مع الركب الحسيني من المدينة الى المدينة- الجزء 4
التجميع الإمام الحسين عليه السلام
الکاتب الشيخ عزت الله المولائي والشيخ نجم الدين الطبسي
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404



بسم الله الرحمن الرحيم

مقدّمة مركز الدراسات الإسلاميّة

التابع لممثليّة الوليّ الفقيه في حرس الثورة الإسلامية

« عاشوراء... قراءة في أهمّ أسباب العَظمة والخلود »

الحمد لله الذي جعل الحمد مفتاحاً لذكره ودليلاً على نِعَمه وآلائه، والصلاة والسلام على أشرف الخلائق محمد وآله الطيبين الطاهرين.

لم تزَل واقعة عاشوراء - منذ سنة إحدى وستّين للهجرة - تتعاظم أهميّة وشأناً عاماً بعد عام، وتتسامى قدراً وقداسة، ويزيد ذكرها ولا يبيد، ويمتدّ عزاء الحسينعليه‌السلام انتشاراً في شرق الأرض وغربها.

وتشغل هذه الظاهرة أذهان الكثيرين، ولعلّ أهم ما يتبادر إلى ذهن المتأمّل فيها من أسباب عظمة وخلود هذه الواقعة:

أوّلاً: في وقعة عاشوراء كان قد سُفك (الدم المقّدس)، دم ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وابن سيّد الأوصياءعليه‌السلام ، وابن سيّدة النساءعليها‌السلام ، وأحد سيّدي شباب أهل الجنّةعليهما‌السلام ، وبقيّة أهل آية التطهير، وسورة هل أتى، دمٌ(سكنَ في الخُلد،


فيهنّ وما بينهنّ، ومَن يتقلّب في الجنّة والنار من خَلْق ربّنا، وما يُرى وما لا يُرى...) (١) .

إنَّ قداسة الإمام الحسينعليه‌السلام (المثل الأعلى) في ضمير ووجدان الأمّة، هي التي أسبغت على عاشوراء كلَّ هذه القداسة وهذه الرمزيّة في الزمان فكان(كلُّ يوم عاشوراء) ، وهي التي نشرت كربلاء على كلّ الأرض عنواناً لميدان انتصار دم الحقّ على سيف الباطل، فكانت(كلّ أرض كربلاء) ، فبهِعليه‌السلام صارت فاجعة عاشوراء(مصيبة ما أعظمها وأعظم رزيّتها في الإسلام وفي جميع السماوات والأرض!) (٢) ، ولولاهعليه‌السلام ؛ لكانت وقعة الطفّ - بكلّ ما غصّت به من فجائع أليمة - مأساة يذكرها الذاكر، فيأسف لها كما يأسف لكثير من وقائع التاريخ الأليمة الأخرى المقيّدة بحدود الزمان والمكان.

ثانياً: كانت كربلاء يوم عاشوراء مسرحاً لمواجهة فريدة من كلّ جهة في عالَم الإنسان، بين ذروة الفضيلة بكلّ مناقبيّتها متمثّلة بالحسينعليه‌السلام وأنصاره الكرام، وبين وهْدة الرذيلة بكلّ انحطاطها متمثّلة في جيش أعدائه، فكانت جميع وقايع عاشوراء تحكي من وجهٍ حركة الفضيلة بأرقى ما تستطيع أن تقدّمة من مُثُل عُليا في الأخلاق الحميدة السامية؛ تصديقاً لحجّتها الواضحة الدامغة، ولحقّانيتها في الصراع، ولمظلوميتها من كلّ جهة، وتجسيداً للأسوة الحسنة الخالدة، كي ما يتأسّى بها أهل الحقّ والإيمان على مدى الأجيال إلى قيام الساعة.

وكانت وقايع عاشوراء تحكي أيضاً من وجهٍ آخر: حركة الرذيلة بأحطّ ما يمكن أن يصدر عنها من مثَل سيّئ، كاشف عن باطلها في الصراع، وعن جَورها وظلمها، وعن وحشيّتها التي طغت حتّى على ما تعوّدته الوحوش الكواسر.

____________________

(١) كامل الزيارات: ٢١٨ باب ٧٩ رقم ٢، نشر مكتبة الصدوق - طهران.

(٢) فقرة من زيارة عاشوراء المشهورة - راجع: مفاتيح الجنان: ص٤٥٧، دار إحياء التراث العربي - بيروت.


من هنا كانت (عاشوراء) مثلاً أعلى للإنسان المسلم وغير المسلم، في المواجهات بين الحقّ والباطل، وكان الحسينعليه‌السلام نبراساً للإنسانيّة جمعاء، يفخر بالانتساب إليه والإقتداء به كلّ ثائر للحقّ مطالب به.

ثالثاً: وكانت كربلاء في يوم عاشوراء أيضاً مسرحاً لـ (واقعة حاسمة) بين الإسلام المحمديّ الخالص، وبين حركة النفاق بكلّ فصائلها، واقعة حاسمة من كلّ جهة وبلا حدود.

واقعة لم تنتهِ بنصر حاسم محدود كما انتهت (الجَمل)، ولم تنتهِ كما انتهت (صِفّين) بلا حسْم! بل انتهت بكلّ نتائجها لصالح الإسلام المحمديّ الخالص ولو بعد حين، وأعادت جميع مساعي حركة النفاق التي امتدّت خمسين سنة إلى نقطة الصفر؛ وذلك حيث استطاعت عاشوراء - التي أُريق فيها الدّم المقدّس - أن تفصل تماماً بين (الإسلام الأموي) وبين الإسلام المحمديّ الخالص، وأفقدت الحكم الأمويّ وريث حركة النفاق - بارتكابه حماقة سفك الدم المقدّس - قدرته على التلبّس بلباس الحقّ، وتضليل الأمّة على الصعيد الديني والنفسي والإعلامي، وهذا من أوضح آفاق الفتح الحسينيّ في عاشوراء، فلو لم تكن واقعة كربلاء لكان الأمويّون قد واصلوا حكم الناس باسم الدين، حتّى يترسّخ تماماً في أذهان الناس بمرور الأيّام والسنين، أنّه ليس هناك إسلام غير الإسلام الذي يتحدّث به الأمويّون ويؤخذ عنهم! وعلى الإسلام السلام!

لهذا كشفت عاشوراء عن وحدة وجودية لا انفكاك لها بين الإسلام المحمديّ الخالص وبين الحسينعليه‌السلام ، فصارت الدعوة إلى الإسلام بعد عاشوراء هي عين الدعوة إلى الحسينعليه‌السلام ، وبالعكس، وصارت مواجهة الحسينعليه‌السلام ومعاداته بعد عاشوراء هي عين مواجهة هذا الإسلام ومعاداته، وبالعكس، وصار بقاء الإسلام بعد كربلاء ببقاء عاشوراء الحسينعليه‌السلام ، فالإسلام محمّديّ الوجود


حسينيّ البقاء!

رابعاً: إذا نظرنا إلى قيام الإمام الحسينعليه‌السلام في إطار الدَور العام(١) المشترك لأئمّة أهل البيتعليهم‌السلام ؛ لرأيناه متمّماً لكلّ مواقف الإمام أمير المؤمنين عليّ والإمام الحسنعليهما‌السلام ، وجهودهما في الحفاظ على الإسلام نقيّاً خالصاً من كلّ شائبة وعالقة ليست منه، أرادت حركة النفاق أن تلصقها به، ومن كلّ نقص عَمدت هذه الحركة إلى إحداثه فيه.

أمّا بعد قيام الإمام الحسينعليه‌السلام ، فإنَّ جميع الأئمّة من بعدهعليهم‌السلام - في إطار هذا الدور العام المشترك - متمّمون لأهداف هذا القيام المقدّس، ومن هنا يمكننا النظر إلى قيامهعليه‌السلام وكأنّه مؤلَّف من مقاطع زمانية ثلاثة:

١ - مقطع عاشوراء: ويقوده الإمام الحسينعليه‌السلام نفسه، ويبدأ برفضه البيعة ليزيد، ثمّ بخروجه من المدينة إلى مكّة، ثمّ من مكّة إلى كربلاء، وينتهي باستشهادهعليه‌السلام .

٢ - مقطع ما بعد عاشوراء إلى عاشوراء الظهور: ويبدأ مباشرة بعد استشهادهعليه‌السلام ، ويمتدّ هذا المقطع طويلاً حتى ظهور الإمام المهديّعليه‌السلام في يوم عاشوراء، ويقود هذا المقطع تباعاً الأئمّة التسعة من ذريّة الحسينعليه‌السلام ، ويلاحِظ المتأمّل في هذا المقطع أنّ أهمّ معالم دورهم العام المشترك - إضافة إلى حفظ الإسلام ونشر وتبيان عقائده ومعارفه وأحكامه - أنّهمعليهم‌السلام كانوا يركزّون تركيزاً مكثّفاً على توجيه الأمّة إلى الارتباط بالحسينعليه‌السلام ، ويحضّون الناس على البكاء عليه، ويَدعون الشعراء إلى إنشاد الشعر فيه وإبكاء الناس، وتهييج أحزان

____________________

(١) لأئمّة أهل البيتعليهم‌السلام دَور عام يشتركون جميعاً في السعي إلى تحقيقه، بالرغم من تفاوت الظروف السياسية والاجتماعية التي يمرّون بها، كمثل مسؤوليتهم جميعاً في الحفاظ على الرسالة الإسلاميّة من كلّ تحريف، كما أنَّ لكلّ منهم دَوراً خاصاً به، تحدّده طبيعة الظروف السياسية والاجتماعية التي يعيشها كلٌّ من الإسلام والإمام والأمّة.


يوم الطفوف(١) ، ويؤكّدون تأكيدات متلاحقة ومبرمة على زيارة الحسينعليه‌السلام ، حتى مع التيقّن من خطر انتقام السلطات الظالمة(٢) !

ولنتبرّك بذكر بعض الشواهد الشريفة:

* قول الإمام السجّادعليه‌السلام :(أيّما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين بن عليّ دمعة حتى تسيل على خدّه، بوّأه الله بها في الجنّة غُرفاً يسكنها أحقاباً...) (٣) .

* وقول الإمام الصادقعليه‌السلام :(كلّ الجزع والبكاء مكروه، سوى الجزع والبكاء على الحسين عليه‌السلام ) (٤) .

وقولهعليه‌السلام :(ما من أحدٍ قال في الحسين شِعراً فبكى وأبكى به، إلاّ أوجب الله له الجنّة وغفر له) (٥) .

وقول الإمام الرضاعليه‌السلام :(إنّ يوم الحسين أقرح جفوننا، وأسبلَ دموعنا، وأذلّ عزيزنا بأرض كرب وبلاء، أورثتنا الكرب والبلاء إلى يوم الانقضاء، فعلى مثل الحسين فليبكِ الباكون، فإنّ البكاء عليه يحطّ الذنوب العظام) (٦) .

* وقولهعليه‌السلام :(مَن ترك السعي في حوائجه يوم عاشوراء قضى الله له حوائج الدنيا والآخرة، ومَن كان يوم عاشوراء يوم مصيبته وحزنه وبكائه، جعلَ الله عزّ وجلّ يوم القيامة يوم فرحه وسروره، وقرّت بنا في الجنان عينه...) (٧) .

* وقولهعليه‌السلام :(يا بن شبيب، إن سَرَّك أن تلقى الله عزّ وجلّ ولا ذنب عليك فزُر الحسين عليه‌السلام ، يا بن شبيب، إن سَرّك أن تسكن الغرف المبنيّة في الجنّة مع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فالعَن قَتَلة الحسين، يا بن شبيب، إن سَرّك أن يكون لك من الثواب مثل ما لِمن استشهدَ مع الحسين فقل متى ما ذكرتهُ: يا ليتني كنتُ معهم فأفوز فوزاً

____________________

(١) ورد في الزيارة الجوادية للإمام الرضاعليه‌السلام :(السلام على الإمام الرؤوف الذي هيّج أحزان يوم الطفوف) ، راجع: البحار: ١٠٢: ٥٥.

(٢) راجع: البحار: ١٠١، باب أنّ زيارته واجبة مفترَضة مأمور بها... وأنّها لا تُترك للخوف.

(٣) - (٧) راجع: البحار: ٤٤، ثواب البكاء على مصيبته.


عظيماً).

* وقولهعليه‌السلام :(نَفَسُ المهموم لظُلمنا تسبيح، وهمّه لنا عبادة، وكتمان سرّنا جهاد في سبيل الله) (١) .

* وقول الإمام الباقرعليه‌السلام في زيارة عاشوراء:(.. فأسأل الله الذي أكرم مقامك وأكرمني بكَ أن يرزقني طلب ثأرك مع إمام منصور من أهل بيت محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ... وأن يرزقني طلب ثأركم مع إمام هدىً ظاهر ناطق بالحقّ منكم...) (٢) .

وكأنّهمعليهم‌السلام - من خلال هذه المتون وكثير غيرها - يريدون أن يُفهِموا الأمّة أنّ الأصل عندهم هو: القيام لله بوجه الظلم والانحراف، إذا تهيّأت لهم العدّة المطلوبة(٣) من نوع (الإنسان الحسينيّ)، وأنّ صناعة وصياغة الإنسان الحسينيّ - وهو المؤمن - المسلِّم لأمر أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام ، الشجاع، الحرّ، الأبيّ، البصير، الصلب، القاطع، المتأسّي بمناقبية الحسينعليه‌السلام وأنصاره الكرام، لا تكون ولا تتمّ إلاّ في (مصنع عاشوراء).

٣ - مقطع عاشوراء الظهور: ويقود هذا المقطع الطالب بدم المقتول بكربلاء، ثائر الحسين، الإمام المهدي (عجّل الله فرَجه) حين تجتمع إليه العدّة المقرّرة من خاصة أنصاره، ويبدأ بخروجه يوم عاشوراء، والكون يومذاك متوشِّح بأثواب الحزن على جدّه سيّد الشهداءعليه‌السلام ، وأهل الولاء في ذروة الكآبة والأسى والجزع والبكاء، قد انتشروا في مآتم الحسينعليه‌السلام ، أو انتظموا في مواكب العزاء، فتغمر فُجاءة النبأ السارّ المدهش - بظهور القائمعليه‌السلام - قلوب محبّيه ومواليه وشيعته بفرحة نشوى، بعد أن آدَها الغمّ

____________________

(١) راجع البحار: ٤٤، باب ثواب البكاء على مصيبته.

(٢) من فقرات زيارة عاشوراء المشهورة، راجع: مفاتيح الجنان: ص٤٥٦ - ٤٥٧.

(٣) راجع: الجزء الأوّل: الإمام الحسينعليه‌السلام في المدينة المنوّرة: ص٢١٣ - ٢١٦، عنوان: القيام عند أهل البيتعليهم‌السلام .


والهمّ والحزن، وأرهَقها طول الغَيبة وانتظار الفرج، فتزحف كتائبه من جنود الأرض والسماء بشعار(يا لثارات الحسين) ، ويسير في الأرض يفتح البلاد بعد البلاد بعنوان الحسينعليه‌السلام ، ويقتل ذراري قَتلة الحسينعليه‌السلام - لرضاهم بفعال آبائهم - ويقتل الطغاة بعد الطغاة، والجبابرة بعد الجبابرة، حتى يُحقق الفتح العالميّ، ويملأ الأرض قِسطاً وعدلاً بعدما مُلئت ظلماً وجَوراً.

فما أعظم بركة عنوان الحسينعليه‌السلام في كلّ شيء!

وما أعظم عاشوراء الحسينعليه‌السلام بدءً ومنتهى!

* * * *

وبعدُ، فهذا الكتاب(الإمام الحسين عليه‌السلام في كربلاء) ، هو الجزء الرابع من دراستنا التاريخية التفصيليّة الموسّعة(مع الركب الحسينيّ من المدينة إلى المدينة) ، وهذا الجزء يمثّل المقطع الرابع من مقاطع هذه الدراسة، ويختصّ بتاريخ فترة وجود الإمامعليه‌السلام في كربلاء حتّى استشهاده.

وقد تشاطر حَمل عِبء هذا الجزء اثنان من مجموعة محقّقي هذه الدراسة، هما:

١ - الشيخ المحقّق عزّت الله المولائي: واختصّ ببحث تاريخ فترة وجود الإمام الحسينعليه‌السلام في كربلاء إلى ما قبل صبيحة يوم عاشوراء، وله الفصلان الأوّل والثاني من هذا الجزء الرابع.

٢ - الشيخ المحقّق محمّد جعفر الطبسي: واختصّ ببحث تاريخ وقائع يوم عاشوراء من شهر المحرّم سنة إحدى وستين للهجرة، حتى استشهاد الإمام الحسينعليه‌السلام وانتهاء المعركة، وله الفصلان الثالث والرابع من هذا الجزء الرابع. كما أنّ شيخنا المحقّق الطبسي هذا سيواصل معنا تاريخ فترة ما جرى على الركب الحسينيّ بعد استشهاد الإمامعليه‌السلام حتى وصول الركْب إلى الشام، في هذا الجزء.


وكما قلنا في مقدّمتنا في الجزء الثالث نقول هنا أيضاً: إنّنا لا ندّعي شططاً إذا قلنا: إنّ هذا الجزء - كما الأوّل والثاني والثالث - قد حوى أيضاً من التحقيقات والنظرات والإشارات الجديدة، ما يؤهله لسدّ ثغرات عديدة في تاريخ النهضة الحسينية المقدّسة، كانت قبل ذلك مبهمة وغامضة، لم تتوفر الإجابة الوافية عنها؛ ولفتح نوافذ تحقيقية كثيرة في قضايا النهضة الحسينية، لم تزَل الحاجة ماسّة إلى إنعام النظر وتفصيل القول فيها.

وهنا لابدّ من أن نتقدّم بالشكر الجزيل إلى مؤلِّفي هذا الكتاب: سماحة الشيخ المحقّقعزّت الله المولائي ، وسماحة الشيخ المحقّقمحمّد جعفر الطبسي ؛ لِما بذَلاه من جهد كبير في إعداد مادّة هذا المقطع، وإنجاز هذا البحث القيّم.

كما نتقدّم بالشكر الجزيل إلى فضيلة الأستاذ المحقّق(علي الشاوي) ، الذي تولّى العناية بهذا البحث مراجعةً ونقداً وتنظيماً وتكميلاً، كعنايته من قبل بالجزء الثاني والثالث، داعين له بمزيد من الموفقيّة في ميدان التحقيق ومؤازرة المحقّقين، وفي مواصلة عنايته البالغة في خدمة الأجزاء الباقية من هذه الدراسة القيّمة إن شاء الله تعالى.

مركز الدراسات الإسلامية           

التابع لممثليّة الولي الفقيه في حرس الثورة الإسلامية


الفصل الأوّل

كربلاء



الفصل الأوّل

كربلاء

اسم (كربلاء).. الأصل والاشتقاق

اختلف اللّغويون والمؤرّخون والجغرافيون في أصل كلمة كربلاء، وفي اشتقاقها وفي معناها، فذهب بعضهم إلى: أنّ أصل هذه الكلمة عربيٌّ محض، وذهب آخرون إلى أنَّ أصلها غير عربيّ، وقال آخرون: إنّها متداخلة الأصل من العربية وغيرها...

١) - نظرية الأصل العربي لاسم كربلاء

قال ياقوت الحموي: (كربلاءُ، بالمدِّ: وهو الموضع الذي قُتل فيه الحسين بن عليّرضي‌الله‌عنه ، في طرف البريّة عند الكوفة، فأمّا اشتقاقه: فالكربلة رخاوة في القدَمين، يقال: جاء يمشي مُكَرْبِلاً، فيجوز على هذا أن تكون أرض هذا الموضع رخوة فسميّت بذلك.

ويُقال: كَرْبَلْتُ الحنطة، إذا هذّبتها ونقيّتها، ويُنشَدُ في صفة الحنطة:

يحملنَ حمراء رسوباً للثقل

قد غُربلتْ وكُربلت من القصل

فيجوز على هذا أن تكون هذه الأرض منقّاة من الحصى والدغَل، فسميّت بذلك.

والكربل: اسم نبت الحُمّاض، وقال أبو وجرة السعدي يصف عهون الهودج:

وثامرُ كربلٍ وعميم دُفلى

عليها والندى سبط يمورُ


فيجوز أن يكون هذا الصنف من النبْت يكثر نبْته هناك فَسُمِّي به)(١) .

٢) - نظرية الأصل غير العربي (الأصل الديني)

وقال الدكتورمصطفى جواد في موضوع كتبه تحت عنوان (كربلاء قديماً) في موسوعة العتبات المقدّسة:

(.. وذكر السيّد العلاّمةهبة الدين الشهرستاني : أنّ (كربلاء) منحوتة من كلمتَي: (كور بابل)، بمعنى مجموعة قُرى بابلية(٢) .

وقال الأب اللغويأنستاس الكرملي: (والذي نتذكره فيما قرأناه في بعض كتب الباحثين أنّ كربلاء منحوتة من كلمتين: من (كربل)، و(إل) أي: حرم الله، أو مقدس الله(٣) .

قلنا: إنّ رَجْع الأعلام الأعجمية إلى أصول عربية كان دَيدناً لعلماء اللغة العربية منذ القديم، فقلّما اعترفوا بأنّ عَلماً من الأعلام أصله أعجمي، دون أسماء الجنس، فإنّهم اعترفوا بعُجمتها وسمّوها (المعرّبات)؛ لأنّ الذين يعرفون اللغة الفارسية كثير، ولأنّهم يدرون أصول المعرّبات على التحقيق والتأكيد.

وكان الذي يُسهّل عليهم اجتيال الأعلام وغيرها إلى اللغة العربية، كونها مشابهة وموازنة لكلمات عربية، كما مرَّ في (كربلا) والكربلة، والكربل، فهم قالوا بعروبة تلك الأعلام الأعجمية، ثمّ حاروا في تخريجها اللغوي، فبعثهم ذلك على التكلّف! كما فعلوا في كربلاء وغيرها من الأعلام الأعجمية.

____________________

(١) معجم البلدان: ٤: ٤٤٥، وانظر: مراصد الإطلاع: ٣: ١١٥٤.

(٢) نقلاً عن كتاب نهضة الحسينعليه‌السلام : ٦، مطبعة دار السلام بغداد / ١٣٤٥هـ. ق.

(٣) نقلاً عن كتاب لغة العرب: ٥: ١٧٨ / ١٩٢٧م.


وأنا أرى محاولة ياقوت الحموي ردّ (كربلاء) إلى الأصول العربية، غير مجدية ولا يصحّ الاعتماد عليها؛ لأنّها من بابة الظنّ والتخمين، والرغبة الجامحة العارمة في إرادة جعْل العربية مصدراً لسائر أسماء الأمكنة والبقاع، مع أنّ موقع كربلاء خارج عن جزيرة العرب، وأنّ في العراق كثيراً من البلدان ليست أسماؤها عربية: كبغداد، وصرورا، وجوخا، وبابل، وكوش، وبعقوبا، وأنّ التاريخ لم ينصّ على عروبة اسم (كربلاء)، فقد كانت معروفة قبل الفتح العربي للعراق، وقبل سكنى العرب هناك، وقد ذكرها بعض العرب الذين رافقوا خالد بن الوليد القائد العربي المشهور، في غزوته لغربيّ العراق سنة ١٢ هجرية / ٦٣٤م، قالياقوت الحموي : (ونزل خالد عند فتحه الحِيرة، كربلاء، فشكا إليه عبد الله بن وشيمة النصري(١) الذبّان، فقال رجل من أشجع في ذلك:

لـقد حُـبسَتْ فـي كربلاء مطيّتي

وفي العين(٢) حتى عاد غثّاً سمينها

إذا رحـلتْ مـن منزل رجعتْ له

لـعـمري وأيْـها إنّـني لأُهـينها

ويـمنعها مـن مـاء كـلّ شريعة

رفـاقٌ مـن الـذُّبانِ زُرقٌ عيونها

ومن أقدم الشِعر الذي ذُكرت فيه كربلاء: قول معن بن أَوْس المزني من مخضرمي الجاهلية والإسلام، وعمَّرَ حتى أدرك عصر عبد الله بن الزبير وصار مصاحباً له، وقد كُفَّ بصرُه في آخِر عمره، وذكر ياقوت الحموي هذا الشعر في

____________________

(١) في معجم البلدان: ٤: ٤٤٥ (البصري) وليس (النصري)، وقال الدكتور مصطفى جواد في الحاشية: (أو النضري، وفي الأصل من طبعة مصر (البصري) وهو محال؛ لأنّ البصرة لم تكن يومئذٍ قد مُصِّرَتْ، ولأنّ العرب القدامى في القرن الأوّل والقرن الثاني، لم يكونوا ينتسبون إلى المدن والأقطار، بل إلى الآباء والقبائل والأفخاذ والعمارات والبطون، أمّا غير العرب فجائز فيهم، كما سرجويه البصري الطبيب (مختصر الدول لابن العبري ص١٩٢).

(٢) يعني عين التمر، المعروف حِصنها اليوم بالأخيضر.


(النوائح) من معجمه للبلدان.. وذكره قبله أبو الفرج الأصبهاني في ترجمة معن من الأغاني (١٢: ٦٣ / دار الكتاب)، وقال وهي قصيدة طويلة:

إذا هي حلّت كربلاءَ فلعلعاً

فجوز العذيب دونها فالنوائحا

وقال الطبري في حوادث سنة ١٢هـ: (وخرج خالد بن الوليد(١) في عمل عياض بن غنم؛ ليقضي ما بينه وبينه ولإغاثته، فسلكَ الفلّوجة حتى نزل بكربلاء، وعلى مسلحتها عاصم بن عمرو... وأقام خالد على كربلاء أيّاماً، وشكا إليه عبد الله بن وثيمة الذباب، فقال له خالد: اصبر فإنّي إنّما أريد أن أستفرغ المسالح التي أمر بها عياض فنُسكنها العرب، فتأمن جنود المسلمين أن يُؤتَوا من خلفهم، وتجيئنا العرب آمنة غير متعتعة، وبذلك أمرَنا الخليفة، ورأيه يعدل نجدة الأمّة، وقال رجل من أشجع فيما شكا ابن وثيمة:

لقد حُبستْ في كربلاء مطيّتي..)(٢) الأبيات.

وقال ياقوت الحموي في كلامه على الكوفة: (.. ثمّ توجّه سعد نحو المدائن إلى يزدجرد، وقدَّم خالد بن عرفطة(٣) حليف بني زهرة بن كلاب، فلم يقدر عليه

____________________

(١) في المصدر: خالد فقط، وليس خالد بن الوليد.

(٢) راجع: تاريخ الطبري: ٢/٥٧٤.

(٣) كان خالد بن عرفطة هذا من قيادات جيش عُمَر بن سعد لقتال الحسينعليه‌السلام ، ففي كتاب بصائر الدرجات بسندٍ عن سويد بن غفلة قال: (أنا عند أمير المؤمنينعليه‌السلام إذ أتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، جئتك من وادي القرى، وقد مات خالد بن عرفطة، فقال له أمير المؤمنين:(إنّه لم يمُت، فأعادها عليه: فقال له عليٌّعليه‌السلام :لم يمُتْ والذي نفسي بيده لا يموت، فأعادها عليه الثالثة فقال: سبحان الله أُخبرك أنّه مات وتقول لم يمُت؟! فقال له عليٌّعليه‌السلام :لم يمُت والذي نفسي بيده، لا يموت حتّى يقود جيش ضلالة يحمل رايته حبيب بن جمّاز، قال: فسمع بذلك حبيب، فأتى أمير المؤمنين فقال له: أُناشدكَ فيَّ وإنّي لك شيعة، وقد ذكرتني بأمر لا والله ما أعرفه من نفسي! =


سعد حتّى فتح خالد ساباط المدائن، ثمّ توجّه إلى المدائن فلم يجد معابر فدلّوه على مخاضة عند قرية الصيّادين أسفل المدائن، فأخاضوها الخيل حتى عبروا، وهرب يزدجرد إلى اصطخر، فأخذ خالد كربلاء عنوة وسبى أهلها، فقسّمها سعد بين أصحابه...)(١) .

ولقائلٍ أن يقول: إنّ العرب أوطنوا تلك البقاع قبل الفتح العربي، فدولة المناذرة بالحيرة ونواحيها كانت معاصرة للدولة الساسانية الفارسية، وفي حمايتها وخدمتها.

والجواب: إنّ المؤرّخين لم يذكروا لهم إنشاء قرية سمّيت بهذا الاسم - أعني كربلاء - غير أنَّ وزن كربلاء أُلحق بالأوزان العربية، ونُقل (فَعْللا) إلى (فَعْلَلاء) في الشِعر حَسْبُ...(٢)

أمّا قول الأب اللغوي أنستاس ما معناه: أنّ كربلاء منحوتة من (كرب) و(إل)، فهو داخل في الإمكان؛ لأنّ هذه البقاع قد سكنها الساميّون، وإذا فسّرنا (كرب) بالعربية أيضاً دلّ على معنى (القُرب)، فقد قالت العرب: (كرب يكرب كروباً: أي دنا)، وقالت: (كرب فلان يفعل، وكرب أن يفعل: أي كاد يفعل، وكاد تفيد القُرب، قال ابن مقبل يصف ناقته:

فبعثتها تَقِصُ المقاصر بعدما

كربتْ حياةُ النار للمتنوّر (٣)

____________________

= فقال له عليٌعليه‌السلام :إنْ كنتَ حبيب بن جمّاز لتحملنّها!) ، فولّى حبيب بن جمّاز وقال: إنْ كنت حبيب بن جمّاز لتحملنّها!!

قال أبو حمزة: فو الله ما مات حتّى بَعث عُمَر بن سعد إلى الحسين بن عليّعليه‌السلام ، وجعل خالد بن عرفطة على مقدّمته، وحبيب صاحب رايته). (راجع: بحار الأنوار: ٤٤: ٢٥٩ - ٢٦٠ باب ٣١، حديث رقم ١١).

(١) راجع: معجم البلدان: ٤: ٤١٩.

(٢) أي: في الشِعر فقط.

(٣) أي: قرُب انطفاؤها، راجع: مادة (قصر) من الصحاح.


وقال أبو زيد الأسلمي:

سقاها ذوو الأرحام سجْلاً على الظما

وقد كربتْ أعناقها أن تقطّعا (١)

وإذا فسّرنا (إل) كان معناه (الإله) عند الساميّين أيضاً، ودخول تفسير التسمية في الإمكان لا يعني أنّها التسمية الحقيقية لا غيرها؛ لأنّ اللّغة والتأريخ متعاونان دائماً فهي تؤيّده عند احتياجه إليها، وهو يؤيّدها عند احتياجها إليه، فهل ورد في التاريخ أنّ موضع كربلاء كان (حرم إله) قوم من الأقوام الذين سكنوا العراق؟(٢) ، أو مَقْدَسَ إلهٍ لهم؟ لا يُجيبنا التاريخ عن ذلك، ومن الأسماء المضافة إلى (إل) بابل وأربل وبابلي.

ومن العجيب أنّ لفظ (كرب) تطوّر معناه في اللغة العبريّة، قال بعض الأدباء الأمريكيين: (ممّا يصوّر لنا فكرة عن سوء أُسلوب الحياة أن نجد الكلمة العبرية (كَرَبَ Karab) - ومعناها يقترب - تعني في الوقت نفسه (يُقاتل ويحارب)، ومن هنا كانت كلمة (كِراب Kerab) بمعنى معركة(٣) .

لذلك يمكن القول بتطوّر الاسم (كربلاء) من الحقيقة إلى المجاز، وبذلك لا يجب الالتزام بأصل معناه بل يجوز، وممّا قدّمنا يُفهم أنّ (كربلا) مقصور في

____________________

(١) راجع: الكامل للمبرد: ١: ١٢٨ / طبعة الدلجموني الأزهري.

(٢) لعلّ اسم (كربلاء) بمعنى (حرم الإله)، كان قد أُطلق على هذا الوضع في إحدى اللغات القديمة (غير العربية) بواسطة أحد الأنبياء الماضينعليهم‌السلام ، من باب الإخبار بما سوف يقع على أرض هذا الموضع في مستقبل الأيام من قتل ابن بنت خاتم الأنبياءصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنّ هذا الموضع سوف يكون من البقاع المقدّسة، لا أنّ سبب هذه التسمية بالضرورة هو أنّ قوماً من الأقوام كانوا قد اتخذوا هذا الموضع معبداً لهم، فتأمّل.

(٣) راجع: المؤرّخون والشِعر: ٤٦ / ترجمة توفيق إسكندر إلى العربية.


الأصل، وأنّ الهمزة أُدخلت عليها لضرورة الشعر...

وعلى حسبان (كربلا) من الأسماء الساميّة الآرامية أو البابلية، تكون القرية من القُرى القديمة الزمان كبابل وأربيل، وكيف لا وهي من ناحية نينوى الجنوبية..(١) ، ونينوى من الأسماء الآشورية...)(٢) .

وقال الشيخمحمّد باقر المدرّس في كتابه مدينة الحسينعليه‌السلام : (إنّ كربلاء تلخّصت من كلمتين في لغة الآراميين، وهما (كرب) بمعنى معبد أو الحرم، و(إيلا) بمعنى آلهة، فالمعنى: حرم الآلهة)(٣) .

ثمّ يقولالشيخ المدرّس : (لو أنّنا رجعنا إلى تاريخ هذه المدينة إلى عهد البابليين لوجدنا لها اسماً وأثراً؛ لأنّه بناءً على ما قاله المستشرق الفرنسي ماسينسيون - في كتابه (خطط الكوفة / ترجمة تقي المصعبي) - إنّ كربلاء كانت معبد الكلدانيين الذين كانوا يقطنون في مدينة نينوى والعقر البابلي، وكلاهما كان بقرب كور كربلاء)(٤) .

____________________

(١) ميزاً لها عن نينوى الشمالية، إحدى عواصم الدولة الآشورية السامية، ولا تزال أطلالها معروفة.

(٢) راجع: موسوعة العتبات المقدّسة: ٨ / قسم كربلاء / مقالة للدكتور مصطفى جواد بعنوان (كربلاء قديماً) ص٩ - ١٥.

(٣) و(٤) راجع: كتاب (شهر حسينعليه‌السلام ): ص١٠ / كما ذكر المؤلّف أيضاً: أنّ اسم كربلاء يرجع إلى عصر الملك شابور ذي الأكتاف من ملوك الفرس من الساسانيين الذي بويع سنة ٣١م في إيران، وأنّهم قسّموا العراق بعد فتحها إلى عشرة ألوية، وكلّ لواء إلى طسوج، وكلّ طسج إلى رساتيق، وكانت الأرض الواقعة بين عين التمر والفُرات تُعدُّ اللواء العاشر، وكانت كربلاء أحد طسوج هذا اللواء.


نبذة مختصرة من تاريخ كربلاء وجغرافيتها إلى سنة ستين للهجرة

(كربلاء) بلدة عُرفت بهذا الاسم قبل الإسلام بزمن بعيد، بل لعلّ الظاهر من بعض الروايات أنّ اسم كربلاء موغل في القِدم إلى زمن آدم أبي البشرعليه‌السلام (١) ، بل هي معروفة في السماء بـ(أرض كرب وبلاء) ، كما في رواية عن أمير المؤمنينعليه‌السلام (٢) .

(وعلى حسبان كربلا من الأسماء الساميّة الآراميّة أو البابليّة، تكون القرية من القُرى القديمة الزمان كبابل وأربيل، وكيف لا؟ وهي من ناحية نينوى الجنوبية.. ونينوى من الأسماء الآشورية..)(٣) .

ويوحي احتمال كون اسمها منحوتاً من كلمتَي: (كور بابل) أي مجموعة قُرى بابلية، أنّها كانت آنذاك أُمَّ القُرى لقرى عديدة، منها: نينوى، والعقر البابلي، والنواويس، والحَيْر، والعين: عين التمر، وغيرها من القرى العديدة التي كانت تقع بين البادية وشاطئ الفرات.

ولعلّ (كربلاء) كانت قد أُسّست منذ عهد البابليين والآشوريين، وورثها عنهم التنوخيون واللخميّون، أُمراء المناذرة وسكّان الحيرة تحت حماية الأكاسرة في إيران، الذين كانت سيطرتهم يومذاك قد امتدّت على مساحة واسعة جدّاً من آسيا.

كانت كربلاء عامرة ومتقدّمة من الناحية الزراعية آنذاك؛ لخصوبة أرضها وقُربها من الفرات، وملائمة مناخها لكثير من الزراعات، وكانت تُموّن المنطقة

____________________

(١) راجع: البحار: ٤٤: ٢٤٢ - ٢٤٣، باب ٣٠، حديث ٣٧.

(٢) فعنهعليه‌السلام قوله:(وإنّها لفي السماوات معروفة تُذكر أرض كرب وبلاء، كما تُذكر بقعة الحَرَمين، وبقعة بيت المقدس) (راجع: أمالي الصدوق: ٤٧٨ - ٤٨٠، المجلس ٨٧، رقم ٥).

(٣) موسوعة العتبات المقدّسة: ٨ / قسم كربلاء، ص٩ - ١٥.


والقوافل السيّارة المارّة بها بالمنتوجات من حبوب وتمور وأثمار، وقد ازدهرت حتّى في العصر الكلداني، وكان يسكنها قومٌ من النصارى والدهاقين، وكانت تُسمّى آنذاك بـ (كور بابل)، وقد أُقيم على أرضها معبد تقام فيه الصلاة، وحولها معابد أخرى، وقد عُثر في قرى مجاورة لها على جثث أموات في أوانٍ خَزفية يعود تاريخها إلى ما قبل ميلاد المسيحعليه‌السلام .

وقد اشتهرت في عهد اللخميين الذين كانت الحِيرة عاصمتهم، وقد كانت (عين التمر) يومئذٍ من البلاد التي تُستورد منها أنواع التمور، وتُنيخ فيها القوافل السيارة مُناخ ركابها للاستراحة فيها، وقد اكتسبت كربلاء أهميتها التجارية يومذاك من موقعها المشرف آنذاك على الطُرق المؤدّية إلى الحِيرة والأنبار والشام والحجاز، كلّ ذلك كان قبل الفتح الإسلامي لتلك المنطقة ولأرض السواد من العراق.

ويرى الشيخ محمّد باقر المدرّس في كتابه(مدينة الحسين عليه‌السلام ) : أنّ الفرس في عصر المَلِك سابور ذي الأكتاف الذي بويع سنة ٣١٠م في إيران - وهو من الملوك الفرس الساسانيين - كانوا قد قسّموا أرض العراق بعد فتحها إلى عشرة ألوية، وكلّ لواء إلى طسوج، وكلّ طسج إلى رساتيق، وكانت الأرض الواقعة بين عين التمر والفرات تُعَدُّ اللواء العاشر، وكانت كربلاء أحد طسوج هذا اللواء(١) .

ولقد فُتحت كربلاء في جملة أراضي العراق التي فُتحت عُنوة على يد المسلمين في زمن أبي بكر (سنة ١٢ هـ. ق)، وكان الذي أخذها عُنوَة خالد بن عرفطة - وكان قد بعثه سعد بن أبي وقّاص مقدّمة له - ولقد اتخذها مقرّاً ومعسكراً لجُنده فترة من الزمن، وبعد أن استنفد منها غاياته الحربية تركها وانتقل إلى الكوفة،

____________________

(١) راجع: شهر حسينعليه‌السلام : ١٠.


لوَخامة المناخ والرطوبة في كربلاء.

ثمّ لم تزل كربلاء - بعد ازدهار الكوفة وتعاظم أهميتها - قرية من قراها الكثيرة المبثوثة حولها، لا يأتي على ذكرها ذاكرٌ إلاّ في مناسبة من نوادر المناسبات، كما في مرور أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام عليها في جيشه الزاحف نحو الشام، أو جرت على لسان متحدّث يروي خبراً من أخبار الملاحم عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أو أمير المؤمنينعليه‌السلام بصدد مقتل سيد الشهداء أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام وأرض مصرعه.

(وتقع كربلاء غرب نهر الفرات على حافة البادية، وسط المنطقة الرسوبية المعروفة بأرض السواد، وعلى شمالها الغربي مدينة الأنبار، وعلى شرقها مدينة بابل الأثرية، وفي الغرب منها الصحراء الغربية، وفي الجنوب الغربي منها مدينة الحيرة عاصمة المناذرة... وتقع كربلاء على حدود البادية، يقصدها البدو من بلاد الحجاز والشام للميرة والتموين، وإلى عهد قريب كان هذا شأنها، وهي على مسافة قريبة من العَين، وهي واحة وارفة الأشجار وفيرة المياه، وقد كانت مدينة العين من المدن المهمة في منطقة البادية...)(١) .

(وكان للحائر وهْدة فسيحة محدودة بسلسلة تلال ممدودة، وربوات متصلة في الجهات الشمالية والغربية والجنوبية منه، تُشكّل للناظرين نصف دائرة مدخلها الجهة الشرقية، حيث يتوجه منها الزائر إلى مثوى سيدنا العبّاس بن عليعليهما‌السلام )(٢) .

ويقول السيّد هبة الدين الشهرستاني: إنّ المُنقّبين وجدوا في أعماق البيوت

____________________

(١) راجع: تاريخ مرقد الحسين والعبّاسعليهما‌السلام : ١٨.

(٢) راجع: تاريخ مرقد الحسين والعبّاسعليهما‌السلام : ٢٨ عن نهضة الحسينعليه‌السلام : ٨٠.


المحدِقة بقبر الحسينعليه‌السلام آثاراً تدلّ على ارتفاعها القديم في أراضي جهات الشمال والغرب، ولا يجدون في الجهة الشرقيّة سوى تربة رخوة واطئة، الأمر الذي يُرشدنا إلى وضعيّة هذه البقعة، وأنّها كانت في عصرها الأوّل واطئة من جهة الشرق، ورابية من جهتي الشمال والغرب على شكل هلالي، وفي هذه الدائرة الهلالية حوصر ابن الزهراء البتول الطاهرة(١) .

* الأسماء الأُخرى لكربلاء

هنالك أسماء أخرى تُطلق على أرض مصرع الإمام الحسينعليه‌السلام ، هي إمّا أسماء عامّة للمنطقة التي منها كربلاء، أو هي أسماء لقُرىً مجاورة لكربلاء، فأُطلقت أسماؤها على كربلاء أيضاً؛ ربّما من باب المجاز أو لعلاقة القرب والجوار، كإطلاق نينوى أو الغاضرية على كربلاء، أو هي أسماء كانت تُطلق على أرض كربلاء في غابر الزمان، فوردت أيضاً في لسان الروايات، كما في إطلاق عمورا على كربلاء، وأهمّ هذه الأسماء:

١) - الطفّ أو الطفوف:

من المواضع التي عرفها العرب قديماً قرب كربلاء (الطفّ)، قالياقوت الحموي : (وهو في اللغة ما أشرفَ من أرض العرب على رِيف العراق، قالالأصمعي : وإنّما سُمّي طفّاً؛ لأنّه دانٍ من الريف.. وقالأبو سعيد: سُمّي الطفّ؛ لأنّه

____________________

(١) راجع: نهضة الحسينعليه‌السلام : ٩٠ / وقال السيّد الشهرستاني (ره): (ويؤيّد هذا ما رواه ابن قولويه في كامل الزيارات، وشيخه الكليني في الكافي، والمجلسي في مزار البحار عن الصادقعليه‌السلام :(إنّ زائر الحسين عليه‌السلام يغتسل على نهر الفرات، ويدخل من الجانب الشرقي إلى القبر الشريف) .


مشرف على العراق، مِنْ أطفَّ على الشيء بمعنى أطلّ، والطفّ: طفّ الفرات أي الشاطئ، والطفّ: أرض من ضاحية الكوفة في طريق البرّيّة فيها كان مقتل الحسين بن عليرضي‌الله‌عنه ، وهي أرض بادية قريبة من الريف فيها عدّة عيون ماء جارية، منها: الصيد، والقطقطانة، والرُّهَيمة، وعين جمل، وذواتها، وهي عيون كانت للموكّلين بالمسالح التي كانت وراء خندق سابور الذي حفره بينه وبين العرب وغيرهم.. فلمّا كان يوم ذي قار ونصرَ الله العرب بنبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، غَلبت العرب على طائفة من تلك العيون وبقي بعضها في أيدي الأعاجم، ثمّ لمّا قدمَ المسلمون الحيرة وهربت الأعاجم بعدما طمّت عامّة ما كان في أيديها منها، وبقي ما في أيدي العرب.. ولمّا انقضى أمر القادسيّة والمدائن وقع ما جلا عنه الأعاجم من أرض تلك العيون إلى المسلمين...

قال أبو دهبل الجُمحي(١) يرثي الحسين بن عليّرضي‌الله‌عنه ، ومَن قُتل معه بالطفّ:

مـررتُ عـلى أبيات آل محمّدٍ

فـلم أرَهـا أمـثالها يـوم حُلَّتِ

فـلا يُـبعد اللهُ الـديارَ وأهـلها

وإنْ أصبحتْ منهم برغمي تخلَّتِ

ألا إنّ قتلى الطفّ من آل هاشمٍ

أذلّـتْ رقاب المسلمين فذلّتِ...

وقال أيضاً:

تـبيتُ سـكارى مـن أُميّة نُوَّماً

وبـالطفّ قـتلى مـا ينام حميمُها

ومـا أفـسدَ الإسـلام إلاّ عصابة

تـأمّـر نَـوْكاها فـدام نـعيمها

فـصارت قناة الدين في كفّ ظالمٍ

إذا اعوجّ منها جانبٌ لا يُقيمها(٢)

____________________

(١) وتُنسب هذه الأبيات وغيرها إلى سليمان بن قتّة (راجع: البحار: ٤٥: ٢٤٤).

(٢) راجع: معجم البلدان: ٤: ٣٥ - ٣٦.


٢) - نينوى:

قال ياقوت الحموي: (.. وبسواد الكوفة ناحية يُقال لها نينوى، منها كربلاء التي قُتل بها الحسينرضي‌الله‌عنه ...)(١) .

وقال الأُستاذ الدكتورمصطفى جواد : (وزعم الأُستاذ فيردهوفر Ferd Hofer أنّ أسترابون Strabon الجغرافي اليوناني - المولود في أواسط القرن الأوّل قبل الميلاد - ذكر في كتابه(ما بين النهرين: آشورية وبابل وكلدية) ، ذكرَ نينوى ثانية غير نينوى الشمالية، فإن صحّ زعمه كانت نينوى الجنوبية هي المقصود ذِكرها.. وكانت على نهر العلقمي)(٢) .

وقالالطبري يصف رحلة الركب الحسيني من منزل قصر بني مقاتل إلى نينوى - ويعني بها كربلاء - : (فلمّا أصبح نزل فصلّى الغداة، ثمّ عجّل الركوب، فأخذ يتياسر بأصحابه يُريد أن يفرّقهم، فيأتيه الحُرّ بن يزيد فيردّهم فيردّه! فجعل إذا ردّهم إلى الكوفة ردّاً شديداً امتنعوا عليه فارتفعوا، فلم يزالوا يتسايرون حتّى انتهوا إلى نينوى المكان الذي نزل به الحسين)(٣) .

٣) - النواويس:

الناووس والقبر واحد(٤) ، والناووس: مقابر النصارى(٥) ، والنواويس كانت مقابر للنصارى الذين سكنوا (كربلاء) قبل الإسلام، وتقع هذه المقابر شمال غرب

____________________

(١) معجم البلدان: ٥: ٣٣٩.

(٢) موسوعة العتبات المقدّسة: ٨: ٣٢.

(٣) تاريخ الطبري: ٤: ٣٠٨.

(٤) معجم البلدان: ٥: ٢٥٤.

(٥) لسان العرب: ٦: ٢٤٥.


(كربلاء) في الأيام الحاضرة(١) .

وقد ذكرها الإمام الحسينعليه‌السلام في خطبته بمكّة، حيث قال:(.. كأنّي بأوصالي تُقطّعها عُسلان الفلَوات بين النواويس وكربلاء..) (٢) .

٤) - الغاضرية:

قال ياقوت الحموي : (الغاضريّة.. منسوبة إلى غاضرة من بني أسد، وهي قرية من نواحي الكوفة قريبة من كربلاء)(٣) ؛ وهذا الوصف يدلّ على أنّ الغاضرية أُنشئت بعد انتقال قبيلة بني أسد إلى العراق في صدر الإسلام، فليست الغاضرية قديمة التاريخ جاهلية(٤) ، وهي في شمال كربلاء إلى شمالها الشرقي، وتبعد عنها أقلّ من نصف كيلومتر(٥) .

وكان الإمام الحسينعليه‌السلام بعد نزوله كربلاء في أوائل العشرة الأولى من المحرّم سنة ٦١ هـ، قد اشترى من أهل الغاضريّة ونينوى مساحة كبيرة من الأراضي الواقعة أطراف مرقده المقدّس، كانت تبلغ مساحتها من حيث المجموع أربعة أميال في أربعة أميال، بستّين ألف درهم، ثمّ تصدّق عليهم بتلك الأراضي الواسعة بشرط أن يقوم أهلها بإرشاد الزائرين إلى قبره الشريف، وأن يقوموا بضيافتهم ثلاثة أيّام، غير أنّهم لم يفوا بهذا الشرط، فسقط حقّهم فيها، وبقيت تلك الأراضي المُشتراة منهم ملكاً للإمامعليه‌السلام ولوِلده من بعده، كما كان الحال قبل التصدّق عليهم

____________________

(١) راجع: تاريخ مرقد الحسين والعباسعليهما‌السلام : ٢٣ - ٢٤.

(٢) اللهوف: ٢٦.

(٣) معجم البلدان: ٤: ١٨٣.

(٤) موسوعة العتبات المقدّسة: ٨: ٣٤.

(٥) مدينة الحسينعليه‌السلام / محمد حسين الكليدار: ١٤.


بذلك الشرط(١) .

وقد ورد ذكر الغاضرية في أدب الطفّ كثيراً، من ذلك هذه الأبيات:

يا كوكب العرش الذي من نوره

الكرسيّ والسبعُ العُلى تتشعشعُ

كيف اتخذت الغاضريّة مضجعاً

والعرش ودَّ بأنّه لك مضجعُ

٥) - عمورا:

روى قطب الدين الراونديرحمه‌الله بسند عن جابر، عن الإمام الباقرعليه‌السلام قال:(قال الحسين بن عليّ عليهما‌السلام لأصحابه قبل أن يُقتل:

(إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: يا بُنيَّ، إنّك ستُساق إلى العراق، وهي أرض قد التقى بها النبيّون وأوصياء النبيّين، وهي أرض تُدعى (عمورا)، وإنّك تُستشهد بها، ويستشهد معك جماعة من أصحابك، لا يجدون أَلَم مسَّ الحديد، وتلا: ( قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ) ، تكون الحرب عليك وعليهم برداً وسلاماً، فأبشروا...) إلى آخر تفاصيل الرواية الشريفة(٢) .

٦) - أرض بابل:

روى ابن عساكر أنّ عمرة بنت عبد الرحمان كتبت إلى الإمامعليه‌السلام ، تُعظّم عليه ما يريد أن يصنع من إجابة أهل الكوفة، وتأمره بالطاعة ولزوم الجماعة! وتخبره أنّه إنّما يُساق إلى مصرعه، وتقول: أشهد لَحَدّثتني عائشة أنّها سَمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول:(يُقتل حسينٌ بأرض بابل...) (٣) .

____________________

(١) راجع: تاريخ مرقد الحسين والعبّاسعليهما‌السلام : ٢٦ عن جغرافية كربلاء القديمة وبقاعها للدكتور عبد الجواد الكليدار (مخطوط): ١٢.

(٢) الخرايج والجرايح: ٢:٨٤٨، رقم ٦٣.

(٣) تاريخ ابن عساكر / ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام / المحمودي: ٢٩٥، رقم ٢٥٦.


٨) - شطّ الفرات:

أخرجَ ابن أبي شيبة بسند، عن عبد الله بن يحيى الحضرمي، عن أبيه، أنّه سافر مع عليّعليه‌السلام - وكان صاحب مطهرته - حتّى حاذى (نينوى) وهو منطلِق إلى (صِفّين)، فنادى:(صبراً أبا عبد الله! صبراً أبا عبد الله!

فقلت: ماذا أبا عبد الله؟!

فقال:دخلتُ على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وعيناه تفيضان، قلت: يا رسول الله ما لعينيك تفيضان، أغضَبكَ أحدٌ؟!

قال: قام من عندي جبرئيل فأخبرني أنّ الحسين عليه‌السلام يُقتل بـ (شط الفرات)، فلم أملك عَينيَّ أن فاضتا) (١) .

٩) - أرض العراق:

أخرج أبو نعيم الأصبهاني في دلائل النبوّة بسنده، عن سحيم، عن أنس بن الحارث (رض) قال: سمعت رسول الله يقول:(إنّ ابني هذا يُقتل بأرض العراق، فمَن أدركهُ فلينصره) (٢) .

١٠) - ظَهر الكوفة

أخرج ابن قولويه (ره) بإسناده، عن سعيد بن عمر الجلاّب، عن الحارث الأعور (ره) قال: قال عليٌّعليه‌السلام :(بأبي وأمّي الحسين المقتول بظَهر الكوفة، والله كأنّي

____________________

(١) المصنّف لابن أبي شيبة: ١٥: ٩٨، رقم ١٩٢١٤. وانظر: مسند أحمد: ١: ٥٨، ومقتل الحسينعليه‌السلام ، للخوارزمي ١: ١٧ عن ابن مبارك مسنداً عنهعليه‌السلام ، وفيه:(إنّ الحسين يُقتل بالفرات..) .

(٢) دلائل النبوّة لأبي نعيم الأصبهاني: ٢: ٥٥٤، حديث رقم ٤٩٣. وكذلك انظر تاريخ ابن عساكر ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام ، المحمودي: ٣٤٧، حديث رقم ٢٨٣.


أنظر إلى الوحوش مادّة أعناقها على قبره من أنواع الوحوش يبكونه ويرْثونه ليلاً حتّى الصباح! فإذا كان ذلك فإيّاكم والجفاء!) (١) .

١١) - الحائر والحَيْر

قال ياقوت الحموي: (الحاير: بعد الألف ياء مكسورة وراء، وهو في الأصل حوض يصبّ إليه مسيل الماء من الأمطار، سُمّي بذلك؛ لأنّ الماء يتحيّر فيه يرجع من أقصاه إلى أدناه.. وأكثر الناس يُسمّون الحائر: الحَيْر، والحائر، قبر الحسين بن عليّرضي‌الله‌عنه .. قال أبو القاسم: هو الحائر إلاّ أنّه لا جمع له؛ لأنّه اسم لموضع قبر الحسين بن عليّرضي‌الله‌عنه ، فأمّا الحِيران فجمع حائر، وهو مستنقع ماءٍ يتحير فيه فيجيء ويذهب.. يقولون الحَيْر بلا إضافة إذا عنَوا كربلاء..)(٢) .

وقال ابن منظور: (.. وحار الماء فهو حائر، وتحيّر: تردّد، وتحيّر الماء، اجتمع ودار، والحائر: مجتمع الماء... والحائر: كربلاء، سُمّيت بأحد هذه الأشياء..)(٣) .

وقد حار الماء عن قبر الإمام الحسينعليه‌السلام لمّا أجراه (الديزج)، الذي بعثه المتوكل؛ ليطمس آثار معالم القبر المقدّس ويعفي أثره سنة ٢٣٦ هـ(٤) .

وقال الدكتور مصطفى جواد: (وقد ذكرنا أنّ الحائر اسم عربيّ، وأنّ العرب سكنوا هذه البلاد منذ عصور الجاهلية، فلابدّ من أن يكون معروفاً قبل استشهاد الحسينعليه‌السلام ؛ لأنّ هذه التسمية هي والحَيْر والحيرة من أصل واحد..)(٥) .

____________________

(١) كامل الزيارات: ٨٢، باب ٢٦، حديث رقم ٢ و ٣٠٥، باب ٩٧، حديث رقم ٣.

(٢) معجم البلدان: ٢: ٢٠٨.

(٣) لسان العرب: ٤: ٢٢٣.

(٤) راجع: تاريخ كربلاء، د. عبد الجواد الكليدار: ٦٠، الطبعة الثانية، وعنه تاريخ مرقد الحسين والعبّاسعليهما‌السلام : ٢٧.

(٥) موسوعة العتبات المقدّسة: ٨: ٢٣.


لكنّ الدكتور عبد الجواد الكليدار زعم أنّه: (لم يرد في التاريخ أو الحديث ذكر لكربلاء باسم الحائر أو الحَيْر قبل وقعة الطفّ، أو أثناء هذه الوقعة، أو بعدها بزمن يسير؛ إذ إنّ الأحاديث النبوية المنبِئة بقتل الحسينعليه‌السلام بأرض العراق، تضمّنت كُلَّ الأسماء عدا اسم الحائر...)(١) .

غير أنّ الطبري في تاريخه عن القاسم بن يحيى قال: (بعث الرشيد إلى ابن أبي داود والذين يخدمون قبر الحسين بن عليّ في الحَيْر، قال: فأُتي بهم، فنظر إليه الحسن بن راشد وقال: مالكَ؟! قال: بعث إليَّ هذا الرجل (يعني الرشيد) فأحضَرَني ولست آمنُه على نفسي، قال له: فإذا دخلتَ عليه فسألك فقل له الحسن بن راشد وضَعني في ذلك الموضع، فلمّا دخل عليه قال هذا القول، قال: ما أخلق أن يكون هذا من تخليط الحسن، أحضِروه، قال: فلمّا حضر قال: ما حملك على أن صيّرتَ هذا الرجل في الحَيْر؟! قال: رحم الله مَن صيّره في الحَير! أمَرَتني أمّ موسى أن أصيّره فيه، وأن أُجري عليه في كلّ شهر ثلاثين درهماً، فقال: ردّوه إلى الحَيْر، وأجرَوا عليه ما أجْرته أمّ موسى، وأمّ موسى هي أمّ المهدي..)(٢) .

____________________

(١) تاريخ كربلاء، عبد الجواد الكليدار: ٦٥.

(٢) تاريخ الطبري: ٦: ٥٣٦ - ٥٣٧، (ونجد أنّ الرشيد وإن كان قد تغاضى عنهم وأقرَّ بالظاهر ما كانت قد أقرّته أمّ المهديّ من قبل، ولكنّه كان قد عزم في تلك اللحظة على أمرٍ أهول وأخطر من ذلك، كما أثبتته الحوادث فيما بعد، فدعاه فرْطُ بُغضه لآل الرسول إلى هدم كربلاء من الأساس، فأمر توّاً في نفس السنة ١٩٣هـ وهي السنة الأخيرة من حياته بهدم الحائر والقبّة المطهّرة، والدور المجاورة، واقتلاع السدرة، وحرث الأرض؛ ليمحي بذلك كلّ أثر للقبر الشريف، كما روى ذلك غير واحد من الرواة والمؤرّخين.

ورواه الشيخ أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي في (أماليه) بسنده عن يحيى بن المغيرة الرازي: كنت عند جرير بن عبد الحميد إذ جاءه رجل من أهل العراق، فسأله جرير عن خبر الناس، فقال: تركت الرشيد وقد كربَ قبر الحسينعليه‌السلام ، وأمرَ أن تُقطع السِدرة =


ولعلّ أوائل ما ورد اسم (الحائر) في النصوص الدينية، ما جاء في بعض الروايات عن الإمام الصادقعليه‌السلام ، التي علّم بعض الأصحاب فيها بعض طُرق زيارة سيّد الشهداءعليه‌السلام ، كما في رواية يوسف بن الكناسيّ عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال:(إذا أتيتَ قبر الحسين فائتِ الفرات واغتسل بحيال قبره وتوجّه إليه، وعليك السكينة والوقار حتى تدخل الحائر من جانبه الشرقيَّ، وقل حين تدخله...) (١) .

وكان في رواية عن الحسن بن عطيّة، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال:(إذا دخلتَ الحائر فقل...) (٢) ، وغيرها أيضاً ممّا روي عن الصادقعليه‌السلام (٣) .

وكان المراد بالحائر في تلك الأيام: ما حواه سُور المشهد الحسيني على مشرِّفه السلام(٤) ، وهذا القول تؤيّده اللغة والقرائن والروايات معاً؛ لأنّ الحائر لغةً هو فناء الدار، أو ما يحيط بها من كل جانب)، (وقالوا: لهذه الدار حائر واسع..)(٥) .

ثمّ توسّع الاستعمال حتّى صار المراد بالحائر كربلاء نفسها.

ويمكن أن يُقال: إنّ كربلاء كانت من مساكن العرب منذ الجاهلية، وكانت تُسمّى (الحَيْر) بلا إضافة - كما ذكر ياقوت الحموي - لكنّ هذا الاسم ضعُف

____________________

= فقُطعت، فرفع جرير يده وقال: الله أكبر، جاءنا في حديث عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال:(لعن الله قاطع السِدرة، ثلاثاً) فلم نقف على معناه حتى الآن؛ لأنّ القصد بقطعها تغيير مصرع الحسين؛ حتى لا يقف الناس على قبره!). (راجع: تاريخ كربلاء: ٣٤).

(١) كامل الزيارات: ٢٢١، حديث رقم ٣.

(٢) كامل الزيارات: ٢١٣، باب ٧٩، رقم ١.

(٣) نفس المصدر: ٢١٧، باب ٧٩، رقم ٢.

(٤) راجع: مجمع البحرين: ٥: ٢٨٠.

(٥) لسان العرب: ٤: ٢٢٣.


استعماله وندر إطلاقه بعدما غلب اسم (الحائر) على كربلاء مكانه، خصوصاً بعدما أُحيط به اسم (الحائر) من حرمة وتقديس، وأُنيط به من أعمال وأحكام في الرواية والفقه(١) .

فضلُ كربلاء وقداسة تُربتها

أُعطيت أرض كربلاء - حسب النصوص الواردة - من الشرف ما لا تُعطى أيّ بقعة من بقاع الأرض حتّى مكّة المعظّمة منذ أن خلق الله الأرض.

ففي حديث - على سبيل المثال لا الحصر - عن الإمام السجادعليه‌السلام أنّه قال:(اتخذَ الله أرض كربلاء حَرماً آمناً مباركاً قبل أن يخلُق أرض الكعبة ويتخذها حَرماً بأربعة وعشرين ألف عام، وإنّه إذا زلزلَ الله تبارك وتعالى الأرض وسيّرها، رُفعت كما هي بتُربتها نورانيّة صافية فجُعلت في أفضل روضة من رياض الجنّة، وأفضل مسكن في الجنّة، لا يسكنها إلاّ النبيّون والمرسلون - أو قال:أولوا العزم من الرسُل - وإنّها لتزهر بين رياض الجنة كما يزهر الكوكب لأهل الأرض، يُغشي نورها أبصار أهل الجنّة وهي تنادي: (أنا أرض الله المقدّسة، الطيبة، المباركة، التي تضمّنت سيّد الشهداء وسيّد شباب أهل الجنّة)) (٢) .

وهي التي في تربتها الشفاء كما قال الصادقعليه‌السلام :(في طين قبر الحسين عليه‌السلام الشفاء من كلّ داء، وهو الدواء الأكبر) (٣) .

____________________

(١) وللتوسّع في مزيد من المعرفة حول هذا الاسم (الحائر)، يمكن للقارئ الكريم أن يقرأ تفصيلاً أكثر ومناقشات أوسع في كتاب (تاريخ كربلاء) للدكتور عبد الجواد الكليدار.

(٢) المزار للشيخ المفيد: ٣٤، وكامل الزيارات: ١٨٠، باب ٨٨، رقم ٤.

(٣) المزار للشيخ المفيد: ١٢٥، وكامل الزيارات: ٢٨٩، باب ٩١، رقم ٤.


والأحاديث في فضلها لم تنحصر فيما روى الشيعة عن أئمّة الهدىعليهم‌السلام ، بل هي متوفرة أيضاً في كتب بقية الفِرق الإسلامية، فقد روى السيوطي ما يناهز على عشرين حديثاً عن أكابر ثقات أبناء العامة: كالحاكم، والبيهقي، وأبي نعيم وأمثالهم(١) .

وناهيك عن أنَّ قداسة بعض البقاع أو التُرَب لم تكن منحصرة فيما رواه العلماء سَلفاً عن سلف عند الفريقين، بل إنّ السيرة العملية المستمرة بين المسلمين منذ الصدر الأوّل وحتى في زمن النبي الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، تحكي أنّهم كانوا يقدّسون بعض البقاع والتُرَب ويتبركون ويستشفون بترابها.

قال البرزنجي: (ويجب على مَن أخرج شيئاً من المدينة ردّه إلى محلّه، ولا يزول عصيانه إلاّ بذلك، نعم، استُثني من ذلك ما دعت الحاجة إليه من تراب الحرم للتداوي به منه: كتراب مصرع حمزة سيد الشهداء، وتربة صهيب؛ لإطباق السلف والخلف على ذلك)(٢) .

وهكذا استمرت هذه السيرة بعد زمن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أيضاً، فقد قالالعلاّمة السمهمودي في كتاب (وفاء الوفاء): (لمّا توفّي النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله صاروا يأخذون من تربته الشريفة، فأمَرَت عائشة بجدار فضُرب عليهم، وكانت في الجدار كوّة فكانوا يأخذون منها، فأمَرت بالكوّة فسُدَّت)(٣) .

ولم يقتصروا على الاستشفاء بالتراب، بل كانوا يقدّسون مواضع أقدام بعض أولياء الله وغير ذلك، وإذا كان كذلك فكيف لا تُقدّس تربة ابن الرسول الأعظم

____________________

(١) راجع: الأرض والتربة الحسينية: ٣٣ - ٣٤، محمد حسين كاشف الغطاء، مؤسسة أهل البيت، بيروت.

(٢) نزهة الناظرين للبرزنجي: ص١١٦.

(٣) وفاء الوفاء: ١: ٣٨٥.


وريحانته وفلذة كبده وبضْعته، وهي أطيب تربة وأزكاها؟!.

وعن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال:(إنّ فاطمة عليها‌السلام بنت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، كانت سِبحتها من خيط صوف مفتّل معقود عليه عدد التكبيرات، وكانت تديرها بيدها تكبّر وتسبّح حتى قُتل حمزة بن عبد المطلب، فاستعمَلَت تربته، وعملت التسابيح، فاستعملها الناس، فلمّا قُتل الحسين صلوات الله عليه عُدل بالأمر إليه، فاستعملوا تربته؛ لِما فيها من الفضل والمزيّة) (١) .

وقال العلاّمة كاشف الغطاء: (... حمزة دُفن في أُحُد، وكان يسمّى سيّد الشهداء ويسجدون على تراب قبره... ولمّا قُتل الحسينعليه‌السلام صار هو سيد الشهداء، وصاروا يسجدون على تربته)(٢) .

واستمرت سيرة شيعة أئمة أهل البيت خصوصاً إلى زمن الصادقعليه‌السلام ، حيث كانوا يحملون معهم (حمزة)، وهي كانت عبارة عن مقدار من التراب في صرّة أعدّوها للسجود عليها، وقد تطوّرت إلى قطعة من تراب قبر الحسينعليه‌السلام بصورة ألواح تسهيلاً للمصلين - ولمّا كان تعفير الجبين والسجود على الأرض فريضة؛ لكونه أبلغ في التواضع، فلماذا لا يكون السجود على أتقى وأزكى وأجود وأطيب وأقدس تربة في الأرض - وهي تربة الحسينعليه‌السلام ، التي نطقت الأحاديث بفضلها(٣) .

وأئمة الهدىعليهم‌السلام هم الذين أسّسوا ذلك، فنرى أوّل مَن صلّى على تربة الحسينعليه‌السلام واتخذها مسجداً:الإمام زين العابدين عليه‌السلام ، إذ بعد أن دفن جثمان أبيهعليه‌السلام أخذ قبضة من التربة التي وضع عليها الجسد الشريف، وعمل منها سجّادة

____________________

(١) البحار، ١٠١: ١٣٣.

(٢) الأرض والتربة الحسينية: ص٤٩.

(٣) الأرض والتربة الحسينية: ٥٠ - ٥٣.


وسبحة، وكانعليه‌السلام يديرها حين دخوله على يزيد لعنه الله، وبعدما رجع من الشام، وصار يتبرك بتلك التربة ويسجد عليها ويعالج بعض مرضى عائلته بها، فشاع عند العلويين وأتباعهم وأشياعهم(١) .

ومن بعد الإمام زين العابدينعليه‌السلام تبعه في ذلك ابنه الإمام الباقرعليه‌السلام ، ومن بعده الإمام الصادقعليه‌السلام وهكذا.

ولعلّ من أسرار السجود على تربة الحسينعليه‌السلام : أنَّ السجود على تربة الحسينعليه‌السلام يجعل المصلّي على ذكرٍ دائم؛ لِما جرى من المصائب والفجائع العظيمة على الإمام الحسينعليه‌السلام ، الذي حفظَ بقيامه ضدّ الحكم الأمويّ الطاغوتي وبشهادته، الإسلام المحمديّ الخالص، والصلاة المحمّدية، من عبث، وتحريفات الفئة الباغية، والشجرة الخبيثة الملعونة في القرآن(أشهدُ أنّك قد أقمتَ الصلاة..) ، فلولا قيام الحسينعليه‌السلام ؛ لمَا بقيت الصلاة، ولا كانت الزكاة، ولأُفرغ من معناه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل لمَا بقي الإسلام، وصحَّ تماماً ذلك القول الرائع:(الإسلام محمّدي الوجود، حسينيّ البقاء) .

والذي ينبغي أن نشير إليه: أنَّ تقديس تربةٍ ما لا ينحصر بالاستشفاء بها، بل حتّى بالسجود لله عليها، فهي بما أنّها أرض طاهرة زاكية، ويجب السجود على الأرض، كان الأَولى والأفضل السجود على تراب أقدس وأزكى وأطهر بقعة منها.

وما افترَوه على الشيعة في قضية السجود على التربة الطاهرة الحسينية: بأنَّ السجود على تربة الحسينعليه‌السلام ضربٌ من عبادة الأصنام والأوثان التي حاربها الإسلام، فهي مردودة؛ للفرْق بين السجود للشيء والسجود على الشيء، فالشيعة تسجد لله على تربة الحسين لا لتربة الحسينعليه‌السلام .

____________________

(١) المصدر السابق.


كربلاء في تاريخ بعض أنبياء اللهعليهم‌السلام

١) - عن سعد بن عبد الله القمّي (ره) في جملة الأسئلة التي سأل الإمام القائمعليه‌السلام عنها، قلت: فأخبِرني يا بن رسول الله عن تأويل (كهيعص)؟

قال:(هذه الحروف من أنباء الغيب أطلعَ الله عليها عبده زكريّا، ثمّ قصّها على محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وذلك أنّ زكريّا سأل ربّه أن يعلّمه أسماء الخمسة، فأهبط عليه جبرئيل فعلّمه إيّاها، فكان زكريّا إذا ذكر محمّداً وعليّاً وفاطمة والحسن سُرِّيَ عنه همّه، وانجلى كرْبه، وإذا ذُكر اسم الحسين خنقتهُ العَبرة، ووقعت عليه البُهرة، فقال ذات يوم: إلهي، ما بالي إذا ذكرت أربعة منهم تسلّيت بأسمائهم من همومي، وإذا ذكرتُ الحسين تدمع عيني وتثور زفرتي؟ فأنبأهُ الله تبارك وتعالى عن قصّته وقال: (كهيعص)، (فالكاف): اسم كربلاء، و(الهاء): هلاك العترة الطاهرة، و(الياء): يزيد وهو ظالم الحسين، و(العين): عطشه، و(الصاد): صبره.. إلى آخر الخبر)(١) .

٢) -قال العلاّمة المجلسي (ره): (وروي مرسَلاًأنّ آدم لمّا هبط إلى الأرض لم يَرَ حوّاء، فصار يطوف الأرض في طلبها، فمرَّ بكربلاء فاغتمَّ وضاق صدره من غير سبب، وعثر في الموضع الذي قُتل فيه الحسين حتّى سال الدمّ من رجله، فرفعَ رأسه إلى السماء وقال: (إلهي هل حدث منّي ذنبٌ آخر فعاقبتني به؟ فإنّي طفتُ جميع الأرض، وما أصابني سوء مثل ما أصابني في هذه الأرض؟

فأوحى الله إليه: يا آدم، ما حدثَ منك ذنب، ولكن يُقتل في هذه الأرض ولدك الحسين ظلُماً، فسال دمُك موافقة لدمِه.

فقال آدم :يا ربّ، أيكون الحسين نبيّاً؟

قال :لا، ولكنّه سبط النبيّ محمّد.

____________________

(١) كمال الدين وتمام النعمة: ٢: ٤٦١، رقم ٢١، وانظر: دلائل الإمامة: ٥١٣ رقم ٤٩٢ / ٩٦.


فقال: ومَن القاتل له؟

قال: قاتله يزيد لعين أهل السماوات والأرض.

فقال آدم: فأيّ شيء أصنع يا جبرئيل؟

فقال: العَنه يا آدم).

فلَعنهُ أربع مرّات، ومشى خطوات إلى جبل عرفات فوجد حوّاء هناك) (١) .

٣) -وقال العلاّمة المجلسي (ره): (ورويأنّ نوحاً لمّا ركب السفينة طافت به جميع الدنيا، فلمّا مرّت بكربلا أخذته الأرض، وخاف نوح الغرق فدعا ربّه وقال: (إلهي، طفتُ جميع الدنيا وما أصابني فزع مثل ما أصابني في هذه الأرض؟

فنزل جبرئيل وقال: يا نوح، في هذا الموضع يُقتل الحسين سبط محمّد خاتم الأنبياء، وابن خاتم الأوصياء.

فقال: ومَن القاتل له يا جبرئيل؟

قال: قاتلهُ لعين أهل سبع سموات وسبع أرضين.

فلعنه نوح أربع مرّات، فسارت السفينة حتّى بلغت الجوديّ واستقرّت عليه) (٢) .

٤) - وقال (ره) أيضاً: (ورويأنّ إبراهيم عليه‌السلام مرَّ في أرض كربلاء وهو راكب فرساً، فعثرَت به وسقط إبراهيم وشُجَّ رأسه وسال دمه، فأخذ في الاستغفار وقال: (إلهي، أيّ شيء حدث منّي؟

فنزل إليه جبرئيل وقال: يا إبراهيم، ما حدثَ منك ذنب، ولكن هنا يُقتل سبط خاتم الأنبياء، وابن خاتم الأوصياء، فسال دمك موافقة لدمه.

____________________

(١) بحار الأنوار: ٤٤: ٢٤٢ - ٢٤٣، باب ٣٠، حديث ٣٧.

(٢) بحار الأنوار: ٤٤: ٢٤٣، باب ٣٠، حديث رقم ٣٨.


قال: يا جبرئيل، ومَن يكون قاتله؟

قال: لعين أهل السموات والأرضين، والقلم جرى على اللوح بلعْنِه بغير إذن ربّه، فأوحى الله تعالى إلى القلم: إنّك استحققتَ الثناء بهذا اللعن.

فرفع إبراهيمعليه‌السلام يديه ولعن يزيد لعناً كثيراً، وأمّن فرَسه بلسان فصيح! فقال إبراهيم لفَرَسِه: أيّ شيء عرفتَ حتى تؤمّن على دعائي؟

فقال: يا إبراهيم، أنا أفتخر بركوبك عليَّ، فلمّا عثرتُ وسقطتَ عن ظهري عظُمت خجلتي؛ وكان سبب ذلك من يزيد لعنه الله تعالى) (١) .

٥) - وقال (ره) أيضاً: (ورويأنّ إسماعيل كانت أغنامه ترعى بشطّ الفرات، فأخبره الراعي أنّها لا تشرب الماء من هذه المشرعة منذ كذا يوماً! فسأل ربّه عن سبب ذلك، فنزل جبرئيل وقال: (يا إسماعيل، سلْ غنمك فإنّها تجيبك عن سبب ذلك؟

قال لها: لِمَ لا تشربين من هذا الماء؟!

فقالت بلسان فصيح: قد بلغنا أنّ وَلدك الحسينعليه‌السلام سبط محمّد يُقتل هنا عطشاناً؛ فنحن لا نشرب من هذه المشرعة حُزناً عليه!

فسألها عن قاتله؟ فقالت: يقتله لعين السموات والأرضين والخلائق أجمعين، فقال إسماعيل: اللّهم العن قاتل الحسين عليه‌السلام ) (٢) .

٦) - وقال (ره) أيضاً:( ورويأنّ موسى كان ذات يوم سائراً ومعه يوشع بن نون، فلمّا جاء إلى أرض كربلاء انخرق نعله، وانقطع شراكه، ودخل الحسك في رجليه، وسال دمه، فقال: إلهي، أيّ شيء حدث منّي؟

____________________

(١) بحار الأنوار: ٤٤: ٢٤٣، باب ٣٠، حديث رقم ٣٩.

(٢) بحار الأنوار: ٤٤: ٢٤٣ - ٢٤٤، باب ٣٠، حديث رقم ٤٠.


فأُوحي إليه أنّ: هنا يُقتل الحسينعليه‌السلام ، وهنا يُسفك دمه، فسالَ دمك موافقة لدمه.

فقال: ربِّ، ومَن يكون الحسين؟

فقيل له: هو سبط محمّد المصطفى وابن عليٍّ المرتضى.

فقال: ومَن يكون قاتله؟

فقيل: هو لَعين السمك في البحار، والوحوش في القفار، والطير في الهواء .

فرفع موسى يديه ولعنَ يزيد ودعا عليه، وأمّن يوشع بن نون على دعائه، ومضى لشأنه) (١) .

٧) - وقال (ره) أيضاً: (ورويأنّ سليمان كان يجلس على بساطه ويسير في الهواء، فمرَّ ذات يوم وهو سائر في أرض كربلا، فأدارت الريح بساطه ثلاث دورات حتّى خاف السقوط، فسكَنَت الريح، ونزل البساط في أرض كربلا.

فقال سليمان للريح: لِمَ سكنتِ؟

فقالت: إنّ هاهنا يُقتل الحسينعليه‌السلام .

فقال: ومَن يكون الحسين؟

فقالت: هو سبط محمّد المختار، وابن عليّ الكرّار.

فقال: ومَن قاتله؟

قالت: لعين أهل السموات والأرض يزيد.

فرفع سليمان يديه ولعنه ودعا عليه، وأمّن على دعائه الإنس والجنّ، فهبّت الريح وسار البساط) (٢) .

٨) - وقال (ره) أيضاً: (ورويأنّ عيسى كان سائحاً في البراري ومعه الحواريّون، فمرّوا بكربلا فرأوا أسداً كاسراً قد أخذَ الطريق، فتقدّم عيسى إلى

____________________

(١) و (٢) بحار الأنوار: ٤٤: ٢٤٤، باب ٣٠، حديث رقم ٤١ و ٤٢.


الأسد فقال له: (لِمَ جلست في هذا الطريق، لا تدعنا نمرّ فيه ؟

فقال الأسد بلسان فصيح: إنّي لن أدع لكم الطريق حتّى تلعنوا يزيد قاتل الحسينعليه‌السلام !

فقال عيسىعليه‌السلام : ومَن يكون الحسين؟

قال: هو سبط محمّد النبيّ الأُميّ، وابن عليّ الوليّ.

قال: ومَن قاتله؟)

قال: قاتله لعين الوحوش والذّباب والسِباع أجمع، خصوصاً أيّام عاشورا.

فرفع عيسى يديه ولعنَ يزيد ودعا عليه، وأمّن الحواريّون على دعائه، فتنحّى الأسد عن طريقهم، ومضوا لشأنهم) (١) .

٩) - وروى الشيخ الصدوق (ره) في أماليه وفي كمال الدين بإسنادين مختلفين إلى ابن عبّاس، عن أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام في حديث طويل (جرى أثناء مرورهعليه‌السلام بكربلاء حين خروجه إلى صِفّين)، قال ابن عبّاس: (... ثمّ قال:يا بن عبّاس، اطلب لي حولها بعْر الظِباء، فو الله ما كذَبتُ ولا كُذّبت، وهي مصفرّة لونها لون الزعفران، قال ابن عبّاس: فطلبتُها فوجدتها مجتمعة، فناديته: يا أمير المؤمنين، قد أصبتها على الصفة التي وصفتها لي، فقال عليٌّعليه‌السلام :صدقَ الله ورسوله ، ثمّ قامعليه‌السلام يهرول إليها، فحملها وشمّها، وقال:هي هي بعينها، أتعلم يا بن عبّاس ما هذه الأبعار؟ هذه قد شمّها عيسى بن مريم عليه‌السلام ، وذلك أنَّه مرَّ بها ومعه الحواريّون، فرأى هاهنا الظباء مجتمعة وهي تبكي، فجلس عيسى عليه‌السلام وجلس الحواريون معه، فبكى وبكى الحواريون وهم لا يدرون لِمَ جلس ولِمَ بكى، فقالوا: يا روح الله وكلمته، ما يبكيك؟ قال: أتعلمون أيّ أرض هذه؟ قالوا: لا، قال: هذه أرض يُقتل فيها فرْخ الرسول أحمد، وفرْخ الحرّة الطاهرة

____________________

(١) بحار الأنوار: ٤٤: ٢٤٤، باب ٣٠، حديث رقم ٤٣.


البتول شبيهة أمّي، ويُلحد فيها، طينة أطيب من المِسك؛ لأنّها طينة الفرْخ المستشهَد، وهكذا تكون طينة الأنبياء وأولاد الأنبياء، فهذه الظباء تكلّمني وتقول إنّها ترعى في هذه الأرض شوقاً إلى تربة الفرْخ المبارك، وزَعمت أنّها آمنة في هذه الأرض، ثمّ ضرب بيده إلى هذه الصيران فشمّها وقال: هذه بعْر الظباء على هذا الطيب لمكان حشيشها، اللّهمّ فأبقِها أبداً حتّى يشمّها أبوه فيكون له عزاء وسلوة...) (١) .

مصاب الحسينعليه‌السلام في حياة أنبياء اللهعليهم‌السلام وأُممهم

١) - ونقل العلاّمة المجلسي (ره) عن كتاب الدرّ الثمين في تفسير قوله تعالى:( فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ... ) ، أنّه رأى ساق العرش وأسماء النبيّ والأئمةعليهم‌السلام ، فلقّنه جبرئيل:(قل: يا حميد بحقّ محمّد، يا عالي بحقّ عليّ، يا فاطر بحقّ فاطمة، يا محسن بحقّ الحسن والحسين ومنك الإحسان، فلمّا ذُكر الحسين سالت دموعه وانخشع قلبه، وقال:يا أخي جبرئيل، في ذكر الخامس ينكسر قلبي وتسيل عَبرتي؟

قال جبرئيل:ولدك هذا يُصاب بمصيبة تصغر عندها المصائب.

فقال:يا أخي، وما هي؟

قال:يُقتل عطشاناً غريباً وحيداً فريداً، ليس له ناصرٌ ولا معين، ولو تراه يا آدم وهو يقول: واعطشاه! واقلّة ناصراه! حتى يحُول العطش بينه وبين السماء كالدخان، فلم يُجِبه أحدٌ إلاّ بالسيوف وشرب الحتوف! فيُذبح ذبح الشاة من قَفاه! ويَنهب رَحلَه أعداؤه! وتُشهر رؤوسهم هو وأنصاره في البلدان ومعهم النسوان، كذلك سبق في علم الواحد

____________________

(١) أمالي الصدوق: ٤٧٨ - ٤٨٠ المجلس ٨٧ رقم ٥، وكمال الدين: ٢: ٥٣٢ - ٥٣٥، باب ٤٨، رقم١.

(٢) البقرة: ٣٧.


المنّان)، فبكى آدم وجبرئيل بكاء الثكلى)(١) .

٢) - روى الشيخ الصدوق (ره) بسند عن الفضل بن شاذان قال: سمعت الرضاعليه‌السلام يقول:(لمّا أمر الله تبارك وتعالى إبراهيم عليه‌السلام أن يذبح مكان ابنه إسماعيل الكبْش الذي أنزله عليه، تمنّى إبراهيم أن يكون قد ذبح ابنه إسماعيل عليه‌السلام بيده، وأنّه لم يؤمر بذبح الكبش مكانه؛ ليرجع إلى قلبه ما يرجع إلى قلب الوالد الذي يذبح أعزّ وِلده بيده، فيستحقّ بذلك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب!

فأوحى الله عزّ وجلّ إليه: يا إبراهيم، مَن أحبّ خلقي إليك؟

فقال: يا ربّ، ما خلقتَ خلقاً هو أحبّ إليَّ من حبيبك محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فأوحى الله عزّ وجلّ إليه: يا إبراهيم، أفهو أحبّ إليك أو نفسك؟

قال: بل هو أحبُّ إليَّ من نفسي.

قال: فولدهُ أحبّ إليك أو ولدك؟

قال: بل ولده.

قال: فَذبحُ ولده ظلماً على أيدي أعدائه أوجع لقلبك، أو ذبح وَلدكَ بيدك في طاعتي؟

قال: يا ربّ، بل ذبحه على أيدي أعدائه أوجع لقلبي.

قال: يا إبراهيم، فإنّ طائفة تزعم أنّها من أمّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ستقتل الحسينعليه‌السلام ابنه من بعده ظلماً وعدواناً كما يُذبح الكبش، فيستوجبون بذلك سخطي.

فجزع إبراهيمعليه‌السلام لذلك وتوجّع قلبه، وأقبلَ يبكي!

فأوحى الله عزّ وجلّ إليه: يا إبراهيم، قد فديتُ جزعك على ابنك إسماعيل لو ذبحته بيدك بجزعك على الحسينعليه‌السلام وقتله، وأوجبتُ لك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب!

____________________

(١) البحار: ٤٤، باب ٣٠، حديث رقم ٤٤.


فذلك قول الله عزّ وجلّ: ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) ، ولا حول ولا قوّة لاّ بالله العليّ العظيم) (١) .

٣) - ونقل الشيخ قطب الدين الراوندي عن تاريخ محمّد النجّار، شيخ المحدّثين بالمدرسة المستنصرية بإسناد مرفوع إلى أنس بن مالك، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال:(لمّا أراد الله أن يهلك قوم نوح أوحى إليه أن شُقَّ ألواح الساج، فلمّا شقّها لم يدرِ ما يصنع بها، فهبط جبرئيل فأراه هيئة السفينة ومعه تابوت بها مئة ألف مسمار وتسعة وعشرون ألف مسمار، فسمّر بالمسامير كلّها السفينة إلى أن بقيت خمسة مسامير، فضرب بيده إلى مسمار فأشرق بيده وأضاء كما يُضيء الكوكب في أُفق السماء فتحيّر نوح، فأنطقَ الله المسمار بلسان طلِق ذلِق: أنا على اسم خير الأنبياء محمّد بن عبد الله صلى‌الله‌عليه‌وآله .

فهبط جبرئيل، فقال له: يا جبرئيل، ما هذا المسمار الذي ما رأيت مثله؟

فقال: هذا باسم سيّد الأنبياء محمّد بن عبد الله، أَسْمِرْهُ على جانب السفينة الأيمن.

ثمّ ضرب بيده على مسمار ثانٍ فأشرقَ وأنار!

فقال نوح: وما هذا المسمار؟

فقال: هذا مسمار أخيه وابن عمّه سيّد الأوصياء عليّ بن أبي طالب، فأسْمِرْهُ على جانب السفينة الأيسر في أوّلها.

ثمّ ضرب بيده إلى مسمار ثالث فزهر وأشرقَ وأنار!

____________________

(١) عيون أخبار الرضاعليه‌السلام : ١: ٢٠٩، باب ١٧ حديث رقم ١ / وعنه البحار: ٤٤: ٢٢٥، باب ٣٠، حديث رقم ٦ (وعن أمالي الصدوق أيضاً)، وقال العلاّمة المجلسي (ره) في ذيل هذا الخبر: (وأقول: ليس في الخبر أنّه فدى إسماعيل بالحسين، بل فيه أنّه فدى جزع إبراهيم على إسماعيل بجزعه على الحسينعليه‌السلام ، وظاهرٌ أنّ الفداء على هذا ليس على معناه، بل المراد التعويض، ولما كان أسفهُ على ما فات منه من ثواب الجزع على ابنه، عوّضه الله بما هو أجلّ وأشرف وأكثر ثواباً، وهو الجزع على الحسينعليه‌السلام ).


فقال جبرئيل: هذا مسمار فاطمة فأسمِره إلى جانب مسمار أبيها.

ثمّ ضرب بيده إلى مسمار رابع فزهر وأنار!

فقال جبرئيل: هذا مسمار الحسن فأسمِره إلى جانب مسمار أبيه، ثمّ ضرب إلى مسمار خامس فزهر وأنار وأظهر النداوة!

فقال جبرئيل: هذا مسمار الحسين فأسمِره إلى جانب مسمار أبيه.

فقال نوح: يا جبرئيل، ما هذه النداوة؟

فقال: هذا الدم.

فذكر قصّة الحسين عليه‌السلام وما تعمل الأمّة به، فلعن الله قاتله وظالمه وخاذله) (١) .

٤) - وروى الشيخ الصدوق (ره) بإسنادٍ إلى الإمام الرضاعليه‌السلام قال:(قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : (إنَّ موسى بن عمران سأل ربّه عزّ وجلّ فقال: يا ربّ، إنّ أخي هارون مات فاغفر له، فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى، لو سألتني في الأوّلين والآخرين لأجبتك ما خلا قاتل الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ، فإنّي أنتقم له من قاتله) (٢) .

٥) - وروى الشيخ الصدوق (ره) في علل الشرائع بسندٍ إلى الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال:(إنّ إسماعيل الذي قال الله عزّ وجلّ في كتابه: ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً ) ،لم يكن إسماعيل بن إبراهيم، بل كان نبيّاً من الأنبياء بعثه الله عزّ وجلّ إلى قومه، فأخذوه فسلخوا فروة رأسه ووجهه، فأتاه مَلَك فقال:

____________________

(١) البحار: ٤٤: ٢٣٠، باب ٣٠، حديث رقم ١٢ عن الخرايج والجرايح، ولم نجده في الخرايج والجرايح المطبوع.

(٢) عيون أخبار الرضاعليه‌السلام : ٢: ٤٧، باب ٣١، حديث رقم ١٧٩ / والظاهر أنّ المراد بقاتل الحسينعليه‌السلام أعمّ وأوسع ممّن باشر قتله بذبحه، إذ يدخل في هذا العنوان الممهدِّون لقتله والآمرون بذلك، والذين اشتركوا في مواجهته وحصره وقتاله، ومَن أعان على ذلك، الراضون بذلك إلى قيام يوم الدين، هذا ما تؤكّده نصوص كثيرة متضافرة مأثورة عن أهل البيتعليهم‌السلام .


إنّ الله جلّ جلاله بعثني إليك فمُري بما شئت، فقال: لي أُسوة بما يُصنع بالحسين عليه‌السلام ) (١) .

ورواه الشيخ الصدوق (ره) أيضاً بتفاوت وبسند آخر إلى الإمام الصادقعليه‌السلام (٢) .

وروى ابن قولويه (ره) بسندٍ عن بُرير بن معاوية العجليِّ قال: قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : يا بن رسول الله، أخبِرني عن إسماعيل الذي ذكره الله في كتابه حيث يقول:( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً ) ، أكان إسماعيل بن إبراهيمعليهما‌السلام ؟ فإنَّ الناس يزعمون أنّه إسماعيل بن إبراهيم!

فقالعليه‌السلام :إنّ إسماعيل مات قبل إبراهيم، وإنَّ إبراهيم كان حجّة لله قائماً، صاحب شريعة، فإلى مَن أُرسل إسماعيل إذاً؟

قلت: فمَن كان جُعلتُ فداك؟

قالعليه‌السلام :ذاك إسماعيل بن حزقيل النبيّ، بعثه الله إلى قومه فكذّبوه وقتلوه وسلخوا وجهه، فغضب الله له عليهم، فوجّه إليه سطاطائيل مَلك العذاب، فقال له: يا إسماعيل، أنا سطاطائيل مَلَك العذاب، وجّهني إليك ربّ العزّ؛ لأُعذّب قومك بأنواع العذاب إن شئتَ، فقال له إسماعيل: لا حاجة لي في ذلك، فأوحى الله إليه: فما حاجتك يا إسماعيل؟ فقال: يا ربّ إنّك أخذتَ الميثاق لنفسك بالربوبيّة، ولمحمّد بالنبوّة، ولأوصيائه بالولاية، وأخبرتَ خير خلقك بما تفعل أمّته بالحسين بن علي عليهما‌السلام من بعد نبيّها، وإنّك وعدتَ الحسين عليه‌السلام أنْ تُكِرَّهُ إلى الدنيا حتّى ينتقم بنفسه ممّن فعل ذلك به، فحاجتي إليك يا ربّ أن تكِرَّني إلى الدنيا

____________________

(١) علل الشرائع: ٧٧، باب ٦٧، حديث رقم ٢، ورواه ابن قولويه (ره) مسنداً في كامل الزيارات: ٦٢ - ٦٣، باب ١٩، حديث رقم ١.

(٢) علل الشرائع: ٧٨، باب ٦٧، حديث رقم ٣. ورواه ابن قولويه (ره) مسنداً في كامل الزيارات: ٦٣، باب ١٩، حديث رقم ٢.


حتى أنتقم ممّن فعل ذلك بي، كما تُكِرُّ الحسين عليه‌السلام ، فوعدَ الله إسماعيل بن حزقيل ذلك فهو يُكَرّ مع الحسين عليه‌السلام ) (١) .

٦) - وروى الشيخ الصدوق في أماليه بسندّ إلى سالم بن أبي جعدة قال: سمعت كعب الأحبار يقول: إنّ في كتابنا أنّ رجلاً من وِلْد محمّد رسول الله يُقتل، ولا يجفّ عرَق دوابّ أصحابه، حتّى يدخلوا الجنّة فيعانقوا الحور العِين.

فمرَّ بنا الحسنعليه‌السلام ، فقلنا: هو هذا؟

قال:(لا.

فمرَّ بنا الحسينعليه‌السلام فقلنا: هو هذا؟

قال:نعم) (٢) .

٧) - وروى الشيخ الصدوق (ره) أيضاً بسندٍ إلى يحيى بن يمان، عن إمامٍ لبني سليم، عن أشياخ لهم قالوا: غزونا بلاد الروم فدخلنا كنيسة من كنائسهم فوجدنا فيها مكتوباً:

أيرجو معشرٌ قتلوا حسيناً

شفاعة جدّه يوم الحساب

قالوا: فسألنا: منذ كم هذا في كنيستكم؟

فقالوا: قبل أن يُبعث نبيّكم بثلاثمئة عام)(٣) .

وقال الشيخ ابن نما (ره): (وحدّث عبد الرحمان بن مسلم، عن أبيه أنّه قال: غزونا بلاد الروم فأتينا كنيسة من كنائسهم قريبة من قسطنطينية وعليها شيء

____________________

(١) كامل الزيارات: ٦٣ - ٦٤، باب ١٩، حديث رقم ٣.

(٢) أمالي الصدوق: ١٢١ المجلس ٢٩، حديث رقم ٤.

(٣) أمالي الصدوق: ١١٣، المجلس ٢٧، حديث رقم ٦.


مكتوب، فسألنا أُناساً من أهل الشام يقرأون بالرومية، فإذا هو مكتوب هذا البيت [ الشعر ].

وذكر أبو عمرو الزاهد في كتاب الياقوت قال: قال عبد الله بن الصفّار صاحب أبي حمزة الصوفي: غزونا غزاة وسبَينا سبياً، وكان فيهم شيخ من عقلاء النصارى، فأكرمناه وأحسنّا إليه، فقال لنا: أخبَرَني أبي عن آبائه، أنّهم حضروا في بلاد الروم حضراً قبل أن يُبعث النبيّ العربي بثلاثمئة سنة، فأصابوا حجراً عليه مكتوب بالمسند هذا البيت من الشعر:

أترجو عُصبة قَتَلت حسيناً

شفاعة جدّه يوم الحساب

والمسند كلام أولاد شيث)(١) .

الرسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله ومصاب الحسينعليه‌السلام

كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كلّما ذكر ما يجري على الإمام الحسينعليه‌السلام من المصائب الفادحة، حزن واغتمّ وبكى وأبكى مَن حوله، منذ أن بشّرته الملائكة

____________________

(١) مثير الأحزان: ٩٦ - ٩٧ / وقال الشيخ ابن نما (ره) أيضاً: فروى النطنزي، عن جماعة، عن سليمان بن مهران الأعمش قال: بينما أنا في الطواف أيّام الموسم إذا رجل يقول: اللّهم اغفر لي وأنا أعلم أنّك لا تغفر، فسألته عن السبب فقال: كنت أحد الأربعين الذين حملوا رأس الحسين إلى يزيد على طريق الشام، فنزلنا أوّل مرحلة رَحَلنا من كربلا على دير للنصارى، والرأس مركوز على رمح، فوضعنا الطعام ونحن نأكل إذا بكفّ على حائط الدير يكتب عليه بقلم حديد سطراً بدم:

أترجو أمّة قَتلت حسيناً

شفاعة جدّه يوم الحساب

فجزعنا جزعاً شديداً وأهوى بعضنا إلى الكفّ فغاب، فعاد أصحابي.


بالحسينعليه‌السلام ، ثمّ منذ اليوم الأوّل من حياة الإمام الحسينعليه‌السلام إلى آخر أيّامهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والمأثور المرويّ في هذا الصدد كثير متنوّع، انتقينا منه نماذج على سبيل المثال تبرّكاً، هي:

١) - روى ابن قولويه (ره) بسندٍ عن الإمام أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام أنّه قال:(أتى جبرئيل رسول الله فقال له: السلام عليك يا محمّد، ألا أُبشرّك بغلام تقتله أمّتك من بعدك؟

فقال: لا حاجة لي فيه.

قال: فانتهض إلى السماء، ثمّ عاد إليه الثانية فقال له مثل ذلك.

فقال: لا حاجة لي فيه.

فانعرج إلى السماء، ثمّ انقضّ إليه الثالثة فقال له مثل ذلك.

فقال: لا حاجة لي فيه.

فقال: إنّ ربّك جاعل الوصيّة في عَقِبه.

فقال: نعم.

ثمّ قام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فدخل على فاطمة، فقال لها: إنّ جبرئيل أتاني فبشّرني بغلام تقتله أمّتي من بعدي!

فقالت: لا حاجة لي فيه.

فقال لها: إنّ ربّي جاعل الوصيّة في عقِبه.

فقالت: نعم، إذاً.

قال:فأنزل الله تعالى عند ذلك هذه الآية: ( حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً ) لموضع إعلام جبرئيل إيّاها بقتله ( حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً ) بأنّه مقتول، و ( وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً ) ؛ لأنّه مقتول) (١) .

____________________

(١) كامل الزيارات: ٥٤، باب ١٦، حديث رقم ٣ / وانظر: حديث رقم ٤.


٢) - وروى ابن قولويه (ره) أيضاً بسندٍ عن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال:(لمّا حَملت فاطمة بالحسين عليه‌السلام جاء جبرئيل إلى رسول الله فقال: إنّ فاطمة ستلد ولداً تقتله أمّتك من بعدك، فلمّا حملت فاطمة الحسين كرهت حمْله، وحين وضعتهُ كرهَت وضْعه).

ثمّ قال أبو عبد اللهعليه‌السلام :(هل رأيتم في الدنيا أُمّاً تلد غُلاماً فتكرهه؟! ولكنّها كرهته؛ لأنّها عَلمت أنّه سيُقتل).

قال:وفيه نزلت هذه الآية: ( وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً ) (١) )(٢) .

٣) - قال الشيخ ابن نما (ره): (وقد روي عن زوجة العبّاس بن عبد المطّلب وهي أمُّ الفضل (لبابة بنت الحارث)، قالت: رأيت في النوم قبل مولده كأنّ قطعة من لحم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قُطعت ووضعت في حِجري، فقصصت الرؤيا على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال:(إن صَدَقت رؤياكِ فإنّ فاطمة ستلد غلاماً وأدفعه إليك لترضعيه (٣) .

فجرى الأمر على ذلك، فجئت به يوماً فوضعته في حِجره فبال، فقطرت منه قطرة على ثوبهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقرصتهُ فبكى.

فقال كالمغضَب:مهلاً يا أمّ الفضل، فهذا ثوبي يُغسل، وقد أوجعتِ ابني! قالت: فتركتهُ ومضيت لآتيه بماء، فجئت فوجدتهصلى‌الله‌عليه‌وآله يبكي، فقلت: ممّن بكاؤك يا رسول الله؟ فقال:إنّ جبرئيل أتاني فأخبرني أنّ أمّتي تقتل ولدي هذا!) (٤) .

____________________

(١) سورة الأحقاف: ١٥.

(٢) كامل الزيارات: ٥٤، باب ١٦، حديث رقم ٢.

(٣) روي عن الإمام الصادقعليه‌السلام قوله:(ولم يرضع الحسين من فاطمة ولا من أُنثى، لكنّه كان يؤتى به النبيّ فيضع إبهامه في فيه فيمصُّ منها ما يكفيه اليومين والثلاثة، فنبتَ لحم الحسين عليه‌السلام من لحم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ودمه من دمه..) (راجع: كامل الزيارات: ٥٥، باب ١٦، حديث رقم ٤).

(٤) مثير الأحزان: ١٦ - ١٧.


٤) - وأخرج الشيخ الطوسي (ره) بسند عن الإمام عليّ بن الحسينعليهما‌السلام قال:(حدّثتني أسماء بنت عميس الخثعمية قالت: قبّلتُ جدّتك فاطمة بنت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بالحسن والحسين عليهما‌السلام ، قالت: فلمّا ولدت الحسن عليه‌السلام جاء النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فقال: يا أسماء، هاتي ابني، قالت: فدَفعته إليه في خِرقة صفراء، فرمى بها وقال: ألم أعهد إليكنّ ألاّ تلفّوا المولود في خرقة صفراء؟!

ودعا بخرقة بيضاء فلفّه فيها، ثمّ أذّن في أُذنه اليمنى، وأقام في أُذنه اليسرى، وقال لعليّعليه‌السلام : بمَ سمّيتَ ابنك هذا؟ قال: ما كنت لأسبقك باسمه يا رسول الله، قال: وأنا ما كنت لأسبق ربّي عزّ وجلّ.

قال:فهبط جبرئيل فقال: إنّ الله عزّ وجلّ يقرأ عليك السلام ويقول لك: يا محمّد، عليٌّ منك بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدك، فسمِّ ابنك باسم ابن هارون، قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : يا جبرئيل، وما اسم ابن هارون؟ قال جبرئيل: شُبّر، قال: وما شُبّر؟ قال: الحسن، قالت أسماء: فسمّاه الحسن.

قالت أسماء: فلمّا ولدت فاطمة الحسينعليهما‌السلام نفّستُها به، فجاءني النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: هلمّي ابني يا أسماء، فدفعته إليه في خرقة بيضاء، ففعل به كما فعل بالحسنعليه‌السلام ، قالت: وبكى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ثمّ قال: إنّه سيكون لك حديث! اللّهمّ العن قاتله، لا تُعلمي فاطمة بذلك.

قالت: فلمّا كان يوم سابعه جاءني النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال: هلمّي ابني.

فأتيتهُ به، ففعل به كما فعل بالحسن عليه‌السلام ، وعقّ عنه كما عقّ عن الحسن كبشاً أملح، وأعطى القابلة رِجلاً، وحلقَ رأسه، وتصدّق بوزن الشَعر وَرِقاً (١) ،وخلّق رأسه بالخَلُوق (٢) ،

____________________

(١) الوَرِق: الفضّة.

(٢) الخَلُوق: ضرب من الطيّب، أعظم أجزائه الزعفران.


وقال: إنّ الدّم من فعل الجاهليّة، قالت: ثمّ وضعه في حِجره، ثمّ قال: يا أبا عبد الله، عزيزٌ عليَّ، ثمّ بكى، فقلت: بأبي أنت وأمّي، فعلتَ في هذا اليوم وفي اليوم الأوّل، فما هو؟ فقال: أبكي على ابني هذا، تقتله فئة باغية كافرة من بني أميّة، لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة، يقتله رجل يثلم الدين ويكفر بالله العظيم، ثمّ قال: اللّهمّ إنّي أسألك فيهما ما سألك إبراهيم في ذريّته، اللّهمّ أَحبّهما، وأحبَّ مَن يُحبّهما، والعن مَن يبغضهما مِلء السماء والأرض) (١) .

٥) - وروى فرات الكوفي (ره) عن جعفر بن محمّد الفزاري معنعناً، عن الإمام الصادقعليه‌السلام قال:(كان الحسين مع أُمّه تحمله، فأخذه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وقال: لعن الله قاتلك، ولعن الله سالبك، وأهلك الله المتوازرين عليك، وحكم الله بيني وبين مَن أعان عليك.

قالت فاطمة الزهراء: يا أبتِ، أيّ شيء تقول؟

قال: يا بنتاه، ذكرت ما يصيبه بعدي وبعدك من الأذى والظلم والغدر والبغي، وهو يومئذٍ في عصبة كأنّهم نجوم السماء يتهادون إلى القتل، وكأنّي أنظر إلى معسكرهم، وإلى موضع رِحالهم وتُربتهم.

قالت: يا أبه، وأين هذا الموضع الذي تصف؟

قال: موضع يقال له كربلاء، وهي دار كرب وبلاء علينا وعلى الأمّة (الأئمة) يخرج عليهم شرار أمّتي، لو أنّ أحدهم شفع له مَن في السماوات والأرضين ما شفّعوا فيه، وهم المخلّدون في النار.

قالت: يا أبه، فيُقتلُ؟!

قال: نعم يا بنتاه، وما قُتل قتْلته أحدّ كان قبله، ويبكيه السماوات والأرضون، والملائكة، والوحش، والنباتات، والبحار، والجبال، ولو يؤذن لها ما بقي على الأرض

____________________

(١) أمالي الطوسي: ٣٦٧ - ٣٦٨، المجلس ١٣، حديث ٧٨١ / ٣٢.


متنفّس، ويأتيه قوم من محبّينا ليس في الأرض أعلم بالله ولا أقوَم بحقّنا منهم، وليس على ظهر الأرض أحد يلتفت إليه غيرهم، أولئك مصابيح في ظلمات الجَور، وهم الشفعاء، وهم واردون حوضي غداً، أعرفهم إذا وردوا عليَّ بسيماهم، وكلُّ أهل دين يطلبون أئمّتهم، وهم يطلبوننا لا يطلبون غيرنا، وهم قوّام الأرض، وبهم ينزل الغيث.

فقالت فاطمة الزهراءعليها‌السلام : يا أبة، إنّا لله، وبكت.

فقال لها: يا بنتاه، إنّ أفضل أهل الجنان هم الشهداء في الدنيا؛ بذلوا أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنّة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويُقتلون وعداً عليه حقّاً، فما عند الله خير من الدنيا وما فيها، قَتلة أهون من مِيتة، ومَن كُتب عليه القتل خرج إلى مضجعه، ومَن لم يُقتل فسوف يموت.

يا فاطمة بنت محمّد، أمَا تحبّين أن تأمرين غداً بأمر فتُطاعين في هذا الخلق عند الحساب؟ أما ترضين أن يكون ابنك من حَمَلة العرش؟ أما ترضين أن يكون أبوك يأتونه يسألونه الشفاعة؟

أمَا ترضين أن يكون بعلُك يذود الخلق يوم العطش عن الحوض، فيسقي منه أولياءه ويذود عنه أعداءه؟ أما ترضين أن يكون بعلُك قسيم النار، يأمر النار فتطيعه، يُخرج منها مَن يشاء ويترك مَن يشاء.

أمَا ترضين أن تنظرين إلى الملائكة على أرجاء السماء ينظرون إليكِ وإلى ما تأمرين به، وينظرون إلى بعْلُكِ قد حضر الخلائق وهو يخاصمهم عند الله، فما ترين الله صانع بقاتل ولدك وقاتليك وقاتل بعْلُك إذا أفلجت حجّته على الخلائق وأُمرت النار أن تطيعه؟

أمَا ترضين أن يكون الملائكة تبكي لابنك، ويأسف عليه كلّ شيء؟ أما ترضين أن يكون مَن أتاه زائراً في ضمان الله، ويكون مَن أتاه: بمنزلة مَن حجّ إلى بيت الله واعتمر، ولم يخلُ من الرحمة طرفة عين، وإذا مات مات شهيداً، وإنْ بقي لم تزَل الحَفَظة تدعوا له ما بقي،


ولم يزل في حفظ الله وأمنه حتى يفارق الدنيا ؟

قالت: يا أبه، سلّمتُ، ورضيتُ، وتوكّلت على الله.

فمسحَ على قلبها ومسح عينيها، وقال: إنّي وبعلُكِ وأنتِ وابنَيك في مكان تقرّ عيناك ويفرح قلبك) (١) .

٦) - وروى الشيخ ابن نما (ره) قائلاً: (وعن عبد الله بن يحيى قال: دخلنا مع عليّعليه‌السلام إلى صِفّين، فلمّا حاذى نينوى نادى:(صبراً أبا عبد الله ، فقال:دخلتُ على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وعيناه تفيضان!

فقلت: بأبي أنت وأمّي يا رسول الله، ما لعينيك تفيضان؟ أغضَبكَ أحد؟

قال: لا، بل كان عندي جبرئيل فأخبرني أنّ الحسين يُقتل بشاطئ الفرات، فقال: هل لك أن أُشمّك من تُرتبه؟ قلت: نعم، فمدَّ يده فأخذ قبضة من تراب وأعطانيها، فلم أملك عينيَّ أن فاضتا، واسم الأرض كربلاء.

فلمّا أتت عليه سنتان خرج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى سفر، فوقف في بعض الطريق واسترجع ودمعت عيناه، فسُئل عن ذلك.

فقال: هذا جبرئيل يخبرني عن أرضٍ بشطّ الفرات يُقال لها كربلاء يُقتل فيها وَلدي الحسين.

فقيل: ومَن يقتله؟

قال:رجل يقال له يزيد، كأنّي أنظر إليه وإلى مصرعه ومدفنه بها، وكأنّي أنظر على أقتاب المطايا وقد أُهدي رأس ولدي الحسين إلى يزيد لعنه الله، فو الله ما ينظر أحد إلى رأس الحسين ويفرح إلاّ خالف الله بين قلبه ولسانه، وعذّبه الله عذاباً أليماً) .

____________________

(١) تفسير فرات الكوفي: ٥٥ - ٥٦، وعنه البحار: ٤٤: ٢٦٤ - ٢٦٥، رقم ٢٢ / وانظر: كامل الزيارات: ٦٧ - ٦٨، باب ٢٢، رقم ٢.


ثمّ رجع النبيّ من سفره مغموماً مهموماً كئيباً حزيناً، فصعد المنبر وأصعد معه الحسن والحسين، وخطبَ ووعظ الناس، فلمّا فرغ من خطبته وضع يده اليمنى على رأس الحسن ويده اليسرى على رأس الحسين، ورفع رأسه إلى السماء وقال:

اللّهمّ إنّ محمّداً عبدك ورسولك ونبيّك، وهذان أطائب عترتي وخيار ذرّيتي وأُرومتي، ومَن أُخلِّفهما في أمّتي، وقد أخبرني جبرئيل أنّ ولَدي هذا مقتول بالسمّ، والآخر شهيد مضرّج بالدم، اللّهمّ فبارك له في قتله، واجعله من سادات الشهداء، اللّهمّ ولا تبارك في قاتله وخاذله، واصلِهِ حرَّ نارك واحشره في أسفل درك الجحيم.

قال: فضجّ الناس بالبكاء والعويل.

فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : أتبكون ولا تنصرونه؟! اللّهمّ فكن أنت له وليّاً وناصراً.

ثمّ قال: يا قوم، إنّي مخلّف فيكم الثِقلَين: كتاب الله، وعترتي وأُرومتي ومزاج مائي، وثمرة فؤادي، ومهجتي، لن يفترقا حتّى يرِدا عليَّ الحوض، ألا وإنّي لا أسألكم في ذلك إلاّ ما أمرني ربّي أن أسألكم عنه، أسألكم عن المودّة في القُربى، واحذروا أن تلقوني غداً على الحوض وقد آذيتم عترتي وقتلتُم أهل بيتي وظلمتموهم.

ألا إنّه سيرد عليَّ يوم القيامة ثلاث رايات من هذه الأمّة:

الأولى: راية سوداء مظلمة قد فزعت منها الملائكة، فتقف عليَّ فأقول لهم: مَن أنتم؟ فينسون ذكري، ويقولون: نحن أهل التوحيد من العرب، فأقول لهم: أنا أحمد نبيّ العرب والعجم، فيقولون: نحن من أمّتك، فأقول: كيف خلفتموني من بعدي في أهل بيتي وعترتي وكتاب ربّي؟ فيقولون: أمّا الكتاب فضيّعناه، وأمّا العترة فحرصنا أن نبيدهم عن جديد الأرض، فلمّا أسمع ذلك منهم أعرض عنهم وجهي، فيصدرون عطاشاً مسوّدة وجوههم.

ثمّ ترد عليَّ راية أخرى أشدّ سواداً من الأولى، فأقول لهم: كيف خلفتموني من بعدي في الثقلين: كتاب الله، وعترتي؟


فيقولون: أمّا الأكبر فخالفناه، وأمّا الأصغر فمزّقناهم كل ممزّق! فأقول: إليكم عنّي، فيصدرون عطاشاً مسوّدة وجوههم.

ثمّ ترد عليَّ راية تلمع وجوههم نوراً فأقول لهم: مَن أنتم؟ فيقولون: نحن أهل كلمة التوحيد والتقوى من أمّة محمّد المصطفى، ونحن بقيّة أهل الحق، حملنا كتاب ربّنا، وحلّلنا حلاله، وحرّمنا حرامه، وأحببنا ذريّة نبيّنا محمّد، ونصرناهم من كلّ ما نصرنا به أنفسنا، وقاتلنا معهم مَن ناواهم، فأقول لهم: أبشروا، فأنا نبيّكم محمّد، ولقد كنتم في الدنيا كما قلتم، ثمّ أسقيهم من حوضي فيصدرون مرويّين مستبشرين، ثمّ يدخلون الجنّة خالدين فيها أبد الآبدين) (١) .

٧) - روى الشيخ الصدوق (ره) بسند عن ابن عباس قال: (إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان جالساً ذات يوم إذ أقبل الحسنعليه‌السلام ، فلمّا رآه بكى، ثمّ قال:(إلى أين يا بُنيّ؟ فما زال يُدنيه حتّى أجلسه على فخذه اليمنى.

ثمّ أقبل الحسينعليه‌السلام ، فلمّا رآه بكى، ثمّ قال:إلى أين يا بُنيّ؟ فما زال يُدنيه حتى أجلسه على فخذه اليسرى.

ثمَّ أقبلت فاطمةعليها‌السلام ، فلمّا رآها بكى، ثمّ قال:إليَّ إليَّ يا بُنيّة، فأجلسها بين يديه، ثمّ أقبل أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام ، فلمّا رآه بكى، ثمّ قال:إليَّ يا أخي، فما زال يُدنيه حتّى أجلسه إلى جنبه الأيمن.

فقال له أصحابه: يا رسول الله، ما ترى واحداً من هؤلاء إلاّ بكيت! أَوَ ما فيهم مَن تُسَرُّ برؤيته؟!

____________________

(١) راجع: مثير الأحزان: ١٨ - ٢٠، وبحار الأنوار: ٤٤: ٢٤٧ - ٢٤٩، وروى بعضه ابن أبي شيبة في مصنّفه: ١٥: ٩٨ رقم ١٩٢١٤، وأحمد في مسنده: ١: ٨٥.


فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله :والذي بعثني بالنبوّة واصطفاني على جميع البريّة، إنّي وإيّاهم لأكرم الخلق على الله عزّ وجلّ، وما على وجه الأرض نسمة أحبّ إليَّ منهم، وأمّا عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ... وأمّا الحسين فإنّه منّي، وهو ابني وولدي وخير الخلق بعد أخيه، وهو إمام المسلمين، ومولى المؤمنين، وخليفة ربّ العالمين، وغياث المستغيثين، وكهف المستجيرين، وحجّة الله على خلقه أجمعين، وهو سيّد شباب أهل الجنّة، وباب نجاة الأمّة، أمْرهُ أمري، وطاعته طاعتي، مَن تبعه فإنّه منّي، ومَن عصاه فليس منّي، وإنّي لمّا رأيته تذكّرت ما يُصنع به بعدي، كأنّي به وقد استجار بحَرَمي وقُربي فلا يُجار! فأضمّه في منامه إلى صدري، وآمرهُ بالرحلة عن دار هجرتي، وأبشّره بالشهادة فيرتحل عنها إلى أرض مقتله وموضع مصرعه أرض كرب وبلاء، وقتْلٍ وفَناء، تنصره عصابة من المسلمين، أولئك من سادة شهداء أمّتي يوم القيامة، كأنّي أنظر إليه وقد رُمي بسهمٍ فخرّ عن فرَسه صريعاً، ثمّ يُذبح كما يُذبح الكبش مظلوماً.

ثمّ بكى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وبكى مَن حوله، وارتفعت أصواتهم بالضجيج، ثمّ قامصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو يقول:اللّهمّ إنّي أشكو إليك ما يلقى أهل بيتي بعدي)، ثمّ دخل منزله) (١) .

٨) - (وروي عن عبد الله بن عبّاس (رض) أنّه قال: لما اشتدّ برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مرضه الذي مات فيه، وقد ضمَّ الحسينعليه‌السلام إلى صدره، يسيل من عرَقه عليه، وهو يجود بنفسه ويقول:(ما لي وليزيد؟! لا بارك الله فيه، اللّهمَّ العن يزيد) .

ثمّ غشي عليه طويلاً، وأفاق وجعل يُقبّل الحسين وعيناه تذرفان، ويقول:(أمَا إنّ لي ولقاتلك مقاماً بين يدي الله عزّ وجلّ) (٢) .

____________________

(١) أمالي الشيخ الصدوق: ٩٩ - ١٠١، المجلس ٢٤، رقم ٢.

(٢) مثير الأحزان: ٢٢.


أمير المؤمنين عليٌّعليه‌السلام ومصاب الحسينعليه‌السلام

وكما كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يعيش مأتماً متواصلاً، ويكابد حزناً شديداً وجزعاً عظيماً ويبكي بكاءً مُرّاً، ويُبكي مَن حوله؛ لمَا سوف يُصيب الإمام الحسينعليه‌السلام من عظيم البلاء، كذلك كان أمير المؤمنينعليه‌السلام . وإنَّ المأثور عنهعليه‌السلام في ذلك لَكثير، لكنّنا لا يسعنا هنا أيضاً إلاّ أن ننتقي منه نماذج على سبيل المثال تبرّكاً:

١) - روى الشيخ الصدوق (ره) بسند عن الأصبغ بن نباتة (ره) قال: (خرج علينا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ذات يوم ويده في يد ابنه الحسنعليه‌السلام وهو يقول:(خرج علينا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ذات يوم ويدي في يده هكذا وهو يقول: خير الخلق بعدي وسيّدهم أخي هذا، وهو إمام كلّ مسلم، ومولى كلّ مؤمن بعد وفاتي.

ألا وإنّي أقول: خير الخلق بعدي، وسيّدهم ابني هذا، وهو إمام كلّ مؤمن، ومولى كلّ مؤمن بعد وفاتي، ألا وإنّه سيُظلَم بعدي كما ظُلمتُ بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وخير الخلق وسيّدهم بعد الحسن ابني أخوه الحسين المظلوم بعد أخيه، المقتول في أرض كربلاء، أمَا إنّه وأصحابه من سادة الشهداء يوم القيامة...) (١) .

٢) - وأخرج الشيخ الصدوق (ره) أيضاً في أماليه بسند عن جبلة المكيّة قالت: سمعت ميثم التمّار يقول: (والله، لتَقتِلنّ هذه الأمّة ابن نبيّها في المحرّم لعشرٍ مضَين منه، وليتّخذنّ أعداء الله ذلك اليوم يوم بركة، وإنّ ذلك لكائن قد سبق في علم الله تعالى ذكره، أعلم ذلك بعهد عَهدهُ إليَّ مولاي أمير المؤمنين صلوات الله عليه، ولقد أخبرني أنّه:(يبكي عليه كلّ شيء حتى الوحوش في الفلوات، والحيتان في البحار، والطير في جوّ السماء، وتبكي عليه الشمس، والقمر، والنجوم، والسماء، والأرض،

____________________

(١) كمال الدين وتمام النعمة: ١: ٢٥٩، باب ٢٤، رقم ٥، وعنه الراوندي في قصص الأنبياء: ٣٦٦ - ٣٦٧، رقم ٤٣٩، والطبرسي في إعلام الورى: ٣٧٧ - ٣٧٨.


ومؤمنو الإنس والجنّ، وجميع ملائكة السماوات ورضوان ومالك، وحَملة العرش، وتمطر السماء دماً ورماداً، ثمّ قال:وجَبَت لعنة الله على قَتلة الحسين عليه‌السلام كما وجبَت على المشركين الذين يجعلون مع الله إلهاً آخر، وكما وجبَت على اليهود والنصارى والمجوس) .

قالت جبلة: فقلت: يا ميثم، وكيف يتّخذ الناس ذلك اليوم الذي يُقتل فيه الحسين بن عليّعليهما‌السلام يوم بركة؟!.

فبكى ميثم، ثمّ قال: سيزعمون بحديث يضعونه أنّه اليوم الذي تاب الله فيه على آدمعليه‌السلام ، وإنّما تاب الله على آدمعليه‌السلام في ذي الحجّة، ويزعمون أنّه اليوم الذي قبِل الله فيه توبة داود، وإنّما قبِل الله توبته في ذي الحجّة، ويزعمون أنّه اليوم الذي أخرج الله فيه يونس من بطن الحوت، وإنّما أخرجه الله من بطن الحوت في ذي القعدة، ويزعمون أنّه اليوم الذي استوت فيه سفينة نوح على الجوديّ، وإنّما استوت على الجوديّ يوم الثامن عشر من ذي الحجّة، ويزعمون أنّه اليوم الذي فلق الله فيه البحر لبني إسرائيل، وإنّما كان ذلك في شهر ربيع الأوّل.

ثمّ قال ميثم: يا جبلة، اعلَمي أنّ الحسين بن عليّ سيّد الشهداء يوم القيامة، ولأصحابه على سائر الشهداء درجة، يا جبلة إذا نظرتِ إلى الشمس حمراء كأنّها دم عبيط فاعلَمي أنّ سيّدك الحسين قد قُتل.

قالت جبلة: فخرجتُ ذات يوم فرأيت الشمس على الحيطان كأنّها الملاحف المعصفرة! فصحتُ حينئذٍ وبكيتُ، وقلت: قد والله قُتل سيّدنا الحسين بن عليّعليه‌السلام )(١) .

٣) - وأخرج الشيخ الصدوق (ره) أيضاً في أماليه بسندٍ عن ابن عبّاس قال:

____________________

(١) أمالي الصدوق: ١١٠ - ١١١، المجلس ٢٧، رقم ١، وعلل الشرايع: ١: ٢٢٧ - ٢٢٨.


(كنت مع أمير المؤمنينعليه‌السلام في خروجه (في خرجته) إلى صِفّين، فلمّا نزل بنينوى وهو شطّ الفرات قال بأعلى صوته:(يا بن عبّاس، أتعرف هذا الموضع؟ قلت له: ما أعرفه يا أمير المؤمنين، فقالعليه‌السلام :لو عرفته كمعرفتي لم تكن تجوزه حتّى تبكي كبكائي، قال: فبكى طويلاً حتّى اخضلّت لحيَته وسالت الدموع على صدره، وبكينا معاً، وهو يقول:أوه أوه! ما لي ولآل أبي سفيان؟! ما لي ولآل حرب حزب الشيطان وأولياء الكفر؟! صبراً يا أبا عبد الله، فقد لقيَ أبوك مثل الذي تلقى منهم!

ثمّ دعا بماءٍ فتوضّأ وضوءه للصلاة، فصلّى ما شاء الله أن يصلّي، ثمّ ذكر نحو كلامه الأوّل، إلاّ أنّه نعس عند انقضاء صلاته وكلامه ساعة، ثمّ انتبه، فقال:يا بن عبّاس، فقلت: ها أنا ذا؟

فقال:ألا أُحدّثك بما رأيت في منامي آنفاً عند رَقدَتي؟

فقلت: نامت عيناك ورأيتَ خيراً يا أمير المؤمنين.

قال:رأيت كأنّي برجال قد نزلوا من السماء، معهم أعلام بيض، قد تقلّدوا سيوفهم وهي بيض تلمع، وقد خطّوا حول هذه الأرض خطّة، ثمّ رأيت كأنّ هذه النخيل قد ضربت بأغصانها الأرض تضطرب بدمٍ عبيط، وكأنّي بالحسين سُخَيلي وفرْخي ومُضغتي ومخّي قد غرق فيه يستغيث فلا يُغاث، وكأنّ الرجال البيض قد نزلوا من السماء ينادونه ويقولون: صبراً آلَ الرسول! فإنّكم تُقتلون على أيدي شرار الناس، وهذه الجنّة يا أبا عبد الله إليك مشتاقة! ثمّ يعزّونني ويقولون: يا أبا الحسن، أبشِر فقد أقرّ الله به عينك يوم القيامة يوم يقوم النّاس لربّ العالمين، ثمّ انتبهتُ!

وهكذا والذي نفس عليٍّ بيده، لقد حدّثني الصادق المصدّق أبو القاسمصلى‌الله‌عليه‌وآله : أنّي سأراها في خروجي إلى أهل البغي علينا، وهذه أرض كرب وبلاء، يُدفن فيها الحسين وسبعة عشر رجلاً من وِلدي ووِلد فاطمة، وإنّها لفي السماوات معروفة تُذكر أرض كرب وبلاء، كما تُذكر بقعة الحرَمَين، وبقعة بيت المقدس.


ثمّ قال:يا بن عبّاس، اُطلب لي حولها بعْر الظباء، فو الله ما كذبتُ ولا كُذّبت، وهي مصفرّة لونها لون الزعفران!

قال ابن عباس: فطلبتها فوجدتها مجتمعة، فناديته: يا أمير المؤمنين، قد أصبتها على الصفة التي وصفتها لي.

فقال عليّعليه‌السلام :صدق الله ورسوله، ثمّ قامعليه‌السلام يهرول إليها، فحملها وشمّها، وقال:هي هي بعينها! أتعلُم يا بن عبّاس ما هذا الأبعار؟

هذه قد شمّها عيسى بن مريمعليه‌السلام ، وذلك أنّه مرّ بها ومعه الحواريّون فرأى هاهنا الظباء مجتمعة وهي تبكي، فجلس عيسىعليه‌السلام وجلس الحواريّون معه فبكى وبكى الحواريّون، وهم لا يدرون لِمَ جلس ولِمَ بكى!

فقالوا: يا روح الله وكلمته، ما يبكيك؟!

قال: أتعلمون أيّ أرض هذه؟

قالوا: لا.

قال: هذه أرض يُقتل فيها فرْخ الرسول أحمد، وفرخ الحرّة الطاهرة البتول شبيهة أمّي، ويُلحد فيها، طينة أطيب من المسك؛ لأنّها طينة الفرْخ المستشهد، وهكذا تكون طينة الأنبياء وأولاد الأنبياء، فهذه الظباء تكلّمني وتقول: إنّها ترعى في هذه الأرض شوقاً إلى تُربة الفرخ المبارك.

وزعمت أنّها آمنة في هذه الأرض، ثمّ ضرب بيده إلى هذه الصيران فشمّها وقال: هذه بعر الظباء على هذا الطيب؛ لمكان حشيشها، اللّهمَّ فأبقها أبداً حتّى يشمّها أبوه فيكون له عزاء وسلوة.

قال:فبقيَت إلى يوم الناس هذا، وقد اصفرّت لطول زمنها، وهذه أرض كرب وبلاء، ثمّ قال بأعلى صوته:يا ربّ عيسى بن مريم، لا تُبارك في قَتَلَتِه، والمُعين عليه، والخاذل له.


ثمّ بكى بكاءً طويلاً وبكينا معه، حتّى سقط لوجهه وغُشيَ عليه طويلاً، ثمّ أفاق فأخذ البعر فصرَّهُ في ردائه، وأمرني أن أصرّها كذلك، ثمّ قال:يا بن عبّاس، إذا رأيتها تنفجر دماً عبيطاً ويسيل منها دم عبيط فاعلم أنّ أبا عبد الله قد قُتل بها ودُفن).

قال ابن عبّاس: فو الله لقد كنت أحفظها أشدّ من حفظي لبعض ما افترض الله عزّ وجلّ عليَّ، وأنا لا أحلّها من طرف كُمّي، فبينما أنا نائم في البيت إذا انتبهتُ فإذا هي تسيل دماً عبيطاً، وكان كُمّي قد امتلأ دماً عبيطاً، فجلست وأنا باكٍ وقلت: قد قُتل والله الحسين! والله ما كذَبني عليٌّ قطّ في حديث حدّثني، ولا أخبرني بشيء قطّ أنّه يكون إلاّ كان كذلك؛ لأنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يخبره بأشياء لا يخبر بها غيره.

ففزعت وخرجت وذلك عند الفجر، فرأيتُ والله المدينة كأنّها ضبابٌ لا يستبين منها أثر عَين، ثمّ طلعت الشمس فرأيت كأنّها منكسفة، ورأيت كأنّ حيطان المدينة عليها دم عبيط، فجلست وأنا باكٍ فقلت: قد قُتل والله الحسين، وسمعت صوتاً من ناحية البيت وهو يقول:

إصبروا آلَ الرسول

قُـتل الفرخ النحول

نزل الروح الأمين

بـبـكاء وعـويل

ثمّ بكى بأعلى صوته وبكيتُ، فأثبتُّ عندي تلك الساعة وكان شهر المحرم يوم عاشوراء لعشر مضين منه، فوجدته قُتل يوم ورد علينا خبره وتاريخه كذلك، فحدّثت هذا الحديث أولئك الذين كانوا معه، فقالوا: والله، لقد سمعنا ما سمعت ونحن في المعركة ولا ندري ما هو، فكنّا نرى أنّه الخضرعليه‌السلام )(١) .

____________________

(١) أمالي الصدوق: ٤٧٨ - ٤٨٠، المجلس ٨٧، رقم ٥. وكمال الدين: ٢: ٥٣٢ - ٥٣٥، باب ٤٨، رقم ١. وانظر: الخرائج والجرائح: ٣: ١١٤٤، رقم ٥٦. والفتوح: ٢: ٤٦٢ - ٤٦٣.


٣) - وأخرج أبو نعيم الأصبهاني عن الأصبغ بن نُباتة قال: (أتينا مع عليّعليه‌السلام موضع قبر الحسينعليه‌السلام فقال:(هاهنا مناخ ركابهم وموضع رحالهم، وهاهنا مهراق دمائهم، فتية من آل محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله يُقتلون بهذه العرصة، تبكي عليهم السماء والأرض) (١) .

٤) - وأخرج الراوندي في الخرائج عن أبي سعيد عقيصا قال: (خرجنا مع عليّعليه‌السلام نريد صِفّين، فمررنا بكربلاء فقال:(هذا موضع قبر الحسين عليه‌السلام وأصحابه) (٢) .

٥) - وقال عليٌّعليه‌السلام للبراء بن عازب:(يا براء، يُقتل ابني الحسين وأنت حيٌّ لا تنصره) ، فلمّا قُتل الحسينعليه‌السلام كان البراء بن عازب يقول: صدق والله عليّ بن أبي طالب، قُتل الحسين ولم أنصره. ثمّ أظهرَ على ذلك الحسرة والندم)(٣) .

٦) - وروى الشيخ ابن قولويه (ره) بسند عن أبي عبد الله الجدلي قال: (دخلت على أمير المؤمنينعليه‌السلام والحسين إلى جنبه، فضرب بيده على كتف الحسين، ثمّ قال:(إنّ هذا يُقتل ولا ينصره أحدٌ!

قال: قلت: يا أمير المؤمنين، والله إنّ تلك لحياة سوء.

قال:إنّ ذلك لكائن) (٤) .

٧) - (وروي عن أبي جعفر، عن أبيهعليهما‌السلام قال:(مرَّ عليٌّ بكربلاء فقال لمّا مرَّ

____________________

(١) دلائل النبوّة لأبي نعيم الإصبهاني: ٢: ٥٨١ - ٥٨٢، رقم ٥٣. وأُسد الغابة لابن الأثير: ٤: ١٦٩، مرسلاً عن غرفة الأزدي بتفاوت يسير. وفي إرشاد المفيد: ١٧٥:(هذا والله مُناخ ركابهم وموضع منيّتهم). وفي تهذيب الطوسي: ٦: ٧٢، رقم ١٣٨:(مناخ ركاب ومصارع شهداء لا يسبقهم مَن كان قبلهم).

(٢) الخرائج والجرائح ١: ٢٢٢، رقم ٦٧.

(٣) الإرشاد: ١٩٢.

(٤) كامل الزيارات: ٧١، باب ٢٣، حديث رقم ١.


به أصحابه وقد اغرورقت عيناه يبكي ويقول: هذا مُناخ ركابهم، وهذا مُلقى رحالهم، هاهنا مُراق دمائهم، طوبى لكِ من تربة عليها تُراق دماء الأحبّة).

وقال الباقرعليه‌السلام :(خرج عليٌّ يسير بالنّاس حتّى إذا كان بكربلاء على ميلَين أو ميل، تقدّم بين أيديهم حتى طاف بمكان يُقال له المقذفان، فقال: قُتل فيها مئتا نبيّ ومئتا سبط كلّهم شهداء، ومناخ ركاب ومصارع عشّاق شهداء، لا يسبقهم مَن كان قبلهم ولا يلحقهم مَن بعدهم) (١) .

