مقدمة مركز الدراسات الإسلاميّة
التابع لممثليّة الولي الفقيه في حرس الثورة الإسلامية
الحمدُ للّه الذي جعل الحمد مفتاحاً لذكره ودليلًا على نعمه وآلائه، والصلاة والسلام على أشرف الخلائق محمّد وآله الطيبين الطاهرين.
وبعد: فهذا الكتاب هو الجزء الثالث المختصّ بوقائع طريق الركب الحسينيّ من مكّة المكرّمة إلى كربلاء المقدّسة، وهو المقطع الثالث من مقاطع دراستنا التأريخية التفصيلية الموسّعة (مع الركب الحسينيّ من المدينة إلى المدينة).
ولاندّعي شططاً إذا قلنا إنّ هذا الجزء- كأخويه الأوّل والثاني- قد حوى من التحقيقات والنظرات والإشارات الجديدة ما يؤهله لسدّ ثغرات كثيرة في تأريخ النهضة الحسينية المقدّسة كانت قبل ذلك مبهمة غامضة لم تتوفر الإجابة الوافية عنها.
وهنا لابدّ من أن نتقدّم بالشكر الجزيل إلى مؤلّف هذا الكتاب سماحة الشيخ المحقّق محمّد جواد الطبسي لما بذله من جهد كبير في إعداد مادّة هذا المقطع وإنجاز هذا البحث القيّم.
كما نتقدّم بالشكر الجزيل إلى فضيلة الأستاذ المحقّق علي الشاوي الذي تولّى العناية بهذا البحث مراجعة ونقداً وتنظيماً وتكميلًا كعنايته من قبل بالجزء الثاني، داعين له بمزيد من الموفقيّة في ميدان التحقيق ومؤازرة المحقّقين، وفي مواصلة عنايته البالغة في خدمة الأجزاء الباقية من هذه الدراسة القيّمة.
مركز الدراسات الإسلامية
التابع لمثليّة الولي الفقيه في حرس الثورة الإسلامية
مقدّمة الكتاب
«الإشارات المهمّة على الطريق بين مكّة وكربلاء»
على طريق الركب الحسينيّ من مكّة المكرّمة إلى كربلاء المقدّسة هناك إشارات مهمة، ليست من نوع الإشارات التي توضع على جانبي الطريق ليستدلّ بها السائرون على معرفة الطريق، أو صحّة السير، أو مدى القرب أو البعد من الغاية المنشودة، بل هي إشارات من نوع آخر! ترتسم في آفاق «المعاني السامية» لتتحدّث عن «هويّة القاصد» على هذا الطريق لا عن «هويّة الطريق».
وطريق الركب الحسينيّ إلى كربلاء مليىء بهذه الإشارات ومنها على سبيل المثال:
الإشارة في خروج الركب الحسينيّ من مكّة يوم التروية (الثامن من ذي الحجة)!
والإشارة: في قول الإمامعليهالسلام للفرزدق «لو لم أعجلْ لأُخذتُ!» وفي قولهعليهالسلام لأبي هرّة الأزدي: «وطلبوا دمي فهربت!».
والإشارة: في تصديقهعليهالسلام لقول الفرزدق ولقول بشر بن غالب الأسدي في أنّهما خلّفا الناس في الكوفة قلوبهم مع الإمامعليهالسلام وسيوفهم عليه!
والإشارة: في قولهعليهالسلام لعمرو بن لوذان: «يا عبداللّه، إنّه ليس يخفى عليَّ الرأي ما رأيتَ، ولكنّ اللّه لايُغلب على أمره!».
والإشارة: في احتجاجه المتواصل برسائل أهل الكوفة إليه، حتى بعد علمه بمقتل مسلم بن عقيلعليهالسلام ، وفي إصراره على التوجّه إلى الكوفة حتّى بعد منع الحرّ الرياحيرضياللهعنه الإمامعليهالسلام من دخول الكوفة حُرّاً!
والإشارة: في قولهعليهالسلام بعد إصرار آل عقيل على الطلب بثأر مسلمعليهالسلام : «لاخير فيالعيش بعد هؤلاء!».
والإشارة: في قراءتهعليهالسلام في منزل زبالة بيانه الذي أعلن فيه للركب عن مقتل مسلم وهاني وعبداللّه بن يقطررضياللهعنه وترخيصه من معه في الركب بالإنصراف عنه بلاذمام!
والإشارة: في قولهعليهالسلام : «.. وإن لم تفعلوا وكنتم لمقدمي كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذي أقبلتُ منه إليكم ..».
والإشارة: في قولهعليهالسلام : «ليرغب المؤمن في لقاء اللّه محقّاً، فإنّي لا أرى الموت إلّا شهادة ولا الحياة مع الظالمين إلّا برماً!».
والإشارة: في قولهعليهالسلام : «إنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآله قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلّاً لحرم اللّه فلم يغيّر عليه بفعل ولاقول كان حقّاً على اللّه أن يُدخله مدخله ..!».
فقد خطب فيهم بذي حسم قائلًا: «إنه قد نزل من الأمر ما قد ترون! وإنّ الدنيا قد تغيّرت وتنكّرت وأدبر معروفها ...».
وقال في عذيب الهجانات حين أتاه خبر مقتل قيس الصيداويرضياللهعنه : «.. منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ومابدّلوا تبديلا ..».
وقال حين سمع بإسم كربلاء: «.. هاهنا محطّ رحالنا، ومسفك دمائنا، وهنا محلّ
الحربي، لأنهعليهالسلام أراد أن يميز قوّته الحقيقية التي سيواجه بها العدوّ ويرسم خطّته القتالية على أساسها، من قوّته الظاهرية المتألّف أكثرها من «أهل الطمع والإرتياب» الذين لايصمدون ساعة الحرب والنزال! وكلّ هذه الأقوال صحيحة في نفسها ...
لكننا نرى أنّ الإمامعليهالسلام كان قد واصل هذه الإمتحانات حتّى بعد ذلك، وعرّض صفوة الأنصار لاختبارات متوالية حتّى ليلة عاشوراء!
فقد خطب فيهم بذي حسم قائلاً: «إنه قد نزل من الأمر ما قد ترون! وإن الدنيا قد تغيّرت وتنكّرت وأدبر معروفها ...». وقال في عذيب الهجانات حين أتاه خبر مقتل قيس الصيداويرضياللهعنه : «... منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ومابدّلوا تبديلاً ...».وقال حين سمع بإسم كربلاء: «... هاهنا محطّ رحالنا، ومسفك دمائنا، وهنا محلّ قبورنا ..». ودعاهم ليلة عاشوراء إلى الانصراف عنه قائلًا: «.. فجزاكم اللّه عنّي جميعاً خيراً، ألا وإنّي قد أذنت لكم، فانطلقوا جميعاً في حلّ، ليس عليكم منّي ذمام، هذا الليل غشيكم فاتخذوه جملًا ..». هذا فضلًا عن امتحاناته لبعض الأفراد كنافع بن هلالرضياللهعنه وبشر بن عمرو الحضرميرضياللهعنه !
من هنا، نفهم أنّ هناك غاية علياً عند الإمامعليهالسلام من وراء هذه التمحيصات- فوق الغايات الحربية- وهي الوصول بهذه الصفوة المقدّسة من الأنصار ذوي البصائر والعزائم الراسخة إلى أعلى منازل الآخرة، من خلال إرتقائهم في الدرجات بعد النجاح إثر كلّ امتحان، حتّى بلغعليهالسلام بهم منزلة «سادة الشهداء»، ودرجة «.. فإنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولاخيراً من أصحابي ..»، ورتبة «.. عشّاق شهداء لايسبقهم من كان قبلهم، ولايلحقهم من بعدهم ..». ثمّ نزل عليهم الفيض ليلة عاشوراء بالإستحقاقات، فكشفعليهالسلام عن أعينهم الغطاء، وأراهم منازلهم ودرجاتهم في الجنّة!.
وما أروع السلام الذي شرَّفتهم به زيارة الناحية المقدّسة: «السلام عليكم يا خير أنصار! السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار! بوَّأكم اللّه مُبَوَّءَ الأبرار! أشهد لقد كشف اللّه لكم الغطاء! ومهَّد لكم الوِطاء! وأجزل لكم العطاء! وكنتم عن الحقِّ غير بِطاء! وأنتم لنا فرطاء! ونحن لكم خلطاء في دار البقاء! والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته.».
علي الشاوي
الفصل الأول: الركب الحسينيّ في الطريق الى العراق
الفصل الأوّل:
الركب الحسينيّ في الطريق الى العراق
بعد انقضاء ما يزيد على أربعة أشهر،(١) أي حوالي مائة وخمسة وعشرين يوماً، أقام الإمام الحسينعليهالسلام خلالها في مكّة المكرّمة بعد رفضه المبايعة ليزيد ابن معاوية بعد موت أبيه، بادر الامامعليهالسلام الى الخروج عن مكّة بعد أن أحلَّ من إحرام عمرته، مخافة أن يُقبض عليه أو أن يُغتال في مكّة- في ظروف وملابسات غامضة أثناء مراسم الحجّ- فتُنتهك بذلك حرمة البيت الحرام، وكان الركب الحسينيّ قد تحرّك قاصداً نحو العراق سحراً أو أوائل الصبح من اليوم الثامن من ذي الحجّة الحرام سنة ستّين للهجرة.
١)- اختلف المؤرّخون في يوم خروج الإمامعليهالسلام من مكّة المكرّمة، فذكر بعضهم أنّ خروجهعليهالسلام كان في اليوم الثالث من ذي الحجة،(٢) وذكر آخر أنه كان في اليوم السابع منه،(٣) وقال آخر إنّ ذلك كان في اليوم العاشر منه،(٤) والصحيح هو أنّ خروجهعليهالسلام من مكّة كان في اليوم الثامن من ذي الحجّة، بدليل قول الإمام الحسينعليهالسلام نفسه في رسالته الثانيّة إلى أهل الكوفة، إذ ورد فيها: «... وقد
____________________
(١) لانّ الإمامعليهالسلام دخل مكّة في الثالث من شعبان وخرج منها في الثامن من ذي الحجّة .
(٢) راجع: اللهوف:٢٦، منشورات الداوري .
(٣) راجع: كامل الزيارات: ٧٣؛ وتذكرة الخواص: ٢١٧.
(٤) راجع: تأريخ دمشق، ٢١٢:١٤؛ وتهذيب الكمال، ٤٩٣:٤.
شخصتُ إليكم من مكّة يوم الثلاثاء لثمانٍ مضين من ذي الحجّة يوم التروية ..»،(١) وبدليل ما ورد عن الإمام الصادقعليهالسلام في أكثر من رواية(٢) أنّ الإمام الحسينعليهالسلام خرج من مكّة المكرّمة يوم التروية أي اليوم الثامن من ذي الحجّة الحرام.
٢)- خرج الامامعليهالسلام من مكّة بجميع الأعلام(٣) الذين قدموا معه إليها من المدينة المنوّرة، والذين انضموا إليه في الطريق بين المدينة ومكّة،(٤) عدا مسلم بن عقيلعليهالسلام الذي أرسله الامامعليهالسلام إلى الكوفة قبله، وعدا سليمان بن رزينرضياللهعنه الذي أرسله الإمامعليهالسلام برسالته إلى رؤساء الأخماس في البصرة وأشرافها. كما خرج الإمامعليهالسلام بجميع من انضمّ إليه في مكّة من الأعلام عدا قيس بن مسهّر الصيداويرضياللهعنه ، وعبدالرحمن بن عبداللّه الأرحبيرضياللهعنه ، وعمارة بن عبيداللّه السلولي، الذين بعثهم الإمامعليهالسلام مع مسلم بن عقيلعليهالسلام إلى الكوفة،(٥) وعدا سعيد بن عبداللّه الحنفيرضياللهعنه وهاني بن هاني الذين بعثهما الإمامعليهالسلام إلى أهل الكوفة برسالته الأولى إليهم قبل إرساله مسلماًعليهالسلام إليهم.(٦)
٣)- لايعني خروج الركب الحسينيّ من مكّة في السحر أو في أوائل الصبح أنّ خروجه كان سرّاً لم تعلم به السلطة الأموية ولم يعلم به الناس، ذلك لأنّ الإمامعليهالسلام كان قد أعلن عن موعد حركة الركب الحسينيّ وساعة خروجه في خطبته المعروفة بعبارته الشهيرة «خطَّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على
____________________
(١) راجع الارشاد: ٢٠٢؛ وتأريخ الطبري، ٢٩٣:٣ و٣٠١.
(٢) راجع: التهذيب، ٤٣٦:٥، حديث رقم ١٦٢؛ والاستبصار، ٣٢٧:٢ رقم ١١٦٠.
(٣) تحرزّنا بكلمة (الاعلام ) لأننا لا يمكن أن نحيط علماً بالمجهولين من الخدم والموالي وغيرهم .
(٤) كالشهداء الجهنيين الثلاثةرضياللهعنه الذين انضمّوا إليه من (مياه جهينة ).
(٥) راجع: تأريخ الطبري، ٢٧٧:٣؛ والإرشاد: ١٨٥.
(٦) راجع: الإرشاد: ١٨٥.
جيد الفتاة»، حيث قالعليهالسلام في آخرها «فمن كان باذلًا فينا مهجته، موطّناً على لقاء اللّه نفسه فليرحل معنا، فإنني راحلٌ مصبحاً إن شاء اللّه تعالى»،(١) وكان الإمامعليهالسلام قد خطب هذه الخطبة في عموم الناس لا في أصحابه خاصة.(٢)
٤)- من المعلوم تحقيقاً و ان كان المواجهة العسكرية العلنية مع الإمام الحسينعليهالسلام داخل مكّة أو على مشارفها لم تكن في صالح السلطة الأمويّة، وكانت السلطة الأمويّة تعلم ذلك جيّداً، الّا انهم بأمر يزيد صمموا لكى يغتالوالامام الحسينعليهالسلام و ان كان معلّقاً باستار الكعبة و مع رحيل الامام الحسينعليهالسلام من مكه فشلت نقشتهم كما أنّ هذه الحقيقة لم تكن لتخفى على الإمامعليهالسلام ، وذلك لأنّ الأمويين يعلمون ماللإمام الحسينعليهالسلام من منزلة سامية وقداسة في قلوب المسلمين، فاغتيا له خفيتاً كان اولى عندهم من المواجهه فالمواجهة العسكرية معه داخل مكّة أو عند مشارفها تعني بالضرورة تأليب قلوب جماهير الحجيج عليهم، وتأييدهم للإمامعليهالسلام ، وانتصارهم له وانضوائهم تحت رايته، وهذا هو (تفاقم الأمر)(٣) الذي يخشاه الأمويون.
فضلًا عن أنّ الملتفّين حول الإمامعليهالسلام - وهو لما يزل في مكّة- كانوا كثيرين، بدليل أنّ الركب الحسينيّ الخارج من مكّة كان كبيراً نسبياً.
وفضلًا عن أنّ مكّة وهي مدينة دينية مقدّسة عند الجميع، لم تكن للسلطة
____________________
(١) راجع: اللهوف: ٢٦.
(٢) لانعلم أنّ مؤرّخاً ذكر أنّ الامامعليهالسلام خطب هذه الخطبة في أصحابه إلاّ الشيخ محمد السماويّ (ره) في كتابه إبصار العين: ٢٧، ولم يذكر الشيخ السماوي (ره) المصدر الذي أخذ عنه هذه الدعوى الشاذة .
(٣) لما امتنع الركب الحسينيّ على جند الأشدق عند مشارف مكّة، واضطرب الفريقان بالسياط، «وبلغ ذلك عمرو بن سعيد، فخاف أن يتفاقم الأمر! فأرسل الى صاحب شرطته يأمره بالإنصراف !). (الأخبار الطوال: ٢٤٤).
الأموية فيها بالفعل إلّا قوّة محدودة تكفيها لتنفيذ وضبط الأمور الإدارية والقضائية، وتنظيم حركة الحجيج، وحراسة السلطان، وحفظ الأمن الداخلي فعليه فكان يمكن لهم ان ينجّزوا اعتيال الام ولاتكفيها لمواجهة تمرّد أو انقلاب تقوم به جماعة كبيرة ذات عدّة واستعداد ان كان الاغتيال ممكن وهذا أيضاً شأن المدينة المنوّرة يومذاك- والدليل على ذلك أنّ كلَّ الإنتفاضات الكبيرة التي حصلت في المدينة المنوّرة أو في مكّة كانت السلطة الأموية قد واجهتها بجيوش استقدمتها من خارجها، او عيون قدد سوّهم فى بين الناس كما فى قضية الامام الحسين لاغتياله (ع) و هذا تختلف عن انتفاضة أهل المدينة ووقعة الحرّة الأليمة، وكما في مواجهة الأمويين لعبداللّه بن الزبير في مكّة.(١)
٥)- وما قدّمناه لاينافي حقيقة أنّ الامامعليهالسلام خرج من مكّة مبادراً- قبل شروع أعمال الحجّ- خوفاً من أن تغتاله السلطة الأموية في مكّة، فتنتهك بذلك حرمة البيت الحرام، ذلك لأنّ الأمويين إنْ لم يكونوا قد تمكّنوا من اختطافه أو اغتياله طيلة مدّة بقائه- الطويلة نسبياً- في مكّة بسبب احتياطات الإمامعليهالسلام وحذره، وحمايته من قبل أنصاره من الهاشميين وغيرهم،(٢) فإنَّ فرصة الأمويين لتنفيذ
____________________
(١) وعدا هذا الدليل، هناك إشارات وأدلّة تأريخية عديدة تؤكّد هذه الحقيقية - منها على سبيل المثال لاالحصر - ما رواه السيّد ابن طاووس (ره) من أنّ يزيد أمر (عمرو بن سعيد) بمناجزة الحسينعليهالسلام «إنْ هو ناجزه!» أو يقاتله «إنْ هو قدر عليه!» (راجع: اللهوف: ٢٧ وراجع التحقيق في متن هذه الرواية في الجزء الثاني من هذه الدراسة: ص ١٩٩)، وفي هذا إشعار كاف أوّلاً: بعلم السلطة الأموية بأنّ مواجهة عسكرية علنية مع الإمامعليهالسلام في مكّة أو عند مشارفها لن تكون في صالحها، وثانياً: بعدم كفاية القوة الأموية لمثل هذه المواجهة .
(٢) ودليل ذلك أنّ الإمام الحسينعليهالسلام - وقد احتاط للقائه مع الوليد بن عتبة والي المدينة بحماية مؤلّفة من ثلاثين رجلاً مسلّحاً، تحسّباً لكل طاري ء في هذا اللقاء - لابدّ وأن يكون قد احتاط لكلّ طاريء متوقّع في مكّة، وهو يعلم أنّ يزيد يريد اختطافه أو اغتياله، ويعلم أنّ الأشدق جبار =
خطّتهم ستكون مؤاتية بصورة أفضل عند شروع أعمال الحجّ، وستكون احتمالات نجاحها أكبر، ذلك لأنَّ الإمامعليهالسلام - على فرض بقائه في مكّة- سيكون هو ومن معه وجموع الحجيج مشغولين في أعمال الحجّ وأجوائها العبادية، عُزّلًا من السلاح، وسيساعد وجود الإمامعليهالسلام في زحام الحجيج كثيراً على تنفيذ ما أرادته السلطة الأموية به من سوءٍ وشرّ، ولذا بادرعليهالسلام إلى الخروج من مكّة يوم التروية.(١)
٦)- فإذا علمنا من كلّ ما مضى أنّ خروج الإمامعليهالسلام لم يكن سرّاً، ولم يكن خوفاً من مواجهة حربية علنية مع السلطة الأمويّة في مكّة، أدركنا أنَّ هناك لعله كان سبباً آخر رئيساً كان قد دفع الإمامعليهالسلام الى اختيار السحر أو أوائل الصبح في ستر الظلام موعداً للخروج، وهذا السبب لعله هو الغيرة الحسينية الهاشمية التي تأبى أن تتصفّح أنظار الناس في مكّة حرائر بيت العصمة والرسالة، والنساء الأُخريات في الركب الحسينيّ، في حال خروج الإمامعليهالسلام في وضح النهار حيث تغصّ مكّة بالناس.
إنّ هذا لعله هو السبب الأقوى في مجموعة الأسباب التي دفعت الإمامعليهالسلام إلى الخروج في السحر، أو في أوائل الصبح.
٧)- يُستفاد من بعض كتب السير والمقاتل انّ الإمامعليهالسلام كان قد اعتمر عمرة
____________________
= متكبّر شرّير من أسوأ جبابرة بني أميّة وطواغيتها.
هذا ما تقتضيه حكمة وحذر وحيطة الإنسان المطارد المطلوب العادي، فما بالك بحكمة وحذر وحيطة الإمام الحسينعليهالسلام ؟!
(١) هذا فضلاً عن العوامل الأخرى التي شكّلت مع هذا العامل الأساس علّة الخروج في ذلك اليوم، كالعامل الإعلامي والتبليغي الهادف الى إثارة تساؤل الناس واستغرابهم من الخروج في يوم التروية وترك الحجّ، ليكون في الإجابة عن كلّ تلك التساؤلات والإستغراب تعريف بالنهضة الحسينية ودعوة الناس الى تأييدها ونصرتها.
التمتع ثم عدل عنها إلى العمرة المفردة لعلمه بأنّ الظالمين سوف يصدّونه عن إتمام حجّه.(١)
والصحيح تحقيقاً هو أنّ الإمام الحسينعليهالسلام قد دخل في إحرام العمرة المفردة ابتداءً، أي لم يكن أحرم لعمرة التمتع ثمّ عدل عنها الى العمرة المفردة.
وقد تبنّى هذا القول من الفقهاء السيّد محسن الحكيمقدسسره ، والسيّد الخوئيقدسسره ، والسيّد السبزواريقدسسره ، وآخرون غيرهم.(٢)
يقول السيّد الحكيمقدسسره في مستمسك العروة الوثقى: «.. وأمّا ما في بعض كتب المقاتل من أنّهعليهالسلام جعل عمرته عمرة مفردة، ممّا يظهر منه أنها كانت عمرة تمتّع وعدل بها إلى الإفراد، فليس ممّا يصحّ التعويل عليه في مقابل الأخبار المذكورة التي رواها أهل البيتعليهمالسلام ».(٣)
ويقول الشيخ محمد رضا الطبسيقدسسره : «المشهور بين الأصحاب رضوان اللّه عليهم أنّ من دخل مكّة بعمرة التمتع في أشهر الحجّ لم يجز له أن يجعلها مفردة، ولا أن يخرج من مكّة حتى يأتي بالحجّ لأنها مرتّبة (مرتبطة) بالحجّ، نعم عن ابن إدريس القول بعدم الحرمة وأنّه مكروه، وفيه أنه مردود بالأخبار.».(٤)
«كما يضعّف أيضاً القول بوقوع التبديل الى العمرة المفردة هو أنّه لو كان لأجل الصدّ ومنع الظالم فإنّ المصدود عن الحجّ يكون إحلاله بالهدي، كما أشار
____________________
(١) راجع مثلاً: الإرشاد: ٢٠٠؛ وإعلام الورى: ٢٣٠؛ وروضة الواعظين: ١٧٧.
(٢) راجع: مستمسك العروة الوثقى، ١٩٢:١١؛ ومعتمد العروة الوثقى، ٢٣٦:٢.؛ ومهذّب الأحكام، ٣٤٩:١٢ وانظر: كتاب الحجّ (تقريرات السيّد الشاهرودي): ٣١٢:٢ وتقريرات الحجّ للسيّد الگلبايگاني، ٥٨:١ والمحقّق الداماد: كتاب الحجّ، ٣٣٣:١.
(٣) مستمسك العروة الوثقى، ١٩٢:١١.
(٤) ذخيرة الصالحين، ١٢٤:٣.
إليه الشهيد الأوّل في الدروس،(١) والشهيد الثاني في المسالك.(٢) ».(٣)
ولم يَرد في خبر أو أثرٍ أنّ الإمام الحسينعليهالسلام كان قد أحلّ من إحرام عمرته بالهدي.
إنّ أفضل من يجيب عن هذا السؤال هو الإمام الحسين نفسهعليهالسلام ، ويمكننا هنا التعرّف على أبعاد هذا الجواب، وتحديد العوامل التي دفعت الإمامعليهالسلام إلى اختيار العراق لاغيره من البلدان، من خلال تتبع واستقصاء جميع ما اثِر من تصريحات الإمامعليهالسلام في هذا الصدد، منذ إعلانه عن قيامه المقدّس في رفض البيعة ليزيد بعد موت معاوية أمام الوليد بن عتبة والي المدينة آنذاك، حتى أواخر ساعات حياته في كربلاء في احتجاجاته على أعدائه قُبيل نشوب القتال يوم عاشوراء.
وعلى ضوء تصنيف تصريحاتهعليهالسلام على أساس نوع الإشارة فيها يمكننا تحديد العوامل التي دفعت الإمامعليهالسلام إلى هذا الأمر، وهذه العوامل هي:
في إجابتهعليهالسلام عن سؤال عبداللّه بن عيّاش بن أبي ربيعة(٤) بالأبواء- بين
____________________
(١) راجع: الدروس، ٤٧٨:١.
(٢) راجع: مسالك الإفهام، ٣٨٨:٢.
(٣) الجزء الثاني من هذه الدراسة: ٩٨ وللتعرّف على تفصيل هذه القضية التحقيقية راجع نفس الجزء الثاني من هذه الدراسة: ٩٣ - ٩٨ تحت عنوان: (عمرة التمتع أم عمرة مفردة؟).
(٤) مضت له ترجمة موجزة في الجزء الأول: ص ٤١٨ - ٤١٩.
المدينة ومكّة-: أين تريدُ يا ابن فاطمة؟
قال الإمامعليهالسلام : العراق وشيعتي!.(١)
وفي محاورة بينه وبين عبداللّه بن عباس قال ابن عبّاسرضياللهعنه : فإنْ كنت على حال لابدّ أن تشخص فَصِر إلى اليمن فإنَّ بها حصوناً لك، وشيعة لأبيك، فتكون منقطعاً عن الناس!
فقال الإمامعليهالسلام : لابدّ من العراق!.(٢)
هذان النصّان- ونظائرهما- يكشفان بوضوح عن أهميّة العراق بذاته عند الإمامعليهالسلام بمعزلٍ عن أثر رسائل أهل الكوفة التي وصلت إلى الإمامعليهالسلام في مكّة بعد موت معاوية، وأهميّة العراق بذاته عند الإمامعليهالسلام من الحقائق التأريخية التي لاتحتاج لإثباتها إلى الإستشهاد عليها بنصّ.
فلقد كانت الكوفة «مهداً للشيعة، وموطناً من مواطن العلويين، وقد أعلنت إخلاصها لأهل البيت في كثير من المواقف و قد خاض الكوفيون حرب الجمل و صفين مع الامام، وكانوا يقولون له: «سِر بنا يا أميرالمؤمنين حيث أحببت، فنحن حزبك وأنصارك، نُعادي من عاداك، ونشايع من أناب إليك وأطاعك»،(٣) وكان الإمام أميرالمؤمنينعليهالسلام يُثني عليهم ثناء عاطراً، فيرى أنّهم أنصاره وأعوانه المخلصون له، يقول لهم: «يا أهل الكوفة، أنتم إخواني وأنصاري وأعواني على
____________________
(١) تأريخ ابن عساكر (ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام /تحقيق المحمودي): ٢٩٤، رقم ٢٥٦ - ويُلاحظ أنّ هذه المحاورة تمّت في الأبواء قبل وصول الإمامعليهالسلام إلى مكّة، أي قبل وصول رسائل أهل الكوفة إليه، فتأمّل!
(٢) مقتل الحسينعليهالسلام للخوارزمي، ٣١٠:١؛ ومع أنّ هذه المحاورة تمّت في أواخر أيّام وجود الإمامعليهالسلام في مكّة، إلاّ أنّهعليهالسلام لم يُعلّل هذه اللاّبديّة بشيء كرسائل أهل الكوفة مثلاً، فتأمّل!
(٣) الإمامة والسياسة، ٢٣١:١.
الحقّ، ومجيبيَّ إلى جهاد المحلّين، بكم أضرب المدبر، وأرجو إتمام طاعة المقبل»،(١) ويقولعليهالسلام : «الكوفة كنز الإيمان، وجمجمة الإسلام، وسيف اللّه ورمحه، يضعه حيث يشاء.(٢) ».».(٣)
وكانت الكوفة بعد أميرالمؤمنينعليهالسلام والإمام الحسنعليهالسلام المقرّ الرئيسي لمعارضة الحكم الأموي، وكان الكوفيون يتمنّون زوال الحكم الأموي، «ومما زاد في نقمة الكوفيين على الأمويين أنّ معاوية ولّى عليهم شُذّاذ الآفاق كالمغيرة بن شعبة، وزياد بن أبيه، فأشاعوا فيها الظلم والجور، وأخرجوهم من الدعة والإستقرار، وبالغوا في حرمانهم الإقتصادي، واتبعّوا فيهم سياسة التجويع والحرمان وظلّت الكوفة مركزاً للمؤامرات على حكم الأمويين، ولم يُثنهم عن ذلك ما عانوه من التعذيب والقتل والبطش على أيدي الولاة.».(٤)
وكان الشيعة في العراق- بعد شهادة الإمام الحسنعليهالسلام - على اتصال بالإمام الحسينعليهالسلام من خلال المكاتبات واللقاءات، ونكتفي للدلالة على ذلك بهذين النصّين:
أ)- نقل الشيخ المفيد (ره) عن الكلبي والمدائني وغيرهما من أصحاب السير أنهم قالوا: «لما مات الحسنعليهالسلام تحرّكت الشيعة بالعراق، وكتبوا الى الحسينعليهالسلام في خلع معاوية، والبيعة له، فامتنع عليهم، وذكر أنّ بينه وبين معاوية عهداً وعقداً لايجوز له نقضه حتّى تمضي المدّة، فإذا مات معاوية نظر في ذلك.».(٥)
____________________
(١) الإمامة والسياسة، ٢٣٠:١.
(٢) مختصر البلدان لإبن الفقيه: ١٦٣.
(٣) حياة الإمام الحسين بن عليعليهالسلام ، ٣: ١٢ - ١٣.
(٤) حياة الإمام الحسين بن عليّعليهالسلام ، ١٤:٣.
(٥) الإرشاد: ١٨٢.
ب)- روى البلاذري عن العتبي أنّ الوليد بن عتبة حجب أهل العراق عن الإمام الحسينعليهالسلام (أي منعهم من اللقاء به، وهذا يعني أنّهم كانوا يأتون لملاقاته في المدينة المنوّرة، وبصورة ملفتة ومثيرة لانتباه السلطة)، فقال الحسينعليهالسلام :
«يا ظالماً لنفسه، عاصياً لربّه، علام تحول بيني وبين قوم عرفوا من حقّي ما جهلته أنت وعمّك!؟».(١)
لما عزم الإمامعليهالسلام على الخروج من المدينة أتته أمّ سلمةرضياللهعنه فقالت: يا بُني لاتحزنّي بخروجك الى العراق، فإني سمعت جدّك يقول: يُقتل ولدي الحسينعليهالسلام بأرض العراق في أرض يقال لها: كربلاء!
فقال لها: « يا أمّاه، وأنا واللّه أعلم ذلك، وأنّي مقتول لامحالة، وليس لي من هذا بدٌّ، وإنّي واللّه لأعرف اليوم الذي أُقتل فيه، وأعرف من يقتلني، وأعرف البقعة التي أُدفن فيها، وإنّي أعرف من يُقتل من أهل بيتي وقرابتي وشيعتي، وإنْ أردتِ يا أُمّاه أُريك حفرتي ومضجعي! ».(٢)
وفي رواية أخرى أنّهعليهالسلام قال لهارضياللهعنه :
«واللّه إني مقتول كذلك، وإنْ لم أخرج إلى العراق يقتلونني أيضاً ..».(٣)
«وقد روي بأسانيد أنه لما منعهعليهالسلام محمّد بن الحنفية عن الخروج إلى الكوفة قال: واللّه يا أخي، لو كنت في جُحر هامّة من هوامِّ الأرض، لاستخرجوني منه حتّى
____________________
(١) أنساب الأشراف: ٣: ١٥٦ - ١٥٦، حديث ١٥.
(٢) بحار الأنوار، ٤٤: ٣٣١ - ٣٣١.
(٣) الخرائج والجرائح، ١: ٢٥٣، رقم ٧.
يقتلوني.».(١)
وفي رواية أنهعليهالسلام قال لابن الزبير: لئن أُدفن بشاطيء الفرات أحبُّ إلىَّ من أن أُدفن بفناء الكعبة.(٢) أو قولهعليهالسلام : ولئن أُقتل بالطفِّ أحبُّ إليَّ من أن أُقتل بالحرم.(٣)
هذه النصوص- ونظائرها- تكشف لنا أنّ الإمامعليهالسلام منذ البدء كان قد اختار العراق أرضاً لمصرعه!
وسرُّ ذلك هو أنّ الإمامعليهالسلام بعد أن اختار موقفه المبدئي برفض البيعة ليزيد وبالقيام كان يعلم منذ البدء أنه مقتول لامحالة، خرج الى العراق أولم يخرج، فكان «من الحكمة أن يختار الإمامعليهالسلام لمصرعه أفضل الظروف الزمانية والمكانية والنفسية والإجتماعية المساعدة على كشف مظلوميته وفضح أعدائه، ونشر أهدافه، وأن يتحرّك باتجاه تحقيق ذلك ما وسعته القدرة على التحرّك. وبما أنّ الإمامعليهالسلام كان يعلم منذ البدء أيضاً أنّ أهل الكوفة لايفون له بشيء من عهدهم وبيعتهم وأنهم سوف يقتلونه: «هذه كتب أهل الكوفة إليَّ ولا أراهم إلّا قاتليَّ ...»،(٤) إذن فهوعليهالسلام - بمنطق الشهيد الفاتح- كان يريد العراق، ويصرُّ على التوجّه إليه لأنه أفضل أرض للمصرع المختار، ذلك لما ينطوي عليه العراق من استعدادات للتأثر بالحدث العظيم «واقعة عاشوراء» والتغير نتيجة لها، وذلك لأنّ الشيعة في العراق آنئذٍ أكثر منهم في أيّ إقليم اسلامي آخر، ولأنّ العراق لم ينغلق إعلامياً ونفسياً لصالح الأمويين كما هو الشام، بل لعلّ العكس هو الصحيح. وهذه الحقيقة أكّدتها الوقائع التي تلت واقعة عاشوراء، وأثبتت أيضاً صحة هذا المنطلق، ولعلّ هذا هو
____________________
(١) بحار الأنوار، ٤٥: ٩٩.
(٢) كامل الزيارات: ٧٣.
(٣) المصدر السابق.
(٤) تاريخ ابن عساكر (ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام )/ المحمودي:٢١١ رقم ٢٦٦.
السرّ المستودع في قولهعليهالسلام لما سأله ابن عيّاش: اين تريد يا ابن فاطمة؟
حيث أجابعليهالسلام : العراق وشيعتي!(١) وقولهعليهالسلام لابن عبّاس: لابدّ من العراق!(٢)
».(٣)
ما إنْ علم أهل الكوفة بموت معاوية بن أبي سفيان، وبأنّ الإمام الحسينعليهالسلام قد رفض البيعة ليزيد، وقد خرج من المدينة وأقام في مكّة، حتّى تقاطرت إليه رسلهم ورسائلهم، يدعونه إليهم، مظهرين استعدادهم لنصرته والقيام معه، حتى إنه اجتمع عنده في نُوَبٍ متفرّقة إثنا عشر ألف كتاب،(٤) ووردت إليه قائمة فيها مائة وأربعون ألف إسم يُعربون عن نصرتهم له حال ما يصل إلى الكوفة،(٥) وكان سفيره إليهم مسلم بن عقيلعليهالسلام قد كتب الى الإمامعليهالسلام - بعد وصوله الكوفة وأخذه البيعة له منهم- قائلًا: «أمّا بعدُ، فإنّ الرائد لايكذب أهله، وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفاً، فعجّل الإقبال حين يأتيك كتابي، فإنّ الناس كلّهم معك، ليس لهم في آل معاوية رأيٌ ولاهوىً، والسلام.»،(٦) وكان أهل الكوفة في آخر وفاداتهم إلى الإمامعليهالسلام في مكّة قد كتبوا إليه يقولون: «أمّا بعدُ، فإنّ الناس ينتظرونك لا رأي لهم غيرك، فالعجل العجل يا ابن رسول اللّه، فقد اخضرّت
____________________
(١) تاريخ ابن عساكر (ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام )/ المحمودي: ٢٠١، حديث رقم ٢٥٥.
(٢) مقتل الحسينعليهالسلام للخوارزمي، ١: ٣١٠.
(٣) راجع: الجزء الأول من هذه الدراسة، مقالة (بين يدي الشهيد الفاتح): ١٦١ - ١٦١.
(٤) اللهوف: ١٥.
(٥) حياة الإمام الحسين بن عليّعليهماالسلام ، ٢: ٣٣٥ - ٣٣٥ عن الوافي في المسألة الشرقية، ١: ٤٣.
(٦) تأريخ الطبري، ٣: ٢٩٠.
الجنّات، وأينعت الثمار، وأعشبت الأرض، وأورقت الأشجار، فاقدم علينا إذا شئت، فانّما تقدم على جند مجنّدة لك.»،(١) وكتبوا إليه: «إنّا قد حبسنا أنفسنا عليك، ولسنا نحضر الصلاة مع الولاة، فاقدم إلينا فنحن في مائة ألف!».(٢)
لقد شكّلت رسائل أهل الكوفة حجّة على الإمامعليهالسلام في وجوب الإستجابة لهم، وقد كان الإمامعليهالسلام قد علّق عزمه في التوجّه إلى الكوفة على التقرير الميداني لمسلم بن عقيلعليهالسلام عن حال أهل الكوفة، وقد صرّحعليهالسلام لأهل الكوفة في رسالته الأولى إليهم بذلك حيث قال:
«.. فإنْ كتب إليَّ أنّه قد اجتمع رأي ملأكم وذوي الحجى والفضل منكم على مثل ما قدمت به رسلكم، وقرأتُ في كتبكم، فإني اقدم إليكم وشيكاً إن شاء اللّه ...».(٣)
وعلى ضوء رسالة مسلمعليهالسلام عقد الإمام الحسينعليهالسلام عزمه على التوجّه الى الكوفة محتجّاً برسائلهم إليه، واحتجاجاتهعليهالسلام برسائل أهل الكوفة إليه كثيرة، نقلتها إلينا كتب التأريخ، منها- على سبيل المثال لا الحصر- جوابهعليهالسلام لعبد اللّه بن مطيع وكان قد سأله عمّا أخرجه عن حرم اللّه وحرم جدّهصلىاللهعليهوآله حيث قالعليهالسلام : «إنّ أهل الكوفة كتبوا إلىَّ يسألونني أن أقدم عليهم ...».(٤)
وقولهعليهالسلام لعبداللّه بن عمر- وكان قد نهاه عن التوجّه الى أهل العراق- «هذه كتبهم وبيعتهم!».(٥)
وقولهعليهالسلام ليزيد بن الرشك الذي سأله في منزل من منازل الطريق قائلًا: ما
____________________
(١) اللهوف: ١٥.
(٢) تذكرة الخواص: ٢١٥.
(٣) تأريخ الطبري، ٣: ٢٧٨؛ والإرشاد: ١٨٥؛ والأخبار الطوال: ٢٣١.
(٤) الأخبار الطوال: ٢٤٦.
(٥) تاريخ ابن عساكر (ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام /تحقيق المحمودي): ١٩٢، حديث ٢٤٦.
أنزلك هذه البلاد الفلاة التي ليس بها أحد؟! حيث أجابعليهالسلام :
«هذه كتبُ أهل الكوفة إليَّ ولا أراهم إلّا قاتليَّ ..!».(١)
وقولهعليهالسلام للطرمّاح وقد سأله أن يلجأ إلى جبل أَجَأ: «إنَّ بيني وبين القوم موعداً أكره أن أخلفهم ..»(٢)
وفي نصٍ آخر: «إنّه قد كان بيننا وبين هؤلاء القوم قولٌ لسنا نقدر معه على الإنصراف ..».(٣)
إشارة:
لاشكّ أنّ حجّة أهل الكوفة على الإمامعليهالسلام - برسائلهم إليه وببيعتهم- كانت قد انتفت عملياً وانتهت تماماً بعد انقلابهم على مسلم بن عقيلعليهالسلام وخذلانهم إياه، فلماذا لم يُعرض الإمامعليهالسلام عن التوجّه إلى العراق، بل أصرَّ على التوجّه إليهم، وواصل الإحتجاج عليهم برسائلهم وببيعتهم؟
وفي معرض الإجابة عن هذا التساؤل قد يُقال إنّ مسلم بن عقيلعليهالسلام في مستوى تاثيره على أهل الكوفة ليس كالإمامعليهالسلام في مستوى تأثيره لو دخل الكوفة وكان بين ظهراني أهلها، إذ إنّ المأمول والمتوقّع أنهم سيلتفّون حول الإمامعليهالسلام ويسارعون الى نصرته، وهذا التصوّر كان قد أشار إليه بعض أصحاب الإمامعليهالسلام حين قال له: «إنّك واللّه ما أنت مثل مسلم بن عقيل، ولو قدمت الكوفة لكان الناس إليك أسرع ..»،(٤) ولذا واصل الإمامعليهالسلام الإصرار على التوجّه إلى الكوفة حتى بعد مقتل مسلمعليهالسلام !
____________________
(١) تاريخ ابن عساكر (ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام / تحقيق المحمودي): ٢١١، رقم ٢٦٦؛ وانظر: سير أعلام النبلاء، ٣: ٣٠٥.
(٢) مثير الأحزان: ٣٩.
(٣) تاريخ الطبري،٣: ٣٠٨.
(٤) الإرشاد: ٢٠٤.
لكنّ التأريخ يثبت أنّ الإمامعليهالسلام لم يعتمد هذا النظر ولم يتحرّك على أساسه لعلمهعليهالسلام بما سيؤول إليه موقف أهل الكوفة من قبل ذلك (لإعتقادنا الحقّ بأنّ الأئمةعليهمالسلام يعلمون بما كان وبما سيكون الى قيام الساعة)، ودلائل تأريخية عديدة أيضاً تؤكّد أنهعليهالسلام كان يعلم منذ البدء أنّ أهل الكوفة سوف يخذلونه ويقتلونه،(١) ولأنّ أنباء الكوفة بعد مقتل مسلمعليهالسلام تدافعت إلى الإمامعليهالسلام بسرعة مؤكّدة على أنّ أهل الكوفة- إلّا من رحم اللّه- قد أصبحوا إلباً على الإمامعليهالسلام بعد أن عبّأهم ابن زياد لقتاله.
فلا يبقى إذن إلّا أن نقول: «إنّ الإمامعليهالسلام واصل التزامه بالوفاء بهذا الموعد والقول، واصرَّ على التوجّه الى الكوفة لا لأنّ لأهل الكوفة حجّة باقية عليه في الواقع، بل لأنّه لم يشأ أن يدع أيّ مجال لإمكان القول بأنّه لم يفِ تماماً بالعهد لو كان قد انصرف عن التوجّه الى الكوفة في بعض مراحل الطريق، حتّى بعد أن أغلق جيش الحرّ دونه الطريق إليها، ذلك لأنّ الإمامعليهالسلام مع تمام حجّته البالغة على أهل الكوفة أراد في المقابل بلوغ تمام العذر وعلى أكمل وجه فيما قد يُتصوَّر أنّ لهم حجّة باقية عليه، بحيث لايبقى مجال للطعن في وفائه بالعهد.».(٢)
____________________
(١) منها قوله ليزيد بن الرشك: «هذه كتب أهل الكوفة إليَّ ولا اراهم إلاّ قاتليَّ..» (تاريخ ابن عساكر «ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام / تحقيق المحمودي»:٢١١، رقم ٢٦٦)، ومنها قولهعليهالسلام : «وخير لي مصرع أنا لاقيه» (اللهوف: ٢٥)، وقولهعليهالسلام : «الموعد حفرتي وبقعتي التي أستشهد فيها وهي كربلاء» (اللهوف: ٢٨) وقولهعليهالسلام لأم سلمةرضياللهعنه : «يا أمّاه، قد شاء اللّه عز وجلّ أن يراني مقتولاً مذبوحاً ظلماً وعدواناً..» (بحار الأنوار، ٤٤: ٣٣١ - ٣٣١)، وقولهعليهالسلام لأخيه محمد بن الحنفيّةرضياللهعنه : «أتاني رسول اللّهصلىاللهعليهوآله بعد ما فارقتك، فقال: يا حسين أخرج فإنّ اللّه قد شاء أن يراك قتيلاً» (اللهوف: ٢٧)، وهناك غير هذه شواهد كثيرة على علمهعليهالسلام بمصيره وبخذلان أهل الكوفة له.
(٢) الجزء الأوّل من هذه الدراسة (مقالة: بين يدي الشهيد الفاتح): ١٦١.
وفي مجموعة نصوص تصريحات الإمام الحسينعليهالسلام بصدد علّة اختياره التوجّه الى العراق لا إلى غيره هناك فئة من هذه النصوص يصرّح فيها الإمامعليهالسلام بأنه إنما يخرج الى العراق بالذات امتثالًا لأمر رسول اللّهصلىاللهعليهوآله .
وقد تلقّى الإمام الحسينعليهالسلام أمر رسول اللّهصلىاللهعليهوآله عن طريق (الرؤيا)، التي تكررّت غير مرّة، وهي رؤيا حقّة لأنَّ الرائي إمام معصومعليهالسلام ، لايأتيه الباطل من بين يديه ولامن خلفه، ولأنَّ المرئيَّ هو رسول اللّهصلىاللهعليهوآله ، والثابت في الأثر أنّ من رآه في المنام فقد رآه.(١)
وكان بدء هذه الرؤيا الحقّة في المدينة المنوّرة بعدما أعلن الإمامعليهالسلام رفضه مبايعة يزيد بعد موت معاوية أمام الوليد بن عتبة والي المدينة يومذاك، تقول الرواية:
«فلما كانت الليلة الثانية خرج الى القبر أيضاً، فصلّى ركعتين، فلما فرغ من صلاته جعل يقول:
«اللّهمّ إنّ هذا قبر نبيّك محمد، وأنا ابن بنت محمّد، وقد حضرني من الأمر ما قد علمت، أللّهمَّ وإنّي أُحبّ المعروف وأكره المنكر، وأنا أسألك يا ذا الجلال والإكرام بحقّ هذا القبر ومن فيه إلّا ما اخترت من أمري هذا ماهو لك رضى.
ثمّ جعل الحسينعليهالسلام يبكي، حتى إذا كان في بياض الصبح وضع رأسه على القبر فأغفى ساعة، فرأى النبيّصلىاللهعليهوآله قد أقبل في كبكبة من الملائكة عن يمينه وشماله ومن بين يديه ومن خلفه، حتّى ضمَّ الحسينعليهالسلام إلى صدره، وقبّل بين عينيه، وقالصلىاللهعليهوآله :
____________________
(١) راجع: مصابيح الأنوار، ٢: ١؛ المطبعة العلميّة - النجف الأشرف عن الصدوق (ره) في الأمالي والعيون.
يا بنيّ يا حسين، كأنّك عن قريب أراك مقتولًا مذبوحاً بأرض كرب وبلاء من عصابة من أمّتي، وأنت في ذلك عطشان لاتُسقى وظمآن لاتُروى، وهم مع ذلك يرجون شفاعتي!، ما لهم لا أنالهم اللّه شفاعتي يوم القيامة، فما لهم عند اللّه من خلاق.
حبيبي يا حسين، إنّ أباك وأمّك وأخاك قد قدموا عليَّ، وهم إليك مشتاقون، وإنّ لك في الجنّة درجات لن تنالها إلّا بالشهادة!
فجعل الحسينعليهالسلام ينظر في منامه الى جدّهصلىاللهعليهوآله ويسمع كلامه، وهو يقول:
يا جدّاه، لا حاجة لي في الرجوع الى الدنيا أبداً، فخذني إليك واجعلني معك إلى منزلك!
فقال له النبيّصلىاللهعليهوآله :
يا حسين، إنه لابدّ لك من الرجوع الى الدنيا حتى ترزق الشهادة وما كتب اللّه لك فيها من الثواب العظيم، فإنّك وأباك وأخاك وعمّك وعمّ أبيك تحشرون يوم القيامة في زمرة واحدة حتى تدخلوا الجنّة.».(١)
وقد أشار الإمامعليهالسلام إلى هذا الأمر أيضاً في آخر لقاء له مع أخيه محمد بن الحنفيةرضياللهعنه في مكّة المكرّمة في الليلة التي أراد الخروج في صبيحتها عن مكّة، تقول الرواية: «سار محمّد بن الحنفية الى الحسينعليهالسلام في الليلة التي أراد الخروج في صبيحتها عن مكّة، فقال: يا أخي، إنَّ أهل الكوفة من قد عرفت غدرهم بأبيك وأخيك، وقد خفت أن يكون حالك كحال من مضى، فإنْ رأيت أن تقيم فإنّك أعزُّ من في الحرم وأمنعه!
فقالعليهالسلام : يا أخي، قد خفت أن يغتالني يزيد بن معاوية في الحرم، فأكون الذي يُستباح به حرمة هذا البيت.
____________________
(١) الفتوح، ٥: ٢٧ - ٢٩ وعنه مقتل الحسينعليهالسلام للخوارزمي، ١: ١٨٦، وبحار الأنوار، ٤٤: ٣٢٨ بتفاوت عن كتاب تسلية المجالس.
فقال له ابن الحنفيّة: فإن خفت فَسِرْ الى اليمن أو بعض نواحي البرّ، فإنك أمنع الناس به ولايقدر عليك أحد.
فقالعليهالسلام : أنظر فيما قُلتَ.
ولما كان السحر ارتحل الحسينعليهالسلام ، فبلغ ذلك ابن الحنفيّة، فأتاه فأخذ زمام ناقته التي ركبها، فقال له: يا أخيّ، ألم تعدني النظر فيما سألتك؟
قالعليهالسلام : بلى.
قال: فما حداك على الخروج عاجلًا!؟
فقالعليهالسلام : أتاني رسول اللّهصلىاللهعليهوآله بعدما فارقتك، فقال: يا حسين، أخرج فإنّ اللّه قد شاء أن يراك قتيلا!.
فقال له ابن الحنفيّة: إنّا للّه وإنّا إليه راجعون، فما معنى حملك هؤلاء النساء معك، وأنت تخرج على مثل هذه الحال؟!
فقال لهعليهالسلام : قد قال لي: إنّ اللّه قد شاء أن يراهنّ سبايا! وسلّم عليه ومضى.».(١)
كما أشار الإمامعليهالسلام أيضاً الى أمر هذه الرؤيا بعد خروجه عن مكّة، في ردّه على عبداللّه بن جعفررضياللهعنه ويحيى بن سعيد حينما ألحّا عليه بالرجوع وجهدا في ذلك، حيث قالعليهالسلام لهما: «إنّي رأيتُ رؤيا فيها رسول اللّهصلىاللهعليهوآله ، وأُمرتُ فيها بأمرٍ أنا ماضٍ له، عليَّ كان أو لي!»، ولما سألاه: فما تلك الرؤيا؟
قالعليهالسلام : «ما حدّثت بها أحداً، وما أنا محدّث بها حتى ألقى ربّي!».(٢)
ويستفاد من هذا الخبر أنّ هذه الرؤيا التي أخبر الإمامعليهالسلام عنها عبداللّه بن
____________________
(١) اللهوف: ٢٧؛ وعنه بحار الأنوار، ٤٤: ٣٦٤.
(٢) تاريخ الطبري، ٣: ٢٩٧ والكامل في التاريخ، ٣: ٤٠٢؛ وتاريخ ابن عساكر (ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام / تحقيق المحمودي): ٢٠٢، رقم ٢٥٥ بتفاوت وفيها «حتى ألاقي عملي»، وكذلك البداية والنهاية، ٨: ١٧٦.
جعفررضياللهعنه ويحيى بن سعيد هي غير الرؤيا التي رآها في المدينة وغير الرؤيا التي أخبر عنها أخاه محمّد بن الحنفيّةرضياللهعنه ، بدليل أنهعليهالسلام امتنع عن ذكر تفاصيلها، وذكر أنه لم يحدّث بها أحداً ولايحدّث بها.
ولايخفى أنّ الأخيرتين من هذه الرؤى الثلاث صريحتان في أنّ أمر رسول اللّهصلىاللهعليهوآله كان متعلّقاً بالتوجّه إلى العراق لابأصل الخروج فقط، ذلك لأنّ الإمامعليهالسلام ذكر أمر رسول اللّهصلىاللهعليهوآله في ردّه على كلّ من محمّد بن الحنفيّةرضياللهعنه وعبداللّه بن جعفررضياللهعنه ويحيى بن سعيد الذين نهوه عن التوجه الى العراق.
روى ابن قتيبة الدينوري أنّ عمرو بن سعيد بن العاص والي مكّة حينما بلغه خبر خروج الإمام الحسينعليهالسلام عن مكّة المكرّمة قال: «إركبوا كُلَّ بعير بين السماء والأرض فاطلبوه!»، فكان الناس يعجبون من قوله هذا، فطلبوه فلم يُدركوه!(١)
ومع أنّ لنا تحفّظاً على هذا الخبر من جهة أنّ الثابت تأريخياً أنَّ الإمامعليهالسلام لم يخرج عن مكّة سرّاً وإنْ كان خروجه في السحر أو في أوائل الصباح، إذ كان الامامعليهالسلام قد خطب الناس في مكّة ليلة الثامن من ذي الحجة خطبته الشهيرة التي قال فيها:
«من كان باذلًا فينا مهجته، وموطّناً على لقاء اللّه نفسه، فليرحل معنا، فإنني راحلٌ مصبحاً إن شاء اللّه تعالى».(٢)
وعلى هذا فإنّ خبر موعد خروجهعليهالسلام كان قد انتشر بين الناس في مكّة قبل خروجه، أيفي ذات الليلة التي خرج في أواخرها أو في أوائل صباحها، ومن
____________________
(١) الإمامة والسياسة، ٢: ٣؛ والعقد الفريد، ٤: ٣٧٧.
(٢) مثير الأحزان: ٤١؛ واللهوف: ٢٥.
الطبيعي ان تكون السلطة الأموية في مكّة قد علمت بهذا الموعد كما علم الناس في مكّة على الأقل من خلال جواسيسها وعيونها.
ومن جهة أخرى فإنّ الركب الحسينيّ الخارج عن مكّة- وكان كبيراً نسبياً أوائل الخروج- لايمكن أن يبعد كثيراً عن مكة فيختفي بهذه السرعة وفي تلك الفاصلة الزمنيّة القصيرة عن الأنظار حتى يُطلب فلايُدرك!
هذا مع أنّ المشهور تأريخياً أنّ رُسل عمرو بن سعيد ورجال شرطته قد أدركوا الركب الحسينيّ في أوائل طريقه نحو العراق!
غير أنَّ الأمر المهمّ الذي يكشف عنه هذا الخبر هو الهلع الكبير والذعر البالغ اللذان انتابا السلطة الأموية لخروج الإمامعليهالسلام بالفعل، حتى كأنَّ والي مكّة آنذاك أراد أن يُعبّيء كلّ واسطة بين السماء والأرض ويسخّرها لمنع الإمامعليهالسلام من الخروج عن مكّة!
لقد عظم خروج الإمامعليهالسلام عن مكّة على السلطة الأموية لأنّ هذا الخروج كان معناه انفلات الثورة الحسينيّة من طوق الحصار الذي سعت السلطة الأموية إلى تطويقها به في المدينة المنوّرة ففشلت، ثمّ جهدت في سبيل ذلك في مكّة أيضاً، طمعاً في القضاء على هذه الثورة في مهدها قبل انفلاتها من ذلك الحصار، من خلال القضاء على قائدها بإلقاء القبض عليه أو اغتياله أو قتله بالسمّ في ظروف مفتعلة غامضة تستطيع السلطة الأموية أن تِلقي فيها بالتهمة على غيرها، وتغطّي على جريمتها بألف ادّعاء، وقد تطالب هي بدمه بعد ذلك فتضللّ الأمّة وتظهر للناس بمظهر الآخذ بثأر الإمامعليهالسلام ، فتبقى مأساة الإسلام على ما هي عليه، بل تترسّخ المصيبة وتشتدّ!
إذن فخروج الإمامعليهالسلام عن مكّة المكرّمة في ذلك التوقيت المدروس كما فوّت على السلطة الأموية الفرصة للتخلّص من الإمامعليهالسلام بطريقة تختارها هي، وتتمكن من الإستفادة منها إعلامياً لتضليل الأمّة، كذلك فقد فوّت عليها فرصة
تطويق الثورة ومحاصرتها وخنقها، إذ كان «خروجهعليهالسلام من المدينة- وكذلك من مكة- في الأصل انفلاتاً بالثورة المقدّسة من طوق الحصار والتعتيم الأمويّ، إضافة الى خوفهعليهالسلام من أن تُهتك حرمة أحد الحرمين الشريفين بقتله».(١)
إذن فقد حقَّ لبني أميّة أن يهلعوا لخروج الإمامعليهالسلام ، لأنّ هذا الخروج حرمهم من أن يرسموا هم فصول المواجهة مع الإمامعليهالسلام ، وأن يختاروا هم الظروف الزمانية والمكانية والإعلامية لهذه المواجهة، في وقت «كان الإمامعليهالسلام حريصاً على أن يتحقّق مصرعه- الذي كان لابدّ منه ما لم يبايع- في ظروف زمانية ومكانية يختارها هوعليهالسلام ، لايتمكّن العدوّ فيها أنْ يعتّم على مصرعه، أو أنْ يستفيد من واقعة قتله لصالحه، فتختنق الأهداف المنشودة من وراء هذا المصرع الذي أراد منهعليهالسلام أن تهتزّ أعماق وجدان الأمّة لتتحرك بالإتجاه الصحيح الذي أرادهعليهالسلام لها.».(٢)
لقد سلكت السلطة الأموية المحلّية في مكّة المكرّمة من أجل إرجاع الإمامعليهالسلام إلى مكّة مرّة أخرى أسلوبين، كان أحدهما أسلوباً سلمياً عرض فيه عمرو بن سعيد الأشدق الأمان والبرّ والصلة للإمامعليهالسلام في رسالة وجّهها إليه، وكان الآخر اسلوباً قمعياً وعسكرياً حيث تصدّت جماعة من رجال الشرطة الأموية للركب الحسينيّ لمنع مواصلة حركته في الخروج عن مكّة، ولايخفى أنَّ الأسلوب الأوّل أي اسلوب بذل الأمان والصلة كان قبل الأسلوب القمعي، كما هي عادة الطغاة في مواجهة مثل هذه الوقائع.
____________________
(١) و (٢) الجزء الأوّل من هذه الدراسة: ص ٣٧٦.
تقول رواية الطبري: «وقام عبداللّه بن جعفر إلى عمرو بن سعيد بن العاص فكلّمه وقال: أكتب إلى الحسين كتاباً تجعل له فيه الأمان، وتمنّيه فيه البرّ والصلة، وتوثّق له في كتابك، وتسأله الرجوع، لعلّه يطمئنّ إلى ذلك فيرجع!.
فقال عمرو بن سعيد: أكتب ماشئت وأتني به حتى أختمه. فكتب عبداللّه بن جعفر الكتاب!، ثمّ أتى به عمرو بن سعيد، فقال له: اختمه، وابعث به مع أخيك يحيى بن سعيد، فإنّه أحرى أن تطمئنّ نفسه إليه ويعلم أنّه الجدّ منك. ففعل!».
ويتابع الطبري روايته فيقول: «.. فلحقه يحيى وعبداللّه بن جعفر، ثمّ انصرفا بعد أنّ أقرأه يحيى الكتاب، فقالا: أقرأناه الكتاب وجهدنا به، وكان ممّا اعتذر به إلينا أن قال: إنّي رأيتُ رؤيا فيها رسول اللّهصلىاللهعليهوآله ، وأُمرت فيها بأمرٍ أنا ماضٍ له، عليَّ كان أو لي! فقالا له: فما تلك الرؤيا؟ قال: ما حدّثت بها أحداً، وما أنا محدّث بها حتى ألقى ربي!
قال وكان كتاب عمرو بن سعيد الى الحسين بن عليّعليهماالسلام :
«من عمرو بن سعيد الى الحسين بن عليّ: أمّا بعدُ، فإنّي أسأل اللّه أن يصرفك عمّا يوبقك، وأن يهديك لما يُرشدك! بلغني أنّك قد توجّهت إلى العراق، وإنّي أعيذك باللّه من الشقاق، فإني أخاف عليك فيه الهلاك، وقد بعثت إليك عبداللّه بن جعفر ويحيى بن سعيد، فأقبل إليَّ معهما، فإنّ لك عندي الأمان والصلة والبرّ وحسن الجوار، لك اللّه عليَّ بذلك شهيد وكفيل ومُراعٍ ووكيل، والسلام عليك.
وروى الطبري أنّ الإمامعليهالسلام كتب إليه:
أمّا بعد، فإنّه لم يشاقق اللّه ورسوله من دعا إلى اللّه عز وجلّ وعمل صالحاً وقال إنّني من المسلمين، وقد دعوتَ الى الأمان والبرّ والصلة، فخير الأمان أمان اللّه، ولن يؤمن اللّهُ يوم القيامة من لم يخفه في الدنيا، نسأل اللّه مخافة في الدنيا توجب لنا أمانه يوم القيامة فإن
كنت نويت بالكتاب صلتي وبريّ فجزيت خيراً في الدنيا والآخرة، والسلام.».(١)
تأمّلٌ وملاحظات:
مضت في الجزء الثاني من هذه الدراسة (مع الركب الحسينيّ من المدينة إلى المدينة)، ترجمة موسّعة لشخصية عبداللّه بن جعفر الطيّاررضياللهعنه ، ودراسة مفصّلة لموقفه من النهضة الحسينيّة، وقد استوفت تلك الدراسة الإجابة عن جميع الأسئلة التي يمكن أن تُثار حول هذه الشخصية الهاشميّة.
ومع هذا، فإنّ دخول جزء من تحرّك عبداللّه بن جعفررضياللهعنه في إطار متابعتنا هذه يلزمنا أن نذكّر هنا- على سبيل الإختصار- ببعض النقاط المهمّة المتعلّقة بتحرّك عبداللّه بن جعفررضياللهعنه :
١)- كان عبداللّه بن جعفررضياللهعنه - بعد أن علم بعزم الإمامعليهالسلام على التوجّه إلى العراق- قد كتب رسالة إليه يناشده فيها عدم التوجّه الى العراق، وقد روى ابن أعثم الكوفي(٢) أنّ عبداللّه بن جعفررضياللهعنه قد كتب هذه الرسالة من المدينة إلى الإمامعليهالسلام في مكّة، أمّا الطبري فإنه قد روى أنه بعث بها الى الإمامعليهالسلام بعد خروجه عن مكّة، مع ولديه محمد وعون، ونصّ الرسالة على ما في رواية الطبري:
«أما بعدُ، فإنّي أسالك باللّه لما انصرفت حين تنظر في كتابي، فإنّي مشفق عليك من الوجه الذي توجّه له أن يكون فيه هلاكك، واستئصال أهل بيتك، إنْ هلكت اليوم طُفيء نور الأرض، فإنك علم المهتدين ورجاء المؤمنين،»(٣) فلا تعجل بالسير
____________________
(١) تاريخ الطبري، ٣: ٢٩٧.
(٢) الفتوح، ٥: ١١٥.
(٣) وفي نص الفتوح، فإنّك إنْ قُتلتَ أخاف أن يُطفأ نور الأرض، وأنت روح الهدى، وأميرالمؤمنين.
فإنّي في أثر الكتاب، والسلام».(١)
ويُلاحظ أنّ متن هذه الرسالة كاشف عن أمور، منها:
أ- الأدب الجمّ الذي يتمتع به عبداللّه بن جعفررضياللهعنه في مخاطبة الإمامعليهالسلام ، الكاشف عن اعتقاده بإمامة الإمامعليهالسلام ، خصوصاً في قوله على ما في رواية الطبري: إنْ هلكت اليومَ طُفيء نور الأرض، فإنّك علم المهتدين، ورجاء المؤمنين. أو على ما في رواية الفتوح: فإنّك إنْ قُتلتَ أخاف أن يُطفأ نور الأرض، وأنت روح الهدى، وأميرالمؤمنين.
ومن هنا، فإنّ الرسالة التي بعث بها والي مكّة عمرو بن سعيد الأشدق إلى الإمامعليهالسلام بعد خروجه لايمكن أن تكون من إنشاء عبداللّه بن جعفررضياللهعنه - كما روى الطبري!- ذلك لأن هذه الرسالة حوت شيئاً إدّاً من مضامين الجسارة والجهل بمقام الإمامعليهالسلام ، وسوء الأدب في مخاطبتهعليهالسلام ، كما في قوله: «أسأل اللّه أن يصرفك عمّا يوبقك، وأن يهديك لما يُرشدك وإنّي أُعيذك باللّه من الشقاق!»، وهذا مستبعد جدّاً صدوره من إنسان مؤمن بإمامة الإمام الحسينعليهالسلام ، ويراه «نور الأرض» و «أميرالمؤمنين» و «روح الهدى».
بل رسالة الأشدق من إنشائه هو، وذلك: أوّلًا لأنها انعكاس تام لنظرة هذا الطاغية الأمويّ المتجبّر، وحاكية عن لسان الإعلام الأمويّ ومفرداته الضالة المضلّة، فالخروج على النظام الظالم فيها من الموبقات! ومن الشقاق! وسعي في تفريق كلمة الأمّة والجماعة! وما إلى ذلك من أسلحة إعلاميّة لمواجهة كلّ قيام للحق والعدل والإصلاح.
ومن الجدير بالذكر هنا: أنّ ابن أعثم الكوفي ذكر أنّ عمرو بن سعيد هو الذي كتب هذه الرسالة وليس عبداللّه بن جعفررضياللهعنه ، كما ذكر أنّ حاملها إلى
____________________
(٦٨) تاريخ الطبري، ٣: ٢٩٧؛ والكامل في التاريخ، ٢: ٥٤٨؛ والإرشاد: ٢٠٢.
الإمامعليهالسلام كان يحيى بن سعيد وحده، أي لم يكن عبداللّه بن جعفررضياللهعنه معه!(١)
كما أنّ الشيخ المفيد (ره) روى نفس قصة هذه الرسالة- كما رواها الطبري- لكنّه لم يذكر أنّ عبداللّه بن جعفررضياللهعنه هو الذي كتبها،(٢) بل قال: «فكتب إليه عمرو بن سعيد كتاباً ...»،(٣) فتأمّل!
ب- ويستفاد أيضاً من محتوى رسالة عبداللّه بن جعفررضياللهعنه إلى الإمامعليهالسلام أنّه «يشترك مع ابن عبّاسرضياللهعنه وابن الحنفيّةرضياللهعنه وغيرهم في النظرة الى قيام الإمامعليهالسلام من زاوية النصر أو الإنكسار الظاهريين، هذه النظرة التي كانت منطلق مشوراتهم ونصائحهم، وخوفهم أن يُقتل الإمامعليهالسلام في الوجهة التي عزم عليها، ولذا فقد كان الإمامعليهالسلام يجيبهم بأنّ منطقه الذي يتحرّك على أساسه غير هذا من خلال الرؤيا التي رأى فيها جدّهصلىاللهعليهوآله ، وأنه مأمور بهذا النوع من التحرّك امتثالًا لأمر رسول اللّهصلىاللهعليهوآله .».(٤)
وجدير بالذكر هنا أنّ الإمامعليهالسلام كان قد كتب جواباً إلى عبداللّه بن جعفررضياللهعنه قال فيه: «أمّا بعدُ، فإنّ كتابك ورد عليَّ فقرأتهُ وفهمت ما ذكرت، وأُعلمك أنّي قد رأيت جدّي رسول اللّهصلىاللهعليهوآله في منامي، فخبّرني بأمرٍ وأنا ماضٍ له، لي كان أو عليَّ، واللّه يا ابن عمّي لو كنت في جحر هامّة من هوامّ الأرض لاستخرجوني ويقتلوني! واللّه ليعدينّ عليّ كما عدت اليهود على السبت، والسلام.».(٥)
____________________
(١) راجع: مقتل الحسينعليهالسلام للخوارزمي، ١: ٣١٢.
(٢) وهكذا أيضاً في الكامل في التأريخ، ٢: ٥٤٨؛ وفي البداية والنهاية، ٨: ١٦٩.
(٣) راجع: الإرشاد: ٢٠٢.
(٤) راجع: الجزء الثاني من هذه الدراسة: ص ٢٧٠، الملاحظة رقم ٢.
(٥) الفتوح، ٥: ١١٥ - ١١٦.
٢)- يظهر من أخبار تحرّك عبداللّه بن جعفررضياللهعنه ومن رسالته(١) التي بعث بها الى الإمامعليهالسلام «أنه كان يعتقد أو يأمل- من خلال الوساطة- أن تتحقّق المتاركة بين السلطة الأموية وبين الإمامعليهالسلام إذا انثنى عن القيام والخروج وإنْ لم يبايع!
ولذا فقد ردَّ الإمامعليهالسلام على هذا الوهم بأنه ما لمْ يُبايعْ يُقتلْ لا محالة! ولأنه لايبايع يزيد أبداً فالنتيجة لامحالة هي: «لو كنت في جحر هامّة من هوامّ الأرض لاستخرجوني حتى يقتلوني! ..»، وفي هذا ردٌّ أيضاً على تصوّر عبداللّه بن جعفر- على فرض صحة رواية الفتوح- بأنّه يستطيع أخذ الأمان من الأمويين للإمامعليهالسلام ولماله وأولاده وأهله!».(٢)
إذن، يتضّح لنا ممّا مرَّ أنّ دور عبداللّه بن جعفررضياللهعنه في المحاولة السلمية لم يكن انضواءً منه تحت الراية الأمويّة، أو أنّهرضياللهعنه كان موالياً للسلطة الأمويّة وممثلًا أو مندوباً عنها، بل كلُّ ما حصل هو أنّ سعيه لتحقيق المتاركة بين السلطة الأموية وبين الإمامعليهالسلام كان قد توافق مع رغبة السلطة الأموية في ثني الإمامعليهالسلام عن مواصلة التوجّه الى العراق، وإرجاعه مرّة أخرى إلى مكّة المكرّمة، من خلال بذل الأمان والبرّ والصلة وحسن الجوار، فكان سعي عبداللّه بن جعفررضياللهعنه وسعي السلطة الأموية في هذا الإطار في طول واحد لاشيئاً واحداً.
ولذا نجد أنّ عبداللّه بن جعفررضياللهعنه لما رأى إصرار الإمامعليهالسلام على مواصلة القيام والتوجّه الى العراق، أنهى سعيه لتحقيق المتاركة، وأظهر ولاءه التام للإمامعليهالسلام حين أمر ولديه محمّداً وعوناً بالإلتحاق بهعليهالسلام ، إذ كان هو معذوراً
____________________
(١) لقد ورد في رواية الفتوح، ٥: ١١٥ - ١١٦ أن ابن جعفررضياللهعنه قال في آخر رسالته: «.. فلاتعجل بالمسير الى العراق، فإنّي آخذٌ لك الأمان من يزيد وجميع بني أميّة، على نفسك ومالك وولدك وأهل بيتك، والسلام.».
(٢) الجزء الثاني من هذه الدراسة: ص ٢٧٠، الملاحظة رقم ٣.
لإصابته بالعمى على ما في بعض الآثار.(١)
ويحسنُ هنا في ختام بحثنا الموجز عن دور عبداللّه بن جعفررضياللهعنه أن نذكر هذه الرواية التي رواها الشيخ المفيد (ره)، والكاشفة عن تأييدهرضياللهعنه لقيام الإمامعليهالسلام ، تقول هذه الرواية: «ودخل بعض موالي عبداللّه بن جعفر بن أبيطالبعليهمالسلام فنعى إليه إبنيه، فاسترجع، فقال أبوالسلاسل مولى عبداللّه: هذا مالقينا من الحسين بن عليّ!.
فحذفه عبداللّه بن جعفر بنعله، ثمّ قال: يا ابن اللخناء! أللحسينعليهالسلام تقول هذا!؟ واللّه لو شهدته لأحببت أن لا أفارقه حتّى أُقتل معه! واللّه إنّه لممّا يسخّي نفسي عنهما ويعزّي عن المصاب بهما أنّهما أصيبا مع أخي وابن عمّي مواسيين له صابرين معه.
ثمّ أقبل على جلسائه فقال: الحمدُللّه، عزّ عليَّ مصرع الحسين، إنْ لا أكن آسيتُ حسيناً بيدي فقد آساه ولداي.».(٢)
ولما يأس الأشدق من فائدة أسلوب عرض الأمان والبرّ والصلة وحسن الجوار! لجأ إلى ما تعوّد عليه من الأساليب الإرهابية القمعيّة في معالجة المشكلات التي تواجهه- وتلك سُنّة الطغاة- ظنّاً منه أنّ الأسلوب القمعي لابدّ وأنْ يثمر النتيجة المنشودة من وراءه!
روى الطبري عن عقبة بن سمعان قال: «لما خرج الحسين من مكّة اعترضه رُسلُ عمرو بن سعيد بن العاص، عليهم يحيى بن سعيد، فقالوا له: انصرف، أين
____________________
(١) راجع: كتاب (زينب الكبرى): ٨٧.
(٢) الإرشاد: ٢٣٢؛ والكامل في التاريخ، ٢: ٥٧٦؛ والطبري، ٣: ٣٤٢.
تذهب!؟ فأبى عليهم ومضى، وتدافع الفريقان فاضطربوا بالسياط، ثمّ إنَّ الحسين وأصحابه امتنعوا منهم امتناعاً قويّاً، ومضى الحسينعليهالسلام على وجهه، فنادوه: يا حسين، ألا تتّقي اللّه! تخرج من الجماعة وتفرّق بين هذه الأمّة!؟ فتأوّل حسين قول اللّه عزّ وجلّ (لي عملي ولكم عملكم، أنتم بريئون ممّا أعمل وأنا بريء ممّا تعملون).».(١) ».(٢)
وتقول رواية الدينوري: «ولما خرج الحسين من مكّة اعترضه صاحب شرطة أميرها عمرو بن سعيد ابن العاص في جماعة من الجند، فقال: الأمير يأمرك بالإنصراف، فانصرف وإلّا منعتك!
فامتنع عليه الحسين، وتدافع الفريقان واضطربوا بالسياط! وبلغ ذلك عمرو بن سعيد، فخاف أن يتفاقم الأمر، فأرسل إلى صاحب شُرَطِه يأمره بالإنصراف!».(٣)
إشارة:
إنّ التدبّر في هذين النصّين يكشف بوضوح عن أنّ القوّة العسكرية الأموية لم تكن كافية لمنع الإمامعليهالسلام من الخروج، ذلك لأنّ المفروض أن يستعمل عمرو الأشدق كلّ ما لديه من إمكانيّة وقوّة في مثل هكذا مواجهة تقع خارج حدود مدينة مكّة لقهر الركب الحسينيّ الكبير نسبياً حتى ذلك الوقت وإرغامه على الرجوع إلى مكّة، غير أنّ واقع الحال لم يعدُ أن تدافع الفريقان واضطربوا بالسياط، وكان امتناع الركب الحسينيّ (امتناعاً قويّاً)، فخاف الأشدق من تفاقم الأمر! وأمر (رُسلَه) أو (جنده) بالإنصراف خائبين، ولاشك أنّ معنى تفاقم الأمر هنا هو خوف الأشدق من انقلاب السحر على الساحر إذا طال التدافع وامتدّت المناوشة بين الفريقين وانتهى الأمر بهما إلى مواجهة حربية صريحة- لم يكن الأشدق قد استعدَّ
____________________
(١) تأريخ الطبري، ٣: ٢٩٦.
(٢) سورة يونس: ٤١.
(٣) الأخبار الطوال: ٢٤٤.
لها تماماً- فضلًا عن خوفه من انقلاب جماهير الحجيج الواردين الى مكّة من أقطار العالم الإسلامي على السلطة الأموية وانضمامهم الى راية الإمامعليهالسلام إذا سمعوا بمثل هذه المواجهة بين السلطة وبين الإمامعليهالسلام عند مشارف مكّة.
ومن الغريب هنا أن يتبنّى سماحة الشيخ المحقّق باقر شريف القرشي ما ذهب إليه الدكتور عبدالمنعم ماجد في كتابه «التاريخ السياسي للدولة العربية»، من أنّ المواجهة بين جند الأشدق وبين الركب الحسينيّ كانت مواجهة صورية أُريد منها إبعاد الإمام عن مكّة! والتحجير عليه في الصحراء حتى يسهل القضاء عليه!
يقول الشيخ القرشي: «ولم يبعد الإمام كثيراً عن مكّة حتى لاحقته مفرزة من الشرطة بقيادة يحيى بن سعيد، فقد بعثها والي مكّة عمرو بن سعيد لصدّ الإمام عن السفر الى العراق، وجرت بينهما مناوشات، وقد عجزت الشرطة عن المقاومة، وكان ذلك الإجراء فيما نحسب صورياً!، فقد خرج الإمام في وضح النهار من دون أية مقاومة تذكر لقد كان الغرض من إرسال هذه المفرزة العسكرية إبعاد الإمام عن مكّة، والتحجيرعليه في الصحراء حتى يسهل القضاء عليه بسهولة، وأكّد ذلك الدكتور عبدالمنعم ماجد بقوله: (ويبدو لنا أنّ عامل يزيد على الحجاز لم يبذل محاولة جدّية لمنع الحسين من الخروج من مكّة الى الكوفة بسبب وجود كثير من شيعته في عمله، بل لعلّه قدّر سهولة القضاء عليه في الصحراء بعيداً عن أنصاره، بحيث أنّ بني هاشم فيما بعدُ اتهموا يزيد بأنّه هو الذي دسّ إليه الرجال حتى يخرج.).».(١)
ولعلَّ مردّ الإشتباه في هذا النظر يعود إلى الأمور التالية:
____________________
(١) حياة الإمام الحسين بن عليّعليهماالسلام ، ٣: ٥٤ - ٥٥.
١)- أنّ الدكتور ماجد ومعه الشيخ القرشي قد تصوّرا أنّ الأشدق كان يملك قوّة عسكرية كبيرة في مكّة، ولكنّه لم يرسل منها لمنع الإمامعليهالسلام من الخروج إلّا (مفرزة!) من الشرطة، وقد عجزت عن مقاومة الركب الحسينيّ وهو كبير نسبياً آنذاك، الأمر الذي يكشف عن أنّ محاولة الصدّ والمنع لم تكن جادة! فتصوّرا أنّ الغرض الحقيقي من وراء هذه المحاولة هو إبعاد الإمامعليهالسلام عن مكّة والتحجير عليه في الصحراء ليُقضى عليه بسهولة!.
والحقيقة- كما قلنا من قبل- أنّ كُلًّا من مكّة والمدينة المنوّرة مدينتان دينيّتان كان الوالي لايحتاج في كلّ منهما لإجراء أمور ولايته إلّا إلى قوّة محدودة من الحرس والشرطة تكفي لتنفيذ الأمور الإدارية والقضائية وحفظ الأمن الداخلي، فهما ليستا من المدن التي تشكلت للأغراض الحربية أساساً كالكوفة مثلًا، حيث تغصُّ بالجند الكثيف وبالمسالح، ولذا نرى أنّ الإنتفاضات التي شهدتها كلٌّ من مكّة والمدينة كان يُقضى عليها بجيوش تأتيها من خارجها كما في وقعة الحرّة في المدينة، ووقعة القضاء على عبداللّه بن الزبير في مكّة.
٢)- كان الإمامعليهالسلام ما لم يبايع يزيد بن معاوية يُقتل لامحالة، ولو كان في جحر هامّة من هوامّ الأرض، لكنّ قتله في ظروف زمانية ومكانية وملابسات غامضة تختارها السلطة الأموية ليس كقتله في مواجهة عسكرية علنية يختار ظروفها الزمانية والمكانية الإمامعليهالسلام نفسه، ذلك لأنَّ السلطة الأموية في الحالة الأولى تستطيع التعتيم على قتل الإمامعليهالسلام والتغطية عليه بألف ادّعاء وادّعاء، أمّا في الحالة الثانية فسيتحقق للإمامعليهالسلام استثمار مصرعه لتحقيق جميع أهدافه المنشودة من وراء قيامه المقدّس.(١)
____________________
(١) قد يُلاحظ أنّنا كررنا الحديث في هذه الحقيقة وأكّدنا عليها أكثر من مرّة، ولكنّ ذلك كان منّا عن عمدٍ وقصد! لاننا رأينا أنّ هذه الحقيقة قد خفيت على كثير من الباحثين، الامر الذي =
من هنا كان الأمويون يحرصون أشدّ الحرص على قتل الإمامعليهالسلام في مكّة لا خارجاً عنها، بواسطة الإغتيال في ظروف وملابسات غامضة، وهذا هو السرُّ في قول عمرو بن سعيد الأشدق لرجاله لما بلغه خروج الحسينعليهالسلام من مكّة: «اركبوا كلَّ بعير بين السماء والأرض فاطلبوه!»، وفي محاولته إغراء الإمامعليهالسلام ببذل (الأمان الأمويّ!)(١) والصلة والبرّ وحسن الجوار! لإرجاع الإمامعليهالسلام إلى مكّة، ثمّ في المحاولة القمعيّة التي لم تعدُ الإضطراب بالسياط.
فهذه المحاولة القمعية كانت محاولة جادّة لإرجاع الإمامعليهالسلام إلى مكّة بالفعل، لا كما ذهب إليه الشيخ القرشي والدكتور ماجد أنها كانت إجراءً صورياً أُريد منها إبعاد الإمامعليهالسلام عن مكّة!
٣)- قال الشيخ القرشي: «وكان ذلك الإجراء صورياً، فقد خرج الإمام في وضح النهار من دون أيّة مقاومة تُذكر ..»، ولانعلم مصدراً تأريخياً روى أنّ الإمامعليهالسلام خرج عن مكّة في وضح النهار،(٢) فجلُّ المصادر التأريخية المعتبرة التي
____________________
= حرف استنتاجاتهم عن جادّة الصواب.
(١) إنّ الأمان عند حكّام بني أميّة وولاتهم خدعة من خدع مصائدهم، إذ طالما خان معاوية عهد الأمان الذي بذله لمعارضيه كمثل حُجر بن عديّرضياللهعنه ، وقد خان ابن زياد الأمان الذي بذله ممثله محمد بن الأشعث لمسلمعليهالسلام ، وقد ذاق الأشدق نفسه في نهاية مطاف حياته مرارة الغدر الأموي نفسه بعدما بذل له عبدالملك بن مروان (الأمان الأموي!) حيث قتله بيده ذبحاً! (راجع: قاموس الرجال، ٨: ١٠٣).
