الإمام الحسينعليهالسلام
قدوة الصدِّيقين
المؤلّف: سماحة آية الله السيد محمّد تقي المدرّسي
المقدّمة
بسم الله الرحمن الرحيم
يظل الحديث عن الإمام الحسينعليهالسلام يشغف القلوب، ويجذب النفوس، ويستهوي الأحرار، ويستقطب المؤمنين لماذا؟ إنّه الحسين، وما أدراك ما الحسين!
إنّه صاحب الفضائل والمناقب، صاحب المقامات والمعارج الذي يتمنّى الإنسان لو تكون له واحدة منها لتكفيه شرفاً ورفعة، وفخراً وعزة ...؛ فبمجرد أن تلقي ببصرك على جانب من سيرته المباركة وإذا بالمكارم والمآثر تسطع أمام ناظريك حتّى تحتار في تشخيص أيها أجلى وأبهى من غيرها؛ فتجده (سلام الله عليه) قمة سامقة في العلم، في العبادة، في العطاء، في الإيثار، في الشجاعة، في القيادة، ناهيك عن كونه قمة سامقة في الحسب والنسب أيضاً.
إنّه كله خير، وكله بركة، ولكن ثمة محور في حياة الإمامعليهالسلام لا يمكن التغاضي عنه، وهو كربلاء؛ حيث إنها كانت مجمع فضائل الإمامعليهالسلام ، وخلاصة معالم شخصيته؛
لذا من أراد أن يقرأ الإمام الحسينعليهالسلام لا يمكنه ذلك من دون الوقوف على كربلاء.
إنها ملحمة أهل بيت النبوة في مقارعة الطغيان ومواجهة الضلال، إنها الفرقان بين الحقِّ والباطل، إنها الميزان في تشخيص الإيمان من الشرك والنفاق؛ من هنا كان الحديث عن الإمام الحسينعليهالسلام ، من أي زاوية، لا بدّ وأن يقرن بكربلاء؛ ولهذا صارت كربلاء الوجه البارز لحياة الإمامعليهالسلام ، والباب الواسع الذي يدخله الناس إلى رحاب الحسينعليهالسلام .
وقد وقف على أعتاب باب الحسينعليهالسلام خلق كثير عبر التاريخ، كلهم يريد أن يدنو منه؛ لينهل من معارفه، ويكسب من علومه، ويتعلم من أخلاقه، ويقتفي بآثاره
ولا غرابة في ذلك أبداً؛ لأنّ الإمام الحسينعليهالسلام لم يكن اُسطورة تاريخية، وإنما هو نهج قد حفر في الأمة نهراً لا يمكن ردمه مهما توالت عليه أيدي الطغاة. وها نحن نعيش بعد أكثر من ألف وثلاثمئة سنة على استشهاده، ولم يخطر على بال أحد من مواليه لحظة أن ينسوه، وهم ينادون:أبد والله ما ننسى حسينا .
فذكره حديث لا يملّ منه، وفضائله دروس لا يُستغنى عنها، وكلماته مدرسة لا يمكن الغياب عنها؛ وهذا ما جعل أقلام العلماء والمثقفين تجري في تأليف آلاف الكتب عن شخصية الإمام في كل أبعادها، كما أن قريحة الشعراء لم تتوقف لحظة في الإفاضة بقصائد وأناشيد في رثائه ومدحه.
ولا نبالغ إن قلنا: إنّ ما كُتب عن الإمام الحسينعليهالسلام عبر التاريخ، وبلغات مختلفة، قلَّ نظيره لشخصية اُخرى إن لم نقل فاقها جميعاً؛ وذلك لأنّ الإمامعليهالسلام هو محيي الشريعة، ومنار الفضيلة، والحجة على الخلق، وباب نجاة الأمة؛ فهو محط أفكار المفكرين، ومركز توجه المؤمنين.
وها نحن اليوم نقف على أعتاب باب الحسينعليهالسلام ؛ بغية درك شيء من آفاق شخصيته، ومعرفة بعض أبعادها، متتلمذين عليها، آخذين منها درس الحياة؛ وإلى هذا عمدنا إلى جمع وترتيب مجموعة أحاديث سماحة آية الله السيد محمّد تقي المدرسي في هذا الخصوص؛ لما رأينا فيها من بصائر ورؤى تنفع العباد، فكان هذا الكتاب.
فإلى كلِّ من يبحث عن الحقيقة، وإلى كلِّ من يطلب الفضيلة، وإلى كلِّ من يريد الكلمة الطيبة نقدم هذا الكتاب، راجين من الله تعالى أن يتقبله منا بقبول حسن إنه ولي التوفيق.
القسم الثقافي في مكتب سماحة آية الله السيد محمّد تقي المدرسي
٢ / ربيع الأول / ١٤٢٢ هـ
ذلكم الإمام الحسينعليهالسلام
١ - روى أبو العباس قال: كنت عند النبيصلىاللهعليهوآله وعلى فخذه الأيسر ابنه إبراهيم، وعلى فخذه الأيمن الحسين بن علي، والنبيّ تارة يقبّل هذا واُخرى يقبّل هذا، إذ هبط عليه جبرئيل بوحي من رب العالمين، فلما سرى عنه قال:« أتاني جبرئيل من ربي فقال لي: يا محمّد، إن ربك يقرئك السلام، ويقول لك: لستُ أجمعهما لك، فافد أحدهما بصاحبه » .
فنظر النبيصلىاللهعليهوآله إلى إبراهيم فبكى، ثم قال:« إنَّ إبراهيم متى مات لم يحزن عليه غيري، واُم الحسين فاطمةُ، وأبوه علي ابن عمّي، لحمي ودمي، ومتى مات حزنت ابنتي، وحزن ابن عمّي، وحزنت أنا عليه، وأنا اُوثر حزني على حزنهما. يا جبرئيل، يُقبض إبراهيم؛ فديت الحسين بإبراهيم » .
وقبض إبراهيم بعد ثلاث، فكان النبيصلىاللهعليهوآله إذا رأى الحسين مقبلاً قبّله، وضمه إلى صدره، ورشف ثناياه، وقال:« فديت مَن فديته بابني إبراهيم » (١) .
٢ - عن سلمان الفارسي قال: دخلت على النبيصلىاللهعليهوآله فإذا الحسين بن علي على فخذه، وهو يلثم فاه، ويقول:« أنت سيد ابن
____________________
(١) حياة الإمام الحسين بن علي - باقر شريف القرشي ١ / ٩٥، عن تاريخ بغداد ٢ / ٢٠٤.
سيد، أنت إمام ابن إمام أخو إمام، وأبو الأئمة، وأنت حجة الله وابن حجته، وأبو حجج تسعة من صلبك، تاسعهم قائمهم » (١) .
٣ - عن جابر بن عبد الله قال: مَن سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى الحسين بن عليعليهالسلام ؛ فأني سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول:« مَن أحبَّ أن ينظر إلى سيد شباب أهل الجنة فلينظر إلى هذا » (٢) .
٤ - عن يعلي (ابن مرة) العامري أنه خرج مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى طعام دعوا له، قال: فاستمثل رسول اللهصلىاللهعليهوآله أمام القوم، وحسين مع غلمان يلعب، فأراد رسول اللهصلىاللهعليهوآله أن يأخذه فطفق الصبي يفر ها هنا مرة وها هنا مرة، فجعل النبيصلىاللهعليهوآله يضاحكه حتّى أخذه.
قال: فوضع النبيصلىاللهعليهوآله إحدى يديه تحت قفاه والاُخرى تحت ذقنه ووضع فاه على فيه فقبّله، وقال:« حسينٌ منّي وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسيناً، حسين سبط من الأسباط » (٣) .
٥ - عن حذيفة أن النبيصلىاللهعليهوآله قال:« لو لم يبقَ من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتّى يبعث رجلاً من ولدي، اسمه كاسمي » .
فقال سلمان: من أي ولدك يا رسول الله؟
قال:« من ولدي هذا » . وضرب بيده على الحسين(٤) .
____________________
(١) حياة الإمام الحسين بن علي - باقر شريف القرشي ١ / ٩٥، عن المراجعات / ٢٢٨.
(٢) ذخائر العقبى - محب الدين الطبري / ١٢٩ - ١٣٠.
(٣) فرائد السمطين - للجويني ٢ / ١٣١.
(٤) ذخائر العقبى - محب الدين الطبري / ١٣٦ - ١٣٧.
الفصل الأوّل
على خطى الإمام الحسينعليهالسلام
هذه رايات الحزن ترفرف على ربوع بلاد الولاء، وأناشيد الثورة الحسينيّة المباركة تلهب مشاعر الحب عند المخلصين لأهل بيت النبوةعليهمالسلام ...
بالرغم من مرور أربعة عشر قرناً ويزيد على نهضة السبط الشهيد فإنّ هناك المزيد من الحقائق التي لا بدّ أن نستوحيها منها، والبصائر التالية لمحة من تلك الحقائق:
١ - الإمام الحسين عليهالسلام معلّم الحنفيّة
أوتدري لماذا منع بنو اُميّة - شأنهم شأن كل الجبابرة عبر التاريخ - من أن يتعلّم الناس أبعاد حقيقة الشرك، ومسؤولية الإنسان أمام الانحراف والفساد، أو الكفر والضلالة كما في الرواية عن الإمام الصادقعليهالسلام :« إنَّ بني اُميّة اطلقوا للناس تعليم الإيمان ولم يطلقوا تعليم الشرك؛ لكي إذا حملوهم عليه لم يعرفوه » (١) ؟
ولماذا لم يحمل إلى المشركين يوم الحج الأكبر وبعد فتح مكة - لم يحمل إليهم - سورة البراءة التي أبعدتهم نهائياً عن الجزيرة العربية سوى
____________________
(١) الكافي - للمحدث الكليني ٢ / ٤١٥.
الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام بأمر من الله سبحانه، وكانت تلك من أعظم فضائله؟
ولماذا الشهادة بالتوحيد في كلمة لا إله إلاّ الله تبدء بالرفض، وكان علينا أن نعلنها صريحة صاعقة كل يوم عدة مرات: أشهد أن لا إله إلاّ الله؟ لكي نعرف الإجابة لا بدّ أن نتذكّر الحقيقة التالية: إن المنزلق الخطير للبشرية والذي يريد الشيطان إيقاع الناس فيه، هو تمني التوفيق بين الحق والباطل، بين الله سبحانه وبين الشركاء من دونه. لقد حسبوا أنّ من الممكن أن يتّخذوا عباد الله من دونه أولياء، ولم يعرفوا أن ذلك يعني إلغاء الإيمان بالله رأساً. قال الله تعالى:( أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِن دُونِي أَوْلِيَآءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً ) (الكهف/١٠٢).
وإنّما كان محور المعركة الكبرى بين الرسل والاُمم الضالة هو التوحيد، ورفض الآلهة التي اتّخذها الناس شركاء لربِّ العزة. ولم يكن أحد من أعداء الرسل ينفي الربوبيّة عن رب العرش سبحانه، ولكنهم كانوا يريدون اتّخاذ الآلهة معه.
وعندما رفض الأنبياءعليهمالسلام المداهنة في أمر الآلهة، وأعلنوا البراءة منها، وقعت المعركة الكبرى التي انتصر الله لهم فيها، وخاب المشركون، وصاروا أحاديثَ تلاحقهم اللعنة أبداً.
لقد كانت رسالة الله الى نوحعليهالسلام تتلخص في الكلمة التالية( أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ) (هود/٢٦).
وتلك كانت صفوة رسالة الله إلى هودعليهالسلام :( وإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ ) (هود/٥٠).
وهي رسالة النبي صالحعليهالسلام :( وإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ) (هود/٦١).
وهي رسالة النبي إبراهيمعليهالسلام :( وَإِذْ قَالَ إبراهيم لاَِبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً ءَالِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ ) (الأنعام/٧٤).
ورفض النبي موسىعليهالسلام طغيان فرعون وتبرأ منه، وقال له:( فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمَاً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) (الشعراء/٢١). وهدّده فرعون بالسجن، وقال له:( قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لاَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ) (الشعراء/٢٩). وكانت العاقبة أنّ الله تعالى نصر موسىعليهالسلام وقومه، وأغرق الآخرين: ( وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الاَخَرِينَ ) (الشعراء/ ٦٥ - ٦٦).
وتتلخص رسالة النبي الأعظم محمّد بن عبد اللهصلىاللهعليهوآله في إعلان البراءة من المشركين: ( وَأَذَانٌ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الاَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ) (التوبة/٣).
ولم يداهنهم الرسولصلىاللهعليهوآله طرفة عين، بل قال لهم بكلِّ صراحة:( قُلْ يَآ أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلآ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * وَلآ أَنَاْ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلآ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ) (الكافرون/ ١ - ٦).
