ارشاد القلوب- الجزء 1
التجميع كتب الأخلاق
الکاتب الحسن بن أبي الحسن محمّد الديلمي
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

إرشاد القلوب ( المجلد الأوّل )

تأليف : الحسن بن أبي الحسن محمّد الديلمي

تحقيق : سيد هاشم الميلاني

الناشر : دار الأسوة للطباعة والنشر ( التابعة لمنظّمة الأوقاف والشؤون الخيرية )

المطبعة والتجليد : الأسوة

الطبعة : الثانية

تاريخ النشر : ١٤٢٤ هـ ق

عدد المطبوع : ٢٠٠٠ نسخة

 ( دوره ) ٢ ـ ٤٢ ـ ٨٠٧٣ ـ ٩٦٤ ISBN

( ج ١ ) ٠ ـ ٤٣ ـ ٨٠٧٣ ـ ٩٦٤ ISBN


لمحة من حياة المؤلِّف (١)

اسمه واسم أبيه :

اتّفقت المصادر المترجمة له على أنّ اسمه ( الحسن ) ولكنّها اختلفت اختلافاً شديداً في اسم أبيه .

قال صاحب أعيان الشيعة في ترجمته : اقتصر بعضهم في اسم أبيه على أبي الحسن ، وبعض سمّاه محمّداً ولم يذكر أبا الحسن ، وبعض قال : الحسن بن أبي الحسن محمد ، فجعل كنية أبيه أبا الحسن واسمه محمد ، وبعضهم قال : الحسن بن أبي الحسن بن محمد .

وعنونه في الرياض مرّة الحسن بن أبي الحسن محمد ، وأخرى الحسن بن أبي الحسن بن محمد .

وعنونه صاحب أمل الآمل : الحسن بن محمد الديلمي .

____________

(١) أخذنا أكثر هذه الترجمة من مقدّمة كتاب ( أعلام الدين في صفات المؤمنين ) للمؤلّف ، والذي عنى بتحقيقه ونشره مؤسسة آل البيتعليهم‌السلام لإحياء التراث .


قال صاحب الرياض : لعلّه كان في نسخة صاحب الأمل لفظة ( ابن ) بعد أبي الحسن ساقطة ، فظنّ أنّ أبا الحسن كنية والده محمد فأسقط الكنية رأساً ولعلّه سهواً .

وقال : السيد الأمين أيضاً : وفي صدر نسخ إرشاده وكذا في بعض المواضع منه : الحسن بن محمد الديلمي .

أقول : الصواب إنّه الحسن بن أبي الحسن محمد ، وأبو الحسن كنية أبيه واسم أبيه محمد ، أمّا الحسن بن أبي الحسن بن محمد فزيادة ( ابن ) قبل محمد من سهو النسّاخ ، ومثله يقع كثيراً ، فحين يرى الناظر الحسن بن أبي الحسن محمد يسبق إلى ذهنه زيادة ابن قبل محمد .

انتهى ما ذكره السيد الأمين في ج٥/٢٥٠ من أعيان الشيعة .

وعاد في ج٤/٦٢٩ أيضاً قائلاً : الحسن بن أبي الحسن بن محمد الديلمي ، يأتي في ترجمة الحسن بن أبي الحسن محمد الديلمي ، احتمال أن يكون أبو الحسن كنية والده واسمه ، وأن يكون محمد اسم جدّه ، فراجع .

هذا مجمل القول في اختلافهم في اسم أبيه ، والذي نطمئنّ إليه ما جاء في بداية إرشاد القلوب ، حيث يقول ما نصّه : ( يقول العبد الفقير إلى رحمة ربّه ورضوانه أبو محمد الحسن بن أبي الحسن بن محمد الديلمي ، جامع هذه الآيات من الذكر الحكيم ) .

وقال في ص٩٧ من كتاب أعلام الدين في صفات المؤمنين : ( يقول العبد الفقير إلى رحمة الله وعفوه ، الحسن بن عليّ بن محمد بن الديلمي . ) .

وهذا ما يحلّ المشكلة في اسم أبيه ؛ إذ تبيّن من كتاب إرشاد القلوب أنّ كنية أبيه ( أبو الحسن ) ، وتبيّن من كتاب أعلام الدين أنّ اسم أبيه ( عليّ ) وعليّ يكنّى أبا الحسن ، فيكون محمد جدّاً للمؤلّف ، فالمحصل أنّ المؤلف هو : الحسن بن أبي الحسن عليّ بن محمد الديلمي .


القول في طبقته وعصره :

ينقسم العلماء في تحديد طبقة المترجم له إلى قسمين :

الأوّل : يرى أنّه من المتقدّمين على الشيخ المفيد أو من معاصريه ، وهو ما ذهب إليه صاحب الرياض ، ونقله عنه السيد الأمين في الأعيان ، وهذا الرأي غير صحيح كما سيتّضح لك .

الثاني : يرى أنّ المؤلّف كان معاصراً للعلاّمة الحلّي (٧٢٦ هـ) أو الشهيد الأوّل (٧٨٦ هـ) أو متأخّراً عنهما بقليل ، وأنّه معاصر لفخر المحقّقين ابن العلاّمة الحلّي المتوفّي سنة (٧٧١) أي إنّه من أعلام المائة الثامنة ، وهذا ما ذهب إليه السيد الخوانساري في الروضات ، والشيخ آقا بزرك الطهراني في الذريعة .

وممّا يؤيّد هذا الرأي أُمور :

١ ـ إنّ الديلمي نقل في الجزء الأوّل من إرشاد القلوب في الباب الثاني والخمسون والثالث والخمسون عن كتاب ورّام ، فهو متأخّر عن الشيخ ورّام المتوفّي سنة (٦٠٥) قطعاً .

٢ ـ إنّه قال في الجزء الثاني من إرشاد القلوب : ( . فإنّ علماء الشيعة ـ رضوان الله عليهم ـ قد ألّفوا في فضائله [ أي فضائل أمير المؤمنينعليه‌السلام ] والأدلّة على إمامته كتباً كثيرة ، من جملتها كتاب واحد من جملة تصانيف الشيخ الأعظم ، والبحر الخضم ، ينبوع الفضائل والحكم ، جمال الإسلام والمسلمين ، الحسن بن يوسف بن المطهّر الحلّي قدّس الله روحه الزكيّة ، سمّاه كتاب الألفين ، فيه ألف دليل من الكتاب العزيز . ( فيكون إذاً متأخّراً عنه أو معاصراً له لأنّ العلاّمة توفّى سنة (٧٢٦) .

مضافاً إلى أنّه ذكر في الجزء الثاني روايات كثيرة من كتاب المناقب للخوارزمي المتوفّي سنة (٥٦٨) وذكر حكايتين من كتاب تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي المتوفّي سنة (٦٥٤) .


٣ ـ إنّ المترجم له قال في كتاب ( غرر الأخبار ) ما لفظه : ( وفي كتاب العيون والمحاسن للشيخ المفيد . وقال بعد ذكر ما جرى من بني أُمية ، ثمّ من بني العباس على المسلمين بتأثير اختلاف ملوك المسلمين شرقاً وغرباً في ضعف الإسلام وتقوية الكفّار ـ إلى قوله ـ فالكفّار اليوم دون المائة سنة قد أباحوا المسلمين قتلاً ونهباً )(١) .

فيظهر من هذا النص أنّه ألّف كتابه المذكور بعد انقراض دولة بني العباس في سنة (٦٥٦) بما يقرب من مائة سنة ، أي أواسط المائة الثامنة .

وعلى هذا يمكن حصر طبقة المترجم له والفترة التي عاش فيها من ما بعد سنة (٧٢٦) إلى ما قبل سنة (٨٤١) ( بما أنّ ابن فهد الحلّي المتوفّى سنة (٨٤١) روى عنه في كتاب عدّة الداعي ) تقريباً ، وهذا الاحتمال أقرب للواقع .

أقوال العلماء فيه :

١ ـ الشيخ الحرّ العاملي في أمل الآمل ٢/٧٧ : ( كان فاضلاً محدّثاً صالحاً ) .

٢ ـ وقال العلاّمة المجلسي في البحار ١/١٦ ، بعد ذكر مؤلّفاته : ( كلّها للشيخ العارف أبي محمد الحسن بن محمد الديلمي ) .

وفي ١/٣٣ ، بعد ذكر كتابي أعلام الدين وغرر الأخبار : ( وإن كان يظهر من الجميع ونقل الأكابر عنهما جلالة مؤلّفهما ) .

____________

(١) راجع الذريعة ١٦ : ٣٦ .


٣ ـ الميرزا عبد الله أفندي في رياض العلماء ١/٣٣٨ : ( الشيخ العارف أبو محمد الحسن بن أبي الحسن بن محمد الديلمي قدّس الله سرّه ، العالم المحدّث الجليل المعروف بالديلمي ) .

٤ ـ السيد الخوانساري في روضات الجنّات ٢/٢٩١ : ( العالم العارف الوجيه أبو محمد الحسن بن أبي الحسن محمد الديلمي ، الواعظ المعروف الذي هو بكلّ جميل موصوف . وبالجملة فهذا الشيخ من كبراء أصحابنا المحدّثين ) .

٥ ـ السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة ٥/٢٥٠ : ( هو عالم عارف عامل محدّث كامل وجيه ، من كبار أصحابنا الفضلاء في الفقه والحديث والعرفان والمغازي والسير ) .

٦ ـ الشيخ عباس القمّي في الكنى والألقاب ٢/٢١٢ : ( أبو محمد الحسن بن أبي الحسن محمد الديلمي الشيخ المحدّث الوجيه النبيه ) .

٧ ـ وقال أيضاً في الفوائد الرضوية ص٩٤ : ( قال صاحب التكملة : الحسن بن أبي الحسن الديلمي صاحب كتاب إرشاد القلوب ، كان هذا الشيخ من أهل القرن السابع ، ومن كبار أصحابنا الفضلاء في الفقه والحديث والعرفان والمغازي والسير . ) .

بعض سلوكه وأحواله :

في تواضعه لله تعالى :

قال في كتاب إرشاد القلوب ، الباب الثاني والثلاثون : ( . كنت في شبيبتي إذا دعوت بالدعاء المقدّم على صلاة الليل ، ووصلت إلى قوله :( اللّهمّ إنّ ذكر الموت وهول المطلع والوقوف بين يديك نغّصني مطعمي ومشربي ، وأغصّني بريقي ، وأقلقني عن وسادي ، ومنعني رقادي ) أخجل حيث لا أجد هذا كلّه في نفسي ،


فاستخرجت له وجهاً يخرجه عن الكذب ، فأضمرت في نفسي أنّي أكاد أن يحصل عندي ذلك .

فلمّا كبرت السن ، وضعفت القوّة ، وقربت سرعة النقلة إلى دار الوحشة والغربة ما بقي يندفع هذا عن الخاطر ، فصرت ربّما أرجو أن لا أُصبح إذا أمسيت ، ولا أُمسي إذا أصبحت ، ولا إذا مددت خطوة أن أتبعها أُخرى ، ولا أن يكون في فمي لقمة أسيغها ، فصرت أقول : ( اللّهمّ إنّ ذكر الموت وهول المطلع والوقوف بين يديك نغّصني مطعمي ومشربي ، وأغصني بريقي ، وأقلقني عن وسادي ، ومنعني رقادي ، ونغّص عليّ سهادي ، وابتزّني راحة فؤادي .

إلهي وسيّدي ومولاي مخافتك أورثتني طول الحزن ، ونحول الجسد ، وألزمتني عظيم الهمّ والغمّ ودوام الكمد ، وأشغلتني عن الأهل والولد والمال والعبيد ، وتركتني مسكيناً غريباً وحيداً ، وإن كنت بفناء الأهل والولد ، ما أحسّ بدمعة ترقأ من آماقي ، وزفير يتردّد بين صدري والتراقي .

سيّدي فبرّد حزني ببرد عفوك ، ونفّس غمّي وهمّي ببسط رحمتك ومغفرتك ، فإنّي لا آمن إلاّ بالخوف منك ، ولا أعزّ إلاّ بالذلّ لك ، ولا أفوز إلاّ بالثقة بك والتوكّل عليك يا أرحم الراحمين وخير الغافرين ) .

في غربته :

قد ابتلى المؤلّف بالغربة والوحشة وضيق ذات اليد ، وهذا ما تنبّأ له والده ، قال المؤلّف في كتاب أعلام الدين ص٣٢٦ بعد ذكر عدّة آيات في الموالاة في الله والمعاداة فيه :

( يقسم بالله جلّ جلاله مملي هذا الكتاب : إنّ أوثق وأنجح ما توخّيته فيما بيني وبين الله عزّ وجلّ بعد المعرفة والولاية هذا المعنى ، ولقد فعل الله تعالى معي به كلّ


خير ، وإن كان أكسبني العداوة من الناس ، فقد ألبسني ثوب الولاية لله تعالى ؛ لأنّ الله تعالى علم منّي مراعاة هذا الأمر صغيراً وكبيراً ، وما عرفني به معرفة صحيحة غير والديرحمه‌الله ، فإنّه قال لي يوماً من الأيام : يا ولدي ، أنت تريد الأشياء بيضاء نقيّة خالية من الغشّ من كلّ الناس ، وهذا أمر ما صحّ منهم لله ، ولا لرسوله ، ولا لأمير المؤمنين ، ولا لأولاده الأئمّةعليهم‌السلام ، فإذاً تعيش فريداً وحيداً غريباً فقيراً ، وكان الأمر كما قال ، ولست بحمد الله بندمان على ما فات حيث كان في ذلك حفاظ جنب الله تعالى ، وكفى به حسيباً ونصيراً ) .

وقال في مدح الحزن في إرشاد القلوب ، الباب الثاني والثلاثون : ( ليس العجب من أن يكون الإنسان حزيناً بل العجب أن يخلو من الحزن ساعة واحدة . ) .

في ذمّه لعلماء السوء :

قالرحمه‌الله في الباب السابع عشر من كتاب إرشاد القلوب في ذمّ علماء السوء : ( . ومثل ذلك مثل رجل كان عطشاناً فرأى جرّة مملوّة فيها ماء ، فأراد أن يشرب منها فقال له رجل : لا تدخل يدك فيها فإنّ فيها أفعى يلسعك وقد ملأها سمّاً ، فامتنع الرجل من ذلك ، ثمّ إنّ المخبر بذلك أخذ يدخل يده فيها ، فقال العطشان : لو كان فيها سمّاً لما أدخل يده .

وكذلك حال الناس مع علماء السوء ، زهدوا الناس في الدنيا ورغبوا هم فيها ، وحسنوا إليهم أفعالهم ، ووعدوهم بالسلامة ، لا بل قالوا لهم : قد رأينا لكم المنامات بعظيم المنازل والقبول . ) .


في شعره :

قال في أعلام الدين :

تخيّر قريناً من فعالك صالحاً

يُعِنْكَ على هول القيامة والقبرِ

ويسعى به نوراً لديك ورحمة

تعمّك يوم الروع في عرصة الحشرِ

وتأتي به يوم التغابن آمناً

أمانك في يمناك من روعة النشرِ

فما يصحب الإنسان من جلّ ماله

سوى صالح الأعمال أو خالص البرِّ

بهذا أتى التنزيل في كلّ سورةٍ

يفصّلها ربّ الخلائق في الذكرِ

وفي سنّة المبعوث للناس رحمةً

سلام عليه بالعشيّ وفي الفجرِ

حديثٌ رواه ابن الحصين خليفة

يحدّثه قيس بن عاصم ذو الوفرِ

قاله بعد ذكر حديث عن خليفة بن الحصين ، وقال أيضاً في إرشاد القلوب :

لا تنسوا الموت في غمٍّ ولا فرح

والأرض ذئب وعزرائيل قصّاب

وقال أيضاً :

صبرت ولم أُطلع هواي على صبري

وأخفيت ما بي منك عن موضع الصبرِ

مخافة أن يشكو ضميري صبابتي

إلى دمعتي سرّاً فيجري ولا أدري

مؤلّفاته :

١ ـ الأربعون حديثاً :

ذكره الشيخ آقا بزرك الطهراني في الذريعة ، قال : ( قال الفاضل المعاصر الشيخ علي أكبر البجنوردي : إنّه كانت عندي نسخة منه وتلفت ، وكان أوّل أحاديثه حديث جنود العقل والجهل ، وثالثها حديث الغدير )(١) .

____________

(١) الذريعة ١ : ٤١٤ .


٢ ـ غرر الأخبار ودرر الآثار في مناقب الأطهار :

ذكر الشيخ آقا بزرك الطهراني في الذريعة ، وقال : ( ينقل عنه المجلسي في أوّل البحار ، وأيضاً ينقل عن الغرر المولى محمد حسين الكوهرودي المعاصر المتوفّي بالكاظمية في (١٣١٤ هـ) في تأليفاته كثيراً ، منها حديث الكساء بالترتيب الموجود في منتخب الطريحي باختلاف يسيرٍ جداً ، بأسانيد عديدة ) .

وقال أيضاً : ( وينقل في الغرر أيضاً عن كتاب ( نزهة السامع ) الملقّب بالمحبوبي جملة من مطاعن معاوية وفضائحه ، وينقل فيه أيضاً عن كتاب ( السقيفة ) رواية أبي صالح السليل أحمد بن عيسى .

وذكره الشيخ عباس القمّي في الكنى والألقاب قائلا : ( وله كتاب غرر الأخبار ودرر الآثار . قيل إنّ حديث الكساء المشهور الذي يعدّ من متفرّدات منتخب الطريحي موجود في غرر هذا الشيخ ) .

٣ ـ أعلام الدين في صفات المؤمنين :

وقد عنى بتحقيقه وطبعه مؤسسة آل البيتعليهم‌السلام لإحياء التراث .

وهو كتاب مهمّ نقل فيه تمام كتاب ( البرهان على ثبوت الإيمان ) لأبي الصلاح الحلبي ، ونقل أيضاً ( الأربعون الودعانيّة ) بكاملها ، وهي أربعون حديثاً رواها ابن ودعان الموصلي .

٤ ـ إرشاد القلوب إلى الصواب المنجي مَن عمل به من أليم العقاب :

وهو هذا الكتاب الذي بين يديك ، ويعدّ من أشهر مؤلّفاته ويعرف بإرشاد الديلمي ، نقل عنه العلاّمة المجلسي في البحار ، وقال عنه : ( وكتاب إرشاد القلوب


كتاب لطيف مشتمل على أخبار متينة غريبة )(١) .

واعتمده الشيخ الحرّ في موسوعته وسائل الشيعة ، وعنونه في الفائدة الرابعة من خاتمة الكتاب بعد أن قال : ( الفائدة الرابعة : في ذكر الكتب التي نقلت منها أحاديث هذا الكتاب ، وشهد بصحّتها مؤلّفوها وغيرهم ، وقامت القرائن على ثبوتها ، وتواترت عن مؤلّفيها ، أو علمت صحّة نسبتها إليهم ، وقامت بحيث لم يبق فيها شكّ ولا ريب ، كوجودها بخطوط أكابر العلماء ، وتكرّر ذكرها في مصنّفاتهم ، وشهادتهم بنسبتها ، وموافقة مضامينها لروايات الكتب المتواترة ، أو نقلها بخبر واحد محفوف بالقرينة ، وغير ذلك وهي . كتاب الإرشاد للديلمي الحسن بن محمد ) .

وقال عنه الشيخ آقا بزرك الطهراني : ( وهو كتاب جليل قرّظه السيد عليّ صدر الدين المدني المتوفّي سنة (١١٢٠) برباعيّتين ، إحداهما :

إذا ضلّت قلوب عن هداها

فلم تدر العقاب من الثوابِ

فأرشدها جزاك الله خيراً

بإرشاد القلوب إلى الصوابِ

وثانيتهما :

هذا كتاب في معانيه حسن

للديلمي أبي محمد الحسن

أشهى إلى المضني العليل من الشفا

وألذّ للعينين من غمض الوسن (٢)

وذكره إسماعيل باشا في إيضاح المكنون قائلا : ( إرشاد القلوب إلى الصواب المنجي مَن عمل به من أليم العقاب ، للشيخ أبي محمد الحسن بن أبي الحسن بن محمد ، الواعظ الشيعي )(٣) .

____________

(١) البحار ١ : ٣٣ .

(٢) الذريعة ١ : ٥١٧ .

(٣) إيضاح المكنون ٣ : ٦٢ .


وقال السيد الخوانساري في الروضات : ( وله كتب ومصنّفات منها كتاب إرشاد القلوب في مجلّدين ، رأيت منه نسخاً كثيرة ، وينقل عنه صاحب الوسائل والبحار كثيراً ، معتمدين عليه )(١) .

يقع الكتاب في مجلّدين ، المجلّد الأوّل في المواعظ والنصائح ونحوها ، والمجلّد الثاني في فضائل أمير المؤمنينعليه‌السلام .

قال الشيخ الحرّ بعد الثناء على المؤلّف : ( له كتاب إرشاد القلوب مجلّدان )(٢) .

وقد شكّك صاحب الرياض في نسبة المجلّد الثاني من الكتاب للديلمي ، وقال : ( وبالجملة ، المجلّد الثاني من كتاب إرشاده كثيراً ما يشتبه الحال فيه ، بل لا يعلم الأكثر أنّه المجلّد الثاني من ذلك الكتاب )(٣) .

وقال السيد الخوانساري : ( إلاّ أنّ في كون المجلّد الثاني منه المخصوص بأخبار المناقب تصنيفاً له أو جزءاً من الكتاب نظراً بيّناً ، حيث إنّ وضعه كما استفيد لنا من خطبته على خمس وخمسين باباً كلّها في الحكم والمواعظ ، فبتمام المجلّد الأوّل تتصرّم عدّة الأبواب ، مضافاً إلى أنّ في الثاني توجد نقل أبيات في المناقب عن الحافظ رجب البرسي ، مع انّه من علماء المائة التاسعة )(٤) .

وقال السيد الأمين بعد ذكره قول الميرزا الأفندي والسيد الخوانساري : ( ويرشد إليه ما ستعرف من اسمه الدال على أنّه في المواعظ خاصة )(٥) .

ويقوى هذا التشكيك أنّه لا يوجد في الجزء الثاني من الكتاب ما يدلّ على كونه للديلمي ، مع أنّه يذكر في المجلّد الأوّل عدّة مرّات عبارات تؤكّد نسبته إليه ،

____________

(١) روضات الجنّات ٢ : ٢٩١ .

(٢) أمل الآمل ٢ : ٧٧ .

(٣) رياض العلماء ١ : ٣٤٠ .

(٤) روضات الجنّات ٢ : ٢٩١ .

(٥) أعيان الشيعة ٥ : ٢٥٠ .


مثل عبارة : ( يقول العبد الفقير إلى رحمة الله ورضوانه الحسن بن محمد الديلمي تغمّده الله برحمته ) ، وغيرها ، ولكن لا توجد أيّ عبارة هكذا وعلى هذا السياق العام للكتاب في الجزء الثاني .

وأيضاً فقد ذُكر في الجزء الثاني ـ في النسخة المطبوعة في منشورات الرضي ـ بعد ذكر حديث يرفعه إلى الشيخ المفيد :

( وذكره المجلسيرحمه‌الله في المجلّد التاسع من كتاب بحار الأنوار ، والسيد البحراني في كتاب مدينة المعاجز بتغيير ما ، فمَن أراده فليراجعهما ) .

أقول : إنّ ما ذكره السيد الخوانساري من إيراد أبيات للحافظ رجب البرسي ، فإنّها جاءت في ابتداء الجزء الثاني ومعها عدّة أحاديث ، ثمّ بعد تمامها يبدأ الكتاب هكذا : ( بسم الله الرحيم الرحيم ، رُوي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال :لأخي عليّ بن أبي طالب فضائل لا تحصى كثرة . ) .

فيحتمل أن تكون هذه الأشعار من زيادة النسّاخ ، مضافاً إلى أنّها لم ترد في النسخة المطبوعة في منشورات الشريف الرضي ، بل ذكر الناشر عدّة أبيات للحافظ البرسي في نهاية الكتاب .

وكذلك الحال بالنسبة إلى قوله : ( وذكره المجلسيرحمه‌الله في المجلّد التاسع من كتاب بحار الأنوار ، والسيد البحراني في كتاب مدينة المعاجز . ) فنحن نجزم بعدم كون هذه الجملة من أصل الكتاب ؛ لعدم ورودها في النسخ التي اعتمدنا عليها في تحقيق الكتاب .

وأمّا بالنسبة إلى قول السيد الأمين بأنّ اسم الكتاب يدلّ على أنّه في المواعظ خاصّة ، فإنّا لا نرى هذه الخاصية ؛ لأنّ اسم الكتاب كما عرفت هو ( إرشاد القلوب إلى الصواب المنجي مَن عمل به من أليم العقاب ) فكما أنّ العمل بالمواعظ منجي فكذلك ذكر أهل البيت وذكر فضائلهم سيّما الإمام أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة


والسلام ، فإنّهم حجج الله ، وصراطه ، وميزانه ، وأنّ حساب الخلق عليهم ، وإيابهم إليهم وفصل الخطاب عندهم .

وبعد هذا كلّه وبعد اعتراف الشيخ الحرّ بأنّ الكتاب يقع في مجلّدين ، وبعد اعتماد العلاّمة المجلسيرحمه‌الله ، والسيد هاشم البحراني في كتبهما على الجزء الثاني ، وإذعانهما بأنّه للمؤلّف بذكرهما أحاديث كثيرة عنه ؛ لا يبقى لنا مجال للتشكيك في أنّ المجلّد الثاني من كتاب إرشاد القلوب للديلمي أم لغيره ، هذا ما توصّلنا إليه من ظاهر الأمر ، والله أعلم بحقائق الأمور .


منهج التحقيق

اعتمدنا في تحقيق هذا الكتاب على عدّة نسخ :

١ ـ النسخة المحفوظة في مكتبة الإمام الرضاعليه‌السلام في مشهد المقدّسة برقم (١٤٣٧٢) وهي التي اعتمدت عليها في استنساخ الكتاب لجودة خطّها وقلّة خطأها ، ورمزت لها بـ ( ألف ) ، ولم يرد تاريخ نسخها في آخرها لكن ذكر في فهرس المكتبة الرضويّة أنّها نسخت في القرن التاسع الهجري .

٢ ـ النسخة المحفوظة في مدرسة الشهيد المطهّري في طهران ، تحت رقم (٥٢٨٦) ولم يُعلم تاريخ نسخها لانمحاء الأسطر الأخيرة منها ، ورمزت لها بحرف ( ب ) .

٣ ـ النسخة المحفوظة في مكتبة آية الله العظمى السيد المرعشي النجفي (قدّس سرّه) ، تحت رقم (٥٧٧) ، وجاء في آخرها : ( ولقد وقع الفراغ من استنساخ هذه النسخة الشريفة عصر يوم السبت ثالث عشر شهر محرّم الحرام في سنة (١١٢٧) ) ولم أعتمد عليها كثيراً إلاّ في ما لم أجده في النسختين المتقدّمتين ، فإنّه


وقع في هاتين النسختين سقط في موضعين من المجلّد الأوّل ، أحدهما : في الباب الرابع عشر ، والثاني : في الباب الثالث والعشرون .

٤ ـ النسخة المطبوعة من قِبل منشورات الشريف الرضي ، ورمزت لها بحرف ( ج ) ، وهي نسخة كثيرة الأخطاء والأغلاط ، وقد حذف الناشر من آخرها ـ للظروف التي كانت آنذاك في بغداد ـ فصلاً كاملاً في ذكر صفات أعداء أمير المؤمنينعليه‌السلام ومثالبهم والبدع التي ابتدعوها .

وممّا يؤيّد أنّ هذا الفصل من أصل الكتاب ، مجيئه أوّلاً في النسخ الخطّية ، وثانياً نَقْلُ العلاّمة المجلسيرحمه‌الله إيّاه في المجلّد الثامن من البحار ونسبته إلى المؤلّف .

٥ ـ راجعنا في بعض الأحيان إلى ما أورده العلاّمة المجلسي في بحار الأنوار وذكرنا موارد الاختلاف في الهامش .

وإنّي بعد الاستنساخ والمقابلة حاولت ـ حسب وسعي وجهدي ـ في تخريج الأحاديث ، ولكن بقيت أحاديث لم أستطع تخريجها ، أو وجدت ما يشابهها فذكرت المصدر مع الإشارة إلى أنّ هذا ليس نصّ الحديث بقولي : ( نحوه ) أو ( مثله ) أو ( باختلاف ) ، وأرجعت بعضها الآخر إلى البحار ، وهو وإن كان متأخّراً إلاّ أنّي رأيت عدم الإهمال أولى من الإهمال .

وذكر المؤلّف (قدّس سرّه) في الباب الثاني والخمسون ، وكذلك في الباب الثالث والخمسون أحاديث كثيرة من كتاب ورّام بن أبي فراس ، ولكن مع الفحص الشديد ـ بحيث تصفّحت ورقة ورقة من الكتاب ـ لم أعثر على بعض الأحاديث ، ولا يبعد أن يكون هذا الكتاب ناقصاً ، مع كونه جديراً بإعادة الطبع والتحقيق لمَن يتمكّن ذلك ويُوَفَّق .

وفي الختام أسأل الله العليّ الأعلى أن يتقبّل منّا هذا القليل ، وأن ينفع به


إخواننا المؤمنين ، ويوفّقنا لخدمة هذا الدين المبين ، فهو خير ناصر ومعين ، والحمد لله ربّ العالمين .

 السيد هاشم الميلاني

 قم المقدّسة ـ ذو الحجّة ١٤١٦ هـ ق


الصفحة الأُولى من نسخة ( أ )


الصفحة الأخيرة من نسخة ( أ )


الصفحة الأُولى من نسخة ( ب )


الصفحة الأخيرة من نسخة ( ب )


الصفحة الأُولى من نسخة ( د )


الصفحة الأخيرة من نسخة ( د )


 [ مقدّمة المؤلّف ]

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين

الحمد لله ربّ العالمين ، وصلّى الله على محمّدٍ خاتم النبيّين ، وعلى آله الطاهرين .

أمّا بعد ، فإنّه لمّا استولى سلطان الشهوة والغضب على الآدميين ، ومحبّة كلّ منهم لنفسه ، واشتغاله عن آخرته ورمسه ، عملت هذا الكتاب وسمّيته بـ (إرشاد القلوب إلى الصواب المُنجي مَنْ عمل به مِن أليم العقاب ) .

واعلموا رحمكم الله تعالى أنّ الله عزّ وجلّ لم يخلق العالم عبثاً فتركه سداً ، بل جعل لهم عقولاً دلّهم(١) بها على معرفته ، وأبان لهم بها شواهد قدرته ودلائل وحدانيّته ، وأعطاهم قوى مكّنهم بها من طاعته ، والانتهاء عن معصيته لئلاّ تجب لهم الحجّة عليه .

فأرسل إليهم أنبياء وختمهم بسيّد المرسلين محمد بن عبد الله الصادق الأمين ، صلوات الله وسلامه عليه وآله وعليهم أجمعين ، وأنزل عليهم كتبه بالوعد والوعيد

____________

(١) في ( ب ) : دلّوا .


والترهيب ، فحذّر وأنذر وزجر فأعذر(١) ، فقال جلّ من قائل :

( رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) (٢) .

وقال سبحانه :( وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى ) (٣) .

وقال سبحانه :( وما كنّا معذّبين حتّى نبعث رسولاً ) (٤) .

وقال :( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ) (٥) .

وقال سبحانه :( ويحذّركم الله نفسه ) (٦) .

وقال :( واعلموا أنّ الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه ) (٧) .

وقال سبحانه :( وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ ) (٨) .

وقال :( واتقون يا أولي الألباب ) (٩) .

وقال تعالى :( وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) (١٠) .

وقال سبحانه :( وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ ) (١١) .

____________

(١) في ( ب ) : فحذروا وأنذروا وزجروا فأعذروا .

(٢) النساء : ١٦٥ .

(٣) طه : ١٣٤ .

(٤) الإسراء : ١٥ .

(٥) يونس : ٥٧ .

(٦) آل عمران : ٢٨ .

(٧) البقرة : ٢٣٥ .

(٨) البقرة : ٢٢٣ .

(٩) البقرة : ١٩٧ .

(١٠) البقرة : ٢٨١ .

(١١) البقرة : ١٢٣ .


وقال سبحانه :( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ ) (١) .

وقال سبحانه :( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ) (٢) .

وقال سبحانه :( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً ) (٣) .

وقال عزّ وجلّ :( يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ ) (٤) .

وقال سبحانه :( فاتقوا النّار التي وقودها الناس والحجارة ) (٥) .

وقال جلّ من قائل :( اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ) (٦) .

وقال سبحانه :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ) (٧) .

وقال جلّ وعزّ من قائل :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) (٨) .

وقال سبحانه :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ) (٩) .

____________

(١) لقمان : ٣٣ .

(٢) الحج : ١ .

(٣) النساء : ١ .

(٤) الزمر : ١٦ .

(٥) البقرة : ٢٤ .

(٦) الأنبياء : ١ ـ ٢ .

(٧) النور : ٢١ .

(٨) التحريم : ٦ .

(٩) الأحزاب : ٧٠ .


وقال :( يا أيّها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدّمت لغدٍ واتقوا الله إنّ الله خبير بما تعملون ) (١) .

وقال :( واتقوا الله إنّ الله شديد العقاب ) (٢) .

وقال :( يا أيّها الإنسان ما غرّك بربّك الكريم ) (٣) .

وقال :( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ) (٤) .

وقال :( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ ) (٥) .

وقال :( أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ) (٦) .

وقال :( أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ ) (٧) .

وقال :( فأمّا مَن طغى * وآثر الحياة الدنيا * فإنّ الجحيم هي المأوى * وأمّا مَن خاف مقام ربّه ونهى النفس عن الهوى * فإنّ الجنّة هي المأوى ) (٨) .

وقال :( أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ) (٩) .

وقال :( وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ) (١٠) .

وقال :( وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (١١) .

____________

(١) الحشر : ١٨ .

(٢) المائدة : ٢ .

(٣) الانفطار : ٦ .

(٤) الحديد : ١٦ .

(٥) المؤمنون : ١١٥ .

(٦) القيامة : ٣٦ـ٣٧ .

(٧) الأعراف : ٩٧ـ٩٨ .

(٨) النازعات : ٣٧ـ٤١ .

(٩) فاطر : ٣٧ .

(١٠) الزمر : ٥٤ .

(١١) النور : ٣١ .


وقال :( يا أيّها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبةً نصوحاً ) (١) .

وقال :( أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم ) (٢) .

ثم خوّفهم سبحانه وتعالى أحوال القيامة وزلزالها وعظيم أخطارها ، وسمّاها لهم بعظيم الأسماء وكثير(٣) البلاء وطول العناء ، ليحذروها ويعتدّوا لها بعظيم الزاد ، وحسن الارتياد(٤) .

سّماها الواقعة ، والراجفة ، والطّامة ، والصّاخّة ، والحاقّة ، والساعة ، ويوم النشور ، ويوم الحسرة ، ويوم الندامة ، ويوم المسألة ، ويوم الندم ، ويوم الفصل ، ويوم الحق ، ويوم الحساب ، ويوم المحاسبة ، ويوم التلاق ، وقال :( يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلاّ مَن أتى الله بقلبٍ سليم ) (٥) .

وقال :( وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاّ مَنْ شَاءَ اللهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ * وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ) (٦) .

وقال :( كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ ) (٧) .

وقال :( وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ ) (٨) .

____________

(١) التحريم : ٨ .

(٢) المائدة : ٧٤ .

(٣) في ( ج ) : كبير .

(٤) في ( ب ) و( ج ) : الازدياد .

(٥) الشعراء : ٨٨ و٨٩ .

(٦) النمل : ٨٧ ـ ٨٨ .

(٧) الأحقاف : ٣٥ .

(٨) ق : ٤١ و٤٢ .


وقال :( يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْراً * وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْراً * فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) (١) .

وقال :( يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ) (٢) .

وقال :( يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ * وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً * يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ * وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ ) (٣) .

وقال :( يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيباً مَهِيلاً ) (٤) .

وقال :( فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً * السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً ) (٥) .

وقال :( إلى ربّك يومئذٍ المساق ) (٦) .

وقال :( إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ * يُنَبَّأُ الإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ) (٧) .

وقال :( هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ * وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ) (٨) .

وقال :( هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالأَوَّلِينَ * فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ ) (٩) .

وقال :( إنّ يوم الفصل كان ميقاتاً * يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجاً * وفتحت السماء فكانت أبواباً * وسيّرت الجبال فكانت سراباً * إنّ جهنّم كانت مرصاداً

____________

(١) الطور : ٩ ـ ١١ .

(٢) القلم : ٤٢ ـ ٤٣ .

(٣) المعارج : ٨ ـ ١٤ .

(٤) المزمل : ١٤ .

(٥) المزمل : ١٧ ـ ١٨ .

(٦) القيامة : ٣٠ .

(٧) القيامة : ١٢ و١٣ .

(٨) المرسلات : ٣٥ ـ ٣٦ .

(٩) المرسلات : ٣٨ ـ ٣٩ .


* للطاغين مآباً * لابثين فيها أحقاباً * لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً * إلاّ حميماً وغسّاقاً * جزآءً وفاقاً ) (١) .

وقال :( يوم يقوم الروح والملائكة صفّاً لا يتكلّمون إلاّ مَن أذن له الرحمن وقال صواباً * ذلك اليوم الحق فمَن شاء اتخذ إلى ربّه مآباً * إنّا أنذرناكم عذاباً قريباً يوم ينظر المرء ما قدّمت يداه ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً ) (٢) .

وقال :( يوم ترجف الراجفة * تتبعها الرادفة * قلوب يومئذٍ واجفة * أبصارها خاشعة ) (٣) .

وقال :( يوم يتذكّر الإنسان ما سعى * وبرّزت الجحيم لمَن يرى ) (٤) .

وقال :( يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ * فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ ) (٥) .

وقال :( يوم نقول لجهنّم هل امتلأت وتقول هل من مزيد ) (٦) .

وقال :( وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصَاهَا ) (٧) .

وكرّر سبحانه وتعالى ذكرها في مواضع كثيرة ، ولم تخل سورة من القرآن إلاّ وذكرها فيها ليكون ذلك أبلغ في تخويف الناس ، وأوكد في وجوب الحجّة عليهم ، وتبصرة لهم وشفقة عليهم ، وإنذاراً وإعذاراً إليهم وموعظة لهم .

____________

(١) النبأ : ١٧ ـ ٢٦ .

(٢) النبأ : ٣٨ ـ ٤٠ .

(٣) النازعات : ٦ ـ ٩ .

(٤) النازعات : ٣٥ ـ ٣٦ .

(٥) القارعة : ٤ ـ ١١ .

(٦) ق : ٣٠ .

(٧) الكهف : ٤٩ .


فتدبروها وفرّغوا قلوبكم لها ، ولا تكونوا من الغافلين ، فإنّ الله تعالى يقول :( أفلا يتدبّرون القرآن أم على قلوبٍ أقفالها ) (١) .

فافتحوا أقفالها بالتدبّر والتفكر والتبصّر والاعتبار ، فإنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :أتتكم الفتن كقطع الليل المظلم ، قالوا : يا رسول الله ففيم النجاة ؟

قال :عليكم بالقرآن ، فإنّه مَن جعله أمامه قاده إلى الجنّة ، ومن جعله خلفه ساقه (٢) إلى النار ، وهو أوضح دليل إلى خير سبيل ، مَن قال به صدق ، ومَن حكم به عدل ، ومَن أخذ به أوجز ، (٣) ومَن عمل به وفّق (٤) .

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام مادحاً للمؤمن العامل به :قد ألزم الكتاب زمامه فهو قائده ودليله ، يحلّ حيث حلّ ثقله ، وينزل حيث كان منزله ، لا يدع للخير غاية إلاّ أمّها ، ولا منزلة إلاّ قصدها (٥)

وقالعليه‌السلام :القرآن ظاهره أنيق ، (٦) وباطنه عميق ، لا تفنى عجائبه ، ولا تنقضي غرائبه ، ولا تكشف الظلمات إلاّ به (٧)

فتفكّروا وانزجروا بقوله تعالى :

( وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآَزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ ) (٨) .

وقال سبحانه :( وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا

____________

(١) محمد : ٢٤ .

(٢) في ( ج ) : قاده .

(٣) في ( ب ) : أُجر .

(٤) راجع الكافي ٢ : ٥٩٨ ح٢ بتفصيل أكثر .

(٥) نحوه في البحار : ٢ : ٥٦ ضمن حديث ٣٦ .

(٦) أنيق : حسن معجب .

(٧) نهج البلاغة : خطبة ١٨ ، عنه البحار : ٢ :٢٨٤ ح١ .

(٨) غافر : ١٨ .


يُؤْمِنُونَ ) (١) .

وقال :( أَزِفَتِ الآَزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللهِ كَاشِفَةٌ ) (٢) .

وقال :( وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ * وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ ) (٣) .

وقال تعالى :( أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِين ) (٤) .

وقال :( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ) (٥) .

وقال :( يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ ) (٦) .

وقال :( يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً * السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً ) (٧) .

فاحذروا عباد الله يوم يشيب فيه رؤوس الصغار ، ويسكر الكبار ، وتضع(٨) الحبالى ، وقال :

( يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ) (٩) .

____________

(١) مريم : ٣٩ .

(٢) النجم : ٥٧ ـ ٥٨ .

(٣) إبراهيم : ٤٤ ـ ٤٥ .

(٤) المطففين : ٤ ـ ٦ .

(٥) آل عمران : ٣٠ .

(٦) الحج : ٢ .

(٧) المزمّل : ١٧ ـ ١٨ .

(٨) في ( ألف ) : يوضع .

(٩) آل عمران : ١٠٦ .


وقال :( يومئذ يصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم * فمَن يعمل مثقال ذرّةٍ خيراً يره * ومَن يعمل مثقال ذرّةٍ شرّاً يره ) (١) .

وقال :( يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ) (٢) .

وقال :( يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ) (٣) .

وقال :( يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) (٤) .

وقال :( يوم ينظر المرء ما قدّمت يداه ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً ) (٥) .

وقال :( يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ) (٦) .

وقال :( وجيء يومئذ بجهنّم يومئذ يتذكر الإنسان وأنّى له الذكرى * يقول يا ليتني قدّمت لحياتي * فيومئذٍ لا يعذّب عذابه أحد * ولا يوثق وثاقه أحد ) (٧) .

وقال :( يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) (٨) .

وقال :( وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً * وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّاً لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً ) (٩) .

( . . وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ

____________

(١) الزلزلة : ٦ ـ ٨ .

(٢) الطور : ٤٦ .

(٣) عبس : ٣٤ و٣٧ .

(٤) النحل : ١١١ .

(٥) النبأ : ٤٠ .

(٦) غافر : ٥٢ .

(٧) الفجر : ٢٣ ـ ٢٦ .

(٨) إبراهيم : ٤٨ .

(٩) الكهف : ٤٧ ـ ٤٨ .


زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ) (١) .

وقال :( يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ) (٢) .

وقال :( يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (٣) .

وقال :( ويخافون يوماً كان شرّه مستطيراً ) (٤) .

وقال :( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ) (٥) .

وقال :( يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ) (٦) .

وأكّده بالقسم بنفسه فقال :( فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (٧) .

وقال :( فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ * فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ ) (٨) .

وقال :( وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ) (٩) .

وقال :( يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللهُ وَنَسُوهُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) (١٠) .

____________

(١) الأنعام : ٩٤ .

(٢) الأنبياء : ١٠٤ .

(٣) النور : ٢٤ .

(٤) الإنسان : ٧ .

(٥) الأنبياء : ٤٧ .

(٦) لقمان : ١٦ .

(٧) الحجر : ٩٢ و٩٣ .

(٨) الأعراف : ٦ و٧ .

(٩) يس : ١٢ .

(١٠) المجادلة : ٦ .


وقال :( وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً ) (١) .

ثمّ إنّه سبحانه لم يؤيّس مَن أساء إلى نفسه وظلمها من رحمته ، ووعده بقبول التوبة والمحبّة عليها إذا تاب وأناب ، فقال سبحانه :( وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَحِيماً ) (٢) .

وقال :( كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (٣) .

وقال :( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (٤) .

وقال :( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً ) (٥) .

ودعاهم سبحانه بألطف الكلام وأرجاه وأقربه إلى قلوبهم ، تلطّفاً منه ورحمة وترغيباً ، فقال سبحانه :

( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) (٦) .

وقال :( إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمَن يشاء ) (٧) .

____________

(١) الفرقان : ٢٧ .

(٢) النساء : ١١٠ .

(٣) الأنعام : ٥٤ .

(٤) آل عمران : ١٣٥ .

(٥) النساء : ٦٤ .

(٦) الزمر : ٥٣ .

(٧) النساء : ٤٨ .


وقال سبحانه :( وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ ) (١) .

وقال سبحانه :( ادعوني أستجب لكم ) (٢) .

فوعدهم بالإجابة ومدحهم سبحانه في كتابه : العاملين بالطاعات ، المسارعين إلى الخيرات ، ليرغّب العباد في عملها ، كما رهّب في فعل السيّئات ليتناهى الناس عنها ، فقال :

( وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً ) (٣) .

وقال سبحانه :( وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً ) (٤) .

وقال سبحانه :( وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً ) (٥) .

وقال سبحانه :( الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (٦) .

وقال سبحانه :( قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) (٧) .

وقال :( يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ * ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ ) (٨) .

وقال :( وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ

____________

(١) آل عمران : ١٣٣ .

(٢) غافر : ٦٠ .

(٣) الطلاق : ٢ ـ ٣ .

(٤) الطلاق : ٤ .

(٥) الطلاق : ٥ .

(٦) يونس : ٦٣ ـ ٦٤ .

(٧) يونس : ٥٨ .

(٨) الزخرف : ٦٨ ـ ٧٠ .


* مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ) (١) .

فلم يقنط أحداً من فضله ورحمته ، وبسط العفو والرحمة ، ووعد وتوّعد ليكون العبد مترجّحاً بين الخوف والرجاء ، كما روي أنّه لو وُزن خوف العبد ورجاؤه لم يرجح أحدهما على الآخر .

فإذا عظم الخوف كان أدعى إلى السلامة ، فإنّه روي أنّ الله تعالى أنزل في بعض كتبه :وعزّتي وجلالي لا أجمع لعبدي المؤمن بين خوفين وأمنين ، إذا خافني في الدنيا أمنته في الآخرة ، وإذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة (٢) .

والدليل على ذلك من القرآن المجيد كثير ، منه قوله تعالى :( ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ) (٣) .

وقوله تعالى :( وأمّا مَن خاف مقام ربّه ونهى النفس عن الهوى * فإنّ الجنّة هي المأوى ) (٤) .

وقوله تعالى :( ولمَن خاف مقام ربّه جنّتان ) (٥) .

وقوله تعالى :( إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ) (٦) .

وقوله تعالى :( وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ ( يعني عن وجه السلامة )* قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ ( يعني خائفين )* فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ ) (٧) .

وقوله تعالى :( قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ

____________

(١) ق : ٣١ ـ ٣٣ .

(٢) الخصال : ٧٩ ح ١٢٧; عنه البحار ٧٠ :٣٧٩ ح ٢٨ .

(٣) إبراهيم : ١٤ .

(٤) النازعات : ٤٠ ـ ٤١ .

(٥) الرحمن : ٤٦ .

(٦) فاطر : ٢٨ .

(٧) الطور : ٢٥ ـ ٢٧ .


الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ) (١) ، يعني مدحهم بذلك .

وقال سبحانه :( ويدعوننا رغباً ورهباً ) (٢) .

وقال سبحانه عن هابيل يروي قوله لأخيه :( إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ) (٣) .

وقال :( وأمّا مَن خاف مقام ربّه ونهى النفس عن الهوى * فإنّ الجنّة هي المأوى ) (٤) .

وقال :( واتقون يا أُولي الألباب ) (٥) .

والآيات في ذلك كثيرة ، يعتبر بها ويتفكّر فيها مَن أسعده الله تعالى بالذكر ، وأيقظه بالتبصرة ، ولم يخلد إلى الأماني والكلام به ، فإنّ قوماً غرّتهم أماني المغفرة والعفو خرجوا من الدنيا بغير زاد مبلغ ، ولا عمل نافع ، فخسرت تجارتهم ، وبارت صفقتهم ، وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ، فلنسأل من الله توفيقاً وتسديداً يوقظنا به من الغفلة ، ويرشدنا إلى طريق الهدى والرشاد .

يقول العبد الفقير إلى رحمة ربّه ورضوانه ، أبو محمد الحسن بن أبي الحسن بن محمد الديلمي ، جامع هذه الآيات من الذكر الحكيم :

إنّما بدأت بالموعظة من كتاب الله تعالى لأنّه أحسن الذكر ، وأبلغ الموعظة ، وسأُتبعه إن شاء الله بكلام عن سيّدنا ومولانا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المؤيّد بالوحي ، المسدّد بالعصمة ، الجامع من الإيجاز والبلاغة ما لم يبلغه أحد من العالمين ، فقد قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :أوتيت جوامع الكلم .

____________

(١) المائدة : ٢٣ .

(٢) الأنبياء : ٩٠ .

(٣) المائدة : ٢٨ .

(٤) النازعات : ٤٠ و٤١ .

(٥) البقرة : ١٩٧ .


وقد صدق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإنّه إذا فكّر العبد في قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( أكثروا من ذكر هادم اللذّات ) علم أنه قد أتى بهذه اللفظة على جوامع العظة ، وبلاغة التذكرة ، دلّ على ذلك قول الله تعالى في امتنانه على إبراهيم وذرّيّته عليه وعليهم السلام :( إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ) (١) .

وفي قولهعليه‌السلام :( إيّاك وما يُعتذر منه ) فقد دخل في هذه اللفظة جميع آداب الدنيا ، وفي قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ) زجر(٢) عن كلّ الشبهات ، وقوله :( الأمور ثلاثة : أمر استبان رشده فاتبعوه ، وأمر استبان غيّه فاجتنبوه ، وأمر اشتبه عليكم فردّوه إلى الله ) ، وفي قوله :( إيّاك وما يسوء الأدب ) فقد استوفى بهذا كلّ مكروه ومذموم .

وفي أحاديثهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من المواعظ والزواجر ما هو أبلغ من كلّ كلام مخلوق ، وأنا أذكر إن شاء الله من ذلك ما تيسّر إيراده بحذف الأسانيد لشهرتها في كتب أسانيدها ، وأُتبع ذلك بكلام أهل بيتهعليهم‌السلام ومَن تابعهم من الصالحين .

قال أنس بن مالك : جاء رجل إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : يا رسول الله ، أشكو إليك قسوة قلبي ، فقال له :اطلع إلى القبور ، واعتبر بيوم النشور .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :عودوا المرضى ، واتبعوا الجنائز ، يذكركم الآخرة (٣) وقد حثّ الله تعالى في الموعظة وندب إليها وأمر نبيّه بها ، فقال : ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ) (٤) .

____________

(١) ص : ٤٦ .

(٢) في ( ج ) : زجر نفسه .

(٣) راجع البحار ٨١ : ٢٦٦ ح ٢٤ .

(٤) النحل : ١٢٥ .


وقال سبحانه :( وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً ) (١) .

وقال :( وذكّر فإنّ الذكرى تنفع المؤمنين ) (٢) .

وقال :( وذكّرهم بأيّام الله ) (٣) ، يعني يوم القيامة ، ويوم الموت ، ويوم الحساب ، ويوم مساءلة القبر ، ويوم النشور ، وسلامة هذه الأيّام سأل الله عيسىعليه‌السلام بقوله :( وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً ) ، وإذا كان قوله : يوم ولدت وقد سأل [ أنواع الشكر على ](٤) سلامته منه يدلّ على شدّة المشقّة فيه أيضاً .

قال مصنّف هذا الكتاب : وقد رتّبت هذا الكتاب على خمسة وخمسون باباً .

____________

(١) النساء : ٦٣ .

(٢) الذاريات : ٥٥ .

(٣) إبراهيم : ٥ .

(٤) أثبتناه من ( ج ) و( ب ) .


الباب الأوّل : في ثواب الموعظة والمصلحة(١) بها

قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :ما أهدى المسلم لأخيه هديّة أفضل من كلمة حكمة ، تزيده هدى أوترّده عن ردى (٢) .

وقال :نعم العطية ، ونعم الهديّة الموعظة

وأوحى الله تعالى إلى موسىعليه‌السلام :تعلّم الخير وعلّمه مَن لا يعلمه ، فانّي منوّر لمعلّمي الخير ومتعلّميه قبورهم حتّى لا يستوحشوا بمكانهم (٣) .

وروي أنّه ذكر عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رجلان ، أحدهما يصلّي المكتوبة ويجلس ويعلّم الناس الخير ، وكان الآخر يصوم النهار ويقوم الليل ، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :فضل الأوّل على الثاني كفضلي على أدناكم (٤) وقد أثنى الله تعالى على إسماعيل بقوله :( إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً

____________

(١) في ( ج ) : النصيحة بها .

(٢) البحار ٢ :٢٥ ح ٨٨ ، معالم الزلفى : ١٣ .

(٣) مجموعة ورام ٢ : ٢١٢ ، معالم الزلفى : ١٣ .

(٤) مجموعة ورام ٢ : ٢١٢ .


نَبِيّاً * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً ) (١) .

وقالعليه‌السلام :ما تصدّق مؤمن بصدقة أحبّ إلى الله من موعظة يعظ بها قوماً متفرّقين ، وقد نفعهم الله بها ، وهي أفضل من عبادة سنه (٢)

فاستمع أيّها الغافل(٣) إلى الموعظة ، ولا تضرب عن الذكر صفحاً ، وغالب هواك ، وجاهد نفسك ، وفرّغ قلبك ، فإنّما جعل لك السمع لتعي به الحكمة ، والبصر لتعتبر ما ترى من خلق السماوات والأرض وما بينهما من الخلق ، واللسان لتشكر به نعم الله ، وتديم ذكره به وحمده وتلاوة كتابه ، والقلب لتتفكّر به .

فاجعل شغلك في آخرتك وما تصير إليه ، واصرف إليه همّتك ، فإنّ نصيبك من الدنيا يأتي من غير فكر ولا حركة ، فقد قال أمير المؤمنينعليه‌السلام :قد سبق إلى جنان (٤) عدن أقوام كانوا أكثر الناس عملاً (٥) ، فإذا وصلوا إلى الباب ردوهم عن الدخول ، فقيل : بماذا ردّوا ؟ ألم يكونوا في دار الدنيا صلّوا وصاموا وحجّوا ؟! فإذا النداء من قِبَل الملك الأعلى جلّ وعلا : بلى قد كانوا ، ليس أحد أكثر منهم صياماً ولا صلاةً ولا حجّاً ولا اعتماراً ، ولكنّهم غفلوا عن الله ومواعظه (٦) .

وعن سالم ، عن أبيه قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :أحبّ المؤمنين إلى الله من نصب نفسه في طاعة الله تعالى ، ونصح لأُمّة نبيّه ، وتفكّر في عيوبه فأصلحها ، وعلم فعمل (٧) .

وعن أنس قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :ألا أُخبركم بأجود

____________

(١) مريم : ٥٤ ـ ٥٥ .

(٢) مجموعة ورام ٢ : ٢١٢ .

(٣) في ( ج ) : العاقل .

(٤) في( ب ) و( ج ) : جنّات .

(٥) في ( ج ) : صلاة وصياما .

(٦) مجموعة ورام ٢ :٢١٣ .

(٧) الفردوس ١ : ٣٦٦ ح ١٤٧٦ .


الأجواد ؟ قالوا : بلى يا رسول الله صلّى الله عليك وآلك ، فقال :أجود الأجواد الله ، وأنا أجود بني آدم ، وأجودهم بعدي رجل علم بعدي علماً فنشره ، ويبعث يوم القيامة أُمّة واحدة (١) ، ورجل جاد بنفسه في سبيل الله حتّى قُتل (٢) .

وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :مَن علّم علماً فله أجر مَن عمل به إلى يوم القيامة (٣) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :إذا مات الرجل انقطع عمله إلاّ من ثلاث : صدقة جارية ، وعلم ينتفع به ، وولد صالح [ يدعو له ] (٤) (٥) .

وقال عيسىعليه‌السلام :مَن علم وعمل عُدّ في الملكوت عظيما ً(٦) .

وروي أنّه يؤتى بالرجل فيوضع عمله في الميزان ، ثم يؤتى بشيء مثل الغمام فيوضع فيه ، ثم يقال : أتدري ما هذا ؟ فيقول : لا ، فيقال له : هذا العلم الذي علّمته الناس فعملوا به بعدك(٧) .

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :الدنيا ملعونة وملعون مَن فيها ، إلاّ عالماً أو متعلّماً أو ذاكراً لله تعالى فيها (٨) .

وروي في قوله :( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لله حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (٩) ، إنّه كان يعلّم الخير .

وقيل : الموعظة حرز من الخطأ ، وأمان من الأذى ، وجلاء القلوب من الصدآء .

____________

(١) في ( ب ) : وحده .

(٢) الترغيب و الترهيب ١ : ١١٩ ح ٥ ، كنز العمّال ١٠ : ١٥١ ح ٢٨٧٧١ ، ومعالم الزلفى : ١٣ .

(٣) الجامع الصغير ٢ : ٦٢٤ ح ٨٨٦٣ نحوه .

(٤) أثبتناه من ( ج ) .

(٥) الترغيب والترهيب ١ : ٩٩ ح ٢٥ ، روضة الواعظين ١ : ١١ .

(٦) مجموعة ورام ١ : ٨٢ ، معالم الزلفى : ١٣ .

(٧) عنه معالم الزلفى : ١٣ .

(٨) كنز العمّال ٣ : ١٨٦ ح ٦٠٨٤ ، معالم الزلفى : ١٣ .

(٩) النحل : ١٢٠ .


وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام :الزاهدون في الدنيا قوم وعظوا فاتعظوا ، وخوّفوا فحذروا ، وعلموا فعملوا ، إن أصابهم يسر شكروا ، وإن أصابهم عسر صبروا (١) .

قالوا :(٢) يا رسول الله لا نأمر بالمعروف حتّى نعمل به كلّه ، ولا ننهى عن المنكر حتّى ننتهي عنه كلّه ، فقال :لا بل مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به كلّه ، وانهوا عن المنكر وإن لم تنتهوا عنه كلّه (٣) .

وقالعليه‌السلام :أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة مَن علم علماً فلم ينتفع به (٤) .

وقالعليه‌السلام :تعلّموا ما شئتم أن تعملوا ، فإنّكم لن تنتفعوا به حتّى تعملوا به ، وإنّ العلماء همّتهم الوعاية (٥) ، وإنّ السفهاء همّتهم الرواية (٦) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :إنّ الله أوحى إلى بعض أنبيائه في بعض كتبه قال : قل للذين يتفقّهون لغير الدين ، ويتعلّمون لغير العمل ، ويطلبون الدنيا بعمل الآخرة ، يلبسون للناس مفتول الضأن ، وقلوبهم قلوب الذئاب ، وألسنتهم أحلى من العسل ، وأعمالهم أمرّ من الصبر ، إيّاي يخادعون ؟ وبي يغترون ؟ وبديني يستهزؤون ؟ لأُبيحنّ لهم فتنة تدع الحكيم منكم حيرانا ً(٧) .

و قالعليه‌السلام :مثل مَن يعلم ويعلّم ولا يعمل كمثل السراج يضيء لغيره ويحرق نفسه (٨) .

____________

(١) مجموعة ورام ٢ : ٢١٣ ، مستدرك الوسائل ١٢ :٤٤ ح ١٣٤٧٤ .

(٢) في ( ج ) : قالوا : يا وصيّ رسول الله .

(٣) مجموعة ورام ٢ : ٢١٣ .

(٤) الترغيب والترهيب ١ : ١٢٧ ح ١٥ ، مجموعة ورام ٢ : ٢١٣ ، مكارم الأخلاق : ٤٦٠ ، روضة الواعظين : ١٠ .

(٥) في ( ب ) و( ج ) : الرعاية .

(٦) مجموعة ورام ٢ : ٢١٣ ، عدّة الداعي : ٧٦ .

(٧) مجموعة ورام ٢ :٢١٣; عدّة الداعي : ٧٩ ، كنز العمّال ١٠ :٢٠٠ ح ٢٩٠٥٤ .

(٨) مجموعة ورام ٢ : ٢١٤ ، عدّة الداعي : ٨٠ .


والعالم هو الهارب من الدنيا لا الراغب فيها ؛ لأنّ علمه دلّ على أنّه سمٌّ قاتل فحمله على الهرب من الهلكة ، فإذا التقم السمّ عرف الناس أنّه كاذب فيما يقوله .

وقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :إنّ لله تعالى خواصاً من خلقه يسكنهم الرفيق الأعلى من جنانه ؛ لأنّهم كانوا أعقل أهل الدنيا ، قيل : يا رسول الله كيف كانوا أعقل أهل الدنيا ؟ قال :كانت همّتهم المسارعة إلى ربّهم فيما يرضيه فهانت الدنيا عليهم ، ولم يرغبوا في فضولها ، صبروا قليلاً فاستراحوا طويلاً (١) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :لكلّ شيء معدن ، ومعدن التقوى قلوب العارفين (٢) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :لا تزلّ قدم عبد يوم القيامة حتّى يسأل عن خمس خصال : عن عمره فيما أفناه ، وعن شبابه فيما أبلاه ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه ، وعن علمه ماذا عمل فيما علم (٣) .

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام :إنّما زهد الناس في طلب العلم لما يرون من قلّة انتفاع مَن علم بلا عمل (٤) .

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :علم لا ينتفع به ككنز لا ينفق منه (٥) .

وقالعليه‌السلام :العلم علمان ، علم باللسان وهو الحجّة على صاحبه ، وعلم بالقلب وهو النافع لمَن عمل به ، وليس الإيمان بالتمنّي ، ولكنّه ما ثبت في القلوب وعملت به الجوارح (٦) .

وكان نقش خاتم الحسين بن عليّعليهما‌السلام :علمت فاعمل وقال

____________

(١) مجموعة ورام ٢ : ٢١٤ .

(٢) روضه الواعظين : ٤ ، في ماهيّة العقول وفضلها .

(٣) الترغيب والترهيب ١ : ١٢٥ ح ٦ .

(٤) مجموعة ورام ٢ : ٢١٥ .

(٥) كنز العمّال ١٠ :١٩٠ ح ٢٨٩٩٤ .

(٦) مجموعة ورام ٢ : ٢١٤ .


بعضهم : أوّل العلم الإنصات ، ثم الاستماع ، ثم الحفظ ، ثم العمل ، ثم نشره .

وقيل في قوله تعالى :( فنبذوه ورآء ظهورهم ) (١) قال : تركوا العمل به والنشر له(٢) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :مثل ما بعثت به من الهدى والرحمة ، كمثل غيث أصاب الأرض منها ، فمنها ما أنبت العشب والكلأ (٣) ، وكانت منها أخاديد (٤) حقنت الماء ، فانتفع به الناس فشربوا وسقوا زروعهم ، وأرض سبخة (٥) لم تمسك الماء ولم تنبت الزرع ، كذلك قلوب العالمين العاملين ، وقلوب العالمين التاركين (٦) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :لا يكون الرجل مسلماً حتّى يسلم الناس من يده ولسانه ، ولا يكون مؤمناً حتّى يأمن أخوه بوائقه ، وجاره بوادره (٧) ، ولا يكون عالماً حتّى يكون عاملاً بما علم ، ولا يكون عابداً حتّى يكون ورعاً ، ولا يكون ورعاً حتّى يكون زاهداً فيما في أيدي الناس ، يا أخي أطل الصمت ، وأكثر الفكر ، واعمل بالموعظة ، وأقلّ الضحك ، واندم على خطيئتك ، تكن عند الله وجيهاً مقبولاً (٨) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :رأيت ليلة أُسري بي إلى السماء قوماً تُقرض شفاهم بمقاريض من نار ثم ترمى ، فقلت : يا جبرئيل من هؤلاء ؟ فقال : خطباء

____________

(١) آل عمران : ١٨٧ .

(٢) مجموعة ورام ٢ : ٢١٤ .

(٣) العشب : الكلأ الرطب ، والكلأ عند العرب يقع على العشب وغيره ، والعشب : الرطب من البقول البريّة ، ينبت في الربيع ( لسان العرب ) .

(٤) الخد : الحفرة .

(٥) السبخة : أرض ذات ملح ونزّ ، وجمعها سباخ ( لسان العرب ) .

(٦) مجموعة ورام ٢ : ٢١٤ .

(٧) البادرة : الحدّة والغضب والخطأ .

(٨) مجموعة ورام ٢ :٢١٤ نحوه .


أُمّتك ، يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب ، أفلا يعقلون (١) .

وقال بعضهم : العالم طبيب الأُمّة ، والدنيا الداء ، فإذا رأيت الطبيب يجرّ الداء إلى نفسه فاتهمه في علمه ، واعلم أنّه الذي لا يوثق به فيما يقول .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :لا تطلبوا العلم لتباهوا به العلماء ، ولا لتماروا به السفهاء ، ولا لتراؤوا به في المجالس ، ولا لتصرفوا به وجوه الناس إليكم للتراؤس ، فمَن فعل ذلك كان في النار ، وكان علمه حجّة عليه يوم القيامة ، لكن تعلّموه واعملوا به (٢) .

____________

(١) مجموعة ورام ٢ : ٢١٥ ، ومثله كنز العمّال ١٠ :٢٠٩ ح ٢٩١٠٦ .

(٢) مجموعة ورام ٢ : ٢١٥ ، معاني الأخبار : ١٨٠ ، المواعظ : ٢٦ نحوه .


الباب الثاني : في الزهد في الدنيا وذكر الآيات المنزلة فيه

قال الله تعالى :( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ ) (١) .

وقال سبحانه :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) (٢) .

وقال تعالى :( وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاّ مَتَاعٌ ) (٣) يعني جيفة .

وقال :( إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آَيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) (٤) .

____________

(١) لقمان : ٣٣ .

(٢) الحشر : ١٨ .

(٣) الرعد : ٢٦ .

(٤) يونس : ٨ .


وقال :( إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) (١) .

وقال سبحانه :( مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ) (٢) .

وقال تعالى :( مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (٣) .

وقال سبحانه :( مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ) (٤) .

وقال سبحانه ذامّاً لقوم :( كلاّ بل تحبّون العاجلة * وتذرون الآخرة ) (٥) .

وقال سبحانه :( إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً ) (٦) .

وقال :( وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) (٧) .

وقال :( وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ

____________

(١) يونس : ٢٤ .

(٢) الإسراء : ١٩ .

(٣) هود : ١٥ ـ ١٦ .

(٤) الشورى : ٢٠ .

(٥) القيامة : ٢٠ و٢١ .

(٦) الدهر : ٢٧ .

(٧) القصص : ٦٠ .


كَانُوا يَعْلَمُونَ ) (١) .

وقال :( اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاّ مَتَاعُ الْغُرُورِ ) (٢) .

وقال سبحانه :( لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ * لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللهِ وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ ) (٣) .

وقال سبحانه :( وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) (٤) .

وقال تعالى :( قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ) (٥) .

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأبي ذررضي‌الله‌عنه :كن في الدنيا كأنّك غريب ، واعدد نفسك من الموتى ، فإذا أصبحت لا تحدّث نفسك بالمساء ، وإذا أمسيت لا تحدّث نفسك بالصباح ، وخذ من صحّتك لسقمك ، ومن شبابك لهرمك ، و من حياتك لوفاتك ، فإنّك لا تدري ما اسمك غداً (٦) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :أكثروا من ذكر هادم اللذّات ، فإنّكم إن كنتم في

____________

(١) العنكبوت : ٦٤ .

(٢) الحديد : ٢٠ .

(٣) آل عمران : ١٩٦ ـ ١٩٨ .

(٤) طه : ١٣١ .

(٥) النساء : ٧٧ .

(٦) مكارم الأخلاق : ٤٥٨; روضة الواعظين : ٤٤٨ ، مشكاة الأنوار : ٣٠٤ .


ضيق وسّعه عليكم فرضيتم به وأُثبتم (١) ، وإن كنتم في غنى نغّصه (٢) إليكم فجدتم به فأجرتم ، فإنّ أحدكم إذا مات فقد قامت قيامته ، يرى ما له من خير أو شرّ .

إنّ الليالي قاطعات الآمال ، والأيّام مدنيات الآجال ، وإنّ المرء عند خروج نفسه [ وحلول رمسه ](٣) يرى جزاء ما أسلف ، وقلّة غنى ما خلّف ، ولعلّه من باطل جمعه ، أو من حق منعه(٤) .

وقال سعد لسلمان في مرضه : كيف تجد نفسك ؟ فبكى ، فقال : ما يبكيك ؟ فقال : والله ما أبكي حزناً على الدنيا ، ولكن بكائي لأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب ، فأخاف أن أكون قد تجاوزت ذلك ، وليس حوله في بيته غير مطهرة وإجّانة(٥) وقصعة(٦) .

وقال ثوبان : يا رسول الله ما يكفيني من الدنيا ؟ فقال :ما سدّ جوعتك ، ووارى عورتك ، وإن كان لك بيت يظلّك فبخ بخ ، وأنت مسؤول عمّا بعد ذلك (٧) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :تفرّغوا من هموم الدنيا [ ما استطعتم ] (٨) ، فإنّه مَن كانت الدنيا همّته قسى قلبه ، وكان فقره بين عينيه ، ولم يعط من الدنيا غير نصيبه المكتوب له ، ومَن كانت الآخرة همّته جمع الله له أمره ، وجعل غناه في قلبه ، وأتته الدنيا راغمة (٩) .

وقال موسى بن جعفرعليهما‌السلام :أهينوا الدنيا ، فإنّ أهنى ما يكون لكم

____________

(١) في ( ب ) : فأنستم .

(٢) في ( ب ) : بغّضه .

(٣) أثبتناه من ( ج ) .

(٤) أورده المصنف (ره) في أعلام الدين : ٣٣٥ ، وانظر أيضاً معالم الزلفى : ٦٩ .

(٥) الإجّانة ـ بالكسر والتشديد : واحدة الأجاجين ، وهي المركن والذي يغسل فيه الثياب مجمع البحرين .

(٦) مجموعة ورام ٢ : ٢١٥ ، البحار ٢٢ : ٣٨١ ح ١٤ .

(٧) مجموعة ورام ٢ : ٢١٥ .

(٨) أثبتناه من ( ج ) .

(٩) الجامع الصغير ١ : ٥١٤ ح ٣٣٤٣ ، الفردوس ٢ : ٥٣ ح ٢٣٠٠ .


أهون ما يكون عليكم ، فانّه ما أهان قوم الدنيا إلاّ هنّأهم الله العيش ، وما أعزّها قوم إلاّ ذلّوا وتعبوا وكانت عاقبتهم الندامة (١) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأبي ذر :يا أبا ذر إنّ الدنيا سجن المؤمن والقبر أمنه والجنّة مأواه ، وإنّ الدنيا جنّة الكافر والقبر عذابه والنار مثواه (٢) .

وقال :الزاهد في الدنيا يريح قلبه وبدنه ، والراغب فيها يُتعب قلبه وبدنه (٣) .

وقال : المؤمن يتزوّد ، والكافر يتمتّع ، يا ابن آدم عفّ عن محارم الله تكن عابداً ، وارض بما قسم الله لك تكن غنيّاً ، وأحسن جوار مَن جاورك تكن مسلماً ، وصاحب الناس بما تحب أن يصحبوك تكن منصفاً ، إنّه قد كان قبلكم قوم جمعوا كثيراً ، وبنوا مشيداً ، وأملوا بعيداً ، فأصبح جمعهم بوراً ، ومساكنهم قبوراً .

يا ابن آدم إنّك مرتهن بعملك ، متعرّض على ربّك ، فجد بما في يديك لما بين يديك ، وطأ الأرض بقدمك ، فإنّها عن قليل مسكنك ، لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت على الأرض من بطن أُمّك(٤) .

وقال :مَن استغنى بالله أحوج الله الناس إليه (٥) .

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام :الدنيا منتهى بصر الأعمى ، لا يبصر ممّا وراءها شيئاً ، والبصير ينفذها بصره ، ويعلم أنّ الدار (٦) وراءها ، فالبصير منها شاخص ، والأعمى إليها شاخص ، والبصير منها يتزوّد ، والأعمى إليها يتزوّد (٧) .

وقال :الزهد قصر الأمل ، والشكر على النعم ، والورع عن المحارم ، فإن عزب

____________

(١) أورد نحوه في أعلام الدين : ٢٨٠ .

(٢) راجع البحار ٦ : ١٦٩ ح ٤١ .

(٣) روضة الواعظين : ٤٤١ نحوه .

(٤) مجموعة ورام ٢ : ٢١٦ .

(٥) البحار ٧٨ : ٧٩ ح ٦٢ نحوه .

(٦) في ( ب ) : النار ، وفي ( ج ) : البوار .

(٧) نهج البلاغة : الخطبة ١٣٣ .


ذلك عنكم فلا يغلب الحرام صبركم ، ولا تنسوا عند النعم شكركم ، فإنّ الله تعالى قد أعذر إليكم بحجج ظاهرة مستقرّة ، وكتب بارزة (١) ظاهرة (٢) .

وقالعليه‌السلام :أيّها الناس إنّ الدنيا دار ممرّ والآخرة دار مستقرّ ، فخذوا من ممرّكم لمستقرّكم ، وأخرجوا من الدنيا قلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم ، فللآخرة خلقتم وفي الدنيا حبستم .

وإنّ المرء إذا مات قالت الملائكة : ما قدّم ، وقال الناس : ما خلّف ، فللّه إياكم ، قدّموا كلّما (٣) يكون لكم ، ولا تخافوا (٤) كلّما يكون عليكم ، فإنّما مثل الدنيا مثل السمّ يأكله مَن لا يعرفه (٥) .

وقالعليه‌السلام :إنّ السعداء بالدنيا الهاربون منها اليوم (٦) .

وقال :ما يصنع بالمال والولد مَن يخرج منها ويحاسب عليها ، عراة دخلتم الدنيا وعراة تخرجون منها ، وإنّما هي قنطرة فاعبروا عليها وانتظروها .

وقال في دعائه :( اللّهمّ توفّني فقيراً ، ولا توفّني غنيّاً ، واحشرني في زمرة المساكين ) ، وقال :أشقى الأشقياء مَن اجتمع عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة (٧) .

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام :الرغبة فيما عند الله تورث الروح والراحة ، والرغبة في الدنيا تورث الهمّ والحزن (٨) .

وقال :إنّ من صفات أولياء الله : الثقة به في كل شيء ، والغنى به عن كل شيء ،

____________

(١) في ( ألف ) : مستقرّة .

(٢) نهج البلاغة : الخطبة ٨١ في الزهد .

(٣) في( ج ) : كيلا .

(٤) في ( ب ) و( ج ) : ولا تقدموا .

(٥) روضة الواعظين : ٤٤٢ في ذكر الدنيا ، ومشكاة الأنوار : ٢٦٩ .

(٦) نهج البلاغة : الخطبة ٢٢٣ ، عنه البحار ٧١ : ١٩٣ ح ٥٩ .

(٧) كنز الفوائد : ٢٨٩ ، عنه البحار ١٠٣ :٢٠ ح ٣ نحوه .

(٨) مشكاة الأنوار : ٢٦٩ .


والافتقار إليه في كل شيء (١) .

وقال :ادفع الدنيا بما يحضرك من الزاد وتبلغ به .

وكانعليه‌السلام ينشد ويقول :

ادفع الدنيا بما اندفعت

واقطع الدنيا بما انقطعت

يطلب المرء الغنى عبثاً

والغنى في النفس لو قنعت(٢)

وقالعليه‌السلام :والله لقد رقعت مدرعتي هذه حتّى استحييت من راقعها ، وقال لي قائل : ألا تنبذها ؟ فقلت : أعزب (٣) عنّي فعند الصباح يحمد القوم السُّرى (٤) .

وقال :الزاهدون في الدنيا ملوك الدنيا والآخرة ، والراغبون فيها فقراء الدنيا والآخرة ، ومَن زهد في الدنيا ملكها ، ومَن رغب فيها ملكته .

وقال نوف البكالي : كنت عند أمير المؤمنينعليه‌السلام ذات ليلة ، فقام من فراشه ونظر في النجوم ، ثمّ قرأ آيات آل عمران :( إنّ في خلق السموات والأرض . . ) (٥) .

ثم قال :يا نوف أراقد أنت أم رامق ؟ فقلت : بل رامق يا أمير المؤمنين ، فقال :يا نوف طوبى للزاهدين في الدنيا ، الراغبين في الآخرة ، أولئك قوم اتخذوا الأرض بساطاً ، وترابها فراشاً ، وماءها طيباً ، والقرآن شعاراً ، والدعاء دثاراً (٦) ، ثم قرضوا الدنيا قرضاً (٧) على منهاج المسيح .

____________

(١) كنز الفوائد : ٢٨٨ ، عنه البحار ١٠٣ : ٢٠ح٢

(٢) كنز الفوائد : ٢٨٩; عنه البحار١٠٣ : ٢١ح١٣ .

(٣) أعزب : بَعُد وأَبعَد ( القاموس ) .

(٤) نهج البلاغة : الخطبة ١٦٠ ، عنه البحار٤١ : ١٦٠ح٥٦ .

(٥) آل عمران : ١٨٨ .

(٦) الشعار : ما ولي شعر جسد الإنسان دون ما سواه من الثياب ، والدثار : الثوب الذي فوق الشعار ( لسان العرب ) .

(٧) في ( ج ) : رفضوا الدنيا رفضاً .


يا نوف إنّ الله تعالى أوحى إلى المسيح أن : قل لبني إسرائيل لا يدخلوا بيتاً من بيوتي إلاّ بقلوب طاهرة ، ونيّات (١) نقيّة ، وألسن ناطقة صادقة ، وأعلمهم أنّي لا أستجيب لأحد منهم دعاءً ولأحد من خلقي قبله تبعة ( يعني مظلمة ) .

يا نوف إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قام في مثل هذه الساعة فقال : إنّ هذه ساعة لا تردّ لأحد فيها دعوة إلاّ أن يكون عريفاً ، أو عشّاراً ، أو شرطيّاً ، أو شاعراً ، أو صاحب عرطبة (٢) والعرطبة الطبل الكبير والكبر(٣) الصغير ، وروي بالعكس .

وقال :ما عاقبت أحداً عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه ، وضع أمر أخيك على أحسنه ، ولا تظنّنّ بكلمة خرجت منه شرّاً وأنت تجد لها في الخير محملاً ، ومَن كتم سرّه ملك أمره وكانت الخيرة بيده ، ومَن عرض نفسه للتهمة فلا يلومنّ مَن أساء به الظن (٤) .

وعليكم بإخوان الصدق تعيشوا في أكنافهم ، ولا تهاونوا بالحلف (٥) فيهينكم الله ، ولا تتعرّضوا لما لا يعنيكم ، وعليكم بالصدق فهو النجاة والمنجاة ، واحذروا من عدوّكم من الجن والإنس ، ولا تصحبوا الفجّار ، واستشيروا ذوي الدين والنصيحة ترشدوا ، وواخوا الإخوان بالله ، ولا تعيبون شيئاً تأتون بمثله .

وقال سويد بن غفلة : دخلت على أمير المؤمنينعليه‌السلام في داره ، فلم أر

____________

(١) في ( ج ) : ثياب .

(٢) الخصال : ٣٣٧ح٤٠ باب ٦ ، عنه البحار٧٧ :٤٠١ح٢٢ .

(٣) كذا في الأصل .

(٤) في( ج ) : فلا يلومنّ إلاّ نفسه .

(٥) في( ب ) : في الخلق .


في البيت شيئاً فقلت : فأين الأثاث يا أمير المؤمنين ؟ فقال :يا ابن غفلة نحن أهل بيت لا نتأثّث في الدنيا نقلنا جلّ متاعنا إلى الآخرة ، إنّما مثلنا في الدنيا كراكب ظلّ تحت شجرة ثم راح وتركها (١) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :إنّ أشد ما أتخوّف عليكم منه اتباع الهوى وطول الأمل ، فإنّ اتباع الهوى يصدّ عن الحق ، وطول الأمل ينسي الآخرة ، وإنّ الله تعالى يعطي الدنيا لمَن يحب ويبغض ، ولا يعطي الآخرة إلاّ لمَن يحب وإنّ للدنيا أبناءً وللآخرة أبناء ، فكونوا من أبناء الآخرة [ ولا تكونوا من أبناء الدنيا ] (٢) فإنّ كلّ ولد يتبع بأُمّه ، ألا وإنّ الدنيا قد ترحّلت مدبرة ، والآخرة قد تجمّلت مقبلة ، وإنّكم في يوم عمل ليس فيه حساب ، ويوشك أن تكونوا في يوم حساب ليس فيه عمل (٣) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :يا أيّها الناس ، لا تغترّوا فإنّ الله تعالى لو أهمل شيئاً لأهمل الذرّة والخردلة والبعوضة (٤) .

وقال ابن مسعود : إنّما أنتم في الدنيا مع آجال منقوصة ، وأعمال محفوظة ، والموت يأتي بغتة ، فمَن يزرع خيراً يحصد زرعه رغبة ، ومَن يزرع شرّاً يحصد زرعه رهبة ، ومَن أُعطي خيراً فالله أعطاه ، ومَن وقي شرّاً فالله وقاه ، المتقون سادة ، والفقهاء قادة ، ومجالستهم زيادة ، ولو لم يكن فينا إلاّ حبّاً لمَن أبغض الله ـ وهي الدنيا ـ لكفى به ذنبا .

وقد قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة ، ومفتاح كلّ سيّئة ، وسبب إحباط كلّ حسنة (٥) . والعجب أنّ الله يقول :( إنّما أموالكم وأولادكم فتنة ) (٦) والناس يجمعونها ويحبّونها مع علمهم أنّهم مفارقوها ومحاسبون عليها .

____________

(١) مجموعة ورام : ٢ : ٢٢ نحوه .

(٢) أثبتناه من ( ب ) و( ج ) .

(٣) مجموعة ورام : ١ :٢٧١ نحوه .

(٤) مجموعة ورام : ٢ : ٢١٨ .

(٥) البحار ٧٧ : ١٨٢ ، مستدرك الوسائل ١٢ :٧٠ح١٣٥٣٨ .

(٦) الأنفال : ٢٨ .


ولقد أحسن مَن قال فيها :

هي الدنيا تقول لمَن عليها

حذارِ حذارِ من بطشي وفتكي

فلا يغرركم حسن ابتسامي

فقولي مضحكٌ والفعل مبكي (١)

____________

(١) مجموعة ورام ١ : ١ .


الباب الثالث : في ذمّ الدنيا ، منثوراً ومنظوماً

عجباً عجباً لغفلة الإنسان

قطع الحياة بذلّة وهوانِ

فكّرت في الدنيا فكانت منزلاً

عندي كبعض منازل الركبانِ

مجرى جميع الخلق فيها واحدٌ

فكثيرها وقليلها سيّانِ

أبغي الكثير إلى الكثير مضاعفاً

ولو اقتصرت على القليل كفاني

لله درّ الوارثين كأنّني

بأخصّهم متبرّم بمكاني

قلقاً يجهّزني إلى دار البلا

متحرّياً (١) لكرامتي بهواني

متبرّياً حتّى إذا نشر الثرى

فوقي طوى كشحاً على هجراني

وقال :

نل ما بداك أن تنال

فانّما تعطى وتسلب

واعلم بأنّك غافل

في العالمين (٢) وأنت تطلب

____________

(١) في ( ج ) : متحفّزاً .

(٢) في ( ج ) : في الغافلين .


والمشكلات كثيرة

والوقف عند الشكّ أصوب

يبغي المهذّب في الأمور

جميعها ومن المهذّب

وروي أنّه وجد على باب مدينة : يا ابن آدم غافص(١) الفرصة عند إمكانها ، ووكّل الأمور إلى مدبّرها ، ولا تحمل على نفسك همّ يوم لم يأتك ، فإنّه إن لم يكن من أجلك يأتي الله فيه برزقك ، ولا تكن عبرة للناظرين ، وأسوة بالمغرورين في جمع المال على المال ، فكم من جامع لبعل حليلته ، وتقتير المرء على نفسه توفير لخزانة غيره .

وقال الخليل : إنّما يجمع المرء المال لأحد ثلاثة كلّهم أعداؤه : إمّا زوج امرأته ، أو زوج ابنه ، أو زوج بنته ، فمال المرء لهؤلاء إن تركه ، فالعاقل الناصح لنفسه الذي يأخذ معه زاداً لآخرته ، ولا يؤثر هؤلاء على نفسه .

لبعضهم(٢) :

يا جامعاً لاهياً والدهر (٣) يرمقه

مفكّراً أيّ باب عنه يغلقه

جمعت مالاً فقل لي هل جمعت له

يا غافل القلب أيّاماً تفرّقه

ولأبي العتاهية :

أصبحت والله في مضيق

هل من دليل إلى الطريق

أُفٍّ لدنيا تلاعبت بي

تلاعب الموج بالغريق

قال أيضاً :

نظرت إلى الدنيا بعين مريضة

وفكرة مغرور وتدبير جاهلِ

فقلت هي الدنيا التي ليس غيرها (٤)

ونافست فيها في غرور وباطلِ

____________

(١) غافصه : فاجأه ، وأخذه على غرّة ( القاموس ) .

(٢) في ( ب ) : وقال بعضهم في ذلك .

(٣) في ( ب ) : والموت .

(٤) في ( ب ) و( ج ) : مثلها .


وضيّعت أحقاباً أمامي طويلة

بلذّة أيّامٍ قصارٍ قلائلِ

 [ وقال أيضاً ](١) :

وإنّ امرءً دنياه أكبر همّه

لمستمسك منها بحبل غرورِ

[ وقال آخر ](٢) :

طلبتك يا دنيا فأعذرت في الطلب

وما نلت الاّ الهمّ والغمّ والنصب

وأسرفت (٣) في ذنبي ولم أقض حسرتي

هربت بديني (٤) منك إن نفع الهرب

ولم أر حظّاً كالقنوع لأهله

وأن يحمل الإنسان ما عاش في الطلب

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :لا تخالفوا على الله في أمره ، فقالوا : وما ذاك يا رسول الله ؟ قال :تسعون في عمران دار قضى الله بخرابها .

وكان علي بن الحسينعليه‌السلام يتمثّل [ ويقول : ](٥)

ومَن يصحب الدنيا يكن مثل قابضٍ

على الماء خانته فروجُ الأصابعِ

وقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ الله تعالى جعل الدنيا دار بلوى ، والآخرة دار عقبى ، فجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة سبباً ، وثواب الدنيا من بلوى الآخرة عوضاً(٦) ، فيأخذ ليعطي ، ويبتلي ليجزي .

وإنّها سريعة الزوال ، وشيكة الانتقال ، فاحذروا حلاوة رضاعها لمرارة فطامها ، واهجروا لذيذ عاجلها لكربة آجلها ، ولا تواصلوها وقد قضى الله اجتنابها ، ولا تسعوا في عمرانها وقد قضى الله خرابها ، فتكونوا لسخطه متعرّضين

____________

(١) أثبتناه من ( ب ) .

(٢) أثبتناه من ( ج ) .

(٣) في ( ج ) : وأسرعت .

(٤) في ( ب ) و( ج ) : بذنبي .

(٥) أثبتناه من ( ب ) و( ج ) .

(٦) في ( ج ) : وثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً .


ولعقوبته مستحقّين (١) .

وقال :

الدار دار نوائب ومصائب

وفجيعة بأحبّة وحبائبِ

ما ينقضي رزئي بفرقة صاحب

إلاّ أُصبت بفرقةٍ من صاحبِ

فإذا مضى الآلاف كفاك مظنّة (٢)

والمؤنسين بأنّك أوّل ذاهبِ

____________

(١) راجع البحار ٧٧ :١٨٤ضمن حديث ١٠ .

(٢) في ( ب ) و( ج ) : عنك لظنّه .