(٢) ويبدو أنه حتى المصدر الذي استفاد منه الشيخ القرشي هذا المعنى، وهو (جواهر المطالب في مناقب الإمام عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، لشمس الدين أبي البركات (وهو مخطوط، ومن مصوّرات مكتبة أميرالمؤمنينعليهالسلام في النجف الأشرف) لم يذكر أنّ الإمامعليهالسلام خرج في وضح النهار، بل ذكر أنهعليهالسلام ودّع البيت الحرام وداعه الأخير وصلّى فيه فريضة الظهر ثمّ خرج مودّعاً له (حياة الإمام الحسين بن عليّعليهماالسلام ، ٣: ٥٣)، وهذا الخروج خروج عن البيت بعد وداعه، ولايعني =
تعرّضت لساعة خروجه ذكرت أنّ خروجهعليهالسلام عن مكّة كان في السحر أو في أوائل الصباح،(١) لا في وضح النهار.
ولو فرضنا أنّ الإمامعليهالسلام كان قد خرج فعلًا عن مكّة في وضح النهار، لما تعرّضت له السلطة الأموية داخل مكّة لمنعه من الخروج، لا لأنّ السلطة الأموية كانت راغبة بخروج الإمامعليهالسلام ، بل لِما في المواجهة معهعليهالسلام داخل مكّة من خطورة انتفاضة جموع الحجيج الكثيرة جدّاً ضدّها وقد كانت مكّة تغصُّ بهم آنذاك، وهو أمرٌ كانت تتحاشاه السلطة الأموية وتخشى عواقبه.
٤)- في قول الدكتور عبدالمنعم ماجد فضلًا عن الإشتباه الأصل هناك اشتباهان آخران- وقد وافقه الشيخ القرشيّ على ذلك!- وهذان الإشتباهان هما:
أ قوله: «ويبدو لنا أنَّ عامل يزيد على الحجاز لم يبذل محاولة جدّية لمنع الحسين من الخروج من مكّة الى الكوفة بسبب وجود كثير من شيعته في عمله!».
وهذه دعوى غريبة! لم نعثر على متنٍ تأريخي معتبر- حسب تتبّعنا- يؤيّدها أو يمكن أن تُستفاد منه استنتاجاً، ولانعلم من أين جاء بها هذا الكاتب، بل هناك من الدلائل التأريخية ما يشير إلى عكس هذه الدعوى، كما في قول الإمام السجّاد عليّ بن الحسينعليهماالسلام : «ما بمكّة والمدينة عشرون رجلًا يحبّنا!»،(٢) وقول أبي جعفر الإسكافي في هذا الصدد: «أمّا أهل مكّة فكلّهم كانوا يبغضون عليّاً قاطبة، وكانت قريش كلّها على خلافه، وكان جمهور الخلق مع بني أميّة عليه!».(٣)
ولعلّ منشأ هذا الإشتباه عائد إلى الخلط بين أهل مكّة وبين الوافدين إليها من
____________________
= خروجهعليهالسلام عن مكّة نفسها، فتأمّل!
(١) راجع مثلاً: اللهوف: ٢٧؛ ومثير الأحزان: ٤١؛ وكشف الغمّة، ٢: ٢٤١.
(٢) الغارات، ٢: ٥٧٣؛ وشرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد، ٤: ١٠٤.
(٣) شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد، ٤: ١٠٤.
المعتمرين والحجّاج الذين كانوا قد احتفوا بالإمامعليهالسلام في مكّة حفاوة عظيمة وكانوا يأتونه ويسمعون كلامه ويأخذون عنه، لكنّ هذا أيضاً لايُستفاد منه أنّ للإمامعليهالسلام شيعة كثيرين يعملون داخل الجهاز الأموي الحاكم في مكّة.
ب- قوله: «أنّ بني هاشم فيما بعدُ اتهموا يزيد بأنّه هو الذي دسّ إليه الرجال حتّى يخرج!».
والإشتباه في هذا القول هو في عدم التفريق بين أن يكون يزيد قد دسَّ الرجال لإخراج الإمامعليهالسلام ، وبين أن يكون يزيد قد دسَّ الرجال لاغتيال الإمامعليهالسلام أو لإلقاء القبض عليه في مكّة فاضطرّ الإمامعليهالسلام الى الخروج، والتأريخ يؤكّد أنّ يزيد كان قد أراد اختطاف الإمامعليهالسلام أو اغتياله في مكّة فاضطرَّ الإمامعليهالسلام إلى الخروج،(١) لا كما توهّم الدكتور عبدالمنعم ماجد، ثمَّ إنّ بني هاشم في تقريعهم يزيد على ما فعله بالإمامعليهالسلام أكّدوا على أنّ يزيد دسَّ الرجال لاغتيال الإمام عليه السلام لا لإخراجه، هذا ابن عباسرضياللهعنه مثلًا يقول في رسالة منه إلى يزيد: «وما أنسَ من الأشياء فلستُ بناسٍ إطّرادك الحسين بن عليّ من حرم رسول اللّه إلى حرم اللّه، ودسّك إليه الرجال تغتاله، فاشخصته من حرم اللّه الى الكوفة، فخرج منها خائفاً يترقّب، وقد كان أعزّ أهل البطحاء بالبطحاء قديماً، وأعزّ أهلها بها حديثاً، وأطوع أهل الحرمين بالحرمين لو تبّوأ بها مقاماً واستحلَّ بها قتالًا، ولكن كره أن يكون هو الذي يستحلّ حرمة البيت وحرمة رسول اللّه، فأكبر من ذلك مالم تكبر حيث دسست إليه الرجال فيها ليُقاتل في الحرم ...».(٢)
____________________
(١) راجع: مثلاً اللهوف: ٢٧؛ وتأريخ اليعقوبي، ٢: ٢٤٨ - ٢٤٨؛ وتذكرة الخواص: ٢٤٨ والخصائص الحسينيّة: ٣٢/طبعة تبريز؛ ومقتل الحسينعليهالسلام للمقرّم: ١٦٥ والمنتخب للطريحي: ٢٤٣؛ والإرشاد: ٢٠١.
(٢) تأريخ اليعقوبي، ٢: ٢٤٨ - ٢٥٠.
في كيان الحزب الأموي هناك تيّاران مختلفان في صدد نوع الموقف الذي يجب أن يتّخذه الأمويون في مواجهة الإمام الحسينعليهالسلام ، التيّار الأوّل يتزعّمه معاوية بن أبي سفيان، ويرى هذا التيّار أنّ المواجهة العلنيفة مع الإمام الحسينعليهالسلام ليست في صالح الحكم الأموي، فلابدّ من تحاشي مثل هذه المواجهة معهعليهالسلام ، ويرى هذا التيّار أنّ المتاركة بين الإمامعليهالسلام وبين بني أميّة هي أفضل ما يوافق مصلحة الحكم الأموي، حتّى يأتي على الإمامعليهالسلام ريب المنون فيخلو لبني أميّة وجه الساحة السياسية بعد موت ابن رسول اللّهصلىاللهعليهوآله ، ويرى هذا التيّار أنّه إذا كان لابدّ من مواجهة مع الامامعليهالسلام فينبغي أن تكون مواجهة سريّة غير مكشوفة، يتمّ التخلّص فيها من وجود الإمامعليهالسلام بنفس الطريقة التي تمّ التخلّص فيها من أخيه الإمام الحسنعليهالسلام أو بما يماثلها، حتّى لايُستفزَّ الرأي العام في الأمّة- بموتهعليهالسلام - ضدّ الحكم الأموي.
ويتبنّى هذا الرأي دهاة الأمويين وحلماؤهم وذوو النظر البعيد منهم، ومن هؤلاء مثلًا الوليد بن عتبة بن أبي سفيان.(١)
أما التيّار الآخر فيتزعمه يزيد بن معاوية، وينضمّ إليه جميع قصيرو النظر والتفكير وأهل الحمق والخرق من بني أميّة، أمثال مروان بن الحكم،(٢) وعمرو بن سعيد الأشدق.
____________________
(١) راجع: الجزء الأوّل: (الإمام الحسينعليهالسلام في المدينة المنوّرة): ٣٦١ - ٣٦٥، عنوان: شخصية الوليد بن عتبة.
(٢) في مشورة مروان بن الحكم على الوليد بن عتبة بحبس الإمامعليهالسلام وبقتله إن لم يبايع دليل على انتماء مروان لهذا التيّار، وعلى نوع طريقة تفكير هذا التيّار.
ويرى هذا التيّار أنّه لابدّ من المبادرة إلى التخلص من الإمام الحسينعليهالسلام إذا ما أعلن عن رفضه البيعة وعن قيامه ضد الحكم الأموي، سواء من خلال مواجهة سرّية أو علنية!
وكان معاوية يعلم بوجود هذا التيار الآخر داخل الحزب الأمويّ، ويعرف أشخاصه، وقد حذّر الإمامعليهالسلام من بطش هذا التيّار وهدّده به في رسالته التي بعث بها إلى الإمامعليهالسلام على أثر حادثة استيلاء الإمامعليهالسلام على حمولة القافلة القادمة إلى معاوية من اليمن، فقد ورد في هذه الرسالة قوله: «.. ولكنّي قد ظننت يا ابن أخي أنّ في رأسك نزوة! وبودّي أن يكون ذلك في زماني فأعرف لك قدرك! وأتجاوز عن ذلك! ولكنّي واللّه أتخوّف أن تُبتلى بمن لاينظرك فواق ناقة!».(١)
فلما مات معاوية وسيطر التيّار الأرعن على دفّة الحكم الأموي، وبعد أن أصرَّ الإمامعليهالسلام على رفض البيعة ليزيد، وخرج إلى العراق فعلًا- ولم يتمكّن الأمويون من خطفه أو اغتياله في المدينة أو في مكّة- اضطرب الأمويون عامة ودهاتهم خاصة اضطراباً شديداً خوفاً من نتائج المواجهة العلنية مع الإمامعليهالسلام ، ومن مصاديق هذا الإضطراب الرسالة التي بعثها الوليد بن عتبة بن أبي سفيان إلى عبيداللّه بن زياد، والتي كان نصّها: «بسم اللّه الرحمن الرحيم. من الوليد بن عتبة إلى عبيداللّه بن زياد: أمّا بعدُ، فإنّ الحسين بن عليّ قد توجّه نحو العراق، وهو ابن فاطمة، وفاطمة ابنة رسول اللّهصلىاللهعليهوآله ، فاحذر يا ابن زياد أن تبعث إليه رسولًا فتفتح على نفسك ما لاتختار من الخاص والعام. والسلام».(٢)
هذه الرسالة كاشفة تماماً عن طريقة التفكير التي يتبنّاها التيّار الأوّل داخل
____________________
(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ١٨: ٣٢٧.
(٢) الفتوح: ٥: ١٢١ - ١٢٢.
الحزب الأموي (طريقة تفكير معاوية)، فالوليد لايذكّر ابن زياد بجلالة منزلة الحسين بن فاطمة بنت رسول اللّهصلىاللهعليهوآله ليخوّفه من عذاب اللّه في الآخرة، بل يحذّره ويخوّفه من انقلاب الرأي العام والخاص ضدّ الحكم الأموي!! ولا شيء عن عذاب الآخرة!!
وجدير بالذكر أنّ التيّار الأموي الآخر لايعبأ بطريقة تفكير تيّار معاوية والوليد بن عتبة! ولذا ورد في ذيل خبر هذه الرسالة: «قال: فلم يلتفت عبيداللّه بن زياد إلى الكتاب».(١)
وروى ابن عساكر أن مروان كتب إلى عبيداللّه بن زياد: «أمّا بعدُ: فإنّ الحسين بن عليّ قد توجّه إليك، وهو الحسين بن فاطمة، وفاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وباللّه ما أحدٌ يسلّمه اللّه أحبّ إلينا من الحسين! فإيّاك أن تهيج على نفسك مالا يسدّه شيء، ولاتنساه العامة ولاتدع ذكره، والسلام.».(٢)
وقال الشيخ محمد باقر المحمودي في حاشية الصفحة التي فيها هذا الخبر: «وكلّ من ألم بشيء من سيرة مروان يعلم يقيناً أنّ هذا الكلام والكتاب لايلائم نفسيّات مروان ونزعاته وماكان يجيش في قلبه من بغض أهل البيت، وتمنّيه استئصالهم واجتثاثهم عن وجه الأرض، فإن كان لهذا الكتاب أصل وواقعيّة فالمظنون أنّه للوليد بن عتبة بن أبي سفيان، كما نقله عنه الخوارزمي في أوّل الفصل ١١ من مقتله: ج ٢: ص ٢٢١، ونقله أيضاً ابن أعثم الكوفي في كتاب الفتوح».(٣)
____________________
(١) الفتوح: ٥: ١٢٢.
(٢) تاريخ ابن عساكر / ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام / تحقيق المحمودي: ٢٢٩، حديث رقم ٢٥٦.
(٣) المصدر السابق.
وكذلك روى ابن كثير في تأريخه(١) أنّ هذه الرسالة من مروان إلى ابن زياد، وقال الشيخ المحقّق باقر شريف القرشي معلّقاً على ذلك: «واشتبه ابن كثير فزعم أنّ مروان كتب لابن زياد ينصحه بعدم التعرّض للحسين، ويحذّره من مغبّة الأمر، ورسالته التي بعثها إليه تضارع رسالة الوليد السابقة مع بعض الزيادات عليها إنّ من المقطوع به أنّ هذه الرسالة ليست من مروان فإنّه لم يفكّر بأيّ خير يعود للأمّة، ولم يفعل في حياته أيّ مصلحة للمسلمين، يُضاف إلى ذلك مواقفه العدائية للعترة الطاهرة وبالأخص للإمام الحسين، فهو الذي أشار على حاكم المدينة بقتله، وحينما بلغه مقتل الإمام أظهر الفرح والسرور! فكيف يوصي ابن زياد برعايته والحفاظ عليه!؟».(٢)
نعم، إنّ مروان بن الحكم وهو من أعلام التيّار الأموي الأرعن الذين تتلظّى قلوبهم حنقاً على أهل البيت وبغضاً لهم، لايمكن أن تصدر عنه مثل هذه الرسالة- وإن كانت هذه الرسالة لاتفيض إلّا بالخوف من هياج الرأى العام ضد الأمويين!- ذلك لأنّ أفراد التيّار الأموي الأرعن تشابهت قلوبهم وتماثلت أقلامهم فيما كتبوا به من تهديد لابن زياد: في أنّه إنْ لم يقتل الإمامعليهالسلام يعُدْ إلى أصله الحقيقي عبداً لبني ثقيف! فهذا عمرو بن سعيد بن العاص الأشدق وهو من طغاة بني أميّة الرعناء يكتب الى ابن زياد- بعد خروج الإمام الحسينعليهالسلام من مكّة- قائلًا: «أمّا بعدُ: فقد توجّه إليك الحسين، وفي مثلها تعتق أو تكون عبداً تسترقّ كما تسترقّ العبيد!»،»
وكأنّه يستلّ ذات المعاني من قلب سيّده يزيد بن معاوية الذي كتب إلى ابن زياد
____________________
(١) البداية والنهاية: ٨: ١٦٥.
(٢) حياة الإمام الحسين بن عليعليهماالسلام : ٣: ٥٨.
(٣) تاريخ ابن عساكر / ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام / تحقيق المحمودي: ٢٩٩ حديث رقم ٢٥٦.
قائلًا: «قد بلغني أنّ أهل الكوفة قد كتبوا إلى الحسين في القدوم عليهم، وأنّه قد خرج من مكّة متوجّهاً نحوهم، وقد بُلي به بلدك من بين البلدان، وأيّأمك من بين الأيّام، فإنْ قتلته وإلّا رجعت إلى نسبك وإلى أبيك عُبيد،(١) فاحذر أن يفوتك!».(٢)
____________________
(١) الجد الحقيقي لعبيد الله بن زياد بن عبيد (وعبيد كان غلاماً لثقيف).
(٢) تأريخ اليعقوبي: ٢: ١٥٥.
الفصل الثاني: حركة أحداث الكوفة أيام مسلم بن عقيلعليهالسلام
الفصل الثاني:
حركة أحداث الكوفة أيام مسلم بن عقيلعليهالسلام
ينبغي التذكير بأنّ عمدة المتون التأريخية التي ذكرت يوم خروج وقيام مسلم بن عقيلعليهالسلام في الكوفة هي:
١)- «وكان خروج مسلم بن عقيل رحمة اللّه عليه بالكوفة يوم الثلاثاء لثمانٍ مضين من ذي الحجّة سنة ستين، وقتله يوم الأربعاء لتسع خلون منه، يوم عرفة.».(١)
٢)- «وكان مخرج ابن عقيل بالكوفة لثمان ليالٍ مضين من ذي الحجّة سنة ستين، وقيل لتسع مضين منه».(٢)
٣)- «وكان قتل مسلم لثمانٍ مضين من ذي الحجّة بعد رحيل الحسين من مكة بيوم، وقيل يوم رحيله ..».(٣)
٤)- «ويُقال يوم الأربعاء لسبع مضين سنة ٦٠ من يوم عرفة بعد مخرج الحسين من مكّة مُقبلًا إلى الكوفة بيوم.».(٤)
٥)- «وكان قتل مسلم بن عقيل يوم الثلاثاء لثلاث خلون من ذي الحجّة سنة
____________________
(١) تأريخ الطبري، ٣: ٢٩٣؛ والإرشاد: ٢٠٠؛ وانظر: مروج الذهب، ٣: ٧٠.
(٢) الكامل في التأريخ، ٣: ٢٧٥.
(٣) تذكرة الخواص: ٢١٩.
(٤) تأريخ الطبري، ٣: ٢٩٣.
ستّين، وهي السنة التي مات فيها معاوية، وخرج الحسين بن عليّعليهالسلام من مكّة في ذلك اليوم.».(١)
إنَّ المشهور وهو الصحيح(٢) أنَّ الإمام الحسينعليهالسلام كان قد خرج من مكّة الى العراق يوم الثلاثاء، يوم الثامن من ذي الحجّة سنة ستين، وعليه فإنّ القول الخامس الأخير وهو قول الدينوري في «الأخبار الطوال» لايُعتدُّ به، ولايستقيم إلّا إذا كانت ثمان بدلًا من ثلاث، أي أنَّ ثلاثاً وقعت تصحيفاً لثمانٍ، وهو أمرٌ ممكن الوقوع.
أمّا القول الرابع: «ويُقال يوم الأربعاء لسبع مضين سنة ستين من يوم عرفة بعد مخرج الحسين من مكّة مقبلًا الى الكوفة بيوم.» فهو فضلًا عن غموض دلالته، شاذٌ في نفسه على ظاهره،(٣) ولايستقيم معناه إلّا إذا كانت (في) بدلًا مِن (من)، و (لتسعٍ) بدلًا من (لسبعٍ)، فيكون على النحو التالي: ويقال يوم الأربعاء لتسعٍ
____________________
(١) الأخبار الطوال، ٢٤٢ - ٢٤٣.
(٢) فضلاً عن الشهرة التأريخية، فإنّ أقوى الأدلّة على هذا هو قول الإمام الحسينعليهالسلام في رسالته الثانية إلى أهل الكوفة: «.. وقد شخصت إليكم من مكّة يوم الثلاثاء لثمانٍ مضين من ذي الحجّة يوم التروية...» (تأريخ الطبري، ٣: ٣٠١)، وهناك روايتان عن الإمام الصادقعليهالسلام أخبر فيهما أنّ الإمام الحسينعليهالسلام خرج من مكّة يوم التروية (راجع: الكافي، ٤: ٥٣٥ رقم ٤، والتهذيب، ٥: ٤٣٦، رقم ١٦٢؛ والإستبصار، ٢: ٣٢٧، رقم ١١٦٠).
(٣) ذلك لأنّ ظاهر معنى سبعة ايّام مضين حساباً من يوم عرفة هو أنّ المراد بذلك اليوم: اليوم الخامس عشر، وإذا كان يوم عرفة في تلك السنة يوم الأربعاء، فلن يكون هذا اليوم المراد يوم أربعاء كما ورد في النص. وإذا كان الحساب ممّا بعد عرفة، فيوم الأربعاء هذا يكون هو اليوم السادس عشر. والقول بهذا شاذُّ غريب على كلا الإحتمالين، فتأمّل!
مضين سنة ستين في يوم عرفة، بعد مخرج الحسين من مكّة مقبلًا إلى الكوفة بيوم.
ومثل هذا التصحيف ممكن وكثير الوقوع ..
أمّا القول الثالث فيؤاخذ على مبناه بأنّ خروج الإمامعليهالسلام كان يوم السابع من ذي الحجّة، وهو خلاف المشهور الصحيح.
فلا يبقى من هذه الأقوال بعد هذا إلّا مالا يُعارض المشهور الصحيح وهو أنّ خروج الإمامعليهالسلام من مكّة الى العراق كان في يوم التروية يوم الثامن من ذي الحجّة سنة ستين للهجرة.
وعلى هذا يكون خروج مسلم بن عقيلعليهالسلام في الكوفة يوم الثلاثاء يوم التروية، يوم الثامن من ذي الحجّة سنة ستين، ويكون يوم مقتله يوم الأربعاء لتسع مضين منه، أي يوم عرفة، وهو الأقوى.
أو كان خروجه يوم التاسع من ذي الحجّة بتلك السنة،(١) فيكون مقتلهعليهالسلام في اليوم العاشر منه، أي يوم عيد الأضحى، وهو الأضعف.(٢)
إشارة:
بقي أن نشير هنا إلى مسألة مهمّة أخرى في هذا الصدد، وهي أنّ الطبري قد
____________________
(١) كما ذهب إلى هذا أيضاً - على نحو الإحتمال - مع ذكر القول الأول المسعودي حيث أضاف: «وقيل: يوم الأربعاء يوم عرفة لتسع مضين من ذي الحجّة سنة ستين» (مروج الذهب، ٣: ٧٠)، وكذلك ابن الأثير حيث قال: «وقيل: لتسع مضين منه» (الكامل في التأريخ، ٣: ٢٧٥).
(٢) ودليل ذلك أننا لم نعثر على أيّه إشارة تأريخية تفيد أنّ اليوم الذي قُتل فيه مسلمعليهالسلام كان يوم عيد.
روى نصّاً صريحاً مفاده أنّ أهم وقائع حركة أحداث الكوفة أيّام تواجد مسلم بن عقيلعليهالسلام فيها: من تفكير السلطة الأموية المركزية في الشام بعزل النعمان بن بشير عن ولاية الكوفة، وتعيين عبيد اللّه بن زياد بدلًا منه، ثمّ ما جرى بعد ذلك إلى يوم مقتل مسلمعليهالسلام ، كلّ تلك الأحداث كانت قد وقعت بعد خروج الإمامعليهالسلام من مكّة، أي وهو في الطريق إلى العراق، يقول الطبري في قصّة استشارة يزيد سرجون النصراني فيمن يستعمل على الكوفة بدلًا من النعمان: «دعا يزيد بن معاوية سرجون مولى معاوية، فقال: ما رأيك؟ فإنّ حسيناً قد توجّه نحو الكوفة، ومسلم بن عقيل بالكوفة يبايع للحسين، وقد بلغني عن النعمان ضعفٌ وقولٌ سيّء- وأقرأه كتبهم- فما ترى؟ من أستعمل على الكوفة؟ ...».(١)
وهذا النصّ بعبارة «فإنّ حسيناً قد توجّه نحو الكوفة» شاذٌ إذ لم ترد هذه العبارة في أيّ مصدرٍ تأريخيّ آخر تعرّض لقصة هذه الإستشارة بين يزيد وسرجون،(٢) هذا فضلًا عن كون رواية الطبري هذه مرسلة عن عوانة بن الحكم الذي كان عثمانيَّ الهوى، وكان يضع الأخبار لبني أميّة كما يقرّر ذلك العسقلانيّ في لسان الميزان،(٣) وفضلًا عن أنّ الطبري نفسه قد روى قصّة هذه الإستشارة أيضاً بسند عن عمّار الدهني عن أبي جعفر، وليس فيها هذه العبارة أو ما
____________________
(١) تأريخ الطبري، ٣: ٢٨٠.
(٢) لقد روى الشيخ المفيد (ره) نفس هذه الرواية، وليس فيها هذه العبارة، بل فيها: «ما رأيك؟ إنّ حسيناً أنفذ إلى الكوفة مسلم بن عقيل يبايع له..»، (راجع: الإرشاد: ٢٠٦).
(٣) «عوانة بن الحكم بن عوانة بن عيّاض الأخباري المشهور الكوفي، يقال كان أبوه عبداً خيّاطاً وأمّه أمةً، وهو كثير الرواية عن التابعين، قلّ أن روى حديثاً مسنداً، وقد روي عن عبداللّه بن المعتز عن الحسين بن عليل العنزي، عن عوانة بن الحكم أنّه كان عثمانياً، فكان يضع الأخبار لبني أميّة، مات سنة ١٥٨ هـ » (لسان الميزان، ٤: ٤٤٩ / دار الكتب العلمية، بيروت).
بمفادها،(١) بل روى ما يعارض هذه العبارة كمثل قوله «كان مخرج مسلم بن عقيل بالكوفة يوم الثلاثاء لثمان ليالٍ مضين من ذي الحجّة سنة ستين ..»(٢) أي في نفس اليوم الذي خرج فيه الإمامعليهالسلام من مكّة، ومعنى هذا أنّ جُلّ وقايع أيّام مسلمعليهالسلام في الكوفة قد وقعت والإمامعليهالسلام في مكّة، ومنها واقعة عزل النعمان عن الكوفة وتنصيب ابن زياد على العراق.
إذن لايمكن التعويل على عبارة رواية الطبري الشاذة، المعارضة للمشهور الثابت وهو: أنّ عزل النعمان عن ولاية الكوفة وتعيين ابن زياد مكانه كان قد تمّ والإمام الحسينعليهالسلام لم يزل في مكّة لم يرحل عنها.
وهناك أيضاً نصٌّ لابن عبد البرّ في كتابه العقد الفريد ربّما أوهم البعضَ كذلك أنَّ عزل النعمان عن ولاية الكوفة وتعيين ابن زياد بدلًا منه كان قد حصل والإمامعليهالسلام في الطريق إلى العراق، يقول ابن عبدالبرّ: «فكتب يزيد إلى عبيد اللّه بن زياد وهو واليه على العراق أنه قد بلغني أنّ حسيناً سار الى الكوفة، وقد ابتلي به زمانك بين الأزمان، وبلدك بين البلدان، وابتليت من بين العمّال، وعنده تُعتق أو تعود عبداً.».(٣)
ومنشأ هذا الوهم من تصوّر أنّ هذا الكتاب هو الكتاب الأوّل الذي كتبه يزيد إلى ابن زياد، أي كتابه الذي أمره فيه بالتوجّه سريعاً من البصرة إلى الكوفة، والأمر ليس كذلك، إذ إنّ هذا الأخير هو كتاب آخر غير الأوّل، بدليل عبارة «وهو واليه على العراق»، أي كان يومذاك والياً على الكوفة والبصرة معاً قبل هذا الكتاب، لأنّ
____________________
(١) راجع: تأريخ الطبري: ٣: ٢٧٥.
(٢) تأريخ الطبري، ٣: ٢٩٣.
(٣) العقد الفريد، ٥: ١٣٠، وانظر: مثير الأحزان، ٤٠ - ٤١؛ وأنساب الأشراف، ٣: ٣٧١.
الولاية على العراق لاتُطلق على الولاية على البصرة فقط، وقد روى اليعقوبي أيضاً نفس نصّ نفس هذا الكتاب بعبارة واضحة كاشفة بصورة أفضل عن أنّ هذا الكتاب غير الكتاب الأوّل، يقول اليعقوبي: «وأقبل الحسين من مكّة يريد العراق، وكان يزيد قد ولّى عبيداللّه بن زياد العراق، وكتب إليه: قد بلغني أنّ أهل الكوفة قد كتبوا إلى الحسين في القدوم عليهم، وأنّه قد خرج من مكّة متوجّهاً نحوهم، وقد بُلي به بلدك من بين البلدان، وأيّامك من بين الأيّام، فإنْ قتلته وإلّا رجعت إلى نسبك وإلى أبيك عُبيد، فاحذر أن يفوتك!»،(١) وواضح من هذا النصّ أنّ ابن زياد كان قد صار والياً على الكوفة والبصرة معاً قبل خروج الإمامعليهالسلام من مكّة، وأنّ يزيد كتب إلى ابن زياد هذا الكتاب بعدما ولّاه الكوفة أيضاً، لا أنّ هذا الكتاب كان كتاب التولية، فتأمّل!.
____________________
(١) تأريخ اليعقوبي، ٢: ١٥٥.
خرج مسلم بن عقيلعليهالسلام (٢) من مكّة المكرّمة سفيراً للإمام الحسينعليهالسلام إلى أهل الكوفة في منتصف شهر رمضان سنة ستين للهجرة، ودخل الكوفة في اليوم الخامس من شهر شوّال من نفس السنة،(٣) وكان الإمامعليهالسلام قد سرّح معه قيس بن مسّهر الصيداويرضياللهعنه ، وعمارة بن عبيد اللّه السلولي (ره)، وعبداللّه
____________________
(١) على ضوء ما قدّمناه فإنّ جميع أيّام مسلم بن عقيلعليهالسلام في الكوفة - عدا اليوم الأخير أو اليومين الأخيرين منها - تقع في إطار الأيام التي كان فيها الإمامعليهالسلام بمكّة، فدراستها حسب تقسيمنا لمقاطع هذه الدراسة (مع الركب الحسيني من المدينة الى المدينة) تكون من مختصّات الجزء الثاني، وقد تعرّض مؤلّف الجزء الثاني إلى سفارة مسلمعليهالسلام ووقايع أحداث الكوفة أثناءها - ما قبل القيام - من خلال ثلاث زوايا: حركة الإمامعليهالسلام ، وحركة النظام الأموي في مواجهة حركتهعليهالسلام ، وحركة الأمّة إزاء قيام الإمامعليهالسلام . لكنّ وقوع دراسة اليوم الأخير - أو اليومين الأخيرين - في إطار مباحث الجزء الثالث فرض على مؤلّف هذا الجزء أنّ يتعرّض أيضاً إلى وقائع الكوفة - نعني في أيام مسلمعليهالسلام بها - منذ بدايتها إلى نهايتها، حتّى يستوفي حقّ دراسة اليوم الأخير أو اليومين الأخيرين تمام الإستيفاء، وقد شكّل ما أتى به مؤلّف هذا الكتاب تكميلاً ضرورياً ومهمّاً جدّاً لما أتى به مؤلّف الجزء الثاني، إلاّ أنّ هناك مشتركات كثيرة وواسعة بين البحثين، ولذا فقد استقرّ الرأي - من أجل عدم تكرار وإعادة عناوين وتفصيلات ما ورد في الجزء الثاني من تلك المباحث المشتركة - على أن تُستعرض هنا أهمّ تلك المباحث ملخّصة، ومطعّمة بكلّ استدراك مهمّ فات الجزء الثاني أن يحتويه، ووفّق الجزء الثالث إلى الإتيان به، ليتشكّل من مجموع هذا الإستعراض تمهيد مناسب لما سوف يأتي من مباحث تفصيلات وقائع قيام مسلمعليهالسلام ومقتله في هذا الكتاب (المركز).
(٢) مرّت بنا في الجزء الثاني من هذه الدراسة ترجمة مفصلة وافية لسيّدنا مسلمعليهالسلام ، فراجعها في الفصل الأوّل منه في الصفحات: ٤٢ - ٦٠.
(٣) راجع: مروج الذهب، ٣: ٥٥.
وعبدالرحمن ابنا شدّاد الأرحبيرضياللهعنه .(١) وقيل: بعث معه أيضاً عبداللّه بن يقطررضياللهعنه .(٢)
وقد أوصى الإمامعليهالسلام مسلم بن عقيلعليهالسلام أن ينزل عند أوثق أهل الكوفة قائلًا: «فإذا دخلتها فانزل عند أوثق أهلها»،(٣) وقد روي أنّه نزل عند مسلم بن عوسجةرضياللهعنه ،(٤) كما روي أنه نزل عند هاني بن عروةرضياللهعنه ابتداءً،(٥) لكنّ الأشهر هو أنّ مسلماًعليهالسلام نزل في دار المختار بن أبي عبيد الثقفي (ره) ابتداءً ثمّ تحوّل منها بعد ذلك إلى دار هانيرضياللهعنه .(٦)
وكان الإمام الحسينعليهالسلام قد جعل مبادرته وإسراعه في القدوم على أهل الكوفة منوطاً بما إذا كتب إليه مسلمعليهالسلام بأنّ حقيقة حالهم على مثل ما قدمت به رسلهم وكتبهم، إذ كتبعليهالسلام في رسالته الأولى إليهم: «... فإنْ كتب إليَّ أنّه قد اجتمع رأي ملأكم وذوي الحجى والفضل منكم على مثل ما قدمت به رسلكم وقرأتُ في كتبكم فإنّي اقدم إليكم وشيكاً إن شاء اللّه ...».(٧)
____________________
(١) راجع: الإرشاد:١٨٦؛ وتأريخ الطبري، ٣: ٢٧٧ / وقد مرّت تراجم هؤلاء الأعلام الثلاثة في الجزء الثاني: ص ٦٩ - ٧٣ وص ٤٢ وص ٤٢ - ٤٤ على التوالي.
(٢) راجع: إبصار العين: ٩٤؛ وقد مرّت ترجمة ابن يقطر في الجزء الثاني أيضاً: ص ١٧٠.
(٣) الفتوح، ٥: ٣٦؛ ومقتل الخوارزمي، ١: ١٩٦.
(٤) راجع: تأريخ الطبري، ٣: ٢٧٥؛ وانظر: مروج الذهب، ٣: ٥٥؛ وقد مرّت ترجمة لمسلم بن عوسجةرضياللهعنه في الجزء الثاني: ص ٥٣.
(٥) راجع: سير أعلام النبلأ، ٣: ٢٩٩.
(٦) راجع: الإرشاد: ١٨٦؛ وتأريخ الطبري، ٣: ٢٧٩ وإبصار العين:٨٠؛ وقد مرّت ترجمة للمختار بن أبي عبيد الثقفي (ره) في الجزء الثاني: ص ٥٤ - ٥٥.
(٧) الإرشاد: ١٨٦؛ وتأريخ الطبري، ٣: ٢٧٨؛ والأخبار الطوال: ٢٣١.
وفي رواية أخرى أنّ الإمامعليهالسلام كتب إليهم في تلك الرسالة قائلًا: «فإنّ كنتم على ماقدمت به رسلكم وقرأتُ في كتبكم، فقوموا مع ابن عمّي وبايعوه ولاتخذلوه ...».(١)
ويُستفاد من هذا النصّ أنّ مهمّة مسلمعليهالسلام في الكوفة لم تكن منحصرة في إطار إعداد وتعبئة أهل الكوفة حتّى يأتي إليهم الإمامعليهالسلام فيقوموا معه ضد الحكم الأمويّ، وكتابة التقارير المتوالية إلى الإمامعليهالسلام بحال أهل الكوفة والتحوّلات الجارية آنذاك، بل كان من صلاحية مسلمعليهالسلام - في ظرف استثنائي- أن يبادر هو إلى القيام بأهل الكوفة ضدّ السلطة الأموية هناك ما رأى ذلك مناسباً حتّى قبل مجيء الإمامعليهالسلام ، وهذا ما حصل بالفعل حينما أضطُرَّ مسلمعليهالسلام - نتيجة الظروف الإستثنائية الطارئة بعد اعتقال هاني بن عروةرضياللهعنه - إلى أن يبادر إلى القيام يومذاك بمن معه.
وكان الإمامعليهالسلام قد أشعر مسلماًعليهالسلام بأنّ ختام أمره في هذا الطريق هو الفوز بدرجة الشهادة، إذ روي أنّهعليهالسلام قال له وهو يودّعه في مكّة: «إنّي موجّهك إلى أهل الكوفة، وسيقضي اللّه من أمرك ما يحبّ ويرضى، وأنا أرجو أن أكون أنا وأنت في درجة الشهداء، فامضِ ببركة اللّه وعونه حتّى تدخل الكوفة، فإذا دخلتها فانزل عند أوثق أهلها، وادع الناس إلى طاعتي، فإنْ رأيتهم مجتمعين على بيعتي فعجّل عليَّ بالخبر حتّى أعمل على حساب ذلك إن شاء اللّه تعالى»، ثمّ عانقه الحسينعليهالسلام وودّعه وبكيا جميعاً.(٢)
____________________
(١) الفتوح، ٥: ٣٥؛ ومقتل الخوارزمي، ١: ١٩٥ - ١٩٦.
(٢) الفتوح، ٥: ٣٦؛ ومقتل الخوارزمي، ١: ١٩٦.
وكان الإمامعليهالسلام قد أوصى مسلماًعليهالسلام أيضاً: «بالتقوى، وكتمان أمره، واللطف، فإنْ رأى الناس مجتمعين مستوسقين عجّل إليه بذلك ...».(١)
ولعلّ الإمامعليهالسلام قد عنى ب «كتمان الأمر» الذي أوصى مسلماًعليهالسلام به هو كتمان أمر سفارته مادام في الطريق حتّى يصل إلى الكوفة ..، والأُسلوب السرّي في تعبئة أهل الكوفة للنهضة، وكتمان أمر مكانه وزمان تحرّكاته، ومواقع مخازن أسلحته، وأشخاص قياداته ومعتمديه، وكلمة السرّ في وثبته، وغيره ذلك ممّا يكون من مصاديق كتمان الأمر.
وامتثالًا لهذه الوصيّة كان مسلمعليهالسلام قد اعتمد الستر والرفق في تعبئة أهل الكوفة حتى يستكمل العدد والعدّة الكافيين لتأهيل الكوفة للقيام معه أو مع الإمامعليهالسلام - إذا جاء الكوفة- بوجه السلطة الأمويّة.
يقول القاضي نعمان: «وكان مسلم بن عقيل رحمة اللّه عليه قد بايع له جماعة من أهل الكوفة في استتارهم!».»
ويقول الدينوري: «ولم يزل مسلم بن عقيل يأخذ البيعة من أهل الكوفة حتّى بايعه ثمانية عشر ألف رجل في ستر ورفق!».(٣)
ويقول الفتّال النيسابوري: «وجعلت الشيعة تختلف إلى مسلم بن عقيلرضياللهعنه حتى عُلِمَ بمكانه، فبلغ ذلك النعمان بن بشير وكان والياً على الكوفة ...».(٤)
____________________
(١) الإرشاد: ١٨٦.
(٢) شرح الأخبار، ٣: ١٤٣.
(٣) الأخبار الطوال: ٢٣٥.
(٤) روضة الواعظين: ١٧٣.
يقول الطبري: «ثمّ أقبل مسلم حتى دخل الكوفة، فنزل دار المختار بن أبي عبيد، وهي التي تُدعى اليوم دار مسلم بن المسيّب، وأقبلت الشيعة تختلف إليه، فلما اجتمعت إليه جماعة منهم قرأ عليهم كتاب حسين، فأخذوا يبكون ...».(١)
وفي هذا الإجتماع الأوّل برزت ظاهرة ثابتة من ظواهر المجتمع الكوفي، وهي ظاهرة وجود القلّة من المؤمنين الصادقين المتحرّرين من أسر «الشلل النفسي» ومرض «الإزدواجية» و «حبّ الدنيا وكراهية الموت»، فعلى كثرة من حضر هذا الإجتماع ممّن هو محسوب على التشيّع لم يقم إلّا ثلاثة (هم من أعاظم شهداء الطفّرضياللهعنه ، أظهروا لمسلمعليهالسلام استعدادهم التّام لامتثال أمره والتضحية في هذا السبيل!
يواصل الطبري روايته قائلًا: «... فقام عابس بن أبي شبيب الشاكري، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّ قال: أمّا بعدُ، فإنّي لا أخبرك عن الناس! ولا أعلم ما في أنفسهم! وما أغرّك منهم!، واللّه أحدّثك عمّا أنا موطّنٌ نفسي عليه، واللّه لأجيبنّكم إذا دعوتم، ولأقاتلنّ معكم عدوّكم، ولأضربن بسيفي دونكم حتّى ألقى اللّه، لا أريد بذلك إلّا ما عند اللّه!. فقام حبيب بن مظاهر الفقعسي فقال: رحمك اللّه، قد قضيت ما في نفسك بواجزٍ من قولك! ثم قال: وأنا واللّه الذي لا إله إلّا هو على مثل ما هذا عليه!. ثمّ قال الحنفي مثل ذلك!.».(٢)
____________________
(١) تأريخ الطبري، ٣: ٢٧٩.
(٢) تأريخ الطبري، ٣: ٢٧٩؛ وقد مضت ترجمة الشهيد عابس الشاكريرضياللهعنه في الجزء الثاني: ص ٣٨٢ - ٣٨٤، وترجمة مقتضبة للشهيد سعيد بن عبداللّه الحنفيرضياللهعنه في ص ٤١، وترجمة مقتضية لحبيب بن مظاهررضياللهعنه في ص ٣٣٣.
وفي هذا الإجتماع كانت هناك أيضاً ظاهرة أخرى، تواجدت في هذا الإجتماع متخفيّة على استحياء، وإن كانت هي أكبر وأوضح ظواهر المجتمع الكوفي، وهي ظاهرة وجود الكثرة الكاثرة التي تحبّ الحقّ وتكره أن تموت من أجله! ظاهرة «الوهن» و «الشلل النفسي»، التي أدّت بالنتجة إلى أن استحوذ الشيطان على جُلّ أولئك القوم، فقتلوا ابن بنت نبيّهمعليهالسلام !
يقول الحجّاج بن عليّ- الذي يروي عن محمّد بن بشر الهمداني، شاهد العيان الذي روى قصة هذا الإجتماع-: «فقلتُ لمحمّد بن بشر: هل كان منك أنت قول؟ فقال: إنّي كُنتُ لأحبُّ أنْ يُعزَّ اللّه أصحابي بالظفر، وما كنتُ أحبُّ أنْ أُقتل! وكرهتُ أنْ أكذب!».(١)
وقد تتابعت اجتماعات جماهير الشيعة في الكوفة مع مسلمعليهالسلام ، وكان يقرأ عليهم كتاب الإمامعليهالسلام إليهم، فيبكون ويقولون: «واللّه لنضربنَّ بين يديه بسيوفنا حتّى نموت جميعاً!».(٢)
وأخذ عدد الذين يبايعون مسلماًعليهالسلام من أهل الكوفة يتزايد يوما بعد يوم، فلما بلغ هذا العدد ثمانية عشر ألفاً(٣) كتب مسلمعليهالسلام إلى الإمامعليهالسلام بذلك، وبعث
____________________
(١) تأريخ الطبري، ٣: ٢٧٩.
(٢) تذكرة الخواص: ٢٢١؛ وروضة الواعظين: ١٧٤.
(٣) إنَّ أقلّ عدد للمبايعين ذكرته المصادر التأريخية هو إثنا عشر ألفاً (مناقب آل أبي طالب، ٤: ٩١ وتاريخ الطبري، ٣: ٢٧٥؛ ومروج الذهب، ٣: ٥٥ وغيرهم)، وأمّا ثمانية عشر ألفاً فعليه أكثر المؤرّخين (اللهوف: ١٦، وروضة الواعظين: ١٧٣ والأخبار الطوال: ٢٣٥ وتأريخ الطبري: =
الكتاب مع قيس بن مسهّر الصيداوي، وأصحبه عابس بن أبي شبيب الشاكري وشوذباً مولاه، وكان نصّ الرسالة:
«أمّا بعدُ، فإنّ الرائد لايكذب أهله، وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفاً، فعجّل الإقبال حين يأتيك كتابي هذا، فإنّ الناس كلّهم معك! ليس لهم في آل معاوية رأي ولاهوى، والسلام.».(١)
ومع تزياد عدد المبايعين لمسلمعليهالسلام والتفاف النّاس حوله، كان لابدّ للأمر أن يفشو بين الناس في الكوفة، ويصير موضوع مسلمعليهالسلام وقضيّة انتظار الناس لمجيء الإمامعليهالسلام حديث الساعة يومذاك في المساجد والبيوت والأسواق والطرقات، فلما تعاظم الأمر واخترق حجب الستر، علم النعمان بن بشير بن سعد الخزرجي(٢) والي الكوفة آنذاك بالتحوّلات الجديدة وأحسّ بالخطر الداهم «..
فصعد المنبر، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّ قال: أمّا بعدُ، فاتقوا اللّه عباد اللّه،
____________________
= ٣: ٢٩٠ ومثير الأحزان: ٣٢ والإرشاد: ١٨٦ وسير أعلام النبلاء، ٣: ٢٩٩ وغيرهم)، ومنهم من ذكر أنّ العدد بلغ ثلاثين ألفاً (العقد الفريد، ٥: ١٢٦ والإمامة والسياسة، ٢: ٤)، ومنهم من روى أنّ عددهم بلغ أربعين ألفاً (مثير الأحزان: ٢٦)، وكان من الممكن أن نقول إنّ جميع هذه الأرقام كانت صحيحة على أساس أنّ كُلاًّ منها كان في وقت من أوقات تحرّك أهل الكوفة مع مسلمعليهالسلام ، وأنّ العدد كان ثمانية عشر ألفاً بالفعل حين كتب مسلمعليهالسلام رسالته إلى الإمامعليهالسلام ويؤيد هذا ما رواه الذهبي أنه جأ في كتاب مسلمعليهالسلام إلى الإمامعليهالسلام «...بايعني الى الآن ثمانية عشر ألفاً...» (سير أعلام النبلأ، ٣: ٢٩٩)،لكنّ الذي يُضعف من إمكان هذا القول ما رواه الطبري عن عبداللّه بن حازم أنّ العدد كان ساعة قيام مسلم ثمانية عشر ألفاً (تأريخ الطبري، ٣: ٢٨٦).
(١) تأريخ الطبري، ٣: ٢٩٠؛ وانظر: مثير الأحزان: ٣٢.
(٢) مضت له ترجمة مقتضبة في الجزء الثاني من هذه الدراسة: ص ١١٨.
ولاتسارعوا إلى الفتنة والفرقة، فإنّ فيهما يهلك الرجال وتُسفك الدماء وتُغصبُ الأموال- وكان حليماً ناسكاً يحبّ العافية- قال: إنّي لم اقاتل من لم يقاتلني، ولا أثب على من لايثب عليَّ، ولا أُ شاتمكم، ولا أتحرّش بكم، ولا آخذ بالقرف ولا الظنّة ولا التهمة، ولكنّكم إنْ أبديتم صفحتكم لي ونكثتم بيعتكم وخالفتم إمامكم، فواللّه الذي لا إله غيره لأضربنّكم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي ولو لم يكن لي منكم ناصر، أما إنّي أرجو أن يكون من يعرف الحقَّ منكم أكثر ممّن يُرديه الباطل.».(١)
فلّما أتمّ خطبته اعترض عليه أحد حلفاء بني أميّة وعملائهم، وهو عبداللّه بن مسلم بن سعيد الحضرمي، فقال: «إنّه لايُصلح ما ترى إلّا الغشم! إنّ هذا الذي أنت عليه فيما بينك وبين عدوّك رأي المستضعفين!!
فقال: أن أكون من المستضعفين في طاعة اللّه أحبُّ إليَّ من أن أكون من الأعزّين في معصية اللّه. ثم نزل.».(٢)
ومنذ ذلك اليوم توالت التقارير المرفوعة من قبل الأمويين وعملائهم وجواسيسهم في الكوفة(٣) إلى يزيد في الشام تخبره بمستجدّات حركة الأحداث في الكوفة، وبموقف النعمان بن بشير منها، وقد أجمعت هذ التقارير المرفوعة إلى يزيد تقول: «فإنْ كان لك بالكوفة حاجة فابعث إليها رجلًا قويّاً، يُنفذ أمرك، ويعمل مثل عملك في عدوّك، فإنّ النعمان بن بشير رجل ضعيف أو هو(١)
____________________
(١) و (٢) تأريخ الطبري، ٣: ٢٧٩؛ والكامل في التاريخ، ٣: ٣٨٦؛ والأخبار الطوال: ٢٣١؛ والإرشاد:١٨٦.
(٣) مثل: عمارة بن عقبة بن معيط، وعبداللّه بن مسلم بن سعيد الحضرمي، وعمر بن سعد بن أبي وقّاص (راجع: تأريخ الطبري، ٣: ٢٧٩).
يتضعّف!».(١)
إشارة:
لم يكن النعمان بن بشير محبّاً لأهل البيتعليهالسلام ولاذاميلٍ إليهم،(٢) لقد كان له ولأبيه تأريخ أسود طويل في نصرة حركة النفاق بعد رحلة النبيصلىاللهعليهوآله ، تامّاً وكان النعمان عثمانيَّ الهوى، يجاهر ببغض عليّعليهالسلام ، ويسيء القول فيه، وقد حاربه يوم الجمل وصفّين، وكان يتبنّى سياسة معاوية في قيادة حركة النفاق تبنيّاً تامّاً، «وكان من معالم هذه السياسة أنّ معاوية كان يتحاشى المواجهة العلنية مع الإمام الحسينعليهالسلام ، وأنَّ معاوية لو اضطُرَّ إلى مواجهة علنية أي إلى قتال ضدّ الإمام الحسينعليهالسلام وظفر بالإمامعليهالسلام لعفا عنه، وليس ذلك حبّاً للإمامعليهالسلام وإنّما لأنّ معاوية- وهو من دهاة السياسة النكراء والشيطنة- يعلم أنَّ إراقة دم الإمامعليهالسلام علناً وهو بتلك القدسيّة البالغة في قلوب الأمّة كفيل بأن يفصل الأمويّة عن الإسلام، ويذهب بجهود حركة النفاق عامة والحزب الأمويّ خاصة أدراج الرياح، خصوصاً الجهود التي بذلها معاوية في مزج الأمويّة بالإسلام في عقل الأمّة وعاطفتها مزجاً لم يعد أكثر هذه الأمّة بعدها يعرف إلّا (الإسلام الأموي)، حتى صار من غير الممكن بعد ذلك الفصل بين الإسلام والأمويّة إلّا إذا أُريق ذلك الدم
____________________
(١) تأريخ الطبري، ٣: ٢٨٠.
(٢) قال ابن قتيبة الدينوري: «فبعث الحسين بن علي مسلم بن عقيل إلى الكوفة يبايعهم له، وكان على الكوفة النعمان بن بشير، فقال النعمان: لابن بنت رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أحبُّ إلينا من ابن بجدل - يعني يزيد - فبلغ ذلك يزيد، فأراد أن يعزله..» (الإمامة والسياسة، ٢: ٤)، ومع تفرّد ابن قتيبة بهذا النقل، فإنّ هذا القول يمكن أن يُحمل على الحزازة التي كانت في صدر النعمان على يزيد، لانّ هذا الأخير كان يستخفّ بالأنصار، ويحرّض الشعراء (الأخطل) على هجائهم، لا أنّ النعمان كان محبّاً للإمام الحسينعليهالسلام .
المقدّس- دم الإمامعليهالسلام - على مذبح القيام ضدّ الحكم الأموي.».(١)
من هنا كان أسلوب النعمان بن بشير في معالجته لمستجدّات الأمور في الكوفة- بعد ورود مسلمعليهالسلام - يتّسم باللين والتسامح، لأنّه كان يرى- إيماناً بنظرة معاوية- أنّ المواجهة العلنية مع الإمام الحسينعليهالسلام ليست في صالح الحكم الأموي.
فلم يكن النعمان ضعيفاً، أو «حليماً ناسكاً يحبّ العافية» كما صوّرته رواية الطبري،(٢) أو «يحبّ العافية ويغتنم السلامة» كما صوّرته رواية الدينوري،(٣) بل كان يتضعّف مكراً وحيلة، معوّلًا على الأسلوب السريّ والخدعة الخفية للقضاء على الثورة والتخلص من مسلم بن عقيلعليهالسلام ، بل التخلّص حتّى من الإمامعليهالسلام ، فهو- أي النعمان بن بشير- شيطان يحذو حذو معاوية كبيرهم الذي علّمهم الشيطنة في رسم الخطط الماكرة.
لكنّ تسارع حركة الأحداث في الكوفة يومذاك، والتحوّلات الكبيرة في ظاهر حياتها السياسية، أفزعا الأمويين وعملاءهم وجواسيسهم من تجاوب الرأي العام في الكوفة مع مسلم بن عقيلعليهالسلام ، ورأوا أنّ زمام الأمور سيكون بيد الثوّار تماماً إن لم تبادر السلطة الأموية المحليّة في الكوفة إلى اتخاذ التدابير اللازمة الكفيلة
____________________
(١) الجزء الثاني من هذه الدراسة: ص ١٢٨؛ وقد كشف النعمان عن معرفته بموقف معاوية من قتل الإمام الحسينعليهالسلام في محاورته مع يزيد، حينما استدعاه يزيد إلى القصر بعد مقتل الإمامعليهالسلام وبعد نصب الرأس المقدّس بدمشق، فلمّا جاءه سأله يزيد قائلاً: كيف راء يت ما فعل عبيداللّه بن زياد؟ قال النعمان: الحرب دول. فقال يزيد: الحمدُ للّه الذي قتله! قال النعمان: قد كان أميرالمؤمنين - يعني به معاوية - يكره قتله! (راجع: مقتل الحسينعليهالسلام للخوارزمي، ٢: ٥٩ - ٦٠).
(٢) راجع: تأريخ الطبري، ٣: ٢٧٩.
(٣) راجع: الأخبار الطوال: ٢٣١.
بإعادة الوضع الكوفي إلى سابق استقراره النسبي، ورأوا أنّ سياسة اللين والتسامح التي كان يمارسها «بتضعّفه» النعمان بن بشير سوف تؤدي إلى سقوط الكوفة فعلًا بيد مسلم بن عقيلعليهالسلام ، وكان رأيهم أنْ لا خلاص من هذا المأزق إلّا بعزل النعمان ومجيء والٍ جديد ظلوم غشوم، وبهذا بادروا إلى كتابة تقاريرهم السرّية بهذا النظر ورفعوها إلى يزيد في الشام.
فلما تتابعت الكتب (التقارير) التي بعثها من الكوفة الى يزيد أمويون وعملاء وجواسيس بني أميّة، واجتمعت عنده، استدعى يزيد مستشاره ومستشار أبيه من قبل سرجون بن منصور النصراني- وهو من أعلام رجال فصيل منافقي أهل الكتاب العاملين في ظلّ فصائل حركة النفاق الأخرى، الذي كانوا مقرّبين من الحكّام ومستشارين وندماء لهم- وسأله عن رأيه في من يكون الوالي على الكوفة بدلًا من النعمان، فأشار عليه سرجون باستعمال عبيداللّه بن زياد(١) قائلًا بأنّ هذا هو رأي معاوية أيضاً، وأخرج له كتاباً كان معاوية قد كتبه بذلك قبل موته،(٢) فأخذ يزيد بهذا الرأي وضم المصرين (الكوفة والبصرة) الى عبيداللّه بن زياد.
ودعا يزيد مسلم بن عمرو الباهلي،(٣) فبعثه الى عبيد اللّه بن زياد في البصرة بعهده الجديد إليه (اي ضمّ الكوفة الى البصرة) تحت ولايته، وكتب إليه معه: «أمّا بعدُ، فإنّه كتب إليَّ شيعتي من أهل الكوفة يخبرونني أنّ ابن عقيل بالكوفة يجمع
____________________
(١) مرّت بنا ترجمة مفصّلة وافية لعبيداللّه بن زياد لعنه اللّه في الجزء الثاني من هذه الدراسة، فراجعها في ذلك الجزء: ص ١٣٨ - ١٤٤.
(٢) راجع: تأريخ الطبري، ٣: ٢٨٠.
(٣) مرّت بنا ترجمة مختصرة لمسلم بن عمرو الباهلي في الجزء الثاني: ص ١٣٢.
الجموع لشقّ عصا المسلمين، فَسِر حين تقرأ كتابي هذا حتّى تأتي أهل الكوفة، فتطلب ابن عقيل كطلب الخرزة حتّى تثقفه، فتوثقه، أو تقتله، أو تنفيه، والسلام.».(١)
وفي رواية أخرى أنّ يزيد كتب فيما كتب الى عبيداللّه بن زياد قائلًا: «وقد ابتلي زمانك بالحسين من بين الأزمان، وابتلي بلدك دون البلدان فاطلب مسلم بن عقيل طلب الخرز، فإذا ظفرت به فخذ بيعته أو اقتله إن لم يبايع، واعلم أنه لاعذر لك عندي دون ما أمرتك ...».(٢)
وفي رواية أخرى: «.. فإنّي لا أجد سهماً أرمي به عدوّي أجرأ منك، فإذا قرأت كتابي هذا فارتحل من وقتك وساعتك، وإيّاك والإبطاء والتواني، واجتهد، ولاتُبق من نسل عليّ بن أبي طالب أحداً!! واطلب مسلم بن عقيل وابعث إليَّ برأسه.».(٣)
وما إنْ تسلّم عبيداللّه بن زياد رسالة يزيد التي حملها إليه الباهلي حتّى أمر بالجهاز من وقته والمسير والتهيؤ إلى الكوفة من الغد،(٤) فلم يبق في البصرة بعدها إلّا يوماً واحداً قتل فيه سليمان بن رزينرضياللهعنه رسول الإمام الحسينعليهالسلام إلى أشراف البصرة ورؤساء أخماسها، وألقى فيه خطاباً هدّد فيه أهل البصرة وحذّرهم من الخلاف والإرجاف وتوعّدهم على ذلك.
«ثمّ خرج عبيداللّه من البصرة، ومعه مسلم بن عمرو الباهلي، وشريك بن
____________________
(١) تاريخ الطبري، ٣: ٢٨٠.
(٢) تسلية المجالس، ٢: ١٨٠.
(٣) مقتل الإمام الحسينعليهالسلام ، للشيخ محمد رضا الطبسي (ره)، مخطوط: ١٣٧.
(٤) راجع: الإرشاد: ١٨٧.
الأعور الحارثي،(١) وحشمه وأهل بيته، وكان شريك شيعياً، وقيل: كان معه خمسمائة، فتساقطوا عنه، فكان أوّل من سقط في الناس شريك، ورجوا أنْ يقف عليهم ويسبقه الحسين إلى الكوفة، فلم يقف على أحدٍ منهم ...»(٢) .
فلما أشرف عليها نزل حتّى أمسى ليلًا، فظنّ أهلها أنّه الحسين،(٣) وكان معتمّاً بعمامة سوداء وهو متلثم، «والناس قد بلغهم إقبال الحسينعليهالسلام إليهم فهم ينتظرون قدومه، فظنّوا حين رأوا عبيداللّه أنّه الحسينعليهالسلام ، فأخذ لايمرّ على جماعة من الناس إلّا سلّموا عليه وقالوا: مرحباً بك يا ابن رسول اللّه، قدمتَ خير مقدم، فرأى من تباشرهم بالحسين ما ساءه ...».(٤)
ولما صار في داخل المدينة في جنح الظلام توهّم الناس أنّه الإمامعليهالسلام ، «فقالت امرأة: أللّه أكبر! ابن رسول اللّه وربّ الكعبة! فتصايح الناس، قالوا: إنّا معك أكثر من أربعين ألفاً. وازدحموا عليه حتّى أخذوا بذَنَبِ دابّته، وظنّهم أنّه الحسين ..».(٥)
«وسار حتّى وافى القصر بالليل، ومعه جماعة قد التفّوا به لايشكون أنه الحسينعليهالسلام ، فأغلق النعمان بن بشير الباب عليه وعلى خاصّته، فناداه بعض من
____________________
(١) شريك بن الحارث (الأعور) الهمداني: مضت ترجمته في الجزء الثاني: ص ١٥٩.
(٢) الكامل في التأريخ، ٣: ٣٨٨.
(٣) مثير الأحزان: ٣٠؛ وفيه «حتّى أمسى لئلا تظنّ أهلها أنه الحسين...»، ولكننا أخذنا بما نقله صاحب بحار الأنوار، ٤٤: ٣٤٠ عن مثير الأحزان، وهو الصحيح. وقال الشبلنجي في نور الأبصار: ١٤٠، «ولما قرب منها عبيداللّه بن زياد تنكّر ودخلها ليلاً، وأوهم أنه الحسين، ودخلها من جهة البادية في زيّ أهل الحجاز...».
(٤) تأريخ الطبري، ٣: ٢٨١؛ والإرشاد: ١٨٧.
(٥) مثير الأحزان: ٣٠.
كان معه ليفتح لهم الباب، فاطّلع عليه النعمان وهو يظنّه الحسينعليهالسلام ، فقال:
أنشدك اللّه إلّا تنحيت، واللّه ما أنا بمسلّم إليك أمانتي، ومالي في قتالك من أرب!
فجعل لايكلّمه، ثمّ إنّه دنى وتدلّى النعمان من شُرف القصر، فجعل يكلّمه، فقال: إفتح لافتحتَ! فقد طال ليلك!
وسمعها إنسان خلفه فنكص إلى القوم الذين اتبّعوه من أهل الكوفة على أنّه الحسينعليهالسلام ، فقال: يا قوم! ابن مرجانة والذي لا إله غيره!
ففتح له النعمان فدخل، وضربوا الباب في وجوه الناس وانفضّوا!».(١)
وفي رواية المسعودي: «.. حتّى انتهى الى القصر وفيه النعمان بن بشير، فتحصّن فيه، ثمّ أشرف عليه، فقال: يا ابن رسول اللّه، مالي ولك؟ وما حملك على قصد بلدي من بين البلدان؟
فقال ابن زياد: لقد طال نومك يا نعيم.(٢) وحسر اللثام عن فيه، فعرفه ففتح له، وتنادى النّاس: ابن مرجانة!
وحصبوه بالحصباء، ففاتهم ودخل القصر!».»
ممّا مرَّ- من هذه المتون التأريخية التي روت لنا كيف دخل ابن مرجانة الكوفة- تتضح لنا تماماً درجة الضعف المذهل التي كان عليها ممثلوا السلطة الأموية في الكوفة آنذاك، فالنعمان بن بشير يلبد في القصر ويخشى الخروج منه لمقابلة القادم المتنكّر في الظلام الذي ظنّ أنّه الحسينعليهالسلام ، وعبيداللّه بن زياد
____________________
(١) تأريخ الطبري، ٣: ٢٨١؛ والإرشاد: ١٨٧؛ وعنه بحار الأنوار، ٤٤: ٣٤٠.
(٢) لعلَّ هذا المثل يُضرب لمن طالت غفلته عمّا يجري حوله من حركة الأحداث.
(٣) مروج الذهب، ٣: ٦٦ - ٦٧.
وهو بين مجموعة من أهل الكوفة يخشى حتّى من إظهار صوته مخافة أن يُعرف، ويحصبه الناس بالحجارة بعد أن عرفوه فلا يقوى على شيء سوى الهروب الى داخل القصر! ومعنى هذا أنّ الكوفة يومذاك كانت تعيش بالفعل حالة (الإنقلاب) في رفضها النظام الأمويّ، وانتظارها لوصول القيادة الشرعية القادمة إليها من مكّة المكرّمة.
وما إنْ دخل ابن مرجانة القصر وهدأت أنفاسه المضطربة من شدّة الخوف والتعب، واطّلع على حقيقة مجريات حركة الأحداث في الكوفة، حتى بدأت قرارات الغشم الإرهابية، وقد مهّد لقراراته وإجراءاته الظالمة بخطاب إرهابيّ توعّد أهل الكوفة فيه بالسوط، والسيف، ورغبّهم بالإنقياد إليه بادّعائه أنّ بزيد أمره بإنصاف المظلوم واعطاء المحروم وبالإحسان إلى السامع المطيع!، قال ابن زياد:
«أمّا بعدُ، فإنّ أميرالمؤمنين أصلحه اللّه ولّاني مصركم وثغركم، وأمرني بإنصاف مظلومكم وإعطاء محرومكم، وبالإحسان إلى سامعكم ومطيعكم، وبالشدّة على مريبكم وعاصيكم، وأنا متّبع فيكم أمره، ومنفّذٌ فيكم عهده، فأنا لمحسنكم ومطيعكم كالوالد البرّ! وسوطي وسيفي على من ترك أمري وخالف عهدي، فليُبقِ امرؤ على نفسه! الصدق يُنبيء عنك لا الوعيد!».(١)
ثمّ أتبع خطابه بإجراء قمعي رهيب «فأخذ العرفاء والناس أخذاً شديداً، فقال:
اكتبوا إليَّ الغرباء، ومن فيكم من طلبة(٢) أميرالمؤمنين، ومن فيكم من الحرورية،(٣)
____________________
(١) تأريخ الطبري، ٣: ٢٨١؛ والإرشاد:١٨٨.
(٢) اي الذين يطلبهم يزيد ويبحث عنهم ليعاقبهم.
(٣) أي الخوارج.
وأهل الريب الذين رأيهم الخلاف والشقاق! فمن كتبهم لنا فبريء، ومن لم يكتب لنا أحداً فيضمن لنا ما في عرافته ألّا يخالفنا منهم مخالف، ولايبغي علينا منهم باغٍ، فمن لم يفعل برئت منه الذّمة، وحلال لنا ماله وسفك دمه، وأيّما عريف وجد في عرافته من بغية أميرالمؤمنين أحدٌ لم يرفعه إلينا صُلب على باب داره، وأُلغيت تلك العرافة من العطاء، وسُيّر إلى موضع بعُمان الزارة.(١) ».(٢)
لقد كان لهذا القرار الجائر أكبر الأثر على مجرى حركة الأحداث في الكوفة، إذ كان العرفاء الواسطة بين السلطة والناس آنذاك، فهم المسؤولون عن أمور القبائل، يوزّعون عليهم العطاء، ويقومون بتنظيم السجلّات العامة، التي فيها أسماء الرجال والنساء والأطفال، ويسجّل فيها من يولد ليفرض له العطاء، ويحذف منها الميّت ليحذف عطاؤه، وكانوا أيضاً مسؤولين عن شؤون الأمن والنظام، وكانوا أيّام الحرب يقومون بأمور تعبئة الناس لها، ويخبرون السلطة بأسماء المتخلّفين عنها، وتعاقب السلطة العرفاء أشدّ العقوبة إذا أهملوا واجباتهم أو قصّروا فيها، ولقد كان للعرفاء بعد هذا القرار دور كبير في تخذيل الناس عن الثورة، وإشاعة الخوف والرهبة بينهم، كما كان لهم بعد ذلك دور كبير في زجّ الناس لحرب الإمام الحسينعليهالسلام .
قال الشيخ المفيد (ره): «ولما سمع مسلم بن عقيل مجيء عبيداللّه إلى الكوفة ومقالته التي قالها، وما أخذ به العرفاء والناس، خرج من دار المختار حتى انتهى الى دار هانيء بن عروة فدخلها، فأخذت الشيعة تختلف إليه في دار هاني على
____________________
(١) موضع معروف على ساحل الخليج قرب عمان، شديد الحرارة، يُنفى إليه المخالفون آنذاك.
(٢) تأريخ الطبري، ٣: ٢٨١؛ والإرشاد: ١٨٨؛ وتذكرة الخواص: ٢٠٠.
تستّر واستخفاء من عبيداللّه، وتواصوا بالكتمان ..».(١)
ولعلّ سبب هذا التحوّل عن دار المختار إلى دار هانيء هو ما يمكن أن يسببه بقاء مسلم في دار المختار من خطر قد يتعرض له مسلمعليهالسلام نفسه والمختار (ره) أيضاً من قبل جلاوزة ابن زياد، خصوصاً وأنّ المختار (ره) ليس له من القوّة القبلية في الكوفة ما يجعله في منعة من اعتداء ابن زياد عليه، بعكس ما عليه هاني بن عروة المراديرضياللهعنه من العزّة والقوّة القبلية في الكوفة، فقد كان فيما يقول المؤرّخون: إذا ركب يركب معه أربعة آلاف دارع وثمانية آلاف راجل، فإذا أجابتها أحلافها من كندة وغيرها كان في ثلاثين ألف دارع،(٢) ثمّ إنّ الحيطة والحذر- بعد التغيرات الجديدة- أوجبا على مسلمعليهالسلام أن ينتقل إلى مقرّ آخر منيع وخفي بعد أن علمت السلطة الأموية المحلّية في الكوفة بمقرّه الأوّل حسب الظاهر.
قال ابن الأثير: «ومرض هاني بن عروة ..، فأتاه عبيداللّه يعوده، فقال له عمارة بن عبدالسلولي: إنّما جماعتنا وكيدنا قتل هذا الطاغية، وقد أمكنك اللّه فاقتله.
فقال هانيء: ما أحبُّ أن يُقتل في داري!
وجاء ابن زياد فجلس عنده ثمّ خرج.
فما مكث إلّا جمعة حتى مرض شريك بن الأعور، وكان قد نزل على هانيء وكان كريماً على ابن زياد وغيره من الأمراء، وكان شديد التشيّع، وقد شهد،(٣)
____________________
(١) الإرشاد: ١٨٨.
(٢) مروج الذهب، ٣: ٦٩.
(٣) كان شريك قد قدم من البصرة مع عبيداللّه بن زياد ونزل دار هاني بن عروة (مثير الأحزان: ٣١)، أو دعاه هانيء ليأتي منزله، قال الدينوري: «فانطلق هاني إليه حتّى أتى به منزله، وأنزله مع =
صفّين مع عمّار، فأرسل إليه عبيداللّه: إني رائح إليك العشيّة. فقال لمسلم: إنّ هذا الفاجر عائدي العشيّة، فإذا جلس أخرج إليه فاقتله، ثم اقعد في القصر، ليس أحدٌ يحول بينك وبينه، فإنْ برئت من وجعي سرتُ الى البصرة حتّى أكفيك أمرها.
فلما كان من العشيّ أتاه عبيداللّه، فقام مسلم ليدخل، فقال ل شريك:
لايفوتنّك إذا جلس! فقال هانيء بن عروة: لا أُحبُّ أنْ يُقتل في داري!.
فجاء عبيداللّه فجلس وسأل شريكاً عن مرضه فأطال، فلما رأى شريكٌ أنّ مسلماً لايخرج خشي أن يفوته، فأخذ يقول:
ما تنظرون بسلمى لاتُحيّوها، اسقونيها وإنْ كانت بها نفسي!(١)
فقال ذلك مرتين أو ثلاثاً، فقال عبيداللّه: ما شأنه، ترونه يخلط!؟ فقال له هانيء: نعم، ما زال هذا دأبه قبيل الصبح حتى ساعته هذه!
فانصرف، وقيل: إنّ شريكاً لما قال: اسقونيها، وخلط كلامه، فطن به مهران(٢) فغمز عبيداللّه فوثب، فقال له شريك: أيّها الأمير، إنّي أريد أن أوصي إليك! فقال:
أعود إليك.
____________________
= مسلم بن عقيل في الحجرة التي كان فيها (الأخبار الطوال: ٢٣٣)، وكان يحثُّ هانئاً على القيام بأمر مسلم (نفس المصدر).
(١) روى أبوالفرج الاصبهاني: أنّ شريكاً أنشاء يقول:
ما الإنتظار بسلمى أن تحيّوها |
حيّوا سليمى وحيّوا من يُحييها |
كأس المنيّة بالتعجيل فاسقوها
لله أبوك! إسقنيها وإنْ كانت فيها نفسي. قال ذلك مرتين أو ثلاثة» (مقاتل الطالبين: ٦٥؛ موسسة دار الكتاب للطباعة والنشر - قم).
(٢) مهران: مولى ابن زياد ومقرّب إليه ومعتمد عنده.
فقال له مهران: إنّه أراد قتلك! فقال: وكيف مع إكرامي له!؟ وفي بيت هانيء، ويدُ أبي عنده!؟(١) فقال له مهران: هو ماقلت لك.
فلما قام ابن زياد خرج مسلم بن عقيل، فقال له شريك: ما منعك من قتله!؟
قال: خصلتان، أمّا إحداهما فكراهية هانيء أن يُقتل في منزله، وأمّا الأخرى فحديث حدّثه عليٌّ عن النبيّصلىاللهعليهوآله أنّ الإيمان قيد الفتك، فلا يفتك مؤمن بمؤمن!
فقال له هانيء: لو قتلته لقتلت فاسقاً فاجراً كافراً غادراً!
ولبث شريك بعد ذلك ثلاثاً ثمّ مات،(٢) فصلّى عليه عبيداللّه!.».(٣)
تأمّل وملاحظات:
١)- هذا النصّ الذي أورده ابن الأثير يفيد أنّ خطّة اغتيال عبيداللّه كانت من وضع شريك وعلى كراهية من هانيء، لكنّ مصادر أخرى ذكرت أنّ هانئاً هو الذي كان مريضاً، وهو صاحب خطّة اغتيال عبيداللّه بن زياد، قال اليعقوبي: «وقدم عبيداللّه بن زياد الكوفة، وبها مسلم بن عقيل قد نزل على هانيء بن عروة، وهانيء شديد العلّة، وكان صديقاً لابن زياد، فلما قدم ابن زياد الكوفة أُخبر بعلّة
____________________
(١) ويدُ أبي عنده: أي أنّ لزياد فضلاً على هانيء وإحساناً عنده.
(٢) وبلغ عبيدالله بعدما قتل مسلماً وهانئاً أنّ ذلك الذي كنتَ سمعت من شريك في مرضه إنّما كان يحرّض مسلماً ويأمره بالخروج إليك ليقتلك، فقال عبيدالله: والله، لا اصلّي على جنازة رجل من أهل العراق أبداً، ووالله لولا أنّ قبر زياد فيهم لنبشتُ شريكاً» (تأريخ الطبري، ٣: ٢٨٢).
(٣) الكامل في التأريخ، ٣: ٣٩٠ وانظر: تجارب الأمم، ٤: ٤٤ وتأريخ الطبري، ٣: ٢٨٢ بتفاوت يسير، وفيه: «فقال هانيء: أما والله، لو قتلته لقتلت فاسقاً فاجراً كافراً غادراً، ولكنْ كرهتُ أنْ يُقتل في داري!» وفيه ايضاً: «إنّ الإيمان قيد الفتك ولايفتك مؤمن» وليس فيه إضافة «بمؤمن» التي أوردها ابن الأثير!.
هانيء، فأتاه ليعوده، فقال هانيء لمسلم بن عقيل وأصحابه وهم جماعة: إذا جلس ابن زياد عندي وتمكّن، فإنّي سأقول اسقوني، فاخرجوا فاقتلوه ...».(١)
ويُرجّح أنّ خطّة اغتيال عبيداللّه بن زياد كانت من وضع شريك الحارثي لأنه كان من قبلُ في الطريق من البصرة الى الكوفة قد بادر إلى التساقط هو وجماعة ممن معه ليقف عليهم ابن زياد فيتأخّر عن الوصول إلى الكوفة ويسبقه الإمامعليهالسلام إليها، كما أنّ شريكاً كان يحرّض هانئاً على مساعدة مسلمعليهالسلام والقيام بأمره، وقد روى الدينوري: أنّ شريكاً قال لمسلمعليهالسلام : «إنّما غايتك وغاية شيعتك هلاك هذا الطاغية، وقد أمكنك اللّه منه، هو صائرٌ إليَّ ليعودني، فقُم فادخل الخزانة، حتّى إذا اطمأنَّ عندي، فاخرج إليه فقاتله، ثم صِرْ إلى قصر الإمارة، فاجلس فيه فإنّه لاينازعك فيه أحدٌ من الناس، وإنْ رزقني اللّه العافية صِرتُ الى البصرة فكفيتك أمرها وبايع لك أهلها. فقال هانيء بن عروة: ما أحبّ أن يُقتل في داري ابن زياد! فقال له شريك: ولِمَ؟ فواللّه إنّ قتله لقربان إلى اللّه!».(٢)
٢)- كانت كراهية هانيء لقتل ابن زياد في بيته لاتختص بابن زياد، بل هي كراهية قتل أي رجل في بيته،(٣) وذلك تمسكاً بالأعراف والعادات العربية التي لاتبيح قتل الضيف والقاصد إليها في بيوتها لما في ذلك من سُبَّة ومعابة تبقى على الألسن مدى الأيام، وهذا لايعني أنَّ هانئاًرضياللهعنه كان لايتمنى قتل ابن زياد، فقد قال لمسلمعليهالسلام على ما في رواية الطبري: «أما واللّه، لو قتلته لقتلت فاسقاً فاجراً
____________________
(١) تأريخ اليعقوبي، ٢: ٢٤٣؛ وانظر: الإمامة والسياسة:، ٢: ٤.
(٢) الأخبار الطوال: ٢٣٤.
(٣) جاء في كتاب تجارب الأمم، ٢: ٤٤: «فقال هانيء: إنّي لأكره قتل رجلٍ في منزلي».
كافراً غادراً، ولكن كرهتُ أن يُقتل في داري!».(١)
٣)- أساءت بعض المصادر التأريخيّة إلى شخصيّة مسلم بن عقيلعليهالسلام ، إساءة منكرة إذ نسبت إليه الجبن والفشل حيث لم يقدم على قتل ابن زياد، فقد قال الدينوري في أخباره الطوال: «ثمّ قام عبيداللّه وخرج، فخرج مسلم بن عقيل من الخزانة، فقال شريك: ما الذي منعك منه إلّا الجبن والفشل!؟»،(٢) ومع اعتراف ابن قتيبة وهو دينوري آخر بأنَّ مسلماًعليهالسلام كان من أشجع الناس إلّا أنّه ادّعى أنّ كبوة قد أخذت مسلماًعليهالسلام حين لم يقدم على قتل ابن زياد، يقول هذا الدينوري:
«فخرج عبيداللّه، ولم يصنع الآخر شيئاً، وكان من أشجع الناس ولكنه أخذته كبوة ..».(٣)
وهذا غير صحيح، فلم يعرف مسلمعليهالسلام الجبن، ولم تأخذه كبوة، وقد ذكرت مصادر تأريخية أنّ كراهية هانيء لقتل ابن زياد بل لقتل أي رجل في بيته، كانت واحداً من الأسباب التي منعت مسلماًعليهالسلام من تنفيذ خطة شريك،(٤) كما ذكرت بعض مصادرنا المعتبرة أنّ أمرأة في بيت هانيء كانت قد تعلّقت بمسلمعليهالسلام وتوسّلت إليه وهي تبكي ألّا يقتل ابن زياد في دارهم، قال ابن نما (ره): «فخرج مسلم والسيف في كفّه، وقال له شريك: يا هذا، ما منعك من الأمر!؟ قال مسلم: لما هممتُ بالخروج فتعلّقت بي امرأة قالت: ناشدتك اللّه إن قتلت ابن زياد في دارنا! وبكت في وجهي! فرميت السيف وجلستُ.
____________________
(١) تأريخ الطبري، ٣: ٢٨٢.
(٢) الأخبار الطوال: ٢٣٤.
(٣) الإمامة والسياسة، ٢: ٤.
(٤) راجع: تاريخ الطبري، ٣: ٢٨٢؛ والكامل في التأريخ، ٣: ٣٩٠؛ وتجارب الأمم، ٢: ٤٤.
قال هانيء: يا ويلها قتلتني وقتلت نفسها، والذي فررتُ منه وقعتُ فيه!».(١)
وهناك سببٌ آخر وهو أنّ مسلماًعليهالسلام ذكر أنّ السبب الذي منعه من قتل ابن زياد- إضافة إلى كراهية هانيءرضياللهعنه لذلك- هو حديث سمعه عن عليّعليهالسلام عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآله : «إنّ الإيمان قيد الفتك، لايفتك مؤمن»،(٢) والفتكُ لغة هو: «أن يأتي الرجلُ صاحبه وهو غارٌّ غافلٌ حتّى يشدَّ عليه فيقتله، وإنْ لم يكنْ أعطاه أماناً قبل ذلك.».(٣)
وقد علّق هبة اللّه الشهرستاني (ره) على تعليل مسلمعليهالسلام إحجامه عن قتل ابن زياد بهذا الحديث قائلًا: «كلمة كبيرة المغزى، بعيدة المدى، فإنَّ آل عليّ من قوّة تمسكهم بالحقّ والصدق نبذوا الغدر والمكر حتّى لدى الضرورة، واختاروا النصر الآجل بقوّة الحقّ على النصر العاجل بالخديعة، شنشنة فيهم معروفة عن أسلافهم، وموروثة في أخلاقهم، كأنهم مخلوقون لإقامة حكم العدل والفضيلة في قلوب العرفاء الأصفياء، وقد حفظ التأريخ لهم الكراسي في القلوب».(٤)
____________________
(١) مثير الأحزان: ٣١ - ٣٢؛ وهذه الرواية كاشفة عن أنّ هانئاًرضياللهعنه لم يكن يكره قتل ابن زياد في داره، أو أنه آثر قتله على رغم تلك الكراهية، فتأمّل!
(٢) الأخبار الطوال: ٢٣٥؛ وتأريخ الطبري، ٣: ٢٨٢؛ وتجارب الأمم، ٢: ٤٤؛ وقد ذكر ذلك أيضاً الطبرسي (ره) في كتابه إعلام الورى: ٢٢٣، وقال ابن شهرآشوب في المناقب، ٣: ٣٦٤: «وقال أبوالصباح الكناني: قلتُ لأبي عبداللّهعليهالسلام : إنّ لنا جاراً من همدان يُقال له الجعد بن عبدالله، يسبُّ أميرالمؤمنينعليهالسلام أفتأذن لي أن أقتله؟ قال: إنّ الإسلام قيّد الفتك...».
(٣) لسان العرب، ١٠: ٤٧٢ (فتك)؛ وقال: «ومنه الحديث: أنّ رجلاً أتى الزبير فقال له: ألا أقتلُ لك عليّاً؟ قال: فكيف تقتله؟ قال: أفتك به! قال: سمعت رسول اللّهصلىاللهعليهوآله يقول: قَيَّدَ الإيمانُ الفتكَ، لايفتك مؤمن».
(٤) نهضة الحسين: ٨٤.
ومن الملفت للإنتباه أنّ هناك إضافة مريبة في نقل ابن الأثير لمتن هذا الحديث، وهي «فلايفتك مؤمن بمؤمن!» بدلًا من «فلا يفتك مؤمن»، وكأنَّ ابن الأثير أراد أنّ يطبّق الإيمان على عبيداللّه بن زياد، وأنّ مسلماًعليهالسلام إنّما امتنع عن قتله لأنّه مؤمن!!
ومن جملة مبادرات ابن زياد للسيطرة على زمام الأمور والقضاء على حركة مسلم بن عقيلعليهالسلام ، إسراعه في تقصّي رجال الشيعة في الكوفة وإلقاء القبض عليهم وقتلهم، وكان ضحيّة هذه المبادرة الإرهابية القمعية عدد كبير من رجالات الشيعة ممن كان يُعوَّلُ عليهم في مهمّات الأمور.
كان ميثم التمّاررضياللهعنه (١) قد عاد من العمرة(٢) الى الكوفة «فأخذه عبيداللّه بن
____________________
(١) هو ميثم بن يحيى - أبوعبداللّه - التمّار الأسدي الكوفي، وهو من حواريّ أميرالمؤمنين عليّ والحسن والحسينعليهماالسلام ، والروايات في مدحه وجلالته وعظم شأنه، وعلمه بالمغيّبات كثيرة لاتحتاج الى بيان، ولو كان بين العصمة والعدالة مرتبة وواسطة لأطلقناها عليه. (راجع: مستدركات علم رجال الحديث، ٨: ٤٤ وأنظر: تنقيح المقال، ٣: ٢٦٢)، وقد مرِّ بنا الحديث في حبسه ومقتله في الجزء الثاني من هذه الدراسة: ص ١٧٥ - ١٨٠ فراجع.