وإذا استطال الإمام عليعليهالسلام وحطّم أصنام قريش المرصوصة حول الكعبة بأمر من الرسولصلىاللهعليهوآله ، وإذا تلى على المشركين في الموسم آيات البراءة منهم، فإنه خاض حرباً لا هوادة فيها ضد دعاة الشرك الذين تظاهروا بالإسلام؛ وكانت معركة الجمل ضد الناكثين، ومعركة صفّين ضد القاسطين، ومعركة النهروان ضد المارقين. كانت كل تلك المعارك دفاعاً عن التوحيد وقيم التوحيد.
ورفعت اُميّة راية الشرك المصبوغة بظاهر من طقوس الدين، وقاومها الأئمة الطاهرونعليهمالسلام من أهل بيت الرسالة؛ فقد حاربهم الامام عليعليهالسلام في صفّين بسيفه، وحاربهم بخطبه وتركها كلمة باقية في عقبه، فإذا بالإمام الحسن المجتبىعليهالسلام يحاربهم حيناً بالسيف وحيناً بالكلمة، وورثها الإمام الحسينعليهالسلام حين حاربهم بالكلمة الصادعة، ثمّ بالقيام الإلهي، وختمت له بالشهادة.
وكانت البراءة من الشرك، ومعارضة الطغاة ميراث الأئمة الهادينعليهمالسلام وشيعتهم ومواليهم، وستبقى هكذا حتّى يرث الله الأرض ومن عليها.
فلا زالت معركة التوحيد ضد الشرك قائمة، ولا زالت الفريضة التي لا يقبل الله من دونها من أحد عدلاً ولا صرفاً هي البراءة من الآلهة التي تُعبد من دون الله؛ فالكفر بالطاغوت هو الذي يطهّر القلب من حجاب الشرك، ويوفر له فرصة إشراق نور التوحيد عليه.
ألا تقرأ قوله سبحانه:( لآ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَانفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (البقرة/٢٥٦)؟
وما هو الطاغوت؟ أليس كلّ حجر أو بشر يُعبد من دون الله ثمّ يستسلم له الناس؟
وتفسير الطاغوت - كما في موسوعة بحار الأنوار - هو: الشيطان، والأصنام، وكلّ معبود غير الله، وكلّ مطاع باطل سوى أولياء الله. وقد عبّر الأئمةعليهمالسلام عن أعدائهم في كثير من الروايات والزيارات بالجبت والطاغوت، واللات والعزى(١) .
وهذه المعركة الحامية تدور رحاها في البدء على صعيد القلب البشري؛ حيث يختار المؤمنون اجتناب طاغوت الهوى والشهوات، والتسليم لربِّ العالمين في العقيدة والفكر، والاستماع الى داعي الحق.
وقد قال ربنا سبحانه في صفة هؤلاء الصفوة:( وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُولُواْ الاَلْبَابِ ) (الزمر/١٧ - ١٨).
ومن هنا فإنّه لا ينصر الله من ادّعى العلم والثقافة ثمّ آمن بالجبت والطاغوت، بل يلعنه لعناً وبيلاً، وقد قال سبحانه:( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ اُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلآءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُوا سَبِيلاً * اُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً ) (النساء/٥١ - ٥٢). وهذه اللعنة تلحق كلّ أدعياء العلم الذين يشترون بدينهم ثمناً قليلاً، ويركعون أمام بلاط السلاطين، ويسجدون إجلالاً للمال والمقام.
وقد أمر الله المؤمنين بالكفر بالطاغوت، ولم يقبل إيمان طائفة زعموا أنهم يؤمنون بالله وبالرسالات الإلهية ولم يكفروا بالطاغوت، بل أرادوا أن
____________________
(١) بحار الأنوار ٢٤ / ٨٣.
يتحاكموا اليه. ومجرد التحاكم إليه دليل على رضاهم به، فقال الله تعالى:( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا بِمَآ اُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ اُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ اُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً ) (النساء/٦٠).
ولا يبلغ المرء ذروة الإيمان حتّى يصل كفره بالطاغوت إلى درجة البراءة من الذين يعبدون الطاغوت، وهم المشركون ولو كانوا أقرب الناس إليهم، وقد قال ربنا سبحانه:( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ اُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبراهيم وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَآؤُاْ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغَضآءُ أَبَداً حتّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُُ ) (الممتحنة/٤).
وهكذا كان تحطيم الأصنام البشرية والحجرية، ورفض جبروت الطغاة وجهادهم في الله جهاداً كبيراً، كان ذلك هو الفرض الأول والواجب الأهم لكل مَن شاء أن يسلك طريق الهدى، وإلاّ فإنه يبقى في ضلال بعيد.
ولقد علّم الإمام الحسينعليهالسلام الذي انتهى إلى مقامه ميراث الأنبياءعليهمالسلام ، وقام بأدائه بكلِّ شجاعة وإخلاص؛ علّم الناس درس الرفض، وأعطاهم معيار البراءة، وعلّمهم ما هو الشرك، وكيف يجب أن يطهّر البشر حياته منه حتّى يصبح مؤمناً حقاً. فلا مداهنة للطغاة، ولا سكوت أمام المجرمين، ولا تهرّب من واجب المعارضة ضد الظلم، ولا تهاون في فريضة القيام لله وإقامة القسط والشهادة للحقِّ، وما أمر به الله سبحانه في قوله:( يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ ) (المائدة/٨).
وهذا هو الجانب الأهم من جانبي الإيمان، وهو الذي يحاول الناس التهرب منه؛ لأنه أشد وطأً وأعظم مسؤولية.
في عصر الإمام الحسينعليهالسلام كان هناك الكثيرون ممن ادّعوا أنهم أنصار الإسلام، وقيادات الجهاد، وعلماء الدين، ولكنهم تراجعوا أمام مؤامرات بني اُميّة، بالرغم من علمهم بأنها تهدد كيان الإسلام؛ فهم آثروا الحياة الدنيا على الآخرة، واستمرؤا العيش الرغيد.
وإنما الإمام الحسينعليهالسلام بقيامه الإلهي فصل بين الحقِّ والباطل، وبين أنصار الحقِّ وأدعيائه، وبين خط الرسالة المحافظ على جوهر الدين وخط النفاق المتظاهر بالدين، وعلّم الناس أنّ كلَّ آيات الجهاد وحقائق الحنفية البيضاء، الرافضة للانحراف، وكل تعاليم الأنبياءعليهمالسلام لا زالت قائمة، وستبقى قائمة عبر العصور، وأنّ الله لم ينزل قرآناً يُطبّق في عهد الرسولصلىاللهعليهوآله ثم ينتهي ويصبح سفراً تاريخياً غير قابل للتنفيذ. كلا، إنه رسالة الله إلى البشرية كافة وفي كلِّ الأحقاب.
ولقد أعلن الإمام الحسينعليهالسلام هذه الحقيقة في كلمته التي وجهها إلى العلماء، فجاء فيها:« أمّا بعد، فقد علمتم أنَّ رسول الله صلىاللهعليهوآله قد قال في حياته: مَن رأى سلطاناً جائراً، مستحلاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنّة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان ثمّ لم يغيّر [عليه] بقول ولا فعل، كان حقيقاً على الله أن يدخله مدخله » (٨) .
والذين يعرفون هذه الحقيقة من نهضة الإمام الحسينعليهالسلام هم وحدهم حفظة جهاده، وورثة تضحياته، والقائمون على نهضته.
وهكذا يجدد المسلمون كلَّ عام، بل كل يوم ذكرى عاشوراء؛ لأنهم يعرفون أنّ عاشوراء ثورة لا تنتهي، وأنها جزء من حكمة الحياة، وأنّ المؤمن لا يعترف بسلطة الطاغوت أنّى كان، بل يقاومه ويكافحه، وأنه يستمد من ذكرى عاشوراء ونهضة الحسينعليهالسلام وقود هذا الصراع المقدس؛ لأنّ الإمام الحسينعليهالسلام زين السموات والأرض، ومصباح درب المجاهدين.
ولقد جاء في حديث شريف عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه مكتوب عن يمين العرش في خصوص الحسينعليهالسلام أنه مصباح هدى وسفينة نجاة(١) .
وأي مصباح أبهر ضياء من مصباح الشهادة، أم أي سفينة أسرع وأوسع للناجين من سفينة الكفر بالطاغوت والقيام لله ضد الظالمين؟! ومن هنا فإنّ أيام عاشوراء هي من أيام الله؛ حيث هنا يعيش أولياء أهل البيتعليهمالسلام روح كربلاء؛ حيث البطولة الإيمانية والجهاد في سبيل الله، وحيث ذكريات الإمام الحسينعليهالسلام وأهل بيته وأصحابه الحافلة بالإيثار والفداء، إنّها أيام الرحمة الإلهية؛ حيث يتعرّض الصالحون فيها إلى نفحات الرب كما تستقبل الأرضي الطيبة غيث السماء.
إذاً تعالوا نستقبل - نحن أيضاً مع المؤمنين الصادقين - أيام عاشوراء هذا العام كما في كلِّ عام بروح الوالهين؛ لكي نتزوّد منها عزماً وعرفاناً واستقامة؛ لعلّ الله يرحمنا بفضله ويصلح ما فسد من أوضاعنا.
كيف نستقبل هذا الشهر الحرام، وكيف نتزود منه؟ في البصائر التالية إجابة على ذلك.
____________________
(١) بحار الأنوار ١ / ١٨٤.
القلب الطاهر ينبت الكلمة الطيبة، والكلمة الطيبة كما شجرة باسقة تؤتي اُكلُها كل حين بإذن ربها، بينما القلب الخبيث كالأرض النكدة لا تنبت إلاّ شجرة خبيثة، لا تزيد الناس إلاّ ضلالاً.
ونهضة الإمام الحسينعليهالسلام كانت كلمة طيبة، ولا تزال ثمراتها المباركة تمثّل طعاماً هنيئاً للاُمة الإسلاميّة. وما المنبر الحسيني سوى مائدة هذه الثمرات المباركة، وأمّا خطباء المنبر الحسيني فهم فروع هذه الشجرة المباركة، ومجالس العزاء مدارس هذه الكلمات المباركات.
إنّ على خطباء المنبر الحسيني أن يعرفوا قدر موقعهم المتميّز، وإنّ أيَّ تقصير يصدر منهم سيكون ذا عواقب خطيرة. إنّ الاُمة الإسلاميّة تعاني من نقص حاد جداً في الثقافة الرساليّة التي تُستوحى من حقائق القرآن وبصائر السنة وواقعيات العصر، ولا يزال المنبر الحسيني هو أفضل وأصفى وأطهر وسيلة لبث هذه الثقافة، وعليهم أن يعرفوا بإن كلمتهم يتلقّاها الناس بقدر كبير من الثقة والرضا؛ باعتبارها من كلمات الإسلام الحق.
إنَّ أهم نقطة يجب أن يعرفها الناس اليوم هي مدى مسؤوليتهم عن واقعهم المتردّي، وأنهم لا ولن يتجاوزوا هذا الواقع إلاّ بجهد كلِّ فرد منهم، وأن الأفكار السلبية والكلمات الانهزامية هي المسؤولة عن كلِّ المآسي؛ لأنها تخدّر الناس وتُبرّر لهم سكوتهم وتقاعسهم، وعدم اهتمامهم بأوضاعهم.
إننا نعرف الثقافة الصحيحة بمدى بعثها للهمم، وشحذها للعزائم،
وقدرتها على توعية الناس بمسؤولياتهم الحياتية.
أمّا الثقافة الجبانة، والتي تبرّر المعاذير، وتخدّر الناس وتمنيهم بالغرور، وتزيّن لهم الحياة الدنيا، ولا تذكّرهم بأنّ الدنيا مجرد مزرعة، ودار فتنة وامتحان، فإنها ثقافة يزيدية لا تمتّ إلى المنبر الحسيني، ولا إلى روح عاشوراء بأية صلة.
وعلى الناس أن يختاروا المنبر الذي يجلسون إليه، والخطيب الذي يستمعون إليه؛ فلا يختاروا إلاّ من نطق باسم السبط الشهيد، وتحدّث عن نهج الإمام الحسينعليهالسلام ، وكان رافضاً للجبابرة والطغاة، وكان في سلوكه الشخصي مثلاً للمؤمن الموالي لأهل بيت النبوةعليهمالسلام .
والإمام الحسينعليهالسلام أركز بنهضته راية الإسلام على أرض صلبة، وبيّن للناس مَن هو القائد الحقّ، ومَن هو المدّعي للقيادة بالباطل.
وقد أطلق في بداية نهضته كلمته المدوّية على مدى التاريخ، والتي أبان علة رفضه البيعة ليزيد عندما طالبه الحاكم الاُموي بها، فقال له بكل صراحة:« … إنّا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، وبنا فتح الله، وبنا ختم الله، ويزيد رجل فاسق، شارب الخمر، قاتل النفس المَّحرمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله … » (١) .