الباب الرابع [ في ترك الدنيا ] (١)

روي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال :إنّ الناس في الدنيا ضيف وما في أيديهم عارية ، وإنّ العارية مردودة ، وإنّ الضيف راحل ، ألا وإنّ الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر ، والآخرة وعد صادق يحكم فيه ملك عادل قاهر ، فرحم الله مَن نظر لنفسه ، ومهّد لرمسه ، وحبله على عاتقه ملقىً قبل أن ينفذ أجله ، وينقطع أمله ، ولا ينفع الندم (٢) .

وقال الحسن(٣) عليه‌السلام :مَن أحبّ الدنيا ذهب خوف الآخرة من قلبه ، ومن ازداد حرصاً على الدنيا لم يزدد منها إلاّ بعداً ، وازداد هو من الله بغضاً ، والحريص الجاهل والزاهد القانع كلاهما مستوف أكله ، غير منقوص من رزقهم شيئاً ، فعلام التهافت في النار (٤) .

____________

(١) أثبتناه من ( ب ) و ( ج ) .

(٢) راجع البحار ٧٧ : ١٨٩ ضمن حديث ١٠ .

(٣) في ( ب ) : الحسين بن عليعليهما‌السلام .

(٤) إلى هنا في مجموعة ورام ٢ : ٢١٨ .


والخير كلّه في صبر ساعة ، تورث راحة طويلة وسعادة كبيرة (١) ، والناس طالبان : طالب يطلب الدنيا حتّى إذا أدركها فهو هالك ، وطالب يطلب الآخرة حتّى إذا أدركها فهو ناجٍ فائز ، واعلم أيّها الرجل أنّه لا يضرّك ما فاتك من الدنيا وأصابك من شدائدها إذا ظفرت بالآخرة ، وما ينفعك ما أصبت من الدنيا إذا حرمت الآخرة .

وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البصري : عظني ، فكتب إليه : إنّ رأس ما يصلحك الزهد في الدنيا ، والزهد باليقين ، واليقين بالفكر ، والفكر هو الاعتبار ، فإذا فكّرت في الدنيا لم تجدها أهلاً لأن تنفع نفسك بجميعها فكيف ببعضها ، ووجدت نفسك أهلاً أن تكرمها بهوان الدنيا .

واذكر قول الله تعالى :( وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً ) (٢) فلقد عدل عليك مَنْ جعلك حسيباً على نفسك حيث قال(٣) :( اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ) (٤) .

وقال : لقد صحبت في الدنيا أقواماً كانوا والله قرّة عين ، وكلامهم شفاء الصدور ، وكانوا والله في الحلال أزهد منكم في الحرام ، وكانوا على النوافل أشدّ محافظة منكم على الفرائض ، وكانوا والله من حسناتهم ومن أعمالهم الحسنة مخافة أن ترد عليهم أكثر وجلاً من أعمالكم السيّئة أن تعذّبوا بها .

وكانوا والله من حسناتهم أن تظهر(٥) أشد خوفاً منكم من سيّئاتكم أن تشهر(٦) ، وكانوا يسترون حسناتهم كما تسترون أنتم سيّئاتكم ، وكانوا محسنين

____________

(١) في ( ب ) و ( ج ) : كثيرة .

(٢) الإسراء : ١٣ .

(٣) في ( ب ) و ( ج ) : لقوله تعالى .

(٤) الإسراء : ١٤ .

(٥) في ( ب ) : يظهروا .

(٦) في ( ب ) : تشهدوا .


وهم مع ذلك يبكون ، وأنتم تسيئون وتضحكون ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون .

ظهر الجفاء(١) ، وقلّت العلماء ، وعفت السنّة ، وهجر الكتاب ، وشاعت البدعة ، وتعامل الناس بالمداهنة ، وتقارضوا الثناء ، وذهب الناس وبقي حثالة من الناس ، يوشك أن تدعوا فلا تجابوا ، وتظهر عليكم أيدي المشركين فلا تغاثوا .

فأعدّوا الجواب فإنّكم مسؤولون ، والله لو تكاشفتم ما تدافنتم ، فاتقوا الله وقدموا فضلاً(٢) ، فإنّ مَن كان قبلكم كانوا يأخذون من الدنيا بلاغهم ، ويؤثرون بفضل ذلك إخوانهم المؤمنين ، ومساكينهم وأيتامهم وأراملهم ، فانتبهوا من رقدتكم فإنّ الموت فضح الدنيا ، ولم يجعل الله لذي عقل فرحاً(٣) .

واعلموا أنّه مَن عرف ربّه أحبّه فأطاعه ، ومَن عرف عدوّه(٤) الشيطان عصاه ، ومَن عرف الدنيا وغدرها بأهلها مقتها(٥) ، وإنّ المؤمن ليس بذي لهو ولا غفلة وإنّما همّه التفكّر والاعتبار ، وشعاره الذكر قائماً وقاعداً وعلى كلّ حال .

نطقه ذكر ، وصمته فكر ، ونظره اعتبار ؛ لأنّه يعلم أنّه يصبح ويمسي بين أخطار ثلاثة : إمّا بليّة نازلة ، أو نعمة زائلة ، أو منيّة قاضية ، ولقد كدّر ذكر الموت عيش كلّ عاقل ، فعجباً لقوم نودي فيهم بالرحيل وهم غافلون عن التزوّد ، ولقد علموا أنّ لكل سفر زاداً لا بد منه ، حبس أوّلهم عن آخرهم وهم لاهون ساهون .

وروي في قوله تعالى :( وآتيناه الحكم صبيّاً ) (٦) عن يحيىعليه‌السلام أنّه كان له سبع سنين ، فقال له الصبيان : امض معنا نلعب ، فقال :ليس للّعب خُلقنا .

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام في قوله تعالى :( ولا تنس نصيبك من

____________

(١) في ( ج ) : المخالفون .

(٢) في ( ب ) و ( ج ) : فضلكم .

(٣) في ( ج ) : فسحاً .

(٤) في ( ب ) و ( ج ) : عداوة .

(٥) في ( ج ) : زهد فيها .

(٦) مريم : ١٢ .


الدنيا ) (١) قال :لا تنس صحّتك وقوّتك وشفاءك (٢) وغناك ونشاطك أن تطلب الآخرة (٣) .

وقال آخرون : هو الكفن من جميع ما يملك ، أي لا تنس أنّه هو نصيبك من الدنيا كلّه لو ملكتها .

وقال علي بن الحسينعليه‌السلام :أعظم الناس قدراً مَن لم يبال الدنيا في يد مَن كانت .

وقال محمد بن الحنفيّة : مَن كرمت نفسه عليه هانت الدنيا عنده(٤) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :لا يزداد الزمان إلاّ شدّة ، والعمر إلاّ نقصاناً ، والرزق إلاّ قلّة ، والعلم إلاّ ذهاباً ، والخلق إلاّ ضعفاً ، والدنيا إلاّ إدباراً ، والناس إلاّ شحّاً ، والساعة إلاّ قرباً ، تقوم على الأشرار من الناس .

وقال :كان الكنز الذي تحت الجدار : عجباً لمَن أيقن بالموت كيف يفرح ، وعجباً لمَن أيقن بالرزق كيف يحزن ، وعجباً لمَن أيقن بالحساب (٥) كيف يذنب ، وعجباً لمَن عرف الدنيا وتقلّبها بأهلها كيف يطمئنّ إليها .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :إذا أحبّ الله عبداً ابتلاه ، وإذا أحبّه الحبّ البالغ افتناه ، فقالوا : وما معنى افتناه ؟ قال : لا يترك له مالاً ولا ولداً (٦) .

وإنّ الله تعالى يتعهّد عبده المؤمن في نفسه وماله بالبلاء كما تتعهّد الوالدة ولدها باللبن ، وإنّه ليحمي عبده المؤمن من الدنيا كما يحمي الطبيب المريض من

____________

(١) القصص : ٧٧ .

(٢) في ( ج ) : شبابك .

(٣) مجموعة ورام ٢ : ٢١٩ ، معاني الأخبار : ٣٢٥ .

(٤) مجموعة ورام ١ :٧٧نحوه .

(٥) في ( ج ) : بالنار .

(٦) البحار ٨١ :١٨٨ح٤٥ ، عن دعوات الراوندي .


الطعام(١) .

وكان أمير المؤمنينعليه‌السلام يقول :اللهم إنّي أسألك سلواً عن الدنيا ومقتاً لها ، فإنّ خيرها زهيد ، وشرّها عتيد ، وصفوها يتكدّر ، وجديدها يخلق ، وما فات فيها لم يرجع ، وما نيل منها فتنة إلاّ مَن أصابته منك عصمة وشملته منك رحمة ، فلا تجعلني ممّن رضي بها واطمأنّ إليها ووثق بها ، فإنّ مَن اطمأنّ إليها خانته ، ومَن وثق بها غرّته .

ولقد أحسن من وصفها بقوله :

ربّ ريح لأُناسٍ عصفت

ثم ما لبثت إلى أن سكنتْ

وكذاك الدهر في أطواره

قدمٌ زلّت وأُخرى ثبتتْ

وكذا الأيّام من عاداتها

أنّها مفسدةٌ ما أصلحتْ

[ وقال غيره : ](٢)

لا تحزننّ (٣) على الدنيا وما فيها

واحزن على صالح لم تكتسب فيها

[ وقال آخر : ](٤)

واذكر ذنوباً عظاماً منك قد سلفت

نسيت أكثرها والله محصيها

وفي قوله تعالى :( كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ ) (٥) عبرة .

وقال بعضهم : مررت بخربة فأدخلت فيها رأسي وقلت :

____________

(١) مجموعة ورام ١ : ٨٦ .

(٢) أثبتناه من ( ب ) و ( ج ) .

(٣٩ في ( ب ) و ( ج ) : تحرصنّ .

(٤) أثبتناه من ( ج ) .

(٥) الدخان : ٢٤ ـ ٢٩ .


ناد ربّ الدار ذا المال الذي

جمع الدنيا بحرصٍ ما فعل ؟!

فأجابه هاتف من الخربة يقول :

كان في دارٍ سواها داره

علّلته بالمنى حتّى انتقل (١)

وقال قتاده في قوله تعالى :( وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ ) (٢) قال : وقائع القرون الماضية ، وما حلّ بها من خراب الديار وتعفية الآثار .

ومرّ الحسنعليه‌السلام بقصر أوس فقال : لمن هذا ؟ فقالوا : لأوس ، فقال : ودّ أوس أنّ له في الآخرة بدله رغيفاً(٣) .

وقال أبو العتاهيّة :

جمعوا فما أكلوا الذي جمعوا

وبنوا مساكنهم فما سكنوا

وكأنّهم كانوا بها ظعناً

لمّا استراحوا ساعةً ظعنوا

وقال مسروق : ما امتلأت دار حبرة إلاّ امتلأت عبرة ، وأنشد [ عند ذلك يقول : ](٤)

كم ببطن الأرض ثاوٍ من وزيرٍ وأمير

وصغير الشأن عبد خامل الذكر حقير

لو تأمّلت قبور القوم في يومٍ قصير

لم تميّزهم ولم تعرف غنيّاً من فقير

وروي أنّ سعد بن أبي وقّاص لما ولي العراق دعا حرقة(٥) ابنة النعمان ، فجاءت في لمّة من جواريها ، فقال لهنّ : أيّتكنّ حرقة ؟ قلنا : هذه ، فقالت : نعم ، فما استنذارك(٦) إيّاي يا سعد ؟ فو الله ما طلعت الشمس ، وما شيء يدبّ تحت

____________

(١) مجموعة ورام ٢ :٢٢٠ .

(٢) الرعد :٦ .

(٣) مجموعة ورام ١ :٧٠ .

(٤) أثبتناه من ( ب ) .

(٥) في ( ب ) : خرقة .

(٦) في ( ب ) و ( ج ) : استبداؤك .


الخورنق(١) إلاّ وهو تحت أيدينا ، فغربت [ شمسنا ](٢) وقد كان رحمنا جميع من كان يحسدنا ، وما من بيت دخلته حبرة إلاّ وعقبته عبرة ، ثمّ أنشأت تقول :

فبينا نسوق الناس والأمر أمرنا

إذا نحن فيها سوقة نتنصّفُ

فاُفٍّ لدنيا لا يدوم سرورها

تقلّب بنا ثاراتها وتصرفُ

هم الناس ما ساروا يسيرون حولنا

وإن نحن أومأنا إلى الناس أوقفوا

ثم قالت : إنّ الدنيا دار فناء وزوال لا تدوم على حال ، تنتقل بأهلها انتقالاً ، وتعقبهم بعد حال حالاً ، ولقد كنّا ملوك هذا القصر يطيعنا أهله ، ويجبوا إلينا دخله ، فأدبر الأمر وصاح بنا الدهر ، فصدع عصانا ، وشتّت شملنا ، وكذا الدهر لا يدوم لأحد ، ثم بكت فبكى لبكائها ، وأنشد :

إنّ للدهر صولة فاحذريها

لا تقولين قد أمنت الدهورا

قد يبيت الفتى معافاً فيؤذى

ولقد كان آمناً مسرورا

فقال لها : اذكري حاجتك ، فقالت : بنو النعمان وأهله أجزهم على عوائدهم ، فقال لها : اذكري حاجتك لنفسك خاصّة ، فقالت : يد الأمير بالعطيّة أطلق من لساني بالمسألة ، فأعطاهم وأعطانا(٣) وأجزل .

فقالت : شكرتك يد افتقرت بعد غنى ، ولا ملكتك يد استغنت بعد فقر ، وأصاب الله بمعروفك مواضعه ، ولا جعل الله لك إلى اللئيم حاجة ، ولا أخذ الله من كريم نعمة إلاّ وجعل لك السبب في ردّها إليه ، فقال سعد : اكتبوها في ديوان الحكمة ، فلمّا خرجت من عنده سألها نساؤها فقلن : ما فعل معك الأمير ؟ فقالت : حاط لي ذمّتي ، وأكرم وجهي ، إنْ يكرم الكريم إلاّ كريماً(٤) .

____________

(١) الخورنق : اسم قصر بالعراق ، فارسيّ معرّب ، بناه النعمان الأكبر ( لسان العرب ) .

(٢) أثبتناه من ( ج ) .

(٣) في ( ج ) : وأعطاها .

(٤) أورده المصنفرحمه‌الله في أعلام الدين : ٢٨٣ باختصار .


ولقد أحسن مَن قال :

وما الدهر والأيّام إلاّ كما ترى

رزيّة مال أو فراق حبيب

وإنّ امرءً قد جرّب الدهر لم يخف

تقلّب يوميه لغير أريب

وقال الآخر :

هو الموت لا منجى من الموت والذي

أُحاذر بعد الموت أدهى وأفظعُ

وقال آخر :

إذا الرجال كثرت أولادها

وجعلت أوصابها تعتادها

واضطربت من كبرها أعضادها

فهي زروع قد دنا حصادها

وقال بعضهم : اجتزت بدار جبّار كان معجباً بنفسه وملكه ، فسمعت هاتفاً ينشد ويقول :

وما سالم عمّا قليل بسالمٍ

وإن كثرت أحراسه ومواكبه

ومَن يك ذا بابٍ شديدٍ وحاجبٍ

فعمّا قليل يهجر الباب حاجبه

ويصبح في لحدٍ من الأرض ضيّقاً

يفارقه أجناده ومواكبه

وما كان إلاّ الموت حتّى تفرّقت

إلى غيره أحراسه وكتائبه

وأصبح مسروراً به كلّ كاشحٍ

وأسلمه أحبابه وحبائبه

فنفسك فاكسبها السعادة جاهداً

فكلّ امرءٍ رهناً بما هو كاسبه

قال : وكان بعضهم إذا نظر في المرآة إلى جماله أنشد :

يا حسان الوجوه سوف تموتون

وتبلى الوجوه تحت الترابِ

يا ذوي الأوجه الحسان المصونات

وأجسامها الفظاظ الرطابِ

أكثروا من نعيمها أو أقلّوا

سوف تهدونها لعفر الترابِ

قد نعتك الأيّام نعياً صحيحاً

بفراق الأقران والأصحابِ


 [ وقال آخر : ](١)

تذكّر ولا تنسَ المعاد ولا تكن

كأنّك في الدنيا مخلى وممرجُ (٢)

فلابدّ من بيت انقطاعٍ ووحشةٍ

وإن غرّك البيتُ الأنيق المدبّجُ

ووجد على بعض القبور مكتوباً هذه الأبيات :

تزوّد من الدنيا فإنّك لا تبقى

وخذ صفوها لمّا صفت ودع الرتقا

ولا تأمننّ الدهر إنّي أمنته

فلم يبق لي خلاًّ ولم يرع لي حقّا

قتلت صناديد الملوك فلم أدع

عدوّاً ولم أمهل على ظنّه خلقا

وأخليت دار الملك من كل بارعٍ

فشرّدتهم غرباً وفرّقتهم (٣) شرقا

فلمّا بلغت النجم غراً ورفعة

وصارت رقاب الخلق أجمع لي رقّا

رماني الردى رمياً فأخمد جمرتي

فها أنا ذا في حفرتي مفرداً ملقى

فأفسدت دنيائي وديني جهالةً

فمَن ذا الذي منّي بمصرعه أشقى

وقال بعضهم : يا أيّها الإنسان لا تتعظّم ، فليس بعظيم مَن خُلق من التراب وإليه يعود ، وكيف يتكبّر مَن أوّله نطفة مذرة(٤) ، وآخره جيفة قذرة ، وهو يحمل بين جنبيه العذرة ، واعلم أنّه ليس بعظيم مَن تصرعه الأسقام ، وتفجعه الآلام ، وتخدعه الأيّام ، ولا يأمن أن يسلبه الدهر شبابه وملكه ، وينزله من علوّ سريره إلى ضيق قبره ، إنّما الملك العاري من هذه المعائب ، ثم أنشد :

أين الملوك وأبناء الملوك ومَن

قاد الجيوش ألا يا بئس ما عملوا

باتوا على قلل الأجبال تحرسهم

غلب الرجال فلم تنفعهم القللُ

____________

(١) أثبتناه من ( ب ) و ( ج ) .

(٢) في ( ج ) : مخرج .

(٣) في ( ب ) و ( ج ) : مزّقتهم .

(٤) في ( ج ) : قذرة .


فأُنزلوا بعد عزٍّ من معاقلهم (١)

وأُسكنوا حفرة يا بئس ما نزلوا

ناداهم صارخٌ من بعد ما دُفنوا

أين الأسرّة والتيجان والكللُ (٢)

أين الوجوه التي كانت منعّمةً

من دونها تُضرب الأستار والحجلُ

فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم

تلك الوجوه عليها الدود يقتتلُ (٣)

قد طال ما أكلوا دهراً وما شربوا

فأصبحوا بعد طيب الأكل قد أُكلوا

سالت عيونهم فوق الخدود فلو

رأيتهم ما هناك العيش يا رجلُ

وقال الحسين عليه‌السلام : يا ابن آدم تفكّر وقل : أين ملوك الدنيا وأربابها الذين عمّروا خرابها ، واحتفروا أنهارها ، وغرسوا أشجارها ، ومدّنوا مدائنها ، فارقوها وهم كارهون ، وورثها(٤) قوم آخرون ، ونحن (٥) بهم عمّا قليل لاحقون .

يا ابن آدم اذكر مصرعك ، وفي قبرك مضجعك ، وموقفك بين يدي الله تعالى ، يشهد جوارحك عليك ، يوم تزلّ فيه الأقدام ، وتبلغ القلوب الحناجر ، وتبيضّ وجوه وتسودّ وجوه ، وتبدى السرائر ويوضع الميزان للقسط .

يا ابن آدم اذكر مصارع آبائك وأبنائك كيف كانوا وحيث حلّوا ، وكأنّك عن قليل قد حللت محلّهم ،وأنشد :

أين الملوك التي عن حظّه(٦) غفلت

حتّى سقاها بكأس الموت ساقيها

تلك المدائن في الآفاق خالية

عادت خراباً وذاق الموت بانيها

أموالنا لذوي الورّاث نجمعها

ودورنا لخراب الدهر نبنيها

ما عبّر أحد عن الدنيا كما عبّر أمير المؤمنينعليه‌السلام بقوله :دار بالبلاء

____________

(١) في ( ب ) : منازلهم .

(٢) في ( ب ) : الحلل .

(٣) في ( ج ) : تنتقل .

(٤) في ( ب ) : ورثوها .

(٥) في ( الف ) : وهم .

(٦) في ( ب ) و ( ج ) : حفظها .


محفوفة ، وبالغدر معروفة ، لا تدوم أحوالها ، ولا تسلم نزّالها ، أحوال مختلفة ، وتارات متفرّقة(١) ، العيش فيها مذموم ، والأمان فيها معدوم ، وإنّما أهلها فيها أغراض مستهدفة ، ترميهم بسهامها وتفنيهم بحمامها .

واعلموا عباد الله أنّكم وما أنتم فيه من هذه الدنيا على سبيل مَن كان قبلكم ممّن كان أطول منكم أعماراً ، وأعمر دياراً ، وأبعد آثاراً ، أصبحت أصواتهم هامدة ، وآثارهم خامدة ، ورياحهم راكدة ، وأجسادهم بالية ، وديارهم خاوية ، وآثارهم عافية .

فاستبدلوا القصور المشيّدة ، والنمارق الممهّدة ، والصخور(٢) والأحجار المسندة ، بالقبور اللاّطئة الملحدة التي قد بُني على الخراب فناؤها ، وشُيّد بالتراب بناؤها ، فمحلّها مقترب ، وساكنها مغترب ، بين أهل محلّة موحشين وأهل فراغ متشاغلين .

لا يستأنسون بالأوطان ، ولا يتواصلون تواصل الجيران على ما بينهم من قرب الجوار ، ودنوّ الدار ، فكيف يكون بينهم تواصل وقد طحنهم بكلكله البلاء ، وأكلتهم الجنادل والثرى ، وكأنّكم قد صرتم إلى ما صاروا إليه ، وارتهنكم(٣) ذلك المضجع ، وضمّكم ذلك المستودع .

فكيف بكم إذا تناهت بكم الأمور ، وبُعثرت القبور ، هنالك تبلو كلّ نفس ما أسلفت ،( وَرُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ) (٤) .

ودخل أبو الهذيل دار المأمون فقال : إنّ دارك هذه كانت مسكونة قبلك من ملوك درست آثارهم ، وانقطعت أعمارهم ، فالسعيد مَن وعظ بغيره(٥) .

____________

(١) في ( ب ) و ( ج ) : متصرّفة .

(٢) في ( ب ) : بالصخور .

(٣) في ( ب ) : ارتهنتم .

(٤) نهج البلاغة : الخطبة ٢٢٦ ، عنه البحار ٧٣ : ٨٢ح٤٥ .

(٥) مجموعة ورام ٢ :٢٢١ .


الباب الخامس : في التخويف والترهيب من كتاب الله جلّ جلاله

قال :( وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاّ طُغْيَاناً كَبِيراً ) (١) .

وقال سبحانه :( بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ) (٢) .

وقال :( أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ ) (٣) .

وقال :( وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاّ تَخْوِيفاً ) (٤) .

وقال :( أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ) (٥) .

____________

(١) الإسراء : ٦٠ .

(٢) القمر : ٤٦ .

(٣) الملك : ١٦ ـ ١٧ .

(٤) الإسراء : ٥٩ .

(٥) الأعراف : ٩٧ ـ ٩٩ .


وقال :( وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آَيَاتِ اللهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) (١) .

وقال :( وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ ) (٢) .

وقال سبحانه :( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) (٣) .

وقال سبحانه :( وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا ) (٤) .

وقال :( فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ) (٥) .

وقال سبحانه :( وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ) (٦) .

وقال سبحانه :( وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى ) (٧) ، يعني سبحانه : للزمهم(٨) بالعذاب عند كلّ معصية ، وإنّما سبق منه سبحانه أنّه قال :( وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) (٩) .

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام :كان في الناس أمانان : رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والاستغفار ، فرفع منهم أمان وهو رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وبقي أمان وهو الاستغفار (١٠) .

____________

(١) الجاثية : ٧ ـ ٨ .

(٢) النحل : ٦١ .

(٣) الروم : ٤١ .

(٤) الكهف : ٥٩ .

(٥) النساء : ١٦٠ .

(٦) هود : ١١٠ .

(٧) طه : ١٢٩ .

(٨) في ( ب ) و ( ج ) : ألزمهم .

(٩) الأنفال : ٣٣ .

(١٠) نهج البلاغة : قصار الحكم ٨٨ ، عنه البحار ٩٣ : ٢٨٤ح٣١ ، روضة الواعظين : ٤٧٨ .


الباب السادس(١) : في التخويف من الآثار

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :مهلاً عباد الله عن معصية الله ، فإنّ الله شديد العقاب (٢) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :إنّ الله لم يعط ليأخذ ولو أنعم على قوم ما أنعم ، وبقوا ما بقي الليل والنهار ، ما سلبهم تلك النعم وهم له شاكرون إلاّ أن يتحوّلوا من شكر إلى كفر ، ومن طاعة إلى معصية ، وذلك قوله تعالى : ( إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم ) (٣) .

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام :إنّ الله يبتلي عباده عند طول السيّئات بنقص الثمرات ، وحبس البركات ، وإغلاق خزائن الخيرات ليتوب تائب ، ويقلع مقلع ، ويتذكّر متذكّر ، وينزجر منزجر ، وقد جعل الله الاستغفار سبباً له وللرزق

____________

(١) أثبتنا عنوان هذا الباب من ( ألف ) ، ولم يرد في سائر النسخ ، وبه يتم خمس وخمسين باباً ، كما وعدّه المصنّف (ره) .

(٢) مجموعة ورام ٢ : ٢٢١ .

(٣) الرعد : ١١ .


رحمة للخلق ، فقال سبحانه : ( اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً ) (١) .

فرحم الله مَن قدّم توبته ، وأخّر شهوته ، واستقال عثرته ، فإنّ أمله خادع له ، وأجله مستور عنه ، والشيطان موكل به ، يمنّيه التوبة ليسوّفها ، ويزهي له المعصية ليرتكبها ، حتّى تأتي عليه منيّته وهو أغفل ما يكون عنها .

فيالها حسرة على ذي غفلة أن يكون عمره عليه حسرة ، وأن تؤدّيه أيّامه إلى شقوة ، فنسأل الله تعالى أن يجعلنا وإيّاكم ممّن لا تبطره نعمة ، ولا تقصر به عن طاعة ربّه غاية ، ولا تحلّ(٢) به بعد الموت ندامة ولا كآبة(٣) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :ولو أنّهم حين تزول عنهم النعم وتحل بهم النقم ، فزعوا إلى الله بوَلَه من نفوسهم ، وصدق من نيّاتهم ، وخالص من طويّاتهم ، لرد عليهم كلّ شارد ، ولأصلح لهم كلّ فاسد (٤) .

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ لله تعالى ملكاً ينزل في كلّ ليلة وينادي :يا أبناء العشرين جدّوا واجتهدوا ، ويا أبناء الثلاثين لا تغرنّكم الحياة الدنيا ، ويا أبناء الأربعين ماذا أعددتم للقاء ربّكم ، ويا أبناء الخمسين أتاكم النذير ، ويا أبناء الستّين زرع آن حصاده ، ويا أبناء السبعين نودي بكم فأجيبوا ، ويا أبناء الثمانين أتتكم الساعة وأنتم غافلون ، ثم يقول :لولا عباد ركّع ، ورجال خشّع ، وصبيان رضّع ، وأنعام رتّع لصبّ عليكم العذاب صبّاً (٥) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :أكرموا ضعفاءكم فإنّما ترزقون

____________

(١) نوح : ١٠ ـ ١٢ .

(٢) في ( ألف ) : لا تجعل .

(٣) راجع البحار ٩١ : ٣٣٦ ح٢٠ .

(٤) نهج البلاغة : الخطبة ١٧٨ ، عنه البحار ٦ : ٥٧ ح٧ .

(٥) عنه معالم الزلفى : ٥٩ .


وتنصرون بضعفائكم (١) .

وقال :يا بني هاشم ، يا بني عبد المطلب ، يا بني عبد مناف ، يا بني قصيّ اشتروا أنفسكم من الله ، واعلموا أنّي أنا النذير ، والموت المغير ، والساعة الموعد .

ولمّا أنزل الله عليه :( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) (٢) صعد على الصفا وجمع عشيرته وقال : يا بني عبد المطلب ، يا بني هاشم ، يا بني عبد مناف ، يا بني قصي ، اشتروا أنفسكم من الله ، فإنّي لا أُغني عنكم من الله شيئاً ، يا عباس عمّ محمد ، يا صفيّة عمّته ، يا فاطمة ابنته ـ ثم نادى كل رجل باسمه وكل امرأة باسمها ـ لا ينجي الناس يوم القيامة إلاّ العمل .

لا يجيء الناس يوم القيامة يحملون الآخرة (٣) وتأتون وتقولون : إنّ محمداً منّا ، وتنادون : يا محمد يا محمد ، فأعرض عنكم هكذا وهكذا ـ وأعرض عن يمينه وشماله ـفو الله ما أوليائي منكم إلاّ المتّقون ، إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم .

وروي أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا مرض مرضه الذي مات فيها خرج متعصّباً ، معتمداً على يد أمير المؤمنينعليه‌السلام والفضل بن العباس ، فتبعه الناس فقال :يا أيّها الناس إنّه قد آن منّي خفوق ـ يعني رحيلاً ـ وقد أُمرت بأن أستغفر لأهل البقيع ، ثم جاء حتّى دخل البقيع ، ثم قال :

( السلام عليكم يا أهل التوبة ، السلام عليكم يا أهل الغربة ، ليهنكم ما أصبحتم فيه وقد نجوتم ممّا الناس فيه ، أتت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع أوّلها آخره ) ثم استغفر لهم وأطال الاستغفار ، ورجع واجتمع(٤) الناس حوله فحمد الله

____________

(١) مجموعة ورام ٢ : ٢٢١ .

(٢) الشعراء : ٢١٤ .

(٣) في ( ألف ) : تحملون الآخرة .

(٤) في ( ب ) : جمع .


وأثنى عليه ، ثم قال : أيّها الناس إنّه قد آن منّي خفوق ، فإنّ جبرئيل كان يأتيني يعارضني بالقرآن في كلّ سنة مرّة ، وإنّه قد عارضني به في هذه السنة مرّتين ، ولا أقول ذلك إلاّ لحضور أجلي ، فمَن كان له عليّ دين فليذكر أعطه ، ومَن كان له عندي عدة فليذكرها [ أعطه ] (١) .

أيّها الناس لا يتمنّ متمنٍّ ولا يدّعي مدّع أنّه ينجو بلا عمل ، أو يتقرّب إلى رضا الله بلا عمل ، فإنّه والله لا ينجي إلاّ العمل ورحمة الله ، ولو عصيت لهويت ، ثم رفع طرفه إلى السماء وقال : اللّهمّ هل بلّغت ؟!(٢)

وقالعليه‌السلام :إيّاكم ومحقرات الذنوب فإنّ لها من الله طالباً ، وإنّها لتجتمع على المرء حتّى تهلكه .

وقالعليه‌السلام :لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً على أنفسكم ، ولخرجتم على الصعدات تبكون على أعمالكم ، ولو تعلم البهائم من الموت ما تعلمون ما أكلتم شيئاً سميناً .

وقال عليعليه‌السلام : أما والله لو تعلمون ما أعلم لبكيتم على أنفسكم ، ولخرجتم على الصعدات تندمون على أعمالكم ، ولتركتم أموالكم لا حارس لها ، ولا خالف عليها ، ولكنّكم نسيتم ما ذكّرتم ، وأمنتم ما حذّرتم ، فتاه(٣) عنكم رأيكم ، وتشتّت عليكم أمركم .

أما والله لوددت أنّ الله ألحقني بمَن هو خير لي منكم ، قوم والله ميامين الرأي ، مراجيح الحكمة ، مقاويل الصدق ، متاريك للبغي ، مضوا قدماً على الطريقة ، وأوجفوا على المحجّة ، فظفروا بالعقبى الدائمة والكرامة الباقية .

____________

(١) أثبتناه من ( ب ) و ( ج ) .

(٢) إرشاد المفيد : ٩٧ ، عنه البحار ٢٢ : ٤٦٧ ضمن حديث ١٩ ، إعلام الورى : ١٤٠ باختلاف .

(٣) في ( ب ) : ففاتكم .


أما والله ليظهرنّ (١) عليكم غلام ثقيف ، الذيّال الميّال ، يأخذ خضرتكم ، ويذيب شحمتكم ، إيه أبا وذحة إيه أبا وذحة . يعني بذلك الحجّاج بن يوسف [ لهمّة تهتمّ به ](٢) (٣) .

وقالعليه‌السلام :إنّ الزاهدين في الدنيا تبكي قلوبهم وإن ضحكوا ، ويشتدّ حزنهم وإن فرحوا ، ويكثر مقتهم أنفسهم وإن اغتبطوا بما رزقوا (٤) .

وقالعليه‌السلام في خطبة : أمّا بعد ، فإنّ الدنيا قد أدبرت وأذنت بوداع ، وإنّ الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطلاع ، ألا وإنّ اليوم المضمار وغداً السبقة ، والسبقة الجنّة والغاية النار .

أفلا تائب من خطيئته قبل منيّته ، ألا عامل لنفسه قبل يوم بؤسه وحسرته ، ألا وإنّكم في أيّام أمل(٥) من ورائه أجل ، فمَن عمل في أيّام أمله(٦) قبل حضور أجله نفعه عمله ولم يضرّه أجله ، ومَن قصر في أيّام أمله(٧) خسر عمله وضرّه(٨) أجله .

ألا فاعملوا في الرغبة كما تعملون في الرهبة ، ألا وإنّي لم أر كالجنّة نام طالبها ، ولا كالنار نام هاربها ، وإنّه مَن لم ينفعه الحق يضرّه الباطل ، ومَن لم يستقم به الهدى يرده الضلال ، ألا وإنّكم قد أمرتم بالظعن ، ودللتم على الزاد ، وإنّ أخوف ما أتخوّف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل ، وتزوّدوا من الدنيا في الدنيا ما تنجون به

____________

(١) في ( ج ) : ليظهر .

(٢) أثبتناه من ( ب ) و ( ج ) .

(٣) نهج البلاغة : الخطبة ١١٦ .

(٤) نهج البلاغة : الخطبة ١١٣ .

(٥) في ( ج ) : عمل .

(٦) في ( ج ) : عمله .

(٧) في ( ب ) : أجله .

(٨) في ( ب ) : قصر .


أنفسكم (١) .

يقول العبد الفقير إلى رحمة الله ورضوانه ، الحسن بن محمد الديلمي تغمّده الله برأفته ورحمته وغفرانه : إنّ هذا الكلام منهعليه‌السلام لعظيم الموعظة ، وجليل الفائدة ، وبليغ المقالة ، لو كان كلام يأخذ بالازدجار والموعظة لكان هذا ، فكفى به قاطعاً لعلائق الآمال ، وقادحاً زناد الاتعاظ والايقاض .

يأخذ والله بأعناق المتفكّرين فيه المتبصّرين في الزهد ، ويضطرّهم إلى عمل الآخرة ، فاعتبروا وتفكّروا وتبصّروا إلى معانيه يا أُولي الأبصار .

وقالعليه‌السلام في خطبة أُخرى تجري هذا المجرى : انظروا إلى الدنيا نظر الزاهدين فيها الصارفين عنها ، فإنّها عن قليل والله تزيل الثاوي الساكن ، وتفجع المترف الآمن ، لا يرجع ما تولّى منها فأدبر ، ولا يدرى ما هو آت منها فينتظر ، سرورها مشوب بالحزن ، وجلد الرجال منها إلى الضعف والوهن .

فلا تغرّنّكم كثرة ما يعجبكم فيها لقلّة ما يصحبكم منها ، فرحم الله امرءً تفكّر فاعتبر فأبصر ، وكأنّما هو كائن من الدنيا عن قليل لم يكن ، وما هو كائن من الآخرة عمّا قليل لم يزل ، وكلّ معدود منقص ، وكلّ متوقّع آت ، وكلّ آت قريب دان .

والعالم مَن عرف قدره ، وكفى بالمرء جهلاً أن لا يعرف قدره ، وإنّ أبغض العباد إلى الله لعبد وكّله الله لنفسه ، وهو جائر عن قصد السبيل ، سائر بغير دليل ، إن دُعي إلى حرث الدنيا عمل وإلى حرث الآخرة كسل ، كأنّما عمل له واجب عليه ، وما ونى عنه ساقط عنه وذلك زمان لا يسلم فيه إلاّ كلّ مؤمن نؤمة ، إن شهد لم يُعرف ، وإن غاب لم يُفتقد ، أُولئك مصابيح الهدى ، وأعلام الورى ، ليسوا بالمساييح ولا المذاييع البذر ، أُولئك يفتح الله عليهم باب الرحمة ، ويكشف عنهم ضرّاء(٢) نقمته .

____________

(١) نهج البلاغة : الخطبة ٢٨ ، ونحوه البحار ٧٧ : ٣٣٣ ح٢١ .

(٢) في ( ج ) : ضرّ .


يا أيّها الناس إنّه سيأتي عليكم زمان يُكفأ فيه الإسلام كما يُكفأ الإناء بما فيه ، أيّها الناس إنّ الله تعالى قد أعاذكم من أن يجور عليكم ، ولم يعذكم من أن يبتليكم ، فقال تعالى : ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ) (١) (٢) .

قولهعليه‌السلام :( كلّ مؤمن نؤمة ) يريد الخامل الذكر ، القليل الشر(٣) ، و( المساييح ) جمع مسياح ، وهو الذي يسيح بالفساد والنمائم ، و( المذاييع ) جمع مذياع ، وهو الذي إذا سمع لغيره بفاحشة أذاعها وأعلن بها ، و( البذر ) وهو كثير السفه واللغو بالهذيان .

وقالعليه‌السلام في خطبة أُخرى تجري هذا المجرى :ألا وإنّ الدنيا قد تصرّمت ، [ وأذنت بزوال ] (٤) وأذنت بانقضاء ، وتنكّر معروفها ، وأدبرت حذّاء (٥) ، فهي تخوّف بالفناء سكّانها ، وتحذّر بالموت جيرانها ، وقد أمرّ منها ما كان حلواً ، وكدر منها ما كان صفواً ، فلم يبق منها إلاّ سملة (٦) كسملة الأداوة (٧) ، أو جرعة كجرعة المقلة لو تمزّزه (٨) الصدآن لم ينفع (٩) .

فأزمعوا عباد الله الرحيل عن هذه الدار ، المقدور على أهلها الزوال ، ولا يغرّنّكم فيها الأمل ، ولا يطولنّ عليكم الأمد ، فو الله لو حننتم حنين الواله العجلان ، ودعوتم بهديل (١٠) الحمام ، وجأرتم جؤار متبتّلي الرهبان ، وخرجتم إلى الله من

____________

(١) المؤمنون : ٣٠ .

(٢) نهج البلاغة : الخطبة ١٠٣ .

(٣) زاد في ( ج ) : والمصابيح جمع مصباح .

(٤) أثبتناه من ( ب ) .

(٥) أي ماضية سريعة .

(٦) السملة ـ محرّكة ـ : الماء القليل ( القاموس )

(٧) الأداوة : المطهرة .

(٨) تمزّز : تمصّص الماء .

(٩) في ( ب ) : لو مرّ بها الصدآن لم ينتفع .

(١٠) الهديل : صوت الحمام ، أو خاص بوحشيها ( القاموس ) .


الأموال والأولاد ابتغاء القربة إليه في رفع درجة عنده ، وغفران سيّئة أحصاها كتبته وحفظتها رسله ، لكان قليلاً فيما أخشى عليكم من عقابه ، وأرجوا لكم من ثوابه .

وتالله لو انماثت قلوبكم انمياثاً ، وسالت عيونكم من رغبة إليه(١) ورهبة دماً ، ثم عمّرتم في الدنيا ما كانت الدنيا قائمة ما جزت أعمالكم ولو لم تبقوا شيئاً من جهدكم ، لأنعمه عليكم العظام وهداه إيّاكم للإيمان(٢) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنّه :ليظهر النفاق ، وترفع الأمانة ، وتغيض الرحمة ، ويتّهم الأمين ، ويؤتمن الخائن ، أتتكم الفتن كأمثال الليل المظلم .

وجاء في قوله تعالى :( وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ) (٣) قال :ينادون أربعين عاماً فلا يجيبهم ، ثم يقول : ( إنّكم ماكثون ) فيقولون :( رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ ) فيدعون أربعين عاماً ، فيقال لهم : ( اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ ) (٤) فييأس القوم بعدها ، فلم يبق إلاّ الزفير والشهيق (٥) كما تتناهق الحمير (٦) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :يشتد على أهل النار الجوع على ما هم فيه من العذاب ، فيستغيثون بالطعام فيغاثون بطعام ذي غصّة وعذاب أليم وشراب حميم فيقطّع أمعاءهم ، فيقولون لخزنة جهنّم : ( ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ ) ، فيقال لهم : ( أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ) ؟ ( قالوا بلى ) ، ( قالوا فادعوا وما دعاء

____________

(١) في ( ب ) و ( ج ) : من رغبة الله .

(٢) نهج البلاغة : الخطبة ٥٢ .

(٣) الزخرف : ٧٧ .

(٤) المؤمنون : ١٠٦ ـ ١٠٨ .

(٥) في ( ب ) : النهيق .

(٦) عنه معالم الزلفى : ٣٥٨ .


الكافرين إلاّ في ضلال ) (١) .

وقال الحسنعليه‌السلام :إنّ الله تعالى لم يجعل الأغلال في أعناق أهل النار لأنّهم أعجزوه ، ولكن إذا طفا بهم اللهب أرسبهم في قعرها ثمّ غشي عليه ، فلمّا أفاق من غشوته قال :يا ابن آدم ، نفسك نفسك ، فإنّما هي نفس واحدة ، إن نجت نجوت وإن هلكت لم ينفعك نجاة مَن نجا (٢) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :ويلٌ للأغنياء من الفقراء يوم القيامة يقولون : ربنا ظلمونا حقوقنا التي فرضت عليهم في أموالهم (٣) .

وقالعليه‌السلام :بئس العبد عبد سهى ولهى وغفل ونسى القبر والبلى ، وبئس العبد عبد طغى وبغى ونسى المبتدأ والمنتهى ، وبئس العبد عبد يقوده الطمع ، ويطغيه الغنى ، ويرديه الهوى .

الحديث رواه الخليفة بن الحصين ، قال : قال قيس بن عاصم : وفدت على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في جماعة من بني تميم ، فقال لي :اغتسل بماء وسدر ، فاغتسلت ثم رجعت إليه فقلت : يا رسول الله عظنا موعظة ننتفع بها .

فقال :يا قيس إنّ مع العزّ ذلاً ، وإنّ مع الحياة موتاً ، وإنّ مع الدنيا آخرة ، وإنّ لكلّ شيء حسيباً ، وعلى كلّ شيء رقيباً ، وإنّ لكلّ حسنة ثواباً ، ولكلّ سيّئة عقاباً ، وإنّه لابد لك يا قيس من قرين يدفن معك وهو حيّ ، وتدفن معه وأنت ميّت ، فإن كان كريماً أكرمك ، وإن كان لئيماً أساءك (٤) ، ثم لا تُدفن إلاّ معه ولا يُدفن إلاّ معك ، فلا تجعله إلاّ صالحاً ؛ لأنّه إذا كان صالحاً لا يؤنسك إلاّ هو ، وإن كان فاحشاً لا يوحشك إلاّ هو .

____________

(١) عنه معالم الزلفى : ٣٥٨ .

(٢) مجموعة ورام ١ : ٣٠١ ، معالم الزلفى : ٣٥٨ .

(٣) عنه معالم الزلفى : ٣٥٨ .

(٤) في ( ب ) و ( ج ) : أسلمك .


فقال : يا رسول الله لو نظم شعراً افتخرنا به على من يلينا من العرب ، فأراد(١) أن يدعو حسّاناً لينشد فيه فقال رجل يقال له الصلصال :

تخيّر خليطاً من فعالك إنّما

قرين الفتى في القبر ما كان يفعلُ

فلابد بعد الموت من أن تعدّه

ليومٍ ينادي المرء فيه فيقبلُ

فإن كنت مشغولاً بشيءٍ فلا تكن

بغير الذي يرضى به الله تشغلُ

فلن يصحب الإنسان من بعد موته

ومن قبله إلاّ الذي كان يعملُ

ألا إنّما الإنسان ضيف لأهله

يقيم قليلاً بينهم ثمّ يرحلُ (٢)

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لكلّ إنسان ثلاثة أخلاّء ، أمّا أحدهم فيقول : إن قدّمتني كنت لك ، وأمّا الآخر فيقول : أنا معك إلى باب الملك ثم أُودّعك وأمضي عنك ، وأمّا الثالث فيقول : أنا معك لا أُفارقك .

فأمّا الأوّل فماله ، وأمّا الثاني فأهله وولده ، وأمّا الثالث فعمله ، فيقول : والله لقد كنت عندي أهون الثلاثة ، فليتني لم أشغل إلاّ بك .

وقال العِرباض بن سارية : وعظنا رسول الله موعظة ذرفت منها العيون ، ووجلت منها القلوب ، فقلنا : يا رسول الله إنّ هذه لموعظة مودّع ، فما تعهد إلينا ؟ فقال :تركتكم على المحجّة البيضاء ، ليلها كنهارها لا يزيغ (٣) بعدها إلاّ هالك ومَن يعش منكم يرى اختلافاً كثيراً ، فعليكم بما عرفتم من سنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين من أهل بيتي ، فعظّوا عليهم بالنواجذ ، وأطيعوا الحق ولو كان صاحبه عبداً حبشيّاً ، فإنّ المؤمن كالجمل الأنوف (٤) حيث ما قيد استقاد (٥) .

____________

(١) في ( ب ) : فأرادوا .

(٢) معاني الأخبار : ٢٣٢ ، الخصال : ١١٤ ح ٩٣ باب الثلاثة ، أمالي الصدوق : ١٢ح ٤ مجلس ١ ، عنهم البحار ٧٧ : ١١٠ ح١ ، ومعالم الزلفى : ١٢١ .

(٣) في ( ألف ) : لا يرتفع .

(٤) في ( ج ) : الألوف .

(٥) الترغيب والترهيب ١ : ٧٧ ح١ .


وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام في قوله تعالى :( ثم لتسألنّ يومئذٍ عن النعيم ) (١) قال :الصحّة والأمن والقوّة والعافية وقيل : الماء البارد في أيّام الحر ، وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا شرب الماء قال :الحمد لله الذي لم يجعله أُجاجاً بذنوبنا وجعله عذباً فراتاً بنعمته .

وقال سفيان بن عيينة : ليس(٢) أحد من عباد الله إلاّ ولله الحجّة عليه ، إمّا مهمل لطاعة ، أو مرتكب لمعصية ، أو مقصّر في شكر(٣) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يقول الله تعالى :( يا ابن آدم ما تنصفني ، أتحبّب إليك بالنعم وتتبغّض إليّ بالمعاصي ، خيري إليك نازل وشرّك إليّ صاعد ، ولم يزل ولا يزال في كلّ يوم ملك كريم يأتيني عنك بعمل قبيح ، يا ابن آدم لو سمعت وصفك من غيرك وأنت لا تدري مَن الموصوف لسارعت إلى مقته ) (٤) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :لا يغرّنّكم من ربّكم طول النسية ، وتمادي الإمهال ، وحسن التقاضي فإنّ أخذه أليم ، وعذابه شديد ، إنّ لله تعالى في كلّ نعمة حقّاً وهو شكره ، ومَن أدّاه زاده ، ومَن قصر فيه سلبه منه ، فليراكم الله من النقمة وجلين كما رآكم بالنعمة فرحين (٥) .

وقال ابن عباس : آخر آية نزلت :( وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) (٦) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :إنّي لأعرف آية في كتاب الله لو أخذ بها

____________

(١) التكاثر : ٨ .

(٢) في ( ج ) : ما من أحد .

(٣) مجموعة ورام ٢ : ٢٢١ .

(٤) أمالي الطوسي : ١٢٥ ح١٠ مجلس ٥ ، البحار ٧٣ : ٣٥٢ ح٥٠ .

(٥) مجموعة ورام ٢ : ٢٢١ .

(٦) البقرة : ٢٨١ .


جميع الناس كفتهم . قالوا : وما هي ؟ فقال :( وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) (١) (٢) .

____________

(١) الطلاق : ٢ ـ ٣ .

(٢) مستدرك الوسائل ١١ : ٢٦٧ ح١٢٩٦٣ .


الباب السابع : في التحذير بالعقوبة في الدنيا

قال الله تعالى :( فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) (١) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :يظهر في أُمّتي الخسف والقذف (٢) ، قالوا : متى يكون ذلك يا رسول الله صلى الله عليك وآلك ؟ قال :إذا ظهرت المعازف والقينات وشرب الخمور ، والله ليبيت (٣) أُناس من أُمّتي على شرّ وبطر ولعب ، ويصبحون قردة وخنازير لاستحلالهم الحرام ، واتخاذهم القينات ، وشرب الخمور ، وأكلهم الربا ، ولبسهم الحرير(٤) .

وقالعليه‌السلام :إذا جار الحاكم قلّ المطر ، وإذا غدر بأهل الذمّة ظهر

____________

(١) العنكبوت : ٤٠ .

(٢) في ( ب ) : الترف .

(٣) في ( ب ) و ( ج ) : ليبيتنّ .

(٤) عنه الوسائل ١٢ : ٢٣١ ح٣٠ .


عليهم عدوّهم ، وإذا ظهرت الفواحش كانت الرجفة ، وإذا قلّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر استبيح الحريم ، وإنّما هو التبديل [ ثم التدبير ] (١) ثم التدمير .

____________

(١) أثبتناه من ( ب ) و ( ج ) .


الباب الثامن : في قصر الأمل

قال الله تعالى :( ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) (١) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :حان (٢) الأجل دون رجاء الأمل .

وقال بعضهم :لو رأيت الأجل ومسيره لبغضت (٣) الأمل وغروره .

وقال أنس : كنّا عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فوضع ثوبه تحت رأسه ونام ، فهبّت ريح عاصفة فقام فزعاً وترك رداءه ، فقلنا : يا رسول الله مالك ؟ قال :قد ظننت أنّ الساعة قد قامت .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :يهرم ابن آدم ويبقى معه اثنان : الحرص وطول الأمل (٤) .

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام في خطبة :اتقوا الله فكم من مؤمّلٍ ما

____________

(١) الحجر : ٣ .

(٢) في ( ب ) و ( ج ) : جاء .

(٣) في ( ج ) : لأبغضت .

(٤) الخصال : ٧٣ ح١١٣ باب ٢ ، عنه البحار ٧٣ : ١٦١ ح ٨ .


لا يبلغه ، وجامع ما لا يأكله ، ولعلّه من باطل جمعه ومن حق منعه ، أصابه حراماً وورثه عدواً ، فاحتمل إصره ، وبآء بوزره ، وردّ على ربّه خاسراً آسفاً لاهفاً ، قد خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين (١) .

وقال الأصمعي : سمعت أعرابيّاً يقول : إنّ الآمال قطعت أعناق الرجال كالسراب ، أخلف مَن رجاه ، وغرّ مَن رآه ، ومَن كان الليل والنهار مطيّتاه أسرعا به السير ، وبلغاه المحل .

وأنشد بعضهم :

ويمسي المرء ذا أجلٍ قريبٍ

وفي الدنيا له أمل طويلُ

ويعجل للرحيل وليس يدري

إلى ماذا يقرّبه الرحيلُ

وقال آخر :

يا أيّها المطلق آماله

من دون آمالك آجال

كم أبلت الدنيا وكم جدّدت

فينا وكم تبلي وتغتال

وقال الحسينعليه‌السلام :يا ابن آدم إنّما أنت أيّام ، كلّما مضى يوم ذهب بعضك .

وقال بعضهم لرجل : كيف أصبحت ؟ فقال : أصبحت والله في غفلة عن الموت ، مع ذنوب قد أحاطت بي وأجل مسرع ، أقدم على هول لا أدري على ما أقتحم ، فمَن أسوء حالاً منّي وأعظم خطراً ، ثم بكى(٢) .

ودخل أبو العتاهيّة على أبي نواس في مرضه الذي مات فيه ، فقال : كيف تجد نفسك ؟ فقال أبو نواس :

دبّ فيّ الفنى سفلاً وعلواً

وأراني الموت عضواً فعضوا

____________

(١) نهج البلاغة : قصار الحكم ٣٤٤ ، عنه البحار ٧٨ : ٨٣ ح ٨٨ .

(٢) مجموعة ورام ٢ : ٢٢١ .


ذهبت جدّتي لطاعة نفسي

فتذكّرت طاعة الله نضوا

ليس من ساعة مضت بي إلاّ

نقصتني بمرّها لي جزوا

قد أساءت كلّ الإساءة اللّهمّ

صفحاً عنّا وعفواً وعفوا

وقال آخر :

يمد المنى للمرء آمال نفسه

وسهم الردى من لحظ عينيه قد نزع

لمَن يجمع المال البخيل وقد رأى

مصارع مَن قد كان بالأمس قد جمع


الباب التاسع: في قصر الأعمار وسرعة انقضائها وترك الاغترار بها

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :أعمار أُمّتي ما بين الستّين إلى السبعين ، وقلّ ما يتجاوزه (١) .

وجاء في قوله تعالى :( أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ ) (٢) إنّه معاتبة لابن الأربعين ، وقيل لابن ثمانية عشر سنة ،( وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ) (٣) الشيب .

وفي قوله :( وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيّاً ) (٤) جاوزت الستين وروي أنّ لله ملكاً ينادي أبناء الستّين :عدّوا أنفسكم في الموتى (٥) وقال بعضهم : يوشك أنّ مَن سار إلى منهل ستين سنة أن يرده(٦) .

وأنشد بعضهم :

____________

(١) عنه معالم الزلفى : ٥٩ .

(٢) فاطر : ٣٧ .

(٣) فاطر : ٣٧ .

(٤) مريم : ٩ .

(٥) عنه مستدرك الوسائل ١٢ : ١٥٦ ح ١٣٧٦٦ .

(٦) مجموعة ورام ٢ : ٢٢٢ نحوه .


تزوّد من الدنيا فإنّك لا تبقى

وخذ صفوها لمّا صفت ودع الزلقا

ولا تأمننّ الدهر إنّي أمنته

فلم يبق لي خلاًّ ولم يبق لي حقّا (١)

وقال آخر :

تزوّد من الدنيا فانّك راحل

وبادر فإنّ الموت لا شكّ نازلُ

وإنّ امرءً عاش ستّين حجّة

ولم يتزوّد للمعاد فجاهلُ (٢)

وقال آخر :

إذا كانت الستّون عمرك لم يكن

لدائك إلاّ أن تموت طبيبُ

وإنّ امرءً عاش ستّين حجّة

إلى منهلٍ من ورده لقريبُ

إذا ذهب القرن الذي أنت فيهم

وخُلّفت في قرنٍ فأنت غريبُ

وجاء في قوله تعالى :( إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً ) (٣) قال : الأنفاس ، يخسرها مَن أنفقها في غير طاعة الله(٤) .

وقال بعضهم : العمر قصير ، والسفر بعيد ، فاشتغل(٥) بصلاح أيّامك(٦) ، وتزوّد(٧) لطول سفرك(٨) ، وانتفع بما جمعت فقدّمه من ممرّك إلى مقرّك قبل أن تنزعج(٩) عنه فتحاسب به ويحظى به غيرك ، فما أقلّ مكثك في دار الفناء ، وأعظم مقامك في دار البقاء .

____________

(١) في ( ج ) : خلفاً .

(٢) في ( ج ) : فهو جاهل .

(٣) مريم : ٨٤ .

(٤) مجموعة ورام ٢ : ٢٢٢ .

(٥) في ( ب ) : فاشتغلوا .

(٦) في ( ب ) : أيّامكم .

(٧) في ( ب ) : تزوّدوا .

(٨) في ( ب ) : سفركم .

(٩) في ( ألف ) : تزعج .


وقال بعضهم :

لهفي على عمر ضيّعت أوّله

وغال (١) آخره الأسقام والهرم

كم أقرع السن عند الموت من ندمٍ

وأين يبلغ قرع السن والندم

هلاّ انتبهت (٢) ووجه العمر مقتبل

والنفس في جدّة والعزم مخترم

وجاء في قوله تعالى :( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ) قال : الشباب ،( ثمّ رددناه أسفل سافلين ) (٣) قال : الهرم .

وقال بعضهم : الشيب رائد الموت ، ونذير الفناء ، ورسول المنيّة ، وقاطع الأُمنية ، وأوّل مراحل الآخرة ، ومقدّمة الهرم ، [ ورائد الانتقال ، ونذير الآخرة ](٤) ، وواعظ فصيح ، وهو للجاهل نذير ، وللعاقل بشير ، وهو سمت الوقار ، وشعار الأخيار ، ومركب الحمام ، والشباب حلم المنام .

وقيل لشيخ من العبّاد : ما بقي منك ممّا تحب له الحياة ؟ فقال : البكاء على الذنوب(٥) .

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :خير شبابكم مَن تزيّا بزيّ شيّابكم ، وشرّ شيّابكم مَن تزيّا بزيّ شبابكم .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : قال الله تعالى :( وعزّتي وجلالي إنّي لأستحي من عبدي وأَمَتي يشيبان في الإسلام أن أُعذبهما ، ثم بكىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقيل : ممّ تبكي يا رسول الله ؟ فقال :أبكي ممّن استحى الله من عذابهم ولا يستحون من عصيانهم (٦) .

____________

(١) غاله الشيء غولا واغتاله : أهلكه وأخذه من حيث لم يدر ( لسان العرب )

(٢) في ( ج ) : انتهيت .

(٣) التين : ٤ ـ ٥ .

(٤) أثبتناه من ( ب ) و ( ج ) .٥ ـ مجموعة ورام ٢ : ٢٢٢ .

(٦) في ( ب ) : عصيانه .


وقال بعضهم : مَن أخطأته سهام المنيّة قيّده عقال الهرم .

وقال بعضهم :

إنّي أرى رقم البلاء

في فود (١) رأسك قد نزل

وأراك تعثر دائماً

في كلّ يوم بالعلل

والشيب والعلل الكثيرة

من علامات الأجل

فاعمل لنفسك أيّها المغـ

ـرور في وقت العمل

وقال آخر :

ولقد رأيت صغيرة

فسترت شيبي بالخمار

قالت : غبار قد علاك ؟

فقلت : ذا غير الغبار

هذا الذي نقل الملو

ك إلى القبور من الديار

____________

(١) في ( ج ) : قرن .


الباب العاشر : في المرض ومصلحته

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوماً لأصحابه :أيّكم يحب أن يصح ولا يسقم ؟ قالوا : كلّنا يا رسول الله ، فقال :أتحبّون أن تكونوا كالحمير الضالّة ، ألا تحبّون أن تكونوا أصحاب كفّارات ، والذي نفسي بيده إنّ الرجل ليكون له الدرجة في الجنّة ما يبلغها بشيء من عمله ولكن بالصبر على البلاء ، وعظيم الجزاء لعظيم البلاء ، فإنّ الله إذا أحبّ عبداً ابتلاه بعظيم البلاء ، فإن رضي فله الرضا ، وإن سخط فله السخط .

وقالعليه‌السلام :لو يعلم المؤمن ما له في السقم ما أحبّ أن يفارق السقم أبداً .

وقالعليه‌السلام :يود أهل العافية يوم القيامة أنّ لحومهم قرّضت بالمقاريض ؛ لما يرون من ثواب أهل البلاء (١) .

____________

(١) جامع الأخبار : ٣١٠ ح ٨٥٧ ، عنه البحار ٦٧ : ٢٣٥ ح٥٤ .


وقال موسىعليه‌السلام :يا ربّ لا مرض يضنيني (١) ، ولا صحّة تنسيني ، ولكن بين ذلك أمرض تارة فأذكرك ، وأصح تارة فأشكرك (٢) .

وروي أنّ أبا الدرداء مرض فعادوه ، فقالوا : أيّ شيء تشتكي ؟ فقال : ذنوبي ، قالوا : فأيّ شيء تشتهي ؟ فقال : المغفرة من ربّي(٣) ، فقالوا : ألا ندعوا لك طبيباً ؟ فقال : الطبيب أمرضني ، قالوا : فاسأله عن سبب ذلك ، فقال : قد سألته فقال : إنّي أفعل ما أُريد .

ومرض رجل فقيل له : ألا تتداوى ، فقال : إنّ عاداً وثموداً وأصحاب الرس وقروناً بين ذلك كثيراً كانت لهم أطباء داووا(٤) ، فلا الناعت بقي ولا المنعوت له ، ولو كانت الأدواء تمنع الداء لما مات طبيب ولا ملك(٥) .

____________

(١) الضَّنْي : السقيم الذي قد فال مرضه وثَبَتَ فيه . ، وأَضْناهُ المرضُ أي أثقله (لسان العرب) والمراد أنّ موسىعليه‌السلام يسأل الله تعالى أن لا يصيبه بمرض مثقل طويل ، ولا بصحّة توجب الغفلة والنسيان .

(٢) دعوات الراوندي : ١٣٤ ح٣٣٤ ، إلى قوله : لكن بين ذلك .

(٣) في ( ب ) : ذنوبي .

(٤) في ( ب ) : أدواء ، وفي ( ج ) : أدوية .

(٥) مجموعة ورام ٢ : ٢٢٢ نحوه .


الباب الحادي عشر: في ثواب عيادة المريض

عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال :قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الحمّى رائد الموت ، وسجن الله في أرضه ، وحرّها من جهنّم ، وهي حظ (١) كل مؤمن من النار ، ونعم الوجع الحمى ، تعطي كل عضو حقه من البلاء ، ولا خير في من (٢) لا يبتلي .

إنّ المؤمن إذا حمّ حماة واحدة تناثرت عنه الذنوب كورق الشجر ، فإن أَنَّ على فراشه فأنينه تسبيح ، وصياحه تهليل ، وتقلّبه في فراشه كمَن يضرب بسيفه في سبيل الله ، فإن أقبل يعبد الله في مرضه كان مغفوراً له وطوبى له .

وحمّى ليلة كفّارة سنة ؛ لأنّ ألمها يبقى في الجسد سنة ، وهي كفارة لما قبلها وما بعدها ، ومَن اشتكى ليلة فقبلها بقبولها وأدّى شكرها ، كانت له كفّارة ستين سنة لقبولها ولصبره عليها(٣) ، والمرض للمؤمن تطهير ورحمة ، وللكافر تعذيب ولعنة ،

____________

(١) في ( ب ) : حرز .

(٢) في ( ب ) : في مؤمن .

(٣) في ( ب ) : وسنة لصبره عليها .


ولا يزال المرض بالمؤمن حتّى لا يبقى عليه ذنباً ، وصداع ليلة يحطّ كلّ خطيئة إلاّ الكبائر (١) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : للمريض في مرضه أربع خصال : يرفع عنه القلم ، ويأمر الله الملك أن يكتب له ثواب ما كان يعمله في صحّته ، وتساقطت ذنوبه كما يتساقط ورق الشجر ، ومن عاد مريضاً لم يسأل الله شيئاً إلاّ أعطاه .

ويوحي الله تعالى إلى ملك الشمال لا تكتب على عبدي مادام في وثاقي [ شيئاً](٢) ، وإلى ملك اليمين أن اجعل أنينه حسنات ؛ وإنّ المرض ينقي الجسد من الذنوب كما ينقي(٣) الكير(٤) خبث الحديد ، وإذا مرض الصغير كان مرضه كفّارة لوالديه(٥) .

وروي فيما ناجى موسى ربّه أن قال :يا ربّ أعلمني ما في عيادة المريض من الأجر ؟ فقال سبحانه : أوكّل به ملكاً يعوده في قبره إلى محشره ، قال : يا ربّ فما لمَن غسّله ؟ قال : اغسله من ذنوبه كما ولدته أُمّه فقال : يا ربّ فما لمَن شيّع جنازته ؟ قال : أوكّل بهم ملائكتي يشيّعونهم في قبورهم إلى محشرهم ، قال : يا ربّ فما لمَن عزّا مصاباً على مصيبته ؟ قال : أظلّه بظلّي يوم لا ظل إلاّ ظلّي (٦) .

وقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :عائد المريض يخوض في الرحمة ، فإذا جلس ارتمس فيه (٧) .

ويستحب الدعاء له ، فيقول العائد : اللّهمّ ربّ السماوات السبع [ وربّ

____________

(١) أورده المصنف في أعلام الدين : ٣٩٧ و ٣٩٨ .

(٢) أثبتناه من ( ب ) و ( ج ) .

(٣) في ( ب ) : يذهب .

(٤) الكير ـ بالكسر : زقّ ينفخ فيه الحداد (القاموس)

(٥) أورده المصنف في أعلام الدين : ٣٩٨ .

(٦) أورده المصنف في أعلام الدين : ٣٩٨ و ٣٩٩ .

(٧) كنز الفوائد : ١٧٨ ، عنه البحار ٨١ : ٢٢٤ ح ٣٣ .


الأرضين السبع ](١) ، وما فيهنّ وما بينهنّ وما تحتهنّ ، وربّ العرش العظيم ، صلِّ على محمّدٍ وآل محمّد واشفه بشفائك ، وداوه بدوائك ، وعافه من بلائك ، واجعل شكايته كفّارة لما مضى من ذنوبه وما بقى(٢) .

ويستحب للمريض الدعاء لعائده ، فإنّ دعاءه مستجاب ، وتكره الإطالة عند المريض .

____________

(١) أثبتناه من ( ب ) و ( ج ) .

(٢) أورده المصنف في أعلام الدين : ٣٩٩ ، عنه البحار ٨١ : ٢٢٥ ح٣٥ .


الباب الثاني عشر: في التوبة وشروطها

قال الله تعالى :( يا أيّها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً ) (١) ، يعني بالنصوح لا رجوع فيها إلى ذنب .

وقال سبحانه :( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ ) (٢) .

قوله ( بجهالة ) يعني بمواقع العقاب ، وقيل : بعظمة الله ، وأخذه للعبد بعصيانه حال المواقعة ، ثم قال سبحانه :( وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ) (٣) .

نفى سبحانه قبول التوبة عند مشاهدة أشراط الموت من العاصي والكافر ، وإنّما هي مقبولة ما لم يتيقن الموت ، فانّه سبحانه وعد قبوله بقوله :( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ

____________

(١) التحريم : ٨ .

(٢) النساء : ١٧ .

(٣) النساء : ١٨ .


التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ ) (١) وبقوله سبحانه مخبراً عن نفسه :( غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ) (٢) .

فالتوبة واجبة في نفسها عن القبيح وعن الإخلال بالواجب ، ثمّ إنْ كانت التوبة عن حقّ الله تعالى ، مثل ترك الصلاة والصيام والحج والزكاة وسائر الحقوق اللاّزمة للنفس والبدن أو لأحدهما ، فيجب على التائب الشروع فيها مع القدرة عليها في وقت القدرة ، والندم على الإخلال بها في الماضي ، والعزم على ترك العود .

وإن كانت التوبة عن حق الناس يجب ردّه عليهم إن كانوا أحياء ، وإلى ورثتهم بعد موتهم إن كان ذلك المال بعينه وإلاّ فمثله ، وإن لم يكن لهم وارث تصدّق به عنهم إن علم مقداره ، وإلاّ فيما يغلب على ظنّه مساواته ، والندم على غصبه ، والعزم على ترك العود إلى مثله ، ويستغفر الله على تعدّي أمره وأمر رسوله وتعدّي أمر إمام زمانه ، فلكلّ منهم حق في ذلك يسقط بالاستغفار .

وإن كانت توبته عن أخذ عرض ، أو نميمة ، أو بهتان عليهم بكذب ، فيجب انقياده إليهم ، وإقراره على نفسه بالكذب عليهم والبهتان ، وليستبرئ لهم عن حقّهم إن نزلوا ، أو يراضيهم بما يرضوا به عنه .

وإن كانت عن قتل نفس عمداً أو جراح ، أو شيء في أبدانهم ، فينقاد إليهم للخروج عن [ حقوقهم على ](٣) الوجه المأمور به من قصاص عن جراح ، أو ديّة عن قتل نفس عمداً إن شاء أو رضوا بالديّة ، وإلاّ فالقتل بالقتل .

وإن كانت التوبة عن معصية من زنا ، أو شرب خمر وأمثاله ، فالتوبة عنه الندم على ذلك الفعل ، والعزم على ترك العود إليه ، وليست التوبة قول الرجل ( استغفر الله وأتوب إليه ) وهو لا يؤدّي حقّه ولا حق رسوله ولا إمامه ولا حق

____________

(١) الشورى : ٢٥ .

(٢) الشورى : ٢٥ .

(٣) أثبتناه من ( ب ) و ( ج ) .


الناس .

فقول الرجل هذا من دون ذلك استهزاء بنفسه ، ويجرِ عليها ذنباً ثانياً بكذبه ، كما روي أنّ بعض الناس اجتاز على رجل وهو يقول : استغفر الله ، ويشتم الناس ويكرّر الاستغفار ويشتم ، فقال السامع له : استغفر الله من هذا الاستغفار والتكرار .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أيّها الناس توبوا إلى الله توبة نصوحاً قبل أن تموتوا ، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا ، وأصلحوا بينكم وبين ربّكم تسعدوا ، وأكثروا من الصدقة ترزقوا ، وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر تنصروا .

أيّها النّاس إنّ أكيسكم أكثركم للموت ذكراً ، وإنّ أحزمكم أحسنكم استعداداً له ، وإنّ من علامات العقل التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ، والتزوّد لسكنى القبور ، والتأهّب ليوم النشور(١) .

وكانصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول في دعائه :( اللّهمّ اغفر لي (٢) وتب عليّ انّك أنت التوّاب الرحيم ) .

وقيل : إنّ إبليس قال : وعزّتك لا أزال أغوي [ وأدعو ](٣) ابن آدم إلى المعصية ما دامت الروح في بدنه ، فقال الله تعالى :( وعزّتي وجلالي لا أمنعه التوبة حتّى يغرغر بروحه ) (٤) .

وما يقبض الله عبداً إلاّ بعد أن يعلم منه أنّه لا يتوب لو أبقاه ، كما أخبر الله سبحانه عن جواب أهل النار من قولهم :( رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً ) (٥) ، فقال

____________

(١) راجع البحار ٧٧ : ١٧٦ ضمن حديث ١٠ .

(٢) في ( ج ) : اغفر لي كلّ ذنب عليّ .

(٣) أثبتناه من ( ب ) .

(٤) راجع البحار ٦ : ١٦ .

(٥) فاطر : ٣٧ .


تعالى :( وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) (١) .

وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يستغفر في كل يوم سبعين مرّة ، يقول :( استغفر الله ربّي وأتوب إليه ) ، وكذلك أهل بيتهعليهم‌السلام وصالحوا أصحابه ، لقوله تعالى :( اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ) (٢) .

وقال رجل : يا رسول الله إنّي أذنبت ، فقال :استغفر الله ، فقال : انّي أتوب ثم أعود ، فقال :كلّما أذنبت استغفر الله ، فقال : إذن تكثر ذنوبي ، فقال له :عفو الله أكثر ، فلا تزال تتوب حتّى يكون الشيطان هو المدحور (٣) .

وقال :إنّ الله تعالى أفرح بتوبة العبد منه لنفسه ، وقد قال : ( إنّ الله يحب التوابين ويحب المتطهّرين ) (٤) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :ما من عبد أذنب ذنباً ، فقام وتطهّر وصلّى ركعتين ، واستغفر الله إلاّ غفر الله له ، وكان حقيقاً على الله أن يقبله ؛ لأنّه سبحانه قال : ( ومَن يعمل سوءً أو يظلم نفسه ثمّ يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً ) (٥) .

وقال :إنّ العبد ليذنب الذنب فيدخل به الجنّة ، فقيل : وكيف ذلك يا رسول الله صلّى الله عليك وآلك ؟ قال :يكون نصب عينيه ، لا يزال يستغفر منه ويندم عليه فيدخله الله به الجنّة ، ولم أر أحسن من حسنة حدثت بعد ذنب قديم ، ( إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ) .

وقال :إذا أذنب العبد ذنباً كان نكتة سوداء على قلبه ، فإن هو تاب وأقلع

____________

(١) الأنعام : ٢٨ .

(٢) هود : ٥٢ .

(٣) مجموعة ورام ٢ : ٢٢٣ نحوه .

(٤) البقرة : ٢٢٢ .

(٥) عنه الوسائل ١١ : ٣٦٣ ح٣ ، ومجموعة ورام ٢ : ٢٢٣ ، والآية في سورة النساء : ١١٠ .


واستغفر صفا قلبه منها ، وإن هو لم يتب ولم يستغفر كان الذنب على الذنب ، وذلك قوله : ( بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ) ، يعني غطّي (١) .

والعاقل يحسب نفسه قد مات وسأل الله الرجعة ليتوب ويقلع ويصلح ، فأجابه الله فيجد ويجتهد .

وجاء في قوله تعالى :( وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) (٢) وقال : المصائب في المال والأهل والولد والنفس دون العذاب الأكبر ، [ والعذاب الأكبر ](٣) عذاب جهنّم ، وقوله تعالى :( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) يعني عن المعصية ، وهذا لا يكون إلاّ في الدنيا .

وأوحى الله تعالى إلى داودعليه‌السلام :احذر أن آخذك على غرّة فتلقاني بغير حجّة ( يريد التوبة ) .

وروي أنّ الكلمات التي تلقّاها آدم من ربّه فتاب عليه ، قوله تعالى :( رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (٤) وروي أنّه وزوجته حوّاء رأيا على باب الجنّة( محمد ، وعليّ ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين صفوتي من الخلق ) فسألا الله بهم فتاب عليهما .

والتوبة على أربعة خصال : ندم بالقلب ، وعزم على ترك العود ، وخروج من الحقوق ، وترك بالجوارح وتوبة النصوح أن يتوب فلا يرجع فيما تاب عنه ، والتائب من الذنب كمَن لا ذنب له ، والمصرّ على الذنب مع الاستغفار يستهزئ بنفسه ويسخر منه الشيطان ، وإنّ الرجل إذا قال : ( أستغفرك يا ربّ وأتوب إليك ) ثم عاد

____________

(١) عنه مستدرك الوسائل ١١ : ٣٣٣ ح١٣١٩٠ ، والآية في سورة المطففين : ١٤ .

(٢) السجدة : ٢١ .

(٣) أثبتناه من ( ب ) و ( ج ) .

(٤) الأعراف : ٢٣ .


ثم قال ، ثم عاد ثم قال ، كتب(١) في الرابعة من الكذّابين .

وقال بعضهم : كن وصيّ نفسك ، ولا تجعل الرجال أوصياءك ، وكيف تلومهم على تضييع وصيّتك وقد ضيّعتها أنت في حياتك ؟!(٢) .

وسمع أمير المؤمنينعليه‌السلام رجلاً يقول : ( استغفر الله ) ، فقال :ثكلتك أُمّك ، أو تدري ما حدّ الاستغفار ؟ الاستغفار درجة في العلّيين ، وهو اسم واقع على ستّة معان ، أوّلها : الندم على ما مضى والثاني : العزم على ترك العود إليه أبداً والثالث : أن تؤدّي إلى المخلوقين حقوقهم حتّى تلقى الله أملس والرابع : أن تعمد إلى كل فريضة ضيّعتها فتؤدّي حقّها والخامس : أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت والمعاصي فتذيبه والسادس : أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية ، فعند ذلك تقول : ( استغفر الله ) (٣) .

ولقد أحسن بعضهم :

مضى أمسك الماضي شهيداً معدّلا

وأصبحت في يومٍ عليك شهيدُ

فإن كنت بالأمس اقترفت إساءةً

فثنّ بإحسانٍ وأنت حميدُ

ولا تؤجل (٤) فعل الصالحات إلى غدٍ

لعلّ غداً يأتي وأنت فقيدُ

وقال آخر :

تمتّع إنّما الدنيا متاع

وإنّ دوامها لا يستطاع

وقدّم ما ملكت وأنت حيّ

أمير فيه متّبع مطاع

ولا يغررك مَن توصي إليه

فقصر وصيّة المرء الضياع

وما لي أن أُملّك ذاك غيري

وأوصيه به لولا الخداع

____________

(١) في ( ج ) : كان .

(٢) مجموعة ورام ٢ : ٢٢٣ .

(٣) نهج البلاغة : قصار الحكم ٤١٧ .

(٤) في ( ألف ) : ترج .


وقال آخر :

إذا ما كنت متخذاً وصيّاً

فكن فيما ملكت وصيّ نفسك

ستحصد ما زرعت غداً وتجني

إذا وضع الحساب ثمار غرسك

الباب الثالث عشر : في ذكر الموت ومواعظه

قال الحسن بن أبي الحسن بن محمد الديلمي ، مصنّف هذا الكتاب ، تغمّده الله برحمته : إنّه مَن جعل الموت نصب عينيه زهّده في الدنيا ، وهوّن عليه المصائب ، ورغّبه في فعل الخير ، وحثّه على التوبة ، وقيّده عن الفتك ، وقطعه عن بسط الأمل في الدنيا ، وقلّ أن يعود يفرح قلبه بشيء من الدنيا .

وما أنعم الله تعالى على عبد بنعمة أعظم من أن يجعل [ ذكر ](١) الدار الآخرة نصب عينيه ، ولهذا امتنّ الله على إبراهيم وذريّتهعليهم‌السلام بقوله تعالى :( إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ) (٢) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :أكثروا من ذكر هادم اللذّات ، فإنّكم إن كنتم في ضيق وسّعه عليكم فرضيتم به فأُثبتم ، وإن كنتم في غنىً بغّضه إليكم فجدتم به فأُجرتم ؛ لأنّ المنايا قاطعات الآمال ، والليالي مدنيات الآجال إنّ المرء عند خروج نفسه وحلول رمسه ، يرى جزاء ما قدّم وقلّة غنى ما خلّف ، ولعلّه من باطل

____________

(١) أثبتناه من ( ج ) .

(٢) ص : ٤٦ .


جمعه أو من حق منعه (١) .

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام :مَن علم أنّ الموت مصدره ، والقبر مورده ، وبين يدي الله موقفه ، وجوارحه شهيدة له ، طالت حسرته ، وكثرت عبرته ، ودامت فكرته .

وقالعليه‌السلام :مَن علم أنّه يفارق الأحباب ، ويسكن التراب ، ويواجه الحساب ، كان حريّاً بقطع الأمل ، وحسن العمل (٢) .

فاذكروا رحمكم الله قوله تعالى :( وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * . فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ) (٣) ، يعني شاهدته ما بقي عندك فيه شك ولا ارتياب بعدما كنت ناسياً له غير مكترث به .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :أتدرون مَن أكيسكم ؟ قالوا : لا يا رسول الله ، قال :أكثركم للموت ذكراً ، وأحسنكم استعداداً له ، فقالوا : وما علامة ذلك يا رسول الله ؟ قال :التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ، والتزوّد لسكنى القبور ، والتأهّب ليوم النشور .

ولقد أحسن مَن قال :

اذكر الموت هادم اللذّات

وتجهّز لمصرعٍ سوف يأتي

 [ وقال آخر : ](٤)

ماذا تقول وليس عندك حجّة

لو قد أتاك منغّص اللذّاتِ

ماذا تقول إذا دُعيت فلم تجب

وإذا تركت وأنت في غمراتِ

ماذا تقول إذا حللت محلّة

ليس الثقات لأهلها بثقاتِ

____________

(١) أورده المصنّف في أعلام الدين : ٣٣٥ ، وفي البحار ٧٧ : ١٧٩ .

(٢) البحار ٧٣ : ١٦٧ ح٣١ ، عن كنز الفوائد .

(٣) تلفيق من سورة ق : ١٩ و٢٢ .

(٤) أثبتناه من ( ب ) و ( ج ) .


الباب الرابع عشر : في المبادرة بالعمل

يقول مصنّف هذا الكتابرحمه‌الله : انتبه أيّها الإنسان من رقدتك ، وأفق من سكرتك ، واعمل وأنت في مهل قبل حلول الأجل ، وجد بما(١) في يديك لما بين يديك(٢) ، فإنّ أمامك عقبةً كؤداً لا يقطعها إلاّ المخفّون ، فأحسن الاستعداد لها من دار تدخلها عرياناً وتخرج منها عرياناً ، كما قال تعالى :

( وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ ) (٣) .

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :اعملوا في الصحّة قبل السقم ، وفي الشباب قبل الهرم ، وفي الفراغ قبل الشغل ، وفى الحياة قبل الموت ، وقد نزل جبرئيل عليه‌السلام إليّ وقال لي : يا محمد ربّك يقرئك السلام ويقول لك : ( كل ساعة تذكرني

____________

(١) في ( ب ) : وخذ مما .

(٢) في ( ج ) : بعد موتك .

(٣) الأنعام : ٩٤ .


فيها فهي لك عندي مدّخرة ، وكل ساعة لا تذكرني فيها فهي منك ضائعة ) .

وأوحى الله إلى داود :[ يا داود ] (١) كل ساعة لا تذكرني فيها عدمتها من ساعة .

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام :إنّ امرءً ضيّع من عمره ساعة في غير ما خلق له لجدير أن يطول عليها حسرته يوم القيامة (٢) .

[(٣) وقد روي إنّ شاباً ورث من أبيه مالاً جزيلاً ، فجعل يخرجه في سبيل الله ، فشكت أُمّه ذلك إلى صديق كان لأبيه وقالت : إنّي أخاف عليه الفقر ، فأمره ذلك الصديق أن يستبقي لنفسه من الأموال .

فقال له الشاب : ما تقول في رجل ساكن في ربط البلد ، وقد عزم على أن يتحوّل إلى داخل المدينة ، فجعل يبعث غلمانه برحله ومتاعه إلى داره بالمدينة ، فذلك خير أم مَن كان يرحل بنفسه ويترك متاعه خلفه لا يدري يُبعث به إليه أو لا ؟ فعرف الصديق أنّه صادق في مثاله ، فأمره بإنفاقه في الصدقات .

فعليك يا أخي بدوام الصدقات ، فدوامها من دليل سعادات الدنيا والآخرة ، ولا تحقرنّ قليلها فذلك القليل ينتظم إلى قليل مثله فيصير كثيراً .

وبادر بإخراج الزكاة إذا وجبت من المال أو كانت تطوّعاً ، فإنّ الصدقة لا تخرج من يد المؤمن حتّى يفك بها سبعين شيطاناً ، كلّهم [ قد عضّ على قلب ابن آدم ](٤) ينهونه عن إخراجها ، ولا تستكثر يا أخي ما تعطيه في الصدقة ، وطاعة الله إذا استكثرها المؤمن صغرت عند الله ، وإذا صغرت عند المؤمن كبرت عند الله .

وفي خبر أنّ موسىعليه‌السلام قال لإبليس :أخبرني بالذنب الذي إذا

____________

(١) أثبتناه من ( ب ) و ( ج ) .

(٢) عنه معالم الزلفى : ٢٤٥ .

(٣) من هنا إلى ص ١٢٦ لم يرد في ( ألف ) و ( ب ) ، بل أثبتناه من ( ج ) و ( د ) .

(٤) أثبتناه من ( د ) .


عمله ابن آدم استحوذت عليه ، فقال إبليس : إذا أعجبته نفسه ، واستكثر عمله وصدقته ، ونسي ذنوبه ، استحوذت عليه(١) .

وإيّاك ثمّ إيّاك أن تنهر سائلاً أو تردّه خائباً ولو بشقّ تمرة ، وإن ألحّ في السؤال لا تسأم بل ردّه ردّاً جميلاً إذا لم يكن عندك شيء تعطيه ، فإنّه أبقى لنعمة الله عليك ، فإنّه ربّما كان السائل ملكاً بعثه الله إليك في صورة بشر ، يختبرك به ليرى كيف تصنع بما رزقك وأعطاك ففي الحديث إنّ الله تعالى لمّا ناجى موسى قال :يا موسى أنل السائل ولو باليسير وإلاّ فردّه ردّاً جميلاً ، فإنّه يأتيك مَن ليس بإنس ولا جان ، بل ملك من ملائكة الرحمان يسألونك عمّا خوّلك ، ويختبرونك فيما رزقك .

وروي أنّ بعض العلماء كان جالساً في المسجد وحوله أصحابه ، فدخل مسكين فسأل شيئاً فقال لهم العالم : أتدرون ما يقول لكم هذا المسكين ؟ يقول : أعطوني أحمله لكم إلى دار الآخرة يكون لكم ذخيرة ، تقدمون عليه غداً في عرصة المحشر .

فيا أخي يجب عليك أن تبعث معهم شيئاً جزيلاً من مالك إلى دار البقاء ، ليكون ثوابك غداً الجنّة في دار النعيم الباقي الدائم .

ولله درّ القائل حيث يقول :

يا صاح إنّك راحل فتزوّد

فعساك في ذا اليوم ترحل أو غد

لا تغفلنّ فالموت ليس بغافلٍ (٢)

هيهات بل هو للأنام بمرصد

فليأتينّ منه عليك بساعة

فتودّ أنّك قبلها لم تولد

ولتخرجنّ إلى القبور مجرّداً

ممّا شقيت (٣) بجمعه صفر اليد

____________

(١) البحار ١٣ : ٣٥٠ ح٣٩ ، عن قصص الأنبياء .

(٢) في ( د ) : الموت يأتيك بغتة .

(٣) في ( د ) : سعيت .


قال الخليل بن أحمد لصديق له من الأغنياء : إنّما تجمع مالك لأجل ثلاثة أنفس كلّهم أعداؤك ، إمّا زوج امرأتك بعدك ، وإمّا زوج ابنتك ، أو ولدك ، وكل يتمنّى موتك ويستطيل عمرك ، فإن كنت عاقلاً ناصحاً لنفسك فخذ مالك معك زاداً لآخرتك ، ولا تؤثر أحد هؤلاء على نفسك .

ولقد أجاد الشاعر حيث قال :

تورّع ما حرّم الله وامتثل

أوامره وانظر غداً ما أنت عامله

فأنت بذي الدار لا شكّ تاجر

لدار غدٍ فانظر غداً مَن تعامله

وقال رجل صالح لبعض العلماء : أوصني ، قال : أوصيك بشيء واحد ، اعلم أنّ الليل والنهار يعملان فيك فاعمل أنت فيهما .

وهذا القول إذا تدبّره العاقل علم أنّه أبلغ العظات ، وقيل لعالم : ما أحمد الأشياء وأحلاها في قلب المؤمن ؟ قال : شيء واحد وهو ثمرة العمل الصالح ، قيل له : فما نهاية السرور ؟ قال : الأمن من الوجل عند حلول الأجل ، ثم تمثّل بهذين البيتين :

ولدتك إذ ولدتك أُمّك باكياً

والناس حولك يضحكون سروراً

فاجهد لنفسك أن تكون إذا بكوا

في يوم موتك ضاحكاً مسروراً

وقال رجل للصادقعليه‌السلام : أوصني ، قال له :أعد جهازك ، وأكثر من زادك لطول سفرك ، وكن وصيّ نفسك ، ولا تأمن غيرك أن يبعث إليك بحسناتك إلى قبرك ، فإنّه لن يبعثها أحد من ولدك إليك (١) .

ما أبين الحق لذي عينين

أنّ الرحيل أحد اليومين

تزوّدوا من صالح الأعمال

وتصدّقوا من خالص الأموال

فقد دنى الرحلة والزوال

____________

(١) البحار ٧٨ : ٢٧٠ ح١١١ نحوه .


خرجت من الدنيا فقامت قيامتي

غداة أقلّ الحاملون جنازتي

وعجّل أهلي (١) حفر قبري فصيّروا

خروجي عنهم من أجل كرامتي

يجب على العاقل أن يحافظ على أوّل أوقات الصلاة ، ويسارع إلى فعل الخيرات ، فيكثر من أعمال البر والصدقات ، فإنّ العمر لحظات ، يقال : فلان قد مات ، فإذا عاين في قبره الأهوال والحسرات قال : أعيدوني إلى الدنيا لأتصدّق بمالي ، فيقال : هيهات .

فاغتنم أيّها اللبيب ما بقي لك من الأوقات ، فإنّ بقيّة عمرك لا بقاء لها فاستدرك بها ما فات ، واجتهد أن تجعل بصرك لأُخراك ، فهو أعود عليك من نظرك إلى دنياك ، فإنّ الدنيا فانية والأُخرى باقية ، والسعيد مَن استعدّ لما بين يديه ، وأسلف عملاً صالحاً يقدم عليه قبل نزول المنون ، يوم لا ينفع مال ولا بنون .