(٢) كان الشيخ المفيد (ره) في ذكره لميثمرضياللهعنه وكيفية قتله قد قال: «وحجَّ في السنة التي قُتل فيها، والراجح أنّ مراد الشيخ المفيد (ره) من قوله «وحجّ» أصل زيارة بيت الله الحرام، وإن كانت هذه الزيارة عمرة، إذ لدينا رواية أخرى يصرّح فيها حمزة وهو ابن ميثم في وصفه لأحداث نفس هذه الزيارة قائلاً: «خرج أبي إلى العمرة...» (بحارالأنوار، ٤٢: ١٢٩)، فهذه الزيارة كانت عمرة، ولو أخذنا قول الشيخ المفيد (ره) على ظاهره لكان مثاراً لمجموعة من الإشكالات التأريخية، منها: كيف يكون قد حجّ في تلك السنة ولم يكن قد رأى الإمام الحسينعليهالسلام في مكّة أو التقاه =
زياد، فأدخل عليه، فقيل له: هذا كان من آثر الناس عند عليّ!
قال: ويحكم، هذا الأعجمي!؟
قيل له: نعم.
قال له عبيداللّه: أين ربُّك؟
قال: بالمرصاد لكل ظالم، وأنت أحد الظلمة.
قال: إنّك على عجمتك لتبلغ الذي تريد! ما أخبرك صاحبك أنّي فاعل بك!؟
قال: أخبرني أنك تصلبني عاشر عشرة،(١) أنا أقصرهم خشبة وأقربهم إلى المطهّرة!
قال: لنخالفنّه!
قال: كيف تخالفه!؟ فواللّه ما أخبرني إلّا عن النبيّ، عن جبرئيل، عن اللّه تعالى، فكيف تخالف هؤلاء!؟ ولقد عرفت الموضع الذي اصلبُ عليه أين هو من الكوفة، وأنا أوّل خلق اللّه أُلجمُ في الإسلام!
____________________
= مراراً وهو من خاصّة شيعته وشيعة أخيه وأبيهعليهالسلام !؟ أو: كيف يكون قد عاد بعد الحجّ إلى الكوفة ولم يُدرك الإمام الحسينعليهالسلام في منزل من منازل الطريق والإمامعليهالسلام قد خرج من مكّة قبله بخمسة أيام على الاقلّ - على هذا الفرض - ثمّ كيف يكون ميثمرضياللهعنه قد سبق الإمامعليهالسلام في الوصول إلى العراق مُدَّة طويلة سُجن خلالها فترة ثم أخرج وقتل قبل وصول الإمامعليهالسلام الى العراق بعشرة أيّام على الأقل، وكان قد خرج بعد خروج الإمامعليهالسلام من مكّة بخمسة أيّام على الأقلّ كما قلنا!؟
(١) وهذا دليل على القتل الجماعي الذي تعرّض له الشيعة في تلك الأيّام، فقد صُلب مع ميثم تسعة آخرون في دُفعة واحدة! وفي هذا تتجلّى لنا الأجواء الإرهابية المرعبة التي تعرّض لها أهل الكوفة تلك الأيّام.
فحبسه، وحبس معه المختار بن أبي عبيد.(١)
قال له ميثم: إنّك تفلت، وتخرج ثائراً بدم الحسين فتقتل هذا الذي يقتلنا!
فلما دعا عبيداللّه بالمختار ليقتله طلع بريد بكتاب يزيد إلى عبيد اللّه يأمره بتخلية سبيله فخلّاه،(٢) فأمر بميثم أن يُصلب فأُخرج، فقال له رجل لقيه: ما كان أغناك عن هذا!؟
فتبّسم وقال- وهو يوميء إلى النخلة- لها خُلقتُ ولي غُذيتْ! فلما رفُع على الخشبة اجتمع الناس حوله على باب عمرو بن حُريث، قال عمرو: كان واللّه يقول: إنّي مجاورك!
فلما صُلب أمر جاريته بكنس تحت خشبته ورشّه وتجميره.
فجعل ميثم يحدّث بفضائل بني هاشم، فقيل لابن زياد: قد فضحكم هذا العبد!
فقال: إلجموه! فكان أوّل خلق اللّه أُلجم في الإسلام.
وكان قتل ميثمرحمهالله قبل قدوم الحسينعليهالسلام إلى العراق بعشرة أيّام، فلما
____________________
(١) وفي هذا مؤيّد على أنّ ميثم التمّاررضياللهعنه كان قد حُبس والإمامعليهالسلام في مكّة المكرّمة، لأنّ حبس المختار (ره) على ماهو ظاهر بعض الأخبار كان في الأيّام الأولى من ولاية ابن زياد على الكوفة، ولعلّ أحد أسباب إنتقال مسلمعليهالسلام من دار المختار (ره) إلى دار هانيء بن عروةرضياللهعنه هو اعتقال المختار (ره) وحبسه.
(٢) كان ذلك بسبب توسّط عبداللّه بن عمر زوج أخت المختار (ره) عند يزيد، وفي هذا إشعار بأنّ المختار (ره) كان قد حُبس في الأيام الأولى لولاية ابن زياد على الكوفة، إذا لاحظنا مدّة وصول خبر حبسه إلى ابن عمر في مكّة أو في المدينة، ومدّة وصول كتاب ابن عمر إلى يزيد في الشام، ثمّ مدّة وصول البريد إلى الكوفة يأمر إطلاق سراحه، فتأمّل.
كان في اليوم الثالث من صلبه طُعن بالحربة فكبّر! ثمّ انبعث في آخر النهار فمه وأنفه دماً.».(١)
وروي أنه اجتمع سبعة من التمّارين فاتعدوا بدفن ميثم، فجاؤا إليه ليلًا والحرس يحرسونه وقد أوقدوا النار، فحالت النار بينهم وبين الحرس فاحتملوه بخشبته حتى انتهوا به إلى فيض من ماء في مراد، فدفنوه فيه ورموا الخشبة في مراد في الخراب، فلما أصبحوا بعث الخيل فلم تجد شيئاً.(٢)
وروي عن ميثم قال: دعاني أميرالمؤمنينعليهالسلام ، وقال: كيف أنت يا ميثم إذا دعاك دعيّ بني أميّة [ابن دعيّها] عبيداللّه بن زياد إلى البراءة منّي؟
فقلت: يا أميرالمؤمنين، واللّه لا أبرأ منك!
قال: إذن واللّه يقتلك ويصلبك.
قلت: أصبر، فذاك في اللّه قليل.
فقال: يا ميثم، إذن تكون معي في درجتي.(٣)
وممّن قُتل من رجالات الشيعة وأعلامها في تلك الأيّام رُشيد الهَجَريرضياللهعنه (٤) ، فقد روى الكشّي بسندٍ عن أبي حيّان البجلي، عن قنوا بنت
____________________
(١) الإرشاد: ١٥٤؛ وانظر: إعلام الورى: ١٧٦؛ ومجمع البحرين: ٤٩٢؛ ونفس المهموم: ١١٩.
(٢) و (٣) اختيار معرفة الرجال (رجال الكشّي): ١: ٢٩٥، رقم ١٣٨ و١٣٩.
(٤) قال السيّد الخوئي (ره): «هو ممّن قُتل في حبّ عليّعليهالسلام ، قتله ابن زياد، ولاريب في جلالة الرجل وقربه من أميرالمؤمنينعليهالسلام ، وهو من المتسالم عليه بين الموافق والمخالف، ويكفي ذلك في إثبات عظمته..» (معجم رجال الحديث: ٧: ١٩١ رقم ٤٥٨٩)، «وكان أميرالمؤمنينعليهالسلام يسمّيه =
____________________
= رشيد البلايا، وكان قد ألقى إليه علم البلايا والمنايا، وكان حياتَه إذا لقي الرجل قال له: فلان، أنت تموت بميتة كذا، وتُقتل أنت يا فلان بقتلة كذا وكذا، فيكون كما قال رشيد. وكان أميرالمؤمنينعليهالسلام يقول: أنت رشيد البلايا! أي تقتل بهذه القتلة، فكان كما قال أميرالمؤمنينعليهالسلام .» (اختيار معرفة الرجال، ١: ٢٩١، رقم ١٣١). وفي (أمالي الطوسي: ١٦٥ - ١٦٦، رقم ٢٧٦/٢٨): «وكان أميرالمؤمنينعليهالسلام يسمّيه: رشيد المبتلى.».
وكانرضياللهعنه شديد الإجتهاد في العبادة والطاعة، حتى روي عن ابنته قنوا أنها قالت: «قلتُ لأبي: ما أشدّ اجتهادك! فقال: يا بُنيّة، سيجيء قوم بعدنا بصائرهم في دينهم أفضل من اجتهاد أولّيهم!» (البحار: ٤٢: ١٢٣، باب ١٢٢، رقم ٦).
ملاحظة مهمّة: قد يخطر في ذهن القاريء الكريم هذا السؤال وهو: إذا كان رشيد الهجري قد قُتل على يد عبيداللّه بن زياد لعنه الله، فهل قتله قبل مقتل الإمام الحسينعليهالسلام أم بعده؟
وفي معرض الإجابة عن هذا السؤال نقول: إننا لم نعثر على إشارة تأريخية - حسب متابعتنا - تحدّد بالضبط اليوم الذي قُتل فيه أو أنّه قُتل قبل مقتل الإمامعليهالسلام أم بعده، ولكنّ الأرجح - استنتاجاً - هو أنّه قُتل في الأيام الأولى من ولاية ابن زياد على الكوفة، لانّه ابتداء أيّامه الأولى فيها بقتل وجوه الشيعة وحواريّ عليّ والحسن والحسين صلوات اللّه عليهم، بل لعلّه قُتل في اليوم الأوّل من ولاية ابن زياد على الكوفة، ذلك لأنّ بعض المؤرّخين يقول: «لما أصبح ابن زياد بعد قدومه إلى الكوفة صال وجال، وأرعد وأبرق، وأمسك جماعة من أهل الكوفة فقتلهم في الساعة، وقد عمد إلى ذلك لإماتة الأعصاب وصرف الناس عن الثورة.» (حياة الإمام الحسين بن عليعليهماالسلام ، ٢: ٣٦٠، عن الفصول المهمّة: ١٩٧ ووسيلة المآل: ١٨٦)، هذا أولاً، وثانياً: لو أنّ رشيد الهجريرضياللهعنه كان حيّاً إلى وقت قيام مسلمعليهالسلام أو إلى وقت خروج الإمامعليهالسلام من مكّة الى العراق أو إلى ما بعد مقتل الإمامعليهالسلام ، فإنَّ المتوقَّع بدرجة كبيرة أن يكون لهذا الشيعي الحواريّ تحرّك محسوس، يناسب كلَّ فترة من تلك الفترات، ودور مهم ملموس لايمكن أن يغفل عنه التأريخ ولو بإشارة موجزة!
وهنا ربّما انقدح في ذهن القاريء الكريم سؤال آخر: وهو إذا كان رشيدرضياللهعنه قد قُتل في الأيام =
____________________
= الأولى من ولاية ابن زياد على الكوفة، فذلك من مختصات الجزء الثاني من هذه الدراسة، فلماذا لم يأتِ ذكره في ذلك الجزء كما ذُكر ميثم التمّاررضياللهعنه مثلاً؟
وفي الإجابة نقول: كان رأي مؤلّف الجزء الثاني أنّ رشيد الهجريرضياللهعنه قد قُتل على يد زياد لاعلى يد عبيد اللّه بن زياد، وكان قد اعتمد في تبنّي هذا الرأي على الأدلّة التالية:
أولاً: في كتاب الإرشاد للشيخ المفيد: عن ابن عبّاس، عن مجاهد، عن الشعبي، عن زياد بن النضر الحارثي قال: «كنت عند زياد إذ اُتي برشيد الهجري فقال له زياد: ما قال لك صاحبك - يعني علياًعليهالسلام - إنّا فاعلون بك!؟ قال: تقطعون يدي ورجلي وتصلبونني. فقال زياد: أمَ والله لأكذبنّ حديثه، خلّو سبيله. فلما أراد أن يخرج قال زياد: والله ما نجد له شيئاً شرّاً ممّا قال له صاحبه، إقطعوا يديه ورجليه واصلبوه. فقال رشيد: هيهات، قد بقي لي عندكم شيء أخبرني به أميرالمؤمنينعليهالسلام ! فقال زياد: إقطعوا لسانه. فقال رشيد: الآن والله جاء تصديق خبر أميرالمؤمنينعليهالسلام .».
وقال المفيد (ره): «وهذا الخبر أيضاً قد نقله المؤالف والمخالف عن ثقاتهم عمّن سمّيناه، واشتهر أمره عند علماء الجميع، وهو من جملة ما تقدّم ذكره من المعجزات والأخبار عن الغيوب.». (الإرشاد: ١٥٤).
ونقله الطبرسي في (إعلام الورى: ٣٤٣)، وابن أبي الحديد في (شرح نهج البلاغة، ٢: ٢٩٤)، وقال السمعاني في (الأنساب، ٥: ٦٢٧): «كان يؤمن بالرجعة. قال الشعبي: دخلتُ عليه يوماً فقال: خرجتُ حاجّاً فقلتُ لأعهدن بأمير المؤمنين عهداً، فأتيتُ بيت عليّ فقلت لإنسان: إستأذن لي على عليّعليهالسلام ! قال: أو ليسَ قد مات عليّرضياللهعنه !؟ قلت: قد مات فيكم، والله إنه ليتنفّس الآن تنفّس الحيّ! فقال: أما إذا قد عرفت سرَّ آل محمّد فادخل! قال: فدخلتُ على أميرالمؤمنين وأنّبأني بأشياء تكون! فقال له الشعبي: إنْ كُنت كاذباً فلعنك اللّه! وبلغ الخبر زياداً فبعث الى رشيد فقطع لسانه وصلبه على باب دار عمرو بن حريث.»، وقد نقل العسقلاني هذه القصة بطولها وتفاصيلها في (لسان الميزان، ٣: ٢) وأشار إليها الذهبي في (ميزان الإعتدال، ٢: ٥٢). =
____________________
= ثانياً: الروايات التي تقول إنّ عبيداللّه بن زياد هو القاتل ثلاثة:
أ - رواية ابي حيّان البجلي عن قنوا بنت رشيد (الرواية الأولى في المتن).
ب - رواية فضيل بن الزبير (وهي الرواية الثانية في المتن).
ج - رواية كتاب (الإختصاص: ٧٧) عن أبي حسّان العجلي عن قنوا بنت رشيد الهجريرضياللهعنه وهي شبيهة بالرواية الأولى.
وهذه الروايات كلّها ضعيفة، أمّا الأولى والثانية فباعتراف السيّد الخوئي بأنهما ضعيفتان (راجع: معجم رجال الحديث، ٧: ١٩٣)، وأمّا الثالثة فهي من روايات كتاب الإختصاص التي شكّك السيّد الخوئي (ره) في انتسابه إلى الشيخ المفيد (ره) (راجع: معجم رجال الحديث، ٧: ١٩١)، هذا فضلاً عن أنّ الرواية الأولى في سندها محمد بن عبداللّه بن مهران وهو غالٍ كذّاب فاسد المذهب والحديث، ضعيف (معجم رجال الحديث، ١٦: ٢٤٧)، والرواية الثانية أيضاً فيها هذا الرجل، إضافة الى فضيل بن الزبير وهو من أصحاب الباقر والصادقعليهماالسلام فكيف يمكنه الرواية عن عليّعليهالسلام ، فالرواية إذن مرسلة (راجع: معجم رجال الحديث، ١٦: ٣٢٦).
والرواية الثالثة - رواية الإختصاص - مروية عن أبي حسّان العجلي وهو رجل مجهول (راجع: تنقيح المقال، ٣: ١٠، الكنى).
ثالثاً: إنّ الدعيّ لقب أُطلق على زياد بن أبيه الذي ادّعى معاوية بن أبي سفيان أنه أخوه لأبيه من الزنا بأمّه، وأمّا عبيداللّه بن زياد فهو ابن دعيّهم وليس الدعيّ نفسه.
ويمكن أنّ يُردّ على ما ذهب إليه مؤلّف الجزء الثاني بما يلي:
١) - أنّ رواية الإرشاد - التي تقول إنّ زياداً هو القاتل - ضعيفة لاأقلّ بالشعبي وهو عامر بن شراحيل «قال الشيخ المفيد (ره): وبلغ من نصب الشعبي وكذبه أنه كان يحلف باللّه أنّ عليّاً دخل اللحد وما حفظ القرآن. وبلغ من كذبه أنه قال: لم يشهد الجمل من الصحابة إلاّ أربعة فإن جاؤا بخامس فأنا كذّاب... كان الشعبي سكّيراً خمّيراً مقامراً، روي عن أبي حنيفة أنّه خرق ما سمع منه لما رأى خمره وقمره؛ راجع: الفصول المختارة: ١٧١ وقاموس الرجال، ٥: ٦١٢» (الجزء الثاني من هذه الدراسة: ٢٣٩). =
رشيد الهجريرضياللهعنه : قال أبوحيّان: «قلتُ لها: أخبريني ما سمعت من أبيك.
____________________
= ومن هنا يسري الحكم على ما ورد في إعلام الورى والأنساب وشرح النهج وميزان الإعتدال ولسان الميزان بشأن هذه الرواية لأنّ الجميع عن الشعبي!
٢) - إنّ رواية كتاب الإختصاص لها طريق آخر - غير كتاب الإختصاص - وهو كتاب (أمالي الطوسي: ١٦٥، رقم ٢٧٦/٢٨، ففيه يروي الطوسي (ره) مباشرة عن أستاذه المفيد (ره)، بسند آخر عن أبي حسّان العجلي، وبهذا ينتفي اثر عدم قبول هذه الرواية بسبب التشكيك في كون كتاب الإختصاص من تأليف الشيخ المفيد (ره)!
٣) - صحيح أنّ لقب الدعيّ أطلق على زياد بسبب ادّعاء معاوية بأنه أخوه لأبيه من الزنا، ولكنّ هذا لايمنع من إطلاق هذا اللقب على ابنه عبيداللّه أيضاً، ألم تسمع قول الإمام الحسينعليهالسلام : «الا وإنّ الدعيّ بن الدعيّ قد ركز بين اثنتين، بين السلّة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة» (مقتل الحسينعليهالسلام ، للمقرّم: ٢٣٤) وقول عبداللّه بن يقطررضياللهعنه : «ايها الناس، أنا رسول الحسين بن فاطمة بنت رسول اللّهصلىاللهعليهوآله إليكم لتنصروه وتؤازروه على ابن مرجانة وابن سميّة الدعيّ بن الدعيّ» (إبصار العين: ٩٣).
٤) - الرسالة الإحتجاجية الكبيرة التي بعث بها الإمام الحسينعليهالسلام إلى معاوية، والتي احتجّ فيها عليه - في جملة ما احتجّعليهالسلام به - بقتله مجموعة من أعلام شيعة عليعليهالسلام ، كحجر بن عدي، وعمرو بن الحمق الخزاعي، والحضرميين، هذه الرسالة كتبها الإمامعليهالسلام بعد أن أخذ معاوية الناس بالبيعة لابنه يزيد بولاية العهد «وأخذك الناس ببيعة إبنك، غلام حدث يشرب الخمر، ويلعب بالكلاب...» (اختيار معرفة الرجال، ١: ٢٥٢، رقم ٩٩)، فهذه الرسالة إذن كان الإمامعليهالسلام قد بعثها إلى معاوية بعد موت زياد بن أبيه، لأنّ معاوية إنّما أخذ الناس بهذه البيعة ليزيد بعد موت زياد لمعارضته الشديدة لذلك.
فلوكان زياد هو قاتل رشيد الهجريرضياللهعنه لكان الإمامعليهالسلام - على احتمالٍ قويّ - قد احتجّ على معاوية أيضاً بقتل رشيدرضياللهعنه لمنزلته الخاصة عند عليّعليهالسلام والتي قد لاتقلّ عن منزلة حجر بن عديرضياللهعنه وعمرو بن الحمق الخزاعيرضياللهعنه والحضرميينرضياللهعنه ، وفي هذا مؤيّد قويّ على أنّ زياداً ليس هو قاتل رشيدرضياللهعنه بل إبنه عبيدالله!
قالت: سمعتُ أبي يقول: أخبرني أميرالمؤمنين صلوات اللّه عليه، فقال: يا رشيد، كيف صبرك إذا أرسل إليك دعيُّ بني أميّة فقطع يديك ورجليك ولسانك؟
قلت: يا أميرالمؤمنين، آخر ذلك إلى الجنّة؟
فقال: يا رشيد، أنت معي في الدنيا والآخرة!
قالت: فواللّه ما ذهبت الأيّام حتّى أرسل إليه عبيداللّه بن زياد الدعيّ، فدعاه إلى البراءة من أميرالمؤمنينعليهالسلام ، فأبى أن يبرأ منه!
فقال له الدعيّ: فبأيّ ميتة قال لك تموت!؟
فقال له: أخبرني خليلي أنّك تدعوني إلى البراءة منه فلا أبرأ منه، فتقدّمني فتقطع يديّ ورجليَّ ولساني!
فقال: واللّه لأكذبنّ قوله فيك.
قالت: فقدّموه فقطعوا يديه ورجليه وتركوا لسانه، فحملتُ أطراف يديه ورجليه، فقلت: يا أبتِ، هل تجد ألماً لما أصابك!؟(١)
فقال: لا يا بُنيّة إلّا كالزحام بين الناس!
فلما احتملناه وأخرجناه من القصر اجتمع الناس حوله.
فقال: إئتوني بصحيفة ودواة أكتبْ لكم ما يكون إلى قيام الساعة! فأُرسل إليه
____________________
(١) لو كان هذا السؤال موجّهٌ إلى إنسان وخزته شوكة أو جرحت يده سكين جرحاً بسيطاً لكان سؤالاً في محلّه، أمّا أنْ يوجّه هذا السؤال إلى رجل قطعت يداه ورجلاه فهذا كاشف عن أنَّ السائل يعلم أنَّ هذا الرجل على مستوىً عال جداً من الناحية المعنوية والرياضة الروحية إلى درجة أنّه يتسامى على الآلام العظيمة فهي عنده طفيفة جداً أو لايشعر بها، ولقد صدّق رشيدرضياللهعنه ظنّ ابنته إذ أجابها: لايا بنيّة إلاّ كالزحام بين الناس!
الحجّام حتى يقطع لسانه، فمات رحمة اللّه عليه في ليلته.».(١)
وروى الكشّي أيضاً بسند عن فضيل بن الزبير قال: «خرج أميرالمؤمنينعليهالسلام يوماً إلى بستان البرني، ومعه أصحابه، فجلس تحت نخلة، ثمّ أمر بنخلة فلُقطت فأُنزل منها رطب فوضع بين ايديهم، قالوا: فقال رشيد الهجري: يا أميرالمؤمنين، ما أطيب هذا الرطب!
فقال: يا رشيد، أما إنّك تُصلب على جذعها!
فقال رشيد فكنتُ أختلف إليها طرفي النهار أسقيها!
ومضى أميرالمؤمنينعليهالسلام ، قال فجئتها يوماً وقد قُطع سعفها، قلتُ اقترب أجلي، ثمّ جئت يوماً فجاء العريف فقال: أجب الأمير.
فأتيته، فلما دخلت القصر فإذا الخشب مُلقى، ثمّ جئت يوماً آخر فإذا النصف الإخر قد جُعل زرنوقاً(٢) يُستقى عليه الماء، فقلت ما كذبني خليلي! فأتاني العريف فقال: أجب الأمير. فأتيته، فلما دخلت القصر إذا الخشب مُلقى، فإذا فيه الزرنوق! فجئت حتى ضربت الزرنوق برجلي ثمّ قلتُ: لك غُذيتُ ولي أنبتَّ! ثمّ أُدخلت
____________________
(١) اختيار معرفة الرجال، ١: ٢٩٠ - ٢٩١، رقم ١٣١، وروى الشيخ الطوسي (ره) هذه الرواية بتفاوت، عن الشيخ المفيد (ره) بسند إلى أبي حسّان العجلي، عن بنت رشيد الهجريرضياللهعنه ، وفيها: «ثمّ دخل عليه جيرانه ومعارفه يتوجّعون له، فقال: إيتوني بصحيفة ودواة أذكر لكم ما يكون ممّا علّمنيه مولاي أميرالمؤمنينعليهالسلام ، فأتوه بصحيفة ودواة، فجعل يذكر ويُملي عليهم أخبار الملاحم والكائنات، ويسندها إلى أميرالمؤمنينعليهالسلام ، فبلغ ذلك ابن زياد فأرسل إليه الحجّام حتى قطع لسانه، فمات من ليلته تلك رحمه الله.» (أمالي الطوسي: ١٦٥،رقم ٢٧٦/٢٨).
(٢) الزرنوق: تثنيته الزرنوقان، وهما منارتان تبنيان على جانبي رأس البئر.
على عبيداللّه بن زياد.
فقال: هات من كذب صاحبك!
فقلت: واللّه ما أنا بكذّاب ولاهو، ولقد أخبرني أنك تقطع يدي ورجلي ولساني.
قال: إذاً واللّه نكذّبه، إقطعوا يده ورجله، وأخرجوه!
فلما حُمل إلى أهله أقبل يحدّث الناس بالعظائم، وهو يقول: أيها الناس، سلوني فإنّ للقوم عندي طلبة لم يقضوها. فدخل رجل على ابن زياد فقال له: ما صنعتَ؟ قطعتَ يده ورجله وهو يحدّث الناس بالعظايم!
قال: ردّوه. وقد انتهى إلى بابه، فردّوه فأمر بقطع يديه ورجليه ولسانه، وأمر بصلبه.».(١)
قال المامقاني (ره): «إنّ ابن زياد لما أطّلع على مكاتبة أهل الكوفة الحسينعليهالسلام حبس أربعة آلاف وخمسمائة رجل من التّوابين من أصحاب أميرالمؤمنين وأبطاله الذين جاهدوا معه، منهم سليمان بن صُرد وإبراهيم بن مالك الأشتر و فيهم أبطال وشجعان.».(٢)
ونقل القرشي أنّ عدد الذين اعتقلهم ابن زياد في الكوفة إثنا عشر ألفاً،(٣) وأنّ من بين أولئك المعتقلين سليمان بن صُرد الخزاعي، والمختار بن أبي عبيد الثقفي
____________________
(١) اختيار معرفة الرجال، ١: ٢٩١ - ٢٩٢، رقم ١٣٢.
(٢) تنقيح المقال، ٢: ٦٣؛ وانظر: قاموس الرجال، ٥: ٢٨٠.
(٣) راجع: حياة الإمام الحسين بن عليعليهماالسلام ، ٢: ٤١٦، نقلاً عن «المختار مرآة العصر الأموي».
واربعمائة من الوجوه والأعيان.(١)
و «حبس جماعة من الوجوه استيحاشاً منهم، وفيهم الأصبغ بن نباتة، والحارث الأعور الهمداني».(٢)
وذكر الطبري أنّ ابن زياد: «أمر أن يُطلب المختار وعبداللّه بن الحارث وجعل فيهما جعلًا، فأُتي بهما فحُبسا».(٣)
إنّ المشهور عند أهل السير(٥) هو أنّ الإمام الحسينعليهالسلام سرّح عبداللّه بن يقطررضياللهعنه إلى مسلم بن عقيلعليهالسلام بعد خروجه من مكّة في جواب كتاب مسلم إلى الإمامعليهماالسلام الذي أخبره فيه باجتماع الناس وسأله فيه القدوم إلى الكوفة، فقبض عليه الحصين بن نمير(٦) (أو بن تميم)(٧) بالقادسية، لكنّ هناك روايتين
____________________
(١) نفس المصدر السابق نقلاً عن الدرّ المسلوك في أحوال الأنبياء والأوصياء.
(٢) مقتل الحسينعليهالسلام ، للمقرّم: ١٥٧.
(٣) تأريخ الطبري، ٣: ٢٩٤، وقال البلاذري، في أنساب الأشراف، ٥: ٢١٥: «أمر زياد بحبسهما - المختار والحارث - بعد أن شتم المختار واستعرض وجهه بالقضيب فشتر عينه، وبقيا في السجن إلى أن قُتل الحسين.».
ويبدو أنّ المختار (ره) - من مجموع روايات حبسه - قد حُبس مرتين، الأولى مع ميثم التمّار ثمّ أُخرج بشفاعة ابن عمر له عند يزيد، ثمّ حُبس المرّة الثانية إلى أن قُتل الإمامعليهالسلام ، والله العالم.
(٤) عبداللّه بن يقطر الحميريرضياللهعنه : مضت ترجمته في الجزء الثاني من هذه الدراسة ص ١٦٧ - ١٧٢.
(٥) راجع: إبصار العين: ٩٣.
(٦) راجع: الإرشاد: ٢٠٣.
(٧) راجع: إبصار العين: ٩٣.
تفيدان أنهرضياللهعنه كان رسولاً من مسلمعليهالسلام إلى الإمامعليهالسلام ، وقبض عليه مالك بن يربوع التميمي أحد مأموري الحصين بن نمير خارج الكوفة.
وتفصيل القصة - على أساس رواية كتاب تسلية المجالس- هكذا: أنه بينما كان عبيداللّه بن زياد يتكلّم مع أصحابه في شأن عيادة هانيء:(١) «إذ دخل عليه رجل من أصحابه يُقال له مالك بن يربوع التميمي، فقال: أصلح اللّه الأمير، إني كنت خارج الكوفة أجول على فرسي، إذ نظرتُ إلى رجل خرج من الكوفة مسرعاً إلى البادية، فأنكرته، ثمّ إني لحقته، وسألته عن حاله فذكر أنه من أهل المدينة! ثمّ نزلت عن فرسي ففتّشته فأصبت معه هذا الكتاب. فأخذه ابن زياد ففضّه فإذا فيه:
بسم اللّه الرحمن الرحيم: إلى الحسين بن علي: أمّا بعدُ: فإني أخبرك أنه بايعك من أهل الكوفة نيفاً على عشرين ألف رجل، فإذا أتاك كتابي فالعجل العجل، فإنّ الناس كلّهم معك، وليس لهم في يزيد هوى ...
فقال ابن زياد: أين هذا الرجل الذي أصبت معه الكتاب؟
قال: هو بالباب.
فقال: إئتوني به.
فلما وقف بين يديه، قال: ما اسمك؟
قال: عبداللّه بن يقطين.(٢)
____________________
(١) وفي رواية مناقب آل أبي طالب، ٤: ٩٤، أنّ ابن زياد بعد أن زار شريكاً في مرضه في بيت هانيء، وجرى ماجرى من خطة اغتياله، فخرج، فلمّا دخل القصر أتاه مالك بن يربوع التميمي بكتاب أخذه من يد عبداللّه بن يقطررضياللهعنه ... وفي الرسالة: «.. أمّا بعد، فإني أخبرك أنه قد بايعك من أهل الكوفة كذا، فإذا أتاك كتابي...».
(٢) لاريب أنّ إسم يقطين هنا تصحيف لإسم يقطر (والتصحيف في مثل هذه الحالات كثير =
قال: من دفع إليك هذا الكتاب؟
قال: دفعته إليَّ أمرأة لا أعرفها!
فضحك ابن زياد وقال: إختر أحد إثنين، إمّا أن تخبرني من دفع إليك الكتاب أو القتل!
فقال: أمّا الكتاب فإنّي لا أُخبرك، وأمّا القتل فإني لا أكرهه لأنّي لا أعلم قتيلًا عند اللّه أعظم أجراً ممّن يقتله مثلك!
قال: فأمر به فضربت عنقه(١) .».(٢)
وقال المحقّق الشيخ محمّد السماوي (ره): «وقال ابن قتيبة وابن مسكويه: إنّ الذي أرسله الحسين قيس بن مسهّر وإنَّ عبداللّه بن يقطر بعثه الحسينعليهالسلام مع مسلم، فلما أن رأى مسلم الخذلان قبل أن يتمّ عليه ماتمّ بعث عبداللّه إلى الحسين
____________________
= خصوصاً في المخطوطات)، ذلك لأنّ إسم يقطين لم يرد إلاّ في كتاب تسلية المجالس، كما أن إسم الأب في رواية ابن شهرآشوب في المناقب، ٤: ٩٤ المشابهة لهذه الرواية هو يقطر وليس يقطين، هذا فضلاً عن أنّ رواية كتاب تسلية المجالس نفسها تذكر أنّ عبداللّه هذا رجل من اهل المدينة، والتأريخ لم يذكر لنا رجلاً من شهداء النهضة الحسينية من اهل المدينة بهذا الإسم (من غير بني هاشم) سوى عبداللّه بن يقطررضياللهعنه .
(١) وفي رواية الإرشاد:٢٠٣؛ وتأريخ الطبري، ٣: ٣٠٣، أنّ ابن يقطررضياللهعنه كان رسولاً من الإمامعليهالسلام الى مسلم بن عقيلعليهالسلام ، وأنّ ابن زياد قال له: «إصعد القصر والعن الكذّاب بن الكذّاب! ثمّ انزل حتى أرى فيك رأيي. فصعد القصر، فلما اشرف على الناس قال: أيّها الناس، أنا رسول الحسين بن فاطمة بنت رسول اللّهصلىاللهعليهوآله إليكم لتنصروه وتؤازروه على ابن مرجانة وابن سميّة الدعيّ ابن الدعيّ، فأمر به عبيداللّه فألقي من فوق القصر إلى الأرض، فتكسّرت عظامه وبقي به رمق، فأتاه عبدالملك بن عمير اللخمي (قاضي الكوفة وفقيهها!!) فذبحه بمدية، فلمّا عيب عليه قال: إني أردت أن أُريحه!» (انظر: إبصار العين: ٩٣).
(٢) تسلية المجالس، ٢: ١٨٢.
يخبره بالأمر الذي انتهى، فقبض عليه الحصين وصار ما صار عليه من الأمر الذي ذكرناه.».(١)
وهذا يؤيّد انّ عبداللّه بن يقطررضياللهعنه كان رسولًا من مسلمعليهالسلام إلى الإمامعليهالسلام ، ولكنّة يخالف ما في رواية المناقب ورواية تسلية المجالس في أنهرضياللهعنه كان قد حمل إلى الإمامعليهالسلام خبر الخذلان لاخبر البشرى بالعدد الكبير من المبايعين!
والظاهر أنّ عبداللّه بن يقطررضياللهعنه - على المشهور- قُتل بنفس الطريقة التي قُتل بها قيس بن مسهّر الصيداويرضياللهعنه ، حيث أُلقي كلُّ منهما من فوق القصر، لكنّ الأوّل قُتل قبل الثاني رضوان اللّه تعالى عليهما، بدليل أنّ خبر مقتل ابن يقطررضياللهعنه ورد إلى الإمامعليهالسلام بزبالة في الطريق إلى العراق في نفس خبر مقتل مسلمعليهالسلام وهانيءرضياللهعنه ، فنعاهم الإمامعليهالسلام قائلًا: «أمّا بعدُ، فقد أتانا خبرٌ فظيع، قُتل مسلم بن عقيل وهانيء بن عروة وعبداللّه بن يقطر، وقد خذلنا شيعتنا ...»،(٢)
وبذلك يكون عبداللّه بن يقطررضياللهعنه ثاني رسل النهضة الحسينية الذين استشهدوا أثناء أداء مهمّة الرسالة، بعد شهيد النهضة الحسينية الأول سليمان بن رزينرضياللهعنه رسول الإمامعليهالسلام إلى البصرة.
كان الهمُّ الأكبر لعبيداللّه بن زياد منذ بدء وصوله الكوفة هو معرفة مكان مسلم بن عقيلعليهالسلام ، فهو طلبته الكبرى ومبتغاه الأساس تنفيذاً لرسالة يزيد التي طلب منه فيها أن يطلب مسلماًعليهالسلام طلب الخرزة.
____________________
(١) إبصار العين: ٩٤.
(٢) المصدر السابق.
وكان مسلمعليهالسلام نتيجة الإجراءات الإرهابية المتسارعة التي اتخذها ابن زياد وما أخذ به العرفاء والناس قد خرج من دار المختار حتى انتهى الى دار هانيءرضياللهعنه فاتخذها مقرّاً له، وأخذت الشيعة تختلف إليه فيها على تستر واستخفاء وتواصٍ بالكتمان.
قال الدينوري: «وخفي على عبيداللّه بن زياد موضع مسلم بن عقيل، فقال لمولى له من أهل الشام يسمّى معقلًا- وناوله ثلاثة آلاف درهم في كيس(١) - وقال:
خذ هذا المال وانطلق فالتمس مسلم بن عقيل، وتأتَّ له بغاية التأتّي!
فانطلق الرجل حتى دخل المسجد الأعظم، وجعل لايدري كيف يتأتّى الأمر، ثمّ إنّه نظر إلى رجل يكثر الصلاة إلى سارية من سواري المسجد، فقال في نفسه:
إنّ هؤلاء الشيعة يكثرون الصلاة! وأحسب هذا منهم! فجلس الرجل حتى إذا انفتل من صلاته قام، فدنا منه، وجلس فقال: جُعلت فداك، إني رجل من أهل الشام، مولى لذي الكلاع، وقد أنعم اللّه عليّ بحبّ أهل بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم، وحبّ من أحبّهم، ومعي هذه الثلاثة آلاف درهم، أحبّ إيصالها إلى رجل منهم، بلغني أنه قدم هذا المصر داعية للحسين بن عليّعليهالسلام ، فهل تدلّني عليه لأوصل هذا المال إليه، ليستعين به على بعض أموره ويضعه حيث أحبَّ من شيعته؟
قال له الرجل: وكيف قصدتني بالسؤال عن ذلك دون غيري ممّن هو في المسجد!؟
قال: لأنّي رأيت عليك سيما الخير، فرجوت أن تكون ممّن يتولّى أهل بيت رسول اللّهصلىاللهعليهوآله .
____________________
(١) وفي مثير الأحزان: ٣٢: «فأعطاه أربعة آلاف درهم».
قال له الرجل: ويحك، قد وقعتَ عليّ بعينك، أنا رجل من إخوانك وإسمي مسلم بن عوسجة، وقد سُررتُ بك، وساءني ما كان من حسّي قِبلك، فإنّي رجل من شيعة أهل هذا البيت، خوفاً من هذا الطاغية ابن زياد، فأعطني ذمّة اللّه وعهده أن تكتم هذا عن جميع الناس.
فأعطاه من ذلك ما أراد!
فقال له مسلم بن عوسجة: إنصرف يومك هذا، فإنْ كان غدٌ فائتني في منزلي حتى انطلق معك إلى صاحبنا- يعني مسلم بن عقيل- فأوصلك إليه.
فمضى الشاميُّ، فبات ليلته، فلما أصبح غدا إلى مسلم بن عوسجة في منزله، فانطلق به حتّى أدخله إلى مسلم بن عقيل، فأخبره بأمره، ودفع إليه الشاميّ ذلك المال، وبايعه!
فكان الشاميّ يغدو إلى مسلم بن عقيل، فلا يحجبُ عنه، فيكون نهاره كلّه عنده، فيتعرّف جميع أخبارهم، فإذا أمسى وأظلم عليه الليل دخل على عبيداللّه ابن زياد فأخبره بجميع قصصهم، وما قالوا وفعلوا في ذلك، وأعلمه نزول مسلم في دار هانيء بن عروة.».(١)
إشارة:
قد يأسف المتتبّع باديء ذي بدء للسهولة التي تمّت بها عملية اختراق حركة مسلم بن عقيلعليهالسلام من داخلها على يد الجاسوس معقل مولى عبيداللّه بن زياد،
____________________
(١) الأخبار الطوال: ٢٣٥ - ٢٣٦؛ وانظر: الإرشاد: ١٨٩؛ وتاريخ الطبري، ٣: ٢٨٢ والكامل في التاريخ، ٣: ٣٩٠؛ ومقاتل الطالبين: ٦٤؛ وروضة الواعظين: ١٧٤ وتجارب الأمم، ٢: ٤٣؛ وتذكرة الخواص: ٢١٨.
من طريق مسلم بن عوسجة الأسديّرضياللهعنه ، وهو علم من أعلام الشيعة في الكوفة، وأحد شهداء الطفّ، وهو الشريف السَرِيُّ في قومه،(١) والفارس الشجاع الذي له ذكر في المغازي والفتوح الإسلامية، وقد شهد له الأعداء بشجاعته وخبرته وبصيرته وإقدامه.(٢)
وفي ظنّ المتتبع أنّ على مسلم بن عوسجةرضياللهعنه أن يحذر أكثر ويحتاط حتّى يطمئنّ تماماً إلى حقيقة هويّة معقل الجاسوس قبل أن يدلّه على مكان مسلم بن عقيلعليهالسلام أو يستأذن له في الدخول عليه! ليخترق بذلك الحركة من داخلها!
لكنّ ما وقع فعلًا هو أنّ ابن عوسجةرضياللهعنه لم يكن قد قصّر في حذره وحيطته، غير أنّ معقلًا كان فعلًا «ماهراً في صناعته وخبيراً فيما انتُدب إليه»(٣) لاختراق حركة مسلمعليهالسلام من داخلها.
أمّا سهولة تعرّفه على ابن عوسجةرضياللهعنه فلا تحتاج الى كثير جهد ومشقّة إذا كانرضياللهعنه وجهاً شيعياً معروفاً في الكوفة، وقد كشف له معقل عن سرّ سهولة تعرّفه عليه حين قال له: «سمعت نفراً يقولون: هذا رجلٌ له علم بأهل هذا البيت، فأتيتك لتقبض هذا المال وتدلّني على صاحبك فأبايعه، وإنْ شئتَ أخذتَ البيعة
____________________
(١) راجع: إبصار العين: ١٠٧.
(٢) لما قُتل مسلم بن عوسجةرضياللهعنه في كربلاء صاحت جارية له: «واسيّداه يا ابن عوسجتاه! فتباشر أصحاب عمر بذلك، فقال لهم شبث بن ربعي: ثكلتكم أمّهاتكم! إنمّا تقتلون أنفسكم بأيديكم، وتذلّون أنفسكم لغيركم، أتفرحون أن يُقتل مثل مسلم بن عوسجة!؟ أما والذي أسلمتُ له، لرُبَّ موقف له قد رأيته في المسلمين كريم، لقد رأيته يوم سَلَق آذربيجان قتل ستّة من المشركين قبل أن تتامّ خيول المسلمين، أفيقُتل منكم مثله وتفرحون!؟» (تاريخ الطبري، ٣: ٣٢٥؛ والكامل في التاريخ،٣: ٢٩٠).
(٣) حياة الإمام الحسين بن عليّعليهماالسلام ، ٢: ٣٢٩.
له قبل لقائه!»،(١) ولقد عبّر له ابن عوسجةرضياللهعنه عن استيائه لسرعة تعرّفه عليه بقوله: «.. ولقد سائتني معرفتك إيّاي بهذا الأمر من قبل أن ينمى مخافة هذا الطاغية وسطوته ..».(٢)
ثمّ إن ابن عوسجةرضياللهعنه أخّر معقلًا أيّاماً قبل أن يطلب الأذن له، وكان يجتمع معه في منزله هو تلك الأيّام «إختلفْ إليَّ أيّاماً في منزلي فإني طالب لك الأذن على صاحبك ..»،(٣) ثمّ لم يدخله على مسلم بن عقيلعليهالسلام حتى طلب له الأذن فأُذن له، ولاشك أنّ أخذ الأُذن يتمّ بعد شرح ظاهر الحال الذي تظاهر به معقل، ومن الدلائل على مهارة ابن زياد ومعقل في فنّ التجسس أنّ ابن زياد أوصى معقلًا أن يتظاهر بأنّه رجل من أهل الشام ومن أهل حمص بالذات،(٤) ذلك حتّى لايكون بإمكان مسلم بن عوسجة أن يسأل ويستفسر عن حقيقة حاله في قبائل الكوفة، كما أنّ أهل حمص آنذاك على ما يبدو قد عُرف عنهم حبّهم لأهل البيتعليهمالسلام ، أو عُرف أنّ فيهم من يحبّ أهل البيتعليهالسلام ، فيكون ذلك مدعاة لاطمئنان من يتخذه معقل منفذاً لاختراق حركة مسلمعليهالسلام من داخلها، كما أنّ معقلًا قد ادّعى أمام ابن عوسجةرضياللهعنه أنه مولىً لذي الكلاع الحميري هناك في الشام، والمعروف عن جلّ الموالي حبّهم لأهل البيتعليهمالسلام !
الخلاصة أنّ معقلًا كان قد أحكم خطّته واتقن تمثيل دوره المرسوم وبرع في
____________________
(١) و (٢) إبصار العين: ١٠٨ - ١٠٩؛ وانظر: الإرشاد: ١٨٩؛ وتأريخ الطبري، ٣: ٢٨٢.
(٣) راجع: الإرشاد: ١٨٩.
(٤) قال ابن نما (ره): «ثمّ إنّ عبيداللّه بن زياد حيث خفي عليه حديث مسلم دعا مولى له يقال له معقل، فأعطاه أربعة آلاف درهم.. وأمره بحسن التوصّل إلى من يتولّى البيعة وقال: أعلمه أنّك من أهل حمص جئت لهذا الأمر، فلم يزل يتلطّف حتى وصل الى مسلم بن عوسجة الأسدي..» (مثير الأحزان: ٣٢).
ذلك، لكنّ في حضوره يومياً عند مسلم بن عقيلعليهالسلام ، ودخوله عليه في أوّل الناس، وخروجه عنه آخرهم، فيكون نهاره كلّه عنده، ما يدعو إلى الريبة والشك فيه، فلماذا لم يرتب ولم يشكّ فيه مسلمعليهالسلام وأصحابه!؟ إنّ في هذا ما يدعو إلى الإستغراب والحيرة فعلًا!
لكننا حيث لانملك معرفة تفاصيل جريان حركة أحداث تلك الأيّام بشكلٍ كافٍ، وحيث لم يأتنا التأريخ إلّا بنزرٍ قليل منها لاينفعنا إلّا في رسم صورة عامة عن مجرى حركة تلك الأحداث، وحيث نعلم أنّ مسلم بن عقيلعليهالسلام ومسلم بن عوسجةرضياللهعنه وأصحابهما هم من أهل الخبرة الإجتماعية والسياسية والعسكرية، فلا يسعنا أن نتعرض باللوم عليهم أو أن نتهمهم بالسذاجة! بل علينا أن نتأدّب بين يدي تلك الشخصيات الإسلامية الفذّة، وأن ننزّه ساحاتهم المقدّسة عن كلّ مالايليق بها، وأن نقف عند حدود معرفتنا التأريخية القاصرة لانتعدّاها إلى استنتاجات واتهامات غير صائبة ولا لائقة، خصوصاً إذا تذكّرنا حقيقة أنَّ عمليات الإختراق من الداخل من خلال دسّ الجواسيس المتظاهرين بغير حقيقتهم كانت أمراً مألوفاً منذ قديم الأيام ولم تزل حتّى يومنا الحاضر وتبقى إلى ما شاء اللّه، وشذّ وندر أن يجد الإنسان حركة سياسية تغييرية تعمل لقلب الأوضاع سلمت من الإختراق من داخلها من قبل أعدائها، بل قد لايجد الإنسان حركة سياسية تغييرية غير مخترقة، وهذ لايعني أنّ قيادتها ساذجة ولاتتمتع بالحكمة!
كان هانيء بن عروة المراديرضياللهعنه بفطنته السياسية والإجتماعية يتوقع مايحذره من عبيداللّه بن زياد برغم التستر والخفاء الذي كانت تتمّ في ظلّهما اجتماعات مسلمعليهالسلام مع مريديه وأتباعه في بيته، وبرغم التواصي بالكتمان، ذلك لأنّ هانئاًرضياللهعنه كان يعلم أنّ الهمّ الأكبر لابن زياد هو معرفة مكان ومقرّ
مسلمعليهالسلام ، فلابدّ له من أن يتجسس ويحتال الحيلة لمعرفة ذلك، وكان هانيءرضياللهعنه يعرف مكر ابن زياد وغدره، فانقطع عن زيارة القصر خشية أن يمشي الى المحذور برجليه فيواجه الخطر بمعزلٍ عن قوّة قبيلته التي يحُسب لها ألف حساب في مجتمع الكوفة، تقول الرواية التأريخية «وخاف هانيء بن عروة على نفسه، فانقطع عن حضور مجلسه وتمارض.
فقال ابن زياد لجلسائه: مالي لا أرى هانياً!؟
فقالوا: هو شاكٍ.
فقال: لو علمتُ بمرضه لعدتُه!!
ودعى محمّد بن الأشعث،(١) وأسماء بن خارجة، وعمرو بن الحجّاج الزبيدي- وكانت رويحة بنت عمرو تحت هانيء بن عروة، وهي أمّ يحيى بن هانيء-
فقال لهم: ما يمنع هاني بن عروة من إتياننا!؟
فقالوا: ما ندري، وقد قيل إنه يشتكي.
قال: قد بلغني أنه قد بريء، وهو يجلس على باب داره!، فالقوه ومروه ألّا يدع ما عليه من حقّنا، فإنّي لا أحبّ أن يفسد عندي مثله من أشراف العرب!
فأتوه حتّى وقفوا عليه عشيّة وهو جالس على بابه.
وقالوا له: مايمنعك من لقاء الأمير!؟ فإنّه قد ذكرك وقال لو أعلم أنّه شاكٍ لَعدتُه.
فقال لهم: الشكوى تمنعني!
____________________
(١) محمد بن الأشعث بن قيس الكندي، وأمّه أخت أبي بكر (راجع: تهذيب التهذيب، ٩: ٥٥).
فقالوا له: قد بلغه أنّك تجلس كلّ عشية على باب دارك! وقد استبطأك، والإبطاء والجفاء لايحتمله السلطان، أقسمنا عليك لما ركبتَ معنا!
فدعى بثيابه فلبسها، ثمّ دعى ببغلة فركبها، حتّى إذا دنى من القصر كأنّ نفسه أحسّت ببعض الذي كان، فقال لحسّان بن أسماء بن خارجة: يا ابن الأخ، إنّي واللّه لهذا الرجل لخايف! فما ترى؟
فقال: يا عمّ، واللّه ما أتخوّف عليك شيئاً، ولم تجعل على نفسك سبيلًا.
ولم يكن حسّان يعلم في أيّ شيء بعث إليه عبيداللّه.
فجاء هانيء حتى دخل على عبيداللّه بن زياد وعنده القوم، فلما طلع قال عبيداللّه: أتتك بخاين رجلاه!(١)
فلما دنى من ابن زياد، وعنده شريح القاضي،(٢) إلتفت نحوه فقال:
أُريدُ حياته ويُريد قتلي |
عذيرك من خليلك من مُراد |
وقد كان أوّل ما قدم مكرماً له ملطفاً ...
فقال له هاني: وما ذاك أيّها الأمير!؟
قال: إيه يا هاني بن عروة، ما هذه الأمور التي تربّص في دارك لأمير المؤمنين وعامّة المسلمين؟ جئت بمسلم بن عقيل فأدخلته دارك وجمعت له السلاح والرجال في الدور حولك، وظننت أنَّ ذلك يخفى عليَّ!؟
قال: ما فعلتُ ذلك، وما مسلم عندي.
____________________
(١) هذا مثل معروف، وقد ضبطه المحقّق السماوي هكذا: «أتتك بحائن رجلاه تسعى»: والحائن: الميّت، مِنَ الحَيْن بفتح الحاء وهو الموت. (إبصار العين: ١٤٣).
(٢) مرّت بنا ترجمة مفصلة وافية لشريح القاضي في الجزء الثاني، ص ١٨٣ - ١٨٥.
قال: بلى، قد فعلتَ!
فلما كثر ذلك بينهما وأبى هاني إلّا مجاحدته ومناكرته، دعى ابن زياد معقلًا ذلك العين، فجاء حتى وقف بين يديه.
فقال: أتعرف هذا؟
قال: نعم!
وعلم هاني عند ذلك أنّه كان عيناً عليهم، وأنه قد أتاه بأخبارهم، فأُسقط في يده ساعة، ثُمَّ راجعته نفسه.
فقال: إسمع منّي وصدّق مقالتي، فواللّه لاكذبت، واللّه ما دعوته إلى منزلي، ولاعلمت بشيء من أمره حتى جاءني يسألني النزول فاستحييتُ من ردّه، ودخلني من ذلك ذمام فضيّفته وآويته، وقد كان من أمره ما بلغك، فإنْ شئت أن أعطيك الآن موثقاً مغلّظاً ألّا أبغيك سوءً ولاغائلة، ولآتينّك حتى أضع يدي في يدك، وإنْ شئت أعطيتك رهينة تكون في يدك حتّى آتيك، وأنطلق إليه فآمره أن يخرج من داري إلى حيث شاء من الأرض فأخرجُ من ذمامه وجواره.
فقال له ابن زياد: واللّه لاتفارقني أبداً حتى تأتيني به!
قال: لاواللّه، لاأجيئك به أبداً، أجيئك بضيفي تقتله!؟
قال: واللّه لتأتينّي به.
قال: لا واللّه لاآتيك به.
«فلما كثر الكلام بينهما قام مسلم بن عمرو الباهلي- وليس بالكوفة شاميٌّ ولابصريٌّ غيره- فقال: أصلح اللّه الأمير، خلّني وإيّاه حتّى أكلمه.
فقام فخلا به ناحية من ابن زياد، وهما منه بحيث يراهما، فإذا رفعا أصواتهما
سمع ما يقولان.
فقال له مسلم: يا هاني، أُنشدك اللّه أن تقتل نفسك، وأن تدخل البلاء في عشيرتك، فواللّه إنّي لأنفس بك عن القتل، إنّ هذا الرجل إبن عمّ القوم، وليسوا قاتليه ولاضائريه، فادفعه إليهم فإنه ليس عليك بذلك مخزاة ولامنقصة، إنما تدفعه إلى السلطان!
فقال هاني: واللّه إنّ عليَّ في ذلك الخزي والعار أن أدفع جاري وضيفي وأنا حيٌّ صحيح أسمع وأرى، شديد الساعد كثير الأعوان، واللّه لو لم أكن إلّا واحداً ليس لي ناصر لم أدفعه حتّى أموت دونه!
فأخذ يناشده وهو يقول: واللّه لا أدفعه إليه أبداً!
فسمع ابن زياد ذلك، فقال: أدنوه منّي.
فأدنوه منه، فقال: واللّه لتأتينيّ به أو لأضربنّ عنقك.
فقال هاني: إذن لكثر البارقة حول دارك!
فقال ابن زياد: والهفاه عليك، أبالبارقة تخوّفني!؟- وهو يظنّ أنَّ عشيرته سيمنعونه- ثمّ قال: أدنوه منّي!
فأُدني منه، فاعترض وجهه بالقضيب، فلم يزل يضرب به أنفه وجبينه وخدّه حتى كسر أنفه وسالت الدماء على وجهه ولحيته، ونثر لحم جبينه وخدّه على لحيته حتى كُسر القضيب!
وضرب هاني يده إلى قائم سيف شرطيّ، وجاذبه الرجل ومنعه! فقال عبيداللّه: أحروريٌّ(١) ساير اليوم!؟ قد حلّ لنا دمك! جرّوه.
____________________
(١) الحروري: لقب يُطلق على كلّ خارجي (من الخوارج) آنذاك، نسبة إلى حرورأ، إسم موضع =
فجرّوه، فألقوه في بيت من بيوت الدار وأغلقوا عليه بابه!
فقال: إجعلوا عليه حرساً. ففُعل ذلك به.(١)
فقام إليه حسّان بن أسماء فقال: أَرُسُلُ غدرٍ ساير اليوم!؟ أمرتنا أن نجيئك بالرجل حتّى إذا جئناك به هشمت أنفه ووجهه وسيّلت دماءه على لحيته، وزعمت أنّك تقتله!؟
فقال له عبيداللّه: وإنّك لهاهنا!؟(٢) فأَمر به فَلُهِزَ وتُعْتِعَ وأجلسَ في ناحية، فقال محمّد بن الأشعث: قد رضينا بما رأى الأمير، لنا كان أم علينا، إنّما الأمير مؤدِّب!».(٣)
تأمّل وملاحظات:
١)- قد يتساءل المتأمّل عجباً من أمر هاني بن عروةرضياللهعنه الذي كان يعرف مكر ابن زياد وغدره، وكانت خبرته السياسية والإجتماعية وتجارب العمر الطويل تفرض عليه أن يحتمل احتمالًا قويّاً أن تكون حركة النهضة قد اخترقت من قبل جواسيس ابن زياد: كيف مضى برجله إلى مواجهة المحذور من إهانة أو حبس أو
____________________
= على ميلين من الكوفة نزل به الخوارج الذين خالفوا عليّاًعليهالسلام .
(١) وفي رواية للطبري أنّ هانئاً بعد أن ضُرب: «إذ خرج الخبر إلى مذحج، فإذا على باب القصر جَلبة سمعها عبيداللّه، فقال: ما هذا؟ فقالوا: مذحج!» (تاريخ الطبري، ٣: ٢٧٦)، وفي رواية المسعودي: «وضرب هانيء بيده إلى قائم سيف شرطي من تلك الشرط، فجاذبه الرجل ومنعه السيف، وصاح أصحاب هانيء بالباب: قُتل صاحبنا! فخافهم ابن زياد، وأمر بحبسه في بيت الى جانب مجلسه..» (مروج الذهب، ٣: ٦٧).
(٢) يُقال هذا تعبيراً عن الإستهانة بوجود المخاطب لتحقيره وتصغيره.
(٣) الإرشاد:١٩٠؛ وانظر: الكامل في التأريخ، ٣: ٣٩١؛ وتجارب الأمم، ٢: ٤٥ - ٤٧؛ ومثير الأحزان: ٣٢ - ٣٤.
قتل دون أن يأخذ الأهبة والإحتياط الكافيين لكلّ احتمالات لقائه بابن زياد، كأن يأخذ معه من رجالات قبيلته (مذحج) مجموعة لايقوى معها ابن زياد على إهانته أو حبسه أو قتله، أو يوقف عند باب القصر كتيبة من قبيلته تقتحم القصر إذا استبطأته وقتاً محدّداً بينه وبينها!؟
وهذا تساؤل في محلّه تماماً! ومن البعيد جدّاً ألّا يكون هانيرضياللهعنه قد فكّر بتلكم الإحتياطات لمواجهة محذورات لقائه بابن زياد في القصر لو كان رسل ابن زياد إليه من الجلاوزة أو ممّن يرتاب فيهم هانيرضياللهعنه ، لكنّ الرسل الذين انتقاهم ابن زياد- على علمٍ ومكر هم ممّن لايرتاب هانيرضياللهعنه فيهم أو في بعضهم على الأقلّ، فمنهم عمرو بن الحجّاج الزبيدي الذي كانت ابنته رويحة زوجة لهاني، وأسماء بن خارجة، أو ابنه حسّان،(١) وهو زعيم قبيلة فزارة،(٢) ومحمّد بن الأشعث زعيم قبيلة كندة،(٣) فهؤلاء من كُبّار وجهاء الكوفة وأشرافها، ومن البعيد جدّاً- في ظنّ هانيرضياللهعنه - أن يكونوا رُسُلَ غدر أو أهلَ خيانة!
والظاهر أنّ هذا هو الذي جعلَ هانئاًرضياللهعنه يستبعد الإحتمال السيء، فلم يعدّ العدّة ولم يأخذ الأهبة والإحتياط لمحذورات هذا اللقاء، فانطلت حيلة ابن زياد عليه، وصدّق الرُسُل في مانقلوه إليه من أنّ ابن زياد تفقّده لإنقطاعه عنه، وقال إنّه لم يعلم بمرضه ولو علم به لقام بزيارته! فاستظهر هانيءرضياللهعنه أنّ ابن
____________________
(١) اختلفت المصادر التأريخية في أنّ أحد رسل ابن زياد إلى هانيء كان أسماء أو إبنه حسّان، لكنّ رواية الإرشاد - في المتن - توحي وكأنّ حسّاناً لم يكن أحد الرسل لكنّه صحب أباه إلى هانيء، فلمّا رأى ما صنع ابن زياد بهانيء اعترض عليه، فردَّ عليه ابن زياد: «وإنّك لهاهنا!؟» وكأنه لم يلتفت إلى وجوده من قبل!
(٢) راجع: حياة الإمام الحسين بن عليعليهماالسلام ، ٢: ٣٧٢.
(٣) راجع: حياة الإمام الحسين بن عليعليهماالسلام ، ٢: ٣٧٢.
زياد حتى تلك الساعة لم يكن له علم بمكان مسلمعليهالسلام ، فدعا بثيابه فلبسها، وببغلة فركبها، ومضى معهم!
ومع استبعاد الإحتمال السيء واستظهار أنّ ابن زياد لم يكن حتى تلك اللحظة قد علم بمكان مسلمعليهالسلام ، لايكون من الحكمة الإمتناع عن لقائه، أو أخذ الأهبة والعدّة للمحذور منه، أوطلب الأمان شرطاً للقائه، لأنّ كلَّ ذلك سيكشف عن المستور، ويؤكّد التهمة، ويؤديّ إلى تعجيل ضار في توقيت قيادة حركة النهضة لموعد قيامها ضد ابن زياد، ولعلَّ كلّ هذه الأمور قد خطرت على بال هاني بن عروة، فآثر المجازفة بنفسه دفعاً لكلّ تلك الأضرار والمساويء.
من هنا، يُستبعد ما أورده صاحب كتاب تجارب الأمم حيث قال: «ودعا عُبيد اللّه هانيء بن عروة، فأبى أن يُجيبه إلّا بأمان! فقال: ماله وللأمان، هل أحدث حدثاً!؟ فجاءه بنوعمّه ورؤساء العشائر فقالوا: لاتجعل على نفسك سبيلًا وأنت بريء. وأُتيَ به ...»،(١) أو ما رواه الطبري أنّ ابن زياد قال لأسماء بن خارجة ومحمّد بن الأشعث: «إئتياني بهانيء. فقالا: إنّه لايأتي إلّا بأمان! قال: وماله وللأمان، وهل أحدث حدثاً!؟ إنطلقا فإنْ لم يأتِ إلّا بأمانٍ فآمناه! ..».(٢)
٢)- يبدو أنّ حيلة ابن زياد كانت قد انطلت حتى على بعض رُسُلِه إلى هانيء بن عروةرضياللهعنه ، إذ إنّ سياق القصة يكشف عن أنّ أسماء بن خارجة(٣) أو حسّاناً إبنه قد فوجيء بغدر ابن زياد بهم وبهانيءرضياللهعنه ، فانتفض معترضاً بعدما رأى ما
____________________
(١) تجارب الأمم، ٢: ٤٥ - ٤٦.
(٢) تأريخ الطبري،٣: ٢٨٢.
(٣) في تجارب الأمم، ٢: ٤٧ أنّ الذي اعترض على ابن زياد أسماء بن خارجة نفسه، وكذلك في الفتوح، ٥: ٨٤.
صُنع بهانيءرضياللهعنه وقال لابن زياد: أَرُسُلُ غدرٍ ساير اليوم!؟ أمرتنا أن نجيئك بالرجل حتّى إذا جئناك به هشمت أنفه ووجهه وسيّلت دماءه على لحيته، وزعمت أنّك تقتله!؟ فقال له ابن زياد: وإنّك لهاهنا!؟ فَلُهِزَ وتُعتع وأُجلس ناحية، وفي رواية الفتوح: «فضرب حتى وقع لجنبه فحبس في ناحية من القصر وهو يقول: إنّا للّه وإنّا إليه راجعون، إلى نفسي أنعاك يا هانيء!».(١)
أمّا محمد بن الأشعث فقد روى الطبري قائلًا «وزعموا أنّ أسماء لم يعلم في أي شيء بعث إليه عبيداللّه، فأمّا محمّد فقد علم به! ..»،(٢) وسواء أكان عالماً بخطّة ابن زياد أم لم يكن يعلم، نراه- وقد أدركه عِرق النفاق الضارب في أعماق عائلته- يقول متملقاً لابن زياد: قد رضينا بما رأى الأمير، لنا كان أم علينا، إنّما الأمير مؤدِّب!
أمّا عمرو بن الحجّاج الزبيدي- وهو أحد هؤلاء الرسل الذين جاؤا بهانيرضياللهعنه إلى ابن زياد- فقد غاب فجأة ولم يشهد ما جرى في هذا اللقاء، مع أنّ المفروض عرفاً وهو أحد الرسل الثلاثة أن يبقى كوسيط لإزالة السخيمة بين هانيرضياللهعنه وابن زياد، أو ليحامي عن هانيءرضياللهعنه إذا تجاوز ابن زياد حدّه واعتدى عليه- كما حصل فعلًا- خصوصاً وأنّ هاني بن عروة زوج ابنته!
إذن فغيابه المتعمّد فجأة عن مسرح الحدث يكشف عن علمه المسبّق بخطة ابن زياد للإيقاع بهانيءرضياللهعنه ، وعن تواطئه معه لحبسه وقتله! ولقد أراد من وراء هذا الغياب الفاجيء المتعمّد أمرين: الأوّل هو أن يصرف عن نفسه حرج عدم دفاعه عن هانيءرضياللهعنه في حال حضوره، كما يدفع بذلك عن نفسه أيضاً شبهة
____________________
(١) الفتوح، ٥: ٨٤.
(٢) تاريخ الطبري، ٣: ٢٨٤.
تواطئه مع ابن زياد لقتل هانيءرضياللهعنه ، لقد كان عمرو بن الحجاج الزبيدي حقاً رسول غدر! أمّا الأمر الثاني: فهو أنَّ هذا الخائن أراد أن يستبق الوقت ليمتطي موجة غضب قبيلة مذحج التي كانت ستثور حتماً لما أصاب هانيءرضياللهعنه ، فيقود جموعها الزاحفة بسيوفها نحو القصر لإنقاذه، وهناك ليفرّق هذه الجموع الغاضبة، ويصرفها عن القصر بخدعة مشتركة- كما سيأتي- بينه وبين شريح القاضي وابن زياد! إنّ هذا الدور الخياني نفسه دليل آخر قاطع على علم الزبيدي المسبّق بخطة ابن زياد.
٣)- أظهرت هذه الرواية وكأنّ هانيء بن عروةرضياللهعنه إنّما امتنع عن تسليم مسلمعليهالسلام لإبن زياد لسبب أخلاقي عربي وإسلامي وهو حماية الضيّف والذبُّ عن الجوار «واللّه إنَّ عليَّ في ذلك الخزي والعار أن أدفع جاري وضيفي وأنا حيٌّ صحيح، أسمع وأرى، شديد الساعد كثير الأعوان، واللّه لو لم أكن إلّا واحداً ليس لي ناصر لم أدفعه حتّى أموت دونه!»، وفي هذا الموقف- وبهذا الحدّ الأخلاقي- شرف ومفخرة لهانيءرضياللهعنه وأيُّ مفخرة!
لكنّ هناك نصوصاً تأريخية أخرى تؤكّد أنّ الدافع الذي منع هانئاًرضياللهعنه من تسليم مسلمعليهالسلام كان دافعاً أسمى وأعلى من الدافع الأخلاقي! وهو الدافع الايمانيّ الطافح بالولاء لأهل البيتعليهمالسلام ، فقد روى ابن نما (ره) أنّ هانيء بن عروةرضياللهعنه قال: «واللّه إنّ عليَّ في ذلك العار أن أدفع ضيفي ورسول ابن رسول اللّه، وأنا صحيح الساعدين كثير الأعوان ..»،(١) وفي رواية ابن أعثم: «بلى واللّه، عليَّ في ذلك من أعظم العار أن يكون مسلم في جواري وضيفي، وهو رسول ابن بنت
____________________
(١) مثير الأحزان: ٣٤.
رسول اللّهصلىاللهعليهوآله ...»،(١) وفي رواية المسعودي أنّ هانئاًرضياللهعنه قال لابن زياد: «إنَّ لزياد أبيك عندي بلاءً حسناً،(٢) وأنا أُحبّ مكافأته به، فهل لك في خير؟ قال ابن زياد: وما هو؟ قال: تشخص إلى أهل الشام أنت وأهل بيتك سالمين بأموالكم، فإنه قد جاء حقُّ من هو أحقّ من حقّك وحقّ صاحبك ..».(٣)
٤)- من مجموع النصوص التأريخية التي روت لنا قصة هذا اللقاء بين هانيءرضياللهعنه وبين ابن زياد، أو جوانب من هذا اللقاء، يتضح جليّاً أنَّ هانيء بن عروةرضياللهعنه كان يتمتع- وهو في التسعين من العمر- برباطة جأش، وثقة بالنفس، وشجاعة ملفتة للإنتباه، كما كان في غاية الإطمئنان والثقة بأنَّ مذحج لن تسلمه إذا تعرّض لمكروه، وأنَّ الكوفة يومذاك بالفعل كانت ساقطة بيد المعارضة وماهي إلّا إشارة تصدر عن مسلمعليهالسلام حتّى يتحقق ذلك الأمر فعلًا وعلناً، فقوله لابن زياد لما هدّده بالقتل: «إذن لكثر البارقة حول دارك!» كاشف عن ثقته بردّ الفعل المناسب الذي كان لابد سيصدر عن مذحج خاصة وعن قيادة الثورة عامة، ومدُّه يده الشريفة إلى قائم سيف الشرطي ليقتل به ابن زياد كاشف عن شجاعته الفائقة، وقوله لابن زياد: «.. تشخص إلى أهل الشام أنت وأهل بيتك سالمين بأموالكم، فإنه قد جاء حقّ من هو أحقّ من حقّك وحقّ صاحبك»، أو قوله: «أيها الأمير، قد
____________________
(١) الفتوح، ٥: ٨٢ - ٨٣.
(٢) روى الطبري في تأريخه، ٣: ٢٨٣ أنّ ابن زياد قال لهانيءرضياللهعنه : «ياهانيء، أما تعلم أنَّ أبي قدم هذا البلد فلم يترك أحداً من هذه الشيعة إلاّ قتله غير أبيك وغير حُجر، وكان من حُجر ماقد علمتَ، ثمَّ لم يزل يُحسنُ صحبتك، ثمَّ كتب إلى أميرالكوفة أنّ حاجتي قِبَلَكَ هانيء؟ قال: نعم. قال: فكان جزائي أن خبّأت في بيتك رجلاً ليقتلني!؟...» هذا هو الجميل أو الإحسان أو البلاء الحسن الذي كان لزياد عند هانيءرضياللهعنه .
(٣) مروج الذهب، ٣: ٦٧.
كان الذي بلغك، ولن أضيع يدك عندي، فأنت آمن وأهلك! فَسِرْ حيث شئت!»(١) كاشف عن ثقته التامة بأنَّ الكوفة فعلًا بيد قيادة الثورة، وأنّ ابن زياد ليس إلّا أميراً رمزياً يومذاك! ولايخفى على ذي دراية أنّ قوله لابن زياد: «.. فإن شئت أعطيك الآن موثقاً مغلّظاً الّا أبغيك سوءً ولاغائلة، ولآتينّك حتّى أضع يدي في يدك، وإنْ شئت أعطيتك رهينة تكون في يدك حتّى آتيك، وأنطلقُ إليه فآمره أن يخرج من داري إلى حيث شاء من الأرض فأخرجُ من ذمامه وجواره!» كان قولًا صادقاً وفيه من العمق السياسي الشيء الكثير، إذ لو خرج من القصر لأخرج مسلم بن عقيلعليهالسلام من داره فعلًا ولكن إلى قيادة الثورة بالفعل، ولأعلنها حرباً على ابن زياد يؤلّب لها الآلاف الكثيرة من المبايعين من مذحج وكندة وبقية القبائل الأخرى، فليس بعد يومه ذاك مايدعو الى الصبر والإنتظار- بعدَ أن اخترق ابن زياد حركة المعارضة من داخلها وعلم بكلّ شيء!- وهذا لاينافي أنّ هانئاًرضياللهعنه كان صادقاً بقوله لابن زياد: «ألّا أبغيك سوءً ولاغائلة، ولآتينّك حتى أضع يدي في يدك!»، لأنّه قد يشفع لابن زياد- بعد انتصار الثورة بالفعل وسيطرتها على الكوفة وعلى القصر- ويأتيه كما وعده ويضع يده في يده ليسرّحه مع أهله إلى الشام، ولهانيء بن عروةرضياللهعنه من المنزلة الرفيعة عند مسلمعليهالسلام وعند أهل الكوفة ما يُستبعد عندها ردُّ شفاعته، أللّهمَّ إلّا إذا اعتُرضَ عليه بالدماء الزاكيات التي سفحها ابن زياد ظُلماً وجورا.
____________________
(١) تاريخ الطبري، ٣: ٢٨٢؛ وفي رواية ابن قتيبة أن ابن زياد قال لهانيء: «يا هانيء، أما كانت يد زياد عندك بيضأ؟ قال: بلى. قال: ويدي؟ قال: بلى.. قد كانت لكم عندي يدٌ بيضأ، وقد أمنتك على نفسك ومالك!» (الإمامة والسياسة، ٢: ٥).
في قصة حبس هانيء بن عروةرضياللهعنه هناك دور خيانيٌّ لاريب فيه، تقمّصه عمرو بن الحجّاج الزبيدي المتفاني في امتثال أوامر أعداء أهل البيتعليهمالسلام مع أنّ هانئاًرضياللهعنه كان صهراً له! ودور خيانيُّ صريح آخر تقمّصه شريح القاضي العُمريّ الأمويّ الميل والهوى،(١) بتنسيق وتخطيط من ابن زياد لعنه اللّه.
تقول الرواية التأريخية: «وبلغ عمرو بن الحجّاج أنّ هانياً قد قُتل! فأقبل في مذحج حتى أحاط بالقصر ومعه جمع عظيم، ثم نادى: أنا عمر بن الحجّاج، وهذه فرسان مذحج ووجوهها، لم نخلع طاعة ولم نفارق جماعة، وقد بلغهم أنّ صاحبهم قُتل فأعظموا ذلك!
فقيل لعبيداللّه بن زياد: هذه مذحج بالباب!
فقال لشريح القاضي: أُدخلْ على صاحبهم فانظر إليه، ثم أخرج وأعلمهم أنّه حميٌّ لم يُقتل!
فدخل شريح فنظر إليه، فقال هاني لما رأى شريحاً:(٢) ياللّه! ياللمسلمين!
____________________
(١) لما نهى أميرالمؤمنين عليُّعليهالسلام الناس في مسجد الكوفة عن الجماعة في صلاة التراويح كان شريح يصيح: واسنّة عُمراه (راجع: تنقيح المقال، ٢: ٨٣)، وكان عثمانياً.
(٢) وفي رواية للطبري: «فمَّر بهانيء بن عروة، فقال له هانيء: إتّقِ اللّه يا شريح فإنه قاتلي! فخرج شريح حتّى قام على باب القصر فقال: لا بأس عليه! إنما حبسه الأمير ليسائله!» (تاريخ الطبري، ٣: ٢٧٦)، وفي رواية أخرى للطبري: «وأمر عبيداللّه مهران أن يُدخل عليه شريحاً، فخرج فأدخله عليه ودخلت الشرط معه، فقال: يا شريح، قد ترى ما يُصنع بي! قال: أراك حيّاً! قال: وحيُّ أنا مع ما ترى!؟ أخبر قومي أنّهم إنْ انصرفوا قتلني! فخرج إلى عبيداللّه فقال: رأيته حيّاً، ورأيت أثراً سيئاً! قال: وتنكر أن يُعاقب الوالي رعيّته!؟ أخرج إلى هؤلاء فأخبرهم. فخرج، وأمر =
أهلكت عشيرتي!؟ أين أهل الدين!؟ أين أهل المصر!؟- والدماء تسيل على لحيته، إذ سمع الرجّة على باب القصر- فقال: إنّي لأظنّها أصوات مذحج وشيعتي من المسلمين، إنّه إنْ دخل عليَّ عشرة نفر أنقذوني!
فلما سمع كلامه شريح خرج إليهم، فقال لهم: إنّ الأمير لما بلغه مكانكم ومقالتكم في صاحبكم أمرني بالدخول إليه، فأتيته فنظرت إليه، فأمرني أن ألقاكم وأعرّفكم أنّه حيٌّ، وأنّ الذي بلغكم من قتله باطل!
فقال له عمرو بن الحجّاج وأصحابه: أمّا إذا لم يُقتل فالحمد للّه! ثمّ انصرفوا!».(١)
وفي رواية الدينوري: «فقال لهم سيّدهم عمرو بن الحجّاج: أما إذ كان صاحبكم حيّاً فما يعجلكم الفتنة!؟ انصرفوا!. فانصرفوا».(٢)
لقد تجسّد دور شريح القاضي الخياني- وما أكثر أدواره الخيانيّة- في ممارسته التورية في عبارته الأخيرة: «فأمرني أن القاكم وأعرّفكم أنّه حيّ، وأنّ الذي بلغكم من قتله باطل!» لأنه أتى بهذه العبارة بعد قوله لهم: «فأتيته فنظرت إليه»، فكأن الذي أمره هو هانيرضياللهعنه نفسه لا ابن زياد، ليشيع في نفوسهم الطمأنينة، وليوحي لهم أنّ هائناً يقول: إنّ الذي أثاركم وألّبكم خبرٌ باطل، ولا داعي لهذه الإثارة وهذه الفتنة!
وهنا يواصل عمرو بن الحجّاج دوره الخياني الطويل، فلا يردٌّ على شريح
____________________
= عبيداللّه الرجل - أي مهران - فخرج معه، فقال لهم شريح: ما هذه الرعّة السيئة!؟ الرجل حيُّ، وقد عاتبه سلطانه بضرب لم يبلغ نفسه!! فانصرفوا ولاتُحلّوا بأنفسكم ولابصاحبكم. فانصرفوا!»، (تاريخ الطبري، ٣: ٢٨٣).
(١) الإرشاد: ١٩٢.
(٢) الأخبار الطوال: ٢٣٨.
القاضي فيقول مثلًا: لنرَ سيّدنا هانئاً ولنكلّمه أو لنخرجنّه من القصر عنوة! أو مايشبه هذا القول، أو لايكتفي بقول شريح فيدخل القصر- وهو من المقرّبين لابن زياد- ليرى بنفسه هانئاً وحقيقة ما جرى عليه داخل القصر!!
بل نراه يؤكد صحة مقالة شريح ويخاطب جموع مذحج الثائرة قائلًا: «صدق، ليس على صاحبكم يأس فتفرّقوا!».(١) ، «أمّا إذا كان صاحبكم حيّاً فما يُعجلكم الفتنة!؟ انصرفوا» فتنصرف هذه الجموع فاشلة وقد ذهبت ريحها، وأكثرهم يحبُّ العافية لتفشّي (الوهن: حب الدنيا وكراهية الموت) في قلوبهم، ولو انبعث في تلك اللحظات الحاسمة رجال من مذحج فأنكروا على الزبيدي الخائن(٢) رأيه وموقفه، وحرّضوا جموع مذحج على اقتحام القصر وإطلاق سراح هانيرضياللهعنه ثمَّ واصلوا تطهير الكوفة من كلّ رجس أمويّ، لكان قد كُتب لمذحج دور رياديّ في تغيير مجرى تأريخ حياة المسلمين، يُذكر فيشكُر إلى قيام الساعة، لكنّهم آثروا طاعة ابن الحجاج الزبيدي حرصاً على احترام عرف قَبَليّ- وحُبّاً للعافية!- وإن
____________________
(١) تأريخ الطبري، ٣: ٢٧٦.
(٢) إنّ استمرار ولاء عمرو بن الحجّاج الزبيدي لإبن زياد لعنه الله حتّى بعد مقتل هاني بن عروةرضياللهعنه ليؤكّد حقيقة أنّ هذا الرجل قد تواطاء مع ابن زياد منذ البدء لقتل هانيرضياللهعنه ، فكان رسول غدرٍ، ثم ركب موجة غضب مذحج ليخدع جموعها الثائرة وليصرفهم عن إخراج زعيمهم من القصر بقوّة السلاح، متآمراً عليهم في تنفيذ الخدعة المشتركة لتضليلهم، فهو كما يقول أميرالمؤمنينعليهالسلام في حقّ الأشعث بن قيس: «وإنّ أمرأً دلَّ على قومه بالسيف، وساق إليهم الحتف، لحريُّ أن يمقته الأقرب، ولايأمنه الأبعد!»، (نهج البلاغة: ٦١ - ٦٢، رقم ١٩)، وكفى بعمرو بن الحجاج عاراً وخزياً في الدنيا والآخرة إشتراكه في جيش ابن زياد لقتال الإمامعليهالسلام ، ومنع الماء عنه وعن أصحابه وأهله، وتحريضه الناس في كربلاء على التزام طاعة يزيد وعلى قتل الإمامعليهالسلام .
كان ذلك خلافاً لما هو أحقٌّ وأهمّ!، فكُتب لهم دور في الخذلان والخيبة، ماتلاه التأريخ على مسامع الأجيال إلّا وبعث في العقول والقلوب استنكاراً وريبة ونفورا!!
إنّ أصعب مقاطع النهضة الحسينية المباركة من ناحية التحليل التأريخي هو مقطع حركة أحداث الكوفة أيّام مسلم بن عقيلعليهالسلام بعامة وحركة أحداث قيامه وانكساره السريع بخاصة، ففي هذا المقطع من كثرة الحلقات المفقودة، ومن تشابك العوامل وتداخلها وتنوّعها، ومن اضطراب النقل التأريخي لبعض مهمّ من وقائع هذا المقطع، ومن خفاء علل بعض مهمّ آخر، ما يجعل المتتبّع المتأمّل في حركة هذه الأحداث في حيرة غامرة.
وكثيرون ممّن كتبوا في أحداث هذا المقطع- والأقدمون منهم خاصة- مرّوا به مروراً مرتبكاً كما ارتبكت رواياته التأريخية، فجاء ما نقلوه أقرب إلى السطحية منه إلى التعمق، خالياً من الربط المطلوب بين حلقات أحداثه، فاقداً لما ينبغي أن يكون فيه من التحليل والتعليل.
والمحققّون الذين بذلوا جهداً كبيراً في تحليل وقائع هذا المقطع وفي الربط بينها، وإنْ جاؤا بتحليلات وتفاسير جديدة وصحيحة غير قليلة- شكر اللّه سعيهم- إلّا أنهم وجدوا أنفسهم مضطّرين إلى إعتماد بعض الإفتراضات التي لاتسندها رواية أو حتى إشارة تاريخية، وما ذلك إلّا لكثرة الثغرات التأريخية في هذا المقطع، التي ألجأت المتتبع المحقّق إلى مثل هذه الإفتراضات التي ربّما كانت
صحيحة وفي محلّها تماماً.(١)
ونحن هنا، لاندّعى أنا سنقدّم التفسير والتحليل الجامع المانع لجريان حركة أحداث هذا المقطع، بل نقول: إننا في هذه السطور سنحاول ردم بعض الثغرات، وسنسلّط الضوء الكافي على قضايا مهمّة لم تنل من قبل من الإهتمام والإيضاح ما يكفي لإبراز دورها الكبير في ما وصلت إليه أحداث الكوفة من نتائج مؤسفة، ويُظهر أهميتها الكبرى في تفسير جريان تلك الأحداث.
وفي البدء يكون من اللازم أن نقدّم الإجابة عن هذا السؤال:
في حسابات التحرّك نحو الأهداف المنشودة هناك مبادرات ضرورية ينبغي القيام بها والسبق إليها لضمان نجاح الحركة السياسية الإجتماعية التغييرية في الوصول الى أهدافها، بل ولضمان صدق المنتمين إلى هذه الحركة فيما بايعوا قائدهم وعاهدوه عليه، بل ولاختبار قدرتهم بالفعل على تنفيذ الأوامر الملقاة من قبل القيادة إليهم، وصبرهم الميداني على تحمّل تبعات تلك الأوامر المفترضة الإطاعة.