وهكذا علّمنا أنّ القيادة يجب أن تكون في أهل بيت النبوّة الذين طهّرهم الله من الدنس، وأذهب عنهم الرجس، وفيمن يسير في خطهم، ويكون على نهجهم.
واليوم، حيث تتعدد المذاهب وتتشتت القوى لا بدّ أن نبحث عن تلك
القيادة الربانيّة التي لا تأخذها في الله لومة لائم، وأن نختار لمسيرتنا القادة الأكفاء الاُمناء على دين الله، الذين وصفهم القرآن الحكيم بقوله سبحانه:( يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (المائدة/٥٤ - ٥٥).
إنّ علينا ألا نتهاون في قضية القيادة؛ فالواجب البحث عنها واختيارها وفق هدى الله وبصائر السنة الشريفة، والتي تتلخص في القيام لله والشهادة بالقسط، وعدم خشية غير الله، ولا مهادنة الطغاة. إنّ ذلك يعتبر مفتاح حل مشاكل الاُمّة؛ لأنّ مثل هذه القيادة الربانيّة ستكون مؤيّدة بنصر الله، مزوّدة بنور التقوى، ومحوراً لأنشطة الناس.
ثمّ إنّ التسليم للحق وللقيادة الربانيّة تسليماً نابعاً من القناعة والإيمان، تسليماً خالصاً لوجه الله، تسليماً لا ينطلق من الهوى والعصبية، والروح الحزبية والإقليمية والحميات الجاهليّة. إنّ هذا التسليم هو الذي يجعل الاُمة في مستوى أصحاب الأنبياء والأوصياء الذين يصفهم القرآن الحكيم بقوله:( مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيَماهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) (الفتح/٢٩).
إنّ التواضع للمؤمنين، والتعالي أمام الكافرين والفسّاق، والجهاد في سبيل الله في كلِّ الظروف هو مقياس القيادة الرشيدة.
والإمام الحسينعليهالسلام معيار للقيادة الربانيّة، فكلّ مَن كان نهجه أقرب إليه كان أجدر بالقيادة، ولا يضلّ الله سعي اُمّة سلّمت أمرها لقيادة إلهية تسليماً خالصاً لوجه ربها.
إذا عرف الناس أنهم هم المسؤولون، ووعوا السنة الإلهية الجارية في خلقه أبداً، ألا وهي:( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حتّى يُغَيِّرُوا مَا بِاَنفُسِهِمْ ) (الرعد/١١). ثم عرفوا القيادة الربانيّة واتبعوها؛ فإن أهل الحل والعقد والسابقين من المجاهدين والعلماء والصالحين سوف يتشاورون فيما بينهم؛ ليضعوا الخطة الصحيحة والمنهج الواضح للعمل في سبيل الاصلاح.
إنّ الله وصف عباده بصفات فاضلة؛ أبرزها أن أمرهم شورى بينهم، فاذا أجمعوا أمرهم على شيء اندفعوا نحو تحقيقه بيد واحدة، وكانت يد الله سبحانه مع جماعتهم، فقال سبحانه:( وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ) (الشورى/٣٨).
إنّ اتفاق الاُمّة على المنهج الواضح للعمل هو أعظم ركيزة لوحدة جهودهم، ونجاح مساعيهم، وتحقيق أمانيهم. والمنهج الواضح هو ميراث هدى الله، والتقوى، والتمسك بحبل الله، وتراكم التجارب بالشورى، وإنما توالت على اُمتنا الهزائم بسبب الضلالة عن هدى الوحي، واتّباع الهوى والشهوات، والابتعاد عن نور العقل، وعدم الاهتمام بعلمية القرار.
إنّنا اليوم نعيش في ظروف صعبة، ولا نستطيع أن نقهرها إلاّ بالاعتصام بالله سبحانه، واتخاذ طريق العقل سبيلاً إلى معرفة حقائق الحياة.
إنّ أيام عاشوراء والتي تحمل إلينا ذكرى أكبر مأساة في التاريخ، هي
أيام التعبئة الروحية والعاطفية، ولكن العواطف عند المؤمن لا تخرج عن إطار الوحي والعقل، ولا تتجاوز أحكام الدين الحنيف، بل إنها تدعو الإنسان إلى تطبيق أحكام الله والعمل بشرائعه. وعلى خطباء المنبر الحسيني أن يجعلوا عواطف الاُمة الجياشة وسيلة لدعوة الناس إلى التقوى والعمل بمسؤولياتهم الشرعية.
لقد كان الإمام الحسينعليهالسلام كلمة ناطقة، ودعوة إلهية واضحة، وبلاغاً لرسالات الله مبيناً. ألا تقرؤون في يوم عرفة دعاءه الذي هو بلا ريب مدرسة مباركة في توحيد الله ومعرفة أسمائه الحسنى، وتلك كتبه التي قرع بها رأس معاوية كسياط من لهب، إنها مدرسة في الإعلام الرسالي، وفي فضح أنظمة الضلال ومعارضة طغاة كلِّ عصر.
ومنذ خروجه من المدينة، وطول مدة بقائه في مكة المكرمة، ثمّ حركته إلى العراق، وإلى يوم عاشوراء، كانت كلماته النورانية تضيء درب المجاهدين في سبيل الله.
وعلينا أن نقرأ على الناس خطب الإمام الحسينعليهالسلام وكلماته المضيئة التي فسّرت نهضته العظيمة، ولا ندع للأهواء أن تفسّر قيام أبي عبد الله الحسينعليهالسلام ، بل نستفيد من كلماته هو في بيان أسبابها وعواملها وأهدافها؛ فهي أفضل بيان وخير تفسير.
وهكذا نجعل العاطفة في خدمة العقل، والحب في خدمة الحق، والبكاء طريقاً لإصلاح النفس، ونجعل المجالس مدارس للفقه الديني، والمواكب شعائر للدفاع عن المؤمنين من موالي السبط الشهيد والمظلومين في كلِّ مكان، وإلاّ فإنّ سيل العاطفة المتدفّقة سيذهب سدى.
وبعد تبيان المنهج ووضوح الاستراتيجية فنحن بحاجة إلى الاستقامة التي نستلهمها من واقعة الطفِّ، ومن كلمات السبط الشهيد الذي أطلقها صاعقة قاصعة:« ألا وإنَّ الدَّعيَّ ابن الدَّعيَّ قد تركني بين السلّة والذلّة، وهيهات له ذلك! هيهات منّي الذلة! أبى الله ذلك ورسوله والمؤمنون، وجدود طهرت، وحجور طابت أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام… » (١) .
وكان يقولعليهالسلام :« سأقول كما قال أخو الأوس …
سأمضي وما بالموت عارٌ على الفتى |
إذا ما نوى حقّاً وجاهد مسلما |
|
وآسى الرجال الصالحين بنفسه |
وفارق مثبوراً وودَّع مجرما |
|
فإن عشتُ لم أندم وإن متُّ لم اُلم |
كفى بك ذُلاً أن تعيش وترغما»(٢) |
وقالعليهالسلام :
فإن تكن الدنيا تُعدُّ نفيسةً |
فدارُ ثواب الله أعلى وأنبلُ |
|
وإن تكن الأبدانُ للموت اُنشئت |
فقتلُ امرئٍ بالسيف في الله أفضل(٣) |
____________________
(١) بحار الأنوار ٤٥ / ٨٣.
(٢) بحار الأنوار ٤٤ / ٣٧٨.
(٣) بحار الأنوار ٤٤ / ٣٧٤.
وقد شرع في نهضته الإلهية بكلمته المعروفة:«… خُطّ الموت على ولد أدم مخطَّ القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف … » . ثم قال:« … مَن كان فينا باذلاً مهجته، موطّناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا؛ فإنّي راحل مصبحاً إنشاء الله » (١) .
وإنّما كان الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد؛ لأن الإيمان الذي ينهار مع أول مشكلة ليس بإيمان أبداً؛ إنما فائدة الإيمان مقاومة الصعاب، ومناهضة العقبات.
والذين يستسلمون للطغاة، أو ينهارون أمام مشاكل الهجرة في سبيل الله، أو يحسبون عطاءهم في سبيل الله مغرماً، وأيام جهادهم ضياعاً، إنّ مثل هؤلاء كيف يفسّرون الإيمان؟ هل الإيمان عندهم كان مؤقّتاً بوقت، أو مخصوصاً بظرف، أو كان معنى الإيمان مكاسب ومناصب، أو رفاه ورخاء، أو وظائف ورواتب؟
وكيف لا يستحي هؤلاء أن يعتبروا أنفسهم من موالي أبي عبد الله الحسينعليهالسلام الذي أعطى كلَّ ما كان لديه حتّى الرضيع قدّمه فداءً للإسلام، ثم قال:« صبراً على قضائك يا رب، لا إله سواك يا غياث المستغيثين، ما لي ربي سواك ولا معبود غيرك… » (٢) .
إنّ مثل هؤلاء هم أظهر مصداق لقوله سبحانه:( ومِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَآ اُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِن
____________________
(١) بحار الأنوار ٤٤ / ٣٦٦ - ٣٦٧.
(٢) مقتل الحسينعليهالسلام - للمقرّم / ٣٥٧.
جَآءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِاَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ ) (العنكبوت/١٠).
إنّ مصداق الإيمان يتجلّى عندما يفترق الحقُّ عن المصلحة، والهدى عن الهوى، والرسالة عن السياسة، والجهاد في سبيل الله عن الدعة والراحة. ولا عذر لأحد بعد شهادة السبط الشهيد (سلام الله عليه) في أن يترك جهاد الطاغوت، ويبرر ذلك بأنّ سمعته في خطر، أو أنّ حياته وحياة أهل بيته أو أصحابه يهددها الطاغوت، أو أنّه قد لا يبلغ النصر بمثل هذه التضحية؛ فالإمام الحسينعليهالسلام قطع عذر كلَّ معتذر.
وقد كان أهل الكوفة في ذلك اليوم الذي انفضّوا فيه عن سفير الإمام الحسين مسلم بن عقيل (سلام الله عليهما) بمثل هذه الأعذار، كانوا مثل السوء الذي من أراد أن يتبعهم فليتبعهم، ولكن ليعلم أنّ عاقبته في الدنيا وفي الآخرة لن تكون أفضل من عاقبتهم؛ فالخزي واللعنة في الدنيا، وسوء العذاب في الآخرة.
فمن شاء أن يخدع نفسه فليخدع، ومَن شاء أن ينهزم فلينهزم، ومَن شاء أن يهادن الطاغوت أو يستسلم له فليفعل، ولكن ليعلم بأنّ الله للظالمين بالمرصاد، وأنه قد أنذر الذين يتركون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأي عذر كان؛ أنذرهم بتسليط الظالمين، وبفتنة لا تصيبن الذين ظلموا منهم خاصة.
قال الله تعالى:( يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا اَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَاَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاتُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) (الأنفال/٢٤ - ٢٥).
إنّ الإمام الحسينعليهالسلام علّمنا درس البراءة من الشرك والمشركين، وهي شرط التوحيد، وكان إماماً للمسلمين، وقدوة واُسوة، وكانت قيادته الربانيّة ونهجه الإلهي الواضح، واستقامته التي ختمت بالشهادة هي دروس العزة والتقدم والنصر، وسبيل الهدى والرحمة والفلاح.
الإمام الحسينعليهالسلام مشعل الهدى وسفينة الخلاص
ها هو يوم عاشوراء يلوح في الاُفق ليجعلنا نعيش عاشوراء ببطولاتها وتضحياتها. وعظمة عاشوراء لم تسمح للزمان أن يطوي ذكرها النسيان؛ وذلك لأنّ عاشوراء رسالة لكل الأجيال؛ ومن هنا نتأمل في يوم عاشوراء ورسالته.
ألف: يوم الحسين عليهالسلام
١ - وجاء يوم الحسينعليهالسلام ، جاء ميعاد اللقاء مع السبط الشهيد على مائدة الإحسان والإيثار، جاء يوم التحرر من إصر الهوى وأغلال الشهوات، وجاء يوم نتحسس فيه جميعاً بأننا بشر نحب الخير، ونهوى الفضيلة، ونلتذ بالعطاء، ونتطلع إلى الشهادة بالحق، والموت في سبيله
بلى، في مثل هذه المناسبات العظيمة يكتشف أحدنا إنسانيته، ويندمج مع فطرته، وتنجلي عن بصيرته حجب الشهوات العاجلة والحميات الكاذبة.