وبادر شبابك أن يهرما

وصحّة جسمك أن يسقما

وأيّام عزّك قبل الممات

فما كل مَن عاش أن يسلما

وقدّم فكل امرءٍ قادم

على كل ما كان قد قدّما

أقول في جمع المال والبخل به على نفسه وإنفاقه في مرضات الله تعالى كما قال تعالى في كتابه :( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) (٢) .

وفي الخبر عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :يصوّر الله مال أحدكم شجاعاً أقرع ، فيطوق في حلقه ويقول : أنا مالك الذي منعتني أن تتصدّق به ، ثم ينهشه بأنيابه ، فيصيح عند ذلك صياحاً عظيماً .

ثمّ عليك يا طالب الجنّة ونعيمها بترك حب الدنيا وزينتها ؛ لأنّ الله تعالى قد

____________

(١) في ( د ) : عجّلوا .

(٢) آل عمران : ١٨٠ .


ذمّها في كتابه العزيز فقال :( مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ ) (١) ، أي لا ينقصون من المال والجاه ، ثم قال تعالى :( أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآَخِرَةِ إِلاّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا ) (٢) ، والإحباط هو إبطال أعمالهم في الدنيا .

وقال الله تعالى :( مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً ) (٣) .

وقال تعالى :( مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ) (٤) ، وحرث الآخرة هو العمل للآخرة الذي يستحق به العبد دخول الجنّة ؛ لأنّ الحرث هو زرع الأرض .

وقال بعض الصالحين :

وما الناس إلاّ هالك وابن هالك

وذو نسبٍ في الهالكين عريق

إذا امتحن الدنيا لبيبٌ تكشّفت

له عن عدوٍّ في ثياب صديق

وقال آخر :

كأحلام نوم أو كظل زائل

إنّ اللبيب بمثلها لا يخدع

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :إنّ أهل الجنّة لا يندمون على شيء من أمور الدنيا إلاّ على ساعة مرّت بهم في الدنيا لم يذكروا الله تعالى فيها .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :ما من يوم يمر إلاّ والباري عزّ وجل ينادي : عبدي ما أنصفتني أذكرك وتنسى ذكري ، وأدعوك إلى عبادتي وتذهب إلى غيري ، وأرزقك من خزانتي وآمرك لتتصدّق لوجهي فلا تطيعني ، وأفتح عليك أبواب

____________

(١) هود : ١٥ .

(٢) هود : ١٥ .

(٣) الإسراء : ١٨ .

(٤) الشورى : ٢٠ .


الرزق وأستقرضك من مالي فتجبهني (١) ، وأُذهب عنك البلاء وأنت معتكف على فعل الخطايا ، يا ابن آدم ! ما يكون جوابك لي غداً إذا جئتني ؟ .

وقال بعض العلماء : يا أخي ! إنّ الموتى لم يبكوا من الموت لأنّه محتوم لابد منه ، وإنّما يبكون من حسرة الفوت ، كيف لا يتزوّدون من الأعمال الصالحة التي يستحقون بها الدرجات العلى ، بل ارتحلوا من دار لم يتزوّدوا منها ، وحلّوا بدار لم يعمّروها ولم يتزوّدوا لها ، فيقولون حينئذ : يا حسرتا على ما فرّطنا في جنب الله .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :ما من ليلة إلاّ وملك ينادي : يا أهل القبور بم تغتبطون اليوم وقد عاينتم هول المطلع ، فيقول الموتى : إنّما نغبط المؤمنون في مساجدهم ؛ لأنّهم يصلّون ولا نصلّي ، ويؤتون الزكاة ولا نزكّي ، ويصومون شهر رمضان ولا نصوم ، ويتصدّقون بما فضل عن عيالهم ونحن لا نتصدّق ، [ ويذكرون الله كثيراً ونحن لا نذكر ، فو احسرتنا على ما فاتنا في دار الدنيا ] (٢) .

وقال لقمان لابنه : يا بني ! إن كنت تحب الجنّة فإنّ ربّك يحب الطاعة ، فأحب ما يحب [ ليعطيك ما تحبّ ](٣) ، وإن كنت تكره النار فإنّ ربّك يكره المعصية ، فاكره ما يكرهه لينجيك ممّا تكره .

واعلم أنّ من وراء الموت ما هو أعظم وأدهى ، قال الله تعالى في محكم كتابه :( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاّ مَنْ شَاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ) (٤) .

وقد روت الثقات عن زين العابدينعليه‌السلام :إنّ الصور قرن عظيم له رأس واحد وطرفان ، وبين الطرف الأسفل الذي يلي الأرض إلى الطرف الأعلى

____________

(١) في ( د ) : فتبخلني .

(٢) أثبتناه من ( د ) .

(٣) أثبتناه من ( د ) .

(٤) الزمر : ٦٨ .


الذي يلي السماء مثل ما بين تخوم الأرضين السابعة إلى فوق السماء السابعة فيه أثقاب بعدد أرواح الخلائق ، ووسْع فمه ما بين السماء والأرض ، وله في الصور ثلاث نفخات : نفخة الفزع ، ونفخة الموت ، ونفخة البعث .

فإذا فنيت أيام الدنيا أمر الله عزّ وجل إسرافيل أن ينفخ فيه نفخة الفزع ، فإذا رأت الملائكة إسرافيل وقد هبط ومعه الصور قالوا : قد أذن الله في موت أهل السماء والأرض ، فيهبط إسرافيل عند بيت المقدس مستقبل الكعبة ، فينفخ في الصور نفخة الفزع .

قال الله تعالى :( وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاّ مَنْ شَاءَ اللهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ ) إلى قوله تعالى :( مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آَمِنُونَ ) (١) .

وتزلزلت الأرض و( تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا ) ، ويصير الناس يميدون ، ويقع بعضهم على بعض كأنّهم سكارى ، وما هم بسكارى ولكن من عظيم ما هم فيه من الفزع ، وتبيضّ لحى الشبان من شدّة الفزع .

وتطير الشياطين هاربة إلى أقطار الأرض ، ولولا أنّ الله تعالى يمسك أرواح الخلائق في أجسادهم لخرجت من هول تلك النفخة ، فيمكثون على هذه الهيئة ما شاء الله تعالى ، ثم يأمر الله تعالى إسرافيل أن ينفخ في الصور نفخة الصعق ، فيخرج الصوت من الطرف الذي يلي الأرض ، فلا يبقى في الأرض إنس ولا جن ولا شيطان ولا غيرهم ممّن له روح إلاّ صعق ومات .

ويخرج الصوت من الطرف الذي يلى السماء ، فلا يبقى في السماوات ذو روح إلاّ مات ، قال الله تعالى :( إِلاّ مَنْ شَاءَ اللهُ ) ، وهو جبرئيل وميكائيل وإسرافيل

____________

(١) النمل : ٨٩ ـ ٨٧ .


وعزرائيل فأؤلئك الذين شاء الله ، فيقول الله تعالى : يا ملك الموت مَن بقي من خلقي ؟ فقال : يا ربّ أنت الحي الذي لا يموت ، بقي جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وبقيت أنا .

فيأمر الله بقبض أرواحهم فيقبضها ، ثم يقول الله : يا ملك الموت مَن بقي من خلقي ؟ فيقول ملك الموت : يا ربّ بقي عبدك الضعيف المسكين ملك الموت ، فيقول الله له : مت يا ملك الموت بإذني ، فيموت ملك الموت ويصيح عند خروج روحه صيحة عظيمة لو سمعها بنو آدم قبل موتهم لهلكوا ، ويقول ملك الموت : لو كنت أعلم أنّ في نزع أرواح بني آدم هذه المرارة والشدّة والغصص لكنت على قبض أرواح المؤمنين شفيقاً .

فإذا لم يبق أحد من خلق الله في السماء والأرض ، نادى الجبّار جلّ جلاله : يا دنيا أين الملوك وأبناء الملوك ؟ أين الجبابرة وأبناؤهم ؟ وأين مَن ملك الدنيا بأقطارها ؟ أين الذين كانوا يأكلون رزقي ولا يخرجون من أموالهم حقّي ؟ ، ثم يقول :( لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَِ ) فلا يجيبه أحد ، فيجيب هو عن نفسه فيقول :( للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّار ) (١) .

ثم يأمر الله السماء فتمور أي تدور بأفلاكها ونجومها كالرحى ، ويأمر الجبال فتسير كما تسير السحاب ، ثم تبدل الأرض بأرض أخرى لم يكتسب عليها الذنوب ولا سفك عليها دم ، بارزة ليس عليها جبال ولا نبات كما دحاها أوّل مرّة ، وكذا تبدل السماوات كما قال الله تعالى : ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) (٢) .

ويعيد عرشه على الماء ، كما كان قبل خلق السماوات والأرض ، مستقلاً بعظمته وقدرته ، ثم يأمر الله السماء أن تمطر على الأرض [ أربعين يوماً ] (٣) حتّى يكون

____________

(١) غافر : ١٦ .

(٢) إبراهيم : ٤٨ .

(٣) أثبتناه من ( د ) .


الماء فوق كل شيء اثنى عشر ذراعاً ، فتنبت به أجساد الخلائق كما ينبت البقل .

فتساق أجزاؤهم التي صارت تراباً بعضها إلى بعض بقدرة العزيز الحميد ، حتّى أنّه لو دفن في قبر واحد ألف ميت وصارت لحومهم وأجسادهم وعظامهم النخرة كلّها تراباً مختلطة بعضها في بعض ، لم يختلط تراب ميت بميت آخر ؛ لأنّ في ذلك القبر شقيّاً وسعيداً ، جسد ينعم بالجنّة وجسد يعذّب بالنّار ( نعوذ بالله منها ) .

ثم يقول الله تعالى : ليحيى جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وحملة العرش ، فيحيون بإذن الله فيأمر الله إسرافيل أن يأخذ الصور بيده ، ثم يأمر الله أرواح الخلائق فتأتي فتدخل في الصور ، ثم يأمر الله إسرافيل أن ينفخ في الصور للحياة ، وبين النفختين أربعين سنة .

قال : فتخرج الأرواح من أثقاب الصور كأنّها الجراد المنتشر ، فتملأ ما بين السماء والأرض ، فتدخل الأرواح في الأرض إلى الأجساد وهم نيام في القبور كالموتى ، فتدخل كل روح في جسدها ، فتدخل في خياشيمهم فيحيون بإذن الله تعالى ، فتنشق الأرض عنهم كما قال :( يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ ) (١) .

وقال تعالى : ( ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ) (٢) ، ثم يدعون إلى عرصة المحشر ، [ فإذا دخلوا عرصة القيامة أمر ] (٣) الله الشمس أن تنزل من السماء الرابعة إلى السماء الدنيا قريب حرّها من رؤوس الخلائق ، فيصيبهم من حرّها أمر عظيم حتّى يعرفون من شدّة حرّها كربها ، حتّى يخوضون في عرقهم .

____________

(١) المعارج : ٤٤ ـ ٤٣ .

(٢) الزمر : ٦٨ .

(٣) أثبتناه من ( د ) .


ثم يبقون على ذلك حفاة عراة عطاشاً ، وكل واحد دالع لسانه على شفتيه ، قال :فيبكون عند ذلك حتّى ينقطع الدمع ، ثم يبكون بعد الدموع دماً .

قال الراوي وهو الحسن بن محبوب يرفعه إلى يونس بن أبي فاختة ، قال : رأيت زين العابدينعليه‌السلام عند بلوغه إلى هذا المكان ينتحب ويبكي بكاء الثكلى ويقول :آه ثمّ آه على عمري كيف ضيّعته في غير عبادة الله وطاعته لأكون في هذا اليوم من الناجين الفائزين .

قلت : وذلك في تفسير قوله تعالى آخر سورة المؤمنين :( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ) (١) يعني فيما تركته ورائي لورّاثي ، فأتصدّق به وأكون من الصالحين فيقول له ملك الموت :( كلاّ إنّها كلمة هو قائلها ) (٢) .

أي كلاّ لا رجوع لك إلى دار الدنيا ، وقوله :( إنّها كلمة هو قائلها ) ، أي قال هذه الكلمة لمّا شاهد من شدّة سكرات الموت ، وأهوال ما عاينه من عذاب القبر وهول المطلع ، ومن هول سؤال منكر ونكير .

قال الله تعالى :( وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) (٣) أي لو ردّوا إلى دار الدنيا ، ومددنا لهم في العمر لعادوا إلى ما كانوا عليه من بخلهم بأموالهم فلم يتصدّقوا ، ولم يطعموا الجيعان ، ولم يكسوا العريان ، ولم يواسوا الجيران ، بل يطيعون الشيطان في البخل وترك الطاعة .

ثم قال تعالى :( ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ) (٤) والبرزخ في التفسير القبر .

____________

(١) المؤمنون : ١٠٠ .

(٢) المؤمنون : ١٠٠ .

(٣) الأنعام : ٢٨ .

(٤) المؤمنون : ١٠٠ .


ثم قال تعالى :( فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ * فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ ) (١) ، الآية .

قوله :( فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُم ) ، ففي الخبر الصحيح عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ الخلائق إذا عاينوا القيامة ودقّة الحساب وأليم العذاب ، فإنّ الأب يومئذ يتعلّق بولده فيقول : أي بُني كنت لك في دار الدنيا ، ألم أُربّك وأُغذّيك وأُطعمك من كدّي ، وأكسيك وأعلّمك الحكم والآداب ، وأُدرّسك آيات الكتاب ، وأُزوّجك كريمة من قومي ، وأنفقت عليك وعلى زوجتك في حياتي ، وآثرتك على نفسي بمالي بعد وفاتي ؟ .

فيقول : صدقت فيما قلت يا أبي ، فما حاجتك ؟ فيقول : يا بني إنّ ميزاني قد خفّت ورجحت سيّئاتي على حسناتي ، وقالت الملائكة : تحتاج كفّة حسناتك إلى حسنة واحدة حتّى ترجح بها ، وإنّي أُريد أن تهب لي حسنة واحدة أثقل بها ميزاني في هذا اليوم العظيم خطره .

قال :فيقول الولد : لا والله يا أبت ، إنّي أخاف ممّا خفته أنت ، ولا أُطيق أعطيك من حسناتي شيئاً . قال :فيذهب عنه الأب باكياً نادماً على ما كان أسدى إليه في دار الدنيا .

وكذلك قيل إنّ الأُم تلقى ولدها في ذلك اليوم فتقول له : يا بني ألم يكن بطني لك وعاءً ؟ فيقول : بلى يا أُمّاه ، فتقول : ألم يكن ثديي لك سقاءً ؟ فيقول : بلى يا أُمّاه ، فتقول له : إنّ ذنوبي أثقلتني فأُريد أن تحمل عنّي ذنباً واحداً ، فيقول : إليك عنّي يا أُمّاه ، فإنّي مشغول بنفسي فترجع عنه باكية ، وذلك تأويل قوله تعالى :( فلا أنساب

____________

(١) المؤمنون : ١٠٤ـ١٠١ .


بينهم يومئذ ولا يتساءلون ) (١) .

قال : ويتعلّق الزوج بزوجته ، فيقول : يا فلانة ! أيّ زوج كنت لك في الدنيا ؟ فتثني عليه خيراً وتقول : نعم الزوج كنت لي ، فيقول لها : أطلب منك حسنة واحدة لعلّي أنجو بها ممّا ترين من دقّة الحساب ، وخفّة الميزان ، والجواز على الصراط ، فتقول له : لا والله ، إنّي لا أُطيق ذلك ، وإنّي أخاف مثل ما تخافه أنت ، فيذهب عنها بقلب حزين حيران في أمره .

وذلك ورد في تأويل قوله تعالى :( وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ) (٢) ، يعني إنّ النفس المثقلة بالذنوب تسأل أهلها وقرابتها أن يحملوا عنها شيئاً من حملها وذنوبها ، فإنّهم لا يحملونه بل يكون حالهم يوم القيامة نفسي نفسي ، كما قال تعالى :( يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ) (٣) .

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أخبرني جبرئيل قال : بينما الخلائق وقوف في عرصة القيامة إذ أمر الله تعالى ملائكة النار أن يقودوا جهنّم ، فيقودوها سبعون ألف ملك في سبعين ألف زمام ، فيجد الخلائق حرّها ووهجها من مسيرة شهر للراكب المجد ، وقد تطاير شررها وعلا زفيرها .

فإذا دنت من عرصة القيامة صارت ترمي بشرر كالقصر ، فلا يبقى يومئذ من نبي ولا وصي نبي ولا شهيد إلاّ وقع من قيامه جاثياً على ركبتيه وغيرهم من سائر الخلائق إلاّ ويخرّ على وجهه ، وكل منهم ينادي بأعلى صوته : يا ربّ نفسي نفسي إلاّ أنت يا نبي الله ، فإنّك قائم تقول : يا ربّ نجّ ذرّيتي وشيعتي ومحبّ ذريتي .

____________

(١) المؤمنون : ١٠١ .

(٢) فاطر : ١٨ .

(٣) عبس : ٣٧ـ٣٤ .


قال : فيطلب النبي أن تتأخّر عنهم جهنّم ، فيأمر الله تعالى خزنتها أن يرجعوها إلى حيث أتت منه ، وذلك في تفسير قوله تعالى في سورة الفجر :( وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى ) (١) ، معنى يومئذ : أي يوم القيامة ، ومعنى يتذكّر : أي ابن آدم يتذكّر ذنوبه ومعاصيه ، ويندم كيف ما قدم ماله ليقدم عليه يوم القيامة ، وقوله تعالى( وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى ) أي أنّى له الذكرى يوم القيامة حيث ترك الذكرى في دار الأعمال ، وما تذكّر حاله في دار الجزاء ، فما عاد تنفعه الذكرى يومئذ .

وقوله يحكي عن ابن آدم :( يقول يا ليتني قدّمت لحياتي ) (٢) أي قدّمت أمامي ، فتصدّقت به لوجه ربّي ، وتزيّدت من عمل الخير والصلاة والعبادات والتسبيح ، وذكر الله تعالى حتّى نلت به في هذا اليوم درجات العلى في الآخرة ، والنعيم الدائم في أعلى الجنان مع الشهداء والصالحين .

وإنّما سمّى الله الآخرة الحياة ؛ لأنّ نعيم الجنّة خالد دائم لا نفاد له ، باقٍ ببقاء الله تعالى ، بخلاف الدنيا فإنّ الحياة فيها منقطعة ، مع أنّه مشوب بالهمّ والغمّ والمرض والخوف والضعف والشيب والدين وغير ذلك .

فاستيقظ يا أخي من نومك ، واخرج من غفلتك ، حاسب نفسك قبل يوم الحساب ، واخرج من تبعات العباد ، وصالح الذين أخذت منهم الربا ، واعتذر إلى مَن قذفته بالزنا واغتبته ونلت من عرضه ، فإنّ العبد مادام في الدنيا تُقبل توبته إذا تاب من ذنوبه ، وإذا اعتذر من غرمائه رحموه وعفو عنه وأسقطوا عنه حقوقهم الذي عليه ، فأمّا في الآخرة فلا حق يوهب ، ولا معذرة تقبل ، ولا ذنب يغفر ، ولا بكاء ينفع ](٣) .

____________

(١) الفجر : ٢٣ .

(٢) الفجر : ٢٤ .

(٣) إلى هنا تمّ ما نقلناه من ( ج ) و ( د ) .


وقالعليه‌السلام :ما فرغ امرء فرغة إلاّ كانت فرغته عليه حسرة (١) يوم القيامة ، فما خلق امرء ليلهوا (٢) .

وانظروا إلى قوله تعالى :( أيحسب الإنسان أن يترك سدى ) (٣) .

وقال تعالى :( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً ) (٤) .

واعلموا أيّها الإخوان أنّ العمر متجر عظيم الربح ، وكلّ نَفَس منه جوهرة ، وكيف لا يكون ذلك وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :مَن قال ( أشهد أن لا اله إلاّ الله ، وحده لا شريك له ، إلهاً واحداً أحداً فرداً صمداً ، لم يتخذ صاحبة ولا ولد ) ، كتب الله له بكلامه خمساً وأربعين ألف ألف حسنة ، ومحى عنه خمساً وأربعين ألف ألف سيّئة ، ورفع له خمساً وأربعين ألف ألف درجة في علّيين (٥) .

وقال له جبرئيل : يا رسول الله صلّى الله عليك وآلك ، كل شيء يحصى ثوابه إلاّ قول الرجل : ( لا اله إلاّ الله وحده لا شريك له ) فإنّه لا يحصي ثوابه إلاّ الله تعالى ، فإنّ الله تعالى ادخر لك ولاُمّتك قوله :( فاذكروني أذكركم ) (٦) .

وأنّه سبحانه يقول :أهل ذكري في ضيافتي ، وأهل طاعتي في نعمتي ، وأهل شكري في زيادتي ، وأهل معصيتي لا اؤيسهم من رحمتي ، إن تابوا فأنا حبيبهم ، وإن مرضوا فأنا طبيبهم ، أداويهم بالمحن والمصائب لأُطهرهم من الذنوب والمعايب (٧) .

وقال علي بن الحسينعليه‌السلام :العقل دليل الخير ، والهوى مركب المعاصي ، والفقه وعاء العمل ، والدنيا سوق الآخرة ، والنفس تاجر ، والليل والنهار

____________

(١) في ( ج ) : ما فزع امرء فزعة إلاّ كانت فزعته .

(٢) عنه معالم الزلفى : ٢٤٥ .

(٣) القيامة : ٣٦ .

(٤) المؤمنون : ١١٥ .

(٥) التوحيد للصدوق : ٣٠ ح ٣٥ ، عنه البحار ٩٣ : ٢٠٦ ح٥ .

(٦) البقرة : ١٥٢ .

(٧) راجع البحار ٧٧ : ٤٢ ح١٠ .


رأس المال ، والمكسب الجنّة ، والخسران النار ، وهذه والله هي التجارة التي لا تبور ، والبضاعة التي لا تخسر .

سوق مثله(١) صلوات الله عليه وآله ، وسوق الفائزين من شيعته وشيعة آبائه وأبنائهعليهم‌السلام ، ولقد جمع الله هذا كلّه بقوله :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) (٢) .

وقال سبحانه :( رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ) (٣) .

وقال سبحانه :( فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ) (٤) .

وقال سبحانه :( وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ) (٥) .

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : إنّ الله سبحانه جعل الذكر جلاءً للقلوب ، تسمع به بعد الوقرة ، وتبصر به بعد الغشوة ، وتنقاد به بعد المعاندة ، وما برح لله عزّت أسماؤه في البرهة بعد البرهة ، وفي أزمان الفترات عباد ناجاهم في فكرهم(٦) ، وكلّمهم في ذات عقولهم ، فاستصبحوا بنور يقظة في الأسماع والأبصار والأفئدة .

يذكّرون بأيّام الله ،[ ويخوّفون مقامه ](٧) ، بمنزلة الأدلّة في الفلوات(٨) ، مَنْ أَخَذ القصد حمدوا إليه الطريق ، وبشّروه بالنجاة ، ومَنْ أَخَذ يميناً وشمالاً ذمّوا إليه الطريق ،

____________

(١) كذا ، وفي ( ج ) : وقال مثله .

(٢) المنافقون : ٩ ٣ـ النور : ٣٧ .

(٣) النجم : ٢٩ـ٣٠ .

(٤) الكهف : ٢٨ .

(٥) في ( ج ) : قلوبهم .

(٦) أثبتناه من نهج البلاغة .

(٧) في النسخ : القلوب ، وأثبتنا قوله : ( الفلوات ) من نهج البلاغة .


وحذّروه من الهلكة .

كانوا لذلك مصابيح تلك الظلمات ، وأدلّة تلك الشبهات ، وإنّ للذكر أهلاً أخذوه بدلاً من الدنيا فلم تشغلهم تجارة ولا بيع ، يقطعون به أيّام الحياة ، ويهتفون بالزواجر عن محارم الله في أسماع الغافلين .

يأمرون بالمعروف ويأتمرون به ، وينهون عن المنكر ويتناهون عنه ، فكأنّما قطعوا الدنيا إلى الآخرة وهم فيها فشاهدوا ما وراء ذلك ، وكأنّما اطلعوا على عيوب أهل البرزخ في طول الإقامة فيه ، وحقّقت القيامة عليهم عذابها ، فكشفوا غطاء ذلك لأهل الدنيا حتّى كأنّهم يرون ما لا يرى الناس ، ويسمعون ما لا يسمعون .

فلو مثّلتهم بعقلك(١) في مقاماتهم المحمودة ، ومجالسهم المشهودة ، قد نشروا دواوين أعمالهم ، ففزعوا لحساب أنفسهم على كل صغيرة وكبيرة أُمروا بها فقصّروا عنها ، أو نُهوا عنها ففرّطوا فيها ، وحملوا ثقل أوزارهم على ظهورهم فضعفوا عن الاستقلال بها ، فنشجوا نشيجاً(٢) ، وتجاوبوا نحيباً ، يعجّون إلى الله من مقام ندم واعتراف بذنب ، لرأيت أعلام هدى ، ومصابيح دجى .

قد حفّت بهم الملائكة ، ونزلت عليهم السكينة ، وفتحت لهم أبواب السماء ، وأُعدّت لهم مقاعد الكرامات في مقعد اطلع الله عليهم فيه فرضي سعيهم ، وحمد مقامهم ، يتنسّمون بدعائه روح التجاوز ، رهائن فاقة إلى فضله ، وأُسارى ذلّة لعظمته .

جرح طول الأذى قلوبهم ، وأقرح طول البكاء عيونهم ، لكل باب رغبة إلى الله منهم يدٌ قارعة ، يسألون مَن لا تضيق لديه المنادح ، ولا يخيب عليه السائلون ، فحاسب نفسك لنفسك ، فإنّ غيرها من النفوس لها حسيب غيرك(٣) .

____________

(١) في ( ب ) : بقلبك .

(٢) نشج الباكي ينشج نشيجاً : غصّ بالبكاء في حلقه .

(٣) نهج البلاغة : الخطبة ٢٢٢ ، عنه البحار ٦٩ : ٣٢٥ ح٣٩ .


وروي أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :ارتعوا في رياض الجنّة ، فقالوا : وما رياض الجنّة ؟ فقال :الذكر غدوّاً ورواحاً ، فاذكروا (١) .

ومَن كان يحب أن يعلم منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله عنده ، فإنّ الله تعالى ينزل العبدَ حيث أنزل اللهَ العبدُ من نفسه ، ألا إنّ خير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها عند ربّكم في درجاتكم ، وخير ما طلعت عليه الشمس ذكر الله سبحانه وتعالى ، وقد أخبر عن نفسه وقال : ( أنا جليس مَن ذكرني ) وأيّ منزلة أرفع منزلة من جليس الله تعالى (٢) .

وروي أنّهما اجتمع قوم يذكرون الله إلاّ اعتزل الشيطان عنهم والدنيا ، فيقول الشيطان للدنيا : ألا ترين ما يصنعون ؟ فتقول الدنيا : دعهم فلو قد تفرّقوا أخذت بأعناقهم (٣) .

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :يقول الله تعالى : مَن أحدث ولم يتوضّأ فقد جفاني ، ومَن أحدث وتوضّأ ولم يصلّ ركعتين (٤) فقد جفاني ، ومَن أحدث وتوضّأ وصلّى ركعتين ودعاني فلم أجبه فيما يسأل من أمر دينه ودنياه فقد جفوته ، ولست بربٍّ جاف (٥) .

وروي انّهإذا كان آخر الليل يقول الله سبحانه : هل من داع فأجيبه ؟ هل من سائل فأعطيه سؤله ؟ هل من مستغفر فأغفر له ؟ هل من تائب فأتوب عليه ؟ (٦) .

وروي أنّ الله تعالى أوحى إلى داودعليه‌السلام :يا داود ! مَن أحبّ حبيباً صدّق قوله ، ومَن آنس بحبيب قبل قوله ورضي فعله ، ومَن وثق بحبيب اعتمد

____________

(١) عنه مستدرك الوسائل ٥ : ٣٠١ ح٥٩٢٠ .

(٢) راجع البحار ٩٣ : ١٦٣ ضمن حديث ٤٢ ، عن عدّة الداعي .

(٣) عنه مستدرك الوسائل ٥ : ٢٨٧ ح٥٨٧٦ ، وأورده في أعلام الدين : ٢٧٣ .

(٤) زاد في ( ج ) : ولم يدعني .

(٥) عنه البحار ٨٠ : ٣٠٨ ح ١٨ .

(٦) راجع البحار ٨٧ : ١٦٧ ح ٩ ، عن عدّة الداعي ، وأورده في أعلام الدين : ٢٧٧ .


عليه ، ومَن اشتاق إلى حبيب جدّ في المسير إليه يا داود ! ذكري للذاكرين ، وجنّتي للمطيعين ، وزيارتي للمشتاقين ، وأنا خاصّة المحبّين (١) .

وقالعليه‌السلام :على كل قلب جاثم من الشيطان ، فإذا ذكر الله تعالى خنس ، وإذا ترك الذكر التقمه ، فجذبه وأغواه واستزلّه وأطغاه (٢) .

وروى كعب الأحبار قال : أوحى الله إلى نبي من أنبيائه : إن أردت أن تلقاني غداً في حضرة القدس فكن في الدنيا ذاكراً غريباً محزوناً مستوحشاً ، كالطير الوحداني الذي يطير في الأرض المقفرة ، ويأكل من رؤوس الأشجار المثمرة ، فإذا جاءه الليل آوى إلى وكره ، ولم يكن مع الطير استيحاشاً من الناس واستيناساً بربّه(٣) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ الملائكة يمرّون على مجالس الذكر ، فيقفون على رؤوسهم ويبكون لبكائهم ، ويؤمّنون على دعائهم ، وإذا صعدوا إلى السماء يقول الله : ملائكتي أين كنتم ؟ وهو أعلم بهم فيقولون : ربّنا أنت أعلم ، كنّا حضرنا مجلساً من مجالس الذكر ، فرأيناهم يسبحونك ويقدّسونك ويستغفرونك ، يخافون نارك ، ويرجون ثوابك .

فيقول سبحانه : أُشهدكم أنّي قد غفرت لهم ، وآمنتهم من ناري ، وأوجبت لهم الجنّة ، فيقولون : ربّنا تعلم أنّ فيهم مَن لا يذكرك ؟! فيقول سبحانه : قد غفرت له بمجالسته أهل ذكري ، فإنّ الذاكرين لا يشقى بهم جليسهم(٤) .

وروي عن بعض الصالحين أنّه قال : نمت ذات ليلة فسمعت هاتفاً يقول : أتنام عن حضرة الرحمان وهو يقسم الجوائز بالرضوان ، بين الأحبّة والخلاّن ، فمَن

____________

(١) عنه البحار ١٤ : ٤٠ ح ٢٣ ، وأورده في أعلام الدين : ٢٧٩ .

(٢) راجع البحار ٧٠ : ٦١ ح ٤٢ ، عن عدّة الداعي ، وفي أعلام الدين : ٢٧٩ .

(٣) أورده في أعلام الدين : ٢٧٩ .

(٤) البحار ٧٥ : ٤٦٨ ح ٢٠ ، وأورده في أعلام الدين : ٢٨٠ .


أراد منّا المزيد فلا ينانم ليله الطويل ، ولا يقنع من نفسه بالقليل(١) .

وقال كعب الأحبار : مكتوب في التوراة : يا موسى مَن أحبّني لم ينسني ، ومَن رجى معروفي ألحّ في مسألتي ، يا موسى لست بغافل عن خلقي ، ولكن أحب أن تسمع ملائكتي ضجيج الدعاء ، وترى حفظتي تقرّب بني آدم إليّ ممّا أنا مقوّيهم عليه ومسبّبه لهم .

يا موسى قل لبني إسرائيل : لا تبطركم النعمة فيعاجلكم السلب ، ولا تغفلوا عن الذكر والشكر فتسلبوا النعم ، ويحلّ بكم الذلّ ، وألحّوا بالدعاء تشملكم الإجابة وتهنّيكم النعمة بالعافية(٢) .

وجاء في قوله تعالى :( اتقوا الله حقّ تقاته ) (٣) قال : يُطاع فلا يُعصى ، ويُذكر فلا يُنسى ، ويُشكر فلا يُكفر .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأبي ذر :يا أبا ذر ! أقلل من الشهوات يقلل عليك الفقر ، وأقلل من الذنوب يخف عليك الحساب ، واقنع بما أُوتيته يسهل عليك الموت ، وقدّم مالك أمامك يسرّك اللحاق به ، وانظر العمل الذي تحب أن يأتيك الموت وأنت عليه فاعمله ، ولا تتشاغل عمّا فرض عليك بما ضمن لك ، واسع لملك لا زوال له في منزل لا انتقال عنه (٤) .

____________

(١) أورده المصنّف في أعلام الدين : ٢٨١ .

(٢) راجع البحار ٧٧ : ٤٢ ح ١١ .

(٣) آل عمران : ١٠٢ .

(٤) أورده المصنّف في أعلام الدين : ٣٤٤ .


الباب الخامس عشر : في حال المؤمن عند موته

قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ المؤمن إذا حضره الموت جاءت إليه ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء ، فيقولون لنفسه : اخرجي راضية مرضية إلى روح وريحان وربٍّ غير غضبان فتخرج كأطيب من المسك حتّى يتناولها بعض من بعض ، فينتهي بها إلى باب السماء ، فيقول سكّانها : ما أطيب رائحة هذه النفس ، وكلّما صعدوا بها من سماء إلى سماء قال أهلها مثل ذلك ، حتّى يؤتى بها إلى الجنّة مع أرواح المؤمنين ، فيستريح من غم الدنيا .

وأمّا الكافر فتأتيه ملائكة العذاب فيقولون لنفسه : اخرجي كارهة مكروهة إلى عذاب الله ونكاله وربٍّ عليك غضبان(١) .

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :أما ترون المحتضر يشخص ببصره ، قالوا : بلى ، قال :يتبع بصره نفسه (٢) .

____________

(١) عنه معالم الزلفى : ٦٧ .

(٢) عنه معالم الزلفى : ٦٧ .


وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :ما من بيت إلاّ وملك الموت يأتيه كل يوم خمس مرّات ، فإذا وجد الرجل قد انقطع أجله ، ونفذ أكله ، ألقى عليه غم الموت ، فغشيته كرباته ، وغمرته غمراته ، فمن أهل بيته الناشرة شعرها ، والضاربة وجهها ، والباكية شجوها ، والصارخة بويلها .

فيقول ملك الموت : ويلكم فما الفزع وما الجزع ، والله ما أذهبت لواحد منكم رزقاً ، ولا قرّبت له أجلاً ، ولا أتيته حتّى أُمرت ، ولا قبضت روحه حتّى استأمرت ، وإنّ لي فيكم عودة ثم عودة حتّى لا يبقى (١) منكم أحداً .

قال :والذي نفسي بيده لو يرون مكانه ، ويسمعون كلامه لذهلوا عن ميّتهم ، ولبكوا على نفوسهم ، حتّى إذا حمل الميت في نعشه رفرفت روحه فوق نعشه ، ينادي : يا أهلي ! يا ولدي ! لا تلعبنّ بكم الدنيا كما لعبت بي ، مال جمعته من حلّه ومن غير حلّه وخلّفته لكم ، فالمهناة لكم والتبعة عليّ ، فاحذروا مثل ما نزل بي (٢) .

ولقد أحسن القائل :

لقد لهوت وجدّ الموت في طلبي

وإنّ في الموت لي شغل عن اللعبِ

لو شمّرت فكرتي فيما خلقت له

ما اشتدّ حزني (٣) على الدنيا ولا طلبي

وقال محمود الورّاق :

أبقيت مالك ميراثاً لوارثه

فليت شعري ما أبقى لك المالُ

القوم بعدك في حالٍ يسرّهم

فكيف بعدهم حالت بك الحالُ

ملّوا البكاء فما يبكيك من أحدٍ

واستحكم القيل في الميراث والقالُ

أنستهم العهد دنياً أقبلت لهم

وأدبرت عنك والأيّام أحوالُ

____________

(١) في ( ب ) : أُبقي .

(٢) عنه معالم الزلفى : ٦٧ .

(٣) في ( ج ) : حرصي .


وقال آخر :

هوّن الدنيا وما فيها عليك

واجعل الهمّ لما بين لديك

إنّ هذا الدهر يدنيك إلى

ملك الموت ويدنيه إليك

فاجعل العدّة ما عشت له

إنّه يأتيك إحدى ليلتيك

وقال سلمانرحمه‌الله : أضحكني ثلاث وأبكاني ثلاث ، أضحكني غافلاً وليس بمغفول عنه ، وضاحك ملأ فيه والموت يطلبه ، ومؤمّل الدنيا ولا يدري متى أجله وأبكاني فراق الأحبّة ، وهول المطلع ، والوقوف بين يدي الله تعالى ، لا أدري(١) أساخط هو أم راض(٢) .

واعلموا رحمكم الله إنّما يتوقّع الصحيح سقماً يرديه ، وموتاً من البلاء يدنيه ، فكأنّه لم يكن في الدنيا ساكن ، وإليها راكن ، نزل به الموت فأصبح بين أهله وولده لا يفهم كلاماً ، ولا يردّ سلاماً ، قد اصفرّ وجهه ، وشخص بصره ، وشرح(٣) صدره ، ويبس ريقه ، واضطربت أوصاله ، وقلقلت أحشاؤه ، والأحبّة حوله .

يرى فلا يعرف ، ويسمع فلا يرد ، وينادي فلا يجيب ، خلّف القصور ، وخلت منه الدور ، وحمل على أعتاق الرجال ، يسرعون به إلى محلّة الأموات ، ودار الحسرات(٤) ، وبيت الوحدة والغربة والوحشة ، ثم قسّموا أمواله ، وسكنوا داره ، وتزوّجوا أزواجه ، وحصل هو برهنه(٥) ، فرحم الله مَن جعل الهمّ همّاً واحداً ، وأكل قوته ، وأحسن عمله ، وقصر ليله(٦) .

____________

(١) في ( ب ) : لا يُدرى .

(٢) مجموعة ورام ٢ : ٢٢٤ .

(٣) في ( ب ) : تحرج ، وفي ( ج ) : حشرج .

(٤) في ( ج ) : دار الخسران .

(٥) في ( ج ) : برمسه .

(٦) في ( ج ) : قصر أمله .


وروي أنّه إذا حمل عدوّ الله إلى قبره ، نادى إلى من تبعه : يا إخوتاه ! احذروا مثل ما وقعت فيه ، إنّي أشكو دنياً غرّتني حتّى إذا اطمأننت إليها وضعتني ، وأشكو إليكم أخلاّء الهوى حتّى إذا وافقتهم تبرّؤوا منّي وخذلوني ، وأشكو إليكم أولاداً آثرتهم على نفسي فأسلموني .

وأشكو إليكم مالاً كدحت في جمعه البر والبحر ، وقاسيت الأهوال ، فأخذه أعدائي وصار وبالاً عليّ ، وعاد نفعه لغيري وأصبحت مرتهناً به ، وأشكو إليكم بيت الوحدة والوحشة والظلمة والمساءلة عن الصغيرة من عملي والكبيرة ، فاحذروا مثل ما قد نزل بي ، فوا طول بلائي ، وعظم عنائي ، مالي شفيع ولا رحيم حميم(١) .

وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا دخل الجبانة يقول :السلام عليكم أيّها الأبدان البالية ، والعظام النخرة التي خرجت من الدنيا بحسراتها ، وحصلت منها برهنها ، اللّهمّ أدخل عليهم روحاً منك وسلاماً منّا ومنك يا أرحم الراحمين .

وقال عبد الله الجرهمي ـ وكان من المعمّرين : تبعت جنازة فخنقتني العبرة ، فأنشدت :

يا قلب إنّك في الدنيا لمغرور

فاذكر فهل ينفعنّ اليوم تذكيرُ

فبينما المرء في الأحياء مغتبطاً

إذ صار في الرمس تقفوه الأعاصيرُ

يبكي الغريب عليه ليس يعرفه

وذوا قرابته في الحيّ مسرورُ

واسترزق الله خيراً ثمّ إرض به

فبينما العسر إذ دارت مياسيرُ

فقال رجل من أصحاب الجنازة : تعرف لمَن هذا الشعر ؟ فقلت : لا والله ، فقال : هو [ والله ](٢) لصاحب هذه الجنازة ، وأنت غريب تبكي عليه وأهله

____________

(١) مجموعة ورام ٢ : ٢٢٤ .

(٢) أثبتناه من ( ب ) .


مسرورون بتركته ، فقال أبو العتاهيّة :

أرى الدنيا تجهز بانطلاقِ

مشمّرة على قدمٍ وساقِ

فلا الدنيا بباقية لحيٍّ

ولا حيّ على الدنيا بباقِ

وقال بعضهم : محلّة الأموات أبلغ العظات ، فزوروا القبور واعتبروا للنشور(١) .

وكان(٢) بعضهم يدخل المقبرة ليلاً فينادي : يا أهل القبور من أنتم ؟ ثم يجيب عن نفسه : نحن الآباء والأمهات والإخوة ، نحن الأصدقاء والإخوان والأخوات ، نحن الأحباب والجيران ، نحن الأحبّة والخلاّن ، طحننا البلاء ، وأكلتنا الجنادل والثرى .

وأنشد بعضهم :

خمدوا فليس يُجاب من ناداهم

موتى وكيف إجابة الأمواتِ

قال براء بن عازب : بينما نحن مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذ أبصر بجنازة تدفن ، فبادر إليها مسرعاً حتّى وقف عليها ، ثم بكى حتّى بلّ ثوبه ، ثم التفت إلينا فقال :يا إخوتي ! لمثل هذا فليعمل العاملون ، احذروا هذا واعملوا له (٣) .

وكتب بعضهم إلى ملك يعظه : أيّها الملك أعدل برعيّتك ، وارحم مَن تحت يدك ولا تتجبّر عليهم ، ولا تعل قدرك ، ولا تنس قبرك الذي هو منتهى أمرك ، فإنّ الموت يأتيك وإن طال عمرك ، والحساب أمامك ، والقيامة موعدك ، وقد كان هذا الأمر الذي أنت فيه بيد غيرك ، فلو بقي له لم يصل إليك ، وسينقل عنك كما انتقل عنه ، وإنّه لا يبقى لك ولا تبقى له .

____________

(١) مجموعة ورام ٢ : ٢٢٤ .

(٢) في ( ج ) : وروي .

(٣) مجموعة ورام ٢ : ٢٢٥ ، مستدرك الوسائل ٢ : ٤٦٥ ح ٢٤٧٦ .


فقدّم لنفسك خيراً تجده محضراً ، وتزوّد من دار الغرور لدار الفرح والسرور ، واعتبر بمَن كان قبلك ممّن خزن الأموال ، وخلّد الأقلال ، وجمع الرجال ، فلم يستطع دفع المنيّة ، ولا ردّ الرزيّة ، فلا تغتر بدنيا دنيّة ، لم يرضها الله جزاء لأوليائه ولا عذاباً لأعدائه ، واعتبر بقول الشاعر :

وكيف يلذّ العيش مَن كان موقناً

بأنّ المنايا بغتة ستعاجله

وكيف يلذّ النوم مَن كان موقناً

بأنّ إله الخلق لابد سائله

وكيف يلذّ العيش مَن كان صائراً

إلى جدث تبلى الثياب (١) منازله

وكيف يلذّ النوم مَن أثبتوا له

مثاقيل أوزار الذي هو فاعله

____________

(١) في ( ألف ) : الشباب .


الباب السادس عشر : من كلام المصنّف في الموعظة

قال جامع هذا الكتاب : إنّ الموعظة لا تنجع فيمن لا زاجر له ولا واعظ من نفسه ، وما وهب الله تعالى لعبده هبة أنفع له من [زاجر](١) من نفسه ، وقلّ أن تنجع الموعظة في أهل التجبّر والتكبّر .

وإنّي لأعجب من قوم غدوا في المطارف(٢) العتاق ، والثياب الرقاق ، يحيطون الولايات ، ويتحمّلون الأمانات ، ويتعرّضون للخيانات ، حتّى إذا بلغوا بغيتهم ونالوا أُمنيتهم أخافوا مَن فوقهم مِن أهل الفضل والعفّة(٣) ، وظلموا مَن دونهم مِن أهل الضعف والحرفة .

وسمّنوا براذينهم(٤) ، وأهزلوا دينهم ، وعمّروا دنياهم ، وخرّبوا أُخراهم ، وأوسعوا دورهم ، وضيّقوا قبورهم ، يتّكئ أحدهم على شماله ويأكل غير ماله ،

____________

(١) أثبتناه من ( ج ) .

(٢) المِطرَف والمُطرَف ـ واحد المطارف : وهي أردية من خزّ مربّعة لها أعلام (لسان العرب) .

(٣) في ( ج ) : الفقه .

(٤) في ( ج ) : أبدانهم .


يدعو بحلو بعد حامض ، ورطب بعد يابس ، وحار بعد بارد ، حتّى إذا غصّته الكظّة ، وأثقلته البطنة ، وغلبه البشم قال : يا جارية ! هاتي هاضوماً ، هاتي حاطوماً .

والله يا جاهل يا مغرور ، ما حطمت طعامك بل حطمت دينك ، وأزلت يقينك ، فأين مسكينك ، وأين يتيمك ، وأين جارك ، وأين مَن غصبته وظلمته ؟! استأثرت بهذا عليه ، وتجبّرت بسلطانك عليه حتّى إذا بالغ هذا في المظالم ، وارتطم في المآثم ، قال : قد زرت وقد حججت وقد تصدّقت ، ونسى قول الله تعالى :( إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ) (١) .

وقوله تعالى :( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوّاً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين ) (٢) .

وقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :ما آمن بالقرآن مَن استحلّ محارمه (٣) .

وقول أمير المؤمنينعليه‌السلام :ليس من شيعتي مَن أكل مال مؤمن حراماً (٤) .

إنّما يعيش صاحب هذا الحال مفتوناً ، ويموت مغروراً ، يقول يوم القيامة لمَن دخل الجنّة من أهل السعادة هو وأمثاله : ألم نكن معكم ؟ قالوا : بلى ، ولكنّكم فتنتم أنفسكم وتربّصتم وارتبتم وغرّتكم الأمانيّ ، حتّى جاء أمر الله وغرّكم بالله الغرور ، فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا ، ( دل هذا على أنّه غير الكافرين )(٥) .

____________

(١) المائدة : ٢٧ .

(٢) القصص : ٨٣ .

(٣) كنز الفوائد : ١٦٣ ، عنه البحار ٩٢ : ١٨٥ ح ٢٣ ، مستدرك الوسائل ٤ : ٢٥٠ ح ٤٦٢٠ .

(٤) البحار ١٠٤ : ٢٩٦ ح ١٧ ، عن مجموعة ورام .

(٥) في ( ج ) : على أنّهم غير الكفّار .


الباب السابع عشر : في أشراط الساعة وأهوالها

قال الله تعالى :( فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا ) (١) .

وقال سبحانه :( السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ) (٢) .

وقال تعالى :( إنّ الساعة آتية لا ريب فيها ) (٣) .

وخطب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال :أصدق الحديث كتاب الله ، وأفضل الهدى هدى الله ، وشرّ الأمور محدثاتها ، وكل بدعة ضلالة ، فقام إليه رجل وقال : يا رسول الله متى الساعة ؟

فقال :ما المسؤول بأعلم بها من السائل ، لا تأتيكم إلاّ بغتة ، فقال : فأعلمنا أشراطها ، فقال :لا تقوم الساعة حتّى يقبض العلم ، وتكثر الزلازل ، وتكثر الفتن ،

____________

(١) محمد : ١٨ .

(٢) القمر : ٤٦ .

(٣) الحج : ٧ .


ويظهر الهرج والمرج ، وتكثر فيكم الأموال(١) ، ويخرّب العامر ، ويعمّر الخراب ، ويكون خسف بالمشرق ، وخسف بالمغرب ، وخسف بجزيرة العرب .

وتطلع الشمس من مغربها ، وتخرج الدابة ، ويظهر الدجّال ، وينتشر يأجوج ومأجوج ، وينزل عيسى بن مريمعليه‌السلام ، فهناك تأتي ريح من جهة اليمن ألين من الحرير ، فلا تدع أحداً فيه مثقال ذرّة من الإيمان إلاّ قبضته إنّه لا تقوم الساعة إلاّ على الأشرار ، ثم تأتي نار من قِبل عدن تسوق سائر مَن على الأرض تحشرهم ، فقالوا : فمتى يكون ذلك يا رسول الله ؟ .

قال : إذا داهن قرّاؤكم أمراءكم ، وعظّمتم أغنياءكم ، وأهنتم فقراءكم ، وظهر فيكم الغناء ، وفشا الزنا ، وعلا البناء ، وتغنّيتم بالقرآن ، وظهر أهل الباطل على أهل الحق ، وقلّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأُضيعت الصلاة ، واتبعت الشهوات ، وميل مع الهوى ، وقدّم أُمراء الجور فكانوا خونة ، والوزراء فسقة ، وظهر الحرص في القرّاء ، والنفاق في العلماء ، فعند ذلك ينزل بهم البلاء .

إنّه ما تقدست أُمّة لا ينتصر لضعيفها من قويّها ، وتزخرف المساجد ، وتزوّق(٢) المصاحف ، وتعلى المنابر ، وتكثر الصفوف ، وترتفع الضجّات في المساجد ، وتجتمع الأجساد والألسن مختلفة ، ودين أحدهم لعقة على لسانه .

إن أُعطي شكر ، وإن منع كفر ، لا يرحمون صغيراً ، ولا يوقّرون كبيراً ، يستأثرون أنفسهم ، توطأ حريمهم ، ويجوروا في حكمهم ، تحكم عليهم العبيد ، وتملكهم الصبيان ، وتدبّر أُمورهم النساء ، تتحلّى الذكور بالذهب والفضّة ، ويلبسون الحرير والديباج ، يسرون الجواري ، ويقطعون الأرحام ، ويخيفون(٣)

____________

(١) في ( ج ) : الأهواء .

(٢) في ( ج ) : تُذَهّب .

(٣) يحيفون : ( خل ) .


السبيل ، وينصبون العشّارين .

يجاهدون المسلمين ، ويسالمون الكافرين ، فهناك يكثر المطر ، ويقلّ النبات ، وتكثر الهزّات ، وتقلّ العلماء ، وتكثر الأُمراء ، وتقلّ الأُمناء ، فعند ذلك يحسر الفرات عن جبل من ذهب ، فيقتتل الناس عليه ، فيقتل من المائة تسعة وتسعون ، ويسلم واحد .

وقال [رجل](١) : صلّى بنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من غلس(٢) فنادى رجل : متى الساعة يا رسول الله ؟ فزبره حتّى إذا أسفرنا رفع طرفه إلى السماء فقال :تبارك خالقها وواضعها وممهّدها ومحلّيها بالنبات ، ثم قال :أيّها السائل عن الساعة ، تكون عند خبث الأُمراء ، ومداهنة القرّاء ، ونفاق العلماء ، وإذا صدّقت أُمتي بالنجوم ، وكذّبت بالقدر ، ذلك حين يتخذون الأمانة مغنماً ، والصدقة مغرماً ، والفاحشة رباحة ، والعبادة تكبّراً واستطالة على الناس .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتّى يكون عليكم أُمراء فجرة ، ووزراء خونة ، وعرفاء ظلمة ، وقرّاء فسقة ، وعبّاد جهّال ، يفتح الله عليهم فتنة غبراء مظلمة ، فيتيهون فيها كما تاهت اليهود ، فحينئذ ينقص الإسلام عروة عروة حتّى يقال : الله الله .

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام :ما من سلطان آتاه الله قوّة ونعمة فاستعان بها على ظلم عباده إلاّ كان حقّاً على الله أن ينزعها منه ، ألم تروا إلى قول الله تعالى : ( إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم ) (٣) .

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :لا تزال هذه الأُمّة تحت يد الله وفي كنفه ما لم

____________

(١) أثبتناه من ( ج ) .

(٢) الغلس : ظلمة آخر الليل إذا اختلط بضوء الصباح ( لسان العرب ) .

(٣) الرعد : ١١ .


يمالئ قرّاؤها أُمراؤها ، ولم يوال (١) صلحاؤها أشرارها ، فإذا فعلوا نزع الله يده منهم ، ورماهم بالفقر والفاقة ، وسلّط عليهم شرارهم ، وملأ قلوبهم رعباً ، ورمى جبابرتهم بالعذاب المهين ، ويدعون دعاء الغريق لا يستجيب لهم (٢) .

وقالعليه‌السلام :بئس العبد عبد يسأل المغفرة وهو يعمل بالمعصية ، ويرجو النجاة ولا يعمل لها ، ويخاف العذاب ولا يحذره ، يعجّل الذنب ويؤخّر التوبة ، ويتمنّى على الله الأماني الكاذبة ، فويل له ثم ويل له ثم ويل له من يوم العرض على الله .

وروي أنّ عمر بن هبيرة لمّا ولي العراق من قبل هشام بن عبد الملك أحضر السبعي(٣) والحسن البصري وقال لهما : إنّ هشام بن عبد الملك أخذ بيعتي له على السمع والطاعة ، ثم ولاّني عراقكم من غير أن أسأله ، ولا تزال كتبه تأتيني بقطع(٤) قطائع الناس ، وضرب الرقاب ، وأخذ الأموال ، فما تريان في ذلك ؟

فأمّا السبعي فداهنه وقال قولاً ضعيفاً ، وأمّا الحسن البصري فإنّه قال له : يا عمر ! إنّي أنهاك عن التعرّض لغضب الله برضى هشام ، واعلم أنّ الله تعالى يمنعك من هشام ، ولا يمنعك هشام من الله تعالى ولا أهل الأرض .

أيأتيك كتاب من الله بالعمل بكتابه والعدل والإحسان ، وكتاب من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نبيّك ، وكتاب من هشام بخلاف ذلك فتعمل بكتاب هشام وتترك كتاب الله وسنّة رسوله ، إنّ هذا لهو الحرب الكبير ، والخسران المبين ، فاتق الله تعالى واحذره ، فإنّه يوشك أن ينزل إليك ملك من السماء فينزلك من علوّ سريرك ، ويخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك ، ثم لا يوسعه عليك إلاّ عملك

____________

(١) في ( ألف ) و ( ب ) : لم تزل .

(٢) أورده المصنّف في أعلام الدين : ٢٨١ .

(٣) في ( ب ) : الشبقي .

(٤) في ( ب ) : قبض .


إن كان حسناً ، ولا يوحشك إلاّ هو إن كان قبيحاً .

واعلم أنّك إن تنصر الله ينصرك ويثبّت أقدامك ، فإنّ الله تعالى ضمن إعزاز مَن يعزّه ، ونصر مَن ينصره ، وقال سبحانه :( إن تنصروا الله ينصركم ويثبّت أقدامكم ) (١) .

وقال سبحانه :( ولينصرنّ الله مَن ينصره ) (٢) .

وقال : كيف أنتم إذا ظهر فيكم البدع حتّى يربوا فيها الصغير ، ويهرم الكبير ، ويسلم عليها الأعاجم ، فإذا ظهرت البدع قيل سنّة ، وإذا عمل بالسنّة قيل بدعة ، قيل : ومتى يكون ذلك ؟ قال : إذا ابتعتم الدنيا بعمل الآخرة .

وقال ابن عباس : لا يأتي على الناس زمان إلاّ أماتوا فيه سنّة ، وأحيوا فيه بدعة حتّى تموت السنن ، وتحيى البدع ، وبعد فو الله ما أهلك الناس وأزالهم عن المحجّة قديماً وحديثاً إلاّ علماء السوء ، قعدوا على طريق الآخرة فمنعوا الناس سلوكها والوصول إليها ، وشكّكوهم فيها .

مثال ذلك مثل رجل كان عطشاناً فرأى جرّة مملوءة فيها ماء ، فأراد أن يشرب منها فقال له الرجل : لا تدخل يدك فيها فإنّ فيها أفعى يلسعك وقد ملأها سمّاً ، فامتنع الرجل من ذلك ، ثم إنّ المخبر بذلك أخذ يدخل يده فيها ، فقال العطشان : لو كان فيها سّماً لما أدخل يده .

وكذلك حال الناس مع علماء السوء ، زهّدوا الناس في الدنيا ورغبوا هم فيها ، ومنعوا الناس من الدخول إلى الولاة والتعظيم لهم ودخلوا هم إليهم ، وعظّموهم ومدحوهم ، وحسّنوا إليهم أفعالهم ، ووعدوهم بالسلامة ، لا بل قالوا لهم : قد رأينا لكم المنامات بعظيم المنازل والقبول ، ففتنوهم وغرّوهم ، ونسوا قول

____________

(١) محمد : ٧ .

(٢) الحج : ٤٠ .


الله تعالى :( إنّ الأبرار لفي نعيم * وإنّ الفجّار لفي جحيم ) (١) .

وقوله تعالى :( ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع ) (٢) .

وقوله تعالى :( يوم يعضّ الظالم على يديه ) (٣) .

وقوله تعالى :( يوم لا يغني مولىً عن مولىً شيئاً ) (٤) .

وقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :الجنّة محرّمة على جسد غذّي بالحرام (٥) .

وقول أمير المؤمنينعليه‌السلام :ليس من شيعتي مَن أكل مال امرء حرام (٦) .

وقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :لا يشمّ ريح الجنّة جسد نبت على الحرام .

وقالعليه‌السلام :إنّ أحدكم ليرفع يده إلى السماء فيقول : يا رب يا رب ، ومطعمه حرام ، وملبسه حرام ، فأيّ دعاء يُستجاب له ؟! وأيّ عمل يُقبل منه ؟! وهو ينفق من غير حلٍّ ، إن حجّ حجّ بحرام ، وإن تزوّج تزوّج بحرام ، وإن صام أفطر على حرام ، فيا ويحه ، أما علم أنّ الله تعالى طيّب لا يقبل إلاّ الطيّب ، وقد قال في كتابه : ( إنّما يتقبّل الله من المتقين ) (٧) .

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :ليكون عليكم أُمراء سوء ، فمَن صدّقهم في قولهم ، وأعانهم على ظلمهم ، وغشى أبوابهم ، فليس منّي ولست منه ، ولن يرد عليّ الحوض .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لحذيفة :كيف أنت يا حذيفة إذا كانت أُمراء إن

____________

(١) الإنفطار : ١٣ ـ ١٤ .

(٢) غافر : ١٨ .

(٣) الفرقان : ٢٧ .

(٤) الدخان : ٤١ .

(٥) كنز العمال ٤ : ١٤ ح٩٢٦١ .

(٦) البحار ١٠٤ : ٢٩٦ ح١٧; عن مجموعة ورام .

(٧) المائدة : ٢٧ .


أطعتموهم أكفروكم ، وإن عصيتموهم قتلوكم ؟! ، فقال حذيفة : كيف أصنع يا رسول الله ؟ قال :جاهدهم إن قويت ، واهرب عنهم إن ضعفت .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :صنفان من أُمّتي إذا صلحا صلح الناس ، وإذا فسدا فسد الناس : الأُمراء والعلماء (١) .

وقال الله تعالى :( ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكم النار ) (٢) .

وقال :( ولا تطغوا فيحلّ عليكم غضبي ) (٣) ، والله ما فسدت أمور الناس إلاّ بفساد هذين الصنفين ، وخصوصاً الجائر في قضائه ، والقابل الرشا في الحكم .

ولقد أحسن أبو نواس في قوله :

إذا خان الأمير وكاتباه

وقاضي الأمر داهن في القضاءِ

فويل ثمّ ويلٌ ثمّ ويل

لقاضي الأرض من قاضي السماءِ

وجاء في تفسير قوله تعالى :( لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ . ) (٤) الآية ، نزلت فيمن يخالط السلاطين والظلمة .

وقالعليه‌السلام :الإسلام علانية باللسان ، والإيمان سرّ بالقلب ، والتقوى عمل بالجوارح ، كيف تكون مسلماً ولا تسلم الناس منك ؟ وكيف تكون مؤمناً ولا تأمنك الناس ؟ وكيف تكون تقيّاً والناس يتّقون من شرّك وأذاك ؟ .

وقال :إنّ مَن ادعى حبّنا وهو لا يعمل [عملنا ولا يقول] (٥) بقولنا ، فليس منّا ولا نحن منه ، أما سمعوا قول الله تعالى يقول مخبراً عن نبيّه : ( قل إن كنتم تحبّون الله فاتبعوني يحببكم الله ) (٦) .

____________

(١) الخصال : ٣٦ ح١٢ باب الاثنين ، عنه البحار ٢ : ٤٩ ح١٠ .

(٢) هود : ١١٣ .

(٣) طه : ٨١ .

(٤) المجادلة : ٢٢ .

(٥) أثبتناه من ( ب ) .

(٦) آل عمران : ٣١ .


ولمّا بايع أصحابه أخذ عليهم العهد والميثاق بالسمع لله تعالى وله بالطاعة في العسر واليسر ، وعلى أن يقولوا الحق أينما كانوا ، وأن لا تأخذهم في الله لومة لائم ، وقال : إنّ الله تعالى ليحصي على العبد كل شيء حتّى أنينه في مرضه ، والشاهد على ذلك قوله تعالى :

( ما يلفظ من قول إلاّ لديه رقيب عتيد ) (١) .

وقوله تعالى :( إنّ عليكم لحافظين * كراماً كاتبين * يعلمون ما تفعلون ) (٢) .

وقوله تعالى :( إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ) (٣) .

____________

(١) ق : ١٨ .

(٢) الانفطار : ١٠ ـ ١٢ .

(٣) البقرة : ٢٨٤ .


الباب الثامن عشر : في عقاب الزّنا والربا

قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :إنّ لأهل النار صرخة من نتن فروج الزناة ، فإيّاكم والزنا فإنّ فيه ست خصال ، ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة فأمّا التي في الدنيا : فإنّه يذهب ببهاء الوجه ، ويورث الفقر ، وينقص العمر ، وأمّا التي في الآخرة : يوجب سخط الله ، وسوء الحساب ، وعظم العذاب ، إنّ الزناة يأتون يوم القيامة تشتعل فروجهم ناراً ، يعرفون بنتن فروجهم (١) .

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :إنّ الله مستخلفكم في الدنيا فانظروا كيف تعملون ، فاتقوا الزنا والربا والرياء (٢) .

قيل : قالت المعتزلة يوماً في مجلس الرضاعليه‌السلام :إنّ أعظم الكبائر القتل ، لقوله تعالى : ( ومَن يقتل مؤمناً متعمّداً فجزاؤه جهنّم خالداً فيها . ) (٣) .

____________

(١) الكافي ٥ : ٥٤١ ح٣ ، مَن لا يحضره الفقيه ٣ : ٥٧٣ ح٤٩٦٠ باختلاف ، وفي معالم الزلفى : ٣٣٧ .

(٢) الرياء ، لم يرد في ( ب ) و ( ج ) .

(٣) النساء : ٩٣ .


قال الرضاعليه‌السلام :أعظم من القتل عندي إثماً ، وأقبح منه بلاءً الزنا وأدوم ؛ لأنّ القاتل لم يفسد بضرب المقتول غيره ، ولا بعده فساد ، والزاني قد أفسد النسل إلى يوم القيامة ، وأحلّ المحارم فلم يبق في المجلس فقيه إلاّ قبّل يده وأقرّ بما قال .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :إذا كانت خمس منكم رميتم بخمس : إذا أكلتم الربا رميتم بالخسف ، وإذا ظهر فيكم الزنا أُخذتم بالموت ، وإذا جارت الحكّام ماتت البهائم ، وإذا ظلم أهل الملّة ذهبت الدولة ، وإذا تركتم السنّة ظهرت البدعة .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :ما نقض قوم عهدهم إلاّ سلّط عليهم عدوّهم ، وما جار قوم إلاّ كثر القتل بينهم ، وما منع قوم الزكاة إلاّ حبس القطر عنهم ، ولا ظهرت فيهم الفاحشة إلاّ نشأ فيهم الموت ، وما بخس قوم المكيال والميزان إلاّ أُخذوا بالسنين .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :إذا عملت أُمّتي خمس عشرة خصلة حلّ بهم البلاء : إذا كان الفيء دولاً ، والأمانة مغنماً ، والصدقة مغرماً ، وأطاع الرجل امرأته ، وعصى أُمّه ، وبرّ صديقه ، وجفا أباه ، وارتفعت الأصوات في المساجد وأُكرم الرجل مخافة شرّه ، وكان زعيم القوم أرذلهم ، ولبسوا الحرير ، واتخذوا القينات والمعازف (١) ، وشربوا الخمور ، وكثر الزنا ، فارتقبوا عند ذلك ريحاً حمراء ، وخسفاً ومسخاً ، وظهور العدو عليكم ثم لا تنصرون (٢) .

____________

(١) في ( ج ) : المغنّيات .

(٢) عنه الوسائل ١٢ : ٢٣١ ح٣١ .


الباب التاسع عشر : [ وصايا وحكم بليغة ]

وصيّة لقمان لابنه بعلوم وحكمة ، قال : يا بني ! لا يكن الديك أكيس منك وأكثر محافظة على الصلوات ، ألا تراه عند كلّ صلاة يؤذّن لها ، وبالأسحار يعلن بصوته وأنت نائم .

وقال : يا بني ! مَن لا يملك لسانه يندم ، ومَن يكثر المراء يشتم ، ومَن يدخل مداخل السوء يُتّهم ، ومَن يُصاحب صاحب السوء لا يسلم ، ومَن يجالس العلماء يغنم ، يا بني ! لا تؤخّر التوبة فإنّ الموت يأتي بغتة ، يا بني ! اجعل غناك في قلبك ، وإذا افتقرت فلا تحدّث الناس بفقرك فتهون عليهم ، ولكن اسأل الله من فضله .

يا بني ! كذب مَن يقول : الشرّ يقطع بالشرّ ، ألا ترى إنّ النار لا تطفئ بالنار ولكن بالماء ، وكذلك الشرّ لا يطفئ إلاّ بالخير ، يا بني ! لا تشمت بالمصائب ، ولا تعيّر المبتلي ، ولا تمنع المعروف فإنّه ذخيرة لك في الدنيا والآخرة .

يا بني ! ثلاثة تجب مداراتهم : المريض والسلطان والمرأة ، وكن قنعاً تعش غنيّاً ، وكن متّقياً تكن عزيزاً ، يا بني ! إنّك من حين سقطت من بطن أُمّك استدبرت


الدنيا واستقبلت الآخرة ، وأنت كل يوم إلى ما استقبلت أقرب منك ممّا استدبرت ، فتزوّد لدار أنت مستقبلها ، وعليك بالتقوى فإنّه أربح التجارات ، وإذا أحدثت ذنباً فأتبعه بالاستغفار والندم والعزم على ترك العود لمثله .

واجعل الموت نصب عينيك ، والوقوف بين يدي خالقك ، وتمثّل شهادة جوارحك عليك بعملك ، والملائكة الموكّلين بك تستحي(١) منهم ومن ربّك الذي هو مشاهدك ، وعليك بالموعظة فاعمل بها ، فإنّها عند العاقل أحلى من العسل الشهد ، وهي في السفيه أشقّ من صعود الدرجة على الشيخ الكبير ، ولا تسمع الملاهي فإنّها تنسك الآخرة ، ولكن احضر الجنائز ، و زُر المقابر ، وتذكّر الموت وما بعده من الأهوال فتأخذ حذرك .

يا بني استعذ بالله من شرار النساء ، وكن من خيارهنّ على حذر ، يا بني لا تفرح بظلم أحد بل احزن على ظلم من ظلمته ، يا بني الظلم ظلمات ويوم القيامة حسرات ، وإذا دعتك القدرة إلى ظلم من هو دونك فاذكر قدرة الله عليك .

يا بني تعلّم من العلماء ما جهلت ، وعلّم الناس ممّا علمت تذكر بذلك في الملكوت ، يا بني أغنى الناس مَن قنع بما في يديه ، وأفقرهم مَن مد عينيه إلى ما في أيدي الناس ، وعليك يا بني باليأس ممّا في أيدي الناس ، والوثوق بوعد الله ، واسع فيما فرض عليك ، ودع السعي فيما ضمن لك ، وتوكّل على الله في كل أُمورك يكفيك ، وإذا صلّيت فصلّ صلاة مودّع تظنّ أن لا تبقى بعدها أبداً .

وإيّاك وما يُعتذر منه فإنّه لا يُعتذر من خير ، وأحبب للناس ما تحب لنفسك ، واكره لهم ما تكرهه لنفسك ، ولا تقل ما لا تعلم ، واجهد أن يكون اليوم خيراً لك من أمس ، وغداً خيراً لك من اليوم ، فإنّه مَن استوى يوماه فهو مغبون ، ومَن كان يومه شرّاً من أمسه فهو ملعون ، وارض بما قسّم الله لك فإنّه سبحانه يقول : أعظم عبادي

____________

(١) في ( ب ) : لم لا تستحي منهم .


ذنباً مَن لم يرض بقضائي ، ولم يشكر نعمائي ، ولم يصبر على بلائي .

وأوصى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم معاذ بن جبل ، فقال له : أوصيك باتقاء الله ، وصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وخفض الجناح ، والوفاء بالعهد ، وترك الخيانة ، وحسن الجوار ، وصلة الأرحام ، ورحمة اليتيم ، ولين الكلام ، وبذل السلام وحسن العمل ، وقصر الأمل ، وتوكيد الإيمان ، والتفقّه في الدين ، وتدبّر القرآن ، وذكر الآخرة ، والجزع من الحساب ، وكثرة ذكر الموت ، ولا تسب مسلماً ، ولا تطع آثماً ، ولا تقطع رحماً ، ولا ترض بقبيح تكن كفاعله ، واذكر الله عند كل شجر ومدر وبالأسحار وعلى كل حال يذكرك ، فإنّ الله تعالى ذاكر مَن ذكره ، وشاكر مَن شكره ، وجدّد لكل ذنب توبة ، السرّ بالسرّ والعلانية بالعلانية .

واعلم أنّ أصدق الحديث كتاب الله(١) ، وأوثق العرى التقوى ، وأشرف الذكر ذكر الله تعالى ، وأحسن القصص القرآن ، وشرّ الأمور محدثاتها ، وأحسن الهدى هدى الأنبياء ، وأشرف الموت الشهادة ، وأعمى العمى الضلالة بعد الهدى ، وخير العلم ما نفع ، وشرّ العمى عمى القلب ، واليد العليا خير من اليد السفلى ، وما قلّ وكفى خير ممّا كثر وألهى .

وشرّ المعذرة عند الموت ، وشرّ الندامة يوم القيامة ، ومن أعظم الخطايا اللسان الكذوب ، وخير الغنى غنى النفس ، وخير الزاد التقوى ، ورأس الحكمة مخافة الله تعالى في السر والعلانية ، وخير ما أُلقي في القلب اليقين ، وأنّ جماع الإثم الكذب والارتياب ، والنساء حبائل الشيطان ، والشباب شعبة من الجنون ، وشرّ الكسب كسب الربا ، وشرّ المأثم أكل مال اليتيم .

السعيد مَن وُعظ بغيره ، وليس لجسم نبت على الحرام إلاّ النار ، ومَن تغذّى بالحرام فالنار أولى به ، ولا يستجاب له دعاء ، والصلاة نور ، والصدقة حرز ،

____________

(١) في ( ب ) : كلام الله .


والصوم جُنّة حصينة ، والسكينة مغنم وتركها مغرم ، وعلى العاقل أن يكون له ساعة يناجي فيها ربّه ، وساعة يتفكّر فيها في صنع الله ، وساعة يحاسب فيها نفسه ، وساعة يتخلّى فيها لحاجته من حلال .

وعلى العاقل أن لا يكون ضاعناً(١) إلاّ في ثلاث(٢) : تزوّد لمعاد ، ومرمّة لمعاش ، لذّة في غير محرّم ، وعلى العاقل أن يكون بصيراً بزمانه ، مقبلاً على شأنه ، حافظاً للسانه .

وفي توراة موسىعليه‌السلام : عجبت لمَن أيقن بالموت كيف يفرح ، ولمَن أيقن بالحساب كيف يذنب ، ولمَن أيقن بالقدر كيف يحزن ، ولمَن أيقن بالنار كيف يضحك ، ولمَن رأى تقلّب الدنيا بأهلها كيف يطمئنّ إليها ، ولمَن أيقن بالجزاء كيف لا يعمل ، لا عقل كالدين ، ولا ورع كالكف ، ولا حسب كحسن الخلق .

وقال أبو ذر : أوصاني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم [ بسبع خصال ](٣) : حب المساكين والدنو منهم ، وهجران الأغنياء ، وأن أصل رحمي ، وأن لا أتكلّم بغير الحق ، ولا أخاف في الله لومة لائم ، وأن أنظر إلى مَن هو دوني ولا أنظر إلى مَن هو فوقي ، وأن أكثر من قول : ( سبحان الله والحمد الله ولا اله إلاّ الله والله اكبر ، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم ) فهنّ الباقيات الصالحات .

وقال بعضهم : مَن سلك الجدد أمن العثار ، والصبر مطيّة السلامة ، والجزع مطيّة الندامة ، ومرارة الحلم أعذب من مرارة(٤) الانتقام ، وثمرة الحقد الندامة ، ومَن صبر على ما يكره أدرك ما يحب ، والصبر على المصيبة مصيبة للشامت بها ، والجزع عليها مصيبة ثانية لفوات الثواب وهي أعظم المصائب .

____________

(١) ضعن : سار (القاموس) .

(٢) في ( ج ) : أن يكون ساعياً في ثلاث .

(٣) أثبتناه من ( ب ) و ( ج ) .

(٤) في ( ج ) : حلاوة .


وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :خير الرزق ما يكفي ، وخير الذكر ما يخفى ، وإنّي أوصيكم بتقوى الله ، وبحسن النظر لأنفسكم ، وقلّة الغفلة عن معادكم ، وابتياع ما يبقى بما يفنى .

واعلموا أنّها أيّام معدودة ، وأرزاق مقسومة ، وآجال معلومة ، والآخرة أبد لا أمد له ، وأجل لا منتهى له ، ونعيم لا زوال له ، فاعرفوا ما تريدون وما يُراد بكم ، واتركوا من الدنيا ما يشغلكم عن الآخرة ، واحذروا حسرة المفرطين ، وندامة المغترّين ، واستدركوا فيما بقي ما فات ، وتأهّبوا للرحيل من دار البوار إلى دار القرار ، واحذروا الموت أن يفجأكم على غرّة ويعجلكم عن التأهّب والاستعداد ، إنّ الله تعالى قال : ( فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون ) (١) .

فربّ ذي عقل شغله هواه عمّا خُلق له حتّى صار كمن لا عقل له ، ولا تعذروا أنفسكم في خطائها ، ولا تجادلوا بالباطل فيما يوافق هواكم ، واجعلوا همّكم نصر الحق من جهتكم أو من جهة مَن يجادلكم ، فإنّ الله تعالى يقول :( يا أيّها الذين آمنوا كونوا أنصار الله ) (٢) . فلا تكونوا أنصاراً لهواكم والشيطان .

واعلموا أنّه ما هدم الدين مثل إمام ضلالة وضلّ وأضلّ ، وجدالِ منافق بالباطل ، والدنيا قطعت رقاب طالبيها والراغبين إليها ، واعلموا أنّ القبر روضة من رياض الجنّة ، أو حفرة من حفر النار ، فمهّدوه بالعمل الصالح ، فمثل أحدكم يعمل الخير كمثل الرجل ينفذ كلامه يمهّد له ، قال الله تعالى : ( فلأنفسهم يمهدون ) (٣) .

وإذا رأيتم الله يعطي العبد ما يحب وهو مقيم على المعصية ، فاعلموا أنّ ذلك استدراج له ، قال الله تعالى : ( سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ) (٤) .

____________

(١) يس : ٥٠ .

(٢) الصف : ١٤ .

(٣) الروم : ٤٤ .

(٤) الأعراف : ١٨٢ .


وسئل ابن عباس عن صفة الذين صدقوا الله المخافة ، فقال : هم قوم قلوبهم من الخوف قرحة ، وأعينهم باكية ، ودموعهم على خدودهم جارية ، يقولون : كيف نفرح والموت من ورائنا ، والقبر موردنا ، والقيامة موعدنا ، وعلى الله عرضنا ، وشهودنا جوارحنا ، والصراط على جهنّم طريقنا ، وعلى الله حسابنا .

فسبحان الله وتعالى ، فإنّا نعوذ به من ألسن واصفة ، وأعمال مخالفة مع قلوب عارفة ، فإنّ العمل ثمرة العلم ، والخشية والخوف ثمرة العمل ، والرجاء ثمرة اليقين ، ومَن اشتاق إلى الجنّة اجتهد في أسباب الوصول إليها ، ومَن حذر النار تباعد ممّا يدني إليها ، ومَن أحبّ لقاء الله استعدّ للقائه .

وروي أنّ الله تعالى يقول في بعض كتبه :يا ابن آدم أنا حيٌّ لا أموت ، أطعني فيما أمرتك أجعلك حيّاً لا تموت ، يا ابن آدم أنا أقول للشيء كن فيكون ، أطعني فيما أمرتك أجعلك تقول للشيء كن فيكون (١) .

ولذلك قال الله تعالى في كتابه العزيز :( ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون * نزلاً من غفور رحيم ) (٢) .

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :ثلاث مهلكات وثلاث منجيات ، فأمّا المهلكات : فشحٌّ مطاع ، وهوىً متّبع ، وإعجاب المرء بنفسه ، وأمّا المنجيات : فخشية الله في السر والعلانية ، والقصد في الغنى والفقر ، والعدل في الرضا والغضب (٣) .

وقال الحسنعليه‌السلام :لقد أصحبت (٤) أقواماً كأنّهم كانوا ينظرون إلى الجنّة ونعيمها ، والنار وجحيمها ، يحسبهم الجاهل مرضى وما بهم من مرض ، أو قد خولطوا وإنّما خالطهم أمر عظيم ، خوف الله ومهابته في قلوبهم .

____________

(١) عنه مستدرك الوسائل ١١ : ٢٥٨ ح١٢٩٢٨ .

(٢) فصلت : ٣١ـ٣٢ .

(٣) الخصال : ٨٤ ح١١ باب٣ ، عنه البحار ٧٠ : ٦ ح٢ .

(٤) في ( ألف ) و ( ج ) : أصبحت .


كانوا يقولون ليس لنا في الدنيا من حاجة ، ليس لها خُلقنا ولا بالسعي لها أُمرنا ، أنفقوا أموالهم ، وبذلوا دماءهم ، اشتروا بذلك رضى خالقهم ، علموا أنّ الله اشترى منهم أموالهم وأنفسهم بالجنّة فباعوه ، ربحت تجارتهم ، وعظمت سعادتهم ، أفلحوا وأنجحوا ، فاقتفوا آثارهم رحمكم الله ، واقتدوا بهم فإنّ الله تعالى وصف لنبيّه صفة آبائه إبراهيم وإسماعيل وذرّيتهما ، وقال : ( فبهداهم اقتده ) (١) .

واعلموا عباد الله أنّكم مأخوذون بالإقتداء بهم والإتباع لهم ، فجدّوا واجتهدوا واحذروا أن تكونوا أعواناً للظالم ، فإنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : مَن مشى (٢) مع ظالم ليعينه على ظلمه فقد خرج من ربقة الإسلام ، ومَن حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد حادّ الله ورسوله ، ومَن أعان ظالماً ليبطل حقّاً لمسلم فقد برئ من ذمّة الإسلام ومن ذمّة الله ومن ذمّة رسوله .

ومَن دعا لظالم بالبقاء فقد أحبّ أن يعصى الله ، ومَن ظُلم بحضرته مؤمن أو اغتيب وكان قادراً على نصره ولم ينصره فقد باء بغضب من الله ورسوله ، ومَن نصره فقد استوجب الجنّة من الله تعالى .

وإنّ الله أوحى إلى داودعليه‌السلام :قل لفلان الجبّار : إنّي لم أبعثك لتجمع الدنيا على الدنيا ، ولكن لترد عنّي دعوة المظلوم وتنصره ، فإنّي آليت على نفسي أن أنصره وأنتصر له ممّن ظُلم بحضرته ولم ينصره (٣) .

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :مَن آذى مؤمناً ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه : آيساً من رحمة الله ، وكان كمَن هدم الكعبة والبيت المقدس ، وقتل عشرة آلاف من الملائكة .

____________

(١) الأنعام : ٩٠ .

(٢) في ( ج ) : مضى .

(٣) عنه البحار ١٤ : ٤٠ ح٢٤ .


وقال رفاعة بن أعين : قال لي الصادقعليه‌السلام :ألا أخبرك بأشد الناس عذاباً يوم القيامة ؟ قلت : بلى يا مولاي ، قال : أشد الناس عذاباً يوم القيامة مَن أعان على مؤمن بشطر كلمة ، ثم قال : ألا أخبرك بأشد من ذلك ؟ فقلت : بلى يا سيّدي ، فقال : مَن أعاب على شيء من قوله أو فعله .

ثم قال :اُدن منّي أزدك أحرفاً أُخر ، ما آمن بالله ولا برسوله ولا بولايتنا أهل البيت من أتاه المؤمن في حاجة لم يضحك في وجهه ، فإن كان عنده قضاها له ، وإن لم تكن عنده تكلّفها له حتّى يقضيها له ، فإن لم يكن كذلك فلا ولاية بيننا وبينه ولو علم الناس ما للمؤمن عند الله لخضعت له الرقاب ، وإنّ الله تعالى اشتق للمؤمن اسماً من أسمائه ، فالله تعالى هو المؤمن سبحانه وسمّى عبده مؤمناً تشريفاً له وتكريماً ، وأنّه يوم القيامة يؤمن على الله تعالى فيجيز إيمانه (١) .

وقال الله تعالى :ليأذن بحرب منّي مَن آذى مؤمناً وأخافه .

وكان عيسىعليه‌السلام يقول :يا معشر الحواريين تحبّبوا إلى الله ببغض أهل المعاصي ، وتقرّبوا إلى الله بالبعد عنهم ، والتمسوا رضاه في غضبهم ، وإذا جلستم فجالسوا مَن يزيد في عملكم منطقه ، ويذكركم الله رؤيته ، ويرغبكم في الآخرة عمله (٢) .

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام لأبي ذر :ألزم قلبك الفكر ، ولسانك الذكر ، وجسدك العبادة ، وعينيك البكاء من خشية الله ، ولا تهتم برزق غد ، والزم المساجد فإنّ عمّارها هم أهل الله ، وخاصّته قرّاء كتابه والعاملون به .

وقالعليه‌السلام :المروءة ست ، ثلاث في السفر وثلاث في الحضر : فالذي في الحضر تلاوة القرآن ، وعمارة المساجد ، واتخاذ الإخوان في الله ، وأمّا الذي في

____________

(١) البحار ٧٥ : ١٧٦ ح١٢ باختلاف .

(٢) مجموعة ورام ٢ : ٢٣٥ ، عنه البحار ١٤ : ٢٣٠ ح٦٥ باختصار .


السفر : بذل الزاد ، وحسن الخلق ، والمعاشرة بالمعروف (١) .

وكان الحسنعليه‌السلام يقول :يا ابن آدم مَن مثلك وقد خلّى ربّك بينه وبينك ، متى شئت أن تدخل عليه توضّأت وقمت بين يديه ، ولم يجعل بينك وبينه حجّاباً ولا بوّاباً ، تشكو إليه همومك وفاقتك ، وتطلب منه حوائجك ، وتستعينه على أمورك ، وكان يقول :أهل المسجد زوّار الله ، وحق على المزور التحفة لزائره .

وروي : إنّ المتنخّم في المسجد يجد بها خزياً في وجهه يوم القيامة .

وكان الناس في المساجد ثلاثة أصناف : صنف في الصلاة ، وصنف في تلاوة القرآن ، وصنف في تعليم العلوم ، فأصبحوا صنف في البيع والشراء ، وصنف في غيبة الناس ، وصنف في الخصومات وأقوال الباطل .

وقالعليه‌السلام :ليعلم الذي يتنخّم في القبلة أنّه يُبعث وهي في وجهه .

وقال : يقول الله تعالى :المصلّي يناجيني ، والمنفق يقرضني [ في الغنى ] (٢) ، والصائم يتقرّب إليّ .

وقال :إنّ الرجلين يكونان في صلاة واحدة وبينهما مثل ما بين السماء والأرض من فضل الثواب .

____________

(١) الخصال : ٣٢٤ ح١١ باب ٦ ، عنه البحار ٧٦ : ٣١١ ح٢ .

(٢) أثبتناه من ( ج ) .


الباب العشرون : في قراءة القرآن المجيد

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :إن هذه القلوب لتصدئ كما يصدئ الحديد ، وأنّ جلاءها قراءة القرآن (١) .

وقال ابن عباس : قارئ القرآن التابع له لا يضل في الدنيا ، ولا يشقى في الآخرة .

وقال : ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون ، وبنهاره إذا الناس غافلون ، وببكائه إذا الناس ضاحكون ، وبورعه إذا الناس يطمعون ، وبخشوعه إذا الناس يمزحون ، وبحزنه إذا الناس يفرحون ، وبصمته إذا الناس يخوضون .

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :القرآن على خمسة أوجه ، حلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال ، فاعملوا بالحلال ، واجتنبوا الحرام ، واتبعوا المحكم ، وآمنوا بالمتشابه ، واعتبروا بالأمثال ، وما آمن بالقرآن مَن استحلّ محارمه ، وشرّ الناس

____________

(١) كنز العمّال ١ : ٥٤٥ ح٢٤٤١ .


مَن يقرأ القرآن ولا يرعوي عن شيء به .

وقال جعفر بن محمدعليهما‌السلام في قوله تعالى :( الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته ) (١) قال : يرتلون آياته ، ويتفقّهون فيه ، ويعملون بأحكامه ، ويرجون وعده ، ويخافون وعيده ، ويعتبرون بقصصه ، ويأتمرون بأوامره ، ويتناهون عن نواهيه .

ما هو والله حفظ آياته ، ودرس حروفه ، وتلاوة سوره ، ودرس أعشاره وأخماسه ، حفظوا حروفه وأضاعوا حدوده ، وانّما هو تدبّر آياته ، والعمل بأحكامه ، قال الله تعالى : ( كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته ) (٢) .

واعلموا رحمكم الله أنّ سبيل الله سبيل واحدة وجماعها الهدى ، ومصير العامل بها الجنّة والمخالف لها النار ، وإنّما الإيمان ليس بالتمنّي ولكن ما ثبت بالقلب ، وعملت به الجوارح ، وصدّقته الأعمال الصالحة ، واليوم فقد ظهر الجفاء ، وقلّ الوفاء ، وتركت السنّة ، وظهرت البدعة ، وتواخا الناس على الفجور ، وذهب منهم الحياء ، وزالت المعرفة ، وبقيت الجهالة ، ما ترى إلاّ مترفاً صاحب دنيا ، لها يرضى ولها يغضب وعليها يقاتل ، ذهب الصالحون وبقيت تفالة كتفالة الشعير وحثالة التمر .

وقال الحسنعليه‌السلام :ما بقي في الدنيا بقيّة غير هذا القرآن ، فاتخذوه إماماً يدلّكم على هداكم ، وإنّ أحق الناس بالقرآن مَن عمل به وإن لم يحفظه ، وأبعدهم منه مَن لم يعمل به وإن كان يقرأه .

وقال :مَن قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ .

وقال :إنّ هذا القرآن يجيء يوم القيامة قائداً وسائقاً ، يقود قوماً إلى الجنّة ، أحلّوا حلاله وحرّموا حرامه وآمنوا بمتشابهه ، ويسوق قوماً إلى النار ، ضيّعوا

____________

(١) البقرة : ١٢١ .

(٢) ص : ٢٩ .


حدوده وأحكامه واستحلّوا محارمه .

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :رتلوا القرآن ولا تنثروه نثراً ، ولا تهذوه هذّ الشعر (١) ، قفوا عند عجائبه وحرّكوا به القلوب ، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة .

وخطبصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال :لا خير في العيش إلاّ لعالم ناطق أو مستمع واع ، أيّها الناس إنّكم في زمن هدنة وإنّ السير بكم سريع ، وقد رأيتم الليل والنهار كيف يبليان كل جديد ، ويقرّبان كل بعيد ، ويأتيان بكل موعود .

