو ميّتاً نُشر؟ الدّار أمامكم، والظنّ خلاف ما تقولون، زيّنوا حرمكم وعظّموه، وتمسّكوا به ولا تفارقوه، فسيأتي له نبأٌ عظيم، وسيخرج منه نبيٌّ كريم، ثمّ قال:
نهارٌ وليلٌ واختلافُ حوادثٍ
|
|
سواءٌ عَلينا حلوُها ومريرُها
|
يؤوبانِ بالأَحداثِ حتّى تأوّبا
|
|
وبالنِّعمِ الضافي علينا ستُورُها
|
على غفلةٍ يأتِي النّبيُّ محمّدٌ
|
|
فيُخبرُ أخباراً صَدُوقاً خبيرُها
|
ثمّ قال:
يَاليتني شاهِدٌ فَحْواءَ دعوتهِ
|
|
حينَ العشيرةُ تبغي الحقَّ خُذلانا
|
ولجلالته وشرفه في قومه؛ أرّخوا بموته، ثمّ أرّخوا بعام الفيل، ثمّ بموت عبد المـُطّلب. وهو أوّل مَن سمّى: يوم الجمعة؛ لاجتماع قريش فيه، وكان اسمه في الجاهليّة العَروبة. ولمـّا جاء الإسلام أمضاه
.
و ( كلاب بن مرّة ) الجدُّ الثالث لآمنة اُمّ النّبيِّ، والرابع لأبيه عبد اللّه، كان معروفاً بالشجاعة، ونور النّبيِّصلىاللهعليهوآله
لائح في جبهته.
ولا تسل عن سيّد الحرم ( قَصي )، فلقد جمع قومه من منازلهم وأسكنهم أرض مكّة، وأمرهم بالبناء حول البيت لتهابهم العرب، فبنَوا حول جوانبه الأربعة، وجعلوا لهم أبواباً تخصُّهم؛ فباب لبني شيبة، وباب لبني جَمح، وباب لبني مخزوم، وباب لبني سهم،
____________________
وتركوا قدر الطّواف بالبيت. وبنى قصيٌّ دار النّدوة للمشاورة والتَّفاهم فيما يعرض عليهم من المـُهمّات، وتيمّنت قريش برأيه؛ وسُمّي مجمعاً.
وعند مجيء الحاجِّ، قال لقريش: هذا أوانُ الحجِّ، وقد سَمعتْ العربُ بما صنعتم وهم لكم مُعظّمون، ولا أعلمُ مَكرُمةً عند العرب أعظم من الطعام، فليخرج كلُّ إنسانٍ منكم مِن ماله خرجاً. ففعلوا وجمع مالاً كثيراً، ولمـّا جاء الحاجُّ نحر لهم على كلِّ طريقٍ من طُرق مكّة جزوراً، غير ما نحره بمكّة، وأوقد النّار بالمزدلفة ليراها النّاس
، وصنع للناس طعاماً أيام منى، وجرى عليه الحال حتّى جاء الإسلام، فالطعام الذي يصنعه السّلطان أيام منى كلَّ عامٍ من آثار قَصي
.
ومن هنا خضعت خُزاعة لقصي، وسلّمت له أمر الحرم وسدانة البيت الحرام بعد أنْ كانت عند حليلٍ، وعند قصيٍّ ابنته، وهي اُمّ أولاده.
تولّى قصيٌّ سدانة البيت؛ إمّا بوصاية من حليل - عند الموت - إليه، أو أنّها كانت عند ابنته زوج قصي بالوراثة، فقام زوجها بتدبير شؤون البيت لعجز المرأة عن القيام بهذه الخدمة، أو أنّ أبا غبشان الخُزاعي كان وصيَّ حليلٍ على هذه السّدانة، فعاوضه عليها قصيٌّ بأثواب وأذواد من الإبل.
هذا هو الصحيح المأثور في ولاية قصي سدانة البيت، ويتّفق
____________________
مع العقل الحاكم بنزاهة جدّ الرسول الأقدس خاتم الأنبياءصلىاللهعليهوآله
عمّا تأباه شريعة إبراهيم الخليلعليهالسلام
من المعاوضة بالخمر المـُحرّم في جميع الأديان.
أيجوز لجدّ الرسولصلىاللهعليهوآله
أنْ يجعل للخمر قيمة - وثمنها سحتٌ - وهو المانع عنها، المـُحذّر قومه منها؟! فإنّه قال لولده وقومه: اجتنبوا الخمر؛ فإنّها لا تُصلحُ الأبدانَ، وتُفسدُ الأذهان. فكيف يعاوض بها؟! بل لا يتحيّل إلى مطلوبه بالخمر، وهو القائل: مَن استحسن قبيحاً نزل إلى قُبحهِ، ومَن أكرم لئيماً أشركه في لؤمهِ، ومَن لمْ تُصلحه الكرامةُ أصلحه الهوانُ، ومَن طلب فوق قدرِهِ استحقّ الحرمانُ، والحسودُ هو العدوّ الخفي
.
وقد جمع أطراف المجد والشرف ( عبد مناف ) ابن قصي؛ ولبهائه وجمال منظره قيل له: ( قمرُ البطحاء ). وكان سَمحاً جواداً لا يعدم أحداً من ماله حتّى في أيام أبيه، فقيل له: ( الفيّاض ). ويُسمّى منافاً؛ لأنّه أناف على النّاس وعلا أمرُهُ حتّى ضربت له الركبان من أطراف الأرض
، وكان اسمه عبد، ثمّ اُضيف إلى مناف، فقيل له: عبد مناف. وهذا هو الصحيح المأثور.
وأمّا ما أثبته ابن دحلان في السّيرة النّبويّة مِن أنّ اُمّه أخدمته صنماً اسمه مناف، بعيد عن الصواب؛ إذ لا شكّ في نزاهة آباء النّبيصلىاللهعليهوآله
واُمّهاته في جميع أدوار حياتهم من الخضوع للأصنام؛ كرامة لحبيبه وصفيّه الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله
، فليس بصحيح ما يُقال: من أنّ في آباء النّبيصلىاللهعليهوآله
واُمّهاته مَن يعبد الصنم، أو يخضع له؛ لشهادة ما تقدّم من
____________________
الأحاديث عليه، وإليه أشار البوصيري:
لمْ تَزَلْ في ضمائرِ الكونِ تُختَا
|
|
رُ لك الأُمهاتُ والآباءُ
|
على أنّه لم يكن من الأصنام اسمه ( مناف )، وإنّما الموجود ( مناة ) بالتاء المـُثناة من فوق؛ ومن هنا كان يقول ابن الكلبي في كتاب الأصنام: ٣٢: لا أدري أين كان هذا الصنم؟ ولمَنْ كان؟ ومَن نصبه؟
.
ومنه نعرف الغلط في قول البرقي والزبير: أنّ اُمّه أخدمته مناة ( بالتاء المثناة من فوق ) فسُمّي عبد مناة، ولكن رأي قصي يوافق عبد مناة بن كنانة فحوّله عبد مناف.
وكان بيت عبد مناف أشرف بيوتات قريش
، ولسيادته كان عنده قوس إسماعيل ولواء نزار.
ومن وصيّته ما وُجد مكتوباً في بعض الأحجار: اُوصي قريشاً بتقوى اللّه جلّ جلاله، وصلة الرحم
.
وجرى ابنه هاشم على سيرته حتّى فاق قريشاً وسائر العرب، وأذعنوا له، وكان يُطعم الحاجَّ كما كان يصنع أبوه. وأصابت قريشاً سنة مُجدِبة، فخرج هاشم إلى الشام واشترى الدقيق والكعك، فهشم الخبز ونحر الجزر، وأطعم النّاس حتّى أشبعهم، وكانت مائدته منصوبةً لا ترفع في السّراء والضرّاء، وكان يحمل ابن السّبيل، ويؤمن الخائف، وإذا أهلّ هلالّ ذي الحجّة قام في صبيحته وأسند
____________________
ظهره إلى الكعبة من تلقاء بابها وخطب النّاس، فقال:
يا معشر قريش، إنّكم سادة العرب؛ أحسنها وجوهاً، وأعظمها أحلاماً، وأوسطها نسباً، وإنّكم جيران بيت اللّه، أكرمكم اللّه بولايته، وخصّكم بجواره دون بني إسماعيل، وإنّه يأتيكم زوّارُ اللّه يُعظّمون بيته فهم أضيافه، وحقّ مَنْ أكرم أضياف اللّه أنتم، فأكرموا ضيفه وزوّاره؛ فإنّهم يأتونه غبراً مِن كلِّ بلد على ضوامر كالقداح.
فوربَّ هذه البَنيَّة، لو كان لي مالٌ يحتمل ذلك لكفيتموه، وأنا مُخرجٌ من طيب مالي وحلالي ما لم يُقطع فيه رحمٌ، ولم يُؤخذ بظلمٍ، ولم يدخل فيه حرام، فمن شاء منكم أنْ يفعل مثل ذلك فعل. وأسألكم بحرمة هذا البيت، أنْ لا يخرج رجل منكم من ماله - لكرامة زوّار بيت اللّه وتقويتهم - إلاّ طيّباً؛ لم يقطع فيه رحم، ولم يُؤخذ غصباً.
فكانوا يجتهدون في ذلك، ويخرجون من أموالهم ويضعونه في دار النّدوة
.
وكان هاشم يطعم الحاجّ بمكّة ومنى وعرفة وجُمع
، وهو أوّل مَن سنّ لقريش الرحلتين؛ رحلة إلى اليمن ورحلة إلى الشام، وأخذ لهم من ملوك الروم وغسّان ما يعتصمون به
؛ وذلك إنّ تجّار قريش لمْ تعُد تجارتُهم نفس مكّة وضواحيها، وإنّما تقدمُ عليهم الأعاجم بالسّلع فيشترونها حتّى رحل هاشم إلى الشام
____________________
ونزل على قيصر، فأعجبه حُسنُ خلقه وجمال هيئته وكرمه المنهمر، فلم يحجبه، وأذن له بالقدوم عليه بالتجارة، وكتب أماناً بينهم، فارتقت منزلة هاشم بين النّاس، فكان يسافر في الشتاء إلى اليمن، وفي الصيف إلى الشام.
وشرك في تجارته رؤساء القبائل من العرب ومن ملوك اليمن والشام، وجعل له معهم ربحاً، وساق لهم إبلاً مع إبله، وكفاهم مؤونة الأسفار على أنْ يكفوه مؤنة الأعداء في طريقه ومنصرفه، فكان في ذلك صلاح عام للفريقين، فكان المـُقيم رابحاً، والمـُسافر محفوظاً، فأخصبت قريش بذلك، وأتاها الخير من البلاد العالية والسّافلة ببركة هاشم، وهذا هو الإيلاف المذكور في القرآن المجيد
.
وكان يقول في خطبته: أيُّها النّاس، نحن آلُ إبراهيم وذُرّيّة إسماعيل، وبنو النّضر بن كنانة، وبنو قصي بن كلاب، وأرباب مكّة وسُكّان الحرم؛ لنا ذروة الحسب ومعدن المجد، ولكُلٍّ في كلِّ حلفٍ يجب عليه نصرتُهُ وإجابةُ دعوتهِ، إلاّ ما دعا إلى عقوق عشيرة وقطع رحم.
يا بني قَصي، أنتم كغصنَي شجرة أيّهما كُسر أوحش صاحبَهُ، والسّيف لا يُصان إلاّ بغمده، ورامي العشيرة يُصيبه سهمُهُ، ومَن أمحكه اللّجاجُ أخرجه إلى البغي.
أيّها النّاس، الحلمُ شرفٌ، والصبرُ ظفرٌ، والمعروفُ كنزٌ، والجُودُ سُؤددٌ، والجهلُ سَفَهٌ، والأيامُ دُولٌ، والدَّهرُ غِيرٌ. والمرءُ منسوبٌ إلى فعله ومأخوذ بعمله، فاصطنعوا المعروفَ تكسبوا الحمد، ودعوا الفضولَ تُجانبكم السّفهاءُ، وأكرموا الجليسَ يعمر
____________________
ناديكم، وحاموا الخليط يُرغب في جواركم، وأنصفوا من أنفسكم يُوثق بكم. وعليكم بمكارم الأخلاق فإنّها رفعة، وإيّاكم والأخلاق الدنيّة فإنّها تضع الشرفَ وتهدم المجد، وإنّ نهنهة الجاهل أهون من جريرته، ورأس العشيرة يحمل أثقالها، ومقام الحليم عضة لمَن انتفع به
.
ولنور النّبوّة الحالّ في جبهته؛ كان وجهه يضيء في الليلة الظلماء، ولم يمرُّ بحَجرٍ ولا شجر إلاّ ناداه: أبشر يا هاشم، سيظهر مِن ذُرّيّتك أكرم خلق اللّه مُحمّد خاتم النّبيّينصلىاللهعليهوآله
.
وأوصاه أبوه عبدُ مناف بما أوصاه به أبوه قصي: أنْ لا يضع نور النّبوّة إلاّ في الأرحام الطاهرات من النّساء، وأخذَ عليه العهد بذلك، فقبل.
وقد تقدّم أنّها موروثة من آدمعليهالسلام
؛ ومن هنا رغب الأشراف من الأكاسرة والقياصرة في مصاهرة هاشم وهو يأبى، حتّى إذا رأى في المنام قائلاً يقول: عليك بسلمى بنت عمرو بن لبيد بن حداث بن زيد بن عامر بن غنم بن مازن من بني النّجّار؛ فإنّها طاهرة مُطهّرة الأذيال، ليس لها مشبه من النّساء، فادفع المهر الجزيل؛ فإنّك تُرزق منها ولداً يكون منه النّبيصلىاللهعليهوآله
.
فمشى هاشم وأخوه المـُطّلب وبنو عمِّه إلى المدينة ومعهم لواء نزار، وعليهم أفخر الثّياب والدروع، ولمـّا اجتمع القوم خطب المـُطّلب بن عبد مناف، فقال: نحن وفدُ بيت اللّه الحرام، والمشاعر العظام، وإلينا سعت الأقدام، وأنتم تعلمون شرفنا وسُؤددنا، وما خصّنا به اللّه من النّور السّاطع والضياء
____________________
اللامع، ونحن بنو لؤي بن غالب، قد انتقل هذا النّور إلى عبد مناف، ثُمّ إلى أخينا هاشم، وهو معنا من آدمعليهالسلام
، وقد ساقه اللّه إليكم، وأقدمه عليكم، فنحن لكريمتكم خاطبون، وفيكم راغبون.
فأجابه عمرو - أبو سلمى - بالقبول والإنعام، وساقوا المهر كما أرادوا.
ولمـّا تزوّج منها هاشم ودخل بها، وحملت بعبد المـُطّلب انتقل إليها النّور، وما زالت تسمع البشائر بولادة خير البشر فأفزعها ذلك، إلاّ أنّ هاشماً عرّفها أمر النّبيِّ
صلىاللهعليهوآله
.
فلمـّا ولدت عبد المـُطّلب كان يُدعى (شيبة الحمد) لكثرة حمد النّاس له؛ لكونه مفزع قريش في النّوائب، وملجأهم في الاُمور، فكان شريف قومه وسيّدهم كمالاً ورفعةً، غيرَ مُدافعٍ عن ذلك، وهو من حُلماء قريش وحُكمائها.
وقد سنّ أشياء أمضاها له الإسلام؛ حرّم نساء الآباء على الأبناء، ووجد كنزاً أخرج خمسه وتصدّق به، وسنّ في القتل مئة من الإبل، ولم يكن للطواف عدد عند قريش فسنّه سبعة أشواط، وقطع يد السّارق، وحرّم الخمر والزِّنا، وأنْ لا يطوف بالبيت عريانُ، ولا يُستقسم بالأزلام، ولا يُؤكل ما ذُبح على النَّصَب
.
وممّا يؤثر عنه: الظلوم لنْ يخرج من الدُّنيا حتّى يُنتقم منه، وإنّ وراء هذه الدارِ دارٌ يُجزى فيها المـُحسنُ بإحسانه والمـُسيء بإساءته، وإذا لم تصب الظلومَ في الدُّنيا عقوبةٌ فهي مُعدّة له في
____________________
الآخرة
.
وقيل له: الفيّاض؛ لكثرة جوده ونائله، حتّى إنّ مائدته يأكلُ منها الراكب، ثُمّ تُرفع إلى جبل أبي قُبيس لتأكل منها الطير والوحوش
.
ولعزّه المنيع وشرفه الباذخ؛ كان يُفرش له بإزاء الكعبة ولم يُفرش لأيّ أحد غيره، ولا يُجالسه على بساط الاُبّهة إلاّ نبيُّ العظمة
، وإذا أراد أحدُ أعمامه أنْ يُنحِّيه صاح به عبد المـُطّلب، وقال: إنّ له لشأناً ومُلكاً عظيماً
.
ولا غرو في ذلك بعد أنْ كان وصيّاً من الأوصياء، وقارئاً للكتب السّماويّة، ولقد أخبر أبو طالب رسولَ اللّهصلىاللهعليهوآله
فقال: كان أبي يقرأ الكتب جميعاً، وقال: إنّ مِن صُلبي نبيّاً، لوددت أنّي أدركتُ ذلك الزمان فآمنت به، فمَن أدركه من وُلدي فليؤمن به
.
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام
:« واللّه، ما عَبدَ أبي ولا جدّي عبدُ المـُطّلب، ولا عبدُ مناف ولا هاشم صنماً، وإنّما كانوا يعبدون اللّه، ويُصلّون إلى البيت على دين إبراهيم مُتمسّكين به »
.
وكان أبو طالب سيّد البطحاء شبيهاً بأبيه شيبة الحمد، عالماً بما جاء به الأنبياءعليهمالسلام
، وأخبرت به اُممُهم من حوادث وملاحم؛ لأنّه
____________________
وصيٌّ من الأوصياء، وأمينٌ على وصايا الأنبياء حتّى سلّمها إلى النّبيِّ
صلىاللهعليهوآله
.
قال درست بن منصور: قلتُ لأبي الحسن الأوّلعليهالسلام
: أكان رسولُ اللّهصلىاللهعليهوآله
محجوجاً بأبي طالب؟ قال:« لا، ولكنْ كان مُستودَعَ الوصايا فدفعها إلى النّبيِّ
صلىاللهعليهوآله
»
. قلتُ: دفعها إليه على أنّه محجوج به؟ قالعليهالسلام
:« لو كانَ محجوجاً به ما دفعها إليه »
. قلتُ: فما كان حال أبي طالب؟ قال:« أقرّ بالنّبيِّ وبما جاء به حتّى مات »
.
وقال المجلسي: أجمعت الشيعة على أنّ أبا طالب لم يعبد صنماً قطّ، وأنّه كان من أوصياء إبراهيم الخليلعليهالسلام
. وحكى الطبرسي إجماع أهل البيتعليهمالسلام
على ذلك، ووافقه ابن بطريق في كتاب المستدرك.
وقال الصدوق: كان عبد المـُطّلب وأبو طالب من أعرف العلماء وأعلمهم بشأن النّبيصلىاللهعليهوآله
، وكانا يكتمان ذلك عن الجُهّال والكفرة
.
وممّا يشهد على أنّه كان على دين التوحيد وملّة إبراهيم، أنّ قريشاً لمـّا أبصرت العجائب ليلة ولادة أمير المؤمنينعليهالسلام
، خصوصاً لمـّا أتوا بالآلهة إلى جبل أبي قُبيس ليسكن بهم ما شاهدوه، ارتجّ الجبل
____________________
وتساقطت الأصنام، ففزعوا إلى أبي طالب؛ لأنّه مفزع اللاجىء وعصمة المـُستجير، وسألوه عن ذلك، فرفع يديه مبتهلاً إلى المولّى جلّ شأنه، قائلاً: إلهي، أسألك بالمحمّديّة المحمودة، والعلويّة العالية، والفاطميّة البيضاء إلاّ تفضّلت على تهامة بالرأفة والرحمة. فسكن ما حلّ بهم، وعرفت قريش هذه الأسماء قبل ظهورها؛ فكانت العرب تكتب هذه الأسماء وتدعو بها عند المـُهمّات، وهي لا تعرف حقيقتها
.
ومن هنا اعتمد عليه عبد المـُطّلب في كفالة الرسولصلىاللهعليهوآله
وخصّه به دون بنيه، وقال:
وصَّيتُ مَنْ كَنَّيتهُ بطالبِ
|
|
عبدَ منافٍ وهو ذو تجاربِ
|
بابنِ الحبيبِ أكرمِ الأقاربِ
|
|
بابن الّذي قَدْ غابَ غيرَ آيبِ
|
فقال أبو طالب:
لا تُوصني بلازم وواجبِ
|
|
إنّي سمعتُ أعجبَ العجائبِ
|
مِنْ كُلِّ حَبرٍ عالمٍ وكاتبِ
|
|
بانَ بحمدِ اللّهِ قولُ الرَّاهبِ
|
فقال عبد المـُطّلب: انظر يا أبا طالب، أنْ تكون حافظاً لهذا الوحيد الّذي لم يَشمّ رائحة أبيه، ولم يذقْ شفقة اُمّه، انظر أنْ يكون مِن جسدك بمنزلة كبدك؛ فإنّي قد تركت بنيّ كُلَّهم وخصصتك به؛ لأنّك من اُمّ أبيه. واعلم فإنّ استطعت أنْ تتبعه فافعل، وانصره بلسانك ويدك ومالك؛ فإنّه واللّه، سيسودكم ويملك ما لا يملك أحد من آبائي، هل قبلت وصيّتي؟
قال: نعم، قد قبلتُ، واللّه على ذلك شاهد.
____________________
فقال عبد المـُطّلب: مدّ يدَك. فمدّ يده فضرب بيده على يد أبي طالب، ثم قال عبد المـُطّلب: الآن خُفف عليَّ الموت. ولم يزل يُقبّله ويقول: أشهدُ أنّي لم أرَ أحداً في وُلدي أطيبَ ريحاً منك، ولا أحسنَ وجهاً
.
وفرح أبو طالب بهذه الحظوة من أبيه العطوف، وراح يدّخر لنفسه السّعادة الخالدة بكفالة نبيّ الرحمة، فقام بأمره، وحماه في صغره بماله وجاهه من اليهود والعرب وقريش، وكان يؤثره على أهله ونفسه، وكيف لا يؤثره وهو يشاهد من ابن أخيه - ولمـّا يبلغ التاسعة من عمره - هيكل القدس يملأ الدست هيبةً ورجاحة، أكثر ضحكه الابتسام، ويأنس بالوحدة أكثر من الاجتماع.
وإذا وضع له الطعام والشراب لا يتناول منه شيئاً إلاّ قال:« بسمِ اللّهِ الأحد »
. وإذا فرغ من الطعام حمد اللّه وأثنى عليه، وإنْ رصده في نومه شاهد َالنّور يسطع من رأسه إلى عنان السّماء
.
وكان يوماً معه بذي المجاز، فعطش أبو طالب ولم يجد الماء، فجاء النّبيصلىاللهعليهوآله
إلى صخرة هناك وركلها برجله، فنبع من تحتها الماء العذب
. وزاد على ذلك، توفر الطعام القليل في بيته حتّى أنّه يكفي الجمع الكثير إذا تناول النّبيُّصلىاللهعليهوآله
منه شيئاً
. وهذا وحده كافٍ في الإِذعان بأنّ أبا طالب كان على يقين من نبوّة ابن أخيه محمّدصلىاللهعليهوآله
.
____________________
أضف إلى ذلك قوله في خطبته لمـّا أراد أنْ يزوّجه من خديجة: وهو واللّه، بعد هذا له نبأٌ عظيم، وخطرٌ جليل
. وفي وصيّته لقريش: إنّي اُوصيكم بمحمّدٍ خيراً؛ فإنّه الأمينُ في قريش، والصدّيقُ في العرب، وهو الجامع لكُلِّ ما أوصاكم به، وقد جاء بأمرٍ قِبَله الجنان
.
ولمـّا جاء العبّاس بن عبد المـُطّلب يخبره بتألّب قُريش على معاداة الرسولصلىاللهعليهوآله
، قال له: إنّ أبي أخبرني أنّ الرسول على حقٍّ، ولا يضرّه ما عليه قريش من معاداة له، وإنّ أبي كان يقرأ الكتب جميعاً، وقال: إنّ من صُلبي نبيّاً، لوددت أنّي أدركته فآمنت به، فمَن أدركه فليؤمن به
.
واستشهاده بكلمة أبيه القارئ للكتب، مع أنّه كان يقرؤها مثله، يدلّنا على تفنّنه في تنسيق القياس وإقامة البرهان على صحة النّبوّة، وأنّ الواجب اعتناق شريعته الحقَّة؛ أمّا هو نفسه، فعلى يقين من أنّ رسالة ابن أخيهصلىاللهعليهوآله
خاتمة الرُّسل، وهو أفضل مَن تقدّمه قبل أنْ يشرق نور النّبوّة على وجه البسيطة،
____________________
ولم تُجهل لديه صفات النّبي المبعوثصلىاللهعليهوآله
.
وعلى هذا الأساس؛ أخبر بعضُ أهل العلم من الأحبار حينما أسرّ إليه بأنّ ابن أخيه محمّدصلىاللهعليهوآله
الروح الطيّبة، والنّبي المـُطهّر على لسان التوراة والإنجيل، فاستكتمه أبو طالب الحديثَ كي لا يفشوا الخبر، ثمّ قال له: إنّ أبي أخبرني أنّه النّبيُّ المبعوث، وأمر أنْ أستر ذلك؛ لئلاّ يغرى به الأعادي.
ولو لمْ يكن مُعتقداً صدق الدَّعوة، لما قال لأخيه حمزة لمـّا أظهر الإسلام:
فصَبْراً أبا يَعلَى على دينِ أحمدٍ
|
|
وكُنْ مُظهراً للدِّين وُفّقتَ صابِرَا
|
وحطْ مَن أتى بالدِّين مِن عندِ ربِّهِ
|
|
بصدقٍ وحقٍّ لا تكُنْ حمزَ كافرَا
|
فقدْ سَرّني إذْ قلتَ إنّك مُؤمنٌ
|
|
فكُنْ لرسولِ اللّهِ في اللّهِ ناصرَا
|
ونادِ قُريشاً بالذي قَدْ أتيتَهُ
|
|
جهاراً وقُلْ ما كان أحمدُ ساحرَا
|
وقال رادّاً على قريش:
أَلَمْ تَعْلَموا أنّا وجدنا محمّداً
|
|
نبيّاً كموسى خُطَّ في أوّلِ الكُتُبِ
|
____________________
وقال:
وأَمسَى ابنُ عبدِ اللّهِ فينا مُصدّقاً
|
|
على سَخَطٍ مِنْ قَومِنا غيرَ مُعتبِ
|
وقال:
أمينٌ مُحبٌّ في العبادِ مُسوّمٌ
|
|
بخاتمِ ربٍّ قاهرٍ للخواتمِ
|
يرى النّاسُ بُرهاناً عليه وهيّبةً
|
|
وما جاهلٌ في فعلِهِ مثلُ عالمِ
|
نبيٌّ أتاه الوحيُ منْ عندِ ربِّهِ
|
|
فمَنْ قال لا يقرعْ بها سنَّ نادمِ
|
وممّا خاطب به النّجاشي:
تَعَلَّمْ خيارَ النّاسِ أنّ مُحمّداً
|
|
نبيٌّ كموسى والمسيحِ بنِ مريمِ
|
أتَى بالهُدى مثلَ الذي أتيَا بهِ
|
|
فكُلٌّ بأمرِ اللّه يهدي ويَعصمُ
|
وإنّكُمُ تتلونَهُ في كتابكُمْ
|
|
بِصدقِ حديثٍ لا حديثِ المـُترجمِ
|
فلا تجعلوا للّهِ نِدَّاً وأسلموا
|
|
فإنّ طريقَ الحقِّ ليسَ بمُظلِمِ
|
وقال:
اذهبْ بُنيَّ فمَا عليكَ غَضاضَة
|
|
اذهبْ وقرَّ بذاك مِنكَ عُيون
|
واللّهِ لنْ يَصلوا إليكَ بجمعِهمْ
|
|
حتّى اُوسّدَ في التّرابِ دفينا
|
ودعوتني وعلمتُ أنّكَ ناصحي
|
|
ولقد صدقتَ وكُنتَ قَبلُ أمينا
|
____________________
وذكرتَ دِيناً لا محالةَ أنّهُ
|
|
مِنْ خير أديانِ البريَّةِ دِينا
|
وبعد هذه المصارحة، هل يخالج أحداً الريبُ في إيمان أبي طالب؟
وهل يجوز على مَن يقول:«... إنّا وجدنا محمّداً نبيّاً كموسى... »
إلاّ الاعتراف بنبوّته والإقرار برسالته كالأنبياء المـُتقدّمين؟
وهل يكون إقرار بالنّبوّة أبلغ من قوله:« وأَمسَى ابنُ عبدِ اللّهِ فينا مُصدّقاً...؟ »
وهل فرق بين أنْ يقول المـُسلم: أشهد أنْ لا إله إلاّ الله، وبين أنْ يقول:
وإنْ كانَ أحمدُ قَدْ جاءَهُمْ
|
|
بصدقٍ ولم يُتَّهمْ بالكَذبْ؟
|
أو يعترف الرجلُ بأنّ محمّداًصلىاللهعليهوآله
كموسى وعيسىعليهماالسلام
جاء بالهدى والرشاد مثل ما أتيا به، ثُمّ يُحكم عليه بالكفر؟
وهل هناك جملة يعبّر بها عن الإسلام أصرح من قول المسلم:
وذكرتَ دِيناً لا محالةَ أنّهُ
|
|
مِنْ خير أديانِ البريَّةِ دِينا؟
|
كلّا، ولو لم يعرف أبو طالب من ابن أخيه الصدقَ فيما أخبر به لَما قال له بمحضر قريش؛ ليريهم من فضله وهو به خبيرٌ وجنانُهُ طامنٌ: « يابن أخي، اللّه أرسلك »؟
____________________
قالصلىاللهعليهوآله
:« نعم »
.
قال: إنّ للأنبياء معجزةً وخرقَ عادةٍ، فأرنا آية؟
قالصلىاللهعليهوآله
:« يا عمُّ، ادعُ تلك الشجرةَ وقُل لها، يقول لك محمّدٌ بنُ عبد اللّه: أقبلي بإذن اللّه »
. فدعاها أبو طالب، فأقبلت حتّى سجدت بين يديه، ثُمّ أمرها بالانصراف فانصرفت، فقال أبو طالب: أشهدُ أنّك صادق. ثُمّ قال لابنه عليعليهالسلام
: يا بُنيَّ الزمه
.
وقال يوماً لعليٍّعليهالسلام
: ما هذا الذي أنت عليه؟
قال:« يا أبة، آمنتُ باللّهِ ورسولهِ، وصدّقتُ بما جاء به، ودخلتُ معه واتَّبعتُهُ »
. فقال أبو طالب: أما أنّه لا يدعكَ إلاّ إلى خير فالزمه
.
وهل يجد الباحث بعد هذا كُلّه ملتحداً عن الجزم بأنّ شيخ الأبطح كان مُعتنقاً للدّين الحنيف، ويكافح طواغيت قريش حتّى بالائتمام مع النّبيصلىاللهعليهوآله
في صلاته وإنْ أهمله فريق من المؤرّخين؛ رعايةً لِما هُم عليه من حُبّ الوقيعة في أبي طالب ورميه بالقذائف؛ حنقاً على ولده (الإمام) الذي لم يتسنّ لهم أي غميزة فيه، فتحاملوا على اُمّه وأبيه إيذاءً له، وإكثاراً لنظائر مَن يرومون إكباره وإجلاله ممّن سبق منهم الكفر، وحيث لمْ يسعهم الحطُّ من كرامة النّبيصلىاللهعليهوآله
، أو الوصيّعليهالسلام
عمدوا إلى أبويهما الكريمين، فعزوا إليهما الطّامّات، وربما ستروا ما يُؤثر عنهما من الفضائل إيثاراً لما يروقهم اثباته!!
____________________
ويشهد لذلك ما ذكره بعض الكتّاب عند ذكرى أسرى بدر، فقال: وكان من الأسرى عمُّ النّبي، وعقيل ابن عمّه ( أخو علي )
!
فإنّه لو كان غرضه تعريف المأسور، لكان في تعريف عقيل بأنّه ابن عمّ النّبيصلىاللهعليهوآله
كفاية، كما اكتفى في تعريف العبّاس بأنّه عَمُّ النّبيصلىاللهعليهوآله
، ولم يحتج أنْ يكتب بين قوسين (أخو علي)! وأنت تعرف المراد من ذكر هذه الكلمة بين قوسين، وإلى أيّ شيء يرمز بها الكاتب، ولكن فاته الغرض، وهيهات الذي أراد ففشل!
ثُمّ جاء فريق آخر من المؤرّخين يحسبون حصر المصادر في ذوي الأغراض المستهدفة، وأنّ ما جاؤوا به حقائق راهنة، فاقتصر على مرويّاتهم ممّا دبَّ ودرج، وفيها الخرافات وما أوحته إليهم الأهواء والنّوايا السيّئة؛ ومن هنا اُهملت حقائق ورويت أباطيل، فعزوا إلى أبي طالب قوله: إنّي لا اُحبّ أنْ تعلوني اُستي »!
____________________
ثُمّ رووا عنه أنّه قال لرسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: ما هذا الدِّين؟
قال رسول اللّه:« دينُ اللّه ودينُ ملائكتهِ ورُسلهِ، ودين أبينا إبراهيم، بعثني اللّه به إلى العباد، وأنت أحقُّ مَن دعوته إلى الهدى، وأحقُّ مَن أجابني »
.
____________________
فقال أبو طالب: إنّي لا استطيع أنْ اُفارق ديني ودين آبائي. واللّه، لا يخلص إليك من قريش شيءٌ تكرههُ ما حييت
.
فحسبوا من هذا الكلام أنّ أبا طالب ممّن يعبد الأوثان، كيف! وهو على التوحيد أدلّ.
وجوابه: هذا من أنفس التورية وأبلغ المحاورة؛ فإنّ مراده من قوله لرسول اللّهصلىاللهعليهوآله
عقيب قولهصلىاللهعليهوآله
:« أنت أحقُّ مَن دعوته »
. إنّي لا أستطيعُ أنْ اُفارق ديني ودين آبائي؛ الاعتراف بإيمانه، وأنّه باقٍ على الملّة البيضاء، وحنيفيّة إبراهيم الخليلعليهالسلام
الذي هو دين الحقّ والهدى، وهو دينه ودين آبائه، ثُمّ زاد أبو طالب في تطمين النّبيصلىاللهعليهوآله
بالمـُدافعة عنه مهما كان باقياً في الدُّنيا.
نعم، مَن لا خبرة له بأساليب الكلام وخواصّ التورية يحسب أنّ أبا طالب أراد بقوله: إنّي لا اُفارق ديني الخضوع للأصنام، فصفّق طرباً واختال مرحاً. وجاء الآخر يعتذر عنه: بأنّه كان يراعي بقوله هذا، الموافقة لقريش؛ ليتمكّن من كلائة النّبيِّصلىاللهعليهوآله
وتمشية دعوته.
نحن لا نُنكر أنّ شيخ الأبطح كان يلاحظ شيئاً من ذلك، ويروقه مداراة القوم في ما يمسّ بكرامة الرسولصلىاللهعليهوآله
للحصول على غايته الثمينة، لكنّا لا نوافقهم في كلّ ما يقولون: من انسلاله عن الدِّين الحنيف انسلالاً باتّاً؛ فإنّه خلاف الثابت من سيرته حتّى عند رواة تلكم المـُخزيات، ومُهملي الحقائق النّاصعة حذراً عمّا لا يُلائم خطّتهم، فلقد كان يُراغم اُولئك الطواغيت بما هو أعظم من التّظاهر بالإيمان، والائتمام بالصلاة مع النّبيصلىاللهعليهوآله
.
____________________
وإنّ شعرّه الطافح بذكر النّبوّة والتصديق بها سرت به الركبان، وكذلك أعماله النّاجعة حول دعوة الرسالة:
ولولاَ أبُو طَالبٍ وابنِهِ
|
|
لما مَثِّلَ الدِّين شَخْصاً فَقامَا
|
فَذاكَ بِمكَّةَ آوَى وحَامَا
|
|
وهذا بيثرِبَ جَسّ الحِمامَا
|
تَكفّلَ عَبدُ مُناف بأمرٍ
|
|
وأَودَىَ فَكَان عليٌّ تَمامَا
|
فللهِ ذا فَاتِحٌ للهُدَى
|
|
وللّه ذا للمَعالِي خِتامَا
|
وما ضرَّ مَجدَ أبي طَالبٍ
|
|
عَدوٌّ لَغَا أو جَهولٌ تعامَى
|
____________________
=
وأمّا أمير المؤمنين (عليه السلام) فيخرس البليغ عن أنْ يأتي على صفاته، ويقف الكاتب مُتردّداً، وما عساه أنْ يقول في مَن قال فيه أبوه أبو طالب، لمـّا فزعت قريش إليه ليلة ولادة أمير المؤمنينعليهالسلام
إذ أبصروا عجائب لم يروها، ولم يسمعوا بها:
« أيّها النّاس، سيظهر في هذه الليلة وليٌّ من أولياء اللّه، يُكمّل فيه خصالَ الخير، ويُتمّ به الوصيّين، وهو إمام المتقين وناصر الدِّين، وقامع المشركين وغيظ المنافقين، وزين العابدين ووصيِّ رسول ربِّ العالمين؛ إمامُ هدىً، ونجم علاً ومُصباح دجىً، ومبيد الشرك والشبهات، وهو نفس اليقين ».
____________________
ولم يزل يُكرّر هذا القول، وهو يتخلّل سكك مكّة وأسواقها حتّى أصبح
.
ويقول رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
:« ضربةُ عليٍّ عمرَو بن ود تعدل عِبادةَ الثقلين »
. وقال يوم خيبر:« لأعطينّ الراية رجلاً يُحبُّ اللّهَ ورسولَهُ ويُحبُّهُ اللّهُ ورسولُهُ، لا يرجع حتّى يفتح »
. فأعطاها لعليٍّعليهالسلام
، وكان الفتح على يده
.
وبعد هذا فلنقف عن الإتيان بما أودع اللّه فيه من نفسيات وغرائز، شكرها له الإسلام. نعم، يجب أنْ نلفت القارئ إلى شيء أكثر البحث فيه رواة الحديث، وهو: الإسلام حال الصغر، وتردّدت الكلمة في الجوامع، وتضاربت فيها الأقوال، ولا يهمّنا إطالة القول فيها:
____________________
١ - فإنّا لا نقول: إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) أوّل مَن آمن، وإن كانْ هو أوّل مَن وافق الرسولصلىاللهعليهوآله
على مبدأ الإسلام لمـّا صدع بالأمر، ولكنّا نقول: متى ( كفر ) عليٌّ حتّى يُؤمن؟! وإنّما كان هو وصاحب الدعوة الإلهيّة عارفين بالدِّين وتعاليمه، مُعتنقين له منذ كيانهما في عالم الأنوار قبل خلق الخلق، غير أنّ ذلك العالم مبدأ الفيض الأقدس، ووجودهما الخارجي مجراه، فمحمّدٌ نبيٌّ وعليٌّ وصيٌّ، وآدم بين الماء والطّين صلّى اللّه عليهم أجمعين.
٢ - على أنّ نبيّ الإسلام، وهو العارف بأحكامه، والذي خطّط لنّا التكاليف قبل إسلام ابن عمِّه، وأنجز له جميع ما وعده به؛ من الإخوّة والوصاية والخلافة يوم أجاب دعوته، وآزره على هذا الأمرِ وقد اُحجم عنه عندما نزلت آية:(
وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ
)
.
وهل ترى أنّ النّبيصلىاللهعليهوآله
كان يومئذ يجدُ في شريعته عدم
____________________
الجدوى بإسلام مثل عليعليهالسلام
لصغره، إلاّ أنّه حاباه؟ كلاّ وحاشا ...!
وإنّما قابله بكلّ ترحيب، وخوّله ما لا يخوّل أحداً صحة إسلامه عنده، بحيث كان على أساس رصين، فاتّخذه رِدءاً كمن اعتنق الدِّين عن قلبٍ شاعرٍ ولبٍّ راجحٍ وعقليةٍ ناضجة؛ يغتنم بذلك محاماته، ومرضاة أبيه في المستقبل.
وإذا أكبرنا النّبي الأعظمصلىاللهعليهوآله
عن كلّ مداهنة ومصانعة، فلا نجد مسرحاً في المقام لأيّ مقال، إلاّ أنْ نقول: إنّ إسلام عليعليهالسلام
كان عن بصيرة وثبات مقبول عند اللّه ورسوله، وكان ممدوحاً منهما عليه.
كما تمدّح بذلك أمير المؤمنينعليهالسلام
غير مرّة، وهو أعرف الاُمّة بتعاليم الدِّين بعد النّبي الكريمصلىاللهعليهوآله
، فقال:« أنا الصدّيقُ الأكبرُ، لا يقولُها بعدي إلاّ كاذبٌ مفترٍ؛ صلّيتُ مع رسول اللّه قبل النّاس بسبع سنين »
.
____________________
وقال له رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
:« أنت أوّلُ المـُؤمنينَ إيماناً وإسلاماً »
.
كما مدحته الصحابة بذلك - وهم أبصر من غيرهم - يوم كانوا يغترفون من مستقى العلم ومنبع الدِّين.
وعلى هذا الأساس تظافر الثناء عليه من العلماء والمؤلّفين، والشعراء وسائر طبقات الاُمّة بأنّه أوّل مَن أسلم، لكن هناك ضالع في سيره حَسبَ شيئاً فخانته هاجستًه وهوى إلى مدحرة الباطل، فقال: إنّ عليّاً أسلم وهو صغير؛ يُريد بذلك الحطَّ من مقامه وليس هناك.
٣ - ولو تنازلنا عن جميع ذلك، فمِنْ أين عَلِمنا أنّ اشتراط البلوغ في التكليف كان مشروعاً في أوّل البعثة؟ فلعلّه كبقية الأحكام التدريجيّة نزل به الوحي فيما بعد، ولقد حكى الخفاجي في شرح الشفا ٣ / ١٢٥، في باب دعاء النّبيصلىاللهعليهوآله
على صبيٍّ، عن البرهان الحلبي والسّبكي: إنّ اشتراط الأحكام بالبلوغ إنّما كان بعد واقعة اُحد. وعن غيرهما: إنّه بعد الهجرة. وفي السّيرة الحلبيّة ١ / ٣٠٤: إنّ الصبيان يومئذ مكلّفون، وإنّما رُفع القلمُ عن الصبيِّ عام خيبر. وعن البيهقي: إنّ
____________________
الأحكام إنّما تعلّقت بالبلوغ في عام الخندق أو الحديبية، وكانت قبل ذلك منوطة بالتمييز
.
٤ - على أنّا معاشر الإماميّة نعتقد في أئمّة الدِّين، بأنّهم حاملون أعباء الحُجّة، متحلّون بحليّ الفضائل كُلّها منذ الولادة، كما بُعث عيسى في المهد نبيّاً، واُوتي الحكم يحيى صبيّاً، غير أنّهم بين مأمور بالكلام، أو مأمور بالسّكوتِ حتّى يأتي أوانُه، فلهم أحكامٌ خاصّة غير أحكام الرعيّة، ومِن أقلّها قبول إجابة الدعوة ونحوها.
____________________
فإذاً لا مساغ لأيّ أحد البحث في المسألة.
هذه هي السّلسلة الذهبيّة التي تحلّى بها أبو الفضلعليهالسلام
، وهي ( آباؤه الأكارم )، وقد اتّحد مع كُلِّ حلقة منها الجوهرُ الفرد لإثارة الفضائل، فما منهم إلاّ مَن أخذ بعضادتي الشرف، وملك أزمّة المجد والخطر، قد ضَمّ إلى طيب المَحتِد عظمة الزعامة، وإلى طهارة العنصر نزاهة الإيمان، فلا ترى أيّاً منهم إلاّ منارَ هدىً وبحرَ ندىً، ومثالَ تُقىً وداعية إلى التوحيد وإلى بسالة وبطولة، وإباء وشِمم.
وهم الّذين عرّقوا في سيّدنا العبّاسعليهالسلام
هذه الفضائل كُلّها، وإنْ كان القلم يقف عند انتهاء السّلسلة إلى أمير المؤمنينعليهالسلام
، فلا يدري اليراع ما يخطّ من صفات الجلال والجمال، وأنّه كيف عرّقها في وَلدهِ المحبوب ( قمر الهاشميّين ).
الأعمام:
هلمّ معي أيّها القارئ لنقرأ صحيفة بيضاء مختصرة من حياة أعمام أبي الفضلعليهالسلام
، الّذين هُم أغصان تلك الشجرة التي أصلها ثابت وفرعها في السّماء؛ فإنّ للعمومة عِرقاً يضرب في نفسيّات المولود من فضائل وفواضل، وقد جاء في الحديث:« الولدُ، كما يُشبهُ أخوالَهُ يُشبهُ أعمامَهُ »
.
____________________
وقبل الإتيان على ما حباهم به المولى من الآلاء، نستعرض اليسير من حياة عَمِّ الرسولصلىاللهعليهوآله
، الّذي لم يزل يفتخر به في مواطن شتّى، ألا وهو الحمزة بن عبد المـُطّلب.
وما أدراك ما حمزة، وما هو! وهل تعلم ماذا عنى نبيُّ العظمة من وصفه بـ« أسد اللّه وأسد رسوله »
؟ وهل أنّه أراد الشدّة والبسالة فحسب؟ لا؛ لأنّهصلىاللهعليهوآله
أفصح مَن نطق بالضّاد، وكلامُه فوق كلام البلغاء، فلو كان يُريد خصوص الشجاعة لكان حقّ التعبير أنْ يأتي بلفظ ( الأسد ) مُجرّداً عن الإضافة إلى اللّه سبحانه وإلى رسوله، كما هو المـُطّرد في التشبيه به نظماً ونثراً.
وحيث أضافه الرسولصلىاللهعليهوآله
إلى ذات الجلالة والرسالة فلا بدّ أنْ يكون لغاية هناك اُخرى، وليست هي إلاّ إفادة إنّ ما فيه مِن كرٍّ وإقدام، وبطش وتنمّر مخصوص في نصرة كلمة اللّه العُليا، ودعوة
____________________
الرسولصلىاللهعليهوآله
، وهذا أربى من غيره وأرقى، فكان سلام اللّه عليه من عمد الدِّين، وأعلام الهداية؛ ولذلك وجب عليه الاعتراف بفضله، وبما حباه المولى سبحانه من النّزاهة التي لا ينالها أحد من الشهداء، وكان ذلك من مكمّلات الإيمان، ومتمّمات العقائد الحقّة.
يشهد له ما في كتاب ( الطرف ) للسيّد ابن طاووس: إنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
قال لحمزة في الليلة التي اُصيب في يومها:« إنّك ستغيب غيبةً بعيدةً، فما تقول لو سألك اللّهُ عن شرائع الإسلام، وشروط الإيمان؟ »
. فبكى حمزة، وقال: أرشدني وفهّمني. فقال النّبيصلىاللهعليهوآله
:« تشهد للّه بالوحدانيّة، ولمحمّد بالرسالة، ولعليٍّ بالولاية، وأنّ الأئمّة من ذُرِّيّة الحسين، وأنّ فاطمة سيّدة نساء العالمين، وأنّ جعفر الطيّار مع الملائكة في الجنّة ابن أخيك، وأنّ محمّداً وآله خيرُ البريّة »
. قال حمزة: آمنت وصدّقت. ثُمّ قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
:« وتشهد بأنّك سيّد الشهداء، وأسد اللّه وأسد رسوله »
.
فلمـّا سمع ذلك حمزة اُدهش وسقط لوجهه، ثُمّ قبّل عينَي رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
، وقال: اُشهدك على ذلك، واُشهِدُ اللّه وكفى باللّه شهيداً
.
____________________
وإنّ التأمّل في الحديث يُفيدنا منزلة كبرى لحمزة من الدِّين والإيمان لا تحدّ، وإلاّ فما الفائدة في هذه البيعة والاعتراف بعد ما صدر منه بمكّة من الشهادة للّه بالوحدانية ولرسوله بالنّبوّة؟ ولكنهصلىاللهعليهوآله
أراد لهذه الذات الطاهرة التي حلّقت بصاحبها إلى ذروة اليقين، التحلّي بأفضل صفات الكمال، وهو التسليم لأمير المؤمنينعليهالسلام
بالولاية العامّة، ولأبنائه المعصومينعليهمالسلام
بالخلافة عن جدّهم الأمينصلىاللهعليهوآله
.
وهناك مرتبة اُخرى لا يبلغ مداها أحد، وهي اعتراف حمزة وشهادته بأنّه سيّد الشهداء، وأنّه أسد اللّه وأسد رسوله، وأنّ ابن أخيه الطيّار مع الملائكة في الجنّة، وهذه خاصّة لم يكلّف بها العباد فوق ما عرفوه من منازل أهل البيت المعصومينعليهمالسلام
، وإنمّا هي من مراتب السّلوك والكشف واليقين.
وإذا نظرنا الى إكبار الأئمّةعليهمالسلام
لمقامه - وهم أعرف بنفسيّات الرجال، حتّى أنّهم احتجّوا على خصومهم بعمومته وشهادته دون الدِّين، كما احتجّوا بنسبتهم إلى الرسول الأقدسصلىاللهعليهوآله
، مع أنّ هناك رجالاً بذلوا أنفسهم دون مرضاة اللّه تعالى - استفدنا درجة عالية تُقرّب من درجاتهمعليهمالسلام
. فهذا أمير المؤمنينعليهالسلام
يقول:« إنّ قوماً استشهدوا في سبيل اللّه من المهاجرين، ولكلٍّ فضلٌ، حتّى إذا استشهد شهيدُنا، قيل: سيّد الشهداء. وخصّه رسول اللّه بسبعين تكبيرة عند صلاته عليه »
.
____________________
وفي يوم الشورى احتجّ عليهم به، فقال:« أنشدكم اللّه، هل فيكم أحدٌ له مثل عمّي حمزة أسد اللّه وأسد رسوله؟ »
وقال الإمام المجتبىعليهالسلام
في بعض خطبه:« وكان ممّن استجاب لرسول اللّه عمّه حمزة، وابن عمّه جعفر، فقُتلا شهيدين في قتلى كثيرة معهما من أصحاب رسول اللّه، فجعل حمزة سيّد الشهداء »
. وقال سيّد الشهداء أبو عبد اللّهعليهالسلام
يوم الطَّفِّ:« أوليس حمزة سيّد الشهداء عمّ أبي؟! »
إلى غير ذلك ممّا جاء عنهم في الإشادة بذكره، حتّى إنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
لم يزل يُكرّر الهتاف بفضله، ويُعرّف المهاجرين والأنصار بما امتاز به أسدُ اللّه وأسدُ رسوله من بينهم؛ كي لا يقول قائل، ولا يتردّد مُسلمٌ عن الإذعان بما حبا اللّه تعالى سيّد الشهداء من الكرامة، فيقولصلىاللهعليهوآله
:
« يا معشر الأنصار، يا معشر بني هاشم، يا معشر بني عبد
____________________
المـُطّلب، أنا محمّد رسول اللّه، ألا إنّي خُلقتُ مِن طينةٍ مرحومةٍ في أربعة من أهل بيتي: أنا وعلي، وحمزة وجعفر »
.
والغرض من هذا ليس إلاّ التعريف بخصوص فضل عمّه وابن عمّه؛ فلذلك لم يتعرّض لخلق الأئمّةعليهمالسلام
، بل ولا شيعتهم المخلوقين من فاضل طينتهم - كما في صحيح الآثار -، وإنّما ذكر نفسه ووصيّه لكونهما من اُصول الإسلام والإيمان.
كما أنّ أمير المؤمنينعليهالسلام
يوم فتح البصرة، لمـّا صرّح بفضل سبعة من ولد عبد المـُطّلب، قال:« لا ينكرُ فضلَهم إلاّ كافرٌ، ولا يجحدُهُ إلاّ جاحدٌ، وهم: النّبي محمّد ووصيّه، والسّبطان، والمهدي، وسيّد الشهداء حمزة، والطيّار في الجنان جعفر »
. لم يقصد
____________________
بذلك إلاّ التنويه بفضل عمّه وأخيه، فقرن شهادتهما بمَن نهض في سبيل الدّعوة الإلهيّة وهم أركان الإسلام والإيمان. ولو لم تكن لسيّد الشهداء حمزة وابن أخيه الطيّار كلُّ فضيلة سوى شهادتهما للأنبياء بالتبليغ وأداء الرسالة؛ لكفى أنْ لا يتطّلب الإنسان غيرهما.
قال أبو عبد اللّه الصادقعليهالسلام
:« إذا كان يوم القيامة وجمع اللّهُ تبارك وتعالى الخلائق، كان نوح (صلّى اللّه عليه) أوّل مَن يُدعى به، فيُقال له: هل بلّغتْ؟ فيقول: نعم. فيُقال له: مَن يشهد لك؟ فيقول: محمّد بن عبد اللّه
صلىاللهعليهوآله
.
قال:فيخرج نوح (صلّى اللّه عليه) ويتخطّى النّاس حتّى يأتي إلى محمّد
صلىاللهعليهوآله
، وهو على كثيب المسك، ومعه عليٌّ
عليهالسلام
، وهو قول اللّه عزّ وجل:
(
فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا
)
. فيقول نوح لمحمّد
صلىاللهعليهوآله
: يا محمّد، إنّ اللّه تبارك وتعالى سألني: هل بلّغت؟ فقلتُ: نعم. فقال: مَن يشهد لك؟ قلتُ: محمّد. فيقول: يا جعفر، يا حمزة، اذهبا واشهدا أنّه قد بلّغ ».
فقال أبو عبد اللّهعليهالسلام
:« فحمزةُ وجعفرٌ هما الشَّاهدان للأنبياء
عليهمالسلام
بما بلّغوا »
.
____________________
فقال الراوي: جُعلت فداك! فعليٌّعليهالسلام
أين هو؟ فقال:« هو أعظمُ منزلة مِن ذلك »
.
وهذه الشهادة لا بدّ أنْ تكون حقيقية، بمعنى أنّها تكون عن وقوفٍ بمعالم دين نوحعليهالسلام
، وأديان الأنبياء الّذين هما الشاهدان لهم بنصّ الحديث، وإحاطة شهوديّة بها وبمعارفها، وبمواقعها وبوضعها في الموضع المقرّر له، وإلاّ لما صحّت الشهادة.
وهذا المعنى هو المتبادر إلى الذهن من الشهادة عند إطلاقها، فهي ليست شهادة علميّة، بمعنى حصول العلم لهما من عصمة الأنبياء بأنّهم وضعوا ودائع نبوّاتهم في مواضعها، ولو كان ذلك كافياً لما طُولبوا بمَن يشهد لهم؛ فإنّ جاعل العصمة فيهم - جلّ شأنه - أعرف بأمانتهم، لكنّه لضرب من الحكمة أراد سبحانه وتعالى أنْ يجري الأمر على اُصول الحكم يوم فصل القضاء. ثُمّ إنّ هذه الشهادة ليست فرعيّة، بمعنى أنّهما يشهدان عن شهادة رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
؛ فإنّ المطلوب في المحاكم هي الشهادة الوجدانيّة فحسب.
فإذا تقرّر ذلك، فحسبُ حمزة وجعفر من العلم المتدفّق خبرتهما بنواميس الأديان كُلِّها، والنّواميس الإلهيّة جمعاء، أو وقوفهما بحقِّ اليقين، أو بالمعاينة في عالم الأنوار، أو المشاهدة في عالم الأظلّة والذكر لها في عالم الشهود والوجود. ومن المستحيل بعد تلك الإحاطة أنْ يكونا جاهلَين بشيء من نواميس الإسلام.
____________________
طالب:
إنّ الثابت عند المـُحقّقين إسلام طالب بن أبي طالب من أوّل الدعوة؛ فإنّ المتأمّل إذا نظر بعين البصيرة إلى أبي طالب، وقد ضَمّ أولاده أجمع والنّبيَّصلىاللهعليهوآله
معهم، لا يفارقونه في جميع الأحوال مع ما يشاهدونه منهصلىاللهعليهوآله
من الآيات الباهرات؛ لا يرتاب في صدق الدعوى، وقد أفصح عنه شعره
:
إذا قِيلَ مَنْ خَيرُ هذا الوَرى
|
|
قَبيِلاً وأكرَمَهم اُسرَهْ
|
أنافَ بعَبِدِ مُنافٍ أبٌ
|
|
وفَضلّهُ هَاشِمُ الغُرّهْ
|
لقد حَلّ مَجدُ بَنِي هَاشمٍ
|
|
مَكانَ النّعائِمِ والنّثرهْ
|
وخَيرُ بَنِي هَاشِمٍ أحمدٌ
|
|
رَسولُ الإلهِ عَلى فَترهْ
|
وإنّ في حديث جابر الأنصاري ما يُفيد منزلة أرقى من مجرّد الإسلام؛ يقول قلت لرسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: أكثر النّاس يقولون: إنّ أبا طالب مات كافراً.
____________________
قالصلىاللهعليهوآله
:« يا جابر، ربّك أعلم بالغيب؛ إنّه لمـّا كانت الليلة التي اُسرِيَ بِي فيها إلى السّماء انتهيت إلى العرش، فرأيت أربعة أنوار، فقلتُ: إلهي، ما هذه الأنوار؟ فقال: يا مُحمّد، هذا عبد المـُطّلب، وهذا أبو طالب، وهذا أبوك عبد اللّه، وهذا أخوك طالب. فقلتُ: إلهي وسيّدي، فِيم نالوا هذه الدرجة؟ قال: بكتمانِهم الإيمان، والصبر على ذلك حتّى ماتوا »
.
وروى الكليني في روضة الكافي عن الصادقعليهالسلام
:« كان طالب مسلماً قبل بدر، وإنّما أخرَجَتْهُ قريشٌ كرهاً، فنزل رجَّازوهم يرتجزونْ، ونزل طالب يرتجز:
يا ربِّ إمّا يغزُوَنْ بطالبِ
|
|
في مَقنبٍ من هذه المقانبِ
|
في مَقنَبِ المـُحاربِ المـُغالبِ
|
|
يَجعلُهُ المَسلُوبَ غيرُ السّالبِ
|
وروى محمّد بن المـُثنّى الحضرمي: أنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
لقي
____________________
أبا رافع مولى العبّاس بن عبد المـُطّلب يوم بدر فسأله عن قومه، فأخبره أنّ قريشاً أخرجوهم مُكرَهين
. ويشهد له ما رواه ابن جرير: أنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
قال يوم بدر:« إنّي لأعرفُ رجالاً من بني هاشم وغيرهم قد اُخرجوا كرهاً، لا حاجة لهم بقتالنا، فمَن لقي منكم أحداً منهم فلا يقتله، ومَن لقيَ العبّاس بن عبد المـُطّلب فلا يقتله؛ إنّما خرج مُستَكرهاً »
.
وقد اختلف في موت طالب؛ فقيل: إنّه لمـّا خرج إلى بدر فُقد ولم يُعرف خبره. وقيل: أقحمه فرسُهُ في البحر فغرق. وليس من البعيد أنّ قريشاً قتلته حينما عرفت منه الإسلام، وعرفت مصارحته بالتفاؤل بمغلوبيَّتهم، وكان حاله كحال سعد بن عبادة لمـّا رماه الجنّ
____________________
( لو صدقت الأوهام )
.
____________________
عقيل:
كان عقيل بن أبي طالب أحد أغصان الشجرة الطيّبة، وممّن رضي عنهم الرسولصلىاللهعليهوآله
؛ فإنّ النّظرة الصحيحة في التاريخ تفيدنا اعتناقه الإسلام أوّل الدعوة، وكان هذا مجلبة للحبّ النّبوي؛ حيث اجتمعت فيه شرائط الولاء من: رسوخ الإيمان في جوانحه، وعمل الخيرات بجوارحه، ولزوم الطاعة في أعماله، واقتفاء الصدق في أقواله، فقول النّبيِّصلىاللهعليهوآله
له:« إنّي اُحبّك حُبّين: حُبّاً لك، وحبّاً لحبِّ أبي طالب لك »
. إنّما هو لأجل هاتيك المآثر، وليس من المعقول كون حُبّه لغاية شهويّة، أو لشيء من عرض الدنيا.
____________________
إذاً فحسب عقيل من العظمة هذه المكانة الشامخة؛ وقد حدته قوةُ الإيمان إلى أنْ يسلق أعداء أخيه أمير المؤمنينعليهالسلام
بلسان حديد، خلّده عاراً عليهم مدى الحقب والأعوام
.
على أنّ حُبَّ أبي طالب له لم يكن لمحض النّبوّة؛ فإنّه لم يكن ولده البكر، ولا كان أشجع ولده، ولا أوفاهم ذمّة، ولا ولده الوحيد، وقد كان في ولده مثل أمير المؤمنينعليهالسلام
، وأبي المساكين جعفر الطيّار، وهو أكبرهم سنّاً، وإنّما كان ( شيخ الأبطح ) يُظهر مرتبة من الحُبِّ له مع وجود ولده (الإمام) وأخيه الطيّار؛ لجمعه الفضائل والفواضل، موروثة ومكتسبة.
وبعد أنْ فرضنا أنّ أبا طالب حجّة وقته، وأنّه وصيٌّ من الأوصياء، لم يكن يحابي أحداً بالمحبّة وإنْ كان أعزّ ولده، إلاّ أنْ يجده ذلك الإنسان الكامل الذي يجب في شريعة الحقِّ ولاؤه؛ ولا شكّ أنّ عقيلاً لم يكن على غير الطريقة التي عليها أهل بيته أجمع من الإيمان والوحدانية للّه تعالى، وكيف يشذّ عن خاصّته وأهله وهو وإيّاهم في بيت واحد، وأبو طالب هو المـُتكفّل
____________________
تربيته وإعاشته، فلا هو بطارده عن حوزته، ولا بمبعده عن حومته، ولا بمتضجّر منه على الأقل.
وكيف يتظاهر بحُبِّه ويدنيه منه - كما يعلمنا النّص النّبوي السّابق - لو لمْ يتوثّق من إيمانه ويتيقّن من إسلامه، غير أنّه كان مُبطناً له كما كان أبوه من قبل وأخوه طالب؛ وإنْ كُنّا لا نشكّ في تفاوت الإيمان فيه وفي أخويه الطيّار وأمير المؤمنينعليهماالسلام
. وحينئذ لم يكن عقيل بدعاً من هذا البيت الطاهر الّذي بُني الإسلام على علاليه، فهو مؤمن بما صدع به الرسولصلىاللهعليهوآله
منذ هتف داعية الهدى.
كما لبّت هذا الهتاف اُختهم اُمّ هاني، فكانت من السّابقات إلى الإيمان، كما عليه صحيح الأثر، وفي بيتها نزل النّبيصلىاللهعليهوآله
عن معراجه، وهو في السّنة الثالثة من البعثة، وحدّثها بأمره قبل أنْ يخرج إلى النّاس، وكانت مُصدّقة له، غير أنّها خشيت تكذيب قريش إيّاه، وعليه فلا يُعبأ بما زعم من تأخّر إسلامها إلى عام الفتح سنة ثمان من الهجرة
.
____________________
وما عسى أنْ يقول القائل في اُمّهم - زوج شيخ الأبطح - بعد شهادة الرسول الأمينصلىاللهعليهوآله
بأنّها من الطاهرات الطيّبات المؤمنات في جميع أدوار حياتها.
والعجب ممّن اغتر بتمويه المـُبطلين؛ فدوّن تلك الفرية زعماً منه أنّها من فضائل سيّد الأوصياء، وهي: إنّ فاطمة بنت أسد دخلت البيت الحرام وهي حاملة بعليٍّعليهالسلام
، فأرادت أنْ تسجد لهُبل فمنعها عليٌّعليهالسلام
وهو في بطنها
. وقد فات المسكين أنّ في هذه الكرامة طعناً بتلك الذات المـُبرّأة من رجس الجاهليّة ودنس الشرك؛ وكيف يكون أشرف المخلوقات بعد خاتم الأنبياءصلىاللهعليهوآله
المتكوّن من النّور الإلهي مُودَعاً في وعاء الكفر والجحود؟!
كما أنّهم أبعدوها كثيراً عن مستوى التعاليم الإلهيّة، ودروس خاتم الأنبياءصلىاللهعليهوآله
المـُلقاة عليها كُلَّ صباح ومساء، وفيها ما فرضه المهيمن - جلّ شأنه - على الاُمّة جمعاء من الإيمان بما حبى ولدها الوصيَّعليهالسلام
بالولاية على المؤمنين حتّى اُختصّ بها دون الأئمّة من أبنائهعليهمالسلام
؛ وإنْ كانوا نوراً واحداً، وطينة واحدة.
ولقد غضب الإمام الصادقعليهالسلام
على مَن سمّاه أمير المؤمنين، وقال:« مه، لا يصلح هذا الاسم إلاّ لجدّي أمير المؤمنين »
.
____________________
فرووا أنّ النّبيصلىاللهعليهوآله
وقف على قبرها وصاح:« ابنك عليٌّ لا جعفر ولا عقيل »
. ولما سُئل عنه، أجاب:« إنّ المَلكَ سألَها عمّن تُدين بولايته بعد الرسول، فخجلت أنْ تقول ولدي »
.
أمن المعقول أنْ تكون تلك الذات الطاهرة، الحاملة لأشرف الخلق بعد النّبوّة بعيدة عن تلك التعاليم المـُقدّسة؟! وهل في الدِّين حياء؟! نعم، أرادوا أنْ يزحزحوها عن الصراط السّوي، ولكن فاتهم الغرض وأخطؤوا الرمية؛ فإنّ الصحيح من الآثار ينصّ على أنّ النّبيصلىاللهعليهوآله
لمـّا أنزلها في لحدها، ناداها بصوت رفيع:« يا فاطمة، أنا محمّدٌ سيّدُ وُلدِ آدمَ ولا فخر، فإذا أتاك منكرٌ ونكيرٌ فسألاك: مَن ربّك؟ فقولي: اللّهُ ربّي، ومحمّدٌ نبيِّي، والإسلامُ ديني، والقرآنُ كتابي، وابني إمامي ووليّي »
. ثمّ خرج من القبر، وأهال عليها التُّراب
. ولعلّ هذا خاصّ بها ومَن جرى مجراها من الزّاكين الطيّبين، وإلاّ فلم يعهد في زمن الرسالة تلقين الأموات بمعرفة الولي بعده؛ فإنّه كتخصيصها بالتكبير أربعين مع أنّ التكبير على الأموات خمس.
وبالرغم من هاتيك السّفاسف التي أرادوا بها الحطّ من مقام والدة الإمامعليهالسلام
، أظهر الرسولصلىاللهعليهوآله
أمام الاُمّة ما أعرب عن مكانتها من الدِّين، وأنّها بعين فاطر السّماء حين كفّنها بقميصه الذي لا يبلى؛ لتكن مستورة يوم يعرى الخلق، وكان الاضطجاع في قبرها إجابة
____________________
لرغبتها فيه عند ما حدّثها عن أهوال القبر، وما يكون فيه من ضغطة ابن آدم.
فتحصّل: إنّ هذا البيت الطاهر (بيت أبي طالب) بيتُ توحيدٍ وإيمانٍ، وهدى ورشاد، وإنّ مَن حواه البيت رجالاً ونساءً كُلّهم على دين واحد منذ هتف داعية الهُدى وصَدعَ بأمر الرسالة، غير أنّهم بين مَن جاهر باتّباع الدعوة، وبين مَن كتم الإيمان لضرب من المصلحة.
السّفر إلى الشام:
لقد كانت الروايات في سفر عقيل إلى الشام، في أنّه على عهد أخيه الإمام أو بعده، متضاربة، واستظهر ابن أبي الحديد في شرح النّهج ٣ / ٨٢ أنّه بعد شهادة أمير المؤمنينعليهالسلام
، وجزم به العلاّمة الجليل السيّد علي خان في الدرجات الرفيعة، وهو الذي يقوى في النّظر بعد ملاحظة مجموع ما يُؤثر في هذا الباب؛ وعليه تكون وفادته كوفود غيره من الرجال المرضيِّين عند أهل البيتعليهمالسلام
إلى معاوية في تلك الظروف القاسية، بعد أنْ اضطرّتهم إليه الحاجة، وساقهم وجه الحيلة في الإبقاء على النّفس، والكفّ من بوادر الرَّجل، فلا هُم بملومين بشيء من ذلك، ولا يحطّ من كرامتهم عند الملأ الديني؛ فإنّ للتقيّة أحكاماً لا تُنقض، ولا يُلام المـُضطرّ على أمر اضطرّ إليه.
على أنّ عقيلاً لم يُؤثر عنه يوم وفادته على معاوية إقرار له بإمامةٍ، ولا خضوع له عند كرامة، وإنّما المأثور عنه الوقيعة فيه، والطعن في حسبه ونسبه، والحطّ من كرامته، والإصحار بمطاعنه، مشفوعة بالإشارة إلى فضل أخيه أمير المؤمنينعليهالسلام
.
من ذلك أنّ معاوية قال له: يا أبا يزيد، أخبرني عن عسكري وعسكر أخيك؟ فقال عقيل: مررت والله، بعسكر أخي، فإذا ليلٌ كليل رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
، ونهارٌ كنهار رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
، إلاّ أنّ رسول
اللّهصلىاللهعليهوآله
ليس في القوم؛ ما رأيت إلاّ مُصلّياً، ولا سمعت إلاّ قارئاً، ومررت بعسكرك، فاستقبلني قوم من المـُنافقين ممّن نفر برسول اللّهصلىاللهعليهوآله
ليلة العقبة
.
وقال له معاوية: إنّ عليّاً قطع قرابتك وما وصلك. فقال له عقيل: واللّه، لقد أجزلَ العطيّة وأعظَمها، ووصل القرابة وحفظها، وحسنَ ظنّه باللّه إذ ساء به مثلك، وحفظ أمانته، وأصلح رعيته إذ خنتُم وأفسدتم وجرتم، فاكفف لا أباً لك؛ فإنّه عمّا تقول بمعزل
. ثُمّ صاح: يا أهل الشام، عنّي فاسمعوا لا عن معاوية، إنّي أتيت أخي عليّاًعليهالسلام
فوجدته رجلاً قد جعل دنياه دون دينه، وخشي اللّه على نفسه، ولم تأخذه في اللّه لومة لائم... وإنّي أتيت معاوية فوجدته قد جعل دينه دون دنياه، وركب الضلالة واتّبع هواه، فأعطاني ما لمْ يعرق فيه جبينُه، ولم تكدح فيه يمينُه؛ رزقاً أجراه اللّه على يديه، وهو المـُحاسَب عليه دوني، لا محمود ولا مشكور.
ثُمّ التفت إلى معاوية، فقال: أما واللّه يابن هند، ما تزال منك سوالف يمرّها منك قول وفعل؛ فكأنّي بك وقد أحاط بك ما الذي منه تحاذر. فأطرق معاوية ساعة، ثُمّ قال: مَن يعذرني من بني هاشم. ثُمّ أنشد يقول:
اُزيدُهُمُ الإكرامَ كَي يشعَبُوا العَصَا
|
|
فيأبَوا لدَى الإكرامِ أنْ لا يُكرَمُوا
|
____________________
وإذا عَطَفتني رقَّتانِ عَليهمُ
|
|
نَأوا حَسداً عنّي فكانوا هُمُ هُمُ
|
واُعطيهمُ صَفوَ الإخا فكأنَّنِي
|
|
معاً وعطايايَ المـُباحةَ عَلقَمُ
|
واُغضِي عَنِ الذَّنبِ الّذي لا يُقيلُهُ
|
|
مِنَ القومِ إلاّ الهَزْبَريُّ المـُقَمَّمُ
|
حُباً واصطباراً وانعطافاً ورقَّةً
|
|
وأكظمُ غيظَ القلبِ إذْ ليسَ يُكظَم
|
أما واللّه يابن أبي طالب، لولا أنْ يُقال: عجل معاوية لخرقٍ ونكل عن جوابك، لتركتُ هامتَكَ أخفَّ على أيدي الرِّجال من حَوي الحنظل.
فأجابه عقيل:
عذيرُكَ مِنهُمْ مَنْ يلومُ عليهمُ
|
|
ومَنْ هو مِنهُمْ في المقالةِ أظلَمُ
|
لَعمرُكَ ما أعطيتَهُمْ منكَ رأفة
|
|
ولكنْ لأسبابٍ وحولَكَ علقَمُ
|
أبَى لهُمُ أنْ ينزلَ الذلُّ دارَهمْ
|
|
بنو حُرَّةٍ زُهرٌ وعقلٌ مُسلّمُ
|
وإنَّهُمُ لمْ يقبَلوا الذّلَّ عنوةً
|
|
إذا ما طغَى الجبَّارُ كانوا هُمُ هُمُ
|
فدونَكَ ما أسْدَيتَ فاشدُدْ يداً بِه
|
|
وخيرُكُمُ المبْسوطُ والشرَّ فالزموا
|
ثُمّ رمى المئة ألف درهم، ونفض ثوبه وقام ومضى، فلم يلتفت إليه.
فكتب إليه معاوية: أمّا بعد، يا بني عبد المـُطّلب، أنتم واللّه فروعُ قَصي، ولبابُ عبد مناف، وصفوةُ هاشم، فأين أحلامكم الراسية وعقولكم الكاسية، وحفظكم الأواصر وحبكم العشائر، ولكم الصفح
الجميل والعفو الجزيل، مقرونان بشرف النّبوّة وعزّ الرسالة، وقد والله، ساءني ما كان جرى، ولنْ أعود لمثله إلى أنْ اُغيّب في الثرى.
فكتب إليه عقيل:
صَدقتَ وقلتَ حقّاً غيرَ أنّي
|
|
أرَى ألا أراكَ ولا ترانِي
|
ولستُ أقولُ سُوءاً في صدِيقي
|
|
ولكنِّي أصدُّ إذا جفاني
|
فكتب إليه معاوية وناشده في الصفح، وأجازه مئة ألف درهم حتّى رجع
. فقال له معاوية: لِمَ جفوتنا يا أبا يزيد؟ فأنشأ عقيل:
وإنّي امرُؤٌ منّي التَّكرُّمُ شيمةٌ
|
|
إذا صاحبِي يوماً على الهَونِ أضمَرَا
|
ثُمّ قال: أيم اللّه يا معاوية، لئن كانت الدُّنيا أفرشتك مهادها، وأظلّتك بسرادقها، ومدّت عليك أطناب سلطانها، ما ذاك بالذي يزيدك منّي رغبةً ولا تخشّعاً لرهبة. فقال معاوية: لقد نعتها أبو يزيد نعتاً هشّ له قلبي. وأيم اللّه يا أبا يزيد، لقد أصبحت كريماً وإلينا حبيباً، وما أصبحتُ أضمر لك إساءة
.
هذا حال عقيل مع معاوية، وحينئذ فأيّ نقص يلمّ به والحالة هذه؟!
____________________
وعلى الوصف الذي أتينا به تعرف أنّه لا صحة لما رواه المتساهلون في النّقل من كونه مع معاوية بصفين؛ فإنّه ممّا لم يُتأكد إسنادُهُ ولا عُرِفَ متنُه، ويُضادُه جميعُ ما ذكرناه، كما يبعده كتابه من مكّة إلى أمير المؤمنينعليهالسلام
حين أغار الضحّاك على الحيرة وما والاها، وذلك بعد حادثة صفين، وهذه صورة الكتاب: لعبد اللّه أمير المؤمنين، من عقيل بن أبي طالب: سلام عليك، فإنّي أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلاّ هو.
أمّا بعد، فإنّ اللّه حارسك من كُلّ سوء، وعاصمك من كُلّ مكروه وعلى كُلّ حال، فإنّي خرجت إلى مكّة معتمراً، فلقيت عبد اللّه بن أبي سرح مُقبلاً من ( قديد ) في نحو من أربعين شابّاً من أبناء الطُّلقاء، فعرفت المنكر في وجوههم، فقلت: إلى أين يا أبناء الشانئين؟ أبمعاوية لاحقون؛ عداوة للّه منكم غير مُستنكَرة، تُريدون إطفاء نور اللّه وتبديل أمره؟ فأسمعني القوم وأسمعتهم، فلمـّا قدمت مكّة سمعت أهلها يتحدّثون أنّ الضحّاك بن قيس أغار على الحيرة فاحتمل من أموالها ما شاء، ثُمّ انكفأ راجعاً سالماً، وإنّ الحياة في دهرٍ جرّأ عليك الضحّاك لذميمة، وما الضحّاك إلاّ فقع بقرقر.