وإدراك ضرورة القيام بمثل هذه المبادرات ليس من مختصات العقول المتفوّقة في الوعي والذكاء، بل إنّ إدراك هذه الضرورة في متناول العقل العادي، هذا عمرو بن لوذان يخاطب الإمام الحسينعليهالسلام قائلًا: «وإنّ هؤلاء الذين بعثوا إليك لوكانوا كفوك مؤنة القتال، ووطأوا لك الأشياء، فقدمت عليهم، كان ذلك رأياً،
____________________
(١) مثل افتراض أنّ الثلاثين رجلاً أو العشرة أو الثلاثة الذين بقوا أخيراً مع مسلم بن عقيلعليهالسلام بعد انفضاض الناس عنه: لابدّ وأن يكونوا شجعاناً، ومن صفوة مؤمني الكوفة ونخبة رجال الحركة (راجع: مبعوث الحسينعليهالسلام : ١٨٩).
فأمّا على هذه الحال التي تذكر فإنّي لا أرى لك أن تفعل!».(١)
وهذا عمر بن عبدالرحمن المخزومي يقول للإمامعليهالسلام أيضاً: «إنّك تأتي بلداً فيه عمّاله وأمراوه، ومعهم بيوت الأموال، وإنّما الناس عبيد لهذا الدرهم والدينار، ولا آمن عليك أن يقاتلك من وعدك نصره! ومن أنت أحبّ إليه ممّن يقاتلك معه!».(٢)
ويقول له ابن عبّاسرضياللهعنه : «فإن كان أهل العراق يريدونك كما زعموا فاكتب إليهم فلينفوا عدوّهم، ثمّ اقدم عليهم».(٣)
والإمامعليهالسلام لايُخطّيء هذا الإدراك، بل يقرّرعليهالسلام أنّ هذا الإدراك من النصح والعقل والرأي! فهو يقول لابن عبّاس: «يا ابن عمّ، إني واللّه لأعلم أنك ناصح مشفق!»،(٤)
ويقول للمخزومي: «فقد واللّه علمتُ أنّك مشيت بنصح وتكلّمت بعقل!»،(٥)
ويقول لعمرو بن لوذان: «يا عبداللّه، ليس يخفى عليَّ الرأي!».(٦)
إذن فقد كان ينبغي للقوّة المعارضة للحكم الأموي في الكوفة أنْ تُعدَّ العدّة وتستبق الأيام للقيام، وتبادر إلى السيطرة على الأوضاع في الكوفة قبل مجيء الإمامعليهالسلام إليها، «وذلك مثلًا باعتقال الوالي الأمويّ وجميع معاونيه وأركان إدارته، ومن عُرف من عيونه وجواسيسه، ومنع الخروج من الكوفة إلّا بإذن خاص، وذلك
____________________
(١) الإرشاد: ٢٠٥؛ والكامل في التاريخ، ٢: ٥٤٩.
(٢) تاريخ الطبري، ٣: ٢٩٤.
(٣) تاريخ الطبري، ٣: ٢٩٥.
(٤) نفس المصدر.
(٥) تاريخ الطبري، ٣: ٢٩٤.
(٦) الكامل في التأريخ، ٢: ٥٤٩.
لحجب أخبار مايجري فيها عن مسامع السلطة الأموية أطول مدّة ممكنة من أجل تأخير تحرّكها لمواجهة الإنتفاضة في الكوفة قبل وصول الإمامعليهالسلام ، حتى يصل الإمامعليهالسلام فيمسك بزمام الأمور ويقود الثورة إلى حيث كامل الأهداف.
وليس في رسائل الإمامعليهالسلام إلى أهل الكوفة ولافي وصاياه إلى مسلم بن عقيلعليهالسلام مايمنع أهل الكوفة من القيام بهذه المبادرة التي أقرّ الإمامعليهالسلام أنها من العقل والرأي! بل لقد دعاهمعليهالسلام إلى القيام مع مسلمعليهالسلام ، حيث قالعليهالسلام في رسالته الأولى إليهم- على رواية ابن أعثم-: «فقوموا مع ابن عمّي وبايعوه وانصروه ولاتخذلوه!».
وفي رسالته الثانية التي بعثها إليهم بيد قيس بن مسهّر الصيداويرضياللهعنه - والتي لم تصل إليهم لأنّ ابن زياد كان قد قبض على الرسول- دعاهم الإمامعليهالسلام إلى السرعة والعزم على الأمر والجدّ فيه، حيث قالعليهالسلام فيها: «فإذا قدم عليكم رسولي فاكمشوا أمركم وجدّوا!»، إذ الكمش في الأمر هو العزم عليه والسرعة فيه!».(١)
لكنّ هذه المبادرة لم تصدر عن الشيعة في الكوفة، مع أنّ فيهم من ذوي الخبرات العريقة في المجالات الإجتماعية والسياسية والعسكرية عدداً يُعتدُّ به، ومن البعيد جداً أنّ التفكير بمثل هذه المبادرة لم يكن قد طرأ على أذهانهم أكثر من مرّة! فلماذا لم يبادروا!؟
لعلّ أهمّ الأسباب التي أدّت إلى عدم مبادرة الشيعة في الكوفة إلى السيطرة على الأوضاع فيها قبل مجيء الإمامعليهالسلام إليها هي:
____________________
(١) راجع: الجزء الثاني من هذه الدراسة: ص ٣٥٠ - ٣٥١.
١)- لم يكن للشيعة في الكوفة- وهم من قبائل شتّى- خصوصاً في فترة ما بعد الإمام الحسن المجتبىعليهالسلام عميدٌ من شيعة أهل الكوفة، يرجعون إليه في أمورهم وملماتهم، ويصدرون فيها عن رأيه وقراره وأمره.
نعم، هناك وجهاء وأشراف متعددّون من الشيعة في الكوفة، لكلّ منهم تاثيره في قبيلته، لكنهم لاتصدر مواقفهم إزاء الأحداث الكبرى المستجدّة عن تنسيق بينهم وتنظيم يوحّد بين تلك المواقف، وينفي عنها التشتّت والتفاوت.
ولقد ترسّخت هذه الحالة في شيعة الكوفة خاصة نتيجة السياسات التي مارسها معاوية- بتركيز خاص على الكوفة خلال عشرين من السنوات العجاف الحالكة- في خلق الفرقة والتناحر بين القبائل، والإرهاب والقمع، والمراقبة الشديدة التي ترصد الأنفاس، والإضطهاد المرير والقتل الذي تعرّض له كثير من الشيعة ومن زعمائهم خاصة، الأمر الذي زرع بين الناس على مدى تلك السنين العشرين العجاف الحذر المفرط والخوف الشديد من سطوة السلطان، وضعف الثقة وقلّة الإطمئنان فيما بينهم، والفردية في اتخاذ الموقف والقرار.
ويكفي دليلًا على كلّ ما أشرنا إليه من التعددّية والتشتّت نفس المنحى الذي تمّت فيه مكاتبة أهل الكوفة الإمام الحسينعليهالسلام في مكّة، فلولا التعددية في مراكز الوجاهة والزعامة لما تعدّدت الرسائل والرسل منهم إلى الإمامعليهالسلام .
فلو كان لهم زعيم واحد يصدرون عن رأيه وأمره لكفى الإمامعليهالسلام منهم رسالة واحدة تأتي من زعيمهم، لا إثنا عشر ألف رسالة! ولما احتاج الإمامعليهالسلام إلى أن يسأل آخر الرسل: «خبّراني من اجتمع على هذا الكتاب الذي كُتب به إليَّ معكما؟».(١)
____________________
(١) اللهوف: ١٥.
كما يكفي دليلًا على ضعف الثقة والإطمئنان، والفردية في اتخاذ الموقف والقرار، قول الشهيد الفذّ عابس بن أبي شبيب الشاكريرضياللهعنه بين يدي مسلم بن عقيلعليهالسلام : «أمّا بعدُ، فإنّي لا أُخبرك عن الناس، ولا أعلم ما في أنفسهم، وما أغرّك منهم! واللّهِ أحدّثك عمّا أنا موطنٌّ نفسي عليه، واللّه لأجيبنّكم إذا دعوتم ولأقاتلنّ معكم عدوّكم ولأضربن بسيفي دونكم حتّى ألقى اللّه، لا أريد بذلك إلّا ماعند اللّه».(١)
٢)- هناك ظاهرة عمّت القبائل العربية التي استوطنت الكوفة، وهي ظاهرة إنقسام الولاء في أفرادها، ففي كلّ قبيلة إذا وجدتَ من يعارض الحكم الأمويّ أو يوالي أهل البيتعليهمالسلام ، فإنّك تجد أيضاً قبالهم من يوالي الحكم الأمويّ ويخدم في أجهزته، ولعلّ الموالين للحكم الأمويّ في بعض هذه القبائل أكثر من المعارضين له عامة والموالين لأهل البيتعليهمالسلام خاصة.
وهذه المشكلة ربّما كانت هي المانع أمام زعماء من الشيعة كبار في قبائلهم الكبيرة من أن يُثوّروا قبائلهم ضد الحكم الأموي علانية، وينهضوا بهم للقيام بمثل تلك المبادرة المطلوبة، ذلك لأنّ أفراداً كثيرين هناك في نفس القبيلة ممّن يخدمون في أجهزة الأمويين ويوالونهم سيسارعون إلى إخبار السلطة الأموية بما عزم عليه زعيم قبيلتهم الشيعيّ، فيُقضى على ذلك العمل قبل البدء فيه، كما يُقضى على الزعيم الشيعيّ وعلى أنصاره أيضاً، ففي قبيلة مذحج الكبيرة في الكوفة مثلًا، كما تجد زعيماً شيعياً رائداً مثل هانيء بن عروةرضياللهعنه تجد إزاءه أيضاً زعيماً آخر- أو أكثر- مثل عمرو بن الحجاج الزبيدي،(٢) يتفانى في خدمة
____________________
(١) تاريخ الطبري، ٣: ٢٧٩.
(٢) ومثل كثير بن شهاب بن الحصين الحارثي (المذحجي).
الأمويين إلى درجة أنْ يؤثر مصلحة الأمويين حتى على مصلحة مذحج نفسها، حينما قام بدوره المريب(١) في ركوب موجة انتفاضة مذحج وقيامها لإطلاق سراح هانيرضياللهعنه فردّهم عن اقتحام القصر وصرفهم وفرّق جموعهم بمكيدة منه ومن شريح وابن زياد.
وهذه الظاهرة تجدها في بني تميم، وبني أسد، وكندة، وهمدان، والأزد، وغيرها من قبائل أهل الكوفة.
إذن فقد كان من العسير عملياً على أيّ زعيم كوفي شيعيّ أن يقود جموع قبيلته في عملٍ ما ضدّ الحكم الأمويّ، وذلك لوجود زعماء آخرين من نفس القبيلة موالين للحكم الأمويّ، باستطاعتهم التخريب من داخل القبيلة نفسها على مساعي الزعيم الشيعي، أو من خارجها بالإستعانة بالسلطة الأموية نفسها.
٣)- يُضاف إلى السببين الأوّل والثاني- وهما أهمّ الأسباب- سبب ثالث وهو تفشّي مرض الشلل النفسي، وازدواج الشخصية، والوهن المتمثل في حبّ الدنيا والسلامة وكراهية الموت، في جُلّ أهل الكوفة آنذاك خاصة.
ومن أوضح الأمثلة على ذلك ما عبّر به محمد بن بشر الهمداني- الذي روى تفاصيل اجتماع الشيعة الأوّل مع مسلم بن عقيلعليهالسلام في دار المختار (ره)، وروى مقالة عابس الشاكري ومقالة حبيب بن مظاهر ومقالة سعيد بن عبداللّه الحنفيرضياللهعنه ، في استعدادهم للتضحية والموت في نصرة الإمامعليهالسلام - حينما
____________________
(١) مرَّ بنا فيما مضى من البحث أنّ جميع الدلائل والمؤشرات التأريخية ترفع الريب وتؤكد على أنّ عمرو بن الحجّاج كان قد تعمّد الخيانة والغدر بهانيرضياللهعنه وبقبيلة مذحج نفسها، وأصرّ على الإنضواء تحت راية بني أميّة وشارك مشاركة فعّالة في جريمة قتل الإمام الحسينعليهالسلام وأنصاره وسبي عيالاته.
سأله الحجّاج بن عليّ قائلًا: فهل كان منك أنت قول؟
أجاب قائلًا: إنّي كُنت لأحبّ أن يُعزّ اللّه أصحابي بالظفر، وما كنت لأِحبَّ أنّ أنْ أُقتل، وكرهتُ أن أكذب!(١)
ومن الأمثلة الواضحة على ذلك أيضاً: قول عبيداللّه بن الحرّ الجعفي مخاطباً الإمامعليهالسلام : «واللّه إنّي لأعلم أنّ من شايعك كان السعيد في الآخرة، ولكن ما عسى أن أُغني عنك ولم أُخلّف لك بالكوفة ناصراً!؟ فأنشدك اللّه أن تحملني على هذه الخطّة، فإنّ نفسي لم تسمح بعدُ بالموت!».(٢)
وكان زعماء الشيعة الكوفيون قد أدركوا خطورة انتشار هذا المرض، وتفطّنوا لأثره السيء على كلّ نهضة وقيام، فكانوا يحسبون لخذلان الناس في أيّ مبادرة جهادية الف حساب، نلاحظ ذلك مثلًا في قول سليمان بن صرد الخزاعي في اجتماع الشيعة الأوّل: «فإنْ كنتم تعلمون أنّكم ناصروه ومجاهدو عدوّه فاكتبوا إليه، وإنْ خفتم الوهل والفشل فلاتغرّوا الرجل من نفسه!».(٣)
وبعدُ، فلعلّ هذه الأسباب المهمة الثلاثة التي ذكرناها تشكّل إجابة وافية عن علّة عدم مبادرة زعماء الشيعة في الكوفة إلى السيطرة على الأوضاع فيها قبل مجيء الإمامعليهالسلام .».(٤)
من هنا كانت مهمّة مسلمعليهالسلام هي تعبئة وتنظيم وإعداد القوّة الموالية لأهل
____________________
(١) راجع: تاريخ الطبري، ٣: ٢٧٩.
(٢) الأخبار الطوال: ٢٥١.
(٣) راجع: تاريخ الطبري، ٣: ٢٧٩.
(٤) الجزء الثاني من هذه الدراسة: ص ٣٥٢ - ٣٥٥.
البيتعليهمالسلام والمعارضة للحكم الأمويّ في الكوفة، والوصول بها إلى المستوى الكافي للقيام بكلّ ما تقتضيه متطلبّات ومسؤوليات النهضة مع الإمام الحسينعليهالسلام .
ولاشكّ أنّ الوصول بهذه الحركة والقوّة إلى ذلك المستوى المنشود يحتاج إلى وقت كافٍ تُسدُّ فيه كلّ الثغرات وتستكمل فيه كل النواقص الروحية والعملية، لأنّ الغاية لم تكن إسقاط الحكومة المحليّة في الكوفة فحسب، بل الغاية في الأصل هو إعداد الكوفة روحياً وعملياً- من جديد- كمركز لمواجهة ميدانية فاصلة مع جيش الشام.
وكان الأصل في مهمّة مسلم بن عقيلعليهالسلام هو مواصلة تعبئة وتنظيم وإعداد الحركة الثورية حتى يأتي الإمام الحسينعليهالسلام الى الكوفة، فيواصل من موقعه الذي لايرقى إليه موقع في القلوب قيادة النهضة على طريق تحقيق كامل أهدافها، والمتأمّل في ما كتبه مسلم بن عقيلعليهالسلام من الكوفة إلى الإمامعليهالسلام ، وفي أسلوبه وطريقته في التعامل مع الأحداث سواء في أيام النعمان أو ابن زياد يلحظ هذا الأصل واضحاً جليّاً لاريب فيه.
لقد كان مسلمعليهالسلام يتحاشى المواجهة الميدانية الفاصلة مع الحكومة الأموية المحليّة في الكوفة ما كان ذلك باختياره، حتى يستكمل الإعداد والتحضير من كلّ جهة لمهمّته التي أرسله من أجلها الإمامعليهالسلام الى الكوفة، وكانت الحكومة المحليّة في الكوفة من جهتها أيضاً تتحاشى المواجهة الميدانية الفاصلة مع التكتل الثوري لأنها لم تكن تملك القدرة على ذلك إلّا إذا جاءتها النجدة من الشام.
والمتأمّل في أسلوب وطريقة تعامل عبيداللّه بن زياد مع حركة الأحداث في الكوفة يلحظ بوضوح أنّ هذا الطاغية- على ضوء معرفته ومعرفة أبيه العريقة
بالوضع السياسي والإجتماعي والنفسي في الكوفة، وبرجالها وقبائلها- كان يسعى بدهائه وخبثه وغدره إلى أن يخرج من أزمتها برغم صعوبتها منتصراً دون الحاجة إلى الإستنجاد بجيش الشام، طمعاً في تقوية موقعه الإداري ومركزه القيادي عند يزيد بن معاوية.
وهكذا كان، فقد لجأ إلى حيلة اختراق الحركة من داخلها بواسطة أحد جواسيسه المحترفين المهرة، ثمَّ تواطأ مع عمرو بن الحجاج الزبيدي وغيره من الوجهاء الخونة(١) لاعتقال هانيرضياللهعنه ثمّ لامتطاء موجة غضب مذحج الزاحفة نحو القصر، ثمّ لصرفها عنه وتفريق جموعها، ثمّ للوصول بعد ذلك الى المطلوب الأساس وهو اعتقال مسلمعليهالسلام .
إذا كان اعتقال هانيرضياللهعنه في حسابات ابن زياد يعتبر الخطوة الناجحة الثانية- بعد نجاح خطوته الأولى في اختراق الحركة الثورية من داخلها- علىطريق سعيه لإنهاء الأزمة الكوفية يومذاك، فإنّ اعتقال هانيرضياللهعنه في حسابات مسلم بن عقيلعليهالسلام كان قد مثّل منعطفاً حرجاً خطيراً اضطرّه إلى الخروج عن خطّ السير المرسوم في الأصل، وألجأه إلى قرار استثنائي من أجل
____________________
(١) لايبعد أن يكون لمحمد بن الأشعث الكندي وهو أحد رسله إلى هانيرضياللهعنه علم بأنه يريد اعتقاله وقتله: «وزعموا أنّ أسماء لم يعلم في أيّ شيء بعث إليه عبيداللّه، فأمّا محمّد فقد علم به!..» (تاريخ الطبري، ٣: ٢٨٤)، كمالا يبعد أن يكون لكثير بن شهاب الحارثي المذحجي - المتفاني في نصرة ابن زياد - دور كبير في مساعدة عمرو بن الحجّاج على تفريق جموع مذحج عن القصر، لأنّ من المستبعد أن يغيب مثل هذا الوجيه الخائن عن مثل هذا الحدث وهو من وجهاء مذحج.
معالجة الوضع الطاريء الجديد الذي فرضه ابن زياد على الحركة باعتقاله هانياًرضياللهعنه ، إذ لم يعد أمام مسلمعليهالسلام عندها إلّا أحد اختيارين:
الأوّل: هو البقاء على أصل خطّ السير المرسوم فيمواصلة التعبئة والإعداد والتحضير، لكنّ هذه المواصلة لم تعد ممكنة بعد اعتقال هانيرضياللهعنه وذلك: لأنّ هاني بن عروةرضياللهعنه هو أقوى وأمنع شخصية كوفية من الناحية القبلية- فضلًا عن وجاهته الإجتماعية والدينية وموقعه البارز في حركة الثورة- فإذا تمكّن ابن زياد من اعتقاله ولم يواجه بانتفاضة كبرى جادة مستميتة من قبيلته خاصة ومن حركة الثورة عامة، فإنّ الكوفة بعدها لن تنتفض لإنقاذ أيّ رجل آخر من قبضة ابن زياد، وعندها فما هي فائدة مواصلة التعبئة والإعداد والتحضير!؟ ثمّ إنّ ابن زياد بعدها سيعتقل من يشاء من أشراف ووجهاء الكوفة بلا أدنى محذور، ومعنى هذا أنّ مسلماًعليهالسلام لم يعد آمناً في الكوفة، ولاشك أنّه الرجل الثاني الذي سيُعتقل مباشرة بعد هانيرضياللهعنه الذي كان أقوى وأمنع حصن يمكن أن يحميه.
الثاني: هو التخلّي عن مواصلة الإعداد والتحضير، والتحرك قبل استكمال شرائط التحرك- تحت قهر الضرورة والإضطرار- لمواجهة حاسمة مع السلطة الأموية المحلّية في الكوفة، وهو الإختيار الوحيد الذي لابُدّ من النهوض للقيام به فوراً.
يحدّثنا عبداللّه بن حازم البكري(١) فيقول: «أنا واللّه رسول ابن عقيل إلى القصر في أثر هانيء لأنظر ما صار إليه أمره، فدخلت، فأخبرته الخبر، فأمرني أن
____________________
(١) أورد الطبري إسمه هكذا: «عبداللّه بن حازم الكبريّ، من الأزد، من بني كبير»، (تأريخ الطبري، ٣: ٢٨٨).
أُنادي في أصحابي وقد ملأ الدور منهم حواليه، فقال: نادِ: يا منصور أَمِتْ!(١) فخرجت فناديتُ، وتبادر أهل الكوفة فاجتمعوا إليه، فعقد لعبدالرحمن بن عزيز الكندي على ربيعة، وقال له: سِرْ أمامي. وقدّمه في الخيل، وعقد لمسلم بن عوسجة على مذحج وأسد، وقال له: إنزل فأنت على الرجّالة. وعقد لأبي ثمامة الصائدي على تميم وهمدان، وعقد للعبّاس بن جعدة الجدلي على أهل المدينة، ثمّ أقبل نحو القصر.».(٢)
وفي رواية الإرشاد عن لسان عبداللّه بن حازم قال: «أنا واللّه رسول ابن عقيل إلى القصر لأنظر ما فعل هانيء فلما ضُرب وحُبس ركبتُ فرسي فكنت أوّل الداخلين الدار على مسلم بن عقيل بالخبر، فإذا نسوة لمراد مجتمعات ينادين: يا عبرتاه! ياثكلاه! فدخلتُ على مسلم فأخبرته الخبر، فأمرني أن أُنادي في أصحابه وقد ملأ بهم الدور حوله، فكانوا فيها أربعة آلاف رجل فناديت: يا منصور أمت! فتنادى أهل الكوفة فاجتمعوا عليه، فعقد مسلمرحمهالله لرؤوس الأرباع على القبائل كندة ومذحج وتميم وأسد ومضر وهمدان، وتداعى الناس واجتمعوا، فما لبثنا إلّا قليلًا حتّى امتلأ المسجد من الناس والسوق، ومازالوا يثوبون حتّى المساء ...».(٣)
ويُدهشنا في خبر يرويه الطبري- عن عبّاس الجدلي أحد قيادي جيش مسلمعليهالسلام - أنّ عدد أصحاب مسلمعليهالسلام كان قد تناقص في تحرّكهم من الدور إلى القصر!! غير أنّ الناس قد تداعوا إلى مسلمعليهالسلام من جديد واجتمعوا إليه بعد أن
____________________
(١) كان هذا شعار المسلمين يوم بدر، وفيه تفاؤل بالنصر، وتحريض على إبادة الأعداء.
(٢) مقاتل الطالبيين: ٦٦.
(٣) الإرشاد: ١٩٢؛ تأريخ الطبري، ٣: ٢٨٦.
أقبل في المراديين وأحاط بالقصر: «.. عن عباس الجدلي قال: خرجنا مع ابن عقيل أربعة آلاف، فما بلغنا القصر إلّا ونحن ثلثمائة!! وأقبل مسلم يسير في الناس من مراد حتى أحاط بالقصر، ثُمَّ إنّ الناس تداعوا إلينا واجتمعوا، فواللّه ما لبثنا إلّا قليلًا حتى امتلأ المسجد من الناس والسوق، ومازالوا يتوبثّون حتى المساء ...».(١)
وكان عبيداللّه بن زياد بعد أن ضرب هانياًرضياللهعنه وحبسه، وبعد أن نجح في مؤامرته مع شريح القاضي وعمرو بن الحجّاج الزبيدي في صرف قبيلة مذحج عن القصر وتفريق جموعها، قد بادر الى المسجد- «خشية أن يثب الناس به»(٢) - فصعد المنبر، ومعه أشراف الناس وشُرَطُه وحشمه، «فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال: أمّا بعدُ أيها الناس، فاعتصموا بطاعة اللّه وطاعة أئمتكم، ولاتختلفوا ولاتفرّقوا فتهلكوا وتذلّوا وتُقتلوا وتُجفَوا وتُحرموا، إنّ أخاك من صدقك، وقد أعذر من أنذر.».(٣)
وتواصل الرواية التأريخية الخبر فتقول:
«ثمّ ذهب لينزل، فما نزل عن المنبر حتّى دخلت النظّارة المسجد من قِبَل التمّارين يشتّدون ويقولون: قد جاء ابن عقيل! قد جاء ابن عقيل!
فدخل عبيد اللّه القصر مسرعاً، وأغلق أبوابه».(٤)
وفي رواية ابن أعثم: «فما أتمّ عبيداللّه بن زياد تلك الخطبة حتّى سمع الصيحة، فقال: ما هذا؟ فقيل له: أيها الأمير، الحذر الحذر! هذا مسلم بن عقيل قد أقبل في جميع من بايعه!
____________________
(١) و (٢) تاريخ الطبري، ٣: ٢٨٧.
(٣) تاريخ الطبري، ٣: ٢٨٦؛ وانظر: مقاتل الطالبين: ٦٦؛ والفتوح، ٥: ٨٥ - ٨٦.
(٤) تأريخ الطبري، ٣: ٢٨٦.
فنزل عبيد اللّه عن المنبر مسرعاً، وبادر فدخل القصر وأغلق الأبواب».(١)
وفي رواية أخرى: «فلما بلغ عبيداللّه إقباله تحرّز في القصر، وغلّق الأبواب، وأقبل مسلم حتى أحاط بالقصر، فواللّه ما لبثنا إلّا قليلًا حتّى امتلأ المسجد من الناس والسوقة، ومازالوا يتوثّبون حتّى المساء، فضاق بعبيداللّه أمره.».(٢)
«وأقبل مسلم بن عقيلرحمهالله في وقته ذلك عليه، وبين يديه ثمانية عشر ألفاً أو يزيدون، وبين يديه الأعلام وشاكو السلاح، وهم في ذلك يشتمون عبيداللّه بن زياد ويلعنون أباه.».(٣)
«وأقام النّاس مع ابن عقيل يكبّرون ويتوثّبون حتى المساء وأمرهم شديد.».(٤)
«فضاق بعبيداللّه ذرعه، وكان كبر أمره أن يتمسّك بباب القصر، وليس معه إلّا ثلاثون رجلًا من الشُرط، وعشرون رجلًا من أشراف الناس وأهل بيته ومواليه.».(٥)
فلما سمع وجهاء الكوفة وأشرافها الموالون لابن زياد- الطامعون في دنياه والخائفون من بطشته!- بما يجري عند القصر وحواليه بادروا الى التسلل والإلتحاق بابن زياد في القصر ليثبتوا لأنفسهم حضوراً عنده، تقول الرواية التأريخية: «وأقبل أشراف الناس يأتون ابن زياد من قبل الباب الذي يلي دار
____________________
(١) الفتوح، ٥: ٨٦.
(٢) مقاتل الطالبين: ٦٧.
(٣) الفتوح، ٥: ٨٦.
(٤) تاريخ الطبري، ٣: ٢٨٧.
(٥) تاريخ الطبري، ٣: ٢٨٧.
الروميين».(١)
ولم يكن باستطاعة من كان في القصر مع ابن زياد من أشراف الكوفة الموالين له ومن الشُرَطِ والحشم والخدم أن يصنعوا شيئاً إلّا أن يُشرفوا على الناس من أعلى القصر لينظروا إليهم، ولم يكن جواب الجماهير الثائرة إلّا الحجارة والشتائم وسبّ ابن زياد وأبيه «وجعل من بالقصر مع ابن زياد يشرفون عليهم فينظرون إليهم، فيتّقون أن يرموهم بالحجارة وأن يشتموهم، وهم لايفترون على عبيداللّه وعلى أبيه.».(٢)
يقول الدينوري: «وتحصّن عبيداللّه بن زياد في القصر مع من حضر مجلسه في ذلك اليوم من أشراف أهل الكوفة والأعوان والشُّرَط، وكانوا مقدار مائتي رجل، فقاموا على سور القصر يرمون القوم بالمدرِ(٣) والنُشّاب، ويمنعونهم من الدنوّ من القصر، فلم يزالوا بذلك حتّى أمسوا!».(٤)
تقول رواية الطبري: «ودعا عبيداللّه كثير بن شهاب ابن الحصين الحارثي فأمره أن يخرج فيمن أطاعه من مذحج! فيسير بالكوفة ويخذّل الناس عن ابن
____________________
(١) تاريخ الطبري، ٣: ٢٨٧.
(٢) نفس المصدر السابق.
(٣) المدر: قطع الطين اليابس، وقيل: الطين العلك الذي لارمل فيه، واحدته مَدَرَة، والمدَريّة: رماح كانت تركّب فيها القرون المحدّدة مكان الأسنّة (لسان العرب، ٥: ١٦٢).
(٤) الأخبار الطوال: ٢٣٨.
عقيل ويخوّفهم الحرب ويحذّرهم عقوبة السلطان، وأمر محمّد بن الأشعث أن يخرج فيمن أطاعه من كندة وحضرموت فيرفع راية أمان لمن جاءه من الناس، وقال مثل ذلك للقعقاع بن شور الذهلي، وشبث بن ربعي التميمي، وحجّار بن أبجر العجلي، وشمر بن ذي الجوشن العامري، وحبس سائر وجوه الناس عنده استيحاشاً إليهم لقلّة عدد من معه من الناس.».(١)
ويواصل الطبري روايته قائلًا: «وخرج كثير بن شهاب(٢) يخذّل النّاس عن ابن عقيل، قال أبومخنف: فحدّثني ابن جناب الكلبي: أنّ كثيراً ألفى رجلًا من كلب يُقال له عبدالأعلى بن يزيد، قد لبس سلاحه يريد ابن عقيل في بني فتيان،(٣) فأخذه حتّى أدخله على ابن زياد، فأخبره خبره.
فقال لابن زياد: إنّما أردتك!
قال: وكنت وعدتني ذلك من نفسك!؟ فأمر به فحبُس.
وخرج محمّد بن الأشعث حتى وقف عند دور بني عمارة، وجاء عمارة بن صلخب الأزدي، وهو يريد ابن عقيل، عليه سلاحه، فأخذه فبعث به إلى ابن زياد، فحبسه.».(٤)
____________________
(١) تاريخ الطبري، ٣: ٢٨٧.
(٢) خرج كثير بن شهاب الحارثٍّ المذحجي في مجموعة كبيرة ممّن أطاعه من مذحج كما أمره ابن زياد، والظاهر أنه كان يقطع بعض ضواحي الكوفة عن مركزها كما يُشعر بذلك متن الرواية، وكذلك فعل محمّد بن الأشعث الكندي.
(٣) المراد: في حيّ بني فتيان.
(٤) تاريخ الطبري، ٣: ٢٨٧.
ويبدو أنّ مسلماًعليهالسلام علم أنّ مجموعات ابن زياد التي أخذت تخذّل الناس عنه، بقيادة كثير بن شهاب، ومحمّد بن الأشعث، والقعقاع، وشمر، وشبث، وحجّار، أخذت تقطع عليه المدد من المجاهدين المقبلين إليه من ضواحي الكوفة وتعتقلهم، فبعث بقوّة عسكرية من المسجد بقيادة المجاهد عبدالرحمن بن شريح الشبامي ليدحر ابن الأشعث ويردّه الى القصر، تقول رواية الطبري: «فبعث ابن عقيل إلى محمّد بن الأشعث من المسجد عبدالرحمن بن شريح الشبامي، فمّا رأى محمّد بن الأشعث كثرة من أتاه أخذ يتنحّى- وأرسل القعقاع بن شور الذهلي إلى محمّد بن الأشعث: قد حُلْتُ على ابن عقيل من العرار- فتأخّر عن موقفه فأقبل حتى دخل على ابن زياد من قِبل دار الروميين».(١)
والظاهر أنّ قوات مسلمعليهالسلام لم تدحر مجموعة محمد بن الأشعث فحسب بل دحرت كلّ المجاميع التي أخرجها ابن زياد لرفع رايات الأمان ولتخذيل الناس واعتقال من يمكن اعتقاله من الثوّار، والدليل على هذا أنّ قادة هذه المجاميع مع مجاميعهم عادوا الى القصر مرّة أخرى، والأظهر أنهم عادوا منهزمين مقهورين، وعبيداللّه بن زياد أكثر منهم انكساراً وخوفاً، تقول رواية الطبري: «فلما اجتمع عند عبيداللّه كثير بن شهاب، ومحمّد، والقعقاع، فيمن اطاعهم من قومهم، فقال له كثير- وكانوا مناصحين لابن زياد- أصلح اللّه الأمير، معك في القصر ناس كثير من أشراف الناس ومن شُرطك وأهل بيتك ومواليك، فاخرج بنا إليهم! فأبى عبيداللّه، وعقد لشبث بن ربعي لواءً فأخرجه!».(٢)
____________________
(١) تاريخ الطبري، ٣: ٢٨٧.
(٢) تاريخ الطبري، ٣: ٢٨٧.
ثُمَّ لايذكر التأريخ ماذا صنع لواء شبث بن ربعي! لكنّ بعض المتون التأريخية تشير إلى وقوع قتال شديد، فرواية ابن أعثم الكوفي تقول: «وركب أصحاب عبيداللّه، واختلط القوم، فقاتلوا قتالًا شديداً، وعبيداللّه بن زياد وجماعة من أهل الكوفة قد أشرفوا على جدار القصر ينظرون إلى محاربة النّاس!».(١)
وأمّا ابن نما (ره) فيروي خبراً خاصاً في محتواه، حيث ذكر أنّ أكثر الأشراف الذين كانوا قد بايعوا مسلماًعليهالسلام قد نقضوا البيعة وتخلّوا عنه قبل أن يتوجّه إلى محاربة عبيداللّه بن زياد، ويُستفاد من روايته أنّ القتال الشديد بين الطرفين قد استمرّ إلى الليل!، يقول (ره): «ولما بلغ مسلم بن عقيل خبره(٢) خرج بجماعة ممّن بايعه إلى حرب عبيداللّه بعد أن رأى أكثر من بايعه من الأشراف نقضوا البيعة، وهم مع عبيداللّه، فتحصّن بدار الإمارة، واقتتلوا قتالًا شديداً إلى أن جاء الليل.».(٣)
لعلّ هذا التساول قد انقدح في ذهن كلّ من فكّر وتأمّل في قصة حركة أحداث الكوفة أيّام مسلم بن عقيلعليهالسلام ، وهو سؤالٌ وجيه، يبقى السائل عنده في حيرة واستغراب مالم يُلم بكل المتون التأريخية الواردة في قصة تلكم الأيّام، ويُحيط بشوارد الدلالات الظاهرة والخفيّة فيها، أو يتلقّى الإجابة المقنعة عن ذي علم قد أحاط بها.
____________________
(١) الفتوح، ٥: ٨٦ - ٨٧.
(٢) أي خبر ضرب هانيرضياللهعنه وحبسه من قبل ابن زياد.
(٣) مثير الأحزان: ٣٤؛ كما ذكر السيد ابن طاووس (ره) في (اللهوف: ٢٢) هذا القتال حيث قال: «واقتتل أصحابه وأصحاب مسلم».
ومن مجموع تلكم المتون يمكننا أن نذكّر بمجموعة من الملاحظات التي تتضح وتتحدّد بمعرفتها واستذكارها الإجابة عن هذا التساؤل:
١)- ذكرنا من قبلُ أن قرار المواجهة مع الحكومة المحليّة في الكوفة كان قراراً إستثنائياً فرضته الضرورة التي اضطرّت مسلماًعليهالسلام إلى الخروج عن أصل خط السير في إتمام إعداد وتحضير جموع المبايعين روحياً وعملياً لتحمّل أعباء النهضة مع الإمامعليهالسلام ، والمدّة التي قضاها مسلمعليهالسلام منذ دخوله الكوفة حتى محاصرته القصر وهي حوالي شهرين تعتبر قصيرة إزاء المدّة المطلوبة لإتمام الإعداد والتحضير.
إذن فقد حاصر مسلمعليهالسلام القصر بجموع أكثريتها لم تستكمل الإعداد الكافي، فهي من حيث الناحية الروحيّة لم يزل الشلل النفسي والوهن الروحي يحبّب لهم الدنيّا والعافية والسلامة وكراهية الموت- إنهم يتمنّون لو انتصر مسلم أو الإمامعليهماالسلام ولكن بلا مؤنة على أنفسهم في ذلك!-، ولم يزل إسم (جيش الشام) يثير فيهم أقصى درجات الرعب والإحساس بالهوان والمذلّة!، ومن الناحية العملية فإنّ ارتباطهم القبلي لم يزل- عند الأكثرية منهم- أقوى من الإرتباط الديني، وهذا أخطر ما يمكن أن يضرَّ بالحركة الدينية الثورية آنذاك، وربّما إلى اليوم في بعض بلدان العالم الإسلامي! هذا فضلًا عن عدم استكمال تحضير العدّة الكافية من أسلحة وأموال، وتدريب ووسائل وأساليب الإرتباط والإمداد وما إلى ذلك!
يرى المتتبع ماقلناه في هذه النقطة واضحاً جليّاً في دلالات بعض المتون التأريخية، فهذا عبّاس بن جعدة الجدلي وهو أحد قادة الألويّة في جيش مسلمعليهالسلام يقول: «خرجنا مع ابن عقيل أربعة آلاف، فما بلغنا القصر إلّا ونحن
ثلثمائة!»،(١) وهذا ابن نما (ره) يروي أنّ مسلماًعليهالسلام أحسَّ بالخذلان قبل مهاجمته القصر حيث «رأى أكثر من بايعه من الأشراف نقضوا البيعة وهم مع عبيداللّه!»،(٢) وخذ مثلًا على تفضيل الإنتماء القبلي على الرابطة الدينية رواية الطبري أنّ ابن زياد دعا كثير بن شهاب «فأمره أن يخرج فيمن أطاعه من مذحج فيسير في الكوفة ويخذّل الناس عن ابن عقيل ويخوّفهم الحرب ويحذّرهم عقوبة السلطان، وأمر محمّد بن الأشعث أن يخرج فيمن أطاعه من كندة وحضرموت ..»،(٣) وفيهذا النصّ بالذات إشعار كافٍ أيضاً بالحالة المعنوية المتدنيّة عند الناس يومذاك، والتي كان ابن زياد لعنه اللّه يعرفها جيداً فيهم وفي وجهائهم!
٢)- كان لتفرّق قبيلة مذحج وإنصرافها عن القصر، وبقاء هانيرضياللهعنه رهن الإعتقال وخطر القتل- بعد أن اجتمعت مذحج قاطبة بكلّ فروعها لاستنقاذه أو للثأر له- أثرٌ سيء كبير فيما بعد على المواجهة التي قام بها مسلمعليهالسلام لاستنقاذ هانيرضياللهعنه ، إذ ألقت هذه النهاية الخائبة في روع النّاس- وهذا ما كان يهدف إليه أيضاً ابن زياد وعمرو بن الحجّاج وأمثالهم- أنّه إذا كانت مذحج قبيلة هانيرضياللهعنه نفسه وهي أكبر وأقوى قبيلة في الكوفة لم تستطع إنقاذه، أو رضيت ببقائه معتقلًا عند ابن زياد، فما بال مسلمعليهالسلام يصرُّ على إطلاق سراحه!؟ وهل يقوى بمن معه من هذا الخليط المنوّع من قبائل شتّى أن يحقّق مالم تحققه مذحج نفسها!؟
لقد كان هذا سبباً من اسباب انبعاث الشك في قلوب ضعاف الإيمان من أهل
____________________
(١) تاريخ الطبري، ٤: ٢٧٥.
(٢) مثير الأحزان: ٣٤.
(٣) تاريخ الطبري، ٣: ٢٨٧.
الكوفة- وما أكثرهم!- حول قدرة مسلمعليهالسلام على تحقيق مايريد، ممّا أدّى إلى تراخي الهمّة والعزم فيهم وتفرّقهم عنه.
وإذا تذكّرنا أنّ حادثة اجتماع مذحج وإحاطتها بالقصر ثمّ تفرّقها وإنصرافها عنه قد تزامنت مع قيام مسلمعليهالسلام وإقباله بمن معه لمحاصرة القصر- مع تفاوت زمني قليل جدّاً- علمنا أنه لم يكن هناك متسع من الوقت أمام قيادة الثورة لمعالجة هذا الأثر النفسي السيء الذي سببته النهاية الخائبة لاجتماع مذحج ثمَّ انصرافها.
ولعلّ هذا الأثر النفسيّ السّيء هو الذي يفسّر لنا تناقص عدد جيش مسلمعليهالسلام في بداية الأمر كما حدّثنا بذلك القائد عبّاس الجدلي: «خرجنا مع ابن عقيل أربعة آلاف، فما بلغنا القصر إلّا ونحن ثلثمائة!».
٣)- الظاهر مما توحيه بعض المتون التأرخية أنّ مسلماًعليهالسلام حاصر القصر بعدد من مبايعيه (أربعة آلاف) يشكّل أقل من ثلث العدد الشهير لمجموع مبايعيه (ثمانية عشر ألفاً)، ويبدو أنّ بقيّة هذا المجموع- الذين لم يشتركوا في بدء محاصرة القصر- كانوا مبثوثين في داخل مدينة الكوفة وفي أطرافها وضواحيها، والظاهر أنّ مسلماًعليهالسلام قد أرسل إليهم من يخبرهم بقراره الإستثنائي ويستنفرهم للإلتحاق به، ويبدو أنّ من كان منهم في داخل الكوفة قد استطاع الإلتحاق بمسلمعليهالسلام قبل المساء، بدليل قول القائد عبّاس الجدلي أيضاً: «.. ثمّ إنّ الناس تداعوا إلينا واجتمعوا، فواللّه ما لبثنا إلّا قليلًا حتّى امتلأ المسجد من الناس والسوق ومازالوا يثوبون حتّى المساء ..»،(١) كما أرسل مسلمعليهالسلام إلى قواته الموجودة في أطراف الكوفة، لكنها في الظاهر لم تستطع الوصول الى داخل
____________________
(١) تأريخ الطبري، ٣: ٢٨٧.
الكوفة إلّا بعد تفرّق النّاس وانتهاء الحصار وانقلاب الوضع، مثل اللواء الذي جاء به المختار، واللواء الذي جاء به عبداللّه بن الحارث بن نوفل، حيث وصلا إلى داخل الكوفة بعد فوات الأمر، فاضطّر المختار إلى أن يدّعي أنه جاء لحماية عمرو بن حُريث! بعد أن وضح لهما قتل مسلمعليهالسلام وهانيرضياللهعنه ، ففي رواية تأريخية:
«وكان المختار عند خروج مسلم في قرية له تُدعى (خطوانيّة) فجاء بمواليه يحمل راية خضراء، ويحمل عبداللّه بن الحارث راية حمراء، وركز المختار رايته على باب عمرو بن حريث وقال: أردتُ أن أمنع عمراً! ووضح لهما قتل مسلمعليهالسلام وهانيرضياللهعنه ، وأشير عليهما بالدخول تحت راية الأمان عند عمرو بن حُريث ففعلا، وشهد لهما ابن حريث باجتنابهما ابن عقيل، فأمر ابن زياد بحبسهما بعد أن شتم المختار واستعرض وجهه بالقضيب فشتر عينه، وبقيا في السجن إلى أن قتل الحسينعليهالسلام .».(١)
من هنا، يُفهم أنّ مسلماًعليهالسلام بقي مدّة طويلة من ذلك النهار يستجمع قوّاته وينتظر وصول مالم يصل منها للقيام بعمل عسكري حاسم يؤدي إلى فتح القصر أمام الثّوار والسيطرة عليه وعلى من فيه.
٤)- لايشكُّ المتأمّل العارف بأخلاقية أهل البيتعليهمالسلام السامية وأخلاقية من تربّى في أحضانهم وكنفهم، والمدرك للضرورات السياسية والإجتماعيّة، أنّ مسلم بن عقيلعليهالسلام كان يحرص كلّ الحرص على سلامة هاني بن عروةرضياللهعنه
____________________
(١) مقتل الحسينعليهالسلام ، للمقرّم: ١٥٧ - ١٥٨؛ وفي رواية للطبري «أنّ المختار بن أبي عبيد، وعبداللّه بن الحارث بن نوفل، كانا قد خرجا مع مسلم، خرج المختار براية خضرأ، وخرج عبداللّه براية حمراء وعليه ثياب حمر! وجاء المختار برايته فركزها على باب عمرو بن حريث، وقال: إنّما خرجت لامنع عمراً!»، (تاريخ الطبري، ٣: ٢٩٤).
وعلى انقاذه وإطلاق سراحه محفوظ العزّة والجاه والكرامة، وبرغم أنف ابن زياد ومن شايعه من وجهاء وأشراف الكوفة.
وذلك: لإيمان هانيرضياللهعنه ومظلوميّته وأهميّته، فنصرته واستنقاذه وإعزازه أمرٌ واجب مع القدرة على ذلك، وتتجلّى أهميّة هانيرضياللهعنه - فضلًا عن كونه قياديّاً بارزاً جداً في التكتل الثوري- في كونه القطب الذي يمكن أن تجتمع عند كلمته قبيلة مذحج قاطبة، ففي إطلاق سراحه عزيزاً منتصراً على يد قوّات الثورة- برغم ابن زياد- تعزيز وتقوية لموقعه الرفيع في أهل الكوفة عامة، وفي قبيلة مذحج خاصة التي قد تستشعر فضل الثورة عليها بإطلاق سراح زعيمها معزّزاً مُكرّماً، الأمر الذي قد يدفع جميع مذحج بعد ذلك إلى إطاعة هانيرضياللهعنه في مناصرة الثورة والإنضمام إليها إلى آخر الأمر، ولايخفى ما في جميع ذلك من إذلالٍ للسلطة الأمويّة وكسر لشوكتها وإضعافها، هذا على فرض أنّ المواجهة بين الثوّار والسلطة كانت ستنتهي عند إطلاق سراح هانيرضياللهعنه .
من هنا، يمكن للمتأمّل المتتبع أن يجزم بأنّ الثوّار كانوا قد عزموا على اقتحام القصر، ووضعوا لذلك الخطّة التي تضمن سلامة هانيرضياللهعنه أيضاً.
٥)- هناك إشارات تأريخية تفيد أنّ عبيداللّه كانت قد تزايدت قواته القتالية طيلة نهار ذلك اليوم- يوم حصار القصر- حتّى صار بإمكانها أن تؤخّر عملية اقتحام الثوار للقصر حتّى المساء.
نعم، لعلّ من الصحيح ما ورد أنه لم يكن معه في البدء لما أقبلت قوات مسلمعليهالسلام نحو القصر غير ثلاثين رجلًا من الشُرَط وعشرين رجلًا من اشراف الناس وأهل بيته ومواليه،(١) لكنّ الأشراف والوجهاء الذين كان ميلهممعابنزياد أو
____________________
(١) تأريخ الطبري، ٣: ٢٨٧.
كانوا يخشون أن تصيبهم دائرته تسللّوا إلى داخل القصر مع مواليهم ومن أطاعهم من قبائلهم بخفاء وتدريج: «وأقبل أشراف النّاس يأتون ابن زياد من قبل الباب الذي يلي دار الروميين ..»،(١) حتى بلغ عددهم على مافي رواية الدينوري: «وكانوا مقدار مائتي رجل، فقاموا على سور القصر يرمون القوم بالمدر والنشّاب، ويمنعونهم من الدنّو من القصر، فلم يزالوا بذلك حتّى أمسوا»،(٢) ثمّ ازداد عددهم حتّى عبّر عنه كثير بن شهاب ب (الكثير) حين قال لابن زياد: «أصلح اللّه الأمير، معك في القصر ناس كثير من أشراف النّاس ومن شرطك وأهل بيتك ومواليك فاخرج بنا إليهم!».(٣)
إذن فإنّ قوّة ابن زياد الحربية تزايدت حتّى صار بمقدورها مقاومة الثوّار ومنعهم من الدنوّ من القصر وتأخير اقتحامه حتّى حلول المساء.
هذا فضلًا عن أنّ «من المعلوم أنّ إخضاع القصر بمن فيه لايتمّ خلال ساعة من الحصار، كما أنّ وقت النهار يكاد ينتهي، والهجوم على القصر الضخم البناء الذي أوصد ابن زياد أبوابه الكبيرة بشكل محكم لايسفر عن نتيجة نافعة، إنّه كالهجوم على الصخر- كان القصر مشيّداً بمتانة بالغة، تحكي ذلك أنقاضه الموجودة لحدّ الآن، رغم مرور ألف وثلاثمائة وخمسين عاماً على تشييده، ويكفي أن نتصوّر كون جدار القصر من القوة والسعة بحيث تتمكن الشاحنات من السير فوقه- فلابُدَّ إذن والحالة هذه من المحاصرة المستمرة التي قد تطول أيّاماً
____________________
(١) تأريخ الطبري، ٣: ٢٨٧.
(٢) الأخبار الطوال: ٢٣٨.
(٣) تأريخ الطبري، ٣: ٢٨٧.
حتّى يستسلم من فيه مثلًا، أو يسلّموا هانيء على أقلّ تقدير.».(١)
٦)- لايتردد المتأمّل في المتون التاريخية التي تتحدّث عن نشوب القتال بين الطرفين في القطع بأنّ الثوّار بقيادة مسلمعليهالسلام كانوا قد نفّذوا خطّتهم لاقتحام القصر، وأنّهم قاتلوا قتالًا شديداً لتحقيق النصر، كما أنّ قوّات ابن زياد قد دافعت عن القصر دفاعاً مستميتاً حتّى المساء، ومن هذه المتون التي تشير إلى ذلك قول ابن أعثم الكوفي: «وركب أصحاب عبيداللّه، واختلط القوم، فقاتلوا قتالًا شديداً ..»،(٢) وقول ابن طاووس (ره): «وأقتتل أصحابه وأصحاب مسلم»،(٣) وقول ابن نما (ره): «واقتتلوا قتالًا شديداً إلى أن جاء الليل.».(٤)
يقول الطبري: «.. وأقام النّاس مع ابن عقيل يُكبّرون ويثوبون حتّى المساء، وأمرهم شديد، فبعث عبيداللّه إلى الأشراف فجمعهم إليه ثمّ قال: أشرفوا على النّاس، فمنّوا أهل الطاعة الزيادة والكرامة، وخوِّفوا أهل المعصية الحرمان والعقوبة، واعلموهم فصول الجنود من الشأم إليهم»،(٥) وفي رواية الدينوري:
«لِيُشرفْ كلُّ رجل منكم في ناحية من السور فخوِّفوا القوم! فأشرف كثير بن شهاب، ومحمّد بن الأشعث، والقعقاع بن شور، وشبث بن ربعي، وحجّار بن أبجر، وشمر بن ذي الجوشن، فتنادوا: يا أهل الكوفة! اتقوا اللّه ولاتستعجلوا
____________________
(١) مبعوث الحسينعليهالسلام : ١٨١.
(٢) الفتوح، ٥: ٨٦.
(٣) اللهوف: ٢٢.
(٤) مثير الأحزان: ٣٤.
(٥) تأريخ الطبري، ٣: ٢٨٧.
الفتنة! ولاتشقّوا عصا هذه الأمّة! ولاتوردوا على أنفسكم خيول الشام! فقد ذقتموهم، وجرّبتم شوكتهم!.
فلما سمع أصحاب مسلم مقالتهم فتروا بعض الفتور!!».(١)
ويواصل الطبري رواية النهاية المؤسفة عن لسان عبداللّه بن حازم: «قال:
أشرف علينا الأشراف، فتكلّم كثير بن شهاب أوّل الناس حتّى كادت الشمس أن تجب، فقال: أيّها النّاس، إلحقوا بأهاليكم ولاتعجلوا الشرّ، ولاتعرضوا أنفسكم للقتل، فإنّ هذه جنود أميرالمؤمنين يزيد قد أقبلت! وقد أعطى اللّه الأمير عهداً لئن أتممتم على حربه، ولم تنصرفوا من عشيّتكم، أن يحرم ذرّيتكم العطاء، ويفرّق مقاتلتكم في مغازي أهل الشام على غير طمع، وأن يأخذ البريء بالسقيم، والشاهد بالغائب، حتّى لايبقى له فيكم بقية من أهل المعصية إلّا أذاقها وبال ما جرّت أيديها!
وتكلّم الأشراف بنحوٍ من كلام هذا!
فلما سمع مقالتهم النّاس أخذوا يتفرّقون، وأخذوا ينصرفون!».(٢)
يقول الدينوري: «وكان الرجل من أهل الكوفة يأتي إبنه وأخاه وابن عمّه فيقول: انصرف فإنّ الناس يكفونك! وتجيء المرأة الى ابنها وزوجها وأخيها فتتعلّق به حتّى يرجع!».(٣)
____________________
(١) الأخبار الطوال: ٢٣٩.
(٢) تأريخ الطبري، ٣: ٢٨٧؛ وانظر: الفتوح، ٥: ٨٧.
(٣) الأخبار الطوال: ٢٣٩.
ويروي الطبري: «أنّ المرأة كانت تأتي إبنها وأخاها فتقول: انصرف، الناس يكفونك! ويجيء الرجل إلى إبنه أو أخيه فيقول: غداً يأتيك أهل الشام فما تصنع بالحرب والشر!؟ إنصرف! فيذهب به، فما زالوا يتفرقون ويتصدّعون ..».(١)
وقال ابن أعثم: «فلما سمع النّاس ذلك تفرّقوا وتحادوا عن مسلم بن عقيلرحمهالله ، ويقول بعضهم لبعض: ما نصنع بتعجيل الفتنة، وغداً تأتينا جموع أهل الشام!؟، ينبغي لنا أن نقعد في منازلنا، وندع هؤلاء القوم حتّى يُصلح اللّه ذات بينهم ثمّ جعل القوم يتسلّلون والنهار يمضي ..».(٢)
هذا الإنهيار والتداعي السريع الذي هدم كيان التكتل الكبير الذي كان قد التفّ حول مسلم بن عقيلعليهالسلام كاشف تماماً عن أنّ جماهير هذا التكتل لم تستكمل الإعداد الروحي لمثل هذه المواجهة ولما بعدها من مسؤوليات وتبعات، الإعداد الروحي الذي يستنقذها من مرض الوهن: وهو حبّ الدنيا وكراهية الموت! وحبّ السلامة والعافية! والرضا بالذلّة، والشلل النفسي الذي يتجلّى في السكوت عن الباطل! بل وفي إطاعة الباطل مع المعرفة بأنه باطل ومقارعة الحقّ مع المعرفة بأنه الحقّ!
هذان المرضان اللذان تسرّبا إلى شخصية الإنسان المسلم بعد السقيفة واشتدّا في حياة الأمّة المسلمة بعد كلّ منعطف إنحرافي تلا السقيفة، واشتدّ هذان المرضان بدرجة كبيرة في الشخصية الكوفية خاصة واستحكما فيها في فترة ما
____________________
(١) تأريخ الطبري، ٤: ٢٧٧.
(٢) الفتوح، ٥: ٨٧.
بعد صفّين، وخصوصاً في الأيام التي صار فيها معاوية بلامنازع ينازعه،(١) حتّى صار لكلمة (خيل الشام) أو (جند الشام) أو (جيش الشام) يومذاك أثر رهيب في روع جُلِّ أهل الكوفة خاصة، لما ذاقوه من ويلات ومرارات على يد ذلك الجيش، ولما عانوه في عهد معاوية من سياسات تعمّدت قهرهم خاصة وإذلالهم في جميع جوانب حياتهم، وكانت المواجهة مع (جيش الشام) في أذهان وقلوب جلّ الكوفيين تعني يومذاك المواجهة مع عدوّ لايرقب فيهم إلّا ولاذمّة، ولايتورّع عن انتهاك أعراضهم وحرماتهم وقتل العزّل والأبرياء منهم، وقطع أرزاقهم ومنع العطاء عنهم.
وهذا لايعني أنّ الكوفة قد عُدمت الأخيار الأبرار من أهاليها، بل إنّ في الكوفة، من رجالات المبدأ والعقيدة والجهاد جماعة مثّلوا المستوى الرفيع في الشخصية الإسلامية التي جسّدت النهج القرآنيّ في سيرتها وسلوكها.
لكنّ هؤلاء كانوا القلّة العزيزة النادرة في مجموع أهل الكوفة، ويكفي دليلًا على ذلك قياس مجموع من نصر الإمام الحسينعليهالسلام منهم إلى مجموع من نكل عنه ونقض بيعته وأطاع أعداءه في قتاله وقتله!
فلو كان التكتل الكبير الذي بايع مسلماًعليهالسلام قد نال حظّاً وافراً من الإعداد التربوي والإصلاح الروحي لما تفرّق هذا التفرّق السريع المذهل عن مسلمعليهالسلام ، ولكان فيه بقيّة وافية كافية لإنجاح خطّة مسلمعليهالسلام وقهر ابن زياد، من الرجال القرآنيين الذين لم يُضعف عزائمهم الوهن، ولم يعتورهم الشلل النفسي، الذين أحبّوا الموت والقتل في اللّه من أجل لقاء اللّه، وكرهوا الدنيا بلا عزّة وما أثّاقلوا
____________________
(١) راجع تفاصيل هذه الحقيقة في الجزء الأوّل من هذه الدراسة ؛ المقالة الأولى (حركة النفاق.. قراءة في الهوية والنتائج): ص ٣٦ - ١٣٧.
إلى الأرض، فكان هيهات منهم الذلّة:( الذين قال لهم النّاس إنّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا اللّه ونعم الوكيل، فانقلبوا بنعمة من اللّه وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان اللّه واللّه ذو فضل عظيم ) .(١)
يقول ابن أعثم الكوفي: «فما غابت الشمس حتى بقي مسلم بن عقيل في عشرة أفراس من أصحابه، لا أقلّ ولا أكثر! واختلط الظلام، فدخل مسلم بن عقيل المسجد الأعظم ليصيلّي المغرب، وتفرّق عنه العشرة!
فلما رأى ذلك استوى على فرسه، ومضى في أزقّة الكوفة، وقد أُثخن بالجراحات، حتى صار إلى دار امرأة يُقال لها طوعة ..».(٢)
وقال المفيد (ره): «.. أمسى ابن عقيل وصلّى المغرب ومامعه إلّا ثلاثون نفساً في المسجد، فلما رأى أنه قد أمسى ومامعه إلّا أولئك النفر خرج متوجّهاً نحو أبواب كندة، فما بلغ الأبواب إلّا معه منهم عشرة، ثمّ خرج من الباب فإذا ليس معه إنسان يدلّه!، فالتفت فإذا هو لايحسُّ أحداً يدلّه على الطريق! ولايدلّه على منزله! ولايواسيه بنفسه إنْ عرض له عدوٌّ! فمضى على وجهه متلدداً في أزقّة الكوفة لايدري أين يذهب! حتى خرج إلى دور بني جبلة من كندة، فمشى حتى انتهى إلى باب امرأة يقال لها طوعة ..».(٣)
وقال الدينوري: «فصلّى مسلم العشاء في المسجد، ومامعه إلّا زهاء ثلاثين رجلًا، فلما رأى ذلك مضى منصرفاً ماشياً، ومشوا معه، فأخذ نحو كندة، فلما
____________________
(١) سورة آل عمران، ١٧٣، ١٧٤.
(٢) الفتوح، ٥: ٨٧ - ٨٨.
(٣) الإرشاد: ١٩٤؛ وانظر: تأريخ الطبري، ٣: ٢٨٨؛ ومقاتل الطالبين: ٦٧.
مضى قليلًا التفت فلم يرَ منهم أحداً، ولم يُصب إنساناً يدلُّه على الطريق، فمضى هائماً على وجهه في ظلمة الليل حتى دخل على كندة، فإذا امرأة قائمة على باب دارها تنتظر ابنها، وكانت ممّن خفَّ مع مسلم! ..».(١)
إشارة وتأمّل
هذه أهمّ المتون التأريخية التي روت لنا كيف أمسى مسلم بن عقيل ومامعه إلّا قليل ممّن كان معه- عشرة فرسان على رواية الفتوح، وثلاثون رجلًا ثمّ قلّوا إلى عشرة على رواية المفيد والطبري- ثمّ كيف مضى وحده حتّى وقف على باب المرأة الصالحة طوعة.
وقد أشارت رواية الفتوح إلى أنّ مسلماًعليهالسلام كان قد أُثخن بالجراحات، الأمر الذي يدلُّ على أنهعليهالسلام خاض المعارك التي دارت حول القصر بنفسه، ولم يكن قائداً موجِّهاً مرشداً فحسب، وهذا فضلًا عن كونه دليلًا على شجاعتهعليهالسلام ، فهو دليل أيضاً على نشوب القتال حول القصر، وعلى أنّ الثوّار كانوا قد حاولوا اقتحامه بالفعل!
لكنَّ الذي يُثير التأمّل في هذه المتون هو طريقتها في عرض كيفية تفرّق هؤلاء الرجال القلّة الذين كانوا آخر الناس معه! ففي نصّ الفتوح: «وتفرّق عنه العشرة، فلما رأى ذلك استوى على فرسه ومضى ..»، وفي نصّ المفيد والطبري:
«فما بلغ الأبواب إلّا معه منهم عشرة، ثمّ خرج من الباب فإذا ليس معه إنسان يدلّه، فالتفت فإذا هو لايُحسّ أحداً ..».
هذه الطريقة في عرض الحدث تُلقي في روع المطالع أنّ هؤلاء ليس بينهم
____________________
(١) الأخبار الطوال: ٢٣٩.
وبين جموع الناس الذين انفضّوا بسرعة عن مسلمعليهالسلام إلّا فرق واحد وهو الفارق الزمني في الإنفضاض عنه ليس إلّا! بل تُشعر هذه الطريقة بأنّ هؤلاء القلّة أسوأ بكثير من أولئك الذين انفضّوا عنه بسرعة، وذلك لأنّ هؤلاء تفرّقوا في الختام عنه وهو أحوج ما يكون إليهم، كما تفرّقوا عنه خفية في غفلة منه! هذا ما يُشعر به التعبير «فالتفت فإذا هو لايحسُّ أحداً ...».
وهذا مالايقبل به اللبيب المتدبّر، كما أنه لايوافق طبيعة الأشياء وواقعها، إذ لنا أن نتساءل: ما الذي أبقى هؤلاء إلى الأخير مع مسلمعليهالسلام !؟ أهو الطمع؟ وبماذا يطمع هؤلاء مع قائد قد انفضّ عنه أنصاره وبقي وحيداً غريباً لايدري أين يذهب وإلى أين يأوي!؟
أم هو الخوف من عار الإنصراف عنه بعد مبايعته، لاشجاعة منهم ولاثباتاً!؟
أفلا يعني هذا- في مثل هذا الحدّ الأدنى- أنّ هؤلاء ممن يرعى القيم والأخلاق، ويتجافى عن كلّ ما يعود عليه بالذّم!؟ وهل يُحتمل من مثل هؤلاء مع مثل هذا الحفاظ والأخلاقيّة أن يتفرّقوا في بلدهم خفية وفي لحظة غفلة من صاحبهم الوحيد الغريب في أرضهم!؟
أم أنّ الذي أبقى هؤلاء القلّة مع مسلمعليهالسلام إلى آخر الأمر هو الشجاعة والإيمان والثبات على البيعة؟ وأنّهم كانوا من صفوة المجاهدين في حركة الثّوار تحت راية مسلمعليهالسلام ، ومن صناديد أهل الكوفة؟
وهذا هو الحقّ! إذ لايشكُّ ذو دراية وتأمّل أنّ قادة الألوية الأربعة: مسلم بن عوسجةرضياللهعنه وأبا ثمامة الصائديرضياللهعنه وعبداللّه بن عزيز الكندي (ره) وعباس بن جعدة الجدلي (ره)، وأمثالهم من مثل عبداللّه بن حازم البكري (ره) ونظرائه كانوا من القلّة التي بقيت مع مسلمعليهالسلام إلى آخر الأمر، ذلك لأنّ من
الممتنع على اخلاقية أمثال ابن عوسجةرضياللهعنه والصائديرضياللهعنه وإخوانهم أن يتخلّوا عن مسلمعليهالسلام خصوصاً في ساعة العسرة!
إنّ هؤلاء الصفوة من المجاهدين كانوا ممن اشتهر بالإيمان والإخلاص والشجاعة والثبات، وقد وفّقوا للشهادة في سبيل اللّه، فهذا مسلم بن عوسجةرضياللهعنه ، وهذا أبو ثمامة الصائديرضياللهعنه قد وفّقا للفوز بالشهادة بين يدي الإمام الحسينعليهالسلام في كربلاء، وهذا العبّاس بن جعدة الجدلي (ره) قتله ابن زياد بعد سجن، وهذا عبداللّه- أو عبيداللّه بن عمرو بن عزيز الكندي (ره)- قتله ابن زياد بعد سجن، وهذا عبداللّه بن حازم البكري (ره) المنادي بكلمة السرّ:
يامنصور أمت! ممّن شارك بثورة التوابين وقُتل فيها مما يوحي أنه اختفى أو سجن في أعقاب أحداث الكوفة أيام مسلمعليهالسلام ، وقِسْ على ذلك نظراءهم من صفوة المجاهدين في حركة الثوّار تحت راية مسلم بن عقيلعليهالسلام .
أفهل يُعقلُ أن يتخلّى أمثال هؤلاء عن مسلمعليهالسلام ساعة العسرة ويتفرّقوا عنه في لحظة غفلة منه ويتركوه في الطريق وحيداً غريباً!؟
لاشكّ أنّ التأريخ حينما نقل لنا حادثة تفرّقهم عن مسلمعليهالسلام كان قد نقلها بظاهرها فقط، أي بطريقة «صورة بلاصوت» كما يعبّر عنها في أيّامنا هذه! وذلك لأنه لم يكن بمقدور التأريخ وهو يشاهد حركة الحدث من بُعد أن ينقل إلينا ما دار من حوار بين مسلمعليهالسلام ومن بقي معه إلى آخر الأمر!
إنّ التأريخ لايسجّل الهمس والسرار! وإنّ ما يطمئنّ إليه المتتبع والمتأمّل هو أن مسلماًعليهالسلام اتّفق مع هذه الصفوة على التفرّق فرادى والإختفاء تربّصاً بسنوح الفرصة للإلتحاق بركب الإمام الحسينعليهالسلام القادم إلى العراق لمواصلة الجهاد بين يديه، فلم يكن تفرّقهم عن مسلمعليهالسلام إلّا بأمره وإذنه وعن امتثال لأمره! هذا ما
يفرضه التصوّر السليم والتحليل الصحيح على أساس منطق الواقع وطبيعة الأشياء.
لنعد إلى مواصلة معرفة ما جرى على القائد المفرد الغريب في قلب الكوفة ...
قال الطبري: «طوعة أمُّ ولد كانت للأشعث بن قيس فاعتقها، فتزوّجها أُسيد الحضرمي، فولدت له بلالًا،(١) وكان بلالٌ قد خرج مع النّاس، وأمّه قائمة تنتظره، فسلّم عليها ابن عقيل فردّت عليه.
فقال لها: يا أمةَ اللّه، إسقيني ماءً!
فدخلت، فسقته، فجلس، وأدخلت الإناء ثمّ خرجت.
فقالت: يا عبداللّه، ألم تشرب!؟
قال: بلى.
قالت: فاذهب إلى أهلك.
فسكت! ثم عادت فقالت مثل ذلك، فسكت!
ثمّ قالت له: فىء للّه! سبحان اللّه! يا عبداللّه، فمُرَّ إلى أهلك عافاك اللّه، فإنّه لايصلح لك الجلوس على بابي ولا أُحلّه لك!
____________________
(١) وقال ابن أعثم الكوفي: «كانت فيما مضى أمرأة قيس الكندي، فتزوّجها رجل من حضرموت يُقال له أسد بن البطين، فأولدها ولداً يُقال له أسد» (الفتوح، ٥: ٨٨).
وقال الدينوري: «وكانت ممّن خفَّ مع مسلم» (الأخبار الطوال: ٢٣٩).
و «قيل إنّها كانت مولاة للهاشميين تخدمهم أيّام كانوا في الكوفة خلال خلافة الإمام أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام» (مبعوث الحسينعليهالسلام : ١٩٨).
فقام فقال: يا أمة اللّه، مالي في هذا المصر منزل ولاعشيرة، فهل لك إلى أجرٍ ومعروف؟ ولعليّ مكافئك به بعد اليوم!
فقالت: يا عبداللّه، وماذاك؟
قال: أنا مسلم بن عقيل، كذبني هؤلاء القوم وغرّوني!
قالت: أنت مسلم؟
قال: نعم.
قالت: أُدخل.
فأدخلته بيتاً في دارها غير البيت الذي تكون فيه، وفرشت له، وعرضت عليه العشاء فلم يتعشَّ.
ولم يكن بأسرع من أن جاء ابنها، فرآها تكثر الدخول في البيت والخروج منه فقال: واللّه إنه ليريبني كثرةُ دخولك هذا البيت منذ الليلة وخروجك منه! إنّ لك لشأناً!
قالت: يا بُنيَّ الْهُ عن هذا.
قال لها: واللّه لتخبرنّي!
قالت: أقْبِلْ على شأنك ولاتسألني عن شيء.
فألحَّ عليها، فقالت: يا بُنيّ لاتُحدّثنَّ أحداً من النّاس بما أُخبرك به!
وأخذت عليه الأَيْمانَ فحلف لها، فأخبرته، فاضطجع وسكت! وزعموا أنّه قد كان شريداً(١) من الناس، وقال بعضهم كان يشرب مع أصحاب له ...».(٢)
____________________
(١) الشريد: المفرد (لسان العرب، ٣: ٢٣٧) ولعلّ المراد بها الإنطوائي الذي يكره معاشرة الناس، أو الذي يكره الناس معاشرته.
(٢) تأريخ الطبري، ٣: ٢٨٨؛ وفي الفتوح، ٥: ٨٩: «فلم يكن بأسرع من أن جاء ابنها، فلما أتى وجد =
قال الشيخ المفيد (ره): «ولما تفرّق الناس عن مسلم بن عقيل طال على ابن زياد، وجعل لايسمع لأصحاب ابن عقيل صوتاً كما كان يسمع قبل ذلك، قال لأصحابه: أشرفوا فانظروا هل ترون منهم أحداً؟
فأشرفوا فلم يروا أحداً!
قال: فانظروهم، لعلّهم تحت الظلال قد كمنوا لكم!
فنزعوا تخائج المسجد، وجعلوا يخفضون بشعل النار في أيديهم وينظرون فكانت أحياناً تُضيء لهم، وأحياناً لاتُضيء كما يريدون، فدلّوا القناديل، وأطناب القصب تُشدُّ بالحبال فيها النيران، ثمّ تُدلّى حتى تنتهي إلى الأرض، ففعلوا ذلك في أقصى الظلال وأدناها وأوسطها، حتّى فُعل ذلك بالظلّة التي فيها المنبر، فلما لم يروا شيئاً أعلموا ابن زياد بتفرّق القوم.(١)
____________________
= أمَّه تكثر دخولها وخروجها إلى بيت هناك وهي باكية! فقال لها: يا أمّاه، إنّ أمرك يريبني لدخولك هذا البيت وخروجك منه باكية! فما قصّتُك؟ فقالت: يا ولداه، إنّي مخبرتك بشيء لاتُفشِه لاحد.
فقال لها: قولي ما أحببتِ.
فقالت له: يا بُنيّ، إنّ مسلم بن عقيل في ذلك البيت، وقد كان من قصّته كذا وكذا.. فسكت الغلام ولم يقل شيئاً، ثم أخذ مضجعه ونام».
(١) وفي الأخبار الطوال: ٢٣٩: «ثمّ إنّ ابن زياد لما فقد الأصوات ظنّ أنّ القوم دخلوا المسجد، فقال: انظروا، هل ترون في المسجد أحداً؟ - وكان المسجد مع القصر - فنظروا فلم يروا أحداً، وجعلوا يشعلون اطناب القصب، ثمّ يقذفون بها في رحبة المسجد ليضيء لهم، فتبيّنوا فلم يروا أحداً، فقال ابن زياد: «إنّ القوم قد خُذِلوا، وأسلموا مسلماً، وانصرفوا!».
ففتح باب السدّة التي في المسجد، ثمّ خرج فصعد المنبر، وخرج أصحابه معه، فأمرهم فجلسوا قبيل العتمة، وأمر عمرو بن نافع فنادى: ألا برئت الذمّة من رجل من الشُرط والعرفاء والمناكب أو المقاتلة صلّى العتمة إلّا في المسجد.
فلم يكن إلّا ساعة حتى امتلأ المسجد من الناس، ثمّ أمر مناديه فأقام الصلاة، وأقام الحرس خلفه(١) وأمرهم بحراسته من أن يدخل عليه أحدٌ يغتاله! وصلّى بالنّاس، ثمّ صعد المنبر: فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال:
أمّا بعدُ: فإنّ ابن عقيل السفيه الجاهل قد أتى ما قد رأيتم من الخلاف والشقاق! فبرئت ذمّة اللّه من رجل وجدناه في داره، ومن جاء به فله ديته، إتقوا اللّه عباد اللّه، والزموا طاعتكم وبيعتكم، ولاتجعلوا على أنفسكم سبيلًا. يا حصين بن نمير(٢) ثكلتك أمّك إنّ ضاع باب سكة من سكك الكوفة، أو خرج هذا الرجل ولم تأتني به، وقد سلّطتك على دور أهل الكوفة فابعث مراصد على أهل السكك، وأصبح غداً فاستبرء الدور وَجِسْ خلالها، حتّى تأتيني بهذا الرجل- وكان الحصين بن نمير على شرطته وهو من بني تميم- ثم دخل ابن زياد القصر، وقد عقد لعمرو بن حريث راية وأمّره على الناس ..».(٣)
وفي رواية الفتوح: «ثمّ نزل عن المنبر، ودعا الحصين بن نمير السكّوني فقال:
ثكلتك أمّك إن فاتتك سكّة من سكك الكوفة لم تُطبق على أهلها أو يأتوك بمسلم
____________________
(١) في تأريخ الطبري، ٣: ٢٨٨ «فقال الحصين بن تميم: إنّ شئتَ صلّيت بالناس أو يُصلّي بهم غيرك، ودخلت أنت فصلّيتَ في القصر فإني لا آمن أن يغتالك بعض أعدائك! فقال: مُرْ حَرَسي فيقوموا ورائي كما كانوا يقفون، ودُرْ فيهم، فإني لست بداخل إذن..».
(٢) في تأريخ الطبري، ٣: ٢٨٩ «يا حصين بن تميم».
(٣) الإرشاد: ١٩٥.
ابن عقيل! فواللّه لئن خرج من الكوفة سالماً لنريقنّ أنفسنا في طلبه! فانطلق الآن فقد سلّطتك على دور الكوفة وسككها، فانصب المراصد وجُدَّ الطلب حتّى تأتيني بهذا الرجل.».(١)
ويواصل الشيخ المفيد (ره) سرد بقية القصة قائلًا: «فلما أصبح جلس مجلسه وأذن للناس فدخلوا عليه، وأقبل محمّد بن الأشعث، فقال: مرحباً بمن لايُستغشّ ولايُتَّهم! ثمّ أقعده الى جنبه.
وأصبح ابن تلك العجوز، فغدا إلى عبدالرحمن بن محمّد بن الأشعث، فأخبره بمكان مسلم بن عقيل عند أمّه! فأقبل عبدالرحمن حتى أتى أباه وهو عند ابن زياد فسارّه، فعرف ابن زياد سراره، فقال له ابن زياد بالقضيب في جنبه: قم فأتني به الساعة. فقام، وبعث معه قومه، لأنّه قد علم أنّ كلّ قوم يكرهون أن يُصاب فيهم مسلم بن عقيل، وبعث معه عبيداللّه بن عبّاس السلمي في سبعين رجلًا من قيس، حتى أتوا الدار التي فيها مسلم بن عقيل.».(٢)
وفي رواية الفتوح: «.. واقبل ابن تلك المرأة التي مسلم بن عقيل في دارها إلى عبدالرحمن بن محمّد بن الأشعث فخبّره بمكان مسلم بن عقيل عند أمّه، فقال له عبدالرحمن: أُسكت الآن ولاتُعلم بهذا أحداً من النّاس!(٣) قال: ثمّ أقبل عبدالرحمن بن محمّد إلى أبيه فسارّه في أذنه وقال: إنّ مسلماً في دار طوعة! ثمّ تنحّى عنه.
فقال عبيداللّه بن زياد: ما الذي قال لك عبدالرحمن؟
____________________
(١) الفتوح، ٥: ٩٠.
(٢) الإرشاد: ١٩٦.
(٣) لاشك أنّ عبدالرحمن أمره بكتمان ذلك طمعاً في أن تكون الجائزة له ولأبيه!
فقال: أصلح اللّه الأمير، البشارة العظمى!
فقال: وماذاك؟ ومثلك من بشّر بخير!
فقال: إنّ ابني هذا يخبرني أنّ مسلم بن عقيل في دار طوعة، عند مولاة لنا.
قال: فَسُرَّ بذلك، ثمّ قال: قُم فأت به، ولك ما بذلتُ من الجائزة والحظّ الأوفى!
قال: ثمّ أمر عبيداللّه بن زياد خليفته عمرو بن حريث المخزومي أن يبعث مع محمّد بن الأشعث ثلاثمائة رجل من صناديد أصحابه!
قال: فركب محمد بن الأشعث حتى وافى الدار التي فيها مسلم بن عقيل ..».(١)
وفي رواية الدينوري أنّ عبيداللّه بن زياد أمر ابن حُريث أن يبعث معه مائة رجل من قريش، وكره أن يبعث إليه غير قريش خوفاً من العصبية أن تقع!(٢)
وفي رواية الطبري أنه أمره أن يبعث مع ابن الأشعث ستين أو سبعين رجلا كلّهم من قيس، وإنما كره أن يبعث معه قومه لأنه قد علم أنّ كلّ قوم يكرهون أن يُصادف فيهم مثل ابن عقيل!(٣)
____________________
(١) الفتوح، ٥: ٩١ - ٩٢.
(٢) الأخبار الطوال: ٢٤٠.
(٣) تاريخ الطبري، ٣: ٢٨٩؛ إنّ قريشاً أو قيساً هم عرب الشمال وهم في الأغلب الأعمّ يبغضون عليّاًعليهالسلام لأنه قاتلهم على الإسلام والإيمان وقتل صناديدهم (راجع: تفصيل هذه القضية في مقدمة الجزء الثاني من هذه الدراسة)، أمّا عرب الجنوب وأكثر قبائل الكوفة منها فإنهم في الأغلب الأعمّ من محبّي عليّعليهالسلام خاصة وأهل البيت عامة، وقد كانوا مع عليّعليهالسلام في حروبه.
كان سيّدنا مسلم بن عقيلعليهالسلام قد أبى أن يأكل شيئاً في ليلته الأخيرة، وحرص على أن يُحييها بالعبادة والذكر والتلاوة فلم يزل قائماً وراكعاً وساجداً يصلّي ويدعو ربّه إلى أن انفجر عمود الصبح، لكنّه لشدّة الإعياء من أثر القتال في النهار كان قد أخذته سِنُةٌ من النوم، فرأى في عالم الرؤيا عمّه أميرالمؤمنين عليّاًعليهالسلام ، وبشّره بسرعة التحاقه بمن مضى منهمعليهمالسلام في أعلى عليين.
ففي كتاب نفس المهموم عن كتاب المنتخب للطريحي أنه: «لما أن طلع الفجر جاءت طوعة إلى مسلم بماءٍ ليتوضّأ.
قالت: يا مولاي، ما رأيتك رقدت في هذه الليلة!؟
فقال لها: إعلمي أنّي رقدت رقدة فرأيت في منامي عمّي أميرالمؤمنينعليهالسلام وهو يقول: الوحاء الوحاء، العجل العجل! وما أظنّ إلّا أنه آخر أيّامي من الدنيا!».(١)
يقول الطبري: «فلما سمع وقع حوافر الخيل وأصوات الرجال عرف أنّه قد أُتي، فخرج إليهم بسيفه، واقتحموا عليه الدار، فشدَّ عليهم يضربهم بسيفه حتى أخرجهم من الدار! ثم عادوا إليه فشدّ عليهم كذلك، فاختلف هو وبُكير بن حمران الأحمري ضربتين، فضرب بُكير فمَ مسلم فقطع شفته العُليا واشرع السيف في السفلى ونصلت له ثنّيتاه، فضربه مسلم ضربة في رأسه مُنكرة وثنّى بأخرى على حبل العاتق كادت تطلع على جوفه!، فلما رأوا ذلك أشرفوا عليه من فوق ظهر البيت، فأخذوا يرمونه بالحجارة ويُلهبون النار في أطناب القصب ثم يقلبونها عليه من فوق البيت!، فلما رأى ذلك خرج عليهم مُصلتاً بسيفه في السكّة فقاتلهم!
____________________
(١) نفس المهموم: ٩٩؛ عن المنتخب للطريحي: ٤٦٢، المجلس التاسع من الجزء الثاني.
فأقبل عليه محمّد بن الأشعث فقال: يا فتى! لك الأمان، لاتقتل نفسك!(١) فأقبل يقاتلهم وهو يقول:
أقسمتُ لا أُقتلُ إلّا حُرّا |
وإنْ رأيتُ الموتَ شيئاً نُكرا |
|
كُلُّ امريء يوماً مُلاقٍ شرّا |
ويُخلط البارد سُخناً مُرّا |
|
رُدَّ شعاع الشمس فاستقّرا |
أخافُ أنْ أُكذَبَ أو أُغَرّا(٢) |
فقال له محمّد بن الأشعث: إنّك لاتُكذَب ولاتُخدَع ولاتُغرّ! إنّ القوم بنو عمّك، وليسوا بقاتليك ولاضاربيك!
وقد أُثخن بالحجارة وعجز عن القتال، وانبهر فأسند ظهره إلى جنب تلك الدار، فدنا محمّد بن الأشعث فقال: لك الأمان!
فقال: آمنٌ أنا؟
قال: نعم! وقال القوم: أنت آمن!
غير عمرو بن عبيداللّه بن العبّاس السلمي فإنه قال: لاناقة لي في هذا ولاجمل وتنحّى.
____________________
(١) كان صاحب اقتراح الأمان هو ابن زياد نفسه - كما سوف يأتي - فقد كان يعلم أنّ جنده لايقدرون على مسلمعليهالسلام إلاّ بأمان! ولذا كان ابن زياد قد أوصى ابن الأشعث قائلاً: «أعطه الإمان، فإنّك لن تقدر عليه إلاّ بالأمان!» (الفتوح، ٥: ٩٤).