إخبارات الإمام الحسينعليه‌السلام بمقتله قبل قيامه

إنّ إخبارات الإمام الحسينعليه‌السلام بمصرعه ومصرع أصحابه، وزمان ومكان هذا المصرع بعد أن أعلن عن قيامه ورفضه لبيعة يزيد، أمام والي المدينة آنذاك الوليد بن عتبة، كثيرة مبثوثة في لقاءاته ومحاوراته، خصوصاً في المدّة الممتدّة من قُبيل رحيله عن مكة إلى ساعة استشهادهعليه‌السلام .

لكنّ الإمام الحسينعليه‌السلام كان قبل قيامه قد تحدّث وأخبر عن مصرعه وعن قاتله، منذ أن كان طفلاً صغيراً، ولم يزل يواصل الإخبار عن استشهاده إلى أواخر أيّام ما قبل الإعلان عن قيامه، ومن هذه الأخبار:

١) - عن حذيفة بن اليمان قال: (سمعتُ الحسين بن عليّ يقول:(والله، ليجتمعنّ على قتلي طغاة بني أميّة، ويَقدِمهم عمَر بن سعد، وذلك في حياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فقلتُ: أنبّأك بهذا رسول الله؟ قال:لا .

فأتيتُ النبيّ فأخبرته، فقال:عِلمي علمهُ، وعِلمه عِلمي، وإنّا لنعلم بالكائن قبل كينونته) )(٢) .

____________________

(١) البحار: ٤١: ٢٩٥، باب ١١٤، حديث ١٨.

(٢) دلائل الإمامة: ١٨٣ - ١٨٤، حديث ١٠١ / ٦.


٢) - وروي أنّ عمَر بن سعد قال للحسينعليه‌السلام : (يا أبا عبد الله، إنّ قَبِلَنا ناساً سفهاء يزعمون أنّي أقتلك!

فقال له الحسينعليه‌السلام :(إنّهم ليسوا بسفهاء، ولكنّهم حلماء، أمَا إنّه تقرّ عيني أن لا تأكل من بُرّ العراق بعدي إلاّ قليلاً)) (١) .

٣) - وروى الشيخ ابن قولويه (ره) بسند عن الإمام الصادقعليه‌السلام ، عن أبيهعليه‌السلام ، عن جدّهعليه‌السلام ، عن الإمام الحسينعليه‌السلام أنّه قال:(والذي نفس حسين بيده لا ينتهي بني أميّة مُلكهم حتى يقتلوني، وهم قاتليّ، فلو قد قتلوني لم يصلّوا جميعاً أبداً، ولم يأخذوا عطاءً في سبيل الله جميعاً أبداً، إنّ أوّل قتيل هذه الأمّة أنا وأهل بيتي، والذي نفس حسين بيده لا تقوم الساعة وعلى الأرض هاشميٌّ يطرف) (٢) .

٤) - وروى (ره) أيضاً بسند عن الإمام الصادقعليه‌السلام أيضاً قال:(قال الحسين بن عليّ عليهما‌السلام : أنا قتيل العَبرة، لا يذكرني مؤمنٌ إلاّ استعبر) (٣) .

لماذا كان الإخبار بمقتلهعليه‌السلام ؟

(إنّ أخبار الملاحم والفتن المأثورة عن أهل بيت العصمةعليهم‌السلام عامة، وعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خاصة، فضلاً عن أنّها تؤكّد على أنّ عِلم هؤلاء المصطفَين الأخيارعليهم‌السلام علمٌ لدُنيٌّ ربّانيٌّ، كاشف عن مكانتهم الإلهية الخاصة المنصوص عليها من قِبل الله تعالى، تؤكّد أيضاً على مدى حرصهم الكبير على رعاية هذه

____________________

(١) الإرشاد: ٢٨٢.

(٢) كامل الزيارات: ٧٥، باب ٢٣، رقم ١٣.

(٣) كامل الزيارات: ١١٦، باب ٣٦، رقم ٣.


الأمّة، وإنقاذها من هلكات مدلهمّات الفتن التي أحاطت بها منذ بداية التَيه في يوم السقيفة.

لقد كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يعلم مدى الانحراف الذي سيصيب الأمّة من بعده، ويلقي بها في متاهات تنعدم فيها القدرة على الرؤية السديدة إلاّ على قلّة من ذوي البصائر، ويصعب فيها تشخيص الحقّ من الباطل إلاّ على مَن تمسّك بعروة الثقلَين، وكانصلى‌الله‌عليه‌وآله يعلم خطورة حالة الشلل النفسي والازدواجية في الشخصية التي ستتعاظم في الأمّة من بعده، حتى لا يكاد ينجو منها إلاّ أقلّ القليل.

لذا لم يألُصلى‌الله‌عليه‌وآله جهداً في تبيان سبُل الوقاية والنجاة من تلك الهلكات، ومن جملة تلك السبل: سبيل إخبار الأمّة بملاحمها وبالفتن التي ستتعرّض لها إلى قيام الساعة، فكشف لهاصلى‌الله‌عليه‌وآله عن كلّ الملاحم والفتن، وأوضح لها مزالق وعثرات الطريق إلى أن تنقضي الدنيا. يقول حذيفة بن اليمان (ره): والله، ما ترك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا، بلغ مَن معه ثلاثمئة فصاعداً، إلاّ قد سمّاه لنا باسمه واسم أبيه واسم قبيلته(١) !.

وذلك؛ لكي لا تلتبس على الأمّة الأمور، ولا تقع في خطأ الرؤية أو انقلابها فترى المنكر معروفاً والمعروف منكراً!(٢) إضافة إلى ما يتضمّنه بيان الملاحم للأمّة من دعوة إلى نصرة صفّ الحق وخذلان صفّ الباطل، بعد تشخيص كلٍّ من الصفَّين.

____________________

(١) راجع: سنن أبي داود: ٤: ٩٥، حديث ٤٢٤٣.

(٢) عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله :(كيف بكم إذا فسدت نساؤكم وفسق شبابكم، ولم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر؟! فقيل له: ويكون ذلك يا رسول الله؟! فقال:نعم، وشرٌ من ذلك، كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟! فقيل له: ويكون ذلك؟! قال:نعم، وشرٌ من ذلك، كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكراً والمنكر معروفاً؟!) . (راجع: الكافي: ٥: ٥٩، كتاب الجهاد حديث رقم ١٤).


وقد اختُصَّ قتل الحسينعليه‌السلام بنصيب وتركيز أكبر في الإخبارات الواردة عن النبيّ (صلّى الله عيه وآله)، وعن أمير المؤمنينعليه‌السلام ؛ وذلك لعظيم حرمة الإمام الحسينعليه‌السلام ، ولنوع مصرعه المفجع ومصارع أنصاره، ولشدّة مصابهما بتلك الوقعة الفظيعة والرزيّة العظيمة(١) ، ولأهميّة واقعة عاشوراء بلحاظ ما يترتّب عليها من حفظ الإسلام وبقائه، ولأهميّة المثوبة العظيمة والمنزلة الرفيعة المترتّبة على نصرة الحسينعليه‌السلام ، واللعنة الدائمة والعقوبة الكبيرة التي تلحق مَن يقاتله ويخذله.

ولعلّ قُرب عاشوراء الزمني من عهد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وعليّعليه‌السلام ، عامل أيضاً من عوامل هذا التركيز؛ لأنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ووصيّهعليه‌السلام يعلمان أنَّ جماعة غير قليلة من الصحابة والتابعين سوف يدركون يوم عاشوراء، فالتركيز على الإخبار بمقتلهعليه‌السلام ، ومخاطبة هؤلاء مخاطبة مباشرة بذلك، يؤثّران التأثير البالغ في الدعوة إلى نصرتهعليه‌السلام ، والتحذير من الانتماء إلى صف أعدائه، مع ما في ذلك من إتمام الحجّة على هؤلاء الناس آنئذٍ؛ ولذا كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يخاطب الباكين معه لبكائه على الحسينعليه‌السلام خطاباً مباشراً فيقول لهم:(أيها الناس، أتبكونه ولا تنصرونه؟!) (٢) ، ويخاطب عليٌّعليه‌السلام البراء بن عازب قائلاً:(يا براء، يُقتل ابني الحسين وأنت حيٌّ لا تنصره!) (٣) .

____________________

(١) عن الإمام الصادقعليه‌السلام :(لمّا أن هبط جبرئيل على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بقتل الحسين، أخذ بيد عليّ فخلا به مليّاً من النهار فغلبتهما عبرة، فلم يتفرّقا حتّى هبط عليهما جبرئيل - أو قال رسول ربّ العالمين -فقال لهما: ربّكما يقرئكما السلام ويقول: قد عزمت عليكما لمّا صبرتما، قال: فصبراً) (راجع: كامل الزيارات: ٥٣، باب ١٦، حديث رقم ١)، وهذا حديث من الأحاديث الكثيرة الكاشفة عن عُظم رزية الحسينعليه‌السلام على قلب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقلب أمير المؤمنينعليه‌السلام .

(٢) راجع: مثير الأحزان: ١٩.

(٣) راجع: الإرشاد: ١٩٢.


وفي المقابل فقد انتفع بهذا الإخبار جمْع من أهل الصدق والإخلاص من الصحابة والتابعين، فقد روى الصحابيّ الجليل أنس بن الحارث رضوان الله تعالى عليه عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال:(إنّ ابني هذا - وأشار إلى الحسين -يُقتل بأرض يُقال لها كربلاء، فمَن شهد ذلك منكم فلينصره)، ولمّا خرج الإمام الحسينعليه‌السلام إلى كربلاء خرج معه الصحابي الجليل أنس بن الحارث رضوان الله تعالى عليه، واستُشهد بين يدي الحسينعليه‌السلام (١) .

ولعلّ سِرّ التحوّل في موقف زهير بن القين رضوان الله تعالى عليه، ما كان يحفظه من قول سلمان الفارسيّ رضوان الله تعالى عليه وإخباره عن بشرى نصرة الإمام الحسينعليه‌السلام ، يقول زهير: (سأحدّثكم حديثاً، إنّا غزَونا البحر ففتح الله علينا وأصبنا غنائم، فقال لنا سلمان الفارسيرحمه‌الله : أفَرحتم بما فتح الله عليكم وأصبتم من الغنائم؟ فقلنا: نعم، فقال: إذا أدركتم سيّد شباب آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله فكونوا أشدّ فرحاً بقتالكم معهم ممّا أصبتم اليوم من الغنائم)(٢) .

و (قال العريان بن الهيثم: كان أبي يتبدّى(٣) ، فينزل قريباً من الموضع الذي كان فيه معركة الحسين، فكنّا لا نبدوا إلاّ وجدنا رجلاً من بني أسدٍ هناك.

فقال له أبي: أراك ملازماً هذا المكان؟؟

قال: بلغني أنّ حسيناً يُقتل هاهنا، فأنا أخرج إلى هذا المكان لعليّ أُصادفه

____________________

(١) راجع: تاريخ ابن عساكر (ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام ) / تحقيق المحمودي: ٢٣٩، حديث ٢٨٣.

(٢) الإرشاد: ٢٤٦.

(٣) يتبدّى: يخرج إلى البادية.


فأُقتل معه! قال ابن الهيثم: فلمّا قُتل الحسين قال أبي: انطلقوا بنا ننظر هل الأسديُّ فيمن قُتل مع الحسين؟ فأتينا المعركة وطوّفنا فإذا الأسديّ مقتول!)(١) )(٢) .

____________________

(١) تاريخ ابن عساكر: ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام ، تحقيق المحمودي: ٢١٢، حديث ٢٦٩.

(٢) الجزء الأوّل من هذه الدراسة: (الإمام الحسينعليه‌السلام في المدينة المنوّرة): ٢٠٤ - ٢٠٨.


الفصل الثاني

الإمام الحسينعليه‌السلام في كربلاء



الفصل الثاني

الإمام الحسينعليه‌السلام في كربلاء

من اليوم الثاني من المحرّم سنة ٦١ هـ.ق حتّى فجر اليوم العاشر

نزل الركْب الحسينيّ أرض كربلاء في الثاني من المحرّم سنة إحدى وستين للهجرة، وكان ذلك في يوم الخميس، على ما هو المشهور القويّ(١) .

____________________

(١) ذهب إلى ذلك: الطبريّ في تاريخه: ٤: ٣٠٩، وابن الأثير في كامله: ٣: ٢٨٢، والشيخ المفيد (ره) في الإرشاد: ٢٥٣، والبلاذري في أنساب الأشرف: ٣: ٣٨٥ وغيرهم، ولم يخالف ذلك إلاّ الدينوري، حيث قال: (ثمّ أمر الحسين بأثقاله فحطّت بذلك المكان يوم الأربعاء غرّة المحرّم من سنة إحدى وستين) (الأخبار الطوال: ٢٥٣).

وكذلك ما ورد في المقتل المنسوب إلى أبي مخنف: (وساروا جميعاً إلى أن أتوا أرض كربلاء وذلك يوم الأربعاء) (مقتل الحسينعليه‌السلام لأبي مخنف: ٧٥ - ٧٦)، لكنّه لم يذكر تاريخ اليوم، وكذلك ما ورد من ترديد ابن أعثم الكوفي في يوم نزولهم كربلاء، حيث قال: (حتى نزل كربلاء في يوم الأربعاء أو يوم الخميس، وذلك في الثاني من المحرّم سنة إحدى وستين) (الفتوح: ٥: ١٤٩)، وإذا علمنا أنّ يوم التروية الثامن من ذي الحجّة سنة ٦٠ هـ كان يوم الثلاثاء حسب تصريح الإمام الحسينعليه‌السلام نفسه(... وقد شخصتُ إليكم من مكّة يوم الثلاثاء لثمان مضَين من ذي الحجّة يوم التروية..) (تاريخ الطبري ٤: ٢٩٧)، على هذا، فإنّ الأربعاء إمّا أن يكون غرّة المحرّم إذا كان شهر ذي الحجّة تسعة وعشرين يوماً، أو يكون الأربعاء هو اليوم الثلاثين من شهر ذي الحجّة إذا كان هذا الشهر ثلاثين يوماً، وعلى ضوء هذا لا يمكن أن يكون يوم الأربعاء هو اليوم الثاني من المحرّم حسب ترديد ابن أعثم الكوفي، فيسقط هذا الترديد، ولا يبقى إلاّ الخميس هو اليوم الثاني من المحرّم تلكم السنة.

قال المحدّث القمي (ره): (قد وقع الخلاف في يوم ورود الحسينعليه‌السلام إلى كربلاء، والأصحّ =


وروي أنّ فرَس الإمام الحسينعليه‌السلام عند وصوله أرض كربلاء، وقفت ممتنعة عن الحركة فلم تنبعث خطوة واحدة، (فنزل عنها وركب أخرى فلم تنبعث خطوة واحدة، ولم يزل يركب فرساً بعد فرَس حتى ركب سبعة أفراس، وهنّ على هذه الحال! فلمّا رأى ذلك قال:(يا قوم، ما اسم هذه الأرض؟

قالوا: أرض الغاضرية.

قال:فهل لها اسم غير هذا؟

قالوا: تُسمّى نينوى.

قال:أَهَلْ لها اسم غير هذا؟

قالوا: شاطئ الفرات.

قال:أَهَلْ لها اسم غير هذا؟

قالوا:تسمّى كربلاء!

فعند ذلك تنفّس الصُعداء، وقال:أرض كرب وبلاء! ثمّ قال:انزلوا، هاهنا مُناخ رِكابنا، هاهنا تُسفك دماؤنا، هاهنا والله تُهتك حريمنا، هاهنا والله تُقتل رجالنا، هاهنا والله تُذبح أطفالنا، هاهنا والله تُزار قبورنا، وبهذه التربة وعَدني جدّي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولا خُلف لقوله، ثمّ نزل عن فرسه!))(١) .

وفي رواية: (ثمّ قال الحسين:ما يُقال لهذه الأرض؟

فقالوا: كربلاء ويُقال لها أرض نينوى قرية بها.

فبكى وقال:كرب وبلاء، أخبرَتني أمّ سلمة قالت: كان جبرئيل عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله

____________________

= أنّه قَدِمها في اليوم الثاني من شهر المحرم الحرام سنة إحدى وستين للهجرة) (منتهى الآمال: ١: ٦١٧).

(١) مقتل الحسينعليه‌السلام ، لأبي مخنف: ٧٥ - ٧٦.


وأنت معي، فبكيتَ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : دعي ابني، فتركتك، فأخذك ووضعك في حِجره، فقال جبرئيل: أتحبّه؟ قال: نعم، قال: فإنّ أُمّتك ستقتله، قال: وإنْ شئتَ أنْ أُريك تُربة أرضه التي يُقتل فيها، قال: نعم، قالت: فبسط جبرئيل جناحه على أرض كربلاء فأراه إيّاها (١) .

(فلمّا قيل للحسين هذه أرض كربلاء شمّها (وفي رواية: قبض منها قبضة فشمّها) وقال:(هذه والله هي الأرض التي أخبر بها جبرئيل رسول الله، وأنّني أُقتل فيها!) )(٢) .

وفي رواية ابن أعثم الكوفي: أنّ الإمامعليه‌السلام لمّا نزل كربلاء أقبل إلى أصحابه فقال لهم:(أهذه كربلاء؟

قالوا: نعم.

فقال الحسين لأصحابه:انزلوا، هذا موضع كرب وبلاء، هاهنا مناخ ركابنا، ومحطّ رحالنا، وسفك دمائنا!)

قال: فنزل القوم، وحطّوا الأثقال ناحية من الفرات، وضُربت خيمة الحسين لأهله وبَنيه، وضربَ عشيرته خيامهم من حول خيمته)(٣) .

وفي رواية السيّد ابن طاووس (ره): فلمّا وصلها قال:(ما اسم هذه الأرض؟ فقيل: كربلاء.

فقالعليه‌السلام :اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الكرب والبلاء! ثمّ قال:هذا موضع كرب وبلاء انزلوا، هاهنا محطّ رحالنا ومسفك دمائنا، وهنا محلّ قبورنا، بهذا حدّثني جدّي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله !) فنزلوا جميعاً(٤) .

____________________

(١) و (٢) تذكرة الخواص: ٢٢٥.

(٣) الفتوح: ٥: ١٤٩.

(٤) اللهوف: ٣٥.


وأقبل الحرُّ بن يزيد حتّى نزل حذاء الحسينعليه‌السلام في ألف فارس، ثمّ كتب إلى عبيد الله بن زياد يخبره أنّ الحسينعليه‌السلام نزل بأرض كربلاء(١) .

إشارة رقم ١:

قال المرحوم السيّد المقرّم (ره): (لا تذهب على القارئ النكتة في سؤال الحسينعليه‌السلام عن اسم الأرض - وكلّ قضايا سيّد الشهداء غامضة الأسرار - والإمام عندنا معاشر الإمامية عالِم بما يجري في الكون من حوادث وملاحم، عارف بما أودع الله تعالى في الكائنات من المزايا؛ إقداراً له من مبدع السماوات والأرضين تعالى شأنه...

وكان السرّ في سؤالهعليه‌السلام عن اسم الأرض التي مُنعوا من اجتيازها، أو أنّ الله تعالى أوقف الجواد كما أوقف ناقة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله عند الحديبية، أن يُعرّف أصحابه بتلك الأرض التي هي محلّ التضحية الموعودين بها بإخبار النبيّ، أو الوصيّ صلّى الله عليهما؛ لتطمئنّ القلوب، وتمتاز الرجال، وتثبت العزائم، وتصدق المفاداة، فتزداد بصيرتهم في الأمر والتأهب للغاية المتوخّاة لهم، حتّى لا يبقى لأحد المجال للتشكيك في موضع كربلاء التي هي محل تُرتبه.

ولا جزاف في هذا النحو من الأسئلة بعد أن صدر مثله من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقد سأل عن اسم الرَجُلين اللذين قاما لحلْب الناقة، وعن اسم الجبلين اللذين في طريقه إلى (بدْر)، ألم يكن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله عالماً بذلك؟ بلى، كان عالماً، ولكنّ المصالح الخفيّة علينا دعته إلى السؤال... وهذا باب من الأسئلة يُعرف عند علماء البلاغة بـ (تجاهل العارف)، وإذا كان فاطر الأشياء الذي لا يغادر عِلمه صغيراً ولا كبيراً يقول لموسىعليه‌السلام :( وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى ) ، ويقول لعيسىعليه‌السلام :( أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ ) ، لَضربٌ من المصلحة، وقال سبحانه للخليلعليه‌السلام :( أَوَلَمْ تُؤْمِن ) مع أنّه عالِم بإيمانه،

____________________

(١) راجع: الفتوح، ٥: ١٥.


فالإمام المنصوب من قِبله أميناً على شرعه لا تخفى عليه المصالح.

كما أنّ سيّد الشهداءعليه‌السلام لم يكن في تعوّذه من الكرب والبلاء عندما سمع باسم كربلاء متطيّراً؛ فإنّ المتطيّر لا يعلم ما يرد عليه، وإنّما يُستكشف ذلك من الأشياء المعروفة عند العرب أنّها سبب للشرّ، والحسينعليه‌السلام على يقين ممّا ينزل به في أرض الطفّ من قضاء الله، فهو عالم بالكرب الذي يحلّ به وبأهل بيته وصحبه، كما أنبأ عنه غير مرّة)(١) .

إشارة رقم ٢:

قال ابن أعثم الكوفي في كتابه الفتوح: (ونزل الحسين في موضعه ذلك ونزل الحرّ بن يزيد حذاءه في ألف فارس، ودعا الحسين بدواة وبياض، وكتب إلى أشراف الكوفة ممّن كان يظنّ أنّهم على رأيه:

(بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن عليّ إلى سليمان بن صرد، والمسيّب بن نجبة، ورفاعة بن شدّاد، وعبد الله بن وال، وجماعة المؤمنين.

أمّا بعدُ، فقد علمتم أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قد قال في حياته: مَن رأى سلطاناً جائراً مستحلاًّ لحُرَم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنّة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، ثمّ لم يُغيّر عليه بقول ولا فعل كان حقّاً على الله أن يُدخله مدخله، وقد علمتم أنّ هؤلاء القوم قد لزموا طاعة الشيطان، وتولّوا عن طاعة الرحمان، وأظهروا في

____________________

(١) مقتل الحسينعليه‌السلام للمقرّم: ١٩٣ - ١٩٤، وفي رجال الكشّي: أنّ سلمان الفارسي (رض) مرَّ بكربلاء في طريقه إلى المدائن فقال: (هذه مصارع إخواني، وهذا موضع مناخهم ومهراق دمائهم، يُقتل بها ابن خير الأوّلين والآخِرين)، فيا تُرى أيعلم سلمان (رض) ما لا يعلمه الإمام الحسينعليه‌السلام الذي قال فيه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله :(عِلمي عِلمه، وعلمه علمي، وإنّا لنعلم بالكائن قبل كينونته) (راجع: دلائل الإمامة: ١٨٣ - ١٨٤، حديث ١٠١ / ٦).


الأرض الفساد، وعطّلوا الحدود والأحكام، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله، وحرّموا حلاله، وإنّي أحَقُّ من غيري بهذا الأمر؛ لقرابتي من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد أتَتني كتبُكم، وقَدِمت عليَّ رسُلكم ببيعتكم أنّكم لا تُسلموني ولا تخذلوني، فإن وفيتم لي ببيعتكم فقد أصبتم حضّكم ورُشدكم، ونفسي مع أنفسكم، وأهلي وولدي مع أهاليكم وأولادكم، فلكم فيَّ أُسوة، وإنْ لم تفعلوا ونقضتم عهدكم ومواثيقكم، وخلعتم بيعتكم، فلعمري ما هي منكم بنُكر، لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمّي، هل المغرور إلاّ مَن اغترّ بكم، فإنّما حضّكم أخطأتم، ونصيبكم ضيّعتم، ومَن نكث فإنّما ينكث على نفسه، وسيُغني الله عنكم، والسلام) .

قال: ثمّ طوى الكتاب وختمه ودفعه إلى قيس بن مسهر الصيداوي، وأمره أن يسير إلى الكوفة.

قال: فمضى قيس إلى الكوفة، وعبيد الله بن زياد قد وضع المراصد والمسالح على الطُرق، فليس أحدٌ يقدر أن يجوز إلاّ فُتّش، فلمّا تقارب من الكوفة قيس بن مسهّر لقيه عدوّ الله، يقال له الحصين بن نمير السكوني، فلمّا نظر إليه قيس كأنّه اتّقى على نفسه، فأخرج الكتاب سريعاً فمزّقه عن آخره.

قال: وأمر الحصين أصحابه فأخذوا قيساً وأخذوا الكتاب ممزّقاً، حتّى أتوا به إلى عبيد الله بن زياد.

فقال له عبيد الله بن زياد: مَن أنت؟

قال: أنا رجل من شيعة أمير المؤمنين الحسين بن عليّرضي‌الله‌عنهما !

قال: فَلِمَ خرَقت الكتاب الذي كان معك؟!

قال: خوفاً حتّى لا تعلم ما فيه.

قال: وممّن كان هذا الكتاب وإلى مَن كان؟


فقال: كان من الحسين إلى جماعة من أهل الكوفة لا أعرف أسماءهم.

قال: فغضب ابن زياد غضباً عظيماً، ثمّ قال: والله، لا تفارقني أبداً أو تدلّني على هؤلاء القوم الذين كُتب إليهم هذا الكتاب، أو تصعد المنبر فتسبّ الحسين وأباه وأخاه فتنجو من يدي، أو لأقطّعنك.

فقال قيس: أمّا هؤلاء القوم فلا أعرفهم، وأمّا لعنة الحسين وأبيه وأخيه فإنّي أفعل!

قال: فأمر به فأُدخل المسجد الأعظم، ثمّ صعد المنبر، وجُمع له النّاس؛ ليجتمعوا ويسمعوا اللعنة، فلمّا عَلم قيس أنّ النّاس قد اجتمعوا وثبَ قائماً، فحمدَ الله وأثنى عليه، ثمّ صلّى على محمد وآله، وأكثرَ الترحّم على عليّ ووَلده، ثمّ لعن عبيد الله بن زياد، ولعن أباه، ولعن عُتاة بني أميّة عن آخرهم، ثمّ دعا النّاس إلى نصرة الحسين بن عليّ.

فأُخبر بذلك عبيد الله بن زياد، فأُصعد على أعلى القصر، ثمّ رُمي به على رأسه فماترحمه‌الله ، وبلغ ذلك الحسين فاستعبر باكياً، ثمّ قال:(اللّهمّ اجعل لنا ولشيعتنا منزلاً كريماً عندك، واجمع بيننا وإيّاهم في مستقرّ رحمتك، إنّك على كلّ شيء قدير).

قال: فوثب إلى الحسين رجلٌ من شيعته يُقال له هلال(١) فقال: يا بن بنت رسول الله، تعلم أنّ جدّك رسول الله لم يقدر أن يُشرِب الخلائق محبّته، ولا أن يرجعوا من أمرهم إلى ما يُحبّ، وقد كان منهم منافقون يعِدونه النصر ويضمرون له الغدر، يلقونه بأحلى من العسل ويلحقونه بأمرّ من الحنظل، حتّى توفّاه الله عزّ وجلّ، وأنّ أباك عليّاً قد كان في مثل ذلك، فقوم أجمعوا على نصره وقاتلوا معه

____________________

(١) الصحيح تاريخياً هو أنّ اسم هذا الرجل: نافع بن هلال الجملي.


المنافقين والفاسقين والمارقين والقاسطين حتّى أتاه أجَله، وأنتم اليوم عندنا في مثل ذلك الحال، فمَن نكث فإنّما ينكث على نفسه، والله يُغني عنه، فسِرْ بنا راشداً مشرّقاً إنْ شئت أو مغرّباً، فو الله ما أشفقنا من قدر الله، ولا كرهنا لقاء ربّنا، وإنّا على نيّاتنا ونصرتنا، نوالي مَن والاك ونعادي مَن عاداك.

قال: فخرج الحسين وولده وإخوته وأهل بيته رحمة الله عليهم بين يديه، فنظر إليهم ساعة وبكى وقال:(اللّهمّ إنّا عترة نبيك محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد أُخرجنا وطُردنا عن حرم جدّنا، وتعدّت بنو أميّة علينا، فخُذ بحقّنا وانصرنا على القوم الكافرين)، قال: ثمّ صاح الحسين في عشيرته ورحل من موضعه ذلك، حتى نزل كربلاء في يوم الأربعاء أو يوم الخميس، وذلك في الثاني من المحرّم سنة إحدى وستين...)(١) .

ونقول:

١) - إنّ المشهور تاريخياً: هو أنّ الإمامعليه‌السلام خطب أصحابه وأصحاب الحرُّ في منزل البيضة خطبته الشهيرة التي جاء فيها:(أيها النّاس، إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: (مَن رأى سلطاناً جائراً مستحلاًّ لحُرم الله...)) (٢) ، ولعلّ ابن أعثم قد تفرّد برواية نصّ تلكم الخطبة على أنّها متْن رسالة بعث بها الإمامعليه‌السلام إلى مجموعة من وجهاء الشيعة وجماعة المؤمنين في الكوفة(٣) .

٢) - وقد تُوهِم رواية ابن أعثم هذه - كما اختلط الأمر بالفعل على بعض المؤرّخين المتأخرين - أنّ الإمامعليه‌السلام كتب هذه الرسالة (نصّ خطبة البيضة) بعد

____________________

(١) الفتوح: ٥: ١٤٣ - ١٤٩.

(٢) راجع: تاريخ الطبري: ٤: ٣٠٤ - ٣٠٥، والكامل في التاريخ: ٣: ٢٨٠، ومقتل الحسينعليه‌السلام للمقرّم: ١٨٤ - ١٨٥.

(٣) أمّا ما في مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ١: ٣٣٤ - ٣٣٦، فهو نقل عن ابن أعثم.


نزوله كربلاء، لكنّ التأمّل في جميع متن رواية ابن أعثم - بالرغم من اضطراب سياق الرواية اضطراباً بيّناً - يكشف عن أنّ الإمامعليه‌السلام كان قد كتبها في موضع من المواضع القريبة من كربلاء قبل نزوله كربلاء، بل قبل اشتداد محاصرة جيش الحرّ للركب الحسيني؛ بدليل قول نافع بن هلال مخاطباً الإمامعليه‌السلام :(فَسِرْ بنا راشداً مشرّقاً إن شئت أو مغرّباً!) ، إذ لو كان هذا القول في كربلاء أو بعد اشتداد المحاصرة لكان قولاً بلا معنى؛ لأنّ الإمامعليه‌السلام - بعد ذلك - كان قد جُعجع به وحوصر، وما كان يملك الاختيار في الحركة لا شرقاً ولا غرباً، هذا أوّلاً.

أمّا ثانياً؛ فلأنّ آخِر متن رواية ابن أعثم يصرّح هكذا: (ثمّ صاح الحسين في عشيرته، ورحل من موضعه ذلك حتّى نزل كربلاء..)؛ وفي هذا دلالة لا ريب فيها على أنّ الواقعة التي رواها ابن أعثم حصلت قبل كربلاء وليس فيها.

٣) - المشهور تاريخياً أنّ الإمامعليه‌السلام كان قد أرسل قيس بن مسهر الصيداوي (رض) برسالته الثانية إلى أهل الكوفة، من منطقة الحاجر من بطن الرمّة(١) ، فجرى عليه ما جرى حتّى استشهاده (رض)، وكان خبر مقتله قد وصل إلى الإمامعليه‌السلام في منطقة عذيب الهجانات(٢) ، لا كما تصف رواية ابن أعثم الكوفي.

المخيّم الحسينيّ

ونُصبت خيام الركب الحسينيّ بأمر الإمامعليه‌السلام في البقعة الطاهرة التي لا تزال

____________________

(١) راجع مثلاً: تاريخ الطبري: ٤: ٢٩٧، والكامل في التاريخ: ٣: ٢٧٧، والإرشاد: ٢٢٠، وتجارب الأمم: ٢: ٥٧، وأنساب الأشراف: ٣: ٣٧٨، والأخبار الطوال: ٢٤٥ - ٢٤٦، وتذكرة الخواص: ٢٢١، ومثير الأحزان: ٣٢، والبداية والنهاية: ٨: ١٨١.

(٢) راجع مثلاً: تاريخ الطبري: ٤: ٣٠٦، والكامل في التاريخ ٣: ٢٨١، والبداية والنهاية: ٨: ١٨٨.


آثارها باقية إلى اليوم، وأقام الإمامعليه‌السلام في رقعة بعيدة عن الماء تحيط بها سلسلة ممدودة من تلال وربوات، تبدأ من الشمال الشرقي متصلة بموضع باب السدرة في الشمال، وهكذا إلى موضع الباب الزينبي إلى جهة الغرب، ثمّ تنزل إلى موضع الباب القِبْلي من جهة الجنوب، وكانت هذه التلال المتقاربة تشكّل للناظرين نصف دائرة، وفي هذه الدائرة الهلالية حوصر ريحانة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (١) .

وضُربت خيمة الحسين لأهله وبَنيه، وضربَ عشيرته خيامهم من حول خيمته(٢) ، ثمّ خيام بقيّة الأنصار..

وقد نفى السيد محمّد حسن الكليدار أن يكون الموضع المعروف بمخيم الحسينعليه‌السلام ، هو الموضع الذي حطّ فيه الإمامعليه‌السلام أثقاله، وذهب إلى أنّ المخيّم إنّما يقع بمكان ناءٍ بالقرب من (المستشفى الحسينيّ)، مستنداً في ذلك إلى أنّ التخطيط العسكريّ المتّبع في تلك العصور يقضي بالفصل بين القوى المتحاربة بما يقرب من ميلَين؛ وذلك لِما تحتاجه العمليات الحربية من جوَلان الخيل وغيرها من مسافة، كما أنّ نصب الخيام لابدّ أن يكون بعيداً عن رمي السهام، والنبال المتبادلة بين المحاربين، واستند أيضاً إلى بعض الشواهد التاريخية التي تؤيّد ما ذهب إليه(٣) .

وردّ الشيخباقر شريف القرشي على ذلك قائلاً: (وأكبر الظنّ أنّ المخيّم إنّما هو في موضعه الحالي، أو يبعد عنه بقليل؛ وذلك لأنّ الجيش الأموي المكثّف الذي زحف لحرب الإمام لم يكن قُباله إلاّ معسكر صغير، عبّر عنه الحسين

____________________

(١) نهضة الحسينعليه‌السلام : ٩٩.

(٢) راجع: الفتوح: ٥: ١٤٩.

(٣) راجع: حياة الإمام الحسين بن عليعليهما‌السلام : ٣: ٩٣.


بالأُسرة، فلم تكن القوى العسكرية متكافئة في العدد حتى يفصل بينهما بميلين أو أكثر.

لقد أحاط الجيش الأمويّ بمعسكر الإمام، حتّى أنّه لمّا أطلق ابن سعد السهم الذي أنذر به بداية القتال، وأطلق الرُماة من جيشه سهامهم، لم يبقَ أحدٌ من معسكر الإمام إلاّ أصابه سهم، حتّى اخترقت السهام بعض أُزر النساء، ولو كانت المسافة بعيدة؛ لَمَا أُصيبت نساء أهل البيت بسهامهم، وممّا يدعم ما ذكرناه: أنّ الإمام الحسينعليه‌السلام لما خطب في الجيش الأمويّ سمعت نساؤه خطابه، فارتفعت أصواتهم بالبكاء، ولو كانت المسافة بعيدة؛ لَمَا انتهى خطابه إليهنّ، وهناك كثير من البوادر التي تدلّ على أنّ المخيّم في وضعه الحالي)(١) .

اليوم الثالث من المحرّم سنة ٦١ هـ

قال الشيخ المفيد (ره): (فلمّا كان من الغد قدِم عليهم عُمَر بن سعد بن أبي وقّاص(٢) من الكوفة، في أربعة آلاف فارس، فنزل بنينوى)(٣) .

أمّا الطبري فقال: (فأقبلَ في أربعة آلاف حتّى نزل بالحسين من الغد من يوم نزل الحسين نينوى)(٤) ، وهناك انضمَّ إليه الحُرّ بن يزيد الرياحي في ألف فارس، فصار في خمسة آلاف فارس.

____________________

(١) نفس المصدر، ٣: ٩٣ - ٩٤.

(٢) مرّت بنا ترجمة لعُمَر بن سعد (لعنه الله) في الجزء الثاني من هذه الدراسة (الإمام الحسينعليه‌السلام في مكّة المكرّمة): ١٢٠ - ١٢١.

(٣) الإرشاد: ٢٥٣.

(٤) تاريخ الطبري: ٤: ٣١٠، وانظر أيضاً ص٣٠٩.


حُبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة!

وقال الطبري: (وكان سبب خروج ابن سعد إلى الحسينعليه‌السلام ؛ أنّ عبيد الله بن زياد بعثه على أربعة آلاف من أهل الكوفة يسير بهم إلى دستبى(١) ، وكانت الديلم قد خرجوا إليها وغلبوا عليها، فكتب إليه ابن زياد عهده على الريّ وأمَرَه بالخروج فخرج معسكراً بالناس بحمّام أعين، فلمّا كان من أمر الحسين ما كان وأقبلَ إلى الكوفة، دعا ابن زياد عُمر بن سعد فقال: سِرْ إلى الحسين، فإذا فرغنا ممّا بيننا وبينه سِرتَ إلى عملك.

فقال له عمر بن سعد: إنْ رأيتَ رحمك الله أن تعفيني فافعل.

فقال عبيد الله: نعم، على أن ترُدَّ لنا عهدَنا.

قال: فلمّا قال له ذلك، قال عمر بن سعد: أمهلني اليوم حتّى أنظر(٢) .

قال: فانصرف عُمَر يستشير نُصحاءه، فلم يكن يستشير أحداً إلاّ نهاه، قال:

____________________

(١) دستبى: كورة كبيرة كانت مقسومة بين الريّ وهمذان، فقِسم منها يُسمّى دستبى الرازي وهو يقارب التسعين قرية، وقسم منها يسمّى دستبى همذان وهي عدّة قُرى، وربّما أُضيف إلى قزوين في بعض الأوقات؛ لاتصاله بعملها، ولم تزل دستبى على قِسميها، بعضها للريّ وبعضها لهمذان، إلى أن سعى رجُل من سكّان قزوين من بني تميم يُقال له حنظلة بن خالد، ويُكنّى أبا مالك، في أمرها حتّى صُيّرت كلّها إلى قزوين..) (معجم البلدان: ٢: ٤٥٤).

(٢) وقد أنفق ليله ساهراً يُطيل التفكير في الأمر، هل يقدِم على حرب ريحانة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وفي قتله العذاب الدائم والخزي الخالد؟ أو يستقيل من ذلك، فتفوته إمارة الري التي تضمن له العيش الوفير؟ وسمعهُ أهله يقول:

أأتركُ مُلكَ الريّ والريّ بُغيتي

أم أرجع مأثوماً بقتل حسينِ

وفي قتله النّار التي ليس دونها

حجابٌ، ومُلك الريّ قُرّةُ عيني

(راجع: حياة الإمام الحسين بن عليّعليهما‌السلام ، ٣: ١١٣).


وجاء حمزة بن المغيرة بن شعبة(١) ، وهو ابن أُخته، فقال: أُنشدك الله يا خال أن تسير إلى الحسين فتأثم بربّك وتقطع رحِمك، فو الله لأنْ تخرج من دنياك ومالِك وسلطان الأرض كلّها - لو كان لك - خير لك من أن تلقى الله بدم الحسين.

فقال له عمر بن سعد: فإنّي أفعل إن شاء الله.

قال هشام: حدّثني عوانة بن الحكم، عن عمّار بن عبد الله بن يسار الجُهني، عن أبيه، قال: دخلت على عمر بن سعد وقد أُمر بالمسير إلى الحسين.

فقال لي: إنّ الأمير أمرني بالمسير إلى الحسين، فأبيتُ ذلك عليه.

فقلت له: أصاب الله بك، أرشدك الله، أَحِلْ فلا تفعل ولا تسِرْ إليه، قال: فخرجت من عنده، فأتاني آتٍ وقال: هذا عمر بن سعد يندب الناس إلى الحسين.

قال: فأتيته فإذا هو جالس، فلمّا رآني أعرض بوجهه، فعرفتُ أنّه قد عزم على المسير إليه، فخرجت من عنده.

قال: فأقبل عمر بن سعد إلى ابن زياد، فقال: أصلحك الله، إنّك ولّيتني هذا العمل وكتبت لي العهد، وسمع به النّاس، فإنْ رأيت أن تُنفّذ لي ذلك فافعل، وابعث إلى الحسين في هذا الجيش من أشراف الكوفة مَن لستُ بأغنى ولا أجزأ عنك في الحرب منه، فسمّى له أُناساً.

فقال له ابن زياد: لا تعلّمني بأشراف أهل الكوفة، ولستُ أستأمرك فيمن أريد أن أبعث، إنْ سِرْتَ بجُندنا وإلاّ فابعث إلينا بعهدنا.

فلمّا رآه قد لجَّ، قال: إنّي سائر..)(٢) .

____________________

(١) حمزة بن المغيرة بن شعبة، ابن أخت عمر بن سعد، استعمله الحجّاج بن يوسف الثقفي على همذان سنة ٧٧هـ، وكان أخوه مطرف بن المغيرة على المدائن فخرج على الحجّاج، فأمدّه حمزة بالمال والسلاح سرّاً، فبعث الحجّاج إلى قيس بن سعد العجلي وهو يومئذٍ على شرَطة حمزة بن المغيرة، بعهده على همذان فأوثقه وحبسه.

(٢) تاريخ الطبري: ٤: ٣٠٩ - ٣١٠، وانظر تفصيلات أخرى لهذه الوقائع أيضاً في كتاب =


هكذا أعمى طغيان حبّ الدنيا بصيرة عمر بن سعد لعنه الله، وشلّه روحياً حتّى أفقده القدرة والعزم على اتخاذ القرار الصائب، الذي يُنجيه من شديد عقاب الله تعالى، برغم كلّ النواهي والتحذيرات التي سبق أن بلغت مسامعه الصمّاء، فقد روي عن محمّد بن سيرين، عن بعض أصحابه قال: قال عليٌّ لعمر بن سعد:(كيف أنتَ إذا قُمتَ مقاماً تُخيّر فيه بين الجنّة والنار فتختار النار؟!) (١) .

(وروى سالم بن أبي حفصة قال: قال عمر بن سعد للحسين: يا أبا عبد الله، إنّ قِبَلنا ناساً سفهاء يزعمون أنّي أقتلك!

فقال له الحسينعليه‌السلام :(إنّهم ليسوا بسفهاء ولكنّهم حلماء، أما إنّه تقرّ عيني أن لا تأكل من بُرّ العراق بعدي إلاّ قليلاً!) (٢) .

(وروى عبد الله بن شريك العامري قال: كنت أسمع أصحاب عليّعليه‌السلام إذا دخل عمر بن سعد من باب المسجد يقولون: هذا قاتل الحسين بن عليّعليهما‌السلام ، وذلك قبل أن يُقتل بزمان)(٣) .

ولم يكن عمر بن سعد (لعنه الله) عبد الدنيا فحسب، بل كان ذا مَيل وهوى أُمَوي، فقد كان ممّن يتقرّب إلى سلطانهم، وكان من جملة الذين كتبوا إلى يزيد بن معاوية في ضعف والي الكوفة النعمان بن بشير، أو تضعّفه في مواجهة مسلم بن عقيلعليه‌السلام (٤) .

وكان قد نفّذ تعاليم ابن زياد تماماً في قتل الإمام الحسينعليه‌السلام ، وفي أن يوطئ

____________________

= الفتوح: ٥: ١٥١ - ١٥٣.

(١) تهذيب الكمال: ١٤: ٧٤، وتذكرة الخواص: ٢٢٣.

(٢) و (٣) الإرشاد: ٢٨٢، وتهذيب الكمال: ١٤، ٧٤.

(٤) أنساب الأشراف: ٣، ٨٣٧.


الخيل صدره وظهره(١) .

وقد أكلت قلبه الحسرة - بعد أن غلبت عليه شقوته، ونفّذ أبشع جريمة في تاريخ البشريّة - وندم على ما فرّط في أمر دنياه وآخرته، ولات ساعة مندم!

يروي لنا التاريخ أنّ عمر بن سعد (لعنه الله) لمّا لم ينَل - بعد عاشوراء - من ابن زياد (لعنه الله) ما كان يأمله من ولاية الريّ والزلفى من السلطان، خرج من مجلس ابن زياد (يريد منزله إلى أهله وهو يقول في طريقه: ما رجع أحدٌ مثل ما رجعت! أطعتُ الفاسق ابن زياد، الظالم ابن الفاجر! وعصيت الحاكم العدل! وقطعت القرابة الشريفة!

وهجَره الناس، وكلّما مرَّ على ملأ من النّاس أعرضوا عنه، وكلّما دخل المسجد خرج النّاس منه، وكلّ مَن رآه قد سبّه! فلزم بيته إلى أن قُتل)(٢) .

رُسُل عمر بن سعد إلى الإمامعليه‌السلام

قال الطبري: (فبعث عمر بن سعد إلى الحسينعليه‌السلام عزرة بن قيس الأحمسي(٣) ، فقال: ائته فَسَلْهُ ما الذي جاء به، وماذا يريد؟ وكان عزرة ممّن كتب إلى الحسين، فاستحى منه أن يأتيه.

قال: فعرض ذلك على الرؤساء الذين كاتبوه، فكلّهم أبى وكرهه.

قال: وقام إليه كثير بن عبد الله الشعبيّ، وكان فارساً شجاعاً ليس يردّ وجهه شيء، فقال: أنا أذهب إليه، والله لئن شئتَ لأفتكنَّ به.

____________________

(١) الإرشاد: ٢٥٦.

(٢) تذكرة الخواص: ٢٣٣.

(٣) عزرة بن قيس الأحمسي: مرّت بنا ترجمة له في الجزء الثاني: ٣٤٢ - ٣٤٣.


فقال له عمر بن سعد: ما أريد أن يُفتك به، ولكن ائته فَسلْه ما الذي جاء به؟

قال: فأقبل إليه، فلمّا رآه أبو ثمامة الصائدي(١) قال للحسين: أصلحك الله أبا عبد الله، قد جاءك شرّ أهل الأرض، وأجرأه على دم، وأفتكه، فقام إليه فقال: ضَعْ سيفك.

قال: لا والله ولا كرامة، إنّما أنا رسول، فإنْ سمعتم منّي أبلغتكم ما أُرسلت به إليكم، وإنْ أبيتم انصرفتُ عنكم.

فقال له: فإنّي آخذٌ بقائم سيفك، ثمّ تكلّم بحاجتك.

قال: لا والله لا تَمسّه.

فقال له: أخبِرني ما جئت به وأنا أبلّغه عنك، ولا أدَعك تدنو منه فإنّك فاجر.

فاستبّا، ثمّ انصرف إلى عمر بن سعد فأخبرهُ الخبر، فدعا عمر قرّة بن قيس الحنظلي، فقال له: ويحك يا قُرّة، القَ حسيناً فسلْه ما جاء به وماذا يريد؟

قال: فأتاه قُرّة بن قيس: فلمّا رآه الحسين مقبلاً قال:(أتعرفون هذا؟

فقال حبيب بن مظاهر: نعم، هذا رجل من حنظلة تميميٌّ، وهو ابن أختنا ولقد كنتُ أعرفه بحُسن الرأي، وما كنت أراه يشهد هذا المشهد.

قال: فجاء حتّى سلّم على الحسين، وأبلغه رسالة عمر بن سعد إليه له.

فقال الحسينعليه‌السلام :كتبَ إليَّ أهل مِصركم هذا أن أقدِم، فأمّا إذ كرهوني فأنا أنصرف عنهم).

قال: ثمّ قال له حبيب بن مظاهر: ويحك يا قُرّة بن قيس، أَنّى ترجع إلى القوم

____________________

(١) مضت ترجمة أبي ثمامة الصائدي (رض) في آخر الفصل الثالث من فصول مقطع (وقائع الطريق من مكّة إلى كربلاء).


الظالمين؟! انصر هذا الرجل الذي بآبائه أيّدك الله بالكرامة وإيّانا معك.

فقال له قُرَّة: أرجع إلى صاحبي بجواب رسالته، وأرى رأيي(١) .

قال: فانصرف إلى عمر بن سعد فأخبره الخبر، فقال له عمر بن سعد: إنّي لأرجو أن يعافيني الله من حربه وقتاله!)(٢) .

تبادلُ الرسائل بين عمر بن سعد وابن زياد

ثمّ كتب عمر بن سعد إلى عبيد الله بن زياد (لعنهما الله) كتاباً، كان نصّه - على رواية الطبري -:

(بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعدُ، فإنّي حيث نزلت بالحسين بعثت إليه رسولي، فسألته عمّا أقدمه، وماذا يطلب ويسأل؟ فقال: كتب إليَّ أهل هذه البلاد، وأتتني رسُلهم، فسألوني القدوم ففعلت، فأمّا إذ كرهوني فبدا لهم غيرُ

____________________

(١) قُرّة بن قيس هذا كما وصفه حبيب (رض)، كان ممّن يعرف أحقيّة أهل البيتعليهم‌السلام بالأمر، لكنّه ممّن طغى عليهم مرض الشلل النفسي والروحي وتفشّى فيهم مرض حبّ الدنيا، فأصرّ على خذلان الحقّ ونصرة الباطل، بل أصرَّ على قتل الحقّ فاشترك في جيش الباطل لقتل الإمامعليه‌السلام ، ثمَّ لم يزل ينصر الباطل، حتى كان على رأس مئة رجل من الأزد بعثهم مسعود بن عمر الأزدي لحماية عبيد الله بن زياد (لعنه الله) عندما هرب من البصرة إلى الشام. (راجع: الجزء الثاني من هذه الدراسة: ٣٤)، ولقد كان الحرّ بن يزيد الرياحي (رض) يعرف أنّ قُرَّة هذا لا ينصر الحقّ، فلم يُطلعه يوم عاشوراء - وكان إلى جانبه - على نيّته في الالتحاق بالإمام الحسينعليه‌السلام والانضمام إليه، فأبعده عنه قائلاً له: هل سقيتَ فرسك اليوم؟ قال: لا، قال: فهل تريد أن تسقيه؟ فظنّ قُرّة من ذلك أنّه يريد الاعتزال ويكره أن يشاهده فتركه، ولقد كذب قُرَّة بعد ذلك حين قال: (والله، لو أنّ الحرّ أطلعني على مراده لخرجت معه إلى الحسين)؛ وذلك لأنّ فُرص التحوّل إلى الحقّ كانت مفتوحة أمامه حتى بعد التحاق الحرّ فلماذا لم يتحوّل إليه؟!

(٢) تاريخ الطبري، ٤: ٣١٠ - ٣١١.


ما أتَتني به رسلهم فإنّي منصرف عنهم)(١) .

ويواصل الطبري: روايته قائلاً: فلمّا قُرئ الكتاب على ابن زياد قال:

ألآن إذ علِقتْ مخالبنا به

يرجو النجاة ولات حين مناصِ

قال: وكتب إلى عمر بن سعد: (بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعدُ، فقد بلغني كتابك، وفهمتُ ما ذكرتَ، فأعرِض على الحسين أن يبايع ليزيد بن معاوية، هو وجميع أصحابه، فإذا فعل ذلك رَأَينا رَأْينا، والسلام))(٢) .

وفي رواية الدينوري: (فلمّا وصل كتابه إلى ابن زياد كتب إليه في جوابه: (قد فهمت كتابك، فأعرِض على الحسين البيعة ليزيد، فإذا بايع في جميع مَن معه، فأعلِمني ذلك ليأتيك رأيي!)، فلمّا انتهى كتابه إلى عمر بن سعد قال: ما أحسبُ ابن زياد يريدُ العافية!

فأرسل عمر بن سعد بكتاب ابن زياد إلى الحسين.

فقال الحسين للرسول:(لا أُجيب ابن زياد إلى ذلك أبداً، فهل هو إلاّ الموت؟ فمرحباً به) .

فكتب عمر بن سعد إلى زياد بذلك، فغضب، فخرج بجميع أصحابه إلى النُخيلة(٣) ..)(٤) .

____________________

(١) و (٢) تاريخ الطبري، ٤: ٣١١.

(٣) النُخيلة: ماء عن يمين الطريق، قرب المغيثة والعقبة، على سبعة أميال من جُوَيّ غربيّ واقصة، بينها وبين الحُفَيْر ثلاثة أميال... والنخيلة: تصغير نخلة، موضع قرب الكوفة على سمْت الشام، وهو الموضع الذي خرج إليه عليّرضي‌الله‌عنه لما بلغه ما فُعل بالأنبار من قتل عامله عليها.. (راجع: معجم البلدان، ٥: ٢٧٨).

(٤) الأخبار الطوال: ٢٥٤.


الإمامعليه‌السلام يشتري ستّة عشر ميلاً مربعاً من أرض كربلاء

روى محمّد بن أحمد بن داود القمّي في كتابالزيارات ، وحكاه عنه السيّد رضيّ الدين عليّ بن طاووس (ره) في كتابهمصباح الزائر ، ونقله عنه أيضاً الشيخ بهاء الدين محمّد العاملي (ره) في كتابالكشكول (١) بما نصه: (روي أنّ الحسينعليه‌السلام اشترى النواحي التي فيها قبره من أهل نينوى والغاضريّة بستّين ألف درهم، وتصدّق عليهم وشرط أن يُرشدوا إلى قبره، ويُضيّفوا مَن زاره ثلاثة أيّام)(٢) ، ثمّ بيّن في ذيل الخبر مقدار مساحة تلك الأرضي، وأنّها هي حرم الحسينعليه‌السلام بقوله: قال الصادقعليه‌السلام :(حَرمُ الحسين عليه‌السلام الذي اشتراه أربعة أميال في أربعة أميال، فهو حلال لوِلده ومواليه، حرام على غيرهم ممّن خالفهم، وفيه البركة) (٣) .

(وذكر السيّد الجليل رضيّ الدين عليّ بن طاووسرحمه‌الله ، أنّها إنّما صارت حلالاً بعد الصدقة؛ لأنّهم لم يفوا بالشرط. قال: وقد روى محمد بن داود عدم وفائهم بالشرط في باب نوادر الزمان)(٤) .

ابن زياد يُعبّئ الكوفة لقتال الحسينعليه‌السلام

كان الحرّ بن يزيد الرياحي قد كتب إلى ابن زياد - بعد نزول الإمامعليه‌السلام في كربلاء - يخبره بذلك، ويروي بعض المؤرّخين أنّ ابن زياد عندئذٍ كتب إلى الإمام الحسينعليه‌السلام : (أمّا بعدُ يا حسين، فقد بلغني نزولك بكربلاء، وقد كتب إليَّ

____________________

(١) راجع: مقتل الحسينعليه‌السلام للمقرّم: ١٩٦ (الحاشية).

(٢) و (٣) راجع: تاريخ كربلاء وحائر الحسينعليه‌السلام : ٤٤، عن كشكول البهائي: ١٠٣ طبعة مصر ١٣٠ هـ.

(٤) راجع: تاريخ كربلاء وحائر الحسينعليه‌السلام : ٤٤ عن كشكول البهائي: ١٠٣، طبعة مصر ١٣٠٢ هـ.


أمير المؤمنين يزيد بن معاوية أن لا أتوسّد الوثير، ولا أشبع من الخمير، أو أُلحقك باللطيف الخبير! أو ترجع إلى حُكمي وحكم يزيد بن معاوية.

فلمّا ورد الكتاب قرأه الحسين ثمّ رمى به، ثمّ قال:(لا أفلحَ قومٌ آثروا مرضاة أنفسهم على مرضاة الخالق) ، فقال له الرسول: أبا عبد الله، جواب الكتاب؟

قال:(ما له عندي جواب؛ لأنّه قد حقّت عليه كلمة العذاب).

فقال الرسول لابن زياد ذلك، فغضب من ذلك أشدّ الغضب...)(١) .

ثمّ إنّ ابن زياد - كما مرَّ بنا - أمرَ عمر بن سعد بتولّي قيادة الجيوش لقتال الإمامعليه‌السلام ، فخرج - بعد تردد - في أربعة آلاف حتى نزل كربلاء في الثالث من المحرّم، وانضمّ إليه الحرّ مع ألف فارس هناك، فصار في خمسة آلاف فارس.

وقال ابن أعثم الكوفي: (ثمّ جمع عبيد الله بن زياد النّاس إلى مسجد الكوفة، ثمّ خرج فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أيها النّاس، إنّكم قد بلوتم آل سفيان فوجدتموهم على ما تُحبّون! هذا يزيد قد عرفتموه أنّه حَسن السيرة! محمود الطريقة! وقد زاد أمير المؤمنين في إكرامكم، وكتب إليَّ يزيد بن معاوية بأربعة آلاف دينار ومئتي ألف درهم(٢) أُفرّقها عليكم، وأُخرجكم إلى حرب عدوّه الحسين بن عليّ، فاسمعوا وأطيعوا، والسلام.

____________________

(١) الفتوح، ٥: ١٥٠ - ١٥١.

(٢) في ما نقله العلاّمة المجلسي (ره) عن كتاب السيد محمد بن أبي طالب لا يوجد ذكر لهذا المبلغ، بل فيه: (وقد زادكم في أرزاقكم مئة مئة، وأمرَني أن أوفّرها عليكم وأخرجكم إلى حرب عدوّه الحسين، فاسمعوا له وأطيعوا). (راجع: البحار: ٤٤: ٣٨٥).


قال: ثمّ نزل عن المنبر، ووضعَ لأهل الشام(١) العطاء فأعطاهم، ونادى فيهم بالخروج إلى عمر بن سعد؛ ليكونوا أعواناً له على قتال الحسين.

قال: فأوَّل مَن خرج إلى عمر بن سعد الشمر بن ذي الجوشن(٢) السلولي (لعنه الله) في أربعة آلاف فارس، فصار عمر بن سعد في تسعة آلاف، ثمّ أتبعهُ زيد (يزيد) بن ركاب الكلبي في ألفين، والحصين بن نمير السكوني(٣) في أربعة آلاف، والمصاب الماري(٤) في ثلاثة آلاف، ونصر بن حربة في ألفين، فتمّ له عشرون ألفاً،

____________________

(١) لعلّ هذا من سهو النسّاخ، وإلاّ فلم يُعرف أنّ هناك قطعات عسكرية من أهل الشام اشتركت في كربلاء، ثمَّ إنّ وضع العطاء لأهل الشام ليس من اختصاص والي الكوفة إدارياً.

(٢) العامري: كان لعنة الله عليه من أشدّ أعداء الإمام الحسينعليه‌السلام عليه، وكان حضر صِفّين في صف الإمام عليّعليه‌السلام ، وكان ممّن شهدَ على حُجر بن عدي (رض)، وهو الذي حرّض ابن مرجانة على التشدّد في مواجهة الحسينعليه‌السلام وقتله، وهو الذي نزل إلى الإمامعليه‌السلام - على ما هو المشهور - فذَبحه عطشاناً، وهو الذي همّ بقتل الإمام السجّادعليه‌السلام ، وهو الذي طعنَ برُمحه فسطاط النساء، وكان من الذين قَدِموا بالرؤوس المقدّسة وبالأُسارى إلى يزيد لعنه الله، وكان من الذين قتلهم المختار (ره) في جملة قَتَلة الحسينعليه‌السلام .

(٣) الحُصين بن نمير السكوني لعنه الله، ورد اسمه في بعض المصادر التاريخية: الحصين بن تميم التميمي، وهو ملعون خبيث، من أتباع معاوية المخلصين له، ومن رؤساء جند ابن زياد، وكان على شرطته، وكان ابن زياد قد بعثه إلى القادسية؛ لينظمّ الخيل ما بينها إلى خفّان والقطقطانة ولعلع، وهو الذي قبض على عبد الله يقطر (رض)، وكذلك على قيس بن مسهّر (رض)، وكان له دور فعّال في قتال الإمام الحسينعليه‌السلام في كربلاء، وكان مأموراً من قِبل يزيد أيضاً لقتال ابن الزبير بمكة.

(٤) وورد في حاشية الفتوح: أنّ اسم هذا الرجل مصابر بن مزينة المازني، وذكره المحقّق القرشي باسم (مضاير بن رهينة المازني)، (راجع: حياة الإمام الحسين بن عليعليهما‌السلام ٣: ١٢٣).


ثمّ بعثَ ابن زياد إلى شبث بن ربعي الرياحي..(١) فاعتلّ بمرض، فقال له ابن زياد: أتتمارض؟ إن كنتَ في طاعتنا فاخرج إلى قتال عدوّنا، فخرج إلى عمر بن سعد في ألف فارس بعد أن أكرمه ابن زياد وأعطاه وحَباه، وأتبَعهُ بحجّار بن أبجر(٢) في ألف فارس، فصار عمر بن سعد في اثنين وعشرين ألفاً ما بين فارس وراجل)(٣) .

ويصف البلاذري التعبئة العامة التي قام بها ابن زياد لإخراج أهل الكوفة إلى قتال الإمام الحسينعليه‌السلام قائلاً: (ولمّا سرّح ابن زياد عمر بن سعد من(حمّام أعيَن) (٤) ، أمرَ الناس فعسكروا بالنخيلة، وأمرَ ألاّ يتخلّف أحدٌ منهم، وصعد المنبر فقرّظ معاوية وذكر إحسانه وإدراره الأعطيات، وعنايته بأمور الثغور، وذكر اجتماع الأُلفة به وعلى يده! وقال: إنّ يزيد ابنه المتقيّل(٥) له، السالك لمناهجه المحتذي لمثاله، وقد زادكم مئة مئة في أعطياتكم، فلا يبقين رجل من العرفاء والمناكب

____________________

(١) شبث بن ربعي الرياحي اليربوعي التميمي: لعنه الله، كان مؤذن سجاح التي ادّعت النبوّة، ثمّ أسلمَ، وكان فيمن أعان على عثمان، ثمّ صار مع عليّ، ثمّ صار من الخوارج، ثمّ تاب، ثمّ حضر قتل الحسينعليه‌السلام ، وكان ممّن كتبوا إليه في مكّة! ثمّ حضر قتل المختار، ومات بالكوفة حدود الثمانين، وهو من أصحاب المساجد الأربعة الملعونة التي جدّدت بالكوفة فرحاً واستبشاراً بقتل الحسينعليه‌السلام .

(٢) حجّار بن أبجر العجلي السلمي: راجع ترجمته في الجزء الثاني من هذه الدراسة: ٣٤٢.

(٣) الفتوح، ٥: ١٥٧ - ١٥٨.

(٤) حمّام أَعيَنَ: بتشديد الميم، بالكوفة، ذِكرهُ في الأخبار مشهور، منسوب إلى أعيَن مولى سعد بن أبي وقّاص (معجم البلدان، ٢: ٢٩٩)، وفي تجريد الأغاني لابن واصل الحموي، ١: ٢٧٧ أنّه باسم أعيَن حاجب بشر بن مروان بن الحكم.

(٥) المتقيّل له: لربّما كانت بمعنى المتخيَّر من قِبَلهِ، أو البديل له (راجع: لسان العرب، ١١: ٥٧٢ - ٥٨٠، مادة: قول، قيل).


والتجّار والسكّان إلاّ خرج فعسكر معي، فأيّما رجل وجدناه بعد يومنا هذا متخلّفاً عن العسكر برئت منه الذمّة.

ثمّ خرج ابن زياد فعسكر، وبعث إلى الحُصين بن تميم وكان بالقادسية في أربعة آلاف، فقدِم النُخيلة في جميع مَن معه، ثمّ دعا ابن زياد كثير بن شهاب الحارثي، ومحمّد بن الأشعث بن قيس، والقعقاع بن سويد بن عبد الرحمان المنقري، وأسماء بن خارجة الفزاري، وقال: طوفوا في الناس فمُروهم بالطاعة والاستقامة، وخوّفوهم عواقب الأمور والفتنة والمعصية، وحثّوهم على العسكرة.

فخرجوا فعذروا وداروا بالكوفة، ثمّ لحقوا به، غير كثير بن شهاب فإنّه كان مبالغاً يدور بالكوفة يأمر النّاس بالجماعة ويحذّرهم الفتنة والفرقة، ويُخذّل عن الحسين.

وسرّح ابن زياد أيضاً حصين بن تميم في الأربعة آلاف الذين كانوا معه إلى الحسين، بعد شخوص عمر بن سعد بيوم أو يومين، ووجّه أيضاً إلى الحسين حجّار بن أبجر العجلي في ألف، وتمارضَ شبث بن ربعي، فبعث إليه فدعاه وعزم عليه أن يشخص إلى الحسين في ألف ففعل(١) .

وكان الرجل يُبعث في ألف فلا يصل إلاّ في ثلاثمئة أو أربعمئة وأقلّ من

____________________

(١) (ثمَّ أرسلَ إلى شبث بن ربعي أن أقبِل إلينا، وإنّا نريد أن نوجّه بك إلى حرب الحسين، فتمارض شبث، وأراد أن يعفيه ابن زياد فأرسلَ إليه: أمّا بعدُ، فإنّ رسولي أخبَرَني بتمارضك، وأخاف أن تكون من الذين إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنّا، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنّا معكم إنّما نحن مستهزؤن، إن كنت في طاعتنا فأقبِل إلينا مسرعاً.

فأقبلَ إليه شبث بعد العشاء؛ لئلاّ ينظر إلى وجهه فلا يرى عليه أثر العلّة، فلمّا دخل رحّب به وقرّب مجلسه، وقال: أُحبُّ أن تشخص إلى قتال هذا الرجل عوناً لابن سعد عليه، فقال: أفعل أيها الأمير) (البحار، ٤٤: ٣٨٦ نقلاً عن كتاب السيّد محمد بن أبي طالب).


ذلك كراهة منهم لهذا الوجه(١) .

ووجّه أيضاً يزيد بن الحارث بن يزيد بن رويم(٢) في ألف أو أقلّ، ثمّ إنّ ابن زياد استخلف على الكوفة عمرو بن حريث(٣) ، وأمر القعقاع بن سويد بن

____________________

(١) روى الدينوري قائلاً: (قالوا: وكان ابن زياد إذا وجّه الرجل إلى قتال الحسين في الجمع الكثير، يصلون إلى كربلاء ولم يبقَ منهم إلاّ القليل، كانوا يكرهون قتال الحسين، فيرتدعون ويتخلّفون) (الأخبار الطوال: ٢٥٤).

(٢) يزيد بن الحارث بن يزيد بن رويم: راجع ترجمته مفصّلة في الجزء الثاني من هذه الدراسة: ٣٤٢.

(٣) عمرو بن حريث: قال التستري: عدّه الشيخ الطوسي في رجاله في أصحاب الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وفي أصحاب عليّعليه‌السلام قائلاً: عدوّ الله ملعون. (راجع: قاموس الرجال، ٨: ٧٥).

وهو ممّن مَردَ على النفاق فلا يستطيع العيش بلا نفاق، وقد روي عن الحسينعليه‌السلام أنّه قال:(لمّا أراد عليٌّ أن يسير إلى النهروان، استنفر أهل الكوفة وأمَرهم أن يعسكروا بالمدائن، فتأخّر عنه شبث بن ربعي، وعمرو بن حريث، والأشعث بن قيس، وجرير بن عبد الله البجلي، وقالوا: أتأذن لنا أيّاماً نتخلّف عنك في بعض حوائجنا ونلحق بك؟ فقال لهم: قد فعلتموها، سوءة لكم من مشايخ، فو الله مالكم من حاجة تتخلّفون عليها، وإنّي لأعلم ما في قلوبكم، وسأُبيّن لكم، تريدون أن تثبّطوا عنّي الناس، وكأنّي بكم بالخورنق وقد بسطتم سُفرَكم للطعام، إذ يمرُّ بكم ضبٌّ فتأمرون صبيانكم فيصيدونه، فتخلعوني وتبايعونه!

ثمّ مضى إلى المدائن، وخرج القوم إلى الخورنق، وهيّأوا طعاماً، فبيناهم كذلك على سُفرتهم وقد بسطوها إذ مرَّ بهم ضبٌّ، فأمروا صبيانهم فأخذوه وأوثقوه، ومسحوا أيديهم على يده كما أخبر عليٌّ، وأقبلوا إلى المدائن، فقال لهم أمير المؤمنينعليه‌السلام : بئس للظالمين بدلاً، ليبعثنّكم الله يوم القيامة مع إمامكم الضبّ الذي بايعتم، لكأنّي أنظر إليكم يوم القيامة وهو يسوقكم إلى النار.

ثمّ قال:لئن كان مع رسول الله منافقون فإنّ معي منافقين، أمَا والله يا شبث ويا بن حُريث لتقاتلان ابني الحسين، هكذا أخبرني رسول اله صلى‌الله‌عليه‌وآله ) (الخرائج والجرائح، ١: ٢٢٥ - ٢٢٦، رقم ٧٠). =


عبد الرحمن بن بجير المنقري بالتطواف بالكوفة في خيل، فوجد رجلاً من همدان قد قدِم يطلب ميراثاً له بالكوفة(١) ، فأتى به ابن زياد فقتله، فلم يبقَ بالكوفة محتلم إلاّ خرج إلى العسكر بالنخيلة.

ثمّ جعل ابن زياد يُرسل العشرين والثلاثين والخمسين إلى المئة، غدوة وضحوة ونصف النهار وعشيّة، من النخيلة يمدُّ بهم عمر بن سعد - وكان يكره أن يكون هلاك الحسين على يده، فلم يكن شيء أحبّ إليه من أن يقع الصلح! - ووضع ابن زياد المناظر على الكوفة لئلاّ يجوز أحدٌ من العسكر؛ مخافة لأنْ يلحق الحسين مغيثاً له، ورتّب المسالح حولها، وجعل على حرس الكوفة والعسكر زحر بن قيس الجعفي(٣) ، ورتّب بينه وبين عسكر عمر بن سعد خيلاً مضمرة مقدحة، فكان خبر ما قبله يأتيه في كلّ وقت)(٣) .

____________________

= وكان معاوية قد دسَّ إلى عمرو بن حريث، والأشعث بن قيس، وحجر بن الحجر، وشبث بن ربعي دسيساً - أفرد كلّ واحد منهم بعين من عيونه: (إنّك إنْ قتلتَ الحسن بن عليّ فلك مئتا ألف درهم، وجند من أجناد الشام، وبنت من بناتي)، فبلغ الحسنعليه‌السلام ذلك فاستلأمَ ولبس درعاً وكفّرها، وكان يحترز ولا يتقدّم للصلاة بهم إلاّ كذلك، فرماهُ أحدهم بسهم في الصلاة.. (راجع: علل الشرائع: ٢٢٠، باب ١٦٠).

وكان عمرو بن حريث مقرّباً من عبيد الله بن زياد، وكان يستخلفه عليها، فقد استخلفه عليها أثناء مواجهته لمحاصرة مسلم بن عقيلعليه‌السلام إيّاه في القصر، كما استخلفه عليها عند خروجه إلى النخيلة إبّان محاصرته الإمام الحسينعليه‌السلام في كربلاء.

(١) في الأخبار الطوال: ٢٥٥، (فبينما هو يطوف في أحياء الكوفة إذ وجد رجلاً من أهل الشام قد كان قدِم الكوفة في طلب ميراث له، فأرسلَ به إلى ابن زياد، فأمر به فضُربت عُنقه).

(٢) يرد اسمه في مصادر تاريخية أخرى: زجر بن قيس الجعفي.

(٣) أنساب الأشراف، ٣: ٣٨٦ - ٣٨٨.


اكتمالُ تعبئة الكوفة لقتال الإمامعليه‌السلام في السادس من المحرّم

وفي رواية السيّد محمّد بن أبي طالب: (فما زال يُرسل إليه بالعساكر حتّى تكامل عنده ثلاثون ألفاً ما بين فارس وراجل)(١) .

وروى الشيخ الصدوق (ره) بسندٍ عن المفضّل بن عمر، عن الإمام الصادقعليه‌السلام عن أبيهعليه‌السلام ، عن جدّهعليه‌السلام :(إنّ الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام دخل يوماً إلى الحسن عليه‌السلام ، فلمّا نظر إليه بكى.

فقال له: ما يبكيك يا أبا عبد الله؟

قال: أبكي لِما يُصنع بك.

فقال له الحسنعليه‌السلام : (إنَّ الذي يؤتى إليَّ سمٌّ يُدسُّ إليَّ فأُقتل به، ولكن لا يوم كيومك يا أبا عبد الله، يزدلف إليك ثلاثون ألف رجل يدّعون أنّهم من أمّة جدّنا محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وينتحلون دين الإسلام فيجتمعون على قتلك وسفك دمك، وانتهاك حرمتك، وسبي ذراريك ونسائك، وانتهاب ثِقلك، فعندها تحلّ ببني أميّة اللعنة، وتمطر السماء رماداً ودماً، ويبكي عليك كلّ شيء حتّى الوحوش في الفلَوات، والحيتان في البحار)(٢) .

كما روى الشيخ الصدوق (ره) بسند عن ثابت بن أبي صفيّة قال: (نظر سيّد العابدين عليّ بن الحسينعليه‌السلام إلى عبيد الله بن عبّاس بن عليّ بن أبي طالب فاستعبر ثمّ قال:(ما من يوم أشدّ على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله من يوم أُحد، قُتل فيه عمّه حمزة بن عبد المطّلب أسد الله وأسد رسوله، وبعده يوم مؤتة، قُتل فيه ابن عمّه جعفر بن أبي طالب.

____________________

(١) البحار، ٤٤: ٣٨٦.

(٢) أمالي الصدوق: ١٠١، المجلس ٢٤، حديث رقم ٣.


ثمّ قالعليه‌السلام :ولا يوم كيوم الحسين عليه‌السلام ازدلف عليه ثلاثون ألف رجل يزعمون أنّهم من هذه الأمّة، كلّ يتقرّب إلى الله عزّ وجلّ بدمه، وهو بالله يذكّرهم فلا يتّعظون حتّى قتلوه بغياً وظلماً وعدواناً...) (١) .

فالصحيح إذاً في عدد جيش عمر بن سعد (لعنه الله) هو:الثلاثون ألفاً - كما يقّره الإمام الحسن المجتبىعليه‌السلام والإمام السجّادعليه‌السلام - وينبغي الانتباه إلى أنّهماعليهما‌السلام ربما عَنيا - فقط - الذين يزدلفون يوم عاشوراء لقتال الإمام الحسينعليه‌السلام ، وهذا يعني ضمناً أنّ في جيش ابن سعد مَن هو كاره لا يزدلف لقتال الإمامعليه‌السلام ، وهذا يعني أنّ سواد الجيش الأموي الذي واجه الإمام الحسينعليه‌السلام يوم عاشوراء يبلغ أكثر من ثلاثين ألف رجل.

وتقول رواية ابن أعثم الكوفي: (ثمّ كتب ابن زياد إلى عمر بن سعد: إنّي لم أجعل لك علّة في قتال الحسين من كثرة الخيل والرجال، فانظر أن لا تبدأ أمراً حتى تشاورني غدوّاً وعشيّاً مع كلّ غادٍ ورائح، والسلام.

قال: وكان عبيد الله بن زياد في كلّ وقت يبعث إلى عمر بن سعد، ويستعجله في قتال الحسين.

قال: والتأمت العساكر إلى عمر بن سعد لِستّ مضين من المحرّم)(٢) .

أحدُ أنصار الإمامعليه‌السلام يحاول اغتيال ابن زياد

روى البلاذري قائلاً: (وهَمَّ عمّار بن أبي سلامة الدالاني أن يفتك بعبيد الله

____________________

(١) أمالي الصدوق: ٣٧٣ - ٣٧٤، المجلس السبعون، رقم ١٠.

(٢) الفتوح: ٥: ١٥٩.


بن زياد في عسكره بالنخيلة، فلم يمكنه ذلك، فلطف حتى لحق بالحسين فقُتل معه)(١) .

غير أنّ هذا اللطف والتخفّي لم ينفع هذا الشهيد البطل (رض) عند كلّ المفارز والمسالح التي ترصد حركة كلّ عابر باتجاه كربلاء، فاضطرّ إلى الاصطدام مع إحدى المسالح الكبيرة الموجودة على جسر الصراة التي كان على رأسها اللعين زجر بن قيس الجعفي، فقد نقل المحقّق المرحوم السيّد المقرّم في مقتله يقول: (وجعل عبيد الله بن زياد زجر بن قيس الجعفي على مسلحة في خمسمئة فارس، وأمرَهُ أن يُقيم بجسر الصراة(٢) ، يمنع مَن يخرج من الكوفة يريد الحسينعليه‌السلام ، فمرَّ به عامر(٣) بن أبي سلامة بن عبد الله بن عرار الدالاني، فقال له زجر: قد عرفتُ حيث تريد فارجع، فحملَ عليه وعلى أصحابه فهزمهم ومضى، وليس أحدٌ منهم يطمع في الدنوّ منه، فوصلَ كربلاء ولحق بالحسينعليه‌السلام حتّى قُتل معه، وكان قد شهد المشاهد مع أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام )(٤) .

رسالةُ الإمامعليه‌السلام إلى أخيه محمّد بن الحنفيّة

روى الشيخ ابن قولويه (ره) بسند عن الإمام الباقرعليه‌السلام قال:(كتبَ الحسين

____________________

(١) أنساب الأشراف، ٣: ٣٨٨.

(٢) الصَراة: بالفتح، نهر يأخذ من نهر عيسى من بلدة يُقال لها المحوّل، بينها وبين بغداد فرسخ، وهو من أنهار الفرات. (راجع وقعة صفّين: ١٣٥، الحاشية).

(٣) ضبطهُ المحقّق السماوي (ره) هكذا: (عمّار بن أبي سلامة بن عبد الله بن عمران بن راس بن دالان، أبو سلامة الهمداني الدالاني، وبنو دالان بطن من همدان (راجع: إبصار العين: ١٣٣).

(٤) مقتل الحسينعليه‌السلام للمقرّم: ١٩٩ عن كتاب الإكليل للهمداني، ١٠: ٨٧ و ١٠١، وفيه (ودالان بطن من همدان منهم بنو عُرار بضمّ العين، وهو عُرار بن رؤاس بن دالان...).


بن عليّ عليهما‌السلام إلى محمّد بن عليّ من كربلاء :

بسم الله الرحمن الرحيم.

من الحسين بن عليّ إلى محمّد بن عليّ ومَن قِبَله من بني هاشم:

أمّا بعدُ، فكأنّ الدنيا لم تكن، وكأنّ الآخرة لم تزُل، والسلام)(١) .

تأمّل:

إنّ غير المعصوم في أخذه وتلقّيه عن النبيّ الأكرم محمّد وآله الطيبين الطاهرينصلى‌الله‌عليه‌وآله - كما في أخذه عن القرآن الكريم - إنّما يأخذ على قدر وعائه وأداته، ولا يمكنه - مع قصوره - أن يدّعي أنّ ما فهمه من القرآن أو من المعصومعليه‌السلام هو كلّ ما أراد المعصومعليه‌السلام ، أو هو كلّ المراد القرآنيّ.

وهذه الرسالة التي كتبها الإمام الحسينعليه‌السلام من كربلاء إلى أخيه محمّد بن الحنفيّة (رض)، وهي آخر ما كتبه الإمامعليه‌السلام من الرسائل، ولعلّها أقصر رسائلهعليه‌السلام متناً، مثيرة للعجب وداعية إلى التأمّل!

ما هو المعنى الذي أراد الإمام الشهيد الفاتحعليه‌السلام أن يوصله خلال هذه الرسالة، من أرض المصرع المختار إلى أخيه محمّد بن الحنفيّة (رض) وإلى بني هاشم، وإلى الأجيال كافّة؟

لكلّ مغترف أن يغترف على قدر وعائه، ونحن على قدر وعائنا نقول: ربّما أراد الإمامعليه‌السلام في قوله:(فكأنّ الدنيا لم تكن، وكأنّ الآخرة لم تزل) نفس المعنى الذي أرادهعليه‌السلام في قوله لأنصاره ليلة عاشوراء:(واعلَموا أنّ الدنيا حُلوُها ومُرّها حُلُم،

____________________

(١) كامل الزيارات: ٧٦، الباب ٢٣، رقم ١٥، وذكرها بعض الفضلاء في حوادث اليوم السادس من المحرّم (راجع: قصة كربلاء: ٢٢٨).


والانتباه في الآخرة، والفائز مَن فاز فيها، والشقيّ مَن شقي فيها..) (١) ؛ ذلك لأنّ الإنسان ابن الأيّام الثلاثة: يوم ولدته أمّه، ويوم يخرج من هذه الدنيا، ويوم يقوم للحساب! وهذه الأيّام الثلاثة الكبرى هي التي ورد السلام فيها من الله تبارك وتعالى على يحيىعليه‌السلام ، في قوله تعالى:( وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً ) (٢) ، وفي قوله تعالى عن لسان عيسىعليه‌السلام :( وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً ) (٣) .

وإذا تأمّل كلّ إنسان في الماضي من عمره طويلاً كان أم قصيراً، فكأنّما يتأمّل في رؤيا منام رآها البارحة، والآتي من العمر - بعد مروره - كما الماضيّ، حلمٌ أيضاً.

فالدنيا - وهي عمر الإنسان بكلّ تفصيلاته الحلوة والمرّة - حلُمٌ في الختام، فكأنّ الدنيا لم تكن.

فالعاقل السعيد مَن أخذ من هذه الدنيا كما يأخذ المارّ من ممرّه لمقرّه، والعاقل السعيد مَن لم يتعلّق قلبه بهذه الدار الزائلة، ولم يقع في شباكها، وكان من المخفّين فيها؛ ليكون فراقها عليه سهلاً يسيراً هيّناً، فعن الإمام الصادقعليه‌السلام :(مَن كثر اشتباكه بالدنيا كان أشدَّ لحسرته عند فراقها) (٤) .

وإذا كانت هذه هي حقيقة الدنيا، وكان لابدّ من فراقها، فليكن الختام أفضل الختام، ولتكن النهاية أشرف نهاية، وأفضل الموت القتل في سبيل الله، فليكن

____________________

(١) التفسير المنسوب للإمام الحسن العسكريعليه‌السلام : ٢١٨، وعنه البحار: ١١: ١٤٩.

(٢) و(٣) سورة مريمعليها‌السلام : الآيتان: ١٥ و ٣٣؛ ومع أنّ الأيام الكبرى من عمر الإنسان هي ثلاثة أيّام، إلاّ أنّ القرآن الحكيم يقرّر أنّ( وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً ) هو:( ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآباً ) (سورة النبأ، الآية ٣٩).

(٤) سفينة البحار: مادة (دنى).


الختام إذاً قتلاً في سبيل الله، وهذا هو البِرُّ الذي ليس فوقه بِرٌّ، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، ولهذا فليعمل العاملون!

وأقوى الظنّ: أنّ هذا المعنى الذي أراد أن يوصله الإمامعليه‌السلام في رسالته هذه - التي كتبها من كربلاء أرض المصرع المختار وبقعة الفتح إلى محمد بن الحنفية، وبقية بني هاشم في المدينة المنوّرة وإلى كافّة الأجيال إلى قيام الساعة - متمّم ومكمّل لمعنى رسالته القصيرة الأولى التي بعثهاعليه‌السلام إليهم من مكّة المكرّمة والتي جاء فيها:(بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن عليّ إلى محمّد بن عليّ ومَن قِبَله من بني هاشم: أمّا بعدُ، فإنّ مَن لحق بي استُشهد، ومَن لم يلحق بي لم يُدرك الفتح، والسلام) (١) فتأمّل.

خطبةٌ للإمامعليه‌السلام في أصحابه

روى ابن عساكر يقول: (لما نزل عمر بن سعد بحسين، وأيقن أنّهم قاتلوه قام في أصحابه خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال:(قد نزل بنا ما ترون من الأمر، وإنّ الدنيا قد تغيّرت وتنكّرت، وأدبر معروفها، واستمرّت حتّى لم يبقَ منها إلاّ صبابة كصبابة الإناء، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل، ألا ترون أنّ الحقّ لا يُعمل به، وأنّ الباطل لا يُتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله، وإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة، والحياة مع الظالمين إلاّ بَرَما) (٢) .

____________________

(١) كامل الزيارات: ٧٦، باب ٢٣، رقم ١٥.

(٢) تاريخ ابن عساكر؛ ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام ، تحقيق المحمودي: ٣١٤ - ٣١٥، رقم ٢٧١، ورواها الطبراني أيضاً في المعجم الكبير، ٣: ١١٤، رقم ٢٨٤٢، ورواه أبو نعيم الأصبهاني في حلية الأولياء: ٢: ٣٩، ورواه الخوارزمي بسنده عن أبي نعيم، في المقتل، ٢: ٧، رقم ٧ ورواه المتقي =


إشارة:

مرَّ بنا قبل ذلك - في وقائع وأحداث منازل الطريق بين مكّة وكربلاء - كما في رواية الطبري(١) : أنّ الإمامعليه‌السلام خطب هذه الخطبة في منطقة ذي حُسَم، وكان قد تمَّ التعليق على هذه الخطب - هناك - بعدّة ملاحظات، فراجعها(٢) وقد أوردناها أيضاً هنا لاحتمال وقوعها أصلاً في كربلاء، أو لاحتمال أنَّ الإمامعليه‌السلام كان قد كرّر مخاطبة أصحابه بهذا الكلام في الموضعين.

حبيبُ بن مظاهر (رض) (٣) يستنفر حيّاً من بني أسد لنصرة الإمام عليه‌السلام

في المقتل للخوارزمي قال: (والتأمت العساكر عند عمر لستّة أيّام مضين من محرّم، فلمّا رأى ذلك حبيب بن مظاهر الأسدي جاء إلى الحسين فقال له: يا بن رسول الله، إنّ هاهنا حيّاً من بني أسد قريباً منّا، أفتأذن لي بالمصير إليهم الليلة أدعوهم إلى نصرتك، فعسى الله أن يدفع بهم عنك بعض ما تكره؟

فقال له الحسين:(قد أذنتُ لك).

فخرج إليهم حبيب من معسكر الحسين في جوف الليل متنكّراً، حتى صار إليه فحيّاهم وحيّوه وعرفوه.

فقالوا له: ما حاجتك يا بن عمّ؟

____________________

= الهندي في مجمع الزوائد، ٩: ١٩٢ عن الطبراني.

(١) تاريخ الطبري، ٤: ٣٠٥، وانظر: اللهوف: ٣٤.

(٢) راجعها في وقايع منطقة (ذي حُسم): ص٢٥٤ - ٢٥٧.

(٣) حبيب بن مظهّر (مظاهر)، أبو القاسم الأسديّ الفقعسي: مضت له ترجمة موجزة في الجزء الثاني: ٣٣٣؛ وستأتي له ترجمة مفصّلة في آخر هذا الفصل.


قال: حاجتي إليكم أنّي قد أتيتكم بخير ما أتى به وافد إلى قوم قط، أتيتكم أدعوكم إلى نصرة ابن بنت نبيّكم، فإنّه في عصابة من المؤمنين، الرجل منهم خيرٌ من ألف رجل، لن يخذلوه ولن يُسلموه وفيهم عين تَطرِف، وهذا عمر بن سعد قد أحاط به في اثنين وعشرين ألفاً، وأنتم قَومي وعشيرتي وقد أتيتكم بهذه النصيحة، فأطيعوني اليوم تنالوا شرف الدنيا وحسن ثواب الآخرة، فإنّي أُقسم بالله لا يُقتل منكم رجل مع ابن بنت رسول الله صابراً محتسباً، إلاّ كان رفيق محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله في أعلى علّيين.

فقام رجلٌ من بني أسد يُقال له عبد الله بن بشر فقال: أنا أوّل مَن يجيب إلى هذه الدعوة، ثمّ جعل يرتجز ويقول:

قد علِمَ القوم إذا تناكلوا

وأحجم الفرسان إذ تناضلوا

أنّي الشجاع البطل المقاتل

كأنّني ليثُ عرينٍ باسلُ

ثمّ بادر رجال الحيّ إلى حبيب وأجابوه، فالتأم منهم تسعون رجلاً وجاءوا مع حبيب يريدون الحسين، فخرج رجل من الحيّ، يُقال: فلان بن عمرو حتّى صار إلى عمر بن سعد في جوف الليل، فأخبره بذلك، فدعا عمر برجلٍ من أصحابه يقال له (الأزرق بن الحرث الصدائي) فضمّ إليه أربعمئة فارس، ووجّه به إلى حيّ بني أسد مع ذلك الذي جاء بالخبر، فبينا أولئك القوم من بني أسد قد أقبلوا في جوف الليل مع حبيب يريدون عسكر الحسين، إذ استقبلتهم خيل ابن سعد على شاطئ الفرات، وكان بينهم وبين معسكر الحسين اليسير، فتناوش الفريقان واقتتلوا، فصاح حبيب بالأزرق بن الحرث: ما لك ولنا؟! انصرف عنّا، يا ويلك دعنا واشقَ بغيرنا.

فأبى الأزرق، وعَلمت بنو أسد أن لا طاقة لهم بخيل ابن سعد فانهزموا راجعين إلى حيّهم، ثمَّ تحمّلوا في جوف الليل خوفاً من ابن سعد أن يكبسهم،


ورجع حبيب إلى الحسين فأخبره، فقال:لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم) (١) .

من غرائب ما تفرّد به البلاذري!

وكان البلاذري ممّن روى قصة استنفار حبيب بن مظاهر (رض) حيّاً من بني أسد لنصرة الإمام الحسينعليه‌السلام - وقد أوردنا روايته في الحاشية - لكنّ البلاذري قال في ذيل روايته لهذه القصة:

(وكان فراس بن جعدة بن هبيرة المخزومي مع الحسين، وهو يرى أنّه لا يخاف، فلمّا رأى الأمر وصعوبته هاله ذلك، فأذِن له الحسين في الانصراف، فانصرف ليلاً)(٢) .

ونقول:

أوّلاً: لم يُعرف في كتب التواريخ وكتب الرجال أنَّ لجعدة بن هبيرة

____________________

(١) مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي، ١: ٣٤٥ - ٣٤٦ عن الفتوح، ٥: ١٥٩ - ١٦٢ بتفاوت، وقد اخترنا نصّ الخوارزمي؛ لأنّه خال من الاضطراب، وفي الفتوح: (واقتتلوا قتالاً شديداً)، وانظر: البحار، ٤٤: ٣٨٧ في نقله عن كتاب السيّد محمّد بن أبي طالب.

وروى البلاذري هذه الواقعة أيضاً في كتابه الأشراف، ٣: ٣٨٨، ونصه: (وقال حبيب بن مظهر للحسين: إنّ هاهنا حيّاً من بني أسد أعراباً ينزلون النهرين، وليس بيننا وبينهم إلاّ رَوْحَة، أفتأذن لي في إتيانهم ودعائهم لعلّ الله أن يجرّ بهم إليك نفعاً أو يدفع عنك مكروهاً، فأذِن له في ذلك، فأتاهم فقال لهم: إنّي أدعوكم إلى شرف الآخرة وفضلها وجسيم ثوابها، أنا أدعوكم إلى نصر ابن بنت نبيّكم فقد أصبح مظلوماً، دعاه أهل الكوفة لينصروه فلمّا أتاهم خذلوه وعدوا عليه ليقتلوه، فخرج معه منهم سبعون، وأتى عمر بن سعد رجل ممّن هناك يُقال له (جبلة بن عمرو) فأخبره خبرهم، فوجّه أزرق بن الحارث الصيداوي، في خيل فحالوا بينهم وبين الحسين، ورجع ابن مظهر إلى الحسين فأخبره الخبر فقال:(الحمدُ لله كثيراً) ).

(٢) أنساب الأشراف، ٣: ٣٨٨.


المخزومي ولداً اسمه فراس (كما ذكر البلاذري)، بل إنّ له ولَدين معروفين: أحدهما يحيى، وله رواية عن الإمام الحسينعليه‌السلام ، وهو من رواة الغدير، وعبد الله (وهو الذي فتح القهندر وكثيراً من خراسان)، وقيل: إنّ له ولداً آخر اسمه عمر(١) .

ولو فرضنا - جدلاً - أنّ لجعدة بن هبيرة المخزومي ولداً اسمه فراس - كما زعم البلاذري -، فإنَّ ما نَسبه البلاذري لهذا الولد من تخلّيه عن الإمام الحسينعليه‌السلام في الشدّة أمرٌ مستبعدٌ جدّاً؛ ذلك لأنّ جعدة بن هبيرة هو ابن أمّ هاني بنت أبي طالبعليه‌السلام ، فجعدة ابن عمّة الإمامعليه‌السلام ، ففراس (المزعوم) هذا - وهو ابن جعدة - يكون ذا قرابة قريبة من الإمامعليه‌السلام .

هذا فضلاً عن أنّ التاريخ - بل البلاذري نفسه - حدّثنا عن: أنّ بني جعدة كانوا من أهل المعرفة بأهل البيتعليهم‌السلام ومن شيعتهم(٢) ، وهذا - أيضاً - فضلاً عن أنّ جعدة وأبناءه قد عُرفوا بالشجاعة والبأس والشدّة في الحرب والكريهة، ولم يُعرف لهم موقف متخاذل، أو أخزاهم خوف من الأعداء، هذا جعدة وقد عُرفت عنه الشدّة في الحرب، يقول له عتبة بن أبي سفيان: إنّما لك هذه الشدّة في الحرب من قِبَل خالك - يعني عليّاً، فيقول له جعدة: لو كان لك خال مثل خالي لنسيتَ أباك(٣) .

فهل يُتصور أنَّ ولداً من أولاد جعدة الشجاع هذا، يُعرّض نفسه وشرفه لعار الجبن على صفحة التاريخ إلى قيام الساعة، فيتخلّى ساعة الشدّة عن رجل محتاج

____________________

(١) راجع: مستدركات علم رجال الحديث، ٢: ١٣١ و٨: ١٩٣، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ١٨: ٣٠٨.

(٢) أنساب الأشراف، ٣: ٣٦٦.

(٣) مستدركات علم رجال الحديث، ٢: ١٣٠، رقم ٢٤٨٩، ومعجم رجال الحديث، ٤: ٤٣، رقم ٢٠٩٧.


إليه وذي رحِم ماسّة به كانت الأعداء قد أحاطت به من كلّ جانب؟! فما بالك إذا كان هذا المحتاج إليه ابن رسول الله وابن خال أبيه وهو الحسينعليه‌السلام ؟!

هذا ما لو تأمّل البلاذريّ نفسه فيه لمَا تجرّأ على الإتيان به.

وممّا يؤسف له أنّ بعض المتتبّعين أخذ هذا عن البلاذري أخذ المسلّمات، ولم يكلّف نفسه مناقشة تلك الدعوى(١) .

وقائعُ اليوم السابع من المحرّم

بعد أن روى الخوارزمي في مقتله قصة المواجهة بين جماعة بني أسد، الذين استجابوا لدعوة حبيب بن مظاهر (رض)، وبين خيل عمر بن سعد (أربعمئة فارس) بقيادة الأزرق بن الحرث الصدائي، وكيف انهزمت مجموعة بني أسد بعد قتال شديد، ورجوعهم إلى حيّهم، ثمّ ارتحالهم عنه في جوف الليل خوفاً من بأس جيش ابن سعد، وعودة حبيب (رض) إلى معسكر الإمامعليه‌السلام .

يتابع الخوارزمي سرد بقيّة قصة كربلاء فيقول: (ورَجَعت تلك الخيل حتّى نَزلت على الفرات، وحالوا بين الحسين وأصحابه وبين الماء، فأضرّ العطش بالحسين وبمَن معه، فأخذ الحسينعليه‌السلام فأساً، وجاء إلى وراء خيمة النساء، فخطا على الأرض تسع عشرة خطوة نحو القِبلة، ثمّ احتفر هنالك فنبعت له هناك عين من الماء العذب، فشربَ الحسين وشرب النّاس بأجمعهم، وملأوا أسقيتهم، ثمّ غارت العين فلم يُرَ لها أثر.

وبلغ ذلك إلى عبيد الله فكتب إلى عمر بن سعد: بلغني أنَّ الحسين يحفر

____________________

(١) راجع: حياة الإمام الحسين بن عليعليهما‌السلام ٣: ١٧١.


الآبار ويصيب الماء فيشرب هو وأصحابه، فانظر إذا ورد عليك كتابي هذا فامنعهم من حفر الآبار ما استطعت، وضيّق عليهم ولا تدعهم أن يذوقوا من الماء قطرة، وافعل بهم كما فعلوا بالزكيِّ عثمان! والسلام)(١) .

(فلمّا ورد على عمر بن سعد ذلك، أمرَ عمرو بن الحجّاج أن يسير في خمسمئة راكب، فينيخ على الشريعة، ويحولوا بين الحسين وأصحابه وبين الماء، وذلك قبل مقتله بثلاثة أيّام، فمكث أصحاب الحسين عطاشى)(٢) .

(وناداه عبد الله بن أبي حصين الأزدي (عبد الله بن حصين الأزدي)(٣) فقال: يا حسين ألا تنظر إلى الماء كأنّه كبد السماء، والله لا تذوق منه قطرة حتّى تموت عطشاً! فقال حسين:(اللّهمّ اقتلهُ عطشاً ولا تغفر له أبداً)، قال حميد بن مسلم(٤) : والله

____________________

(١) مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ١: ٣٤٦ عن كتاب الفتوح، ٥: ١٦٢، ولكنّ كتاب الفتوح - النسخة التي عندنا - ليس فيها قصة كيف حفر الإمامعليه‌السلام بئراً خلف خيمة النساء، وانظر: تاريخ الطبري: ٤: ٣١١ - ٣١٢، وأنساب الأشراف، ٣: ٣٨٩.

(٢) الأخبار الطوال: ٢٥٥.

(٣) كما في رواية أنساب الأشراف، ٣: ٣٨٩.

(٤) حميد بن مسلم الأزدي الكوفي: هو في الاصطلاح الرجالي من أصحاب الإمام السجادعليه‌السلام ، ومن المجاهيل. (راجع: معجم رجال الحديث، ٦: ٢٩٧، رقم ٤٠٩٠، ومستدركات علم رجال الحديث، ٣: ٢٨٩، رقم ٥١١٩).

وقد حضر حميد بن مسلم هذا واقعة عاشوراء، ونقل جملة من قضاياها فيما يشبه دور المراسل الصحفي، لكنَّ نفس نقله لهذه الوقائع دليل تام على أنّه كان في صفّ أعداء الإمام الحسينعليه‌السلام ، بل كان له أكثر من دور في خدمة جيش ابن سعد لعنه الله، فقد روى الطبري في تاريخه، ٤: ٣٤٨، ونقل أيضاً العلاّمة المجلسي (ره) عن كتاب السيّد محمد بن أبي طالب (ره): أنّ عمر بن سعد سرّح برأس الحسينعليه‌السلام يوم عاشوراء مع خولّي بن يزيد الأصبحي وحميد بن =


لعُدْتُه بعد ذلك في مرضه، فو الله الذي لا إله إلاّ هو لقد رأيته يشرب حتى يبغر(١) ! ثمّ يقيء ثمّ يعود فيشرب حتّى يبغر فما يروى، فما زال ذلك دأبه حتّى لفظ غُصَّته - يعني نفسه -)(٢) .

ويواصل الطبري قصة منع الماء يوم السابع من المحرّم قائلاً: (ولمّا اشتدّ على الحسين وأصحابه العطش دعا العبّاس بن عليّ بن أبي طالب أخاه، فبعثه في ثلاثين فارساً وعشرين راجلاً، وبعث معهم بعشرين قِربة، فجاءوا حتّى دنوا من الماء ليلاً، واستقدمَ أمامهم باللواء نافع بن هلال الجملي، فقال عمرو بن الحجّاج الزبيدي: مَن الرجل؟ فَجِيءْ، ما جاء بك؟!

قال: جئنا نشرب من هذا الماء الذي حلأتمونا عنه.

قال: فاشرب هنيئاً.

قال: لا والله، لا أشرب منه قطرة وحسين عطشان ومَن ترى من أصحابه، فطلعوا عليه، فقال: لا سبيل إلى سقي هؤلاء، إنّما وضِعنا بهذا المكان لنمنعه الماء.

فلمّا دنا منه - أي نافع - أصحابه قال لرجاله: املأوا قِرَبِكم.

فشدَّ الرجّالة فملأوا قِرَبِهم، وثار إليهم عمرو بن الحجاج وأصحابه، فحمل عليهم العبّاس بن عليّ ونافع بن هلال فكفّوهم، ثمّ انصرفوا إلى رحالهم فقالوا:

____________________

= مسلم إلى ابن زياد (راجع البحار، ٤٥: ٦٢)، وقد نقل العلاّمة المجلسي (ره) عن السيّد محمد بن أبي طالب (ره) أيضاً: أنّ حميد بن مسلم هذا حضر أيضاً واقعة (عين الوردة) مع جيش التوّابين، بقيادة سليمان بن صُرد الخزاعي في قتالهم طلائع جيش الشام الذي كان أميره العام عبيد الله بن زياد. (راجع: البحار، ٤٥: ٣٦٠ - ٣٦١).

(١) بغر: شربَ فلم يروَ، فأخذهُ داء من الشرب.

(٢) تاريخ الطبري، ٤: ٣١٢.


إمضوا! ووقفوا دونهم، فعطف عليهم عمرو بن الحجّاج وأصحابه، واطّردوا قليلاً، ثمّ إنّ رجلاً من صُدَاء طُعِن، من أصحاب عمرو بن الحجّاج، طعنه نافع بن هلال، فظنّ أنّها ليست بشيء، ثمّ إنّها انتقضت بعد ذلك فمات منها، وجاء أصحاب الحسين بالقِرَب فأدخلوها عليه)(١) .

وفي رواية ابن أعثم الكوفي: (... فاقتتلوا على الماء قتالاً عظيماً، فكان قوم يقتتلون وقوم يملأون القِرب حتّى مَلأوها، فقُتل من أصحاب عمرو جماعة ولم يُقتل من أصحاب الحسين أحد، ثُمَّ رجع القوم إلى معسكرهم وشرب الحسين من القِرب ومَن كان معه)(٢) .

وفي رواية البلاذري: (ويُقال: إنّهم حالوا بينهم وبين ملئها، فانصرفوا بشيء يسير من الماء، ونادى المهاجر بن أوس التميمي: يا حسين ألا ترى إلى الماء يلوح كأنّه بطون الحيَّات، والله لا تذوقه أو تموت! فقال:(إنّي لأرجو أن يُوردنيه الله ويَحلأكم عنه).

ويُقال: إنّ عمرو بن الحجّاج قال: يا حسين، إنّ هذا الفرات تلغ فيه الكلاب وتشرب منه الحمير والخنازير، والله لا تذوق منه جرعة حتّى تذوق الحميم في نار جهنّم!)(٣) .

أمّا الدينوري يصف واقعة الشريعة يوم السابع وصفاً مختصراً ودقيقاً حيث يقول: (فمضى العبّاس نحو الماء، وأمامهم نافع بن هلال، حتّى دنوا من الشريعة، فمنعهم عمرو بن الحجّاج، فجالدهم العبّاس على الشريعة بمَن معه حتّى أزالوهم

____________________

(١) تاريخ الطبري، ٤: ٣١٢، وانظر: أنساب الأشراف، ٣: ٣٨٩، والكامل في التاريخ، ٣: ٢٨٣.

(٢) الفتوح، ٥: ١٦٤، وعنه مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي، ١: ٣٤٦ - ٣٤٦، بتفاوت يسير.

(٣) أنساب الأشراف، ٣: ٣٩٠.


عنها، واقتحم رجّالة الحسين الماء فملأوا قِرَبهم، ووقف العبّاس في أصحابه يذبّون عنهم حتّى أوصلوا الماء إلى عسكر الحسين)(١) .

مَن هو أبو الفضل العبّاس بن أمير المؤمنينعليهما‌السلام ؟

مولانا أبو الفضل العبّاس بن أمير المؤمنين عليّعليهما‌السلام ، وأمّه أمّ البنين فاطمة بنت حزام بن خالد الكلابيّ صلوات الله عليها، وهو أكبر أولادها، ولَدَته في الرابع من شعبان سنة ستّ وعشرين من الهجرة، وكان عمره الشريف عند شهادته أربعاً وثلاثين سنة(٢) .

والحديث حول هذه الشخصيّة الإسلاميّة المقدّسة الفذّة يستدعي بالضرورة أنْ يُفرد له كتاب مستقل(٣) ، وحيث لا يسعنا ذلك في إطار هذه الدراسة (مع الركب الحسيني من المدينة إلى المدينة)، فإنّنا هنا - لكي لا نُحرَم من توفيق أداء بعض حقّه العظيم علينا - نُقدّم تبرّكاً باقة من النصوص الواردة في حقّهعليه‌السلام ، الكاشفة عن عظمته وسموّ منزلته:

قال الإمام زين العابدين عليّ بن الحسينعليهما‌السلام :

(رحمَ الله العبّاس، فلقد آثر وأبلى وفدى أخاه بنفسه حتى قُطعت يداه، فأبدلهُ الله عزّ وجلّ بها جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنّة، كما جعل

____________________

(١) الأخبار الطوال: ٢٥٥.

(٢) راجع: مستدركات علم رجال الحديث، ٤: ٣٥٠، رقم ٧٤٤٨.

(٣) وبالفعل فهناك دراسات وكتب قيّمة حول شخصيّة مولانا أبي الفضل العبّاسعليهما‌السلام ، منها على سبيل المثال: كتاب (العبّاس بن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهما‌السلام ) للمحقّق المرحوم السيّد عبد الرزاق المقرّم، وكتاب (بطل العلقمي) للشيخ المرحوم عبد الواحد المظفّر.


لجعفر بن أبي طالب، وإنّ للعباس عند الله تبارك وتعالى منزلة يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة) (١) .

وعن الإمام الصادقعليه‌السلام :(كان عمّنا العبّاس نافذ البصيرة، صُلب الإيمان، جاهدَ مع أبي عبد الله عليه‌السلام ، وأبلى بلاءً حسناً ومضى شهيداً..) (٢) .

وفي زيارته الواردة عن الإمام الصادقعليه‌السلام من العبائر العجيبة الكاشفة عن جلالة رتبة مولانا أبي الفضلعليه‌السلام ، وعظمة منزلته ما يحيّر الألباب! فلنقرأ معاً: (قال الصادقعليه‌السلام :(إذا أردتَ زيارة قبر العبّاس بن عليّ، وهو على شطّ الفرات بحذاء الحائر، فقف على باب السقيفة وقل:

سلامُ الله، وسلام ملائكته المقرّبين، وأنبيائه المرسلين، وعباده الصالحين، وجميع الشهداء والصدّيقين، والزاكيات الطيّبات فيما تغتدي وتروح، عليك يا بن أمير المؤمنين، أشهدُ لك بالتسليم والتصديق والوفاء والنصيحة لخلف النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله المُرسل، والسبط المنتجب، والدليل العالِم، والوصيّ المبلّغ، والمظلوم المهتضم، فجزاك الله عن رسوله، وعن أمير المؤمنين، وعن الحسن والحسين صلوات الله عليهم، أفضل الجزاء بما صبرت واحتسبت وأعنتَ، فنِعمَ عُقبى الدار، لعن الله مَن قتلك، ولعن الله مَن جهل حقّك واستخفّ بحرمتك، ولعن الله مَن حال بينك وبين ماء الفُرات، أَشهدُ أنّك قُتلت مظلوماً، وأنّ الله منجزٌ لكم ما وعدكم.

جئتك يا بن أمير المؤمنين وافداً إليكم، وقلبي مُسلّم لكم، وأنا لكم تابع، ونُصرتي لكم مُعدَّة حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين، فمعكم معكم لا مع عدوّكم، إنّي بكم وبإيابكم من

____________________

(١) أمالي الصدوق: ٣٧٣ - ٣٧٤، المجلس السبعون حديث رقم ١٠، ورواه أيضاً في كتاب الخصال، ١: ٦٨ باب الاثنين حديث رقم ١٠١.

(٢) قاموس الرجال، ٦: ٢٩، رقم ٣٩٠٣ عن عمدة الطالب: ٣٥٦.


المؤمنين، وبمَن خالفكم وقتلكم من الكافرين، قتلَ الله أمّة قتلتكم بالأيدي والألسُن .

ثمَّ ادخل وانكبّ على القبر وقُلْ:

السّلام عليك أيها العبدُ الصالح، المطيع لله، ولرسوله، ولأمير المؤمنين، والحسن، والحسينعليهم‌السلام ، السلام عليك ورحمة الله وبركاته ورضوانه، وعلى روحك وبدنك، وأُشهدُ الله أنّك مضيتَ على ما مضى عليه البدريّون، المجاهدون في سبيل الله المناصحون له في جهاد أعدائه، المبالغون في نصرة أوليائه، الذابّون عن أحبّائه، فجزاك الله أفضل الجزاء، وأكثر الجزاء، وأوفر الجزاء، وأوفى جزاء أحد ممّن وفى ببيعته، واستجاب له دعوته، وأطاع ولاة أمره.

أشهدُ أنّك قد بالغتَ في النصيحة، وأعطيتَ غاية المجهود، فبعثك الله في الشهداء، وجعل روحك مع أرواح الشهداء (السعداء) (١) ، وأعطاك من جنانه أفسحها منزلاً، وأفضلها غرفاً، ورفع ذكرك في عليّين، وحشرك مع النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين، وحسُن أولئك رفيقاً، أَشهدُ أنّك لم تَهِنْ ولم تنكُل، وأنّك مضيت على بصيرة من أمرك، مقتدياً بالصالحين، ومتّبعاً للنبيين، فجمع الله بيننا وبينك وبين رسوله وأوليائه في منازل المخبتين، فإنّه أرحم الراحمين) (٢) .

وورد السلام عليه في زيارة الناحية المقدّسة:(السلام على أبي الفضل العبّاس بن أمير المؤمنين، المواسي أخاه بنفسه، الآخذ لغده من أمْسه، الفادي له، الواقي، الساعي إليه بمائه، المقطوعة يداه، لعن الله قاتله يزيد (٣) بن الرُقّاد الجُهَنيّ، وحكيم بن الطُّفيل الطّائي) (٤) .

وكان مولانا أبو الفضلعليه‌السلام قد قدّم إخوته لأمّه وأبيه وهم: عبد الله، وجعفر،

____________________

(١) في البحار، ١٠١: ٢٧٨، باب ٣٠، حديث رقم ١، السعداء بدل الشهداء.

(٢) كامل الزيارات: ٢٦٩ - ٢٧، باب ٨٥، حديث رقم ١.

(٣) زيد بن رقاد الجهني، كما في مقاتل الطالبيين: ٥٦، وتاريخ الطبري، ٤: ٣٥٨.

(٤) البحار، ٤٥: ٦٦.


وعثمان إلى القتال يوم عاشوراء؛ ليستشهدوا قبله فيحتسبهم عند الله تعالى، فقد قال لأوّلهم:(تقدّم بين يديّ حتى أراك واحتسبك فإنّه لا ولدَ لك) (١) .

(وكان العبّاس رجلاً وسيما جميلاً، يركب الفرس المطهّم ورجلاه تخطّان في الأرض، وكان يُقال له: قمر بني هاشم، وكان لواء الحسين بن عليعليه‌السلام معه يوم قُتل)(٢) .

وفي اليوم العاشر (لمّا نَشبت الحرب بين الفريقين تقدّم عمرو بن خالد الصيداوي، ومولاه سعد، ومجمع بن عبد الله، وجنادة بن الحرث، فشدّوا مُقدمين بأسيافهم على الناس، فلمّا وغلوا فيهم عطف عليهم الناس فأخذوا يحوزونهم، وقطعوهم من أصحابهم، فندب الحسينعليه‌السلام لهم أخاه العبّاس، فحمل على القوم وحده، فضرب فيهم بسيفه حتّى فرّقهم عن أصحابه وخلَص إليهم فسلّموا عليه، فأتى بهم، ولكنّهم كانوا جرحى فأبوا عليه أن يستنقذهم سالمين، فعاودوا القتال وهو يدفع عنهم حتّى قُتلوا في مكان واحد، فعاد العباس إلى أخيه وأخبره خبرهم)(٣) .

وكان صلوات الله عليه يُلقّب بالسقّاء(٤) ، وهو حامل لواء الحسينعليه‌السلام (٥) .

وكان الإمام الحسينعليه‌السلام يحبّ أخاه العبّاس حبّاً خاصاً فائقاً، حتّى كانعليه‌السلام

____________________

(١) مقاتل الطالبيين: ٥٤.

(٢) مقاتل الطالبيين: ٥٦.

(٣) إبصار العين: ٦١، وانظر تاريخ الطبري، ٤: ٣٤٠.

(٤) راجع: إبصار العين: ٦٢، وانظر مقاتل الطالبيين: ٥٥، ومقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي، ١: ٣٤٧ و ٢: ٣٤.

(٥) راجع: الأخبار الطوال: ٢٥٦، والإرشاد: ٢٦٠.


يُفدّي أبا الفضلعليه‌السلام بنفسه القدسيّة.

روى الطبري: أنّ عمر بن سعد (لعنه الله) لمّا زحف يوم الخميس التاسع من المحرّم بعد صلاة العصر بجيوشه نحو معسكر الإمام الحسينعليه‌السلام ، قال الإمامعليه‌السلام لأخيه أبي الفضلعليه‌السلام :(يا عبّاس، اركب بنفسي أنتَ يا أخي حتّى تلْقاهم فتقول لهم مالَكم وما بدالكم، وتسألهم عمّا جاء بهم؟!) (١) .

ولقد نجح أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام في جميع الاختبارات الإلهية الصعبة التي تعرّض لها، حتّى استُشهد صلوات الله عليه، لكنّ أسمى وأروع تلك الاختبارات في مراقي الكمال والفداء والإيثار، كان يوم العاشر بعد أن قُتل أنصار الإمامعليه‌السلام من أهل بيته وصحبه الكرام، وضاق صدر أبي الفضلعليه‌السلام بالبقاء في دار الفناء وسئم الحياة، فجاء إلى الإمام الحسين يستأذنه في قتال القوم، فقال له الحسينعليه‌السلام :(إنْ عزمتَ فاستقِ لنا ماءً) (٢) ، فأخذَ قِربته وحملَ على آلاف الأعداء حتّى كشفهم عن الشريعة، ثمَّ ملأ القربة، واغترف من الماء غرفة ليشرب وقلبه كما الجمر من العطش، لكنّه ذكر عطش الحسينعليه‌السلام ومَن معه فرمى بالماء من يده وقال:

يا نفس مِنْ بعدِ الحسين هوني

وبعده لا كُنـتِ أن تكوني

هذا الحسين وارد المـنون

وتشربيـن باردَ المعين

تالله ما هذا فعال ديني (٣)

ولمّا صُرع أبو الفضل وخرّ إلى الأرض - بلا يدين - نادى بأعلى صوته:أدركني يا أخي، فانقضّ عليه أبو عبد الله كالصقر، فرآهُ مقطوع اليمين واليسار، مرضوخ

____________________

(١) تاريخ الطبري، ٤: ٣١٥.

(٢) راجع: إبصار العين: ٦٢.

(٣) راجع: مقتل الحسينعليه‌السلام للمقرّم: ٢٦٨.


الجبين، مشكوك العين بسهم، مرتثّاً بالجراحة، فوقف عليه منحنياً، وجلسَ عند رأسه يبكي حتى فاضت نفسه المقدّسة، ثمّ حمل الإمامعليه‌السلام على القوم فجعل يضرب فيهم يميناً وشمالاً، فيفرّون من بين يديه كما تفرّ المِعزى إذا شدَّ فيها الذئب، وهو يقول:(أين تفرّون وقد قتلتم أخي؟! أين تفرّون وقد فَتتُّم عضُدي؟!) ثمّ عاد إلى موقفه منفرداً(١) .

ولمّا قُتل العباس قال الحسينعليه‌السلام :(الآن انكسر ظهري وقلّت حيلتي) (٢) .

ولقد تركه الإمام الحسينعليه‌السلام في المكان الذي صُرع فيه، ولم يحمله إلى خيمة الشهداء كما فعل بمَن سبقه منهم.

ولقد أجاد المحقّق المرحوم السيّد المقرّم حيث قال: (وتركهُ في مكانه لسرٍّ مكنون أظهرته الأيّام، وهو أن يُدفن في موضعه منحازاً عن الشهداء؛ ليكون له مشهدٌ يُقصد بالحوائج والزيارات، وبقعة يزدلف إليها النّاس، وتتزلّف إلى المولى سبحانه تحت قبّته التي ضاهت السماء رفعة وسناءً، فتظهر هنالك الكرامات الباهرة، وتعرف الأمّة مكانته السامية، ومنزلته عند الله تعالى، فتؤدّي ما وجب عليهم من الحبّ المتأكد والزيارات المتواصلة، ويكونعليه‌السلام حلقة الوصل فيما بينهم وبين الله تعالى، فشاء حُجّة الوقت أبو عبد اللهعليه‌السلام ، كما شاء المهيمن سبحانه أن تكون منزلة (أبي الفضل) الظاهرية شبيهة بالمنزلة المعنوية الأُخروية، فكان كما شاءا وأَحبّا)(٣) .

والسلام على مولانا أبي الفضل العباس ما دام الليل والنهار!

____________________

(١) راجع: إبصار العين: ٦٢ - ٦٣.

(٢) راجع البحار، ٤٥: ٤٢، ومقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي، ٢: ٣٤.

(٣) مقتل الحسينعليه‌السلام للمقرّم: ٢٧٠.


المحاورةُ بين الإمامعليه‌السلام وبين عمر بن سعد لعنه الله

قال ابن أعثم الكوفي: (ثمَّ أرسل(١) الحسينرحمه‌الله إلى عمر بن سعد:(إنّي أُريد أنْ أُكلّمك، فالقِني الليلة بين عسكري وعسكرك) .

قال: فخرجَ إليه عمر بن سعد في عشرين فارساً، وأقبل الحسين في مثل ذلك، فلمّا التقيا أمر الحسين أصحابه فتنحّوا عنه، وبقيَ معه أخوه العبّاس وابنه عليّ الأكبررضي‌الله‌عنهم ، وأمرَ عمر بن سعد أصحابه فتنحّوا، وبقيَ معه حفص ابنه وغلامٍ له يُقال له لاحق.

فقال له الحسينرضي‌الله‌عنه :

(ويحكَ يا بن سعد، أما تتّقي الله الذي إليه معادك أن تقاتلني، وأنا ابن مَن علمتَ يا هذا من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟! فاترك هؤلاء وكنْ معي، فإنّي أُقرّبك إلى الله عزّ وجلّ.

فقال له عمر بن سعد: أبا عبد الله، أخاف أن تُهدَم داري!

فقال له الحسينرضي‌الله‌عنه :أنا أبنيها لك.

فقال: أخاف أن تؤخذ ضيعتي!

فقال الحسين:أنا أُخلف عليك خيراً منها من مالي بالحجاز.

فقال: لي عيال أخاف عليهم!

فقال:أنا أضمن سلامتهم (٢) .

قال: فلم يُجب عمر إلى شيء من ذلك، فانصرف عنه الحسينرضي‌الله‌عنه

____________________

(١) في رواية الطبري: أنّ الإمامعليه‌السلام أرسل عمرو بن قرظة بن كعب الأنصاري (رض) إلى عمر بن سعد (تاريخ الطبري، ٤: ٣١٢).

(٢) مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي، ١: ٣٤٧.


وهو يقول:ما لكَ؟! ذبحكَ الله (من) (١) على فراشك سريعاً عاجلاً، ولا غفر الله لك يوم حشرك ونشرك، فو الله إنّي لأرجو أن لا تأكل من بُرّ العراق إلاّ يسيراً) (٢) .

(فقال له عمر: يا أبا عبد الله، في الشعير عوض عن البُرّ! ثمّ رجع عمر إلى معسكره)(٣) .

ولقد روى الطبري هذا اللقاء بين الإمامعليه‌السلام وبين عمر بن سعد، من طريق أحد مجرمي جيش ابن سعد وهو (هانئ بن ثبيت الحضرميّ)، وفي روايته: (... فلمّا التقوا أمر الحسين أصحابه أن يتنحّوا عنه، وأمر عمر بن سعد أصحابه بمثل ذلك، قال: فانكشفنا عنهما بحيث لا نسمع أصواتهما ولا كلامهما، فتكلّما فأطالا حتى ذهب من الليل هزيغٌ، ثمّ انصرف كلّ واحد منهما إلى عسكره بأصحابه..)(٤) .

وهنا يُقحم الظنّ الآثم ليختلط بالحق.

يقول الطبري بعد هذا: (وتحدّث النّاس فيما بينهما ظنّاً يظنونه أنّ حسيناً قال لعمر بن سعد: أُخرج معي إلى يزيد بن معاوية، ونَدَع العسكرين! قال عمر: إذاً تُهدم داري! قال: أنا أبنيها لك، قال: إذاً تؤخذ ضياعي! قال: إذاً أعطيك خيراً منها من مالي بالحجاز، قال فتكرّه ذلك عمر، قال: فتحدّث الناس بذلك وشاع فيهم من غير أن يكونوا سمعوا من ذلك شيئاً ولا علموه)(٥) .

____________________

(١) ليست في مقتل الخوارزمي.

(٢) الفتوح، ٥: ١٦٤ - ١٦٦.

(٣) مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي، ١: ٣٤٧.

(٤) تاريخ الطبري، ٤: ٣١٢ - ٣١٣.

(٥) تاريخ الطبري، ٤: ٣١٢ - ٣١٣.


ثُمَّ يُزيد الطبري الطين بَلَّة!

حيث يقول بعد ذلك: (وأمّا ما حَدّثنا به الماجد بن سعيد، والصقعب بن زهير الأزدي وغيرهما من المحدّثين، فهو ما عليه جماعة المحدّثين، قالا: إنّه قال: (اختاروا مني خصالاً ثلاثاً، إمّا أن أرجع إلى المكان الذي أقبلتُ منه، وإمّا أن أضع يدي في يد يزيد بن معاوية فيرى فيما بيني وبينه رأيه، وإمّا أن تُسيّروني إلى أيّ ثغر من ثغور المسلمين شئتم، فأكون رجلاً من أهله، لي ما لهم وعليَّ ما عليهم)(١) .

لكنَّ شاهد عيان يروي الحقيقة فيقول:

وممّا يخفّف الغمَّ والهمَّ عن قلب طالب الحقيقة التاريخية: أنّ الطبري مع روايته لتلك المظنونات الكاذبة الآثمة، روى أيضاً حقيقة القضيّة عن لسان عقبة بن سمعان (رض) مولى الرباب زوج الإمام الحسينعليه‌السلام ، وكان ممّن صحب الإمامعليه‌السلام من المدينة إلى كربلاء، وكان في خدمة الإمامعليه‌السلام فلم يغِب عن شيء ممّا خاطب الإمامعليه‌السلام به الناس.

قال الطبري: (قال أبو مخنف: فأمّا عبد الرحمان بن جندب فحدّثني عن عقبة بن سمعان(٢) قال: صحبتُ حسيناً، فخرجت معه من المدينة إلى مكّة، ومن مكّة إلى العراق، ولم أفارقه حتّى قُتل، وليس من مخاطبته الناس كلمة بالمدينة، ولا بمكّة، ولا في الطريق، ولا بالعراق، ولا في عسكر إلى يوم مقتله إلاّ وقد سمعتها، ألا والله ما أعطاهم ما يتذاكر النّاس وما يزعمون من أن يضع يده في يد يزيد بن معاوية، ولا أن يسيّروه إلى ثغر من ثغور المسلمين، ولكنّه قال:(دعوني فلأذهب في هذه الأرض العريضة حتى ننظر ما يصير أمر النّاس..) )(٣) .

____________________

(١) تاريخ الطبري، ٤: ٣١٣، وانظر: أنساب الأشراف، ٣: ٣٩٠، وفيه: (ويقال: إنّه لم يسأله إلاّ أن يشخص إلى المدينة فقط).

(٢) عقبة بن سمعان: مضت ترجمته في الجزء الأوّل: ٤١٠ - ٤١١.

(٣) تاريخ الطبري، ٤: ٣١٣.


أُكذوبة عمر بن سعد التي افتراها على الإمامعليه‌السلام

ويروي الطبري: أنّ عمر بن سعد بعد لقائه مع الإمامعليه‌السلام كان قد كتب إلى ابن زياد كتاباً نصّه: (أمّا بعدُ، فإنَّ الله قد أطفأ النائرة، وجمعَ الكلمة، وأصلحَ أمر الأمّة، هذا حسين قد أعطاني أن يرجع إلى المكان الذي منه أتى، أو أن نسيّره إلى أيّ ثغر من ثغور المسلمين شئنا، فيكون رجلاً من المسلمين، له ما لهم وعليه ما عليهم، أو أن يأتي يزيد أمير المؤمنين فيضع يده في يده، فيرى فيما بينه وبينه رأيه، وفي هذا لكم رضاً وللأمّة صلاح!)(١) .

إشارة:

يلفت انتباه المتتبع: أنّ رواية هذا الكتاب والرواية التي ذكرت المطالب الثلاثة المفتراة على الإمامعليه‌السلام ، قد رواهما الطبري عن أبي مخنف، عن مجالد بن سعيد(٢) الهمداني، والصقعب بن زهير(٣) ، فإن كان خبر هذه الرسالة صادقاً، وقد علم هذان الراويان بمحتواها، فالظنّ قويّ بأنّ خبر المطالب الثلاثة المفتراة على الإمامعليه‌السلام

____________________

(١) تاريخ الطبري، ٤: ٣١٣.

(٢) مجالد بن سعيد الهمداني: لم نعثر عليه في كتب الرجال الشيعيّة، وأمّا عند علماء الرجال السُنّة، فقد ذكرهُ الذهبي قائلاً: (ولِد في أيّام جماعة من الصحابة ولكن لا شي له عنهم، ويُدرج في عداد صغار التابعين، وفي حديثه لين.

قال البخاري: كان يحيى بن سعيد يُضعّفه، وكان عبد الرحمان بن مهدي لا يروي له شيئاً، وكان أحمد بن حنبل لا يراه شيئاً، يقول ليس بشيء، وقال ابن معين: لا يُحتجّ به، وقال مرّةً: ضعيف) (راجع: سير أعلام النبلاء، ٦: ٢٨٥، دار الرسالة بيروت).

(٣) الصقعب بن زهير: لم نعثر عليه في كتاب الرجال - حسب متابعتنا - إلاّ ما وجدناه عند النمازي حيث يقول: (لم يذكروه، روى نصر بن مزاحم عن عمر بن سعد عنه قضايا صِفّين، كتاب صفّين ص١١ وص٥١٩) (مستدركات علم رجال الحديث، ٤: ٢٦٨، رقم ٧١١٨).


قد نُسِجَ عن محتوى هذه الرسالة، وإنْ لم يكن حتّى خبر هذه الرسالة صادقاً؛ فإنَّ الخبر الأوّل والثاني كليهما قد صدرا عن منبع واحد كاذب.

وعلى فرض صحة خبر هذه الرسالة، فما هو الداعي الذي دفع عمر بن سعد إلى أن يفتري على الإمامعليه‌السلام هذه الفِرية؟!

لا شكَّ أنّ عمر بن سعد - كغيره من مجرمي جيش ابن زياد - كان يعلم عِلماً يقيناً بأحقيّة الإمامعليه‌السلام بهذا الأمر، كما كان يعلم بما لا يرتاب فيه بالعار العظيم وبالسقوط الفظيع الذي سيلحقه مدى الدهر، إذا ما قتلَ الإمامعليه‌السلام في هذه المواجهة التي صار هو فيها على رأس الجيش الأموي، ولكنّه كان في باطنه أيضاً أسير رغبته الجامحة في ولاية الريّ ونعمائها، من هنا فقد سعى إلى أن يجد المخرج من هذه الورطة فيُعافى من ارتكاب جريمة قتل الإمامعليه‌السلام ، ولا يخسر أُمنيَته في ولاية الري.

وفي صفوف جيش ابن زياد أفراد كثيرون من نوع عمر بن سعد يتمنّون بقاء مواقعهم ومنافعهم الدنيوية، مع العافية من الاشتراك في جريمة قتل الإمامعليه‌السلام ، كشبث بن ربعي وغيره كثير، لكنّ هؤلاء قد غَلبت عليهم شقوتهم - إذ سلبهم الشلل النفسي والروحي كلّ قدرة على اتخاذ الموقف الصحيح - فاستحوذَ عليهم الشيطان، فدفعهم إلى ارتكاب أفحش وأفجع الجرائم وهم يتوهمون نوال ما يتمنّونه من هذه الدنيا الفانية، أو بقاء ما في أيديهم - الخالية - منها.

شمرُ بن ذي الجوشن يُحبط خطّة عمر بن سعد

ويواصل الطبري رواية مجرى هذا الحدث فيقول: (فلمّا قرأ عبيد الله الكتاب قال: هذا كتاب رجل ناصح لأميره مشفق على قومه! نعم، قد قبلتُ!


قال: فقام إليه شمر بن ذي الجوشن فقال: أتقبل هذا منه، وقد نزل بأرضك إلى جنبك؟! والله، لئن رحلَ من بلدك ولم يضع يده في يدك ليكوننّ أولى بالقوّة والعزّ، ولتكوننّ أَولى بالضعف والعجز، فلا تعطه هذه المنزلة فإنّها من الوهن، ولكنْ لينزل على حكمك هو وأصحابه، فإنْ عاقبتَ فأنت وليُّ العقوبة، وإنْ غفرتَ كان ذلك لك، والله، لقد بلغني أنّ حسيناً وعمر بن سعد يجلسان بين العسكرين فيتحدّثان عامّة الليل.

فقال له ابن زياد: نِعمَ ما رأيتَ، الرأي رأيك)(١) .

ويواصل الطبري رواية ذلك الحدث، عن أبي مخنف، عن سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم قال: (ثمّ إنّ عبيد الله بن زياد دعا شمر بن ذي الجوشن، فقال له: اُخرج بهذا الكتاب إلى عمر بن سعد، فليعرض على الحسين وأصحابه النزول على حُكمي، فإنْ فعلوا فليبعث بهم إليَّ سلَماً، وإنْ هم أبَوا فليقاتلهم، فإنْ فعل فاسمع له وأطع، وإنْ هو أبى فقاتلهم فأنت أمير النّاس، وَثِبْ عليه فاضرب عُنقه وابعث إليَّ برأسه)(٢) .

وكان كتاب ابن زياد لعمر بن سعد: (أمّا بعدُ، فإنّي لم أبعثك إلى حسين لتكفّ عنه، ولا لتطاوله، ولا لتُمنّيه السلام والبقاء، ولا لتقعد له عندي شافعاً، اُنظر فإنْ نزل حسين وأصحابه على الحكم واستسلموا فابعث بهم إليَّ سلماً، وإنْ أبوا فازحف إليهم حتّى تقتلهم وتمثّل بهم فإنّهم لذلك مستحقّون، فإنْ قُتل حسينٌ فأَوْطِئ الخيلَ صدره وظهره، فإنّه عاقٌ مشاقّ قاطع ظلوم! ولستُ أرى في هذا أن يضرَّ بعد الموت شيئاً، ولكنْ عليَّ قول: لو قد قتلته فعلت هذا به، فإنْ أنت مضيتَ

____________________

(١) و (٢) تاريخ الطبري، ٣: ٣١٣ - ٣١٤؛ وانظر: أنساب الأشراف، ٣: ٣٩٠ - ٣٩١، والكامل في التاريخ، ٣: ٢٨٤ .


لأمرِنا فيه، جزيناك جزاء السامع المطيع، وإنْ أبيتَ فاعتزِل عملنا وجُندنا، وخَلِّ بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر فإنّا قد أمرناه بأمرنا، والسلام)(١) .

ابن زياد يكتب أماناً لأبي الفضل العباس وإخوتهعليهم‌السلام !

يروي الطبري، عن أبي مخنف، عن الحارث بن حصيرة، عن عبد الله بن شريك العامري قال: (لمّا قَبض شمر بن ذي الجوشن الكتاب، قام هو وعبد الله بن أبي المحل، وكانت عمّته أمّ البنين ابنة حزام عند عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، فولدت له العبّاس، وعبد الله، وجعفراً، وعثمان، فقال عبد الله بن أبي المحلّ بن حزام بن خالد بن ربيعة بن الوحيد بن كعب بن عامر بن كلاب: أصلحَ الله الأمير، إنّ بني أُختنا مع الحسين، فإنْ رأيتَ أنْ تكتب لهم أماناً فعلتُ، قال: نعم، ونعمة عين، فأمرَ

____________________

(١) تاريخ الطبري، ٤: ٣١٤، وانظر: الكامل في التاريخ، ٣: ٢٨٤، والإرشاد: ٢٥٦، وأنساب الأشراف، ٣: ٣٩١، وفيه: (.. وإنْ قتلتَ حسيناً فأوطِئ الخيل صدره وظهره لنَذْرٍ نذرته وقول قُلتُه،.. وخلِّ بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر وأمر الناس، فإنّا قد أمرناه فيك بأمرنا، والسلام).