وقد توهّمت حيث بلغني ذلك أنّ شيعتك وأنصارك خذلوك، فاكتب إليّ يابن أبي برأيك؛ فإنْ كنتَ الموت تُريد، تحمّلتُ إليك ببَني أخيك وولد أبيك، فعشنا معك ما عشت، ومتنا معك إذا متّ؛ فواللّه، ما اُحبّ أنْ أبقى في الدُّنيا بعدك فواق ناقة، واُقسم بالأعزّ الأجل، إنّ عيشاً نعيشه بعدك لا هنئ ولا مرئ ولا نجيع، والسّلام.
فكتب إليه أمير المؤمنينعليهالسلام
:« من عبد اللّه عليٍّ أمير المؤمنين إلى عقيل بن أبي طالب: سلامٌ عليكَ، فإنّي أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلاّ هو.
أمّا بعد، كلأنا اللّهُ وإيّاك كلأة مَنْ يخشاه بالغيب، إنّه حميدٌ مجيدٌ. وقد وصل إليّ كتابك مع عبد الرحمن بن عبيد الأزدي تذكر فيه أنّك لقيت عبد اللّه بن أبي سرح مقبلاً من ( قديد )، في نحو من أربعين فارساً من أبناء الطلقاء، متوجّهين إلى جهة المغرب، وإنّ ابن أبي سرح طالما كاد اللّه ورسوله وكتابه، وصدّ عن سبيله، وبغاها عوجاً، فدع عنك ابن أبي سرح، ودع عنك قريشاً وتركاضهم في الضلال، وتجوالهم في الشقاق، ألا وإنّ العرب قد أجمعت على حرب أخيك اليوم إجماعها على حرب النّبيِّ قبل اليوم؛ فأصبحوا قد جهلوا حقَّه وجحدوا فضله، وبادروه بالعداوة ونصبوا له الحرب، وجهدوا عليه كُلّ الجهد، وجروا إليه جيش الأحزاب. اللهمّ، فاجزِ قريشاً عنّي الجوازي؛ فقد قطعت رحمي وتظاهرت عليّ، ودفعتني عن حقّي وسلبتني سلطان ابن اُمّي، وسلّمت ذلك إلى مَن ليس مثلي في قرابتي من الرسول وسابقتي في الإسلام، ألا يدّعي مدّعٍ ما لا أعرفه، ولا أظنّ اللّه يعرفه، والحمد للّه على كُلّ حال.
فأمّا ما ذكرته من غارة الضحّاك على أهل الحيرة، فهو أقلّ وأزلّ من أنْ يلمّ بها أو يدنو منها، ولكنّه قد أقبل في جريدة خيل، فأخذ على السّماوة حتّى قربوا من واقصة
وشراف
،
____________________
والقطقطانة
وما والى ذلك الصقع، فوجّهت إليه جنداً كثيفاً من المسلمين، فلمـّا بلغه ذلك فرّ هارباً، فأتبعوه ولحقوه ببعض الطريق وقد أمعن، وكان ذلك حين طفلت الشمس للإياب، فتناوشوا القتال قليلاً، فلم يبصر إلاّ بوقع المشرفيّة، وولّى هارباً، وقُتل من أصحابه بضعة عشر رجلاً، ونجا مريضاً بعد ما اُخذ منه بالمخنق، فلأيا بلأي ما نجا.
وأمّا ما سألتني أنْ أكتب إليك برأيي فيما أنا فيه؛ فإنّ رأيي جهاد المحلّين حتّى ألقى اللّه، لا تزدني كثرةُ النّاس عزّةً، ولا تفرقّهم عنّي وحشةً؛ لأنّي محقٌّ واللّه مع الحقّ، وواللّه، ما أكره الموت على الحقِّ، وما الخير كُلّه إلاّ بعد الموت لمَن كان مُحقّاً.
وأمّا ما عرضت به من مسيرك إلى بنيك وبني أبيك، فلا حاجة لي في ذلك، فأقم راشداً محموداً، فواللّه، ما اُحبُّ أنْ تهلكوا معي إنْ هلكت، ولا تحسبنّ ابن أبيك، لو أسلمه النّاس، مُتخشّعاً ولا مُتضرّعاً، إنّه لكما قال أخو بني سليم:
فَإِنْ تَسْأَلِينِي كَيْفَ أَنْتَ فَإِنَّنِي
|
|
صَبُورٌ عَلَى رَيْبِ الزَّمَانِ صَلِيبُ
|
يَعِزُّ عَلَيَّ أَنْ تُرَى بِي كَآبَةٌ
|
|
فَيَشْمَتَ باغٍ أَوْ يُسَاءَ حَبِيبُ »
|
____________________
وهذا الكتاب من عقيل، المروي بطرق متعدّدة، يدلّنا على أنّه كان مع أخيه الإمامعليهالسلام
في حياته غير مفارق له؛ فإنّ الكتاب الذي كتبه إليه بعد غارة الضحّاك على أطراف أعماله، وذلك قرب شهادة أمير المؤمنينعليهالسلام
.
اذاً فالقول بأنّ وفادة عقيل على معاوية بعد أخيه متعيّن، كما اختاره السيّد المحقّق في الدرجات الرفيعة، وجعله ابن أبي الحديد الأظهر عنده، وقد وضح من ذلك أنّه لم يكن مع معاوية بصفين.
الحديدة:
أمّا حديث الحديدة المحماة التي أدناها منه أمير المؤمنينعليهالسلام
، فليس فيها ما يدلّ على اقترافه إثماً أو خروجاً عن طاعة؛ فإنّ أمير المؤمنينعليهالسلام
أراد بذلك تهذيبه بأكثر ممّا تتهذّب به العامّة، كما هو المطلوب من مثل عقيل والمناسب لمقامه.
فعرّفة ( سيّد الأوصياء ) إنّ إنساناً بلغ من الضعف إلى أنْ يئنّ من قرب الحديدة المحماة بنار الدُّنيا من دون أنْ تمسّه، كيف يتحمّل نار الآخرة في لظى نزّاعة للشوى وهو مضطرم بين أوارها! فمِن واجب الإنسان الكامل التبعّد منها بكبح النّهمة، وكسر سورة الجشع، والمكابدة للملمـّات القاسية؛ فهي مجلبة لمرضاة الربِّ ومكسبة لغفرانه وإنْ كان غيره من أفراد الرعيّة يتبعّد عنها بترك المـُحرّمات.
فحقيق بمثله - وهو ابن بيت الوحي ورجالات عصبة الخلافة - التجنّب حتّى عن المكروهات، وما لا يلائم مقامه من المباحات، ويروّض نفسه بترك ذلك كُلّه حتّى تقتدي به الطبقات الواطئة بما يسعهم، أو يُسلّون أنفسهم بمقاسات مثل عقيل الشدائد في دنياه، فلا يبهضهم الفقر المـُلمُّ والكرب المـُدلهمُّ، فرُبَّ مُباحٍ يُنقم عليه مِن مثله ولا يُلام مَن هو دونه بارتكابه؛ فإنّ ( حسنات الأبرار سيئات المقرّبين )؛ وأمير المؤمنينعليهالسلام
أراد أنْ يوقف أخاه على هذا الخطر المـُمنَّع الذي حواه، وقد ذهل عنه في ساعته تلك.
افتراء:
قال الصفدي: لقد بغَّض عقيلاً إلى النّاس ذكرُهُ مثالب قريش، وما اُوتي من فضل وعلم بالنّسب، والسّرعة في الجواب حتّى قالوا فيه الباطل، ونسبوه إلى الحمق
.
واختلقوا عليه أحاديث كان بعيداً عنها، فوضعوا على لسان أمير المؤمنينعليهالسلام
ما ينقص مِن قدرِهِ، ويحطُّ من كرامته؛ زعماً منهم أنّ في ذلك تشويهاً لأهل هذا البيت الطاهر - بيت أبي طالب - بإخراجهم عن مستوى الإنسانيّة فضلاً عن الدِّين، بعد أنْ أعوزتهم الوقيعة في سيّد الأوصياءعليهالسلام
بشيء من تلك المـُفتريات، فطفقوا يُشوّهون مقام أبيه وحامته، ولكنْ لا ينطلي ذلك على الجيل المـُنقّب حتّى كشف عن تلك النّوايا السّيئة، وعرف الملأ افتعال الحديث وبعده عن الصواب.
قالوا في الرواية عن أمير المؤمنينعليهالسلام
:« ما زلتُ مظلوماً مُنذُ ولدتني اُمّي، حتّى إنْ كان عقيلٌ لَيُصيبه رمدٌ، فيقول: لا تَذْرونِي حتّى تَذْروا عليّاً، فيذْرُوني وما بي رَمدٌ »
.
____________________
لا أقرأ هذا الحديث إلاّ ويأخذني العجب، كيف رضي المـُفتعل بهذه الفرية البيّنة! فإنّ أمير المؤمنينعليهالسلام
ولد ولعقيل عشرون سنة، وهل يعتقد أحدٌ أو يظنّ أنّ إنساناً له من العمر ذلك المقدار، إذا اقتضى صلاحه شرب الدواء، يمتنع منه إلاّ إذا شرب مثله أخوه البالغ سنة واحدة أو سنتين؟! كلاّ لا يفعله أيُّ أحد وإنْ بلغ الغاية في الخِسّة والضعف، فكيف بمثل عقيل المـُتربّي بحجر أبي طالب، والمـُرتضع درَّ المعرفة؛ خصوصاً مع ما يشاهد من الآيات الباهرة من أخيه الإمام منذ ولادته!
نعم، الضغائن والأحقاد حبّذت لمَن تخلّق بها التردّد في العمي، والخبط في الضلال مِن دون رويّة أو تفكير:(
اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ اُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ
)
.
نعم، كان أمير المؤمنينعليهالسلام
يقول غير مرّة:« ما زلتُ مظلوماً »
. من دون تلك الزيادة، يعني بذلك دفعه عن حقّه الواجب على الاُمّة القيام به والميل عنه، وتعطيل أحكام اللّه بالأخذ من غيره، وتقديم مَن ليس له قدمٌ ثابتٌ في كُلّ مكرمة، ولا نصٌّ من صاحب الشريعة، ولا فقهٌ ناجعٌ، ولا إقدامٌ في الحروب.
وحيث إنّ في هذه الكلمة حطّاً بمَن ناوأه، زحزحوها عنهم وألصقوها بذلك السيّد الكريم، وما أسرع أنْ عاد السّهم فكان كالباحث عن حتفه بظلفه.
____________________
الخلف عن عقيل:
الخلف الصالح يخلّد ذكر سلفه، فلا يزال ذكرُه حيّاً بعمره الثاني من ذكرٍ جميل، وثناءٍ جزيل، وترحّمٍ متواصل، واستغفار له منه وممّن تعرّف به. وفي الحديث:« إنّ ابنَ آدم إذا مات انقطع عملُهُ من الدُّنيا إلاّ من ثلاث... »
. وعدّ منها الولد الصالح.
ومن أجلى الواضحات أنّ هذا التذكير يختلف حسب تدرّج الأولاد في المآثر، فمهما كان قسطهم منها أكثر فهم لمجد آبائهم أخلد، وكذلك الأسلاف، فكُلّما كانوا في الشرف والسُّؤدد أقرب فانتشار فضلهم بصالحي خلفهم أسرع. إذاً فما ظنّك بمثل عقيل بن أبي طالب ذلك الشريف المـُبجّل، وقد خلّفه ( شهيد الكوفة ) ووُلدُهُ الأطائب ( شُهداء الطَّفِّ )
، الذين لم يسبقهم ولا يلحقهم لاحق، فلو لَمْ يكُنْ لعقيلٍ شيءٌ من الخطر والعظمة لتسنّم بهؤلاء الأكارم أوجَ العُلا والرفعة:
وكمْ أبٍ قدْ علا بابنٍ ذُرَى شَرفٍ
|
|
كما عَلا برسولِ اللَّهِ عدنانُ
|
وكيف به وهو مِن أشرف عنصر في العالم كُلّه؟!
____________________
ولم يزل له ذكرٌ خالد في أحفاده المـُتعاقبين؛ فإنّهم بين علماء أعاظم وفقهاء مُبرّزين، وشعراء ومحدّثين، واُمراء صالحين، ونسّابين، وقد انتشروا في مصر ونصيبين، واليمن وحلب، وبيروت والمدينة، والكوفة والحلّة، وطبرستان وخراسان، وجرجان وكرمان، وقم وأصفهان.
وكان القاسم بن محمّد بن عبد اللّه بن محمّد بن عقيل بن أبي طالب فاضلاً تقيّاً، وأخوه عقيل: جليلٌ ثقةٌ ثبتٌ صاحبُ حديث، وعمّهما عقيل بن عبد اللّه: نسّابة مُشجِّر، وحفيد عقيل هذا جعفر بن عبد اللّه الأصفهاني: عالمٌ نسّابة، شيخُ شبل بن نكبن، مات سنة ٣٣٤ هجرية.
ومحمّد بن مسلم بن عقيل بن عبد اللّه بن محمّد بن عقيل بن أبي طالب، يُعرف بابن المزينة، كان أميرَ المدينة، قتله ابنُ أبي السّاج. وابنه أبو القاسم أحمد بن محمّد المذكور، كان له أدب وفضل، مات سنة ٣٣٠ هجرية. والعبّاس بن عيسى الأوقص، ولي القضاء للداعي الكبير الحسن بن زيد على جرجان، وقد أولد بكرمان
.
ومن أحفاد عقيل العلاّمة الجليل السيّد إسماعيل بن أحمد النّوري الطبرسي، من علمائنا الأعاظم، شارح نجاة العباد لشيخ الطائفة المحقّق الحجّة ( صاحب الجواهر )قدسسره
، طُبع منها جزءان إلى آخر الزّكاة، وله كفاية المـُوحّدين مطبوعة.
وكان في كربلاء المـُشرَّفة بيت كبير وطائفة جليلة يُعرفون بالعقيليين، لهم أوقاف كثيرة، وقد انقرضوا وبقي منهم رجلٌ واحد.
____________________
الطيّار:
وأمّا جعفر بن أبي طالب، فحسبه من العظمة شهادة الرسول الأقدسصلىاللهعليهوآله
بأنّه يُشبهه خَلقاً وخُلقاً، ذلك الخُلق الكريم الموصوف في الذكر الحكيم بقوله عزّ شأنه:(
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُق عَظِيم
)
. وحيث لمْ ينصّ النّبيُّصلىاللهعليهوآله
على صفة خاصة من أخلاقه، فلا جرم من شمول تلك الكلمة الذهبيّة:« أشبهتَ خَلقي وخُلقي »
. لجميع ما اتّصف به الرسولصلىاللهعليهوآله
حتّى الدنس من الرِّجس والآثام. ولو تنازلنا عن القول بعموم التشبيه لهذه الخاصّة فلا بدّ من القول بتحقّق أظهر صفات المـُشبَّه به للمُشبَّه، ولا شكّ في أنّ ذلك المعنى أظهر ما في خلقه الكريمصلىاللهعليهوآله
.
وغير خافٍ أنّ هذه الكلمة قالها النّبيُّصلىاللهعليهوآله
لمـّا تنازع عنده أمير المؤمنينعليهالسلام
وجعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة في ابنة حمزة بن عبد المـُطّلب، وكان كُلّ منهم يُريد القيام بتربيتها؛ وذلك أنّ النّبيَّصلىاللهعليهوآله
لما خرج من مكّة بعد انقضاء الأجل بينه وبين أهل مكّة في عمرة القضاء الواقعة في السّنة السّابعة للهجرة، تبعته ابنة حمزة تقول: يا عم، خذني معك. فأخذها أمير المؤمنينعليهالسلام
ودفعها إلى فاطمةعليهاالسلام
، وفي المدينة جرى ذلك النّزاع بينهم، فقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
لزيد:« أنتَ أخوها ومولانا »
. وقال لجعفر:
____________________
« أشبهت خَلقي وخُلقي »
. وقال لأمير المؤمنينعليهالسلام
:« أنت منّي وأنا منّك »
. ثُمّ قضى بها للخالة، وهي أسماءُ بنتُ عُميس
.
هذا هو الحديث المذكور في الجوامع، والنّظرة الصادقة فيه تُفيدنا معرفة السرّ في اختلاف خطاب النّبيصلىاللهعليهوآله
مع ابنَي عمّه، وكُلّ منهما نصح له في التلبية على الدعوى الإلهيّة، وأخلص في المفاداة في سبيل تبليغ الرسالة خصوصاً مع معرفته بأساليب المحاورة؛ لأنّه سيّد البلغاء،(
وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى
)
. فلا جرم حينئذ من كون الوجه فيه هو الإشارة إلى صفة سامية تحلّى بها أمير المؤمنينعليهالسلام
وتخلّى عنها جعفر، وليست هي إلاّ خلافة اللّه الكبرى؛ فإنّ عليّاًعليهالسلام
حامل ما عند رسول اللّه الأعظمصلىاللهعليهوآله
من علم مُتدفّق وفقه ناجع، وخبرة شاملة وتأمّل فيّاض، وخُلق عظيم لا يستطيع البشر القيام به.
وهذا هو الذي تُفيده المنزلة في قوله:« أنت منّي وأنا منك »
. بعد فرض المـُباينة بينهما في الحدود الشخصيّة؛ والنّبيُّ لا ينطلق ساهياً ولا لاهياً، فلا بدّ أنْ يكون قاصداً تلك المنزلة الكبرى التي لم يحوها جعفر وإنْ بلغ في خدمة الدِّين كُلَّ مبلغ.
وهذا النّزاع إنّما هو في الحضانة التي هي سلطنة وولاية على تربية الطفل وإدارة شؤونه، وقد كان لابنة حمزة يومئذ أربع سنين.
____________________
وهذا القضاء، كما يُفيدنا سقوط حضانة الاُمّ إذا تزوجت، يُفيدنا أولويّة الخالة على العمّة؛ فإنّ عمّتها صفيّة كانت موجودةً يومئذ، واُمّها سلمى متزوّجة بشدّاد بن الهادي الليثي حليف بني هاشم.
ويُرشدنا طلب أمير المؤمنينعليهالسلام
الحضانة إلى أنّ أولوية الخالة على غيرها من الأقارب إنّما هو عند المخاصمة، وإلاّ فلم يخفِ الحكم على سيّد الوصيينعليهالسلام
، وهو مُستقى الأحكام وينبوعه، وقد امتزجت ذاته المـُقدّسة بالمعارف الإلهيّة والأسرار الربوبيّة، واستمدّ من اللوح المحفوظ. ولعلّ السرّ الدقيق في مخاصمته معهما تعريفُ الاُمّة مقامه الرفيع، ومنزلته الكبرى التي لا يُدانيها كُلّ أحد، والواجب عليه - بما أنّه المـُنقذ الأكبر وإمام الاُمّة - إرشادها إلى الطريق اللاحب بأيّ نحو من أنحاء الكلام.
لقد كان جعفر ملازماً لصاحب الرسالة ملازمة الظلّ لذيه؛ يرقب أفعالَه وتروكَه، ويسمع تعاليمَه وعظاتِه، ويُبصر أعمالَه وحِكَمَه، ويقتصّ أثرَه منذ كان يصلُ جناح الرسولصلىاللهعليهوآله
الأيسر في الصلاة بعد أمير المؤمنينعليهالسلام
وخديجة الكبرى.
وكانت قريش تخبط في غلواء جحوده، وتغلي مراجل بغضائها على الصادع بالدِّين الحنيف، وعلى كُلّ ذلك تُمرّنه التعاليم النّبويّة الخاصّة به، وتُكهربه تهذيباتُ المـُشرّع الأطهر، ولا تدعه جاذبة الدعوة الإلهيّة يلوي يميناً ولا شمالاً.
ومن هنا ائْتَمنه صاحب الرسالة على نشر كلمة التوحيد، وعلى ضعفاء المسلمين يوم بعثه إلى الحبشة في السّنة الخامسة من الهجرة، فأدّى النّصيحة، ونهض بالدعوة حتّى استمال النّجاشي إلى الإسلام فآمن، غير أنّ منيّته حالت دون اُمنيته.
ولو لم يكن جعفر بتلك المنزلة الرفيعة لما تعاقبت مفاخرات أئمّة الدِّينعليهمالسلام
به، كما افتخروا بعمّه أسد اللّه وأسد رسوله في كثير من مفاخراتهم: ففي احتجاج الطبرسي: إنّ أمير المؤمنينعليهالسلام
احتجّ على أهل الشورى بأنّ أخاه جعفر، المـُزيّن بجناحين في الجنّة يحلّ فيها حيث شاء، فلم يردّ عليه أحد، بل قابلوه بالتسليم والقبول.
وفي نهج البلاغة فيما كتب به إلى معاوية:« إنَّ قَوْماً قُطِّعَتْ أَيْدِيهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَ لِكُلٍّ فَضْلٌ، حَتَّى إِذَا فُعِلَ بِوَاحِدِنَا مَا فُعِلَ بِوَاحِدِهِمْ، قِيلَ له: الطَّيَّارُ فِي الْجَنَّةِ وَذُو الْجَنَاحَيْنِ ».
فلو لم يكن كفاحه عن الدِّين عن بصيرة نافذة ويقين ثابت لَما افتخر به المعصومونعليهمالسلام
، والعارفون بمآل العباد حتّى جعلوا مواقفه في الدِّين ذريعة إلى التوسّل إلى مطلوبهم.
ولحزمهِ الثابتِ ومواقفهِ المحمودة، وإصابته في الرأي وقديم إيمانه؛ أمّرهُ النّبيُّصلىاللهعليهوآله
في غزوة مؤتة على المسلمين، ولم يجعل عليه أمير، فإذا قُتل فالأمير زيد بن حارثة، فإنْ قُتل فالأمير عبد اللّه بن رواحة
.
____________________
فما ذهب إليه فريق من المؤرّخين من تقديم زيد وابن رواحة عليه، يدفعه صحيح الأثر والاعتبار الصادق؛ وهذه العظمة هي التي تركت قدومه من الحبشة - يوم فتح خيبر - أعظم موهبة منح اللّه تعالى بها نبيّهصلىاللهعليهوآله
، تعادل ذلك الفتح المبين حتّى قالصلىاللهعليهوآله
:« ما أدري بأيّهما اُسرُّ؛ بقدوم جعفرٍ أمْ بفتح خيبر؟! »
. ثُمّ قالصلىاللهعليهوآله
له:« ألا أحبُوك؟ ألا أمنَحُكَ؟ »
. فظنّ النّاس أنّه يُعطيه ذهباً وفضّة لما فتح اللّه عليه من خيبر، فقال له جعفر: بلى يا رسول اللّه. فعلّمه صلاة التسبيح وهي المعروفة بصلاة جعفر
.
وهذه الحبوَة من الرسول الكريمصلىاللهعليهوآله
لابن أخيه؛ حيث علم أنّ من فرط قداسته لا يروقه إلاّ ما كان من عالم القدس، فخلع عليه بها، وجعله وسام شرف له، وهي من المتواترات بين العامّة والخاصّة، كما نصّ عليه المجلسي في البحار
، ولكن شرذمة من مناوئي أهل البيتعليهمالسلام
لم يرقْ لهم ثبوتُ تلك المنحة لأخي أمير المؤمنينعليهالسلام
، وحيث لم يسعهم أنْ يلصقوها بواحدٍ منهم، زحزحوها إلى العبّاس بن عبد المـُطّلب كما في شفاء السّقام للسيّد جعفر الكتّاني صفحة ٢٠.
وقد كشفت الحقيقة عن نفسه، وأماطت ستار التمويه بافتعال هذه النّسبة من عكرمة مولى ابن عباس الكذّاب بنصّ الذهبي في الميزان، وياقوت في المعجم، وابن خلكان في الوفيات بترجمته
.
____________________
إخوته:
إنّ حاجة الباحث في تاريخ أبي الفضلعليهالسلام
ماسّة إلى معرفة إخوته الأكارم لمناسبات هناك؛ فإنّ منهم مَن يعدّ قربه منه فضيلة رابية، وشرفاً باذخاً فضلاً عن الاُخوّة، وهما الإمامانعليهماالسلام
على الاُمّة إنْ قاما وإنْ قعدا
.
وإذا كانت بنوتهما لأمير المؤمنينعليهالسلام
معدودة من فضائله، مع ما له من الفضائل التي لا يأتي عليها الحصر، كما يظهر من قولهعليهالسلام
يوم الشورى:« أنشدكم باللّه، هل فيكم أحد له سبطان مثل سبطاي الحسن والحسين ابني رسول اللّه، وسيّدي شباب أهل الجنّة غيري؟ »
. قالوا: لا
.
كما أنّهعليهالسلام
افتخر بهما يوم كتب إليه معاوية أنّ لي فضائلاً: كان أبي سيّداً في الجاهليّة، وصرتُ ملكاً في الإسلام، وأنا صهر رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
، وخال المؤمنين، وكاتب الوحي.
فكتب إليه أمير المؤمنينعليهالسلام
أبياتاً سبعة ذكر فيها مصاهرته من
____________________
رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
، وأنّ عمّه سيّد الشهداء، وأخاه الطيّار مع الملائكة في الجنان، وسبقه إلى الإسلام، وأخذ البيعة له (يوم الغدير)، وأنّ ولديه سبطا رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
. وحينئذ فاُخوّة العبّاس لهما أولى أنْ تعقد منهما مآثره وفضائله؛ أضف إلى ذلك ما استفاده منهما من العلوم والمعارف الإلهيّة.
ومنهم مَن يجمعه وإياه جامع العقب؛ فإنّ المـُعقّبين من أولاد أمير المؤمنينعليهالسلام
الإمامان والعبّاس ومحمّد بن الحنفيّة وعمر الأطرفعليهمالسلام
، ومنهم مَن شاركه في موقف الطَّفِّ، ومنهم مَن يُعدّ هو وإيّاه تحت جامع الاُمومة، ومنهم مَن شاركه في السُّمِّ؛ وعليه فأولاد أمير المؤمنينعليهالسلام
الذكور ستّة عشر:
١ - الحسن والحسين والمـُحسنعليهمالسلام
، اُمّهم سيّدة نساء العالمينعليهاالسلام
.
٢ - محمّد بن الحنفيّة، اُمّه خولة.
٣ - العبّاس وعبد اللّه وجعفر وعثمان، اُمّهم اُمّ البنين.
٤ - عمر الأطرف والعبّاس الأصغر، اُمّهما الصهباء.
٥ - محمّد الأصغر، اُمّه اُمامة بنت أبي العاص.
٦ - يحيى وعون، اُمّهما أسماء بنت عُميس.
٧ - عبد اللّه وأبو بكر، اُمّهما ليلى بنت مسعود.
____________________
٨ - محمّد الأوسط، اُمّه اُمّ ولد
.
أمّا الإمامان فالأحرى أنْ نُجعجع اليراع عن التبسّط في فضلهما وموقفهما من القداسة، ومحلّهما من الزُّلفى، وما اُوتيا من حول وطول، والبسطة في العلم؛ فإنّ الوقوف على كنه ذلك فوق مرتكز العقول؛ وأما المـُحسَّن - بتشديد السّين كما في تاج العروس بمادة شبر
، والإصابة بترجمته
- وضمّ الميم، وسكون الحاء كما في حاشية السيّد محمّد الحنفي على شرح ابن حجر لهمزيّة البويصري ص ٢٥١، فعند الإماميّة أنّ النّبيَّصلىاللهعليهوآله
سمّاه باسم ابن هارون مُشبّر كمُحدّث، كما في القاموس
وغيره، وكان حملاً، وبعد وفاته أسقطته فاطمة الزهراءعليهاالسلام
لستّة أشهر، والروايات التي ذكرها ابن طاووس في (الطرف)
وغيره في غيرها تُساعدهم.
____________________
ابنُ الحنفيّة:
وأمّا محمّد الأكبر، الذي يجمعه وإيّاه جامع العقب، فيُكنّى بابن الحنفيّة، وهي اُمّه: خولة بنت جعفر بن قيس من بني الدئل بن حنيفة بن لجيم، واُمّها بنت عمرو بن أرقم الحنفي.
واختلف في أمرها، [ فقيل: ] إنّها سبيّة أيام رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
لمـّا بعث عليّاً إلى اليمن فأصاب خولة في بني زبيد، وقد ارتدّوا مع عمرو بن معد يكرب، وكانت زبيد سبتها من بني حنيفة في غارة لهم عليهم. وقيل: إنّ خالد بن الوليد قاتل أهلها أيام أبي بكر فسباهم، فهي من جملة السّبايا، فدفعها أبو بكر مِن سهمه في المغنم.
وقيل: إنّ بني أسد أغارت على بني حنيفة أيام أبي بكر فسبوا خولة وباعوها من عليعليهالسلام
، فبلغ قومَها خبرُها، فجاؤوا إلى عليعليهالسلام
فعرّفوه أنّها ابنتهم، فاعتقها وأمهرها وتزوّجها
. وقيل: إنّها سُبيت أيام أبي بكر، فاشتراها اُسامة بن زيد وباعها من عليعليهالسلام
.
وفي حديث أسماء بنت عُميس: إنّ أمير المؤمنينعليهالسلام
اشتراها من سوق ذي المجاز أوان مقدمه من اليمن، فوهبها فاطمةعليهاالسلام
، فباعتها من مُكمل الغفاري، فولدت منه عونة، ثُمّ باعها من عليعليهالسلام
.
____________________
ويحكي ابن خلّكان في الوفيات قولاً أنّها سندية، أمَة لبني حنيفة سوداء
. وحكاه الشيخ الجليل ابن إدريس الحلّي في مزار السّرائر عن ابن حبيب النّسابة، وقال: إنّه جهل منه وقلّة تأمّل
.
ويروي القطب الراوندي في الخرائج: أنّها سُبيت أيام أبي بكر، وأنّ الزُّبير وطلحة طرحا عليها ثوبيهما طلباً للاختصاص بها، فصاحت: لا يملكني إلاّ مَن يخبرني بالرُّؤيا التي رأتها اُمّي، وعن اللوح الذي كُتبت فيه الرُّؤيا، وما قالته لي. فعجزوا عن معرفته إلاّ أمير المؤمنينعليهالسلام
أوضح لها في ملأ من المسلمين أمراً غيبيّاً عجب منه الحاضرون، فعندها قالت: من أجلك سُبينا، ولِحُبّك أصابنا ما أصابنا
.
ولم يعبأ السيّد المرتضى في (الشافي) بجميع ذلك، فقال: لم تكُنْ الحنفيّة سبيّة على الحقيقة، ولم يستبحهاعليهالسلام
بالسّبا؛ لأنّها بالإسلام قد صارت حُرّة مالكة أمرها، فأخرجها من يد مَن استرقّها، ثُمّ عقد عليها عقد النّكاح
.
وما ذكره هو الصحيح المقبول؛ فإنّ الردّة المزعومة لا تُوجب أحكام الكفر، ومنع الزكاة وأمثالها على التأويل فليس فيه خروج عن ربقة الإسلام.
____________________
وأمّا ولادة محمّد، فقيل: إنّها أيام أبي بكر، وقيل: أيام عمر، وخصّها ابن خلّكان بأوّل المـُحرّم لسنتين بقيتا من خلافة عمر
وإذا علمنا أنّ عمر مات سنة ثلاث وعشرين، كانت ولادته سنة إحدى وعشرين؛ وأمّا على رأي ابن كثير في البداية ٩ / ٣٨، وسبط ابن الجوزي في التذكرة من وفاته سنة إحدى وثمانين عن خمس وستّين، تكون ولادتُهُ سنة ستّة عشر للهجرة
.
وأمّا قبره، فعند ابن قتيبة بالطائف
، وفي تذكرة الخواصّ بـ ( إيلة ) مدينة ممّا يلي الشام، وفي حلية الأولياء ٣ / ١٧٣
، وتهذيب التهذيب ٩ / ٣٥٥
بالمدينة المـُنوّرة، وعيّنه ابنُ كثير بالبقيع
.
وفي معجم البلدان ٣ / ٣٨٧
: إنّ أهل جزيرة ( خارك ) - التي هي في وسط البحر الفارسي - يزعمون أنّ بها قبر محمّد بن الحنفيّة. يقول الحموي: وقد زرتُ هذا القبر فيها، ولكن التواريخ تأباه.
واعتقاد الكيسانيّة حياته في جبل رضوى يأتيه رزقه وله عودة، من الخرافات؛ للاتّفاق على موته.
____________________
وإنّ كلمة الإمام الحسن السّبطعليهالسلام
تدلّنا على فضله الشامخ وورعه الثابت، ونزاهته عن كُلّ دنس، ومعرفته بالإمام الواجب اتّباعه.
قال الشيخ الجليل الطبرسي - من أعلام القرن السّادس - في (إعلام الورى): أرسل الحسن بن أمير المؤمنينعليهالسلام
قنبراً خلف محمّد بن الحنفيّة، فلمـّا مثل بين يديه، قال له:« اجلس، فليس يغيبُ مثلَك عن سماعِ كلامٍ يحيا به الأمواتُ ويموتُ به الأحياء:
كونوا أوعيةَ العلمِ ومصابيحَ الدُّجى؛ فإنّ ضوءَ النّهارِ بعضُهُ أضوءَ مِنْ بعض. أما علمت أنّ اللّه عزّ وجل جعل وُلدَ إبراهيمَعليهالسلام
أئمّة، وفضّل بعضَهُم على بعض، وآتى داودَ زبوراً، وقد علمتَ بما استأثر اللّهُ تعالى محمّداًصلىاللهعليهوآله
.
يا محمّدُ بنَ علي، لا أخاف عليك الحسدَ، وإنّما وصفَ اللّهُ به الكافرين، فقال تعالى:
(
كُفَّاراً حَسَدًا منْ عِندِ أَنفُسِهِم من بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ
)
.ولمْ يجعل اللّهُ للشّيطانِ عليك سُلطاناً.
يا محمّدُ بنَ علي، ألا اُخبرك بما سمعتُ من أبيك
عليهالسلام
فيك؟ »
. قال: بلى. فقالعليهالسلام
:« سمعتُ أباكَ يقولُ يومَ البصرة: مَن أحبَّ أنْ يبرّني في الدُّنيا والآخرة فليبرّ محمّداً.
يا محمّدُ بنَ علي، لو شئتُ أنْ اُخبركَ وأنتَ في ظهر أبيك لأخبرتُك.
____________________
يا محمّدُ بنَ علي، أما علمتَ أنّ الحسينَ بنَ عليٍّ بعد وفاة نفسي، ومفارقةِ روحي جسمي، إمامٌ من بعدي عند اللّه في الكتاب؛ وراثة مِن النّبيِّ أضافها في وراثة أبيه واُمّه، عَلِمَ اللّهُ أنَّكُمْ خِيرةُ خلقِهِ فاصْطَفى مِنكُم مُحمّداً، واختار محمّدٌ عليّاً، واختارني عليٌّ للإِمامة، واخترتُ أنا الحُسينَ »
.
فقال له محمّدُ بن علي: أنت إمامي وسيّدي، ألا وإنّ في رأسي كلاماً لا تنزفه الدلاء، ولا تُغيّره الرياح، كالكتاب المـُعجم في الرّقِّ المـُنمنَم؛ أهمُّ بإبدائه فأجدني سبقتُ إليه سبق الكتاب المـُنزل، وما جاءت به الرُّسل، وإنّه لكلامٌ يكُلّ به لسانُ النّاطق ويدُ الكاتب حتّى لا يجد قلماً، ويُؤتوا بالقرطاس حِمماً ولا يبلغ فضلك، وكذلك يجزي المـُحسنين، ولا قوة إلاّ باللّه.
الحسين أعلمنا علماً، وأثقلنا حلماً، وأقربنا من رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
رَحماً؛ كان إماماً قبل أنْ يُخلق، وقرأ الوحيَ قبل أنْ يَنطق، ولو علم اللّهُ أنّ أحداً خيراً منّا ما اصطفى محمّداً، فلمـّا اختار اللّه محمّداً، واختار محمّدٌ عليّاً إماماً، واختارك عليٌّ بعده، واخترتَ الحسينَ بعدك، سلّمنا ورضينا بمَن هو الرضى، وممّن نسلم به من المـُشكلات
.
وهذه الوصيّة تُفيدنا عظمة ابن الحنفيّة من ناحية الإيمان، وأنّه من عياب العلم ومناجم التُّقى، فأيّ رجل يشهد له إمامُ وقته بأنّ اللّه لم يجعل للشيطان عليه سُلطاناً؟ وأنّه لا يخشى عليه من ناحية الحسد الذي لا يخلو منه أو من شيء من موجباته، أيّ أحد لم يبلغ درجة الكمال؟ ثُمّ أي رجل أناط أمير المؤمنينعليهالسلام
البِرَّ به بالبرِّ بنفسه التي يجب على كافة المؤمنين أنْ يبرّوا بها؟
____________________
على أنّ الظاهر من قول المـُجتبىعليهالسلام
:« أمَا علمتَ أنّ الحسينَ »
. هو: إنّ علمَ محمّد بالإمامة لم يكنْ بمحض النّصِّ المـُتأخّر وإنْ أكّده ذلك، وإنّما هو بعلم مخصوص برجالات بيت الوحي، مكنون عندهم بالإحاطة بالكتاب الماضي والقدر الجاري.
ويرشدنا إلى هذا قولُ ابن الحنفيّة: إنّ في رأسي...؛ فإنّه أظهر من سابقه فيما قلنا، وكلماته الذهبيّة في الاعتراف بحقّ الإمامينعليهماالسلام
تدلّنا على ثباته المـُستقى من عين صافية بارشيةٍ من الحقِّ؛ وما هي إلاّ ذلك اللوح المحفوظ.
أضف إلى ذلك، ما جاء عن أمير المؤمنينعليهالسلام
من قوله:« تأبَى المحامدةُ أنْ يُعصى اللّه »
. وهُم: محمّد بن الحنفيّة، ومحمّد بن جعفر الطيّار، ومحمّد بن أبي حُذيفة بن عتبة بن ربيعة، وهو ابن خال معاوية بن أبي سفيان
____________________
وهذه شهادة من سيّد الأوصياءعليهالسلام
في حقِّ ولده الكريم محمّد، قد أخذت مأخذها من الفضيلة، وأحلّت محمّداً المحلّ الأرفع من الدِّين، وأقلّته سنام العزّ في مستوى الإيمان.
وإنّ شهادة أمير المؤمنينعليهالسلام
بأنّه ممّن يأبى أنْ يُعصى اللّه، تُعرّفنا عدم ادّعائه الإمامة لنفسه بعد الحسينعليهالسلام
؛ فإنّ تسليمَه الإمامة للسجّادعليهالسلام
لا يختلف فيه اثنان، واستدعاؤه الإمامعليهالسلام
للمحاكمة عند الحجر الأسود من أكبر الشواهد على تفنّنه في تنبيه النّاس لمَن يجب عليهم الانقياد له. وعدم حضوره مشهد الطَّفِّ؛ إمّا لما يقوله العلاّمة الحلّي في أجوبة المسائل المهنائية من المرض، أو لما يروي محمّد بن أبي طالب في المقتل: من إذنِ الحسينعليهالسلام
له في البقاء بالمدينة يُعرّفه بما يحدث هناك، فهو معذورٌ مقبول.
ولبسالته المعلومة وموقفه من الحقّ؛ أنزله أبوهعليهالسلام
يوم (الجمل) منزلة يده، فكان يخوض الغمرات أمامه، ويمضي عند مُشتبك الحرب قِدماً، وكان يقول له عند أمره لمنازلة الأقران دون الإمامينعليهماالسلام
:« إنّهمَا عينايَ وأنت يدي، أفلا أدفعُ بيدي عنْ عينَيّ؟ »
.
وناهيك من بلاغته المزيجة بالشجاعة، خطبتُه يوم صفِّين، وقد برز بين الصفَّين فأومى إلى عسكر معاوية، وقال:
____________________
« يا أهلَ الشَّامِ، اخسؤوا يا ذُرِّيَّةَ النّفاقِ وحشوَ النّار وحَطَبَ جهنَّم... »
. إلى آخر كلامه المروي في تذكرة الخواصّ لسبط ابن الجوزي / ١٦٧، ومناقب الخوارزمي / ١٣٤
. فكان لهذه الخطبة البليغة موقعٌ تامٌّ في ذلك الجيش اللّجب والجمع المتكاثف، ولم يبقَ في الفريقين إلاّ مَن اعترف بفضله.
____________________
الأطرف:
وأمّا عمر الأطرف، فكما شاركه في العقب، [ فقد ] وقع الخلاف من أهل النّسب في أيِّهما أسبق في الولادة؛ فالذي عليه ابن شهاب العكبري، وأبو الحسن الأشناني، وابنُ جداع، تقدُّم ولادة عمر، وعند شيخ الشرف العُبيدلي، والبغدادي، وأبي الغنائم العمري، تقدُّم ولادة العبّاسعليهالسلام
. ولا يُمكننا الحكم بشيء بعد جهالة السّنة التي توفّي فيها، وذكرها على الإجمال في زمن عبد الملك أو ابنه الوليد لا يُغني، وإنْ عرفوا مقدار عمره بخمس وثمانين أو خمس وسبعين.
نعم، يظهر من المؤرّخين عند ذكر أولاد أمير المؤمنينعليهالسلام
أنّ العبّاس أكبر منه؛ لأنّهم يُقدّمون ذكر العبّاس وإخوته على عمر، على أنّ الداودي في العمدة / ٣٥٤ يقول: كان عمر آخر مَن وُلِد من بني عليٍّعليهالسلام
.
وعلى كُلّ حالٍ، فالوجه في تسميته بالأطرف إنّما هو بعد ولادة عمر الأشرف ابن الإمام السجّادعليهالسلام
، أخو زيد الشهيد لاُمّه؛ فإنّه سُمّي بالأشرف، لجمعه الفضيلة من ولادة علي وفاطمةعليهماالسلام
، والأطرف حاز الفضل من طرف أبيه
.
____________________
ولم يحضر مع الحسينعليهالسلام
في الطَّفِّ، ولا مع مصعب بن الزُّبير، وقد وَهم مَن ذكره في المـُستَشهَدين يوم الطَّفِّ، كما أخطأ الدينوري في الأخبار الطوال / ٢٩٧ في عدّه من جملة مَن قُتل مع مصعب في الحرب القائمة بينه وبين المختار.
وأغرب منه عدّ اليافعي له في مرآة الجنان ١ / ١٤٣ في جملة المقتولين مع المختار؛ لأنّ المشهور بين المؤرّخين بقاؤه إلى بعد الحسينعليهالسلام
حتّى نازع السجّادعليهالسلام
في الصّدقات إلى عبد الملك، فلم ينجح، كما نازع الحسن المثنى فيها عند الحجّاج فطرده عبد الملك عنها
.
ويروي السيّد ابن طاووس: أنّه أشار على الحسينعليهالسلام
بالبيعة ليزيد، فقال له:« إنّ أبي حدّثني عنْ رسول اللّه بقتله وقتلي، وإنّ تُربَتي إلى جنب تُربته. أتظنّ أنّك تعلمُ ما لمْ أعلمه؟ فواللّه، لا اُعطي الدَّنيَّةَ مِنْ نفسي »
.
ولا أعلم السّبب في تأخّره عن الطَّفِّ، و(
الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا
)
وليس لنا إلاّ التسليم ما لم يقم دليلٌ قطعي على المـُعاندة والمخالفة؛ خصوصاً بعدما جاء الحديث عن الإمام الصادقعليهالسلام
، وفيه:« لا يخرجُ أحدُنا من الدُّنيا حتّى يقرَّ لكُلّ ذي فضلٍ فضلَه، ولو بفواقِ ناقة »
.
فإنّه صريحٌ في توبة مَن كان ظاهرُه الخلاف لأهل البيتعليهمالسلام
عند الممات، ولا إشكال في أنّ التوبة مُكفّرة لما صدر من العصيان
____________________
كما في صريح الكتاب المجيد، وإجماع المسلمين، والأخبار المتواترة التي تُوجب القطع بمضمونه، فالتهجّم على آل النّبيِّصلىاللهعليهوآله
بمجرد تلك الأحاديث التي لا يُعرف مأخذها، خروج عن طريقة الأئمّة الطاهرينعليهمالسلام
.
وأمّا عبيدُ اللّه بن النّهشليّة فلم يحضر الطَّفَّ، وجاء إلى المختار يطلب الرفد فلم يصله، فالتحق بمصعب وجاء معه، فلمـّا وصل المذار من سواد البصرة، وُجِدَ في فسطاطه مذبوحاً، ولم يُعلم قاتلُه
.
والمـُشارك معه في يوم الطَّفِّ أبو بكر، واُمّه ليلى بنت مسعود النّهشليّة. قال ابن جرير وابن الأثير: شُكَّ في قتله
. وفي نفس المهموم / ١٧٣: وُجِدَ في ساقيةٍ قتيلاً، لا يُعلم قاتلُه
.
وكأنّه لمـّا حمل آل أبي طالب بعد قتل عبد اللّه بن مسلم بن عقيل حملةً واحدة، فصاح بهم الحسينعليهالسلام
:« صبراً على الموتِ يا بَني عُمومَتي؛ فواللّه، لا رأيتُمْ هواناً بعد هذا اليوم أبداً »
. سقط فيهم عونٌ ابن الطيّار وأَخوه محمّد، وعبد الرحمن بن
____________________
عقيل وأَخوه جعفر، ومحمّد بن مسلم بن عقيل، وأبو بكر هذا؛ فلذلك لم يُعرف قاتله.
ومحمّد الأوسط، واُمّه اُمّ ولد، قتله رجل من بني أبان بن دارم واحتزّ رأسه
.
وعبد اللّه المولود سنة ٣٦ هـ، وجعفر المولود سنة ٣٣ هـ، وعثمان المولود سنة ٤٠ هـ، فقتل هاني بن ثبيت الحضرمي عبد اللّه وجعفراً، ورمى خولي بن يزيد الأصبحي عثمان، واحتزّ رأسه رجلٌ من بني أبان بن دارم
، وهؤلاء جَمعهم وإيّاه الاُمومة أيضاً.
والمشارك له في الاسم عباس الأصغر، نصّ عليه النّسّابة السيّد محمّد كاظم اليماني في النّفحة العنبريّة، قال: وكان شقيقاً لعمر الأطرف. وفي ناسخ التواريخ ذكر العبّاس الشهيد والعبّاس الأصغر، ويُؤيّده أنّ النّسّابة العُمَري في المـُجدي، وابن شهر آشوب في المناقب، والشبلنجي في نور الأبصار، والمـُحبّ الطبري في ذخائر العقبى، وصفوا الشهيد بالعبّاس الأكبر
.
وهذا التعبير في عُرف النّسّابين يقع لِمَن يكون له أخٌ أصغرُ منه شاركه في الاسم، لا فيمَن هو أكبر إخوته مُطلقاً ولو لم يشاركه في الاسم، والظاهر أنّ العبّاس الأصغر درج في أيام أبيه؛ لأنّه ليس له ذكرٌ في الوارثين لأمير المؤمنينعليهالسلام
من ولده.
____________________
أخواتُه:
كانت أخوات العبّاس من أبيه ثمان عشرة
؛ فمنهنّ مَن تُوفّيت أيام أبيهنّ كزينب الصغرى، وجمانة، واُمامة، واُمّ سلمة، ورملة الصغرى
؛ ومنهنّ مَن لم يُذكر خروجهن إلى أزواج، والذين خرجن إلى أزواج؛ فالعقيلة زينب الكبرى كانت عند عبد اللّه بن جعفر الطيّار، فأولدت له جعفر الأكبر، وعباساً، وعليّاً المعروف بالزينبي، وعوناً الأكبر قُتل يوم الطَّفِّ في حملة آل أبي طالب؛ واُمّ كلثوم، وهي التي زوّجها الحسينعليهالسلام
من ابن عمّها القاسم بن محمّد الطيّار وأنحلها البغيبغات
؛ ورقيّة عند ابن عمّها الشهيد مسلم بن عقيل، ولدت له عبد اللّه وعليّاً ومحمّداً.
وفي العمدة: تزوّج مسلم اُمّ كلثوم بنت عليعليهالسلام
فولدت له حميدة
، تزوّجها الفقيه الجليل عبد اللّه بن محمّد بن عقيل بن أبي طالب، أولدها محمّداً، ومنه العقب.
____________________
ولا يتمّ هذا إلاّ بعد وفاة إحداهنّ؛ إذ لا يجوز الجمع بين الاُختين.
وكانت فاطمة عند أبي سعيد بن عقيل، ولدت له حميدة؛ وخديجة كانت عند عبد الرحمن بن عقيل، ولدت له سعيد؛ واُمّ هاني تزوّجها عبد اللّه الأكبر بن عقيل، ولدت له عبد الرحمن ومحمّد؛ واُمّ الحسن خرجت إلى جعدة بن هبيرة المخزومي؛ واُمامة كانت عند الصَّلت بن عبد اللّه بن نوفل بن الحارث بن عبد المـُطّلب، ولدت له نفيسة
.
____________________
العقيلة:
وكيف كان فالمـُهم في هذا العنوان النّظر في العقيلة الكبرى التي هي أعظمهنّ قدراً، وأجلّهنَّ شأناً؛ فإنّها شظيّةٌ من شظايا النّبوّة، وفلذة من أفلاذ الإمامة، وهي الجوهرة الفريدة التي ضمّها إليه صدف القداسة (الزهراء الطاهرةعليهاالسلام
)، وأنجب بها سيّد الأوصياء.
بجِلالِ أحمدَ في مهابةِ حَيدرٍ
|
|
قَدْ أنجبتْ اُمُّ الأَئمَّةِ زَينبا
|
فكانت شريكة الإمامين سيّدي شباب أهل الجنّة في ذلك المـُرتكض الطاهر والحجر الزاكي، والصلب القادس واللبان السّائغ، والتربية الإلهيّة، أضف إلى ذلك العِلم المـُتدفّق والفقه النّاجع، وقد شهد لها ابن أخيها السجّادعليهالسلام
:« بأنّها عالمةٌ غيرُ مُعلَّمة، وفاهمةٌ غيرُ مُفهَّمة »
.
وحسبها من الخطر إنّ ما انحنت عليه الأضالع هو ذلك العلم المـُفاض عليها من ساحة القدس الإلهي؛ لا بإرشاد مُعلّمٍ أو تلقين مرشد، مع البلاغة في المنطق، والبراعة في الإفاضة، كأنّها تُفرغ عن لسان أبيها الوصيعليهالسلام
:
____________________
وعَنِ الوصيِّ بلاغةٌ خُصّتْ بها
|
|
أعيَتْ برونَقِها البليغَ الأخطبَا
|
ما استَرسَلتْ إلاّ وتحسبُ أنّها
|
|
تستلُّ من غُرَرِ الخطابةِ مِقضَبَا
|
أو أنّها اليَزنيُّ في يدِ باسلٍ
|
|
أخْلا بهِ ظهراً وأوهَى مَنْكبَا
|
أو أنّها تَقتادُ منها فيلقاً
|
|
وتسوقُ مِنْ زُمَرِ الحقائقِ مَوكبَا
|
أو أنّ في غابِ الإمامةِ لبوةً
|
|
لزئيرِها عَنتِ الوجوهُ تهيُّبَا
|
أو أنّها البحرُ الخِضمُّ تلاطَمتْ
|
|
أمواجُهُ عِلماً حجى بأساً أبَا
|
أو أنّ مِنْ غَضَبِ الإلهِ صَواعقاً
|
|
لمْ تلفَ عنها آلُ حربٍ مَهربَا
|
أو أنّ حيدرةً على صَهَواتِها
|
|
يُفني كراديسَ الضَّلالِ ثُباً ثُبا
|
أو أنّهُ ضَمَّتهُ ذروةُ مِنبرٍ
|
|
فأنارَ نهجاً للشريعة ألحَبَا
|
أو أنّ في اللأوى عقيلةَ هاشمٍ
|
|
قد فرّقتْ شملَ العَمَى أيدي سَبَا
|
____________________
ولم تكن هذه البراعة والاسترسال في القول إلاّ عمّا انطبع فيها من النفسيّات القويّة، والملكات الفاضلة، ممتزجة بثبات جأش وطمأنينة نفس وشجاعة؛ إنْ شئت فسمّها بالأديبة، وإلاّ فهي فوق ذلك.
وكانت تلقي خواطرها بين تلك المحتشدات الرهيبة، أو فقل بين النّاب والمخلب، غير متعتعة ولا متلعثمة، وتقذفها كالصواعق على مجتمع خصومها، فكانت أعمالها وخطبُها الجزء الأخير للعلّة من نهضة السّبط الشهيدعليهالسلام
، وأصبحت تمام الفضيحة للاُمويّين بما نشرته بين الملأ من صحيفتهم السّوداء حتّى ضعضعت عرش دولتهم، وفكّكت عرى سلطانهم، وألصقت بهم العار من كُلّ النّواحي، فكانت شريكة الإمام الشهيدعليهالسلام
في هذه الفضيلة.
وتشاطَرَتْ هيَ والحُسينُ بدعوةٍ
|
|
حَتَمَ القضاءُ عليهما أنْ يُندَبَا
|
هذا بمُشتَبكِ النّصولِ وهذهِ
|
|
في حيثُ معتَرَكِ المكارِهِ في السِّبَا
|
وهذه النّفسيّة التي حوتها، والثبات الذي انطوى عليه أضالعها، أوجب لأخيها الشهيدعليهالسلام
أنْ يصحبها في سفره إلى مشهد الطَّفِّ؛ علماً منه بلياقتها لتلقّي الأسرار كما هي، وأدائها في مورد الأداء كما يجب، وهذا هو الذي أهّلها لتحمّل شطر ممّا يحمله الإمامعليهالسلام
بعد حادثة الطَّفِّ؛ حفظاً للسجّادعليهالسلام
عن عادية الأعداء، فكان يُرجع إليها في معرفة الأحكام الشرعيّة وإنْ كان المرجع إليها زين العبادعليهالسلام
.
____________________
ففي الحديث عن أحمد بن إبراهيم قال: دخلتُ على حكيمة بنت الجواد
، اُخت أبي الحسن الهاديعليهالسلام
، فكلّمتها من وراء حجاب، وسألتها عن دينها، فسمّت لي مَن تأتمّ بهمعليهمالسلام
، ثمّ قالت: وفلان بن الحسن بن علي، فسمّته.
فقلتُ لها: جعلني اللّه فداك! مُعاينة أو خبر؟ فقالت: خبراً عن أبي محمّدعليهالسلام
كتب به إلى اُمّه. فقلتُ لها: فأين المولود؟ فقالت: مستور. فقلتُ: إلى مَن تفزع الشيعة؟ فقالت: إلى الجدّة اُمّ أبي محمّدعليهالسلام
. فقلت لها: أقتدي بمَن وصيّته إلى امرأة؟! فقالت: اقتداءً بالحسين بن علي بن أبي طالبعليهماالسلام
؛ إنّ الحسين بن عليعليهماالسلام
أوصى إلى اُخته زينب بنت علي بن أبي طالبعليهماالسلام
في الظاهر، وكان ما يخرج عن علي بن الحسينعليهالسلام
من علمٍ يُنسب إلى زينب بنت علي؛ تستّراً على علي بن الحسين (ع)
.
ولليقين الثابت والبصيرة النّافذة لم تكترث بشيء من الأهوال، ولا راعها الهزاهز، منذ مشهد الطَّفِّ إلى حين وصولها المدينة، وكان بمنظر منها مصارع آلِ اللّه نجوم الأرض من آل عبد المـُطّلب، وبينهم سيّد شباب أهل الجنّةعليهالسلام
، بحالة تنفطر لها السّماوات وتنشقُ الأرض وتخرّ الجبال هدّا،
____________________
وليس معها من حُماتها حميّ، ولا من رجالها وليّ غير الإمام المضني الذي أنهكته العلل، ونسوة في الأسر مكتنفة بها، بين شاكية وباكية، وطفل كظّه العطش، إلى اُخرى أقلقها الوجل؛ وأمامها الجيش الفاتح الجذل بسكرة الظفر وبشر الشماتة، ودِعة السّلام والفرح بالغنيمة، ومُخيَّم آل بيت اللّه طنّبت عليه الكوارث والمحن؛ فقد الحماة والخوف من الأعداء، والأوام المبرح ونحيب ونشيج، وصراخ وعولة.
والعقيلة في كُلّ هذه الأحوال هي المـُهدّئة لفورتهنَّ، والمـُسكّنة لروعتهنّ، فلم يُشاهَد منها عزم خائر ولا جأش مائر، ولا صرخة عالية ولا ذهول عن أمر الحرم؛ كيف! وهي بقيّة أمير المؤمنينعليهالسلام
، ونائبة الحسينعليهالسلام
على تلكم الأحوال، والنّاهضة الكريمة إلى مغزى أخيها، والمتمّمة لقصده الراقي وأمره الرشيد.
نعم، أهمها من بين ذلك شيء رأته؛ نظرت إلى ابن أخيها السجّادعليهالسلام
يجود بنفسه حينما شاهد تلك الجثث الزواكي تصهرها الشمس، فعظم عليها أمر الإمامعليهالسلام
، فأخذت تُصبّره وتُسلّيه، وهو الذي لا توازن بصبره الجبال.
وفيما قالت له: مالي أراك تجود بنفسك يا بقيّة جدّي وأبي وإخوتي؟ فقالعليهالسلام
:« وكيف لا أجزعُ ولا أهلعُ وقد أرى سيّدي، وإخوتي وعمومتي، ووُلدَ عمِّي وأهلي مُصرَّعينَ بدمائهم، مُرمَّلينَ بالعراء، مُسلَّبين لا يُكفّنون ولا يوارَون، ولا يعرج عليهم ولا يقربُهُم بشرٌ، كأنَّهم أهلُ بيتٍ من الدَّيلم والخزر! »
.
فقالت: لا يجزعنَّك ما ترى، فواللّه، إنّ ذلك لعهدٌ من رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
إلى جدّك وأبيك وعمّك، ولقد أخذ اللّه ميثاق اُناس من هذه الاُمّة لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض، وهم معروفون في أهل السّماوات، إنّهم يجمعون هذه الأعضاء المـُتفرّقة، والجسوم المـُضرّجة فيوارونها، وينصبون بهذا الطَّفِّ علماً لقبر أبيك سيّد الشهداءعليهالسلام
لا يدرس أثره، ولا يعفو رسمه على كرور الليالي والأيام، وليجتهدنّ أئمّةُ الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه، فلا يزداد أثره إلاّ ظهوراً، وأمره إلاّ علوّاً
.
وهل بعد هذا يبقى مجال للشكّ في موقفها من الثبات، ومحلّها من الطمأنينة ومبوِّئها من العظمة؟! وإنّ حديث الرواة لمـّا وقفت على جسد أخيها، وقالت: اللهمّ، تقبّل منّا هذا القربان
. يدلّنا على تبوّئها عرش الجلالة، وأنّها المأخوذ عليها الميثاق بتلك النّهضة المـُقدّسة كأخيها الحسينعليهالسلام
، وإنْ كان التفاوت محفوظاً بينهم، حتّى إنّ أحدهما لمـّا أتمّ النّهوض بالعهد وخرج عن العدّة بإزهاق نفسه المـُطهّرة، نهض الآخر بما وجب عليه ومنه تقديم (الذبيح) إلى ساحة الجلال الرّبوبي والتعريف به، ثُمّ طفقت (سلام اللّه عليها ) ناهضة ببقيّة الشؤون التي وجبت عليها؛ ولا استبعاد في ذلك بعد وحدة النّور وتفرّد العنصر.
ثُمّ هلمّ معي لنقرأ موقفها أمام ابن مرجانة، وقد احتشد المجلس بوجوه الكوفة وأشرافها، وهي امرأة عزلاء ليس معها إلاّ
____________________
مريض يعاني ألم القيود، ونساء ولهى وصبية تئنُّ، فأفرغت عن لسان أبيهاعليهالسلام
بكلام أنفذَ من السّهم وأحدَّ من شبا السّيوف، وألقمت ابن مرجانة حجراً، إذ قالت له: هؤلاء قومٌ كتب اللّه عليهم القتل، وسيجمع اللّهُ بينك وبينهم فتُحاج وتُخاصم، فانظر لمَن الفلج يومئذٍ. هبلتك اُمّك يابن مرجانة
!
وأوضحت للملأ المتغافل خبثه ولؤمه، وأنّه لنْ يرحض عنه عارها وشنارها، كما أنّها أدهشت العقول وحيّرت الفكر في خطبتها بالنّاس، والنّاس يومئذ حيارى يبكون لا يدرون ما يصنعون: وأنّى يرحض عنهم العار بقتلهم سليل النّبوّة ومعدن الرسالة، وسيّد شباب أهل الجنّة، وقد خاب السّعي، وتبّت الأيدي، وخسرت الصفقة، وباؤوا بغضب من اللّه وخزي في الآخرة، ولَعذاب اللّه أكبر لو كانوا يعلمون؟!
كما أنّها أظهرت أمام ابن ميسون أسرار نهضة أخيها الحسينعليهالسلام
، وعرّفت الاُمّة طغيان يزيد وضلال أبيه، وفظاعة أعمالهم وعظيم ما اقترفوه، وفيما قالت له: أظننت يا يزيد، حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السّماء، فأصبحنا نُساق كما تُساق الأسارى، أنّ بنا على اللّه هواناً، وبك عليه كرامة
؟!
ولهذه الفصاحة الدقيقة جاء بها شهيد العزّ والإباء إلى العراق؛ لعلمه أنّ الغاية التي يُضحّي بنفسه لأجلها ستذهب أدراج السّلطة الغاشمة، وتبقى الحقيقة مستورة على السُّذّج لو لمْ يتعقّبها لسان ذرب، وأنّ كُلّ أحد لا يستطيع في ذلك الموقف الحرج الذي
____________________
تحفّه سيوف الظلم، أنْ يتكلّم بالحقيقة مهما بلغ من المنعة في عشيرته إلاّ العقيلة؛ فإنّها التي تعلن بموبقات ابن مرجانة وابن معاوية، وإنّ ما جرى على ابن عفيف الأزدي شاهد له.
كما أنّهعليهالسلام
كان على يقين وثقة بإخبار جدّه الرسولصلىاللهعليهوآله
أنّ القوم - وإنْ بلغوا الخسّة والغواية، وتناهوا في الخروج عن سبيل الحميّة - لا يمدّون إلى النّساء يد السّوء، وقد أنبأ سلام اللّه عليه عن هذا بقوله لهنّ ساعة الوداع:« البَسوا أزرَكم واستعدّوا للبلاء، واعلموا أنّ اللّهَ حاميكُم وحافظكُم، وسينجيكم مِنْ شرّ الأعداء، ويجعل عاقبة أمركم إلى خير، ويُعذّب أعاديكم بأنواع العذاب، ويُعوِّضكُمْ عن هذه البليّة بأنواع النِّعمِ والكرامةِ، فلا تشكُوا ولا تقولوا بألسنتكم ما يُنقصُ مِنْ قَدْرِكُمْ »
. فكان في مجيء الحسينعليهالسلام
بالعقيلة فوائدٌ، أهمها: تنزيه دين النّبيصلىاللهعليهوآله
عمّا ألصقوه بساحته من الأباطيل، ولا قبح فيه عقلاً، كما لا يستهجنه العرف ويساعد عليه الشرع.
والمرأة وإنْ وضع اللّه عنها الجهاد ومكافحة الأعداء، وأمرها سبحانه أنْ تقرّ في بيتها؛ فذلك فيما إذا قام بتلك المكافحة ودافع عن قدس الشريعة غيرها من الرجال، وأمّا إذا توقّف إقامةُ الحقِّ ونصرة الدِّين عليها فقط، كان الواجب النّهوض بعبء ذلك كُلّه؛ كي لا تندرس آثار الحقِّ، وتذهب تضحية اُولئك الصفوة دونه أدراج التمويهات؛ ولذلك نهضت سيّدة نساء العالمينعليهاالسلام
للدفاع عن خلافة اللّه الكبرى حين اُخذ العهد على سيّد الأوصياءعليهالسلام
بالسّكوت.
____________________
على أنّ الخضوع لناموس عصمة الإمامعليهالسلام
في جميع أقواله وأفعاله الصادرة عنه طيلة حياته، يُحتّم علينا الإذعان بأنّ ما صدر منه منبعث عن حكم إلهي قرأه في الصحيفة الخاصّة به، التي يُخبر الامام الصادقعليهالسلام
عنها:« إنّ لكُلّ واحد منّا صحيفةً يعمل بما فيها »
.
ويقول الإمام الباقرعليهالسلام
:« فبتقدّم علمٍ إليهم من رسول اللّه
صلىاللهعليهوآله
، قام عليٌّ والحسنُ والحسينُ، وبعلمٍ صَمتَ مَن صمت منّا »
. كما أنّهعليهالسلام
أعلَمَ بذلك جابر الأنصاري حين قال له: ألا تصالح كما صالح أخوك الحسنعليهالسلام
؟ فقالعليهالسلام
:« إنّ أخي فعلَ بأمرٍ من اللّه ورسوله، وأنا أفعل بأمرٍ من اللّه ورسوله »
.
فهذه الأحاديث تُفيدنا نموذجاً من الاهتداء إلى معرفة سير الإمامعليهالسلام
في جميع أفعاله، وأنّها ناشئة عن حِكَم ربانية لا يتطرّق إليها الشكّ والريب، وليس الواجب علينا إلاّ التصديق بكُلّ ما يصدر منه، من دون أنْ يلزمنا الشرع أو العقل بمعرفة المصالح الباعثة على تلك الأفعال الصادرة منه؛ سواء كانت الأفعال في العرف والعادة فظيعة جداً أم لا.
____________________
اُمّ البنين:
هي فاطمة بنت حزام بن خالد بن ربيعة بن الوحيد بن كعب بن عامر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن
.
١ - اُمّها ثمامة
بنت سهيل بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب.
٢ - واُمّها عمرة بنت الطفيل بن مالك الأخرم بن جعفر بن كلاب.
٣ - واُمّها كبشة بنت عروة الرحّال بن جعفر بن كلاب.
٤ - واُمّها اُمّ الخشف بنت أبي معاوية ( فارس الهرّار ) ابن عبادة بن عقيل بن كلاب.
٥ - واُمّها فاطمة بنت جعفر بن كلاب
.
٦ - واُمّها عاتكة بنت عبد شمس بن عبد مناف بن قَصي، وسمّاها في العمدة فاطمة
.
٧ - واُمّها آمنة بنت وهب بن عمير بن نصر بن قعين بن الحرث بن ثعلبة بن ذودان بن أسد بن خُزيمة.
____________________
٨ - واُمّها بنت جحدر بن ضبيعة الأغر بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن ربيعة بن نِزار.
٩ - واُمّها بنت ملك بن قيس بن ثعلبة.
١٠ - واُمّها بنت ذي الرأسين: وهو خشين بن أبي عصم بن سمح بن فزارة. وفي القاموس: خشين بن لاي
. وفي تاج العروس: لاي بن عصيم
.
١١ - واُمّها بنت عمر بن صرمة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن الريث بن غطفان.
هذا ما ذكره أبو الفرج في المقاتل
من جدّات اُمّ البنين والدة العبّاسعليهالسلام
، ومنه عرفنا آباءها وأخوالها، ويُعرّفنا التاريخ أنّهم فرسان العرب في الجاهليّة، ولهم الذكريات المجيدة في المغازي بالفروسيّة والبسالة، مع الزعامة والسّؤدد حتّى أذعن لهم الملوك، وهم الذين عناهم عقيل بن أبي طالب بقوله: ليس في العرب أشجع من آبائها
ولا أفرس.
وذلك مراد أمير المؤمنينعليهالسلام
من البناء على امرأة ولدتها الفحولة من العرب؛ فإنّ الآباء لا بدّ وأنْ تُعرف في البنين ذاتيّاتها وأوصافها، فإذا كان المولود ذكراً بانت فيه هذه الخصال الكريمة، وإنْ كانت اُنثى بانت في أولادها، وإلى هذا أشار صاحب الشريعة الحقّة بقولهصلىاللهعليهوآله
:« الخالُ أحدُ الضَّجيعين؛ فتخيَّروا لِنُطفكُمْ »
.
____________________
وقد ظهرت في أبي الفضلعليهالسلام
الشجاعتان؛ الهاشمية التي هي الأربى والأرقى، فمن ناحية أبيه سيّد الوصيّينعليهالسلام
، والعامرية، فمِن ناحية اُمّه اُمّ البنين؛ فإنّ من قومها أبا براء عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب، جدّ ثمامة والدة اُمّ البنين، وهو الجدّ الثاني لاُمّ البنين.
قيل له: ملاعب الأسنّة؛ لفروسيته وشجاعته، لقّبه بذلك حسّان لما رآه يقاتل الفرسان وحده وقد أحاطوا به، قال: ما هذا إلاّ ملاعب الأسنّة. وقيل: إنّ أوس بن حجر قال فيه:
يلاعبُ أطرافَ الأسنَّةِ عامرُ
|
|
فَراحَ لَهُ حظُّ الكتائِبِ أجمعُ
|
وهو الذي استعانه ابنُ أخيه عامر بن الطفيل على منافرة علقمة بن علاثة بن عوف بن الأحوص، لمـّا تفاخرا على أنْ يسوق كُلّ منهما مئة ناقة تكون لمَن يحكم له، ووضع كُلّ منهما رهناً لمنِّ أبنائهم على يد رجل من بني الوحيد؛ فسُمّي الضمين إلى اليوم، وهو الكفيل. ولما استعانه عامر دفع إليه نعليه، وقال له: استعن بهما في منافرتك؛ فإنّي قد ربعتُ بهما أربعين مِرْابعاً
.
والمِرْبَاع: ما يأخذه الرئيس من ربع الغنيمة دون أصحابه خالصاً لنفسه، وذلك عندما كانوا يغزون في الجاهليّة
. وهذان النّعلان من مُختصات الرئيس التي يخرج بها في الأيام الخاصّة، وإلاّ فلا مَزيّة لهما حتّى يستعين بهما على المنافرة.
____________________
ومنهم عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب، وهو أخو عمرة الجدّة الاُولى لاُمّ البنين.
كان عامر أسود أهل زمانه، وأشهر فرسان العرب بأساً ونجدة، وأبعدها اسماً حتّى بلغ أنّ قيصر إذا قدم عليه قادم من العرب، قال: ما بينك وبين عامر بن الطفيل؟ فإنْ ذكر نسباً عظم عنده وأرفده، وإلاّ أعرض عنه.
[ ومن نافلة القول أنّه ] وفد عليه علقمة بن علاثة فانتسب له، [ فـ ] قال له قيصر: أنت ابنُ عمّ عامر بن الطفيل؟ فغضب علقمة، ثُمّ إنّه دخل على ملك الروم، فقال له: انتسب. فانتسب له، [ فـ ] قال الملك: أنت ابن عمّ عامر بن الطفيل؟ فغضب وخرج عنه
.
ومنهم عروة الرحّال بن عتبة بن جعفر بن كلاب، والد كبشة الجدّة الثانية لاُمّ البنين. كان وفّاداً على الملوك وله قدر عندهم؛ ومن هنا سُمّي الرحّال، وهو الذي أجاز لطيمة النّعمان التي كان يبعث بها كُلَّ عام إلى سوق عكاظ، فقتله البراض بن قيس الكناني واستاق العير؛ وبسببه هاجت حرب الفجّار بين حي خندف وقيس
.
ومنهم الطفيل فارس قرزل، وهو والد عمرة الجدّة الاُولى لاُمّ البنين. كان معروفاً بالشجاعة والفروسية، وهو أخو ملاعب الأسنّة وربيعة، وعبيدة ومعاوية بنو جعفر بن كلاب، يُقال لاُمّهم: اُمّ البنين. وإيّاها عَنى لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب لمـّا وفد بنو جعفر على النّعمان بن المنذر، وكان سميره الربيع بن زياد
____________________
العبسي، فاتّهموه بالسّعي عليهم، فلمـّا غدوا على النّعمان كان معهم لبيد، وهو أصغرهم، فرأوا النّعمان يأكل مع الربيع، فقال لبيد:
يا واهبَ الخيرِ الجزيلِ مِنْ سَعَهْ
|
|
نَحنُ بَنو أُمِّ البَنينَ الأَربَعَهْ
|
ونحنُ خيرُ عامرِ بنِ صَعْصعهْ
|
|
المـُطعِمونَ الجَفنَةَ المـُدَعدَعَهْ
|
وَالضارِبونَ الهامَ تَحتَ الخَيضَعَهْ
|
|
إِلَيكَ جاوَزنا بِلاداً مُسبِعَهْ
|
يُخبِركَ عَن هَذا خَبيرٌ فَاِسمَعَهْ
|
|
ممَهلاً أَبَيتَ اللَعنَ لا تَأكُل مَعَهْ
|
إِنَّ اِستَهُ مِن بَرَصٍ مُلَمَّعَهْ
|
|
وَإِنَّهُ يُولجُ فيها إِصبَعَهْ
|
يُولجُها حَتّى يُواري أَشجَعَهْ
|
|
كَأَنَّما يَطلُبُ شَيئاً ضَيَّعَهْ
|
فلم ينكر عليه النّعمان ولا أحد من العرب؛ لأنّ لهم شرفاً لا يُدافع؛ ولذلك طرد النّعمان الربيع عن مسامرته، وقال له:
شَرّدْ برحلِكَ عَنِّي حَيثُ شئتَ وَلا
|
|
تَكثر عَليَّ وَدَعْ عَنكَ الأَباطيلا
|
قدْ قيل ذلكَ إنْ حقَّاً وإنْ كذباً
|
|
فما اعتذارُكَ في شيءٍ إذا قيلا
|
____________________
الزواج:
تزوّج أمير المؤمنينعليهالسلام
من فاطمة ابنة حزام العامرية، إمّا بعد وفاة الصديقة سيّدة النّساءعليهاالسلام
كما يراه بعضُ المؤرّخين
، أو بعد أنْ تزوّج باُمامة بنت زينب بنت رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
كما يراه البعضُ الآخر
. وهذا بعد وفاة الزهراءعليهاالسلام
؛ لأنّ اللّه قد حرّم النّساء على عليٍّعليهالسلام
ما دامت فاطمةُعليهاالسلام
موجودة
.
فولدت أربعة بنين وأنجبت بهم: العبّاس وعبد اللّه، وجعفر وعثمان، وعاشت بعده مدّة طويلة ولم تتزوّج من غيره، كما أنّ اُمامة وأسماء بنت عُميس وليلى النّهشلية لم يخرجنَ إلى أحد بعده، وهذه الحرائر الأربع تُوفي عنهنّ سيّد الوصيين (ع)
.
وقد خطب المغيرة بن نوفل اُمامة، ثُمّ خطبها أبو الهياج بن أبي سفيان بن الحارث، فامتنعت، وروت حديثاً عن عليعليهالسلام
: أنّ أزواج النّبيصلىاللهعليهوآله
والوصيّعليهالسلام
لا يتزوّجنَ بعده؛ فلم يتزوّجنَ الحرائرُ واُمّهات الأولاد عملاً بالرواية
.
____________________
وكانت اُمّ البنين من النّساء الفاضلات العارفات بحقّ أهل البيتعليهمالسلام
، مُخلصة في ولائهم، مُمحّضة في مودّتهم، ولها عندهم الجاه الوجيه والمحلّ الرفيع، وقد زارتها زينب الكبرى بعد وصولها المدينة تُعزّيها بأولادها الأربعة، كما كانت تزورها أيّام العيد.
وبلغ من عظمها ومعرفتها وتبصّرها بمقام أهل البيتعليهمالسلام
، أنّها لمـّا اُدخلت على أمير المؤمنينعليهالسلام
، وكان الحسنانعليهماالسلام
مريضين، أخذت تُلاطف القول معهما، وتُلقي إليهما من طيب الكلام ما يأخذ بمجامع القلوب، وما برحت على ذلك تُحسن السّيرة معهما وتخضع لهما كالاُمّ الحنون.
ولا بِدعَ في ذلك؛ فإنّها ضجيعة شخص الإيمان، قد استضاءت بأنواره، وربت في روضة أزهاره، واستفادت من معارفه، وتأدّبت بآدابه، وتخلّقت بأخلاقه.
الولادة:
لقد أشرق الكون بمولد قمر بني هاشم يوم بزوغ نوره من اُفق المجد العلوي، مُرتضعاً ثدي البسالة، مُتربّياً في حِجر الخلافة، وقد ضربت فيه الإمامةُ بعرقٍ نابضٍ، فترعرع ومزيجُ روحه الشهامة والإباء، والنّزوع عن الدَّنايا، وما شُوهد مُشتدّاً بشبيبته الغضة إلاّ وملء إهابه إيمانٌ ثابت، وحشوُ ردائه حلم راجح، ولبّ ناضج، وعلم ناجع.