فقال له المقداد : يا نبي الله وما الهدنة ؟ فقال :دار بلاء وانقطاع ، فإذا التبست عليكم الأمور كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن ، فإنّه شافع مشفّع وشاهد مصدّق ، مَن جعله أمامه قاده إلى الجنّة ، ومَن جعله خلفه قاده (٢) إلى النار ، وهو أوضح دليل إلى خير سبيل ، ظاهره حكم وباطنه علم ، لا تحصى عجائبه ولا تنقضي غرائبه ، هو حبل الله المتين وصراطه المستقيم ، مَن قال به صدق ، ومَن حكم به عدل ، ومَن عمل به فاز ، فإنّ المؤمن الذي يقرأ القرآن كالأترجة طعمها طيّب وريحها طيّب ، وإنّ الكافر كالحنظلة طعمها مرّ ورائحتها كريهة (٣) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :ألا أدلّكم على أكسل الناس وأبخل الناس وأسرق الناس وأجفى الناس وأعجز الناس ؟ فقالوا : بلى يا رسول الله .

فقال :أكسل الناس عبد صحيح فارغ لا يذكر الله بشفة ولا لسان ، وأبخل الناس رجل اجتاز على مسلم فلم يسلّم عليه ، وأمّا أسرق الناس فرجل يسرق من صلاته ، تلفّ كما يلفّ الثوب الخلق فيضرب به وجهه (٤) ، وأجفى الناس رجل ذكرت بين يديه فلم يصلّ عليّ ، وأعجز الناس مَن عجز عن الدعاء (٥) .

____________

(١) تهدروه هدر الشعر ، (خل) .

(٢) في ( ج ) : ساقه .

(٣) أورده المصنف في أعلام الدين : ٣٣٣ ، عنه البحار ٧٧ : ١٧٧ .

(٤) في ( ب ) : وجه صاحبها .

(٥) راجع البحار ٨٤ : ٢٥٧ ح٥٥ ، عن عدة الداعي .


الباب الحادي والعشرون: يتضمّن خطبة بليغة على سورة

قال : أيّها الناس تدبّروا القرآن المجيد ، فقد دلّكم على الأمر الرشيد ، وسلّموا لله أمره فإنّه فعّال لما يُريد ، واحذروا يوم الوعيد ، واعملوا بطاعته فهذا شأن العبيد ، واحذروا غضبه فكم قصم من جبّار عنيد ،( ق والقرآن المجيد ) (١) .

أين مَن بنى وشاد وطول ، وتأمّر على الناس وساد في الأوّل ، وظنّ جهالة منه وجرأة أنّه لا يتحوّل ، عاد الزمان عليه سالباً ما خُوّل ، فسقوا إذ فسقوا كأساً على هلاكهم عوّل ،( أفعيينا بالخلق الأوّل بل هم في لبس من خلق جديد ) .

فيا مَن أنذره يومه وأمسه ، وحادثه بالعبر قمره وشمسه ، واستلب منه ولده وأخوه وعرسه ، وهو يسعى في الخطايا مستتر(٢) وقد دنا حبسه ( ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) .

أما علمت أنّك مسؤول عن الزمان ، مشهود عليك يوم تنطق عليك

____________

(١) الآيات الواردة في هذا الباب كلّها من سورة ( ق ) .

(٢) في ( ج ) : مشمّراً .


الأركان ، محفوظ عليك ما عملت في زمان الإمكان ،( إذ يتلقّى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد * ما يلفظ من قول إلاّ لديه رقيب عتيد ) .

وكأنّك بالموت وقد اختطفك اختطاف البرق ، ولم تقدر على دفعه بملك الغرب والشرق ، وندمت على تفريطك بعد اتساع الخرق ، وتأسفت على ترك الأولى والأخرى أحق ،( وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ) .

ثم ترحّلت من القصور إلى القبور ، وبقيت وحيداً على ممرّ الدهور كالأسير المحصور ،( ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد ) ، فحينئذ أعاد الأجسام من صنعها ، وألّف أشتاتها بقدرته ، وجمعها وناداها بنفخة الصور فأسمعها ،( وجآءت كل نفس معها سائق وشهيد ) .

فهرب منك الأخ وتنسى أخاك ، ويعرض عنك الصديق ويرفضك ولاءك(١) ، ويتجافاك صاحبك ويجحد الآءك ، وتلقى من الأهوال كلّما أعجزك وساءك ، وتنسى أولادك وتنسى نساءك ،( لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ) .

وتجري دموع الأسف وابلاً ورذاذاً ، وتسقط الأكباد من الحسرات أفلاذاً ، ولهب لهيب النار إلى الكفّار فجعلهم جذاذاً ، ولا يجد العاصي من النار لنفسه ملجأً ولا معاذاً ،( وقال قرينه هذا ما لديّ عتيد ) .

يوم تقوم الزبانية إلى الكفّار ، ويبادر مَن يسوقهم سوقاً عنيفاً والدموع تتحادر ، وتثب النار [ إلى الكفار ](٢) كوثوب الليث إذا استاخر(٣) ، فيذلّ زفيرها كل مَن عزّ وفاخر ،( الذي جعل مع الله إلهاً آخر فألقياه في العذاب الشديد ) .

____________

(١) في ( ج ) : يرفض ولاءك .

(٢) أثبتناه من ( ج ) .

(٣) في ( ج ) : شاخر .


ويقول الحق : قد أزلت المطل واللّي ، وفصل هذا الأمر إليّ ، وانتصار(١) المظلوم من ظالمه عليّ ، لا تختصموا لديّ وقد قدمت لديكم بالوعيد ، أما أنذرتكم فيما مضى من الأيّام ؟ أما حذّرتكم بعواقب المعاصي والآثام ؟! أما وعدتكم بهذا اليوم من سائر الأيام ؟!( ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ ) .

فالعياذ بالله من هذا الأمر المهول الذي يحار فيه الغافل الجهول ، وتذهل منه ذوي الألباب والعقول ، قد أعد للكافر اللعين ابن ملجم وللكافر يزيد ،( يوم نقول لجهنّم هل امتلأت وتقول هل من مزيد ) .

فيا حسرة على العاصين حسرة لا يملك(٢) تلافيها ، ويا نصرة للمخلصين قد تكامل صافيها ، ادخلوا الجنّة( لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد ) ، انظروا عباد الله فرق ما بين الفريقين بحضور القلب ، واغتنموا الصحّة قبل أن ينخلع القلب ، فاللذات تفنى ويبقى العار والثلب ،( إنّ في ذلك لذكرى لمَن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ) .

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :ما أصاب أحد همٌّ أو غمٌّ فقال : ( اللّهمّ إنّي عبدك وابن عبدك وابن أمتك ، نفسي بيدك ، ماض في حكمك ، عدل في قضائك ، أسألك بكل اسم هو لك سمّيت به نفسك ، أو أنزلته في كتبك ، أو علّمته أحداً من خلقك ، أو استأثرت به في علم الغيب عندك ، أن تصلّي على محمد وآل محمد ، وأن تجعل القرآن ربيع قلبي ، ونور بصري ، وشفاء صدري ، وذهاب غمّي ، وجلاء حزني يا أرحم الراحمين ) إلاّ أذهب الله همّه وغمّه ، ونفّس كربه وقضى حوائجه .

وكانصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يدعو فيقول :( اللّهمّ اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما يبلغنا به جنّتك ، ومن اليقين ما يهوّن علينا

____________

(١) في ( ب ) : انتصاف .

(٢) في ( ب ) : يمكن .


مصائب الدنيا ، ومتّعنا بأسماعنا ، وانصرنا على مَن عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همّنا ، ولا تسلّط علينا مَن لا يرحمنا ، اللّهمّ لك الحمد وإليك المشتكى ، وأنت المستعان وفيما عندك الرغبة ولديك غاية الطلبة .

اللّهمّ آمن روعتي ، واستر عورتي ، اللّهمّ أصلح ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح آخرتنا التي إليها منقلبنا ، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير ، والوفاة راحة لنا من كل سوء .

اللّهمّ إنّا نسألك موجبات رحمتك ، وعزائم مغفرتك ، والغنيمة من كل برٍّ ، والسلامة من كل إثم ، يا موضع كل شكوى ، وشاهد كل نجوى ، وكاشف كل بلوى ، [فإنّك](١) تَرى ولا تُرى ، وأنت بالمنظر الأعلى ، أسألك الجنّة وما يقرّب إليها من قول أو فعل ، وأعوذ بك من النار وما يقرّب إليها من فعل أو قول .

اللّهمّ إنّي أسألك خير الخير رضوانك والجنّة ، وأعوذ بك من شر الشر سخطك والنار ، اللّهمّ إنّي أسألك خير ما تعلم ، وأعوذ بك من شر ما تعلم ، إنّك أنت علاّم الغيوب ) .

وروي عن ذي النون المصري أنّه قال : وجدت على صخرة في بيت المقدس مكتوب : ( كل خائف هارب ، وكل راج طالب ، وكل عاص مستوحش ، وكل طائع مستأنس ، وكل قانع عزيز ، وكل طالب ذليل ) ، فنظرت فإذا هذا الكلام أصل لكل شيء ، وكان يقول : يقدّر المقدّرون والقضاء يضحك منهم .

____________

(١) أثبتناه من ( ب ) و ( ج ) .


الباب الثاني والعشرون : في الذكر والمحافظة عليه

قال الله تعالى :( فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون ) (١) .

وقال سبحانه في بعض كتبه :أهل ذكري في ضيافتي ، وأهل طاعتي في نعمتي ، وأهل شكري في زيادتي ، وأهل معصيتي لا أؤيسهم من رحمتي ، إن تابوا فأنا حبيبهم ، وإن مرضوا فأنا طبيبهم ، أداويهم بالمحن والمصائب لأطهّرهم من الذنوب والمعايب (٢) .

وقال علي بن الحسينعليهما‌السلام :إنّ بين الليل والنهار روضة يرتقي (٣) في نورها الأبرار ، ويتنعّم في حدائقها المتقون ، فذابوا سهراً من الليل وصياماً من النهار ، فعليكم بتلاوة القرآن في صدره ، والتضرّع والاستغفار في آخره وإذا ورد النهار فأحسنوا مصاحبته بفعل الخيرات وترك المنكرات ، وترك ما يرديكم (٤) من

____________

(١) البقرة : ١٥٢ .

(٢) راجع عدة الداعي : ٢٥٢ ، عنه البحار ٧٧ : ٤٢ ح١٠ ، وأورده في أعلام الدين : ٢٧٩ .

(٣) في ( ج ) : يرتع .

(٤) في ( الف ) : يؤذيكم .


محقّرات الذنوب ، فإنّها مشرفة بكم إلى قبائح العيوب ، وكأنّ الموت قد دهمكم ، والساعة قد غشيتكم ، فإنّ الحادي قد حدا بكم مجدّاً لا يلوي دون غايتكم ، فاحذروا ندامة التفريط حيث لا تنفع الندامة إذا زلّت الأقدام .

وقالعليه‌السلام :[قال الله سبحانه :] (١) إذا عصاني مَن يعرفني سلّطت عليه مَن لا يعرفني (٢) .

وقالعليه‌السلام :المؤمن نطقه ذكر ، وصمته فكر ، ونظره اعتبار .

وقالعليه‌السلام :إنّ عدوّي يأتيني في الحاجة فأُبادر إلى قضائها خوفاً أن يسبقني أحد إليها وأن يستغني عنّي فتفوتني فضيلتها .

وسُئل عن الزاهد فقال :هو المبتلغ (٣) بدون قوته ، المستعد ليوم موته .

وقال :الدنيا سبات ، والآخرة يقظة ، ونحن بينهما أضغاث أحلام .

وقال :أقرب ما يكون العبد من غضب الله إذا غضب ، ومن طاعة الشيطان إذا حرد (٤) .

وخطب عمر بن عبد العزيز فقال : أيّها الناس إنّكم لم تخلقوا عبثاً ، ولم تتركوا سدى ، وأنّ لكم معاداً يجمعكم الله فيه ليوم الفصل والحكم بينكم ، وقد خاب وخسر مَن أخرجه الله من رحمته التي وسعت كل شيء وجنّته التي عرضها السماوات والأرض بسوء عمله ، وإنّ الأمان غداً لمَن باع قليلاً بكثير ، وفانياً بباق ، وشقاوة بسعادة .

ألا ترون أنّكم أخلاف الماضين ويستخلفكم الله قوماً آخرون ، يأخذون تراثكم ، ويبوّء بكم أجداثكم ، وفي كل يوم تجهزون غادياً ورائحاً قد قضى نحبه

____________

(١) أثبتناه من ( ب ) و ( ج ) .

(٢) الكافي ٢ : ٢٧٦ ح٣٠ ، عنه البحار ٧٣ : ٣٤٣ ح٢٧ .

(٣) في ( ج ) : المتبلّغ .

(٤) حرد : غضب (القاموس) .


ولقى ربه ، فتجعلونه في صدع من الأرض غير موسد ولا ممهد ، قد خلع الأسلاب(١) ، وسكن التراب ، وفارق الأحباب ، وواجه الحساب ، أصبح فقيراً إلى ما قدم ، غنيّاً عمّا خلّف ، ولا يزيد من حسنة ولا ينقص من سيّئة .

واعلموا أنّ لكل سفر زاداً لابد منه ، فتزوّدوا لسفركم التقوى ، وكونوا كمن عاين ما أعد الله له من ثوابه وعقابه لترغبوا وترهبوا ، ولا يغرّنّكم الأمل ، ولا يطولنّ عليكم الأمد ، فإنّه والله ما بسط أمل مَن لا يدري إذا أصبح أنّه يمسي ، وإذا أمسى أنّه يصبح ، وبين ذلك خطفات المنايا ، وخطرات الأمل من الشيطان الغرور .

يزيّن لكم المعصية لتركبوها ، ويمنّيكم التوبة لتسوّفوها(٢) حتّى تأتي المنيّة أغفل ما يكون عنها ، فلا تركنوا إلى غروره فيصيدكم بشركه ، واعلموا إنّما يغتبط ويطمئنّ مَن وثق بالنجاة من عذاب الله وأهوال يوم القيامة ، فأمّا مَن لا يدري ربّه ساخط عليه أم راض عنه كيف يطمئن ، أعوذ بالله من أن آمركم أو أنهاكم بما أخالفكم فيه فتخسر صفقتي ، وتعظم عولتي(٣) يوم لا ينجي منه إلاّ الحق والصدق ، ولا يفوز إلاّ مَن أتى الله بقلب سليم .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :أيّها الناس استقيموا إلى ربّكم كما قال تعالى : ( فاستقيموا إليه واستغفروه ) (٤) وقال سبحانه :( إنّ الذين قالوا ربّنا الله ثمّ استقاموا ) (٥) .

أيّها الناس لا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثاً ، ولا تتخذوا أيمانكم دخلاً بينكم ، واعلموا أنّ من لم يكن مستقيماً في صفته لم يرتق من مقام إلى

____________

(١) في ( ج ) : الأسباب .

(٢) في ( ج ) : لتنسوها .

(٣) في ( ب ) و )ج ) : لوعتي .

(٤) فصلت : ٦ .

(٥) فصلت : ٣٠ .


غيره ، ولم يتبيّن سلوكه على صحّة ، ولا تخرجوا عن عز التقوى إلى ذل المعصية ، ولا من أُنس الطاعة إلى وحشة الخطيئة ، ولا تسرّوا لإخوانكم غشاً فانّه مَن أسرّ لأخيه غشاً أظهره الله تعالى على صفحات وجهه ، وفلتات لسانه ، فأورثه به الذلّ في الدنيا والخزي والعذاب والندامة في الآخرة فأصبح من الخاسرين أعمالاً .

وقال الصادقعليه‌السلام : ثلاثة لا يضرّ معهم شيء :الدعاء عند الكربات ، والاستغفار عند الذنب ، والشكر عند النعمة (١) .

وقالعليه‌السلام : في حكمة آل داود :يا ابن آدم كيف تتكلّم بالهدى وأنت لا تفيق عن الردى ، يا ابن آدم أصبح قلبك قاسياً ، ولعظمة الله ناسياً ، ولو كنت بالله عالماً وبعظمته عارفاً لم تزل منه خائفاً ، ولموعده راجياً ، فيا ويحك كيف لا تذكر لحدك ، وانفرادك فيه وحدك (٢) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :صاحب اليمين أمير على صاحب الشمال ، فإذا عمل العبد السيّئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال : لا تعجل وانظره سبع ساعات [لعلّه يستغفر] ، فإذا مضى سبع ساعات ولم يستغفر قال : اكتب فما أقلّ حياء هذا العبد (٣) .

وقال الصادقعليه‌السلام :إنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صلّى على سعد بن معاذ وقال : لقد وافى من الملائكة للصلاة عليه تسعون ألف ملك وفيهم جبرئيل يصلّون عليه ، فقلت : يا جبرئيل بما استحق صلاتكم عليه ؟ قال : بقراءته ( قل هو الله أحد ) قائماً وقاعداً وراكباً وماشياً وذاهباً وجائيا ً(٤) .

____________

(١) مشكاة الأنوار : ٣٠ ، عنه البحار ٧١ : ٥٥ ح٨٦ .

(٢) أمالي الطوسي : ٢٠٣ ح٣٤٦ ، عنه البحار ١٤ : ٣٦ ح١٠ .

(٣) أمالي الطوسي : ٢٠٧ ح٣٥٥ ، عنه البحار ٧١ : ٢٤٧ ح٥ .

(٤) أمالي الطوسي : ٤٣٧ ح٩٧٥ ، عنه البحار ٢٢ : ١٠٨ ح٧٢ ، وأمالي الصدوق : ٣٢٣ ح٥ مجلس : ٦٢ ، وفي مجموعة ورام ٢ : ١٦٩ .


وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :لمّا أُسري بي إلى السماء دخلت الجنّة ، فرأيت فيها قصراً من ياقوت أحمر ، يرى باطنه من ظاهره لضيائه ونوره وفيه قبّتان من درٍّ وزبرجد ، فقلت : يا جبرئيل لمَن هذا القصر ؟ قال : هو لمَن أطاب الكلام ، وأدام الصيام ، وأطعم الطعام ، وتهجّد بالليل والناس نيام .

قال عليعليه‌السلام : وفي أمّتك مَن يطيق ذلك يا رسول الله ؟ قال : أتدري ما إطابة الكلام ؟ قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : مَن قال : ( سبحان الله والحمد لله ولا اله إلاّ الله والله أكبر ) ، أتدري ما إدامة الصيام ؟ قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : مَن صام شهر الصبر شهر رمضان ولم يفطر يوماً .

أتدري ما إطعام الطعام ؟ قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : مَن طلب لعياله ما يكف به وجوههم عن الناس ، أتدري ما التهجّد بالليل والناس نيام ؟ قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : مَن لم ينم حتّى يصلّي العشاء الآخرة ، والناس من اليهود والنصارى وغيرهم من المشركين نيام بينهما(١) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :لمّا أُسري بي إلى السماء دخلت الجنّة ، فرأيت فيها قيعاناً بقعاً (٢) من مسك ، ورأيت فيها ملائكة يبنون لبنة من ذهب ولبنة من فضّة وربما أمسكوا ، فقلت لهم : ما بالكم ربّما بنيتم وربّما أمسكتم ؟ فقالوا : حتّى تجيئنا النفقة ، قلت : وما نفقتكم ؟ قالوا : قول المؤمن ( سبحان الله والحمد لله ولا اله إلاّ الله والله أكبر ) فإذا قالهنّ بنينا ، وإذا سكت وأمسك أمسكنا (٣) .

____________

(١) أمالي الطوسي : ٤٥٨ ح١٠٢٤ ، عنه البحار ٦٩ : ٣٨٨ ح٥٨ ، معالم الزلفى : ٢٨١ .

(٢) في أمالي الطوسي : يققاً ، أي بيضاً .

(٣) أمالي الطوسي : ٤٧٤ ح١٠٣٥ ، عنه البحار ٩٣ : ١٦٩ ح٧ ، معالم الزلفى : ٢٨١ .


الباب الثالث والعشرون : في فضل صلاة الليل

قال الله تعالى :( كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون ) (١) .

وقال :( تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربّهم خوفاً وطمعاً وممّا رزقناهم ينفقون ) (٢) .

وقال سبحانه :( أمّن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربّه ) (٣) .

وقال :( والذين يبيتون لربّهم سجّداً وقياماً ) (٤) .

وقال :( ومن الليل فتهجّد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربّك مقاماً

____________

(١) الذاريات : ١٧ و١٨ .

(٢) السجدة : ١٦ .

(٣) الزمر : ٩ .

(٤) الفرقان : ٦٤ .


محموداً ) (١) .

وقال سبحانه :( يا أيّها المزمّل * قم الليل إلاّ قليلاً * نصفه أو انقص منه قليلاً * أو زد عليه ورتّل القرآن ترتيلاً ) (٢) .

وما كان الله ليدعو نبيّه إلاّ لأمر جليل وفضل جزيل ، فقد روي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال :شرف المؤمن صلاته بالليل ، وعزّه استغناؤه عن الناس (٣) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :إذا جمع الله الأولين والآخرين نادى مناد : ليقم الذين كانوا تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربّهم خوفاً وطمعاً ، فيقومون وهم قليل ، فيحاسب الله الناس من بعدهم .

[(٤) وفي الحديث الصحيح عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : إنّ في جنّة عدن شجرة تخرج منها خيل بلق مسرّجة بالياقوت والزبرجد ، ذوات أجنحة لا تروث ولا تبول ، يركبها أولياء الله ، فتطير بهم في الجنّة حيث شاؤوا .

قال : فيناديهم أهل الجنّة : يا إخواننا ما أنصفتمونا ، ثم يقولون : ربّنا بماذا أنال عبادك منك هذه الكرامة الجليلة دوننا ؟ فيناديهم ملك من بطان العرش : إنّهم كانوا يقومون الليل وكنتم تنامون ، وكانوا يصومون وكنتم تأكلون ، وكانوا يتصدّقون بمالهم لوجه الله تعالى وأنتم تبخلون(٥) ، وكانوا يذكّرون الله كثيراً لا يفترون ، وكانوا يبكون من خشية ربّهم وهم مشفقون(٦) .

____________

(١) الإسراء : ٧٩ .

(٢) المزمل : ١ـ٤ .

(٣) الكافي ٢ : ١٤٨ ح١ ، عنه البحار ٧٥ : ١٠٩ ح١٤ .

(٤) من هنا إلى ص ١٨١ لم يكن في ( ألف ) و ( ب ) ، وأثبتناه من ( ج ) و ( د ) .

(٥) في ( د ) : تمسكون .

(٦) أمالي الصدوق : ٢٣٩ ح١٤ مجلس ٤٨ ، عنه البحار ٨٧ : ١٣٩ ح٧ .


وكان ممّا ناجى به الباري تعالى داود عليه‌السلام : يا داود عليك بالاستغفار في دلج الليل والأسحار ، يا داود إذا جنّ عليك الليل فانظر إلى ارتفاع النجوم في السماء وسبّحني ، وأكثر من ذكري حتّى أذكرك .

يا داود إنّ المتقين لا ينامون ليلهم إلاّ بصلاتهم إليّ ، ولا يقطعون نهارهم إلاّ بذكري ، يا داود إنّ العارفين بي كحلوا أعينهم بمرود السهر ، وقاموا ليلهم يسهرون ، يطلبون بذلك مرضاتي(١) ، يا داود إنّه مَن يصلّي بالليل والناس نيام يريد بذلك وجهي ، فإنّي آمر ملائكتي أن يستغفروا له وتشتاق إليه جنّتي ، ويدعو له كل رطب ويابس .

يا داود اسمع ما أقول والحق أقول : إنّي أرحم بعبدي المذنب من نفسه لنفسه ، وأنا أحب عبدي ما لا يحبني ، واستحي منه ما لا يستحي منّي .

وصيّة : واعلم يا أخي أنّ الليل والنهار لا يفتران من سيرهما ، وإنّما يسيران بنقص عمر ابن آدم وهما ساعات ولحظات ، فإذا لهوت مع سرعة سيرهما لحظة ، واشتغلت عن الصلاة والذكر لحظة أُخرى ، ذهبت ساعات النهار كلها في غفلة ، ثم جاء الليل فإن نمته كلّه كنت ممّن لا خير فيه ليلاً ولا نهاراً ، ومَن كان هذا حاله فموته خير له من حياته ؛ لأنّه قد مات قلبه ولا خير في حياة جسد(٢) قد مات قلبه .

ولله درّ القائل :

أيقظان أنت اليوم أم أنت نائم

وكيف يلذّ النوم حيران هائم

فلو كنت يقظان الغداة لحرقك (٣)

مدامع عينيك الدموع السواجم

نهارك يا مغرور لهو وغفلة

وليلك نوم والردى لك لازم

____________

(١) في ( د ) : قاموا بأرجلهم يطلبون . .

(٢) في ( د ) : حيّ .

(٣) في ( د ) : لحرقت .


وسعيك ممّا سوف تكره عنده

وعيشك في الدنيا كعيش البهائم

تسر بما يفنى وتفرح بالمنى

كما سرّ باللذات في النوم حالم

فلا أنت في اليقظان يقظان ذاكر

ولا أنت في النوم ناجٍ وسالم

ثم قال : يا جيفة بالليل بطالة بالنهار ، تعمل عمل الفجّار وأنت تطلب منازل الأبرار ، هيهات هيهات كم تضرب في حديد بارد .

وقد ورد عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :ليس (١) من بني آدم إلاّ وفي غفلة ونقص ، ألا ترى إذا نمى له مال بالزيادة فيسر بذلك ، وهذا الليل والنهار يجريان بطيّ عمره فلا يهمّه ذلك ولا يحزنه ، وما يغني عنه مال يزيد وعمر ينقص ، [ودين يذهب] (٢) .

وقد قيل لرجل : إنّ فلاناً استفاد مالاً ، فقال له : فهل استفاد أيّاماً يتفقّه(٣) فيها ؟ .

وقيل : إنّ لله ملكاً ينادي : يا أبناء الخمسين زرع قد دنا حصاده ، ويا أبناء الستين ماذا قدمتم لأنفسكم من العمل الصالح ، وماذا أخّرتم من أموالكم لمَن لا يترحّم عليكم ، ويا أبناء السبعين عدوا أنفسكم من الموتى .

ليت الخلائق لم يخلقوا ، وليتهم إذ خلقوا علموا لماذا خلقوا ، فاعرف يا أخي ذلك وبادر لعمل الخير ، ثم بادر قبل أن ينزل بك ما تحاذر ، ولا يلهيك أحد من الناس عن صلاتك ودعائك وذكرك ربّك ، فيرفعان الملكان رقيب وعتيد دون ما كان يرفعان من عملك من قبل ، والله لا يرضى منك بذلك بل يريد من عبده أن يزيد كل يوم في طاعته أكثر ممّا كانت .

____________

(١) في ( ج ) : قليل .

(٢) أثبتناه من ( د ) .

(٣) في ( د ) : ينفعه .


وقد قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :مَن استوى يوماه فهو مغبون ، ومَن كان غده شراً فهو ملعون ، ومَن لم يتفقّد النقصان في عمله (١) كان النقصان في عقله ، ومَن كان نقصان في عمله (٢) وعقله فالموت خير له من حياته (٣) .

واعلم يا أخي أنّ العقلاء العارفين بالله المجتهدين في تحصيل رضى الله ، تراهم عامة ليلهم بذكر ربهم يتلذّذون ، وفي عبادته يتقلّبون ما بين صلاة نافلة ، وقرآءة سورة ، وتسبيح واستغفار ، ودعاء وتضرّع ، وابتهال وبكاء من خشيته ، لا ينامون من ليلهم إلاّ ما غلبوا عليه وما أراحوا به أبدانهم ، فهم الرجال الأخيار ، ووصفك وصف اغترار(٤) ، جيفة بالليل بطّال بالنهار ، تعتذر في ترك القيام بالليل بأعذار كاذبة .

تقول : أنا ضعيف القوى ، أنا تاعب بكدر الدنيا ، بي مرض وصداع ، وتجمع بالبرد في الشتاء والحر في الصيف وهذه أعذار كاذبة ، ولو أنّ سلطاناً أعطاك ديناراً أو كسوة وأمرك أن تقف ببابه تحرسه بالليل لبادرت إلى ذلك ، لا بل لو قال لك : خذ سلاحك واخرج قدّامي تحارب عدوي ، لبذلت روحك العزيزة دونه وإن قتلت .

وكم من إنسان يأخذ درهماً أجرة له على حراسة زرع غيره ، أو ثمرة غيره ، ويسهر الليل كله في برد شديد وحرّ عظيم ، ولو أنّك أردت سفراً أو عملاً من أعمال الدنيا لسهرت عامة الليل في تعبية أشغالك(٥) ، وتحفظ تجارتك ، ولم تعتذر بتلك الأعذار عن خدمة ربّك .

وهذا يدل على كذبك ، وضعف يقينك بما وعد الله العاملين(٦) بالثواب والجنّة على الطاعة ، فإنّك قد أطعت في ذلك نفسك الأمّارة بالسوء ، وأطعت إبليس وقد

____________

(١) في ( د ) : في جسده .

(٢) في ( د ) : في جسده .

(٣) البحار ٧١ : ١٧٣ ح٥ ، عن أمالي الصدوق نحوه .

(٤) في ( د ) : يوصفك بوصف الاختيار .

(٥) في ( د ) : بقية أسفارك .

(٦) في ( د ) : العالمين .


حذّرك الله من طاعته ، فقال تعالى :( إنّ الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً إنّما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير ) (١) .

وقال تعالى :( الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً ) (٢) ، فاحذر(٣) نفسك يا أخي من طول الرقاد ، واعبد ربّك حتّى تبلغ منه المراد .

ولله درّ بعض الزهّاد حيث قال :

حبيبي تجاف من المهاد

خوف من الموت والمعاد

مَن خاف من سكرة المنايا

لم يدر ما لذّة الرقاد

قد بلغ الزرع منتهاه

لابدّ للزرع من حصاد

فاستيقظ يا أخي من رقدتك ، فقد مضى من عمرك أكثره في غفلة ونوم ، ولا تنس نصيبك من قيام الليل فيما بقي من عمرك لتكون خاتمتك خاتمة خير ، فاغتنمها تغنم ، ولا تغفل عنها فتندم ، فقد سمّى الله تعالى يوم القيامة يوم الحسرة والندامة ، وسمّاها في موضع آخر يوم التغابن .

وروي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : ما من مخلوق يوم القيامة إلاّ ويندم ولكن لا تنفعه الندامة ، فأمّا السعيد إذا رأى الجنّة وما أعد الله فيها لأوليائه المتقين يندم حيث لا عمل له مثل عملهم ، ويريد من العبادة أكثر منهم لينال درجتهم العليا في الفردوس الأعلى ، وإن كان من الأشقياء إذا رأى النار وزفيرها وما أعدّ الله فيها من العذاب الأليم ، صرخ وندم حيث لم يكن أقلع من ذنوبه ومعاصيه ليسلم ممّا هو فيه .

____________

(١) الفاطر : ٦ .

(٢) البقرة : ٢٦٨ .

(٣) في ( د ) : فازجر .


فهذه هي الطامة الكبرى ، فاستدرك يا أخي ما فرّطت من أمرك ، واسكب الدمع بكاءً على نفسك حيث لم تكن صالحاً للقيام بباب ربّك فأنامك ، ولو علم انّك صالح للقيام لأقامك بالبدار قبل نفاد(١) الأعمار ، فإنّ الدنيا مزرعة الآخرة وعلى قدر ما تزرعه في الدنيا تحصده في الآخرة ، وقد أمر الباري عزّ وجل عباده بالمسارعة إلى الطاعات والاستباق إليها ، فقال تعالى :( سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ) (٢) .

ومَن نام عن العبادات سائر ليله لم يمتثل ما أمره الله به من المسارعة إلى المغفرة ، ودخول الجنّة العريضة التي أعدها للعاملين(٣) ، واعلم أنّ مَن نام عامة ليله كان ذلك دليل على أنّه عمل في نهاره ذنباً عظيماً فعاقبه الله ، فطرده عن بابه ومرافقة العابدين الذين هم أحباؤه ، ولو علم النائم عن صلاة الليل ما فاته من الثواب العظيم والأجر المقيم لطال بكائه عليه .

وعن ابن مسعود قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :حسب الرجل من الخيبة أن يبيت ليله لا يصلّي فيها ركعتين ، ولا يذكر الله فيها حتّى يصبح .

وقيل : يا رسول الله إنّ فلاناً نام البارحة عن ورده حتّى أصبح ، قال :ذلك الرجل بال الشيطان في أذنه فلم يستيقظ .

وكان بعض العباد يصلّي عامة الليل فإذا كان السحر أنشد يقول :

ألا يا عين ويحك أسعديني

بطول الدمع في ظلم الليالي

لعلّك في القيامة أن تفوزي

بحور العين في قصر اللئالي

وقال بعض العابدين : رأيت في منامي كأنّي على شاطئ نهر يجري بالمسك الأذفر ، وعلى حافته شجر من اللؤلؤ وقصب الذهب ، وإذا بجوار مزينات لابسات

____________

(١) في ( د ) : انقضاء .

(٢) الحديد : ٢١ .

(٣) في ( د ) : أعدها الله للعابدين .


ثياب السندس ، كأنّ وجوههنّ الأقمار ، وهنّ يقلن : سبحان المسبّح بكل لسان سبحانه ، سبحان الموجود في كل مكان سبحانه ، سبحان الدائم في كل الأزمان سبحانه ، فقلت لهنّ : مَن أنتنّ ؟ فقلن :

ذرأنا إله النّاس ربّ محمّد

لقوم على الأطراف بالليل قوّم (١)

يناجون ربّ العالمين إلههم

وتسري حمول القوم والناس نوّم

فقلت : بخ بخ لهؤلاء القوم ، مَن هم ؟ فقلن : هؤلاء المتهجّدون بالليل بتلاوة القرآن ، الذاكرون الله كثيراً في السر والإعلان ، المنفقين والمستغفرين بالأسحار .

فعاتب يا أخي نفسك ، ولا تقبل منها اعتذارها في ترك القيام ، فتلك معاذير كاذبة ، فقوّام الليل تحمّلوا السهر والقيام والقعود ، وصبروا صبراً جميلاً ، أعقبهم ذلك راحة طويلة في نعمة لا انقطاع لها .

وأنت يا مسكين لو صبرت صبرهم وعملت مثل عملهم فزت بما فازوا ، ولكنّك آثرت لذّات الرقاد على تحصيل الزاد ، ولم تجد الزاد ولم تَجُد بمالك على المساكين من العباد ، فآثر الله عليك العباد الزهاد ، فقرّبهم وأبعدك ، وأدناهم من بابه وطردك .

واعلم أنّك إذا لم تنشط(٢) لأفعال الخير وعبادة الله ، فاعلم أنّك مكبّل مقيّد قد قيّدتك ذنوبك وخطاياك ، فسابق يا أخي العابدين بسهر الليل لتسبقهم إلى جنّات العلى ، فالليل أسبق جواد ركبه الصالحون إلى رفيع الدرجات من الجنّات ، فتكون ممّن مدحهم الله في كتابه العزيز ، فقال تعالى :( تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربّهم خوفاً وطمعاً وممّا رزقناهم ينفقون ) (٣) .

____________

(١) في ( د ) : ساجد .

(٢) في ( د ) : تمشي .

(٣) السجدة : ١٦ .


فانظروا إلى ما مدحه الله به المصلّين بالليل ، المنفقين ممّا رزقهم الله على المستحقين ، وإن خفت ألاّ تستيقظ للصلاة بعد النوم فخذ حظّك من الصلاة قبل النوم ، وإيّاك أن تغفل عن الاستغفار في وقت الأسحار ، فذلك وقت لا تنام فيه الأطيار بل ترفع أصواتها بالتسبيح والأذكار ، وعليك بتلاوة الأدعية والمناجاة فإنّ الدعاء مخ العبادة .

وإن كنت ولابد من النوم(١) فاستيقظ منه ساعة للتوبة والبكاء والدعاء ، فإن غفلت ونمت الليل كله حتّى ساعة الدعاء فقد مات قلبك ، ومَن مات قلبه أبعده الله عن قربه .

قلت : وأقلّ حالات المؤمن أن يصلّي في ليله أربع ركعات من صلاة الليل ، وأدنى من ذلك أن يقرأ مائة آية من كتاب الله العزيز ، ثم يسبّح الله تعالى ويدعو لنفسه ولوالديه وللمؤمنين ، ثم يستغفر الله تعالى حتّى لا يكتب في ديوان الغافلين .

اعلم أنّ الصلاة بين المغرب والعشاء لها فضل عظيم ، وهي صلاة الأوّابين ، وروي أنّها تسمّى ساعة الغفلة ، وهي ركعتين بين المغرب والعشاء ، يُقرأ في الأُولى ( الحمد ) و( ذا النون إذ ذهب مغاضب ) ، وفي الثانية ( الحمد ) و( وعنده مفاتح الغيب ) وهي أفضل عند الله من صوم النهار .

واعلم يا أخي إنّك إذا عملت الطاعات وواظبت على العبادات ، من صيام أو صدقة أو بر أو صلة رحم ، فاقصد به وجه الله تعالى خالصاً مخلصاً من الرياء المحبط للأفعال ، واتبع فيه قول الله تعالى :( ولدار الآخرة خير ) (٢) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :إنّ الله تعالى يقول : لا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل مخلصاً لي حتّى أُحبّه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي

____________

(١) في ( د ) : فإن كنت غافلاً بعض الليل للنوم .

(٢) يوسف : ١٠٩ .


يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، إن سألني أعطيته وإن استعاذني أعذته (١) (٢) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :إذا قام العبد من مضجعه والنعاس في عينيه ليرضي ربّه بصلاة الليل ، باهى الله به ملائكته فيقول : أما ترون عبدي هذا قام من مضجعه ، وترك لذيذ منامه إلى ما لم أفرضه عليه ، اشهدوا أنّي قد غفرت له (٣) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :استعينوا بطعام السحر على صيام النهار ، وبالقيلولة على قيام الليل ، وما نام الليل كله أحد إلاّ بال الشيطان في أُذنه (٤) ، وجاء يوم القيامة مفلساً ، وما من أحد إلاّ وله ملك يوقظه من نومه كل ليلة مرّتين ، يقول : يا عبد الله اقعد لتذكر ربّك ، ففي الثالثة إن لم ينتبه يبول الشيطان في أُذنه .

روت عائشة قالت : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقوم من فراشه ويصلّي ويقرأ القرآن ويبكي ، ثم يجلس يقرأ ويدعو ويبكي حتّى إذا فرغ اضطجع وهو يقرأ ويبكي حتّى بلّت الدموع خدّيه ولحيته ، قلت : يا رسول الله أليس قد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر ؟ قال :بلى ، أفلا أكون عبداً شكوراً .

وقال :الشتاء ربيع المؤمن ، قصر نهاره فصامه وطال ليله فقامه (٥) .

وقال :مَن خاف أن ينام عن صلاة الليل فليقرأ عند منامه : ( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ) (٦) .

ويقول : اللّهمّ أنبهني لأحبّ الساعات إليك ، فأدعوك فتجيبني ، وأسألك

____________

(١) البحار ٨٧ : ٣١ ح١٥ ، عن المحاسن .

(٢) إلى هنا تمّ ما نقلناه من نسخة ( ج ) و ( د ) .

(٣) روضة الواعظين : ٣٢٠ ، عنه البحار ٨٧ : ١٥٦ ح٤٠ ، معالم الزلفى : ٤٥ .

(٤) في ( ج ) : أُذنيه .

(٥) معاني الأخبار : ٢٢٨ ، عنه البحار ٨٣ : ١٣٣ ح١٠٢ .

(٦) الكهف : ١١٠ .


فتعطيني ، واستغفرك فتغفر لي ويقول : اللّهمّ ابعثني من مضجعي لذكرك (١) وشكرك وصلاتك واستغفارك ، وتلاوة كتابك ، وحسن عبادتك يا أرحم الراحمين (٢) .

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :إنّ البيوت التي يُصلّى فيها بالليل ويُتلى فيها القرآن تضيء لأهل السماء كما يضيء الكوكب الدرّي لأهل الأرض (٣) .

واعلموا علماً يقيناً أنّه ما تقرّب المؤمن بقربان أعظم عند الله سبحانه وأفضل من صلاة الليل ، والتسبيح والتهليل بعدها ومناجات ربّه العزيز الحميد ، والاستغفار من ذنوبه ، وأدعية صلاة الليل ببكاء وخشوع ، ثم قرآءة القرآن إلى طلوع الفجر وإيصال صلاة الليل بصلاة النهار ، فإنّي أُبشّره بالرزق الواسع بالدنيا من غير كدٍّ ولا تعب ولا نصب ، وبعافية شاملة في جسده ، وأُبشّره إذا مات بالنعيم في قبره من الجنّة ، وضياء قبره بنور صلاته تلك إلى يوم محشره .

وأُبشّره بأنّ الله تعالى لا يحاسبه ، وأن يأمر الملائكة تدخله الجنّة في أعلى عليين في جوار محمد وأهل بيته الطاهرين ، فيا لها من فرصة ما أحسن عاقبتها إذا سلمت من الرياء والعجب .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في وصيّته لأمير المؤمنينعليه‌السلام :وعليك بصلاة الليل ـ وكرّر ذلك ثلاثاً(٤) .

وقال :ألا ترون إلى المصلّين بالليل وهم أحسن الناس وجوهاً ؛ لأنّهم خلوا بالليل لله سبحانه فكساهم من نوره (٥) .

وسُئل الباقرعليه‌السلام عن وقت صلاة الليل فقال :هو الوقت الذي جاء

____________

(١) في ( ب ) : أيقظني لذكرك .

(٢) عنه البحار ٨٧ : ١٧٣ ح٢ .

(٣) روضة الواعظين : ٣٢١ .

(٤) البحار ٨٧ : ١٥٧ ح٤٢ ، عن روضة الواعظين .

(٥) علل الشرائع : ٣٦٥ ح١ باب٨٧ ، عنه البحار ٨٧ : ١٥٩ ح ٤٨ .


عن جدّي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : إنّ لله تعالى منادياً ينادي في السحر : هل من داع فأُجيبه ؟ هل من مستغفر فأغفر له ؟ هل من طالب فأعطيه ؟ .

ثم قال :هو الوقت الذي وَعَدَ فيه يعقوب بنيه أن يستغفر لهم ، وهو الذي مدح فيه المستغفرين فقال : ( والمستغفرين بالأسحار ) (١) إنّ صلاة الليل في آخره أفضل من أوّله ، وهو وقت الإجابة ، والصلاة فيه هدية المؤمن إلى ربّه ، فأحسنوا هداياكم إلى ربّكم يحسن الله جوائزكم ، فإنّه لا يواظب عليها إلاّ مؤمن صدّيق (٢) .

واعلم أيّدك الله أنّ صلاة الليل من أوّل نصفه الأخير لمَن يطول في قراءته ودعائه أفضل ، وهي في آخره لمن يقتصر أفضل .

وقال الصادقعليه‌السلام :لا تعطوا العين حظّها من النوم فإنّها أقلّ شيء شكراً (٣) .

وروي أنّ الرجل يكذب الكذبة فيحرم بها صلاة الليل ، فإذا حرم صلاة الليل حرم بذلك الرزق(٤) .

وقالعليه‌السلام :كذب مَن زعم أنّه يصلّي صلاة الليل ويجوع بالنهار (٥) .

وفيما أوحى الله إلى موسى بن عمران :لو رأيت الذين يصلّون لي في [ظلم] (٦) الدياجي وقد مثّلت نفسي بين أعينهم (٧) وهم يخاطبوني وقد جليت عن المشاهدة ، ويكلّموني وقد تعزّزت عن الحضور ، يا ابن عمران ! هب لي من عينيك الدموع ، ومن قلبك الخشوع ، ومن بدنك الخضوع ، ثم ادعني في ظلم الليالي تجدني قريباً

____________

(١) آل عمران : ١٧ .

(٢) عنه البحار ٨٧ : ٢٢٢ ح٣٢ .

(٣) البحار ٨٧ : ١٥٦ ح٣٩ ، عن عدّة الداعي .

(٤) عنه معالم الزلفى : ٤٥ .

(٥) روضة الواعظين : ٣٢١ ، عنه البحار ٨٧ : ١٥٧ ح٤٢ ، والمحاسن ١ : ١٢٥ ح١٤١ .

(٦) أثبتناه من ( ب ) .

(٧) في ( ب ) : أيديهم .


مجيباً ، يا ابن عمران ! كذب مَن يقول (١) إنّه يحبّني وإذا جنّه الليل نام عنّي (٢) .

وروي عن المفضل بن صالح قال : قال لي مولاي الصادقعليه‌السلام :يا مفضل إنّ لله تعالى عباداً عاملوه بخالص من سرّهم فقابلهم (٣) بخالص من برّه ، فهم الذين تمرّ صحفهم يوم القيامة فرغاً ، فإذا وقفوا بين يديه ملأها لهم من سرّ ما أسرّوا إليه ، فقلت : وكيف ذلك يا مولاي ؟ فقال :أجلّهم أن تطّلع الحفظة على ما بينه وبينهم (٤) .

وفي هذا دلالة على أنّ الإخفاء بها أفضل من الإجهار بها ، وقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( خير العبادة أخفاها ، وخير الذكر الخفي ) وقولهعليه‌السلام :( صلاة السر تزيد على الجهر بسبعين ضعف ) ، ومدح الله تعالى زكريا إذ نادى ربّه نداءً خفيّاً ، وقال سبحانه :( واذكر ربّك تضرّعاً وخيفة ودون الجهر من القول ) (٥) وهذا صريح في فضل إخفائها .

وسمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوماً يرفعون أصواتهم بالدعاء ، فقال :على رسلكم إنّما تدعون سميعاً بصيراً حاضراً معكم (٦) .

وما ورد من استحباب الجهر في صلاة الليل فإنّه يختصّ بالقراءة دون الدعاء ، واعلم أنّ كيفيّة رفع اليدين في الصلاة أن تكونا مبسوطتين تحاذي صدر الإنسان .

[وعن سعد بن يسار قال :](٧) قال الصادقعليه‌السلام :هكذا الرغبة ـ وأبرز

____________

(١) في ( ج ) : زعم .

(٢) البحار ١٣ : ٣٦١ ح٧٨ ، عن عدّة الداعي .

(٣) في ( ج ) : فعاملهم .

(٤) عنه البحار ٧٠ : ٢٥٢ ح٧ ، ومعالم الزلفى : ٢٤٧ .

(٥) الأعراف : ٢٠٥ .

(٦) البحار ٩٣ : ٣٤٣ ح١٢ نحوه .

(٧) أثبتناه من ( ب ) .


باطن كفّيه إلى السماء ـ وقال :هكذا الرهبة ـ وجعل ظهرهما إلى السماء ـ وقال :هكذا التضرّع ـ وحرّك إصبعيه السبابتين يميناً وشمالاً ـ وقال :هكذا التبتّل ـ ورفع إصبعيه ووضعهما ـ وقال :هكذا الابتهال ـ ومدّ يديه تلقاء وجهه إلى القبلة ـ وقال :مَن ابتهل منكم فمع الدمعة يجريها على خديه ، وإن لم يبك فليتباك ، ومَن لم يستطع أن يصلّي قائماً فليصلّي قاعداً (١) .

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام :مَن استغفر الله في السحر سبعين مرّة كان من الذين قال الله فيهم : ( والمستغفرين بالأسحار ) (٢) .

وقال :مَن قرأ في ليلة سبعين آية لم يكن من الغافلين .

وقال بعضهم : لئن أبيت نائماً وأصبح نادماً خير من أن أبيت قائماً وأصبح معجباً(٣) .

وقرّب رجل من بني إسرائيل قرباناً فلم يُقبل منه ، فرجع وهو يلوم نفسه ويقول لها : يا نفس هذا منك ومن قبلك أتيت ، فنودي : إنّ مقتك لنفسك خير من عبادة مائة ألف سنة(٤) .

وقال بعض الصالحين : نمت ذات ليلة عن وردي فسمعت هاتفاً يقول : أتنام عن حضرة الرحمن ، وهو يقسم جوائز الرضوان بين الأحبة والخلاّن ، فمَن أراد منّا المزيد فلا ينام ليله الطويل ، ولا يقنع من نفسه لها بالقليل(٥) .

ويستحب أن لا تكون يده تحت ثيابه ، فقد ذكر بعض الصالحين أنّه دعا وإحدى يديه بارزة والأخرى تحت ثيابه ، فرأى في نومه البارزة مملوءة نوراً

____________

(١) الكافي ٢ : ٤٨٠ ح٣ باختلاف .

(٢) آل عمران : ١٧ .

(٣) أورده المصنف في أعلام الدين : ٢٦٤ .

(٤) أورده المصنف في أعلام الدين : ٢٦٤ .


والأخرى ليس فيها شيء ، فسأل في نومه عن سبب ذلك ، فقيل له : لو أبرزتها لأُمليت(١) نوراً ، فحلف أن لا يعود إلى ذلك أبداً .

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام :لقارئ القرآن في الصلاة قائماً بكل حرف يقرأه مائة حسنة ، وقاعداً خمسون حسنة (٢) ، ومتطهراً في غير صلاة خمسة وعشرون حسنة ، وعلى غير طهارة عشر حسنات ، أمّا أنا لا أقول المزيد له بالألف عشر ، وباللام عشر ، وبالميم عشر ، وبالراء عشر (٣) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :قال تعالى : مَن أحدث ولم يتوضّأ فقد جفاني ، ومَن توضّأ ولم يصلّ ركعتين فقد جفاني ، ومَن صلّى ركعتين ولم يدعني فقد جفاني ، ومَن أحدث وتوضّأ ودعا ولم أُجبه فقد جفوته ولست بربٍّ جاف (٤) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :اتخذوا المساجد بيوتاً ، وعوّدوا قلوبكم الرقة (٥) ، وأكثروا من التفكّر والبكاء من خشية الله تعالى ، وكونوا في الدنيا أضيافاً ، وأكثروا من الذكر (٦) .

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام :ما فرغ امرء فرغة (٧) إلاّ كانت عليه حسرة يوم القيامة (٨) .

وقال :إنّ امرء ضيّع من عمره ساعة في غير ما خلق له لجدير أن تطول عليه حسرته يوم القيامة (٩) .

____________

(١) في ( ب ) و ( ج ) : لامتلأت .

(٢) في ( ب ) : خمسة وخمسون حسنة .

(٣) الوسائل ٤ : ٨٤٨ ح٣ ، عن عدّة الداعي .

(٤) عنه البحار ٨٠ : ٣٠٨ ح١٨ .

(٥) في ( ج ) : الرأفة .

(٦) البحار ٧٣ : ٨١ ح٤٣ ، عن كنز الكراجكي .

(٧) في ( ج ) : ما فزع امرء فزعة .

(٨) عنه معالم الزلفى : ٢٤٥ .

(٩) عنه معالم الزلفى : ٢٤٥ .


وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس : الصحّة ، والفراغ (١) .

وأبلغ من هذا الكلام وأفصح قول الله تعالى :( يا أيّها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومَن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون ) (٢) وإن كان مندوباً إليه فإنّه في جنب الذكر خسارة ؛ لأنّ الربح القليل في جنب الكثير خسارة .

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :ليكن لسان أحدكم رطباً من ذكر ربّه .

وقال الله تعالى :( ولا تطع مَن أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطاً ) (٣) .

وقال سبحانه :( فأعرض عمّن تولّى عن ذكرنا ولم يرد إلاّ الحياة الدنيا * ذلك مبلغهم من العلم ) (٤) . وقد أمرنا بالذكر في كتابه .

____________

(١) مجموعة ورام ١ : ٢٧٩ .

(٢) المنافقون : ٩ .

(٣) الكهف : ٢٨ .

(٤) النجم : ٢٩ـ٣٠ .


الباب الرابع والعشرون : في البكاء من خشية الله

عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال :أوحى الله إلى عيسى عليه‌السلام : يا عيسى هب لي من عينيك الدموع ، ومن قلبك الخشوع ، ومن بدنك الخضوع ، وأكحل عينيك بميل الحزن إذا ضحك البطّالون ، وقم على قبور الأموات فنادهم برفيع صوتك لعلّك تأخذ موعظتك منهم ، وقل إنّي لاحق في اللاحقين (١) .

وقال عليعليه‌السلام : البكّاؤون خمسة : آدم ، ويعقوب ، ويوسف ، وفاطمة ، [وعلي بن الحسين] (٢) ، فأمّا آدم فإنّه بكى على الجنّة حتّى صار في خدّيه أمثال الأودية ، وبكى يعقوب على يوسف حتّى ذهب بصره ، وبكى يوسف على يعقوب حتّى تأذّى به أهل السجن فقالوا : إمّا تبكي بالليل وتسكت بالنهار ، أو تسكت بالليل وتبكي بالنهار .

وبكت فاطمةعليها‌السلام على فراق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى

____________

(١) أمالي الطوسي : ١٢ ح ١٥ مجلس١ ، عنه البحار ١٤ : ٣٢٠ ح ٢٤ .

(٢) في ( ألف ) و ( ب ) : يحيى بن زكريا ، وأثبتنا ما بين المعقوفتين من ( ج ) والخصال .


تأذّى أهل المدينة ، فكانت تخرج إلى البقيع فتبكي فيه ، وبكى علي بن الحسين عليه‌السلام عشرين سنة ، وما رأوه آكلاً ولا شارباً إلاّ وهو يبكي ، فلاموه في ذلك فقال : إنّي لم أذكر مصارع أبي وأهل بيتي إلاّ وخنقتني العبرة (١) .

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام :إنّ لله عباداً كسرت قلوبهم من خشية الله فأسكتهم عن النطق ، وإنّهم لفصحاء ألبّاء نبلاء ، يستبقون إليه بالأعمال الصالحة الزكيّة ، لا يستكثرون له الكثير ، ولا يرضون له القليل ، يرون في أنفسهم أنّهم أشرار وأنّهم لأكياس أبرار (٢) .

وأوحى الله إلى موسىعليه‌السلام :يا موسى ما تزيّن إليّ المتزيّنون بمثل الزهد في الدنيا ، وما تقرّب إليّ المتقرّبون بمثل الورع من خشيتي ، وما تعبّد إليّ المتعبّدون بمثل البكاء من خيفتي .

فقال موسى :يا رب بما تجزيهم على ذلك ؟ فقال : أمّا المتزيّنون بالزهد فإنّي أُبيحهم جنّتي ، وأمّا المتقرّبون بالورع عن محارمي فإنّي أنحلهم (٣) جناناً لا يشركهم فيها غيرهم ، وأمّا البكّاؤون من خيفتي فإنّي أفتّش الناس ولا أفتّشهم حياءً منهم (٤) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :يا علي عليك بالبكاء من خشية الله ، يُبنى لك بكل قطرة ألف بيت في الجنّة (٥) .

وقالعليه‌السلام :لو أنّ باكياً بكى في أُمّة لرحم الله تلك الأمّة لبكائه (٦) .

وقالعليه‌السلام : إذا أحب الله عبداً نصب في قلبه نائحة من الحزن ، فإنّ الله

____________

(١) الخصال : ٢٧٢ ح١٥ ، عنه البحار ٨٢ : ٨٦ ح ٣٣ ، وروضة الواعظين : ٤٥٠ .

(٢) البحار ٦٩ : ٢٨٦ ح ٢١ .

(٣) في ( ب ) و )ج ) : أدخلهم .

(٤) البحار ١٣ : ٣٤٩ ح ٣٧ ، عن ثواب الأعمال باختلاف .

(٥) عدّة الداعي : ١٧١ ، عنه البحار ٩٣ : ٣٣٤ ح ٢٥ .

(٦) البحار ٩٣ : ٣٣١ ح ١٤ ، عن ثواب الأعمال .


تعالى يحب كل قلب حزين ، وإذا أبغض الله عبداً نصب له في قلبه مزماراً من الضحك ، وما يدخل النار مَن بكى من خشية الله حتّى يعود اللبن إلى الضرع ، ولن يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنّم في منخري مؤمن أبداً (١) .

وقالعليه‌السلام :البكاء من خشية الله يطفئ بحاراً من غضب الله .

وقد وبّخ الله تعالى على ترك البكاء عند استماع القرآن عند قوله :( أفمن هذا الحديث تعجبون * وتضحكون ولا تبكون ) (٢) ومدح الذين يبكون عند استماعه بقوله :( وإذا سمعوا ما انزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع ممّا عرفوا من الحق يقولون ربّنا آمنّا فاكتبنا مع الشاهدين ) (٣) .

وقالعليه‌السلام :لكل شيء كيل أو وزن إلاّ البكاء فإنّ الدمعة تطفئ بحاراً من النار (٤) .

وروي أنّ بعض الأنبياء اجتاز بحجر ينبع منه ماء كثير ، فعجب من ذلك ، فسأل الله إنطاقه ، فقال له : لِمَ يخرج منك الماء الكثير مع صغرك ؟ فقال : بكائي من حيث سمعت الله يقول :( ناراً وقودها الناس والحجارة ) (٥) وأخاف أن أكون من تلك الحجارة فسأل الله تعالى أن لا يكون من تلك الحجارة ، فأجابه الله وبشّره النبي بذلك ، ثم تركه ومضى ثم عاد إليه بعد وقت فرآه ينبع كما كان ، فقال : ألم يؤمنك الله ؟ فقال : بلى ، فذلك بكاء الحزن وهذا بكاء السرور(٦) .

وروي أنّ يحيى بن زكرياعليه‌السلام بكى حتّى أثّرت الدموع في خديه ،

____________

(١) عنه مستدرك الوسائل ١١ : ٢٤٥ ح ١٢٨٨٥ .

(٢) المائدة : ٨٣ .

(٣) المائدة : ٨٣ .

(٤) البحار ٩٣ : ٣٣١ ح ١٤ ، عن ثواب الأعمال .

(٥) التحريم : ٦ .

(٦) عنه مستدرك الوسائل ١١ : ٢٤٦ ح ١٢٨٨٦ .


وعملت له أُمّه لباداً على خدّيه تجري عليه الدموع(١) .

وقال الحسينعليه‌السلام :ما دخلت على أبي قط إلاّ وجدته باكياً (٢) .

وقال :إنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بكى حين وصل أبي في قراءته عليه‌السلام : ( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً ) (٣) .

فانظروا إلى الشاهد كيف يبكي والمشهود عليهم يضحكون ، والله لولا الجهل ما ضحكت سنّ ، فكيف يضحك من يصبح ويمسي ولا يملك نفسه ، ولا يدري ما يحدث عليه من سلب نعمة أو نزول نقمة أو مفاجأة منيّة ، وأمامه يوم يجعل الولدان شيباً ، تشيب الصغار وتسكر الكبار ، وتوضع ذوات الأحمال ، ومقداره في عظم هوله خمسون ألف سنة ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون .

اللّهمّ أعنّا على هوله ، وارحمنا فيه ، وتغمّدنا برحمتك التي وسعت كل شيء ، ولا تؤيسنا من روحك(٤) ، ولا تحل علينا غضبك ، واحشرنا في زمرة نبيّك محمد وأهل بيته الطاهرين صلواتك عليه وعليهم أجمعين .

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :ما من مؤمن يخرج من عينيه مثل رأس الذبابة من الدموع فيصيب حرّ وجهه إلاّ حرّمه الله على النار (٥) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :لا ترى النار عين بكت من خشية الله ، ولا عين سهرت في طاعة الله ، ولا عين غُضّت عن محارم الله (٦) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :ما من قطرة أحب إلى الله من قطرة دمع خرجت من خشية الله ، ومن قطرة دم سفكت في سبيل الله ، وما من عبد بكى من خشية الله

____________

(١) البحار ٩٣ : ٣٣٣ ح ٢٤ نحوه .

(٢) عنه مستدرك الوسائل ١١ : ٢٤٥ ح ١٢٨٨٥ .

(٣) النساء : ٤١ .

(٤) في ( ب ) : رحمتك .

(٥) عنه مستدرك الوسائل ١١ : ٢٤٦ ح ١٢٨٨٧ .

(٦) عنه مستدرك الوسائل ١١ : ٢٤٦ ح ١٢٨٨٨ .


إلاّ سقاه الله من رحيق رحمته ، وأبدله الله ضحكاً وسروراً في جنّته ، ورحم الله مَن حوله ولو كانوا عشرين ألفاً وما اغرورقت عين من خشية الله إلاّ حرم الله جسدها على النار ، وإن أصابت وجهه لم يرهقه قتر ولا ذلّة ، ولو بكى عبد في أمّة لنجّى الله تلك الأمّة ببكائه (١) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :مَن بكى من ذنب غفر له (٢) ، ومَن بكى خوف النار أعاذه الله منها ، ومَن بكى شوقاً إلى الجنّة أسكنه الله فيها ، وكتب له الأمان من الفزع الأكبر ، ومَن بكى من خشية الله حشره الله مع النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً (٣) .

وقالعليه‌السلام :البكاء من خشية الله مفتاح الرحمة ، وعلامة القبول ، وباب الإجابة (٤) .

وقالعليه‌السلام :إذا بكى العبد من خشية الله تتحات عنه الذنوب كما يتحاتّ الورق ، فيبقى كيوم ولدته أُمّه (٥) .

____________

(١) عنه مستدرك الوسائل ١١ : ٢٤٦ ح ١٢٨٨٩ .

(٢) في ( ب ) : غفر الله له .

(٣) عنه مستدرك الوسائل ١١ : ٢٤٧ ح ١٢٨٩٠ .

(٤) عنه مستدرك الوسائل ٥ : ٢٠٧ ح ٥٧٠٧ و١٢٨٩١ .

(٥) عنه مستدرك الوسائل ١١ : ٢٤٧ ح ١٢٨٩٢ .


الباب الخامس والعشرون : في الجهاد في سبيل الله

قال الله تعالى :( والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا ) (١) .

وقال سبحانه :( لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (٢) .

وقال سبحانه :( إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (٣) .

وروي عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال :للجنّة باب يقال له باب المجاهدين ، يدخلون منه والملائكة تترحّب بهم ، وأهل الجمع ينظرون إليهم بما

____________

(١) العنكبوت : ٦٩ .

(٢) التوبة : ٨٨ .

(٣) التوبة : ١١١ .


أكرمهم الله ، وأعظم الجهاد جهاد النفس لأنّها أمّارة بالسوء ، راغبة بالشر ، ميّالة إلى الشهوات ، متثاقلة بالخيرات ، كثيرة الآمال ، ناسية الأهوال ، محبّة للرئاسة ، وطالبة للراحة .

قال الله تعالى :( إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاّ مَا رَحِمَ رَبِّي ) (١) .

وقالعليه‌السلام :من أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر ، ومَن أراد صلاح حاله ومجاهدة (٢) نفسه فليجعل دأبه مجاهدة النفس عند كل حال ، لا يخالف فيه كتاب الله وسنة نبيّه وسنن الأئمّة من أهل بيته وآدابهم .

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام :المؤمن لا يصبح ولا يمسي إلاّ ونفسه عنده ظنون ، يعني يتهمها ويزري عليها (٣) .

قيل : إنّ رجلاً في زمان بني إسرائيل نام عن صلاة الليل ، فلمّا انتبه لام نفسه ، فقال : هذا منك وبطريقك وتفريطك حرمت عبادة ربّي ، فأوحى الله إلى موسىعليه‌السلام : قل لعبدي هذا : إنّني قد جعلت لك ثواب مائة سنة بلومك لنفسك .

وينبغي للعاقل مجاهدة نفسه على القيام بحقوق الله وسلوك طريق السلامة ، فإنّ الله تعالى قال :( والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا ) (٤) ومَن أراد السلامة من الشيطان فليجاهد نفسه ويحاسبها محاسبة الشريك لشريكه ، ولقد أحسن أبو ذر في قوله : ما وهب الله لامرئ(٥) هبة أحسن من أن يلزمه زاجراً من نفسه يأمره وينهاه .

ومن مجاهدة النفس أنّ الإنسان لا يأكل إلاّ عند الحاجة ، ولا ينام إلاّ عند غلبة النوم ، ولا يتكلّم إلاّ عند الضرورة ، وبالجملة يقمعها عن الهوى ، كما قال

____________

(١) يوسف : ٥٣ .

(٢) في ( ج ) : سلامة .

(٣) البحار ٧٣ : ٨٥ ح ٤٨ ، عن عدّة الداعي .

(٤) العنكبوت : ٦٩ .

(٥) في ( ج ) : لعبد .


تعالى :( وأمّا مَن خاف مقام ربّه ونهى النفس عن الهوى * فإنّ الجنّة هي المأوى ) (١) واعلموا أنّ المجاهدة تعقب الراحة .

____________

(١) النازعات : ٤٠ـ٤١ .


الباب السادس والعشرون : في مدح الخمول والاعتزال

اعلم أنّ جماع الخير كله وإحرازه في الوحشة من الناس والعزلة عنهم ، فإنّ بالعزلة يتحصل(١) الإخلاص ، وينسد عنه باب الغيبة والنميمة ولغو القول ، وسلامة النظر والسمع لمن لا يجوز ، والوحشة من الناس علامة الأنس بالله ، والعزلة من إمارات الوصلة .

وروى سفيان الثوري قال : قصدت جعفر بن محمدعليهما‌السلام فأذن لي بالدخول ، فوجدته في سرداب ينزل اثنى عشر مرقاة ، فقلت : يا ابن رسول الله أنت في هذا المكان مع حاجة الناس إليك ، فقال :يا سفيان فسد الزمان ، وتنكّر الإخوان ، وتقلبت الأعيان ، فاتخذنا الوحدة سكناً ، أمعك شيء تكتب ؟ قلت : نعم ، فقال : اكتب :

لا تجزعنّ لوحدة وتفرّد

ومن التفرّد في زمانك فازدد

فسد الإخاء فليس ثَمّ إخوّة

إلاّ التملّق باللسان وباليد

____________

(١) في ( ب ) و ( ج ) : يحصل .


وإذا نظرت جميع ما بقلوبهم

أبصرت ثَمّ نقيع سمّ الأسود

[ فإذا فتشت ضميره عن قلبه

وافيت عنه مرارة لا تنفد (١) ] (٢)

والعزلة في الحقيقة اعتزال الأمور الذميمة ، والذي حصل علوم معارفه وعمله ثم اعتزل بني أمره على أساس ثابت ، وينبغي لصاحب العزلة الاشتغال بذكر ربه ، والفكر في صنائعه ، وإلاّ أوقعته خلوته في بليّة وفتنة ، ويكون أيضاً عنده قوّة في العلم تدفع عنه هواجس الشيطان ووساوسه ، ولا شك أنّ خير الدنيا والآخرة في العزلة والتقليل عن علق الدنيا ، وشرّها في الكثرة والاختلاط بالناس ، والخمول رأس كل خير .

وقال بعضهم : رأيت بعض الأئمّةعليهم‌السلام في النوم يقول : الخمول نعمة وكل يأباه ، والترفّع نقمة وكل يترجّاه ، والغنى فتنة وكل يتمنّاه ، والفقر عصمة وكل يتجافاه ، والمرض حطّة للذنوب وكل يتوقّاه ، والمرء لنفسه ما لم يُعرف فإذا عُرف صار لغيره .

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام لكميل بن زياد :تبدل ولا تشهر ، ووار شخصك ولا تذكر ، وتعلّم واعمل ، واسكت تسلم ، تسر الأبرار وتغيظ الفجار ، ولا عليك إذا علمت معالم دينك أن لا تعرف الناس ولا يعرفوك (٣) .

ومن ألزم قلبه الفكر ، ولسانه الذكر ، ملأ الله قلبه إيماناً ورحمة ونوراً وحكمة ، إنّ الفكر والاعتبار يخرجان من قلب المؤمن عجائب المنطق في الحكمة ، وتسمع له أقوال يرضاها العلماء ، وتخشع لها العقلاء ، وتعجب منها الحكماء .

وروي أنّ رجلاً سأل أُمّ أُويس : من أين لابنك هذه الحال العظيمة التي قد

____________

(١) أثبتناه من ( ب ) و ( ج ) ، وجاء المصرع الثاني في ( ب ) : وافيت منه نقيع سم الأسود .

(٢) عنه مستدرك الوسائل ١١ : ٣٩٠ ح ١٣٣٤٤ .

(٣) عنه مستدرك الوسائل ١١ : ٣٩١ ح ١٣٣٤٥ ، ونحوه في البحار ٢ : ٣٧ ح٥١ .


مدحه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بها مدحاً لم يمدح به أحداً من أصحابه هذا فلم يره(١) ؟ فقالت : إنّه من حيث بلغ اعتزلنا وكان يأخذ في الفكر والاعتبار .

وروي أنّ الله أوحى إلى موسىعليه‌السلام :مَن أحبّ حبيباً آنس به ، ومَن آنس بحبيب صدّق قوله ورضي فعله ، ومَن وثق بحبيب اعتمد عليه ، ومَن اشتاق إلى حبيب جدّ في السير إليه ، يا موسى ذكري للذاكرين ، وزيارتي للمشتاقين ، وجنّتي للمطيعين ، وأنا خاصّة المحبين (٢) (٣) .

وروى كعب الأحبار قال : أوحى الله إلى بعض الأنبياء : إن أردت لقائي غداً في حظيرة القدس فكن في الدنيا غريباً محزوناً مستوحشاً كالطير الوحداني الذي يطير في الأرض المقفرة ، ويأكل من الأشجار المثمرة ، فإذا كان الليل آوى إلى وكره ، ولم يكن مع الطير استيحاشاً من الناس واستيناساً بربّه(٤) .

ومَن اعتصم بالخلوة وآنس بها فقد اعتصم بالله ، ومكابدة العزلة والصبر عليها أيسر من سوء عاقبة مخالطة الناس ، والوحدة طريقة الصدّيقين ، وعلامة الإفلاس القرب من الناس ، ومخالطة الناس فتنة في الدين عظيمة ؛ لأنّ مَن خالط الناس داراهم ، ومَن داراهم راياهم وداهنهم وراقبهم .

ولا يصح مولاة الله ومراقبة الناس ومراياهم ، ومَن أراد أن يسلم له دينه ويستريح بدنه وقلبه فليعتزل الناس ، فإنّ هذا زمان وحشة ، والعاقل الناصح لنفسه مَن اختار الوحدة وآنس بها ، ولست أرى عارفاً يستوحش مع الله ، وألزموا الوحدة ، واستتروا بالجدّ(٥) ، وامحوا أسماءكم من قلوب الناس تسلمون من

____________

(١) في ( ج ) : ولم يره النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

(٢) في ( ج ) : للمحبين .

(٣) عنه البحار ١٤ : ٤٠ ح ٢٣ ، وفيه : أوحى الله إلى داودعليه‌السلام .

(٤) راجع البحار ٧٠ : ١٠٨ ح ١ ، عن أمالي الصدوق نحوه ، وأورده في أعلام الدين : ٢٧٩ .

(٥) في ( ب ) و ( ج ) : بالجدار .


غوائلهم .

ولمّا ذكر أمير المؤمنينعليه‌السلام هذا الزمان وفتنته قال :ذلك زمان لا يسلم فيه إلاّ كل مؤمن نؤمة ، إذا شهد لم يُعرف ، وإذا غاب لم يُفتقد ، أولئك مصابيح الهدى ، وأعلام السرى ، ليسوا بالمساييح ولا المذاييع البذر ، أولئك يفتح الله عليهم أبواب رحمته ، ويسدّ عنهم أبواب نقمته (١) .

تفسير(٢) : المساييح يعني يسيحون في الأرض بالفساد ، والمذاييع : النميمة والكذب ، والبذر : يبذرون الكذب والنميمة كبذر الزرع من كثرته .

وإذا أراد الله أن ينقل العبد من ذلّ المعصية إلى عزّ الطاعة ، ومن فتنة الناس إلى السلامة منهم ، آنسه بالوحدة ، وحبب إليه الخلوة ، وأغناه بالقناعة ، وبصّره عيوب نفسه ، وحجبه عن عيوب الناس ، ومن أُعطي ذلك فقد أُعطي خير الدنيا والآخرة .

____________

(١) نهج البلاغة : الخطبة ١٠٣ ، عنه البحار ٦٩ : ٢٧٣ ح ٥ .

(٢) في ( ج ) : وقال .


الباب السابع والعشرون : في الورع والترغيب فيه

قال الصادقعليه‌السلام :عليكم بالورع والاجتهاد ، وصدق الحديث ، وأداء الأمانة لمَن ائتمنكم ، فلو أنّ قاتل الحسين عليه‌السلام ائتمنني على السيف الذي قتله به لأتمنته (١) إليه .

وقالعليه‌السلام :إنّ أحق الناس بالورع آل محمد وشيعتهم لكي يقتدي الناس بهم ، فإنّهم القدوة لمَن اقتدى ، فاتقوا الله وأطيعوه فإنّه لا ينال ما عند الله إلاّ بالتقوى والورع والاجتهاد ، فإنّ الله تعالى يقول : ( إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم ) (٢) .

وقال :أما والله إنّكم على دين الله ودين ملائكته ، فأعينونا على ذلك بالورع والاجتهاد وكثرة العبادة ، وعليكم بالورع (٣) .

وروي عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال :كنت مع أبي حتّى انتهينا إلى القبر

____________

(١) في ( ج ) : لأتيته .

(٢) الحجرات : ١٣ .

(٣) الكافي ٢ : ١٨٧ ح٥ ، عنه البحار ٧٤ : ٢٦٠ ح٥٩ .


والمنبر فإذا أناس من أصحابه ، فوقف عليه‌السلام وقال : والله إنّي لأحبكم وأحب ريحكم وأرواحكم ، فأعينونا على ذلك بورع واجتهاد فإنّكم لن تنالوا ولايتنا إلاّ بالورع والاجتهاد ، ومَن ائتمّ بإمام فليعمل بعمله .

ثم قال : أنتم شرطة الله ، وأنتم شيعة الله ، وأنتم السابقون الأوّلون ، والسابقون في الآخرة إلى الجنّة ، ضمنّا لكم الجنّة بضمان الله عزّ وجل وضمان رسوله ، أنتم الطيبون ونساؤكم الطيبات ، كل مؤمن صدّيق وكل مؤمنة حوراء .

وكم من مرّة قد قال عليعليه‌السلام لقنبر :بشّر وأبشر واستبشر ، فو الله لقد مات رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإنّه لساخط على جميع أمّته إلاّ الشيعة ، إنّ لكل شيء عروة وإنّ عروة الدين الشيعة ، ألا وإنّ لكل شيء شرفاً وشرف الدين الشيعة ، ألا وإنّ لكل شيء إماماً وإمام الأرض أرض تسكنها الشيعة ، والله لولا ما في الأرض منكم لمادت الأرض بأهلها ، وكل مخالف في الأرض وإن تعبّد واجتهد فمنسوب إلى هذه الآية : ( خاشعة * عاملة ناصبة * تصلى ناراً حامية * تسقى من عين آنية ) (١) .

والله ما دعا مخالف دعوة خير إلاّ كانت إجابة دعوته لكم ، ولا دعا أحد منكم دعوة خير إلاّ كانت له من الله مائة ، ولا [أحد منكم] (٢) سأله مسألة إلاّ كانت له من الله مائة ، ولا عمل أحد منكم حسنة إلاّ لم يحص تضاعفها (٣) .

والله إنّ صائمكم ليرتع في رياض الجنّة ، والله إنّ حاجّكم ومعتمركم لمن خاصّة الله ، وأنتم جميعاً لأهل دعوة الله وأهل إجابته ، ولا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون ، كلّكم في الجنّة فتنافسوا في الدرجات ، فو الله ما أقرب إلى عرش الله من

____________

(١) الغاشية : ٢ ـ ٥ .

(٢) أثبتناه من ( ج ) .

(٣) في ( ج ) : إلاّ له أحسن منها .


شيعتنا ، حبّذا شيعتنا ما أحسن صنيع الله إليهم .

والله لقد قال أمير المؤمنينعليه‌السلام :تخرج شيعتنا من قبورهم مشرقة وجوههم ، قريرة أعينهم ، قد أُعطوا الأمان ، تخاف الناس ولا يخافون ، وتحزن الناس ولا يحزنون ، والله ما سعى أحدكم إلى الصلاة إلاّ وقد اكتنفته الملائكة من خلفه يدعون الله له بالفوز حتّى يفرغ من صلاته ، ألا إنّ لكل شيء جوهراً وجوهر ولد آدم محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ونحن وأنتم (١) .

وأوحى الله إلى موسىعليه‌السلام :ما تقرّب إليّ المتقرّبون بمثل الورع عن محارمي (٢) .

____________

(١) مجموعة ورام ٢ : ٩٠ ، أمالي الطوسي : ٧٢٢ ح٦ مجلس ٤٣ ، عنه البحار ٦٨ : ١٤٦ ح ٩٥ .

(٢) الكافي ٢ : ٨٠ ح٣ ، عنه البحار ٧١ : ٢٠٤ ح٨ .


الباب الثامن والعشرون : في الصمت

قال الرضاعليه‌السلام :من علامات الفقه الحلم والحياء والصمت ، إنّ الصمت باب من أبواب الحكمة ، وإنّه ليكسب المحبّة ويوجب السلامة ، وراحة لكرام الكاتبين ، وإنّه لدليل على كل خير (١) .

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام :لا يزال الرجل المسلم سالماً ما دام ساكتاً ، فإذا تكلّم كتب محسناً أو مسيئاً (٢) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لرجل :ألا أدلّك على أمر يدخلك الله به الجنّة ؟ قال : بلى يا رسول الله ، قال :أنل ممّا أنالك الله ، قال : فإن لم يكن لي ، قال :فانصر المظلوم ، قال : فإن لم أقدر ، قال :قل خيراً تغنم ، واسكت (٣) تسلم (٤) .

وقال رجل للرضاعليه‌السلام : أوصني ، فقال :احفظ لسانك تعز ، ولا تمكّن

____________

(١) قرب الإسناد : ٣٦٩ ح ١٣٢١ ، عنه البحار ٧١ : ٢٧٦ ح٨ ، ونحوه في تحف العقول : ٣٣٢ .

(٢) الاعتقادات للصدوق : ٤٦ ، باب الاعتقاد فيما يكتب على العبد ، عنه البحار ٥ : ٣٢٧ ح٢٢ .

(٣) في ( ج ) : أو اسكت .

(٤) الكافي ٢ : ١١٣ ح ٥ ، عنه البحار ٧١ : ٢٩٦ ح ٦٩ باختلاف .


الشيطان من قيادك فتذلّ (١) .

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام في وصيّته لابنه محمد بن الحنفية :واعلم يا بني أنّ اللسان كلب عقور إن أرسلته عقرك ، وربّ كلمة سلبت نعمة وجلبت نقمة ، فاخزن لسانك كما تخزن ذهبك وورقك (٢) ، ومَن سيّب عذار لسانه ساقه إلى كل كريهة .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :هل يكبّ الناس على مناخرهم في النار إلاّ حصائد ألسنتهم ، ومَن أراد السلامة في الدنيا والآخرة قيّد لسانه بلجام الشرع فلا يطلقه إلاّ فيما ينفعه (٣) في الدنيا والآخرة .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :مَن صمت نجا (٤) .

وقال عقبة بن عامر : قلت : يا رسول الله فيما النجاة ؟ قال :أملك عليك لسانك ، وليسعك بيتك ، وابك على خطيئتك (٥) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :مَن وقى شر قبقبه ولقلقه وذبذبه فقد وقى الشر كلّه والقبقب البطن ، واللقلق اللسان ، والذبذب الفرج (٦) .

وقال :لا يستقيم إيمان عبد حتّى يستقيم قلبه ، ولا يستقيم قلبه حتّى يستقيم لسانه ؛ لأنّ لسان المؤمن وراء قلبه إذا أراد أن يتكلّم يتدبّر (٧) الكلام ، فإن كان خيراً أبداه وإن كان شرّاً واراه ، والمنافق قلبه وراء لسانه ، يتكلّم بما أتى على لسانه ولا يبالي ما عليه ممّا له ، وإنّ أكثر خطايا ابن آدم من لسانه (٨) .

____________

(١) الكافي ٢ : ١١٣ ح ٤ ، عنه البحار ٧١ : ٢٩٦ ح ٦٨ ، وفيه : لا تمكن الناس .

(٢) إلى هنا في البحار٧١ : ٢٨٧ ح ٤٣ ، عن الاختصاص .

(٣) في ( ب ) : يعينه وينفعه .

(٤) مجموعة ورام ١ : ١٠٤ ، روضة الواعظين : ٤٦٩ .

(٥) مجموعة ورام ١ : ١٠٤ .

(٦) مجموعة ورام ١ : ١٠٥ .

(٧) في ( ب ) : تدبر .

(٨) نهج البلاغة : الخطبة ١٧٦ ، عنه البحار ٧١ : ٢٩٢ ح٦٢ باختلاف قليل .


وقالعليه‌السلام :من كفّ لسانه ستر الله عوراته (١) ، ومَن ملك غضبه وقاه الله عذابه ، ومَن اعتذر إلى الله قبل عذره .

وقال أعرابي : يا رسول الله دلّني على عمل أنجو به ، فقال :أطعم الجائع ، وارو العطشان ، وأمر بالمعروف وإنّه عن المنكر ، فإن لم تطق فكفّ لسانك فإنّك بذلك تغلب الشيطان (٢) .

وقال :إنّ الله عند لسان كل قائل ، فليتق الله امرء وليعلم ما يقول (٣) .

وقال :إذا رأيتم المؤمن صموتاً وقوراً فادنوا منه فإنّه يلقي الحكمة (٤) .

وقال عيسى بن مريمعليه‌السلام :العبادة عشرة أجزاء ، تسعة منها في الصمت وجزء واحد في الفرار من الناس (٥) .

وفي حكمة آل داود : على العاقل أن يكون عارفاً بزمانه ، حافظاً للسانه ، مقبلاً على شأنه(٦) ، مستوحشاً من أوثق إخوانه ، ومَن أكثر ذكر الموت رضي باليسير ، وهان عليه من الأمور الكثير ، ومن عدّ كلامه من عمله قلّ كلامه إلاّ من خير .

واعلم أنّ أحسن الأحوال أن تحفظ لسانك من الغيبة والنميمة ولغو القول ، وتشغل لسانك بذكر الله تعالى أو في تعلّم علم(٧) فإنّه من ذكر الله ، فإنّ العمر متجر عظيم كلّ نَفَس منه جوهرة ، فإذا ترك الذكر وشغل لسانه باللغو كان كمن رأى درّة فأراد أن يأخذها فأخذ عوضها مدرة ؛ لأنّ الإنسان إذا عاين ملك الموت لقبض(٨)

____________

(١) في ( ب ) : عورته .

(٢) مجموعة ورام ١ : ١٠٥ .

(٣) مجموعة ورام ١ : ١٠٥ .

(٤) مجموعة ورام ١ : ١٠٦ .

(٥) مجموعة ورام ١ : ١٠٦ .

(٦) إلى هنا في الكافي ٢ : ١١٦ ح٢٠ ، مجموعة ورام ١ : ١٠٦ .

(٧) في ( ب ) : او في علم تعلّمه .

(٨) في ( ب ) : ليقبض .


روحه فلو طلب منه المفاداة(١) على أن يتركه ساعة أو نفساً واحداً يقول فيه : ( لا إله إلاّ الله ) بملك الدنيا لم يقبل منه .

وكم يضيّع الإنسان من ساعة في لا شيء ، بل ساعات وأيام ، فهذا هو الغبن العظيم ، وإنّ المؤمن هو الذي يكون نطقه ذكراً ، وصمته فكراً ، ونظره اعتباراً .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأبي ذر :ألا أُعلّمك عملاً ثقيلاً في الميزان خفيفاً على اللسان ؟ قال : بلى يا رسول الله ، قال :الصمت ، وحسن الخلق ، وترك ما لا يعنيك (٢) .

وروي أنّ لقمان رأى داود يعمل الزرد ، فأراد أن يسأله ثم سكت ، فلمّا لبسها داودعليه‌السلام عرف لقمان حالها بغير سؤال(٣) .

وقال : مَن كثر كلامه كثر سقطه ، ومَن كثر سقطه كثر لغوه ، ومَن كثر لغوه كثر كذبه ، ومَن كثر كذبه كثرت ذنوبه ، ومَن كثرت ذنوبه فالنار أولى به ، ولقد حجب الله اللسان بأربع مصاريع لكثرة ضرره ، الشفتان مصرعان ، والأسنان مصرعان .

وقال بعض العلماء : إنّما خلق للإنسان لسان واحد وأُذنان وعينان ، ليسمع ويبصر أكثر مما يقول وروي أنّ الصمت مثراة(٤) الحكمة .

____________

(١) في ( ج ) : التأخير .

(٢) مجموعة ورام ١ : ١٠٧ .

(٣) مجموعة ورام ١ : ١٠٨ .

(٤) في ( ج ) : مرآة .


الباب التاسع والعشرون : في الخوف من الله تعالى

روي أنّ إبراهيمعليه‌السلام [كان](١) يسمع منه في صلاته أزير كأزير المرجل من خوف الله تعالى في صدره ، وكان سيّدنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كذلك(٢) وكان أمير المؤمنينعليه‌السلام إذا قال :( وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ) يتغيّر وجهه ، ويصفرّ لونه ، فيعرف ذلك في وجهه من خيفة الله تعالى .

وأعتق ألف عبد من كدّ يمينه ، وكان يغرس النخل ويبيعها ويشتري بثمنها العبيد ويعتقهم ، ويعطيهم مع ذلك ما يغنيهم عن الناس ، وأخبره بعض عبيده أنّه قد نبع في بستانه عين ، ينبع الماء منها مثل عنق البعير ، فقال :بشر الوارث ، بشر الوارث ، ثم أحضر شهوداً فأشهدهم أنّه أوقفها في سبيل الله حتّى يرث الله الأرض ومَن عليها ، وقال :إنّما فعلت ذلك ليصرف الله عن وجهي النار .

____________

(١) أثبتناه من ( ج ) .

(٢) عنه مستدرك الوسائل ١١ : ٢٣٢ ح ١٢٨٣٤ .


وأعطى معاوية للحسنعليه‌السلام فيها مائتي ألف دينار ، فقال :ما كنت أبيع شيئاً أوقفه أبي في سبيل الله ، وما عرض له أمران إلاّ عمل بأشدّهما طاعة ، وكان إذا سجد سجدة الشكر غشي عليه من خيفة (١) الله تعالى .

وكانت فاطمةعليها‌السلام تنهج في صلاتها من خوف الله تعالى ، وكان علي بن الحسينعليه‌السلام يتغيّر وجهه في صلاته من خوف الله تعالى .

وقال لقمان لابنه : يا بني خف الله خوفاً لو أتيته بعمل الثقلين خفت أن يعذّبك ، وارجه رجاء لو أتيته بذنوب الثقلين رجوت أن يغفر لك(٢) .

وقال علي بن الحسينعليهما‌السلام :يا ابن آدم انّك لا تزال بخير ما دام (٣) لك واعظاً من نفسك ، وما كان الخوف شعارك ، والحزن دثارك ، يا ابن آدم انّك ميّت ومحاسب فاعد الجواب .

وأوحى الله إلى موسى بن عمرانعليه‌السلام :خفني في سر أمرك (٤) احفظك في عوراتك ، واذكرني في سرائرك وخلواتك وعند سرور لذّاتك أذكرك عند غفلاتك ، واملك غضبك عمّن ملّكتك أمره أكفّ غضبي عنك ، واكتم مكنون سرّي ، وأظهر في علانيتك المداراة عنّي لعدوّك وعدوّي (٥) .

وقال الصادقعليه‌السلام :ما الدنيا عندي إلاّ بمنزلة الميتة ، إذا اضطررت إليها أكلت منها ، يا حفص إنّ الله تعالى علم ما العباد عاملون ، وإلى ما هم صائرون ، فحلم عنهم عند أعمالهم السيّئة بعلمه السابق فيهم ، وإنّما يعجّل مَن يخاف الفوت ، فلا يغرّنّك من الله تأخير العقوبة ، ثمّ تلا قوله تعالى :( تلك الدار الآخرة نجعلها

____________

(١) في ( ج ) : خشية .

(٢) البحار ٧٠ : ٣٨٤ ح ٤٠ ، عن أمالي الصدوق .

(٣) في ( ج ) : كان .