وانظر: الأخبار الطوال: ٢٥٥ بتفاوت، وانظر: الفتوح، ٥: ١٦٦ بتفاوت، وفيه: (.. يا بن سعد، ما هذه الفترة والمطاولة؟.. وإنْ أبيتَ ذلك فاقطع حبلنا وجُندنا، وسلِّم ذلك إلى شمر بن ذي الجوشن؛ فإنّه أحزم منك أمراً، وأمضى منك عزيمة، والسلام)، وعنه: مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي، ١: ٣٤٨ وفيه أيضاً: (وقال غيره: إنّ عبيد الله بن زياد دعا حويزة بن يزيد التميمي وقال: إذا وصلتَ بكتابي إلى عمر بن سعد فإنْ قام من ساعته لمحاربة الحسين فذاك، وإنْ لم يقم فخذه وقيّده، واندُب شهر بن حوشب ليكون أميراً على الناس، فوصلَ الكتاب، وكان في الكتاب: إنّي لم أبعثك يا بن سعد لمنادمة الحسين، فإذا أتاك كتابي فَخيّر الحسين بين أن يأتي إليَّ وبين أن تقاتله، فقام عمر بن سعد من ساعته وأخبر الحسين بذلك، فقال له الحسينعليه‌السلام :(أَخّرني إلى غدٍ...)، ثمّ قال عمر بن سعد للرسول: اشهد لي عند الأمير أنّي امتثلتُ أمره).


كاتبه فكتب لهم أماناً، فبعث به عبد الله بن أبي المحل مع مولى له يُقال له: كُزمان، فلمّا قدِم عليهم دعاهم فقال: هذا أمانٌ بعث به خالكم!

فقال له الفتية:أَقرِئ خالنا السلام، وقل له: أنْ لا حاجة لنا في أمانكم، أمان الله خيرٌ من أمان ابن سميّة) (١) .

____________________

(١) تاريخ الطبري، ٤: ٣١٤ - ٣١٥؛ وانظر: الكامل في التاريخ، ٣: ٢٨٤؛ وفي الفتوح: ٥، ١٦٦ - ١٦٧: (وطوى الكتاب، وأراد أن يسلّمه إلى رجل يُقال له عبد الله بن أبي المحل بن حزام العامري، فقال: أصلح الله الأمير، إنّ عليَّ بن أبي طالب قد كان عندنا هاهنا بالكوفة، فخطبَ إلينا فزوّجناه بنتاً يقال لها (أمّ البنين بنت حزام)، فولَدت له عبد الله، وجعفراً، والعبّاس، فهم بنو أختنا، وهم مع الحسين أخيهم، فإن رسمتَ لنا أن نكتب إليهم كتاباً بأمانٍ منك عليهم متفضّلاً؟! فقال عبيد الله بن زياد: نعم، وكرامة لكم! اُكتبوا إليهم بما أحببتم ولهم عندي الأمان!

قال: فكتب عبد الله بن أبي المحل بن حزام إلى عبد الله، والعباس، وجعفر، بني عليّرضي‌الله‌عنهم بالأمان من عبيد الله بن زياد، ودفع الكتاب إلى غلام له يُقال له (عرفان)، فقال: سِرْ بهذا الكتاب إلى بني أختي بني عليّ بن أبي طالب - رحمة الله عليهم - فإنّهم في عسكر الحسينرضي‌الله‌عنه ، فادفع إليهم هذا الكتاب، وانظر ماذا يردّون عليك؟

قال: فلمّا ورد كتاب عبد الله بن أبي المحل على بني عليّ ونظروا فيه، أقبلوا به إلى الحسين فقرأه وقال له: لا حاجة لنا في أمانك، فإنّ أمان الله خير من أمان ابن مرجانة.

قال: فرجع الغلام إلى الكوفة فخبّر عبد الله بن أبي المحل بما كان من جواب القوم.

قال: فعلمَ عبد الله بن أبي المحل أنّ القوم مقتولون). وعنه مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي، ١: ٣٤٨ - ٣٤٩ بتفاوت.

ويؤخذ على هذا الخبر:

أوّلاً: أنّ الإمام أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام قد تزوّج أم البنينعليها‌السلام قبل مجيئه الكوفة بسنين.

وثانياً: أنّ للإمام عليّعليه‌السلام من أمّ البنينعليها‌السلام ولَداً رابعاً هو عثمان، لم يُذكر في هذا الخبر.


وقائعُ اليوم التاسع من المحرّم الحرام

ويواصل الطبري رواية قصة كربلاء قائلاً: (فأقبلَ شمر بن ذي الجوشن بكتاب عبيد الله بن زياد إلى عمر بن سعد، فلمّا قدِم به عليه فقرأه قال له عمر: ما لك؟! ويلك، لا قرّب الله دارك، وقبّح الله ما قدمتَ به عليَّ! والله، إنّي لأظنّك أنت ثنيته أن يقبل ما كتبتُ به إليه، أفسدتَ علينا أمراً كُنّا رجونا أن يصلح، لا يستسلمُ واللهِ حسينٌ، إنّ نفساً أبيّة لبَيْنَ جنبيه.

فقال له شمر: أخبِرني ما أنت صانع؟! أتمضي لأمر أميرك وتقتل عدوّه؟! وإلاّ فخلِّ بيني وبين الجند والعسكر.

قال: لا، ولا كرامة لك، وأنا أتولّى ذلك، فدونك(١) فكن أنت على الرجّالة)(٢) .

شمر بن ذي الجوشن يبذل الأمان للعبّاس وإخوتهعليهم‌السلام

(وجاء شمر حتّى وقف على أصحاب الحسينعليه‌السلام فقال: أين بنو أُختنا؟

____________________

(١) عبارة: (فدونك فكن أنت على الرجّالة) من الإرشاد: ٢٥٧، بدلاً ممّا في تاريخ الطبري، ٣: ٣١٥ فإنّ عبارته الأخيرة (قال: فدونك وكن أنت على الرجّالة) أي: أنّ شمراً يأمر ابن سعد، وهذا مستبعد؛ لأنّ المأمور لا يأمر الآمر.

(٢) تاريخ الطبري، ٣: ٣١٥ وانظر: الكامل في التاريخ، ٣: ٢٨٤، والإرشاد: ٢٥٦ - ٢٥٧، وأنساب الأشراف، ٣: ٣٩١ وفيه: (فلمّا أوصل شمر الكتاب إليه قال عمر: يا أبرص، ويلك لا قرّب الله دارك، ولا سهّل محلّتك، وقبّحك وقبّح ما قدِمت له، والله إنّي لأظنّك ثنيته عن قبول ما كتبتُ به إليه.

فقال شمر: أتمضي لأمر الأمير، وإلاّ فخلّ بيني وبين العسكر وأمْر النّاس؟!

فقال عمر: لا، ولا كرامة، ولكنّي أتولّى الأمر.

قال: فدونك!).


فخرجَ إليه العبّاس، وجعفر، وعبد الله، وعثمان، بنو عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، فقالوا له:ما تريد؟

فقال: أنتم يا بني أُختي آمنون!

فقال له الفتية:لعنك الله ولعن أمانك، أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له؟!) (١) .

جيشُ الضلال يزحف على معسكر الحقّ والهدى!

ثمّ إنّ عمر بن سعد لعنه الله - وقد آثر العمى على الهدى، والدنيا الفانية على الآخرة، وانقاد مستسلماً لهواه فيها - نفر بجيشه لقتال الإمامعليه‌السلام (فنهضَ إليه عشيّة(٢) الخميس لتسع مضين من المحرّم)(٣) .

____________________

(١) الإرشاد: ٢٥٧، وانظر: تاريخ الطبري، ٤: ٣١٥، والكامل في التاريخ، ٣: ٢٨٤ وفيه: (لعنكَ الله ولعن أمانك، لئن كنت خالنا أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له؟!)، وأنساب الأشراف، ٣: ٣٩١، والفتوح، ٥: ١٦٨ - ١٦٩ وفيه: (... فقال الحسين لإخوته:(أجيبوه وإن كان فاسقاً؛ فإنّه من أخوالكم، فنادوه فقالوا: ما شأنك وما تريد؟

فقال: يا بني أُختي، أنتم آمنون، فلا تقتلوا أنفسكم مع أخيكم الحسين، والزموا طاعة أمير المؤمنين يزيد بن معاوية، فقال له العبّاس بن عليّرضي‌الله‌عنه : تبّاً لك يا شمر ولعنك الله ولعنَ ما جئت به من أمانك هذا يا عدوّ الله، أتأمرنا أن ندخل في طاعة اللعناء، ونترك نصرة أخينا الحسين..).

وعنه مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي، ١: ٣٤٩ وفيه: (.. يا عدوّ الله، أتأمرنا أن نترك أخانا الحسين بن فاطمة وندخل في طاعة اللعناء وأولاد اللعناء؟! فرجع شمر إلى عسكره مغيظاً)، وانظر أيضاً: تذكرة الخواص: ٢٢٤.

(٢) العشيّة: يقع العشيّ على ما بين زوال الشمس إلى وقت غروبها، كلّ ذلك عشيٌّ، فإذا غابت الشمس فهو العِشاء. (لسان العرب، ١٥: ٦٠).

(٣) تاريخ الطبري، ٤: ٣١٥، والأخبار الطوال: ٢٥٦، والكامل في التاريخ، ٣: ٢٨٤، والإرشاد: ٢٥٧، =


ويقول المؤرخون أيضاً: (ثمّ إنّ عمر بن سعد نادى: يا خيل الله اركبي وابشري، فرَكِب في النّاس، ثمّ زحف نحوهم بعد صلاة العصر، وحسين جالس أمام بيته محتبياً بسيفه، إذ خفق برأسه على ركبتيه.

وسَمَعت أُخته زينب الصيحة، فدنت من أخيها فقالت:يا أخي، أمَا تسمع الأصوات قد اقتربت؟

قال: فرفع الحسين رأسه فقال:(إنّي رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في المنام فقال لي: إنّك تروح إلينا (١) .

قال: لطمت أخته وجهها وقالت:يا ويلتا .

فقال:ليس لكِ الويل يا أخيّتي، اسكُتي رحمكِ الرحمان) (٢) .

وقال العبّاس بن عليّ:يا أخي، أتاك القوم.

قال: فنهض ثمّ قال:يا عبّاس، اركب بنفسي أنت يا أخي، حتّى تلقاهم فتقول لهم: ما لكم، وما بدا لكم، وتسألهم عمّا جاء بهم؟

فأتاهم العبّاس، فاستقبلهم في نحو من عشرين فارساً، فيهم زهير بن القين وحبيب بن مظاهر، فقال لهم العبّاس:ما بدا لكم وما تريدون؟

قالوا: جاء أمرُ الأمير بأن نعرض عليكم أن تنزلوا على حُكمه أو ننازلكم.

____________________

= وفي أنساب الأشراف، ٣: ٣٩١: (ونهض بالنّاس عشيّة الجمعة).

(١) في الفتوح، ٥: ١٧٥ - ١٧٦: (... وقال:(يا أُختاه، إنّي رأيت جدّي في المنام، وأبي عليّاً، وفاطمة أمّي، وأخي الحسن عليهم‌السلام فقالوا: يا حسين، إنّك رائح إلينا عن قريب، وقد والله يا أختاه دنا الأمر في ذلك لا شكّ) )، وعنه مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي، ١: ٣٥٣ بتفاوت يسير.

(٢) في الإرشاد: ٢٥٧:(ليس لكِ الويل يا أخيّة، اسكتي رحمكِ الله) ، وفي الفتوح، ٥: ١٧٦: (فلطمت زينب وجهها وصاحت: واخيبتاه! فقال الحسين:(مهلاً، اسكتي ولا تصيحي فتشمت بنا الأعداء) ، وانظر: مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي، ١: ٣٥٣.


قال: فلا تعجلوا حتّى أرجع إلى أبي عبد الله فأعرِض عليه ما ذكرتم.

قال: فوقفوا، ثمّ قالوا: اِلْقَهْ فأعلِمه ذلك، ثمّ اِلْقَنا بما يقول.

قال: فانصرف العبّاس راجعاً يركض إلى الحسين يخبره بالخبر، ووقف أصحابه يخاطبون القوم.

فقال حبيب بن مظاهر لزهير بن القين: كَلِّم القومَ إنْ شئتَ، وإنْ شئتَ كلَّمتهم.

فقال له زهير: أنت بدأت بهذا، فكنْ أنت الذي تكلّمهم.

فقال لهم حبيب بن مظاهر: أمَا والله، لبئس القوم عند الله غداً قومٌ يقدمون عليه، قد قتلوا ذريّة نبيّهعليه‌السلام ، وعترته وأهل بيتهعليهم‌السلام ، وعُبّاد أهل هذا المصر المجتهدين بالأسحار والذاكرين الله كثيراً.

فقال له عزرة بن قيس: إنّك لتزكّي نفسك ما استطعت.

فقال له زهير: يا عزرة، إنّ الله قد زكّاها وهداها، فاتّقِ الله يا عزرة فإنّي لك من الناصحين، أُنشدك الله يا عزرة أن تكون ممّن يُعين الضُلاّلَ على قتل النفوس الزكيّة.

قال: يا زهير، ما كنتَ عندنا من شيعة أهل هذا البيت، إنّما كنت عثمانياً؟!(١)

قال: أفلستَ تستدلّ بموقفي هذا أنّي منهم؟! أمَا والله ما كتبتُ إليه كتاباً قطّ، ولا أرسلت إليه رسولاً قطّ، ولا وعدته نصرتي قطّ، ولكنّ الطريق جمع بيني وبينه، فلمّا رأيته ذكرتُ به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومكانه منه، وعرفتُ ما يقدِم عليه من عدوّه وحزبكم، فرأيتُ أن أنصرهُ وأن أكون في حزبه، وأن أجعل نفسي دون نفسه حفظاً

____________________

(١) مرَّ بنا في وقائع الطريق بين مكّة وكربلاء في ترجمة زهير بن القين (رض)، مناقشة وافية لمسألة هذه العثمانية المزعومة التي أُلصقت بزهير (رض)، تحت عنوان (هل كان زهير بن القين عثمانياً؟!) فراجعها.


لِما ضيّعتم من حقّ الله وحقّ الرسولعليه‌السلام .

قال: وأقبلَ العبّاس بن عليّ يركض حتّى انتهى إليهم.

فقال:يا هؤلاء، إنّ أبا عبد الله يسألكم أن تنصرفوا هذه العشيّة حتّى ينظر في هذا الأمر، فإنّ هذا أمرٌ لم يجرِ بينكم وبينه فيه منطقٌ، فإذا أصبحنا التقينا إنْ شاء الله، فإمّا رضيناه فأتينا بالأمر الذي تسألونه وتسومونه، أو كرهنا فرددناه.

وإنّما أراد بذلك أن يردَّهم عنه تلك العشيّة حتّى يأمر بأمره ويوصي أهله(١) .

فلمّا أتاهم العبّاس بن عليّ بذلك قال عمر بن سعد: ما ترى يا شمر؟

قال: ما ترى أنت؟ أنت الأمير والرأي رأيك.

قال: قد أردتُ ألاّ أكون!(٢)

ثمّ أقبل على الناس فقال: ماذا ترون؟

فقال عمرو بن الحجّاج بن سلمة الزبيدي: سبحان الله! والله، لو كانوا من الديلم ثمّ سألوك هذه المنزلة لكان ينبغي لك أن تجيبهم إليها(٣) .

وقال قيس بن الأشعث: أجبهم إلى ما سألوك، فلعمري ليصبُحنّك بالقتال غدوة.

فقال: والله، لو أعلم أن يفعلوا ما أخّرتهم العشيّة.

____________________

(١) هذا التعليل من الراوي، والسبب لا ينحصر في هذا كما ظنَّ، بل هناك ما هو أهمّ، فانظر في الإشارة الآتية.

(٢) في الفتوح، ٥: ١٧٨: (فقال عمر: إنّني أحببتُ أن لا أكون أميراً! قال: ثمَّ إنّي أُكرهتُ)، وفي مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي، ١: ٣٥٤: (إنّي أحببت أن لا أكون أميراً! فلم أُترَك وأُكرهت).

(٣) في الفتوح، ٥: ١٧٨ - ١٧٩: (فقال رجل من أصحابه يُقال له عمرو بن الحجّاج: سبحان الله العظيم! لو كانوا من الترك والديلم وسألوا هذه المنزلة لقد كان حقّاً علينا أن نجيبهم إلى ذلك، وكيف وهم آل الرسول محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله وأهله؟! فقال عمر بن سعد: إنّا قد أجّلناهم في يومنا هذا..).


قال: وكان العبّاس بن عليّ حين أتى حسيناً بما عرض عليه عمر بن سعد قال:(ارجع إليهم، فإن استطعتَ أن تؤخّرهم إلى غدوة وتدفعهم عنّا العشيّة؛ لعلّنا نصلّي لربّنا الليلة وندعوه ونستغفره، فهو يعلم أنّي قد كنتُ أُحبّ الصلاة له، وتلاوة كتابه، وكثرة الدعاء والاستغفار) (١) .

ويروي الطبري، عن أبي مخنف، عن الحارث بن حصيرة، عن عبد الله بن شريك العامري، عن الإمام السجّادعليه‌السلام قال:(أتانا رسول من قِبَل عمر بن سعد، فقام مثل حيث يُسمع الصوت فقال: إنّا قد أجّلناكم إلى غدِ، فإنْ استسلمتم سرّحنا بكم إلى أميرنا عبيد الله بن زياد، وإنْ أبَيتم فلسنا بتاركيكم) (٢) .

أمّا ابن أعثم الكوفي فيروي قائلاً: (... فقال عمر بن سعد: إنّا قد أجّلناهم في يومنا هذا، قال: فنادى رجل من أصحاب عمر: يا شيعة الحسين بن عليّ، قد أجّلناكم يومكم هذا إلى غد، فإنْ استسلمتم ونزلتم على حُكم الأمير وجّهنا بكم إليه، وإنْ أبَيتم ناجزناكم.

قال: فانصرف الفريقان بعضهم من بعض)(٣) .

إشارة

ماذا لو حصلت فاجعة عاشوراء في الليل؟

مرَّ بنا قول الراوي - في رواية الطبري - في تعليله لطلب الإمامعليه‌السلام من عمر

____________________

(١) تاريخ الطبري، ٤: ٣١٥ - ٣١٧، وانظر: الكامل في التاريخ، ٣: ٢٨٤، وانظر: أنساب الأشراف، ٣: ٣٩٢ - ٣٩٣، والإرشاد: ٢٥٧ - ٢٥٨، وانظر: الفتوح، ٥: ١٧٥ - ١٧٩ وعنه مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي، ١: ٢٥٣ - ٢٥٤ بتفاوت وإضافات.

(٢) تاريخ الطبري، ٤: ٣١٧، وفي الإرشاد: ٢٥٨:(ومضى العبّاس إلى القوم، ورجع من عندهم ومعه رسول من قِبل عمر بن سعد (لعنه الله) يقول...) .

(٣) الفتوح، ٥: ١٧٩، وانظر مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي، ١: ٣٥٤ - ٣٥٥ بتفاوت.


بن سعد أن يؤجّلهم إلى صباح يوم العاشر: (وإنّما أراد بذلك أن يردَّهم عنه تلك العشيّة حتّى يأمر بأمره ويوصي أهله)(١) .

كما مرَّ بنا أيضاً قول الإمام الحسينعليه‌السلام نفسه لأخيه أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام :(ارجع إليهم، فإنْ استطعتَ أن تؤخّرهم إلى غدوة وتدفعهم عنّا العشيّة، لعلّنا نصلّي لربّنا الليلة وندعوه ونستغفره، فهو يعلم أنّي قد كنتُ أُحبّ الصلاة له، وتلاوة كتابه وكثرة الدعاء والاستغفار).

ولعلّ ما ظنّه الراوي - في رواية الطبري - كان صحيحاً، في أنّهعليه‌السلام أراد المهلة إلى الصباح حتّى يأمر - مَن ينجو من أهله - بأوامره ويوصيهم بوصاياه، وهذا لا ينافي ما ورد في الأثر أنّهعليه‌السلام ترك وصاياه وأماناته عند أمّ سلمة (رض)(٢) ، حتّى تسلّمها إلى الإمام السجّادعليه‌السلام بعد عودته، كما لا ينافي كون الإمام السجّادعليه‌السلام والعقيلة زينبعليها‌السلام وسواهما من أهله، كانوا معه منذ بدء رحلة الركب من المدينة حتّى كربلاء.

لكنّ هذا سببٌ من جملة أسباب متعددة كانت الدافع لطلب الإمامعليه‌السلام المهلة حتّى الصباح، ولم يكن السبب الوحيد الذي انحصرت به القضيّة كما عبّر الراوي عن ذلك بأداة الحصر (إنّما).

وصحيح تماماً أنّ الإمام الحسينعليه‌السلام كان يُحبّذ أن يقضي الليلة الأخيرة من عمره الشريف - خصوصاً وأنّها ليلة جمعة - في صلاة، وكثرة دعاء واستغفار وتلاوة القرآن.

____________________

(١) وكذلك قال البلاذري في أنساب الأشراف، ٣: ٣٩٢: (وإنّما أراد أن يوصي أهله ويتقدّم إليهم فيما يريد).

(٢) راجع: كتاب الغَيبة للشيخ الطوسي، ١٩٥، حديث ١٠٩، وكتاب الصراط المستقيم: ١٦١ (النصّ على زين العابدينعليه‌السلام ).


نعم، لكنّ هذا أيضاً - مع أهميّته البالغة - كان من جملة الأسباب.

(إنّ الإمام الحسينعليه‌السلام كان قد تعامل في العمق مع كلّ قضيّة في مسار النهضة المقدّسة بمنطق (الشهيد الفاتح)، وخاطبها بلغة الشهادة التي هي عين الفتح، وإنْ كان في نفس الوقت قد تعاطى مع ظواهر القضايا بمنطق الحجج الظاهرة، ولا منافاة بين المنطقين بل هما في طول بعضهما البعض...

فحيث إنْ لم يبايععليه‌السلام يُقتل، فقد سعىعليه‌السلام ألاّ يُقتل في ظروف زمانية ومكانية وبكيفيّة يختارها ويخطّط لها ويُعدّها العدوّ، وسعىعليه‌السلام بمنطق (الشهيد الفاتح) أن يتحقّق مصرعه الذي لابدّ منه على أرض يختارها هو(١) ، لا يتمكّن العدوّ فيها أن يُعتّم على مصرعه فتختنق الأهداف المرجوّة من وراء هذا المصرع، الذي سيهزّ الأعماق في وجدان الأمّة ويحرّكها بالاتجاه الذي أراد الحسينعليه‌السلام .

كما سعىعليه‌السلام أن تجري وقائع المأساة في وضح النهار لا في ظلمة الليل؛ ليرى جريان وقائعها أكبر عدد من الشهود، فلا يتمكّن العدوّ من أن يعتّم على هذه الوقائع الفجيعة ويغطّي عليها، وهذا هو الهدف المنشود من وراء العامل الإعلامي والتبليغي في طلب الإمامعليه‌السلام عصر تاسوعاء أن يُمهلوه إلى صبيحة عاشوراء)(٢) .

نعم، فهذا السبب وإن كما من جملة حسابات التخطيط الحربي، خصوصاً بالنسبة إلى قوّة محاصرة في بقعة محدودة ضيّقة؛ إلاّ أنّه سبب أوّل وأساس في حسابات التخطيط الإعلامي والتبليغي، خصوصاً بالنسبة إلى إمام مفترض الطاعة مظلوم مع مجموعة من الأنصار الربانيين، يريد أن يكشف للأمّة - وللعالم أجمع - عن حقّانيته وأحقيته ومظلوميته، وعن وحشيّة أعدائه وعدم مراعاتهم لأيّ معنى والتزام أخلاقي ودينيّ.

____________________

(١) وهذا ما يفسّر إصرار الإمامعليه‌السلام على التوجّه إلى العراق (أرض المصرع المختار).

(٢) راجع: الجزء الأوّل (الإمام الحسينعليه‌السلام في المدينة المنوّرة): ١٥٥ - ١٥٦.


فكان لابدّ من النهار،( وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحى ) (١) ، حتّى يشهد النّاس التفاصيل الكبيرة والصغيرة من الفاجعة والمأساة، ويسمعوا كلّ البلاغات والنداءات والاحتجاجات الإلهية عن لسان الإمامعليه‌السلام وأنصاره الكرام، ثمّ لينظروا كيف لا تستجيب الوهدة لنداء الذروة، ويروا في واضحة النهار كيف تفترس أسنّة الرذيلة النواهش وسيوفها البواتر هيكل الفضيلة الطاهر، وكيف تُهشّم حوافر خيولها العمياء أضلاع الصدر القدسيّ الذي في طيّه سرُّ الإله مصون، وكيف تُباد عصبة الأبرار، وتُحزُّ الرؤوس، ويُقتل الصغار، وكيف تنحرُ سهام الضلالة الحاقد حتى الطفل الرضيع، وكيف تُحرق الخيام، وتُسلبُ النساء، وينتهب الرحل،.. إلى ما سوى ذلك من تفاصيل مأساوية فجيعة، شوهدت في رابعة النهار، فرواها المشاهدون، وتناقلها الناس والتاريخ.

لقد كان النهار عاملاً مهمّاً من عوامل نجاح حفظ حقيقة فاجعة الطفّ كما هي وبكلّ تفاصيلها، إذ لو كانت قد حصلت الواقعة في ليل؛ لغطّت ظلمته على جلّ تفاصيلها المفجعة وبطولاتها المشرقة، ولمَا رأى مَن حَضرها إلاّ نزراً قليلاً من وقائعها، ثمّ لمَا بلغنا منها إلاّ حكاية مبهمة وجيزة لا تحمل في طيّاتها من الفعل والتأثير إلاّ شيئاً يسيراً.

وقائع ليلة عاشوراء

يروي الطبري، عن أبي مخنف، عن الحارث بن حصيرة، عن عبد الله بن

____________________

(١) سورة طه، الآية ٥٩، والآية عن لسان موسىعليه‌السلام ينما حدّد موعد المواجهة مع السحرة أن يكون يوم الزينة، وأن يُحشر الناس ضحى؛ وذلك ليرى الجميع بوضوح كيف تلقف عصاه ما يأفك السحرة، وليتناقل الناس مشهد هزيمة فرعون في هذه المواجهة.


شريك العامري، عن الإمام السجّادعليه‌السلام قال:(جمعَ الحسين أصحابه بعدما رجع عمر بن سعد، وذلك عند قرب المساء، فدنوت منه لأسمع وأنا مريض، فسمعتُ أبي وهو يقول لأصحابه: أُثني على الله تبارك وتعالى أحسن الثناء، وأحمده على السرّاء والضرّاء، اللّهمّ إنّي أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوّة، وعلّمتنا القرآن، وفقّهتنا في الدين، وجعلت لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدة، ولم تجعلنا من المشركين.

أمّا بعدُ، فإنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيتٍ أبَرَّ ولا أَوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله عنّي جميعاً خيراً، ألا وإنّي أظنّ يومنا من هؤلاء الأعداء غداً، ألا وإنّي قد أذنتُ لكم، فانطلقوا جميعاً في حلّ، ليس عليكم منّي ذِمام، هذا الليل غشيكم فاتخذوه جَملاً) (١) .

____________________

(١) تاريخ الطبري، ٤: ٣١٧، والإرشاد: ٢٥٨، والكامل في التاريخ، ٣: ٢٨٥، وفي أنساب الأشراف، ٣: ٣٩٣:(وعرضَ الحسين على أهله ومَن معه أن يتفرّقوا ويجعلوا الليل جَملاً، وقال: إنّما يطلبونني وقد وجدوني، وما كانت كُتب مَن كَتب إليَّ فيما أظنّ إلاّ مكيدة لي وتقرّباً إلى ابن معاوية بي...) .

ولا يخفى على المتأمّل أنّ العبارة الأخيرة لو كانت قد صدرت عن الإمامعليه‌السلام حقّاً، فإنّ مراده بها المنافقون أمثال: حجّار بن أبجر، وشبث بن ربعي، وعزرة بن قيس، وأمثالهم؛ ذلك لأنّ هناك مَن قد كتب إليه صادقاً مخلصاً، ومن هؤلاء جملة من أنصاره، أمّا أكثر مَن كتب إليه من أهل الكوفة فإنّ قلوبهم كانت مع الإمامعليه‌السلام ، لكنّ الوهن والشلل النفسي استحوذ عليهم حتّى صارت سيوفهم عليه.

ونقلها الخوارزمي في المقتل، ١: ٣٤٩ - ٣٥٠ عن الفتوح لابن أعثم، ٥: ١٦٩ - ١٧٠، وفيه:(وجَمع الحسين عليه‌السلام أصحابه بين يديه، ثمّ حمد الله وأثنى عليه وقال: اللّهمّ لك الحمدُ على ما علّمتنا من القرآن، وفقّهتنا في الدين، وأكرمتنا به من قرابة رسولك محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ..

أمّا بعد، فإنّي لا أعلم أصحاباً أصلح منكم، ولا أعلم أهل بيت أبَرَّ ولا أوصل ولا أفضل من أهل بيتي، فجزاكم الله ميعاً عنّي خيراً، إنّ هؤلاء القوم ما يطلبون أحداً غيري، ولو قد أصابوني وقدروا على قتلي لمَا طلبوكم أبداً، وهذا الليل قد غشيكم فقوموا واتخذوه جَملاً، وليأخذ كلُّ رجل منكم بيد رجل =


وفي رواية بعدها للطبري أيضاً أنّهعليه‌السلام قال:(هذا الليل قد غشيَكم فاتخذوه جَملاً، ثمّ ليأخذ كلُّ رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي، ثمّ تفرّقوا في سوادكم ومدائنكم حتّى يفرّج الله، فإنّ القوم إنّما يطلبونني، ولو قد أصابوني لَهو عن طلب غيري).

فقال له إخوته، وأبناؤه، وبنو أخيه، وابنا عبد الله بن جعفر: لِمَ نفعل؟! لنبقى بعدك؟ لا أرانا الله ذلك أبداً.

بدأهم بهذا القول العبّاس بن عليّ، ثمّ إنّهم تكلّموا بهذا ونحوه.

فقال الحسينعليه‌السلام :(يا بني عقيل، حَسبكم من القتل بمسلم، اذهبوا قد أذنتُ لكم).

قالوا: فما يقول النّاس؟! يقولون: إنّا تركنا شيخنا وسيّدنا وبني عمومتنا خير الأعمام، ولم نرمِ معهم بسهم، ولم نطعن معهم برمح، ولم نضرب معهم بسيف، ولا ندري ما صنعوا؟ لا والله لا نفعل، ولكن تفديك أنفسنا وأموالنا وأهلونا، ونقاتل معك حتّى نرد موردك، فقبّح الله العيش بعدك)(١) .

____________________

=من إخوتي، وتفرّقوا في سواد هذا الليل، وذروني وهؤلاء القوم) . وقد اخترنا متن الخوارزمي على متن الفتوح نفسه؛ لأنّه خالٍ من الاضطراب.

(١) تاريخ الطبري، ٤: ٣١٧ - ٣١٨؛ وانظر: الكامل في التاريخ، ٣: ٢٨٥ بتفاوت يسير، والإرشاد: ٢٥٨ - ٢٥٩ بتفاوت يسير، أمّا في أمالي الصدوق: ١٣٣، المجلس ٣٠، حديث رقم ١ فقد ورد الخبر هكذا: (.. فقام الحسينعليه‌السلام في أصحابه خطيباً فقال:(اللّهمّ إنّي لا أعرف أهل بيت أبرَّ ولا أزكى ولا أطهر من أهل بيتي، ولا أصحاباً هم خير من أصحابي، وقد نزل بي ما ترون، وأنتم في حِلّ من بيعتي، ليست لي في أعناقكم بيعة، ولا لي عليكم ذمّة، وهذا الليل قد غشيَكم فاتخذوه جَملاً، وتفرّقوا في سواده فإنّ القوم إنّما يطلبوني، ولو ظفروا بي لذَهِلوا عن طلب غيري) .

فقام إليه عبد الله بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب فقال: يا بن رسول الله، ماذا يقول لنا الناس إنْ نحن خذلنا شيخنا وكبيرنا وسيّدنا، وابن سيّد الأعمام، وابن نبيّنا سيّد الأنبياء، لم نضرب معه بسيف، ولم نقاتل معه برمح، لا والله أو نرد موردك ونجعل أنفسنا دون نفسك، ودماءنا دون دمك، =


(قال فقام إليه مسلم بن عوسجة الأسديّ فقال: أنحنُ نخلّي عنك ولمّا نُعذر إلى الله في أداء حقّك؟ أمَا والله، حتّى أكسِر في صدورهم رمحي، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، ولا أفارقك، ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة دونك حتّى أموت معك.

وقال سعد بن عبد الله الحنفي(١) : والله، لا نخلّيك حتّى يعلم الله أنّا قد حفظنا غيبة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فيك، والله، لو علمتُ أنّي أُقتل ثمّ أُحيا ثمّ أُحرق حيّاً ثمّ أُذَرُّ، يُفعل ذلك بي سبعين مرّة، ما فارقتك حتّى ألقى حِمامي دونك، فكيف لا أفعل ذلك وإنّما هي قتلة واحدة ثمَّ هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً.

وقال زهير بن القين: والله، لوددتُ أنّي قُتلتُ ثمّ نُشرتُ ثمّ قُتلتُ حتّى أُقتل كذا ألف قتلة، وأنّ الله يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتية من أهل بيتك.

قال: وتكلّم جماعة بكلام يشبه بعضه بعضاً في وجه واحد فقالوا: والله، لا نفارقك ولكن أنفسنا لك الفداء، نقيك بنحورنا وجباهنا وأيدينا، فإذا نحنُ قُتلنا كنّا وَفينَا وقضينا ما علينا)(٢) .

وفي مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: (ثُمّ تكلّم بُرير بن خضير الهمداني، وكان من الزهّاد الذين يصومون النهار ويقومون الليل، فقال: يا بن رسول الله،

____________________

= فإذا نحن فعلنا ذلك فقد قضينا ما علينا وخرجنا ممّا لزِمَنا...).

(١) وفي بعض المصادر: سعيد بدلاً من سعد، وهو المشهور (راجع: أنساب الأشراف، ٣: ٣٩٣).

(٢) تاريخ الطبري، ٤: ٣١٧ - ٣١٨ وانظر: الكامل في التاريخ، ٣: ٢٨٥، والإرشاد: ٢٥٨ - ٢٥٩، وانظر: أمالي الصدوق: ١٣٣، المجلس ٣٠، رقم ١، وأنساب الأشراف، ٣٣٩٣ وانظر: الفتوح، ٥: ١٧٠ - ١٧١، ومقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي، ١: ٢٥٠ - ٢٥١.


إئذن لي أن آتي هذا الفاسق عمر بن سعد فأعظه لعلّه يتّعظ ويرتدع عمّا هو عليه.

فقال الحسين:(ذاك إليك يا بُرير).

فذهب إليه حتّى دخل على خيمته، فجلس ولم يسلّم، فغضب عمر وقال: يا أخا همدان ما منع من السلام عليَّ؟! ألستُ مسلماً أعرف الله ورسوله، وأشهد بشهادة الحقّ؟

فقال له برير: لو كنتَ عرفت الله ورسوله كما تقول؛ لمَا خرجت إلى عترة رسول الله تريد قتلهم، وبعدُ فهذا الفرات يلوح بصفاته، ويلج كأنّه بطون الحيّات، تشرب منه كلاب السواد وخنازيرها، وهذا الحسين بن عليّ وإخوته ونساؤه وأهل بيته يموتون عطشاً، وقد حِلْتَ بينهم وبين ماء الفرات أن يشربوه، وتزعم أنّك تعرف الله ورسوله؟!

فأطرقَ عمر بن سعد ساعة إلى الأرض، ثمّ رفع رأسه وقال: والله، يا بُرير إنّي لأعلم يقيناً أنَّ كُلَّ مَن قاتلهم وغصبهم حقّهم هو في النار لا محالة، ولكن يا بُرير، أفتشير عليَّ أن أترك ولاية الريّ فتكون لغيري؟ فو الله ما أجد نفسي تجيبني لذلك، ثمّ قال:

دعـاني عـبيد الله من دون قومه

إلـى خـطّة فـيها خرجتُ لِحَيني

فـو الله مـا أدري وإنّـي لـحائر

أُفـكّر فـي أمـري على خطَرَينِ

أأتـركُ مُـلك الريّ والريّ مُنيتي

أم أرجـع مـأثوماً بـقتْل حـسينِ

وفـي قـتله النّار التي ليس دونها

حجابٌ، ومُلك الريّ قرّة عينِي(١)

____________________

(١) ونُسب إليه (لعنه الله) أيضاً هذه الأبيات:

حسينُ ابن عمّي والحوادث جمّة

لعمري، ولي في الريّ قُرّةُ عينِ

لـعلّ إلـه الـعرش يغفر زلّتي

ولـو كـنتُ فـيها أظلم الثقَلينِ

=


فرجع برير إلى الحسين وقال: يا بن رسول الله، إنّ عمر بن سعد قد رضي لقتلك بمُلك الريّ)(١) .

وفي رواية أخرى عن الإمام السجّادعليه‌السلام

روى السيّد هاشم البحراني مرسلاً عن أبي حمزة الثمالي قال: سمعتُ عليَّ بن الحسين زين العابدينعليهما‌السلام يقول:(لمّا كان اليوم الذي استشهد فيه أبي، جمع أهله وأصحابه في ليلة ذلك اليوم فقال لهم:

يا أهلي وشيعتي، اتّخِذوا هذا الليل جَملاً لكم، وانجُوا بأنفسكم، فليس المطلوب غيري، ولو قتلوني ما فكّروا فيكم، فانجوا رحمكم الله، وأنتم في حِلّ وسعة من بيعتي وعهدي الذي عاهدتموني.

فقال إخوته وأهله وأنصاره بلسان واحد: والله، يا سيّدنا يا أبا عبد الله، لا خذلناك أبداً، والله لا قال النّاس: تركوا إمامهم وكبيرهم وسيّدهم وحده حتّى قُتل، ونبْلوا بيننا وبين الله عُذراً ولا نخلّيك أو نُقتل دونك.

____________________

=

ألا إنّـما الـدنيا لَـبرُّ مُـعَجَّلٌ

ومـا عـاقل بـاع الوجود بديْنِ

يـقـولون إنّ الله خـالق جـنّة

ونـارٍ وتـعذيب وغـلّ يـدينِ

فـإنْ صـدقوا فيما يقولون إنّني

أتـوب إلى الرحمان من سنتينِ

وإنْ كـذبوا فُـزْنا بريِّ عظيمة

ومُـلك عـظيمٍ دائـم الحجلينِ

وإنّـي سأختار التي ليس دونها

حـجابٌ وتـعذيب وغـلّ يَدينِ

(راجع: نَفَس المهموم: ٢١٨).

(١) مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي، ١: ٣٥١ - ٣٥٢، وانظر الفتوح، ٥: ١٧١ - ١٧٣ وفيه: (يا بن بنت رسول الله، إنّ عمر بن سعد قد رضي أن يقتلك بملك الريّ)، وانظر: كشف الغمّة، ٢: ٢٢٦، والفصول المهمّة لابن الصبّاغ: ٢٠٢، ومطالب السؤل: ٧٦.


فقالعليه‌السلام لهم: يا قوم، إنّي غداً أُقتل وتُقتلون كلّكم معي، ولا يبقى منكم واحد.

فقالوا: الحمد لله الذي أكرمنا بنصرك وشرّفنا بالقتل معك، أوَ لا ترضى أن نكون معك في درجتك يا بن رسول الله؟

فقالعليه‌السلام : جزاكم الله خيراً، ودعا لهم بخير، فأصبحَ وقُتل وقُتلوا معه أجمعون(١) .

فقال له القاسم بن الحسنعليهما‌السلام : وأنا فيمن يُقتل؟

فأشفقَ عليه فقال له: يا بُنيّ كيف الموت عندك؟

قال: يا عمّ، أحلى من العسل.

فقالعليه‌السلام : إي والله، فداك عمّك، إنّك لأحد مَن يُقتل من الرجال معي بعد أن تبلو ببلاءٍ عظيم، وابني عبد الله.

فقال: يا عمّ، ويصلون إلى النساء حتّى يُقتل عبد الله وهو رضيع؟!

فقالعليه‌السلام : فداك عمّك، يُقتل عبد الله إذ جفّت روحي عطشاً، وصرتُ إلى خِيَمنا فطلبتُ ماءً ولبناً فلا أجد قطّ، فأقول: ناولوني ابني لأشرب مِن فيه، فيأتوني به فيضعونه على يدي، فأحملهُ لأُدنيه مِن فيَّ فيرميه فاسق بسهم فينحره وهو يُناغي، فيفيض دمه في فيّ، فأرفعهُ إلى السماء وأقول: اللّهمّ صبراً واحتساباً فيك، فتعجلني الأسنّة فيهم والنار تسعر في الخندق الذي في ظهر الخيم، فأكرّ عليهم في أمرِّ أوقات في الدنيا، فيكون ما يريد الله.

____________________

(١) يُلاحظ على هذه الرواية ما ورد فيها من قولهعليه‌السلام :(إنّي غداً أُقتل وتُقتلون كلّكم معي، ولا يبقى منكم واحد) ، وقول الإمام السجّادعليه‌السلام :(فأصبح وقُتل وقُتلوا معه أجمعون) ؛ ذلك لأنّ المشهور خلاف هذا، فهناك بعض من أنصار الحسينعليه‌السلام كانوا قد اشتركوا في حرب يوم عاشوراء ولم يُستشهدوا، مثل: الحسن المثنّى، وسوار بن منعم النهمي، والموقّع بن ثمامة الأسدي.

اللّهمّ إلاّ أن يكون أمثال هؤلاء لم يحضروا هذه المخاطبة تلكم الساعة، أو أنَّ الخطاب أُريد الجميع به على نحو التغليب!


فبكى وبكينا، وارتفع البكاء والصراخ من ذراري رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في الخيام.

ويسأل زهير بن القين وحبيب بن مظاهر عنّي، فيقولون: يا سيّدنا، فسيّدنا عليّ - فيشيرون إليَّ - ماذا يكون حاله؟

فيقول مستعبراً: ما كان الله ليقطع نسلي من الدنيا، فكيف يصِلون وهو أبو ثمانية أئمّة؟)(١) .

وفي رواية أخرى...

جاء في التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكريّعليه‌السلام :(ولمّا امتُحن الحسين عليه‌السلام ومَن معه بالعسكر الذين قتلوه وحملوا رأسه، قال لعسكره: أنتم في حِلّ من بيعتي فالحقوا بعشائركم ومواليكم، وقال لأهل بيته: قد جعلتكم في حِلّ من مفارقتي، فإنّكم لا تُطيقونهم لتضاعف أعدادهم وقواهم، وما المقصود غيري، فدعوني والقوم؛ فإنّ الله عزّ وجلّ يعينني ولا يخلّيني من حُسن نظره كعادته في أسلافنا الطيّبين.

فأمّا عسكرهُ ففارقوه (٢) ، وأمّا أهله الأدنون من أقربائه فأبَوا وقالوا: لا نفارقك ويحزننا

____________________

(١) مدينة المعاجز، ٤: ٢١٤ حديث رقم ٢٩٥، وعنه نَفَس المهموم: ٢٣٠ - ٢٣١ وقال المرحوم الشيخ القمي: (روى الحسين بن حمدان الحضيني (الخصيبي) بإسناده عن أبي حمزة الثمالي، والسيد البحراني مرسلاً عنه...).

(٢) إذا كان المراد بـ(فأمّا عسكره ففارقوه) مَن استأجرهم الإمامعليه‌السلام من الجمّالين وغيرهم فلا بأس به، وإن كان المراد به مَن التحقوا به، فإذا كانت هذه المخاطبة في الطريق قبل منزل زبالة أو فيه، فنعم لقد تفرّق عنه الكثير ذات اليمين وذات الشمال، خصوصاً بعد وصول خبر مقتل مسلم، وهاني، وعبد الله بن يقطر (رض)، حيث لم يبقَ معه إلاّ صفوة الفداء والتضحية، وأمّا إذا كان المراد به مَن التحقوا به والمخاطبة ليلة عاشوراء، فإنّ الثابت الصحيح أنّه لم يتخلّ عن =


ما يحزنك، ويصيبنا ما يصيبك، وإنّا أقرب ما نكون إلى الله إذا كُنّا معك .

فقال لهم: فإن كنتم قد وطّنتم أنفسكم على ما وطّنت نفسي عليه، فاعلموا أنّ الله يهب المنازل الشريفة لعباده باحتمال المكاره، وأنّ الله وإنْ كان خصّني مع مَن مضى من أهلي الذين أنا آخرهم بقاءً في الدنيا من الكرامات بما يسهل عليَّ معها احتمال المكروهات، فإنّ لكم شطر ذلك من كرامات الله تعالى، واعلموا أنّ الدنيا حُلوها ومُرّها حُلم، والانتباه في الآخرة، والفائز مَن فاز فيها، والشقيّ مَن شقي فيها...) (١) .

الحضرمي: أكَلَتني السباع حيّاً إنْ فارقتك

وروى السيّد ابن طاووس (ره) أنّه: (وقيل لمحمّد بن بشير الحضرمي في تلك الحال: قد أُسِرَ ابنك بثغر الريّ، قال: عند الله أحتسبه ونفسي، ما كنتُ أُحبُّ أن يؤسر وأن أبقى بعده.

فسمع الحسينعليه‌السلام قوله فقال:(رحمك الله، أنت في حِلٍّ من بيعتي، فاعمل في فكاك ابنك.

فقال:أكلتني السباع حيّاً إنْ فارقتك.

قال:فاعطِ ابنك هذه الأثواب البرود يستعين بها في فداء أخيه، فأعطاه خمسة أثواب قيمتها ألف دينار) (٢) .

____________________

= الإمامعليه‌السلام أحد من أصحابه.

(١) تفسير الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام : ٢١٨، وانظر: البحار، ١١: ١٤٩، رقم ٢٥.

(٢) اللهوف: ٣٤٠ - ٤١، ورواه ابن عساكر أيضاً في تاريخه (ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام ، تحقيق المحمودي: ٢٢١، حديث رقم ٢٠٢، وقال المحمودي في الحاشية: رواه ابن سعد في الحديث =


إشارة

في زيارة الناحية المقدّسة ورد السلام على بشر بن عمر الحضرميّ والثناء عليه بما قاله للإمام الحسينعليه‌السلام هكذا:(السلام على بِشر بن عمر الحضرمي، شكرَ الله لك قولك للحسين وقد أذِن لك في الانصراف: أكَلَتني إذن السباع حيّاً إنْ فارقتك، وأسأل عنك الركبان؟ وأخذلك مع قلّة الأعوان؟ لا يكون هذا أبداً؟) (١) .

وقال المحقّق السماويّ (ره): (بشر بن عمرو بن الأُحدوث الحضرمي الكندي: كان بشر من حضرموت، وعداده في كندة، وكان تابعياً، وله أولاد معروفون بالمغازي، وكان بشر ممّن جاء إلى الحسينعليه‌السلام أيّام المهادنة، وقال السيّد الداودي: لمّا كان اليوم العاشر من المحرّم ووقع القتال، قيل لبشر وهو في تلك الحال: إنّ ابنك عمراً قد أُسر في ثغر الريِّ، فقال: عند الله أحتسبه ونفسي، ما كُنت أحبّ أن يؤسر وأن أبقى بعده، فسمع الحسينعليه‌السلام مقالته، فقال له:(رحمك الله، أنتَ في حِلّ من بيعتي، فاذهب واعمل في فكاك ابنك) .

فقال له: أكلَتني السباع حيّاً إنْ أنا فارقتك يا أبا عبد الله.

فقال له:فأعطِ ابنك محمّداً - وكان معه -هذه الأثواب البرود يستعين بها في فكاك أخيه) ، وأعطاه خمسة أثواب قيمتها ألف دينار)(٢) .

فالمستفاد ممّا أورده المحقّق السماوي (ره): أنّ هذا الشهيد (رض) اسمه بشر، واسم ابنه الذي كان معه محمّد، واسم ابنه الأسير في ثغر الريّ عمرو.

____________________

= ١٠٠ من ترجمة الإمام الحسين من الطبقات الكبرى، ورواه ابن العديم بسنده إلى ابن عساكر في الحديث ٧٨ من بغية الطلب ص٥١؛ وانظر: العوالم، ١٧: ٢٤٤، وأعيان الشيعة، ١: ٦٠١.

(١) البحار، ٤٥: ٧٠ و ١٠١: ٢٧٢.

(٢) إبصار العين: ١٧٣ - ١٧٤.


إذن فاسم هذا الشهيد (رض) - وهو الموافق لِما ورد في زيارة الناحية المقدّسة - بشر بن عمرو (أو عمر) الحضرمي، وليس اسمه محمّد بن بشير الحضرمي كما ورد في تاريخ ابن عساكر واللهوف،هذا أوّلاً .

أمّا ثانياً: فإنّ ما أورده المحقق السماوي (ره) صريح في أنّ هذه الواقعة كانت يوم العاشر وليس ليلة العاشر، كما يُشعر به سياق كتاب اللهوف.

ويؤيّد أنّ هذه الواقعة كانت يوم العاشر: ما ذكره أبو الفرج الأصبهاني في كتابه(مقاتل الطالبيين) مشيراً إلى هذه القصة، حيث يقول: (وجاء رجل حتى دخل عسكر الحسين، فجاء إلى رجل من أصحابه فقال له: إنّ خبر ابنك فلان وافى أنّ الديلم أسروه، فتنصرف معي حتّى نسعى في فدائه؟

فقال: حتّى أصنع ماذا؟ عند الله أحتسبه ونفسي.

فقال له الحسينعليه‌السلام :(انصرف، وأنت في حِلّ من بيعتي، وأنا أعطيك فداء ابنك) .

فقال:هيهات أن أفارقك ثمّ أسأل الركبان عن خبرك؟ لا يكن والله هذا أبداً ولا أُفارقك!

ثمّ حمل على القوم فقاتل حتّى قُتل رحمة الله عليه ورضوانه)(١) .

ولا ندري.. فلعلّ العبارة الأخيرة في خبر أبي الفرج الأصبهاني، كانت هي مستند القول فيما بعد أنّ هذه الواقعة كانت يوم العاشر وليس ليلة العاشر، كما قال به الشيخ السماويّ (ره) نقلاً عن السيّد رضيّ الدين الداودي، والله العالم.

الإمامُعليه‌السلام يُري أنصاره منازلهم في الجنّة

روى القطب الراوندي (ره) عن أبي حمزة الثمالي (ره) قال: قال عليّ بن

____________________

(١) مقاتل الطالبيين: ٧٨.


الحسينعليهما‌السلام :(كُنت مع أبي الليلة التي قُتل صبيحتها، فقال لأصحابه: هذا الليل فاتخذوه جَملاً؛ فإنّ القوم إنّما يريدونني، ولو قتلوني لم يلتفتوا إليكم، وأنتم في حِلٍّ وسِعة.

فقالوا: لا والله، لا يكون ذلك أبداً.

قال: إنّكم تُقتلون غداً كذلك لا يفلت منكم رجل(١) .

قالوا: الحمد لله الذي شرّفنا بالقتل معك.

ثمّ دعا، وقال لهم: ارفعوا رؤوسكم وانظروا.

فجعلوا ينظرون إلى مواضعهم ومنازلهم من الجنّة، وهو يقول لهم: هذا منزلك يا فلان، وهذا قصرك يا فلان، وهذه درجتك يا فلان.

فكان الرجل يستقبل الرماح والسيوف بصدره ووجهه؛ ليصل إلى منزله من الجنّة) (٢) .

وروى الشيخ الصدوق (ره) في العلل بسند عن محمّد بن عمارة أنّه سأل الإمام الصادقعليه‌السلام : (قال: قلتُ له: أخبِرني عن أصحاب الحسينعليه‌السلام وإقدامهم على الموت؟

فقال:(إنّهم كُشف لهم الغطاء حتّى رأوا منازلهم من الجنّة، فكان الرجل منهم يُقدم على القتل ليبادر إلى حوراء يعانقها، وإلى مكانه من الجنّة) (٣) .

____________________

(١) الخرايج والجرايح، ٢: ٨٤٧ - ٨٤٨، رقم ٦٢؛ وانظر: البحار، ٤٤: ٢٩٨، رقم ٣.

(٢) في رواية أخرى رواها القطب الرواندي (ره) أيضاً مرسلة عن الإمام السجّادعليه‌السلام ، أنّ الإمام الحسينعليه‌السلام قال:(إنّ هؤلاء يريدونني دونكم، ولو قتلوني لم يُقبلوا إليكم، فالنجاء النجاء، وأنتم في حلّ، فإنّكم إن أصبحتم معي قُتلتم كلّكم، فقالوا: لا نخذلك ولا نختار العيش بعدك..) . (راجع : الخرايج والجرايح، ١: ٢٥٤، رقم ٨).

(٣) علل الشرايع، ١: ٢٢٩، باب ١٦٣، رقم ١، وانظر: البحار، ٤٤، ٢٩٧، رقم ١.


حبيبُ بن مظاهر وسرُّ المزاح ليلة عاشوراء

نقل الكشّي (ره) عن كتاب(مفاخر الكوفة والبصرة) قائلاً:

(ولقد مزح حبيب بن مظاهر الأسدي، فقال له يزيد بن خضير الهمداني، وكان يُقال له سيّد القرّاء: يا أخي، ليس هذه بساعة ضحك!

قال:فأيُّ موضع أحقّ من هذا بالسرور؟ والله، ما هو إلاّ أن تميل علينا هذه الطغام بسيوفهم فنعانق الحور العين) (١) .

إشارة

ليس في أنصار الإمام الحسينعليه‌السلام الذين استشهدوا بين يديه في كربلاء، رجل من آل همدان اسمه يزيد بن خضير الهمداني، بل إنّ هذا الرجل هو برير بن خضير الهمداني، ويؤكّد صحة هذا ما وصفه الخبر بأنّه كان سيّد القرّاء؛ لأنّ بريراً كان معروفاً بشيخ القرّاء أو سيّد القرّاء في الكوفة، إذاً فيزيد تصحيف لبُرَير.

ونقل السيّد المقرّم (ره) في المقتل(٢) هذه الواقعة عن رجال الكشّي أيضاً قائلاً: (وخرج حبيب بن مظاهر يضحك، فقال له يزيد بن الحصين الهمداني: ما هذه ساعة ضحك؟...).

وقد ورد في زيارة الناحية المقدّسة أيضاً:(السلام على يزيد بن حصين الهمدانيّ المشرقيّ القاري) (٣) .

قال المحقّق السماوي (ره): (بُرير: في ضبط هذا الاسم وضبط اسم أبيه

____________________

(١) اختيار معرفة الرجال (المعروف برجال الكشّي)، ١: ٢٩٣، رقم ١٣٣.

(٢) مقتل الحسينعليه‌السلام للمقرّم: ٢١٦.

(٣) البحار، ٤٥: ٧٠.


خلاف، فقد كُتب في الرجال: يزيد بن حصين...)(١) .

وقال المحقّق التستري: (هذا، وقد قلنا في عنوان بُرير بن حصين: إنّ يزيد بن حصين في نُسَخ الكشّي محرّف (برير بن خضير) هذا(٢) .

أصحابُ الإمام الحسينعليه‌السلام لا يجدون أَلَمَ مسَّ الحديد

روى القطب الراوندي (ره) بسندٍ عن الإمام الباقرعليه‌السلام أنّه قال:(قال الحسين بن عليّ عليهما‌السلام لأصحابه قبل أن يُقتل: إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: يا بُنيّ، إنّك ستُساق إلى العراق، وهي أرض التقى بها النبيّون وأوصياء النبيين، وهي أرض تُدعى (عمورا)، وإنّك تُستشهدُ بها، ويستشهد معك جماعة من أصحابك، لا يجدون ألم مسّ الحديد، وتلا: ( قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ) ، تكون الحرب عليك وعليهم برداً وسلاماً، فأبشِروا، فو الله لئن قتلونا فإنّا نرِد على نبيّنا...) (٣) .

وفي حديث عن الإمام الباقرعليه‌السلام أنّ الإمام الحسينعليه‌السلام قال لأصحابه:

(أبشروا بالجنّة، فو الله إنّا نمكث ما شاء الله بعدما يجري علينا، ثمّ يُخرجنا الله وإيّاكم حتّى يظهر قائمنا فينتقم من الظالمين، وأنا وأنتم نشاهدهم في السلاسل والأغلال وأنواع العذاب، فقيل له: مَن قائمكم يا بن رسول الله؟ قال: السابع من ولد ابني محمّد بن عليّ الباقر وهو: الحجّة ابن الحسن بن عليّ

____________________

(١) إبصار العين: ١٢٥ - ١٢٦.

(٢) قاموس الرجال، ٢: ٢٩٦، رقم ١٠٧٧.

(٣) الخرائج والجرائح، ٢: ٨٤٨ - ٨٥٠، رقم ٦٣، ولهذه الرواية الشريفة عن لسان الإمام الحسينعليه‌السلام تتمّة مهمّة تتعلّق ببعض إخبارات عالَم الرجعة يحسنُ بالقارئ الكريم أن يراجعها ولا يغفل عنها. وانظر: البحار، ٤٤: ٨٠، رقم ٦.


بن محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمد بن عليّ ابني، وهو الذي يغيب مدّة طويلة ثمّ يظهر ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً) (١) .

الإمامعليه‌السلام يأمر بحفر خندق حول معسكره

(ثمّ إنّ الحسينعليه‌السلام أمر بحفيرة فحُفرت حول عسكره شبه الخندق، وأمر فحُشيت حطباً، وأرسل عليّاً ابنهعليه‌السلام في ثلاثين فارساً وعشرين راجلاً ليستقوا الماء، وهم على وجَلٍ شديد(٢) ، وأنشأ الحسينعليه‌السلام يقولُ:

يـا دهـرُ أُفٍّ لك من خليلِ

كم لك في الإشراق والأصيلِ

مـن طـالب وصاحبٍ قتيلِ

والـدهر لا يـقنع بـالبديلِ

وإنّـما الأمـر إلـى الجليل

وكـلُّ حـيٍّ سـالك سبيلي

ثمّ قال لأصحابه:(قوموا فاشربوا من الماء يكن آخر زادكم، وتوضّأوا واغتسلوا واغسلوا ثيابكم؛ لتكون أكفانكم...) (٣) .

____________________

(١) مقتل الحسينعليه‌السلام للمقرّم: ٢١٥، عن إثبات الرجعة، وانظر: إثبات الهداة، ٣: ٥٦٩، باب ٣٢، فصل ٤٤، رقم ٦٨١ عن إثبات الرجعة للفضل بن شاذان، وانظر أيضاً: معجم أحاديث المهديعليه‌السلام ، ٣: ١٨١ - ١٨٢، رقم ٧٠٤.

(٢) لا شكّ أنّ هذه العبارة منافية للحقيقة الثابتة والمشهورة عن شجاعة أصحاب الحسينعليه‌السلام ، والطمأنينة التي يتمتعون بها، خصوصاً بعدما رأوا منازلهم في الجنّة، حيث تعجّلوا لقاء العدوّ.

(٣) أمالي الصدوق (ره): ١٣٣ - ١٣٤، المجلس الثلاثون، حديث رقم ١، ولعلّ خبر استقاء الماء هذا بقيادة سيّدنا علي الأكبرعليه‌السلام ليلة العاشر من المحرّم، ممّا تفرّد به الشيخ الصدوق (ره) - حسب علمنا - وهو مغاير للمشهور من: أنّ آخر استقاء كان بقيادة سيّدنا أبي الفضل العباسعليه‌السلام يوم السابع من المحرم، كذلك فإنّ الأبيات الشعرية المذكورة في هذا الخبر قد ذُكرت في واقعة أخرى مشهورة من وقائع ليلة العاشر، ولا منافاة في أن يكون الإمام قد قرأها في أكثر من مناسبة.


أمّا الخوارزمي فقد نقل قضيّة حفر الخندق عن ابن أعثم الكوفي هكذا: (فلمّا آيس الحسين من القوم، وعلِمَ أنّهم مقاتلوه، قال لأصحابه:(قوموا فاحفروا لنا حفيرة شبه الخندق حول معسكرنا، وأجّجوا فيها ناراً حتّى يكون قتال هؤلاء القوم من وجه واحد، فإنّهم لو قاتلونا وشُغلنا بحرْبهم لضاعت الحُرَم) .

فقاموا من كلّ ناحية فتعاونوا واحتفروا الحفيرة، ثمَّ جمعوا الشوك والحطب فألقوه في الحفيرة وأجّجوا فيها النّار)(١) .

يا دهرُ أُفٍّ لك من خليل

قال الشيخ المفيد (ره): (قال عليّ بن الحسين عليه‌السلام : (إنّي جالسٌ في تلك العشيّة التي قُتل أبي في صبيحتها وعندي عمّتي زينب تمرّضني، إذ اعتزل أبي في خباء له وعنده جُوَين مولى أبي ذرّ الغفاري، وهو يعالج سيفه ويصلحه، وأبي يقول:

يـا دهرُ أُفٍّ لك من خليلِ

كم لك بالإشراق والأصيلِ

من صاحبٍ أو طالبٍ قتيلِ

والـدهر لا يـقنع بالبديلِ

وإنّـما الأمر إلى الجليلِ

وكـلُّ حـيٍّ سالكٌ سبيلي

فأعادها مرّتين أو ثلاثاً، حتّى فهمتُها وعرفتُ ما أراد، فخنقتني العَبرة فرددتها، ولزمتُ السكوت، وعلمتُ أنّ البلاء قد نزل، وأمّا عمّتي فإنّها سمعتْ ما سمعتُ، وهي امرأة ومن شأن النساء الرقّة والجزع، فلم تملك نفسها إذ وثَبَت تجرُّ ثوبها وإنّها لحاسرة حتّى انتهت إليه.

فقالت: واثكلاه، ليت الموت أعدَمني الحياة، اليوم ماتت أمّي فاطمة، وأبي عليّ، وأخي

____________________

(١) مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي، ١: ٣٥٢ عن الفتوح، ٥: ١٧٣ - ١٧٤، وقد اخترنا متن الخوارزمي على متن الفتوح؛ لأنّ الأخير كثير الاضطراب.


الحسن عليهم‌السلام ، يا خليفة الماضين وثمال (١) الباقين .

فنظر إليها الحسينعليه‌السلام فقال لها: يا أُخيّة، لا يُذهبنّ حلمَك الشيطان، وترقرقت عيناه بالدموع وقال: لو تُرك القطا لنام.

فقالت: يا ويلتاه، أفتغتصب نفسك اغتصاباً، فذاك أقرح لقلبي وأشدُّ على نفسي.

ثمّ لطمت وجهها، وهوَت إلى جَيبها فشقّته، وخرّت مغشيّاً عليها.

فقام إليها الحسينعليه‌السلام ، فصبّ على وجهها الماء، وقال لها: إيهاً يا أُختاه، اتّقي الله وتعزّي بعزاء الله، واعلَمي أنّ أهل الأرض يموتون، وأهل السماء لا يبقون، وأنّ كلّ شيء هالك إلاّ وجه الله الذي خلق الخلْق بقدرته، ويبعث الخلق ويعيدهم، وهو فردٌ وحده، جدّي خيرٌ منّي، وأبي خيرٌ منّي، وأمّي خيرٌ منّي، وأخي خيرٌ منّي، ولي ولكلّ مسلم برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أُسوة.

فعزّاها بهذا ونحوه وقال لها: يا أُخيّة، إنّي أقسمتُ عليك فأبرّي قَسَمي، لا تشقّي عليَّ جيباً، ولا تخمشي عليَّ وجهاً، ولا تدعي عليّ بالويل والثبور إذا أنا هلكتُ.

ثمَّ جاء بها حتّى أجلسها عنده، ثمّ خرج إلى أصحابه فأمرهم أن يُقرّب بعضهم بيوتهم من بعض، وأن يُدخلوا الأطناب بعضها في بعض، وأن يكونوا بين البيوت، فيستقبلون القوم من وجه واحد، والبيوت من ورائهم وعن أَيمانهم وعن شمائلهم، قد حفّت بهم إلاّ الوجه الذي يأتيهم منه عدوّهم، ورجع عليه‌السلام إلى مكانه، فقام الليل كلّه يصلّي ويستغفر ويدعو ويتضرّع، وقام أصحابه كذلك يُصلّون ويدعون ويستغفرون) (٢) .

____________________

(١) الثمال: الغياث الذي يقوم بأمر قومه، والملجأ.

(٢) الإرشاد: ٢٥٩ - ٢٦٠، وتاريخ الطبري، ٤: ٣١٨ - ٣١٩، وفيه في بداية الخبر:(إذ اعتزل أبي بأصحابه) وفيه أيضاً:(ثمّ جاء بها حتّى أجلسها عندي وخرج إلى أصحابه..) ، وفيه أيضاً (حُوّى) بدل (جوين)، وانظر: الكامل في التاريخ، ٣: ٢٨٥ - ٢٨٦ وليس فيه (وهي حاسرة)، =


____________________

= وانظر: البداية والنهاية، ٨: ١٩١ بتفاوت واختصار، وأنساب الأشراف، ٣: ٣٩٣، وفيه (حوَّي) بدل (جوين) وليس فيه (وهي حاسرة) وانظر: مقاتل الطالبيين: ٧٥.

أمّا ابن أعثم الكوفي فقد روى هذه الواقعة في بداية نزول الإمامعليه‌السلام أرض كربلاء، وتبعهُ في ذلك بعض المؤرّخين (راجع: اللهوف: ٣٥ - ٣٦، مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي، ١: ٣٣٨ - ٣٣٩).

وفي رواية ابن أعثم: (فنزل القوم وحطّوا الأثقال ناحية من الفرات، وضُربت خيمة الحسين لأهله وبنيه، وضرب عشيرته خيامهم من حول خيمته، وجلس الحسين وأنشأ يقول:

يـا دهر أُفٍّ لك من خليل

كم لك بالإشراق والأصيلِ

مـن طالبٍ وصاحبٍ قتيل

وكـلُّ حـيٍّ عـابر سبيلِ

ما أقرب الوعد من الرحيل

وإنّـما الأمـر إلى الجليلِ

قال: وسَمِعت ذلك أخت الحسين زينب وأمّ كلثوم فقالتا: يا أخي هذا كلام مَن أيقن بالقتل؟

فقال:(نعم يا أختاه، فقالت زينب: واثكلاه، ليت الموت أعدَمني الحياة، مات جدّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومات أبي عليّ، وماتت أمّي فاطمة، ومات أخي الحسنعليه‌السلام ، والآن ينعى إليَّ الحسين نفسه.

قال: وبكت النسوة ولطمنَ الخدود، قال: وجعلت أمّ كلثوم تنادي: واجدّاه! وا أبي عليّاه! وا أمّاه! وا حسناه! وا حسيناه! واضيعتنا بعدك! وا أبا عبد الله!

فعذلها الحسين وصبّرها وقال لها:يا أختاه، تعزّي بعزاء الله وارضي بقضاء الله، فإنّ سكّان السماوات يفنون، وأهل الأرض يموتون، وجميع البريّة لا يبقون، وكلّ شيء هالك إلاّ وجهه، له الحكم وإليه ترجعون، وإنَّ لي ولكِ ولكلّ مؤمن ومؤمنة أسوة بمحمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثمّ قال لهنّ:انظرن إذا أنا قُتلت فلا تشققنَ عليَّ جيباً، ولا تخمشن وجهاً..) . (الفتوح، ٥: ١٤٩ - ١٥٠).

وفي مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: (ومعه جون مولى أبي ذرّ الغفاريّ)، وفي روايته جمع بين ما يشبه رواية الطبري، وما يشبه رواية ابن أعثم الكوفي، وفي آخر روايته: (ثمّ قالعليه‌السلام :(يا زينب، ويا أمّ كلثوم، ويا فاطمة، ويا رباب، انظرن إذا أنا قُتلت فلا تشققن عليَّ جيباً، ولا تخمشن عليَّ وجهاً، ولا تقلن فيَّ هجراً) . (راجع مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي، ١: ٣٣٨ - ٣٣٩).


الإمام الحسينعليه‌السلام يتفقّد التلاع والروابي

(وخرجَعليه‌السلام في جوف الليل إلى خارج الخيام يتفقّد التلاع والعقبات، فتبعه نافع بن هلال الجملي، فسأله الحسين عمّا أخرجه.

قال: يا بن رسول الله، أفزَعني خروجك إلى جهة معسكر هذا الطاغي.

فقال الحسينعليه‌السلام :(إنّي خرجتُ أتفقّد التلاع والروابي مخافة أن تكون مكمناً لهجوم الخيل يوم تحملون ويحملون.

ثمّ رجعَعليه‌السلام وهو قابض على يد نافع ويقول:هي هي والله، وعدٌ لا خُلف فيه، ثمّ قال له:ألا تسلُك بين هذين الجبلَين في جوف الليل وتنجو بنفسك؟

فوقعَ نافع على قدميه يُقبّلها ويقول: ثَكلتني أمّي إنّ سيفي بألف وفرَسي مثله، فو الله الذي مَنَّ بك عليَّ لا فارقتك حتّى يكِلاّ عن فرّي وجرّي.

ثمّ دخلَ الحسين خيمة زينب، ووقف نافع بإزاء الخيمة ينتظره، فسمع زينب تقول له:هل استعلمتَ من أصحابك نيّاتهم؟ فإنّي أخشى أن يُسلموك عند الوثبة؟

فقال لها:والله، لقد بلَوتُهم فما وجدت فيهم إلاّ الأشوس الأقعس (١) ،يستأنسون بالمنيّة دوني استيناس الطفل إلى محالب أمّه).

قال نافع: فلمّا سمعتُ هذا منه بكيت، وأتيتُ حبيب بن مظاهر وحكيت ما سمعت منه ومن أخته زينب.

قال حبيب: والله، لولا انتظار أمره لعاجلتهم بسيفي هذه الليلة.

قلت: إنّي خلّفته عند أُخته، وأظنُّ النساء أفقْن وشاركنها في الحسرة، فهل لك

____________________

(١) الأشوس: ذو النخوة، الأبيّ، الجريء على القتال، الشديد.

الأقعس: الثابت العزيز المنيع. (لسان العرب: ٦، مادة: شوس وقعس).


أن تجمع أصحابك وتواجهوهنّ بكلام يطيّب قلوبهنّ.

فقام حبيب ونادى: يا أصحاب الحميّة وليوث الكريهة.

فتطالعوا من مضاربهم كالأُسود الضارية، فقال لبني هاشم: ارجعوا إلى مقرّكم لا سهرت عيونكم، ثمّ التفتَ إلى أصحابه وحكى لهم ما شاهده وسمعه نافع.

فقالوا بأجمعهم: والله، الذي منَّ علينا بهذا الموقف، لولا انتظار أمره لعاجلناهم بسيوفنا الساعة، فطِب نفساً وقُرَّ عيناً.

فجزّاهم خيراً، وقال: هلمّوا معي لنواجه النسوة ونطيّب خاطرهنّ.

فجاء حبيب ومعه أصحابه وصاح:يا معشر حرائر رسول الله، هذه صوارم فتيانكم آلوا ألاّ يغمدوها إلاّ في رقاب مَن يريد السوء فيكم، وهذه أسِنّة غلمانكم أقسموا ألاّ يُركزوها إلاّ في صدور مَن يفرّق ناديكم.

فخرجن النساء إليهم ببكاء وعويل وقلنَ: أيّها الطيّبون، حاموا عن بنات رسول الله وحرائر أمير المؤمنين.

فضجّ القوم بالبكاء حتّى كأنّ الأرض تميد بهم)(١) .

( قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ ) (٢) :

وفي رواية للطبري عن الضحّاك ابن عبد الله المشرقي قال: (فلمّا أمسى حسينٌ وأصحابه قاموا الليل كلّه يصلّون ويستغفرون ويدعون ويتضرّعون، قال:

____________________

(١) مقتل الحسينعليه‌السلام للسيّد المقرّم: ٢١٨ - ٢١٩ عن كتاب الدمعة الساكبة: ٣٢٥، ولعلّ السيّد المقرّم قد لخّص ما في المصدر تلخيصاً رفعَ به الاضطراب وضعف العبارة عنه، وفي المصدر ورد اسم (هلال بن نافع) بدلاً من (نافع بن هلال)، وهو اشتباه مخالف للمضبوط الصحيح الموافق لزيارة الناحية المقدّسة ولتاريخ الطبري، والكامل في التاريخ والإرشاد.

(٢) سورة المائدة: الآية ١٠٠.


فتمرُّ بنا خيلٌ لهم تحرسنا، وإنّ حسيناً ليقرأ:( وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْماً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ * مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ) (١) فسمعها رجل من تلك الخيل التي كانت تحرسنا، فقال: نحن وربّ الكعبة الطيّبون، مُيّزنا منكم!

قال: فعرفتهُ، فقلت لبرير بن خضير: تدري مَن هذا؟ قال: لا.

قلتُ: هذا أبو حرب السبيعي، عبد الله بن شهر، وكان مضحاكاً بطّالاً، وكان شريفاً شجاعاً فاتكاً، وكان سعيد بن قيس ربّما حبسه في جناية.

فقال له برير بن خضير: يا فاسق، أنت يجعلك الله في الطيبين؟!

فقال له: مَن أنت؟

قال: أنا برير بن خضير.

قال: إنّا لله، عزّ عليَّ، هلكتَ والله، هلكتَ والله يا بُرير.

قال: يا أبا حرب، هل لك أن تتوب إلى الله من ذنوبك العظام؟ فو الله إنّا لنحن الطيّبون ولكنّكم لأنتم الخبيثون.

قال: وأنا على ذلك من الشاهدين!

قلتُ: ويحك، أفلا ينفعك معرفتك؟!

قال: جُعلتُ فداك، فمَن يُنادم يزيد بن عذرة العنزي من عنز بن وائل؟ قال: هاهو ذا معي.

قال: قبّح الله رأيك، على كلّ حالٍ أنت سفيه.

قال: ثمّ انصرف عنا، وكان الذي يحرسنا بالليل في الخيل عزرة بن قيس الأحمسي وكان على الخيل)(٢) .

____________________

(١) سورة آل عمران، الآيتان: ١٧٨ و ١٧٩.

(٢) تاريخ الطبري، ٤: ٣٢٠ - ٣٢١.


أنصارٌ جُددٌ

(وباتَ الحسينعليه‌السلام وأصحابه تلك الليلة ولهم دويٌّ كدويّ النحل، ما بين راكع وساجد وقائم وقاعد، فعبرَ عليهم في تلك الليلة من عسكر عمر بن سعد اثنان وثلاثون رجلاً(١) ، وكذا كانت سجيّة الحسينعليه‌السلام في كثرة صلاته وكمال صفاته)(٢) .

رؤيا حقّة ساعة السحر

(فلمّا كان وقت السحر خفقَ الحسين برأسه خفقة، ثمّ استيقظ فقال:(أتعلمونَ ما رأيت في منامي الساعة؟

قالوا: فما رأيت يا بن رسول الله؟

قال:رأيت كلاباً قد شدّت عليَّ (تناشبني) لتنهشني، وفيها كلب أبقع رأيته كأشدّها عليَّ، وأظنّ الذي يتولّى قتلي رجلاً أبرص من بين هؤلاء القوم، ثمّ إنّي رأيت بعد ذلك جدّي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومعه جماعة من أصحابه، وهو يقول لي: يا بُنيَّ، أنت شهيد آل محمّد، وقد استبشر بك أهل السماوات وأهل الصفيح الأعلى، فليكن إفطارك عندي الليلة، عجِّل يا بُني ولا تتأخّر، فهذا مَلَك نزل من السماء لأخذ دمك في قارورة خضراء، فهذا ما رأيت، وقد أزفَ الأمر، واقترب الرحيل من هذه الدنيا) (٣) .

____________________

(١) سنأتي على ذكر أسمائهم وتراجمهم ضمن قائمة بأسماء الملتحقين بالإمامعليه‌السلام في كربلاء، حتّى ليلة العاشر في ختام هذا الفصل.

(٢) اللهوف: ٤١، وسنأتي على ذكر أسماء أنصارهعليه‌السلام الذين التحقوا به في كربلاء حتى ليلة العاشر، في ختام هذا الفصل إن شاء الله تعالى.

(٣) الفتوح، ٥: ١٨١، وعنه مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي، ١: ٣٥٦ بتفاوت يسير، وقد اخترنا نصّ =


الأنصار الملتحقون بهعليه‌السلام في كربلاء حتّى ليلة العاشر

١) - أنس بن الحرث الكاهلي - الصحابي - (رض)

مرّت بنا ترجمته في وقائع الطريق بين مكّة وكربلاء، في وقائع منزل (قصر بني مقاتل)، فراجع ترجمته هناك(١) .

وقد ورد السلام عليه في زيارة الناحية المقدّسة:(السلام على أنس بن كاهل الأسدي) (٢) .

وقد قالالمحقّق الشيخ السماوي (ره) في إبصار العين أنّه: (كان جاء إلى الحسينعليه‌السلام عند نزوله كربلاء، والتقى معه ليلاً فيمَن أدركته السعادة)(٣) .

٢) - جوين بن مالك بن قيس بن ثعلبة التميمي (رض)

(كان جوين نازلاً في بني تيم، فخرج معهم إلى حرب الحسينعليه‌السلام ، وكان من الشيعة، فلمّا رُدَّت الشروط على الحسينعليه‌السلام مالَ معه فيمَن مال، ورحلوا إلى الحسينعليه‌السلام ليلاً، وقُتل بين يديه، قال السروي: وقُتل في الحملة الأولى)(٤) .

وقال الزنجاني: (قال المحقّق الأسترآبادي في رجاله: جوين بن مالك التميمي.. وقال ابن عساكر في تاريخه: وهو جوين بن مالك بن قيس بن ثعلبة التميمي له ذكر في المغازي والحروب)(٥) .

____________________

= الخوارزمي لخلوّه من الاضطراب.

(١) الفصل الثالث: ص٢٨٠ - ٢٨٢.

(٢) البحار، ٤٥: ٧١.

(٣) إبصار العين: ٩٩.

(٤) إبصار العين: ١٩٤.

(٥) وسيلة الدارين في أنصار الحسينعليه‌السلام : ١١٦، رقم ٢٥.


وورد السلام عليه في زيارة الناحية المقدّسة:(السلام على جوين بن مالك الضبعي) (١) .

٣) - حبيب بن مظاهر (مُظَهّر) الأسدي الفقعسي - الصحابي - (رض)

(هو حبيب بن مُظهَّر بن رئاب بن الأشتر بن جخوان بن فقعس بن طريف بن عمرو بن قيس بن الحرث بن ثعلبة بن دودان بن أسد).

أبو القاسم الأسديّ الفقعسي، كان صحابياً رأى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ذكره ابن الكلبي(٢) ، وكان ابن عمّ ربيعة بن حوط بن رئاب المكنّى أبا ثور الشاعر الفارس.

قال أهل السيَر: إنّ حبيباً نزل الكوفة، وصحب عليّاًعليه‌السلام في حروبه كلّها وكان من خاصّته وحَمَلة علومه.

وروى الكشّي عن فضيل بن الزبير قال: مرّ ميثم التمّار على فرَس له، فاستقبله حبيب بن مظاهر الأسدي عند مجلس بني أسد، فتحادثا حتى اختلف عُنُقا فرسيهما، ثمّ قال حبيب: لكأنّي بشيخ أصلع ضخم البطن يبيع البطّيخ عند دار الرزق، قد صُلب في حُبّ أهل بيت نبيّه، فتُبقَر بطنه على الخشبة.

فقال ميثم: وإنّي أعرف رجلاً أحمر له ضفيرتان، يخرج لنصرة ابن بنت نبيّه، فيُقتل ويُجال برأسه في الكوفة.

ثمّ افترقا، فقال أهل المجلس: ما رأينا أكذب من هذين؟

قال: فلم يفترق المجلس حتّى أقبل رُشَيد الهجَري فطلبهما، فقالوا: افترقا، وسمعناهما يقولان كذا وكذا، فقال رشيد: رَحم الله ميثماً، نسيَ ويُزاد في عطاء

____________________

(١) البحار، ١٠١: ٢٧٣.

(٢) راجع: جمهرة النسب، ١: ٢٤١.


الذي يجيء بالرأس مئة درهم.

ثمّ أدبر، فقال القوم: هذا والله أكذبهم.

قال: فما ذهبت الأيّام والليالي حتّى رأينا ميثماً مصلوباً على باب عمرو بن حريث.

وجيء برأس حبيب قد قُتل مع الحسينعليه‌السلام ، ورأينا كما قالوا(١) .

وذكر أهل السيَر: أنّ حبيباً كان ممّن كاتب الحسينعليه‌السلام (٢) .

قالوا: ولما ورد مسلم بن عقيل إلى الكوفة ونزل دار المختار، وأخذت الشيعة تختلف إليه، قام فيهم جماعة من الخطباء، تقدّمهم عابس الشاكري، وثنّاه حبيب فقام وقال لعابس بعد خطبته: رحمك الله، لقد قضيت ما في نفسك بواجز من القول، وأنا والله الذي لا إله إلاّ هو لعلى مثل ما أنت عليه(٣) .

قالوا: وجعل حبيب ومسلم (ابن عوسجة) يأخذان البيعة للحسينعليه‌السلام في الكوفة، حتّى إذا دخل عبيد الله بن زياد الكوفة، وخذّل أهلها عن مسلم، وفرَّ أنصاره، حبسَهما عشائرهما وأخفياهما، فلمّا ورد الحسين كربلاء خرجا إليه مختفيَين يسيران الليل ويكمُنان النهار حتى وصلا إليه.

وروى ابن أبي طالب: أنّ حبيباً لمّا وصل إلى الحسينعليه‌السلام ورأى قلّة أنصاره وكثرة محاربيه قال للحسين: إنّ هاهنا حيّاً من بني أسد، فلو أذنتَ لي لسرتُ إليهم ودعوتهم إلى نصرتك، لعلّ الله أن يهديهم ويدفع بهم عنك.

فأذِن له الحسينعليه‌السلام ، فسار إليهم حتى وافاهم فجلس في ناديهم ووَعَظهم،

____________________

(١) رجال الكشّي، ٧٨، رقم ١٣٣.

(٢) راجع: الإرشاد: ٢٢٤، واللهوف: ١٤، وتاريخ الطبري، ٤: ٢٦١.

(٣) راجع: تاريخ الطبري، ٤: ٢٦٤.


وقال في كلامه: يا بني أسد، قد جئتكم بخير ما أتى به رائد قومه، هذا الحسين بن عليّ أمير المؤمنين، وابن فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قد نزل بين ظهرانيكم في عصابة من المؤمنين، وقد أطافت به أعداؤه ليقتلوه، فأتيتكم لتمنعوه وتحفظوا حرمة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فيه، فو الله لئن نصرتموه ليعطينّكم الله شرف الدنيا والآخرة، وقد خصصتكم بهذه المكرمة؛ لأنّكم قَومي وبنو أبي وأقرب الناس منّي رحِماً، فقام عبد الله بن بشير الأسدي وقال:

شكر الله سعيك يا أبا القاسم، فو الله لجئتنا بمكرمة يستأثر بها المرء الأحبّ فالأحبّ، فأمّا أنا فأوّل مَن أجاب، وأجاب جماعة بنحو جوابه فنهدوا مع حبيب، وانسلّ منهم رجل فأخبر ابن سعد، فأرسل الأزرق في خمسمئة فارس فعارضهم ليلاً، ومانعهم فلم يمتنعوا فقاتلهم، فلمّا علموا أن لا طاقة لهم بهم تراجعوا في ظلام الليل، وتحمّلوا عن منازلهم، وعاد حبيب إلى الحسينعليه‌السلام فأخبره بما كان، فقالعليه‌السلام :(وما تشاؤون إلاّ أن يشاء الله، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله) (١) .

ومن متابعة هذه الواقعة (دعوة حبيب حيّ بني أسد لنصرة الإمامعليه‌السلام ) في المصادر التاريخية التي تعرّضت لذكرها يُستفاد: أنّ حبيب (رض) كان قد التحق بالإمامعليه‌السلام في كربلاء قبل اليوم السادس من المحرّم، ويتضح هذا جليّاً في قول الخوارزمي: (والتأمت العساكر عند عمر لستّة أيّام مضين من محرّم، فلمّا رأى ذلك حبيب بن مظاهر الأسدي جاء إلى الحسين فقال له: يا بن رسول الله، إنّ هاهنا حيّاً من بني أسد قريباً منّا...)(٢) .

ولمّا جاء قُرّة بن قيس الحنظلي إلى الإمامعليه‌السلام رسولاً من ابن سعد، وأبلغهُ

____________________

(١) إبصار العين: ١٠٠ - ١٠٣.

(٢) مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي، ١: ٣٤٥.


رسالة عمر، ثمّ أجابه الإمامعليه‌السلام ، قال له حبيب: ويحك يا قُرَّة بن قيس أنّى ترجع إلى القوم الظالمين؟! انصر هذا الرجل الذي بآبائه أيّدك الله بالكرامة وإيّانا معك، فقال له قُرّة: أرجع إلى صاحبي بجواب رسالته وأرى رأيي(١) !

وكلّم حبيب القوم عصر يوم تاسوعاء قائلاً:(أمَا والله، لبئس القوم عند الله غداً قوم يقدمون عليه قد قتلوا ذريّة نبيّه عليه‌السلام ، وعترته وأهل بيته صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعُبّاد أهل هذا المصر المجتهدين بالأسحار والذاكرين الله كثيراً) (٢) .

ولمّا ردّ شمر بن ذي الجوشن على إحدى مواعظ الإمامعليه‌السلام قائلاً: (هو يعبد الله على حرف إنْ كان يدري ما تقول! فقال له حبيب بن مظاهر: والله، إنّي لأراك تعبد الله على سبعين حرفاً، وأنا أشهد أنّك صادق ما تدري ما يقول، قد طبع الله على قلبك)(٣) .

وذكر الطبري وغيره أنّ حبيباً كان على ميسرة الحسينعليه‌السلام ، وزهيراً على الميمنة(٤) ، وأنّه كان خفيف الإجابة لدعوة المبارز(٥) .

(قالوا: ولمّا صُرع مسلم بن عوسجة مشى إليه الحسينعليه‌السلام ومعه حبيب، فقال حبيب:عزَّ عليَّ مصرعك يا مسلم، أَبشِر بالجنّة.

فقال له مسلم قولاً ضعيفاً: بشّرك الله بخير.

فقال حبيب: لولا أنّي أعلمُ أنّي في إثرك لاحقٌ بك من ساعتي هذه، لأحببتُ

____________________

(١) تاريخ الطبري، ٤: ٣١١.

(٢) تاريخ الطبري، ٤: ٣١٦.

(٣) راجع: تاريخ الطبري، ٤: ٣٢٣.

(٤) راجع: الأخبار الطوال: ٢٥٦.

(٥) راجع: تاريخ الطبري، ٤: ٣٢٦.


أن توصي إليَّ بكلّ ما أهمّك حتّى أحفظك في كلّ ذلك، بما أنت له أهل من الدين والقرابة.

فقال له: بلى، أوصيك بهذا رحمك الله - وأومَأ بيديه إلى الحسينعليه‌السلام - أنْ تموت دونه.

فقال حبيب: أفعل وربّ الكعبة)(١) .

(قالوا: ولمّا استأذن الحسينعليه‌السلام لصلاة الظهر وطلب منهم المهلة؛ لأداء الصلاة، قال له الحصين بن تميم: إنّها لا تُقبل منك.

فقال له حبيب: زعمتَ لا تُقبل الصلاة من آل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وتُقبل منك يا حمار.

فحملَ الحصين وحملَ عليه حبيب، فضربَ حبيب وجه فرَس الحصين بالسيف، فشبَّ به الفرَس ووقع عنه، فحملهُ أصحابه واستنقذوه، وجعل حبيب يحمل فيهم ليختطفه منهم وهو يقول:

أُقسمُ لو كُنّا لكم أعداداً

أو شطركم ولَيتمُ أكتادا(٢)

يا شرَّ قوم حسباً وآدا

ثمّ قاتل القوم، فأخذ يحمل فيهم ويضرب بسيفه وهو يقول:

أنـا حـبيبٌ وأبي مُظهَّر

فارس هيجاء وحرب تسعر

أنـتم أعـدُّ عـدّة وأكـثر

ونـحن أوفى منكم وأصبر

ونـحنُ أعلى حُجَّة وأظهر

حـقّاً وأتـقى منكم وأعذر

ولم يزل يقولها حتّى قتلَ من القوم مقتلة عظيمة)(٣) .

____________________

(١) إبصار العين: ١٠٤.

(٢) أكتاد: جمع كتد: وهو مجتمع الكتفين من الإنسان وغيره.

(٣) إبصار العين: ١٠٤ - ١٠٥.


وروي أنَّ القاسم بن حبيب - وهو يومئذٍ قد راهق - بصرَ بقاتل أبيه قد عُلّق رأس أبيه حبيب في لُبان فَرَسه (فأقبلَ مع الفارس لا يفارقه، كلّما دخل القصر دخل معه، وإذا خرج خرج معه، فارتاب به فقال: مالكَ يا بُنيَّ تتبّعني؟ قال: لا شيء، قال: بلى، يا بُنيّ فأخبرني؟ قال: إنّ هذا رأس أبي أفتعطنيه حتّى أدفنه؟ قال: يا بُنيَّ لا يرضى الأمير أن يُدفن، وأنا أريد أن يُثيبني الأمير على قتله ثواباً حسناً، فقال القاسم: لكنّ الله لا يثيبك على ذلك إلاّ أسوأ الثواب، أمَ والله لقد قتلته خيراً منك، وبكى ثمّ فارقه، ومكث القاسم حتّى إذا أدركَ لم تكن له همّة إلاّ اتّباع أثر قاتل أبيه ليجد منه غرّة فيقتله بأبيه.

فلمّا كان زمان مصعب ابن الزبير وغزا مصعب باجميرا(١) ، دخلَ عسكر مصعب فإذا قاتل أبيه في فسطاطه، فأقبلَ يختلف في طلبه والتماس غرّته، فدخل عليه وهو قائل(٢) نصف النهار فضربه بسيفه حتّى برد)(٣) .

(وقيل: بل قتله رجلٌ يُقال له (بديل بن صُريم)، وأخذ رأسه فعلّقه في عُنق فرسه، فلمّا دخل الكوفة رآه ابن حبيب بن مظاهر - وهو غلام غير مراهق - فوثب عليه وقتله، وأخذ رأسه)(٤) .

ولمّا قُتل حبيب (ره) هدَّ ذلك الحسينعليه‌السلام وقال:(عند الله أحتسبُ نفسي وحُماة أصحابي) (٥) .

____________________

(١) باجميرا: موضع من أرض الموصل كان مصعب بن الزبير يعسكر به في محاربة عبد الملك بن مروان، حين يقصده من الشام أيّام منازعتهما في الخلافة.

(٢) وهو قائل: يعني وهو نائم ساعة القيلولة.

(٣) إبصار العين: ١٠٥ - ١٠٦، وتاريخ الطبري، ٤: ٣٣٥، وانظر: الكامل في التاريخ، ٣: ٢٩١ - ٢٩٢.

(٤) مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي، ٢: ٢٢.

(٥) تاريخ الطبري، ٤: ٣٣٦.


وفي بعض المقاتل أنّهعليه‌السلام قال:(لله درّك يا حبيب، لقد كنتَ فاضلاً تختم القرآن في ليلة واحدة) (١) .

وورد السلام عليه في زيارة الناحية المقدّسة:(السلام على حبيب بن مظاهر الأسدي) (٢) .

٤) - مسلم بن عوسجة الأسدي - الصحابي - (رض)

(هو مسلم بن عوسجة بن سعد بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة، أبو حجَل الأسدي السعدي، كان رجلاً شريفاً سريّاً عابداً متنسّكاً.

قال ابن سعد في طبقاته (٣) : وكان صحابياً ممّن رأى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وروى عنه الشعبي، وكان فارساً شجاعاً، له ذكر في المغازي والفتوح الإسلامية.

وقال أهل السيَر: إنّه ممّن كاتب الحسينعليه‌السلام من الكوفة ووفى له، وممّن أخذَ البيعة له عند مجيء مسلم بن عقيل إلى الكوفة)(٤) .

وكان مسلم بن عوسجة (رض) أحد القادة الأربعة الذين عقد لهم مسلم بن عقيلعليه‌السلام على الأرباع في الكوفة، أثناء هجومه على قصر الإمارة، فعقدَ لابن عوسجة (رض) على ربع مذحج وأسد(٥) .

____________________

(١) معالي السبطين، ١: ٣٧٦، وانظر: ينابيع المودّة: ٤١٥.

(٢) البحار، ٤٥: ٧١.

(٣) لم نعثر على ذكره في الطبقات الكبرى، وأورده الجزري في أُسد الغابة، ٤: ٢٦٤ باسم مسلم أبو عوسجة، وابن حجر في الإصابة ٦: ٩٦، رقم ٧٩٧٨، وقال النمازي: (مسلم بن عوسجة الأسدي من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ..) (مستدركات علم رجال الحديث، ٧: ٤١٤، رقم ١٤٩١٥).

(٤) إبصار العين: ١٠٧ - ١٠٨.

(٥) راجع: مقاتل الطالبيين: ٦٦.


وقد احتال عبيد الله بن زياد لمعرفة مكان مسلم بن عقيلعليه‌السلام بحيلة اختراق حركة الثوّار من داخلها، (فبعث مَعقلاً مولاه وأعطاه ثلاثة آلاف درهم، وأمرهُ أن يستدلّ بها على مسلم، فدخل الجامع وأتى إلى مسلم بن عوسجة فرآه يصلّي إلى زاوية، فانتَظَره حتى انفتل من صلاته، فسلّم عليه ثمّ قال: يا عبد الله، إنّي امرؤ من أهل الشام مولى لذي الكلاع، وقد منّ الله عليَّ بحبّ هذا البيت وحبّ مَن أحبّهم! فهذه ثلاثة آلاف درهم أردتُ بها لقاء رجل منهم بلغني أنّه قدِم الكوفة، يبايع لابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فلم يدلّني أحد عليه، فإنّي لجالس آنفاً في المسجد إذ سمعت نفراً يقولون: هذا رجل له علم بأهل هذا البيت، فأتيتك لتقبض هذا المال، وتدلّني على صاحبك فأبايعه! وإنْ شئت أخذت البيعة له قبل لقائه.

فقال له مسلم بن عوسجة:أحمدُ الله على لقائك إياي فقد سرّني ذلك لتنال ما تُحبّ، ولينصر الله بك أهل بيت نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولقد ساءتني معرفتك إيّاي بهذا الأمر من قبْل أن ينمى مخافة هذا الطاغية وسطوته، ثمّ إنّه أخذ بيعته قبل أن يبرح وحلّفه بالأيمان المغلّظة ليناصحنّ وليكتمنّ، فأعطاه ما رضي، ثمّ قال له:اختلف إليَّ أيّاماً حتّى أطلب لك الإذن، فاختلفَ إليه ثمّ أُذن له فدخل، ودلّ عبيد الله على موضعه..)(١) .

قالوا: ثمّ إنّ مسلم بن عوسجة بعد أن قُبض على مسلم وهاني وقُتلا اختفى مدّة، ثمّ فرّ بأهله إلى الحسين فوافاه بكربلا، وفداه بنفسه)(٢) .

____________________

(١) راجع: إبصار العين: ١٠٨ - ١٠٩؛ وانظر: الأخبار الطوال: ٢٣٥ - ٢٣٦ والإرشاد: ١٨٩، وتاريخ الطبري، ٤: ٢٧٠؛ والكامل في التاريخ، ٣: ٣٩٠؛ وقد مضت مناقشة ما يمكن أن يُثار من تشكيك حول لياقة مسلم بن عوسجة (رض) وفطنته ومستوى حذره، في (إشارة) ي ذيل رواية هذه الواقعة، فراجعها في الفصل الثاني (حركة أحداث الكوفة أيّام مسلم بن بن عقيلعليه‌السلام ): ص٩٣ - ٩٦.

(٢) إبصار العين: ١٠٩.


وكان مسلم بن عوسجة (رض) قد قاتل يوم عاشوراء قتالاً شديداً لم يُسمع بمثله، فكان يحمل على القوم وسيفه مصلت بيمينه فيقول:

إنْ تسألوا عنّي فإنّي ذو لبد

وإنّ بيتي في ذُرىْ بني أسد

فمَن بغاني حائدٌ عن الرشد

وكافرٌ بدين جبّار صمد (١)

ولما صُرع (رض) مشى إليه الحسينعليه‌السلام فإذا به رمق، فقال له الحسينعليه‌السلام :(رحمكَ الله يا مسلم ( فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) )، ثمّ دنا منه، فقال له حبيب بن مظاهر (رض) - ما ذكرناه في ترجمته - فقال له مسلم (رض):(بلى، أوصيك بهذا رحمك الله - وأومأ بيديه إلى الحسينعليه‌السلام -أن تموت دونه) (٢) .

ولمّا فاضت روحه الطاهرة صاحت جارية له: (وا سيّداه! يا بن عوسجتاه! فتباشرَ أصحاب عمر بذلك، فقال لهم شبث بن ربعي: ثكلتكم أمهاتكم! إنّما تقتلون أنفسكم بأيديكم، وتذلّون أنفسكم لغيركم، أتفرحون أن يُقتل مثل مسلم بن عوسجة؟! أمَا والذي أسلمتُ له، لَرُبَّ موقفٍ له قد رأيته في المسلمين كريم، لقد رأيتهُ يوم سَلَق آذربايجان قتل ستّة من المشركين قبل أن تتامّ خيول المسلمين، أفيُقتل منكم مثله وتفرحون؟!)(٣) .

وقد ورد السلام عليه في زيارة الناحية المقدّسة مع ثناء عاطر:(السلام على مسلم بن عوسجة الأسدي، القائل للحسين وقد أذِن له في الانصراف: أنحن نُخلّي عنك؟! وبمَ نعتذر عند الله من أداء حقّك؟ لا والله، حتّى أكسِر في صدورهم رُمحي هذا، وأضربهم

____________________

(١) راجع: إبصار العين: ١١٠.

(٢) راجع: إبصار العين: ١٠٤ و ١١٠، وتاريخ الطبري، ٤: ٣٣٢ - ٣٣٣.

(٣) إبصار العين: ١١٠ - ١١١، وانظر: تاريخ الطبري، ٤: ٣٣٣.


بسيفي ما ثبتَ قائمه في يدي، ولا أُفارقك، ولو لم يكن معي سلاحٌ أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة، ولم أُفارقك حتّى أموت معك .

وكُنت أوّل مَن شرى نفسه، وأوّل شهيد شهد لله وقضى نحبه، ففزتَ وربّ الكعبة، شكر الله استقدامك ومواساتك إمامك، إذ مشى إليك وأنت صريع، فقال: يرحمك الله يا مسلم بن عوسجة، وقرأ: ( فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) .

لعن الله المشتركين في قتلك: عبد الله الضبابي، وعبد الله بن خُشكارة البجلي، ومسلم بن عبد الله الضبابي) (١) .

٥) - مسلم أو أسلم بن كثير الأعرج الأزدي - الصحابي - (رض)

قال المحقّق السماوي (ره): (مسلم بن كثير الأعرج الأزدي - أزد شنؤة - الكوفي: كان تابعياً كوفياً صحبَ أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وأُصيبت رجْله في بعض حروبه.

قال أهل السيَر: إنّه خرج إلى الحسينعليه‌السلام من الكوفة، فوافاه لدى نزوله في كربلاء.وقال السروي: إنّه قُتل في الحملة الأولى)(٢) .

وقال النمازي: (مسلم بن كثير الأعرج: من أصحاب الرسول وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما، وتشرّف بشهادة الطفّ في الحملة الأولى)(٣) .

وقال الزنجاني: (وقال العسقلاني في (الإصابة): هو أسلم بن كثير بن قليب الصدفي الأزدي الكوفي، له إدراك مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وذَكره ابن يونس، وقال: شهد فتح مصر في زمان عمر بن الخطّاب)(٤) .

____________________

(١) البحار، ٤٥: ٦٩ - ٧٠.

(٢) إبصار العين: ١٨٥.

(٣) مستدركات علم رجال الحديث، ٧: ٤١٥، الرقم ١٤٩١٩.

(٤) وسيلة الدارين في أنصار الحسينعليه‌السلام : ١٠٦.


وقد ورد السلام عليه في زيارة الناحية المقدّسة:(السلام على أسلم بن كثير الأزدي الأعرج) (١) .

٦) - رافع بن عبد الله مولى مسلم بن كثير (رض)

قال المحقق السماوي (ره): (كان رافع خرج إلى الحسينعليه‌السلام مع مولاه مسلم المذكور قبله، وحضرَ القتال فقُتل)(٢) .

وقال الزنجاني: (رافع بن عبد الله الأزدي الكوفي: وهو مولى مسلم بن كثير الذي قُتل في الحملة الأولى بعد أن قَتل من عساكر ابن سعد، وقُتل رافع مبارزة بعد صلاة الظهر في حومة الحرب بَعدما قَتل من القوم جماعة كثيرة وجَرح آخرين، ثمّ اشتركا في قتله كثير بن شهاب التميمي، ومخضر بن أوس الضبيبي على قول الذخيرة(٣) )(٤) .

٧) - القاسم بن حبيب بن أبي بشر الأزدي (رض)

قال المحقق السماوي (ره): (كان القاسم فارساً من الشيعة الكوفيين، خرج مع ابن سعد، فلمّا صار في كربلاء مالَ إلى الحسينعليه‌السلام أيّام المهادنة، وما زال معه حتّى قُتل بين يديه في الحملة الأولى)(٥) .

وقد ورد السلام عليه في زيارة الناحية المقدّسة:(السلام على قاسم بن حبيب الأزديّ) (٦) .

____________________

(١) البحار: ٤٥: ٧٢.

(٢) إبصار العين: ١٨٥.

(٣) يعني كتاب ذخيرة الدارين للحائري.

(٤) وسيلة الدارين: ١٣٦.

(٥) إبصار العين: ١٨٦.

(٦) البحار، ٤٥: ٧٣.


٨) - زهير بن سليم الأزدي (رض)

قال المحقق السماوي (ره): (كان زهير ممّن جاء إلى الحسينعليه‌السلام في الليلة العاشرة عندما رأى تصميم القوم على قتاله، فانضمّ إلى أصحابه، وقُتل في الحملة الأولى)(١) .

وقال الزنجاني: (قال العسقلاني في الإصابة: هو زهير بن سليم بن عمرو الأزدي، وقال صاحب الحدائق: كان زهير بن سليم من الذين جاءوا إلى الحسين في الليلة العاشرة عندما رأى تصميم القوم على قتاله، فانضمّ إلى أصحابه الأزديين الذين كانوا مع الحسين، وقال أبو مخنف: فلمّا شبّ القتال وحمل أهل الكوفة على عسكر الحسينعليه‌السلام تقدّم زهير بن سليم أمام الحسين، وقاتلَ قتال المشتاقين حتّى قُتل في الحملة الأولى)(٢) .

وقد ورد السلام عليه في زيارة الناحية المقدّسة:(السلام على زهير بن سليم الأزدي) (٣) .

٩) - النعمان بن عمرو الأزدي الراسبي (رض)

١٠) - الحُلاس بن عمر الأزدي الراسبي (رض)

قال المحقق السماوي (ره): (كان النعمان والحُلاس ابنا عمرو الراسبيان من أهل الكوفة، وكانا من أصحاب أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وكان الحُلاس على شرطته بالكوفة.

____________________

(١) إبصار العين: ١٨٦.

(٢) وسيلة الدارين: ١٣٩، رقم ٥٣، وكذلك أوردَ النمازي اسمه: زهير بن سليم بن عمرو الأزدي. (راجع: مستدركات علم رجال الحديث، ٣: ٤٤٠، رقم ٥٨١٣).

(٣) البحار، ٤٥: ٧٢.


قال صاحب الحدائق: خرجا مع عمر بن سعد، فلمّا ردّ ابن سعد الشروط جاءا إلى الحسين ليلاً فيمن جاء، وما زالا معه حتّى قُتلا بين يديه.

وقال السروي: قُتلا في الحملة الأولى)(١) .

ونقل الزنجاني في (وسيلة الدارين) أنّهما انضمّا إلى الإمامعليه‌السلام ليلة الثامن من المحرّم، وما زالا معه إلى يوم العاشر، فلمّا شبّ القتال تقدّم الحُلاس أمام الحسينعليه‌السلام إلى الجهاد فقُتل في الحملة الأولى، مع مَن قُتل من أصحاب الحسين، وقُتل أخوه النعمان أيضاً مبارزة فيما بين الحملة الأولى والظهر في حومة الحرب بعدما عقروا فرسه)(٢) .

١١) - جابر بن الحجّاج مولى عامر بن نهشل التيمي (رض)

قال المحقّق السماوي (رض): (كان جابر فارساً شجاعاً، قال صاحب الحدائق: حضر مع الحسينعليه‌السلام في كربلا وقُتل بين يديه، وكان قَتله قبل الظهر في الحملة الأولى)(٣) .

ونقل الزنجانيّ يقول: (قال المامقاني في رجاله: إنّه من قبيلة تيم، وكان شجاعاً وذا فكر، قال الذهبي في التجريد: هو جابر بن الحجّاج بن عبد الله بن رئاب بن النعمان بن سنان بن عبيد بن عدي، مولى عامر بن نهشل التيمي، من بني تيم الله بن ثعلبة، وقال صاحب الحدائق: كان جابر فارساً شجاعاً كوفياً ممّن تابع مسلماً، فلمّا تخاذل النّاس عن مسلم بن عقيل وقُبض عليه اختفى جابر عند قومه، فلمّا سمعَ بمجيء الحسين إلى كربلاء خرج من الكوفة مع عمر بن سعد، حتّى إذا كان

____________________

(١) إبصار العين: ١٨٧.

(٢) راجع: وسيلة الدارين: ٢٠٠، رقم ١٦٠.

(٣) إبصار العين: ١٩٣.


له فرصة أيّام المهادنة جاء إلى الحسين وسلّم عليه، فبقيَ عنده إلى يوم الطف، فلمّا شبّ القتال تقدّم بين يدي الحسين وقاتل حتى قُتل رضوان الله عليه)(١) .

١٢) - مسعود بن الحجّاج التيمي - تيم الله بن ثعلبة - (رض)

١٣) - عبد الرحمان بن مسعود بن الحجّاج التيمي (رض)

قال المحقّق السماوي (ره): (كان مسعود وابنه من الشيعة المعروفين، ولمسعود ذكر في المغازي والحروب، وكانا شجاعين مشهورين، خرجا مع ابن سعد حتّى إذا كانت لهما فرصة أيّام المهادنة جاءا إلى الحسينعليه‌السلام يُسلّمان عليه فبقيا عنده، وقُتلا في الحملة الأولى كما ذكره السروي)(٢) .

وقد ورد السلام عليهما في زيارة الناحية المقدّسة:(السلام على مسعود بن الحجّاج وابنه) (٣) .

١٤) - عمر بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة الضبعي التميمي - الصحابي - (رض)

نقل الزنجاني يقول: (قال المحقّق الأسترآبادي في رجاله: عمرو بن ضبعة الضبعي من أصحاب الحسينعليه‌السلام قُتل معه بالطف، وقال العسقلاني في الإصابة: هو عمرو بن ضبعة بن قيس بن ثعلبة الضبعي التميمي، له ذكر في المغازي والحروب، وكان فارساً شجاعاً له إدراك، قال أبو مخنف: حدّثني فضيل بن خديج الكندي أنّ عمرو بن ضبعة بن قيس كان ممّن خرج مع عمر بن سعد إلى حرب الحسين، فلمّا ردّوا الشروط على الحسينعليه‌السلام مالَ إليه، ثمّ دخل في أنصار

____________________

(١) وسيلة الدارين: ١١١، رقم ١٧.

(٢) إبصار العين: ١٩٣ - ١٩٤.

(٣) البحار، ٤٥: ٧٢ و ١٠١: ٢٧٣.


الحسينعليه‌السلام فيمن دخل، وقاتل بين يديه حتّى قُتل في الحملة الأولى مع مَن قُتل رضوان الله عيه)(١) .

وقد ورد السلام عليه في زيارة الناحية المقدّسة:(السلام على عمرو بن ضبيعة الضبعي) (٢) .

١٥) - أُميّة بن سعد الطائي (رض)

قال المحقق السماوي (ره): (كان أميّة من أصحاب أمير المؤمنينعليه‌السلام تابعياً نازلاً في الكوفة، سمعَ بقدوم الحسينعليه‌السلام إلى كربلاء فخرجَ إليه أيّام المهادنة، وقُتل بين يديه، قال صاحب الحدائق: قُتل في أوّل الحرب، يعني في الحملة الأولى)(٣) .

ونقل الزنجاني يقول: (قال العسقلاني في الإصابة: هو أميّة بن سعد بن زيد الطائي، قال علماء السيَر والتراجم: كان أميّة بن سعد فارساً شجاعاً تابعيّاً من أصحاب أمير المؤمنينعليه‌السلام نازلاً في الكوفة، له ذكر في المغازي والحروب، خصوصاً يوم صفّين، فلمّا سمع بقدوم الحسين إلى كربلاء خرج من الكوفة مع مَن خرجَ أيّام المهادنة، حتّى جاء إلى الحسينعليه‌السلام ليلة الثامن من المحرّم...)(٤) .

١٦) - الضرغامة بن مالك التغلبي (رض)

قال المحقّق السماوي (ره): (كان كاسمه ضرغاماً، وكان من الشيعة، وممّن بايع مسلماً، فلمّا خُذل خرج فيمن خرج مع ابن سعد، ومالَ إلى الحسينعليه‌السلام

____________________

(١) وسيلة الدارين: ١٧٧، رقم ١١٢، وانظر: إبصار العين: ١٩٤.

(٢) البحار، ١٠١، ٢٧٣ و ٤٥: ٧٢.

(٣) إبصار العين: ١٩٨.

(٤) إبصار العين: ١٩٨.


فقاتل معه، وقُتل بين يديه مبارزة بعد صلاة الظهر،رضي‌الله‌عنه )(١) .

(وقال أبو مخنف: ثمّ برز ضرغامة بن مالك وهو يرتجز ويقول:

إلـيكم مـن مـالك ضرغام

ضَرب فتىً يحمي عن الكرام

يـرجو ثـواب الله بـالتمام

سـبحانه مـن مـالك علاّم

ثمّ حمل على القوم فقاتل قتال الرجل الباسل، وصبرَ على الخطب الهائل، حتّى قتل ستين فارساً سوى مَن جرح، ثمّ قُتل رضوان الله عليه)(٢) .

وورد السلام عليه في زيارة الناحية المقدّسة:(السلام على ضرغامة بن مالك) (٣) .

١٧) - كنانة بن عتيق التغلبي - الصحابي - (رض)

نقل الزنجانيّ يقول: (قال أبو علي في رجاله: كنانة بن عتيق التغلبي من أصحاب الحسينعليه‌السلام قُتل معه بكربلاء، وقال العسقلاني في الإصابة: هو كنانة بن عتيق بن معاوية بن الصامت بن قيس التغلبي الكوفي، شهد أُحداً هو وأبوه عتيق - بالتاء المثنّاة ثمّ القاف - فارس رسول اللهعليه‌السلام ، وقد ذكره ابن مندة في تاريخه.وقال العلاّمة في الخلاصة: كنانة بن عتيق بن معاوية بن الصامت، فارس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقال علماء السيَر وأرباب المقاتل: كان كنانة بن عتيق بطلاً من أبطال الكوفة، وعابداً من عُبّادها، وقارئاً من قُرّائها، جاء إلى الحسينعليه‌السلام من الطفّ أيام المهادنة، وجاهدَ بين يديه حتّى قُتل.وقال صاحب الحدائق عن أحمد بن محمد

____________________

(١) إبصار العين: ٩٩.

(٢) وسيلة الدارين: ١٥٧، رقم ٧٨.

(٣) البحار، ٤٥: ٧١ و ١٠١: ٢٧٣.


السروي قال: وقُتل كنانة بن عتيق في الحملة الأولى مع مَن قُتل. وقال غيره: قُتل مبارزة فيما بين الحملة الأولى والظُهر...)(١) .

وقد ورد السلام عليه في زيارة الناحية المقدّسة:(السلام على كنانة بن عتيق) (٢) .

١٨) - قاسط بن زهير بن الحرث التغلبي (رض)

١٩) - كردوس بن زهير بن الحرث التغلبي (رض)

٢٠) - مقسط بن زهير بن الحرث التغلبي (رض)

قال المحقّق السماوي (ره): (كان هؤلاء الثلاثة من أصحاب أمير المؤمنينعليه‌السلام ومن المجاهدين بين يديه في حروبه، صحبوه أوّلاً، ثمّ صحبوا الحسنعليه‌السلام ، ثمّ بقوا في الكوفة، ولهم ذكر في الحروب، ولاسيّما صِفّين، ولمّا وردَ الحسينعليه‌السلام كربلا خرجوا إليه، فجاؤه ليلاً، وقُتلا بين يديه..)(٣) .

ونقل الزنجاني يقول: (قال أبو عليّ في رجاله: قاسط بن عبد الله بن زهير بن الحارث التغلبي من أصحاب أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وقال نصر بن مزاحم المنقري الكوفي في كتاب صفّين: إنّ عليّاًعليه‌السلام لما عقدَ الألوية للقبائل فأعطاها قوماً بأعيانهم جعلهم رؤساءهم وأمراءهم، وجعلَ على قريش وأسد وكنانة عبد الله بن عبّاس بن عبد المطلّب، وعلى كندة حُجر بن عديّ الكندي، وعلى بكر البصرة حصين بن المنذر، وعلى تميم البصرة الأحنف بن قيس وقاسط بن عبد الله بن زهير بن

____________________

(١) وسيلة الدارين: ١٨٤ - ١٨٥، رقم ١٣٢، وانظر: إبصار العين: ١٩٩.

(٢) البحار، ٤٥: ٧١ و ١٠١: ٢٧٣.

(٣) إبصار العين: ٢٠٠.


الحرث التغلبي، وعلى حنظلة البصرة أَعيَن بن ضبيع، وكردوس بن عبد الله بن زهير التغلبي(١) ...)(٢) .

وقد ورد السلام في زيارة الناحية المقدّسة على قاسط وأخيه كردوس فقط ولم يُذكر مقسط فيها:(السلام على قاسط وكردوس ابني زهير التغلبيين) (٣) .

٢١) - رجل من بني أسد (رض)

روى ابن عساكر، عن العريان بن الهيثم قال: (كان أبي يتبدّى فينزل قريباً من الموضع الذي كان فيه معركة الحسين، فكنّا لا نبدو إلاّ وجدنا رجُلاً من بني أسد هناك.

فقال له أبي: أراك ملازماً هذا المكان؟

قال: بلغني أنّ حسيناً يُقتل هاهنا، فأنا أخرج إلى هذا المكان لعليّ أُصادفه فأُقتل معه.

قال ابن الهيثم: فلمّا قُتل الحسين قال أبي: انطلقوا بنا ننظر هل الأسديُّ فيمن قُتل مع الحسين؟

فأتينا المعركة وطوّفنا فإذا الأسديُّ مقتول)(٤) .

____________________

(١) عثرنا على مثل هذه الرواية (بتفاوت غير يسير) في كتاب وقعة صفّين لنصر بن مزاحم المنقري، ولكنّنا لم نعثر على اسمي قاسط وكردوس فيها (راجع وقعة صفين: ٢٠٤ - ٢٠٦)، فلعلّ الزنجاني قد نقلها من مصدر آخر، والله العالم.

(٢) وسيلة الدارين: ١٨٣ - ١٨٤، رقم ١٣٠ ولاحظ رقم ١٣٣.

(٣) البحار، ١٠١: ٢٧٣، وفيه: (السلام على قاسط وكرش ابنَي زهير التغلبيين)، وكرش اشتباه من النسّاخ بيّن، كما أنّ في البحار، ٤٥: ٧١ (ابنَي ظهير التغلبيين)، وهذا تصحيف ظاهر لكلمة زهير ناشئ من أنّ الظاء تلفظ كما الزاء.

(٤) تاريخ ابن عساكر، ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام ، تحقيق المحمودي: ٣١٠ - ٣١١، رقم ٢٦٩، =


٢٢) - حنظلة بن أسعد الشبامي (رض)

قال المحقّق السماوي (ره): (هو حنظلة بن أسعد بن شبام بن عبد الله(١) بن أسعد بن حاشد بن همدان، الهمداني الشبامي، وبنو شبام بطن من همدان.

كان حنظلة بن أسعد الشبامي وجهاً من وجوه الشيعة، ذا لسان وفصاحة، شجاعاً قارئاً، وكان له ولد يُدعى عليّاً، له ذِكر في التاريخ.

قال أبو مخنف: جاء حنظلة إلى الحسينعليه‌السلام عندما ورد الطفّ، وكان الحسينعليه‌السلام يُرسله إلى عمر بن سعد بالمكاتبة أيّام الهدنة، فلمّا كان اليوم العاشر جاء إلى الحسينعليه‌السلام يطلب منه الإذن، فتقدّم بين يديه وأخذ يُنادي:

( يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ) (٢) ، يا قوم لا تقتلوا حسيناً( فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى ) (٣) .

فقال الحسينعليه‌السلام :(يا بن أسعد، إنّه قد استوجبوا العذاب حين ردّوا عليك ما دعوتهم

____________________

= ويُلاحظ هنا: أنّنا لا نعلم أحداً من شهداء الطفّ من بني أسد مَن تنطبق عليه هذه القصّة! كما أنّ الظاهر من هذه الرواية - على فرض صحتها -: أنّ العريان بن الهيثم وأباه كانا قريبين من ساحة الطفّ بحيث تسنّى لهما التطواف بين أجساد القتلى، أو كانا في جملة مَن كان في جيش عمر بن سعد؛ وإلاّ لمَا تيسّر لهما ذلك فيما نعلم.

(١) قال ياقوت الحموي في معجم البلدان، ٣: ٣١٨ في تعريف (شبام): (منهم حنظلة بن عبد الله الشبامي قُتل مع الحسينعليه‌السلام .

(٢) سورة غافر، الآية: ٣٠ و ٣٣.

(٣) سورة طه: الآية: ٦١.


إليه من الحقّ، ونهضوا إليك ليستبيحوك وأصحابك، فكيف بهم الآن وقد قتلوا إخوانك الصالحين!؟

قال: صدقتَ، جعلتُ فداك، أفلا نروح إلى ربّنا ونلحق بإخواننا؟

قال:رُحْ إلى خيرٍ من الدنيا وما فيها، إلى مُلك لا يبلى.

فقال حنظلة: السلام عليك يا أبا عبد الله، صلّى الله عليك وعلى أهل بيتك، وعرّف بينك وبيننا في جنّته.

فقال الحسينعليه‌السلام :آمين آمين).

ثمّ تقدّم إلى القوم مصلتاً سيفه يضرب فيهم قُدُماً، حتّى تعطّفوا عليه فقتلوه في حومة الحرب رضوان الله عليه)(١) .

ونقل الزنجاني يقول: (وقال أبو مخنف: حدّثني سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم قال: جاء حنظلة بن أسعد الشبامي إلى الحسين عند نزوله كربلاء، وكان الحسين يُرسله إلى عمر بن سعد للمكالمة أيّام المهادنة، فلمّا صار يوم العاشر ورأى أصحاب الحسين قد أُصيبوا كلّهم، ولم يبقَ معه غير سويد بن عمرو بن المطاع الخثعمي، وبشر بن عمرو الحضرمي، جاء حنظلة فوقف بين يدي الحسين يقيه السهام والرماح والسيوف بوجهه ونحره، ويطلب منه الإذن، وأخذ ينادي...)(٢) .

وقد ورد السلام عليه في زيارة الناحية المقدّسة:(السلام على حنظلة بن أسعد الشبامي) (٣) .

____________________

(١) إبصار العين: ١٣٠ - ١٣١.

(٢) وسيلة الدارين، ١٣٤ - ١٣٥، رقم ٤٠.

(٣) البحار، ٤٥: ٧٣ و ١٠١: ٢٧٣.


٢٣) - سيف بن الحرث بن سريع بن جابر الهمداني الجابري (رض)

٢٤) - مالك بن عبد الله بن سريع بن جابر الهمداني الجابري (رض)

قال المحقّق السماوي (ره): (وبنو جابر بطن من همدان، كان سيف ومالك الجابريّان ابني عمّ وأخوين لأمّ، جاءا إلى الحسينعليه‌السلام ومعهما شبيب مولاهما فدخلا في عسكره وانضمّا إليه.

قالوا: فلمّا رأيا الحسينعليه‌السلام في اليوم العاشر بتلك الحال، جاءا إليه وهما يبكيان، فقال لهما الحسينعليه‌السلام :(أي ابنَي أخويَّ ما يبكيكما؟ فو الله إنّي لأرجو أن تكونا بعد ساعة قريرَي العين.

فقالا: جَعَلنا الله فداك، لا والله ما على أنفسنا نبكي، ولكن نبكي عليك، نراك قد أُحيط بك ولا نقدر على أن نمنعك بأكثر من أنفسنا.

فقال الحسينعليه‌السلام :جزاكما الله يا ابنَي أخويَّ عن وجْدكما من ذلك ومواساتكما إيّاي أحسن جزاء المتقين .

قال أبو مخنف: فهما في ذلك إذ تقدّم حنظلة بن أسعد يعظ القوم، فوعظ وقاتل فقُتل - كما تقدّم - فاستقدما يتسابقان إلى القوم ويلتفتان إلى الحسينعليه‌السلام فيقولان: السلام عليك يا بن رسول الله.

ويقول الحسينعليه‌السلام :وعليكما السلام ورحمة الله وبركاته) .

ثمّ جعلا يقاتلان جميعاً، وإنّ أحدهما ليحمي ظهر صاحبه(١) حتّى قُتلا)(٢) .

____________________

(١) وفي وسيلة الدارين: ١٥٤، رقم ٧٢ و ٧٣: (وإنّ أحدهما ليحمي ظهر صاحبه؛ لأنّ القوم قريب من المخيم، وهما يسمعان العويل والبكاء من النساء والأطفال، فقاتلا حتى قُتلا في مكان واحد رضوان الله عليهما).

(٢) إبصار العين: ١٣٢ - ١٣٣.


وقد ورد السلام عليهما في زيارة الناحية المقدّسة:(السلام على شبيب بن الحارث بن سريع، السلام على مالك بن عبد الله بن سريع) (١) .

٢٥) - شبيب مولى الحرث بن سريع الهمداني الجابري (رض)

قال المحقّق السماوي: (كان شبيب بطلاً شجاعاً جاء مع سيف ومالك ابنَي سريع، قال ابن شهرآشوب: قُتل في الحملة الأولى التي قُتل فيها جملة من أصحاب الحسين، وذلك قبل الظُهر في اليوم العاشر)(٢) .

ونقل الزنجاني تحت عنوان (شبيب بن عبد الله مولى الحرث بن سريع الكوفي) يقول: (... قال العسقلاني في الإصابة: هو شبيب بن عبد الله بن مشكل بن حي بن جَديه (بفتح الجيم وسكون الدال بعدها ياء تحتانية)، مولى الحرث بن سريع الهمداني الجابري، وبنو جابر بطن من همدان، وقال ابن الكلبي(٣) : شبيب بن عبد الله كان صحابياً أدركَ صحبة رسول الله، وشهد مع عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام مشاهده كلّها وعداده من الكوفيين، وكان شبيب هذا بطلاً شجاعاً جاء مع سيف بن الحارث ومالك بن عبد الله بن سريع...)(٤) .

وقد ورد السلام في زيارة الناحية المقدّسة على مَن اسمه شبيب في موضعين،الأوّل: (السلام على شبيب بن عبد الله النهشلي) (٥) ، وهذا من شهداء الطفّ

____________________

(١) البحار، ١٠١: ٢٧٣.

(٢) إبصار العين: ١٣٣.

(٣) في الإصابة، ٢: ١٦٠، رقم ٣٩٦٠: (شبيب بن عبد الله بن شكل بن حي بن جَدْية - بفتح الجيم وسكون الدال بعدها تحتانية، المذحجي - له إدراك وشهد مع عليّ مشاهده... ذكر ذلك ابن الكلبي)، لكن ما هو الدليل على أنّ هذا هو شبيب مولى الحرث بن سريع؟

(٤) وسيلة الدارين: ١٥٥، رقم ٧٥.

(٥) وهذا هو: شبيب بن عبد الله النهشلي البصري (رض) وهو من شهداء الطفّ أيضاً، لكنّه غير =


أيضاً ولكنّه غير المقصود،والثاني: (السلام على شبيب بن الحارث بن سريع) ، والظاهر أنّ شبيب هنا تصحيف لسيف(١) .

٢٦) - عمّار بن أبي سلامة الدالاني - الصحابي - (رض)

قال المحقق السماوي (ره): (هو عمّار بن أبي سلامة بن عبد الله بن عمران بن رأس بن دالان، أبو سلامة الدالاني، وبنو دالان بطن من همدان.

كان أبو سلامة عمّار صحابياً له رؤية كما ذكره الكلبي وابن حجر(٢) ، وقال أبو جعفر الطبري: وكان من أصحاب عليّعليه‌السلام ومن المجاهدين بين يديه في حروبه الثلاث، وهو الذي سأل أمير المؤمنينعليه‌السلام عندما سار من ذي قار إلى البصرة فقال: يا أمير المؤمنين، إذا قدمتَ عليهم فماذا تصنع؟

فقال:(أدعوهم إلى الله وطاعته، فإنْ أبوا قاتلتهم) .

فقال أبو سلامة: إذاً لن يغلبوا داعي الله - في كلام له -.

وقال ابن حجر في الإصابة: إنّه أتى إلى الحسينعليه‌السلام في الطفّ وقُتل معه(٣) ، وذكر صاحب الحدائق، والسروي: أنّه قُتل في الحملة الأولى حيث قُتل جملة من أصحاب الحسينعليه‌السلام )(٤) .

وروى البلاذري قائلاً: (وهَمّ عمّار بن أبي سلامة الدالاني أن يفتك بعبيد الله

____________________

= شبيب مولى الحرث بن سريع، وله ترجمة خاصة به فراجعها في وسيلة الدارين، ١٥٥، رقم ٧٦.

(١) راجع: البحار، ١٠١: ٢٧٣.

(٢) و (٣) في الإصابة، ٣: ١١٢، رقم ٦٤٦٣: (عمّار بن أبي سلامة بن عبد الله بن عمران بن رأس بن دالان، الهمداني ثمّ الدالاني - له إدراك، وكان قد شهد مع عليّ مشاهده، وقُتل مع الحسين بن عليّ بالطفّ، ذكرهُ ابن الكلبي).

(٤) إبصار العين: ١٣٣ - ١٣٤؛ وانظر: وسيلة الدارين: ١٧٢، رقم ١٠٦.


بن زياد في عسكره بالنُخيلة، فلم يمكنه ذلك، فلطفَ حتّى لحقَ بالحسين فقُتل معه)(١) .

وفي طريقه إلى كربلاء كان عمّار (رض) قد اصطدم بمسلحة كبيرة من مسالح ابن زياد التي حاصرت الطريق إلى كربلاء، ينقل المحقّق السيّد المقرّم (ره) عن كتاب الإكليل للهمداني قائلاً: (وجعلَ عبيد الله بن زياد زجر بن قيس الجعفي على مسلحة في خمسمئة فارس، وأمَرَه أن يُقيم بجسر الصراة، يمنع مَن يخرج من الكوفة يريد الحسينعليه‌السلام ، فمرَّ به عمار بن أبي سلامة بن عبد الله بن عرار الدالاني، فقال له زجر: قد عرفتُ حيث تريد، فارجع.

فحملَ عليه وعلى أصحابه فهزمهم ومضى، وليس أحد منهم يطمع في الدنوّ منه، فوصل كربلاء، ولحقَ بالحسينعليه‌السلام حتّى قُتل معه، وكان قد شهد المشاهد مع أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام )(٢) .

وقد ورد السلام عليه في زيارة الناحية المقدّسة:(السلام على عمّار بن أبي سلامة الهمداني) (٣) .

٢٧) - حبشي بن قيس النهمي (رض)

قال المحقّق السماوي (ره): (هو حبشي بن قيس بن سلمة بن طريف بن أبان بن سلمة بن حارثة، الهمدانيّ النهمي، وبنو نَهْم بطن من همدان.

كان سلمة صحابياً ذكره جماعة من أهل الطبقات، وابنه قيس له إدراك ورؤية،

____________________

(١) أنساب الأشراف، ٣: ٣٨٨.

(٢) مقتل الحسينعليه‌السلام للمقرّم: ١٩٩؛ ويلاحظ التفاوت في الاسم وأسماء بعض الأجداد مع ما ضبطه المحقّق السماوي (ره).

(٣) البحار، ٤٥: ٧٣ و ١٠١: ٢٧٣.


وابن قيس حبشيٌّ ممّن حضر الطفّ وجاء إلى الحسين فيمن جاء أيّام الهدنة، قال ابن حجر: وقُتل مع الحسينعليه‌السلام (١) )(٢) .

٢٨) - زياد بن عريب الهمداني الصائدي، أبو عمرة (رض)

قال المحقّق السماوي (ره): (هو زياد بن عريب بن حنظلة بن دارم بن عبد الله بن كعب الصائد بن شرحبيل بن... بن همدان، أبو عمرة الهمداني، كان عريب صحابياً ذكره جملة من أهل الطبقات، وأبو عمرة ولده هذا له إدراك، وكان شجاعاً ناسكاً معروفاً بالعبادة، قال صاحب الإصابة: إنّه حضر وقُتل مع الحسينعليه‌السلام .

وروى الشيخ (ابن نما) عن مهران الكاهلي مولى لهم - أي مولى لبني كاهل - قال: شهدتُ كربلا مع الحسينعليه‌السلام فرأيت رجلاً يُقاتل قتالاً شديداً، لا يَحمل على قوم إلاّ كشفهم، ثمّ يرجع إلى الحسينعليه‌السلام فيقول له:

أَبشرْ هُديتَ الرشد يا بن أحمدا

في جنّة الفردوس تعلو صعّدا

فقلت: مَن هذا؟ قالوا: أبو عمرة الحنظلي.

فاعترضه عامر بن نهشل أحد بني اللات بن ثعلبة فقتله واحتزَّ رأسه، قال: وكان متهجّداً)(٣) .

____________________

(١) في الإصابة، ٢: ١٠٤ - ١٠٥، رقم ٣٦٤٤ (سلمة بن طريف بن أبان بن سلمة بن حارثة بن فهم الفهمي - لأبيه صحبة، وله رؤية، وقُتل ولده حبشة بن قيس بن سلمة بن طريف مع الحسين بن عليّ يوم الطف).

(٢) إبصار العين: ١٣٤، وانظر: وسيلة الدارين: ١٤٥ الرقم ٥٥ وفيه أيضاً (كان أبوه عريب صحابياً ذكره جماعة في الطبقات والتراجم: كعزّ الدين الجزري في أُسد الغابة، وابن عبد البرّ في =


٢٩) - سوار بن منعم بن حابس بن أبي عمير بن نَهْم الهمداني النهمي (رض)

قال المحقّق السماوي (ره): (كان سوار ممّن أتى إلى الحسينعليه‌السلام أيّام الهدنة، وقاتلَ في الحملة الأولى فجُرح وصُرع، قال في الحدائق الوردية: قاتل سوار حتّى إذا صُرع أُتي به أسيراً إلى عمر بن سعد فأراد قتله، فشفع فيه قومه، وبقي عندهم جريحاً حتّى توفّي على رأس ستّة أشهر.

وقال بعض المؤرّخين: إنّه بقي أسيراً حتّى توفي، وإنّما كانت شفاعة قومه للدفع عن قتله، ويشهد له ما ذُكر في القائميات من قولهعليه‌السلام :(السلام على الجريح المأسور سوار بن أبي عمير النهمي) (١) ، على أنّه يمكن حمْل العبارة على أسره في أوّل الأمر)(٢) .

٣٠) - عمرو بن عبد الله الجندعي (رض)

قال المحقّق السماوي (ره): (وبنو جندع بطن من همدان، كان عمرو الجندعي ممّن أتى إلى الحسينعليه‌السلام أيّام المهادنة في الطفّ، وبقي معه.

قال في الحدائق: إنّه قاتل مع الحسينعليه‌السلام فوقعَ صريعاً مرتثّاً بالجراحات، قد وقعت ضربة على رأسه بلغت منه، فاحتمله قومه، وبقيَ مريضاً من الضربة صريع فراش سنة كاملة، ثمّ توفّي على رأس السنة،رضي‌الله‌عنه ، ويشهد له ما ذُكر في

____________________

= الاستيعاب، والعسقلاني في الإصابة كما ذكرنا، وذكر المامقاني أنّه كان من أهل التقوى، وكان يسهر الليل إلى الصبح وكان حاضراً في كربلاء...).

وقال المامقاني في تنقيح المقال، ١: ٤٥٦: (حضر الطّف وقاتل قتالاً شديداً حتّى استشهد بين يدي الحسينعليه‌السلام ..).

(١) راجع: البحار: ١٠١: ٢٧٣ و ٤٥: ٧٣.

(٢) إبصار العين: ٣٥ - ١٣٦، وانظر وسيلة الدارين: ١٥٣، رقم ٧٠.


القائميات من قولهعليه‌السلام :(السلام على الجريح المرتثّ عمرو الجندعي (١) ) (٢) .

٣١) - عمرو بن قرظة الأنصاري (رض)

قال المحقّق السماوي (ره): (هو عمرو بن قرظة بن كعب بن عمرو بن عائذ بن زيد مناة بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج، الأنصاري الخزرجي الكوفي.

كان قرظة من الصحابة الرواة، وكان من أصحاب أمير المؤمنينعليه‌السلام نزل الكوفة، وحاربَ مع أمير المؤمنينعليه‌السلام في حروبه، وولاّه فارس، وتوفي سنة إحدى وخمسين، وهو أوّل مَن نيح عليه بالكوفة، وخلّف أولاداً أشهرهم عمرو، وعليّ.