فلم يزل يقتصّ أثر السّبط الشهيدعليهالسلام
الذي خُلق لأجله، وكُوّن لأنْ يكون ردءاً له في صفات الفضل ومخائل الرفعة، وملامح الشجاعة والسّؤدد والخطر. فإنْ خطى سلام اللّه عليه فإلى الشرف، وإنْ قال فعَن الهُدى والرشاد، وإنْ رمق فإلى الحقِّ، وإنْ مال فعَن الباطل، وإنْ ترفّع فعَن الضيم، وإنْ تهالك فدون الدِّين.
فكان أبو الفضل جامع الفضل والمثل الأعلى للعبقرية؛ لأنّه كان يستفيد بلجِّ هاتيك المآثر من شمسِ فَلَكِ الإمامة ( حسينُ العلمِ والبأسِ والصلاحِ )، فكان هو وأخوه الشهيدعليهماالسلام
من مصاديق قوله تعالى في التأويل:(
وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا
)
. فلم يسبقه بقولٍ استفاده منه، ولا بعملٍ أتبعه فيه، ولا بنفسيَّةٍ هي ظلّ نفسيَّته، ولا بمنقبة هي شعاع نوره الأقدس المـُنطبع في مرآة غرائزه الصقيلة.
____________________
وقد تابع إمامه في كُلّ أطواره حتّى في بروز هيكله القدسي إلى عالم الوجود، فكان مولد الإمام السّبطعليهالسلام
في ثالث شعبان، وظهور أبي الفضل العبّاس إلى عالم الشهود في الرابع منه
سنة ستٍّ وعشرين من الهجرة
.
وممّا لا شكّ فيه أنّ أمير المؤمنينعليهالسلام
لمـّا اُحضر أمامه ولدُهُ المحبوبُ ليُقيم عليه مراسيم السُّنّة النّبويّة التي تُقام عند الولادة، ونظر إلى هذا الولد الجديد الذي كان يتحرّى البناء على اُمّه أنْ تكون من أشجع بيوتات العرب؛ ليكون ولدها ردءاً لأخيه السّبط الشهيد يوم تحيط به عصب الضلال، شاهد بواسع علم الإمامة ما يجري عليه من الفادح الجَلل، فكان بطبع الحال يُطبّق على كُلِّ عضو يُشاهده مصيبةً سوف تجري عليه، يُقلّب كفّيه اللذين سيُقطعان في نُصرة حُجّة وقته، فتهمل عيونُهُ،
____________________
ويُبصر صدرَه عيبةَ العلم واليقين، فيُشاهده منبتاً لسهام الأعداء، فتتصاعد زفرتُهُ، وينظر إلى رأسه المـُطهّر فلا يعزب عنه أنّه سوف يُقرع بعمد الحديد؛ فتثور عاطفتُهُ وترتفعُ عقيرتُه، كما لا يُبارح فاكرته حينما يراه يسقي أخاه الماء ما يكون غداً من تفانيه في سقاية كريمات النّبوّة، ويحمل إليهنّ الماء على عطشه المرمض، وينفض الماء حيث يذكر عطش أخيهعليهالسلام
؛ تهالكاً في المواساة، ومبالغة في المفادات، وإخلاصاً في الاُخوّة، فيتنفس الصعداء، ويُكثر من قول:« مالي وليزيد! »
. وعلى هذا فقس كُلَّ كارثةٍ يُقدّر سوف تلمّ به وتجري عليه.
فكان هذا الولد العزيز على أبويه وحامّته، كُلّما سرّ أباه اعتدالُ خلقتِهِ، أو ملامح الخير فيه، أو سمة البسالة عليه، أو شارة السّعادة منه، ساءه ما يُشاهده هنالك من مصائب يتحمّلها، أو فادحٍ ينوء به؛ من جُرحٍ دامٍ، وعطشٍ مُجهدٍ، وبلاءٍ مُكرب. وهذه قضايا طبيعيّة تشتدّ عليها الحالة في مثل هاتيك الموارد، ممّن يحمل أقلّ شيء من الرّقّة على أقلّ إنسان، فكيف بأمير المؤمنينعليهالسلام
الذي هو أعطف النّاس على البشر عامّة من الأب الرؤوف، وأرقّ عليهم من الاُمّ الحنون!
إذاً فكيف به في مثل هذا الإنسان الكامل (أبي الفضل) الذي لا يقف أحدٌ على مدى فضله، كما ينحسر البيان عن تحديد مظلوميّته واضطهاده.
____________________
وذكر صاحب كتاب ( قمر بني هاشم ) ص٢١: إنّ اُمّ البنين رأت أمير المؤمنينعليهالسلام
في بعض الأيّام أجلس أبا الفضلعليهالسلام
على فخذه، وشمّر عن ساعديه، وقبَّلهما وبكى، فأدهشها الحال؛ لأنّها لم تكنْ تعهد صبيّاً بتلك الشمائل العلويّة ينظر إليه أبوه ويبكي من دون سبب ظاهر، ولمـّا أوقفها أمير المؤمنينعليهالسلام
على غامض القضاء، وما يجري على يديه من القطع في نصرة الحسينعليهالسلام
، بكت وأعولت، وشاركها مَن في الدار في الزفرة والحسرة، غير أنّ سيّد الأوصياءعليهالسلام
بشّرها بمكانة ولدها العزيز عند اللّه جلّ شأنه، وما حباه عن يديه بجناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنّة، كما جعل ذلك لجعفر بن أبي طالب، فقامت تحمل بشرى الأبد، والسّعادة الخالدة.
صفاته:
لقد كان من عطف المولى سبحانه وتعالى على وليّه المـُقدّس، سلالة الخلافة الكبرى، سيّد الأوصياءعليهالسلام
، أنْ جمع فيه صفات الجلالة؛ من بأس وشجاعة، وإباء ونجدة، وخلال الجمال؛ من سُؤدد وكرم، ودماثة في الخلق وعطف على الضعيف، كُلّ ذلك من البهجة في المنظر، ووضاءة في المـُحيّا من ثغر باسم ووجه طلق، تتموّج عليه أمواه الحسن، ويطفح عليه رواء الجمال، وعلى أسرّة جبهته أنوارُ الإيمان، كما كانت تعبق من أعراقه فوائحُ المجد، متأرّجة من طيب العنصر.
ولمـّا تطابق فيه الجمالان الصوري والمعنوي، قيل له: ( قمر بني هاشم )
؛ حيث كان يشوء بجماله كُلَّ جميل، وينذُّ بطلاوة منظره كُلّ أحد حتّى كأنّه الفذّ في عالم البهاء، والوحيد في دنياه، كالقمر الفائق بنوره أشعة النّجوم، وهذا هو حديث الرّواة: كان العبّاس رجلاً وسيماً جميلاً، يركب الفرس المـُطهّم ورجلاه تخطّان في الأرض، وكان يُقال له: قمر بني هاشم
.
وقد وصفته الرواية المحكيّة في مقاتل الطالبيين، بإنّ ( بين عينيه أثرُ السّجود ). ونصّه:
____________________
قال المدائني: حدّثني أبو غسّان هارون بن سعد، عن القاسم بن الأصبغ بن نباتة، قال: رأيتُ رجلاً من بني أبان بن دارم، أسود الوجه، وكنتُ أعرفه جميلاً شديدَ البياض، فقلت له: ما كدتُ أعرفك! قال: إنّي قتلتُ شابّاً أمردَ مع الحسين، بين عينيه أثرُ السّجود، فما نمتُ ليلةً - منذ قتلته - إلاّ أتاني، فيأخذ بتلابيبي حتّى يأتي جهنّم فيدفعني فيها، فأصيح فما يبقى في الحيِّ إلاّ سمع صياحي. قال: والمقتول هو العبّاس بن عليعليهالسلام
.
وروى سبط ابن الجوزي عن هشام بن محمّد، عن القاسم بن الأصبغ المجاشعي، قال: لما اُتي بالرؤوس إلى الكوفة، وإذا بفارس أحسن النّاس وجهاً قد علّق في لبب فرسه رأسَ غلامٍ أمردٍ كأنّه القمرُ ليلة تمّه، والفرس يمرح، فإذا طأطأ رأسه لحق الرأسُ بالأرض، فقلتُ: رأسُ مَن هذا؟ قال: رأس العبّاس بن علي. قلتُ: ومَن أنت؟ قال: حرملة بن الكاهل الأسدي
.
قال: فلبثت أيّاماً وإذا بحرملة وجهه أشدّ سواداً من القار، فقلتُ: رأيتك يوم حملت الرأس وما في العرب أنظر وجهاً منك، وما أرى اليوم أقبح ولا أسود وجهاً منك؟! فبكى، وقال: واللّه، منذ حملت الرأس وإلى اليوم ما تمرّ عليَّ ليلةٌ إلاّ واثنان يأخذان بضبعي، ثُمّ ينتهيان بي إلى نارٍ تُؤجّج، فيدفعاني فيها وأنا أنكص، فتسفعني كما ترى، ثُمّ مات على أقبح حال
.
____________________
ويمنع الإذعان بما في الروايتين من تعريف المقتول بأنّه العبّاس بن عليعليهالسلام
، عدم الالتئام مع كونه شابّاً أمردَ؛ فإنّ للعباس يوم قتله أربعاً وثلاثين سنة، والعادة قاضية بعدم كون مثله أمردَ، ولم ينصّ التاريخ على كونه كقيس بن سعد بن عبادة لا طاقة شعر في وجهه.
وفي دار السّلام للعلاّمة النّوري ج١ ص١١٤، والكبريت الأحمر ج٣ ص٥٢ ما يشهد للاستبعاد، واصلاحه كما في كتاب ( قمر بني هاشم ) ص١٢٦، بأنّه رأس العبّاس الأصغر، بلا قرينة، مع الشكّ في حضوره الطَّفِّ وشهادته، وهذا كاصلاحه بتقدير المقتول: ( أخ العبّاس ) المنطبق على عثمان الذي له يوم قتله إحدى وعشرين سنة، أو محمّد بن العبّاس المـُستشهد على رواية ابن شهر آشوب؛ فإنّ كُلّ ذلك من الاجتهاد البحت.
ولعلّ النّظرة الصادقة فيما رواه الصدوق، مُنضمّاً إلى رواية ابن جرير الطبري، تُساعد على كون المقتول حبيب بن مظاهر.
قال الصدوق: وبهذا الإسناد عن عمرو بن سعيد، عن القاسم بن الأصبغ بن نباتة، قال: قدم علينا رجل من بني أبان بن دارم ممّن شهد قتل الحسينعليهالسلام
، وكان رجلاً جميلاً شديد البياض، فقلتُ له: ما كدت أعرفك لتغيّر لونك! قال: قتلتُ رجلاً من أصحاب الحسين، يُبصَرُ بين عينيه أثرُ السّجود، وجئت برأسه.
فقال القاسم: لقد رأيتُهُ على فرس له مرح وقد علّق الرأس بلبانه، وهو يُصيبه بركبتيه، قال: فقلت لأبي: لو أنّه رفع الرأس قليلاً، أما ترى ما تصنع به الفرس بيديها؟! فقال: يا بُني، ما يُصنع به أشدّ؛ لقد حدّثني، قال: ما نمتُ ليلةً منذ قتلتُهُ إلاّ أتاني في منامي
حتّى يأخذ بكتفي فيقودني، ويقول: انطلق. فيُنطَلق بي إلى جهنم فيُقذَف بي، فأصيح.
قال: فسمعتُ جارةً له قالت: ما يدعنا ننام شيئاً من الليل من صياحه. قال: فقمتُ في شبابٍ من الحيِّ فأتينا امرأته فسألناها، فقالت: قد أبدى على نفسه، قد صدقكم
.
وقد اتّفقت هذه الروايات الثلاث في الحكاية عن القاسم بن الأصبغ بن نباتة بما فُعل بالرأس الطاهر؛ وتُفيدنا رواية الصدوق أنّ المقتول رجلٌ لا شابٌّ، وأنّه من أصحاب الحسينعليهالسلام
، ولا إشكال فيه، وإذا وافقنا ابن جرير على أنّ الرأس المـُعلّق هو رأس حبيب بن مظاهر - في حين أنّ المؤرّخين لم يذكروا هذه الفعلة بغيره من الرؤوس الطّاهرة - أمكننا أنْ ننسب الاشتباه إلى الروايتين السّابقتين؛ خصوصاً بعد ملاحظة ذلك الاستبعاد بالنّسبة إلى العبّاس، وتوقّفُ التصحيح فيهما على الاجتهاد بلا قرينة واضحة.
قال ابن جرير في ج٦ ص٢٥٢ من التاريخ: وقاتل قتالاً شديد، فحمل عليه رجلٌ من بني تميم فضربه بالسّيف على رأسه فقتله، وكان يُقال له: بديل بن صريم من بني عقفان، وحمل عليه آخر من بني تميم فطعنه فوقع، فذهب ليقوم فضربه الحُصين بن تميم على رأسه بالسّيف فوقع، ونزل إليه التميمي فاحتزّ رأسه، فقال له الحُصين: إنّي لشريكك في قتله. فقال الآخر: واللّه، ما قتله غيري. فقال الحُصين: أعطنيه أعقله في عُنق فرسي كيما يرى النّاس ويعلموا أنّي شركت في قتله، ثُمّ خذه أنت بعدُ فامضِ به إلى
____________________
عبيد اللّه بن زياد، فلا حاجة لي فيما تُعطاه على قتلك إيّاه. فأبى عليه، فأصلح قومه فيما بينهما على هذا، فرفع إليه رأس حبيب بن مظاهر، فجال به في العسكر، قد علّقه في عُنق فرسه، ثُمّ دفعه بعد ذلك إليه، فلمـّا رجعوا إلى الكوفة أخذ الآخرُ رأسَ حبيبٍ فعلّقه في لبان فرسه، ثُمّ أقبل به إلى ابن زياد في القصر، فبصر به ابنه القاسم بن حبيب - وهو يومئذ قد راهق - فأقبل مع الفارس لا يُفارقه، كُلمـّا دخل القصر دخل معه، وإذا خرج خرج معه، فارتاب به، فقال: ما لك يا بُني تتبعني؟! قال: لا شيء. قال: بلى يا بُني أخبرني. قال له: إنّ هذا الرأس الذي معك رأسُ أبي، أفتُعطينيه حتّى أدفنه؟ قال: يا بُني، لا يرضى الأمير أنْ يُدفن، وأنا اُريد أنْ يُثيبني الأميرُ على قتله ثواباً حسن. قال له الغلام: لكنّ اللّه لا يُثيبك على ذلك إلاّ أسوأ الثواب. أما واللّه، لقد قتلته خيراً منك. وبكى.
فمكث الغلام، حتّى إذا أدرك لم تكنْ له همّةٌ إلاّ اتّباع أثر قاتل أبيه ليجد منه غرّة فيقتله بأبيه، فلمـّا كان زمان مصعب بن الزبير، وغزا مصعب ( باجمير ) دخل عسكر مصعب فإذا قاتل أبيه في فسطاطه، فأقبل يختلف في طلبه والتماس غرّته، فدخل عليه وهو قائل نصف النّهار، فضربه بسيفه حتّى برد
.
نعم، في رواية الصدوق أنّ القاسم يسأل أباه عمّا يفعله الفرس بالرأس، فيقول: قلتُ لأبي: لو أنّه رفع الرأس... إلى آخره.
____________________
وهو يدلّ على حياة الأصبغ ذلك اليوم، وعليه فلَم يعرف الوجه في تأخّره عن حضور المشهد الكريم، مع مقامه العالي في التشيّع، وإخلاصه في الموالاة لأمير المؤمنين وولده المعصومينعليهمالسلام
! ومشاهدتُه هذا الفعل من الطاغي يدلّ على عدم حبسه عند ابن زياد كباقي الشيعة الخُلّص، ولا مخرج عنه إلاّ بالوفاة قبل تلك الفاجعة العظمى، كما هو الظاهر ممّا ذكره أصحابنا عند ترجمته؛ من الثناء عليه، والمبالغة في مدحه، وعدم الغمز فيه.
فتلك الجملة: ( قلت لأبي ). لا يُعرف من أين جاءت، ولا غرابة في زيادتها بعد طعن أهل السُّنّة فيه كما في اللآلئ المصنوعة ج١ ص٢١٣؛ فإنّه بعد أنْ ذكر حديث الأصبغ بن نباتة عن أبي أيوب الأنصاري، أنّهم اُمروا بقتال النّاكثين والقاسطين والمارقين مع عليعليهالسلام
، قال: لا يصحّ الحديث؛ لأنّ الأصبغ متروك، لا يساوي فلساً
.
وفيه ص١٩٥، ذكر عن ابن عباس حديثَ الرُّكبان يوم القيامة؛ رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
وصالح، وحمزة وعليعليهمالسلام
، قال: رجال الحديث بين مجهول، وبين معروفٍ بعدم الثّقة
.
____________________
ولقد طعنوا في أمثاله من خواصّ الشيعة بكُلّ ما يتسنّى لهم، وما ذُكر في تراجمهم يشهد لهذه الدعوى، ولا يتحمّل هذا المختصر التبسّط في ذكره، ومراجعة ما كتبه السيّد العلاّمة محمّد بن أبي عقيل في ( العتب الجميل على أهل الجرح والتعديل ) ص٤٠، في الباب الثاني فيه كفاية؛ فإنّه ذكر جملةً من أتباع أهل البيتعليهمالسلام
طعنوا فيهم بلا سبب، إلاّ لموالاة أمير المؤمنين وولدهعليهمالسلام
.
كُنيتُه:
اشتهر أبو الفضل العبّاسعليهالسلام
بكُنى وألقاب، وُصف ببعضها في يوم الطَّفِّ، والبعض الآخر كان ثابتاً له من قبل؛ فمِن كناه: أبو قَربة
؛ لحمله الماء في مشهد الطَّفِّ غير مرّة، وقد سُدّت الشرائع ومُنع الورود على ابن المصطفىصلىاللهعليهوآله
وعياله، وتناصرت على ذلك أجلاف الكوفة، وأخذوا الاحتياط اللازم، ولكن أبا الفضلِ لم يرعهُ جمعُهم المـُتكاثف، ولا أوقفه عن الإقدام تلك الرِّماح المـُشرَعة، ولا السّيوف المـُجرَّدة، فجاء بالماء وسقى عيال أخيه وصحبه.
ولم ينصّ المؤرّخون وأهلُ النّسب على كُنيته بأبي القاسم؛ إذ لم يذكر أحدٌ أنّ له ولداً اسمه القاسم، نعم خاطبه جابر الأنصاري في زيارة الأربعين بها، قال: السّلام عليك يا أبا القاسم، السّلام عليك يا عباس بن علي
. وبما أنّ هذا الصحابي الكبير المـُتربّي في بيت النّبوّة والإمامة خبيرٌ بالسّبب الموجب لهذا الخطاب، فهو أدرى بما يقول.
____________________
وقد اشتهر بكُنيتهِ الثالثة ( أبي الفضل )؛ من جهة أنّ له ولداً اسمه الفضل
، وكان حريّاً بها؛ فإنّ فضله لا يخفى، ونورَه لا يطفى.
ومن فضائله الجسام نعرف أنّه ممّن حُبس الفضل عليه ووقف لديه؛ فهو رضيع لبانه، وركنٌ من أركانه، وإليه يُشير شارح ميمية أبي فراس:
بذلتَ أيا عباسُ نفساً نفيسةً
|
|
لنصرِ حُسينٍ عزَّ بالنّصر مِنْ مثلِ
|
أبيْتَ الْتِذاذَ المَاءِ قَبلَ الْتِذاذِهِ
|
|
فَحُسنُ فِعالِ المرْءِ فرعٌ عَنِ الأصلِ
|
فأنتَ أخُو السّبطينِ في يومِ مَفْخرٍ
|
|
وفي يومِ بذلِ الماءِ أنْتَ أبو الفضْلِ
|
____________________
اللَّقَب:
اشتُهر بين العامّة والخاصّة بأنّه سلام اللّه عليه باب الحوائج؛ لكثرة ما صدر منه من الكرامات وقضاء الحاجات، ومن هنا قيل فيه
:
للشَّوسِ عبّاسٌ يُريهمْ وَجهَهُ
|
|
والوفدُ يَنظِرُ باسِماً مُحتاجَها
|
بابُ الحوائجِ مَا دَعتْهُ مروعةٌ
|
|
في حاجةٍ إلاّ ويقضِي حَاجَها
|
بأبِي أبي الفضْلِ الذِي مِنْ فَضلِهِ الْ
|
|
سامِي تَعلَّمتِ الوَرَى مِنهاجَها
|
وقيل له: ( قمر بني هاشم )
؛ لوضاءته وجمال هيئته، وأنّ أسرّة وجهه تبرق كالبدر المنير، فكان لا يحتاج في الليلة الظلماء إلى ضياء.
وأمّا ( الشهيد )، فلم ينصّ عليه أحدٌ إلاّ أنّه الظاهر من عبارات أهل النّسب؛ ففي المـُجدي لأبي الحسن العُمري، قال - بعد ذكر أولاده -: هذا آخر نسب بني العبّاس الشهيد السّقا، ابن علي بن أبي طالبعليهماالسلام
.
____________________
وفي سرّ السّلسلة لأبي نصر البخاري: والشهيد أبو الفضل العبّاس بن علي، اُمّه اُمّ البنين
. ثُمّ روى عن معاوية بن عمّار الزيدي، قال: قُلتُ للصادقعليهالسلام
: كيف قسّمتم نِحلةَ فدكٍ بعد ما رجعت عليكم؟ قال:« أعْطينا وُلدَ عُبيدِ اللّهِ بنِ العبّاس الشَّهيدِ الرُّبعَ، والباقي لِوُلدِ فاطمةَ، فأصابَ بني العبّاسِ بن عليٍّ أربعةُ أسهمٍ، الحصّةُ أربعة نفر، ورثوا عليّاً
عليهالسلام
»
.
وكان الحريُّ بأرباب المقاتل والنّسب أنْ يُدوّنوا له هذا اللّقب المـُعرب عن أسمى منزلة له، وهو ( العبدُ الصالح )، كما خاطبه الإمام الصادقعليهالسلام
في الزيارة المخصوصة به التي رواها أبو حمزة الثّمالي، حيث يقولعليهالسلام
:« السّلامُ عليكَ أيُّها العبدُ الصَّالحُ »
.
فإنّك جدّ عليمٍ بأنّ هذه الصفة أرقى مراتب الإنسان الكامل؛ لأنّها حلقة الوصل بين المولّى والعبد، وأفضل حالات أيّ فاضل، حيث يجد نفسه الطرف الرابط لموجد كيانه جلّ وعلا، وإنّ منْ أكمل مراتب الوجود فيما إذا التأمَ المـُنتهى مع المبدأ بنحو الصّلة، وهذا لا يكون إلاّ إذا بلغ العبدُ أرقى مراتب الإنسانيّة التي تلحقه بعالم البساطة، وتنتهي به إلى صقع التجرّد، فتؤهّله لأنْ يتّصل
____________________
بالمبدأ الأعلى، فلو فقد الإنسانُ تلك المـُلاءمة، دَحرَهُ عن حضيرةِ القداسةِ انقطاعُ النّسبةِ، وبُعدُ المرمى، وشسوعُ المسافة.
ولا نعني بهذه المرتبة أنْ يكون العبدُ مُواظباً على العبادات البسيطة المـُسقطة للخطاب، والرافعة للتعزير فحسب، وإنّما نقصدُ منه ما إذا عبدَ اللّهَ سبحانه حقَّ عبادته النّاشئة عن فقهٍ وبصيرةٍ، ومعرفةٍ بالمعبود الذي يجبُ أنْ يُعبد، من دون لحاظ مثوبةٍ أو عقوبةٍ حتّى يكون المولى هو الذي يُسمّيهِ عبداً له، ويصافقه على تصديق دعواه بالعبوديّة له. وما أسعد العبد حيث يُبصر ما بيده من سلك الطاعة، ويعرف أنّ مولاه قابضٌ على طرفه الآخر، تُزلِّفه إليه جاذبة الصلة، وأشعة القرب!
وعلى ما قلناه كانت هذه المرتبة عند الأنبياءعليهمالسلام
أرقى مراتبهم، وأرفع منصّاتهم؛ لأنّ طرف عبوديَّتهم أمنع وأشرف من طرف رسالتهم، فالطرف الأعلى في العبوديّة ( مبدأ الحقّ سُبحانه وتعالى )، والطرف الأسفل منَّتُه إلى شخص النّبيِّصلىاللهعليهوآله
، وأمّا النّبوّة فمبدؤها الرسول ومنتهاها الاُمّة
.
ولولا أنّ هذه الصفة أسمى الصفات التي يتّصف بها العبدُ، لما خصّ اللّه تعالى أنبياءه بها، فقال سبحانه:(
وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْب مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَة مِّن مِّثْلِهِ
)
.
____________________
وقال تعالى:(
سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى
)
.
وقال عزّ شأنه:(
وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ
)
.
وقال جلّ وعلا:(
وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ
)
.
وقال تعالت أسماؤه:(
وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ
)
.
وقال عزّ سبحانه:(
وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ اُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ
)
.
وقال عظم ذكره:(
وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْب وَعَذَاب
)
.
وقد كان في وسع المولى تعالت أسماؤه أنْ يقول في خطاب نبيّه الكريمصلىاللهعليهوآله
:(
وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْب مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى
)
رسولنا، ونحوه ممّا يدل على النبوّة والرسالة، ولكن حيث كان حبيبُ اللّه وصفيّه مُتجرّداً عمّا يحجبه عن مُشاهدة المهيمن سبحانه، فانياً في سبيل خدمة المولى، لا يرى في الوجود غير منشئ الأكوان؛ استحقّ أنْ يهبه البارئ تعالى أرقى صفة تليق بهذا المقام.
____________________
ومن هنا نرى الرسول المسيح قدّم عبوديته على رسالته، فقال:(
إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً
)
.
وأنت لا تفتأ في جميع الفرائض والنّوافل في اليوم والليل تشهد بأنّ محمّداً عبدُهُ ورسولُهُ، ولم تقلْ: خاتم الأنبياء، أو علّة الكائنات، أو سرّ الموجدات، أو حبيب اللّه وصفيّه، مع أنّها صفات لا تليق إلاّ بذاتٍ اشتُقّت من نور القُدس، ولكنّك عرفت أنّ أسمى هذه الصفات، وأجلَّ ما يليق بالعبد حال اتصاله بالمبدأ الأعلى، هو وصفُهُ بالعبوديّة لمولاه.
ومن هنا ظهر لنا إنّ من أجلى الحقائق، وأرقى مراتب الفضل الذي لا يُحلّق إليهِ طائرُ الفكر، ولا يُدرك مداه أيُّ تصوّرٍ، غير أنّ من الواجب التصديق به على الجملة، هو وصفُ سيّدنا العبّاسعليهالسلام
بهذه الصفة الكاملة ( العبد الصالح )، التي أضافها اللّه تعالى إلى أنبيائهِ ومُبلِّغي شريعته، واُمنائه على وحيه، ومنحَهُ بها الإمام الصادقعليهالسلام
.
____________________
السّقّا:
الماء حياة العالم، وليست حاجةُ أي جزء من أجزائه أمسّ من الآخر، فلا جزء ولا جُزيء في الكون إلاّ وهو خاضع له في وجوده، وفي نشوئه وبقائه، وقد أعرب عنه سبحانه بقوله:(
وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيء حَيّ
)
.
وإليه استند ابن عباس في حَلِّ لغز ملك الروم؛ فإنّه وجّه إلى معاوية قارورة يطلب منه أنْ يضع فيها من كُلِّ شيء، فتحيّر معاوية واستعان بابن عباس في كشف الرمز؛ لعلمه بأنّه يستقي من بحر أمير المؤمنينعليهالسلام
المتموّج بالحكم والأسرار، فقال ابن عباس: لتملأ له ماء؛ فإنّ اللّه يقول:(
وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيء حَيّ
)
. فاُدهش ملك الروم وتعجّب، وقال: للّه أبوه، ما أدهاه
! فلا يخالج اليقين بأهمّيته الكبرى في دور الحياة أي شكّ.
وإنّ مَن يكون معروفُهُ الذي تندى به أنامله، وتسوقه إليه جبلته، هذه المادّة الحيوية، لعلى جانب ممنع من الفضل، وقد عرقت فيه وشائج الرّقَّة، وتحلّى بغريزة العطف، ونبض فيه عرقُ الحنان، ولا يكون إسداءُ مثله إلاّ عن لينٍ ورأفةٍ على الوجود، وإنْ تفاوتت المراتب بالنّسبة إلى الموجدات الشريفة وما دونه، ولا
____________________
يعدو الشرف والشهامة هذا المـُتفضّل بسرّ الحياة؛ فهو شريفٌ يُحبُّ الإبقاء على مثله، أو عطوفٌ لا يجدُ على الإغاثة منَّةً، ولا على قدرته في الإعانة لسائر الموجودات جُهداً ولا عطباً.
وإذا كانت الشريعة المـُطهّرة حثّت على السّقاية ذلك الحثّ المتأكّد، فإنّما تلت على النّاس أسطراً نوريّة ممّا جُبلوا عليه، وعرَّفت الاُمّة بأنّ الدِّين يُطابق تلك النّفسيات البشريّة والغرائز الطبيعيّة، وأرشدتهم إلى ما يكون من الثواب المـُترتّب على سقي الماء في الدار الآخرة؛ ليكونوا على يقينٍ مِن أنّ عملَهم هذا موافقٌ لرضوان اللّه وزُلفى للمولى سبحانه، يستتبع الأجر الجزيل، وليس هو طبيعيّاً محضْاً؛ وهذا ما جاء عن النّبيٍّصلىاللهعليهوآله
وأهل بيته المعصومينعليهمالسلام
، من فضل بذل الماء في محلّ الحاجة إليه وعدمها، [ سواء ] كان المـُحتاجُ إليه حيواناً أو بشراً، مؤمناً كان أو كافراً.
ففي حديث النّبيصلىاللهعليهوآله
:« أفضلُ الأعمالِ -
عند اللّهِ -إبرادُ الكَبد الحَرَّى »
. من بهيمة وغيرها ولو كان على الماء؛ فإنّه يوجب تناثر الذنوب كما ينتثر الورق من الشجر
، وأعطاه اللّه بكُلِّ قطرة يبذلها قنطاراً في الجنّة، وسقاه من الرحيق المختومِ، وإنْ كان في فَلاة من الأرض ورد حياضَ القدس مع النّبيّين
.
____________________
وسأله رجل عن عمل يُقرّبه من الجنّة، فقالصلىاللهعليهوآله
:« اشترِ سقاءً جديداً ثُمّ اسقِ فيه حتّى تخرقَها؛ فإنّك لا تخرقُها حتّى تبلغَ به عملَ الجنّة »
.
وقال الصادقعليهالسلام
:« مَن سقى الماءَ في موضعٍ يُوجدُ فيه الماءُ كان كمَنْ أعتقَ رقبةً، ومَنْ سقَى الماءَ في موضعٍ لا يُوجدُ فيه الماءُ كان كمَنْ أحيَى نفساً، ومَنْ أحيَى نفساً فكأنّما أحيَى النّاسَ أجمعين »
.
وقد دلّت هذه الآثار على فائدة السّقي بما هو حياة العالم ونظام الوجود؛ ومِنْ هنا كان النّاسُ فيه شرعاً سواء، كالكلاء والنّار، فلا يختصّ اللطفُ منه جلّ وعلا بطائفةٍ دون طائفة. وقد كشف الإمام الصادقعليهالسلام
السّرَّ في جواب مَن قال له: ما طعم الماء؟ فقالعليهالسلام
:« طعمُ الحياة »
.
فالسّقاية أشرف شيء في الشريعة المـُطهّرة، تلك أهميتها عند الحقيقة، ومكانتها من النّفوس؛ ولهذه الأهمية ضُرب المثل بـ ( كعب بن مامة الإيادي )
. وأضحت السّقاية العامّة لا ينوء بعبئها إلاّ مَن حلّ وسطاً من السّؤدد والشرف، وأعالي الاُمم لا ساقتها؛ ولذا أذعنت قريش لقَصي بسقاية الحاجِّ، فكان يطرح الزبيبَ في الماء ويسقيهم الماءَ المـُحلَّى كما كان يسقيهم اللبن
.
____________________
وكان ينقل الماء إلى مكّة من آبار خارجها، ثُمّ حفَرَ بئراً اسمها ( العجول ) في الموضع الذي كانت دار اُمّ هاني فيها، وهي أوّل سقاية حُفرت بمكّة، وكانت العرب إذا استقوا منها ارتجزوا:
نَروي على العجولِ ثُمّ نَنطلقْ
|
|
إنّ قَصياً قَدْ وفَى وقَدْ صَدقْ
|
ثُمّ حفر قَصيٌّ بئراً سمّاها ( سِجلة )، وقال فيها
:
أنا قَصيٌّ وحَفرتُ سِجلهْ
|
|
تروي الحجيجَ زغلةً فزغلهْ
|
وكان هاشم أيّام الموسم يجعل حياضاً من أدم في موضع زمزم لسقاية الحاجِّ، ويحمل الماء إلى مِنى لسقايتهم، وهو يومئذ قليل
. ثُمّ إنّه حفر بئراً سمّاها ( البندر )
، وقال: إنّها بلاغ للناس، فلا يُمنع منها أحداً
.
وأمّا عبد المطّلب، فقد قام بما كان آباؤه يفعلونه من سقاية الحاجِّ، وزاد على ذلك أنّه لمـّا حفر زمزم وكثر ماؤها أباحها للنّاس، فتركوا الآبار التي كانت خارج مكّة؛ لمكانها من المسجد الحرام، وفضلها على مَن سواها؛ لأنّها بئر إسماعيل
، وبنى عليها
____________________
حوضأً، فكان هو وابنه الحرث ينزعان الماء ويملأن الحوض، فحسدته قريش على ذلك، وعمدوا إلى الحوض بالليل فكسروه، فكان عبد المطّلب يُصلحه بالنّهار وهم يكسرونه بالليل، فلمـّا أكثروا عليه إفساده دعا عبد المطّلب ربّه سبحانه وتعالى، فرأى في المنام قائلاً يقول:« قُلْ لقريشٍ إنّي لا أحلُّها لمُغتسلٍ، وهي لشاربٍ حلٌّ وبلٌّ »
. فنادى في المسجد بما رأى، فلم يفسد أحد من قريش حوضه إلاّ رُمي بداء بجسده حتّى تركوا حوضه وسقايته
، وفي ذلك يقول خويلد بن أسد
:
أقولُ ومَا قَولِي عَليهمْ بسُبَّةٍ
|
|
إليكَ ابنُ سَلمَى أنتَ حَافِرُ زَمزَمِ
|
حَفيرةُ إبراهِيمَ يَومَ ابنِ هَاجَرٍ
|
|
وَركضَةِ جِبريِلٍ عَلى عَهدِ آدَمِ
|
ولمـّا وافق قريشاً على المحاكمة عند كاهنة بني سعد بن هذيم، وكان بمشارف الشام، وسار عبد المطّلب بمَن معه من قومه، حيث إذا كانوا بمفازة لا ماء فيها ونفد ماؤهم استسقوا ممّن كان معهم من قريش، فأبوا أنْ يسقوهم؛ حفظاً على الماء، فأمر عبد المطّلب أصحابَهُ أنْ يحفروا قبوراً لهم، ويُدفن مَن يموت منهم عطشاً في حفرته ويبقى واحد؛ فضيعة واحد أيسر من ضيعة جماعة، وبعد أنْ فرغوا من الحفر، قال عبد المطّلب: إنّ هذا منّا لعجزٌ، لنضربنّ في الأرض عسى اللّه أنْ يرزقنا ماءً.
فركب راحلته،
____________________
فلمـّا انبعث نبع من تحت خفها ماءٌ عذبٌ، فكبّر عبد المطّلب، وشرب أصحابه وملؤوا أسقيتهم، ودعا قريشاً أنْ يستقوا من الماء، فأكثروا منه، ثُمّ قالوا: إنّ اللّه قد قضى لك علينا، ولا نُخاصمك في زمزم، إنّ الذي سقاك في هذه الفلاة هو الذي سقاك زمزم، فارجع راشداً. وزاد عبد المطّلب في سقاية الحاجِّ بالماء أنْ طرح الزَّبيب فيه، وكان يحلب الإبل، فيضع اللبن مع العسل في حوض من أدم عند زمزم، لسقاية الحاجّ
.
ثُمّ قام أبو طالب مقامه بسقي الحاجّ
، وكان يجعل عند رأس كُلِّ جادّة حوضاً فيه الماء ليستقي منه الحاجّ، وأكثر من حمل الماء أيّام الموسم، ووفّره في المشاعر: فقيل له: ( ساقي الحجيج ).
أمّا أمير المؤمنينعليهالسلام
، فقد حوى أكثر ممّا حواه والده الكريم من هذه المكرُمة، وكم له من موارد للسقاية لا يستطيع أحد على مثلها، وذلك يوم بدر وقد أجهد المسلمين العطشُ، وأحجموا عن امتثال أمر الرسولصلىاللهعليهوآله
في طلب الماء؛ فرقاً من قريش، لكن نهضت بأبي الريحانتين غيرتُه الشمّاء، وثار به كرمُهُ المـُتدفق، فلبّى دعاءَ الرسولصلىاللهعليهوآله
، وانحدر نحو القليب، وجاء بالماء حتّى أروى المسلمين
.
____________________
ولا يُنسى يوم صفِّين وقد شاهد من عدوه ما تندى منه جبهة كُلِّ غيور؛ فإنّ معاوية لمـّا نزل بجيشه على الفرات، منع أهل العراق من الماء حتّى كضَّهم الظمأ، فأنفذ إليه أمير المؤمنين (ع ) صعصعة بن صوحان وشبث بن ربعي، يسألانه أنْ لا يمنع الماء الذي أباحه اللّه تعالى لجميع المخلوقات، وكُلّهم فيه شرعٌ سواء، فأبى معاوية إلاّ التردِّي في الغواية والجهل، فعندها قال أمير المؤمنينعليهالسلام
:« اروُوا السّيوفَ مِنَ الدِّماءِ تَروَوا مِنَ الماءِ »
ثُمّ أمر أصحابه أنْ يحملوا على أهل الشام حملة واحدة، فحمل الأشترُ والأشعثُ في سبعة عشر ألفاً، والأشترُ يقول:
مِيعَادُنَا اليَومَ بَياضُ الصُبْحِ
|
|
هَل يَصلُحُ الزَادُ بغَيرِ مِلحِ؟
|
والأشعث يقول:
لأورِدنَّ خَيلِيَ الفرَاتا
|
|
شِعثَ النّواصِي أو يُقَالَ مَاتَا
|
فلمـّا أجلوهم أهلُ العراق عن الفرات ونزلوا عليه وملكوه، أبى صاحب النّفسيّة المـُقدّسة التي لا تعدوها أي مأثرة، أنْ يسير على نهج عدوِّه حتّى أباح الماء لأعدائه، ونادى بذلك في أصحابه
، ولم يدعه كرم النّفس أنْ يرتكب ما هو من سياسة الحرب من التضييق على العدوِّ بأيّ صورة.
هذه جملة من موارد السّقاية الصادرة من شرفاء سادةٍ، مُتبوّئين على منصّات المجد والخطر، مُتَّكئين على أرائك العزِّ
____________________
والمنعة، وما كانت تدعهم دماثةُ أخلاقهم وطهارةُ أعراقهم أنْ يكونوا خُلوّاً من هذه المكرُمة؛ وقد افتخر بذلك عبدُ مناف على غيرهم.
وأنت إذا استشففت الخصوصيّات المكتنفة بكُلٍّ منها، فإنّ الصراحة لا تدعك إلاّ أنْ تقول بتفاوت المراتب فيها من ناحية الفضيلة؛ كما لا تجد منتدحاً عن تفضيل الحسينعليهالسلام
على غيره يوم سقى الحُرَّ وأصحابه في ( شراف )
، وهو عالمٌ بحراجة الموقف، ونفاذ الماء بسقي كتيبة فيها ألفُ رجل مع خيولهم، ووخامة المستقبل، وإنّ الماء غداً دونه تسيل النّفوس وتشق المرائر، لكن العنصر النّبوي والآصرة العلويّة لم يتركا صاحبهما إلاّ أنْ يحوز الفضل.
وإنّي أحسب أنّ ما ناء به أبو الفضلعليهالسلام
في أمر السّقاية لا يوازنه شيءٌ من ذلك، يوم ناطح جبالاً من الحديد ببأسه الشديد حتّى اخترق الصفوف، وزعزع هاتيك الاُلوف، وليس له هَمّ في ذلك المأزق الحرج، إلاّ إغاثة شخصيّة الرّسالة المـُنتشرة في تلك الأمثال القُدسيّة من الذُّرِّيَّة الطيّبة، ولم تقثعه هذه الفضيلة حتّى أبت نفسيَّته الكريمة أنْ يلتذّ بشيءٍ من الماء قبل أنْ يلتذّ به أخوه الإمامعليهالسلام
وصبيته الأزكياء.
____________________
هنالك حداه إيمانه المشفوع باليقين، وحنانه المرتبط بالكرم إلى أنْ ينكفىء إلى المـُخيّم، ولا يحمل إلاّ مزادة من ماء يدافع عنها بصارمه الذَّكر، ويزنيهِ المـُثقّفِ، ولواءُ الحمد يرفّ على رأسه، غير أنّ ما يحمله هو أنفس عنده من نفسه الكريمة، بلحاظ ما يُريده من المحافظة على تلك المزادة الملأى.
وراقه أنْ تكون هي الذخيرة الثمينة، مشفوعة بما هو أعظم عند اللّه تعالى، فسمح بيمينه وشماله - وكلتاهما يمنٌ - أنْ تُقطعا بعين اللّه في كلاءة ما يتهالك دونه؛ لينال الاُمنية قبل المنيّة، وما خارت عزيمة العبّاسعليهالسلام
إلاّ حين أحبّ أنْ لو كانت المراقة نفسه لا القربة. فيا أبعد اللّه سهماً أسال ماءها! ولم يكن ( سعد العشيرة ) طالباً للحياة بعده لو لم يأته العمود الطائش، ألا لعنة اللّه على الظالمين.
ومن أجل مجيئه بالماء إلى عيال أخيه وصحبهعليهمالسلام
في الأيّام العشرة؛ سُمّي ( السّقّا ). نصّ عليه أبو الحسن في المـُجدي، والداودي في عمدة الطالب، وابن إدريس في مزار السّرائر، وأبو الحسن الديار البكري في تاريخ الخميس ج٢ ص٣١٧، والنّويري في نهاية الأرب ج٢ ص٣٤١، والشبلنجي في نور الأبصار ص٩٣، والعلاّمة الحُجّة محمّد باقر القايني في الكبريت الأحمر ج٢ ص٣٤
.
____________________
ولصاحب هذا اللّقب فيوضاتٌ على الاُمّة لا تُحدُّ، وبركاتٌ لا تُحصَر.
هو البَحرُ مِن أيِّ النّواحِي أتَيتَهُ
|
|
فِلجَّتُهُ المَعرُوفِ والجُودِ سَاحِلهْ
|
ومن ذلك ما ذكره العلاّمة السّند السيّد محمّد ابن آية اللّه السيّد مهدي القزوينيقدسسره
في كتاب ( طروس الإنشاء )، قال: في سنة ١٣٠٦ هـ انقطع نهر الحُسينيّة، وعاد أهل كربلاء يقاسون شحّة الماء وكضّة الظمأ، فأمرت الحكومة العثمانيّة بحفر نهر في أراضي السيّد النّقيب السيّد سلمان، فمنع النّقيب ذلك، واتّفق أنْ زرتُ كربلاء، فطلب أهلُها أنْ أكتُبَ إلى النّقيب، فكتبتُ إليه ما يُشجيه، وعلى حالهم يُبكيه:
في كَربلا لَكَ عُصبةٌ تَشكُوا الظَّمَأ
|
|
مِنْ فَيضِ كَفِّكَ تستمِدُ رَوُاءَهَا
|
وأراكَ يَا سَاقِي عِطَاشَى كَربَلا
|
|
وأبوُكَ سَاقِي الحَوضَ تَمنعُ مَاءَهَا
|
فأجاز النّقيب حفر النّهر، وانتفع أهل كربلاء ببركة هذا اللقب الشريف ( السّقّا ).
____________________
نشأته:
ممّا لا شكّ فيه أنّ لنفسيات الآباء ونزعاتهم، وكمّياتهم من العلم والخطر، أو الانحطاط والضّعة، دخلاً تامّاً في نشأة الأولاد وتربيتهم، إنْ لم نقل إنّ مقتضاهما هو العامل الوحيد في تكيّف نفسيّات النّاشئة بكيفيّاتٍ فاضلة أو رذيلة، فلا يكاد يرتأي صاحب أيِّ خطّة إلاّ أنْ يكون خَلَفُهُ على خطَّته، ولا أنّ الخلفَ يتحرّى غير ما وجد عليه سلفه؛ ولذلك تجد في الغالب مشاكلة بين الجيل الأوّل والثاني في العادات والأهواء، والمعارف والعلوم، اللهمّ إلاّ أنْ يسود هناك تطوّرٌ يكبح ذلك الاقتضاء.
وعلى هذا النّاموس يسعنا أنْ نعرف مقدار ما عليه أبو الفضلعليهالسلام
من العلم والمعرفة وحُسن التربية، بنشوئه في البيت العلوي مُنبَثق أنوار العلم، ومحطّ أسرار اللاهوت، ومختبأ نواميس الغيب، فهو بيتُ العلم والعمل، بيتُ الجهاد والورع، بيتُ المعرفة والإيمان:
بَيتٌ عَلاَ سَمكَ الضّراحِ رِفعَةً
|
|
فَكانَ أعَلاَ شَرفَاً وأمَنعَا
|
أعزَّهُ اللّهُ فَما تَهبِطُ فِيْ
|
|
كَعبَتهِ الأملاكُ إلاّ خَضعَا
|
بَيتٌ مِن القُدسِ ونَاهيِك بِهِ
|
|
مَحطُ أسرِارِ الهُدى ومَوضِعَا
|
وكَان مأوى المـُرتَجي والمـُلتَجى
|
|
فَما أعزَّ شَأنهُ وأرفَعَا
|
____________________
وبسيف صاحب هذا البيت المنيع انجلت غواشي الإلحاد، وببيانه تقشّعت غيومُ الشُّبَهِ والأوهام.
إذن، فطبع الحال يدلّنا على أنّ سيّد الأوصياءعليهالسلام
لم يبغِ بابنه بدلاً في حُسن التربية الإلهيّة، ولا أنّ شظية الخلافة يروقه غير اقتصاص أثر أبيه الأقدس، فلك هاهنا أنْ تُحدّث عن بقيّة أمير المؤمنينعليهالسلام
في أيّ ناحية من نواحي الفضيلة، ولا حرج.
لم تكنْ كُلُّ البصائر في أبي الفضلعليهالسلام
اكتسابيّة، بل كان مُجتبلاً من طينة القداسة التي مزيجُها النّور الإلهي حتّى تكوَّنت في صُلب مَن هو مثال الحقِّ، ذلك الذي لو كُشف عنه الغطاء ما ازداد يقيناً، فلم يصل أبو الفضلعليهالسلام
إلى عالم الوجود إلاّ وهو معدن الذكاء والفطنة، واُذنٌ واعيةٌ للمعارف الإلهيّة، ومادةٌ قابلة لصور الفضائل كُلّها، فاحتضنه حِجرُ العلم والعمل، حجرُ اليقين والإيمان، وعادت أرومته الطيّبة هيكلاً للتوحيد، يُغذّيه أبوه بالمعرفة، فتشرق عليه أنوار الملكوت وأسرار اللاهوت، وتهب عليه نَسماتُ الغيب، فيستنشق منها الحقائق.
دعاه أبوهعليهالسلام
في عهد الصبا وأجلسه في حجره، وقال له:« قُلْ واحد »
. فقال: واحد. فقال له:« قُلْ اثنين »
. قال: استحي أنْ أقولَ باللّسان الذي قُلتُ واحداً، اثنان
.
وإذا أمعنّا النّظر في هذه الكلمة - وهو على عهد نعومةٍ من أظفاره، في حين أنّ نظراءه في السّنِّ لا يبلغون إلى ما هو دون ذلك الشأو البعيد - فلا نجد بُدّاً من البخوع بأنّها من أشعَّة تلك
____________________
الإشراقات الإلهيّة، فما ظنّك إذن حينما يلتقي مع المبادئ الفيّاضة من أبيه سيّد الوصيينعليهالسلام
، وأخويه الإمامينعليهماالسلام
سيّدي شباب أهل الجنّة، فلا يقتني من خزائن معارفهم إلاّ كُلَّ دُرٍّ ثمين، ودُرّيٍّ لامع؟!
وغير خفيٍّ ما أراده سيّدنا العبّاسعليهالسلام
، فإنّه أشار إلى أنّ الوحدانيّة لا تليق إلاّ بفاطر السّماوات والأرضين، ويجلّ مثله المتفرّع من دوح الإمامة أنْ يجري على لسانه النّاطق بالوحدانيّة لباري الأشياء صفة تنزَّه عنها سبحانه وتعالى، وعنها ينطق كتابه المجيد:(
لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاّ اللّهُ لَفَسَدَتَا
)
.
وممّا زاد في سرور أبيه أمير المؤمنينعليهالسلام
أنّ زينب العقيلة كانت حاضرة حينذاك، وهي صغيرة، فقالت لأبيها: أتحبّنا؟ قال:« بلى »
. فقالت: لا يجتمع حُبّان في قلب مؤمن: حبُّ اللّه، وحبُّ الأولاد، وإنْ كان ولا بُدّ فالحبّ للّه تعالى والشفقة للأولاد. فأعجبه كلامها وزاد في حُبّه وعطفه عليهما
.
أمّا العلم، فهو رضيع لبانه، وناهيك في حِجر أبيه مدرسة يتخرّج منها مثل أبي الفضلعليهالسلام
! وما ظنّك بهذا التلميذ المـُصاغ من جوهر الاستعداد، وذلك الاُستاذ الذي هو عيبة العلم الإلهي، وعلبة أسرار النّبوّة، وهو المـُقيّض لنشر المعارف الربوبيّة، وتعلّم الأخلاق الفاضلة، ونشر أحكام الإسلام، ودحض الأوهام والوساوس؟!
____________________
وإذا كان الإمامعليهالسلام
يُربّي البُعداء الأجانب بتلك التربية الصحيحة المأثورة حتّى استفادوا منه أسرار التكوين، ووقفوا على غامض ما في النّشأتين، وكان عندهم بواسطة تلك التربية علم المنايا والبلاي، كحبيب بن مظاهر وميثمِ التمّار، ورشيد الهجري وكميل بن زياد، وأمثالهم؛ فهل من المعقول أنْ يذر قرّة عينه، وفلذة كبده خلوّاً مِن أي علم؟! أو أنّ قابلية المحلِّ تربى باُولئك الأفراد دون سيّدنا العبّاسعليهالسلام
؟
لا واللّه، ما كان سيّد الأوصياءعليهالسلام
يضنّ بشيء من علومه، لا سيّما على قطعة فؤاده، ولا أنّ غيره ممّن انضوى إلى أبيه علم الهداية يشقّ له غباراً في القابلية والاستعداد. فهنالك التقى مبدأٌ فيّاض، ومحلٌّ قابل للإفاضة، وقد ارتفعت عامّة الموانع؛ فذلك برهان على أنّ ( عبّاس اليقين ) من أوعية العلم، ومن الراسخين فيه.
ثُمَّ هلمّ معي إلى جامعتين للعلوم الإلهيّة، ملازمتين للجامعة الاُولى في نشر المعارف، وتقيّضهما لإفاضة التعاليم الحقَّة لكُلِّ تلميذ، والرُّقي به إلى أوج العظمة في العلم والعمل، ألا وهما ( كُلّيتا ) السّبطين الحسن والحسينعليهماالسلام
. وانظر إلى ملازمته لأخويه بعد أبيه سيّد الأوصياءعليهمالسلام
، ملازمة الظلِّ لذيه، فهناك يتجلّى لكَ أنّ سماءَ عِلمِهما لم تهطل وبالاً إلاّ وعاد لؤلؤاً رَطباً في نفسه، ولا أنفقا شيئاً من ذلك الكنز الخالد إلاّ واتّخذه ثروة علميّة لا تنفد.
أضف إلى ذلك ما كان يرويه عن عقيلة بيت الوحي، زينب الكبرى، وهي العالمة غير المـُعلَّمة بنصّ الإمام زين العابدين
(ع)
.
وبعد هذا كُلِّه، فقد حوى أبو الفضل من صفاء النّفس والجبلّة الطيّبة، والعنصر الزاكي والإخلاص في العمل، والدّؤوب على العبادة؛ ما يفتح له أبواباً من العلم، ويُوقفه على كنوز المعرفة، فيتفرّع من كُلِّ أصلٍ فرعٌ، وتنحلّ عنده المشكلات.
وإذا كان الحديث ينصّ على أنّ مَن أخلص للّه أربعين صباحاً انفجرت ينابيعُ الحكمة من قلبه على لسانه؛ إذنْ فما ظَنّك بمَن أخلص للّه سبحانه طيلة عُمره، وهو مُتخلٍّ عن كُلِّ رذيلة، ومُتحلٍّ بكُلِّ فضيلة، فهل يبقى إلاّ أنْ تكون ذاته المـُقدّسة متجلّية بأنوار العلوم والفضائل، وإلاّ أنْ يكون علمه تحقّقاً لا تعلّقاً؟! وبعد ذلك فما أوشك أنْ يكون علمه وجدانيّاً وإنْ برع في البرهنة وتنسيق القياس، ومن هنا جاء المأثور عن المعصومينعليهمالسلام
:« إنّ العبّاس بن علي زُقَّ العِلمُ زقّاً »
.
وهذا من أبدع التشبيه والاستعارة؛ فإنّ الزقَّ يُستعمل في تغذية الطائر فرخه حين لم يقوَ على الغذاء بنفسه، وحيث استعمل الإمامعليهالسلام
- وهو العارف بأساليب الكلام - هذه اللفظة هنا، نعرف أنّ أبا الفضلعليهالسلام
كان محلَّ القابليّة لتلقِّي العلوم والمعارف مُنذ كان طفلاً ورضيعاً، كما هو كذلك بلا ريب.
____________________
فلم يكن أبو الفضل بِدْعَاً من أهل هذا البيت الطّاهر الذي حوى العلم المـُتدفّق مُنذ الصغر، كما شهد بذلك أعداؤهم، ففي الحديث عن الصادقعليهالسلام
:
« إنّ رجلاً مرّ بعثمان بن عفان وهو قاعد على باب المسجد، فسأله، فأمر له بخمسة دراهم، فقال له الرجل: أرشدني. قال عثمان: دونك الفتية الذين تراهم، وأومأ بيده إلى ناحيةٍ من المسجد فيها الحسن والحسين وعبد اللّه بن جعفر، فمضى الرجل نحوهم وسألهم، فقال له الحسنُ: يا هذا، المسألةُ لا تحلُّ إلاّ في ثلاث: دمٍ مُفجع، أو دَينٍ مُقرح، أو فقرٍ مُدقع. أيّتُها تسأل؟ فقال: في واحدة من هذه الثلاث. فأمر له الحسنُ بخمسين ديناراً، والحسينُ بتسعة وأربعين ديناراً، وعبدُ اللّه بن جعفر بثمانية وأربعين، فانصرف الرجل ومرّ بعثمان، فحكى له القصّة وما أعطوه، فقال له: ومَن لك بمثل هؤلاء الفتية، اُولئك فُطموا العلمَ فطماً، وحازوا الخير والحكمة »
.
قال الصدوق بعد الخبر: معنى ( فُطموا العلم ): أي قطعوه عن غيرهم وجمعوه لأنفسهم
.
وجاء في الأثر، أنّ يزيد بن معاوية قال في حقّ السّجادعليهالسلام
: إنّه منْ أهلِ بيتٍ زُقُّوا العلم زقّاً.
ومن أجل ذلك قال العلاّمة المـُحقّق، الفقيه المولى، محمّد باقر ابن المولى محمّد حسن ابن المولى أسد اللّه ابن الحاج عبد اللّه ابن
____________________
الحاج علي محمّد القائني، نزيل برجند، في كتاب الكبريت الأحمر ج٣ ص٤٥: إنّ العبّاس من أكابر وأفاضل فقهاء أهل البيت، بل إنّه عالمٌ غيرُ مُتعلِّم، وليس في ذلك منافاة، لتعليم أبيهعليهالسلام
إيّاه.
وكان هذا الشيخ الجليل ثبتاً في النّقل، مُنقّباً في الحديث، يشهد بذلك كبريته، تتلمذرحمهالله
في العراق على الفاضل الإيرواني، وميرزا حبيب اللّه الرشتي، والسيّد الشيرازي، وفي خراسان على السيّد مرتضى القائني، والعلاّمة محمّد تقي البجنردي، وكان له أربعة وثلاثون مؤلَّف.
ومن مُستطرف الأحاديث، ما حدّثني به الشيخ العلاّمة ميرزا محمّد علي الاُردبادي، عن حُجّة الإسلام السيّد ميرزا عبد الهادي آل سيّد الاُمّة الميرزا الشيرازيقدسسره
، عن العالم البارع السيّد ميرزا عبد الحميد البجنردي، أنّه شاهد في كربلاء المـُشرَّفة رجلاً من الأفاضل قد اغترّ بعلمه، وبلغ من غلوائه في ذلك أنّه كان في مُنتدى من أصحابه وجرى ذكر أبي الفضلعليهالسلام
، وما حمله من المعارف الإلهيّة التي امتاز بها على سائر الشُّهداء، فصارح الرجل بأفضليته على العبّاس، واستغربَ مَن حضر هذه الجرأة، وانكروا عليه، ولاموه على هذه البادرة، فطفق الرجل يُبرهن على تهيئته بتعداد مآثره وعلومه، وما ينوء به من تهجّد وتنفّل وزهادة، وقال: إنْ كان أبو الفضل العبّاس يفضل بأمثال هذه فعنده مثلها، والشهادة يوم الطَّفِّ لا تُقابل ما تحمله من العلوم الدينيّة واُصولها ونواميسها.
فقام الجماعة من المجلس، والرجل على ذلك الغرور والغلواء، غير نادمٍ ولا مُتهيّب.
ولمـّا أصبحوا لم يكُنْ لهم هَمٌّ إلاّ معرفة خبر الرجل، وأنّه هل بقي على غيّه أو أنّ الهداية الإلهيّة شملته؟ فقصدوا داره وطرقوا الباب، فقيل لهم: إنّ الرجل في حرم العبّاسعليهالسلام
، فتوجّهوا إليه ليستبروا خبره، فإذا الرجل قد ربط نفسه في الضريح الأقدس بحبلٍ شدّ طرفه بعنقه، والآخر بالضريح، وهو تائب نادم ممّا فرَّط.
فسألوه عن شأنه وخبره، فقال: لمـّا نمتُ البارحة، وأنا على الحال الذي فارقتكم عليه، رأيت نفسي في مجتمع من أهل الفضل، وإذا رجل دخل النّادي وهو يقول: إنّ أبا الفضل قادمٌ عليكم. فأخذ ذكره من القلوب مأخذاً حتّى دخلعليهالسلام
والنّور الإلهي يسطع من أسارير جبهته، والجمال العلوي يزهو في مُحيّاه، فاستقرّ على كرسي في صدر النّادي، والحضور كُلّهم خاضعون لجلالته، وخصَّتني من بينهم رهبةٌ عظيمة، وفَرقٌ مُقلق؛ لما أتذكّره من تفريطي في جنب ولي اللّه، فطفقعليهالسلام
يُحيّي أهل النّادي واحداً واحداً حتّى وصلت النّوبة إليَّ.
ثُمّ قال لي: ماذا تقول أنت؟ فكاد أن يرتجّ عليّ القول، ثُمّ راجعت نفسي، وقلتُ: في المصارحة منتدحاً عن الارتباك وفوزاً بالحقيقة، فأنهيت إليه ما ذكرتُه لكم بالأمس من البرهنة.
فقالعليهالسلام
: أمّا أنا فقد درستُ عند أبي أمير المؤمنينعليهالسلام
، وأخوي الإمامين الحسن والحسينعليهماالسلام
، وأنا على يقين من ديني بما تلقّيته من مشيختي من الحقائق ونواميس الإسلام، وأنت شاكٌّ في دينك، شاكٌّ في إمامك، أليس الأمر هكذا؟ فلم يسعني إنكار ما يقوله.
ثُمّ قالعليهالسلام
: وأمّا شيخك الذي قرأت عليه، وأخذت منه فهو أتعس منك حالاً، وما عسى أنْ يكون عندك من اُصول وقواعد مضروبة للجاهل بالأحكام، يعمل بها إذا أعوزه الوصول إلى الواقع، وإنّي غيرُ محتاج إليها؛ لمعرفتي بواقع الأحكام من مصدر الوحي الإلهي.
ثُمّ قالعليهالسلام
: وفيّ نفسيّاتٌ كريمةٌ، وأخذ يُعدّدها: من كرم وصبر، ومواساة وجهاد، إلى غيرها، ولو قُسّمت على جميعكم لما أمكنك حمل شيء منها. على أنّ فيك ملكاتٌ رذيلة؛ من حسد ومراء ورياء.
ثُمّ ضرب بيده الشريفة على فم الرجل، فانتبه فزعاً نادماً، مُعترفاً بالتقصير، ولم يجد منتدحاً إلاّ بالتوسل بهِ والإنابة إليه، صلوات اللّه عليه وعلى آبائه.
اليقين:
لقد كان أبو الفضلعليهالسلام
أحدَ الأفذاذ العلويّين الذين لم تكن المفاخر مزايا زائدة على ذاتّياتهم وإنْ مُدحوا بآثارها؛ لأنّهم زبدُ المخض، حازوا شرف النّبوَّة وفضيلة الخلافة، تتنضّد بهم جُملُ العلم، وتعتدل موازينُ العمل، وتترنّح بهم صهوات المنابر. فكان سلام اللّه عليه مُتربّعاً على منصّة المجد، ومِلْءُ النّدي هيبة، ومِلْءُ العيون بهجة، ومِلْءُ المسامع ذكره الجميل، ومِلْءُ القلوب محبّة، وحشو أهابه علمٌ وعمل، وحشو الردى سؤددٌ وشرف.
وإنّ الإحاطة بما حواه من اليقين الثابت والبصيرة النّافذة بأحد طريقين:
الأوّل
: سبر أحواله، ومواقع إقدامه وإحجامه، ومواضع بطشه وأناته، وموارد صفحه وانتقامه. ولا بدّ أنْ يكون المـُنقّب عند ذلك مُميّزاً بين مدراج الرأي ومساقط الخطل، بصيراً بمراقي الحلم ومهاوي البطش.
والثاني
: إخبار مَن وقف على ذلك بمباشرة وافية وعلم مُتّسع، تمّ شكلُهُ وظهر إنتاجُهُ، أو تعليم إلهي، أو أخذ عمّن له صلة بذلك التعليم.
وغير خفيٍّ أنّ قمر بني هاشم مُلتقى ذينك الطرفين، في البصيرة واليقين، في دينه وعقله، في معارفه وأخلاقه، في حلّه
وارتحاله، وكان ينظر إلى جملة الأحوال بين البصيرة التي تخرق الحُجب، وتُبصر ما وراءها من أسرار وخبايا، لا بناظر البصر الذي تحجبه الحواجز وتمنعه السّدول، فيردّ عن الإدراك خاسئاً، فلا يكون أمر تهالك دونه إلاّ بعلم ثابت ويقين راسخ، وإيمان لا يشوبه شكٌّ؛ فإنّه:
سِرُّ أبيهِ وهَو سرُّ البَاري
|
|
مَلِيكُ عَرْشٍ عَالِمُ الأسرارِ
|
وارِثُ مَن حَازَ مَواريِثَ الرُسلْ
|
|
أبَو العُقُولِ والنّفُوسِ والمـُثُلْ
|
وكَيفَ لا وَذاتُهُ القُدْسيَّهْ
|
|
مَجمُوعةُ الفَضائِلِ النّفسيَّهْ
|
لقد كان أبو الفضل يعرف العراقيّين ونزعات أهل الكوفة، منذ عهد أبيه وأخيه السّبط المجتبىعليهماالسلام
، بالتجارب الصحيحة، وإنّهم تجمعهم الأماني وتُفرّقهم الرضائخ، ويُشاهد الاُمويِّين وقوّة سلطانهم، وتوغّلهم في إراقة الدماء، وبطشهم في النّاس، وطيشهم في الاُمور، ويرى ضعف جانب ( أبيِّ الضيمعليهالسلام
) وقلّة أنصاره، وطبع الحال يحدو مثله إلى التحيّز إلى فئة اُخرى، ولا أقلّ من التقاعد عن أيّ الفريقين، وما كان مثله لو سالم الاُمويِّين يعدم ولاية أو قيادة لجيوشهم، أو عيشة راضية يقضي بها أيّامه.
( لكنّ عباس اليقين ) لم يكن له طمعٌ في شيء من حطام الدُّنيا، فلم يرقه إلاّ الالتحاق بأخيه سيّد الشهداءعليهالسلام
، موطِّناً نفسه الكريمة لأي كارثة أو شدّة مؤلمة.
هذا والتَّكهّن بمصير أمر الحسينعليهالسلام
في مسيره نصب عينه، والمغّيبات المأثورة عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
وأمير المؤمنينعليهالسلام
، والمسموعات من أخويه الإمامينعليهماالسلام
مِلْءُ اُذنه، فلم يبرح مع ( أخيه الشهيدعليهالسلام
) يفترع ربوةً ويسفّ إلى وادٍ، لا يرى في هاتيك الثنايا والعقبات إلاّ تصديقاً
لما عرفه، ويقيناً بمنتهى أمره وغايته حتّى بلغهم نبأُ فاجعة مسلم بن عقيل، فعرف القوم انثيال الكوفيّين عن الحقِّ ورضوخهم إلى حكم الطاغية، هنالك خارت العزائم وأخفقت الظنون، وطفق أهل المطامع والشره يتفرّقون عن السّبط المـُقدّس، يميناً وشمالاً
، إلاّ مَن حداهم إلى المسير حقُّ اليقين، وفي الطليعة منهم سيّدنا العبّاسعليهالسلام
؛ فإنّه لم يزدد إلاّ بصيرة في النّهضة الكريمة، وسروراً باُزوف الغاية المتوخّاة.
فسار به وبهم ( شهيد العظمة )، وهو لا يشاهد، كما أنّهم لا يرون كُلّما قربوا من الكوفة إلاّ تدبّر النّاس وتألبّهم عليهم، وتتوارد عليهم الأنباء بما هو أشدّ، لكن لم يثنِ ذلك من عزائمهم شيئاً ولا يكدي أملاً، بل كانوا يخفّفون الخُطا ويُسرعون السّير؛ لينتهوا إلى معانقة الرماح ومصافحة الصفاح، أكثر ممّا يُسرع الصبُّ إلى الخود الرداح، ومرشدُهم إلى ذلك بعد إمام الهدىعليهالسلام
( أبو الفضل ).
رَكبٌ حِجَازيِّوُنَ بَينَ رِحَالِهم
|
|
تَسرِي المَنَايَا أنجَدُوا أو أتهَمُوا
|
يَحدُونَ فِي هَزجِ التِّلاوةِ عَيسَهمْ
|
|
والكُلُّ فِي تَسَبِيحِهِ يَترَنَّمُ
|
____________________
الأصحاب:
هبط موكب العظمة عراص الغاضريّات، وهو يضمّ الفتية من آل عبد المـُطّلب، والاُباة الصفوة من الأصحاب، فكانوا فرحين بما أتاهم المولى من فضله، واختصّهم به من المنحة الكبرى، حيثُ جعل أثر ميتتهم حياة للدّين ومدحرة للأضاليل، فكانوا رضوان اللّه عليهم بما أودع اللّه تعالى فيهم من النّيات الصادقة، لا يهابون في سبيل السّير إليه تعالى عقبة كأداء أو نبأً مُوحشاً؛ من تخاذل القوم، وتدابر النّفوس، وتضاءل القوى؛ لما عرفوه من أنّها موهبة لا يحظى بها إلاّ الأمثل فالأمثل، فقابلوا الأخطار بجأش طامن وجنان ثابت، لا تزجره أيّ هائلة، وكُلّما اشتدّ المأزق الحرج أعقب فيهم انشراحاً وانبساطاً، بين ابتسامة ومداعبة، ومن فرح إلى نشاط.
وَمُذ أخَذَتْ فِي نَينَوى مِنهُمُ النَّوَى
|
|
ولاَحَ بِهَا للغَدرِ بَعضُ الَعلاَئِمِ
|
غَدا ضَاحِكَاً هَذَا وذَا مُتبسِّماً
|
|
سُرُوراً ومَا ثَغرُ المَنُونِ بِبِاسِمِ
|
____________________
هازل بريرُ بن خضير عبدَ الرحمن الأنصاري، فقال له عبد الرحمن: ما هذه ساعة باطل! فقال برير: واللّه، لقد علم قومي أنّي ما أحببت الباطل شابّاً ولا كهلاً، ولكنّي لَمُستبشر بما نحن لاقون. واللّه، ما بيننا وبين الحور العين إلاّ أنْ يميل علينا هؤلاء بأسيافهم، ولوددت أنّهم مالوا علينا السّاعة
.
وخرج حبيب بن مظاهر يضحك، فقال له يزيد بن الحُصين: ما هذه ساعة ضحك! قال حبيب: وأيّ موضع أحقّ بالسّرور من هذا؟! ما هو إلاّ أنْ يميل علينا هؤلاء الطغاة بسيوفهم فنعانق الحور
.
وناهيك بعابس بن أبي شبيب الشاكري حينما برز إلى الحرب، وقد أحجم القوم عنه؛ لأنّهم عرفوه بالإقدام والبسالة، فلمـّا رأى أنّه لم يبارزه أحدٌ ألقى ما عليه من درع ولامة، فاغتنمها القوم فرصة، ومع ذلك لم يبرز إليه أحد، لكنّهم رموه بالسّهام والحجارة، وأنّه ليطرد أكثر من مئتين فَرِحاً مبتهجاً بما يلاقيه من حبور ونعيم.
وإنّي لأعجب من الرواة حملة التاريخ إذا توسّعوا في النّقل، وقذفوا اُولئك الاُباة الصفوة، والغُلب المصاليت، بما تندى منه وجه الإنسانيّة، ويأباه الوجدان الصادق، فقيل: كان القوم بحالة ترتعد فرائصهم وتتغيّر ألوانهم كُلِّما اشتدّ الحال وضاق المجال، إلاّ الحسين؛ فإنّ أسرّة وجهه تشرق كالبدر المنير
.
____________________
وذلك بعد أنْ أعوزتهم الوقعة في شهيد الإباء، فلم يجدوا للغمز فيه نصيباً، فمالوا على أصحابه وأهل بيتهعليهمالسلام
الذين قال فيهم الإمامعليهالسلام
:« إنّي لا أعلمُ أصحاباً خيراً مِنْ أصحابي، ولا أهلَ بيتٍ أبرَّ وأوفى من أهل بيتي »
.« وقَدْ
[بلوتُهُمْ
]
فما وجدتُ فيهمْ إلاّ الأشوسَ الأقعسَ، يستأنسونَ بالمنيّة دوني، استيناسَ الطّفلِ إلى محالبِ اُمّه »
.
وليس ذلك إلاّ من الدَّاء الدفين بين أضالع قوم دافوا السُّمَّ في الدّسم إلى سُذَّجٍ آخرين حسبوه حقيقة راهنة؛ فشوّهوا وجه التاريخ، غير أنّ البصير النّاقد لا تخفى عليه نفسيّةُ القوم، ولا ما جاؤوا به. وأعجب من ذلك، قول محفر ليزيد: إنّا أحطنا بهم، وهم يلوذون عنّا بالآكام والحفر، لواذَ الحمام من الصقر
.
بفيك الكثك أيّها القائل! كأنّك لم تشاهد ذلك الموقف الرهيب، فترى ما للقوم من بسالة وإقدام، ومفادات دون الدِّين الحنيف، حتّى أغفل يومهم مع ابن المصطفىصلىاللهعليهوآله
أيّام صفّين، وما شاكلها من حروبٍ داميةٍ ووقائعٍ هائلة، وحتّى أخذت أندية الكوفة لا تتحدّث إلاّ عن شجاعتهم.
أجل، إنّ تلك الأهوال أدهشتك فلم تدرِ ما تقول، أو إنّ الشقّة بعدت عليك فنسيت ما كان، ولكن هل غاب عن سمعك
____________________
صراخ الأيامى، وعويل الأيتام في دور الكوفة، حتّى طبق أرجاءها من جرّاء ما أوقعه اُولئك الصفوة بأعداء اللّه ورسوله، بسيوفهم الماضيّة؟! والعذر لك، أنّك أدركت ساعة العافية، فطفقت تشوّه مقامهم المشكور، طلباً لمرضاة ( يزيد الخمور ).
ولقد صرّح عن صدق نيّاتهم وإخلاصهم في التضحية عدوُّهم الألدّ عمرو بن الحجّاج مُحرّضاً قومه: أتدرون مَن تُقاتلون؟! تُقاتلون فرسانَ المصر وأهلَ البصائر، تُقاتلون قوماً مُستميتين، لا يبرز إليهم أحد منكم إلاّ قتلوه، على قلَّتهم! واللّه، لو لم ترموهم إلاّ بالحجارة لقتلتموهم. فقال عمر بن سعد: قد صدقت، الرأي ما رأيت. أرسل في النّاس مَن يعزم عليهم أنْ لا يُبارزهم رجلٌ منهم
، ولو خرجتم إليهم وحداناً لأتوا عليكم
.
وقيل لرجل شهد يوم الطَّفِّ مع عمر بن سعد: ويحك! أقتلتم ذرِّيَّة رسول اللّه؟ فقال: عضضتَ بالجندل! إنّك لو شهدت ما شهدنا، لفعلت ما فعلنا؛ ثارت علينا عصابةٌ أيديها في مقابض سيوفها، كالاُسود الضارية، تُحطّم الفرسان يميناً وشمالاً، وتلقي أنفسها على الموت، لا تقبل الأمان ولا ترغب في المال، ولا يحول حائلٌ بينها وبين حياض المنيّة، أو الاستيلاء على المـُلك، فلو كففنا عنها رويداً لأتت على نفوس العسكر بحذافيرها، فما كُنّا فاعلين، لا اُمّ لك
؟!
____________________
وأيّ فرد منهم أقلقه الحال حتّى ارتعدت فرائصه؟! أهو زهير بن القَين الذي وضع يده على منكب الحسينعليهالسلام
، وقال مُستأذناً:
أقدِمْ هُدِيتَ هَادِياً مَهديَّا
|
|
فَاليَومَ أَلقى جَدّكَ النّبيَّا؟!
|
أمْ ابن عوسجة الذي يوصي حبيب بن مظاهر بنصرة الحسينعليهالسلام
وهو في آخر رمق من الحياة، فكأنّه لم يقنعه عن المفادات كُلَّ ما لاقاه من جهد وبلاء؟!
أمْ أبو ثمامة الصائدي الذي لم يهمّه في سبيل السّير إلى ربِّه سبحانه، كُلّ ما هناك من فوادح وآلام إلاّ الصلاة التي دنا وقتها، فقال للحسينعليهالسلام
: نفسي لك الفداء! إنّي أرى هؤلاء قد اقتربوا منك، ولا واللّه، لا تُقتل حتّى اُقتل دونك، واُحبُّ أنْ ألقى اللّه وقد صلّيتُ هذه الصلاة التي دنا وقتها. فقال الحسينعليهالسلام
:« ذكرتَ الصَّلاةَ، جعلكَ اللّهُ مِنَ المـُصلِّينَ الذَّاكرين »
؟!
أمْ سعيد الحنفي الذي تقدّم أمامَ الحسينعليهالسلام
وقت الصلاة واستهدف لهم، فأخذوا يرمونه بالنّبل يميناً وشمالاً حتّى سقط؛ لكثرة نزف الدَّم
، فقال للحسينعليهالسلام
: أوفيت يابن رسول اللّه؟ قال:« نعم، أنتَ أمامي في الجنّة »
؟!