(٤) في ( ب ) و ( ج ) : سرائرك .

(٥) أمالي الصدوق : ٢١٠ ح ٦ مجلس :٤٤ ، عنه البحار ١٣ : ٣٢٨ ح٦ .


للذين لا يريدون علوّاً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين ) (١) وجعل يبكي ويقول :ذهبت الأماني عند هذه الآية .

ثم قال : فاز والله الأبرار وخسر الأشرار ، أتدري من الأبرار ؟! هم الذين خافوه واتقوه وتقرّبوا إليه بالأعمال الصالحة ، وخشوه في سرائرهم وعلانيتهم ، كفى بخشية الله علماً وكفى بالإغترار به جهلاً .

يا حفص إنّ الله يغفر للجاهلين سبعين ذنباً قبل أن يغفر للعالم ذنباً واحداً ، يا حفص من تعلّم وعمل كتب في الملكوت عظيماً ، إنّ أعلم الناس بالله أخوفهم منه ، وأخشاهم له ، وأزهدهم في الدنيا ، فقال له رجل : يا ابن رسول الله أوصني ، فقال : اتق الله حيث كنت فانّك لا تستوحش(٢) .

وقال الصادقعليه‌السلام : بينما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذات يوم قاعداً إذ نزل عليه جبرئيلعليه‌السلام كئيباً حزيناً ، فقال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا أخي جبرئيل ما لي أراك كئيباً حزيناً ؟

فقال : كيف لا أكون كذلك وقد وضعت منافيخ جهنّم اليوم ، قال : وما منافيخ جهنّم ؟ فقال : إنّ الله أمر بالنار فأوقد عليها ألف عام حتّى احمرّت ، ثم أوقد عليها ألف عام حتّى ابيضّت ، ثم أوقد عليها ألف عام حتّى اسودّت ، فهي سوداء مظلمة ، ظلمات بعضها فوق بعض فلو أنّ حلقة من السلسلة التي طولها سبعون ذراعاً وضعت على الجبال لذابت من حرّها ، ولو أنّ قطرة من الزقوم والضريع قطرت في شراب أهل الدنيا لمات أهلها من نتنها ، فبكى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبكى جبرئيل ، فأوحى الله إليهما : قد أمنتكما من أن تذنبا ذنباً تستحقان به النار ، ولكن هكذا كونا(٣) .

____________

(١) القصص : ٨٣ .

(٢) تفسير القمّي ٢ : ١٤٦ ، عنه البحار ٧٨ : ١٩٣ ح٧ .

(٣) عنه معالم الزلفى : ٣٣٧ ، وانظر روضة الواعظين : ٥٠٦ و٥٠٨ ، وفي البحار ٨ : ٢٨٠ ح ١ ، عن تفسير القمّي .


وما جاء من الخوف والخشية في القرآن فكثير ، مثل قوله تعالى :( وخافون إن كنتم مؤمنين ) (١) .

وقال :( وإيّاي فارهبون ) (٢) .

وقال في مدح قوم :( يخافون ربّهم من فوقهم ) (٣) .

وقال :( ولمَن خاف مقام ربّه جنتان ) (٤) .

وقال :( وأمّا مَن خاف مقام ربّه ونهى النفس عن الهوى * فإنّ الجنّة هي المأوى ) (٥) .

وقال :( إنّما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ ) (٦) .

فالخشية ثمرة العلم ولا علم لمَن لا خشية له ، والخوف(٧) سراج النفس به يُهدى من ظلمتها ، وليس الخوف من يبكي ويمسح الدموع إنّما ذلك خوف كاذب ، وإنّما الخائف الذي يترك الذنب(٨) الذي يُعذّب عليه .

ولو خاف الرجل النار كما يخاف الفقر لأمن منها ، وإنّ المؤمن لا يطمئنّ قلبه ، ولا تسكن روعته حتّى يترك جسر جهنّم وراءه ويستقبل باب الجنّة ، ولا يسكن الخوف اليوم إلاّ قلب مَن يأمن غداً ، وكذلك قال الله تعالى :( وعزّتي وجلالي لا أجمع لعبدي بين خوفين وأمنين ، إذا خافني في الدنيا أمنته في الآخرة ، وإذا أمنني في الدنيا أخفته في الآخرة ) (٩) .

____________

(١) آل عمران : ١٧٥ .

(٢) البقرة : ٤٠ .

(٣) النحل : ٥٠ .

(٤) الرحمن : ٤٦ .

(٥) النازعات : ٤٠ـ٤١ .

(٦) فاطر : ٢٨ .

(٧) في ( ج ) : الخشية .

(٨) في ( ج ) : الأمر .

(٩) الخصال : ٧٩ ح ١٢٧ باب ٢ ، عنه البحار ٧٠ : ٣٧٩ ح ٢٨ .


والخوف توقّع العقوبة في كل ساعة ، وما فارق الخوف إلاّ قلباً خراباً ، ودوام المراقبة لله تعالى في السر والعلانية يهيّج الخوف في القلب ، ومن علاماته قصر الأمل وشدّة العمل والورع .

وقال رجل لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : قول الله تعالى :( وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ) (١) ، يعني بذلك الرجل الذي يزني ويسرق ويشرب الخمر وهو خائف ؟ قال :لا ولكن الرجل الذي يصلّي ويصوم ويتصدّق وهو مع ذلك يخاف ألاّ يقبل منه .

ومتى سكن الخوف في القلب أحرق منه موضع الشهوات ، وطرد عنه رغبة الدنيا ، وأظهر آثار الحزن على الوجه .

____________

(١) المؤمنون : ٦٠ .


الباب الثلاثون : في الرجاء لله تعالى

عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال :إذا أراد أحدكم أن لا يسأل الله شيئاً إلاّ أعطاه فليقطع رجاءه من الناس وليصله به ، فإذا علم ذلك منه لم يسأله شيئاً إلاّ أعطاه (١) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :قال جبرئيل : قال الله تعالى : عبدي إذا عرفتني وعبدتني ورجوتني ولم تشرك بي شيئاً غفرت لك على ما كان منك ، ولو استقبلتني بملئ الأرض خطايا وذنوباً استقبلتك بملئها مغفرة وعفواً ، وأغفر لك ولا أُبالي .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :يقول الله عزّ وجل : أخرجوا من النار مَن كان في قلبه مقدار حبّة ايماناً ، ثم يقول : وعزّتي وجلالي لا أجعل مَن آمن بي ساعة من ليل أو نهار مع مَن لم يؤمن بي .

وحقيقة الرجاء انبساط الأمل في رحمة الله تعالى وحسن الظنّ به ، واعلم أنّ

____________

(١) أمالي المفيد : ٢٠٣ مجلس : ٣٩ ، عنه البحار ٩٣ : ٣٥٥ ح٤ باختلاف قليل .


علامة الراجي حسن الطاعة ؛ لأنّ الرجاء ثلاث مراتب : رجل عمل الحسنة فيرجو قبولها ، ورجل عمل السيّئة فيرجو غفرانها ، ورجل كذّاب مغرور يعمل المعاصي ويتمنّى المغفرة مع الإصرار والتهاون بالذنوب .

وقال رجل للصادقعليه‌السلام : إنّ قوماً من شيعتكم يعملون بالمعاصي ويقولون نرجو ، فقال :كذبوا ليسوا من شيعتنا ، كل مَن رجا شيئاً عمل له ، فو الله ما شيعتنا منكم إلاّ مَن اتقى الله (١) .

وقال :إنّ قوماً استقبلوا عليّاً عليه‌السلام فسلّموا عليه وقالوا : نحن شيعتكم يا أمير المؤمنين ، قال : فما لي لا أرى عليكم سيماء الشيعة ؟! قالوا : وما سيماء الشيعة يا أمير المؤمنين ؟ فقال : صفر الوجوه من السهر ، عمش العيون من البكاء ، خمص البطون من الطوى ، ذبل الشفاه من الدعاء ، حدب الظهور من القيام ، عليهم غبرة الخاشعين (٢) .

وقال رجل : يا ابن رسول الله إنّي ألمّ بالمعاصي وأرجو العفو مع ذلك ، فقال له :يا هذا اتق الله ، واعمل بطاعته ، وارج مع ذلك القبول ، فإنّ أحسن الناس بالله ظنّاً وأعظمهم رجاءً أعملهم بطاعته .

ولقد كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأمير المؤمنينعليه‌السلام أحسن الناس بالله ظنّاً ، وأبسطهم له وجهاً ، وكانا أعظم الناس منه خوفاً ، وأشدّهم له هيبة ومنه رهبة صلّى الله عليهما ، وكذلك سائر الأنبياءعليهم‌السلام ، لم يكن في زمان كل واحد منهم أحد أحسن منه رجاءً ، ولا أشد منه خوفاً .

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام لأصحابه :إن استطعتم أن يشتد من الله خوفكم ويحسن ظنّكم به فأجمعوا بينهما ، فإنّما يكون حسن ظنّ العبد بربّه على قدر

____________

(١) الكافي ٢ : ٦٨ ح ٦ ، عنه البحار ٧٠ : ٣٥٧ ح ٤ .

(٢) أمالي الطوسي : ٢١٦ ح ٢٧ مجلس : ٨ ، عنه البحار ٧٧ : ٤٠٤ ح ٣٠ .


خوفه منه ، وإنّ أحسن الناس بالله ظنّاً أشدّهم منه خوفاً ، فدعوا الأماني منكم ، وجدّوا واجتهدوا وأدّوا إلى الله حقّه وإلى خلقه ، فما مع أحد براءة من النار ، وليس لأحد على الله حجّة ، ولا بين أحد وبين الله قرابة (١) .

فما ضرب الله تعالى مثل آدم في أنّه عصى بأكل حبة إلاّ عبرة لكم وتذكرة ، ولقد كان أمير المؤمنينعليه‌السلام يقول في تسبيحه :( سبحان مَن جعل خطيئة آدم عبرة لأولاده ) ، أراد بها أنّ أباكم آدم الذي هو أصلكم قد اصطفاه وجعله أبا الأنبياء سمّاه عاصياً ، وأهبطه من الجنّة إلى الأرض ، وطفق هو وأُمّكم حوّاء يخصفان عليهما من ورق الجنّة لأجل أكل حبّة واحدة ، فكيف بكم وأنتم تأكلون البيادر كلها ؟! هذا هو الطمع العظيم في جنب الله تعالى .

وينبغي أن يكون الرجاء والخوف كجناحي طائر في قلب المؤمن ، إذا استويا حصل الطيران ، وإذا حصل أحدهما دون الآخر فقد انكسر أحد الجناحين ، وحصل النقص في القلب وفي العمل .

وينبغي للعبد أن يبسط رجاءه في الله تعالى ، ويحدث في نفسه أنّه يعاين من عفوه ورحمته وكرمه عند لقائه ما لم يكن في حسابه ، ولا شك أنّ العاقل يرى نفسه مقصّراً وليس له وثوق بقبول عمله ، فلا يعتمد إلاّ على حسن الظنّ بالله والرجاء لعفوه وحلمه وكرمه ، والرغبة إليه والتضرّع بين يديه والابتهال ، كما قالعليه‌السلام :

( إلهي ذنوبي تخوّفني منك ، وجودك يبشّرني عنك ، فأخرجني بالخوف من الخطايا ، وأوصلني بجودك إلى العطايا حتّى أكون غداً في القيامة عتيق كرمك ، كما كنت في الدنيا ربيب نعمتك ، وليس ما تبذله غداً من النجاة بأعظم ممّا قد منحته من الرجاء ، ومتى خاب مَن في فنائك آمل ، أم متى انصرف بالردّ عنك سائل ؟! إلهي ما

____________

(١) عنه مستدرك الوسائل ١١ : ٢٥٠ ح ١٢٩٠٣ .


دعاك من لم تجبه ، لأنّك قلت : ( ادعوني استجب لكم ) وأنت لا تخلف الميعاد ، فصلّ على محمد وآل محمد ، واستجب دعائي ، ولا تقطع رجائي يا أرحم الراحمين ) (١) .

وروي أنّ سبب نزول قوله تعالى :( نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) (٢) ، أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مرّ بقوم يضحكون ، فقال :أتضحكون ؟! فلو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم طويلاً ، فنزل جبرئيلعليه‌السلام وقال :يا محمد ربك يقرئك السلام ويقول لك : ( نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) .

قالت أُمّ سلمة : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول :إنّ الله تعالى ليعجب من أياس العبد من رحمته ، وقنوطه من عفوه مع عظم سعة رحمته .

وروي أنّ علي بن الحسينعليه‌السلام مرّ بالزهري وهو يضحك وقد خولط ، فقال :ما باله ؟ فقالوا : هذا لحقه من قتل النفس ، فقال :والله لقنوطه من رحمة الله أشد عليه من قتله .

وينبغي أن يعتمد العبد على حسن الظنّ بالله تعالى فإنّه وسيلة عظيمة ، فإنّ الله تعالى يقول : أنا عند حسن ظنّ عبدي المؤمن ورأى بعضهم في المنام صاحباً له على أحسن الحال ، فقال : بأيّ شيء نلت هذا ؟ فقال : بحسن ظنّي بربّي ، وما ينال أحد خير الدنيا والآخرة إلا بحسن الظنّ بالله تعالى .

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام :الثقة بالله وحسن الظنّ به حصن لا يتحصّن به إلاّ كل مؤمن ، والتوكّل عليه نجاة من كل سوء ، وحرز من كل عدوّ (٣) .

وقال الصادقعليه‌السلام :والله ما أُعطي المؤمن خير الدنيا والآخرة إلاّ بحسن ظنّه بالله ورجائه له ، وحسن خلقه ، والكف عن أعراض الناس ، فإنّ الله تعالى لا يُعذّب عبداً بعد التوبة والاستغفار إلاّ بسوء ظنّه وتقصيره في رجائه ،

____________

(١) راجع البحار ٩٤ : ١١٢ ح ١٦ .

(٢) الحجر : ٤٩ .

(٣) عنه مستدرك الوسائل ١١ : ٢٥٠ ح ١٢٩٠٢ ، وأورده الديلمي في أعلام الدين : ٤٥٥ .


وسوء خلقه واغتيابه للمؤمنين .

وليس يحسن ظنُّ عبد بربّه إلاّ كان عند ظنّه به(١) ؛ لأنّ الله تعالى كريم يستحي أن يخلف ظنَّ عبدِه بِه ورجاءه له ، فأحسنوا الظنّ بالله وارغبوا فيما عند الله ، فإنّه سبحانه يقول للظانّين بالله ظنّ السوء :( عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعدّ لهم جهنّم وساءت مصيراً ) (٢) (٣) .

ورأى بعضهم صاحباً له في المنام فقال له : ما فُعل بك ؟ قال : غفر لي ومحى ذنوبي كلها بحسن ظنّي به .

وروي أنّ الله سبحانه يقول :أنا عند حسن ظنّ عبدي المؤمن بي ، فلا يظنّ بي إلاّ خيراً (٤) .

وكان بعضهم كثيراً يسأل العصمة ، فرأى في منامه : كلّكم يسألني العصمة ، فإذا عصمتكم جميعاً من الذنوب لمن تشمل وتعمّ رحمتي ؟! .

وأوحى الله إلى داودعليه‌السلام :قل لعبادي : لم أخلقكم لأربح عليكم ، ولكن لتربحوا عليّ صدق الله العظيم ، ودليل ذلك أنّه جعل الحسنة بعشر ، وزاد لمن يشاء بسبعمائة ضعف لقوله :( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبّة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبّة ) (٥) .

وجعل السيئة سيئة واحدة ، والاهتمام بالحسنة حسنة وإن لم يفعلها ، ولا شيء في الاهتمام بالسيئة إن لم يفعلها ، وجعل التوبة من الذنب حسنة ، وإنّه تعالى يحب التوابين ، فدلّ ذلك على أنّه خلقنا ليربّحنا عليه في معاملته .

____________

(١) في ( ج ) : عند ظن عبده .

(٢) الفتح : ٦ .

(٣) راجع عدّة الداعي : ١٤٧ ، عنه البحار ٧٠ : ٣٩٩ ح ٧٢ .

(٤) راجع البحار ٩٣ : ٣٠٥ ح ١ .

(٥) البقرة : ٢٦١ .


وروي عن الحسن العسكريعليه‌السلام أنّ أبا دلف تصدّق بنخلة تمر ، ثم أعطاه الله بكل تمرة منها قرية ، وكان فيها ثلاثة آلاف تمرة وستّون تمرة ، فأعطاه الله تعالى بها ثلاثة آلاف قرية وستون قرية .

وروي أنّ امرأة في زمان داودعليه‌السلام خرجت من دارها ومعها ثلاثة أرغفة وثلاثة أرطال شعيراً ، فسألها فقير فأعطته الثلاثة الأرغفة وقالت : أطحن الشعير وآكل منه ، وهو في شيء على رأسها ، فهبّت ريح عاصفة فأخذتها من رأسها ، فوحشت لذلك وضاق صدرها .

فأتت داودعليه‌السلام وشكت إليه ، فقال لها : امضي إلى ابني سليمان فاحكي له ذلك ، فمضت إليه فأعطاها ألف درهم ، فرجعت إلى داود فأخبرته ، فقال لها : ردّيها عليه وقولي له : ما أُريد إلاّ أن تخبرني لم أخذت الريح شعيري ؟ .

فقال لها سليمان : يا امرأة قد أعطيناك ألف درهم ، فقالت : ما آخذها ، فأعطاها ألف أُخرى ، فرجعت إلى داودعليه‌السلام فأخبرته ، فقال لها : رديها عليه وقولي : لم آخذ شيئاً بل اسأل الله يحضر لك الملك الموكل بالريح لم أخذ شعيري ، أعن إذن الله تعالى أم لا ؟ .

فسأل الله تعالى فأحضره وسأله عن شعيرها ، فقال : بإذن الله تعالى أخذناه ، فإنّ تاجراً كان معه مراكب كثيرة وقد نفذ زاده ، ونذر أنّه إن أكل من زاد أحد كان له ثلث أموال المراكب ، وقد أعطيناه الشعير فأكله ووجب عليه الوفاء بالنذر ، فأحضره سليمان وسأله فأقرّ بذلك وسأله إحضار صاحبة الشعير ، فقال التاجر للمرأة : قد حصل لك من ثلث المراكب بحقّك ثلاثمائة ألف دينار وستون ألف دينار ، وأقبضها المال .

فقال داودعليه‌السلام : يا بني مَن أراد المعاملة الرابحة فليعامل هذا الرب الكريم .


ومن هاهنا جاء الحديث :إذا أملقتم فتاجروا الله بالصدقة ، [فسبحانه](١) ما أربح معاملته ، وما أنجح مرابحته .

____________

(١) أثبتناه من ( ب ) .


الباب الحادي والثلاثون : في الحياء من الله تعالى

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :الحياء من الإيمان (١) .

وقال يوماً لأصحابه :استحيوا من الله حق الحياء ، قالوا : ما نصنع يا رسول الله ؟ قال :إن كنتم فاعلين فليحفظ أحدكم الرأس وما وعى ، والبطن وما حوى ، وليذكر الموت وطول البلى ، ومَن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا (٢) ، فمَن فعل ذلك فقد استحى من الله حق الحياء (٣) .

وروي أنّ جبرئيلعليه‌السلام نزل إلى آدم بالحياء والعقل والإيمان ، فقال : ربّك [يقرئك السلام و](٤) يقول لك :تخيّر من هذه الأخلاق واحداً ، فاختار العقل ، فقال جبرئيل للإيمان والحياء : ارحلا ، فقالا : أُمرنا أن لا نفارق العقل (٥) .

____________

(١) راجع البحار ٧١ : ٣٣٦ ح ١٩ .

(٢) في ( ب ) و ( ج ) : الحياة الدنيا .

(٣) روضة الواعظين : ٤٦٠ .

(٤) أثبتناه من ( ب ) .

(٥) راجع الكافي ١ : ١٠ ح٢ نحوه .


وقالعليه‌السلام :الحياء من الإيمان ، فمَن لا حياء له لا خير فيه ولا إيمان له .

وروي أن الله تعالى يقول :عبدي إنّك إذا استحيت منّي أنسيت الناس عيوبك ، وبقاع الأرض ذنوبك ، ومحوت من الكتاب زلاّتك ، ولا أناقشك الحساب يوم القيامة .

وروي أنّ الله تعالى يقول :عبدي إنّك إذا استحيت منّي وخفتني غفرت لك .

وروي أنّ رجلاً رأى رجلاً يصلّي على باب المسجد فقال : لم لا تصلّي فيه ؟ فقال : استحي منه أن أدخل بيته وقد عصيته .

ومن علامات المستحي أن لا يُرى في أمر استحى منه ، وأوحى الله إلى عيسىعليه‌السلام :فإن اتعظت وإلاّ فاستحي منّي أن تعظ الناس .

وعلامات السفهاء خمس :قلّة الحياء ، وجمود العين ، والرغبة في الدنيا ، وطول الأمل ، وقسوة القلب .

وقال الله تعالى في بعض كتبه :ما أنصفني عبدي ، يدعوني فاستحي منه أن أردّه ، ويعصيني ولا يستحي منّي .

ونهاية الحياء ذوبان القلب للعلم بأنّ الله مطّلع عليه ، وطول المراقبة لمَن لا يغيب عن نظره سرّاً وعلانية ، وإذا كان العبد حال عصيانه يعتقد أنّ الله تعالى يراه فإنّه قليل الحياء ، جاهل بقدرة الله ، وإن كان يعتقد أنّه لا يراه فإنّه كافر .


الباب الثاني والثلاثون : في الحزن وفضله

قال الله تعالى :( وابيضّت عيناه من الحزن فهو كظيم ) (١) ، وما كان حزنه إلاّ عبادة الله تعالى لا جزعاً .

وروي أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان دائم الفكر ، متواصل الحزن ، وإنّ الحزن من أوصاف الصالحين ، وإنّ الله يحب كل قلب حزين ، وإذا أحب الله قلباً نصب فيه نائحة من الحزن ، ولا يسكن الحزن إلاّ قلباً سليماً ، وقلب ليس فيه الحزن خراب ، ولو أنّ محزوناً كان في أُمة لرحم الله تلك الأمّة .

قال مصنّف الكتاب : ليس العجب من أن يكون الإنسان حزيناً ، بل العجب كيف يخلو من الحزن ساعة واحدة ، وكيف لا يكون كذلك وهو يصبح ويمسي على جناح سفر بعيد ، أوّل منازله الموت ، ومورده القبر ، مصدره القيامة ، وموقفه بين يدي الله تعالى .

أعظاؤه شهوده ، وجوارحه جنوده ، وضمائره عيونه ، وخلواته عيانه ، يمسي

____________

(١) يوسف : ٨٤ .


ويصبح بين نعمة يخاف زوالها ، ومنية(١) يخاف حلولها ، وبليّة لا يأمن نزولها ، مكتوم الأجل ، مكنون العلل ، محفوظ العمل ، صريع بطنته ، وعبد شهوته ، وعريف زوجته ، ومتعب في كل أحواله حتّى في أوقات لذّته .

بين أعداء كثيرة : نفسه ، والشيطان ، والعمل(٢) ، والعائلة يطلبونه بالقوت ، وحاسد يحسده ، وجار يؤذيه ، وأهل يقطعونه ، وقرين سوء يريد حتفه ، والموت موجه إليه ، والعلل متقاطرة عليه .

ولقد جمع هذا كله مولانا أمير المؤمنينعليه‌السلام بقوله : عين الدهر تطرف بالمكاره والناس بين أجفانه ، والله لقد أفضح الدنيا نعيمها ولذّتها الموت ، وما ترك لعاقل فيها فرحاً ، ولا خلّى القيام بالحق للمؤمن في الدنيا صديقاً ولا أهلاً .

ولا يكاد مَن يريد رضى الله تعالى وموالاته يسلم إلاّ بفراق الناس ، ولزوم الوحدة والتفرّد منهم والبعد عنهم ، كما قال تعالى :( فَفِرُّوا إِلَى اللهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ) (٣) ، أراد سبحانه بالفرار إليه اللجأ من الذنوب ، والانقطاع عن الخلق ، والاعتماد عليه في كل الأحوال ، وما يكاد يعرف الناس مَن يقاربهم ، والوحشة منهم تدل على المعرفة بهم .

وأوصى حكيم حكيماً فقال له : لا تتعرّف إلى مَن لا تعرف ، فقال له : يا أخي أنا أزيدك في ذلك : وأنكر مَن تعرف لأنّه لا يؤذي الشخص مَن لا يعرفه .

والمعرفة بين الرجلين خطر عظيم لوجوه ، منها قيام الحق بينهما ، وحفظ كل واحد منهما جانب صاحبه في مواساته(٤) ومؤازرته وعيادته في مرضه ، وحفظه في

____________

(١) في ( ج ) : ميتة .

(٢) في ( ج ) : الأمل .

(٣) الذاريات : ٥٠ .

(٤) في ( ب ) : مساواته .


غيبته برد غيبته ، ويحفظه(١) في أهله بأحسن حفظه وخلفه ونصيحته له بعظة(٢) وأن يريد له في كل أحواله كما يريد لنفسه .

وهذا ثقيل جسيم لا يكاد يقوم به إلاّ مَن أيّده الله بعصمته ، والله لو لا الغفلة والجهل ما التذّ عاقل بعيش ، ولا مهد فراشاً ، ولا توق طعاماً ، ولا طوى له ثوباً ، وكان لا يزال مستوفراً قلقاً مقلقاً متململاً كالأسير في يد مَن يذبحه ، وكذلك نحن مع ملك الموت في الدنيا كذئب الغنم ، وملك الموت قصّابها .

من المصنّف :

لا تنسوا الموت في غمٍّ ولا فرحٍ

فالأرض ذئب وعزرائيل قصّابُ

ومن عجب الدنيا أن يحثو المرء التراب على مَن يحب ، ويعلم أنّه عن قليل يُحثى عليه التراب كما حثاه على غيره وينسى ذلك ، وأعجب من ذلك انّه يضحك والله تعالى يقول :( أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ ) (٣) .

وروي أنّه كان في الكنز الذي حفظه الله تعالى للغلامين : عجب(٤) لمن أيقن بالموت كيف يفرح ويضحك ، وعجب(٥) لمن أيقن بالحساب كيف يذنب ، وعجب لمن أيقن بالقدر كيف يحزن ، وعجب لمن عرف الدنيا وتقلّبها بأهلها كيف يطمئنّ إليها ؟! وأعقل الناس وأفضلهم المحسن الخائف ، وأحمقهم وأجهلهم مسيء آمِن(٦) .

وقال المصنّف : كنت في شبيبتي إذا دعوت بالدعاء المقدّم على صلاة الليل ، ووصلت إلى قوله :( اللّهمّ إنّ ذكر الموت ، وهول المطلع ، والوقوف بين يديك نغّصني

____________

(١) في ( ج ) : يخلفه .

(٢) في ( ألف ) : بغبطته .

(٣) النجم : ٥٩ـ٦٠ .

(٤) في ( ج ) : عجبت .

(٥) في ( ج ) : عجبت .

(٦) مجمع البيان ، سورة الكهف ، عنه البحار ٧٠ : ١٥٢ .


مطعمي ومشربي ، وأغّصني (١) بريقي ، وأقلقني عن وسادي ، ومنعني رقادي ) (٢) ، أخجل حيث لا أجد هذا كله في نفسي ، فاستخرجت له وجهاً يخرجه عن الكذب ، فأضمرت في نفسي أنّي أكاد أن يحصل عندي ذلك .

فلمّا كبرت السن ، وضعفت القوّة ، وقربت سرعة(٣) النقلة إلى دار الوحشة والغربة ما بقي يندفع هذا عن الخاطر ، فصرت ربّما أرجو لا أُصبح إذا أمسيت ، ولا أُمسي إذا أصبحت ، ولا إذا مددت خطوة أن أتبعها أُخرى ، ولا أن يكون في فمي لقمة أسيغها ، فصرت أقول : ( إلهي إذا ذكرت الموت وهول المطلع ، والوقوف بين يديك نغّصني مطعمي ومشربي ، وأغصّني بريقي ، وأقلقني عن وسادي ، ومنعني رقادي ، ونغّص عليّ سهادي ، وابتزّني راحة فؤادي .

إلهي وسيّدي ومولاي مخافتك أورثتني طول الحزن ، ونحول الجسد ، وألزمتني عظيم الهمّ والغمّ ودوام الكمد ، واشغلتني عن الأهل والولد والمال والعبيد ، وتركتني مسكيناً غريباً وحيداً ، وإن كنت بفناء الأهل والولد ما أحس بدمعة ترقأ من آماقي ، وزفير يتردّد بين صدري والتراقي .

سيّدي فبرّد حزني ببرد عفوك ، ونفّس غمّي وهمّي ببسط رحمتك ومغفرتك ، فإنّي لا آمن إلاّ بالخوف منك ، ولا أعزّ إلاّ بالذلّ لك ، ولا أفوز إلاّ بالثقة بك والتوكّل عليك يا أرحم الراحمين وخير الغافرين ) .

____________

(١) قال في البحار : أغصّني بريقي من الغصّة بالضم ، وهي الشجى في الحلق ، وهي كناية عن كمال الخوف والاضطراب ، أي صيّرني بحيث لا أقدر على أن أبلع ريقي ، وقد وقف في حلقي .

(٢) راجع البحار ٨٧ : ٢٣٧ ح٤٧ .

(٣) في ( ب ) : ساعة .


الباب الثالث والثلاثون : في الخشوع لله سبحانه والتذلّل له

قال الله تعالى :( قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون ) (١) ، ثم فسّرهم سبحانه بتمام الآية في سورة المؤمنين .

فنقول : الخشوع الخوف الدائم اللازم للقلب ، وهو أيضاً قيام العبد بين يدي الله تعالى بهمّ مجموع ، وقلب مروع ، وروي أنّه من خشع قلبه لم يقربه الشيطان ، ومن علاماته غضّ العيون ، وقطع علائق الشؤون .

والخاشع من خمدت نيران شهوته ، وسكن دخان أمله ، وأشرق نور عظمة الله في قلبه ، فمات أمله ، وواجه أجله ، فحينئذ خشعت جوارحه ، وسالت عبرته ، وعظمت حسرته ، والخشوع أيضاً يذلّل البدن والقلب لعلاّم الغيوب ، قال الله تعالى :( وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ) (٢) ، يعني المتواضعين الخاشعين .

____________

(١) المؤمنون : ٢ـ١ .

(٢) الفرقان : ٦٣ .


وروي أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رأى رجلاً يعبث في صلاته بلحيته فقال :لو خشع قلبه لخشعت جوارحه (١) .

دلّ هذا الحديث على أنّ الخشوع من أفعال القلب ، تظهر آثاره على الجوارح ، وهو أيضاً ذبول القلوب عند استحضار عظمة الله تعالى ، وهو من مقدمات الهيبة ، ولا ينبغي للمرء أن يظهر من الخشوع فوق ما في قلبه ، ومن الخشوع التذلّل لله تعالى بالسجود على التراب ، وكان الصادقعليه‌السلام لا يسجد إلاّ على تراب من تربة الحسينعليه‌السلام تذلّلاً لله تعالى واستكانة إليه(٢) .

وكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يرقع ثوبه ، ويخصف نعله ، ويحلب شاته ، ويأكل مع العبيد ، ويجلس على الأرض ، ويركب الحمار ويردف ، ولا يمنعه الحياء أن يحمل حاجة من السوق إلى أهله ، ويصافح الغني والفقير ، ولا ينزع يده من يد أحد حتّى ينزعها هو ، ويسلّم على مَن استقبله من كبير وصغير وغني وفقير ، ولا يحقر ما دُعي إليه ولو إلى حشف التمر .

وكان خفيف المؤنة ، كريم الطبيعة ، جميل المعاشرة ، طلق الوجه ، بسّاماً(٣) من غير ضحك ، محزوناً من غير عبوس ، متواضعاً من غير ذلّة ، جواداً من غير سرف ، رقيق القلب ، رحيم بكل مسلم ، ولم يتجشّأ من شبع قط ، ولم يمد يده إلى طمع ، وكفاه مدحاً قوله تعالى :( وإنّك لعلى خلقٍ عظيم ) (٤) .

وأوحى الله إلى موسىعليه‌السلام :أتدري لم ناجيتك وبعثتك إلى خلقي ؟ قال : لا يا رب ، قال : لأنّي قلّبت عبادي واختبرتهم فلم أر أذلّ لي قلباً منك ،

____________

(١) راجع البحار ٨٤ : ٢٦٦ ح٦٧ ، عن دعائم الإسلام ، كنز العمال ٣ : ١٤٤ ح٥٨٩١ .

(٢) عنه البحار ٨٥ : ١٥٨ ح ٢٥ .

(٣) في ( ج ) : بشاشاً .

(٤) القلم : ٤ .


فأحببت أن أرفعك من بين خلقي ، لأنّي عند المنكسرة قلوبهم (١) .

وينبغي للعاقل أن لا يرى لنفسه على أحد فضلاً ، والعز في التواضع والتقوى ، ومن طلبه في الكبر لم يجده وروي أنّ ملكي العبد الموكلين به إن تواضع رفعاه ، وإن تكبّر وضعاه(٢) والشرف في التواضع والعز في التقوى ، والغنا في القناعة ، وأحسن ما كان التواضع في الملوك والأغنياء ، وأقبح ما كان التكبر في الفقراء .

وقد أمر الله تعالى نبيّه محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالعفو عن الناس ، والاستغفار لهم والتواضع ، بقوله تعالى :( ولو كنت فظّاً غليظ القلب لانفضّوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم ) (٣) .

وأوحى الله تعالى إلى موسىعليه‌السلام :يا موسى ذكّر خلقي نعمائي ، وأحسن إليهم وحبّبني إليهم ، فإنّهم لا يحبّون إلاّ مَن أحسن إليهم .

____________

(١) الكافي ٢ : ١٢٣ ح ٧ ، عنه البحار ٧٥ : ١٢٩ ح ٢٩ باختلاف .

(٢) الكافي ٢ : ١٢٢ ح ٢ .

(٣) آل عمران : ١٥٩ .


الباب الرابع والثلاثون : في ذمّ الغيبة والنميمة وعقابها وحسن كظم الغيظ(١)

قال الله تعالى :( ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحبّ أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه ) (٢) ، فقد بالغ سبحانه في النهي عن الغيبة ، وجعلها شبه الميتة المحرّمة من لحم الآدميين .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :يأتي الرجل يوم القيامة وقد عمل الحسنات ، فلا يرى في صحيفته من حسناته شيئاً ، فيقول : أين حسناتي التي عملتها في دار الدنيا ؟ فيقال له : ذهبت باغتيابك الناس فهي لهم عوض اغتيابهم (٣) .

وأوحى الله إلى موسىعليه‌السلام :مَن مات تائباً من الغيبة فهو آخر مَن يدخل الجنّة ، ومَن مات مصرّاً عليها فهو أوّل مَن يدخل النار (٤) .

وروي أنّه َمن اغتيب غفرت نصف ذنوبه وروي أنّ الرجل يعطى كتابه

____________

(١) قوله ( النميمة وعقابها وحسن كظم الغيظ ) أثبتناه من ( ب ) و ( ج ) .

(٢) الحجرات : ١٢ .

(٣) عنه معالم الزلفى : ٣٢١ ، ونحوه في كنز العمال ٣ : ٥٩٠ ح ٨٠٤٧ .

(٤) عنه معالم الزلفى : ٣٢١ ، وفي مجموعة ورام ١ : ١١٦ .


فيرى فيه حسنات لم يكن يعرفها ، فيقال : هذه بما اغتابك الناس(١) .

وقال بعضهم : لو اغتبت أحداً لم أكن لأغتاب إلاّ ولدي ، لأنّهم أحق بحسناتي من الغريب .

وبلغ الحسن البصري أنّ رجلاً اغتابه فأنفذ إليه بهدية ، فقال له : والله ما لي عندك يد ، فقال : بلى بلغني أنّك تهدي لي حسناتك فأحببت أن أُكافيك ، ومَن اغتيب عنده أخوه المؤمن فلم ينصره فقد خان الله ورسوله .

وقال : إذا لم تنفع أخاك المؤمن فلا تضرّه ، وإذا لم تسرّه فلا تغمّه ، وإذا لم تدرجه بمدحة(٢) فلا تذمّه .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :لا تحاسدوا ، ولا تباغضوا ، ولا يغتب بعضكم بعضاً ، وكونوا عباد الله إخواناً (٣) .

وقالعليه‌السلام :إيّاكم والغيبة ، فإنّها أشد من الزنا ؛ لأنّ الرجل يزني فيتوب فيتوب الله عليه ، وإنّ صاحب الغيبة لا يغفر له إلاّ إذا غفرها صاحبها (٤) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :مررت ليلة أُسري بي إلى السماء على قوم يخمشون وجوههم بأظفارهم ، فسألت جبرئيل عليه‌السلام عنهم فقال : هؤلاء الذين يغتابون الناس (٥) .

وخطبصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فذكر الربا وعظم خطره ، وقال :الدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم من سبعين زنية بذات محرم ، وأعظم من ذلك عرض المسلم (٦) .

____________

(١) راجع كنز العمّال ٣ : ٥٩٠ ح ٨٠٤٦ نحوه .

(٢) في ( ب ) و ( ج ) : إذا لم تمدحه .

(٣) مجموعة ورام ١ : ١١٥ .

(٤) مجموعة ورام ١ : ١١٥ ، الترغيب ٣ : ٥١١ .

(٥) مجموعة ورام ١ : ١١٥ .

(٦) مجموعة ورام ١ : ١١٦ .


وروي في تفسير قوله تعالى :( ويل لكلّ همزةٍ لمزة ) (١) أنّ الهمزة الطعن في الناس ، واللمزة أكل لحومهم ، وينبغي لمن أراد ذكر عيوب غيره أن يذكر عيوب نفسه فيقلع عنها ويستغفر منها ، وعليكم بذكر الله فإنّه شفاء ، وإيّاكم وذكر الناس فإنّه داء .

ومرّ عيسىعليه‌السلام ومعه الحواريّون بكلب جائف ، قالوا : ما أجيفه ، فقال : ما هو ، ما أبيض أسنانه(٢) ، يعني ما عوّد لسانه إلاّ على الخير .

والغيبة هو أن تذكر أخاك بما يكرهه لو سمعه ، سواء ذكرت نقصاناً في بدنه أو نسبه أو خلقه أو فعله أو دينه أو دنياه حتّى في ثوبه ، وقالعليه‌السلام : حد الغيبة أن تقول في أخيك ما هو فيه ، فإن قلت ما ليس فيه فذاك بهتان ، والحاضر في الغيبة ولم ينكرها شريك فيها ، ومَن أنكرها كان مغفوراً له .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : مَن ردّ عن عرض أخيه كان حقّاً على الله أن يعتقه من النار(٣) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : طوبى لمَن شغله عيبه عن عيوب الناس(٤) ومنشأ الغيبة في الصدور الحسد والغضب ، فإذا نفاهما الرجل عن نفسه قَلَّتْ غيبته للناس .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :إنّ للنّار باباً لا يدخله إلاّ مَن شفى غيظه (٥) .

وقال :مَن كظم غيظه وهو يقدر على إمضائه خيّره الله في أيّ الحور العين شاء أخذ منهنّ (٦) .

____________

(١) الهمزة : ١ .

(٢) مجموعة ورام ١ : ١١٧ .

(٣) مجموعة ورام ١ : ١١٩ .

(٤) مجموعة ورام ١ : ١٢٠ .

(٥) مجموعة ورام ١ : ١٢١ .

(٦) مجموعة ورام ١ : ١٢١ .


وفي بعض الكتب المنزلة : ابن آدم اذكرني عند غضبك أذكرك عند غضبي ، فلا أمحقك مع مَن امحقه(١) .

وللعاقل شغل فيما خلق له عن نفسه وماله وولده ، فكيف عن أعراض الناس ؟! وإذا كان اشتغال الإنسان بغير ذكر الله خسارة فكيف بالغيبة ؟! .

وقالعليه‌السلام :وهل يكب الناس على وجوههم في النار إلاّ حصائد ألسنتهم (٢) .

وكفى بذلك قوله تعالى :( لا خير في كثير من نجواهم إلاّ مَن أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ) (٣) ، فنفى الخير في المنطق(٤) إلاّ في هذه الأُمور الثلاثة ، فسبحانه ما أنصحه لعباده وأشفقه عليهم وأحبّه لهم لو كانوا يعلمون .

وأمّا النميمة فإنّها أعظم ذنباً وأكبر وزراً ؛ لأنّ النمّام يغتاب وينقلها إلى غيره فيغويه بأذى من ينقلها عنه ، والنمّام يثير الشرّ ويدلّ عليه ، ولقد سدّ الله تعالى باب النميمة ومنع من قبولها بقوله :( إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) (٥) ، وسمّى النمام فاسقاً ونهى عن قبول قوله إلاّ بعد البيان والبيّنة أو الإقرار ، وسمّى العامل بقوله جاهلاً .

وقال رجل لعلي بن الحسينعليهما‌السلام : إنّ فلاناً يقول فيك ويقول ، فقال له :والله ما حفظت حق أخيك إذ خنته وقد استأمنك ، ولا حفظت حرمتنا إذ سمعتنا ما لم يكن لنا حاجة بسماعه ، أما علمت أنّ نَقَلَةَ النميمة هم كلاب النار ، قل لأخيك : إنّ الموت يعمّنا ، والقبر يضمّنا ، والقيامة موعدنا ، والله يحكم بيننا (٦) .

____________

(١) مجموعة ورام ١ : ١٢١ ، وأورده في أعلام الدين : ١٨٤ .

(٢) الكافي ٢ : ١١٥ ح ١٤ ، عنه البحار ٧١ : ٣٠٣ ح ٧٨ .

(٣) النساء : ١١٤ .

(٤) في ( ج ) : النطق .

(٥) الحجرات : ٦ .

(٦) راجع الاحتجاج ٢ : ١٤٥ ، عنه البحار ٧٥ : ٢٤٦ ح ٨ باختلاف .


وكتب رجل من عمّال المأمون يقول له : إنّ فلاناً العامل مات وخلف مائة ألف دينار وليس له إلاّ ولد صغير ، فإن أذن مولانا في قبض المال ، وإجراء ما يحتاج الصغير إليه قبضناه ، فإنّما احتقب هذا المال من أموالك ، فكتب إليه المأمون : المال نماه الله ، والولد حبرة(١) الله ، والساعي عليه لعنة الله .

____________

(١) لعلّه من الحَبرة بمعنى النعمة التامة ، كما في لسان العرب .


الباب الخامس والثلاثون : في القناعة ومصالحها(١)

جاء في تفسير قوله تعالى :( فلنحيينّه حياة طيّبة ) (٢) قال : يعطيه القناعة(٣) .

وجاء في تفسير قوله تعالى حكاية عن سليمان :( ربّ اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي ) (٤) قال : القناعة في بعض الوجوه ؛ لأنّه كان يجلس مع المساكين ويقول : مسكيناً مع المساكين .

وعن جابر بن عبد الله الأنصاري قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :القناعة كنز لا يفنى (٥) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لبعض أصحابه :كن ورعاً تكن أعبد الناس ، وكن قنعاً تكن أشكر الناس ، وحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمناً ،

____________

(١) قوله ( مصالحه ) أثبتناه من ( ب ) .

(٢) النحل : ٩٧ .

(٣) نهج البلاغة : قصار الحكم ٢٢٩ .

(٤) ص : ٣٥ .

(٥) راجع كنز العمال ٣ : ٣٨٩ ح ٧٠٨٠ ، وفيه : مال لا ينفد .


وأحسن مجاورة مَن جاورك تكن مسلماً ، واقلل من الضحك فإنّ كثرة الضحك تميت القلب (١) .

والناس أموات إلاّ مَن أحياه الله بالقناعة ، وما سكنت القناعة إلاّ قلب من استراح ، والقناعة ملك لا يسكن إلاّ قلب مؤمن ، والرضى بالقناعة رأس الزهد ، ومعناها السكون عند عدم المشتهيات ، والرضى بقليل الأقوات ، وترك التأسّف على ما فات .

وجاء في تأويل قوله تعالى :( ليرزقنّهم الله رزقاً حسناً ) (٢) قال : القناعة ؛ لأنّ القناعة رضى النفس بما حضر من الرزق وإن كان قليلاً ، وقال بعضهم : إنّ الغنى والعز خرجا يجولان فوجدا القناعة فاستقرّا .

وروي أنّ علياًعليه‌السلام اجتاز بقصاب ومعه لحم سمين ، فقال : يا أمير المؤمنين هذا اللحم سمين اشتر منه ، فقال :ليس الثمن حاضراً ، فقال : أنا أصبر يا أمير المؤمنين ، فقال له :أنا أصبر عن اللحم .

وانّ الله سبحانه وضع خمسة في خمسة :

العز في الطاعة ، والذل في المعصية ، والحكمة في خلوّ البطن ، والهيبة في صلاة الليل ، والغنى في القناعة .

وفي الزبور : القانع غني ولو جاع وعرى ، ومن قنع استراح من أهل زمانه ، واستطال على أقرانه .

وجاء في قوله تعالى :( فكّ رقبة * أو إطعام في يوم ذي مسغبة ) (٣) قال : فكّها من الحرص والطمع ، ومَن قنع فقد اختار العز على الذل ، والراحة على التعب .

____________

(١) الترغيب والترهيب ٢ : ٥٦٠ ح١٣ ، وقطعة منه في مجموعة ورام ١ : ١٦٣ .

(٢) الحج : ٥٨ .

(٣) البلد : ١٣ ـ ١٤ .


 [ حكاية داود مع متى ] (١)

قيل : إنّ داودعليه‌السلام قال : رب أخبرني بقريني في الجنّة في قصري ، فأوحى الله إليه أنّ ذلك متّى أبو يونس ، فاستأذن الله تعالى في زيارته فأذن له ، فأخذ بيد ولده سليمانعليهما‌السلام حتّى أتيا موضعه ، فإذا هما ببيت من سعف ، فسألا عنه فقيل : إنّه في الحطّابين يقطع(٢) الحطب ويبيعه .

فجلسا ينتظرانه إذ أقبل وعلى رأسه حزمة حطب ، فألقاها عنه ثم حمد الله وقال : من يشتري منّي طيّباً بطيّب ، فساومه واحد واشتراه آخر ، فدنيا منه وسلّما عليه ، فقال : انطلقا بنا إلى المنزل ، وابتاع بما كان معه طعاماً ، ثم وضعه بين حجرين قد أعدهما لذلك ، وطحنه ثم عجنه في نقير له ، ثم أجّج ناراً وأوقدها بالحطب ، ثم وضع العجين عليها ، ثم جلس يحدث(٣) معهم هنيئة .

ثم نهض وقد نضجت خبزته ، فوضعها في النقير وفلقها ، ووضع عليها ملحاً ووضع إلى جانبه مطهرة فيها ماء ، وجلس على ركبتيه وأخذ لقمة وكسرها ووضعها في فيه وقال : بسم الله الرحمن الرحيم ، فلمّا ازدردها قال : الحمد لله رب العالمين .

ثم فعل ذلك بأخرى وأخرى ، ثم أخذ الماء فشرب منه وحمد الله تعالى وقال : لك الحمد يا رب ، من ذا الذي أنعمت عليه وأوليته مثل ما أوليتني ، إذ أصححت بدني وسمعي وبصري وجوارحي ، وقوّيتني حتّى ذهبت إلى شجر لم أغرسه بيدي ، ولا زرعته بقوّتي ، ولم أهتمّ بحفظه ، فجعلته لي رزقاً ، وأعنتني على قطعه وحمله ، وسقت لي مَن اشتراه منّي ، واشتريت بثمنه طعاماً لم أزرعه ولم أتعنّى(٤) فيه ،

____________

(١) أثبتناه من ( ب ) .

(٢) في ( ب ) : يقلع .

(٣) في ( ب ) و ( ج ) : يتحدث .

(٤) في ( ج ) : أتعب .


وسخّرت لي حجراً طحنته وناراً نضجته ، وجعلت لي شهوة قابلة لذلك فصرت آكله بشهوة وأقوى بذلك على طاعتك ، فلك الحمد حتّى ترضى وبعد الرضا .

ثم بكى بكاءً عالياً ، فقال داودعليه‌السلام لابنه سليمان : يا بني يحق لمثل هذا العبد الشاكر أن يكون صاحب المنزلة الكبرى في الجنّة ، فلم أر عبداً أشكر من هذا(١) .

____________

(١) مجموعة ورام ١ : ١٨و١٩ ، عنه البحار ١٤ : ٤٠٢ ح ١٦ .


الباب السادس والثلاثون : في التوكّل على الله تعالى

قال الله تعالى :( وعلى الله فتوكّلوا إن كنتم مؤمنين ) (١) .

وقال :( وعلى الله فليتوكّل المتوكّلون ) (٢) .

وقال :( ومَن يتوكّل على الله فهو حسبه ) (٣) .

وقال :( إنّ الله يحب المتوكّلين ) (٤) .

فأعظم مقام موسوم بعظمة الله وبمحبة الله المتوكّل عليه ؛ لأنّه مضمون بكفاية الله ، لأنّ من يكن الله حسبه وكافيه ومحبه ومراعيه فقد فاز فوزاً عظيماً ، وقد قال :( أليس الله بكافٍ عبده ) (٥) ، فطالب الكفاية بغيره غير طالب التوكّل ، ومكذّب بالآية .

____________

(١) المائدة : ٢٣ .

(٢) إبراهيم : ١٢ .

(٣) الطلاق : ٣ .

(٤) آل عمران : ١٥٩ .

(٥) الزمر : ٣٦ .


قال :( ومَن يتوكّل على الله فهو حسبه ) (١) .

وقال :( ومَن يتوكّل على الله فإنّ الله عزيز حكيم ) (٢) ، أيْ عزيز لا يذل من استجار به ، ولا يضيع من لجأ إليه ، حكيم لا يقصر عن تدبير من اعتصم به .

وعيّر من لجأ إلى غيره فقال :( إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ) (٣) ، يعني عاجزون عن حوائجكم ، أنتم وهم محتاجون إلى الله تعالى فهو أحق أن تدعوه ، وكلّما ذكر سبحانه من التوكّل عليه عنى به قطع الملاحظة إلى خلقه والانقطاع إليه .

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :لو أنّ العبد يتوكّل على الله حق توكّله لجعله كالطير تغدوا خماصاً وتروح بطاناً ، ومن انقطع إلى الله كفاه الله كل مؤونة ، ومن انقطع إلى الدنيا وكّله الله إليها ، ومَن أراد أن يرزقه الله من حيث لا يحتسب فليتوكل على الله (٤) .

وأوحى الله إلى داود :ما من عبد يعتصم بي دون خلقي وتكيده السماوات (٥) والأرض إلاّ جعلت له مخرجاً (٦) .

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام :أيّها الناس لا يشغلكم المضمون من الرزق عن المفروض عليكم من العمل ، والمتوكّل لا يسأل ولا يرد ولا يمسك شيئاً خوف الفقر .

وينبغي لمَن أراد سلوك طريق التوكّل أن يجعل نفسه بين يدي الله تعالى فيما يجري عليه من الأمور كالميت بين يدي الغاسل يقلّبه كيف يشاء ، كما قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

____________

(١) الطلاق : ٣ .

(٢) الأنفال : ٤٩ .

(٣) الأعراف : ١٩٤ .

(٤) مجموعة ورام ١ ٢٢٢ نحوه .

(٥) في ( ج ) : أهل السماوات .

(٦) مجموعة ورام ١ : ٢٢٢ .


:عجبت للمؤمن لا يقضي الله له قضاء إلاّ كان خيراً له ، ويعني بذلك أنّه يرضى بقضاء الله له ، سواء كان شدّة أو رخاء .

والتوكّل هو الاعتصام بالله كما قال جبرئيلعليه‌السلام لإبراهيمعليه‌السلام وهو في كفّة المنجنيق : ألك حاجة يا خليل الله ؟ فقال : إليك لا ، اعتماداً على الله ووثوقاً به في النجاة ، فجعل الله تعالى عليه النار برداً وسلاماً ، وأرضها وروداً وثماراً ، ومدحه الله فقال :( وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ) (١) وما استوى حاله وحال يوسف في قوله للّذي معه في السجن :( اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربّه فلبث في السجن بضع سنين ) (٢) .

وقال لي رجل : من أين مؤنتك ؟ فقلت :( ولله خزائن السماوات والأرض ولكنّ المنافقين لا يفقهون ) (٣) .

ورأى بعضهم شيخاً(٤) في البريّة يعبد الله تعالى فقال : من أين قوتك ؟ فقال : من تدبير العزيز العليم ، ثم أومئ إلى أسنانه وقال : الذي خلق الرحى هو يأتيها بالهشل(٥) ، يعني الحب .

واعلموا أنّ التوكّل محلّه القلب ، والحركة في الطلب لا تنافي التوكل ؛ لأنّ الله تعالى أمر بها بقوله :( فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور ) (٦) ، ولمّا دخل الأعرابي إلى مسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال :أعقلت ناقتك ؟ قال : لا قد توكّلت [على الله](٧) ، فقال :أعقلها وتوكل .

____________

(١) النجم : ٣٧ .

(٢) النجم : ٣٧ .

(٣) المنافقون : ٧ .

(٤) في ( ج ) : شخصاً .

(٥) في ( ب ) : بالعلس .

(٦) الملك : ١٥ .

(٧) أثبتناه من ( ج ) .


وقال الله تعالى له ولأصحابه :( خذوا حذركم ) (١) يعني رسول الله وأصحابه .

ومن الكذب أن يقول الرجل : توكلت على الله وفي قلبه غيره ، أو يكون غير راض بصنعه إليه ؛ لأنّ التوكل الاستسلام إلى الله والانقطاع إليه دون خلقه ، فحقيقته الاكتفاء بالله تعالى والاعتماد عليه .

فللمتوكّل(٢) ثلاث درجات : الانقطاع إلى الله ، والتسليم إليه ، والرضى بقضائه ، فهو يسكن إلى وعده ، ويكتفي بتدبيره ، ويرضى بحكمه .

وقيل لبعضهم : لِمَ تركت التجارة ؟ فقال : وجدت الكفيل ثقة .

وروي أنّ الله تعالى يقول :من اعتصم بي دون خلقي ضمنت السماوات والأرض رزقه ، فإن دعاني أجبته ، وإن استعطاني أعطيته ، وإن استكفاني كفيته ، ومن اعتصم بمخلوق دوني قطعت أبواب (٣) السماوات والأرض دونه ، إن دعاني لم أجبه ، وإن سألني لم أعطه ، وإن استكفاني لم أكفه .

وقال محمد بن عجلان : نَزَلَت بي فاقة عظيمة ، ولزمني دين لغريم ملح وليس لمضيقي صديق ، فوجهت(٤) فيه إلى الحسن بن زيد ـ وكان أمير المدينة ـ لمعرفة كانت بيني وبينه ، فلقيني في طريقي محمد بن عبد الله بن الباقرعليه‌السلام ، فقال :قد بلغني ما أنت فيه من الضيق فمن أملت لمضيقك ؟

قلت : الحسن بن زيد ، فقال :إذن لا تقضى حاجتك ، فعليك بمَن هو أقدر الأقدرين وأكرم الأكرمين ، فإنّي سمعت عمّي جعفر بن محمد عليهما‌السلام يقول : أوحى الله إلى بعض أنبيائه في بعض وحيه :

____________

(١) النساء : ٧١ .

(٢) في ( ب ) : فللتوكل .

(٣) في ( ب ) و ( ج ) : أسباب .

(٤) في ( ج ) : فتوجهت .


( وعزّتي وجلالي وعظمتي وارتفاعي لأقطعنّ أمل كل مؤمّل غيري باليأس ، ولأكسونّه ثوب المذلّة في الناس ، ولابعدنّه من فرجي (١) وفضلي ، أيؤمّل عبدي في الشدائد غيري والشدائد بيدي ، ويرجو سواي وأنا الغني الجواد ، أبواب الحوائج عندي ، وبيدي مفاتيحها وهي مغلقة ، فما لي أرى عبدي معرضاً عنّي وقد غطّيته بجودي وكرمي ما لم يسألني ، فأعرض عنّي وسأل في حوائجه غيري ، وأنا الله لا اله إلاّ أنا ، أبتدئ بالعطيّة من غير مسألة ، أفأُسأل فلا أجود ؟! كلا ، أليس الجود والكرم لي ؟ أليس الدنيا والآخرة بيدي ؟ فلو أنّ كل واحد من أهل السماوات والأرض سألني مثل ملك السماوات والأرض فأعطيته ما نقص ذلك من ملكي مثل جناح بعوضة ، فيا بؤساً لمَن أعرض عنّي ، وسأل في حوائجه وشدائده غيري ) .

قال : فقلت له : أعد علىّ هذا الكلام ، فعاد ثلاث مرّات فحفظته وقلت في نفسي : لا والله لا أسأل أحداً حاجة ، ثم لزمت بيتي فما لبثت أيّاماً إلاّ وأتاني الله برزق ، قضيت منه ديني ، وأصلحت به أمر عيالي ، والحمد لله ربّ العالمين(٢) .

____________

(١) في ( ب ) : روحي .

(٢) راجع أمالي الطوسي : ٥٨٤ ح١٣ مجلس : ٢٤ ، عنه البحار ٧١ : ١٥٤ ح ٦٧ ، ونحوه مجموعة ورام ٢ : ٧٣ .


الباب السابع والثلاثون : في الشكر وفضل الشاكرين

قال الله تعالى :( واشكروا لي ولا تكفرون ) (١) .

وقال الله سبحانه :( لئن شكرتم لأزيدنّكم ) (٢) .

وقال :( ومَن يشكر فإنّما يشكر لنفسه ومَن كفر فإنّ الله غني حميد ) (٣) ، يريد به الجحود لنعمته ، وحقيقة الشكر الاعتراف بنعمة المنعم .

وأوحى الله إلى داودعليه‌السلام :اشكرني حق شكري ، فقال : الهي كيف أشكرك حق شكرك ، وشكري اياك نعمة منك؟! فقال : الآن شكرتني حق شكري (٤) .

وقال داود :يا رب وكيف كان آدم يشكرك حق شكرك ، وقد جعلته أبا أنبيائك وصفوتك ، وأسجدت له ملائكتك ؟! فقال :إنّه اعترف أنّ ذلك من عندي

____________

(١) البقرة : ١٥٢ .

(٢) إبراهيم : ٧ .

(٣) لقمان : ١٢ .

(٤) عنه البحار ١٤ : ٤٠ ح ٢٥ .


فكان اعترافه بذلك حق شكري (١) .

وينبغي للعبد أن يشكر على البلاء كما يشكر على الرخاء ، وروي أنّ الله سبحانه قال :يا داود إنّي خلقت الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضّة ، وجعلت سقوفها الزمرد ، وطليها (٢) الياقوت ، وترابها المسك الأذفر ، وأحجارها الدر واللؤلؤ ، وسكّانها الحور العين ، أتدري يا داود لمن أعددت هذا ؟ قال : لا وعزتك يا الهي ، فقال : هذا أعددته لقوم كانوا يعدّون البلاء نعمة ، والرخاء مصيبة (٣) .

ولا شك أنّ البلاء من الأمراض وغيرها يوجب العوض على الألم والثواب على الصبر عليه ، ويكفّر السيئات ، ويذكر بالنعمة أيّام الصحّة ، ويحث على التوبة والصدقة ، وهو اختيار الله تعالى للعبد ، وقد قال سبحانه :( ويختار ما كان لهم الخيرة ) (٤) .

عن أبي الحسن موسى بن جعفرعليهما‌السلام قال :مثل المؤمن مثل كفتي الميزان ، كلما زيد في إيمانه زيد في بلائه ليلقى الله عزّ وجل ولا خطيئة له (٥) .

والنعم قد تكون استدراجاً فتكون أعظم المصائب ، وإن لم تكن استدراجاً فإنها توجب الشكر ، والشكر أيضاً نعمة توجب الاعتراف بالتقصير ، ولا شك أنّ زيادة النعم وكثرتها ملهية عن الله تعالى ، ولهذا اختار لأوليائه وعباده الصالحين الفقر ، وحبس الدنيا عنهم لأنّه قال في بعض وحيه :

( وعزّتي وجلالي لولا حيائي من عبدي المؤمن ما تركت له خرقة يواري بها جسده ، وإنّي إذا أكملت إيمان عبدي المؤمن أبليته بفقر الدنيا في ماله أو مرض في

____________

(١) عنه البحار ١٤ : ٤٠ ح ٢٥ .

(٢) في ( ج ) : طينها .

(٣) عنه معالم الزلفى : ٤٣٣ .

(٤) القصص : ٦٨ .

(٥) أمالي الطوسي : ٦٣١ ح١ مجلس : ٢٥ ، عنه البحار ٦٧ : ٢٤٣ ح ٨٢ .


بدنه ، فإن هو جزع أضعفت ذلك عليه ، وإن هو صبر باهيت به ملائكتي ) .

وتمام [هذا](١) الحديث :( إنّي جعلت علياً علماً للإيمان ، فمَن أحبّه واتبعه كان هادياً ، ومَن تركه وأبغضه كان ضالاً ، وأنّه لا يحبه إلاّ مؤمن ، ولا يبغضه إلاّ منافق ) (٢) .

ومَن شكر النعمة أن لا يتقوى به أحد على معصية الله تعالى ، وشكر العوام على المطعم والملبس ، وشكر الخواص على ما يختاره سبحانه من بأساء وضرّاء ومنع(٣) غيره .

وروي أنّ الصادقعليه‌السلام قال لشقيق :كيف أنتم في بلادكم ؟ فقال : بخير يا ابن رسول الله ، إن أعطينا شكرنا ، وإن مُنعنا صبرنا ، فقال له : هكذا كلاب حجازنا يا شقيق ، فقال له : كيف أقول : فقال له : هلا كنتم إذا أعطيتم آثرتم ، وإذا مُنعتم شكرتم وهذه درجته ودرجة آبائهعليهم‌السلام .

وروي أنّ سبب رفع إدريس إلى السماء أنّ ملكاً بشّره بالقبول والمغفرة فتمنّى الحياة ، فقال له الملك : لم تمنّيت الحياة ؟ قال : لأشكر الله تعالى ، فقد كانت حياتي لطلب القبول وهي الآن لبلوغ المأمول ، قال : فبسط الملك جناحه ورفعه إلى السماء(٤) .

والشاكر يلاحظ المزيد لقوله تعالى :( لئن شكرتم لأزيدنّكم ) (٥) ، والصابر مشاهد(٦) ثواب البلاء ، فهو مع الله لقوله تعالى :( إنّ الله مع الصابرين ) (٧) ، فهو

____________

(١) أثبتناه من ( ب ) .

(٢) راجع البحار ٨١ : ١٩٥ ح ٥٢ .

(٣) لم يرد في ( ج ) .

(٤) عنه معالم الزلفى : ٨٠ .

(٥) إبراهيم : ٧ .

(٦) في ( ج ) : يشاهد .

(٧) البقرة : ١٥٣ .


أعلى درجة ، ولهذا فضّل معتقد البلوى نعمة على غيره .

وروي أنّ أوّل مَن يدخل الجنة الحامدون ، وعلى كل حال فله الحمد على ما دفع(١) ، وله الشكر على ما يقع(٢) ، وروي أنّ الله تعالى أوحى إلى موسىعليه‌السلام :يا موسى ارحم عبادي المبتلى منهم والمعافى ، قال : يا رب قد عرفت رحمة المبتلي فما بال المعافى ؟ قال : لقلّة شكره .

وقوله تعالى :( وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها ) (٣) أي لا تقوموا بشكرها كلها ، وذلك صحيح لأنّ في اللحظة الواحدة ينظر الإنسان نظرات لا تحصى ، وتسمع أذنه حروفاً لا تُحصى ، ويتكلّم بلسانه بحروف لا تحصى ، وتسكن منه عروق لا يعلم عددها ، وتتحرّك منه عروق لا يعلم عددها ، ويتنفّس بأنفاس لا تحصى ، ويتناول من الهوى أنفاساً لا تحصى ، وكذلك تتحرّك جوارحه بحركات كثيرة ، فهذا في اللحظة الواحدة فكيف في يومه وسنته وطول عمره ؟! صدق الله العلي العظيم .

____________

(١) في ( ب ) : ما وقع .

(٢) في ( ج ) : نفع .

(٣) إبراهيم : ٣٤ .


الباب الثامن والثلاثون : في مدح الموقنين

قال الله تعالى :( والذين يؤمنون بما أُنزل إليك وما أُنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون ) (١) .

فمدح الموقنين بالآخرة يعني المطمئنّين بما وعد الله فيها من ثواب وتوعّد من عقاب ، كأنّهم قد شاهدوا ذلك ، كما روي أنّ سعد بن معاذ دخل على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :كيف أصبحت يا سعد ؟ فقال : بخير يا رسول الله ، أصبحت بالله مؤمناً موقناً ، فقال :يا سعد إنّ لكل قول حقيقة ، فما مصداق ما تقول ؟

فقال : يا رسول الله ما أصبحت فظننت أنّي أمسي ، ولا أمسيت فظننت أنْ أُصبح ، ولا مددت خطوة فظننت أنّي أتبعها بأخرى ، وكأنّي بكل أمة جاثية ، وكل أمة معها كتابها ونبيّها وإمامها تدعى إلى حسابها ، وكأنّي بأهل الجنّة وهم يتنعّمون ، وبأهل النار وهم يعذّبون ، فقال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :يا سعد عرفت

____________

(١) البقرة : ٤ .


فالزم .

فلمّا صحّ يقينه كالمشاهدة أمره باللزوم ، واليقين هو مطالعة أحوال الآخرة على سبيل المشاهدة ، كما قال أمير المؤمنينعليه‌السلام :لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً فدلّ على أنّه مشاهد(١) الآخرة مع الغيب عنها .

وقالعليه‌السلام :ما منكم إلاّ ومَن قد عاين الجنّة والنار إن كنتم تصدقون بالقرآن وصدقعليه‌السلام لأنّ اليقين بالقرآن يقين بكل ما تضمّنه من وعد ووعيد ، وهو أيضاً في قلب العارف كالعلم البديهي الذي لا يندفع ، ولأجل هذا منعنا من أنّ المؤمن يكفر بعد المعرفة .

فإن عارض أحد بقوله تعالى :( إنّ الذين آمنوا ثم كفروا ) (٢) قلنا : آمنوا بألسنتهم دون قلوبهم كما قال تعالى :( قالت الأعراب آمنّا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ) (٣) ، فالإسلام نطق باللسان ، والإيمان نطق باللسان واعتقاد بالقلب ، فلما علم سبحانه انّه لم يعتقدوا ما نطقوا به حقاً نفى عنهم أنّهم مؤمنون .

فأوّل مقامات الإيمان المعرفة ثم اليقين ثم التصديق ثم الإخلاص ثم الشهادة بذلك كلّه ، والإيمان اسم لهذه الأُمور كلّها ، فأوّلها النظر بالفكر في الأدلّة ونتيجته المعرفة ، فإذا حصلت لزم التصديق ، وإذا حصل التصديق والمعرفة أنتجا اليقين ، فإذا صحّ اليقين جالت أنوار السعادة في القلب بتصديق ما وعد به من رزق في الدنيا وثواب في الآخرة ، وخشعت الجوارح من مخافة ما توعد من العقاب ، وقامت بالعمل والزجر عن المحارم .

وحاسب العقل النفس على التقصير في الذكر والتنبيه على الفكر ، فأصبح صاحب هذه الحال نطقه ذكراً ، وصمته فكراً ، ونظره اعتباراً ، واليقين يدعو إلى قصر

____________

(١) في ( ج ) : يشاهد .

(٢) النساء : ١٣٧ .

(٣) النساء : ١٣٧ .


الأمل ، وقصر الأمل يدعو إلى الزهد ، والزهد ينتج النطق بالحكمة لخلوّ البال من هموم الدنيا ؛ لقولهعليه‌السلام : مَن زهد في الدنيا استراح قلبه وبدنه ، ومَن رغب فيها تعب قلبه وبدنه فلا يبقى له نظر إلاّ إلى الله ولا رجوع إلاّ إليه ، كما مدح الله سبحانه إبراهيمعليه‌السلام بقوله :( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ ) (١) .

وعلى قدر يقين العبد يكون إخلاصه وتقواه ، وهذه الأحوال الصحيحة توجب لصاحبها حالاً لا يراها بين اليقظة والنوم ، ويحصل باليقين ارتفاع معارضات الوساوس النفسانية لأنّه رؤية العيان بحقائق الإيمان .

وهو أيضاً ارتفاع الريب بمشاهدة الغيب ، وهو سكون النفس دون جولان الموارد ، ومتى استكمل القلب حقائق اليقين صار البلاء عنده نعمة ، والرخاء مصيبة حتّى اأنّه يستعذب البلاء ، ويستوحش لمطالعة العافية .

____________

(١) هود : ٧٥ .


الباب التاسع والثلاثون : في الصبر وفضله

قال الله تعالى :( واصبر وما صبرك إلاّ بالله ) (١) .

وقال سبحانه :( واصبر على ما أصابك ) (٢) .

وقال الله تعالى :( واستعينوا بالصبر والصلاة ) (٣) فجعل الصبر معونة على الصلاة ، بل هو معونة على كل طاعة ، وترك كل معصية وبليّة .

وقال سبحانه :( وبشّر الصابرين ) (٤) يعني بعظيم الثواب وحسن الجزاء ، وأوجب صلاته ورحمته عليهم ، فقال :( الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنّا لله وإنّا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربّهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ) (٥) .

وقال سبحانه :( سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ) (٦) .

____________

(١) النحل : ١٢٧ .

(٢) لقمان : ١٧ .

(٣) البقرة : ٤٥ .

(٤) البقرة : ١٥٥ .

(٥) البقرة : ١٥٥ .

(٦) الرعد : ٢٤ .


فسلّم على الصابرين ، وجعل لهم عقبى الدار الآخرة ، والصبر على ثلاثة أقسام : صبر على الطاعة ، وصبر عن المعصية ، وصبر على المصيبة .

وقال عليعليه‌السلام :الصبر مطيّة لا تكبوا بصاحبها (١) .

والصبر على المصيبة مصيبة للشامت ، ولا شك أنّ الصابر محرز أجرها ، ويكبت عدوّه بصبره ، ويسلم من ضرر الجزع بشق ثوب أو ألم في بدنه ، والجازع يدخل عليه بجزعه ثلاث آفات : يحبط أجره ، ويشمت عدوّه ، ويدخل الضرر على نفسه بما يلحقه من الألم ، وصبر الصابر مصيبة للشامت .

وينبغي للعاقل أن تحدث له المصيبة موعظة ؛ لأنّ من الجائز أن يكون موضع المفقود ، فهو أحق بالحمد لله والثناء عليه ، ويحدث في نفسه الاستعداد بمثل ما نزل بغيره من موت أو بلية يستدفعها بالدعاء .

وينبغي للإنسان أن يطمئنّ قلبه ونفسه على البلايا والرزايا العظيمة حتّى إذا نزل به قليلها عدّه نعمة في جنب غيره ، وأحسن مقامات الإنسان أن ينظر في المصائب و البلايا وضيق المعاش والفاقة والفقر إلى من هو أكبر منه بليّة ، فيصير حاله عنده نعمة .

وينظر في عمل الخير إلى مَن هو فوقه ، فيستقلّ عمله ويزري على نفسه ، ويحثّها على اللحاق بمَن هو فوقه في صالح العمل ، وهكذا يكون مَن يريد صلاح(٢) نفسه ، وعظيم صبره ، وقلّة همّه وغمّه .

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام :الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ، ولا إيمان لمَن لا صبر له (٣) .

____________

(١) كنز الكراجكي : ٥٨ ، عنه البحار ٧١ : ٩٦ ح ٦١ .

(٢) في ( ب ) : إصلاح .

(٣) الكافي ٢ : ٨٩ ح٤ ، عنه البحار ٧١ : ٨١ ح١٧ ، وكنز الكراجكي : ٥٨ .


وقال :إنّا وجدنا الصبر على طاعة الله أيسر من الصبر على عذابه (١) .

وقال :اصبروا على عمل لا غنى لكم عن ثوابه ، واصبروا عن عمل لا طاقة لكم على عقابه (٢) .

وحقيقة الصبر تجرّع الغصص عند المصائب ، واحتمال البلايا والرزايا ، وغاية الصبر أن لا يفرق بين النعمة والمحنة ، ويرجح المحنة على النعمة للعلم بحسن عاقبتها ، والصبر(٣) : السكون عند البلاء مع تحمّل أثقال المحنة عند عظمها .

قال المصنف رحمة الله عليه :

صبرت ولم أُطلع هواي على صبري

وأخفيت ما بي منك عن موضع الصبرِ

مخافة أن يشكو ضميري صبابتي

إلى دمعتي سرّاً فتجري ولا أدري

قيل : أوحى الله إلى داودعليه‌السلام :تخلّقوا (٤) بأخلاقي ، فإنّ من أخلاقي أنّي أنا الصبور ، والصابر إن مات مع الصبر مات شهيداً ، وإن عاش عاش عزيزاً ، واعلموا أنّ الصبر على المطلوب عنوان الظفر ، والصبر في المحن عنوان الفرج .

وقد مدح الله سبحانه عبده أيوب :( إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ) (٥) .

وروي أنّه لما اشتد به البلاء قالت له امرأته يوماً : إنّ دعاء الأنبياء مستجاب فلو سألت الله كَشْف ما بك ، فقال لها :يا هذه قد متّعنا الله بالنعم سبعين سنة ، فدعينا نصبر على بلائه مثل ذلك .

وروي أنّه لما جاءت امرأته إليه وقد باعت أحد ظفائرها لقوته شقّ عليه

____________

(١) عنه مستدرك الوسائل ١١ : ٢٦١ ح ١٢٩٣٨ ، وفي البحار ٧٧ : ٣٨٠ .

(٢) عنه مستدرك الوسائل ١١ : ٢٦١ ح ١٢٩٣٩ ، وفي البحار ٧٧ : ٣٨٠ .

(٣) في ( ج ) : التصبر .

(٤) في ( ج ) : تخلّق .

(٥) ص : ٤٤ .


ذلك ، فنصب نفسه بين يدي الله تعالى ثم قال :يا رب إنّك أبليتني بفقد الأهل والأولاد فصبرت ، وبالمرض الفلاني فصبرت ، ثم أعدد أمراضه ، فإذا النداء من قبل الله : يا أيوب لمن المنّة عليك في صبرك ؟

فقال :اللّهمّ لك ، اللّهمّ لك ، وصار يحثو التراب على رأسه ويبكي ويقول : اللّهم لك ، اللّهم لك ، فجاءه النداء : ( اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب ) (١) ، فركض برجله فنبعت عين عظيمة ، فاغتسل منها فخرج وجسمه كاللؤلؤة البيضاء ، وجاء جراد كلّه ذهب فصاده هو وأهله ، وأحيى الله تعالى له من مات من ولده وأهله ، ورزقه من النساء اللاتي تزوجهنّ أولاداً كثيرة ، كما قال تعالى :( ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منّا وذكرى لأولي الألباب ) (٢) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :الصبر نصف الإيمان ، واليقين الإيمان كله ، ومَن صبر على المصيبة حتّى يردّها بحسن العزاء كتب الله له بكل صبرة ثلاثمائة درجة ، ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى علوّ العرش .

ومَن صبر على الطاعة كتب الله له ستمائة درجة ، ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى العرش (٣) ، ومَن صبر عن المعصية كتب الله له تسعمائة درجة ، ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى العرش (٤) .

____________

(١) ص : ٤٢ .

(٢) ص : ٤٣ .

(٣) في ( ب ) : إلى السماء .

(٤) مجموعة ورام ١ : ٤٠ .


الباب الأربعون : في المراقبة

قال الله تعالى :( وكان الله على كلّ شيءٍ رقيباً ) (١) .

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لبعض أصحابه :اعبد الله كأنّك تراه ، فإن لم تكن تراه فهو يراك (٢) .

وهذا إشارة إلى المراقبة ؛ لأنّ المراقبة علم العبد باطلاع الرب عليه في كل حالاته ، وملاحظة الإنسان لهذا الحال هو المراقبة ، وأعظم مصالح العبد استحضاره مع عدد أنفاسه أنّ الله تعالى عليه رقيب ومنه قريب ، يعلم أفعاله ، ويرى حركاته ، ويسمع أقواله ، ويطلع على أسراره ، وأنّه يتقلّب في قبضته ، وقلبه وناصيته بيده ، وأنّه لا طاقة له على التستّر عنه ، ولا على الخروج عن سلطانه .

قال لقمان لابنه : يا بني إذا أردت أن تعصي الله فاطلب مكاناً لا يراك فيه إشارة منه له أنّك لا تجد مكاناً لا يراك فيه فلا تعصه ، وقال تعالى :( وهو معكم أين

____________

(١) الأحزاب : ٥٢ .

(٢) راجع البحار ٧٧ : ٧٦ .


ما كنتم ) (١) .

وكان بعض العلماء يرفع شاباً على تلاميذه كلهم ، فلاموه في ذلك ، فأعطى كل واحد منهم طيراً وقال : اذبحه في مكان لا يراك فيه أحد ، فجاؤوا كلهم بطيورهم وقد ذبحوها ، وجاء الشاب بطيره وهو غير مذبوح فقال : لم لا تذبحه ؟ فقال : لقولك لا تذبحه إلاّ في مكان لا يراك فيه أحد ، ولا يكون مكان إلاّ يراني فيه الواحد الأحد الفرد الصمد ، فقال له : أحسنت ، ثم قال لهم : لهذا رفعته عليكم وميّزته منكم(٢) .

ومن علامات المراقبة إيثار ما آثر الله ، وتعظيم ما عظّم الله ، وتصغير ما صغّر الله ، فالرجاء يحرّك(٣) على الطاعات ، والخوف يبعد عن المعاصي ، والمراقبة تؤدّي إلى طريق الحياء وتحمل على ملازمة الحقائق والمحاسبة على الدقائق .

وأفضل الطاعات مراقبة الحق سبحانه على دوام الأوقات ، ومن سعادة المرء أن يلزم نفسه المحاسبة والمراقبة وسياسة نفسه باطلاع الله ومشاهدته لها ، وأنّها لا تغيب عن نظره ، ولا تخرج عن علمه .

وينبغي للواعظ غيره أن يعظ نفسه قبلهم ، ولا يغرّه اجتماع الناس عليه واستماعهم منه ، فإنّهم يراقبون ظاهره والله شهيد على ما في باطنه .

روي أنّ بعضهم رأى شاباً حسن العبادة والاجتهاد فقال : يا فتى على ما بنيت أمرك ؟ فقال : على أربع خصال ، قال : وما هي ؟ قال : علمت أنّ رزقي لا يفوتني منه شيء وانّ وعد الله حق فاطمأننت إلى وعده ، والثانية علمت أنّ عملي لا يعمله غيري فأنا مشغول به ، والثالثة علمت أنّ أجلي يأتيني بغتة فبادرته ، والرابعة علمت أنّي لا أغيب عن نظر الله في سرّي وعلانيتي ، فأنا مراقبه في كل أحوالي .

____________

(١) الحديد : ٤ .

(٢) مجموعة ورام ١ : ٢٣٥ نحوه .

(٣) في ( ج ) : يحثك .


الباب الحادي والأربعون : في ذم الحسد

قال الله تعالى :( قل أعوذ بربّ الفلق * من شرّ ما خلق ) ، وعدّد المستعاذ منهم ، ثم ختم السورة بقوله :( ومن شرّ حاسدٍ إذا حسد ) (١) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إيّاكم وثلاث خصال فإنّهنّ رأس كل خطيئة : إيّاكم والكبر ، فإنّ إبليس حمله الكبر على ترك السجود لآدم فلعنه الله وأبعده ، وإيّاكم والحرص ، فإنّ آدم حمله الحرص على أن أكل من الشجرة ، وإيّاكم والحسد فإنّ قابيل ابن آدم حمله الحسد على قتل أخيه هابيل ، والحاسد جاحد لأنّه لم يرض بقضاء الله .

واعلم أنّ الحسود لا يسود ، وجاء في تأويل قوله تعالى :( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ) (٢) ، قيل : ما بطن الحسد ، وقال تعالى في بعض كتبه [المنزلة](٣) :الحاسد عدوّ نعمتي ، والحسد يبين في الحاسد قبل المحسود .

____________

(١) الفلق : ٥ـ١ .

(٢) الأعراف : ٣٣ .

(٣) أثبتناه من ( ب ) .


وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام :لله درّ الحسد ما أعدله ، بدأ بصاحبه فقتله (١) .

وقال بعضهم : الحمد لله الذي لم يجعل في قلوب الأُمراء والولاة ما في قلب الحاسد ، فكان يهلك الناس جميعاً .

وروي أنّ في السماء الخامسة ملكاً تمرّ به الأعمال ، فربما مرّ به عمل كالشمس يضيء نوراً فيرده ويقول : هذا فيه حسد فاضربوا به وجه صاحبه ، وما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم إلاّ الحاسد ، وكل أحد في رضاه سبيل إلاّ الحاسد لا طريق إلى رضاه ؛ لأنّه لا يرضيه إلاّ زوال نعمة المحسود .

ومن علامة الحاسد أنّه يشمت بزوال نعمة الذي يحسده ومصائبه ، ومن علامته أيضاً أنّه يتملّق إذا حضر ، ويغتابه إذا غاب عنه من يحسد .

وروي أنّ موسىعليه‌السلام رأى رجلاً عند العرش فغبطه وقال : يا ربّ بم نال هذا ما هو فيه من سكناه تحت ظلال عرشك ؟ فقال : إنّه لم يكن يحسد الناس .

والحاسد إذا رأى نعمة بهت ، وإذا رأى عثرة شمت ، وينبغي لمَن أراد السلامة من الحاسد أن يكتم عنه نعمته ، وأعظم الأخلاق المذمومة الحسد والغيبة والكذب ، فإذا كان الحاسد همّه نشر خصائل المحسود فإنّه ينشر فضائله من حيث لا يعلم ، ولقد أحسن الشاعر في قوله :

وإذا أراد الله نشر فضيلةٍ

طُويت أتاحَ لها لسان حسودِ

ولقد أحسن الشاعر أيضاً :

وكيف يرجى ودّ حسود (٢) نعمة

إذا كان لا يرضيه إلاّ زوالها

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ،

____________

(١) البحار ٧٣ : ٢٤١ .

(٢) في ( ب ) : حاسد .


فلا تحاسدوا (١) .

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام :ولا تحاسدوا فإنّ الحسد يأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب (٢) .

وإذا كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأمير المؤمنينعليه‌السلام قد شهدا بأنّ الحسد يأكل الإيمان والحسنات فأيّ شيء يبقى مع العبد مع(٣) ذهاب الإيمان والحسنات ، فتحرّروا منه تستريح قلوبكم وأبدانكم من التعب والإثم ، ولقد سرّني أنّني قد مثلت في نفسي أنّ عينيّ(٤) لو تحوّلتا إلى رأس غيري لم أحسده ، إذ قد فات الأمر في ذلك ولم يبق إلاّ الصبر والاحتساب ، وأنّ الحزن والحسد بعد فوات ذلك مصيبة ثانية .

فتمثّلوا رحمكم الله آخر الأمر تستريحوا وتفوزوا ، فالعاقل يحسب آخر الأمور فيقف عندها ولا يتجاوزها ، ومتى كان الغالب على القلب الفكر وعلى اللسان الذكر ، فإنّ العبد لا يتخلّى مع ذلك لحسد ولا لشيء من المعاصي وغيرها ، وأنّ الذكر والفكر سيف قاطع لرأس كل شيطان من الجن والإنس ، وجنّة واقية من الغفلة ، وخير الذكر الخفي .

____________

(١) المجازات النبويّة : ٢١٠ ح ١٩٣ ، عنه البحار ٧٣ : ٢٥٧ ح ٣٠ .

(٢) تحف العقول : ١٠١ ، عنه البحار ٧٧ : ٢٩١ ح ٢ .

(٣) في ( ج ) : بعد .

(٤) في ( ج ) : إنّ عقلي لو تحوّل .


الباب الثاني والأربعون : في فراسة المؤمن

قال الله تعالى :( إنّ في ذلك لآيات للمتوسّمين ) (١) ، قيل : المتفرّسون .

قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :اتقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور الله (٢) يعني ينظر بنور وهبه الله له .

وروي عن أُويسرحمه‌الله أنّه لما قصده حيان بن هرم قال له حين رآه : السلام عليك يا أخي حيان بن هرم ، فقال له : من أين لك معرفتي ولم ترني ؟ فقال له : المؤمن ينظر بنور الله ، وإنّ أرواح المؤمنين تسام كما تسام الخيل .

والفراسة أنوار سطعت في القلوب لحقائق الإيمان ، ومعرفة تمكّنت في النفوس فصدرت من حال إلى حال حتّى شهدت الأشياء من حيث أشهدها سيّدها ومولاها ، فنطقت عن ضمائر قوم وأمسكت عن آخرين ، والفراسة أيضاً نتيجة اليقين ، وطريق المؤمنين .

____________

(١) الحجر : ٧٥ .

(٢) بصائر الدرجات : ٣٧٧ ح ١٠ ، عنه البحار ٦٧ : ٧٤ ح ٤ .


وسُئل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن قوله تعالى :( فمَن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ) (١) قال :يقذف في قلبه نوراً فينشرح ويتوسّع .

والتفرّس من خواص أهل الإيمان ، سطعت في قلبه أنواراً فأدرك بها المعاني ، ومَن غضّ بصره عن المحارم ، وأمسك نفسه عن الشهوات ، وعمّر باطنه بصفاء السريرة ومراقبة الله تعالى ، وظاهره باتباع الكتاب والسنّة ، ولم تدخل معدته الحرام ، وخرس لسانه من الكذب والغيبة ولغو القول لم تخط فراسته .

وينبغي لمن جالس أهل الصدق أن يعاملهم بالصدق ، فإنّ قلوبهم جواسيس القلوب ، وينبغي الكون معهم لقوله تعالى :( يا أيّها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) (٢) ، يعني المعلوم لهم الصدق ، وهم أهل بيت محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أجمعين .

والدليل على صدقهم قوله تعالى :( إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً ) (٣) ، والكذب أيضاً رجس .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا أبداً ، كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، وأنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض .

فأمر باتباعهم إلى يوم القيامة ، فدلّ ذلك على أنّ كل زمان يكون منهم من يقوم بالكتاب والعمل به في تفسيره وتفصيل حلاله وحرامه ، ولم يقل بذلك سوى الشيعة الاثنى عشرية فدلّ هذا التفصيل على صدقهم أيضاً فيجب الكون معهم ، وأنّ الصدق مفتاح كل خير ، ومغلاق باب كل سوء ، وما لزمه إلاّ كل مَن نجى من ورطات الذنوب وفضيحات العيوب .

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : الصادق على شرف منجاة ، والكاذب على

____________

(١) الأنعام : ١٢٥ .

(٢) التوبة : ١١٩ .

(٣) الأحزاب : ٣٣ .


شفا مهواة ومهانة(١) .

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :لا يزال العبد يصدق حتّى يكتبه الله صدّيقاً ، ولا يزال يكذب حتّى يكتبه الله كذّاباً (٢) .

والصدق عماد الدين ونجاة المسلمين ، وهو تالي درجة النبوة ، ورأس الفتوّة ، وموجب مرافقة النبيين ، قال الله تعالى :( فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً ) (٣) .

والصادق اسم لازم للصدق ، والصدّيق المبالغ فيه ، المتحرّي له في أقواله وأفعاله وكل حالاته التي تصدق قوله فعله ، ومَن أراد أن يكون الله معه فليلزم الصدق ، فإنّ الله تعالى يقول :( إنّ الله مع الصادقين ) .

والمداهن لا يشمّ رائحة الجنّة ، والصادق الذي لو كشف سرّه لما خالف ظاهره ، وقد قال الله تعالى :( فتمنّوا الموت إن كنتم صادقين ) (٤) ، يعني في أنّكم أحبّاء الله وأولياؤه ؛ لأنّ الحبيب يتمنّى لقاء حبيبه .