أمّا عمرو، فجاء إلى أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام أيّام المهادنة في نزوله بكربلا قبل الممانعة، وكان الحسينعليه‌السلام يُرسله إلى عمر بن سعد في المكالمة التي دارت بينهما، قبل إرسال شمر بن ذي الجوشن فيأتيه بالجواب، حتّى كان القطع بينهما بوصول شمر.

فلمّا كان اليوم العاشر من المحرّم استأذن الحسينعليه‌السلام في القتال، ثمّ برز وهو يقول:

قـد عَـلمتْ كتائبُ الأنصار

أنّـي سـأحمي حوزة الذمار

ضرب غلام غير نكسٍ، شار

دون حـسين مهجتي وداري

قال الشيخ ابن نما: عرّض بقوله: (دون حسين مهجتي وداري) بعمر بن سعد؛ فإنّه لمّا قال له الحسينعليه‌السلام :(صِر معي، قال: أخاف على داري!

____________________

(١) ورد السلام عليه في زيارة الناحية المقدّسة بعد السلام على سوار بن أبي عمير هكذا:(السلام على المرتثّ معه عمرو بن عبد الله الجُندعي) . (راجع: البحار، ١٠١: ٢٧٣).

(٢) إبصار العين: ١٣٦ - ١٣٧، وانظر: وسيلة الدارين: ١٧٨، رقم ١١٣.


فقال الحسينعليه‌السلام له:أنا أعوّضك عنها.

قال: أخاف على مالي.

فقال له:أنا أُعوّضك عنه من مالي بالحجاز ، فتكرّه! انتهى كلامه(١) .

ثُمّ إنّه قاتلَ ساعة ورجع للحسينعليه‌السلام فوقف دونه ليقيه من العدوّ، قال الشيخ ابن نما: فجعل يتلقّى السهام بجبهته وصدره فلم يصل إلى الحسينعليه‌السلام سوء حتّى أُثخن بالجراح، فالتفت إلى الحسينعليه‌السلام فقال: أوَفيتُ يا بن رسول الله؟ قال:(نعم، أنت أمامي في الجنّة، فاقرأ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله السلام وأعلِمهُ أنّي في الأثر) ، فخرَّ قتيلاً رضوان الله عليه(٢) .

وأمّا عليٌّ، فخرج مع عمر بن سعد، فلمّا قُتل أخوه عمرو برز من الصفّ ونادى: يا حسين، يا كذّاب أغررتَ أخي وقتلته؟ فقال له الحسينعليه‌السلام :(إنّي لم أغرَّ أخاك ولكن هداه الله وأضلّك) ، فقال عليٌّ: قَتلني الله إنْ لم أقتلك أو أموت دونك، ثمّ حملَ على الحسينعليه‌السلام ، فاعترضهُ نافع بن هلال فطعنه حتّى صرعه، فحملَ أصحابه عليه واستنقذوه، فَدُوِيَ بعد فبَرئ، ولعليٍّ هذا دون أخيه الشهيد ترجمة في كتب القوم ورواية عنه ومدح فيه)(٣) .

وقد ورد السلام على عمرو بن قرظة في زيارة الناحية المقدّسة:(السلام على عمرو بن قرظة الأنصاري) (٤) .

____________________

(١) راجع: مثير الأحزان: ٦١.

(٢) راجع: مثير الأحزان: ٦١، واللهوف: ٤٦ - ٤٧.

(٣) إبصار العين: ١٥٥ - ١٥٦، وانظر: وسيلة الدارين: ١٧٦ - ١٧٤، رقم ١٠٨ وفيه: (... وقال صاحب الحدائق: أمّا عمرو فجاء إلى الحسينعليه‌السلام يوم السادس من المحرّم أيّام المهادنة، في نزول الحسينعليه‌السلام بكربلاء قبل الممانعة...).

(٤) راجع: البحار: ١٠١: ٢٧٢ و ٤٥: ٧١.


٣٢) - عبد الله بن بشر الخثعمي (رض)

قال المحقّق السماوي (ره): (هو عبد الله بن بشر بن ربيعة بن عمرو بن منارة بن قُمَيْر بن عامر بن رائسة بن مالك بن واهب بن جليحة بن كلب بن ربيعة بن عفرس بن خلف بن أقبل بن أنمار، الأنماريّ الخثعمي.

كان عبد الله بن بشر الخثعمي من مشاهير الكماة، الحماة للحقائق، وله ولأبيه ذكر في المغازي والحروب.

قال ابن الكلبي: بشر بن ربيعة الخثعمي هو صاحب الخطّة بالكوفة التي يُقال لها (جبانة بشر)، وهو القائل يوم القادسية:

أنَختُ بباب القادسية ناقتي

وسعد بن وقّاص عَلَيَّ أمير

وكان وَلده عبد الله ممّن خرج مع عسكر ابن سعد، ثمّ صار إلى الحسينعليه‌السلام فيمن صار إليه أيّام المهادنة، قال صاحب الحدائق وغيره: إنّ عبد الله بن بشر قُتل في الحملة الأولى قبل الظهر)(١) .

٣٣) - الحارث بن امرئ القيس الكندي (رض)

نقل الزنجاني يقول: (قال في الإصابة: هو حارث بن امرئ القيس بن عابس بن المنذر بن امرئ القيس بن عمرو بن معاوية الأكرمين الكندي... قال صاحب الحدائق: كان الحارث ممّن خرج مع عسكر عمر بن سعد حتّى أتى كربلاء، فلمّا ردّوا الشروط على الحسين مالَ إلى الحسين، وجاء إليه فسلّم وانضمّ إلى أصحابه الكنديين - وهم أربعة أشخاص كما ذكرنا بعضهم - وما زال مع الحسينعليه‌السلام ، فلمّا شبّ القتال تقدّم أمام الحسين مع مَن تقدّم، وقُتل في الحملة الأولى رضوان الله عليه)(٢) .

____________________

(١) إبصار العين: ١٧٠.

(٢) وسيلة الدارين: ١١٦ - ١١٧، رقم ٢٦.


(كان الحارث من الشجعان العُبّاد، وله ذكر في المغازي..)(١) .

٣٤) - بشر بن عمرو بن الأُحدوث الحضرمي الكندي (رض)

مرّت بنا ترجمته (رض) في وقائع ليلة عاشوراء، فراجعها هناك تحت عنوان(الحضرمي: أكلَتَني السباع حيّاً إنْ فارقتك) مع الإشارة المرتبطة بهذا العنوان.

وقد ورد السلام عليه في زيارة الناحية المقدّسة:(السلام على بشر بن عمر الحضرمي، شكر الله لك قولك للحسين وقد أذِن لك في الانصراف: أكلتني إذاً السباع حيّاً إذا فارقتك، وأسأل عنك الركبان؟! وأخذُلك مع قلّة الأعوان؟! لا يكون هذا أبداً) (٢) .

٣٥) - عبد الله بن عروة بن حرّاق الغفاري (رض)

٣٦) - عبد الرحمان بن عروة بن حرّاق الغفاري (رض)

قال المحقّق السماوي (ره): (كان عبد الله وعبد الرحمان الغفاريان من أشراف الكوفة ومن شجعانهم وذوي الموالاة منهم، وكان جدّهما حرّاق من أصحاب أمير المؤمنينعليه‌السلام وممّن حارب معه في حروبه الثلاث.

وجاء عبد الله وعبد الرحمان إلى الحسينعليه‌السلام بالطفّ.

وقال أبو مخنف: لمّا رأى أصحاب الحسين أنّهم قد كُثروا، وأنّهم لا يقدرون على أن يمنعوا الحسين ولا أنفسهم، تنافسوا في أن يُقتلوا بين يديه، فجاءه عبد الله وعبد الرحمان ابنا عروة الغفاريّان فقالا: يا أبا عبد الله السلام عليك، حازنا العدوّ إليك فأحببنا أنْ نُقتل بين يديك، نمنعك وندفع عنك، فقال:(مرحباً بكما، اُدنوا منّي) .

____________________

(١) إبصار العين: ١٧٣.

(٢) البحار، ١٠١: ٢٧٢.


فدنوا منه، فجعلا يقاتلان قريباً منه، وإنّ أحدهما ليرتجز ويتمّ له الآخر، فيقولان:

قـد عَـلمتْ حـقّاً بنو غفار

وخَـندف بـعد بـني نِـزار

لـنضربنّ مـعشر الـفجّار

بـكلّ عـضْب صـارم بتّار

يا قوم ذُودوا عن بني الأطهار

بـالمشرفيّ والـقَنا الـخطّار

فلم يزالا يُقاتلان حتّى قُتلا.

وقال السرويّ: إنّ عبد الله قُتل في الحملة الأولى، وعبد الرحمان قُتل مبارزة، وقال غيره: إنّهما قُتلا مبارزة، وهو الظاهر من المراجعة)(١) .

وقد ورد السلام عليهما في زيارة الناحية المقدّسة:(السلام على عبد الله وعبد الرحمان ابنَي عروة بن حرّاق الغفاريين) (٢) .

٣٧) - عبد الله بن عمير الكلبي (رض)

قال المحقّق السماوي (ره): (هو عبد الله بن عمير بن عبّاس بن عبد قيس بن عُلَيْم بن جناب، الكلبي العُلَيمي، أبو وهب.

كان عبد الله بن عمير بطلاً شجاعاً شريفاً، نزل الكوفة واتّخذ عند بئر الجعد من همدان داراً، فنزلها ومعه زوجته أمُّ وهب بنت عبد من بني النمر بن قاسط.

قال أبو مخنف: فرأى القوم بالنُخيلة يُعرَضون ليسرّحوا إلى الحسينعليه‌السلام ، فسأل عنهم، فقيل له: يُسرّحون إلى الحسين بن فاطمة بنت رسول الله.

فقال: والله، لقد كنتُ على جهاد أهل الشر حريصاً، وإنّي لأرجو ألاّ يكون

____________________

(١) إبصار العين: ١٧٥ - ١٧٦.

(٢) البحار، ١٠١: ٢٧٣


جهاد هؤلاء الذين يغزون ابن بنت نبيّهم أيسر ثواباً عند الله من ثوابه إيّاي في جهاد المشركين.

فدخل إلى امرأته فأخبرها بما سمع، وأعلمها بما يُريد، فقالت له:أصبتَ أصاب الله بك أرشد أمورك، افعل وأخرجني معك.

قال: فخرج بها ليلاً حتّى أتى حُسيناً فأقام معه.

فلمّا دنا عمر بن سعد ورمى بسهم فارتمى الناس، خرج يسار مولى زياد، وسالم مولى عبيد الله، فقالا: مَن يبارز؟ ليخرج إلينا بعضكم.

فوثبَ حبيب وبُرير، فقال لهما الحسين:(اجلِسا ).

فقام عبد الله بن عمير فقال: أبا عبد الله، رحمك الله ائذن لي لأخرج إليهما، فرأى الحسين رجلاً آدم، طوالاً، شديد الساعدين، بعيد ما بين المنكبين.

فقال الحسين:(إنّي لأحسبه للأقران قتّالاً، اُخرجْ إنْ شئت).

فخرج إليهما، فقالا له: مَن أنت؟ فانتسب لهما فقالا: لا نعرفك، ليخرج إلينا زهيرٌ، أو حبيب، أو برير.

ويسارُ مُستنتل أمام سالم، فقال له عبد الله: يا بن الزانية، وبك رغبة عن مبارزة أحدٍ من الناس؟! أَوَ يخرج إليك أحدٌ من الناس إلاّ وهو خير منك!.

ثمَّ شدّ عليه فضربه بسيفه حتّى برد، فإنّه لمشتغل يضرب بسيفه إذ شدّ عليه سالم، فصاح به أصحابه: قد رهقك العبد، فلم يأبه له حتّى غشيه فبدره بضربة فاتّقاها عبد الله بيده اليسرى فأطار أصابع كفّه اليسرى، ثمَّ مالَ عليه فضربه حتّى قتله، وأقبلَ إلى الحسينعليه‌السلام يرتجز أمامه وقد قتلهما جميعاً فيقول:

إنْ تُنكروني فأنا ابن كلب

حسبي ببيتي في عُلَيْمٍ حسبي


إنّي امرؤٌ ذو مِرّة وعصبِ

ولستُ بالخوّار عند النكب

إنّي زعيمٌ لكِ أمَّ وهبِ

بالطعن فيهم مُقدماً والضرب

قال: فأخذت أمُّ وهب امرأته عموداً، ثمَّ أقبلت نحو زوجها تقول: فداك أبي وأمّي، قاتِل دون الطيبين ذريّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فأقبلَ إليها يردّها نحو النساء، فأخذت تجاذب ثوبه وتقول: إنّي لن أدعك دون أن أموت معك، (وإنّ يمينه سدكت على السيف، ويساره مقطوعة أصابعها فلا يستطيع ردّ امرأته)، فجاء إليها الحسينعليه‌السلام وقال:(جُزيتم من أهل بيتٍ خيراً، ارجعي رحمكِ الله إلى النساء فاجلسي معهنّ؛ فإنّه ليس على النساء قتال) ، فانصرفت إليهنّ.. وقاتلَ الكلبي وكان في الميسرة قتال ذي لبدٍ، وقتلَ من القوم رجالاً، فحمل عليه هاني بن ثُبيت الحضرمي، وبكير بن حيّ التيمي - من تيم الله بن ثعلبة - فقتلاه،... وانجلت الغبرة فخرجت امرأة الكلبي تمشي إلى زوجها حتّى جلست عند رأسه تمسح التراب عنه وتقول:هنيئاً لك الجنّة، أسأل الله الذي رزقك الجنّة أن يصحبني معك .

فقال شمر لغلامه رستم: اضرب رأسها بالعمود.

فضربَ رأسها فشدخهُ فماتت مكانها)(١) .

وقد ورد السلام عليه في زيارة الناحية المقدّسة:(السلام على عبد الله بن عمير الكلبي) (٢) .

٣٨) - سالم بن عمرو ومولى بني المدينة الكلبي (رض)

قال المحقّق السماوي (ره): (كان سالم مولى لبني المدينة، وهم بطن من

____________________

(١) إبصار العين: ١٧٩ - ١٨١، وانظر: وسيلة الدارين: ١٦٨ - ١٧٠، رقم ٩٨.

(٢) البحار، ١٠١: ٢٧٢.


كلب، كوفيّاً من الشيعة، خرج إلى الحسينعليه‌السلام أيّام الهادنة، فانضمّ إلى أصحابه.

قال في الحدائق: وما زال معه حتّى قُتل.

وقال السرويّ: قُتل في أوّل حملة مع مَن قُتل من أصحاب الحسينعليه‌السلام وله في القائميات ذكر وسلام)(١) .

نقل الزنجاني قائلاً: (وقال في الذخيرة ص٢٤٢: وقال أهل السيَر: كان سالم فارساً شجاعاً خرج مع مسلم بن عقيل أوّلاً، ولمّا تخاذل الناس عن مسلم قبض عليه كثير بن شهاب التميمي مع جماعة من الشيعة، فأراد تسليمه إلى عبيد الله بن زياد مع أصحابه الذين كانوا معه، فأفلتَ واختفى عند قومه، فلمّا سمعَ نزول الحسين بن علي إلى كربلاء خرج إليه أيّام المهادنة، فانضمّ إلى أصحابه الذين كانوا مع الحسين من الكلبيين...)(٢) .

وقد ورد السلام عليه في زيارة الناحية المقدّسة:(السلام على سالم مولى بني المدينة الكلبي) (٣) .

____________________

(١) إبصار العين: ١٨٢ - ١٨٣.

(٢) وسيلة الدارين: ١٤٥ - ١٤٦، رقم ٥٦.

(٣) البحار، ١٠١: ٢٧٣.


الفصل الثالث

كربلاء يوم العاشر من المحرّم سنة ٦١ هـ ق



الفصل الثالث

استطلاعٌ ميداني

أنصارُ الإمام الحسينعليه‌السلام

قبل الحديث حول أنصار الإمام الحسينعليه‌السلام في: عددهم، وأسمائهم، وأنسابهم وكلّ ما يتعلق بهم، لابدّ من الحديث - ولو على نحو الإشارة - في علوّ منزلتهم، وسموّ مقامهم، وخصوصية تلك المنزلة وذلك المقام.

وحيث يعجز البيان، وتقصر قدرة العارف البليغ عن بلوغ الغاية في وصف هذه النخبة المصطفاة التي اختارها الله تبارك وتعالى لتكون رمز الإنسانية (لنصرة الحقّ)، على مرّ الدهور وإلى قيام الساعة، كان لابدَّ من الرجوع في وصف هؤلاء الأنصار الكرام إلى سادة البيان ومعدن العلم والحكمة، أهل البيتعليهم‌السلام ، إذ هم خير وأقدر مَن يستطيع القيام بمهمّة تعريف البشرية بهذه الكوكبة الفذّة الفريدة من أنصار الحقّ، ولعلّ أوّل وأَولى وصف لهم بلغَ الغاية في تعريفهم هو: ما وصفهم به الإمام الحسينعليه‌السلام نفسه، حين جمعَ أصحابه عند قرب مساء ليلة عاشوراء ليلقي إليهم بإحدى كلماته الخالدة - يقول الإمام زين العابدين عليّ بن الحسينعليه‌السلام في نقله تفاصيل هذه الواقعة -:

(فدنوتُ لأسمع ما يقول لهم، وأنا إذْ ذاك مريض، فسمعتُ أبي يقول لأصحابه:

أُثني على الله أحسن الثناء، وأحمدهُ على السرّاء والضرّاء، اَللهمّ إنّي أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوّة، وعلّمتنا القرآن، وفقّهتنا في الدين، وجعلتَ لنا


أسماعاً وأبصاراً وأفئدة، فاجعلنا من الشاكرين .

أمّا بعدُ، إنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيت أبرَّ ولا أوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله عنّي خيراً...) (١) .

وهذا القول على إطلاقه(لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيت أبرَّ ولا أوصل من أهل بيتي) صادر عن الإمام المعصوم الذي وهبه الله علم ما كان وما يكون إلى قيام الساعة(٢) ، فمفاد هذا النصّ الشريف إذاً هو: أنّ أنصار الإمام الحسينعليه‌السلام من أهل بيته وصحبه الكرام، على مرتبة من الشرف والسموّ ورفعة المقام بحيث لم يسبقهم إليها سابق، ولا يلحق بهم لاحق.

ويؤكّد هذا المفاد ما ورد عن الإمام الباقرعليه‌السلام فيما رواه عن أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام ، حيث قال:

(خرج عليّ يسير بالنّاس، حتّى إذا كان بكربلاء على ميلَين أو ميل تقدّم بين أيديهم حتّى طاف بمكان يُقال لها المقذفان، فقال: قُتل فيه مئتا نبيّ ومئتا سبط كلّهم شهداء، ومناخ رِكاب ومصارع عشّاق شهداء، لا يسبقهم مَن

____________________

(١) راجع: الإرشاد، ٢: ٩١، وتاريخ الطبري، ٣: ٣١٥، والكامل في التاريخ، ٤: ٥٧.

(٢) روى الكليني (ره) في حديث صحيح: عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن ضريس الكناسي قال: سمعت أبا جعفرعليه‌السلام يقول - وعنده أُناس من أصحابه -:(عجبتُ من قوم يتولّونا ويجعلونا أئمّة، ويصفون أنّ طاعتنا مفترضة عليهم كطاعة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثمَّ يكسرون حجّتهم ويخصمون أنفسهم بضعف قلوبهم، فينقصونا حقّنا، ويُعيبون ذلك على مَن أعطاه الله برهان حقّ معرفتنا والتسليم لأمرنا، أترونَ أنّ الله تبارك وتعالى افترض طاعة أوليائه على عباده، ثمَّ يُخفي عنهم أخبار السماوات والأرض، ويقطع عنهم موادّ العلم فيما يرد عليهم ممّا فيه قوام دينهم؟...) (الكافي: ١: ٢٦١ - ٢٦٢ حديث رقم ٤ / دار الأضواء - بيروت).


كان قبلهم، ولا يلحقهم مَن بعدهم) (١) .

فشهداء الطفّ إذاً أعلى مقاماً وأشرف رتبة حتّى من شهداء بدر(٢) .

____________________

(١) بحار الأنوار، ٤١: ٢٩٥، باب ١١٤، حديث رقم ١٨.

(٢) وإن كانت بعض الروايات قد ألحقت شهداء بدر بشهداء كربلاء في رتبتهم، كما روى الطبراني بسنده المتّصل إلى شيبان بن مخرم - وكان عثمانيّاً - حيث قال: إنّي لمعَ عليّ (رض) إذ أتى كربلاء فقال: (يُقتل في هذا الموضع شهداء ليس مثلهم شهداء إلاّ شهداء بدر) (المعجم الكبير، ٣: ١١١ رقم ٢٨٢٦).

ويُتحفّظ على هذه الرواية من جهتين - على الأقلّ - الأولى: أنّه يُستبعد من رجل عثمانيّ الميل والهوى مثل شيبان بن مخرم - بما لهذا المصطلح السياسي من دلالة فكرية وعملية آنذاك - أن يشترك مع عليّعليه‌السلام في صِفّين ضدّ معاوية.

والثانية: أنّ في سند هذه الرواية (كما في المصدر): أبو عوانة يرويها عن عطاء بن السائب، وقال عبّاس الدوري في عطاء (وعباس الدوري: هو أبو الفضل عبّاس بن محمّد بن حاتم بن واقد الدوري ثمّ البغدادي، وصفهُ الذهبي بقوله: الإمام الحافظ الثقة الناقد.. أحد الإثبات المصنّفين / راجع: سير أعلام النبلاء: ١٢: ٥٢٢ رقم ١٩٩): عطاء بن السائب اختلط فمَن سمعَ منه قديماً، فهو صحيح، وما سمعَ منه جرير وذووه ليس من صحيح حديث عطاء، وقد سمع أبو عوانة من عطاء في الصحّة وفي الاختلاط جميعاً ولا يحتجّ حديثه).

(وقال عنه ابن عدي: وعطاء اختلط في آخر عمره.. ومَن سمع منه بعد الاختلاط فأحاديثه فيها بعض النُكرة).

(وقال العجلي عنه: فأمّا مَن سمع منه بآخره فهو مضطرب الحديث.. عطاء بآخره كان يتلقّن إذا لقّنوه في الحديث؛ لأنّه كان غير صالح الكتاب.

(وقال أبو حاتم: كان محلّه الصدق قبل أن يختلط، صالح مستقيم، ثمّ بآخرة تغيّر حفظه، وفي حديثه تخاليط كثيرة).

(راجع: تهذيب الكمال، ٢٠: ٨٦ رقم ٣٩٣٤، وسير أعلام النبلاء، ٦: ١١٠ رقم ٣٠، والجرح والتعديل، ٦: ٣٣٠ رقم ١٨٣٩).


ولسمّو منزلتهم كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قد حفر لهم قبورهم، فقد ورد في الحديث الشريف الذي رواه شيخ الطائفة بسنده عن غياث بن إبراهيم، عن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال:

(أصبَحَت يوماً أمّ سلمة تبكي، فقيل لها: ممّ بكاؤك؟ قالت: لقد قُتل ابني الحسين الليلة (١) ،وذلك أنّني ما رأيتُ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله منذ مضى إلاّ الليلة، فرأيته شاحباً كئيباً، فقالت: قلت: ما لي أراك يا رسول الله شاحباً كئيباً؟ قال: ما زلتُ الليلة أحفر القبور للحسين وأصحابه عليه‌السلام ) (٢) .

ومن خصائص شهداء الطفّعليهم‌السلام : أنّهم كُشف لهم الغطاء فرأوا جزاء ثباتهم وشجاعتهم وإصرارهم على التضحية مع ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، حيث رأوا منازلهم في الجنّة - وذلك بعد سلسلة الامتحانات التي امتحنهم الإمامعليه‌السلام بها - فكانوا أهلاً لهذا الكشف المبين وأحقَّ به، فقد روي عن جعفر بن محمد بن عمارة، عن أبيه، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال: قلت له: أخبِرني عن أصحاب الحسينعليه‌السلام وإقدامهم على الموت، فقالعليه‌السلام :

(إنّهم كُشف لهم الغطاء حتّى رأوا منازلهم من الجنّة، فكان الرجل منهم يقدِم على القتل ليبادر إلى حوراء يعانقها وإلى مكانه من الجنّة) (٣) .

____________________

(١) لعلّ مرادها (رض) من قولها: (لقد قُتل ابني الحسين الليلة): هو أنّها عَلمت بمقتلهعليه‌السلام ليلة الرؤيا، وإلاّ فإنَّ الثابت المشهور هو أنّه قُتل يوم العاشر من المحرّم سنة ٦١ هـ. ق بعد الظهر.

(٢) أمالي الطوسي: ٩٠ المجلس الثالث، حديث رقم ٤٩، وأمالي المفيد: ٣١٩ المجلس الثامن والثلاثون، حديث رقم ٦.

(٣) علل الشرايع: ١: ٢٢٩ باب ١٦٣ حديث رقم ١، أمّا الرواية التي رواها الشيخ الصدوق (ره) في كتابه (معاني الأخبار)، في الصفحة ٢٨٨ تحت رقم ٢ في باب (معنى الموت): عن محمّد بن القاسم المفسّر الجرجاني، عن أحمد بن الحسن الحسيني، عن الحسن بن عليّ الناصر، عن أبيه، =


____________________

= عن محمّد بن عليّعليه‌السلام عن أبيه الرضاعليه‌السلام ، عن أبيه موسى بن جعفرعليه‌السلام ، عن أبيه جعفر بن محمّدعليه‌السلام ، عن أبيه محمد بن عليّعليه‌السلام ، عن أبيه علي بن الحسينعليه‌السلام قال:(لمّا اشتدّ الأمر بالحسين بن علي بن أبي طالب عليهما‌السلام نظر إليه مَن كان معه، فإذا هو بخلافهم؛ لأنّهم كلّما اشتدّ الأمر تغيّرت ألوانهم وارتعدت فرائصهم ووجبت قلوبهم، وكان الحسين عليه‌السلام وبعض مَن معه من خصائصهم: تشرق ألوانهم، وتهدأ جوارحهم، وتسكن نفوسهم.

فقال بعضهم لبعض: اُنظروا لا يبالي بالموت، فقال لهم الحسين عليه‌السلام : صبراً بني الكرام، فما الموت إلاّ قنطرة تعبر بكم عن البؤس والضرّاء إلى الجنان الواسعة والنعيم الدائمة، فأيّكم يكره أن ينتقل من سجن إلى قصر؟! وما هو لأعدائكم إلاّ كمَن ينتقل من قصر إلى سجن وعذاب، إنّ أبي حدّثني عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أنَّ الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر، والموت جسر هؤلاء إلى جنّاتهم، وجسر هؤلاء إلى جحيمهم، ما كَذبتُ ولا كُذبت) .

فهذه الرواية فضلاً عن احتمال ضعفها - (بمحمّد بن القاسم المفسّر الأسترابادي الجرجاني الذي اختلف فيه الرجاليّون، وقد ضعّفه ابن الغضائري، وكذلك العلاّمة، وقال فيه السيّد الخوئي: مجهول الحال، راجع: معجم رجال الحديث: ١٧: ١٥٥: رقم ١١٥٨٦) - فإنّ اضطراب متنها يوحي ابتداءً أنّ بعض أنصار الحسينعليه‌السلام ، كانوا كلّما اشتد الأمر تغيّرت ألوانهم، وارتعدت فرائصهم، ووجبت قلوبهم! وهذا أمر صريح المخالفة لِما أطبقت عليه الروايات الكثيرة وأجمع عليه المؤرّخون، في أنَّ جميع أنصارهعليه‌السلام بلغوا حدّ الإعجاز فرداً فرداً في الثبات والشجاعة والإقدام والشوق إلى لقاء الله ورسوله، والعارف بالسيرة الخاصة لكلّ واحدٍ من هؤلاء الأنصار الأفذاذ، يقطع بعدم صحّة ما يوحي به ظاهر متن هذه الرواية من إساءة لبعض أنصار الحسينعليه‌السلام .

والرواية - على فرض صحّتها - لابدّ من تأويل عباراتها الغامضة مثل:(نظر إليه مَن كان معه)، و(فقال بعضهم لبعض: انظروا لا يبالي بالموت) ، بأنّ هؤلاء كانوا بعض مَن كان في جملة الركب الحسينيّ من خدم وموالٍ، ممّن لم يكن من عزمهم الاشتراك في هذه الحرب؛ ذلك لأنّ الركب الحسيني لم يقتصر من حيث الرجال على أنصار الإمام، بل كان فيه غيرهم أيضاً من الخدم والموالي - أو بعض الأُجرَاء كما توحي به بعض الروايات - ولا يبعد أن يكون في هؤلاء مَن


ولقد أُشير إلى ذلك في زيارة الناحية المقدّسة:(أشهدُ لقد كشفَ الله لكم الغطاء، ومهّد لكم الوطاء، وأجزلَ لكم العطاء..) (١) .

وقد اعترفَ الأعداء أنفسهم بشجاعة وعجيب ثبات أنصار الإمامعليه‌السلام ، فهذا عمرو بن الحجّاج الزبيدي لعنه الله، وهو من قادة الجيش الأمويّ في كربلاء يوم عاشوراء، يخاطب جيش الضلالة قائلاً: (يا حمقى، أتدرون مَن تقاتلون؟ إنّما تقاتلون نقاوة فرسان أهل المصر، وقوماً مستقتلين مستميتين، فلا يبرزنّ لهم منكم أحد...)(٢) .

ويستغيث عروة (عزرة) بن قيس وهو قائد خيل جيش الضلال بأميره عمر بن سعد قائلاً: (أمَا ترى ما تلقى خيلي منذ اليوم من هذه العدّة اليسيرة...)(٣) .

(وقيل لرجل شهد يوم الطفّ مع عمر بن سعد: ويحكَ، أقتلتم ذرّية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟! فقال: عضضتُ بالجندل!(٤) أنّك لو شهدتَ ما شهدنا لفعلتَ ما فعلنا، ثارت علينا عصابة أيديها في مقابض سيوفها، كالأسود الضارية، تُحطم الفرسان يميناً وشمالاً، وتُلقي أنفسها على الموت، لا تقبل الأمان، ولا ترغب في المال،

____________________

= يرهب الحرب إلى هذه الدرجة، ولا يتنافى هذا مع كون خطاب الإمامعليه‌السلام :(صبراً بني الكرام، فما الموت إلاّ قنطرة...) موجّهاً إلى الأنصارعليه‌السلام أنفسهم؛ ذلك لأنّ تشجيع الشجاع وحثّ التقيّ على التقوى لا ينافي تحقق الشجاعة في الشجاع والتقوى في التقي.

(١) البحار: ٤٥: ٧٣.

(٢) أنساب الأشراف: ٣: ٤٠٠ / دار الفكر - بيروت، وراجع، الإرشاد: ٢: ١٠٣، وفي نقل الشيخ القرشي عن أناب الأشراف المخطوط: (فلا يبرزنّ لهم منكم أحدٌ إلاّ قتلوه...). (راجع: حياة الإمام الحسين بن عليعليه‌السلام : ٣: ٢١٠).

(٣) الإرشاد: ٢: ١٠٤.

(٤) الجندل: الحجر الشديد القويّ.


ولا يحول حائل بينها وبين الورود على حياض المنيّة أو الاستيلاء على المِلك، لو كففنا عنها رويداً لأتت على نفوس العسكر بحذافيرها، فما كنّا فاعلين لا أُمَّ لك؟!)(١) .

عددُ أصحاب الإمام الحسينعليه‌السلام يوم الطف

في البدء لابدّ أن نُذكّر بالفرق بين قولنا: أنصار الإمام الحسينعليه‌السلام عامّة، وبين قولنا: أنصار الإمام الحسينعليه‌السلام يوم عاشوراء، وكذلك بين قولنا: (شهداء النهضة الحسينية) وبين قولنا: (شهداء الطفّ)؛ ذلك لأنّ أنصار الإمام الحسينعليه‌السلام عامّة، أوسع مراداً من أنصاره يوم عاشوراء، إذ في عامّة أنصاره مَن قُتل في البصرة أو في الكوفة، أو سُجن في محابس ابن زياد لعنه الله وأباه، وفيهم مَن لم يُدرك نصرة الإمامعليه‌السلام كالطرماح مثلاً.

وكذلك فإنّ (شهداء النهضة الحسينية) أوسع مراداً أيضاً من (شهداء الطفّ)؛ لأنّ في العنوان الأوّل مَن استُشهد في البصرة: كسليمان بن رزين (رض) رسول الإمامعليه‌السلام إلى أشرافها، ومنهم مَن استشهد في الكوفة: كمسلم بن عقيلعليه‌السلام ، وعبد الله بن يقطر (رض)، وقيس بن مسهّر الصيداوي (رض)، وهاني بن عروة (رض)، وغيرهم.

كذلك يحسن التذكير هنا أيضاً: بأنّ (أنصار الإمامعليه‌السلام يوم الطفّ) أوسع مراداً من (شهداء الطفّ)؛ ذلك لأنّ بعضاً من أنصارهعليه‌السلام الذين جاهدوا بين يديه يوم عاشوراء لم يستشهدوا يوم الطفّ: كالحسن المثنى (رض) وغيره.

____________________

(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ٣: ٣٠٧ / دار إحياء التراث العربي - بيروت.


أمّا عدد أنصار الإمام عليه‌السلام يوم الطفّ، فقد اختلف فيه المؤرّخون اختلافاً شديداً، ووقعَ في حساب هذا العدد المبارك خلط بين عدد الأنصار وعدد القتلى منهم؛ ذلك لأنّ بعضاً من المؤرّخين استنتج عدد الأنصار من مجموع عدد الرؤوس الشريفة التي حملتها القبائل إلى ابن زياد مثلاً.

وهنا نعرض بعض هذه الأرقام المتفاوتة مشيرين إلى مصادرها في الحاشية: (٧٠) شخصاً(١) ، (٧٢) شخصاً(٢) ، (٨٢) شخصاً (٣) ، (٨٧) شخصاً(٤) ، (١٠٠) شخص(٥) ، (١٤٥) شخصاً(٦) ، (٥٠٠) فارس و(١٠٠) راجل(٧) ، وورد في بعض المصادر أنّ عددهم كان (٦٠)(٨) ، أو (٦١)(٩) ، غير أنّ أشهر عدد لأنصار الإمامعليه‌السلام يوم الطف هو: اثنان وسبعون.

الهاشميون من أنصار الإمام الحسينعليه‌السلام في كربلاء

اختلفت المصادر التاريخية اختلافاً شديداً في عدد رجال(١٠) بني هاشم الذين

____________________

(١) راجع: مختصر تاريخ دول الإسلام للذهبي: ١: ٣١، وتاريخ الخميس: ٢: ٢٢٧.

(٢) راجع: الإرشاد: ٢: ٩٥، والأخبار الطوال: ٢٥٦، وتاريخ ابن الوردي: ١: ١٦٤، والمنتظم: ٥: ٣٣٨.

(٣) راجع: مناقب آل أبي طالب: ٤: ٩٨، ونور الأبصار: ٢٥٩، ومرآة الجنان: ١: ١٣٣.

(٤) راجع: تاريخ مختصر الدول لابن العنبري: ١١٠.

(٥) راجع: حياة الإمام الحسين بن عليعليه‌السلام : ٣: ١٢٦ عن تهذيب التهذيب (مخطوط): ١: ١٥٦.

(٦) راجع: تذكرة الخواص: ١٤٥، ومثير الأحزان: ٥٤، واللهوف: ٤٣.

(٧) راجع: مروج الذهب: ٣: ٧٠ / دار المعرفة - بيروت.

(٨) راجع: حياة الحيوان للدميري، ١: ٧٣.

(٩) راجع: إثبات الوصيّة: ١٤١.

(١٠) لا يخفى أنّ من بني هاشم مَن قد حضر كربلاء مع الإمامعليه‌السلام وهو في عمر الطفولة: كالإمام =


حضروا كربلاء مع الإمام الحسينعليه‌السلام ، والظاهر أنّ منشأ هذا الاختلاف هو: اختلاف هذه المصادر في عدد مَن قُتل مِن بني هاشم مع الإمام الحسينعليه‌السلام في كربلاء.

بل لقد اختلفت هذه المصادر في عدد الناجين منهم من القتل وفي أسماء بعضهم(١) .

ولذا فمن الصعب الوصول بدقّة تامّة وعلى نحو اليقين إلى عدد مَن حضر من بني هاشم في كربلاء مع الإمام الحسينعليه‌السلام ، لكنّ إضافة عدد الناجين منهم إلى عدد مَن قُتل منهم - عدا الإمامعليه‌السلام - يوصلنا إلى عدد تقريبيّ ظنّيّ لهؤلاء الأنصار

____________________

= محمّد بن عليّ الباقرعليهما‌السلام ، وعبد الله بن الحسينعليهما‌السلام (الرضيع)، وغيرهما، ولذا تحرّزنا بكلمة (رجال) في حساب عدد الأنصار من بني هاشم.

(١) روى الفضيل بن الزبير الكوفي الأسدي (وهو من أصحاب الإمامين الباقر والصادقعليهما‌السلام )، في كتابه (تسمية مَن قُتل مع الحسينعليه‌السلام ) أنّ الناجين كانوا ثلاثة وهم: الإمام زين العابدينعليه‌السلام ، والحسن المثنّىعليه‌السلام ، ومحمّد بن عمرو بن الحسنعليه‌السلام وكان غلاماً مراهقاً. (راجع: كتاب تسمية مَن قُتل مع الحسينعليه‌السلام ، المطبوع في مجلّة تراثنا، العدد الثاني، السنة الأولى - خريف سنة ١٤٠٦ هـ. ق / مؤسسة آل البيتعليهم‌السلام - قم).

وروى ابن سعد في طبقاته: أنّه لم يفلت من أهل بيت الحسين بن عليّ الذين معه إلاّ خمسة نفر: علي بن حسين الأصغر، وهو أبو بقيّة ولد الحسين بن على اليوم، وكان مريضاً فكان مع النساء، وحسن بن حسن بن علي، وله بقية، وعمرو بن حسن بن عليّ، ولا بقيّة له، والقاسم بن عبد الله بن جعفر، ومحمّد بن عقيل الأصغر..) (راجع: ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام ومقتله من القسم غير المطبوع من كتاب الطبقات الكبير لابن سعد، تحقيق السيد عبد العزيز الطباطبائي / مؤسسة آل البيتعليهم‌السلام / ص٧٧ - ٧٨ - وراجع: سير أعلام النبلاء للذهبي ٣: ٣٠٣ نقلاً عن طبقا ابن سعد / مؤسسة الرسالة).

وذكر ذلك أيضاً الشيخ باقر شريف القرشي، لكنّه ذكر (عمر بن الحسن) بدل (عمرو بن الحسن)، وأضافَ إليهم سادساً وهو (زيد بن الحسن)، ونسبَ ذلك إلى مقاتل الطالبيين ص١١٩. (راجع: حياة الإمام الحسين بن عليعليهم‌السلام ٣: ٣١٣ - ٣١٤).


الهاشميينعليهم‌السلام ، يختلف باختلاف عدد الناجين الذي يكون الحساب على أساسه، ويتفاوت أيضاً بتفاوت عدد القتلى المعتمد والمضاف إليه.

إنّ أقلّ عدد لشهداء الطفّ من الأنصار الهاشميين ذكرته المصادر التاريخية هو:أحد عشر (١) ، اللّهمّ إلاّ ما ذكرهُ ابن أبي حاتم في كتابه(السيرة النبوية) أنّ شهداء بني هاشم كانوا تسعة أشخاص(٢) .

وإنّ أشهر عدد لِمن قُتل منهم هو سبعة عشر(٣) ، وإنّ أكبر الأعداد المذكورة

____________________

(١) راجع: تاريخ الإسلام للذهبي، حوادث سنة ٦١، ص٢١، ومرآة الزمان لليافعي، ١: ١٣١.

(٢) السيرة النبوية: ٥٥٨.

(٣) بل لعلّه الأصحّ، فقد وردت في ذلك روايات عن أهل البيتعليهم‌السلام ، منها ما ورد عن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال:(... ذاك دم يَطلب الله به ما أُصيب من وِلد فاطمة، ولا يصابون بمثل الحسين، ولقد قُتل في سبعة عشر من أهل بيته، نصحوا لله وصبروا في جنب الله فجزاهم الله أحسن جزاء الصابرين..) (بشارة المصطفى: ٤٢٦، رقم ٢).

وراجع بصدد العدد سبعة عشر: الإرشاد: ٢٧٩، المطبعة الحيدرية - النجف، والدرّ النظيم: ٣٧٨، والإصابة، ١: ١٧، وتاريخ العلماء ووفياتهم ١: ١٧٢، وتاريخ خليفة: ١٤٦، ومرآة الزمان، ٣: ١١٣، والبداية والنهاية ٨: ١٩١، والمعجم الكبير للطبراني ٣: ١٠٤ رقم ٢٨٠٥، وخطط المقريزي ٢: ٢٨٦ / طبعة دار إحياء العلوم - مصر، وبشارة المصطفى: ٤٢٦، وتهذيب التهذيب ٢: ٣٢٣ / طبعة دار الفكر - بيروت / ١٤١٥ هـ. ق، وانظر: إبصار العين: ٤٩ - ٧٧ و٨٩ - ٩٢ فقد ترجم السماوي (ره) في مجموع هذه الصفحات لسبعة عشر شهيداً من بني هاشم من الأنصار في كربلاء، وانظر: في متن زيارة الناحية المقدّسة فقد ورد فيها السلام على سبعة عشر شهيداً منهمعليهم‌السلام (البحار: ٤٥: ٦٥ - ٦٩).

وهنا ملاحظتان مهمّتان:

١ - أدخَلَت بعض كتب التاريخ وكتب التراجم في جملة أنصارهعليه‌السلام حتّى مَن قُتل من الأطفال: كعبد الله بن الحسين (الرضيع)عليه‌السلام ، ومَن كان غلاماً - لم يُعرف هل بلغ سنَّ التكليف أم لا؟ - =


لهمعليهم‌السلام هو: سبعة وعشرون شهيداً(١) ، وبين الأقلّ والأكثر كانت بعض المصادر قد ذكرت أعداداً أخرى متفاوتة(٢) .

____________________

= كمحمّد بن أبي سعيد بن عقيلعليه‌السلام ، (مثلاً: راجع: إبصار العين: ٥٤، ٩١)، وكذلك الأمر في بعض الناجين مثل: عمر (عمرو) بن الحسنعليه‌السلام ، يقول القرشي: (ونجا من القتل عمر بن الحسن ولم نعلم أنّه اشترك في الحرب أم كان صغيراً؟) (حياة الإمام الحسين: ٣: ٣١٤).

وهذا الأمر يزيد في صعوبة معرفة أنصارهعليه‌السلام في كربلاء على وجه اليقين والدقّة؛ ذلك لأنّ الغلمان والأطفال ليسوا من القوّة الحربية (الأنصار الرجال) في الحسابات العسكرية، فتأمّل.

٢ - ورد في المعجم الكبير للطبراني، وخطط المقريزي، وتهذيب التهذيب عن محمّد بن الحنفيّة (رض): (لقد قُتل معه - أي مع الحسينعليه‌السلام - سبعة عشر ممّن ارتكضوا في رحم - أو بطن - فاطمة)، وينبغي هنا أن ننبّه إلى أنّ هذا المعنى وهذا العدد لا يستقيم صحيحاً إلاّ إذا كان المراد بفاطمة هنا هي فاطمة بنت أسدعليها‌السلام ، أمّ أمير المؤمنين عليّ، وجعفر، وعقيلعليهما‌السلام ، وإلاّ فإنّ الشهداء في الطفّ من نسل فاطمة الزهراءعليها‌السلام هم خمسة عدا الإمام الحسينعليه‌السلام ، فتأمّل.

(١) راجع: مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب، ٤: ١١٢ وذخائر العقبى: ١٤٦ ومقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي، ٢: ٥٣ - وهناك عدد أكبر من هذا وهو ثلاثون، نُسب إلى الإمام الصادقعليه‌السلام في حديث له مع عبد الله بن سنان، أمرهُ فيه بالإمساك في يوم عاشوراء، وبالإفطار بعد صلاة العصر، وقال له:

(فإنّه في ذلك الوقت - أي العصر -تجلّت الهيجاء عن آل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وانكشفت الملحمة عنهم، وفي الأرض منهم ثلاثون صريعاً مع مواليهم، يعزّ على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله مصرعهم، ولو كان في الدنيا حيّاً لكان هو المعزّى بهم) . (راجع: سفينة البحار، ٢: ١٩٦ وأعيان الشيعة، ٤: ١٣٤).

ولعلّ مرادهعليه‌السلام أنّهم مع مواليهم كانوا ثلاثين شهيداً، فإذا علمنا أنَّ مواليهم الذين كانوا معهم في كربلاء ستّة هم: أسلم بن عمرو، وقارب بن عبد الله، ومنجح بن سهم، وسعد بن الحرث، ونصر بن أبي نيزر، والحرث بن نبهان، فإنّ عدد بني هاشم منهم يبقى ستّة وعشرين، والله العالم.

(٢) فقد ذكر بعضها أنّ عددهم ستة عشر (راجع: المجدي في أنساب الطالبيين: ١٥، وتاريخ خليفة: ١٤٦، والبداية والنهاية: ٨: ١٩١، والمحن ١٣٤، والإصابة: ١: ٣٣٤، وجواهر المطالب، ٢: ٢٧٣، =


فإذا أخذنا عدد الناجين منهم من القتل - في ضوء رواية ابن سعد في الطبقات - وهو خمسة، فإنّ أقلّ عدد لأنصار الإمامعليه‌السلام من بني هاشم في كربلاء يكون ستّة عشر، ويكون أكبر عدد لهم اثنين وثلاثين، هذا على وجه التقريب، ويكون أقوى وأشهر عدد لهم اثنين وعشرين.

عددُ الصحابة في جيش الإمام الحسينعليه‌السلام يوم الطف

لقد كان في جيش الإمامعليه‌السلام - عدا الإمام الحسينعليه‌السلام - جملة من صحابة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، سواء ممّن صحبهُ وروى عنه، أو ممّن أدركه ورآه(١) .

____________________

= وتاريخ الإسلام للذهبي، حوادث سنة ٦١ هـ ص٥، وتاريخ مدينة دمشق ١٤: ٢٢٤، وانظر: تاريخ الخلفاء: ٢٠٧)، وعدّ المسعودي منهم في (مروج الذهب، ٣: ٧١) اثني عشر شهيداً.

وذكر سبط بن الجوزي في (تذكرة الخواص: ٢٣٠) أنّ عددهم تسعة عشر كلّهم من نسل فاطمة، أي فاطمة بنت أسدعليها‌السلام كما بيّنا قبل ذلك، وذكرت مصادر أخرى أنّ عددهم واحد وعشرون رجلاً (راجع: كفاية الطالب: ٢٩٨، وانظر درر السمطين: ٢١٨، وتاريخ العلماء ووفياتهم: ١: ١٧٢)، وقال أبو الفرج الإصبهاني: (فجميع مَن قُتل يوم الطفّ من ولد أبي طالب سوى مَن يُختلف في أمره اثنان وعشرون رجلاً) (مقاتل الطالبيين: ٩٨)، وهناك أيضاً أعداد أخرى بين ذلك ذكرتها بعض المصادر الأخرى (راجع: حياة الإمام الحسين بن عليعليهما‌السلام ٣: ٣١٠ - ٣١١).

(١) يخلُص العلاّمة الرجاليّ المعروف المرحوم عبد الله المامقاني بعد عرضه ومناقشته لسبعة تعاريف قائلاً: (ومن هنا حَدّه جمع من المحقّقين منهم الشهيد الثاني (ره) في البداية بحدّ ثامن وهو (أي الصحابي): أنّه مَن لقي النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله مؤمناً به ومات على الإيمان والإسلام، وإن تخللّت ردّته بين كونه مؤمناً وبين موته مسلماً على الأظهر، مريدين باللقاء ما هو أعمّ من المجالسة والمماشاة ووصول أحدهما إلى الآخر، وإن لم يكالمه وإن لم يره بعينه...)، وله تفصيلات موضّحة لمفردات هذا التعريف، وللمحقّق الشيخ محمد رضا المامقاني إشارات نافعة جدّاً في حاشيته، =


وفي هذه الجملة من أصحابه مَن لم يُناقش مؤرّخ أو رجاليٌّ في صحبته (فهو متّفق عليه)، وفيهم مَن نوقشَ في أنّه كان صحابياً أم لا، وفيهم مَن شُكّ في كونه هو ذلك الصحابيّ المقصود؛ لتشابه الاسم بينه وبين آخر معروف بالصحبة، وعند عرضنا لأسمائهم المباركة سنشير إلى المختلف فيهم وإلى سبب الاختلاف، وهذه المجموعة المباركة من الصحابة الكرام والأنصار العظام هي:

١ - أنس بن الحارث الكاهلي الأسدي (رض): وهو ممّن روى عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حديثه:(إنّ ابني هذا - يعني الحسين -يُقتل بأرض يُقال لها كربلاء، فمَن شهد ذلك منكم فلينصره) (١) .

٢ - عبد الرحمان بن عبد ربّ الأنصاري الخزرجي (رض): وهو ممّن شهدَ حينما استَشهد الإمام عليّعليه‌السلام الناس في الرحبة أنّه سمعَ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول:

(ألا إنّ الله عزّ وجلّ ولييّ، وأنا وليُّ المؤمنين، ألا فمَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه، اللّهمّ والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه، وأحِبّ مَن أحبّه، وأبغِض مَن أبغضه، وأَعِنْ مَن أعانه) (٢) .

٣ - حبيب بن مظاهر (مظهّر) الأسدي (رض): كان صحابياً رأى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله (٣) .

٤ - عبد الله بن يقطر الحميري (رض): كان صحابياً؛ لأنّه كان لِدَة الحسينعليه‌السلام

____________________

= فراجع: (مقباس الهداية في علم الدراية: ٣: ٢٩٦ - ٣٠٤ / مؤسسة آل البيتعليهم‌السلام لإحياء التراث).

(١) راجع: تاريخ ابن عساكر، ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام ، تحقيق المحمودي: ٣٤٧ رقم ٢٨٣ / نشر مجمع إحياء الثقافة الإسلامية.

(٢) راجع: إبصار العين: ١٥٧ - ١٥٨، وذكره الجزري في أُسد الغابة ٣: ٣٠٧.

(٣) راجع: إبصار العين: ١٠٠، وذكره ابن الكلبي في جمهرة النسب: ١: ٢٤١.


(في مثل عُمره)، وكان ابن حاضنة الحسينعليه‌السلام ، فهو قد أدرك النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ورآه(١) .

٥ - مسلم بن عوسجة الأسدي (رض): كان صحابياً رأى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله (٢) .

٦ - كنانة بن عتيق التغلبي (رض): شهد موقعة أُحدٍ مع أبيه عتيق، وكان فارس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (٣) .

٧ - عمّار بن أبي سلامة الدالاني الهمداني (رض): كان صحابياً له رؤية، أي أنّه (رض) قد أدرك النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ورآه(٤) .

٨ - الحرث بن نبهان (رض) مولى حمزة عليه‌السلام: كان والده نبهان (ره) عبداً لحمزة بن عبد المطلب، وقد مات والده بعد شهادة حمزة بسنتين، وهذا يعني أنّ الحرث قد أدرك زمان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وبما أنّ الحرث قد ترعرع ونشأ في كنف أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام ، فلابدّ أن يكون قد رأى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عن قرب مراراً كثيرة(٥) .

وهناك اثنان من الأنصار (رض) ذُكر أنّهما أدركا زمن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولم يُعلم أنّهما هل لقياه فرأياه أم لا؟ وهما:

____________________

(١) راجع: إبصار العين: ٩٣، وذكره ابن حجر في الإصابة، ٤: ٥٩ وفيه عبد الله بن يقظة، والظاهر أنّه تصحيف في طبعات الإصابة الجديدة.

(٢) راجع: إبصار العين: ١٠٨، وذكره الجزري في أُسد الغابة ٤: ٢٦٤ باسم مسلم أبو عوسجة، وابن حجر في الإصابة ٦: ٩٦ رقم ٧٩٧٨.

(٣) راجع: وسيلة الدارين: ١٨٤ - ١٨٥ رقم ١٣٢، وإبصار العين: ١٩٩.

(٤) قال ابن حجر في الإصابة: ٣: ١١٢ رقم ٦٤٦٣: (عمّار بن أبي سلامة بن عبد الله بن عمران بن رأس بن دالان، الهمداني ثمّ الدالاني - له إدراك، وكان قد شهد مع عليّ مشاهده، وقُتل مع الحسين بن عليّ بالطفّ، ذكره ابن الكلبي).

(٥) راجع: تنقيح المقال: ١: ٢٤٨، وإبصار العين: ٩٨، ووسيلة الدارين: ١١٧ رقم ٢٧.


١ - زياد بن عريب الهمداني الصائدي (رض): وهو أبو عمرة، كان أبوه عريب صحابياً ذكره جملة من أهل الطبقات، وأبو عمرة ولدهُ هذا له إدراك(١) .

٢ - عمرو بن ضبعة الضبعي التميمي (رض): نقل الزنجاني قائلاً: (وقال العسقلاني في الإصابة: هو عمرو بن ضبعة بن قيس بن ثعلبة الضبعي التميمي، له ذكر في المغازي والحروب، وكان فارساً شجاعاً له إدراك)(٢) .

أمّا مَن وقع الاختلاف في صحبتهم من الأنصار (رض)، فهم:

١ - أسلم (مسلم) بن كثير الأعرج الأزدي (رض): فقد ذكر المحقّق السماوي (ره) أنّه كان تابعياً(٣) ، لكنّ النمازي في المستدركات ذكر أنّ له صحبة(٤) ، وذكر الزنجاني نقلاً عن العسقلاني في الإصابة أنّه أدرك النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله (٥) .

٢ - زاهر مولى عمرو بن الحمق الخزاعي (رض): هكذا ورد السلام عليه في زيارة الناحية المقدّسة(٦) ، وذكر بعض الرجاليين: زاهر صاحب عمرو بن الحمق(٧) ، وذكره المحقّق السماوي (ره): زاهر بن عمرو الكندي(٨) ، وكذلك ذكره الزنجاني في ترجمته(٩) ، ونقل النمازي (ره) عن المامقاني (ره) أنّه: هو زاهر بن عمر الأسلمي

____________________

(١) راجع: إبصار العين: ١٣٤ - ١٣٥.

(٢) راجع: وسيلة الدارين: ١٧٧ رقم ١١٢.

(٣) راجع: إبصار العين: ١٨٥.

(٤) راجع: مستدركات علم رجال الحديث، ٧: ٤١٥ رقم ١٤٩١٩.

(٥) راجع: وسيلة الدارين: ١٠٥ - ١٠٦ رقم ١١.

(٦) البحار، ٤٥: ٧٢.

(٧) راجع: معجم رجال الحديث، ٧: ٢١٤ رقم ٤٦٤٧، وقاموس الرجال ٤: ٤٠٣ رقم ٢٩٠٣.

(٨) إبصار العين: ١٧٣.

(٩) وسيلة الدارين: ١٣٧، رقم ٥١.


الكندي من أصحاب الشجرة وروى عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وشهد الحديبية وخيبر(١) ، لكنّ السماوي (ره) لم يذكر له صحبة(٢) ، أمّا السيّد الخوئي (ره) فقد فصل بين زاهر صاحب عمرو بن الحمق، وبين زاهر الأسلمي (الذي هو والد مجزأة - أو محذأة - من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ) ولم يرَ اتّحادهما(٣) .

وقد نقل الزنجاني أيضاً في ترجمته لزاهر (رض) عن العسقلاني في الإصابة قوله: (هو زاهر بن عمرو بن الأسود بن حجّاج بن قيس الأسلمي الكندي، من أصحاب الشجرة وتحتها بايعوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وسكن الكوفة، وروى عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وشهد الحديبية وخيبر)(٤) .

لكنّ الشيخ التستري (ره) ذهب - كما السيّد الخوئي (ره) - إلى أنّ زاهر صاحب عمرو بن الحمق (رض) ليس زاهر الأسلمي الكندي؛ لأنّ هذا الثاني - وهو عربيّ - لا يكون مولىً لعمرو بن الحمق (رض)، كما ذهبَ إلى أنّ قولهم (زاهر بن عمرو) تخليط، بل هو زاهر مولى عمرو(٥) .

٣ - سعد بن الحرث (رض) مولى عليّ بن أبي طالب عليهما‌السلام : لم يذكر له المحقّق السماوي (ره) صحبة أو إدراكاً، بل قال: (كان سعد مولىً لعليّعليه‌السلام فانضمّ بعده إلى الحسنعليه‌السلام ، ثمّ إلى الحسينعليه‌السلام ، فلمّا خرجَ من المدينة خرج معه إلى مكّة ثمّ إلى

____________________

(١) مستدركات علم رجال الحديث ٣: ٤١٦، رقم ٥٦٩٩.

(٢) إبصار العين: ١٧٣.

(٣) راجع: معجم رجال الحديث: ٢١٣ و ٢١٤ الرقمين ٤٦٤٥ و ٤٦٤٧.

(٤) وسيلة الدارين: ١٣٧ - ١٣٨ رقم ٥١.

(٥) راجع: قاموس الرجال: ٤: ٤٠٣ رقم ٢٩٠٣.


كربلاء، فقُتل بها في الحملة الأولى...)(١) .

لكنّ الزنجاني نقل عن العسقلاني في الإصابة أنّه: (هو سعد بن الحرث بن سارية بن مرّة... بن كنجب الخزاعي، مولى علي بن أبي طالب، له إدراك مع النبيّ وكان على شرطة عليّعليه‌السلام بالكوفة...)(٢) .

وقال النمازي اعتماداً على المامقاني: (سعد بن الحارث الخزاعي مولى أمير المؤمنينعليه‌السلام ، ومن أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومن شرطة الخميس مع أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وكان والياً من قِبَله على آذربيجان...)(٣) .

لكنّ التستري (ره) ردّ قول المامقاني (ره) قائلاً: (أقول: لم يذكر مستنداً له، وكيف يجتمع كونه خزاعياً ومولاهعليه‌السلام ؟ ولو كان صحابياً، كيف لم تُعنونه الكتب الصحابية؟!..)(٤) .

٤ - يزيد بن مغفل الجعفي (رض): نقل المحقّق السماوي (ره) عن المرزباني في معجم الشعراء أنّه: (كان من التابعين، وأبوه من الصحابة)(٥) .

لكنّ المامقاني (ره) ذكر أنّه: (أدرك النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وشهدَ القادسية في عهد عمر...)(٦) .

____________________

(١) إبصار العين: ٩٦.

(٢) وسيلة الدارين: ١٤٨ رقم ٥٩.

(٣) مستدركات علم رجال الحديث: ٤: ٢٧ رقم ٦١٠٨.

(٤) قاموس الرجال: ٥: ٢٧ - ٢٨ رقم ٣١٤٦.

(٥) إبصار العين: ١٥٣.

(٦) تنقيح المقال: ٣: ٣٢٨، وانظر: مستدركات علم رجال الحديث: ٨: ٢٦٣ رقم ١٦٣٨٧ وذكره باسم (يزيد بن معقل).


ونقل الزنجاني عن العسقلاني في الإصابة أنّه: (هو يزيد بن مغفل بن عوف بن عمير بن كلب بن ذهل... بن جعف بن سعد العشيرة المذحجي الجعفي له إدراك مع النبيّ، وشهد حرب القادسية هو وأخوه زهير بن مغفل في عهد ابن الخطّاب)(١) .

٥ - شبيب بن عبد الله مولى الحرث بن سريع الكوفي (رض): لم يذكر له المحقّق السماوي (ره) صحبة أو إدراكاً(٢) ، لكنّ الزنجاني نقل عن ابن الكلبي قوله: (شبيب بن عبد الله كان صحابياً أدركَ صحبة رسول الله، وشهد مع عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام مشاهده كلّها..)(٣) ، غير أنّه لا دليل على أنّ هذا هو شبيب بن عبد الله مولى الحرث.

كما أنّ الزنجاني ذكر نسبه نقلاً عن العسقلاني في الإصابة - نقلاً غير دقيق(٤) - إذ قد وجدنا ما ذكره العسقلاني هكذا: (شبيب بن عبد الله بن شكل بن حي بن جدية... المذحجي، له إدراك وشهد مع عليّ مشاهده، ذكر ذلك ابن الكلبي)(٥) ، ولا دليل أيضاً على أنّ هذا هو شبيب بن عبد الله مولى الحرث، خصوصاً وأنّ مَن ذكرهُ العسقلاني عربي (مذحجي)، فكيف يكون مولى للحرث بن سريع الكوفي؟

ولا نعلم الدليل الذي استند إليه المامقاني (ره)(٦) ، والنمازي (ره)(٧) ، حيث ذكرا

____________________

(١) وسيلة الدارين: ٢١٤ رقم ١٧١.

(٢) راجع: إبصار العين: ١٣٣.

(٣) راجع: وسيلة الدارين: ١٥٥ رقم ٧٥.

(٤) المصدر السابق.

(٥) الإصابة ٢: ١٦٠ رقم ٣٩٦٠.

(٦) راجع تنقيح المقال: ٢: ٨١، رقم ٥٢٨٥.

(٧) راجع: مستدركات علم رجال الحديث، ٤: ١٩٩ رقم ٦٨١٢.


أنّه (أي شبيب بن عبد الله مولى حارث بن سريع): من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟

وقد ردّ التستري (ره) على قول المامقاني (ره) قائلاً: (قال: صرّح أهل السيَر: أنّه أدرك النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وشهد مشاهد عليّعليه‌السلام ، وحضر الطفّ واستشهد، ووقع التسليم عليه في الناحية.

أقول: لم يعيّن مَن كان من أهل السيَر ذكر ما قال، ولو كان صحابياً كيف لم تُعنونه الكتب الصحابية؟ وقد عَنونوا المختلف فيه، وليس في الناحية، وإنّما في نسختها (شبيب بن الحارث بن سريع) وهو محرّف (سيف بن الحارث بن سريع) المتقدّم، وبالجملة: العنوان لم يُعلم أصله، فضلاً عن فرعه)(١) .

٦ - جنادة بن الحرث السلماني الأزدي الكوفي (رض): قال الزنجاني: (.. وقال علي بن الحسين بن عساكر في تاريخه: هو جنادة بن الحرث بن عوف بن أميّة بن قلع بن عبادة بن حذيق بن عدي بن زيد بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن الحرث، المذحجي المرادي السلماني الكوفي، له إدراك وصحبة مع النبيّ)(٢) .

كذلك ذكر المامقاني عن أهل السيَر: أنّه كان من أصحاب الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله (٣) ، لكنّ الشيخ السماوي (ره) لم يذكر له إدراكاً وصحبة، بل قال: (كان جنادة بن الحرث من مشاهير الشيعة، ومن أصحاب أمير المؤمنينعليه‌السلام ...)(٤) .

٧ - جندب بن حجير الخولاني الكوفي (رض): قال الزنجاني: (قال ابن عساكر في تاريخه: هو جندب بن حجير بن جندب بن زهير بن الحارث بن كثير بن

____________________

(١) قاموس الرجال: ٥: ٣٩٥ رقم ٣٥٢٧.

(٢) وسيلة الدارين: ١١٣ رقم ٢١.

(٣) تنقيح المقال: ١: ٢٣٤ رقم ١٩٥٧، وانظر: مستدركات علم رجال الحديث: ٢: ٢٣٩.

(٤) إبصار العين: ١٤٤.


جشم بن حجير الكندي الخولاني الكوفي، يُقال: له صحبة مع رسول الله، وهو من أهل الكوفة وشهد مع علي بن أبي طالبعليه‌السلام حرب صفّين، وكان أميراً على كندة والأزد..)(١) .

وقال المامقاني أيضاً: (ذكر أهل السيَر أنّ له صحبة)(٢) ، لكنّ الشيخ السماوي لم يذكر له صحبة، بل قال: (كان جندب من وجوه الشيعة، وكان من أصحاب أمير المؤمنينعليه‌السلام ...)(٣) .

أصحابُ أمير المؤمنينعليه‌السلام من أنصار الإمام الحسينعليه‌السلام في الطفّ

شكّل أصحاب أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام عدداً كبيراً من أنصار الإمام الحسينعليه‌السلام يوم عاشوراء، فهم عدا مَن مرَّ ذكره من صحابة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعدا الهاشميين منهم، وعدا مَن لم يُصرّح المؤرّخون بصحبته لعليّعليه‌السلام (٤) ، وعدا مَن ظلم التاريخ سيرته(٥) ، قد بلغَ عددهم - على أقلّ التقادير وعلى حدّ اليقين - عشرين رجلاً، وهم:

____________________

(١) وسيلة الدارين: ١١٤ رقم ٢٣.

(٢) تنقيح المقال: ١: ٢٣٦ رقم ١٩٦٩، وانظر: مختصر تاريخ دمشق لابن منظور: ٦: ١٢١.

(٣) إبصار العين: ١٧٤.

(٤) مثل: عابس بن أبي شبيب الشاكري (رض)، وسعيد بن عبد الله الحنفي (رض)، ومسعود بن الحجّاج التيمي (رض)، وحنظلة بن أسعد الشبامي (رض)، وعبد الله الأرحبي (رض)، فهؤلاء مثلاً كانوا من وجوه الشيعة وشجعانهم في الكوفة، ومن المستبعد جدّاً أنّهم لم يحظوا بشرف صحبة عليّعليه‌السلام أو لم يشتركوا معه في حروبه، ولعلّ المؤرّخين لم يأتوا على ذكر صحبة بعضهم لعليّعليه‌السلام لشدّة وضوحها واشتهارها.

(٥) مثل: سعد بن الحرث الأنصاري العجلاني وأخيه أبي الحتوف (رض)، اللذين اشتهرَ عنهما أنّهما كانا من الخوارج، وقد ردّ بعض علمائنا هذا المشهور (راجع: قاموس الرجال: ٥: ٢٨، رقم ٣١٤٧)، ومثل: زهير بن القين (رض) الذي اشتهر عنه أنّه كان عثمانيّاً، وهو أمرٌ لم يثبت على وجه التحقيق، (راجع: ترجمته في الجزء الثالث من هذه الدراسة ((مع الركب الحسيني من المدينة إلى المدينة)).


١ - سعد بن الحرث (رض) مولى عليّعليه‌السلام .

٢ - نصر بن أبي نيزر (رض) مولى عليّعليه‌السلام .

٣ - أبو ثمامة الصائدي (رض).

٤ - برير بن خضير (رض).

٥ - شوذب بن عبد الله (رض).

٦ - جنادة بن الحرث السلماني المذحجي (رض).

٧ - مجمع بن عبد الله العائذي (رض).

٨ - نافع بن هلال الجملي (رض).

٩ - الحجّاج بن مسروق الجعفي (رض).

١٠ - يزيد بن مغفل الجعفي (رض).

١١ - نعيم بن العجلان الأنصاريّ الخزرجي (رض).

١٢ - جُندب بن حجير الكندي الخولاني (رض).

١٣ - جون بن حوي مولى أبي ذرّ الغفاري (رض).

١٤ - أسلم (مسلم) بن كثير الأعرج الأزدي (رض).

١٥ - النعمان بن عمرو الأزدي الراسبي (رض).

١٦ - الحُلاس بن عمرو الأزدي الراسبي (رض).

١٧ - أُمية بن سعد الطائي (رض).

١٨ - قاسط بن زهير بن الحرث التغلبي (رض).

١٩ - كردوس بن زهير بن الحرث التغلبي (رض).

٢٠ - مقسط بن زهير بن الحرث التغلبي (رض).


جيشُ الإمام الحسينعليه‌السلام ... حجازيّون، وكوفيّون، وبصريون

تكوّن جيش الإمام الحسينعليه‌السلام في كربلاء من ثلاثة بلدان من بلاد العالم الإسلامي، هي: الحجاز (المدينة المنوّرة بالأساس ومياه جهينة)، والكوفة، والبصرة.

وتتألف مجموعة الحجازيين - في ضوء ما حقّقه المرحوم الشيخ السماوي (ره)، وعلى هذا عمدة التحقيقات الأخرى أيضاً(١) - من بني هاشمعليهم‌السلام ومواليهم، والصحابي عبد الرحمان بن عبد ربّ الأنصاري الخزرجي، وجنادة بن كعب بن الحرث الأنصاري، وابنه عمرو بن جنادة، وجون مولى أبي ذرّ الغفاري رضوان الله عليهم، وثلاثة التحقوا بالإمامعليه‌السلام من مياه جهينة ولازموه حتى استشهدوا بين يديه في كربلاء، وهم: مجمع بن زياد الجهني، وعبّاد بن المهاجر الجهني، وعقبة بن الصلت الجهني رضوان الله عليهم.

أمّا الكوفيّون من أنصار الإمامعليه‌السلام في كربلاء، فقد بلغَ عددهم - في ضوء تحقيق الشيخ السماوي (ره) - ثمانية وستين مع مَواليهم، وقد شكّل هؤلاء الكوفيّون رضوان الله تعالى عليهم الأكثرية في جيش الإمامعليه‌السلام .

أمّا البصريون، فقد بلغ عددهم تسعة مع مَواليهم(٢) في جيش الإمامعليه‌السلام وهم:

____________________

(١) راجع: إبصار العين، ووسيلة الدارين.

(٢) لكنّ الزنجاني كان قد ترجم لرجل عاشر منهم وهو: شبيب بن عبد الله النهشلي البصري (رض) قائلاً: (قال الشيخ الطوسي في رجاله ص٧٤: إنّ شبيب بن عبد الله النهشلي البصري من أصحاب الحسينعليه‌السلام ، وقال سماحة السيّد محمد الصادق بحر العلوم في ذيل قول الطوسي: قال أهل السيَر كان تابعياً من أصحاب أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وانضمّ إلى الحسن، ثمّ إلى الحسين وقُتل معه في =


يزيد ثبيط العبدي (عبد قيس) البصري، وابناه: عبد الله، وعبيد الله، وعامر بن مسلم العبدي البصري، ومولاه سالم، وسيف بن مالك العبدي البصري، والأدهم بن أُميّة العبدي البصري، والحجّاج بن بدر التميمي البصري، وقعنب بن عمر النمري البصري، رضوان الله تعالى عليهم.

المَوالي من أنصار الإمام الحسينعليه‌السلام في كربلاء

بلغ عدد المَوالي - المقطوع به على وجه اليقين - من أنصار الإمام الحسينعليه‌السلام الذين حضروا معه كربلاء - في ضوء ما صرّح به المحقّق السماوي (ره) - ستة عشر رجلاً، وهذا العدد هو على الأقلّ كما لا يخفى؛ لأنّ هناك من المَوالي مَن لم يذكرهم التاريخ، ومنهم مَن لم يُعرف مصيره كمولى نافع بن هلال الجملي (رض)(١) .

____________________

= كربلاء في الحملة الأولى، وقال أبو علي في رجاله: شبيب بن عبد النهشلي من أصحاب الحسينعليه‌السلام قُتل معه بكربلاء.

وفي المناقب لابن شهرآشوب قال: ومن أصحابه الذي قُتل بالطفّ شبيب بن عبد الله النهشلي البصري، وقال في ذخيرة الدارين ص٢١٩: قال علماء السيَر: شبيب بن عبد الله النشهلي كان تابعيّاً من أصحاب أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وحضرَ معه في حروبه الثلاث وبعده انضمّ مع الحسن بن عليّعليهما‌السلام ، ثمّ مع الحسين وكان من خواص أصحابه، فلمّا خرج الحسين من المدينة إلى مكّة خرج معه، وكان مصاحباً له إلى أن ورد الحسينعليه‌السلام إلى كربلاء، فلمّا كان يوم الطفّ تقدّم إلى القتال فقُتل في الحملة الأولى مع مَن قُتل قبل الظهر، وفي رواية قُتل مبارزة، والله أعلم، وورد في زيارة الناحية:(السلام على شبيب بن عبد الله النهشلي) . (وسيلة الدارين: ١٥٥ - ١٥٦ رقم ٧٦)، وانظر: مستدركات علم رجال الحديث: ٤: ١٩٩.

(١) راجع إبصار العين: ١١٥، وهناك غلام آخر هو غلام عبد الرحمان بن عبد ربّ الذي روى الطبري بسند عنه قصة كيف أطلى الإمامعليه‌السلام بالنورة والمسك، في أوّل صبح عاشوراء ثمّ أطلى بعده برير وعبد الرحمان... قال هذا الغلام (فلمّا رأيتُ القوم قد صُرعوا أفلتُّ وتركتهم). (راجع: =


وهم:

١ - نصر بن أبي نيزر (رض) مولى عليّعليه‌السلام .

٢ - سعد بن الحرث (رض) مولى عليّعليه‌السلام .

٣ - أسلم بن عمرو (رض) مولى الحسينعليه‌السلام .

٤ - قارب بن عبد الله الدئلي (رض) مولى الحسينعليه‌السلام .

٥ - منجح بن سهم (رض) مولى الحسينعليه‌السلام .

٦ - الحرث بن نبهان (رض) مولى حمزةعليه‌السلام .

٧ - سعد (رض) مولى عمرو بن خالد الصيداوي (رض).

٨ - شوذب (رض) مولى شاكر.

٩ - شبيب (رض) مولى الحرث بن سريع الهمداني الجابري.

١٠ - واضح التركي (رض) مولى الحرث المذحجي السلماني.

١١ - زاهر (رض) مولى عمرو بن الحمق الخزاعي (١) .

١٢ - جون بن حوي (رض) مولى أبي ذرّ (رض).

١٣ - سالم بن عمرو (رض) مولى بني المدينة.

١٤ - رافع بن عبد الله (رض) مولى أسلم (مسلم) بن كثير (رض).

١٥ - سالم (رض) مولى عامر بن مسلم العبدي (رض).

١٦ - عقبة بن سمعان (رض) مولى الرباب (رض)(٢) .

____________________

= تاريخ الطبري، ٣: ٣١٨).

(١) هكذا ورد السلام عليه في زيارة الناحية المقدّسة، راجع: البحار: ٤٥: ٧٢.

(٢) وقد ذهب بعض الرجاليين إلى أنّه (رض) قد اُستشهد في الطفّ مع الإمامعليه‌السلام ؛ استناداً إلى ما ورد من السلام عليه في زيارة الحسينعليه‌السلام (أوّل يوم من رجب وليلته، وليلة النصف من شعبان).

(راجع: معجم رجال الحديث: ١١: ١٥٤: ٧٧٢٣، ومستدركات علم رجال الحديث: ٥: ٢٤٨).


١٧ - غلام تركي (رض) مولىً للحرّ بن يزيد الرياحي (رض) (١) .

من ألقاب الجيش الحسينيّ

هناك ألقاب كثيرة كريمة سامية في المتون الروائية والتاريخيّة كانت قد أُطلقت على الجيش الحسينيّ في كربلاء، نورد هنا ما تيسّر منها:

عباد الله الصالحون (٢) .

عشّاق شهداء (٣) .

العُبّاد النُسّاك (٤) .

الطيّبون (٥) .

الذاكرون الله (٦) .

أهل البصائر (٧) .

حمَلة الحديث (٨) .

الأتقياء الأبرار (٩) .

المتهجدون بالأسحار (١٠) .

____________________

(١) راجع: مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي، ٢: ١١.

(٢) راجع: مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي، ٢: ١٥.

(٣) راجع: البحار: ٤١: ٢٩٥ رقم ١٨.

(٤) راجع: إبصار العين: ١٠٧.

(٥) راجع: إبصار العين: ١٢١.

(٦) راجع إبصار العين: ١٠٣.

(٧) راجع: مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي، ٢: ١٨.

(٨) راجع: إبصار العين: ١٢٩.

(٩) راجع: الفتوح: ٥: ١٧٧.

(١٠) راجع: إبصار العين: ١٠٣، والفتوح: ٥: ١٧٧.


شيوخ القُرّاء، قُرّاء القرآن (١) .

أُسُدُ الأُسود (٢) .

فرسان المصر (٣) .

القوم المستميتون (٤) .

قَتلة المشركين (٥) .

فقرة الظَهر ورأس الفخر (٦) .

عُمر الإمام الحسينعليه‌السلام يوم عاشوراء سنة ٦١ هـ

اختلفت الروايات والأقوال في عمر الإمامعليه‌السلام يوم استشهاده، ويمكن تصنيف هذه الأقوال من الأقلّ إلى الأكثر كما يلي:

١ - أربع وخمسون سنة وستّة أشهر: ذهب إلى ذلك قتادة(٧) ، وذكر ذلك أيضاً الخوارزمي في المقتل(٨) .

____________________

(١) راجع: إبصار العين: ١٢١ ومقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي، ٢: ٢٨.

(٢) راجع: مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي، ٢: ٢٧.

(٣) راجع: تاريخ الطبري، ٣: ٣٢٤.

(٤) راجع: مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي، ٢: ١٨.

(٥) مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي، ٢: ١٩، وإبصار العين: ١١٠.

(٦) راجع: إبصار العين: ٣١٢.

(٧) راجع: تاريخ الخميس، للدياربكري ٢: ٢٩٩.

(٨) مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي، ٢: ٤٢ وذكر الخوارزمي أنّ عمره الشريف يوم قُتل أربع وخمسون سنة وستّة أشهر ونصف.


٢ - خمس وخمسون سنة: ذهب إلى ذلك الواقدي(١) ، والمسعودي(٢) .

٣ - ستٌّ وخمسون سنة: ذهب إلى ذلك اليعقوبي في تاريخه(٣) ، وابن عبد ربّه الأندلسي(٤) ، وأبو الفرج الاصبهاني(٥) ، وسعد بن عبد الله القمي(٦) ، وابن سعد في طبقاته(٧) .

٤ - سبع وخمسون سنة: ذهب إلى ذلك: الشيخ الصدوق (ره) في أماليه(٨) ، والكليني في الكافي(٩) ، وابن الدارع(١٠) ، والزرندي في نظم درر السمطين(١١) .

وهذا القول هو الأشهر والأقوى، وأمّا ما قاله الشيخ المفيد (ره): (ومضى الحسينعليه‌السلام في يوم السبت العاشر من المحرّم، سنة إحدى وستين من الهجرة بعد

____________________

(١) راجع: تهذيب الكمال: ٦: ٤٤٦ وفيه: خمس وخمسون سنة وأشهر.

(٢) راجع: مروج الذهب: ٣: ٧١ وفيه قُتل الحسين وهو ابن خمس وخمسين سنة، وقيل: ابن تسع وخمسين سنة.

(٣) راجع: تاريخ اليعقوبي: ٢: ٢٣٢.

(٤) راجع: العقد الفريد: ٥: ١٢٩.

(٥) راجع: مقاتل الطالبيين: ٨٤ وفيه (وكانت سنُّهُ يوم قُتل ستّاً وخمسين وشهوراً).

(٦) راجع: كتاب المقالات والفِرق: ٢٥.

(٧) راجع: ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام ومقتله، من القسم غير المطبوع من كتاب الطبقات الكبير لابن سعد، تحقيق السيّد عبد العزيز الطباطبائي (ره): ٧٥.

(٨) راجع: أمالي الصدوق: ١٣٥ المجلس الثلاثون، حديث رقم ١.

(٩) راجع: الكافي: ١: ٥٣٠ وفيه: (وقُبض في شهر المحرّم منه سنة إحدى وستين وله سبع وخمسون سنة وأشهر).

(١٠) راجع: ذخائر العقبى: ١٤٦.

(١١) راجع: نظم درر السمطين: ٢١٨.


صلاة الظهر منه، قتيلاً مظلوماً ظمآن صابراً محتسباً - على ما شرحناه - وسِنّه يومئذٍ ثمان وخمسون سنة، أقام منها مع جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله سبع سنين، ومع أبيه أمير المؤمنينعليه‌السلام ثلاثين سنة، ومع أخيه الحسنعليه‌السلام عشر سنين، وكانت مدّة خلافته بعد أخيه إحدى عشرة سنة...)(١) .

ففيه اشتباه ظاهر؛ وذلك لأنّ الشيخ المفيد نفسه يذكر أنّهعليه‌السلام ولِد في الخامس من شعبان سنة أربع من الهجرة(٢) ، فبطرح أربع من إحدى وستين يكون الباقي سبعاً وخمسين(٣) ، هذا مع العلم أنّهعليه‌السلام لم يعش من سنة إحدى وستين إلاّ عشرة أيّام، ولهذا أيضاً تكون مدّة خلافتهعليه‌السلام (٤) بعد أخيه الحسنعليه‌السلام عشر سنين، لا إحدى عشرة سنة، فتأمّل.

٥ - ثمان وخمسون سنة: وذهب إلى ذلك: ابن العديم(٥) ، وابن قتيبة(٦) ، وابن

____________________

(١) الإرشاد: ٢٨٣.

(٢) راجع: نفس المصدر: ٢١٨.

(٣) وفي الحساب الدقيق - في ضوء القول بأنّ ولادته في الخامس من شعبان في سنة أربع للهجرة - لابدّ أن ننتبه إلى أنّ ما عاشه الإمامعليه‌السلام من سنة ولادته أربعة أشهر وخمساً وعشرين يوماً (تقريباً)، وهذه المدّة تُضاف إلى ناتج طرح ٤ من ٦٠ وهو ٥٦، ثمّ يضاف إلى كلّ ذلك العشرة أيّام التي عاشها من سنة ٦١ هـ، فيكون مجموع عمره الشريف: ستّاً وخمسين سنة وستة أشهر وخمسة أيام (تقريباً).

(٤) مدّة خلافته: المراد بها هنا مدَّة إمامته الفعلية (أي كونه خليفة الله وخليفة رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله الناطق عنهما بالحقّ).

(٥) راجع: بُغية الطلب في تاريخ حلب: ٦: ٢٥٦.

(٦) راجع: المعارف: ٢١٣.


حبّان(١) ، والبخاري(٢) ، والمزيّ(٣) ، وروي ذلك عن أحمد بن حنبل(٤) ، وابن أبي شيبة(٥) ، وروى الخطيب(٦) ذلك عن ابن عيينة عن الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليه‌السلام ، ورواه ابن سعد في طبقاته أيضاً عن الإمام الصادقعليه‌السلام (٧) .

٦ - تسع وخمسون سنة: ذكر ذلك المسعودي في مروجه أيضاً(٨) .

الجيشُ الأموي: الألقاب والأوصاف

لقد وُصِف الجيش الأمويّ الذي ارتكب - بقيادة عمر بن سعد لعنه الله - أبشع جريمة في تاريخ الأرض بأوصاف سيئة وألقاب ذميمة كثيرة، على لسان الإمام الحسينعليه‌السلام ولسان أصحابه رضوان الله تعالى عليهم، نورد هنا بعضاً من هذه الأوصاف - وجُلّها عن لسان الإمامعليه‌السلام - للتعريف بهويّة هذا الجيش الآثم:

شيعة آل أبي سفيان (٩) .

____________________

(١) راجع: كتاب الثقات: ٣: ٦٩.

(٢) راجع: التاريخ الكبير: ٢، الترجمة رقم ٢٨٤٦.

(٣) راجع: تهذيب الكمال، ٦: ٤٤٥.

(٤) راجع: كتاب المحن: ١٣٦.

(٥) راجع: المعجم الكبير للطبراني، ٣: ١٠٢.

(٦) راجع: تاريخ بغداد، ١: ١٤٣.

(٧) راجع: ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام ومقتله، من القسم غير المطبوع من كتاب الطبقات الكبرى لابن سعد، تحقيق السيّد عبد العزيز الطباطبائي (ره): ٧٥.

(٨) مروج الذهب، ٣: ٧١.

(٩) راجع: الفتوح: ٥: ١٣٤.


العتاة (١) .

الطغاة (٢) .

الجُهّال (٣) .

شيعة الشيطان (٤) .

الفُسّاق (٥) .

المليئة بطونهم من الحرام (٦) .

الممسوخون (٧) .

عبيد الأَمَة (٨) .

شُذّاذ الأحزاب (٩) .

شرار الأحزاب (١٠) .

نَبَذَة الكتاب، محرّفو الكلِم، عُصبة الإثم، نَفثة الشيطان، مطفئو السُنن (١١) .

____________________

(١) راجع: نفس المصدر.

(٢) راجع: وقعة الطف: ٢٥٢.

(٣) راجع: الفتوح، ٥: ١٣٤.

(٤) راجع: نور الأبصار: ١٤٤.

(٥) راجع: عمدة الطالب.

(٦) راجع: الحدائق الوردية: ١١٨.

(٧) راجع: مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي، ٢: ٢٤.

(٨) راجع: نفس المصدر.

(٩) راجع: مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢: ٢٤.

(١٠) راجع: اللهوف: ١٥٦.

(١١) راجع: مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي ٢: ٢٤.


الظالمون (١) .

السفهاء (٢) .

المطبوع على قلوبهم (٣) .

أمّة السوء (٤) .

شاربو الخمر (٥) .

مؤذو المؤمنين، صراخ أئمة المستهزئين، أكلة الغاصب، قَتلة أولاد الأنبياء، مبيرو عترة الأوصياء، ملحقو العهار بالنسَب (٦) .

عظماء الجبّارين (٧) .

قَتلة أولاد البدريين، قتلة عترة خير المرسلين، قتلة المؤمنين (٨) .

الخبيثون (٩) .

أولاد الزنا (١٠) .

الطُغام (١١) .

____________________

(١) راجع: الكامل في التاريخ، ٤: ٧٥.

(٢) راجع: نور الأبصار: ١٤٤.

(٣) راجع: الإرشاد: ٢: ٩٨.

(٤) راجع: مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي، ٢: ٩ و ٣٩.

(٥) راجع: تذكرة الخواص: ٢١٨.

(٦) راجع: المقتل للخوارزمي، ٢: ٩.

(٧) راجع: الإرشاد، ٢: ٩٦، وتاريخ الطبري ٣: ٣١٨.

(٨) راجع: مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي ٢: ١٤.

(٩) راجع: إبصار العين: ١٢٣.

(١٠) راجع: تاريخ الطبري ٣: ٣٢١.

(١١) راجع: وقعة الطفّ: ٢٥٢، والطغام: بمعنى أراذل الناس (لسان العرب ٢: ٩٤).


مظهرو الفساد في الأرض، مبطلو الحدود، المستأثرون في أموال الفقراء والمساكين (١) .

عددُ الجيش الأموي

تفاوتت الروايات والمتون التاريخية في عدد الجيش الأمويّ الذي واجه الإمام الحسينعليه‌السلام في كربلاء يوم عاشوراء، وهذه الأعداد على الترتيب من الأقلّ إلى الأكثر هي:

١ - ألف مقاتل (٢) .

٢ - أربعة آلاف (٣) .

٣ - ستّة آلاف (٤) .

٤ - ثمانية آلاف (٥) .

٥ - اثنا عشر ألفاً (٦) .

٦ - ستّة عشر ألفاً (٧) .

____________________

(١) راجع: تذكرة الخواص: ٢١٨.

(٢) راجع: نور الإبصار: ١٤٣.

(٣) راجع: تاريخ اليعقوبي ٢: ١٧٦، والبداية والنهاية ٨: ١٦٩.

(٤) راجع: حياة الإمام الحسين بن عليعليهما‌السلام ٣: ١٢١ عن الصراط السويّ في مناقب آل النبيّ ص٨٧.

(٥) راجع: حياة الإمام الحسين بن عليّعليه‌السلام ٣: ١٢٠ عن مرآة الزمان في تواريخ الأعيان ص٩٢.

(٦) راجع: الدرّ النظيم: ٥٥١.

(٧) راجع: الدرّ النظيم: ٥٥١.


٧ - عشرون ألفاً (١) .

٨ - اثنان وعشرون ألفاً (٢) .

٩- ثلاثون ألفاً (٣) .

١٠- خمسة وثلاثون ألفاً (٤) .

١١ - أربعون ألفاً (٥) .

١٢ - خمسون ألفاً (٦) .

١٣ - مئة ألف (٧) .

إشارة

 لقد أُنشئت مدينة الكوفة لغرض عسكري بالأساس، وكانت تتمتع بقدرات تعبوية كبيرة من حيث العدد والعدّة، وفي الروايات والمتون التاريخية دلائل كثيرة على هذه الحقيقة، فقد روي مثلاً أنّ سليمان بن صُرَد الخزاعي كان قد خاطب الإمام الحسنعليه‌السلام - وقد أنكر عليه أمر الصلح - قائلاً: (لا ينقضي تعجبي من بيعتك معاوية ومعك مئة ألف مقاتل من أهل العراق)(٨) ، وورد في بعض رسائل أهل

____________________

(١) راجع: الصواعق المحرقة: ١٩٧، والفصول المهمة: ١٧٥، ومرآة الزمان ١: ١٣٢.

(٢) راجع: مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي ٢: ٧، وشذرات الذهب ١: ٦٧، ومرآة الزمان ١: ١٣٢، وكشف الغمّة ٢: ٢٥٩.

(٣) راجع: عمدة الطالب: ١٩٢.

(٤) راجع: المناقب لابن شهرآشوب: ٤: ٩٨.

(٥) راجع: نور العين في مشهد الحسينعليه‌السلام : ٢٣.

(٦) راجع: حياة الإمام الحسين بن عليّعليه‌السلام ٣: ١٢ عن شرح شافية أبي فراس ١: ٩٣.

(٧) راجع: حديقة الشيعة للأردبيلي: ٥٠٠.

(٨) راجع: حياة الإمام الحسين بن عليعليهما‌السلام ٣: ١٢١.


الكوفة إلى الإمام الحسينعليه‌السلام : (إنّ لك هاهنا مئة ألف سيف فلا تتأخر)(١) ، ولا شكّ أنّ قدرة الكوفة التعبوية عسكرياً أكبر من ذلك بكثير؛ لأنّ هذه المئة ألف - المشار إليها في هذين النصّين - إنّما تُعبّأ لطرف من طرفي النزاع الداخلي على الحكم، لا لمواجهة أمر خارجي يستدعي تعبئة كلّ الأمّة حيث يكون العدد أكبر وأكبر.

وإذا كان الحديث عن العدّة كاشفاً عن العدد، فإنّ عدّة السلاح والإمداد في جيش ابن زياد وضخامتها دليل على أنّ جيش ابن زياد كان كبيراً جدّاً، يقول الشيخ القرشي: (وتسلّح جيش ابن زياد بجميع أدوات الحرب السائدة في تلك العصور، فقد كان استعداده لحرب الإمام استعداداً هائلاً، ويحدّثنا المؤرّخون عن ضخامة ذلك الاستعداد، فقالوا: إنّ الحدّادين وصانعي أدوات الحرب في الكوفة كانوا يعملون ليلاً ونهاراً في برْيِ النبال وصقل السيوف في مدّة كانت تربو على عشرة أيّام... لقد دفع ابن زياد لحرب الحسين بقوّة عسكرية مدجّجة بالسلاح، بحيث كانت لها القدرة على فتح قطر من الأقطار)(٢) .

ويذهب بعض المتتبّعين: إلى أنّ الأقرب الأقوى أنّ عدد الجيش الأموي الذي واجه الإمام الحسينعليه‌السلام في كربلاء هو:ثلاثون ألفاً ؛ لأنّ هناك رواية عن الإمام الحسنعليه‌السلام أنّه خاطب الإمام الحسينعليه‌السلام قائلاً:

(ولكن لا يوم كيومك يا أبا عبد الله! يزدلف إليك ثلاثون ألف رجل يدّعون أنّهم من أمّة جدّنا محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وينتحلون دين الإسلام، فيجتمعون على قتلك وسفك دمك، وانتهاك حرمتك، وسبي ذراريك ونسائك، وانتهاب

____________________

(١) راجع: الإرشاد ٢: ٧١، ومثير الأحزان: ٢٦.

(٢) حياة الإمام الحسين بن عليعليهما‌السلام ٣: ١٢٤.


ثِقلك...) (١) .

ورواية أخرى عن الإمام زين العابدينعليه‌السلام أنّه قال:

(ولا يوم كيوم الحسين عليه‌السلام ازدلف عليه ثلاثون ألف رجل يزعمون أنّهم من هذه الأمّة، كلٌّ يتقرّب إلى الله عزّ وجلّ بدمه! وهو بالله يذكّرهم فلا يتّعظون حتى قتلوه بغياً وظلماً وعدواناً...) (٢) .

لكنَّ التأمّل مليّاً في هذين النصّين الشريفين، يكشف أنّ هؤلاء الثلاثين ألفاً هم فقط الذين يزدلفون إليهعليه‌السلام متقرّبين إلى الله تعالى بقتله، ومن الثابت تاريخياً: أنّ جُلَّ أهل الكوفة كانت قلوبهم مع الحسينعليه‌السلام ويكرهون قتاله، وقد أُحضروا إلى كربلاء مُكرَهين مرغمين(٣) ، ومثل هؤلاء وهم كثرة لا يزدلفون إليهعليه‌السلام لقتله

____________________

(١) أمالي الصدوق: ١٠١، المجلس ٢٤ حديث رقم ٣.

(٢) أمالي الصدوق: ٣٧٣ - ٣٧٤، المجلس ٧٠ حديث رقم ١٠.

(٣) هدّد ابن زياد جميع أهل الكوفة بإيقاع أشدّ العقوبات بمَن يتخلّف منهم عن الخروج معه لقتال الإمامعليه‌السلام ، وممّا جاء في أمره وتهديده: (.. فلا يبقين رجل من العرفاء والمناكب والتجّار والسكّان إلاّ خرج فعسكر معي، فأيّما رجل وجدناه بعد يومنا هذا متخلّفاً عن العسكر برئت منه الذمّة). (أنساب الأشراف ٣: ٣٨٦ - ٣٨٧).

(وأمرَ القعقاع بن سويد بن عبد الرحمان بن جبير المنقري بالتطواف بالكوفة في خيل، فوجد رجلاً من همدان - من أهل الشام على رواية الدينوري - قد قدم يطلب ميراثاً له بالكوفة، فأتى به ابن زياد فقتله، فلم يبقَ بالكوفة محتلم إلاّ خرج إلى العسكر بالنخيلة). (نفس المصدر ٣: ٣٨٧ وراجع: الأخبار الطوال: ٢٥٥).

ويصف المؤرّخون كراهة الناس للتوجّه إلى قتال الإمامعليه‌السلام ، فيقول البلاذري: (وكان الرجل يُبعث في ألف فلا يصل إلاّ في ثلاثمئة أو أربعمئة وأقلّ من ذلك، كراهة منهم لهذا الوجه) (نفس المصدر: ٣: ٣٨٧).

ويقول الدينوري: (قالوا: وكان ابن زياد إذا وجّه الرجل إلى قتال الحسين في الجمع الكثير، يصلون إلى كربلاء ولم يبقَ منهم إلاّ القليل، كانوا يكرهون قتال الحسين فيرتدعون ويتخلّفون) (الأخبار =


طائعين، وإذا ازدلفوا إليه مرغَمين فهم ليسوا ممّن يتقرّب إلى الله تعالى بقتله.

إذاً فإذا أضفنا عدد هؤلاء المرغمين على الحضور في كربلاء الكارهين لقتل الإمامعليه‌السلام وقتاله، إلى الثلاثين ألفاً المزدلفين إليه المتقرّبين إلى الله تعالى بقتله، فإنّ عدد الجيش الأموي بلا شك يزيد على الثلاثين ألفاً بكثير، ولكنّنا لا يمكن لنا أن نقطع بالرقم اليقين لعدد هذا الجيش؛ لأنّنا لا نملك وثائق تاريخية تُمكّننا من هذا القطع، وإلى هنا مبلغ علمنا، والله العالم.

أبرزُ القادة العسكريين في جيش ابن زياد

ذكرت بعض كتب التاريخ أسماء أبرز القادة العسكريين في جيش ابن زياد، والمهمّات الحربية التي أُنيطتْ بهم، والمناصب العسكرية التي كانت لهم، وهم:

١ - عمر بن سعد بن أبي وقّاص: وهو القائد الميداني العام لهذا الجيش، وكان ابن زياد قد سرّحه على أربعة آلاف أيّام تعبئة الجيش(١) .

٢ - شمر بن ذي الجوشن: ويأتي من حيث الرتبة والأهميّة بعد عمر بن سعد، وكان على أربعة آلاف في تعبئة الجيش، كما كان قائد الميسرة في جيش ابن سعد

____________________

= الطوال: ٢٥٤). وروى الطبري عن سعد بن عبيدة: أنّه رأى في وقعة كربلاء أشياخاً من أهل الكوفة واقفين على التلّ يبكون ويقولون: اللّهمّ أنزل نصرك (أي على الحسينعليه‌السلام !) فقال لهم سعد: يا أعداء الله، ألا تنزلون فتنصرونه؟! (راجع: تاريخ الطبري ٤: ٢٩٥، مؤسسة الأعلمي - بيروت).

(١) هذا ما أطبقت عليه كتب التاريخ، فراجع منها على سبيل المثال: أنساب الأشراف، ٣: ٣٨٥ - ٣٨٦، والإرشاد: ٢: ٨٤.


يوم عاشوراء(١) .

٣ - الحصين بن نمير (بن تميم) (٢) : وكان على أربعة آلاف في تعبئة الجيش، كما كان قائد قوّات محاصرة حدود الكوفة قبل ذلك(٣) .

٤ - شبث بن ربعي: وكان على ألف فارس في تعبئة الجيش، وكان أمير الرجّالة في جيش ابن سعد يوم عاشوراء(٤) .

٥ - الحرّ بن يزيد الرياحي: وكان على ألف فارس لمحاصرة الركب الحسيني، كما كان على رَبْع تميم وهمدان في كربلاء يوم عاشوراء(٥) .

٦ - عبد الله بن زهير بن سليم الأزدي: وكان على رَبْع أهل المدينة في كربلاء يوم عاشوراء(٦) .

٧ - قيس بن الأشعث: وكان على ربْع ربيعة وكندة في كربلاء يوم عاشوراء(٧) .

٨ - عبد الرحمان بن أبي سبرة الحنفي: وكان على ربْع مذحج وأسد في كربلاء

____________________

(١) وهذا أيضاً ما أجمعت عليه كتب التاريخ، فراجع منها مثلاً: الفتوح: ٥: ١٥٧، والإرشاد: ٢: ٩٥.

(٢) تذكره بعض المصادر التاريخية: الحصين بن تميم بدلاً من بن نمير.

(٣) راجع: الفتوح، ٥: ١٥٨.

(٤) راجع: أنساب الأشراف: ٣: ٣٨٧، والإرشاد: ٢: ٩٥.

(٥) راجع: مثلاً: أنساب الأشراف ٣: ٣٨٠، والكامل في التاريخ: ٣: ٢٨٦، ومقتل الحسينعليه‌السلام للمقرّم ٢٢٦.

(٦) راجع: الكامل في التاريخ ٣: ٢٨٦، ومقتل الحسينعليه‌السلام للمقرّم: ٢٢٦، وفي حياة الإمام الحسين بن عليعليهما‌السلام : ٣: ١٢٣ - ١٢٤: (على ربع الكوفة)، و(بن زهرة) بدلاً من (بن زهير).

(٧) راجع: الكامل في التاريخ ٣: ٢٨٦، ومقتل الحسينعليه‌السلام للمقرّم: ٢٢٦، وحياة الإمام الحسين بن عليّعليه‌السلام ٣: ١٢٣ - ١٢٤.


يوم عاشوراء(١) .

٩ - مضاير بن رهينة المازني: وكان على ثلاثة آلاف في تعبئة الجيش(٢) .

١٠ - كعب بن طلحة: وكان على ثلاثة آلاف في تعبئة الجيش(٣) .

١١ - عزرة بن قيس الأحمسي: وكان أمير الخيل في جيش ابن سعد يوم عاشوراء(٤) .

١٢ - نصر بن حرشة: وكان على ألفين في تعبئة الجيش(٥) .

١٣ - يزيد بن ركاب الكلبي: وكان على ألفين في تعبئة الجيش(٦) .

١٤ - يزيد بن الحرث بن رويم: وكان على ألف في تعبئة الجيش(٧) .

١٥ - عمرو بن الحجّاج الزبيدي: وكان أميراً على قوّات منع الماء منذ اليوم السابع من المحرّم، وكان أمير ميمنة جيش ابن سعد يوم عاشوراء(٨) .

١٦ - حجّار بن أبجر: وكان على ألف في تعبئة الجيش(٩) .

____________________

(١) راجع: الكامل في التاريخ ٣: ٢٨٦، ومقتل الحسينعليه‌السلام للمقرّم: ٢٢٦، وحياة الإمام الحسين بن عليعليه‌السلام ٣: ١٢٣ - ١٢٤ وفيه: (عبد الله بن سيرة الجعفي).

(٢) راجع: مناقب آل أبي طالب: ٤: ٩٨.

(٣) راجع: مقتل الحسينعليه‌السلام للمقرّم: ٢٠٠.

(٤) راجع: الإرشاد ٢: ٩٥، وإبصار العين: ٣٢.

(٥) راجع: مناقب آل أبي طالب: ٤: ٩٨.

(٦) راجع: الفتوح ٥: ١٥٧.

(٧) راجع: أنساب الأشراف ٣: ٣٨٧.

(٨) راجع: الأخبار الطوال: ٢٥٥، والإرشاد: ٢: ٩٥.

(٩) راجع: الفتوح: ١٥٩.


١٧ - الأزرق بن الحرث الصُدائي: وكان أميراً على أربعمئة فارس قاتلوا جماعة بني أسد الذين أرادوا الالتحاق بمعسكر الإمام الحسينعليه‌السلام (١) .

١٨ - زجر بن قيس الجعفي: وكان على خمسمئة فارس في مسلحة عند جسر الصَراة؛ لمنع مَن يخرج من الكوفة ملتحقاً بالإمامعليه‌السلام (٢) .

وهناك قادة آخرون كانوا قد حضروا كربلاء يوم عاشوراء، غير أنّ المصادر التاريخية - حسب متابعتنا - لم تُشخّص مهمّاتهم ومناصبهم العسكرية، منهم: محمّد بن الأشعث، وكثير بن شهاب الحارثي، والقعقاع بن سويد بن عبد الرحمان المنقري، وأسماء بن خارجة الفزاري...(٣) .

عناصرُ الجيش الأموي

يمكن تصنيف الجيش الأموي الذي واجه الإمام الحسينعليه‌السلام في كربلاء، من حيث نوع العناصر التي تألّف منها إلى الأصناف التالية:

١ - المزدلفون إلى الإمام عليه‌السلام لقتله: متقرّبين إلى الله بذلك، وبانتهاب حرمته، وسبي ذراريه ونسائه، وانتهاب ثِقله، مجتمعين على هذا الرأي، وهم مع هذا يدّعون ويزعمون أنّهم من أمّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهم ثلاثون ألفاً على ما حدّده الإمام الحسن المجتبىعليه‌السلام ، والإمام زين العابدينعليه‌السلام فيما أُثر عنهما(٤) ، وهذا الصنف

____________________

(١) راجع: مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي ١: ٣٤٥ - ٣٤٦ عن الفتوح ٥: ١٥٩ - ١٦٢ بتفاوت.

(٢) راجع: مقتل الحسينعليه‌السلام للمقرّم: ١٩٩ عن كتاب الإكليل للهمداني.

(٣) راجع: أنساب الأشراف ٣: ٣٨٧.

(٤) راجع: أمالي الصدوق: ١٠١ المجلس ٢٤، حديث رقم ٣ / و ٣٧٣ - ٣٧٤ المجلس ٧٠، حديث رقم ١٠.


الضالّ ربّما شكّل من حيث العدد الأكثرية الساحقة في جيش ابن زياد، ولا شك أنّ هؤلاء ممّن أضلّهم الإعلام الأموي وطمس على أبصارهم وبصائرهم، فكانوا يرون الإمامة والخلافة الشرعية ليزيد بن معاوية! ويرون الإمام الحقّعليه‌السلام خارجاً عن طاعة الإمام! شاقّاً لعصا هذه الأمّة ومفرّقاً لكلمتها، ولو لم يكن هذا ما يعتقدونه؛ لمَا تقرّبوا إلى الله بقتل الإمام الحسينعليه‌السلام على حدّ قول الإمام السجّادعليه‌السلام .

٢ - أهل الأهواء والأطماع: ويمكن تقسيم هؤلاء أيضاً إلى:

أ - الانتهازيّون: وهم الساعون وراء مصالحهم الدنيوية مهما فرضت عليهم هذه المصالح والمطامع من تقلّبات في الانتماء بين الرايات المتعارضة، ولا يعني هذا أنّ الانتهازي لا يعرف أين الحقّ ومَن هم أهله، لكنّ حبّه للدنيا وللرئاسة والمقام يضطرّه إلى التنكّر لأهل الحقّ، كما قد يضطّره إلى قتلهم وملءُ قلبه حسرة عليهم ودموعه تجري أسىً لِما أصابهم، ومن أوضح الأمثلة على هؤلاء: عمر بن سعد لعنه الله، وشبث بن ربعي، وحجّار بن أبجر، وغيرهم كثير(١) .

ب - المرتزقة: وهم الذين يخدمون مَن يعطي أكثر من غيره، ولا يعبأون بما إذا كان مبطلاً أو محقّاً، ولا ترقّ قلوب هؤلاء لمظلوميّة مظلوم ولا تأخذهم شفقة لبشاعة مقتله، ومن أوضح الأمثلة على هؤلاء:

سنان بن أنس، وشمر بن ذي الجوشن، وحرملة بن كاهل، ومسروق بن وائل، وحكيم بن طفيل، ومنهم أولئك الذين سلبوا جميع ملابس الحسينعليه‌السلام حتّى

____________________

(١) منهم ذلك الرجل الذي ينتزع خلخال فاطمة بنت الحسينعليه‌السلام ليسلبه وهو يبكي! فقالت: لِمَ تبكي؟ فقال أأسلب بنت رسول الله ولا أبكي؟! قالت: فدَعْه، قال: أخاف أن يأخذه غيري! (راجع: سير أعلام النبلاء: ٣: ٣٠٣).


تركوه عرياناً لعنهم الله جميعاً.

وهؤلاء - كما هو شأنهم في القديم والحاضر - ممسوخون روحيّاً ونفسياً، قد امتلأت صدروهم بالحقد والكراهية لجميع الناس عامة ولأهل الفضل منهم خاصة، فهم يندفعون بسهولة إلى ارتكاب المذابح الطائشة والجرائم الفجيعة بقساوة فظيعة، كما الوحوش الكواسر(١) .

ج - الفَسقة والبطّالون: وهم الذين لا يهمهم من دنياهم إلاّ قضاء أوطارهم من المفاسد التي ألِفوها وتعوَّدوا عليها، ومن العادة وطبيعة الأمور أن يتواجد هؤلاء في صفّ أهل الباطل عند مواجهتهم لأهل الحقّ، وهؤلاء يشهدون على أنفسهم بأنّهم أهل فساد وباطل، ويتذرّعون لأنفسهم بأسخف العلل لعدم انتمائهم لصف الحقّ مع معرفتهم به، ومن أوضح الأمثلة على هؤلاء في جيش عمر بن سعد: أبو

____________________

(١) روي أنّ الذي تولّى ذبح الإمامعليه‌السلام - شمر بن ذي الجوشن - قال للإمامعليه‌السلام : أعرفك حقّ المعرفة، أمّك الزهراء، وأبوك عليّ المرتضى، وجدّك محمّد المصطفى، وخصمك العليّ الأعلى، أقتلك ولا أُبالي! (بحار الأنوار: ٤٥: ٥٦).

وفي رواية أنّ الإمامعليه‌السلام قال:(ويلك! إذا عرفتَ هذا حسبي ونسبي فلِمَ تقتلني؟) قال: إنْ لم أقتلك فمَن يأخذ الجائزة من يزيد؟ (راجع: المنتخب للطريحي: ٤٥١).

ويخاطب سنان بن أنس ابن سعد قائلاً:

أوقِر ركابي فضّة أو ذَهبا

إنّي قتلتُ السيّد المحجّبا

قتلتُ خير النّاس أمّاً وأبا

وخيرهم إذ ينسبون نَسَبا

(راجع: البداية والنهاية: ٨: ١٨٩).

ويروي الطبري عن مسروق بن وائل أنّه قال: كنت في أوائل الخيل لكي أصيب رأس الحسين!

(راجع: تاريخ الطبري: ٣: ٣٢٢).


حريث عبد الله بن شهر السبيعي، ويزيد بن عذرة العنزي(١) .

٣ - الخوارج: المشهور بين المؤرّخين أنّ الخوارج كانوا من جملة المشتركين في جيش ابن زياد، الذي عبّأه لقتال الإمام الحسينعليه‌السلام في كربلاء، وورد في أكثر كتب المقاتل والتراجم: أنّ سعد بن الحرث الأنصاري العجلاني وأخاه وأبا الحتوف كانا من الخوارج (المحكّمة)، وخرجا مع ابن سعد إلى قتال الحسينعليه‌السلام ، ولمّا قُتل أصحاب الحسينعليه‌السلام ، وجعل يقول:(ألا ناصرٌ فينصرنا؟) وسَمعتهُ النساء والأطفال فتصارخن، وسمع سعد وأخوه أبو الحتوف النداء من الحسينعليه‌السلام والصراخ من العيال، فمالا مع الحسينعليه‌السلام على أعدائه حتّى استشهدا بين يديه(٢) .

فإذا افترضنا أنّ الخوارج كانوا قد خرجوا مع ابن زياد لقتال الإمام الحسينعليه‌السلام

____________________

(١) روى الطبري عن الضحّاك بن قيس المشرقي: أنّه مرّت بمخيّم الحسينعليه‌السلام خيل لابن سعد ليلة عاشوراء، وكان الحسينعليه‌السلام يقرأ هذه الآية الشريفة:( مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ) فسمعها رجل من تلك الخيل فقال: نحن وربّ الكعبة الطيّبون، مُيّزنا منكم، فقال الضحّاك لبرير أتعرف مَن هذا؟ قال: لا، قال: أبو حريث عبد الله بن شهر السبيعي - وكان مضحاكاً بطّالاً، وكان ربّما حبسه سعيد بن قيس الهمداني في جناية - فعرفه برير، فقال له: أمّا أنت فلن يجعلك الله في الطيّبين، فقال له: مَن أنت؟

قال: برير، فقال: إنّا لله عزَّ عليَّ، هلكتَ والله، هلكت والله يا بُرير! فقال له برير: هل لك أن تتوب إلى الله من ذنوبك العظام؟ فو الله إنّا لنحن الطيّبون وأنتم الخبيثون، قال: وأنا والله على ذلك من الشاهدين، فقال: ويحك! أفلا تنفعك معرفتك؟! قال: جُعلت فداك! فمَن ينادم يزيد بن عذرة العنزي؟ ها هو ذا معي، قال برير: قبّح الله رأيك، أنت سفيه على كلّ حال. (راجع: تاريخ الطبري: ٣: ٣١٧، وإبصار العين: ١٢٢ - ١٢٣).

(٢) راجع مثلاً: إبصار العين: ١٥٩، ووسيلة الدارين: ١٤٩ رقم ٦١، وتنقيح المقال ٢: ١٢ رقم ٤٦٦٦، ومستدركات علم رجال الحديث: ٤: ٢٧ رقم ٦١٠٧.


راغبين، كما ذهبَ إلى ذلك الشيخ القرشي حيث يقول: (ومن بين العناصر التي اشتركت في حرب الإمامعليه‌السلام الخوارج، وهم من أحقد الناس على آل النبيعليهم‌السلام ؛ لأنّ الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام قد وتَرَهم في واقعة النهروان، فتسابقوا إلى قتل العترة الطاهرة للتشفّي منها)(١) ؛ إذاً فهم بلا شك من المزدلفين إلى قتل الإمامعليه‌السلام المتقرّبين إلى الله تعالى بذلك، فهم إذاً من الصنف الأوّل.

لكنّنا إذا أخذنا رأي المحقّق التستري (ره) في ردّه على الشيخ المامقاني (ره)، بصدد كون الأخوين: سعد بن الحارث العجلاني (رض)، وأخيه أبي الحتوف (رض) من الخوارج، حيث يقول التستري (ره): (... ثمّ خروج الخارجيّ مع ابن سعد غير معقول، فكانت الخوارج لا يعاونون الجبابرة في قتال الكفّار، فكيف في حربهعليه‌السلام ؟ ثمّ كيف ينصر الحسين مَن يقول: لا حكم إلاّ لله، ويعلم أنّ الحسينعليه‌السلام مثل أبيه يجوّز التحكيم بكتاب الله؟)(٢) ، أمكنَ لنا القول بأنّ حضور الخوارج في جيش ابن زياد لقتال الإمام الحسينعليه‌السلام ربّما كان على كُرهٍ منهم، فهم من حيث التصنيف من المكرَهين الآتي ذكرهم.

٤ - المكرهون: ومنهم الخوارج - على احتمال - كما قدّمنا، ومنهم مخلص في حبّ الإمامعليه‌السلام وطاعته، لكنّه لم يستطع اللحوق به؛ بسبب الحصار وشدّة المراقبة، حتّى إذا حضر كربلاء في جيش ابن زياد، تحيّن الفرصة ليلة العاشر أو قبلها فالتحق بالإمامعليه‌السلام ، وهؤلاء في حساب العدد أفراد قليلون، ورد ذكرهم في تراجم أنصار الحسينعليه‌السلام ، وربّما أمكن القول: إنّ من هؤلاء أيضاً مَن خرجَ في جيش ابن سعد وهو لا يتوقّع نشوب الحرب بل يتوقّع الصلح، حتّى إذا رُدَّت على الإمامعليه‌السلام

____________________

(١) حياة الإمام الحسين بن عليعليهما‌السلام : ٣: ١٥٨.

(٢) راجع: قاموس الرجال، ٥: ٢٨ رقم ٣١٤٧.


شروطه وصارت الحرب حتماً مقضيّاً، انحازَ إلى الإمامعليه‌السلام وجاهدَ بين يديه حتى استشهد، وهؤلاء أيضاً أفراد قليلون.

غير أنّ القسم الأعظم من صنف المكرهين: أولئك الذين خرجوا في جيش ابن سعد مرغمين؛ خوفاً من بطش ابن زياد، إبّان التعبئة الشاملة القاهرة التي فرضها على أهل الكوفة، وهم الذين غلبَ الشلل النفسي على وجودهم، وطغى مرض الازدواجية على شخصيتهم، فكانت قلوبهم مع الإمامعليه‌السلام وسيوفهم عليه مع سيوف أعدائه، فكانوا حطب نار الفاجعة، ومادّة ارتكاب الجريمة، وعدد هؤلاء كبير جداً نسبة إلى مجموع جيش ابن سعد في كربلاء.

هل اشتركَ أهل الشام في واقعة الطفّ؟

ذهب المسعودي إلى أنّ واقعة الطفّ لم يحضرها شاميٌّ، حيث قال: (وكان جميع مَن حضرَ مقتل الحسين من العساكر وحاربه وتولّى قتله من أهل الكوفة خاصة، لم يحضرهم شاميٌّ...)(١) ، لكنّ هناك متوناً تاريخية قد يُستفاد منها أنّ أهل الشام قد حضروا كربلاء يوم عاشوراء منها:

ما رواه ابن سعد في طبقاته قائلاً: (ودعا رجل من أهل الشام عليَّ بن حسين الأكبر - وأمّه آمنة بنت أبي مرّة بن عروة بن مسعود الثقفي، وأمّها بنت أبي سفيان بن حرب - فقال: إنَّ لك بأمير المؤمنين قرابة ورحماً، فإنْ شئت آمنّاك وامضِ حيث ما أحببت فقال:أمَا والله، لقرابة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله كانت أولى أن تُرعى من قرابة أبي سفيان، ثمّ كرّ عليه...)(٢) .

____________________

(١) راجع: مروج الذهب: ٣: ٧١، وعنه ابن الجوزي في تذكرة الخواص: ٢٢٦.

(٢) راجع: ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام ومقتله، من القسم غير المطبوع من كتاب الطبقات الكبرى لابن =


وما رواه ابن عبد ربّه قائلاً: (ورأى رجل من أهل الشام عبد الله بن حسن بن عليّ - وكان من أجمل النّاس - فقال: لأقتلنّ هذا الفتى...)(١) .

وما رواه ابن قتيبة قائلاً: قال الإمام عليّ بن الحسينعليه‌السلام :(فممّا فهمتهُ وعقلته يومئذٍ مع عِلّتي وشدّتها أنّه أُتي بي إلى عمر بن سعد، فلمّا رأى ما بي أعرضَ عنّي فبقيت مطروحاً لِما بي، فأتاني رجل من أهل الشام فاحتملني فمضى بي وهو يبكي...) (٢) .

وما رواه ابن أعثم الكوفي قائلاً: (ثمّ حَملَرضي‌الله‌عنه - أي عليّ الأكبرعليه‌السلام - فلم يزل يقاتل حتّى ضجّ أهل الشام من يده ومن كثرة مَن قُتلَ منهم...)(٣) .

وورد في كتاب مناقب آل أبي طالبعليه‌السلام : (عندما صاح القاسم بن الحسن: يا عمّاه، حملَ الحسين على قاتله عمر بن سعيد الأزدي فقطع يده، وسلبه أهل الشام من يد الحسين..)(٤) ، وفيه أيضاً: (وبعثَ ابن زياد شمر بن ذي الجوشن في أربعة آلاف من أهل الشام...)(٥) .

____________________

= سعد، تحقيق السيّد عبد العزيز الطباطبائي (ره)، ص٧٣.

ويلاحظ هنا: أنّ ابن سعد ذكر أنّ أمّ عليّ الأكبر هي آمنة، لكنّ المحقّق المرحوم السيّد المقرّم في كتابه القيّم (عليّ الأكبر) ذكر أنّ اسمها الشريف (ليلى) وقال: (وما ذكرناه من اسمها نصّ عليه الشيخ المفيد في الإرشاد، والطبرسي في إعلام الورى، واختاره ابن جرير في التاريخ، وابن الأثير في الكامل، واليعقوبي في تاريخه، والسهيلي في الروض الآنف). (كتاب علي الأكبرعليه‌السلام للمقرّم: ٩).

(١) راجع: العقد الفريد: ٥: ١٢٥.

(٢) عيون الأخبار: ١٠٦، وشرح الأخبار: ٣: ١٥٧.

(٣) الفتوح: ٥: ١٣١.

(٤) مناقب آل أبي طالبعليهم‌السلام ٤: ١٠٩.

(٥) نفس المصدر ٤: ٩٨.


وممّا رواه الشيخ الصدوق (ره): (... وأقبلَ عدوّ الله سنان بن أنس الأيادي وشمر بن ذي الجوشن العامري، في رجال من أهل الشام حتّى وقفوا على رأس الحسينعليه‌السلام ، فقال بعضهم لبعض: ما تنظرون؟! أريحوا الرجل...)(١) .

وممّا رواه الشيخ الكليني (ره) عن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال:(.. تاسوعاء يومٌ حوصرَ فيه الحسين عليه‌السلام وأصحابه رضي‌الله‌عنهم بكربلا، واجتمع عليه خَيل أهل الشام وأناخوا عليه...) (٢) .

وممّا يُلاحظ على هذه المتون: أنّ مصطلح (أهل الشام) فيها ربّما كان المراد منه - وهذا هو الأظهر والأقوى -: هوية انتماء هذا الجيش سياسياً (الهويّة السياسية)، لا أنَّ هذا الجيش متكوّن من أفراد هم من سكّان الشام، وممّا يؤكّد هذا: ما ورد في رواية الكليني (ره):(واجتمع عليه خيل الشام...) ، وما ورد في رواية ابن أعثم الكوفي (حتّى ضجَّ أهل الشام من يد الحسين)، فإنّ المراد في كلّ هذه المتون الثلاثة هو: جيش ابن زياد المتألّف جُلّه من أهل الكوفة وقبائلها، ومن الأدلّة على ذلك: أنّ ما ورد في هذه المتون الثلاثة ذكرته مصادر أخرى بدون مصطلح (أهل الشام)، بل أشارت إلى أنّ أولئك هم أهل الكوفة.

نعم، قد يكون أظهر هذه المتون دلالة - على حضور أهل الشام - ما ورد في كتاب مناقب آل أبي طالبعليهم‌السلام : (وبعثَ ابن زياد شمر بن ذي الجوشن في أربعة آلاف من أهل الشام)، غير أنّ ابن شهرآشوب قد تفرّد بهذه الإضافة (من أهل الشام)؛ إذ إنّ جميع المصادر التاريخية التي ذكرت أنّ ابن زياد سرّح شمر بن ذي

____________________

(١) أمالي الشيخ الصدوق: ١٣٨ المجلس الثلاثون، حديث رقم ١.

(٢) الكافي: ٤، كتاب الصيام: ١٤٧، حديث رقم ٧.


الجوشن في أربعة آلاف - أيّام التعبئة - لم تذكر أنّ هؤلاء كانوا من أهل الشام(١) ، ويضاف إلى هذا: أنّ المصادر التاريخية أيضاً لم تذكر أنَّ واحداً أو أكثر من القادة العسكريين الشاميين قد حضروا كربلاء يوم عاشوراء، ولو أنّ بعض القطعات العسكرية الشاميّة كانت قد حضرت كربلاء؛ لكان التاريخ قد ذكر القادة العسكريين الذين كانوا أمراء عليها، وهذا ما لم نعثر عليه - حسب متابعتنا - في المصادر التاريخيّة المبذولة.

من هنا نقول: إنّنا لا نقطع - كما يقطع المسعوديّ - أنَّ جيش ابن زياد لم يحضر فيه حتى شاميٌّ واحد، بل نقول: من الممكن العادي أن يحضر في جيش ابن زياد أفراد متفرّقون كثيرون من الشام، بل لعلَّ من غير الممكن أنّ لا يتحقق هذا؛ ذلك لأنّه لابدّ للسلطة المركزية في الشام من مراسلين وجواسيس شاميين يعتمدهم يزيد بن معاوية، يواصلونه بكلّ جديد عن حركة الأحداث في العراق عامّة والكوفة خاصة.

لكنّنا نقطع: بأنّ الشام لم يبعث إلى ابن زياد بأيّة قطعات عسكرية شاميّة للمساعدة في مواجهة الإمام الحسينعليه‌السلام ؛ وذلك لخلوّ التاريخ من أيّة إشارة معتبَرة تفيد ذلك، بل التاريخ يشير من خلال دلائل كثيرة إلى: أنّ ابن زياد أراد أن يُثبت ليزيد قدرته الإدارية الفائقة من خلال الاكتفاء بتعبئة الكوفة فقط للقضاء على الإمامعليه‌السلام ، وأصحابه رضوان الله تعالى عليهم.

وإنّ مَن يتابع هذا المعنى - الذي قدّمناه - في المصادر التاريخية يجده واضحاً بيّناً.

____________________

(١) راجع مثلاً: الفتوح: ٥: ١٥٧، والإرشاد: ٢: ٩٥، ومقتل الحسينعليه‌السلام للمقرّم: ٢٠٠.


من الأعراف الحربية في ذلك العصر

يقول المرحوم القزويني: (ثمّ اعلم أنّ قانون المحاربة في ذلك الوقت - على ما استفدناه من الحروب المعظّمة كحرب صِفّين وغيرها - أنّ مَن تهيّأ ميمنة وميسرة وقلباً وجناحاً وساقية، ومكاناً للرامية، وموضعاً لأصحاب الأحجار، ويكون لأصحاب الميمنة عدّة مخصوصة من النبالة والحجارة، وكذا لأصحاب الميسرة ولأصحاب القلب عدّة مخصوصة لا يتجاوزون عن مقرّهم وعن وظيفتهم، وأصحاب القلب لا يبرحون عن مكانهم، ولا يحملون ما دام أصحاب الميمنة والميسرة باقين.

نعم، لا تتفّق المبارزة بين أصحاب القلب مع مَن يحذوهم من أصحاب القلب، وأوّل مَن يحمل أو يبارز أصحاب الميمنة على الميسرة، ثمّ أصحاب الميسرة على أصحاب الميمنة، فما في جُلّ المقاتل: أنّه حملَ ميمنة ابن زياد على ميمنة الحسينعليه‌السلام لعلّه اشتباه ناشئ عن عدم التأمّل وعدم العلم بقانون الحرب؛ إذ مقتضى الطبيعة في التعبئة أنّ الميمنة إزاء الميسرة، ولا يمكن أن يحمل الميمنة على الميمنة إلاّ بعد التجاوز عن الميسرة، إلاّ أن يكون البعد بين الفريقين كثيراً بحيث يمكن حمل الميمنة على الميمنة، ثمَّ لا منافاة بين حمل الميمنة على الميسرة ومبارزة الميسرة مع أصحاب الميمنة، فتكون بين الميمنة والميسرة حملة وحملة، وبين الميسرة والميمنة مبارزة يبارز رجل بعد رجل، فيقاتلان، والقلب ثابت على مكانه لا يَحمل.

نعم، بعد مغلوبية الميمنة والميسرة - بحيث لا يبقى ميمنة ولا ميسرة - يكون الجند كلّه بمنزلة القلب، والقلب يحمل عليه، حتّى إذا لم يبقَ من طرف إلاّ واحداً أو اثنين يحملون عليه بأجمعهم أو يتبارزون)(١) .

____________________

(١) الإمام الحسينعليه‌السلام وأصحابه: ٢٨٠.


الفصل الرابع

ملحمةُ كربلاء يوم عاشوراء من المحرّم سنة ٦١ هـ ق



الفصل الرابع

ملحمةُ كربلاء يوم عاشوراء من المحرّم سنة ٦١ هـ

روى الطبري قائلاً: (وعبّأ الحسينعليه‌السلام أصحابه، وصلّى بهم صلاة الغداة، وكان معه اثنان وثلاثين فارساً وأربعون راجلاً، فجعل زهير بن القين في ميمنة أصحابه، وحبيب بن مظاهر في ميسرة أصحابه، وأعطى رايته العبّاس بن عليّ أخاه(١) ، وجعلوا البيوت في ظهورهم، وأمرَ بحطب وقصب كان من وراء البيوت تُحرق بالنّار مخافة أن يأتوهم من ورائهم.

قال: وكان الحسينعليه‌السلام أتى بقصب وحطب إلى مكان من ورائهم منخفض، كأنّه ساقية فحفروه في ساعة من الليل فجعلوه كالخندق، ثمّ ألقوا فيه ذلك الحطب والقصب، وقالوا: إذا عدَوا علينا فقاتلونا ألقينا فيه النار؛ كي لا نؤتى من ورائنا وقاتلونا القوم من وجه واحد، ففعلوا وكان ذلك لهم نافعاً)(٢) .

____________________

(١) قال المرحوم المحقق السيّد المقرّم: (وأعطى رايته أخاه العبّاس؛ لأنّه وجدَ قمر الهاشميين أكفأ ممّن معه لحمْلها، وأحفظهم لذمامه، وأرأفهم به، وأدعاهم إلى مبدئه، وأوصلهم لرحمه، وأحماهم لجواره، وأثبتهم للطعان، وأربطهم جأشاً، وأشدّهم مراساً). (مقتل الحسينعليه‌السلام للمقرّم: ٢٢٥).

(٢) تاريخ الطبري: ٣: ٣١٧، وانظر: الإرشاد: ٢: ٩٥ بتفاوت يسير، والكامل في التاريخ، ٣: ٢٨٦، وهنا لابدّ من الإشارة إلى أنّ الطبري روى واقعة يُستفاد من نصّها أنّها من أوائل وقائع يوم عاشوراء، رواها بسنده عن غلام عبد الرحمان بن عبد ربّه الأنصاريّ أنّه قال:

(كنتُ مع مولاي، فلمّا حضر النّاس وأقبلوا إلى الحسين أمر الحسين بفسطاط فضُرب، ثمّ أمرَ بمسك فميث في =


كما روى الطبري أيضاً قائلاً: (فلمّا صلّى عمر بن سعد الغداة يوم السبت، وقد بلغنا أيضاً أنّه كان يوم الجمعة، وكان ذلك اليوم يوم عاشوراء، خرج فيمن معه من الناس)، وقال أيضاً: (لما خرج عمر بن سعد بالناس كان علىربع أهل المدينة يومئذٍ: عبد الله بن زهير بن سُليم الأزدي، وعلىربع مذحج وأسد: عبد الرحمان بن أبي سبرة الحنفي، وعلىربع ربيعة وكندة : قيس بن الأشعث بن قيس، وعلىربع تميم وهمدان : الحرّ بن يزيد الرياحي - فشهدَ هؤلاء كلّهم مقتل الحسين إلاّ الحرّ بن يزيد فإنّه عدل إلى الحسين وقُتل معه - وجعل عمر على ميمنته عمرو بن الحجّاج الزبيدي، وعلى ميسرته شمر بن ذي الجوشن بن شرحبيل بن الأعور بن عمر بن معاوية وهو الضِّباب بن كلاب، وعلى الخيل عزرة بن قيس الأحمسيّ،

____________________

= جفنة عظيمة أو صُحفة، قال: ثمّ دخلَ الحسين ذلك الفسطاط فتطلّى بالنورة، قال: ومولاي عبد الرحمان بن عبد ربّه وبرير بن خضير الهمداني على باب الفسطاط تحتكُّ مناكبهما، فازدحما أيّهما يُطلي على أثره، فجعل برير يهازل عبد الرحمان، فقال له عبد الرحمان: دعنا فو الله ما هذه بساعة باطل، فقال له برير: والله، لقد علمَ قومي أنّي ما أحببتُ الباطل شاباً ولا كهلاً، ولكن والله إنّي لمستبشر بما نحن لاقون، والله إنّ بيننا وبين الحور العين إلاّ أن يميل هؤلاء علينا بأسيافهم، ولوددتُ أنّهم قد مالوا علينا بأسيافهم، قال: فلمّا فرغ الحسين دخلنا فأطلينا، قال:

ثمّ إنّ الحسين ركب دابّته ودعا بمصحف فوضعه أمامه، قال: فاقتتل أصحابه بين يديه قتالاً شديداً، فلمّا رأيت القوم قد صُرعوا أفلتُّ وتركتهم). (تاريخ الطبري: ٣: ٣١٨، وانظر: الكامل في التاريخ: ٣: ٢٨٦، وأنساب الأشراف: ٣: ٣٩٥ - ٣٩٦ بتفاوت).

والملاحَظ على هذه الرواية: أنّها - بحسب متابعتنا - ممّا تفرّد به الطبري، ومَن رواها بعده فقد أخذها عنه، هذا أوّلاً، وثانياً: فإنّ الإطلاء بالنورة لابدّ بعده من استعمال الماء، هذا دالّ على وجود الماء في معسكر الإمامعليه‌السلام بوفرة تكفي لأن يُستخدم بعضه للإطلاء مثلاً، غير أنّ هذا خلاف المشهور التاريخي في أنّ معسكر الإمامعليه‌السلام خلا من الماء تماماً، أو كاد منذ اليوم الثامن إلى ما بعد ظهر اليوم العاشر، كما هو المستفاد من كثير من الروايات.


وعلى الرجال شبث بن ربعي اليربوعي، وأعطى الراية ذويداً مولاه)(١) .

دعاء الإمام الحسينعليه‌السلام يوم عاشوراء

وروي عن الإمام زين العابدين عليّ بن الحسينعليهما‌السلام أنّه قال:(لمّا صبّحت الخيلُ الحسينَ رفع يديه وقال:

اللّهمَّ أنت ثقتي في كل كرب، ورجائي في كلّ شدّة، وأنت لي في كلّ أمر نزل بي ثقةٌ وعُدّة، كم من همٍّ يضعُف فيه الفؤاد، وتقلّ فيه الحيلة، ويخذلُ فيه الصديق، ويشمتُ فيه العدوّ، أنزلتهُ بك وشكوته إليك، رغبة منّي إليك عمّن سواك، ففرجّته وكشفته، وأنت وليُّ كلّ نعمة، وصاحب كلّ حسنة، ومنتهى كلّ رغبة..) (٢) .

____________________

(١) تاريخ الطبري: ٣: ٣١٧، وانظر: الإرشاد: ٢: ٩٥ بتفاوت يسير، وانظر: الكامل في التاريخ: ٣: ٢٨٦، والأخبار الطوال: ٢٥٦، وعيون الأخبار: ٩٨، وفي بعض هذه المصادر: (دريد) بدلاً من (ذويد)، وفي الأخبار الطوال: زيد مولى عمر بن سعد.

يقول خالد محمد خالد في كتابه (أبناء الرسول في كربلاء: ١٢٠): (ومن عجيبٍ أنّهم - كما يحدّثنا التاريخ - خرجوا لجريمتهم تلك بعد أن صلّى بهم قائدهم صلاة الصبح، أصحيح أنّهم صلّوا وقرأوا في آخر صلاتهم: اللّهم صلّ على محمّد وعلى آل محمد؟! إذاً ما بالهم ينفتلون من صلاتهم؛ ليحصدوا بسيوفهم الأئمّة من آل محمّد؟!).

(٢) الإرشاد: ٢: ٩٦، ورواه الطبري في تاريخه: ٣: ٣١٧ عن أبي مخنف، عن بعض أصحابه، عن أبي خالد الكاهليّ، وفيه:(فأنت ولي كلّ نعمة...) ، وانظر: الكامل في التاريخ: ٣: ٢٨٦ - ٢٨٧، وتاريخ مدينة دمشق: ١٤: ٢١٧ وترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام ومقتله، من القسم غير المطبوع من كتاب الطبقات الكبير لابن سعد تحقيق السيّد عبد العزيز الطباطبائي (ره): ٧١ بتفاوت، وانظر: سير أعلام النبلاء: ٣: ٣٠١، ونظم درر السمطين: ٢١٦.