أمْ ابن شبيب الشاكري الذي ألقى جميعَ لامته لتقرب منه الرجال، فيموت، في حين نرى الكُماة الأبطال، المعروفين بالشجاعة والإقدام، يتدرَّعون للحرب كي لا يخلص إليهم ما يزهق نفوسهم؟!
____________________
أمْ الغفّاريّان اللّذان استأذنا الحسينعليهالسلام
في الحملة وهما يبكيان، فقالعليهالسلام
لهما:« ما يُبكيكُما؟! فواللّه، إنّي لأرجو أنْ تكونا بعدَ ساعةٍ قريرَي العين »
. فقالا: ما على أنفسنا نبكي، ولكن نبكي عليك أبا عبد اللّه؛ نراك قد اُحيط بك، ولا نقدر على الدفع عنك والذبِّ عن حرمك
. فجزاهما الحسينعليهالسلام
خيراً؟!
وإذا تأمّلنا قول الإمام أبي جعفر الباقرعليهالسلام
:« إنّ أصحابَ جدّي الحسينِ لمْ يجدوا ألمَ مسِّ الحديد »
. وضحَ لنا ما عليه اُولئك الأطائب من الثبات، وأنّهم غير مكترثين بما لاقوه من ألم الجراح؛ ولعاً منهم بالغاية، وشوقاً إلى جوار المصطفىصلىاللهعليهوآله
. ولا يستغربُ هذا مَن يعرف حالة العاشق، وأنّه عند توجّه مشاعره نحو المحبوب لا يشعر بكُلِّ ما يلاقيه من عناء ونكد.
حكى المؤرّخون: أنّ عزّة دخلت على كثير الشاعر وهو في خبائه يبري سهاماً له، ولمـّا نظر إليها أدهشه الحال وأبهره الجمال، فأخذ يبري أصابعه، وسالت الدّماءُ وهو لا يحسّ بالألم
.
وأكبر مثال على ذلك، حكاية الكتاب المجيد حالة النّسوة حينما شاهدنَ جمال الصدّيق يوسفعليهالسلام
، فقال تعالى:(
فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَـذَا بَشَرًا إِنْ هَـذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ
)
.
____________________
وإذا كانت النّسوة لمْ يشعرن بألم قطع المـُدية أيديهنّ لمحض جمال الصّدِّيق، فليس من الغريب ألاّ يجد أصحابُ الحسينعليهالسلام
- وهُم زبدُ العالَمِ كُلِّه - ألمَ مسِّ الحديد عند نهاية عشقِهم لمظاهر الجمال الإلهي، ونزوع أنفسهم إلى الغاية القصوى من القداسة بعد التّكهرب بولاء سيّد الشهداءعليهالسلام
.
هذا ما عليه الأصحاب من سرّ المفادات، وقد كان مُرشدهم إلى ذلك، والمـُقدّم فيهم ( حامل اللواء )؛ إذ لم يكن هيّاباً بما شاهده من لَغطٍ وصَخَبٍ، وضوضاءٍ وصهيلٍ، وجحفلٍ مُجرٍّ يتبعه جيشٌ لجب، وقد أخذ ابنُ ميسونَ عليهم أقطار الأرض وآفاق السّماء.
بِجَحافِلٍ بالطّفِّ أوَّلُهَا
|
|
وأخيرُهَا بالشّامِ مُتَّصِلُ
|
فلا يرى إلاّ وجوهاً عابسة، كُلّ يتحرّى استئصال شأفة الإمامة، وإزهاق مَن يجنح إليها، و ( قمر الهاشميّين ) أسرّة وجهه تشرق كالبدر المنير؛ لأنّهعليهالسلام
يجدُ ببصيرته الهادية له إلى المفادات قربَ الأجل المضروب، وحصول الضَّالة المنشودة، وهذا كُلّه بعد العلم بأنّه إذا فارق أخاه في ذلك الموقف يكون في سعةٍ من الخطر.
وأنّى لكبر موقفه وثباته، حينما قال لهم أبو عبد اللّهعليهالسلام
:« هذا اللَّيلُ قدْ غَشيَكُمْ فاتَّخذوهُ جَمَلاً، فأنتم في إذنٍ منّي؛ فإنّ القومَ لَمْ يطلبُوا غَيري، ولو ظفروا بِي لَذَهَلوا عَنْ طلبِ غيري، وليأخذ كُلُّ رَجُلٍ منكم بيدِ رجلٍ مِنْ أهلِ بيتِي، وتَفَرَّقوا في سوادِكُمْ هذا »
.
____________________
هنا كان لعبّاس الشرف والحفاظ موقفُهُ المشهود الذي أظهر فيه مِن قوّة الإيمان، وغزارة العلم، وعوامل الشَّهامة، ما أوقف جوَّالة الفكر وحَيّر نفَّاذة الحلم؛ حيث ابتدر الجماعة بقوله: ولِمَ نفعل ذلك؟! لا أبقانا اللّه بعدك. وتابعه الهاشميّون الصفوة والصحب الأكارم، مُتَّخذين قوله حقيقةً راهنةً، مِن مُعلِّمٍ هذّبته المعرفة وبصَّرته التجارب، وإنّه لَمْ يَرد بقوله إلاّ التَّضحية الخالصة والسّعادة الخالدة، فأجابوا بما انحنت عليه الأضالع من إيثار موتة العزِّ دون سبط الرسولصلىاللهعليهوآله
على حياةٍ مُخدجة بعده، وإنْ كانت محفوفةً بنعومةٍ من العيش.
فقال آلُ عقيل: قبّح اللّه العيش بعدك، نُفديك بأنفسنا وأهالينا. وقال ابن عوسجة: لو لم يكنْ معي سلاحٌ لقذفتهم بالحجارة حتّى أموت دونك. وقال سعيد الحنفي: أنحن نُخلّي عنك؟! لا واللّه، حتّى يعلمَ اللّهُ أنّا قد حفظنا وصيّة رسول اللّه فيك. ولو علمتُ أنّي اُقتل ثُمّ اُحيى، ثُمّ اُقتل، ثُمّ اُحرق حيّاً، ثُمّ اُذرَّى، يُفعل بي سبعين مرّة ما فارقتك حتّى ألقى حِمامي دونك. وكيف لا أفعل ذلك وإنّما هي قتلة واحدة، ثُمّ هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً!
وتكلّم الجماعة بما يُشبه ذلك
.
____________________
فأجَادُوا الجَوابَ واختَرَطُوا البيْ
|
|
ضَ اهتَياجَاً إلى جِلادِ الأعَادِي
|
وانْثَنَوا للوغَى غِضَابَ اُسودٍ
|
|
عَصفتْ فِي العِدى بصَرْصرِ عَادِ
|
حَرسُوهُ حتّى احتَسَوا جُرعَ المَوْ
|
|
تِ ببيضِ الظُّبَا وسُمرِ الصّعَادِ
|
سَمحَوُا بالنّفُوسِ فِي نُصرةِ الدْ
|
|
دِينِ وأدّوا فِي اللّهِ حَقَّ الجِهَاد
|
وبعد أنْ عرف الحسينعليهالسلام
منهم صدق النّيّة والإخلاص في المفادات، أوقفهم على غامض القضاء، وقال:« إنّي اُقتلُ وكلُّكُمْ تُقتلونَ حتّى القاسمُ وعبدُ اللّه الرَّضيع، إلاّ السَّجّادَ؛ فإنّهُ أبو الأئمَّة »
. ثُمّ كشف عن أبصارهم، فرأوا ما حباهم اللّه من نعيم الجنان، وعرّفهم منازلهم فيها
.
وليس ذلك في القدرة الإلهيّة بعزيز، ولا في تصرّفات الإمام بغريب، ولقد حكى المؤرّخون وقوع نظير هذا لسَحَرة فرعون لمـّا آمنوا بموسىعليهالسلام
وأراد فرعون قتلهم؛ فإنّهم شاهدوا منازلهم في الجنّة
.
____________________
الأمان:
لمْ تزل هذه الفضيلة نفسيّة أبي الفضل في جميع مواقفه عند ذلك المشهد الرهيب، لاسيّما حين بلغه كتاب عبيد اللّه بن زياد بالأمان له ولإخوته الذي أخذه عبد اللّه بن أبي المحل بن حزام، وكانت اُمّ البنين عمّته، وبعثه مع مولاه كزمان، فلمـّا قدم كربلاء قال للعبّاس وإخوته: هذا أمانٌ من ابن زياد، بعثه إليكم خالكم عبد اللّه. فقالوا له: أبلغ خالنا السّلام، وقل له: لا حاجة لنا في أمانكم؛ أمانُ اللّه خيرٌ من أمان ابن سُميّة
.
كيف يتنازل أبو الفضل للدنيّة وهو ينظر بعين غير أعين النّاس، ويسمع باُذنه الواعية غير ما يسمعونه؛ يُشاهد نصب عينه الرضوانَ الأكبر مع ( خلف النّبيِّ المـُرسلصلىاللهعليهوآله
)، ويسمع هتاف الملكوت من شتّى جوانبه بالبشرى له بذلك كُلِّه عند استمراره مع أخيه الإمامعليهالسلام
.
نعم، وجد ( عبّاسُ المعرفة ) نفسَه المـُكهْربة بعالم الغيب، المجذوبة بجاذب مركز القداسة إلى التّضحية دون حجّة الوقت لا محالة، فرفض ذلك الأمان الخائب إلى أمان الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله
.
وهنالك طمع الشمر فيه وفي إخوته أنْ يفصلهم عن مستوى الفضيلة، فناداهم: أين بنو اُختنا؟ أين العبّاس وإخوته؟ فاعرضوا
____________________
عنه، فقال الحسينعليهالسلام
:« أجيبوه ولو كان فاسقاً »
.
قالوا: ما شأنك، وما تُريد؟ قال: يا بني اُختي، أنتم آمنون، لا تقتلوا أنفسكم مع الحسين، والزموا طاعة أمير المؤمنين يزيد. فقال له العبّاس: لعنك اللّه ولعن أمانك، تُؤمننا وابن رسول اللّه لا أمان له
! وتأمرنا أنْ ندخل في طاعة اللّعناء وأولاد اللعناء. فرجع الشمر مُغضباً
.
إنّ هذا الجلف الجافي قد أساء الظنّ بهؤلاء الفتية، نجوم الأرض من آل عبد المـُطّلب، فحسب أنّهم ممّن يستهويهم الأمن والدّعة، أو تروقهم الحياة مع أبناء البغايا، هيهات! خاب الرّجس ففشل، وأخفق ظنّه، وأكدى أمله، ولم يسمع في الجواب منهم إلاّ لعنك اللّه، وتبّت يداك، ولُعن ما جئت به.
وحيث إنّ ابن ذي الجوشن يفقد البصيرة التي وجدها أبو الفضل، والنّفسيّة التي يحملها، والسّؤدد المـُتحلّي به، والحفاظ اللائح على وجناته؛ طمع أنْ يستهوي رجل الغيرة ويجرّه إلى الخسف والهوان، والحياة مع الظالمين.
أيظنّ أنّ أبا الفضل ممّن يستبدل النّور بالظُّلمة، ويستعيض عن الحقّ بالباطل، ويدع علم النّبوَّة وينضوي إلى راية ابن مرجانة؟! كلاّ.
____________________
ولمـّا رجع العبّاس وإخوته إلى الحسينعليهالسلام
وأعلموه بما أراده الماجن منهم، قام زهير بن القَين إلى العبّاس وحدّثه بحديث، قال فيه:
إنّ أباك أمير المؤمنينعليهالسلام
طلب من أخيه عقيل - وكان عارفاً بأنساب العرب وأخبارها - أنْ يختار له امرأةً ولدتها الفحولة من العرب وذوو الشجاعة منهم؛ ليتزوّجها فتلد غلاماً فارساً شجاعاً، ينصر الحسين بطفّ كربلاء، وقد ادّخرك أبوك لمثل هذا اليوم، فلا تُقصّر عن نصرة أخيك وحماية إخوتك.
فغضب العبّاس، وقال: يا زهير، تُشجّعني هذا اليوم! فواللّه، لأرينّك شيئاً ما رأيته
. فجدّل أبطالاً، ونكّس رايات في حالة لم يكنْ همّه من القتال ولا منازلة الأبطال، بل كان همّه إيصال الماء إلى أطفال أخيه، ولكن لا مردّ للقضاء، ولا دافع للأجل المحتوم.
ولا يَهمّهُ السّهامُ حَاشَا
|
|
مَنْ هَمُّهُ سِقايَةُ العِطَاشَى
|
فَجادَ باليَمِينِ والشِّمَالِ
|
|
لِنُصرةِ الدِّينِ وحِفظِ الآلِ
|
____________________
المواساة:
لا يسع الباحث في حديث مشهد الطَّفِّ المـُقدّر فيه ( قمر بني هاشم ) حقّ قدره إلاّ البخوع له بتحقيق هذه الغريزة الكريمة، أعني المواساة بأجلى مظاهرها، وأنت إذا أعرت لما أفضنا القول في البصيرة اُذناً واعية، عرفت كيف كان مقامه مع أخيه سيّد شباب أهل الجنّة، وإيثاره التفاني معه على الحياة الرغيدة، وتهالكه في المفادات منذ مغادرته الحجاز إلى هبوطه أرض كربلاء، وحتّى لفظ نفسه الأخير تحت مشتبك النّصول، فلا تجد مناصاً عن الإذعان بأنّهعليهالسلام
كان على أعلا ذروة من المواساة لأخيه الإمامعليهالسلام
، يربوا على المواسين معه جميعاً؛ لأنّ مواساته كانت عن بصيرة، هي أنفذ البصائر يومئذ بشهادة الإمام الصادقعليهالسلام
:« كان عمُّنا العبّاسُ نافذَ البصيرةِ، صلبَ الإيمان »
.
وقد شهد له بهذه المواساة إمامان معصومان واقفان على الضمائر، ويعرفان مقادير الرجال، فيقول الحجّة عجّل اللّه فرجه في زيارة النّاحية:« السّلام على أبي الفضلِ العبّاس، المواسي أخاه بنفسِهِ، الآخذ لغدهِ مِن أمسهِ، الواقي لهُ، السّاعي إليه بمائِهِ، المقطوعة يداه. لعن اللّهُ قاتلَهُ يزيدَ بنَ الرّقادِ الجهني، وحكيمَ بن الطّفيل السّنبسي الطائي »
.
____________________
ويقول الصادقعليهالسلام
في الزيارة المتلوة عند ضريحه الأقدس:« أشهدُ لقد نصحتَ للّه ولرسولِهِ ولأخيك، فنعم الأخ المواسي! »
.
فجعلعليهالسلام
الشهادة له بالمواساة المـُنعم بها نتيجة نصحه للّه الذي هو مقتضى دينه ويقينه، ونصحه لرسول اللّهصلىاللهعليهوآله
الذي هو تمام التوحيد، والنّصح لأخيه الإمام الذي هو الجزء الأخير للعلّة، وبه كمال الدِّين وتمام النّعمة:
(
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي
)
. وبه قبول الأعمال.
« لو أنّ عبداً صام وصلّى وزكّى، ولم يأتِ بالولاية، ما قبل اللّه له عملاً أبداً »
. فرضى الربّ والرسولصلىاللهعليهوآله
وطاعتهما منوطان بطاعة وليِّ الأمر:(
إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ
)
.
فأراد الإمام الصادقعليهالسلام
بذلك الخطاب أنّ نُصح ( عباس الهداية ) لأخيه المظلوم على حدّ نصحه للّه ولرسوله، مع حفظ المرتبة في كُلِّ منهما، فالطاعة شرع سواء في الثلاثة تحت جامع واحد، هو: وجوب الخضوع لهم والتسليم لأمرهم، غاية الأمر تختلف المراتب؛ فإنّه تجب الطاعة أولاً وبالذات بالنّسبة إليه سبحانه وتعالى، وبما أنّ الرسول مبعوثٌ من قبله وجبت بالنّسبة إلى الرسول، وبما أنّ الإمام خليفة لهذا المبعوث المـُرسل لعدم بقائه إلى الأبد، وعدم إهمال العباد كالبهائم، وعدم وضوح الكتاب المجيد؛ لوجود المـُخصّص والمـُقيّد، والنّاسخ والمتشابه، وعدم
____________________
وفائه بالأحكام الشرعيّة بالبداهة؛ وجب على الاُمّة إطاعة هذا الإمام، فالمراد من المؤمنين في هذه الآية، ومن اُولي الأمر في قوله تعالى:(
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ
)
. شيءٌ واحد، وقد انحصر مصداقه في سيّد الوصيّين وأبنائه المعصومين الأحد عشرعليهمالسلام
بالتواتر عن الرسولصلىاللهعليهوآله
.
فالنّصح الذي أشار إليه الإمامعليهالسلام
في الزيارة هو لازم تلك الطاعة ومقتضى الولاية تحت جامع واحد، وهو: لزوم مناصرة الدِّين والصادع به، المـُنبسط على ذات الباري تعالى والرسول والإمام كُلٍّ في مرتبته.
وقد أفادنا هذا الخطاب أنّ مفادات أبي الفضل ومواساته لم تكُنْ لمحض الرحم الماسّة والإخاء الواشج، ولا لأنّ الحسينعليهالسلام
سيّدُ اُسرته وكبيرُ قومه، وإنْ كان في كُلٍّ منها يُمدح عليه هذا النّاهض، لكنّها جمعاء كانت مُندكّة في جنب ما أثاره ( عباسُ البصيرة ) من لزوم مواساة صاحب الدِّين، والتهالك دون دعوته، سواء كانت المفادات بعين المـُشرّع سبحانه، أو تحت راية الرسولصلىاللهعليهوآله
، أو إمام الوقت، وكُلّ بعين اللّه وعن مرضاته جلّ شأنه، وقد اجتمعت في مشهد الطَّفِّ تحت راية الحسينعليهالسلام
.
إنّ من الواجب إمعان النّظر في عمله النّاصع حين ملك الشريعة فاغترف غرفة من الماء ليشرب، ولكن ألزمه حقُّ اليقين وقوّةُ الإيمان أنْ ينفض الماء من يده، حيث لم يَرَ له مساغاً في التأخير عن سقاية حجّة الوقت الإمام المعصوم، وحرم النّبوَّة، ولو
____________________
بمقدار التروِّي من الماء هُنيئة، بل عرف أنّ الواجب عليه الإبقاء على مهجة خليفة الرسولصلىاللهعليهوآله
بسقايته ولو في آنٍ يسير، إذ الحالة شرع سواء بين قليل الزَّمان وكثيره؛ ولذلك نُسب فعله هذا إلى الدِّين، حيث يقول: تاللّهِ ما هذا فعالُ ديني.
على أنّ شيخنا العلاّمة الشيخ عبد الحسين الحلّي يُحدّث في النّقد النّزيه ج١ ص١٠٠، عن فخر الذاكرين الثقة الثبت الشيخ ميرزا هادي الخراساني النّجفي، نقلاً عن ( عدّة الشهور ): إنّ أمير المؤمنينعليهالسلام
دعا العبّاس وضمّه إليه وقبّل عينيه، وأخذ عليه العهد إذا ملك الماء يوم الطَّفِّ أنْ لا يذوق منه قطرة واُخوه الحسينعليهالسلام
عطشان.
فقول أرباب المقاتل: نفضَ الماء من يده ولم يشرب، إنّما هو لأجل الوصيّة من أبيه المرتضى (ع).
لَم يَذُقْ الفُراتَ اُسوةً بِهِ
|
|
مُيمِّمَاً بمائِهِ نَحوُ الخِبَا
|
لَم يَرَ فِي الدِّينِ يَبلُّ غُلَّةً
|
|
وصُنُوهُ فيِهِ الظَّمَا قَد ألهَبَا
|
والمـُرتَضَى أَوصَى إليهِ فِي ابنِهِ
|
|
وصيّةً صَدّتْهُ عَن أنْ يَشْرَبَا
|
لذَاكَ قَدْ أسنَدَهُ لِدينِهِ
|
|
وعَنْ يَقيِنٍ فِيهِ لَنْ يَضْطَرِبَا
|
هَذا مِنَ الشَّرعِ يَرى فِعلَتَهُ
|
|
ومِن صِراطِ أحمدٍ مَا ارتَكَبَا
|
وَمِثلُهُ الحُسينُ لَمّا مَلكَ ال
|
|
مَاءَ فَقِيلَ رَحلُهُ قَد نُهِبَا
|
أمَّ الخِيامَ نَافِضَاً لِماِئهِ
|
|
إذ عَظُمَ الأمرُ بِهِ واعَصُوصَبَا
|
فَكانَ للعَبّاسِ فِيهِ اُسوةٌ
|
|
إذ فَاضَ شَهمَاً غَيرَ مَفلُولِ الشِّبَا
|
عثرةُ التأريخ:
لقد كان من نفوذ بصيرة العبّاسعليهالسلام
أنّه لم تقنعه هاتيك التضحية المشهودة منه، والجهاد البالغ حدّه حتّى راقه أنْ يفوز بتجهيز المجاهدين في ذلك المأزق الحرج، والدعوة إلى السّعادة الخالدة في رضوان اللّه الأكبر، وأنْ يحظى باُجور الصابرين على ما يَلمّ به من المصاب بفقد الأحبّة، فدعا إخوته من اُمّه وأبيه، وهم: عبد اللّه، وجعفر، وعثمان، وقال لهم: تقدّموا حتّى أراكم قد نصحتم للّه ولرسوله؛ فإنّه لا ولد لكم
.
فإنّه أراد بذلك تعريف إخوته حقّ المقام، وأنّ مثولهم بهذا الموقف لم يكنْ مصروفاً إلاّ إلى جهة واحدة، وهي: المفادات والتضحية في سبيل الدِّين، إذ لم يكن لهم أي شائبة أو شاغلة تلهيهم عن القصد الأسنى من عوارض الدنيا؛ من مراقبة أمر الأولاد بعدهم، ومَن يرأف بهم ويُربِّيهم، فاللازم حينئذ السّير إلى الغاية الوحيدة، وهي: الموت دون حياة الشريعة المـُقدّسة، فكانوا كما شاء ظنُّه الحَسَن بهم، حيث لم يألوا جهداً في الذبِّ عن قُدس الدِّين حتّى قضوا كراماً مُتلفّعين بدم الشهادة.
____________________
لكنْ هلمّ واقرأ العجيب الغريب فيما ذكر ابن جرير الطبري في التاريخ ج٦ ص٢٥٧، قال: وزعموا أنّ العبّاس بن علي قال لإخوته من اُمّه وأبيه؛ عبد اللّه وجعفر وعثمان: يا بني اُمّي، تقدّموا حتّى أرثكم؛ فإنّه لا ولد لكم. ففعلوا وقُتلوا
.
وقال أبو الفرج في مقاتل الطالبيين: قدّم أخاه جعفر بين يديه؛ لأنّه لم يكن له ولدٌ ليحوز ميراثه العبّاس، فشدّ عليه هاني بن ثبيت فقتله
. وفي مقتل العبّاس، قال: قدّم إخوته لاُمّه وأبيه فقُتلوا جميعاً، فحاز مواريثهم، ثُمّ تقدّم وقُتل فورثهم وإيّاه عبيدُ اللّه، ونازعه في ذلك عمّه عمر بن علي، فصولح على شيء رضي به
.
هذا غاية ما عندهم، وقد تفرّدا به من بين المؤرّخين وأرباب المقاتل، ولا يخفى على مَن له بصيرة وتأمّل بعدُهُ عن الصواب. وما أدري كيف خفي عليهما حيازة العبّاس ميراث إخوته مع وجود اُمّهم اُمّ البنين، وهي من الطبقة المـُتقدّمة على الأخ، ولم يجهل العبّاس شريعة تربّى في خلالها؟!
على أنّ هذه الكلمة لا تصدر من أدنى النّاس، سيّما في ذلك الموقف الذي يذهل الواقف عن نفسه وماله، فأيّ شخص كان يدور في خُلدهِ ذلك اليوم حيازة المواريث بتعريض ذويه وإخوته للقتل، وعلى الأخصّ يصدر ذلك من رجل يعلم أنّه لا يبقى بعدهم ولا يتهنّأ بمالهم، بل يكون فعله لمحض أنْ تتمتّع به أولاده؟!
____________________
بئست الكلمة القبيحة التي راموا أنْ يُلوّثوا بها ساحة ذلك السيّد الكريم!
فهل ترغب أنت أنْ يقال لك: عرّضت إخوتك وبني اُمّك لحومة الوغى لتحوز مواريثهم؟! أمْ أنّ هذا من الدَّناءة والخسّة فلا ترضاه لنفسك، كما لا يرغب به سوقة النّاس وأدناهم، فكيف ترضى أيّها المـُنصف ذلك لمَن علّم النّاس الشّهامة وكرم الأخلاق، وواسى حجّة وقته بنفسه الزاكية؟! وكيف يُنسب هذا لخرّيج تلك الجامعة العُظمى والمدرسة الكبرى؛ جامعة النّبّوة ومدرسة الإمامة، وتربّى بحجر أبيهعليهالسلام
، وأخذ المعارف منه ومن أخويه الإمامينعليهماالسلام
؟!
ولو تأمّلنا جيداً في تقديمه إيّاهم للقتل، لعرفنا كبر نفسه، وغاية مفاداته عن أخيه السّبطعليهالسلام
، فلذّة كبد النّبيِّصلىاللهعليهوآله
، ومهجة البتولعليهاالسلام
، فإنّ من الواضح البيّن أنّ غرضه من تقديمهم للقتل:
١ -
إمّا لأجل أنْ يشتدّ حزنه، ويعظم صبره، ويُرزأ بهم، ويكون هو المطالب بهم يوم القيامة، إذ لا ولد لهم يُطالبون بهم.
٢ -
وإمّا لأجل حصول الاطمئنان والثقة من المفادات دون الدِّين أمامَ سيّد الشُّهداءعليهالسلام
، ويشهد له ما ذكره الشيخ المفيد في الإرشاد، وابن نما في مُثير الأحزان من قوله لهم: تقدّموا حتّى أراكم قد نصحتم للّه ولرسوله؛ فإنّه لا ولد لكم. ولم يقصد بهم المخايل، وإنمّا رام أبو الفضل أنْ يتعرّف مقدار ولائهم لقتيل العبرة؛ وهذا منهعليهالسلام
إرفاق بهم وحنان عليهم، وأداء لحقّ الاُخوّة بإرشادهم إلى ما هو الأصلح لهم.
٣ -
وإمّا لأجل أنْ يكون غرضه الفوز بأجر الشهادة بنفسه، والتجهيز للجهاد بتقديم إخوته ليُثاب أيضاً بأجر الصابرين، ويحوز كلتا السّعادتين، وربما يدلّ عليه ما ذكره أبو الفرج في مقتل عبد اللّه من قول العبّاس له: تقدّم بين يدَي حتّى أراك قتيلاً واحتسبك. فكان أوّل مَن قُتل من إخوته.
وذكر أبو حنيفة الدينوري، أنّ العبّاس قال لإخوته: تقدّموا بنفسي أنتم، وحاموا عن سيّدكم حتّى تموتوا دونه. فتقدّموا جميعاً وقُتلوا.
ولو أراد أبو الفضل من تقديمهم للقتل حيازة مواريثهم - وحاشاه - لم يكن لاحتساب أخيه عبد اللّه معنى، كما لا معنى لتفديتهم بنفسه الكريمة كما في الأخبار الطوال
.
وهناك مانع آخر من ميراث العبّاس لهم وحده حتّى لو قلنا على بُعدٍ ومنعٍ بوفاة اُمّ البنين يوم الطَّفِّ؛ فإنّ ولد العبّاس لم يكنْ هو الحائز لمواريثهم، لوجود الأطراف وعبيد اللّه بن النّهشلية؛ فإنهّما يشتركان مع العبّاس في الميراث، كما يُشاركهم سيّد شباب أهل الجنّة وزينب العقيلة، واُمُّ كلثوم ورقيّة، وغيرهنّ من بنات أمير المؤمنينعليهالسلام
، فكيف والحال هذا يختصّ العبّاس بالميراث وحده؟!
هذا كُلّه إنْ قلنا بوفاة اُمّ البنّين يوم الطَّفِّ، ولكنَّ التاريخ يُثبت حياتها يومئذ وأنّها بقيت بالمدينة، وهي التي كانت ترثي أولادها الأربعة.
____________________
والذي أظنّه أنّ منشأ ذلك التقوّل على العبّاس أنّه أوقفهم السّير على قوله لإخوته: لا ولد لكم. من غير رويّة وتفكير في غرضه ومراده، فحسبوه أنّه يُريد الميراث، فنّوه به واحد باجتهاده أو احتماله، وحسبه الآخرون رواية فشوّهوا به وجه التاريخ، ولم يفهموا المراد، ولا أصابوا شاكلة الغرض؛ فإنّ غرضه من قوله: لا ولد لكم تُراقبون حاله بعدكم، فأسرعوا في نيل الشهادة والفوز بنعيم الجنان.
على أنّ شيخنا العلاّمة الشيخ عبد الحسين الحلّي في النّقد النّزيه ج١ ص٩٩، احتمل تصحيف ( أرثكم ) من ( اُرزأ بكم ) أو ( أرزأكم )، وليس هذا ببعيد. وأقرب منه احتمال شيخنا الحجّة، الشيخ آغا بزرك مؤلّف كتاب ( الذريعة إلى تصانيف الشيعة ) تصحيف ( أرثكم ) من ( أرثيكم )، فكأنّهعليهالسلام
أرادأوّلاً
: أنْ يفوز بالإرشاد إلى ناحية الحقّ،وثانياً
: تجهيز المـُجاهدين،وثالثاً:
البكاء عليهم ورثائهم؛ فإنّه محبوب للمولى تعالى.
ويُشبه قول العبّاس لإخوته قول عابس بن أبي شبيب الشاكري لشوذب مولى شاكر: يا شوذب، ما في نفسك أنْ تصنع؟ قال: اُقاتل معك دون ابن بنت رسول اللّه حتّى اُقتل. فقال: ذلك الظنّ بك، فتقدّم بين يدَي أبي عبد اللّه حتّى يحتسبك كما احتسبَ غيرَكَ من أصحابه، وحتّى احتسبك أنا؛ فإنّه لو كان معي السّاعة أحدٌ أنا أولى به منك لسرّني أنْ يتقدّم بين يدَي حتّى أحتسبه؛ فإنّ هذا يوم ينبغي لنا أنْ نطلب الأجر فيه بكُلِّ ما قدرنا عليه؛ فإنّه لا عمل بعد اليوم، وإنّما هو الحساب
. ( الطبري ج٦ ص٢٥٤ ).
____________________
حديث الصادقعليهالسلام
:
إنّ ما يتعرّف منه منزلة أبي الفضل العالية، وإثبات الخصال الحميدة له، إخبارُ أئمّة الدِّين العارفين بضمائر العباد وسرائرهم، الواقفين على نفسيّات الاُمّة على كَثَب بتحقّقها فيه، وقد عبثت أيدي التلف في أكثرها، فإنّ الصدوق يُحدّث في الخصال ج١ ص٣٥، بعد ذكره حديث السجّادعليهالسلام
في فضل العبّاس، أنّه أخرج الخبر بتمامه مع أخبارٍ في فضائل العبّاس في كتاب مقتل الحسينعليهالسلام
.
وظاهره أنّ هناك أخباراً كثيرة في فضل أبي الفضل زويت عنّا ككتابه المقتل، ولا غرو، فلقد اندثر بتعاقب الحوادث الكثير من المؤلّفات.
وكيف كان، فلعلّ من تلك الأخبار ما رواه في عمدة الطالب، عن الشيخ الجليل أبي نصر البخاري النّسّابة، عن المـُفضّل بن عمر، أنّه قال: قال الصادق جعفر بن محمّدعليهالسلام
:« كان عمُّنا العبّاسُ بنُ عليٍّ نافذَ البصيرة، صلبَ الإيمانِ، جاهدَ مع أبي عبد اللّهِ وأبلى بلاءً حَسَناً، ومضى شهيداً »
.
وكذلك قولهعليهالسلام
فيما علّم شيعته أنْ يُخاطبوه به من لفظ الزيارة المروريّة بسند صحيح مُتَّفق عليه؛ فإنّه عند التأمّل فيما
____________________
خاطبه به الإمام العارف بأساليب الكلام ومقتضيات الأحوال، تظهر لنا الحقيقة، ونعرف منزلةً للعبّاس سامية لا تُعدّ ومنزلة المعصومين (عليهم السلام)، فقالعليهالسلام
في صدر سلام الإذن:« سلامُ اللّهِ، وسلامُ ملائكتهِ المـُقرّبين وأنبيائِهِ المـُرسَلين، وعباده الصالحين، وجميعِ الشُّهداء والصّدّيقين، الزَّاكيات الطَّيّبات، فيما تغتَدي وتروحُ عليكَ يابنَ أميرِ المـُؤمنين »
.
فإنّه أشار بهذا إلى مصبِّ سلام اللّه الذي هو رحمته المتواصلة، والعطف الغير محدود، اللَّذين لا انقطاع لهما، وسلام الملائكة المـُشاهدين لمقادير الرِّجال في ملأ القدس وحظيرة الجلال، وسلام الأنبياء الذين لا يعدّون مرضات اللّه ووحيه في أفعالهم وتروكهم، وسلام الصالحين والشُّهداء الذين أدركوا بفضل الاتّصال بالرُّسل وأوصيائهم، أو بالتَّجرّد ومشاهدة الحقائق الثابتة في عالم الغيوب، زيادةً على ما عرفوه من مقام أبي الفضل وفضله.
فكُلُّ هؤلاء يتقرّبون إلى اللّه تعالى بالدّعاء له، واستنزال الرحمة منه سبحانه، وإهداء التّسليمات إليه؛ لما عرفوا أنّه من أقرب الوسائل إليه، وحيث كانت خالصة للزّلفة، ماحضة في التقرّب إليه جلّ ذكره، عادت زاكيةً طيّبةً بنصّ الزيارة:« الزَّاكيات الطَّيّبات »
.
وأمّا على رواية ابن قولويه في كامل الزيارات من زيادة ( واو العطف ) قبل الزّاكيات الطَّيّبات، فيُراد بهما العنايات الخاصّة التي ليست بدعاءٍ من أحد، ولا بأسباب عاديّة، ولا يعدم هذه الأنبياء
والأوصياء والأقلّون ممّن اقتفوا أثرهم، وليست هي شرعة لكُلّ واردٍ، وإنّما يحظى بها الأفذاذ ممّن كهربتهم القداسة الإلهيّة، وجذبتهم جاذبة الصقع الربوبي، وهكذا المـُقرّبون والأفذاذ عند صعودهم.
وإذا قرأنا زيارة الصادقعليهالسلام
لجدّه الحسينعليهالسلام
:« سلامُ اللّهِ وسلامُ ملائكتِهِ فيما تروحُ وتغدو، والزَّاكيات الطَّاهرات لك، وعليك سلامُ الملائكةِ المـُقرَّبينَ والمـُسلِّمين لك بقلوبهم، والنّاطقين بفضلك... »
. وضح لنا أنّ منزلة أبي الفضل تضاهي منزلة الحسينعليهالسلام
؛ حيث اُثبت له مثل هذا السّلام.
ثُمّ قالعليهالسلام
:« أشهد لك بالتسليم والتصديق، والوفاء والنّصيحة لخلف النّبي المرسل »
. ها هنا أثبت لأبي الفضل منزلة التسليم التي هي من أقدس منازل السّالكين، وفوق مرتبة الرضا والتوكّل؛ فإنّ أقصى مرتبة الرضا أنْ يكون محبوب المولى سبحانه محبوباً له، موافقاً لطبعه، فالطبع ملحوظ فيه.
وأقصى مراتب التوكّل أنْ يُنزل نفسه بين يدي المولى سبحانه وتعالى منزلة الميّت بين يدي الغاسل، بحيث لا إرادة له إلاّ ما يفعله الغاسل به، فصاحب التوكّل مسلوب الإرادة، وأمّا صاحب التسليم فلا يرى لغير اللّه وجوداً مع اللّه فضلاً عن نفسه، ولا يكون له طبعٌ يوافق أو يخالف في الإرادة، أو نفساً قد تنفّست بالإرادة، فهو قريب من عالم الفناء.
____________________
وهذه المرتبة فوق مرتبة التوكّل، التي هي فوق مرتبة الرضا، لا تحصل إلاّ بالبصيرة النّافذة، والوصول إلى أعلى مراتب اليقين، تلك المرتبة التي أخبر عنها أمير المؤمنينعليهالسلام
:« لو كُشِف الغطاءُ ما ازدَدتُ يقيناً »
.
أمّا العناوين الثلاثة، وهي:التصديق
،والوفاء
،والنّصيحة
، فلا شكّ أنّ الإمامعليهالسلام
يُريد أنّ أبا الفضل في أرقى مراتبها؛ لانبعاثها عن التسليم وهو حقّ اليقين؛ فإنّه المناسب لتصديقه بأخيه الحجّة، وبنهضته في ذلك الموقف الحرج، وهكذا وفاؤه ونصيحته؛ فإنّ وفاء شخص لآخر كما يُمكن أنْ يكون لأجل الاُخوّة والرحم والصحبة، يمكنْ أنْ يكون لأجل المعرفة التامّة بما أوجب اللّه له من الحرمة والحقّ على الاُمّة.
وحيث إنّ الإمامعليهالسلام
أثبت لأبي الفضل أرقى مرتبة السّالكين، وهي التسليم اللازم لحقّ اليقين، فلا بدّ أنْ يكون ما صدر منه من التصديق بنهضة أخيهعليهالسلام
، والوفاء لحقّه والمـُناصحة في العمل، منبعثاً عن حقّ اليقين بذلك الأمر الواجب، لا لأجل أنّ الحسينعليهالسلام
أخوه أو رحمه أو ابن رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
؛ فإنّ هذه المرتبة وإنْ مُدح عليها الشخص إلاّ أنّ المرتبة الاُولّى أرقى وأرفع، ولا ينالها إلاّ ذوو النّفوس القُدسيّة ممّن وجبت لهم العصمة.
ويؤيّد ذلك تعقيب العناوين الثلاثة بقولهعليهالسلام
:« لِخَلَفِ النّبيِّ المـُرْسَل »
. فإنّه لو لم يرد هذا لقال في الخطاب: ( لأخيك ) أو ( للحسين ) أو ( لابن أمير المؤمنين )، فالتعبير بخلف النّبيِّ لا يُراد منه إلاّ أنّ الدافع لأبي الفضل على التسليم والتصديق، والوفاء والنّصيحة بالمفادات إلاّ كون الحسينعليهالسلام
إماماً مفروض الطّاعة، وهذا
مغزى لا يبعث إليه إلاّ البصيرة المميّزة لشرف الغايات المـُتحرّية لكرائمها.
ثُمّ إنّ من تخصيص الإمامعليهالسلام
الخطاب له دون غيره من الشُّهداء، بقوله:« لَعنَ اللّهُ مَنْ جَهلَ حَقّكَ، واسْتَخفَّ بحُرمَتِكَ »
. نعرف أنّ غيره من الشُّهداء لم يُدرك هذا المدى، وإنْ كان لكُلٍّ منهم حقّاً وحرمة، إلاّ أنّ شبل أمير المؤمنينعليهالسلام
كانت معارفه أوسع، وإيمانه أثبت، فكان له حقٌّ في الدِّين، وحقٌّ على الاُمّة لا يُنكر، فاستحقّ بكُلٍّ منهما اللعن على جاهلِهِ والمـُستخفِ به.
فالشُّهداء وإنْ أخلصوا في التضحية والمفادات، وكان منبعثاً عن طهارة الضمائر والمعرفة بحقِّ الإمامعليهالسلام
، فلهم حقوقٌ وحُرمات، لكنّ لحقِّ العبّاس منعةً بين هاتيك الحقوق، ولحرمته بذخ بين تلك الحرمات، بعد ما ثبت منهما لأخيه الإمام المظلومعليهالسلام
، لنفوذ بصيرته وصلابة إيمانه بنصّ الصادقعليهالسلام
.
ثُمّ قال الصادقعليهالسلام
في الزيارة المتلوّة داخل الحرم:« أشهدُ واُشهدُ اللّهَ أنّكَ مضيتَ على مَا مضَى به البَدريّون »
.
لقد جرى التشبيه بالبدريّين مجرى التقريب إلى الأذهان في الإشادة بموقف أبي الفضل من البصيرة؛ فإنّ أهلَ بدر أظهر أفراد أهل البصائر؛ لأنّهم قابلوا طواغيت قريش على حين ضعف في المسلمين، وقلّة في العدّة والعتاد، فلم يملكوا إلاّ فَرسين، أحدهما: لمرثد بن أبي مرثد الغنوي، والآخر: للمقداد بن الأسود الكندي، وكانوا يتعاقبون على سبعين بعير، الاثنان والثلاثة
.
____________________
لكنّهم خاضوا غمرات الموت تحت راية النّبوَّة، بقوّة الإيمان وعتاد البصيرة، إلاّ مَن استولى الرَّينُ على قلبه، فردّوا سيوف قريش مفلولة، ورماحهم محطّمة، وجموعهم بين قتلى وأسرى ومُشرّدين، فحظوا بأوّل فتح إسلامي قويت به دعائمُهُ، وشُيّدت معالمـُه من الإمداد:(
بِخَمْسَةِ آلاف مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ
)
.
وأعظم من ذلك مشهد الطَّفِّ الذي التطمت فيه أمواج الموت، وكشفت الحرب عن ساقها، وكشفت عن نابها.
وللأخْطَارِ وَجهٌ مُكفَهِرٌ
|
|
يُشيِبُ لِهَولِهِ المـُردِي الغُلامُ
|
تَرَى الأبطَالَ مِنْ فَرقٍ سُكَارَى
|
|
يُدَارُ مِنَ الرَّدَى فِيهمْ مُدَامُ
|
فقابلهم عصبة الحقِّ من غير مدد يأملونه، أو نصرة يرقبونها، والعطش مُعتلج بصدورهم، ونشيج الفواطم من ورائهم، فتلقّوا جبال الحديد بكُلِّ صدرٍ رحيب وجنان طامن، فلم تسل تلك النّفوس الطّاهرة إلاّ على قتل اُميّة المنقوض، ولا اُريقت دماؤهم الزاكية إلاّ على حبلهم المـُنتكث، فلم تبرح آلُ حربٍ إلاّ كلعقة الكلب أنفه حتّى اكتُسحت معرّتُهم من أديم الأرض، وتفرّقوا أيدي سبا، فيوم الطَّفِّ فتحٌ إسلامي بعد الجاهليّة المـُستردَّة من جراء أعمال الأمويّين
.
____________________
وإليه أشار الإمام الشهيدعليهالسلام
في كتابه إلى بني هاشم لمـّا حلّ أرض كربلاء:« مَن لحقَ بيْ منكُمْ اسْتُشهدْ، ومَنْ تخلّفَ عنِّي لَمْ يَبلغ الفتحَ »
.
فإنّهعليهالسلام
لم يُرد بالفتح إلاّ ما ترتّب على نهضته المـُقدّسة وتضحيته الكريمة؛ من نقض دعائم الإلحاد، وكسح أشواك الباطل عن صراط الشريعة المـُطهّرة، وإحياء دين جدّه الصادع به الذي لاقى المتاعب في تأييده وتشييده.
وأنت أيّها البصير، إذا استشففت الحادثة من وراء نظارةٍ في التنقيب، تجد سيّدنا أبا الفضل سيّد القوم بعد أخيه السّبطعليهالسلام
، وهو المـُسدّد لهم في النّضال. كما أنّ الباحث إذا أعطى النّظر حقّه، يجد ضحايا ( الطَّفِّ ) أشدّ انقطاعاً عن المدد من مجاهدي يوم بدر، وأبلغ بأساً وأقلّ عدداً - مع اكتناف الكوارث بهم - وإعواز الملجأ أكثر ممّا احتفّ بأهل بدر.
مع أنّ المناوئين لشهداء ( الطَّفّ ) أوفر عدداً، وأقوى عتاداً، وأوثق مدداً، وأنّ لهم دولةً مُؤسَّسة تنضَّدت جحافلُها، وخفقت بنودُها، وتواصلت قوّاتُها بخلاف الحالة يوم بدر.
____________________
فلقد كان المحاربون للمسلمين شتاتاً من طواغيت العرب، حداهم إلى الحرب بواعثُ الحُقدِ والنّخوة، ومن المـُحتمل القريب انحلال جامعتهم إذا ضربت الحرب عليهم بجرانها؛ لأنّهم كانوا يفقدون أيّ مدد من القبائل، ولم يخرجوا متأهّبين للاستمداد، حيث ظنّوا خوراً في المسلمين، وحسبوا استئصالَ شأفتهم وأنّهم كشربة ماء، ( ولكنْ لا مُبدّل لحُكمِ اللّه تعالى ).
فالموقف يوم الطَّفِّ أحرج، والكرب أكثر، والمقاسات أصعب، وبقدر المشقّة تجري الاُجور وتُقسّم الفضائل، فشهداء كربلاء أولى بالفضيلة.
وضَرب الإمامعليهالسلام
المثل لهم بأهل بدر، إذ يقول:« إنّكَ مضيتَ على ما مَضَى به البدريّون »
. لا يوجب فضيلة أهل بدر عليهم، كما هي قاعدة التشبيه، وإنّما ذلك من باب التقريب إلى الأفهام، كما في قوله تعالى:(
مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاة فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ...
)
. وأين من النّور الإلهي المشكاة ومصباحها، ولكنْ لمـّا لم تُدرك الأبصار ذلك النّور الأقدس، وإنّما تُدركه البصائر، ضرب اللّه تعالى المثل بما يُدركونه؛ تقريباً للأذهان، وهكذا الحال فيما نحن فيه.
وإلى هذه الدقيقة وقع الإيعاز منهعليهالسلام
فيما بعد هذه الفقرة من الزيارة بقولهعليهالسلام
:« فجزاكَ اللّهُ أفضلَ الجَزاءِ وأكثرَ الجَزاءِ، وأوفرَ الجَزاءِ وأوفَى جزاءِ أحَدٍ مِمّنْ وفَى ببيعتِهِ، واسْتَجابَ له دعوتَهُ، وأطاعَ ولاةَ أمرِهِ »
.
____________________
فلو كان في المجاهدين مَن هو أوفر فضلاً من أبي الفضل العبّاس، لكان هذا الدعاء، أو الإخبار عن أمره شططاً من القول، خارجاً عن ميزان العدل، تعالى عنه كلامُ المعصوم، فإذاً لمْ يكنْ غيره من المجاهدين مطلقاً أوفر فضلاً، ولا أكثر جزاءً، ولا أوفى بيعةً إلاّ مَن أخرجه الدليل من الأئمّة المعصومينعليهمالسلام
.
ثُمّ إنّ هناك مرتبة اُخرى ثبتت لأبي الفضل، خصّه بها الإمام الصادقعليهالسلام
بقوله:« أشهدُ أنّكَ قدْ بالغتَ في النَّصيحةِ، وأعطيتَ غايةَ المَجْهودِ، فبعثكَ اللّهُ في الشُّهداءِ، وجَعلَ روحَكَ مَعَ أرواحِ السُّعداءِ، وأعطاكَ مِنْ جنانِهِ أفسَحَها مَنْزلاً، وأفضلها غُرَفاً »
.
فإنّ المبالغة في أمثال المقام عبارة عن بلوغ الأمر إلى حدوده اللازمة، وكم له من نظير في استعمالات العرب ومحاوراتهم. ولا شكّ أنّ كُلَّ واحدٍ من شهداء الطَّفِّ قد بالغ في النّصيحة، ولم يألُ جهداً في أداء ما وجب عليه، ولكُلٍّ منهم في ذلك المشهد الدامي شواهد من أقواله وأعماله.
ومن المـُسلَّم أنّ المعروف بقدر المعرفة كمَّاً وكيفاً، فصاحب السّنام الأرفع في العرفان، المـُتربّع على أعلى منصّة من الإيمان، لا بدّ وأنْ يُقاسي أشدَّ ضروب الجهاد، ويتظاهر بأجمل مظاهرها؛ من الدؤوب على الحرب والضرب، وإنْ طال المدى وبعد الأمد إنْ كان الجهاد نضالاً، كما لا بدَّ له من المثابرة على مكافحة النّفس
____________________
الأمّارة وكسر شوكتها، وردّ صولتها وكبح جماحها، وترويض النّفس بالطّاعة، وإلزامها بلوازمها الشاقّة طيلة حياته إنْ كان الجهاد نفسيّاً.
وفي هذين الحالتين لا بدّ وأنْ يكتنف العمل المقارنات المطلوبة، مثل: نيّة القربة، والإخلاص فيها المنبعث عن حبِّ المولى سبحانه، الهادي إلى معرفة تؤهله إلى الطاعة، وعن معرفة نِعم الباري عزّ وجل الواجب شكره، وعن الهيبة النّاشئة عن لحاظ عظمته، إلى أمثال هذه من الملحوظات.
وقصارى القول: كما أنّ مراتبَ الإيمان والمعرفة متفاوتةٌ مقولة بالتشكيك، كذلك مراتب العمل متفاوتة حسب تفاوت تلك المراتب، فصاحب عمل كُلِّ مرتبة محدود بحدودها، وحينئذ فلا شكّ أنّ كُلَّ واحد من شهداء الطَّفِّ، وإنْ بلغ الغاية في الجهاد وأدّى حقّ النّصيحة، لكنّ ( شهيد العلقمي ) لمـّا كانت بصيرته أنفذ، وعلمه أوفر، وإيمانه أثبت، كان مداه أبعد، وغايته أسمى، وحدوده أوسع؛ ولذلك خاطبه الصادقعليهالسلام
بهذا الخطاب، وخصّه بالمبالغة في التضحية، فكان هذا كفضيلة مخصوصة به؛ لأنّ هاتيك المراتب الراقية لم توجد في غيره.
ولعلّ من ناحية هذه المراتب الثلاث ثبت لهعليهالسلام
حقٌّ في الدِّين، وحقٌّ على الاُمّة، وحرمةٌ لا تُنكر، فاستحقّ أنْ يُخاطبه الإمامعليهالسلام
في سلام الإذن بقوله:« لَعنَ اللّهُ مَنْ جَهلَ حَقّكَ، واسْتَخفَّ بحُرمَتِكَ »
.
____________________
وهناك درجة أربى وأربع أشار إليها الصادقعليهالسلام
بقوله:« ورَفَعَ ذكْرَكَ في عِلِّيِّينْ »
.
فإنّ ( حامى الشريعة ) لمْ يبرح مواصلاً في الخدمات حتّى أقبل إلى اللّه تعالى مُتلفّعاً بدم الشّهادة، شهادة صكٍّ نَبؤها مسامع الملكوت حتّى أشرأب له هنالك من أنبياءَ ومُرسَلين، وحُججٍ معصومين، وملائكة مُقرّبين، وحورٍ وولدان، وأرواح مُقدّسة، ومُقدّساتٍ زاكياتٍ طيِّباتٍ، فلمْ يلقَعليهالسلام
في صعوده إليهم إلاّ ثغوراً باسمةً ووجوهاً مُستبشرةً، وايذاناً له بالبشرى الخالدة ونعيمَ الأبد؛ فطفق يرفل بين ذلك الجيل القُدسي، الزّاهر بنور العصمةِ ورونقِ العلم، وهيبةِ العظمة وسماتِ الجلالة، وشاراتِ النّزاهة وبهجةِ العطفِ الإلهي، وبهاءِ النّظر إلى الجلال السّرمدي، والاتّصالِ بالرّضوان الأكبر، وعليه اُبّهةُ الولاء وجلالةُ الطّاعة، وبلجُ التضحية وزُلفى المفادات، وزهو العلمِ والعملِ، ولذكره في ذلك المـُنتدى الرهيب رفعةٌ ومنعةٌ، وإليه يُشير الإمام الصادقعليهالسلام
في لفظ الزيارة:« ورَفَعَ ذكْرَكَ في عِلِّيِّينْ »
.
فإنّ الغرضَ من هذا التعبير ليس إلاّ ما شرحناه، لا مجرّد صعود ذكرهِ الطيّب إلى ذلك الملأ الأرفع، شأن كُلِّ صالح في عالم الوجود، لكنّ الشأن كُلَّه أنْ يكون [ لذكره المجيد ]
هنالك بذخٌ وإكبارٌ، فيرمقه كُلُّ طرفٍ بنظر الإجلال، ويسمع الهتافَ به بإذنِ التقدير، وتنعقد الضمائر على تقديسه، ولو أراد الإمامعليهالسلام
مُجرّد ذكره إلى ذلك العالم القدسي، لقال في الخطاب: ورفع ذكرَك إلى
____________________
علِّيِّين، ولكنْ حيث إنّه أراد رفع الذكر بين أفراد اُولئك الذين أختصّ محلّهم فيه، جاء بفاء الظرفيّة، فقال:« في علِّيِّين »
.
وأمّا قولهعليهالسلام
في الزيارة التي رواها المجلسي في مزار البحار ص١٦٥، عن مزار الشيخ المفيد وابن المشهدي:« لعَنَ اللّهُ اُمّةً استحلَّتْ منكَ المحارِمَ، وانْتهكتْ فيك حُرمةَ الإسلامِ »
. فيرشدنا إلى مكانة سامية لأبي الفضل تصعد به إلى فوق مرتبة العصمة؛ فإنّا لم نجد مثل هذا الخطاب في أيِّ واحد من الشُّهداء، مع بلوغهم أعلى مرتبة الفضل التي لم يحزها أيُّ شهيد غيرهم، حتّى استحقّوا أنْ يخاطبهم الإمامعليهالسلام
في زيارة النّصف من رجب بقوله:« السّلامُ عليكُمْ يا مَهديُّون، السّلامُ عليكُمْ يا طاهرونَ مِنَ الدَّنَس »
. ويقول أيضاً:« طبتُمْ وطابَتْ الأرضُ الّتِي فيها دُفنْتُمْ »
.
بل لم يخاطب بمثل ذلك عليّاً الأكبر الذي لا شكّ في عصمته، ومنه يظهر أنّ للعبّاس منزلة ومقاماً يُشارف مقام الحُجج المعصومينعليهمالسلام
، تُناط به حرمةُ الإسلام كما تُناط بهم صلوات اللّه عليهم، وإنّها تُنتَهك بمثله كما تُنتَهك بمثلهمعليهمالسلام
، وهذا مقام فوق العصمة المرجوّة له.
____________________
العبّاس في نظر الأئمّةعليهمالسلام
:
إنّي لا أحسب القارئ في حاجةٍ إلى الإفاضة في هذه الغاية بعد ما أوقفناه على مكانة أبي الفضلعليهالسلام
من العلم والتّقى، والملكات الفاضلة؛ من إباء وشمم، وتضحية في سبيل الهدى، وتهالك في العبادة؛ فإنّ أئمّة الهدى من أهل البيتعليهمالسلام
يُقدّرون لمَن هو دونه في تلكم الأحوال فضله، فكيف به وهو من لُحمتهم وفرعِ أرومتهم، وغصن باسق في دوحتهم؟! وقد أثبت له الإمام السّجادعليهالسلام
منزلة كبرى لم يَنلها غيره من الشُّهداء، ساوى بها عمّه الطيّار، فقالعليهالسلام
:
« رحمَ اللّهُ عمِّي العبّاسَ بنَ عليٍّ، فلقد آثرَ وأبلَى، وفدَى أخاه بنفسِهِ حتّى قُطِعتْ يَداهُ، فأبدلَهُ اللّهُ عزّ وجل جناحينِ يطيرُ بهمَا مع الملائكةِ في الجنّةِ، كما جعلَ لجعْفرِ بنِ أبي طالبٍ. إنّ للعبّاسِ عندَ اللّهِ تباركَ وتعالى منزلةً يَغبطُهُ عليها جميعُ الشُّهداءِ يومَ القيامةِ »
.
ولفظ ( الجميع ) يشمل مثل حمزة وجعفر الشاهدين للأنبياء بالتبليغ وأداء الرسالة، وقد نفى البُعد عنه العلاّمة المـُحقّق المـُتبحّر في الكبريت الأحمر ص٤٧ ج٣.
____________________
ولعلّ ما جاء في زيارة الشُّهداء يشهد له:« السّلامُ عليكُمْ أيُّها الرَّبّانيّونَ، أنتُمْ لنا فرطٌ وسَلفٌ ونحنُ لكُمْ أتباعٌ وأنصارٌ، أنتُمْ سادةُ الشُّهداءِ في الدُّنيا والآخرةِ »
. وكذلك قولهعليهالسلام
فيهم: إنّهم لم يسبقهم سابقٌ، ولا يلحقهم لاحقٌ. فقد أثبت لهم السّيادة على جميع الشُّهداء، أنّهم لم يسبقهم ولا يلحقهم أيُّ أحدٍ، وأبو الفضل في جملتهم بهذا التفضيل، وقد انفرد عنهم بما أثبته له الإمام السّجادعليهالسلام
من المنزلة التي لم تكن لأيِّ شهيد.
ولهذه الغايات الثمينة والمراتب العُليا؛ كان أهلُ البيتعليهمالسلام
يُدخلونه في أعالي اُمورهم ما لا يتدخّل فيه إنسانٌ عادي، فمِن ذلك: مُشاطرتُه الحسينَعليهالسلام
في غسل الحسنعليهالسلام
.
وأنتَ بعد ما علمت مرتبة الإمامة، وموقف صاحبها من العظمة، وأنّه لا يلي أمره إلاّ إمامٌ مثله، فلا ندحة لك إلاّ الإيمان بأنّ مَن له أيّ تدخل في ذلك - بالخدمة من جلب الماء وما يقتضيه الحال - [ هو ] أعظم رجلٍ في العالم بعد أئمّة الدِّينعليهمالسلام
؛ فإنّ جثمان المعصومعليهالسلام
عند سيره إلى المبدأ الأعلى - تقدّست أسماؤه - لا يُمكن أنْ يقربَ أو ينظر إليه مَن تقاعس عن تلك المرتبة؛ إذ هو مقامُ قابَ قوسين أو
____________________
أدنى، ذلك الذي لم يطق الروح الأمين أنْ يصل إليه حتّى تقهقر، وغاب النّبيُّ الأقدس في سبحات الملكوت والجلال وحدهُ إلى أنْ وقف الموقف الرهيب. وهكذا خلفاء النّبيِّصلىاللهعليهوآله
المشاركون له في المآثر كُلِّها ما خلا النّبوَّة والأزواج
، ومنه حال انقطاعهم عن عالَم الوجود بانتهاء أمد الفيض المـُقدّس.
وممّا يشهد له أنّ الفضل بن العبّاس بن عبد المـُطّلب كان يحمل الماء عند تغسيل النّبيِّصلىاللهعليهوآله
، معاوناً لأمير المؤمنينعليهالسلام
على غسله، ولكنّه عصبَ عينيه؛ خشية العمَى إنْ وقع نظرُهُ على ذلك الجسد الطّاهر.
ومثله ما جاء في الأثر عن الإشراف على ضريح رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
؛ حذراً أنْ يرى النّاظر شيئاً فيعمى
، وقد اشتهر ذلك بين أهل المدينة، فكان إذا سقط في الضريح شيءٌ أنزلوا صبيّاً وشدّوا عينيه بعصابة فيخرجه.
وهذه أسرار لا تصل إليها أفكار البشر، وليس لنا إلاّ التسليم على الجملة، ولا سبيل لنا إلى الإنكار بمجرّد بُعدنا عن إدراك مثلها، خصوصاً بعد استفاضة النّقل في أنّ للنّبيِّصلىاللهعليهوآله
والأئمّةعليهمالسلام
بعد وفاتهم أحوالاً غريبةً ليس لسائر الخلق معهم شركة، كحرمة
____________________
لحومهم على الأرض، وصعود أجسادهم إلى السّماء، ورؤية بعضهم بعضاً، وإحيائهم الأموات منهم بالأجساد الأصليّة عند الاقتضاء؛ إذ لا يمنع العقل منه مع دلالة النّقل الكثير عليه واعتراف الأصحاب به
، فيصار التحصّل: إنّ الحواس الظاهرة العاديّة لا تتحمّل مثل تلك الأمثلة القُدسية - وهي في حال صعودها إلى سبحات القُدس - إلاّ نفوس المعصومينعليهمالسلام
بعضها مع بعض دون غيرهم، مهما بلغ من الخشوع والطاعة.
لكنّ ( عباس المعرفة ) الذي منحه الإمامعليهالسلام
في الزيارة أسمى صفة حظي بها الأنبياء والمقرّبونعليهمالسلام
، وهي: ( العبد الصالح ) تسنّى له التوصّل إلى ذلك المحل الأقدس من دون أنْ يُذكر له تعصيبُ عينٍ أو إغضاءُ طرفٍ، فشارك السّبط الشهيدعليهالسلام
، والرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله
، ووصيه
____________________
المـُقدّم مع الروح الأمينعليهالسلام
، وجملةَ الملائكة في غسل الإمام المجتبى الحسن السّبط صلوات اللّه عليهم أجمعين
. وهذه هي المنزلة الكبرى التي لا يحظى بها إلاّ ذَوو النّفوس القُدسيّة من الحُجج المعصومينعليهمالسلام
، ولا غرو إنْ غبط أبا الفضل الصّدِّيقون والشُّهداء الصالحون.
وإذا قرأنا قول الحسين للعبّاسعليهماالسلام
، لمـّا زحف القوم على مخيّمه عشيّة التاسع من المـُحرّم:« اركَبْ بنفسِي أنتَ يا أخي حتّى تَلقاهُمْ... وتسألَهُمْ عمّا جاءَ بِهم »
. فاستقبلهم العبّاس في عشرين فارساً، فيهم حبيب وزهير، وسألهم عن ذلك، فقالوا: إنّ الأمير يأمر إمّا النّزول على حكمه أو المـُنازلة.
فأخبر الحسينَعليهالسلام
، فأرجعه ليُرجئهم إلى غد
.
____________________
فإنّك ترى الفكر يسفُّ عن مدى هذه الكلمة، وأنّى له أنْ يُحلّق إلى ذروة الحقيقة من ذاتٍ مُطهّرة تفتدى بنفس الإمامعليهالسلام
علّة الكائنات، وهو الصادرُ الأوّل، والمـُمكنُ الأشرف، والفيض الأقدس للمُمكنات:« بكُمْ فتَحَ اللّهُ وبكُمْ يَخْتمُ »
.
نعم، عرفها البصير النّاقد بعد أنْ جرّبها بمحكِّ النّزاهة، فوجدها غير مشوبة بغير جنسها، ثُمّ أطلق تلك الكلمة الذهبيّة الثمينة ( ولا يعرف الفضلَ إلاّ أهلُهُ ).
ولا يذهب بك الظنّ - أيّها القارئ الفطن - إلى عدم الأهمّيّة في هذه الكلمة بعد القول في زيارة الشُّهداء من زيارة وارث:« بأبي أنتُمْ واُمِّي! طُبتُمْ وطابتْ الأرضُ الّتِي فيهَا دُفنتُمْ »
. فإنّ الإمامعليهالسلام
في هذه الزيارة لم يكن هو المخاطِب لهم، وإنّما هوعليهالسلام
في مقام تعليم صفوان الجمّال عند زيارتهم أنْ يُخاطبهم بذلك الخطاب؛ فإنّ الرواية جاءت - كما في مصباح المتهجّد للشيخ الطوسي - أنّ صفوان قال: استأذنتُ الصادقَعليهالسلام
لزيارة الحسينعليهالسلام
وسألتُهُ أنْ يُعرّفني ما أعمل عليه.
فقالعليهالسلام
له:« يا صفوان، صُمْ قبل خروجِكَ ثلاثةَ أيّام... ».
إلى أنْ
____________________
قال:« ثُمّ إذا أتيتَ الحائرَ، فقُلْ: اللّهُ أكبرُ كبيراً »
. ثُمّ ساق الزيارة إلى أنْ قال:« ثُمّ اخرُجْ مِنْ البابِ الذي يلي رجْلَي عليِّ بنِ الحُسينِ، وتوجّه إلى الشُّهداءِ، وقُلْ: السّلامُ عليكُمْ يا أولياءَ اللّهِ... »
إلى آخره.
فالصادقعليهالسلام
في مقام تعليم صفوان أنْ يقول في السّلام على الشُّهداء ذلك، وليس في الرواية ما يدلّ على أنّ الصادقعليهالسلام
ماذا يقول لو أراد السّلام عليهم.
وهنا ظاهرةٌ اُخرى دلّت على منزلة كُبرى للعبّاس عند سيّد الشُّهداءعليهالسلام
؛ ذلك أنّ الإمام الشهيدعليهالسلام
لمـّا اجتمع بعمر بن سعد ليلاً وسط العسكرين؛ لإرشاده إلى سبيل الحقِّ، وتعريفه طغيان ابن ميسون، وتذكيره بقول الرسولصلىاللهعليهوآله
في حقِّه، أمرعليهالسلام
مَن كان معه بالتنحّي إلاّ العبّاس وابنه علياً، وهكذا صنع ابن سعد، فبقي معه ابنه وغلامه.
وأنت تعلم أنّ ميزة أبي الفضل على الصحب الأكارم، وسروات المجدِ من آل الرسولصلىاللهعليهوآله
الذين شهد لهم الحسينعليهالسلام
باليقين والصدق في النّيّة والوفاء
، غير أنّهعليهالسلام
أراد أنْ يوعز إلى الملأ من بعده ما لأبي الفضل وعلي الأكبر من الصفات التي لا تحدّها العقول.
ومن هذا الباب، لمـّا خطب يوم العاشر، وعلا صراخ النّساء وعويل الأطفال حتّى كان بمسامع الحسينعليهالسلام
، وهو ماثل أمام العسكر، أمر أخاه العبّاس أنْ يُسكتهنَّ؛ حذار شماتة القوم إذا سمعوا ذلك العويل، وغيرةً على نواميس حرم النّبوَّة أنْ يسمع أصواتهنّ الأجانب.
____________________
ولو رمتَ تحليلاً لتأخّر شهادة العبّاس عن جميع الشُّهداء، وهو حامل تلك النّفس النّزّاعة إلى المفادات والتهلكة دون الدِّين، فلا يمكنه حينئذ التأخّر آناً ما، فكيف بطيلة تلك المدّة، وبمرأى منه مصارعُ آل اللّه ونشيج الفواطم، وإقبال الشرّ من جميع نواحيه، واضطهاد حجّة الوقت بما يراه من المناظر الشبحية؛ والواحدة من ذلك لا تترك ( لحامل اللواء ) مساغاً عن أخذ الترات آناً ما.
لكنْ أهميّة موقفه عند أخيه السّبطعليهالسلام
هو الذي أرجأ تأخيره عن الإقدام؛ فإنّ سيّد الشُّهداءعليهالسلام
يعدّ بقاءه من ذخائر الإمامة، وأنّ موتته تفتّ في العضد، فيقول له:« إذا مَضيْتَ تفرّقَ عَسْكرِي »
. حتّى إنّه في السّاعة الأخيرة لم يأذنْ له إلاّ بعد أخذٍ وردٍّ.
وإنّ حديث ( الإيقاد ) لسيّدنا المتتبّع الحجّة السيّد محمّد علي الشاه عبد العظيمقدسسره
يوقفنا على مرتبة تُضاهي مرتبة المعصومينعليهمالسلام
؛ ذلك لمـّا حضر السجّادعليهالسلام
لدفن الأجساد الطاهرة، ترك مساغاً لبني أسد في نقل الجثث الزواكي إلى محلِّها الأخير، عدى جسد الحسين وجثّة عمّه العبّاسعليهماالسلام
، فتولّى وحده إنزالهما إلى مقرّهما، أو اصعادهما إلى حضيرة القدس، وقال:« إنّ مَعِي مَنْ يُعينُنِي »
.
أمّا الإمامعليهالسلام
فالأمر فيه واضح؛ لأنّه لا يلي أمرَه إلاّ إمامٌ مثلُه، ولكنْ الأمر الذي لا نكاد نصل إلى حقيقته وكنهه، فعله بعمِّه الصدّيق الشهيد مثل ما فعل بأبيه الوصيِّعليهماالسلام
، وليس ذلك إلاّ لأنّ ذلك الهيكل المـُطهّر لا يمسّهُ إلاّ ذواتٌ طاهرة في ساعة هي أقرب حالاته إلى المولى سبحانه، ولا يدنو منه مَنْ ليس مِن أهل ذلك المحلّ الأرفع.
ولم تزل هذه العظمة محفوظةً له عند أهل البيتعليهمالسلام
دنياً وآخرة، حتّى إنّ الصّدِّيقة الزَّهراء سلام اللّه عليها لا تبتدأ بالشكاية بأيِّ ظُلامةٍ من ظُلامات آل محمّدصلىاللهعليهوآله
- وهي لا تُحصى - إلاّ بكفَّي أبي الفضل المقطوعتين، كما في الأسرار ص٣٢٥، وجواهر الإيقان ص١٩٤، وقد ادَّخرتهما [ ليكونا ] مِن أهم أسباب الشّفاعة يوم يقوم النّاس لربِّ العالمين.
العصمة:
إنّ مِنَ المـُمكنَ جدّاً وليس بمحال على اللّه تعالى، أنْ يُنشىء كياناً لا تقترب منه العيوب، أو يخلق إنساناً لا يقترف الذنوب، ولقد أوجد جلّ شأنه ذواتاً مُقدّسةً، ونفوساً طاهرةً، وجبت فيهم العصمة من الآثام، وتنزّهوا عن كُلِّ رجس:(
إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً
)
. وقد اتَّفق أرباب الحديث والتراجم على حصر هؤلاء المـُنزّهين بالخمسة أصحاب الكساء، وهُمْ: محمّدٌ وعليٌّ، وفاطمةُ، والحسنُ والحسينُعليهمالسلام
.
ثُمّ أثبت أصحاب السّيرة ما يُضحك الثكلى ويلحق بالخرافات، فكان للغيرِ مجالُ الطعن والمناقشة، ذكروا أنّ النّبيصلىاللهعليهوآله
لمـّا بلغ من العمر سنتين، وكان خلف البيوت عند بني سعد مع أترابٍ له، أتاه رجلان عليهما ثيابٌ بيض، مع أحدهما طست من ذهب مملوء ثلجاً، فشقّا بطنه وقلبه، واستخرجا منه علقة سوداء هي مغمز الشيطان!
وطربوا لذلك؛ حيث إنّ اللّه بلطفه وكرمه قدّس نبيّه الكريم من هذه العلقة! ولكن ما أدري لماذا صنع به هذه العملية الدامية وهو طفلٌ صغير لا يقوى على تحمّل الآلام ومعانات الجروح الدامية؟! ألم
____________________
يكُنْ في وسع القدرة الإلهيّة إيجاد ذات مقدّسة طاهرة من الأرجاس حتّى عن هذه العلقة المـُفسّرة بمغمز الشيطان؟! كيف لا وقد خلقه اللّه من نور قدسه، وبرّأه من جلال عظمته، واصطفاه من بين رسله، وفضّله على العالمين!
وفي الحديث عنهصلىاللهعليهوآله
:« إنّ اللّهَ خلَقني مِنْ صفوةِ نورِهِ، ودعانِي فأطعتهُ »
. وحينئذ فهل يُتصور نقصٌ في النّور الأقدس؟! تعالى اللّه عن ذلك علوّاً كبيراً.
تِلكَ نَفسٌ عَزّتْ عَلى اللّهِ قَدْراً
|
|
فارتَضاهَا لِنفسهِ واصْطفَاهَا
|
حَازَ مِنْ جَوْهَرِ التَّقدّسِ ذَاتَاً
|
|
تاهتِ الأنبياءُ فِي مَعناهَا
|
لا تَجلْ فِي صِفاتِ أحمدَ فِكَراً
|
|
فَهي الصُّورةُ الّتي لَنْ تَراهَا
|
وأغرب من ذلك جواب السّبكي عن هذه المشكلة: بأنّ اللّه أراد أنْ يخلق نبيّه - أوّلاً - كاملاً لا نقصان فيه عن سائر النّاس حتّى في مثل هذه العلقة؛ لكونها من الأجزاء، ثُمّ بعد ذلك طهّره منها! والعجب عدّ هذه العلقة من أجزاء بدن الإنسان التي يُوجب فقدُها نقصانَ الخلقة، وقد تنزّه عنها جلال النّبوَّة! على أنّه أثبت ولادة النّبيِّصلىاللهعليهوآله
مختوناً، وهذا أظهر في النّقصان عمّا وجد عليه البشر من العلقة؛ لكونها غير مرئية.
وجواب الحلبي في السّيرة ج١ ص١١٥ بأنّه إنّما وُلد مختوناً لئلاّ يطّلع عليه المَحْرَم وتنكشف عورتُهُ، لا يرفع إشكال النّقصان عمّا عليه النّاس.
وكيف كان فقد ثبت إمكان أنْ يخلق اللّه تعالى ذواتاً مقدّسة، مُنزّهة عن الأرجاس، معصومة عن الخطأ، وقد يجب ذلك كما في الهداة المعصومينعليهمالسلام
؛ لكي يهدي بهم النّاس
.
____________________
وأمّا في غيرهم من الأطهار فلا يجب، ولكنّه غير ممتنع؛ فمِن المـُمكن أنْ يمنحَ الباري سبحانه أفذاذاً من البشر فيكونوا قدوةً لمَن هم دونهم، وتكون بهم الاُسوة في عمل الصالحات، وإنْ كان في مرتبة نازلة عن منزلة الأنبياء المعصومينعليهمالسلام
؛ فإنّهم وإنْ بلغوا بسبب التفكير والذكر المتواصل، والتصفية والرياضة إلى حيث لا يُبارحون طريق الطاعة، ولا يسلكون إلى المعصية طريقاً، لكنّهم في حاجة إلى مَن يسلك بهم السّبيل الواضح، ويُميّز لهم موارد الطَّاعة وموادّها عن مساقط العصيان والتهلكة، بخلاف الحُججِ المـُقيَّضين لإنقاذ البشر، المعنيّون بالعصمة ها هنا.
فمَن كانت عصمتُهُ واجبةً - كما في المعصومينعليهمالسلام
- سُمّيت عصمته استكفائية؛ لأنّه لا يحتاج في سلوكه إلى الغير، لكونه في غنىً عن أيّ حجّة؛ لتوفّر ما اُفيض عليهم من العلم والبصائر، ومَن لم تكنْ فيه العصمة واجبة، وكان مُحتاجاً إلى غيره في سلوكه وطاعته، سُمّيت عصمته غير استكفائية، على تفاوتٍ في مراتبهم من حيث المعرفة والعلم واليقين.
وحينئذ ليس من البدع إذا قلنا: إنّ ( قمر بني هاشم ) كان مُتحلِّياً بهذه الحلية، بعد أنْ يكون مُصاغاً من نور القداسة الذي لا يمازجه أيُّ شين، وعلى هذا كان معتقد شيخ الطَّائفة وإمامها
الحجّة الشيخ محمّد طه نجفقدسسره
؛ فإنّه قال بترجمة العبّاس من كتاب (إتقان المقال) ص٧٥: هو أجلّ من أنْ يُذكر في المقام، بل المناسب أنْ يُذكر عند ذكر أهل بيته المعصومين عليه وعليهم أفضل التحية والسّلام.
فتراه لم يقلْ عند ذكر رجالات أهل بيته الأعاظم، بل أثبت المعصومينعليهمالسلام
منهم، وليس هذا العدول إلاّ لأنّه يرتأي أنْ يجعله في صفِّهم، ويعدُّه منهم.
وتابعه على ذلك العلاّمة ميرزا محمّد علي الاُوردبادي، فقال من قصيدته المـُتقدّمة:
أجلَّ عبّاسَ الكِتَابُ والهُدَى
|
|
والعِلْمُ والدَّينُ وأصحَابُ العَبا
|
عَنْ أنْ يطِيشَ سَهمُهُ فَينثَنِي
|
|
والإثمُ قَد أثقَلَ مِنهُ مَنْكِبَا
|
لم نَشتَرِط فِي ابنِ النّبيِّ عُصمةً
|
|
ولا نَقولُ إنّه قَد أذْنَبَا
|
وَلا أَقولُ غَيرَ مَا قَالَ بِهِ
|
|
( طَه الإمامُ ) فِي الرِّجَالِ النُّجبَا
|
فَالفِعْلُ مِنهُ حُجّةٌ كَقولِهِ
|
|
فِي الكُلِّ يَروِي عَن ذَويِهِ النُّقَبَا
|
وهذه النّظرية في أبي الفضل لم ينكرها عالمٌ من علماء الشيعة نعرفه بالثقافة العلميّة، والتقدّم بالأفكار النّاضجة، وقد استضأنا من اُرجوزة آية اللّه الحجّة الشيخ محمّد حسين الأصفهانيرحمهالله
، التي ستقرأها في فصل المديح، حقائقَ راهنة وكرائمَ نفيسة سمت بأبي الفضل إلى أوج العظمة، وأخذت به إلى حظائر القدس، وصعدت به إلى أعلى مرتبة من العصمّة.