(٢) في هذه الأبيات الثلاثة - وهي من بحر الرجز - من البلاغة العالية والصدق والحرارة ما يجعل النفوس إلى اليوم تتأثر تأثراً شديداً بها! فهوعليهالسلام يقول: إنّه قد صمّم على الإحتفاظ بحريّته ولو أدّى هذا إلى قتله - والموت لاتشتهيه النفوس عامة وتنفر منه - والإنسان كما يرى ما يسرّه يلاقي أيضاً ما يسوءه، هكذا تتقلب الدنيا بأحوالها وأهلها، فالبارد الحلو لابُدّ ان يُخلط بساخن مُرٍّ، وشعاع الشمس الدافق بالحياة والنشاط لابدّ أن يرتدّ في النهاية ويستقرّ إذا حجب الشمس حجابٌ! وكذا الإنسان لابدّ بعد موت أو قتل أن يهداء ويستقرّ بعد حيوية وتدفّق ونشاط.
وقال ابن عقيل: أما لو لم تؤمنوني ما وضعتُ يدي في أيديكم! وأُتي ببغلة فحُمل عليها، واجتمعوا حوله وانتزعوا سيفه من عنقه! فكأنّه عند ذلك آيس من نفسه، فدمعت عيناه، ثم قال: هذا أوّل الغدر!
قال محمّد بن الأشعث: أرجو ألّا يكون عليك بأس!
قال: ما هو إلّا الرجاء!؟ أين أمانكم!؟ إنّا للّه وإنّا إليه راجعون! وبكى، فقال له عمرو بن عبيداللّه بن عبّاس: إنّ من يطلب مثل الذي تطلب إذا نزل به مثل الذي نزل بك لم يبك!
قال: إني واللّه ما لنفسي أبكي، ولا لها من القتل أرثي، وإن كنت لم أحبّ لها طرفة عين تلفاً، ولكن أبكي لأهلي المقبلين إليَّ! أبكي لحسين وآل حسين!
ثُمَّ أقبل على محمّد بن الأشعث فقال: يا عبداللّه، إنّي أراك واللّه ستعجز عن أماني! فهل عندك خير؟ تستطيع أن تبعث من عندك رجلًا على لساني يُبلغ حسيناً، فإنّي لا اراه إلّا قد خرج إليكم اليوم مقبلًا أو هو خرج غداً، هو وأهل بيته، وإنَّ ما ترى من جزعي لذلك! فيقول إنّ ابن عقيل بعثني إليك، وهو في أيدي القوم أسير! لايرى أن تمشي حتّى تُقتل! وهو يقول إرجع بأهل بيتك ولايغرّك أهل الكوفة، فإنهم أصحاب أبيك الذي كان يتمنّى فراقهم بالموت أو القتل! إنّ أهل الكوفة قد كذبوك وكذبوني، وليس لمكذوب رأي.
فقال ابن الأشعث: واللّه لأفعلنَّ، ولأُعلمنّ ابن زياد أنّي قد آمنتك!(١)
____________________
(١) وروى الطبري قائلاً: «دعا محمّد بن الأشعث إياس بن العثل الطائي من بني مالك بن عمرو بن ثمامة، وكان شاعراً وكان لمحمّد زوّاراً، فقال له: إلقَ حسيناً فأبلغه هذا الكتاب. وكتب فيه الذي أمره ابن عقيل، وقال له: هذا زادك وجهازك ومتعة لعيالك. فقال: من أين لي براحلة فإنّ راحلتي قد أنفضيتها؟ قال: هذه راحلة فاركبها برحلها. ثمّ خرج فاستقبله بزبُالة لأربع ليالٍ، فأخبره الخبر =
... وأقبل محمّد بن الأشعث بابن عقيل إلى باب القصر فاستأذن فأُذِن له، فأخبر عبيداللّه خبر ابن عقيل وضرب بُكير إياه، فقال: بُعداً له! فأخبره محمّد بن الأشعث بما كان منه وما كان من أمانه إيّاه، فقال عبيداللّه: ما أنت والأمان!؟ كأنّا أرسلناك تؤمنه!؟ إنّما أرسلناك تأتينا به. فسكت!
وانتهى ابن عقيل إلى باب القصر وهو عطشان، وعلى باب القصر ناسٌ جلوس يتنظرون الإذن، منهم عمارة بن عقبة بن أبي معيط، وعمرو بن حُريث، ومسلم بن عمرو، وكثير بن شهاب فإذا قُلّة باردة موضوعة على الباب.
فقال ابن عقيل: أسقوني من هذا الماء.
فقال له مسلم بن عمرو: أتراها ما أبردها! لا واللّه لاتذوق منها قطرة أبداً حتّى تذوق الحميم في نار جهنم!
قال له ابن عقيل: ويحك! من أنت؟
قال: أنا ابن من عرف الحقَّ إذ أنكرتَه! ونصح لإمامه إذ غششته! وسمع وأطاع إذ عصيته وخالفت! أنا مسلم بن عمرو الباهلي.
فقال ابن عقيل: لإمّك الثُكل، ما أجفاك وما أفظّك وأقسى قلبك وأغلظك!؟
أنت يا ابن باهلة أولى بالجحيم والخلود في نار جهنّم مني. ثم جلس متسانداً إلى حائط ...
وروى الطبري أيضاً: أنّ عمرو بن حُريث بعث غلاماً له يُدعى سليمان فجاءَه بماءٍ في قُلّة فسقاه ...
____________________
= وبلّغه الرسالة، فقال له حسين: كلُّ ما حُمَّ نازل، وعند اللّه نحتسب أنفسنا وفساد أمتنا!»، (تاريخ الطبري، ٣: ٢٩٠).
وروى أيضاً: أن عُمارة بن عقبة بعث غُلاماً له يُدعى قيساً فجاءه بقُلَّة عليها منديل، ومعه قدح، فصبّ فيه ماءً ثمّ سقاه، فأخذ كُلّما شرب امتلأ القدح دماً! فلما ملأ القدح المرّة الثالثة ذهب ليشرب فسقطت ثنيّتاه فيه! فقال: الحمد للّه، لو كان من الرزق المقسوم شربته!».(١)
روى ابن أعثم الكوفي: «قال: وسمع مسلم بن عقيل وقع حوافر الخيل وزعقات الرجال فعلم أنّه قد أُتي في طلبه، فبادررحمهالله الى فرسه فأسرجه وألجمه، وصبّ عليه درعه، وأعتجر بعمامة، وتقلّد بسيفه، والقوم يرمون الدار الحجارة، ويهلبون النّار في نواحي القصب.
قال: فتبسّم مسلمرحمهالله ! ثم قال: يا نفس اخرجي إلى الموت الذي ليس منه محيص ولاعنه محيد! ثم قال للمرأة: أي رحمك اللّه وجزاك عنّي خيراً، إعلمي أنّما أُوتيت من قبل ابنك! ولكن افتحي الباب.
قال: ففتحت الباب، وخرج مسلم في وجوه القوم كأنّه أسدٌ مُغضَب!، فجعل يضاربهم بسيفه حتّى قتل منهم جماعة!(٢)
____________________
(١) تأريخ الطبري، ٣: ٢٨٩ - ٢٩٠؛ وانظر: الإرشاد: ١٩٧؛ وانظر: مقاتل الطالبيين: ٦٩ - ٧٠.
(٢) نقل المجلسي (ره) عن بعض كتب المناقب أنّ مسلم بن عقيلعليهالسلام كان مثل الأسد، وكان من قوّته أنّه يأخذ الرجل بيده فيرمي به فوق البيت! (راجع: البحار: ٤٤: ٣٥٤).
وقال ابن شهرآشوب: أنفذ عبيداللّه عمرو بن حريث المخزومي ومحمّد بن الأشعث في سبعين رجلاً حتى أطافوا بالدار، فحمل مسلم عليهم وهو يقول:
هو الموت فاصنع وَيْكَ ما أنت صانعُ |
فأنت لكأس الموت لاشكّ جارعُ |
|
فصبرٌ لامر اللّه جلّ جلاله |
فحكم قضاء اللّه في الخلق ذائعُ |
=
وبلغ ذلك عبيداللّه بن زياد، فأرسل الى محمّد بن الأشعث وقال: سبحان اللّه يا عبداللّه! بعثناك الى رجل واحد تأتينا به فأثلم (بأصحابك هذه الثلمة العظيمة! فكتب) إليه محمد بن الأشعث: أيّها الأمير! أما تعلم أنّك بعثتني إلى أسدٍ ضرغام، وسيف حسام، في كفّ بطل همام من آل خير الأنام!؟
قال: فأرسل إليه عبيداللّه بن زياد: أن أعطه الأمان، فإنك لن تقدر عليه إلّا بالأمان.(١)
فجعل محمّد بن الأشعث يقول: ويحك يا ابن عقيل! لاتقتل نفسك، لك الأمان! ومسلم بن عقيل يقول: لاحاجة إلى أمان الغَدَرَة! ثمّ جعل يقاتلهم وهو يقول:
أقسمت لا أُقتَلُ إلّا حُرّا |
ولو وجدت الموت كأساً مُرّا |
|
أكره أنْ أُخدعَ أو أُغَرّا |
كلّ امريء يوماً يُلاقي شرّا |
أضربكم ولا أخاف ضُرّا
قال: فناداه محمّد بن الأشعث وقال: ويحك يا ابن عقيل! إنّك لاتُكذب ولاتُغَرّ! القوم ليسوا بقاتليك فلاتقتل نفسك!
____________________
= فقتل منهم واحداً وأربعين رجلاً!
(١) ونقل المجلسي (ره) عن كتاب محمد بن أبي طالب أنّه: «لما قتل مسلم منهم جماعة كثيرة وبلغ ذلك ابن زياد، أرسل الى محمّد بن الأشعث يقول: بعثناك الى رجل واحد لتأتينا به، فثلم في أصحابك ثلمة عظيمة! فكيف إذا أرسلناك إلى غيره!؟ فأرسل ابن الأشعث: أيها الأمير أتظنّ أنّك بعثتني إلى بقّال من بقّالي الكوفة، أو إلى جرمقانيّ من جرامقة الحيرة!؟ أو لم تعلم أيها الأمير أنك بعثتني إلى أسدٍ ضرغام، وسيف حسام... فأرسل إليه ابن زياد أن اعطه الأمان فإنّك لا تقدر عليه إلاّ به!»، (البحار، ٤٤: ٣٥٤).
قال: فلم يلتفت مسلم بن عقيلرحمهالله إلى كلام ابن الأشعث، وجعل يقاتل حتّى أُثخن بالجراح وضعف عن القتال، وتكاثروا عليه فجعلوا يرمونه بالنبل والحجارة!
فقال مسلم: ويلكم! ما لكم ترمونني بالحجارة كما تُرمى الكفّار!؟ وأنا من أهل بيت الأنبياء الأبرار! ويلكم، أما ترعون حقّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وذرّيته!؟
قال: ثُمَّ حمل عليهم على ضعفه فكسرهم! وفرّقهم في الدروب! ثمّ رجع وأسند ظهره إلى باب دار هناك، فرجع القوم إليه، فصاح بهم محمّد بن الأشعث:
ذروه حتّى أكلّمه بما يُريد.
قال: ثمّ دنا منه ابن الأشعث حتّى وقف قبالته وقال: ويلك يا ابن عقيل! لاتقتل نفسك، أنت آمن ودمك في عنقي!
فقال له مسلم: أتظنّ يا ابن الأشعث أنّي أُعطي بيدي أبداً وأنا أقدر على القتال!؟ لا واللّه لاكان ذلك أبداً!
ثمّ حمل عليه حتّى ألحقه بأصحابه، ثمّ رجع إلى موضعه فوقف وقال: أللّهمّ إنّ العطش قد بلغ منّي! فلم يجسر أحد أن يسقيه الماء ولاقَرُبَ منه!
فأقبل ابن الأشعث على أصحابه وقال: ويلكم! إنّ هذا لهو العار والفشل أن تجزعوا من رجل واحد هذا الجزع! إحملوا عليه بأجمعكم حملة واحدة!
قال: فحملوا عليه وحمل عليهم، فقصده من أهل الكوفة رجل يُقال له بُكير بن حمران الأحمري، فاختلفا بضربتين فضربه بُكير ضربة على شفته العليا،
وضربه مسلم بن عقيل ضربة فسقط الى الأرض قتيلًا(١)
قال: فطُعن من ورائه طعنة فسقط إلى الأرض، فأُخذ أسيراً، ثمّ أُخذ فرسه وسلاحه، وتقدّم رجل من بني سليمان يُقال له عبيداللّه بن العبّاس فأخذ عمامته!».(٢)
ونُقل «أنّهم ا حتالوا عليه وحفروا له حفرة عميقة في وسط الطريق، وأخفوا رأسها بالدغل والتراب، ثم انطردوا بين يديه، فوقع بتلك الحفرة، وأحاطوا به، فضربه ابن الأشعث على محاسن وجهه، فلعب السيف في عرنين أنفه ومحاجر عينيه حتى بقيت أضراسه تلعب في فمه! فأوثقوه وأخذوه أسيراً الى ابن زياد ..».(٣)
روى المسعودي قائلًا: «وقد سلبه ابن الأشعث حين أعطاه الأمان سيفه وسلاحه، وفي ذلك يقول بعض الشعراء في كلمة يهجو فيها ابن الأشعث:
وتركتَ عمّك(٤) أن تقاتل دونه |
فشلًا، ولولا أنت كان منيعا |
|
وقتلتَ وافد آلِ بيت محمّد |
وسلبتَ أسيافاً له ودروعا».(٥) |
____________________
(١) المعروف أنّ بُكير لم يُقتل بضربة مسلم بل جُرح جُرحاً منكراً، وهو الذي أمره ابن زياد بقتل مسلمعليهالسلام بعد ذلك، كما في تأريخ الطبري والإرشاد، لكنّ الدينوري في الأخبار الطوال: ٢٤١ ذكر أنّ الذي تولّى ضرب عنق مسلمعليهالسلام هو أحمر بن بُكير وليس بُكير نفسه.
(٢) الفتوح: ٩٢ - ٩٦؛ وانظر: مقتل الحسينعليهالسلام للخوارزمي، ١: ٣٠٠ - ٣٠٢.
(٣) منتخب الطريحي: ٤٢٧، المجلس التاسع من الجزء الثاني.
(٤) المقصود بعمّك هانيرضياللهعنه لأنّ هائناً من القبائل اليمنية التي منها ابن الأشعث.
(٥) مروج الذهب، ٣: ٦٨؛ وقال الأخ المحقق محمد علي عابدين: «وليس السلب بأمر مستغرب على محمّد بن الأشعث، أو عائلته المعروفة بهذه الأفعال! فإبنه عبدالرحمن هو (الذي سلب الحسين بن علي قطيفة بكربلأ، فسمّاه أهل الكوفة: عبدالرحمن قطيفة! - مختصر البلدان لابن =
روى ابن أعثم الكوفي: «قال: فأُدخل مسلم بن عقيل على عبيداللّه بن زياد فقال له الحرسي: سلّم على الأمير!
فقال له مسلم: أُسكت لا أُمَّ لك! مالك وللكلام!؟ واللّه ليس هو لي بأميرٍ فأسلّم عليه!(١) وأخرى فيما ينفعني السلام عليه وهو يريد قتلي!؟ فإن استبقاني فسيكثر عليه سلامي!(٢)
فقال له عبيداللّه بن زياد: لاعليك! سلّمتَ أم لم تسلّم، فإنك مقتول!
فقال مسلم بن عقيل: إن قتلتني فقد قتل شرٌّ منك من كان خيراً منّي!
____________________
= الفقيه: ص ١٧٢، ط.ليدن -).»، (مبعوث الحسينعليهالسلام : ٢٢٩)؛ ولكنّ المشهور أنّ أخاه قيس بن الأشعث هو الذي فعل ذلك.
وقال الشيخ القرشي: «وعمد بعض أجلاف أهل الكوفة فسلبوا رداء مسلم وثيابه!»، (حياة الإمام الحسين بن عليعليهماالسلام ، ٢: ٤٠٩).
(١) نقل الطريحي أنّ مسلماًعليهالسلام حينما دخل ديوان القصر على ابن زياد قال له القوم سلّم على الأمير! فقال: « السلام على من اتّبع الهدى، وخشي عواقب الردى، وأطاع الملك الأعلى..» (المنتخب: ٤٢٧، المجلس التاسع من الجزء الثاني).
(٢) يستشعر العارف بالعزّة الهاشمية أنّ هذه العبارة: «فإن استبقاني فسيكثر سلامي عليه!» كما تتنافى مع الإباء الهاشمي تتنافى أيضاً مع معرفة مسلمعليهالسلام التامّة بنفسية ابن زياد - كما ستكشف عن ذلك بقيّة المحاورة بينهما - بل إنّ هذه العبارة تجسيد لسذاجة قد افتعلها بعض المؤرخين على مسلمعليهالسلام ، واين هي من سلامه العزيز الأبيّ: «السلام على من اتبع الهدى وخشي عواقب الردى واطاع الملك الأعلى» الذي نقلناه عن الطريحي!؟ ومن الغريب المؤسف أن تلك العبارة قد رواها أيضاً - أو مايشابهها - الطبري في تأريخه ٣: ٢٩٠؛ والمفيد في إرشاده:١٩٨؛ وابو الفرج في مقاتل الطالبيين: ٧٠ والدينوري في الأخبار الطوال: ٢٤٠ وغيرهم.
فقال له ابن زياد: يا شاقّ! يا عاقّ! خرجتَ على إمامك وشققت عصا المسلمين وألقحتَ الفتنة!
فقال مسلم: كذبتَ يا ابن زياد! واللّه ما كان معاوية خليفة بإجماع الأمّة، بل تغلّب على وصيّ النبيّ بالحيلة، وأخذ عنه الخلافة بالغصب، وكذلك ابنه يزيد! وأمّا الفتنة فإنك ألقحتها أنت وأبوك زياد بن علاج من بني ثقيف! وأنا أرجو أن يرزقني اللّه الشهادة على يدي شرّ بريّته! فواللّه ما خالفت ولاكفرتُ ولابدّلتُ! وإنّما أنا في طاعة أميرالمؤمنين الحسين بن علي، بن فاطمة بنت رسول اللّهصلىاللهعليهوآله ، ونحن أولى بالخلافة من معاوية وابنه وآل زياد!
فقال له ابن زياد: يا فاسق! ألم تكن تشرب الخمر في المدينة!؟(١)
فقال مسلم بن عقيل: أحقُّ واللّهِ بشرب الخمر منّي من يقتل النفس الحرام (ويقتل على الغضب والعداوة والظنّ) وهو في ذلك يلهو ويلعب كأنه لم يصنع شيئاً!
فقال له ابن زياد: يا فاسق! منّتك نفسك أمراً أحالك اللّه دونه وجعله لأهله!
____________________
(١) هذه سُنّة الطواغيت وأجهزتهم الإعلامية في تشويه سمعة كلّ ثائر للحقّ في وجوههم، فتهمة الخمر والقمار والزنا وماهو أقبح من ذلك! أوّل قذائف الطغاة لإسقاط سمعة الثائرين وفي رواية الطبري، ٣: ٢٩١ أنّ مسلماًعليهالسلام أجاب ابن زياد قائلاً: «أنا أشرب الخمر!؟ واللّه إنّ اللّه ليعلم أنك غير صادق، وأنك قلت بغير علمٍ، وأني لست كما ذكرتَ، وإنّ أحقّ بشرب الخمر منّي وأولى بها من يلغ في دماء المسلمين ولغاً فيقتل النفس التي حرّم اللّه قتلها، ويقتل النفس بغير النفس، ويسفك الدم الحرام، ويقتل على الغضب والعداوة وسوء الظنّ، وهو يلهو ويلعب كأن لم يصنع شيئاً!».
فقال مسلم بن عقيل: ومن أهله يا ابن مرجانة!؟(١)
فقال: أهله يزيد ومعاوية!
فقال مسلم بن عقيل: الحمدُ للّه، كفى باللّه حكماً بيننا وبينكم!
فقال ابن زياد لعنه اللّه: أتظنّ أنّ لك من الأمر شيئاً!؟
فقال مسلم بن عقيل: لا واللّه ماهو الظنّ ولكنه اليقين!
فقال ابن زياد: قتلني اللّه إن لم أقتلك!
فقال مسلم: إنّك لاتدع سوء القتلة وقبح المثلة وخبث السريرة!(٢) واللّه لو كان معي عشرة ممّن أثق بهم، وقدرتُ على شربة من ماءٍ لطال عليك أن تراني في هذا القصر! ولكنْ إن عزمت على قتلي ولابدّ لك من ذلك فأقم إليَّ رجلًا من قريش أوصي إليه بما أُريد.
فوثب(٣) إليه عمر بن سعد بن أبي وقّاص، فقال: أوصِ إليَّ بما تريد يا ابن
____________________
(١) الإنتقال هنا إلى مخاطبة ابن زياد بأمّه مرجانة إلتفاتة ذكية من مسلمعليهالسلام وفي موضعها تماماً، لما اشتهرت به مرجانة من الزنا وعدم العفاف! حتّى لا يُلحق عبيداللّه نفسه فيمن يدّعي أنهم أهل هذا الأمر!
(٢) في تاريخ الطبري، ٣: ٢٩١ إضافة «ولؤم الغلبة!».
(٣) في تأريخ الطبري، ٣: ٢٩٠ «قال: فدعني أوصِ إلى بعض قومي. فنظر إلى جلساء عبيداللّه وفيهم عمر بن سعد، فقال: ياعمر، إنّ بيني وبينك قرابة، ولي إليك حاجة، وقد يجب عليك نجح حاجتي وهو سرُّ. فأبى أن يمكّنه من ذكرها! فقال له عبيداللّه: لاتمتنع أن تنظر في حاجة ابن عمّك! فقام معه، فجلس حيث ينظر إليه ابن زياد..».
وفي الإرشاد:١٩٨: «فامتنع عمر أن يسمع منه! فقال له عبيداللّه: لِمَ تمتنع أن تنظر في حاجة ابن عمّك! فقام معه، فجلس حيث ينظر إليهما ابن زياد..». =
عقيل! ((١) فقال له مسلم: أوصيك بتقوى اللّه، فإنّ التقوى درك كلّ خير، ولي إليك حاجة!
فقال عمر: قل ما أحببت.
فقال: حاجتي إليك أن تستردّ فرسي وسلاحي من هؤلاء القوم فتبيعه، وتقضي عني سبعمائة درهم استدنتها في مصركم هذا، وأن تستوهب جثّتي إن قتلني هذا الفاسق!، فتواريني في التراب، وأن تكتب للحسين: أن لايقدم فينزل به ما نزل بي!
فقال عمر بن سعد: أيّها الأمير! إنّه يقول كذا وكذا!(٢)
فقال ابن زياد: يا ابن عقيل! أمّا ما ذكرتَ من دَينك فإنّما هو مالك تقضي به دينك، ولسنا نمنعك أن تصنع به ما أحببت، وأمّا جسدك فإنّا إذا قتلناك فالخيار لنا، ولسنا نبالي ما صنع اللّه بجثّتك!(٣) وأمّا الحسين فإنه إن لم يُردنا لم نرده، وإن ارادنا
____________________
= وفي مقتل الحسينعليهالسلام للخوارزمي، ١: ٣٠٥ وهو ينقل عن ابن أعثم الكوفي نفسه، لاتوجد كلمة «فوثب إليه عمر بن سعد..»! بل فيه: «ثمّ نظر مسلم إلى عمر بن سعد بن أبي وقّاص فقال له: إنّ بيني وبينك قرابة فاسمع منّي. فامتنع! فقال له ابن زياد: ما يمنعك من الإستماع لابن عمّك!؟ فقام عمر إليه، فقال له مسلم: أوصيك بتقوى اللّه...».
(١) ما بين القوسين مأخوذ عن مقتل الحسينعليهالسلام ؛ للخوارزمي، لأنه ينقل ذلك عن كتاب ابن أعثم الكوفي نفسه، ولأنّ ما ينقله اصفى وأنقى من اضطراب نسخة الفتوح التي ننقل عنها.
(٢) في تاريخ الطبري، ٣: ٢٩١: «فقال له: إنّ عليَّ بالكوفة ديناً استدنته منذ قدمت الكوفة سبعمائة درهم فاقضها عنّي، وانظر جثّتي فاستوهبا من ابن زياد فوارها، وابعث إلى حسين من يردّه فإنّي قد كتبتُ إليه أُعلمه أنّ الناس معه، ولا أراه إلاّ مقبلاً! فقال عمر لابن زياد: أتدري ما قال لي؟ إنه ذكر كذا وكذا! قال له ابن زياد: إنه لايخونك الأمين ولكن قد يؤتمن الخائن!».
(٣) كثيراً ما يُلفتُ الإنتباه أسلوب الأمويين وعمّالهم في التعبير عن أعمالهم بأنها عمل اللّه! =
لم نكفّ عنه!)، ولكنّي أريد أن تخبرني يا ابن عقيل، بماذا أتيت الى هذا البلد!؟
شتّت أمرهم، وفرّقت كلمتهم، ورميت بعضهم على بعض!
فقال مسلم بن عقيل: ليس لذلك أتيت هذا البلد، ولكنّكم أظهرتم المنكر، ودفنتم المعروف، وتأمّرتم على الناس من غير رضا، وحملتموهم على غير ما أمركم اللّه به، وعملتم فيهم بأعمال كسرى وقيصر، فأتيناهم لنأمر فيهم بالمعروف وننهاهم عن المنكر، وندعوهم إلى حكم الكتاب والسُنَّة، وكنّا أهل ذلك، ولم تزل الخلافة لنا منذ قُتل أميرالمؤمنين علي بن ابي طالب، ولاتزال الخلافة لنا، فإنّا قُهرنا عليها، لأنكم أوّل من خرج على إمام هدىً، وشقّ عصا المسلمين، وأخذ هذا الأمر غصباً، ونازع أهله بالظلم والعدوان! ولانعلم لنا ولكم مثلًا إلّا قول اللّه تبارك وتعالى: «وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون»(١)
.. فجعل ابن زياد يشتمُ عليّاً والحسن والحسينرضياللهعنهم !
فقال له مسلم: أنت وأبوك أحقّ بالشتيمة منهم! فاقض ما أنت قاض! فنحن أهل بيت موكول بنا البلاء!
فقال عبيداللّه بن زياد: إلحقوا به إلى أعلى القصر فاضربوا عنقه، وألحقوا رأسه جسده!(٢)
فقال مسلمرحمهالله : أما واللّه يا ابن زياد! لو كُنتَ من قريش أو كان بيني
____________________
= والإيحاء للنّاس بأنّ حكمهم النّاس من أمر اللّه - فلا يُعترض عليه! - هاهو ابن زياد لايقول ما صنعنا بجثّتك، بل يقول: ما صنع اللّه بجثتك!
(١) سورة الشعرأ: ٢٢٧.
(٢) وهنا قال مسلمعليهالسلام - على رواية الطبري: «يا ابن الأشعث! أما واللّه لولا أنّك آمنتني ما استسلمتُ! قم بسيفك دوني فقد أخْفِرَتْ ذمّتك!» (تأريخ الطبري، ٣: ٢٩١).
وبينك رحم أو قرابة لما قتلتني، ولكنّك ابن أبيك!
قال: فأدخله ابن زياد القصر، ثُمّ دعا رجلًا من أهل الشام قد كان مسلم بن عقيل ضربه على رأسه ضربة منكرة، فقال له: خُذ مسلماً واصعد به إلى أعلى القصر، واضرب عنقه بيدك ليكون ذلك أشفى لصدرك!».(١)
«فأُصعد مسلم بن عقيلرحمهالله إلى أعلى القصر، وهو في ذلك يسبّح اللّه تعالى ويستغفره، وهو يقول: أللّهمّ احكم بيننا وبين قوم غرّونا وخذلونا.
فلم يزل كذلك حتى أُتي به الى أعلى القصر، وتقدّم ذلك الشاميّ فضرب عنقه!».(٢)
وفي رواية الطبري: «.. ثمّ قال ابن زياد: أين هذا الذي ضرب ابنُ عقيل رأسه بالسيف وعاتقه. فدُعي، فقال: إصعد فكن أنت الذي تضرب عنقه! فصُعد به وهو يكبّر ويستغفر ويصلّي على ملائكة اللّه ورسله، وهو يقول: أللّهم احكم بيننا وبين قوم غرّونا وكذبونا وأذلّونا. وأُشرف به على موضع الجزّارين(٣) اليوم فضربت عنقه، وأُتبع جسده رأسه!».(٤)
____________________
(١) الفتوح، ٥: ٩٧ - ١٠٣؛وانظر: مقتل الحسينعليهالسلام للخوارزمي، ١: ٣٠٤ - ٣٠٦.
(٢) الفتوح، ٥: ١٠٣.
(٣) الإرشاد: ١٩٩: «على موضع الحذّائين».
(٤) تأريخ الطبري، ٣: ٢٩١.
«.. نزل الأحمريُّ بُكير بن حمران(١) الذي قتل مسلماً، فقال له ابن زياد: قتلته؟
قال: نعم.
قال: فما كان يقول وأنتم تصعدون به؟
قال: كان يكبّر ويسبّح ويستغفر! فلما أدنيته لأقتله قال: أللّهم أحكم بيننا وبين قوم كذّبونا وغرّونا وخذلونا وقتلونا! فقلتُ له: أُدنُ منّي، الحمد للّه الذي أقادني منك! فضربته ضربة لم تُغنِ شيئاً! فقال: أما ترى في خَدْش تُخدشنيه وفاءً من دمك أيها العبد!؟
فقال ابن زياد: وفخراً عن الموت؟؟
قال: ثمّ ضربته الثانية فقتلته.».(٢)
قال ابن أعثم الكوفي: «ثُمَّ نزل الشاميّ إلى عبيداللّه بن زياد وهو مدهوش!
فقال له ابن زياد: ما شأنُك!؟ أقتلته؟
قال: نعم، أصلح اللّه الأمير! إلّا أنّه عرض لي عارض، فأناله فزعٌ مرهوب!
فقال: ما الذي عرض لك!؟
قال: رأيتُ ساعة قتلتُه رجلًا حذاي، أسود كثير السواد، كريه المنظر، وهو عاضٌّ على إصبعيه- أو قال: شفتيه- ففزعتُ منه فزعاً لم أفزع قطّ مثله!
____________________
(١) في الأخبار الطوال: ٢٤١ أنّ الذي تولّى قتل مسلمعليهالسلام أحمر بن بُكير.
(٢) تأريخ الطبري، ٣: ٢٩١.
فتبسّم ابن زياد وقال له: لعلّك دُهشت!؟ وهذه عادة لم تعتدها قبل ذلك!!».(١)
«قال: ثمّ أمر عبيداللّه بن زياد بهانيء بن عروة أن يُخرج فيُلحق بمسلم بن عقيل، فقال محمّد بن الأشعث: أصلح اللّه الأمير، إنك قد عرفت شرفه في عشيرته، وقد عرف قومه أنّي وأسماء بن خارجة جئنا به إليك فأُنشدك اللّه أيها الأمير (إلّا) وهبته لي، فإني أخاف عداوة أهل بيته! فإنّهم سادات أهل الكوفة وأكثرهم عدداً!
قال: فزبره ابن زياد! ثمّ أمر بهانيء بن عروة فأُخرج إلى السوق إلى موضع يُباع فيه الغنم، وهو مكتوف.
قال: وعلم أنه مقتول فجعل يقول: وامذحجاه! واعشيرتاه!
ثمّ أخرج يده من الكتاف وقال: أما من شيء فأدفع به عن نفسي!؟(٢)
قال: فصكّوه، ثمّ اوثقوه كتافاً، فقالوا: أُمددْ عنقك!
فقال: لا واللّه، ما كنتُ الذي أعينكم على نفسي.(٣)
____________________
(١) تأمّل كيف يبلغ الشلل النفسي والوهن والذُلّ مبلغاً فظيعاً في أهل الكوفة عامة وفي مذحج خاصة، فهاهو سيد الكوفة و كبيرها يخرج به الى السوق ليقتل بمرأى من الناس و مذحج تملأ الكوفة و سككها و هو يستغيث بها! و لا تأخذ أحداً منهم الغيرة والحمية والدين فينبرى لإنقاذه! تُرى اين اختفت مذحج تلك الساعة وهي عدد الحصى!؟
(٢) في مقتل الحسينعليهالسلام للخوارزمي: ١: ٣٠٧ «ثمّ أخرج من الكتاف يده للمدافعة وقال: أما من عصا أو سكين أو حجر أو عظم يجاحش به الرجل عن نفسه!؟».
(٣) وفي تاريخ الطبري، ٣: ٢٩١ «ثمّ قيل له: أمدد عنقك! فقال: ما أنا بها مُجْدٍ سخيُّ وما أنا بمعينكم على نفسي!».
فتقدّم إليه غلام لعبيداللّه بن زياد يُقال له رشيد،(١) فضربه بالسيف فلم يصنع شيئاً!
فقال هانيء: إلى اللّه المعاد، أللّهم إلى رحمتك ورضوانك، أللهم اجعل هذا اليوم كفارة لذنوبي! فإنّي إنما تعصّبت لابن بنت نبيّكصلىاللهعليهوآله .
فتقدّم رشيد وضربه ضربة أخرى فقتلهرحمهالله .».(٢)
ثمّ قام جلاوزة ابن زياد لعنهم اللّه بسحل الجثتين الزكيتين في الشوارع وفي السوق، فقد روى الطبري أنّ عبداللّه بن سليم، والمذري بن المشمل، الأسديين أخبرا الإمام الحسينعليهالسلام في منطقة زرود عن لسان الأسديّ الذي كان يحمل خبر مقتل مسلمعليهالسلام أنّه «لم يخرج من الكوفة حتّى قُتل مسلم بن عقيل وهانيء بن عروة، وحتّى رآهما يُجرّان في السوق بأرجلهما ..».(٣)
«ثمّ أمر عبيداللّه بن زياد بمسلم بن عقيل وهانيء بن عروةرحمهماالله فصُلبا جميعاً منكّسَيْن، وعزم أن يوجّه برأسيهما إلى يزيد بن معاوية.».(٤)
«ولما صُلب مسلم بن عقيل، وهاني بن عروة، قال فيهما عبداللّه بن الزبير
____________________
(١) هو مولى لعبيداللّه بن زياد، تركيّ، وكان في معركة الخارز مع عبيداللّه بن زياد، فيصر به عبدالرحمن بن حصين المرادي، فقال النّاس: هذا قاتل هاني بن عروة! فقال ابن الحصين: قتلني اللّه إنْ لم أقتله أو أقتل دونه! فحمل عليه بالرمح فطعنه فقتله. (راجع: تأريخ الطبري، ٣: ٢٩١).
(٢) الفتوح، ٥: ١٠٤ - ١٠٥.
(٣) تأريخ الطبري، ٣: ٣٠٣؛ ومقتل الحسينعليهالسلام للخوارزمي، ١: ٣٢٧ - ٣٢٨.
(٤) الفتوح، ٥: ١٠٥.
الأسدي:
إذا كُنتِ لاتدرينَ ما الموت فانظري |
إلى هانيءٍ بالسوق وابن عقيلِ |
|
إلى بطلٍ قد هشّم السيف وجهه |
وآخر يهوي من طمارِ قتيلِ |
|
ترَيْ جسداً قد غيّر الموتُ لونه |
ونضحُ دمٍ قد سال كُلَّ مسيلِ |
|
فتىً كان أحيى من فتاة حييّةٍ |
وأقطع من ذي شفرتين صقيلِ |
|
وأشجع من ليثٍ بخفّان مُصحرٍ |
وأجرأَ من ضارِ بغابةِ غيلِ |
|
أصابهما أمر الأمير فأصبحا |
أحاديثَ من يسري بكُلّ سبيلِ |
|
أيركبُ أسماء(١) الهماليج آمناً |
وقد طلبته مذحجٌ بذُخولِ |
|
تطوف حواليه مُرادٌ وكُلُّهم |
على رِقبَة من سائل ومسولِ |
|
فإن أنتمُ لم تثأروا لأخيكمُ |
فكونوا بغايا أُرضيت بقليلِ».(٢) |
____________________
(١) أسماء: هو أسماء بن خارجة، والهماليج: جمع هملاج وهو من البراذين، ومشيها الهملجة، فارسيُّ مُعرّب، والهملجة: حسنُ سير الدابّة في سرعة.، (راجع: لسان العرب، ٢: ٣٩٣).
(٢) مقتل الحسينعليهالسلام ، للخوارزمي، ١: ٣٠٨ ينقلها عن الفتوح لإبن أعثم، ويبدو أنّ هذه القصيدة في وقتها كانت من المنشورات السياسية الممنوعة التي يُعاقب الطغاة عليها، حتّى أختلف في قائلها فقد نسبها الدينوري الى عبدالرحمن بن الزبير الأسدي (الأخبار الطوال: ٢٤٢) واحتمل ابن الأثير أنها للفرزدق (الكامل في التاريخ، ٣: ٢٧٤) وكذلك الطبري في تأريخه، ٣: ٢٩٣، كما وردت هذه الأبيات في المصادر التأريخية بتفاوت ملحوظ.
«ثمّ إنّ عبيداللّه بن زياد لما قتل مسلم بن عقيل وهانيء بن عروة دعا بعبدالأعلى الكلبي الذي كان أخذه كثير بن شهاب في بني فتيان، فأُتيَ به، فقال له:
أخبرني بأمرك!
فقال: أصلحك اللّه خرجت لأنظر ما يصنع الناس، فأخذني كثير بن شهاب!
فقال له: فعليك وعليك من الأيمان المغلّظة إن كان أخرجك إلّا ما زعمت!؟
فأبى أن يحلف! فقال عبيداللّه: انطلقوا بهذا إلى جبّانة السبع فاضربوا عنقه بها! فانطُلِقَ به فضُربَت عنقه.
وأُخرج عمارة ابن صلخب الأزدي، وكان ممّن يريد أن يأتي مسلم بن عقيل بالنصرة لينصره، فأُتي به أيضاً عبيداللّه، فقال له: ممّن أنت!؟
قال: من الأزد.
قال: إنطلقوا به إلى قومه! فضُربت عنقه فيهم!».(١)
«فارس شجاع من الشيعة في الكوفة، ومن أصحاب أمير المؤمنينعليهالسلام ،
____________________
(١) تأريخ الطبري، ٣: ٢٩٢.
(٢) وذكره أبوالفرج الأصبهاني باسم عبدالرحمن بن عزيز الكندي (مقاتل الطالبين: ٦٦)، وذكره الخوارزمي باسم عبداللّه الكندي (مقتل الحسينعليهالسلام ، ١: ٢٩٧).
وشهد مشاهده، وبايع لمسلم وكان يأخذ البيعة له، وأمر ابن زياد بقتله».(١)
وهو أحد القادة الأربعة الذين عقد لكلّ منهم مسلمعليهالسلام راية، وعقد له مسلمعليهالسلام على ربع كندة وربيعة وقال: سِرْ أمامي في الخيل.(٢)
«كان من الشيعة المخلصين في الولاء، وبايع مسلماً، وكان يأخذ البيعة للحسينعليهالسلام ، ولما تخاذل الناس عن مسلم أمر ابن زياد بالقبض عليه وحبسه، ثمّ بعد شهادة مسلم قُتل شهيداً.».(٣)
وهو الذي عقد له مسلمعليهالسلام على ربع المدينة.(٤)
كان المختار (ره) وعبداللّه بن الحارث بن نوفل قد خرجا مع مسلم، خرج المختار براية خضراء، وخرج عبداللّه براية حمراء وعليه ثياب حمر.(٥)
ولكنّهما دخلا الكوفة بعد فوات الأمر وانتهاء الحصار وبعد قتل مسلمعليهالسلام وهانيرضياللهعنه ،(٦) فلما عرفا ذلك، ركز المختار رايته على باب عمرو بن حُريث وقال: أردتُ أن أمنع عمراً! وأشير عليهما بالدخول تحت راية الأمان عند عمرو
____________________
(١) مستدركات علم رجال الحديث، ٥: ١٨٩، رقم ٩١٥٧.
(٢) راجع: تأريخ الطبري، ٣: ٢٨٦.
(٣) مستدركات علم رجال الحديث، ٤: ٣٤٢، رقم ٧٤١٤.
(٤) راجع: تأريخ الطبري، ٣: ٢٨٦.
(٥) راجع: تأريخ الطبري، ٣: ٢٩٣.
(٦) لأنّ المختار كان قد قدم، مع عبداللّه بن الحارث حسب الظاهر - من قرية نائية عن الكوفة تسمى خطوانية (راجع: مقتل الحسينعليهالسلام للمقرّم: ١٥٧ - ١٥٨).
بن حُريث ففعلا، وشهد لهما ابن حريث باجتنابهما ابن عقيل! فأمر ابن زياد بحبسهما بعد أن شتم المختار واستعرض وجهه بالقضيب فشتر عينه (فذهبت عينه)،(١) وبقيا في السجن إلى أن قُتل الحسينعليهالسلام !.(٢)
«ثمّ إنّ عبيداللّه بن زياد لما قتل مسلماً وهانئاً بعث برؤوسهما مع هاني بن أبي حيّة الوادعي، والزبير بن الأروح التميمي، إلى يزيد بن معاوية وأمر كاتبه عمرو بن نافع أن يكتب إلى يزيد بن معاوية بما كان من مسلم وهانيء، فكتب إليه كتاباً أطال فيه- وكان أوّل من أطال في الكتب- فلما نظر فيه عبيداللّه بن زياد كرهه وقال ما هذا التطويل وهذه الفضول!؟ أُكتب:
أمّا بعدُ، فالحمدُ للّه الذي أخذ لأمير المؤمنين بحقّه، وكفاه مؤنة عدوّة، أُخبرُ أميرالمؤمنين أكرمه اللّه أنّ مسلم بن عقيل لجأ إلى دار هانيء بن عروة المرادي، وإني جعلتُ عليهما العيون، ودسستُ إليهما الرجال، وكِدْتُهما حتّى استخرجتهما! وأمكن اللّه منهما فقدّمتهما فضربتُ أعناقهما، وقد بعثتُ إليك برؤوسهما مع هاني بن أبي حيّة الهمداني، والزبير بن الأروح التميمي، وهما من أهل السمع والطاعة والنصيحة! فليسألهما أميرالمؤمنين عمّا أحبّ من أمرٍ فإنّ عندهما علماً وصدقاً وفهماً وورعاً! والسلام.».(٣)
____________________
(١) راجع: المعارف لابن قتيبة: ٢٥٣.
(٢) راجع: مقتل الحسينعليهالسلام للمقرّم: ١٥٧ - ١٥٨.
(٣) تأريخ الطبري، ٣: ٢٩٢؛ والإرشاد: ٢٠٠ ويُلاحظُ المتأمّل في هذا النصّ كيف يُخفي عمّال الطغاة عن أسيادهم حقائق الأمور، ويهوّنون الأمور الكبيرة الخطيرة ليعظمواهم في أعين أسيادهم! من خلال التقارير المزيّفة والمأمورين الذين يحسنون أداء ما يُلقى إليهم من تعاليم ووصايا فيقومون بتمثيل أدوارهم الكاذبة على أحسن وجه!
«فكتب إليه يزيد: أمّا بعدُ، فإنّك لم تعدُ أن كُنتَ كما أحبُّ! عملتَ عمل الحازم، وصُلتَ صولة الشجاع الرابط الجأش! فقد أغنيتَ وكفيت، وصدّقتَ ظنّي بك ورأيي فيك، وقد دعوت رسوليْك فسألتهما وناجيتهما، فوجدتهما في رأيهما وفضلهما كما ذكرتَ! فاستوصِ بهما خيراً، وإنّه قد بلغني أنّ الحسين بن عليّ قد توجّه نحو العراق، فضع المناظر والمسالح، واحترس على الظنّ! وخذ على التهمة! غير ألّا تقتل إلّا من قاتلك! واكتب إليَّ في كلّ ما يحدث من الخبر، والسلام عليك ورحمة اللّه.».(١)
وذكر ابن شهرآشوب أنّ يزيد لعنه اللّه نصب الرأسين الشريفين في درب من دمشق.(٢)
وروى اليعقوبي أنّ يزيد كان قد كتب الى ابن زياد يأمره بقتل الإمام الحسينعليهالسلام ، قال اليعقوبي: «وأقبل الحسين من مكّة يريد العراق، وكان يزيد قد ولّى عبيداللّه بن زياد العراق، وكتب إليه: قد بلغني أنّ أهل الكوفة قد كتبوا إلى الحسين في القدوم عليهم، وأنه قد خرج من مكّة متوجّهاً نحوهم، وقد بُلي به بلدك من بين البلدان، وأيّامك من بين الأيّام، فإن قتلته وإلّا رجعت إلى نسبك وإلى أبيك عُبيد! فاحذر أن يفوتك!».(٣)
____________________
(١) تأريخ الطبري، ٣: ٢٩٣؛ والإرشاد: ٢٠٠.
(٢) مناقب آل أبي طالب، ٤: ٩٣.
(٣) تأريخ اليعقوبي، ٢: ١٥٥؛ وانظر: العقد الفريد، ٥: ١٣٠؛ ومثير الأحزان: ٤٠؛ وأنساب الأشراف، ٣: ٣٧١.
قال الشيخ المفيد (ره): «ولما بلغ عبيداللّه إقبال الحسين من مكّة إلى الكوفة بعث الحصين بن نمير صاحب شُرطه حتّى نزل القادسية، ونظّم ما بين القادسية إلى خفّان، وما بين القادسية إلى القطقطانيّة، وقال للنّاس هذا الحسين يُريد العراق!»،(١) «وكان عبيداللّه بن زياد أمر فأخذ ما بين واقصة إلى طريق الشام إلى طريق البصرة! فلا يدعون أحداً يلج ولا أحداً يخرج!».(٢)
وقال الدينوري: «ثُمَّ إنّ ابن زياد وجَّه الحصين بن نُمير- وكان على شُرطه- في أربعة آلاف فارس من أهل الكوفة!، وأمره أن يُقيم بالقادسيّة إلى القطقطانة، فيمنع من أراد النفوذ من ناحية الكوفة الى الحجاز، إلّا من كان حاجّاً أو معتمراً، ومن لايُتّهمُ بممالاة الحسين!».(٣)
وفي أنساب الأشراف: «حتى نزل القادسية ونظّم الخيل بينها وبين خفّان، وبينها وبين القطقطانة إلى لعلع».(٤)
____________________
(١) الإرشاد: ٢٠٢؛ والقادسية: موضع بين الكوفة وعذيب (في محافظة الديوانية)، وخفّان: موضع فوق الكوفة قرب القادسية، والقطقطانة: موضع فوق القادسية في طريق من يريد الشام من الكوفة، وواقصة: منزل بطريق مكّة، بعد القرعاء نحو مكّة.. ويقال لها واقصة الحزون، وهي دون زُبالة بمرحلتين، وإنّما قيل واقصة الحزون لأنّ الحزون (الأراضي المرتفعة) أحاطت بها من كل جانب.
(٢) الإرشاد: ٢٠٤.
(٣) الأخبار الطوال: ٢٤٣.
(٤) أنساب الأشراف، ٣: ٣٧٧ - ٣٧٨ وفيه «الحصين بن تميم»، ولعلع: جبل فوق الكوفة، وقيل: منزل بين البصرة والكوفة.
ثمَّ إنّ ابن زياد بالغ في إشاعة الرعب والخوف في أوساط أهل الكوفة، من خلال إجراءات إرهابية عديدة، تمهيداً لتعبئتهم وتوجيههم إلى قتال الإمام الحسينعليهالسلام ، لعلمه بأنّ جُلّ أهل الكوفة يكرهون(١) التوجّه لقتالهعليهالسلام ، «فقد كان يحكم بالموت على كلّ من يتخلّف أو يرتدع عن الخوض في المعركة».(٢)
كما جمَّد الثغور ووجّه عساكرها الى قتال الإمام الحسينعليهالسلام ، فقد روى ابن عساكر «عن شهاب بن خراش، عن رجل من قومه: كنتُ في الجيش الذي بعثهم ابن زياد إلى حسين، وكانوا أربعة آلاف يريدون الديلم، فصرفهم عبيداللّه الى حسين ..».(٣)
____________________
(١) قال الدينوري: «وكان ابن زياد إذا وجّه الرجل الى قتال الحسين في الجمع الكثير، يصلون الى كربلاء ولم يبق منهم إلاّ القليل، كانوا يكرهون قتال الحسين، فيرتدعون ويتخلّفون، فبعث ابن زياد سويد بن عبدالرحمن المنقري في خيل الى الكوفة، وأمره أن يطوف بها، فمن وجده قد تخلّف أتاه به» (الأخبار الطوال: ٢٥٤).
(٢) حياة الإمام الحسين بن عليعليهماالسلام ، ٢: ٤١٥ نقلاً عن كتاب الدولة الأموية في الشام، ص ٥٦.
(٣) تأريخ دمشق، ١٤: ٢١٥؛ وتاريخ ابن عساكر (ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام ، تحقيق المحمودي): ٣٠٥، رقم ٢٦٤.
الفصل الثالث: وقايع منازل الطريق بين مكّة وكربلاء
الفصل الثالث
وقايع منازل الطريق بين مكّة وكربلاء
فشلت محاولة والي مكّة آنذاك عمرو بن سعيد الأشدق لإرجاع الامام الحسينعليهالسلام إلى مكّة بالقوّة، حيث أبى الإمامعليهالسلام الرجوع وتدافع الفريقان (رجال الركب الحسيني وجند الأشدق) واضطربوا بالسياط، فتراجع الأشدق عن قرار المنع بعد أن خشي من تفاقم الأمر عليه!
وجدَّ الركب الحسيني في المسير نحو العراق، وكان قد مرَّ في طريقه من مكّة حتّى وصوله الى كربلاء بمواقع ومنازل عديدة، بقي الإمام الحسينعليهالسلام في بعضها يوماً وليلة، ولبث في بعضها الآخر يوماً، ولم يبق في بعض آخر إلّا ساعات قليلة، وتوقف في بعض آخر لأداء الصلاة فقط، ومرّ على بعضها مرور الكرام بلاتوقف، وأهمُّ هذه المواقع والمنازل على الترتيب هي:
روي أنّ الشاعر الفرزدق(٢) كان قد لقي الإمام الحسينعليهالسلام قبل خروج الركب
____________________
(١) ذكر ياقوت الحموي أنّ الناس غلطوا فقالوا بستان ابن عامر وبستان بني عامر، وإنّما هو بستان ابن معمر.. وهو مجتمع النخلتين النخلة اليمانية والنخلة الشامية، وهما واديان، وبستان ابن معمر هو الذي يُعرف ببطن نخلة.. (راجع: معجم البلدان، ١: ٤١٤).
(٢) هو أبوفراس، همّام بن غالب التميمي الحنظلي، يُعدُّ في الإصطلاح الرجالي من أصحاب أميرالمؤمنين والحسين والسجّادعليهماالسلام ، وهو مادح مولانا السجّادعليهالسلام بقصيدة جليلة كريمة مشهورة، في موقف شجاع قبال الطاغية الأمويّ هشام بن عبدالملك، تكشف أبياتها عن حسن =
الحسيني من الحرم إلى أرض الحلّ، فقد ورد عن لسان الفرزدق أنه قال:
«حججتُ بأمّي في سنة ستين، فبينا أنا أسوق بعيرها حين دخلت الحرم إذ لقيتُ الحسين بن عليّعليهماالسلام خارجاً من مكّة مع أسيافه وأتراسه فقلتُ: لمن هذا القطار؟
فقيل: للحسين بن عليّعليهماالسلام .
فأتيته فسلّمت عليه وقلت له: أعطاك اللّه سؤلك، وأمّلك فيما تحبُّ، بأبي أنت وأمّي يا ابن رسول اللّه، ما أعجلك عن الحجّ!؟
فقال: لولم أعجل لأُخذتُ!(١)
ثم قال لي: من أنت؟
قلتُ: امرؤ من العرب!
فلا واللّه ما فتّشني عن أكثر من ذلك ..
____________________
= عقيدته بأهل البيت: وعن حبّه لهم، ومن أبياتها:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته |
والبيت يعرفه والحلّ والحرمُ |
|
هذا ابن خير عبادِ الله كلّهم |
هذا التقيُّ النقيّ الطاهر العلم |
|
إذا رأته قريشٌ قال قائلها |
إلى مكارم هذا ينتهي الكرمُ |
|
هذا ابن فاطمة إن كنتَ جاهله |
بجدّه أنبياء الله قد ختموا |
(راجع: معجم رجال الحديث، ١٣: ٢٥٦، رقم ٩٣١٥ / ومستدركات علم رجال الحديث، ٦: ١٩٦، رقم ١١٥١٧).
وقد «وُلِدَ الفرزدق في خلافة عمر، فتوبع بالشِعر لما ترعرع ففاق الأقران، وأدخله أبوه على عليٍّ رضي الله عنه فقال: علّمه القرآن!.. مات سنة عشر ومائة وقد قارب المائة، وقيل: عاش مائة وثلاثين سنة، ولم يثبت.. وكان سيّداً جواداً فاضلاً وجيهاً.» (راجع: لسان الميزان، ٦: ١٩٩).
(١) يشير الإمامعليهالسلام بذلك إلى خطّة يزيد لاختطافه أو اغتياله في مكة المكرّمة.
ثم قال لي: أخبرني عن الناس خلفك؟
فقلتُ: الخبيرَ سألتَ، قلوب الناس معك وأسيافهم عليك(١) والقضاء ينزل من السماء، واللّه يفعل ما يشاء!
فقال: صدقت، للّه الأمر، وكلّ يوم هو في شأن! إن ينزل القضاء بما نحبّ ونرضى فنحمد اللّه على نعمائه وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرجاء فلم يبعد من كان الحقّ نيّته والتقوى سريرته.
فقلت له: أجل، بلّغك اللّه ما تحبّ، وكفاك ماتحذر.
وسألته عن أشياء من نذور ومناسك، فأخبرني بها، وحرّك راحلته، وقال:
السلام عليك. ثمّ افترقنا!».(٢)
ويبدو أنّ مكان هذا اللقاء هو بستان بني عامر الذي ذكره سبط ابن الجوزي في نقله خبر لقاء الفرزدق مع الإمامعليهالسلام حيث قال: «فلما وصل بستان بني عامر
____________________
(٣٩٣) قلوب الناس معك وأسيافهم عليك، أشهر تعبير معروف عن حالة الشلل النفسي وحالة إزدواج الشخصية في أهل الكوفة خاصة وفي الأمّة عامة، بل هو تعبير عن الحالة القصوى لهذا المرض: أن يقتل الإنسان من يحبّ بسيف من يكره!
(٣٩٤) الإرشاد: ٢٠١ / ولنا هنا وقفة تساؤل وتأمّل مع هذا الشاعر الذي عبّر بصدق وجرأة وشجاعة عن حبّه لأهل البيتعليهمالسلام وحسن عقيدته بهم في موقفه المشرّف بمدح السجّادعليهالسلام أمام الطاغية الأموي هشام، وعبّر هنا في لقائه مع الإمام الحسينعليهالسلام عن وعيه السياسي والإجتماعي الرفيع بقوله «الخبير سألت، قلوب الناس معك واسيافهم عليك!»، لماذا ترك الإمامعليهالسلام وفارقه!؟ ألم يرتفع به وعيه الرفيع إلى إدراك ضرورة نصرة الإمامعليهالسلام والإلتحاق بركبه نحو الفوز بالشهادة!؟ أم لم يكن يتوقّع في ذلك الوقت المبكّر أن يجري على الإمام الحسينعليهالسلام ما جرى عليه بالفعل!؟ أم أنّ كُلَّ ما عند الفرزدق تفضيل لأهل البيتعليهمالسلام على سواهم، وعاطفة نحوهم، ولكن دون مستوى التضحية والإستشهاد معهم وفي سبيلهم!؟
لقي الفرزدق الشاعر، وكان يوم التروية، فقال له: إلى أين يا ابن رسول اللّه، ما أعجلك عن الموسم!؟
قال: لولم أعجل لأُخذتُ أخذاً! فأخبرني يا فرزدق عمّا ورائك؟
فقال: تركتُ الناس بالعراق قلوبهم معك وسيوفهم مع بني أميّة، فاتّقِ اللّه في نفسك وارجع!(١)
فقال له: يا فرزدق، إنّ هؤلاء قوم لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد في الأرض، وأبطلوا الحدود، وشربوا الخمور، واستأثروا في أموال الفقراء والمساكين، وأنا أولى من قام بنصرة دين اللّه وإعزاز شرعه والجهاد في سبيله لتكون كلمة اللّه هي العليا.
فأعرض عنه الفرزدق وسار!(٢) ».(٣)
فـ «بستان ابن عامر هو أوّل منزل مرَّ به الحسينعليهالسلام ».(٤)
____________________
(١) و(٢) المعروف عن الفرزدق حبّه لأهل البيتعليهمالسلام وحسن عقيدته بهم، من هنا يصعب على المتأمّل القبول بإمكان إساءته الأدب في مخاطبة الإمامعليهالسلام فيقول له: إتّقِ الله في نفسك وارجع!، أو يُعرض عن الإمامعليهالسلام فيسير عنه بدون تحيّة وتوديع!
(٣) تذكرة الخواص: ٢١٧ - ٢١٨.
(٤) خطب الإمام الحسينعليهالسلام على طريق الشهادة، ١: ١٣٢ / ونقل مؤلّفه لبيب بيضون قصيدة للخطيب السيد علي بن الحسين الهاشمي النجفي يذكر فيها منازل طريق الإمامعليهالسلام إلى كربلأ، أوّلها:
سار الحسين تاركاً أمَّ القُرى |
ينحو العراق بميامين الورى |
|
وقد أتى بسيره منازلاً |
حصباؤها قد فاخرت شهب السما |
|
فالمنزل الأوّل بستان ابن عا |
مرٍ، وللتنعيم مسرعاً أتى |
وهو موضع في حلّ مكّة، على فرسخين من مكّة (١٢ كم)، وقيل على أربعة، وسمّي بذلك لأن جبلًا عن يمينه يُقال له نعيم، وآخر عن شماله يُقال له ناعم، والوادي نعمان، ومن موضع التنعيم يُحرم المكيّون بالعمرة.(١)
قال البلاذري: «ولقي الحسين بالتنعيم عيراً قد أُقبل بها من اليمن، بعث بها بجير بن ريسان الحميري إلى يزيد بن معاوية، وكان عامله على اليمن، وعلى العير وِرسٌ وحُلل، ورسله فيها ينطلقون إلى يزيد، فأخذها الحسين فانطلق بها معه، وقال لأصحاب الإبل: لا أُكرهكم، من أحبَّ أن يمضي معنا الى العراق وفيناه كِراه وأحسنّا صحبته، ومن أحبَّ أن يفارقنا من مكاننا هذا أعطيناه من الكراء على قدر ماقطع من الأرض. فأوفى من فارقه حقّه بالتنعيم، وأعطى من مضى معه وكساهم ..».(٢)
لكنّ الشيخ المفيد (ره) روى قصة هذه العير هكذا: «وسار حتّى أتى التنعيم، فلقي عيراً قد أقبلت من اليمن، فاستأجر من أهلها جمالًا لرحله وأصحابه، وقال لأصحابها: من أحبَّ أن ينطلق معنا إلى العراق وفيناه كرائه وأحسنّا صحبته، ومن أحبّ أن يفارقنا في بعض الطريق أعطيناه كراه على قدر ما قطع من الطريق. فمضى معه قوم وامتنع آخرون.».(٣)
____________________
(١) راجع: معجم البلدان، ٢: ٤٩ / وكذلك: خطب الإمام الحسينعليهالسلام على طريق الشهادة، ١: ١٣٢.
(٢) أنساب الأشراف، ٣: ٣٧٥ - ٣٧٦ / وقال في آخر الخبر: «فيقال إنه لم يبلغ كربلاء منهم إلاّ ثلاثة نفر، فزادهم عشرة دنانير عشرة دنانير، وأعطاهم جملاً جملاً، وصرفهم!»، وانظر: اللهوف: ٣٠ وفيه: «بحير» بدلاً من «بجير».
(٣) الإرشاد: ٢٠٢؛ وانظر: تأريخ الطبري، ٣: ٢٩٦.
قال المحقّق القرشي: «وقد أنقذ الإمامعليهالسلام هذه الأموال من أن تُنفق على موائد الخمور، وتدعيم الظُلم، والإساءة إلى الناس، وقد تقدّم أنّ الإمامعليهالسلام قام بنفس هذه العملية أيّام معاوية.(١) وقد ذهب آية اللّه المغفور له السيّد مهدي آل بحر العلوم الى عدم صحة ذلك، فإنّ مقام الإمامعليهالسلام أسمى وأرفع من الإقدام على مثل هذه الأمور،(٢) والذي نراه أنّه لامانع من ذلك إطلاقاً، فإنّ الإمام كان يرى الحكم القائم في أيّام معاوية ويزيد غير شرعي، ويرى أنّ أموال المسلمين تُنفق على فساد الأخلاق ونشر العبث والمجون، فكان من الضروري إنقاذها لتنفق على الفقراء والمحتاجين، وأيّ مانع شرعي أو اجتماعي من ذلك؟».(٣)
ولقد علّق السيد ابن طاووس (ره) في ضمن خبر قصة هذه العير قائلًا: «فأخذَ الهديّة لأنّ حُكم أمور المسلمين إليه.».(٤)
ويقوّي القول بأنّ الإمامعليهالسلام قد استولى على هذه الهدايا الموجّهة إلى يزيد، أنّ هناك روايات عديدة تتحدث عن ورس قد انتُهب من مخيم الإمام الحسينعليهالسلام بعد مقتله.(٥)
نقل لنا التأريخ خبر آخر لقاءٍ لعبداللّه بن عمر مع الإمام الحسينعليهالسلام بعد
____________________
(١) راجع: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ١٨: ٣٢٧ والجزء الأوّل من هذه الدراسة ص ٢٣٠.
(٢) رجال بحر العلوم، ٤: ٤٧.
(٣) حياة الإمام الحسين بن عليعليهماالسلام ، ٣: ٥٩.
(٤) اللهوف: ٣٠.
(٥) مقتل الحسينعليهالسلام للمقرّم: ٢٩٥؛ وراجع: الأخبار الطوال: ٢٥٨.
خروجه من مكّة،(١) ففي أمالي الشيخ الصدوق (ره): «وسمع عبداللّه بن عمر بخروجه، فقدّم راحلته وخرج خلفه مسرعاً، فأدركه في بعض المنازل.
فقال: أين تُريدُ يا ابن رسول اللّه!؟
قال: العراق!
قال: مهلًا، إرجع إلى حرم جدّك!
فأبى الحسينعليهالسلام عليه، فلما رأى ابن عمر إباءه، قال: يا أبا عبداللّه، إكشف لي عن الموضع الذي كان رسول اللّهصلىاللهعليهوآله يقبّله منك!
فكشف الحسينعليهالسلام عن سرّته، فقبّلها ابن عمر ثلاثاً وبكى وقال: أستودعك اللّه يا أبا عبداللّه، فإنك مقتول في وجهك هذا!».(٢)
وفي بعض المصادر: أنّه أدركه على ميلين من مكّة،(٣) وفي أخرى: أنّه أدركه على مسير ليلتين أو ثلاث من المدينة،(٤) «فقال: أين تريد؟
____________________
(١) روى التأريخ ثلاثة لقاءات لعبدالله بن عمر مع الإمامعليهالسلام منذ رفضه البيعة ليزيد، اللقاء الأوّل في الأبواء بين المدينة ومكّة، بين ابن عمر وابن عبّاس (أو ابن عيّاش) من جهة وبين ابن الزبير والإمامعليهالسلام من جهة (راجع: تأريخ ابن عساكر / ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام / تحقيق المحمودي: ٢٠٠، رقم ٢٥٤)، وقد مرَّ في الجزء الأوّل من هذه الدراسة أنّ هذا اللقاء لم يقع لأنّ الإمامعليهالسلام وابن الزبير لم يجتمعا في الطريق بين المدينة ومكّة. أمّا اللقاء الثاني فهو في مكّة. وأمّا الثالث فهو بعد خروجهعليهالسلام من مكّة. وهو هذا اللقاء الذي نتحدّث حوله الآن.
(٢) أمالي الصدوق، ١٣١، المجلس ٣٠، حديث رقم ١.
(٣) راجع: إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار: ٢٠٥.
(٤) راجع: أنساب الأشراف، ٣: ٣٧٥ وتاريخ ابن عساكر (ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام / تحقيق المحمودي): ٢٨١، رقم ٢٤٧.
قال: العراق!- وكان معه طوامير وكتب-
فقال له: لاتأتهم!
فقال: هذه كتبهم وبيعتهم!
فقال: إنّ اللّه عزّ وجلّ خيّر نبيّه بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة ولم يُرد الدنيا، وإنّكم بضعة من رسول اللّهصلىاللهعليهوآله ، واللّه لا يليها أحدٌ منكم أبداً! وما صرفها اللّه عز وجلّ عنكم إلّا للذي هو خيرٌ لكم، فارجعوا!
فأبى وقال: هذه كتبهم وبيعتهم!
قال فاعتنقه ابن عمر وقال: استودعك اللّه من قتيل!».(١)
ولم نعثر في مصدر من المصادر التأريخية- حسب متابعتنا- على تشخيص دقيق لمكان هذا اللقاء وتحديده، فقد كان هذا اللقاء في (بعض المنازل!) على رواية أمالي الصدوق، وكانت الإشارة إليه في مصادر أخرى تتحدث عن: ميلين من مكّة! أو مسير ليلتين أو ثلاث من المدينة!
نعم: صرح المحقّق السماوي (ره) ضمن استعراضه لمسير الإمامعليهالسلام من مكّة الى العراق بأنّ هذا اللقاء كان في (التنعيم) حيث قال (ره): «ثمّ أصبح فسار، فمانعه ابن عبّاس وابن الزبير فلم يمتنع، ومرَّ بالتنعيم فمانعه ابن عمر، وكان على ماءٍ له فلم يمتنع ...».(٢)
غير أنّ السماوي (ره) لم يُشر إلى المصدر الذي أخذ عنه هذا التحديد والتشخيص، ولعلّه (ره) كان قد استنتج- أنّ هذا اللقاء كان في التنعيم- استنتاجاً
____________________
(١) تاريخ ابن عساكر، ترجمة الإمام الحسين ٧: ٢٨٠ - ٢٨٢، رقم ٢٤٧.
(٢) إبصار العين: ٢٨.
من أكثر من إشارة ودلالة تأريخية، أو لعلّه (ره) كان قد أراد عبداللّه بن مطيع العدوي بدلًا من عبداللّه بن عمر، لكنّ قلمه الشريف كتب ابن عمر بدلًا من ابن مطيع سهواً وعفواً، ذلك لأنّ ابن مطيع في لقائه الأخير مع الامامعليهالسلام كان على ماءٍ له وليس ابن عمر! واللّه العالم.
«لقد كان عبداللّه بن عمر لساناً من الألسنة التي خدمت الحكم الأموي، بل كان بوقاً أمويّاً حرص على عزف النغمة النشاز في أُنشودة المعارضة! وسعى إلى تحطيم المعارضة من داخلها، ولايُعبأُ بما صوّره به بعض المؤرّخين من أنّه كان رمزاً من رموزها، لأنّ المتأمّل المتدبر لايجد لابن عمرٍ هذا أيَّ حضور في أيّ موقف معارضٍ جادّ! بل يراه غائباً تماماً عن كل ساحة صدق في المعارضة! وإذا تأمّل المحقّق مليّاً وجد عبداللّه بن عمر ينتمي انتماءً تاماً- عن إصرار وعناد- إلى حركة النفاق التي قادها حزب السلطة منذ البدء، ثمّ لم يزل يخدم فيها حتّى في الأيّام التي آلت قيادتها فيها إلى الحزب الأموي بقيادة معاوية، ثمّ يزيد! هذه هي حقيقة ابن عمر، وإنْ تكلّف علاقات حسنة في الظاهر مع وجوه المعارضة عامّة ومع الإمام الحسينعليهالسلام خاصة، وحقيقة ابن عمر هذه يكشف عنها معاوية لإبنه يزيد في وصيّته إليه بلا رتوش نفاقية حيث يقول له: «فأمّا ابن عمر فهو معك! فالزمه ولاتدعه!».(١) ».(٢)
وهنا في هذا اللقاء أيضاً نجد ابن عمر يتحدّث عن لسان الأمويين بصورة
____________________
(١) أمالي الصدوق: ١٢٩، المجلس الثلاثون حديث رقم ١.
(٢) الجزء الثاني من هذه الدراسة ص ٣٠٠، وفيه أيضاً ترجمة وافية لابن عمر، فراجعهافي ص ٢٨٩ - ٢٩٢.
غير مباشرة، فمعاوية الذي أشاع في النّاس الفكر الجبري بأنّ حكمه ومايفعله بالأمّة من قضاء اللّه الذي لايُبدّل! وليس للأمّة إلّا التسليم أمام الإرادة الإلهية في ذلك! أذاع في النّاس أيضاً من خلال كثير من وعّاظ السلاطين- أمثال عبداللّه بن عمر- أنّ اللّه اختار لآل النبيّصلىاللهعليهوآله الآخرة ولم يُرد لهم الدنيا بمعنى أنَّ هؤلاء المصطفين لم يُرد اللّه لهم أن يكونوا حكّاماً!! ولذا فقد صرفها عنهم لما هو خيرٌ لهم!!
والأعجب أنّ ابن عمر في ذروة اندفاعه- امتثالًا لأمر الأمويين- لمنع الإمامعليهالسلام من مواصلة سفره إلى العراق، ينسى نفسه ويذهل عن أنّه يخاطب أحد أفراد العترة المطهّرة- الذين هم مع القرآن والقرآن معهم لايفارقهم، والذين هم أعلم الخلق بإرادة اللّه في التشريع والتكوين- فيقول له: واللّه لايليها أحدٌ منكم أبداً!! مخالفاً بذلك لصريح الحقائق القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة المتواترة، لا أقلَّ في ما أجمعت عليه الأمّة عن نبيّهاصلىاللهعليهوآله في أنّ المهديَّعليهالسلام وهو من ولد فاطمةعليهاالسلام ، ومن ولد الحسينعليهالسلام ، هو الذي سوف يملأ الأرض عدلًا بعدما ملئت ظلماً وجورا!
لقد كان منتهى ما يتمنّاه ابن عمر- الأمويّ الهوى- هو أنّ يمنع الإمامعليهالسلام من أصل القيام والنهضة، لا من السفر إلى العراق فحسب، ولذا نراه يعبّر بعد فشله في مسعاه عن هذه الأمنية الخائبة فيقول: «غلبنا الحسين بن عليّ بالخروج! ولعمري لقد رأى في أبيه وأخيه عبرة، ورأى من الفتنة وخذلان الناس لهم ما كان ينبغي أن لايتحرّك ما عاش!! وأن يدخل في صالح ما دخل فيه الناس!! فإنّ الجماعة خير ..».(١)
____________________
(١) تاريخ ابن عساكر (ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام ، تحقيق المحمودي): ٢٩٤، رقم ٢٥٦.
لقد كان أفضل ردٍّ على منطق ابن عمر هو ردُّ الإمام الحسينعليهالسلام نفسه حيث قال له في محاورته إيّاه في مكّة: «أُفٍّ لهذا الكلام أبداً مادامت السماوات والأرض!».(١)
«وهو موضع بين حُنينْ وأنصاب الحرم، على يسرة الداخل الى مكّة من مُشاش، وهناك لقي الفرزدق الحسين بن عليرضياللهعنه لما عزم على قصد العراق، قال:
لقيتُ الحسين بأرض الصفاح |
عليه اليلامقُ والدرقُ».(٢) |
وروى البلاذري أيضاً قائلًا: «ولما صار الحسين إلى الصفاح لقيه الفرزدق ابن غالب الشاعر، فسأله عن أمر الناس وراءه، فقال له الفرزدق: الخبير سألتَ، إنّ قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني أميّة، والقضاء ينزل من السماء، واللّه يفعل مايشاء. فقال الحسين: صدقت.».(٣)
وكذلك روى الدينوري أنّ الفرزدق لقي الإمامعليهالسلام في الصفاح(٤) وكذلك روى ابن الأثير،(٥) والطبري،(٦) وابن مسكويه(٧) .
____________________
(١) الفتوح، ٥: ٤١.
(٢) معجم البلدان، ٣: ٤١٢.
(٣) أنساب الأشراف، ٣: ٣٧٦.
(٤) الأخبار الطوال: ٢٤٥.
(٥) الكامل في التاريخ، ٣: ٤٠٢.
(٦) تاريخ الطبري، ٣: ٢٩٦.
(٧) تجارب الأمم، ٢: ٥٦ - ٥٧.
من الوقائع التي تفاوتت الروايات التأريخية تفاوتاً غير يسير فيها واقعة لقاء الفرزدق الشاعر مع الإمام الحسينعليهالسلام ، خصوصاً في تحديد مكان هذا اللقاء.
نجد مِنَ المؤرّخين من لايذكر المنزل لامن قريب ولابعيد، كالإربلي (ره) حيث يقول: «وقال الفرزدق لقيني الحسين في منصرفي من الكوفة ..»،(١) ومنهم من يذكر أنّ هذا اللقاء كان في أرض الحرم وخارج مكّة، كما مرّ في رواية الشيخ المفيد (ره) والطبري،(٢) ومنهم من يشخّص مكانه في أرض الحرم كسبط ابن الجوزي حيث قال: «فلما وصل بستان بني عامر لقي الفرزدق الشاعر ..»،(٣) ومنهم من روى أنهما التقيا في ذات عرق، كابن عساكر، والبلاذري،(٤) ومنهم من قال في الشقوق، كابن شهر آشوب، والأربلي في قول ثانٍ،(٥) ومنهم من قال في الصفاح، كالبلاذري، وابن الأثير، والطبري، وابن مسكويه، والحموي، والدينوري،(٦) ومنهم من قال إنهما التقيا بعد خروج الإمامعليهالسلام من منطقة زُبالة، كالسيّد ابن طاووس (ره) حيث قال: «ثمّ إنّ الحسينعليهالسلام سار من زُبالة قاصداً لما دعاه اللّه إليه فلقيه الفرزدق الشاعر ..».(٧)
____________________
(١) كشف الغمة، ٢: ٣٢.
(٢) الإرشاد: ٢٠١؛ وتاريخ الطبري، ٣: ٢٩٦.
(٣) تذكرة الخواص: ٢١٧.
(٤) تاريخ ابن عساكر، ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام : ٣٠٣، رقم ٢٦١؛ وأنساب الأشراف، ٣: ٣٧٧.
(٥) مناقب آل أبي طالب، ٤: ٩٥، وكشف الغمّة، ٢: ٤٣.
(٦) أنساب الأشراف، ٣: ٣٧٦؛ وتاريخ الطبري، ٣: ٢٩٦؛ وتجارب الأمم، ٢: ٥٦؛ ومعجم البلدان، ٣: ٤١٢؛ والأخبار الطوال: ٢٤٥.
(٧) اللهوف: ٣٢.
وقول السيّد ابن طاووس (ره)- على فرض أنّ الفرزدق كان في طريقه إلى مكّة- هو أبعد الأقوال، بل لايمكن أن يُؤخذ به! لأنّ الفرزدق لايمكن أن يُدرك الحجّ اذا كان قد التقى الإمامعليهالسلام - الذي خرج من مكّة يوم التروية- قبل زبالة من جهة الكوفة، وذلك لبُعد المسافة التي تستغرق أيّاماً بين زبالة ومكّة المكرّمة، فعلى هذا تكون أيّام الحجّ قد انتهت والفرزدق عند زُبالة لم يصل بعدُ إلى مكّة!
أمّا أقرب الأقوال وأقواها هو ما رواه الشيخ المفيد والطبري وسبط ابن الجوزي من أنّ هذا اللقاء كان في أرض الحرم أطراف مدينة مكة، وفي بستان بني عامر على حدّ نقل سبط ابن الجوزي، وذلك لأنّ هذا اللقاء كان في يوم التروية، فلابدّ أن يكون مكان اللقاء على هذا القرب- قريباً جدّاً- من مكّة حتّى يستطيع الفرزدق مع أمّه إدراك أعمال الحجّ في وقتها.
نعم، يمكن أن نحتمل إمكان أن الفرزدق لقي الإمامعليهالسلام ما بعد زُبالة- على قول السيد ابن طاووس (ره)- فقط على فرض أنّ هذا اللقاء كان اللقاء الثاني بينهما- بعد عودة الفرزدق من مكّة بعد أدائه الحجّ- وهو احتمال بعيد، لبعد المسافة بين مكّة وزبالة التي هي قريب من القادسية! نعم، يمكن أن يُقال بإمكان ذلك إذا كان الفرزدق قد ترك مكّة مباشرة بعد انتهاء أعمال الحجّ، وجدَّ في السير على أثر الإمامعليهالسلام فلم يَلوِ على شيء حتّى أدرك الإمامعليهالسلام فيما بعد زُبالة، ولكن لم نعثر على إشارة تأريخية تفيد أنّ الفرزدق قد قام بهذا فعلًا!
وإذا صحَّ أنّ هذا اللقاء- على رواية السيّد ابن طاووس (ره)- كان اللقاء الثاني بينهما، بعد عودة الفرزدق من الحجّ، فلايُستبعد عندئذٍ ما رواه السيّد (ره) من أنّ الفرزدق بعد أن سلّم على الإمامعليهالسلام قال: «يا ابن رسول اللّه كيف تركن إلى أهل
الكوفة وهم الذين قتلوا ابن عمّك مسلم بن عقيل وشيعته!؟»،(١) ذلك لأنّ خبر مقتل مسلمعليهالسلام آنئذٍ كان قد شاع في الديار، أو أنّ الفرزدق على الأقلّ كان قد علم خبره من أوساط الركب الحسيني نفسه قبل سلامه على الإمامعليهالسلام وقد استدلّ بعض المحقّقين(٢) على أنّ الصحيح هو أنّ لقاء الفرزدق مع الإمامعليهالسلام كان في الصفاح لأنّ الفرزدق نظم في ذلك شعراً، وهو استدلال ساذج لإمكان أن ينظم هذا الشعر غير الفرزدق ثمّ ينسبه إليه!
وفي ختام البحث حول لقاء الفرزدق مع الإمامعليهالسلام ، يحسن هنا أن ننقل نصّ المحاورة بينهما- على رواية الإربلي (ره)- عن لسان الفرزدق أنه قال: «لقيني الحسينعليهالسلام في منصرفي من الكوفة، فقال: ما وراءك يا أبافراس؟
قلت: أُصْدِقُك؟
قال: الصدقُ أُريد!
قلت: أمّا القلوب فمعك، وأمّا السيوف مع بني أميّة! والنصر من عند اللّه.
قال: ما أراك إلّا صدقتَ! الناس عبيدالمال! والدّين لغو (لعق) على ألسنتهم، يحوطونه مادرّت به معايشهم! فإذا محّصوا بالبلاء قلّ الديّانون!».(٣)
«ذات عرق مَهَلُّ أهل العراق، وهو الحدُّ بين نجد وتُهامة، وقيل: عرق جبل
____________________
(١) اللهوف: ٣٢.
(٢) راجع حياة الإمام الحسين بن عليعليهالسلام ، ٣: ٦٠.
(٣) كشف الغمة، ٢: ٣٢؛ والمحجّة البيضأ، ٤: ٢٢٨.
بطريق مكّة، ومنه ذات عرق ...».(١)
«ويعتبر السُنّة ذات عرق ميقات العراقيين وأهل الشرق، بينما يحتاط فقهاء الإمامية بالإحرام من المسلخ وهو أبعدُ عن مكّة، وتبعد ذات عرق مرحلتين عن مكّة (أي حوالي ٩٢ كم).».(٢)
قال السيد ابن طاووس (ره): «ثُمّ سار حتّى بلغ ذات عرق فلقي بشر بن غالب وارداً من العراق، فسأله عن أهلها، فقال: خلّفت القلوب معك، والسيوف مع بني اميّة! فقالعليهالسلام : صدق أخو بني أسد، إنّ اللّه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.».(٤)
____________________
(١) معجم البلدان، ٤: ١٠٨.
(٢) خطب الإمام الحسينعليهالسلام ، ١: ١٣٢؛ وذكر أنّ وادي العقيق يمتدّ من الجنوب الى الشمال، وفيه ثلاثة مواضع هي: ذات عرق، غمرة، المسلخ.
(٣) بشر بن غالب الأسديّ الكوفي: يُعدُّ في (الإصطلاح الرجالي) من أصحاب الحسين والسجّادعليهماالسلام .. وعدّه البرقي من أصحاب أميرالمؤمنين والحسنين والسجّادعليهماالسلام ، وأخوه بشير، وقد رويا هو وأخوه عن الحسينعليهالسلام دعاءه المعروف يوم عرفة، كما رويا عنهعليهالسلام سِيَرَ القائمعليهالسلام ، وقد روى بشر عن الإمام الحسينعليهالسلام أنه قال: «من أحبّنا لله وردنا نحن وهو على نبيّنا هكذا، وضمّ أصابعه، ومن أحبّنا للدنيا فإنّ الدنيا تسع البرّ والفاجر»، وسائر رواياته عن الحسينعليهالسلام موجودة في كتاب عدّة الداعي ؛ فضل القراءة ص ٢٦٩. (راجع: مستدركات علم رجال الحديث، ٢: ٣٣، رقم ٢١٣٠).
وقال ابن حجر: «ذكره أبوعمرو الكشّي في رجال الشيعة، وقال: عالم فاضل جليل القدر، وقال: روى عن الحسين بن علي وعن ابنه زين العابدين..» (لسان الميزان: ٢: ٢٩).
(٤) اللهوف: ٣٠؛ وانظر: مثير الأحزان: ٤٢؛ لكنّ الشيخ الصدوق ذكر في أماليه أنّ هذا اللقاء كان في منطقة الثعلبية (أمالي الصدوق: ١٣١، المجلس ٣٠، حديث رقم ١)، وسيأتي في موضعه.
إشارة:
في لقاء الإمامعليهالسلام مع كلّ من الفرزدق وبشر بن غالب، نلاحظ أنّ كُلًّا من الرجلين كان قد أخبر الإمامعليهالسلام أنّ القلوب في الكوفة معه وأنّ السيوف مع بني أُميّة! وكان هذا قبل مجيء خبر مقتل مسلم بن عقيلعليهالسلام ! ونلاحظ أيضاً أنّ الإمامعليهالسلام قد صدّق كُلًّا من الرجلين! فهذا التصديق من أوثق الدلائل التأريخية على علم الإمامعليهالسلام منذ البدء بأنّ أهل الكوفة سوف يخذلونه ويقتلونه، وكان عالماً منذ البدء بأنّ مصيره الشهادة.
تأمّل:
أين مضى بشر بن غالب بعد لقائه بالإمامعليهالسلام !؟ ولماذا لم يلتحق به وينضمّ إلى ركبه!؟ وهو الذي روى عنهعليهالسلام خاصة من الدعاء، وفي ثمرة حبّ أهل البيتعليهمالسلام ، وفي الإمامة، وفي أخبار القائمعليهالسلام ، وفي غير ذلك، مايكشف عن معرفته واعتقاده بأهل البيتعليهمالسلام وحبّه لهم!؟
هل كان معذوراً في مفارقته الإمامعليهالسلام وفي عدم نصرته!؟ هذا مالا نعلم عنه شيئاً حسب متابعتنا القاصرة، وهو ممّا سكت عنه المؤرّخون والرجاليون!