إشعالُ النار في الخندق خلف المخيّم

وأمرَ الإمام الحسينعليه‌السلام صبيحة يوم عاشوراء بحطب وقصب كانوا قد جمعوه خلف الخيم - فوضعَ في المكان المنخفض خلف المخيّم كأنّه ساقية، بعد أن حفروه ليلة العاشر فجعلوه كالخندق - فأُشعلت فيه النار، حتّى لا يتمكّن العدو أن يقاتلهم إلاّ من وجه واحد(١) .

ردّةُ فعل العدوّ على إشعال النار

أدركَ أعداء الإمام الحسينعليه‌السلام أنّ مكيدة إشعال النار في الخندق خلف مخيّم الإمامعليه‌السلام ، قد ضيّقت عليهم سعة ميدان الحرب، وجعلت المواجهة من وجه واحد، فاستفزّ ذلك أعصابهم، وصدرت من بعض وجهائهم ردود فعل هستيرية، فقد روى الطبري بسنده عن الضحّاك المشرقيّ أنّه قال: (لمّا أقبلوا نحونا فنظروا إلى النار تضطرم في الحطب والقصب الذي كنّا ألهبنا فيه النار من ورائنا لئلاّ يأتونا من خلفنا، إذ أقبل إلينا منهم رجل يركض على فرس كامل الأداة، فلم يكلّمنا حتّى مرَّ على أبياتنا، فنظر إلى أبياتنا فإذا هو لا يرى إلاّ حطباً تلتهب النّار فيه، فرجع فنادى بأعلى صوته: يا حسين، استعجلتَ النار في الدنيا قبل يوم القيامة؟!

فقال الحسين:(مَن هذا؟ كأنّه شمر بن ذي الجوشن.

فقالوا: نعم، أصلحك الله، هو هو.

فقال:يا بن راعية المِعزى، أنت أَولى بها صِليّا.

فقال له مسلم بن عوسجة: يا بن رسول الله، جُعلت فداك، ألا أرميه فإنّه قد

____________________

(١) راجع: تاريخ الطبري: ٣: ٣١٧، والإرشاد: ٢: ٩٥، والكامل في التاريخ: ٣: ٢٨٦، وأنساب الأشراف: ٣: ٣٩٥، والفتوح: ٥: ١٧٣ - ١٧٤، دار الندوة الجديدة، بيروت.


أمكنني، وليس يسقط سهم، فالفاسق من أعظم الجبّارين.

فقال له الحسين:لا ترمِه؛ فإنّي أكره أن أبدأهم (١) .

وروى البلاذري يقول: (وقال رجل من بني تميم يقال له: عبد الله بن حوزة، وجاء حتى وقف بحيال الحسينعليه‌السلام فقال: أبشِر يا حسين بالنار!

فقال:كلاّ، إنّي أقدِم على ربّ رحيم وشفيع مطاع ، ثمّ قال:مَن هذا؟

قالوا: ابن حوزة.

قال:حازهُ الله إلى النّار).

فاضطربت به فرَسُه في جدول، فعلقت رجْله بالركاب، ووقعَ رأسه في الأرض، ونفرَ في الفرس فجعل يمرّ برأسه على كلّ حجَر وأصل شجرة حتّى مات، ويقال: بقيت رجله اليسرى في الركاب فشدَّ عليه مسلم بن عوسجة الأسدي فضرب رجله اليمنى فطارت، ونفر به فرسه يضرب به كلّ شيء حتّى مات)(٢) .

____________________

(١) تاريخ الطبري: ٣: ٣١٨، وانظر: الإرشاد: ٢: ٩٦، وأنساب الأشراف: ٣: ٣٩٦.

(٢) أنساب الأشراف: ٣: ٣٩٩، ويلاحظ على هذه الرواية: أنّ ما ذكره البلاذري من أنّ مسلم بن عوسجة (رض) شدَّ على الرجل فضرب رجله اليمنى إذا كان قبل بدء القتال، فإنّ هذا يتعارض مع مبدأ الإمامعليه‌السلام :(فإنّي أكره أن أبدأهم بقتال)، وإذا كانت واقعة عبد الله بن حوزة بعد نشوب القتال فلا منافاة في تدخّل مسلم بن عوسجة (رض).

وقد روى هذه الرواية كلّ من: الطبري في تاريخه: ٣: ٣٢٤، والمفيد في الإرشاد: ٢: ١٠٢، وابن أعثم في الفتوح: ٥: ١٠٨، وابن الأثير في الكامل في التاريخ: ٣: ٢٨٩ بتفاوت مع نصّ البلاذري، وتفاوت فيما بينها، ولا يوجد في نصّ كلّ من: الطبري، وابن الأثير، وابن أعثم ما ذكره البلاذري والمفيد أنّه (فشدّ عليه مسلم بن عوسجة الأسدي فضرب رجله اليمنى فطارت..).

 كما أنّ الطبري وابن الأثير ذكرا الرجل باسم (ابن حوزة)، وذكره ابن أعثم (مالك بن حوزة)، لكنّ الخوارزمي في نقله عن ابن أعثم ذكره باسم (مالك بن جريرة، وذكر أنّ الإمامعليه‌السلام قال:(اللّهمّ جُرّه إلى النار...) . (راجع: مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ١: ٣٥٢). =


وروى البلاذري أيضاً أنّ محمّد بن الأشعث جاء فقال: (أين حسين؟

قال:(ها أنا ذا.

قال: أبشِر بالنّار ترِدها الساعة!

قال:بل أبشِر بربٍّ رحيم وشفيع مطاع، فمَن أنت؟)

قال: محمّد بن الأشعث)(١) .

____________________

= وروى الشيخ الصدوق مثل هذه الرواية بتفاوت، واسم الرجل في روايته (ابن أبي جويرية المزني). (أمالي الصدوق: ١٣٤ المجلس ٣٠ ح١)، وفي راية المسعودي أنّ اسم هذا الرجل (ابن جريرة) (إثبات الوصية: ١٧٧).

(١) أنساب الأشراف: ٣: ٤٠١، وقد روى ابن نما (ره) قائلاً: (وجاء رجل فقال: أين الحسين؟ فقال:(ها أنا ذا، قال: أبشر بالنّار تردها الساعة! قال:بل أبشر بربّ رحيم وشفيع مطاع، فمَن أنت؟ قال: أنا محمّد بن الأشعث.

قال:اللّهمّ إن كان عبدك كاذباً فخذه إلى النّار، واجعله اليوم آية لأصحابه)، فما هو إلاّ أن ثنى عنان فرسه فرمى به وثبتت رجله في الركاب، فضربه حتى وقعت مذاكيره في الأرض، فو الله لقد عجبنا من سرعة إجابة دعائهعليه‌السلام ). (مثير الأحزان: ٦٤، وانظر: مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ١: ٣٥٢ - ٣٥٣).

وقد روى الشيخ الصدوق (ره) قائلاً: (ثمّ أقبل آخر من عسكر عمر بن سعد يقال له محمّد بن أشعث بن قيس الكندي فقال: يا حسين بن فاطمة، أيّة حرمة لك من رسول الله ليست لغيرك؟! قال الحسينعليه‌السلام :(هذه الآية: ( إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً... ) ، ثمّ قال:إنّ محمّداً لمِن آل إبراهيم، ثمّ قال:إنّ محمّداً لمِن آل إبراهيم، وإنَّ العترة الهادية لمِن آل محمّد، مَن الرجل؟

فقيل: محمّد بن أشعث بن قيس الكندي، فرفع الحسينعليه‌السلام رأسه إلى السماء فقال:اللّهمّ أرِ محمّد بن الأشعث ذُلاًّ في هذا اليوم لا تُعزّه بعد هذا اليوم أبداً) ، فعرضَ له عارض فخرج من العسكر يتبرّز فسلّط الله عليه عقرباً فلدغهُ فمات بادي العورة). (أمالي الصدوق: ١٣٤ المجلس الثلاثون، ح١). =


وقال البلاذري: (ثمّ جاء رجل آخر فقال: أين الحسين؟ قال:(ها أنا ذا ، قال: أبشر بالنّار تردها الساعة! قال:بل أبشر بربّ رحيم وشفيع مطاع، فمَن أنت؟

قال: شمر بن ذي الجوشن.

فقال الحسين:الله أكبر، قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : (إنّي رأيتُ كلباً أبقع يلِغ في دماء أهل بيتي)) (١) .

إشارة:

قد يُلفت انتباه المتابع في رواية البلاذري الأولى هنا قول الإمامعليه‌السلام لمسلم بن عوسجة (رض):(لا ترمِه؛ فإنّي أكره أن أبدأهم)، وقولهعليه‌السلام لزهير بن القين (رض) - إبّان تضييق الحرّ عليهم:(... ولكن ما كنتُ لأبدأهم بالقتال حتّى يبدأوني) (٢) ، ردّاً على قول زهير: (... ذرنا نقاتل هؤلاء القوم؛ فإنّ قتالنا إيّاهم الساعة أهون علينا من قتال مَن يأتينا معهم بعد هذا)(٣) .

____________________

= لكنّ جلّ المؤرّخين يذكرون: أنّ محمّد بن الأشعث بقي فيما بعد عاشوراء، وهو الذي قاد قوّات ابن زياد في مواجهة عبد الله بن عفيف (رض)، وجموع الأزد الذين دافعوا عنه (راجع مثلاً: مثير الأحزان لابن نما: ٩٣، واللهوف: ٧٢، المطبعة الحيدرية - النجف).

كما ذكر المؤرّخون: أنّ محمّد بن الأشعث بقيَ إلى ما بعد ثورة المختار فهرب منه، وانضمّ إلى مصعب بن الزبير، وقُتل محمّد بن الأشعث في المواجهة بين جيش مصعب وجيش المختار (راجع مثلاً: الكامل في التاريخ: ٣: ٣٨٢ - ٣٨٤، والأخبار الطوال: ٣٠٦، والمعارف: ٤٠١، وتاريخ الطبري: ٣: ٤٩٦)، وراجع ترجمة محمّد بن الأشعث في الجزء الثاني من (مع الركب الحسيني من المدينة إلى المدينة): ص١٢٣ - ١٢٤.

(١) أنساب الأشراف: ٣: ٤٠١.

(٢) و (٣) مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ١: ٣٣٤ عن الفتوح: ٥: ١٤٣ بتفاوت، ففي الفتوح:(ولكن ما كنت بالذي أنذرهم بقتال حتّى يبتدروني) ، وانظر: تاريخ الطبري: ٣: ٣٠٧، والأخبار الطوال: ٣٥٢.


إنّ إصرار الإمامعليه‌السلام على عدم البدء بالقتال، من سُنن الدعاة إلى الحقّ في مواجهة المنحرفين عن الهدى ودعوتهم إلى الصراط المستقيم، ومِن قبله كان أبوه أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام قد امتنع عن البدء في القتال في الجمل وصفّين(١) ؛ ذلك لأنّ الداعي إلى الحقّ الواثق من قوّة حجّته وصحّة دليله على موقفه، لا يرى إلى القتال حاجة ما دام طريق مخاطبة العقول والقلوب بنور الحقيقة مفتوحاً لم يوصد بعدُ، إذ الأصل في الغاية عند هذا الداعي هو الهداية إلى الحقّ لا الحرب، فلو بدأهم بقتال لأوصدَ - هو بنفسه - على حجّته طريق النفوذ إلى القلوب والعقول التي يريد هدايتها، ولمَنَع حجّته من بلوغ تمامها، بل وجعل الحجّة عليه بيد خصومه فيكون بذلك قد نقض حجّته؛ ذلك لأنّ لهم أن يقولوا عند ذاك إذا كنت تريد لنا الهداية بالحقّ فلماذا ابتدأتنا بالقتال؟!

وهذا ما لا يصدر عن الساحة المقدّسة لأهل بيت العصمة والطهارةعليهم‌السلام أبداً، بل قد لا يصدر عمّن يقتدي بهديهم وسنّتهم.

احتجاجاتُ الإمامعليه‌السلام في ساحة المعركة

حرصَ الإمام الحسينعليه‌السلام على مواصلة احتجاجاته على أعدائه - وهو يعلم أنّ القوم قاتلوه - ليتمّ الحجّة عليهم أمام الله تبارك وتعالى، وليستنقذ مَن يمكن أن

____________________

(١) لما أجمعَ معاوية أن يمنع الماء عن جيش أمير المؤمنينعليه‌السلام ، بعد أن أخذ أهل الشام الشريعة فهي في أيديهم، فزع أصحاب أمير المؤمنينعليه‌السلام إليه، فبعث صعصعة بن صوحان إلى معاوية وقال له:(ائتِ معاوية فقل: إنّا سرنا مسيرنا هذا، وأنا أكره قتالكم قبل الإعذار إليكم، وإنّك قد قدمتَ بخيلك فقاتلتنا قبل أن نقاتلك، وبدأتنا بالقتال، ونحن من رَأيَنا الكفَّ حتّى ندعوك ونحتجَّ عليك...) . (راجع: وقعة صفين: ١٦٠ - ١٦١).


ينتفع بمعرف الحقّ والحقيقة، وليكشف للأمّة عامة ولأجيالها الآتية فيما بعد عصره خاصة - من خلال بياناته الاحتجاجيّة - عن حقّانيّة قيامه، وعن أحقيّته بالأمر، وعن أبعاد مظلوميّتهعليه‌السلام .

قال اليعقوبي في تاريخه: (فلمّا كان من الغد خرج فكلّم القوم، وعظّم عليهم حقّه، وذكّرهم الله عزّ وجلّ ورسوله، وسألهم أن يخلّوا بينه وبين الرجوع، فأبوا إلاّ قتاله أو أخذَهُ حتّى يأتوا به عبيد الله بن زياد، فجعل يكلّم القوم بعد القوم، والرجل بعد الرجل، فيقولون ما ندري ما تقول!)(١) .

خطابهُعليه‌السلام قبل بدء القتال

روى الشيخ المفيد (ره) في الإرشاد يقول: (ثمّ دعا الحسين براحلته فركبها، ونادى بأعلى صوته:(يا أهل العراق - وجُلّهم يسمعون - فقال:

أيّها النّاس، اسمعوا قولي ولا تعجلوا حتّى أعِظكم بما يحقّ لكم عليَّ، وحتّى أُعذِر إليكم، فإنْ أعطيتموني النّصف كنتم بذلك أسعد، وإنْ لم تعطوني النَصف من أنفسكم فأجمعوا رأيكم، ثمّ لا يكنْ أمركم عليكم غُمّة ثمَّ اقضوا إليَّ ولا تنظرون، إنَّ ولييَّ الله الذي نزّل الكتاب وهو يتولّى الصالحين.

ثمّ حمدَ الله وأثنى عليه وذكر الله بما هو أهله، وصلّى على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وعلى ملائكة الله وأنبيائه، فلم يُسمع متكلِّمٌ قطّ قبله ولا بعده أبلغ في منطق منه، ثمّ قال:

أمّا بعد، فانسبوني فانظروا مَن أنا، ثمّ ارجِعوا إلى أنفسكم وعاتبوها، فانظروا هل يصلحُ لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟! ألستُ ابن بنت نبيّكم، وابن

____________________

(١) تاريخ اليعقوبي: ٢: ١٧٦.


وصيّه وابن عمِّه، وأوّل المؤمنين المصدّق لرسول الله بما جاء به من عند ربّه؟ أوَ ليس حمزة سيّد الشهداء عمّي؟ أوَ ليس جعفر الطيّار في الجنّة بجناحين عمِّي؟ أوَ لم يَبلغكم ما قال رسول الله لي ولأخي: هذان سيّدا شباب أهل الجنّة ؟

فإنْ صدّقتموني بما أقول وهو الحقّ، والله ما تعمّدت كذباً منذ علمتُ أنّ الله يمقت عليه أهله، وإن كذّبتموني فإنّ فيكم مَن إنْ سألتموه عن ذلك أخبَرَكم، سلوا جابر بن عبد الله الأنصاريّ، وأبا سعيد الخدري، وسهل بن سعد الساعديّ، وزيد ابن أرقم، وأنس بن مالك، يخبروكم أنّهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لي ولأخيّ، أمَا في هذا حاجزٌ لكم عن سفك دمي؟!.

فقال له شمر بن ذي الجوشن: هو يعبد الله على حرف إن كان يدري ما تقول!(١) ، فقال له حبيب بن مظاهر: والله، إنّي لأراك تعبد الله على سبعين حرفاً، وأنا أشهد أنّك صادقّ ما تدري ما يقول، قد طبعَ الله على قلبك.

ثمّ قال لهم الحسينعليه‌السلام :

____________________

(١) في مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ١: ٣٥٨، (فقال له شمر بن ذي الجوشن: يا حسين بن عليّ، أنا أعبد الله على حرف إن كنتُ أدري ما تقول!...).

وفي مثير الأحزان: ٥١: (فقال شمر بن ذي الجوشن: هو يعبد الله على حرف إن كان يعرف شيئاً ممّا يقول!...).

وفي سير أعلام النبلاء: ٣: ٣٠٢ (فقال شمر: هو يعبد الله على حرف إنْ كان يدري ما يقول، فقال عمر: لو كان أمرك إليَّ لأجبتُ، وقال الحسين:(يا عمر، ليكوننّ لِما ترى يوم يسوؤك، اللّهمّ إنّ أهل العراق غرّوني، وخدعوني، وصنعوا بأخي ما صنعوا، اللهمّ شتِّت عليهم أمرهم، وأحصِهم عدداً).


فإنْ كنتم في شكّ من هذا، أفتشكّون أنّي ابن بنت نبيّكم؟! فو الله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبيّ غيري فيكم ولا في غيركم، ويحكم! أتطلبوني بقتيل منكم قتلته؟! أو مالٍ لكم استهلكته؟! أو بقصاص جراحة؟!

فأخذوا لا يكلّمونه، فنادى:

يا شبث بن ربعي، يا حجّار بن أبجر، يا قيس بن الأشعث، يا يزيد بن الحارث، ألمْ تكتبوا إليَّ أن قد أينعت الثمار واخضرّ الجناب، وإنّما تقدِم على جُندٍ لك مُجنَّدة؟!

فقال له قيس بن الأشعث: ما ندري ما تقول! ولكن انزِل على حكم بني عمّك؛ فإنّهم لن يُروك إلاّ ما تحبّ!

فقال له الحسين:

لا واللهِ، لا أُعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أفرّ فرار العبيد، ثمّ نادى:

يا عباد الله، إنّي عُذت بربّي وربّكم أن ترجمون، أعوذ بربّي وربّكم من كلّ متكبّر لا يؤمن بيوم الحساب).

ثمّ إنّه أناخَ راحلته، وأمر عقبة بن سمعان فعقلها)(١) .

____________________

(١) الإرشاد: ٢: ٩٧ - ٩٩، وانظر: تاريخ الطبري: ٣: ٣١٨ وفيه بعد قول الإمامعليه‌السلام :(.. إنَّ ولييّ الله الذي نزّل الكتاب وهو يتولّى الصالحين) قال: فلمّا سمع أخواته كلامه هذا صحْن وبكَينَ، وبكى بناته، فارتفعت أصواتهنّ فأرسل إليهنّ أخاه العبّاس بن عليّ وعليّاً ابنه، وقال لهما: (أسكِتاهنّ فلعمري ليكثرنّ بكاؤهنّ، قال: فلمّا ذهبا ليسكتاهنّ، قال: لا يبعد ابن عبّاس)، قال: فظننّا أنّه إنّما قالها حين سمع بكاؤهنّ؛ لأنّه كان قد نهاه أن يخرج بهنّ..).

ويلاحظ هنا: أنّ هذا ظنّ الراوي - وهو غير الحقّ - إذ يُوحي وكأنّ الإمامعليه‌السلام قد ندمَ في تلك الساعة على إخراج النساء معه، فتذكّر ابن عبّاس الذي كان قد طلب منه ألاّ يصطحب النساء =


أمّا الخوارزمي، فقد روى تفاصيل هذا الخطاب على نحوٍ آخر يتفاوت كثيراً مع رواية الشيخ المفيد (ره)، والطبري، وابن الأثير، قال الخوارزمي: (وأصبحَ الحسين فصلّى بأصحابه، ثمّ قرّب إليه فرسه، فاستوى عليه وتقدّم نحو القوم في نفر من أصحابه، وبين يديه برير بن خضير الهمداني، فقال له الحسين:(كلِّم القوم يا برير وانصحهم، فتقدّم برير حتى وقف قريباً من القوم، والقوم قد زحفوا إليه عن بكرة أبيهم، فقال لهم برير: يا هؤلاء، اتّقوا الله فإنّ ثِقل محمّد قد أصبح بين

____________________

= معه، وهذا الظنّ غير وارد؛ لأنّ الإمام المعصومعليه‌السلام لا يفعل إلاّ الحقّ والصواب، وقد صرّح هوعليه‌السلام لأخيه محمّد بن الحنفية (رض)، بأنّ اصطحابه النساء امتثالاً لأمر الله تعالى وأمر رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله حيث قال له:(قد قال لي - أي الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله -:إنّ الله قد شاء أن يراهنّ سبايا) . (راجع: اللهوف: ٢٧).

وقد ذكر المرحوم السيّد المقرّم نقلاً عن كتاب (زهر الآداب للحصري، ج١، ص٦٢ دار الكتب العربية): أنّ الإمامعليه‌السلام قال بعد أن أُسكتْنَ النساء عن البكاء والصياح:(عباد الله اتّقوا الله، وكونوا من الدنيا على حذر؛ فإنّ الدنيا لو بقيت على أحد أو بقي عليها أحد، لكانت الأنبياء أحقّ بالبقاء وألوى بالرضا وأرضى بالقضاء، غير أنَّ الله خلقَ الدنيا للفناء، فجديدها بالٍ، ونعيمها مضمحلّ، وسرورها مكفهّر، والمنزل تلعة، والدار قلعة، فتزوّدوا فإنّ خير الزاد التقوى، واتّقوا الله لعلّكم تفلحون) .

وفي تاريخ الطبري أيضاً أنّ الإمامعليه‌السلام قال لقيس بن الأشعث - بعد أن اقترح عليه النزول على حكم بني أمية -:(أنت أخو أخيك، أتريد أن يطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل؟! لا والله، لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل ولا أُقرّ إقرار العبيد..).

وقد روى تفاصيل هذه الخطبة أيضاً ابن الأثير في الكامل: ٣: ٣٨٧، وانظر: مثير الأحزان: ٥١، وأنساب الأشراف: ٣: ٣٩٦ - ٣٩٧، وترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام مقتله من القسم غير المطبوع من كتاب الطبقات الكبير لابن سعد، تحقيق السيّد عبد العزيز الطباطبائي، ص٧٢، وسير أعلام النبلاء: ٣: ٣٠١ - ٣٠٢.


أظهركم، هؤلاء ذرّيته وعترته وبناته وحرمه، فهاتوا ما عندكم؟ وما الذي تريدون أن تصنعوا بهم؟!

فقالوا: نريد أن نمكّن منهم الأمير عبيد الله بن زياد فيرى رأيه فيهم.

فقال برير: أفلا ترضون منهم أن يرجعوا إلى المكان الذي أقبلوا منه؟! ويلكم يا أهل الكوفة، أنسيتم كتبكم إليه وعهودكم التي أعطيتموها من أنفسكم وأشهدتم الله عليها، وكفى بالله شهيداً؟! ويلكم، دعوتم أهل بيت نبيّكم وزعمتم أنّكم تقتلون أنفسكم من دونهم، حتّى إذا أتوكم أسلمتموهم لعُبَيد الله، وحَلأتموهم عن ماء الفرات الجاري، وهو مبذول يشرب منه اليهود والنصارى والمجوس، وترِده الكلاب والخنازير، بئسما خلفتم محمّداً في ذرّيته، ما لكم؟! لا سقاكم الله يوم القيامة، فبئس القوم أنتم.

فقال له نفر منهم: يا هذا ما ندري ما تقول؟

فقال برير: الحمدُ لله الذي زادني فيكم بصيرة، اللهمّ إنّي أبرأ إليك من فعال هؤلاء القوم، اللهمّ ألقِ بأسهم بينهم حتّى يلقوك وأنت عليهم غضبان.

فجعلَ القوم يرمونه بالسهام، فرجع برير إلى ورائه.

فتقدّم الحسينعليه‌السلام حتّى وقف قبالة القوم، وجعل ينظر إلى صفوفهم كأنّها السيل، ونظرَ إلى ابن سعد واقفاً في صناديد الكوفة، فقال:

(الحمدُ لله الذي خلقَ الدنيا فجعلها دار فناء وزوال، متصرّفة بأهلها حالاً بعد حال، فالمغرور مَن غرّته، والشقيّ مَن فَتَنته، فلا تغرّنكم هذه الدنيا؛ فإنّها تقطع رجاء مَن ركن إليها، وتخيّب طمعَ مَن طمع فيها، وأراكم قد اجتمعتم على أمر قد أسخطتم الله فيه عليكم، فأعرضَ بوجهه الكريم عنكم، وأحلّ بكم نقمته، وجنّبكم رحمته، فنِعمَ الربّ ربّنا، وبئس العبيد أنتم، أقرَرتم


بالطاعة وآمنتم بالرسول محمّد، ثمّ إنّكم زحفتم إلى ذرّيته تريدون قتلهم، لقد استحوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذكر الله العظيم، فتبّاً لكم وما تريدون، إنّا لله وإنّا إليه راجعون، هؤلاء قوم قد كفروا بعد إيمانهم فبعداً للقوم الظالمين).

فقال عمر بن سعد: ويلكم، كلِّموه فإنّه ابن أبيه، فو الله لو وقف فيكم هكذا يوماً جديداً لمَا قطع ولمَا حصر، فكلّموه.

فتقدّم إليه شمرٍ بن ذي الجوشن فقال: يا حسين، ما هذا الذي تقول؟ أفْهِمنا حتى نفهم!

فقالعليه‌السلام :

(أقول لكم اتّقوا الله ربّكم ولا تقتلونِ، فإنّه لا يحلّ لكم قتلي ولا انتهاك حرمتي؛ فإنّي ابن بنت نبيّكم، وجدّتي خديجة زوجة نبيّكم، ولعلّه قد بلغكم قول نبيّكم محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله : الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة ما خلا النبيّين والمرسلين، فإنْ صدّقتموني بما أقول وهو الحقّ، فو الله ما تعمّدتُ كذباً منذ علمتُ أنّ الله يمقت عليه أهله، وإنْ كذّبتموني فإنّ فيكم من الصحابة مثل: جابر بن عبد الله، وسهل بن سعد، وزيد بن أرقم، وأنس بن مالك، فاسألوهم عن هذا، فإنّهم يُخبرونكم أنّهم سمعوه من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فإن كنتم في شكّ من أمري أفتشكّون أنّي ابن بنت نبيّكم؟! فو الله ما بين المشرقين والمغربين ابن بنت نبيّ غيري، ويلكم، أتطلبوني بدم أحد منكم قتلته، أو بمالٍ استملكته، أو بقصاص من جراحات استهلكته؟!

فسكتوا عنه لا يجيبونه، ثمّ قالعليه‌السلام :

والله، لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل، ولا أفرّ فرار العبيد، عباد الله، إنّي


عُذت بربّي وربّكم أن ترجمونِ، وأعوذ بربّي من كلّ متكبّر لا يؤمن بيوم الحساب .

فقال له شمر بن ذي الجوشن: يا حسين بن علي، أنا أعبد الله على حرف إن كنتُ أدري ما تقول!

فسكت الحسينعليه‌السلام ، فقال حبيب بن مظاهر للشمر: يا عدوَّ الله وعدوَّ رسول الله، إنّي لأظنّك تعبد الله على سبعين حرفاً، وأنا أشهد أنّك لا تدري ما يقول، فإنّ الله تبارك وتعالى قد طبع على قلبك.

فقال له الحسينعليه‌السلام :

حسبُك يا أخا بني أسد، فقد قُضي القضاء، وجفّ القلم، والله بالغ أمره، والله إنّي لأَشوق إلى جدّي وأبي وأمّي وأسلافي من يعقوب إلى يوسف وأخيه، ولي مصرعٌ أنا لاقيه) (١) .

وأمّا السيّد ابن طاووس (ره)، فقد روى تفاصيل هذا الخطاب على نحو آخر أيضاً، قال: (قال الراوي: وركب أصحاب عمر بن سعد لعنهم الله، فبعث الحسينعليه‌السلام برير بن خضير، فوعظهم فلم يستمعوا، وذكّرهم فلم ينتفعوا، فركب الحسينعليه‌السلام ناقته - وقيل فرسه - فاستنصتهم فأنصتوا(٢) ، فحمدَ الله وأثنى عليه

____________________

(١) مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي، ١: ٣٥٦ - ٢٥٨.

(٢) وفي مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي، ٢: ٨ - ٩: (لمّا عبّأ عمر بن سعد أصحابه لمحاربة الحسينعليه‌السلام ، ورتّبهم في مراتبهم، وأقام الرايات في مواضعها، وعبّأ الحسين أصحابه في الميمنة والميسرة، فأحاطوا بالحسين من كلّ جانب حتّى جعلوه في مثل الحلقة، خرجَ الحسين من أصحابه حتّى أتى الناس فاستنصَتَهم، فأبَوا أن ينصتوا، فقال لهم:(ويلكم، ما عليكم أن تُنصتوا إليَّ فتسمعوا قولي، وإنّما أدعوكم إلى سبيل الرشاد، فمَن أطاعني كان من المرشدين، ومَن عصاني =


وذكره بما هو أهله، وصلّى على محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله وعلى الملائكة والأنبياء والرسُل، وأبلغ في المقال، ثمّ قال:

(تبّاً لكم أيتها الجماعة وترحاً، حين استصرختمونا والهين فأصرخناكم موجفين، سَللتم علينا سيفاً لنا في أيمانكم، وحششتم علينا ناراً اقتدحناها على عدوّنا وعدوّكم، فأصبحتم إلباً لأعدائكم على أوليائكم، بغير عدلٍ أفشوهُ فيكم، ولا أملٍ أصبح لكم فيها، فهلاّ لكم الويلات تركتمونا والسيف مشيم، والجأش طامن، والرأي لمّا يُستحصف؟! ولكن أسرعتم إليها كطيرة الدُبى (١) ،وتداعيتم إليها كتهافت الفَراش، فسحقاً لكم يا عبيد الأَمَة، وشُذّاذ الأحزاب، ونَبَذة الكتاب، ومحرّفي الكَلِم، وعصبة الآثام، ونَفثة الشيطان، ومُطفيء السُنن، أهؤلاء تعضدون وعنّا تتخاذلون؟!

أجل والله، غدر فيكم قديم، وَشجت عليه أصولكم، وتآزرت عليه فروعكم، فكنتم أخبث ثمر، شجىَ للناظر وأكلة للغاصب، ألا وإنّ الدّعيّ ابن الدّعي قد ركزَ بين اثنتين، بين السلّة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة، يأبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنون، وحجورٍ طابت وطهُرت، وأُنوف حميّة، ونفوس أبيّة، من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام، ألا وإنّي زاحف بهذه الأُسرة مع قلّة العدد وخذلة الناصر.

ثمّ أوصل كلامه بأبيات فروة بن مسيك المرادي:

____________________

=كان من المهلَكين، وكلّكم عاصٍ لأمري، غير مستمع لقولي، قد انخزلت عطياتكم من الحرام، ومُلئت بطونكم من الحرام، فطبع الله على قلوبكم، ويلكم، ألا تُنصتون؟! ألا تسمعون؟! فتلاوم أصحاب عمر بن سعد، وقالوا: أنصِتوا له، فقال الحسين:تبّاً لكم أيتها الجماعة وترَحاً..) إلى آخر خطبته الشريفة).

(١) الدُبى - كعصى: النمل، أصغر الجراد، والواحدة: الدَباة.


فـإنْ نُـهزم فهزامون قِدماً

وإنْ نُـغلب فـغير مُغلَّبينا

ومـا إنْ طـبّنا جُبنٌ ولكنْ

مـنايانا ودولـة آخـرينا

إذا ما الموت رفّع عن أُناسٍ

كـلاكـله أنـاخ بـآخرينا

فـأفنى ذلكم سروات قَومي

كـما أفنى القرون الأوّلينا

فـلو خلُد الملوك إذاً خلُدنا

ولـو بقيَ الملوك إذاً بقينا

فـقل لـلشامتين بنا أفيقوا

سـيلقى الشامتون كما لقينا

ثُمَّ أَيمُ الله، لا تلبثون بعدها إلاّ كرَيث ما يركب الفرس، حتى تدور بكم دَور الرحى، وتقلق بكم قلق المحور، عهدٌ عهده إليَّ أبي عن جدّي، فأجمِعوا أمركم وشركاءكم ثمَّ لا يكن أمركم عليكم غمَّة ثمَّ اقضوا إليَّ ولا تُنظِرون، إنّي توكّلت على الله ربّي وربّكم، ما من دابّة إلاّ هو آخذٌ بناصيتها إنّ ربّي على صراط مستقيم، اللّهمّ احبِس عنهم قطر السماء، وابعث عليهم سنين كسنيِّ يوسف، وسلِّط عليهم غلام ثقيف فيسومهم كأساً مصبَّرة (١) ؛فإنّهم كذبونا وخذلونا، وأنت ربّنا عليك توكّلنا وإليك أنبنا وإليك المصير.

ثمّ نزلعليه‌السلام ودعا بفرس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله المرتجز، فركبهُ وعبّأ أصحابه للقتال)(٢) .

____________________

(١) في مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي، ٢: ١٠٢:(... يسقيهم كأساً مصبَّرة فلا يدع فيهم أحداً، قتلة بقتلة، وضربة بضربة، ينتقم لي ولأوليائي وأهل بيتي وأشياعي منهم؛ فإنهم غرّونا وكذبونا...) .

(٢) اللهوف: ٤٢ - ٤٣، وتاريخ ابن عساكر، ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام ، تحقيق المحمودي: ٣١٧ - ٢٠ رقم ٢٧٣ بتفاوت، ومقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي، ٢: ٨ - ١٠ بتفاوت وفيه: (ثمّ قالعليه‌السلام :أين عمر بن سعد؟ ادعوا لي عمر، فدُعي له وكان كارهاً لا يحبّ أن يأتيه، فقال:(يا عمر، أنت تقتلني، وتزعم أن يولّيك الدعيّ ابن الدعيّ بلاد الري وجرجان؟! والله، لا تتهنّأ بذلك أبداً، عهد معهود، فاصنع ما أنت صانع، فإنّك لا تفرح بعدي بدنيا ولا آخرة، وكأنّي برأسك على قصبة قد نُصبت بالكوفة يتراماه الصبيان ويتخذونه غرضاً بينهم)! =


إشارات

١ - المستفاد من ظهر متون الأصول التاريخية التي روت نصّ خطاب الإمامعليه‌السلام قبل بدء القتال - على ما هي عليه من الاختلاف فيما بينها -: هو أنّ كُلاًّ من هذه النصوص يشكّل وحده متن هذا الخطاب، ومع فرض صحة صدور هذه النصوص جميعاً عن الإمامعليه‌السلام ، فلا محيص من أن تكون هذه النصوص خطباً متعددة خَطبهاعليه‌السلام قبل بدء القتال، أو أن تكون أجزاء ومقاطع متعددة من خطاب واحد، فُصلت بينها فواصل قطعت اتصالها ووحدة سياقها.

وبحسب طبيعة تدرّج الأمور والأشياء، فلابدَّ أن يكونعليه‌السلام قد بدأهم بتعريفهم بنفسه الشريفة وبنصيحتهم ودعوتهم إلى الحقّ، وتذكيرهم بكتبهم وعهودهم، ثمّ حيث لم يجد منهم الاستجابة والتسليم، بل الإصرار والعناد، فإنّ لهجة خطابه اشتدّت تبعاً لذلك.

من هنا، فإنّ الأرجح أن يكون النصّ الذي رواه الطبري والمفيد (ره) والذي كانت بدايته:(أيّها النّاس اسمعوا قولي، ولا تعجلوا حتّى أعظكم بما يحقّ لكم عليّ... أمّا بعد، فانسبوني فانظروا مَن أنا، ثمَّ ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها...) ، هو المقطع الأوّل من خطابهعليه‌السلام ، ثمَّ يأتي بعده - مقطعاً ثانياً - ما رواه الخوارزمي:(الحمدُ لله (١) الذي خلقَ الدنيا فجعلها دار فناء وزوال، متصرّفة بأهلها حالاً بعد حال...)، ثمّ حيث لم تنفع بهم المواعظ والاحتجاجات؛ فإنّ لهجة خطابه اشتدّت فقرّعهمعليه‌السلام ووبّخهم فقال:(تبّاً لكم أيتها الجماعة وترحاً...) ، فكان هذا المقطع هو

____________________

= فغضب عمر بن سعد من كلامه، ثمّ صرف بوجهه عنه، ونادى بأصحابه: ما تنظرون به؟ احملوا بأجمعكم إنّما هي أكلة واحدة).

(١) تنقل بعض المصادر بداية هذا النصّ هكذا:(أيّها الناس، إنّ الله خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال..) . (راجع: مقتل الحسينعليه‌السلام للمقرّم: ٢٢٧، وحياة الإمام الحسين بن عليعليه‌السلام ٣: ١٨٤).


الجزء الأخير من خطابهعليه‌السلام .

٢ - وربّما يستظهر المتأمّل أنّ خطاب برير (رض) كان فاصلاً بين المقطع الأوّل والمقطع الثاني من خطابهعليه‌السلام ، ولربّما كانت خطبة زهير بن القين (رض) - وتأتي فيما بعد - فاصلاً بين مقطعين من مقاطع خطابهعليه‌السلام ، أي أنّ خطابه قبل بدء القتال تخللّته فواصل؛ بسبب خطابَي برير وزهير رضوان الله عليهما.

٣ - ذهب المحقّق الشيخ السماوي (ره) إلى أنّ كلامهعليه‌السلام الأوّل هو خطبته الأولى، وهي تنتهي بنزولهعليه‌السلام عن راحلته التي عقَلها عقبة بن سمعان، وأنّ خطبته الثانية هي التي تبدأ بقوله:(تبّاً لكم أيتها الجماعة وتَرَحاً...) (١) .

٤ - وذهب المحقّق السيّد المقرّم (ره) إلى أنّ كلامهعليه‌السلام الأوّل هو خطبته الأولى(٢) .

وأنّ وقائع: حادثة عبد الله بن حوزة التميمي(٣) ، وحادثة محمّد بن الأشعث(٤) ،

____________________

(١) راجع: إبصار العين: ٣٢ - ٣٥.

(٢) راجع: مقتل الحسينعليه‌السلام للمقرّم: ٢٢٧ - ٢٢٩، وقد أدخل المقرّم (ره) في بطن هذه الخطبة قولهعليه‌السلام :(عباد الله اتّقوا الله وكونوا من الدنيا على حذر...) إلى آخر ما نقله عن كتاب زهر الآداب، ثمَّ أدخل بعده في بطن هذه الخطبة قولهعليه‌السلام :(أيها النّاس، إنّ الله تعالى خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال...) ، ولا نعلم المستند التاريخي أو التحليلي الذي اعتمده السيّد المقرّم فيما ذهب إليه؟

(٣) الرجل الذي سحلته فرسه - بدعاء الإمامعليه‌السلام - فحطّمته وألقت به في النار المشتعلة في الخندق، وقد مرّت بنا قصّته في ما مضى.

(٤) حيث دعا الإمامعليه‌السلام ، فلدغهُ عقرب أسود فمات بادي العورة، وقد مرّت بنا روايته في ما مضى.


وما حصل لمسروق بن وائل الحضرمي(١) ، وخطبة زهير بن القين (رض)، وخطبة برير (رض)، جميعها تأتي بعد خطبتهعليه‌السلام الأولى.

ثمّ تأتي بعد هذه الوقائع خطبتهعليه‌السلام الثانية، حيث يقول السيّد المقرّم (ره): (ثمّ إنّ الحسينعليه‌السلام ركب فرَسه، وأخذ مصحفاً ونشَره على رأسه ووقف بإزاء القوم، وقال:(يا قوم، إنّ بيني وبينكم كتاب الله وسُنّة جدّي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثمّ استشهدهم عن نفسه المقدّسة وما عليه من سيف النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ولامَتهُ وعمامته، فأجابوه بالتصديق، فسألهم عمّا أقدَمهم على قتله؟ قالوا: طاعة للأمير عبيد الله بن زياد! فقالعليه‌السلام :تبّاً لكم أيتُها الجماعة وتَرحاً..) (٢) .

٥ - أمّا المحقّق الشيخ القرشي، فقد ذهبَ إلى ما ذهبنا إليه في أنّ الإمامعليه‌السلام كان قد خطب خطبة واحدة، متألّفة من مقاطع فُصلت بينها فواصل، لكنّه ذكر أنّ خطبة زهير (رض) ثمّ خطبة برير (رض) فُصلتا بين مقطعي خطبتهعليه‌السلام ؛ إذ إنَّ الشيخ القرشي - كما السيّد المقرّم - أدرجَ المقطع الذي رواه الخوارزمي:(الحمدُ لله الذي خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال...) (٣) في المقطع الأوّل، وذَكرهُ بعد إسكات النساء عن الصراخ والبكاء، ولا نعلم أيضاً المستند التاريخي أو التحليلي للسياق الذي اعتمده؟ ولعلّه اعتمد على ما ذهب إليه السيّد المقرّم رحمة الله عليه.

____________________

(١) حيث كان في أوائل الخيل طمعاً في أن يُصيب رأس الحسين حُبّاً في الجائزة، فلمّا رأى ما صنع الله بابن حوزة قال: رأيت من أهل هذا البيت شيئاً! لا أقاتلهم أبداً، وقد مرَّ بنا ذكر قصّته أيضاً.

(٢) راجع: مقتل الحسينعليه‌السلام للمقرّم: ٢٣٠ - ٢٣٥ و، لا نعلم المستند التاريخي والتحليلي لهذا السياق الذي اعتمده المرحوم السيّد المقرّم؟

(٣) راجع: حياة الإمام الحسين بن عليعليهما‌السلام : ٣: ١٨٤ - ١٩٥.


خطابُ زهير بن القين (رض)

لم تحدّد المصادر التاريخية الأساسية التي روت خطاب زهير بن القين (رض) قبل بدء القتال موقع هذا الخطاب بدقة، أي هل كان قبل خطاب الإمامعليه‌السلام أم بعده، أم كان في أثنائه، وهل كان قبل خطاب برير (رض) أم بعده؟

يروي الطبري عن كثير بن عبد الله الشعبي أنّه قال: (لمّا زحفنا قِبَل الحسين خرج إلينا زهير بن القين على فرس له ذنب، شاكٍ في السلاح، فقال: يا أهل الكوفة، نذارِ لكم من عذاب الله نذار، إنّ حقّاً على المسلم نصيحة أخيه المسلم، ونحن حتّى الآن إخوة، وعلى دين واحدة وملّة واحدة، ما لم يقع بيننا وبينكم السيف، وأنتم للنصيحة منّا أهلٌ فإذا وقع السيف انقطعت العصمة وكنّا أمّة وأنتم أمّة.

إنّ الله قد ابتلانا وإيّاكم بذريّة نبيّه محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ لينظر ما نحن وأنتم عاملون، إنّا ندعوكم إلى نصرهم وخذلان الطاغية عبيد الله بن زياد؛ فإنّكم لا تُدركون منهما إلاّ بسوء عُمُر سلطانهما كلّه! ليُسملان أعينكم ويُقطّعان أيديكم وأرجلكم، ويمثّلان بكم، ويرفعانكم على جذوع النخل، ويقتلان أماثلكم وقُرّاءكم، أمثال: حُجر بن عدي وأصحابه، وهانئ بن عروة وأشباهه.

قال: فسبّوه وأثنوا على عبيد الله بن زياد ودعوا له، وقالوا: والله، لا نبرح حتّى نقتل صاحبك ومَن معه، أو نبعث به وبأصحابه إلى الأمير عبيد الله سِلماً.

فقال لهم: عبادَ الله، إنّ وِلْدَ فاطمة رضوان الله عليها أحقّ بالودّ والنصر من ابن سميّة، فإنْ لم تنصروهم فأُعيذكم بالله أن تقتلوهم، فخلّوا بين هذا الرجل وبين ابن عمّه يزيد بن معاوية، فلعمري إنّ يزيد ليرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين.

قال: فرماه شمر بن ذي الجوشن بسهم وقال: اُسكتْ، أَسكتَ الله نامتك!


أبرمْتنا بكثرة كلامك.

فقال له زهير: يا بن البوّال على عقِبَيه، ما إيّاك أُخاطب إنّما أنت بهيمة، والله ما أظنّك تُحكم من كتاب الله آيتين، فأبشر بالخزي يوم القيامة والعذاب الأليم.

فقال له شمر: إنّ الله قاتلك وصاحبك عن ساعة.

قال: أفبالموت تخوّفني؟ فو الله للَمَوت معه أحبّ إليَّ من الخُلد معكم.

قال: ثمّ أقبلَ على النّاس رافعاً صوته فقال: عبادَ الله، لا يغرّنكم من دينكم هذا الجلَف الجافي وأشباهه، فو الله لا تنال شفاعة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله قوماً أهرقوا دماء ذرّيته وأهل بيته، وقتلوا مَن نصرهم وذبَّ عن حريمهم.

قال: فناداه رجل فقال له: إنّ أبا عبد الله يقول لك:(أقبِل، فلعمري لئن كان مؤمن آل فرعون نصح لقومه وأبلغ في الدعاء، لقد نصحت لهؤلاء وأبلغت لو نفع النُصح والإبلاغ) (١) .

الحرّ بن يزيد الرياحي.. والموقف الخالد

قال الشيخ المفيد (ره): (فلمّا رأى الحرّ بن يزيد أنّ القوم قد صمّموا على قتال الحسينعليه‌السلام ، قال لعمر بن سعد:أَيْ عُمر، أمُقاتلٌ أنت هذا الرجل؟!

قال: إي والله، قتالاً أيسره أن تسقط الرؤوس وتطيح الأيدي.

قال:أفما لكم فيما عرضهُ عليكم رضا؟!

____________________

(١) تاريخ الطبري: ٣: ٣٢٠، وانظر: الكامل في التاريخ: ٣: ٢٨٨ باختصار، وكذلك أنساب الأشراف: ٣: ٣٩٧.


قال عمر: أمَا لو كان الأمرُ إليَّ لفعلتُ! ولكنّ أميرك قد أبى.

فأقبل الحرُّ حتى وقف من الناس موقفاً، ومعه رجل من قومه يُقال له قُرّة بن قيس، فقال: يا قُرّة هل سقيتَ فرسك اليوم؟

قال: لا.

قال: فما تريد أن تسقيه؟

قال قُرّة: فظننتُ والله أنّه يُريد أن يتنحّى فلا يشهد القتال، ويكره أن أراه حين يصنع ذلك، فقلت له: لمْ أسقِه، وأنا منطلق فأسقيه.

فاعتزل ذلك المكان الذي كان فيه، فو الله لو أنّه أطلعني على الذي يُريد لخرجت معه إلى الحسين بن عليّعليه‌السلام (١) .

فأخذ يدنو من الحسين قليلاً قليلاً، فقال له المهاجر بن أوس: ما تريد يا بن يزيد، أتريد أن تحمل؟

فلم يجبه وأخذهُ مثل الأفكل - وهي الرعدة - فقال له المهاجر: إنّ أمرك لمريب، والله، ما رأيتُ منك في موقف قطُّ مثلَ هذا، ولو قيل لي: مَن أشجع أهل الكوفة ما عَدوتك، فما هذا الذي أرى منك؟

____________________

(١) كان الحرّ (رض) يعلم أنّ قرّة بن قيس لعنه الله ليس ممّن يتأسّى بالأحرار لنصرة الحق وأهله، بل هو من المشلولين نفسيّاً الذين يكذبون حتّى على أنفسهم، والأقوى أنّ الحرّ (رض) خشي من قُرَّة - لو أطلعه على نيّته وعزمه - أن يُفشي أمره ويمنعه من تحقيق غايته؛ ولذا كتمَ عليه نيّته وعزمه.

والدليل على كذب قُرّة بن قيس: نفسُ بقائه في جيش ابن سعد حتّى بعد التحاق الحرّ (رض) بالإمامعليه‌السلام ، بل لقد أصرّ قُرّة هذا على مناصرة وحماية أهل الضلال حتّى بعد تزعزع كيانهم، فقد بعثهُ مسعود بن عمرو الأزدي على رأس مئة من الأزد لحماية ابن زياد حتّى القدوم به إلى الشام، بعد أن طرده أهل البصرة منها (راجع: الإمام الحسينعليه‌السلام في مكّة المكرّمة: ٣٤).


فقال له الحرّ:إنّي والله أُخيِّر نفسي بين الجنّة والنار، فو الله لا أختار على الجنّة شيئاً ولو قُطِّعتُ وحُرّقت.

ثمّ ضربَ فرسه فلَحِق بالحسينعليه‌السلام فقال له: جُعلت فداك يا بن رسول الله، أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع، وسايرتك في الطريق، وجعجعتُ بك في هذا المكان، وما ظننتُ أنّ القوم يردّون عليك ما عرضتهُ عليهم، ولا يبلغون منك هذه المنزلة، والله، لو علمتُ أنّهم ينتهون بك إلى ما أرى ما ركبت منك الذي ركبت، وإنّي تائب إلى الله ممّا صنعتُ، فترى لي من ذلك توبة؟(١)

فقال له الحسينعليه‌السلام :(نعم، يتوب الله عليك، فانزِل (٢) .

قال: أنا لك فارساً خير منّي راجلاً، أُقاتلهم على فرَسي ساعة، وإلى النزول ما يصير آخر أمري.

فقال له الحسينعليه‌السلام :فاصنع يرحمك الله ما بدا لك).

فاستقدمَ أمام الحسينعليه‌السلام (٣) ثمّ قال:

____________________

(١) في تاريخ الطبري: ٣: ٣٢٠: (... والله الذي لا إله إلاّ هو، ما ظننتُ أنّ القوم يردّون عليك ما عرضت عليهم أبداً، ولا يبلغون منك هذه المنزلة، فقلت في نفسي: لا أبالي أن أطيع القوم في بعض أمرهم ولا يرون أنّي خرجت من طاعتهم، وأمّا هم فسيقبلون من حسين هذه الخصال التي يعرض عليهم، ووالله لو ظننتُ أنّهم لا يقبلونها منك ما ركبتها منك، وإنّي قد جئتك تائباً ممّا كان منّي إلى ربّي، ومواسياً لك بنفسي حتى أموت بين يديك، أفترى ذلك لي توبة؟).

(٢) في تاريخ الطبري: ٣: ٣٢٠:(.. نعم، يتوب الله عليك ويغفر لك، ما اسمك؟ قال: أنا الحرُّ بن يزيد، قال:أنت الحرّ كما سمّتك أُمّك، أنت الحرُّ في الدنيا والآخرة، انزِل...) .

(٣) في المصدر (الإرشاد: ٢: ١٠٠): (فاستقدم أمام الحسينعليه‌السلام ، ثمّ أنشأ رجل من أصحاب الحسينعليه‌السلام يقول:

لنعِم الحرُّ حرُّ بني رياحِ

وحُرٌّ عند مختلف الرماحِ

=


يا أهل الكوفة، لأُمِّكم الهَبَلُ والعَبَرُ، أدَعوتم هذا العبد الصالح حتّى إذا أتاكم أسلمتموه؟ وزعمتم أنّكم قاتِلوا أنفسكم دونه ثمّ عدوتم عليه لتقتلوه؟! أمسكتم بنفسه، وأخذتم بكظمه، وأحطتم به من كلّ جانب لتمنعوه التوجّه في بلاد الله العريضة(١) ، فصار كالأسير في أيديكم لا يملك لنفسه نفعاً ولا يدفع عنها ضرّاً، وحلأتموه ونساءَه وصبيته وأهله عن ماء الفرات الجاري يشربه اليهود والنصارى والمجوس، وتمرغ فيه خنازير السواد وكلابه! وهاهم قد صرعهم العطش! بئس ما خلفتم محمّداً في ذرّيته، لا سقاكم الله يوم الظمأ الأكبر(٢) .

فحمل عليه رجال يرمونه بالنبْل، فأقبلَ حتّى وقف أمام الحسينعليه‌السلام )(٣) .

هل التحق ثلاثون رجلاً بالإمامعليه‌السلام يوم عاشوراء؟

يقول ابن عبد ربّه الأندلسي: (وكان مع عمر بن سعد ثلاثون رجلاً من أهل الكوفة فقالوا: يعرض عليكم ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ثلاث خصال فلا تقبلون منها شيئاً؟! فتحوّلوا مع الحسين فقاتلوا معه)(٤) .

____________________

=

ونِعمَ الحرُّ إذْ نادى حسينٌ

وجاد بنفسه عند الصباحِ

ولكنّ الطبري لم يورد هذه الأبيات داخل سياق التحاق الحرّ (رض) بالإمامعليه‌السلام ، كما أنّ المشهور أنّ هذه الأبيات قيلت بعد مصرعه (رض).

(١) في تاريخ الطبري: ٣: ٣٢٠: (.. فمنعتموه التوجّه في بلاد الله العريضة حتّى يأمن ويأمن أهل بيته، وأصبح في أيديكم كالأسير..).

(٢) وكذلك في تاريخ الطبري: (.. لا سقاكم الله يوم الظمأ إنّ لم تتوبوا وتنزعوا عمّا أنتم عليه من يومكم هذا في ساعتكم هذه، فحملت عليه رجّالة لهم ترميه بالنبل...).

(٣) الإرشاد: ٢: ٩٩ - ١٠١.

(٤) العقد الفريد: ٥: ١٢٨، وانظر: تهذيب ابن عساكر: ٤: ٣٣٨، والإمامة والسياسة: ٢: ٦، وسير أعلام =


إشارة:

إنّ المتأمّل في متون المصادر التاريخية(١) - التي ذكرت قضيّة تحوّل والتحاق ثلاثين رجلاً من جيش ابن سعد بالإمامعليه‌السلام - يجد أنّ هذه المتون لا تُشخّص ساعة وزمان التحاقهم بالتحديد، لكنّ ظاهر هذه المتون يوحي بأنّ هذا الالتحاق كان قد حصلَ يوم عاشوراء.

ولذا فإنّ بعض المؤرّخين المتأخرين - أخذاً بهذا الظاهر - ذكرَ قضيّة هذا الالتحاق بعد ذكره التحاق الحرّ (رض) بالإمامعليه‌السلام (٢) ، بل ذهب آخر إلى القول: (ولا شكّ في أنّ موقف الحرّ بن يزيد كان له أعمق الأثر في نفوس الكثيرين من جيش ابن زياد،... ولذلك لم يلبث أن انحاز إلى الحرّ بن يزيد في انتصاره للحسين جماعة من أعيان الكوفة وفرسانها يُقدّر عددهم بثلاثين فارساً)(٣) ، فهذا الكاتب يصرّح بأنّ التحاق هؤلاء الثلاثين كان نتيجة التأثّر بالتحاق الحرّ (رض) بالإمامعليه‌السلام صبيحة عاشوراء.

ولنا هنا ملاحظات في هذا الصدد:

١ - ليس هناك دليل تاريخي يفيد أنّ التحاق هؤلاء الثلاثين (رض) كان بعد التحاق الحرّ (رض) أو كان نتيجة له.

٢ - هناك مصادر تاريخية أخرى تروي أنّ عملية التحوّل والالتحاق

____________________

= النبلاء: ٣: ٣١١، وتاريخ الخميس: ٢: ٢٩٨، وذخائر العقبى: ١٤٩، والمحن، ١٣٣، وانظر: حياة الإمام الحسين بن عليعليهما‌السلام / ٣: ١٩٨ عن تهذيب التهذيب: ١: ١٥٢، وفي ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام ومقتله من القسم غير المطبوع من كتاب الطبقات الكبير لابن سعد تحقيق السيد عبد العزيز الطباطبائي (ره)، ص٦٩ (وأتاهم من الجيش عشرون رجلاً).

(١) التي ذكرناها في الحاشية.

(٢) راجع: حياة الإمام الحسين بن عليّعليهما‌السلام : ٣: ١٩٨.

(٣) سيّد شباب أهل الجنّة: ٢٧٧.


بالإمامعليه‌السلام من قِبل مجموعة من جيش ابن سعد كانت قد تمّت ليلة العاشر، فهذا السيّد ابن طاووس (ره) يروي قائلاً: (وبات الحسينعليه‌السلام وأصحابه تلك الليلة ولهم دويٌّ كدويّ النحل، ما بين راكع وساجد وقائم وقاعد، فعبَر عليهم في تلك الليلة من عسكر عمر بن سعد اثنان وثلاثون رجلاً..)(١) .

٣ - إنّ هذه الخصال أو الشروط التي تتحدّث مصادر تاريخية أنّ الإمامعليه‌السلام عرضها على ابن سعد ورُدَّت عليه(٢) - على فرض أنّها عُرضت يوم عاشوراء أيضاً - كانت قد عُرضت أيضاً قبل يوم عاشوراء، وبالتحديد بعد إحكام الحصار على معسكر الإمامعليه‌السلام ، أي في اليوم السابع أو الثامن، وقد وردت هذه الخصال المزعومة في رسالة ابن سعد إلى ابن زياد(٣) ، ولا شكّ أنّ أمر هذه الرسالة ومحتواها - على فرض صحّة خبرها - كان قد انتشر في صفوف جيش ابن سعد؛ لأهميتها البالغة.

٤ - تذكر كتب التراجم والتواريخ أسماء مجموعة من الأنصار قد تحوّلوا إلى معسكر الإمامعليه‌السلام في سواد ليلة عاشوراء - بعد ردّ الجيش الأموي ما عرضه الإمامعليه‌السلام - ومن هؤلاء الأنصار (رض) على سبيل المثال لا الحصر: جوين بن مالك بن قيس بن ثعلبة التميمي (رض)، وزهير بن سليم الأزدي (رض)، والنعمان بن عمرو الأزدي الراسبي (رض)، وأخوه الحُلاس (رض)(٤) .

بل تذكر كتب التراجم والتاريخ: أنّ بعض هؤلاء الأنصار (رض) كان قد تحوّل

____________________

(١) اللهوف: ٤١.

(٢) راجع: تاريخ الطبري: ٣: ٣١٢، وقد تمَّ إثبات أنّ هذه الخصال الثلاث أو الشروط المزعومة هي أُكذوبة افتراها عمر بن سعد في رسالته إلى ابن زياد.

(٣) راجع: تاريخ الطبري، ٣: ٣١٢.

(٤) راجع: إبصار العين، ١٩٤ و ١٨٦ و ١٨٧.


إلى معسكر الإمامعليه‌السلام - بعد ردّ ما عرضهُ الإمامعليه‌السلام - دون أن تُشخّص أنّ هذا التحوّل كان ليلة عاشوراء، ممّا يفيد أنّ هذا الالتحاق ربّما كان قبل ليلة عاشوراء، ومن هؤلاء على سبيل المثال: عمرو بن ضبيعة الضبعي (رض)(١) ، والحارث بن امرئ القيس الكندي (رض)(٢) .

إذاً فالصحيح: أنّ تحوّل والتحاق مجموعة من رجال جيش ابن سعد إلى معسكر الإمامعليه‌السلام قد بدأ ليلة العاشر - أو قبل ذلك على احتمال - ثمّ استمرت عمليّة التحوّل هذه حتى يوم عاشوراء، إلى أن تمّ في يوم عاشوراء عدد الرجال الذين تحوّلوا إلى معسكر الإمام الحسينعليه‌السلام ثلاثين أو يزيدون، وهذا ما ذهب إليه أيضاً المحقّق السماوي (ره) في تلخيصه لمجريات وقائع نهضة الإمامعليه‌السلام ، حيث يقول: (.. فقطعَ - أي عمر بن سعد - المراسلات بينه وبين الحسين، وضيّق عليه ومنع عليه ورود الماء، وطلب منه إحدى الحالتين النزول أو المنازلة، فجعلَ يتسلّل إلى الحسين من أصحاب عمر بن سعد في ظلام الليل الواحد أو الاثنان، حتى بلغوا في اليوم العاشر زهاء ثلاثين ممّن هداهم الله إلى السعادة ووفّقهم إلى الشهادة)(٣) .

____________________

(١) راجع: إبصار العين: ١٩٤، ووسيلة الدارين: ١٧٧ رقم ١١٢.

(٢) راجع: وسيلة الدارين: ١١٦ - ١١٧ رقم ٢٦.

(٣) إبصار العين: ٣٠ - ٣١.


بدايةُ الحرب - الحملة الأولى

عُمَر بن سعد: اشهدوا أنّي أوّلُ مَن رمى

قال الشيخ المفيد (ره): (ونادى عمر بن سعد: يا ذويد(١) ، أَدْنِ رايتك، فأدناها، ثمّ وضع سهمه في كبد قوسه، ثمّ رمى، وقال: اشهدوا أنّي أوّل مَن رمى، ثمّ ارتمى النّاس وتبارزوا...)(٢) .

وروى الخوارزمي قائلاً: (وزحفَ عمر بن سعد، فنادى غلامه دريداً: قدِّمْ رايتك يا دريد، ثمَّ وضع سهمه في كبد قوسه، ثمّ رمى به وقال: اشهدوا لي عند الأمير أنّي أوّل مَن رمى، فرمى أصحابه كلّهم بأجمعهم في أثره رشقة واحدة، فما بقيَ من أصحاب الحسين أحدٌ إلاّ أصابه من رميتهم سهم)(٣) .

الإمامعليه‌السلام يأذن لأنصاره (رض) بالقتال

وقال السيد ابن طاووس (ره): (فتقدّم عمر بن سعد فرمى نحو عسكر الحسينعليه‌السلام بسهم، وقال: اشهدوا لي عند الأمير أنّي أوّل مَن رمى، وأقبلت السهام من القوم كأنّها القطَْر، فقالعليه‌السلام لأصحابه:(قوموا رحمكم الله إلى الموت الذي لابدّ منه، فإنّ هذه السهام رُسل القوم إليكم) ، فاقتتلوا ساعة من النهار حملة وحملة، حتّى قُتل من أصحاب الحسينعليه‌السلام جماعة.

____________________

(١) مرَّ في نفس كتاب الإرشاد: ٢: ٩٦ أنّ اسم هذا الغلام دريد.

(٢) الإرشاد: ٢: ١٠١، وانظر: تاريخ الطبري: ٣: ٣٢١، والكامل في التاريخ: ٣: ٢٨٩، وإعلام الورى: ٢: ٤٦١، والدرّ النظيم: ٥٥٤، وقال الدينوري في الأخبار الطوال: ٢٥٦: (ونادى عمر بن سعد مولاه زيداً أن قدِّم الراية، فتقدّم بها، وشبّت الحرب).

(٣) مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي، ٢: ١١، وتسلية المجالس: ٢: ٢٧٨.


قال: فعندها ضرب الحسينعليه‌السلام بيده إلى لحيته، وجعل يقول:

(اشتدّ غضب الله تعالى على اليهود إذ جعلوا له ولداً، واشتدّ غضب الله تعالى على النصارى إذ جعلوه ثالث ثلاثة، واشتدّ غضبه على المجوس إذ عبدوا الشمس والقمر دونه، واشتدّ غضبه على قوم اتّفقت كلمتهم على قتل ابن بنت نبيّهم، أمَا والله، لا أُجيبهم إلى شيء ممّا يريدون حتّى ألقى الله تعالى وأنا مُخضّب بدمي) (١) .

وقال الخوارزمي: (قال أبو مخنف: فلمّا رموهم هذه الرمية قلّ أصحاب الحسينعليه‌السلام ، فبقيَ في هؤلاء القوم الذين يُذكرون في المبارزة، وقد قُتل منهم ما يُنيف على خمسين رجلاً...)(٢) .

النصرُ يرفرف على رأس الحسينعليه‌السلام

روى الشيخ الكليني (ره) عن الإمام الباقرعليه‌السلام قال:(أنزلَ الله تعالى النصر على الحسين عليه‌السلام حتى كان ما بين السماء والأرض، ثمّ خُيِّر: النصر أو لقاء الله، فاختار

____________________

(١) اللهوف: ١٥٨ وفي مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي، ٢: ١١ - ١٢: (.. فعندها ضرب الحسينعليه‌السلام بيده إلى لحيته، فقال:(هذه رُسل القوم - يعني السهام - ثمّ قال:اشتدّ غضب الله على اليهود والنصارى إذ جعلوا له ولداً، واشتدّ غضب الله على المجوس إذ عبدت الشمس والقمر والنار من دونه، واشتدّ غضب الله على قوم اتفقت آراؤهم على قتل ابن بنت نبيّهم، والله، لا أجيبهم إلى شيء ممّا يريدونه أبداً حتّى ألقى الله وأنا مخضّب بدمي، ثمّ صاحعليه‌السلام :أمَا من مغيثٍ يُغيثنا لوجه الله تعالى؟ أمَا من ذابّ يذبّ عن حُرَم رسول الله؟).

(٢) مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢: ١١، وتسلية المجالس: ٢: ٢٧٨، وانظر: مثير الأحزان: ٥٦، ومقتل الحسينعليه‌السلام للمقرّم: ٢٣٧.


لقاء الله) (١) .

وينقلها السيّد ابن طاووس (ره) عن معالم الدين للنرسي هكذا: (لمّا التقى الحسينعليه‌السلام وعمر بن سعد لعنه الله وقامت الحرب، أُنزل النصر حتّى رفرف على رأس الحسينعليه‌السلام ، ثمَّ خُيِّر بين النصر على أعدائه وبين لقاء الله تعالى، فاختار لقاء الله تعالى)(٢) .

المبارزةُ التي وقعت قبل الحملة الأولى

عبد الله بن عمير الكلبي (رض)... والموقف البطولي

لمّا أدنى عمر بن سعد رايته ورمى بالسهم معلناً بداية الحرب ارتمى الناس (فلمّا ارتموا خرج يسار مولى زياد بن أبي سفيان، وسالم مولى عبيد الله بن زياد، فقالا: مَن يُبارز؟ ليخرج إلينا بعضكم.

قال: فوثب حبيب بن مظاهر، وبرير بن خضير، فقال لهما الحسين:(اجلسا.

فقام عبد الله بن عمير الكلبي فقال: أبا عبد الله، رحمك الله، ائذن لي فلأَخرج إليهما.

فرأى حسين رجلاً آدم طويلاً، شديد الساعدين، بعيد ما بين المنكبين، فقال حسين:إنّي لأحسبهُ للأقران قتّالاً، اُخرج إنْ شئت) .

____________________

(١) الكافي: ١: ٢٦٠ باب (أنّ الأئمةعليهم‌السلام يعلمون متى يموتون، وأنّه لا يموتون إلاّ باختيار منهم)، حديث رقم ٨.

(٢) اللهوف: وقد مرَّ في الجزء الأوّل (الإمام الحسينعليه‌السلام في المدينة المنوّرة) كيف نفهم أحد أبعاد هذه الرواية في ضوء (منطق الشهيد الفاتح) - فضلاً عن بُعدها العرفاني - فراجع ذلك في مضانّه من الجزء الأوّل: ص١٦٥ - ١٦٦.


قال: فخرج إليهما، فقالا له: مَن أنت؟

فانتسبَ لهما، فقالا: لا نعرفك، ليخرج إلينا زهير بن القين، أو حبيب بن مظاهر، أو برير بن خضير.

ويسار مستنتل أمام سالم، فقال له الكلبي: يا بن الزانية، وبك رغبة عن مبارزة أحد من الناس؟ ويخرج إليك أحد من الناس إلاّ وهو خيرٌ منك؟ ثمّ شدَّ عليه فضربه بسيفه حتى برد، فإنّه لمشتغل به يضربه بسيفه إذ شدَّ عليه سالم، فصاح به أصحابه: قد رهقك العبد، فلم يأبه له حتى غشيه فبدرهُ الضربة، فاتّقاه الكلبي بيده اليسرى، فأطار أصابع كفّه اليسرى، ثمّ مالَ عليه الكلبيّ فضربه حتّى قتله، وأقبلَ الكلبيّ مرتجزاً وهو يقول وقد قتلهما جميعاً:

إنْ تُـنكروني فأنا ابن كلب

حسبي ببيتي في عُلَيْمٍ حسبي

إنّـي امرؤٌ ذو مِرَّةٍ وعصبِ

ولـستُ بالخوّار عند النّكبِ

إنّـي زعـيمٌ لـكِ أُمَّ وهبِ

بالطعن فيه مُقدماً والضربِ

ضرب غُلامٍ مؤمنٍ بالربِّ

فأخذت أمّ وهب امرأته عموداً، ثمَّ أقبلت نحو زوجها تقول له: فداك أبي وأمّي، قاتِل دون الطيبين ذرّية محمّد.

فأقبل إليها يردّها نحو النساء، فأخذت تجاذب ثوبه(١) ، ثمّ قالت: إنّي لن أدعك دون أن أموت معك، فناداها حسينٌ فقال:

(جُزيتم من أهل بيت خيراً، ارجعي رحمك الله إلى النساء فاجلسي معهنّ، فإنّه ليس على النساء قتال) ، فانصرفت إليهنّ)(٢) .

____________________

(١) وإنّ يمينه سدكت على السيف، ويساره مقطوعة أصابعها، فلا يستطيع ردّ امرأته. (راجع: إبصار العين: ١٨٠).

(٢) تاريخ الطبري: ٣: ٣٢٣، وانظر: الإرشاد: ٢: ١٠١.


بعضُ تفاصيل الحملة الأولى

يظهر من المتون التاريخية أنّ الحملة الأولى كان قد شنّها جيش عمر بن سعد على جيش الإمامعليه‌السلام ، عقيب المبارزة التي قَتل فيها عبد الله بن عمير الكلبي (رض) كُلاًّ من يسار مولى زياد بن أبيه، وسالم مولى عبيد الله بن زياد، يروي الطبري بداية الحملة الأولى فيقول: (وحملَ عمرو بن الحجّاج(١) وهو على ميمنة الناس في الميمنة(٢) ، فلمّا أن دنا من حسين جثوا على الرُكَبِ وأشرعوا الرماح نحوهم، فلم تَقدم خيلهم على الرماح، فذهبت الخيل لترجع، فرشقوهم بالنبل فصرعوا منهم رجالاً وجرحوا منهم آخرين..)(٣) .

وروى الطبري عمّن سمع عمرو بن الحجّاج حين دنا من أصحاب الحسينعليه‌السلام أنّه كان يقول: (يا أهل الكوفة، الزموا طاعتكم وجماعتكم، ولا ترتابوا في قتل مَن مرَقَ من الدين وخالف الإمام!

فقال له الحسين:(يا عمرو بن الحجّاج، أعَليَّ تُحرّض الناس؟ أنحن مَرَقنا

____________________

(١) مرّت بنا ترجمة موجزة لعمرو بن الحجّاج لعنه الله في الجزء الثاني من هذه الدراسة (مع الركب الحسيني من المدينة إلى المدينة) في ص٣٤٣ منه، ونضيف إليها هنا ما يتعلّق بنهاية هذا الظالم الآثم: يقول الدينوري:

(وهرب عمرو بن الحجّاج وكان من رؤساء قتلة الحسين يريد البصرة، فخافَ الشماتة، فعدلَ إلى سراف فقال له أهل الماء: ارحل عنّا، فإنّا لا نأمن المختار، فارتحلَ عنهم، فتلاوموا وقالوا: قد أسأنا، فركبت جماعة منهم في طلبه ليردّوه، فلمّا رآهم من بعيد ظنّ أنّهم من أصحاب المختار، فسلكَ الرّمل في مكان يُدعى (البُيَيْضَة) وذلك في حمّارة القيظ، هي فيما بين بلاد كلب وبلاد طي، فقال فيها فقتلهُ ومَن معه العطش). (الأخبار الطوال: ٣٠٣).

(٢) أي في ميمنة جيش عمر بن سعد، والظاهر أنّ الأصل أن تهجم الميمنة على ميسرة الجيش المقابل؛ لأنّها تكون المقابلة لها.

(٣) تاريخ الطبري، ٣: ٣٢٣، وانظر: الإرشاد: ٢: ١٠٢.


وأنتم ثبتُّم عليه؟ أمَا والله، لتعلمُنَّ لو قد قُبضت أرواحكم ومِتُّمُ على أعمالكم أيّنا مرَق من الدين، ومَن هو أَولى بصَليِ النّار؟!...).

ثمَّ إنَّ عمرو بن الحجّاج حملَ على الحسين في ميمنة عمر بن سعد من نحو الفرات فاضطربوا ساعة، فصُرع مسلم بن عوسجة الأسدي، أوّل أصحاب الحسين، ثمّ انصرف عمرو بن الحجّاج وأصحابه، وارتفعت الغبرة فإذا هم به صريع، فمشى إليه الحسين فإذا به رمق، فقال:(رحمك ربّك يا مسلم بن عوسجة ( فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) ).

ودنا منه حبيب بن مظاهر فقال:عزَّ عليَّ مصرعك يا مسلم، أبشِر بالجنّة.

فقال له مسلم قولاً ضعيفاً:بشّرك الله بخير.

فقال له حبيب: لولا أنّي أعلم في أثرك لاحقٌ بك من ساعتي هذه لأحببتُ أن توصيني بكلّ ما أهمَّك، حتى أحفظك في كلّ ذلك بما أنت أهل له في القرابة والدين.

قال: بل أنا أوصيك بهذا رحمك الله - وأهوى بيده إلى الحسين - أن تموت دونه.

قال: أفعلُ وربّ الكعبة.

قال: فما كان بأسرع من أن مات بأيديهم.

وصاحت جارية له فقالت: يا بن عوسجتاه! يا سيّداه!

فتنادى أصحاب عمرو بن الحجّاج: قتلنا مسلم بن عوسجة!

فقال شبث لبعض مَن حوله مِن أصحابه: ثكلتكم أمّهاتكم، إنّما تقتلون أنفسكم بأيديكم، وتذلّلون أنفسكم لغيركم، تفرحون أن يُقتل مثل مسلم بن


عوسجة؟! أمَا والذي أسلمتُ له، لرُبَّ موقف له قد رأيته في المسلمين كريم، لقد رأيته يوم سَلق آذربيجان قتلَ ستّة من المشركين قبل أن تتامّ خيول المسلمين، أفيُقتل منكم مثله وتفرحون؟!

قال: وكان الذي قتل مسلم بن عوسجة: مسلم بن عبد الله الضبّابي، وعبد الرحمان بن أبي خُشكارة البجلي...)(١) .

زيارة الناحية المقدّسة تؤيّد أنّ مسلم بن عوسجة (رض) أوّل شهداء الحملة الأولى، أي أوّل شهداء الطفّ رضوان الله تعالى عليهم، فقد ورد فيها السلام على مسلم بن عوسجة هكذا:

(السلام على مسلم بن عوسجة الأسديّ، القائل للحسين وقد أذِن له في الانصراف: أنحن نخلّي عنك؟ وبمَ نعتذر عند الله من أداء حقّك؟ لا والله، حتى أكسِر في صدورهم رمحي هذا، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، ولا أُفارقك، ولو لم يكن معي سلاح أُقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة، ولم

____________________

(١) تاريخ الطبري: ٣: ٣٢٦، وانظر: الإرشاد: ٢: ١٠٣ - ١٠٤، والمنتظم لابن الجوزي: ٥: ٣٣٩، والبداية والنهاية لابن كثير: ٨: ١٨٢، وجواهر المطالب للباعوني: ٢: ٢٨٦، وأمّا ما ورد في مناقب ابن شهرآشوب: ٤: ١٠١ ((ثمّ برزَ مسلم بن عوسجة مرتجزاً:

إنْ تـسألوا عنّي فإنّي ذو لبد

من فرع قوم في ذرى بني أسد

فـمَن بـغانا حائدٌ عن الرشد

وكـافر بـدين جـبّار صمد

وفي اللهوف: ١٦١: (ثمّ خرجَ مسلم بن عوسجة فبالغَ في قتال الأعداء، وصبر على أهوال البلاء حتى سقط إلى الأرض وبه رمق، فمشى إليه الحسينعليه‌السلام ...).

فلا دلالة فيه على أنَّ مسلماً (رض) قُتل مبارزة بعد الحملة الأولى، بل إنّ (ثُمّ) الموجودة في بعض كتب التواريخ والمقاتل لا تدلّ على ترتيب وقائع الأحداث فعلاً، ولعلّ المتأمّل في سياقات كتاب اللهوف خاصة يرى هذه الحقيقة واضحة.


أُفارقك حتى أموت معك، وكُنت أوّل مَن شرى نفسه، وأوّل شهيد شهد لله وقضى نحبه، ففزتَ وربّ الكعبة، شكر الله استقدامك ومواساتك إمامك، إذ مشى إليك وأنت صريع فقال: يرحمك الله يا مسلم بن عوسجة، وقرأ: ( فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) ، لعنَ الله المشتركين في قتلك: عبد الله الضبّابي، وعبد الله بن خُشكارةَ البجلي، ومسلم بن عبد الله الضبّابي) (١) .

شمر بن ذي الجوشن.. يواصل الحملة في الميسرة

ونعود إلى رواية الطبري - التي ذكرت مصرع مسلم بن عوسجة (رض) في حملة عمرو بن الحجّاج في ميمنة جيش ابن سعد - فنقرأ فيها أيضاً: (وحملَ شمر بن ذي الجوشن في الميسرة على أهل الميسرة، فثبتوا له فطاعنوه وأصحابه..)(٢) .

ثمّ صارت الحملة من كلّ جانب

وتقول نفس رواية الطبري: (وحُمِلَ على حسين وأصحابه من كلّ جانب)(٣) .

____________________

(١) البحار: ٤٥: ٦٩ - ٧٠.

(٢) و (٣) تاريخ الطبري: ٣: ٣٢٤ - ٣٢٥، وهذا أيضاً ما استفاده المحقّق السماوي (ره) من جملة روايات الطبري في تاريخه، فقد قال في كتابه إبصار العين: ٣٥: (وأمر عمر بن سعد الناس بالحرب، فتقدّم سالم ويسار فوقعت مبارزات، ثمّ صاح الشمر بالناس وعمرو بن الحجّاج بأنّ هؤلاء قوم مستميتون فلا يبارزنّهم أحد، فأحاطوا بهم من كلّ جانب وتعطّفوا عليهم، وحمل الشمر على الميسرة، وعمرو على الميمنة، فثبتوا لهم وجثوا على الرُكب حتى ردّوهم، وبانت القلّة في أصحاب الحسينعليه‌السلام بهذه الحملة التي تسمّى الحملة الأولى، فإنّ الخيل لم يبقَ منها إلاّ =


فقُتل الشهيد الثاني عبد الله بن عمير الكلبي (رض)

وتتابع رواية الطبري وصف تفاصيل هذه الحملة فتقول: (فقُتِل الكلبيّ وقد قَتَل رجلين بعد الرجلين الأوّلَيْن، وقاتل قتالاً شديداً، فحمل عليه هانئ بن ثُبَبيت الحضرمي، وبُكَير بن حيّ التيمي من تيم الله بن ثعلبة فقتلاه، وكان القتيل الثاني من أصحاب الحسين)(١) .

خيلُ الإمامعليه‌السلام تحمل على الأعداء

تواصل رواية الطبري وصف تفاصيل الحملة الأولى فتقول: (وقاتلهم أصحاب الحسين قتالاً شديداً، وأخذت خيلهم تحمل - وإنّما هم اثنان وثلاثون فارساً - وأخذت لا تحمل على جانب من خيل أهل الكوفة إلاّ كشفتهُ، فلمّا رأى ذلك عزرة بن قيس هو على خيل أهل الكوفة - أنّ خيله تنكشف من كلّ جانب - بعث إلى عمر بن سعد عبد الرحمان بن حصن، فقال: أمَا ترى ما تلقى خيلي مذ اليوم من هذه العدّة اليسيرة؟ ابعث إليهم الرجال والرماة...)(٢) .

____________________

= القليل، وذهب من الرجال ما يناهز الخمسين رجلاً)، وراجع أيضاً كتاب إبصار العين: ١٨١.

(١) تاريخ الطبري: ٣: ٣٢٥.

(٢) تاريخ الطبري: ٣: ٣٢٥، وتذكر نفس هذه الرواية أنّ عمر بن سعد لمّا أراد أن يبعث الرجال والرماة قال لشبث بن ربعي: (ألا تَقدم إليهم؟ فقال: سبحان الله! أتعمد إلى شيخ مصر وأهل مصر عامّة تبعثه في الرماة؟ لم تجد مَن تندب لهذا ويجزي عنك غيري؟!

قال: وما زالوا يرون من شبث الكراهة لقتاله.

وقال أبو زهير العبسي: فأنا سمعته - يعني شبث بن ربعي - في إمارة مصعب يقول: لا يعطي الله أهل هذا المصر خيراً أبداً ولا يسدّدهم لرشد، ألا تعجبون أنّا قاتلنا مع عليّ بن أبي طالب ومع ابنه من بعده آل أبي سفيان خمس سنين، ثمّ عَدَونا على ابنه - وهو خير أهل الأرض - نقاتله =


مشهدٌ كريم من مشاهد بطولة الحرّ (رض)

روى الطبري، عن أبي مخنف، عن النضر بن صالح العبسي: أنّ الحرّ بن يزيد الرياحي (رض) لمّا لحق بالإمام الحسينعليه‌السلام ، قال رجل من بني تميم من بني شقرة، وهم بنو الحارث بن تميم، يُقال له يزيد بن سفيان: أمَا والله، لو أنّي رأيتُ الحرّ بن يزيد حين خرج لأتبعتهُ السِنان!

... فبينا النّاس يتجاولون ويقتتلون، والحرّ بن يزيد يحمل على القوم مقدماً ويتمثّل قول عنترة:

ما زِلتُ أرميهم بثغرة نحره

ولبانه حتّى تسربل بالدّمِ

.. وإنّ فرسه لمضروب على أُذنيه وحاجبه، وإنّ دماءه لتسيل.. فقال الحصين بن تميم(١) - وكان على شرطة عبيد الله، فبعثه إلى الحسين، وكان مع عمر بن سعد، فولاّه عمر مع الشرطة المجفّفة(٢) - ليزيد بن سفيان: هذا الحرّ بن يزيد الذي كنت تتمنّى، قال: نعم، فخرجَ إليه، فقال له: هل لك يا حرّ بن يزيد في المبارزة؟ قال: نعم، قد شئتُ، فبرز له.

قال (الراوي): فأنا سمعتُ الحصين بن تميم يقول: والله، لبرز له، فكأنّما كانت نفسه في يده، فما لبثَ الحرّ حين خرج إليه أن قتله)(٣) .

____________________

= مع آل معاوية وابن سميّة الزانيّة! ضلال يا لكَ من ضلال).

(١) يُذكر في بعض المصادر باسم (الحصين بن نمير)، راجع مثلاً: الكامل في التاريخ: ٣: ٢٩١.

(٢) أي ولاّه قيادة المجففّة مع قيادته الشرطة، والمجفّفة جماعة من الجيش يحملون دروعاً أو متاريس كبيرة، تقيهم وتقي الرماة معهم نبال ورماح الأعداء.

(٣) تاريخ الطبري: ٣: ٣٢٤.


مقتلُ مجموعة عمرو بن خالد الصيداوي (رض)

قال الطبري: (فأمّا الصيداوي عمرو بن خالد، وجابر(١) بن الحارث السلماني، وسعد مولى عمرو بن خالد، ومجمّع بن عبد الله العائذي(٢) ، فإنّهم قاتلوا في أوّل القتال، فشدّوا مُقدمين بأسيافهم على الناس، فلمّا وغلو عطفَ عليهم الناس فأخذوا يحوزونهم، وقطعوه من أصحابهم غير بعيد، فحملَ عليهم العبّاس بن عليّ فاستنقذهم، فجاءوا قد جُرّحوا، فلمّا دنا منهم عدوّهم شدّوا بأسيافهم، فقاتلوا في أوّل الأمر حتّى قُتلوا في مكان واحد)(٣) .

رُماة ابن سعد يعقرون خيل الإمامعليه‌السلام

وتواصل رواية الطبري خبر هذه الحملة فتقول: (ودعا عمر بن سعد الحصين بن تميم، فبعث معه المجفّفة(٤) وخمسمئة من المرامية، فأقبلوا حتّى إذا دنَوا من الحسين وأصحابه رشقوهم بالنبل، فلم يلبثوا أن عقروا خيولهم، وصاروا رجًّالة كلّهم)(٥) .

____________________

(١) هو جنادة بن الحرث المذحجي المرادي السلماني الكوفي على ضبط المحقّق السماوي (ره) في إبصار العين: ١٤٤، وكذلك في رجال الشيخ الطوسي: ٩٩ رقم ٩٨٦، وغيرهم، ولعلّ (جابر) من تصحيف النسّاخ.

(٢) وابنه عائذ بن مجمع بن عبد الله، فقد كان معهم أيضاً (راجع: إبصار العين: ١٤٦).

(٣) تاريخ الطبري، ٣: ٣٣٠، وقال المحقّق السماوي (ره): (قال أهل السيَر: وكانوا أربعة نفر، وهم: عمرو بن خالد، وجنادة، ومجمع، وابنه، وواضح مولى الحرث، وسعد مولى عمرو بن خالد، فكأنّما لم يعدّوا المولَيَين واضحاً وسعداً..). (إبصار العين: ١٤٦ - ١٤٧).

(٤) المجفّفة: جماعة (فِرقة) من الجيش يحملون دروعاً ومتاريس كبيرة تقيهم وتقي الرماة منهم نبال ورماح الأعداء.

(٥) تاريخ الطبري: ٣: ٣٢٤.


ويروي الطبري أيضاً: أنّ أيّوب بن مشرح الخيواني كان يقول: (أنا والله عقرتُ بالحرّ بن يزيد فرَسه، حَشأته سهماً فما لبث أن أرعد الفرس واضطرب وكبَا، فوثبَ عنه الحرّ كأنّه ليث، والسيف في يده وهو يقول:

إن تعقِروا بي فأنا ابن الحُرّ

أشجع من ذي لَبَدٍ هِزَبْرِ

فما رأيتُ أحداً قطُّ يفري فريه)(١) .

اشتدادُ القتال حتّى منتصف النهار

ويروي الطبري أيضاً فيقول: (وقاتلوهم حتى انتصف النهار أشدّ قتالٍ خلَقه الله، وأخذوا لا يقدرون على أن يأتوهم إلاّ من وجه واحد؛ لاجتماع أبنيتهم وتقارب بعضها من بعض، قال: فلمّا رأى ذلك عمر بن سعد أرسل رجالاً يقوّضونها عن أيمَانهم وعن شمائلهم؛ ليحيطوا بهم.

قال: فأخذ الثلاثة والأربعة من أصحاب الحسين يتخلّلون البيوت فيشدّون على الرجل وهو يقوِّض وينتهب، فيقتلونه ويرمونه من قريب ويعقرونه، فأمرَ بها عمر بن سعد عند ذلك فقال: احرقوها بالنّار ولا تدخلوا بيتاً ولا تقوّضوه، فجاءوا بالنار فأخذوا يُحرقون.

فقال حسينٌ:

(دَعوهم فليُحرقوها؛ فإنّهم لو قد حرَقوها لم يستطيعوا أن يجوزوا إليكم منها).

وكان ذلك كذلك وأخذوا لا يقاتلونهم إلاّ من وجه واحد)(٢) .

____________________

(١) نفس المصدر: ٣: ٣٢٤.

(٢) تاريخ الطبري: ٣: ٣٢٥.


أمُّ وهب (رض) تستشهد عند مصرع زوجها (رض)

ويسجّل لنا تاريخ وقائع يوم عاشوراء: أنّ أمّ وهب (رض) زوجة عبد الله بن عمير الكلبي (رض) كانت من شهداء الحملة الأولى، وهي أوّل شهيدة من النساء يوم عاشوراء، تقول رواية الطبري: (وخرجت امرأة الكلبي تمشي إلى زوجها حتّى جلست عند رأسه تمسح عنه التراب وتقول:هنيئاً لك الجنّة.

فقال شمر بن ذي الجوشن لغلام يُسمّى رستم: اضرِب رأسها بالعمود، فضرب رأسها فَشدخه فماتت مكانها)(١) .

زهير في عشرة من الأنصار يكشف جُند الشمر عن الخيام

ويواصل الطبري رواية وقائع الحملة الأولى فيقول: (وحملَ شمر بن ذي الجوشن حتّى طعنَ فسطاط الحسين برمحه، ونادى عَلَيَّ بالنار حتّى أُحرق هذا البيت على أهله، فصاح النساء وخرجن من الفسطاط.. وصاح به الحسين:(يا بن ذي الجوشن، أنت تدعو بالنّار لتحرق بيتي على أهلي؟! حرَقك الله بالنار...) وحمل عليه زهير بن القين في رجال من أصحابه عشرة، فشدّ على شمر بن ذي الجوشن وأصحابه فكشفهم عن البيوت حتّى ارتفعوا عنها، فصرعوا أبا عزّة الضبابي وكان من أصحاب شمر..)(٢) .

وحين زالت الشمس وحضر وقت الصلاة

تُجمع المصادر التاريخية(٣) : أنّ جيش عمر بن سعد في حملته الأولى على

____________________

(١) تاريخ الطبري: ٣: ٣٢٦، وانظر: أنساب الأشراف: ٣: ٤٠١، والكامل في التاريخ: ٣: ٢٩١.

(٢) تاريخ الطبري: ٣: ٣٢٦.

(٣) راجع مثلاً: تاريخ الطبري: ٣: ٣٢٦، والكامل في التاريخ: ٣: ٢٩١، والإرشاد: ٢: ١٠٥ ومقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢: ٢٠.


جيش الإمامعليه‌السلام ، كان قد أحاط بأصحاب الإمامعليه‌السلام وبمعسكره من كل جانب، ثمّ تعطّف عليهم من كلّ جهة وبجميع الأسلحة، فكان إذا قُتل الرجل والرجلان من أصحاب الإمامعليه‌السلام يَبين ذلك فيهم لقلّتهم، ولا يَبين القتل في جيش ابن سعد مع كثرة مَن ُقتل منهم لكثرتهم، وكان قد قُتل من أنصار الإمام ما يناهز الخمسين نفساً زكيّة طاهرة مقدّسة، والحرب لم تزل حتّى تلك الساعة على استعارها واشتدادها، والشمس في أوّل زوالها، (فلمّا رأى ذلك أبو ثمامة عمرو بن عبد الله الصائدي، قال للحسين: يا أبا عبد الله، نفسي لك الفداء، إنّي أرى هؤلاء قد اقتربوا منك، ولا والله لا تُقتل حتّى أُقتل دونك إن شاء الله، وأُحبّ أنْ ألقى ربّي وقد صلّيتُ هذه الصلاة التي قد دنا وقتها، فرفع الحسين رأسه، ثمّ قال:(ذكرتَ الصلاة، جَعلك الله من المصلّين الذاكرين، نعم، هذا أوّل وقتها.

ثمّ قال:سلوهم أن يكفّوا عنا حتّى نصلّي) (١) .

أسماءُ شهداء الحَملة الأولى

يُستفاد من جملة من كتب التراجم والتواريخ أنّ شهداء الحملة الأولى هم:

١ - مسلم بن عوسجة الأسدي (رض).

٢ - عبد لله بن عمير الكلبي (رض).

٣ - نعيم بن عجلان (رض).

٤ - عمران بن كعب بن حارث الأشجعي (رض)(٢) .

____________________

(١) تاريخ الطبري: ٣: ٣٢٦.

(٢) ذكره ابن شهرآشوب في المناقب: ٤: ١١٣، والزنجاني في وسيلة الدارين: ٩٤، وقال أيضاً: =


٥ - حنظلة بن عمرو الشيباني (رض)(١) .

٦ - قاسط بن زهير التغلبي (رض).

٧ - مقسط بن زهير التغلبي (رض).

٨ - كنانة بن عتيق التغلبي (رض)(٢) .

٩ - عمرو بن ضبعة الضبعي (رض)(٣) .

١٠ - ضرغامة بن مالك التغلبي (رض)(٤) .

١١ - عامر بن مسلم العبدي البصري (رض).

____________________

= ١٧٨ رقم ١١٤: (عمرو بن كعب الأنصاري: قد وقع اختلاف في اسمه فقيل: عمرو، أو عمران، أو عمر، بن كعب بن أبي كعب، لم أقف في الرجال على أثر وترجمة له، وورد في الزيارة الرجبية:(السلام على عمرو بن كعب)، ولم يذكره المحقّق السماوي (ره) في إبصار العين، وله ذكر في مستدركات علم الرجال: ٦: ٧٥ و ١٠٨ رقم ١١٠٩٠ وقال: (والظاهر اتحاده مع عمر بن أبي كعب).

(١) ذكره ابن شهرآشوب في المناقب: ٤: ١١٣، والزنجاني في وسيلة الدارين: ٩٤ ولكنّه لم يُترجم له في جملة مَن تُرجم لهم من الشهداء! ولم يذكره المحقّق السماوي في كتابه إبصار العين في مَن استشهد في الحملة الأولى.

(٢) قال المحقّق السماوي (ره): (قال السروي: قُتل في الحملة الأولى، وقال غيره: قُتل مبارزة في ما بين الحملة الأولى والظُهر). (إبصار العين: ١٩٩).

(٣) ذكره ابن شهرآشوب في المناقب: ٤: ١١٣ باسم (عمرو بن مشيعة)، وذكره الزنجاني في وسيلة الدارين: ٩٤ باسم (عمرو بن ضبعة بن قيس التميمي)، وتُرجم له في كتابه هذا أيضاً: ١٧٧ رقم ١١٢ باسم (عمرو بن ضبعة الضبعي)، وذكره المحقّق السماوي (ره) في إبصار العين: ١٩٤ باسم (عمر بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة الضبعي التميمي).

(٤) ذكره ابن شهرآشوب في المناقب: ٤: ١١٣، لكنّ المحقّق السماوي قال: (خرج فيمن خرج مع ابن سعد، ومالَ إلى الحسينعليه‌السلام فقاتل معه وقُتل بين يديه مبارزة بعد صلاة الظُهررضي‌الله‌عنه ). (إبصار العين: ١٩٩).


١٢ - سالم مولى عامر بن مسلم (رض).

١٣ - سيف بن مالك العبدي البصري (رض)(١) .

١٤ - عبد الرحمان بن عبد الله الأرحبي (رض)(٢) .

١٥ - الحبّاب بن عامر التميمي (رض)(٣) .

____________________

(١) ذكر ابن شهرآشوب في المناقب: ٤: ١١٣ فيمن قُتل في الحملة الأولى باسم (سيف بن مالك النمري)، لكنّ المحقق السماوي قال: (وما زال معه حتى قُتل بين يديه مبارزة بعد صلاة الظهر). (إبصار العين: ١٩٢).

(٢) ذكره ابن شهرآشوب في المناقب: ٤: ١١٣، والزنجاني في وسيلة الدارين: ٩٤ ولكنّه في ترجمته في ص١٦٤ - ١٦٥ رقم ٩٠ ذكرَ أنّه استأذن الإمامعليه‌السلام في البراز بعد صلاة الظهر فأذِن له الإمامعليه‌السلام ، فبرزَ وهو يرتجز قائلاً:

صبراً على الأسياف والأسنّة

صبراً عليها لدخول الجنّة

ولم يزل يقاتل حتّى قَتل من القوم جماعة ثمّ قُتل، وذكر أيضاً نقلاً عن ابن شهرآشوب في المناقب أنّ عبد الرحمان الأرحبي برز إليه وهو يرتجز بالشعر المتقدّم وأضاف إليه:

وحور عِين ناعمات هنّه

يا نفس للراحة فاجهدنّه

وفي طلاّب الخير فارغبنّه

لكننّا وجدنا في المناقب: أنّ ابن شهرآشوب ذكر ذلك لسعد بن حنظلة التميمي وليس لعبد الرحمان الأرحبي، كما أنّ المستفاد ممّا ذكره المحقّق السماوي (ره) في ترجمة عبد الرحمان الأرحبي (رض) في ص١٣٢، نقلاً عن أبي مخنف: أنّ الأرحبي (رض) قُتل مبارزة وليس في الحملة الأولى، وقال البلاذري: (وجَعل عبد الرحمان بن عبد الله بن الكدن يقول:

إنّي لِمن ينكرني ابن الكدن

إنّي على دين حسين وحسن

وقاتل حتى قُتل). (أنساب الأشراف: ٣: ٤٠٤).

(٣) ذكرهُ المحقّق السماوي (ره) وترجمَ له في كتابه إبصار العين: ١٩٥، وذكره ابن شهرآشوب في المناقب: ٤: ١١٣ باسم (الحبّاب بن الحارث)، وذكره الزنجاني في وسيلة الدارين: ٩٤ باسم (ضباب بن عامر التميمي) ولكنّه لم يُترجم له بل ترجم في كتابه: ١١٧ رقم ٢٨ لـ(حبّاب بن =


١٦ - عمرو الجندعي (رض) (١) .

١٧ - الحُلاس بن عمرو الراسبي الأزدي (رض).

١٨ - النعمان بن عمرو الراسبي الأزدي (رض).

١٩ - سوار بن أبي عمير النهمي (رض)(٢) .

____________________

= عامر بن كعب بن تيم)، ونُقل عن ابن شهرآشوب أنّه قُتل في الحملة الأولى، كما ذكر في نفس الصفحة تحت رقم ٢٩ (حبّاب بن الحارث) وقال: إنّه قُتل في الحملة الأولى ولكن ليس له في كتب الرجال اسم ولا ذكر.

(١) ذكرهُ بهذا الاسم ابن شهرآشوب في المناقب: ٤: ١١٣، وذكره الزنجاني في وسيلة الدارين: ٩٤ باسم (عمرو بن الجندعي) ولكنّه لم يُترجم له، بل ترجم في كتابه: ١٧٥ رقم ١١٠ لرجل آخر باسم (عمرو بن جندب الحضرمي) وذكر أنّه قُتل في الحملة الأولى، وذكر أنّ ابن شهرآشوب قال في المناقب: ومن المقتولين يوم الطفّ في الحملة الأولى عمرو بن جندب الحضرمي، ولكنّنا لم نعثر على ذلك في المناقب.

وهناك رجل باسم (عمرو بن عبد الله الهمداني الجُندعي) ترجمَ له المحقق السماوي (ره) في كتابه إبصار العين: ١٣٦ وذكر أنّه قاتلَ مع الحسينعليه‌السلام فوقعَ صريعاً مرتثّاً بالجراحات قد وقعت ضربة على رأسه بلغت منه، فاحتملهُ قومه وبقي مريضاً من الضربة صريع فراشه سنة كاملة، ثمّ توفي على رأس السنة.. وورد السلام عليه في زيارة الناحية المقدّسة:(السلام على الجريح المرتثّ عمرو الجندعي)، وراجع ترجمته أيضاً في وسيلة الدارين: ١٧٨ رقم ١١٣.

(٢) ذكرهُ ابن شهرآشوب في المناقب ٤: ١١٣ بهذا الاسم وهذا اللقب (سوار بن أبي عمير الفهمي) في شهداء الحملة الأولى، لكنّ المحقّق السماوي (ره) قال في ترجمته: (سوار بن منعم بن حابس بن أبي عمي بن نهم، الهمداني النهدي: كان سوار ممّن أتى إلى الحسينعليه‌السلام أيّام الهدنة، وقاتلَ في الحملة الأولى فجُرح وصُرع.

قال في الحدائق الورديّة: قاتلَ سوار حتّى إذا صُرع أُتي به أسيراً إلى عمر بن سعد، فأراد قتله، فشفعَ فيه قومه، وبقي عندهم جريحاً حتّى توفي على رأس ستّة أشهر.

وقال بعض المؤرّخين: إنّه بقيَ أسيراً حتّى توفي، وإنّما كانت شفاعة قومه الدفع عن قتله، ويشهد له ما ذُكر في القائميّات (زيارة الناحية المقدّسة) من قولهعليه‌السلام :(السلام على الجريح =


٢٠ - عمّار الدالاني (رض).

٢١ - زاهر بن عمرو الكندي (رض) صاحب عمرو بن الحمق (رض).

٢٢ - جبلّة بن علي الشيباني (رض)(١) .

٢٣ - مسعود بن الحجّاج التيمي (رض).

٢٤ - عبد الرحمان بن مسعود بن الحجّاج (رض)(٢) .

٢٥ - زهير بن بشر الخثعمي (رض)(٣) .

____________________

=المأسور سوار بن أبي عمير النهمي) ، على أنّه يمكن حَمل العبارة على أسره في أوّل الأمر).

وقال السماوي (ره) أيضاً: (النهمي.. ويمضي في بعض الكتب الفهمي بالفاء وهو تصحيف واضح وغلط فاضح). (إبصار العين: ١٣٥ - ١٣٦).

إذاً فمن الصحيح اعتبار هذا الشهيد من شهداء الحملة الأولى، وإن كان قد توفي بعد يوم عاشوراء بعدّة أشهر؛ لأنّه صُرع فيها.

(١) كان جبلّة بن علي الشيباني من شجعان أهل الكوفة، قام مع مسلمعليه‌السلام أوّلاً، ثمّ جاء إلى الحسينعليه‌السلام ثانياً، ذكرهُ جملة أهل السيَر. (إبصار العين: ٢١٥).

وقيل: إنّه قُتل في الطفّ مع الحسينعليه‌السلام ، (راجع: الحدائق الوردية: ١٢٢)، وقال ابن شهرآشوب: إنّه قُتل في الحملة الأولى: (المناقب: ٤: ١١٣).

(٢) ذكر ابن شهرآشوب السرويّ في المناقب: ٤: ١١٣ اسم والده في المقتولين في الحملة الأولى، غير أنّ المحقّق السماوي في إبصار العين: ١٩٣ - ١٩٤ قال فيه وفي أبيه: (وقُتلا في الحملة الأولى كما ذكره السروي)، وأوردهما معاً الزنجاني في أسماء شهداء الحملة الأولى في وسيلة الدارين: ٩٤.

(٣) ذكره ابن شهرآشوب في المناقب: ٤: ١١٣، والزنجاني في وسيلة الدارين: ٩٤، وترجمَ له في كتابه أيضاً: ١٣٧ رقم ٤٩ هكذا: (زهير بن البشر، حضرَ في كربلاء، وقُتل في الحملة الأولى، وورد أيضاً في الزيارة الرجبية:(السلام على زهير بن البشر)، لكنّنا وجدنا اسمه في الزيارة الرجبية..(السلام على زهير بن بشير)، ولم يذكره السماوي (ره) في كتابه إبصار العين، بل ذكر (عبد الله بن بشر الخثعمي) وترجم له في ص١٧٠ من كتابه، وذكرَ في ترجمته أنّه قُتل في =


٢٦ - مسلم بن كثير الأزدي (رض).

٢٧ - زهير بن سليم الأزدي (رض).

٢٨ - عمّار بن حسّان الطائي (رض).

٢٩ - عبيد الله بن يزيد العبدي البصري (رض).

٣٠ - عبد الله بن يزيد العبدي البصري (رض).

٣١ - الأدهم بن أميّة العبدي البصري (رض).

٣٢ - جندب بن حجير الكندي (رض).

٣٣ - حجير بن جندب بن حجير الكندي (رض)(١) .

٣٤ - جنادة بن كعب بن الحرث الأنصاري (رض).

٣٥ - عبد الرحمان بن عبد ربّ الأنصاري (رض)(٢) .

٣٦ - عبد الله بن عروة الغفاري (رض)(٣) .

____________________

= الحملة الأولى.

(١) ذكره السماوي (ره) في ترجمة أبيه جندب بن حجير الكندي نقلاً عن صاحب كتاب الحدائق الوردية، لكنّه قال أيضاً في كتابه إبصار العين: ١٧٤: (ولم يصحّ لي أنّ ولده قُتل معه، كما أنّه ليس في القائميات ذكر لولده)، ومن الواضح أنّ عدم ذكره في القائميّات لا يكفي دليلاً على ذلك، خصوصاً وأنّ السماوي نفسه قد ذكر بعض الأصحاب ممّن لم يكن لهم ذكر في القائميّات، ولم يذكرهُ ابن شهرآشوب ولا الزنجاني.

(٢) لم يذكره ابن شهرآشوب في المناقب: ٤: ١١٣ فيمن ذكرهم من شهداء الحملة الأولى، وذكره المحقّق السماوي (ره) فيمَن استشهد في الحملة الأولى في ترجمته في إبصار العين: ١٥٧ - ١٥٨، وكذلك ذكرهُ الزنجاني في وسيلة الدارين: ١٦٣ رقم ٨٩ مع أنّه لم يورد اسمه في شهداء الحملة الأولى في نفس كتابه: ٩٤.

(٣) اختُلف فيه، فقد قيل: إنّه وأخاه عبد الرحمان قُتلا مبارزة؛ ذلك لأنّ أحدهم كان يرتجز والآخر يُتمُّ له رجزه، فكانا يقولان: =


٣٧ - عائذ بن مجمع بن عبد الله العائذي (رض).

٣٨ - مجمع بن عبد الله العائذي (رض).

٣٩ - أمّ هب (رض) زوج عبد الله بن عمير الكلبي (رض).

٤٠ - أميّة بن سعد الطائي (رض).

٤١ - القاسم بن حبيب بن أبي بشر الأزدي (رض).

٤٢ - جوين بن مالك التيمي (رض)(١) .

٤٣ - عبد الله بن بشر الخثعمي (رض) (٢) .

٤٤ - بشر بن عمرو بن الأحدوث الحضرمي الكندي (رض)(٣) .

____________________

=

قـد عَـلمت حقّاً بنو غفار

وخـندف بـعد بـني نـزار

لـنضربنَّ مـعشر الـفجّار

بـكلّ عـضْبٍ صـارم بتَّار

يا قوم ذودوا عن بني الأطهار

بـالمشرفيّ والـقنا الـخطّار

فلم يزالا يقاتلان حتّى قُتلا. (راجع: إبصار العين: ١٧٦)، لكنّ ابن شهرآشوب في المناقب: ٤: ١١٣ ذكره (أي عبد الله) فيمن قُتل في الحملة الأولى.

(١) ذكرهُ ابن شهرآشوب (السروي) في المناقب: ٤: ١١٣ في شهداء الحملة الأولى باسم (سيف بن مالك النميري) وقال المحقّق السماوي (ره): (قال السروي: وقُتِل في الحملة الأولى، وصُحّف اسمه بسيف ونسبته بالنمري). (إبصار العين: ١٩٤).

(٢) راجع: حاشية اسم (زهير بن بشر الخثعمي (رض)) الوارد برقم ٢٥.

(٣) ذكر المحقّق السماوي (ره) في إبصار العين: ١٧٤ نقلاً عن ابن شهرآشوب السروي: أنّه قُتل في الحملة الأولى، لكنّنا لم نجده في أسماء شهداء الحملة الأولى الذين ذكرهم ابن شهرآشوب في المناقب: ٤: ١١٣، والزنجاني ذكرهُ في أسماء شهداء الحملة الأولى باسم (بشير بن عمرو) في كتابه وسيلة الدارين: ٩٤ - ٩٥، وذكر ذلك أيضاً في ترجمته له تحت رقم ١٣ في ص١١٠ نقلاً عن أهل السيَر.


٤٥ - الحجّاج بن بدر التميمي السعدي (رض)(١) .

٤٦ - قارب بن عبد الله الدئلي (رض).

٤٧ - عمرو بن خالد لأسدي الصيداوي (رض) (٢) .

٤٨ - جنادة بن الحرث المذحجي السلماني (رض).

٤٩ - سعد (رض) مولى عمرو بن خالد الصيداوي (رض).

٥٠ - منجح بن سهم (رض) مولى الحسنعليه‌السلام (٣) .

____________________

(١) قال المحقّق السماوي (ره) في إبصار العين: ٢١٤: (قال صاحب الحدائق: قُتل مبارزة بعد الظهر، وقال غيره: قُتل في الحملة الأولى قبل الظُهر) ولكنّ السماوي لم يحدّد ذلك الغير.

(٢) راجع: إبصار العين: ١١٤ - ١١٦، لكنّ ابن شهرآشوب في المناقب: ٤: ١٠١ ذكر قائلاً: (ثمّ برز عمرو بن خالد الأزدي قائلاً:

اليوم يا نفسُ إلى الرحمان

تمضين بالرَوح وبالريحان

اليوم تُجزَين على الإحسان

ما خُطّ في اللوح لدى الديّان

لا تجزعي فكلّ حيِّ فانِ

ثمّ برز ابنه خالد وهو يقول:

صبراً على الموت بني قحطان

كيما تكونوا في رضى الرحمان

ذي الـمجدّ والـعزّة والبرهان

وذو الـعلى والطول والإحسان

يـا أبـتا قد صُرت في الجنان

فـي قـصر درّ حَسن البنيان

ولم يذكر المؤرّخون أنّ ابنه خالداً كان معه.

وفي اللهوف: ١٦٣ قال ابن طاووس (ره): (ثمّ برز عمرو بن خالد الصيداوي فقال للحسينعليه‌السلام : (يا أبا عبد الله، جُعلت فداك، قد هممتُ أن ألحق بأصحابك وكرهتُ أن أتخلّف فأراك وحيداً بين أهلك قتيلاً، فقال له الحسينعليه‌السلام :(تقدّم فإنّا لاحقون بك عن ساعة) ، فتقدّم فقاتلَ حتى قُتل رضوان الله عليه).

(٣) لا توجد إشارة تاريخية صريحة بأنّ منجحاً (رض) استشهد في الحملة الأولى، إلاّ أنّ ابن شهرآشوب في ذكره أسماء شهداء الحملة الأولى ذكرَ في ختامها قائلاً: (وعشرة من مَوالي =


٥١ - أسلم بن عمرو التركي مولى الحسينعليه‌السلام (١) .

٥٢ - سعد بن الحرث (رض) مولى عليّعليه‌السلام (٢) .

٥٣ - نصر بن أبي نيزر (رض) مولى عليعليه‌السلام (٣) .

٥٤ - الحرث بن نبهان (رض) مولى حمزةعليه‌السلام .

٥٥ - جون بن حويّ (رض) مولى أبي ذرّ (رض)(٤) .

____________________

= الحسين ومَوليان من مَوالي أمير المؤمنينعليهما‌السلام ) (المناقب: ٤: ١١٣)، أمّا المحقّق السماوي (ره) فقد قال: (ولمّا تبارز الفريقان في كربلاء قاتلَ القوم قتال الأبطال، قال صاحب الحدائق الورديّة: فعطفَ عليه حسّان بن بكر الحنظلي فقتلهُ، وذلك في أوائل القتال). (إبصار العين: ٩٦).

(١) وكذلك الأمر بالنسبة إلى أسلم بن عمرو التركي (رض) مولى الحسينعليه‌السلام ، قال المحقّق السماوي (ره): (قال بعض أهل السيَر والمقاتل: إنّه خرج إلى القتال وهو يقول:

أميري حسينٌ ونِعمَ الأمير

سرور فؤاد البشير النذير

فقاتل حتّى قُتل، فلمّا صُرع مشى إليه الحسينعليه‌السلام فرآه وبه رمق يومي إلى الحسينعليه‌السلام ، فاعتنقهُ الحسين ووضع خدّه على خدّه، فتبسّم وقال: مَن مثلي وابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله واضع خدّه على خدّي، ثمّ فاضت نفسه رضوان الله عليه). (إبصار العين: ٩٥ - ٩٦).

(٢) وكذلك الأمر بالنسبة إلى سعد بن الحرث (رض) مولى عليّعليه‌السلام ، إذ لم نعثر على إشارة تاريخية صريحة بأنّه قُتل في الحملة الأولى إلاّ ما ورد فيما ذكره ابن شهرآشوب في المناقب: ٤: ١١٣، (ومَوليان من مَوالي أمير المؤمنينعليه‌السلام )، وهذا يشمله مع نصر بن أبي نيزر مولى عليّعليه‌السلام أيضاً.

(٣) صرّح بصدده المحقّق السماويّ (ره) قائلاً: (وكان فارساً فعُقرت فرسه ثمّ قُتل في الحملة الأولىرضي‌الله‌عنه ). (إبصار العين: ٩٨).

(٤) وكذلك لا توجد إشارة صريحة بأنّ جون بن حوي (رض) قُتل في الحملة الأُولى، إلاّ ما ورد في إبصار العين: ١٧٦ عن السيّد رضيّ الدين الداودي بهذا التعبير: (فلمّا نشب القتال وقفَ أمام الحسينعليه‌السلام يستأذنه في القتال، فقال له الحسينعليه‌السلام :(يا جون، أنت في إذنٍ منّي، فإنّما تَبعتنا طلباً للعافية فلا تبتل بطريقتنا) ، فوقع جون على قَدَمي أبي عبد الله يُقبّلها ويقول: يا بن رسول الله، أنا في الرخاء ألحسُ قصاعكم، وفي الشدّة أخذلكم؟ إنّ ريحي لَنتِن، وإنّ حسَبي لَلئيم، وإنّ =


٥٦ - جابر بن الحجّاج (رض) مولى عامر بن نهشل التيمي(١) .

٥٧ - الحارث بن امرئ القيس الكندي (رض) (٢) .

٥٨ - شبيب (رض) مولى الحرث بن سريع الهمداني الجابري(٣) .

____________________

= لَوني لأسود، فتنفّس عليَّ في الجنّة؛ ليطيب ريحي ويشرف حسَبي ويبيّض لوني، لا والله لا أُفارقكم حتّى يختلط هذا الدم الأسود مع دمائكم، فأذِن له الحسينعليه‌السلام فبرز وهو يقول:

كيف ترى الفجّار ضرب الأسود

بالمشرفيّ والقنا المسدَّد

يذبّ عن آل النبيّ أحمد

ثمّ قاتل حتّى قُتل)، أمّا السيّد ابن طاووس (ره) ذكر جون قائلاً: (ثمّ جون مولى أبي ذر...) (اللهوف: ١٦٣)، وفي البحار عن كتاب محمد بن أبي طالب: (ثمَّ برزَ للقتال وهو ينشد...)، (البحار: ٤٥: ٢٣)، وقولهم: (برز) لا يعني بالضرورة أنّه قاتلَ القوم مبارزة، بل هي هنا بمعنى تقدّمَ إلى القتال.

(١) قال السماوي (ره) في ترجمته: (وكان قتلهُ قبل الظهر في الحملة الأولى) (إبصار العين: ١٩٣)، ولكنّ المامقاني (ره) لم يذكر في ترجمته أنّه قُتل في الحملة الأولى (راجع: تنقيح المقال: ١: ١٩٨، ومستدركات علم رجال الحديث: ٢: ٩٧)، ولم يذكرهُ الآخرون أيضاً في شهداء الحملة الأولى (راجع: الحدائق الوردية: ١٢٢، وتسمية مَن قُتل مع الحسينعليه‌السلام : ١٥٥، ومناقب آل أبي طالبعليه‌السلام : ٤: ١١٣).

(٢) ذكره المحقّق السماوي (ره) فيمن قُتل في الحملة الأولى نقلاً عن صاحب الحدائق الوردية (راجع: إبصار العين: ١٧٣، والحدائق الوردية: ١٢٢، وانظر أيضاً وسيلة الدارين: ١١٦ - ١١٧ رقم ٢٦)، وقال المامقاني (ره) في تنقيح المقال: ١: ٢٤٣ بعد أن ذكرَ تحوّله إلى الإمامعليه‌السلام بعد ردّ الشروط عليه: (وذلك يكشف عن قوّة ديانته وكونه في مرتبة فوق الوثاقة، ويُذكر من ثباته في الإسلام والديانة: أنّه ممّن حضرَ حصار المجبر، فلمّا أخرج المرتدّون ليُقتَلوا وثبَ على عمّه ليقتله، فقال عمّه: ويحك، أتقتلني وأنا عمّك؟! قال: أنت عمّي، والله ربي، فقتلهُ).

(٣) ذكر المحقّق السماوي (ره) في ترجمته قائلاً: (قال ابن شهرآشوب: قُتل في الحملة الأولى التي قُتل فيها جملة من أصحاب الحسين، وذلك قبل الظُهر في اليوم العاشر) (إبصار العين: ١٣٣)، =


٥٩ - شبيب بن عبد الله النهشلي (رض)(١) .

مقتلُ حبيب بن مظاهر (رض)(٢) قُبيل الصلاة

مرَّ بنا أنّه لما رأى أبو ثمامة الصائدي (رض) قلّة مَن بقي من الأنصار مع الإمامعليه‌السلام ؛ نتيجة الحملة العامة، طلبَ إلى الإمامعليه‌السلام قائلاً: (يا أبا عبد الله، نفسي لك الفداء، إنّي أرى هؤلاء قد اقتربوا منك، ولا والله لا تُقتل حتّى أُقتل دونك إنْ شاء

____________________

= لكنّنا لم نجده مذكوراً في أسماء شهداء الحملة الأولى الذين ذكرهم ابن شهرآشوب في المناقب: ٤: ١١٣.

(١) ينقل الزنجاني في كتابه وسيلة الدارين: ١٥٥ - ١٥٦ رقم ٧٦ قائلاً: (قال الشيخ الطوسي في رجاله ص٧٤: إنّ شبيب بن عبد الله النهشلي البصري من أصحاب الحسين، وقال سماحة الحجّة المؤرّخ الفقيه المعاصر السيد محمد صادق بحر العلوم في ذيل قول الطوسي: قال أهل السيَر:

كان تابعياً من أصحاب أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وانضمّ إلى الحسن ثمّ إلى الحسين وقُتل معه في كربلاء في الحملة الأولى...، وقال في ذخيرة الدارين: ٢١٩: قال علماء السيَر: شبيب بن عبد الله النهشلي كان تابعياً من أصحاب أمير المؤمنين، وحضرَ معه في حروبه الثلاث، وبعده انضمّ مع الحسن بن عليعليهما‌السلام ، ثمّ مع الحسين، وكان من خواصّ أصحابه، فلمّا خرجَ الحسين من المدينة إلى مكّة خرج معه، وكان مصاحباً له إلى أن ورد الحسينعليه‌السلام إلى كربلاء، فلمّا كان يوم الطفّ تقدّم إلى القتال فقُتل في الحملة الأولى مع مَن قُتل قبل الظهر، وفي رواية قُتل مبارزة، والله أعلم، وورد في زيارة الناحية:(السلام على شبيب بن عبد الله النهشلي) .

(٢) قال المحقّق السماوي (ره) في ضبط اسم أبيه: (مُظهَّر: بضمّ الميم، وفتح الظاء المعجمة، بزنة محمّد على الأشهر، ويُضبط بالطاء المهملة في بعض الأصول، ويمضي على الألسن وفي الكتب مظاهر، وهو خلاف المضبوط قديماً) (إبصار العين: ١٠٦ - ١٠٧) لكنّنا نلاحظ أنّ الطبري - وهو من القدماء - يذكر اسم أبيه (مظاهر) وليس (مظهّر)!.


الله، وأحبّ أن ألقى ربّي وقد صلّيت هذه الصلاة التي قد دنا وقتها)(١) ، فرفعَ الحسينعليه‌السلام رأسه ثمّ قال:(ذكرتَ الصلاة، جَعلك الله من المصلّين الذاكرين، نعم هذا أوّل وقتها (٢) ، ثمّ قال:سَلوهم أن يكفّوا عنّا حتّى نصلّي) (٣) ، ففعلوا(٤) .

فقال لهم الحصين بن تميم: إنّها لا تُقبل!

فقال له حبيب بن مظاهر: لا تُقبل، زعمتَ الصلاة من آل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله لا تُقبلُ، وتُقبلُ منك يا حمار؟

.. فحملَ عليهم حصين بن تميم، وخرج إليه حبيب بن مظاهر فضربَ وجه فرسه بالسيف، فشبَّ ووقع عنه، وحملهُ أصحابه فاستنقذوه، وأخذ حبيب يقول:

أُقسمُ لو كُنّا لكم أعداداً

أو شطركم ولّيتم أكتادا

يا شرَّ قومٍ حَسَباً وَآدا

.. وجعلَ يقول يومئذٍ:

أنـا حـبيبٌ وأبي مُظاهرُ

فارسُ هيجاءَ وحربٍ تسعرُ

أنـتم أعـدُّ عـدّةً وأكـثرُ

ونـحن أوفى منكم وأصبرُ

ونـحن أعلى حُجَّةً وأظهرُ

حـقّاً وأتـقى منكمُ وأعذرُ

وقاتلَ قتالاً شديداً(٥) ، فحملَ عليه رجل من بني تميم فضربهُ بالسيف على

____________________

(١) تاريخ الطبري: ٣: ٣٢٦.

(٢) و (٣) تاريخ الطبري: ٣: ٣٢٦.

(٤) الكامل في التاريخ: ٣: ٢٩١، والظاهر أنّ أعداء الإمامعليه‌السلام لم يكفّوا عن مقاتلة أصحاب الإمامعليه‌السلام أثناء صلاة الإمامعليه‌السلام ، بنصف مَن تبقّى من أصحابه (رض) ، والدليل على ذلك: مثلاً أنّ سعيد بن عبد الله الحنفي (رض) قُتل أثناء الصلاة، ووجِدَ به ثلاثة عشر سهماً سوى ما به من ضرب السيوف وطعن الرماح.

(٥) وحُكي أنّه قتلَ اثنين وستين رجلاً (راجع: البحار: ٤٥: ٢٧).


رأسه فقتله(١) ، وكان يُقال له بدلي بن صُريم من بني عقفان، وحملَ عليه آخر من بني تميم فطعنهُ فوقع، فذهب ليقوم فضربه الحصين بن تميم على رأسه بالسيف فوقع، ونزل إليه التميميّ فاحتزَّ رأسه، فقال له الحصين: إنّي لشريكك في قتله، فقال الآخر: والله ما قتله غيري.

فقال الحصين: أعطنيه أعلّقه في عنُق فرَسي، كيما يرى النّاس ويعلموا أنّي شركت في قتله، ثمّ خُذه أنت بعدُ فامضِ به إلى عبيد الله ابن زياد فلا حاجة لي فيما تُعطاه على قتلك إيّاه، فأبى عليه فأصلحَ قومه فيما بينهما على هذا، فدفعَ إليه رأس حبيب بن مظاهر، فجالَ به في العسكر قد علّقه في عُنق فرسه، ثمّ دفعه بعد ذلك إليه، فلمّا رجعوا إلى الكوفة أخذ الآخر رأس حبيب ثمّ أقبل به إلى ابن زياد في القصر...)(٢) .

____________________

(١) أي فقتله حبيب بن مظاهر (رض)، يؤيّد هذا ما في: الكامل في التاريخ: ٣: ٢٩١: وقاتلَ حبيب قتالاً شديداً، فقتلَ رجلاً من بني تميم اسمه بُديل بن صُريم.

لكنّ المحقّق السماوي (ره) ذكر قائلاً: (فحملَ عليه بُديل بن صريم العقفاني فضربه بسيفه) أيّ أنّ المضروب هو حبيب، ولعلّ هذا من سهو قلمه الشريف في نقله عن الطبري، أو أنّه استند إلى ما رواه الخوارزمي في المقتل: ٢: ٢٢ حيث يقول: (وقيل: بل قتله رجل يُقال له: بديل بن صريم...).

(٢) تاريخ الطبري: ٣: ٣٢٦ - ٣٢٧، وانظر: الكامل في التاريخ: ٣: ٢٩١ ويواصل الطبري روايته في مقتل حبيب (رض) فيقول: (.. فبصرَ به ابنه القاسم ابن حبيب وهو يومئذٍ قد راهق، فأقبلَ مع الفارس لا يفارقه، كلّما دخلَ القصر دخل معه وإذا خرج خرج معه، فارتاب به فقال: مالك يا بُنيَّ تتّبعني؟!

قال: لا شيء، قال: بلى، يا بُنيَّ أخبِرني؟ قال له: إنّ هذا الرأس الذي معك رأس أبي، أفتعطينيه حتّى أدفنه، قال: يا بنيّ لا يرضى الأمير أن يُدفن، وأنا أريد أن يُثيبني الأمير على قتله ثواباً حسناً!

قال له الغلام: لكنّ الله لا يُثيبك على ذلك إلاّ أسوأ الثواب، أمَا والله لقد قتلتَه خيراً منك! =


ولقد ذكر ابن شهرآشوب: أنّ حبيب بن مظاهر (رض) كان قد قتل اثنين وستين رجلاً، وأنّ الذي قتله الحصين بن نمير وعلّق رأسه في عُنق فرسه(١) .

وروي: أنّه لمّا قُتل حبيب بن مظاهر (رض) هدَّ ذلك الحسينعليه‌السلام وقال عند ذلك:(عند الله أحتسبُ نفسي وحُماة أصحابي) (٢) .

وفي بعض المقاتل: قالعليه‌السلام :(لله درّك يا حبيب، لقد كنتَ فاضلاً تختم القرآن في ليلة واحدة) (٣) .

مقتلُ الحرّ بن يزيد الرياحي (رض)

يروي الطبري - ويتابعه في ذلك جمع من المؤرّخين -: أنّه لمّا قُتل حبيب بن مظاهر الأسدي (رض)، وهدَّ ذلك الإمام الحسينعليه‌السلام وقال:(عند الله أحتسب نفسي وحُماة أصحابي) ، أخذ الحرّ (رض) يقاتل - راجلاً(٤) - فحملَ على القوم وهو يرتجز ويقول:

آليتُ لا أُقتلُ حتّى أَقْتُلا

ولن أُصاب اليومَ إلاّ مُقبلا

____________________

= وبكى، فمكث الغلام حتّى إذا أدرك لم يكن له همّةٌ إلاّ اتّباع أثر قاتل أبيه؛ ليجد منه غرّة فيقتله بأبيه، فلمّا كان زمان مصعب بن الزبير، وغزا مصعبُ باجُمَيْرا دخل عسكر مصعب فإذا قاتل أبيه في فسطاطه، فأقبلَ يختلف في طلبه والتماس غرَّته، فدخلَ عليه وهو قائل نصف النهار فضربهُ بسيفه حتّى برد).

(١) راجع: مناقب آل أبي طالبعليه‌السلام : ٤: ١٠٣.

(٢) راجع: تاريخ الطبري: ٣: ٣٢٧، والكامل في التاريخ: ٣: ٢٩٢.

(٣) نَفَس المهموم: ٢٧٢.

(٤) لأنّه عُقرت فرسه في الحملة العامة (الأولى).


أضربهم بالسيف ضرباً مفصلا

لا ناكلاً عنهم ولا مُهَلَّلا

وأخذَ يقول أيضاً:

أضربُ في أعراضهم بالسَيْف

عن خير مَن حَلَّ مِنىً والخيف(١)

فقاتلَ هو وزهير بن القين قتالاً شديداً، فكان إذا شدّ أحدهما فإنْ استُلحم شدَّ الآخر حتّى يخلّصه، ففعلا ذلك ساعة، ثمّ إنَّ رجّالة شدَّت على الحرّ بن يزيد فقُتل)(٢) ، فكان مقتله (رض) بعد مقتل حبيب (رض) وقبل صلاة الظهر أيضاً(٣) .

وقال الشيخ المفيد (ره): (وتكاثروا عليه، فاشترك في قتله أيّوب بن مُسَرِّح، ورجل آخر من فرسان أهل الكوفة)(٤) .

غير أنّ مصادر تاريخيّة أخرى(٥) تذكر: أنّ التحاق الحرّ (رض) بالإمام الحسينعليه‌السلام بعد أن قُتل من أصحابهعليه‌السلام ما يربوا على الخمسين في الحملة العامة، حيث سمع الحرّ (رض) الإمامعليه‌السلام يقول على أثرها:(أمَا من مغيث يُغيثنا لوجه الله؟ أما من ذابّ يذبّ عن حُرَم رسول الله؟) ، فأقبلَ الحرّ (رض) إلى عمر بن سعد فقال:

____________________

(١) ذكر المحقّق السماوي (ره) قائلاً: ويضرب فيهم ويقول:

إنّي أنا الحرُّ ومأوى الضيف

أضرب في أعراضكم بالسيفِ

عن خير مَن حلّ بأرض الخيْفِ

(راجع: إبصار العين: ٢١٠).

(٢) تاريخ الطبري: ٣: ٣٢٧، والكامل في التاريخ: ٣: ٢٩٢، وإبصار العين: ٢١٠، وانظر: مقتل الحسينعليه‌السلام للمقرّم: ٢٤٤.

(٣) وهذا ما استفاده أيضاً المحقق السماوي (ره) من متن الطبري حيث يقول: (فقُتل الحرّ ثمّ صلّى الحسينعليه‌السلام صلاة الخوف) (راجع إبصار العين: ١٦٦).

(٤) الإرشاد: ٢: ١٠٤.

(٥) مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢: ١٢ - ١٤، واللهوف: ١٦٠، وتسلية المجالس: ٢: ٢٨٢.


أمقاتلٌ أنت هذا الرجل؟! إلى آخر محاورته مع ابن سعد التي مرّت بنا في قصة تحوّله والتحاقه بالإمامعليه‌السلام .

والمتأمّل في سياق كلّ من اللهوف ومقتل الخوارزمي، يلحظ تعارضاً بيّناً في سردهما لقصة التحاق الحرّ (رض)، حيث يجد أنّ الحرّ بعد مقتل خمسين رجلاً أو أكثر من أنصار الإمامعليه‌السلام يسأل عمر بن سعد: أمقاتلٌ أنت هذا الرجل؟! الأمر الذي يُضعف من الوثوق بسياق قصّة الحرّ (رض) في هذين الكتابين.

وتقول مصادر تاريخية: إنّ الحرّ (رض) كان أوّل مَن تقدّم إلى قتال القوم، وإنّه كان قد قال للإمامعليه‌السلام : يا بن رسول الله، كنتُ أوّل خارج عليك فائذن لي أن أكون أوّل قتيل بين يديك؛ فلعلّي أن أكون أوّل مَن يصافح جدّك محمّداً غداً في القيامة)(١) .

يقول صاحب تسلية المجالس في معنى ذلك: (وإنّما قال الحرُّ لأكون أوّل قتيل من المبارزين، وإلاّ فإنَّ جماعة كانوا قد قُتِلوا في الحملة الأولى كما ذُكر، فكان أوّل مَن تقدّم إلى براز القوم...)(٢) .

وقال الشيخ الصدوق في شأن الحرّ (رض): (فقتل منهم ثمانية عشر رجلاً)(٣) .

وقال الخوارزمي: (وقتل أربعين فارساً وراجلاً)(٤) .

____________________

(١) راجع: مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي، ٢: ١٣، والفتوح: ٥: ١٨٥، واللهوف ١٦٠، وتسلية المجالس: ٢: ٢٨٢، والبحار: ٤٥: ١٣.

(٢) تسلية المجالس: ٢: ٢٨٠، وقال أيضاً السيد ابن طاووس في اللهوف: ١٦٠ (إنّما أراد أوّل قتيل من الآن؛ لأنّ جماعة قُتلوا قبله كما ورد..).

(٣) أمالي الصدوق: ١٣٦، المجلس ٣٠ حديث رقم ١.

(٤) مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢: ١٣.


وقال ابن شهرآشوب: (فقتل نيّفاً وأربعين رجلاً)(١) .

وقال السيّد ابن طاووس: (حتّى قتل جماعة من شجعان وأبطال)(٢) .

وروي أنّه لمّا استشهد الحرّ (رض) احتمله أصحاب الحسينعليه‌السلام ، حتّى وضعوه بين يدي الحسينعليه‌السلام وبه رمق، فجعل الحسينعليه‌السلام يمسح وجهه ويقول:(أنت الحرُّ كما سمّتك أمُّك، وأنت الحرّ في الدنيا وأنت الحرّ في الآخرة) (٣) .

وقيل: (ثمَّ أنشأ الحسين يقول:

لَـنِعمَ الـحرُّ حـرُّ بني رياح

ونِعمَ الحرُّ عند مختلف الرماحِ

ونِعم الحرُّ إذ نادى(٤) حسيناً

فجادَ بنفسه عند الصباحِ(٥)

وقيل: رثاه بهذه الأبيات بعض أصحاب الحسينعليه‌السلام (٦) .

وذكر الخوارزمي عن الحاكم الجشمي أنّه قال: بل رثاه عليّ بن الحسينعليه‌السلام (٧) .

____________________

(١) مناقب آل أبي طالبعليه‌السلام : ٤: ١٠٠.

(٢) اللهوف: ١٦٠، وفيه: (ثمّ استشهد، فحملَ ُإلى الحسين فجعل يمسح التراب عن وجهه ويقول...).

(٣) تسلية المجالس: ٢: ٢٨٢، ومقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢: ١٤، وانظر: اللهوف: ١٦٠، والأخبار الطوال: ٢٥٦، وأمالي الصدوق: ١٣٦ المجلس ٣٠، حديث رقم ١ وفيه: (ثمّ قُتل فأتاه الحسينعليه‌السلام ودمه يشخب فقال:(بخٍ بخٍ يا حرُّ، أنت حرٌ كما سُمّيت في الدنيا والآخرة..) .

(٤) لعلّ الصحيح: (فادى) أو (فدّى) بدلاً من (نادى)، وقد رواها على الوجه الصحيح المحقّق المقرّم (ره) في المقتل: ٢٤٥ هكذا (ونِعمَ الحرُّ إذ فادى حسيناً).

(٥) أمالي الشيخ الصدوق: ١٣٦ المجلس ٣٠، حديث رقم ١.

(٦) مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢: ١٤، وانظر: الفتوح: ٥: ١٨٦، وانظر البحار: ٤٥: ١٤.

(٧) مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي، ٢: ١٤ وفيه: (صبورٌ عند مشتبك الرماحِ) بدلاً من (ونِعمَ الحرّ عند مختلف الرماح)، وفي البحار: ٤٥: ١٤ إضافة بيت لهذه الأبيات وهو:

فيا ربّ أضِفه في جِنانٍ

وزوِّجه مع الحور المِلاحِ


كيف كانت صلاة الإمامعليه‌السلام ظُهر عاشوراء؟

ذكر أكثر المؤرّخين أنّ الإمامعليه‌السلام صلّى بأصحابه صلاة الخوف(١) ، وقال الشيخ ابن نما (ره): (وقيل: صلّى الحسينعليه‌السلام وأصحابه فُرادى بالإيماء)(٢) .