وممّا يزيدنا بصيرة في عصمته، ما ذكرناه سابقاً في شرح قول الصادقعليهالسلام
:« لَعنَ اللّهُ اُمّةً استحلَّتْ منكَ المَحارمَ، وانْتَهكَتْ في قتلِكَ حُرمةَ الإسلامِ »
.
فإنّ حُرمة الإسلام لا تُنتهك بقتل أيِّ مسلم مهما كان عظيماً، ومهما كان أثره في الإسلام مشكوراً، إلاّ أنْ يكون هو الإمام المعصومعليهالسلام
، فلو لم يبلغ العبّاس المراتب السّماوية في العلم والعمل لمقام أهل البيتعليهمالسلام
لما استحقّ هذا الخطاب، وهذا معنى العصمة؛ نعم، هي غير واجبة.
وممّا يستأنس منه العصمة له ما تقدّم من قول السجّادعليهالسلام
:« وإنّ لعمّي العبّاسِ منزلةً يغبطُهُ عليها جميعُ الشُّهداء يومَ القيامة »
. ويدخل في عموم لفظ الشُّهداء صريحة بيت الوحي ( أبو الحسن علي الأكبر ) الذي أفضنا القول في عصمته.
وإذا كان العبّاس غير معصوم، كيف يغبطه المعصومعليهالسلام
على ما اُعطي من رفعة ومقام عالي؛ لأنّ المعصوم لا يغبط غيره؟! فلا بدّ أن للعبّاس أعلى مرتبة من العصمة كما عرفت، ومن هنا غبط منزلته التي اُعدّت له جميع الشُّهداء حتّى مَن كان معصوماً كعلي الأكبر وأمثاله، غير الأئمة صلوات اللّه عليهم أجمعين.
____________________
الكرامات:
من سُنن اللّه الجارية في أوليائه:(
ولَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً
)
إكرامهم بإظهار ما لهم من الكرامة عليه والزلفى منه، وذلك غير ما ادّخره لهم من المثوبات الجزيلة في الآجلة؛ تقديراً لعملهم، وإصحاراً بحقيقة أمرهم ومبلغ نفوسهم من القوّة، وحثّاً للملأ على اقتفاء آثارهم في الطاعة.
ومهما كان العبد يخفي الصالحات من أعماله فالمولى سبحانه يراغم ذلك الإخفاء بإشهار فضله، كما يقتضيه لطفه الشامل ورحمته الواسعة وبرّه المتواصل، وأنّه - جلّت آلاؤه - يُظهر الجميل من أفعال العباد، ويزوي القبيح؛ رأفة منه وحناناً عليهم.
ومن هذا الباب ما نجده على مشاهد المـُقرّبين وقباب المـُستشهَدين في سبيل طاعته؛ من آثار العظمة، وآيات الجلالة، من إنجاح المـُتوسّل بهم إليه تعالى شأنه، وإجابة الدعوات تحت قبابهم المـُقدّسة، وإزالة المثُلات ببركاتهم، وتتأكّد الحالة إذا كان المشهد لأحد رجالات البيت النّبويِّ؛ لأنّه جلّت حكمته ذرأ العالمين لأجلهم، ولأنْ يعرفوا مكانتهم، فيحتذوا أمثالهم في الأحكام والأخلاق، فكان من المـُحتّم في باب لطفه وكرمه - عظمت نعمُهُ - أنْ يصحرَ النّاس بفضلهم الظاهر.
____________________
ومن سادات ذلك البيت الطاهر، الذي أذن اللّه أنْ يُرفع فيه اسمه، أبو الفضل العبّاس، فإنّه في الطليعة من اُولئك السّادات، وقد بذل في اللّه ما عزّ لديه وهان حتّى اتّصلت النّوبة إلى نفسه الكريمة التي لفظها نصب عينه - عزّ ذكره -، فأجرى سنَّته الجارية في الصدِّيقين فيه بأجلى مظاهره؛ ولذلك تجد مشهده المـُقدّس في آناء الليل وأطراف النّهار مزدلف أرباب الحوائج؛ من عافٍ يستمنحه برَّه، إلى عليلٍ يتطلّب عافيته، إلى مُضطَهدٍ يتحرّى كشف ما به من غمٍّ، إلى خائفٍ ينضوي إلى حمى أمنه، إلى أنواع من أهل المقاصد المتنوّعة، فينكفأ ثلج الفؤاد بنُجح طلبته، قرير العين بكفاية أمره إلى مُتنجّز بإعطاء سؤله، كلّ هذا ليس على اللّه بعزيز، ولا من المـُقرّبين من عباده ببعيد.
ولكثرة كراماته وآيات مرقده التي لا يأتي عليها الحصر، نذكر بعضاً منها تيمّناً؛ ولئلاّ يخلو الكتاب منها، وتعريفاً للقرَّاء بما جاد به قطبُ السّخاء على مَن لاذ به واستجار بتربته:
الاُولى:
ما يُحدّث به الشيخ الجليل العلاّمة المتبحّر الشيخ عبد الرحيم التستري، المـُتوفّى سنة ١٣١٣ هـ، من تلامذة الشيخ الأنصاري أعلى اللّه مقامه، قال:
زرتُ الإمام الشهيد أبا عبد اللّه الحسينعليهالسلام
، ثُمّ قصدت أبا الفضل العبّاسعليهالسلام
، وبينا أنا في الحرم الأقدس إذ رأيتُ زائراً من الأعراب ومعه غلامٌ مشلولٌ، وربطه بالشباك، وتوسّل به وتضرّع، وإذا الغلام قد نهض وليس به علّة، وهو يصيح: شافاني العبّاس. فاجتمع النّاس عليه، وخرّقوا ثيابه للتبرّك به.
فلمـّا أبصرت هذا بعيني، تقدّمت نحو الشباك وعاتبته عتاباً مُقذعاً، وقلت: يغتنم ( المعيدي ) الجاهل منك المـُنى وينكفأ مسروراً، وأنا مع ما أحمله من العلم والمعرفة فيك، والتأدّب في المثول أمامك، أرجع خائباً لا تقضي حاجتي؟! فلا أزورك بعد هذا أبداً. ثُمّ راجعتني نفسي، وتنبّهت لجافّي عتبي، فاستغفرت ربي سبحانه ممّا أسأت مع ( عباس اليقين والهداية ).
ولمـّا عُدت إلى النّجف الأشرف، أتاني الشيخ المرتضى الأنصاري، قدّس اللّه روحه الزاكية، وأخرج صرّتين، وقال: هذا ما طلبته من أبي الفضل العبّاس، اشتري داراً، وحجّ البيت الحرام، ولأجلهما كان توسّلي بأبي الفضل
.
ومَا عَجِبتُ مِنْ أبي الفَضلِ كَما
|
|
عَجبتُ مِنْ اُستَاذِنَا إذ عَلما
|
لأنّ شِبلَ المـُرتَضى لَمْ يَغربِ
|
|
إذا أتى بمُعجِزٍ أو مُعْجَبِ
|
بِكُلِّ يَومٍ بَلْ بِكُلِّ سَاعهْ
|
|
لَمَن أتَاهُ قَاصِداً رِبَاعَهْ
|
وهُوَ مِن الشَّيخِ عَجِيبٌ بَيّنْ
|
|
لكنَّ نُورَ اللّهِ يَرنُو المـُؤمِنْ
|
الثانية:
ما في أسرار الشهادة ص٣٢٥، قال: حدّثني السيّد الأجل، العلاّمة الخبير، السيّد أحمد ابن الحُجّة المـُتتبّع السيّد نصر اللّه المـُدرّس الحائري، قال: بينا أنا في جمع من الخُدّام في صحن أبي الفضلعليهالسلام
، إذ رأينا رجلاً خارجاً من الحرم مُسرعاً، واضعاً يده على أصل خنصره والدَّم يسيل منه، فأوقفناه نتعرّف خبره،
____________________
فأعلمنا بأنّ العبّاس قطعه، فرجعنا إلى الحرم فإذا الخنصر معلّق بالشباك ولم يقطر منه دمٌ، كأنّه قُطع من ميّت، ومات الرجل من الغد؛ وذلك لصدور إهانة منه في الحرم المـُقدّس.
الثالثة:
ما حدّثني به العلاّمة البارع الشيخ حسن دخيل حفظه اللّه عمّا شاهده بنفسه في حرم أبي الفضلعليهالسلام
، قال: زرت الحسينعليهالسلام
في غير أيّام الزيارة، وذلك في أواخر أيّام الدولة العثمانيّة في العراق، في فصل الصّيف، وبعد أنْ فرغت من زيارة الحسينعليهالسلام
توجّهت إلى زيارة العبّاسعليهالسلام
قرب الزوال، فلم أجد في الصحن الشريف والحرم المـُطهّر أحداً، لحرارة الهواء، غير رجل من الخَدَمة واقف عند الباب الأوّل، يُقدّر عمره بالسّتّين سنة، كأنّه مراقبٌ للحرم، وبعد أنْ زرتُ صلّيت الظهر والعصر، ثُمّ جلست عند الرأس المـُقدّس مُفكِّراً في الاُبّهة والعظمة التي نالها قمر بني هاشم عن تلك التضحية الشريفة.
وبينا أنا في هذا إذ رأيت امرأة مُحجّبة من القرن إلى القدم، عليها آثار الجلالة، وخلفها غلام يُقدّر بالسّتّة عشر سنة بزيِّ أشراف الأكراد، جميل الصورة، فطافت بالقبر والولد تابع، ثُمّ دخل بعدهما رجل طويل القامة، أبيض اللون مُشرباً بحمرة، ذو لحيةٍ، شعره أشقر يُخالطه شعرات بيض، جميل البزّة، كردي اللباس والزَّيِّ، فلم يأت بما تصنعه الشيعة من الزيارة أو السُّنّة من الفاتحة، فاستدبر القبر المـُطهّر، وأخذ ينظر إلى السّيوف والخناجر والدرق المـُعلّقة في الحضرة، غير مُكترثٍ بعظمة صاحب الحرم المنيع، فتعجّبتُ منه أشدّ العجب، ولم أعرف الملّة التي ينتحلها، غير أنّي اعتقدت أنّه من مُتعلّقي المرأة والولد،
وظهر لي من المرأة، عند وصولها في الطواف إلى جهة الرأس الشريف، التعجّب ممّا عليه الرجل من الغواية، ومن صبر أبي الفضلعليهالسلام
عنه، فما رأيت إلاّ ذلك الرجل الطويل القامة قد ارتفع عن الأرض، ولم أرَ مَن رفعه وضرب به الشباك المـُطهّر، وأخذ ينبح ويدور حول القبر وهو يقفز، فلا هو بملتصقٍ بالقبر ولا بمُبتعدٍ عنه، كأنّه مُتكهربٌ به، وقد تشنّجت أصابعُ يديه، وأحمرّ وجههُ حُمرةً شديدة، ثُمّ صار أزرقاً، وكانت عنده ساعة علّقها برقبته بزنجيل فضّة، فكُلّما يقفز تضرب بالقبر حتّى تكسّرت، وحيث إنّه أخرج يده من عباءته لم تسقط إلى الأرض؛ نعم، سقط الطرف الآخر إلى الأرض، وبتلك القفزات تخرّقت.
أمّا المرأة، فحينما شاهدت هذه الكرامة من أبي الفضلعليهالسلام
قبضت على الولد، وأسندت ظهرها إلى الجدار، وهي تتوسّل به بهذه اللهجة: ( أبو الفضل دخيلك أنا وولدي ).
فأدهشني هذا الحال، وبقيت واقفاً لا أدري ما أصنع، والرجل قويُّ البدن، وليس في الحرم أحدٌ يقبض عليه، فدار حول القبر مرّتين وهو ينبح ويقفز، فرأيت ذلك السيّد الخادم الذي كان واقفاً عند الباب الأوّل دخل الروضة الشريفة، فشاهد الحال فرجع، وسمعته يُنادي رجلاً اسمه جعفر - من السّادة الخُدّام في الروضة - فجاءا معاً، فقال السيّد الكبير لجعفر: اقبض على الطرف الآخر من الحزام - وكان طول الحزام يبلغ ثلاثة أذرع - فوقفا عند القبر حتّى إذا وصل إليهما وضعا الحزام في عنقه وأداراه عليه، فوقف طيِّعاً لكنّه ينبح، فأخرجاه من حرم العبّاس، وقالا للمرأة: اتبعينا إلى ( مشهد الحسين ).
فخرجوا جميعاً وأنا معهم، ولم يكنْ أحدٌ في
الصحن الشريف، فلمـّا صرنا في السّوق بين ( الحَرَمين ) تبعنا الواحد والاثنان من النّاس؛ لأنّ الرجل كان على حالته من النّبح والاضطراب، مكشوفَ الرأس، ثُمّ تكاثر النّاس.
فأدخلوه ( المشهد الحُسيني ) وربطوه بشباك ( علي الأكبر )، فهدأت حالته ونام، وقد عرق عَرقاً شديداً، فما مضى إلاّ ربع ساعة فإذا به قد انتبه مرعوباً، وهو يقول: أشهد أنْ لا إله إلاّ الله وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله، وأنّ أمير المؤمنين عليَّ بن أبي طالب خليفةُ رسول اللّه بلا فصل، وأنّ الخليفة من بعده ولده الحسنُ، ثُمّ أخوه الحسينُ، ثُمّ عليُّ بنُ الحسين. وعدّ الأئمّة إلى الحُجّة المهدي عجّل اللّه فرجه.
فسُئل عن ذلك، قال: إنّي رأيت رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
الآن وهو يقول لي:« اعتَرِفْ بهؤلاء وعدَّهُمْ عليَّ، وإنْ لمْ تفعلْ يُهلككَ العبّاسُ »
. فأنّا أشهد بهم وأتبرّأ من غيرهم.
ثُمّ سُئل عمّا شاهده هناك، فقال: بينا أنا في حرم العبّاس إذ رأيت رجلاً طويل القامة قَبض عليَّ، وقال لي: يا كلب إلى الآن بعدك على الضلال. ثُمّ ضرب بي القبر، ولم يزل يضربني بالعصا في قفاي وأنا أفرّ منه.
ثُمّ سألت المرأة عن قصّة الرجل، فقالت: إنّها شيعية من أهل بغداد، والرجل سُنّي من أهل السّليمانيّة ساكن في بغداد، مُتديّن بمذهبه، لا يعمل الفسوق والمعاصي، يُحب الخصال الحميدة، ويتنزّه عن الذميمة، وهو ( بندرجي تُتن )، وللمرأة أخوان حرفتهما بيع التُّتن، ومعاملتهما مع الرجل، فبلغ دَينُهُ عليهما مئتا ( ليرة عثمانية )، فاستقرّ رأيهما على بيع الدار منه والمهاجرة من بغداد،
فأحضراه في دارهما ( ظهراً )، وأطلعاه على رأيهما، وعرّفاه أنّه لم يكن دَين عليهما لغيره، فعندها أبدى من الشهامة شيئاً عجيباً، فأخرج الأوراق وخرّقها ثُمّ أحرقها، وطمأنهما على الإعانة مهما يحتاجان.
فطارا فرحاً، وأرادا مجازاته في الحال، فذاكرا المرأة على التزويج منه، فوجدا منه الرغبة فيه؛ لوقوفها على هذا الفضل مع ما فيه من التمسّك بالدِّين واجتناب الدَّنايا، وقد طلب منهما مراراً اختيار المرأة الصالحة له، فلمـّا ذكرا له ذلك زاد سروره، وانشرح صدره بحصول اُمنيته، فعقدا له من المرأة وتزوّج منها.
ولمـّا حصلت عنده، طلبت منه زيارة الكاظميَّينعليهماالسلام
إذ لم تزرهما مدّة كونها بلا زوج، فلم يجبها، مُدَّعياً أنّه من الخرافات، ولمـّا ظهر عليها الحمل سألته أنْ ينذر الزيارة إنْ رُزق ولداً، ففعل، ولمـّا جاءت بالولد طالبته بالزيارة، فقال: لا أفِ بالنّذر حتّى يبلغ الولد. فأيست المرأة، ولمـّا بلغ الولد السّنة الخامسة عشر طلب منها اختيار الزوجة، فأبت ما دام لم يفِ بالنّذر، فعندها وافقها على الزيارة مكرهاً، وطلبت من الجوادَينعليهماالسلام
الكرامة الباهرة ليعتقد بإمامتهما، فلم ترَ منهما ما يسرّها، بل أساءها سخريته واستهزاؤه.
ثُمّ ذهب الرجل بالمرأة والولد إلى العسكريَّينعليهماالسلام
وتوسّلت بهما، وذكرت قصة الرجل، فلم تشرق عليه أنوارهما، وزادت السّخرية منه، ولمـّا وصلا كربلاء قالت المرأة: نقدّم زيارة العبّاسعليهالسلام
، وإذا لم تظهر منه الكرامة، وهو أبو الفضل وباب الحوائج، لا أزور أخاه الشهيد، ولا أباه أمير المؤمنين، وارجع إلى بغداد. وقصّت على
أبي الفضل قصّة الرجل، وعرّفته حال الرجل وسخريته بالأئمّة الطاهرينعليهمالسلام
، وأنّها لا تزور أخاه ولا أباه إذا لم يتلطّف عليه بالهداية وينقذه من الغواية، فأنجح سُؤلها، وفاز الرجل بالسّعادة.
الرابعة:
ما في كتاب ( إعلام النّاس في فضائل العبّاس ) تأليف الزاكي التّقي السيّد سعيد بن الفاضل المـُهذّب الخطيب السيّد إبراهيم
البهبهاني، قال:
تزوّجتُ في أوائل ذي القعدة سنة ١٣٥١ هـ، وبعد أنْ مضى اُسبوع من أيّام الزواج أصابني زكامٌ صاحبته حُمَّى، وباشرني أطبّاء النّجف فلم انتفع بذلك، والمرض يتزايد، ومن جملة الأطبّاء الطبيب المركزي ( محمّد زكي أباظة ).
وفي أول جمادى الأوّل من سنّة ١٣٥٣ هـ خرجت إلى الكوفة وبقيت إلى رجب، فلم تنقطع الحمَّى، وقد استولى الضعف على بدني حتّى لم أقدر على القيام، ثُمّ رجعت إلى النّجف وبقيت إلى ذي القعدة من هذه السّنة بلا مراجعة طبيب؛ لعجزهم عن العلاج.
وفي ذي الحجّة من هذه السّنة اجتمع الطبيب المركزي
____________________
المذكور مع الدكتور محمّد تقي جهان، وطبيبين آخرين جاؤوا من بغداد وفحصوني، فاتّفقوا على عدم نفع كُلّ دواء، وحكموا بالموت إلى شهر.
وفي محرّم من سنة ١٣٥٤ هـ خرج والدي إلى قرية القاسم ابن الإمام الكاظمعليهالسلام
للقراءة في المآتم التي تُقام لسيّد الشُّهداءعليهالسلام
، وكانت والدتي تُمرّضني، ودأبها البكاء ليلاً ونهاراً. وفي الليلة السّابعة من هذه السّنة رأيت في النّوم رجلاً مهيباً، وسيماً جميلاً، أشبه النّاس بالسيّد الطاهر الزكي ( السيّد مهدي الرَّشتي )، فسألني عن والدي، فأخبرته بخروجه إلى القاسم، فقال: إذاً مَن يقرأ في عادتنا يوم الخميس؟ وكانت الليلة ليلة خميس، ثُمّ قال: إذاً أنت تقرأ.
ثُمّ خرج وعاد إليّ، وقال: إنّ ولدي السيّد سعيد
مضى إلى كربلاء يعقد مجلساً لذكر مصيبة أبي الفضل العبّاسعليهالسلام
؛ وفاءً لنذر عليه، فامضِ إلى كربلاء واقرأ مصيبة العبّاس. وغاب عنّي، فانتبهت من النّوم، ونظرت إلى والدتي عند رأسي تبكي، ثُمّ نمت ثانياً، فأتاني السيّد المذكور وهو يقول: ألم أقلْ لك إنّ
____________________
ولدي سعيد ذهب إلى كربلاء وأنت تقرأ في مأتم أبي الفضل؟ فأجبته إلى ذلك، فغاب عنّي، فانتبهت.
وفي المرّة الثالثة نمت فعاد إليَّ السيّد المذكور، وهو يقول بزجر وشدّة: ألم أقل لك امضِ إلى كربلاء، فما هذا التأخير؟! فهبته في هذه المرّة وانتبهت مرعوباً.
وقصصتُ الرؤيا من أوّلها على والدتي، ففرحت وتفاءلت بأنّ هذا السيّد هو أبو الفضل، وعند الصباح عَزِمَتْ على الذّهاب بي إلى حرم العبّاس، ولكنْ كُلَّ مَن سمع بهذا لم يوافقها؛ لما يراه من الضعف البالغ حدّه، وعدم الاستطاعة على الجلوس حتّى في السيّارة، وبقيت على هذا إلى اليوم الثاني عشر من المـُحرّم، فأصرّت الوالدة على السّفر إلى كربلاء بكُلِّ صورة، فأشار بعضُ الأرحام على أنْ يضعوني في تابوت، ففعلوا ذلك، ووصلتُ ذلك اليوم إلى القبر المـُقدّس، ونمت عند الضريح الطاهر.
وبينا أنا في حالة الإغماء في الليلة الثالثة عشر من المـُحرّم، إذ جاء ذلك السيّد المذكور، وقال لي: لماذا تأخّرت عن يوم السّابع وقد بقي سعيد بانتظارك؟ وحيث لم تحضر يوم السّابع فهذا يوم دفن العبّاس - وهو يوم ١٣ - فقم واقرأ. ثُمّ غاب عنِّي، وعاد إليَّ ثانياً وأمرني بالقراءة وغاب عنِّي، وعاد في الثالثة ووضع يده على كتفي الأيسر؛ لأنّي كُنتُ مُضطجعاً على الأيمن، وهو يقول: إلى متى النّوم؟ قم واذكر ( مُصيبتي ). فقمت وأنا مدهوش مذعور من هيبته وأنواره، وسقطت لوجهي مغشيّاً عليَّ، وقد شاهد ذلك مَن كان حاضراً في الحرم الأطهر.
وانتبهت من غشوتي وأنا أتصبّب عرقاً، والصحة ظاهرة عليَّ، وكان ذلك في السّاعة الخامسة من الليلة الثالثة عشر من المـُحرّم سنة ١٣٥٤ هـ.
فاجتمع علىَّ مَن في الحرم الشريف، وأقبل مَن في الصحن والسّوق، وازدحم النّاس في الحضرة المنوّرة، وكثر التكبير والتهليل، وخرق النّاس ثيابي، وجاءت الشُّرطة فأخرجوني إلى البهو الذي هو أمام الحرم، فبقيت هناك إلى الصباح.
وعند الفجر تطهّرتُ للصلاة، وصلّيتُ في الحرم بتمام الصحة والعافية، ثُمّ قرأتُ مصيبة أبي الفضلعليهالسلام
، وابتدأت بقصيدة السيّد راضي ابن السيّد صالح القزويني، وهي:
أبَا الفَضلِ يَا مَنْ أسَّسَ الفَضلَ والإبا
|
|
أَبا الفضلُ إلاّ أنْ تَكُونَ لَهُ أبا
|
والأمر الأعجب، أنّي لمـّا خرجت من الحرم قصدتُ داراً لبعض أرحامنا بكربلاء، وبعد أنْ قرأت مصيبة العبّاس خلوتُ بزوجتي، وببركات أبي الفضل حملت ولداً سمّيته ( فاضل )، وهو حيٌّ يُرزق، كما رُزقتُ عبدَ اللّه وحسناً ومحمّداً، وفاطمة كنَّيتُها اُمَّ البنين.
هَذهِ مِنْ عُلاَه إحدَى المَعالِي
|
|
وعَلَى هَذِهِ فَقِسْ مَا سِوَاهَا
|
وذُكر أنّ السيّد الطاهر الزاكي السيّد مهدي الأعرجي - وكان خطيباً نائحاً، له مدائح ومراثي لأهل البيتعليهمالسلام
كثيرة - ورد النّجف يوم خروجي إلى كربلاء، فبات مُفكّراً في الأمر، وكيف يكون الحال؟! وفي تلك الليلة الثالثة عشر رأى في المنام كأنّه في كربلاء ودخل حرم العبّاس، فرأى النّاس مجتمعين عليَّ وأنا أقرأ مصيبة العبّاس، فارتجل في المنام:
لَقد كُنتَ بالسّلِّ المـُبرّحِ داؤهُ
|
|
فشافانيَ العبّاسُ مِنْ مرضِ السِّلِّ
|
فَفُضلتُ بينَ النّاسِ قَدْراً وإنَّما
|
|
لي الفضلُ إذ أنّي عتيقُ أبي الفضلِ
|
وانتبه السيّد من النّوم يحفظ البيتين، فقصد دارنا وعرّفهم بما رآه، وفي ذلك اليوم وضح لهم الأمر.
وقد نظم هذه الكرامة جماعة من الاُدباء الذين رأوا السيّد سعيد في الحالين؛ الصحة والمرض، فمنهم السيّد الخطيب العالم السيّد صالح الحلّيرحمهالله
.
بأبِي الفَضْلِ استَجَرنَا
|
|
فَحبَانَا مِنهُ مُنحهْ
|
وطَلبنَا أنْ يُداوِي
|
|
أَلَمَ القَلْبِ وجُرحَهْ
|
فَكسَا اللّهُ سَعيداً
|
|
بعد سُقمٍ ثَوبَ صِحّهْ
|
بدَّلَ الرَّحمنُ منهُ
|
|
قرحةَ القلبِ بفرحَهْ
|
وقال الخطيب الفاضل الاُستاذ الشيخ محمّد علي اليعقوبي:
بأبي الفَضْلِ زالَ عنّي سقامي
|
|
مُذْ كَساني منَ الشِّفاءِ بُرودَا
|
وحَباني منَ السّعادةِ حتّى
|
|
صرْتُ في النَّشأتين اُدعَى سعيدَا
|
وقال العلاّمة الشيخ علي الجشِّي أيَّده اللّه:
سعيدٌ سُعدتَ وجزتَ الخطرْ
|
|
من السّلِّ في مثلِ لمحِ البَصرْ
|
غداةَ التجأتَ لمثوى بِهِ
|
|
أبو الفضلِ حلَّ فردَّ القَدرْ
|
وقال السيّد حسون السيّد راضي القزويني البغدادي:
سعيدٌ لقدْ نالَ الشِّفا من أبي الفَضْلِ
|
|
ولولاه كانَ السّقمُ يأذنُ بالقتلِ
|
ولا غروَ أنْ نال الشِّفا منهُ أنّهُ
|
|
أبو الفضلِ أهلٌ للمكارِمِ والفَضْلِ
|
وله أيضاً:
ذا سعيدٌ بالبُرءِ أضحى سعيدا
|
|
وحَباهُ الإلهُ عُمْرَاً جديدا
|
مِنْ أبي الفضلِ بالشِّفا نالَ فَضْلاً
|
|
وامتناناً ونالَ عَيْشاً رغيدا
|
وللأديب الكامل السيّد محمّد بن العلاّمة السيّد رضا الهنديرحمهالله
:
لَمْ أنسَ فضلكَ يا أبا الفضلِ الذي
|
|
هيهاتَ أنْ يُحصى ثناه مُفصّلا
|
يكفيكَ يومَ الطَّفِّ موقفُكَ الذي
|
|
قَدْ كان ألمعَ ما يكون وأفضلا
|
ولقدْ نصرتَ بهِ النّبيَّ بسبطِهِ
|
|
وغدوتَ في دُنيا الشَّهادةِ أوّلا
|
وأَنا الذي قدْ كان دائي مُهلِكا
|
|
وأجرْتني لمـّا استجرتُ مُؤمِّلا
|
ألبستَني ثوبَ الشِّفاءِ وعدتُ حيْ
|
|
يَاً فيكَ يا ساقي عِطاشى كربَلا
|
وللخطيب الذاكر الفاضل الشيخ عبد علي الشيخ حسين:
سعيدُ التجَى من ضُرِّهِ وسقامِهِ
|
|
بقبرِ أبي الفضلِ المـُفدَّى فعافاهُ
|
لَعمرِي ترى الأقدارَ طوعَ يمينِهِ
|
|
كوالِدِهِ الكرّارِ يمناه يمناهُ
|
فآب وإبراهيمُ قُرّت عيونُهُ
|
|
ببرءِ سعيدِ النّدبِ يشكرُ مولاهُ
|
سعيدٌ سعيداً عش بظلِّ لوائِهِ
|
|
بأسعد يومٍ لا تزالُ وأهناهُ
|
بفضلِ أبي الفضلِ الفضيلةَ حُزْتَها
|
|
ولولاهُ لمْ تنجُو من الضُّرِّ لولاهُ
|
وللشيخ جعفر الطّريفي:
عجزَ الطبيبُ لعلَّتي وقلاني
|
|
وعجزتُ مِنْ سُقمي وطولِ زماني
|
هجرَ الصَّديقُ زيارَتي وكأنّني
|
|
ما زرتُهُ في سُقمِهِ فجفاني
|
حتّى إذا قالوا فقلّوا خفيةً
|
|
هجروا الأواني خيفةَ العدوانِ
|
فقصدتُ باباً للحوائجِ والشِّفا الْ
|
|
عبّاسَ باباً للشِّفا فشَفاني
|
لَولاهُ واراني التُّرابُ بحفرتي
|
|
نِعمَ الطبيبُ الأوحدُ الربّاني
|
وللشيخ كاظم السّوداني:
فكَمْ لأبي الفضلِ الأبيّ كراماتٌ
|
|
لها تُليتْ عند البريّةِ آياتُ
|
وشاراتُهُ كالشَّمسِ في الاُفقِ شُوهدتْ
|
|
لها من نباتِ المجدِ أومتْ إشاراتُ
|
سعيدٌ سعيداً عادَ منها إلى الشِّفا
|
|
به انسلَّ عنه السّلُّ إذ كمْ به ماتُوا
|
أبو الفضلِ كَمْ فضلٌ له ومناقبٌ
|
|
فيا جاحديهِ مثلَ بُرهانِهِ هاتُوا
|
هو الشّبلُ شبلٌ من عليٍّ وفي الوغَى
|
|
له أثرٌ من بأسِهِ وعلاماتُ
|
لقدْ شعَّتِ الأكوانُ من بدرِ فضلِهِ
|
|
بأنواره أرّخْ: ( وفيها مُضيئاتُ )
|
وللخطيب الشيخ حسن سبتي:
ألا عشْ سعيداً يا سعيدُ منعّماً
|
|
مدى الدَّهرِ إذ عُوفيتَ من فتكةِ السّلِّ
|
عتيقَ حُسينٍ كان جدُّكَ أوّلاً
|
|
لذا صرتَ ثانيهِ عتيقَ أبي الفضلِ
|
وللسيّد نوري ابن السيّد صالح ابن السيّد عبّاس البغدادي:
بُشرى لإبراهيمَ في نجلِهِ
|
|
مِنْ مرضِ السّلِّ غدا سالمَا
|
أبرأهُ العبّاسُ من فضلِهِ
|
|
وفضلُهُ بينَ الورَى دائِمَا
|
الخامسة:
حدّثني الشيخ العالم الثّقة الثبت الشيخ حسن ابن العلاّمة الشيخ محسن ابن العلاّمة الشيخ شريف آل الشيخ المـُقدّس، صاحب الجواهرقدسسره
، عن حاج منيشد بن سلمان آل حاج عبودة، من أهل الفلاحيّة، وكان ثقة في النّقل، عارفاً بصيراً، شاهد الكرامة بنفسه، قال:
كان رجل من عشيرة البراجعة يُسمّى ( مخيلف ) مصاباً بمرض في رجليه، وطال ذلك حتّى يبستا وصارتا في رفع الإصبع، وبقي على هذا ثلاث سنين، وشاهده الكثير من أهل ( المحمّرة )، وكان يحضر الأسواق ومجالس عزاء الحسينعليهالسلام
ويستعين بالنّاس، وهو يزحف على إليتيه ويديه، وقد عجز عن المباشرة ويئس.
وكان للشيخ خزعل بن جابر الكعبي في المحمّرة ( حُسينية ) يُقيم فيها عزاء الحسينعليهالسلام
في العشرة الاُولى من المـُحرَّم، ويحضر هناك خلق كثير حتّى النّساء يجلسن في الطابق الأعلى من الحُسينيّة، والعادة المـُطَّردة في تلك البلاد ونواحيها أنّ ( الخطيب النّائح ) إذا وصل في قراءته إلى الشَّهادة قام أهل المجلس يلطمون بلهجاتٍ مُختلفة وهكذا النّساء، وفي اليوم السّابع من المـُحرَّم كان المتعارف أن تذكر مصيبة أبي الفضل العبّاس، وهذا الرجل أعني ( مخيلف ) يأتي الحسينيّة ( ويجلس تحت المنبر؛ لأنّ رجليه ممدودتان)
، وحينما وصل الخطيب إلى ذكر المصيبة، أخذت الحالة المعتادة مَن في المجلس رجالاً ونساءً، وبينا هم على هذا الحال إذ يرون ذلك المصاب بالزمانة في رجليه ( مخيلف ) واقفاً معهم يلطم، ولهجته: ( أنا مخيلف قيّمني العبّاس ).
وبعد أنْ تبيّن النّاس هذه الفضيلة من أبي الفضل تهافتوا عليه وخرّقوا ثيابه للتبرّك بها، وازدحموا عليه يُقبّلون رأسه ويديه، فأمر الشيخ خزعل غلمانه أنْ يرفعوه إلى إحدى الغُرف ويمنعوا النّاس
____________________
عنه، وصار ذلك اليوم في المحمّرة أعظم من اليوم العاشر من المـُحرَّم، وصار البكاء والعويل والصراخ من الرجال، وأمّا النّساء فمنهنّ مَن تُهلهل، واُخرى تصرخ، وغيرها تلطم.
وذكر لي ملاّ عبد الكريم الخطيب من أهل المحمّرة - وكان حاضراً وقت الحديث - أنّ الشيخ خزعل في كُلِّ يوم يصنع طعاماً لأهل المجلس في الظهر، وفي ذلك اليوم تأخّر الغداء إلى السّاعة التاسعة من النّهار لبكاء النّاس وعويلهم.
وقال العلاّمة الشيخ حسن المذكور: ثُمّ إنّه سُئل مخيلف عمّا رآه وشاهده، فقال: بينا النّاس يلطمون على العبّاس أخذتني سنة وأنا تحت المنبر، فرأيت رجلاً جميلاً طويل القامة على فرس أبيض عالٍ في المجلس، وهو يقول: يا مخيلف، لِمَ لا تلطم على العبّاس مع النّاس؟ فقلتُ له: يا أغاتي، لا أقدر وأنا بهذا الحال. فقال لي: قُمْ والطم على العبّاس. قلتُ له: يا مولاي، أنا لا أقدر على القيام. فقال لي: قُمْ والطم. قلتُ له: يا مولاي، أعطني يدك لأقوم. فقال: أنا ما عندي يدين. فقلتُ له: كيف أقوم؟ قال: الزم ركاب الفرس وقُمْ.
فقبضت على ركاب الفرس، وأخرجني من تحت المنبر وغاب عنّي، وأنا في حالة الصحة، وعاش سنتين أو أكثر ومات.
وحدّثني المـُهذّب الكامل ميرزا عباس الكرماني، أنّه تعسّرت عليه حاجة، فقصد أبا الفضلعليهالسلام
واستجار بضريحه، فما أسرع أنْ فُتحت له باب الرحمة وعاد بالمسرّة بعد اليأس مدّة طويلة، فأنشأ:
أبا الفضلِ إنّي جئتُكَ اليومَ سائلاً
|
|
لتيسيرَ ما أرجو فأنتَ أخُو الشِّبلِ
|
فلا غروَ إنْ أسعفتَ مثْلِي بائِساً
|
|
لأنّكَ للحاجات تُدعى أبا الفضلِ
|
هذا ما أردنا إثباته من الكرامات، وهو قطرة من بحر؛ فإنّ الإتيان عليها كُلِّها يحتاج إلى مجلّد كبير؛ لأنّ اللّه سبحانه منح ( حامي الشريعة ) جزيل الفضل، وأجرى عليه من الفيض الأقدس ما لم يحوه بشر غير الأنبياء المـُقرّبين والأئمّة المعصومينعليهمالسلام
؛ جزاءً لذلك الموقف الباهر الذي لم يزل يرنّ رجع صداه المؤلم في مسامع القرون والأجيال، مُذكّراً بما أبداه أبو الفضل من إباء وشمّم، وكرٍّ وإقدام، وتضحية دون الشّرع القويم.
اللّواء:
اللّواء
: ما يُعقد على رمح أو عصا، ويُقال له: ( الراية )، كما يُطلق عليهما ( العَلَم )، هذا عند أهل اللغة.
وعند المؤرّخين: أنّهما شيئان، فذكروا أنّ الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله
عقد لحمزة بن عبد المـُطّلب لواءً أبيض في رمضان أوّل الهجرة، وفيه يقول حمزة:
فما برِحُوا حتّى انْتُدبتُ لغارةٍ
|
|
لهمْ حيثُ حلُّوا أبتغي راحةَ الفَضلِ
|
بأمرِ رسولِ اللّهِ أوَّلِ خافقٍ
|
|
عليه لواءٌ لمْ يكُنْ لاحَ منْ قبلي
|
لواءٌ لَديهِ النَّصرُ مِنْ ذي كرامةٍ
|
|
إلهٍ عزيزٍ فعلُهُ أفضلُ الفِعْلِ
|
وأوّل راية عقدها للمسلمين في شوّال من هذه السّنة
.
والمعقود على رمح أو غيره؛ إنْ كان واسعاً فهو الراية، وإلاّ فاللّواء، ويُقال للعَلَم الكبير: البند والعقاب، وإن خُصّ الثاني بما
____________________
يُعقد للولاة
، والتَّسمية بالعقاب اقتبسها العرب من الروم؛ فإنّ العقاب والنّسر شارة الرومان، يرسمونها على أعلامهم، وينقشونها على أبنيتهم
.
وكانت أعلام الروم كباراً، تحت كُلِّ علم عشرةُ آلاف أو أكثر
.
وكانت راية كسرى يوم الجسر سنة ١٣ هجرية من جلود النّمر في عرض ثمانية أذرع، وطول اثني عشر ذراعاً، وهي المـُسمّاة ( درفش كابيان )
.
وهذه الراية كانت محفوظة في خزائنهم، ولم تكن بهذه السّعة، وإنّما زادوا عليها تبرّكاً، والأصل فيها: إنّ الضحّاك بيوراسف خرجت من منكبيه سلعتان، فكان إذا اشتد عليه الألم طلاهما بدماغ إنسان يذبحه، فلاقى النّاس منه عناءً ونكداً وجوراً، فأخذ ابنين لرجل من أهل أصبهان اسمه ( كابي ) فشقّ عليه، فدعا النّاس للخروج على الضحّاك، وأخذ عصا وعلّق عليها جراباً وتبعه النّاس، فتغلّب على الضحّاك وخلعوه عن المـُلك واستراحوا من جوره، فعظّموا ذلك العَلَم وتفأّلوا به، وزادوا فيه حتّى صار عند ملوك العجم العَلَم الأكبر الذي يتبرّكون به، وسمّوه ( درفش كابيان )
.
____________________
كما احتفظ الاُمويّون براية ابن زياد التي أخرجها يوم الطَّفِّ، ففي تاريخ ( يزد ) للآيتي ص٧٢: إنّ أبا العلاء الطّوفي كان هو وأبوه من عُمّال الاُمويِّين، طاف البلاد لأخذ البيعة لهم فلُقّب ( بالطّوفي )، وكان مُعلّماً لهشام بن عبد الملك، فلمـّا ولي هشام المـُلك أراد أنْ يُكافئه على خدمته، فبعثه عاملاً على ( يزد ) ودفع إليه تلك الراية، فسار أبو العلاء إلى ( يزد )، ونصب الراية في البُستان المشهور باسمه، ودعا أهل يزد إلى بيعة الاُمويِّين، وكانوا على طريقة أهل البيتعليهمالسلام
، وأخذهم على ذلك أخذاً شديداً، وعاملهم بالقسوة والجور، وبقوا يتقلّبون على حسك الظلم إلى أنْ ظهر أبو مسلم الخراساني أيّام مروان الحمار، وتصرّف في خراسان وفارس سنة ١٣٢ وسنة ١٣٣ هجرية، فراسله اليزديّون وطلبوا إنقاذهم من مخالب الطّوفي، فبعث أبو مسلم محمّد الزمجي إلى أصفهان ويزد.
وبلغ الطّوفي إقباله بجيش جرّار وأنّ اليزديّين معه، فخرج ليلاً من يزد إلى قرية ( ابرند آباد )، فبعث محمّد الزمجي جماعة فقبضوا عليه وأتوا به إلى يزد، وتجمهر اليزديّون رجالاً ونساء عليه، واستقرّ الرأي على إحراقه والراية معه، ففُعل بهما ذلك، وانتهبوا القصر والبُستان.
وإنّ المصادر التاريخيّة لم تُرشدنا إلى أوّل مَن رفع اللّواء، ويقوي في الظنِّ أنّ ( كابي ) المـُتقدّم أوّل مَن اتّخذه، كما أنّ الخليل إبراهيمعليهالسلام
أوّل من اتّخذ الرايات؛ وذلك لمـّا غلب الرومُ على لوط
وأسروه، رفع الخليلُ رايةً وسار لمحاربة الروم، فغلبهم واسترجع لوطاً
.
ولمـّا جاء الإسلام، وانتشر العرب في أنحاء الشام وفارس ومصر، وتعدّدت دُولهم، كثرت ضروب الألوية عندهم وتنوّعت أشكالها، وتعدّدت ألوانها وأطالوها، وسمّوها بأسماء مختلفة حتّى تفاخروا بتعدادها، فقد بلغت رايات العزيز باللّه الفاطمي لمـّا خرج إلى فتح الشام خمسمئة راية، ومثلها البوقات.
وكانوا ينقشون على راياتهم أسماء الخُلفاء والسّلاطين والقوّاد؛ إرهاباً وإعزازاً وتفاؤلاً بالظفر، فقد كتب ابن بشكم على رايته ( الرائقي ) نسبة إلى ابن رائق، وربما كتبوا آيات القرآن عليها، فقد وُجد في دير الظاهر بمدينة برغوس في الأندلس راية من الحرير الخالص مُطرَّزة بالنّقوش الجميلة، وعليها آياتٌ قُرآنية
.
وكتب أبو مسلم الخراساني بالحبر على لوائه:(
اُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ
)
. ثُمّ إنّه عقد لواء بعثه إليه إبراهيم الإمام اسمه ( الظِّل ) على رمح طوله أربعة عشر ذراعاً، وعقد آخر بعث به إليه اسمه ( السّحاب ) على رمح طوله ثلاثة عشر ذراعاً
.
____________________
أمّا الوان الألوية والرايات، فلا يُعرف عنها شيء في الجاهليّة سوى راية العقاب فإنّها سوداء، وكذلك راية النّبيِّصلىاللهعليهوآله
، ويُقال: إنّ رايات العرب كانت بيضاء
.
أمّا رايات النّبيِّصلىاللهعليهوآله
في مغازيه فمختلفة؛ ففي بدر كانت رايةُ حمزة حمراء، ورايةُ أمير المؤمنينعليهالسلام
صفراء، ويوم اُحد وخيبر اللّواء والراية أبيضان
، وفي عين الوردة الراية بلقاء
.
وكانت أعلام بني اُميّة حُمراً، وكُلُّ مَن دعا إلى الدولة العلويّة فعلمه أبيض، ومَن دعا إلى الدولة العبّاسيّة فعلمه أسود، ويقرب في الظنّ أنّ شعار العلويّين الخضرة حتّى في راياتهم؛ فإنّ المأمون لمـّا عقد ولاية العهد للإمام الرضاعليهالسلام
ألزم النّاس بالخضرة وترك شعار العبّاسيِّين. نعم، لمـّا عقد المتوكّل لبنيه البيعة عقد لكُلِّ واحد منهم لوائين؛ أحدهما أسود وهو لواء العهد، والآخر أبيض وهو لواء العمل
.
وكيف كان،فالراية
: عقدُ نظام العسكر وآيةُ زحفهم، فلا يخالون انجفالاً ما دامت تسري أمامهم، فهي بتقدّمها شارة الظفر وعلامة الفوز، فلنْ تجد جحفلاً منثالاً، وفيلقاً ملتاثاً إلاّ إذا انكفأت الراية أو اُصيب حاملها فخرّت، ولذلك لا تُعطى إلاّ للأكفّاء الحُماة الغيارى على المبدأ ممّن لا يُجبّنه الخَوَر، أو يُفشلهُ الضعفُ، أو يخذلهُ الطمع.
____________________
وفي قول سيّد الوصيّينعليهالسلام
شاهد عدل على هذا؛ فإنّه كان يحرّض النّاس يوم صفين، ويقول:« ولا تَميلوا براياتِكُمْ ولا تزيلوا، ولا تجعلُوها إلاّ معَ شُجعانِكُمْ؛ فإنّ المانعَ للذِّمارِ، والصابرَ عندَ نُزولِ الحقائقِ هُمْ أهلُ الحفاظِ... واعلَمُوا أنّ أهلَ الحفاظِ هُمْ الذينَ يحتفونَ براياتِهمْ ويكتنفونَها، ويَصيرونَ حفافيها وورائها وأمامها، ولا يُضيِّعونها، ولا يتأخَّرون عنها فيُسلمونَها، ولا يتقدّمونَ عنها فيُفردونَها »
.
ولقد كان حمَلَةُ الرايات يتهالكون دون حملها إلى آخر قطرة تسقط من دمائهم؛ حذراً من وصمةِ الجُبنِ وشيةِ العارِ وسمةِ الخزي، ولا يدعُ لهم ثَباتُ الجأش وحمى الذِّمار واصرّة الشرف أنْ يلقوها ما دامت أيديهم تقلّها.
لا عَيبَ فيهمْ غَيرَ قَبضِهمُ اللّوا
|
|
عندَ اشتباكِ السُّمر قبضَ ضَنينِ
|
من أجل ذلك كانت راية الإسلام مع أمير المؤمنينعليهالسلام
في جميع مغازي الرسولصلىاللهعليهوآله
، ولم يفته مشهدٌ إلاّ تبوك حيث لم يقع فيها قتالٌ
، وإلاّ لما تركه النّبيصلىاللهعليهوآله
في المدينة مع ما يعلمه من بلائه وإقدامه.
وفي يوم بدر أعطاه الرسولصلىاللهعليهوآله
( راية الإسلام )، فزحف بها والمسلمون خلفه ولمـّا يبلغ الخامسة والعشرين من عمره، فأظهر أمير المؤمنينعليهالسلام
فيها من البسالة والنّجدة والبأس ما أطاش
____________________
الألباب وحيّر العقول، وجبّن الشجعان ووضع من قدرها، فطار ( أبو الحسنعليهالسلام
) بذكرها، وحاز مجدها، واستأثر بفضلها.
وإنّ عملَهُ في هذا اليوم الذي كسر اللّه به شوكة المشركين وفلّ خَدَّهم، لَمِن خوارق العادة وأجلّ الكرامات؛ إذ لمْ يُباشر قبله حرباً ولا نازل قرناً، فعمل في ذلك الجمع من النّكاية والقتل الذريع ما لم يُشاهَد مثله، مع أنّ أكثر الجمع قد مارس الحرب وقاسى الأهوال، وخاض الغمرات وبارز الشجعان.
وأمّا يوم اُحد، فكان اللّواء مع مصعب بن عمير من بني عبد الدار، وإنّما أعطاه النّبيصلىاللهعليهوآله
جبراً لقلوب مَن آمن به من بني عبد الدار، خصوصاً لمـّا كان لواء المشركين مع قومهم من بني عبد الدار، وبعد أنْ فعل مصعب ذلك اليوم ما يبهر العقول، وأدّى حقّ اللّواء حتّى قُطعت يده اليمنى ثُمّ اليسرى، وإذ قُطعت ضمّ اللّواء إلى صدره حتّى طُعن بالرمح في ظهره فسقط إلى الأرض قتيلاً، دفع النّبيُّصلىاللهعليهوآله
اللّواء إلى صاحبه ( أبي الريحانتينعليهالسلام
)، فكان لأمير المؤمنينعليهالسلام
من البلاء العظيم والمقامات المحمودة ما لم يكن لأحد قط، حتّى عجبت من ثباته وحملاته الملائكةُ بقتله أصحاب الألوية.
ولمـّا كانت الدبرة على المسلمين كان له الموقف المشهود، [ حيث ] أبصر النّبيُّصلىاللهعليهوآله
جماعةً، فقال لعليٍّعليهالسلام
:« فرّقهُمْ »
. ففرّقهم، وقتل عمرو بن عبد اللّه الجمحي، ثُمّ أبصر جماعة اُخرى، فقالصلىاللهعليهوآله
له:« فرّقهُمْ »
. فحمل عليهم، وقتل شيبة بن مالك، فقال جبرائيلعليهالسلام
: هذه المواساة!
قال النّبيُّصلىاللهعليهوآله
:« وما يمنعُهُ؛ إنّهُ منِّي وأنا منهُ »
.
فقال جبرائيلعليهالسلام
: وأنا منكما.
وسمعوا صوتاً:
لا سَيْفَ إلاّ ذو الفِقا
|
|
رِ ولا فَتىً إلاّ عليْ
|
وفي يوم خيبر، لمـّا شاهد النّبيُّصلىاللهعليهوآله
خَور المسلمين وضعفهم وانتصار اليهود؛ لانكسار ( الرَّجُلين ) في اليوم الأوّل والثاني، ساءه ذلك، فقال:« لأعطينّ الرَّايةَ غداً رجلاً يُحبُّ اللّهَ ورسولَهُ، ويُحبُّهُ اللّهُ ورسولُهُ »
.
فاستطالت لها أعناق الرجال رجاءً أنْ يُدعَوا لها، فيحظَون بالفتح والسّعادة الخالدة.
فأتاهُ الوصيُّ أرمدَ عينٍ
|
|
فسقاهَا مِنْ ريقِهِ فشفاهَا
|
ومضَى يطلبُ الصُّفوفَ فولَّتْ
|
|
عنهُ عِلماً بأنّه أمضاهَا
|
وبرَى مَرحباً بكفِّ اقتدارٍ
|
|
أقوياءُ الأقدارِ مِنْ ضُعفاهَا
|
ودَحَى بابَها بقوّةِ بأسٍ
|
|
لو حمتهَا الأفلاكُ منه دحاهَا
|
وأمّا يوم حنين، فلم يلقَ المسلمون أشدّ منها، فلقد ضاقتْ عليهم الأرض بما رحبت، وبلغت القلوب الحناجر، وعاتبهم اللّه على فرارهم عن حبيبه وخاتم رسلهصلىاللهعليهوآله
، ولكن ظهرت في هذا اليوم عظمة ( صاحب الراية )، ومكانته من الرسولصلىاللهعليهوآله
وموقفه من الدِّين، ومبلغه من الدفاع، وثباته في وجه الخطوب حتّى تراجع المسلمون.
____________________
ثُمّ لُفّت هذه الراية خمساً وعشرين سنة، ونشرها أمير المؤمنينعليهالسلام
يوم ( الجمل )، وأعطاها لولده محمّد بن الحنفيّة، وقال له:« هذه رايةُ رسولِ اللّه لا تُردّ قط »
. فزحف بها ابن حيدرة والجيش خلفه، وقيس بن سعد بن عبادة يقول
:
هذا اللواءُ الذي كُنّا نحفُّ بهِ
|
|
مَعَ النَّبيِّ وجبريلٌ لنا مَددُ
|
ما ضرَّ مَن كانتْ الأنصارُ عيبَتَهُ
|
|
أنْ لا يكونَ لهُ من غيرِها أحدُ
|
قومٌ إذا حارَبُوا طالتْ أكفُّهُمُ
|
|
بالمشرفيّةِ حتّى يُفتحَ البلدُ
|
وأدّى شبل عليعليهالسلام
حقّها حتّى كان الفتح، كما أنّها كانت معه يوم النّهروان.
أمّا يوم صفّين، فكانت راية الهمدانيِّين مع سفيان بن يزيد، فلمـّا قُتل أخذها أخوه عبيد، ثُمّ أخوه كرب، ثُمّ عمير بن بشير، ثُمّ الحرث بن بشير، ثُمّ وهب بن كرب، وكُلّهم قُتلوا دونها
.
وفي هذا اليوم الباهر كان لحمَلَة الرَّايات من أهل العراق المقام المشكور، حتّى تضعضع من أقدامهم عرش معاوية لولا القضاء وإبرام المحتوم.
____________________
فكان ذوو الألويات يحرصون على رفعها؛ لكونها معقد الجيش، وبها يتمّ نظامهم وتتطامن نفوسُهم، ولم ينكسر الجيش إلاّ بقتل صاحب الراية وسقوطها.
ومن هنا نعرف مكانة أبي الفضل من البسالة، وموقفه من الشهامة، ومحلّه من الشرف، ومبوءه من الدِّين، ومنزلته من الغيرة، ومرتقاه من السّؤدد يوم عبّأ الحسينعليهالسلام
أصحابه، فأعطى رايته أخاه ( العبّاس ) مع أنّ للعبّاس إخوة من اُمّه وأبيه، وهناك من أولاد أبيه مَن لا يُسلّم اللّواء، كما أنّ في الأصحاب مَن هو أكبر سنّاً منه، مع صدق المفادات، ولكن سيّد الشُّهداءعليهالسلام
وجد أخاه أبا الفضل أكفى ممّن معه لحملها، وأحفظهم لذمامه وأرأفهم به، وأدعاهم إلى مبدئه وأوصلهم لرحمه، وأحماهم لجواره وأثبتهم للطعان، وأربطهم جأشاً وأشدّهم مراساً.
فكان ( صاحب الراية ) عند معتقد أخيه الإمامعليهالسلام
، ثابت الجأش في ذلك الموقف الرهيب، ثبات الأسد الخادر، وهذا بيان مُطَّرد تلهج به الألسن، وإلاّ فما موقف الأسد منه! ومِن أين له طمأنينة هذا البطل المغوار الثابت فيما يفرُّ عنه الضّرغام؟!
وَلَولا اِحتِقارُ الاُسدِ شَبَّهتُها بِهِم
|
|
وَلَكِنَّها مَعدودَةٌ في البَهائِمِ
|
نعم، أنسب تشبيه يليق بمقامه: أنّه كان يصول ومعه صولةُ أبيه المرتضىعليهالسلام
.
وللعبّاس مزيّة على مَن حمل اللّواء وبارز الأبطال وتقدّم للطعان؛ فإنّهعليهالسلام
قد ألمّت به الكوارث والمحن من نواحي مُتعدّدة؛ من جروح وعطش، وفئة صرعى وحرائر ولهى، وأطفال أمضّ
بها الظمأ، والواحدة منها كافية في أنْ تهدي إلى البطل ضعفاً، وإلى الباسل فراراً، لكن ( صريخة بني هاشم ) بالرغم من كُلِّ هاتيك الرزايا كان يزحف بالراية في جحفل من بأسه، وصارم من عزمه، وكان في حدِّ حسامه الأجلُ المـُتاح، وملكُ الموت طوع يمينه، إذاً فليس من الغريب إذا ظهر في غصن الخلافة ما يبهر العقول!
قَسماً بِصارمِهِ الصَّقيلِ وإنَّني
|
|
في غَيرِ صاعقةِ السَّما لا اُقسمُ
|
لَولا القَضا لَمحى الوُجودَ بِسَيفِهِ
|
|
وَاللَهِ يَقضِي ما يَشاءُ وَيحكمُ
|
موقفُهُ قبل الطَّفِّ:
يسترسل بعض الكتّاب عن موقفه قبل الطَّفِّ، فيُثبت له منازلة الأقران والضرب والطعن، وبالغوا في ذلك حتّى حُكي عن ( المنتخب ) أنّه يقول: كان كالجبلِ العظيمِ، وقلبُهُ كالطّود الجسيم؛ لأنّه كان فارساً هُماماً، وجسوراً على الضرب والطعن في ميدان الكفّار.
ويُحدّث صاحب الكبريت الأحمر ج٣ ص٢٤ عن بعض الكتب المعتبرة لتتبّع صاحبها: أنّهعليهالسلام
كان عضداً لأخيه الحسينعليهالسلام
يوم حمل على الفرات، وأزاح عنه جيش معاوية ومَلَك الماء.
قال: وممّا يُروى: أنّه في بعض أيّام صفّين خرج من جيش أمير المؤمنينعليهالسلام
شابٌّ على وجهه نقاب، تعلوه الهيبة، وتظهر عليه الشجاعة، يُقدّر عمره بالسّبع عشرة سنة، يطلب المبارزة، فهابه النّاس، وندب معاوية إليه أبا الشعثاء، فقال: إنّ أهل الشام يعدّونني بألف فارس، ولكن أرسل إليه أحد أولادي - وكانوا سبعة - وكُلّما خرج أحد منهم قتله حتّى أتى عليهم، فساء ذلك أبا الشعثاء وأغضبه، ولمـّا برز إليه ألحقه بهم، فهابه الجمع ولم يجرأ أحد على مبارزته، وتعجّب أصحاب أمير المؤمنينعليهالسلام
من هذه البسالة التي لا تعدو الهاشميِّين، ولم يعرفوه لمكان نقابه، ولمـّا رجع إلى مقرّه دعاه أبوه أمير المؤمنينعليهالسلام
وأزال النّقاب عنه، فإذا هو ( قمر بني هاشم ) ولده العبّاسعليهالسلام
.
قال صاحب الكبريت بعد هذه الحكاية: وليس ببعيد صحة الخبر؛ لأنّ عمره يقدر بالسّبع عشرة سنة، وقد قال الخوارزمي: كان تامّاً كاملاً.
وهذا نصّ الخوارزمي في المناقب ص١٤٧: خرج من عسكر معاوية رجل يُقال له: كُريب، كان شجاعاً قويّاً يأخذ الدرهم فيغمزه بإبهامه فتذهب كتابته، فنادى: ليخرج إليّ عليٌّ. فبرز إليه مرتفع بن وضّاح الزبيدي فقتله، ثُمّ برز إليه شرحبيل بن بكر فقتله، ثُمّ برز إليه الحرث بن الحلاّج الشيباني فقتله، فساء أمير المؤمنينعليهالسلام
ذلك، فدعا ولده العبّاسعليهالسلام
، وكان تامّاً كاملاً من الرجال، وأمره أنْ ينزل عن فرسه وينزع ثيابه، فلبس عليٌّعليهالسلام
ثياب ولده العبّاس وركب فرسه، وألبس ابنه العبّاس ثيابه وأركبه فرسه؛ لئلا يجبن كُريب عن مبارزته إذا عرفه، فلمـّا برز إليه أمير المؤمنينعليهالسلام
ذكّره الآخرة، وحذّره بأس اللّه وسخطه.
فقال كُريب: لقد قتلتُ بسيفي هذا كثيراً من أمثالك، ثُمّ حمل على أمير المؤمنينعليهالسلام
، فاتّقاه بالدرقة وضربه عليٌّعليهالسلام
على رأسه فشقّه نصفين، ورجع أمير المؤمنينعليهالسلام
وقال لولده محمّد بن الحنفيّة:« قفْ عندَ مصرعِ كُريب؛ فإنّ طالبَ وترِهِ يأتيك »
. فامتثل محمّدٌ أمر أبيهعليهالسلام
، فأتاه أحد بني عمّه وسأله عن قاتل كُريب، قال محمّد: أنا مكانه. فتجاولا ثُمّ قتله محمّدٌ، وخرج إليه آخر فقتله محمّد حتّى أتى على سبعة منهم
.
وفي ص١٠٥ من المناقب ذكر حديث العبّاس بن الحارث بن عبد المـُطّلب: وقد برز إليه عثمان بن وائل الحميري فقتله
____________________
العبّاس، فبرز إليه أخوه حمزة - وكان شجاعاً قوياً - فنهاه أمير المؤمنينعليهالسلام
عن مبارزته، وقال له:« انزعْ ثيابَكَ وناولنِي سلاحَكَ وقفْ مكانَكَ، وأنا أخرجُ إليهِ »
. فتنكّر أمير المؤمنينعليهالسلام
وبرز إليه وضربه على رأسه، فقطع نصف رأسه ووجهه وإبطه وكتفه، فتعجّب اليمانيُّون من هذه الضربة وهابوا العبّاس بن الحارث
.
هذا ما حدّث به في المناقب، ومنه نعرف أنّ هناك واقعتين جرتا لأمير المؤمنينعليهالسلام
مع ولده العبّاس ومع العبّاس بن الحارث؛ فإنكار شيخنا الجليل المـُحدّث النّوري في حضور العبّاس في صفّين، مُدّعياً اشتباه الأمر على بعض الرواة بالعبّاس بن الحارث، في غير محلّه؛ فإنّ الحجّة على تفنيد الخبر غير تامّة؛ لأنّ آحاد هذا البيت ورجالاتهم قد فاقوا الكُلَّ في الفضائل جميعها، وجاؤوا بالخوارق في جميع المراتب، فليس من البِدع إذا صدر من أحدهم ما يمتنع مثله عن الشجعان وإنْ لم يبلغوا مبالغ الرجال.
فهذا القاسم بن الحسن السّبطعليهالسلام
لم يبلغ الحلم يوم الطَّفِّ، وقد ملأ ذلك المشهد الرهيب هيبةً، وأهدى إلى قلوب المقارعين فَرَقاً، وإلى الفرائص ارتعاداً، وإلى النّفوس خَوراً، غير مبالٍ بالجحفل الجرّار، ولا بمكترثٍ بمزدحم الرجال حتّى قتل خمسة وثلاثين فارساً
، وبطبع الحال فيهم مَن هو أقوى منه، لكنّ البسالةَ وراثةٌ بين أشبال ( عليعليهالسلام
) على حدٍّ سواء، فهم فيها كأسنان المشط،
____________________
صغيرهم وكبيرهم، كما أنّهم في الأنفة عن الدنية سيان، فلم يغتالوا الشبل الباسل حتّى وقف يشدُّ شسع نعله، وهو لا يزن الحرب إلاّ بمثله، وقد أنف ( شبل الوصيِّ ) أنْ يحتفي في الميدان.
أهوى يشدُّ حذاءَهُ
|
|
والحربُ مُشرعةٌ لأجْلِهْ
|
ليَسُومَها ما إنْ غلتْ
|
|
هَيْجاؤهَا بِشراكِ نَعْلِهْ
|
مُتقلِّداً صمْصامَه
|
|
مُتفيِّئاً بظلالِ نصْلِهْ
|
لا تَعْجَبنَّ لفعِلهِ
|
|
فالفرعُ مُرتَهنٌ بأصلِهْ
|
السّحُب يَخلفُها الحَيا
|
|
والليّثُ مَنظورٌ بشبلِهْ
|
يُردِي الطَّليعةَ مِنهُمُ
|
|
ويُريهُمُ آياتَ فِعْلِهْ
|
وهذا عبد اللّه بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب، بارز يوم الطَّفِّ الاُلوف مع صغر سنِّه حتّى قتل منهم - على رواية محمّد بن أبي طالب - ثلاثةً وتسعين رجلاً، بثلاث حملات.
وهذا محمّد بن الحنفيّة، فإنّ له مواقفاً محمودة في الجمل وصفِّين والنّهروان، وكانت الراية معه، فأبلى بلاءً حسناً سجَّله له التاريخ وشكره الإسلام، وكان صغير السّنِّ على ما يظهر من السّبط في تذكرة الخواصّ، وابن كثير في البداية ج٩ ص٣٨
، فإنّهما نصّا على وفاته سنة ٨١ عن خمسٍ وستّين، فتكون ولادته سنة ١٦ للهجرة، وله يوم البصرة الواقع سنة ٣٦ هـ عشرون سنة.
____________________
وحينئذ فلا غرابة في التحدّث عن موقف أبي الفضلعليهالسلام
وما أبداه من كرٍّ وإقدام؛ خصوصاً بعد ما أوقَفَنا النّص النّبوي الآتي على ما حواه وُلدُ أبي طالب من بسالة وبطولة.
وأمّا يوم شهادة أخيه الإمام المجتبىعليهالسلام
فله أربع وعشرون سنة، وقد ذكر صاحب كتاب ( قمر بني هاشم ) ص٨٤: أنّه لمـّا رأى جنازة سيّد شباب أهل الجنّةعليهالسلام
تُرمى بالسّهام، عظمَ عليه الأمر، ولم يطقْ صبراً دون أنْ جرَّد سيفه وأراد البطش بأصحاب ( البغلة ) لولا كراهيةُ السّبط الشهيدعليهالسلام
الحرب؛ عملاً بوصية أخيهعليهالسلام
:« لا تُهرقْ في أمرِي مَحْجَمةً مِنْ دمٍ »
.
فصبر أبو الفضلعليهالسلام
على أحرِّ من جمر الغضا، ينتظرُ الفرصة ويترقَّبُ الوعدَ الإلهي، فأجهد النّفس، وبذل النّفس في مشهد ( النّواويس )، وحاز كلتا الحُسنيين.
____________________
موقفُهُ في الطَّفِّ:
ربما يستعصي البيان عن الإفاضة في القول في هذا الفصل لشدّة وضوحه، وربما أعقب الظهور خفاءً؛ فإنّ منْ أبرز الصفات الحميدة في الهاشميِّين الشجاعة، وقد جُبلوا عليها، وبالأخص الطالبيِّين، وقد أوقفنا على هذه الظاهرة الحديث النّبويّ:« لو ولدَ النّاسَ أبو طالبٍ كُلَّهمْ لكانوا شُجعاناً »
.
إذاً فما ظنّك بطالبيٍّ أبوه أمير المؤمنينعليهالسلام
قاتل عمر بن عبد ود، ومزهق مرحب، وقالع باب خيبر، وقد عرق في ولده البسالة كُلّها والشهامة بأسرها، وعلّمه قراع الكتائب، فنشأ بين حروبٍ طاحنة وغارات شعواء، وخؤولته العامريّون الذين شهد لهم عقيل بالفروسية؟!
وللخؤولة كالعمومة عرق ضارب في الولد، ومن هنا قالت العرب:( فلان مُعِمٌّ مُخْوِلٌ )
إذا كان كريمهم، وحوى المزايا الحميدة عنهما
، ولم يعقد أمير المؤمنينعليهالسلام
على اُمِّ البنين إلاّ
____________________
لتلد له هذا الفارس المغوار والبطل المـُجرّب، فما أخطأت إرادته الغرض، ولا عدى سهمه المرمى.
فكان أبو الفضل رمز البطولة ومثال الصولات، يلوح البأس على أسارير جبهته، فإذا يَمّم كميّاً قصده الموت معه، أو التقى بمُقبل ولاّه دبره، ولم يبرح هكذا تشكره الحرب والضرب، وتشكوه الهامات والأعناق، ما خاض ملحمة إلاّ وكان ليلها المعتكر، ولم يلفَ في معركة إلاّ وقابل ببشره وجهها المـُكفهر.
يُمثّلُ الكرّارَ في كرَّاتِه
|
|
بلْ في المعانِي الغُرِّ مِنْ صفاتِهِ
|
ليسَ يدُ اللّهِ سِوى أبيه
|
|
وقُدرةُ اللّهِ تَجلَّتْ فيهِ
|
فَهو يدُ اللّهِ وهذا ساعدُه
|
|
تُغنِيكَ عَنْ إثباتِهِ مشاهدُهْ
|
صَولتُهُ عندَ النّزالِ صولتُهْ
|
|
لولا الغُلوُّ قُلتُ جلَّتْ قُدرتُه
|
وهل في وسع الشاعر أنْ ينضد خياله، أو يتسنّى للكاتب أنْ يسترسل في وصف تلك البسالة الحيدريّة، وجوهر الحقيقة قائمٌ بنفسه، ماثلٌ أمامَ الباحث بأجلى مِن كُلّ هاتيك المعرفات في مشهد يوم الطَّفِّ؟!
ولَعمري، إنّ حديث كربلاء لم يُبقِ لسابقٍ في الشجاعة سبقاً، ولا للاحقٍ طريقاً إلاّ الالتحاق به، فلقد استملينا أخبار الشجعان في الحروب والمغازي يوم شأوا الأقران في الفروسيّة، فلم يعدهم في الغالب الاستظهار بالعدد، وتوفّر العتاد، وتهيء ممدّات الحياة من المطعم والمشرب، وفي الغالب إنّ الكفاية بين الجيشين المتقابلين موجودة.
يسترسل المؤرّخون لذكر شجعان الجاهليّة والحالة كما وصفناها، واهتزّوا طرباً لقصة ربيعة بن مكدم، وهي: إنّ ربيعة بن مكدم بن عامر بن حرثان من بني مالك بن كنانة كان أحد فرسان مضر المعدودين، خرج بالظعينة وفيها اُمّه اُمّ سنان من بني أشجع بن عامر بن ليث بن بكر بن كنانة، واُخته اُمّ عزَّة، وأخوه أبو القرعة، ورأى الظعينة دُريد بن الصمّة، فقال لرجل معه: صح بالرجل أنْ خَلِّ الظعينة وانجُ بنفسك. وهو لا يعرفه.
فلمـّا رأى ربيعة أنّ الرجل قد ألحّ عليه، ألقى زمام النّاقة وحمل على الرجل فصرعه، فبعث دريد آخر فصرعه ربيعة، فبعث الثالث ليعلم خبر الأوَّلَين فقتله ربيعة وقد انكسر رمحه، فلمـّا وافاه دُريد ورأى الثلاثة صرعى ورمحه مكسوراً، قال له: يا فتى، مثلُكَ لا يُقتل، وهؤلاء يثأرون ولا رمح لك، ولكنْ خُذ رمحي وانجُ بنفسك والظعينة. ثُمّ دفع إليه رمحه ورجع دريد إلى القوم، وأعلمهم أنّ الرجل قتل الثلاثة وغلبه على رمحه، وقد منع بالظعينة، فلا طمع لكم فيه
.
هذا الذي حفظته السّيرة مأثرة لربيعة بن مكدم بتهالكه دون الظعائن حتّى انكسر رمحه، ولكنْ أين هو من ( حامى الظعينة ) يوم
____________________
قاتل الاُلوف، وزعزع الصفوف عن المشرعة حتّى ملك الماء وملأ القربة، والكُلّ يرونه ويحذرونه؟!
وأنّى لربيعة من بواسل ذلك المشهد الرهيب فضلاً عن سيّدهم أبي الفضلعليهالسلام
، فلقد كان جامع رأيهم، فلم يقدهم إلاّ إلى محلِّ الشرف، مُنكباً بهم عن خطَّة الخسف والضّعة، على حين أنّ الأبطال تتقاذف بهم سكرات الموت؟!
هذا وللسبط المـُقدّسعليهالسلام
طرف شاخص إلى صنوه البطل المـُقدام كيف يرسب ويطفو بين بُهمِ الرجال، ووجهُهُ مُتهلّلٌ لكرّاته، ولحرائر بيت النّبوَّة أملٌ موطَّد لحاميةِ الظعائن.
وإليك مثالاً من بسالته الموصوفة في ذلك المشهد الدامي، وهي لا تدعك إلاّ مُذعناً بما له من ثبات ممنع عند الهزاهز، وطُمأنينة لدى الأهوال.
الأوّل:
في اليوم السّابع من المـُحرَّم حُوصر سيّد الشُّهداءعليهالسلام
ومَن معه، وسُدّ عنهم باب الورود، ونفذ ما عندهم من الماء، فعاد كُلٌّ منهم يعالج لهب الأوام
، وبطبع الحال كانوا بين أنّةٍ وحنّة، وتضوّرٍ ونشيج، ومُتطلّبٍ للماء إلى متحرٍّ ما يبلّ غلته، وكُلُّ ذلك بعين ( أبي عليعليهالسلام
) والغيارى من آله، والأكارم من صحبه، وما عسى أنْ يجدوا لهم وبينهم وبين الماء رماحٌ مُشرعة وبوارقٌ مُرهفة في جمعٍ كثيف يرأسهم عمرو بن الحجّاج، لكنْ ( ساقي العِطاشى ) لمْ يتطامن على تحمّل تلك الحالة.
أَو تَشتَكي العَطشَ الفَواطمُ عِندَهُ
|
|
وَبصدرِ صعدَتِهِ الفراتُ المـُفعمُ
|
وَلو اِستَقَى نَهرَ المَجرَّةِ لارتَقَى
|
|
وَطَويلُ ذابلِهِ إِلَيها سُلمُ
|
____________________
لَو سَدُّ ذي القَرنينِ دُونَ ورودِهِ
|
|
نَسَفتْهُ هِمَّتُهُ بِما هوَ أَعظَمُ
|
في كَفِّهِ اليُسرى السَّقاءُ يقلُّهُ
|
|
وَبِكَفِّهِ اليُمنَى الحسامُ المِخْذَمُ
|
مثل السَّحابةِ لِلفَواطمِ صَوبُهُ
|
|
ويُصيبُ حاصبُهُ العَدوَّ فَيُرجَمُ
|
هناك قيّض الحسينعليهالسلام
لهذه المـُهمّة أخاه العبّاس، في حين أنّ نفسه الكريمة تُنازعه إلى ذلك قبل الطلب، ويحدوه إليه حفاظه المـُرُّ، فأمره أنْ يستقي للحرائر والصبية وإنْ كان دونه شقّ المرائر وسفك المـُهج، وضمّ إليه ثلاثين فارساً وعشرين راجلاً، وبعث معهم عشرين قربة، وتقدّم أمامهم نافع بن هلال الجملي، فمضوا غير مبالين وكُلّ بحفظ الشريعة؛ لأنّهم محتفون بشتيم من آل محمّدصلىاللهعليهوآله
، فتقدّم نافع باللّواء، وصاح به عمرو بن الحجّاج: مَن الرجل؟ وما جاء بك؟
قال: جئنا نشرب من هذا الماء الذي حلأتمونا عنه. فقال له: اشرب هنيئاً. قال نافع: لا واللّه، لا أشرب منه قطرة والحسين ومَن ترى من آله وصحبه عِطاشى. فقال: لا سبيل إلى سقي هؤلاء، وإنّما وُضعنا هاهنا لنمنعهم الماء. ثُمّ صاح نافع بأصحابه: املأوا قربكم.
وشدّ عليهم أصحاب ابن الحجّاج، فكان بعض القوم يملأ القرب وبعضٌ يُقاتل، وحاميهم ( ابنُ بجدتها ) مُسدّد الكماة، المـُتربِّي في حجر البسالة الحيدريّة والمـُرتضع من لبانها ( أبو الفضل )، فجاؤوا بالماء وليس في القوم المناوئين مَن تُحدّثه نفسه بالدنوِّ منهم؛ فرقاً من ذلك البطل المغوار، فبُلّت غلّة الحرائر والصبية الطيِّبة من ذلك الماء، وابتهجت به النّفوس
.
____________________
ولكنْ لا يفوت القارئ معرفة: إنّ تلك الكميّة القليلة من الماء ما عسى أنْ تُجدي اُولئك الجمع الذي هو أكثر من مئة وخمسين، رجالاً ونساءً وأطفالاً، أو أنّهم ينيفون على المئتين على بعض الروايات؟! ومِنَ المقطوع به أنّه لم تروِ أكبادهم إلاّ مرّة واحدة، أو أنّها كمصّة الوشل، فسرعان أنْ عاد إليهم الظمأ، وإلى اللّه سبحانه المـُشتكى.
الثاني:
كان أصحاب الحسينعليهالسلام
بعد الحملة الاُولى التي استشهد فيها خمسون، يخرج الاثنان والثلاثة والأربعة، وكُلٌّ يحمي الآخر من كيد عدوّه، فخرج الجابريان وقاتلا حتّى قُتلا، وخرج الغفّاريان فقاتلا معاً حتّى قُتلا، وقاتل الحُرُّ الرياحي ومعه زهير بن القَين يحمي ظهره حتّى فعلا ذلك ساعة، فكان إذا شدّ أحدهما واستلحم، شدَّ الآخر واستنقذه حتّى قُتل الحُرُّ
.