روى البلاذري عن الزبير بن الخرّيت قال: «سمعت الفرزدق قال: لقيتُ الحسين بذات عرق وهو يريد الكوفة، فقال لي: ما ترى أهل الكوفة صانعين، فإنَّ معي جُملًا من كتبهم؟ قلت: يخذلونك فلاتذهب، فإنّك تأتي قوماً قلوبهم معك وأيديهم عليك! فلم يُطعني!».(١)
____________________
(١) أنساب الأشرف، ٣: ٣٧٧؛ وتاريخ ابن عساكر؛ ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام : ٣٠٣، رقم ٢٦١.
وقد مرَّ بنا في الإجابة عن هذا السؤال: أين لقي الفرزدق الإمامعليهالسلام بالضبط؟
أنّ أقرب الأقوال وأقواها هو أنّ الفرزدق لقي الإمامعليهالسلام في بستان بني عامر على مشارف مكّة وأوائل الأرض الحرام، لأنّ هذا اللقاء ينبغي أن يكون يوم التروية- يوم خروج الإمامعليهالسلام من مكّة- وينبغي أن يكون قريباً جدّاً من مكّة، حتّى يستطيع الفرزدق إدراك أعمال الحجّ في وقتها.
وروى البلاذري أيضاً فقال: «قالوا: ولحق الحسين عون بن عبداللّه بن جعدة بن هبيرة بذات عرق بكتاب من أبيه يسأله فيه الرجوع، وذكر ما يخاف عليه من مسيره! فلم يُعجبه!».(١)
يُستفاد من نصّ هذه الرواية أنّ عوناً هذا كان في مكّة وسار حتى أدرك الإمامعليهالسلام بذات عرق، بدليل كلمة «ولحق»، وأنّ أباه عبداللّه موجود في مكّة المكرّمة، بدليل عبارة «يسأله فيه الرجوع».
فالظاهر أنّ الراوي قد اشتبه فذكر إسم عون بن عبداللّه بن جعدة بدلًا من إسم عون بن عبداللّه بن جعفر!
يؤيّد هذا: أوّلًا: أنّ التأريخ حدّثنا عن التحاق عون ومحمّد ولدي عبداللّه بن جعفر بن أبي طالب بالإمامعليهالسلام بعد خروجه من مكّة.
وثانياً: أنّ التأريخ حدّثنا أيضاً أنّ بني جعدة بن هبيرة المخزومي كانوا في الكوفة، وقد كان بنوجعدة ممّن اجتمع من الشيعة في دار سليمان بن صرد الخزاعي بعد شهادة الإمام الحسنعليهالسلام ، وكتبوا إلى الإمامعليهالسلام يعزّونه، ويخبرونه
____________________
(١) أنساب الأشراف، ٣: ٣٧٧.
بحسن رأي أهل الكوفة فيه، وحبّهم لقدومه، وتطلّعهم إليه(١)
فضلًا عن كلّ هذا، فإنّ هذا الخبر مما تفرّد به البلاذري، ولم نعثر عليه عند مؤرّخ آخر، ليساعدنا على كشف غموضه ورفع اضطرابه.
«بضمّ الراء، وتشديد الميم وهو وادٍ معروف بعالية نجد، وقال ابن دريد:
الرُمَّةُ قاع عظيم بنجد، تنصبّ إليه أودية.»(٢) و «الحاجرُ: بالجيم والراء، وفي لغة العرب: مايمسكُ الماء من شفة الوادي ..»(٣) و «بطن الرمّة: منزل لأهل البصرة إذا أرادوا المدينة، وفيه يجتمع أهل الكوفة والبصرة، ويقع شمال نجد ..».(٤)
روى الطبري قائلًا: «ولما بلغ عبيداللّه إقبال الحسين من مكّة الى الكوفة بعث الحصين بن نمير صاحب شُرطه حتى نزل القادسية، ونظّم الخيل ما بين القادسية إلى خفّان، ومابين القادسية إلى القطقطانة، وإلى لعلع، وقال للناس: هذا الحسين يُريد العراق!».(٥)
ثُمَّ إنّ الحسينعليهالسلام : «أقبل حتّى إذا بلغ الحاجر من بطن الرمّة، بعث قيس بن مسهّر الصيداوي إلى أهل الكوفة،(٦) وكتب معه إليهم:
____________________
(١) راجع: أنساب الأشراف، ٣: ٣٦٦.
(٢) معجم البلدان، ١: ٤٤٩.
(٣) معجم البلدان، ٢: ٢٠٤.
(٤) خطب الإمام الحسينعليهالسلام ، ١: ١٣٢.
(٥) تاريخ الطبري، ٣: ٣٠١.
(٦) وأضاف الشيخ المفيد (ره) هنا: «ويقال بل بعث أخاه من الرضاعة عبدالله بن يقطر إلى الكوفة، =
(بسم اللّه الرحمن الرحيم. من الحسين بن عليّ إلى إخوانه من المؤمنين والمسلمين. سلام عليكم، فإنّي أحمد إليكم اللّه الذي لا إله إلّا هو، أمّا بعدُ: فإنّ كتاب مسلم بن عقيل جاءني يخبرني فيه بحسن رأيكم، واجتماع ملئكم على نصرنا والطلب بحقّنا، فسألتُ اللّه أن يحسن لنا الصنع، وأن يثيبكم على ذلك أعظم الأجر، وقد شخصت إليكم من مكّة يوم الثلاثاء لثمانٍ مضين من ذي الحجّة يوم التروية، فإذا قدم عليكم رسولي فاكمشوا أمركم وجدّوا، فإنّي قادم عليكم في أيّامي هذه إن شاء اللّه، والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته.)،..
وأقبل قيس بن مسهّر الصيداوي إلى الكوفة بكتاب الحسين، حتى إذا انتهى الى القادسية أخذه الحصين بن نمير، فبعث به إلى عبيداللّه بن زياد، فقال له عبيداللّه: إصعد إلى القصر، فسُبَّ الكذّاب ابن الكذّاب!
فصعد، ثمّ قال: أيها الناس، إنّ هذا الحسين بن عليّ خير خلق اللّه، ابن فاطمة بنت رسول اللّه، وأنا رسوله إليكم، وقد فارقته بالحاجر، فأجيبوه. ثم لعن عبيداللّه بن زياد وأباه، واستغفر لعليّ بن أبي طالب.
قال: فأمر به عبيداللّه بن زياد أن يُرمى به من فوق القصر، فرُمي به فتقطّع فمات.».(١)
____________________
= ولم يكنعليهالسلام علم بخبر ابن عقيل (ره)..» (راجع: الإرشاد: ٢٢٠).
(١) تاريخ الطبري، ٣: ٣٠١؛ وانظر: تجارب الأمم، ٢: ٥٧ وفيه «الحصين بن تميم»، وانظر: أنساب الأشراف، ٣: ٣٧٨ وفيه «الحصين بن تميم» أيضاً، والأخبار الطوال: ٢٤٥ - ٢٤٦؛ وتذكرة الخواص: ٢٢١؛ والإرشاد: ٢٢٠؛ وفيه: «وروي: أنّه وقع الى الأرض مكتوفاً فتكسّرت عظامه، وبقي به رمق، فجاء رجل يُقال له: عبدالملك بن عمير اللخمي فذبحه! فقيل له في ذلك وعيب عليه! فقال: أردت أن أريحه!».
وقال السيد ابن طاووس (ره): «قال الراوي وكتب الحسينعليهالسلام كتاباً إلى سليمان بن صُرَد الخزاعي، والمسيّب بن نجبة، ورفاعة بن شدّاد، وجماعة من الشيعة بالكوفة، وبعث به مع قيس بن مسهّر الصيداوي، فلما قارب دخول الكوفة اعترضه الحصين بن نمير صاحب عبيداللّه بن زياد لعنه اللّه ليفتّشه فأخرج قيس الكتاب ومزّقه، فحمله الحصين بن نمير إلى عبيداللّه بن زياد، فلما مثل بين يديه قال له: من أنت؟
قال: أنا رجل من شيعة أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام وابنه!
قال: فلماذا خرقتَ الكتاب!؟
قال: لئلّا تعلم ما فيه!
قال: وممّن الكتاب وإلى من!؟
قال: من الحسينعليهالسلام إلى جماعة من أهل الكوفة لا أعرف أسماءهم!
فغضب ابن زياد وقال: واللّه لاتفارقني حتى تخبرني بأسماء هؤلاء القوم، أو تصعد المنبر فتلعن الحسين بن عليّ وأباه وأخاه! وإلّا قطّعتك إرباً إرباً!
فقال قيس: أمّا القوم فلا أُخبرك بأسمائهم! وأمّا لعن الحسينعليهالسلام وأبيه وأخيه فأفعل!
فصعد المنبر، فحمد اللّه وأثنى عليه، وصلّى على النبيّصلىاللهعليهوآله ، وأكثر من الترحّم على عليّ والحسن والحسين صلوات اللّه عليهم، ثمّ لعن عبيداللّه بن زياد وأباه، ولعن عُتاة بني أميّة عن آخرهم! ثمّ قال: أيها النّاس، أنا رسول الحسينعليهالسلام إليكم، وقد خلّفته بموضع كذا فأجيبوه. فأُخبر ابن زياد بذلك، فأمر بإلقائه من
أعالي القصر، فأُلقي من هناك فمات، فبلغ الحسينعليهالسلام موته فاستعبر بالبكاء ثمّ قال:
أللّهمّ اجعل لنا ولشيعتنا منزلًا كريماً واجمع بيننا وبينهم في مستقرّ من رحمتك إنّك على كلّ شيء قدير.
وروي أنّ هذ الكتاب كتبه الحسينعليهالسلام من الحاجر، وقيل غير ذلك.».(١)
هناك قضية لم تزل غامضة مبهمة على أكثر المتتبعين لحركة أحداث النهضة الحسينية- والقضايا الغامضة في إطار هذه النهضة المقدّسة كثيرة!- وهي:
هل أن الرسول الذي بعثه الإمامعليهالسلام أثناء الطريق بعد الخروج من مكّة الى العراق، فأُلقي القبض عليه في القادسية، ثمّ أمر به ابن زياد فأُلقي مكتوفاً من أعلى القصر فقضى نحبه، هو قيس بن مُسهّررضياللهعنه أم عبداللّه بن يقطررضياللهعنه !؟
ولقد عبّر الشيخ المفيد (ره) عن هذا الغموض والإبهام أفضل تعبير بقوله:
«ويُقال بل بعث أخاه من الرضاعة عبداللّه بن يقطر إلى الكوفة ..».(٢)
أم أنّ كلًّا منهما كان رسولًا للإمام أثناء الطريق إلى الكوفة، وكُلًّا منهما أُلقي عليه القبض في القادسية، وكُلًّا منهما أمر به ابن زياد فأُلقي من أعلى القصر فمضى شهيداً!؟
أم أن هناك تفاوتاً بين قصتي هذين الشهيدين العظيمين؟
من أجل استكشاف الحقيقة وإزالة الإبهام والغموض في هذا الصدد نضع
____________________
(١) اللهوف: ٣٢ - ٣٣؛ وانظر: مثير الأحزان: ٤٢.
(٢) الإرشاد: ٢٠٢.
الملاحظات التالية بين يدي القارىء الكريم:
١)- تؤكّد مصادر تأريخية على أنّ كُلًّا من هذين الشهيدين كان رسولًا للإمامعليهالسلام إلى الكوفة، لكنها تحدّد المكان الذي أرسل الإمامعليهالسلام منه قيس بن مسهّررضياللهعنه إلى الكوفة وهو الحاجر من بطن الرمّة، ولاتحدد المكان الذي أرسل الإمامعليهالسلام منه ابن يقطررضياللهعنه الى الكوفة ولازمان ذلك، فمثلًا: يقول مؤرّخون: «ثمّ إنّ الحسين لما وصل الى الحاجر من بطن الرمّة كتب كتاباً الى مسلم وإلى الشيعة بالكوفة وبعثه مع قيس ..»(١) لكنهم بصدد ابن يقطر يقولون: «وكان قد سرّحه إلى مسلم بن عقيل من الطريق وهو لايدري أنه أصيب».(٢)
نعم، هناك ملاحظة مهمة صرّح بها الشيخ السماوي (ره) قائلًا: «وقال ابن قتيبة وابن مسكويه: إنّ الذي أرسله الحسين قيس بن مسهّر وإنَّ عبداللّه بن يقطر بعثه الحسينعليهالسلام مع مسلم، فلما أن رأى مسلم الخذلان قبل أن يتمَّ عليه ماتمّ بعث عبداللّه إلى الحسين يخبره بالأمر ..»،(٣) فإذا صحّ هذا يكون رسول الإمامعليهالسلام الى الكوفة أثناء الطريق هو قيس بن مسهّر لاسواه.
٢)- على فرض أنّ عبداللّه بن يقطررضياللهعنه كان أيضاً رسولًا من قبل الإمامعليهالسلام الى الكوفة بعد خروجه من مكّة، فإنّ إرساله الى الكوفة كان قبل إرسال قيس بن مسهّررضياللهعنه زمانياً، وقبل منطقة الحاجر من بطن الرمّة مكانياً، ذلك لأنه- على الأقلّ- كان قد وصل الى القادسية وأُخذ وقُتل بإلقائه من أعلى القصر قبل
____________________
(١) أبصار العين: ١١٢ وتاريخ الطبري، ٣: ٣٠١ والإرشاد: ٢٠٢ وانظر: أنساب الأشراف، ٣: ٣٧٨ والأخبار الطوال: ٢٤٥ - ٢٤٦ ومثير الأحزان: ٤٢ وتذكرة الخواص: ٢٢١.
(٢) تاريخ الطبري، ٣: ٣٠٣ وانظر: أبصار العين: ٩٣.
(٣) أبصار العين: ٩٤.
فترة من وصول قيس بن مسهّررضياللهعنه الذي قتل بعد مقتل مسلمعليهالسلام ، بدليل أنّ خبر مقتل عبداللّه بن يقطررضياللهعنه كان قد وصل الى الامام الحسينعليهالسلام - بزبالة- بعد خبر مقتل مسلمعليهالسلام وهاني بن عروةرضياللهعنه بقليل، فنعاهم الإمامعليهالسلام قائلًا:
«أمّا بعدُ، فقد أتانا خبرٌ فظيع! قُتل مسلم بن عقيل، وهاني بن عروة، وعبداللّه بن يقطر ..»،(١) وأمّا خبر مقتل قيسرضياللهعنه فقد بلغ الإمامعليهالسلام - بعد ذلك بفترة- في عذيب الهجانات.(٢)
إذن لامانع من أن يكون كلّ منهما رسولًا للإمامعليهالسلام إلى الكوفة بعد خروجهعليهالسلام من مكّة، لكنّ إرسال ابن يقطررضياللهعنه كان قبل إرسال ابن مسهّررضياللهعنه ، وقد قُتلا بنفس القتلة بالإلقاء من أعلى القصر، لكنّ ابن يقطررضياللهعنه قُتل قبل ابن مسهّررضياللهعنه بفترة.
٣)- هناك مصادر تأريخية تقول إنّ عبداللّه بن يقطررضياللهعنه كان رسولًا من قبل مسلمعليهالسلام ، فقُبض عليه بعد خروجه من الكوفة عند أطرافها قريباً من القادسية، وكان مقتله قبل مقتل مسلم بن عقيلعليهالسلام ، فقد ورد في رواية ابن شهرآشوب أنّ عبيداللّه بن زياد بعد أن زار شريك بن الأعور الحارثي في مرضه (في بيت هانيء بن عروة)، وجرى ما جرى من حثّ شريك مسلماًعليهالسلام على قتل عبيداللّه من خلال رمز «ما الإنتظار بسلمى أن تحييها ..»، فأوجس عبيدالله منهم خيفة فخرج: «فلما دخل القصر أتاه مالك بن يربوع التميمي بكتاب أخذه من يدي عبداللّه بن يقطر، فإذا فيه: للحسين بن عليّ، أما بعدُ: فإنّي أخبرك أنه قد بايعك من أهل الكوفة كذا، فإذا أتاك كتابي هذا فالعجل العجل، فإنّ النّاس معك،
____________________
(١) تاريخ الطبري، ٣: ٣٠٣.
(٢) تاريخ الطبري، ٣: ٣٠٨.
وليس لهم في يزيد رأي ولاهوى. فأمر ابن زياد بقتله.»،(١) وكذلك روى السيّد محمد بن أبي طالب في كتابه تسلية المجالس،(٢) فإذا أضفنا إلى هاتين الروايتين ماذكره الشيخ السماوي (ره) عن ابن قتيبة وابن مسكويه من أنّ الإمام الحسينعليهالسلام كان قد أرسل عبداللّه بن يقطررضياللهعنه مع مسلمعليهالسلام ، فلما أن رأى مسلم الخذلان قبل أن يتمّ عليه ماتمّ بعث عبداللّه إلى الحسين يخبره بالأمر(٣)
يتحقّق إذن على أساس ذلك تفاوت بيّن بين قصتي هذين الشهيدينرضياللهعنه ، إذ يكون عبداللّه بن يقطررضياللهعنه مبعوثاً مع مسلمعليهالسلام إلى الكوفة من مكّة- أو رسولًا من قبل الإمامعليهالسلام إلى الكوفة بعد خروجه من مكّة- وحين أُلقي القبض عليه كان حاملًا كتاباً من مسلمعليهالسلام إلى الإمامعليهالسلام ، لا كحال قيس بن مسهّررضياللهعنه الذي أُلقي عليه القبض وهو رسول من الإمامعليهالسلام يحمل كتاباً منه إلى الكوفة، إلى مسلمعليهالسلام أو إلى بعض وجوه الشيعة فيها.
والمسألة لاتزال بحاجة الى مزيد من البحث والتنقيب والتحقيق، وباب المعرفة لازال مفتوحاً على مصراعيه، فكم ترك الأول للآخر!
قال الشيخ المفيد (ره): «ثمّ أقبل الحسينعليهالسلام من الحاجر يسير نحو الكوفة، فانتهى إلى ماء من مياه العرب، فإذا عليه عبداللّه بن مطيع العدوي وهو نازل به، فلما رأى الحسينعليهالسلام قام إليه فقال: بأبي أنت وأمّي يا ابن رسول اللّه، ما أقدمك!؟
____________________
(١) مناقب آل أبي طالب، ٤: ٩٤، وعنه البحار: ٤٤: ٣٤٣.
(٢) تسلية المجالس، ٢: ١٨٢.
(٣) راجع: إبصار العين: ٩٤.
(٤) مرّت بنا ترجمته في الجزء الأوّل من هذه الدراسة ص ٤٢١ - ٤٢٣ فراجع.
واحتمله فأنزله فقال له الحسينعليهالسلام :
كان من موت معاوية ما قد بلغك، فكتب إليَّ أهل العراق يدعونني إلى أنفسهم.
فقال له عبداللّه بن مطيع: أذكرّك اللّه يا ابن رسول اللّه وحرمةَ الإسلام أن تُنتهك! أُنشدك اللّه في حرمة قريش! أنشدك اللّه في حرمة العرب! فواللّه لئن طلبت ما في أيدي بني أميّة ليقتلُنَّك، ولئن قتلوك لايهابون بعدك أحداً أبداً، واللّه إنها لحرمة الإسلام تُنتهك وحرمة قريش وحرمة العرب! فلاتفعل ولاتأت الكوفة، ولاتعرّض نفسك لبني أميّة.
فأبى الحسينعليهالسلام إلّا أن يمضي!».(١)
إشارة:
كان هذا هو اللقاء الثاني لعبداللّه بن مطيع العدويّ مع الإمامعليهالسلام ، إذ كان اللقاء الأوّل بينهما بين المدينة ومكّة، عند بئر لهذا العدوي كان يحفره آنذاك،(٢) وهذا العدوي: «رجل من قريش، همّه العافية والمنفعة الذاتية، وحرصه على مكانة قريش والعرب أكبر من حرصه على الإسلام، وهو ليس من طلّاب الحقّ ولامن أهل نصرته والدفاع عنه، وكاذب في دعوى مودّة أهل البيتعليهمالسلام مع معرفته
____________________
(١) الإرشاد: ٢٠٣ وتأريخ الطبري، ٣: ٣٠١ والكامل في التاريخ، ٣: ٤٠١ وفي الأخبار الطوال: ٢٤٦ / «وسار الحسينعليهالسلام من بطن الرمّة فلقيه عبدالله بن مطيع وهو منصرف من العراق، فسلّم على الحسين وقال له: بأبي أنت وأمّي يا ابن رسول الله، ما أخرجك من حرم الله وحرم جدّك؟ فقال: إنّ أهل الكوفة كتبوا إليَّ يسألونني أن أقدم عليهم لما رجوا من إحياء معالم الحقّ وإماتة البدع..».
(٢) راجع: تأريخ ابن عساكر/ ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام : ٢٢٢، حديث رقم ٢٠٣، وانظر: الفتوح: ٥: ٣٦ - ٣٧ والأخبار الطوال: ٢٢٨ - ٢٢٩.
بمنزلتهم الخاصة عنداللّه تبارك وتعالى ونرى ابن مطيع هذا يكشف عن كذبه في دعوى حبّه للإمامعليهالسلام ، حين انضمّ الى ابن الزبير وصار عاملًا له على الكوفة «فجعل يطلب الشيعة ويخيفهم»،(١) وقاتلهم في مواجهته لحركة المختار! واستعان عليهم بقتلة الإمام الحسينعليهالسلام أنفسهم، أمثال شمر بن ذي الجوشن، وشبث بن ربعي، وغيرهم! وفي أوّل خطبة له في الكوفة أعلن عن عزمه على تنفيذ أمر ابن الزبير في السير بأهل الكوفة بسيرة عمر بن الخطّاب وسيرة عثمان بن عفان! لكنّه فوجيء بحنين أهل الكوفة إلى سيرة عليّعليهالسلام ورفضهم للسير الأخرى ..».(٢)
ولقد كان الإمام الحسينعليهالسلام يعرفه تمام المعرفة! ويعرف حقيقة دعاواه! وكان يعامله بأدبه الإسلاميّ السامي، فلا يكذّب له دعواه في المودّة وفي حرصه على ألّا يُقتل، لكنهعليهالسلام لم يُطلعه على شيء من أمر نهضته إلّا بقدر ما يناسبه، ففي لقائه الأوّل معه لم يكشف له إلّا عن مقصده المرحلي (مكّة)، ولم يكشف له عن شيء مما بعدها إلّا «فإذا صرت إليها استخرتُ اللّه تعالى في أمري بعد ذلك!»(٣)
أو «يقضيّ اللّه ما أَحبَّ!»،(٤) أمّا في لقائه الثاني فكان لابدّ- وقد رآه في الطريق إلى العراق- أن يكشف له عن ظاهر علّة سفره إلى العراق، أي رسائل أهل الكوفة إليهعليهالسلام ، ويُلاحظ بوضوح أنّ الإمامعليهالسلام في كلا اللقائين لم يكن يعبأ بمعارضة العدويّ هذا وإصراره وتوسّلاته، بل كانعليهالسلام يمرّ به مرور الكرام!
____________________
(١) تأريخ اليعقوبي، ٢: ٢٥٨.
(٢) الجزء الأوّل من هذه الدراسة: ص ٤٢١ - ٤٢٢.
(٣) الفتوح، ٥: ٣٦ - ٣٧.
(٤) الأخبار الطوال: ٢٢٨ - ٢٢٩ / وننبّه إلى أنّ ابن عبدربّه الأندلسي قد خلط في روايته بين اللقائين خلطاً فاحشاً، فلايُعباء بروايته! (راجع: العقد الفريد، ٤: ٣٥٢).
«بضم أوّله وفتح ثانيه، تصغير خزيمة، منسوبة إلى خزيمة بن خازم فيما أحسب، وهو منزل من منازل الحجّ بعد الثعلبية من الكوفة وقبل الأجفر، وقال قوم: بينه وبين الثعلبية إثنان وثلاثون ميلًا، وقيل: إنه الحزيمية بالحاء المهملة.».(١)
وقيل: «الخزيميّة: نسبة الى خزيمة بن حازم، وهي قبل زرود»(٢) .
قال ابن أعثم الكوفي: «وسار الحسين حتى نزل الخزيميّة، وأقام بها يوماً وليلة، فلما أصبح أقبلت إليه أخته زينب بنت عليّ فقالت: يا أخي ألا أُخبرك بشيء سمعته البارحة!؟
فقال الحسينعليهالسلام : وما ذاك؟
فقالت: خرجت في بعض الليل لقضاء حاجة فسمعت هاتفاً بهتف وهو يقول:
أَلا ياعَيْنُ فاحتفلي بجهدِ |
ومن يبكي على الشهداء بعدي |
|
على قومٍ تسوقهمُ المنايا |
بمقدارٍ إلى إنجاز وعدِ |
فقال لها الحسينعليهالسلام : يا أُختاه! المقضيُّ هو كائن!».(٣)
____________________
(١) معجم البلدان، ٢: ٣٧٠.
(٢) خطب الإمام الحسينعليهالسلام ، ١: ١٣٢.
(٣) الفتوح، ٥: ١٢٢؛ وعنه الخوارزمي في المقتل، ١: ٣٢٣ - ٣٢٤ وفيه: «يا أختاه كلُّ ما قُضي فهو كائن».
«الزَرْدُ: البَلْعُ، ولعلّها سُميّت بذلك لابتلاعها المياه التي تمطرها السحائب، لأنها رمال بين الثعلبية والخزيمية بطريق الحاج من الكوفة وتسمّى زرود العتيقة، وهي دون الخزيميّة بميل، وفي زرود بركة وقصر وحوض!».(١)
قال الدينوري: «ثُمَّ سار حتّى انتهى إلى زَرود، فنظر إلى فسطاط مضروب، فسأل عنه، فقيل له: هو لزهير بن القين. وكان حاجّاً أقبل من مكّة يريد الكوفة، فأرسل إليه الحسين: أَنْ الْقَني أُكَلِّمْكَ.
فأبى أن يلقاهُ! وكانت مع زهير زوجته، فقالت له: سبحان اللّه! يبعث إليك ابن رسول اللّهصلىاللهعليهوآله فلا تجيبه!؟
فقام يمشي إلى الحسينعليهالسلام ، فلم يلبثْ أن انصرف وقد أشرق وجهه! فأمر بفسطاطه فقُلِعَ، وضُرب إلى لزِق فسطاط الحسين!
ثُمّ قال لامرأته: أنتِ طالق! فتقدّمي مع أخيكِ حتّى تصلي إلى منزلك، فإنّي قد وطّنتُ نفسي على الموت مع الحسينعليهالسلام !
ثم قال لمن كان معه من أصحابه: من أحبَّ منكم الشهادة فَلْيُقِمْ، ومن كرهها فليتقدّم.
فلم يُقم معه منهم أحد! وخرجوا مع المرأة وأخيها حتّى لحقوا بالكوفة».(٢)
وروى الطبري في تأريخه عن رجل من بني فزارة قال: «كُنّا مع زهير بن القين
____________________
(١) معجم البلدان، ٣: ١٣٩.
(٢) الأخبار الطوال: ٢٤٦ - ٢٤٧.
البجلي حين أقبلنا من مكّة نساير الحسين! فلم يكن شيء أبغض إلينا من أن نسايره في منزل! فإذا سار الحسين تخلّف زهير بن القين، وإذا نزل الحسين تقدّم زهير! حتّى نزلنا يومئذٍ في منزل لم نجد بُدّاً من أن ننازله فيه، فنزل الحسين في جانب ونزلنا في جانب، فبينا نحن جلوس نتغدّى من طعام لنا إذا أقبل رسول الحسين حتّى سلّم ثُمَّ دخل، فقال: يا زهير بن القين، إنّ أبا عبداللّه الحسين بن عليّ بعثني إليك لتأتيه.
قال فطرح كلُّ إنسان ما في يده حتّى كأننا على رؤوسنا الطير!».(١)
ثم يواصل الطبري قصة هذا الحدث قائلًا: «قال أبومخنف: فحدّثتني دلهم بنت عمرو إمرأة زهير بن القين قالت: فقلت له: أيبعث إليك ابن رسول اللّه ثمّ لاتأتيه!؟ سبحان اللّه، لو أتيته فسمعتَ من كلامه ثمّ انصرفتَ!
قالت: فأتاه زهير بن القين، فما لبث أن جاء مستبشراً قد أسفر وجهه! قالت:
فأمر بفسطاطه وثقله ومتاعه فقُدِّم وحُمل الى الحسين! ثُمّ قال لامرأته: أنت طالقٌ، إلحقي بأهلك فإنّي لا أُحبُّ أن يُصيبك من سببي إلّا خير!
ثمّ قال لأصحابه: من أحبَّ منكم أن يتبعني وإلّا فإنّه آخر العهد!
إنّي سأحدّثكم حديثاً: غزونا بَلَنْجَر(٢) ففتح اللّه علينا، وأصبنا غنائم، فقال لنا سلمان الباهليّ:(٣) أفرحتم بما فتح اللّه عليكم وأصبتم من المغانم؟
فقلنا: نعم.
فقال لنا: إذا أدركتم شباب(٤) آل محمّد فكونوا أشدّ فرحاً بقتالكم معهم بما
____________________
(١) تأريخ الطبري، ٣: ٣٠٣.
(٢) مدينة ببلاد الخزر.. قالوا: فتحها عبدالرحمن بن ربيعة، وقال البلاذري: سلامان بن ربيعة الباهلي (راجع: معجم البلدان، ١: ٤٨٩).
(٣) و (٤) في الإرشاد: سلمان الفارسي بدلاً من سلمان الباهلي، وسيّد شباب آل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم بدلاً =
أصبتم من الغنائم. فأمّا أنا فإنّي استودعكم اللّه! ..».(١)
وفي رواية السيّد ابن طاووس (ره) أنّ زهير بن القينرضياللهعنه كان قد قال لزوجه فيما قال لها: «وقد عزمتُ على صحبة الحسينعليهالسلام لأفديه بنفسي، وأقيه بروحي. ثمّ أعطاها مالها، وسلّمها إلى بعض بني عمّها ليوصلها إلى أهلها، فقامت إليه وبكت وودّعته وقالت: كان اللّه عوناً ومعيناً، خار اللّه لك، أسألك أن تذكرني في القيامة عند جدِّ الحسينعليهالسلام ! ...».(٢)
هو زهير بن القين بن قيس الأنماري البجلي، كان رجلًا شريفاً في قومه، نازلًا فيهم بالكوفة، شجاعاً، له في المغازي مواقف مشهورة ومواطن مشهودة حجّ سنة ستين في أهله، ثمّ عاد فوافق الحسينعليهالسلام في الطريق(٣) فلحق به ولازمه حتّى استشهد بين يديه في كربلاء.
____________________
= من شباب آل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ وينبغي التنبيه أنّ الشيخ المفيد (ره) - على ظنّ قويّ - ينقل هذه الرواية عن تأريخ الطبري نفسه، للمطابقة التي تكاد تكون تامة بين النصّين، فلعلّ ما نراه في نسخ تأريخ الطبري الحديثة من تبديل سلمان الفارسي بسلمان الباهلي، وشباب مكان سيّد شباب من التحريفات المتعمّدة التي تجري على قدم وساق في السنين الأخيرة خاصة!؛ وفي مثير الأحزان: ٤٧ «فقال لنا سلمان رضي الله عنه!» وهي ظاهرة في أن المقصود هو سلمان الفارسي، كما نصّ عليه الفتّال النيسابوري أيضاً في روضة الواعظين: ١٥٣، والخوارزمي في المقتل، ١: ٣٢٣ عن ابن أعثم الكوفي، وفيه: «إني كنت غزوت بلنجر مع سلمان الفارسي..»، ونصّ عليه ايضاً ابن الأثير في الكامل، ٣: ٢٧٧ وفيه أيضاً «إذا أدركتم سيّد شباب أهل محمّد».
(١) تأريخ الطبري، ٣: ٣٠٣؛ والإرشاد: ٢٠٣.
(٢) اللهوف: ٣١.
(٣) راجع: إبصار العين: ١٦١.
وقد ورد السلام عليه في زيارة الناحية: «السلام على زهير بن القين البجلي القائل للحسينعليهالسلام وقد أذن له في الإنصراف: لا واللّه، لا يكون ذلك أبداً! أأترك ابن رسول اللّهصلىاللهعليهوآله أسيراً في يد الأعداء وأنجو أنا!؟ لا أراني اللّه ذلك اليوم.».(١)
وكانت لزهيررضياللهعنه مواقف جليلة فذّة مع الإمامعليهالسلام منذ أن انضمّ إلى ركبه حتى استشهد بين يديه، يذكرها التأريخ وتقرأها الأجيال فتخشع إكباراً وتعظيماً لهذه الشخصية الإسلامية السامية، ومن هذه المواقف:
لما بلغ الركب الحسينيّ (ذا حسم) خطب الإمامعليهالسلام أصحابه خطبته التي يقول فيها: «أمّا بعدُ، فإنّه نزل بنا من الأمر ما قد ترون ..» إلخ، قام زهير وقال لأصحابه: أتتكلّمون أم أتكلّم؟
قالوا: بل تكلّم.
فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال: قد سمعنا هداك اللّه يا ابن رسول اللّه مقالتك، واللّه لو كانت الدنيا لنا باقية، وكُنّا فيها مخلّدين، إلّا أنّ فراقها في نصرك ومواساتك، لآثرنا النهوض معك على الإقامة فيها! فدعا له الحسين وقال له خيراً.».(٢)
وروى أبومخنف: عن الضحّاك بن عبداللّه المشرقي قال: لما كانت الليلة العاشرة خطب الحسين أصحابه وأهل بيته فقال في كلامه: «هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملًا، وليأخذ كلُّ رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي، فإنّ القوم إنّما يطلبوني»، فأجابه العبّاسعليهالسلام وبقيّة أهله ثمّ أجابه مسلم بن عوسجة وأجابه سعيد ثم قام زهير فقال: واللّه لوددتُ أنّي قُتلت ثُمَّ نُشرتُ، ثمَّ قتلتُ حتّى أُقتل
____________________
(١) معجم رجال الحديث، ٧: ٢٩٥، رقم ٤٧٥٠.
(٢) تاريخ الطبري، ٣: ٣٠٧؛ وإبصار العين: ١٦٢.
كذا ألف قتلة! وأنّ اللّه يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتية من أهل بيتك!(١)
وروى أبو مخنف عن عليّ بن حنظلة بن أسعد الشبامي، عن كثير بن عبداللّه الشعبي البجلي قال: لما زحفنا قِبَل الحسينعليهالسلام خرج إلينا زهير بن القين على فرسٍ له ذَنوب، وهو شاك في السلاح فقال: يا أهل الكوفة، نذارِ لكم من عذاب اللّه نذارِ! إنَّ حقّاً على المسلم نصيحة أخيه المسلم، ونحن حتّى الآن إخوة وعلى دين واحدٍ وملّة واحدة مالم يقع بيننا وبينكم السيف! فإذا وقع السيف انقطعت العصمة، وكنّا أمّة وكنتم أمّة! إنّ اللّه قد ابتلانا وإيّاكم بذريّة نبيّه محمّدصلىاللهعليهوآله لينظر ما نحن وأنتم عاملون! إنّا ندعوكم إلى نصرهم وخذلان الطاغية عبيداللّه بن زياد، فإنّكم لاتُدركون منهما إلّا السوء عُمَر سلطانهما كلّه، إنهما يسمّلان أعينكم، ويقطّعان أيديكم وأرجلكم، ويمثّلان بكم، ويرفعانكم على جذوع النخل! ويقتّلان أماثلكم وقرّاءكم أمثال حُجر بن عدي وأصحابه، وهاني بن عروة وأشباهه!
قال: فسبّوه وأثنوا على عبيداللّه وأبيه! وقالوا: واللّه لانبرح حتى نقتل صاحبك ومن معه! أو نبعث به وبأصحابه إلى الأمير!
فقال لهم زهير: عبادَ اللّه! إنّ ولد فاطمةعليهاالسلام أحقُّ بالودّ والنصر من ابن سميّة، فإنْ لم تنصروهم فأُعيذكم باللّه أنْ تقتلوهم، فخلّوا بين هذا الرجل وبين يزيد، فلعمري إنّه ليرضى من طاعتكم بدون قتل الحسينعليهالسلام !
قال فرماه شمر بسهم وقال له: أُسكتْ أَسَكتَ اللّه نامتك! فقد أبرمتنا بكثرة كلامك!
____________________
(١) راجع: تأريخ الطبري، ٣: ٣١٦؛ والإرشاد:٢١٥ وإبصار العين: ١٦٤.
فقال زهير: يا ابن البوّال على عقبيه! ما إيّاك أُخاطب، إنّما أنت بهيمة، واللّه ما أظنّك تُحكم من كتاب اللّه آيتين! فابشر بالخزي يوم القيامة والعذاب الأليم.
فقال له شمر: إنّ اللّه قاتلك وصاحبك عن ساعة!
قال زهير: أفبالموت تخوّفني!؟ واللّه للموت معه أحبّ إليَّ من الخُلد معكم! قال: ثمّ أقبل على الناس رافعاً صوته، وصاح بهم: عبادَ اللّه! لايُغرنّكم عن دينكم هذا الجلف الجافي وأشباهه، فواللّه لا تنال شفاعة محمّدصلىاللهعليهوآله قوماً هرقوا دماء ذريّته وأهل بيته! وقتلوا من نصرهم وذبّ عن حريمهم!
قال فناداه رجل من خلفه: يا زهير، إنّ أبا عبداللّه يقول لك:
أَقْبِلْ، فلعمري لئن كان مؤمن آل فرعون نصح لقومه وأبلغ في الدعاء، لقد نصحت لهؤلاء وأبلغت لونفع النصح والإبلاغ!(١)
وبعد عدّة حملات وصولات لهرضياللهعنه في يوم عاشوراء، رجع فوقف أمام الإمام الحسينعليهالسلام وأنشد مودّعاً إيّاه:
فدتك نفسي هادياً مهديّاً |
أليوم ألقى جدّك النبيّا |
|
وحسناً والمرتضى عليّا |
وذا الجناحين الشهيد الحيّا(٢) |
الشائع في سيرة زهير بن القينرضياللهعنه أنه كان عثمانياً قبل التحاقه بالإمام الحسينعليهالسلام ، والعثماني أو عثمانيُّ الميل والهوى يومذاك مصطلح سياسي يعني- على الأقل- التأييد الكامل لبني أميّة في دعوى مظلومية عثمان بن عفان، ومعاداة
____________________
(١) راجع: تأريخ الطبري، ٣: ٣١٩؛ وإبصار العين: ١٦٥ - ١٦٦.
(٢) راجع: إبصار العين: ١٦٧.
عليّعليهالسلام بسبب ذلك، ويعني- على الأكثر- الإشتراك في حرب أو أكثر ضدّ عليّعليهالسلام تحت راية المطالبة بالثأر لدم عثمان كما في الجمل وصفّين.
والظاهر أنّ أقدم مصدر تأريخي وردت فيه الإشارة بصراحة إلى عثمانية زهير بن القينرضياللهعنه هو تأريخ الطبري وأنساب الأشراف للبلاذري، فقد روى الطبري عن أبي مخنف، عن الحارث بن حصيرة، عن عبداللّه بن شريك العامري، بعض وقائع عصر تاسوعاء: كيف جاء شمر بأمانٍ من عبيداللّه بن زياد لأبي الفضل العباس وأخوته من أمّهعليهمالسلام ، وكيف رفض العباس وإخوتهعليهمالسلام هذا الأمان ولعنوا شمراً، ثم كيف أمر عمر بن سعد جيوشه بالزحف نحو معسكر أبي عبداللّهعليهالسلام بعد صلاة العصر ذلك اليوم، ثمّ كيف أمر الإمام الحسينعليهالسلام أخاه العبّاسعليهالسلام أن يأتي القوم فيسألهم عمّا جاء بهم، «فأتاهم العبّاس فاستقبلهم في نحوٍ من عشرين فارساً، فيهم زهير بن القين، وحبيب بن مظاهر، فقال لهم العبّاس: ما بدا لكم وما تريدون!؟
قالوا: جاء أمر الأمير بأن نعرض عليكم أن تنزلوا على حكمه أو ننازلكم!
قال: فلا تعجلوا حتّى أرجع إلى أبي عبداللّه فأعرض عليه ماذكرتم.
قال فوقفوا، ثمّ قالوا: إلْقَهْ فأَعلِمْهُ ذلك ثمّ الْقَنا بما يقول.
فانصرف العبّاس راجعاً يركض الى الحسين يخبره بالخبر، ووقف أصحابه يخاطبون القوم، فقال حبيب بن مظاهر لزهير بن القين: كلّم القومَ إنْ شئتَ، وإنْ شئت كلّمتهم. فقال له زهير: أنت بدأت بهذا، فكُنْ أنت تكلّمهم.
فقال له حبيب بن مظاهر: أما واللّه لبئس القوم عند اللّه غداً قومٌ يقدمون عليه قد قتلوا ذريّة نبيّهعليهالسلام وعترته وأهل بيتهصلىاللهعليهوآله وعباد أهل هذا المصر المجتهدين بالأسحار والذاكرين اللّه كثيراً!
فقال له عزرة بن قيس: إنّك لتُزكّي نفسك ما استطعت!
فقال له زهير: يا عزرة، إنّ اللّه قد زكّاها وهداها، فاتّقِ اللّه يا عزرة، فإنّي لك من الناصحين، أُنشدك اللّه يا عزرة أن تكون ممّن يعين الضُلّالَ على قتل النفوس الزكيّة!
قال: يا زهير، ماكنت عندنا من شيعة أهل هذا البيت، إنّما كُنتَ عثمانياً!
قال: أفلستَ تستدلُّ بموقفي هذا أنّي منهم؟ أما واللّه ما كتبتُ إليه كتاباً قطّ، ولا أرسلتُ إليه رسولًا قطّ، ولاوعدته نصرتي قطّ،(١) ولكنّ الطريق جمع بيني وبينه، فلما رأيته ذكرتُ به رسول اللّهصلىاللهعليهوآله ومكانه منه، وعرفتُ مايقدم عليه من عدّوه وحزبكم، فرأيت أنْ أنصره وأنْ أكون في حزبه، وأن أجعل نفسي دون نفسه حفظاً لما ضيعتم من حقّ اللّه وحقّ رسولهعليهالسلام ...».(٢)
وأما البلاذري فقد قال: «قالوا: وكان زهير بن القين البجلي بمكّة، وكان عثمانياً، فانصرف من مكّة متعجّلًا، فضمّه الطريق وحسيناً فكان يسايره ولاينازله، ينزل الحسين في ناحية وزهير في ناحية، فأرسل الحسين إليه في إتيانه، فأمرته إمرأته ديلم بنت عمرو أن يأتيه فأبى! فقالت: سبحان اللّه! أيبعث إليك ابن بنت رسول اللّه فلاتأتيه؟ فلما صار إليه ثمّ انصرف إلى رحله قال لامرأته: أنت طالق! فالحقي بأهلك فإنّي لا أحبّ أن يُصيبك بسببي إلّا خيراً. ثمّ قال لأصحابه: من أحبّ منكم أن يتّبعني وإلّا فإنه آخر العهد! وصار مع الحسين.».(٣)
____________________
(١) ولايخفى ما في هذه العبائر من تعيير زهيررضياللهعنه لعزرة بن قيس، لأنّ هذا الأخير كان من جملة الذين كتبوا للإمامعليهالسلام وراسلوه في مكّة واعدين إيّاه بالنصرة! (راجع: تاريخ الطبري: ٣: ٢٧٨ / دار الكتب العلمية - بيروت).
(٢) تاريخ الطبري، ٣: ٣١٤.
(٣) أنساب الأشراف: ٣: ٣٧٨ - ٣٧٩.
كما أنّ الطبري أيضاً حدّثنا كذلك عن كراهيّة زهيررضياللهعنه أن ينزل مع الإمامعليهالسلام نفس منازله في الطريق، فيما رواه عن أبي مخنف، عن السدّي، عن رجل من بني فزارة: «كنّا مع زهير بن القين البجليّ حين أقبلنا من مكّة نساير الحسين! فلم يكن شيء أبغض إلينا من أن نسايره في منزل، فإذا سار الحسين تخلّف زهير بن القين، وإذا نزل الحسين تقدّم زهير، حتّى نزلنا يومئذٍ في منزل لم نجد بُدّاً من أن ننازله فيه ...».(١)
وساعد على ذلك أيضاً ما في رواية الدينوري أنّ زهيراً أبى أن يذهب إلى لقاء الإمامعليهالسلام حين استدعاه في زرود: «فأبى أن يلقاه».(٢)
ولنا في كلّ هذا كلام:
١)- رواية منازل الطريق التي رواها الطبري عن (رجل من بني فزارة!) فضلًا عن ضعف سندها- بمجهولية الفزاري- لايستقيم محتوى متنها مع الحقيقة التأريخية والجغرافية، ذلك لأنّ زهير بن القينرضياللهعنه كان عائداً من مكّة إلى الكوفة بعد الإنتهاء من أداء الحجّ، فلو فرضنا أنّه قد خرج من مكّة بعد انتهاء مراسم الحجّ مباشرة فإنه يكون قد خرج منها في اليوم الثالث عشر من ذي الحجّة على الأقوى، وبهذا يكون الفرق الزمني بين يوم خروجه ويوم خروج الإمامعليهالسلام منها خمسة أيّام على الأقلّ، وإذا كان هذا فكيف يصحّ ما في متن الرواية: «كنّا مع زهير بن القين البجلي حين أقبلنا من مكّة نساير الحسين! ...»(٣) الدّال- حسب
____________________
(١) تاريخ الطبري، ٣: ٣٠٣.
(٢) الأخبار الطوال: ٢٤٦.
(٣) ويؤيد هذا ما رواه الطبري في تأريخه، ٣: ٣٠٢ - ٣٠٣ عن الرجلين الأسديين: «قالا: لما قضينا حجّنا لم يكن لنا همّة إلاّ اللحاق بالحسين في الطريق لننظر مايكون من أمره وشأنه، فأقبلنا =
الظاهر- أنّهم سايروا الإمامعليهالسلام من مكّة!؟
أمّا رواية البلاذري فيكفي في عدم الإعتماد عليها أنها مأخوذة عن وكالة أنباء (قالوا)!
ولو أننّا افترضنا أنّ زهير بن القينرضياللهعنه بادر بعد الفراغ من أداء مناسك الحجّ «فانصرف من مكّة متعجّلًا»- على ما في رواية البلاذري- وجدَّ السير لايلوي على شيء، فإنّ الفارق الزمني في أثره على الفارق المكاني قد لايتغيّر، ويبقى كما هو على الأقوى، لأنّ الإمامعليهالسلام - حسب متون تأريخية عديدة- كان قد خرج من مكّة يجدّ السير أيضاً نحو العراق ولايلوي على شيء!
من هنا، فإننا نحتمل احتمالًا قويّاً أنّ أوّل المنازل التي اشترك فيها الإمامعليهالسلام مع زهيررضياللهعنه هو منزل زرود نفسه، لابسبب أنّ زهيراً كان يتحاشى الإشتراك مع الإمامعليهالسلام في المنازل قبل زرود، بل لأنّ هذا المنزل هو المنزل الأوّل الذي يمكن أن يكونا فيه معاً! يعني أوّل المنازل التي يمكن لزهيررضياللهعنه - بسبب تعجّله!- أن يُدرك الإمامعليهالسلام عنده.
٢)- من المؤرّخين من روى قصة لقاء الإمامعليهالسلام مع زهيررضياللهعنه دون أن يرد في روايته أي ذكر لامتناع زهيررضياللهعنه من الذهاب إليهعليهالسلام كما ذكر الدينوري: «فأبى أن يلقاه!» والبلاذري: «فأمرته إمرأته ديلم بنت عمرو أن يأتيه فأبى!»، هذا الإمتناع المفسَّر على أساس عثمانية زهيررضياللهعنه !
فهاهو ابن أعثم الكوفيّ- المعاصر لكلّ من الطبري والدينوري والبلاذري- يروي قصة هذا اللقاء- بدون أي ذكر للعثمانية أو للإمتناع- قائلًا: «ثُمَّ مضى الحسين فلقيه زهير بن القين، فدعاه الحسين إلى نصرته فأجابه لذلك، وحمل إليه
____________________
= تُرقل بنا ناقتانا مسرعين حتى لحقناه بزرود...).
فسطاطه، وطلّق امرأته، وصرفها إلى أهلها، وقال لأصحابه: إنّي كنتُ غزوتُ بلنجر مع سلمان الفارسي، فلما فتح علينا اشتدّ سرورنا بالفتح، فقال لنا سلمان: لقد فرحتم بما أفاء اللّه عليكم! قلنا: نعم.
قال: فإذا أدركتم شباب آل محمّدصلىاللهعليهوآله فكونوا أشدَّ فرحاً بقتالكم معه منكم بما أصبتم اليوم. فأنا أستودعكم اللّه تعالى! ثمّ مازال مع الحسين حتّى قُتِلَ.».(١)
٣)- لم يحدّثنا التأريخ في إطار سيرة زهير بن القينرضياللهعنه عن أيّ واقعة أو حدث أو محاورة أو تصريح من زهير نفسه تتجلّى فيه هذه العثمانية التي أُلْصقت فيه! مع أنّ الآخرين ممّن عُرفوا بعثمانيتهم كانوا قد عُرفوا بها من خلال آرائهم ومواقفهم واشتراكهم في حرب أو أكثر ضدّ عليّعليهالسلام !
٤)- وإذا تأمّلنا جيّداً في ماقاله عزرة بن قيس لزهيررضياللهعنه وما ردّ به زهيررضياللهعنه - على ما في رواية الطبري- يتجلّى لنا أنّ زهير بن القينرضياللهعنه لم يكن عثمانيّاً في يوم من الأيّام! ذلك لأنّ زهيررضياللهعنه أجاب عزرة الذي اتهمه بالعثمانية فيما مضى قائلًا: «أفلستَ تستدلُّ بموقفي هذا أنّي منهم!؟» أي من أهل هذا البيتعليهمالسلام رأياً وميلًا وانتماءً.
ولم يقل له مثلًا: نعم كنتُ عثمانياً كما تقول، ثمّ هداني اللّه فصرت من أتباع أهل هذا البيتعليهمالسلام وأنصارهم، أو ما يشبه ذلك.
بل كان في قوله: «أفلستَ تستدلّ بموقفي هذا أنّي منهم» نفيٌ ضمنيٌّ لعثمانيته مطلقاً في الماضي والحاضر، ثمّ إنّ سكوت عزرة بعد ذلك عن الردّ كاشف عن تراجعه عن تهمة العثمانيّة، فتأمّل.
____________________
(١) مقتل الحسينعليهالسلام للخوارزمي، ١: ٣٢٣، الفصل ١١، رقم ٦.
٥)- إنّ التأمّل يسيراً في أقوال زهير بن القينرضياللهعنه وفي قول زوجه وموقفها، يكشف عن أنّ زهيراًرضياللهعنه وزوجه كانا يعرفان حقّ أهل البيتعليهمالسلام وتعمر قلبيهما مودّتهم، تأمّلْ في قوله لزوجه- على ما في رواية السيّد ابن طاووس-: «وقد عزمت على صحبة الحسينعليهالسلام لأفديه بنفسي وأقيه بروحي»، وفي قولها له: «كان اللّه عوناً ومعينا، خار اللّه لك، أسألك أن تذكرني في القيامة عند جدّ الحسينعليهالسلام !»، أو قوله لها- على ما في رواية الدينوري-: «فإنّي قد وطّنتُ نفسي على الموت مع الحسينعليهالسلام »، وقوله لأصحابه: «من أحبّ منكم الشهادة فَلْيُقِمْ ..»، وإخباره إيّاهم بحديث سلمان الفارسيرضياللهعنه - على ما في رواية الإرشاد-: «اذا أدركتم سيّد شباب آل محمّد فكونوا أشدّ فرحاً بقتالكم معهم ..»!
وتأمّل بتعمق أكثر في قوله: «وطّنتُ نفسي على الموت مع الحسينعليهالسلام ، وقوله: «من أحبّ منكم الشهادة فليقم ..»، وقوله زوجه: «أسألك أن تذكرني في القيامة عند جدّ الحسينعليهالسلام ، وقوله لأصحابه: «من أحبّ منكم أن يتبعني وإلّا فإنه آخر العهد!»، تجد أنّ هذه العائلة الكريمة كانت على علمٍ بأنّ الإمامعليهالسلام سيستشهد في سفره هذا مع أنصاره من أهل بيته وأصحابه، وذلك قبل أن تظهر في الأفق معالم الإنكسار الظاهري، وخذلان أهل الكوفة، وقبل أن يصل إلى الإمامعليهالسلام نبأ مقتل مسلم بن عقيلعليهالسلام وهاني بن عروةرضياللهعنه وعبداللّه بن يقطررضياللهعنه ، وهذا كاشف عن أنّ زهيراًرضياللهعنه كان ذا عناية واهتمام بأخبار الإمام الحسينعليهالسلام ومتابعاً لأنباء مستقبل حركته وقيامه، حتى لو فرضنا أنَّ زهيراً كغيره من الناس كان قد سمع بأخبار الملاحم المتعلقة بنهضة الحسينعليهالسلام واستشهاده، أو سمع من نفس الإمامعليهالسلام بعض خطبه في مكّة التي كان قد أشار فيهاعليهالسلام إلى استشهاده.
أضف الى ذلك: أنّ صاحب كتاب (أسرار الشهادة) نقل هذه الواقعة قائلًا:
«قيل: أتى زهير إلى عبداللّه بن جعفر بن عقيل قبل أن يُقتل فقال له: يا أخي ناولني الراية!
فقال له عبداللّه: أَوَ فيَّ قصورٌ عن حملها!؟
قال: لا، ولكن لي بها حاجة!
قال فدفعها إليه وأخذها زهير، وأتى تجاه العبّاس بن أميرالمؤمنينعليهماالسلام .
وقال: يا ابن أميرالمؤمنين، أُريد أن أحدّثك بحديث وعيته!
فقال: حدّث فقد حلا وقت الحديث! حدّث ولاحرج عليك فإنّما تروي لنا متواتر الإسناد!
فقال له: إعلم يا أبا الفضل أنّ أباك أميرالمؤمنينعليهالسلام لما أراد أن يتزوّج بأُمّك أمّ البنين بعث إلى أخيه عقيل، وكان عارفاً بأنساب العرب، فقال له: يا أخي، أُريد منك أن تخطب لي امرأة من ذوي البيوت والحسب والنّسب والشجاعة لكي أُصيب منها ولداً يكون شجاعاً وعضداً ينصر ولدي هذا- وأشار اإلى الحسينعليهالسلام - ليواسيه في طفّ كربلاء! وقد ادّخرك أبوك لمثل هذا اليوم، فلاتقصّر عن حلائل أخيك وعن أخواتك ...».(١)
فإذا صحّت هذه الرواية، فإنّ هذا الحديث الذي (وعاه) زهيررضياللهعنه ورواه للعبّاسعليهالسلام ، كاشف عن أنّ زهيراًرضياللهعنه على اطّلاع منذ سنين بأخبار ووقائع البيت العلوي، وقد وعى أنباءَهم وعياً! وأنّهرضياللهعنه كان على قرب من أهل هذا البيت المقدّس غير متباعد عنهم!
____________________
(١) أسرار الشهادة: ٣٣٤؛ وعنه مقتل الحسينعليهالسلام ؛ للمقرّم: ٢٠٩.
أفيمكن أن يكون مثل هذا الرجل عثمانياً!؟
إننا نستبعد ذلك بقوّة! وهذا مبلغ علمنا الآن! ولعلّ مِن أهل البحث والتحقيق مَن يأتي بعدنا، ويتتبّع الإشارات التي قدّمناها بتوسع أكبر وتعمّق أكثر، ويصل الى مصادر لم نصل إليها، وينتبه إلى مالم ننتبه إليه، فيجلّي أبعاد هذه القضيّة التأريخية بوضوح أتم، فيزيد من كمال الصورة، وكم ترك الأوّل للآخر!
وسلام على زهير بن القين يوم ولد ويوم استشهد ويوم يُبعث حيّاً.
«من منازل طريق مكّة من الكوفة، بعد الشقوق وقبل الخزيمية، وهي ثُلُثا الطريق ..».(١)
روى الطبري، عن أبي مخنف، عن أبي جناب الكلبي، عن عديّ بن حرملة الأسدي، عن عبداللّه بن سليم، والمذري بن المشمعلّ الأسديين: «قالا: لما قضينا حجّنا لم يكن لنا همّة إلّا اللحاق بالحسين في الطريق لننظر ما يكون من أمره وشأنه!، فأقبلنا تُرقل بنا ناقتانا مسرعين حتّى لحقناه بزرود، فلما دنونا منه إذا نحن برجل من أهل الكوفة قد عدل عن الطريق حين رأى الحسين.
قالا: فوقف الحسين كأنّه يريده، ثمّ تركه ومضى، ومضينا نحوه، فقال أحدنا لصاحبه: إذهب بنا إلى هذا فلنسأله، فإن كان عنده خبر بالكوفة علمناه. فمضينا حتّى انتهينا إليه، فقلنا: السلام عليك.
قال: وعليكم السلام ورحمة اللّه. ثمّ قلنا: فَمَن الرجل؟
____________________
(١) معجم البلدان، ٢: ٧٨.
قال: أسديٌّ.
فقلنا: نحن أسديّان، فمن أنت؟
قال: أنا بكير بن المثعبة.(١)
فانتسبنا له، ثمّ قلنا: أخبرنا عن النّاس وراءك! قال: نعم، لم أخرج من الكوفة حتّى قُتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة، فرأيتهما يجرّان بأرجلهما في السوق!
قالا: فأقبلنا حتّى لحقنا بالحسين فسايرناه حتّى نزل الثعلبية ممسياً، فجئناه فسلّمنا عليه فردّ علينا.
فقلنا له: يرحمك اللّه، إنّ عندنا خبراً، فإنْ شئت حدّثنا علانية وإنْ شئت سرّاً.
قال فنظر إلى أصحابه وقال: مادون هؤلاء سرّ!
فقلنا له: أرأيت الراكب الذي استقبلك عشاء أمسِ؟
قال: نعم، وقد أردتُ مسألته!
فقلنا: قد استبرأنا لك خبره وكفيناك مسألته، وهو ابن امرىء من أسدٍ منّا، ذو رأي وصدق وفضل وعقل، وإنّه حدّثنا أنه لم يخرج من الكوفة حتّى قُتل مسلم بن عقيل وهانيء بن عروة، وحتّى رآهما يجرّان في السوق بأرجلهما!
____________________
(١) ذكره البلاذري في أنساب الأشراف، ٣: ٣٧٩ باسم بكر بن المعنقة بن رود، وذكر القصة هكذا: «ولقي الحسين ومن معه رجل يقال له بكر بن المعنقة بن رود، فأخبرهم بمقتل مسلم بن عقيل وهانيء، وقال رأيتهما يجرّان بأرجلهما في السوق، فطلب إلى الحسين في الإنصراف، فوثب بنوعقيل فقالوا: والله لاننصرف حتّى نُدرك ثأرنا أو نذوق ماذاق أخونا.
فقال حسين: ما خير في العيش بعد هؤلأ!. فعلم أنّه قد عزم رأيه على المسير، فقال له عبدالله بن سُليم، والمدري بن الشمعل الأسديان: خار الله لك. فقال: رحمكما الله.».
فقال: إنّا للّه وإنّا إليه راجعون، رحمة اللّه عليهما. فردّد ذلك مراراً!
فقلنا: ننشدك اللّه في نفسك وأهل بيتك إلّا انصرفت من مكانك هذا، فإنّه ليس لك بالكوفة ناصر ولاشيعة! بل نتخوف أن تكون عليك!
فوثب عندذلك بنوعقيل بن أبي طالب!».(١)
وروى الطبري، عن أبي مخنف، عن عمر بن خالد، عن زيد بن عليّ بن الحسين، وعن داود بن عليّ بن عبداللّه بن عبّاس: «أنّ بني عقيل قالوا: لاواللّه، لانبرح حتّى نُدرك ثأرنا أو نذوق ماذاق أخونا!».(٢)
ثمّ يعود إلى رواية الأسديين، «قالا: فنظر إلينا الحسين فقال: لاخير في العيش بعد هؤلاء! قالا: فعلمنا أنّه قد عزم له رأيه على المسير، قالا: فقلنا: خار اللّه لك! فقال: رحمكما اللّه.
قالا: فقال له بعض أصحابه: إنّك واللّه ما أنت مثل مسلم بن عقيل، ولو قدمت الكوفة لكان الناس إليك أسرع.
قال الأسديان: ثمّ انتظر حتّى إذا كان السحر قال لفتيانه وغلمانه: أكثروا من الماء! فاستقوا وأكثروا، ثمّ ارتحلوا وساروا حتّى انتهوا إلى زُبالة.».(٣)
تأمّلٌ وملاحظات:
١)- الملفتُ للإنتباه والمثير للعجب في متن هذه الرواية- رواية الطبري- هو أنّ هذين الرجلين الأسديين مع حسن أدبهما مع الإمامعليهالسلام وعاطفتهما نحوه لم يكونا ممّن عزم على نصرة الإمامعليهالسلام والإلتحاق بركبه! كلُّ مافي أمرهما هو أنّ الفضول دفعهما إلى معرفة مايكون من أمر الإمامعليهالسلام فقط!- هذا باعترافهما كما
____________________
(١) و(٢) و(٣) تاريخ الطبري، ٣: ٣٠٢ - ٣٠٣.
في الرواية- وقد تخلّيا عنه أخيراً بالفعل وفارقاه!.
٢)- والمتأمّل في نصوص محاورات الإمام الحسينعليهالسلام منذ أن أعلن عن قيامه المقدّس يجد أنّ الإمام كان لايخاطب هذا النوع من الرجال- نوع هذين الأسديين- بمُرِّ الحقّ وصريح القضية، بل كان يسلك إلى عقولهم في الحديث عن مراميه سُبلًا غير مباشرة، يعرض فيها سبباً أو أكثر من الأسباب التي تقع في طول السبب الرئيس بما يُناسب المقام والحال!
فقولهعليهالسلام صدق وحقّ: «لاخير في العيش بعد هؤلاء» أي بني عقيل، بعد أن وثبوا- لنبأ مقتل مسلمعليهالسلام - وقالوا: واللّه لانرجع حتى نصيب ثأرنا أو نذوق ماذاق!، لكنّ هذا لايعني أنّ مواساة بني عقيل كانت هي السبب الرئيس في إصرار الإمام على التوجّه إلى الكوفة، فالإمامعليهالسلام لم يعلّل في أي موقع أو نصّ إصراره على التوجّه إلى الكوفة بطلب الثأر لمسلمعليهالسلام ، بل كان يعلّل ذلك في أكثر من موقع ونصّ بحجّة رسائل أهل الكوفة وببيعتهم، بل حتّى رسائل أهل الكوفة كانت سبباً في مجموعة أسباب وقعت في طول السبب الرئيس لقيامهعليهالسلام وهو إنقاذ الإسلام المحمّديّ الخالص من يد النفاق الأموية وتحريفاتها!
ها هو الإمامعليهالسلام يوجّه مسلم بن عقيل الى الكوفة ويبشّره بالشهادة! فيقول:
«إنّي موجّهك إلى أهل الكوفة، وهذه كتبهم إليَّ، وسيقضي اللّه من أمرك مايحبّ ويرضى، وأنا أرجو أن أكون أنا وأنت في درجة الشهداء! ...».(١)
ويقولعليهالسلام للفرزدق: «رحمَ اللّه مسلماً، فلقد صار إلى روح اللّه وريحانه وجنّته ورضوانه، أما إنّه قد قضى ما عليه وبقي ما علينا ...».(٢)
____________________
(١) الفتوح، ٥: ٥٣.
(٢) اللهوف: ٣٢.
إذن فالقضية عند الإمامعليهالسلام هي قضية نجاة الإسلام التي هي أكبر من دم مسلمعليهالسلام ومن كلّ دم! وهذه القضيّة هي السبب الرئيس في إصرار الإمامعليهالسلام على مواصلة السير نحو الكوفة، لاطلب الثأر لمقتل مسلمعليهالسلام ! ولا لأنّه لاخير عنده في العيش بعد شباب بني عقيل وإن كان ذلك حقّاً!
٣)- ولايُعبأ بما روي أنّ الإمامعليهالسلام كان قد همّ بالرجوع بعد أن علم بمقتل مسلمعليهالسلام وهانيرضياللهعنه وعلم بعدم وجود من ينصره في الكوفة!، ذلك ما ذكره ابن قتيبة في «الإمامة والسياسة» حيث قال: «وذكروا أنّ عبيداللّه بن زياد بعث جيشاً عليهم عمرو بن سعيد، وقد جاء الحسين الخبر فهمَّ أن يرجع! ومعه خمسة من بني عقيل فقالوا له: أترجع وقد قُتل أخونا، وقد جاءك من الكتب ما نثق به!؟
فقال لبعض أصحابه: واللّه مالي عن هؤلاء من صبر! ...»،(١)
وذكره ابن عبدربّه في «العقد الفريد» حيث قال: «فبعث معه- أي مع عمر بن سعد- جيشاً وقد جاء حسيناً الخبرُ وهم بشراف،(٢) فهمَّ بأن يرجع! ومعه خمسة من بني عقيل ...».(٣)
____________________
(١) الإمامة والسياسة، ٢: ٥ / وهي رواية (مرسلة: ذكروا) فضلاً عن اضطراب متنها، إذ إنّ عمرو بن سعيد هو والي مكّة آنذاك ولاسلطة لابن زياد عليه، والذي بعثه ابن زياد هو عمر بن سعد وليس ذاك، كما أنها لاتحدّد مكان الحدث!، ثمّ إنّ عمر بن سعد لم يُبعث بالفعل إلاّ بعد وصول الإمامعليهالسلام الى كربلاء وقد جُعجع به ومُنع من التوجّه حيث يشاء، فتأمّل!
(٢) شراف: ماء بنجد، بين واقصة والقرعاء، على ثمانية أميال من الإحساء (راجع: معجم البلدان، ٣: ٣٣١).
(٣) العقد الفريد، ٤: ٣٣٥ / وهذه الرواية أشدّ اضطراباً ومخالفة للمشهور عند أهل السير من خبر ابن قتيبة، إذ إنّ الذي التقاه الإمامعليهالسلام بشراف هو الحرّ بن يزيد الرياحيرضياللهعنه مبعوثاً من قبل ابن زياد بألف فارس لاستقدام الإمامعليهالسلام إلى الكوفة مأسوراً هو ومن معه! ولم يكن عمر بن سعد يومذاك قد بُعث بالفعل قائداً من قبل ابن زياد على جميع جيوشه لمواجة الإمامعليهالسلام .
أمّا الطبري فله رواية أيضاً بهذا الصدد، هي: «فأقبل حسين بن علي بكتاب مسلم بن عقيل كان إليه، حتى إذا كان بينه وبين القادسية ثلاثة أميال لقيه الحرّ بن يزيد التميمي، فقال له: أين تريد؟ قال: أريد هذا المصر! قال له: إرجع فإنّي لم أدع لك خلفي خيراً أرجوه!، فهمَّ أن يرجع! وكان معه إخوة مسلم بن عقيل، فقالوا:
واللّه لانرجع حتى نصيب بثأرنا أو نُقتل! فقال: لاخير في الحياة بعدكم، فسار فلقيته أوائل خيل عبيداللّه، فلما رأى ذلك عدل إلى كربلاء ..».(١)
وهذه الرواية معارضة لرواية الطبري نفسه- الموافقة لماهو مشهور- من أنّ الحرّرضياللهعنه التقى الإمامعليهالسلام ما بعد شراف في ألف فارس، مأموراً من قبل ابن زياد ألّا يفارق الإمامعليهالسلام حتى يُقدمه الكوفة! وقد قال للإمامعليهالسلام في (ذي حسم) وهو يسايره: ياحسين إنّي أذكّرك اللّه في نفسك، فإنّي أشهد لئن قاتلتَ لتُقتَلَنّ، ولئن قوتلت لتهلكن فيما أرى! فقال له الحسين:
أفبالموت تخوّفني!؟ وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني!؟ ما أدري ما أقول لك؟ ولكن أقول كما قال أخو الأوس لابن عمّه، ولقيه وهو يريد نصرة رسول اللّهصلىاللهعليهوآله فقال له: اين تذهب، فإنّك مقتول!؟ فقال:
سأمضي وما بالموت عارٌ على الفتى |
إذا مانوى حقّاً وجاهد مسلما |
|
وآسى الرجال الصالحين بنفسه |
وفارق مثبوراً يغشّ ويرغما.».(٢) |
هذه هي الهمّة الحسينية العالية القاطعة!(٣) فأين هي من «فهمَّ أن يرجع»!؟
____________________
(١) تاريخ الطبري، ٣: ٢٩٧؛ وانظر: تذكرة الخواص: ٢٢١ - ٢٢٢.
(٢) تاريخ الطبري، ٣: ٣٠٧.
(٣) يقول ابن طباطبا (المعروف بابن الطقطقا) في تأريخه: «ثمّ إنّ الحسينعليهالسلام خرج من مكّة متوجّهاً إلى الكوفة، وهو لا يعلم بحال مسلم! فلما قرب من الكوفة علم بالحال، ولقيه ناسٌ =
نعم، ربّما استفاد بعضُ المؤرّخين أنّ الإمامعليهالسلام «همَّ بالرجوع» من أنّهعليهالسلام - على بعض الروايات- نظر إلى بني عقيل فقال لهم: «ماترون، فقد قُتل مسلم؟ فبادر بنو عقيل وقالوا: واللّه لانرجع، أَيُقتل صاحبنا وننصرف!؟ لا واللّه، لانرجع حتى نصيب ثأرنا أو نذوق ماذاق صاحبنا ...».(١)
والأرجح أنّ الإمامعليهالسلام أراد أن يختبر عزم وتصميم بني عقيل على مواصلة المسير معه- بعد نبأ مقتل مسلمعليهالسلام - فسألهم «ماترون ..؟»، فكانوا عند حسن معرفته بهم.
قال السيّد ابن طاووس (ره): «.. ثمّ سار حتى نزل الثعلبيّة وقت الظهيرة، فوضع رأسه فرقد، ثم استيقظ فقال:
قد رأيت هاتفاً يقول: أنتم تسرعون والمنايا تسرع بكم إلى الجنّة!
فقال له ابنه عليٌّ: يا أبه! فلسنا على الحق!؟
فقال: بلى يا بنيّ واللّه الذي إليه مرجع العباد!
فقال: يا أبه! إذن لانُبالي بالموت!
فقال الحسينعليهالسلام : جزاك اللّه يا بُنيّ خير ما جزى ولداً عن والده.».(٢) ونقلها الخوارزمي في المقتل عن ابن أعثم الكوفي بتفاوت.(٣)
____________________
= فأخبروه الخبر وحذّروه فلم يرجع وصمّم على الوصول الى الكوفة لامرٍ هو أعلم به من الناس..»، (الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية: ١١٥ / دار صادر).
(١) مقتل الحسينعليهالسلام للخوارزمي، ١: ٣٢٨.
(٢) اللهوف: ٣٠.
(٣) مقتل الحسينعليهالسلام للخوارزمي، ١: ٣٢٤، رقم7 وفيه: «فأغفى، ثمّ انتبه باكياً من نومه! فقال له =
وقد ذكر الشيخ الصدوق (ره) هذه الرؤيا في عذيب الهجانات،(١) وذكرها الذهبيفي قصر بني مقاتل»
.. ولابأس بذلك على فرض احتمال تعدّد الرؤيا.
وذكرها ابن شهرآشوب أيضاً دون أن يذكر أنّها كانت رؤيا منام، بل قال: «فلما وصل الثعلبية جعل يقول: باتوا نياماً والمنايا تسري! فقال عليّ بن الحسين الأكبر:
ألسنا على الحق؟ قال: بلى. قال: إذن واللّه لانبالي!».(٣)
قال ابن أعثم الكوفي: «فلما أصبح الحسين وإذا برجلٍ من الكوفة يُكنّى أباهرّة الأزدي، أتا فسلّم عليه، ثمّ قال: يا ابن بنت رسول اللّه، ما الذي أخرجك عن حرم اللّه وحرم جدّك محمّدصلىاللهعليهوآله ؟
فقال الحسينعليهالسلام : يا أباهرّة، إنّ بني أميّة أخذوا مالي فصبرت، وشتموا عرضي فصبرت، وطلبوا دمي فهربت! وأيمُ اللّه يا أباهرّة، لتقتلني الفئة الباغية، وليلبسهم اللّه ذُلًّا شاملًا وسيفاً قاطعاً، وليسلطّن اللّه عليهم من يُذلّهم حتّى يكونوا أذلّ من قوم سبأ إذ ملكتهم امرأة منهم فحكمت في أموالهم ودمائهم!».(٤)
____________________
= ابنه عليّ بن الحسين: ما يبكيك يا أبة؟ لا أبكى الله عينيك! فقال له: يا بنيّ هذه ساعة لاتكذب فيها الرؤيا، فأعلمك أنّي خفقت برأسي خفقة، فرأيت فارساً على فرس، وقف عليَّ وقال: يا حسين! إنكم تسرعون والمنايا تسرع بكم الى الجنّة! فعلمتُ أنّ أنفسنا نُعيت إلينا...» وانظر: الفتوح، ٥: ١٢٣.
(١) الأمالي، ١٣١، المجلس ٣٠، حديث رقم ١.
(٢) سير أعلام النبلاء، ٢: ٢٩٨، وكذلك تأريخ الطبري، ٣: ٣٠٩ والإرشاد: ٢٠٩.
(٣) مناقب آل أبي طالب، ٤: ٩٥.
(٤) الفتوح، ٥: ١٢٣ - ١٢٤؛ وعنه: مقتل الحسينعليهالسلام للخوارزمي، ١: ٣٢٤؛ وانظر: مثيرالأحزان: ٤٦.
إشارة:
إنّ ظاهر جواب الإمامعليهالسلام لأبي هرّة الأزدي هنا، وكذلك جوابهعليهالسلام للفرزدق حينما سأله: «ما أعجلك عن الحجّ؟» حيث قالعليهالسلام : «لو لم أعجل لأُخذتُ!» يوحي بأنّ الإمامعليهالسلام كان همّه الأكبر النجاة بنفسه!! فقد صبر على أخذ ماله وشتم عرضه- على ما في جوابهعليهالسلام لأبي هرّة الأزدي- وحين أرادوا قتله هرب لينجو بنفسه! هذه هي حدود مظلوميته لا أكثر! وكأنّه ليس هناك رفض بيعة ليزيد! ولا طلب إصلاح في أمّة جدهصلىاللهعليهوآله ! ولا أمر بمعروف ولا نهي عن منكر! ولاقيام ونهضة!
إنّ الإقتصار على مثل هذه النصوص يؤدّي إلى هذا الإستنتاج الخاطيء الذي وقع فيه بعض من كتب في تأريخ النهضة الحسينية، وهو: أنّ علّة خروج الإمامعليهالسلام من المدينة المنوّرة ومن مكّة المكرّمة هو خوفه على نفسه من الإختطاف أو القتل، وأنّ هذا هو سرّ أسرار النهضة الحسينية!!
كذلك الحال إذا اقتصر نظر الباحث مثلًا على النصوص المتعلّقة برسائل أهل الكوفة إلى الإمامعليهالسلام ، خصوصاً النصوص الواردة عنهعليهالسلام في ذلك، لأنّ نتيجة مثل هذا النظر ستكون اعتبار رسائل أهل الكوفة هي سبب قيام الإمامعليهالسلام ! وهذا من أشهر الإشتباهات الحاصلة في مجرى النظر إلى قيام الإمام الحسينعليهالسلام .
وكذلك الحال إذا اقتصر نظر الباحث على النصوص التي تحدّث فيها الإمامعليهالسلام عن «الإستخارة»،(١) ذلك لأنّ ظاهر هذه النصوص يوحي بأنّ الإمامعليهالسلام لم تكن لديه خطّة على الأرض في مسار النهضة منذ البدء! ولاعلم له بما هو قادم عليه في مستقبل أيّامه من مصير! بل كانت توجّه حركته بوصلة الإستخارة! الأمر الذي يعارض وينافي كثيراً من النصوص الأخرى الورادة عنهعليهالسلام ، فضلًا عن
____________________
(١) راجع: بعض هذه النصوص في الجزء الأول: ١٥١.
منافاته للإعتقاد الصحيح بعلم الإمامعليهالسلام !
وهكذا الحال، إذا اقتصر نظر الباحث على النصوص المتعلّقة بالرؤيا التي رأى فيها الإمامعليهالسلام جدّهصلىاللهعليهوآله ، أو النصوص التي توحي بأنّهعليهالسلام كان يأمل النصر والنجاح وتسلّم زمام الأمور ...
كلّ تلك النتائج القاصرة أو الخاطئة إنّما تنشأ نتيجة الأخذ الجزئي المفكّك، أمّا أخذ جميع النصوص المتعلّقة بهذه النهضة المقدّسة كمجموعة واحدة أخذاً كليّاً موحّداً فهو أحد عناصر عصمة الإستنتاج من القصور والخطأ، كذلك فإنّ معرفة نوع المخاطَب الذي يكلّمه الإمامعليهالسلام ، وردّ متشابه قولهعليهالسلام إلى محكمه، هما العنصران الآخران لهذه العصمة في التدبر الإستنتاج.
كُنّا في «ذات عرق» قد تعرّضنا للقاء الإمامعليهالسلام مع بشر بن غالب الأسدي، وعلّقنا على هذا اللقاء، وعرضنا ترجمة موجزة لهذا الرجل.
لكنّ الشيخ الصدوق (ره) في الأمالي روى أنّ هذا اللقاء كان في الثعلبية، قال (ره): «فسار الحسينعليهالسلام وأصحابه، فلما نزلوا ثعلبية ورد عليه رجل يُقال له بشر بن غالب، فقال: يا ابن رسول اللّه، أخبرني عن قول اللّه عز وجلّ (يوم ندعوا كُلَّ أُناسٍ بإمامهم)؟(١)
قال: إمامٌ دعا إلى هدىً فأجابوه إليه، وإمام دعا إلى ضلالة فأجابوه إليها، هؤلاء في الجنّة، وهؤلاء في النّار، وهو قوله عزّ وجلّ (فريقٌ في الجنّة وفريق في السعير)(٢)
.».(٣)
____________________
(١) سورة الإسراء: ٧١.
(٢) سورة الشورى: ٧.
(٣) أمالي الصدوق: ١٣١، المجلس ٣٠، حديث رقم ١.
ولعلّ الإمامعليهالسلام أراد- من خلال هذه الإجابة الحقّة- تنبيه بشر بن غالب الأسدي إلى وجوب إجابته في قيامه والإلتحاق به!
ولعلّ هذا اللقاء كان لقاء ثانياً لبشر بن غالب مع الإمامعليهالسلام بعد لقاء (ذات عرق)، إذا كان بشر قد عاد باتجاه الكوفة مرّة أخرى وبسرعة!
روى ابن عساكر بسند إلى سفيان قال: «حدّثني رجل من بني أسد يُقال له:
بحير- بعد الخمسين والمائة- وكان من أهل الثعلبية، ولم يكن في الطريق رجل أكبر منه، فقلت له: مثلُ مَنْ كنتَ حين مرَّ بكم حسين بن عليّ؟ قال: غلامٌ قد يفعتُ، قال: فقام إليه أخٌ لي أكبر منّي يُقال له زهير وقال: أي ابن بنت رسول اللّهصلىاللهعليهوآله إنّي أراك في قلّة من الناس!
فأشار الحسينعليهالسلام بسوط في يده هكذا، فضرب حقيبة وراءه فقال: ها إنّ هذه مملوءة كُتباً! ...».(١)
روى صاحب بصائر الدرجات (ره) بسند عن الحكم بن عتيبة قال: «لقي رجلٌ الحسين بن عليّعليهماالسلام بالثعلبية وهو يريد كربلاء، فدخل عليه فسلّم عليه، فقال له الحسينعليهالسلام : من أي البلدان أنت؟
____________________
(١) تاريخ ابن عساكر، ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام ، المحمودي: ٣٠٤، رقم ٢٦٢، روىْ مثله بسند آخر، رقم ٢٦٣، وروى تحت رقم ٢٦٥ بسند عن بحير بن شدّاد الأسديّ قال: مرَّ بنا الحسين بالثعلبية، فخرجت إليه مع أخي، فإذا عليه جُبّة صفراء لها جيب في صدرها، فقال له أخي: إنّي أخاف عليك من قلّة أنصارك! فضرب بالسوط على عيبة قد حقبها خلفه وقال: هذه كتب وجوه أهل المصر!
فقال: من أهل الكوفة.
قال: يا أخا أهل الكوفة، أما واللّه لو لقيتك بالمدينة لأريتك أثر جبرئيل من دارنا ونزوله على جدّي بالوحي! يا أخا أهل الكوفة، مُستقى العلم من عندنا، أفعلموا وجهلنا!؟ هذا ما لايكون!».(١)
وروى ابن عساكر بسند عن يزيد الرّشك قال: «حدّثني من شافه الحسين قال:
رأيتُ أبنية مضروبة بفلاة من الإرض، فقلت: لمن هذه؟ قالوا: هذه لحسين.
قال: فأتيته، فإذا شيخ يقرأ القرآن- قال- والدموع تسيل على خدّيه ولحيته! قال: قلتُ: بأبي وأمّي يا ابن رسول اللّهصلىاللهعليهوآله ما أنزلك هذه البلاد والفلاة التي ليس بها أحد؟
فقال: هذه كتب أهل الكوفة إليَّ، ولا أراهم إلّا قاتليّ! فإذا فعلوا ذلك لم يدعوا للّه حرمة إلّا انتهكوها، فيسلّط اللّه عليهم من يذلّهم حتّى يكونوا أذلّ من فرم الأمة.(٣)
».(٤)
____________________
(١) بصائر الدرجات: ١١ - ١٢ ج ١، باب ٧، رقم ١، والكافي، ١: ٣٩٨، رقم ٢.
(٢) ليس في المتون التي تحدثت في هذا اللقاء إشارة - صريحة أو مستفادة - الى مكانه لكننا احتملنا وقوعه في الثعلبية لمشابهة جوابهعليهالسلام فيه لجوابهعليهالسلام لأبي هرّة الأزدي، والله العالم.
(٣) فرم الأمة: هو ما تعالج به المرأة فرجها ليضيق، وقيل: هي خرقة الحيض (راجع: لسان العرب، ١٢: ٤٥١ مادة فرم).
(٤) تاريخ ابن عساكر/ ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام / المحمودي: ٣٠٧ - ٣٠٨، رقم ٢٦٦، وقال المحمودي في الحاشية: ورواه أيضاً ابن العديم في الحديث ١٢٦ من مقتل الإمام الحسينعليهالسلام من كتابه بغية الطلب في تأريخ حلب ص ٧٤، ط١، ثمّ أورد الشيخ المحمودي سند ابن =
«جمع: شَقّ او شِقّ، وهو الناحية، منزل بطريق مكّة بعد واقصة من الكوفة، وبعدها تلقاء مكّة بطان ..».(١)
روى ابن أعثم الكوفي قائلًا: «وسار الحسين حتى نزل الشقوق، فإذا هو بالفرزدق بن غالب الشاعر قد أقبل عليه، فسلّم ثمّ دنى منه فقبّل يده، فقال الحسين: مِن أين أقبلت يا أبافراس؟
فقال: من الكوفة يا ابن بنت رسول اللّه!