وقال المرحوم المحقّق السيّد المقرّم: (والذي أراه أنّ صلاة الحسينعليه‌السلام كانت قصراً؛ لأنّه نزل كربلاء في الثاني من المحرّم، ومن أخبار جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله - مضافاً إلى علمه بأنّه يُقتل يوم عاشوراء - لم يستطع أن ينوي الإقامة إذا لم تكمل له عشرة أيّام، وتخيّل مَن لا معرفة له بذلك أنّه صلّى صلاة الخوف)(٣) .

____________________

(١) راجع مثلاً: الإرشاد: ٢: ١٠٥، ومثير الأحزان: ٦٥، وتاريخ الطبري ٣: ٣٢٨، والكامل في التاريخ: ٣: ٢٩٢، ومقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢: ٢٠، وأنساب الأشراف: ٣: ١٠٤، والمنتظم/ ٥: ٣٤٠، وتذكرة الخواص: ٢٢٧.

وقال ابن شهرآشوب في المناقب: ٤: ١٠٣: (صلّى بهم صلاة شدّة الخوف)، وقال العلاّمة الحلي في نهاية الأحكام: ٢: ٢٠٠ في معنى صلاة شدّة الخوف: (وهي تثبت عند: التحام القتال، وعدم التمكن من تركه لأحد، أو عند اشتداد الخوف، وأن يلتحم القتال، فلم يأمنوا هجومهم عليهم لو ولّوا عنهم انقسموا وحينئذٍ يصلّون رجالاً ومشاة على الأقدام أو ركباناً، مستقبِل القبلة واجباً مع الإمكان، وغير مستقبِلها مع عدمه على حسب الإمكان، فإن تمكّنوا من استيفاء الأركان وجب، وإلاّ أومأوا لركوعهم وسجودهم، ويكون سجودهم أخفض من الركوع، ولو تمكّنوا من أحدهما خاصّة وجب، ويجوز لهم التقدّم والتأخّر لقوله تعالى:( فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً ) ، وعن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال:(مستقبِل القِبلة وغير مستقبِلها) ، وقول الباقرعليه‌السلام في صلاة الخوف عند المطاردة والمناوشة وتلاحم القتال:(يصلّي كلّ إنسان فيهم بالإيماء حيث كان وجهه).

(٢) مثير الأحزان: ٦٥.

(٣) مقتل الحسينعليه‌السلام للمقرّم: ٢٤٥ حاشية الصفحة، وقال المقرّم (ره) في ص٢٤٦ نقلاً عن كتاب أسرار الشهادة أنّه: لمّا فرغَ الإمامعليه‌السلام من الصلاة قال لأصحابه:(يا كرام، هذه الجنّة قد فُتحت أبوابها، واتصلت أنهارها، وأينَعت ثمارها، وهذا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله والشهداء الذين قُتلوا في سبيل =


مقتلُ سعيد بن عبد الله الحنفي (رض) أثناء صلاة الإمامعليه‌السلام

ذكر الطبري وتابعه على ذلك ابن الأثير: أنّ سعيد بن عبد الله (رض) قُتل بعد الصلاة، حيث يقول: (ثمَّ اقتتلوا بعد الظهر فاشتدّ قتالهم، وَوصلَ إلى الحسين، فاستقدم الحنفيُّ أمامه، فاستُهدِف لهم يرمونه بالنبل يميناً وشمالاً قائماً بين يديه، فما زال يُرمى حتّى سقط)(١) .

لكنّ المؤرّخين الآخرين رووا أنّ سعيد بن عبد الله (رض) قُتل أثناء صلاة الإمامعليه‌السلام ، فقد روى الخوارزمي في المقتل يقول: (فقال الحسين لزهير بن القين وسعيد بن عبد الله:(تقدَّما أمامي ، فتقدّما أمامه في نحوٍ من نصف أصحابه حتّى صلّى بهم صلاة الخوف، ورويَ أنَّ سعيد بن عبد الله تقدّم أمام الحسينعليه‌السلام ، فاستهدفَ له يرمونه بالنبْل، فما أخذ الحسينعليه‌السلام يميناً وشمالاً إلاّ قام بين يديه.

____________________

=الله يتوقعون قدومكم ويتباشرون بكم، فحامُوا عن دين الله ودين نبيّه، وذبّوا عن حُرَم الرسول) ، فقالوا: نفوسنا لنفسك الفداء، ودماؤنا لدمك الوقاء، فو الله لا يصل إليك وإلى حرمك سوء وفينا عِرقٌ يضرب.

(١) تاريخ الطبري: ٣: ٣٢٨، والكامل في التاريخ: ٣: ٢٩٢، ويستفاد هذا المعنى أيضاً ممّا ذكره ابن نما (ره) في مثير الأحزان: ٦٦ حيث يقول: (ولما وصلَ القتال إليهعليه‌السلام تقدّمَ أمامه رجل من بني حنيفة يقيه بنفسه حتّى سقط بين يدي الحسينعليه‌السلام ، فقال الحنفيّ: اللّهمّ لا يُعجزك شيء تريده، فأبلِغ محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله نصرتي ودفعي عن الحسين وارزقني مرافقته في دار الخلود).

وانظر: إبصار العين: ٢١٧ - ٢١٨ ففيه أيضاً أنّ ذلك كان (لمّا صلّى الحسين الظهر صلاة الخوف، ثمّ اقتتلوا بعد الظهر فاشتدّ القتال، ولما قرب الأعداء من الحسين وهو قائم بمكانه، استقدم سعيدُ الحنفيُّ أمام الحسين فاستهدف لهم يرمونه بالنبل يميناً وشمالاً، وهو قائم بين يدي الحسين يقيه السهام طوراً بوجهه، وطوراً بصدره، وطوراً بيديه، وطوراً بجنبيه، فلم يكد يصل إلى الحسينعليه‌السلام شيء من ذلك حتّى سقط الحنفيّ إلى الأرض..).


فما زال يُرمى حتى سقط إلى الأرض وهو يقول: (اللّهمَّ العنهم لعن عادٍ وثمود، اللّهمّ أبلغ نبيّك عنّي السلام، وأبلِغه ما لقيتُ من ألَم الجراح؛ فإنّي أردت بذلك نصرة نبيّك)، ثمّ مات، فوجِدَ به ثلاثة عشر سهماً سوى ما به من ضرب السيوف وطعن الرماح)(١) ، ثمّ التفتَ إلى الحسينعليه‌السلام فقال: أوَفيت يا بن رسول الله؟ فقالعليه‌السلام :نعم، أنت أمامي في الجنّة) ، ثمّ فاضت نفسه النفيسة(٢) .

وينبغي التذكير هنا: بأنّ السلام على سعيد بن عبد الله الحنفي (رض) الوارد في زيارة الناحية المقدّسة، كاشف عن مكانة سامية خاصة له عند أهل البيتعليهم‌السلام ، فقد وردَ السلام عليه فيها هكذا:

(السلام على سعد (٣) بن عبد الله الحنفيّ، القائل للحسين وقد أذِن له في الانصراف: لا والله لا نخلّيك حتّى يعلم الله أنّا قد حفظنا غيبة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فيك، والله، لو أعلم أنّي أُقتل ثمّ أُحيا، ثمّ أُحرق، ثمّ أُذرى ويُفعل ذلك بي سبعين مرَّة ما فارقتك حتّى ألقى حِمامي دونك، وكيف أفعل ذلك وإنّما هي موتة أو قتلة واحدة؟ ثمّ هي بعدها الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً.

فقد لقيتَ حِمامك، وواسيتَ إمامك، ولقيتَ من الله الكرامة في دار المقامة، حشرنا الله معكم في المستشهدين، ورزقنا مرافقتكم في أعلى علّييّن) (٤) .

____________________

(١) مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢: ٢٠ - ٢١، وانظر: اللهوف: ١٦٥، وتسلية المجالس: ١: ٢٩١، والبحار: ٤٥: ٢١، ونَفَس المهموم: ٢٧٥.

(٢) إبصار العين: ٢١٨.

(٣) هكذا ورد اسمه في هذه الزيارة.

(٤) البحار: ٤٥: ٧٠.


مقتلُ أنس بن الحارث الكاهلي (رض)(١)

واستأذن الصحابي الجليل أنس بن الحارث الكاهلي (رض) الإمام الحسينعليه‌السلام لمبارزة الأعداء فأذِن له، (وبرز شادّاً وسطه بالعمامة، رافعاً حاجبيه بالعصابة، ولمّا نظر إليه الحسينعليه‌السلام بهذه الهيئة بكى وقال:(شكرَ الله لك يا شيخ) ، فقتلَ على كِبَره ثمانية عشر رجلاً، وقُتل)(٢) .

وكان في قتاله يرتجز قائلاً:

قد عَلِمتْ كاهلُها ودودان

والخندفيّون وقيس عيلان

بأنّ قومي آفة للأقران(٣)

____________________

(١) ذكره الشيخ الصدوق في الأمالي: ١٣٧ المجلس ٣٠ ح١ باسم (مالك بن أنس الكاهلي)، وأنّه كان يقول أثناء القتال:

قد عَلمتْ كاهلها ودودان

والخندفيّون وقيس عيلان

بأنّ قَومي قصم الأقران

يا قوم كونوا كأسود الجان

آل عليّ شيعة الرحمان

وآل حرب شيعة الشيطان

وذكر أيضاً أنّه قتلَ ثمانية عشر رجلاً، وكذلك ذكرهُ بهذا الاسم ابن شهرآشوب في المناقب: ٤: ١٠٢، وذكر أنّه قتلَ أربعة عشر رجلاً، وذكره بهذا الاسم أيضاً الخوارزمي في المقتل: ٢: ٢١، لكنّ أكثر المصادر التاريخية والمقاتل ذكرت هذا الصحابيّ الجليل باسم (أنس بن الحارث الكاهلي)، كما ورد عن ابن حجر في الإصابة: ١: ٦٨، وابن حبّان في كتاب الثقات: ٤: ٤١، والطبري في ذخائر العقبى: ١٤٦، وابن الأثير في أُسد الغابة: ١: ١٢٣ وغيرهم.

وقال المرحوم الشيخ عباس القمّي في نَفَس المهموم: ٢٨٩: (وأحتمل قوّياً أنّ مالك بن أنس الكاهلي المذكور هو أنس بن الحارث الكاهلي الصحابي)، وقد ورد السلام عليه في الناحية المقدّسة هكذا:(السلام على أنس بن كاهل الأسديّ) (البحار: ٤٥: ٧١).

(٢) ذخيرة الدارين: ٢٠٨، وفي المناقب لابن شهرآشوب: ٤: ١٠٢ (فقتل أربعة عشر رجلاً).

(٣) إبصار العين: ١٠٠.


مقتلُ يزيد بن زياد بن مهاصر الكندي (رض)

روى الطبري، عن أبي مخنف، عن فضيل بن خديج الكندي: (أنّ يزيد بن زياد(١) ، وهو أبو الشعثاء الكندي - من بني بهدلة - جثا على ركبتيه بين يدي الحسين فرمى بمئة سهم ما سقط منها إلاّ خمسة أسهم، وكان رامياً، فكان كلّما رمى قال:

لَـنِعمَ الـحرُّ حـرُّ بني رياح

ونِعمَ الحرُّ عند مختلف الرماحِ

أنا ابنُ بهدله فرسان العرجله

ويقول حسين:(الّلهمّ سدّد رميته، واجعل ثوابه الجنّة) .

فلمّا رمى بها قام فقال: ما سقط منها إلاّ خمسة أسهم، ولقد تبيّن لي أنّي قد قتلتُ خمسة نفر، وكان في أوّل مَن قُتل..)(٢) .

ثمَّ حملَ على القوم بسيفه وقال:

أنـا يـزيدٌ وأبي مُهاصرُ

كـأنّني لـيثٌ بِغيلٍ خادرُ

يا ربّ إنّي للحسين ناصرُ

ولابن سعدٍ تاركٌ وهاجرُ

فلم يزل يُقاتل حتّى قُتل رضوان الله عليه)(٣) .

وروى الصدوق (ره): أنّ أبا الشعثاء (رض) قتل تسعة من الأعداء، وذكر

____________________

(١) في الإرشاد: ٢: ٨٣ ذكره المفيد (ره) باسم (يزيد بن المهاجر الكناني، وفي تسمية مَن قُتل: ١٥٠ ورد باسم (يزيد بن زيد بن المهاصر، وفي مثير الأحزان: ٦١ (يزيد بن المهاجر)، وفي أمالي الصدوق: ١٣٧ المجلس ٣٠ ح١ (زياد بن مهاصر (مهاجر))، وفي الكامل في التاريخ: ٣: ٢٩٣ (يزيد بن أبي زياد)، وذكره ابن شهرآشوب في المناقب: ٤: ١٠٣ (يزيد بن المهاصر الجعفي).

(٢) تاريخ الطبري: ٣: ٣٣٠، وانظر: الكامل في التاريخ: ٣: ٢٩٣ وفيه: (وكان أوّل مَن قُتل بين يدي الحسين).

(٣) إبصار العين: ١٧٢.


مبارزته بعد مبارزة الكاهلي (رض)(١) .

أمّا ابن شهرآشوب، فذكرَ مبارزته بعد مبارزة أنيس بن معقل الأصبحي(٢) .

وهذا بخلاف ما ذكر الطبري في روايته أنّه: (كان في أوّل مَن قُتل)، وما ذكره ابن الأثير (وكان أوّل مَن قُتل بين يدي الحسين)(٣) .

وقد وردَ السلام عليه من الناحية المقدّسة:(السلام على يزيد بن زياد بن مُهاصر الكندي) (٤) .

مقتلُ وهب بن وهب (رض)

روى الشيخ الصدوق (ره)(٥) في أماليه يصف جملة من وقائع فاجعة عاشوراء

____________________

(١) أمالي الصدوق: ١٣٧ المجلس ٣٠، ح١، وانظر: مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢: ٢٣.

(٢) مناقب آل أبي طالبعليهم‌السلام : ٤: ١٠٣.

(٣) الكامل في التاريخ: ٣: ٢٩٣.

(٤) البحار: ٤٥: ٧٢.

(٥) يبدو أنّ العلامة المجلسي (ره) يذهب إلى أنّ وهب هذا هو نفسه: وهب بن عبد الله بن حبّاب الكلبي، فقد ذكر في البحار: ٤٥: ١٦ - ١٧ قائلاً: (ثمّ برز من بعده - أي من بعد برير بن خضير الهمداني (رض) - وهب بن عبد الله بن حبذاب الكلبي، وقد كانت معه أمّه يومئذٍ، فقالت: قمْ يا بُنيّ فانصر ابن بنت رسول الله، فقال: أفعل يا أمّاه ولا أُقصّر، فبرزَ وهو يقول:

إنْ تنكروني فأنا ابن الكلب

سوف تروني وترون ضربي

وحَملتي وصَولتي في الحرب

أُدرك ثأري بعد ثأر صَحبي

وأدفعُ الكرب أمام الكرب

ليس جهادي في الوغى باللغبِ

ثمّ حملَ فلم يزل يقاتل حتى قتلَ منهم جماعة، فرجع إلى أمّه وامرأته فوقفَ عليهما فقال: يا أمّاه، أرضيتِ؟ فقالت: ما رضيتُ أو تُقتل بين يدي الحسينعليه‌السلام . =


وتتابعَ أصحاب الإمامعليه‌السلام في التقدّم إلى القتال والمبارزة قائلاً: (وبرز من بعده - أي

____________________

= فقالت امرأته: بالله لا تفجعني في نفسك، فقالت أمّه: يا بنيّ لا تقبل قولها، وارجع فقاتل بين يدي ابن رسول الله فيكون غداً في القيامة شفيعاً لك بين يدي الله، فرجع قائلاً:

إنّي زعيمٌ لكِ أمَّ وهـبِ

بالطعن فيهم تارة والضرب

ضربُ غلامٍ مؤمنٍ بالربِّ

حتّى يُذيقَ القوم مُرَّ الحربِ

إنّي امرؤ ذو مرَّ وعصبِ

ولستُ بالخوّار عند النكبِ

حسبي إلهي من عليم حسبي

فلم يزل يقاتل حتى قتلَ تسعة عشر فارساً واثني عشر راجلاً. (إلى هنا راجع أيضاً: مناقب آل أبي طالبعليهم‌السلام : ٤: ١٠٠ - ١٠١) ثمّ قُطعت يداه، فأخذت امرأتُه عموداً وأقبلت نحوه وهي تقول:فداك أبي وأمّي، قاتِل دون الطيبين حُرَم رسول الله، فأقبلَ كي يردّها إلى النساء فأخذت بجانب ثوبه وقالت: لن أعود أو أموت معك.

فقال الحسينعليه‌السلام :(جُزيتم من أهل بيتٍ خيراً، ارجعي إلى النساء رحمكِ الله) ، فانصرَفت، وجعل يُقاتل حتى قُتل رضوان الله عليه، فذهبت امرأته تمسح الدّم عن وجهه، فبصرَ بها شمر، فأمرَ غلاماً له فضربها بعمود كان معه فشدَخها وقتلها، وهي أوّل امرأة قُتلت في عسكر الحسين.

ورأيتُ حديثاً: أنّ وهب هذا كان نصرانيّاً، فأسلمَ هو وأمّه على يدي الحسينعليه‌السلام ، فقتلَ في المبارزة أربعة وعشرين راجلاً واثني عشر فارساً، ثمّ أُخذ أسيراً، فأُتي به عمر بن سعد فقال: ما أشدَّ صولتك؟! ثمّ أمرَ فضُربت عُنقه، ورُمي برأسه إلى عسكر الحسينعليه‌السلام ، فأخذت أمّه الرأس فقبّلته، ثمّ رمت بالرأس إلى عسكر ابن سعد فأصابت به رجلاً فقتلته، ثمّ شدّت بعمود الفسطاط فقتلت رجلين، فقال لها الحسين:(ارجعي يا أمَّ وهب، إنّكِ وابنك مع رسول الله، فإنّ الجهاد مرفوع عن النساء، فرَجعت وهي تقول: إلهي لا تقطع رجائي، فقال لها الحسينعليه‌السلام :لا يقطع الله رجاكِ يا أمَّ وهب).

ويلاحظ المتتبِّع: أنّ هناك خلطاً في بعض المصادر التاريخية بين قصة عبد الله بن عمير الكلبي (رض)، وبين قصة وهب بن وهب (رض)، خصوصاً في رجزها وفي طريقة مقتل زوجة عبد الله بن عمير (رض) أمّ وهب، وقتل زوجة وهب على يد رستم غلام شمر.


من بعد يزيد بن زياد بن المهاصر، أبي الشعثاء الكندي (رض) - وهب بن وهب، وكان نصرانياً أسلمَ على يدي الحسينعليه‌السلام هو وأمّه، فاتّبعوه إلى كربلاء، فركبَ فرساً وتناول بيده عود الفسطاط (عمود الفسطاط)، فقاتل وقتلَ من القوم سبعة أو ثمانية، ثمّ استؤسِر فأُتي به عمر بن سعد لعنه الله، فأمرَ بضرب عنقه، ورمى به إلى عسكر الحسينعليه‌السلام ، وأخذت أمّه سيفه وبرزت، فقال لها الحسينعليه‌السلام :

(يا أُمَّ وهب، اجلسي فقد وضعَ الله الجهاد عن النساء، إنّك وابنك مع جدّي محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله في الجنّة) (١) .

مقتلُ الحجّاج بن مسروق المذحجي الجعفي (رض)

وهو (رض) مؤذّن الإمام الحسينعليه‌السلام في أوقات الصلاة، وكان قد خرج من الكوفة إلى الإمامعليه‌السلام والتحق به في مكّة المكرّمة، ولمّا كان يوم العاشر وبرز بقية أصحاب الإمامعليه‌السلام بعد الحملة الأولى إلى مقاتلة الأعداء تباعاً، برز الحجّاج بن مسروق الجعفي (رض) بعد أبي الشعثاء الكندي يزيد بن زياد (رض) - على رواية الخوارزمي وابن شهرآشوب - وهو يقول:

أقـدِم حـسين هادياً مهديّا

الـيوم نـلقى جـدّك النبيّا

ثـمَّ أبـاك ذا الـعُلا عليّا

والحسن الخير الرضا الوليّا

وذا الـجناحين الفتى الكميّا

وأسد الله الشهيد الحيّا(٢)

ثمّ حملَ فقاتل حتّى قُتل(٣) ، وكان قد قتل خمسة وعشرين رجلاً(٤) .

____________________

(١) أمالي الصدوق: ١٣٧ المجلس ٣٠، حديث رقم ١.

(٢) يمرُّ بنا في مصرع زهير بن القين (رض): أنّ زهيراً أنشد هذه الأبيات، ولا مانع من أن يكون قد أنشدها أكثر من رجل واحد من الأنصار (رض).

(٣) انظر: مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢: ٢٣.


وقد ذكر كلٌّ من المحقّق السماوي (ره)، والمحقّق المقرّم (ره): أنّ مسروق بن الحجّاج (رض) بعد أن استأذن الإمامعليه‌السلام قاتلَ قتالاً شديداً ثمّ عاد إليه وأنشده:

فَدتكَ نفسي هادياً مهديّا

اليوم ألقى جدّك النبيّا

ثمّ أباك ذا الندى عَليّا

ذاك الذي نعرفهُ الوصيّا

فقال له الحسينعليه‌السلام :(نعم، وأنا ألقاهما على أثرك) ، فرجع يُقاتل حتى قُتلرضي‌الله‌عنه (٥) .

مقتلُ زهير بن القين (رض)

قال الطبري بعد ذكره مقتل سعيد بن عبد الله (رض): (وقاتلَ زهير بن القين قتالاً شديداً، وأخذ يقول:

أنا زهير وأنا ابن القَيْنِ

أذودهم بالسيف عن حسينِ

.. وأخذ يضرب على منكب حسين(٦) ويقول:

أَقدِمْ هُديتَ(٧) هادياً مهديّا

فاليوم نلقى جدّك النبيّا

وحَسناً والمرتضى عَليّا

وذا الجناحينِ الفتى الكميّا

وأسدَ اللهِ الشهيدَ الحيّا

... فشدَّ عليه كثير بن عبد الله الشعبي، ومهاجر بن أوس، فقتلاه)(٨) .

____________________

(١) انظر: مناقب آل أبي طالبعليهم‌السلام ، ٤: ١٠٣.

(٥) راجع: إبصار العين: ١٥٢ - ١٥٣، ومقتل الحسينعليه‌السلام للمقرّم: ٢٥٣ - ٢٥٤.

(٦) أي: وهو يستأذنه ويودّعه.

(٧) وفي إبصار العين: ١٦٧ (فدتك نفسي هادياً مهديّاً).

(٨) تاريخ الطبري: ٣: ٣٢٨، وانظر: أمالي الصدوق: ١٣٦ المجلس ٣٠ ح١، وأنساب الأشراف: =


وقال الخوارزمي في مقتله: فقال الحسين حين صُرع زهير:(لا يبعدنّك الله يا زهير، ولعنَ الله قاتلك لعنَ الذين مسخَهم قردة وخنازير) (١) .

وذكر الشيخ الصدوق (ره): أنّ زهيراً (رض) قتلَ من الأعداء تسعة عشر رجلاً(٢) .

وذكر ابن شهرآشوب (ره)، والسيّد محمّد بن أبي طالب (ره): أنّ زهيراً قتل مئة وعشرين رجلاً(٣) .

إنّ السلام الوارد في زيارة الناحية المقدّسة على زهير بن القين، كاشف عن منزلة خاصة له (رض) عند أهل البيتعليهم‌السلام ، إذ وردَ فيها:

(السلام على زهير بن القين البجلي، القائل للحسين وقد أذِن له في الانصراف: لا والله لا يكون ذلك أبداً، أتركُ ابن رسول الله أسيراً في يد الأعداء وأنجو؟ لا أراني الله ذلك اليوم) (٤) .

____________________

= ٣: ٤٠٣، وفي إبصار العين: ١٦٦ (فقاتلَ زهير والحرّ قتالاً شديداً، فكان إذا شدَّ أحدهما واستُلحم شدَّ الآخر فخلّصه، فقُتل الحرّ ثمّ صلّى الحسينعليه‌السلام صلاة الخوف، ولمّا فرغ منها تقدّم زهير فجعل يُقاتل قتالاً لم يُر مثله ولم يسمع بشبهه...).

وقال ابن شهرآشوب في المناقب: ٤: ١٠٤ (ثمّ صلى الحسينعليه‌السلام بهم صلاة الظهر صلاة شدّة الخوف، ثمّ برزَ زهير بن القين البجلي..)، وروى الخوارزمي في المقتل: ٢: ٢٣: أنّ خروج زهير بن القين البجلي (رض) كان بعد خروج الحجّاج بن مسروق الجعفي (رض).

(١) مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢: ٢٤.

(٢) أمالي الصدوق: ١٣٦، المجلس ٣٠ ح١.

(٣) المناقب: ٤: ١٠٤، وتسلية المجالس: ٢: ٢٧٧.

(٤) البحار: ٤٥: ٧١.


مقتلُ سلمان بن مضارب البجلي (رض)

كان سلمان (رض) مع ابن عمّه زهير (رض) في سفر الحجّ سنة ستين للهجرة، ولمّا مالَ زهير (رض) في الطريق إلى الإمامعليه‌السلام وانضمّ إليه، مالَ معه ابن عمّه سلمان هذا (رض) وانضمّ إلى الإمامعليه‌السلام أيضاً.

ونقلَ المحقق السماويرحمه‌الله عن صاحب الحدائق الوردية قوله: إنّ سلمان قُتل فيمن قُتل بعد صلاة الظهر(١) ، فكأنّه قُتل قبل زهير(٢) .

مقتلُ أبي ثمامة الصائدي (رض)

قال ابن شهرآشوب: ثمّ برز أبو ثمامة الصائدي وقال:

عـزاءً لآل الـمصطفى وبـناته

على حَبس خير الناس سبط محمّد

عـزاءً لـزهراء النبيّ وزوجها

خـزانة عـلم الله مـن بعد أحمد

عزاءً لأهل الشرق والغرب كلّهم

وحُزناً على حَبس الحسين المسدَّد

فـمنْ مُـبلغٌ عـنّي النبيَّ وبنته

بأنّ ابنكم في مجهد أيّ مجهد(٣)

ويُفهم من سياق الطبري - ويتابعه على ذلك ابن الأثير -: بأنّ أبا ثمامة الصائدي (رض) كان قد قَتلَ ابنَ عمٍّ له في فترة ما قبل إقامة صلاة الظهر، إذ يقول الطبري: (.. ثمّ إنّ رجّالة شدَّت على الحرّ بن يزيد فقُتل، وقَتلَ أبو ثمامة الصائدي ابن عمّ له كان عدوّاً له، ثمّ صلّوا الظهر...)(٤) .

____________________

(١) إبصار العين: ١٦٩ عن الحدائق الورديّة: ١٢٢.

(٢) لعلّ هذه العبارة للشيخ السماوي (ره)، ولا نعلم الدليل عليها.

(٣) مناقب آل أبي طالبعليهم‌السلام : ٤: ١٠٥.

(٤) تاريخ الطبري: ٣: ٣٢٨، وانظر: الكامل في التاريخ: ٣: ٢٩٢.


أمّا كيف قُتل أبو ثمامة (رض) ومَن قتله؟ فلم نعثر - حسب متابعتنا - على مصدر من المصادر التاريخية القديمة كان قد ذكر ذلك، إلاّ أنّ المحقّق السماوي (ره) ذكر قائلاً: (قال: ثُمَّ إنّ أبا ثمامة قال للحسين، وقد صلّى: يا أبا عبد الله، إنّي قد هممتُ أن ألحق بأصحابي، وكرهتُ أن أتخلّف وأراك وحيداً من أهلك قتيلاً، فقال له الحسينعليه‌السلام :(تقدّم فإنّا لاحقون بك عن ساعة) .

فتقدّم فقاتلَ حتّى أُثخن بالجراحات، فقتلهُ قيس بن عبد الله الصائدي ابن عمّ له، كان له عدوّاً، وكان ذلك بعد قتل الحرّ)(١) .

ويبدو أنّ المحقّق المقرّم (ره) قد أخذ ذلك عن الشيخ السماوي (ره)، إذ يقول: (وخرج أبو ثمامة الصائدي فقاتل حتّى أُثخن بالجراح، وإنّ مع عمر بن سعد ابن عمّ له يُقال له قيس بن عبد الله، بينهما عداوة، فشدَّ عليه وقتله)(٢) .

وإلى هنا لابدّ أن نقول: ربّما كان المحقّق السماوي (ره) والمحقّق المقرّم (ره)، قد أخذا ذلك عن مصدر لم نوفّق للاطّلاع عليه، خصوصاً وأنّهما قد ذكرا اسم قاتله: قيس بن عبد الله الصائدي، أمّا إذا كان أخذَهما عن الطبري أو ابن الأثير ، فإنّ هذين قد ذكرا أنّ أبا ثمامة هو قاتل ابن عمّه لا العكس.

مقتلُ برير بن خضير الهمداني (رض)

يروي الطبري عن أبي مخنف بسنده إلى عفيف بن زهير بن أبي الأخنس، وكان قد شهد مقتل الحسينعليه‌السلام : (قال: وخرج يزيد بن معقل - من بني عميرة بن

____________________

(١) إبصار العين: ١٢١، وتابَعهُ على ذلك الزنجاني في وسيلة الدارين: ٩٩، رقم ١.

(٢) مقتل الحسينعليه‌السلام للمقرّم: ٢٤٧، ولم ينسب ما ذكرهُ إلى مصدر ما.


ربيعة، وهو حليف لبني سليمة من عبد القيس - فقال: يا برير بن خضير، كيف ترى الله صَنع بك؟! قال: صنعَ الله - واللهِ - بي خيراً، وصنعَ الله بك شرّاً.

قال: كذبتَ، وقبل اليوم ما كنت كذّاباً! هل تذكر وأنا أُماشيك في بني لوذان، وأنت تقول: إنَّ عثمان بن عفّان كان على نفسه مسرفاً، وإنّ معاوية بن أبي سفيان ضالٌّ مُضِلٌّ، وإنّ إمام الهدى والحقّ عليّ بن أبي طالب؟

فقال له برير: أشهد أنّ هذا رأيي وقولي.

فقال له يزيد بن معقل: فإنّي أشهدُ أنّك من الضالّين.

فقال له برير بن خضير: هل لك فلأباهلك، ولندعو الله أن يلعن الكاذب، وأن يقتل المبطل، ثمّ اُخرج فلأُبارزك.

قال: فخرجا فرفعا أيديهما إلى الله يدعوانه أن يلعن الكاذب، وأن يَقتِل المحقُّ المبطلَ، ثمّ برز كل واحدٍ منهما لصاحبه، فاختلفا ضربتين، فضرب يزيد بن معقل برير بن خضير ضربة خفيفة لم تضرّه شيئاً، وضربهُ برير بن خضير ضربة قدّت المغفر وبلغت الدماغ، فخرَّ كأنما هوى من حالق، وإنّ سيف ابن خضير لثابت في رأسه، فكأنّي أنظر إليه ينضنضه من رأسه، وحمل عليه رضيُّ بن منقذ العبدي فاعتنق بريراً، فاعتركا ساعة، ثمّ إنّ بريراً قعدَ على صدره، فقال رضيٌّ: أين أهل المصاع(١) والدفاع؟!

قال: فذهب كعب بن جابر بن عمرو الأزدي ليحمل عليه، فقلت: إنّ هذا برير بن خضير القارئ الذي كان يُقرؤنا القرآن في المسجد، فحملَ عليه بالرمح حتّى وضعه في ظهره، فلمّا وجد مسّ الرمح بركَ عليه فعضّ بوجهه وقطع طرف أنفه.

____________________

(١) المصع: الضرب بالسيف، والمماصعة: المقاتلة والمجالدة بالسيوف. (لسان اللسان: ٢: ٥٥٩).


فطعنهُ كعب بن جابر حتّى ألقاه عنه وقد غيّب السنان في ظَهره، ثمَّ أقبل عليه يضربه بسيفه حتّى قتله)(١) .

وذكرَ ابن شهرآشوب: أنّ بريراً (رض) برز بعد الحرّ (رض)، وهو يقول:

أنـا بُـرير وأبـي خُضَيْر

ليث يروع الأُسَد عند الزئر

يعرف فينا الخير أهل الخير

أضربكم ولا أرى من ضير

كذا فَعلَ الخير في بُرير

وأنّ الذي قتله بُحير أوس الضبّي(٢) .

أمّا الشيخ الصدوق، فقد روى أنّ بُريراً (رض) برزَ من بعد عبد الله بن أبي عروة الغفاري (رض)(٣) ، الذي برز من بعد حبيب بن مظاهر (رض)، وكان

____________________

(١) تاريخ الطبري: ٣: ٣٢٢، وانظر: الكامل في التاريخ: ٣: ٢٨٩ - ٢٩٠، وأنساب الأشراف: ٣: ٣٩٩، ومثير الأحزان: ٦١، واللهوف: ١٦٠، ويمضي في بعض المصادر (يزيد بن مغفل) بدلاً من (يزيد بن معقل).

ويواصل الطبري روايته: (قال عفيف: كأنّي أنظر إلى العبديّ الصريع قام ينفض التراب عن قِبائه ويقول: أنعمتَ عليَّ يا أخا الأزد نعمة لن أنساها أبداً.. فلمّا رجعَ كعب بن جابر قالت له امرأته أو أخته النوّار بنت جابر: أَعنتَ على ابن فاطمة وقتلتَ سيّد القرّاء؟! لقد أتيتَ عظيماً من الأمر، والله لا أُكلّمك من رأسي كلمة أبداً).

وقال كعب بن جابر عدّة أبيات من الشعر يُجيبها، يذمّها ويثني على نفسه ويمدح سيفه، ويؤكّد ولاءه ليزيد بن معاوية! ويمدح فيها - على رغمه - الإمامعليه‌السلام وأصحابه! حيث يقول فيهم:

ولم تَرَ عيني مِثلهم في زمانهم

ولا قبلهم في النّاس إذ أنا يافع

أشدَّ قِراعاً بالسيوف لدى الوغى

ألا كُلُّ مَن يحمي الذِّمار مُقارع

وقد صبروا للطعن والضرب حُسَّراً

وقد نازلوا لو أنَّ ذلك نافعُ

(٢) راجع: مناقب آل أبي طالب: ٤: ١٠٠، وهذا خلاف المشهور الوارد في رواية الطبري في أنّ الذي قتله هو كعب بن جابر بن عمرو الأزدي لعنه الله.

(٣) مرَّ بنا أنّ عبد الله بن عروة الغفاري كان من شهداء الحملة الأولى على رواية ابن شهرآشوب في =


برير يقول:

أنا بُريرٌ وأبي خُضَيْر

لا خير فيمَن ليس فيه خير

وأنّه قتلَ من الأعداء ثلاثين رجلاً ثُمَّ قُتل(١) .

وفي كتاب تسلية المجالس: أنّ بريراً (رض) كان يحمل على القوم وهو يقول: (اقترِبوا منّي يا قَتلة المؤمنين، اقترِبوا منّي يا قَتَلة أولاد البدريين، اقترِبوا منّي يا قَتلة أولاد رسول ربّ العالمين وذريّته الباقين)(٢) .

مقتلُ عمرو بن قرظة الأنصاري (رض)

وروى الطبري يقول: (وخرجَ عمرو بن قرظة الأنصاري يقاتل دون حسين وهو يقول:

قـد عَـلمتْ كـتيبة الأنصارِ

أنّـي سـأحمي حـوزة الذّمار

ضـربُ غلام غيرِ نكسٍ شارِ

دون حسين مهجتي وداري(٣)

____________________

= المناقب: ٤: ١١٣، وذكرنا هناك أنّ من المؤرّخين مَن يذكر أنّه وأخوه عبد الرحمان قُتلا مبارزة. راجع إضافة إلى أمالي الصدوق (إبصار العين: ١٧٦).

(١) أمالي الصدوق: ١٣٦ - ١٣٧، المجلس ٣٠ حديث رقم ١.

(٢) تسلية المجالس: ٢: ٢٨٣، والبحار: ٤٥: ١٥.

(٣) تاريخ الطبري: ٣: ٣٢٤، وقال السيّد بن طاووس (ره) في اللهوف: ١٦٢: (فخرجَ عمرو بن قرظة الأنصاري فاستأذن الحسينعليه‌السلام فأذِن له، فقاتلَ قتال المشتاقين إلى الجزاء، وبالغَ في خدمة سلطان السماء، حتّى قتلَ جمعاً كثيراً من حزب ابن زياد، وجمع بين سداد وجهاد، وكان لا يأتي إلى الحسينعليه‌السلام سهم إلاّ اتّقاه بيده، ولا سيف إلاّ تلقّاه بمهجته، فلم يكن يصل إلى الحسينعليه‌السلام سوء حتّى أُثخن بالجراح، فالتفت إلى الحسينعليه‌السلام وقال: يا بن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله =


ويتابع الطبري فيقول: (قال أبو مخنف، عن ثابت بن هبيرة: فقُتل عمرو بن قرظة بن كعب وكان مع الحسين، وكان عليٌّ أخوه مع عمر بن سعد، فنادى عليٌّ بن قرظة: يا حسين(١) ... أضللتَ أخي وغررته حتّى قتلته؟! قال:(إنّ الله لم يُضلَّ أخاك ولكنّه هدى أخاك وأضلّك) ، قال: قَتلني الله إن لم أقتلك أو أموت دونك، فحملَ عليه، فاعترضهُ نافع بن هلال المرادي فطعنهُ فصرعه، فحمله أصحابه فاستنقذوه فدوويَ بعدُ فبَرِئ)(٢) .

مقتلُ نافع بن هلال الجَملي (رض)

كان لنافع بن هلال الجَملي (رض) مواقف بطولية عديدة في عرصة الطفّ، وكان من تلك المواقف: ما رواه الطبري عن يحيى بن هاني بن عروة: (أنّ نافع بن

____________________

= أوفيتُ؟

فقال:(نعم، أنت أمامي في الجنّة، فاقرأ رسول الله عنّي السلام، وأعلِمه أنّي في الأثر) ، فقاتلَ حتى قُتل رضوان الله عليه)، وانظر أيضاً مثير الأحزان: ٦١ وفيه: (أن سوف أحمي حوزة الذمار)، و(ضرب غلام ليس بالفرّار)، وذكر الشيخ ابن نما (ره) أيضاً أنّه عرّض بقوله: (دون حسين مهجتي وداري) بعمر بن سعد؛ فإنّه لمّا قال له الحسينعليه‌السلام :(صِرْ معي، قال: أخاف على داري، فقال الحسينعليه‌السلام له:أنا أعوّضك عنها، قال: أخاف على مالي! فقال له:أنا أعوّضك عنه من مالي بالحجاز...) . (راجع: مثير الأحزان: ٦١، وإبصار العين: ١٥٦).

(١) كان هذا اللعين قد خاطب الإمامعليه‌السلام بفاحشٍ من القول، وقد أبينا نقله هنا، فتركنا محلّه هنا النقاط الثلاث.

(٢) تاريخ الطبري: ٣: ٣٢٤، وذكر الشيخ المحقق السماوي (ره) في كتابه إبصار العين: ١٥٦: أنّ لعليّ بن قرظة ترجمة في الكتب الرجالية عند أهل السنّة، ورواية عنه، ومدحاً فيه! دون أخيه الشهيد عمرو بن قرظة (رض)!


هلال كان يقاتل يومئذٌ وهو يقول:

أنا الهِزبرُ الجملي

أنا على دين علي(١)

فخرجَ إليه رجلٌ يُقال له مُزاحم بن حُريث فقال: أنا على دين عثمان.

فقال له: أنت على دين شيطان، ثمّ حملَ عليه فقتله، فصاح عمرو بن الحجّاج بالناس: يا حمقى أتدرون مَن تقاتلون؟! فرسانَ المِصر، قوماً مستميتين، لا يبرزنّ لهم منكم أحد؛ فإنّهم قليل وقلَّ ما يبقون، والله، لو لم ترموهم إلاّ بالحجارة لقتلتموهم، فقال عمر بن سعد: صدقتَ، الرأيُ ما رأيت، وأرسلَ إلى الناس يعزم عليهم ألاّ يبارزُ رجلٌ منكم رجلاً منهم)(٢) .

وكان نافع بن هلال الجملي (رض) قد كتبَ اسمه على أفواق نبله، فجعلَ يرمي بها مسمومةً وهو يقول:

أرمي بها مُعلّمة أفواقها

مسمومة تجري بها أخفاقها

ليملأنَّ أرضها رشاقها

والنفس لا ينفعها إشفاقها

فقتلَ اثني عشر رجلاً من أصحاب عمر بن سعد سوى مَن جُرح، حتّى إذا فنيت نباله جرَّد فيهم سيفه فحملَ عليهم وهو يقول:

أنا الهزبرُ الجَملي

أنا على دين علي

____________________

(١) هكذا على ما نقله المحقّق السماوي (ره) في كتابه إبصار العين: ١٤٩، وأمّا على أصل رواية الطبري فهو: (أنا الجملي أنا على دين علي)، والظاهر أنّ الرَجَز لا يستقيم وزناً هكذا، فأخذنا بما نقله السماوي (ره)، وفي الإرشاد: ٢: ١٠٣: (وبرزَ نافع بن هلال وهو يقول:

أنا ابن هلال البَجلي

أنا على دين علي

 (٢) تاريخ الطبري: ٣: ٣٢٤، وانظر الإرشاد: ٢: ١٠٣، وإعلام الورى: ٢: ٤٦٢، ومثير الأحزان: ٦٠ وفيه: (فبرزَ إليه واجم بن حريث الرشدي). ٤٥: ١٩.


فتواثبوا عليه وأطافوا به يضاربونه بالحجارة والنصال حتى كسروا عضُدَيه، فأخذوه أسيراً، فأمسَكهُ شمر بن ذي الجوشن ومعه أصحابه يسوقونه حتّى أتى به عمر بن سعد، فقال له عمر: ويحك يا نافع، ما حَملك على ما صنعتَ بنفسك؟!

قال:إنّ ربّي يعلمُ ما أردتُ ، فقال له رجل وقد نظرَ الدماء تسيل على لحيته: أمَا ترى ما بك؟! قال: والله، لقد قتلتُ منكم اثني عشر رجلاً سوى مَن جرحتُ، وما ألوم نفسي على الجهد، ولو بَقيَت لي عضُد وساعِد ما أسرتموني.

فقال شمر لابن سعد: اُقتله أصلحك الله، قال: أنت جئت به، فإن شئت فاقتله، فانتضى شمر سيفه، فقال له نافع: أمَا واللهِ، لو كنتَ من المسلمين لعظُم عليك أن تلقى الله بدمائنا، فالحمد لله الذي جعل منايانا على يدي شِرار خلْقه، ثمّ قتلهُ شمر لعنه الله(١) .

وقد روى الخوارزمي: أنّ مقتل نافع بن هلال (رض) كان بعد مقتل سعيد بن عبد الله الحنفي (رض) حيث قال: (ثمّ خرجَ من بعده نافع بن هلال الجملي، وقيل: هلال بن نافع، وجعلَ يرميهم بالسهام فلا يخطئ، وكان خاضباً يده...)(٢) .

ويرى المحقّق السماوي (ره): أنّ مقتل نافع (رض) بعد مقتل عمرو بن قرظة (رض)، بعد أن قتلَ نافع (رض) عليّاً أخا عمرو بن قرظة، حيث يقول السماوي (ره): (وحدّث هاني بن عروة المرادي أنّه لمّا جالت الخيل بعد ضرب نافع عليّاً، حملَ عليها نافع بن هلال، فجعلَ يضرب بها قدماً وهو يقول:

____________________

(١) راجع: تاريخ الطبري: ٣: ٣٢٨، وإبصار العين: ١٤٩ - ١٥٠، وانظر: تسلية المجالس: ٢: ٢٩٦ وفيه: (هلال بن نافع)، وأنساب الأشراف: ٣: ٤٠٤.

(٢) راجع: مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢: ٢٤.


إن تُنكروني فأنا ابن الجملي

ديني على دين حسين بن علي(١)

ولعلّ الشيخ السماوي (ره) قد استفادَ ذلك من سياق نصوص الطبري.

أمّا الشيخ الصدوق (ره)، فقد روى مقتل نافع (رض) بعد مقتل وهب بن وهب (رض)، وذكرهُ باسم (هلال بن حجّاج)(٢) ، حيث قال (ره): (ثمّ برزَ بعده هلال بن حجّاج وهو يقول:

أرمي بها مُعلّمة أفواقها (أفواهها)

والنفس لا ينفعها إشفاقها

فقتلَ منهم ثلاثة عشر رجلاً ثمّ قُتل)(٣) .

أمّا ابن شهر آشوب (ره)، فقد ذكرَ مقتله (رض) بعد مقتل زهير بن القين (رض) حيث قال: (ثمّ برزَ نافع بن هلال البجلي(٤) قائلاً:

أنـا الـغلام الـيمنيُّ البجلي

ديني على دين حسين بن علي

أضـربكم ضرب غلام بطلِ

ويـختم الله بخيرٍ عملي(٥)

____________________

(١) إبصار العين: ١٤٩.

(٢) تذكر بعض المصادر اسم نافع بن هلال معكوساً: (هلال بن نافع)، وقال السماوي (ره) في ضبط اسمه: يجري على بعض الألسن ويمضي في بعض الكتب هلال بن نافع، وهو غلط على ضبط القدماء (راجع: إبصار العين: ١٥٠)، لكنّ الصدوق (ره) - وهو من القدماء - ذكرهُ باسم (هلال بن حجّاج) وهو أغرب فتأمّل.

(٣) أمالي الصدوق (ره): ١٣٧ المجلس ٣٠، حديث رقم ١.

(٤) قال الشيخ السماوي (ره): (الجَملي: منسوب إلى جمل بطن من مذحج، ويمضي على الألسن وفي الكتب: البجلي، وهو غلط فاضح). (إبصار العين: ١٥٠).

(٥) وفي مقتل الحسينعليه‌السلام للخورازمي: ٢: ٢٥:

أنا الغلام اليمنيّ الجَملي

ديني على دين حسين بن علي

إنْ أُقتل اليوم فهذا أملي

وذاك رأيي وأُلاقي عملي

=


فقتل اثني عشر رجلاً، وروي سبعين رجلاً)(١) .

مقتلُ يزيد بن مغفل الجعفي (رض)(٢)

قال المحقّق السماوي (ره): (وذكرَ أهل المقاتل والسيَر: أنّه لمّا التحمَ القتال في اليوم العاشر استأذنَ يزيد بن مغفل الحسينعليه‌السلام في البراز فأذِن له، فتقدّم وهو يقول:

أنــا يـزيدُ وأنـا ابـن مـغفل

وفـي يـميني نصل سيف منجل

أعلو به الهامات وسط القسطل(٣)

عـن الـحسين الـماجد المفضّل

ثُمّ قاتل حتّى قُتل)(٤) .

لكنّ الخوارزمي(٥) ، وابن شهرآشوب(٦) ذكرا مثل هذه الأبيات في الرَجز لإسم

____________________

= فقتلَ ثلاثة عشر رجلاً حتى كسر القوم عضُديه، وأخذوه أسيراً، فقامَ شمر بن ذي الجوشن فضرب عُنقه).

(١) مناقب آل أبي طالبعليهم‌السلام ٤: ١٠٤.

(٢) وهو ابن عمّ الحجّاج بن مسروق (الجعفي) (رض)، وقد مرّت بنا ترجمته (رض).

(٣) القسطل: العجاج في الحرب من المصادقة والمكافحة.

(٤) إبصار العين: ١٥٣ - ١٥٤، وقال السماوي (ره) أيضاً: (وقال المرزباني في معجمه: إنّه لمّا جدَّ القتال تقدّم وهو يقول:

إن تُنكروني فأنا ابن مغفل

شاكٍ لدى الهيجاء غير أعزل

وفي يميني نصل سيف منصل

أعلو به الفارس وسط القسطل

قال: فقاتلَ قتالاً لم يُرَ مثله حتّى قتل جماعة، ثمّ قُتلرضي‌الله‌عنه ).

(٥) قال الخوارزمي: (ثمّ خرجَ من بعده - أي من بعد جون مولى أبي ذر - أنيس بن معقل الأصبحي، فجعل يقول: =


آخر هو: (أنيس بن معقل الأصبحي)، ولعلّه هو يزيد بن مغفل الجعفي (رض)، والله العالم.

مصرعُ الموقَّع (٧) بن ثمامة الأسدي الصيداوي (رض)

قال المحقّق السماوي (ره): (كان الموقّع ممّن جاء إلى الحسين في الطفّ، وخلُص إليه ليلاً مع مَن خَلص، قال أبو مخنف(٨) : إنّ الموقَّع صُرع فاستَنقَذوه قومه

____________________

=

أنـا أنـيس وأنـا ابن معقل

وفي يميني نصل سيف فيصل

أعلو به الهامات بين القسطل

حـتّى أزيـل خطبه فينجلي

عن الحسين الفاضل المفضّل

ابـن رسول الله خير مرسل

ثمّ حملَ ولم يزل يقاتل حتّى قُتل). (مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢: ٢٣، وانظر: الفتوح: ٥: ١٩٨).

(٦) قال ابن شهرآشوب: (ثمّ برز أنيس بن معقل الأصبحي - أي بعد جوين بن مالك - وهو يقول:

أنـا أنـيس وأنـا ابن معقل

وفي يميني نصل سيف مصقل

أعلو به الهامات وسط القسطل

عـن الحسين الماجد المفضّل

ابن رسول الله خير مرسَل

فقتلَ نيّفاً وعشرين رجلاً). (مناقب آل أبي طالب: ٤: ١٠٣).

(٧) يرد اسمه في بعض الصادر (المرقّع) كما في تاريخ الطبري: ٣: ٣٣٥، والكامل في التاريخ: ٣: ٢٩٦، ولكنّ المحقّق السماوي (ره) ضبطه بـ(الموقّع) على زنة المعظّم، وهو في الأصل بمعنى المبتلى بالمِحن (راجع: إبصار العين: ١١٨)، وهكذا ضبطهُ الزنجاني في وسيلة الدارين: ١٩٥ رقم ١٥٦ نقلاً عن العسقلاني.

(٨) إذا كان ما ينقله السماوي (ره) عن الطبري في تاريخه: ٣: ٣٣٥ فقد ورد فيه هكذا: (إلاّ أنّ المرقّع بن ثمامة الأسدي كان قد نثرَ نبله وجثا على ركبتيه فقاتل، فجاءه نفر من قومه فقالوا له: أنت آمِن اُخرج إلينا، فخرج إليهم، فلمّا قَدم بهم عمر بن سعد على ابن زياد وأخبره خبرهُ سيّره =


وأتوا به إلى الكوفة فأخفوه، وبلغَ ابن زياد خبره فأرسل إليه ليقتله، فشفع فيه جماعة من بني أسد، فلم يقتله ولكن كبّله بالحديد ونفاه إلى الزارة(١) ، وكان مريضاً من الجراحات التي به، فبقيَ في الزارة مريضاً مكبّلاً حتّى مات بعد سنة، وفيه يقول الكُميت الأسدي: وإنّ أبا موسى أسيرٌ مُكبَّلُ - يعني به الموقَّع)(٢) .

مقتلُ عمر (٣) (عمرو) بن جنادة الأنصاري الخزرجي (رض)

كان جنادة بن كعب بن الحرث الأنصاري الخزرجي (رض) ممّن قُتل في الحملة الأولى من أصحاب الإمام الحسينعليه‌السلام ، وكان قد قتلَ من الأعداء ستّة عشر رجلاً(٤) ، وكان جنادة قد صحبَ الإمامعليه‌السلام من مكّة وجاء معه هو وأهله، وكان ابنه عمرو وهو ابن إحدى عشرة سنة(٥) قد تقدّم - بعد مقتل أبيه (رض) - إلى الإمامعليه‌السلام يستأذنه في القتال، فأبىعليه‌السلام وقال:(هذا غلام قُتل أبوه في الحملة الأولى (٦) ولعلّ أمّه تكره ذلك) ، قال: إنّ أمّي أمرَتَني! فأذِن له فما أسرع أن قُتل ورُمي برأسه إلى جهة الحسين، فأخذتهُ أمُّه ومَسحت الدم عنه وضربت به رجلاً قريباً منها فمات، وعادت إلى المخيّم فأخذت عموداً، وقيل سيفاً، وأنشأت:

____________________

= إلى الزارة).

(١) الزارة: موضع بعُمان كان ينفي إليه زياد وابنه مَن شاء من أهل البصرة والكوفة.

(٢) إبصار العين: ١١٧.

(٣) ضبطهُ المحقّق السماوي (ره): عمر. (إبصار العين: ١٥٩)، وفي المصادر الأخرى: عمرو.

(٤) راجع: مناقب آل أبي طالبعليهم‌السلام ٤: ١٠٤ وفيه بعد ذلك: (ثمّ برزَ ابنه واستشهد).

(٥) راجع: مقتل الحسينعليه‌السلام للمقرّم: ٢٥٣.

(٦) وفي إبصار العين: ١٥٩:(قُتل أبوه في المعركة) .


إنّي عجوزٌ في النسا ضعيفة

خـاويـةٌ بـالـية نـحيفة

أضـربكم بـضربةٍ عنيفة

دون بَـني فاطمة الشريفة

فردّها الحسين إلى الخيمة بعد أن أصابت بالعمود رجُلين)(١) .

لكنّ الخوارزمي في المقتل ذكر مصرع جنادة ثمّ مصرع ابنه عمرو هكذا: (ثمّ خرج من بعده(٢) جنادة بن الحرث الأنصاري(٣) ، وهو يقول:

أنـا جـنادة أنـا ابن الحارث

لـسـتُ بـخوّارٍ ولا بـناكث

عـن بيعتي حتى يقوم وارثي

من فوق شلوٍ في الصعيد ماكثِ

فحملَ، ولم يزل يُقاتل حتّى قُتل.

ثمّ خرجَ من بعده عمرو بن جنادة، وهو ينشد ويقول:

أَضِق الخِناقَ من ابن هندٍ وارمِه

فـي عِـقره بفوارس الأنصارِ

ومـهاجرين مخضّبين رماحهم

تـحت الـعجاجة من دم الكفّار

خـضبت على عهد النبيّ محمّد

فـاليوم تُـخضب من دمِ الفجّار

واليوم تُخضب من دماء معاشرٍ

رفضوا القرآن لنصرة الأشرار

طـلبوا بـثأرهم بـبدرٍ وانثنوا

بـالمرهفات وبـالقنا الـخطّار

واللهِ ربـي لا أزال مـضارباً

لـلـفاسقين بـمـرهف بـتّارِ

_______________________

(١) مقتل الحسينعليه‌السلام للمقرّم: ٢٥٣، وانظر: إبصار العين: ١٥٩، وحياة الإمام الحسين بن عليعليهما‌السلام : ٣: ٢٣٣ - ٢٣٤.

(٢) أي من بعد نافع بن هلال الجملي (راجع: مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي ٢: ٢٤ - ٢٥).

(٣) في أنصار الحسينعليه‌السلام المستشهدين بين يديه في كربلاء رجلان باسم (جنادة)، هما: الأوّل: جنادة بن الحرث المذحجي المرادي السلماني الكوفي (رض)، وقد استشهد مع عمرو بن خالد الصيداوي (رض) وجماعة في أوائل القتال، والثاني: جنادة بن كعب بن الحرث الأنصاري الخزرجي (رض)، وقد قُتل في الحملة الأولى (راجع: إبصار العين: ١٤٤ و ١٥٨).


هـذا عـليَّ الـيومَ حقٌّ واجبٌ

فـي كـلّ يـوم تعانقٍ وحوار

ثمّ حملَ، فقاتل حتّى قُتل)(١) .

ثمّ يروي الخوارزمي الواقعة - التي ذكرها كلُّ من المحقّق السماوي (ره)، والمحقّق المقرّم (ره) - لشاب آخر، قائلاً: (ثُمَّ خرجَ من بعده شابٌ قُتل أبوه في المعركة، وكانت أمّه عنده، فقالت: يا بُنيّ اُخرج فقاتل بين يدي ابن رسول الله حتى تُقتل، فقال: أَفعلُ، فخرج، فقال الحسين:(هذا شابٌ قُتل أبوه، ولعلَّ أُمَّه تكره خروجه)، فقال الشاب: أمّي أمَرَتني يا بن رسول الله! فخرجَ وهو يقول:

أميري حسينٌ ونِعم الأمير

سرور فؤاد البشير النذير

عـليٌّ وفـاطمةٌ والـداه

فهل تعلمون له من نظير

ثُمّ قاتل فقُتل، وحُزَّ رأسه ورُمي به إلى عسكر الحسين، فأخذت أمُّه رأسه وقالت له: أحسنتَ يا بُنيَّ، يا قُرَّة عيني وسرورَ قلبي.

ثمّ رمت برأس ابنها رجلاً فقتلته، وأخذت عمود خيمة وحملت على القوم وهي تقول:

إنّا عجوزٌ في النسا ضعيفة

بـاليـة خـاوية نـحيفة

أضـربكم بـضربةٍ عنيفة

دون بَـني فاطمة الشريفة

فضرَبت رجلين فقتلتهما، فأمرَ الحسينعليه‌السلام بصرفها ودعا لها)(٢) .

____________________

(١) مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢: ٢٥ - ٢٦.

(٢) مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي ٢: ٢٥ - ٢٦، وانظر: البحار ٤٥: ٢٧ - ٢٨ عن تسلية المجالس، وفيه إضافة هذا البيت:

له طلعةٌ مثل شمس الضحى

لــه غُرَّة مثـل بدر منير

وقد ذكرَ ابن شهرآشوب في المناقب: ٤: ١٠٤ بعد ذكره مصرع جنادة بن الحارث (رض) قائلاً: (ثمّ برزَ ابنه واستشهد، ثمّ برز فتى قائلاً..) وأوردَ الأبيات وبقيّة الواقعة، وقال الشيخ القمي =


مقتلُ الأخَوين الغفاريين (رض)

يروي الطبري قائلاً: (فلمّا رأى أصحاب الحسين أنّهم قد كُثِروا، وأنّهم لا يقدرون على أن يمنعوا حسيناً ولا أنفسهم تنافسوا في أن يُقتَلوا بين يديه، فجاءه عبد الله وعبد الرحمان ابنا عزرة (عروة)(١) الغفاريّان، فقالا: يا أبا عبد الله، عليك السلام حازَنا العدوّ إليك فأحببنا أن نُقتل بين يديك، نمنعك وندفع عنك.

قال:(مرحباً بكما اُدنوا منّي.

فدَنوا منه، فجعلا يقاتلان قريباً منه، وأحدهما يقول:

قـد عَـلمتْ حـقّاً بـنو غِـفار

وخِـنـدَفٌ بـعـد بـني نـزار

لـنـضربنَّ مـعـشرَ الـفُـجّار

بـكـلّ عـضبٍ صـارم بـتّار

يا قوم ذودوا عن بني الأحرار(٢)

بـالمشرفيّ والـقنا الـخطّار(٣)

أمّا الخوارزمي، فقد ذكرَ أنَّ (قُرّة بن أبي قُرّة الغفاري) خرجَ بعد خروج (يحيى بن سليم المازني) وهو يقول:

____________________

= في نَفَس المهموم: ٢٩٣: (أقول: إنّي أحتمل أن يكون هذا الفتى ابن مسلم بن عوسجة الأسدي رضوان الله عليهما، لِما حُكي عن روضة الأحباب قريباً من ذلك لابن مسلم بن عوسجة بعد ذكر قَتل والده رضوان الله عليهما، ومثله في روضة الشهداء، والله العالم)، كما قال الشيخ القمي (ره) في حاشية ص٢٩٣ من نَفَس المهموم أيضاً: (ويُحتمل أن يكون هو ابن مسعود بن الحجّاج، ففي الزيارة المرويّة عن الناحية المقدّسة (البحار ٤٥: ٧٢)(السلام على مسعود بن الحجّاج وابنه) .

(١) ضبطَ المحقّق المرحوم الشيخ السماوي اسم أبيهما أنّه (عروة) وليس عزرة، وذكرَ أنّ اسم جدّهما حرّاق، وكان من أصحاب أمير المؤمنين عليعليه‌السلام ، وممّن شاركَ معه في حروبه الثلاث (راجع: إبصار العين: ١٧٥).

(٢) في إبصار العين: ١٧٦ في البيت الثالث (عن بني الأطهار) بدلاً من (عن بني الأحرار).

(٣) تاريخ الطبري: ٣: ٣٢٨.


قد عَلمتْ حقّاً بنو غفار

وخندفٌ بعد بني نزارِ(١)

ثمَّ حملَ فقاتل حتّى قُتِل(٢) .

والظاهر أنّ هذا هو نفسه (عبد الله بن عروة الغفاري)؛ ذلك لأنّ الخوارزمي يذكر أنّ أخاه (عبد الرحمان بن عروة) كان قد خرج بعد خروج عمرو بن قرظة، وأنّه كان يقول أيضاً:

قد عَلمتْ حقّاً بنو غفار

وخندفٌ بعد بني نزارِ

ثمّ قاتلَ حتّى قُتل(٣) .

والجدير بالذكر: أنّ ابن شهرآشوب كان قد ذكر أنّ عبد الله قد قُتل في الحملة الأولى(٤) ، كما أنَّ ما ذكره المحقّق السماوي (ره) - أنّ عبد الله وأخاه عبد الرحمان كانا قد دنوا من الإمامعليه‌السلام ، وجعلا يقاتلان قريباً منه، وإنّ أحدهما ليرتجز ويُتمّ له الآخر.. فلم يزالا يقاتلان حتّى قُتلا(٥) - لا يبعد أن يكون قتالهما هذا ومقتلهما أثناء

____________________

(١) وبقيّة أبياته:

بأنّني الليث الهزبر الضاري

لأضـربنّ مـعشر الفجّار

بـحدِّ عـضبٍ ذكـر بتّار

يـشعُّ لـي في ظلمة الغبار

دون الـهداة السادة الأبرار

رَهـط النبيّ أحمد المختار

(٢) مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢: ٢١، وكذلك ابن شهرآشوب في المناقب: ٤: ١٠٢ فقد ذكرهُ باسم (قُرَّة بن أبي قُرّة الغفاري)، وذكر أيضاً أنّه قتلَ ثمانية وستين رجلاً، لكنّ الشيخ الصدوق (ره) في أماليه: ١٣٦ المجلس ٣٠، حديث ١، كان قد ذكره باسم (عبد الله بن أبي عروة الغفاري)، وذكرَ رجزه، وذكر أنّه قتل عشرين رجلاً.

(٣) مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي ٢: ٢٦.

(٤) راجع: مناقب آل أبي طالب: ٤: ١١٣.

(٥) راجع: إبصار العين: ١٧٥ - ١٧٦.


الحملة الأولى.

وقد ورد السلام عليهما من الناحية المقدّسة هكذا:(السلام على عبد الله وعبد الرحمان ابنَي عروة بن حراق الغفاريين) (١) .

مقتلُ حنظلة بن أسعد الشبامي والأخوين الجابريين سيف ومالك (رض)

روى الطبري قائلاً: (وجاء الفَتَيان الجابريّان: سيف بن الحارث بن سريع، ومالك بن عبد(٢) بن سريع، وهما ابنا عمّ وأخوان لأُمّ، فأتيا حسيناً فدنوا منه وهما يبكيان، فقال:(أي ابنَيْ أخي ما يُبكيكما؟ فو الله إنّي لأرجو أن تكونا عن ساعة قريريْ عين.

قالا: جعلنا الله فداك، لا والله ما على أنفسنا نبكي، ولكنّا نبكي عليك! نراك قد أُحيط بك لا نقدر على أن نمنعك.

فقال:جزاكما الله يا ابنَيْ أخي بِوَجْدكما من ذلك ومواساتكما إيّايَ بأنفسكما أحسنَ جزاء المتّقين) .

وجاء حنظلة بن أسعد الشباميّ فقام بين يدي حسين، فأخذَ يُنادي: يا قومِ، إنّي أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب، مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود الذين من بعدهم، وما الله يريد ظلماً للعباد، ويا قوم إنّي أخاف عليكم يوم التنادِ يومَ تُولّون مُدبرين مالكم من الله من عاصم، ومَن يُضللِ اللهُ فماله من هادٍ، يا قوم لا تقتلوا

____________________

(١) البحار: ٤٥: ٧١.

(٢) ضبط المحقّق السماوي (ره) اسم والد مالك: (عبد الله) (راجع: إبصار العين: ١٣٢).


حسيناً فيُسحتكم الله بعذاب وقد خاب مَن أفترى).

فقال له حسين:(يا بن أسعد رحمك الله، إنّهم قد استوجبوا العذاب حين ردّوا عليك ما دعوتهم إلي من الحقّ ونهضوا إليك ليستبيحوك وأصحابك، فكيف بهم الآن وقد قتلوا إخوانك الصادقين؟!

قال: صدقتَ جُعلت فداك، أنتَ أفقه منّي وأحقّ بذلك، أفلا نروح إلى الآخرة ونلحق بإخواننا؟

قال:رُحْ إلى خيرٍ من الدنيا وما فيها، وإلى مُلكٍ لا يبلى.

فقال: السلام عليك أبا عبد الله، صلّى الله عليك وعلى أهل بيتك، وعَرّف بيننا وبينك في جنّته.

فقال:آمين آمين.

فاستقدمَ فقاتل حتّى قُتل.

ثُمّ استقدم الفتيان الجابريان يلتفتان إلى حسين ويقولان: السلام عليك يا بن رسول الله.

فقال:وعليكما السلام ورحمة الله).

فقاتلا حتّى قُتلا)(١) .

وقد وردَ السلام على حنظلة من الناحية المقدّسة هكذا:(السلام على حنظلة بن أسعد الشّباميّ) (٢) .

____________________

(١) تاريخ الطبري: ٣: ٣٢٨ - ٣٢٩، وانظر: الكامل في التاريخ: ٣: ٢٩٢، وأنساب الأشراف: ٣: ٤٠٥، والإرشاد: ٢: ١٠٥، ومقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢: ٢٨، واللهوف: ١٦٤، وتسلية المجالس ٢: ٢٩٤، وتسمية مَن قُتل مع الحسينعليه‌السلام : ١٥٦.

(٢) البحار: ١٠١: ١٠١: ٢٧٣ و ٤٥: ٧٣، وكذلك في الزيارة الرجبيّة والشعبانية (راجع: البحار: ١٠١: ٣٤٠).


وعلى الجابرييّن:(السلام على شبيب (١) بن الحارث بن سريع، السلام على مالك بن عبد الله بن سريع) (٢) .

مقتلُ شوذب بن عبد الله (رض) (٣)

وروى الطبري أيضاً يقول: (وجاء عابس بن أبي شبيب الشاكري ومعه شوذب مولى شاكر، فقال: يا شوذب، ما في نفسك أن تصنع؟

قال: ما أصنع؟ أُقاتل معك دون ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حتّى أُقتل.

قال: ذلك الظنّ بك، أمّا الآن فتقدّمْ بين يدي أبي عبد الله حتّى يحتسبك كما احتسبَ غيرك من أصحابه، وحتّى أحتسبك أنا؛ فإنّه لو كان معيَ الساعة أحدٌ أنا أولى به منّي بك لسرّني أن يتقدّم بين يديَّ حتى أحتسبه، إنّ هذا يوم ينبغي لنا أن نطلب الأجر فيه بكلّ ما قدرنا عليه، فإنّه لا عمل بعد اليوم وإنّما هو الحساب.

.. فتقدّم فسلّم على الحسين، ثمّ مضى فقاتل حتّى قُتل)(٤) .

وقال الشيخ المفيد (ره): (وتقدّمَ بعده(٥) شوذب مولى شاكر فقال: السلام عليك يا أبا عبد الله ورحمة الله وبركاتُه، أستودعك الله وأسترعيك، ثمّ قاتل حتّى

____________________

(١) لعلّ (شبيب) تصحيف (سيف)، ويؤيّد هذا: أنّ اسمه في الزيارة الرجبيّة والشعبانيّة (سيف بن الحارث) (راجع البحار: ١٠١: ٣٤٠).

(٢) البحار: ١٠١: ٢٧٣ و٤٥: ٧٣ و ١٠١: ٣٤٠.

(٣) هكذا ضبطه المحقّق السماوي (ره): شوذب بن عبد الله الهمداني الشاكري (مولى لهم). (راجع: إبصار العين: ٢٩).

(٤) تاريخ الطبري: ٣: ٣٢٩، وانظر: مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢: ٢٦.

(٥) أي بعد حنظلة الشامي (ره). (راجع: الإرشاد: ٢: ١٠٥).


قُتلرحمه‌الله )(١) .

مقتلُ عابس بن أبي شبيب الشاكري (رض)

ثمَّ لما قُتل شوذب (رض) تقدّم عابس (رض) إلى الإمامعليه‌السلام ثمّ قال: يا أبا عبد الله، أمَا والله ما أمسى على ظهر الأرض قريبٌ ولا بعيدٌ أَعزّ عليَّ ولا أحبّ إليَّ منك، ولو قدرتُ على أن أدفع عنك الضيم والقتل بشيء أعزّ عليَّ من نفسي ودمي لفعلته، السلام عليك يا أبا عبد الله، أُشهدُ الله أنّي على هدْيك وهَدْيِ أبيك.

ثمّ مشى بالسيف مصلتاً نحوهم وبه ضربةٌ على جبينه)(٢) .

ويقول رجل همداني - يُقال له ربيع ين تميم - شهدَ ذلك اليوم: (لمّا رأيتهُ مُقبلاً عَرفته، وقد شاهدته في المغازي وكان أشجع الناس، فقلت: أيّها النّاس هذا أسدُ الأُسود، هذا ابن أبي شبيب، لا يخرجنّ إليه أحدٌ منكم، فأخذَ ينادي: ألا رجلٌ لرجل؟! فقال عمر بن سعد: ارضخوه بالحجارة.

قال: فرُمي بالحجارة من كلّ جانب، فلمّا رأى ذلك ألقى دِرعه ومِغْفَره، ثمّ شدَّ على الناس، فو الله لرأيته يكرد(٣) أكثر من المئتين من النّاس، ثمّ إنهم تعطّفوا عليه من كل جانب فقُتل.

قال: فرأيتُ رأسه في أيدي رجالٍ ذوي عدَّة، هذا يقول: أنا قتلته، وهذا يقول:

____________________

(١) الإرشاد: ٢: ١٠٥.

(٢) تاريخ الطبري: ٣: ٣٢٩، وانظر: أنساب الأشراف: ٣: ٤٠٤، ومقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢: ٢٦ - ٢٧.

(٣) يكرد ويطرد سواء في المعنى. (راجع: إبصار العين: ١٢٩، ولسان اللسان: ٢: ٤٥٢).


أنا قتلته، فأتوا عمر بن سعد فقال: لا تختصموا، هذا لم يقتله سنان(١) واحد، ففرّق بينهم بهذا القول)(٢) .

مقتلُ الأخوين الأنصاريين (رض)

وهما: سعد بن الحرث الأنصاري العجلانيّ (رض)، وأخوه أبو الحتوف بن الحرث الأنصاري العجلاني (رض)، وكانا قد التحقا بالإمام الحسينعليه‌السلام في يوم عاشوراء، يقول المحقّق السماوي (ره): (كانا من أهل الكوفة ومن المحكّمة(٣) ، فخرجا مع عمر بن سعد إلى قتال الحسينعليه‌السلام .

قال صاحب الحدائق: فلمّا كان اليوم العاشر، وقُتل أصحاب الحسين فجعل الحسين يُنادي:(ألا ناصرٌ فينصرنا) ، فَسمعته النساء والأطفال، فتصارخن، وسمعَ سعدٌ وأخوه أبو الحتوف النداء من الحسينعليه‌السلام والصراخ من عياله، فمَالا بسيفيهما مع الحسين على أعدائه، فجعلا يُقاتلان حتّى قَتلا جماعة وجَرحا آخرين، ثمّ قُتلا معاً)(٤) .

وذكر صاحب الحدائق: أنّهما (رض) قد قتلا من الأعداء ثلاثة نفر(٥) .

وفي ضوء هذا الخبر: إذا كان المراد من (وقُتل أصحاب الحسين) قُتل أصحابه

____________________

(١) في مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢: ٢٧: (هذا لم يقتله إنسان واحد)، وكذلك في تسلية المجالس: ٢: ٢٩٨.

(٢) تاريخ الطبري: ٣: ٣٢٩، وانظر: مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢: ٢٦ - ٢٧.

(٣) من المحكّمة: أي من الخوارج، وفي أنّهما كانا من الخوارج كلام وأخذٌ وردٌّ بين المحقّقين (راجع: قاموس الرجال: ٥: ٢٨ رقم ٣١٤٧).

(٤) إبصار العين: ١٥٩، والحدائق الوردية: ١٢٢، وانظر: تسمية مَن قُتل مع الحسينعليه‌السلام : ١٥٤.

(٥) راجع: الحدائق الوردية: ١٢٢، وتسمية مَن قُتل مع الحسينعليه‌السلام : ١٥٤.


بعد الحملة العامة الأولى، فإنّ هذين الأنصاريين (رض) يكونان - حسب الظاهر - قد قُتلا أواخر الحملة الأولى أو بعدها مباشرة، وإذا كان المراد من (وقُتل أصحاب الحسين) قُتل أصحابه جميعاً، فإنّ هذين الأنصاريين (رض) يكونان آخر مَن قُتل معهعليه‌السلام ، والنصوص المتوفّرة في مقتلهما لا تساعد بأكثر من هذا على تشخيص ساعة مقتلهما في الملحمة.

مقتلُ الأنصار الجهنيين الثلاثة (رض)

وهم: مجمع بن زياد بن عمرو الجهني (رض)(١) ، وعبّاد بن المهاجر بن أبي المهاجر الجهني (رض)(٢) ، وعقبة بن الصلت الجهني (رض)(٣) ، وكان هؤلاء الأبرار

____________________

(١) راجع: إبصار العين: ٢٠١، وانظر: تنقيح المقال: ٣: ٥٣ وفيه: (قال أهل السيَر: إنّه كان صحابياً شهدَ بدراً وأُحداً، وكان في منازل جهينة حول المدينة، فلمّا خرج الحسينعليه‌السلام من مكّة إلى العراق مرَّ بهم، وكان الرجل ممّن تبعهُ ولزمه إلى أن تقدّم يوم الطفّ وقاتلَ بين يديه، وقَتل جمعاً كثيراً من القوم، فتعطّفوا عليه من كلّ جانب فقتلوه في حومة الحرب بعدما عقروا فرسه)، لكنّ محققين آخرين لم يذكروا أنّه كان صحابياً، بل أنكر ذلك المحقّق التستري في قاموس الرجال: ٨: ٦٧٤ رقم ٦٢٥٣ قائلاً: (ولو كان صحابياً لعنونهُ الجزري الذي جمع كلّ صحيح وسقيم!).

(٢) راجع: إبصار العين: ٢٠١، وانظر: تنقيح المقال: ٢: ١٢٣، وقال الزنجاني في وسيلة الدارين: ١٦٢ رقم ٨٧: (وقُتل في الحملة الأولى..)، لكنّنا لم نعثر على ما يؤيّد ذلك في المصادر التي نقل عنها.

(٣) راجع إبصار العين: ٢٠١ - ٢٠٢، وانظر: تنقيح المقال: ٢: ٢٥٤ وفيه: (له رواية عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ..)، لكنّ المحقّقين الآخرين لم يذكروا ذلك، بل أنكر ذلك المحقّق التستري في قاموس الرجال: ٧: ٢٢٠ رقم ٤٩١٦ قائلاً: (ولو كان صحابياً لعنونه الجزري الذي استقصاهم!)، وقال الزنجاني في وسيلة الدارين: ١٧١، رقم ١٠٤ نقلاً عن صاحب كتاب الحوادث (الشيخ محمد =


قد التحقوا بالإمامعليه‌السلام من مياه جهينة (منازل جهينة) وهو في طريقه من المدينة إلى مكّة، وثبتوا معه ولازموه، فلم ينفضّوا عنه حين انفضّ كثير من الأعراب عنهعليه‌السلام في زُبالة، فلمّا كان يوم العاشر قاتلوا بين يديه حتّى قُتلوا رضوان الله عليهم.

مقتلُ يزيد بن ثبيط العبدي البصري (رض)

كان ولداه عبد الله وعبيد اللهرضي‌الله‌عنهما قد قُتلا في الحملة الأولى(١) ، أمّا هو رضوان الله تعالى عليه فقد قُتل مبارزة(٢) ، وقد مرّت بنا ترجمته وقصة ارتحاله إلى الإمامعليه‌السلام من البصرة مع مجموعة من المجاهدين البصريين، والتحاقهم بالإمامعليه‌السلام في مكّة المكرّمة، وملازمتهم الإمامعليه‌السلام حتى فوزهم بالشهادة بين يديه(٣) .

مقتلُ رافع بن عبد الله (رض) مولى مسلم الأزدي (رض)

كان رافع بن عبد الله (رض) قد خرج إلى الإمام الحسينعليه‌السلام مع مولاه مسلم بن كثير الأعرج الأزدي (رض) من الكوفة، وانضمّا إلى الإمامعليه‌السلام في كربلاء، ولمّا كان اليوم العاشر ونشب القتال قُتل مسلم بن كثير (رض) في الحملة الأولى، أمّا مولاه عبد الله فتقدّم بعد صلاة الظهر مبارزاً للأعداء بين يدي الإمام الحسينعليه‌السلام ، فقاتلَ ثمّ نال شرف الشهادة(٤) .

____________________

= باقر) أنّه قُتل في الحملة الأولى.

(١) راجع: مناقب آل أبي طالبعليه‌السلام : ٤: ١١٣.

(٢) راجع: إبصار العين: ١٩٠.

(٣) راجع: الجزء الثاني من هذه الدراسة (الإمام الحسينعليه‌السلام في مكّة المكرّمة): ٣٨٩ - ٣٩٣.

(٤) راجع: إبصار العين: ١٨٥، وذخيرة الدارين: ٢٧٠، وتنقيح المقال: ٣: ٤٢٢.


مقتلُ حبشي بن قيس النهمي (رض)(١)

ومن أنصارهعليه‌السلام الذين قُتلوا معه في كربلاء: حبشي (حبشة)(٢) بن قيس النهمي (رض)، ولم نعثر في المصادر الأخرى على تفصيل مصرعه ومقتله.

مقتلُ زياد بن عريب الهمداني الصائدي (رض)(٣)

وكنيته أبو عمرة(٤) ، وهو ممّن أدركَ زمان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد روى الشيخ (ابن نما) عن مهران الكاهلي - أي مولى لبني كاهل - قال: شهدت كربلاء مع الحسينعليه‌السلام فرأيت رجلاً يُقاتل قتالاً شديداً، لا يَحمل على قوم إلاّ كشفهم، ثمّ يرجع إلى الحسينعليه‌السلام ويرتجز ويقول:

أَبشِر هُديتَ الرُشد يا بن أحمدا

في جنّة الفردوس تعلوا صعّدا

فقلت: مَن هذا؟ قالوا: أبو عمر النهشلي(٥) ، وقيل: الخثعمي فاعترضهُ عامر بن نهشل - أحد بني اللات بن ثعلبة - فقتله واحتزّ رأسه.

____________________

(١) مرّت بنا ترجمته في جملة مَن التحق بالإمامعليه‌السلام في كربلاء حتّى ليلة العاشر، وراجع أيضاً: إبصار العين: ١٣٤، والإصابة: ٢: ١٠٤ - ١٠٥ رقم ٣٦٤٤.

(٢) هكذا كما في الإصابة، وانظر أيضاً: وسيلة الدارين: ١١٨ رقم ٣٠.

(٣) مرّت بنا ترجمته في جملة مَن التحق بالإمامعليه‌السلام في كربلاء حتى ليلة العاشر، وراجع أيضاً إبصار العين: ١٣٤ - ١٣٥، وانظر: وسيلة الدارين: ١٤٥ رقم ٥٥ وفيه أيضاً كان أبوه عريب صحابياً ذكره جماعة في الطبقات والتراجم: كعزّ الدين الجزري في أُسد الغابة، وابن عبد البرّ في الاستيعاب، والعسقلاني في الإصابة كما ذكرنا، وذكر المامقاني أنّه كان من أهل التقوى وكان يسهر الليل إلى الصبح...).

(٤) هكذا ضبط المحقّق السماوي (رض) كنيته.

(٥) نقل السماوي (ره) في إبصار العين: ١٣٥ عن مثير الأحزان: الحنظلي بدلاً من النهشلي.


قال: وكان أبو عمرو هذا متهجّداً كثير الصلاة)(١) .

مقتلُ قعنب بن عمر النمري (رض)

ومن أنصارهعليه‌السلام الذين استشهدوا بين يديه في كربلاء: قعنب بن عمر النمري البصري (رض)، الذي كان قد جاء إلى الإمامعليه‌السلام مع الحجّاج بن بدر السعدي (رض) من البصرة، والتحقا به في مكّة، ولم يزل ملازماً له، حتى نشبَ القتال يوم عاشوراء، فقاتل في الطفّ بين يدي الإمامعليه‌السلام حتّى قُتل رضوان الله عليه(٢) ، ولم تذكر المصادر التاريخية تفصيلاً لمصرعه، إلاّ أنّ الزنجاني نقل عن صاحب الذخيرة أنّه قُتل في الحملة الأولى(٣) ، وقد ورد السلام عليه في زيارة الناحية المقدّسة هكذا:(السلام على قعنب بن عمرو النمري) (٤) .

مقتلُ بكر بن حي التيمي (رض)

قال المحقّق السماوي (ره): (كان بكر ممّن خرجَ مع ابن سعد إلى حرب الحسينعليه‌السلام ، حتّى إذا قامت الحرب على ساق، مالَ مع الحسين على ابن سعد، فقُتل بين يدي الحسينعليه‌السلام بعد الحملة الأولى، ذكرهُ صاحب الحدائق(٥) وغيره)(٦) ، ولم نعثر على تفصيل لمصرعه (رض) في مصادر أخرى.

____________________

(١) مثير الأحزان: ٥٧.

(٢) راجع: إبصار العين: ٢١٥ - ٢١٦.

(٣) وسيلة الدارين: ١٨٤ رقم ١٣٢ - وقال أيضاً: (وقال غيره: قُتل مبارزة).

(٤) البحار: ٤٥: ٧٢ و ١٠١: ٢٧٣.

(٥) انظر: الحدائق الورديّة: ١٢٢ وفيه: (وقُتل بكر بن حي التيمي من بني تيم الله بن ثعلبة).

(٦) إبصار العين: ١٩٤.


مقتلُ سالم بن عمرو (رض) مولى بني المدينة

وقال المحقّق السماوي (ره) أيضاً: (كان سالم مولى لبني المدينة، وهم بطن من كلب، كوفيّاً من الشيعة، خرجَ إلى الحسينعليه‌السلام أيّام المهادنة، فانضمّ إلى أصحابه، قال في الحدائق: وما زال معه حتّى قُتل(١) .

وقال السروي: قُتل في أوّل حملة مع مَن قُتل من أصحاب الحسينعليه‌السلام (٢) ، وله في القائميات ذكر وسلام(٣) )(٤) .

مقتلُ الغلام التركي (رض)

قال الخوارزمي: (ثمّ خرجَ غلام تركيّ مبارز، قارئ للقرآن، عارف بالعربية، وهو من مَوالي الحسين، فجعل يقاتل ويقول:

البحر من طعني وضربي يصطلي

والـجوُّ مـن سهمي ونبلي يمتلي

إذا حُـسامي فـي يـميني ينجلي

يـنشقُّ قـلب الـحاسد الـمبجّل

فقتلَ جماعة، فتحاوشوه فصرعوه، فجاءه الحسين وبكى ووضع خدَّه على خدّه، ففتحَ عينيه ورآه فتبسّم، ثمّ صار إلى ربّه)(٥) .

____________________

(١) انظر: الحدائق الوردية: ١٢١.

(٢) لم نعثر على اسمه في مجموعة أسماء شهداء الحملة الأولى الذين ذكرهم ابن شهرآشوب السروي في المناقب: ٤: ١١٣.

(٣) ورد السلام عليه في زيارة الناحية المقدّسة هكذا:(السلام على سالم مولى بني المدينة الكلبي) (انظر: البحار: ٤٥: ٧٢).

(٤) إبصار العين: ١٨٢.

(٥) مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي ٢: ٢٨.


لكنّ ابن شهرآشوب ذكرَ هذه الأبيات لغلامٍ تركيّ للحرّ، قائلاً: (وروي أنّه برزَ غلام تركيّ للحرّ، وجعل يقول...)، كما ذكر أنّه قتل سبعين رجلاً(١) .

أمّا المحقّق السماوي (ره)، فقد قال في ترجمة (أسلم بن عمرو مولى الحسين بن عليعليه‌السلام ): (كان أسلم من مَوالي الحسين، وكان أبوه تركيّاً، وكان ولده أسلم كاتباً، قال بعض أهل السيَر والمقاتل: إنّه خرجَ إلى القتال وهو يقول:

أميري حسينٌ ونِعمَ الأمير

سرورُ فؤاد البشير النذير

فقاتل حتّى قُتل، فلمّا صُرع مشى إليه الحسينعليه‌السلام ، فرآه وبه رمقٌ يومي إلى الحسينعليه‌السلام فاعتنقه الحسين ووضع خدّه على خدّه، فتبسّم وقال: مَن مثلي وابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله واضعٌ خدّه على خدّي، ثُمّ فاضت نفسه رضوان الله عليه)(٢) .

وقال صاحب ذخيرة الدارين: (ومشى الحسينعليه‌السلام إلى أسلم مولاه واعتنقه، وكان به رمق فتبسّم وافتخر بذلك)(٣) .

____________________

(١) راجع: مناقب آل أبي طالب ٤: ١٠٤.

(٢) إبصار العين: ٩٥ - ٩٦، لكنّ المحقّق السماوي (ره) قال في ترجمة واضح التركي مولى الحرث المذحجي السلماني: (..والذي أظنّ أنّ واضحاً هذا هو الذي ذكر أهل المقاتل أنّه برزَ يوم العاشر إلى الأعداء فجعل يقاتلهم راجلاً بسيفه وهو يقول:

البحر من ضربي وطعني يصطلي

والـجوّ مـن عـثير نقعي يمتلي

إذا حـسامي فـي يـميني ينجلي

يـنشقّ قـلب الـحاسد الـمبجّل

قالوا: ولما قُتل استغاث، فانقضّ عليه الحسين واعتنقهَ وهو يجود بنفسه فقال: مَن مثلي وابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله واضع خدّه على خدّي، ثمّ فاضت نفسهرضي‌الله‌عنه )، (إبصار العين: ١٤٥)، فالسماوي (ره) متردّد بين واضح وأسلم؛ ولذا تراه يقول في الفائدة الثالثة عشرة: (.. وواضح الرومي أو أسلم التركي فإنّه لمّا قُتل مشى إليه واعتنقه...) (إبصار العين: ٢٢٦).

(٣) ذخيرة الدارين: ٣٦٦.


مقتلُ بشر (١) بن عمرو بن الأُحدوث الحضرمي (رض)

ذكرنا فيما مضى في قائمة أسماء شهداء الحملة الأولى اسم (بشر بن عمرو الحضرمي) في جملة أولئك الشهداء رضوان الله عليهم، وقلنا في حاشية اسمه: إنّ المحقّق السماوي (ره) ذكر أنّه قُتل في الحملة الأولى نقلاً عن قول ابن شهرآشوب السرويّ في المناقب(٢) .

وقلنا: إنّنا بعد مراجعة كتاب المناقب وجدنا أنّ ابن شهرآشوب لم يذكره في أسماء شهداء الحملة الأولى(٣) ، لكنّ الزنجاني في وسيلة الدارين ذكره في أسماء شهداء الحملة الأولى(٤) وقال في ترجمته: (قال أهل السيَر: فلمّا ثبتَ القتال بين الفريقين تقدّم بشر بن عمرو الحضرمي إلى الحرب، وقاتلَ حتّى قُتل في الحملة الأولى مع مَن قُتل في أصحاب الحسينعليه‌السلام )(٥) ، ولا نعلم مَن هم أهل السيَر الذين عناهم الزنجاني؟

لكنّ الطبري في تاريخه(٦) روى أنّ آخر مَن بقي مع الإمامعليه‌السلام من أصحابه

____________________

(١) تتفاوت المصادر التاريخية في ضبط اسمه (رض)، فبعضها يذكره باسم (بشير) كما في تاريخ الطبري: ٣: ٣٣٠، وأنساب الأشراف: ٣: ٤٠٤، وورد بعنوان (بشير بن عمر) كما في تسمية مَن قُتل مع الحسينعليه‌السلام : ١٥٦،، وفي إبصار العين: ١٧٣: (بشر بن عمرو بن الأحدوث الحضرمي الكندي)، ووردَ السلام عليه في زيارة الناحية المقدّسة باسم (بشر بن عمر الحضرمي). (البحار: ٤٥: ٧٠).

(٢) راجع: إبصار العين: ١٧٤.

(٣) راجع: مناقب آل أبي طالبعليهم‌السلام : ٤: ١١٣.

(٤) راجع: وسيلة الدارين: ٩٤ - ٩٥ ذكره باسم (بشير بن عمرو).

(٥) وسيلة الدارين: ١١٠ رقم ١٣.

(٦) راجع: تاريخ الطبري: ٣: ٣٢٩.


سويد بن عمرو بن أبي المطاع الخثعمي (رض)، وبشير بن عمرو الحضرمي (رض).

ومن الغريب أنَّ المحقّق السماوي (ره)(١) في موضع آخر من كتابه، ذكرَ أيضاً أنّ بشراً الحضرمي (رض) قُتل في آخر أصحاب الإمامعليه‌السلام قبل سويد بن عمرو (رض).

وروى البلاذري يقول: « وقاتلَ بشير بن عمرو الحضرمي وهو يقول:

اليومَ يا نفسُ أُلاقي الرحمن

واليــومَ تُجـزَين بكلّ إحسان

لا تجزعي فكلُّ شــيءٍ فان

والصبر أحظى لكِ عند الديّان »(٢)

وقد ورد السلام عليه في زيارة الناحية المقدّسة هكذا:(السلام على بشر بن عمر الحضرمي، شكرَ الله لك قولك للحسين وقد أذِن لك في الانصراف: أكَلَتني إذاً السباعُ حيّاً إن فارقتك! وأسأل عنك الركبان؟! وأخذلك مع قلّة الأعوان؟! لا يكون هذا أبداً!) (٣) .

مقتلُ سويد بن عمرو بن أبي المطاع (رض)

روى الطبري: أنّ سويد بن عمرو بن أبي المطاع الخثعمي (رض) كان آخر مَن بقي مع الحسينعليه‌السلام من أصحابه(٤) ، وقال المحقّق السماوي (ره) في ترجمته: (كان سويد شيخاً شريفاً عابداً كثير الصلاة، وكان شجاعاً مجرّباً في الحروب، كما ذكره

____________________

(١) راجع: إبصار العين: ٣: ١٦٩.

(٢) أنساب الأشراف: ٣: ٤٠٤.

(٣) البحار: ٤٥: ٧٠.

(٤) راجع: تاريخ الطبري: ٣: ٣٢٩، والكامل في التاريخ: ٣: ٢٩٣، وأنساب الأشراف: ٣: ٤٠٩.


الطبري والداوودي)(١) .

وقال السيّد ابن طاووس (ره): (وتقدّم سويد بن عمرو بن أبي المطاع، وكان شريفاً كثير الصلاة، فقاتلَ قتال الأسد الباسل، وبالغ في الصبر على البلاء النازل حتّى سقط بين القتلى وقد أُثخن بالجراح، ولم يزل كذلك وليس به حراك، حتّى سمعهم يقولون: قُتل الحسين، فتحاملَ وأخرج من خفّه سكيناً، وجعل يقاتلهم بها حتّى قُتل رضوان الله عليه)(٢) .

وقال المحقّق السماوي (ره): (وقال أهل السيَر: إنّ بشراً الحضرمي قُتل، فتقدّم سويد وقاتل حتّى أُثخن بالجراح، وسقطَ على وجهه فظُنَّ بأنّه قُتل، فلمّا قُتل الحسينعليه‌السلام وسمعهم يقولون: قُتل الحسين، وجدَ به إفاقة، وكانت معه سكّين خبّأها، وكان قد أُخذ سيفه منه، فقاتلهم بسكّينه ساعة، ثمّ إنّهم عطفوا عليه، فقتلهُ عروة بن بكّار التغلبي، وزيد بن ورقاء الجهني(٣) )(٤) .

قصّةُ الضحّاك بن عبد الله المشرقي

قال الطبري: (قال أبو مخنف: حدّثنا عبد الله بن عصام الفائشيّ - بطن من همدان - عن الضحّاك بن عبد الله المشرقي قال: قدِمتُ ومالك بن النضر الأرحبي على الحسين، فسلّمنا عليه ثمّ جلسنا إليه، فردّ علينا ورحّب بنا، وسَأَلنا عمّا جئنا

____________________

(١) إبصار العين: ١٦٩.

(٢) اللهوف: ١٦٥.

(٣) وفي تسمية مَن قُتل مع الحسينعليه‌السلام : ١٥٤ والحدائق الوردية: ١٠٤: (قتله هاني بن ثبيت الحضرمي).

(٤) إبصار العين: ١٦٩ - ١٧٠.


له، فقلنا: جئنا لنُسلّم عليك وندعو الله لك بالعافية، ونُحدث بك عهداً، ونخبرك خبر النّاس، وإنّا نُحدّثك أنّهم قد جمعوا على حربك، فَرِ رأيك؟

فقال الحسينعليه‌السلام :(حسبي الله ونعم الوكيل.

قال: فتذمّمنا وسلّمنا عليه ودعونا الله له.

قال:فما يمنعكما من نصرتي؟!

فقال مالك بن النضر: عليَّ دَين، وليَ عيال!

فقلت: إنّ عليَّ دَيناً، وإنّ لي لعيالاً، ولكنّك إنْ جعلتني في حِلّ من الانصراف إذا لم أجد مقاتلاً، قاتلتُ عنك ما كان لك نافعاً وعنك دافعاً!

قال: قال:فأنتَ في حِلّ)، فأقمتُ معه)(١) .

ويستفاد من هذا المتن: أنّ هذا اللقاء كان في الطريق إلى كربلاء(٢) ، أو في كربلاء قبل الحصار؛ ذلك لأنّ مالك بن النضر كان قد ترك الإمامعليه‌السلام ، ولا يكون ذلك بمقدوره إلاّ قبل الحصار.

ثمّ نجد الطبري يروي بنفس السند عن الضحّاك هذا تفاصيل عن وقائع مهمّة في ليلة عاشوراء، وفي يوم عاشوراء، منها احتجاج الإمامعليه‌السلام على أعدائه قبل نشوب الحرب.

ثمّ يروي الطبري بنفس السند عن الضحّاك المشرقي، كيف استأذن الإمامعليه‌السلام بالتخلّي عنه آخر الأمر، وكيف فرّ من الميدان، وكيف نجا من القتل!

____________________

(١) تاريخ الطبري: ٣: ٣١٣.

(٢) لقد أشار الشيخ الصدوق (ره) إلى مثل هذا اللقاء في كتابه ثواب الأعمال وعقاب الأعمال: ٢٣٢ في منزل قصر بني مقاتل، والرجلان المشرقيان في رواية الشيخ الصدوق (ره) هما: عمرو بن قيس المشرقي، وابن عمّ له.


قال الضحّاك: (لما رأيتُ أصحاب الحسين قد أُصيبوا، وقد خَلُص إليه وإلى أهل بيته، ولم يبقَ معه غيرُ سويد بن عمرو بن أبي المطاع الخثعمي، وبشير بن عمرو الحضرمي، قلت له: يا بن رسول الله، قد علمتَ ما كان بيني وبينك، قلتُ لك: أقاتلُ عنك ما رأيت مقاتلاً، فإذا لم أرَ مقاتلاً فأنا في حلّ من الانصراف، فقلتَ: نعم.

قال:(صدقتَ، وكيف لك بالنجاء؟ إنْ قدرتَ على ذلك فأنتَ في حِلّ! قال: فأقبلتُ إلى فرسي وقد كُنت حيث رأيتُ خيل أصحابنا تُعقَر أقبلت بها حتّى أدخلتها فسطاطاً لأصحابنا بين البيوت، وأقبلتُ أُقاتل معهم راجلاً، فقتلتُ يومئذٍ بين يدي الحسين رجلين، وقطعتُ يدَ آخر، وقال لي الحسين يومئذٍ مراراً:لا تُشلل، لا يقطع الله يدك، جزاك الله خيراً عن أهل بيت نبيّك صلى‌الله‌عليه‌وآله ) .

فلمّا أذِن لي استخرجتُ الفرس من الفسطاط، ثمّ استويتُ على متنها ثمّ ضربتها، حتّى إذا قامت على السنابك رميتُ بها عرض القوم فأفرجوا لي، واتّبعني منهم خمسة عشر رجلاً، حتّى انتهيتُ إلى شُفيّة قرية قريبة من شاطئ الفرات، فلمّا لَحقوني عطفتُ عليهم، فعرَفني كثير بن عبد الله الشعبي، وأيوب بن مشرح الخيوانيّ، وقيس بن عبد الله الصائدي، فقالوا: هذا الضحّاك بن عبد الله المشرقي، هذا ابن عمّنا، ننشدكم الله لمَا كففتم عنه، فقال ثلاثة نفر من بني تميم كانوا معهم: بلى والله، لنجيبنّ إخواننا وأهلَ دعوتنا إلى ما أحبّوا من الكفّ عن صاحبهم، قال: فلمّا تابعَ التميميون أصحابي كفّ الآخرون، قال: فنجّاني الله)(١) .

____________________

(١) تاريخ الطبري: ٣: ٣٢٩.


أسماءٌ أخرى وملاحظات:

١ - مالك بن دودان:

قال ابن شهرآشوب السروي: « ثمّ برزَ مالك بن دودان وأنشأ يقول:

إليكم من مالك الضرغام

ضَرب فتىً يحمي عن الكرام

يرجو ثواب الله ذي الإنعام ».(١)

٢ - أنيس بن معقل الأصبحي:

وقال أيضاً: « ثمّ برزَ أنيس بن معقل الأصبحي وهو يقول:

أنـا أنـيس وأنـا ابن معقل

وفي يميني نصل سيف مصقل

أعلو بها الهامات وسط القسطل

عـن الحسين الماجد المفضّل

ابن رسول الله خير مُرسل ».

فقتلَ نيّفاً وعشرين رجلاً »(٢) .

٣ - ربيعة بن خوط:

قال الحائري في ذخيرة الدارين: (نزلَ الكوفة، وكان بها إلى أن جاء الحسينعليه‌السلام من مكّة إلى العراق حتّى نزل بكربلاء، ثمّ خرج ربيعة بن خوط من الكوفة وجاء إلى الحسينعليه‌السلام مع ابن عمّه حبيب، وكان حبيب معه إلى أن قُتل بين

____________________

(١) مناقب آل أبي طالبعليهم‌السلام ٤: ١٠٤.

(٢) نفس المصدر: ٤ : ١٠٣، وذكرهُ ابن أعثم الكوفي في الفتوح: ٥: ١٩٨، والخوارزمي في المقتل ٢: ٢٣ بتفاوت في بعض أبيات الرَجَز.

وقد مرّ بنا في مقتل يزيد بن مغفل الجعفي (رض): أنّ أنيس بن معقل ربما كان تصحيفاً له؛ لأنّ أبيات الرَجَز المنسوبة إلى كلّ منهما واحدة أو متماثلة جدّاً، مع اتحاد معقل مع مغفل من حيث وتفاوتهما في النقاط فقط.


يديه في الحملة الأولى مع مَن قُتل من أصحاب الحسينعليه‌السلام )(١) .

٤ - زيد بن معقل:

عدّه الشيخ الطوسي في أصحاب الإمام الحسينعليه‌السلام (٢) ، وذكره ابن شهرآشوب السروي في المناقب(٣) ، وقد وردعليه‌السلام في زيارة الناحية المقدّسة(٤) .

٥ - هلال بن الحجّاج:

ذكره الشيخ الصدوق قائلاً: (ثمّ برزَ من بعده - أي من بعد وهب بن وهب النصراني (رض) - هلال بن الحجّاج وهو يقول:

أرمي بها معلّمة أفواقها (أفواهها)

والـنـفس لا يـنـفعها إشـفاقها

فقتلَ منهم ثلاثة عشر رجلاً ثمّ قُتل)(٥) .

____________________

(١) ذخيرة الدارين: ١٨٨، وذكر السماوي (ره): أنّ حبيب بن مظهّر كان ابن عمّ ربيعة بن حوط بن رئاب المكنّى أبا ثور الشاعر الفارس. (راجع: إبصار العين: ١٠٠).

وقال ابن عساكر: أدركَ حياة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله . (راجع: الإصابة في معرفة الصحابة: ١: ٥٢٧).

(٢) رجال الشيخ الطوسي: ١٠٠ رقم ٩٨١.

(٣) مناقب آل أبي طالبعليهم‌السلام ٤: ٧٨.

(٤)(السلام على زيد بن معقل الجعفي) (راجع البحار: ٤٥: ٧٢)، وفي البحار: ١٠١: ٢٧٣:(السلام على بدر بن معقل الجعفي) ، والظاهر أنّ كليهما تصحيف ليزيد بن مغفل الجعفي (رض).

(٥) أمالي الشيخ الصدوق: ١٣٧ المجلس ٣٠ حديث رقم ١، ومن المعلوم أنّ هذه الأبيات منسوبة أيضاً في المقاتل المشهورة الأخرى إلى نافع بن هلال الجملي (راجع: تاريخ الطبري ٣: ٣٢٤، والإرشاد: ٢: ١٠٣، وإعلام الورى ٢: ٤٦٢ وغيرها)، فالظاهر أنّه تصحيف لنافع بن هلال الذي تذكره بعض المصادر باسم (هلال بن نافع)، والله العالم.


٦ - بدر بن رقيط وابنيه

ورد في الزيارة الرجبية والشعبانية التي رواها السيّد طاووس (ره) هكذا:(السلام على بدر بن رقيط وابنيه عبد الله وعبيد الله) (١) .

أمّا في زيارة الناحية المقدّسة فقد ورد السلام هكذا:(السلام على زيد بن ثبيت القيسي، السلام على عبد الله وعبيد الله ابني يزيد بن ثبيت القيسي) (٢) .

ومن الواضح أنّ هذا ناشئ عن تصحيف النُسّاخ، إذ لم يُعرف أحدٌ من أنصار الإمامعليه‌السلام من شهداء الطفّ مع ابنين له بهذين الاسمين: عبد الله، وعبيد الله غير يزيد بن ثبيط العبدي (القيسي) البصري (رض)، كما ضبطَ اسمه المحقّق السماوي (ره).

٧ - خالد بن عمرو بن خالد الأزدي:

وقد ذكره ابن شهرآشوب السروي قائلاً: (ثمّ برزَ ابنه خالد - أي ابن عمرو بن خالد الأزدي - وهو يقول:

صبراً على الموت بني قحطان

كي ما تكونوا في رضا الرحمن

ذي المجد والعزّة والبرهان

وذو العُلى والطَول والإحسان

يا أبتا قد صرتُ في الجنان

في قصر درٍّ حَسَن البنيان(٣)

وعمرو بن خالد - وهو من شهداء الطفّ ويُكنّى بأبي خالد(٤) - ليس من الأزد، بل هو أسدي صيداوي، ولم يذكر المؤرّخون والرجاليون الذين ترجموا له بأنّ

____________________

(١) راجع: البحار: ١٠١: ٣٤٠.

(٢) راع: البحار: ٤٥: ٧٢ و١٠١: ٢٧٣.

(٣) مناقب آل أبي طالبعليهم‌السلام ٤: ١٠١، ومقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢: ١٧ بتفاوت في الشعر.

(٤) راجع: إبصار العين: ١١٤.


خالداً ابنه كان معه في شهداء الطفّ.

٨ - جابر بن عروة الغفاري:

قال النمازي: (لم يذكروه، وهو من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شهدَ بدراً وغيرها، وكان شيخاً كبيراً تعصّب بعصابة ترفع حاجيبه عن عينيه، فلمّا رأى غربة مولانا الحسين صلوات الله عليه استأذن، فقال له الحسين:(شكرَ الله سعيك يا شيخ) ، فقاتل وقَتل جمعاً حتّى استشهد بين يديه، نقلَ ذلك كلّه في الناسخ عن أبي مخنف، وكذا في فرسان الهَيجا، وعطيّة الذرّة)(١) .

ولا يخفى على المتتبّع أنّ هذه الترجمة منسوبة في المصادر الأخرى إلى الصحابي الجليل أنس بن الحارث الأسدي الكاهلي (رض)(٢) .

٩ - عمرو بن جندب الحضرمي:

قال النمازي: (من أصحاب أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وشهد في الجَمل وصِفّين معه، ووفِّق للشهادة يوم الطفّ، وتشرّف بسلام الناحية المقدّسة)(٣) .

١٠ - شبيب بن جراد الكلابي الوحيدي:

قال النمازي: (من أصحاب أمير المؤمنينعليه‌السلام ، من شجعان الشيعة في الكوفة، وله ذكر في المغازي والحروب سيّما في صفّين، وبايعَ مسلماً، وكان يأخذ البيعة

____________________

(١) مستدركات علم رجال الحديث ٢: ١٠٣، رقم ٣٤٠١.

(٢) راجع ذخيرة الدارين: ٢٠٨، وإبصار العين: ٩٩، ومقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي ٢: ٢٥.

(٣) مستدركات علم رجال الحديث ٦: ٣١، رقم ١٠٧٥٥، وورد السلام عليه في زيارة الناحية المقدّسة هكذا:(السلام على عمر بن جندب الحضرمي) (راجع: البحار: ٤٥: ٧٣)، وفي البحار: ١٠١: ٢٧٣:(السلام على عمر بن الأحدوث الحضرمي) .


له حتّى إذا رأى الخذلان انحرف وخرجَ مع عمر بن سعد إلى كربلاء، فلمّا جاء الشمر بكتاب ابن زياد وأيقنَ بالحرب لحقَ بالحسينعليه‌السلام ليلة عاشوراء، وانضمّ إلى أبي الفضل العبّاس لكونه من قبيلته(١) ، واستشهدَ يوم عاشوراء بين يدي الحسينعليه‌السلام ).

١١ - جعبة بن قيس بن مسلمة:

قال ابن حجر في الإصابة: (جعبة بن قيس بن مسلمة بن طريف، قُتل مع الحسين بن علي، قاله الكلبي)(٢) .

١٢ - أبو الهياج:

وقال ابن حجر أيضاً: (أبو الهياج قُتل مع الحسين، قال: ذكر الواقدي في مقتل الحسين أنّ أبا الهياج قُتل معه)(٣) .

١٣ - يزيد بن حُصين الهمداني المشرقيّ:

يرد ذكره في بعض كتب التاريخ والتراجم(٤) ، وينسب إليه كلّ ما تنسبه كتب التاريخ والتراجم الأخرى لبرير بن خضير الهمداني المشرقيّ (رض)، وهو تصحيف ظاهر لبرير بن خضير، وهذا ممّا لا يخفى على المتأمّل بدقّة، وذهب إلى ما قلناه أيضاً الشيخ التستري (ره) في قاموس الرجال(٥) .

____________________

(١) أي: من قبيلة أمّه؛ لأنّ أمّ العباسعليهما‌السلام كلابيّة.

(٢) الإصابة ٣: ٢٨٥، رقم ٤٢٣٦.

(٣) الإصابة: ٤: ٨٠.

(٤) راجع: كشف الغمّة: ٢: ٢٩٥، ورجال الشيخ الطوسي: ١٠٦، وتنقيح المقال: ٣: ٣٢٥، وذخيرة الدارين: ١٧٩.

(٥) راجع: قاموس الرجال: ٢: ٢٩٤ - ٢٩٦، رقم ١٠٧٧.


١٤ - عمرو بن مطاع الجعفي(١)

قال ابن شهرآشوب السروي: (ثمّ برزَ عمرو بن مطاع الجعفي وقال:

اليومَ قد طاب لنــا الفراع

دون حسينِ الضرب والسطاع (٢)

ترجــو بذاك الفوزُ والدفاع

مــن حَرِّ نارٍ حين لا امتناع(٣)

وقال الخوارزمي: (ثمّ خرجَ من بعده - أي من بعد الكاهلي (رض) - عمر بن مطاع الجعفي، وهو يقول:

أنـا ابن جعفي وأبي مطاع

وفـي يميني مرهفٌ قطّاع

وأسـمـرٌ سـنـانه لـمّاعُ

يُـرى له من ضوئه شعاعُ

قد طاب لي في يومي القراع

دون حـسينٍ ولـه الـدفاع

ثمّ حملَ فقاتل حتى قُتل)(٤) .

١٥ - عبد الرحمان بن عبد الله اليزني:

قال ابن شهرآشوب السرويّ: (ثمّ برزَ عبد الرحمان بن عبد الله اليزني قائلاً:

أنـا ابـن عـبد الله من آل يزَنِ

ديـني عـلى دين حسين وحسن

أضـربكم ضـرب فتىً من اليمن

أرجو بذاك الفوز عند المؤتمن(٥)

____________________

(١) من أنصار الإمامعليه‌السلام ، ومن شهداء الطفّ المعروفين (سويد بن عمرو بن أبي المطاع الخثعمي)، وقد مرّ بنا مصرعه، ولا نعلم هل أنّ (عمرو بن مطاع الجعفي) هذا تصحيف لذاك الأنصاري الجليل أم هو آخر غيره؟!

(٢) الفراع: المطاولة والمنازلة، والاعتداد بالشرف والمحتد، والسطاع: رفع الرأس ومدّ العنق والانتشار.

(٣) مناقب آل أبي طالبعليهم‌السلام ٤: ١٠٢.

(٤) مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي ٢: ٢٢.

(٥) مناقب آل أبي طالبعليهم‌السلام ٤: ١٠١ - ١٠٢.


وذكرهُ محمد بن أبي طالب أيضاً، وأتمّ قائلاً: (ثمّ حملَ فقاتلَ حتى قُتل)(١) .

١٦ - يحيى بن سليم المازني

ثمّ قال ابن شهرآشوب: (ثمّ برزَ يحيى بن سليم المازني وهو يقول:

لأضربنّ القوم ضرباً فيصلا

ضرباً شديداً في العدى معجّلا

لا عاجزاً فيها ولا مولولا

ولا أخاف اليوم موتاً مقبلا(٢)

وذكرهُ الخوارزمي أيضاً بتفاوت في الشعر(٣) .

١٧ - جبلّة بن عبد الله

وقد ورد السلام عليه في الزيارة الرجبية والشعبانية التي رواها السيّد ابن طاووس(٤) ، والظاهر أنّ هذا الاسم تصحيف لـ (جبلّة بن عليّ الشيباني) الذي وردَ السلام عليه في زيارة الناحية المقدّسة(٥) .

١٨ - سعد بن حنظلة التميمي:

قال الخوارزمي: (ثمّ خرجَ من بعده - أي من بعد خالد بن عمرو بن خالد الأزدي (وقد مرَّ ذكره) - سعد بن حنظلة التميمي، وهو يقول:

صبراً على الأسياف والأسنّة

صـبراً عليها لدخول الجنّة

وحـور عِـين ناعمات هنّة

لِـمن يريد الفوز لا بالظنّة

يـا نـفس للراحة فاطرحنّة

وفـي طلاّب الخير فاطلبنّه

____________________

(١) تسلية المجالس: ٢: ٢٩٢.

(٢) مناقب آل أبي طالبعليهم‌السلام ٤: ١٠٢.

(٣) مقتل الحسينعليه‌السلام للخورازمي ٢: ٢١.

(٤) راجع: الإقبال: ٧١٤، والبحار: ١٠١: ٣٤٠.

(٥) راجع: البحار: ٤٥: ٧٢.


ثمّ حملَ وقاتل قتالاً شديداً فقُتل)(١) .

وذكره أيضاً ابن شهرآشوب السروي بتفاوت يسير في الشِعر(٢) .

ويُلاحظ أنّ مصادر تاريخية أخرى(٣) ذكرت نصيراً آخر غير هذا وهو (حنظلة بن أسعد الشبامي)، الذي ورد السلام عليه في زيارة الناحية المقدّسة(٤) ، كما أنّ مصادر تاريخية أخرى ذكرت هذا الشعر لنصير آخر هو عبد الرحمان الأرحبي (رض)(٥) .

١٩ - عمير بن عبد الله المذحجي:

ثمّ قال الخوارزمي: (ثمّ خرجَ من بعده عمير بن عبد الله المذحجي وهو يقول:

قد عَلمتْ سعدُ وحيّ مذحجِ

أنّيَ ليث الغاب لم أهجهجِ

أعلو بسيفي هامة المدجَّجِ

وأترك القرن لدى التعرّج

فريسة الضبع الأزلّ الأعرجِ

فمَن تراه واقفاً بمنهجي

ولم يزل يقاتل قتالاً شديداً، حتّى قتلهُ مسلم الضبابي، وعبد الله البجلي، اشتركا في قتله)(٦) .

____________________

(١) مقتل الحسينعليه‌السلام الخوارزمي ٢: ١٧.

(٢) مناقب آل أبي طالبعليهم‌السلام ٤: ١٠١.

(٣) راجع: تاريخ الطبري: ٣: ٣٢٩، والإرشاد ٢: ١٠٥، واللهوف: ١٦٤، وإبصار العين: ١٣٠ - ١٣١.

(٤) راجع: البحار: ٤٥: ٧٣.

(٥) راجع: إبصار العين: ١٣٢.

(٦) مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢: ١٧.


وذكره أيضاً ابن شهرآشوب السرويّ بتفاوت يسير في الشِعر(١) .

٢٠ - إبراهيم بن الحصين الأسدي:

قال ابن شهرآشوب السروي: (ثمّ برز إبراهيم بن الحصين الأسدي يرتجز:

أضربُ منكم مفصلاً وساقا

ليُهرقَ اليوم دمي إهراقا

ويُرزق الموت أبو إسحاقا

أعني بني الفاجرة الفسّاقا

فقتلَ منهم أربعة وثمانين رجلاً)(٢) .

٢١ - دارم بن عبد الله الصائدي:

ذكره أبو محمّد علي بن أحمد الأندلسي(٣) وقال: (قُتل مع الحسين)، وذكره أبو عبيد(٤) وقال أيضاً: (قُتل مع الحسين)، وذكره الشيخ الطوسي أيضاً في رجاله(٥) .

٢٢ - يحيى بن هاني بن عروة

كان يحيى بن هاني من وجوه العرب، والمعروفين بينهم، وأبوه هاني بن عروة قُتل بالكوفة، قال المزي: يحيى بن هاني بن عروة بن قعاص(٦) ، أبو داود الكوفي، وكان من أشراف العرب، وكان أبوه ممّن قتله عبيد الله بن زياد في شأن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، وعن شعبة: كان سيّد أهل الكوفة، وعن أبي حاتم:

____________________

(١) مناقب آل أبي طالبعليهم‌السلام ٤: ١٠١.

(٢) مناقب آل أبي طالبعليهم‌السلام ٤: ١٠٥.

(٣) جمهرة أنساب العرب: ٣٩٥.

(٤) النسب: ٣٣٧.

(٥) رجال الشيخ الطوسي: ١٠٤، رقم ١٠٢٩.

(٦) هو على ضبط المحقّق السماوي (ره): يحيى بن هاني بن عروة بن نمران بن عمرو بن قعاس بن... بن غطيف بن مراد بن مذحج. (راجع: إبصار العين: ١٣٩).


صالح من سادات أهل الكوفة(١) .

وقال المامقاني: (يحيى بن هاني بن عروة المرادي العطيفي، نسبة إلى بني عطيف بطن من مراد، وقد ذكر أهل السيَر: أنه لمّا قُتل هاني مع مسلم بن عقيل، فرَّ ابنه يحيى واختفى عند قومه خوفاً من ابن زياد، فلمّا سمعَ بنزول الحسين بكربلاء جاء وانضمّ إليه ولزمه إلى أن شبّ القتال يوم الطفّ، فتقدّم وقتل من القوم رجالاً كثيرة ثمّ نالَ شرف الشهادة رضوان الله عليه)(٢) ، ولكنّنا لم نعثر - حسب متابعتنا - على أحد من أهل السيَر الأقدمين حكى ذلك.

ويلاحظ أيضاً أنّ الطبري في تاريخه يروي عن هشام بن محمّد، عن أبي مخنف، عن يحيى بن هاني بن عروة: أنّ نافع بن هلال كان يقاتل يومئذ وهو يقول: أنا الجملي، أنا على دين عليّ... إلى آخر قصة قتله مزاحم بن حريث(٣) .

وهذا كاشف عن أنّ يحيى بن هاني لم يكن من شهداء الطفّ يوم عاشوراء، فتأمّل.

٢٣ - الهفهاف بن المهنّد الراسبي(٤) البصري

قال الزنجاني: (ذكرَ في ذخيرة الدارين ص٢٥٧: الهفهاف بن المهنّد الراسبي البصري الذي قُتل يوم الطفّ بعد شهادة الحسين، على ما رواه حميد بن أحمد في كتاب الحدائق، قال: كان الهفهاف هذا فارساً شجاعاً بصرياً، من الشيعة ومن المخلصين في الولاء، له ذكر في المغازي والحروب، وكان من أصحاب

____________________

(١) تهذيب الكمال: ٣٢: ١٨ رقم ٦٩٣٦.

(٢) تنقيح المقال: ٣: ٣٢٢ رقم ١٣٠٨٩، وانظر: ذخيرة الدارين: ٢٥٥.

(٣) راجع: تاريخ الطبري: ٣: ٣٢٤، وإبصار العين: ١٤٩.

(٤) الراسبي: نسبة إلى راسب بطن من الأزد.


أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وحضرَ معه مشاهده كلّها، ولمّا عقدَ الألوية أمير المؤمنينعليه‌السلام يوم صفّين ضمّ تميم البصرة إلى الأحنف بن قيس، وأمّر على حنظلة البصرة أَعيَن بن ضبعة، وعلى أزد البصرة الهفهاف بن المهنّد الراسبي الأزدي... وكان ملازماً لعليّعليه‌السلام إلى أن قُتل، فانضمّ بعده إلى ابنه الحسنعليه‌السلام ، ثمّ إلى الحسينعليه‌السلام بعد صلاة العصر(١) ، سألَ: أين الحسين؟ فدخلَ على عمر بن سعد فسأل القوم: ما الخبر أين الحسين بن علي؟ فقالوا له: مَن أنت؟

فقال: أنا الهفهاف الراسبي البصري جئت لنصر الحسينعليه‌السلام حين سمعت خروجه من مكّة إلى العراق.

فقالوا له: وقد قتلنا الحسين وأصحابه وأنصاره وكلّ مَن لحقَ به وانضمّ إليه، ولم يبقَ غير النساء والأطفال وابنه العليل علي بن الحسين، أمَا ترى هجوم القوم على المخيّم وسلْبهم بنات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلمّا سمعَ الهفهاف بقتل الحسينعليه‌السلام وهجوم الناس، انتضى سيفه وهو يرتجز ويقول:

يا أيّها الجندَ المجنّد          أنا الهفهاف بن المهنّد       أحمي عيالات محمّد

ثمّ شدّ عليهم كليث العرين يضربهم بسيفه، فلم يزل يقتل كلَّ مَن دَنا منه من عيون الرجال، حتّى قتلَ من القوم جماعة كثيرة سوى مَن جرح، وقد كانت الرجال تشدّ عليه فيشدّ عليها بسيفه فتنكشف انكشاف المِعزى إذا شدّ فيها الذئب، وهو في ذلك يرتجز بالشِعر المتقدّم وقد أُثخن بالجراح، فصاح عمر بن سعد بقومه:

____________________

(١) قال الفضيل بن الزبير: وخرجَ الهفهاف بن المهنّد الراسبي من البصرة حين سمعَ بخروج الحسينعليه‌السلام ، فسار حتّى انتهى إلى العسكر بعد قتله، فدخلَ عسكر عمر بن سعد، ثمّ انتضى سيفه وقال: أيها الجند المجنّد، أنا الهفهاف، أبغي عيال محمّد، ثم شدّ فيهم...). (راجع: تسمية مَن قُتل مع الحسينعليه‌السلام : ١٥٦).


الويل لكم، احملوا عليه من كلّ جانب. ثمّ قال علي بن الحسينعليه‌السلام في ذلك اليوم:(قلّما رأى الناس منذ بعث الله محمداً فارساً بعد علي بن أبي طالب قتلَ ما قتلَ بعده كهذا الرجل) ، فتداعَوا عليه فأقبلَ خمسة عشر نفراً(١) فاحتوشوه حتّى قتلوه في حومة الحرب، بعدما عقروا فرسه رضوان الله عليه)(٢) .

٢٤ - سليمان بن سليمان الأزدي

وردَ السلام عليه في زمرة الشهداء في الزيارة الرجبية والشعبانية التي رواها السيّد ابن طاووسرحمه‌الله ، وكذلك ورد السلام فيها في زمرة الشهداء على كلّ من الأسماء التالية:

٢٥ - عامر بن مالك.

٢٦ - منيع بن زياد.

٢٧ - عامر بن جليدة.

٢٨ - حمّاد بن حمّاد الخزاعي.

٢٩ - رميث بن عمر(٣) .

٣٠ - منذر بن المفضّل الجعفي.

____________________

(١) في تسمية مَن قُتل مع الحسينعليه‌السلام : ١٥٦: (قال علي بن الحسينعليهما‌السلام :(فما رأى الناس منذ بعث الله محمّداً صلى‌الله‌عليه‌وآله فارساً - بعد علي بن أبي طالب عليه‌السلام - قتلَ بيده ما قتل) ، فتداعوا عليه خمسة نفر، فاحتوشوه حتّى قتلوهرحمه‌الله تعالى).

(٢) وسيلة الدارين: ٢٠٣ - ٢٠٤ رقم ١٦٤، وانظر: الحدائق الوردية: ١٢٢، ومستدركات علم رجال الحديث: ٨: ١٦٢ رقم ١٥٩٤٤.

(٣) وعدّه السروي ابن شهرآشوب أيضاً في أصحاب الحسينعليه‌السلام (راجع: مناقب آل أبي طالبعليهم‌السلام ٤: ٧٨).


٣١ - حيّان بن الحارث (١) .

٣٢ - عمر بن أبي كعب.

٣٣ - سليمان بن عون الحضرمي.

٣٤ - عثمان بن فروة الغفاري.

٣٥ - غيلان بن عبد الرحمان.

٣٦ - قيس بن عبد الله الهمداني.

٣٧ - عمر بن كنّاد.

٣٨ - زائدة بن مهاجر(٢) .

٣٩ - سليمان بن كثير.

٤٠ - سويد مولى شاكر(٣) .

وقد أعرضنا عن ذكر أسماء أخرى؛ لأنّها برأينا تصحيفات ظاهرة لأسماء أنصار معروفين في كتب التواريخ والتراجم(٤) .

____________________

(١) راجع: البحار: ١١: ٣٤٠، وفي البحار: ١٠١: ٢٧٣ في زيارة الناحية المقدّسة:(السلام على حيّان بن الحارث السلماني الأزدي)، أمّا في البحار: ٤٥: ٧٢:(السلام على حباب بن الحارث السلماني الأزدي)، وراجع أيضاً الإقبال: ٥٧٦، والظاهر أنّ هذا تصحيف لجنادة بن الحارث السلماني (راجع: رجال الشيخ الطوسي: ٩٩ رقم ٩٦٨، وإبصار العين: ١٤٤).

(٢) زائدة بن مهاجر: لا يبعد أن يكون إنقاصاً بعد تصحيف لاسم النصير المعروف: يزيد بن زياد بن مهاصر (رض).

(٣) لا يبعد أن يكون تصحيفاً لاسم النصير المعروف: شوذب مولى شاكر (رض).

(٤) راجع: البحار: ١٠١: ٣٤٠ - ٣٤١.


مقاتلُ ومصارع بني هاشم

وبعدما استشهدت الصفوة العظيمة من أصحاب الإمامعليه‌السلام ، هبّ أبناء الأسرة النبوية شباباً وأطفالاً للتضحية والفداء، وهم بالرغم من صغر سنّهم كانوا كالليوث لم يرهبهم الموت ولم تفزعهم الأهوال، وتسابقوا بشوق إلى ميادين الجهاد، وقد ظنَّ الإمامعليه‌السلام على بعضهم بالموت، فلم يسمح لهم بالجهاد إلاّ أنّهم أخذوا يتضرّعون إليه ويُقبّلون يديه ورجليه ليأذن لهم في الدفاع عنه.

والمنظر الرهيب الذي يذيب القلوب، ويُذهل كلّ كائن حي هو: أنّ أولئك الفتية جعلَ يودّع بعضهم بعضاً الوداع الأخير، فكان كلّ واحد منهم يوسِع أخاه وابن عمه تقبيلاً، وهم غارقون بالدموع حزناً وأسىً على ريحانة رسول الله (صلّى الله عيه وآله وسلّم)، حيث يرونهُ وحيداً غريباً قد أحاطت به جيوش الأعداء، ويرون عقائل النبوة ومخدّرات الوحي وقد تعالت أصواتهنّ بالبكاء والعويل.. وساعدَ الله الإمامعليه‌السلام على تحمّل هذه الكوارث التي تقصم الأصلاب، وتُذهل الألباب، ولا يطيقها أيّ إنسان إلاّ مَن امتحنَ الله قلبه للإيمان(١) ، بل لا يطيقها إلاّ مَن عصمهُ الله بعصمة الإمامة.

____________________

(١) راجع: حياة الإمام الحسين بن عليعليهما‌السلام ٣: ٢٤٣.


مقتلُ عليّ الأكبرعليه‌السلام

أمّا أوّل الهاشميين(١) الذين تقدّموا إلى الشهادة بين يدي الإمام أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام فهو: ابنه عليٌّ الأكبرعليه‌السلام (٢) .

____________________

(١) هناك ثلاثة أقوال في هذا الصدد:

١ - العباس بن علي بن أبي طالب: ذهب إلى هذا القول الشعبي (راجع: تذكرة الخواص: ٢٣٠).

٢ - عبد الله بن مسلم بن عقيلعليه‌السلام : ذهبَ إليه السروي في المناقب ٤: ١٠٥، والصدوق في الأمالي: ٢٢٦، وابن فتّال في روضة الواعظين ١١٨، والحائري في تسلية المجالس ٢: ٣٠٢.

٣ - عليّ الأكبرعليه‌السلام : ذهبَ إليه أكثر المؤرّخين كابن الأثير في الكامل ٣: ٢٩٣، والمفيد في الإرشاد ٢: ١٠٦، والبلاذري في أنساب الأشراف ٣: ٤٠٦، وأبي الفرج في مقاتل الطالبيين: ٨٦، والأندلسي في جمهرة أنساب العرب: ٢٦٧، والسيد في اللهوف: ١٦٦، والطبرسي في إعلام الورى ٢: ٤٦٢، والدينوري في الأخبار الطوال: ٢٥٦، وابن نما في مثير الأحزان: ٦٨، وعشرات الكتب الأخرى تركناها رعاية الاختصار.

ويؤيده: ما ورد في زيارة الناحية المقدّسة من السلام عليه:(السلام عليك يا أوّل قتيل من نسل خير سليل من سلالة إبراهيم الخليل) . (راجع البحار: ٤٥: ٦٥).

٢) المصرّحون بأنّ هو الأكبر: ابن سعد في طبقاته (ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام ومقتله - من القسم غير المطبوع من كتاب الطبقات الكبير لابن سعد - تحقيق السيّد عبد العزيز الطباطبائي: ٧٣)، وابن فندق في لباب الأنساب ١: ٣٤٩، وابن كثير في البداية والنهاية: ٨: ١٩١، والطبري في تاريخه: ٣: ٣٣٠، وأبو الفرج الأصبهاني في مقاتل الطالبيين: ٨٦.

 والدينوري في الأخبار الطوال: ٢٥٦، وابن الأثير في الكامل: ٣: ٢٩٣، وابن الجوزي في تذكرة الخواص: ٢٢٩، والديار بكري في تاريخ الخميس: ٢: ٢٩٨، وابن الحنبلي في شذرات الذهب: ٢: ٦١، والمجدي العلوي في المجدي: ٩١، والبلاذري في أنساب الأشراف: ٣: ٤٠٦، والأندلسي في جمهرة أنساب العرب: ٢٦٧، والفخر الرازي في الشجرة المباركة: ٧٢، والفضيل بن الزبير الكوفي الأسدي في: تسمية مَن قُتل مع الحسين: ١٥٠، والطبراني في مقتل الحسين: ٣٨، وابن شهرآشوب في المناقب: =


____________________

= ٤: ١٠٩، والذهبي في سير أعلام النبلاء: ٣: ٣٢١، والمسعودي في مروج الذهب: ٣: ٦١، والذهبي أيضاً في تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٦١، ص٢١)، والزرندي في نظم درر السمطين: ٢١٨، واليافعي في مرآة الزمان: ١: ١٣١، واليعقوبي في تاريخه: ٢: ٩٤، واليماني في النغمة العنبرية: ٤٥، والعقيقي كما في الحدائق الوردية: ١١٦، وأبو نصر في سرّ السلسلة العلوية: ٣٠، وابن إدريس في السرائر: ١: ٦٥٧، والشهيد الثاني في الدروس: ٢: ١١.

ومن الأدلّة على ذلك:

١ - أنّ عليَّ بن الحسينعليه‌السلام المقتول بكربلاء مع أبيهعليه‌السلام ، ولِد سنة ثلاث وثلاثين من الهجرة النبوية على قول الواقدي (راجع: عمدة الطالب: ١٩٢ ومقتل الحسينعليه‌السلام للمقرّم: ٢٥٥)، وأنّ الإمام زين العابدين علي بن الحسينعليهما‌السلام ولِد سنة ثماني وثلاثين من الهجرة، وبعض النصوص تصرّح بأنّ عليّاً الشهيدعليه‌السلام ولِد في إمارة عثمان (راجع: السرائر: ١: ٦٥٤ ومقاتل الطالبيين: ٨٦).

٢ - يروي المؤرّخون أنّ الإمام زين العابدينعليه‌السلام حينما سأله الطاغية ابن الطاغية يزيد: ما اسمك؟ قال:(علي بن الحسين، قال: أوَلم يقتل الله عليّ بن الحسين؟! قالعليه‌السلام :قد كان لي أخٌ أكبر مني يُسمّى عليّاً فقتلتموه) . (راجع: مقاتل الطالبيين: ١١٩ - ١٢٠، ونسب قريش: ٥٨).

ولا يخفى على الباحث والمتتبع الخبير بأنّ النصوص التي تصرّح بأنّه الأكبر أضعاف النصوص التي لا تقول بذلك، فإنّ علماء النسب هم أعرف بهذه الصنعة حين قالوا بأنّه الأكبر، ولا أدري ما هذا الإصرار عند البعض بأنّ الإمام زين العابدينعليه‌السلام كان أكبر منه؟

يقول المرحوم ابن إدريس أعلى الله مقامه الشريف: وأي غضاضة تلحقنا وأي نقص يدخل على مذهبنا إذا كان المقتول علياً الأكبر، وكان علي الأصغر الإمام المعصوم بعد أبيه الحسينعليه‌السلام ، فإنّه كان لزين العابدينعليه‌السلام يوم الطف ثلاث وعشرون سنة، ومحمد ولده الباقرعليه‌السلام له ثلاث سنين وأشهر، ثمّ بعد ذلك كلّه فسيّدنا ومولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام كان أصغر ولد أبيه سنّاً ولم ينقصه ذلك.

وقال أيضاً: والأَولَى الرجوع إلى أهل هذه الصناعة وهم النسّابون وأصحاب السيَر والأخبار والتواريخ، مثل: الزبير بن بكار في كتاب أنساب القرشيين، وأبي الفرج الأصفهاني في مقاتل =


وقد لا يسع الواصف الساعي إلى وصف بما يكشف عن عِظم شأنه وعلّو منزلته وسموّ مقامه، إلاّ أن يتمسّك بالوصف الجامع المانع الذي وصفه به أبوه الحسينعليه‌السلام حين قال:(غلامٌ أشبه الناس برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله خَلقاً وخُلُقاً ومنطقاً) .

وكان عمره الشريف يومئذٍ - على أعلى الأقوال - سبعاً وعشرين سنة(١) ، وعلى أقلّها ثماني عشر سنة(٢) .

____________________

= الطالبيين، والبلاذري، والمزني صاحب كتاب لباب أخبار الخلفاء، والعمري النسّابة حقّق ذلك في كتاب المُجدي فإنّه قال: وزعم مَن لا بصيرة له أنّ علياً الأصغر هو المقتول بالطف وهذا خطأ ووهم. (المجدي: ٩١).

وإلى هذا ذهب صاحب كتاب الزواجر والمواعظ، وابن قتيبة في المعارف، وابن جرير الطبري المحقّق لهذا الشأن، وابن أبي الأزهر في تاريخه، وأبو حنيفة الدينوري في الأخبار الطوال، وصاحب كتاب الفاخر، مصنف من أصحابنا الإمامية، وأبو علي بن همام في كتاب الأنوار في تواريخ أهل البيت ومواليدهم، وهو من جملة أصحابنا المصنفين المحققين، فهؤلاء جميعاً أطبقوا على هذا القول وهم أبصر بذا النوع. (راجع: السرائر: ١: ٦٥٥ - ٦٥٦).