وفي تاريخ الطبري ج٦ ص٢٥٥: إنّ عمرو بن خالد الصيداوي وسعد مولاه، وجابر بن الحارث السّلماني، ومجمع بن عبد اللّه العائذي شدّوا جميعاً على أهل الكوفة، فلمـّا أوغلوا فيهم عطف عليهم النّاس من كُلِّ جانب وقطعوهم عن أصحابهم، فندب إليهم الحسينعليهالسلام
أخاه العبّاس، فاستنقذهم بسيفه، وقد جُرحوا بأجمعهم، وفي أثناء الطريق اقترب منهم العدو، فشدّوا بأسيافهم مع ما بهم من الجراح وقاتلوا حتّى قُتلوا في مكان واحد، وفازوا بالسّعادة الخالدة.
____________________
الشهادة:
لم يفتأ لقمر بني هاشم دؤب على مناصرة الحقّ في شمم وإباء عن النّزول على حكم الدنيّة، منذ كان يرتضع لبان البسالة، وتربّى في حجر الإمامة، فترعرع ونُصبَ عينه أمثلة الشجاعة والتضحية دون النّواميس الإلهيّة، لمطاردة الرجال ومجالدة الأبطال؛ فإمّا فوز بالظفر أو ظفر بالشهادة، فمن الصعب عنده النّزول على الضيم، وهو يرى الموت تحت مشتبك الأسنّة أسعد من حياة تحت الاضطهاد، فكان لا يرى للبقاء قيمةً و( إمام الحقّ ) مكثور، وعقائل بيت الوحي قد بلغ منهنّ الكرب كُلَّ مبلغ.
ولكنْ لمـّا كان - سلام اللّه عليه - أنفس الذخائر عند السّبط الشهيدعليهالسلام
وأعزّ حامته لديه، وطمأنينة الحرم بوجوده وبسيفه الشاهر، ولوائه الخفاق وبطولتِهِ المعلومة، لم يأذن له إلى النّفس الأخير من النّهضة المـُقدّسة، فلا الحسينعليهالسلام
يسمح به، ولا العائلة الكريمة تألف بغيره، ولا الحالة تدعه لأنْ يُغادر وحرائر أبيه بين الوحوش الكواسر.
هكذا كان أبو الفضل بين نزوعٍ إلى الكفاح بمقتضى غريزته، وتأخّرٍ عن الحركة لباعثٍ دينيٍّ وهو طاعة الإمامعليهالسلام
، حتّى بلغ الأمر نصابه، فلم يكن لجاذب الغيرة أو دافعها مكافئ، وكان مِلْءُ سمعه ضوضاء الحرم من العطش تارة، ومن البلاء المـُقبل اُخرى، ( ومركز الإمامة ) دارت عليه الدوائر، وتقطّعت عنه خطوط المدد، وتفانى صحبه وذووه.
هنالك هاج ( صاحب اللّواء ) - ولا يلحقه الليث عند الهياج - فمثل أمام أخيه الشهيد يستأذنه، فلم يجد أبو عبد اللّهعليهالسلام
بُدّاً من الإذنْ، حيث وجد نفسه لَتسبق جسمه؛ إذ ليس في وسعه البقاء على تلك الكوارث المـُلمّة من دون أنْ يأخذ ثأره من اُولئك المَرَدة، فعرّفه الحسينعليهالسلام
أنّه مهما ينظر اللّواء مرفوعاً كأنّه يرى العسكر مُتّصلاً والمدد مُتتابعاً، والأعداء تحذر صولته وترهب إقدامه، وحرائر النّبوَّة مُطمئنة بوجوده، فقال له:« أنتَ صاحبُ لوائِي، ولكنْ اطلبْ لهؤلاءِ الأطفالِ قليلاً مِن الماءِ »
.
فذهب العبّاسعليهالسلام
إلى القوم ووعظهم وحذّرهم غضب الجبّار، فلم ينفع، فرجع إلى أخيه وأخبره، فسمع الأطفال يتصارخون من العطش، فنهضت بـ ( ساقي العِطاشى ) غيرته الشمّاء وأخذ القربة، وركب فرسه وقصد الفرات، فلم يرعه الجمع المـُتكاثر، وكشفَهم شبلُ عليٍّ عن الماء ومَلَك الشريعة، ومذ أحسّ ببرده تذكّر عطش الحسينعليهالسلام
، فرأى من واجبه ترك الشرب؛ لأنّ الإمامعليهالسلام
ومَن معه أضرّ بهم العطش، فرمى الماء من يده وأسرع بالقربة محافظاً على مهجة الإمامعليهالسلام
ولو في آن يسير، وقال
:
يا نفسُ مِنْ بعدِ الحُسينِ هُوني
|
|
وبعدَهُ لا كُنتِ أنْ تكوني
|
هذا الحُسينُ واردُ المنونِ
|
|
وتشْرَبينَ باردَ المعينِ
|
تـاللّهِ مـا هـذا فعالُ دينِي
فتكاثروا عليه وقطعوا طريقه، فلم يُبالِ بهم، وجعل يضرب فيهم بسيفه، ويقول:
____________________
لا أرْهبُ المَوتَ إذا الموتُ زقا
|
|
حتّى اُوارَى في المصاليتِ لَقَى
|
إنِّي أنَا العبّاسُ أغْدو بالسّقا
|
|
ولا أهابُ المَوتَ يومَ المـُلتَقَى
|
فكمنَ له زيد بن الرقّاد الجهني، وعاونه حكيم بن الطفيل السّنبسي، فضربه على يمينه فقطعها، فأخذ السّيف بشماله وجعل يضرب فيهم، ويقول:
واللّهِ إنْ قَطعتُمُ يَمينِي
|
|
إنّي اُحامِي أبداً عَنْ دِينِي
|
وعَنْ إمامٍ صادقِ اليَقينِ
|
|
نجلِ النَّبيِّ الطَّاهرِ الأمينِ
|
فكمنَ له حكيم بن الطفيل من وراء نخلة، فضربه على شماله فبراها، فضمّ اللّواء إلى صدره.
فعند ذلك أمنوا سطوته وتكاثروا عليه، وأتته السّهام كالمطر؛ فأصاب القربة سهمٌ واُريق ماؤها، وسهمٌ أصاب صدره، وسهمٌ أصاب عينه، وحمل عليه رجلٌ بعمودٍ من حديد وضربه على رأسه المـُقدّس.
وَهوَى بِجَنبِ العَلقميِّ فَلَيتَهُ
|
|
لِلشَّاربينَ بِهِ يُدافُ العَلْقمُ
|
ونادى بصوت عالٍ: عليك منّي السّلام يا أبا عبد اللّه
. فأتاه الحسينعليهالسلام
، ويا ليتني علمتُ بماذا أتاه، أبحياة مُستطارة منه بذلك الفادح الجلل، أو بجاذب من الاُخوّة إلى مصرع صنوه المحبوب!
نعم، حصل الحسينعليهالسلام
عنده وهو يُبصر هيكل البسالة وقربان القداسة فوق الصعيد، وقد غشيته الدِّماء السّائلة وجلّلته النّبال، ورأى ذلك الغصن الباسق قد ألمّ به الذبول، فلا يمينٌ تبطش ولا
____________________
منطقٌ يرتجز، ولا صولةٌ ترهبُ ولا عينٌ تُبصر، ومرتكز الدماغ على الأرض مبدّدٌ.
أصحيح أنّ الحسينعليهالسلام
ينظر إلى تلكم الفجائع ومعه حياة تقدمه، أو عافية تنهض به؟ لا واللّه، لم يبقَ الحسينعليهالسلام
بعد أبي الفضل إلاّ هيكلاً شاخصاً مُعرّى عن لوازم الحياة، وقد أعرب سلام اللّه عليه عن هذا الحال بقوله:« الآن انكسرَ ظَهرِي، وقلَّتْ حِيلَتِي، وشمتَ بِي عدوِّي »
.
وبانَ الانكسارُ فِي جبينِهِ
|
|
فاندكّتْ الجِبالُ مِنْ حَنينِهِ
|
كافلُ أهلِهِ وساقِي صبْيتِهْ
|
|
وحاملُ اللِّوا بعالِي همَّتِهْ
|
وكيفَ لا وهوَ جمالُ بهجتِهْ
|
|
وفي مُحيَّاهُ سرورُ مُهجَتِهْ
|
ورجع إلى المـُخيّم مُنكسراً حزيناً باكياً يُكفكف دموعه بكُمِّه كي لا تراه النّساء
، وقد تدافعت الرِّجال على مخيمه، فنادى بصوت عالٍ:« أمَا مِنْ مُجيرٍ يُجيرُنا؟ أمَا مِنْ مُغيثٍ يُغيثُنا؟ أمَا مِنْ طالبِ حقٍّ يَنصُرُنا؟ أمَا مِنْ خائفٍ مِنَ النّارِ فيذبُّ عنّا؟ »
.
كُلّ هذا لإبلاغ الحُجّة، وإقامة العذر حتّى لا يعتذر أحدٌ بالغفلة يوم يقوم النّاس لربِّ العالمين.
ولمـّا رأته سُكينة مُقبلاً أخذت بعنان جواده، وقالت: أينَ عمّي العبّاس، أراه أبطأ بالماء؟ فقال لها:« إنَّ عمَّكِ قُتلْ »
. فسمعته زينب فنادت: وا أخاه! وا عبّاساه! وا ضيعتنا بعدك! وبكين النّسوة وبكى الحسينعليهالسلام
معهنّ، ونادى:« وا ضيْعَتَنا بعدَكَ أبا الفضلِ »
.
____________________
المشهد المـُطهَّر:
ممّا لا شكّ فيه أنّ الإمام الشهيد أبا عبد اللّهعليهالسلام
لم يترك القتلى في حومة الميدان، وإنّما كان يأمر بحملهم إلى الفسطاط الذي يقاتلون دونه، وهذا وإنْ لم نجده صريحاً في كُلِّ واحد من المـُستشهدين إلاّ أنّ التأمّل فيما يؤثر في الواقعة يقتضيه، وإنّ طبع الحال يستدعيه، ويؤيّده ما في البحار من حمل الحُرِّ حتّى وُضع بين يديّ الحسينعليهالسلام
، وعند سقوط علي الأكبر أمر الحسينعليهالسلام
فتيانه أنْ يحملوه إلى الفسطاط الذي يُقاتلون دونه، وقد حمل القاسم بنفسه المـُقدّسة حتّى وضعه مع ابنه الأكبر، وقتلى حوله من أهل بيتهعليهمالسلام
.
هذا لفظ ابن جرير وابن الأثير، ومن البعيد جدّاً أنْ يحمل سيّد الشُّهداءعليهالسلام
أهل بيته خاصّة إلى الفسطاط ويترك اُولئك الصفوة الأكارم الذين قال فيهم:« لا أعلمُ أصحاباً أولَى ولا خيراً مِنْ أصحابي »
. ففضّلهم على كُلِّ أحد حتّى على أصحاب جدّه وأبيه (صلوات الله عليهما وآلهما)، وإنّ كُلّ أحد لا يرضى من نفسه هذه الفعلة، فكيف بذلك السيّد الكريم الذي علّم النّاس الشّمم والإباء والغيرة؟!
على أنّ الفاضل القزويني يحكي في تظلّم الزهراءعليهاالسلام
ص١١٨ عن غيبة النّعماني: أنّ أبا جعفر الباقرعليهالسلام
يقول:« كان الحسينُ يضع قتلاه بعضَهُمْ معَ بعضٍ، ويقول: قتلةٌ مثلُ قتلةِ النَّبيِّينَ وآلِ النَّبيِّين »
.
____________________
نعم، ممّا لا شكّ فيه أنّهعليهالسلام
ترك أخاه العبّاس في محلّ سقوطه قريباً من المسنّاة، لا لما يمضي في بعض الكتب من كثرة الجروح وتقطّع الأوصال، فلم يقدر على حمله؛ لأنّ في وسع الإمامعليهالسلام
أنْ يُحرّك ذلك الشلو المـُبضَّع إلى حيث أراد ومتى شاء؛ وإلاّ لِما قيل: من أنّ العبّاس أقسم عليه بجدّه الرسولصلىاللهعليهوآله
أن يتركه في مكانه؛ لأنّه وعد سكينة بالماء ويستحي منها
؛ لعدم الشاهد الواضح على كُلِّ منهما.
بل إنّما تركه لسرّ دقيقٍ، ونكتة لا تخفى على المتأمّل ومَن له ذوق سليم، ولولاه لم يعجز الإمامعليهالسلام
عن حمله مهما يكن الحال، وقد كشفت الأيّام عن ذلك السّرّ المصون، وهو: أنْ يكون له مشهد يُقصد بالحوائج والزيارات، وبقعة يزدلف إليها النّاس وتتزلّف إلى المولى سبحانه تحت قبته التي تحك السّماء رفعةً وسناءً؛ فتظهر هنالك الكرامات الباهرة، وتعرف الاُمّة مكانته السّامية ومنزلته عند اللّه؛ فتُقدّره حقّ قدره، وتؤدّي ما وجب عليهم من الحبّ المتأكّد والزورة المتواصلة، ويكونعليهالسلام
حلقة الوصل بينهم وبين اللّه تعالى، وسبب الزلفى لديه.
فشاء المهيمن تعالى شأنه، وشاء وليُّه وحُجّته أنْ تكون منزلة أبي الفضل الظاهريّة شبيهة بالمنزلة المعنويّة الاُخرويّة، فكان كما شاءا وأحبّا.
____________________
ولو حمله سيّد الشُّهداءعليهالسلام
إلى حيث مجتمع الشُّهداء في الحائر الأقدس لغمره فضل الإمام الحُجّةعليهالسلام
، ولم تظهر له هذه المنزلة التي ضاهت منزلة الحُجّج الطاهرينعليهمالسلام
، خصوصاً بعد ما أكّد ذلك الإمام الصادقعليهالسلام
بإفراد زيارة مُختصّة به، وإذناً بالدخول إلى حرمه الأطهر كما شُرّع ذلك لأئمّة الهدىعليهمالسلام
، غير ما يُزار به جميع الشُّهداء بلفظ واحد، وليس هو إلاّ لمزايا اختُصّت به.
وقد أرشدتنا آثار أهل البيتعليهمالسلام
على هذا الموضع من مرقده الطيّب، ففي كامل الزيارات لابن قولويه ص٢٥٦ بسند صحيح عن أبي حمزة الثمالي، عن الصادقعليهالسلام
قال:« إذا أردتَ زيارةَ العبّاسِ بنِ عليٍّ وهو على شطِّ الفُراتِ بحذاء الحَيْر، فقف على باب السّقيفة، وقل: سلامُ اللّهِ وسلامُ ملائكتِهِ... »
.
وحكى المجلسي - أعلى اللّه مقامه - في مزار البحار، عن الشيخ المفيد وابن المشهدي زيارةً اُخرى له في هذا المشهد الذي أشار إليه الصادقعليهالسلام
، برواية غير مُقيّدة بوقت من الأوقات. وهكذا حُكي عن المفيد والشهيد والسيّد ابن طاووس في زيارة النّصف من رجب، وليلة القدر، ويومَي العيدين، ومثله العلاّمة النّوري في تحيّة الزائر.
وعبارة المفيد في الإرشاد صريحة فيما نصّت به رواية أبي حمزة الثمالي؛ فإنّه قال عند ذكر مَن قُتل من آلِ الحسينعليهالسلام
: وكلُّهم مدفونون ممّا يلي رجلَي الحسينعليهالسلام
في مشهده، حُفر لهم حفيرة واُلقوا فيها جميعاً... إلاّ العبّاس بن عليٍّ رضوان اللّه عليه، فإنّه دُفن في موضع مقتله على المسنّاة بطريق الغاضريّة، وقبره ظاهرٌ،
وليس لقبور إخوته وأهله الذين سمّيناهم أثرٌ، وإنّما يزورهم الزائر من عند قبر الحسينعليهالسلام
، ويومئ إلى الأرض التي نحو رجليهِ بالسّلام، وعلي بن الحسين في جملتهم، ويُقال: إنّه أقربهم دفناً إلى الحسينعليهالسلام
. فأمّا أصحاب الحسينعليهالسلام
الذين قُتلوا معه، فإنّهم دُفنوا حوله، ولسنا نحصل لهم أجداثاً على التحقيق، إلاّ أنّا لا نشكّ أنّ الحائر محيطٌ بهم
.
وعلى هذا مشى العلماء المـُحقّقون والمـُنقّبون في الآثار من كون مشهده بحذاء الحائر الشريف، قريباً من شطّ الفرات، نصّ عليه الطبرسي في إعلام الورى ص١٤٧، والسيّد الجزائري في الأنوار النّعمانيّة ص٣٤٤، والشيخ الطُّريحي في المنتخب، والسيّد الداودي في عمدة الطالب ص٣٤٩، وحكاه في رياض الأحزان ص٣٩ عن كامل السّقيفة
.
وهو الظاهر من ابن إدريس في السّرائر، والعلاّمة في المنتهى، والشهيد الأوّل في مزار الدروس، والأردبيلي في شرح الإرشاد، والسّبزواري في الذخيرة، والشيخ آقا رضا في مصباح الفقيه؛ فإنّهم نقلوا كلام المفيد ساكتين عليه
.
____________________
ملاحظة:
تقدّم في نقل البحار أنّ الحُرَّ الرياحي حُمل من الميدان ووُضع أمام الحسينعليهالسلام
، وعليه يكون مدفوناً في الحائر الأطهر.
ولكن في الكبريت الأحمر ج٣ ص١٢٤ جاءت الرواية عن مدينة العلم للسيّد الجزائري: إنّ السجّادعليهالسلام
دفنه في موضعه، مُنحازاً عن الشُّهداء. وفي ص٧٥ ذكر أنّ جماعة من عشيرته نقلوه عن مصرع الشُّهداء؛ لئلاّ يُوطأ بالخيل إلى حيث مشهده، ويُقال: إنّ اُمّه كانت معه، فأبعدته عن مجتمع الشُّهداء.
وإذا صحّ حمل العشيرة إيّاه إلى حيث مشهده، فلا يتمّ ما في مدينة العلم من دفن السجّادعليهالسلام
له؛ فإنّه من البعيد جداً أنْ تحمله العشيرة ثُمّ تترك عميدها في البيداء عرضة للوحوش، بل لم يعهد ذلك في أي اُمّةٍ وملّة.
وعلى كُلٍّ، فهذا المشهد المعروف له ممّا لا ريب في صحته؛ للسيرة المستمرة بين الشيعة على زيارته في هذا المكان، وفيهم العلماء والمـُتديّنون.
ويظهر من الشهيد الأوّل المصادقة عليه؛ فإنّه قال في مزار الدروس: وإذا زار الحسينعليهالسلام
فليزر عليَّ بن الحسين، وهو الأكبر على الأصح، وليزر الشُّهداء وأخاه العبّاسَ والحُرَّ بنَ يزيد
.
____________________
ووافقه العلاّمة النّوري في اللؤلؤ والمرجان ص١١٥، واعتماد السّلطنة محمّد حسن المراغي - من رجال العهد النّاصري - في حجّة السّعادة على حجّة الشهادة ص٥٦ طبع تبريز.
وقال المجلسي في مزار البحار عند قولهعليهالسلام
في زيارة الشُّهداء العامّة: فإنّ هناك حومة الشُّهداء. المراد منه معظمهم أو أكثرهم، لخروج العبّاس والحُرِّ عنهم
.
ويشهد له ما في الأنوار النّعمانية ص٣٤٥: إنّ الشاه إسماعيل لمـّا ملكَ بغداد، وزار قبر الحسينعليهالسلام
، وبلغه طعن بعض العلماء على الحُرِّ، أمرَ بنبشه لكشف الحقيقة، ولمـّا نبشوه رآه بهيئته لمـّا قُتل، ورأى على رأسه عصابة قيل له: إنّها للحسينعليهالسلام
، فلمـّا حلّها نبع الدَّمُ كالميزاب، وكُلّما عالج قطعة بغيرها لم يتمكّن، فأعادها إلى محلّها، وتبيّنت الحقيقة، فبنى عليه قبَّةً وعيّن له خادماً، وأجرى لها وقفاً.
____________________
الحائر:
جاء في حديث الصادقعليهالسلام
لفظ الحَيْر، فإنّه قال:« وهو على شطِّ الفُراتِ بحذاء الحَيْر »
.
والحَيْر، بالفتح فالسّكون كالحائر: هو المكان المـُنخفض الذي يسيل إليه ماء الأمطار ويجتمع فيه. وفي تاج العروس بمادة حور: الحائر: اسمُ موضع فيه مشهد الإمام المظلوم الشهيد أبي عبد اللّه الحسين
.
ولم تحدث التسمية بالحائر من استدارة الماء حول القبر المـُقدّس حين اُجري عليه بأمر المـُتوكِّل العبّاسي؛ لأنّ لفظ الحائر والحَيْر وقع في لسان الصادق والكاظمعليهماالسلام
قبل استخلاف المـُتوكِّل.
نعم، إنّ اللّه سبحانه أكرم حُجّته ووليَّه المذبوح دون دينه القويم، ممنوعاً من ورود الماء الذي جُعل شرعاً سواء لعامّة المخلوقات، باستدارة الماء حول قبره يوم اُجري عليه؛ لإعفاء أثره ومحو رسمه ( ولن يزداد أثره إلاّ علوّاً )
.
____________________
ولقد شعّت هذه الآية الباهرة، فاستضاءت منها الحقب والأعوام، واهتزّت لها الأندية والمحافل ارتياحاً، وتناقلها العلماء المـُنقّبون في جوامعهم، منهم الشهيد الأوّل في الذكرى، والأردبيلي في شرح الإرشاد، والسّبزواري في الذخيرة، والشيخ الطُّريحي في المنتخب، والشيخ المـُحقّق في الجواهر.
وكم لآل الرسولصلىاللهعليهوآله
من براهين كاثرت النّجوم بكثرتها، وقد اجتهد أهل العناد في إغفالها أو افتعال نظائرها لأئمّتهم؛ حقداً وحسداً:
(
وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ
)
.
مَنْ يُباريهمُ وفي الشَّمسِ معنىً
|
|
مُجهدٌ مُتعبٌ لِمَنْ باراهَا
|
ورثُوا من مُحمّدٍ سبقَ اُولا
|
|
هَا وحازُوا ما لَمْ تَحزْ اُخراهَا
|
قادةٌ علمُهُمْ ورأيُ حِجاهُمْ
|
|
مُسْمِعاً كُلَّ حكمةٍ منْظراهَا
|
علماءٌ أئمَّةٌ حُكماءٌ
|
|
يهتدي النّجمُ باتِّباعِ هُداهَا
|
____________________
يتحدّث اليافعي في مرآة الجنان ج٤ ص٢٧٣ عن كرامةٍ لأحمد بن حنبل، فيقول: زادت دجلة زيادة مفرطة حتّى خربت مقبرة أحمد بن حنبل، سوى البيت الذي فيه ضريحه؛ فإنّ الماء دخل في الدهليز علوّ ذراع ووقف بإذن اللّه، وبقيت البواري عليها الغبار حول القبر، صحّ الخبر.
هكذا يرتاح لهذه الكرامة ويُصحّح الخبر، ولكنّه يتوقّف عن إثبات تلك الكرامة لسيّد شباب أهل الجنّة، وفلذة كبد الإسلام، وريحانة النّبيِّ الأعظمصلىاللهعليهوآله
. وما أدري بماذا يعتذر يوم جرفت دجلة قبر ابن حنبل ومحت أثره حتّى لم يُعرف له ضريح إلى اليوم
؟!
وقد أجاد العلاّمة الشيخ محمّد السّماوي، إذ يقول:
ألا مِنْ عَذيرِي يا بَني العلْمِ والحِجَى
|
|
مِنَ اليافعيِّ الحنْبليِّ المـُجلّلِ
|
يُكذِّبُني إنْ قُلتُ قبرُ ابنِ فاطمٍ
|
|
عليهِ اسْتَدَارَ الماءُ للمُتوكِّلِ
|
ويَزْعُمُ حارَ الماْ ولَمْ تجلُ غبرةٌ
|
|
على حُصرٍ كانتْ بقبرِ ابنِ حَنبلِ
|
وإنّ لأمثال ذلك في كتبهم اُنشىء الكثير، أرادوا به المقابلة لما صدر من آل النّبيِّ المعصومينعليهمالسلام
، والإشارة إلى بعض ما أوقفنا البحث عليه وإنْ يُخرجنا عن وضع الرسالة، إلاّ أنّ الغرض تعريف القارئ بأنّ العداء كيف يأخذ بالشخص إلى إنكار البديهي، والتَّعامي عن النّيِّرات!
____________________
ذكر اليافعي في مرآة الجنان ج٣ ص١١٣: إنّ أبا إسحاق الشيرازي المتوفّى سنة ٤٧٦ هجرية لمـّا ورد بلاد العجم، خرج أهلها إليه بنسائهم وأطفالهم للتبرّك به، فكانوا يمسحون أردانهم به، ويأخذون من تراب نعله فيستشفون به.
وإذا صحّ مثل هذا، فلماذا كان الاستشفاء بتربة الحسينعليهالسلام
، وهو سيّد شباب أهل الجنّة، بدعة وضلالة؟!
ثُمّ في ج٣ ص١٣٣ منه، يعدّ من فضائل أحمد وكراماته، وما حباه اللّه عن خدمته في الدِّين: إنّ إبراهيم الحربي رأى في المنام بشر الحافي خارجاً من مسجد الرصافة وفي كمّه شيءٌ، فسأله عنه، فقال: لمـّا قدم علينا روحُ أحمد بن حنبل نثر عليه الدر والياقوت، فهذا ممّا التقطته!
أصحيح أنْ تُعدّ هذه الرؤيا من الكرامات، ويُعدّ من الباطل حديث الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله
في حقّ سيّد الوصيّينعليهالسلام
، ومَن هو منه بمنزلة هارون من موسى، ولولاه لما قام للدّين عمود، ولما أخضرّ له عود؛ وذلك لمـّا تزوّج أمير المؤمنين من سيّدة نساء العالمينعليهماالسلام
، بأنّ اللّه تعالى أمر شجرة طوبى أنْ تحمل صكاكاً فيها براءة لمُحبّي علي وفاطمةعليهماالسلام
من النّار، وأنشأ تحتها ملائكة التقطوا ما نثرته عليهم، يحفظونه إلى يوم القيامة؛ كرامة لعلي وفاطمةعليهماالسلام
؟!
ثُمّ يرمي راوي هذه الكرامة بالجهالة والرفض، ويعدّ الحديث من الموضوعات
، مع شهرة الحديث بين المـُحدّثين والمـُنقّبين في الآثار.
____________________
وجاء السّبكي فعدَّ في طبقات الشافعيّة ج١ ص٢١٥ من فضائل أحمد بن نصر الخزاعي، الذي قتله الواثق على مسألة خلق القرآن: تكلّم رأسه بالقرآن لمـّا قُطع، وبقي يقرأه إلى أنْ اُلحق بالجسد ودُفن.
وإذ سمعوا بأنّ رأس الحسينعليهالسلام
الذي قُتل في سبيل الدعوة الإلهيّة وإحياء الدِّين، يتكلّم بالقرآن؛ لإتمام الحجّة، وتعريفاً للاُمّة طغيان اُولئك الاُمراء، ولئلاّ تذهب تلك التضحية المـُقدّسة أدراج التمويهات، طعنوا في الحديث، ونسبوا راويه إلى الرفض والجهالة، مع أنّ الحسينعليهالسلام
لم يخرج عن كونه ابن الرسولصلىاللهعليهوآله
، وقد شهد الصادق الأمين له ولأخيه المجتبى ( صلوات الله عليهم) بأنّهما إماما هذه الاُمّة إنْ قاما وإنْ قعدا، وأنّهما سيّدا شباب أهل الجنّة، ولم يخرج أشراً ولا بطراً، ولا ظالماً للعباد، ولا غاصباً للحقوق.
ولم يقتنع بذلك حتّى ادّعى كرامة لإسماعيل الحضرمي، وأنّها من المستفيض، قال في ج٥ ص٥١ من طبقات الشافعيّة: إنّ إسماعيل بن محمّد بن إسماعيل الحضرمي كان في سفر ومعه خادمه، فأشرفت الشمس على الغروب، فقال لخادمه: قُلْ للشمس تقف حتّى نَصل المنزل ونُصلّي! فقال الخادم: إنّ الفقيه إسماعيل يقول لكِ: قفي. فوقفت حتّى بلغ المنزل وصلّى، ثُمّ قال للخادم: أما تطلق ذلك المحبوس؟! فأمرها الخادم بالغروب، فغابت وأظلم الليل في الحال!!
هكذا يقول الخبر من المستفيض في رجل قصارى ما يتخيّل فيه أنّه أحد الأولياء، وينكر حديث ردّ الشمس لأمير المؤمنينعليهالسلام
، وكان من أعلام النّبوَّة!
ويرتاح الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ج٤ ص٤٢٣ إلى حديث الوركاني بوقوع المآتم والنّوح في أربعة أصناف من النّاس: المسلمين، واليهود، والنّصارى، والمجوس، يوم وفاة أحمد بن حنبل
، ولا يكون هذا من البدعة والشناعة والخروج عن أخلاق المؤمنين! كما تحاملوا بذلك على الشيعة في إقامتهم المآتم والنّياحة على سليل الرسولصلىاللهعليهوآله
وريحانته حتّى قال الغزالي في مكاشفة القلوب ص١٨٧: إيّاك أنْ تشتغل ببدع الرافضة من النّدب والنّياحة والحزن؛ فإنّ ذلك ليس من أخلاق المؤمنين!! وضرب على وتره غير واحد من المؤرّخين.
وما ذنب الشيعة والمـُشرّع الأعظمصلىاللهعليهوآله
بكى على ولده الحسينعليهالسلام
وهو حيٌّ يُرزق لمُجرّد تذكّر ما يجري عليه، فيخرج إلى المسجد ودموعه جارية، فتبكي الصحابة لبكائه، وفيهم: أبو بكر وعمر، وأبو ذر وعمّار، ويُسأل عن سبب بكائه، فيقولصلىاللهعليهوآله
:« الآن حدّثني جبرائيلُ بما يجري على الحسين »
.
ويمرّ أمير المؤمنينعليهالسلام
بوادي كربلاء في ذهابه إلى صفّين، فيقف هناك ويرسل عبرته، ويقول:« هذا مناخُ ركابِهمْ، ومهراقُ دمائِهمْ، طوبى لكِ منْ تُربةٍ تُراقُ عليك دماءُ الأحبّة! »
.
____________________
إذاً، فهلاّ تحسن مواساة صاحب الشريعة ووصيّه المـُقدّم بعد وقوع الحادثة على فلذة كبده صاحب النّهضة المـُقدّسة، واللّه عزّ وجل يقول:(
لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ اُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
)
؟!
على أنّ الأحاديث الصحيحة عندهم عن أئمّتهم تحثّهم على التظاهر بما فيه إحياء أمرهم؛ من الدعوة إلى سبيل الدِّين، وإظهار الجزع والبكاء والنّوح على سيّد شباب أهل الجنّةعليهالسلام
.
ويقول الإمام الصادقعليهالسلام
في دعائه الطويل وهو ساجد:« اللهمّ، ارحَمْ تلكَ الصَّرخةَ الّتِي كانتْ لنا. اللهمّ، إنّ أعداءَنا عابُوا عليهمْ خُروجَهُمْ إلينا فلَمْ يَنهَهمْ ذلك عنْ الشخوصِ إلينا؛ رغبةً في برِّنا، وصلةً لرسولِكَ، وخلافاً منهُمْ على ما خالفنا. اللهمّ، أعطِهمْ أفضلَ ما يأمَلونَ في غربتِهمْ عنْ أوطانِهمْ، وما أثرُونَا بهِ على أبنائِهمْ »
.
ويقولعليهالسلام
لحمّاد الكوفي:« بلغني أنّ اُناساً من الكوفةِ وغيرِهمْ مِنْ نواحِيها يأتونَ قبرَ الحُسينِ في النّصفِ مِنْ شعبان؛ فبين قارئٍ يقرأ، وقاصٍّ يقصُّ، ومادحٍ يمدحُ، ونساءٍ يندبنَهُ؟ »
. فقال حمّاد: قد شهدتُ بعضَ ما تصف. فقالعليهالسلام
:« الحمدُ للّهِ الذِي جعلَ في شيعَتِنا مَنْ يَفدُ إلينَا ويمدَحُنا ويرثي لنَا، وجعلَ في عدوِّنا مَنْ يُقبِّح ما يصنَعُون »
.
____________________
ولمـّا قال له ذريح المحاربي: إنّي إذا ذكرتُ فضل زيارة الحسينعليهالسلام
لقومي وبنيَّ كذَّبوني! فقالعليهالسلام
:« دَعْ النّاسَ يذهبونَ حيثُ شاؤوا وكُنْ مَعَنا »
.
فإذا كان هذا وأمثاله الكثير ممّا أوجب فعل الشيعة لتلك المظاهر، فلماذا يُطعن عليهم عند إيمانهم بها؟! وما ذنبهم؟! أفلا يتأوّل عملهم - والحال هذا - كما أوّلوا عمل خالد وغيره؟! أين المـُنصفون؟!
نعم، ليس السّرُّ فيما حكموا به على الشيعة من الرياء والتصنّع، والشنعة والبدعة إلاّ قيامهم بهذه الشعائر التي فيها إظهار مظلوميّة أهل البيت العلوي، وتفظيع أعمال المناوئين لهم، وإعلام الملأ بما نشروه من الجور، واسترداد الجاهليّة الاُولى، كما اعترف به ابن كثير في البداية والنّهاية ج٨ ص٢٠٢، قال: إنّ الشيعة لمْ يُريدوا بهذه الأعمال إلاّ أنْ يُشنّعوا على دولة بني اُميّة؛ لأنّه قُتلَ في دولتهم
.
وعليه فلا يكون العمل المستلزم للتشنيع على عمل الجبابرة وطواغيت الاُمّة بقتلهم سيّد شباب أهل الجنّة، وتلاعبهم بالدِّين الحنيف تلاعب الصبيان بالإكر؛ مُقرّباً للمولى زلفة، ورضىً لربِّ العالمين.
____________________
نهرُ العلقمي:
لم يذكر أصحاب المعاجم هذا الوصف، وأهمله المؤرّخون، كما لم يصفه حديث الصادقعليهالسلام
في الزيارة المـُتقدّمة؛ فإنّ فيها:« وهو مدفونٌ بشطِّ الفُراتِ بحذاء الحَيْر »
.
لكنّ شيخنا الطُّريحي ذكر في المـُنتخب ص٩١: أنّ رجلاً من أهل الكوفة حدّاداً قال: خرجت في البعث الذي سار إلى كربلاء، فخيّمنا على شاطئ العلقمي، وحموا الماء عن الحسين ومَن معه حتّى قُتِلوا وأهله وأنصاره عِطاشى، ثُمّ رجعنا إلى الكوفة، وبعد أنْ سيّر ابن زياد السّبايا إلى الشام رأيت في المنام كأنّ القيامة قامت، والنّاس يموجون وقد أخذهم العطش، وأنا أعتقد بأنّي أشدّهم عطشاً، مع شدّة حرارة الشمس والأرض تغلي كالقار، إذ رأيت رجلاً عمَّ الموقف نوره، وفي إثره فارسٌ وجهه أنور من البدر، وبينا أنا واقفٌ إذ أتاني رجلٌ وقادني بسلسلة إليه، فقلتُ له: اُقسم عليك بمَن أمَرَك، مَن تكون؟
قال: أنا من الملائكة.
قلتُ: ومَن هذا الفارس؟
قال: هذا عليٌّ أميرُ المؤمنين.
قلتُ: ومَن ذلك الرجل؟
قال: محمّدٌصلىاللهعليهوآله
.
____________________
ثُمّ رأيت عمرَ بن سعد وقوماً لم أعرفهم في أعناقهم سلاسل من حديد، والنّار تخرج من أعينهم وآذانهم، ورأيت النّبيّين والصّدّيقين قد أحدقوا بمحمّدصلىاللهعليهوآله
، فقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
لعليٍّ:« ما صنعتَ؟ »
. قال:« لمْ أتركْ أحداً مِن قاتلِي الحسينِ إلاّ جئتُ بهِ »
. فقدَّموهم أمام رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
وهو يسألهم عمّا صنعوا بولده يوم كربلاء، فواحدٌ يقول: أنا حميت الماء عنه، والآخر يقول: أنا رميته، والثالث يقول: أنا وطأت صدره، ورابع يقول: أنا قتلت ولده.
وهو يبكي حتّى بكى مَن حوله لبكائه، ثمّ أمر بهم إلى النّار.
وجيء برجلٍ، قالصلىاللهعليهوآله
له:« ما صنعت؟ »
. قال كنتُ نجّاراً، وما حاربتُ ولا [ قاتلتُ ]. فقال:« لقد كثّرتَ السّوادَ على وَلدِي »
. فأمر به إلى النّار، ثُمّ قدّموني إليه، فحكيت له فِعلي، فأمر بي إلى النّار.
فلمـّا قصّ الرؤيا على مَن حضر عنده، يبس لسانُه ومات نصفُه، وهلك بأسوأ حال، وقد تبرّأ منه كُلُّ مَن سمع وشاهد.
وفي مدينة المعاجز ص٢٦٣ باب ١٢٧: روي عن رجل أسدي قال: كنتُ زارعاً على نهر العلقمي بعد ارتحال عسكر بني اُميّة، فرأيت عجائباً لا أقدر أنْ أحكي إلاّ بعضاً منها: إذا هبّت الريح تمرّ علىّ نفحات كنفحات المسك والعنبر، وأرى نجوماً تنزل من السّماء وتصعد مثلها من الأرض، ورأيتُ عند غياب الشمس أسداً هائل المنظر يتخطّى القتلى حتّى وقف على جسد جلّلته الأنوار،
فكان يُمرّغ وجهه وجسده بدمه، وله صوت عالٍ، ورأيت شموعاً مُعلّقة وأصواتاً عالية، وبكاءً وعويلاً، ولا أرى أحداً
.
وفي مناقب ابن شهر آشوب ج٢ ص١٩٠: روى جماعة من الثّقات: أنّه لمـّا أمر المـُتوكّل بحرث قبر الحسينعليهالسلام
، وأنْ يجري عليه الماء من العلقمي، أتى زيد المجنون وبهلول المجنون إلى كربلاء ونظرا إلى القبر لم يتغيّر بما صنعوا
.
وفي هذا دلالة على وصف النّهر بالعلقمي في تلك الأيّام، ويؤكّد ذلك ما في مزار البحار ص١٦١ عن مزارَي المفيد وابن المشهدي من ورود روايةٍ بزيارة العبّاسعليهالسلام
غير مُقيّدة بوقت، وفيها: إذا وردتَ أرض كربلاء فانزل منهما بشاطئ العلقمي، ثُمّ اخلع ثياب سفرك واغتسل غسل الزيارة مندوباً، وقل...
.
وفي تحيّة الزائر ص١٣٥، ذكر عنهما وعن الشهيد الأوّل وابن طاووس ورود روايةٍ بزيارةٍ للحسينعليهالسلام
، وقالوا: إذا وردت قنطرة العلقمي، فقُلْ: إليك اللهمّ قصد القاصد...
.
والظاهر منه ورود لفظ العلقمي في الرواية وليس من كلام العلماء؛ خصوصاً بعد العلم بأنّهم لا يذكرون إلاّ ما يعتمدون عليه في الروايات، ومنه نعرف أنّ نهر العلقمي كان معروفاً في الأزمنة السّابقة على زمان ابن [ طاووس ] الذي هو في القرن السّابع.
____________________
وجاء في نصّ الشيخ الطوسي، ففي مصباح المتهجد ص٤٩٩: إنّ الصادقعليهالسلام
قال لصفوان الجمّال:« إذا أتيتَ الفُراتَ
( أعني شرعة الصادق بالعلقمي )، فقُلْ: اللهمّ، أنتَ خيرُ مَنْ وفدَ... »
.
وعلى هذا يكون قول الفاضل السيّد جعفر الحلّي على الحقيقة:
وَهوَى بِجَنبِ العلْقميِّ فَلَيتَهُ
|
|
لِلشَّاربينَ بِهِ يُدافُ العلقمُ
|
نعم، لم يُعرف السّبب في التسمية به، وما قيل في وجهه: ( إنّ الحافر للنَّهر رجلٌ من بني علقمة، بطن من تميم، ثُمّ من دارمٍ جدّهم علقمة بن زرارة بن عدس ) لا يُعتمد عليه؛ لعدم الشاهد الواضح.
ومثله في ذكر السّبب: كثرة العلقم حول حافَتَي النّهر، وهو كالقول بأنّ عضد الدولة أمر بحفر النّهر ووكله إلى رجل اسمه علقمة؛ فإنّها دعاوى لا تعضدها قرينة، على أنّك عرفت أنّ التسمية كانت قبل عضد الدولة.
وحُكي في الكبريت الأحمر ج٢ ص١١٢ عن السيّد مجد الدِّين محمّد المعروف بمجدي - من معاصري الشيخ البهائي - في كتابه زينة المجالس، المـُؤلَّف سنة ١٠٠٤: أنّ الوزير السّعيد ابن العلقمي لمـّا بلغه خطاب الصادقعليهالسلام
للنهر:« إلى الآنَ تجري وقدْ حُرمَ جدِّي منك! »
. أمر بسدّ النّهر وتخريبه، ومنْ أجله حصل خراب الكوفة؛ لأنّ ضياعها كانت تُسقى منه.
____________________
مشهدُ الرأس:
ذكر أربابُ المقاتل: أنّ عمر بن سعد أمر بالرؤوس فقُطعت، فكانت ثمانية وسبعين رأساً، أخذت كندة ثلاثة عشر [ رأساً ]، وأقبلت هوازن باثني عشر [ رأساً ]، وجاءت تميم بسبعة عشر رأساً، وأقبلت بنو أسد بستّة عشر رأساً، واختصَّت مذحج بسبعة، ولسائر الجيش ثلاثة عشر رأساً
.
وساروا بها إلى الكوفة، ثُمّ سيّر ابن زياد رأس الحسينعليهالسلام
ورؤوس مَن قُتل معه من أهله وصحبه مع السّبايا إلى يزيد بالشام
.
____________________
ولم يترك سيّد الشُّهداءعليهالسلام
الدعوة إلى الدِّين، وتفنيد عمل الظالمين حتّى في هذا الحال، وهو مرفوع على القناة، فكان مُتمّماً لنهضته المـُقدّسة التي أراق فيها دمه الطاهر، وقد استضاء خلق كثير من إشراقات رأسه الأزهر.
لهفي لرأسِكَ فوق مسلوبِ القَنَا
|
|
يكسوهُ مِنْ أنوارِهِ جلْبابَا
|
يتلُو الكتَابَ على السِّنانِ وإنّمَا
|
|
رفعُوا به فوقَ السِّنانِ كتابَا
|
ولا غرابة بعد أنْ كان سيّد الشُّهداءعليهالسلام
دعامة من دعائم الدِّين ومنار هداه، وعنه يأخذ تعاليمه ومنه يتلقَّى معارفه، وهو صراطه المستقيم ومنهجه القويم، دونه كانت مفاداته، وفي سبيله سبقت تضحيته، فهو حليف القرآن منذ اُنشئ كيانه؛ لأنّهما ثقلا رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
وخليفتاه على اُمّته، وقد نصّ المـُشرّع الأعظمصلىاللهعليهوآله
بأنّهما لنْ يفترقا حتّى يردا عليه الحوض؛ فبذلك كان سلام اللّه عليه غير مبارح تلاوته طول حياته؛ في تهذيبه وإرشاده، في دعوته وتبليغه، في حلّه ومرتحله حتّى في موقفه يوم الطَّفِّ - ذلك المأزق الحرج بين ظهراني اُولئك الطغاة المـُتجمهرين عليه - ليتمّ عليهم الحجّة، ويوضّح لهم المحجّة.
هكذا كان يسير إلى غايته المـُقدّسة سيراً حثيثاً، حتّى طفق يتلو القرآنَ رأسُهُ الكريم فوق عامل السّنان، عسى أنْ يحصل مَن يُكهربه نورُ الحقّ، غير أنّ داعية الحقّ والرشاد لمْ يُصادف إلاّ قصراً في الإدراك، وطبعاً في القلوب، وصمماً في الآذان:(
خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ
)
.
وبلغ من غلواء ابن زياد وتيهه في الضّلال أنْ أمر بالرأس الشريف فطيفَ به في شوارع الكوفة وسككها
.
يقول زيد بن أرقم: كنتُ في غرفة لي، فمرّوا بالرأس على رمح، فسمعته يقرأ:(
أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً
)
. فوقف شعري، وقلتُ: رأسك أعجب وأعجب
!
____________________
ولمـّا صُلب في سوق الصّيارفة، وهناك ضوضاء، فأرادعليهالسلام
لفت الأنظار نحوه، تنحنح تنحنحاً عالياً، فاتَّجه النّاس نحوه، وأبهرهم الحال، فشرع في قراءة سورة الكهف إلى قوله تعالى:(
اِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً
)
. وعجب الحاضرون؛ إذ لم تعهد هذه الفصاحة والإتيان على مقتضى الحال من رأس مقطوعٍ، وبقي النّاس واجمون لا يدرون ما يصنعون.
ولمـّا صُلب على شجرة بالكوفة، سُمع يقرأ قوله تعالى:(
وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَب يَنقَلِبُونَ
)
.
قال هلال بن معاوية: سمعت رأس الحسينعليهالسلام
يخاطب حامله، ويقول:« فرّقتَ رأسِي وبَدني، أفرقَ اللّهُ بينَ لحمِكَ وعظمِكَ، وجعلكَ آيةً ونكالاً للعالمين »
. فرفع اللعينُ سوطاً وأخذ يضرب بين رأسه المـُطهّر
.
وحدّث سلمة بن الكهيل: أنّه سمع رأس الحسينعليهالسلام
بالكوفة يقرأ، وهو مرفوع على الرمح:(
فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ
)
.
____________________
كما سمعه ابن وكيدة يقرأ القرآن فشكّ أنّه صوته؛ حيث لم يعهد مثله يتكلّم، فإذا الإمامعليهالسلام
يخاطبه:« يابنَ وكيدة، أما علمتّ أنَّ معاشرَ الأئمّة أحياءٌ عند ربِّهم يُرزقون »
. فزاد تعجّبه وحدّث نفسه أنْ يسرق الرأس ويدفنُه، فنهاه الإمامعليهالسلام
وقال:« يابنَ وكيدة، ليس إلى ذلك سبيلٌ، إنّ سفكَهمْ دَمي أعظمُ عندَ اللّه مِن إشهارهم رأسي، فذرهم
:
(
فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ
)
»
.
وفي طريقهم إلى الشام نزلوا عند صومعة راهب، وفي الليل أشرف عليهم الراهب فرأى نوراً ساطعاً من الرأس الشريف، وسمع تسبيحاً وتقديساً وتهليلاً، وقائلاً يقول: السّلام عليك يا أبا عبد اللّه. فتعجّب الراهب ولم يعرف الحال، حتّى إذا أصبح وأراد القوم الرحيل سألهم عن الرأس، فأخبروه أنّه رأس الحسين بن علي بن أبي طالب، واُمّه فاطمة، وجدّه محمّد المصطفىصلىاللهعليهوآله
، فطلب الرأسَ من خولي الأصبحي، فأبى عليه، فاسترضاه بمال كثير دفعه إليه، وأخذ الراهب الرأس الشريف وقبّله وبكى، وقال: تباً لكم أيَّتها الجماعة، لقد صدقت الأخبار في قوله: إذا قُتل هذا الرجل تمطر السّماءُ دماً.
ثُمّ أسلم ببركة الرأس الطاهر، وبعد أنْ ارتحلوا نظروا إلى الدراهم فإذا هي خزف مكتوب عليها:(
وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَب يَنقَلِبُونَ
)
.
____________________
وحدّث المنهال بن عمر قال: رأيت رأس الحسينعليهالسلام
بدمشق أمام الرؤوس ورجل يقرأ سورة الكهف، فلمـّا بلغ:(
أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً
)
. وإذ الرأس يخاطبه بلسان فصيح:« وأعجبُ مِنْ أصحابِ الكهفِ قتلِي وحَمْلي »
. وفي هذا الحال كُلّه لم ينقطع الدَّمُ من الرأس الشريف، وكان طريّاً، ويُشمّ منه رائحةٌ طيّبة
.
وبالرغم من جدّ يزيد في محو آثار أهل البيتعليهمالسلام
، واحتقار حرم النّبّوة حتّى أنزلهم في الخربة التي لا تكنّهم من حرٍّ ولا برد
، واستعماله القسوة بالرأس المـُقدّس؛ من صلبه على باب الجامع الاُموي
، وفي البلد ثلاثة أيّام
، وعلى باب داره
.
لم يزل أهل الشام - ومَن حضر فيها من غيرهم - يُشاهدون كراماتٍ باهراتٍ من الرأس الزاهر لا تصدر إلا من نبيٍّ أو وصيِّ نبيٍّ، فأحرجهم الموقف؛ خصوصاً بعد ما وقفت العقيلة زينب الكبرى سلام اللّه عليها في ذلك المجلس المغمور بالتمويهات والأضاليل، فأفادت النّاس بصيرة بنوايا ابن ميسون السيّئة، وموقفه من الشريعة الطاهرة، وأنّه لم يرد إلا استئصال آل الرسولصلىاللهعليهوآله
؛ حيث لم يُعهد في
____________________
الإسلام مثل هذا الفعل الشنيع خصوصاً مع عيال النّبّي الكريمصلىاللهعليهوآله
، ذلك الذي ما زال يهتف في مواقفه الكريمة باحترام المرأة وعدم التعرّض لها بسوء، وكانصلىاللهعليهوآله
يُشدّد النّكير إذا بلغه في مغازيه قتل النّساء
، حتّى إنّ جماعة من المسلمين لمـّا استأذنوه لقتل ابن أبي الحقيق أذن لهم، وأمرهم بعدم التعرّض للنساء والصبيان وهُم مشركون
.
وعلى سيرته مشى المسلمون، وإنّ سيّدهم أمير المؤمنينعليهالسلام
لمـّا أنزل عائشة في الدار، قال له رجل من الأزد: واللّه، لا تفلتنا هذه المرأة. فغضب أمير المؤمنينعليهالسلام
وقال:« صهْ، لا تهتُكْنَ سِتْراً، ولا تَدخلْنَ دارَاً، ولا تُهيّجنَ امرأةً بِأَذًى وَإِنْ شَتَمْنَ أَعْرَاضَكُمْ، وسفهنَ أُمَرَاءَكُمْ وصلحاءَكُمْ؛ فَإِنَّهُنَّ ضعافٌ، ولقد كُنَّا لَنُؤْمَرُ بِالْكَفِّ عَنْهُنَّ وإِنَّهُنَّ لَمُشْرِكَاتٌ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيُكافِئ المرْأةَ بالضَّربِ فَيُعَيَّرُ بِهَا عَقِبُهُ مِنْ بَعْدِهِ، فلا يَبلُغنِّي عنْ أحدٍ تعرَّضَ لامرأةٍ فأنكلُ بِهِ »
.
من هذا عرف النّاس ضلال يزيد وتيهه في الباطل؛ فاكثروا اللائمة عليه حتّى مَن لم ينتحل دينَ الإسلام.
وحديثُ رسول ملك الروم مع يزيد في مجلسه أحدث هزّةً
____________________
في المجلس، وعرف يزيد الإنكار منهم، وأنّه لم تُجدِ فيهم تلك التمويهات؛ وكيف تٌجدي وقد سمع مَن حضرَ المجلس صوتاً عالياً من الرأس المـُقدّس لمـّا أمر يزيد بقتل ذلك الرسول:« لا حَولَ ولا قوةَ إلاّ باللّهِ »
. وأيّ أحد رأى أو سمع قبل يوم الحسينعليهالسلام
رأساً مقطوعاً ينطق بالكلام الفصيح؟ وهل يقدر ابنُ ميسون أنْ يقاوم أسرار اللّه، أو يُطفئ نوره تعالى شأنه؟! كلاّ.
ولقد أنكرت عليه زوجته هند بنت عمرو بن سهيل، وكانت عند عبد اللّه بن عامر بن كريز، وهو ابن خال عثمان بن عفان، فإنّ عامراً وأروى اُمَّ عثمان اُمُّهم اُمّ حكيم البيضاء بنت عبد المـُطّلب بن هاشم بن عبد مناف، فأجبره معاوية على طلاقها لرغبة يزيد بها
؛ فإنّها لمـّا أبصرت الرأس الزاهي مصلوباً على باب دارها، ورأت الأنوار النّبويّة تتصاعد إلى عنان السّماء، وشاهدت الدَّمَ يقطر منه طرياً، أدهشها الحالُ، وعظم مصابه في قلبها، فلم تتمالك دون أنْ دخلت على يزيد في مجلسه، مهتوكة الحجاب، وهي تصيح: رأسُ ابن بنت رسول اللّه على دارنا!
فقام إليها وغطّاها، وقال لها: أعولي وابكي على الحسين؛ فإنّه صريخة بني هاشم، عجّل عليه ابن زياد
.
____________________
ورأت في منامها كأنّ رجالاً نزلوا من السّماء وطافوا برأس الحسينعليهالسلام
يُسلّمون عليه، ولمـّا انتبهت جاءت إلى الرأس فأبصرت نوراً حوله، فطلبت يزيد لتقصّ عليه الرؤيا، فإذا هو في بعض الغرف يبكي ويقول: مالي ولحسين! وقد رأى مثل ما رأت
، فأصبح يزيد ومِلء اُذنه حديث الأندية عن القسوة التي استعملها والجور الشديد، فلم يرَ مناصاً من إلقاء التبعة على عاتق ابن زياد وتبعيداً للسُّبّة عنه، ولكنّ الثابت لا يزال، وهذا هو السّرُّ في إنشاء كتاب صغير وصفه المؤرّخون بأنّه مثل ( اُذن الفأرة )، أرفقه بكتابه الكبير إلى الوالي بأخذ البيعة من المدينة عامّة، وفي الكتاب الصغير إلزام الحسينعليهالسلام
بالبيعة وإنْ أبى تضرب عنقه
.
وليس الغرض من إنشاء الكتاب الصغير إلا أنّ يزيد لمـّا كان عالماً بأنّ النّبيصلىاللهعليهوآله
لم يجعله خليفة، ولا كانت بيعته ممّا اتَّفق عليها صلحاءُ الوقت وأشرافُ الاُمّة، وما صدر من الموافقة منهم، يوم أرادها أبوه معاوية، إنّما هو للوعيد والتهديد، فأراد يزيد أنْ يُخلِّي رسمياتهِ عن الأمر بقتل الحسينعليهالسلام
، بحيث لو صدر ذلك من عامله ولامه النّاس وخطّؤوه، تدرّع بالعذر بخلوِّ كتابه للعامل بهذا الفعل، وإنّما هو شي جاء به من قِبَلِ نفسه، وكان له المجال حينئذ في إلقاء التبعة على العامل.
ولكن هلمّ واقرأ العجيب الغريب في إحياء العلوم ج٣ ص١٠٦، في الآفة الثامنة من آفات اللسان، فهناك ترى الغزالي تائهاً
____________________
في الغلواء لمـّا وشجت عليه عروق النّصب والتحيّز إلى الاُمويِّين، فأبى أنْ يلعن قاتل الحسينعليهالسلام
حتّى على الإجمال، فيُقال: ( لعنة اللّه على قاتل الحسين )، مُعلّلاً باحتمال موته بعد التوبة! وقد فاته أنّ التائب إنْ قُبلت توبته لا يشمله اللعن، فإذاً أيّ بأس إذا قيل: لعنة اللّه على قاتل الحسينعليهالسلام
، لولا ذلك العداء المحتدم بين الحوائج والبغض لأهل هذا البيت الطاهرعليهمالسلام
؟!
وأغرب من ذلك قياسه يزيد بوحشي قاتل حمزة أسد اللّه وأسد رسوله، فقال فيه: إنّ وحشي تاب عن الكفر والقتل جميعاً، ولا يجوز أنْ يُلعن مع أنّ [ القتلة ] كبيرة، فإذا لم يُقيّده بالتوبة وأطلق كان فيه خطر. . إلى آخره
.
لا قياس بين يزيد ووحشي؛ فإنّ وحشيَّاً قتل حمزة وهو كافر، فلمَّا أسلم سقطت عنه كُلُّ تبعة كانت عليه؛ لأنّ الإسلام يجبّ ما قبله، بخلاف يزيد؛ فإنّه قتل الحسينعليهالسلام
وهو يظهر الإسلام، وقد ارتدّ بقتله؛ إمّا لأنّ الحسينعليهالسلام
إمامٌ معصومٌ، أو لتشفّيه بذلك من رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
بما صنعه مع خاله وجدّه يوم بدر.
على أنّ من المقطوع به أنّ مَن باء بذلك الإثم العظيم، وهو قتلُ الحسينعليهالسلام
، لا يتوفّق للتوبة نهائياً؛ فإنّه من الذنوب التي لا تدع صاحبها أنْ يتحيّز إلى خير أبداً.
كما أنّ من المقطوع به أنّ وحشياً وإنْ أظهر الإسلام أمام الرسولصلىاللهعليهوآله
____________________
وسكت عنه النّبيُّ، وقال:« غيّبْ وجهَكَ عنِّي »
. فلا يختم له بالصّلاح والسّعادة أبداً، ولا يأتي يوم القيامة وعليه شارة الهدى، وقد قتل سيّد الشُّهداء حمزة بن عبد المـُطّلب الشاهد للأنبياء بالتبليغ وأداء الرسالة.
كيف لا يُلعن يزيد وقد جوّز العلماء المـُنقّبون لعنه، وصرّحوا بخروجه عن طريقة الإسلام، كما أفصح عن ذلك شعره؛ فإنّه لمـّا وردت عليه سبايا آل الرسولصلىاللهعليهوآله
وأشرفوا على ثنيّة جيرون، ونعب الغراب، قال
:
لمـّا بَدَتْ تلكَ الحُمولُ وأشرَقَتْ
|
|
تلكَ الشُّموسُ على رُبَى جَيرونِ
|
نعبَ الغُرابُ فقلتُ قُلْ أو لا تَقُلْ
|
|
فقدْ اقتضيتُ مِنَ الرَّسولِ دُيونِي
|
____________________
فمن اُولئك العلماء القاضي أبو يعلى، وأحمد بن حنبل، وابن الجوزي
، والكيا الهراسي
، والشيخ محمّد البكري، وسعد
____________________
____________________
......................................................................
____________________
التفتازاني
، وسبط ابن الجوزي
.
وقال الجاحظ: إنّ المنكرات التي اقترفها يزيد؛ من قتل الحسينعليهالسلام
، وإخافته أهل المدينة، وهدم الكعبة، وحمل بنات رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
سبايا، وقرعه ثنايا الحسينعليهالسلام
بالعود، هل تدلّ هذه القسوة والعلظة على نصب وسوء رأيّ، وحقد و بغضاء، ونفاق ويقين مدخول، أمْ تدلّ على الإخلاص، وحبِّ النّبيِّصلىاللهعليهوآله
والحفظ له، وصحّة السّيرة؟!وعلى هذا فلا يعدو الفسقَ والضلال، وذلك أدنى مناله. فالفاسق ملعونٌ، ومَن نهى عن شتمِ الملعونِ فملعون
.
وقال العلاّمة الآلوسي: لا توقّف في لعن يزيد؛ لكثرة أوصافه الخبيثة، وارتكابه الكبائر في جميع أيّام تكاليفه، ويكفي ما فعله أيام استيلائه بأهل المدينة ومكّة، والطامّة الكبرى ما فعله بأهل البيتعليهمالسلام
، ورضاه بقتل الحسين على جدّه وعليه أفضل الصلاة والسّلام، واستبشاره بذلك وإهانته بأهل بيته ممّا تواتر معناه.
والذي يغلب على ظنّي أنّ الخبيث لمْ يكُنْ مُصدّقاً بالرسالة، وأنّ مجموع ما فعله مع أهل حرم اللّه وأهل نبيّه وعترته الطيّبين
____________________
الطاهرين في الحياة وبعد الممات، وما ورد منه من المخازي ليس بأضعف دلالة على عدم تصديقه من إلقائه ورقة من المصحف الشريف في قذر، ولا أظنّ أمره خافياً على أجلّة المسلمين إذ ذاك، ولكن كانوا مغلوبين مقهورين لم يسعهم إلاّ الصبر، ليقضِ اللّهُ أمراً كان مفعولا.
ولو سُلّم أنّ الخبيث كان مسلماً، فهو مُسلمٌ جَمعَ من الكبائر ما لا يحيط به نطاق البيان، وأنا اذهب إلى جواز لعن مثله على التعيين، ولو لم يُتصوّر أنْ يكون له مَثلٌ من الفاسقين، والظاهر أنّه لم يتُبْ، واحتمال توبته أضعف من إيمانهِ.
ويُلحق به ابن زياد وابن سعد وجماعة، فلعنة اللّه عليهم أجمعين، وعلى أنصارهم وشيعتهم ومَن مال ميلهم إلى يوم الدِّين، ما دمعت عينٌ على أبي عبد اللّه الحسينعليهالسلام
.
ويُعجبني قول شاعر العصر عبد الباقي أفندي العُمري:
يزيدُ على لعنِي عريضُ جنابِهِ
|
|
فأغدُو بهِ طولَ المَدَى ألعنُ اللَّعنَا
|
ومَن يخشى القيل والقال بلعن ذلك الضليل، فليقل: لعنَ اللّهُ مَن رضي بقتل الحسينعليهالسلام
، ومَن آذى عترة النّبيِّصلىاللهعليهوآله
بغير حقٍّ، ومَن غصبهم حقّهم. فإنّه يكون لاعناً له؛ لدخوله تحت العموم دخولاً أوَّلياً في نفس الأمر.
ولا يخالف أحد في جواز اللعن بهذه الألفاظ سوى ابن العربي المالكي وموافقيه؛ فإنّهم على ظاهر ما نُقل عنهم لا يُجوّزون لعن مَن رضي بقتل الحسينعليهالسلام
، وذلك لَعمري، هو الضلال البعيد الذي كاد
يزيد على ضلال يزيد... إلى آخره
.
وبعد هذا فهل يتوقّف أحد من لعنِ يزيد والبراءة منه؟! وإنْ كان فليس [ هذا ] إلاّ الضَّلال والعناد، أعاذ الله أولياءه من شرّ الحقد.
لمـّا كثرت اللائمة على يزيد خشي الفتنة وانقلاب الأمر، فتداركه بإرجاع السّجادعليهالسلام
والعيال إلى وطنهم، ومكّنهم ممّا يريدون برأس الحسينعليهالسلام
إلى كربلاء ودفنه مع الجسد، ولم يختلف في ذلك اثنان من علماء الإماميّة المعروفين بالبحث والتنقيب؛ ومن هنا نسبه المجلسي في البحار إلى المشهور بين العلماء
.
وفي روضة الواعظين صفحة ١٦٥
قال: ردّ الرأس إلى الجسد.
وقال ابن نما في مُثير الأحزان صفحة ٥٨: إنّه المـُعوّل عليه
.
وفي اللهوف لابن طاووس صفحة ١١٢
: عليه عملُ الإماميّة.
وقال ابن شهر آشوب في المناقب ٢ / ٢٠٠: ذكر المرتضى في بعض رسائله أنّ رأس الحسينعليهالسلام
اُعيد إلى بدنه في كربلاء
.
وقال الطوسي: ومنه زيارة الأربعين
.
وفي مقتل العوالم صفحة ١٥٤: إنّه المشهور بين علمائنا
.
____________________
وهو ظاهر الطبرسي في إعلام الورى صفحة ١٥١
، والسيّد في رياض المصائب.
وأمّا باقي الرؤوس فلم يتعرّض لها أرباب المقاتل، ولكنْ في نفَس المهموم صفحة ٢٥٣، ورياض الأحزان صفحة ١٥٥، عن حبيب السّير: إنّ يزيد سلّم جميع الرؤوس إلى علي بن الحسينعليهالسلام
، فألحقها بالأبدان الطاهرة في العشرين من صفر، ثُمّ توجّه إلى المدينة
. ولعلّ الاعتبار يُساعده؛ فإنّ يزيد لمـّا نقم عليه النّاس وكثر الاضطراب، لم يرَ بُدّاً من موافقة الإمام السّجادعليهالسلام
على كُلّ ما يُريد، وإخراجهم من الشّام عاجلاً.
نعم، ذكر العلاّمة السيّد محسن الأمين في أعيان الشيعة ٤ / ٢٩٠ القسم الأوّل: أنّه رأى في سنة ١٣٢١ هـ في المقبرة المعروفة بمقبرة باب الصغير بدمشق مشهداً وضع على بابه صخرة مكتوب عليها: هذا مدفن رأس العبّاس بن عليٍّ، ورأس عليِّ الأكبر بن الحسينعليهالسلام
، ورأس حبيب بن مظاهر.
قال: ثُمّ إنّه انهدم بعد ذلك بسنين هذا المشهد، واُعيد بناؤه، واُزيلت هذه الصخرة، وبُني ضريح داخل المشهد، ونقش عليه أسماء كثيرة لشهداء كربلاء، ولكنَّ الحقيقة أنّه منسوب إلى الرؤوس الشريفة الثلاثة المـُقدّم ذكرها بحسب ما كان موضوعاً على بابه كما مرّ، وهذا المشهد الظنّ القوي بصحة نسبته؛ لأنّ الرؤوس بعد حملها إلى دمشق والطواف بها، وانتهاء غرض يزيد من إشهار
____________________
الغلبة والتنكيل بأهلها والتَّشفّي، لا بدّ أنّ تُدفن في إحدى المقابر، فدُفنت هذه الرؤوس الثلاثة في مقبرة باب الصغير، وحُفظ محلُّ دفنها، والله أعلم... إلى آخره
.
هذا ما ذكره السيّد (أيّده الله)، ولو اطّلع على حبيب السّير لاعتقد عدم صحة الدفن هناك، على أنّ التغيير الذي ذكره يدلّنا على أنّ الحفظة لذلك المشهد لهم غرضٌ آخر، وليس بالمستبعد أنّ ذلك المشهد محلّ صلب الرؤوس.
وحقيق أنْ يُقال في كُلّ منها:
هامةٌ في الحَياةِ طاوَلتِ الشُّهبَ
|
|
ومَا نالَها هُبوبُ الرِّياحِ
|
أنِفَتْ بعدَ موتٍها التُّربِ فاختا
|
|
رَتْ لهَا مَسكناً رُؤوسَ الرِّماحِ
|
____________________
مشهدُ الكفَّين:
لم يفتأ شيعة أهل البيتعليهمالسلام
، كما أنّهم يقتصّون آثارهم في معارفهم وتعاليمهم، يتبرّكون بتعيين كُلّ ما يتعلّق بهم؛ من مشهد أو معبد أو مقام فيتّبعونها بالحفاوة والتبجيل، ويرَون ذلك من متممّات الولاء ولوازم الاتّباع والمشايعة، وهو كما يرَون؛ لأنّه إمّا مشهد يُزار، أو معبد يُقصد للعبادة، أو محلُّ مسرّةٍ فيسرّهم ذلك، أو موقفُ مأساةٍ فيستاؤون لهم، وهذا هو التشيّع المحض، والاقتداء الصحيح.
ومن ذلك ما نشاهده في كربلاء المـُشرّفة من المقام ( لكفَّي أبي الفضل ) اللذين تناقلتهما الألسن، وأخذ حديثهما الخلف عن السّلف، والسّيرة المستمرّة بين الإماميّة كافية في القطع بثبوت ( المقامين )، ولولاها لانتقض الأمر في كثير من المشاهد والمعابد والمقامات.
يقع مقام ( الكفّ اليُمنى ) في جهة الشمال الشرقي على حدّ محلّة باب بغداد، ومحلّة باب الخان، قريباً من باب الصحن المـُطهّر الواقعة في الجهة الشرقية، وعلى جدار المقام شُبّاكٌ صغيرٌ، وعلى جبهته بيتان بالفارسيّة لم يُكتب اسم ناظمهما، ولا تاريخ البناء، ولا وضع الشبّاك، والبيتان:
افتاد دست راست خدايا زِپيكرم
|
|
بَر دامَنِ حُسين بِرسان دَستِ ديگرم
|
دست چپم بجاست
|
|
اگر نيست دست راست
|
امّا هزار حيف كه
|
|
يك دست بى صداست
|
ويقع مقام ( الكفّ اليسرى ) في السّوق الصغير، القريب من الباب الصغير للصحن الواقعة في الجنوب الشرقي، ويُعرف بسوق باب العبّاس الصغير، وعلى الجدار شُبّاكٌ، وكُتب بالقاشاني عليه: هذا نظم الشيخ محمّد المعروف بالسّراج:
سَلْ إذا ما شئتَ واسْمَعْ واعلَمِ
|
|
ثُمّ خُذْ منِّي جوابَ المـُفهمِ
|
إنَّ فِي هذا المـُقامِ انقَطعَتْ
|
|
يَسْرةُ العبَّاسِ بحرِ الكَرمِ
|
هاهُنا يا صاحُ طاحَتْ بعدَما
|
|
طاحتْ اليُمنَى بجنبِ العلْقَمِ
|
اِجرِ دَمعَ العَينِ وابْكيهِ أساً
|
|
حُقَّ أنْ يُبكَى بدمعٍ مِنْ دَم
|
الزيارة:
ذكرنا فيما تقدّم أنّ الزيارة من المأثور عن الإمام الصادقعليهالسلام
، ولكمال فضله وعلمه الجمّ، وورعه الموصوف وكراماته الخارجة عن حدّ الإحصاء، كان في المثول حول مرقده الأقدس بداعي الزلفى إلى المولى تعالى مزيدٌ لرسوخ العقيدة بأمر الدِّين، وتعريف للاُمّة بما وجب من حقّ اللّه تعالى على خلقه، وإنّ العبد كيف يجب عليه بذل ذاته في مرضاة الله عزّ وجل.
ثُمّ إنّ الزيارة وإنْ كانت مجرّد الحضور عند المزور، والسّلام عليه بأيِّ لفظ جاء به المسلّم، كما يؤيّده حديث مسلم بن ظبيان عن الصادقعليهالسلام
:« إذا أتيتَ القبرَ -
يعني قبر الحسينعليهالسلام
-فقُلْ: صلّى اللّه عليكَ يا أبا عبد اللّه، فقد تمّتْ زيارتُكْ »
.
ولكنّ الألفاظ الواردة عن أهل البيتعليهمالسلام
يلزم الاحتفاظ به؛ لأنّها اشتملت على ما يناسب مقام المزور من الخواصِّ، وما له من جهاد نافع في سبيل الدِّين، مضافاً إلى ما فيها من التأدّب عند أداء السّلام عليه. فالقول المأثور من أهل البيتعليهمالسلام
في السّلام عليهم، أو على أحد أولادهم أو أصحابهم راجح، ومن هنا أفتى صاحب الرسائل فيها، وخاتمة المـُحدّثين النّوري في المستدرك باستحباب زيارة
____________________
الحسينعليهالسلام
بالزِّيارة المأثورة وآدابها، ولا خصوصيّة له على غيره من أئمّة الهدىعليهمالسلام
، وبذلك المناط يتسرّى إلى غيرهم.
ومَن يقرأ ما ورد عن الإمام الصادقعليهالسلام
في زيارة أبي الفضل بتدبّر وإمعان، يعرف رجحان الأخذ بقولهعليهالسلام
، وإنّ الزائر مهما يبلغ من المعرفة والكمال لا يحيط خبراً بحقيقة أبي الفضل، وما يليق بجليل قدره وعظيم منزلته.
ومن هنا كان الراجح للزائر عند زيارة العبّاس أنْ يقف مواجهاً له، مستدبراً القبلة، كما هو الشأن في زيارة المعصومينعليهمالسلام
، وهو مقتضى التأدّب أمام قمر بني هاشم؛ فإنّ زيارته ميِّتاً كزيارته حيَّاً ( والشُّهداءُ أحياءٌ عندَ ربِّهم يُرزَقون ). ولا شّك أنّه لو كان حيّاً ودخل عليه الزائر، فلا يُسلّم عليه إلاّ مواجهاً له.
ويشهد لذلك ما في مزار البحار ص١٦٥ عن المفيد وابن المشهدي والشهيد الأوّل، أنّهم قالوا: إنّ الزائر للعبّاس يقف أوّلاً على باب السّقيفة ويستأذن للدخول فيقول: سلامُ الله وسلامُ ملائكته... إلى آخره، ثُمّ يدخل وينكبُّ على القبر ويقول: السّلامُ عليكَ أيها العبد الصالح... إلى آخره، ثُمّ ينحرف إلى عند الرأس فيُصلّي ويدعو، ويعود إلى الضريح ويقف عند الرجلين، ويقول: السّلام عليك يا أبا الفضل العبّاس... إلى آخره
.
وقد يُدّعى أنّ هذه العبارة، وما رواه ابن قولويه عن أبي حمزة الثمالي، يقتضي الوقوف على قبر العبّاس من دون تخصيص بجهة من الجهات؛ فإنّ العبارة: ثُمّ ادخل وانكبّ على القبر، وقل... إلى آخره
.
____________________
ولم يُبيّن كيفيّة الانكباب؛ هل أنّه من جهة القبلة، كما هو شأن زيارة الإمام المعصومعليهالسلام
، أو من جهة عكسها، أو من جهة الرّجلين أو الرّأس؟ إلاّ أنّ المـُنصرف من الإطلاق إرادة جهة القبلة؛ خصوصاً لو كان الباب التي يدخل منها إلى الروضة المـُطهَّرة في ذلك الزمان كما عليه اليوم، وحينئذ تكون زيارة أبي الفضل على حدّ زيارة المعصومعليهالسلام
، مواجهاً له مستدبراً القبلة.
فالتوقّف عن رجحان مواجهته حال الزيارة في غير محلّه، واستظهار المجلسي تخيير الوقوف في زيارته محلُّ المناقشة؛ فإنّه لم يرد عن الأئمّةعليهمالسلام
خبرُ التفصيل بين المعصومعليهالسلام
وغيره: باستحباب المواجهة له في الأوّل واستقبال القبلة في الثاني.
وغاية ما ورد في زيارة الحسين وأبيهعليهماالسلام
مواجهة القبر وجعل القبلة بين كتفيه، وهناك أخبار مطلقة بالوقوف على قبريهما كإطلاقها على قبري الجوادين والعسكريِّين والرِّضاعليهمالسلام
، فلا تخصيص للمعصوم على غيره.
وما ورد في صفة زيارة المؤمنين من استقبال القبلة، ووضع اليد على القبر، والتوقيع المروي في الإقبال عن صاحب الزمان عجّل اللّه فرجه:« إذا أردتَ زيارةَ الشُّهداءِ فقف عند رجلَي الحسين
عليهالسلام
، فاستقبل القبلة بوجهك؛ فإنّ هناك حومة الشُّهداء، وقُمْ وأشر إلى عليِّ بن الحسين، وقل: السّلام عليك يا أوّل قتيل من نسلِ خيرِ سليلٍ... ».
إلى آخره
.
____________________
أخصّ من المـُدّعى، على أنّ الاعتبار يشهد بأنّ السّلام والثناء على المزور يستدعي مواجهته لا استدباره.
وكيف يكون الحال، فأبو الفضل ممتاز عن سائر المؤمنين بخواصٍّ لا يأتي البيان على حصرها، كيف وقد بلغ من الدرجات الرفيعة ما يغبطه عليها جميع الشُّهداء والصدِّيقين، وقد أعلمنا الإمام الصادقعليهالسلام
بالزيارة التي علّمها أبا حمزة الثمالي: بأنّ لأبي الفضل مكانة سامية ودرجات عالية لا ينالها إلا اُولوا العزم من الرُّسل.
فرجحان مواجهته عند السّلام عليه متعيّنٌ كما هو الحال في أئمّة الهدىعليهمالسلام
، وبذلك أفتى شيخنا الحجّة الشيخ عبد الحسين مباركقدسسره
في بشارة الزائرين، ثُمّ قال: ولَعمر أبيه الطّاهر صلوات اللّه وسلامه عليهما إنّه بذلك لحقيق جدير؛ فإنّه ابن سيّد الوصيّينعليهالسلام
، والمواسي ريحانة خير الخلق أجمعينصلىاللهعليهوآله
.