والصدق علامة صحّة المعرفة والمهابة والمراقبة له لمشاهدته حال المخلوقين في أسرارهم وخلواتهم ، ومعاملة الله تعالى بالصدق ساعةً خير من الضرب بالسيف في سبيل الله سنةً ، ومَن عامل الله تعالى بالصدق في عباده أعطاه الله من نور الفراسة ما يبصر به كل شيء من عجائب الدنيا والآخرة ، فعليكم بالصدق من حيث يضرّكم فإنّه ينفعكم ، وإيّاكم والكذب من حيث ينفعكم فإنّه يضرّكم .

وعلامة الكذب(٥) تبرّعه باليمين من غير أن يحلّفه أحد ، فإنّه لا يحلف الرجل

____________

(١) تحف العقول : ١٠١ ، عنه البحار ٧٧ : ٢٩٤ ح ٢ .

(٢) الكافي ٢ : ٣٣٨ ح ٢ ، عنه البحار ٧٢ : ٢٣٥ ح ٢ .

(٣) النساء : ٦٩ .

(٤) الجمعة : ٦ .

(٥) في ( ب ) : الكذّاب .


في حديثه إلاّ لأحدى خصال ثلاث : إمّا لعلمه أنّ الناس لا يصدّقونه إلاّ إذا حلف لمهانته عندهم ، أو لتدليس كذبه عندهم ، أو لغو في النطق يتّخذ حلفه حشو في كلامه .

والصدق مجلبة للرزق ، لقولهعليه‌السلام : الصحّة والصدق يجلبان الرزق والصدق هو أصل الفراسة ، والفراسة الصادقة هي أوّل خاطر من غير معارض ، فإن عرض عارض فهو من وساوس النفس .

وجاء في قوله تعالى :( أومن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس ) (١) ، أي ميت الذهن ، فأحياه الله بنور الإيمان والفراسة ، وقوله :( كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ) (٢) ، يعني الكافر في ظلمات كفره لا نور له ولا فراسة ولا سبب يستضيء به عند ظلمة نفسه ، فاعتبروا يا أُولي الأبصار .

____________

(١) الأنعام : ١٢٢ .

(٢) الأنعام : ١٢٢ .


الباب الثالث والأربعون : في حسن الخُلُق وثوابه

قال الله تعالى لنبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( وإنّك لعلى خلق عظيم ) (١) ، مادحاً له بذلك وكفى بذلك مدحة .

وقيل : إنّ سبب نزول هذا الآية أنّه كان قد لبس برداً نجرانياً ذا حاشية قويّة ، فبينما هو يمشي إذ جذبه أعرابي من خلفه فحزّت في عنقه ، وقال له : أعطني عطائي يا محمد ، فالتفت إليه صلوات الله عليه وآله متبسّماً وأمر له بعطائه ، فنزل قوله تعالى :( وإنّك لعلى خُلُقٍ عظيم ) ، فمدحه الله بهذه مدحة لم يمدح بها أحداً من خلقه .

وسئل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أيّ المؤمنين أفضلهم ايماناً ؟ فقال : أحسنهم خلقاً(٢) .

وقال الصادقعليه‌السلام : أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً(٣) .

____________

(١) القلم : ٤ .

(٢) راجع البحار ٧١ : ٣٩٥ ح ٧٠ .

(٣) أمالي الطوسي : ١٣٩ ح٤٠ مجلس : ٥ ، عنه البحار ٧١ : ٣٨٩ ح ٤٤ .


وقال : إنّ الصبر والصدق وحسن الخلق والحلم من أخلاق الأنبياء(١) . وما يوضع في ميزان امرئ يوم القيامة شيء أفضل من حسن الخلق (٢) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :إنّ الخلق الحسن يذيب الخطيئة كما تذيب الشمس الجليد ، وإنّ الخلق السيئ يفسد العمل كما يفسد الخلّ العسل (٣) .

وقال :إنّ حسن الخلق ينبت (٤) المودّة ، وحسن البِشْر يذهب بالسخيمة ، ومن أيقن بالخلف سخت (٥) نفسه بالنفقة ، فاستنزلوا الرزق بالصدقة ، وإيّاكم أن يمنع أحدكم من [ذي] حق [حقّه] فينفق مثله في معصية .

وقال :إنّ حسن الخلق يبلغ درجة الصائم القائم (٦) .

وقالعليه‌السلام :إنّ الله يعطي العبد على حسن خلقه من الثواب كما يعطي المجاهد في سبيل الله (٧) .

وقال :الرفق يمن ، والخرق شؤم (٨) .

وقال :أقربكم منّي غداً في الموقف أصدقكم للحديث ، وأداكم للأمانة ، وأوفاكم بالعهد ، وأحسنكم خلقاً (٩) .

وقال :يا بني عبد المطلب أفشوا السلام ، وصلوا الأرحام ، وأطعموا الطعام ، وأطيبوا الكلام ، تدخلوا الجنّة بسلام (١٠) .

____________

(١) الخصال : ٢٥١ ح ١٢١ باب ٤ ، عنه البحار ٧٤ : ٣٩٤ ح ١٧ .

(٢) الكافي ٢ : ٩٩ ح ٢ ، عنه البحار ٧١ : ٣٧٤ ح ٢ .

(٣) راجع البحار ٧١ : ٣٩٥ ح ٧٤ .

(٤) في ( ج ) : يثبت .

(٥) في ( ب ) : سمحت .

(٦) الكافي ٢ : ١٠٣ ح ١٨ ، عنه البحار ٧١ : ٣٨١ ح ١٦ .

(٧) الكافي ٢ : ١٠١ ح ١٢ ، عنه البحار ٧١ : ٣٧٧ ح ١٠ .

(٨) الكافي ٢ : ١١٩ ح ٤ ، عنه البحار ٧٥ : ٥٩ ح ٢٣ .

(٩) روضة الواعظين : ٣٧٧ ، والبحار ٦٩ : ٣٨١ ح ٤١ نحوه .

(١٠) المحاسن ٢ : ١٤١ ح ٣ ، عنه البحار ٧٤ : ١٠ ح ٤٠ .


وقال أبو حمزة الثمالي : قال علي بن الحسينعليه‌السلام :إنّ أحبّكم إلى الله أحسنكم خلقاً ، وأعظمكم عملاً أشدّكم فيما عند الله رغبة ، وأبعدكم من عذاب الله أشدّكم خشية ، وأكرمكم عند الله أتقاكم (١) .

وقال الصادقعليه‌السلام لجراح المدائني :ألا [أُحدّثك] (٢) بمكارم الأخلاق ؟ قال : بلى ، قال :الصفح عن الناس ، ومواساة الرجل أخاه في الله ، وذكر الله كثيراً (٣) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :أحلم الناس الذين إذا غضبوا عفوا ، وأصبرهم أكظمهم للغيظ ، وأغناهم أرضاهم بما قسّم الله ، وأحبّهم إلى الله أكثرهم ذكراً ، وأعدلهم مَن أعطى الحق من نفسه ، وأحبّ للمسلمين ما يحبّ لنفسه ، وكره لهم ما يكره لنفسه .

وقال الحسين بن عطية : قال أبو الحسنعليه‌السلام :مكارم الأخلاق عشرة ، فإن استطعت أن تكون فيك فلتكن فإنّها تكون في الرجل ولا تكون في ولده ، وتكون في ولده ولا تكون فيه ، وتكون في العبد ولا تكون في الحر : صدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وإقراء الضيف ، وإعطاء السائل ، والمكافاة على الصنائع ، والتذمّم للجار وللصاحب ، ورأسهنّ الحياء وكثرة الذكر (٤) .

وقال أبو عبد اللهعليه‌السلام :مَن صدق لسانه زكى عمله ، ومَن حسنت نيّته زيد في رزقه ، ومَن حسن برّه بأهل بيته مدّ في عمره (٥) .

وقالعليه‌السلام :لا تغتروا بصلاتهم وصيامهم ، فإنّ الرجل ربّما لهج

____________

(١) راجع البحار ١٠٤ : ٧٣ ح ٢٥ .

(٢) أثبتناه من ( ب ) ، وفي ( ألف ) و ( ج ) : أُحدّثكم .

(٣) معاني الأخبار : ١٩١ ح٢ ، عنه البحار ٦٩ : ٣٧٢ ح ١٨ .

(٤) الكافي ٢ : ٥٥ ح ١ ، عنه البحار ٧٠ : ٣٦٧ ح ١٧ .

(٥) الكافي ٢ : ١٠٥ ح ١١ ، عنه البحار ٧١ : ٨ ح ٩ .


بالصلاة والصيام حتّى لو تركها استوحش لذلك ، ولكن اختبروهم عند صدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الأرحام ، والبرّ بالإخوان (١) .

قيل للأحنف بن قيس : ممّن تعلّمت الحلم ؟ فقال : من قيس بن عاصم المنقري ، قال : كان عنده ضيف فجاءت جارية بشواء في سفود(٢) ، فوقع على ابن له فمات من ساعته ، فدهشت الجارية فقال لها : لا روع ولا خوف ولا جزع عليك ، وأنت حرّة لوجه الله .

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :إنّكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم ببسط الوجه ، وحسن الخلق (٣) .

وعنهعليه‌السلام :ثلاثة لا تعرف إلاّ في ثلاثة : لا يعرف الحليم إلاّ في الغضب ، ولا الشجاع إلاّ عند الحرب ، ولا الأخ إلاّ عند الحاجة (٤) .

وتبع الأحنف رجل يشتمه في طريقه ، فلمّا قرب من داره قال له : يا هذا إن كان بقي في نفسك شيء فقله قبل أن يسمعك خدمي وقومي فيقتلوك .

ودعا علي بن الحسينعليه‌السلام عبداً له فلم يجبه مرات ، فقال له : ما منعك من جوابي ؟ فقال :أمنت عقوبتك ، فقال : امض فأنت حرٌّ لوجه الله تعالى (٥) .

ومن حسن الخلق أنّ العبد يعطي الناس من نفسه ما يحبّ أن يعطوه من أنفسهم ، وهو أيضاً احتمال ما يقع من جفاء الناس ، واحتمالهم من غير ضجر ولا حرد ، وقال موسىعليه‌السلام في مناجاته :أسألك يا ربّ أن لا يقال فيّ ما ليس فيّ ، فقال : يا موسى ما فعلت هذا لنفسي فكيف لك ؟! .

____________

(١) الكافي ٢ : ١٠٤ ح ٢ ، عنه البحار ٧١ : ٢ ح ٢ .

(٢) السَّفُود والسُّفُود ـ بالتشديد : حديدة ذات شعب مُعَقَّفَة معروف يُشوى به اللحم ، وجمعه سفافيد (لسان العرب) .

(٣) مجموعة ورام ١ : ٩٠ ، وروضة الواعظين : ٣٧٦ .

(٤) تحف العقول : ٢٣٣ ، عنه البحار ٧٨ : ٢٢٩ ح ٩ .

(٥) إرشاد المفيد : ٢٥٨ ، عنه البحار ٤٦ : ٥٦ ح ٦ نحوه .


والخلق الحسن احتمال المكروه مع بسط الوجه وتبسّم السنّ ، وسُئل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن الشؤم ، فقال :سوء الخلق (١) .

وقيل : يا رسول الله ادع الله على المشركين يهلكهم الله ، قال :إنّما بعثت رحمة لا عذاباً .

وقال رجل للرضاعليه‌السلام : ما حد حسن الخلق ؟ فقال :أن تعطي الناس من نفسك ما تحبّ أن يعطوك مثله ، فقال : ما حدّ التوكّل ؟ فقال :أن لا تخاف مع الله أحداً ، فقال : أُحب أن أعرف كيف أنا عندك ، فقال :انظر كيف أنا عندك (٢) .

وقال المتوكّل لعليّ الهاديعليه‌السلام كلاماً يعاتبه ويلومه فيه ، فقال له :لا تطلب الصفو ممّن كدرت عليه ، ولا الوفاء ممّن صرفت سوء ظنّك إليه ، فإنّما قلب غيرك لك كقلبك له (٣) .

وقالعليه‌السلام :لا يكمل المؤمن إيمانه حتّى تكون فيه ثلاث خصال ، خصلة من ربّه ، وخصلة من نبيّه ، وخصلة من إمامه ، فأمّا التي من ربّه : فكتمان السرّ فإنّه قال تعالى : ( فلا يظهر على غيبه أحد * إلاّ مَن ارتضى من رسول ) (٤) . وأمّا من نبيه : [فمداراة الناس] (٥) ، فانّه قال تعالى : ( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ) (٦) ، وأمّا من إمامه : فالصبر على البأساء والضرّاء فإنّ الله تعالى يقول : ( والصابرين في البأساء والضرّاء ) (٧) .

ومن حسن الخلق أن يكون الرجل كثير الحياء ، قليل الأذى ، صدوق

____________

(١) مجموعة ورام ١ : ٨٩ .

(٢) أمالي الصدوق : ١٩٩ ح ٨ مجلس : ٤٢ ، عنه البحار ٧١ : ١٣٤ ح ١١ .

(٣) راجع البحار ٧٤ : ١٨٢ ح ٨ ، عن الدرة الباهرة .

(٤) الجن : ٢٦ـ٢٧ .

(٥) أثبتناه من الخصال .

(٦) الأعراف : ١٩٩ .

(٧) الخصال : ٨٢ ح ٧ باب ٣ ، عنه البحار ٧٥ : ٤١٧ ح ٧١ ، والآية في سورة البقرة : ١٧٧ .


اللسان ، قليل الكذب ، كثير العمل ، قليل الزلل ، وقوراً صبوراً ، [رضيّاً](١) تقيّاً شكوراً ، رفيقاً عفيفاً شفيقاً ، لا نمّام ولا غيّاب ولا مغتاب ، ولا عجول ولا حسود ولا بخيل ، يحبّ في الله ، ويبغض في الله ، ويعطي في الله ، [ويمنع في الله](٢) ، ويرضى في الله ، ويسخط في الله ، يحسن ويبكي كما أنّ المنافق يُسيء ويضحك .

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ أقرب الناس إلى الله تعالى يوم القيامة مَن طال جوعه وعطشه وحزنه في الدنيا ، فهم الأتقياء الأنقياء الذين إذا شهدوا لم يعرفوا ، وإذا غابوا لم يفقدوا ، تعرفهم بقاع الأرض ، وتحفّ بهم ملائكة السماء ، ينعم الناس بالدنيا وتنعّموا بذكر الله .

افترش الناس الفرش وافترشوا الجباه والركب ، وَسَعُوا الناس بأخلاقهم ، تبكي الأرض لفقدهم ، ويسخط الله على بلد ليس فيها منهم أحد ، لم يتكالبوا على الدنيا تكالب الكلاب على الجيف ، شعثاً غبراً تراهم الناس فيظنّون أنّ بهم داء وقد خولطوا أو ذهبت عقولهم ، وما ذهبت بل نظروا إلى أهوال الآخرة فزال حبّ الدنيا عن قلوبهم ، عقلوا حيث ذهبت عقول الناس ، فكونوا أمثالهم(٣) .

وقال أبو عبد اللهعليه‌السلام :مكارم الدنيا والآخرة أن تصل مَن قطعك ، وتعطي مَن حرمك ، وتعفو عمّن ظلمك (٤) .

____________

(١) أثبتناه من ( ب ) و (ج ) .

(٢) أثبتناه من ( ج ) .

(٣) مجموعة ورام ١ : ١٠٠ .

(٤) الكافي ٢ : ١٠٧ ح ٣ ، عنه البحار ٧١ : ٣٩٩ ح ٣ ، وفيه : تحلم إذا جهل عليك .


الباب الرابع والأربعون : في السخاء والجود في الله تعالى

قال الله تعالى :( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ) (١) .

وقال سبحانه :( ويطعمون الطعام على حبّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً ) (٢) .

فمدح سبحانه أهل الإيثار وان كان بهم خصاصة ، والمعطين(٣) الطعام على حبه ، قيل : على حب الطعام ، وقيل : على حب الله تعالى ، ويجوز أن يكون على حبّهما معاً ، وهذه الآية نزلت في عليّ وفاطمة والحسن والحسين (صلوات الله عليهم) بلا خلاف .

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :السخي قريب من الله ، قريب من الناس ، [قريب من الجنّة] (٤) ، وبعيد من النار والبخيل بعيد من الله ، بعيد من الناس ، [بعيد

____________

(١) الحشر : ٩ .

(٢) الإنسان : ٨ .

(٣) في ( ب ) و ( ج ) : المطعمين .

(٤) أثبتناه من ( ج ) .


من الجنة] (١) ، قريب من النار ؛ والجاهل السخي أحب إلى الله من العابد البخيل (٢) .

ولا فرق بين الجود والسخاء ، ولا يسمّى الله تعالى بالسخي لعدم التوقيف على ذلك من كلامه أو كلام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجلّ كلام العلماء .

وقال علي بن الحسينعليهما‌السلام :إنّي لأبادر إلى قضاء حاجة عدوّي خوفاً أن يقضيها له غيري أو أن يستغني (٣) .

وقال آخر : ما أحب أن أرد أحداً عن حاجة ، إمّا أن يكون كريماً فأصون عرضه ، أو لئيماً فأصون عرضي .

وقال رجل لرجل : من أين أنت ؟ فقال : أنا من المدينة ، فقال له : لقد أغنانا رجل منكم سكن عندنا وذكره له ، فقال له : إنّه أتاكم ولا مال له ، فقال : ما أغنانا بماله ولكن علّمنا الكرم فجاد بعضنا على بعض .

وروي أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام إذا أتاه طالب في حاجة فقال له :اكتبها على الأرض فإنّي أكره أن أرى ذلّ السؤال في وجه السائل (٤) .

وجاء رجل إلى الرضاعليه‌السلام فقال : يا ابن رسول الله قد نفذت نفقتي ولم يبق معي ما يوصلني إلى أهلي ، فأقرضني وأنا أتصدّق به عنك ، فدخل داره وأخرج يده من الباب وقال :خذ هذه الصرّة ـ وكان فيها مائتي دينار ـ وقال :لا حاجة لنا إلى صدقتك ، فقال له : يا ابن رسول الله لم لا تخرج وجهك ؟ فقال :نحن أهل بيت لا نرى ذلّ السؤال في وجه السائل (٥) .

وسأل رجل الحسن بن عليّعليهما‌السلام شيئاً فأعطاه خمسين ألف درهم

____________

(١) أثبتناه من ( ج ) .

(٢) عنه معالم الزلفى : ٣٢٢ ، ونحوه في مجموعة ورام ١ : ١٧١ ، وروضة الواعظين : ٣٨٥ .

(٣) في البحار ٧٨ : ٢٠٧ ح ٦٤ ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام نحوه .

(٤) عنه مستدرك الوسائل ٧ : ٢٣٨ ح ٨١٣١ .

(٥) الكافي ٤ : ٢٣ ح ٣ ، عنه البحار ٤٩ : ١٠١ ح ١٩ بتفصيل أكثر .


وأعطى الجمال طيلسانة وكراه وقال :تمام المروّة إعطاء الأجرة لحمل الصدقة .

وقيل إنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام بكى يوماً فسألوه عن سبب بكائه فقال :لنا سبعة أيام لم يأتنا ضيف (١) وما كانوا يبنون بيتاً إلاّ وفيه موضع الضيافة ، وضيف الكريم كريم .

وأربعة أشياء لا ينبغي للرجل أن يأنف منها ، قيام الرجل في مجلسه لأبيه وإجلاسه فيه ، وخدمة الرجل لضيفه ، وخدمة العالم لمَن يتعلّم منه ، والسؤال عمّا لا يعلم ، وكانوا يخدمون الضيف فإذا أراد الرحيل لم يعينوه على رحيله كراهة لرحلته ، وأعظم الجود الإيثار مع الضرورة الشديدة ، كما آثر آل محمد عليه وعليهم السلام بالقرص عند حضور إفطارهم وباتوا طاوين ، فمدحهم الله سبحانه وتعالى بسورة هل أتى .

قال مصنف هذا الكتاب : ينبغي للعبد أن يكون الغالب عليه الإيثار ، والسخاء ، والرحمة للخلق ، والإحسان إليهم ، فإنّ هذه أخلاق الأولياء ، وهو أصل من أصول النجاة والقرب من الله تعالى ، فقد قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :السخاء شجرة من شجر الجنة من تعلّق بغصن (٢) منها فقد نجى .

وقال جبرئيلعليه‌السلام : قال الله تعالى :هذا دين ارتضيته لنفسي ولا يصلحه إلاّ السخاء وحسن الخلق ، فالزموهما ما استطعتم (٣) .

وقالعليه‌السلام :جبل الله أولياءه على السخاء وحسن الخلق (٤) .

وقالوا : يا رسول الله أي الأعمال أفضل ؟ فقال :السخاء وحسن الخُلُق ، فألزموهما تفوزوا .

____________

(١) راجع إحياء العلوم للغزالي ٣ : ٢٣٩ ، حكايات الأسخياء .

(٢) في ( ألف ) : ببعض منها .

(٣) مجموعة ورام ١ : ١٧٠ .

(٤) مجموعة ورام ١ : ١٧٠ .


وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :الرزق إلى السخي أسرع من السكين إلى ذروة البعير ، وإنّ الله تعالى يباهي بمطعم الطعام الملائكة (١) .

وقال :خلقان يحبهما الله : السخاء وحسن الخلق ، وخلقان يبغضهما الله : البخل وسوء الخلق (٢)

ولقد جمع الله تعالى ذلك في قوله :( ومن يوق شحّ نفسه فأولئك هم المفلحون ) (٣) .

وروي أنّ بني عبد الله بن جعفر بن أبي طالب لاموه في كثرة عطائه ، فقال : يا بني إنّ الله عوّدني أن يمدني وعوّدته أن أجود به على خلقه ، فأخاف أن أقطع العادة فيقطع(٤) المادة .

وروي أنّه دخل ذات يوم إلى حائط له وفيه عبد لجاره وبين يديه ثلاثة أقراص ، فدخل إليه كلب فرمى له بواحد ثم الآخر ثم الآخر ، فقال له : هلاّ أكلت منها وأطعمته ؟ فقال : إنّه غريب جائع فآثرته على نفسي ، فقال عبد الله : تلوموني على السخاء وهذا أسخى منّي ، ثم اشتراه وأعتقه وملكه الحائط(٥) .

والعجب لمَن يبخل بالدنيا وهي مقبلة فإنّ الجود لا يفنيها ، أو هي مدبرة فإنّ البخل لا يبقيها ، ولقد أحسن مَن قال :

إذا جادت الدنيا عليك فجد بها

على الناس طرّاً قبل أن تتفلّتِ

فلا الجود يفنيها إذا هي أقبلت

ولا البخل يبقيها إذا هي ولّتِ

وروي أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام قال لكميل بن زياد :يا كميل مر أهلك أن يروحوا في المكارم ، ويدلجوا في حاجة مَن هو نائم ، فو الذي وسع سمعه

____________

(١) مجموعة ورام ١ : ١٧١ .

(٢) مجموعة ورام ١ : ١٧٠ نحوه .

(٣) الحشر : ٩ .

(٤) في ( ج ) : فتنقطع .

(٥) مجموعة ورام ١ : ١٧٣ نحوه .


الأصوات ما من أحد أودع قلباً سروراً إلاّ وخلق الله من ذلك السرور لطفاً ، إذا نابته نائبة انحدر عليها كالسيل في انحداره ، فيطردها كما يطرد غرائب الإبل (١) .

وقالعليه‌السلام :تنافسوا إلى المكارم ، وسارعوا إلى الغنائم ، واعلموا أنّ حوائج الناس إليكم من نعمة الله تعالى (٢) عليكم ، وأجود الناس مَن يعطي مَن لا يرجوه ، ومَن نفّس عن مؤمن كربة نفّس الله عنه اثنين وسبعين كربة من كرب الدنيا ، واثنين وسبعين كربة من كرب الآخرة ، ومَن أحسن أحسن الله إليه ، والله يحب المحسنين .

وقالعليه‌السلام :مَن تيقّن أنّ الله يخلف ما ينفقه لم يمسك عن الإنفاق .

وروي أنّ الشمس كل يوم تطلع على قرني ملك ينادي : اللهم عجّل لكل منفق خلفاً ، ولكل ممسك تلفاً(٣) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :مَن أكرم الضيف فقد (٤) أكرم سبعين نبيّاً ، ومَن أنفق على الضيف درهماً فكأنّما أنفق ألف ألف دينار في سبيل الله عزّ وجل .

وقال أبو عبد اللهعليه‌السلام :أتدري ما الشحيح ؟ قلت : هو البخيل ، قال :الشح أشد من البخل ، إنّ البخيل يبخل بما في يده والشحيح على ما في أيدي الناس وعلى ما في يديه حتّى لا يرى في أيدي الناس شيئاً إلاّ تمنّى أن يكون له بالحلّ والحرام ، ولا يشبع ولا ينتفع (٥) بما رزقه الله (٦) .

وللبخيل ثلاث علامات : يخاف من الجوع ، ويخاف من سائل يأتيه ، ويرحب باللسان مع إخوان الخير ، وللسخي ثلاث علامات : العفو بعد القدرة ،

____________

(١) نهج البلاغة : قصار الحكم ٢٥٧ ، عنه البحار ٧٤ : ٣١٨ ح ٨٢ .

(٢) في ( ألف ) و ( ج ) : من نعمته .

(٣) كنز العمال ٦ : ٣٧٤ ح ١٦١٢٢ نحوه .

(٤) في ( ب ) : فكأنّما .

(٥) في ( ب ) و ( ج ) : يقنع .

(٦) تحف العقول : ٢٧٧ ، عنه البحار ٧٨ : ٢٥٦ ح١٣٠ .


وإخراج الزكاة ، وحب الصدقات .

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :لمّا خلق الله الجنّة قالت : يا ربّ لمن خلقتني ؟ قال : لكل سخيّ تقيّ ، قالت : رضيت يا رب (١) .

وقيل : إنّ رجلاً سأل الصادقعليه‌السلام فقال : يا ابن رسول الله ما حد التدبير والتبذير والتقتير ؟ فقال :التبذير أن تتصدّق بجميع مالك ، والتدبير أن تنفق بعضه ، [والتقتير أن لا تنفق من مالك شيئاً] (٢) ، فقال : زدني بياناً يا ابن رسول الله .

[قال :] (٣) فقبض صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبضة من الأرض وفرّق أصابعه ثم فتح كفّه فلم يبق في يده شيئاً ، فقال : هذا التبذير ، ثم قبض قبضة أخرى وفرّق أصابعه فنزل البعض وبقي البعض فقال : هذا التدبير ، ثم قبض قبضة أخرى وضمّ كفّه حتّى لم ينزل منه شيء فقال : هذا التقتير .

وقالعليه‌السلام :المؤمن مَن كان بماله متبرّعاً وعن مال غيره متورّعاً .

وقالعليه‌السلام :السخاء اسم شجرة في الجنّة ترفع يوم القيامة كل سخي إلى الجنّة بأغصانها ، والبخل اسم شجرة في النار تقود بأغصانها كل بخيل إلى النار (٤) .

وقالعليه‌السلام :رأيت على باب الجنّة مكتوب : أنت محرمة على كل بخيل ومرائي وعاق ونمّام .

____________

(١) عنه مستدرك الوسائل ٧ : ١٨ ح ٧٥٢٦ ، ومعالم الزلفى : ٣٢٢ .

(٢) أثبتناه من ( ج ) .

(٣) أثبتناه من ( ج ) .

(٤) مجموعة ورام ١ : ١٧٠ نحوه ، ومعالم الزلفى : ٣٢٢ .


الباب الخامس والأربعون : في سؤال أبي ذرّ للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

قال أبو ذر (رحمة الله عليه) : دخلت يوماً على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو في المسجد(١) جالس وحده ، فاغتنمت وحدته فقال :يا أبا ذر إنّ للمسجد تحيّة ، فقلت : وما تحيّته يا رسول الله ؟ فقال : ركعتان ، فركعتهما ثم التفتّ إليه فقلت : يا رسول الله أمرتني بالصلاة فما حدّ الصلاة ؟ قال :خير موضوع فمَن شاء أقلّ ومَن شاء أكثر .

فقلت : يا رسول الله أيّ الأعمال أحب إلى الله تعالى ، قال : الإيمان بالله ، ثم الجهاد في سبيله ، قلت : يا رسول الله أيّ المؤمنين أكمل إيماناً ؟ قال : أحسنهم خلقاً ، قلت : فأيّ المؤمنين أفضل ؟ قال :مَن سلم المسلمون من لسانه ويده ، قلت : فأيّ الهجرة أفضل ؟ قال :من هجر السوء ، قلت : فأيّ [وقت من](٢) الليل أفضل ؟ قال :جوف الليل الغابر .

____________

(١) في ( ألف ) و ( ج ) : المجلس .

(٢) أثبتناه من ( ج ) .


قلت : أيّ الصلاة أفضل ؟ قال :طول القنوت ، قلت : أيّ الصدقة أفضل ؟ قال :جهد من مقلّ إلى فقير في سرّ ، قلت : فما الصوم ؟ قال :فرض مجز وعند الله أضعاف ذلك ، قلت : فأيّ الرقاب أفضل ؟ قال :أغلاها ثمناً وأنفسها عند أهلها ، قلت : فأيّ الجهاد أفضل ؟ قال :من عقر جواده وأهرق دمه .

قلت : فأيّ آية أنزلها عليك أفضل وأعظم ؟ قال : آية الكرسي، قلت : يا رسول الله ما كانت صحف إبراهيم عليه‌السلام ؟ قال : كانت أمثالاً كلّها ، أيّها الملك المغرور المسلّط المبتلى إنّي لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض ، ولكن بعثتك لترد عنّي دعوة مظلوم فإنّي لا أردّها وإن كانت من كافر أو فاجر ففجوره على نفسه .

وكان فيها أمثالاً ، وعلى العاقل ما لم يكن مغلوباً على عقله أن يكون له أربع ساعات : ساعة يناجي فيها ربّه ، وساعة يفكّر في صنع الله عزّ وجل ، وساعة يحاسب فيها نفسه فيما قدّم وأخّر ، وساعة يخلو فيها لحاجته من الحلال في المطعم والمشرب .

وعلى العاقل أن لا يكون ظاعناً إلاّ في ثلاث : تزوّد لمعاد ، أو مرمّة(١) لمعاش ، أو لذّة في غيرِ ذات محرم ، وعلى العاقل أن يكون بصيراً بزمانه ، مقبلاً على شأنه ، حافظاً للسانه ، ومن حسب كلامه من عمله قلّ كلامه إلاّ فيما يعنيه .

قلت : يا رسول الله فما كانت صحف موسىعليه‌السلام ؟ قال :كانت عبراً كلها ، عجباً لمن أيقن بالموت كيف يفرح ، عجباً لمن أيقن بالنار كيف يضحك ، عجباً لمن أبصر الدنيا وتقلّبها بأهلها حال بعد حال ثم هو يطمئنّ إليها ، عجباً لمن أيقن بالحساب غداً ثم لم يعمل ، قلت : يا رسول الله فهل في الدنيا(٢) شيء ممّا كان في

____________

(١) في ( ج ) : سعي .

(٢) في ( ج ) : في أيدينا .


صحف إبراهيم وموسى ممّا أنزل الله عليك ؟

قال : اقرأ يا أباذر :( قد أفلح من تزكّى * وذكر اسم ربه فصلّى * بل تؤثرون الحياة الدنيا * والآخرة خير وأبقى * إنّ هذا ـ يعني ذكر هذه الأربع آيات ـ لفي الصحف الأُولى * صحف إبراهيم وموسى ) (١) .

قلت : يا رسول الله أوصني ، قال :أوصيك بتقوى الله فإنّه رأس أمرك كلّه ، قلت : يا رسول الله زدني ، قال :عليك بتلاوة القرآن وذكر الله فإنّه ذكر لك في السماء ونور لك في الأرض ، قلت : يا رسول الله زدني ، قال : عليك بالجهاد فإنّه رهبانيّة أُمّتي ، قلت : يا رسول الله زدني ، قال :عليك بالصمت إلاّ من خير فإنّه مطردة للشيطان عنك ، وعون لك على أمر دينك .

قلت : يا رسول الله زدني ، قال :إيّاك وكثرة الضحك فإنّه يميت القلب ، ويذهب بنور الوجه ، قلت : يا رسول الله زدني ، قال :انظر إلى مَن هو تحتك ولا تنظر إلى مَن هو فوقك ، فإنّه أجدر أن لا تزدري نعمة الله تعالى عليك ، قلت : يا رسول الله زدني ، قال :صل قرابتك وإن قطعوك ، وحب المساكين وأكثر مجالستهم .

قلت : يا رسول الله زدني ، قال :لا تخف في الله لومة لائم ، قلت : يا رسول الله زدني ، قال : يا أبا ذر ليردك عن الناس ما تعرف من نفسك ، ولا تجد عليهم فيما تأتي ، وكفى بالرجل عيباً أن يعرف من الناس ما يجهل من نفسه ، ويجد عليهم فيما يأتي ، قال : ثم ضرب على صدري وقال : يا أبا ذر لا عقل كالتدبير ، ولا ورع كالكفّ ، ولا حسب كحسن الخلق (٢) .

وعن أبي عبد اللهعليه‌السلام انّه قال :في خطبة أبي ذر رضي‌الله‌عنه : يا مبتغي العلم لا تشغلك الدنيا ولا أهل ولا مال عن نفسك ، أنت يوم تفارقهم كضيف

____________

(١) الأعلى : ١٩ـ١٤ .

(٢) مجموعة ورام ٢ : ٦٧ ، وكنز العمال ١٦ : ١٣١ ح ٤٤١٥٨ ، وأورده في أعلام الدين : ٢٠٤ .


بتّ فيهم ثم غدوت عنهم إلى غيرهم ، الدنيا والآخرة كمنزل تحوّلت منه إلى غيره ، وما بين البعث والموت إلاّ كنومة نمتها ثم استيقظت منها ، يا جاهل تعلّم العلم فإنّ قلباً ليس فيه علم كالبيت الخراب الذي لا عامر له (١) .

وعن أبي ذر (رحمة الله عليه) قال : يا باغي العلم قدّم لمقامك بين يدي الله عزّ وجل فإنّك مرتهن بعملك كما تدين تدان ، يا باغي العلم صلّ قبل أن لا تقدر على ليل ولا نهار تصلّي فيه ، إنّما مثل الصلاة لصاحبها كمثل رجل دخل على ذي سلطان فأنصت إليه حتّى فرغ من حاجته ، فكذلك المرء المسلم بإذن الله تعالى ما دام في الصلاة ، لم يزل الله عزّ وجل ينظر إليه حتّى يفرغ من صلاته .

يا باغي العلم تصدّق قبل أن لا تقدر تعطي شيئاً ولا تمنعه ، إنّما مثل الصدقة لصاحبها مثل رجل طلبه قوم بدم فقال لهم : لا تقتلوني واضربوا لي أجلاً أسعى في رضاكم ، كذلك المرء المسلم بإذن الله كلّما تصدّق بصدقة حلّ بها عقدة من رقبته حتّى يتوفّى الله أقواماً وهو عنهم راض ، ومَن رضي الله عزّ وجل عنه فقد أُعتق من النار .

يا باغي العلم إنّ هذا اللسان مفتاح خير ومفتاح شرّ ، فاختم على فمك كما تختم على ذهبك وورقك(٢) ، يا باغي العلم إنّ هذه الأمثال ضربها الله عزّ وجل للناس [وقال :](٣) ( وما يعقلها إلاّ العالمون ) (٤) .

يا باغي العلم كأنّ شيئاً من الدنيا لم يكن إلاّ عمل ينفع خيره ويضرّ شرّه إلاّ ما رحم الله عزّ وجل ، يا باغي العلم لا يشغلك أهل ولا مال عن نفسك فلن يغنوا عنك شيئاً(٥) .

____________

(١) مجموعة ورام ٢ : ٦٩ .

(٢) في ( ألف ) : رزقك .

(٣) أثبتناه من ( ج ) .

(٤) العنكبوت : ٤٣ .

(٥) مجموعة ورام ٢ : ٦٦ بحذف الأخير ، وفي أعلام الدين : ٢٠٧ .


الباب السادس والأربعون : في الولاية لله تعالى

قال الله تعالى :( أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) (١) .

فولاية الله معرفته ومعرفة نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومعرفة الأئمّة من أهل بيتهعليهم‌السلام ، وموالاتهم وموالاة كافّة أولياء الله ، [والمعاداة في الله](٢) ومعاداة أعداء الله وأعداء رسوله وأهل بيته ، والتبرّي من كل من لم يدن لهم بدين الإسلام .

وأعظم عرى الإيمان الموالاة في الله والمعاداة في الله ، ولا طريق إلى ذلك إلاّ بعد المعرفة لهم ، وإذا لم يعرف أولياء الله فيواليهم وأعداء الله فيعاديهم ، لا يأمن أن يعادي لله وليّاً أو يوالي لله عدوّاً ، فيخرج بذلك عن طريق الولاية بل عن الإيمان ، وما من شيء من ذلك إلاّ وعليه دلالة من كتاب الله وسنّة نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وشرح ذلك مذكور في كتب العلم .

وينبغي للعاقل الالتزام بعرى الإيمان ، والتحلّي بحلية أهل الولاية ، فمن أراد

____________

(١) يونس : ٦٢ .

(٢) أثبتناه من ( ب ) .


ذلك فليلزم لسانه الذكر ، وقلبه الفكر ، ويعتزل أهل الدنيا ويجالس الصالحين من أهل العلم ، ويتبع آثار الصالحين ، ويقتدي بهداهم من الرفض للدنيا ، ويقنع من العيش بما حضر .

ويتقرب إلى الله بصالح القربات من صلاة النوافل ، والبرّ بالإخوان ، وقضاء حوائجهم وصلتهم ، والإيثار على نفسه بما يقدر عليه ، وصيام الأوقات المندوب إليها ، وصيانة بطنه عن الحرام ، ولسانه عن فضول الكلام ، وليعلم أنّ الله يتولاّه ، فانّه تعالى قال :( وهو يتولّى الصالحين ) (١) ، فحينئذ لا يكله إلى نفسه بل يتولّى عنايته وحوائجه .

وقال سبحانه :فليأذن بحرب منّي مَن آذى عبدي المؤمن ، أو أخاف لي وليّاً (٢) .

وقال سبحانه :ما ترددت في شيء أنا فاعله كترددي في قبض روح عبدي المؤمن ، يكره الموت وأكره مساءته (٣) .

وعن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال :إذا كان يوم القيامة ينادي المنادي : أين المؤذون لأوليائي ؟ فيقوم قوم ليس على وجوههم لحم ، فيقال : هؤلاء الذين آذوا المؤمنين ونصبوا لهم [العداوة] (٤) وعاندوهم وعنّفوهم في دينهم ، ثم يؤمر بهم إلى جهنّم (٥) .

وقالعليه‌السلام :مَن حقّر مؤمناً لم يزل الله عزّ وجل له حاقراً حتّى يرجع عن محقرته إيّاه (٦) .

____________

(١) الأعراف : ١٩٦ .

(٢) الكافي ٢ : ٣٥٠ ح ١ ، عنه البحار ٧٥ : ١٥٢ ح ٢٢ نحوه .

(٣) المحاسن ١ : ٤٥٤ ح ٤٤٩ ، عنه البحار ٨٧ : ٣١ ح ١٥ .

(٤) أثبتناه من ( ج ) .

(٥) الكافي ٢ : ٣٥١ ح ٢ ، عنه البحار ٧٥ : ١٥٤ ح ٢٣ .

(٦) الكافي ٢ : ٣٥١ ح ٤ ، عنه البحار ٧٥ : ١٥٧ ح ٢٦ .


وقال :أيّما مؤمن منع مؤمناً شيئاً ممّا يحتاج إليه وهو قادر عليه من عنده أو من عند غيره ، أقامه الله يوم القيامة مسوداً وجهه ، مزرقة عيناه ، مغلولة يداه إلى عنقه ، فيقال : هذا الخائن الذي خان الله عزّ وجل ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيؤمر به إلى النار (١) .

وعن أبي عبد اللهعليه‌السلام :مَن ردّ أخاه المؤمن عن حاجة وهو يقدر على قضائها سلّط الله عليه ثعباناً من نار ينهشه في قبره إلى يوم القيامة (٢) .

وقالعليه‌السلام :مَن نظر إلى مؤمن نظرة ليخيفه بها أخافه الله عزّ وجل يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه (٣) .

وقالعليه‌السلام :مَن حبس حق المؤمن أقامه الله يوم القيامة خمسمائة عام حتّى يسيل عرقه ودمه ، وينادي مناد من عند الله عزّ وجل : هذا الظالم الذي حبس عن الله عزّ وجل حقّه ، فيوبّخ أربعين يوماً ويؤمر به إلى النار (٤) .

وعن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال :من روّع مؤمناً بسلطان ليصيبه منه مكروهاً فأصابه (٥) فهو في النار ، ومَن روّع مؤمناً بسلطان ليصيبه منه مكروهاً فأصابه فهو مع فرعون وآل فرعون في النار ، ومَن أعان على مؤمن بشطر كلمة لقى الله عزّ وجل يوم القيامة مكتوب بين عينيه : آيس من رحمة الله عزّ وجل (٦) .

وقالعليه‌السلام :من علامة شرك الشيطان الذي لا شك فيه أن يكون الرجل فحّاشاً لا يبالي ما قال ولا ما قيل فيه ، فإنّه لعب به (٧) .

____________

(١) الكافي ٢ : ٣٦٧ ح ١ ، عنه البحار ٧٥ : ١٧٧ ح ١٦ .

(٢) الكافي ٢ : ٣٦٧ ح ٤ ، عنه البحار ٧٥ : ١٧٩ ح ١٩ .

(٣) الكافي ٢ : ٣٦٨ ح ١ ، عنه البحار ٧٥ : ١٥١ ح ١٩ ، ومجموعة ورام ٢ : ٢٠٩ .

(٤) الكافي ٢ : ٣٦٧ ح ٢ ، عنه البحار ٧٥ : ١٧٨ ح ١٧ .

(٥) زاد في ( ج ) : ولم يصبه .

(٦) الكافي ٢ : ٣٦٨ ح ٣ـ٢ ، عنه البحار ٧٥ : ١٥١ ح ٢١ـ٢٠ .

(٧) الكافي ٢ : ٣٢٣ ح ١ .


وبإسناده إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :إنّ الله حرّم الجنّة على كل فحّاش بذيّ قليل الحياء ، لا يبالي ما قال ولا ما قيل فيه (١) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :إنّ من شرار عبيد الله مَن تكره مجالسته لفحشه (٢) .

وقال الصادقعليه‌السلام :مَن خاف الناس لسانه فهو في النار (٣) .

وبإسناده عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :أشرّ الناس يوم القيامة الذين يُكْرَمُونَ اتقاء شرّهم (٤) .

وينبغي للمؤمن أن يكون فيه ثمان خصال : وقور عند الهزاهز ، صبور على البلايا ، شكور عند الرخاء ، قانع بما رزقه الله ، لا يظلم الأعداء ولا يتحامل للأصدقاء ، بدنه منه في تعب والناس منه في راحة ، والولي كل الولي مَن توالت أقواله وأفعاله على موافقة الكتاب والسنّة ، ومَن كان هكذا تولّى الله سياسته(٥) باللطف في كل أموره ، وحرسه في غيبته وحضوره ، وحفظه في أهله وولده وولد ولده وفي جيرانه ، فإنّه جاء في الحديث النبوي :إنّ الله يحفظ الرجل في ولده وولد ولده ودويرات حوله .

وجاء في تأويل قوله :( وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً ) (٦) أنّه كان بينهما وبين أبيهما الصالح سبعة أجداد ، وقيل : سبعين جداً .

والولي ريحانة الله في أرضه يشمّها المؤمنون ، ويشتاق إليها الصالحون ، وعلامة الولي ثلاثة أشياء : شغله بالله ، وهمّه لله ، وفراره إلى الله ، وإذا أراد الله أن

____________

(١) الكافي ٢ : ٣٢٣ ح ٣ ، عنه البحار ٦٣ : ٢٠٦ ح ٣٩ .

(٢) الكافي ٢ : ٣٢٥ ح ٨ ، البحار ٧٥ : ٢٨١ ح ٩ .

(٣) الكافي ٢ : ٣٢٧ ح ٣ ، عنه البحار ٧٥ : ٢٨٣ ح ١١ .

(٤) الكافي ٢ : ٣٢٧ ح ٤ ، عنه البحار ٧٥ : ٢٨٣ ح ١٢ .

(٥) في ( ج ) : سيئاته .

(٦) الكهف : ٨٢ .


يوالي عبداً فتح على لسانه ذكره ، وعن قلبه قفل فكره ، فإذا استلذّ الذكر فتح له باب القرب ، ثم فتح عليه باب الأُنس به والوحشة من خلقه ، فأجلسه على كرسي الولاية ، وعامله بأسباب العناية ، وأورثه دار الكرامة ، وكشف عن قلبه وبصره غشاوة العماية ، فأصبح ينظر بنور الله .

ورفع عنه حزن الرزق ، وخوف العدوّ من حيث يحلّ التوكل في قلبه ، والرضا بقسمه ، ولهذا قال الله تعالى :( أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) (١) وأمن من أهوال يوم القيامة ونار جهنّم .

____________

(١) يونس : ٦٢ .


الباب السابع والأربعون : فيه من كلام أمير المؤمنين والأئمّةعليهم‌السلام

قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : لا تكن ممّن يرجو الآخرة بغير عمل ، ويؤخّر التوبة بطول الأمل ، يقول في الدنيا بقول الزاهدين ، ويعمل فيها عمل الراغبين ، إن أُعطى لم يشبع ، وإن منع لم يقنع ، يعجز عن شكر ما أُوتي ، ويبتغي الزيادة فيما بقي ، ينهى ولا ينتهي ، ويأمر بما لا يأتي .

يحبّ الصالحين ولا يعمل عملهم ، ويبغض المذنبين وهو أحدهم ، يكره الموت لكثرة ذنوبه ، ويقيم على ما يكره الموت له ، إن سقم ظلّ نادماً ، وإن صحّ أمن لاهياً ، يعجب بنفسه إذا عوفي ، ويقنط إذا ابتلي ، إن أصابه بلاء دعا مضطرّاً ، وإن أصابه(١) رجاء أعرض مغترّاً .

تغلبه نفسه على ما يظنّ ولا يغلبها على ما يستيقن ، يخاف على غيره بأدنى من ذنبه ، ويرجو لنفسه بأكثر من عمله ، إن استغنى بطر وقتر ، وإن افتقر قنط ووهن ، يقصر إذا عمل ، ويبالغ إذا سأل ، إن عرضت له شهوة أسلف المعصية

____________

(١) في ( ج ) : ناله .


وسوّف التوبة ، وإن عرته محنة انفرج عن شرائط الملّة .

يصف العبرة ولا يعتبر ، ويبالغ في الموعظة ولا يتّعظ ، فهو بالقول مدل ومن العمل مقلّ ، ينافس فيما يفنى ، ويسامح فيما يبقى ، يرى المغنم مغرماً والغرم مغنماً ، يخشى الموت ولا يبادر الفوت ، يستعظم من معصية غيره ما يستقلّ أكثر منه من نفسه ، ويستكثر من طاعته ما يحقره من طاعة غيره ، فهو على الناس طاعن ، ولنفسه مداهن .

اللغو مع الأغنياء أحبّ إليه من الذكر مع الفقراء ، يحكم على غيره لنفسه ولا يحكم عليها لغيره ، يرشد غيره ويغوي نفسه ، فهو يطاع ويعصي ، ويستوفي ولا يوفي ، ويخشى الخلق في غير ربّه ولا يخشى ربّه في خلقه(١) .

وعن أمير المؤمنينعليه‌السلام :يا نوف خلقنا من طينة وخلق شيعتنا من طينتنا ، فإذا كان يوم القيامة أُلحقوا بنا ، قال نوف : قلت : صف لي شيعتك يا أمير المؤمنين .

فبكى لذكر شيعته ثمّ قال : يا نوف شيعتي والله الحلماء العلماء بالله ودينه ، العاملون بطاعته وأمره ، المهتدون بحبّه ، أنصار عباده(٢) ، أحلاس(٣) زهادة ، صفر الوجوه من التهجّد ، عمش العيون من البكاء ، ذبل الشفاة من الذكر ، خمص البطون من الطوى ، تعرف الربّانية في وجوههم ، والرهبانية في سمتهم .

مصابيح كلّ ظلمة ، ورياحين كلّ قبيلة ، لا يثنون من المسلمين سلفاً ، ولا تقفون لهم خلفاً ، شرورهم مكنونة ، وقلوبهم محزونة ، وأنفسهم عفيفة ، وحوائجهم خفيفة ، أنفسهم منهم في عناء والناس منهم في راحة ، فهم الكاسة

____________

(١) نهج البلاغة : قصار الحكم ١٥٠ ، عنه البحار ٧٢ : ١٩٩ ح٣٠ .

(٢) في أمالي الطوسي والبحار : ( أنضاء عبادة ) ، والنضو : المهزول من الإبل وغيرها .

(٣) هكذا في أمالي الطوسي والبحار ، وهو الصحيح ، وفي النسخ : جلاّس زهادة ، والحلس : كساء يلي ظهر البعير تحت القتب ، ملازم له ، فقيل لكلّ ملازم لشيء : هو حِلْسُهُ .


الألبّاء (١) ، والخالصة النجباء ، وهم الروّاغون (٢) فراراً بدينهم ، إن شهدوا لم يعرفوا ، وإن غابوا لم يفقدوا ، أولئك من شيعتي الأطيبين وإخواني الأكرمين ، ألا هاهٍ شوقاً إليهم (٣) .

وعن عليّعليه‌السلام قال :قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنا الشجرة وفاطمة فرعها وعليّ لقاحها والحسن والحسين ثمرتها ، وشيعتنا أغصانها ، فما من عبد أحبّنا أهل البيت وعمل بأعمالنا ، وحاسب نفسه قبل أن يحاسب إلاّ أدخله الله الجنّة (٤) .

وعن عليّعليه‌السلام انّه قال :يا نبيّ الله بيّنه لي لأهتدي بهداك لي ، فقال : يا عليّ من يهدي الله فلا مضلّ له ، ومن يضلل الله فلا هادي له ، وانّه عزّ وجل هاديك ومعلّمك وحق لك أن تعي ، لقد أخذ الله ميثاقي وميثاقك وميثاق شيعتك وأهل مودّتك إلى يوم القيامة ، فهم شيعتي وذووا مودّتي وهم ذووا الألباب ، يا عليّ حق على الله أن ينزلهم في جنّاته ويسكنهم مساكن الملوك ، وحق لهم أن يطيبوا (٥) .

وبإسناده مرفوعاً إلى الصادق جعفر بن محمدعليهما‌السلام أنّه سئل : أيّ الأعمال أفضل بعد المعرفة ؟ قال :ما من شيء بعد المعرفة يعدل هذه الصلاة ، ولا بعد المعرفة والصلاة شيء يعدل الزكاة ، ولا بعد الزكاة شيء يعدل الحج ، وفاتحة ذلك كلّه معرفتنا وخاتمته معرفتنا ولا شيء بعد ذلك كبرّ الإخوان ، والمواساة ببذل الدينار والدرهم فإنّهما حجران ممسوخان ، بهما امتحن الله خلقه بعد الذي عدّدت لك ، وما رأيت شيئاً أسرع غنىً ولا أنفى

____________

(١) في ( ج ) : الأولياء .

(٢) قال في البحار : أي يميلون عن الناس ومخالطتهم .

(٣) أمالي الطوسي : ٥٧٦ ح٣ مجلس ٢٣ ، عنه البحار ٦٨ : ١٧٧ ح٣٤ .

(٤) أمالي الطوسي : ٦١١ ح١٢ مجلس ٢٨ ، عنه البحار ٦٨ : ٦٩ ح١٢٦ باختلاف .

(٥) أمالي الطوسي : ٦١٢ ح١ مجلس ٢٩ ، عنه البحار ٣٨ : ٣١٦ ضمن حديث ٢١ .


للفقر من إدمان حج هذا البيت ، وصلاة فريضة تعدل عند الله ألف حجّة وألف عمرة مبرورات متقبّلات ، ولحجّة عند الله خير من بيت مملوء ذهباً ، لا بل خير من ملئ الدنيا ذهباً وفضّة ينفق في سبيل الله عزّ وجل والذي بعث محمداً بالحق بشيراً ونذيراً لقضاء حاجة امرئ مسلم وتنفيس كربته أفضل عند الله من حجّة وطواف ، وحجّة وطواف وعمرة حتّى عدّ عشرة ، ثمّ رفع يده .

وقال :اتّقوا الله ولا تملّوا من الخير ولا تكسلوا فإنّ الله عزّ وجل ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غنيّان عنكم وعن أعمالكم وأنتم الفقراء إلى الله عزّ وجل ، وإنّما أراد الله عزّ وجل بلطفه سبباً يدخلكم الجنّة به (١) .

وعن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال :مصافحة المؤمن بألف حسنة (٢) .

وعن أمير المؤمنينعليه‌السلام قال :قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ لله عباداً من خلقه تفزع الناس إليهم في حوائجهم ، أولئك الآمنون من عذاب الله عزّ وجل (٣) .

وعنهعليه‌السلام ،عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : من أفضل الأعمال عند الله عزّ وجل إبراد الأكباد (٤) الحارّة ، وإشباع الأكباد الجائعة ، والذي نفس محمد بيده لا يؤمن بي عبد يبيت شبعاناً وأخوه ـ أو قال : جاره ـ المسلم جائعاً (٥) .

وعن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :مَن كسا مؤمناً كُسي ألف حلّة ، وقُضي له ألف حاجة ، وكتب الله له عبادة سنة ، وغفر له ذنوبه كلّها وإن كانت أكثر من نجوم السماء ، وأعطاه الله يوم القيامة ثواب ألف شهيد ، وزوّجه الله تعالى ألف

____________

(١) أمالي الطوسي : ٦٩٤ ح٢١ مجلس ٣٩ ، عنه البحار ٢٧ : ٢٠٢ ح٧١ .

(٢) مستدرك الوسائل ٩ : ٥٨ ح١٠٢٠٠ عن مشكاة الأنوار .

(٣) البحار ٧٤ : ٣١٨ ح٨١ عن دعوات الراوندي .

(٤) في ( ج ) : الأفئدة .

(٥) أمالي الطوسي : ٥٩٨ ح١٥ مجلس ٢٦ ، عنه البحار ٧٤ : ٣٦٨ ح٥٨ .


حوراء ، وكتب له براءة من النار وجواز على الصراط .

وعن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :إذا تلاقيتم فتلاقوا بالتسليم والتصافح ، وإذا تفرّقتم فتفرّقوا بالاستغفار .

وعن أبي جعفرعليه‌السلام :مَن مشى في حاجة أخيه المؤمن أظلّه الله عزّ وجل بخمسة وسبعين ألف ملك ، ولم يرفع قدماً إلاّ كتب له بها حسنة ، وحطّ بها عنه سيّئة ، ورفع له بها درجة ، فإذا فرغ من حاجته كتب الله له بها بكلّ ما قضاه له أجر حاجّ ومعتمر .

وعن أبي عبد اللهعليه‌السلام :مَن مشى في حاجة أخيه المؤمن كان أحبّ إلى الله من عتق ألف نسمة ، وحمل ألف فرس في سبيل الله مسرّجة ملجّمة .

وقالعليه‌السلام :مَن سعى في حاجة أخيه المسلم طلب وجه الله ، كتب الله له ألف ألف حسنة يغفر فيها لأقاربه وجيرانه وإخوانه ومعارفه .

وقالعليه‌السلام :مَن أغاث (١) أخاه المؤمن اللهفان عند جهده فنفّس كربته وأعانه على نجاح حاجته ، كتب الله له بذلك اثنين وسبعين رحمة يعجّل الله له منها واحدة يصلح بها أمر معيشته ، ويدّخر له إحدى وسبعين رحمة لإفزاع يوم القيامة وأهواله .

وقالعليه‌السلام :أيّما مؤمن نفّس عن مؤمن كربته وهو معسر ، يسّر الله له حوائجه في الدنيا والآخرة (٢) .

وقالعليه‌السلام :مَن أشبع مؤمناً وجبت له الجنّة ، ومَن أشبع كافراً كان حقّاً على الله أن يملأ جوفه من الزقوم ، وإنّ إشباع (٣) رجل من المسلمين أحبّ إليّ

____________

(١) في ( ج ) : أعان .

(٢) الكافي ٢ : ٢٠٠ ح٥ ، عنه البحار ٧٤ : ٣٢٢ ح٨٩ .

(٣) في ( ج ) : ولئن أشبع .


من إطعام (١) أفقاً من الناس ، قلت : وما الأُفق ؟ قال : مائة ألف أو يزيدون (٢) .

وعن أبي جعفرعليه‌السلام قال :مَن أطعم ثلاثة نفر من المسلمين أطعمه الله عزّ وجل من ثلاث جنان في ملكوت السماوات : الفردوس ، وجنّة عدن ، وطوبى (٣) .

وقال عليّعليه‌السلام :ما من رجل يدخل بيته مؤمنان ويشبعهما إلاّ كان ذلك أفضل من عتق نسمة (٤) .

وعن عليّ بن الحسينعليه‌السلام قال :مَن أطعم مؤمناً من جوع أطعمه الله من ثمار الجنّة ، ومَن سقى مؤمناً من ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم (٥) .

وقال الصادقعليه‌السلام :مَن أطعم مؤمناً حتّى يشبعه لم يدر أحد من خلق الله ما له من الأجر في الآخرة ، لا ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل إلاّ الله ربّ العالمين ، ثمّ قال :من موجبات المغفرة إطعام المسلم السغبان ، قال تعالى : ( أو إطعام في يوم ذي مسغبة * يتيماً ذا مقربة * أو مسكيناً ذا متربة ) (٦) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :مَن سقى مؤمناً شربة ماء من حيث يقدر على الماء أعطاه الله عزّ وجل بكلّ شربة سبعين ألف حسنة ، وإن سقاه من حيث لا يقدر على الماء فكأنّما أعتق عشر رقاب من ولد إسماعيل (٧) .

وقال الصادقعليه‌السلام :لإطعام مؤمن أحبّ إليّ من عتق عشر رقاب وعشر حجج (٨) ، ومَن كساه ثوباً كسوة شتا أو صيف كان حقّاً على الله أن يكسوه

____________

(١) في ( ج ) : أن أطعم .

(٢) الكافي ٢ : ٢٠٠ ح١و٢ ، عنه البحار ٧٤ : ٣٦٩ ح٦٣ و٦٤ ، والمحاسن ٢ : ١٤٩ ح٣١ .

(٣) الكافي ٢ : ٢٠٠ ح٣ ، عنه البحار ٧٤ : ٣٧١ ح٦٥ ، والمحاسن ٢ : ١٥٢ ح٤٤ .

(٤) المحاسن ٢ : ١٥٥ ح٥٥ ، عنه البحار ٧٥ : ٤٦٠ ح١٠ ، والكافي ٢ : ٢٠١ ح٤ .

(٥) الكافي ٢ : ٢٠١ ح٥ ، عنه البحار ٧٤ : ٣٧٣ ح٦٧ ، والمحاسن ٢ : ١٥٢ ح٤٣ .

(٦) المحاسن ٢ : ١٤٥ ح١٧ ، عنه البحار ٧١ : ٣٩٢ ح٥٧ ، والآية في سورة البلد : ١٤ـ١٦ .

(٧) الكافي ٢ : ٢٠١ ح٧ ، عنه البحار ٧٤ : ٣٧٤ ح٦٩ .

(٨) الكافي ٢ : ٢٠٤ ح٢٠ ، عنه البحار ٧٤ : ٣٧٩ ح٨٢ .


من ثياب الجنّة ، وأن يهوّن عليه سكرات الموت ، وأن يوسّع عليه في قبره ، وأن تلقاه الملائكة إذا خرج من قبره بالبشرى ، كما قال تعالى : ( تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ) (١) (٢) .

وقالعليه‌السلام :مَن كسا أحداً من فقراء المسلمين ثوباً من عرى ، أو عانه بشيء ممّا يقوته من معيشة ، وكّل الله عزّ وجل به سبعة آلاف ملك يستغفرون لكلّ ذنب عمله إلى أن ينفخ في الصور (٣) .

وقالعليه‌السلام :مَن كسا مؤمناً ثوباً من عرى كساه الله من استبرق الجنّة ، ومَن كساه ثوباً من غنى لم يزل في ستر الله عزّ وجل ما بقي من الثوب خرقة (٤) .

وقد ورد أنّ مشركاً تلطّف بمؤمن فلمّا مات أوحى الله إليه :لو كان في جنّتي سكن لمشرك لأسكنتك فيها ، ولكنّها محرّمة على من مات بي مشركاً ، ولكن يا نار حاذيه ولا تؤذيه ، قال :ويؤتى رزقه طرفي النهار من حيث يشاء الله (٥) .

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :مَن أدخل على مؤمن سروراً خلق الله عزّ وجل من ذلك السرور تمثالا لا يزال معه في كلّ هول يبشّره بالجنّة (٦) .

____________

(١) فصلت : ٣٠ .

(٢) الكافي ٢ : ٢٠٤ ح١ ، عنه البحار ٧٤ : ٣٧٩ ح٨٣ والآية فيه تختلف .

(٣) الكافي ٢ : ٢٠٤ ح٢ ، عنه البحار ٧٤ : ٣٨٠ ح٨٤ .

(٤) الكافي ٢ : ٢٠٥ ح٥ ، عنه البحار ٧٤ : ٣٨١ ح٨٧ .

(٥) الكافي ٢ : ١٨٨ ضمن حديث ٣ ، عنه البحار ٧٤ : ٢٨٨ ح١٦ .

(٦) الكافي ٢ : ١٩١ ح١٢ باختلاف ، معالم الزلفى : ١٤١ .


الباب الثامن والأربعون : في الدعاء وبركته وفضله

قال الله تعالى :( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم ) (١) .

وقال سبحانه :( أمّن يجيب المضطرّ إذا دعاه ويكشف السوء ) (٢) .

وقال سبحانه :( إنّ الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنّم داخرين ) (٣) يعني عن دعائي .

وقال سبحانه :( ولقد أرسلنا إلى أُمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضرّاء لعلّهم يتضرّعون * فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرّعوا ولكن قست قلوبهم ) (٤) .

وقال :( قل مَن ينجّيكم من ظلمات البرّ والبحر تدعونه تضرّعاً وخفية ) (٥) .

ومدح قوماً على الدعاء فقال :( إنّهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا

____________

(١) غافر : ٦٠ .

(٢) النمل : ٦٢ .

(٣) غافر : ٦٠ .

(٤) الأنعام : ٤٢ـ٤٣ .

(٥) الأنعام : ٦٣ .


رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين ) (١) .

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :أفضل العبادة الدعاء (٢) .

وقال :الدعاء مخّ العبادة (٣) .

وقال :إذا أذن الله لعبد في الدعاء فتح له باب الإجابة بالرحمة ، وإنّه لن يهلك مع الدعاء هالك (٤) ، وإنّ الله سبحانه وتعالى يغضب إذا ترك سؤاله ، فليسأل أحدكم ربّه حتّى شسع نعله إذا انقطع ، إنّ سلاح المؤمن الدعاء .

وقالعليه‌السلام :إنّه سبحانه يبتلي العبد حتّى يسمع دعاءه وتضرّعه (٥) .

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام :ما كان الله ليفتح على العبد باب الدعاء ويغلق عنه باب الإجابة وهو يقول : ( اُدعوني أستجب لكم ) (٦) وما كان الله ليفتح باب التوبة فيغلق باب [الرحمة و] (٧) المغفرة ، لأنّه يقول : ( هو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيّئات ) (٨) .

وما كان الله ليفتح باب الشكر ويغلق باب الزيادة لأنّه يقول :( لئن شكرتم لأزيدنّكم ) (٩) وما كان الله ليفتح باب التوكّل ولم يجعل للمتوكّل مخرجاً فإنّه سبحانه يقول :( ومَن يتّق الله يجعل له مخرجاً * ويرزقه من حيث لا يحتسب ومَن يتوكّل على الله فهو حسبه ) (١٠) .

____________

(١) الأنبياء : ٩٠ .

(٢) كنز العمال ٢ : ٦٤ ح٣١٣٤ .

(٣) كنز العمال ٢ : ٦٢ ح٣١١٣ .

(٤) إلى هنا في البحار ٩٣ : ٣٠٢ ح٣٩ عن عدّة الداعي .

(٥) مجموعة ورام ١ : ٤ نحوه .

(٦) غافر : ٦٠ .

(٧) أثبتناه من ( ب ) .

(٨) غافر : ٦٠ .

(٩) إبراهيم : ٧ .

(١٠) الطلاق : ٢ـ٣ .


وقالعليه‌السلام :الدعاء يردّ القضاء المبرم (١) .

وقالعليه‌السلام :مَن سرّه أن يكشف عنه البلاء فليكثر من الدعاء .

وينبغي للعبد أن يدعو بهمّ مجموع ، وقلب خاشع ، وسريرة خالصة ، وبدن خاضع ، وجوارح متذلّلة ، ويقين واثق بالإجابة ليصدق قوله تعالى :( ادعوني أستجب لكم ) ، ولا يكون قلبه متشاغلاً لغير الله تعالى .

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام :للدعاء شروط أربعة ، الأوّل : إحضار النيّة ، الثاني : إخلاص السريرة ، الثالث : معرفة المسؤول ، الرابع : الإنصاف في المسألة ، فإنّه روي أنّ موسى عليه‌السلام مرّ برجل ساجد يبكي ويتضرّع ويدعو ، فقال موسى : يا ربّ لو كانت حاجة هذا العبد إليّ (٢) لقضيتها ، فأوحى الله إليه : يا موسى إنّه يدعوني وقلبه مشغول بغنم له ، فلو سجد حتّى ينقطع صلبه وتتفقّأ عيناه لم أستجب له ، وفي رواية اُخرى : حتّى يتحوّل عمّا أبغض إلى ما أُحبّ .

وقال تعالى : إنّ العبد يدعوني للحاجة فآمر بقضائها ، فيذنب فأقول للملك : إنّ عبدي قد تعرّض لسخطي بالمعصية فاستحقّ الحرمان ، وانّه لا ينال ما عندي إلاّ بطاعتي (٣) .

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :إنّ العبد ليرفع يديه إلى الله تعالى ومطعمه حرام وملبسه حرام ، فكيف يُستجاب له وهذه حالته ؟! (٤) .

وقال :ثلاث خصال يدرك بها خير الدنيا والآخرة : الشكر عند النعماء ، والصبر عند الضرّاء ، والدعاء عند البلاء .

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام :لو أنّ الناس إذا زالت عنهم النعم ونزلت

____________

(١) البحار ٩٣ : ٢٨٩ ضمن حديث ٥ ، عن الخصال ، حديث الأربعمائة .

(٢) في ( ج ) : بيدي .

(٣) الكافي ٢ : ٢٧١ ح١٤ ، عنه البحار ٧٣ : ٣٢٩ ح١١ باختلاف .

(٤) كنز العمال ٢ : ٨١ ح٣٢٣٦ نحوه .


بهم النقم ، فزعوا إلى الله بوله من نفوسهم ، وصادق من نيّاتهم ، وخالص من سرائرهم ، لردّ عليهم كلّ شارد ، ولأصلح لهم كلّ فاسد ، ولكنّهم أخلوا بشكر النعم فسلبوها ، وإنّ الله تعالى يعطي النعم بشرط الشكر لها والقيام فيها بحقوقها ، فإذا أخلّ المكلّف بذلك كان لله التغيير .

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام :التعلّل زكاة البدن ، والمعروف زكاة النعم ، وكلّ نعمة أُنيل منها المعروف فمأمونة السلب ، محصنة من الغير .

وقال :والله ما نزع من قوم نعماً إلاّ بذنوب اجترحوها ، فاربطوها بالشكر وقيّدوها بالطاعة ، والدعاء مفتاح الرحمة ، وسراج الزاهدين ، وشوق العابدين ، وأقرب الناس إلى الإجابة والرحمة الطائع المضطر الذي لابدّ له ممّا سأله وخصوصاً عند نفوذ الصبر .

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :فعند فناء الصبر باب الفرج .

وجاءت امرأة إلى الصادقعليه‌السلام فقالت : يا ابن رسول الله إنّ ابني سافر عنّي وقد طالت غيبته وقد اشتدّ شوقي إليه فادع الله لي ، فقال لها :عليك بالصبر ، فمضت وأخذت صبراً واستعملته ، ثمّ جاءت بعد ذلك فشكت إليه فقال لها :عليك بالصبر ، فاستعملته .

ثمّ جاءت فشكت إليه طول غيبة ابنها ، فقال لها :ألم أقل لك عليك بالصبر ؟ فقالت : يا ابن رسول الله كم الصبر ، فو الله لقد فنا الصبر ، فقال :ارجعي إلى منزلك تجدي ولدك قد قدم من سفره ، فمضت فوجدته قد قدم ، فأتت به إليه ، فقالوا : يا ابن رسول الله أوحيٌ بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ قال :لا ولكنّه قد قال : عند فناء الصبر يأتي الفرج ، فلمّا قالت قد فنا الصبر عرفت أنّ الله قد فرّج عنها بقدوم ولدها .

والدعاء إظهار العبد الفاقة والافتقار إلى الله تعالى مع الاستكانة والتذلّل


والمسكنة والخضوع ، وإذا فعل العبد ذلك فقد فعل ما عليه من العبوديّة ، ولله سبحانه المشيئة في الاستجابة على قدر ما يراه من مصلحة العبد وما يقتضيه العدل والحكمة ؛ لأنّ جوده وكرمه لا يتعدّيان حكمته ، فإنّه سبحانه لا يمنع لبخل ولعُدم بل للمصلحة وما تقتضيه الحكمة ، لا على سؤال العبد فيما يقترحه ويهواه ، ولهذا قال :( لو اتبع الحقّ أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهنّ ) (١) .

لأنّ الداعي يدعو بما يظنّه انّه مصلحة له ، والله يعمل على ما يعلم ، كمن دعا الله تعالى أن يعطيه مالا وعلم انّه يطغى به فمنعه إشفاقاً عليه ورحمة له ، فسبحان من عطاؤه كرم ، ومنعه فضل .

ومَن أكثر من الدعاء والذكر والشكر والحمد والثناء على الله أعطاه الله أفضل ما يعطي السائلين ، فإنّه تعالى يقول في بعض كتبه :( إذا شغل عبدي ذكري عن مسألته أعطيته أفضل ممّا أعطي السائلين ) .

وينبغي أن يكون الداعي بلسانه راضياً بقلبه فيما يجري له وعليه ليجمع بين الأمرين : الرجاء والرضا ، ولا ينبغي للعبد أن يملّ ، والتطويل له أفضل ما لم يتضيّق وقت فريضة .

وفي الخبر إنّ الله إذا أحبّ أن يسمع صوت عبده ودعاءه أخّر حاجته(٢) ، يقول : يا جبرئيل أخّر حاجته فإنّي اُحبّ تضرّعه وسماع صوته ، وإذا كره سماع صوت عبده قال : يا جبرئيل عجّل حاجته فإنّي أكره أن أسمع صوته(٣) .

هذا إذا كان عاصياً ، وإنّ العبد ليدعو الله تعالى وهو عليه غضبان فيردّه ، ثمّ يدعو فيردّه ، ثمّ يدعوه فيقول : أبى عبدي أن يدعو غيري فقد استجبت له(٤) .

____________

(١) المؤمنون : ٧١ .

(٢) في ( ج ) : إجابته .

(٣) كنز العمّال ٢ : ٨٥ ح٣٢٦١ ، جامع الأخبار : ٣٧٠ ح١٠٢٥ ، عدّة الداعي : ٣١ .

(٤) مجموعة ورام ١ : ٧ نحوه .


فلا تيأسوا من تأخير الإجابة ، وقد كان بين إجابة موسى وهارون في فرعون أربعين سنة من حين قال الله لهما :( قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا ) (١) .

وروي أنّ تاجراً كان في زمن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يسافر من المدينة إلى الشام ولا يصحب القوافل توكّلا على الله ، فعرض له لصّ في طريقه وصاح به ، فوقف فقال له : خذ المال ودعني ، فقال : لا غنى لي عن نفسك ، فقال : دعني أتوضّأ وأُصلّي أربع ركعات ، فقال : افعل ما شئت ، فتوضّأ وصلّى ثمّ رفع يديه إلى السماء وقال :

( يا ودود يا ودود ، يا ذا العرش المجيد ، يا مبدئ يا معيد ، يا ذا البطش الشديد ، يا فعّالا لما يريد ، أسألك بنور وجهك الذي ملأ أركان عرشك ، وأسألك بقدرتك التي قدّرت بها على جميع خلقك ، وبرحمتك التي وسعت كلّ شيء ، لا إله إلاّ أنت ، يا مغيث أغثني ، يا مغيث صلّ على محمّد وآل محمد وأغثني ) .

فإذا هو بفارس على فرس أشهب عليه ثياب خضر وبيده رمح ، فشدّ على اللص فطعنه طعنة فقتله ، ثمّ قال للتاجر : اعلم إنّي ملك من السماء الثالثة حين دعوت سمعنا أبواب السماء قد فتحت ، فنزل جبرئيلعليه‌السلام وأمرني بقتله ، واعلم يا عبد الله أنّه ما دعا بدعائك هذا مكروب ولا محزون إلاّ فرّج الله عنه وأغاثه ، فرجع التاجر إلى المدينة سالماً ، فأخبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بذلك فقال له :لقد لقّنك الله أسماءه الحسنى التي إذا دُعي بها أجاب وإذا سُئل بها أعطى .

قال مصنّف هذا الكتاب شمله الله تعالى بواسع رحمته : إنّ من شرائط الدعاء وآدابه استحضار العبد ذهنه وفطنته ، وأن لا يكون قلبه متشاغلا بغير الله ، فإنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :إنّ الله لا يستجيب دعاء عبد وقلب لاه (٢) .

____________

(١) راجع الكافي ٢ : ٤٨٩ ح٥ ، والآية في سورة يونس : ٨٩ .

(٢) الدعوات : ٣٠ ح٦١ ، عنه البحار ٩٣ : ٣١٣ ضمن حديث ١٧ .


ومن شرائطه أن يكون مطعم العبد وملبسه من حلال ، فإنّ الله سبحانه قال :( إنّما يتقبّل الله من المتّقين ) (١) ، وقال رجل للصادقعليه‌السلام : إنّا ندعوا الله فلا يستجيب لنا ، قال :إنّكم تدعون مَن لا تهابونه وتعصونه ، فكيف يستجيب لكم ؟! .

وروى عثمان بن عيسى عمّن حدّثه ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : آيتين في كتاب الله أطلبهما ولا أجدهما ، قال :ما هما ؟ قلت : قول الله عزّ وجل :( أُدعوني أستجب لكم ) (٢) فندعوه فلا نرى إجابة ، قال :أفترى الله أخلف وعده ؟ قلت : لا ، قال :فممّ ذلك ؟ قلت : لا أدري ، فقال :ولكنّي أُخبرك ، مَن أطاع الله فيما أمره ثمّ دعاه من جهة الدعاء أجابه .

قلت : وما جهة الدعاء ؟ قال :تبدأ فتحمد الله وتذكر نعمه عندك ، ثمّ تشكره ثمّ تصلّي على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثمّ تذكر ذنوبك فتقرّ بها ، ثمّ تستغفر الله منها ، فهذا جهة الدعاء ، قال :وما الآية الأخرى ؟

قلت : قول الله تعالى :( وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه ) (٣) وإنّي أنفق ولا أرى خلفاً ، قال :أفترى الله أخلف وعده ؟ قلت : لا ، قال :فممّ ؟ قلت : لا أدري ، قال :لو أنّ أحدكم اكتسب المال من حلّه وأنفقه في حقّه ، لم ينفق رجل درهماً إلاّ أخلفه الله عليه (٤) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :ما من عبد دعا الله سبحانه دعوة ليس فيها قطيعة رحم ولا إثم إلاّ أعطاه الله بها إحدى خصال ثلاث : أمّا أن تعجّل دعوته ، وأمّا أن تؤخّر له ، وأمّا أن تدفع عنه من السوء مثلها ، قالوا : يا رسول الله

____________

(١) المائدة : ٢٧ .

(٢) غافر : ٦٠ .

(٣) سبأ : ٣٩ .

(٤) الكافي ٢ : ٤٨٦ ح٨ ، عدّة الداعي : ٢١ .


إذن نُكْثِر ، قال :الله أكثر ، وفي رواية :الله أكثر وأطيب ـ ثلاث مرّات(١) .

وفيما أوحى الله إلى موسىعليه‌السلام :ما خلقت خلقاً أحبّ إليّ من عبدي المؤمن ، وإنّي إنّما ابتليته لما هو خير له ، وعافيته لما هو خير له ، وأنا أعلم بما يصلح عبدي ، فليصبر على بلائي وليشكر على نعمائي أثبته في الصدّيقين عندي إن عمل برضائي وأطاع أمري (٢) .

وعن أمير المؤمنينعليه‌السلام :يقول الله عزّ وجل : يا عبادي أطيعوني فيما أمرتكم ولا تعلموني بما يصلحكم ، فإنّي أعلم به ولا أبخل عليكم بمصالحكم (٣) .

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :يا عباد الله أنتم كالمرضى وربّ العالمين كالطبيب ، فصلاح المرضى فيما يعلمه الطبيب ويدبّره ، لا فيما يشتهيه المريض ويقترحه ، ألا فسلّموا الله أمره تكونوا من الفائزين (٤) .

وعن الصادقعليه‌السلام :عجبت للمؤمن لا يقضي الله بقضاء إلاّ كان خيراً له ، وإن قرض بالمقاريض كان خيراً له ، وإن ملك مشارق الأرض ومغاربها كان خيراً له (٥) .

وفيما أوحى الله إلى داودعليه‌السلام : مَن انقطع إليّ كفيته ، ومَن سألني أعطيته ، ومَن دعاني أجبته ، وإنّما أؤخّر دعوته وهي معلّقة وقد استجبتها حتّى يتمّ قضائي ، فإذا تمّ قضائي أنفذت ما سأل قل للمظلوم : إنّما أُؤخّر دعوتك وقد استجبتها لك على من ظلمك لضروب

____________

(١) كنز العمّال ٢ : ٧٠ ح٣١٧١ ، دعوات الراوندي : ١٩ ح١٢ ، عنه البحار ٩٣ : ٣٦٦ ح١٦ ، جامع الأخبار : ٣٦٩ ح١٠٢٢ .

(٢) أمالي المفيد : ٦٣ ، عنه البحار ٦٧ : ٢٣٥ ح٥٢ ، وأمالي الطوسي : ٢٣٨ ح١٣ مجلس ٩ .

(٣) مجموعة ورام ٢ : ١٠٨ ، عدّة الداعي : ٣٧ .

(٤) الاحتجاج ١ : ٨٥ ، احتجاجه في تحويل القبلة ، عنه البحار ٨٤ : ٦١ ضمن حديث ١٢ ، مجموعة ورام ٢ : ١١٧ .

(٥) الكافي ٢ : ٦٢ ح٨ ، عنه البحار ٧٢ : ٣٣١ ح١٥ ، مجموعة ورام ٢ : ١٨٤ .


كثيرة غابت عنك ، وأنا أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين ، امّا أن يكون قد ظلمت رجلاً فدعا عليك فتكون هذه بهذه لا لك ولا عليك ، وأمّا أن تكون لك درجة في الجنّة لا تبلغها عندي إلاّ بظلمه لك ؛ لأنّي أختبر عبادي في أموالهم وأنفسهم وربّما أمرضت العبد فقلّت صلاته وخدمته ، ولصوته إذا دعاني في كربته أحبّ إليّ من صلاة المصلّين .

ولربّما صلّى العبد فأضرب بها وجهه ، وأحجب عنّي صوته ، أتدري من ذلك يا داود ؟ ذلك الذي يكثر الالتفات إلى حرم المؤمنين بعين الفسق ، وذلك الذي حدّثته نفسه لو ولّي أمراً لضرب فيه الرقاب ظلماً .

يا داود نح على خطيئتك كالمرأة الثكلى على ولدها ، لو رأيت الذين يأكلون الناس بألسنتهم وقد بسطتها بسط الأديم ، وضربت نواحي ألسنتهم بمقامع من نار ثمّ سلّطت عليهم موبخاً لهم يقول : يا أهل النار هذا فلان السليط فاعرفوه ، كم من ركعة طويلة فيها بكى وخشيته ما تساوي عند الله فتيلاً ، حين نظرت في قلبه فوجدته إن سلّم من صلاته وبرزت له امرأة وعرضت عليه نفسها أجابها ، وإن عامله مؤمن خاتله(١) .

وقالعليه‌السلام في صفة رفع اليدين بالدعاء :هكذا الرغبة ، وبسط راحتيه باطنهما إلى السماء ، وهكذا الرهبة وجعل ظهرهما إلى السماء ، وقال :هكذا التضرّع ورفع إصبعيه السبابتين وحرّكهما يميناً وشمالاً ، وقال :هكذا التبتّل ورفع سبابتيه عالياً ونصبهما ، وقال :هكذا الابتهال وبسط يديه رافعاً لهما ، وقال :مَن ابتهل منكم فمع الدمعة يجريها على خدّيه ، وينبغي للداعي أن يكون متطهّراً مستقبل القبلة (٢) .

ومن آداب الدعاء المواضع الشريفة ، والأوقات الشريفة ، وعقيب الصلاة ،

____________

(١) البحار ١٤ : ٤٢ ح٣٤ ، عن عدّة الداعي : ٣٨ .

(٢) مكارم الأخلاق : ٢٧٢ في الأوقات المرجوّة لإجابة الدعاء .


وأن يكون في يده خاتم عقيق أو ذي فص عقيق ، فقد روي انّه لا ترد يد فيها عقيق ، وقال : ما رفع إلى الله كفّ أحبّ إليه من كف فيها عقيق ، وانّه لا يفتقر كفّ فيها عقيق ، وهو أمن في السفر(١) .

وقال الصادقعليه‌السلام :صلاة ركعتين بخاتم عقيق أفضل من سبعين ركعة بغيره .

وقالعليه‌السلام :العقيق أوّل جبل أقرّ لله تعالى بالعبوديّة والوحدانيّة ، ولمحمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالنبوّة ، ولعليّ بالولاية ، آلى (٢) الله على نفسه أنّه لا يرد كفّاً رفعت إليه بالعقيق ولا يعذّبها .

وكان قد أضرّ رجل فشكا إلى الله تعالى ، فرأى في منامه قائلاً يقول له : قل يا قريب يا مجيب يا سميع يا بصير يا لطيف يا خبير ، يا لطيفاً لما يشاء ، صلّ على محمد وآل محمد وردّ عليّ بصري ، فردّ الله تعالى عليه بصره .

وروي أنّ شاباً تعلّق بأستار الكعبة باكياً وقال : إلهي ليس لك شريك فيؤتى ، ولا وزير فيرشى ، ولا حاجب فينادى ، إن أطعتك فلك الحمد والفضل ، وإن عصيتك فلك الحجّة ، فبإثبات حجّتك عليّ وقطع حجّتي اغفر لي ، فسمع هاتفاً يقول : أنت معتوق من النار ، وخير الدعاء ما هيّجته الأحزان ، وحرّكته الأشجان ، وشفيع المذنبين دموعهم(٣) .

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :عليكم بالبكاء من خشية الله ، يبنى لكم بكلّ دمعة ألف بيت في الجنّة ، وما من شيء أحبّ إلى الله من قطرة دمع من خشية الله ، وقطرة دم جرت في سبيل الله ، وإذا أراد الله بعبد خيراً نصب في قلبه نائحة من الحزن ، وانّ الله يحبّ كلّ قلب حزين ، وخير الدعاء الخفي ، قال الله تعالى : ( ادعوا

____________

(١) عدّة الداعي : ١٢٩ .

(٢) في ( ج ) : قدر .

(٣) هكذا وفي ( ألف ) : ذنوبهم .


ربّكم تضرّعاً وخفيةً ) (١) .

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :خير العبادة أخفاها (٢) .

وقال :خير الذكر الخفي (٣) .

وقال :دعاء السرّ يزيد على الجهر سبعين ضعفاً (٤) .

وأثنى الله سبحانه على زكرياعليه‌السلام بقوله :( إذ نادى ربّه نداءً خفيّاً ) (٥) ، وسمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أقواماً يجاهرون بالدعاء ، فقال :أربعوا (٦) بأصواتكم فإنّ ربّكم ليس بأصمّ (٧) .

____________

(١) الأعراف : ٥٥ .

(٢) قرب الإسناد : ١٣٥ ح٤٧٥ ، وفيه : أعظم العبادة أجراً .

(٣) كنز العمّال ١ : ٤١٧ ح١٧٧١ .

(٤) البحار ٩٣ : ٣١٢ ضمن حديث ١٧ ، عن الدعوات : ١٨ ح٧ .

(٥) مريم : ٣ .

(٦) في ( ج ) : لا ترفعوا .

(٧) كنز العمال ٢ : ٨٢ ح٣٢٤٣ نحوه .


الباب التاسع والأربعون : في فضيلة الفقر وحسن عاقبته

الشاهد على فضيلة الفقراء على الأغنياء قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :يدخل الفقراء الجنّة قبل الأغنياء بنصف يوم ، ومقداره خمسمائة عام (١) .

وعن أبي عبد اللهعليه‌السلام :إنّ الفقراء المؤمنين يتقلّبون في رياض الجنّة قبل أغنيائهم بأربعين خريفاً ، ثمّ قال :سأضرب لكم مثلاً ، إنّما مثل ذلك سفينتين مرّ بهما ناخس (٢) ، فنظر في إحداهما فلم يجد فيها شيئاً فقال : أسربوها ، ونظر في الأُخرى فإذا هي موفورة فقال : احبسوها (٣) .

وعن أبي عبد اللهعليه‌السلام :إذا كان يوم القيامة وقف عبدان مؤمنان للحساب كلاهما من أهل الجنّة فقير وغني ، فيقول الفقير : يا ربّ على ما أُحاسب ، فو عزّتك لقد علمت أنّي ما وليت ولاية لأعدل فيها أو أجور ، ولم تملكني مالاً فأعطي حقّه أو أمنعه ، ولقد كان يأتيني رزقي كفافا ً .

____________

(١) كنز العمال ٦ : ٤٦٨ ح١٦٥٨٠ .

(٢) في ( ب ) : ناظر .

(٣) الكافي ٢ : ٢٦٠ ح١ ، عنه البحار ٧٢ : ٦ ح٤ ، عدّة الداعي : ١١٦ .


فيقول الله : صدق عبدي أدخلوه الجنّة ، ويبقى الغني حتّى يسيل منه العرق ما لو شرب منه أربعون بعيراً لأصدرها ، ثمّ يدخل الجنّة فيقول له الفقير : ما أخّرك ؟ فيقول : طول الحساب ، ما زال يحاسبني بالشيء بعد الشيء ويغفره الله لي ، ثمّ يحاسبني بآخر حتّى تغمّدني الله برحمته ، فمن أنت؟ فيقول له : أنا الفقير الذي كنت واقفاً معك في الحساب ، فيقول له الغني : لقد غيّرك النعيم بعدي (١) وهذا من أعظم نعم الله تعالى على الفقير ، خفّة حسابه ودخوله الجنّة قبل الغني .

ومن سعادة الفقير وراحته أنّه لا يطالب في الدنيا بخراج ، ولا في الآخرة بحساب ، ولا يشتغل قلبه عن الله تعالى بهموم الغني من حراسة المال ، والخوف من السلطان ، ومن اللصوص والحاسد ، وكيف يدبره وكيف ينميه ومقاسات عمارة الأملاك والوكلاء والأكاري ، وقسمة الزروع ، وتعب الأسفار ، وغرق المراكب ، وتمنّي الورّاث موته ليرثوه ، وإذا خلا من آفة تذهبه حال حياته كان حسرة له عند الموت ، وطول حسابه في الآخرة ، ويرثه منه إمّا من يتزوّج بامرأته أو امرأة ابنه أو زوج ابنته ، لابدّ من أحد هؤلاء يرثه ويحصل هو التعب والهموم وشغله به عن العبادة ، وتحظى به أعداؤه الذين لا يغنون عنه شيئاً .

ولا يزال الغني مخاطراً بنفسه وبالمال في البراري والقفار ، إن كان في بحر غرق هو والمال ، وإن كان في برّ أخذه منه القطّاع أخذوه وقتلوه ، فهو لا يزال على خطر به وبنفسه ، والفقير قد انقطع إلى الله وقنع بما يسدّ فورته ، ويواري عورته .