فقال: كيف خلّفت أهل الكوفة؟
فقال: خلّفت النّاس معك وسيوفهم مع بني أميّة، واللّه يفعل في خلقه ما يشاء.
فقال: صدقت وبررت، إنّ الأمر للّه يفعل ما يشاء، وربّنا تعالى كلّ يوم هو في شان،
____________________
= العديم إلى يزيد بن الرّشك قال: «حدّثني من شافه الحسين بهذا الكلام قال: حججتُ فأخذت ناحية الطريق أتعّسف الطريق، فدُفعت الى أبنية وأخبية، فأتيت أدناها فسطاطاً، فقلت: لمن هذا؟ فقالوا: للحسين بن عليّ رضي الله عنه. فقلت: ابن فاطمة بنت رسول الله؟ قالوا: نعم. قلت: في أيّها هو؟ فأشاروا إلى فسطاط، فأتيت الفسطاط فإذا هو قاعد عند عمود الفسطاط، وإذا بين يديه كتب كثيرة يقرؤها، فقلت: بأبي أنت وأمّي! ما أجلسك في هذا الموضع الذي ليس فيه أنيس ولامنفعة؟ قال: إنّ هؤلاء - يعني السلطان - أخافوني، وهذه كتب أهل الكوفة إليَّ وهم قاتليَّ! فاذا فعلوا ذلك لم يتركوا لله حرمة إلاّ انتهكوها، فيسلّط الله عليهم من يذلّهم حتى يتركهم أذلّ من فرم الأمة!» وانظر أيضاً كتاب العوالم، ١٧: ٢١٨.
(١) معجم البلدان، ٣: ٣٥٦.
فإن نزل القضاء بما نحبّ فالحمد للّه على نعمائه وهو المستعان على أداء الشكر، وإنْ حال القضاء دون الرجاء فلم يبعد من كان الحقّ نيّته.
فقال الفرزدق: يا ابن بنت رسول اللّه! كيف تركن إلى أهل الكوفة وهم قد قتلوا ابن عمّك مسلم بن عقيل وشيعته!؟
قال: فاستعبر الحسين بالبكاء، ثم قال:
رحم اللّه مسلماً! فلقد صار إلى رَوْح اللّه وريحانه وجنّته ورضوانه، أما إنه قد قضى ما عليه وبقي ما علينا.
قال: ثمّ أنشأ الحسين يقول:
فإنْ تكن الدنيا تُعدُّ نفيسة |
فدار ثواب اللّه أعلى وأنبلُ |
|
وإنْ تكن الأبدان للموت أُنشئت |
فقتل امرىءٍ بالسيف في اللّه أفضلُ |
|
وإنْ تكن الأرزاق قِسماً مقدّراً |
فقلّة حرص المرء في الكسب أجملُ |
|
وإنْ تكن الأموال للترك جمعها |
فما بال متروك به المرء يبخلُ |
قال: ثمّ ودّعه الفرزدق في نفر من أصحابه، ومضى يريد مكّة، فأقبل عليه ابن عمّ له من بني مجاشع فقال: أبا فراس، هذا الحسين بن عليّ!
فقال الفرزدق: هذا الحسين بن فاطمة الزهراء بنت محمدصلىاللهعليهوآله ، هذا واللّه (خيرة اللّه) ابن خيرة اللّه، وأفضل من مشى على وجه الأرض بعد محمد (من خلق اللّه)، وقد كُنت قلتُ فيه أبياتاً قبل اليوم، فلا عليك أن تسمعها.
فقال له ابن عمّه: ما أكره ذلك يا أبا فراس! فإنْ رأيت أن تنشدني ما قلتَ فيه!
فقال الفرزدق: نعم، أنا القائل فيه وفي أبيه وأخيه وجدّه صلوات اللّه عليهم هذه الأبيات:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته |
والبيت يعرفه والحِلُّ والحرمُ |
هذا ابن خير عباد اللّه كلّهم |
هذا التقيّ النقيّ الطاهر العلم |
|
هذا حسين رسول اللّه والده |
أمست بنور هُداه تهتدي الأُمم |
إلى آخر قصيدته العصماء المشهورة ...
قال: ثمّ أقبل الفرزدق على ابن عمّه فقال: واللّه، لقد قلت فيه هذه الأبيات غير متعرّض إلى معروفه، غير أنّي أردتُ اللّه والدار الآخرة.».(١)
إشارتان
١)- في متن هذه الرواية تصريح بأنّ الفرزدق كان على علم بمقتل مسلمعليهالسلام (وقد قُتل في الثامن أو التاسع من ذي الحجّة) وهو في الشقوق، ومعنى هذا أنّ الفرزدق كان- على أقل تقدير- في الشقوق في ما بعد الثامن أو التاسع من ذي الحجّة، وعلى هذا فهو لن يُدرك الوصول إلى مكّة أيّام الحجّ قطعاً لبعد المسافة كثيراً عن مكّة، من هنا لابدّ من عدم القبول بمكان وزمان هذه الرواية وهي تصرح بهذا، وبأنّ الفرزدق ودّع الإمامعليهالسلام ومضى يريد مكّة! لإداء الحج!
٢)- المشهور أنّ هذه القصيدة ارتجلها الفرزدق في مدح الإمام السجّاد عليّ ابن الحسينعليهماالسلام في مكّة متحدياً بذلك الطاغوت هشام بن عبدالملك، ولامانع من أن يكون الفرزدق قد نظمها من قبل في الحسينعليهالسلام كما صرّح هو في هذه الرواية- وأبياتها تصلح لمدح جميع أئمة أهل البيتعليهالسلام - فلما أراد أن يمدح الإمام السجّادعليهالسلام بنفس هذه الأبيات أمام هشام أضاف إليها بيت المناسبة مخاطباً هشام بن عبدالملك:
وليس قولك من هذا بضائره |
العربُ تعرف من أنكرتَ والعجمُ |
واللّه العالم بحقيقة الحال.
____________________
(١) الفتوح، ٥: ١٢٤ - ١٢٩؛ ومقتل الحسينعليهالسلام للخوارزمي، ١: ٣٢١، رقم ٥.
«منزل معروف بطريق مكّة من الكوفة، وهي قرية عامرة بها أسواق، بين واقصة والثعلبية، وقال أبوعبيدة السكوني: زبالة بعد القاع من الكوفة قبل الشقوق فيها حصن وجامع لبني غاضرة من بني أسد، قالوا: سمّيت زُبالة بزبلها الماء أي بضبطها له وأخذها منه ..».(١)
وقد سجّل التأريخ لنا وقائع مهمة في هذا المنزل، منها:
قال الدينوري: «فلما وافى زُبالة وافاه بها رسول محمّد بن الأشعث وعمر بن سعد، بما كان سأله مسلم أن يكتب به إليه في أمره، وخذلان أهل الكوفة إيّاه بعد أن بايعوه، وقد كان مسلم سأل محمّد بن الأشعث ذلك.
فلما قرأ الكتاب استيقن بصحة الخبر، وأفظعه قتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة، ثمّ أخبره الرسول بقتل قيس بن مسهّر الصيداوي رسوله الذي وجّهه من بطن الرمّة.
وقد كان صحبه قوم من منازل الطريق، فلما سمعوا خبر مسلم، وقد كانوا ظنّوا أنه يقدم على أنصار وعضُد تفرّقوا عنه، ولم يبق معه إلّا خاصّته.».(٢)
وقال السيّد ابن طاووس (ره): «ثمّ سار الحسينعليهالسلام حتّى بلغ زُبالة فأتاه فيها خبر مسلم بن عقيل، فعرف بذلك جماعة ممّن تبعه، فتفرّق عنه أهل الأطماع والإرتياب، وبقي معه أهله وخيار الأصحاب.
قال الراوي: وارتجّ الموضع بالبكاء والعويل لقتل مسلم بن عقيل، وسالت
____________________
(١) معجم البلدان، ٣: ١٢٩.
(٢) الأخبار الطوال: ٢٤٧ - ٢٤٨.
الدموع كلّ مسيل!».(١)
وكان الطبري قد روى قصة مبعوث محمّد بن الأشعث إلى الإمامعليهالسلام هكذا:
«دعا محمّد بن الأشعث إياسَ بن العثل الطائي من بني مالك بن عمرو بن ثمامة، وكان شاعراً وكان لمحمّد زوّاراً، فقال له: إلْقَ حسيناً فأبلغه هذا الكتاب، وكتب فيه الذي أمره ابن عقيل، وقال له: هذا زادك وجهازك ومُتعة لعيالك. فقال: مِن أينَ لي براحلة؟ فإنّ راحلتي قد أنضيتها! قال: هذه راحلة فاركبها برحلها.
ثمّ خرج فاستقبله بزُبالة لأربع ليال، فأخبره الخبر وبلّغه الرسالة، فقال له حسين: كُلُّ ما حُمَّ نازل، وعند اللّه نحتسب أنفسنا وفساد أمّتنا!».(٢)
تأمّل وملاحظات:
١)- لم يبعث عمر بن سعد لعنه اللّه إلى الإمامصلىاللهعليهوآله أحداً كما أوصاه مسلمعليهالسلام ، وماتفرّد به الدينوري في أنّ هذا المبعوث كان من قِبل محمّد بن الأشعث وعمر ابن سعد تعارضه رواية الطبري حيث ذكر أنّ إياسَ بن العثل الطائي كان مبعوثاً من قبل ابن الأشعث ولم يذكر عمر بن سعد معه، كما أنّ مسلماًعليهالسلام أوصى ابن الأشعث بإرسال من يخبر الإمامعليهالسلام بمعزل عن ابن سعد وقبل أن يطلب من هذا الأخير ذلك أيضاً، ثمّ إنّ عمر بن سعد كان قد خان الوصيّة في نفس مجلس ابن زياد وتنكّر لها، فقد مضى في رواية أخرى للطبري- وهو المشهور أيضاً- أنّ مسلماًعليهالسلام قبل أن يُقتل حين سارّ عمر بن سعد بوصاياه، والتي كانت الأخيرة منها: «وابعث إلى حسين من يردّه فإنّي قد كتبت إليه أُعلمه أنّ النّاس معه، ولا أراه إلّا مقبلًا! فقال عمر لابن زياد أتدري ما قال لي!؟ إنّه ذكر كذا وكذا! قال له ابن زياد:
____________________
(١) اللهوف: ٣٢.
(٢) تأريخ الطبري، ٣: ٢٩٠.
إنّه لايخونك الأمين ولكنْ قد يؤتمن الخائن!!».(١)
٢)- مرَّ بنا قبل هذا أنّ خبر مقتل مسلم بن عقيلعليهالسلام وهاني بن عروةرضياللهعنه قد بلغ الإمامعليهالسلام في الثعلبية، ولامانع أن يتكرر ورود هذا الخبر المفجع على الإمامعليهالسلام في أكثر من منزل، وبواسطة أكثر من مُخبر، فيتجدّد اتقاد حزن الإمامعليهالسلام ومن معه على هؤلاء الشهداء الأبرار كلّما حدّثه قادمٌ عليه بخبرهم! فيرتجّ الموضع بالإسترجاع وبالبكاء والعويل، وتسيل الدموع لأجلهم كلَّ مسيل، كما هو الوصف في رواية السيد ابن طاووس (ره)
٣)- خبر مقتل عبداللّه بن يقطررضياللهعنه : أمّا قول الدينوري: ثمّ أخبره الرسول بقتل قيس بن مسهّر الصيداوي رسوله الذي وجّهه من بطن الرمّة، فهو مخالف للمشهور الذي عليه جلُّ علماء السِير من أنّ الذي وصل إلى الإمامعليهالسلام في زُبالة هو خبر مقتل عبداللّه بن يقطر أخيه من الرضاعة، يقول الطبري: «كان الحسين لا يمرُّ بأهل ماءٍ إلّا اتبعوه! حتّى انتهى إلى زُبالة سقط إليه مقتل أخيه من الرضاعة، مقتل عبداللّه بن يقطر،(٢) وكان سرّحه إلى مسلم بن عقيل من الطريق وهو لايدري أنّه قد أصيب، فتلقّاه خيل الحصين بن نمير بالقادسية، فسرّح به إلى عبيداللّه بن زياد، فقال: إصعد فوق القصر فالعن الكذّاب ابن الكذّاب ثمّ انزل حتى أرى فيك رأيي! قال: فصعد، فلما أشرف على النّاس قال: أيها النّاس، إنّي رسول الحسين بن فاطمة، بن بنت رسول اللّهصلىاللهعليهوآله لتنصروه وتوازروه على ابن مرجانة، ابن سميّة الدعيّ! فأمر به عبيداللّه فأُلقي من فوق القصر إلى الأرض، فكُسرت عظامه وبقي
____________________
(١) تأريخ الطبري، ٣: ٢٩٠؛ وانظر: الإرشاد: ١٩٨؛ ومقتل الحسينعليهالسلام للخوارزمي، ١: ٣٠٥.
(٢) مرّت بنا في الفصل السابق تفاصيل قصة مقتل عبدالله بن يقطررضياللهعنه ، وفي هذا الفصل ايضاً، فراجع.
به رمق، فأتاه رجل يُقال له: عبدالملك بن عمير اللخمي فذبحه! فلما عيب ذلك عليه قال: إنّما أردتُ أن أُريحه!- قال هشام: حدّثنا أبوبكر بن عيّاش عمّن أخبره قال: واللّه ماهو عبدالملك بن عمير الذي قام إليه فذبحه، ولكنه قام إليه رجل جَعْدٌ طُوال يشبه عبدالملك بن عمير- قال: فأتى ذلك الخبر حسيناً وهو بزُبالة، فأخرج للناس كتاباً فقرأه عليهم:
بسم اللّه الرحمن الرحيم، أمّا بعدُ فإنّه قد أتانا خبرٌ فظيع! قُتل مسلم بن عقيل وهانيء بن عروة وعبداللّه بن يقطر! وقد خذلتنا شيعتنا، فمن أحبّ منكم الإنصراف فلينصرف ليس عليه منّا ذمام!
قال: فتفرّق الناس عنه تفرّقاً فأخذوا يميناً وشمالًا! حتّى بقي في أصحابه الذين جاءوا معه من المدينة!(١) وإنّما فعل ذلك لأنّه ظنّ أنّما اتبعه الأعراب لأنّهم ظنّوا أنّه يأتي بلداً قد استقامت له طاعة أهله! فكره أن يسيروا معه إلّا وهم يعلمون علامَ يقدمون! وقد علم أنّهم إذا بيّن لهم لم يصحبه إلّا من يريد مواساته والموت معه! ..».(٢)
٤)- تؤكّد مجموعة من المتون التأريخية على أنّ أهل الأطماع والإرتياب تفرّقوا عن الإمامعليهالسلام في زُبالة، بعدما شاع فيهم خبر مقتل مسلمعليهالسلام وهاني بن عروةرضياللهعنه وعبداللّه بن يقطررضياللهعنه ، وبعدما خطب فيهم الإمامعليهالسلام - أو قرأ كتاباً عليهم- فأعلمهم بانقلاب الأمر وخذلان الشيعة في الكوفة، ثمَّ إذن لهم بالإنصراف بلاذمام!- كما مرَّ بنا في رواية الطبري- أو كما نقل الخوارزميّ في المقتل حيث قال: «وكان قد تبع الحسين خلقٌ كثير من المياه التي يمرُّ بها لأنهم
____________________
(١) لعل مراد الراوي مدينة مكّة، لأنّ من المسلّم به أنّ هناك من التحق بالإمامعليهالسلام في مكة ثم لازمه حتى استشهد بين يديه في كربلاء.
(٢) تاريخ الطبري، ٣: ٣٠٣؛ وانظر: الإرشاد: ٢٠٥.
كانوا يظنّون استقامة الأمور لهعليهالسلام ، فلما صار بزُبالة قام فيهم خطيباً فقال:
ألا إنّ أهل الكوفة وثبوا على مسلم بن عقيل، وهاني بن عروة، فقتلوهما وقتلوا أخي من الرضاعة، فمن أحبّ منكم أن ينصرف فلينصرف من غير حرج، وليس عليه منّا ذمام!
فتفرّق الناس وأخذوا يميناً وشمالًا، حتى بقي في أصحابه الذين جاءوا معه من مكّة، وإنّما أراد أن لايصحبه إنسان إلّا على بصيرة!»،(١) أو «فكَرِهَ أن يسيروا معه إلّا وهم يعلمون علامَ يقدمون! وقد علم أنّهم إذا بيّن لهم لم يصحبه إلّا من يريد مواساته والموت معه! ..».(٢)
ونقول: تلك هي سُنّة القادة الربانييّن في قيامهم، إنهم يريدون العدّة وكثرة الأنصار، ولكنْ ليس أيّ ناصر وكيفما كان!، بل الناصر «الرِبيُّ»:(٣) الشديد التمسّك بإطاعة الأمر الإلهي، الذي يُقدم على تنفيذ الأمر الإلهي ناظراً إلى التكليف لا إلى النتيجة!، قد نزع قلبه من كلّ عوالق الدنيا وما فيها وأخلصه لطاعة اللّه تبارك وتعالى، فكانت مرضاة «الربّ» عزّ وجلَّ هي الهمُّ الشاغل قلبه لاسواها.
هذه العدّة من «الربيّين»(٤) هي العدّة التي يطلبها ويسعى إلى تكثيرها القائد الربّانيّ في قيامه ونهضته!
____________________
(١) مقتل الحسينعليهالسلام للخوارزمي، ١: ٣٢٨.
(٢) تاريخ الطبري، ٣: ٢٩٠.
(٣) الربيُّ: وهو كالربّاني: من اختصّ بربّه تعالى فلم يشتغل بغيره. (تفسير الميزان، ٤: ٤١).
(٤) وقد أشار إليهم القرآن الكريم في قوله تعالى:( وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّـهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ . ) ، (سورة آل عمران: ١٤٦).
ومن سُنّة القادة الربّانيين أيضاً أنهم يستثمرون كُلَّ مناسبة لامتحان (المجموع) الذي يصحبهم، وذلك لتخليص عدّتهم الربّانية من كلّ ما يعلق بها من أهل الطمع والإرتياب، حتّى تصفو هذه العدّة من الإضافات الكاذبة! فتبقى الصفوة الخالصة (القوة الحقيقية) التي يخطّط القائد الربانيّ على أساسها نوع المواجهة وأسلوب القتال يوم الملحمة!
وهذه مسألة مهمّة وأساسية في التخطيط الحربي، بل حتّى في التخطيط لكل مواجهة سياسية، ذلك لأنّ التخطيط في كلّ مواجهة على أساس (القوة الظاهرية) لا على أساس (القوّة الحقيقية) سيضع القوّة العسكرية أو الحركة السياسية أمام حدث هو أكبر من حجمها الحقيقي، فإذا تعرّضت هذه القوّة أو الحركة لضربة قاصمة أو إنكسار كبير مثلًا فإنّ هذه الضربة أو هذا الإنكسار سيقعان على رأس (القوّة الحقيقة) فقط! لأنّ الإضافات غير الحقيقية التي أحاطت بالقوّة الحقيقية وشكّلت معها القوّة الظاهرية ستتفرّق وتتلاشى عنها ساعة الشدّة كما هي عادة وطبيعة الأشياء، تاركة القوّة الحقيقية وحدها عرضة لضربة أو انكسار هما أكبر من استطاعتها وتحمّلها!! ولذا قد تتحطّم القوّة الحقيقية أو تزول تماماً قبل تحقيق الهدف المنشود من وراء وجودها!
هذا في إطار الأثر على الأرض! أمّا في إطار الأثر في السماء، فإنّ اختبار العدّة الظاهرية بالإمتحان بعد الإمتحان، وتمحيصها حتّى لايبقى منها إلّا أهل البصائر والعزائم الراسخة، سوف يزيد من علوّ درجاتهم ومنازلهم الأخروية عند اللّه تبارك وتعالى، لأنّ لهم أجراً وفوزاً وارتقاءً لنجاحهم بعد كلّ امتحان وتمحيص! واللّه يختص برحمته من يشاء، واللّه واسع عليم!
«العَقَبة: منزل في طريق مكّة بعد واقصة وقبل القاع لمن يريد مكّة، وهو ماء لبني عكرمة من بكر بن وائل.».(١)
قال الطبري: «.. ثمَّ سار حتّى مرّ ببطن العقبة فنزل بها، قال أبومخنف: فحدّثني لوذان أحد بني عكرمة أنّ أحد عمومته سأل الحسينعليهالسلام : أين تريد؟ فحدّثه، فقال له: إنّي أُنشدك اللّه لما انصرفتَ، فواللّه لاتقدم إلّا على الأسنّة وحدّ السيوف! فإنّ هؤلاء الذين بعثوا إليك لوكانوا كفوك مؤنة القتال ووطّأوا لك الأشياء فقدمّتَ عليهم كان ذلك رأياً، فأمّا على هذه الحال التي تذكرها فإنّي لا أرى لك أن تفعل!
قال: فقال له:
يا عبداللّه، إنّه ليس يخفى عليَّ الرأيُ ما رأيتَ! ولكنّ اللّه لايُغلب على أمره!
ثمّ ارتحل منها.».(٢)
وفي رواية الإرشاد أنّ هذا الشيخ من بني عكرمة يقال له: عمرو بن لوذان، وفيها أيضاً أنّ الإمامعليهالسلام قال له: يا عبداللّه، ليس يخفى عليَّ الرأي! وإنّ اللّه لايُغلب على أمره!
ثم قالعليهالسلام : واللّه لايدعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي! فإذا فعلوا سلّط اللّه عليهم من يُذلّهم حتى يكونوا أذلّ فرق الأمم!(٣)
____________________
(١) معجم البلدان، ٤: ١٣٤.
(٢) تأريخ الطبري، ٣: ٣٠٣.
(٣) راجع: الإرشاد: ٢٠٥.
أمّا الدينوري فروى هذا اللقاء هكذا: «فسار حتّى انتهى إلى بطن العقيق،(١) فلقيه رجل من بني عكرمة، فسلّم عليه وأخبره بتوطيد ابن زياد الخيل ما بين القادسية إلى العُذَيْب(٢) رصداً له! ثمّ قال له: إنصرف بنفسي أنت! فواللّه ماتسير إلّا الى الأسنّة والسيوف! ولاتتكلنّ على الذين كتبوا إليك، فإنّ أولئك أوّل الناس مبادرة إلى حربك!
فقال له الحسين: قد ناصحت وبالغت، فجُزيت خيراً!
ثمّ سلّم عليه ومضى ..».(٣)
إشارة:
إنّ المشورة أو الرأي الذي عرضه عمرو بن لوذان للإمامعليهالسلام هنا شبيه بالرأي الذي كان قد عرضه كلُّ من عبداللّه بن عبّاسرضياللهعنه »
وعمر بن عبدالرحمن المخزومي في مكّة،(٥) ولاحظنا أنّ الإمامعليهالسلام لم يُخطّيء هذه الآراء والمشورات والإقتراحات، بل أجاب أصحابها بما يؤكّد صحتها وصوابها وأنها كانت من
____________________
(١) الظاهر أنّ بطن العقيق جاءت بدلاً من بطن العقبة اشتباهاً من النّساخ، وإلاّ فيكون الإمامعليهالسلام - حسب سياق متابعة الدينوري لمسيره - قد رجع باتجاه مكّة بعد منطقة زبالة، ذلك لأنّ وادي العقيق أقرب إلى مكّة، وفيه ثلاثة مواضع هي: ذات عرق، وغمرة، والمسلخ، وذات عرق هي المنزل الرابع الذي مرَّ به الإمام - حسب متابعتنا لأهم منازل الطريق - وهي تبعد عن مكّة مرحلتين أي حوالي (٩٢ كم).
(٢) وهو ماء بين القادسية والمغيثة، بينه وبين القادسية أربعة أميال، وقيل: هو وادٍ لبني تميم، وهو من منازل حاج الكوفة (راجع: معجم البلدان، ٤: ٩٢).
(٣) الأخبار الطوال: ٢٤٨.
(٤) تاريخ الطبري، ٣: ٢٩٥.
(٥) تاريخ الطبري، ٣: ٢٩٤.
النصح والعقل والرأي.
لكنّ الإمامعليهالسلام مع إقراره بصحة وصواب تكلم النصائح والمشورات كان يؤكّد لكلّ من أصحابها بطريقة تتناسب ونوع المخاطَب أنّه لابدّ له من عدم الأخذ بتلكم النصائح والإقتراحات! وذلك لأنّ منطق هؤلاء وان كان صحيحاً بمقياس حدود الظواهر إلّا أنه لايتعدّى التفكير بالسلامة والمنفعة الذاتية والنصر الظاهري، في حين كان الإسلام آنئذٍ يمرُّ بمنعطف حاسم النتيجة في أن يبقى أولايبقى، وقد عبّر الإمامعليهالسلام عن حال الإسلام الحرجة هذه أمام مروان بن الحكم بقوله:
«وعلى الإسلام السلام إذ قد بُليت الأمّة براعٍ مثل يزيد!».(١)
كان الإسلام المحمّدي الخالص قد اشتبهت حقيقته على أكثر هذه الامة حين اختلط عليهم- بفعل جهود حركة النفاق عامة والحزب الأموي خاصة- اختلاطاً عجيباً مع أباطيل وتحريفات كثيرة وكبيرة افتريت عليه ودُسَّت فيه، حتى صار من غير الممكن فصل الإسلام المحمّدي الخالص عن (الإسلام الأموي!) إلّا إذا ارتكب الأمويون الجريمة الكبرى، جريمة سفك الدّم المقدّس، دم ابن رسول اللّهصلىاللهعليهوآله وإلّا لاستمرّت عملية التحريف والمزج، حتى تصل الأمّة إلى حدٍّ لا تعرف عنده إلّا الإسلام الأمويّ! فلا يبقى من الإسلام المحمّدي إلّا إسمه!
إذن فحال الإسلام يومذاك كحال المريض الذي لاينفع في علاجه إلّا الكيّ، وقديماً قيل في المثل (آخر الدواء الكيّ!) لما يترتّب عليه من علاج حاسم!
حال الإسلام يومذاك لم يكن ينفع في علاجها منطق السياسة والمعاملة السياسية والدهاء السياسي، ورعاية المصالح الذاتية، والتفكير بالسلامة،
____________________
(١) الفتوح، ٥: ٢٤.
وحسابات الإستفادة والمنفعة والربح والخسارة الشخصيّة، وضوابط التخطيط للسيطرة على الحكم! حال الإسلام يومذاك ماكانت لتصل إلى علاجها الحاسم وتبلغ درجة الشفاء التّام إلّا بمنطق الشهادة! ولم يكن لها مرهمٌ إلّا الدّم الأقدس، دم ابن رسول اللّه الذي هو دم رسول اللّهصلىاللهعليهوآله نفسه!! دم الحسينعليهالسلام ، الشهيد الفاتح الذي جاء من قلب (المدينة) يسعى، يحدو به الشوق إلى المصرع المختار «وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف!»،(١)
في ركب من عُشّاق الشهادة لاتثنيهم عن مصارع العشق عقلائية عقلاء الظاهر ولانصائحهم ولاملامة المحجوب عن المحبوب!
روى الشيخ أبوالقاسم جعفر بن محمد بن قولويه القمّي (ره) بسندٍ عن شهاب بن عبدربّه، عن الإمام الصادقعليهالسلام أنه قال: «لما صعد الحسين بن عليّعليهماالسلام عقبة البطن قال لأصحابه: ما أراني إلّا مقتولًا!
قالوا: وما ذاك يا أباعبداللّه؟
قال: رؤيا رأيتها في المنام!
قالوا: وما هي؟
قال: رأيت كلاباً تنهشني أشدّها عليّ كلبٌ أبقع!».(٢)
إشارة:
حدّثتنا المتون التأريخية أنّ أهل الطمع والإرتياب كانوا قد تفرّقوا عن
____________________
(١) اللهوف: ٢٦.
(٢) كامل الزيارات: ٧٥، باب ٢٣، حديث رقم ١٤.
الإمامعليهالسلام ذات اليمين وذات الشمال في منطقة زبالة- بعد أن علموا بمقتل مسلم بن عقيلعليهالسلام وهاني بن عروةرضياللهعنه وعبداللّه بن يقطررضياللهعنه ، وبعد أن خطبهم الإمامعليهالسلام خطبته التي أعلمهم فيها بمقتل هؤلاء الشهداء الأبراررضياللهعنه ، ورخّصهم في الإنصراف عنه- فما بقي معه إلّا الصفوة من أصحابه الذين لازموه حتّى استشهدوا بين يديه.
لكننّا هنا نلاحظ أنّ الإمامعليهالسلام ما برح يواصل إختبار وامتحان تصميم الباقين معه على الشهادة حتّى بعد منطقة زُبالة، من خلال إخبارهم بما رأى من الحقّ في عالم المنام، وما ذاك إلّا لتنقية الركب الحسينيّ تماماً من كلّ متردد مرتاب أو ذي طمع في دنيا أو عافية وسلامة ربّما كان لم يزل حتّى تلك الساعة عالقاً بالركب الحسينيّ، وكذلك ليزداد أهل البصائر والنيّات الصادقة يقيناً على يقينهم وتصميماً على المضيّ إلى القتل فوق تصميمهم، ليزدادوا بذلك عند اللّه مثوبة ويرقون إلى منازل أعلى في علييّن! ولعلّ الإمامعليهالسلام أراد أيضاً- في ضمن ذلك- أن يكشف لهم عن وحشيّة الأعداء وإصرارهم على قتله، وأشدّهم نهشاً ووحشيّة وإصراراً على قتله ذلك الرجل الأبقع فيهم، وهو شمر بن ذي الجوشن العامري لعنه اللّه!
«شراف بين واقصة والقرعاء على ثمانية أميال من الأحساء التي لبني وهب، ومن شراف إلى واقصة ميلان (٤ كم تقريباً)، وهناك بركة تُعرف باللوزة، وفي شراف ثلاث آبار كبار، رشاؤها أقلّ من عشرين قامة، وماؤها عذب كثير، وبها قُلُبٌ كثيرة طيّبة الماء يدخلها ماء المطر ..».(١)
____________________
(١) معجم البلدان، ٣: ٣٣١.
قال الشيخ المفيد (ره): «ثمّ سارعليهالسلام في بطن العقبة حتى نزل شراف فلما كان في السحر أمر فتيانه فاستقوا من الماء فأكثروا ..».(١)
هذا ما حدّثنا التأريخ به عمّا حصل في منطقة شراف لاغير، وإنّ لأمرهعليهالسلام فتيانه بالإستقاء من الماء والإكثار منه أثراً كاشفاً عن علمهعليهالسلام بالوقائع قبل حصولها، وقد تجلّى هذا الأثر عند لقائهم لأوّل مرّة مع الحرّ بن يزيد الرياحيرضياللهعنه في قوّة قتالية مؤلّفة من ألف فارس! بعد قليل من شراف.
نعم، ذكر مؤرّخون(٢) أنّ الإمامعليهالسلام أمر بالإستقاء من الماء والإكثار منه قبل ذلك في أكثر من موضع، بل ربّما كان ذلك من عادة السير والسفر قبيل التحرك من كلّ منزل من المنازل، لكنّ الظاهر أنّ الإستقاء من الماء والإكثار منه في شراف كان أكثر من كلّ مرّة بحيث يزيد هذه المرّة عن حاجة الركب الحسينيّ كثيراً.
وهو جبل يقع بين شراف وبين منزل البيضة، كان النعمان بن المنذر ملك الحيرة يصطاد فيه.(٣)
روى الطبري عن الرجلين الأسديين (عبداللّه بن سُلَيم والمذريّ بن المشمعل) قالا: «ثمَّ ساروا منها- أي شراف- فرسموا صدر يومهم حتى انتصف النهار، ثم إنّ رجلًا قال: اللّه اكبر!
____________________
(١) الإرشاد: ٢٠٦؛ وانظر: تأريخ الطبري، ٣: ٣٠٤.
(٢) ذكر ذلك الشيخ المفيد (ره) في الثعلبية وزبالة أيضاً (الإرشاد: ٢٠٥)، وكذلك فانظر: تاريخ الطبري، ٣: ٣٠٣.
(٣) راجع: إبصار العين: ٤٤.
فقال الحسين: اللّه أكبر! ما كبّرت؟
قال: رأيت النخل!
فقال له الأسديان: إنّ هذا المكان ما رأينا به نخلة قطّ!
قالا: فقال لنا الحسين: فما تريانه رأى؟
قلنا: نراه رأى هوادي الخيل!
فقال: وأنا واللّه أرى ذلك! أما لنا ملجأ نلجأ إليه نجعله في ظهورنا ونستقبل القوم من وجه واحد؟
فقلنا له: بلى، هذا ذو حُسم إلى جنبك تميل إليه عن يسارك فإنْ سبقت القوم إليه فهو كما تريد.
قال فأخذ إليه ذات اليسار، قال ومِلْنا معه، فما كان بأسرع من أن طلعت علينا هوادي الخيل فتبينّاها وعدلنا، فلما رأونا وقد عدلنا عن الطريق عدلوا إلينا كأنَّ أسنّتهم اليعاسيب! وكأنّ راياتهم أجنحة الطير!
قال فاستبقنا إلى ذي حُسم فسبقناهم إليه، فنزل الحسين فأمر بأبنيته فضُربت، وجاء القوم وهم ألف فارس مع الحرّ بن يزيد التميمي اليربوعي حتّى وقف هو وخيله مقابل الحسين في حرّ الظهيرة، والحسين وأصحابه معتمّون متقلّدو أسيافهم!
فقال الحسين لفتيانه: إسقوا القوم وارووهم من الماء! ورشّفوا الخيلَ ترشيفاً!
فقام فتيانه فرشّفوا الخيل ترشيفاً، فقام فتية وسقوا القوم من الماء حتّى أرووهم! وأقبلوا يملؤون القصاع والأتوار والطّساس من الماء ثمّ يُدنونها من الفرس، فإذا عبَّ فيه ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً عُزلت عنه وسقوا آخر حتّى سقوا الخيل كلّها.
قال هشام: حدّثني لقيط، عن عليّ بن الطّعان المحاربي: كنت مع الحرّ بن يزيد، فجئت في آخر من جاء من أصحابه، فلمأ رأى الحسين مابي وبفرسي من العطش قال: أنِخْ الراوية- والراوية عندي السقاء- ثمّ قال: يا ابن أخي، أنخ الجمل! فأنخته، فقال: إشرب. فجعلتُ كلّما شربتُ سال الماء من السقاء، فقال الحسين:
أخنث السقاء- أي إعطفه قال جعلت لا أدري كيف أفعل! قال فقام الحسين فخنثه، فشربت وسقيتُ فرسي.
قال: وكان مجيء الحرّ بن يزيد ومسيره إلى الحسين من القادسية، وذلك أنّ عبيداللّه بن زياد لما بلغه إقبال الحسين بعث الحصين بن نمير التميمي وكان على شُرطه، فأمره أن ينزل القادسية وأن يضع المسالح، فينظّم ما بين القطقطانة إلى خفّان! وقدّم الحرّ بن يزيد بين يديه في هذه الألف من القادسية فيستقبل حُسيناً!
قال فلم يزل موافقاً حُسيناً حتى حضرت الصلاة صلاة الظهر، فأمر الحسين الحجّاجَ بن مسروق الجعفي أن يؤذّن فأذّن، فلما حضرت الإقامة خرج الحسين في إزارٍ ورداءٍ ونعلين، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال:
أيها النّاس، إنّها معذرة إلى اللّه عزّ وجل وإليكم! إنّي لم آتكم حتّى أتتني كتبكم وقدمت عليَّ رسلكم: أن أقدم علينا فإنّه ليس لنا إمام. لعلّ اللّه يجمعنا بك على الهدى، فإن كنتم على ذلك فقد جئتكم، فإن تعطوني ما أطمئنّ إليه من عهودكم ومواثيقكم أقدم مصركم، وإن لم تفعلوا وكنتم لمقدمي كارهين انصرفت عنكم الى المكان الذي أقبلتُ منه إليكم!
قال فسكتوا عنه، وقالوا للمؤذّن: أقم. فأقام الصلاة.
فقال الحسينعليهالسلام للحرّ: أتريد أنْ تصلّي بأصحابك؟
قال: لا، بل تصلّي أنت ونصلّي بصلاتك!
قال فصلّى بهم الحسين، ثمّ إنّه دخل واجتمع إليه أصحابه، وانصرف الحرّ إلى مكانه الذي كان به، فدخل خيمة قد ضُربت له، فاجتمع إليه جماعة من أصحابه، وعاد أصحابه إلى صفّهم الذي كانوا فيه فأعادوه، ثمّ أخذ كلّ رجل منهم بعنان دابّته وجلس في ظلّها.
فلما كان وقت العصر أمر الحسين أن يتهيؤا للرحيل، ثمّ إنّه خرج فأمر مناديه فنادى بالعصر وأقام، فاستقدم الحسين فصلّى بالقوم ثمّ سلّم وانصرف الى القوم بوجهه، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّ قال:
أمّا بعدُ أيها النّاس، فإنكم إن تتقوا وتعرفوا الحقَّ لأهله يكنْ أرضى للّه، ونحن أهل البيت أولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم، والسائرين فيكم بالجَوْر والعدوان! وإنْ أنتم كرهتمونا وجهلتم حقّنا، وكان رأيكم غير ما أتتني كتبكم وقدمت به عليَّ رسلكم انصرفت عنكم!
فقال له الحرّ بن يزيد: إنّا واللّه ما ندري ما هذه الكتب التي تذكر!
فقال الحسين: يا عقبة بن سمعان، أخرج الخرجَيْن اللذين فيهما كتبهم إليَّ! فأخرج خرجَيْن مملوئين صحفاً، فنشرها بين أيديهم!
فقال الحرُّ: فإنّا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك، وقد أُمرنا إذا نحن لقيناك ألّا نفارقك حتّى نقدمك على عبيداللّه بن زياد!
فقال له الحسين: الموتُ أدنى إليك من ذلك!
ثم قال لأصحابه: قوموا فاركبوا. فركبوا وانتظروا حتّى ركبت نساؤهم، فقال لأصحابه: انصرفوا بنا. فلما ذهبوا لينصرفوا حال القوم بينهم وبين الإنصراف، فقال الحسين للحرّ: ثكلتك أمّك! ما تُريد!؟
قال: أما واللّه لو غيرك من العرب يقولها لي وهو على مثل الحال التي أنت
عليها ما تركت ذكر أُمِّه بالثكل أن أقوله، كائناًمن كان، ولكن واللّه مالي إلى ذكر أُمِّك من سبيل إلّا بأحسن ما يُقدر عليه!
فقال له الحسين: فما تُريد!؟
قال الحرّ: أُريد واللّه أن أنطلق بك إلى عبيداللّه بن زياد!
قال له الحسين: إذن واللّه لا أتّبعك!
فقال له الحرّ: إذن واللّه لا أَدَعُك!
فترادّا القول ثلاث مرّات، ولما كثر الكلام بينهما:
قال له الحرّ: إنّي لم أؤمر بقتالك وإنّما أُمرت أن لا أُفارقك حتّى أُقدمك الكوفة! فإذا أبيتَ فُخُذْ طريقاً لا تُدخلك الكوفة ولاتردّك إلى المدينة، لتكون بيني وبينك نصفاً، حتّى أكتب إلى ابن زياد، وتكتب أنت إلى يزيد بن معاوية إن أردت أن تكتب إليه، أو إلى عبيداللّه بن زياد إن شئت، فلعلّ اللّه إلى ذاك أن يأتي بأمر يرزقني فيه العافية من أن أُبتلى بشيء من أمرك. قال: فخُذ هاهنا فتياسَرْ عن طريق العُذيب والقادسيّة. (وبينه وبين العذيب ثمانية وثلاثون ميلًا).
ثُمَّ إنَّ الحسين سار في أصحابه، والحرُّ يسايره ...».(١)
تأمُّلٌ وملاحظات:
١)- تعاملَ الإمامعليهالسلام - القائد الربّانيّ- مع الظالين والمغرَّر بهم والمشلولين نفسياً من أبناء هذه الأمة
معاملة الأب الرؤوف الحاني- مالم يقع بينه وبينهم السيف- وذلك لأنّ غاية الإمامعليهالسلام أساساً هي دعوتهم الى الحقّ والهدى، وقد تجسّدت هذه الروح الأبوية الحانية في سقاية هؤلاء القادمين بأمر ابن زياد
____________________
(١) تأريخ الطبري، ٣: ٣٠٧ والإرشاد: ٢٠٦ وانظر: أنساب الأشراف، ٣: ٣٨٠ - ٣٨١، والفتوح، ٥: ١٣٤ - ١٣٩ بتفاوت.
للجعجعة بهعليهالسلام ، وإروائهم في ساعة هم أشدّ ما يكونون فيها حاجة إلى الماء، وكأنّهعليهالسلام كان قد أحياهم بعد احتضارٍ من شدّة العطش!- بل لقد تجلّت رأفته وحنّوهعليهالسلام كخليفة للّه على كلّ خلقه أيضاً في إرواء الخيل والدوابّ الأخرى وترشيفها- ولاشكّ أنّ هذه الأخلاقية الربّانية حجّة بالغة على أولئك القوم، تهزّ ضمائرهم هزّاً عنيفاً وتدفعها دفعاً قويّاً إلى التأمّل والتفكير وتستنطق الفطرة فيهم للإجابة عن هذا السؤال: أيُّ الرجلين أحقّ بالإتباع والإطاعة: الإمامعليهالسلام أم ابن زياد الجلف الجافي!؟
فلعلَّ ضالًّا- بعد هذه الهزّة في الضمير- يستبصر فيهتدي إلى الحقّ ويتّبعه، ومُغرَّراً به تنكشف له حقيقة الأمر فيعرف أهل الحقّ وقادته، ومشلولًا في نفسه يتحرر فينطلق بقوّة وعزم للإنضمام إلى أهل الحقّ وقد كان ولم يزل يعرفهم!!
٢)- كان الإمامعليهالسلام يريد أن يدخل الكوفة حُرّاً وبالطريقة التي يختارها هو!، وكان الحرُّ يريد أن يأخذه إليها أسيراً!
بأمر ابن زياد! كان هذا أصل الأخذ والردّ بينهما، لكنّ ما يُلفت الإنتباه في هذه النقطة هو أنّ الإمامعليهالسلام ظلّ مصرّاً على التوجّه نحو الكوفة حتّى بعد الإختيار الموسّع الذي عرضه عليه الحرّ بن يزيدرضياللهعنه في أن يتّخذ طريقاً لاتُدخله الكوفة ولاتردّه الى المدينة، فيذهب حيث يشاء بين ذلك! بل كان الإختيار أوسع- على رواية ابن أعثم الكوفيّ- حيث شمل حتّى الرجوع الى المدينة إذا شاء! حين قال له الحرُّرضياللهعنه : «أبا عبداللّه، إنّي لم أؤمر بقتالك، وإنّما أُمرت أن لا أفارقك أو أقدم بك على ابن زياد! وأنا واللّه كارهٌ إنْ سلبني اللّه بشيء من أمرك! غير أنّي قد أخذتُ ببيعة القوم وخرجت اليك! وأنا أعلم أنه لايوافي القيامة أحد من هذه الأمّة إلّا وهو يرجو شفاعة جدّك محمّدصلىاللهعليهوآله ! وأنا خائف إن قاتلتك أن أخسر الدنيا والآخرة! ولكن خذ عنّي هذا الطريق وامضِ حيث شئت! حتى أكتب إلى ابن زياد أنّ هذا خالفني في الطريق
فلم أقدر عليه! ..».(١)
إنّ إصرار الإمامعليهالسلام على التوجّه نحو الكوفة حتّى بعد انتفاء حجّة رسائل أهل الكوفة عمليّاً- بعد وصول خبر مقتل مسلمعليهالسلام وهانيرضياللهعنه وعبداللّه بن يقطررضياللهعنه إلى الإمامعليهالسلام - كاشف عن أنّ رسائل أهل الكوفة إليه لم تكن السبب الرئيس في توجّهه نحو العراق! وإنْ كان صحيحاً القول إنّهعليهالسلام «لم يشأ أن يدع أيّ مجال لإمكان القول بأنّهعليهالسلام لم يفِ تماماً بالعهد لو كان قد انصرف عن التوجّه إلى الكوفة في بعض مراحل الطريق، حتّى بعد أن أغلق جيش الحرّ دونه الطريق إليها! ذلك لأنّ الإمامعليهالسلام مع تمام حجّته البالغة على أهل الكوفة أراد في المقابل بلوغ تمام العذر وعلى أكمل الوجه فيما قد يُتصوَّر أنّ لهم حجّة باقية عليه، بحيث لايبقى ثمّة مجال للطعن في وفائه بالعهد!».(٢)
نعم، هذا سببٌ من جملة الأسباب التي تقع في طول السبب الرئيس في توجّههعليهالسلام نحو العراق: وهو أنّ الإمامعليهالسلام - مع علمه بأنّه مالم يبايع يُقتل- كان قد أصرَّ على العراق لأنّه أفضل أرض للمصرع الذي لابُدَّ منه، لما ينطوي عليه العراق من استعدادات للتأثر بواقعة المصرع والتغيّر نتيجة لها! وقد فصّلنا القول في هذا تحت عنوان (لماذا اختار الإمام الحسينعليهالسلام العراق) في الفصل الأوّل، فراجع.
٣)- لم يقصد الإمامعليهالسلام التخلّي عن نهضته بقوله في خطبته بعد صلاة الظهر:
«.. وإنْ لم تفعلوا وكنتم لمقدمي كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذي أقبلتُ منه إليكم!» أو قوله في خطبته بعد صلاة العصر: «وإنْ كرهتمونا وجهلتم
____________________
(١) الفتوح، ٥: ١٣٩.
(٢) الجزء الأوّل من هذه الدراسة: ١٦١؛ مقالة: بين يدي الشهيد الفاتح.
حقّنا، وكان رأيكم غير ما أتتني كتبكم وقدمت به عليَّ رسلكم انصرفت عنكم!».
بل كلُّ ما عناه الإمامعليهالسلام في هذين القولين- وفي نظائرهما- هو التخلّي عن التوجّه إلى الكوفة- مادام لايمكنه أن يدخلها إلّا أسيراً!- وهذا لايعني تخلّيه عن مواصلة القيام والنهضة، بل يعني تغيير مسار حركة الركب الحسينيّ إلى جهة أخرى غير الكوفة، سواء بالعودة الى مكّة المكرّمة أو المدينة المنوّرة أو الذهاب إلى اليمن أو أي مكان آخر! هذه حدود المعنى المفهوم في قولهعليهالسلام : انصرفت عنكم.
هو الحرُّ بن يزيد بن ناجية بن قَعنَب بن عتّاب [الردف] بن هرميّ بن رياح بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد بن مناة بن تميم، فهو التميميّ اليربوعيّ الرياحيّ.
كان الحرّ شريفاً في قومه جاهلية وإسلاماً، فإنّ جدّه عتّاباً كان رديف النعمان، وولد عتّاب قيساً وقعنباً ومات، فردف قيس للنعمان ونازعه الشيبانيون، فقامت بسبب ذلك حرب يوم الطخفة.
والحرّ هو إبن عمّ الأخوص الصحابيّ الشاعر: زيد بن عمرو بن قيس بن عتّاب. وكان الحرّ في الكوفة رئيساً، ندبه ابن زياد لمعارضة الحسينعليهالسلام فخرج في ألف فارس!(١)
والظاهر من متون قصة لقاء الإمامعليهالسلام مع الحرّرضياللهعنه على رأس ألف فارس
____________________
(١) راجع: إبصار العين: ٢٠٣.
قادماً من القادسية لمعارضة الإمامعليهالسلام في مسيره: أنّ الحرّرضياللهعنه كان يومذاك عارفاً ومؤمناً بمقام ومنزلة أهل البيتعليهمالسلام عند اللّه تبارك وتعالى، وكارهاً لمأمورية خروجه لمعارضة الإمامعليهالسلام !
فها هو يجيب الإمامعليهالسلام حينما قال له: ثكلتك أمّك! ما تريد؟ قائلًا: أما واللّه لو غيرك من العرب يقولها لي، وهو على مثل الحال التي أنت عليها ما تركت ذكر أمّه بالثكل أن أقوله، كائناً من كان! ولكن واللّه مالي إلى ذكر أمّك من سبيل إلّا بأحسن ما يُقدر عليه!
ويقول للإمامعليهالسلام أيضاً: وأنا أعلم أنّه لايوافي القيامة أحدٌ من هذه الأمّة إلّا وهو يرجو شفاعة جدّك محمّدصلىاللهعليهوآله ! وأنا خائف إنْ قاتلتك أن أخسر الدنيا والآخرة! ...
وروى الشيخ ابن نما (ره) بإسناده أنّ الحرّرضياللهعنه - بعد أن هداه اللّه ووفّقه للإنضمام إلى الإمامعليهالسلام - «قال للحسينعليهالسلام : لما وجّهني عبيداللّه إليك خرجت من القصر فنوديتُ مِن خلفي: أبشر يا حُرّ بخير! فالتفتُّ فلم أر أحداً! فقلتُ: واللّه ما هذه بشارة وأنا أسير إلى الحسينعليهالسلام !! وما أُحدّثُ نفسي باتباعك!
فقالعليهالسلام : لقد أصبت أجراً وخيراً.».(١)
لكنّ الظاهر من مجموع سياق قصة خروجه إلى الإمامعليهالسلام وجعجعته به هو
____________________
(١) مثير الأحزان: ٥٩ - ٦٠؛ وعنه البحار، ٤٥: ١٥، ونقلها المرحوم الشيخ السماوي (ره) في إبصار العين: ٢٠٣ - ٢٠٤ وفيه: أبشر يا حُرّ بالجنة!، وقد روى الشيخ الصدوق (ره) في أماليه: ١٣١ المجلس ٣٠، ح ١: «قال الحرّ: فلما خرجت من منزلي متوجهاً نحو الحسينعليهالسلام نوديتُ ثلاثاً: يا حرّ أبشر بالجنّة! فالتفتُ فلم أر أحداً! فقلت: ثكلت الحرّ أمّه يخرج الى قتال ابن رسول الله ويبشّر بالجنّة؟!..».
أنّ الحرّرضياللهعنه لم يكن يتوقّع أنّ القوم سوف ينتهي بهم الأمر إلى مقاتلة الإمامعليهالسلام ، ولذا نراه حينما رأى في كربلاء جدّية الموقف والحال، وأنَّ كلَّ ما حوله يؤكّد أنَّ فتيل الحرب على وشك الإشتعال، توجّه إلى عمر بن سعد يسائله مستغرباً قائلًا: أي عمر! أمقاتلٌ أنتَ هذا الرجل!؟
فقال عمر لعنه اللّه: إيواللّه قتالًا شديداً، أيسره أن تسقط الرؤوس وتطيح الأيدي! فردّ عليه الحرّرضياللهعنه : أفما لكم فيما عرضه عليكم رضى؟!
قال عمر: أما واللّه، لو كان الأمر إليَّ لفعلتُ، ولكنّ أميرك أبى!
فأقبل الحرّ حتّى وقف من الناس موقفاً، ومعه رجل من قومه يُقال له قُرَّة بن قيس، فقال له: يا قُرَّة! هل سقيت فرسك اليوم؟
قال: لا!
قال: فما تُريد أن تسقيه؟
قال قرّة: فظننتُ واللّه أنه يُريد أن يتنحّى ولايشهد القتال، فكره أن أراه حين يصنع ذلك، فقلت له: لم أسقه، وأنا منطلق فأسقيه.
فاعتزل ذلك المكان الذي كان فيه، فواللّه لو أنّه أطلعني على الذي يُريد لخرجت معه إلى الحسين! فأخذ يدنو من الحسين قليلًا قليلا، فقال له مهاجر بن أوس: ما تريدُ يا ابن يزيد!؟ أتريد أن تحمل؟ فلم يجبه، فأخذه مثل الأفكل وهي الرعدة! فقال له المهاجر: إنّ أمرك لمريب! واللّه ما رأيت منك في موقف قطّ مثل هذا! ولو قيل لي: من أشجع أهل الكوفة لما عدوتك، فما هذا الذي أرى منك!؟
فقال له الحرّ: إنّي واللّه أُخيّر نفسي بين الجنّة والنار، فواللّه لا أختار على الجنّة شيئاً ولو قُطّعتُ وأحرقتُ!!
ثمّ ضرب فرسه فلحق الحسينعليهالسلام فقال له: جُعلت فداك يا ابن رسول اللّه!
أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع وسايرتك في الطريق وجعجعت بك في هذا المكان! وما ظننتُ أنّ القوم يردّون عليك ما عرضته عليهم! ولايبلغون منك هذه المنزلة! واللّه لو علمتُ أنّهم ينتهون بك إلى ما أرى ما ركبتُ مثل الذي ركبت! وأنا تائب إلى اللّه ممّا صنعتُ، فترى لي من ذلك توبة؟
فقال له الحسينعليهالسلام : نعم، يتوب اللّه عليك، فانزل.
فقال: أنا لك فارساً خير منّي راجلًا، أقاتلهم على فرسي ساعة، وإلى النزول ما يصير آخر أمري!
فقال له الحسينعليهالسلام : فاصنع يرحمك اللّه ما بدا لك.(١)
وبهذا يتجلّى أنّ الحرّرضياللهعنه لما رأى من القوم مالم يكن يتوقعه منهم ناقش نفسه نقاشاً جادّاً حاسماً- في ظرف زمنّي صعب وعسير وقصير!- ليتّخذ الموقف الصحيح بين صفّ الحقّ وصفّ الباطل، وما هي إلّا لحظة مصيرية حاسمة تحرّر فيها الحرُّ من كلّ شلل نفسي وازدواج في داخله، فانطلق إلى الحقّ وانضمّ إليه متبرئاً من كلّ عوالق الباطل، منيباً إلى اللّه تائباً إليه، في لحظة تأريخية فريدة، وموقف رياديّ لامثيل له، جعل من إسم الحرّ الرياحيّرضياللهعنه رمزاً لكلّ عشّاق الحقيقة الأحرار على مرّ الدهور وتتابع الأجيال.
وكان الحرّرضياللهعنه - كما وصفه المهاجر بن أوس- من أشجع أهل الكوفة، وقد روي «أن الحرّ لما لحق بالحسينعليهالسلام قال رجل من تميم يُقال له يزيد بن سفيان: أما واللّه لو لحقته لأتبعته السِنان!
فبينما هو يقاتل، وإنّ فرسه لمضروب على أُذنيه وحاجبيه وإنّ الدماء لتسيل، إذ قال الحصين: يا يزيد هذا الحرّ الذي كنت تتمنّاه! قال: نعم.
____________________
(١) الإرشاد:٢١٩؛ وانظر: تأريخ الطبري، ٣: ٣١٩ - ٣٢١.
فخرج إليه، فما لبث الحرُّ أن قتله،(١) وقتل أربعين فارساً وراجلًا، فلم يزل يقاتل حتّى عُرْقِبَ فرسه، وبقي راجلًا وهو يقول:
إنّي أنا الحرُّ ونجلُ الحرّ |
أشجع من ذي لبدٍ هِزَبْرِ |
|
ولستُ بالجبان عند الكرّ |
لكنّني الوقّاف عند الفَرِّ |
كما روي أنّهرضياللهعنه قال للإمامعليهالسلام : «يا ابن رسول اللّه، كنتُ أوّل خارج عليك، فائذن لي لأكون أوّل قتيل بين يديك، وأوّل من يصافح جدّك غداً!- وإنّما قال الحرّ: لأكون أوّل قتيل بين يديك، والمعنى يكون أوّل قتيل من المبارزين، وإلّا فإنّ جماعة كانوا قد قُتلوا في الحملة الأولى كما ذُكر- فكان أوّل من تقدّم إلى براز القوم، وجعل ينشد ويقول:
إنّي أنا الحرّ ومأوى الضيف |
أضرب في أعناقكم بالسيف |
|
عن خير من حلَّ بأرض الخَيفْ |
أضربكم ولا أرى من حَيْفِ(٢) |
وروي أنهرضياللهعنه لما قُتل احتمله أصحاب الحسينعليهالسلام حتّى وضعوه بين يدي الحسينعليهالسلام وبه رمق، «فجعل الحسين يمسح وجهه ويقول: أنتَ الحرّ كما سمّتك أُمّك! وأنت الحرّ في الدنيا، وأنت الحرّ في الآخرة!
ورثاه رجل من أصحاب الحسينعليهالسلام ، وقيل: بل رثاه عليّ بن الحسينعليهماالسلام :
لنِعمَ الحرُ حرُّ بني رياحِ |
صبورٌ عند مختلف الرماحِ |
|
ونعم الحرُّ إذ فادى حسيناً |
وجاد بنفسه عند الصباحِ |
|
فيا ربّي أضفه في جنانٍ |
وزوّجه مع الحور الملاحِ(٣) |
ولهرضياللهعنه خطبة في القوم يوم عاشوراء قال فيها:
____________________
(١) انظر تفصيل الرواية أيضاً في تأريخ الطبري، ٣: ٣٢٤.
(٢) و (٣) انظر: البحار، ٤٥: ١٣ و ١٤.
«يا أهل الكوفة! لأمّكم الهبل والعبر! أدعوتم هذا العبد الصالح حتّى إذا جاءكم أسلمتموه! وزعمتم أنكم قاتلو أنفسكم دونه، ثمّ عدوتم عليه لتقتلوه! وأمسكتم بنفسه وأخذتم بكظمه! وأحطتم به من كلّ جانب لتمنعوه التوجّه في بلاد اللّه العريضة، فصار كالأسير في أيديكم! لايملك لنفسه نفعاً ولايدفع عنها ضرّاً! وحلأتموه ونساءه وصبيته وأهله عن ماء الفرات الجاري! يشربه اليهود والنصارى والمجوس، وتمرغ فيه خنازير السواد وكلابهم! فها هم قد صرعهم العطش! بئسما خلفتم محمّداً في ذريّته، لاسقاكم اللّه يوم الضمأ.».(١)
فسلام على رمز التحوّل الواعي السريع الجريء من ظلمات الباطل إلى نور الحقّ، سلام على الحرّ الرياحيّ يوم ولد ويوم استشهد ويوم يُبعث حيّاً!
إنّي لا أرى الموت إلّا شهادة، ولا الحياة مع الظالمين إلّا برما!
وروى الطبري عن عقبة بن أبي العيزار قال: «قام حسينعليهالسلام بذي حسم، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال: إنّه قد نزل من الأمر ما قد ترون! وإنَّ الدنيا قد تغيّرت وتنكّرت، وأدبر معروفها، واستمرّت جذاءً فلم يبق منها إلّا صُبابة كصُبابة الإناء! وخسيس عيش كالمرعى الوبيل! ألا ترون أنّ الحقّ لا يُعمل به وأنّ الباطل لايُتناهى عنه!؟
ليرغب المؤمن في لقاء اللّه محقّاً، فإنّي لا أرى الموت إلا شهادة ولا الحياة مع الظالمين إلّا برما.(٢)
قال: فقام زهير بن القين البجلي فقال لأصحابه: أتتكلّمون أم أتكلّم؟
____________________
(١) الإرشاد: ٢١٩.
(٢) في اللهوف: ٣٤ «فإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة والحياة مع الظالمين إلاّ برما» ويُفهم من سياق اللهوف أنّ الإمامعليهالسلام خطب أصحابه بهذا بعد عُذيب الهجانات، لكنّ ذلك غير دقيق كما هو الظاهر.
قالوا: لا، بل تكلّم.
فحمد اللّه فأثنى عليه، ثمّ قال: قد سمعنا هداك اللّه يا ابن رسول اللّه مقالتك، واللّه لو كانت الدنيا لنا باقية، وكنّا فيها مخلّدين، إلّا أنّ فراقها في نصرك ومواساتك لآثرنا الخروج معك على الإقامة فيها!!
قال: فدعا له الحسين، ثمّ قال له خيرا ...».(١)
لكنّ السيّد ابن طاووس (ره) ذكر أنّ الإمامعليهالسلام خطب هذه الخطبة في أصحابه، ثم ذكرها، وذكر مقالة زهيررضياللهعنه ، ثمّ أضاف قائلًا: «وقال الراوي: وقام هلال بن نافع البجلي(٢) فقال: واللّه ما كرهنا لقاء ربّنا! وإنّا على نيّاتنا وبصائرنا، نوالي من والاك ونعادي من عاداك.
قال: وقام بُرير بن خضير فقال: واللّه يا ابن رسول اللّه لقد منّ اللّه بك علينا أن نقاتل بين يديك، وتُقطّع فيك أعضاؤنا، ثمّ يكون جدُّك شفيعنا يوم القيامة!.».(٣)
تأمّل وملاحظات:
١) يُلاحظ المتأمّل في هذه الخطبة القصيرة البليغة الوافية التي خطب الإمامعليهالسلام أصحابه بها:
أنّ الإمامعليهالسلام ما فتأ يواصل امتحان عزائم أنصاره من خلال تذكيرهم هذه المرّة بتغيّر الأمور وتنكّر الدنيا وإدبار معروفها! وأنّ ما يستقبلهم من
____________________
(١) تأريخ الطبري، ٣: ٣٠٧.
(٢) هو نافع بن هلال بن نافع الجملي المذحجيرضياللهعنه ، وليس هلال بن نافع البجلي قال المحقّق السماوي (ره): «نافع: يجري على بعض الألسن ويمضي في بعض الكتب هلال بن نافع وهو غلط على ضبط القدماء... ويمضي على الألسن وفي الكتب البجلي وهو غلط واضح» (راجع: إبصار العين: ١٥٠)، وسنأتي على ترجمتهرضياللهعنه .
(٣) اللهوف: ٣٤ - ٣٥.
مجرى حركة الأحداث لايحمل لهم إلّا المكاره!
لكنّ الملفتَ للإنتباه هنا هو أنّ الإمامعليهالسلام في هذه الخطبة أيضاً كان يحثّ أصحابه ويحرّضهم على التمسّك بنصرته! فهاهو يذكّرهم بأنّ مابقي من الدنيا ليس إلّا كماءٍ ضئيل في قعر إناء صغير! والأيّام الباقية من هذا العمر في ظلّ حكومة الطاغوت أيّام لاعزّة فيها، عيشها خسيس كالمرعى الوبيل! في عالم لايُعمل فيه بالحقّ، ولايُتناهى فيه عن الباطل! فالأولى للمؤمن أن يرفض هذا العيش الذليل النكد، راغباً في لقاء اللّه تحت راية قائم بالحقّ، فإنّ أفضل الموت القتل في سبيل اللّه، وهو الشهادة والسعادة! وإنّ أسوأ حياةٍ حياةٌ بذُلٍّ تحت قهر الظالمين، إنها التعاسة والبرم!
وهنا كان أنصارهعليهالسلام قد أدركوا مراده من هذه المقالة، وعلموا أنّه محزون لقلّة ناصريه! وأنّه أراد أن يختبر نيّاتهم وعزائمهم في المضيّ معه حتى الشهادة! فبادر زهير بن القينرضياللهعنه عن لسان جميع الأنصار- ثمّ تصدّى بالقول نافع بن هلالرضياللهعنه وبُرير بن خضيررضياللهعنه كما في رواية ابن طاووس (ره)- لتطمين الإمامعليهالسلام بأنّهم ثابتون على نيّاتهم وبصائرهم، وعلى عهدهم في موالاة من والاه، ومعاداة من عاداه، وأنهم موقنون بأنّ اللّه قد منّ عليهم بالإمامعليهالسلام إذ فتح لهم باب الجهاد بين يديه ليفوزوا بالشهادة وهي أقصى أمنيّة المؤمنين الصادقين!
والإنسانية لم تزل إلى اليوم- وتبقى إلى قيام الساعة- تقرأ قصة هذا المشهد الرائع من مشاهد مسيرة الركب الحسيني، فتقف إجلالًا وإكباراً لمقالة كلّ من نافع وبرير رضوان اللّه تعالى عليهما، وتتأمل بخشوع وإعجاب لاينقضي في المعاني السامية لأُنشودة الفداء والمواساة التي تضمّنتها مقالة زهير بن القين رضوان اللّه تعالى عليه: «واللّه، لو كانت الدنيا لنا باقية، وكُنّا فيها مخلّدين، إلّا أنّ فراقها في نصرك ومواساتك، لآثرنا الخروج معك على الإقامة فيها!!».
٢) ويستفاد أيضاً من قولهعليهالسلام :
«ألا ترون أنّ الحقّ لايعمل به، وأنّ الباطل لايُناهى عنه!؟ ليرغب المؤمن في لقاء اللّه محقّاً! فإنّي لا أرى الموت إلّا شهادة ولا الحياة مع الظالمين إلّا برما» أنّ المؤمنين جميعاً- في كلّ عصر- في مثل هذه الحال أمام تكليف عام بالقيام للّه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعمل على تغيير واقع حياة الامة الإسلامية على أساس ما أمر اللّه تعالى به.
«هو نافع بن هلال بن نافع بن جمل بن سعد العشيرة بن مذحج، المذحجي الجملي، كان نافع سيّداً شريفاً سريّاً شجاعاً، وكان قارئاً، كاتباً، من حملة الحديث، ومن أصحاب أميرالمؤمنينعليهالسلام ، وحضر معه حروبه الثلاث في العراق.
وخرج إلى الحسينعليهالسلام فلقيه في الطريق، وكان ذلك قبل مقتل مسلم، وكان أوصى أن يُتبع بفرسه المسمى بالكامل، فأُتبع مع عمرو بن خالد وأصحابه الذين ذكرناهم (مجمع بن عبداللّه العائذيرضياللهعنه وابنه عائذرضياللهعنه ، وسعدرضياللهعنه مولى عمرو، وواضح التركيرضياللهعنه مولى الحرث السلماني).».(١)
لقد كان نافعرضياللهعنه من ذوي البصائر، هاهي مقالته بين يدي الإمامعليهالسلام في ذي حُسم تشهد له بذلك: «واللّه ماكرهنا لقاء ربّنا! وإنّا على نيّاتنا وبصائرنا نوالي من والاك ونعادي من عاداك!»،(٢) ولما بلغ الإمام الحسينعليهالسلام قتل قيس بن مسهّر الصيداويرضياللهعنه استعبر باكياً، ثمّ قال: «اللّهم اجعل لنا ولشيعتنا عندك منزلًا كريماً، واجمع بيننا وبينهم في مستقرّ من رحمتك، إنك على كلّ شيء قدير.
قال: فوثب إلى الحسينعليهالسلام رجل من شيعته يقال له هلال بن نافع البجلي
____________________
(١) راجع: إبصار العين: ١٤٧.
(٢) اللهوف: ٣٤.
(والصحيح هو: نافع بن هلال الجملي كما قدّمنا) فقال: يا ابن رسول اللّه! أنت تعلم أنّ جدّك رسول اللّه لم يقدر أن يُشرب النّاس محبّته، ولا أن يرجعوا إلى أمره ما أحبّ! وقد كان منهم منافقون يعدونه بالنصر ويضمرون له الغدر! يلقونه بأحلى من العسل، ويخلفونه بأمرّ من الحنظل! حتّى قبضه اللّه إليه.
وإنّ أباك عليّاً رحمة اللّه عليه قد كان في مثل ذلك، فقوم قد أجمعوا على نصره وقاتلوا معه الناكثين والقاسطين والمارقين، حتى أتاه أجله فمضى إلى رحمة اللّه ورضوانه.
وأنت اليوم عندنا في مثل تلك الحالة! فمن نكث عهده وخلع بيعته فلن يضرّ إلّا نفسه، واللّه مُغنٍ عنه! فَسِرْ بنا راشداً معافاً، مشرّقاً إن شئت، وإنْ شئت مُغرّباً، فواللّه ما أشفقنا من قدر اللّه، ولاكرهنا لقاء ربّنا، وإنّا على نيّاتنا وبصائرنا، نوالي من والاك ونعادي من عاداك!».(١)
وكان نافعرضياللهعنه على مرتبة عالية من الأدب والوفاء ومعرفة حقّ الإمام الحسينعليهالسلام عليه وعلى جميع المسلمين، روى الطبري أنه لما اشتدَّ على الإمام الحسينعليهالسلام وأصحابه العطش في كربلاء- قبل يوم عاشوراء- «دعا العباس بن عليّ بن أبي طالب أخاه، فبعثه في ثلاثين فارساً وعشرين راجلًا، وبعث معهم بعشرين قربة، فجاءوا حتّى دنوا من الماء ليلًا، واستقدم أمامهم باللواء نافع بن هلال الجملي، فقال عمرو بن الحجّاج الزبيدي: من الرجل؟ فجيء، ما جاء بك؟
قال: جئنا نشرب من هذا الماء الذي حلأتمونا عنه!
قال: فاشرب هنيئاً!
____________________
(١) البحار، ٤٤: ٣٨٢ - ٣٨٣؛ وانظر: الفتوح، ٥: ١٤٧ - ١٤٨.
قال: لا واللّه، لا أشرب منه قطرة وحسين عطشان ومن ترى من أصحابه! فطلعوا عليه، فقال: لا سبيل إلى سقي هؤلاء، إنّما وُضِعنا بهذا المكان لنمنعهم الماء!
فلما دنا منه أصحابه قال لرجاله: إملؤا قِرَبَكم. فشدَّ الرجّالة فملؤا قربهم. وثار إليهم عمرو بن الحجّاج وأصحابه، فحمل عليهم العباس بن عليّ ونافع بن هلال فكفّوهم ثمّ انصرفوا إلى رحالهم ..».(١)
وخرج الإمامعليهالسلام ليلة عاشوراء في جوف الليل إلى خارج الخيام يتفقّد التلاع والعقبات، فتبعه نافع بن هلال الجملي، فسأله الحسينعليهالسلام عمّا أخرجه؟
قال: يا ابن رسول اللّه، أفزعني خروجك إلى جهة معسكر هذا الطاغي!
فقال الحسينعليهالسلام : إنّي خرجتُ أتفقّد التلاع والروابي مخافة أن تكون مكمناً لهجوم
الخيل يوم تحملون ويحملون.
ثمّ رجععليهالسلام وهو قابضٌ على يد نافع ويقول: هي هي! واللّه وعدٌ لاخُلفَ فيه! ثمّ قال له: ألا تسلك بين هذين الجبلين في جوف الليل وتنجو بنفسك؟ فوقع نافع على قدميه يقبّلهما ويقول: ثكلتني أمّي! إنّ سيفي بألف، وفرسي مثله! فواللّه الذي منّ بك عليَّ لافارقتك حتّى يملَّا عن فَرْيٍ وجَرْيٍ!».(٢)
وقد جسّد نافعرضياللهعنه صوراً رائعة من صور الشجاعة يوم عاشوراء، منها: لما استشهد عمرو بن قرظة الأنصاريرضياللهعنه ، خرج أخوه عليُّ بن قرظة وكان مع عمر بن سعد، فهتف بالإمام الحسين هتافاً سيئاً ثُمَّ حمل على الإمامعليهالسلام فاعترضه
____________________
(١) تاريخ الطبري، ٣: ٣١٢.
(٢) راجع: مقتل الحسينعليهالسلام للمقرّم: ٢١٩.
نافع بن هلال المرادي فطعنه فصرعه، فحمله أصحابه فاستنقذوه(١)
وكان نافعرضياللهعنه يقاتل يومئذٍ وهو يقول: أنا الجَملي أنا على دين عليّ، فخرج إليه رجل يُقال له مزاحم بن حُريث فقال: أنا على دين عثمان!
فقال له: أنتَ على دين الشيطان! ثمّ حمل عليه فقتله، فقال عمرو بن الحجّاج بالنّاس: يا حمقى! أتدرون من تقاتلون!؟ فرسانَ المِصر! قوماً مستميتين! لايبرزنّ لهم منكم أحد، فإنّهم قليلٌ، وقلّ ما يبقون! واللّه لولم ترموهم إلّا بالحجارة لقتلتموهم!
فقال عمر بن سعد: صدقتَ، الرأي ما رأيت. وأرسل إلى الناس يعزم عليهم ألّا يبارز رجلٌ منكم رجلًا منهم!(٢)
وكان نافعرضياللهعنه قد كتب إسمه على أفواق نبله! فجعل يرمي بها مسمومةً! وهو يقول: أنا الجملي أنا على دين علي.
فقتل إثني عشر من أصحاب عمر بن سعد سوى من جرح! فضُرب حتى كُسِرت عضداه، وأُخذ أسيراً، أخذه شمر بن ذي الجوشن لعنه اللّه ومعه أصحاب له يسوقون نافعاًرضياللهعنه حتى أُوتي به عمر بن سعد، فقال له عمر بن سعد: ويحك يا نافع! ما حملك على ما صنعت بنفسك!؟ قال: إنّ ربّي يعلم ما أردتُ! والدماء تسيل على لحيته وهو يقول: واللّه لقد قتلتُ منكم إثني عشر سوى من جرحتُ، وما ألوم نفسي على الجُهد! ولو بقيت لي عضد وساعد ما أسرتموني!
فقال شمر لعمر: أُقتلْه أصلحك اللّه!
____________________
(١) راجع: تاريخ الطبري، ٣: ٣٢٤.
(٢) راجع: تأريخ الطبري: ٣٢٤ - ٣٢٥.
قال عمر: أنت جئت به، فإنْ شئت فاقتله!
فانتضى شمر سيفه، فقال له نافع: أما واللّه، لو كنتَ من المسلمين لعظم عليك أن تلقى اللّهَ بدمائنا، فالحمدُ للّه الذي جعل منايانا على يدي شرار خلقه. فقلته!.(١)
فسلام على نافع بن هلال يوم ولد ويوم استشهد ويوم يُبعث حيّاً!
فقد كان شيخاً تابعياً ناسكاً، قارئاً للقرآن، وكان من شيوخ القرّاء في الكوفة، ومن أصحاب أميرالمؤمنين عليّعليهالسلام ، وكان من أشراف أهل الكوفة من الهمدانيين.
ونُقل: أنّه لما بلغه خبر الحسينعليهالسلام سار من الكوفة إلى مكّة ليجتمع بالحسينعليهالسلام ، فجاء معه حتّى استُشهد.(٢)
ومن مقالاته مع الإمامعليهالسلام الكاشفة عن قوة بصيرته قولهرضياللهعنه : «واللّه يا ابن رسول اللّه، لقد منّ اللّه بك علينا أن نقاتل بين يديك، وتُقطّع فيك أعضاؤنا، ثمّ يكون جدُك شفيعنا يوم القيامة!».»
ومن المواقف الكاشفة عن قوّة يقينهرضياللهعنه ما رواه الطبري أنّ الإمام الحسينعليهالسلام أمر بفسطاطٍ فضُرب، ثمّ أمر بمسكٍ فميثَ في جفنة عظيمة أو صحفة ثمّ دخل الإمامعليهالسلام ذلك الفسطاط فتطلّى بالنورة، وعبدالرحمن بن عبد ربّه وبرير بن خضير الهمداني على باب الفسطاط تحتكُّ مناكبهما! فازدحما أيّهما
____________________
(١) راجع: تاريخ الطبري، ٣: ٣٢٨.
(٢) راجع: إبصار العين: ١٢١.
(٣) راجع: اللهوف: ٣٥؛ وانظر: البحار، ٤٤: ٣٨٣.
يطلي على أثره! «فجعل برير يُهازل عبدالرحمن! فقال له عبدالرحمن: دعنا فواللّه ماهذه بساعة باطل! فقال له بُرير: واللّه لقد علم قومي أنّي ما أحببت الباطل شابّاً ولاكهلًا، ولكن واللّه إني لمستبشرٌ بما نحن لاقون! واللّه إنْ بيننا وبين الحور العين إلّا أن يميل هؤلاء علينا بأسيافهم! ولَوددتُ أنّهم قد مالوا علينا بأسيافهم! ..».(١)
ونُقل أنّه «لما بلغ من الحسينعليهالسلام العطش ما شاء اللّه أن يبلغ، استأذن برير الحسينعليهالسلام في أن يُكلِّم القوم فأذن له، فوقف قريباً منهم ونادى: يا معشر النّاس، إنّ اللّه بعث بالحقّ محمّداً بشيراً ونذيراً وداعياً إلى اللّه بإذنه وسراجاً منيراً، وهذا ماء الفرات تقع فيه خنازير السواد وكلابها! وقد حيل بينه وبين ابن رسول اللّهصلىاللهعليهوآله ، أفجزاء محمّد هذا!؟
فقالوا: يا بُرير، قد أكثرت الكلام فاكففْ! فواللّه ليعطشنّ الحسين كما عطش من كان قبله! فقال الحسينعليهالسلام : أكففْ يا بُرير.».(٢)
وروى الطبري عن عفيف بن زهير بن أبي الأخنس، وكان قد شهد مقتل الحسينعليهالسلام قال: «خرج يزيد بن معقل من بني عميرة بن ربيعة ...
فقال: يا برير بن خضير، كيف ترى اللّه صنع بك!؟
قال: صنع اللّهُ واللّهِ بي خيراً، وصنع اللّه بك شرّاً!
قال: كذبتَ، وقبل اليوم ما كنتَ كذّاباً! هل تذكر وأنا أُماشيك في بني لوذان،(٣)
____________________
(١) راجع: تأريخ الطبري، ٣: ٣١٨.
(٢) راجع: إبصار العين: ١٢٣.
(٣) في إبصار العين: ١٢٣: «أُماشيك في سكّة بني دودان»، وقال السماوي (ره): «دودان: بطن من أسد، ولهم سكّة في الكوفة، وصُحّفتْ الكلمة في بعض النسخ بلوذان، وهو غلط» (راجع: إبصار العين: ١٢٦).
وأنت تقول: إنّ عثمان بن عفان كان على نفسه مسرفاً، وإنّ معاوية بن أبي سفيان ضالٌّ مُضلّ، وإنّ إمام الهدى والحقّ عليّ بن أبي طالب!؟
فقال له برير: أشهدُ أنّ هذا رأي وقولي.
فقال له يزيد بن معقل: فإنّي أشهد أنّك من الضالين!
فقال له برير بن خضير: هل لك أنْ أُباهلك؟ ولندعُ اللّه أنْ يلعن الكاذب، وأن يقتل المبطل، ثم اخرج فلأبارزك!
قال فخرجا فرفعا أيديهما إلى اللّه يدعوانه أن يلعن الكاذب، وأن يقتل المحقُّ المبطلَ، ثمّ برز كلّ واحدٍ منهما لصاحبه فاختلفا ضربتين، فضرب بُرير بن خضير ضربة خفيفة لم تضرّه شيئاً! وضربه برير بن خضير ضربة قدّت المغفر وبلغت الدماغ! فخرَّ كأنّما هوى من حالق! وإنَّ سيف ابن خضير لثابتٌ في رأسه، فكأنّي أنظر إليه ينضنضه من رأسه!
وحمل عليه رضيُّ بن منقذ العبدي فاعتنق بريراً، فاعتركا ساعة، ثمّ إنّ بريراً قعد على صدره! فقال رضيّ: أين أهل المصاع والدفاع!؟
قال فذهب كعب بن جابر بن عمرو الأزدي ليحمل عليه، فقلتُ: إنّ هذا برير إبن خضير القارىء الذي كان يُقرئنا القرآن في المسجد!
فحمل عليه بالرمح حتّى وضعه في ظهره، فلما وجد مسَّ الرمح برك عليه فعضّ بوجهه وقطع طرف أنفه! فطعنه كعب بن جابر حتّى ألقاه عنه، وقد غيّب السِنانَ في ظهره، ثمّ أقبل عليه يضربه بسيفه حتّى قتله ..».(١)
فسلام على برير بن خضير يوم ولد ويوم استشهد ويوم يُبعث حيّاً!
____________________
(١) تاريخ الطبري، ٣: ٣٢٧.
«بكسر الباء، ماء بين واقصة إلى العذيب، متصلة بالحَزَن، لبني يربوع».(١)
وروى الطبري: عن أبي مخنف، عن عقبة بن أبي العيزار قال: «إنَّ الحسين خطب أصحابه وأصحاب الحرّ بالبيضة، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّ قال:
أيّها الناس، إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلًّا لحُرَم اللّه، ناكثاً لعهد اللّه، مخالفاً لسُنَّة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم، يعمل في عباد اللّه بالإثم والعدوان، فلم يغيّر عليه بفعل ولاقول كان حقّاً على اللّه أن يُدخله مدخله! ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام اللّه، وحرّموا حلاله! وأنا أحقّ من غيّر، وقد أتتني كتبكم، وقدمت عليَّ رسُلكم ببيعتكم: أنّكم لاتسلموني ولاتخذلوني، فإنْ تممّتم على بيعتكم تُصيبوا رشدكم، فأنا الحسين بن عليٍّ وابن فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه على وآله وسلّم، نفسي مع أنفسكم، وأهلي مع أهليكم، فلكم فيَّ أُسوة، وإنْ لم تفعلوا ونقضتم عهدكم وخلعتم بيعتي من أعناقكم، فلعمري ماهي لكم بِنُكر! لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمّي مسلم، والمغرور من أغترّ بكم! فحظَّكم أخطأتم، ونصيبكم ضيّعتم! ومن نكث فإنّما ينكث على نفسه، وسيُغني اللّه عنكم! والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاتُه.».(٢)
____________________
(١) معجم البلدان، ١: ٥٣٢.
(٢) تأريخ الطبري، ٣: ٣٠٧.
إشارة:
هذه الخطبة من أشهر وأقوى خطب الإمام الحسينعليهالسلام في منازل الطريق بين مكّة وكربلاء، وقد تضمّنت أقوى الأدلّة على أنّ المسلمين جميعاً أمام تكليف عام بوجوب النهوض لمواجهة السلطان الجائر المستحلّ لحرم اللّه، الناكث لعهد اللّه، المخالف لسنّة رسول اللّهصلىاللهعليهوآله ، العامل في عباد اللّه بالإثم والعدوان! فالإمامعليهالسلام يروي عن جدّهصلىاللهعليهوآله أنّه قال: «من رأى»: أيّ كلُّ من رأى، فلا تختصّ الحال بواحدٍ دون آخر ...
ثمّ ما أعجب قولهصلىاللهعليهوآله : «فلم يغيّر عليه بفعل ولاقول كان حقّاً على اللّه أن يُدخله مدخله!»، فالإنكار القلبي فقط هنا لايُنجي صاحبه- كما هو ظاهر المتن- من الدخول في نفس مصير السلطان الجائر!
ونشاهد في هذه الخطبة أيضاً أنّ الإمامعليهالسلام قد أشار إلى مسؤولية موقعه الخاص في الأمة، فهو ابن رسول اللّهصلىاللهعليهوآله ، وإمام منصوصٌ عليه، منصوب من قِبَل اللّه تعالى، مفترض الطاعة، فهو «أحقّ من غَيَّرَ» على السلطان الجائر بالقيام ضده والنهضة لإسقاطه، إنّهعليهالسلام القائم بالحقّ في وقته.
وهو الحسين بن عليّ وابن فاطمة بنت رسول اللّه صلوات اللّه عليهم أجمعين، فلجميع المسلمين فيه أُسوة حسنة «فلكم فيَّ أُسوة»، فعليهم عامة وعلى من سمع نداءه خاصة أن يقوموا معه وينصروه لإسقاط الطاغوت فيصيبوا بهذا رشدهم وخير دنياهم وآخرتهم.