ومن هنا كان بعض العارفين من العلماء الأعلام يُقدّم زيارة العبّاس على زيارة الحسينعليهماالسلام
؛ لأنّه بابه في الحوائج - وهو في محلّه - وعليه العمل منذ عهد قديم، وفي هذا يقول الأديب السيّد مهدي الأعرجيرحمهالله
:
قصدتُكَ قبلَ ابنِ النّبيِّ مُحمّدٍ
|
|
وأدمُعُ عينِي كالحَيا فِي انْسكابِهَا
|
لأنَّكَ فِي كُلِّ الحوائجِ بابُهُ
|
|
وهلْ يقصدونَ الدَّارَ مِنْ غيرِ بابِهَا
|
صلاةُ الزيارة:
إنّ من الراجح المـُؤكّد صلاة ركعتين بعد الفراغ من زيارة أبي الفضلعليهالسلام
، ويشهد له ما في مزار البحار ص١٦٥ عن مزار المفيد وابن المشهدي من الرواية عن الأئمّةعليهمالسلام
في كيفية زيارته وبعدها، قال: ثُمّ انحرف إلى عند الرأس فصلِّ ركعتين، ثُمّ صلِّ بعدهما ما بدا لك
.
وذكر السيّد ابن طاووس في مصباح الزائر الصلاة ركعتين بعد الفراغ من الزيارة، كما أنّ الشيخ المفيد وابن المشهدي وابن طاووس ذكروا في مزاراتهم عند زيارة العبّاس يوم عيد الفطر والأضحى، وليلة عرفة ويومها، الأمر بركعتي الزيارة بعد الفراغ منها
.
وجاء في زيارة الأربعين: إنّ جابر الأنصاري زار العبّاس بن أمير المؤمنينعليهماالسلام
، ثُمّ صلّى ركعتين، ومن البعيد جدّاً أنْ يكون الحكم ممنوعاً منه عند الأئمّةعليهمالسلام
، ولا يعلمه مثل جابر المـُتخرّج من مدرستهم الكبرى، أو أنّه كان يغضُّ الطرف عن هذا المنع، بل ظاهر الفعل أنّهما ركعتي الزيارة، وأنَّه لِما عَلِمَهُ من أئمّتهعليهمالسلام
فسار على نهجهم.
____________________
وإنّ من المـُستبعد جدّاً أنْ يُثبت هؤلاء الأعاظم، وهم عمد المذهب المـُنقّبون في الآثار، مثل هذه الوظائف من دون تخريج عن أئمّتهم؛ بحيث يتورّطون في التشريع المـُحرَّم والبدعة التي لا تُقال عثرتها، ( كلا وحاشا )، بل لم يودعوا في كتبهم ومزاراتهم إلاّ ما وقفوا عليه عن أئمّتهم، وإنْ لمْ نُحط به خبراً ككثير ممّا وقفوا عليه.
وقد ذكر السيّد ابن طاووس في آخر مصباح الزائر، أنّ ما وقع اختياره عليه في هذا الكتاب قد وصل على الوجه الذي استحسنه واعتمد عليه من جهة الرواية. وذكر ابن المشهدي في أوّل مزاره، أنّ ما أودعه في الكتاب ما حصل لديه من الروايات الواردة عن أئمّة الهدى
عليهمالسلام
. إذاً، فكيف يسعنا نسبة ما أودعوه في كتبهم إلى محضِ آرائهم من دون تخريج عن أهل البيتعليهمالسلام
؟!
ولقد أفادنا بصيرة في تأكيد هذا شيخُ المـُحقّقين الشيخ أسد الله الكاظميقدسسره
في كشف القناع ص٢٣٠، وحاصل ما ذكره:
إنّ من الجائز أنْ يحصل لبعض حَمَلة أسرار الأئمّةعليهمالسلام
العلم بقول الإمام الغائبعليهالسلام
عن الأبصار؛ إمّا بنقل أحد سفرائه سرّاً على وجهٍ يُفيد اليقين، وإمّا بتوقيعه ومكاتبته كذلك، وإمّا بالسّماع منهعليهالسلام
مشافهة على وجه لا يُنافي الرؤية في زمن الغيبة، فلا يسعه التصريح بما حصله من الحكم على هذه الوجوه، ولمْ يجدْ في الأدلة ما يدلّ عليه، ولمْ يكُنْ مخصوصاً بذلك الحكم، وممنوعاً عن إظهاره لسائر النّاس، فلا مندوحة حينئذ من إظهار هذا الذي أطَّلع عليه بصورة
____________________
الاتّفاق عليه والتَّسالم، وهذا هو الأصل في كثير من الزيارات والآداب والأعمال المعروفة التي تداولت بين الإماميّة، ولا مُستند ظاهر من أخبارهم، ولا من كتب قدمائهم الواقفين على آثار الأئمّةعليهمالسلام
وأسرارهم.
ومن ذلك ما رواه والد العلاّمة الحلّي والسيّد ابن طاووس عن السيّد الكبير العابد رضي الدِّين محمّد بن محمّد الأزدي الحسيني، المجاور بالمشهد الأقدس الغروي، عن صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه) في طريق الاستخارة بالسّبحة، وكما سمعه منه صلوات اللّه عليه ابن طاووس في السّرداب، وكدعاء العلوي المصري المعروف الذي علّمه محمّد بن علي العلوي الحسني المصري في حائر الحسينعليهالسلام
وقد أتاه في خمس ليال حتّى تعلّمه
.
وهذا هو الأصل في كثير من الأقوال المجهولةِ القائل، فيكون المـُطّلع على قول الإمامعليهالسلام
لمـّا وجده مُخالفاً لما عليه الإماميّة أو معظمهم، ولم يتمكّن من إظهاره على وجهه، وخشي أنْ يضيع الحقُّ جعله قولاً من أقوالهم، واعتمد عليه، وأفتى به من دون تصريح بدليله.
فتحصّل من ذلك: إنّ العلماء لم يدّعوا في كتبهم حكماً من الأحكام من دون أنْ يعثروا عليه عن أئمّتهم، وقد يكون بطريق المشافهة من إمام العصر أرواحنا له الفداء، فما ذكره المشايخ المـُتقدّمون في مزاراتهم من صلاة ركعتي الزيارة بعد الفراغ من زيارة أبي الفضل لا ينبغي الوقفة في رجحانه عند أهل البيتعليهمالسلام
؛ إذ لعلّه وصل إليهم بالخصوص وإنْ جهلنا طريق الوصول إليهم.
____________________
ولو تنازلنا عن ذلك، لدلّنا حديث أبي حمزة الثمالي المروي في كامل الزيارات ص٢٤٠ عن الإمام الصادقعليهالسلام
الواردة في زيارة الحسينعليهالسلام
، المشتملة على المـُقدّمات والمقارنات الكثيرة، وفيه قال الصادقعليهالسلام
:« فإذا فرغتَ فصلِّ ما أحببت، إلاّ أنّ ركعتي الزيارة لا بدّ منهما عند كُلِّ قبرٍ »
. فإنّه أثبت بعمومه رجحان ركعتي الزيارة عند كُلِّ مزور، وليس له مُخصّص يدفع العموم.
وخلوّ بعض الروايات الواردة في زيارة غير المعصومينعليهمالسلام
من التعرّض لركعتي الزيارة لا ينهض لمصادمة العموم، فالعامّ مُحكم في موارده حتّى يجيء المـُخصِّص المـُخرّج. كما أنّ خلوّ رواية أبي حمزة الثمالي الواردة في زيارة العبّاسعليهالسلام
عن ذكر صلاة الزيارة لا يدلّ على عدم المشروعية؛ والتنصيص في زيارة المعصومينعليهمالسلام
لا يدلّ على عدم المشروعية في غيرهم. فهذا العموم، وما ذُكر في مزارات مَن تقدّم ذكرهم من النّص عليها، كافٍ في المشروعية والرجحان.
فما حُكي عن بعض معاصري العلاّمة المجلسي من منع صلاة الزيارة لغير المعصومينعليهمالسلام
، مستدلاّ ً بخلوِّ الأخبار الواردة في زياراتهم عنها، في غير محلّه؛ لِما عرفتَ من الدليل عليه، مضافاً إلى ما حكاه المجلسي في مزار البحار ص١٨٠، عن مؤلّف المزار الكبير، عن صفوان الجمّال، عن الصادقعليهالسلام
من
____________________
الأمر بصلاة ركعتي الزيارة بعد الفراغ من زيارة علي الأكبر
، ويتمّ في أبي الفضل بعدم القول بالفصل.
وفيه: عن المزار الكبير
ومزار الشهيد
، بعد ذكر زيارة مسلم بن عقيل، قال: ثُمّ انحرف إلى عند الرأس فصلِّ ركعتين، ثُم صلِّ بعدهما ما بدا لك. وظاهره أنّ الركعتين للزيارة، ولكنّه نقل عن مزار السيّد ابن طاووس التصريح بذلك؛ فإنّه بعد الفراغ من الزيارة قال: ثُمّ تُقبّل الضريح وتُصلِّي صلاة الزيارة، وتهدي ثوابها له، ثمّ تُودّعه وتنصرف
.
وفي مزار البحار عند ذكره زيارة هاني بن عروة، قال: ثُمّ صلِّ صلاة الزيارة وأهدها له، وادعُ لنفسك بما شئت، وودّعه وانصرف
.
وعلى ما تقدّم من أنّ هؤلاء الأعلام لم يدعوا في مزاراتهم إلاّ ما رووه عن أئمّتهم، أو وجدوه مرويّاً واعتمدوا عليه. ويتضح لنا رجحان ركعتّي الزيارة لمسلم وهانئ، على أنّ الإطلاق المذكور يشملهم، فإذاً في أبي الفضلعليهالسلام
بطريق أولى.
____________________
تقبيلُ القبر:
ممّا يدلّ على رجحان تقبيل قبر العبّاس بن أمير المؤمنينعليهماالسلام
ما رواه في مزار البحار ص١٨٠، عن مؤلّف المزار الكبير، عن صفوان الجمّال، عن الصادقعليهالسلام
... وساق الزيارة للحسين إلى أنّ قال:
« ثُمّ تأتي إلى قبرِ العبّاس بنِ عليٍّ، وتقول: السّلامُ عليكَ أيُّها الوليُّ...
إلى أنْ قال:ثُمّ تنكبُّ على القبرِ وتُقبّلهُ، وتقول: بأبي واُمِّي يا ناصر دين اللّه! السّلام عليك يابن أمير المؤمنين، السّلام عليك يا ناصر الحُسينِ الصدِّيق، السّلام عليك يا شهيدُ ابنُ الشَّهيدِ، السّلامُ عليكَ منِّي أبداً ما بقيتُ، وصلّى اللهُ على مُحمّدٍ وآلِ مُحمّدٍ »
.
وفيه كفاية لمَن يتطلّب النّصّ على المشروعية والرجحان، ويضاف إليه ما ذكره المفيد وابن المشهدي وابن طاووس في مزاراتهم؛ فإنّهم قالوا بعد الاستئذان: ثُمّ ادخل وانكبّ على القبر، وقُلْ: السّلام عليك أيّها العبد الصالح... إلى آخره.
ولهذا وأمثاله كان شيخ المـُحقّقين ونخبة المـُرتاضين، مُجدّد المذهب في المئة الثانية عشر محمّد باقر البهبهاني إذا دخل إلى
____________________
حرم أبي الفضلعليهالسلام
يُقبّل عتبة الباب كما يفعل في حرم سيّد الشُّهداءعليهالسلام
، وفعلُ هذا المـُتبحّرِ حُجّةٌ، وعملهُ أكبر برهان لمَن يتَّبع الحقّ:(
أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ
)
.
____________________
أولادُه وأحفادُه:
كان للعباس من الأولاد خمسة: عبيد اللّه
، والفضل
، والحسن
، والقاسم
، وبنتان.
وعدّ ابن شهر آشوب من الشُّهداء في الطَّفِّ ولد العبّاس محمّد
.
فأمّا عبيد اللّه والفضل فاُمّهما لبابة بنت عبيد اللّه بن العبّاس بن عبد المـُطّلب، واُمّها اُمّ حكيم جويرية بنت خالد بن قرظ الكنانية، كانت من أجمل النّساء وأوفرهنّ عقلاً، ولمـّا قتل بسر بن أرطأة ولديها عبد الرحمن وقثم، وكانا صبيِّين صغيرين، وهي تنظر إليهما، فقدتْ الصبر وأخذها الوجد، فكانت تدور في البيت ناشرة شعرها، وتقول في رثائهما
:
يا مَن أَحسَّ بِإبنيَّ اللّذين هُما
|
|
كالدرّتينِ تَشظّى عنهُما الصَّدفُ
|
____________________
يا مَن أَحسّ بإبنيَّ اللّذين هُما
|
|
سَمْعي وقلبي فمُخِّي اليومَ مُختَطَفُ
|
نُبئتُ بُسراً وَما صدّقت ما زَعموا
|
|
مِن قَولِهمْ وَمنَ الإفكِ الّذي اقترفوا
|
أَنحى عَلى وَدَجي إبنيَّ مُرهَفة
|
|
مَشحوذةً وَكذاك الإفكُ يُقترفُ
|
حتّى لَقيتُ رِجالاً مِن اُرومتهِ
|
|
شمّ الاُنوفِ لهُمْ في قومِهمْ شرفُ
|
فَالآنَ أَلعنُ بُسراً حقَّ لعنَتهِ
|
|
هَذا لَعمر أبي بُسرٍ هو السَّرفُ
|
مَن دلَّ والهةً حرّى مُولَّهة
|
|
عَلى صبيَّينِ ضلاّ إذْ غدا السّلف
|
فسمع قولها هذا رجلٌ من أهل اليمن فرقَّ لها، واتَّصل ببسرٍ حتّى وثق به، ثُمّ احتال لقتل ابنَي بسرٍ، فخرج بهما إلى وادي أوطاس فقتلهما وهرب، وقال
:
يا بُسرُ بُسرَ بني أرطأةَ ما طَلعتْ
|
|
شمسُ النَّهارِ ولا غابتْ على النّاسِ
|
خيرٌ مِنَ الهاشميِّينِ الذينَ هُمُ
|
|
عينُ الهُدَى وسمامُ الأسوقِ القاسِي
|
ماذا أردْتَ إلى طِفلَيْ مُولَّهةٍ
|
|
تبكِي وتُنشدُ مَنْ أثكلتَ في النّاسِ
|
____________________
أمَّا قتلتَهُما ظُلماً فقدْ شَرقتْ
|
|
مِنْ صاحِبَيكَ قناتي يومَ أوطاسِ
|
فاشرَبْ بكأسِهمَا ثُكْلىً كما شَربتْ
|
|
اُمُّ الصَّبيَّينِ أو ذاقَ ابنُ عبّاسِ
|
ولمـّا بلغ قتلهما أمير المؤمنينعليهالسلام
دعا على بُسر، فقال:« اللهمَّ، اسلبهُ دينَهُ وعقلَهُ »
. فخرف بُسر حتّى كان يلعب بخرئه، ويقول لمَن حضر: انظروا كيف يُطعمني هذان الغلامان ابنا عبيد اللّه هذا الخرء. فشدّوا يديه إلى ورائه ليُمنع من ذلك، فانجا يوماً في مكانه وأهوى بفمه ليتناول منه، فمُنع منه، فقال: أنتم تمنعوني وعبد الرحمن وقثم يُطعماني؟! وبقي على هذا حتّى مات في سنة ٨٦ هجرية أيّام الوليد بن عبد الملك
.
خلف على لبابة بعد أبي الفضلعليهالسلام
زيد بن الحسن بن أمير المؤمنينعليهالسلام
، فأولدها نفيسة، تزوّجها الوليد بن عبد الملك بن مروان
، فولدت له ولداً. فكان زيد بن الحسن يفد إلى الوليد ويجلس معه على السّرير ويُكرمه؛ لمكان ابنته عنده، ووهب له ثلاثين ألف دينار دفعة واحدة
.
وخلف عليها بعد زيد بن الحسن الوليد بن عتبة بن أبي سفيان فولدت له القاسم
.
____________________
واتَّفق أرباب النّسب على انحصار عقب العبّاس بن أمير المؤمنينعليهماالسلام
في ولده عبيد اللّه، وزاد الشيخ الفتوني العقب للحسن بن العبّاس، وكان عبيد اللّه من كبار العلماء، موصوفاً بالجمال والكمال والمروءة، مات سنة ١٥٥ هجرية
.
تزوّج من ثلاث عقائل كرام: رقيّة بنت الحسن بن عليعليهالسلام
، وبنت معبد بن عبد اللّه بن عبد المـُطّلب، وبنت المـُسوّر بن مخرمة الزُّبيري
.
ولعبيد اللّه هذا منزلة كبيرة عند السّجادعليهالسلام
كرامة لموقف أبيه ( قمر بن هاشم )، وكان إذا رأى عبيد اللّه رقَّ واستعبر باكياً، فإذا سُئل عنه، قال:« إنِّي أذكرُ موقفَ أبيهِ يومَ الطَّفِّ، فما أملك نفسي »
.
وانحصر عقب عبيد اللّه في وَلده الحسن، وكان لاُمّ ولد، عاش سبعاً وستّين سنة، أولد الحسن بن عبيد اللّه بن العبّاس خمسة:
١ - الفضل.
٢ - حمزة.
٣ - إبراهيم.
٤ - العبّاس.
٥ - عبيد الله.
وكُلّهم أجلاّء فُضلاء اُدباء
.
____________________
فأمّا الفضل فكان لسناً مُتكلّماً فصيحاً، شديد الدِّين، عظيم الشجاعة، مُحتشماً عند الخلفاء
، ويُقال له: ( ابن الهاشميّة ).
أعقب من ثلاثة: جعفر، والعبّاس الأكبر، ومحمّد، ولكُلٍّ منهم أولادٌ فيهم الاُدباء.
فمنهم أبو العبّاس الفضل بن محمّد بن الفضل بن الحسن بن عبيد اللّه بن العبّاس، كان خطيباً شاعراً، وقع عقبه إلى قم وطبرستان، وله أبيات في موقف جدّه العبّاس يوم الطَّفِّ نذكرها في فصل المديح
.
وأمّا حمزة فيُشبه جدّه أمير المؤمنينعليهالسلام
، خرج توقيع المأمون بخطّه، وفيه: يُعطَى لحمزة بن الحسن بن عبيد اللّه بن العبّاس بن أمير المؤمنين مئة ألف درهم؛ لشبهه بجدّه أمير المؤمنينعليهالسلام
.
تزوّج
زينب بنت الحسين بن علي بن عبد اللّه بن جعفر الطيّار المعروف بـ ( الزينبي )، نسبة إلى اُمّه زينب بنت أمير المؤمنينعليهماالسلام
. وكان حفيده محمّد بن علي بن حمزة متوّجاً شاعراً، نزل البصرة، وروى الحديث عن الرِّضاعليهالسلام
وغيره، مات سنة ٢٨٦ هـ
.
وسيأتي في ترجمة ابن أخيه الحمزة صاحب المشهد بقرب الحلّة: إنّ اُمَّ صاحب الزمان (عجّل الله فرجه) التجأت إلى بيته.
وترجمه الخطيب في تاريخ بغداد ج٢ ص٦٣، وقال: كان راوية للأخبار، وهو صدوقٌ، وله الرواية عن جماعة كثير
.
____________________
وفي تهذيب التهذيب ج٩ ص٣٥٢ وصفه بالعلوي البغدادي، ونقل عن ابن أبي حاتم: أنّه صدوق ثقة
.
وأمّا إبراهيم ويُعرف بـ (جردقة) كان من الفُقهاء الاُدباء والزُّهاد، وابنه عليٌّ أحد الأجواد، له جاه وشرف، مات سنة ٢٦٤ هـ، أولد تسعة عشر ولداً. ومن أحفاده: أبو الحسن عليُّ بن يحيى بن عليِّ بن إبراهيم جردقة، كان خليفة أبي عبد اللّه بن الداعي على النّقابة ببغداد
.
وعبد اللّه بن عليِّ بن إبراهيم جردقة جاء إلى بغداد، ثُمّ سكن مصر، وكان يمتنع من التحدّث بها ثُمّ حدّث، وعنده كُتب تُسمّى ( الجعفريّة ) فيها فقه على مذهب الشيعة، توفّي في مصر، في رجب سنّة ثلاثمئة واثني عشر
.
وقال أبو نصر البخاري في سرّ السّلسلة، في العبّاس بن الحسن بن عبيد اللّه بن العبّاس السّقا: ما رُؤي هاشميٌّ أعضب لساناً منه ولا أجرأ
.
قدم بغداد في أيّام الرشيد وأقام في صحبته، ثُمّ صحب المأمون بعده، وكان من رجال بني هاشم فصاحة وشعراً
؛ ولجلالته وفضله وبلاغته وفصاحته يُكنّى عند الرشيد
.
ومن شعره في إخاء أبي طالب لعبد اللّه والد الرسول الأقدسصلىاللهعليهوآله
:
____________________
إنّا وإنَّ رسولَ اللّهِ يجمَعُنا
|
|
أبٌ واُمٌّ وجدٌّ غيرُ مَوصومِ
|
جاءتْ بِنا ربَّةٌ مِنْ غيرِ اُسرتِهِ
|
|
غرَّاءُ مِنْ نسلِ عُمرانَ بنِ مَخزُومِ
|
حزناً يهادونَ مَنْ يسعَى ليُدرِكهَا
|
|
قرابةَ مَن حَواها غيرُ مسهومِ
|
رزقاً مِنَ اللّهِ أعطانَا فضيلتَهُ
|
|
والنّاسُ مِنْ بينِ مرزوقٍ ومحرُومِ
|
وفي المجدي ممّا رثى به أخاه محمداً:
وارَى البَقيعُ محمّداً
|
|
للّهِ ما وارَى البقِيعُ
|
مِن نائلٍ ونَدَى ومعْ
|
|
رُوفٍ إذا ظنَّ المنوعُ
|
وَحياً لأيتام وأرْ
|
|
مَلةٍ إذا جفَّ الرَّبيعُ
|
ولَّى فولَّى الجودُ والْ
|
|
معروفُ والحسبُ الرَّفيعُ
|
وقال: وله أيضاً:
وقالتْ قُريشٌ لنَا مَفْخرٌ
|
|
رفيعٌ على النّاسِ لا يُنكَرُ
|
____________________
بنا تفْخَرونَ على غَيرِنا
|
|
فأمّا علينا فلا تفْخَروا
|
أولد العبّاس عشرة ذكور: منهم عبد اللّه، واُمّه أفطسيّة، كان أديباً شاعراً.
فمِن شعره ما في المـُجدي:
وإنّي لاَستَحْيي أخِي أنْ أبرَّهُ
|
|
قريباً وأنْ أجفوهُ وهوَ بعيدُ
|
عليَّ لإخواني رقيبٌ مِنَ الهوى
|
|
تَبيدُ اللّيالي وهو ليسَ يَبيدُ
|
وفي سرّ السّلسلة: قدم على المأمون فتقدّم عنده، ولمـّا سمع بموته، قال: استوى النّاس بعدك يابن عبّاس. ومشى في جنازته، وكان يُسمِّيه: الشيخ ابن الشيخ
.
وفي العُمدة: كان من أحفاد العبّاس السّقا أبو الطيّب محمّد بن حمزة بن عبد اللّه بن العبّاس بن الحسن بن عبيد اللّه بن العبّاس السّقا، من أكمل النّاس مروءة وسماحة، وصلة رحم وكثرة معروف، مع فضل كثير وجاه واسع. اتّخذ بمدينة الأردن - وهي طبرية - ضياعاً وأموالاً، فحسده طغج بن جفِّ الفرغاني، فدسّ إليه جُنداً قتلوه في بُستان له بطبرية، في صفر سنة ٢٩١ هـ.
ورثته الشعراء، فمِن ذلك ما في المـُجدي:
أيُّ رُزءٍ جَنَى على الإسلامِ
|
|
أيُّ خَطبٍ مِن الخُطوبِ الجِسامِ
|
____________________
ويُقال لعقبه: بنو الشهيد.
وترجمه المـُرزباني في مُعجم الشعراء ص٤٣٥، وقال: شاعر الافتخار بآبائه، وكان في أيّام المتوكّل وبعده، وهو القائل:
وإنِّي كريمٌ مِنْ أكارِمِ سادةٍ
|
|
أكفُّهُمُ تَندَى بجزلِ المواهِبِ
|
هُمُ خيرُ مَنْ يَحفَى وأفضلُ ناعلٍ
|
|
وذروةُ هضبِ العُربِ مِنْ آلِ غالبِ
|
هُمُ المَنُّ والسّلوى لِدانٍ بودِّهِ
|
|
وكالسُّمِّ في حَلقِ العدوِّ المـُجانبِ
|
وترجم له شيخنا الجليل العلاّمة ميرزا عبد الحسين الأميني في شعراء الغدير ج٣ ص٣، طبع النّجف.
وأمّا عبيد اللّه بن الحسن بن عبيد اللّه بن العبّاس السّقاعليهالسلام
، ففيه يقول محمّد بن يوسف الجعفري: ما رأيتُ أحداً أهيباً ولا أهيأً ولا أمرَأً من عبيد اللّه بن الحسن. تولّى إمارة الحرمين مكّة والمدينة والقضاء بهما أيّام المأمون سنة ٢٠٤ هجرية
، وفي سنة ٢٠٤ هـ، وسنة ٢٠٦ هـ ولاّه إمارة الحاجّ
. مات ببغداد في زمن المأمون، وكانت اُمّه واُمُّ أخيه العبّاس اُمَّ ولد
.
وقع عقب عليِّ بن عبيد اللّه قاضي الحرمين إلى دمياط، ويُقال لهم: بنو هارون، وإلى فسا ويُقال لهم: بنو الهدهد، وإلى اليمن.
وأمّا الحسن بن عبيد اللّه الأمير القاضي، فأولد عبد الله. كان له
____________________
إحدى عشر ذكراً لهم أعقابٌ، منهم: القاسم بن عبد الله بن الحسن بن عبيد الله، قاضي الحرمين، ابن الحسن بن عبيد الله بن العبّاس الشهيد السّقا. له خطر بالمدينة، وأحد أصحاب الرأي، لسناً مُتكلّماً، سعى بالصلح بين بني علي وجعفر، وهو صاحب أبي محمّد الحسن العسكريعليهالسلام
.
فأحفاد العبّاس كُلّهم أجلاّء، لهم المكانة العالية بين النّاس؛ لأنّهم بين فقهاء ومُحدّثين، ونسّابين واُمراء واُدباء، ولا بدع بعد أنْ عرق فيهم ( أبو الفضل )، فحووا عنه المزايا الحميدة والصفات الجميلة، فكانت ملامح الشرف والسّؤدد تلوح على أسارير جبهاتهم، وملء أهابهم علم وعمل، وحشو الرَّدى هيبة ومنعة.
ومنهم السيّد الجليل صاحب الحرم المنيع والقبة السّامية ( الحمزة )، المدفون بالمدحتية قرب الحلّة.
____________________
الحمزة:
من أحفاد أبي الفضل السيّد الجليل أبو يعلى الحمزة بن القاسم بن علي بن حمزة بن الحسن بن عبيد اللّه بن العبّاس بن أمير المؤمنينعليهالسلام
، وقد كتب الشيخ الجليل العلاّمة ميرزا محمّد علي الاُوردبادي صحائفَ غُرٍّ في حياته، نذكرها بنصِّها:
قال: كان أبو يعلى أحد علماء العترة الطاهرة، وفذّاً من أفذاذ بيت الوحي، وأوحدي من سروات المجد من هاشم. روى الحديث فأكثر، واختلف إليه العلماء للأخذ منه، منهم: الشيخ الأجل أبو محمّد هارون بن موسى التلعكبري، وأحد أعاظم الشيعة ومن حملة علومهم، توفِّي سنة ٣٨٥ هـ.
والحسين بن هاشم المؤدِّب، وعلي بن أحمد بن محمّد بن عمران الدقّاق، وكلاهما من مشايخ الصدوق ابن بابويه القمّي، وعلي بن محمّد القلانسي، من مشايخ الشيخ المـُبجّل أبي عبد الله الحسين بن عبيد الله الغضائري، وأبو عبد الله الحسين بن علي الخزاز القمّي
.
ويظهر من هذا أنّه كان في طبقة ثقة الإسلام الكُليني، قد أدرك القرنين: آخر الثالث وأواخر الرابع؛ ولأجله عقد له الشيخ العلاّمة الشيخ آقا بزرگ الرازي في كتابه ( نابغة الرواة في رابعة المئات ) ترجمة ضافية، فهو من علماء الغَيبة الصغرى.
____________________
وله من الآثار والمآثر: كتاب التوحيد، وكتاب الزيارات والمناسك، وكتاب الرّد على محمّد بن جعفر الأسدي، وكتاب مَن روى عن جعفر بن محمّدعليهماالسلام
من الرجال، استحسنه النّجاشي والعلاّمة، ولهذا ترجمه شيخنا الرازي في مصفّى المقال في مُصنِّفي علماء الرجال، وأسند النّجاشي إلى هذه الكتب عن ابن الغضائري عن القلانسي عن سيّدنا المـُترجَم.
وإليك كلمات العلماء في الثناء عليه:
قال النّجاشي والعلاّمة: إنّه ثقة جليل القدر من أصحابنا، كثير الحديث
.
وقال المجلسي في الوجيزة: ثقة
.
وفي تنقيح المقال للعلاّمة المامقاني: السيّد [ الجليل ] حمزة، ثقةٌ جليل القدر، عظيم المنزلة
.
وفي الكنى والألقاب لشيخنا المـُحدّث الشيخ عبّاس القُمّي: إنّه أحد علماء الإجازة وأهل الحديث، وقد ذكره أهل الرجال في كتبهم وأثنوا عليه بالعلم والورع
.
إنّ دون مقام سيّدنا المـُترجَم أنْ نقول فيه: إنّه من مشايخ الإجازة الذين هُم في غنى عن أيِّ تزكية وتوثيق، كما نصّ به الشهيد الثاني، وتلقّاه من بعده بالقبول؛ فإنّ ذلك شأن مَن لا يُعرف وجُهلت شخصيته، وإنّ مكانة سيّدنا أبي يعلى فوق ذلك كُلِّه على ما عرفته من نصوص علماء الرجال.
____________________
ومن كراماته المـُريبة على حدِّ الإحصاء، المشهودة من مرقده المـُطهّر، فهو من رجالات أهل البيتعليهمالسلام
، المعدودين من أعيان علمائهم بكُلّ فضيلة ظاهرة ومأثرة باهرة: والشَّمسُ معروفةٌ بالعينِ والأثرِ.
فليس هو ممّن نتحرّى إثبات ثقته حتّى نتشبّث بأمثال ذلك. نعم، كثرة روايته للحديث تنمّ عن فضل كثار من غزارة علمه؛ ومِن قولهمعليهمالسلام
:« اعرفوا منازلَ الرِّجال منّا بقَدر روايتهم عنّا »
. فإنّ ذلك يشفّ عن التصلّب في أمرهم، والتضلّع بعلومهم، والبثِّ لمعارفهم، وبطبع الحال إنّ كُلاً من هذه يُقرّب العبد إلى اللّه تعالى وإليهمعليهمالسلام
زلفى، فكيف بمَن له الحظوة بها جمعاء، كسيّدنا المـُترجَم، على نسبه المـُتألِّق المـُتَّصل بدوحهم القُدسيِّ اليانع؟!
أمّا مشايخه في الرواية فجماعة عرفناهم بعد الفحص في المـُعجم وكتب الحديث؛ كرجال الطوسي، وفهرست النّجاشي، وإكمال الدِّين للصدوق، منهم:
١ - الشيخ الثّقة الجليل سعد بن عبد الله الأشعري.
٢ - محمّد بن سهل بن ذارويه القُمّي.
٣ - الحسن بن ميثل.
٤ - عليُّ بن عبد بن يحيى.
٥ - جعفر بن مالك الفزاري الكوفي.
٦ - أبو الحسن عليُّ بن الجنيد الرازي.
٧ - وأجلّ مشيخته عمّه مستودع ناموس الإمامة، والمؤتمن على وديعة المهيمن سبحانه، أبو عبد الله - أو عبيد اللّه - محمّد بن علي بن حمزة بن الحسن بن عبيد الله بن العبّاسعليهالسلام
.
ومن جلالته، أنّه لمـّا وقعت الفتنة بعد وفاة أبي محمّد العسكريعليهالسلام
، وكثر الفحص والطلب من زبانية الإلحاد وطواغيت الوقت على بيت الإمامة ونسائه، وجواريه وإمائه؛ حذار وجود البقيّة منه أو وجود حامل منهم تلده، لِما بلغ الطاغية أنّ الخلف بعد أبي محمّد العسكريعليهالسلام
يُدمّر دولة الباطل، فحسبه في العاجل وهو آجل، فعند ذلك انتقلت الكريمة الطاهرة اُمّ الإمام المنتظر عجّل الله فرجه ( نرجس ) سلام الله عليه وعليها إلى بيت أبي عبد الله هذا، كما نصّ به النّجاشي؛ للحفظ من عادية المـُرجفين
.
وإنّ الاعتبار لا يدعنا إلاّ أنْ نقول: بأنّ بيتاً يحوي اُمّ الإمامعليهالسلام
لا بُدّ أنْ يكون مُختلف وليِّ الدهر وصاحب العصر، النّاهض بعبء خلافة الله الكبرى، ومحطّ أسراره ومرتكز أمره، ومجرى علومه ومصبّ معارفه، ليتعاهد الحُرّة الطيِّبة اُمّه نرجس، ويكونعليهالسلام
هو المجتبى في صدر ذلك الدست، والمـُتربّع على منصّة عزّه.
ولا شكّ أنّ أبا عبد الله هذا يقتبس من علومه ويستضيء بأنواره، وحينئذٍ فدون مقامه إطراء العلماء له، كقول النّجاشي والعلاّمة: ثقة جليل، وكقول ابن داود: عين في الحديث، صحيح الاعتماد
، كتوثيقات الوجيزة، والبلغة، والمشتركات، وحاوي الأقوال.
____________________
وقال ابن عنبة في العمدة: نزل البصرة، وروى الحديث عن علي بن موسى الكاظمعليهالسلام
وغيره، بها وبغيرها، وكان مُتوجّهاً عالماً شاعراً. وقال النّجاشي: له رواية عن أبي الحسن وأبي محمّدعليهماالسلام
، وإنّ له مكاتبة، وله مقاتل الطالبيِّين
. فحسبُ سيّدنا المـُترجَم أبو يعلى من الشرف أنْ يكون معماً بمثله، وناهيه من الفضيلة أنْ يكون خرِّيجاً لمدرسته.
ووالد أبي عبد اللّه هذا فهو علي بن حمزة بن الحسن، نصّ النّجاشي والعلاّمة الحلّي وفي الوجيزة والبلغة على ثقته.
وأبو حمزة الشبيه بجدّه أمير المؤمنينعليهالسلام
جليل القدر عظيم المنزلة، خرج توقيع المأمون بخطهِ: يُعطى لحمزة بن الحسن لشبهه بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب مئة ألف درهم. قاله ابن عنبة في العمدة
.
وأبو حمزة هذا [ هو ] الحسن بن عبيد اللّه، فذكر النّسّابة العمري في المجدي: أنّه كان لاُمّ ولد، روى الحديث، وعاش سبعاً وستِّين سنة
. ووافقه على عمره أبو نصر البخاري في سرّ السّلسلة، وذكر أنّ العدد والثروة في ولده، وأنّ اُمّه واُمَّ شقيقه عبد اللّه بنت عبد اللّه بن معبد بن العبّاس بن عبد المـُطّلب
.
قلتُ: والظاهر أنّ في النّسخة غلط نسياني؛ فإنّ أبا نصر نفسه
____________________
ذكر أنّ التي كانت تحت عبيد اللّه بن العبّاسعليهالسلام
هي اُمّ أبيها بنت معبد بن العبّاس لا ابنة ابنه.
وعبيد اللّه بن العبّاس أبو الحسن، ذكر الشيخ العلاّمة علي بن يوسف بن المـُطهّر - أخو آية اللّه العلاّمة الحلّي - في العدد القويّة، عن الزبير بن بكار: أنّه من العلماء.
وقال أبو نصر البخاري: تزوّج أربع عقائل كرام: رقية بنت الإمام الحسن السّبطعليهالسلام
، واُمّ عليٍّ بنت السّجادعليهالسلام
لم تلد منه، واُمّ أبيها بنت معبد بن العبّاس بن عبد المـُطّلب، وابنة المـُسوّر بن مخزوم الزُّبيري
.
وأمّا سيّدنا أبو الفضل العبّاس قمر بني هاشم، الذي هو بمنقطع الفضل ومنتهى الشرف، وغاية الجلالة وقصارى السّؤدد، فالبيان يتقاعس؛ إنّه جاء ممدوحاً بلسان أئمّة الدِّينعليهمالسلام
كابن أخيه الإمام السّجادعليهالسلام
، ثُمّ الإمام الصادقعليهالسلام
.
ولسيّدنا المـُترجَم أبي يعلى في أرض الجزيرة بين الفرات ودجلة من جنوب الحلّة السّيفيّة مشهدٌ معروف في قرية تُعرف باسمه ( قرية الحمزة )، بالقرب من قرية المزيديّة؛ يُقصد بالزيارة، وتُساق إليه النّذور، ويُتبرّك به، وتُعزى إليه الكرامات، تتناقلها الألسن ويتسالم عليها المشاهدون وتخبت بها النّفوس، وكان في ذي قبل يُعرف بمشهد ( حمزة بن الإمام موسى الكاظمعليهالسلام
).
وبمّا أنّ الثابت في التاريخ والرجال أنّ قبر حمزة المذكور في الرَّي، إلى جنبِ مشهد السيّد الأجلّ عبد العظيم الحسني سلام اللّه عليهما،
____________________
كان سيّد العلماء والفقهاء المـُجاهدين سيّدنا المهدي القزويني، بعد أنْ هبط الحلّة الفيحاء، وأقام فيها دعامة الدِّين وشيّد أركان المذهب، يمرّ بهذا المشهد حين وفوده إلى بني زبيد للإرشاد والهداية، ولا يزوره؛ ولذلك قلَّت رغبةُ النّاس في زمانه.
فصادف أنْ مرّ به مرّة، فطلبَ منه أهلُ القرية زيارة المرقد المـُطهّر، فاعتذر بما قدّمناه، وقال: لا أزور مَن لا أعرفه. فبات ليلةً وغادر القرية من غدٍ إلى المزيديّة وبات بها، حتّى إذا قام للتهجُّد في آخر الليل وفرغ من عمله، طفق يراقب طلوع الفجر، إذْ دخل عليه رجلٌ في زيٍّ علوي شريف من سادة تلك القرية، يعرفه المهدي بالصلاح والتقوى، فسلّم وجلس، وقال له: استضفت أهل الحمزة، وما زرت مشهده؟! قال: نعم. قال: ولم ذلك؟ فأجابه بما قدّمناه من جوابه لأهل القرية.
فقال العلوي المذكور:رُبَّ مشهورٍ لا أصل له
. وليس هذا قبر حمزة بن موسى الكاظمعليهالسلام
كما اشتُهر، وإنّما هو قبر أبي يعلى حمزة بن القاسم العلوي العبّاسي، أحد علماء الإجازة وأهل الحديث، وقد ذكره أهل الرجال في كتبهم وأثنوا عليه بالعلم والورع.
فحسبَ سيّدنا الحجّة المهدي أنّه أخذ هذا من أحد العلماء؛ لأنّه كان من عوام السّادة، وأين هو من الاطّلاع على الرجال والحديث؟! فاغفل عنه ونهض لفحص الفجر، وخرج العلوي من عنده.
ثمّ أدّى السيّد الفريضة وجلس للتعقيب حتّى مطلع الشمس، وراجع كُتب الرجال التي كانت معه، فوجد الأمر كما وصفه الشريف العلوي الداخل عليه قُبيل الفجر، ثُمّ ازدلف أهلُ القرية إليه مُسلّمين عليه، وفيهم العلوي المـُشار إليه، فسأله عن دخوله عليه قُبيل الفجر وإخباره إيّاه عن المشهد وصاحبه، عمّن أخذه، ومن أين له ذلك.
فحلف العلوي باللّه أنّه لم يأته قبل الفجر، وأنّه كان بائتاً خارج القرية في مكان سمّاه، وأنّه سمع بقدوم السيّد فأتاه زائراً في وقته هذا، وأنّه لم يره قبل ساعته تلك. فنهض السيّد المهدي من فوره وركب لزيارة المشهد، وقال: الآن وجب عليَّ زيارتُهُ - وإنّي لا أشكّ أنّ الداخل عليه هو الإمام الحجّة (عجّل الله فرجه) - وركب الطريق معه أهل المزيديّة
.
ومن يومئذ اشتهر المرقد الشريف بالاعتبار والثبوت، وازدلفت الشيعة إلى زيارته والتبرك والاستشفاع إلى اللّه تعالى به. وبعد ذلك نصَّ سيّدنا المهدي عليه في فلك النّجاة، وتبعه على ذلك من بعده العلاّمة النّوري في تحيّة الزائر، والعلاّمة المامقاني في تنقيح المقال، وشيخنا المحدّث القمّي في الكنى والألقاب
.
أخذنا هذا النّبأ العظيم من جنّة المأوى للعلاّمة النّوري.
هذا ما كتبه شيخنا العلاّمة ميرزا محمّد علي الاُوردبادي أيَّده اللّه.
____________________
عمارةُ المشهد:
تمهيد:
لا شكّ في رجحان عمارة قبور الأولياء المـُقرّبين، لا سيما مَن حظي منهم بشرف المنبت النّبوي الطاهر الذي هو معدود من أكبر الفضائل؛ لأنّه لا يزال بمجرّده مُتواصل العرى، يحدو بصاحبه إلى أوج العظمة، وكُلّ سببٍ ونسب مُنقطع يوم القيامة إلاّ نسبه وسببهصلىاللهعليهوآله
، فهو مُشرِّف مَن تحلَّى به في الدُّنيا والآخرة، فكيف به إذا كان مشفوعاً بعلم وتقىً، ومآثر ومفاخر؟!
١ - لأنّه من تعظيم شعائر اللّه:(
وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ
)
. ومن موارد حرماته المـُعيّنة بقوله تعالى:(
وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ
)
.
وإذا كانت البُدن من الشعائر له سبحانه:(
وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ
)
. وليست البُدن إلاّ بهيمة تُنحر في مرضات اللّه سبحانه وفي سبيل طاعته، والشعار فيها نحره، فلماذا لا يكون عملُ الوليِّ المـُقرَّب، الشَّهيد الصدِّيق المنحور على الدعوة الإلهيّة، والمراق دمه الطاهر على مجزرة الشّهادة، من مستوى القدس، من جملة الشعائر والحُرمات التي يجب تعظيمها؛
____________________
بتعاهد مرقده الأطهر، وقصده بالزيارة والعبادة فيه، وعمارته عند الانهدام؛ ليأوى إليه الزائر ويتفيّأ بظلّه للتعبُّد، كما أنّ الأمر بطواف البيت يستدعي عمارته كُلّما أوشك أنْ يتضعضع بنيانه؟!
٢ - على أنّ رجالات بيت النّبوَّة هم:(
فِي بُيُوت أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ
)
. والمـُراد من البيت: ما كان مسقوفاً؛ ولذلك أطلقه في الكتاب المجيد على الكعبة المـُعظَّمة، حيث يقول:(
الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ
)
. لكونها مسقوفة، ولم يُرد من البيوت مطلق المساجد أو المساجد الأربعة، وهي: المسجّد الحرام، ومسجد النّبيّصلىاللهعليهوآله
، ومسجد الكوفة، والبصرة.
فالمساجد كُلّما ذُكرت في القرآن اُطلق عليها المسجّد دون البيت، مثل قوله تعالى:
(
لَمَسْجِدٌ اُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى
)
.
(
عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدِ
)
.
(
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً
)
.
(
لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً
)
.
(
شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
)
.
(
وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
)
.
____________________
والمساجد بمقتضى تشريعها مكشوفة، والسّقف الموجودة فيها حادثة؛ لقصد أنْ يأوي إليها الوفود من المرامي السّحيقة الذين لا مأوى لهم، لتكنّهم من قائض الحرّ وقارص البرد، فلا يُناسب إطلاق البيت عليها؛ لأنّه عبارة عن المحلّ المسقوف، ولا يُطلَق على غير المسقوف، ولذلك تجد إطلاق بيوت الأعراب على أخبيتهم دون الصحاري التي يسكنونها، ومن ذلك اُطلق البيت على الكعبة لكونها مسقوفة.
وكما لا يُراد من تلك البيوت - التي يجب(
أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ
)
- المساجد، لا يُراد منها خصوص الكعبة المشرّفة؛ لأنّ لفظ البيوت في الآية جمعٌ، وحينئذ فمِن المـُتعيّن أنْ يُراد منها بيوتات تكون مستوى لذكر اللّه والدعوة إليه؛ إمّا بألسنة ساكنيها أو بأعمالهم وجهادهم، فتكون تلك البيوت منبثق أنوار اللّه.
وإذا فتَّشنا بيوت العالَم فلا نجد ما هو أولى بصدق هذه البيوت عليهم، إلاّ بيوت رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
، الذين أنفذوا طاقاتهم في رفع كلمة اللّه العلي وتوحيده، والتذكير بوعده ووعيده، فكانت مقصورةً على ذلك دعوتُهم، منحصراً به هتافُهم حتّى أثبتوه على جبهة الدهر، وكتبوا بدمائهم الزاكية على صحيفة الزمان، مع ما لهم من الدؤوب على العبادة والتلاوة في آناء الليل وأطراف النّهار، وللنّاس بهم اُسوة حسنة.
وليس من الرأي السّديد قصرها على بيوتهم التي يسكنونها أيّام حياتهم - بل تعمّها - ومشاهدهم المـُقدّسة؛ فإنّهم(
أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
)
. وإذا ثبت في الشُّهداء - وهم دونهم بمراتب - أنّهم
____________________
أحياءٌ، فإنّ أهل البيتعليهمالسلام
أولى بذلك؛ لأنّهم الدعاة إلى سبيل ربّهم بالحكمة والموعظة الحسنة، أحياءً وأمواتاً، وشهداء في سبيل تلك الدعوة المـُقدّسة، وشهداء على أعمال الاُمّة المرحومة.
وعليه فلا يخلو: إمّا أنْ يُراد من الرفع في الآية خصوص العمارة وتشيدها، كما هو الظاهر على حدّ قوله تعالى:(
وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ
)
. أو يُراد مُطلق التعظيم؛ وممّا لا شكّ فيه أنّ من أظهر مصاديقه عمارتها وتجديدها عند أولها إلى الخراب، لتتمّ بقيّة أقسام التعظيم؛ من تفيِّئ المـُتعبّدين، وانتجاع المـُزدلفين إليها، واختلاف الزوّار إليها، وذكر اللّه سبحانه، والصلاة والترحّم على أولياء اللّه المتبوّئين هاتيك المشاهد المـُطهّرة، وتكون تلك القباب والأبنية الشاهقة كنارٍ تدلّ الوافدين على ما هناك من ضالَّتهم المنشودة.
٣ - ثُمّ إنّ في الكتاب العزيز شيئاً آخر دلّنا على مشروعية البناء على مراقد الصالحين، واتخاذ خصوص المساجد عليها، وهو قوله جلّ شأنه:(
قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً
)
. وذلك أنّ المؤمنين مع ملِكِهم ( بيدروس )، وكان موحّداً، لمـّا وصلوا إلى أصحاب الكهف واطَّلعوا على موتهم في مكانهم، أمر الملك أنْ يُتركوا في مكانهم، ويُبنى على باب الكهف مسجدٌ يتعبّد فيه النّاس ويتبرّكون بمكانهم
.
____________________
وهذا منه سبحانه، وإنْ كان إخباراً عن عمل اُمّة سابقة على الإسلام، لكنّه مقرون بالتقرير من اللّه عزّ ذكره، وعدم الإنكار عليهم، وكُلّما كان الحكم غير مُنكر من الإسلام فهو مستصحبُ البقاء، والنّسخ وإنْ وقع في الشريعة لكنّه لمجموع هاتيك الشرائع لا لجميعها، فهو كالعشرة الإبراهيمية
التي لم تُنسخ ولا تُنسخ أبداً كغيرها من الأحكام المـُستصحبة.
وإذا أجازت الشريعة الإلهيّة بناء المسجد على اُولئك الصالحين من فتية الكهف للعبادة والتبرّك بهم، فالحكم شرع سواء فيهم وفي مَن هو أفضل منهم؛ ألا وهُم الحُججُ المعصومون، والأولياء المـُقرّبون من هذه الاُمّة المرحومة.
وعلى هذا النّهج اللاحب جاءت سنّة الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله
، فإنّهصلىاللهعليهوآله
لمـّا دفن عثمان بن مظعون أمر بحجر فوضع عند رأسه؛ مُعلّلاً بأنّه يُعلم منه قبر أخيه ليُدفن إليه مَن مات من أهل بيته، وهذا الحجر أخذه مروان بن الحكم ووضعه على قبر عثمان بن عفان، فكلّمته بنو اُميّة، وقالوا: كيف تأخذ حجراً وضعه رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
؟ فلم يعبأ بهم
.
____________________
وإذا كان وضع الحجر للتعريف بالقبر، فلا ريب أنّ البناء على القبر أوفى بهذه العلّة من وضع الحجر، فيكون راجحاً بالأولويّة.
على أنّ اهتمام النّبيّصلىاللهعليهوآله
بتعريف قبر عثمان دون غيره من المسلمين يدلّنا على امتياز بعضهم عن بعض بالفضل والعلم، والورع والمعرفة، وحينئذ يكون البناء على قبور الأنبياء والأوصياء والأولياءعليهمالسلام
، والأمثل فالأمثل، امتيازاً عن غيرهم، وإعلاماً لهم بما مِن شأنٍ ورفعة أولى وأرجح.
وكانت فاطمة الزهراءعليهاالسلام
تزور قبرَ حمزة وترمُّه وتُصلحه، وقد علّمته بحجر
، فدلّ على أنّ إصلاح القبر وتعاهده كي لا تندرس آثاره معروفٌ في زمن الشارع المـُقدّس، وإلاّ لما فعلت ذلك سيّدة نساء العالمينعليهاالسلام
، والوحي يُنزل في بيتها.
وإصلاح القبر يختلف باختلاف الأوقات والأزمنة، فقد تقتضي الحالة والوقت إصلاح القبر بجمع ترابه ووضع الحجر عليه، وقد تقتضي بناء قبّة عليه أو وضع جدار حوله؛ ومن أجل ذلك دفنوا النّبيّصلىاللهعليهوآله
في حجرة عائشة، وكانت مُسقّفة بجريد النّخل، وأوّل مَن بناها باللبن عمر بن الخطّاب
.
ثُمّ إنّ عبد اللّه بن الزُّبير شيّد جدران قبر النّبيّصلىاللهعليهوآله
وجعلها مرتفعة، وفي سنة ١٩٣ هـ أمر الرشيد وإليه على المدينة أبا البُختري أنْ يبني سقف الحجرة، ثُمّ المتوكّل أمر واليه على
____________________
الحرمين إسحاق بن سلمة أنْ يُشيّد حجرة النّبيّصلىاللهعليهوآله
بحجارة الرخام، ففعل ذلك سنة ٢٤٢ هـ.
وفي الأوراق البغدادية للسيّد إبراهيم الراوي: إنّ المسلمين لمـّا فتحوا بلاد الشام وبيت المقدس، ورأوا على قبور الأنبياء المباني لم يهدموها، ومن أشهرها البناءُ الذي على قبر إبراهيم الخليلعليهالسلام
، وقد رأى ذلك عمر بن الخطّاب فلم يهدمه ولم يأمر بهدمه. وغير خفيّ أنّ تقرير الصحابة - وفيهم الخلفاء - ذلك العمل دليلٌ قويٌّ على تعارف البناء على القبور وجوازه لديهم.
وحدّث محمّد بن الحنفيّة المـُتوفّى سنة ٨١ هـ: أنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
دفن فاطمة بنت أسد في موضع المسجد الذي يُقال له اليوم: ( قبر فاطمة )، وفيه دلالة - كما عند السّمهودي - على أنّ قبرها كان عليه مسجدٌ يُعرف به ذلك الزمان
، وهو في المئة الاُولى من الهجرة، كما كان على قبر حمزة بن عبد المـُطّلب مسجداً يومئذٍ
.
وكما بُني على قبر العبّاس بن عبد المـُطّلب قبّة دُفن فيها الحسن والسّجاد
، والباقر
والصادق
عليهمالسلام
، ففي المئة الاُولى والثانية كانت القبّة على قبر العبّاس موجودة.
وإنّ الخطيب البغدادي المولود سنة ٣٩٢ هـ حكى في ترجمة الإمام الكاظمعليهالسلام
: أنّه دُفن في مقام الشونيزية ( مقابر قريش ) خارج القبّة، وقبره هناك مشهور يُزار... إلى آخره.
____________________
فدلّ على أنّه كان يوم وفاة الإمام موسى بن جعفرعليهالسلام
قبّة في مقابر قريش
؛ وعليه يكون وضع القباب على القبور متعارفٌ بين المسلمين، لم تُنكره علماء تلك العصور مع تبصّرهم بأحاديث الرسولصلىاللهعليهوآله
.
ومن هنا لم يمتنع الخلفاء من وضع القباب على قبور أسلافهم؛ فهذا الرشيد بنى قبّة على قبر أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام
، وبنى المأمون على قبر الرشيد قبّة
مع أنّ عصره كان حافلاً بالعلماء كالشافعي وابن حنبل وسفيان بن عيينة وغيرهم، فلم يُنكر عليه أحدٌ.
ولمـّا توفِّي المعزّ البويهي سنة ٣٥٦ هـ دُفن في داره، ثُمّ نُقل إلى مشهد بُنيَ له في مقابر قريش
، وابن وكيع الشاعر المـُتوفّى ٣٩٣ هـ دُفن في المقبرة الكبرى في القبّة التي بُنيت له بها
، وأبو تمّام المـُتوفّى سنة ٢٧١ هـ بنى على قبره نهشل بن حميد الطوسي قبّة
.
____________________
فما قيل من أنّ هذه القباب حدثت منذ القرن الخامس، فهي من البدع غير المعروفة في زمن الشارع المـُقدّس، وما بعده من الأكاذيب الفاضحة.
فتحصّل من جميع ما ذكرناه أنّ البناء على القبور وعمارتها، وتجديدها وتعاهدها أمرٌ راجح وعليه الاُمّة الإسلاميّة من دون نكير بينها، ويتأكّد في قبور الأولياء المـُقرّبين، والشُّهداء الصدّيقين، والعلماء الصالحين، وذوي المآثر والفضائل؛ لأنّ فيه تعريفاً بالميّت وتنويهاً بمقامه، ليزوره الزائر، ويستريح إليه المـُتعبّد؛ لكونه من الأمكنة المحبوبة للّه تعالى، فيها الذكر والطاعة، وتحصيل المصالح الدينيّة.
وبذلك اتّفقت كلمة العلماء الذين هم أعرف الاُمّة بموارد الأمر والنّهي، بل زادوا على البناء والعمارة تزيينها بالمـُعلّقات والفرش والسّتائر، وكُلّ ما فيه احترامهم وتعظيمهم، مدّعين على ذلك - بعد الإجماع والاتّفاق - أنّه من الشعائر، وعدم إنكار الأئمّةعليهمالسلام
في عهود كانوا ظاهرين فيها، والأخبار الكثيرة الدالّة على ميلهم ورضاهم به، وقد أمرت بالوقوف على باب الروضة أو القبّة أو النّاحية المـُقدّسة، والاستئذان، وتقبيل القبّة والدعاء عند ترائي القبّة الشريفة، وغيرها ممّا يتوقّف على وجود الباب والقبّة والعتبة، المتوقّف كُلّه على البناء، فلولا البناء أين تكون القبّة؟ وأين الباب؟ وأين العتبة؟ وأين الاستئذان عنده؟!
مع صراحة خبر أبي عامر - واعظ أهل الحجاز - عن الإمام الصادقعليهالسلام
عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
، وفيه:« إنّ اللّهَ سبحانهُ جعلَ قلوبَ نُجباءٍ مِنْ خلقهِ، وصفوةٍ مِنْ عبادهِ تحنُّ إليكُمْ، وتحتملُ الأذَى
والمذلّةَ فيزورونَ قُبورَكُمْ، ويُكثرون زيارتَهُمْ؛ تقرّباً منهم إلى اللّهِ تعالى، ومودّةً منهم لرسولِهِ، اُولئكَ المخصوصونَ بشفاعَتي، الواردونَ حوضِي، وهُمْ زوَّاري غداً في الجنّة.
يا عليُّ، مَنْ عمَّر قبورَكُمْ وتعاهدَها، فكأنَّما أعانَ سُليمانَ على بناءِ بيتِ المقدسِ...
إلى أنْ قال:ولكنّ حثالةً مِنَ النّاسِ يُعيّرونَ زوّارَكُمْ كما تُعيَّر الزَّانيةُ بزناها، اُولئك شرارُ اُمّتي، لا نالتهم شفاعتِي »
.
وحينئذ فلا ريب في تخصيص العمومات المانعة من تجصيص القبر وتجديده، بل ادّعى صاحب الجواهر أعلى اللّه مقامه: أنّ البناء على قبور الأئمّةعليهمالسلام
والصُّلحاء من ضروري المذهب، بل الدِّين
.
على أنّ النّهي عن التجصيص معارضٌ بما هو أقوى منه سنداً ودلالة وأكثر عدداً، ومنه حديث صفوان: زار الصادقُعليهالسلام
قبرَ جدّه أمير المؤمنينعليهالسلام
، وذكر فضل زيارته واستئذانه منه أعلام الشيعة بهذا الفضل، إلى أنّ قال: وأعطاني دراهمَ فأصلحتُ القبر
.
ويُحدّث يونس بن يعقوب: أنّ الإمام الكاظمعليهالسلام
عند رجوعه من بغداد ماتت ابنة له بـ ( فيد )، فدفنها وأمر بعض مواليه أنْ يجصّص
____________________
قبرها، ويكتب على لوح اسمها ويجعله في القبر
.
وماتت اُمّ الإمام الحجّة صاحب الزمان (عجّل الله فرجه) في أيّام أبي محمّد الحسن العسكريعليهالسلام
، فدُفنت في الدار، وكُتب على لوح: هذا قبر اُمّ محمّدعليهالسلام
. ووضع في القبر
. وليس هو من خصائص أولادهم، وإنّما جرى الأمر على العادة المألوفة من التعريف بالميّت والتنويه بذكره، فيكون الفعل في غيرها من الأنبياءعليهمالسلام
، والعلماء الصالحين أولى وأرجح وأأكد.
والمراد من البناء المكروه - كما نصّ عليه الأردبيلي وكاشف الغطاء
- هو ما كان فوق القبر، بحيث يصير القبر تحت الحائط؛ فإنّه غير مناسب لحرمة الميّت، وأمّا البناء المتعارف المتداول بحيث يكون القبر تحت القبّة، فلا يشمله النهي، كما لا يشمل عمارة القبّة وتجصيصها وتزيينها، ولا وضع الصناديق المـُزيَّنة والأقمشة النفيسة على القبور والوقف لها.
وإليكَ أسماء مَن تعرّض لهذا الحكم من علمائنا عند مسألة تجصيص القبور من أحكام الأموات وغيرها، مرتَّبين على سنة الوفاة:
١ - السيّد عبد الكريم بن طاووس في الفرحة، المـُتوفّى سنة ٦٩٣ هـ
.
____________________
٢ - الشهيد الأوّل في الذكرى والدروس، المـُتوفّى سنة ٧٨٦ هـ
.
٣ - المـُحقّق الكركي في جامع المقاصد، المـُتوفّى سنة ٩٣٣ هـ
.
٤ - الشهيد الثاني في روض الجنان، المـُتوفّى سنة ٩٦٦ هـ
.
٥ - الأردبيلي في شرح الإرشاد، المـُتوفّى سنة ٩٩٣ هـ
.
٦ - السبزواري في الذخيرة، المـُتوفّى سنة ١٠٩٠ هـ
.
٧ - الحُرُّ العاملي في الوسائل، المـُتوفّى سنة ١١٠٤ هـ
.
٨ - المجلسي في مزار البحار ومرآة العقول، المـُتوفّى سنة ١١١٠ هـ
.
٩ - السيّد جواد العاملي في مفتاح الكرامة، المـُتوفّى سنة ١٢٢٦ هـ
.
١٠ - كاشف الغطاء في نهج الرشاد ص٧١، المـُتوفّى سنة ١٢٢٨ هـ
.
١١ - السيّد علي في الرياض، المـُتوفّى سنة ١٢٣١ هـ
.
____________________
١٢ - الميرزا القمّي في الغنائم، المـُتوفّى سنة ١٢٣١ هـ
.
١٣ - النّراقي في المستند، المـُتوفّى سنة ١٢٤٤ هـ
.
١٤ - الكرباسي في منهاج الهداية، المـُتوفّى سنة ١٢٦٢ هـ.
١٥ - صاحب الجواهر فيها، المـُتوفّى سنة ١٢٦٦ هـ
.
١٦ - النوري في المستدرك، المـُتوفّى سنة ١٣٣٠ هـ
.
____________________
عمارةُ مرقد العبّاس:
إذا تمهّد ما ذكرناه، فمشهد سيّدنا أبي الفضلعليهالسلام
من أظهر مصاديق تلك البيوت التي أذن الله أنْ تُرفع ويُذكر فيها اسمه، كما أنّه في الرعيل الأوّل من اُولئك الصدّيقين والشُّهداء الصالحين، وفي تشييد قبّته السامية إبقاء لما أوعزنا إليه من السرّ في انحياز قبره عن مجتمع الشُّهداء.
وإذا أعلَمَنا الإمام الصادقعليهالسلام
في زيارته بما له من المقام الرفيع في ملأ القدس، وعند مجتمع الأنبياء والرسلعليهمالسلام
، وقد حاز بذلك إكباراً منهم وتبجيلاً حتّى غبطه - على ما حباه اللّه - جميع الشُّهداء والصدّيقين. [ و ] لتفرّده بتلك المنعة والخطر كان الاحتفاء بمشهده القدسي، من العمارة والتعاهد، من أوّليات فرائض عالم الشُّهود.
ثُمّ إنّه سبحانه قيّض لعمارة هذا المشهد الكريم اُناساً قدّر لهم الخير والسعادة، وأجرى على أيديهم المبرّات ففازوا بالباقيات الصالحات، وكانت لهم الذكرى الخالدة في الدارين، والسعادة في النشأتين؛ من ملوك واُمراء، وعلماء ووجهاء، فتعاقب عليه العمران، وفي كُلّ يوم يزداد بهجة وبهاءً حتّى تجلَّى - كما هو اليوم - في أبهج المناظر بقبّته التي تحاكي السّماء رفعة، وإنْ شئت النُّجوم بهجة، وذلك الحرم المنيع المضاهي للعرش عظمة، وأروقته المغشّاة بالقوارير التي تفوقُ الأفلاك بذخاً، وذلك الصحن
الذي هو ساحة القدس وباحة الجلال، والبهو الكبير الذهبي الذي دونه عرش الملك ومناط الاُبّهة، فحاكى غُرفَ الجنان وصروحها.
ويتحدّث المؤّرخون: أنّ الشاه طهماسب في سنة ١٠٣٢ هجرية زيّن القبّة السامية بالكاشاني، وبنى شبّاكاً على الصندوق، ونظّم الرواق والصحن، وبنى البهو أمام الباب الأوّل للحرم، وأرسل الفرش الثمينة من صنع إيران، وفي سنة ١١٥٥ هـ أهدى نادر شاه إلى الحرم المـُطهّر تُحفاً كثيرة، وزيّن بعض تلك المباني بالقوارير، وفي سنة ١١١٧ هـ
زار الحسينعليهالسلام
وزيره الشّهم، فجدّد صندوق القبر، وعمّر الرواق، وأهدى ثريا يوضع فيها الشمع لإنارة الحرم الشريف.
وبعد حادثة الوهابيّة بكربلاء سنة ١٢١٦ هـ، ونهب ما في الحرم من الأعلاق النّفيسة والذخائر المثمنة، نهض الشاه فتح علي وجدّد ما نُهب من الحسين وأخيه أبي الفضلعليهماالسلام
، وعمّر قبّة العبّاس بالكاشاني، كما أنّه ذهّب قبّة سيّد الشُّهداءعليهالسلام
وصدَّر الإيوان الذي أمام الباب الاُولى للحرم من جهة القبلة، وأنشأ صندوق ساج على قبر أبيِّ الضيم أبي عبد اللهعليهالسلام
، وفضّض الشباك المـُطهّر.
وفي كتاب طاقة ريحان صفحة ٩١ للعلاّمة الحاج ميرزا عبد الكريم المـُقدّس الأرومي: إنّ خال جدّته لاُمّه الحاج شكر الله بن بدل بك الأفشاري ذهّب الإيوان الذي هو أمام حرم أبي الفضل، وأنفق على ذلك كُلّ ماله، وذلك بإيعاز زين الفقهاء والمـُجتهدين الشيخ زين العابدين المازندراني، المـُتوفّى ١٢ ذي العقدة سنة ١٣٠٩ هـ، وكتب اسمه في الجانب الغربي من جدار الإيوان على
____________________
صفائح الذهب بخطٍّ ذهبي موجود إلى الآن، وتاريخ الكتابة سنّة ١٣٠٩ هـ.
وفي الكتاب المذكور: إنّ نصير الدولة ذهّب منارة أبي الفضل، وكان الصائع يغشُّ في تطلية الطاقات الصفريّة بالذهب، فعُرف منه ذلك، وجيء به من بغداد إلى كربلاء، فَلمـّا دخل الصحن اضطرب وأسودّ وجهه سواداً شديداً، ومات من الغد.
وحدّثني العلاّمة الحجّة السيّد حسن مؤلّف كتاب ( فدك ) وغيره من المـُؤلّفات القيّمة: أنّ الإيوان الصغير الذهبي الذي هو أمام الباب الاُولى أنشأه ملك لكنهو محمّد شاه الهندي، وأمّا الطارمة المـُسقّفة بالخشب فبأمر السّلطان عبد الحميد خان، وجدّد بناء القبّة بالكاشاني محمّد صادق الأصفهاني، الشيرازي الأصل، وهو الذي اشترى الدور الملاصقة للصحن الشريف وزادها في الصحن وبناه بما هو المشاهد، وكانت الزيادة من جهة القبلة أكثر من سائر الجهات قدر إيوانين أو ثلاث، ودُفن في حجرة عند باب القبلة تُعرف باسمه، وبنى الصحن بالكاشانيرحمهالله
، وجزاه لخدمته لأبي الفضل أفضل جزاء المـُحسنين.
وجدّد السيّد المـُبجّل، سادن الروضة المـُقدّسة، السيّد مرتضى البابَ الفضّي التي هي في الإيوان الذهبي أمام حضرة العبّاسعليهالسلام
سنة ١٣٥٥ هـ، وكتب على المصراعين قصيدة الخطيب الاُستاذ الشيخ محمّد علي اليعقوبي، وتفضّل حفظه الله بها، ولطروس الإنشاء الذي ذكرناه فيما تقدّم، وهذه القصيدة:
لُذْ بأعتابِ مَرقدٍ قدْ تَمنَّتْ
|
|
أنْ تكونَ النُّجومُ منْ حَصباهُ
|
وانْتَشقْ مِنْ ثَرى أبي الفضْلِ نشْرَاً
|
|
ليسَ يَحكي العبيرُ نفْحَ شَذاهُ
|
غابَ فيهِ مِنْ هاشمٍ أيُّ بَدرٍ
|
|
فيهِ ليلُ الضَّلالِ يَمحِي دُجاهُ
|
هو يومُ الطُّفوفِ ساقِي العِطاشَى
|
|
فَاسقِ مِنْ فيضِ مُقلتَيكَ ثَراهُ
|
وأطِلْ عندَهُ البُكاءَ فَفيهِ
|
|
قدْ أطالَ الحُسينُ شَجْواً بُكاهُ
|
لا يُضاهيهِ ذو الجَناحينِ لمـّا
|
|
قُطعتْ في شَبا الحُسامِ يَداهُ
|
هو بابُ الحُسينِ ما خابَ يوماً
|
|
وافدٌ جاءَ لائذاً في حِماهُ
|
قامَ دونَ الهُدَى يُناضلُ عنهُ
|
|
وكفاهُ ذاكَ المَقامَ كفَاهُ
|
فادياً سِبطَ أحمدٍ كأبيهِ
|
|
حيدرٍ مُذْ فَدَى النَّبيَّ أخاهُ
|
جَدَّدَ المـُرتضَى له بابَ قُدسٍ
|
|
مِن لُجينٍ يَغشَى العُيونَ سَناهُ
|
إنَّهُ بابُ حِطَّةٍ ليس يَخشَى
|
|
كلَّ هولٍ مُسْتمسِكٌ في عُراهُ
|
قِفْ بهِ داعياً وفيهِ تَوسَّلْ
|
|
فبِهِ المَرْءُ يُسْتجابُ دُعاهُ
|
السّدانة:
السّدانة: هي خدمة المعبد والقيام بشؤونه ولوازمه، وتحرّي كلاءته عن أي عادية، وقد اتّخذت العرب بيوتاً تُعظّمها كتعظيم الكعبة، وجعلوا لها حُجَّاباً وسدنة، وكانوا يهدون إليها كما يهدون إلى الكعبة، ويطوفون كما يطوفون بالكعبة، وينحرون بها مثلها. كلّ ذلك مع معرفتهم فضل البيت الحرام والكعبة المـُشرّفة؛ لأنّها بناء الخليل
.
فالبيت المـُعظّم الذي يُتَّخذ معبداً ومأوى للوفود والزائرين، ومحلاً للدعاء والابتهال، لا بّد وأنْ يُجعل له حَجبة وسدنة يرعون حُرمته، فنصبُ السَّادنِ من لوازم جلالة المحلِّ ووجود المثمنات فيه، فلنْ تجد محلاً له شأنٌ إلاّ ورأيتَ له خدمة.
وبمناسبة منعة المحلّ لا يُقيّض له منْ سوقةِ النَّاسِ ومَن لا كفاءة له بالقيام بالخدمة؛ لأنّ فيه حطّاً من كرامته، وتحطيماً لمكانته، فمِن حقِّ المقام أنْ يكونَ السّادنُ شريفَ قومه وكريم بيته، لا يُسبق بمجدٍ ولا يُلحق بشرف؛ ومن هنا نشاهد السَّدانة في حرم أبي الفضلعليهالسلام
يتولاّها شريفٌ بعد شريف، حتّى انتهى الأمر إلى الهاشمي المـُبجّل السيّد
____________________
مصطفى، ومنه إلى خلفه الشهم الهُمام السيّد مرتضى الذي لا تُعدُّ مآثره ولا آثاره، وأياديه الجميلة ومساعيه المشكورة حول خدمة الحرم وعمارته، وتنويره وتزيينه، وكان كما يهواه السُّؤدد والخطر، وتختاره طهارة العنصر ونزاهة الأعراق، ويرتئيه المجد الهاشمي والمولد العلوي.
وقام نجله الزكي السيّد محمّد حسن بكُلِّ ما يستطيعه من خدمة الحرم.
حامي الجوار:
لقد عرف العلماء مكانة أبي الفضل عند الله سبحانه وتعالى، وما حباه به وأعدّه له من جزيل الفضل؛ تقديراً لأعماله وما قاساه من فوادح وآلام، فكان ملجأ الخائف، ولهف اللاجىء، وغوث الصريخ وحِمى المـُستجير، فلاذوا بجنابه عند الممات، وجاوروا مرقده الأطهر، والتجأوا إلى كهفه المنيع ليمنحهم الشفاعة فيفوزوا بالخلد، ويتقلّبوا على أسرّة النّعيم الدائم، وحاشا أبو الفضل أنْ يخفر الجوار ويتباعد عمّن عقل ناقته بفنائه.
ومن هؤلاء الأعلام، ما في الذريعة إلى مصنّفات الشيعة ٣ / ١٩٩: إنّ الحاج السيّد محمّد بن محسن الزنجاني توفّي بزنجان سنة ١٣٥٥ هـ، وحُمل إلى جوار أبي الفضل العبّاس بوصيّة منه.
وفيه ص٣٢٣: إنّ الشيخ علي بن زين العابدين البارجيتي اليزدي الحائري، صاحب كتاب ( إلزام الناصب في أحوال الحجّة الغائب )، دُفن في صحن العبّاسعليهالسلام
.
والعلاّمة الشيخ علي اليزدي البقروئي، من أجلاء تلامذة الأردكاني، دُفن في البهو أمام حضرة العبّاس.
والسيّد كاظم البهبهاني، من تلامذة المرحوم آية الله السيّد هاشم القزويني، دُفن في الرواق.
والعلاّمة السيّد عبد الله الكشميري، من تلامذة الأردكاني، دُفن في الحجرة الرابعة من الشرق الجنوبي.
الشيخ ملاّ عبّاس المعروف باليزدي، المشهور بسيبويه، وأخوه ملاّ علي المعروف بالأخفش، لهما مكانة عالية في التدريس، دُفنا في الحجرة المـُختصّة بهم، المـُلاصقة للباب المعروفة بباب صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه).
والشيخ كاظم الهرّ، له فضل في العلم والأدب، تلمذ على الشيخ صادق ابن العلاّمة الشيخ خلف عسكر، دُفن في الحجرة الأخيرة من الشرق الشمالي.
المديح والرثاء:
من الواضح الذي لا يرتاب فيه أنّ نظم الشعر في أيّ رجل [ هو ] تعريفٌ به وإحياءٌ لذكره وإقامةٌ لأمره؛ فإنّ آثار الرجال مهما كبرت في النفوس وعظم أمرها قد يُهمل ذكرها بمرور الزمن وتباعد العهد، فيُغفل عن تلك المآثر ويتناسى مالها من أهميّة كبرى.
ولمـّا كان القول المنظوم أسرع تأثيراً من الإصاخة؛ لرغبة الطباع إليه، فتسير به الركبان، وتلوكه الأشداق، وتتحفّظ به القلوب، وتتلقّاه جيلاً بعد جيل، وتأخذه اُمّة بعد اُمّة حتّى يرث الله الأرض ومَن عليها، فتلتفت إلى ذلك الفضل المـُتقادم. وقد حفظ لنا الأدب العربي كثيراً من قضايا الاُمم وسيرها وحروبها في الجاهليّة والإسلام.
وبما أنّ ذكرى أهل البيتعليهمالسلام
قوام الدِّين وروح الإصلاح، وبها تُدرس تعاليمهم وتُقتفى آثارهم؛ طفق اُدباء هذه الاُمّة يذكرون مالهم من فضل كثار، وما جرى عليهم من المصائب ولاقوا في سبيل إحياء الدِّين من كوارث ومحن؛ لأنّ في ذلك إحياء أمرهم، ورحم الله مَن أحيى أمرهم ودعا إلى ذكرهم، وقد تواتر الحثُّ من الأئمّة المعصومينعليهمالسلام
على نظم الشعر فيهم، مدحاً ورثاءً؛ بحيث عُدّ من أفضل الطاعات.
ولم يعهد من الأئمّة الطاهرينعليهمالسلام
- مع تحفّظهم على التقيَّة وإلزام شيعتهم بها - تثبيط الشعراء عن المكاشفة في حقِّهم، وإظهار باطل
المناوئين، مع أنّ في الشعراء مَن لا يقرّ له قرار ولا يأويه مكان؛ فرقاً من أعداء أهل البيتعليهمالسلام
لمحض مجاهرتهم بالولاء، والدعوة إلى طريقة أبناء الرسولصلىاللهعليهوآله
، كالكميت ودعبل الخزاعي ونظرائهم.
بل كان الأئمّةعليهمالسلام
يؤكّدون ذلك بالتحبيذ وإدرار المال عليهم، وإجزال الهبات لهم، وذكر المثوبات، وليس ذلك إلاّ لأنّ المكاشفة أدخلُ في توطيد اُسس الولاية، وعاملٌ قويّ لنشر الخلافة الحقّة، حتّى لا يبقى سمع إلاّ وقد طرقه الحقُّ الصراح، ثُمّ تتلقّاه الأجيال الآتية، كُلّ ذلك حفظاً للدّين عن الاندراس، ولئلاّ تذهب تضحية آل اللّه في سبيله أدراج التمويهات.
ولولا نهضةُ اُولئك الأفذاذ من رجالات الشيعة للذبِّ عن قُدس الشريعة بتعريض أنفسهم للقتل؛ كحجر بن عدي وعمرو بن الحمق، ورشيد وميثم التمّار وأمثالهم، ومجاهرة الشعراء بما قدم به الأطهار من أهل البيت النبويّعليهمالسلام
، لَما عرفت الأجيال المـُتعاقبة صراح الحقّ.