وقال بعض العلماء : استراح الفقير من ثلاثة أشياء وبلى بها الغني ، قيل : وما هي ؟ قال : جور السلطان ، وحسد الجيران ، وتملّق الإخوان(٢) .

وقال بعضهم : اختار الفقراء ثلاثة أشياء : اليقين ، وفراغ القلب ، وخفّة

____________

(١) أمالي الصدوق : ٢٩٤ ح١١ مجلس ٥٧ ، عنه البحار ٧٢ : ٣٥ ح٢٨ ، روضة الواعظين : ٤٥٥ .

(٢) عدّة الداعي : ١٠٧ .


الحساب ، واختار الأغنياء ثلاثة أشياء : تعب النفس ، وشغل القلب ، وشدّة الحساب(١) .

ولا شك أنّ الفقر حلية الأولياء وشعار الصالحين ، ففيما أوحى الله إلى موسىعليه‌السلام :وإذا رأيت الفقر مقبلاً فقل : مرحباً بشعار الصالحين ، وإذا رأيت الغنى مقبلاً فقل : ذنب عجّلت عقوبته (٢) .

ثمّ انظر في قصص الأنبياء وخصائصهم وما كانوا فيه من ضيق العيش ، فهذا موسى كليم الله الذي اصطفاه لوحيه وكلامه كان يرى خضرة البقل من صفاق بطنه من هزاله ، وما طلب حين آوى إلى الظلّ بقوله :( ربّ إنّي لما أنزلت إليّ من خير فقير ) (٣) إلاّ خبزاً يأكله ، لأنّه كان يأكل بقلة الأرض ، وروي انّهعليه‌السلام قال يوماً :ربّ انّي جائع ، فقال تعالى : أنا أعلم بجوعك ، قال : يا ربّ أطعمني ، قال : إلى أن أُريد (٤) .

وفيما أوحى الله إلى موسىعليه‌السلام :الفقير مَن ليس له مثلي كفيل ، والمريض مَن ليس له مثلي طبيب ، والغريب مَن ليس له مثلي مونس ـ ويُروى حبيب(٥) ـيا موسى ارض بكسرة من شعير تسدّ بها جوعتك ، وبخرقة تواري بها عورتك ، واصبر على المصائب ، وإذا رأيت الدنيا مقبلة عليك فقل : إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، عقوبة عجّلت في الدنيا ، وإذا رأيت الدنيا مدبرة عنك فقل : مرحباً بشعار الصالحين ، يا موسى لا تعجبنّ بما أُوتي فرعون وما متّع به ، فإنّما هي زهرة الحياة الدنيا (٦) .

____________

(١) عدّة الداعي : ١٠٦ .

(٢) البحار ٧٢ : ٥٥ ضمن حديث ٨٥ ، عن عدّة الداعي : ١١٧ .

(٣) القصص : ٢٤ .

(٤) البحار ١٣ : ٣٦١ ح٧٥ ، عن عدّة الداعي : ١١٧ .

(٥) في ( ج ) : ويُروى أنّه قال .

(٦) البحار ١٣ : ٣٦١ ح٧٦ ، عن عدّة الداعي : ١١٨ .


وأمّا عيسى بن مريم روح الله وكلمته فإنّه كان يقول :خادمي يداي ، ودابتي رجلاي ، وفراشي الأرض ، ووسادي الحجر ، ودفائي في الشتاء مشارق الأرض ، وسراجي بالليل القمر ، وإدامي الجوع ، وشعاري الخوف ، ولباسي الصوف ، وفاكهتي وريحانتي ما أنبتت الأرض للوحوش والأنعام ، أبيت وليس لي شيء ، وأصبح وليس لي شيء ، وليس على وجه الأرض أحد أغنى منّي (١) .

وأمّا نوحعليه‌السلام مع كونه شيخ المرسلين ، وعمّر في الدنيا مديداً ، ففي بعض الروايات أنّه عاش ألفي عام وخمسمائة عام ، ومضى من الدنيا ولم يبن فيها بيتاً ، وكان إذا أصبح يقول لا أمسي ، وإذا أمسى يقول لا أصبح(٢) .

وكذلك نبيّنا محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فإنّه خرج من الدنيا ولم يضع لبنة على لبنة ، ورأى رجلاً من أصحابه يبني بيتاً بجصّ وآجر ، فقال : الأمر أعجل من هذا(٣) .

وأمّا إبراهيمعليه‌السلام أبو الأنبياء فقد كان لباسه الصوف ، وأكله الشعير ، وأمّا يحيى بن زكرياعليه‌السلام فكان لباسه الليف ، وأكله ورق الشجر ، وأمّا سليمانعليه‌السلام فقد كان مع ما هو فيه من الملك يلبس الشعر ، وإذا جنّه الليل شدّ يديه إلى عنقه ، فلا يزال قائماً حتّى يصبح باكياً ، وكان قوته من سفائف الخوص يعملها بيده ، وإنّما سأل الملك لأجل القوّة والغلبة على ملوك الكفّار ليقهرهم بذلك ، وقيل : سأل الله القناعة .

وأمّا سيّد المرسلين محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقد عرفت ما كان من طعامه ولباسه ، وقيل : إنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أصابه يوماً الجوع فوضع حجراً على بطنه ، ثمّ قال :ألا ربّ مكرم لنفسه وهو لها مهين ، ألا ربّ مهين لنفسه وهو لها مكرم ، ألا

____________

(١) البحار ٧٢ : ٥٥ ضمن حديث ٨٥ ، عن عدّة الداعي : ١١٨ .

(٢) البحار ٧٠ : ٣٢١ ح٣٨ ، عن عدّة الداعي : ١١٨ .

(٣) البحار ٧٦ : ١٥٥ ح٣٧ ، عن عدّة الداعي : ١١٩ .


ربّ نفس جائعة عارية في الدنيا طاعمة في الآخرة ناعمة يوم القيامة .

ألا ربّ نفس كاسية ناعمة في الدنيا جائعة عارية يوم القيامة ، ألا ربّ متخوّض متنعّم فيما أفاء الله على رسوله ما له [في الآخرة](١) من خلاق ، ألا إنّ عمل الجنّة جنّة بربوة ، ألا إنّ عمل النار كلمة سهلة بشهوة ، ألا ربّ شهوة ساعة أورثت حزناً طويلا يوم القيامة(٢) .

وأمّا عليّ سيد الوصيّين ، وتاج العارفين ، وصنو رسول ربّ العالمين فحاله في الزهد والتقشّف أظهر من أن يُحكى .

قال سويد بن غفلة : دخلت على أمير المؤمنينعليه‌السلام بعدما بويع بالخلافة ، وهو جالس على حصير صغير ليس في البيت غيره ، فقلت : يا أمير المؤمنين بيدك بيت المال ولست أرى في بيتك شيئاً ممّا يحتاج إليه البيت ، فقالعليه‌السلام :يا ابن غفلة إنّ اللبيب لا يتأثّث في دار النقلة ، ولنا دار قد نقلنا إليها خير متاعنا ، وإنّا عن قليل إليها صائرون (٣) .

وكانعليه‌السلام إذا أراد أن يكتسي دخل السوق فيشتري الثوبين ، فيخيّر قنبر أجودهما ويلبس الآخر ، ثمّ يأتي النجار(٤) فيمدّ له أحد كمّيه ويقول : خذه بقدومك ، ويقول : هذه تخرج في مصلحة أخرى ويبقي الكم الأخرى بحالها ويقول :هذه تأخذ فيها من السوق للحسن والحسين (٥) .

فلينظر العاقل بعين صافية ، وفكرة سليمة ، ويتحقّق انّه لو يكون في الدنيا والإكثار فيها خير لم يفت هؤلاء الأكياس الذين هم خلاصة الخلق وحجج الله على

____________

(١) أثبتناه من ( ج ) .

(٢) البحار ٧٠ : ٣٢١ ضمن حديث ٣٨ ، عن عدّة الداعي : ١٢٠ .

(٣) البحار ٧٠ : ٣٢١ ضمن حديث ٣٨ ، عن عدّة الداعي : ١٢١ .

(٤) في ( ج ) : الخياط .

(٥) البحار ٧٠ : ٣٢٢ ضمن حديث ٣٨ ، عن عدّة الداعي : ١٢١ .


سائر الناس ، بل تقربوا إلى الله بالبعد عنها ، حتّى قال أمير المؤمنينعليه‌السلام :قد طلقتك ثلاثاً لا رجعة فيها (١) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :ما يُعبد الله بشيء مثل الزهد في الدنيا (٢) .

إنّ الله تعالى يقول للفقراء يوم القيامة :لم أفقركم لهوانكم عليّ ولكن لما هو خير لكم .

وقال تعالى في بعض كتبه :إنّي لم أُغن الغنيّ لكرامته عليّ ، ولم أُفقر الفقير لهوانه عليّ ، وإنّما ابتليت الأغنياء بالفقراء ، ولولا الفقراء لم يستوجب الأغنياء الجنّة (٣) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :إنّ الله يجمع الفقراء والأغنياء في رحبة الجنّة يوم القيامة ، ثمّ يبعث منادياً ينادي من بطنان العرش : يا معاشر المؤمنين أيّما رجل منكم وصله أخوه المؤمن في الله ولو بلقمة من خبز بإدامها خصّه بها على مائدته ، فليأخذ بيده على مهل حتّى يدخله الجنّة .

قال : فهم أعرف بهم يومئذ منهم بآبائهم وأمّهاتهم ، قال : فيجيء الرجل منهم حتّى يضع يده على ذراع أخيه المكرم له الواصل له ، فيقول له : يا أخي أما تعرفني ، ألست الصانع بي في يوم كذا وكذا من المعروف كذا وكذا ؟ فيذكره كلّ شيء صنع معه من البر والصلة والكرامة ، ثمّ يأخذ بيده ، فيقول : إلى أين ؟ فيقول : إلى الجنّة فإنّ الله قد أذن لي بذلك ، فينطلق به إلى الجنّة ، فيدخله فيها برحمة الله وفضله وكرامته لعبده الفقير المؤمن .

روي أنّ فقراء المؤمنين يدخلون الجنّة قبل أغنيائهم بسبعين خريفاً ، وأمّا

____________

(١) نهج البلاغة : قصار الحكم ٧٧ ، عنه البحار ٧٣ : ١٢٨ ضمن حديث ١٣٢ .

(٢) عدّة الداعي : ١٢١ .

(٣) الكافي ٢ : ٢٦٥ ح٢٠ ، عنه البحار ٧٢ : ٢٦ ح٢٢ .


الغني فإنّه مطغى لقوله تعالى :( كلاّ إنّ الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى ) (١) وما يجمع الغني المال إلاّ لنعيم الدنيا ولذّتها وترفّهها ، وقد قال الله تعالى :( أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون ) (٢) ، فوعدهم بالعذاب ، وعيّرهم أيضاً بالتكاثر بقوله تعالى :( ألهاكم التكاثر ) (٣) يعني عن العبادة والزهد .

وروي عن الصادقعليه‌السلام :أنّ رجلاً فقيراً أتى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعنده رجل غنيّ ، فكفّ ثيابه وتباعد عنه ، فقال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما حملك على ما صنعت ، أخشيت أن يلصق فقره بك ، أو يلصق غناك به ؟!

فقال : يا رسول الله أما إذا قلت هذا فله نصف مالي ، قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للفقير : أتقبل منه ؟ قال : لا ، قال : ولِمَ ؟ قال : أخاف أن يدخلني ما دخله (٤) .

واعلم أنّ إحياء دين الله ، وإعزاز كلمته ، وامتثال أوامر الرسل والشرائع ، ونصرة الأنبياء ، وانتشار دعوتهم من لدن آدم إلى زمان نبيّنا محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم تقم إلاّ بأولي الفقر والمسكنة ، أولا تسمع إلى ما قصّه الله عليك في كتابه العظيم على لسان نبيّه الكريم ، وتبيّن لك أنّ المتصدّي لإنكار الشرائع هم الأغنياء المترفون ، والأشراف المتكبّرون .

فقال تعالى مخبراً عن قوم نوحعليه‌السلام إذ عيّروه :( أنؤمن لك واتبعك الأرذلون ) (٥) ،( وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا ) (٦) يعني بذلك الفقراء منّا .

وقالوا لشعيبعليه‌السلام :( إنّا لنراك فينا ضعيفاً ( أي فقيراً )ولولا رهطك

____________

(١) الأحقاف : ٢٠ .

(٢) الأحقاف : ٢٠ .

(٣) التكاثر : ١ .

(٤) البحار ٧٢ : ٥٤ ح٨٥ ، عن عدّة الداعي : ١١٤ .

(٥) الشعراء : ١١١ .

(٦) الشعراء : ١١١ .


لرجمناك وما أنت علينا بعزيز ) (١) .

وقال المستكبرون من قوم صالح للّذين استضعفوا :( أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ) (٢) .

وقال فرعون مزدرياً لموسىعليه‌السلام ومفتخراً عليه :( فلولا أُلقي عليه أسورة من ذهب ) (٣) .

وقالوا لمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( لولا أُلقي عليه كنز أو تكون له جنّة يأكل منها ) (٤) وكفى بهذا كلّه مدحاً للفقراء الراضين ، وذمّاً للأغنياء المتكبّرين .

____________

(١) هود : ٩١ .

(٢) الأعراف : ٧٥ـ٧٦ .

(٣) الزخرف : ٥٣ .

(٤) الفرقان : ٩ .


الباب الخمسون : في الأدب مع الله تعالى

روي في تأويل قوله تعالى :( قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة ) (١) قال ابن عباس : أراد بذلك فقّهوهم في الدين ، وأدّبوهم بأدب الشريعة(٢) .

وقال سبحانه لموسىعليه‌السلام :( فاخلع نعليك إنّك بالواد المقدّس طوى ) (٣) فأمره بالأدب بخلع نعليه عند مناجاته ، فلمّا نزل قوله تعالى :( خذ العفو وأْمُر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ) (٤) قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :أدّبني ربّي بمكارم الأخلاق .

وأعظم الخلق أدباً مع الله الأنبياء ثمّ الأوصياء ثمّ الأمثل فالأمثل ، وأكثر الخلق تأديباً مع الله تعالى نبيّنا محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله سبحانه :( وإنّك لعلى

____________

(١) التحريم : ٦ .

(٢) في ( ج ) : وتأديبهم بالآداب الشرعيّة .

(٣) طه : ١٢ .

(٤) الأعراف : ١٩٩ .


خلقٍ عظيم ) (١) .

وقال أمير المؤمنين لولده الحسنعليه‌السلام :يا بني احرز حظك من الأدب وفرّغ له قلبك ، فإنّه أعظم من أن يخالطه دنس ، واعلم أنّك إذا افتقرت عشت به ، وإن تغرّبت كان لك الصاحب الذي لا وحشة معه ، يا بني الأدب لقاح العقل ، وذكاء القلب ، وعنوان الفضل ، واعلم أنّه لا مروّة لأحد بماله وحاله بل الأدب عماد الرجل ، وترجمان عقله ، ودليله على مكارم الأخلاق ، وما الإنسان لولا الأدب إلاّ بهيمة مهملة (٢) .

قال الجوادعليه‌السلام :ما اجتمع رجلان إلاّ كان أفضلهما عند الله أأدبهما ، فقيل : يا ابن رسول الله قد عرفنا فضله عند الناس ، فما فضله عند الله ؟ فقال :بقراءة القرآن كما أُنزل ، ويروي أحاديثنا كما قلناها ، ويدعو الله مُعزماً بدعائه (٣) .

وحقيقة الأدب اجتماع خصال الخير ، وتجافي خصال الشر ، وبالأدب يبلغ الرجل مكارم الأخلاق في الدنيا والآخرة ، ويصل به إلى الجنّة ، والأدب عند الناس النطق بالمستحسنات لا غير ، وهذا لا يعتدّ به ما لم يوصل به إلى رضا الله سبحانه والجنّة .

والأدب هو أدب الشريعة ، فتأدّبوا بها تكونوا أُدباء حقّاً ، ومَن صاحب الملوك بغير أدب أسلمه ذلك إلى الهلكة ، فكيف بمَن يصاحب ملك الملوك وسيّد السادات .

وقد روي أنّ الله سبحانه يقول في بعض كتبه :عبدي أمن الجميل أن تناجيني وأنت تلتفت يميناً وشمالاً ، ويكلّمك عبد مثلك تلتفت إليه وتدعني ، وترى من أدبك إذا كنت تحدّث أخاً لك لا تلتفت إلى غيره ، فتعطيه من الأدب ما لا تعطيني ، فبئس

____________

(١) القلم : ٤ .

(٢) أورده المصنّف في كتابه أعلام الدين : ٨٤ .

(٣) الوسائل ٤ : ٨٦٦ ح٣ عن عدّة الداعي باختلاف .


العبد عبد يكون كذلك .

وروي أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خرج إلى غنم له وراعيها عريان يفلي ثيابه ، فلمّا رآه مقبلاً لبسها ، فقال له النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :امض فلا حاجة لنا في رعايتك ، فقال : ولِمَ ذلك ؟ فقال :إنّا أهل بيت لا نستخدم مَن لا يتأدّب مع الله ولا يستحي منه في خلوته . وإنّما فعل ذلك لأنّ الراعي أعطاه فوق ما أعطى ربّه .

وروي أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مرّ عليه غلام دون البلوغ وبش له وتبسّم فرحاً بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال له :أتحبّني يا فتى ؟ فقال : إي والله يا رسول الله ، فقال :مثل عينيك ، فقال : أكثر ، فقال :مثل أبيك ، فقال : أكثر ، فقال :مثل أمّك ، فقال : أكثر ، فقال :مثل نفسك ، فقال : أكثر والله يا رسول الله .

فقال :مثل ربّك ، قال : الله الله يا رسول الله ، ليس هذا لك ولا لأحد ، فإنّما أحببتك لحبّ الله ، فالتفت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى مَن كان معه وقال :هكذا كونوا ، أحبّوا الله لإحسانه إليكم وإنعامه عليكم ، وحبّوني لحبّ الله .

فاختبرهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على صحّة أدبه في المحبّة في الله تعالى ، فالأدب مع الله بالاقتداء بآدابه وآداب نبيّه وأهل بيتهعليهم‌السلام ، وهو العمل بطاعته ، والحمد له على السرّاء والضرّاء ، والصبر على البلاء ، ولهذا قال أيوب :( إنّي مسّني الضرّ وأنت أرحم الراحمين ) (١) .

فقد تأدّب هنا من وجهين ، أحدهما أنّه لم يقل : إنّك أمسستني بالضر ، والآخر لم يقل : ارحمني ، بل عرّض تعريضاً ، فقال : وأنت أرحم الراحمين ، وإنّما فعل ذلك حفظاً لمرتبة الصبر ، وكذا قال إبراهيم :( وإذا مرضت فهو يشفين ) (٢) ولم يقل : إذا أمرضني ، حفظاً للأدب .

____________

(١) الأنبياء : ٨٣ .

(٢) الشعراء : ٨٠ .


وقال أيوب في موضع آخر :( إنّي مسّني الشيطان بنصب وعذاب ) (١) أشار بذلك إلى الشيطان لأنّه كان يغري الناس فيؤذونه ، وكلّ ذلك تأدّب منهم مع الله تعالى في مخاطباتهم ، وقوم آخر افتروا عليه سبحانه ، ونسبوا إليه من القبيح ما نزّهوا عنه آباءهم وأُمّهاتهم .

قالوا : كلّما في الوجود من كفر وظلم وفساد وقتل وغصب فمنه ، قضاه وأراده ، وهذا قضاء بالباطل لأنّه سبحانه يقول :( والله يقضي بالحق ) (٢) ويقولون : إنّه سبحانه يأمر بما لا يريد وينهى عمّا يريد ، وإنّه أمر قوماً بالإيمان وأراد منهم الكفر ، وهو تعالى يقول :( ولا يرضى لعباده الكفر ) (٣) .

ولو قيل لأحدهم : إنّك تأمر بما لا تريد وتنهى عمّا لا تكره وكذلك أبوك وأُمّك لغار من ذلك وغضب وقال لقائله : إنّك نسبتني إلى السفه والجهل والجنون ، فسبحانه ما أحلمه وأكرمه ، ولولا حلمه ورحمته لأحلّ بالأرض النقمة غضباً على القائل بذلك والراضي به .

وانّ الله سبحانه لم يعص مغلوباً ، ولم يطع مكروهاً ، وإنّما أمر الله سبحانه تخييراً ، ونهى تحذيراً ، وأقدر على الحالين ، وقد قال سبحانه :( وهديناه النجدين ) (٤) يعني عرّفناه الطريقين الخير والشر ، وأمر سبحانه بالخير ونهى عن الشر ، كما قال سبحانه :( وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ) (٥) .

وقال سبحانه :( يا أيّها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافّة ) (٦) وما كان يأمر بالدخول في باب ثمّ يغلقه ، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً ، فاعتبروا وتفكّروا

____________

(١) ص : ٤١ .

(٢) غافر : ٢٠ .

(٣) الزمر : ٧ .

(٤) البلد : ١٠ .

(٥) فصلت : ١٧ .

(٦) البقرة : ٢٠٨ .


ودعوا اتباع الهوى ، فهو مردى لصاحبه ومهلك له ، فسبحانه وتعالى كيف يجبر عباده على الكفر ثمّ يعذّبهم عليه ، وعلى الزنا والسرقة والقذف للمحصنات ويأمر بحدّهم .

أفمن العدل والحكمة هذا أم لا ؟ خبّرونا هداكم الله تعالى ، ولا شك أنّ هذه مكيدة من الشيطان عظيمة مبيحة لارتكاب كلّ قبيح وضلال ، وقد قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام :أَدَلَّكَ على الطريق ، ولزم عليك المضيق ، إنّ هذا بالحكمة لا يليق (١) .

وقالعليه‌السلام :أيأمر بالعدل ويخالفه ؟ وينهى عن المنكر ويؤالفه ؟ لقد افترى عليه من بهذا وصفه (٢) .

وقالعليه‌السلام :إذا كان الوزر في الأصل محتوماً كان المأخوذ فيه بالقصاص مظلوماً (٣) .

وقالعليه‌السلام :ما استغفرته عليه فهو منك ، وما حمدته عليه فهو منه (٤) .

وقال تعالى :( ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيّئة فمن نفسك ) (٥) وهذه الأقوال أجوبة لمن سأله عن القضاء والقدر من العلماء .

وأمّا جواب الحسن بن عليّعليهما‌السلام لمّا كتب إليه الحسن البصري يسأله عن القضاء والقدر ، فإنّه قالعليه‌السلام :مَن لم يؤمن بالقدر خيره وشرّه فقد فجر ، ومَن حمل المعاصي على الله فقد كفر ، إنّ الله سبحانه لا يُطاع بإكراه ، ولا يُعصى بغلبة ، ولا أهمل العباد من الملكة ، بل هو المالك لما ملّكهم ، القادر على ما

____________

(١) أورده المصنّف في أعلام الدين : ٣١٦ .

(٢) المصدر نفسه .

(٣) أورده المصنّف في أعلام الدين : ٣١٧ .

(٤) المصدر نفسه .

(٥) النساء : ٧٩ .


أقدرهم ، فإن عملوا بالطاعة لم يكن الله تعالى لهم عنها صادّاً ، ولا منها مانعاً .

وإن عملوا بالمعصية فشاء أن يحول بينهم وبينها فعل ، وإن لم يفعل فليس هو حملهم عليها إجباراً ، ولا ألزمهم بها إكراهاً ، بل له الحجّة عليهم أن عرّفهم ، وجعل لهم السبيل إلى فعل ما دعاهم إليه ، وترك ما نهاهم عنه ، ولله الحجّة البالغة على جميع خلقه ، والسلام(١) .

قال مصنّف الكتابرحمه‌الله : والأدب أيضاً التفقّه في الدين وعلوم اليقين ، وثلاثة أشياء هي رأس الأدب ، مجانبة الريب ، والسلامة من العيب ، والإيمان بالغيب والأدب كلّ الأدب أن لا يراك الله حيث نهاك ، ولا يفقدك حيث أمرك .

وقال شخص : إنّ الجنيد قال : إذا صحّت المودّة سقطت شروط الأدب ، قلت : هذا غلط وترك للأدب ، بل إذا صحّت المحبّة وخلصت ، تأكّدت على المحبّ ملازمة الأدب ، والدليل على ذلك أنّ سيّدنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان أكثر الناس محبّة لله تعالى ، وأعظمهم أدباً .

وروي أنّ الخليل بن أحمد قال لولده : يا بني تعلّم الأدب فإنّه يقوّمك ويسدّدك صغيراً ، ويقدّمك ويعظمك كبيراً .

وروي أنّ صبيّاً كان له سبع سنين وقف على الحجّاج فقال : أيّها الأمير اعلم أنّ أبي مات وأنا حمل في بطن أُمّي ، وماتت أُمّي وأنا رضيع ، وكفلني الغرباء ، وخلّف(٢) لي ضيعة أتموّن منها وأستند إليها ، وقد غصبها رجل من عمّالك ، لا يخاف الله ولا يخشى من سطوة الأمير وعليك بردع الظالم وردّ المظالم لتجد ذلك يوم تجد كلّ نفس ما عملت من خير محضراً ، وما عملت من سوء تودّ لو أنّ بينها وبينه أمداً بعيداً ، فأمر بردّ ضيعته ، وصرف الأُدباء من بابه وقال : الأدب أدب الله يؤتيه مَن

____________

(١) كنز الكراجكي : ١٧٠ ، تحف العقول : ١٦٢ ، عنه البحار ٥ : ٤٠ ح٦٣ .

(٢) في ( ب ) : خلّفا .


يشاء ، وعلى العاقل أن يتأدّب مع العالم الذي يعلّمه .

وروى عبد الله بن الحسن بن عليّ ، عن أبيه ، عن جدّهعليهم‌السلام أنّه قال : إنّ من حقّ المعلّم على المتعلّم أن لا يكثر السؤال عليه ، ولا يسبقه في الجواب ، ولا يلحّ عليه إذا أعرض ، ولا يأخذ ثوبه إذا كسل ، ولا يشير إليه بيده ، ولا يخزره بعينه ، ولا يشاور في مجلسه ، ولا يطلب عوراته .

وأن لا يقول : قال فلان خلاف قولك ، ولا يفشي له سرّاً ، ولا يغتاب عنده ، وأن يحفظه شاهداً وغائباً ، ويعم القوم بالسلام ويخصّه بالتحيّة ، ويجلس بين يديه ، وإن كان له حاجة سبق القوم إلى خدمته .

ولا يملّ من طول صحبته ، فإنّما هو مثل النخلة تنتظر متى يسقط عليك منها منفعة ، والعالم بمنزلة الصائم القائم المجاهد في سبيل الله ، وإذا مات العالم انثلم في الإسلام ثلمة لا تنسدّ إلى يوم القيامة ، وإنّ طالب العلم ليشيّعه سبعون ألف ملك من مقرّبي السماء(١) .

وعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :مَن أعان طالب العلم فقد أحبّ الأنبياء وكان معهم ، ومَن أبغض طالب العلم فقد أبغض الأنبياء فجزاؤه جهنّم ، وإنّ لطالب العلم شفاعة كشفاعة الأنبياء ، وله في جنّة الفردوس ألف قصر من ذهب ، وفي جنّة الخلد مائة ألف مدينة من نور ، وفي جنّة المأوى ثمانون درجة من ياقوتة حمراء وله بكلّ درهم أنفقه في طلب العلم جوراً (٢) بعدد النجوم وبعدد الملائكة ، ومَن صافح طالب العلم حرّم الله جسده على النار ، ومَن أعان طالب العلم إذا مات غفر الله له ولمن حضر جنازته .

وقالوا لمالك بن دينار : يا أبا يحيى ربّ طالب علم للدنيا ، قال : ويحكم ليس

____________

(١) البحار ٢ : ٤٤ ح١٩ ، عن عدّة الداعي : ٨٠ .

(٢) في ( ألف ) : جوار .


يقال له طالب العلم ، ولكن يقال له : طالب الدنيا ، ألا وإنّ ذهاب العلم ذهاب العلماء ، ومَن آذى طالب العلم لعنته الملائكة ، وأتى الله يوم القيامة وهو عليه غضبان ، ألا ومَن أعان طالب العلم بدرهم بشّرته الملائكة عند قبض روحه بالجنّة ، وفتح الله له باباً من نور في قبره .

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :سألت جبرئيل عليه‌السلام فقلت : العلماء أكرم عند الله أم الشهداء ؟ فقال : العالم الواحد أكرم على (١) الله تعالى من ألف شهيد ، فإنّ اقتداء العلماء بالأنبياء ، واقتداء الشهداء بالعلماء (٢) .

وقالعليه‌السلام :مَن أحبّ أن ينظر إلى عتقاء الله من النار فلينظر إلى طالب العلم (٣) .

وقالعليه‌السلام :طالب العلم أفضل عند الله من المجاهدين والمرابطين والحجّاج والعمّار والمعتكفين والمجاورين ، واستغفرت له الشجر والرياح والسحاب والنجوم والنبات وكلّ شيء طلعت عليه الشمس .

وعن الرضا ، عن أبيه موسى بن جعفر ، عن أبيه جعفر بن محمد ، عن أبيه محمد بن عليّ ، عن أبيه عليّ بن الحسين ، عن أبيه الحسين بن عليّ ، عن أبيه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (صلوات الله عليهم أجمعين) قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : طلب العلم فريضة على كلّ مسلم ، فاطلبوا العلم من مظانّه ، واقتبسوه من أهله ، فإنّ تعلّمه لله حسنة ، وطلبه عبادة ، والمذاكرة فيه تسبيح ، والعمل به جهاد ، وتعليمه مَن لا يعلمه صدقة ، وبذله لأهله قربة إلى الله تعالى ؛ لأنّه معالم الحلال والحرام ، ومنار سبيل الجنّة ، والمؤنس في الوحشة ، والصاحب في

____________

(١) في ( ب ) : عند .

(٢) نحوه باختلاف معالم الزلفى : ١٤ ، مَن لا يحضره الفقيه ٤ : ٢٨٤ .

(٣) البحار ١ : ١٨٤ ح٩٥ .


الغربة والوحدة ، والمحدّث في الخلوة ، والدليل على السرّاء والضرّاء ، والسلاح على الأعداء ، والزين عند الأخلاّء ، يرفع الله به أقواماً فيجعلهم في الخير قادة ، تقتبس آثارهم ، وتهتدي بأفعالهم ، وتنتهي إلى رأيهم ، وترغب الملائكة في خلّتهم ، وبأجنحتها تمسحهم ، وفي صلاتها تبارك عليهم .

ويستغفر لهم كلّ رطب ويابس حتّى حيتان البحر وهوامه ، وسباع البر وأنعامه ، وإنّ العلم حياة القلوب من الجهل ، وضياء الأبصار من الظلمة ، وقوّة الأبدان من الضعف ، يبلغ بالعبد منازل الأخيار ، ومجالس الأبرار ، والدرجات العلى في الآخرة والأُولى .

الفكر فيه يعدل بالصيام ، ومدارسته بالقيام ، به يطاع الرب ويُعبد ، وبه توصل الأرحام ، ويعرف الحلال والحرام ، العلم أمام العمل والعمل تابعه ، وتلهمه السعداء وتحرمه الأشقياء ، فطوبى لمَن لم يحرمه الله منه حظّه(١) .

وعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :العالم بين الجهّال كالحي بين الأموات ، وإنّ طالب العلم يستغفر له كلّ شيء ، فاطلبوا العلم فإنّه السبب بينكم وبين الله عزّ وجل ، وإنّ طلب العلم فريضة على كلّ مسلم (٢) .

وقالعليه‌السلام :إذا كان يوم القيامة يوزن مداد العلماء مع دماء الشهداء ، فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء (٣) .

وقالعليه‌السلام :ما عمل رجل عملاً بعد إقامة الفرائض خيراً من إصلاح بين الناس ، يقول خيراً وينمي خيراً (٤) .

وقالعليه‌السلام :عليكم بسنّتي ، فعمل قليل في سنّة خير من عمل كثير في

____________

(١) أمالي الطوسي : ٤٨٧ ح٣٨ مجلس ١٧ ، عنه البحار ١ : ١٧١ ح٢٤ .

(٢) أمالي الطوسي : ٥٢١ ح٥٥ مجلس ١٨ ، عنه البحار ١ : ١٧٢ ح٢٥ .

(٣) أمالي الطوسي : ٥٢١ ح٥٦ مجلس ١٨ ، عنه البحار ٢ : ١٦ ح٣٥ .

(٤) أمالي الطوسي : ٥٢٢ ح٥٩ مجلس ١٨ ، عنه البحار ٧٦ : ٤٣ ح١ .


بدعة (١) .

وقالعليه‌السلام :مَن احتقر صاحب العلم فقد احتقرني ، ومَن احتقرني فهو كافر .

وقالعليه‌السلام :سألت جبرئيل عليه‌السلام عن صاحب العلم ، فقال : هو سراج أُمّتك ، رئيس الدنيا والآخرة (٢) ، طوبى لمن عرفهم وحبّهم ، والويل لمَن أنكر معرفتهم وأبغضهم ، ومَن أبغضهم شهدنا أنّه في النار ، ومَن أحبّهم شهدنا أنّه في الجنّة .

وعن أمير المؤمنينعليه‌السلام قال :إذا جلس المتعلّم بين يدي العالم فتح الله له سبعين باباً من الرحمة ، ولا يقوم من عنده إلاّ كيوم ولدته أُمّه ، وأعطاه الله بكلّ حديث عبادة سنة ، ويبني له بكلّ ورقة مدينة مثل الدنيا عشر مرّات .

وقالعليه‌السلام :جلوس ساعة عند العلماء أحبّ إلى الله تعالى من عبادة [ألف] (٣) سنة ، لا يُعصى الله فيها طرفة عين ، والنظر إلى العالم أحبّ إلى الله تعالى من اعتكاف سنة في بيت الحرام وزيارة العلماء أحبّ إلى الله تعالى من سبعين حجة وعمرة ، وأفضل من سبعين طوافاً حول البيت ، ورفع الله له سبعين درجة يكتب له بكلّ حرف حجّة مقبولة ، وأنزل الله عليه الرحمة ، وشهدت الملائكة له بأنّه قد وجبت له الجنّة (٤) .

وقالعليه‌السلام :إذا كان يوم القيامة جمع الله العلماء فيقول لهم : عبادي إنّي أريد بكم الخير الكثير بعدما أنتم تحملون الشدّة من قِبلي وكرامتي وتعبدني الناس بكم ، فابشروا فإنّكم أحبّائي ، وأفضل خلقي بعد أنبيائي ، وابشروا فإنّي غفرت لكم

____________

(١) أمالي الطوسي : ٥٢٢ ح٦٠ مجلس ١٨ ، عنه البحار ٢ : ٢٦١ ح٣ .

(٢) في ( ب ) : أصحاب العلم رئيس الدنيا والآخرة .

(٣) أثبتناه من ( ب ) ، وعدّة الداعي .

(٤) البحار ١ : ٢٠٥ ح٣٣ ، عن عدّة الداعي : ٧٥ .


ذنوبكم ، وقبلت أعمالكم ، ولكم في الناس شفاعة مثل شفاعة أنبيائي ، وإنّي منكم راض ولا أهتك ستوركم ، ولا أفضحكم في هذا الجمع .

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :طوبى للعالم والمتعلّم والعامل به ، فقال رجل : يا رسول الله هذا للعالم فما للمتعلّم ؟ فقال : العالم والمتعلّم في الأجر سواء .

وقالعليه‌السلام :كن عالماً أو متعلّماً أو مستمعاً أو محبّاً لهم ، ولا تكن الخامس فتهلك ، فإنّ أهل العلم سادة ومصاحبتهم زيادة .


الباب الحادي والخمسون : في توحيد الله تعالى

قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : إنّ القول بأنّ الله تعالى واحد على أربعة أقسام ، فوجهان منها يجوزان على الله ، ووجهان لا يجوزان ، فأمّا اللذان لا يجوزان عليه فقول القائل : واحد ، يقصد به باب الأعداد فهذا ما لا يجوز على الله تعالى ، لأنّ ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد أما ترى أنّ الله تعالى كفّر مَن قال ثالث ثلاثة ، وكذا قول القائل : واحد ، يريد النوع من الجنس ، فهذا لا يجوز عليه لأنّه تشبيه ، تعالى الله عن ذلك [علوّاً كبيراً](١) .

وأمّا الوجهان اللذان يثبتان له ، فقول القائل : هو واحد يعني ليس في الأشياء له مثل ولا شبه(٢) ، وكذا قول القائل إنّه واحد بمعنى أنّه أحديّ المعنى ، أي لا ينقسم في عقل ولا وجود ولا وهم(٣) .

وقال رجل للصادق جعفر بن محمدعليه‌السلام : أيّ شيء تعبد ؟ فقال :الله ،

____________

(١) أثبتناه من ( ج ) .

(٢) في ( ج ) : مثيل ولا شبيه .

(٣) التوحيد للصدوق : ٨٣ ح٣ ، ومعاني الأخبار : ٥ ح١ ، والبحار ٣ : ٢٠٦ ح١ .


فقال : هل رأيته ؟ فقال :لم تره العيون بمشاهدة العيان ، ورأته القلوب بحقائق الإيمان ، لا يعرف بالقياس ، ولا يشبّه بالناس ، موصوف بالآيات ، معروف بالعلامات ، لا يجور في حكمه ، ذلك الله لا إله إلاّ هو ربّي عليه توكّلت وإليه أُنيب (١) .

وقال له رجل : يا أبا عبد الله أخبرني عن الله متى كان ، فقال له :ويلك أخبرني أنت عن الله متى لم يكن حتّى أخبرك متى كان (٢) .

وقال له آخر : لم يزل الله تعالى يعلم ويسمع ويبصر؟ فقال :ذات الله تعالى علامة سميعة بصيرة (٣) (٤) .

وسأله رجل فقال : قوله تعالى :( ومَن يحلل عليه غضبي فقد هوى ) (٥) ما هذا الغضب ؟ فقال :العقاب ، يا هذا مَن زعم أنّ الله زال من شيء إلى شيء فقد وصفه بصفة المخلوق ، وإنّ الله تعالى لا يغيّره شيء ولا يشبهه شيء ، وكلّما وقع في الوهم فهو بخلافه (٦) .

وقال ذعلب اليماني لأمير المؤمنينعليه‌السلام : هل رأيت ربّك ؟ فقال له : أفأعبد من لا أراه، فقال : فكيف تراه ؟ قال : لا تدركه العيون بمشاهدة العيان ، ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان ، قريب من الأشياء من غير ملامسة ، بعيد منها من غير مباينة ، متكلّم بلا رؤية ، مريد بلا همّة ، صانع بلا حاجة .

لطيف لا يوصف بالخفاء ، بصير لا يوصف بالحاسة ، رحيم لا يوصف بالرقة ، تعنوا الوجوه لعظمته ، وتوجل القلوب من مخافته ، الذي لم يسبق له حال حالا ، فيكون أوّلاً قبل أن يكون آخراً ، ويكون ظاهراً قبل أن يكون باطناً .

____________

(١) التوحيد للصدوق : ١٠٨ ح٥ ، عنه البحار ٤ : ٢٦ ح١ عن أبي جعفرعليه‌السلام .

(٢) التوحيد للصدوق : ١٧٣ ح١ ، الاحتجاج ٢ : ١٦٦ ح١٩٤ ، عنه البحار ٣ : ٢٨٤ ح٣ .

(٣) في ( ب ) : علامة لسمعه وبصره .

(٤) التوحيد للصدوق : ١٣٩ ضمن حديث ٢ ، عنه البحار ٤ : ٧٢ ضمن حديث ١٩ .

(٥) طه : ٨١ .

(٦) التوحيد للصدوق : ١٦٨ ح١ ، عنه البحار ٤ : ٦٤ ح٥ باختلاف .


كلّ مسمّى بالوحدة غيره قليل ، وكلّ عزيز غيره ذليل ، وكلّ قويّ غيره ضعيف ، وكلّ مالك غيره مملوك ، وكلّ عالم غيره متعلّم ، وكلّ قادر غيره عاجز ، وكلّ سميع غيره أصمّ عن لطيف الأصوات ويصمّه كبيرها ويذهب عنه ما بعد منها ، وكلّ بصير غيره يعمى عن خفيّ الألوان ولطيف الأجسام ، وكلّ ظاهر غيره غير باطن ، وكلّ باطن غيره غير ظاهر .

لم يخلق ما خلقه لتسديد سلطان ، ولا تخوّف من عواقب زمان ، ولا استعانة على يد مشاور ، ولا شريك مكاثر ، ولا ضد منافر ، ولكن خلائق مربوبون وعباد آخرون ، لم يحلل في الأشياء فيقال : هو فيها كائن ، ولا بناء عنها فيقال : هو منها بائن .

لم يؤده خلق ما خلق ، ولا تدبير ما برأ وذرا ، ولا وقف به عجز ممّا خلق ، ولا ولجت عليه شبهة فيما قدّر وقضى ، بل قضاءٌ متين(١) ، وعلم محكم ، وأمر مبرم ، المأمون من النقم ، المرهوب مع النعم(٢) .

وقال له آخر : أخبرنا يا أمير المؤمنين بما عرفت ربّك ؟ قال :بفسخ العزم ونقض الهمم ، لما هممت فحال بيني وبين همّي ، وعزمت فخالف القضاء عزمي ، علمت أنّ المدبّر لي غيري .

قال : فيما ذا شكرت نعماه ؟ قال :نظرت إلى بلاء قد صرفه عنّي وبلى به غيري ، وإحسان شملني به ، فعلمت أن قد أحسن إليّ وأنعم عليّ فشكرته ، قال : فيما ذا أحببت لقاءه ؟ قال :رأيته قد اختار لي دين ملائكته ورسله ، فعلمت أنّه قد أكرمني واختار لي دار كرامته ، فاشتقت إلى لقائه (٣) .

____________

(١) في ( ب ) : و ( ج ) : متقت .

(٢) نهج البلاغة : الخطبة ٦٥ ، وفي أعلام الدين : ٦٥ .

(٣) التوحيد للصدوق : ٢٨٨ ح٦ ، الخصال : ٣٣ ح١ باب ٢ ، عنه البحار ٣ : ٤٢ ح١٧ .


وقالعليه‌السلام :مَن عبد الله بالوهم أن يكون صورة أو جسماً فقد كفر ، ومَن عبد الاسم دون المعنى فقد عبد غير الله ، ومَن عبد المعنى دون الاسم فقد دلّ على غائب ، ومَن عبد الاسم والمعنى فقد أشرك وعبد اثنين ، ومَن عبد المعنى بوقوع الاسم عليه فعقد به قلبه ونطق به لسانه في سرائره وعلانيته فذلك ديني ودين آبائي (١) .

وبالإسناد إلى الصادقعليه‌السلام أنّ رجلا سأله فقال : يا ابن رسول الله دلّني على الله ما هو فقد أكثر عليّ المجادلون وحيّروني ، فقال له :يا عبد الله هل ركبت سفينة قط ؟ قال : نعم ، قال :فهل كسرت بك حيث لا سفينة تنجيك ولا سباحة تغنيك ؟ قال : نعم .

قال :فهل تعلّق قلبك هنالك أنّ شيئاً من الأشياء قادر على أن يخلّصك من ورطتك ؟ قال : نعم ، قال الصادقعليه‌السلام :فذلك الشيء هو الله تعالى ، القادر على الإنجاء حيث لا منجي ، وعلى الإغاثة حيث لا مغيث (٢) .

وجاء في تفسير قوله تعالى :( وما قدروا الله حقّ قدره ) (٣) أي ما عرفوه حقّ معرفته ، ولا عظّموه حقّ عظمته ، ولا عبدوه حقّ عبادته .

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام في وصيّته لولده الحسنعليه‌السلام :إنّ ربّك أعظم أن يثبت ربوبيّته بإحاطة سمع أو بصر (٤) .

وكانعليه‌السلام إذا بالغ في التحميد يقول :سبحان مَن إذا تناهت العقول في وصفه كانت حائرة دون الوصول إليه ، وتبارك مَن إذا عرفت الفطن في تكيّفه لم يكن لها طريق إليه غير الدلالة عليه ، وكفى قوله تعالى : ( ليس كمثله شيء وهو

____________

(١) البحار ٤ : ١٦٥ ح٧ عن توحيد الصدوق ، باختلاف ، وأورده المصنّفرحمه‌الله في كتابه أعلام الدين : ٦٧ .

(٢) معاني الأخبار : ٤ باب معنى الله عزّ وجل ، عنه البحار ٣ : ٤١ ح١٦ .

(٣) الأنعام : ٩١ .

(٤) نهج البلاغة : الكتاب ٣١ ، البحار ٤ : ٣١٧ ح٤١ .


السميع البصير ) (١) .

قال مصنّف الكتاب رحمة الله عليه : دواء القلوب في سبعة أشياء : التفكّر في طريق السلامة ، وتدبر أدلّة العقل ، وترك الهوى ، وقراءة القرآن المجيد بالتدبر ، وخلاء البطن ، وقيام الليل ، والتضرّع في السحر ، ومجالسة العلماء الصالحين .

ومَن ألزم نفسه آداب الكتاب العزيز ، والعلم بمعانيه ، والعمل به وبسنّة نبيّنا محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وسنن الأئمّة من أهل بيتهعليهم‌السلام نوّر الله قلبه بنور الإيمان ، ومكّن له بالبرهان ، وجعل وجهه وفعله وقوله شاهد الحق ، كما قال بعضهم [ممثّلا في ذلك](٢) :

وقَلَّ مَنْ ضمنَتْ خيراً طويّتُهُ

إلاّ وفي وجهِهِ للخَير عُنوانُ

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :إنّ من دعامة البيت أساسه ، ودعامة الدين المعرفة بالله تعالى واليقين بتوحيده والعقل القامع ، فقالوا : وما العقل القامع يا رسول الله ؟ قال :الكف عن المعاصي ، والحرص على طاعة الله ، والشكر على جميل (٣) إحسانه وإنعامه وحسن بلائه .

ومن علامات المعرفة بالله شدّة الخوف منه والهيبة له ، قال الله تعالى :( إنّما يخشى الله من عباده العلماء ) (٤) وذلك لمشاهدتهم له في أسرار قلوبهم ، ومعرفتهم أنّه تعالى مشاهد لهم ، كما قال تعالى :( وهو معكم أين ما كنتم ) (٥) .

فكلّما ازدادت معرفة العبد لربّه ازدادت مخافته منه ومهابته له ، وكذلك أعرف أعوان السلطان به أهيبهم له وأخوفهم منه ، ومثال ذلك مثال رجلين دخلا

____________

(١) الشورى : ١١ .

(٢) أثبتناه من ( ب ) .

(٣) في ( ب ) : جميع .

(٤) فاطر : ٢٨ .

(٥) الحديد : ٤ .


داراً عرف أحدهما أنّ المالك واقف على بعضها(١) يشرف عليه ، فأحسن أدبه ولم يحدث أمراً مستنكراً ، والآخر لم يعرف إشرافه عليه فأساء أدبه ، وفعل ما لا يليق أن يفعل بحضرة المالك .

وكذلك العارف بالله ، فإنّه مشاهده في كلّ حالاته وأسراره ، فهو معه متأدّب ومنه خائف وله مراقب ، والجاهل بالله خارج من هذه الحالة ، راكب للجهالة ، ولهذا نقول : إن كان العاصي حين يواقع المعصية يعتقد أنّ الله تعالى يراه فإنّه لجاهل حيث جعله أهون الناظرين ، وإن كان يعتقد أنّه لا يراه فإنّه لكافر ، فكلا الأمرين خطر عظيم وإثم جسيم ، ولا شك أنّ المعرفة توجب الخوف والحياء .

ومن علامات العارف أن يكون خاطره فارغاً من علق الدنيا ومهامّها ، مشغولاً بأخطار الآخرة وأهوالها ، والعارف لا يأسف على شيء فات إلاّ على ما فات من ذكر الله ، فإنّه أبداً لا يرى إلاّ الله فلا يأسف على شيء مع الله ؛ لأنّه يرى ما سوى الله بعين الفناء والزوال فكيف ينظر إلى شيء فان زائل ، كما قال تعالى :( كلّ شيء هالك إلاّ وجهه ) (٢) يعني إلاّ ذاته سبحانه .

والعارف لا يخرج من الدنيا متأسّفاً إلاّ على قلّة بكائه على ذنبه وتقصيره في ثنائه على ربّه ، ولكلّ شيء ثمرة وثمرة المعرفة الهيبة والمخافة والأُنس ، ولكلّ شيء عقوبة وعقوبة العارف فتوره عن الذكر وغفلته عن الفكر ، ومن علامات المعرفة شدّة المحبّة لله ، وإذا اشتدّت محبّة العارف بالله كان الله له سمعاً وبصراً ويداً ومؤيّداً .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ الله إذا أحبّ عبداً قال لجبرئيل : إنّي أُحب فلاناً فأحبّوه (٣) ويوضع له القبول في الأرض ، والمحبّة حالة شريفة كما أثنى

____________

(١) في ( ب ) و ( ج ) : بابها .

(٢) القصص : ٨٨ .

(٣) البحار ٧١ : ٣٧٢ ح٥ عن نوادر الراوندي ، نحوه .


الله تعالى بها على قوم فقال :( فسوف يأتي الله بقوم يحبّهم ويحبّونه ) (١) ومحبّة الله للعبيد سبوغ نعمه عليهم في الدنيا مع طاعتهم له ، وإثابته لهم في الآخرة .

وأمّا إنعامه على الكفّار والعصاة فإنّما هو إملاء لهم واستدراج لم يصدر عن محبّة ، كما قال تعالى :( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً ) (٢) .

وقال سبحانه :( سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ) (٣) .

وقال سبحانه :( أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ ) (٤) .

ومحبّة الله تعالى لأهل طاعته إرادة نفعهم وثوابهم ، وتسمّى هذه المحبّة رحمة منه وثناء على العبيد ، كما أنّ ذمّه لمن غضب عليه بغض له ، ولقد ذهب المحبّون لله تعالى بشرف الدنيا والآخرة ، يقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :المرء مع مَن أحبّ (٥) ، وأيّ منزلة أشرف ، ودرجة أعلى ممّن يكون مع الله ؟! وليس بصادق مَن ادّعى محبّة الله ولم يحفظ حدوده .

ومن علامات محبّة العبد لله تعالى أن لا ينسى ذكره ، وذلك أنّ مَن أحبّ حبيباً تولّه بذكره يقظة ومناماً ، ولقد أحسن مَن قال :

عجبت لمَن يقول ذكرت ربّي

وهل أنسى فأذكر إذ (٦) نسيتُ

شربت الحبّ كأساً بعد كأسٍ

فما نفذ الشراب وما رويتُ

وإذا تردّد العبد بين الشوق إلى لقاء الله تعالى وبين البقاء رغبة في عبادته ،

____________

(١) المائدة : ٥٤ .

(٢) آل عمران : ١٧٨ .

(٣) الأعراف : ١٨٢ .

(٤) المؤمنون : ٥٥ـ٥٦ .

(٥) أمالي الطوسي : ٦٢١ ح١٧ مجلس ٢٩ ، عنه البحار ٦٨ : ٧٠ ح١٢٨ .

(٦) في ( ب ) : إن .


يوكّل الأمر إلى الله ويقول : يا ربّ اختر لي أحد الأمرين إليك .

وروي أنّ داودعليه‌السلام خرج مصحراً متفرّداً ، فأوحى الله إليه :يا داود ما لي أراك وحدانياً ؟ فقال :إلهي اشتدّ الشوق منّي إلى لقائك فحال بيني وبينك خلقك ، فأوحى الله إليه :ارجع إليهم فإنّك إن تأتيني بعبد آبق أثبتك في اللوح حميداً (١) (٢) .

وينبغي أن يكون يتمنّى الموت في حالة الراحة والنعمة والعافية ، كيوسف لمّا أُلقي في الجبّ لم يقل توفّني ، ولا في السجن قال توفّني ، فلمّا دخل عليه أبواه وخرّوا له سجّداً ، وكان أعظم مسرّة بلقاء الأحبّة ، وتمام الملك وكمال النعمة قال : توفّني مسلماً .

وروي أنّ شعيباًعليه‌السلام بكى حتّى عمي ، فردّ الله تعالى عليه بصره ، ثمّ بكى حتّى عمي ، فردّ الله عليه بصره ، ثمّ بكى حتّى عمي فردّ الله تعالى عليه بصره ، ثمّ بكى حتّى عمي فأوحى الله إليه :يا شعيب إن كان هذا البكاء لأجل الجنّة فقد أبحتها لك ، وإن كان من أجل النار فقد حرّمتها عليك . فقال : لا بل شوقاً إليك ، فقال الله تعالى : لأجل هذا أخدمتك كليمي موسى عشر سنين ، ومن اشتاق إلى الله اشتاق إليه كلّ شيء (٣) .

وروي أنّ الله تعالى أنزل في بعض كتبه :عبدي أنا وحقّي لك محبّ ، فبحقّي عليك كن لي محبّاً .

والمحبّة تهيّج الشوق إلى لقاء الله تعالى ، وتبعث على العمل الصالح لقوله تعالى :( فمَن كان يرجو لقاء ربّه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربّه أحداً ) (٤) .

____________

(١) في ( ج ) : جميلاً .

(٢) عنه البحار ١٤ : ٤٠ ح٢٦ .

(٣) البحار ١٢ : ٣٨٠ ح١ عن علل الشرائع ، بتفصيل أكثر .

(٤) الكهف : ١١٠ .


وممّا يستدلّ به على معرفة الله تعالى أيضاً أنّه لابدّ للعالم من صانع ؛ لأنّه لا يجوز أن يجتمع ألواح السفينة ومساميرها وقيرها مع بعضها ببعض بغير جامع ولا مؤلّف ، ولا تعبر الناس فيها بغير ملاّح ولا معبر ولا مدبّر لها ، ولا تمتلئ السفينة من نفسها متاعاً ثمّ تصعد وتنحدر في البلاد من غير مدبّر لها .

وإذا كان ذلك مستحيلاً في العقول كان ذلك في وجود هذا العالم العظيم أشدّ امتناعاً ، وما رأينا أيضاً دولاباً يدور بغير مدير ، ولا رحى تطحن بغير طاحن ، ولا سراجاً بغير مسرج ، فأيّ سراج أعظم من نور الشمس والقمر يضيئان لأهل السماوات والأرض ، وأهل المشارق والمغارب .

وأيّ دولاب أعظم من هذه الأفلاك التي تقطع في اليوم الواحد والليلة الواحدة أُلوفاً من السنين بشمسها وقمرها ونجومها ، تراها عياناً من غير مخبر يخبرك عنها ، كما قال تعالى :( رفع السماوات بغير عمد ترونها ) (١) وأشار بذلك إلى أنّها آية عظيمة تدلّ على عظم صانعها ، ومحكم تدبيره ، وواسع قدرته .

وقال تعالى :( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى السماء كيف رُفعت * وإلى الجبال كيف نُصبت * وإلى الأرض كيف سُطحت ) (٢) .

وقال تعالى :( إنّ في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأُولي الألباب ) (٣) والآيات في ذلك كثيرة ، ولابدّ لها من صانع ومدبّر حكيم ، فتفكّروا واعتبروا تجدوا دلالات توحيده أضوأ من الشمس ، وأنور من القمر .

وكلّ مَن وصفه بتحديد فهو ملحد ، ومَن أشار إليه في جهة فهو كافر ، ومَن تصوّره فهو ضالّ ، ومَن شبّهه فهو جاحد ، وكلّما ميزتموه بأوهامكم وأدركتموه

____________

(١) الرعد : ٢ .

(٢) الغاشية : ١٧ـ٢٠ .

(٣) آل عمران : ١٩٠ .


ممثلاً في نفوسكم ، ومصوّراً في أذهانكم فهو محدث مصنوع مثلكم ، فالعارف به هو الموحد له برفع هذه الأسباب المستحيلة عليه .

وممّا يستدلّ به على توحيد الله تعالى وعظم قدرته أمر الفيل وأصحابه ، الذين أخبر الله تعالى عنهم وما أصابهم ممّا ليس لأحد فيه حيلة بوجه من الوجوه ، ولا إلى إنكاره سبيل لاشتهاره ، فإنّه لا يجوز أن يقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لقريش في وجوههم مع كثرة عنادهم ، وردّهم عليه :( ألم تر كيف فعل ربّك بأصحاب الفيل ) وقصّ عليهم قصصهم وما نزل بهم من العذاب ، إلاّ بعد أن رأوها وشاهدها كثير منهم .

وليس من الطبائع والعادات التي تحتج بها الملاحدة ما يوجب قصة أصحاب الفيل ، ولا علم في العادات قبلها ، ولا وقع في الآثار نظيرها ، وهو أن يجيء طير كثير وفي منقار كلّ واحد حجر يرسله على رأس كلّ واحد من مائة ألف ، فيخرج من دبره حتّى يعود كالعصف المأكول .

وكذلك كان في كلّ رِجْل من أَرْجُلِ الطير حجر يلقيه على رأس كلّ واحد من أصحاب الفيل فيخرج من دبره ، فيهلكهم جميعاً دون أهل الأرض ، وهذا لا يكون إلاّ من صانع حكيم عظيم ، وليس ذلك إلاّ من ربّ العالمين جلّ جلاله ، وتقدّست أسماؤه ، ولا إله إلاّ هو الرحمن الرحيم .


الباب الثاني والخمسون : في أخبار عن النبيّ والأئمّةعليهم‌السلام

من كتاب ورام عن جعفر بن محمدعليهما‌السلام قال :لأهل الجنّة أربع علامات : وجه منبسط ، ولسان منطلق (١) ، وقلب رحيم ، ويد معطية (٢) .

وعنهعليه‌السلام يقول :المؤمن أكرم على الله أن يمر عليه أربعون يوماً لا يمحّصه الله تعالى فيها من ذنوبه ، وإنّ الخدش والعثرة وانقطاع الشسع واختلاج العين وأشباه ذلك ليمحّص به وليّنا من ذنوبه ، وأن يغتمّ لا يدري ما وجهه ، فأمّا الحمّى فإنّ أبي حدّثني عن آبائه عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : حمّى ليلة كفارة سنة (٣) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :السلطان [العادل] (٤) ظلّ الله في الأرض ، يأوي إليه كلّ مظلوم ، فمَن عدل كان له الأجر وعلى الرعية الشكر ، ومن

____________

(١) في ( ج ) : فصيح لطيف .

(٢) مجموعة ورام ١ : ٩١ .

(٣) أمالي الطوسي : ٦٣٠ ح١١ مجلس ٣٠ ، عنه البحار ٨١ : ١٨٧ ح٤٤ .

(٤) أثبتناه من ( ب ) و ( ج ) .


جار كان عليه الوزر وعلى الرعية الصبر حتّى يأتيهم الأمر (١) .

وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :إنّ في جهنّم وادياً يستغيث أهل النار كلّ يوم سبعين ألف مرّة منه ، وفي ذلك الوادي بيت من النار ، وفي ذلك البيت جب من النار ، وفي ذلك الجب تابوت من النار ، وفي ذلك التابوت حية لها ألف ناب ، كلّ ناب ألف ذراع ، قال أنس : قلت : يا رسول الله لمن يكون هذا العذاب ؟ قال :لشارب الخمر من أهل القرآن ، وتارك الصلاة (٢) .

وعن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :جاءني جبرئيل عليه‌السلام متغيّر اللون ، فقلت : يا جبرئيل ما لي أراك متغيّر اللون؟ قال : اطلعت في النار فرأيت وادياً في جهنّم يغلي ، فقلت : يا مالك لمن هذا؟ فقال : لثلاثة نفر ، للمحتكرين (٣) ، والمدمنين الخمر ، والقوّادين (٤) .

وعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :إذا كان يوم القيامة نادى مناد : أين أعدائي ؟ فيقول جبرئيل : يا ربّ أعداؤك كثير فأيّ أعداؤك ؟ فيقول عزّ وجل : أين أصحاب الخمر ، أين الذين كانوا يبيتون سكارى ، أين الذين كانوا يستحلّون فروج المحارم ، فيقرنهم مع الشياطين (٥) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :أيّما امرأة رضيت بتزويج فاسق فهي منافقة وجلست في النار ، وإذا ماتت فتح لها في قبرها سبعون باباً من العذاب ، وإن قالت : ( لا إله إلاّ الله ) لعنها كلّ ملك بين السماء والأرض ، وغضب الله عليها في الدنيا والآخرة ، وكتب عليها في كلّ يوم وليلة سبعين خطيئة .

____________

(١) أمالي الطوسي : ٦٣٤ ح٩ مجلس ٣١ ، عنه البحار ٧٥ : ٣٤٥ ح٦٩ .

(٢) عنه الوسائل ٤ : ٨٣٨ ح٩ ، ومعالم الزلفى : ٣٣٧ .

(٣) في ( ب ) : للمتكبّرين .

(٤) عنه الوسائل ١٢ : ٣١٤ ح١١ ، ومعالم الزلفى : ٣٣٧ .

(٥) عنه معالم الزلفى : ٢٤٧ .


وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :مَن زوّج كريمته بفاسق نزل عليه كلّ يوم ألف لعنة ، ولا يصعد له عمل إلى السماء ، ولا يستجاب دعاؤه ، ولا يقبل منه صرف ولا عدل (١) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :أيّما امرأة وهبت صداقها لزوجها ، فلها بكلّ مثقال ذهب كأجر عتق رقبة (٢) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :أيّما امرأة كتمت سرّ زوجها ، فلم تطلع عليه أحداً فهي في درجات الحور العين ، فإن كان غير طاعة الله فلا يحلّ لها أن تكتم (٣) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :من شهد نكاح امرأة مسلمة كان خائضاً في رحمة الله تعالى ، وله ثواب ألف شهيد ، وله بكلّ خطوة يخطوها ثواب نبيّ ، وكتب الله تعالى له بكلّ كلمة يتكلّمها عبادة سنة ، ولا يرجع إلاّ مغفوراً ومن سعى فيما بينهما وكان دليلا أعطاه الله بكلّ شعرة على بدنه مدينة في الجنّة ، وزوّجه ألف حوراء ، وكأنّما اشترى أسرى اُمّة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأعتقهم ، وإن مات ذاهباً أو جائياً مات شهيدا ً(٤) .

وقالعليه‌السلام :لا تدخل الملائكة بيتاً فيه خمر أو دفّ أو طنبور أو نرد ، ولا يستجاب دعاؤهم ، ويرفع الله عنهم البركة (٥) .

وقالعليه‌السلام :أيّما امرأة أطاعت زوجها وهو شارب الخمر ، كان لها من الخطايا بعدد نجوم السماء ، وكلّ مولود تلد منه فهو نجس ، ولا يقبل الله تعالى منها صرفاً ولا عدلاً حتّى يموت زوجها ، أو تخلع عنه نفسها .

____________

(١) عنه مستدرك الوسائل ٥ : ٢٧٩ ح٥٨٥٢ .

(٢) عنه الوسائل ١٥ : ٣٦ ح٢ باب ٢٦ .

(٣) عنه معالم الزلفى : ٣٢١ .

(٤) عنه معالم الزلفى : ٣٢١ .

(٥) عنه الوسائل ١٢ : ٢٣٥ ح١٣ باب ١٠٠ ، ومستدرك الوسائل ٥ : ٢٧٩ ح٥٨٥٣ .


وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :المرأة الصالحة خير من ألف رجل غير صالح ، وأيّما امرأة خدمت زوجها سبعة أيّام أغلق الله عنها سبعة أبواب النار ، وفتح لها ثمانية أبواب الجنّة ، تدخل منها أيّها (١) شاءت (٢) .

وقالعليه‌السلام :مَن ضرب امرأة بغير حق فأنا خصمه يوم القيامة ، لا تضربوا نساءكم فمن ضربهنّ بغير حق فقد عصى الله ورسول الله .

وقالعليه‌السلام :مَن تزوّج امرأة لجمالها جعل الله جمالها وبالا عليه (٣) .

وقالعليه‌السلام :ما من امرأة تسقي زوجها شربة ماء إلاّ كان خيراً لها من عبادة سنة ، صيام نهارها وقيام ليلها ، وبنا الله لها بكلّ شربة تسقي زوجها مدينة في الجنّة ، وغفر لها ستين (٤) خطيئة (٥) .

وقالعليه‌السلام :ثلاث من النساء يرفع الله عنهم عذاب القبر ، ويكون محشرهنّ مع فاطمة بنت محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أيّما امرأة صبرت على غيرة زوجها ، وامرأة صبرت على سوء خلق زوجها ، وامرأة وهبت صداقها لزوجها ، يعطى الله تعالى لكلّ واحدة منهنّ ثواب ألف شهيد ، ويكتب لكلّ واحدة منهنّ عبادة سنة (٦) .

وعن عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام قال :قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : مَن ردّ عادية ماء أو عادية نار فله الجنّة البتّة (٧) .

وعنهعليه‌السلام :ما من أحد مرّ بمقبرة إلاّ وأهل القبور (٨) يقولون : يا غافل

____________

(١) في ( ب ) : من أيّ باب شاءت .

(٢) عنه الوسائل ١٤ : ١٢٣ ح٢ باب ٨٩ ، ومعالم الزلفى : ٣٢١ .

(٣) عنه الوسائل ١٤ : ٣٢ ح١١ باب ١٤ .

(٤) سبعين خ ل .

(٥) عنه الوسائل ١٤ : ١٢٣ ح٣ باب ٨٩ ، ومعالم الزلفى : ٣٢١ .

(٦) عنه الوسائل ١٥ : ٣٧ ح٣ باب ٢٦ ، ومعالم الزلفى : ٣٢١ .

(٧) الكافي ٢ : ١٦٤ ح٨ ، مشكاة الأنوار : ١٨٢ في محاسن الأفعال .

(٨) في ( ب ) و ( ج ) : المقبرة .


لو علمت ما نعلم لذاب لحمك عن جسدك (١) .

وقالعليه‌السلام :مَن ضحك على جنازة أهانه الله تعالى يوم القيامة على رؤوس الخلائق ، ولا يستجاب دعاؤه ، ومَن ضحك في المقبرة رجع وعليه من الوزر مثل جبل أُحد ، ومَن ترحّم عليهم نجى من النار (٢) .

وقالعليه‌السلام :إذا تصدّق الرجل بنيّة الميّت أمر الله تعالى جبرئيل عليه‌السلام أن يحمل إلى قبره سبعين ألف ملك ، في يد كلّ ملك طبق من نور ، فيحملون إلى قبره ويقولون : السلام عليك يا وليّ الله ، هذه هدية فلان بن فلان إليك فيتلألأ قبره ، وأعطاه الله ألف مدينة ، وزوّجه ألف حوراء ، وألبسه ألف حلّة ، وقضى له ألف حاجة (٣) .

وقالعليه‌السلام :إذا قرأ المؤمن آية الكرسي وجعل ثواب قراءته لأهل القبور جعل الله تعالى له من كلّ حرف ملكاً يسبّح له إلى يوم القيامة (٤) .

وقالعليه‌السلام :إذا مات شارب الخمر عرج بروحه إلى السماء السابعة ومعه الحفظة يقولون : ربّنا عبدك فلان مات وهو سكران ، فيقول الله تعالى : ارجعا إلى قبره والعناه إلى يوم القيامة ، وإذا مات وليّ الله عرج بروحه إلى السماء السابعة والحفظة معه فيقولون : ربّنا عبدك فلان مات ، فيقول الله عزّ وجل : ارجعا إلى قبره ، واكتبا له الحسنات (٥) إلى يوم القيامة (٦) .

وقالعليه‌السلام :مَن مات وميراثه الدفاتر والمحابر وجبت له الجنّة (٧) .

____________

(١) في ( ج ) : جسمك .

(٢) عنه الوسائل ٢ : ٨٨٦ ح٥ باب ٦٣ ، والبحار ٨١ : ٢٦٤ ح١٨ .

(٣) عنه الوسائل ٢ : ٦٥٦ ح٩ باب ٢٨ ، والبحار ٨٢ : ٦٣ ح٧ ، معالم الزلفى : ٣٢١ .

(٤) عنه الوسائل ٢ : ٨٦٢ ح٤ باب ٣٤ ، والبحار ٨٢ : ٦٣ ح٧ .

(٥) في ( ج ) : استغفرا له .

(٦) معالم الزلفى : ٣٥ .

(٧) معالم الزلفى : ٣٢١ .


وقالعليه‌السلام :لا تسبوا الدنيا فنعم المطيّة للمؤمن ، عليها يبلغ الخير ، وبها ينجو من الشر ، إنّه إذا قال العبد : لعن الله الدنيا ، قالت الدنيا : لعن الله أعصانا لربّه (١) .

وعن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال :مَن زنا بامرأة خرج من الإيمان ، ومَن شرب الخمر خرج من الإيمان ، ومَن أفطر يوماً من شهر رمضان خرج من الإيمان (٢) .

وعن موسى بن جعفرعليهما‌السلام قال :دخل عمرو بن عبيد على أبي عبد الله عليه‌السلام ، فلمّا سلّم وجلس تلا هذه الآية : ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش ) (٣) وأمسك ، فقال له أبو عبد الله : ما أسكتك (٤) ؟ فقال : أحبّ أن أعرف الكبائر من كتاب الله عزّ وجل .

فقال :نعم ، يا عمرو أكبر الكبائر الإشراك بالله عزّ وجل ، قال الله تعالى : ( مَن يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنّة ) (٥) وبعده اليأس من روح الله عزّ وجل ، قال الله تعالى : ( وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ) (٦) .

ثمّ الأمن لمكر الله عزّ وجل ، قال الله تعالى : ( فلا يأمن مكر الله إلاّ القوم الخاسرون ) (٧) يعني يجازيهم بمكرهم له ، ومنها عقوق الوالدين ؛ لأنّ الله تعالى جعل العاق جبّاراً شقيّاً ، وقتل النفس التي حرّم الله إلاّ بالحق ، قال تعالى : ( فجزاؤه جهنّم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذاباً عظيماً ) (٨) .

____________

(١) عنه الوسائل ٥ : ١٦١ ح٤ باب ١٦ .

(٢) الكافي ٢ : ٢٧٨ ح٥ ، عنه البحار ٦٩ : ١٩٧ ح١٣ .

(٣) الشورى : ٣٧ .

(٤) في ( ب ) : أمسكك .

(٥) المائدة : ٧٢ .

(٦) يوسف : ٨٧ .

(٧) الأعراف : ٩٩ .

(٨) النساء : ٩٣ .


وقذف المحصنة ، قال الله تعالى : ( لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم ) (١) وأكل مال اليتيم ، قال الله تعالى : ( إنّما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً ) (٢) .

والفرار من الزحف ، قال الله تعالى : ( وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاّ مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) (٣) .

وأكل الربا ، قال الله تعالى : ( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ) (٤) والسحر ، قال الله تعالى : ( ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ) (٥) والزنا ، قال الله تعالى : ( ومَن يفعل ذلك يلق أثاماً * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً ) (٦) .

واليمين الغموس الفاجرة ، قال الله تعالى : ( الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ ) (٧) والغلول ، قال الله تعالى : ( وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) (٨) ومنع الزكاة المفروضة ، قال الله تعالى : ( يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ) (٩) .

وشهادة الزور ، وكتمان الشهادة ، قال الله تعالى : ( ومَن يكتمها فإنّه آثم قلبه ) (١٠) وشرب الخمر لأنّ الله تعالى نهى عنها كما نهى عن عبادة الأوثان ، وترك

____________

(١) النور : ٢٣ .

(٢) النور : ٢٣ .

(٣) النور : ٢٣ .

(٤) البقرة : ٢٧٥ .

(٥) البقرة : ١٠٢ .

(٦) البقرة : ١٠٢ .

(٧) آل عمران : ٧٧ .

(٨) آل عمران : ١٦١ .

(٩) آل عمران : ١٦١ .

(١٠) البقرة : ٢٨٣ .


الصلاة أو شيء ممّا فرض الله ، لأنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : من ترك الصلاة فقد برئ من ذمّة الله وذمّة رسوله .

ونقض العهد ، وقطيعة الرحم ، قال الله تعالى : ( أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار ) (١) ، فخرج عمرو وله صراخ من بكائه وهو يقول : هلك مَن قال برأيه ونازعكم في الفضل والعلم(٢) .

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :أوّل ما عصى به الله تعالى ست خصال : حبّ الدنيا ، وحبّ الرئاسة ، وحبّ الطعام ، وحبّ الراحة ، وحبّ النوم ، وحبّ النساء (٣) .

وقالعليه‌السلام :الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الخلّ العسل (٤) .

وعن أبي عبد اللهعليه‌السلام :الغضب مفتاح كلّ شر (٥) .

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :مَن كفّ نفسه عن أعراض المسلمين أقاله الله يوم القيامة عثراته ، ومَن كفّ غضبه عن الناس كفّ الله تعالى عنه عذاب يوم القيامة (٦) .

وقالعليه‌السلام :إنّ في جهنّم لوادياً للمتكبّرين يقال له : سقر ، شكى إلى الله تعالى شدّة حرّه وسأله أن يأذن له أن يتنفّس ، فتنفّس فأحرق جهنّم (٧) .

وعن أبي جعفرعليه‌السلام قال : كان عليّ بن الحسين عليهما‌السلام يقول لولده : اتّقوا الكذب الصغير منه والكبير ، في كلّ جدٍّ وهزل ، فإنّ الرجل إذا كذب في

____________

(١) الرعد : ٢٥ .

(٢) الكافي ٢ : ٢٨٥ ح٢٤ باب الكبائر .

(٣) مجموعة ورام ٢ : ٢٠٥ .

(٤) الكافي ٢ : ٣٠٢ ح١ ، عنه البحار ٧٣ : ٢٦٧ ح٢٢ .

(٥) مجموعة ورام ١ : ١٢٢ ، الكافي ٢ : ٣٠٣ ح٣ .

(٦) الكافي ٢ : ٣٠٥ ح١٤ ، عنه البحار ٧٣ : ٢٨٠ ح٣٤ .

(٧) الكافي ٢ : ٣١٠ ح١٠ ، عنه البحار ٧٣ : ٢١٨ ح١٠ ، ومعالم الزلفى : ٣٣٧ .


الصغير اجترأ على الكبير ، أما علمتم أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : ما يزال العبد يصدق حتّى يكتبه الله عزّ وجل صادقاً ، وما يزال العبد يكذب حتّى يكتبه الله كاذباً (١) .

وعنهعليه‌السلام قال :إنّ الكذب هو خراب الإيمان (٢) .

وعن أمير المؤمنينعليه‌السلام أنّه قال :لا تجد طعم الإيمان حتّى تترك الكذب جدّه وهزله (٣) .

وقال عيسى بن مريمعليه‌السلام :مَن كثر كذبه ذهب بهاؤه (٤) .

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام :ينبغي للرجل المسلم (٥) أن يتجنّب مؤاخاة الكذّاب ، لأنّه لا يزال يكذب حتّى يجيء بالصدق فلا يصدّق (٦) .

وعن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال :مَن لقي المسلمين بوجهين ولسانين جاء يوم القيامة وله لسانان من نار (٧) .

وعن أبي جعفرعليه‌السلام قال :بئس العبد عبداً يكون ذا وجهين وذا لسانين ، يطري أخاه شاهداً ويأكله غائباً ، إن أُعطي حسده ، وإن ابتلى خذله (٨) .

وقال الله تعالى :يا عيسى ليكن لسانك في السر والعلانية لساناً واحداً وكذلك قلبك ، إنّي أُحذّرك لنفسك وكفى بي من خبير ، لا يصلح لسانان في فم واحد ، ولا سيفان في غمد واحد ، ولا قلبان في صدر واحد ، وكذلك الأذهان (٩) .

____________

(١) مجموعة ورام ٢ : ٢٠٧ ، الكافي ٢ : ٣٣٨ ح٢ .

(٢) الكافي ٢ : ٣٣٩ ح٤ ، عنه البحار ٧٢ : ٢٤٧ ح٨ .

(٣) المحاسن ١ : ٢٠٩ ح١٥٦ عقاب الكذب ، عنه البحار ٧٢ : ٢٦٢ ح٤١ .

(٤) الكافي ٢ : ٣٤١ ح١٣ ، عنه البحار ٧٢ : ٢٥٠ ح١٦ .

(٥) في ( ب ) و ( ج ) : المؤمن .

(٦) الكافي ٢ : ٣٤١ ح١٤ ، عنه البحار ٧٢ : ٢٥٠ ح١٧ .

(٧) الكافي ٢ : ٣٤٣ ح١ ، عنه البحار ٧٥ : ٢٠٤ ح١٢ .

(٨) الكافي ٢ : ٣٤٣ ح٢ ، عنه البحار ٧٥ : ٢٠٦ ح١٣ .

(٩) الكافي ٢ : ٣٤٣ ح٣ ، عنه البحار ٧٥ : ٢٠٦ ح١٤ .


وعن أبي عبد اللهعليه‌السلام :لا يفترق رجلان عن الهجران إلاّ استوجب أحدهما البراءة واللعنة ، وربّما استوجب ذلك كلاهما (١) .

وعنهعليه‌السلام يقول :قال أبي عليه‌السلام : قال رسول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أيّما مسلمين تهاجرا فمكثا ثلاثاً لا يصطلحان إلاّ كانا خارجين من الإسلام ، ولم يكن بينهما ولاية ، وأيّهما كان أسبق إلى كلام صاحبه كان السابق إلى الجنّة يوم الحساب (٢) .

وعن أبي جعفرعليه‌السلام قال :إنّ الشيطان يغري بين المؤمنين ما لم يرجع أحدهما عن ذنبه ، فإذا فعلوا ذلك استلقى على قفاه وقال : فزت ، فرحم الله امرءً ألّف بين وليّين لنا ، يا معشر المؤمنين تآلفوا وتعاطفوا (٣) .

وعن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال :إذا كان يوم القيامة كشف غطاء من أغطية الجنّة ، يوجد (٤) ريحها من كانت له روح من مسيرة خمسمائة عام إلاّ صنف واحد ، قلت : من هم ؟ قال : العاق لوالديه (٥) .

وعنهعليه‌السلام :أدنى العقوق أُف ، ولو علم الله شيئاً هو أهون منه لنهى عنه (٦) ، كما قال تعالى : ( فلا تقل لهما أُفّ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً ) (٧) .

وقالعليه‌السلام :مَن نظر إلى أبويه نظر ماقت وهما له ظالمان لم يقبل الله عزّ وجل له صلاة (٨) .

____________

(١) مجموعة ورام ٢ : ٢٠٧ ، الكافي ٢ : ٣٤٤ ح١ .

(٢) الكافي ٢ : ٣٤٥ ح٥ ، عنه البحار ٧٥ : ١٨٦ ح٥ ، معالم الزلفى : ٣٢١ .

(٣) الكافي ٢ : ٣٤٥ ح٦ ، عنه البحار ٧٥ : ١٨٧ ح٦ .

(٤) في ( ب ) : فوجد .

(٥) الكافي ٢ : ٣٤٨ ح٣ ، عنه البحار ٧٤ : ٦٠ ح٢٤ .

(٦) الكافي ٢ : ٣٤٩ ح٩ ، عنه البحار ٧٤ : ٥٩ ح٢٢ .

(٧) الكافي ٢ : ٣٤٩ ح٩ ، عنه البحار ٧٤ : ٥٩ ح٢٢ .

(٨) مجموعة ورام ٢ : ٢٠٨ ، الكافي ٢ : ٣٤٩ ح٥ .


وعن أبي جعفرعليه‌السلام قال :قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في كلام له : إيّاكم وعقوق الوالدين ، فإنّ ريح الجنّة يوجد من مسيرة ألف سنة ، ولا يجدها عاق ، ولا قاطع رحم ، ولا شيخ زان (١) .

وعن أبي جعفرعليه‌السلام قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يقول الله تبارك وتعالى : ( وعزّتي وجلالي وكبريائي ونوري وعظمتي وعلوّي وارتفاع مكاني ، لا يؤثر عبد هواه على هواي(٢) إلاّ شتّتت عليه أمره ، ولبست عليه دنياه ، وشغلت قلبه بها ، ولم أعطه منها إلاّ ما قدّرت له .

وعزّتي وجلالي وعظمتي ونوري وعلوّي وارتفاع مكاني لا يؤثر عبد هواي(٣) على هواه إلاّ استحفظته ملائكتي ، وكفلت السماوات والأرضين رزقه ، وكنت له من وراء تجارة كلّ تاجر ، وأتته الدنيا وهي راغمة )(٤) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :مَن طلب مرضاة الناس بما يسخط الله عزّ وجل كان حامده من الناس ذاماً ، ومَن آثر طاعة الله عزّ وجل بما يغضب الناس كفاه الله عزّ وجل عداوة كلّ عدوّ ، وحسد كلّ حاسد ، وبغي كلّ باغ ، وكان الله عزّ وجل له ناصراً وظهيراً (٥) .

وعن أبي جعفرعليه‌السلام قال :إنّ عليّاً عليه‌السلام باب فتحه الله ، مَن دخله كان مؤمناً ، ومَن خرج منه كان كافراً (٦) .

وعن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال :إنّ العبد ليذنب الذنب فيدخله الله عزّ وجل به الجنّة ، قلت : يا ابن رسول الله يدخله الله عزّ وجل بالذنب الجنّة ؟ قال :

____________

(١) الكافي ٢ : ٣٤٩ ح٦ ، عنه البحار ٧٤ : ٦١ ح٢٧ .

(٢) في ( ج ) : أمري .

(٣) في ( ج ) : أمري .

(٤) الكافي ٢ : ٣٣٥ ح٢ ، عنه البحار ٧٠ : ٨٥ ح١٨ .

(٥) الكافي ٢ : ٣٧٢ ح٢ ، عنه البحار ٧٣ : ٣٩٢ ح٢ .

(٦) الكافي ١ : ٤٣٧ ح٨ ، عنه البحار ٣٢ : ٣٢٤ ح٣٠١ .


نعم ، إنّه ليذنب فلا يزال منه خائفاً ماقتاً لنفسه ، ويرحمه الله عزّ وجل ويدخل الجنّة به (١) .

وقالعليه‌السلام :مَن أذنب ذنباً فعلم أنّ الله عزّ وجل مطّلع عليه ، إن شاء عذّبه وإن شاء غفر له ، [غفر له] (٢) وإن لم يستغفر (٣) .

وعن عبد الله [بن] موسى بن جعفر ، عن أبيه قال : سألته عن الملكين هل يعلمان بالذنب إذا أراد العبد أن يعمله ، أو الحسنة ؟ فقال : ريح الكنيف وريح الطيب سواء ؟فقلت : لا ، قال : إنّ العبد إذا همّ بالحسنة خرج نفسه طيّب الريح ، فيقول صاحب اليمين لصاحب الشمال : قف فإنّه قد همّ بالحسنة ، فإذا هو عملها كان لسانه قلمه ، وريقه مداده ، فأثبتها له .

وإذا همّ بالسيّئة خرج نفسه منتن الريح ، فيقول صاحب الشمال لصاحب اليمين : قف فإنّه قد همّ بالسيّئة ، فإذا هو فعلها كان لسانه قلمه ، وريقه مداده ، فأثبتها عليه في الدنيا والآخرة(٤) .

وعن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال :إذا تاب العبد توبة نصوحاً لوجه الله عزّ وجل ، فإنّ الله عزّ وجل يستر عليه في الدنيا والآخرة ، فقلت : كيف يستر عليه ؟ قال :ينسي ملائكته ما كتبا عليه من الذنوب ، ثمّ يوحي الله إلى جوارحه : اكتمي عليه ذنوبه ، ويوحي الله إلى بقاع الأرض : اكتمي ما كان يعمل عليك من الذنوب ، فيلقى الله عزّ وجل حين يلقاه وليس يُشهد عليه بشيء من الذنوب (٥) .

وعن أبي جعفرعليه‌السلام قال :يا محمد بن مسلم ، ذنوب المسلم إذا تاب

____________

(١) الكافي ٢ : ٤٢٦ ح٣ ، معالم الزلفى : ٣٢١ .

(٢) أثبتناه من ( ب ) و ( ج ) والكافي .

(٣) الكافي ٢ : ٤٢٧ ح٥ ، عنه البحار ٨٨ : ٣٦ .

(٤) الكافي ٢ : ٤٢٩ ح٣ ، عنه البحار ٥ : ٣٢٥ ح١٦ .

(٥) الكافي ٢ : ٤٣٠ ح١ ، عنه البحار ٧ : ٣١٧ ح١٢ .


منها مغفورة له ، فليعمل المؤمن لما يستأنف بعد التوبة والمغفرة ، أما والله إنّها ليست إلاّ لأهل الإيمان ، قلت : فإن عاد بعد التوبة والاستغفار للذنوب وعاد في التوبة ؟

فقال :يا محمد بن مسلم أترى العبد المؤمن يندم على ذنبه ، ويستغفر الله عزّ وجل منه ويتوب ، ثمّ لا يقبل الله تعالى توبته ، قلت : فإن فعل ذلك مراراً ، يذنب ثمّ يتوب ويستغفر الله؟ فقال :كلّما عاد المؤمن بالاستغفار والتوبة عاد الله عليه بالمغفرة ، وإنّ الله غفور رحيم ، يقبل التوبة ويعفو عن السيّئات ، وإيّاك أن تقنط المؤمنين (١) من رحمة الله عزّ وجل (٢) .

وعنهعليه‌السلام قال :التائب من الذنب كمَن لا ذنب له ، والمقيم على الذنب وهو يستغفر كالمستهزئ (٣) .

وقال الصادقعليه‌السلام :مَن استغفر الله في كلّ يوم سبعين مرّة غفر له سبعمائة ذنب ، ولا خير في عبد يذنب في كلّ يوم أكثر من سبعمائة ذنب (٤) .

وقالعليه‌السلام :ما من مؤمن إلاّ وله ذنب يهجره زماناً ثمّ يلمّ به ، وذلك قول الله عزّ وجل : ( إلاّ اللّمم ) . وسألته عن قول الله عزّ وجل :( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلاّ اللّمم ) (٥) قال :الفواحش : الزنا والسرقة ، واللمم : الرجل يلمّ بالذنب فيستغفر الله تعالى منه (٦) .

وعن بعض أصحابنا قال : صعد أمير المؤمنينعليه‌السلام المنبر بالكوفة ، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال :أيّها الناس الذنوب ثلاثة ثمّ أمسك ، فقال له رجل من أصحابه : يا أمير المؤمنين قلت الذنوب ثلاثة وأمسكت قال :ما ذكرتها إلاّ وأنا

____________

(١) في ( ب ) : العبد المؤمن .

(٢) الكافي ٢ : ٤٣٤ ح٦ ، عنه البحار ٦ : ٤٠ ح٧١ .

(٣) الكافي ٢ : ٤٣٥ ح١٠ ، عنه البحار ٦ : ٤١ ح٧٥ .

(٤) الكافي ٢ : ٤٣٩ ح١٠ وفيه : استغفر مائة مرّة .

(٥) النجم : ٣٢ .

(٦) الكافي ٢ : ٤٤٢ ح٣ .


أريد أنأفسّرها ، ولكن عرض لي شيء حال بيني وبين الكلام ، نعم الذنوب ثلاثة : فذنب مغفور ، وذنب غير مغفور ، وذنب يُرجى لصاحبه ويخاف عليه .

قال : يا أمير المؤمنين فبيّنها لنا ، فقال : نعم ، أمّا الذنب المغفور فعبد عاقبه الله في الدنيا على ذنبه ، والله تعالى أحكم (١) وأكرم أن يعاقب عبده مرّتين ، وأمّا الذنب الذي لا يغفر فمظالم(٢) العباد بعضهم لبعض ، إنّ الله تعالى أقسم قسماً على نفسه فقال : وعزّتي وجلالي لا يجوزني ظلم ظالم ولو كفّاً بكفّ ، ولو مسحاً بكفّ ، ولو نطحة ما بين القرنين إلى الجماء ، فيقتصّ للعباد بعضهم لبعض ، حتّى لا يبقى لأحد على أحد مظلمة .

فأمّا الذنب الثالث فذنب ستره الله على عبده ورزقه التوبة منه ، فأصبح خائفاً من ذنبه راجياً لربّه ، فنحن له كما هو لنفسه ، فترجى له الرحمة(٣) .