٢ - إنّ للسبط الشهيد (سلام الله عليه) حرارة في أفئدة محبيه، وولهاً للاستماع إلى حماسة شهادته؛ لأنه (سلام الله عليه) مثّل في يوم الطفِّ تلك
الفطرة التي تنطوي عليها ضمائر البشرية جميعاً، وجسّد قيم العطاء والفداء، ومثّل الشجاعة والاستقامة والإيثار؛ فهو - بكربلاء وعاشوراء - صورة مثلى لكلِّ إنسان كامل في إنسانيته؛ ومن هنا ترى الناس جميعاً يتلهّفون إلى معرفة أخبار ملحمته. وكلما كان الواحد منهم أقرب الى الإنسانيّة كان أشوق الى عاشوراء الحسينعليهالسلام .
٣ - إنّ عاشوراء وما كان فيها من قصص بطولية نادرة، وتجليات إيمانية سامية، وسبحات في آفاق المثل العليا هي إطلالة البشر على عالم الغيب، وهي نافذة تُفتح أمام بصائرنا لنشاهد بأنفسنا ذلك العالم الآخر الذي لا بدّ لنا من العودة إليه في يوم قريب؛ العالم الذي لا تتكلم فيه أرقام الأرصدة، ولا أحجام الممتلكات، ولا موازين القوة المادية، وإنما الكلمة الصادقة، والعمل الصالح، ودرجة التقوى واليقين، إنها هي ميزان التفاضل هناك.
وهكذا يتسنى لكل من يعيش أجواء عاشوراء أن يطلّ ولو للحظات على ذلك العالم؛ ليضبط من جديد إتجاهه في الدنيا قبل أن يرحل عنها إلى عالم الآخرة؛ عالم الغيب والحياة الأبدية.
٤ - عند الإدّعاء يزعم كلُّ فرد بأنه قد بلغ أداء الواجب، ولكن عندما يستشرف على ملحمة عاشوراء ويراجع نفسه يعرف أنّ عطاءه محدود جداً، ويتضاءل عند نفسه إلى درجة الندم، ويجدد العزم بأن يضاعف عطاءه ويزداد عزماً على الإحسان والإيثار.
٥ - حوافز البشر وعزائمه هي وقود مسيرته الصاعدة، ومَن فقد النية أضحى خاوياً على نفسه كشجرة مسوسة. ونحن نتزود في رحاب
عاشوراء بالعزم ليس فقط لنواجه ضعف أنفسنا أمام شهواتنا، وإنما أيضاً لنتحدّى ضعف اُمّتنا أمام المشاكل الحادّة.
فنحن نقرأ قصة ذلك الفتى الهاشمي (قاسم بن الحسن عليهما السّلام) كيف يستهين بالموت، ويراه في نصرة عمّه أحلى من العسل، ونرى ذلك الشهم العلوي (علي الأكبر بن الحسين عليهما السلام) كيف يركب مطية الشهادة ويقتحم غمار الأعداء حتّى تمزّق جسده الشريف بحرابهم المسعورة، ثم شرب من يدي جده كأساً روياً لا يظمأ بعده أبداً.
أمّا عمّه العباسعليهالسلام كبش الكتيبة، وقمر بني هاشم، فإنّه يحلق عالياً في سماء الوفاء، حتّى إذا ملك الشريعة وتاقت نفسه إلى شربة ماء تذكّر عطش أخيه الإمام الحسينعليهالسلام ؛ فرمى الماء على الماء، وتمنّى لو يستطيع أن يحمل إلى مخيم آل الرسولصلىاللهعليهوآله قليلاً من الماء. وحطّم أمله ذلك السهم الذي أصاب القربة، ولكنه لم يستسلم، وتحدى أمواج الهم بجبال العزم حتّى التحق بركب الشهداء. إنّ كل صورة في هذه الملحمة درس عظيم في معاني العزم والاستقامة.
٦ - كما القطرة المتواضعة حين تلتحق ببحر زاخر فتصبح عظيمة النفع، كذلك الفرد حين يندمج بتيار المجتمع فيصبح أعظم وأقوى. وملحمة عاشوراء بوتقة تعد الأفراد ليتلاحموا ويصبحوا قوة هائلة.
٧ - حينما تتحطّم النفس البشرية على صخرة الكوارث والويلات، وتنطوي على ذاتها لتحيط بها الكآبة، وتنخر فيها السلبية، فإن عاشوراء وبما فيها من شجاعة التحدي، وبطولة المواجهة، وبما فيها من الإيجابية
الطافحة تعالج مثل هذه النفسية، والتي - مع الأسف - أصبحت شائعة في بعض المجتمعات التي تعيش ظروفاً صعبة.
٨ - عاشوراء تساهم في تربية إنسان يرفض الحصار، ويتحدى اليأس، ويهزأ من العقبات؛ إنسان يتّصل قلبه بنور ربه فيتوكل على الله، ويقول كما قالت سيدتنا زينبعليهاالسلام للطاغية يزيد: أظننت يا يزيد أنّك حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء، فأصبحنا نُساق كما تُساق الاُسارى أنّ بنا على الله هواناً، وبك عليه كرامة، وأنّ ذلك لِعظم خَطَرك عنده؟! فشمخت بأنفك، ونظرت في عِطفك جذلان مسروراً، حين رأيت الدنيا لك مستوسقة، والاُمور متّسقة، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا …(١) .
وهكذا كانت ولا تزال عاشوراء السبط الشهيدعليهالسلام إشراقة الأمل في ضمير البؤساء؛ لأنّ عاشوراء نفحة إلهية على أهل الأرض. أوَليس الإمام الحسينعليهالسلام مصباح هدىً وسفينة نجاة؟
١ - ورسالة عاشوراء هي رسالة المنبر الحسيني الذي لم يزل باقياً منذ ارتقاء زين العابدين وسيد الساجدين الإمام علي بن الحسينعليهالسلام أعواد مسجد الشام في أوّل مواجهة ضد الطاغية يزيد في العاصمة الاُمويّة، وفضحه آل أبي سفيان، وبيّن فضائل العترة الطاهرة.
منذ ذلك اليوم وحتّى هذا اليوم، وعبر (١٣٦١) عاماً لم يزل للمنبر الحسيني شعاع من مصباح الإمام الحسينعليهالسلام ، وقبس من نار ثورته اللاهبة.
____________________
(١) حياة الإمام الحسينعليهالسلام - باقر شريف القرشي ٣ / ٣٧٨.
ومن عوامل بقاء المنبر الحسيني بهذه الصفة طيلة القرون المتمادية هو الحماس الذي يلعب دوراً هاماً في بيان عاشوراء، كما يجلي البصائر ببيان أهدافها التي هي حقائق الدين.
٢ - واليوم حيث يتعرّض المسلمون لأقسى الهجمات الثقافية، والتي تتسلح بالمزيد من وسائل العصر؛ اليوم حيث يتّسم العصر بسمة الإعلام علينا أن نجتهد في سبيل جعل المنبر الحسيني قادراً ليس فقط على صد هجمات الأعداء على قيم الدين، بل وأيضاً على اختراق حصون الأعداء، وبث القيم الدينية بين شعوب العالم. أليست كلمة الله هي العليا؟ ألم يقل ربنا سبحانه:( وَقُلْ جَآءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ) (الإسراء/٨١)؟
٣ - من هنا كان على الخطباء وعلى المعاهد الدينية التي يتخرّج منها الخطباء أن يبذلوا قصارى جهدهم لتحقيق تحوّل كبير في مناهج المنبر وبرامجه، وجعله أقرب إلى حقائق العصر؛ وذلك عبر السبل التي سوف نتحدث عنها لاحقاً إن شاء الله. وهذا الجهد قد يكون فردياً، وقد يكون عبر تشكيل مؤتمرات ومراكز بحث وإشراك أكبر قدر ممكن من الآراء فيها، وبالذات آراء المستمعين.
٤ - المنبر ينبغي أن ينطق عن ضمير الجماهير، ويستجيب لحاجاتهم، وبالذات ضمير الجيل الصاعد الذي سوف يستلم أزمة المجتمع بيده. فإذا كان المنبر متجاوباً مع الناس كان الناس أوعى له، وأطوع لتوجيهاته.
٥ - المنبر رسالة عاشوراء، وعاشوراء بحر زاخر لا بدّ أن نستخرج منه ما يناسب ظروفنا، ويلبّي حاجات عصرنا. وهكذا ينبغي أن يستنطق الخطيب حوادث كربلاء فيما يتّصل بيوميات المجتمع، فإذا كان المجتمع
يعاني تفككاً اُسرياً، فإنّ المنبر يستهدي من تفاني أهل البيتعليهمالسلام في سبيل قضيتهم، ومدى وفاء كلِّ فرد منهم؛ لشيخهم وسيدهم وإمامهم الحسينعليهالسلام .
وإذا كان المجتمع يعاني خواءً في الأهداف، وفراغاً في الغايات، فإنّ هدفية أنصار الإمام الحسينعليهالسلام ؛ كباراً وصغاراً، رجالاً ونساء هي محور أساسي للمنبر.
وإذا كان المجتمع يعاني أمراضاً مزمنة؛ مثل السلبية والتواكل، والذاتية والحمية، والفواحش الظاهرة منها والباطنة، فإنّ كلَّ حادثةٍ حدثت في ملحمة كربلاء تستطيع أن تكون ملهمة لعلاج تلك الأمراض.
٦ - الإمام الحسينعليهالسلام درّة في تاج الرسالة، وعلينا أن ندعو الناس من خلال المنبر إلى منظومة الدرر التي يتشكّل منها هذا التاج الكريم؛ فجده الرسول، وأبوه الوصي، واُمّه الصديقة، وأخوه الزكي، وولده الأئمة الهداة (صلّى الله عليهم جميعاً). كلّ اُولئك هم محاور المنبر الحسيني، وعلينا من خلاله أن نرسي قواعد الإيمان بهم، والوله بحبهم، والاستماع إلى وصاياهم، وقراءة سيرهم، وبالذات الإمام الثاني عشر المنتظر القائم (عجّل الله فرجه)؛ فإنه خاتم الأوصياء، والآخذ بثأر جده الحسينعليهالسلام .
٧ - المنبر الحسيني زخم عاطفي هائل، وهو يفجّر ينابيع المودة في أفئدة العارفين بأهل البيتعليهمالسلام ، ولكن في ذات الوقت ينبغي أن يستثير دفائن العقل، ويستجلي مشاعل البصيرة، ويزين للناس مكارم الأخلاق وحلل الآداب؛ ذلك لأنّ العواطف من دون بصائر العقل أشبه ما تكون بسيل هادر لا تستوعبه قنوات الري.
إنّ مذهب أهل البيتعليهمالسلام يعرج بالبشرية بجناحي العاطفة والعقل؛ فظلامة الصدّيقة الزهراءعليهاالسلام ، ومصائب سيد الأوصياء الإمام عليعليهالسلام ، ومراثي السبط الأول الإمام الحسنعليهالسلام ، وعاشوراء السبط الشهيد الإمام الحسينعليهالسلام ، وما جرى على الأئمة من ولدهعليهمالسلام ، كل ذلك جناح العروج الأوّل.
أمّا الجناح الآخر فيتمثّل في الخطبة الفدكية لفاطمة الزهراء سيدة نساء العالمينعليهاالسلام ، وبنهج البلاغة للإمام أمير المؤمنينعليهالسلام ، وكلمات السبطينعليهماالسلام ، والصحيفة السجادية زبور آل محمّدصلىاللهعليهوآله الذي جرى على لسان خيار المتهجّدين الإمام السجادعليهالسلام ، ووصايا ودروس الباقرين الصادقين، ثمّ الكاظم والرضا، وسائر كلمات الأئمةعليهمالسلام الرشيدة.
وإذا رأيت خللاً في حياة بعض أتباع أهل البيتعليهمالسلام فلأنهم قد ابتعدوا عن كلمات قادتهم التي هي مناهج حياة، وبرامج جهاد، وسبل هدى، ووسائل تقدم.
إنني أدعو الخطباء الكرام، وبكل إصرار، إلى إعادة الناس إلى رحاب أهل البيتعليهمالسلام ، والانتفاع بكلِّ كلمة من تراثهم العظيم؛ لكي يوحّدوا جهودهم، وينظموا حياتهم على اُسس عقلانيّة رشيدة في ضوء وصاياهم، وليتحمّل كلُّ فردٍ منهم مسؤولياته من دون تبريرات واهية فيزداد همة وعزماً.
وإنّ لي كذلك دعوة متواضعة للفقهاء والمفكرين أن يستنبطوا من آيات الكتاب، وأحاديث السنة، وكلمات أهل البيتعليهمالسلام أحكاماً واضحة في قضايا حياتية كما أنهم قد استنبطوا منها أحكاماً في قضايا دينية، ولهم من الله
الأجر العظيم. ويومئذ ينبغي للخطباء والكتّاب أن يتبعوهم في تلك الإرشادات، وينشروها على أوسع اُفق.
إننا اليوم بحاجة ماسة إلى تلك الحكمة التي ترشدنا كيف نعيش، وكيف نتحدّى المشاكل، وكيف نساهم في تطبيق الحياة. وإنها لحكمة بالغة لا بدّ أن نستوحيها من مصادر الوحي، ومن تجارب العقول، وآراء العرف الرشيد؛ والله المستعان.