فإنْ لم يفعلوا ونقضوا العهد وخلعوا البيعة فما ذلك بجديد مستغرب منهم! ولابجديد على الإمامعليهالسلام ، فقد عرف ذلك منهم فيما مضى بما صنعوه بأبيه وأخيه ثمّ بابن عمّه مسلم صلوات اللّه عليهم وهم بذلك يُخطئون حظّهم ويضيّعون
نصيبهم من الفرصة السانحة التي منّ اللّه بها عليهم في الجهاد بين يدي إمام مفترض الطاعة لإسقاط الطاغوت! والإمامعليهالسلام على كلّ حال في غنىً عن الناكثين إنه الشهيد الفاتح الذي سيتحقق الفتح بدمه أساساً لابدم سواه! لو كانوا يعلمون!.
«العُذَيب: تصغير العذب: وهو الماء الطيّب، وهو ماء بين القادسية والمغيثة، بينه وبين القادسية أربعة أميال، وإلى المغيثة إثنان وثلاثون ميلًا. وقيل هو وادٍ لبني تميم، وهو من منازل حاجّ الكوفة ..».(١)
يواصل الطبري روايته عن عقبة بن أبي العيزار التي حدّثنا فيها عن خطبة الإمامعليهالسلام بأصحابه في ذي حُسم، وحدّثنا فيها أيضاً عن جواب زهير بن القينرضياللهعنه عن لسان جميع الأنصاررضياللهعنه ، فيقول الطبري:
«.. وأقبل الحرّ يسايره، وهو يقول له: ياحسين، إنّي أذكّرك اللّه في نفسك! فإنّي أشهد لئن قاتلتَ لتُقتَلنَّ، ولئن قوتلتَ لتهلكنّ فيما أرى!
فقال له الحسينعليهالسلام : أبالموت تخوّفني!؟ وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني!؟ ما أدري ما أقوللك! ولكن أقول كما قال أخو الأوس لابن عمّه ولقيه وهو يريد نصرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، فقال له: أين تذهب فإنك مقتول!؟ فقال:
سأمضي ومابالموت عارٌ على الفتى |
إذا مانوى حقّاً وجاهد مُسلما |
|
وآسى الرجال الصالحين بنفسه |
وفارق مثبوراً يغشّ ويرغما(٢) |
____________________
(١) معجم البلدان، ٤: ٩٢.
(٢) في الإرشاد: ٢٢٥؛ هذا البيت وما بعده كما يلي: =
قال: فلما سمع ذلك منه الحرُّ تنحّى عنه وكان يسير بأصحابه في ناحية، وحسين في ناحية أُخرى، حتّى انتهوا إلى عذيب الهجانات- وكان بها هجائن النعمان ترعى هنالك- فإذا هم بأربعة نفرٍ قد أقبلوا من الكوفة على رواحلهم يجنبون(١) فرساً لنافع بن هلال، يُقال له الكامل، ومعهم دليلهم الطرمّاح بن عدي على فرسه وهو يقول:
يا ناقتي لاتذعري من زجْري |
وشمّري قبل طلوع الفجر |
|
بخير رُكبانٍ وخير سفرِ |
حتّى تحلّي بكريم النَّجْرِ(٢) |
|
الماجد الحُّرِ رحيب الصدر |
أتى به اللّه لخير أمرِ |
ثُمّتَ أبقاء بقاء الدّهرِ(٣)
____________________
=
وآسى الرجال الصالحين بنفسه |
وفارق مثبوراً وخالف مجرما |
|
فإنْ عشتُ لم أندم، وإنْ متُّ لَمْ ألَمْ |
كفى بك ذُلاًّ أن تعيش وتُرغما |
(١) يجنبون فرساً: أي يقودونه إلى جنبهم.
(٢) النجر: هو الأصل والحسب.
(٣) روى العلامة المجلسي في البحار، ٤٤: ٣٧٨ - ٣٧٩ هذه الأبيات عن كتاب السيّد محمّد بن أبي طالب الموسوي هكذا:
يا ناقتي لاتذعري من زجري |
وامضي بنا قبل طلوع الفجر |
|
بخير فتيانٍ وخيرِ سَفر |
آل رسول الله آل الفخر |
|
السادة البيض الوجوه الزُهر |
الطاعنين بالرّماح السُمرِ |
|
الضاربين بالسيوف البُترِ |
حتّى تحلّي بكريم الفخر |
|
الماجد الجدّ رحيب الصدر |
أثابه الله لخير أمر |
عمّره اللهُ بقاء الدهر
يا مالك النفع معاً والضُرّ |
أيّد حسيناً سيّدي بالنصر |
|
على الطغاة من بقايا الكُفرِ |
على اللّعينين سليلي صخر |
=
قال: فلما انتهوا إلى الحسين أنشدوه هذه الأبيات فقال: أما واللّه إنّي لأرجو أن يكون خيراً ما أراد اللّه بنا، قُتلنا أم ظفرنا!
وأقبل إليهم الحرُّ بن يزيد فقال: إنّ هؤلاء النفر الذين من أهل الكوفة ليسوا ممّن أقبل معك، وأنا حابسهم أو رادّهم!
فقال له الحسينعليهالسلام : لأمنعنّهم ممّا أمنعُ منه نفسي! إنّما هؤلاء أنصاري وأعواني، وقد كنت أعطيتني ألّا تعرض لي بشيء حتّى يأتيك كتاب من ابن زياد!
فقال: أجل، لكن لم يأتوا معك!
قالعليهالسلام : هم أصحابي، وهم بمنزلة من جاء معي، فإنْ تممّتَ على ما كان بيني وبينك وإلّا ناجزتُك!
فقال فكفّ عنهم الحُرّ.
قال: ثمّ قال لهم الحسين: أخبروني خبر النّاس وراءكم!؟
فقال له مجمع بن عبداللّه العائذي- وهو أحد النفر الأربعة الذين جاؤوه-:
أمّا أشراف النّاس فقد أُعظمت رشوتهم ومُلئت غرائرهم! يُستمال ودّهم ويُستخلص به نصيحتهم! فهم أَلْبٌ واحد عليك! وأما سائر الناس بعدُ فإنّ أفئدتهم تهوي إليك وسيوفهم غداً مشهورة عليك!
قال: أخبرني فهل لكم علمٌ برسولي إليكم؟
قالوا: من هو؟
____________________
=
يزيد لازال حليف الخمر |
وابن زياد عهر بن العهرِ |
قال: قيس بن مسهر الصيداوي!
فقالوا: نعم، أخذه الحصين بن نمير فبعث به إلى ابن زياد، فأمره ابن زياد أن يلعنك ويلعن أباك، فصلّى عليك وعلى أبيك، ولعن ابن زياد وأباه، ودعا إلى نصرتك! وأخبرهم قدومك! فأمر به ابن زياد فأُلقي من طمار القصر!
فترقرقت عينا الحسينعليهالسلام ولم يملك دمعه، ثمّ قال:
منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلا. أللّهمّ اجعل لنا ولهم الجنّة نُزُلًا وأجمع بيننا وبينهم في مستقرٍ من رحمتك ورغائب مذخور ثوابك!».(١)
إنّ النفر الذين التحقوا بالإمامعليهالسلام في عذيب الهجانات لم يكونوا أربعة كما ذكرت رواية الطبري، بل كانوا ستة، هم: عمرو بن خالد الأسدي الصيداويرضياللهعنه ، ومولاه سعدرضياللهعنه ، ومجمع بن عبداللّه العائذيرضياللهعنه ، وابنه عائذرضياللهعنه ، وجنادة بن الحرث السلمانيرضياللهعنه ، وواضح التركيرضياللهعنه مولى الحرث السلماني،(٢) وكان معهم أيضاً غلام لنافع بن هلال أتبعهم بفرسه المدعوّ الكامل،(٣) وكان الطرمّاح بن عدي معهم كما هو ظاهر من رواية الطبري.
كان عمرو- أبوخالد-رضياللهعنه شريفاً في الكوفة، مخلص الولاء لأهل
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣: ٣٠٨.
(٢) راجع: إبصار العين: ١٤٦ - ١٤٧.
(٣) راجع: نفس المصدر: ١١٥.
البيتعليهمالسلام ، قام مع مسلمعليهالسلام ، حتّى إذا خانته أهل الكوفة لم يسعه إلّا الإختفاء!، فلما سمع بقتل قيس بن مسهّر الصيداويرضياللهعنه وأنّه أخبر أنّ الحسينعليهالسلام صار بالحاجر خرج إليه (مع بقية المجموعة التي ذكرناها)، وأخذوا دليلًا لهم الطرمّاح بن عدي الطائي، وكان جاء الى الكوفة يمتار لأهله طعاماً، فخرج بهم على طريق متنكَّبة، وسار سيراً عنيفاً من الخوف لأنهم علموا أنّ الطريق مرصود.(١)
وقد مرّ بنا- في رواية الطبري الماضية- تفصيل قصة لقائهم بالإمامعليهالسلام في عذيب الهجانات، وما جرى بين الإمامعليهالسلام وبين الحرّ الرياحيرضياللهعنه بسببهم، وكيف ساءلهم الإمامعليهالسلام عن قيس بن مسهر الصيداويرضياللهعنه ، وكيف أخبروه بمقتله ...
وروي أنه: لما التحم القتال يوم عاشوراء، شدَّ هؤلاء مقدمين بأسيافهم في أوّل القتال على الأعداء، فلما وغلوا فيهم عطف عليهم الأعداء فأخذوا يحوزونهم، وقطعوهم من أصحابهم، فلما نظر الحسينعليهالسلام إلى ذلك ندب إليهم أخاه العباسعليهالسلام ! فنهد إليهم وحمل على القوم وحده يضرب فيهم بسيفه قدماً! حتّى خلص إليهم واستنقذهم، فجاؤا معه وقد جُرحوا، فلما كانوا في أثناء الطريق رأوا أنّ القوم تدانوا إليهم ليقطعوا عليهم الطريق، فانسلّوا من العبّاس، وشدّوا على القوم بأسيافهم شدّة واحدة على مابهم من الجراحات! وقاتلوا حتّى قُتلوا في مكان واحد، فتركهم العبّاس ورجع إلى الحسينعليهالسلام فأخبره بذلك فترحّم عليهم الإمامعليهالسلام وجعل يكرّر ذلك.(٢)
فسلام على عمرو بن خالد الصيداوي يوم ولد ويوم استشهد ويوم يُبعثُ حيّا!
____________________
(١) راجع: إبصار العين: ١١٤ - ١١٥.
(٢) راجع: تاريخ الطبري، ٣: ٣٣٠؛ وإبصار العين: ١١٦.
كان هذا المولى سيّداً شريف النفس والهمّة، تبع مولاه عمراً في المسير الى الإمام الحسينعليهالسلام والقتال بين يديه حتّى قُتل شهيداً، وقد ذكرنا خبره مع مولاه، وكيف جاء معه، وكيف قتلوا في كربلاء.(١)
فسلام على سعد يوم ولد ويوم استشهد ويوم يُبعث حيّا!
هو مجمع بن عبداللّه بن مجمع بن مالك بن أياس بن عبدمناة بن عبيداللّه بن سعد العشيرة، المذحجي العائذي.
كان عبداللّه بن مجمع العائذي صحابياً، وكان ولده مجمعرضياللهعنه تابعياً من أصحاب أميرالمؤمنينعليهالسلام ، ذكرهما أهل الأنساب والطبقات.
وكان مجمعرضياللهعنه مع ابنه عائذرضياللهعنه قد التحقا بالإمامعليهالسلام في عذيب الهجانات كما مرَّ، واستشهدا مع عمرو بن خالد الصيداويرضياللهعنه وجنادة بن الحرث السلمانيرضياللهعنه في مكان واحد- كما مرّ بنا في ترجمة عمرو بن خالد- لكنّ صاحب الحدائق الوردية ذكر أنّ ابنه عائذاً استشهد في الحملة الأولى.(٢)
فسلام على مجمع بن عبداللّه العائذي يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيّاً! وسلام على ابنه عائذٍ يوم ولد ويوم استشهد ويوم يُبعث حيّا!
هو جنادة بن الحرث المذحجيّ المرادي السلماني الكوفي، كان من مشاهير
____________________
(١) راجع: إبصار العين: ١١٧.
(٢) راجع: إبصار العين: ١٤٥ – ١٤٧.
الشيعة، ومن أصحاب أميرالمؤمنينعليهالسلام ، وكان خرج مع مسلمعليهالسلام أوّلًا، فلما رأى الخذلان خرج إلى الحسينعليهالسلام مع عمرو بن خالد الصيداويرضياللهعنه وجماعته،(١) وكان من قصة إلتحاقهم بالإمامعليهالسلام في عذيب الهجانات، ثمّ استشهادهم في مكان واحد ما قد مرَّ بنا قبل ذلك.
فسلام على جنادة بن الحرث السلماني يوم ولد ويوم استشهد ويوم يُبعث حيّا!
كان واضح غلاماً تركيّاً شجاعاً قارئاً، وكان للحرث السلماني، فجاء مع جنادة بن الحرث،(٢) والتحق بالإمامعليهالسلام في عذيب الهجانات كما مرَّ.
قال الشيخ السماوي (ره): «والذي أظنُّ أنّ واضحاً هذا هو الذي ذكر أهل المقاتل أنّه برز يوم العاشر إلى الأعداء فجعل يقاتلهم راجلًا بسيفه وهو يقول:
البحر من ضربي وطعني يصطلي |
والجوُّ من عثير نقعي يمتلي |
|
إذا حسامي في يميني ينجلي |
ينشقّ قلبُ الحاسد المبجّل |
قالوا: ولما قُتل استغاث، فانقضّ عليه الحسينعليهالسلام واعتنقه وهو يجود بنفسه، فقال: من مثلي وابن رسول اللّهصلىاللهعليهوآله واضع خدّه على خدّي! ثمّ فاضت نفسهرضياللهعنه ».(٣)
____________________
(١) راجع: إبصار العين: ١٤٤.
(٢) راجع: إبصار العين: ١٤٤ – ١٤٥.
(٣) إبصار العين: ١٤٥ / ولكنّ ابن شهر آشوب في المناقب، ٤: ١٠٤ قال: «وروي أنّه برز غلام تركيّ للحرّ وجعل يقول: - ثم نقل شعره – فقتل سبعين رجلاً!»، وفي البحار، ٤٥: ٣٠: «ثمّ خرج غلام تركيّ كان للحسينعليهالسلام وكان قارئاً للقرآن، فجعل يقاتل ويرتجز ويقول: - ثم نقل شعره - =
فسلام على واضح التركي يوم ولد ويوم استشهد ويوم يُبعث حيّا!
روى الطبري، عن أبي مخنف قال: حدّثني جميل بن مرشد من بني معن، عن الطرماح بن عديّ: «أنّه دنا من الحسين فقال له: واللّه إنّي لأنظر فما أرى معك أحداً!، ولو لم يقاتلك إلّا هؤلاء الذين أراهم ملازميك لكان كفى بهم وقد رأيتُ قبل خروجي من الكوفة إليك بيومٍ ظهرَ الكوفة وفيه من الناس مالم ترَ عيناي في صعيد واحدٍ جمعاً أكثر منه! فسألت عنهم فقيل: اجتمعوا ليُعرَضوا، ثمّ يُسرّحون إلى الحسين!
فأُنشدك اللّهَ إنْ قدرت على ألّا تقدم عليهم شبراً إلّا فعلتَ! فإنْ أردتَ أن تنزل بلداً يمنعك اللّه به حتّى ترى من رأيك ويستبين لك ما أنت صانعٌ فَسِرْ حتّى أُنزلك مناع جبلنا الذي يُدعى (أجأ).
امتنعنا واللّه به من ملوك غسّان وحمير، ومن النعمان بن المنذر، ومن الأسود والأحمر، واللّه إنْ دخل علينا ذُلٌّ قطُّ!!
فأسير معك حتّى أُنزلك القُرَيَّة،(١) ثمّ نبعث إلى الرجال ممّن بأَجَأ وسَلْمى(٢) من طيء، فواللّه لايأتي عليك عشرة أيّأم حتّى يأتيك طيء رجالًا وركباناً! ثمّ اقِمْ فينا ما بدا لك، فإنْ هاجك هَيْجٌ فأنازعيم لك بعشرين ألف طائي يضربون بين يديك
____________________
= فقتل جماعة ثمّ سقط صريعاً، فجاءة الحسينعليهالسلام فبكى ووضع خدّه على خدّه، ففتح عينه فرأى الحسينعليهالسلام فتبسّم! ثمّ صار إلى ربّه رضي الله عنه.».
(١) القُرَيَّة: تصغير قرية، مكان في جبلَيْ طيء مشهور. (راجع: معجم البلدان، ٤: ٣٤٠).
(٢) وهو أحد جَبَلَيْ، طيء، وهما أَجَأُ وسلمى، وهو جبل وعرٌ، به وادٍ يُقال له رك، به نخلٌ وآبار مطويّة بالصخر طيّبة الماء. (معجم البلدان، ٣: ٢٣٨).
بأسيافهم! واللّه لايوصَل إليك أبداً ومنهم عينٌ تطرف!
فقال لهعليهالسلام :
جزاك اللّه وقومك خيراً، إنّه قد كان بيننا وبين هؤلاء القوم قولٌ لسنا نقدر معه على الإنصراف! ولاندري علام تنصرف بنا وبهم الأمور في عاقبه!(١)
قال الطرماح بن عدي: فودّعته، وقلت له: دفع اللّه عنك شرَّ الجنّ والإنس، إنّي قد امترتُ لأهلي من الكوفة ميرة، ومعي نفقة لهم، فآتيهم فأضع ذلك فيهم، ثمّ أُقبل إليك إن شاء اللّه، فإنْ أَلحقك فواللّه لأكوننّ من أنصارك!
قال: فإنْ كنت فاعلًا فعجّلْ رحمك اللّه!
قال فعلمتُ أنّه مستوحشٌ إلى الرجال حتّى يسألني التعجيل! قال فلما بلغتُ أهلي وضعتُ عندهم ما يُصلحهم وأوصيتُ! فأخذ أهلي يقولون: إنك لتصنع مرَّتَكَ هذه شيئاً ماكنت تصنعه قبل اليوم!؟ فأخبرتهم بما أُريد، وأقبلتُ في طريق بني ثُعَل حتّى إذا دنوتُ من عُذيب الهجانات استقبلني سماعة بن بدر فنعاه إليَّ! فرجعت.».(٢)
إشارة
في عُذيب الهجانات كان مجمع بن عبداللّه العائذيرضياللهعنه قد أخبر الإمامعليهالسلام عن حال أهل الكوفة- عن لسانه ولسان من معه- قائلًا: «أما أشراف الناس فقد أُعظمتْ رشوتهم ومُلئت غرائرهم، يُستمال ودّهم ويستخلص به
____________________
(١) وفي مثير الأحزان: ٤٠ / «فقالعليهالسلام : إنّ بيني وبين القوم موعداً أكره أنْ أُخلفهم! فإنْ يدفع الله عنّا فقديماً ما أنعم علينا وكفى، وإنْ يكن مالابدّ منه ففوز وشهادة إن شاء الله!».
(٢) تأريخ الطبري، ٣: ٣٠٨.
نصيحتهم، فهم ألبٌ واحد عليك! وأمّا سائر النّاس بعدُ فإنَّ أفئدتهم تهوي إليك، وسيوفهم غداً مشهورة عليك!.».
ومن قبل هذا كان الفرزدق وبشر بن غالب وغيرهم قد أخبروا الإمامعليهالسلام بذلك! ثمّ ها هو الطرماح يقول له: «وقد رأيتُ قبل خروجي من الكوفة إليك بيومٍ ظهرَ الكوفة وفيه من الناس مالم تَرَ عيناي في صعيد واحدٍ جمعاً أكثر منه! فسألتُ عنهم فقيل: اجتمعوا ليُعرضوا ثمَّ يُسرَّحون إلى الحسين!» فالأنباء تتابعت على الإمامعليهالسلام بذلك، وفي عذيب الهجانات لم يعد ثمّة شكّ في أنّ الكوفة قد انقلبت على عهدها مع الإمامعليهالسلام رأساً على عقب، بل وقد عبّأها ابن زياد عن بكرة أبيها واستعرض عساكرها ليسرّح بهم الى الحسينعليهالسلام !
لكننا نجد الإمامعليهالسلام يُصرُّ على التوجّه إلى أهل الكوفة قائلًا: «إنّه قد كان بيننا وبين هؤلاء القوم قولٌ لسنا نقدر معه على الإنصراف! ..»، وعلى رواية ابن نما (ره):
«إنّ بيني وبين القوم موعداً أكره أنْ أُخلفهم، فإنْ يدفع اللّه عنّا فقديماً ما أنعم علينا وكفى، وإنْ يكن ما لابدّ منه ففوز وشهادة إنْ شاء اللّه!».(١)
هنا نعود لنكرّر القول ونؤكد على هذه الحقيقة مرّة أخرى: وهي أنّ من الصحيح القول إنّ الإمامعليهالسلام لم يشأ أن يدع لأهل الكوفة أيّة مؤاخذة عليه يمكن أن يتذّرعوا بها لو أنّه كان قد انصرف عن التوجّه إليهم أثناء الطريق، لأنّهم يمكن أنّ يدّعوا أنّ الأخبار التي بلغت الإمامعليهالسلام عن حال الكوفة لم تكن صحيحة أو دقيقة! وأنّ أنصاراً له كثيرين فيها كانوا ينتظرونه في خفاء عن رصد السلطة! ولذا كانعليهالسلام قد قال للطرّماح: «بيننا وبين هؤلاء القوم قولٌ لسنا نقدر معه على الإنصراف!». أو «إنّ بيني وبين القوم موعداً أكره أخلفهم!».
____________________
(١) وفي مثير الأحزان: ٤٠.
لكنّ أصحَّ القول: هو أنّ الإمامعليهالسلام كان يعلم بما لابدّ من وقوعه «وإنْ يكن ما لابدَّ منه ففوز وشهادة إنْ شاء اللّه!»، لقد كانعليهالسلام يعلم منذ البدء أنه سوف يُقتل حتى لوكان في جُحر هامة من هوامّ الأرض، وكانعليهالسلام يعلم أنّ أهل الكوفة قاتلوه «هذه رسائل أهل الكوفة إليَّ ولا أراهم إلّا قاتليّ!»، إذن فإصرارهعليهالسلام على العراق دون غيره هو إصرار على الأرض المختارة للمصرع المحتوم! الأرض التي ستهبُّ منها- بعد مقتله- عواصف التغيير والتحولات الكبرى التي لاتهدأ حتى تسقط دولة الأمويين! الأرض التي ستمتدّ منها وتتسع جميع آفاق الفتح الحسيني!
«قال السكّوني: هو قرب القطقطانة وسُلام ثمّ القُرَيّات. وهو منسوب إلى مقاتل بن حسّان بن ثعلبة التميمي».(١)
روى ابن أعثم الكوفي قائلًا: «وسار الحسينعليهالسلام حتّى نزل في قصر بني مقاتل، فإذا هو بفسطاط مضروب، ورمح منصوب، وسيف معلّق، وفرس واقف على مذودهِ! فقال الحسينعليهالسلام : لمن هذا الفسطاط؟
فقيل: لرجل يُقال له عبيداللّه بن الحرّ الجعفي.
قال فأرسل الحسين برجل من أصحابه يُقال له الحجّاج بن مسروق الجعفي فأقبل حتّى دخل عليه في فسطاطه فسلّم عليه فردّعليهالسلام ثم قال: ماوراءك؟
فقال الحجّاج: واللّه، ورائي يا ابن الحرّ، واللّهِ قد أهدى اللّه إليك كرامة إنْ قبلتها!
____________________
(١) راجع: معجم البلدان، ٤: ٣٦٤.
قال: وماذاك؟
فقال: هذا الحسين بن عليّرضياللهعنهما يدعوك إلى نصرته! فإنْ قاتلت بين يديه أُجرتَ، وإنْ متَّ فإنك استشهدتَ!
فقال له عبيداللّه: واللّه ما خرجت من الكوفة إلّا مخافة أن يدخلها الحسين بن عليّ وأنا فيها فلا أنصره، لأنّه ليس له في الكوفة شيعة ولا أنصار إلّا وقد مالوا إلى الدنيا إلّا من عصم اللّه منهم! فارجع إليه وخبّره بذاك.
فأقبل الحجّاج إلى الحسين فخبّره بذلك، فقام الحسين ثمّ صار إليه في جماعة من إخوانه، فلما دخل وسلّم وثب عبيداللّه بن الحرّ من صدر المجلس، وجلس الحسين فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال:
أمّا بعد يا ابن الحرّ، فإنّ مصركم هذه كتبوا إليَّ وخبّروني أنّهم مجتمعون على نصرتي، وأن يقوموا دوني ويقاتلوا عدوّي، وإنهم سألوني القدوم عليهم فقدمتُ، ولست أدري القوم على مازعموا؟ فإنّهم قد أعانوا على قتل ابن عمّي مسلم بن عقيلرحمهالله وشيعته! وأجمعوا على ابن مرجانة عبيداللّه بن زياد مبايعين ليزيد بن معاوية!
وأنت يا ابن الحرّ فاعلم أنّ اللّه عزّ وجلّ مؤاخذك بما كسبتَ وأسلفت من الذنوب في الأيام الخالية،(١) وأنا أدعوك في وقتي هذا إلى توبة تغسل بها ما عليك من الذنوب، أدعوك الى نصرتنا أهل البيت، فإن أُعطينا حقّنا حمدنا اللّه على ذلك وقبلناه، وإن منعنا حقّنا ورُكبنا بالظلم كنت من أعواني على طلب الحقّ.
____________________
(١) كان عبيد الله بن الحرّ الجعفي عثماني العقيدة، ولأجله خرج إلى معاوية وحارب عليّاًعليهالسلام يوم صفّين، وروى الطبري أخباراً في تمرد هذا الرجل على الشريعة بنهبه الأموال وقطعة الطرق. (راجع: مقتل الحسينعليهالسلام ، للمقرّم (ره): ١٨٨).
فقال عبيداللّه بن الحرّ: واللّه يا ابن بنت رسول اللّه، لو كان لك بالكوفة أعوان يقاتلون معك لكنتُ أشدّهم على عدوّك! ولكنّي رأيتُ شيعتك بالكوفة وقد لزموا منازلهم خوفاً من بني أميّة ومن سيوفهم! فأنشدك اللّه أن تطلب منّي هذه المنزلة! وأنا أواسيك بكلّ ما أقدر عليه، وهذه فرسي ملجمة، واللّه ما طلبت عليها شيئاً إلّا أذقته حياض الموت، ولا طُلبتُ وأنا عليها فلُحقت، وخذ سيفي هذا فواللّه ما ضربت به إلّا قطعتُ!
فقال له الحسينرضياللهعنه :
يا ابن الحرُّ ما جئناك لفرسك وسيفك! إنّما أتيناك لنسألك النصرة، فإنْ كنت قد بخلت علينا بنفسك فلاحاجة لنا في شيء من مالك! ولم أكن بالذي اتخذ المضلّين عضداً لأني قد سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وهو يقول: من سمع داعية أهل بيتي ولم ينصرهم على حقّهم إلّا أكبّه اللّه على وجهه في النار!
ثمّ سار الحسينرضياللهعنه من عنده، ورجع إلى رحله، فلما كان من الغد رحل الحسين ..».(١)
____________________
(١) الفتوح، ٥: ١٢٩ – ١٣٢، وعنه مقتل الحسينعليهالسلام ، للخوارزمي ١: ٣٢٤ – ٣٢٦، وانظر الإرشاد: ٢٠٩ وتأريخ الطبري؛ وأنساب الأشراف، ٣: ٣٨٤؛ وإبصار العين: ١٥١ – ١٥٢ نقلاً عن خزانة الأدب الكبرى، ٢: ١٥٨ بتفاوت. / وروى صاحب الفتوح بعد ذلك قائلاً: وندم ابن الحرِّ على مافاته من نصرته! فأنشأ يقول:
أراها حسرةً ما دمتُ حيّاً |
تَردّدُ بين صدري والتراقي |
|
حسينٌ حين يطلب بذل نصري |
على أهل العداوة والشقاقِ |
|
فلو واسيته يوماً بنفسي |
لنلتُ كرامةً يوم التلاقي |
|
مع ابن محمّد تفديه نفسي |
فودّع ثمّ ولّى بانطلاق |
=
وفي رواية الدينوري: «.. فأتاه الرسول، فقال: هذا الحسين بن عليّ يسألك أن تصير إليه! فقال عبيداللّه: واللّه ما خرجت من الكوفة إلّا لكثرة من رأيته خرج لمحاربته، وخذلان شيعته، فعلمتُ أنه مقتول ولا أقدر على نصره! فلستُ أحبّ أن يراني ولا أراه!
فانتعل الحسين حتّى مشى، ودخل عليه قبّته، ودعاه إلى نصرته!
فقال عبيداللّه: واللّه إنّي لأعلم أنّ من شايعك كان السعيد في الآخرة! ولكن ما عسى أن أُغني عنك!؟ ولم أُخلّف لك بالكوفة ناصراً! فأنُشدك اللّه أن تحملني على هذه الخطة، فإنّ نفسي لم تسمح بعدُ بالموت! ولكن فرسي هذه الملحقة، واللّه ما طلبت عليها شيئاً قطّ إلّا لحقته! ولاطلبني وأنا عليها أحدٌ إلّا سبقته! فخذها فهي لك.
قال الحسينعليهالسلام : أمّا إذا رغبت بنفسك عنّا فلاحاجة لنا إلى فرسك!».(١)
إشارة
في لقاء الإمامعليهالسلام مع عبيداللّه بن الحرّ الجعفي تتجلى بشكل مفجع آثار مرض الوهن (حبّ الدنيا وكراهية الموت!) والشلل النفسي الذي تفشّى بدرجة واسعة وعميقة وخطيرة في هذه الأمّة، بعد ارتحال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله نتيجة المنعطفات الإنحرافية التي مرّت بها الامّة، بفعل حركة النفاق طيلة خمسين سنة! ها هو ابن الحرّ الجعفي يعترف قائلًا: «واللّه إنّي لأعلم أنّ من شايعك كان السعيد
____________________
=
غداة يقول لي بالقصر قولاً |
أتتركنا وتعزم بالفراق |
|
فلو فلق التهلب قلبَ حيٍّ |
لهمَّ القلبُ مني بانفلاق |
|
لقد فاز الأُلى نصروا حسيناً |
وخاب الأخسرون ذوو النفاقِ |
(١) الأخبار الطوال: ٢٥٠ – ٢٥١.
في الآخرة!»، وهو يعلم- بحكم العقل والشرع- أنّ درجة وجوب نصرة الإمامعليهالسلام على كلّ مسلمٍ تشتدّ كلّما اشتدّت حاجة الإمامعليهالسلام إلى من ينصره! لكنّه يجيب الإمامعليهالسلام بمنطق الوهن المتمثل بحبّ الدنيا وكراهية الموت والتثاقل إلى الأرض قائلًا: «ولكن ما عسى أن أُغني عنك!؟ ولم أُخلّف لك بالكوفة ناصراً! فأُنشدك اللّه أن تحملني على هذه الخطة! فإنّ نفسي لم تسمح بالموت! ..».
ونرى الإمامعليهالسلام الذي دعاه إلى التوبة وإلى الإلتحاق بركب الربّانيين يردُّ عليه- بعد أن أظهر الجعفي تثاقله الى الأرض وتشبّثه بالحياة الدنيا- قائلًا:
«أمّا إذا رغبتَ بنفسك عنّا فلاحاجة لنا إلى فرسك!» أو «يا ابن الحرّ! ما جئناك لفرسك وسيفك، إنّما أتيناك لنسألك النصرة! فإنْ كنت بخلت علينا بنفسك فلاحاجة لنا في شيء من مالك، ولم أكن بالذي اتخذ المضلّين عضداً!».
نعم، فالقائد الربّاني ليست حاجته الأساس إلى وسائل وأسلحة وأموال، وإن كان ذلك من العدّة، بل حاجته الأساس إلى الإنسان الربّاني، المشتاق إلى لقاء ربّه، المبادر إلى طاعته، المخفّ إلى مرضاته، المسارع إلى نصرة أوليائه، المؤثر آخرته على دنياه ذلك لأنّ أفضل العدّة وأقوى الأسلحة على مرّ الزمان هو الإنسان الربّاني الذي يُجري اللّه على يديه الإنتصارات المعنوية الكبيرة والفتوحات الإلهية المبينة!
ونرى أيضاً خليفة اللّه في عصره، ووليّه الأعظم، الإمام الحسينعليهالسلام يعامل هذا الواهن المشلول روحياً عبيداللّه بن الحرّ الجعفي- الذي خرج من الكوفة حتى لاينصر الحسينعليهالسلام ولايكون ضدّه!- برحمته العامة ورأفته! فيحذّره من أن يكون ممّن يسمع واعية أهل البيت فلاينصرهم فيكبّه اللّه على وجهه في النار!
ما أخسرَ صفقة الجعفي هذا! وما أحراه بالحسرة العظمى!(١) على ما فرّط في حظّ نفسه، وفي الفرصة النادرة التي كانت قد أُتيحت له للإلتحاق بركب الربانييّن العشاق الشهداء الذين لم يسبقهم سابق ولا يلحق بهم لاحق!
قال البلاذري: «وكان أنس بن الحارث الكاهلي سمع مقالة الحسين لابن الحرّ، وكان قدم من الكوفة بمثل ما قدم له ابن الحرّ، فلما خرج(٢) من عند ابن الحرّ
____________________
(١) روى الطبري، عن أبي مخنف، عن عبد الرحمن بن جندب الأزدي: أنّ عبيد الله بن زياد بعد قتل الحسين تفقّد أشراف أهل الكوفة فلم يَر عبيد الله بن الحرّ، ثم جاءه بعد أيّام حتى دخل عليه، فقال: أين كنت يا ابن الحرّ؟! قال: كنت مريضاً! قال: مريض القلب أو مريض البدن!؟ قال: أمّا قلبي فلم يمرض! وأمّا بدني فقد منَّ الله عليَّ بالعافية! فقال له ابن زياد: كذبت، ولكنّك كنت مع عدوّنا! قال: لو كنتُ مع عدوّك لَرُئيَ مكاني، وما كان مثل مكاني يخفى! قال وغفل عنه ابن زياد غفلة، فخرج ابن الحرّ فقعد على فرسه، فقال ابن زياد: أين ابن الحرّ!؟ قالوا: خرج الساعة! قال: عليَّ به!، فأُحضرت الشُرَط فقالوا له: أجب الأمير!
فدفع فرسه ثمّ قال: أبلغوه أنّي لا آتيه والله طائعاً أبداً! ثمّ خرج حتّى أتى منزل أحمر بن زيد الطائي، فاجتمع إليه في منزله أصحابه، ثمّ خرج حتّى أتى كربلاء! فنظر إلى مصارع القوم، فاستغفر لهم هو وأصحابه، ثمّ مضى حتّى نزل المدائن وقال في ذلك:
يقولُ أميرٌ غادرٌ وابن غادرٍ |
ألا كُنتَ قاتلتَ الشهيد ابن فاطمه |
|
فيا ندمي أن لا أكون نصرته |
ألا كلُّ نفسٍ لا تُسدَّدُ نادمه |
|
وإنّي لأنّي لم أكن من حماته |
لذو حسرة ما إنْ تُفارق لازمه |
إلى آخر القصيدة ...». (تاريخ الطبري، ٣: ٣٤٣).
وهناك ترجمة مفصّلة لعبيد الله بن الحرّ الجعفي، أوردها المرحوم المحدّث الشيخ عباس القمي في (نفس المهوم: ١٩٥ - ٢٠٢) فراجعها.
(٢) أي: فلما خرج الإمام الحسينعليهالسلام من فسطاط ابن الحرّ.
سلّم على الحسين وقال له: واللّه ما أخرجني من الكوفة إلّا ما أخرج هذا من كراهة قتالك أو القتال معك! ولكنّ اللّه قذف في قلبي نصرتك! وشجّعني على المسير معك!
فقال له الحسين: فاخرج معنا راشداً محفوظاً.».(١)
ونقول: إنّ هذا التردّد الذي اعترى قلب هذا الصحابيّ الجليل القدررضياللهعنه - كما تصف رواية البلاذري- لايتلائم مع ما رواه جماعة من أهل السير عن هذا الصحابيّ الكبيررضياللهعنه أنه قال: «سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول:
إنّ ابني هذا- يعني الحسين- يُقتل بأرض يُقال لها كربلاء، فمن شهد ذلك منكم فلينصره!
قال: فخرج أنس بن الحارث إلى كربلاء فقُتل مع الحسين!».(٢)
كما لايتلائم ما ذكره البلاذري من أنّ مكان لقائه بالإمامعليهالسلام في قصر بني مقاتل مع ما يوحيه ظاهر رواية ابن عساكر، وما ذكره ابن حجر العسقلاني(٣) من أنه خرج إلى كربلاء فقُتل مع الحسين!
وفي إبصار العين أنه «كان جاء الى الحسينعليهالسلام عند نزوله كربلاء، والتقى معه ليلًا فيمن أدركته السعادة!».(٤)
وهذا الصحابي الجليل هو: «أنس بن الحرث بن نبيه بن كاهل بن عمرو بن صعب بن أسد بن خزيمة، الأسدي الكاهلي، كان صحابياً كبيراً ممّن رأى
____________________
(١) أنساب الأشراف، ٣: ٣٨٤.
(٢) تاريخ ابن عساكر / ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام / المحمودي، ٣٤٧ – ٣٤٩، رقم ٢٨٣ وانظر أُسد الغابة، ١: ١٢٣؛ والإصابة، ١: ٦٨، وراجع: ذخائر العقبى: ١٤٦.
(٣) راجع: الإصابة، ١: ٦٨، رقم ٢٦٦.
(٤) راجع: إبصار العين: ٩٩ - ١٠٠.
النبيّصلىاللهعليهوآله وسمع حديثه روى أهل السير: أنّه لما جاءت نوبته استأذن الحسينعليهالسلام في القتال فأذن له- وكان شيخاً كبيراً- فبرز وهو يقول:
قد علمتْ كاهلها ودودان |
والخندفيون وقيس عيلان |
بأنّ قومي آفة للأقران».(١)
وقد ذكر الشيخ باقر شريف القرشي أن الصحابي الجليل أنس بن الحارث الكاهليرضياللهعنه قد لازم الإمام الحسينعليهالسلام وصحبه من مكّة.(٢) ولعل الشيخ القرشي عثر على وثيقة تأريخية تقول بذلك- أو لعل هذا من سهو قلمه الشريف- لأن الذي عليه أهل السير أن أنس بن الحارث الكاهليرضياللهعنه قد التحق بالإمامعليهالسلام بعد خروجه من مكّة (في العراق)(٣) أو عند نزوله كربلاء.
روى الشيخ الصدوق (ره) بسنده عن عمرو بن قيس المشرقيّ قال: «دخلت على الحسينعليهالسلام أنا وابن عمٍّ لي، وهو في قصر بني مقاتل، فسلّمنا عليه، فقال له ابن عمّي: يا أباعبداللّه، هذا الذي أرى خضابٌ أو شَعرُك؟
فقال: خضاب! والشيب إلينا بني هاشم يعجل!
ثمّ أقبل علينا فقال: جئتما لنصرتي؟
فقلت: إنّي رجل كثير العيال، وفي يدي بضائع للناس، ولا أدري ما يكون، وأكره أنْ أُضيع أمانتي!
____________________
(١) راجع: إبصار العين: ٩٩ - ١٠٠.
(٢) راجع: حياة الإمام الحسين بن عليّعليهماالسلام : ١: ١٠١ و٣: ٢٣٤.
(٣) راجع: إبصار العين: ٩٩.
وقال له ابن عمّي مثل ذلك!
قال لنا: فانطلقا فلاتسمعا لي واعية ولاتريا لي سواداً! فإنّه من سمع واعيتنا أو رأى سوادنا فلم يجبنا ولم يُغثنا كان حقّاً على اللّه عزّ وجلّ أن يُكبّه على منخريه في النار!».(١)
إشارة:
لو كان هذان المشرقيّان صادقين فيما اعتذرا به! أو كانا صادقين في رغبتهما في الإلتحاق بالإمامعليهالسلام ! لكان بإمكانهما على الأقلّ- وهما إبنا عمّ- أن يختارا أحدهما للإلتحاق بالإمامعليهالسلام لنصرته، والآخر منهما للبقاء وأداء الأمانات إلى أهلها!
لكنّه الوهن (حبّ الدنيا وكراهية الموت) والشلل النفسي المتفشّي في هذه الأمّة، له ذرائع ومعاذير لاتنتهي!
إنّ سؤالهما عن الخضاب! كاشف عن انحطاط اهتمامهما، فبدلًا من أنْ يسألا الإمامعليهالسلام عن نهضته ومسارها ومصيرها وكلّ ما يرتبط بها! كان سؤال أحدهما:
«يا أبا عبداللّه، هذا خضابٌ أم شعرك؟»!
ثم ها هو الإمامعليهالسلام يشملهما برحمته ورأفته الغامرة، فيحذّرهما من أن يكونا ممن يستمع واعيته فلايجيبه، ويرى له سواداً فلا يُغيثه وينصره! فيكون حقّاً على اللّه أن يُكبّه على منخريه في النار!
ما أعظمك وأرحمك يا مولانا يا أباعبداللّه الحسين!!
روى الطبري، عن أبي مخنف، عن عبدالرحمن بن جندب، عن عقبة بن
____________________
(١) ثواب الأعمال وعقاب الأعمال: ٢٣٢؛ وعنه نفس المهموم: ٢٠٢.
سمعان قال: «لما كان في آخر الليل أمر الحسين بالإستقاء من الماء، ثمّ أمرنا بالرحيل ففعلنا فلما ارتحلنا من قصر بني مقاتل وسرنا ساعة خفق الحسين برأسه خفقة، ثمّ انتبه وهو يقول: إنّا للّه وإنا إليه راجعون، والحمد للّه ربّ العالمين ففعل ذلك مرتين أو ثلاثاً! فأقبل إليه ابنه عليّ بن الحسين على فرس له فقال: إنّا للّه وإنّا إليه راجعون، والحمدُ للّه ربّ العالمين! يا أبتِ، جُعلت فداك، مِمَّ حمدت اللّه واسترجعت؟
قال: يا بُنيَّ إنّي خفقتِ برأسي خفقة، فعنَّ لي فارس على فرس فقال: القوم يسيرون والمنايا تسري إليهم! فعلمتُ أنّها أنفسنا نُعيت إلينا!
قال له: يا أبتِ لا أراك اللّه سوءاً، ألسنا على الحقّ؟
قال: بلى والذي إليه مرجع العباد!
قال: يا أبتِ، إذاً لانبالي نموتُ محقّين!
فقال له: جزاك اللّه من ولدٍ خير ما جزى ولداً عن والده.».(١)
«وبسواد الكوفة ناحية يُقال لها نينوى، منها كربلاء التي قُتل بها الحسينرضياللهعنه »(٢) و «نينوى: تقع شرق كربلاء وهي الموضع المعروف بباب طويريج شرقي كربلاء ..».(٣)
____________________
(١) تأريخ الطبري، ٣: ٣٠٩؛ والإرشاد: ٢٠٩؛ وسير أعلام النبلاء، ٣: ٢٩٨؛ وانظر: مقاتل الطالبيين: ٧٤؛ وأنساب الأشراف، ٣: ٣٨٤.
(٢) راجع: معجم البلدان، ٥: ٣٣٩.
(٣) راجع: خطب الإمام الحسينعليهالسلام ، ١: ١٣٣.
كان الإمام الحسينعليهالسلام قد ارتحل بالركب الحسيني من منطقة قصر بني مقاتل آخر الليل، «فلما أصبح نزل فصلّى الغداة، ثمّ عجّل الركوب، فأخذ يتياسر بأصحابه يُريد أن يفرّقهم! فيأتيه الحرُّ بن يزيد فيردّهم فيردّه! فجعل إذا ردّهم إلى الكوفة ردّاً شديداً امتنعوا عليه فارتفعوا! فلم يزالوا يتسايرون حتّى انتهوا إلى نينوى المكان الذي نزل به الحسين.
قال فإذا راكبٌ على نجيب له وعليه السلاح متنكّب قوساً مُقبلٌ من الكوفة! فوقفوا جميعاً ينتظرونه، فلما انتهى إليهم سلّم على الحرّ بن يزيد وأصحابه، ولم يُسلّم على الحسينعليهالسلام وأصحابه! فدفع إلى الحرّ كتاباً من عبيداللّه بن زياد فإذا فيه: أمّا بعدُ، فجعجع بالحسين حين يبلغك كتابي ويقدم عليك رسولي، فلا تُنزله إلّا بالعراء! في غير حصنٍ وعلى غير ماء! وقد أمرت رسولي أن يلزمك ولايفارقك حتّى يأتيني بإنفاذك أمري، والسلام.
قال فلما قرأ الكتاب قال لهم الحرّ: هذا كتاب الأمير عبيداللّه بن زياد يأمرني فيه أن أجعجع بكم في المكان الذي يأتيني فيه كتابه، وهذا رسوله وقد أمره أن لايفارقني حتّى أُنفذ رأيه وأمره!
فنظر إلى رسول عبيداللّه يزيدُ بن زياد بن المهاصر- أبوالشعثاء الكندي ثمّ النهدي(١) - فعنَّ له، فقال: أمالك بن النسر البَدّي!؟
____________________
(١) يزيد بن زياد بن مهاصر، أبو الشعثاء الكندي البهدلي (في رواية الطبري: الهندي). كان رضوان الله تعالى عليه رجلاً شريفاً شجاعاً، خرج إلى الحسينعليهالسلام من الكوفة قبل أن يتّصل به الحرّ.
وروى أبو مخنف: أنّ أبا الشعثاء قاتل فارساً، فلمّا عقرت فرسه جثا على ركبتيه بين يدي الحسين فرمى بمائة سهم، ما سقط منها إلاّ خمسة أسهم، وكان رامياً وكان كلّما رمى قال:
أنا ابن بهدله |
فرسان العَرجله |
=
قال: نعم. وكان أحدُ كندة.
فقال له يزيد بن زياد: ثكلتك أمُّك، ماذا جئت فيه!؟
قال: وما جئتُ فيه!؟ أطعتُ إمامي ووفيت ببيعتي!
فقال له أبوالشعثاء: عصيتَ ربّك وأطعتَ إمامك في هلاك نفسك! كسبت العار والنار! قال اللّه عزّ وجلّ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ ) (١)
فهو إمامك!
قال وأخذ الحرُّ بن يزيد القوم بالنزول في ذلك المكان على غير ماء ولافي قرية! فقالوا: دعنا ننزل في هذه القرية يعنون نينوى، أو هذه القرية يعنون الغاضرية،(٢) أو هذه الأخرى يعنون الشفيّة!(٣)
فقال: لا واللّه ما استطيع ذلك! هذا رجلٌ قد بُعث إليَّ عيناً!
فقال له زهير بن القين: يا ابن رسول اللّه! إنّ قتال هؤلاء أهون من قتال من يأتينا من بعدهم، فلعمري ليأتينا مِن بعد من ترى مالا قِبَل لنا به!
____________________
= فيقول الحسينعليهالسلام : «أللّهمّ سدّد رميته، واجعل ثوابه الجنّة» فلمّا نفدت سهامه قام فقال: ما سقط منها إلّا خمسة أسهم، ثمّ حمل على القوم بسيفه وقال:
أنا يزيد وأبي مهاصر |
كأنني ليث بغيل خادر |
|
يا ربّ إنّي للحسين ناصر |
ولابن سعد تاركٌ وهاجر |
فلم يزل يقاتل حتّى قُتل رضوان الله عليه. (راجع: إبصار العين: ١٧١ - ١٧٢).
(١) سورة القصص: الآية ٤١.
(٢) الغاضرية: قرية منسوبة إلى غاضرة من بني أسد، وهي تقع على بعد كيلومتر تقريباً شمال كربلاء. (خطب الإمام الحسينعليهالسلام ، ١: ١٣٤).
(٣) شُفَيّة: قرية عند كربلاء أيضاً (إبصار العين: ١٦٨)، وهي بئر لبني أسد. (خطب الإمام الحسينعليهالسلام ، ١: ١٣٤)
فقال له الحسينعليهالسلام : ما كنت لأبدأهم بالقتال.
فقال له زهير بن القين: سِرْ بنا إلى هذه القرية حتّى تنزلها فإنها حصينة، وهي على شاطيء الفرات، فإن منعونا قاتلناهم، فقتالهم أهون علينا من قتال مَن يجيء من بعدهم!
فقال له الحسين: وأيّة قرية هي؟
قال: هي العَقْر!(١)
فقال الحسين: أللّهمّ إنّي أعوذ بك من العقر!
ثُمَّ نزل، وذلك يوم الخميس وهو اليوم الثاني من المحرم سنة ٦١».(٢)
وفي رواية الدينوري: «.. فقال له زهير: فها هنا قرية بالقرب منّا على شطّ الفرات، وهي في عاقول(٣) حصينة، الفرات يحدق بها إلّا من وجه واحد!
قال الحسين: وما اسم تلك القرية؟
قال: العقر
قال الحسين: نعوذ باللّه من العقر!
فقال الحسين للحرّ: سِرْ بنا قليلًا، ثمّ ننزل!
____________________
(١) العقر: «.. والعقر عدّة مواضع، منها: عَقْرُ بابل قرب كربلاء من الكوفة ...» (راجع: معجم البلدان، ٤: ١٣٦).
(٢) تأريخ الطبري، ٣: ٣٠٩؛ والإرشاد: ٢٠٩ بتفاوت يسير، وانظر: أنساب الأشراف، ٣: ٣٨٤ – ٣٨٥ ومثير الأحزان: ٤٨.
(٣) عاقول الوادي ما اعوجّ منه، والأرض العاقول التي لايُهتدى إليها. (راجع: لسان العرب، ١١: ٤٦٣).
فسار معه حتّى أتوا كربلاء! فوقف الحرّ وأصحابه أمام الحسين ومنعوهم من المسير، وقال: إنزل بهذا المكان، فالفرات منك قريب!
قال الحسين: وما اسم هذا المكان؟
قالوا له: كربلاء!
قالعليهالسلام : ذات كرب وبلاء! ولقد مرَّ أبي بهذا المكان عند مسيره إلى صفّين وأنا معه، فوقف فسأل عنه، فأُخبر باسمه، فقال: هاهنا محطّ ركابهم، وها هنا مهراق دمائهم! فَسُئل عن ذلك، فقال: ثقل لآل بيت محمّد، ينزلون هاهنا!
ثمّ أمر الحسين بأثقاله، فحُطَّت بذلك المكان يوم الأربعاء، غُرّة المحرّم من سنة إحدى وستين.».(١)
وفي رواية السيّد ابن طاووس (ره): «ثُمَّ إنّ الحسينعليهالسلام قام وركب وسار، وكلّما أراد المسير يمنعونه تارة ويسايرونه أخرى، حتى بلغ كربلاء، وكان ذلك في اليوم الثاني، من المحرّم، فلما وصلها قال: ما اسم هذه الأرض؟ فقيل: كربلا.
فقالعليهالسلام : أللّهم إنّي أعوذ بك من الكرب والبلاء! ثم قال: هذا موضع كرب وبلاء! إنزلوا، هاهنا محطّ رحالنا، ومسفك دمائنا، وهنا محلّ قبورنا! بهذا حدّثني جدّي رسول اللّهصلىاللهعليهوآله ! فنزلوا جميعا.».(٢)
وفي تذكرة الخواص: «فلما قيل للحسين: هذه أرض كربلا. شمّها وقال: هذه واللّه هي الأرض التي أخبر بها جبرائيل رسول اللّه وأنني أُقتلُ فيها!».(٣)
____________________
(١) الأخبار الطوال: ٢٥٢ – ٢٥٣.
(٢) اللهوف: ٣٥.
(٣) تذكرة الخواص: ٢٢٥.
وفي المقتل المنسوب إلى أبي مخنف: «وساروا جميعاً إلى أن أتوا أرض كربلاء وذلك يوم الأربعاء، فوقف فرس الحسينعليهالسلام ، فنزل عنها وركب أخرى فلم تنبعث خطوة واحدة! ولم يزل يركب فرساً بعد فرس حتّى ركب سبعة أفراس وهنّ على هذه الحال! فلما رأى ذلك قال: يا قوم ما اسم هذه الأرض؟
قالوا: أرض الغاضرية.
قال: فهل لها إسم غير هذا؟
قالوا: تُسمّى نينوى.
قال: أَهَلْ لها إسم غير هذا؟
قالوا: شاطىء الفرات.
قال: أَهلْ لها إسم غير هذا؟
قالوا: تسمّى كربلاء.
فعند ذلك تنفّس الصعداء! وقال: أرض كربٍ وبلاء! ثمّ قال:
إنزلوا، هاهنا مناخ ركابنا، هاهنا تُسفك دماؤنا، هاهنا واللّه تُهتك حريمنا، هاهنا واللّه تُقتل رجالنا، هاهنا واللّه تذبح أطفالنا، هاهنا واللّه تُزار قبورنا، وبهذه التربة وعدني جدّي رسول اللّهصلىاللهعليهوآله ولاخلف لقوله. ثمّ نزل عن فرسه ...».(١)
كُنّا قد تعرّضنا خلال البحث إلى ذكر مجموعة من أنصار الإمام الحسينعليهالسلام الذين مرَّ لهم ذكر في بعض وقائع الطريق من مكّة إلى كربلاء، وترجمنا لكلّ منهم في موقعه المناسب من سياق البحث، كزهير بن القينرضياللهعنه ، وبرير بن
____________________
(١) مقتل الحسينعليهالسلام ، لأبي مخنف: ٧٥ – ٧٦.
خضيررضياللهعنه ، ونافع بن هلال الجمليرضياللهعنه ، وعمرو بن خالد الصيداويرضياللهعنه ، ومجمع بن عبداللّه العائذيرضياللهعنه وآخرين غيرهم.
غير أنّ هناك عدداً آخر من أنصارهعليهالسلام كانوا قد التحقوا به أيضاً أثناء الطريق، منهم من لم نأتِ على ذكره في موقع إلتحاقه لأنّه لم يكن له شأن يُذكر في جريان سياق أحداث الطريق، ومنهم من لم تحدّد كتب التواريخ أو التراجم مكان إلتحاقه، وقد آثرنا أن نجمع أسماء هؤلاء الأبرار رضوان اللّه تعالى عليهم في قائمة واحدة، نبدأها بالذين حُددّت مواقع التحاقهم، ثُمَّ نتبعهم الآخرينرضياللهعنه :
ذكره المحقّق السماوي (ره) قائلًا: «كان سلمان ابن عمّ زهير لحاً، فإن القين أخو مضارب، وأبوهما قيس، وكان سلمان حجّ مع ابن عمّه سنة ستين، ولما مال في الطريق مع الحسينعليهالسلام وحمل ثقله إليه مال معه في مضربه.
قال صاحب الحدائق: إنّ سلمان قُتل فيمن قتل بعد صلاة الظهر، فكأنّه قُتل قبل زهير.».(١)
وقال السيّد الخوئي (ره): «سلمان بن مضارب: ابن قيس، ابن عمّ زهير بن القين، عدّه بعضهم من المستشهدين مع زهير بن القين يوم الطفّ.».(٢)
وقال النمازي (ره): «سلمان بن مضارب بن قيس، ابن عمّ زهير بن القين، من أصحاب مولانا الحسين صلوات اللّه عليه المستشهدين بالطفّ، كان مع زهير، فلما عدل زهير إلى الحسينعليهالسلام عدل معه، وقُتل يوم عاشوراء رضوان اللّه تعالى
____________________
(١) إبصار العين: ١٦٩.
(٢) معجم رجال الحديث: ٨: ١٨٥، رقم ٥٣٣٣.
عليه، كما ذكره العلّامة المامقاني في رجاله، وكذا ذكره في عطيّة الذرّة.».(١)
وبهذا يتضح عدم صحة قول الدينوري(٢) أنّه لم يعدل مع زهير أحد من أصحابه أو لم يُقم معه.
روى الشيخ الصدوق (ره) في أماليه يصف وقائع حرب يوم عاشوراء وتتابع أصحاب الإمام الحسينعليهالسلام في الخروج إلى البراز قائلًا: «وبرز من بعده(٣) وهب بن وهب، وكان نصرانيّاً أسلم على يد الحسينعليهالسلام هو وأمّه، فاتّبعوه إلى كربلاء، فركب فرساً وتناول بيده عود الفسطاط (عمود الفسطاط)، فقاتل وقتل من القوم سبعة أو ثمانية، ثم استوسر فأُتي به عمر بن سعد لعنه اللّه، فأمر بضرب عنقه، ورمى به إلى عسكر الحسينعليهالسلام ، وأخذت أمّه سيفه وبرزت! فقال لها الحسينعليهالسلام : يا أمّ وهب، إجلسي فقد وضع اللّه الجهاد عن النساء، إنّك وابنك مع جدّي محمّدصلىاللهعليهوآله في الجنّة.».(٤)
ويبدو أنّ العلّامة المجلسي (ره) يرى أنّ وهب هذا هو نفسه: وهب بن عبداللّه بن حباب الكلبي، لنقرأ هذه الفقرة من مقتل البحار:
«ثُمّ برز من بعده(٥) وهب بن عبداللّه بن حباب الكلبي، وقد كانت معه أمّه يومئذ.
____________________
(١) مستدركات علم رجال الحديث: ٤: ١٠٥، رقم ٦٤١٨.
(٢) راجع: الأخبار الطوال: ٢٤٧.
(٣) أي: من بعد يزيد بن زياد بن مهاصر – أبي الشعثاء الكنديرضياللهعنه -.
(٤) أمالي الصدوق: ١٣٧، المجلس ٣٠، حديث رقم ١.
(٥) أي: من بعد برير بن خضير الهمدانيرضياللهعنه .
فقالت: قم يا بُنيّ فانصر ابن بنت رسول اللّه!
فقال: أفعل يا أُمّاه ولا أقصّر!
فبرز وهو يقول:
إنْ تنكروني فأنا ابن الكلب |
سوف تروني وترون ضربي |
|
وحملتي وصولتي في الحرب |
أدرك ثأري بعد ثأر صحبي |
|
وأدفع الكرب أمام الكربِ |
ليس جهادي في الوغى باللعبِ |
ثمّ حمل فلم يزل يقاتل حتّى قتل منهم جماعة، فرجع إلى أمّه وأمرأته، فوقف عليهما فقال: يا أمّاه أرضيتِ؟
فقالت: ما رضيتُ أو تقتل بين يدي الحسينعليهالسلام !
فقالت إمرأته: باللّه لاتفجعني في نفسك!
فقالت أمّه: يا بُنيّ لاتقبل قولها، وارجع فقاتل بين يدي ابن رسول اللّه فيكون غداً في القيامة شفيعاً لك بين يدي اللّه.
فرجع قائلًا:
إنّي زعيمٌ لك أُمَّ وَهْبِ |
بالطعن فيهم تارة والضربِ |
|
ضرب غلام مؤمنٍ بالربّ |
حتّى يُذيق القوم مُرَّ الحربِ |
|
إنّي امرؤٌ ذو مرَّة وعصبِ |
ولستُ بالخوّار عند النكب |
حسبي إلهي من عليم حسبي
فلم يزل يقاتل حتّى قتل تسعة عشر فارساً وإثني عشر راجلًا! ثمّ قُطعت يداه، فأخذت امرأته عموداً وأقبلت نحوه وهي تقول: فداك أبي وأمّي! قاتل دون الطيّبين حرم رسول اللّه. فأقبل كي يردّها إلى النساء فأخذت بجانب ثوبه وقالت:
لن أعود أو أموت معك! فقال الحسينعليهالسلام : جزيتم من أهل بيت خيراً! إرجعي إلى النساء رحمك اللّه.
فانصرفت، وجعل يُقاتل حتّى قُتل رضوان اللّه عليه، قال فذهبت امرأته تمسح الدّم عن وجهه، فبصر بها شمر، فأمر غلاماً له فضربها بعمودٍ كان معه، فشدخها وقتلها، وهي أوّل امرأة قتلت في عسكر الحسين.
ورأيت حديثاً أنّ وهب هذا كان نصرانيّاً، فأسلم هو وأمّه على يدي الحسين، فقتل في المبارزة أربعة وعشرين راجلًا وإثني عشر فارسااً، ثمّ أُخذ أسيراً، فأُتي به عمر بن سعد فقال: ما أشدّ صولتك!؟ ثمّ أمر فضربت عنقه، ورمي برأسه إلى عسكر الحسينعليهالسلام ، فأخذت أمّه الرأس فقبّلته، ثمّ رمت بالرأس إلى عسكر ابن سعد، فأصابت به رجلًا فقتلته! ثمّ شدّت بعمود الفسطاط، فقتلت رجلين! فقال لها الحسينعليهالسلام : إرجعي يا أمّ وهب، أنت وابنك مع رسول اللّه فإنّ الجهاد مرفوع عن النساء. فرجعت وهي تقول: إلهي لاتقطع رجائي! فقال لها الحسينعليهالسلام : لايقطع اللّه رجاكِ يا أمّ وهب.».(١)
ونقل السيّد إبراهيم الزنجاني يقول: «وقيل إنّ وهب كان عمره خمساً وعشرين سنة، وإسم زوجته هانية، وكان لها سبعة عشر يوماً منذ عرسه، وله عشرة أيّام منذ دخل في دين الإسلام على يدي الحسينعليهالسلام من المنزل الثامن: الثعلبية في طريق كربلاء ..».(٢)
قال المحقّق السماوي (ره): «كان النضر والنعمان ونعيم إخوة، من أصحاب أميرالمؤمنينعليهالسلام ، ولهم في صفّين»
مواقف فيها ذكر وسمعة، وكانوا شجعاء
____________________
(١) البحار: ٤٥: ١٦ - ١٧.
(٢) وسيلة الدارين في أنصار الحسين: ٢٠٢.
(٣) وقعة صفّين: ٣٨٠ و ٥٠٧.
شعراء، مات النضر والنعمان، وبقي نعيم في الكوفة، فلما ورد الحسينعليهالسلام إلى العراق خرج إليه وصار معه، فلما كان اليوم العاشر تقدّم إلى القتال، فقُتل في الحملة الأولى.».(١)
وقد وردعليهالسلام في زيارة الناحية المقدّسة: «السلام على نعيم بن عجلان الأنصاري».(٢)
قال النمازي (ره): «قال العلّامة المامقاني: هو زاهر بن عمر الأسلمي الكندي، من أصحاب الشجرة، وروى عن النبيّصلىاللهعليهوآله ، وشهد الحديبية وخيبر، وكان من أصحاب عمرو بن الحمق الخزاعي، كما نصّ على ذلك أهل السير، وقالوا: إنه كان بطلًا مجرّباً، شجاعاً، مشهوراً، محبّاً لأهل البيت، معروفاً، وحجّ سنة ستين، فالتقى مع الحسينعليهالسلام فصحبه، وكان ملازماً له حتّى حضر معه كربلاء، واستشهد بين يديه ..».(٣)
لكنّ المحقّق السماوي (ره) لم يذكر أنّ له صحبة، بل قال: «زاهر بن عمرو الكندي: كان زاهر بطلًا مجرّباً وشجاعاً مشهوراً، ومحبّاً لأهل البيت معروفاً، قال أهل السير: إنّ عمرو بن الحمق لما قام على زياد قام زاهر معه، وكان صاحبه في القول والفعل، ولما طلب معاوية عمرواً طلب معه زاهراً، فقتل عمرواً وأفلت زاهر، فحجّ سنة ستين، فالتقى مع الحسينعليهالسلام فصحبه وحضر معه كربلاء. وقال السروي: قُتل في الحملة الأولى.».(٤)
____________________
(١) إبصار العين: ١٥٨.
(٢) البحار: ١٠١: ٢٧٢.
(٣) مستدركات علم رجال الحديث: ٣: ٤١٦، رقم ٥٦٩٩.
(٤) إبصار العين: ١٧٣.
وقد وردعليهالسلام في زيارة الناحية المقدّسة: «السلام على زاهر مولى عمرو بن الحمق الخزاعي».(١)
نقول: إذا كان مفاد عبارة «وحجّ سنة ستين» أنّه أتمّ الحجّ فإنّ زاهراً يكون قد التحق بالإمامعليهالسلام بعد خروجه من مكّة في منزل من منازل الطريق، وإذا كان مفادها أنه أتى إلى مكّة قاصداً الحجَّ، فالتقى مع الإمامعليهالسلام في مكّة وصحبه ولازمه، فإنَّ زاهراً يكون- على هذا- ممّن انضمّ إلى الإمامعليهالسلام في مكّة، وخرج معه منها، ولم يتمّ حجّه.
قال المحقّق السماوي (ره): «كان أبوثمامة تابعياً، وكان من فرسان العرب ووجوه الشيعة، ومن أصحاب أميرالمؤمنينعليهالسلام الذين شهدوا معه مشاهده، ثم صحب الحسنعليهالسلام بعده، وبقي في الكوفة، فلما توفي معاوية كاتبَ الحسينعليهالسلام ، ولما جاء مسلم بن عقيل إلى الكوفة قام معه، وصار يقبض الأموال من الشيعة بأمر مسلم فيشتري بها السلاح، وكان بصيراً بذلك، ولما دخل عبيد اللّه الكوفة وثار الشيعة بوجهه، وجهّه مسلم فيمن وجهّه، وعقد له على ربع تميم وهمدان ولما تفرّق عن مسلم الناس بالتخذيل اختفى أبوثمامة، فاشتدّ طلب ابن زياد له، فخرج إلى الحسينعليهالسلام ، ومعه نافع بن هلال الجملي، فلقياه في الطريق وأتيا معه.
وروى أبومخنف: أنّ أبا ثمامة لما رأى الشمس يوم عاشوراء زالت، وأنّ الحرب قائمة، قال للحسينعليهالسلام : يا أبا عبداللّه، نفسي لنفسك الفداء! إنّي أرى هؤلاء قد اقتربوا منك، ولا واللّه لاتُقتل حتّى أُقتل دونك إن شاء اللّه، وأحبّ أن
____________________
(١) البحار: ١٠١: ٢٧٣.
ألقى اللّه ربّي وقد صلّيت هذه الصلاة التي دنا وقتها، فرفع الحسين رأسه ثمّ قال:
ذكرت الصلاة! جعلك اللّه من المصلّين الذاكرين، نعم هذا أوّل وقتها ..
قال: ثُمَّ إنّ أباثمامة قال للحسين وقد صلّى: يا أبا عبداللّه، إنّي قد هممتُ أن ألحق بأصحابي، وكرهت أن أتخلّف وأراك وحيداً من أهلك قتيلًا. فقال له الحسينعليهالسلام : تقدّم، فإنّا لاحقون بك عن ساعة! فتقدّم فقاتل حتّى أُثخن بالجراحات، فقتله قيس بن عبداللّه الصائدي ابن عمّ له كان له عدوّاً، وكان ذلك بعد قتل الحرّ.».(١)
وقد وردعليهالسلام في زيارة الناحية المقدّسة: «السلام على أبي ثمامة الصائدي عمر بن عبداللّه الصائدي.».(٢)
قال المحقّق السماوي (ره): «كان الحبّاب في الكوفة من الشيعة، وممّن بايع مسلماً، وخرج إلى الحسينعليهالسلام بعد التخاذل عن مسلم فصادفه في الطريق، فلزمه حتّى قُتل بين يديه. قال السروي: قتل في الحملة الأولى.».(٣)
قال المحقّق السماويرضياللهعنه : «كان جندب من وجوه الشيعة، وكان من أصحاب أميرالمؤمنينعليهالسلام ، خرج إلى الحسينعليهالسلام فوافقه في الطريق قبل اتصال الحرّ به، فجاء معه إلى كربلا.
____________________
(١) راجع: إبصار العين: ١١٩ – ١٢١.
(٢) البحار: ٤٥: ٧٣.
(٣) إبصار العين: ١٩٥.
قال أهل السير: إنّه قاتل فقُتل في أوّل القتال.
وقال صاحب الحدائق: إنّه قُتل هو وولده حجير بن جندب في أوّل القتال.(١)
ولم يصحّ لي أنّ ولده قُتل معه، كما أنّه ليس في القائميات ذكر لولده، فلهذا لم أُترجمه معه.».(٢)
وقد وردعليهالسلام في زيارة الناحية المقدّسة: «السلام على جندب بن حجر الخولاني.».(٣)
لم نعثر في كتب التواريخ والتراجم- حسب متابعتنا- على مكان إلتحاق هذا الشهيد بركب الإمام الحسينعليهالسلام ، إذ لم يُذكر فيمن التحق بالإمامعليهالسلام في مكّة، كما لم يُذكر فيمن التحق بهعليهالسلام في كربلاء، فالظنّ أنّه ممّن التحق بالإمامعليهالسلام في الطريق بين مكّة وكربلاء، ولذا فقد أوردنا ذكره هنا احتياطاً.
قال المحقّق السماوي (ره): «كان سويد شيخاً شريفاً عابداً كثير الصلاة، كان شجاعاً مجرّباً في الحروب، كما ذكره الطبري والداودي ...».(٤)
ولقد كان آخر من بقي من أنصار أبي عبداللّه الحسينعليهالسلام (من غير الهاشميين) بشر بن عمرو الحضرمي وسويد بن عمرو بن أبي المطاع «وقال أهل السير: إنّ بشراً الحضرمي قُتل، فتقدّم سويد، وقاتل حتّى أُثخن بالجراح وسقط على وجهه، فظُنَّ بأنه قُتل، فلما قُتل الحسينعليهالسلام وسمعهم يقولون: قُتل الحسين،
____________________
(١) الحدائق الوردية: ١٢٢.
(٢) إبصار العين: ١٧٤.
(٣) البحار: ٤٥: ٧٢ و١٠١: ٢٧٣.
وجد به إفاقة، وكان معه سكّين خبّأها، وكان قد أُخذ سيفه منه، فقاتلهم بسكّينه ساعة، ثمّ إنّهم عطفوا عليه، فقتله عروة بن بكّار التغلبي، وزيد بن ورقاء الجهني.».(١)
ولم نعثر في كتب التواريخ والتراجم- حسب متابعتنا أيضاً- على مكان إلتحاق هذا الشهيد بالإمامعليهالسلام إلّا ما ذكره المحقّق السماوي (ره) بقوله: «ثمَّ بعثه مسلم بكتاب إلى الحسين، فبقي مع الحسين حتّى قُتل معه»،(٢) ولايُعلم من هذه العبارة متى بعثه مسلمعليهالسلام ، أكان ذلك قبل بعثه عابس بن أبي شبيب الشاكريرضياللهعنه أم بعده بقليل أو كثير؟ ولذا فالأقوى أنّه التحق بالإمامعليهالسلام في مكّة، لكنّ الإحتمال باقٍ في أنّ إلتحاقه بالإمامعليهالسلام ربّما كان في الطريق بعد خروج الإمامعليهالسلام من مكّة.
وهذا الشهيدرضياللهعنه من أفاضل شهداء الطفّ، وقد مرّت بنا ترجمته في الجزء الثاني من هذه الدراسة.(٣)
ويكفيه فضلًا وشرفاً- فضلًا عن شرف الشهادة- ما ورد في حقّه من سلام مفصّل وثناء عاطر في زيارة الناحية المقدّسة:
«السلام على سعد بن عبداللّه الحنفي القائل للحسين وقد أذن له في الإنصراف: لا واللّه، لا نخلّيك حتى يعلم اللّه أنّا قد حفظنا غيبة رسول اللّهصلىاللهعليهوآله فيك، واللّه لو أعلم أنّي أُقتل ثمَّ أُحيى ثمّ أُحرقُ ثمّ أُذرى، ويفعل بي ذلك سبعين مرّة ما فارقتك حتّى أَلقى حمامي
____________________
(١) و(٢) إبصار العين: ١٦٩ – ١٧٠.
(٣) إبصار العين: ٢١٧.
(٣) الجزء الثاني: (الإمام الحسينعليهالسلام في مكّة المكرّمة): ٤١.
دونك! وكيف أفعل ذلك وإنّما هي موتة أو هي قتلة واحدة!؟ ثمّ بعدها الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً!
فقد لقيت حمامك وواسيت إمامك، ولقيت من اللّه الكرامة في دار المقامة، حشرنا اللّه معكم في المستشهدين! ورزقنا مرافقتكم في أعلى عليين.».(١)
تم بحمد الله
____________________
(١) البحار ٤٥: ٧٠ و١٠١: ٢٧٢.
الفهرس
مقدّمة الكتاب.. ٤
«الإشارات المهمّة على الطريق بين مكّة وكربلاء». ٤
الفصل الأول
الفصل الأوّل: الركب الحسينيّ في الطريق الى العراق ٩
سبعُ فوائد تحقيقية ٩
لماذا اختار الإمام الحسين عليهالسلام الى العراق؟ ١٥
١)- العراق مهد التشيّع ومركز معارضة الحكم الأموي. ١٥
٢)- العراق أرض المصرع المختار!؟ ١٨
٣)- رسائل أهل الكوفة بعد موت معاوية ٢٠
٤)- تنفيذ أمر رسول اللّه صلىاللهعليهوآله.... ٢٤
هلع السلطة الأموية من خبر خروج الإمام عليهالسلام! ٢٧
محاولة السلطة الأموية في مكّة لإرجاع الإمام عليهالسلام.... ٢٩
دور عبداللّه بن جعفر في المحاولة السلميّة! ٣٠
المحاولة القمعيّة: ٣٥
هل كانت هذه المحاولة إجراءً صورياً!؟ ٣٧
رسائل أموية إلى ابن زياد! ٤٢
الفصل الثاني
الفصل الثاني: حركة أحداث الكوفة أيام مسلم بن عقيل عليهالسلام ٤٩
في البدء بعض الأقوال. ٤٩
مناقشة المتون الواردة. ٥٠
استعراض أهمّ وقايع أيّام الإعداد للثورة ٥٥
البشرى بدرجة الشهادة! ٥٧
كتمان الأمر ٥٨
اجتماع الشيعة الأوّل مع مسلم عليهالسلام.... ٥٩
توالي اجتماعات الشيعة مع مسلم عليهالسلام.... ٦٠
رسالة مسلم عليهالسلام إلى الإمام عليهالسلام.... ٦٠
النعمان بن بشير والٍ ضعيف أم يتضعّف!؟ ٦١
عبيداللّه بن زياد والي الكوفة الجديد. ٦٥
القادم المتنكّر في الظلام! ٦٦
الإجراءات الإرهابية الغاشمة! ٦٩
تغيير مقرّ قيادة الثورة! ٧٠
خطّة اغتيال ابن زياد في بيت هانيء! ٧١
ابن زياد يستبق الأحداث فيقتل وجوه الشيعة ٧٧
حبس ميثم التمّار رضياللهعنه وقتله ٧٧
قتل رشيد الهجري رضياللهعنه.... ٨٠
إضطهاد مجاميع من رجال المعارضة وحبسهم. ٨٧
قتل عبداللّه بن يقطر رضياللهعنه.... ٨٨
البحث لمعرفة مكان مسلم بن عقيل عليهالسلام.... ٩١
اعتقال هانيء بن عروة رضياللهعنه.... ٩٦
الخدعة المشتركة! ١٠٨
قيام مسلم بن عقيل عليهالسلام.... ١١١
المبادرة التي كان ينبغي أن تتحقّق! ١١٢
حدود مهمّة مسلم بن عقيل عليهالسلام.... ١١٨
الإضطرار والقرار الإستثنائي. ١٢٠
وهكذا كان ١٢١
ماذا صنع الأشراف الموالون لابن زياد!؟ ١٢٤
وفي البدء كانت الحجارة والشتائم! ١٢٥
ثمّ كان المدَرِ والنُشّاب! ١٢٥
ثمّ بدأت حملات التخذيل ورايات الأمان الكاذب! ١٢٥
إعتقال المجاهدَين عبدالأعلى بن يزيد وعمارة بن صلخب! ١٢٦
مسلم عليهالسلام يبعث بقوّة عسكرية تدحر ابن الأشعث! ١٢٧
فكان قتال وقتال! ١٢٨
لماذا لم يقتحم الثوّار القصر!؟ ١٢٨
وأقبل المساء يحمل النهاية الموسفة! ١٣٥
ثمّ كان الإنهيار من الداخل! ١٣٦
علّة الإنهيار المذهل والتداعي السريع! ١٣٧
وأطبق الليل مرّة أخرى على الكوفة ومسلم عليهالسلام وحده! ١٣٩
القائد المجاهد في ضيافة المرأة الصالحة طوعة ١٤٣
ابن زياد والمفاجأه السارّة عند المساء ...! ١٤٥
وفي ذلك الصباح الأسود! ١٤٧
المعركة الأخيرة حرب الشوارع! ١٤٩
ورواية أخرى أشدُّ صدقاً وحرارة ..! ١٥٣
محمد بن الأشعث يسلب مسلماً عليهالسلام سلاحه! ١٥٦
كلمة الحقّ الجريئة تزلزل قصر الخبال والضلال! ١٥٧
أوّل شهداء النهضة الحسينية من بني هاشم. ١٦٢
وفخراً عند الموت! ١٦٣
وكم من آية للّه أعرض عنها ابن زياد!! ١٦٣
مقتل هاني بن عروة رضياللهعنه.... ١٦٤
سحل الشهيدَيْن في الشوارع والسوق! ١٦٥
صلبُ الشهدَينْ منكّسَين! ١٦٥
انتقام ابن زياد من بقيّة الثّوار! ١٦٧
الثائر عبدالأعلى بن يزيد الكلبي. ١٦٧
الثائر عمارة ابن صلخب الأزدي. ١٦٧
الثائر القائد عبيداللّه بن عمرو بن عزيز الكندي. ١٦٧
الثائر القائد العبّاس بن جعدة الجدلي. ١٦٨
الثائران القائدان المختار وعبداللّه بن الحارث.. ١٦٨
تقرير ابن زياد الأمنّي إلى يزيد! ١٦٩
إغلاق ورصد المناطق والمنافذ الحدودية الكوفية! ١٧١
تعبئة الكوفة، وتجميد الثغور، استعداداً لقتال الإمام عليهالسلام.... ١٧٢
الفصل الثالث
مخطط لأهم المنازل التي مرّ بها الإمام اثناء مسيرة الى كربلاء ١٧٤
الفصل الثالث: وقايع منازل الطريق بين مكّة وكربلاء ١٧٥
١)- بستان بني عامر (أو ابن عامر) ١٧٥
٢)- التنعيم. ١٧٩
هل صادر الإمام عليهالسلام الوِرسَ والحُلَل فعلًا؟ ١٨٠
هل التقى الإمام الحسين ابن عمر في التنعيم؟ ١٨٠
منطق ابن عمر! ١٨٣
٣)- الصفاح. ١٨٥
أين لقي الفرزدق الإمام عليهالسلام بالضبط؟ ١٨٦
٤)- ذات عرق. ١٨٨
لقاء بشر بن غالب الأسدي مع الإمام عليهالسلام! ١٨٩
والفرزدق مرّة أخرى!؟ ١٩٠
هل لقي الإمام عليهالسلام بذات عرق عون بن عبداللّه بن جعدة؟ ١٩١
٥)- الحاجر من بطن الرمّة ١٩٢
قيس بن مُسهَّر رضياللهعنه أم عبداللّه بن يقطر رضياللهعنه؟ ١٩٥
اللقاء الثاني لعبداللّه بن مطيع مع الامام عليهالسلام.... ١٩٨
٦)- الخُزَيْميَّةُ ٢٠١
٧)- زَرُود ٢٠٢
إنضمام زهير بن القين رضياللهعنه إلى الركب الحسيني! ٢٠٢
زهير بن القين رضياللهعنه.... ٢٠٤
هل كان زهير بن القين عثمانياً!؟ ٢٠٧
٨)- الثَّعلبية ٢١٥
إغفاءةٌ ورؤيا حقّة! ٢٢١
مع أبي هرّة الأزدي. ٢٢٢
وبشر بن غالب الأسدي مرّة أخرى. ٢٢٤
ومع زهير الأسدي من أهل الثعلبية ٢٢٥
ومع آخر من أهل الكوفة ٢٢٥
لقاء ربّما كان في الثعلبية أيضاً! ٢٢٦
٩)- الشقوق. ٢٢٧
والفرزدق في الشقوق أيضاً!! ٢٢٧
١٠)- زُبالة ٢٣٠
١١)- بطن العقبة ٢٣٦
لقاء الإمام عليهالسلام مع عمرو بن لوذان. ٢٣٦
رأيتُ كلاباً تنهشني أشدُّها عليَّ كلبٌ أبقع! ٢٣٩
١٢)- شراف.. ٢٤٠
١٣) ذو حُسَم: ٢٤١
من هو الحرُّ بن يزيد الرياحي؟ ٢٤٨
من هو نافع بن هلال الجملي؟ ٢٥٦
من هو بُرَيْرُ بن خُضَير الهمدانيُّ المشرقيّ رضياللهعنه ٢٦٠
١٤)- البيضة: ٢٦٣
١٥)- عُذَيْب الهجانات.. ٢٦٥
خبر مقتل قيس بن مُسهّر الصيداوي رضياللهعنه.... ٢٦٧
مجموعة المجاهدين الذين التحقوا بالإمام عليهالسلام في عُذيب الهجانات.. ٢٦٨
عمرو بن خالد الأسدي الصيداوي رضياللهعنه.... ٢٦٨
سعد رضياللهعنه مولى عمرو بن خالد الصيداوي رضياللهعنه.... ٢٧٠
مجمع بن عبداللّه العائذي رضياللهعنه وابنه عائذ رضياللهعنه.... ٢٧٠
جنادة بن الحرث السلماني رضياللهعنه.... ٢٧٠
واضح التركي رضياللهعنه مولى الحرث المذحجي السلماني. ٢٧١
إقتراح الطرماح وجواب الإمام عليهالسلام.... ٢٧٢
١٦)- قصر بني مقاتل. ٢٧٥
هل التحق الصحابيُّ أنسُ الكاهليّ بالإمام عليهالسلام في قصر بني مقاتل؟ ٢٨٠
لقاء الإمام عليهالسلام مع الرجلين المشرقيين. ٢٨٢
رؤيا المنايا أيضاً بين قصر بني مقاتل ونينوى! ٢٨٣
١٧)- نينوى: ٢٨٤
أسماء بقيّة الأنصار الملتحقين بالإمام عليهالسلام أثناء الطريق. ٢٨٩
سلمان بن مضارب البجلي رضياللهعنه.... ٢٩٠
وهب بن وهب (ابن الحبّاب الكلبي) ٢٩١
نعيم بن العجلان الأنصاري الخزرجي رضياللهعنه.... ٢٩٣
زاهر بن عمر الأسلمي الكندي- صاحب عمرو بن الحمق رضياللهعنه: ٢٩٤
أبوثمامة عمرو بن عبداللّه الهمداني الصائدي رضياللهعنه.... ٢٩٥
الحبّاب بن عامر بن كعب بن تميم اللّاة بن ثعلبة، التميمي رضياللهعنه.... ٢٩٦
جندب بن حجير الكندي الخولاني رضياللهعنه: ٢٩٦
سويد بن عمرو بن أبي المطاع الأنماري الخثعمي رضياللهعنه.... ٢٩٧
سعيد بن عبداللّه الحنفي رضياللهعنه.... ٢٩٨