وعن الشهيد الأوّل في الدروس ٢: ١١: (وهو الأكبر على الأصح).

وقال البيهقي في لب الأنساب ١: ٣٤٩: (اختلف النسّابون في أنّ المقتول علي الأكبر أم الأصغر، فاتفق أكثر العلماء على أنّ المقتول بكربلاء علي الأكبر).

(١) راجع: مقتل الحسينعليه‌السلام للمقرّم: ٢٥٥.

(٢) راجع: مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢: ٣٤، والإرشاد للمفيد: ٢: ١٠٦، وإعلام الورى للطبرسي: ١: ٤٦٤، وتسلية المجالس: ٢: ٣١٠، وشرح الأخبار للقاضي نعمان: ٣: ١٥٢.

نعم، هناك بعض المصادر تصرّح بأنّ عمره حينما قُتلعليه‌السلام كان سبع عشرة سنة (راجع: منتخب الطريحي: ٤٤٣) وقد تفرّد بذلك.

وقال الشيخ ابن نما (ره) في مثير الأحزان: ٦٨: (وله يومئذٍ أكثر من عشر سنين) وهو قول شاذّ كما ترى. =


قال الخوارزمي يصف خروج علي الأكبرعليه‌السلام إلى قتال القوم: (فتقدّم عليّ بن الحسين، وأمّه ليلى بنت أبي مرّة بن عروة بن مسعود الثقفي(١) ، وهو يومئذ ابن

____________________

= وصرّح السيّد محسن الأمين العاملي بأنّ عمره كان يومذاك تسع عشرة سنة. (راجع: لواعج الأشجان: ١٥٠).

(١) قال المرحوم الشيخ القمّي: (عروة بن مسعود هو أحد السادة الأربعة في الإسلام، وأحد رجلين عظيمين في قوله تعالى حكاية عن كفّار قريش:( وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ) ، وهو الذي أرسلته قريش للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم الحديبية، فعقدَ معه الصلح وهو كافر، أسلمَ سنة تسع من الهجرة بعد رجوع المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله من الطائف، واستأذنَ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في الرجوع لأهله، فرجعَ ودعا قومه إلى الإسلام، فرماهُ واحد منهم بسهم وهو يؤذّن للصلاة فمات، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لما بلغه ذلك:(مَثلُ عروة مثل صاحب يس دعا قومه إلى الله فقتلوه) ، كذا في شرح الشمائل المحمّديّة في شرح قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله :(ورأيت عيسى بن مريم، فإذا أقرب مَن رأيت به شَبهاً عروة بن مسعود) . (نَفَس المهموم: ٣٠٧).

وروى الجزري في أُسد الغابة، عن ابن عبّاس قال، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :(أربعة سادة في الإسلام: بشر بن هلال العبدي، وعدي بن حاتم، وسراقة بن مالك المدلجي، وعروة بن مسعود الثقفي) (أُسد الغابة: ١: ١٩١)، وذكر المحقّق القرشي نقلاً عن (نسب قريش: ٥٧): أنّ عمر بن سعد بعث رجلاً من أصحابه فنادى عليَّ الأكبرعليه‌السلام قائلاً: إنّ لك قرابة بأمير المؤمنين - يعني يزيد ونريد أن نرعى هذا الرحِم، فإن شئت آمنّاك!

فسخرَ منه عليّ بن الحسينعليه‌السلام وصاح به: لَقرابةُ رسول الله أحقّ أن تُرعى. (راجع: حياة الإمام الحسين بن عليعليهما‌السلام : ٣: ٢٤٤).

ولا يخفى على عارف أنّ المراد بقولهم: إنّ لك رَحماً بأمير المؤمنين يزيد لعنه الله، هو رحِم ميمونة بنت أبي سفيان بن حرب، فهي أمّ ليلى بنت أبي مرّة بن عروة بن مسعود الثقفي (راجع: تسمية مَن قُتل مع الحسينعليه‌السلام : ١٥٠، والشجرة المباركة للفخر الرازي: ٧٣، وعيون الأخبار لابن قتيبة: ٩٩، ومقتل الحسينعليه‌السلام للمقرّم: ٢٥٦).

وقد وردَ في بعض المصادر - خلافاً للمشهور -: أنّ اسم أمّ عليّ الأكبر آمنة، كما ورد ذلك =


ثماني عشرة سنة، فلمّا رآه الحسين رفعَ شيبته نحو السماء، وقال:

(اللّهمَّ اشهد على هؤلاء القوم، فقد برزَ إليهم غلام أشبه الناس خَلقاً وخُلُقاً ومنطقاً برسولك محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كنّا إذا اشتقنا إلى وجه رسولك نظرنا إلى وجهه، اللّهمّ فامنعهم بركات الأرض، وإنْ منعتهم ففرّقهم تفريقاً، ومزّقهم تمزيقاً، واجعلهم طرائق قدداً، ولا تُرضِ الولاة عنهم أبداً، فإنّهم دَعونا لينصرونا، ثمّ عَدَوا علينا يقاتلونا ويقتلونا.

ثمّ صاح الحسين بعمر بن سعد:مالكَ! قطعَ الله رَحِمك، ولا باركَ الله في أمرك، وسلّط عليك مَن يذبحك على فراشك، كما قطعتَ رحِمي، ولم تحفظ قرابتي من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثمّ رفع صوته وقرأ:( إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ) ).

ثمّ حملَ عليّ بن الحسين وهو يقول:

أنا عليُّ بن الحسين بن علي

نحن وبيت الله أولى بالنبي

والله لا يحكم فينا ابن الدعي

أطعنكم بالرمح حتّى ينثني

أضربكم بالسيف حتّى يلتوي

ضرب غلام هاشميّ علوي

فلم يزل يقاتل حتّى ضجّ أهل الكوفة لكثرة مَن قتلَ منهم، حتّى أنّه روي: أنّه على عطشه قتلَ مائة وعشرين رجلاً، ثمّ رجعَ إلى أبيه وقد أصابتهُ جراحات كثيرة، فقال:يا أبة، العطش قد قَتلني، وثِقل الحديد قد أجهَدَني، فهل إلى شربة من ماءٍ سبيل؟ أتقوّى بها على الأعداء؟

____________________

= عن ابن سعد في طبقاته (راجع: ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام ، ومقتله من القسم غير المطبوع من كتاب الطبقات الكبرى لابن سعد، تحقيق السيّد عبد العزيز الطباطبائي: ٧٣)، كما وردَ هذا أيضاً عن عبد الله بن مصعب الزبيري في كتاب (نسب قريش: ٥٧) ولم يجزم به.


فبكى الحسين وقال:(يا بُنيّ، عزّ على محمّد، وعلى عليّ، وعلى أبيك، أن تدعوهم فلا يجيبونك، وتستغيث بهم فلا يُغيثونك، يا بُنيّ هات لسانك.

فأخذ لسانه فمصّه، ودفعَ إليه خاتمه وقال:خُذ هذا الخاتم في فيك، وارجع إلى قتال عدوّك، فإنّي أرجو أن لا تُمسي حتّى يسقيك جدّك بكأسه الأوفى شربة لا تظمأ بعدها أبداً) .

فرجعَ عليّ بن الحسين إلى القتال، وحملَ وهو يقول:

الحربُ قد بانت لها حقائق

وظهرت من بعدها مصادق

والله ربِّ العرش لا نفارق

جموعكم أو تُغمد البوارقُ

وجعل يُقاتل حتّى قتل تمام المئتين، ثمّ ضربهُ منقذ بن مُرّة العبدي(١) على مفرق رأسه ضربة صرعه فيها(٢) ، وضربه الناس بأسيافهم، فاعتنقَ الفرَس، فحمَلهُ

____________________

(١) في كتاب ذوب النضار: ١١٩: (وبعثَ - أي المختار - إلى قاتل علي بن الحسينعليه‌السلام وهو مرّة بن منقذ العبدي، وكان شيخاً، فأحاطوا بداره، فخرجَ وبيده الرمح وهو على فرس جواد، فطعنَ عبيد الله بن ناجية الشبّامي فصرعهُ، ولم تضرّه الطعنة، وضربهُ ابن كامل بالسيف فاتّقاها بيده اليسرى، فأشرع فيها السيف، وتمطّرت به الفرس فأفلتَ، ولحقَ بمصعب بن الزبير، وشُلّت يده بعد ذلك).

(٢) في إرشاد المفيد (ره): ٢: ١٠٦: (.. فشدّ على الناس وهو يقول:

أنا عليّ بن الحسين بن علي

نحـن وبيت الله أولى بالنبي

تالله لا يحكم فينا ابن الـدعيّ

أضرب بالسيف أُحامي عن أبي

ضَرب غلام هاشمي قرشي

ففعلَ ذلك مراراً، وأهل الكوفة يتّقون قتله، فبصرَ به مُرّة بن منقذ العبدي فقال: عليَّ آثام العرب إنْ مرَّ بي يفعل مثل ذلك إنْ لم أثكل أباه، فمرَّ يشتدّ على الناس كما مرَّ في الأوّل، فاعترضهُ مُرَّة بن منقذ فطعنه فصُرع واحتواه القوم فقطّعوه بأسيافهم).

وقال ابن شهرآشوب السروي في المناقب: ٤: ١٠٩: (فطعنهُ مُرَّة بن منقذ العبدي على ظهره غدراً، فضربوه بالسيف، فقال الحسينعليه‌السلام :(على الدنيا بعدك العفا) ، وضمّه إلى صدره وأتى به إلى باب الفسطاط، فصارت أمّه شهربانويه ولْهى تنظر إليه ولا تتكلّم!). =


الفرَس إلى عسكر عدوّه، فقطّعوه بأسيافهم إرباً إرباً، فلمّا بلغت روحه التراقي نادى بأعلى صوته:يا أبتاه، هذا جدّي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قد سقاني بكأسه الأوفى شربة لا أظمأ بعدها أبداً، وهو يقول لك: العجَل! فإنّ لك كأساً مذخورة.

فصاح الحسين:(قتلَ الله قوماً قتلوك يا بُنيّ، ما أجرَأهم على الله وعلى انتهاك حرمة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، على الدنيا بعدك العفا).

قال حميد بن مسلم: لكأنّي أنظر إلى امرأة خرجت مسرعة كأنّها الشمس طالعة، تنادي بالويل والثبور تصيح: وا حبيباه! وا ثمرة فؤاداه! وا نور عيناه! فسألتُ عنها فقيل: هذه زينب بنت علي(١) ، ثمّ جاءت حتّى انكبّت عليه، فجاء إليها الحسين حتّى أخذ بيدها وردّها إلى الفسطاط، ثمّ أقبل مع فتيانه إلى ابنه فقال:(احملوا أخاكم) ، فحملوه من مصرعه حتّى وضعوه عند الفسطاط الذي يقاتلون أمامه)(٢) .

____________________

= وفي نَفَس المهموم: ٣١١ نقلاً عن روضة الصفا: (رفع الحسينعليه‌السلام صوته بالبكاء ولم يسمع أحدٌ إلى ذلك الزمان صوته بالبكاء).

ومن الجدير بالذكر أن نقول هنا: إنّ حضور أمّ عليّ الأكبرعليهما‌السلام في كربلاء لم يرد في نصّ نثق به أصلاً، هذا أوّلاً.

وثانياً: فإنّ قول ابن شهرآشوب أنّ أمّ عليّ الأكبرعليهما‌السلام هي شهربانويه، من غرائب ما تفرّد به في كتابه المناقب، ولا شك أنّ اسمهاعليها‌السلام - حسب ما ذكرته النصوص والتواريخ المعتبرة - هي ليلى بنت أبي مُرّة بن عروة بن مسعود الثقفي، كما قدّمنا من قبل.

(١) في اللهوف: ١٦٦: (قال الراوي: وخرجت زينب ابنة عليّ تنادي: يا حبيباه! يا بن أخاه! وجاءت فأكبّت عليه، فجاء الحسينعليه‌السلام فأخذها وردّها إلى النساء)، وانظر: الإرشاد ٢: ١٠٧، وتاريخ الطبري: ٣: ٣٣١.

(٢) مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢: ٣٤ - ٣٦، وانظر: الإرشاد: ٢: ١٠٦ - ١٠٧، وتاريخ الطبري: =


ويقول السيّد المقرّم في كتابه المقتل(١) : (فأتاه الحسينعليه‌السلام وانكبّ عليه واضعاً خدّه على خدّه(٢) ، وهو يقول:

(على الدنيا بعدك العفا، ما أجرأهم على الرحمان وعلى انتهاك حرمة الرسول (٣) ،يعزُّ على جدّك وأبيك أن تدعوهم فلا يجيبونك، وتستغيث بهم فلا يغيثونك) .

ثمّ أخذ بكفّه من دمه الطاهر ورمى به نحو السماء، فلم يسقط منه قطرة! وفي هذا جاءت زيارته:

____________________

= ٣: ٣٣٠ - ٣٣١، والدرّ النظيم: ٥٥٥، والأخبار الطوال: ٢٥٦، وتذكرة الخواص: ٢٣٠، وإعلام الورى: ٢: ٤٦٤، وتسلية المجالس: ٢: ٣١٠، ومقاتل الطالبين: ٨٦.

وقد روى أبو الفرج الاصبهاني أنّ هذه الأبيات قيلت في عليّ بن الحسين الأكبر:

لـم تَـر عـينٌ نـظرت مثله

مـن مُحتفٍ يمشي ومن ناعلِ

يـغلي نـئي الـلحم حـتّى إذا

أنـضج لـم يـغلُ على الآكلِ

كــان إذا شـبّت لـه نـاره

أوقـدهـا بـالـشرف الـقابِل

كـي مـا يـراها بائس مُرمل

أو فـردُ حـيٍّ لـيس بـالآهلِ

أعني ابن ليلى ذا السدى والندى

أعني ابن بنت الحسب الفاضلِ

لا يـؤثر الـدنيا عـلى ديـنه

ولا يـبـيع الـحقّ بـالباطلِ

(١) مقتل الحسينعليه‌السلام للمقرّم: ٢٦٠.

(٢) انظر أيضاً: اللهوف: وقال إدريس عماد الدين القرشي (ت: ٨٧٢ هـ): (فأخذهُ الحسينعليه‌السلام فضمّه إليه، فجعل يقول له: (يا أبتي، هذا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول لي:عجّل بالقدوم علينا ... ولم يزل كذلك على صدره حتّى مات، فلمّا نظر إليه ميّتاً قال:(على الدنيا من بعدك العفا) ). (عيون الأخبار وفنون الآثار: ١٠٨ - دار التراث الفاطمي - بيروت).

(٣) انظر أيضاً: تاريخ الطبري: ٣: ٣٣٠.


(بأبي أنت وأمّي من مذبوحٍ ومقتول من غير جُرم، بأبي أنت وأمّي، دمك المرتقى به إلى حبيب الله، بأبي أنت وأمّي من مقدّم بين يدي أبيك يحتسبك، ويبكي عليك محترقاً عليك قلبه، يرفع دمك إلى عنان السماء لا يرجع منه قطرة، ولا تسكن عليك من أبيك زفرة) (١) .

ولعليٍّ الأكبرعليه‌السلام سلام في زيارة الناحية المقدّسة كاشف عن منزلته السامية ومقامه الشامخ، فقد وردَ السلام عليه فيها هكذا:

(السلام عليك يا أوّل قتيل من نسْل خير سليل، من سلالة إبراهيم الخليل، صلّى الله عليك وعلى أبيك، إذ قال فيك: قتلَ الله قوماً قتلوك يا بُنيَّ، ما أجرَأهم على الرحمان، وعلى انتهاك حرمة الرسول، على الدنيا بعدك العفا، كأنّي بك بين يديه ماثلاً، وللكافرين قاتلاً قائلاً:

أنا عليُّ بن الحسين بن علي

نحن وبيتِ الله أَولى بالنبي

أطعنكم بالرمح حتّى ينثني

أضربكم بالسيف أحمي عن أبي

ضَرب غلام هاشميّ عربي

واللهِ لا يحكم فينا ابن الدعي

حتى قضيتَ نحبك، ولقيت ربّك، أشهدُ أنّك أَولى بالله وبرسوله، وأنّك ابن رسوله، وحجّته وأمينه، وابن حجّته وأمينه، حكَمَ الله على قاتلك مُرّة بن منقذ بن النعمان العبدي، لعنه الله وأخزاه ومَن شَركه في قتلك، وكانوا عليك ظهيراً، أصلاهم الله جهنّم وساءت مصيراً، وجعلَنا الله من ملاقيك، ومرافقي جدّك وأبيك وعمّك وأخيك، وأمّك المظلومة، وأبرأ إلى الله من أعدائك أُولي الجحود، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته) (٢) .

____________________

(١) انظر أيضاً: كامل الزيارات: ٢٥٣ باب ٧٩ رقم ٢١ - نشر مكتبة الصدوق.

(٢) راجع: البحار: ٤٥: ٦٥ - ٦٦.


إشارة:

هل كان لعليّ الأكبر ذريّة؟

صرّح المرحوم العَلوي بأنّ علي الأكبرعليه‌السلام لم يُخلّف عَقباً وقال: روى ذلك غير واحد من شيوخنا(١) ، وذكرَ حسام الدين في الحدائق الوردية(٢) بأنّه كان له عَقب.

ونحن بدورنا نعتقد بهذا القول الثاني، ويشهد لذلك: ما وردَ في زيارتهعليه‌السلام المرويّة عن أبي حمزة الثمالي، أنّ الإمام الصادقعليه‌السلام قال له:

(ضع خدّك على القبر وقل: صلّى الله عليك يا أبا الحسن).

وكما يُحتمل أن تكون الكنية للتفأّل بالولد الحسَن، فإنّه يُحتمل أيضاً أنّها صدرت على الحقيقة وأنّه كان له ولد اسمه الحَسن.

ورواية أحمد بن أبي نصر البزنطي تشهد بأنّه كان متزوجاً من جارية له ولد منها، فإنّه قال للإمام الرضاعليه‌السلام : الرجل يتزوج المرأة وأمَّ ولد أبيها؟

قالعليه‌السلام :(لا بأس، فقال أحمد: بلغنا أنّ عليّ بن الحسين السجّاد تزوّج بنت الحسن بن عليعليهما‌السلام وأمّ ولد أبيها؟ فقالعليه‌السلام :

ليس هكذا إنّما تزوج ابنة الحسن عليه‌السلام ، وأُمَّ ولد لعليّ بن الحسين المقتول عندكم) .

ومن المعلوم أنّ الجارية لا يقال لها أمُّ ولد إلاّ إذا ولدت من سيّدها، فهذا الحديث شاهد صريح على أنّ عليّ الأكبر كانت عنده جارية قد أولدها.

على أنَّ الاستضاءة بقول الإمام الصادقعليه‌السلام في تلك الزيارة التي رواها

____________________

(١) المجدي: ص٩١.

(٢) الحدائق الوردية: ص١٢٤.


أبو حمزة الثمالي، تكشف لنا عن حقيقة ناصعة أضاعتها الحُقب وهي: أنّ للأكبر الشهيد أهلاً وولداً، وإن كان عَقبه منقطعاً هو الآخر، فإنّ الإمامعليه‌السلام يقول فيها:

(صلّى الله عليك وعلى عترتك وأهل بيتك وآبائك وأبنائك وأمهاتك الأخيار الأبرار، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً).

ولفظ الأبناء جمعٌ يدل على أكثر من اثنين، وكما يُحتمل إرادة الصُلبيين خاصّة يُحتمل أيضاً أن يراد ما يعمّهم وأبناءهم، لكنّ الاحتمال الثاني مدفوع بظاهر إطلاق اللفظ عند العُرف، فإنّه يختص بالصُلبيين.

كما أنّ قولهعليه‌السلام :(وعلى عترتك) دالٌّ عليه؛ فإنّ عترة الرجل ذرّيته، فلو لم يكن له ذرّية؛ لمَا صحّ استعمال هذا اللفظ وورود هذه الجملة في لسان الإمام العارف بخواص البلاغة، ومقتضيات الأحوال أقوى برهان(١) .

____________________

(١) راجع: عليّ الأكبرعليه‌السلام للمقرّم: ١٥، وكامل الزيارات: ٢٥٣ باب ٧٩ ٢١، وينبغي أن يُلاحظ هنا: أنّ بعض المؤرّخين قد ذكروا أنّ للإمام الحسينعليه‌السلام أبناءً آخرين - عدا عليّ الأكبر، والسجّاد، وعبد الله الرضيععليهم‌السلام - فقد ذكر ابن شهرآشوب السروي في المناقب: ٤: ١١٣ في جملة المقتولين من أهل البيت مجموعة من أبناء الحسينعليه‌السلام قائلاً:

(وستّة من بني الحسين مع اختلاف فيهم: عليّ الأكبر، وإبراهيم، وعبد الله، ومحمّد، وحمزة، وعليّ، وجعفر، وعمر، وزيد، وذُبح عبد الله في حِجره)، ولكنّ هؤلاء تسعة وليسوا ستّة كما ذكر، ولعلّ الستّة جاءت بدلاً من التسعة سهواً من النسّاخ أو المطابع؟

كما ذكرت بعض المصادر الأخرى: أنّ للإمام الحسينعليه‌السلام ولداً صغيراً اسمه أبو بكر، وأنّه قُتل في كربلاء مع أبيه الحسينعليه‌السلام ، (راجع: تاريخ الطبري: ٣: ٣٣٢، والكامل في التاريخ: ٣: ٢٩٤، وترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام من القسم غير المطبوع من كتاب الطبقات الكبير لابن سعد: ٧٦، وتاج المواليد للطبرسي: ١٠٨ (ضمن المجموعة النفيسة)، ومقتل الحسينعليه‌السلام للطبراني: ٣٨، والشجرة المباركة ٧٣، وفي سرّ السلسلة العلوية: ٣٠ أنّ أبا بكر مات صغيراً قبل أبيه)، وروى ابن =


مقاتلُ آل عقيلعليهم‌السلام (١) في يوم عاشوراء

إنّ أنصار الإمام الحسينعليه‌السلام من آل عقيلعليهم‌السلام - الذين اشتهر عند المؤرّخين وأهل التراجم أنّهم استشهدوا مع الإمامعليه‌السلام يوم عاشوراء - هم:

____________________

= سعد في طبقاته: أنّ عبد الله بن عقبة الغنوي هو قاتل أبي بكر، وجعفر، ابنَي الحسينعليه‌السلام ، كذلك روى الطبري، وابن الأثير، وأبو الفرج: أنّ قاتل أبي بكر هو هذا الغنوي لعنه الله.

وذهب ابن قتيبة في الإمامة والسياسة: ٢: ٦، والتميمي في المحن، ١٣٤، وابن عبد ربّه في العقد الفريد: ٥: ١٣٤ إلى أنّ محمّد بن الحسين (الذي ذكره ابن شهرآشوب في القتلى) كان في قافلة الأسرى.

(١) قال المحقّق القرشي: (واندفعت الفتية الطيّبة من آل عقيل إلى الجهاد، وهي مستهينة بالموت، قد نظر الإمامعليه‌السلام إلى بسالتهم واندفاعهم إلى نصرته فكان يقول:(اللّهمّ اقتُل قاتل آل عقيل... صبراً آل عقيل إنّ موعدكم الجنّة) ، وكان عليّ بن الحسين زين العابدينعليهما‌السلام يميل أشدّ الميل لآل عقيل ويُقدّمهم على غيرهم من آل جعفر، فقيل له في ذلك، فقال:(إنّي لأذكُر يومهم مع أبي عبد الله فأرقّ لهم) .

وقد استشهدَ منهم تسعة في المعركة دفاعاً عن ريحانة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وفيهم يقول الشاعر:

عينُ جودي بعَبرة وعويلِ

واندبي إنْ ندبتِ آل الرسول

سبعة كلّهم لصُلبِ عليٍّ

قد أُصيبوا وتسعة لعقيلِ

(حياة الإمام الحسين بن عليعليهما‌السلام : ٣: ٢٤٩)، وانظر: المعارف لابن قتيبة: ٢٠٤، ونَفَس المهموم: ٣٢١، وجمهرة أنساب العرب: ٦٩.

ونلفت الانتباه هنا: إلى أنّ المحقّق السماوي (ره) لم يُترجم لآل عقيل في أنصار الحسينعليه‌السلام إلاّ: لمسلم بن عقيل، ومحمد بن مسلم، وعبد الله بن مسلم، ومحمد بن أبي سعيد بن عقيل، وعبد الرحمان بن عقيل، وجعفر بن عقيل. (راجع: إبصار العين).


عبد الله(١) بن مسلم بن عقيلعليهم‌السلام

يرى ابن أعثم الكوفي، وكذلك الخوارزمي: أنّ أوّل مَن خرجَ من الطالبيينعليهم‌السلام إلى قتال الأعداء هو عبد الله بن مسلمعليهما‌السلام ، وكان يقول:

اليومَ ألقى مُسلماً وهو أبي

وفتية بادوا على دين النبي

ليسوا كقومٍ عُرفوا بالكذب

لكنْ خيارٌ وكرامُ النسبِ

من هاشم السادات أهل الحَسبِ

ثمّ حملَ فقاتلَ حتى قتل منهم جماعة وقُتل(٢) .

وقال ابن شهرآشوب: (فقاتلَ حتى قتلَ ثمانية وتسعين رجلاً بثلاث حمْلات، ثمّ قتلهُ عمرو بن صبيح الصيداوي(٣) ، وأسد بن مالك)(٤) .

____________________

(١) وأمّه رقيّة بنت الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وأمّها الصهباء أمُّ حبيب بنت عبّاد بن ربيعة بن يحيى العبد بن علقمة التغلبيّة، قيل: بيعت لأمير المؤمنين من سبي اليمامة، وقيل: من سبي عين التمر، فأولَدها عليّعليه‌السلام عمر الأطرف، ورقيّة (إبصار العين: ٨٩ - ٩٠، ومقاتل الطالبيين: ٩٨، وتذكرة الخواص: ٢٢٩).

(٢) راجع: الفتوح: ٥: ٢٠٢ - ٢٠٣، ومقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢: ٣٠.

(٣) عمرو هذا ممّن انتُدبوا لوَطأ جَسد الإمامعليه‌السلام بالخيل، وفي وقعة المختار طلبَ عمرو بن صبيح فأتوه وهو على سطحه بعدَما هدأت العيون، وسيفه تحت رأسه، فأخذوه وسيفه، فقال: قبّحك الله من سيف، ما أبعدك على قُربك، فجيء به إلى المختار، فلمّا كان من الغداة طعنوه بالرماح حتى مات (راجع: اللهوف ١٨٢، ذوب النظار: ١٢٢).

(٤) المناقب ٤: ١٠٥، تسلية المجالس ٢: ٣٠٢، الدر النظيم ٥٥٥، وترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام ومقتله من القسم غير المطبوع، من كتاب الطبقات الكبير لابن سعد تحقيق السيد عبد العزيز الطباطبائي، ص٧٦، وقال الشيخ الصدوق (ره) في الأمالي: (وبرزَ من بعده - أي من بعد نافع بن هلال - عبد الله بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب، وأنشأ يقول: =


وقال البلاذري: (ورمى عمرو بن صبيح الصيداوي عبد الله بن مسلم بن عقيل، واعتوره الناس فقتلوهُ، ويقال: إنّ رقاد الجنبي كان يقول: رميت فتى من آل الحسين ويده على جبهته فأثبتُها فيها، وجعلتُ أُنضنض(١) سهمي حتى نزعتهُ من جبهته وبقي النصل فيها)(٢) .

وقال المحقّق السماوي (ره): (وكانت قَتلتُه بعد عليّ بن الحسين فيما ذكره أبو مخنف والمدايني وأبو الفرج دون غيرهم)(٣) .

وقال الطبري: (ثمّ إنّ عمرو بن صُبيح الصّدائي رَمى عبد الله بن مسلم بن عقيل بسهمٍ فوضعَ كفّه على جبهته، فأخذَ لا يستطيع أن يحرّك كفّيه، ثمّ انتهى له بسهم آخر ففلقَ قلبه، فاعَتَورهم الناس من كلّ جانب)(٤) .

محمد بن مسلم بن عقيل بن أبي طالبعليه‌السلام

وبرزَ إلى ميدان الحرب محمد بن مسلم بن عقيل وأُمّه أم ولد، فشدّ عليه أبو مرهم الأزدي ولقيط بن إياس الجهني(٥) .

____________________

=

أقسمتُ لا أُقتلُ إلاّ حرّا

وقد وجدتُ الموت شيئاً مُرّا

أكره أن أُدعى جباناً فرّا

إنّ الجبان مَن عصى وفرّا

فقتلَ منهم ثلاثة ثمّ قُتل). (أمالي الصدوق: ١٣٧ - ١٣٨ المجلس ٣٠، حديث رقم ١).

(١) واستنضضتُ منه شيئاً ونضنضته: حرّكته وأقلقته (لسان اللسان: ٢: ٦٢).

(٢) أنساب الأشراف: ٣: ٤٠٦.

(٣) إبصار العين: ٩٠.

(٤) تاريخ الطبري ٣: ٣٣١، الكامل ٣: ٢٩٣، الإرشاد ٢: ١٠٧، تسمية مَن قُتل مع الحسينعليه‌السلام : ١٥١، وفيه: قتلهُ عمرو بن صبيح الصيداوي، ويقال: قتله أسد بن مالك الحضرمي.

(٥) مقاتل الطالبيين: ٩٧، مناقب آل أبي طالب: ٤: ١٠٩، تذكرة الخواص: ٢٢٩، وفيه: قتله لقيط بن =


قال المحقّق السماوي (ره): (حملَ بنو أبي طالب بعد قتل عبد الله حملة واحدة، فصاحَ بهم الحسينعليه‌السلام :(صبراً على الموت يا بني عمومتي)، فوقعَ فيهم محمّد بن مسلم، قتلهُ أبو مرهم الأزدي ولقيط بن إياس الجهني) (١) .

جعفر بن عقيل بن أبي طالبعليه‌السلام

وبرزَ إلى ميدان الحرب جعفر(٢) بن عقيل بن أبي طالب وهو يرتجز ويقول:

أنا الغلام الأبطحي الطالبي

من معشر في هاشم وغالب

ونحن حقّاً سادة الذوائب

هـذا حسين سيد الأطائب

قال أبو الفرج: قتلهُ عروة بن عبد الله الخثعمي فيما رويناه عن أبي جعفر محمد بن علي بن حسين، وعن حميد بن مسلم(٣) .

وقال السروي: (فقتلَ رجلين، وفي قول خمسة عشر فارساً)(٤) ، وقال المحقّق السماوي (ره): (فقتلَ خمسة عشر رجلاً، ثمّ قتلهُ بشر بن

____________________

= ياسر الجهني، الأخبار الطوال ٢٥٧، وفيه: لقيط بن ناشر الجهني، وفيه أيضاً: محمد بن عقيل.

(١) إبصار العين: ٩٠ - ٩١.

(٢) وأُمّه أمّ الثغر بنت عامر بنت الهضاب العامري من بني كلاب، ويقال: أُمّه الخوصاء بنت الثغر، واسمه عمرو بن عامر... (راجع: مقاتل الطالبيين: ٩٧، وفي تسمية مَن قُتل مع الحسينعليه‌السلام : ١٥١، أمّه أمّ البنين بنت النفرة بن عامر بن هصان الكلابي، وانظر: إبصار العين: ٩٢).

(٣) مقاتل الطالبيين ٩٧، تاريخ الطبري ٣: ٣٣١، وفيه قاتله عبد الله بن عزرة الخثعمي، تذكرة الخواص: ٢٢٩، وفي تسمية مَن قُتل: ١٥١: قتله عبد الله بن عمرو الخثعمي، وفي ذوب النظار ١٢٢: (وانهزمَ عبد الله بن عروة الخثعمي إلى مصعب فهدَمَ - المختار - داره).

(٤) المناقب ٤: ١٠٥، تسلية المجالس ٢: ٣٠٢ وفيه: (من عترة البرّ التقي العاقب)، وفي أنساب الأشراف ٣: ٤٠٦: (ورمى عبد الله بن عروة الخثعمي جعفر بن عقيل ففلقَ قلبه).

وعن ابن فندق في لباب الأنساب ١: ٣٩٧: (قُتل جعفر وهو ابن ثلاث وعشرين سنة).


حوط قاتل أخيه عبد الرحمن)(١) .

عبد الرحمن بن عقيلعليه‌السلام

وأمّه أُم ولد(٢) ، وانبرى إلى ساحة القتال وهو يرتجز ويقول:

أبي عقيل فاعرفوا مكاني

من هاشم وهاشم إخواني

كهولُ صدق سادة القرآن

هذا حسين شامخ البنيان(٣)

وقال الطبري: (وشدّ عثمان بن خالد بن أسير الجهني، وبشر بن سوط الهمداني ثمّ القابضي على عبد الرحمان بن عقيل بن أبي طالب فقتلاه)(٤) .

____________________

(١) إبصار العين: ٩٢.

(٢) راجع: مقاتل الطالبيين: ٩٦، وراجع: سير أعلام النبلاء: ٣: ٣٢٠، وعن ابن فندق في لباب الأنساب ١: ٣٩٧، تسمية من قتل ص١٥١.

(٣) الفتوح ٥: ٢٠٣، راجع الإرشاد ٢: ١٠٧، الطبقات الكبرى ٧٦، إبصار العين: ٩٢ وعن ابن فندق في لباب الأنساب ١: ٣٩٧: بأنّ عمره حينما قُتل كان ابن خمس وثلاثين سنة.

(٤) تاريخ الطبري ٣: ٣٣١، مقاتل الطالبين ٩٦، وفيه: قتله عثمان بن خالد بن أسيد الجهني وبشر بن حوط القابضي، فيما ذكر سليمان بن أبي راشد عن حميد بن مسلم.

وفي كتاب تسمية مَن قُتل مع الحسينعليه‌السلام : ١٥١: (قَتله عثمان بن خالد بن أسير الجهني وبشر بن حرب الهمداني، وفي الأخبار الطوال ٢٥٧: ثمّ قُتلَ عبد الرحمان بن عقيل بن أبي طالب رماه عبد الله بن عروة الخثعمي بسهم فقتله، وفي انساب الأشراف ٣: ٤٠٦: وشدّ بشر بن شوط العثماني وعثمان بن خالد الجهني على عبد الرحمان بن عقيل فقتلاه. راجع جمهرة أنساب العرب ٦٩، المناقب ٤: ١٠٥، وفي تسلية المجالس ٢: ٢٠٣: فقتل سبعة عشر فارساً.

وقال موسى بن عامر: فأوّل مَن بدأ - أي المختار - به الذين وطأوا الحسينعليه‌السلام بخيلهم، وأنامَهم على ظهورهم، وضربَ سكك الحديد في أيديهم وأرجلهم، وأجرى الخيل عليهم حتى قَطّعَتهم، وحرّقهم بالنار، ثمّ أخذَ رجلين اشتركا في دم عبد الرحمان بن عقيل بن أبي طالب وفي سلبه، كانا في الجبانة فضربَ أعناقهما ثمّ أحرَقَهما بالنار، ثمّ أحضرَ مالك بن بشير فقتلهُ في السوق. (راجع: ذوب النظار: ١١٨).


محمد بن أبي سعيد بن عقيل بن أبي طالبعليه‌السلام

محمد بن أبي سعيد أمّه أم ولد، وبرزَ إلى ساحة الحرب، وقتله لقيط بن ياسر الجهني، وفي كتاب تسمية مَن قُتل مع الحسينعليه‌السلام : قتلهُ ابن زهير الأزدي، ولقيط بن ياسر الجهني، اشتركا فيه(١) ، وعن ابن سعد: قتلهُ لقيط الجهني ورجل من آل أبي لهب لم يُسمّ لنا(٢) .

قال المحقّق السماوي (ره): (قال أهل السيَر نقلاً عن حميد بن مسلم الأزدي أنّه قال: لمّا صُرع الحسين خرجَ غلام مذعوراً يلتفت يميناً وشمالاً، فشدَّ عليه فارس فضربه، فسألتُ عن الغلام؟ فقيل: محمّد بن أبي سعيد، وعن الفارس؟ فقيل: لقيط بن أياس الجهني.

وقال هشام الكلبي: حدّث هاني بن ثبيت الحضرمي قال: كنت ممّن شهدَ قتل الحسينعليه‌السلام ، فو الله إنّي لواقف عاشر عشرة ليس منّا إلاّ رجل على فرَس، وقد جالت الخيل وتضعضعت، إذ خرجَ غلامٌ من آل الحسين وهو ممسك بعود من تلك الأبنية عليه إزار وقميص، وهو مذعور يتلفّت يميناً وشمالاً، فكأنّي أنظر إلى درّتين في أُذنيه يتذبذبان كلّما التفت، إذ أقبلَ رجل يركض حتّى إذا دنا منه مالَ عن فرسه، ثمّ اقتصد الغلام فقطعه بالسيف.

قال هشام الكلبي: هاني بن ثبيت الحضرمي هو صاحب - أي قاتل - الغلام، وكنّى عن نفسه استحياءً أو خوفاً)(٣) .

____________________

(١) تسمية مَن قُتل مع الحسينعليه‌السلام : ١٥١، وتاريخ العلماء ووفياتهم ١: ١٧٢.

(٢) ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام من طبقات ابن سعد: ٧٧، وتاج المواليد للمرحوم الطبرسي: ١٠٨، ومناقب آل أبي طالب: ٤: ١١٢.

(٣) إبصار العين: ٩١، وراجع تاريخ الطبري: ٣: ٣٣٢، ومقاتل الطالبيين: ١٨٨.


وأمّا الآخرون من آل عقيلعليهم‌السلام الذين ذَكرهم بعض المؤرّخين فهم:

عبد الله بن عقيل الأكبر:

وانبرى إلى ساحة القتال عبد الله بن عقيل(١) وقاتلَ قتال الأبطال وقُتل، وقتلهُ عثمان بن خالد بن أشيم الجهني ورجل من همدان(٢) ، وقال ابن فندق: قُتل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة(٢) .

وعن سبط ابن الجوزي: إنّ قاتل عبد الله بن عقيل: عمر بن صبيح(٤) ، ولم يذكره بعض المحققّين مثل السماوي (ره) في كتاب إبصار العين.

عبيد الله بن عقيل:

قد ذكرَ ابن قتيبة: أنَّ عبيد الله بن عقيل أحد أولاد مسلم بن عقيل، وقيل: أُمّه الحوصا بنت حفصة، قُتل مع الحسينعليه‌السلام (٥) .

محمد بن عقيل:

وهو صهر الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام (٦) ، وذكره السروي في عداد شهداء أولاد آل

____________________

(١) قال في المقاتل: ٩٧: وأُمّه أم ولد، راجع تسمية مَن قُتل مع الحسينعليه‌السلام : ١٥١.

(٢) مقاتل الطالبيين: ٩٧، راجع المعارف لابن قتيبة: ٢٠٤، البحار: ٤٥: ٣٣.

(٣) لباب الألباب ١: ٣٩٧، وفي الطبقات لابن سعد: ٧٦: قتله عمرو بن صبح الصدائي، ويقال: قتلهُ أسيد بن مالك الحضرمي، وفيه: وأمه أم ولد.

(٤) تذكرة الخواص: ٢٢٩.

(٥) المعارف: ٢٠٤، وممّا يؤيد أنّ عبيد الله من جملة أولاد عقيل قول ابن قتيبة: (وولدُ عقيل: مسلماً، وعبد الله، ومحمّداً، ورملة، وعبيد الله لأمّ ولد).

(٦) مستدركات علم رجال الحديث ٧: ٢٠٩، البحار ٤٥، البحار ٤٥: ٦٢.


عقيل(١) ،وقال الدينوري: ثُمَّ قُتل محمد بن عقيل، رماه هو لقيط بن نار الجهني بسهمٍ فقتله(٢) .

عون بن عقيل:

ذكره السروي والنمازي في عداد شهداء الطف(٣) .

علي بن عقيل:

ذكر الحائري والنمازي: أنّ من جملة شهداء آل عقيل علي بن عقيل(٤) .

موسى بن عقيل:

وذكر صاحب ذخيرة الدارين: أنّ موسى بن عقيل أحد شهداء الطف(٥) .

أحمد بن محمد بن عقيل:

قال المامقاني (ره): (أحمد بن محمّد بن عقيل بن أبي طالبعليهم‌السلام ، وأمّه أمّ ولد، برزَ يوم الطفّ وهو يرتجز ويقول:

اليوم أتلو حسبي وديني

بصارمٍ تَحمله يميني

____________________

(١) المناقب: ٤: ١١٢.

(٢) الأخبار الطوال: ٢٥٧، وفي نسب قريش: ٤٥: وكانت أمّ هاني بنت علي عند عبد الله الأكبر بن عقيل بن أبي طالب فولدت له محمّداً قُتل بالطف، وعن الذَهبي في السيَر ٣: ٣٠٣: بأنّ محمد بن عقيل لم يُقتل في كربلاء وهو خلاف المشهور.

(٣) المناقب ٤: ١١٢، مستدركات علم رجال الحديث ٦: ١٤٤.

(٤) ذخيرة الدارين ١٦٢، مستدركات علم رجال الحديث ٥: ٤١٥. وفي مقاتل الطالبين: ٩٨: (إنّ عليّ بن عقيل أمّهُ أم ولد قُتل يومئذ، وعن ابن فندق في لباب الأنساب ١: ٣٩٧: بأنَّ عمره كان ٣٨ سنة، في المعارف: ٢٠٤ قال ابن قتيبة: ووِلدُ عقيل: مسلماً، وعبد الله، ومحمد، ورملة، وعبيد الله لأم ولد.

(٥) ذخيرة الدارين: ١٦٢.


وقتلَ من القوم جمعاً كثيراً وجرحَ آخرين، ثمّ إنّهم تعطّفوا عليه من كلّ جانب فقتلوه في حومة الحرب، بعدما عقروا فرَسه رضوان الله عليه)(١) .

مقاتلُ آل جعفر بن أبي طالبعليهم‌السلام

مقتلُ عون بن عبد الله بن جعفرعليه‌السلام

وأُمّه العقيلة(٢) زينب بنت الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وقد برزَ يوم عاشوراء إلى حومة الحرب لنصرة سيد شباب أهل الجنّة وهو يرتجز ويقول:

____________________

(١) تنقيح المقال: ١: ١٠٣ رقم ٥٨٩، وعنه مستدركات علم رجال الحديث: ١: ٤٥٩، رقم ١٦٣٣.

(٢) وفي تسمية مَن قُتل مع الحسينعليه‌السلام : ١٥٠: (عون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وأمّه جمانة بنت المسيّب بن نجبة بن ربيعة بن رباح الفزاري، قتلهُ عبد الله بن قطنة الطائي النبهاني، ولكن يبدو أنّ الصحيح هو أنّ عون الأكبر أمّه العقيلة زينب كما تقدّم، وأمّا عون بن جمانة فهو عون الأصغر ولم يحضر واقعة كربلاء حسب الظاهر.

 وفي عمدة الطالب للسيد الداوودي: ٣٦: (وأمّا عون ومحمد الأصغر فقُتلا مع ابن عمّهما الحسين يوم الطف). (راجع أيضاً: مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢: ٣١)، وفي مقاتل الطالبيين: ٩٥: (عون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب الأكبر، أمّه زينب العقيلة).

وفي نَفَس المهموم: ٣١٧: (ينبغي أن يُعلم أنّه كان لعبد الله بن جعفر ابنان مسمّيان بهذا الاسم: عون الأكبر، وعون الأصغر، أحدهما أمّه زينب العقيلة سلام الله عليها، وثانيهما أمّه جماعة (جمانة) بنت المسيّب بن نجبة الفزاري).

واختلفت كلمات المؤرّخين في الذي قُتل مع الحسينعليه‌السلام ، والظاهر أنّ المقتول بالطف هو الأكبر ابن زينبعليهما‌السلام ، والأصغر قُتل يوم حرّة واقِم، قتلهُ أصحاب مسرف بن عقبة الملعون).

وذكرَ أبو الفرج أيضاً في المقاتل: ١٢٢: بأنّ عون بن عبد الله بن أبي طالب وهو عون الأصغر، وأمّه جمانة بنت المسيب بن نجبة بن ربيعة بن رياح بن عوف بن هلال بن ربيعة بن شمخ بن فزارة، وأمّها من بني مُرّة بن عوف الفزاري... وقُتل عون يوم الحرّة حرَّة واقِم..


إن تُنكروني فأنا ابن جعفر

شهيدُ صدق في الجنان أزهر

يطير فيها بجناحٍ أخضر

كفى بهذا شَرفاً في المحشر

فقتلَ ثلاثة فوارس وثمانية عشر راجلاً، قتلهُ عبد الله بن قطنة الطائي(١) .

مقتل محمد بن عبد الله بن جعفرعليه‌السلام

محمد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وأُمّه الخوصاء بنت حفصة بنت ثقيف بن ربيعة بن عائذ بن الحارث بن تيم الله بن ثعلبة بن بكر بن وائل(٢) ، برزَ إلى ميدان المعركة وهو يرتجز:

نشكو إلى الله من العدوان

فعال قوم في الردى عُميان

قـد بـدّلوا معالم القرآن

ومُـحكَم التنزيل والتبيان

وأظهروا الكفر مع الطغيان(٣)

فقاتلَ، وقتلهُ عامر بن نهشل التيمي(٤) .

وقد رثاهُ سليمان بن قتة:

وسَميّ النبيّ غودر فيهم

قد علوهُ بصارمٍ مصقول

فإذا ما بكيت عيني فجودي

بدموع تسيل كلّ مسيل(٥)

____________________

(١) مناقب آل أبي طالبعليهم‌السلام : ٤: ١٠٦، وانظر: أنساب الأشراف: ٣: ٤٠٦، والدر النظيم: ٥٥٥ وفيهما: قتله عبد الله بن قطبة الطائي، وفي تسلية المجالس: ٢: ٣٠٢: فقتلَ ثمانية عشر رجلاً.

(٢) راجع: تسمية مَن قُتل مع الحسينعليه‌السلام : ١٥١، أنساب الأشراف: ٣: ٤٠٦، وفي إبصار العين: ٧٧: (عائذ بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل).

(٣) الفتوح: ٥: ٢٠٤.

(٤) تسمية مَن قُتل مع الحسين: ١٥١، ومقاتل الطالبيين ٩٦، ومقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٣: ٣١، وذخيرة الدارين: ١٥٥، ورجال الشيخ الطوسي: ١٠٥، الرقم ١٠٣٧.

(٥) مقاتل الطالبيين: ٩٦.


وقال الحائري: ثمّ قاتلَ حتى قتلَ عشرة أنفس، ثمّ قتلهُ عامر بن نهشل التميمي(١) .

مقتلُ القاسم بن محمّد بن جعفر بن أبي طالبعليه‌السلام

قال المامقاني (ره): (.. وأمّه أمّ ولد، كان ملازماً لابن عمّه الحسينعليه‌السلام ولم يفارقه أبداً، وقد زوّجهعليه‌السلام بنت عمّه عبد الله بن جعفر التي خطبها معاوية لابنه يزيد - وله قصّة مذكورة في محلّها -، وأمّها زينب بنت أمير المؤمنينعليه‌السلام ، واسمها أمّ كلثوم الصغرى، وقد انتقلَ القاسم مع زوجته مع الحسينعليه‌السلام إلى كربلاء، وخرجَ بعد عون بن عبد الله بن جعفر، وقاتلَ فقتلَ منهم جمعاً كثيراً عدَّ بعضهم فارسهم بثمانين، وراجلهم اثني عشر، وأُثخن بالجراح، فتعطّفوا عليه من كلّ جانب، فقتلوه في حومة الحرب رضوان الله عليه)(٢) .

مقتلُ عبيد الله بن عبد الله بن جعفرعليه‌السلام

قال أبو الفرج الأصبهاني: (وأمّه الخوصاء بنت حفصة، ذكر يحيى بن الحسن العلوي فيما حدّثني به أحمد بن سعيد عنه: أنّه قُتل مع الحسين بالطفّ، رضوان الله عليه وصلواته على الحسين وآله)(٣) .

مقتل عبد الله بن عبد الله بن جعفرعليهما‌السلام

ذكره السروي ابن شهرآشوب فيمن قُتل من أهل بيت الحسينعليهما‌السلام (٤) ، ولعلّه

____________________

(١) تسلية المجالس: ٢: ٢٠٣.

(٢) تنقيح المقال: ٢: ٢٤ رقم ٩٦١٠، وعنه مستدركات علم رجال الحديث ٦: ٢٥٥ رقم ١١٧٨٦.

(٣) مقاتل الطالبيين: ٩٦، ولعلّ هذا ممّا تفرّد به أبو الفرج، وعلى هذا يكون عبيد الله هذا شقيقاً لمحمّد أباً وأمّاً.

(٤) مناقب آل أبي طالبعليهم‌السلام ٤: ١١١، وعنه مستدركات علم رجال الحديث ٥: ٥٠ رقم ٨٤٦٣، =


هو عبيد الله الذي ذكره أبو الفرج الأصبهاني على احتمال قويّ؛ لكثرة ما يقع في التصحيف من سهو النُسّاخ بين عبيد الله وعبد الله، والله العالم.

أبناءُ الإمام الحسن بن عليعليهم‌السلام

لقد لازمَ أبناء الإمام الحسنعليه‌السلام عمّهم الحسينعليه‌السلام في نهضته منذ البدء حتى يوم العاشر من المحرّم في كربلاء، ومثّلوا أباهم خيرَ تمثيل يوم عاشوراء، حتّى كأنّ الإمام الحسن المجتبىعليه‌السلام قد حضرَ كربلاء بكلّ ما عنده؛ ليفدي أخاه الإمام الحسينعليه‌السلام .

مقتلُ القاسم (١) بن الحسنعليهما‌السلام

كان مولانا القاسمعليه‌السلام يقول:(لا يُقتل عمّي وأنا أحمل السيف) (٢) ، ولمّا رأى وحدة عمّه استأذنهُ في القتال فلم يأذن له لصغره، فما زال به حتّى أذِن له(٣) ، روى

____________________

= وانظر: ذخيرة الدارين: ١٦٣.

(١) أمّه أمّ أبي بكر، يقال: إنّ اسمها رملة. (راجع إبصار العين ٧٢)، وفي تسمية مَن قُتل مع الحسينعليه‌السلام : ١٥٠: (وأُمّه أُمّ ولد).

(٢) حياة الإمام الحسين بن عليعليهما‌السلام : ٣: ٢٥٤ نقلاً عن البستان الجامع لجميع تواريخ أهل الزمان لعماد الدين الأصفهاني: ٢٥.

(٣) قال الخوارزمي في المقتل: ٢: ٣١: (.. القاسم بن الحسن: وهو غلام صغير لم يبلغ الحُلم، فلمّا نظرَ إليه الحسين اعتنقهُ، وجعلا يبكيان حتّى غُشي عليهما، ثمّ استأذن الغلام للحرب فأبى عمّه الحسين أن يأذن له، فلم يزل الغلام يُقبّل يديه ورجليه ويسأله الإذن حتى أذِن له، فخرجَ ودموعه على خدّيه وهو يقول:

إنّ تُنكروني فأنا فرعُ الحسن

سبط النبيّ المصطفى والمؤتمن

هذا حسينٌ كالأسيرُ المرتهن

بين أُناس لا سُقوا صوبَ المزن

=


الشيخ المفيد (ره) قائلاً: (قال حميد بن مسلم: فإنّا لكذلك إذْ خرج علينا غلام كأنّ وجهه شِقَّةُ قمر في يده سيف، وعليه قميص وإزار، ونعلان قد انقطع شسعُ إحداهما، فقال لي عمر بن سعيد بن نفيل الأزدي: والله، لأشدنّ عليه، فقلت: سبحان الله، وما تريد بذلك؟! دَعه يكفيكه هؤلاء القوم الذين ما يُبقون على أحد منهم، فقال: والله، لأشدّنَّ عليه.

فشدَّ عليه فما ولّى حتى ضربَ رأسه بالسيف ففلقهُ، ووقعَ الغلام لوجهه فقال: يا عمّاه! فجلّى الحسينعليه‌السلام كما يُجلّي الصّقر، ثمّ شدَّ شِدّة ليث أُغضب، فضربَ عمر بن سعيد بن نفيل بالسيف فاتّقاها بالساعد، فأطنّها من لدُنِ المرفق، فصاحَ صيحة سمعها أهل العسكر، ثمّ تنحّى عنه الحسينعليه‌السلام ، وحَملت خيل الكوفة لتستنقذه فتوطّأته بأرجلها حتى مات.

وانجلت الغبرةُ فرأيت الحسينعليه‌السلام قائماً على رأس الغلام وهو يفحص برِجله، والحسينعليه‌السلام يقول:(بُعداً لقومٍ قتلوك، ومن خصمُهم يوم القيامة فيك جدّك، ثمّ قال:عزّ - والله - على عمّك أن تدعوه فلا يُجيبك، أو يجيبك فلا ينفعك، صوت - والله - كثُرَ واتره وقلّ ناصره) .

ثمّ حملهُ على صدره، فكأنّي أنظر إلى رجْلَي الغلام تخطّان الأرض، فجاء به حتى ألقاه مع ابنه علي بن الحسينعليه‌السلام والقتلى من أهل بيته، فسألتُ عنه فقيل لي: القاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالبعليهم‌السلام )(١) .

____________________

= وحَملَ، وكأنّ وجهه فلقة قمر، وقاتلَ فقتل - على صغر سنّه - خمسة وثلاثين رجلاً...).

وقيل: إنّ عمره الشريف حينما قُتل كان ستّ عشرة سنة (راجع: لباب الأنساب لابن فندق: ١: ٣٩٧، وانظر: البحار: ٤٥: ٣٤ - ٣٥، وروضة الواعظين: ١٨٨).

(١) الإرشاد: ٢: ١٠٨، الدر النظيم: ٥٥٦، تذكرة الخواص: ٢٣٠، تاريخ الطبري: ٣: ٣٣١، مآثر الأناقة: ١: ١٠٧.


وفي المقتل للخوارزمي:

(عَزّ والله على عمّك أن تدعوه فلا يجيبك، أو يجيبك فلا يعينك، أو يُعينك فلا يغني عنك، بُعداً لقومٍ قتلوك، الويل لقاتلك .

ثمّ احتمله فكأنّي أنظر إلى رجْلَي الغلام تخطّان الأرض، وقد وضعَ صدرهُ إلى صدره، فقلتُ في نفسي: ماذا يصنع به؟ فجاء به حتّى ألقاه مع القتلى من أهل بيته، ثمّ رفع صراخه إلى السماء وقال:

اللّهمّ أحصِهم عَدداً، ولا تغادر منهم أحداً، ولا تغفر لهم أبداً، صبراً يا بني عمومتي، صبراً يا أهل بيتي لا رأيتم هواناً بعد هذا اليوم أبداً) (١) .

وفي المناقب لابن شهرآشوب: (برزَ أخوه القاسم - يعني أخا عبد الله بن الحسن - وعليه ثوب وإزار، ونعلان فقط، وكأنّه فلقة قمر وأنشأ يقول:

إنّي أنا القاسم من نسل علي

نحن وبيت الله أَولى بالنبي

من شمر ذي الجوشن أو ابن الدعي

فقتلهُ عمر بن سعيد الأزدي فخرّ وصاح: يا عمّاه، فحملَ عليه الحسين فقطعَ يده، وسلبه أهل الشام من يد الحسين)(٢) .

وقال البلاذري: (وقتلَ عمرو بن سعيد بن نفيل الأزدي القاسم بن الحسن فصاح: يا عمّاه، فوثبَ الحسين وثبة ليث فضربَ عمراً فأطنّ يده، وجاء أصحابه ليستنقذوه فسقطَ بين حوافر الخيل فتوطّأته حتى مات)(٣) .

____________________

(١) مقتل الخوارزمي: ٢: ٣٢.

(٢) المناقب: ٤٤: ١٠٦.

(٣) أنساب الأشراف: ٣: ٤٠٦، وفي أمالي الشيخ الصدوق: ١٣٨، المجلس ٣٠، حديث رقم ١: (وبرزَ من بعده - أي من بعد عليّ بن الحسينعليه‌السلام - القاسم بن الحسن بن عليّعليه‌السلام وهو يقول:

=


مقتلُ عبد الله(١) بن الحسنعليه‌السلام

كان عبد الله غلاماً له من العمر إحدى عشرة سنة(٢) ، ولمّا رأى وحدة عمّهعليه‌السلام بين أعدائه الذين قد أحاطوا به بعد مقتل أنصاره، وكان نزفُ رأسه قد اشتدّ به من ضربة مالك بن النسر الكندي(٣) لعنه الله، خرجَ إليه عبد الله بن الحسن - وهو غلام لم يراهق - من عند النساء حتى وقف إلى جنب الحسين، فلَحقتهُ زينب بنت عليّعليهما‌السلام لتحبسهُ، فقال لها الحسينعليه‌السلام :(احبسيه يا أختي) فأبى وامتنعَ عليها امتناعاً شديداً وقال: والله، لا أُفارق عمِّي، وأوى أبجر بن كعب(٤) إلى الحسينعليه‌السلام بالسيف، فقال له الغلام: ويلك يا بن الخبيثة أتقتل عمّي؟! فضربهُ أبجر بالسيف فاتّقاها الغلام بيده، فأطنّها إلى الجلدة فإذا يده معلّقة، ونادى الغلام: يا أُمّتاه! فأخذهُ الحسينعليه‌السلام فضمّه إليه وقال:

(يا بن أخي، اصبر على ما نزلَ بك، واحتسِب في ذلك الخير، فإنَّ الله يُلحقك بآبائك الصالحين .

____________________

=

لا تجزعي نفسي فكلُّ فانِ

اليومَ تلقين ذُرى الجنان

فقتلَ منهم ثلاثة، ثُمَّ رُمي عن فرسه رضوان الله عليه وصلواته).

(١) وأمّه بنت الشليل بن عبد الله البجلي، والشليل أخو جرير بن عبد الله، كانت لهما صحبة. (راجع: إبصار العين: ٧٣).

(٢) راجع: حياة الإمام الحسين بن عليعليهما‌السلام : ٣: ٢٥٧.

(٣) هو الذي خاطبه الإمامعليه‌السلام قائلاً:(لا أكلتَ بها ولا شربت، وحشركَ الله مع الظالمين) . (راجع: تاريخ الطبري: ٣: ٣٣١).

(٤) في تاريخ الطبري ٣: ٣٣٣: بحر بن كعب بن عبيد الله من بني تيم الله بن ثعلبة بن عكابة، وفيه أيضاً عن محمد بن عبد الرحمان أنّ يَدَي بحر بن كعب كانتا في الشتاء تنضحان الماء، وفي الصيف تيبسان كأنّهما عود.


ثمّ رفع الحسينعليه‌السلام يده وقال:

اللّهمّ إنْ متّعتهم إلى حين ففرّقهم فِرقاً، واجعلهم طرائق قِدداً، ولا تُرضِ الولاة عنهم أبداً؛ فإنّهم دَعَونا ليُنصرونا، ثمّ عَدَوا علنيا فَقَتلونا) (١) .

لكنّ الخوارزمي قال: (ثمّ خرجَ عبد الله بن الحسن الذي ذكرناه أوّلاً - في رواية - والأصحّ أنّه برزَ بعد القاسم في الرواية الثانية، وهو يقول:

إنْ تُـنكروني فـأنا ابـنُ حيدره

ضـرغام آجـام ولـيث قَسوره

على الأعادي مثل ريح صرصره

أكـيلكم بـالسيف كَـيل السندره

وقاتل حتّى قُتل)(٢) .

وفي المناقب لابن شهرآشوب: (ثمّ برزَ عبد الله بن الحسن بن عليعليه‌السلام وهو يقول:

إن تنكروني فأنا فرع الحسن

سبط النبيّ المصطفى والمؤتمن

هذا الحسين كالأسير المرتهن

بين أُناس لا سُقوا صوب المزن

فقتلَ أربعة عشر رجلاً، قتلهُ هاني بن شبيب الحضرمي فاسوَدّ وجهه)(٣) ، وفي مقاتل الطالبيين: أنّ حرملة بن كاهل الأسدي قتلهُ(٤) .

____________________

(١) الإرشاد: ٢: ١١٠ - ١١١، مقاتل الطالبيين: ٩٣، إعلام الورى: ١: ٤٦٧، المجدي ١٩، اللهوف: ١٧٢، وفي تاريخ الطبري: ٣: ٣٣٣ بعد(بآبائك الصالحين) :(برسول الله، وعلي بن أبي طالب، وحمزة، وجعفر، والحسن بن علي صلّى الله عليهم أجمعين) .

(٢) مناقب آل أبي طالبعليهم‌السلام ٤: ١٠٦.

(٣) مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢: ٣٢.

(٤) مقاتل الطالبيين: ٩٣، المحن ١٣٣ وفيه: (وكان عبد الله بن الحسن أجمل خلق الله)، وتسلية المجالس، ٢: ٣٠٥، وفيه قتله: هاني بن ثبيت الحضرمي.


وقال السيد ابن طاووس: فرماهُ حرملة بن الكاهل (لعنه الله) بسهمٍ فذبحه وهو في حِجر عمّه الحسينعليه‌السلام (١) .

مقتلُ أحمد بن الحسنعليهما‌السلام

قال المامقاني: (أحمد بن الحسن بن أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وأمّه أمّ بِشر بنت أبي مسعود الأنصاري، خرجَ مع عمّه الحسينعليه‌السلام هو وأمّه وأخوه القاسم وأختاه أمّ الحسن وأمّ الخير إلى مكّة، ثمّ إلى كربلاء، وله من العمر ستّ عشرة سنة، وحملَ على القوم عند اشتداد القتال بعد صلاة الظهر وهو يرتجز، وقتلَ من القوم - على ما قيل - ثمانين فارساً، وأُثخن بالجراح، فتعطّفوا عليه

____________________

(١) اللهوف: ١٧٣. وفي ذوب النضار: ١٢٠ - ١٢٢: (حدّث المنهال بن عمرو قال: دخلتُ على زين العابدينعليه‌السلام أودّعه وأنا أريد الانصراف من مكّة، فقال:(يا منهال، ما فعلَ حرملة بن كاهل؟ وكان معي بشر بن غالب الأسدي، فقلت: هو حيّ بالكوفة، فرفع يديه وقال:اللّهمّ أذِقه حرّ الحديد، اللهمّ أذِقه حرّ الحديد، اللهمّ أذِقه حرّ النار).

قال المنهال: وقدِمتُ إلى الكوفة والمختار بها فركبتُ إليه، فلقيتهُ خارجاً من داره، فقال: يا منهال، ألم تشركنا في ولايتنا هذه؟ فعرّفته أنّي كنت بمكّة، فمشى حتّى أتى الكُناس، ووقف كأنّه ينتظر شيء، فلم يلبث أن جاء قوم فقالوا: أبشِر أيّها الأمير فقد أُخذ حرملة.

فجيء به، فقال: لعنك الله، الحمد لله الذي أمكنني منك، الجزّار الجزّار!

فأُتي بجزّار، فأمرهُ بقطع يديه ورجليه، ثمّ قال: النار النارَ! فأُتي بنار وقصب، فأُحرق، فقلت: سبحان الله! سبحان الله!

فقال: إنّ التسبيح لحَسن، لِمَ سبّحتَ؟

فأخبرتهُ بدعاء زين العابدينعليه‌السلام ، فنزلَ عن دابّته، وصلّى ركعتين وأطال السجود، ثمّ ركبَ وسار، فحاذى داري فعزمتُ عليه بالنزول والتحرّم بطعامي، فقال: إنّ عليّ بن الحسينعليهما‌السلام دعا بدعوات فأجابها الله على يدي، ثمّ تدعوني إلى الطعام؟! هذا يوم صومٍ شكراً لله تعالى، فقلت: أدام الله توفيقك).


جماعة كثيرة فقتلوهُ في حومة الحرب)(١) .

مقتلُ أبي بكر بن الحسنعليه‌السلام

قال البلاذري: (ورمى عبد الله بن عقبة الغنوي أبا بكر بن الحسن بن علي بسهم فقتله، ففي ذلك يقول ابن أبي عقبة:

وعند غَني قطرة من دمائنا

وفي أسد أخرى تُعدُّ وتُذكر(٢)

وفي مقاتل الطالبيين: وفي حديث عمرو بن شمر، عن جابر عن أبي جعفر، أنّ عَقبة الغنوي قتله(٣) .

وصرّح الطبرسي: بأنّ عبد الله الغنوي هو قاتل أبي بكر بن الحسن(٤) .

مصرعُ الحسن بن الحسنعليهما‌السلام

قال السيّد ابن طاووس (ره): (وروى مصنف كتاب المصابيح: أنّ الحسن بن

____________________

(١) تنقيح المقال: ١: ١٠٣ رقم ٥٨٨، ذخيرة الدارين: ١٦٥، ضياء العينين: ٣٠٣، ولم أعثر في كتب الأنساب على رجل اسمه أحمد في أولاد الإمام المجتبىعليه‌السلام .

(٢) أنساب الأشراف، ٣: ٤٠٦، وفي مقاتل الطالبيين نسب هذه الأبيات إلى سليمان بن قتّة (راجع تاريخ الطبري، ٣: ٣٣٣، مآثر الإنافة ١: ١٠٧، تسمية مَن قُتل مع الحسينعليه‌السلام : ١٥٠، الأخبار الطوال: ٢٥٧، تاريخ العلماء ووفياتهم ١: ١٧٢)، وعن ابن فندق في لباب الأنساب ١: ٣٩٧: بأنّ عمره حينما قُتل كان خمساً وثلاثين سنة).

(٣) مقاتل الطالبيين: ٩٢، وفيه: أنّ أبا بكر بن الحسين أمّه أمّ ولد، وفي تذكرة الخواص: ٢٢٩: وقتلوا أبا بكر بن الحسين بن علي وأمه أمّ ولد، قتله عبد الله بن عقبة الغنوي.

والظاهر أنّ الحسين تصحيف الحسن، خصوصاً في مقاتل الطالبيين؛ وذلك لأنّه ذكرهُ في جملة أولاد الحسنعليه‌السلام وقال فيما بعده: والقاسم بن الحسن.. وهو أخو أبي بكر بن الحسن المقتول قبله لأبيه وأمّه.

(٤) إعلام الورى: ١: ٤٦٦.


الحسن المثنّى قُتل بين يدي عمّه الحسينعليه‌السلام في ذلك اليوم سبعة عشر نفساً، وأصابته ثماني عشرة جراحة، فوقعَ فأخذهُ خاله أسماء بن خارجة فحمله إلى الكوفة وداواه حتى برِئ وحملهُ إلى المدينة(١) .

وأصابت الحسن المثنّى ابن الإمام الحسنعليه‌السلام ثماني عشرة جراحة، وقُطعت يده اليمنى ولم يستشهد(٢) .

مقتلُ عمر بن الحسنعليه‌السلام

قيل: إنّه من شهداء الطف(٣) ، ولكنّ ابن الجوزي قال: (واستصغروا أيضاً عُمر ابن الحسن بن عليعليهما‌السلام ، فلم يقتلوه وتركوه)(٤) .

مقاتلُ إخوان الإمام الحسينعليه‌السلام

هناك اختلاف بين المؤرّخين حول عدد أولاد الإمام علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، الذين قُتلوا مع ريحانة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في واقعة الطف، فعن المفيد والطبري أنّهم كانوا خمسة، وعن آخرين أنّهم كانوا تسعة أشخاص، ونحن نذكر هنا المشهورين منهم أوّلاً:

مقتل عبد الله بن عليعليه‌السلام

قال الشيخ المفيد: (فلمّا رأى العبّاس بن علي رحمة الله عليه كثرة القتلى في

____________________

(١) اللهوف: ١٩١.

(٢) مقتل المرحوم المقرّم ٢٦٣، وفي سير أعلام النبلاء، ٣: ٢٠٣ ذكر الذهبي: بأنّ الحسن بن الحسن لم يُقتل وله ذرية.

(٣) ذكره الخوارزمي في المقتل: ٢: ٥٣ في جملة المقتولين وقال: وكان صغيراً.

(٤) تذكرة الخواص: ٢٢٩، وانظر: سير أعلام النبلاء: ٣: ٣٠٣.


أهله، قال لإخوته من أُمّه - وهم: عبد الله، وجعفر، وعثمان(١) -:يا بَني أُمّي، تقدّموا حتى أراكم قد نصحتم لله ولرسوله، فإنّه لا ولدَ لكم (٢) ، فتقدّم عبد الله فقاتل قتالاً شديد، فاختلفَ هو وهاني بن ثبيت الحضرمي(٣) ضربتين فقتله هاني لعنه الله)(٤) .

قال ابن شهرآشوب: (ثمّ برزَ أخوه عبد الله - أي من بعد أخيه جعفر - قائلاً:

أنا ابن ذي النجدة والإفضال

ذاك عليُّ الخير ذو الفعال

سيف رسول الله ذو النكال

في كل يوم ظاهر الأهوال

قتله هاني بن شبيب الحضرمي)(٥) .

____________________

(١) وأمّهم أمّ البنين بنت حزام بن خالد بن ربيعة بن الوحيد، وهو عامر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة (مقاتل الطالبيين ٨٧)، قال السماوي في إبصار العين: ٦٧: (ولِد بعد أخيه - أي العباس - بنحو ثمان سنين، وأُمّه فاطمة أمّ البنين، وبقيَ مع أبيه ست سنين، ومع أخيه الحسن ست عشرة سنة، ومع أخيه الحسين خمساً وعشرين سنة، وذلك مدّة عمره)، وقال في المجدي: ١٥: (وعبد الله أبو محمد الأكبر قُتل وهو ابن خمس وعشرين سنة).

(٢) قال المحقّق السماوي (ره) في إبصار العين: ٦٦: (فإنّه لا ولدَ لكم: يعني بذلك أنّكم إن تقدّمتموني وقتلوكم لم يبقَ لكم ذرّية فينقطع نسب أمير المؤمنينعليه‌السلام منكم، فيشتدّ حُزني ويعظم بذلك أجري)، أي أنّ العبّاسعليه‌السلام أراد أن يُرزأ بهم ويحتسبهم عند الله رغبة في تعاظم الأجر والمثوبة.

وفي الأخبار الطوال: ٢٥٧: (تقدّموا بنفسي أنتم فحاموا عن سيّدكم حتى تموتوا دونه)، ولعلّ كلمة (أرِثكم) الواردة في تاريخ الطبري ٣: ٣٣٢ هي تصحيف لكلمة (أراكم)، أو (أُرزأ بكم)، والله العالم.

(٣) يمرُّ بنا أيضاً أنّ هاني هذا قاتل جعفر بن علي بن أبي طالبعليهم‌السلام ، وقَتلَ عبد الله بن الحسنعليه‌السلام ، فاسودّ وجهه، وبالتالي تجرّأ على سيّد شباب أهل الجنّة بعد قتله، حيث كان ممّن انتدبوا ليطأوا جسده الشريف بالخيل.

(٤) الإرشاد: ٢: ١٠٩، مقاتل الطالبيين: ٨٨، مقتل الحسينعليه‌السلام للطبراني: ٣٨، مروج الذهب ٣: ٦١، نظم درر السمطين ٢١٨، كفاية الطالب ٢٩٨، الدر النظيم: ٥٥٧.

(٥) مناقب آل أبي طالب: ٤: ١٠٧، ولا يخفى هنا أنّ (شبيب) تصحيف (ثبيت)، ومقتل الحسينعليه‌السلام =


مقتلُ جعفر بن علي بن أبي طالبعليه‌السلام

قال الشيخ المفيد: (وتقدّم بعده - أي بعد عبد الله - جعفر(١) بن عليرحمه‌الله فقتله أيضاً هاني)(٢) .

وقال ابن شهرآشوب: (ثمّ برزَ أخوه جعفر - يعني أخا عثمان - منشئاً:

إنّـي أنـا جعفر ذو المعالي

ابـن عليّ الخير ذو النوال

ذاك الوصيّ ذو السنا والوالي

حـسبي بعمّي جعفرٍ والخالِ

أحمي حسيناً ذا الندى المفضال

____________________

= للخوارزمي: ٢: ٣٤، وتسلية المجالس، ٢: ٣٠٨، وفيه: قتله هاني بن ثبيت الحضرمي.

وفي تسمية مَن قُتل مع الحسينعليه‌السلام : ١٤٩: رماه خولي بن يزيد الأصبحي بسهم، وأجهزَ عليه رجل من بني تميم بن أبان بن دارم، راجع: الإصابة: ٢: ٦٠، الأخبار الطوال: ٢٥٧ وفيه: (هاني بن ثويب)، جمهرة أنساب العرب: ٣٩، وتذكرة الخواص: ٢٢٩، والإمامة والسياسة: ٢: ٦، ومروج الذهب: ٣: ٦، نظم در السمطين ٢١٨، وكفاية الطالب: ٢٩٨، تاريخ العلماء ووفياتهم: ١: ١٧٢، مقتل الحسينعليه‌السلام للطبراني: ٣٨، المجدي: ١٥، رجال الشيخ الطوسي: ١٠٢، الرقم ١٠٠١، إبصار العين: ٦٧، وفيه:

(لمّا قُتل أصحاب الحسينعليه‌السلام وجملة من أهل بيته، دعا العبّاس إخوته الأكبر فالأكبر، وقال لهم: تقدّموا، فأوّل مَن دعاه عبد الله أخوه لأبيه وأمّه، فقال: تقدّم يا أخي حتّى أراك قتيلاً وأحتسِبك فإنّه لا ولدَ لك، فتقدّم بين يديه وجعل يضرب بسيفه قُدماً ويجول فيهم... فشدَّ عليه هاني بن ثبيت الحضرمي فضربهُ على رأسه فقتلهُ).

(١) ولِد بعد أخيه عثمان بسنتين، وأمّه فاطمة أمّ البنين، وبقيَ مع أبيه نحو سنتين، ومع أخيه الحسنعليه‌السلام نحو اثنتي عشرة سنة، ومع أخيه الحسينعليه‌السلام نحو إحدى وعشرين سنة، وذلك مدى عمره. (راجع: إبصار العين: ٦٩، وتنقيح المقال ١: ٢١٩، وأعيان الشيعة ٤: ١٢٩).

(٢) الإرشاد ٢: ١٠٩، الدرّ النظيم: ٥٥٧.


رماه خولي الأصبحي فأصابَ شقيقته أو عينه)(١) .

وقال الطبري: (ثمّ شدَّ (أي هاني بن ثُبيت) على جعفر بن عليّ فقتله وجاء برأسه)(٢) .

وقال أبو الفرج: (قال نصر بن مزاحم: حدّثني عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر محمد بن علي: أنّ خولّي بن يزيد الأصبحي - لعنه الله - قتلَ جعفر بن علي)(٣) .

وقال أبو الفرج الأصبهاني أيضاً: قال يحيى بن الحسن، عن علي بن إبراهيم، بالإسناد الذي قدّمته في خبر عبد الله: قُتل جعفر بن علي بن أبي طالب، وهو ابن تسع عشرة سنة)(٤) .

مقتلُ عثمان بن عليعليه‌السلام

وقال الشيخ المفيد: (وتعمّد خوليُّ بن يزيد الأصبحي(٥)

____________________

(١) مناقب آل أبي طالب: ٤: ١٠٧، ويُفهم من عبارته: أنّه قُتل بعد أخيه عثمان، وهذا ما ذكره المحقّق السماوي أيضاً (راجع: إبصار العين: ٧٠)، وانظر: مقتل الخوارزمي ٢: ٣٤، وتاريخ خليفة ١٤٥، وشرح الأخبار ٣: ١٩٤، جمهرة النسب لابن الكلبي ١: ١٨، ومآثر الإنافة: ١١٨.

(٢) تاريخ الطبري: ٣: ٣٣٢.

(٣) مقاتل الطالبيين: ٨٨.

(٤) مقاتل الطالبيين: ٨٨.

(٥) خولي هذا وهو من أكابر مجرمي فاجعة عاشوراء الذين تعدّدت جرائمهم فيه، كان الله عزّ وجلّ قد أخزاه في أسوأ عاقبة، إذ لمّا ظفرَ المختار بعث أبا عمرة فأحاط بدار خولي بن يزيد الأصبحي، وهو حامل رأس الحسينعليه‌السلام إلى عبيد الله بن زياد، فخرجت امرأته إليهم وهي النوار ابنة مالك كما ذكر الطبري في تاريخه، وقيل: اسمها العيوف، وكانت مُحبة لأهل البيتعليهم‌السلام قالت: لا أدري أين هو؟ وأشارت بيدها إلى بيت الخلاء، فوجدوه وعلى رأسه قوصرة (وعاء للتمر) =


عثمان(١) بن عليرضي‌الله‌عنه وقد قام مقام إخوته، فرماه بسهم فصرعه، وشدّ عليه رجل من بني دارم فاحتزَّ رأسه)(٢) .

وقال السرويّ: (ثمّ برزَ أخوه عثمان - أي بعد أخيه عمر - وهو ينشد:

إنّـي أنـا عثمان ذو المفاخر

شيخي علي ذو الفعال الطاهر

هـذا حـسين سـيد الأخاير

وسـيد الـصغار والأكـابر

بعد النبي والوصيّ الناصر

رماه خولي بن يزيد على جنبه فسقط عن فرسه، وحزّ رأسه رجل من بني أبان بن حازم)(٣) .

وقال أبو الفرج: (قُتل عثمان بن علي، وهو ابن إحدى وعشرين سنة)(٤) .

مقتلُ أبي بكر بن عليّعليه‌السلام

قال ابن شهرآشوب: (ثمّ برزَ أبو بكر بن عليعليهما‌السلام قائلاً:

شيخي عليٌّ ذو الفخار الأطولِ

من هاشم الخير الكريم المفضل

____________________

= فأخذوه وقتلوه، ثمّ أمرَ بحرقه (راجع: ذوب النظار: ١١٨).

(١) ولِد بعد أخيه عبد الله بنحو سنتين، وأمّه فاطمة أمّ البنين، وبقيَ مع أبيه نحو أربع سنين، ومع أخيه الحسن نحو أربع عشرة سنة، ومع أخيه الحسينعليه‌السلام ثلاث وعشرين سنة وذلك مدّة عمره (راجع: إبصار العين: ٦٨)، ورويَ عن أمير المؤمنينعليه‌السلام أنّه قال:(إنّما سمّيته عثمان بعثمان بن مظعون أخي)، (راجع: مقاتل الطالبيين: ٨٩)، وفي المجدي: ١٥: (عثمان بن علي يكنّى أبا عمرو، قُتل وهو ابن إحدى وعشرين سنة).

(٢) الإرشاد: ٢: ١٠٩، مقاتل الطالبيين: ٨٩، شرح الأخبار ٣: ١٩٤، جمهرة النسب: ١: ١٨.

(٣) المناقب ٤: ١٠٧، البحار: ٤٥: ٣٧، مقاتل الطالبيين: ٨٩، نَفَس المهموم: ٣٢٧.

(٤) مقاتل الطالبيين: ٨٩.


هذا حسين ابن النبيّ المرسل

عنه نحامي بالحسام المصقل

تفديه نفسي من أخٍ مبجَّلِ

فلم يزل يقاتل حتّى قتله زجر بن بجر الجحفي(١) ، ويُقال: عقبة الغنوي)(٢) .

وقال أبو الفرج الأصبهاني: (وأبو بكر بن عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، لم يُعرف اسمه، وأمّه ليلى بنت مسعود بن خالد... بن تميم... ذكر أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين وفي الإسناد الذي تقدّم: أنّ رجلاً من همدان قتله، وذكر المدائني: أنه وُجد في ساقيه مقتولاً لا يُدرى مَن قتله)(٣) .

مقتلُ محمّد الأصغر بن عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام

قال الطبري: (ورَمى رجل من بني أبان بن دارم محمّد بن عليّ بن أبي طالب فقتله وجاء برأسه)(٤) ، وقال أبو الفرج الأصبهاني: (ومحمّد الأصغر بن عليّ بن أبي طالبعليهم‌السلام ، وأمّه أمّ ولد، حدّثني أحمد بن عيسى قال: حدّثنا الحسين بن نصر، عن أبيه، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر، وحدّثني أحمد بن شيبة، عن أحمد بن الحرث، عن المدائني: أنّ رجلاً من تميم من بني أبان بن دارم قتله -

____________________

(١) في إبصار العين: ٧١: (النخعي) بدل (الجحفي).

(٢) مناقب آل أبي طالب: ٤: ١٠٧.

(٣) مقاتل الطالبيين: ٩١، وانظر: تسمية مَن قُتل مع الحسين (عليه‌السلام ): ١٤٩، وتاريخ العلماء ووفياتهم: ١: ١٧٢، والسيرة النبوية وأخبار الخلفاء: ٥٦٠، والإمامة والسياسة: ٢: ٦، ونظم درر السمطين: ٢١٨، وجمهرة أنساب العرب: ٢٣٠، والمجدي: ١٢ وفيه: (أبو بكر اسمه عبد الله قُتل بالطف)، وراجع: شذرات الذهب: ١: ٦٦، وتاريخ الخميس: ٢: ٢٩٨، ومستدركات علم رجال الحديث: ٨: ٣٤٣ وفيه: (وتشرّف بالشهادة يوم الطف، وبالسلام في الزيارة الرجبية، واسمه محمّد أو عبيد الله المتشرّف بالسلام في زيارة الناحية).

(٤) تاريخ الطبري: ٣: ٣٣٢، وانظر: مناهل الضرب في أنساب العرب: ٨٦.


رضوان الله عليه - ولعن قاتله)(١) .

وقالابن شهرآشوب بعد أن ذكرَ اسمه في قتلى بني هاشم: (ويقال لم يُقتل محمّد الأصغر بن عليّ بن أبي طالب لمرضه)(٢) .

وقالالمحقّق السماوي (ره) في ترجمة أبي بكر بن علي بن أبي طالبعليه‌السلام : (اسمه محمّد الأصغر أو عبد الله)، لكنّه ذكرَ أنّ اسم أمّ أبي بكر (ليلى بنت مسعود الثقفية)(٣) .

كذلك ذهب الشيخ المفيد (ره)(٤) من قَبله إلى أنّ محمّداً الأصغر هو المكنّى بأبي بكر، وتابعهُ على ذلك الشيخ الطبرسي (ره) في تاج المواليد(٥) ، وأخذَ بذلك المرحوم الأربلي نقلاً عن المفيد(٦) .

من هنا فيحتمل قوياً أنّ محمّداً الأصغر هو أبو بكر بن علي، والمسألة لم تزل بحاجة إلى تحقيق أعمق وأدقّ، والله العالم.

مقتل عمر بن عليعليه‌السلام

وقال ابن شهرآشوب السروي: (ثمّ برز أخوه عمر - أي من بعد أبي بكر - وهو يرتجز:

خلّوا عداة الله خلّوا عن عمر

خلّوا عن الليث الهصور المكفهر

____________________

(١) مقاتل الطالبيين: ٦٠، وفي تاريخ خليفة: ١٤٥: (أمّه لبابة بنت عبيد الله بن العبّاس).

(٢) مناقب آل أبي طالبعليهم‌السلام : ٤: ١١٣.

(٣) راجع: إبصار العين: ٧٠.

(٤) الإرشاد: ١: ٣٥٤.

(٥) تاج المواليد (المطبوع ضمن المجموعة النفيسة رقم ٩٥): ص١٠٨.

(٦) كشف الغمّة: ٢: ٦٦.


يضربكم بسيفه ولا يفر

يا زجر يا زجر تدانَ من عمر

وقتلَ زجراً قاتل أخيه ثمّ دخلَ حومة الحرب)(١) .

وفي تسلية المجالس: (ثمّ برزَ عمر بن علي، وهو يقول:

أضربكم ولا أرى فيكم زجر

ذاك الشقيّ بالنبيّ قد كفر

يا زجر يا زجر تدان من عمر

لعلّك اليوم تبوء من سقر

شرّ مكانٍ في حريق وسُعُر

لأنّك الجاحد يا شرّ البشر

ثمّ حملَ على زجر قاتل أخيه فقتله، واستقبلَ القوم وجعل يضرب بسيفه ضرباً منكراً.. فلم يزل يقاتل حتى قُتل)(٢) .

هل قُتل عمر في واقعة الطفّ؟

قال الداودي: (وتخلّف عمر عن أخيه الحسينعليه‌السلام ولم يسِر معه إلى الكوفة، ولا يصح رواية مَن روى أنّ عمر حضرَ كربلاء، ومات عمر بينبع(٣) ، وهو ابن سبع وسبعين سنة، وقيل خمس وسبعين سنة)(٤) .

وقال ابن سعد في الطبقات: (عمر الأكبر... وأُمّه الصهباء بنت ربيعة... بن تغلب بن وائل، وكانت سبيّة أصابها خالد حيث أغار على بني تغلب بناحية عين التمر...)(٥) .

____________________

(١) مناقب آل أبي طالب: ٤: ١٠٧.

(٢) تسلية المجالس: ٢: ٣٠٦، وانظر: مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢: ٣٣.

(٣) قال الحموي في معجم البلدان ٥: ٢٨٤: (وهو صدر وادي العقيق بالمدينة).

(٤) عمدة الطالب: ٣٣٩، وانظر: السلسلة العلوية: ٩٦.

(٥) الطبقات الكبرى: ٥: ١١٧.


وقال خليفة بن خياط في حوادث سنة سبع وستين: (وفيها وقعة المذار وفيها قُتل عمر بن عليّ بن أبي طالب)(١) .

وفي مقابل هذه التصريحات بعدم قتله مع الحسينعليه‌السلام ، يوجد تصريح ابن شهرآشوب حيث أورده في عداد أولاد الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام المقتولين بكربلاء، ولم نعثر على نصوص مهمّة وقديمة تُصرّح بقتله في كربلاء، ولا يخفى على المتتبّع الخبير أنَّ المناقب لا يخلو من أخطاء تاريخية ورجالية.

يقول المرحوم الشيخ القمّي: (المشهور بين أهل التواريخ والسيَر أنّ عمر لم يشهد مع أخيه الحسينعليه‌السلام بالطف)(٢) .

ويرى النمازي أنّ لأمير المؤمنينعليه‌السلام ابنين باسم عمر، عمر الأصغر وأمّه الصهباء وهو من شهداء الطفّ، أمّا عمر الأكبر فعاش خمساً وثمانين سنة)(٣) .

وعمر الأصغر - الذي عناه النمازي - هو عمر الأطرف وهو ابن الصهباء وشقيق رقيّة وتوأمها، وقد تخلّف عن نصرة الحسينعليه‌السلام بعذر معروف، وعاش سبعاً وسبعين سنة(٤) .

مقتل إبراهيم بن علي بن أبي طالبعليه‌السلام

لقد اختلفت كلمات المؤرخين حول مقتل إبراهيم في وقعة الطّف، ولعلّ أقدم نص شكّك في ذلك أبو الفرج حيث قال: (وقد ذكر محمد بن علي بن حمزة أنّه قُتل يومئذ إبراهيم بن علي بن أبي طالب، وأمّه أمّ ولد، وما سمعتُ بهذا من غيره،

____________________

(١) تاريخ خليفة بن خياط ١٦٥.

(٢) نَفَس المهموم: ٣٢٨.

(٣) راجع: مستدركات علم رجال الحديث: ٦: ١٠١، رقم ١١٠٧٠.

(٤) راجع: ترجمته في الجزء الأوّل من هذه الدراسة: الإمام الحسينعليه‌السلام في المدينة المنوّرة: ٣٨٦.


ولا رأيتُ لإبراهيم في شيء من كتب الأنساب ذكراً)(١) .

وفي مقابل ذلك توجد تصريحات بأنّه قد قُتل أيضاً في كربلاء، فقد ذكرَ ابن عبد ربّه الأندلسي(٢) ، وابن شهرآشوب(٣) والمرحوم النمازي(٤) ، والخوارزمي(٥) : بأنّ إبراهيم هذا قُتل بين يدي ريحانة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وقال المرحوم المظفّر: يستفاد من مجموع الأقوال: أنّ الشهداء من وِلد أمير المؤمنينعليه‌السلام يوم كربلاء أحد عشر رجلاً، سيّدهم وسيّد الناس جميعاً الحسين بن عليعليه‌السلام ... وإبراهيم على قول مشهور(٦) .

مقتل عتيق بن علي بن أبي طالبعليه‌السلام

وذكر ابن قتيبة أنّ أمّه أمّ ولد(٧) ، وعدَّه الذهبي واليافعي والديار بكري في عداد شهداء كربلاء(٨) .

مقتل عون بن عليعليه‌السلام

ذكرَ كلٌّ من السيد جعفر الأعرجي (ره)، والذهبي: أنَّ عون بن علي من

____________________

(١) مقاتل الطالبيين ٩١، وعنه نَفَس المهموم: ٣٢٨.

(٢) العقد الفريد: ٥: ١٣٤.

(٣) مناقب آل أبي طالبعليهم‌السلام : ٤: ١١٢.

(٤) مستدركات علم رجال الحديث، ١: ١١٧.

(٥) مقتل الحسينعليه‌السلام ٢: ٥٣.

(٦) بطل العلقمي: ١٢٥، ونحن نشك في هذه الشهرة.

(٧) الإمامة والسياسة ٢: ٦.

(٨) مرآة الزمان ١: ١٣١، وتاريخ الإسلام، حوادث سنة ٦١: ص٢١، شذرات الذهب: ١: ٦٦، تاريخ الخميس: ٢: ٢٩٨.


أولاد الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام المقتولين ظلماً بين يدي سيد شباب أهل الجنة(١) .

مقتلُ يحيى بن عليعليه‌السلام

ذكر السيّد الأعرجي (ره) في مناهل الضرب: أنَّ يحيى بن عليعليه‌السلام من شهداء الطف(٢) ، وذكر النمازي (ره) في مستدركات علم رجال الحديث: أنّ أمّه أسماء بنت عميس(٣) .

لكنّ أبا الفرج ذكر: أنّ يحيى توفي في حياة أمير المؤمنينعليه‌السلام (٤) .

مقتل عبيد الله بن علي بن أبي طالبعليه‌السلام

لعلّ أقدم مَن صرّح بأنّه قُتل بكربلاء هو: الشيخ المفيد أعلى الله مقامه الشريف في الإرشاد، حيث أوردهُ في باب ذكر أولاد الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام وقال: ومحمد الأصغر المكنّى أبا بكر، وعبيد الله، الشهيدان مع أخيهما الحسينعليه‌السلام بالطف، أُمّهما ليلى بنت مسعود الدرامية)(٥) .

كذلك قال المرحوم الشيخ الطبرسي في ذكر أولاد الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام : ومحمّد الأصغر المكنّى بأبي بكر، وعبيد الله، الشهيدان مع أخيهم الحسينعليه‌السلام

____________________

(١) تاريخ الإسلام، حوادث سنة ٦١، ص٦١، مناهل الضرب في أنساب العرب: ٨٦.

(٢) مناهل الضرب: ٨٦، وراجع: التذكرة في الأنساب للعبيدلي ص٢٨٧.

(٣) مستدركات علم رجال الحديث: ٨: ٢٢٠، وذكر في ص٥٤٦: بأنَّ الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام تزوّج أسماء بنت عميس بعد موت أبي بكر فولدت له يحيى.

وقال أبو الفرج في المقاتل: ٣٦: وأسماء بنت عميس تزوّجها جعفر بن أبي طالب ثمّ أبو بكر ثمّ أمير المؤمنينعليه‌السلام .

(٤) مقاتل الطالبيين: ٣٧، راجع الطبقات الكبرى: ٨: ٢٠٨.

(٥) الإرشاد ١: ٣٥٤، وعن المعارف: ٢١٠: ليلى بنت مسعود بن خالد النهشلي.


بالطفّ، أمّهما ليلى بنت مسعود الدارمية)(١) .

وتابعهما على ذلك الإربلي في كشف الغمّة ناقلاً عن المرحوم المفيد(٢) ، وصرّح المرحوم المظفّر بأنّه من شهداء الطف(٣) .

كذلك قال بذلك القلقشندي(٤) ، وقال المزي في ذكر أولاد الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام : (وعبيد الله يكنّى أبا علي، يقال إنّه قُتل بكربلا)(٥) .

ووردَ في تاريخ خليفة أنّه قُتل مع الحسينعليه‌السلام ، وأمّه الرباب بنت امرئ القيس(٦) .

ووردَ في الزيارة الرجبية:(السلام على عبيد الله بن أمير المؤمنين عليه‌السلام ) (٧) .

لكنّ أبا الفرج الأصبهاني في مقاتل الطالبيين قال: (وذكرَ يحيى بن الحسن، فيما حدّثني به أحمد بن سعيد أنّ أبا بكر بن عبيد الله الطلحي حدّثه عن أبيه: أنّ عبيد الله بن علي قُتل مع الحسين، وهذا خطأ، وإنّما قُتل عبيد الله يوم المدار(٨) ، قتله أصحاب المختار بن أبي عبيدة، وقد رأيته بالمدار)(٩) .

____________________

(١) تاج المواليد ضمن المجموعة النفيسة: ٩٥، راجع ص ١٠٨.

(٢) كشف الغمّة ٢: ٦٦.

(٣) بطل العلقمي ١: ٣٠٣.

(٤) مآثر الإنافة: ١١٨.

(٥) تهذيب الكمال ٢٠: ٤٧٩.

(٦) تاريخ خليفة: ١٤٥، ومن الطريف: أن يقال بأنّ أمّه الرباب بنت امرئ القيس، وهذا الكلام لم يقل به أحد، إذ المعروف أنّها أمّ عبد الله الرضيععليه‌السلام .

(٧) البحار ١٠١: ٣٣٩.

(٨) المدار: بالفتح اسم المكان من دار يدور: موضع بالحجاز في ديار عدوان أو غُدانة. (راجع معجم البلدان ٥: ٧٤).

(٩) مقاتل الطالبيين: ٩٢، وذهب المسعودي في إثبات الوصية: ١٣١، وابن قتيبة في المعارف:


وقال ابن إدريس: (وقد ذهبَ شيخنا المفيد في كتاب الإرشاد إلى أنّ عبيد الله بن النهشلية قُتل بكربلاء مع أخيه الحسينعليه‌السلام ، وهذا خطأ محض بلا مِراء؛ لأنّ عبيد الله بن النهشلية كان في جيش مصعب بن الزبير، ومن جملة أصحابه، قتلهُ أصحاب المختار بن أبي عبيد بالمذار(٢) وقبرهُ هناك ظاهر.

____________________

= ٤٠١، والأعرجي في مناهل الضرب في أنساب العرب: ٨٦، والأندلسي في جمهرة أنساب العرب: ٢٣٠، وابن الطقطقي في الأصيلي في أنساب الطالبيين: ٥٧، وابن عماد في شذرات الذهب: ١: ٧٥، وتاريخ أهل البيتعليهم‌السلام ٩٨، والربيعي الدمشقي في تاريخ مولد العلماء ووفياتهم ١: ١٧٢: أنَّ عبيد الله هذا لم يُقتل في واقعة الطف في كربلاء.

وذكر ابن فندق في لباب الأنساب: ١: ٣٩٧ بأنَّ عبيد الله بن علي بن أبي طالب قُتل وهو قريب من خمسين سنة وقتلهُ ابن حريث.

وذكر مصعب الزبيري في نسب قريش: ٤٣ قائلاً: (وعبيد الله بن علي كان قدم على المختار بن أبي عبيد الثقفي حين غلبَ المختار على الكوفة فلم يرَ عند المختار ما يُحب، زعموا أنّ المختار قال له: صاحبُ أمرنا هذا رجل منكم لا يعمل فيه السلاح فإن شئت جرّبتُ فيك السلاح، فإن كنتَ صاحبنا لم يضرّك السلاح وبايعناك، فخرجَ من عنده، فقدِم البصرة، فجمعَ جماعة، فبعث إليه مصعب، فأتاه عبيد الله فلم يزل مقيماً عنده حتى خرجَ مصعب إلى المختار، فقدّم بين يديه محمد بن الأشعث بن قيس الكندي... فضمّ عبيد الله إليه مع محمد في مقدّمة مصعب، فبيّته أصحاب المختار، فقتلوا محمد، وقتلوا عبيد الله تحت الليل).

(٢) قال الحموي الرومي في معجم البلدان: ٥: ٨٨: المَذار بالفتح وآخره راء: في ميسان بين واسط والبصرة وهي قصبة ميسان بينها وبين البصرة مقدار أربعة أيام، وبها مشهد عامر كبير جليل عظيم قد أُنفق على عمارته الأموال الجليلة وعليه الوقوف وتساق إليه النذور، وهو قبر عبد الله بن علي ابن أبي طالب.. وكانت بالمذار وقعة لمصعب بن الزبير.


الخبر بذلك متواتر وقد ذكره شيخنا أبو جعفر في الحائريات، لمّا سأله السائل عمّا ذكرَ المفيد في الإرشاد فأجاب بأنَّ: عبيد الله بن النهشلية قتلهُ أصحاب المختار بالمذار، وقبره هناك معروف عند أهل تلك البلاد)(١) .

يستفاد من مجموع ما ذكرنا: أنّ النصوص التي تشير إلى أنّ عبيد الله بن عليعليه‌السلام قُتل في واقعة الطف لا يمكن الاعتماد عليها بسهولة، وكلّها ترجع إلى كلام المرحوم المفيد (ره)، وفي مقابل هذا القول تتوفر الأقوال الكثيرة التي تصرّح أنّه لم يُقتل بكربلاء، ولا يمكن الإغماض عنها، خصوصاً وأنّ في أصحابها مَن له الخبرة التامّة في علم الأنساب، نظير مصعب الزبيري في نسب قريش، أو ابن فندق في كتابه لباب الأنساب، أو الأندلسي في جمهرة أنساب العرب، وغيرهم.

ومن الغريب جدّاً كلام البعض(٢) حيث صرّح بأنّه اتفقت كلمة المؤرّخين على قتله يوم عاشوراء!

مَن هو (العبّاس الأصغر)، وابن مَن هو؟

قال الشيخ القرشي: (وهو أخو الإمام لأبيه، وأمّه لبابة بنت عبيد الله بن العبّاس، استشهد يوم الطفّ)(٣) ، وقال خليفة بن خيّاط: (وقُتل مع الحسينعليه‌السلام العبّاس الأصغر، أمّه لبابة بنت عبيد الله بن العبّاس)(٤) .

وممّا يؤيد ذلك: ما رواه سبط ابن الجوزي، عن هشام بن محمد، عن القاسم

____________________

(١) السرائر: ١٥٥.

(٢) راجع: مدينة الحسين: ٣٨.

(٣) حياة الإمام الحسينعليه‌السلام ٣: ٢٧٠ نقلاً عن تاريخ خليفة.

(٤) تاريخ خليفة: ١٤٥.


ابن الأصبغ المجاشعي قال: (لما أُتي بالرؤوس إلى الكوفة إذا بفارس أحسن الناس وجهاً، قد عُلَّق في لُباب فرَسه رأس غلام أمرَد كأنّه القمر ليلة تمامه، والفرس يمرح فإذا طأطأ رأسه لحقَ الرأس بالأرض، فقلت له: رأس مَن هذا؟ فقال: هذا رأس العبّاس بن علي، قلت: ومَن أنت؟ قال: حرملة بن الكاهل الأسدي.

قال: فلبثت أيّاماً وإذا بحرملة وجهه أشدُّ سواداً من القار، فقلت له: لقد رأيتك يوم حملتَ الرأس وما في العرب أنظر وجهاً منك! وما أرى اليوم لا أقبح ولا أسود وجهاً منك؟! فبكى وقال: والله، منذ حملتُ الرأس وإلى اليوم ما تمرّ عليَّ ليلة إلاّ واثنان يأخذان بضبعي ثمّ ينتهيان بي إلى نار تؤجّج، فيدفعاني فيه، وأنا أنكص فتسفعني كما ترى، ثمّ ماتَ على أقبح حال)(١) .

فالعبّاس هذا - على أساس هذه الرواية - هو ابن أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وهو في هذه الرواية غلام أمرد.

ويقول الشيخ القرشي تعقيباً: (وهذا ممّا يؤكّد وجود العبّاس الأصغر؛ لأنّ العبّاس الأكبر كان عمره يوم قُتل اثنين وثلاثين سنة، وليس غلاماً أمرداً)(٢) .

لكنّ النمازيّ (ره) يقول في ترجمة (لبابة بنت عبيد الله بن عبّاس بن عبد المطّلب): (تزوّجها أبو الفضل العبّاس بن أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فولِد له منها عبيد الله وفضل، وكانت جميلة عاقلة، وبعد شهادة العبّاسعليه‌السلام تزوّجها زيد بن

____________________

(١) تذكرة الخواص: ٢٥٣، ولعلّ للمتأمّل تحفّظات عديدة على متن هذه الرواية، منها قوله: (ثمّ مات على أقبح حال)، مع أنّ المشهور أنّ المختار أحضرَ حرملة بن كاهل، وأمرَ جزّاراً فقطعَ يديه ورجليه ثمّ أمرَ بنار وقصب فأحرقهُ (راجع: ذوب النضار: ١٢١).

(٢) حياة الإمام الحسين بن عليعليهما‌السلام : ٣: ٢٧٠.


عبد الملك، وعن المجدي تزوّجها وليد بن عتبة بن أبي سفيان، فولِد له منها القاسم)(١) .

من هنا نقول: إذا كان العبّاس الأصغر - على فرض وجوده حقّاً - ابن لبابة بنت عبيد الله بن العبّاس، زوجة مولانا أبي الفضلعليه‌السلام ، فهو إذاً ابن العبّاس وليس أخاه كما في رواية سبط ابن الجوزي وكما استنتجَ الشيخ القرشي؛ ذلك لأنّ لبابة لا يمكن أن تكون زوجة لأمير المؤمنينعليه‌السلام ، ثمّ زوجة أبي الفضلعليه‌السلام .

هذا مبلغُ علمنا في قضية (العبّاس الأصغر)، والمسألة بحاجة إلى مزيد من الوثائق التاريخية الكاشفة عن حقيقة الأمر، وإلى مزيد من التعمّق والمتابعة والتحقيق، وكم تركَ الأوّل للآخر.

مقتلُ مولانا أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام

كان مولانا أبو الفضل العباس بن أمير المؤمنينعليهما‌السلام أكبر أولاد عليّعليه‌السلام ، من أمّهم أمّ البنين فاطمة بنت حزام الكلابية (رض)، وقد ولِد في الرابع من شعبان سنة ست وعشرين للهجرة، وكان عمره الشريف عند استشهاده أربعاً وثلاثين سنة(٢) .

وكان صلوات الله عليه عماد وركيزة الجيش الحسيني في كربلاء، وقد أعطاه الإمام الحسينعليه‌السلام رايتهُ يوم عاشوراء: (لأنّه وجدَ قمر الهاشميين أكفأ ممّن معه لحمله، وأحفظهم لذمامه، وأرأفهم به، وأدعاهم إلى مبدئه، وأوصلهم لرحِمه، وأحماهم لجواره، وأثبتهم للطعان، وأربطهم جأش، وأشدّهم مراساً)(٣) .

____________________

(١) مستدركات علم رجال الحديث: ٨: ٥٩٨ رقم ١٨١٦٧.

(٢) مرّت بنا ترجمة مختصرة وافية له صلوات الله عليه في الفصل الثاني.

(٣) مقتل الحسينعليه‌السلام للمقرّم: ٢٢٥.


قال الدينوري: (بقيَ العبّاس بن عليّ قائماً أمام الحسين يقاتل دونه، ويميل معه حيث مال)(١) .

قال الشيخ المفيد (ره): (وحملت الجماعة على الحسينعليه‌السلام فغلبوه على عسكره، واشتدّ به العطش، فركبَ المسنَّاة يريد الفرات، وبين يديه العبّاس أخوه، فاعترضته خيل ابن سعد وفيهم رجل من بني دارم فقال لهم: ويلكم حُولوا بينه وبين الفرات ولا تمكّنوه من الماء، فقال الحسينعليه‌السلام :(اللّهمّ أظمئه.

فغضبَ الدارمي ورماه بسهم فأثبته في حَنكه، فانتزعَ الحسينعليه‌السلام السهم، وبسطَ يده تحت حنكه فامتلأت راحتاه بالدم، فرمى به ثمّ قال:اللهمّ إنّي أشكو إليك ما يُفعل بابن بنت نبيّك) ، ثمّ رجعَ إلى مكانه وقد اشتدّ به العطش، وأحاطَ القوم بالعبّاس فاقتطعوه عنه، فجعلَ يقاتلهم وحده حتّى قُتل - رضوان الله عليه - وكان المتولّي لقتله زيد بن ورقاء الحنفيّ(٢) ، وحكيم بن الطُفَيل السنبسي(٣) ، بعد أن أُثخن بالجراح فلم يستطع حراكاً)(٤) .

____________________

(١) الأخبار الطوال: ٢٥٧.

(٢) يمضي في بعض المصادر أنّ اسمه زيد بن رقاد الجهني (أو الجنبي)، (راجع: مقاتل الطالبيين: ٩٠)، وتذكرة الخواص: ٢٢٩، وترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام ومقتله من القسم غير المطبوع من كتاب الطبقات الكبرى لابن سعد: ٧٥).

وفي كتاب ذوب النُضار: ١٢٠ قال الشيخ ابن نما (ره): (وأحضرَ - أي المختار - زيد بن رُقاد فرماه بالنبل والحجارة وأحرقهُ).

(٣) في كتاب ذوب النضار: ١١٩ قال الشيخ ابن نما (ره): (ثمّ بعث - أي المختار - عبد الله بن كامل إلى حكيم بن الطفيل السنبسي، وكان قد أخذَ سلب العبّاس ورماه بسهم، فأخذوه قبل وصوله إلى المختار، ونصبوهُ هدفاً، ورموه بالسهام).

(٤) الإرشاد: ٢: ١٠٩ - ١١٠، وفي مثير الأحزان: ٧١ قال ابن نما (ره): ثمّ اقتطعوا العبّاس عنه، وأحاطوا به من كلّ جانب وقتلوه، فبكى الحسينعليه‌السلام لقتله بكاءً شديداً)، وانظر كذلك =


أمّاالخوارزمي فقد قال: (ثمّ خرجَ من بعده العبّاس بن عليّ - أي من بعد أخيه عبد الله - وأمّه أمّ البنين أيضاً، وهو (السقّاء) فحملَ وهو يقول:

أقـسمتُ بالله الأعزّ الأعظم

وبـالحجون صـادقاً وزمزم

وبـالحطيم والـفنا الـمحرَّم

لـيخضبنّ اليوم جسمي بدمي

دون الحسين ذي الفخار الأقدم

إمـام أهـل الفضل والتكرّم

فلم يزل يقاتل حتّى قتلَ جماعةً من القوم، ثمّ قُتل، فقال الحسين:(الآن انكسرَ ظهري وقلّت حيلتي) (١) .

أمّاابن شهرآشوب السروي فقال: (وكان عبّاس السقّاء قمر بني هاشم، صاحب لواء الحسين، وهو أكبر الإخوان، مضى يطلب الماء(٢) ، فحملوا عليه

____________________

= اللهوف: ١٧٠.

(١) مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢: ٣٤، وانظر: الفتوح: ٥: ٢٠٧.

(٢) قال العلاّمة المجلسي (ره): (أقول: وفي بعض تأليفات أصحابنا أنّ العبّاس لمّا رأى وحدتهعليه‌السلام أتى أخاه وقال: يا أخي هل من رخصة؟ فبكى الحسينعليه‌السلام بكاء شديداً ثمّ قال:(يا أخي، أنت صاحب لوائي، وإذا مضيت تفرّق عسكري! فقال العبّاس: قد ضاقَ صدري وسئمتُ من الحياة، وأريد أن أطلب ثأري من هؤلاء المنافقين.

فقال الحسينعليه‌السلام :فاطلب لهؤلاء الأطفال قليلاً من الماء) ، فذهبَ العبّاس ووعظهم وحذّرهم فلم ينفعهم، فرجعَ إلى أخيه فأخبره، فسمع الأطفال يُنادون: العطش العطش!

فركبَ فرسه وأخذه رمحه والقِربة وقصد نحو الفرات، فأحاط به أربعة آلاف ممّن كانوا موكّلين بالفرات، ورموهُ بالنبال، فكشفهم وقتل منهم على ما روي ثمانين رجلاً حتى دخلَ الماء، فلمّا أراد أن يشرب غُرفة من الماء ذكرَ عطش الحسين وأهل بيته، فرَمى الماء وقال على ما روي:

يا نفس من بعد الحسين هوني

وبـعده لا كُـنتِ أن تكوني

=


وحملَ هو عليهم وجعل يقول:

لا أرهبُ الموتَ إذا الموت رقى(١)

حتى أُوارى في المصاليت لُقى(٢)

نـفسي لنفس المصطفى الطهر وقا

إنّـي أنـا الـعبّاس أغـدو بـالسقا

ولا أخاف الشرَّ يوم الملتقى

ففرّقهم، فكمنَ له زيد بن ورقاء الجهني من وراء نخلة، وعاونه حكيم بن طفيل السنبسي فضربه على يمينه(٣) فأخذَ السيف بشماله، وحملَ عليهم وهو يرتجز:

واللهِ إنْ قـطعتُم يـميني

إنّي أُحامي أبداً عن ديني

وعـن إمامٍ صادق اليقينِ

نجل النبيّ الطاهر الأمينِ

فقاتل حتّى ضعُف، فكمنَ له الحكيم بن الطفيل الطائي من وراء نخلة فضربه

____________________

=

هـذا الـحسين وارد المنونِ

وتـشـربين بـارد الـمعينِ

تالله ما هذا فعال ديني

ومَلأ القربة، وحَملها على كتفه الأيمن، وتوجّه نحو الخيمة، فقطعوا عليه الطريق، وأحاطوا به من كلّ جانب، فحاربهم حتّى ضربه نوفل الأزرق على يده اليمنى فقطعها، فحملَ القربة على كتفه الأيسر، فضربه نوفل فقطع يده اليسرى من الزند، فحملَ القربة بأسنانه فجاءه سهم فأصاب القربة وأُريق ماؤها، ثمّ جاءه سهم آخر فأصاب صدره، فانقلب عن فرسه وصاح إلى أخيه الحسين: أدركني! فلمّا أتاه رآه صريعاً، فبكى وحمله إلى الخيمة..). (البحار: ٤٥: ٤١ - ٤٥).

(١) وفي بعض المصادر: (زقا): أي صاح.

(٢) المصاليت: جمع مصلات، هو الرجل السريع المتشمّر، والمصلات مبالغة من الصالت: وهو من الرجال: الشجاع الماضي، ومن السيوف: الصقيل الحادّ.

(٣) في إبصار العين: ٦٢: (فضربهُ حكيم بن طفيل الطائي السنبسي على يمينه فبراها فأخذ اللواء بشماله..).


على شماله(١) فقال:

يا نفسُ لا تخشَي من الكفّار

وأبـشري بـرحمة الجبّارِ

مـع الـنبيّ السيّد المختار

قـد قطعوا ببَغيِهم يساري

فاصلِهم يا ربّ حرَّ النّارِ

فقتله الملعون بعمود من حديد)(٢) .

ومن الجميل في ساحة عزاء أبي الفضلعليه‌السلام ، أن نورد هذه الفقرة الحزينة الرائعة التي جادت بها روح المرحوم المحقّق السيّد المقرّم، الطافحة بالولاء لأهل البيتعليهم‌السلام ، قالرحمه‌الله :

____________________

(١) في إبصار العين: ٦٢ - ٦٣: (فضربه زيد بن ورقاء الجهني على شماله فبراها، فضمَّ اللواء إلى صدره كما فعل عمّه جعفر إذ قطعوا يمينه ويساره في مؤتة، فضمّ اللواء إلى صدره وهو يقول:

ألا ترونَ معشر الفجّار

قد قطعوا ببغيهم يساري

فحملَ عليه رجل تميمي من أبناء أبان بن دارم فضربه بعمود على رأسه فخرّ صريعاً إلى الأرض، ونادى بأعلى صوته: أدركني يا أخي!

فانقضّ عليه أبو عبد الله كالصقر فرآه مقطوع اليمين واليسار، مرضوخ الجبين، مشكوك العين بسهم، مرتثّاً بالجراحة، فوقف عليه منحنياً، وجلس عند رأسه يبكي حتّى فاضت نفسه، ثمّ حملَ على القوم فجعلَ يضرب فيهم يميناً وشمالاً، فيفرّون من بين يديه كما تفرّ المعزى إذا شدَّ فيها الذئب وهو يقول:(أين تفرّون وقد قتلتم أخي؟! أين تفرّون وقد فتتُّم عضُدي؟!) ثمّ عاد إلى موقفه منفرداً، وكان العبّاس آخر مَن قُتل من المحاربين لأعداء الحسينعليه‌السلام ، ولم يُقتل بعده إلاّ الغلمان الصغار من آل أبي طالب الذين لم يحملوا السلاح).

(٢) مناقب آل أبي طالبعليهم‌السلام ٤: ١٠٨، ويلاحظ أنّ البلاذري في كتابه أنساب الأشراف: ٣: ٤٠٦ يقول: (وقال بعضهم: قتلَ حرملة بن كاهل الأسدي ثمّ الوالبي العبّاس بن علي بن أبي طالب مع جماعة وتعاوروه، وسلبَ ثيابه حكيم بن طفيل الطائي).


(وسقطَ على الأرض ينادي:عليك منّي السلام أبا عبد الله! فأتاه الحسينعليه‌السلام ، وليتني علمتُ بماذا أتاه؟ أبحياة مستطارة منه بهذا الفادح الجلل؟ أم بجاذب من الأخوّة إلى مصرع صِنوه المحبوب؟

نعم، حصلَ الحسينعليه‌السلام عنده، وهو يبصر قُربان القداسة فوق الصعيد قد غشيته الدماء وجللّته النبال(١) ! فلا يمين تبطش، ولا منطق يرتجز، ولا صولة تُرهب، ولا عين تبصر، ومرتكز الدماغ على الأرض مبدَّد!

أصحيحٌ أنّ الحسينعليه‌السلام ينظر إلى هذه الفجائع ومعه حياة ينهض بها؟

لم يبقَ الحسين بعد أبي الفضل إلاّ هيكلاً شاخصاً مُعرّى عن لوازم الحياة، وقد أعربَ سلام الله عليه عن هذا الحال بقوله:(الآن انكسر ظهري، وقلّت حيلتي) ،

وبـانَ الانـكسارُ في جبينه

فـاندكّت الـجبال من حنينه

وكيف لا؟ وهو مجال بهجته

وفـي مـحيّاه سرور مهجته

كـافل أهـله وساقي صِبيَته

وحامل اللوا بعالي همّته(٢)

ورجعَ الحسين إلى المخيّم منكسراً حزيناً باكياً، يُكفكف دموعه بكمّه، وقد تدافعت الرجال على مخيمه فنادى:(أمَا من مغيث يُغيثنا؟ أمَا من مُجير يُجيرنا؟ أمَا من طالب حقّ ينصرنا؟ أمَا من خائف من النّار فيذبّ عنّا؟ (٣) فأتتهُ سكينة وسألته عن عمّها، فأخبرها بقتله، وسمعتهُ زينب فصاحت: وا أخاه! وا عبّاساه! وا ضيعتنا بعدك! وبكينَ النسوة وبكى الحسين معهنّ وقال:وا ضيعتنا بعدك!) (٤) .

____________________

(١) في كتاب الحدائق الوردية: ١٢٠: (ورموه (العبّاس) حتّى لم يبقَ قدر الدرهم من جسده إلاّ وفيه سهم!).

(٢) هذه الأبيات الثلاثة من أرجوزة آية الله الشيخ محمّد حسين الأصفهانيقدس‌سره .

(٣) راجع: المنتخب للطريحي: ٣١٢.

(٤) مقتل الحسينعليه‌السلام للمقرّم: ٢٦٩ - ٢٧٠.


الإمام الحسينعليه‌السلام وحيداً فريداً في الميدان

(ولمّا قُتل العبّاسعليه‌السلام التفت الحسينعليه‌السلام فلم يرَ أحداً ينصره، ونظرَ إلى أهله وصحبه مُجزّرين كالأضاحي، وهو إذْ ذاك يسمع عويل الأيامى وصراخ الأطفال، صاحَ بأعلى صوته:(هل من ذابٍّ عن حُرم رسول الله؟ هل من موحّدٍ يخاف الله فينا؟ هل من مُغيث يرجو الله في إغاثتنا؟) فارتفعت أصوات النساء بالبكاء!)(١) .

خروج الإمام زين العابدينعليه‌السلام

(فخرجَ علي بن الحسين زين العابدينعليه‌السلام ، وكان مريضاً لا يقدر أن يقلّ سيفه، وأمّ كلثوم(٢) تنادي خلفه: يا بنيَّ ارجع، فقال:(يا عمّتاه، ذريني أُقاتل بين يدي ابن رسول الله، وقال الحسينعليه‌السلام :يا أمَّ كلثوم، خُذيه؛ لئلاّ تبقى الأرض خالية من نسل آل محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ) (٣) .

____________________

(١) مقتل الحسينعليه‌السلام للمقرّم: ٢٧١، وانظر اللهوف: ١٦٨.

(٢) وسوف تأتي ترجمتهاعليها‌السلام وافية في الجزء الخامس من هذه الدراسة إن شاء الله.

(٣) تسلية المجالس ٢: ٣١٤، وانظر: مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢: ٣٦ : (وخبر أنّ الإمام عليّ بن الحسين زين العابدينعليه‌السلام كان مريضاً قبل يوم عاشوراء وفيه، فممّا اتفقت عليه كلمة جُلّ المؤرّخين، (راجع على سبيل المثال: تاريخ الطبري: ٣: ٣١٥، وترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام من القسم غير المطبوع من كتاب الطبقات الكبير: ٧٧، والإرشاد: ٢: ٩٣، وإثبات الوصيّة: ١٧٧ و ١٨١، ونسب قريش: ٥٨، وإعلام الورى: ١: ٤٦٩، وتذكرة الخواص: ٢٢٩ عن الواقدي، والمناقب لابن شهرآشوب: ٤: ١١٣، وعمدة الطالب: ١٨٢).

لكنّ هناك قولاً شاذّاً أتى به الفضيل بن الزبير بن عمر بن درهم الكوفي الأسديّ (الزيدي) في كتابه الموسوم بـ (تسمية مَن قُتل مع الحسينعليه‌السلام ): ص١٥٠ حيث قال:

(وكان عليّ بن الحسينعليه‌السلام عليلاً، وارتُثَّ يومئذٍ، وقد حضرَ بعض القتال فدفع الله عنه). =


مقتلُ الرضيع عبد الله بن الحسينعليه‌السلام

النصوص الواردة في مقتل ابنه الرضيععليه‌السلام يوم الطف مختلفة جدّاً، وهي أقسام:

١ - النصوص التي تُصرّح باسمه وهو عبد الله.

٢ - النصوص التي لا تصريح فيها باسمه.

٣ - النصوص التي تقول بأنَّ الطفل اسمه عليّ الأصغر.

٤ - النصوص التي تصرّح بمقدار سِنّه فقط.

أمّا الطائفة الأولى: فقد روى الشيخ المفيد قائلاً: (ثمّ جلسَ الحسينعليه‌السلام أمام الفسطاط فأُتي بابنه عبد الله بن الحسين وهو طفل فأجلسه في حِجره، فرماهُ رجل من بني أسد بسهم فذبحه، فتلقى الحسينعليه‌السلام دمه فلمّا مَلأ كفّه صبّه في الأرض ثمّ قال:(ربّ إن تكن حبستَ عنّا النصر من السماء، فاجعل ذلك لِما هو خير، وانتقِم لنا من هؤلاء القوم الظالمين) ، ثمّ حملهُ حتى وضعه مع قتلى أهله)(١) .

____________________

= وتبعه في هذا الرأي (زيديٌّ آخر) وهو صاحب الحدائق الوردية في ص١٢٠ من كتابه هذا، ونحتمل قويّاً أنّه أخذه عنه، وقد استفادَ أحد المحققّين المعاصرين من قول الفضيل بن الزبير فقال: (إنّ مفروض الأدلّة السابقة أنّ الإمام زين العابدينعليه‌السلام قد أُصيب بالمرض بعد اشتراكه أوّل مرّة في القتال وبعد أن ارتُثّ وجرح، فلعلّ عدم الإذن له في أن يُقاتل كان في المرّة الثانية وهو في حال المرض والجراحة). (راجع: جهاد الإمام السجّاد: ٤٤)، وهذا الاستنتاج لا أساس له إلاّ ذلك القول الشاذ، مع أنّ الطبري، والمفيد، وابن شهرآشوب، والمسعودي، وغيرهم يروون أنّهعليه‌السلام كان مريضاً قبل يوم عاشوراء وفيه، في عبارات صريحة ودالّة، (راجع: المصادر التي ذكرناها أعلاه).

(١) الإرشاد ٢: ١٠٨، وانظر: تاريخ الطبري: ٣: ٣٣٢، وأنساب الأشراف ٣: ٤٠٧، والمعجم الكبير ٣: ١٠٣، والحدائق الوردية: ١٠٣، ونسب قريش: ٥٩، وفيه: قُتل مع أبيه صغيراً، سرّ السلسلة =


وفي ضمن رواية عن أبي حمزة الثمالي، عن الإمام السجّادعليه‌السلام يصف فيها كيف جمع الإمام الحسينعليه‌السلام أصحابه ليلة عاشوراء، وردت هذه المحاورة بين الإمامعليه‌السلام وبين ابن أخيه القاسمعليه‌السلام هكذا:(فقال له القاسم بن الحسن عليه‌السلام : وأنا فيمن يُقتل؟ فأشفقَ عليه فقال له: يا بُنيّ كيف الموت عندك؟

قال: يا عمّ، أحلى من العسل!

فقالعليه‌السلام : إي والله، فداك عمّك، إنّك لأحد مَن يُقتل من الرجال معي بعد أن تبلو ببلاء عظيم، وابني عبد الله!

فقال: يا عمّ، ويصِلون إلى النساء حتّى يُقتل عبد الله وهو رضيع؟!

فقالعليه‌السلام : فداك عمّك، يُقتل عبد الله إذا جفّت روحي عطشاً، وصرتُ إلى خِيَمنا فطلبتُ ماءً ولبناً فلا أجد قطّ! فأقول: ناولوني ابني لأشرب مِن فيه! فيأتوني به فيضعونه على يدي، فأحملهُ لأُدنيه من فيَّ، فيرميه فاسقٌ بسهم فينحره

____________________

= العلوية: ١٠٣، وفيه: وهو صبي رضيع، أخبار الدول وآثار الأُول: ١٠٨، والدر النظيم: ٥٥٦، وجواهر المطالب ٢: ٢٨٧، ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام من الطبقات الكبرى: ٧٣، إعلام الورى ١: ٤٦٦، مثير الأحزان: ٧٠، البحار ٤٥: ٤٦، اللهوف: ١٦٩ وفيه: فتقدّم إلى باب الخيمة وقال لزينب:(ناوليني ولدي الصغير حتى أودّعه، فأخذهُ وأمال إليه ليقبّله، فرماه حرملة بن الكاهل الأسدي بسهم فوقع في نحره فذبحه، فقال لزينب:خذيه، ثمّ تلقّى الدم بكفيه حتى امتلأتا، ورمى به نحو السماء وقال:هوّن عليّ ما نزلَ بي أنّه بعين الله).

قال الباقرعليه‌السلام :(فلم تسقط من ذلك الدم قطرة إلى الأرض) ، وروي أنّ زينبعليها‌السلام هي التي أخرجت الصبي وقالت: يا أخي هذا ولدك له ثلاثة أيام ما ذاق الماء، فاطلب له شربة ماء، فأخذهُ على يده وقال:(يا قوم، قد قتلتم شيعتي وأهل بيتي، وقد بقيَ هذا الطفل يتلظّى عطشاناً فاسقوهُ شربة من الماء)، فبينما هو يخاطبهم إذ رماه رجل منهم بسهم فذبحه (راجع المجدي: ٩١، والشجرة المباركة: ٧٣).


وهو يناغي! فيفيض دمه في كفّي! فأرفعه إلى السماء وأقول: اللّهمّ صبراً واحتساباً فيك...) (١) .

ومن الملفت للانتباه والمثير للعجب والحزن والمصاب في هذه الرواية هو: أنّ الإمامعليه‌السلام لجفاف روحه من العطش الشديد أراد أن يروي ظمأه من نداوة ورطوبة فم الطفل عبد الله الرضيع! لا أنّ الإمامعليه‌السلام كان قد أخذ الطفل الرضيع العطشان ليعرضه على القوم لعلّهم يسقونه ماء كما هو المشهور!

وجاء في تسمية مَن قُتل مع الحسينعليه‌السلام : (وعبيد الله بن الحسينعليه‌السلام ، وأُمّه الرباب بنت امرئ القيس..، قتلهُ حرملة بن الكاهل الأسدي الوالبي، وكان ولِدَ للحسينعليه‌السلام في الحرب فأُتي به وهو قاعد، وأخذه في حجره ولبّاه بريقه وسمّاه عبد الله، فبينما هو كذلك إذ رماه حرملة بن الكاهل بسهم فنحره، فأخذ الحسينعليه‌السلام دمه فجمعه ورمى به نحو السماء فما وقعت منه قطرة إلى الأرض!

قال فضيل: وحدّثني أبو الورد: أنّه سمعَ أبا جعفر يقول:(لو وقعت منه إلى الأرض قطرة لنزلَ العذاب) ، وهو الذي يقول الشاعر فيه:

وعند غني قطرة من دمائنا

وفي أسد أخرى تُعد وتُذكر (٢)

أمّا الطائفة الثانية من النصوص: فمنها ما رواه الدينوري قائلاً: فدعا بصبي له صغير فأجلسه في حِجره، فرماه رجل من بني أسد، وهو في حِجر الحسينعليه‌السلام بمشقص، فقتله(٣) .

____________________

(١) مدينة المعاجز: ٤: ٢١٤ رقم ٢٩٥، وعنه نَفَس المهموم: ٢٣٠ - ٢٣١، وقال الشيخ القمّي: (روى الحسين بن حمدان الحضيني (الخصيبي) بإسناده عن أبي حمزة الثمالي، والسيّد البحراني مُرسلاً عنه...)، وراجع الرواية مفصّلة في الفصل الثاني: ص١٣٧ - ١٣٩.

(٢) تسمية مَن قُتل مع الحسينعليه‌السلام : ١٥٠.

(٣) الأخبار الطوال: ٢٥٨، بغية الطلب ٦: ٢٦ - ٢٩، المشقص: بمعنى نصل السهم إذا كان طويلاً غير عريض.


ومنها ما رواه سبط ابن الجوزي عن هشام بن محمد، قال: (فالتفت الحسين فإذا بطفل له يبكي عطشاً، فأخذهُ على يده وقال:(يا قوم، إنْ لم ترحموني فارحموا هذا الطفل، فرماه رجل منهم بسهم فذبحه، فجعل الحسين يبكي ويقول:اللّهمّ احكُم بيننا وبين قومٍ دَعَونا لينصرونا فقتلونا)، فنوديَ من الهواء:دعهُ يا حسين فإنّ له مرضعاً في الجنّة) (١) .

وأمّا النصوص المصرّحة أنّ الطفل القتيل اسمه عليّ الأصغر: فمنها ما رواه ابن أعثم الكوفي قائلاً: (وله ابن آخر يقال له عليّ في الرضاع، فتقدّم إلى باب الخيمة فقال:

(ناولوني ذلك الطفل حتى أودّعه، فناولوه الصبي فجعل يقبّلهُ وهو يقول:يا بني، ويل لهؤلاء القوم إذا كان غداً خصمهم جدّك محمّد)، قال: وإذا بسهم قد أقبلَ حتى وقعَ في لبّة الصبي فقتلهُ.

فنزلَ الحسين عن فرسه وحفر له بطرف السيف ورمّله(٢) بدمه وصلّى عليه ودفنه)(٣) .

وقال ابن الطقطقى: (وعلي الأصغر أصابهُ سهم بكربلاء فمات)(٤) .

____________________

(١) تذكرة الخواص: ٢٢٧، روضة الواعظين: ١٥٠، سير أعلام النبلاء ٣: ٣٠٩، تهذيب الكمال ٦: ٤٢٨، المنتظم ٥: ٣٤٠.

(٢) وفي مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢: ٣٧: (ثمّ نزلَ الحسين عن فرسه، وحفر للصبيّ بجفن سيفه، وزمّله بدمه، وصلّى عليه...).

(٣) الفتوح ٥: ١٣١.

(٤) الأصيلي في أنساب الطالبيين: ١٤٣، النفحة العنبرية: ٤٦، كشف الغمّة ٢: ٢٥٠، المناقب ٤: ١٠٩.


وأمّا النصوص التي تُصرّح بمقدار عمره الشريف، فما ورد عن الذهبي قوله: (فوقعت نبلة في ولدٍ له ابن ثلاث سنين)(١) .

أمّااليعقوبي فقد قال: (ثمّ تقدّموا رجلاً رجلاً حتّى بقيَ وحده ما معه أحد من أهله ولا ولده ولا أقاربه، فإنّه لواقف على فرسه إذ أُتي بمولود قد ولِد في تلك الساعة، فأذَّن في أُذنه وجعل يُحنّكه إذ أتاه سهم فوقعَ في حلق الصبي فذبحهُ، فنزعَ الحسين السهم من حلقه وجعل يلطّخه بدمه ويقول:(واللهِ، لأنتَ أكرم على الله من الناقة، ولَمحمّد أكرم على الله من صالح)، ثمّ أتى فوضعه مع وِلده وبني أخيه)(٢) .

____________________

(١) سير أعلام النبلاء: ٣: ٣٠٢.

هذه عمدة النصوص الواردة في الباب، ويمكن أن يستفاد من جميع ذلك: أنّ الإمام كان له ولَدان صغيران قُتلا في الطف، أحدهما: اسمه عبد الله بن الحسينعليه‌السلام أمّه الرباب بنت امرئ القيس، كما صرّح بذلك في تسميّة مَن قُتل مع الحسينعليه‌السلام ، والآخر: اسمه عليّ الأصغر، والأوّل وُلدِ كما عن اليعقوبي يوم عاشوراء، والثاني كان معه حينما خرجَ من المدينة، والله العالم.

وعلى جميع التقادير، فإنّ قتلَ الأطفال الأبرياء ممنوع في الشريعة الإسلامية، ولكنّ السَفلة من بني أميّة تعدّوا حدود الله وقتلوا الأطفال بأبشع وأفجع القتلات، والنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كان ينهى عن ذلك، فإنّ خالد بن الوليد لمّا قَتلَ بالعميصاء الأطفال، رفع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يديه حتى رأى المسلمون بياض إبطيه وقال:(اللّهمّ إنّي أبرأ إليك ممّا صنعَ خالد) ، ثمّ بعثَ عليّاً فوادّهم.

فلم يُعهد ذبح الأطفال بعد ذلك إلاّ ما كان من معاوية في قتله أطفال المسلمين في الأنبار وفي اليمن، على يدي عامله بسر بن أرطأة، وكان فيمن قتلهم ولَدان صغيران لعبيد الله بن عباس، وكرّرت ذلك أشياعه في الطف فذبحوا من الصبية والأطفال ما ظهروا عليهم وظفروا بهم، بغير ما رحمة منهم ودون أدنى رقّة أو رأفة، الأمر الذي برهنَ على غلوّهم في القسوة والفسوق عن الدين، وأوضحُ بلا مراء ولا خفاء أنّ قصد التشفّي والانتقام بلغَ بهم إلى العزم على استئصال ذرّية الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقطع نسله ومحو أصله. (راجع: مختصر نهضة الحسينعليه‌السلام : ١٠٧).

(٢) تاريخ اليعقوبي ٢: ١٧٧، الحدائق الوردية: ١٢٠، وفي مقتل الحسين للخوارزمي ٢: ٣٧: (ثمّ =


ومن الشعر الذي أنشدهُ الإمامعليه‌السلام في مواجهته القوم وحيداً - بعد مقتل عبد الله الرضيع - على ما روي:

كـفـرَ الـقـوم وقِـدماً رغـبوا

عــن ثـواب الله ربّ الـثقلين

قـتـلَ الـقـوم عـلـيّاً وابـنه

حـسن الـخير كـريم الأبـوين

حـنـقاً مـنهم وقـالوا أجـمِعوا

واحشروا الناس إلى حرب الحسين

ثــمّ سـاروا وتـواصوا كـلّهم

بـاجـتياحي لـرضاء الـملحدين

لـم يـخافوا الله فـي سفكِ دمي

لـعـبيد الله نَـسـل الـكافرين

وابـن سـعد قـد رمـاني عنوة

بـجـنود كـوكـوف الـهاطلين

لا لـشيءٍ كـان مـنّي قـبل ذا

غـير فـخري بـضياء النيّرين

بـعليّ الـخير مـن بـعد النبيّ

والـنـبيّ الـقـرشيّ الـوالدين

خـيـرة الله مـن الـخلق أبـي

ثـمّ أمّـي فـأنا ابـن الخيرَتين

فـضّةٌ قـد خَـلصت مـن ذهبٍ

فـأنـا الـفضّة وابـن الـذَهبين

مَـن لـه جـدّ كجدّي في الورى

أو كـشيخي فـأنا ابـن الـعلَمَين

فـاطـمُ الـزهراء أمّـي وأبـي

قـاصـمُ الـكفر بـبدرٍ وحُـنين

عَــبـدَ الله غـلامـاً يـافـعاً

وقـريـش يـعـبدون الـوثنَينْ

يـعبدونَ الـلاّت والـعُزّى مـعاً

وعـلـيّ كـان صـلّى الـقبلتين

وأبــي شـمـس وأُمـي قـمر

فـأنا الـكوكبُ وابـن الـقمرَيْن

ولــه فـي يـوم أُحـدٍ وقـعةٌ

شَـفت الـغلّ بـفضّ العسكرين

ثـمّ فـي الأحـزاب والـفتح معاً

كـان فـيها حـتف أهل الفَيلقين

فـي سـبيل الله، مـاذا صنَعت

أُمّــة الـسوء مـعاً بـالعترتين

____________________

= نزلَ الحسين عن فرسه، وحفرَ للصبي بجفن سيفه وزمّله بدمه، وصلّى عليه).