الإمام الحسينعليهالسلام ضمير الاُمة ومسؤولية المستقبل
من خلال مسيرته الوضاءة، ونهضته الرسالية التي فاضت شلاّلاً من الصدق والفداء، ونهراً متدفقاً من العواطف الخيرة كان الإمام الحسينعليهالسلام ولا يزال ضمير هذه الاُمة؛ فهو في العقل مصباح هدى، وهو في العاطفة سفينة نجاة، وهو عند المستضعف كرامة ناهضة، وهو عند المظلوم نداء ثائر، وهو على الطغاة سوط لاهب، وعلى الخانعين يقظة تأنيب. إنّه نهج متميّز تلجأ إليه الاُمة عندما تضيق بها مذاهب الحياة، وتحيط بها اسباب الفناء.
هنالك تتجاوز الاُمة حاجز الخوف والخنوع، وتستهين بالصعاب، وتستحلي الموت ومذاقه على ذلّة العيش وعار الحياة؛ حيث لا تزال صرخة السبط الشهيدعليهالسلام تملأ اُذن الدهر:« هيهات منا الذلة! هيهات منا الذلة! ».
وإذا كانت الاُمّة الإسلاميّة قد تحدّت عبر تاريخها المديد عاصفة الحروب الصليبية بشموخ، واحتوت أعصار الغزو التتري بصبر وصمود،
وإذا كانت الاُمّة لا تزال تقاوم عاصفة الهجمة الصليبية الغربية الجديدة، ورأس حربتها دويلة الصهاينة، وإذا كانت قد احتوت هجمات الشرق الكافر، فذلك كله لأنّ الاُمة تملك ضميراً حيّاً نابعاً من قيم القرآن الحكيم، وتاريخ الجهاد الحافل، وفي طليعته تاريخ نهضة السبط الشهيدعليهالسلام .
وإذا كانت الثورات التحرّرية هي السمة البارزة لهذه الاُمّة، وبالذات في صفوف أتباع أهل البيتعليهمالسلام ، فذلك لأنّ الإمام الحسينعليهالسلام لا يزال في نفوسهم صرخة رفض، وصيحة كرامة، ودعوة صادعة بالحرية وبالعطاء.
إلاّ أنّ هذا الضمير الناهض لم يستنفد كلَّ طاقاته، وهذه الروح الكبيرة لم يستفد من كل قدراتها؛ ذلك لأنّ الطغاة والمنابر التابعة لهم، والأقلام السائرة في ركبهم، وعلماء السوء الذين يكتمون الحق، هؤلاء جميعاً حاولوا إبعاد هذا الضمير النابض، وتلك الروح الثائرة عن حوادث الحياة اليومية، وعن مشاكل الاُمّة المعاشة، ودفعهما إلى مجاهل التاريخ، وإلى الزوايا الضيقة. ومع كلِّ الأسف فهم قد نجحوا - بشكل أو بآخر - في تلك المحاولات.
وعلى العلماء الربانيِّين، وقيادات الساحة الاُمناء، والأقلام الحرّة، والمنابر المسؤولة أن تتحمّل واجبها التاريخي في إعادة الاُمّة إلى خطِّ السبط الشهيد، وهو خطِّ الإسلام الحقِّ، خط القرآن المجيد الذي من أجله كان قيام السبط، ومن أجله كانت شهادته.
وشهر محرم الحرام هو جسر الاُمّة إلى تاريخها الجهادي، هو باب الرحمة إلى هدى القرآن، إنه مناسبة لمحاسبة الذات، ومحاكمة الواقع على ضوء الكتاب والسنة، وتاريخ جهاد الاُمة وأئمتها الهداة من العترة الطاهرةعليهمالسلام .
وانطلاقاً من هذا الشهر يجدر بنا أن نفعّل ضمير الاُمّة لمواجهة المشاكل الحادة التي تعيشها، وأن نجعلها بحول الله تعالى اُمّة وسطى، وشاهدة على الكرامة والعدالة والتحرر للبشرية جميعاً وفي كل أرجاء العالم.
وإنّ تجربة الشعب اللبناني في مواجهة العدوان الصهيوني الأخير إنّما هي تجربة واحدة من تجارب تفعيل الضمير لدى الاُمة، والاستفادة من دروس عاشوراء.
إنّ اُمّتنا بحاجة إلى أن تتعلم دروس عاشوراء في الآفاق التالية:
ألف: عليها أن تتعلم أنّ كلّ فرد من أبنائها مسؤول عن واقعه وواقع مجتمعه، وأنّ اللامسؤولية واللامبالاة، والكسل والفشل، والثقافة التبريرية أنها هو - بالضبط - ذلك السلوك السلبي الذي يريده لها الظلمة والجبابرة، وأنّ الانزواء والتقاعس، والخمول والسلبية هو من وحي شياطين الجن والإنس، وأنّ الله يريد لبني آدم الكرامة والتقدم والتطلّع، وألاّ يتساوى يوماه
إنّ الحياة المثلى رهينة جهدك أيها الإنسان المسلم، وتطلعك وجهادك، ولن يغني عنك جهد غيرك؛ كبيراً كنت أم صغيراً، ذكراً أم اُنثى، ومن أي عنصر أو قوم أو قبيلة.
هكذا يجب أن نثقّف أبناءنا على العطاء، وعلى الاجتهاد من أجل التقدم، والجهاد من أجل الكرامة، والاستشهاد في سبيل الله.
وأية ثقافة تشجع على الخنوع والاستسلام، والشك والشرك، والحمية وإثارة العصبيات والتمنيات فإنها ثقافة باطلة يرفضها ضمير الاُمة؛ لأنها تساهم في انتشار الظلم، وإشاعة الفحشاء والمنكر.
باء: إنّ الاُمّة الإسلاميّة تختزن في وعيها وضميرها الباطن ينابيعَ العطاء، ومعادن الصبر، واُصول النصر، وقيم النهضة، ولكنها بحاجة إلى رجال مجتهدين مخلصين، شجعان وأكفاء لقيادتها.
وقد أثبتت حوادث تاريخنا الحديث أنّه كلّما اُتيحت للاُمّة طليعة رسالية في هذا المستوى فإنّها قد استجابت لهم، وألقت إليهم أزمّة اُمورها، وأي خلل في طبيعة هذه الطليعة يورث كارثة على مستوى الاُمة وثقتها وعطائها؛ من هنا كان بناء الطليعة وتنمية كفاءاتها ورعايتها من أبرز فرائض الاُمة والعاملين الصادقين من أبنائها.
كما أنّ على الطليعة ألاّ تتوان في مسؤوليتها، ولا تستصغر دورها، ولا تأخذها في الله لومة لائم في صمودها واستقامتها على الطريق حتّى النصر.
جيم: إنّ على الاُمّة وقيادتها، والمخلصين من أبنائها البررة أن يحوّلوا التجمعات الدينية والاُسرية، والعشائرية والاجتماعية إلى تجمّعات فاعلة؛ من أجل استعادة الحقوق المستلبة، والكرامة الضائعة، والحرية المغتالة، والمساهمة في كافة الحقول، وممارسة كامل الدور الإسلامي والإنساني المطلوب.
والسبيل المناسب لظروفنا الراهنة، والذي ينتهي باذن الله تعالى إلى تحقيق هذه الأهداف السامية يتلخص في الاُمور التالية:
أوّلاً: الاستلهام المباشر من كتاب ربنا الذي فيه حكم ما بيننا، ودواء أمراضنا، وشفاء قلوبنا، وإصلاح ما فسد من أوضاعنا.
إنّ الحجب المفروضة علينا، والتي منعتنا من تلاوة القرآن حقّ تلاوته، هي المسؤولة عن كلِّ مآسينا؛ فلنتجاوز كلّ الحُجب، ولنعد إلى ربنا عبر كتابه الكريم؛ فإنه وحده الذي يهدي للتي هي أقوم، ويبشّر بالحياة الصالحة في الدنيا، والفلاح في الآخرة.
إنّ الخطيب الذي يذكّر الناس بكتاب ربِّهم، والعالم الذي يوجههم إلى التدبر في آياته المباركات، والقائد الذي يأمر أتباعه بمداومة العيش مع الله وكتابه هم جميعاً يعطون للناس مفاتيح العلم، واُصول الحكمة، ويأخذون بأيديهم إلى معدن المعرفة، وإلى نبع الإيمان وضياء اليقين.
وإنّ المجتمع الذي تعلّم كيف يقرأ القرآن، وكيف يستوحي منه الثقافة الصحيحة، وكيف يعالج مشاكله في ضوئه هو مجتمع محصّن ضد كلِّ الهجمات الثقافية الوافدة.
ثانياً: وبالتدبر في كتاب ربنا، وبدراسة سنة النبي وأهل بيته (عليه وعليهم الصلاة والسّلام)، وبالدراسة الواعية للتاريخ الغابر وللحوادث الحاضرة، وبتحليل الأخبار تحليلاً منهجياً دقيقاً، بعيداً عن العجلة والعاطفة، والأحكام المطلقة والمسبقة، بكلِّ ذلك سيتجلّى مجتمعنا برؤية سياسية وحضارية سليمة، ومعرفة شاملة بالزمان، وبالتالي بالتحرّك في الاتجاه الصحيح، بعيداً عن الفوضى والغوغاء والعواطف المشبوبة.
إنّ العلم والحلم، والحكمة والبصيرة هي من صفات المجتمع الفاضل، وإنّما بسبب الجهل واتّباع الناعقين، وبسبب التسرع والأحكام المطلقة، وبسبب الاستماع الساذج للإعلام المفروض علينا، بسبب كلِّ ذلك تخلف مجتمعنا، وفقد حصانته ضد الأفكار الوافدة والشائعات المغرضة.
ثالثاً: إنّ على كلِّ واحد منّا أن يتحصّن بحصن الإيمان؛ وذلك بالانتماء إلى هيئة دينية، أو تجمّع رسالي، أو جمعية إنسانيّة، وبالتالي لا يبقى وحده في غمرات البلاء وموجات التحديات.
ومن خلال هذا الانتماء الذي يقصد به رضوان الله يعمل بالواجبات الملقاة عليه؛ من التعاون على البر والتقوى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله بالمال والنفس، والتولّي لأولياء الله، والتبرّي من أعداء الله، والاهتمام بشؤون المسلمين، والقيام بواجبات الراعي تجاه رعيته؛ تحقيقاً لقول الرسولصلىاللهعليهوآله :« مَن أصبح لا يهتمُّ باُمور المسلمين فليس بمسلم » (١) ، وقولهصلىاللهعليهوآله :« كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته » (٢) .
إننا سنوقَف أمام رب العزة، ويسألنا خالقنا البصير العليم عن واجباتنا الاجتماعية كما يسألنا عن الصلاة والصيام، وهناك لا تنفعنا التبريرات الواهية التي يتشبث بها البعض للتحلل من هذه المنظومة الواسعة والهامة من الواجبات الشرعية (كالتولي والتبري والجهاد والأمر بالمعروف و، و، ).
____________________
(١) اُصول الكافي ٢ / ١٦٣.
(٢) ميزان الحكمة ٤ / ٣٢٧.
إنّ على كلِّ واحد منّا أن يحاسب نفسه كلَّ يوم عمّا قام به في سبيل الله، ومن أجل نجاة اُمّته من ويلات التخلف، ومن مصادرة الحقوق، ومن تضييع الكرامة والحرية.
ألا نفكر أيَّ معنى يبقى لحياتنا إن لم نؤدِّ أية مسؤولية اجتماعية؟ فهل خُلقنا لأجل الكدح اليومي من أجل الخبز الذي نأكله مغموساً بالدمع والدم، بالذل والهوان، بالسكوت عن المجرمين والخنوع للجبارين؟ أفلا نتعلم من السبط الشهيد الذي اتخذناه إماماً وقدوة ومناراً، والذي نرجو أن يكون شفيعنا يوم القيامة، أفلا نتعلم كيف نحيا أحراراً أو نموت كراماً؟
إنّ صوت الإمام الحسينعليهالسلام الذي يجري حبه في عروقنا مجرى الدم، إنّ صوته لا يزال يهز ضمير كل ذي ضمير:« ألا وإنّ الدعيّ ابن الدعيّ قد ركز بين اثنتين؛ بين السلة والذلة، وهيهات منّا الذلة! يأبى لنا الله ذلك ورسوله والمؤمنون، وحجورٌ طابت وطهرت، واُنوف حمية، ونفوس أبية من أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام… » (١) .