وعن أبي جعفرعليه‌السلام قال :إنّ الله عزّ وجل إذا كان من أمره أن يكرم عبداً له وعليه ذنب ابتلاه بالسقم ، فإن لم يفعل ذلك ابتلاه بالحاجة ، فإن لم يفعل ذلك به شدّد عليه الموت ليكافيه بذلك الذنب (٤) . وإن كان من أمره أن يهين عبداً وله عنده حسنة صحّح بدنه ، وإن لم يفعل ذلك به وسّع عليه رزقه ، فإن لم يفعل ذلك به هوّن عليه الموت ، فيكافيه بتلك الحسنة (٥) .

وعن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال :إنّ العبد إذا كثرت ذنوبه ولم يكن عنده من العمل ما يكفّرها ، ابتلاه الله بالحزن ليكفّرها (٦) .

وعنهعليه‌السلام قال :قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ الله تعالى

____________

(١) في ( ج ) : أحلم .

(٢) في ( ج ) : فظلم .

(٣) الكافي ٢ : ٤٤٣ ح١ ، المحاسن ١ : ٦٧ ح١٨ ، عنه البحار ٧٥ : ٣١٤ ح٢٩ .

(٤) في ( ج ) : بتلك الذنوب .

(٥) الكافي ٢ : ٤٤٤ ح١ .

(٦) الكافي ٢ : ٤٤٤ ح٢ .


يقول : ( وعزّتي وجلالي لا أخرج عبداً من الدنيا وأنا أريد أن أرحمه حتّى أستوفي منه كلّ خطيئة عملها ، إمّا بسقم في جسده ، أو بضيق في رزقه ، وإمّا بخوف في دنياه ، فإن بقيت عليه بقيّة شدّدت عليه عند الموت حتّى يأتي ولا ذنب عليه ، فأُدخله الجنّة .

وعزّتي وجلالي لا اُخرج عبداً من الدنيا وأنا أريد أن أعذّبه حتّى أُوفّيه كلّ حسنة عملها ، إمّا بصحّة في جسمه ، وإمّا بسعة في رزقه ، وإمّا بأمن في دنياه ، فإن بقيت بقيّة هوّنت عليه الموت حتّى يأتي ولا حسنة له ، فأُدخله النار )(١) .

قالعليه‌السلام :إذا أراد الله بعبد سوءاً أمسك عليه ذنوبه حتّى يوافي بها يوم القيامة ، وإذا أراد الله بعبد خيراً عجّل عقوبته في الدنيا (٢) .

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :لا يزال الغم والهمّ بالمؤمن حتّى لا يدع له ذنباً (٣) .

وعن أبي الحسن الماضي قال : ليس منّا مَن لم يحاسب نفسه في كلّ يوم ، فإن عمل حسنة استزاد الله عزّ وجل ، وإن عمل سيّئة استغفر الله منها وتاب إليه(٤) .

ومن كلام لهعليه‌السلام :لا خير في العيش إلاّ لرجلين : رجل يزداد في كلّ يوم خيراً ، ورجل يتدارك سيّئة (٥) بالتوبة ، وأنّى له بالتوبة والله لو يسجد حتّى ينقطع عنقه ما قبل الله ذلك منه إلاّ بولايتنا أهل البيت ، ألا ومَن عرف حقّنا ورجا الثواب فينا ، ورضي بقوته وما ستر عورته ، ودان الله لمحبّتنا فهو آمن يوم القيامة (٦) .

وعن أبي جعفرعليه‌السلام قال :ما أحسن الحسنات بعد السيّئات ، وما

____________

(١) الكافي ٢ : ٤٤٤ ح٣ .

(٢) الكافي ٢ : ٤٤٥ ح٥ ، مستدرك الوسائل ١١ : ٣٣٤ ح١٣١٩١ .

(٣) الكافي ٢ : ٤٤٥ ح٧ .

(٤) تحف العقول : ٢٩٥ ، عنه البحار ١ : ١٥٢ ضمن حديث ١ .

(٥) منيّته ، خ ل .

(٦) الكافي ٨ : ١٢٨ ح٩٨ ، عنه البحار ٧٨ : ٢٢٥ ح٩٥ مثله .


أقبح السيّئات بعد الحسنات (١) .

وعن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال :إنّكم في آجال منقوصة ، وأيّام معدودة ، والموت يأتي بغتة ، مَن يزرع (٢) خيراً يحصد غبطة ، ومَن يزرع (٣) شرّاً يحصد ندامة ، ولكلّ زارع ما زرع ، لا يسبق البطيء منكم حظّه ، ولا يدرك حريص ما لم يقدّر له ، مَن أُعطي خيراً فالله أعطاه ، ومَن وقي شراً فالله عزّ وجل وقاه (٤) .

وعنهعليه‌السلام قال :جاء رجل إلى أبي ذر رحمه‌الله فقال له : يا أبا ذر ما لنا نكره الموت ؟ فقال : لأنّكم عمّرتم الدنيا وخرّبتم الآخرة ، فتكرهون أن تنتقلوا من عمران إلى خراب ، قال : فكيف ترى قدومنا على الله عزّ وجل ؟ قال : أمّا المحسن فكالغائب يقدم على أهله ، وأمّا المسيء فكالآبق يقدم على مولاه .

قال : فكيف ترى حالنا عند الله عزّ وجل ؟ فقال : أعرضوا أعمالكم على الكتاب ، إنّ الله عزّ وجل يقول : ( إنّ الأبرار لفي نعيم * وإنّ الفجّار لفي جحيم ) (٥) ، فقال الرجل : أين رحمة الله ؟ فقال : رحمة الله قريب من المحسنين (٦) .

وقال أبو عبد اللهعليه‌السلام :كتب رجل إلى أبي ذر رحمه‌الله : يا أبا ذر أطرفني بشيء من العلم ، فكتب إليه : إنّ العلم كثير ولكن إن قدرت أن لا تُسيء إلى مَن تحبّه فافعل ، فقال : هل رأيت أحداً يسيء إلى مَن يحبّه ؟ فقال : نعم ، نفسك أحبّ الأنفس إليك ، فإذا عصيت الله عزّ وجل فقد أسأت إليها (٧) .

وعن عليّ بن الحسينعليهما‌السلام قال :إنّ أسرع الخير ثواباً البر ، وأسرع

____________

(١) مجموعة ورام ٢ : ١٦٥ .

(٢) في ( ج ) : من زرع .

(٣) في ( ج ) : من زرع .

(٤) تحف العقول : ٣٦٨ ، عنه البحار ٧٨ : ٣٧٣ ح١٩ عن الإمام العسكريعليه‌السلام .

(٥) الانفطار : ١٣ـ١٤ .

(٦) الكافي ٢ : ٤٥٨ ح٢٠ ، عنه البحار ٢٢ : ٤٠٢ ح١٢ .

(٧) الكافي ٢ : ٤٥٨ ضمن حديث ٢٠ ، عنه البحار ٢٢ : ٤٠٢ ضمن حديث ١٢ .


الشر عقاباً البغي ، وكفى بالمرء عيباً أن ينظر في عيوب غيره ويعمى عن عيوب نفسه ، أو يؤذي جليسه بما لا يعنيه ، أو ينهى الناس عمّا لا يستطيع تركه (١) .

وعن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال :كان أمير المؤمنين عليه‌السلام كثيراً ما يقول في خطبته : أيّها الناس دينكم دينكم ، فإنّ السيّئة فيه خير من الحسنة في غيره ؛ لأنّ السيّئة فيه تغفر والحسنة في غيره لا تقبل (٢) .

وقال :مَن كان له جار يعمل بالمعاصي فلم ينهه فهو شريكه (٣) .

وقال :ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب (٤) .

وقالعليه‌السلام :ما أُعطي أحد شيئاً خير من امرأة صالحة ، إذا رآها سرّته ، وإذا أقسم عليها أبرّته ، وإذا غاب عنها حفظته (٥) .

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :هلاك نساء أُمتي في الأحمرين ، في الذهب والثياب الرقاق ، وهلاك رجال أمّتي في ترك العلم وجمع المال (٦) .

وقالعليه‌السلام :إذا أحبّ الله عبداً ابتلاه ليسمع تضرّعه (٧) .

وعن مجاهد قال : دخل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على شاب وهو في الموت ، فقال :كيف تجدك ؟ قال : أرجو الله وأخاف ذنوبي ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلاّ أعطاه الله ما يرجو وآمنه ممّا يخاف (٨) .

____________

(١) مجموعة ورام ٢ : ١٨٠ .

(٢) مجموعة ورام ٢ : ١٦١ .

(٣) مجموعة ورام ١ : ٢ .

(٤) المصدر نفسه .

(٥) مجموعة ورام ١ : ٣ .

(٦) مجموعة ورام ١ : ٣ .

(٧) مجموعة ورام ١ : ٤ .

(٨) المصدر نفسه .


وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :إنّ الله عزّ وجل يستحي من عبده إذا صلّى في جماعة ثمّ سأله حاجة أن ينصرف حتّى يقضيها (١) .

وقالعليه‌السلام :أكثر خطايا ابن آدم في لسانه (٢) .

وقالعليه‌السلام :مَن صلّى ركعتين في خلأ لا يراه إلاّ الله عزّ وجل كانت له براءة من النار (٣) .

وقالعليه‌السلام :ما من قوم قعدوا في مجلس ثم قاموا فلم يذكروا الله عزّ وجل فيه إلاّ كان عليهم حسرة يوم القيامة (٤) .

وقالعليه‌السلام :أكثروا الاستغفار فإنّ الله عزّ وجل لم يعلّمكم الاستغفار إلاّ وهو يريد أن يغفر لكم (٥) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :ألا أدلّكم على ما يمحق (٦) الله به الخطايا ويذهب به الذنوب ؟ فقلنا : بلى يا رسول الله ، قال :إسباغ الوضوء في المكروهات ، وكثرة الخطى إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة (٧) .

وقالعليه‌السلام :اتّق المحارم تكن أعبد الناس ، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس ، وأحسن إلى جارك تكن مؤمناً ، وأحب للناس ما تحبّ لنفسك تكن مسلماً ، ولا تكثر الضحك فإنّ كثرة الضحك يميت القلب (٨) .

وقالعليه‌السلام :إذا كان للرجل على أخيه الدين ، فأجّله إلى أجل كان له

____________

(١) مجموعة ورام ١ : ٤ ، مستدرك الوسائل ٦ : ٥١٣ ح٧٣٩٥ .

(٢) مجموعة ورام ١ : ٤ .

(٣) مجموعة ورام ١ : ٥ .

(٤) المصدر نفسه .

(٥) المصدر نفسه .

(٦) في ( ب ) : و ( ج ) : ما يمحو .

(٧) المصدر نفسه .

(٨) المصدر نفسه .


صدقة ، فإن أخّره بعد أجله كان له بكلّ يوم صدقة (١) .

وقالعليه‌السلام :الخير كثير ومَن يعمل به قليل (٢) .

وعنهعليه‌السلام قال :إنّ الرجل ليدعو ربّه وهو عنه معرض ، ثمّ يدعو ربّه وهو عنه معرض ، ثمّ يدعو ربّه وهو عنه معرض ، فإذا كان الرابعة يقول الله تبارك وتعالى : يدعوني عبدي وأنا عنه معرض ، عرف عبدي انّه لا يغفر الذنوب (٣) إلاّ أنا ، أُشهدكم أنّي قد غفرت له (٤) .

وقالعليه‌السلام :كلّكم راعٍ وكلّكم مسؤول عن رعيّته ، والأمير الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيّته ، والرجل راع على أهله وهو مسؤول عنهم ، والمرأة راعية على أهل بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم ، والعبد راع على مال سيّده وهو مسؤول عنه ، ألا فكلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيّته (٥) .

وعن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وأغرف لجيرانك منها (٦) .

وقالعليه‌السلام :لا يزال الناس بخير ما لم يستعجلوا ، قيل : يا رسول الله وكيف يستعجلون ؟ قال : يقولون : دَعَوْنا فلم يستجب لنا (٧) .

وقالعليه‌السلام :مَن أدرك الصلاة أربعين يوماً في الجماعة كتب له براءة من النفاق وبراءة من النار (٨) .

____________

(١) المصدر نفسه .

(٢) المصدر نفسه .

(٣) في ( ب ) و ( ج ) : لا يغفره .

(٤) مجموعة ورام ١ : ٧ .

(٥) مجموعة ورام ١ : ٦ .

(٦) المصدر نفسه .

(٧) المصدر نفسه .

(٨) مجموعة ورام ١ : ٧ .


وقالعليه‌السلام :إنّ الله يحب عبده الفقير المتعفّف أبا العيال (١) .

وقالعليه‌السلام :طهّروا أفواهكم فإنّها طرق القرآن (٢) .

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :اطلبوا الحوائج إلى ذي الرحمة من أُمّتي ترزقوا وتنجحوا ، فإنّ الله عزّ وجل يقول : رحمتي في ذي الرحمة من عبادي ، ولا تطلبوا الحوائج عند القاسية قلوبهم فلا ترزقوا ولا تنجحوا ، فإنّ الله عزّ وجل يقول : إنّ سخطي فيهم (٣) .

وقالعليه‌السلام :إنّ العبد ليحبس على ذنب من ذنوبه مائة عام ، وإنّه لينظر إلى إخوانه وأزواجه في الجنّة (٤) .

وقالعليه‌السلام :مَن أذنب ذنباً وهو ضاحك دخل النار [وهو باك] (٥) (٦) .

وقالعليه‌السلام :ألا أُنبئكم بأكبر الكبائر ؟ قلنا : بلى يا رسول الله ، قال : أكبر الكبائر ثلاث : الإشراك بالله عزّ وجل ، وعقوق الوالدين ، وكان متّكئاً فجلس فقال : ألا وقول الزور وشهادة الزور ، فما زال يكرّرها حتّى قلنا ليته سكت (٧) .

وبإسناده الصحيح عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :يدخل الجنّة من أُمّتي سبعين ألفاً بغير حساب ، ثمّ التفت إلى عليّ عليه‌السلام وقال : هم شيعتك [ يا عليّ ] (٨) وأنت إمامهم (٩) .

وعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :مَن رفع قرطاساً من الأرض

____________

(١) المصدر نفسه .

(٢) المصدر نفسه .

(٣) مجموعة ورام ١ : ٩ .

(٤) مجموعة ورام ١ : ١٧ .

(٥) أثبتناه من ( ج ) .

(٦) مجموعة ورام ١ : ١٨ .

(٧) المصدر نفسه .

(٨) أثبتناه من ( ج ) .

(٩) مجموعة ورام ١ : ٢٣ ، معالم الزلفى : ٣٢١ .


مكتوباً فيه اسم الله إجلالاً لله ولاسمه عن أن يُداس ، كان عند الله من الصدّيقين ، وخفّف الله عن والديه وإن كانا مشركين (١) .

وقالعليه‌السلام :ليس منّا مَن لم يرحم صغيرنا ، ويوقّر كبيرنا (٢) .

وقالعليه‌السلام :مَن عرف فضل كبير لسنّه فوقّره ، آمنه الله من فزع يوم القيامة (٣) .

وقالعليه‌السلام :إذا بلغ المؤمن ثمانين سنة فهو أمين (٤) الله في الأرض ، يكتب له الحسنات وتمحى عنه السيّئات (٥) .

وعن ابن عباس قال :مَن بلغ الأربعين ولم يغلب خيره شرّه فليتجهّز إلى النار (٦) .

وعن محمد بن عليّ بن الحسين (صلوات الله عليهم) :إذا بلغ الرجل أربعين سنة نادى مناد من السماء : دنا الرحيل فأعد له زاداً ، ولقد كان فيما مضى إذا أتت على الرجل أربعين سنة حاسب نفسه (٧) .

وعن عبد الله بن عمر قال : جاء رجل إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : يا رسول الله ما عمل أهل الجنّة ؟ قال :الصدق ، إذا صدق العبد برّ ، وإذا برّ آمن ، وإذا آمن دخل الجنّة ، قال : يا رسول الله وما عمل أهل النار ؟ قال :الكذب ، إذا كذب العبد فجر ، وإذا فجر كفر ، وإذا كفر دخل النار (٨) .

____________

(١) مجموعة ورام ١ : ٣٢ .

(٢) مجموعة ورام ١ : ٣٤ وأيضاً ٢ : ١٩٧ .

(٣) مجموعة ورام ١ : ٣٤ .

(٤) في ( ج ) : أسير .

(٥) مجموعة ورام ١ : ٣٤ ، معالم الزلفى : ٣٤ .

(٦) مجموعة ورام ١ : ٣٥ .

(٧) مجموعة ورام ١ : ٣٥ ، مستدرك الوسائل ١١ : ١٥٦ ح١٣٧٦٧ ، معالم الزلفى : ٣٤ .

(٨) مجموعة ورام ١ : ٤٣ ، مستدرك الوسائل ٨ : ٤٥٧ ح٩٩٩٧ .


وعنهعليه‌السلام :مَن مشى مع ظالم ليعينه وهو يعلم أنّه ظالم فقد خرج من الإسلام (١) .

وعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ : أين الظلمة وأعوان الظلمة وأشباه الظلمة ، حتّى مَن برى لهم قلماً أو لاق لهم دواة ، قال : فيجمعون في تابوت من حديد ثمّ يرمى بهم في جهنّم (٢) .

وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :يأتي في آخر الزمان أُناس يأتون المساجد فيقعدون فيها حلقاً ، ذكرهم الدنيا وحبّ الدنيا ، فلا تجالسوهم فليس لله بهم حاجة (٣) .

وقال عيسىعليه‌السلام :إنّي أرى الدنيا في صورة عجوز هتماء (٤) عليها كلّ زينة ، قيل لها : كم تزوّجت ؟ قالت : لا أحصيهم كثرةً ، قيل : أماتوا عنكِ أم طلّقوكِ ؟ قالت : بل قتلتهم كلّهم (٥) ، قيل : فتعساً لأزواجك الباقين كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين ، وكيف لا يكونون على حذر (٦) .

وكان الحسين(٧) بن عليّ عليهما‌السلام كثيراً ما يتمثّل ويقول :

يا أهل لذّات دنيا لا بقاء لها

إنّ اغتراراً بظلّ زائل حمق (٨)

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :الدنيا دار مَن لا دار له ، ولها يجمع مَن لا عقل له ، ويطلب شهواتها مَن لا فهم له ، وعليها يعادي مَن لا علم له ، وعليها يحسد مَن

____________

(١) مجموعة ورام ٢ : ٢٣٣ .

(٢) مجموعة ورام ١ : ٥٤ ، معالم الزلفى : ٢٤٧ .

(٣) مجموعة ورام ١ : ٦٩ .

(٤) الهتم : انكسار الثنايا من أُصولها خاصّة (لسان العرب)

(٥) في ( ج ) : بل كلّهم ماتوا .

(٦) مجموعة ورام ١ : ٦٩ وأيضاً ١ : ١٤٦ .

(٧) في المصدر : الحسن بن عليّعليه‌السلام .

(٨) مجموعة ورام ١ : ١٤٥ .


لا فقه له ، ولها يسعى مَن لا يقين له ، مَن كانت الدنيا همّه كثر في الدنيا والآخرة غمّه (١) .

وقيل : إنّ عابداً احتضر فقال : ما تأسّفي على دار الأحزان والغموم والخطايا والذنوب ، وإنّما تأسّفي على ليلة نمتها ، ويوم أفطرته ، وساعة غفلت فيها عن ذكر الله تعالى(٢) .

وعن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :مَن ذبّ عن عرض أخيه كان ذلك حجاباً له من النار ، ومَن كان لأخيه المسلم في قلبه مودّة ولم يعلمه فقد خانه ، ومَن لم يرض من أخيه إلاّ بإيثاره على نفسه دام سخطه ، ومَن عاتب صديقه على كلّ ذنب كثر عدوّه .

وقالعليه‌السلام :إنّ الله يعطي الدنيا على نيّة الآخرة ، ولا يعطي الآخرة على نيّة الدنيا (٣)

اجعل الآخرة رأس مالك ، فما أتاك من الدنيا فهو ربح(٤) .

____________

(١) مجموعة ورام ١ : ٧٠ وأيضاً ١ : ١٣٠ .

(٢) مجموعة ورام ١ : ٧٥ .

(٣) مجموعة ورام ١ : ٧٦ .

(٤) المصدر نفسه .


الباب الثالث والخمسون : في أحاديث منتخبة

من الكتاب المذكور ، روي عن الصادقعليه‌السلام أنّه قال لبعض تلاميذه يوماً :أيّ شيء تعلّمت منّي؟ قال له : يا مولاي ثمان مسائل ، قال لهعليه‌السلام :قصها عليّ لأعرفها ، قال : الأُولى رأيت كلّ محبوب يفارق محبوبه عند الموت ، فصرفت همّي إلى ما لا يفارقني بل يؤنسني في وحدتي وهو فعل الخير ، قال :أحسنت والله .

الثانية [قال](١) : ورأيت قوماً يفخرون بالحسب وآخرين بالمال والولد ، وإذا ذلك لا فخر [فيه] ، ورأيت الفخر العظيم قوله تعالى :( إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم ) (٢) فاجتهدت أن أكون عند الله كريماً ، قال :أحسنت والله .

الثالثة قال : رأيت الناس في لهوهم وطربهم ، وسمعت قوله تعالى :( وأمّا مَن خاف مقام ربّه ونهى النفس عن الهوى * فإنّ الجنّة هي المأوى ) (٣) فاجتهدت في

____________

(١) أثبتناه من ( ب ) .

(٢) الحجرات : ١٣ .

(٣) النازعات : ٤٠ـ٤١ .


صرف الهوى عن نفسي حتّى استقرّت على طاعة الله تعالى ، قال :أحسنت والله .

الرابعة قال : رأيت كلّ مَن وجد شيئاً يكرم عنده اجتهد في حفظه ، وسمعت قوله تعالى :( مَن ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له وله أجر كريم ) (١) فأحببت المضاعفة ولم أر أحفظ ممّا يكون عنده ، وكلّما وجدت شيئاً يكرم عندي وجّهت به إليه ليكون لي ذخراً إلى وقت حاجتي إليه ، قال :أحسنت والله .

الخامسة ، قال : رأيت حسد الناس بعضهم لبعض وسمعت قوله تعالى :( نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) (٢) فلمّا عرفت أنّ رحمة الله خير ممّا يجمعون ما حسدت أحداً ، ولا أسفت على ما فاتني ، قال :أحسنت والله .

السادسة ، قال : رأيت عداوة الناس بعضهم لبعض في دار الدنيا والحزازات التي في صدورهم ، وسمعت قول الله تعالى :( إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً ) (٣) فاشتغلت بعداوة الشيطان عن عداوة غيره ، فقال :أحسنت والله .

السابعة ، قال : رأيت كدح الناس واجتهادهم في طلب الرزق ، وسمعت قوله تعالى :( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إنّ الله هو الرزّاق ذو القوّة المتين ) (٤) فعلمت أنّ وعده حقّ وقوله صدق ، فسكنت إلى وعده ، ورضيت بقوله ، واشتغلت بما له عليّ عمّا لي عنده ، قال :أحسنت والله .

الثامنة ، قال : رأيت قوماً يتّكلون على صحّة أبدانهم ، وقوماً على كثرة أموالهم ، وقوماً على خلق مثلهم ، وسمعت قوله تعالى :( ومَن يتّق الله يجعل له مخرجاً

____________

(١) الحديد : ١١ .

(٢) الزخرف : ٣٢ .

(٣) الفاطر : ٦ .

(٤) الذاريات : ٥٦ـ٥٨ .


* ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكّل على الله فهو حسبه إنّ الله بالغ أمره قد جعل لكلّ شيء قدراً ) (١) فاتّكلت على الله وزال اتّكالي عن غيره ، قال له :والله إنّ التوراة والإنجيل والزبور والفرقان العظيم وسائر الكتب ترجع إلى هذه المسائل (٢) .

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : مَن طلب العلم لله عزّ وجل لم يصب منه باباً إلاّ ازداد في نفسه ذلاً ، وللناس تواضعاً ، ولله خوفاً ، وفي الدين اجتهاداً ، فذلك الذي ينتفع بالعلم فيتعلّمه .

ومَن طلب العلم للدنيا والمنزلة عند الناس ، والحظوة عند السلطان ، لم يزد(٣) منه باباً إلاّ ازداد في نفسه عظمة ، وعلى الناس استطالة ، وبالله اغتراراً ، وفي الدين جفاءً ، فذلك الذي لا ينتفع بالعلم ، فليكفّ وليمسك عن الحجّة على نفسه ، والندامة والخزي يوم القيامة(٤) .

وعن أمير المؤمنينعليه‌السلام قال :قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ ملك الموت إذا نزل ليقبض روح الفاجر نزل ومعه سفود من نار ، قال عليّ عليه‌السلام : يا رسول الله فهل يصيب ذلك أحداً من أُمّتك ؟ قال : نعم ، حاكماً جائراً ، وآكل مال اليتيم ، وشاهد الزور ، وإنّ شاهد الزور يدلع لسانه في النار كما يدلع الكلب لسانه في الإناء (٥) .

وقيل لبعضهم : على ما بنيت أمرك ؟ قال : على أربع خصال ، علمت أنّ رزقي لا يأكله غيري فاطمأنّت نفسي ، وعلمت أنّ عملي لا يعمله غيري فأنا مشغول به ، وعلمت أنّ أجلي لا أدري متى يأتيني [ولا يأتيني إلاّ بغتة](٦) وأنا أُبادره ، وعلمت

____________

(١) الطلاق : ٢ـ٣ .

(٢) مجموعة ورام ١ : ٣٠٣ .

(٣) في ( ج ) : يصب .

(٤) مجموعة ورام ٢ : ٣ ، معالم الزلفى : ١٣ .

(٥) مجموعة ورام ٢ : ٧ ، معالم الزلفى : ٦٧ .

(٦) أثبتناه من ( ب ) و ( ج ) .


أنّي لا أغيب عن عين الله فأنا منه مستحي(١) .

وقالعليه‌السلام :من علّق سوطاً بين يدي سلطان جائر ، جعل ذلك السوط يوم القيامة ثعباناً من نار طوله سبعون ذراعاً ، يسلّطه الله عليه يوم القيامة في نار جهنّم وبئس المصير (٢) .

وقالعليه‌السلام :مَن كان ظاهره أرجح من باطنه خفّ ميزانه ، [ومَن كان باطنه أرجح من ظاهره ثقل ميزانه] (٣) .

وعن الحسن بن عليّعليهما‌السلام قال :إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ : أيّها الناس مَن كان له على الله أجر فليقم ، قال : فلا يقوم إلاّ أهل المعروف (٤) .

قيل : مَن كان غناه في كيسه لم يزل فقيراً ، ومَن كان غناه في قلبه لم يزل غنيّاً(٥) .

وقال بعضهم : مَن لم يسلم لك صدره فلا يغرّنّك بشره ، باشر ما أغناك ولا تكله إلى سواك ، استغن فيما دهاك بمَن يغنيه غناك(٦) .

وعن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :إيّاكم والغيبة ، فإنّ الغيبة أشدّ من الزنا ، إنّ الرجل ليزني ويتوب فيتوب الله عليه ، وإنّ صاحب الغيبة لا يغفر له حتّى يغفر له صاحبها (٧) .

وقالعليه‌السلام :يا معاشر الناس ، مَن اغتاب آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه ، فلا تغتابوا المسلمين ولا تتّبعوا عوراتهم فإنّه مَن تتبّع عورة أخيه تتبّع [الله] عورته

____________

(١) مجموعة ورام ٢ : ٩ .

(٢) المصدر نفسه .

(٣) مجموعة ورام ٢ : ١٠ ، وأثبتنا ما بين المعقوفين من ( ج ) .

(٤) مجموعة ورام ٢ : ١٠ وفيه : أهل العفو ، معالم الزلفى : ٢٤٦ و٣٢١ .

(٥) مجموعة ورام ٢ : ١٣ ، معالم الزلفى : ٢٤٦ و ٣٢١ .

(٦) مجموعة ورام ٢ : ١٣ .

(٧) مجموعة ورام ١ : ١١٥ .


وفضحه في جوف بيته (١) .

وأوحى الله إلى موسىعليه‌السلام :مَن مات تائباً عن الغيبة فهو آخر مَن يدخل الجنّة ، ومَن مات وهو مصرّ عليها فهو أوّل مَن يدخل النار (٢) .

وقالعليه‌السلام :ليس الشديد (٣) بالصرعة ، إنّما الشديد (٤) الذي يملك نفسه عند الغضب ، فإنّ الغضب مفتاح كلّ شرّ (٥) .

وقد ذمّ الله تعالى الكبر في مواضع من كتابه ، وذمّ كلّ جبار عنيد ، وقال :( سأصرف عن آياتي الذين يتكبّرون في الأرض بغير الحق ) (٦) .

وقال :( ومَن يستنكف عن عبادته ويستكبر ) (٧) .

وقال :( اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون ) (٨) .

وقال :( فبئس مثوى المتكبّرين ) (٩) .

وقال :( كذلك يطبع الله على كلّ قلب متكبّر جبّار ) (١٠) .

وقال :( واستفتحوا وخاب كلّ جبّار عنيد ) (١١) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :لا يدخل الجنّة مَن كان في قلبه مثقال

____________

(١) المصدر نفسه .

(٢) مجموعة ورام ١ : ١١٦ ، معالم الزلفى : ٣٥٩ .

(٣) في ( ج ) : الشهيد .

(٤) في ( ج ) : الشهيد .

(٥) مجموعة ورام ١ : ١٢٢ .

(٦) الأعراف : ١٤٦ .

(٧) النساء : ١٧٢ .

(٨) الأنعام : ٩٣ .

(٩) الزمر : ٧٢ .

(١٠) غافر : ٣٥ .

(١١) إبراهيم : ١٥ .


حبّة من خردل من كبر ، ولا يدخل النار رجل (١) في قلبه مثقال حبّة من الإيمان (٢) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :إنّ الله تعالى يقول : ( الكبرياء ردائي ، والعظمة إزاري ، فمَن نازعني في واحد منهما ألقيته في النار ) (٣) .

وبإسناده عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :مَن اجتهد في أُمّتي بترك شهوة من شهوات الدنيا فتركها من مخافة الله آمنه الله من الفزع الأكبر ، وأدخله الجنّة .

وبإسناده عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه :مَن قبّل غلاماً بشهوة عذّبه الله ألف عام في النار ، ومَن جامعه لم يجد ريح الجنّة ، وريحها يوجد من مسيرة خمسمائة عام إلاّ أن يتوب .

وبإسناده عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :ما من أحد من أُمتي يذكرني ويصلّي عليّ إلاّ غفر الله له ذنوبه وإن كانت مثل رمل عالج .

وبإسناده عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :صدقة المؤمن تدفع عن صاحبها آفات الدنيا ، وفتنة القبر ، وعذاب يوم القيامة (٤) .

وروي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :صلاة الليل سراج لصاحبها في ظلمة القبر ، وقول ( لا إله إلاّ الله ) يطرد الشيطان عن قائلها (٥) .

[وبإسناده](٦) عن ابن عباس قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :مَن مات غريباً مات شهيداً .

وعنهعليه‌السلام :موت غربة شهادة ، فإذا احتضر فرمى ببصره عن يمينه وعن يساره فلم ير إلاّ غريباً ، وذكر أهله فتنفّس فله بكلّ نفس تنفّسه يمحو الله عنه

____________

(١) في ( ب ) و ( ج ) : من كان .

(٢) مجموعة ورام ١ : ١٩٨ .

(٣) المصدر نفسه .

(٤) عنه معالم الزلفى : ١٢٢ .

(٥) عنه البحار ٨٧ : ١٦٠ ح٥٢ ، معالم الزلفى : ١٢١ .

(٦) أثبتناه من ( ب ) .


به ألف ألف سيّئة ، ويكتب له ألف ألف حسنة ، وإذا مات مات شهيداً .

وعن ابن عباس قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :الغريب إذا مرض فنظر عن يمينه وعن شماله ومن بين يديه ومن خلفه فلم ير أحداً غفر الله له ما تقدّم من ذنبه [وما تأخّر] (١) .

وفي الخبر : مَن أحرق سبعين مصحفاً ، وقتل سبعين ملكاً مقرباً ، وزنا بسبعين بكراً ، كان أقرب إلى النجاة ممّن ترك الصلاة متعمّداً .

وعن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :جلوس ساعة عند العالم في مذاكرة العلم أحبّ إلى الله تعالى من مائة ألف ركعة تطوّعاً ، ومائة ألف تسبيحة ، ومن عشرة آلاف فرس يغزو بها المؤمن في سبيل الله (٢) .

وبإسناده عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :إذا صلّيت الصلاة لوقتها صعدت ولها نور شعشعاني ، وتفتح لها أبواب السماء حتّى تنتهي إلى العرش ، فتشفع لصاحبها وتقول : حفظك الله كما حفظتني وإذا صلّيت لغير وقتها صعدت مظلمة ، تغلق دونها أبواب السماء ، ثمّ تلفّ كما يلفّ الثوب الخلق ويضرب بها وجه صاحبها فتقول : ضيّعك الله كما ضيّعتني .

وروي عن الصادق جعفر بن محمد ، عن آبائه ، عن أمير المؤمنينعليه‌السلام قال :قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : صلاة الليل مرضات للرب ، وحبّ الملائكة ، وسنّة الأنبياء ، ونور المعرفة ، وأصل الإيمان ، ورأفة (٣) للأبدان ، وكراهية للشيطان ، وسلاح على الأعداء ، وإجابة للدعاء ، وقبول للأعمال ، وبركة في الرزق ، وشفيع بين صاحبها وبين ملك الموت ، وسراج في قبره ، وفراش من تحت جنبه ، وجواب مع منكر ونكير ، ومونس وزائر في قبره .

____________

(١) أثبتناه من ( ب ) .

(٢) معالم الزلفى : ١٣ .

(٣) في ( ج ) : راحة .


فإذا كان يوم القيامة كانت الصلاة ظلاًّ فوقه ، وتاجاً على رأسه ، ولباساً على بدنه ، ونوراً يسعى به بين يديه ، وستراً بينه وبين النار ، وحجّة للمؤمن بين يدي الله تعالى ، وثقلاً في الموازين ، وجوازاً على الصراط ، ومفتاحاً للجنّة لأنّ الصلاة تكبير وتحميد وتسبيح وتمجيد وتقديس وتعظيم وقراءة ودعاء ، وانّ أصل الأعمال كلّها الصلاة لوقتها (١) .

وقالعليه‌السلام :اعلموا رحمكم الله أنّكم على أعلام بيّنة ، والطريق نهج إلى دار السلام ، وأنتم في دار مستعتب على مهل وفراغ ، والصحف منشورة ، والأقلام جارية ، والأبدان صحيحة ، والألسن مطلقة ، والتوبة مسموعة ، والأعمال مقبولة (٢) .

وعن حذيفة بن اليمان رفعه عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :إنّ قوماً يجيئون يوم القيامة ولهم من الحسنات أمثال الجبال ، فيجعلها الله هباءً منثوراً ثمّ يؤمر بهم إلى النار ، فقال سلمان : احكهم(٣) لنا يا رسول الله ، فقال :أما إنّهم قد كانوا يصومون ويصلّون ويأخذون أهبة من الليل ، ولكنّهم كانوا إذا عرض لهم شيء من الحرام وثبوا عليه (٤) .

وقالعليه‌السلام :ألا فاذكروا هادم اللذات ، ومنغّص الشهوات ، وقاطع الأمنيات عند المشاورة للأعمال القبيحة ، واستعينوا بالله على أداء واجب حقّه ، وما لا يحصى من أعداد نعمه وإحسانه .

وقالعليه‌السلام :رحم الله امرأ تفكّر واعتبر ، واعتبر فأبصر ، فكأنّ ما هو كائن من الدنيا عمّا قليل لم يكن ، وكأنّ ما هو كائن من الآخرة عن قليل لم يزل ، وكلّ

____________

(١) عنه البحار ٨٧ : ١٦١ ضمن حديث ٥٢ .

(٢) نهج البلاغة : الخطبة ٩٤ ، عنه البحار ٧١ : ١٩٠ ح٥٦ .

(٣) في ( ج ) : صفهم .

(٤) مجموعة ورام ١ : ٦١ ، مستدرك الوسائل ١١ : ٢٨ ح١٣٠١٤ .


معدود منقص ، وكلّ متوقع آت ، وكلّ آت قريب دان (١) .

وقالعليه‌السلام :ألا وإنّ الآخرة قد أقبلت والدنيا قد أدبرت ولكلٍّ منها بنون ، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا ، وانّ كلّ واحد (٢) سيلحق بأُمّه يوم القيامة ، وانّ اليوم عمل بلا حساب وغداً حساب بلا عمل .

وقالعليه‌السلام :إنّ النساء نواقص الإيمان ، نواقص الحظوظ ، نواقص العقول ، فأمّا نقصان إيمانهن فقعودهنّ عن الصلاة والصوم أيام حيضهنّ ، وأمّا نقصان حظوظهنّ فمواريثهنّ بالإنصاف من مواريث الرجال ، لقوله تعالى : ( للذكر مثل حظّ الأُنثيين ) (٣) ، وأمّا نقصان عقولهنّ فشهادة الامرأتين منهنّ كشهادة الرجل الواحد ، فاتّقوا شرار النساء وكونوا من خيارهنّ على حذر ، ولا تطيعوهنّ في المعروف حتّى لا يطمعن في المنكر (٤) .

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام :عجبت للبخيل يستعجل الفقر الذي منه هرب ، ويفوته الغنى الذي إيّاه طلب ، فيعيش في الدنيا عيش الفقراء ، ويُحاسب في الآخرة حساب الأغنياء ، وعجبت للمتكبّر الذي كان بالأمس نطفة ويكون غداً جيفة وعجبت لمَن شكّ في الله وهو يرى خلق الله ، وعجبت لمَن نسي الموت وهو يرى مَن يموت ، وعجبت لمَن أنكر النشأة الأُخرى وهو يرى النشأة الأُولى ، وعجبت لعامر دار الفناء وتارك دار البقاء (٥) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :مَن آذى جاره حرّم الله عليه ريح الجنّة ومأواه جهنّم وبئس المصير ، ومَن ضيّع حقّ جاره فليس منّا (٦) .

____________

(١) البحار ٧٣ : ١١٩ ضمن حديث ١٠٩ عن كتاب عيون الحكم والمواعظ .

(٢) في ( ج ) : ولد .

(٣) أمالي الصدوق ، حديث المناهي ، عنه البحار ٧٦ : ٣٣٥ ح١ .

(٤) نهج البلاغة : الخطبة ٨٠ ، عنه البحار ٣٢ : ٢٤٧ ح١٩٥ .

(٥) مجموعة ورام ١ : ٦٢ ، معالم الزلفى : ١٣٤ .

(٦) أمالي الصدوق ، حديث المناهي ، عنه البحار ٧٤ : ١٥٠ ح٢ .


وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :مَن مشى إلى ذي قرابة بنفسه وماله ليصل رحمه أعطاه الله عزّ وجل أجر مائة شهيد ، وله بكلّ خطوة أربعون ألف حسنة ، ومحى عنه أربعون ألف سيّئة ، ورفع له من الدرجات مثل ذلك ، وكان كأنّما عبد الله عزّ وجل مائة سنة صابراً محتسباً ومَن كفى ضريراً حاجة من حوائج الدنيا ، ومشى له فيها حتّى يقضي له حاجته ، أعطاه الله براءة من النفاق ، وبراءة من النار ، وقضى له سبعين ألف حاجة من حوائج الدنيا ، ولا يزال يخوض في رحمة الله حتّى يرجع (١) .

وسئل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما أثقل من السماء ، وما أغنى من البحر ، وما أوسع من الأرض ، وما أحرّ من النار ، وما أبرد من الزمهرير ، وما أشدّ من الحجر ، وما أمرّ من السمّ ؟

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :البهتان على البريء أثقل من السماء ، والحق أوسع من الأرض ، وقلبٌ قانعٌ أغنى من البحر ، وسلطانٌ جائرٌ أحرّ من النار ، والحاجة إلى اللئيم أبرد من الزمهرير ، وقلب المنافق أشدّ من الحجر ، والصبر في الشدّة أمرّ من السمّ .

وقالعليه‌السلام :ستة أشياء حسنة ولكنّها من ستّة أحسن : العدل حسن وهو من الأُمراء أحسن ، والصبر حسن وهو من الفقراء أحسن ، والورع حسن وهو من العلماء أحسن ، والسخاء حسن وهو من الأغنياء أحسن ، والتوبة حسنة وهي من الشباب أحسن ، والحياء حسن وهو من النساء أحسن وأمير لا عدل له كغمام لا غيث له ، وفقير لا صبر له كمصباح لا ضوء له ، وعالم لا ورع له كشجرة لا ثمر لها ، وغني لا سخاء له كمكان لا نبت له ، وشاب لا توبة له كنهر لا ماء له ، وامرأة لا حياء لها كطعام لا ملح له .

وعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :مَن تاب ولم يغيّر لسانه فليس بتائب ،

____________

(١) أمالي الصدوق ، حديث المناهي ، عنه البحار ٧٦ : ٣٣٥ ح١ .


ومَن تاب ولم يغيّر فراشه فليس بتائب ، ومَن تاب ولم يغيّر أعماله فليس بتائب ، فإذا حصل هذه الخصال فهو تائب (١) .

وعن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال :خلق الله تعالى ملكاً تحت العرش يسبّحه بجميع اللغات المختلفة ، فإذا كان ليلة الجمعة أمره أن ينزل من السماء إلى الدنيا ويطلع إلى أهل الأرض ويقول : يا أبناء العشرين لا تغرّنّكم الدنيا ، ويا أبناء الثلاثين اسمعوا وعوا ، ويا أبناء الأربعين جدّوا واجتهدوا ويا أبناء الخمسين لا عذر لكم ، ويا أبناء الستين ماذا قدّمتم في دنياكم لآخرتكم ، ويا أبناء السبعين زرع قد دنا حصاده ، ويا أبناء الثمانين أطيعوا الله في أرضه ، ويا أبناء التسعين آن لكم الرحيل فتزوّدوا ، ويا أبناء المائة أتتكم الساعة وأنتم لا تشعرون ، ثمّ يقول : لولا مشائخ ركّع ، وفتيان خشّع ، وصبيان رضّع لصبّ عليكم العذاب صبّاً (٢) .

وقالعليه‌السلام :إنّ لله ملكاً ينادي في كلّ يوم : لدوا (٣) للموت واجمعوا للفناء وابنوا للخراب (٤) .

وقالعليه‌السلام :مَن عظم صغار المصائب ابتلاه الله بكبائرها (٥) .

وقالعليه‌السلام :لا يكون الصديق صديقاً حتّى يحفظ أخاه في ثلاث : في نكبته ، وغيبته ، ووفاته (٦) .

وقالعليه‌السلام :أصدقاؤك ثلاثة وأعداؤك ثلاثة ، فأصدقاؤك : صديقك وصديق صديقك وعدوّ عدوّك ، وأمّا أعداؤك : فعدوّك وعدوّ صديقك وصديق

____________

(١) جامع الأخبار : ٢٢٧ ح٨ في التوبة ، عنه البحار ٦ : ٣٥ ح٥٢ بتفصيل أكثر .

(٢) عنه مستدرك الوسائل ٦ : ٧٥ ح٦٤٧٤ .

(٣) في ( ج ) : تهيّئوا .

(٤) نهج البلاغة : قصار الحكم ١٣٢ ، عنه البحار ٨٢ : ١٨٠ ح٢٥ .

(٥) نهج البلاغة : قصار الحكم ٤٤٨ ، الدعوات للراوندي : ١٦٩ ح٤٧٣ ، عنهما البحار ٨٢ : ١٣٦ ح٢٠ .

(٦) نهج البلاغة : قصار الحكم ١٣٤ ، عنه البحار ٧٤ : ١٦٣ ح٢٨ .


عدوّك (١) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :إنّ الله تعالى ينظر إلى هذه الأُمّة بالعلماء والفقراء ، والعلماء ورثتي والفقراء أحبّائي ، وخلق الله الخلق من طين الأرض وخلق الأنبياء والفقراء من طين الجنّة ، فمَن أراد أن يكون في عهد الله فليكرم الفقراء (٢) .

وقالعليه‌السلام :سراج الأغنياء في الدنيا والآخرة الفقراء ، ولولا الفقراء لهلك الأغنياء ، ومثل الفقراء مع الأغنياء كمثل عصى في يد أعمى .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :لعن الله مَن أكرم الغنيّ لغناه ، ولعن الله مَن أهان الفقير لفقره ، ولا يفعل هذا إلاّ منافق ، فمَن أكرم الغني لغناه وأهان الفقير لفقره سمّي في السماوات عدوّ الله وعدوّ الأنبياء ، لا يُستجاب له دعوة ولا تُقضى له حاجة .

وقالعليه‌السلام :الفقر ذلّ في الدنيا وفخر في الآخرة ، والغنى فخر في الدنيا وفقر في الآخرة ، فطوبى لمَن كان فخره في الآخرة .

وقالعليه‌السلام :المنّان على الفقراء ملعون في الدنيا والآخرة ، والمنّان على أبويه وإخوته بعيد من الرحمة بعيد من الملائكة ، قريب من النار ، لا يستجاب له دعوة ، ولا تُقضى له حاجة ، ولا ينظر الله إليه في الدنيا والآخرة .

وقالعليه‌السلام :مَن آذى مؤمناً فقيراً بغير حقّ فكأنّما هدم مكّة عشر مرّات والبيت المعمور ، وكأنّما قتل ألف ملك من المقرّبين .

وقالعليه‌السلام :حرمة المؤمن الفقير أعظم عند الله من سبع سماوات وسبع أرضين والملائكة والجبال وما فيها .

____________

(١) نهج البلاغة : قصار الحكم ٢٩٥ ، عنه البحار ٧٤ : ١٦٤ ح٢٨ .

(٢) معالم الزلفى : ١٣ و١٤ .


وعن أمير المؤمنينعليه‌السلام قال :الفتوّة أربعة : التواضع مع الدولة ، والعفو مع القدرة ، والنصيحة مع العداوة ، والعطيّة بلا منّة .

وقالعليه‌السلام :أكثر ما يدخل الناس الجنّة تقوى الله وحسن الخُلُق ، وخير ما أعطى الإنسان الخُلُق الحسن ، وخير الزاد ما صحبه التقوى ، وخير القول ما صدقه الفعل .

وقالعليه‌السلام :مَن فعل خمسة أشياء فلابدّ له من خمسة ، ولابد لصاحب الخمسة من النار ، الأوّل : مَن شرب المثلث فلابدّ له من شرب الخمر ، ولابدّ لشارب الخمر من النار الثاني : مَن لبس الثياب الفاخرة فلابدّ له من الكبر ، ولابدّ لصاحب الكبر من النار . الثالث : مَن جلس على بساط السلطان فلابد أن يتكلّم بهوى السلطان ، ولابدّ لصاحب الهوى من النار الرابع : مَن جالس النساء فلابدّ له من الزنا ، ولابدّ للزاني من النار الخامس : مَن باع واشترى من غير فقه فلابدّ له من الربا ، ولابدّ لآكل الربا من النار (١) .

وقالعليه‌السلام :الحرمة (٢) من الفاسق محال ، والشفقة من العدوّ محال ، والنصيحة من الحاسد محال ، والهيبة من الفقر محال ، والوفاء من المرأة محال (٣) .

وقالعليه‌السلام :مَن مشى في طلب العلم خطوتين ، وجلس عند العالم ساعتين ، وسمع من العلم كلمتين ، أوجب الله له جنّتين (٤) ، كما قال تعالى : ( ولمَن خاف مقام ربّه جنّتان ) (٥) .

____________

(١) مجموعة ورام ١ : ١٤ .

(٢) في ( ب ) : الحرفة .

(٣) الخصال : ٢٦٩ ح٥ باب ٥ ، عنه البحار ٧٤ : ١٩٤ ح١٨ نحوه .

(٤) معالم الزلفى : ١٣ .

(٥) الرحمن : ٤٦ .


وعن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال :لا يكمل إيمان المؤمن حتّى يكون فيه أربع خصال : يحسن خلقه ، وتسخو (١) نفسه ، ويمسك الفضل من قوله ، ويخرج الفضل من ماله (٢) .

وعن الصادقعليه‌السلام قال :إنّ الله يحبّ الجمال والتجمّل ويكره البؤس والتباؤس ، وإنّ الله عزّ وجل إذا أنعم على عبد نعمة أحبّ أن يرى عليه أثرها ، قيل : وكيف ذلك ؟ قال :ينظّف ثوبه ، ويطيّب ريحه ، ويجصّص داره ، ويكنس أفنيته ، حتّى أنّ السراج قبل مغيب الشمس ينفي الفقر ، ويزيد في الرزق (٣) .

وعن الصادقعليه‌السلام قال :ما كان ولا يكون إلى يوم القيامة رجل مؤمن إلاّ وله جار يؤذيه (٤) .

وقالعليه‌السلام :إنّ الرجل ليموت والداه وهو عاق لهما ، فيدعو الله لهما من بعدهما فيكتبه من البارّين (٥) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :يا أيّوب ألا أدلّك على عمل يرضي الله ، قال : بلى يا رسول الله ، قال :أصلح بين الناس إذا تفاسدوا ، وأحبب بينهم إذا تباغضوا (٦) .

وقالعليه‌السلام :لأخبرنّكم على مَن تحرم النار غداً ، على كلّ هيّن ليّن قريب سهل (٧) .

وقالعليه‌السلام :خمس كلمات في التوراة ينبغي أن تكتب بماء الذهب ،

____________

(١) في ( ج ) : يصلح .

(٢) أمالي الطوسي : ١٢٥ ح٩ مجلس ٥ ، عنه البحار ٦٧ : ٢٩٧ ح٢٢ .

(٣) أمالي الطوسي : ٢٧٥ ح٦٤ مجلس ١٠ ، عنه البحار ٧٦ : ١٤١ ح٥ .

(٤) أمالي الطوسي : ٢٨٠ ح٧٧ مجلس ١٠ .

(٥) مجموعة ورام ١ : ٢٨٨ .

(٦) مجموعة ورام ١ : ٦ ، وفيه : يا أبا أيوب .

(٧) أمالي الصدوق : ٢٦٢ ح٥ مجلس ٥٢ ، عنه البحار ٧٥ : ٥١ ح٤ .


أوّلها : حجر الغصب في الدار رهن على خرابها ، والغالب بالظلم هو المغلوب ، وما ظفر من ظفر الإثم به ، ومِنْ أقلّ حق الله عليك أن لا تستعين بنعمه على معاصيه ، ووجهك ماء جامد يقطر عند السؤال فانظر عند مَن تقطره .

وعن ابن عباس قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ثلاثة تستغفر لهم السماوات والأرضون والملائكة والليل والنهار : العلماء والمتعلّمون والأسخياء وثلاثة لا ترد دعوتهم : المريض والتائب والسخي وثلاثة لا تمسّهم النار : المرأة المطيعة لزوجها ، والولد البار بوالديه ، والسخي بحسن خلقه .

وثلاثة معصومون من إبليس وجنوده : الذاكرون لله عزّ وجل ، والباكون من خشية الله تعالى ، والمستغفرين بالأسحار وثلاثة رفع الله عنهم العذاب يوم القيامة : الراضي بقضاء الله ، والناصح للمسلمين ، والدال على الخير وثلاثة على كثيب المسك الأذفر يوم القيامة لا يهولهم فزع ولا ينالهم حساب : رجل قرأ القرآن ابتغاء وجه الله ، ورجل أمّ بقوم وهم عنه راضون ، ورجل أذّن في مسجد ابتغاء وجه الله .

وثلاثة يدخلون الجنّة بغير حساب : رجل يغسل قميصه ولم يكن له بدل ، ورجل لم يطبخ على مطبخ قدرين ، ورجل كان عنده قوت يوم فلم يهتمّ لغد وثلاثة يدخلون النار بغير حساب : شيخ(١) زان ، وعاق الوالدين ، ومدمن الخمر .

وقيل : دخل إبراهيم بن أدهم البصرة ، فاجتمع الناس إليه وقالوا : يا أبا إسحاق قال الله تعالى :( ادعوني أستجب لكم ) (٢) ونحن ندعوا له فلا يُستجاب لنا ، قال : يا أهل البصرة لأنّ قلوبكم قد صارت في عشرة ، أوّلها : عرفتم الله فلم تؤدّوا حقّه ، الثاني : قرأتم كتاب الله فلم تعملوا به ، الثالث : قلتم نحبّ رسول الله وتركتم سنّته .

____________

(١) في ( ب ) و ( ج ) : أشمط والشمط : بياض شعر الرأس يخالط سواده ، والرجل أشمط .

(٢) غافر : ٦٠ .


الرابع : قلتم إنّ الشيطان لنا عدوّ فوافقتموه ، الخامس : قلتم نحبّ الجنّة فلم تعملوا لها السادس : قلتم إنّ الموت حقّ فلم تتهيّؤوا له ، السابع : انتبهتم من النوم فاشتغلتم باغتياب إخوانكم ، الثامن : أكلتم نعمة الله فلم تؤدّوا شكرها ، التاسع : قلتم نخاف من النار ولم ترهبوا منها ، العاشر : دفنتم موتاكم فلم تعتبروا بهم .

قيل : نادى أمير المؤمنينعليه‌السلام بأهل القبور من المؤمنين والمؤمنات فقال :السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، فسمعنا صوتاً يقول : وعليك السلام ورحمة الله وبركاته يا أمير المؤمنين ، فقال :نخبركم بأخبارنا أم تخبرونا بأخباركم ؟ فقالوا : اخبرنا بأخباركم يا أمير المؤمنين ، فقال :أزواجكم قد تزوّجوا (١) ، وأموالكم قسّمها ورّاثكم ، وحشر في اليتامى أولادكم ، والمنازل الذي شيّدتم وبنيتم سكنها أعداؤكم ، فما أخباركم ؟ .

فأجابه مجيب : قد تمزّقت الأكفان ، وانتشرت الشعور ، وتقطّعت الجلود ، وسالت الأحداق على الخدود ، وتنازلت المناخر والأفواه بالقيح والصديد ، وما قدّمناه وجدناه ، وما أنفقناه ربحناه ، وما خلّفناه خسرناه ، ونحن مرتهنون بالأعمال ، نرجو من الله الغفران بالكرم والامتنان .

____________

(١) في ( ب ) : تزوّجت .


الباب الرابع والخمسون : في العقل وأنّ به النجاة

عن أمير المؤمنينعليه‌السلام قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :إنّ الله تعالى خلق العقل من نور مخزون في سابق علمه الذي لم يطلع عليه نبيّ مرسل ، ولا ملك مقرّب ، فجعل العلم نفسه ، والفهم روحه ، والزهد رأسه ، والحياء عينه ، والحكمة لسانه ، والرأفة همّه ، والرحمة قلبه ، ثمّ إنّه حشاه وقوّاه بعشرة أشياء : باليقين ، والإيمان ، والصدق ، والسكينة ، والوقار ، والرفق ، والتقوى ، والإخلاص ، والعطيّة ، والقنوع ، والتسليم ، والرضا ، والشكر .

ثمّ قال له : أقبل فأقبل ، ثمّ قال له : أدبر فأدبر ، ثمّ قال له : تكلّم فتكلّم ، فقال : الحمد لله الذي ليس له ضدّ ولا مثل ولا شبيه ولا كفؤ ولا عديل ، الذي كلّ شيء لعظمته خاضع ذليل ، فقال الله تعالى : وعزّتي وجلالي ما خلقت خلقاً أحسن منك ، ولا أطوع لي منك ، ولا أرفع ولا أشرف منك ، ولا أعزّ عليّ منك بك أُوحّد ، وبك أُعبد ، وبك أُدعى ، وبك أُرتجى ، وبك أُخاف ، وبك أُبتغى ، وبك أُحذر ، وبك الثواب ، وبك العقاب .


فخرّ العقل عند ذلك ساجداً وكان في سجوده ألف عام ، فقال تعالى : ارفع رأسك واسأل تعطى واشفع تُشفّع ، فرفع العقل رأسه فقال : إلهي أسألك أن تشفعني فيمن جعلتني فيه ، فقال الله تعالى للملائكة : أُشهدكم أنّي قد شفّعته فيمن خلقته فيه (١) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :لا يكون المؤمن عاقلاً حتّى تجتمع فيه عشر خصال : الخير منه مأمول ، والشرّ منه مأمون ، يستكثر قليل الخير من غيره ، ويستقلّ كثير الخير من نفسه ، لا يسأم من طلب العلم طول عمره ، ولا يتبرّم بطلب الحوائج من قبله ، الذلّ أحبّ إليه من العزّ ، والفقر أحبّ إليه من الغنى ، نصيبه من الدنيا القوت ، والعاشرة لا يرى أحداً إلاّ قال : هو خير منّي وأتقى (٢) .

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام :العقل ولادة ، والعلم إفادة ، ومجالسة العلماء زيادة (٣) .

وروي أنّ جبرئيلعليه‌السلام هبط إلى آدم فقال :يا أبا البشر أُمرت أن أُخيّرك بين ثلاث ، فاختر منهنّ واحدة ودع اثنتين ، فقال له آدم : وما هم ؟ فقال : العقل والحياء والإيمان ، فقال آدم : قد اخترت العقل ، فقال جبرئيل للإيمان والحياء : ارحلا ، فقالا : أُمرنا أن لا نفارق العقل (٤) .

قال مصنّف الكتابرحمه‌الله : لكلّ أدب ينبوع ، وأمير الفضل وينبوع الأدب العقل ، جعله الله لمعرفته وللدين أصلاً ، وللملك والدنيا عماداً ، وللسلامة من المهلكات معقلاً ، فأوجب لهم التكليف بكماله ، وجعل أمر الدنيا مدبّراً به ، وألّف به بين خلقه مع اختلافهم ومتباين أغراضهم ومقاصدهم وما استودع الله تعالى

____________

(١) الخصال : ٤٢٧ ح٤ باب ١٠ ، عنه البحار ١ : ١٠٧ ح٣ ، ومستدرك الوسائل ١١ : ٢٠٣ ح١٢٧٤٥ .

(٢) مجموعة ورام ٢ : ١١٢ ، الخصال : ٤٣٣ ح١٧ باب ١٠ ، عنه البحار ١ : ١٠٨ ح٤ .

(٣) كنز الكراجكي : ١٣ في العقل ، عنه البحار ١ : ١٦٠ ح٤٠ ، معالم الزلفى : ١٣ .

(٤) الكافي ١ : ١٠ ح٢ ، روضة الواعظين : ٣ في ماهية العقول وفضلها .


أحداً عقلاً إلاّ استنقذه به يوماً ، والعقل أصدق مشير ، وأنصح خليل ، وخير جليس ، ونعم وزير ، وخير المواهب العقل وشرّها الجهل .

قال بعضهم :

إذا تمّ عقل امرئ تمّت أُموره

وتـمّ (١) أيـاديـه وتمّ ثـنـاؤه

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :العقل نور في القلب يفرق به بين الحقّ والباطل (٢)

وجاء في قوله تعالى :( لينذر مَن كان حيّاً ) (٣) قال : يعني مَن كان عاقلاً .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :أعقل الناس أفضلهم ، ومَن لم يكن عقله أغلب خصال الخير فيه كان حمقه أغلب خصال الشرّ فيه ، وكلّ شيء إذا كثر رخص إلاّ العقل إذا كثر غلى والعقل الصحيح ما حصلت به الجنّة ، والعاقل يألف العاقل ، والجاهل يألف الجاهل .

ولقد أحسن مَن قال :

إذا لم يكن للمرء عقل يزينه

ولم يك ذا رأي سديد وذا أدب

فما هو إلاّ ذو قوائم أربع

وإن كان ذا مالٍ كثيرٍ وذا حسب

وروي أنّه إذا استرذل الله عبداً أحصر عليه العلم والأدب(٤) ، ولا يزال المرء في صحّة من عقله ودينه ما لم يشرب مسكر ، وفي صحّة من مروّته ما لم يفعل الزلاّت ، وفي فسحة من أمانته ما لم يقبل وصيّة ويستودع وديعة ، وفي فسحة من عقله(٥) ما لم يؤمّ قوماً أو يرقى منبراً ، وأشراف الناس العلماء ، وساداتهم المتّقون ، وملوكهم الزهّاد ، وسخف منطق المرء يدلّ على قلّة عقله .

____________

(١) في ( ج ) : تمّت .

(٢) عنه معالم الزلفى : ١٥ .

(٣) عنه معالم الزلفى : ١٥ .

(٤) كنز العمّال ١٠ : ١٧٨ ح٢٨٩٢٧ ، وفيه : حظر عليه العمل .

(٥) في ( ج ) : فضله .


وروي أن الحسن بن عليّعليهما‌السلام قام في خطبة له فقال : اعلموا أنّ العقل حرز ، والحلم زينة ، والوفاء مروّة ، والعجلة سفه ، والسفه ضعف ، ومجالسة أهل الزنا شين ، ومخالطة أهل الفسوق ريبة ، ومَن استخفّ بإخوانه فسدت مروّته .

وما يهلك إلاّ المرتابون ، وينجوا المهتدون الذين لم يتهموا الله في آجالهم طرفة عين ولا في أرزاقهم ، فمروّتهم كاملة وحياؤهم كامل ، يصبرون حتّى يأتي الله لهم برزق ، ولا يبيعون شيئاً من دينهم ومروّاتهم بشيء من الدنيا ، ولا يطلبون شيئاً منها بمعاصي الله .

ومن عقل المرء ومروّته أنّه يسرع إلى قضاء حوائج إخوانه وإن لم ينزلوها به ، والعقل أفضل ما وهب الله تعالى للعبد ، إذ به النجاة في الدنيا من آفاتها وسلامته في الآخرة من عذابها .

وروي أنّهم وصفوا رجلاً عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بحسن عبادته ، فقال :انظروا إلى عقله ، فإنّما يجزي الله العباد يوم القيامة على قدر عقولهم ، وحسن الأدب دليل على صحّة العقل .


الباب الخامس والخمسون : فيما سأل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليلة المعراج

وهي خاتمة الكتاب

روي عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سأل ربّه سبحانه ليلة المعراج فقال : يا ربّ أيّ الأعمال أفضل ؟ فقال الله عزّ وجل : ليس شيء أفضل عندي من التوكّل عليّ ، والرضا بما قسّمت ، يا محمّد وجبت محبّتي للمتحابّين فيّ ، ووجبت محبّتي للمتقاطعين(١) فيّ ، ووجبت محبّتي للمتواصلين فيّ ، ووجبت محبّتي للمتوكّلين عليّ .

وليس لمحبّتي علم ولا غاية ولا نهاية ، كلّما رفعت لهم علماً وضعت لهم علماً ، أُولئك الذين نظروا إلى المخلوقين بنظري إليهم ، ولم يرفعوا الحوائج إلى الخلق ، بطونهم خفيفة من أكل الحلال ، نعيمهم في الدنيا ذكري ومحبّتي ورضائي عنهم .

يا أحمد إن أحببت أن تكون أورع الناس فازهد في الدنيا وارغب في الآخرة ، فقال : إلهي كيف أزهد في الدنيا ؟ فقال : خذ من الدنيا خفّاً من الطعام والشراب واللباس ، ولا تدخر لغد ، ودم على ذكري ، فقال : يا ربّ وكيف أدوم على

____________

(١) في ( ب ) : للمتعاطين .


ذكرك ؟ فقال : بالخلوة عن الناس ، وبغضك الحلو والحامض ، وفراغ بطنك وبيتك من الدنيا .

يا أحمد احذر أن تكون مثل الصبي إذا نظر إلى الأخضر والأصفر ، وإذا أُعطي شيئاً من الحلو والحامض اغترّ به ، فقال : يا ربّ دلّني على عمل أتقرّب به إليك ، قال : اجعل ليلك نهاراً ، واجعل نهارك ليلاً ، قال : يا ربّ كيف ذلك ؟ قال : اجعل نومك صلاة ، وطعامك الجوع .

يا أحمد وعزّتي وجلالي ما من عبد ضمن لي بأربع خصال إلاّ أدخلته الجنّة : يطوي لسانه فلا يفتحه إلاّ فيما يعنيه ، ويحفظ قلبه من الوسواس ، ويحفظ علمي ونظري إليه ، ويكون قرّة عينه الجوع .

يا أحمد لو ذقت حلاوة الجوع والصمت والخلوة وما ورثوا منها ، قال : يا ربّ ما ميراث الجوع ؟ قال : الحكمة ، وحفظ القلب ، والتقرّب إليّ ، والحزن الدائم ، وخفّة المؤنة بين الناس ، وقول الحق ، ولا يبالي عاش بيسر أم بعسر ، يا أحمد هل تدري بأيّ وقت يتقرّب العبد إليّ ؟ قال : لا يا ربّ ، قال : إذا كان جائعاً أو ساجداً .

يا أحمد عجبت من ثلاثة عبيد : عبد دخل في الصلاة وهو يعلم إلى مَن يرفع يديه وقدّام مَن هو وهو ينعس ، وعجبت من عبد له قوت يوم من الحشيش أو غيره وهو يهتمّ لغد ، وعجبت من عبد لا يدري أنا راضٍ عنه أم ساخط عليه وهو يضحك .

يا أحمد إنّ في الجنّة قصراً من لؤلؤة فوق لؤلؤة ، ودرّة فوق درّة ، ليس فيها فصم(١) ولا وصل ، فيها الخواص ، أنظر إليهم كلّ يوم سبعين مرّة فأُكلّمهم كلّما نظرت إليهم ، وأزيد في ملكهم سبعين ضعفاً ، وإذا تلذّذ أهل الجنّة بالطعام والشراب

____________

(١) في ( ج ) : قصم ، والقصم ـ بالقاف : هو أن ينكسر الشيء فيبين ، يقال منه : قصمت الشيء إذا كسرته حتّى يبين والفصم ـ بالفاء ـ : فهو أن ينصدع الشيء من غير أن يبين (لسان العرب) .


تلذّذ أُولئك بذكري وكلامي وحديثي ، قال : يا ربّ ما علامة أُولئك ؟ قال : مسجونون قد سجنوا ألسنتهم من فضول الكلام ، وبطونهم من فضول الطعام .

يا أحمد إنّ المحبّة لله هي المحبّة للفقراء والتقرّب إليهم ، قال : ومَن الفقراء ؟ قال : الذين رضوا بالقليل ، وصبروا على الجوع ، وشكروا الله تعالى على الرخاء ، ولم يشكوا جوعهم ولا ظمأهم ، ولم يكذبوا بألسنتهم ، ولم يغضبوا على ربّهم ، ولم يغتمّوا على ما فاتهم ، ولم يفرحوا بما أتاهم .

يا أحمد محبّتي محبّة الفقراء ، فادن الفقراء وقرّب مجلسهم منك أُدنك ، وأبعد الأغنياء وأبعد مجلسهم عنك فإنّ الفقراء أحبّائي .

يا أحمد لا تتزيّن بلبس اللباس ، وطيب الطعام ، وطيب(١) الوطا ، فإنّ النفس مأوى كلّ شر ، وهي رفيق كلّ سوء تجرّها إلى طاعة الله وتجرّك إلى معصيته ، وتخالفك في طاعته وتطيعك فيما يكره ، وتطغى إذا شبعت ، وتشكو إذا جاعت ، وتغضب إذا افتقرت ، وتتكبّر إذا استغنت ، وتنسى إذا كبرت ، وتغفل إذا أمنت ، وهي قرينة الشيطان ، ومثل النفس كمثل النعامة تأكل الكثير وإذا حمل عليها لا تطير ، ومثل الدّفلي(٢) لونه حسن وطعمه مرّ .

يا أحمد ابغض الدنيا وأهلها ، وأحبّ الآخرة وأهلها ، قال : يا ربّ ومَن أهل الدنيا ومَن أهل الآخرة ؟ قال : أهل الدنيا مَن كثر أكله وضحكه ونومه وغضبه ، قليل الرضا ، لا يعتذر إلى مَن أساء إليه ، ولا يقبل عذر مَن اعتذر إليه ، كسلان عند الطاعة ، شجاع عند المعصية ، أمله بعيد وأجله قريب ، لا يحاسب نفسه ، قليل الفقه(٣) ، كثير الكلام ، قليل الخوف ، كثير الفرح عند الطعام ، وإنّ أهل الدنيا لا يشكرون عند الرخاء ، ولا يصبرون عند البلاء ، كثير الناس عندهم قليل ،

____________

(١) في ( ب ) و ( ج ) : لين .

(٢) الدِّفلي : شجر مرّ أخضر حسن المنظر ، يكون في الأودية ، وفي الصحاح : نبت مرّ (لسان العرب) .

(٣) في ( ب ) : النفقة ، وفي ( ج ) : المنفعة .


يحمدون أنفسهم بما لا يفعلون ، ويدّعون بما ليس لهم [ويتكلّمون بما يتمنّون](١) ، ويذكرون مساوئ الناس .

يا أحمد إنّ عيب أهل الدنيا كثير ، فيهم الجهل والحمق ، لا يتواضعون لمَن يتعلّمون منه ، وهم عند أنفسهم عقلاء ، وعند العارفين حُمقاء .

يا أحمد إنّ أهل الخير [وأهل الآخرة](٢) رقيقة وجوههم ، كثير حياؤهم [قليل حمقهم](٣) ، كثير نفعهم قليل مكرهم ، الناس منهم في راحة وأنفسهم منهم في تعب ، كلامهم موزون ، محاسبين لأنفسهم متعبين(٤) لها ، تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم ، أعينهم باكية وقلوبهم ذاكرة ، إذا كتب الناس من الغافلين كتبوا من الذاكرين .

في أوّل النعمة يحمدون وفي آخرها يشكرون ، دعاؤهم عند الله مرفوع ، وكلامهم مسموع ، تفرح بهم الملائكة ، ويدور دعاؤهم تحت الحجب ، يحبّ الربّ أن يسمع كلامهم [كما تحبّ الوالدة الولد](٥) ، ولا يشغلهم عنه طرفة عين ، ولا يريدون كثرة الطعام ، ولا كثرة الكلام ، ولا كثرة اللباس ، الناس عندهم موتى والله عندهم حيّ كريم ، يدع المدبرين كرماً ، ويزيد المقبلين تلطّفاً ، قد صارت الدنيا والآخرة عندهم واحدة .

يا أحمد هل تعرف ما للزاهدين عندي ؟ قال : لا يا رب ، قال : يبعث الخلق ويناقشون الحساب وهم من ذلك آمنون ، إنّ أدنى ما أُعطي الزاهدين في الآخرة أن أعطيهم مفاتيح الجنان كلّها حتّى يفتحون أيّ باب شاؤوا ، ولا أحجب عنهم

____________

(١) أثبتناه من ( ج ) .

(٢) أثبتناه من ( ج ) .

(٣) أثبتناه من ( ب ) و ( ج ) .

(٤) في ( ج ) : متعيّبين .

(٥) أثبتناه من ( ج ) .


وجهي ، ولأنعمهم بألوان التلذّذ من كلامي ، ولأجلسنّهم في مقعد صدق ، وأُذكّرهم ما صنعوا وتعبوا في دار الدنيا وأفتح لهم أربعة أبواب : باب تدخل عليهم الهدايا منه بكرة وعشيّاً ، وباب ينظرون منه إليّ كيف شاؤوا بلا صعوبة ، وباب يطّلعون منه إلى النار فينظرون إلى الظالمين كيف يعذّبون ، وباب يدخل عليهم منه الوصائف والحور العين .

قال : يا ربّ مَن هؤلاء الزاهدون الذين وصفتهم ؟ قال : الزاهد هو الذي ليس له بيت يخرب فيغم لخرابه ، ولا له ولد يموت فيحزن لموته ، ولا له شيء يذهب فيحزن لذهابه ، ولا يعرفه إنسان يشغله عن الله طرفة عين ، ولا له فضل طعام يُسأل عنه ، ولا له ثوب ليّن .

يا أحمد وجوه الزاهدين مصفرّة من تعب الليل وصوم النهار ، ألسنتهم كلال من ذكر الله تعالى ، قلوبهم في صدورهم مطعونة من كثرة صمتهم ، قد أعطوا المجهود من أنفسهم لا من خوف نار ولا من شوق جنّة ، ولكن ينظرون في ملكوت السماوات والأرض فيعلمون أنّ الله سبحانه أهلٌ للعبادة .

يا أحمد هذه درجة الأنبياء والصدّيقين من أُمّتك وأُمّة غيرك ، وأقوام من الشهداء ، قال : يا ربّ أيّ الزهّاد أكثر ، زهّاد أُمّتي أم زهّاد بني إسرائيل ؟! قال : إنّ زهّاد بني إسرائيل في زهّاد أُمّتك كشعرة سوداء في بقرة بيضاء ، فقال : يا ربّ وكيف ذلك وعدد بني إسرائيل أكثر ؟ قال : لأنّهم شكّوا بعد اليقين ، وجحدوا بعد الإقرار ، قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : فحمدت الله وشكرته ودعوت لهم بالحفظ والرحمة وسائر الخيرات .

يا أحمد عليك بالورع فإنّ الورع رأس الدين ووسط الدين وآخر الدين ، إنّ الورع يقرّب إلى الله تعالى .

يا أحمد إنّ الورع زين المؤمن ، وعماد الدين ، إنّ الورع مثله مثل السفينة ، كما


أنّ في البحر لا ينجو إلاّ مَن كان فيها كذلك لا ينجو الزاهدون إلاّ بالورع .

يا أحمد ما عرفني عبد فخشع لي إلاّ خشع له [كلّ شيء](١) .

يا أحمد الورع يفتح على العبد أنواع العبادة ، فيكرم به العبد عند الخلق ، ويصل به إلى الله عزّ وجل .

يا أحمد عليك بالصمت فإنّ أعمر مجلس قلوب الصالحين والصامتين ، وإنّ أخرب مجلس قلوب المتكلّمين بما لا يعنيهم .

يا أحمد إنّ العبادة عشرة أجزاء سبعة(٢) منها طلب حلال ، فإذا طيّبت مطعمك ومشربك فأنت في حفظي وكنفي ، قال : يا ربّ ما أوّل العبادة ؟ قال : أوّل العبادة الصمت والصوم ، قال : يا ربّ وما ميراث الصوم ؟ قال : يورث الحكمة ، والحكمة تورث المعرفة ، والمعرفة تورث اليقين ، فإذا استيقن العبد لا يبالي كيف أصبح بعسر أم بيسر .

وإذا كان العبد في حالة الموت يقوم على رأسه ملائكة بيد كلّ ملك كأس من ماء الكوثر وكأس من الخمر ، يسقون روحه حتّى تذهب سكرته ومرارته ، ويبشّرونه بالبشارة العظمى ، ويقولون له : طبت وطاب مثواك ، إنّك تقدم على العزيز الكريم الحبيب القريب .

فتطير الروح في أيدي الملائكة فتصعد إلى الله تعالى في أسرع من طرفة عين ، ولا يبقى حجاب ولا ستر بينها وبين الله تعالى ، والله تعالى إليها مشتاق ، وتجلس على عين عند العرش ، ثمّ يقال لها : كيف تركت الدنيا ؟ فتقول : إلهي وعزّتك وجلالك لا علم لي بالدنيا ، أنا منذ خلقتني خائف منك .

فيقول الله تعالى : صدقت عبدي كنت بجسدك في الدنيا وروحك معي ، فأنت

____________

(١) أثبتناه من ( ج ) .

(٢) في ( ج ) : تسعة .


بعيني سرّك وعلانيتك ، سل أُعطك ، وتمنّ عليّ فأكرمك ، هذه جنّتي فتبحبح(١) فيها ، وهذا جواري فاسكنه ، فتقول الروح : إلهي عرّفتني نفسك فاستغنيت بها عن جميع خلقك ، وعزّتك وجلالك لو كان رضاك في أن أُقطّع إرباً إرباً وأُقتل سبعين قتلة بأشدّ ما يُقتل بها الناس ، لكان رضاك أحبّ إليّ .

إلهي كيف أعجب بنفسي وأنا ذليل إن لم تكرمني ، وأنا مغلوب إن لم تنصرني ، وأنا ضعيف إن لم تقوّني ، وأنا ميت إن لم تحيني بذكرك ، ولولا سترك لافتضحت أوّل مرّة عصيتك ، إلهي كيف لا أطلب رضاك وقد أكملت عقلي حتّى عرفتك ، وعرفت الحق من الباطل ، والأمر من النهي ، والعلم من الجهل ، والنور من الظلمة ؟! فقال الله عزّ وجل : وعزّتي وجلالي لا حجبت بيني وبينك في وقت من الأوقات ، كذلك أفعل بأحبّائي .

يا أحمد هل تدري أيّ عيش أهنى ، وأيّ حياة أبقى ؟ قال : اللّهمّ لا ، قال : أمّا العيش الهنيّ فهو الذي لا يفتر صاحبه عن ذكري ، ولا ينسى نعمتي ، ولا يجهل حقّي ، يطلب رضاي ليله ونهاره وأمّا الحياة الباقية فهي التي يعمل لنفسه حتّى تهون عليه الدنيا ، وتصغر في عينه ، وتعظم الآخرة عنده ، ويؤثر هواي على هواه ، ويبغي مرضاتي ، ويعظّمني حقّ عظمتي ، ويذكر عملي به ، ويراقبني بالليل والنهار عند كلّ سيّئة ومعصية .

وينقّي قلبه عن كلّ ما أكره ، ويبغض الشيطان ووساوسه ، ولا يجعل لإبليس على قلبه سلطاناً وسبيلاً ، فإذا فعل ذلك أسكنت قلبه حبّاً حتّى أجعل قلبه لي ، وفراغه واشتغاله وهمّه وحديثه من النعمة التي أنعمت بها على أهل محبّتي من خلقي ، وأفتح عين قلبه وسمعه حتّى يسمع بقلبه وينظر بقلبه إلى جلالي وعظمتي .

وأُضيّق عليه الدنيا ، وأُبغّض إليه ما فيها من اللذات ، وأُحذّره الدنيا وما فيها

____________

(١) التبحبح : التمكّن في الحلول والمقام ، وقد بَحْبَحَ وتَبَحْبَحَ إذا تمكّن وتوسّط المنزل والمقام (لسان العرب) .


كما يحذّر الراعي غنمه من مراتع الهلكة ، وإذا كان هكذا يفرّ من الناس فراراً ، وينتقل من دار الفناء إلى دار البقاء ، ومن دار الشيطان إلى دار الرحمن .

يا أحمد ولأُزيّننّه بالهيبة والعظمة ، فهذا هو العيش الهنيّ ، والحياة الباقية ، وهذا مقام الراضين ، فمَن عمل برضائي ألزمه ثلاث خصال : أعرّفه شكراً لا يخالطه الجهل ، وذكراً لا يخالطه النسيان ، ومحبّة لا يؤثر على محبّتي محبّة المخلوقين ، فإذا أحبّني أحببته وحبّبته .

وأفتح عين قلبه إلى جلالي ، فلا أُخفي عليه خاصة خلقي ، فأناجيه في ظلم الليل ونور النهار حتّى ينقطع حديثه مع المخلوقين ومجالسته معهم ، وأُسمعه كلامي وكلام ملائكتي ، وأُعرّفه السرّ الذي سترته عن خلقي ، وأُلبسه الحياء حتّى يستحي منه الخلق كلّهم ، ويمشي على الأرض مغفوراً له .

وأجعل قلبه واعياً وبصيراً ، ولا أُخفي عليه شيئاً من جنّة ولا نار ، وأُعرّفه ما يمرّ على الناس يوم القيامة من الهول والشدّة ، وما أُحاسب به الأغنياء والفقراء والجهّال والعلماء ، وأُنوّر له في قبره ، وأنزل عليه منكراً ونكيراً حين(١) لا يسألاه ، ولا يرى غمّ الموت وظلمة القبر واللحد وهول المطلع ، ثمّ أنصب إليه ميزانه ، وأنشر له ديوانه ، ثمّ أضع كتابه في يمينه فيقرأه منشوراً ، ثمّ لا أجعل بيني وبينه ترجماناً ، فهذه صفات المحبّين .

يا أحمد اجعل همّك همّاً واحداً ، واجعل لسانك لساناً واحداً ، واجعل بدنك حيّاً لا يغفل أبداً ، مَن غفل عنّي لا أُبالي بأيّ وادٍ هلك .

يا أحمد استعمل عقلك قبل أن يذهب ، فمَن استعمل عقله لا يخطئ ولا يطغى .

[ يا أحمد أنت لا تغفل أبداً ، مَن غفل عنّي لا أُبالي بأيّ وادٍ هلك ](٢) .

____________

(١) في ( ب ) : حتّى .

(٢) أثبتناه من ( ج ) .


يا أحمد ألم تدر لأيّ شيء فضّلتك على سائر الأنبياء ؟ قال : اللّهمّ لا ، قال : باليقين ، وحسن الخُلُق ، وسخاوة النفس ، ورحمة الخَلْق ، وكذلك أوتاد الأرض لم يكونوا أوتاداً إلاّ بهذا .

يا أحمد إنّ العبد إذا جاع بطنه وحفظ لسانه ، علّمته الحكمة وإن كان كافراً ، يكون حكمته حجّة عليه ووبالاً ، وإن كان مؤمناً تكون حكمته له نوراً وبرهاناً وشفاءً ورحمةً ، فيعلم ما لم يكن يعلم ويبصر ما لم يكن يبصر ، فأوّل ما أُبصره عيوب نفسه حتّى يشتغل بها عن عيوب غيره ، وأُبصره دقائق العلم حتّى لا يدخل عليه الشيطان .

يا أحمد ليس شيء من العبادة أحبّ إليّ من الصمت والصوم ، فمَن صام ولم يحفظ لسانه كان كمَن قام ولم يقرأ في صلاته ، فأعطيه أجر القيام ولم أعطه أجر العابدين .

يا أحمد هل تدري متى يكون العبد عابداً ؟ قال : لا يا رب ، قال : إذا اجتمع فيه سبع خصال : ورع يحجزه عن المحارم ، وصمت يكفّه عمّا لا يعنيه ، وخوف يزداد كلّ يوم من بكائه ، وحياء يستحي منه في الحلال(١) ، ويأكل ما لابدّ منه ، ويبغض الدنيا لبغضي لها ، ويحبّ الأخيار لحبّي إيّاهم .

يا أحمد ليس كلّ مَن قال أُحبّ الله يحبّني حتّى يأخذ قوتاً ، ويلبس دوناً ، وينام سجوداً ، ويطيل قياماً ، ويلزم صمتاً ، ويتوكّل عليّ ، ويبكي كثيراً ، ويقلّ ضحكاً ، ويخالف هواه ، ويتّخذ المسجد بيتاً ، والعلم صاحباً ، والزهد جليساً ، والعلماء أحبّاء ، والفقراء رفقاء .

ويطلب رضاي ، ويفرّ من العاصين فراراً ، ويشتغل بذكري اشتغالاً ، فيكثر التسبيح دائماً ، ويكون بالوعد صادقاً ، وبالعهد وافياً ، ويكون قلبه طاهراً ، وفي

____________

(١) في ( ب ) و ( ج ) : الخلاء .


الصلاة زاكياً ، وفي الفرائض مجتهداً ، وفيما عندي من الثواب راغباً ، ومن عذابي راهباً ، ولأحبّائي قريباً وجليساً .

يا أحمد لو صلّى العبد صلاة أهل السماء والأرض ، ويصوم صيام أهل السماء والأرض ، وطوى من الطعام مثل الملائكة ، ولَبَسَ لبس العاري ، ثمّ أرى في قلبه من حبّ الدنيا ذرّة ، أو سُمعتها أو رياستها أو حُليّها وزينتها لا يجاورني في داري ، ولأنزعنّ من قلبه محبّتي ، وعليك سلامي ورحمتي(١) .

____________

(١) عنه البحار ٧٧ : ٢١ ح٦ باب ٢ ، ومعالم الزلفى : ٧٥ .


الفهرست

لمحة من حياة المؤلِّف(١) ٢

اسمه واسم أبيه : ٢

القول في طبقته وعصره : ٤

أقوال العلماء فيه : ٥

بعض سلوكه وأحواله : ٦

مؤلّفاته : ٩

منهج التحقيق. ١٥

[ مقدّمة المؤلّف ]. ٢٤

الباب الثاني : في الزهد في الدنيا وذكر الآيات المنزلة فيه ٤٨

الباب الثالث : في ذمّ الدنيا ، منثوراً ومنظوماً ٥٨

الباب الرابع [ في ترك الدنيا ](١) ٦٢

الباب الخامس : في التخويف والترهيب من كتاب الله جلّ جلاله ٧٣

الباب الثامن : في قصر الأمل. ٨٩

الباب العاشر : في المرض ومصلحته ٩٦

الباب الحادي عشر: في ثواب عيادة المريض.. ٩٨

الباب الثاني عشر: في التوبة وشروطها ١٠١

الباب الثالث عشر : في ذكر الموت ومواعظه ١٠٧

الباب الرابع عشر : في المبادرة بالعمل. ١٠٩

الباب الخامس عشر : في حال المؤمن عند موته ١٢٩

الباب السادس عشر : من كلام المصنّف في الموعظة ١٣٥

الباب السابع عشر : في أشراط الساعة وأهوالها ١٣٧

الباب الثامن عشر : في عقاب الزّنا والربا ١٤٥

الباب التاسع عشر : [ وصايا وحكم بليغة ]. ١٤٧

الباب العشرون : في قراءة القرآن المجيد. ١٥٦

الباب الثاني والعشرون : في الذكر والمحافظة عليه ١٦٣


الباب الثالث والعشرون : في فضل صلاة الليل  ١٦٨

الباب الرابع والعشرون : في البكاء من خشية الله  ١٨٤

الباب الخامس والعشرون : في الجهاد في سبيل الله  ١٨٩

الباب السادس والعشرون : في مدح الخمول والاعتزال  ١٩٢

الباب السابع والعشرون : في الورع والترغيب فيه ١٩٦

الباب الثامن والعشرون : في الصمت.. ١٩٩

الباب التاسع والعشرون : في الخوف من الله تعالى  ٢٠٣

الباب الثلاثون : في الرجاء لله تعالى. ٢٠٨

الباب الحادي والثلاثون : في الحياء من الله تعالى  ٢١٥

الباب الثاني والثلاثون : في الحزن وفضله ٢١٧

الباب الثالث والثلاثون : في الخشوع لله سبحانه والتذلّل له ٢٢١

الباب الرابع والثلاثون : في ذمّ الغيبة والنميمة وعقابها وحسن كظم الغيظ(١) ٢٢٤

الباب الخامس والثلاثون : في القناعة ومصالحها(١) ٢٢٩

الباب السادس والثلاثون : في التوكّل على الله تعالى  ٢٣٣

الباب السابع والثلاثون : في الشكر وفضل الشاكرين  ٢٣٨

الباب الثامن والثلاثون : في مدح الموقنين. ٢٤٢

الباب التاسع والثلاثون : في الصبر وفضله ٢٤٥

الباب الأربعون : في المراقبة ٢٤٩

الباب الحادي والأربعون : في ذم الحسد. ٢٥١

الباب الثاني والأربعون : في فراسة المؤمن. ٢٥٤

الباب الثالث والأربعون : في حسن الخُلُق وثوابه ٢٥٨

الباب الرابع والأربعون : في السخاء والجود في الله تعالى  ٢٦٤

الباب الخامس والأربعون : في سؤال أبي ذرّ للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم        ٢٧٠

الباب السادس والأربعون : في الولاية لله تعالى  ٢٧٤

الباب السابع والأربعون : فيه من كلام أمير المؤمنين والأئمّة عليهم‌السلام      ٢٧٩


الباب الثامن والأربعون : في الدعاء وبركته وفضله ٢٨٦

الباب التاسع والأربعون : في فضيلة الفقر وحسن عاقبته ٢٩٧

الباب الخمسون : في الأدب مع الله تعالى. ٣٠٥

الباب الحادي والخمسون : في توحيد الله تعالى  ٣١٦

الباب الثاني والخمسون : في أخبار عن النبيّ والأئمّة عليهم‌السلام      ٣٢٦

الباب الثالث والخمسون : في أحاديث منتخبة ٣٤٩

الباب الرابع والخمسون : في العقل وأنّ به النجاة ٣٦٥

الباب الخامس والخمسون : فيما سأل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليلة المعراج  ٣٦٩

وهي خاتمة الكتاب.. ٣٦٩

الفهرست.. ٣٧٩