عـترة الـبَرّ الـنبيّ الـمصطفى

وعَـليّ الـورد يـوم الـجحفلين

ثمّ وقفَ صلوات الله عليه قبالة القوم وسيفه مُصلت في يده آيساً من الحياة عازماً على الموت، وهو يقول:

أنـا ابن عليّ الطهر من آل هاشم

كـفاني بـهذا مـفخراً حين أفخر

وجدّي رسول الله أكرم مَن مضى

ونحن سراج الله في الأرض نزهر

وفـاطمُ أُمـي مـن سـلالة أحمد

وعـمّيَ يُدعى ذو الجناحين جعفر

وفـينا كـتاب الله أُنـزل صادقاً

وفـينا الهدى والوحي بالخير يُذكر

ونـحن أمـان الله لـلناس كـلّهم

نـسرّ بـهذا فـي الأنـام ونجهر

ونـحن ولاة الحوض نسقي ولاتنا

بـكأس رسـول الله ما ليس يُنكر

وشـيعتنا فـي الناس أكرمُ شيعة

ومـبغضنا يـوم الـقيامة يخسر

وذكر أبو علي السلامي في تاريخه أنّ هذه الأبيات للحسينعليه‌السلام من إنشائه وقال: وليس لأحد مثلها:

وإنْ تـكـن الـدنيا تُـعدّ نـفيسة

فـإنّ ثـواب الله أعـلى وأنـبلُ

وإن تـكن الأبـدان للموت أُنشئت

فقتلُ امرئ بالسيف في الله أفضل

وإن تـكن الأرزاق قـسماً مقدّراً

فقلّة سعي المرء في الكسب أجملُ

وإن تـكن الأمـوال للتَرك جمعها

فـما بـال متروك به المرءُ يبخلُ

سأمضي وما بالقتل عارٌ على الفتى

إذا فـي سـبيل الله يمضي ويُقتل

ثمّ إنّهعليه‌السلام دعا الناس إلى البراز، فلم يزل يقتل كلّ مَن دنا منه من عيون الرجال، حتى قتلَ منهم مقتلة عظيمة(١) .

____________________

(١) تسلية المجالس ٢: ٣١٤ - ٣١٨، نَفَس المهموم: ٣٥٣، الإمام الحسين وأصحابه: ٢٩٠، مقتل


ثمّ حملَ على الميمنة وقال:

الموت خير من ركوب العار

والعار أَولى من دخول النار

ثمّ حملَ على الميسرة وقال:

أنـا الحسين بن علي

أحـمي عـيالات أبي

آلـيتُ أن لا أنـثني

أمضي على دين النبي

وجعل يقاتل حتى قتل ألفاً وتسعمائة وخمسين سوى المجروحين(١) .

الإمام الحسينعليه‌السلام يَطلب ثوباً لا يُرغبُ فيه!

روى الطبري يقول: (ولمّا بقيَ الحسين في ثلاثة رهط أو أربعة، دعا بسراويل(٢) محققة يلمع(٣) فيها البصر، يمانيّ محقَّق، ففرزه(٤) ونكثه؛ لكيلا يُسلبه، فقال له بعض أصحابه: لو لبستَ تحته تُبّاناً (٥) قال:(ذلك ثوب مذلّة، ولا ينبغي لي أن ألبسه) (٦) .

____________________

= الخوارزمي ٢: ٣٨، الفتوح ٥: ١٣٢، المناقب ٤: ٨٠، المنتخب للطريحي: ٤٤٠، كشف الغمّة ٢: ٢٧، عبرات المصطفى ٢: ٩٣، مطالب السؤول ٢: ٢٩.

(١) مناقب آل أبي طالب ٤: ١١٠، تسلية المجالس ٢: ٣١٨، البحار ٤: ٤٩، العوالم ١٧: ٢٩٣.

(٢) لباس يلبسه الأعاجم من قديم الأيام ويلبسه الأشراف والأعاظم من الأعراب، وقد حثّ الشرع في لبسه وجعله من المستحبات والمسنونات. (راجع الحسين وأصحابه: ٣٠٢).

(٣) محققة، أي محكمة النسج.

(٤) فرزه: أي نقض نسجه، مزّقه.

(٥) التبّان: شبه السراويل الصغيرة. (راجع: لسان العرب: ٢: ١٨).

(٦) تاريخ الطبري ٣: ٣٣٣، مجمع الزوائد ٩: ١٩٣، بغية الطلب ٦: ٢٤١٧، تهذيب الكمال ٦: ٤٢٨، =


وروى الطبراني عن ابن أبي ليلى قال: (قال حسين بن عليعليه‌السلام حين أحسّ بالقتل:(ائتوني ثوباً لا يرغب فيه أحد أجعلهُ تحت ثيابي...) (١) .

وذكر ابن شهرآشوب أنّهعليه‌السلام قال:(ائتوني بثوبٍ لا يُرغب فيه ألبسهُ غير ثيابي لئلاّ أُجرّد؛ فإنّي مقتول مسلوب، فأتوه بتبّان فأبى أن يلبسه، وقال:هذا لباس أهل الذمّة)، ثمّ أتوه بشيء أوسع منه دون السراويل وفوق التبّان فلبسه)(٢) .

وقال الطريحي: (لما قُتل أصحاب الحسين كلّهم وتفانوا وأُبيدوا ولم يبقَ أحد، بقيَعليه‌السلام يستغيث فلا يُغاث، وأيقنَ بالموت، أتى إلى نحو الخيمة وقال لأخته:(ائتيني بثوبٍ عتيق لا يرغب فيه أحد من القوم، أجعلهُ تحت ثيابي لئلاّ أُجرّد منه بعد قتلي)، قال: فارتفعت أصوات النساء بالبكاء والنحيب، ثمّ أوتيَ بثوبٍ فخرقهُ ومزّقه من أطرافه وجعله تحت ثيابه، وكانت له سراويل جديدة فخرَقها أيضاً؛ لئلاّ تُسلب منه)(٣) .

ثباتُ الإمام الحسينعليه‌السلام ورباطة جأشه

يروي الطبري عن عبد الله بن عمّار بن عبد يغوث البارقيّ قوله في وصف شجاعة الإمامعليه‌السلام : (فو الله ما رأيت مكثوراً قطّ قد قُتل وِلدهُ وأهل بيته وأصحابه أربط جاشاً، ولا أمضى جناناً منه، ولا أجرأ مَقدماً! والله، ما رأيتُ قبله ولا بعده مثله! إنْ كانت الرجّالة لتنكشف من عن يمينه وشماله انكشاف المِعزى إذا شدّ فيها

____________________

= الإرشاد ٢: ١١١، الدر النظيم: ٥٥٨، إعلام الورى: ١: ٤٦٨.

(١) المعجم الكبير ٣: ١٢٥، مثير الأحزان: ٧٤، لواعج الأشجان: ١٦٢، اللهوف ١٧٤.

(٢) مناقب آل أبي طالبعليهم‌السلام : ٤: ١٠٩.

(٣) المنتخب: ٤٥١، وانظر: مقتل الحسينعليه‌السلام للمقرّم: ٢٧١ - ٢٧٢.


الذئب...)(١) .

وفي عيون الأخبار عن هذا البارقيّ (٢) أيضاً: (ما رأيتُ قطّ أربط جأشاً من الحسين! قُتل وِلده وجميع أصحابه حوله، وأحاطت به الكتائب، فو الله لكان يشدّ عليهم فينكشفوا عنه انكشاف المِعزى إذا شدّ عليها الأسد! فمكثَ مليّاً والناس يدافعونه ويكرهون الإقدام عليه)(٣) .

ويقول السيّد ابن طاووس (ره) فيما يرويه: (.. ولقد كان يحمل فيهم، ولقد تكمّلوا ثلاثين ألفاً فيُهزمون بين يديه كأنّهم الجراد المنتشر! ثمّ يرجع إلى مركزه وهو يقول:(لا حول ولا قوّة إلاّ بالله!) )(٤) .

ويقول ابن شهرآشوب: (وجعلَ يُقاتل حتّى قتلَ ألفاً وتسعمئة وخمسين سوى المجروحين، فقال عمر بن سعد لقومه: ويلكم أتدرون مَن تبارزون؟! هذا ابن الأنزع البطين! هذا ابن قتّال العرب! فاحمِلوا عليه من كلّ جانب! فحملوا بالطعن مئة وثمانين! وأربعة آلاف بالسهام!...)(٥) .

الإمامُعليه‌السلام يستولي على شريعة الفرات

قال ابن شهرآشوب: (وروى أبو مخنف عن الجلودي: أنّ الحسين حملَ على

____________________

(١) تاريخ الطبري: ٣: ٣٣٣ - ٣٣٤، وانظر: الكامل في التاريخ: ٣: ٢٩٥.

(٢) اسمه في عيون الأخبار: عبيد الله بن عمارة بن عبد يغوث.

(٣) راجع: عيون الأخبار: ١٣٤، وسعد السعود: ١٣٦، وشرح الأخبار: ٣: ١٦٣، وأنساب الأشراف: ٣: ٤٠٨.

(٤) اللهوف: ١٠٥.

(٥) مناقب آل أبي طالب: ٤: ١١١.


الأعور السلمي وعمرو بن الحجّاج الزبيدي، وكانا في أربعة آلاف رجل على الشريعة، وأقحمَ الفرس على الفرات، فلما أولغَ الفرَس برأسه ليشرب قالعليه‌السلام :(أنت عطشان، وأنا عطشان، والله، لا أذوقُ الماء حتّى تشرب!) ، فلمّا سمعَ الفرَس كلام الحسين شالَ رأسه ولم يشرب كأنّه فهم الكلام! فقال الحسين:اشرب فأنا أشرب) ، فمدَّ الحسين يده فغرفَ من الماء، فقال فارس: يا أبا عبد الله، تتلذّذ بشرب الماء وقد هُتكت حُرمتك؟! فنفضَ الماء من يده، وحملَ على القوم فكشفهم فإذا الخيمة سالمة)(١) .

الوداع الأخير

قال العلاّمة المجلسي (ره) في كتابه (جلاء العيون): (ثمّ ودّع ثانياً أهل بيته،

____________________

(١) مناقب آل أبي طالبعليهم‌السلام : ٤: ٥٧ وقال المرحوم المحقّق السيّد المقرّم في كتابه المقتل: ٢٧٥: (لا أضمن صحة هذا الحديث المتضمن لامتناع الفرس من الشرب، ولِرمي الحسين الماء من يده لمجرّد قول الأعداء، وهو العالِم بأنّه مكيدة، ولكنّ خصائص هذا اليوم المختصة بسيد الشهداء ومَن معه على أن يقضوا عطاشى، خارجة عمّا نعرفهُ ولا سبيل لنا إلاّ التسليم بعد أن كان الإمامعليه‌السلام حكيماً في أفعاله وأقواله، لا يعلم إلاّ بما تلقّاه من جدّه الذي لا ينطق عن الهوى، كل قضايا الطف محدودة الظرف والمكان لأسرار ومصالح لا يعلمها إلاّ ربّ العالمين تعالى شأنه.

وهناك شيء آخر لاحظهُ سيّد الشهداء وكانت العرب تتفانى دونه وهو حماية الحَرم بأنفس الذخائر، وأبو عبد الله سيد العرب وابن سيدها فلا تفوته هذه الخصلة التي يستهلك دونها النفس والنفيس، ولمّا ناداه الرجل هُتكت الحَرم لم يشرب الماء! إعلاماً للجَمع لِما يحمله من الغيرة على حَرمه، ولو لم يُبالِ بالنداء لَتيقّنَ الناس فقدانه الحميّة العربية، ولا يقدِم عليه أبيّ الضيم حتى لو علِم بكذب النداء، وفعلُ سيد الأُباة من عدم شرب الماء ولو في آنٍ يسير هو غاية ما يمدح به الرجل).


وأمَرهم بالصبر، ووعدهم بالثواب والأجر، وأمرَهم بلبس أُزرهم، وقال لهم:

(استعدّوا للبلاء، واعلموا أنّ الله تعالى حافظكم وحاميكم، وسينجّيكم من شرّ الأعداء، ويجعل عاقبة أمركم إلى خير، ويُعذّب أعاديكم بأنواع البلاء، ويعوّضكم الله عن هذه البلية بأنواع النِعم والكرامة، فلا تشكوا، ولا تقولوا بألسِنتكم ما ينقص من قدركم ) (١) .

وقال المحقّق السيّد المقرّم (ره): (حقاً لو قيل بأنّ هذا الموقف من أعظم ما لاقاه سيد الشهداءعليه‌السلام في هذا اليوم، فإنّ عقائل النبوة تشاهد عماد أخبيتها، وسياج صونها، وحِمى عزّها، ومعقد شرفها مؤذِناً بفِراق لا رجوع بعده، فلا يدرين بمَن يعتصمن من عادية الأعداء، وبمَن العزاء بعد فقْده، فلا غرو إذا اجتمعنَ عليه وأحطن به وتعلّقن بأطرافه بين صبيٍّ يئنُّ، ووالهةٍ أذهلها المصاب، وطفلة تطلب الأمن، وأخرى تنشد الماء!

إذاً فما حال سيد الغيارى ومثال الحنان وهو ينظر بعلمه الواسع إلى ودائع الرسالة وحرائر بيت العصمة، وهنّ لا يعرفن إلاّ سجف العزّ وحجب الجلال، كيف يتراكضن في هذه البيداء المقفرة بعَولة مشجية، وهتاف يُفطّر الصخر الأصم، وزفرات متصاعدة من أفئدة حرّى! فإنْ فررنَ فعن السلب، وإن تباعدنَ فمن الضرب، ولا محام لهنّ غير الإمام الذي أنهكته العلّة)(٢) .

____________________

(١) جلاء العيون: ٢٠١، وعنه نَفَس المهموم: ٣٥٥.

(٢) مقتل الحسينعليه‌السلام للمقرّم: ٢٧٦.


الإمامعليه‌السلام وابنته سكينةعليها‌السلام

والتفت الحسين إلى ابنته سكينة التي يصفها للحسن المثنّى بأنّ الاستغراق مع الله غالب عليها! فرآها منحازة عن النساء باكية نادبة فوقف عليها مصبّراً، ومسلّياً ولسان حاله يقول:

هذا الوداع عزيزتي والملتقى

يوم القيامة عند حوض الكوثر

فدعي البكاء وللأسار تهيأي

واستشعري الصبر الجميل وبادري

وإذا رأيتني على وجه الثرى

دامي الوريد مبضَّعاً فتصبّري(١)

فقال عمر بن سعد: ويحكم اهجموا عليه ما دام مشغولاً بنفسه وحُرَمه، والله، إن فرغَ لكم لا تمتاز ميمنتكم عن ميسرتكم، فحملوا عليه يرمونه بالسهام حتى تخالفت السهام بين أطناب المخيّم، وشكّ سهم بعض أزر النساء فدُهشن وأُرعبن وصِحن ودخلنَ الخيمة ينظرن إلى الحسين كيف يصنع، فحملَ عليهم كالليث الغضبان فلا يلحق أحداً إلاّ بَعجه بسيفه فقتله، والسهام تأخذه من كل ناحية وهو يتّقيها بصدره ونحره)(٢) .

وقال ابن شهرآشوب: (ثمّ ودّع النساء وكانت سكينة تصيح فضمّها إلى صدره وقال:

سيطولُ بعدي يا سكينة فاعلَمي

مـنك البكاء إذا الحِمام دَهاني

لا تـحرقي قلبي بدمعكِ حسرة

ما دام منّي الروح في جثماني

فـإذا قُـتلتُ فأنتِ أَولى بالذي

تـأتينه يا خيرة النسوان(٣)

____________________

(١) هذه الأبيات للخطيب الشاعر الشيخ مسلم بن محمد علي الجابري النجفي (ره) (راجع: مقتل الحسينعليه‌السلام للمقرّم: ٢٢٧).

(٢) مقتل الحسين للمقرّم: ٢٧٧ - ٢٧٨.

(٣) مناقب آل أبي طالبعليهم‌السلام : ٤: ١٠٩.


وصايا الإمامعليه‌السلام

من جملة الأعمال المهمّة التي قام بها الإمام الحسينعليه‌السلام يوم عاشوراء قبل مقتله، دَفعُ الوصايا إلى ابنه الإمام علي بن الحسين زين العابدينعليه‌السلام ، حيث كان مريضاً ولم يستطع الجهاد بين يدي أبيه الحسينعليه‌السلام .

قال المسعودي: (ثُمّ أُحضر علي بن الحسينعليه‌السلام - وكان عليلاً - فأوصى إليه بالاسم الأعظم ومواريث الأنبياءعليهم‌السلام ، وعرّفه أن قد دفعَ العلوم والصحف والمصاحف والسلاح إلى أمّ سلمةرضي‌الله‌عنها وأمرَها أن تدفع جميع ذلك إليه)(١) .

وفي دعوات الراوندي للراوندي: عن الإمام زين العابدينعليه‌السلام قال:

(ضمّني والديعليه‌السلام إلى صدره حين قُتل والدماء تغلي، وهو يقول: يا بني احفظ عنّي دعاءً علّمتنيه فاطمة صلوات الله عليها، وعلّمها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعلّمه جبرئيل في الحاجة، والهمّ والغمّ، والنازلة إذا نزلت، والأمر العظيم الفادح.

قال: أُدع: (بحقّ يس والقرآن الحكيم، وبحقّ طه والقرآن العظيم، يا مَن يقدر على حوائج السائلين، يا مَن يعلم ما في الضمير، يا مُنفّس عن المكروبين، يا مُفرّج عن

____________________

(١) إثبات الوصية: ١٧٧، وفيه أيضاً في حديث عن خديجة بنت محمد بن علي الرضا أخت أبي الحسن العسكريعليه‌السلام : أنَّ الإمام أوصى إلى أخته زينب بن عليعليها‌السلام في الظاهر، فكان ما يخرج من علي بن الحسينعليهما‌السلام في زمانه من علمٍ يُنسب إلى زينب بنت علي عمّته، ستراً على علي بن الحسينعليه‌السلام وتقية واتقاء عليه (إثبات الوصيّة: ٢٠٦)، راجع: نَفَس المهموم: ٣٤٧، إثبات الهداة: ٥: ٢١٦، حديث ٩، وفيه ص١٨١: (فلمّا قرُب استشهاد أبي عبد اللهعليه‌السلام دعاه وأوصى إليه، وأمره أن يتسلم ما خلّفه عند أمّ سلمة رحمها الله مع مواريث الأنبياء والسلاح والكتاب).


المغمومين، يا راحمَ الشيخ الكبير، يا رازق الطفل الصغير، يا مَن لا يحتاج إلى التفسير، صلّ على محمد وآل محمد وافعل بي كذا وكذا) (١) .

وروي عن أبي جعفرعليه‌السلام أنّه قال:(إنّ الحسين عليه‌السلام لمّا حضرهُ الذي حضره دعا ابنته الكبرى فاطمة بنت الحسين عليها‌السلام (٢) ،فدفعَ إليها كتاباً ملفوفاً ووصية ظاهرة، وكان علي بن الحسين عليهما‌السلام مبطوناً معهم لا يرون إلاّ أنّه لِما به، فدَفعت فاطمة الكتاب إلى علي بن الحسين عليهما‌السلام ثمّ صار ذلك إلينا) (٣) .

الهجوم على رَحْل الإمامعليه‌السلام وعياله

روى الطبري عن أبي مخنف: (ثمّ إنّ شمر بن ذي الجوشن أقبلَ في نفر من عشرة من رجّالة أهل الكوفة قِبَل منزل الحسين الذي فيه ثقله وعياله، فمشى نحوه، فحالوا بينه وبين رحله، فقال الحسين:

(ويلكم إن لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون يوم المعاد، فكونوا في أمر دنياكم أحراراً ذوي أحساب، امنَعوا رحلي وأهلي من طغامكم (٤) وجهّالكم).

فقال ابن ذي الجوشن: ذلك لك يا بن فاطمة(٥) .

____________________

(١) دعوات الرواندي: ٥٤، ح١٣٧، البحار: ٩٥: ١٩٦، ح٢٩.

(٢) هي فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب القرشية الهاشمية المدنية، أخت علي بن الحسين زين العابدين... وكانت فيمن قدِم دمشق بعد قَتل أبيها، ثمّ خرجت إلى المدينة (راجع: تهذيب الكمال ٣٥: ٢٥٥).

(٣) بصائر الدرجات: ١٦٤، إثبات الهداة: ٥: ٢١٥، ح٥، البحار: ٢٦: ٣٥، ح٦٢.

(٤) تاريخ الطبري، ٣: ٣٣٣، وأنساب الأشراف ٣: ٤٠٧، والكامل في التاريخ ٤: ٧٦.

(٥) اللهوف: ١٧١.


وفي اللهوف أنهّعليه‌السلام قال لهم:

(يا شيعة آل أبي سفيان، إنْ لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحراراً في دنياكم، وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عُرباً كما تزعمون) (١) .

وعن ابن صبّاغ المالكي أنّه: (حملَ عليهم حملةً منكرة قتلَ فيها كثيراً من الرجال والأبطال، ورجعَ سالماً إلى موقفه عند الحريم، ثمّ حملَ حملة أخرى وأراد الكرَّ راجعاً إلى موقفه، فحال الشمر بن ذي الجوشن لعنه الله بينه وبين الحريم والمرجع إليهم في جماعة من أبطالهم وشجعانهم، وأحدَقوا به، ثمّ إنّ جماعة منهم تبادروا إلى الحريم والأطفال يريدون سلبهم فصاح الحسين:

(وَيحَكم يا شيعة الشيطان، كفّوا سفهاءكم عن التعرّض للنساء والأطفال فإنّهم لم يقاتلوا) .

فقال الشمر لعنه الله: كفّوا عنهم واقصدوا الرجل بنفسه)(٢) .

وعن المدائني: وحملَ شمر - لعنه الله - على عسكر الحسين، فجاء إلى فسطاطه لينهبهُ، فقال له الحسينعليه‌السلام :(ويلكم إنْ لم يكن لكم دين فكونوا أحراراً في الدنيا، فرحْلي لكم عن ساعة مباح) ، قال: فاستحى ورجع)(٣) .

العطش يشتدّ بالإمامعليه‌السلام في حمْلته الأخيرة

قال الخوارزمي: (فقصدهُ القوم بالحرب من كلّ جانب، فجعلَ يحمل عليهم

____________________

(١) فسّره ابن منظور في لسان العرب ٢: ٩٤، بمعنى أراذل الناس.

(٢) الفصول المهمة: ١٩، وتسلية المجالس ٢: ٣١٨، ونور الأبصار: ١٤٤.

(٣) مقاتل الطالبيين: ١١٨.


ويحملون عليه، وهو في ذلك يطلب الماء ليشرب منه شربة!(١) فكلّما حملَ بفرسه على الفرات حملوا عليه حتّى أجْلَوه عنه، ثمّ رماه رجل يُقال له أبو الحتوف الجعفي بسهم فوقعَ السهم في جبهته، فنزعَ الحسين السهم ورمى به، فسالَ الدم

____________________

(١) تُطبِق كتب التاريخ والتراجم على أنّ الإمام الحسينعليه‌السلام لم يشرب الماء يوم عاشوراء، حتّى قضى شهيداً ظامئاً قد فطرَ قلبه العطش الشديد، ولقد كانت الأوامر الصارمة قد صدرت إلى الجيش الأموي من قِبل قياداته بحرمان الإمامعليه‌السلام وأنصاره (رض) - بل وجميع مَن في رَكبه - من الماء حتى يموتوا عَطشاً!

وظلّ هذا القرار حاكماً حتّى بعد أن صار الإمامعليه‌السلام وحيداً قد تفطّر قلبه عطشاً، يقول أبو الفرج الأصبهاني: (وجعل الحسين يطلب الماء، وشمر - لعنه الله - يقول له: والله، لا ترِدهُ أو ترِد النار! فقال له رجل: ألا ترى إلى الفرات يا حسين كأنّه بطون الحيّات، والله لا تذوقه أو تموت عَطشاً! فقال الحسين:(اللّهم أمِتْه عطشاً) .

قال: والله، لقد كان هذا الرجل يقول: اسقوني ماء، فيؤتى بماءٍ فيشرب حتى يخرج من فيه! وهو يقول: اسقوني، قَتَلني العطش! فلم يزل كذلك حتى مات). (مقاتل الطالبيين: ١١٨).

إلاّ أنّ هناك نصوصاً شاذّة تفيد أنّ الإمامعليه‌السلام بعد أن صار وحيداً واشتدّ به العطش دعا بقدح من الماء، فأُعطي، فلمّا وضعه في فمه الشريف رماه الحصين بن نمير (أو تميم) بسهم، فأصابهُ في فمه، وحالَ بينه وبين شرب الماء، فألقى القدح من يده (راجع: بغية الطلب: ٦: ٢٦ - ٢٩)، أو أنّه لمّا اشتدّ به العطش دَنا من الماء ليشرب، فرماه حصين بن تميم بسهم فوقعَ في فمه، فجعلَ يتلقّى الدم من فمه ويرمي به، ثمّ يقول:(اللّهم أحصهم عدداً) . (راجع: أنساب الأشراف: ٣: ٤٠٧).

أو أنّه (عطشَ حسين فجاء رجل بماء فتناوله، فرماه حصين بن تميم بسهم فوقعَ في فيه، فجعل يتلقّى الدم بيده ويحمد الله)، (راجع: سير أعلام النبلاء: ٣: ٣٠٢)، ويُلاحظ أنّ هذا النصّ الأخير - على إبهامه - لا يفيد بالضرورة أنّه تناولَ الماء أي شربه، بل الأظهر أنّه تناول وعاء (قدح) الماء، فحالَ سهم حصين بن تميم بينه وبين شرب الماء فلم يشربه، هذا على فرض صحّة الخبر ودقّة النصّ، وهو كما ترى!


على وجهه ولحيته(١) ، فقال:

(اللّهمّ قد ترى ما أنا فيه من عبادك هؤلاء العُصاة العتاة، اللّهمّ فأحصِهم عَدداً، واقتلهم بَدداً، ولا تذر على وجه الأرض منهم أحداً، ولا تغفر لهم أبداً).

ثمّ حملَ عليهم كالليث المغضب، فجعلَ لا يلحق أحداً إلاّ بَعجه بسيفه وألحقه بالحضيض، والسهام تأخذه من كلّ ناحية، وهو يتلقّاها بنحره وصدره، ويقول:

(يا أُمّة السوء! بئسما خَلفتم محمّداً صلى‌الله‌عليه‌وآله في عترته! أمَا إنّكم لن تقتلوا بعدي عبداً من عباد الله الصالحين فتهابوا قتله، بل يهون عليكم عند قتلكم إيّاي، وأيمُ الله، إنّي لأرجو أن يُكرمني ربّي بهوانكم، ثمّ ينتقِم منكم من حيث لا تشعرون !

فصاحَ به الحُصين بن مالك السكوني: يا بن فاطمة، بماذا ينتقم لك منّا؟

فقال:

يُلقي بأسكم بينكم، ويسفك دماءكم، ثمّ يصبّ عليك العذاب الأليم) .

____________________

(١) يروي ابن عساكر بسند عن مسلم بن رباح - مولى لعليّ بن أبي طالبعليه‌السلام - أنّه قال: (كنتُ مع الحسين بن علي يوم قُتل، فرُمي في وجهه بنشّابة فقال لي:(يا مسلم، أدنِ يديك من الدم، فأدنيتهما، فلمّا امتلأتا قال:أسكِبه في يدي، فسكبتهُ في يده، فنفحَ بهما إلى السماء وقال:اللّهمّ اطلب بدم ابن بنت نبيّك)!

قال مسلم: فما وقعَ منه إلى الأرض قطرة). (راجع: تاريخ ابن عساكر، ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام - تحقيق المحمودي ٢٣٤٥، رقم ٢٨١).


ثمّ جعل يُقاتل حتّى أصابته اثنتان وسبعون جراحة(١) )(٢) .

أمّاالطبري ، فيروي هذه اللحظات المأساوية عن لسان حميد بن مسلم قال: (كانت عليه جُبّة من خزّ، وكان مُعتمّاً وكان مخضوباً بالوسمة، وسمعتهُ يقول قبل أن يُقتل، وهو يقاتل على رجليه قتال الفارس الشجاع، يتّقي الرمية، ويفترص العورة، ويشدّ على الخيل، وهو يقول:

(أعلى قتلي تحاثّون؟! أمَا والله لا تقتلون بعدي عبداً من عباد اللهِ اللهُ أسخط عليكم لقتله منّي، وأيمُ الله إنّي لأرجو أنْ يُكرمني الله بهوانكم، ثمّ ينتقم لي

____________________

(١) هذا العدد من الجراحات حتّى تلكم اللحظة من القتال، وإلاّ فإنّ الروايات قد تفاوتت في مجموع عدد الإصابات التي تعرّض لها الإمامعليه‌السلام حتّى لحظة استشهاده، فقد روى الشيخ الصدوق في أماليه عن الإمام الباقرعليه‌السلام قال:(أُصيب الحسين بن علي عليه‌السلام ووجِد به ثلاثمئة وبضعة وعشرين طعنة برمح أو ضربة بسيف أو رمية بسهم فروي أنّها كانت كلّها في مقدّمه؛ لأنّه عليه‌السلام كان لا يولّي!) ، (أمالي الصدوق: ١٣٩ المجلس ٣١، حديث رقم ١).

وقال الخوارزمي: (ورويَ أنّه وجِد في قميصه مئة وبضع عشرة ما بين رمية وطعنة وضربة، وقال جعفر بن محمد بن علي بن الحسينعليه‌السلام :(وُجد فيه ثلاث وثلاثون طعنة، وأربع وثلاثون ضربة) ، (مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢: ٤٢).

وروى الشيخ الطوسي بسنده عن معاذ بن مسلم قال: سمعتُ أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول:(وُجد بالحسين بن عليّ نيّف وسبعون ضربة بالسيف) . (أمالي الطوسي: ٦٧٧، وراجع: أنساب الأشراف ٣: ٤٠٩).

وقال ابن شهرآشوب: (ورويَ ثلاثمئة وستّون جراحة، وقيل: ثلاث وثلاثون ضربة سوى السهام، وقيل: ألف وتسعمائة جراحة، وكانت السهام في درعه كالشوك في جلد القنفذ، وروي أنّها كانت كلّها في مقدّمه). (مناقب آل أبي طالبعليهم‌السلام ٤: ١١١)، وانظر أيضاً: الحدائق الوردية: ١٢٣، وتاج المواليد: ١٠٧، وتذكرة الخواص: ٢٢٨، ومروج الذهب ٣: ٧١، وتاريخ الطبري: ٣: ٣٣٤، ومرآة الزمان: ١: ١٣٣، وروضة الواعظين: ١٨٩، وغير هذه المصادر.

(٢) مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢: ٣٨ - ٣٩.


منكم من حيث لا تشعرون، أمَا والله، أنْ لو قتلتموني لقد ألقى الله بأسكم بينكم، وسفكَ دماءكم، ثمّ لا يرضى لكم حتّى يضاعف لكم العذاب الأليم).

قال: ولقد مكثَ طويلاً من النهار، ولو شاء الناس أن يقتلوه لفعلوا، ولكنّهم كان يتّقي بعضهم ببعض، ويحبّ هؤلاء أن يكفيهم هؤلاء.

قال: فنادى شمر في الناس: وَيحَكم! ماذا تنتظرون بالرجل؟! اقتلوه ثكلتكم أمّهاتكم!

قال: فحُملَ عليه من كلّ جانب فضُربت كفّه اليسرى ضربة، ضَربها زرعة بن شريك التميمي، وضُرب على عاتقه، ثمّ انصرفوا وهو ينوء ويكبو!)(١) .

____________________

(١) تاريخ الطبري: ٣: ٣٣٤، أمّا الشيخ المفيد (ره) فقد روى هذا الموقف عن حميد بن مسلم هكذا: (فو الله ما رأيتُ مكثوراً قطّ قد قُتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جاشاً، ولا أمضى جناناً منهعليه‌السلام ، إن كانت الرجّالة لتشدّ عليه فيشدّ عليها بسيفه فتنكشف عن يمينه وشماله انكشاف المِعزى إذا شدَّ فيها الذئب، فلمّا رأى ذلك شمر بن ذي الجوشن استدعى الفرسان فصاروا في ظهور الرجّالة، وأمرَ الرُماة أن يرموه، فرشقوهُ بالسهام حتى صار كالقنفذ! فأحجمَ عنهم، فوقفوا بإزائه، وخرجت أخته زينب إلى باب الفساط فنادت عمر بن سعد بن أبي وقّاص: ويحكَ يا عمر! أَيُقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه؟! فلم يُجبها عمر بشيء، فنادت: وَيحَكم أمَا فيكم مسلم؟! فلم يجبها أحدٌ بشيء، ونادى شمر بن ذي الجوشن الفرسان والرجّالة فقال: وَيحَكم! ما تنتظرون بالرجل؟ ثكلتكم أمّهاتكم.

فحُمل عليه من كلّ جانب، فضربهُ زرعة بن شريك على كفّه (كتفه) اليسرى فقطعها، وضربه آخر منهم على عاتقه فكبا منها لوجهه، وطعنهُ سنان بن أنس بالرمح فصرعه..). (الإرشاد: ٢: ١١١ - ١١٢)، وفي اللهوف: ١٧٥: (وخَرجت زينب من باب الفسطاط وهي تنادي: وا أخاه! وا سيّداه! وأهل بيتاه! ليتَ السماء انطبقت على الأرض، وليتَ الجبال تَدكدكت على السهل).


السهم المحدّد المسموم القاتل

أمّا الخوارزمي، فيواصل تفاصيل المقتل - بعد أن ذكرَ كيف أنّ الإمامعليه‌السلام حملَ على القوم حملة الليث المغضب، فجعل لا يلحق أحداً إلاّ بَعجه بسيفه وألحقهُ بالحضيض، والسهام تأخذه من كلّ ناحية، وهو يتلقّاها بنحره وصدره، حتّى أصابته اثنتان وسبعون جراحة - فيقول: (فوقفَ يستريح وقد ضعُف عن القتال، فبينا هو واقف إذ أتاه حجَر فوقعَ على جبهته، فسالت الدماء من جبهته، فأخذَ الثوب ليمسح عن جبهته فأتاه سهم محدّد مسموم، له ثلاث شُعب، فوقعَ في قلبه، فقال الحسينعليه‌السلام :(بسم الله وبالله وعلى ملّة رسول الله - ورفعَ رأسه إلى السماء - وقال:إلهي، إنّك تعلم أنّهم يقتلون رجلاً ليس على وجه الأرض ابن نبيّ غيره!

ثمّ أخذَ السهم وأخرجهُ من وراء ظهره فانبعثَ الدم كالميزاب! فوضعَ يده على الجرح، فلمّا امتلأت دَماً رمى بها إلى السماء، فما رجعَ من ذلك قطرة، وما عُرفت الحمرة في السماء حتّى رمى الحسين بدمه إلى السماء! ثمّ وضع يده على الجرح ثانياً، فلمّا امتلأت لطّخ بها رأسه ولحيته وقال:

هكذا واللهِ أكون حتّى ألقى جدّي محمّداً صلى‌الله‌عليه‌وآله وأنا مخضوب بدمي، وأقول: يا رسول الله، قَتَلني فلان وفلان) .

ثمّ ضعُف عن القتال، فوقفَ مكانه، فكلّما أتاه رجل من الناس وانتهى إليه انصرف عنه، وكرهَ أن يلقى الله بدمه! حتّى جاءه رجلٌ من كندة يقال له مالك بن نسر، فضربهُ بالسيف على رأسه، وكان عليه برنس، فقطعَ البرنس وامتلأ دَماً، فقال له الحسين:(لا أكلتَ بيمينك ولا شربتَ بها، وحشركَ الله مع الظالمين) (١) .

____________________

(١) وهنا في هذا الموقع يخرج عبد الله بن الحسنعليهما‌السلام من عند النساء، وهو غلام لم يراهق فيشدّ حتى يصل إلى عمّه الحسينعليه‌السلام ، فيقتلهُ بحر بن كعب لعنه الله، راجع تفصيل مقتله في ترجمته =


ثمّ ألقى البُرنس ولبسَ قلنسوة واعتمّ عليها، وقد أعيى وتبلَّد، وجاء الكندي فأخذَ البرنس(١) - وكان من خزّ - فلمّا قُدم به بعد ذلك على امرأته أم عبد الله ليغسله من الدم، قالت له امرأتُه: أتسلُب ابن بنت رسول الله برنسه وتدخل بيتي؟! اُخرجْ عنّي حشا اللهُ قبرك ناراً، وذكر أصحابه أنّه يبست يداه، ولم يزل فقيراً بأسوأ حال إلى أن مات.

ثمّ نادى شمر: ما تنتظرون بالرجل؟ فقد أثخنتهُ السهام، فأخذت به الرماح والسيوف، فضربه رجل يُقال له: زرعة بن شريك التميمي ضربة منكرة، ورماه سنان بن أنس بسهم في نحره، وطعنه صالح بن وهب المرّي على خاصرته طعنة منكرة، فسقطَ الحسين عن فرسه(٢) إلى الأرض على خدّه الأيمن، ثمّ استوى جالساً

____________________

= من هذا المقتل في أبناء الحسنعليه‌السلام .

(١) وانظر أيضاً: عيون الأخبار: ١٠٥ وفيه: (مالك بن بشير)، والبداية والنهاية: ٨: ١٨٦ - ١٨٨ وفيه: (ومكثَ الحسين نهاراً طويلاً وحده لا يأتي أحدٌ إليه إلاّ رجعَ عنه لا يحبّ أن يلي قتله)، ومثير الأحزان: ٧٣، والخطط والمقريزية: ٢٢٨، وغرر الخصائص الواضحة: ٣٣٧ وفيه: (فكانَ بعضهم يُحيل على بعض)، واللهوف: ١٧٢، وشرح الأخبار: ٣: ١٦٣، والأخبار الطوال: ٢٥٨، وأخبار الدول: ١٠٨، وسير أعلام النبلاء: ٣: ٣٠٢، والمنتظم: ٥: ٣٤٠، وأنساب الأشراف: ٣: ٤٠٨: (وأخذَ الكنديّ البرنس، فيقال إنّه لم يزل فقيراً وشُلّت يداه)، وتاريخ الطبري: ٣: ٣٣١.

(٢) قال الخوارزمي: (وأقبلَ فرس الحسين، وقد عدا من بين أيديهم أن لا يؤخذ فوضعَ ناصيته بدم الحسين، وذهب يركض إلى خيمة النساء، وهو يصهل ويضرب برأسه الأرض عند الخيمة، فلمّا نظرت أخوات الحسين وبناته وأهله إلى الفرس ليس عليه أحد، رفعنَ أصواتهنّ بالصراخ والعويل، ووضعت أمّ كلثوم يدها على أُمّ رأسها ونادت: وا محمّداه! وا جدّاه! وا نبيّاه! وا أبا القاسماه! وا عليّاه! وا جعفراه! وا حمزتاه! وا حسناه! هذا حسين بالعراء! صريع بكربلاء! محزوز الرأس من القفا! مسلوب العمامة والرداء! ثمّ غُشي عليها..). (مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢: ٤٢ - ٤٣). =


ونزعَ السهم من نحره(١) ، ثمّ دنا عمر بن سعد من الحسين ليراه!

قال حميد بن مسلم: وخَرجَت زينب بنت عليّ وقرطاها يجولان في أُذنيها(٢)

____________________

= وقال المقرّم (ره): (وأقبلَ الفرس يدور حوله ويلطّخ ناصيته بدمه! فصاح ابن سعد: دونكم الفرس فإنّه من جياد خيل رسول الله، فأحاطت به الخيل، فجعلَ يرمح برجليه حتى قتلَ أربعين رجلاً وعشرة أفراس! فقال ابن سعد: دعوه لننظر ما يصنع؟ فلمّا أمِنَ الطلب أقبلَ نحو الحسين يُمرّغ ناصيته بدمه ويشمّه ويصهل صهيلاً عالياً! قال أبو جعفر الباقرعليه‌السلام :(كان يقول: الظليمة الظليمة من أُمّةٍ قتلت ابن بنت نبيّها!)، وتوجّه نحو المخيّم بذلك الصهيل). (مقتل الحسينعليه‌السلام للمقرّم: ٢٨٣).

(١) ولمّا اشتدّ به الحال رفعَ طرفه إلى السماء يدعو الله ويناجيه قائلاً:(اللّهم متعالِ المكان، عظيم الجبروت، شديد المحال، غنيّ عن الخلائق، عريض الكبرياء، قادر على ما تشاء، قريب الرحمة، صادق الوعد، سابغ النعمة، حسن البلاء، قريب إذا دُعيت، محيط بما خَلقت، قابل التوبة لمَن تاب إليك، قادر على ما أردتَ، تدرك ما طلبتَ، شكور إذا شكرت، ذَكور إذا ذكرت، أدعوك محتاجاً، وأرغب إليك كافياً، اللهمّ احكُم بيننا وبين قومنا فإنّهم غرّونا وخَذلونا وغدروا بنا وقتلونا، ونحن عترة نبيك، ووِلد حبيبك محمد عليه‌السلام الذي اصطفيته بالرسالة، وائتمنتهُ على الوحي، فاجعل لنا من أمرنا فرجاً ومخرجاً يا أرحم الراحمين.

صبراً على قضائك يا ربّ، لا إله سواك، يا غياث المستغيثين، ما لي ربّ سواك، ولا معبود غيرك، صبراً على حكمك، يا غياث مَن لا غياث له، يا دائماً لا نفاذ له، يا محيي الموتى، يا قائماً على كلّ نفس بما كسبت، اُحكم بيني وبينهم وأنت خير الحاكمين). (راجع: مقتل الحسينعليه‌السلام للمقرّم: ٢٨٢ عن مصباح المتهجّد، والإقبال، وأسرار الشهادة، ورياض المصائب).

وفي هذا الموقع: لمّا صُرع الحسينعليه‌السلام خرجَ محمّد بن أبي سعيد بن عقيلعليهم‌السلام وهو غلام، مذعوراً يلتفت يميناً وشمالاً فشدّ عليه لقيط بن إياس الجهني فقتلهُ، وقيل: قتلهُ هاني بن ثبيت الحضرمي، راجع تفاصيل مقتله في ترجمته من هذا المقتل في مقاتل آل عقيلعليهم‌السلام .

(٢) وعلى فرض صحّة خبر خروج زينبعليها‌السلام ، فإنّنا نسأل هذا الراوي اللعين حميد بن مسلم: كيف رأى قرطَي زينبعليها‌السلام وهي امرأة لها من العمر أكثر من خمسين عاماً، وهي ابنة عليّ المصونة =


وهي تقول:ليت السماء أُطبقت على الأرض! يا بن سعد، أيُقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه؟! فجعلت دموعه تسيل على خدّيه ولحيته، فصرفَ وجهه عنها، والحسين جالسٌ وعليه جُبّة خز، وقد تحاماه الناس، فصاح شمر: وَيحَكم ما تنتظرون؟! اقتلوه ثكلتكم أمّهاتكم، فضربهُ زرعة بن شريك فأبان كفّه اليسرى، ثمّ ضربه على عاتقه فجعلعليه‌السلام يكبو مرّة ويقوم أخرى، فحملَ عليه سنان ابن أنس في تلك الحالة فطعنه بالرمح فصرعه(١) ، وقال لخولّي بن يزيد: احتزّ رأسه، فضعُف وارتعدت يداه، فقال له سنان: فتّ الله عضُدك وأبان يدك(٢) ، فنزلَ إليه نصر بن خرشة الضبابي، وقيل: بل شمر بن ذي الجوشن(٣) ، وكان أبرَص فضربهُ برِجله، وألقاه على قفاه، ثمّ أخذَ بلحيته! فقال له الحسينعليه‌السلام :(أنت الكلبُ الأبقع الذي رأيته في منامي) !

____________________

= العقيلة المحجّبة، وقبل أن تُسلب النساء ما عليها من الحجاب؟!

(١) وفي اللهوف: ١٧٦: (فضربهُ زرعة بن شريك على كتفه اليسرى، وضرب الحسينعليه‌السلام زرعة فصرعه، وضربَ آخر على عاتقه المقدّس بالسيف ضربة كباعليه‌السلام بها لوجهه، وكان قد أعيا وجعل ينوء ويكبو، فطعنه سنان بن أنس النخعي في ترقوته، ثمّ انتزعَ الرمح فطعنه في بواني صدره، ثمّ رماهُ سنان أيضاً بسهم فوقعَ السهم في نحره..).

(٢) انظر أيضاً: تاريخ الطبري: ٣: ٣٣٤.

(٣) تفاوتت المصادر التاريخية فيمَن هو قاتل الإمامعليه‌السلام الذي احتزّ رأسه الشريف، وجُلّ المصادر الأساسية كان الترديد بينها في اثنين من أعداء الله هما: شمر بن ذي الجوشن لعنه الله - وفيه القول الأشهر -، وسنان بن أنس النخعي لعنه الله، وهناك أقوال ضعيفة تقول: إنّ قاتلهُ خولّي بن يزيد الأصبحي، أو حصين بن نمير (أو تميم)، أو مهاجر بن أوس التميمي، أو كثير بن عبد الله الشعبي، أو أبو الجنوب زياد بن عبد الرحمان الجعفي، أو شبل بن يزيد (أخو خولّي بن يزيد: كما في الأخبار الطوال: ٢٥٨).

أمّا المصادر التي تذكر أنّ قاتله عمر بن سعد أو عبيد الله بن زياد فعلى معنى أنّهما - لعنهما الله - الآمران بقتلهعليه‌السلام .


فقال شمر: أتشبّهني بالكلاب يا بن فاطمة؟ ثمّ جعلَ يضرب بسيفه مذبح الحسينعليه‌السلام ويقول:

أقـتُلك اليوم ونفسي تعلمُ

عِلماً يقيناً ليس فيه مزعم

ولا مـجالٌ لا ولا تكتّم

أنّ أبـاك خير مَن يُكلَّم

وروي أنّه جاء إليه شمر بن ذي الجوشن، وسنان بن أنس، والحسينعليه‌السلام بآخر رمق يلوك لسانه من العطش! فرفسهُ شمر برِجله وقال: يا بن أبي تراب، ألستَ تزعم أنّ أباك على حوض النبيّ يسقي مَن أحبّه؟! فاصبر حتّى تأخذ الماء من يده، ثمّ قال لسنان بن أنس: احتزّ رأسه من قفاه! فقال: لا والله، لا أفعل ذلك فيكون جدُّه محمّد خصمي! فغضبَ شمر منه، وجلسَ على صدر الحسينعليه‌السلام ، وقبضَ على لحيته وهمَّ بقتله، فضحكَ الحسين وقال له:(أتقتلني؟! أو لا تعلم مَن أنا؟!)

قال: أعرفك حقَّ المعرفة، أمُّك فاطمة الزهراء، وأبوك عليٌّ المرتضى، وجدّك محمّد المصطفى، وخصيمك الله العليّ الأعلى، وأقتلك ولا أُبالي! وضربهُ بسيفه اثنتي عشرة ضربة، ثمّ حزَّ رأسه)(١) .

(وروى هلال بن نافع قال: إنّي لواقفٌ مع أصحاب عمر بن سعد، إذ صرخَ صارخ: أبشِر أيها الأمير، فهذا شمر قتلَ الحسين! قال: فخرجت بين الصفَّين،

____________________

(١) مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢: ٣٩ - ٤٢، وانظر أيضاً: الإرشاد: ٢: ١١١ - ١١٢، وأنساب الأشراف: ٣: ٤٠٩، وبغية الطلب: ٦: ٢٦٢، وإعلام الورى: ١: ٤٦٩، والدرّ النظيم: ٥٥٨، والإتحاف بحبّ الأشراف للشبراوي: ١٦ وفيه: (فضربهُ صرعة بن شريك التميمي بكفّه اليسرى، فصار يقوم ويكبو بقوّة جأش، وثبات جنان، وفضل شجاعة، وعدم مبالاة بما فيه من الجراح، وتمسّك بشهامة قرشيّة وعزّة هاشمية، غير مُكترث ذلك الأسد الوثّاب بنهش تلك الكلاب، غير أنّ الأقدار الأزليّة والحكمة الإلهية اقتضت إظهار هذا الخَطب الجسيم والصدع العظيم؛ تنبيهاً على حقارة هذه الدار وأنّها إنّما خُلقت مطبوعة على الأكدار).


فوقفتُ عليه، فإنّه ليجود بنفسه، فو الله ما رأيتُ قتيلاً مضمّخاً بدمه أحسنَ منه ولا أنور وجهاً! ولقد شَغلني نور وجهه وجمال هيئته عن الفكر في قتله! فاستسقى في تلك الحال ماءً، فسمعتُ رجلاً يقول له: والله، لا تذوق الماء حتّى ترد الحامية فتشرب من حميمها! فقال له الحسينعليه‌السلام :

(بل أرِد على جدّي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأسكن معه في داره في مقعد صدقٍ عند مليك مقتدر، وأشرب من ماءٍ غير آسن، وأشكو إليه ما ارتكبتم منّي وفعلتم بي) .

قال: فغضبوا بأجمعهم حتّى كأنّ الله لم يجعل في قلب أحدٍ منهم من الرحمة شيئاً، فاحتزّوا رأسه وإنّه ليكلّمهم، فعجبتُ من قلّة رحْمتهم، وقلت: واللهِ، لا أُجامعكم على أمرٍ أبداً)(١) .

وروى الشيخ الصدوق (ره) والشيخ الكليني (ره) أيضاً، عن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه:(لمّا ضُرب الحسين بن عليّ عليهما‌السلام بالسيف، ثمّ ابتُدر ليُقطع رأسه، نادى منادٍ من قِبل ربّ العزّة تبارك وتعالى من بِطنان العرش فقال: ألا أيّتها الأمّة المتحيّرة الظالمة بعد نبيّها، لا وفّقكم الله لأضحى ولا فِطْر) .

قال: ثمّ قال أبو عبد اللهعليه‌السلام :(لا جرمَ والله، ما وفِّقوا ولا يوفّقون أبداً حتّى يقوم ثائر الحسين عليه‌السلام ) (٢) .

وقال الخوارزمي: (وارتفعت في السماء في ذلك الوقت غبرة شديدة مظلمة، فيها ريحٌ حمراء، لا يُرى فيها عين ولا أثر، حتّى ظنّ القوم أنّ العذاب قد جاءهم،

____________________

(١) اللهوف: ١٧٧.

(٢) أمالي الصدوق: ١٤٢، المجلس ٣١، حدث رقم ٥، والكافي: ٤: ١٧٠، حديث رقم ٣.


فلبثوا بذلك ساعة، ثمّ انجلت عنهم)(١) .

وروى ابن المغازلي بسندٍ عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال:

(إنّ قاتل الحسين عليه‌السلام في تابوت من نارٍ، عليه نصف عذاب أهل النّار، وقد شُدَّ يداه ورجْلاه بسلاسل من نار، مُنَكَّسٌ في النار حتى يقع في قعر جهنّم، وله ريح يتعوَّذ أهل النار إلى ربّهم عزّ وجل من شدَّة ريح نَتِنِه، وهو فيها خالدٌ ذائق العذاب العظيم، كلّما نضجت جلودهم بدّلناهم جلوداً غيرها، حتّى يذوقوا العذاب الأليم، لا يُفتَّر عنهم ساعة، وسُقوا من حميم جهنّم، الويل لهم من عذاب الله عزّ وجلّ) (٢) .

سلبُ الإمامعليه‌السلام بعد قتله!

قال السيّد ابن طاووس (ره): (ثمّ أقبلوا على سلب الحسين، فأخذَ قميصهُ إسحاق بن حوية الحضرمي، فلبسه فصار أبرص وامتعط شعره!.. وأخذَ سراويله بحر بن كعب التيمي لعنه الله تعالى، فرويَ أنّه صار زمناً مُقعداً من رجليه! وأخذَ عمامته أخنس بن مرثد بن علقمة الحضرمي، وقيل: جابر بن يزيد الأودي لعنهما الله، فاعتمّ بها فصار معتوهاً! وأخذَ نعليه الأسود بن خالد لعنه الله، وأخذَ خاتمه

____________________

(١) مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢: ٤٢.

(٢) راجع: مناقب عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام لابن المغازلي: ٦٦ - ٦٧ رقم ٩٥ و٤٠٣ رقم ٩٥ مكرر.

وقال في حاشية ص٦٧: أخرجه الخطيب الخوارزمي في مقتل الحسين ٢: ٨٣، والقندوزي في ينابيع المودّة: ٢٦١، والحضري في رشفة الصادي: ٦٠ نقلاً عن روض الأخبار، والشبلنجي في نور الأبصار: ١٢٧، والعلاّمة السخّاوي في المقاصد الحسنة: ٣٠٢، وابن الصبّان في إسعاف الراغبين: ١٨٦.


بجدل بن سليم الكلبي وقطع إصبعهعليه‌السلام مع الخاتم، وهذا أخذهُ المختار فقطعَ يديه ورجليه وتركه يتشحّط في دمه حتّى هلك، وأخذَ قطيفة لهعليه‌السلام كانت من خزّ قيس بن الأشعث(١) ، وأخذَ درعه البتراء عمر بن سعد.

فلمّا قُتل عمر وهبها المختار لأبي عمرة قاتله، وأخذَ سيفه جُميع بن الخلق الأودي، وقيل: رجل من بني تميم يُقال له أسود بن حنظلة، وفي رواية ابن أبي سعد أنّه أخذَ سيفه الفلافس النهشلي، وزادَ محمد بن زكريا: أنّه وقعَ بعد ذلك إلى بنت حبيب بن بُديل، وهذا السيف المنهوب المشهور ليس بذي الفقار، فإنّ ذلك كان مذخوراً ومصوناً مع أمثاله من ذخائر النبوّة والإمامة، وقد نقل الرواة تصديق ما قلناه وصورة ما حكيناه)(٢) .

____________________

(١) في مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢: ٤٣: (وأخذَ قيس بن الأشعث قطيفة للحسين كان يجلس عليها، فسمّي لذلك: قيس قطيفة!)، وفي المناقب لابن شهرآشوب: ٤: ١٢٠: (وسُلب الحسين ما كان عليه، فأخذَ عمامته جابر بن يزيد الأزدي، وقميصه إسحاق بن حوَي، وثوبه جعونة بن حوية الحضرمي، وقطيفته من خزّ قيس بن الأشعث الكندي، وسراويله بحير بن عمير الجرمي، ويقال أخذ سراويله أبجر بن كعب التميمي، والقوس والحلل الرحيل بن خثيمة الجعفي، وهاني بن ثبيت الحضرمي، وجرير بن مسعود الحضرمي، ونعليه الأسود الأوسي، وسيفه رجل من بني نهشل من بني دارم، ويقال الأسود بن حنظلة، فأحرَقهم المختار بالنار).

وانظر: مقتل الحسينعليه‌السلام للمقرّم: ٢٨٤، وتذكرة الخواص: ٢٢٨، والإرشاد: ٢: ١١٢، والكامل في التاريخ: ٣: ٢٩٥، وتاريخ الطبري: ٣: ٣٣٤، وترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام من القسم غير المطبوع من كتاب الطبقات الكبير لابن سعد: ٧٨.

(٢) اللهوف: ١١٤ - ١١٥، وانظر: نَفَس المهموم: ٣٧٢ - ٣٧٣، وفي البحار: ٤٣: ٢٤٧ رقم ٢٣ عن أمالي الصدوق، بسنده عن محمّد بن مسلم قال: (سألتُ الصادق جعفر بن محمدعليه‌السلام عن خاتَم الحسين بن عليّعليهما‌السلام إلى مَن صار؟ وذكرتُ له أنّي سمعت أنّه أُخذ من أصبعه فيما أُخذ.

قالعليه‌السلام :(ليس كما قالوا، إنّ الحسين عليه‌السلام أوصى إلى ابنه عليّ بن الحسين عليه‌السلام وجعلَ خاتمهُ في أصبعه، وفوَّض إليه أمره كما فعله رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بأمير المؤمنين عليه‌السلام ، وفعلهُ أمير المؤمنين =


رضّ جسد الإمامعليه‌السلام بحوافر الخيل

قال السيد ابن طاووس (ره): (قال الراوي: ثمّ نادى عمر بن سعد في أصحابه: مَن ينتدب للحسين فيواطئ الخيل ظهره وصدره! فانتدبَ منهم عشرة، وهم: إسحاق بن حويّة الذي سلبَ الحسينعليه‌السلام قميصه، وأخنس بن مرثد، وحكيم بن طفيل السنبسي، وعمر بن صبيح الصيداوي، ورجاء بن منقذ العبدي، وسالم بن خثيمة العفي، وواحظ بن ناعم، وصالح بن وهب الجعفي، وهاني بن ثبيت الحضرمي، وأُسيد بن مالك، لعنهم الله تعالى فداسوا الحسينعليه‌السلام بحوافر خيلهم حتّى رضّوا صدره وظَهره)(١) .

____________________

=بالحسن، وفعلهُ الحسن بالحسين عليهما‌السلام ، ثمّ صار ذلك الخاتم إلى أبي عليه‌السلام بعد أبيه، ومنه صار إليَّ فهو عندي، وإنّي لألبسه كلّ جمعة وأُصلّي فيه .

قال محمد بن مسلم: فدخلت إليه يوم الجمعة وهو يصلّي، فلمّا فرغَ من الصلاة مدَّ إليَّ يده فرأيت في أصبعه خاتماً نقشه (لا إله إلاّ الله عدّة للقاء الله) فقال:هذا خاتم جدّي أبي عبد الله الحسين بن عليّ عليه‌السلام ) .

(١) اللهوف: ١١٥ وقال أيضاً: (قال الراوي: وجاء هؤلاء العشرة حتّى وقفوا على ابن زياد، فقال أسيد بن مالك أحد العشرة عليهم لعائن الله:

نحن رَضَضنا الصدر بعد الظَهر

بـكلّ يـعبوب شـديد الأسـر

فقال ابن زياد: مَن أنتم؟ قالوا: نحن الذين وطئنا بخيولنا ظهر الحسين حتّى طَحنّا جناجن صدره! قال: فأمرَ لهم بجائزة يسيرة.

قال أبو عمر الزاهد: فنظرنا إلى هؤلاء العشرة فوجدناهم جميعاً أولاد زنا، وهؤلاء أخذَهم المختار فشدّ أيديهم وأرجلهم بسكك الحديد وأوطأ الخيل ظهورهم حتى هلكوا).

أمّا ابن شهرآشوب في المناقب: ٤: ١١٢ فقد ذكر هؤلاء العشرة على النحو التالي: (إسحاق بن يحيى الحضرمي، وهاني بن ثبيت الحضرمي، وأدلم بن ناعم، وأسد بن مالك، والحكيم بن طفيل الطائي، والأخنس بن مرثد، وعمرو بن صبيح المذحجي، ورجاء بن منقذ العبدي، وصالح =


وكان ابن زياد قد أمر ابن سعد بذلك

كان آخر ما كتبه عبيد الله بن زياد - وأرسله بيد شمر - إلى عمر بن سعد: (إنّي لم أبعثك إلى الحسين لتكفّ عنه، ولا لتطاوله، ولا لتمنّيه السلامة والبقاء، ولا لتعتذر له، ولا لتكون له عندي شافعاً، اُنظر فإنْ نزلَ الحسين وأصحابه على حكمي واستسلموا فابعث بهم إليَّ سِلماً، وإنْ أبَوا فازحف إليهم حتّى تقتلهم وتمثِّل بهم! فإنّهم لذلك مستحقّون! وإن قُتل الحسين فأوطِئ الخيل صدره وظهره! فإنّه عاتٍ ظلوم! وليس أرى أنّ هذا يضرُّ بعد الموت شيئاً، ولكنْ عليَّ قولٌ قد قلته: لو قتلتهُ لفعلتُ هذا به.

فإن أنتَ مضيتَ لأمرنا فيه جزيناك جزاء السامع المطيع، وإنْ أبيتَ فاعتزِل عَملنا وجُندنا، وخلِّ بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر، فإنّا قد أمرناه بأمرنا، والسلام)(١) .

وأكثر المصادر التاريخية تؤكّد على أنّ عمر بن سعد كان قد امتثل أمر ابن زياد في تنفيذ هذه الجريمة بعد قتل الإمامعليه‌السلام (٢) ، لكنّ العلاّمة المجلسي (ره) بعدما

____________________

= بن وهب اليزني، وسالم بن خيثمة الجعفي)، وانظر: تاريخ الطبري: ٣: ٣٣٥، والكامل في التاريخ: ٣: ٢٩٥، ومقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢: ٤٤.

وانظر: أُسد الغابة في معرفة الصحابة: ٢: ٢١، وأنساب الأشراف: ٣: ٤٠٩، ومقاتل الطالبيين: ١١٨، وتاريخ أبي الفداء: ١: ٢٦٦، والمنتظم: ٥: ٣٤١، وتاريخ الخميس ٢: ٢٩٨، والبداية والنهاية: ٨: ١٩١، وروضة الواعظين: ١٨٩، ومروج الذهب ٣: ٧٢، والخطط المقريزية ٢: ٢٨٨، ومصادر أخرى غيرها.

(١) الإرشاد: ٢: ٨٨ - ٨٩، وانظر: تاريخ ابن الوردي: ١: ١٦٤.

(٢) إنّ عمر بن سعد الذي امتثلَ أمرَ عبيد الله بن زياد في قتل الإمامعليه‌السلام ، لا يُستبعد منه أن يمتثل أمره بسهولة أيضاً في رضّ جسده المقدّس بالخيول.


ذكرَ في كتابه بحار الأنوار كلام السيّد ابن طاووس (ره) في هذه القضية، قال: المعتمَد عندي ما سيأتي في رواية الكافي أنّه لم يتيسّر لهم ذلك(١) .

وأمّا رواية الكليني (ره) التي اعتمد عليها العلاّمة المجلسي (ره) فهي:

(الحسين بن أحمد قال: حدّثني أبو كريب، وأبو سعيد الأشجّ قال: حدّثنا عبد الله بن إدريس، عن أبيه إدريس بن عبد الله الأودي قال: لمّا قُتل الحسينعليه‌السلام أراد القوم أن يوطئوه الخيل فقالت فضّة لزينب: يا سيدتي، إنَّ سفينة(٢) كُسر به في البحر، فخرجَ إلى جزيرة فإذا هو بأسد، فقال: يا أبا الحارث، أنا مولى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ! فهمهمَ بين يديه حتى وقفه على الطريق، والأسد رابض في ناحية، فدَعيني أمضي إليه فأعلِمه ما هم صانعون غداً! فمضت إليه فقالت: يا أبا الحارث، فرفع رأسه، ثمّ قالت: أتدري ما يريدون أن يعملوا غداً بأبي عبد اللهعليه‌السلام ؟ يريدون أن يوطّئوا الخيل ظهره! قال: فمشى حتّى وضعَ يديه على جسد الحسينعليه‌السلام ! فأقبلت الخيل فلمّا نظروا إليه قال لهم عمر بن سعد - لعنه الله -: فتنة لا تثيروها، فانصرفوا)(٣) .

ومن الغريب جدّاً اعتماد العلاّمة المجلسي (ره) في قوله: (لم يتيسّر لهم ذلك) على هذه الرواية فقط التي حكمَ هو بجهالتها في مرآة العقول، حيث قال: الحديث مجهول(٤) .

____________________

(١) راجع: البحار: ٤٥: ٦٠.

(٢) سفينة: لقب قيس مولى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ويُكنّى أبا ريحانة.

(٣) الكافي: ١: ٤٦٥، رقم ٨، والبحار: ٤٥: ١٦٩ رقم ١٧.

(٤) مرآة العقول ٥: ٣٦٨، وقال المرحوم المازندراني في منتهى المقال: ٣: ٣٥٥: وفي الكافي بسند ضعيف... ثمّ ذكر الرواية.


التحقيق في رجال السند:

أمّا الحسين بن محمّد، فغايتهُ ما قيل في حقّه: إنّ طريق الشيخ الطوسي في المشيخة صحيح إليه(١) ، وأمّا أبو كريب وأبو سعيد الأشجّ فلم يرد في حقّهما مدح ولا ذم(٢) ، وأمّا إدريس بن عبد الله الأزدي أو الأودي، فعدّه المرحوم المامقاني في عداد المجاهيل(٣) ، وأمّا إدريس بن عبد الله فلم يرد أيضاً فيه مدح ولا ذم(٤) .

فتكون الرواية ضعيفة السند بلا إشكال، ومع غضّ النظر عن مسألة السند، فإنّ هذه الرواية لا تنتهي إلى كلام المعصوم الذي يُعدّ حجّة لنا بل تنتهي إلى إدريس بن عبد الله الأودي وهو ضعيف.

كلام البرغاني:

قال الفاضل البرغاني: (وكأنّهم - لعنهم الله - أرادوا أن يوطئوا الخيل بحيث لا يبقى من جسده الشريف أثر، فمنعهم الأسد من ذلك، وإلاّ فالعشرة المتقدّمة لعنهم الله قد رضّوا صدره وظهره على حسب ما أمرَ عبيد الله بن زياد أوّلاً، وجاءهم أمرٌ آخر بأن لا يُبقوا من جسده الشريف أثراً! فحالَ بينهم وبينه الأسد، وحُكي عن السيّد المرتضى ذلك)(٥) .

____________________

(١) راجع معجم رجال الحديث: ١٠: ١١٠.

(٢) راجع معجم رجال الحديث ٢١: ١٦٧ و ٢٢: ٢٧.

(٣) تنقيح المقال ١: ١٠٥.

(٤) المصدر السابق.

(٥) راجع: معالي السبطين: ٢: ٣٢، وأسرار الشهادة: ٤٣٩.



الفهارس العامّة

٤٤١

فهرس الآيات القرآنية

٤٤٤

فهرس الأحاديث

٤٥٨

فهرس الرسائل والمكاتيب

٤٥٨

فهرس الخطب

٤٥٩

فهرس أسماء المعصومينعليهم‌السلام

٤٦٢

فهرس الأعلام المترجمين

٤٦٨

فهرس الأعلام

٤٩٤

فهرس الفِرق والجماعات

٥٠٢

فهرس الأماكن والبلدان

٥٠٧

فهرس الأيام والوقائع

٥٠٩

فهرس الأشعار

٥١٥

فهرس المصادر

٥٣٦

فهرس الموضوعات




فهرس الآيات القرآنية

الصفحة

رقمها

الآية الكريمة

سورة البقرة

 ٩٣

١٤

وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا...

٢٩٩

٢٣٩

فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً...

٤١

٣٧

فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ...

٧٥

٢٦٠

قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن...

سورة آل عمران

٢٤٦، ٣٥٩

٣٣

إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ...

١٥٢

١٧٨

وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي...

١٥٢، ٢٣٢

١٧٩

مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ...

سورة المائدة

١٥١

١٠٠

قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ...

 ٧٤

١١٦

أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ...


الصفحة

رقمها

الآية الكريمة

سورة مريم

٣٦

١

كهيعص

١٠٠

١٥

وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ...

١٠٠

٣٣

وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ...

٤٤، ٤٥

٥٤

وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ...

سورة طه

٤١٩

١

طه

٧٤

١٧

وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى...

١٧٣

٦١

فَيُسْتَحكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى...

١٣٢

٥٩

وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى...

سورة الأنبياء

١٤٥

٦٩

قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً...

سورة الأحزاب

١٦٣، ٢٧٤

٢٣

فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ...


 الصفحة

رقمها

الآية الكريمة

٤١٩

١

يس

٤١٩

١

وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ

سورة غافر

١٧٣، ٣٢٥

٣٠

يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ...

١٧٣، ٣٢٥

٣١

مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ...

١٧٣، ٣٢٥

٣٢

وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ...

١٧٣، ٣٢٥

٣٣

يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ...

سورة الزخرف

٣٥٨

٣١

وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ...

سورة الأحقاف

٤٨

١٥

حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً...

٤٩

١٥

وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً...

سورة النبأ

١٠٠

٣٩

ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ مَآباً...

       

فهرس الرسائل والمكاتيب

رسالة الإمام الحسينعليه‌السلام إلى أخيه محمد بن الحنفية                                           ١٠١.٩٨

رسالة الإمام الحسينعليه‌السلام إلى أشراف الكوفة                                                         ٧٥

الرسالة الثانية للإمام الحسينعليه‌السلام إلى أهل الكوفة                                                    ٧٩

رسالة الحرّ بن يزيد الرياحي إلى عبيد الله بن زياد                                                      ٨٩

رسالة عبد الله بن أبي المحلّ بن حزام إلى عبد الله والعباس وجعفر بني عليعليه‌السلام                       ١٢٣

رسالة عبيد الله بن زياد إلى الإمام الحسينعليه‌السلام                                                       ٨٨

رسالة عبيد الله بن زياد إلى شبث بن ربعي                                                            ٩٣

رسالة عبيد الله بن زياد إلى عمر بن سعد                               ٤٣٥.١٢٢.١٢١.١٠٦.٩٧.٨٨

رسالة عمر بن سعد إلى عبيد الله بن زياد                                                       ١١٩.٧٧

رسالة عمرة بنت عبد الرحمان إلى الإمام الحسينعليه‌السلام                                                  ٢٧

فهرس الخطب

خطبة الإمام الحسينعليه‌السلام في أصحابه ليلة عاشوراء                       ١٩١.١٣٩.١٣٧.١٣٤.١٣٣

خطبة الإمام الحسينعليه‌السلام في جمع الأصحاب حين نزول عمر بن سعد                             ١٠١

خطبة الإمام الحسينعليه‌السلام قبل بدء القتال                                                         ٢٤٩

خطبة الإمام الحسينعليه‌السلام في منزل البيضة                                                           ٧٨

خطبة عبيد الله بن زياد في مسجد الكوفة                                                            ٩٠

خطبة الإمام الحسينعليه‌السلام قبالة جيش عمر بن سعد                                         ٢٥٥.٢٥٣


فهرس

المصادر التي أخذنا عنها مباشرة

١ - الإتحاف بحبّ الأشراف / الشبراوي عبد الله بن محمّد بن عامر / ت: ١٢٨٠ هـ / مكتبة الشريف الرضيّ - قم.

٢ - الأخبار الطوال / أبو حنيفة أحم بن داود الدينوري / ت: ٢٨٢ هـ / منشورات الشريف الرضي - قم.

٣ - الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد / الشيخ المفيد أبو عبد الله محمّد بن محمّد ابن النعمان العكبري / ت: ٤١٣ هـ / نشر مؤسسة آل البيتعليهم‌السلام لإحياء التراث - قم / والمطبعة الحيدرية - النجف.

٤ - الأرض والتربة الحسينية: محمد حسين كاشف الغطاء / مؤسسة أهل البيت - بيروت.

٥ - الاستيعاب في معرفة الأصحاب: أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر القرطبي / ت: ٤٦٣ هـ / نشر نهضة مصر / ودار الكتب العلمية - بيروت.

٦ - الإصابة في تمييز الصحابة: أحمد بن علي بن محمّد بن محمّد بن علي (ابن حجر العسقلاني) / ت: ٨٥٢ هـ / دار الكتاب العربي - بيروت / ودار إحياء التراث العربي - بيروت.


٧ - الأصيلي في أنساب الطالبيين: صفّي الدين محمّد بن تاج الدين عليّ المعروف بابن الطقطقي الحسني / : ٧٠٩ هـ / نشر مكتبة السيد المرعشي النجفي - ١٤١٨ هـ.

٨ - الإقبال بالأعمال الحسنة: السيّد رضي الدين بن طاووس / ت: ٦٦٤ هـ / مكتب الإعلام الإسلامي - قم.

٩ - الأمالي: الشيخ الصدوق أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه / ت: ٣٨١ هـ / منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت.

١٠ - الأمالي: الشيخ الطوسي أبو جعفر محمّد بن الحسن / ت: ٤٦٠ هـ / مؤسسة البعثة - قم.

١١ - الإمام الحسينعليه‌السلام في المدينة المنوّرة / علي الشاوي / نشر مركز الدراسات الإسلاميّة لحرس الثورة الإسلامية.

١٢ - الإمام الحسينعليه‌السلام في مكّة المكرّمة: الشيخ نجم الدين الطبسي / نشر مركز الدراسات الإسلامية لحرس الثورة الإسلامية.

١٣ - الإمام الحسينعليه‌السلام وأصحابه: الشيخ فضل علي القزويني / ت: ١٢٩٠ هـ / طبعة باقري / قم.

١٤ - الإمامة والسياسة: أبو محمّد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري / ت: ٢٧٦ هـ / نشر دار المعرفة / بيوت.

١٥ - إبصار العين في أنصار الحسينعليه‌السلام الشيخ محمّد بن طاهر السماوي / ت: ١٣٧٠ هـ / تحقيق الشيخ محمد جعفر الطبسي / مركز الدراسات الإسلامية لحرس الثورة الإسلامية - قم.

١٦ - أبناء الرول في كربلاء: خالد محمّد خالد / دار ثابت للنشر والتوزيع / القاهرة.


١٧ - إثبات الهداة في النصوص والمعجزات: الشيخ محمّد بن السن / الحرّ العاملي / ت: ١١٠٤٠ هـ / المطبعة العلميّة - قم.

١٨ - إثبات الوصيّة للإمام عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام : أبو الحسن عليّ بن الحسين بن عليّ المسعودي الهذلي / ت: ٣٤٦ هـ منشورات الشريف الرضي - قم.

١٩ - أخبار الدول وآثار الأُوَل في التاريخ: أبو العبّاس أحمد بن يوسف بن أحمد الدمشقي الشهير بالقرماني / ت: ١٠١٩ هـ / نشر عالم الكتب - بيروت.

٢٠ - اختيار معرفة الرجال (رجال الكشّي) / ت: ٣٨٥ هـ / تحقيق السّد مهدي الرجائي / نشر مؤسسة آل البيتعليهم‌السلام لإحياء التراث - قم.

٢١ - أُسد الغابة في معرفة الصحابة: عزّ الدين بن الأثير / أبو الحسن عليّ بن محمّد الجزري / ت: ٦٣٠ هـ / نشر المكتبة الإسلامية - طهران.

٢٢ - أسرار الشهادة: الآخوند مُلاّ آقا الشهير بالدربندي / ت: ١٢٨٦ هـ / منشورات الأعلمي - طهران.

٢٣ - إعلام الورى بأعلام الهدى: أبو عليّ الفضل بن الحسن الطبرسي / ت: ٥٤٨ هـ / تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت لإحياء التراث.

٢٤ - أعيان الشيعة: السيّد محسن الأمين العاملي / ت: ١٣٧٠ هـ / دار التعارف - بيروت.

٢٥ - أنساب الأشراف: أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري / ت: ٢٧٩ هـ / دار الفكر - بيروت.

٢٦ - البداية والنهاية في التاريخ: أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي / ت: ٧٧٤ هـ / دار الكتب العلمية - ودار الفكر - بيروت.

٢٧ - بحار الأنوار: العلاّمة الشيخ محمّد باقر المجلسي / ت: ١١١١ هـ / مؤسسة الوفاء - بيروت.


٢٨ - بشارة المصطفى لشيعة المرتضى: عماد الين أبو جعفر محمّد بن أبي القاسم الطبري / من علماء القرن السادس/ مؤسسة النشر الإسلامي - قم - ١٤٢٠ هـ.

٢٩ - بطل العلقمي: الشيخ عبد الواحد المظفّر / مطبعة دار النشر والتأليف في النجف سنة ١٣٦٩ هـ.

٣٠ - بغية الطلب في تاريخ حلب: ابن العديم كمال الدين عمر بن أحمد بن أبي جرادة / ت: ٦٦٠ هـ / مؤسسة البلاغ - بيروت - ١٤٠٩ هـ.

٣١ - بغية النبلاء في تاريخ كربلاء: السيّد عبد الحسين الكليدار آل طعمة / نش مطبعة الإرشاد - بغداد.

٣٢ - تاج المواليد (في مواليد الأئمّة ووفياتهم): أبو عليّ الفضل بن الحسن الطبرسي / ت: ٥٤٨ هـ / ضمن (مجموعة نفيسة) / منشورات مكتب بصيرتي - قم.

٣٣ - تاريخ الأئمة (ضمن مجموعة نفيسة): ابن أبي الثلج البغدادي / ت: ٣٢٥ هـ / منشورات مكتبة بصيرتي - قم.

٣٤ - تاريخ الإسلام ووفيّات المشاهير والأعلام: شمس الدين محمّد بن أحمد الذهبي / ت: ٧٤٨ هـ / دار الكتاب العربي - بيروت.

٣٥ - تاريخ الأمم والملوك: أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري / ت: ٣١٠ هـ / دار الكتب العلمية - ومؤسسة الأعلمي - بيروت.

٣٦ - تاريخ ابن عاسكر / ت: ٥٧١ هـ / (ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام / تحقيق محمّد باقر المحمودي / مجمع إحياء الثقافة الإسلامية.

٣٧ - تاريخ ابن الوردي: زين الدين عمر بن مظفّر الشهير بابن الوردي / ت: ٧٤٩ هـ / دار الكتب العلمية - بيروت - الطبعة الأولى - ١٤١٧ هـ.


٣٨ - تاريخ بغداد: الخطيب أبو بكر البغدادي / ت: ٤٦٣ هـ / دار الكتب العلميّة - بيروت / ودار الباز - مكّة المكرّمة.

٣٩ - تاريخ الخلفاء: جلال الدين السيوطي / ت: ٩١١ هـ / منشورات الشريف الرضي - قم - ١٤١١ هـ.

٤٠ - تاريخ خليفة بن خيّاط: أبو عمر خليفة بن خياط العصفري / ت: ٢٤٠ هـ / دار الباز - مكّة المكرّمة.

٤١ - تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس: حسين بن محمّد الدياربكري / ت: ٩٦٦ هـ / مؤسسة شعبان - بيروت.

٤٢ - تاريخ العلماء ووفياتهم أبو سليمان محمّد بن عبد الله بن أحمد بن زبر الرّبعي الدمشقي / ت: ٣٧٩ هـ : دار العاصمة - الرياض - ١٤١٠ هـ.

٤٣ - التاريخ الكبير: محمّد بن إسماعيل البخاري / ت: ٢٥٦ هـ / دار الكتب العلمية - بيروت.

٤٤ - تاريخ كربلاء وحائر الحسينعليه‌السلام : الدكتور عبد الجواد الكليدار / منشورات الشريف الرضي - قم.

٤٥ - تاريخ مختصر الدول: غري غور يوس الملطي المعروف بابن العبري / ت: ٦٨٥ هـ.

٤٦ - تاريخ مدينة دمشق: أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله الشافعي المعروف بابن عساكر / ت: ٥٧١ هـ / دراسة وتحقيق علي الشيري / دار الفكر - بيروت.

٤٧ - تاريخ مرقد الحسين والعبّاسعليهما‌السلام : الدكتور سلمان هادي آل طعمة / مؤسسة الأعلمي - بيروت.


٤٨ - تاريخ اليعقوبي: ابن واضح / أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر العبّاسي العيقوبي / ت: ٢٨٤ هـ / دار صادر - بيروت.

٤٩ - التبيين في أنساب القرشيين: موفّق الدين أبو محمد، عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي / ت: ٦٢٠ هـ عالم الكتب / مكتبة النضهة العربية - بيروت.

٥٠ - تجارب الأمم: أبو علي مسكويه الرازي / ت: ٤٢١ / تحقيق الدكتور أبو القاسم إمامي / دار سروش للطباعة والنشر - طهران.

٥١ - التحفة العنبرية في أنساب خير البريّة: محمد كاظم بن أبي الفتوح بن سليمان اليماني الموسوي / من أعلام القرن التاسع / نشر مكتبة السيد المرعشي النجفي ١٤١٩ هـ.

٥٢ - تذكرة الخواص: سبط ابن الجوزي / شمس الدين أبو المظفر يوسف بن فرغلي بن عبد الله البغدادي / ت: ٦٥٤ هـ / نشر مكتبة نينوى الحديثة - طهران.

٥٣ - التذكرة في الأنساب المطهّرة: جمال الدين أبو الفضل أحمد بن محمد بن المهنّا الحسيني العبيدلي / من أعلام القرن السابع / نشر مكتبة السيّد المرعشي النجفي / ١٤٢١ هـ.

٥٤ - ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام ومقتله: من القسم غر المبوع من كتاب الطبقات الكبرى / لابن سعد أبي عبد الله محمّد بن سعد بن منيع البصري / ت: ٢٣٠ / تحقيق السيد عبد العزيز الطباطبائي (ره) / مؤسسة آل البيتعليهم‌السلام لإحياء التراث / قم.

٥٥ - تفسير فرات الكوفي: أبو القاسم فرات بن إبراهيم بن فرات الكوفي / من أعلام الغيبة الصغرى / تحقيق محمّد كاظم / مؤسسة الطبع والنشر التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي - طهران.

٥٦ - التفسير المنسوب للإمام العسكريعليه‌السلام : تحقيق ونشر مدرسة الإمام المهدي - قم.


٥٧ - تسلية المجالس وزينة المجالس: محمّد بن أبي طالب الحسينيّ الموسوي الكركي / من أعلام القرن العاشر / مؤسسة المعارف الإسلامية - قم - ١٤١٨ هـ.

٥٨ - تسمية من قتل مع الحسينعليه‌السلام : الفضيل بن الزبير بن عمر بن درهم الكوفي الأسدي / من أصحاب الإمامين الباقر والصادقعليهما‌السلام / تحقيق السيّد محمّد رضا الحسيني الجلالي / طبع في مجلّة تراثنا - العدد الثاني - السنة الأولى ١٤٠٦ هـ.

٥٩ - تنقيح المقال في علم الرجال: الشيخ عبد الله محمد حسن بن المولى عبد الله المامقاني النجفي / ت: ١٣٥١ هـ - طبعة حجرية.

٦٠ - تهذيب الأحكام: الشيخ محمد بن الحسن الطوسي / ت: ٤٦٠ هـ / دار الكتب الإسلامية - طهران.

٦١ - تهذيب الأنساب ونهاية الأعقاب: أبو الحسن محمّد بن أبي جعفر شيخ الشرف العبيدلي النسّابة / ت: ٤٣٥ هـ / نشر مكتبة السيّد المرعشي النجفي - ١٤١٣ هـ.

٦٢ - تهذيب التهذيب: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني / ت ٨٥٢ هـ / دار صادر - بيروت.

٦٣ - تهذيب الكمال في أسماء الرجال: أبو الحجّاج جمال الدين المزّي / ت: ٧٤٢ هـ / دار الفكر - بيروت / ومؤسسة الرسالة - بيروت ١٤٠٣ هـ.

٦٤ - الثقات: محمد بن حبّان بن أحمد أبي حاتم التميمي البستي / ت: ٣٥٤ هـ / دار الفكر - بيروت.

٦٥ - ثواب الأعمال وعقاب الأعمال: الشيخ الصدوق أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي / ت: ٣٨١ هـ / منشورات الشريف الرضيّ - قم.


٦٦ - جاع الأخبار: الشيخ محمّد بن محمّد السبزواري / من أعلام القرن السابع الهجري / نشر مؤسسة آل البيت - قم - ١٤١٤ هـ.

٦٧ - الجرح والتعديل: أبو محمّد عبد الرحمان بن أبي حاتم محمّد بن إدريس بن المنذر التميمي الحنظلي الرازي / ت: ٣٢٧ هـ / دار الكتب العلمية بيروت - ١٣٧١ هـ.

٦٨ جمهرة اللغة: أبو بكر محمّد بن الحسن بن دريد / ت: ٣٢١ هـ / دار العلم للملايين - بيروت ١٩٨٧ م.

٦٩ - جمهرة النسب: هشام أبو المنذ بن محمّد بن السائب الكلبي / ت: ٢٠٤ / نشر دار اليقظة العربية - دمشق.

٧٠ - جمهرة نسب قريش وأخبارها: الزبير بن بكّار / ت: ٢٥٦ هـ / نشر مكتبة دار العروبة القاهرة - ١٣٨١ هـ.

٧١ - جواهر المطالب في مناقب الإمام عليّ بن أبي طالبعليهما‌السلام : شمس الدين أبو البركات محمّد بن أحمد الدمشقي الباعوني الشافعي / ت: ٨٧١ هـ / مجمع إحياء الثقافة الإسلامية - قم - ١٤١٥ هـ.

٧٢ - جهاد الإمام السجّادعليه‌السلام : السيّد محمد رضا الجلالي / مؤسسة دار الحديث الثقافية - قم.

٧٣ - الحدائق الناضرة: الشيخ يوسف البحراني / ت: ١١٨٦ هـ / مؤسسة النشر الإسلامي - قم - ١٤١٤ هـ.

٧٤ - الحدائق الوردية: أبو الحسن حسام الدين حمدي بن أحمد المحلّي / نشر جامع النهرين - صنعاء.

٧٥ - حديقة الشيعة: أحمد بن محمّد الأردبيلي المشهور بالمقدّس الأردبيلي / ت: ٩٩٣ هـ / المكتبة العلمية الإسلاميّة - طهران.


٧٦ - حلية الأبرار: السيّد البحراني / ت: ١١٠٧ هـ / مؤسسة المعارف الإسلاميّة - قم - ١٤١١ هـ.

٧٧ - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: أبو نعيم الأصفهاني، أحمد بن عبد الله / ت: ٤٣٠ هـ / دار الكتاب العربي / بيروت.

٧٨ - حياة الإمام الحسين بن عليعليهما‌السلام : باقر شريف القرشي / دار الكتب العلمية - قم.

٧٩ - الخرائج والجرائح: قطب الدين سعيد بن هبة الله الراوندي / ت: ٥٧٣ هـ / تحقيق ونشر مؤسسة المهديعليه‌السلام - قم.

٨٠ - خزانة الأدب: عبد القادر بن عمر البغدادي / ت: ١٠٩٣ هـ / نشر مكتبة الخانجي / القاهرة.

٨١ - خصائص الأئمّة: الشريف الرضيّ / ت: ٤٠٦ هـ / نشر مجمع البحوث الإسلامية - مشهد.

٨٢ - الخصال : أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّي (الشيخ الصدوق) / ت: ٣٨١ هـ / مؤسسة النشر الإسلامي - قم.

٨٣ - الخطط المقريزية: تقيّ الدين أحمد بن علي بن عبد القادر بن محمّد المعروف بالمقريزي / طبع سنة ١٣٢٤ هـ - مصر.

٨٤ - خلاصة الأقوال في معرفة الرجال (رجال العلاّمة الحلّي): الحسن بن يوسف بن علي بن المطهّر الحلي المعروف بالعلاّمة / ت: ٧٢٦ هـ / منشورات الشريف الرضي - قم - ١٤٠٢ هـ.

٨٥ - الدرّ النظيم في مناقب الأئمّة اللهاميم: جمال الدين يوسف بن حاتم الشامي الجبعي / من أعلام القرن السابع / مؤسسة النشر الإسلامي - قم - ١٤٢٠ هـ.


٨٦ - الدروس الشرعيّة في فقه الإماميّة: شمس الدين محمّد بن مكّي العاملي الشهيد سنة ٧٨٦ / مؤسسة النشر الإسلامي - قم.

٨٧ - دلائل الإمامة: أبو جعفر محمد بن جرير بن رستم الطبري / من علماء القرن السابع / المطبعة الحيدرية - النجف الأشرف.

٨٨ - دلائل النبوّة: أبو نعيم الأصفهاني - أحمد بن عبد الله / ت: ٤٣٠ ه / دار المعرفة - بيروت.

٨٩ - ذخائر العقبى في مناقب ذوي القُربى: محبّ الدين أحم بن عبد الله الطبري / ت: ٦٩٤ هـ / مكتبة القدسي / القاهرة / ١٣٥٦ هـ.

٩٠ - ذخيرة الدارين فيما يتعلّق بسيدنا الحسينعليه‌السلام : السيد عبد المجيد بن محمّد رضا الحسيني الحائري / المطبعة المرتضوية - النجف الأشرف - ١٣٤٥ هـ.

٩١ - الذريّة الطاهرة: أبو بشر محمّد بن أحمد بن حمّاد الأنصاري الرازي الدولابي / ت: ٣١٠ هـ / مؤسسة النشر الإسلامي - قم - ١٤٠٧ هـ.

٩٢ - ذوب النضار في شرح الثار: جعفر بن محمّد بن جعفر بن هبة الله المعروف بابن نما / من أعلام القرن السابع / مؤسسة النشر الإسلامي - قم - ١٤١٦ هـ.

٩٣ - رجال الشيخ الطوسي: محمّد بن الحسن الطوسي / ت: ٤٦٠ هـ / مؤسسة النشر الإسلامي - قم.

٩٤ - رجال النجاشي (فهرست أسماء مصنّفي الشيعة): أبو العبّاس أحمد بن علي النجاشي / ت: ٤٥٠ هـ / مؤسسة النشر الإسلامي - قم - ١٤٠٧ هـ.

٩٥ - روضة الواعظين: محمّد بن الفتّال النيسابوري / الشهيد: ٥٠٨ هـ / منشورات المكتبة الحيدرية - النجف - ١٣٨٦ - ١٣٨٦ هـ / ومكتبة الشريف الرضي - قم.

٩٦ - سبل الهدى والسلام: محمّد بن يوسف الشامي / ت ٩٤٢ هـ / دار الكتب العلميّة - بيروت - ١٤١٤ هـ.


٩٧ - السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي: أبو جعفر محمّد بن منصور بن أحمد بن إدريس الحلّي / ت: ٥٩٨ هـ / مؤسسة النشر الإسلامي - قم.

٩٨ - سرّ السلسلة العلويّة: أبو نصر سهل بن عبد الله بن داود بن سليمان بن أبان بن عبد الله البخاري / من أعلام القرن الرابع / مكتبة الشريف الرضي - قم.

٩٩ - سعد السعود: رضي الدين أبو القاسم عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن طاووس / ت: ٦٦٤ هـ / مكتبة الشريف الرضي - قم.

١٠٠ - سفينة البحار: الشيخ عبّاس القمي / ت: ١٣٥٩ هـ / (الطبعة الحجرية) / انتشارات مكتبة سنائي ودار الأسوة - قم.

١٠١ - سنن أبي داود: سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي / ت: ٢٧٥ هـ / دار إحياء السنّة النبوية.

١٠٢ - سيّد شباب أهل الجنّة: حسين محمّد يوسف / مكتبة دار الشعب - القاهرة.

١٠٣ - سيَر أعلام النبلاء: شمس الدين محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي / ت: ٧٥٨ هـ / مؤسسة الرسالة - بيروت.

١٠٤ - السيرة النبويّة وأخبار الخلفاء: أبو حاتم محمّد بن حبّان بن أحمد التميمي البستي / ت: ٣٥٤ هـ / مؤسسة الكتب الثقافية - بيروت.

١٠٥ - الشجرة المباركة في أنساب الطالبية: الفخر الرازي / ت: ٦٠٦ / نشر مكتبة السيّد النجفي - ١٤٠٩ هـ - قم.

١٠٦ - شذرات الذهب في أخبار من ذهب: أبو الفلاح عبد الحيّ بن العمد الحنبلي / ت: ١٠٨٩ هـ / دار إحياء التراث العربي - بيروت.

١٠٧ - شرح الأخبار: القاضي النعمان بن محمّد بن منصور / ت: ٣٦٥ هـ / مؤسسة النشر الإسلامي.


١٠٨ - شرح نهج البلاغة: لابن أبي الحديد / عبد الحميد بن هبة الله المدائني / ت: ٦٥٦ هـ / دار إحياء التراث العربي - بيروت، ودار الكتب العلمية - بيروت.

١٠٩ - شهر حسين (مدينة الحسين): فارسي / محمّد باقر مدرّس بستان آبادي / انتشارات كليني.

١١٠ - الصحاح: إسماعيل بن حمّاد الجوهري / ت: ٣٩٣ هـ / دار العلم للملايين - بيروت - ١٤٠٧ هـ.

١١١ - الصراط المستقيم إلى مستحقّي التقديم: زين الدين، أبو محمّد، علي بن يونس العاملي النباطي / ت: ٨٧٧ هـ / المكتبة الرضوية / طهران.

١١٢ - الصواعق المحرقة: أحمد بن حجر الهيثمي / ت: ٩٧٤ هـ / مكتبة القاهرة - ١٣٨٥ هـ.

١١٣ - ضياء العينين في تذكرة أصحاب الحسينعليه‌السلام : محمّد حسن بن محمّد. تقي السبزواري / مشهد.

١١٤ - الطبقات: خليفة بن خيّاط العصفري / ت: ٢٤٠ هـ / دار طيبة - الرياض - ١٤٠٢ هـ.

١١٥ - الطبقات الكبرى: أبو عبد الله محمد بن سعد بن منيع البصري الزهري / ت: ٢٣٠ هـ / دار صادر / بيروت.

١١٦ - العقد الثمين: تقيّ الدين محمّد بن أحم الفاسيّ المكّي / ت: ٨٣٢ هـ / مؤسسة الرسالة - بيروت - ١٤٠٦ هـ.

١١٧ - العقد الفريد: أحمد بن محمّد بن عبد ربّه الأندلسي / ت: ٣٢٨ هـ / دار الكتاب العربي - ودار إحياء التراث العربي بيروت.

١١٨ - علل الشرائع: الشيخ الصدوق أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّي / ت: ٣٨١ هـ / دار إحياء التراث العربي - بيروت.


١١٩ - علي الأكبرعليه‌السلام : السيّد عبد الرزّاق الموسوي المقرّم / ت: ١٣٩١ هـ / إنتشارات الشريف الرضي / قم.

١٢٠ - عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب: جمال الدين أحمد بن علي بن الحسين ابن علي بن مها بن عنبة الأصغر الداودي الحسيني / ت: ٨٢٨ هـ / نشر مكتبة الشريف الرضي.

١٢١ - عوالم العلوم: الشيخ عبد الله بن نور الله البحراني / من أعلام القرن الثاني عشر / نشر مدرسة الإمام المهديعليه‌السلام / قم.

١٢٢ - عيون الأخبار: أبو محمّد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري / ت: ٢٧٦ / دار الكتب العلمية - بيروت - والمؤسسة المصرية العامة.

١٢٣ - عيون الأخبار وفنون الآثار: إدريس عماد الدين القرشي / ت: ٨٧٢ هـ / دار الأندلس - بيروت.

١٢٤ - عيون أخبار الرضاعليه‌السلام ك الشيخ الصدوق أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القميّ / ت: ٣٨١ هـ / انتشارات جهان - طهران.

١٢٥ - غرر الخصائص الواضحة: أبو إسحاق برهان الدين الكتبي المعروف بالوطواط / ت: ٧١٨ هـ دار صعب - بيروت.

١٢٦ - الغيبة: شيخ الطائفة أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي / ت: ٤٦٠ هـ / مؤسسة المعارف الإسلامية - قم.

١٢٧ - الفتوح: أبو محمّد أحمد بن أعثم الكوفي / ت: نحو ٣١٤ هـ / دار الندوة الجديدة - بيروت.

١٢٨ - فرج المهموم: رضيّ الدين علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن طاووس الحسيني / ت: ٦٦٤ هـ / منشورات الشريف الرضي / قم.


١٢٩ - فِرق الشيعة: أبو محمّد النوبختي / ت: ٣١١ هـ / نشر المكتبة المرتضوية / النجف ١٣٥٥ هـ.

١٣٠ - الفصول المهمة في معرفة أحوال الأئمّة: ابن الصباغ المالكي / ت: ٨٥٥ هـ / منشورات الأعلمي / - طهران.

١٣١ - قاموس الرجال: الشيخ محمد تقي التستري / مؤسسة النشر الإسلامي - قم.

١٣٢ - قصص الأنبياء: قطب الدين سعيد بن هبة الله الراوندي / ت: ٥٧٣ هـ / مجمع البحوث الإسلامية - مشهد.

١٣٣ - قصّة كربلاء: فارسي / علي نظري منفرد / انتشارات سرور / قم.

١٣٤ - الكافي: ثقة الإسلام أبو جعفر محمّد بن يعقوب الكليني / ت: ٣٢٩ هـ / دار الأضواء - بيروت.

١٣٥ - الكامل: أبو العباس محمد بن يزيد المبرّد / ت: ٢٨٦ هـ / طبعة الدلجموني الأزهري / ودار الفكر العربي - القاهرة.

١٣٦ - كامل الزيارات: أبو القاسم جعفر بن محمد بن جعفر بن موسى بن قولويه القمّي / ت: ٣٦٨ هـ / نشر مكتبة الصدوق - طهران.

١٣٧ - الكامل في التاريخ: أبو الحسن عزّ الدين علي بن أبي الكرم محمّد بن محمّد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني المعروف بابن الأثير الجزري / ت: ٦٣٠ هـ / دار الكتاب العربي - بيروت.

١٣٨ - كشف الغمة في معرفة الأئمّة: علي بن عيسى الإربلي / ت: ٦٩٢ هـ / دار الكتاب الإسلامي / بيروت.

١٣٩ - كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالبعليه‌السلام : الگنجي الشافعي / ت: ٦٥٨ هـ / دار إحياء تراث أهل البيتعليهم‌السلام / طهران - ١٤٠٤ هـ.


١٤٠ - كمال الدين وتمام النعمة: الشيخ الصدوق أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي / ت: ٣٨١ هـ / مؤسسة النشر الإسلامي - قم.

١٤١ - لباب الأنساب والألقاب والأعقاب: أبو الحسن علي بن أبي القاسم بن زيد البيهقي الشهير بابن فندق / ت: ٥٦٥ هـ / نشر مكتبة السيّد المرعشي - ١٤١٠ هـ.

١٤٢ - اللباب في تهذيب الأنساب: عزّ الدين علي بن أبي الكرم محمد بن محمد / ابن الأثير الجزري / ت: ٦٣٠ هـ / دار صادر - بيروت.

١٤٣ - لسان العرب: أبو الفض مال الدين محمّد بن مكرّم / ابن منظور / ت: ٧١١ هـ / نشر أدب الحوزة - قم - ١٤٠٥ هـ.

١٤٤ - لسان اللسان (تهذب لسان العرب): أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرّم / ابن منظور ت: ٧١١ هـ / دار الكتب العلمية - بيروت - ١٤١٣ هـ.

١٤٥ - اللهوف (الملهوف): على قتلى الطفوف / رضي الدين أبو القاسم عليّ بن موسى ابن جعفر بن طاووس / ت: ٦٦٤ هـ / المطبعة الحيدرية في النجف - ودار الأسوة في قم.

١٤٦ - لواعج الأشجان: السيّد محسن الأمين العاملي / ت: ١٣٧٠ هـ / مكتبة بصيرتي - قم.

١٤٧ - مآثر الإنافة في معالم الخلافة: أحمد بن عبد الله القلقشندي / ت: ٨٢١ هـ / الكويت - ١٩٦٤ م.

١٤٨ - مثير الأحزان: الشيخ نجم الدين جعفر بن محمّد بن جعفر بن هبة الله بن نما الحلّي / ت: ٨٤١ هـ / نشر مدرسة الإمام المهديعليه‌السلام - قم.

١٤٩ - المُجدي في أنساب الطالبيين: عليّ بن مجد الدين العمري / من علماء القرن الخامس / نشر مكتبة السيّد المرعشي.

١٥٠ مجمع البحرين: فخر الدين الطريحي / ت: ١٠٨٥ هـ / المكتبة المرتضوية - طهران.


١٥١ - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي / ت: ٨٠٧ هـ / دار الكتاب العربي - بيروت.

١٥٢ - المحن: محمّد بن أحمد بن تميم التميمي / ت: ٣٣٣ هـ / دار الغرب الإسلامي - بيروت - ١٤٠٣ هـ.

١٥٣ - مختصر تاريخ دول الإسلام: شمس الدين محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي / ت: ٧٤٨ هـ.

١٥٤ - مدينة الحسينعليه‌السلام : السيّد محمد حسن مصطفى الكليدار / مطبعة سبهر - إيران.

١٥٥ - مدينة المعاجز: السيّد هاشم بن سليمان بن إسماعيل / الحسيني البحراني التوبلي الكتكاني / ت: ١١٠٧ هـ / مؤسسة المعارف الإسلامية - قم.

١٥٦ - مرآة الجنان وعبرة اليقظان: أبو محمد اليافعي المكّي / ت: ٧٦٨ هـ / مؤسسة الأعلمي / بيروت.

١٥٧ - مرآة الزمان في تاريخ الأعيان: شمس الدين أبو المظفر يوسف بن (قزاغلي) فرغلي المعروف بسبط ابن الجوزي / ت: ٦٥٤ هـ / طبع انقرا.

١٥٨ مرآة العقول: الشيخ العلاّمة محمد باقر المجلسي / ت: ١١١١ هـ / دار الكتب الإسلامية - طهران.

١٥٩ - مراصد الاطّلاع على أسماء الأمكنة والبقاع: صفيّ الدين عبد المؤمن بن عبد الحقّ البغدادي / ت: ٧٣٩ / دار المعرفة - بيوت.

١٦٠ مروج الذهب ومعادن الجوهر: علي بن الحسين المسعودي / ت: ٢٤٦ هـ / نشر مطبعة الصدر - قم - ودار المعرفة - بيروت.

١٦١ - المزار: الشيخ المفيد أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان العكبري / ت: ٤١٣ هـ / ضمن مجموعة مؤلفات الشيخ المفيد نشر المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد - قم.


١٦٢ - مستدركات علم رجال الحديث / الشيخ علي النازي الشاهرودي / ت: ١٤٠٥ هـ / مطبعة الشفق - طهران.

١٦٣ - المستدرك على الصحيحين: أبو عبد الله محمد بن عبيد الله الحاكم النيسابوري / ت: ٤٠٥ هـ / دار المعرف - بيروت.

١٦٤ - مسند أحمد: أحمد بن حنبل / ت: ٢٤١ هـ / دار الفكر - بيروت.

١٦٥ - مشاهد العترة الطاهرة وأعيان الصحابة والتابعين: السيّد عبد الرزّاق كمّونة الحسيني / ت: ٣٩٠ هـ / مؤسسة البلاغ - بيروت.

١٦٦ - مشاهير علماء الأمصار وأعلام فقهاء الأقطار: أبو حاتم محمّد بن حبّا بن أحمد التيمي البستي / ت: ٣٥٤ / دار الوفاء / القاهرة / ١٤١١ هـ.

١٦٧ - المصنّف: أبو بكر عبد الله بن محمّد بن أبي شيبة الكوفي / ت: ٢٣٥ هـ / الدار السلفية - بومباي.

١٦٨ - مطالب السؤول في مناقب آل الرسول: كمال الدين محمّد بن طلحة بن محمّد القرشي الشافعي / ت: ٦٥٢ هـ / دار الكتب التجارية - النجف.

١٦٩ - المعارف: أبو محمد عبد الله بن مسلم المعروف بابن قتيبة الدينوري / ت: ٢٧٦ هـ نشر مكتبة الشريف الرضي / ١٤١٥ هـ - قم.

١٧٠ - معالي السبطين في أحوال الحسن والحسينعليهما‌السلام : محمد مهدي الحائري المازندراني / منشورات الشريف الرضي - قم.

١٧١ - معاني الأخبار: الشيخ الصدوق أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي / ت: ٣٨١ / منشورات جماعة المدرّسين في الحوزة العلمية - قم.

١٧٢ معجم البلدان: شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي الرومي البغدادي / ت: ٦٢٦ هـ / دار إحياء التراث العربي - بيروت.


١٧٣ - معجم رجال الحديث: السيّد أبو القاسم الموسوي الخوئي / منشورات مدينة العلم - آية الله العظمى الخوئي - قم.

١٧٤ - معجم الشعر والشعراء: أبو عبد الله محمد بن عمران المرزباني / ت: ٣٨٤ هـ / نشر مكتبة القدسي - القاهرة.

١٧٥ - المعجم الكبير: سليمان بن أحم بن أيّوب الطبراني / ت: ٣٦٠ هـ / الدار العربي للطباعة - بغداد.

١٧٦ - مقاتل الطالبيين: أبو الفرج علي بن الحسين بن محمّد الأصفهاني / ت: ٣٥٦ هـ / مكتبة الشريف الرضيّ - قم.

١٧٧ - المقالات والفِرق : سعد بن عبد الله الأشعري / نشر المركز العلمي والثقافي - طهران.

١٧٨ - مقباس الهداية في علم الدراية: الشيخ عبد الله المامقاني / ت: ١٣٥١ هـ / تحقيق الشيخ محمّد رضا المامقاني / مؤسسة آل البيتعليهم‌السلام لإحياء التراث - قم.

١٧٩ - مقتل الحسينعليه‌السلام : للمقرّم السيد عبد الرزّاق الموسوي / ت: ١٣٩١ هـ / انتشارات الشريف الرضي / قم.

١٨٠ - مقتل الحسينعليه‌السلام : للخوارزمي أبي المؤيّد الموفّق بن أحمد المكّي، أخطب خوارزم / ت: ٥٦٨ هـ / دار أنوار الهدى - قم.

١٨١ - مقتل الحسينعليه‌السلام : للطبراني سليمان بن أحمد بن أيّوب / ت: ٣٦٠ هـ / طبع الكويت.

١٨٢ - مناقب آل أبي طالبعليهم‌السلام : أبو جعفر رشيد الدين محمّد بن علي بن شهرآشوب السروي المازندراني / ت: ٥٨٨ هـ / مؤسسة انتشارات علاّمة - قم.

١٨٣ - مناقب علي بن أبي طالبعليه‌السلام : أبو الحسن علي بن محمد بن محمد الواسطي الجُلاّبي الشافعي الشهير بابن المغازلي / ت: ٤٨٣ هـ.


١٨٤ - مناهل الضرب في أنساب العرب: السيد جعفر الأعرجي النجفي الحسيني / ت: ١٣٣٢ هـ / نشر مكتبة السيّد النجفي - قم.

١٨٥ - المنتخب: فخر الدين الطريحي / ت: ١٠٨٥ هـ / نشر مكتبة أروميّة - قم.

١٨٦ - المنتظم في تاريخ الأمم والملوك: أبو الفرج عبد الرحمان بن علي بن الجوزي / ت: ٥٩٧ هـ / دار الكتب العلميّة - ١٤١٢ هـ / بيروت.

١٨٧ - منتهى الآمال: الشيخ عبّاس بن محمّد رضا القمّي / ت: ١٣٥٩ هـ / المكتبة الإسلامية - طهران.

١٨٨ - منتهى المقال: أبو علي الحائري المازندراني / ت: ١٢١٦ هـ / نشر مؤسسة آل البيتعليهم‌السلام لإحياء التراث - قم.

١٨٩ موسوعة العتبات المقدّسة: جعفر الخليلي / مؤسسة الأعلمي - بيروت.

١٩٠ - موسوعة كلمات الإمام الحسينعليه‌السلام : إعداد لجنة الحديث في معهد تحقيقات باقر العلومعليه‌السلام / في منظّمة الإعلام الإسلامي - قم - ١٤١٥ هـ.

١٩١ - ميزان الاعتدال في نقد الرجال: عبد الله محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي / ت: ٧٤٨ هـ / دار المعرفة - بيروت.

١٩٢ - نزهة الناظرين في مسجد سيّد الأولين والآخرين: للبرزنجي السيّد جعفر بن سيّد إسماعيل المدني / طبع مصر.

١٩٣ - نسب قريش/ مصعب بن عبد الله الزبير - ت: ٢٣٦ هـ / طُبع في مصر - ١٩٥٣ م/ ودار المعارف - بيروت.

١٩٤ - نظم درر السمطين: جمال الدين الزرندي الحنفي / ت: ٧٥٠ هـ / نشر مكتبة نينوى الحديثة - طهران.

١٩٥ نفس المهموم: الشيخ عبّاس القمّي / ت: ١٣٥٩ هـ / منشورات مكتب بصيرتي - قم - ١٤٠٥ هـ.


١٩٦ - نقد الرجال: السيّد مصطفى بن الحسين الحسيني التفرشي / من أعلام القرن الحادي عشر / نشر مؤسسة آل البيت لإحياء التراث - قم.

١٩٧ - نور الأبصار في مناقب آل بيت النبيّ المختار (صلى الله عليه وآله): الشيخ مؤمن بن حسن مؤمن الشبلنجي / ت: حدود: ١٢٩٠ هـ / دار الكتب العلمية - بيروت - ١٣٩٨ هـ.

١٩٨ - نور العين في مشهد الحسينعليه‌السلام : أبو إسحاق الأسواني / نشر مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده - مصر - ١٣٧٤ هـ.

١٩٩ - نهاي الإحكام في معرف الأحكام: الحسن بن يوسف بن علي المطهر الحلّي / ت: ٧٢٦ هـ / نشر مؤسسة إسماعيليان - قم - ١٤١٠ هـ.

٢٠٠ - نهاية الأرب في معرف أنساب العرب: أبو العبّاس أحمد بن علي بن أحمد بن عبد الله القلشندي / ت: ٨٢١ هـ / دار الكتب العلمية - بيروت.

٢٠١ - نهضة الحسينعليه‌السلام : السيّد هبة الدين الحسيني الشهرستاني / منشورات دار الشريف الرضي - قم.

٢٠٢ - وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة: محمد بن الحسن الحرّ العاملي / ت: ١١٠٤ هـ / نشر مؤسسة آل البيت لإحياء التراث - قم.

٢٠٣ - وسيلة الدارين في أنصار الحسينعليه‌السلام : السيّد إبراهيم الموسوي الزنجاني منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت.

٢٠٤ - وفا الوفاء بأخبار دار المصطفى: نور الدين علي بن عبد الله بن شهاب الدين ابن العباس الحسيني الشافعي المصري السمهودي / ت: ٩١١ هـ / دار إحياء التراث العربي - بيروت، ومطبعة الآداب والمؤيّد - مصر - ١٣٢٦ هـ.

٢٠٥ - وقائع الطريق من مكّة إلى كربلاء: محمّد جواد الطبسي / مركز الدراسات الإسلامية لحرس الثورة الإسلامية.


٢٠٦ - وقعة صِفّين: نصر بن مزاحم المنقري / ت: ٢١٢ هـ / نشر مكتبة السيّد المرعشي النجفي - قم - ١٤٠٣ هـ.

٢٠٧ - وقعة الطفّ: أبو مخنف لوط بن يحيى الأزدي / ت: ١٥٨ هـ / نشر جماعة المدرّسين في الحوزة - قم.

٢٠٨ ينابيع المودّة: سليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي / ت: ١٢٩٤ هـ / دار الكتب العراقية - الكاظمية، ومكتبة محمّدي - قم.


الفهرس

مقدّمة مركز الدراسات الإسلاميّة ٣

« عاشوراء... قراءة في أهمّ أسباب العَظمة والخلود ». ٣

الفصل الأوّل: كربلاء

الفصل الأوّل: كربلاء ١٣

اسم (كربلاء).. الأصل والاشتقاق. ١٣

١) - نظرية الأصل العربي لاسم كربلاء ١٣

٢) - نظرية الأصل غير العربي (الأصل الديني) ١٤

نبذة مختصرة من تاريخ كربلاء وجغرافيتها إلى سنة ستين للهجرة ٢٠

الأسماء الأُخرى لكربلاء ٢٣

١) - الطفّ أو الطفوف: ٢٣

٢) - نينوى: ٢٥

٣) - النواويس: ٢٥

٤) - الغاضرية: ٢٦

٥) - عمورا: ٢٧

٦) - أرض بابل: ٢٧

٨) - شطّ الفرات: ٢٨

٩) - أرض العراق: ٢٨

١٠) - ظَهر الكوفة ٢٨

١١) - الحائر والحَيْر. ٢٩

فضلُ كربلاء وقداسة تُربتها ٣٢

كربلاء في تاريخ بعض أنبياء الله عليهم‌السلام.... ٣٦

مصاب الحسين عليه‌السلام في حياة أنبياء الله عليهم‌السلام وأُممهم. ٤١

الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ومصاب الحسين عليه‌السلام.... ٤٧

أمير المؤمنين عليٌّ عليه‌السلام ومصاب الحسين عليه‌السلام.... ٥٧

إخبارات الإمام الحسين عليه‌السلام بمقتله قبل قيامه ٦٣


لماذا كان الإخبار بمقتله عليه‌السلام؟ ٦٤

الفصل الثاني: الإمام الحسين عليه‌السلام في كربلاء

الفصل الثاني: الإمام الحسين عليه‌السلام في كربلاء ٧١

من اليوم الثاني من المحرّم سنة ٦١ هـ.ق حتّى فجر اليوم العاشر ٧١

إشارة رقم ١: ٧٤

إشارة رقم ٢: ٧٥

المخيّم الحسينيّ. ٧٩

اليوم الثالث من المحرّم سنة ٦١ هـ ٨١

حُبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة! ٨٢

رُسُل عمر بن سعد إلى الإمام عليه‌السلام.... ٨٥

تبادلُ الرسائل بين عمر بن سعد وابن زياد ٨٧

الإمام عليه‌السلام يشتري ستّة عشر ميلاً مربعاً من أرض كربلاء ٨٩

ابن زياد يُعبّئ الكوفة لقتال الحسين عليه‌السلام.... ٨٩

اكتمالُ تعبئة الكوفة لقتال الإمام عليه‌السلام في السادس من المحرّم ٩٦

أحدُ أنصار الإمام عليه‌السلام يحاول اغتيال ابن زياد ٩٧

رسالةُ الإمام عليه‌السلام إلى أخيه محمّد بن الحنفيّة ٩٨

تأمّل: ٩٩

خطبةٌ للإمام عليه‌السلام في أصحابه ١٠١

حبيبُ بن مظاهر (رض) ١٠٢

من غرائب ما تفرّد به البلاذري! ١٠٤

وقائعُ اليوم السابع من المحرّم ١٠٦

مَن هو أبو الفضل العبّاس بن أمير المؤمنين عليهما‌السلام؟ ١١٠

المحاورةُ بين الإمام عليه‌السلام وبين عمر بن سعد لعنه الله. ١١٦

وهنا يُقحم الظنّ الآثم ليختلط بالحق. ١١٧

ثُمَّ يُزيد الطبري الطين بَلَّة! ١١٨

لكنَّ شاهد عيان يروي الحقيقة فيقول: ١١٨


أُكذوبة عمر بن سعد التي افتراها على الإمام عليه‌السلام.... ١١٩

إشارة: ١١٩

شمرُ بن ذي الجوشن يُحبط خطّة عمر بن سعد. ١٢٠

ابن زياد يكتب أماناً لأبي الفضل العباس وإخوته عليهم‌السلام! ١٢٢

وقائعُ اليوم التاسع من المحرّم الحرام ١٢٤

شمر بن ذي الجوشن يبذل الأمان للعبّاس وإخوته عليهم‌السلام.... ١٢٤

جيشُ الضلال يزحف على معسكر الحقّ والهدى! ١٢٥

إشارة ١٢٩

ماذا لو حصلت فاجعة عاشوراء في الليل؟ ١٢٩

وقائع ليلة عاشوراء ١٣٢

وفي رواية أخرى عن الإمام السجّاد عليه‌السلام.... ١٣٧

وفي رواية أخرى... ١٣٩

الحضرمي: أكَلَتني السباع حيّاً إنْ فارقتك.. ١٤٠

إشارة ١٤١

الإمامُ عليه‌السلام يُري أنصاره منازلهم في الجنّة ١٤٢

حبيبُ بن مظاهر وسرُّ المزاح ليلة عاشوراء ١٤٤

إشارة ١٤٤

أصحابُ الإمام الحسين عليه‌السلام لا يجدون أَلَمَ مسَّ الحديد. ١٤٥

الإمام عليه‌السلام يأمر بحفر خندق حول معسكره ١٤٦

يا دهرُ أُفٍّ لك من خليل. ١٤٧

الإمام الحسين عليه‌السلام يتفقّد التلاع والروابي. ١٥٠

( قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ ): ١٥١

أنصارٌ جُددٌ ١٥٣

رؤيا حقّة ساعة السحر ١٥٣


الأنصار الملتحقون به عليه‌السلام في كربلاء حتّى ليلة العاشر ١٥٤

١) - أنس بن الحرث الكاهلي - الصحابي - (رض) ١٥٤

٢) - جوين بن مالك بن قيس بن ثعلبة التميمي (رض) ١٥٤

٣) - حبيب بن مظاهر (مُظَهّر) الأسدي الفقعسي - الصحابي - (رض) ١٥٥

٤) - مسلم بن عوسجة الأسدي - الصحابي - (رض) ١٦١

٥) - مسلم أو أسلم بن كثير الأعرج الأزدي - الصحابي - (رض) ١٦٤

٦) - رافع بن عبد الله مولى مسلم بن كثير (رض) ١٦٥

٧) - القاسم بن حبيب بن أبي بشر الأزدي (رض) ١٦٥

٨) - زهير بن سليم الأزدي (رض) ١٦٦

٩) - النعمان بن عمرو الأزدي الراسبي (رض) ١٦٦

١٠) - الحُلاس بن عمر الأزدي الراسبي (رض) ١٦٦

١١) - جابر بن الحجّاج مولى عامر بن نهشل التيمي (رض) ١٦٧

١٢) - مسعود بن الحجّاج التيمي - تيم الله بن ثعلبة - (رض) ١٦٨

١٣) - عبد الرحمان بن مسعود بن الحجّاج التيمي (رض) ١٦٨

١٤) - عمر بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة الضبعي التميمي - الصحابي - (رض) ١٦٨

١٥) - أُميّة بن سعد الطائي (رض) ١٦٩

١٦) - الضرغامة بن مالك التغلبي (رض) ١٦٩

١٧) - كنانة بن عتيق التغلبي - الصحابي - (رض) ١٧٠

١٨) - قاسط بن زهير بن الحرث التغلبي (رض) ١٧١

١٩) - كردوس بن زهير بن الحرث التغلبي (رض) ١٧١

٢٠) - مقسط بن زهير بن الحرث التغلبي (رض) ١٧١

٢١) - رجل من بني أسد (رض) ١٧٢

٢٢) - حنظلة بن أسعد الشبامي (رض) ١٧٣

٢٣) - سيف بن الحرث بن سريع بن جابر الهمداني الجابري (رض) ١٧٥

٢٤) - مالك بن عبد الله بن سريع بن جابر الهمداني الجابري (رض) ١٧٥

٢٥) - شبيب مولى الحرث بن سريع الهمداني الجابري (رض) ١٧٦


٢٦) - عمّار بن أبي سلامة الدالاني - الصحابي - (رض) ١٧٧

٢٧) - حبشي بن قيس النهمي (رض) ١٧٨

٢٨) - زياد بن عريب الهمداني الصائدي، أبو عمرة (رض) ١٧٩

٢٩) - سوار بن منعم بن حابس بن أبي عمير بن نَهْم الهمداني النهمي (رض) ١٨٠

٣٠) - عمرو بن عبد الله الجندعي (رض) ١٨٠

٣١) - عمرو بن قرظة الأنصاري (رض) ١٨١

٣٢) - عبد الله بن بشر الخثعمي (رض) ١٨٣

٣٣) - الحارث بن امرئ القيس الكندي (رض) ١٨٣

٣٤) - بشر بن عمرو بن الأُحدوث الحضرمي الكندي (رض) ١٨٤

٣٥) - عبد الله بن عروة بن حرّاق الغفاري (رض) ١٨٤

٣٦) - عبد الرحمان بن عروة بن حرّاق الغفاري (رض) ١٨٤

٣٧) - عبد الله بن عمير الكلبي (رض) ١٨٥

٣٨) - سالم بن عمرو ومولى بني المدينة الكلبي (رض) ١٨٧

الفصل الثالث: كربلاء يوم العاشر من المحرّم سنة ٦١ هـ ق

الفصل الثالث: استطلاعٌ ميداني. ١٩١

أنصارُ الإمام الحسين عليه‌السلام.... ١٩١

عددُ أصحاب الإمام الحسين عليه‌السلام يوم الطف.. ١٩٧

الهاشميون من أنصار الإمام الحسين عليه‌السلام في كربلاء ١٩٨

عددُ الصحابة في جيش الإمام الحسين عليه‌السلام يوم الطف.. ٢٠٢

١ - أنس بن الحارث الكاهلي الأسدي (رض): ٢٠٣

٢ - عبد الرحمان بن عبد ربّ الأنصاري الخزرجي (رض): ٢٠٣

٣ - حبيب بن مظاهر (مظهّر) الأسدي (رض): ٢٠٣

٤ - عبد الله بن يقطر الحميري (رض): ٢٠٣

٥ - مسلم بن عوسجة الأسدي (رض): ٢٠٤

٦ - كنانة بن عتيق التغلبي (رض): ٢٠٤

٧ - عمّار بن أبي سلامة الدالاني الهمداني (رض): ٢٠٤

٨ - الحرث بن نبهان (رض) مولى حمزة عليه‌السلام: ٢٠٤


وهناك اثنان من الأنصار ٢٠٤

١ - زياد بن عريب الهمداني الصائدي (رض): ٢٠٥

٢ - عمرو بن ضبعة الضبعي التميمي (رض): ٢٠٥

أمّا مَن وقع الاختلاف في صحبتهم من الأنصار (رض)، فهم: ٢٠٥

١ - أسلم (مسلم) بن كثير الأعرج الأزدي (رض): ٢٠٥

٢ - زاهر مولى عمرو بن الحمق الخزاعي (رض): ٢٠٥

٣ - سعد بن الحرث (رض) مولى عليّ بن أبي طالب.. ٢٠٦

٤ - يزيد بن مغفل الجعفي (رض): ٢٠٧

٥ - شبيب بن عبد الله مولى الحرث بن سريع الكوفي (رض): ٢٠٨

٦ - جنادة بن الحرث السلماني الأزدي الكوفي (رض): ٢٠٩

٧ - جندب بن حجير الخولاني الكوفي (رض): ٢٠٩

أصحابُ أمير المؤمنين عليه‌السلام من أنصار الإمام الحسين عليه‌السلام في الطفّ.. ٢١٠

جيشُ الإمام الحسين عليه‌السلام حجازيّون، وكوفيّون، وبصريون. ٢١٢

المَوالي من أنصار الإمام الحسين عليه‌السلام في كربلاء ٢١٣

من ألقاب الجيش الحسينيّ. ٢١٥

عُمر الإمام الحسين عليه‌السلام يوم عاشوراء سنة ٦١ هـ ٢١٦

الجيشُ الأموي: الألقاب والأوصاف.. ٢١٩

عددُ الجيش الأموي. ٢٢٢

إشارة ٢٢٣

أبرزُ القادة العسكريين في جيش ابن زياد ٢٢٦

عناصرُ الجيش الأموي. ٢٢٩

١ - المزدلفون إلى الإمام ٢٢٩

٢ - أهل الأهواء والأطماع: ٢٣٠

أ - الانتهازيّون: ٢٣٠

ب - المرتزقة: ٢٣٠

ج - الفَسقة والبطّالون: ٢٣١


٣ - الخوارج: ٢٣٢

٤ - المكرهون: ٢٣٣

هل اشتركَ أهل الشام في واقعة الطفّ؟ ٢٣٤

من الأعراف الحربية في ذلك العصر ٢٣٨

الفصل الرابع: ملحمةُ كربلاء يوم عاشوراء من المحرّم سنة ٦١ هـ ق

الفصل الرابع: ملحمةُ كربلاء يوم عاشوراء من المحرّم سنة ٦١ هـ ٢٤١

دعاء الإمام الحسين عليه‌السلام يوم عاشوراء ٢٤٣

إشعالُ النار في الخندق خلف المخيّم. ٢٤٤

ردّةُ فعل العدوّ على إشعال النار ٢٤٤

إشارة: ٢٤٧

احتجاجاتُ الإمام عليه‌السلام في ساحة المعركة ٢٤٨

إشارات.. ٢٥٨

خطابُ زهير بن القين (رض) ٢٦١

الحرّ بن يزيد الرياحي.. والموقف الخالد. ٢٦٢

هل التحق ثلاثون رجلاً بالإمام عليه‌السلام يوم عاشوراء؟ ٢٦٥

إشارة: ٢٦٦

بدايةُ الحرب - الحملة الأولى. ٢٦٩

عُمَر بن سعد: اشهدوا أنّي أوّلُ مَن رمى. ٢٦٩

الإمام عليه‌السلام يأذن لأنصاره (رض) بالقتال. ٢٦٩

النصرُ يرفرف على رأس الحسين عليه‌السلام.... ٢٧٠

المبارزةُ التي وقعت قبل الحملة الأولى. ٢٧١

عبد الله بن عمير الكلبي (رض)... والموقف البطولي. ٢٧١

بعضُ تفاصيل الحملة الأولى. ٢٧٣

شمر بن ذي الجوشن.. يواصل الحملة في الميسرة ٢٧٦

ثمّ صارت الحملة من كلّ جانب.. ٢٧٦

فقُتل الشهيد الثاني عبد الله بن عمير الكلبي (رض) ٢٧٧


خيلُ الإمام عليه‌السلام تحمل على الأعداء ٢٧٧

مشهدٌ كريم من مشاهد بطولة الحرّ (رض) ٢٧٨

مقتلُ مجموعة عمرو بن خالد الصيداوي (رض) ٢٧٩

رُماة ابن سعد يعقرون خيل الإمام عليه‌السلام.... ٢٧٩

اشتدادُ القتال حتّى منتصف النهار ٢٨٠

أمُّ وهب (رض) تستشهد عند مصرع زوجها (رض) ٢٨١

زهير في عشرة من الأنصار يكشف جُند الشمر عن الخيام ٢٨١

وحين زالت الشمس وحضر وقت الصلاة ٢٨١

أسماءُ شهداء الحَملة الأولى. ٢٨٢

مقتلُ حبيب بن مظاهر (رض) قُبيل الصلاة ٢٩٢

مقتلُ الحرّ بن يزيد الرياحي (رض) ٢٩٥

كيف كانت صلاة الإمام عليه‌السلام ظُهر عاشوراء؟ ٢٩٩

مقتلُ سعيد بن عبد الله الحنفي (رض) أثناء صلاة الإمام عليه‌السلام.... ٣٠٠

مقتلُ أنس بن الحارث الكاهلي (رض) ٣٠٢

مقتلُ يزيد بن زياد بن مهاصر الكندي (رض) ٣٠٣

مقتلُ وهب بن وهب (رض) ٣٠٤

مقتلُ الحجّاج بن مسروق المذحجي الجعفي (رض) ٣٠٦

مقتلُ سلمان بن مضارب البجلي (رض) ٣٠٩

مقتلُ أبي ثمامة الصائدي (رض) ٣٠٩

مقتلُ برير بن خضير الهمداني (رض) ٣١٠

مقتلُ عمرو بن قرظة الأنصاري (رض) ٣١٣

مقتلُ نافع بن هلال الجَملي (رض) ٣١٤

مقتلُ يزيد بن مغفل الجعفي (رض) ٣١٨

مصرعُ الموقَّع. ٣١٩

مقتلُ عمر ٣٢٠

مقتلُ الأخَوين الغفاريين (رض) ٣٢٣


مقتلُ حنظلة بن أسعد الشبامي والأخوين الجابريين سيف ومالك (رض) ٣٢٥

مقتلُ شوذب بن عبد الله (رض) ٣٢٧

مقتلُ عابس بن أبي شبيب الشاكري (رض) ٣٢٨

مقتلُ الأخوين الأنصاريين (رض) ٣٢٩

مقتلُ الأنصار الجهنيين الثلاثة (رض) ٣٣٠

مقتلُ يزيد بن ثبيط العبدي البصري (رض) ٣٣١

مقتلُ رافع بن عبد الله (رض) مولى مسلم الأزدي (رض) ٣٣١

مقتلُ حبشي بن قيس النهمي (رض) ٣٣٢

مقتلُ زياد بن عريب الهمداني الصائدي (رض) ٣٣٢

مقتلُ قعنب بن عمر النمري (رض) ٣٣٣

مقتلُ بكر بن حي التيمي (رض) ٣٣٣

مقتلُ سالم بن عمرو (رض) مولى بني المدينة ٣٣٤

مقتلُ الغلام التركي (رض) ٣٣٤

مقتلُ بشر ٣٣٦

مقتلُ سويد بن عمرو بن أبي المطاع (رض) ٣٣٧

قصّةُ الضحّاك بن عبد الله المشرقي. ٣٣٨

أسماءٌ أخرى وملاحظات: ٣٤١

مقاتلُ ومصارع بني هاشم. ٣٥٤

مقتلُ عليّ الأكبر عليه‌السلام.... ٣٥٥

إشارة: ٣٦٤

هل كان لعليّ الأكبر ذريّة؟ ٣٦٤

مقاتلُ آل عقيل عليهم‌السلام في يوم عاشوراء ٣٦٦

عبد الله بن مسلم بن عقيل عليهم‌السلام.... ٣٦٧

محمد بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب عليه‌السلام.... ٣٦٨

جعفر بن عقيل بن أبي طالب عليه‌السلام.... ٣٦٩

عبد الرحمن بن عقيل عليه‌السلام.... ٣٧٠

محمد بن أبي سعيد بن عقيل بن أبي طالب عليه‌السلام.... ٣٧١


وأمّا الآخرون من آل عقيل عليهم‌السلام الذين ذَكرهم بعض المؤرّخين فهم: ٣٧٢

عبد الله بن عقيل الأكبر: ٣٧٢

عبيد الله بن عقيل: ٣٧٢

محمد بن عقيل: ٣٧٢

عون بن عقيل: ٣٧٣

علي بن عقيل: ٣٧٣

موسى بن عقيل: ٣٧٣

أحمد بن محمد بن عقيل: ٣٧٣

مقاتلُ آل جعفر بن أبي طالب عليهم‌السلام.... ٣٧٤

مقتلُ عون بن عبد الله بن جعفر عليه‌السلام.... ٣٧٤

مقتل محمد بن عبد الله بن جعفر عليه‌السلام.... ٣٧٥

مقتلُ القاسم بن محمّد بن جعفر بن أبي طالب عليه‌السلام.... ٣٧٦

مقتلُ عبيد الله بن عبد الله بن جعفر عليه‌السلام.... ٣٧٦

مقتل عبد الله بن عبد الله بن جعفر عليهما‌السلام..... ٣٧٦

أبناءُ الإمام الحسن بن علي عليهم‌السلام.... ٣٧٧

مقتلُ القاسم بن الحسن عليهما‌السلام..... ٣٧٧

مقتلُ عبد الله بن الحسن عليه‌السلام.... ٣٨٠

مقتلُ أحمد بن الحسن عليهما‌السلام..... ٣٨٢

مقتلُ أبي بكر بن الحسن عليه‌السلام.... ٣٨٣

مصرعُ الحسن بن الحسن عليهما‌السلام..... ٣٨٣

مقتلُ عمر بن الحسن عليه‌السلام.... ٣٨٤

مقاتلُ إخوان الإمام الحسين عليه‌السلام.... ٣٨٤

مقتل عبد الله بن علي عليه‌السلام.... ٣٨٤

مقتلُ جعفر بن علي بن أبي طالب عليه‌السلام.... ٣٨٦

مقتلُ عثمان بن علي عليه‌السلام.... ٣٨٧

مقتلُ أبي بكر بن عليّ عليه‌السلام.... ٣٨٨


مقتلُ محمّد الأصغر بن عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام.... ٣٨٩

مقتل عمر بن علي عليه‌السلام.... ٣٩٠

هل قُتل عمر في واقعة الطفّ؟ ٣٩١

مقتل إبراهيم بن علي بن أبي طالب عليه‌السلام.... ٣٩٢

مقتل عتيق بن علي بن أبي طالب عليه‌السلام.... ٣٩٣

مقتل عون بن علي عليه‌السلام.... ٣٩٣

مقتلُ يحيى بن علي عليه‌السلام.... ٣٩٤

مقتل عبيد الله بن علي بن أبي طالب عليه‌السلام.... ٣٩٤

مَن هو (العبّاس الأصغر)، وابن مَن هو؟ ٣٩٧

مقتلُ مولانا أبي الفضل العبّاس عليه‌السلام.... ٣٩٩

الإمام الحسين عليه‌السلام وحيداً فريداً في الميدان. ٤٠٥

خروج الإمام زين العابدين عليه‌السلام.... ٤٠٥

مقتلُ الرضيع عبد الله بن الحسين عليه‌السلام.... ٤٠٦

الإمام الحسين عليه‌السلام يَطلب ثوباً لا يُرغبُ فيه! ٤١٣

ثباتُ الإمام الحسين عليه‌السلام ورباطة جأشه ٤١٤

الإمامُ عليه‌السلام يستولي على شريعة الفرات.. ٤١٥

الوداع الأخير. ٤١٦

الإمام عليه‌السلام وابنته سكينة عليها‌السلام.... ٤١٨

وصايا الإمام عليه‌السلام.... ٤١٩

الهجوم على رَحْل الإمام عليه‌السلام وعياله ٤٢٠

العطش يشتدّ بالإمام عليه‌السلام في حمْلته الأخيرة ٤٢١

السهم المحدّد المسموم القاتل. ٤٢٦

سلبُ الإمام عليه‌السلام بعد قتله! ٤٣٢

رضّ جسد الإمام عليه‌السلام بحوافر الخيل. ٤٣٤

وكان ابن زياد قد أمر ابن سعد بذلك.. ٤٣٥

التحقيق في رجال السند: ٤٣٧

كلام البرغاني: ٤٣٧