بلى سنبقى بإذن الله شيعة صادقين لذلك الإمام الغريب الذي نادى في صحراء الطفِّ بنا وبكلِّ اُذن واعية:« أما من ناصرٍ ينصرنا؟» (٢) . وإنّنا نقول وبكل شجاعة: نحن أنصار الله، وشيعتك يا أبا عبد الله، وكلّنا عطاء، وسوف نقوم بكلِّ واجباتنا
____________________
(١) حياة الإمام الحسين بن عليعليهالسلام - باقر شريف القرشي ٣ / ١٩٣، عن تاريخ ابن عساكر ١٣ / ٧٤ - ٧٥.
(٢) مجمع مصائب أهل البيتعليهمالسلام / ٢٣٦.
الاجتماعية، متوكلين على الله الجبّار الذي أمرنا بالعمل، ووعدنا النصر؛ حيث قال سبحانه:( وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُون ) (التوبة/١٠٥)، وقال (عزّ وجلّ):( إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ) (محمّد/٧).
الإمام الحسينعليهالسلام الشهيد الشاهد
حين اشترى الله من السبط الشهيد نفسه وما ملكت أعطاه أجراً عظيماً؛ فقد سقط السبط شهيداً، فجعله ربه على التاريخ شاهداً، وجعله أباً للأئمةعليهمالسلام ، وسيّداً لاُمّة رشيدة. وكانت كربلاء - أرض تضحياته - ساحة معركة، فأصبحت عنوان مسيرة، وكانت حادثة فإذا بها اليوم راية لمسيرة مباركة.
لقد اصطفى الله من عباده الصالحين أئمة هداة، وجعلهم حججاً بالغة على جميع خلقه، وقال:( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِاَيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) (السجدة/٢٤)، وقال سبحانه:( اُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ) (الأنعام/٩٠).
لماذا؟ أوَلم يكف البشرية رسول واحد يستضيء بنوره الناس على مر العصور؟
دعنا نعود إلى البداية لنعرف الإجابة. أوَتدري متى تتوقف عقارب الزمن، ويتكلّس العصر، ويتجمّد الإنسان، ويسود التخلف، ويحكم الإرهاب، ويتسلط الظالمون؟
تماماً عندما ترين على الأفئدة طبقة سوداء من الأفكار التبريرية والمعاذير
الخادعة؛ فيتحلل كلُّ الناس عن مسؤولياتهم، كلٌّ باسم عذر وتبرير كاذب؛ فيقول البسطاء والمستضعفون: إنّنا لا نعرف طريقاً لمقاومة الظالمين، إنما نحن بائسون محرومون، نتبع كبراءنا وساداتنا، أو السابقين الأوّلين من آبائنا، كما يصف القرآن ذلك بقوله:( أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَآ أَشْرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ ) (الأعراف/١٧٣).
أمّا الأثرياء فهم الذين يخافون الفقر، ويخشون المساواة والمحرومين، ويقولون:( وَقَالُوا إِن نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ أَوَلَمْ نُمَكِّن لَهُمْ حَرَماً ءَامِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِن لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ) (القصص/٥٧)، ويقولون:( أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الاَرْذَلُونَ ) (الشعراء/١١١).
بينما تجد أنصاف المثقفين وأدعياء الدين يسكتون عن الباطل، ويداهنون الظالمين، ويرضون بفتات من خيرات السلطان، وهم كما يصفهم القرآن:( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِاَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً ) (البقرة/٧٩)، ويقول عزّ مَن قائل:( يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ ) (المدثر/١٣).
وإنّ هؤلاء هم أخطر الفئات على المجتمع؛ لأنهم يسرقون سلاح العلم والدين من أيدي المحرومين، ويضعونه في أيدي المستكبرين والطغاة؛ لقاء دراهم معدودة.
وهم لا يقاومون الظلم والاستكبار وحسب، وإنما يحذّرون الناس ويشيعون بينهم أفكاراً سلبية وانهزامية. وما الأمثلة الجاهليّة الشائعة حتّى
اليوم بين الطبقات المحرومة إلاّ بقايا ثقافة وعاظ السلاطين، وخول الطغاة من المثقفين الخونة، وأدعياء الدين السفلة؛ فهم أشاعوا بين الناس بأنّ السلطان ظل الله، وأنّ مَن تسلّط على الرقاب بالسيف فهو أحقّ الناس بالطاعة، وأنّ الحشر مع الناس عيد وإنْ كان إلى سعير جهنم، وأنَّ معنى التقاة السكوت عن الطغاة، وأنَّ اليد التي لا تقدر على قطعها استسلم لها وقبّلها وعشرات من الأفكار الشيطانيّة الزائفة.
إنّ هذه الطبقة من زيف المعاذير الشيطانيّة، والأفكار الانهزامية الاستسلاميّة التي غلّفت أفئدة الناس بمختلف فئاتهم كانت من جراء فساد السلطة، وزيغ الثقافة، وسوء التربية والأخلاق، والفقر والظلم والحرمان وما يستتبع ذلك من العصيان والشرك والكفر. فيا ترى أنّى لنا النجاة منها؟
لقد أودع الله في ضمير البشر فطرة ظاهرة وعقلاً نيراً ونفساً لوامة، حيث قال سبحانه:( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ) (الشمس/ ٧ - ٨)، وأيّد ذلك الضمير برسالاته التي تواترت، وكتبه التي تواصلت.
فكلما امتدت يد التحريف إلى رسالة، وفسّرها خدم السلاطين المترفين تفسيرات خاطئة، ابتعث الله رسولاً قائماً برسالات الله ليكون حجة عليهم. ثم أكمل حجته بأوصياء هداة، وصدّيقين شهداء تصدّوا للتأويلات الباطلة والتفسيرات التحريفية حتّى أبانوا الحقّ وأظهروه، ودحضوا الباطل وأسقطوه.
إنَّ أعظم محاور الرسالات، وأعظم أهداف الرسل وخلفائهم كان تبديد زيف التأويل الباطل عن الدين، ونفي الأعذار الشيطانيّة التي تخلّف الناس عن الدين بسببها.
وقد خاض أنبياء الله وأولياؤه المؤمنون صراعاً مريراً من أجل نسف الأعذار والتأويلات الزائفة التي نشرها أدعياء الدين بين الناس، وسعوا جاهدين لكي يبقى مشعل الرسالة زكياً نقياً وضّاءً، وبعيداً عن زيف التبرير وزيغ التأويل؛ لكي لا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.
لقد رسموا بجهادهم وجهدهم - كما بدمائهم الزكية - خط الرسالة التي تتحدى الطغاة المستكبرين في الأرض، المتسلطين على الناس زوراً وعدواناً، والمترفين المستغلين لجهود المستضعفين، والعلماء الفاسدين، الخانعين اليائسين.
وكانت نهضة أبي عبد الله الحسينعليهالسلام علماً بارزاً في هذا الطريق الشائك؛ حيث كانت رسالة جده المصطفى (عليه وعلى آله صلوات الله) أعظم انتفاضة للضمير ولتوهّج العقل، وأسمى ابتعاث لدين الله الخالص من زيغ التأويل وزيف التبرير. لقد كانت المشكاة الصافية التي أضاء عبرها مصباح الوحي كلّ الآفاق.
ولكن الشجرة الاُمويّة الملعونة في القرآن التي جسّدت في الجزيرة العربية دور فراعنة السلطة والثروة، ودهاة المكر والتضليل، والتي صدّت عن سبيل الله والرسالة في بدر واُحد والأحزاب، لقد كانت هذه الشجرة لا تزال قائمة، وقد اُوكلت مهمة اجتثاثها وتصفية الرواسب الجاهليّة التي تغذيها إلى خلفاء الرسولصلىاللهعليهوآله ،
وها هم طفقوا يتسللون إلى المجتمع الناشئ ليزرعوا فيه بذور النفاق والشقاق. إنهم كما الخلايا السرطانيّة امتدوا إلى كلِّ نفس طامعة، وقلب حاقد، ومستكبر يتوثب للسلطة، ومترف يبحث عن مصالحه.
وفي غفلة من الزمن تحققت رؤيا رسول اللهصلىاللهعليهوآله الذي أخبر أصحابه عنها ذات يوم بأنّه رأى قردة ينزون على منبره … فإذا بهذا الحزب الاستكباري يستغل الأوضاع المتوترة في عهد الخليفة الثالث، ويقوم بما يشبه انقلاباً عسكرياً يقوده معاوية بن أبي سفيان، ويخوض أصحاب النبيصلىاللهعليهوآله الميامين بقيادة أميرهم المقدام وإمامهم الهمام سيد الأوصياء علي بن أبي طالبعليهالسلام ، يخوضون ضدهم حرباً ضروساً في صفّين لا تختلف عن حروب رسول اللهصلىاللهعليهوآله ضد سلطة قريش.
وإذا سقط الإمام عليعليهالسلام شهيداً في محراب الكوفة بسيف غادر شحذه بنو اُميّة، وإذا مضى نجله الإمام الحسنعليهالسلام مسموماً ضمن مؤامرة اُموية، فإنّ للإمام الحسينعليهالسلام دوراً متميزاً في كربلاء؛ حيث يقتلع جذور الشجرة الخبيثة بإذن الله؛ وذلك بالدم المظلوم الذي يهزم سيف البغي والعدوان؛ حيث لا غدر ابن ملجم، ولا سمّ جعدة، بل بالمواجهة السافرة.
وهكذا أصبحت ملحمة كربلاء رمز المواجهه بين الحنفية البيضاء والشرك المتلصص، بين الحق الخالص الصريح والباطل المدنس المزخرف، بين الشجاعة والبطولة والتحدي وبين التذبذب والانطواء والتبرير ...
وأصبح الإمام الحسينعليهالسلام لواءً منشوراً لكل من يريد مقاومة الحكّام المتسترين بالدين، وتحريف العلماء الخونة للدين، وسكوت المتظاهرين
بالدين … وبكلمة: لكلِّ من يريد مقاومة الدين المزيف الذي أضحى سلاحاً فتّاكاً على الدين الحق، ومقاومة المتظاهرين بالدين الذين تظاهروا ضد الخط الإيماني الصادق.
وهكذا أضاء أبو عبد الله الحسينعليهالسلام على امتداد التاريخ درب المؤمنين المستضعفين الذين تآمر ضدهم ثالوث النفاق والدجل والجبن، هؤلاء المحرومون الذين تظاهر ضدهم المهووسون بالسلطة، ووعّاظ السلاطين، والمترفون مصاصوا دماء الفقراء.
إنَّ أية راية حقٍّ حاربت من أجل الله، جعلت شعارها: يا لثارات الحسين، وأي تجمع صالح قرر التحدي، وضع نصب عينيه دروس كربلاء، وأي رجل عقد العزم على أن يكون فداءً لدينه كان مثاله الأسمى السبط الشهيدعليهالسلام .
وتبقى حاجتنا إلى مشعل سيد الشهداء ما دمنا نواجه نفاقاً اُموياً، ودجلاً شُريحياً، وخيانة كالتي كانت عند أهل الكوفة. وأنّى يكون لنا اليوم الذي نتخلص فيه من هذا الثالوث الخبيث؟!
كلاّ، ما دامت الدنيا فإنّ فتن الشيطان ووساوسه قائمة، وليس بالضرورة أن يكون المنافق اُمويّاً سافراً كصدام، أو شريحاً قاضياً عنده كما وعّاظ السلاطين، أو جبناء متظاهرين بالخيانة كمن حاربوا بوعي وعمدٍ وإصرار تحت لواء البغي والطغيان.
كلاّ، ليس بالضرورة أن يكون كذلك؛ فقد يكون المنافق متظاهراً بحبِّ السبط الشهيد، والدجال متحدثاً باسمه، والجبان منضوياً تحت لوائه.
أولم يرقَ ذلك الدجال منبر الحسينعليهالسلام قائلاً بعدم جواز الدخول
بين السلاطين، ومحرّماً تعاطي السياسة! ولم يفكر أن المنبر الذي اتخذه وسيلة معاشه لم يقم إلاّ على دماء السبط الشهيدعليهالسلام ، وأنّ الإمام الحسينعليهالسلام أعلن بكلِّ صراحة أنّ مثله لا يبايع مثل يزيد، ثم قال:« مَن كان فينا باذلاً مهجته، موطّناً على لقاء الله نفسه، فليرحل معنا؛ فإنّي راحل مصبحاً إنشاء الله » (١) .
وهل هذا سوى العمل في السياسة؟ وأي سياسة أعظم من القيام بالسيف ضد حكم طاغية؟! كلا،( وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً ) (الكهف/٥٤).
من هنا كان على الذين وعوا حكمة الشهادة الحسينيّة، وعقدوا العزم على أن يعيشوا نهج سيد الشهداء رغم الصعاب، والذين تساموا إلى حيث جوهر الإسلام، وروح الإيمان، وعصارة تاريخ الأنبياء …
إلى حيث الصراع ضد الجبت والطاغوت، على هؤلاء أن لا يدعوا راية السبط الشهيد تُسرق من قبل الدجّالين والمنافقين والمترفين، فإذا بهم يحاربون نهج الحسينعليهالسلام باسم الحسين كما حارب بنو اُميّة (عليهم اللعنة الأبدية) نهج رسول اللهصلىاللهعليهوآله باسم رسول الله، ونهج كتاب الله باسم كتاب الله.