وممّا ورد من الحثّ على نظم الشعر مدحاً ورثاءً، قولهمعليهمالسلام
:« مَن قال فينا بيتاً من الشِّعرِ بنى اللهُ له بيتاً في الجنّة ».
وفي آخر:« حتَّى يُؤيَّد بروحِ القُدُس »
. وفي ثالث:« ما قالَ فينا مؤمنٌ شِعراً يمدَحنا إلاّ بنَى اللهُ له في الجنَّةِ مدينةً أوسع مِنَ الدُّنيا سبعَ مرّات، يزورُهُ فيها كُلُّ مَلكٍ مُقرَّبٍ ونبيٍّ مُرسلٍ »
.
____________________
وقال أبو جعفر الباقرعليهالسلام
للكميت - لمـّا أنشده:
مَن لقلبٍ مُتيّمٍ مُستهامِ
|
|
...............................
|
القصيدة -:« لا تزالُ مُؤيّداً بروحِ القُدُس ما دُمتَ تقولُ فينَا »
.
وأذنَ الإمام الجوادعليهالسلام
لعبد الله بن الصلت أنْ يندبه ويندب أباه الرِّضاعليهالسلام
.
وكتب إليه أبو طالب أبياتاً يستأذنه فيها في رثاء أبيه الرِّضاعليهالسلام
، فقطع أبو جعفرعليهالسلام
الأبيات، وكتب إليه:« أحسنتَ وجزاكَ اللهُ خيراً »
.
وتقدّم في صفحة ١٧٢ مدح الصادقعليهالسلام
لمَن يرثي لهم ويمدحهمعليهمالسلام
.
وحسبُ الشاعر أنْ يترتّب على عمله البار هاتيك المثوبات الجزيلة التي تشفّ عنْ أنّ ما يصفه بعين الله سبحانه حتّى يُبوِّئه الجليل عزّ شأنه من الخلد حيث يشاء، وتزدان به غرف الجنان؛ ولا بدع فإنّه بهتافه ذلك معدود من أهل الدعوة الإلهيّة، المـُعلنين لكلمة الحقّ وتأييد الدِّين، فهو بقوله الحقّ يرفع دعامة الإصلاح وتشييد مبانيه، ويطأ نزعة الباطل بأخمص الهدى، ويقمُّ أشواكه المـُتكدّسة أمام سير المذهب، ويلحب طريقه الواضح، فحيّاهم الله من دعاة إلى مراضيه.
وبما أنّ أبا الفضل العبّاس من اُولئك الأطهار الذين بهم تمّت الدعوة الإلهيّة، وعلت كلمة الله العُليا بإزهاق نفوسهم المـُقدّسة حتّى قضوا كراماً طيّبين، مضافاً إلى ما حواه من صفات الجلال والجمال ممّا أوجب أنْ يغبطه الصدّيقون على ما منحه الباري
____________________
سبحانه عوض شهادته؛ بادر مَن كهربه الولاء الخالص طلباً لذلك الأجر الجزيل بنظم مديحه ورثائه، وأوّل مَن رثاه اُمّه اُمّ البنين كما في مقاتل الطالبيِّين؛ فإنّها كانت تخرج إلى البقيع تندب أولادها أشجى ندبة وأحرقها، فيجتمع الناس لسماع ندبتها، وكان مروان يجيء لذلك فلا يزال يبكي
.
فمِن رثائها فيهم:
لا تَدْعُوَنِّي وَيْكِ اُمَّ البَنينْ
|
|
تُذكّروني بليوثِ العَرينْ
|
كانتْ بَنون ليَ اُدعَى بِهمْ
|
|
واليومُ أصبحتُ ولا مِنْ بَنينْ
|
أربعةٌ مثلُ نُسورِ الرُّبَى
|
|
قد واصلُوا الموتَ بقطعِ الوتينْ
|
تنازعَ الخِرصانُ أشلاءَهُمْ
|
|
فكلُّهُمْ أمسَى صريعاً طعينْ
|
يا ليتَ شعْرِي أكما أخبرُوا
|
|
بأنَّ عبّاساً قطيعُ الوتينْ
|
وقولها الآخر:
يا مَنْ رأى العبّاسَ كرْ
|
|
رَ على جماهيرِ النَّقدْ
|
ووراهُ مِنْ أبناءِ حي
|
|
درِ كلُّ ليثٍ ذي لُبَدْ
|
____________________
نُبِّئتُ أنَّ ابنِي اُصي
|
|
بَ برأسِهِ مقطوعَ يَدْ
|
ويْلِي على شِبلِي أما
|
|
لَ برأسهِ ضربُ العَمدْ
|
لو كانَ سيفُكَ في يدِيْ
|
|
كَ لَما دنا منهُ أحدْ
|
ورثاه حفيده الفضل بن محمّد بن الفضل بن الحسن بن عبيد الله بن العبّاس بن أمير المؤمنينعليهالسلام
على ما في المـُجدي.
إنّي لأذكرُ للعبّاسِ مَوقِفَهُ
|
|
بكربلاءَ وهامَ القومِ يختطفُ
|
يحمِي الحُسينَ ويحميهِ على ظمأٍ
|
|
ولا يُولّي ولا يثنِي فيختلفُ
|
ولا أرَى مشهداً يوماً كمشهدِهِ
|
|
معَ الحُسينِ عليهِ الفضلُ والشَّرفُ
|
أكرمْ بهِ مَشهداً بانتْ فضيلتُهُ
|
|
وما أضاعَ لهُ أفعالَهُ خَلَفُ
|
وحكى الشيخ الجليل العلاّمة ميرزا عبد الحسين الأميني في كتاب (الغدير) ٣ / ٥ عن روض الجنان في نيل مشتهى الجنان، المطبوع للمؤرّخ الهندي أشرف علي: أنّ الفضل بن الحسن المذكور قال في جدّه العبّاسعليهالسلام
:
أحقُّ النَّاسِ أنْ يُبكَى عليهِ
|
|
فتىً أبكَى الحُسينَ بكربلاءِ
|
____________________
أخوه وابنُ والدِهِ عليٍّ
|
|
أبو الفضلِ المـُضرَّجُ بالدِّماءِ
|
ومَنْ واساهُ لا يثنيهِ شيءٌ
|
|
وجادَ لهُ على عطشٍ بماءِ
|
وهذه الأبيات نسبها أبو الفرج في المقاتل إلى الشاعر، ونسبها السيّد الحجّة المتتبّع السيّد عبد الله شبّرقدسسره
في جلاء العيون إلى الحسينعليهالسلام
.
وقد رثى أبا الفضل العبّاس جماعةٌ كثيرة من الفضلاء الأدباء والعلماء البارعين، لو جُمعت لكانت مُجلّداً ضخماً، ولعلّ فيض أبي الفضل يشملنا فنخرجها إلى القرّاء بالقريب العاجل، وفي هذا الكتاب نذكر ما يتحمّله منها.
ومن جيّد ما رُثي به قصيدة الشاعر الشهير الحاج هاشم بن حردان الكعبي الدروقي، المـُتوفّى سنة ١٢٣١ هـ، وهي مثبتة في ديوانه المطبوع في النّجف، وفي كشكول الشيخ يوسف البحراني صاحب الحدائق في الفقه ٢ / ٣٩٢، وفي الدرّ النَّضيد للعلاّمة السيّد محسن الأمين، ومطلعها:
هل اُمُّ طوقٍ كذاتِ الطّوقِ في السَّلمِ
|
|
تحنُّ شوقاً إلى أيّامِنا القِدَمِ
|
إلى أنْ يقول:
يومٌ أبُو الفضلِ تدعُوا الظّامياتُ بهِ
|
|
والماءُ تحتَ شَبا الهنديةِ الخُذُمِ
|
والخيلُ تصطكُّ والزَّعفُ الدِّلاصُ على
|
|
فُرسانِها قَدْ غدتْ ناراً على عَلَمِ
|
وأقبلَ اللَّيثُ لا يلويهِ خَوفُ رَدَى
|
|
بادي البشاشةِ كالمدعوِّ للنّعمِ
|
يَبدُو فيغدُو صَميمُ الجَمعِ مُنصدِعاً
|
|
نصفَينِ ما بينَ مطروحٍ ومُنهَزِمِ
|
ورثاه العلاّمة الشيخ محسن آل الشيخ خضر، المتوفّى حوالي سنة ١٣٠٣ هـ:
فللّه زينبُ إذْ تستغيثُ
|
|
أبا الفضلِ يا كهفَ عزِّي المـُهابَا
|
ويا ليثَ قومِي إذا الخطبُ نابَ
|
|
وكشّرتِ الحربُ سنَّاً ونابَا
|
أتتركُنِي نُصبَ عينِ العدوِّ
|
|
تنتهبُ القومُ رَحلِي انتهابَا
|
وللّهِ مُقولُها إذْ تقولُ
|
|
ينشعبُ القلبُ منهُ انشعابَا
|
عذرتُكَ يابنَ أبِي فالحَميمُ
|
|
بكفَّيهِ يحمِي إذا الخطبُ نابَا
|
فشُلَّتْ أكفُّ علوجٍ بَرتْ
|
|
يمينَكَ إذْ يسلبونِي النِّقابَا
|
وذابَ عمودُ حديدٍ رماكَ
|
|
وأخطأ سهمٌ حشاكَ أصابَا
|
ورثاه شاعر أهل البيتعليهمالسلام
في عصره السيّد حيدر الحلّي، المـُتوفّى سنة ١٣٠٤ هـ، وهي مُثبّتة في ديوانه، مطلعها:
حلولُكَ في محلِّ الضَّيمِ دامَا
|
|
وحدُّ السَّيفِ يأبَى أنْ يُضامَا
|
ورثاه العلاّمة السيّد جعفر الحلّي، المـُتوفّى سنة ١٣١٥ هـ، وقد أبدع فيها، وهي مُثبّتة في ديوانه المطبوع في صيدا، وفي منير الأحزان والدرّ النّضيد، مطلعها:
وَجهُ الصَّباحِ عليَّ لَيلٌ مُظلمُ
|
|
وَربيعُ أَيَّامي عَليَّ مُحرَّمُ
|
وفي صفحات ٩٩ و ١٥٣ و ١٦٠ ذكرنا أبياتاً منها
.
ورثاه الحاجّ محمّد رضا الأزري، ومطلعها:
أومَا أتاكَ حديثُ وقعةِ كربلا
|
|
أنّى وقدْ بلغَ السَّماءَ قتامُهَا
|
طُبعتْ في مثير الأحزان للعلاّمة الشيخ شريف الجواهري، وفي الدرّ النَّضيد.
ورثاه الإمام الحجّة الشيخ محمّد حسن كاشف الغطاء (أدام الله ظلّه)
:
أبا صالحٍ إنّ العزا لَمُحرَّمُ
|
|
ومنكُمْ بنو الزَّهرا استُحِلَّ بهِ الدَّمُ
|
لكُمْ بينَ أضلاعِي مواقدُ لوعةٍ
|
|
بذكرِ رزاياكُمْ تشبُّ وتُضرَمُ
|
تزاحمُ في فكرِي إذا رمتُ عدَّها
|
|
رزاياكُمُ الجلَّى فأبكي واُوجَمُ
|
وما أنسَ مِنْ شيءٍ فلا أنسَ وقعةً
|
|
تُهدُّ لهَا السَّبعُ الطِّباقُ وتُهدمُ
|
____________________
وقد جدّدتْ حُزنِي ولمْ يكُ مُخلقاً
|
|
غداةَ استهلَّتْ أدمُعِي والمـُحرَّمُ
|
أصابَ بها مِنْ كربلا قلبَ أحمدٍ
|
|
وقلبَ عليٍّ والبتولةِ أسْهُمُ
|
غداةَ بنوهُ الغُرُّ في نصرِ دينِهِ
|
|
سرتْ ونهارُ العدلِ بالجَورِ مُظلمُ
|
بفتيانِ صدقٍ في الحفيظةِ يمَّمَتْ
|
|
ركابَ العُلا في ظعنِهمْ حيثُ يمَّموا
|
تُطالعُ أقماراً بهمْ وأهلَّةً
|
|
إذا أسفَروا في موكبٍ وتلثَّموا
|
وإنْ صَرَّتْ الهيجاءُ ناباً تراهُمُ
|
|
اُسوداً فأفياءُ الظُّبا تتأجّمُ
|
وإنْ فُلَّ حدُّ السَّيفِ أمضاهُ عزمُهُمْ
|
|
بأمضَى شَبا منهُمْ فلا يُتكتّمُ
|
وتهوي المنايا للهوانِ كأنَّما الْ
|
|
مَنايا لها دونَ الدنيَّةِ مَغنَمُ
|
ميامينَ يومَ السِّلمِ لكنَّ يومَهُمْ
|
|
على مَن دَنا بالشُّؤمِ منهُمْ لأشأمُ
|
قد ادَّرَعُوا دِرعاً جَديداً وأخَّروا
|
|
من الصَّبرِ أقوَى منهُ نَسجاً وأحكمُ
|
وما راعَ جيشَ الكُفرِ إلاّ عصابةٌ
|
|
حَداها مِنَ الإيمانِ جيشٌ عَرمرمُ
|
حجازيّةٌ نَحو العراقِ ومُنجد
|
|
ثَناهَا بأجوازِ الفيافي ومُتْهمُ
|
بأجسامِها في عَرصةِ الطَّفِّ عرَّسَتْ
|
|
وأرواحُها في عالمِ القُدسِ عُوَّمُ
|
تُضاحكُ بشْراً بالمنونِ كأنَّما الْ
|
|
حياةُ عذابٌ والمنونُ تَنعَّمُ
|
وترقصُ شوقاً للّقاءِ قلوبُهَا
|
|
إذا أخذتْ فِي ذِكرِها تَترنَّمُ
|
وإنْ بَزغَ النُّورُ الإلهيُّ بينَها
|
|
ترَى البدرَ حفَّتْ فيهِ بالسَّعدِ أنجُمُ
|
لقدْ ثَبتُوا للذَّبِّ عنهُ بموقِفٍ
|
|
يشيبُ بهِ طفلُ القَضاءِ ويهرَمُ
|
وتذهلُ أملاكُ السَّماءِ لوقعِهِ
|
|
ويذبلُ منهُ يذبلٌ ويَلَمْلَمُ
|
ولمـّا قَضَوا في حلبةِ المجْدِ حقَّها
|
|
وحقَّ لها نحو الجنانِ التَّقدّمُ
|
تهاوَوا فقُلْ زُهرُ النُّجومِ تهافَتَتْ
|
|
وأهوَوا فقُلْ شُمُّ الرَّواسِيَ تُهدَمُ
|
بحربٍ على أعوانِ حَربٍ قَدْ انكَفَى
|
|
صواعقُ مِنْ قرعِ الأسنَّةِ تُضرَمُ
|
تعثَّر فيهِ بالجماجُمِ خيلُهُمْ
|
|
وأجسامُهُمْ للطِّيرِ والوحشِ مَطعَمُ
|
وتعبسُ مِنْ خوفٍ وجوهُ اُميّة
|
|
إذا كرَّ (عبّاسُ) الوغَى يَتبسّمُ
|
أبو الفضلِ تأبى غيرَهُ الفضلُ والإبا
|
|
أباً فهو إمّا عنهُ أو فيهِ يُرسَمُ
|
عليمٌ بتأويلِ المَنيّةِ سيفُهُ
|
|
نَزولٌ على مَنْ بالكرِيهةِ معلمُ
|
ويمضي إلى الهَيجاءَ مُستقبلَ العِدى
|
|
بماضٍ بهِ أمرُ المَنيّةِ مُبرَمُ
|
وإنْ عادَ ليلُ الحربِ بالنَّقعِ أليلاً
|
|
فيومُ عِداهُ مِنهُ بالشَّرِّ أيوَمُ
|
وإنْ سمعَ الأطفالَ تصرخُ للظَّما
|
|
تصارخَ منهُ الجحفلُ المـُتضمِّمُ
|
وصالَ عليهمْ صولةَ اللَّيثِ مُغضبا
|
|
يُحمحِمُ مِنْ طولِ الطّوى ويُدمدِمُ
|
وراحَ لوردِ المـُستقَى حاملَ السّقا
|
|
وأصدرَ عنهُ وهو بالماءِ مُفعَمُ
|
ومُذْ خاضَ نهرَ العلقميِّ تذكّر الْ
|
|
حُسينَ فولَّى عنهُ والرِّيقُ عَلقَمُ
|
وأضحَىابنُ ساقِيالحوضَ سقّا ابنأحمد
|
|
يُروِّيعِطاشى المـُصطفَى الطُّهرِ إنْظمُوا
|
ولمـّا أبَى منكَ الإباءُ تأخّراً
|
|
وأنّ أبا الفضلِ الذي يتقدّمُ
|
بِهمْ حسمتْ يمناكَ ظُلماً ولَمْ أخلْ
|
|
يمينَ القَضا في صارمِ الشُّركِ تُحسمُ
|
وإنّ عمودَ الفضلِ يخسفُ هامَه
|
|
عمودُ حديدٍ للضَّلالةِ يدعمُ
|
وحين هَوى أهوى إليهِ شَقيقُه
|
|
يشقُّ صفوفَ المخلديْ ويُحطِّمُ
|
فألفاهُ مَقطوعَ اليدينِ مُعفَّراً
|
|
يُفوَّرُ مِنْ مَخسوفِ هامتِهِ الدَّمُ
|
فقالَ أخي قَدْ كُنتَ كبشَ كتيبَتِي
|
|
وجنّةَ بأسٍ حينَ اُدهَى واُدهَمُ
|
فمَنْ ناقعٌ حرَّ القلوبِ مِنَ الظَّما
|
|
ومَنْ دافعٌ شَرَّ العِدَى يومَ تهجمُ
|
ومَنْ يكشفُ البلوَى ومَن يحملُ اللِّوا
|
|
ومَنْ يدفعُ اللأوي ومَنْ يتقحَّمُ
|
رَحلتَ وقَدْ خلَّفتَني يابنَ والدِي
|
|
أغاضُ بأيدِي الظَّالمينَ واُهضَمُ
|
أحاطتْ بيَ الأعداءُ مِنْ كُلِّ جانبٍ
|
|
ولا ناصرٌ إلاّ سنانٌ ولهذمُ
|
فما زالَ ينعاهُ ويندبُ عندَهُ
|
|
إلى أنْ أفاضَ البُقعةَ الدَّمعُ والدَّمُ
|
وأقبلَ محنيَّ الضُّلوعِ إلى النِّسا
|
|
يُكفكِفُ عنها الدَّمعَ والدَّمعُ يسجمُ
|
ولاحتْ عليهِ للرَّزايا دلائلٌ
|
|
تبينُ لها لكنَّهُ يَتكتّمُ
|
وأقدمَ فرداً للكريهةِ ليثُها
|
|
وسبعونَ ألفاً عنهُ في الكرِّ أحجمُوا
|
فتحسبُ عزرائيلَ صاحَ بسيفِهِ
|
|
عليهمْ ففرُّوا مِنْ يديهِ واُهزمُوا
|
وقُلْ غَضبَ الجبَّارُ دمدمَ صاعقاً
|
|
بمنحوسِ ذيَّاكَ الوجودِ واُعدمُوا
|
ولمـّا أعادَ البرَّ بحراً جوادُهُ الْ
|
|
سَفين به لكنّما الموجُ عندمُ
|
نمتْ عزمَهُ البقيا عليهِ فما انثَنَوا
|
|
ورقَّ على مَنْ لا يرقَّ ويرحمُ
|
وقامَ لسانُ اللّهِ يخطبُ واعظاً
|
|
فصُمُّوا لِما عنْ قُدسِ أنوارِهِ عُموا
|
وقال انسبونِي مَن أنَا اليومَ وانظرُوا
|
|
حلالاً لكُمْ منِّي دمِي أمْ مُحرَّمُ
|
فمَا وَجدُوا إلاّ السِّهامَ بنحرِهِ
|
|
تراشِ جواباً والعوالِي تُقوَّمُ
|
ومُذْ أيقنَ السِّبطُ انمحَى دينُ جدِّهِ
|
|
ولمْ يبقَ بينَ النَّاسِ في الأرضِ مُسلمُ
|
فدَى نفسَهُ في نُصرةِ الدِّينِ خائضاً
|
|
عَنِ المـُسلمينَ الغامراتِ ليسلَموا
|
وقال خُذينِي يا حتوفُ وهاكِ يا
|
|
سيوفٌ فأوصالي لكِ اليومَ مَغنَمُ
|
وهيهاتُ أنْ أغدو على الضَّيمِ حائماً
|
|
ولو لِي على جمرِ الأسنَّةِ مَجثَمُ
|
وكرٌّ وقَدْ ضاقَ الفضَا وجرَى القضَا
|
|
وسالَ بوادِي الكُفرِ سيلاً عَرمرمُ
|
ومُذْ خَرَّ بالتَّعظيمِ للهِ ساجداً
|
|
لهُ كَبَّروا بينَ السُّيوفِ وعظَّموا
|
وجاءَ إليهِ الشّمرُ يرفعُ رأسَهُ
|
|
فقامَ بهِ عنهُ السِّنانُ المـُقوَّمُ
|
وزعزعَ عرشَ اللّهِ وانحطَّ نُورُهُ
|
|
فأشرقَ وجهَ الأرضِ والكونُ مُظلمُ
|
ومُذْ مالَ قطبُ الكونِ مالَ وأوْ
|
|
شكَ انقلاباً يَميلُ الكائناتِ ويعدمُ
|
وحينَ ثوَى في الأرضِ قرَّ قرارُها
|
|
وعادتْ ومِنْ أوَجِ السَّما وهي أعظمُ
|
فلهفِي لهُ فَرداً عليهِ تزاحَمتْ
|
|
جموعُ العِدَى تزدادُ جهلاً فيحلمُ
|
ولهفِي لهُ ضامٍ يجودُ وحولهُ ال
|
|
فُراتُ جرَى طامٍ وعنهُ يُحرّمُ
|
ولهفِي لهُ مُلقىً وللخيلِ حافرُ
|
|
يجولُ على تلكَ الضِّلوعِ وينسمُ
|
ولهفِي على أعضاكَ يابنَ مُحمّدٍ
|
|
توزَّعُ في أسيافِهمْ وتُسهَّمُ
|
فجسمكَ ما بينَ السُّيوفِ مُوزَّعٌ
|
|
ورحلُكَ ما بينَ الأعادِي مُقسَّمُ
|
فلهفِي على ريحانةِ الطُّهرِ جسمُهُ
|
|
لكلِّ رجيمٍ بالحجارةِ يُرجَمُ
|
وللعلاّمة الشيخ محمّد حسين الأصفهانيقدسسره
، المتوفّى سنة ١٣٦١ هـ ذي الحجّة:
أبو الإباءِ وابنُ بجدةِ اللّقا
|
|
رقَى مِنَ العلياءَ خيرَ مُرتقَى
|
ذاكَ أبُو الفضلِ أخُو المعالِي
|
|
سلالةُ الجلالِ والجمالِ
|
شبلُ عليٍّ ليثِ غابةِ القِدمْ
|
|
ومَنْ يُشابهْ أبَهُ فما ظَلمْ
|
صنُو الكريمَينِ سليلَيَّ الهُدَى
|
|
عِلماً وحِلماً شَرفاً وسُؤددا
|
وهو الزَّكِيُّ في مدارجَ الكَرمْ
|
|
هو الشَّهيدُ في معارجَ الهِمَمْ
|
وارثُ مَنْ حازَ مواريثَ الرُّسلْ
|
|
أبُو العُقولِ والنُّفوسِ والمـُثلْ
|
وكيفَ لا وذاتُهُ القدسيَّهْ
|
|
مجموعةُ الفضائلِ النفسيّهْ
|
عليهِ أفلاكُ المعالِي دائرهْ
|
|
فإنّه قطبُ مُحيطِ الدائرهْ
|
لهُ مِنَ العلياءَ والمآثرِ
|
|
ما جلَّ أنْ يخطُرَ في الخواطرِ
|
وكيفَ وهوَ في علوِّ المَنْزِلهْ
|
|
كالرّوحِ مِنْ نُقطةِ باءِ البَسْمَلهْ
|
وهوَ قوامُ مُصحَفِ الشَّهادهْ
|
|
تمَّتْ بهِ دائرةُ السَّعادهْ
|
وهوَ لكلِّ شدَّةٍ مُلمَّهْ
|
|
فإنّهُ عنقاءُ قافِ الهمَّهْ
|
وهوَ حليفُ الحقِّ والحقيقَهْ
|
|
والفردُ في الخِلقَةِ والخليقَهْ
|
وقدْ تجلَّى بالجمالِ الباهرِ
|
|
حتَّى بدا سرَّ الوجودِ الزَّاهرِ
|
غُرَّتُهُ الغرَّاءُ في الظّهورِ
|
|
تكادُ أنْ تغلبَ نُورَ الطُّورِ
|
رقَى سماءَ المَجدِ والفخارِ
|
|
بالحقِّ يُدعَى قمرَ الأقمارِ
|
بلْ في سماءِ عالَمِ الأسماءِ
|
|
كالقمرِ البازغِ في السَّماءِ
|
بلْ عالَمُ التَّكوينِ منْ شُعاعِهِ
|
|
جلَّ جلالُ اللهِ في إبداعِهِ
|
سُرُّ أبيهِ وهو سرُّ البارِي
|
|
مليكِ عرشٍ عالِمِ الأسرارِ
|
أبوهُ عينُ اللّهِ وهو نورُهَا
|
|
بهِ الهدايةُ استناءَ طورُهَا
|
فإنَّهُ إنسانُ عينِ المعرفهْ
|
|
مرآتُها لكلِّ اسمٍ وصِفَهْ
|
ليسَ يدُ اللّهِ سِوَى أبيهِ
|
|
وقُدرةُ اللّهِ تجلَّتْ فيهِ
|
فهو يدُ اللّهِ وهذا ساعدُهْ
|
|
تُغنيكَ عنْ إثباتِهِ مشاهدُهْ
|
فلا سِوى أبيهِ للّهِ يدُ
|
|
ولا سواهُ لأبيهِ عَضدُ
|
لهُ اليدُ البيضاءُ في الكفاحِ
|
|
وكيفَ وهوَ مالكُ الأرواحِ
|
يُمثّلُ الكرّارَ في كرَّاتِهِ
|
|
بلْ في المعانِي الغُرِّ منْ صفاتِهِ
|
صولتُهُ عندَ النِّزالِ صولتُهْ
|
|
لولا الغلوُّ قلتُ جلَّتْ قُدرتُهْ
|
هو المـُحيطُ في تجوُّلاتِهِ
|
|
ونقطةُ المركزِ في ثباتِهِ
|
سطوتُهُ لولا القضاءُ الجارِي
|
|
تقضي على العالَمِ بالبوارِ
|
وواسمَ المنونَ حدُّ مفردِهْ
|
|
والفرقُ بينَ الجمعِ مِنْ ضربِ يدِهْ
|
بارقةٌ صاعقةُ العَذابِ
|
|
بارقةٌ تُذهبُ باللُّبابِ
|
بارقةٌ تَحصدُ في الرُّؤوسِ
|
|
تُزهقُ بالأرواحِ والنُّفوسِ
|
واسَى أخاهُ حينَ لا مواسِي
|
|
في موقفٍ يُزلزلُ الرَّواسِي
|
بعزمةٍ تكادُ تسبقُ القَضَا
|
|
وسطوةٍ تملأُ بالرُّعبِ الفضَا
|
دافعَ عَنْ سبطِ نبيِّ الرَّحمهْ
|
|
بهمّةٍ ما فوقَها مِنْ همّهْ
|
بهمّةٍ مِنْ فوقِ هامةِ الفَلكْ
|
|
ولا ينالُها نبيٌّ أو مَلَكْ
|
واستعرضَ الصُّفوفَ واستطالا
|
|
على العِدا ونكّسَ الأبطالا
|
لفَّ جيوشَ البَغي والفسادِ
|
|
بنشرِ رُوحِ العدلِ والرَّشادِ
|
كرَّ عليهمْ كرّةَ الكرّارِ
|
|
أوردَهُمْ بالسَّيفِ ورْدَ النَّارِ
|
آثرَ بالماءِ أخاهُ الظَّامي
|
|
حتّى غدا مُعتَرضَ السِّهامِ
|
ولا يهمُّهُ السِّهامُ حاشَا
|
|
مِنْ هَمِّهِ سقايةُ العِطاشَى
|
فجادَ باليمينِ والشِّمالِ
|
|
لِنُصرةِ الدِّينِ وحفظِ الآلِ
|
قامَ بحملِ رايةِ التَّوحيدِ
|
|
حتّى هوَى مِنْ عَمدِ الحديدِ
|
والدِّينُ لمـّا قُطعتْ يداهُ
|
|
تقطَّعتْ مِنْ بعدِهِ عُراهُ
|
وانطَمَستْ مِنْ بَعدِهِ أعلامُهُ
|
|
مُذْ فَقدَتْ عميدَهَا قِوامُهُ
|
وانصَدَعتْ مُهجةُ سيِّدِ البَشَرْ
|
|
لقتلِهِ وظهرُ سبطِهِ انكَسَرْ
|
وبانَ الانكسارُ في جبينِهِ
|
|
فاندَكتْ الجبالُ مِنْ حنينِهِ
|
وكيفَ لا وهوَ جمالُ بهجتِهْ
|
|
وفي مُحيَّاهُ سُرورُ مُهجتِهْ
|
كافل أهلِهِ وساقِي صِبيتِهْ
|
|
وحاملُ اللِّوا بعالِي هِمَّتِهِ
|
واحدةٌ لكنَّهُ كُلُّ القِوى
|
|
وليثُ غابةٍ بطفِّ نينَوى
|
ناحَ على أخيهِ نَوحَ الثَّكلى
|
|
بل النَّبيُّ في الرَّفيقِ الأعلَى
|
وانشقَّتْ السَّما وأمطرتْ دَما
|
|
فما أجلَّ رِزأهُ وأعظَمَا
|
بكاهُ كالهطَّالِ حُزناً والدُهْ
|
|
وكيفَ لا وبانَ منهُ ساعدُهْ
|
بكاهُ صنوهُ الزَّكيِّ المـُجتَبَى
|
|
وكيفَ لا ونُورُ عَينِهِ خَبَا
|
ناحتْ بناتُ الوحي والتَّنزيلِ
|
|
عليهِ مُذْ أمسَتْ بلا كفيلِ
|
ناحتْ عليهِ الحُورُ في قُصورِهَا
|
|
لنوحِ آلِ البيتِ في خدورِهَا
|
ناحتْ عليهِ زُمرُ الأملاكِ
|
|
مُذْ ناحتْ العقائلُ الزَّواكي
|
فمَنْ لتلكَ الخفراتِ الطَّاهرهْ
|
|
مُذْ سُبيتْ حَسرى القناعِ سافرهْ
|
أينَ ربيبُ المجدِ اُمّاً وأبا
|
|
عَنْ أخواتِهِ وهُنَّ في السِّبا
|
وأينَ عَنْ ودائِعِ النُّبوَّةِ
|
|
مُمثّلُ الغيرةِ والفُتوّةِ
|
وأينَ عَنهَا ربُّ أربابِ الإبا
|
|
إذْ هجَمَ الخيلُ عليهنَّ الخِبَا
|
فأصبحتْ نَهباً لكلِّ مارقِ
|
|
مُسودَّةَ المتُونِ والعواتقِ
|
فيها اشتَفضى العدوُّ مِنْ ضغائنِهْ
|
|
فأينَ حامِي الظَّعنِ عَنْ ظعائنِهْ
|
أينَ فتَى الفتيانِ يومُ الملْحَمهْ
|
|
عَنْ فَتَياتِهِ بأيدِي الظَّلمهْ
|
فليتَهُ يَرَى بعينِ البارِي
|
|
عزائزَ اللّهِ على الأكوارِ
|
يُهدَى بهَا مِنْ بَلدٍ إلى بَلدْ
|
|
وهُنَّ في أعظمِ كَربٍ وكَمدْ
|
وللعلاّمة الشيخ حسن ابن الشيخ محسن مصبّح الحلّي
من قصيدة في الحسينعليهالسلام
:
فهناكَ هبَّ ابنُ الوصيِّ إلى الوغَى
|
|
بهمّةِ ليثٍ لَمْ يَرعْهُ قتامُهَا
|
أبو الفَضلِ حامِي ثَغرةِ الدِّينِ جامعٌ
|
|
فرائدَهُ إنْ سُلَّ مِنها نِظامُهَا
|
نَضَى لقراعِ الشُّوسِ عضباً بحدِّهِ
|
|
ليومِ التَّنادِي يستكنُّ حِمامُها
|
____________________
عليهِ انطَوتْ في حلبةِ الطَّعنِ فانطوَى
|
|
عليهِ الفَضا منهُ وضاقَ مقامُهَا
|
وخاضَ بهَا بحراً يرفّ عبابُهُ
|
|
ضباً ويدُ الأقدارِ جالتْ سهامُهَا
|
فحلأَّها عَنْ جانبِ النَّهرِ عنوةً
|
|
وولَّتْ عَواديهَا يصلُّ لجامُهَا
|
ودَمْدمَ ليثُ الغابِ يعطو بسالةً
|
|
إلى الماءِ لمْ يكبُرْ عليهِ ازدحامُهَا
|
ثنَى رجلَهُ عَنْ صهوةِ المـُهرِ وامتطَى
|
|
قُرَى النَّهرِ واحتلَّ السَّقاءَ همامُهَا
|
وهبَّ إلى نحوِ الخيامِ مُشمّراً
|
|
لريِّ عِطاشى قَدْ طواهَا أوامُهَا
|
ألّمتْ بهِ سوداءُ يخطفُ برقُهَا الْ
|
|
بصائرَ مِنْ رُعبٍ ويعلو قتامُهَا
|
جلاهَا بمشحوذِ الغرارينِ أبلجٍ
|
|
يدبُّ بهِ للدَّارعينَ حِمامُهَا
|
فلولا قضاءُ اللّهِ لَمْ يَبقَ منهُمُ
|
|
حَسيسٌ ولَمْ يَكبُرْ عليهِ اعتصامُهَا
|
بماضيةِ الأقدارِ جُدَّتْ يَسارُهُ
|
|
وثنَّتْ بيُمنَى منهُ طابَ التثامُهَا
|
وفي عَمدٍ حَتمُ القَضا شَجَّ رأسَهُ
|
|
ترجَّلَ وانثالتْ عليهِ لئامُها
|
به انتظمتْ سُمرُ القنا وتشاكلتْ
|
|
وكَمْ فيهِ يومُ الرَّوعِ حُلَّ نظامُهَا
|
دعا يا حِمى الإسلامِ يابنَ الذي بِهِ
|
|
دعائمُ دينِ اللّهِ شُدَّ قَوامُهَا
|
جرَى نافذُ الأقدارِ في مَنْ تحبُّهُ
|
|
سراعاً فإنّ النَّفسَ حانَ حمامُهَا
|
فشدَّ مُجيباً دعوةَ الليثِ طالباً
|
|
تراب
بهِ الأعداء طالَ اجترامُهَا
|
طواهَا ضِراباً سلَّ فيه نفوسَها
|
|
وحلَّقَ فيها للبوارِ اخترامُهَا
|
وأحنَى عليهِ قائلاً هتكَ العدى
|
|
حِجابَ المعالي واستُحلَّ حرامُهَا
|
أخِي بمَنْ أسطُو وإنّكَ ساعدِي
|
|
وعَضبي إذا ما ضاقَ يوماً مقامُهَا
|
أخِي فمَنْ يُعطي المكارمَ حقَّها
|
|
ومَنْ فيهِ إعزازاً تطاولَ هامُهَا
|
أخِي فمَنْ للمُحصناتِ إذا غَدتْ
|
|
بملساءَ يُذكِي الحائماتِ رغامُهَا
|
أخِي لمَنْ اُعطي اللّواءَ ومَن بهِ
|
|
يشقُّ عُبابَ الحربِ إنْ جاشَ سامُهَا
|
أخِي فمَنْ يحمِي الذِّمارَ حفيظةً
|
|
إذا ما كبا بالضارياتِ اعتزامُهَا
|
____________________
كفَى أسفاً أنّي فقدْتُ حشاشَتِي
|
|
بفقدِكَ والأرزاءُ جدَّ احتدامُهَا
|
فوا لهفتا والدَّهرُ غدرٌ صُروفُهُ
|
|
عليكَ وعفواً ناضلتني سهامُهَا
|
إلى اللّهِ أشكو لوعةً لو أبثُّها
|
|
على شامخاتِ الأرضِ ساخَ شِمامُهَا
|
على أنَّني والحُكمُ للهِ لاحقٌ
|
|
بأثرِكَ والدُّنيا قليلٌ دوامُهَا
|
فقامَ وقدْ أحنَى الضّلوعَ على جَوىً
|
|
يئنُّ كما في الدَّوحِ أنَّ حَمامُهَا
|
حَسِبتُكَ للأيتامِ تَبقَى ولَمْ أخلْ
|
|
تجرُّ عليَّ الداهياتِ طغامُهَا
|
للعلاّمة الحجّة الشيخ عبد الحسين صادق العاملي
:
بكَرَ الرَّدَى فاجتاحَ في نكبائِهِ
|
|
نورَ الهُدى ومحا سنا سيمائِهِ
|
ودهَى الرَّشادَ بناسفٍ لأشمّهِ
|
|
وبخاسفٍ آواه بدرُ سمائِهِ
|
ورمَى فأصمَى الدِّينَ في نفَّاذِهِ
|
|
وارحمتاه لمُنتَهى أحشائِهِ
|
____________________
يوماً بهِ قمرُ الغطارفِ هاشمٌ
|
|
صكّتْ يدُ الجلَّى جبينَ بهائِهِ
|
سِيمُ الهوانِ بكربلاءَ فطارَ للْ
|
|
عزِّ الرفيعِ بهِ جناحُ إبائِهِ
|
أنَّى يلينُ إلى الدنيّةِ مَلمَساً
|
|
أو تنحَتُ الأقدارُ مِنْ ملْسائِهِ
|
هو ذلكَ البسَّامُ في الهيجاءَ والْ
|
|
( عبّاسُ ) نازلة على أعدائِهِ
|
مِن حيدرٍ هو بضعةٌ وصَفيحةٌ
|
|
مِنْ عَزمِهِ مشحوذةٌ بمضائِهِ
|
واسَى أخاهُ بموقفِ العزِّ الّذي
|
|
وقفتْ سَوارِي الشُّهبِ دونَ علائِهِ
|
مَلكَ الفُراتَ على ظماهُ واُسوةٌ
|
|
بأخيهِ ماتَ ولمْ يذقْ مِنْ مائِهِ
|
لَمْ أنسَهُ مُذ كرَّ مُنعطِفاً وقدْ
|
|
عَطفَ الوكاءَ على معينِ سِقائِهِ
|
ولوى عنانَ جوادِهِ سُرعانَ نَحْ
|
|
وَ مُخيّمٍ يطفي أوارَ ظمائِهِ
|
فاعتاقَهُ السّدان مِنْ بيضٍ ومِنْ
|
|
سُمرٍ وكلٌّ سدَّ رحبَ فضائِهِ
|
فانصاعَ يخترقُ الصَّوارمَ والقَنا
|
|
لا يرعَوي كالسَّهمِ في غلوائِهِ
|
يَفرِي الطُّلى ويخيطُ أفلاذَ الكِلى
|
|
بشُباةِ أبيضهِ وفي سمرائِهِ
|
ويجولُ جولةَ حيدرٍ بكتائِبٍ
|
|
ملأ الفضا كالليلِ في ظلمائِهِ
|
حتَّى إذا ما حانَ حَينُ شَهادةٍ
|
|
رقمتْ لهُ في لوحِ فضلِ قَضائِهِ
|
حَسمَتْ مذرَّبةُ الحُسامِ مقلّةً
|
|
لسقائِهِ ومُجيلةً للوائِهِ
|
أمِنَ العِدَى فتكاتِهِ فدَنا لهُ
|
|
مَنْ كانَ هيَّاباً مهيبَ لقائِهِ
|
وعلاهُ في عَمدٍ فَخرَّ لوَجهِهِ
|
|
ويمينُهُ ويَسارُهُ بإزائِهِ
|
نادَى أخاهُ فكانَ عندَ ندائِهِ
|
|
كالكوكَبِ المـُنقضِّ في جوزائِهِ
|
وافَى عليهِ مُفرّقاً عنهُ العِدَى
|
|
ومُجمِّعاً ما انبثَّ من أشلائِهِ
|
وهوَى يُقبّلُهُ وما مِنْ مَوضعٍ
|
|
للّثمِ إلاّ غارقٌ بدمائِهِ
|
ويُميطُ عن حرِّ المـُحيّا حُمرةً
|
|
علقيَّةً صَبغتْ لُجينَ صَفائِهِ
|
يا مُبكياً عَينَ الإمامِ عليكَ فلْ
|
|
تبكِ الأنامُ تأسّياً ببكائِهِ
|
ومُقوّساً منهُ القوامَ وحانياً
|
|
منهُ الضُّلوعَ على جَوىً برحائِهِ
|
فَلننحَنِي حُزناً عليكَ تأسّياً
|
|
بالسِّبطِ في تقويسِهِ وحنائِهِ
|
أنتَ الحريُّ بأنْ تُقيمَ بنو الورَى
|
|
طُرّاً ليومِ الحشرِ سوقَ عزائِهِ
|
هذا آخرُ ما وقفنا عليه من حياة قمر الهاشميِّينعليهالسلام
، والله وليّ التوفيق، والحمدُ لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّد وآله الهُداة الميامين، ونسأله سبحانه الهداية لِما يُرضيه والزُّلفى لديه تعالت آلآؤه.
فهرس المصادر:
القرآن الكريم:
كتاب الله سبحانه وتعالى المـُنزل.
١ - الرَّدُّ على المتعصّب العنيد:
الحافظ أبي الفرج عبد الرحمن بن علي المعروف بابن الجوزي ت ٥٩٧ هـ، تحقيق الشيخ محمّد كاظم المحمودي، طُبع سنة ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م.
٢ - الاستيعاب في معرفة الأصحاب:
يوسف بن عبد اللّه بن محمّد بن عبد اللّه القرطبي ت ٤٦٣ هـ، تحقيق علي محمّد مُعوّض، وعادل أحمد عبد الموجود، الطبعة الاُولى ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م، دار الكتب العلميّة - بيروت.
٣ - الجامع لأحكام القرآن:
محمّد بن أحمد الأنصاري القرطبي، ت ٦٧ هـ، تحقيق إبراهيم أصفيش، طبع سنة ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م، دار إحياء التراث العربي - بيروت.
٤ - الخرائج والجرائح:
قطب الدِّين الراوندي، ت ٥٧٣ هـ، تحقيق محمّد باقر المحمودي، الطبعة الاُولى ١٤٠٩ هـ، مؤسسة الإمام المهدي (عجل الله فرجه) - قم.
٥ - الاحتجاج:
أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي، تعليق محمّد باقر الخرساني، سنة الطبع ١٣٨٦ هـ - ١٩٦٦ م، دار النّعمان - النّجف الأشرف.
٦ - إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل:
نور الله الحسيني التستري،
ت ١٠١٩ هـ، تعليق السيّد شهاب الدِّين المرعشي، منشورات مكتبة آية الله العُظمى المرعشي النجفي - قم - إيران.
٧ - الأخبار الطوال:
أحمد بن داود الدينوري، ت ٢٨٢ هـ، تحقيق عبد المنعم عامر، الطبعة الاُولى ١٩٦٠ م، دار إحياء الكتاب العربي - القاهرة.
٨ - الاختصاص:
الشيخ المفيد، تحقيق علي أكبر الغفاري ومحمود الزرندي، الطبعة الثانية ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م، دار المفيد - بيروت.
٩ - الإرشاد:
محمّد بن النُّعمان العكبري البغدادي، المعروف بالشيخ المفيد، تحقيق مؤسسة آل البيتعليهمالسلام
- الطبعة الثانية ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م، دار المفيد - بيروت - لبنان.
١٠ - الاستيعاب في معرفة الأصحاب:
أحمد بن عبد الله بن أحمد بن عبد البر، ت ٤٦٣ هـ، تحقيق علي محمّد البجاوي، الطبعة الاُولى ١٤١٢ هـ - دار الجبل - بيروت.
١١ - اُسد الغابة في معرفة الصحابة:
عزّ الدِّين أبي الحسن علي بن أبي الكرم المعروف بابن الأثير، دار الكتاب العربي - بيروت.
١٢ - الإصابة في تمييز الصحابة:
أحمد بن حجر العسقلاني، تحقيق عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمّد عوض، الطبعة الاُولى ١٤١٥ هـ - دار الكتب العلميّة - بيروت.
١٣ - الإصابة في تمييز الصحابة:
أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ت ٨٥٢ هـ، تحقيق عادل أحمد عبد الموجود وعلي
محمّد مُعوّض، الطبعة الثانية ١٤٢٣ هـ، ٢٠٠٢ م، دار الكتب العلميّة - بيروت.
١٤ - الاُصول الستّة عشر من الاُصول الأوّليّة:
تحقيق ضياء الدِّين المحمودي، الطبعة الاُولى ١٤٢٣ هـ - ١٣٨١ هـ ش، دار الحديث - قم.
١٥ - الأغاني:
علي بن الحسين، أبو الفرج الأصفهاني، ت ٣٥٦ هـ، الطبعة الاُولى، دار إحياء التراث العربي - بيروت.
١٦ - الأمالي:
علي بن الطاهر المعروف بالمرتضى، تحقيق محمّد بدر الدِّين الحلبي، الطبعة الاُولى ١٣٢٥ - ١٩٠٧ م، منشورات مكتبة آية الله المرعشي.
١٧ - الأمالي:
محمّد علي بن الحسن بن بابويه القمّي، تحقيق قسم الدراسات السلاميّة، الطبعة الاُولى ١٤١٧ هـ - مركز الطباعة والنّشر في مؤسّسة البعثة.
١٨ - إمتاع الأسماع:
تقيّ الدِّين أحمد بن علي بن عبد القادر المقريزي، ت ٨٤٥ هـ - تحقيق محمّد عبد الحميد النّميسي، الطبعة الاُولى ١٤٢٠ هـ ١٩٩٩ م، دار الكتب العلميّة - بيروت.
١٩ - أوائل المقالات:
محمّد العكبري البغدادي المعروف بالشيخ المفيد، ت ٤١٣ هـ، تحقيق إبراهيم الأنصاري، الطبعة الثانية ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م، دار المفيد - بيروت.
٢٠ - إيمان أبي طالب:
محمّد بن محمّد بن النّعمان العكبري البغدادي المعروف بالشيخ المفيد، تحقيق مؤسّسة البعثة، الطبعة الثانية ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م، دار المفيد - بيروت - لبنان.
٢١ - بحار الأنوار:
محمّد باقر المجلسي، تحقيق محمّد باقر البهبودي، الطبعة الثانية ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م، دار إحياء التراث العربي - بيروت.
٢٢ - البداية والنهاية:
إسماعيل بن كثير الدمشقي، تحقيق علي شيري، الطبعة الاُولى ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م، دار التراث العربي - بيروت.
٢٣ - بشارة المصطفى:
محمّد بن علي الطبري، ت ٥٢٥ هـ، تحقيق جواد القيّومي الأصفهاني، الطبعة الاُولى ١٤٢٠ هـ - مؤسّسة النّشر الإسلامي التابعة جماعة المـُدرّسين بقم.
٢٤ - بصائر الدرجات:
محمّد بن الحسن الصفّار، ت ٢٩٠ هـ، تحقيق ميرزا حسن باغي، طُبعَ سنة ١٤٠٤ هـ - الأحمدي - طهران.
٢٥ - تاريخ الإسلام:
محمّد بن أحمد بن عثمان شمس الدِّين الذهبي، تحقيق عمر عبد السّلام الترمذي، الطبعة الاُولى ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م، دار الكتاب العربي - بيروت.
٢٦ - تاريخ الاُمم والملوك:
محمّد بن جرير الطبري، ت ٣١٠ هـ، مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت - لبنان، مقابلة على النّسخة المطبوعة في لندن ١٨٧٩ م.
٢٧ - تاريخ الاُمم والملوك:
محمّد بن جرير الطبري ت ٣١٠ هـ، تحقيق نخبة من العلماء، مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت - لبنان.
٢٨ - تاريخ بغداد:
أحمد بن علي البغدادي، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، الطبعة الاُولى ١٤١٧ هـ - دار الكتب
العلميّة - بيروت.
٢٩ - تاريخ مدينة دمشق:
علي بن الحسن بن هبة الله المعروف بابن عساكر، تحقيق علي شيري، سنة الطبع ١٤١٥ هـ، دار الكتب العلميّة - بيروت.
٣٠ - تاريخ اليعقوبي:
أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب المعروف باليعقوبي، ت ٢٨٤ هـ، نشر مؤسّسة نشر فرهنگ أهل بيتعليهمالسلام
- قم - إيران.
٣١ - تخريج الأحاديث والآثار:
جمال الدِّين الزيلعي، ت ٧٦٢ هـ، تحقيق عبد الله بن عبد الرحمن السّعد، الطبعة الاُولى ١٤١٤ هـ، الرياض - دار ابن خزيمة.
٣٢ - تذكرة الخواصّ:
يوسف بن قزغلي، سبط ابن الجوزي، ت ٦٥٤ هـ، تحقيق حسن تقي زاده، الطبعة الاُولى ١٤٢٦ هـ، مجمع أهل بيتعليهمالسلام
.
٣٣ - تذكرة الموضوعات:
محمّد طاهر بن علي الهندي الفتني، ت ٩٨٦ هـ.
٣٤ - تفسير ابن أبي حاتم:
ابن أبي حاتم الرازي، تحقيق أسعد محمّد الطيّب، المكتبة العصريّة - صيدا.
٣٥ - تفسير ابن كثير:
إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي، ت ٧٧٤ هـ، تحقيق يوسف عبد الرحمن المرعشلي، طُبع سنة ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م، دار المعرفة - بيروت - لبنان.
٣٦ - تفسير الآلوسي:
الآلوسي، ت ١٢٧٠ هـ.
٣٧ - تفسير البغوي:
خالد عبد الرحمن الملك، ت ٥١٠ هـ، دار
المعرفة - بيروت.
٣٨ - تفسير الثعلبي:
ت ٤٣٧ هـ، تحقيق الإمام علي عاشور، الطبعة الاُولى ١٤٢٢ هـ ٢٠٠٢ م، بيروت - لبنان.
٣٩ - التفسير الكبير:
الفخر الرازي، تحقيق دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثانية ١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م، دار إحياء التراث العربي - بيروت.
٤٠ - تاريخ اليعقوبي:
أحمد بن أبي يعقوب بن وهب، طبعة دار صادر - بيروت، نشر مؤسّسة ونشر فرهنگ أهل بيتعليهمالسلام
- قم.
٤١ - تهذيب الأحكام في شرح المقنعة:
محمّد بن الحسن الطوسي، ت ٤٦٠ هـ، تحقيق السيّد حسن الخرساني، الطبعة الرابعة ١٣٥٦ هـ ش، دار الكتب الإسلاميّة - طهران.
٤٢ - تهذيب الكمال:
جمال الدِّين أبي الحَجّاج يوسف المزي، ت ٦٥٤ - ٧٤٢، تحقيق الدكتور بشّار عوّاد معروف، الطبعة الثانية ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م، مؤسّسة الرسالة - بيروت.
٤٣ - جامع البيان عن تأويل آي القرآن:
محمّد بن جرير الطبري، تحقيق الشيخ خليل الميس، طُبع سنة ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م، دار الفكر - بيروت.
٤٤ - جمال الاُسبوع:
السيّد ابن طاووس، ت ٦٦٤ هـ، تحقيق جواد فيّومي الجنائي الأصفهاني، الطبعة الاُولى، ١٣٧١ هـ ش.
٤٥ - حلية الأبرار في أحوال محمّد وآله الأطهارعليهمالسلام
:
السيّد هاشم البحراني، تحقيق غلام رضا مولانا البروجردي، الطبعة الاُولى ١٤١٤ هـ - مؤسّسة المعارف الإسلاميّة - قم.
٤٦ - الدرجات الرفيعة:
السيّد علي خان المدني، ت ١١٢٠ هـ، طبع سنة ١٣٩٧ هـ ش، بصيرتي - قم.
٤٧ - الدُّرر في اختصار المغازي:
أحمد بن عبد اللّه بن أحمد بن عبد البر، ت ٤٦٣ هـ.
٤٨ - الدرّ النّظيم:
جمال الدِّين يوسف بن حاتم بن فوز العاملي، ت ٦٦٤ هـ، مؤسّسة النّشر الإسلامي التابعة لجماعة المـُدرّسين - قم.
٤٩ - الدرّ المنشور في التفسير بالمأثور:
جلال الدِّين السّيوطي، ت ٩١١ هـ، دار المعرفة للطباعة والنّشر بيروت - لبنان.
٥٠ - الدمعة السّاكبة في أحوال النّبيصلىاللهعليهوآله
والعترة الطاهرة:
محمّد باقر البهبهاني، ت ٢٨٥ هـ، الطبعة الاُولى ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٩ م، مؤسّسة الأعلمي - بيروت.
٥١ - الذرِّيَّة الطاهرة:
محمّد بن أحمد بن حمّاد الدولابي، ت ٣١٠ هـ، تحقيق السيّد محمود الجلالي، الطبعة الاُولى ١٤٠٧ هـ، مؤسّسة النّشر الإسلامي - قم.
٥٢ - رياض الصالحين:
يحيى بن شرف النّووي الدمشقي، ت ٦٧٦ هـ، الطبعة الثانية ١٤١١ هـ - ١٩٩١ م، دار الفكر المعاصر، بيروت - لبنان.
٥٣ - روضة الواعظين:
محمّد بن الفتّال النّيسابوري، ت ٥٠٨ هـ، تحقيق السيّد محمّد مهدي الخرساني، منشورات الشريف - قم.
٥٤ - زاد المسير:
عبد الرحمن بن علي بن محمّد الجوزي، تحقيق محمّد بن عبد الرحمن، الطبعة الاُولى ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م،
دار الفكر للطباعة والنّشر، بيروت - لبنان.
٥٥ - سنن ابن ماجة:
محمّد بن يزيد القزويني، تحقيق محمّد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر - بيروت.
٥٦ - سرّ السّلسلة العلويّة:
أبي نصر البخاري، ت ٣٤١ هـ، تقديم محمّد صادق بحر العلوم، الطبعة الاُولى ١٤١٣ ه، انتشارات الشريف الرضي.
٥٧ - سنن الترمذي:
محمّد بن عيسى الترمذي، تحقيق عبد الرحمن محمّد عثمان، الطبعة الثانية ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م دار الفكر - بيروت.
٥٨ - السّياسة الشرعيّة:
محمّد بن عبد الحليم الحرّاني، سي دي مؤلّفات الشيخ والتلميذ.
٥٩ - السّنن الكبرى:
أحمد بن شعيب النّسائي، تحقيق الدكتور عبد الغفّار سليمان البندادي، وسيّد كسروي حسن، الطبعة الاُولى ١٤١١ هـ - ١٩٩١ م، دار الكتب العلميّة - بيروت.
٦٠ - السيرة الحلبيّة:
برهان الدِّين الحلبي الشافعي، ت ١٠٤٤ هـ، طُبع سنة ١٤٠٠ هـ - دار المعرفة - بيروت.
٦١ - سُبل الهدى والرَّشاد:
محمّد بن يوسف الصالحي الشامي، تحقيق الشيخ عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمّد مُعوّض، الطبعة الاُولى ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م دار الكتب العلميّة - بيروت.
٦٢ - السُّنّة:
عمرو بن أبي عاصم الضحّاك الشيباني، تحقيق الشيخ محمّد ناصر الدِّين الألباني، الطبعة الثالثة ١٤١٣ هـ - ١٩٩٣ م،
المكتب الإسلامي - بيروت.
٦٣ - سيرة ابن إسحاق:
محمّد بن إسحاق بن يسار، ت ١٥١ هـ، تحقيق محمّد حميد الله، معهد الدراسات والأبحاث.
٦٤ - السيّرة النَّبويّة:
عبد الملك بن هشام بن أيوب، ت ٢٨٨ هـ، تحقيق محمّد محي الدِّين عبد الحميد، طبع سنة ١٣٨٣ هـ - ١٩٦٣ م، القاهرة.
٦٥ - السيّرة النَّبويّة:
تأليف محمّد بن إسحاق بن يسار المطلبي، ت ١٥١ هـ، وهذّبها عبد الملك بن هشام بن أيّوب الحميري، ت ٢١٨ هـ، تحقيق محمّد محي الدِّين عبد الحميد، طبع سنة ١٣٨٣ هـ - ١٩٦٣ م، المدني - القاهرة.
٦٦ - السّيرة النَّبويّة:
إسماعيل بن كثير، ت ٧٧٤ هـ، تحقيق مصطفى عبد الواحد، طُبع سنة ١٣٩٦ هـ - ١٩٧٦ م، دار المعرفة - بيروت.
٦٧ - شواهد التنزيل:
عبيد الله بن أحمد المعروف بالحاكم الحسكاني، تحقيق الشيخ محمّد باقر المحمودي، الطبعة الاُولى ١٤١١ هـ - ١٩٩٠ م، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي.
٦٨ - شرح نهج البلاغة:
ابن أبي الحديد المعتزلي، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربيّة، بيروت - لبنان.
٦٩ - شرح نهج البلاغة:
ابن أبي الحديد المـُعتزلي، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم، مؤسّسة إسماعيليان للطباعة والنّشر - قم.
٧٠ - شواهد التنزيل لقواعد التفضيل في الآيات النازلة في أهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم):
عبيد الله بن عبد الله بن أحمد المعروف بالحاكم الحسكاني، تحقيق الشيخ محمّد باقر المحمودي، الطبعة الاُولى ١٤١١ هـ - ١٩٩٠ م، مجمع إحياء الثقافة الإسلاميّة - قم.
٧١ - صحيح مسلم:
مسلم بن الحَجّاج النّيسابوري، دار الفكر - بيروت.
٧٢ - صحيح ابن حبّان بترتيب ابن يليّان:
علاء الدِّين علي بن بلبان الفارسي، تحقيق شعيب الأرنؤوط، طُبع سنة ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م، مؤسّسة الرسالة.
٧٣ - صحيح البخاري:
محمّد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري، طُبع سنة ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م، دار الفكر - بيروت.
٧٤ - الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف:
علي بن موسى بن طاووس الحلّي، ت ٦٦٤ هـ، طُبع سنة ١٣٩٩ هـ - خيّام - قم.
٧٥ - الطبقات الكبرى:
محمّد بن سعد، ت ٢٣٠ هـ، دار صادر - بيروت.
٧٦ - عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب:
أحمد بن علي الحسيني المعروف بابن عنبه، ت ٨٢٨ هـ، تصحيح محمّد حسن آل الطالقاني، الطبعة الثانية، ١٣٨٠ هـ - ١٩٦١ م، المطبعة الحيدريّة - النّجف الأشرف.
٧٧ - عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب:
أحمد بن علي الحسيني المعروف بابن عنبة، ت ٨٢٨ هـ، طُبع سنة ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م، الصدر - قم.
٧٨ - عمدة القارئ في شرح صحيح البخاري:
العيني ت ٨٥٥ هـ، طبع دار إحياء التراث العربي - بيروت.
٧٩ - عقيدة أبي طالب:
السيّد طالب الرفاعي، نشر مركز الأبحاث العقائديّة.
٨٠ - عوالي اللآلئ العزيزة في الأحاديث الدينيّة:
محمّد بن علي بن إبراهيم الأحسائي، ت ٨٨٠ هـ، تحقيق مجتبى العراقي، الطبعة الاُولى ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٥ م، سيّد الشهداء - قم.
٨١ - الغدير:
الشيخ الأميني، الطبعة الثالثة ١٣٨٧ هـ - ١٩٦٧ م، دار الكتاب العربي بيروت - لبنان.
٨٢ - فتح القدير الجامع بين فن الرواية والدراية من علم التفسير:
محمّد بن علي بن محمّد الشوكاني، ت ١٢٥٥ هـ، مطبعة عالم الكتب.
٨٣ - فقه الرضاعليهالسلام
:
علي بن بابويه، ت ٣٢٩ هـ، تحقيق مؤسّسة آل البيتعليهمالسلام
، الطبعة الاُولى ١٤٠٦ هـ.
٨٤ - فتوح البلدان:
أحمد بن يحيى بن جابر المعروف بالبلاذري، ت ٢٧٩ هـ، تحقيق صلاح الدِّين المـُنجد، طُبع سنة ١٩٥٦م، مكتبة النّهضة - مصر.
٨٥ - فتح الباري شرح صحيح البخاري:
شهاب الدِّين بن حجر العسقلاني، ت ٨٥٢ هـ، الطبعة الثانية، دار المعرفة للطباعة والنّشر، بيروت - لبنان.
٨٦ - الفتوح:
أحمد بن أعثم الكوفي، ت ٣١٤ هـ - ٩٢٦ م، تحقيق علي شيري، الطبعة الاُولى ١٤١١ هـ، دار الأضواء.
٨٧ - فيض القدير في شرح الجامع الصغير:
محمّد بن عبد الرؤوف المنّاوي، تحقيق أحمد عبد السّلام، الطبعة الاُولى ١٤١٥ هـ، دار الكتب العلميّة - بيروت.
٨٨ - القاموس المحيط:
الفيروزآبادي، ت ٨١٧ هـ.
٨٩ - قرب الإسناد:
عبد الله بن جعفر الحميري، تحقيق مؤسّسة آل البيتعليهمالسلام
، الطبعة الاُولى ١٤١٣ هـ، مؤسّسة آل البيتعليهمالسلام
لإحياء التراث - قم.
٩٠ - كامل الزيارات:
جعفر بن محمّد بن قولويه القمّي، ت ٣٦٨ هـ، تحقيق الشيخ جواد القيّومي، الطبعة الاُولى ١٤١٧ هـ - مؤسّسة النّشر الإسلامي - قم.
٩١ - الكامل في التاريخ:
علي بن أبي الكرم محمّد بن محمّد بن عبد الكريم المعروف بابن الأثير، ت ٦٣٠ هـ، طُبع سنة ١٣٨٦هـ - ١٩٦٦ م، دار صادر - بيروت.
٩٢ - كتاب الولاية:
أحمد بن محمّد بن سعيد بن عقدة الكوفي، جمع وترتيب عبد الرزّاق محمّد حسين حرز الدِّين، الطبعة الاُولى، ١٤٢١ هـ - انتشارات دليل.
٩٣ - الكامل:
المـُبرّد، طُبع سنة ١٣٥٥ هـ ش.
٩٤ - كنز الفوائد:
محمّد بن علي بن عثمان الكراجكي، ت ٤٤٩ هـ، تحقيق عبد الله نعمة، طُبع سنة ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م، دار الأضواء - بيروت.
٩٥ - الكشّاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل:
جار اللّه الزمخشري، ت ٥٣٨ هـ، طُبع سنة ١٣٨٥ هـ - ١٩٦٦ م، شركة مكتبة
مصطفى البابي الحلبي وأولاده - مصر.
٩٦ - كنز الفوائد:
محمّد بن علي الكراجكي، ت ٤٤٩ هـ، الطبعة الثانية ١٣٦٩ هـ ش، مطبعة الغدير، مكتبة المصطفوي - قم.
٩٧ - كشف الغُمَّة في معرفة الأئمّة:
علي بن عيسى بن أبي الفتح الأربلي، الطبعة الثانية ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م، دار الأضواء، بيروت - لبنان.
٩٨ - الكافي:
محمّد بن يعقوب بن إسحاق الكليني، تحقيق علي أكبر غفاري، الطبعة الثالثة ١٢٦٧ هـ ش، دار الكتب الإسلاميّة - طهران.
٩٩ - مُستدرَك الوسائل:
حسين النوري الطبري، ت ١٣٢٠ هـ، تحقيق مؤسّسة آل البيتعليهمالسلام
، الطبعة الثانية ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٩ م، مؤسّسة آل البيتعليهمالسلام
لإحياء التراث الإسلامي - بيروت - لبنان.
١٠٠ - المـُجدي في أنساب الطالبيِّين:
علي بن محمّد بن علي بن محمّد العلوي العمري، تحقيق الدكتور أحمد المهدوي الدامغاني، الطبعة الاُولى ١٤٠٩ هـ، سيّد الشهداء - قم.
١٠١ - المـُجدي في أنساب الطالبيِّين:
علي بن محمّد العلوي، ت ٧٠٩ هـ، تحقيق أحمد الدامغاني، الطبعة الاُولى ١٤٠٩ هـ، مكتبة آية الله المرعشي.
١٠٢ - المناقب:
الموفّق بن أحمد بن محمّد المكّي، تحقيق الشيخ مالك المحمودي، الطبعة الثانية ١٤١٤ هـ - مؤسّسة النّشر الإسلامي التابعة لجماعة المـُدرّسين.
١٠٣ - مصباح الفقاهة:
تقرير بحث السيّد أبو القاسم الخوئي،
بقلم محمّد علي التوحيدي التبريزي، الطبعة الاُولى، المطبعة العلميّة - قم، نشر مكتبة الداوري - قم.
١٠٤ - مناقب علي بن أبي طالبعليهالسلام
وما نزل من القرآن فيه:
أحمد بن موسى بن مردوَيه الأصفهاني، ت ٤١٠ هـ، عبد الرزّاق محمّد حسين حرز الدِّين، الطبعة الثانية ١٤٢٤ هـ - ١٣٨٣ هـ ش، دار الحديث - قم.
١٠٥ - مسند أحمد بن حنبل:
أحمد بن حنبل، ت ٢٤١ هـ، دار صادر - بيروت.
١٠٦ - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد:
نور الدِّين الهيثمي، طُبع سنة ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م، دار الكتب العلميّة - بيروت.
١٠٧ - المـُصنّف:
عبد الله بن محمّد بن أبي شيبة الكوفي، تحقيق سعيد اللحّام، طُبع سنة ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٩ م، دار الفكر، بيروت - لبنان.
١٠٨ - ميزان الاعتدال:
شمس الدِّين الذهبي، تحقيق علي محمّد البجاوي، الطبعة الاُولى ١٣٨٢ هـ - ١٩٦٣ م، دار المعرفة، بيروت - لبنان.
١٠٩ - مسند ابن راهوَيه:
إسحاق بن إبراهيم بن مُخلّد المروزي، تحقيق الدكتور عبد الغفور عبد الحقّ حسين برد البلوسي، الطبعة الاُولى ١٤١٢ هـ، مكتب الإيمان - المدينة المنورّة.
١١٠ - مقاتل الطالبيِّين:
أبي الفرج الأصفهاني، تحقيق كاظم المظفّر - الطبعة الثانية، مؤسسة دار الكتاب - قم.
١١١ - مُستدرَك الوسائل:
الميرزا النّوري، ت ١٣٢٠ هـ، تحقيق مؤسّسة آل البيتعليهمالسلام
، الطبعة الثانية ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م، مؤسّسة
آل البيتعليهمالسلام
.
١١٢ - مَن لا يحضره الفقيه:
محمّد بن علي بن بابوَيه القمّي المعروف بالشيخ الصدوق، ت ٣٨١ هـ، تحقيق علي أكبر غفاري، مؤسّسة النّشر الإسلامي التابعة لجماعة المـُدرّسين - قم.
١١٣ - مُعجم البلدان:
ياقوت بن عبد الله الحموي الرومي البغدادي، ت ٦٣٦ هـ، طُبع سنة ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م، دار إحياء التراث العربي - بيروت.
١١٤ - منهج الرشاد لمَن أراد السّداد:
جعفر كاشف الغطاء، ت ١٢٢٨ هـ، تحقيق جودت القزويني، الطبعة الاُولى ١٤١٨ هـ - ١٩٩٨ م، مطبوع ضمن الطبقات العنبريّة في الطبقات الجعفريّة لمحمّد حسين كاشف الغطاء.
١١٥ - المـُسترشد:
محمّد بن جرير الطبري (الشيعي)، القرن الرابع، تحقيق أحمد المحمودي، الطبعة الاُولى ١٤١٥ هـ، مؤسّسة الثقافة الإسلاميّة.
١١٦ - المـُحتضر:
حسن بن سليمان الحلّي، القرن الثامن، تحقيق علي أشرف، طُبع سنة ١٤٢٤ هـ - انتشارات المكتبة الحيدريّة.
١١٧ - المزار:
محمّد بن مكّي العاملي المعروف بالشهيد الأوّل، ت ٧٨٦ هـ، تحقيق مؤسّسة الإمام المهديعليهالسلام
، الطبعة الاُولى ١٤١٠ هـ، مؤسّسة الإمام المهديعليهالسلام
- قم.
١١٨ - المزار:
محمّد بن المشهدي، ت ٦١٠ هـ، تحقيق جواد القيّومي الأصفهاني، الطبعة الاُولى ١٤١٩ هـ، مؤسّسة النّشر الإسلامي - قم.
١١٩ - المزار:
محمّد بن محمّد بن النّعمان المعروف بالشيخ المفيد، ت ٤١٣ هـ، تحقيق محمّد باقر الأبطحي، الطبعة الثانية ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م، دار المفيد، بيروت - لبنان.
١٢٠ - مقتل الإمام الحسينعليهالسلام
المـُسمّى بـ ( اللهوف ):
علي بن موسى بن جعفر بن طاووس، ت ٦٦٤ هـ، الطبعة الاُولى ١٤١٧ هـ، أنوار الهدى - قم.
١٢١ - مُعجم ما استعجم:
عبد الله بن عبد العزيز البكري الأندلسي، ت ٤٨٧ هـ، تحقيق مصطفى السّقا، الطبعة الثالثة، ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م.
١٢٢ - لسان الميزان:
ابن حجر العسقلاني، ت ٨٥٢ هـ، الطبعة الثانية ١٣٩٠ هـ - ١٩٧١ م، مؤسّسة الأعلمي، بيروت - لبنان.
١٢٣ - المحاسن:
أحمد بن محمّد بن خالد البرقي، تحقيق السيّد جلال الدِّين الحسيني، طبع سنة ١٣٧٠ هـ - ١٣٣٠ هـ ش، دار الكتب العلميّة - طهران.
١٢٤ - المـُستدرَك على الصحيحَين:
الحاكم النّيسابوري، تحقيق يوسف عبد الرحمن المرعشلي.
١٢٥ - المـُعجم الكبير:
سليمان بن أحمد الطبراني، تحقيق حميدي عبد المجيد سلفي، الطبعة الثانية ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م، دار إحياء التراث العربي.
١٢٦ - المـُعجم الأوسط:
سليمان بن أحمد الطبري، تحقيق دار الحرمين، طُبع سنة ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م، دار الحرمين للطباعة والنّشر.
١٢٧ - المـُعجم الصغير:
سليمان بن أحمد الطبراني، ت ٣٩٠ هـ،
دار الكتب العلميّة، بيروت - لبنان.
١٢٨ - مسند أبي داود الطيالسي:
سليمان بن داود بن الجارود الفارسي البصري الشهير بأبي داود الطيالسي، ت ٤٠٤ هـ، دار المعرفة - بيروت.
١٢٩ - مُعجم البلدان:
ياقوت بن عبد الله الحموي، ت ٦٢٦ هـ، طُبع سنة ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م، دار إحياء التراث العربي - بيروت.
١٣٠ - مسند سعد بن أبي وقّاص:
أحمد بن إبراهيم بن كثير الدورقي البغدادي، تحقيق حسن صبري، الطبعة الاُولى ١٤٠٧ هـ، دار البشائر الإسلاميّة - بيروت.
١٣١ - المـُصنّف:
عبد الرزّاق بن همّام الصنعاني، تحقيق وتعليق: حبيب الرحمن الأعظمي، منشورات المجلس العلمي.
١٣٢ - مناقب آل أبي طالب:
مشير الدِّين أبي عبد الله محمّد بن علي ابن شهر آشوب، تحقيق لجنة من أساتذة النّجف الأشرف، طُبع سنة ١٣٧٦ هـ ١٩٥٦ م، المكتبة الحيدريّة - النّجف الأشرف.
١٣٣ - مُثير الأحزان:
محمّد بن جعفر بن أبي البقاء هبة الدِّين بن نما الحلّي، ت ٦٤٥ هـ، طبع سنة ١٣٦٩ هـ - ١٩٥٠ م، المطبعة الحيدريّة - النّجف الأشرف.
١٣٤ - مسند أبي داود الطيالسي:
سليمان بن داود بن الجارود الفارسي الشهير بأبي داود الطيالسي، ت ٢٠٤ هـ، دار المعرفة - بيروت.
١٣٥ - مدينة المعاجز:
السيّد هاشم البحراني، ت ١١٠٧ هـ، دار الكتب العلميّة - قم.
١٣٦ - معرفة الثقات:
أحمد بن عبد الله بن صالح العجلي الكوفي، ت ٢٦١ هـ، الطبعة الاُولى ١٤٠٥ هـ، مكتبة الدار - المدينة المنورّة.
١٣٧ - النّوادر:
فضل الله الراوندي، ت ٥٧١ هـ، تحقيق سعيد رضا علي عسكري، الطبعة الاُولى، مؤسّسة دار الحديث - قم.
١٣٨ - نظم المتناثر من الحديث المتواتر:
محمّد بن جعفر الكناني، ت ١٣٤٥ هـ، الطبعة الثانية، دار الكتب السلفيّة - مصر.
١٣٩ - نهج السّعادة:
الشيخ محمّد باقر المحمودي، مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت - لبنان.
١٤٠ - نهج البلاغة:
الإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام
، تحقيق وتعليق الشيخ محمّد عبده، دار المعرفة - بيروت.
١٤١ - نوادر المعجزات:
محمّد بن جرير الطبري (الشيعي)، تحقيق مؤسّسة الإمام المهدي، الطبعة الاُولى ١٤١٠ هـ - مؤسّسة الإمام المهدي - قم.
١٤٢ - وفيات الأعيان:
ابن خلكان، ت ٦٨١ هـ، تحقيق إحسان عبّاس، دار الثقافة - بيروت.
١٤٣ - وسائل الشيعة:
محمّد بن الحسن بن الحرّ العاملي، تحقيق عبد الرحيم الرباني الشيرازي، الطبعة الخامسة ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م، دار إحياء التراث العربي - بيروت.
١٤٤ - ينابيع المودَّة لذوي القربى:
سليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي، تحقيق علي جمال أشرف الحسني، الطبعة الاُولى ١٤١٦ هـ - دار اُسوة.
الفهرس
مُقدّمة التّحقيق: ٥
المـُقدّمة: ١٥
سلسلة الآباء: ٢٥
الأعمام: ٥٨
طالب: ٦٦
عقيل: ٧٠
السّفر إلى الشام: ٧٦
الحديدة: ٨٤
افتراء: ٨٥
الخلف عن عقيل: ٨٧
الطيّار: ٨٩
إخوته: ٩٤
ابنُ الحنفيّة: ٩٧
الأطرف: ١٠٥
أخواتُه: ١٠٩
العقيلة: ١١١
اُمّ البنين: ١٢٠
الزواج: ١٢٥
الولادة: ١٢٧
صفاته: ١٣١
كُنيتُه: ١٣٨
اللَّقَب: ١٤٠
السّقّا: ١٤٥
نشأته: ١٥٥
اليقين: ١٦٤
الأصحاب: ١٦٧
الأمان: ١٧٦
المواساة: ١٧٩
عثرةُ التأريخ: ١٨٣
حديث الصادق عليهالسلام: ١٨٨
العبّاس في نظر الأئمّة عليهمالسلام: ٢٠٠
العصمة: ٢٠٩
الكرامات: ٢١٤
اللّواء: ٢٣٢
موقفُهُ قبل الطَّفِّ: ٢٤٣
موقفُهُ في الطَّفِّ: ٢٤٨
الشهادة: ٢٥٤
المشهد المـُطهَّر: ٢٥٨
ملاحظة: ٢٦٢
الحائر: ٢٦٤
نهرُ العلقمي: ٢٧٢
مشهدُ الرأس: ٢٧٦
مشهدُ الكفَّين: ٢٩٥
الزيارة: ٢٩٧
صلاةُ الزيارة: ٣٠١
تقبيلُ القبر: ٣٠٦
أولادُه وأحفادُه: ٣٠٨
الحمزة: ٣١٨
عمارةُ المشهد: ٣٢٦
عمارةُ مرقد العبّاس: ٣٣٩
السّدانة: ٣٤٣
حامي الجوار: ٣٤٥
المديح والرثاء: ٣٤٧
فهرس المصادر: ٣٧٤
|