عليهم أن يتقدّموا لحمل راية الإمام الحسينعليهالسلام عالية خفّاقة ويتحدثوا باسمه؛ فإنّ لهم وحدهم الحق بأن يتحدثوا باسمه، وأن يرتقوا منابره، ويعمروا مجالسه، ويحتشدوا في مسيراته، ويكتبوا عنه كثيراً، ويفسّروا تفسيراً صادقاً لواقعة كربلاء وما سبقها وما لحقها، معتمدين في ذلك على التاريخ الصحيح والنصوص المأثورة عن الإمام الحسينعليهالسلام نفسه،
____________________
(١) بحار الأنوار ٤٤ / ٣٦٧.
وزياراته المروية عن أهل البيتعليهمالسلام ، ولا يرضوا عن كلِّ ذلك بدلاً بما قيل عن الإمام وواقعة كربلاء من التراث المتداخل مع بعض الثقافات الدخيلة أو أفكار الهزيمة.
على العلماء الكرام وأصحاب الأقلام الحرّة أن يعيدوا صياغة قصة كربلاء في ضوء بصائر الوحدة وسيرة السبط، ويبتعدوا عن تلك الأفكار التي اختصرت السبط في تراجيديا أو فلكلور.
الإمام الحسين عليهالسلام نور في ظلمة الطريق
إنّ الحسينعليهالسلام - كما جاء في حديث جده - مصباح الهدى وسفينة النجاة، إنّه من الرسولصلىاللهعليهوآله والرسول منه، إنّه إمام المسلمين، وحجّة الله، وهو أعظم من مجرد تراجيديا، كما أنّ كربلاء أسمى من مجرد فلكلور.
إنّه وريث الأنبياء وترجمان الأوصياء وقدوة الأتقياء، إنّه مدرسة التوحيد. أولم تقرأ دعاءه في يوم عرفة؟ إنّ هذا نهج السبط الشهيد، فهل يجوز اختصاره في بضعة كلمات تراجيديا؟! إنّه يمثّل الإسلام، أوليس هو إمام الاُمّة وحجّة الله، وعلينا أن نشرح أبعاد حياته كلها، وكل حياته جهاد، وقد ختمت بكربلاء بالشهادة؟
وعلينا نحن الذين نأتمُّ به أن نتّخذه إماماً في كل مناهجه وشرائعه:
أ - يوم نشأ بسلسبيل حب الله والرسول وعترته، فكانت نفسه طاهرة من أدران الشرك، ووساوس الشكِّ، وحوافز الشرِّ، وغلّ الحسد والحقد والعصبيات المادية. وحين نقف على ضريحه المبارك نترنم بالقول:« أشهد
أنّك طهر طاهر مطهّر، من طهر طاهرٍ مطهّر، طهرت وطهرت بك البلاد، وطهرت أرض أنت فيها» (١) .
ب - ويوم وقف بعزمٍ صادقٍ ونيّةٍ خالصة إلى جانب اُمّه الصديقة الزهراءعليهاالسلام في معركة فدك، وإلى جانب والده الإمام عليعليهالسلام في يوم الجمل، وفي صفين والنهروان، وإلى جانب أخيه الإمام الحسنعليهالسلام في حربه وسلمه وهكذا كانت طاعته لقيادته الإلهية خالصة من أية شائبة، ذاب فيها كما تذوب قطرة ماء زلال في بحر فرات. ونحن إذ نتبعه نروّض هوى النفس في ذواتنا؛ لنصبح جزءاً من تيار التحرك، لا نريد لأنفسنا جزاءً ولا شكوراً.
وهكذا نقرأ في زيارته:« وأطعت الله ورسوله حتّى أتاك اليقين » (٢) . وهكذا، فالطاعة سبيل اليقين، ومن يرفض الطاعة بمعاذير يلقيها إليه الشيطان يصبح ضحية الوساوس طوال حياته.
ج - ويوم انصهر في بوتقة التوحيد، وعرفان الرب، وزكاة القلب، وتبتّله في الليل، والذي كان تأويلاً صادقاً لقوله سبحانه:( كَانُوا قَلِيلاً مِنَ الليْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) (الذاريات/١٧).
وما دعاؤه في يوم عرفة إلاّ قبساً من نور توحيده، ووهجاً من شوقه إلى رضوان ربه، وفيضاً من حكمته الإلهية.
ألا تراه واقفاً في صحراء عرفات تحت شمس الظهيرة اللاهبة، وقد رفع
____________________
(١) مفاتيح الجنان - زيارة الإمام الحسينعليهالسلام / ٤٣٨.
(٢) المصدر نفسه / ٤٢٩.
كفّيه الضارعتين إلى ربه وجرت دموعه الدافئة على خدّه، وهو يخاطب ربّه بكلِّ عفوية وانسياب، ويقول:« … أنت كهفي حين تعييني المذاهب في سعتها، وتضيق بي الأرض برحبها، ولولا رحمتك لكنتُ من الهالكين. وأنت مقيل عثرتي، ولولا سترك إيّاي لكنتُ من المفضوحين. وأنت مؤيّدي بالنصر على أعدائي، ولولا نصرك إيّاي لكنتُ من المغلوبين.
يا مَن خصَّ نفسه بالسمو والرفعة فأولياؤه بعزّه يتعزّزون، يا من جعلت له الملوك نير المذلة على أعناقهم فهم من سطواته خائفون، يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور، وغيب ما تأتي به الأزمنة والدهور. يا من لا يعلم كيف هو إلاّ هو، يا من لا يعلم ما هو إلاّ هو …» (١) .
هذا القلب الكبير الذي استقبل نفحات الرب في عرفات الحجاز، هو القلب الذي استقبل تحدّيات الموت في يوم عاشوراء بتلك النفحات عندما ازدلف عليه أكثر من ثلاثين ألفاً من أعدائه يريدون قتله؛ فتوجّه إلى ربه ضارعاً وقال:« اللّهمَّ أنت متعالي المكان، عظيم الجبروت، شديد المحال، غنيٌّ عن الخلايق، عريض الكبرياء، قادر على ما تشاء، قريب الرحمة، صادق الوعد، سابغ النعمة، حسن البلاء.
قريب إذا دُعيت، محيط بما خلقت، قابل التوبة لمن تاب إليك، قادر على ما أردت، ومدرك ما طلبت، وشكور إذا شكرت، وذكور إذا ذكرت. أدعوك محتاجاً، وأرغب إليك فقيراً، وأفزع إليك خائفاً، وأبكي إليكَ مكروباً، واستعين بك ضعيفاً، وأتوكل
____________________
(١) مفاتيح الجنان - دعاء عرفة / ٢٦٥.
عليك كافياً، احكم بيننا وبين قومنا …» (١) .
هذا هو الإمام الحسينعليهالسلام ، وعلينا أن نسمو إلى درجة أتباعه في زهده وتقواه، في تبتله وعبادته، في سلوكه وخلقه.
د - وأخيراً نتبعه يوم توّج تلك الحياة الربانيّة بشهادته التي كانت مرسومة من ذي قبل لتكون نهج حياة.
ويوم شهادته كان السبط مثلاً أعلى لكلِّ التضحيات، وحجة بالغة علينا فيها. لقد قدّم في يوم واحد كلّما يمكن أن يقدّمه إنسان في سبيل ربه، كما ضرب أنصاره الكرام أروع الأمثلة في الإخلاص والإيثار. وهكذا كان الإمام حجة بالغة على كل متقاعس عن الجهاد، متخاذل خنوع.
البعض يتقاعسون عن الجهاد حفاظاً على أموالهم ودورهم وضياعهم كما خشي عمر بن سعد عليها، وخرج بذلك لمواجهة الإمام الحسينعليهالسلام بكربلاء، أوَلم يكن للإمامعليهالسلام ضياع ودور وأموال فتركها لله عندما قرّر القيام ضد طاغية زمانه؟
ويتقاعس البعض عن الجهاد خوفاً على سمعته أن تنالها أجهزة التضليل الحكومية، أوَلم يكن سيد الشهداء قد تعرّض لذلك التشويه فقالوا عنه: إنّه قُتل بسيف جدّه؟ ونشروا في عرض البلاد وطولها أنه خارجي، وكانت مئات الاُلوف من المنابر التي أقامها النبيصلىاللهعليهوآله للدعوة إلى الله تبث الزيغ والتبرير،
____________________
(١) مفاتيح الجنان - أعمال اليوم الثالث من شعبان / ١٦٤ - ١٦٥.
والتحريض على المجاهدين الأوفياء لدين الله، وضد أبي عبد الله الحسينعليهالسلام بالذات!
وينكفئ البعض عن واجبه الشرعي؛ لأنه يخشى على عائلته واُسرته أن تضيع في زحمة الصراع السياسي. بالله عليكم، أي اُسرة أشرف من اُسرة النبيصلىاللهعليهوآله ؟ وأي أهل بيت أعظم من أهل بيت الوحي وقد حملهم معه سيد الشهداء إلى كربلاء؛ ليكونوا شهداء معه على تلك المجزرة الرهيبة، ثم دعاة إلى القيام ضد بني اُميّة، وتعرضوا لكل ألوان البلاء وأشدّها قساوةً؛ حيث طافوا بهم البلاد؛ يتصفح وجوههم أهل المنازل والمناهل، وهم حرم رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ومهابط وحي الله، ومعادن حكمته؟
وترى البعض يوسوس إليه الشيطان: كيف تُعرّض أبناءك للأذى؟ كلا، إنّ دين الله أعظم من اُسرتك وأبنائك، وإنّه كفيل بهم. وهذا السبط الشهيد قدم أبناءه بين يديه ضحايا دين اُمته، وفداءً للرسالة، وبينهم نجله الكريم علي الاكبرعليهالسلام ، أشبه الناس برسول الله خَلقاً وخُلقاً ومنطقاً.
وبعض الناس يزعمون أن القيادة ينبغي أن تكون محمية بعيدة عن الخطر، وأيُّ قائد أعظم من حجة الله وسبط الرسول وكهف المحرومين أبي عبد الله الحسينعليهالسلام ؟ وها هو يقدّم نفسه للفداء قرباناً إلى ربه، ودفاعاً عن الرسالة
وهكذا كان ولا يزال السبط الشهيد شاهداً خالداً علينا - نحن المسلمين - ضدَّ كلِّ تبرير وعذر، وتقاعس وانكفاء.
واليوم حيث يتعرض خط الجهاد المقدس للتشويه من قبل أبواق الكفر والنفاق، فما أحوجنا إلى الإمام الحسينعليهالسلام ونهجه، وسيرته وشهادته الدائمة على مر العصور.
إنّنا اليوم نتعرّض لهجمات واسعة وشرسة من قبل المستكبرين، وعملائهم المنافقين، وحزبهم الدجالين، فما أحوجنا إلى إنشاء المجتمع التوحيدي المستضيء بالنهج الحسيني حتّى نقاوم تلك الهجمات العدوانية، ولكي نحافظ على المكاسب الجهادية لاُمّتنا المجيدة.
وبغير النهج الحسيني يخشى أن تقضي مؤامرات المستكبرين وأذنابهم المنافقين، وخذلان الخانعين على بنية استقلالنا وشرفنا وكرامتنا، ونتحول إلى شراذم بشرية مستعبدة.
إنّ نهج الحسينعليهالسلام وحده السبيل إلى تكوين المجتمع التوحيدي النقي، فما هو هذا النهج، وما هو المجتمع القائم على أساسه؟
إنّ جوهر هذا النهج هو التوحيد والجهاد؛ التوحيد الذي يمنحنا به الله الاستقلال، والجهاد الذي يرفعنا الله به إلى صعيد العزة والرقي. أوليس الاستقلال والرقي هما أسمى ما يتطلع إليه الإنسان الواعي؟
دعنا نفصّل القول في ذلك تفصيلاً مبيناً:
أوّلاً: القيم الأصيلة التي يتسامى بها المجتمع التوحيدي هي قيم الوحي التي تستنير بها العقول، وتزدهر بها المعارف والعلوم، وتتزكى بها الأخلاق والآداب، وهذه القيم تتناقض والثقافات الجاهليّة الموغلة في المادّية.
فلكي نبني مجتمع التوحيد القائم على نهج الحسينعليهالسلام علينا أن نطهّر مجتمعنا من رواسب الجاهليّة، من العصبيات العرقية والاقليمية،
والمصلحية والحزبية الضيّقة، من التشرذم والتفرق والتضاد، من التدابر والتناحر والتنافر
إنّ علينا كنس واقعنا من ثقافة التجهيل والشعوذة والدجل، من ثقافة التبرير والخداع الذاتي، من ثقافة الأنانية والانتهازية، من ثقافة الاعتزال والانغلاق والهروب من واقعيات الحياة.
إنّ المجتمع التوحيدي يتشبّع بروح إيجابية معطاءة، بروح الانفتاح والتفاعل، بروح التصدّي والتحدّي، بروح المقاومة والاستقامة، وهذه الروح تتناقض كلياً مع تلك الثقافات الدخيلة.
إنّ عِبَر كربلاء تفيض بهذه الروح، وحرام أن نعيش دهراً على شاطئ الحسينعليهالسلام محرومين من ماء الحياة، ومن العزم الحسيني، والشجاعة الحسينيّة، والعطاء الحسيني، من الكرم والإيثار، والصمود والتحدي، ومن كلِّ تلك المعطيات التي زخرت بها ملحمة كربلاء الثائرة.
إنّ واجب كلِّ فرد منّا أن يمتلك مقياساً حسينياً لمعرفة لون الثقافة التي يشيعها الآخرون؛ فإن كانت ثقافة الإيثار والتحدّي فبها، وإلاّ يجب رفضها ورفض الذي ينادي بها حتّى يتقلّص دور قطّاع الطرق، والصادّين عن سبيل الله، الذين يسرقون راية السبط الشهيد ويحاربونه باسمها، الذين يزرعون الشك والوسواس في النفوس، ويلقون الجبن والخوف والتردد في روع المحرومين، ويأمرونهم بالسكوت والخذلان، ويحاربون المجاهدين والعاملين، والذين يريدون الدين لمصالحهم، ولا يضحّون بمصالحهم في سبيل الدين، ولتغيير هذا الواقع المشين.
فتراهم يكيلون التهم الرخيصة ضد المجاهدين، ويترصّدون ثغراتهم، ناسين أنّ التقاعس جريمة
كبرى وهم يرتكبونها بلا خجل! إنّ هؤلاء هم شريحة شريح القاضي لعنة الله عليه.
ثانياً: وبروح المقاومة والاستقامة، والجود والإيثار، والوحدة والجهاد، بهذه الروح الحسينيّة التي تفيض من كلِّ أبعاد ملحمة البطولة في كربلاء نربّي الجيل الناشئ، نرضعهم الشجاعة والحكمة، ونلقّنهم الصبر والصمود، ونزرع في أفئدتهم التطلع والهمة، ونقول لهم: إنّ الاُمويّة السوداء لا زالت تذبح الميامين من أبناء الحسينعليهالسلام ، ولا زالت معركة كربلاء ممتدة، فكونوا جنوداً للحقِّ، أنصاراً للحسينعليهالسلام .
لا زالت حنجرة السبط الشهيد الدامية تنادي:« ألا هل من ناصر ينصرنا، ألا هل من معين يعيننا، ألا هل من ذابٍّ يذبّ عن حرم الرسول؟ ».
لبيك يا داعي الحق، نحن أنصارك يا سيد الشهداء، هكذا نربّي أطفالنا.
وكما كان آباؤنا الكرام واُمهاتنا الكريمات يهزّون مهد أولادهم ويترنمون بزيارة عاشوراء، ومعها مئة سلام للحسين وأهل بيته المظلومين، ومئة لعنة على من ظلم آل محمّد من الأولين والآخرين … فلا بدّ أن نفعل نحن كل ذلك أيضاً؛ كي يتحصّن أبناؤنا ضد الدعاية الاُمويّة.
وإنّ التربية والتثقيف، والإعلام الناطق أو المكتوب أو ما أشبه ينبغي أن يهدف كلّ اُولئك تعريف الناس بمن هو اليوم يمثّل الإمام الحسينعليهالسلام ؛ فيرفض حكم الطغاة ومَن هو يمثّل دور يزيد أو شريح القاضي أو جمهرة أهل الكوفة الذين خذلوا السبط الشهيدعليهالسلام .
ثالثاً: العلاقات في المجتمع التوحيدي هي علاقات حسينيّة تهدف تهيئة القوة الذاتية القاهرة بإذن الله ضد كلِّ باغ وطاغ، وكل طامع ومستكبر.
إنّ هذه العلاقات لا تهتزّ بسبب الظروف القاسية، بل تزداد متانة وتصلباً، إنّها لا تزيدها الإشاعات الخبيثة إلاّ تماسكاً وتلاحماً.
إنّها علاقات الجهاد التي تطرد الجبناء والمصلحيين والمتأثّرين بدعايات الأجانب والمتخاذلين. إنّها علاقات قائمة على أساس الطاعة للقيادة، والثقة المتبادلة بينها وبين القاعدة. إنّها علاقات عمل جدّية وابتعاث، فلا موقع للكسالى والطفيليين والمترهلين فيها.
رابعاً: الاقتصاد في المجتمع التوحيدي اقتصاد دفاعي، لا يعرف الترف والتبذير، والاستهلاك والاستكثار، إنّه اقتصاد زهد وتقشف، وايثار وجود، إنّه اقتصاد تخطيط بعيد يهدف العز والكرامة قبل اللذة والشهوات الكمالية.
وبكلمة: إنّ الذي يريد العزة والكرامة، والاستقلال والرقي يعدّ نفسه ومجتمعه إعداداً مناسباً، والنهج الحسيني هو الإعداد المناسب لكل تلك التطلعات؛ من هنا علينا اليوم أن ننفتح على هذه النفحة السماوية التي تفيض بها ملحمة عاشوراء.
تعالوا نفكّر جدّياً وجذرياً كيف نبدأ الانعطافة الكبرى في حياة اُمتنا، ألا يكفي الذل والصغار، ألا يكفي التشريد والتشرذم، ألا تكفي الهزائم والويلات، ألا يكفي هتك الأعراض وقتل الاطفال و، و…؟!
تعالوا نجعل من عاشوراء ميعاداً مع نهج السبط الشهيد، نجدد العهد معه بأن نظل حسينيِّين روحاً وعملاً.
تعالوا نبني ذلك التجمّع الناهض الذي يحتمي بظل الإسلام الحنيف، والنهج الحسيني الثائر ضد فتن الجاهليّة وبغي الاستكبار، وقيد الجبّارين ومكر الطامعين.
إنّ الحسينعليهالسلام مصباح الهدى وسفينة النجاة، تعالوا نضيء جنبات حياتنا المظلمة بهذا المصباح الإلهي، تعالوا نتّخذ من ذكرى عاشوراء الثائرة في كلِّ عام مناسبة للدفاع عن المظلومين والمحرومين في العالم، تعالوا نتحدّى عواصف النوائب وأمواج النوازل بالاتجاه إلى سفينة النجاة، وقد قال الإمام الصادقعليهالسلام :« كلّنا سفن النجاة، وسفينة الحسين أوسع، وفي لجج البحار أسرع ».
الإمام الحسينعليهالسلام والتطوّر الحضاري للأمة
لقد حفر السبط الشهيد نهراً مباركاً في ضمير التاريخ، يفيض بالقيم الإيمانية، وتنبت على شاطئه أشجار الرحمة والحب والعواطف الإنسانيّة، ويمتدّ من ذلك النهر الفائض رافد ميمون إلى قلب كلِّ مسلم.
إنّ هذا النهر الحسيني المتدفق ينبعث من ساق العرش، حيث التوحيد الخالص، والتسليم التام لرب العزّة، وحيث الطهارة من دنس الشرك، وحيث التحرر من عبادة الأهواء.
أوَتدري لماذا كُتب عن يمين العرش أنّ الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة؟ لأنّ الإمام الحسينعليهالسلام حمل راية الحنفية البيضاء، وحطّم بنهضته الحمراء أصنام الجبت والطاغوت، ورفض أن يستسلم لسلطان الطاغية يزيد، ولجبت الدينار والدرهم، وقال بكل شموخ:« ألا وإنّ الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين؛ بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة! » (١) .
وهكذا رفع الله راية السبط الشهيد حين شرفه بالتوحيد النقي.
____________________
(١) حياة الإمام الحسين بن عليعليهالسلام - للقرشي ٢ / ٢٩٠ - ٢٩١.
لقد جسّد الإمام الحسينعليهالسلام الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، فكان مثلاً سامياً لقول الله سبحانه:( فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ) (البقرة/ ٢٥٦).
وإنّ أيام محرّم التي نجدد فيها ذكرى الشهادة هي من أيام الله التي يتجدد فيها الإيمان بالله، وبالرسالات الإلهية، وبإخلاص العبودية لله. وهكذا نطهّر فيها أنفسنا في نهر التوحيد من شوائب الشكِّ والشرك، ومن عبادة الأهواء، ومن الخضوع للطغاة، ومن مجاراة الظالمين، ومهادنة الفسقة والمنافقين.
إنّ نهج أبي عبد الله الحسينعليهالسلام لا يزال يبعث شلاّلاً من النور في كل اُفق، وإن نهج أعدائه الظالمين لا يزال يعارض سبيل الشهادة، وإنهما نهجان لا يلتقيان؛ فشيعة الحسينعليهالسلام يتسابقون إلى نيل شرف الشهادة، ويجعلون محاربة الطغاة شعارهم في كل موقع، بينما ترى السائرين في ركاب يزيد يتهافتون على تقبيل أحذية السلاطين وجعلها وساماً على أكتافهم الذليلة.
ولا يزال موسم محرم الحرام فرقاناً بين النهجين، والدعاة الحسينيّون والخطباء الحقيقيون يجعلون من كلِّ عاشوراء موسماً ميموناً لنصرة نهج السبط الشهيد، ومحاربة نهج الخنوع والاستسلام، وميعاداً لنشر تلك الراية المصبوغة بدم الشهادة، وعليها تلك الكلمة التي لا تمحى:« هيهات منّا الذلة! ».
إنّ كلَّ مسلم حسيني اليوم مدعو وبكلِّ صراحة ليعلن نصرته لنهج السبط الشهيد، أو ليصبح تابعاً ذليلاً لركب يزيد.
والبصائر التالية هي بعض ما يمكن أن ننتصر بها جميعاً لمسيرة عاشوراء:
أوّلاً: إنَّ القيادات الشرعية في الاُمّة، والتي تجسد نهج الإمام الحسينعليهالسلام - حسب رؤيتك أيها السائر في درب الحسينعليهالسلام - إنّما هي الامتداد الحقيقي لخطِّ أبي عبد اللهعليهالسلام ، وخطّ الشهادة والفداء؛ فإذا عرفتها فتمسّك بها، ولا يزلزلك عنها الوسواس الخناس، ولا تنتكص عنها خشية الظالمين أو رغبة في دنيا المترفين.
وإذا لم تعرفها فابحث عنها حتّى تجدها، وإياك أن تبرر التقاعس بأنك لا تعرف مَن يجسّد خطّ أبي عبد الله الحسينعليهالسلام ؛ فإنك سوف تتخلف - لا سمح الله - عن تلك السفينة التي جعلها الله نجاة للاُمّة.
إنّ الانتصار للقيادة الشرعية والولاية الإلهية لهو الخطوة الاُولى في مسيرة النهضة، وإنّ كلّ مَن يضمَّ صوته إلى صوت الحقِّ يضيف قوة إلى بنيان الحقِّ، كما أنه يزداد قوة وصلابة.
وإنّ الخطباء الكرام هم أولى الناس بالدعوة إلى القيادات الشرعية والدفاع عن نهجهم الحسيني؛ وبذلك سوف يؤدّون ديْنَهم إلى السبط الشهيد، كما يقومون بواجبهم الشرعي المتمثل في تولّي أولياء الله.
ثانياً: إنّ التيار الفاعل في الاُمّة، والذي يتمثّل في التجمعات الربانيّة، والجمعيات الخيرية، والهيئات الدينية وما إليها، إنما هو نواة المجتمع الإسلامي، وعلينا دعم مسيرة هذا التيار بكلِّ قوة.
والدعوة إلى دعمهم تتم من خلال المنابر الحسينيّة؛ كي يلتفَّ الناس حولهم، ويبذلون الأموال لدعمهم.
وإذا خرجنا من محرم وقد ازداد هذا التيار قوة وصلابة، وازدادت المشاريع الخيرية الناهضة عدداً وعدّة؛ فإنّ ذلك لدليل على نجاحنا في هذا الموسم المبارك.
ثالثاً: تعيش الاُمّة مشاكل بالغة التعقيد، وأبرزها التفتت والاتكالية والابتعاد عن ثقافة الوحي، والتشبّه بالكفار، وضياع القيم الحضارية التي بشّر بها الدين. وعلينا أن نستفيد من موسم محرم الميمون وما فيه من روح الإيمان وهدى الرسالة؛ لتوعية الاُمّة بسبل حلِّ المشاكل والتصدي الشجاع لها.
إنّ الخطباء الكرام سوف يجدون في هذه المناسبة فرصة مناسبة لتوعية الناس بضرورة التعارف والتعاون، وأن يتحمّل كلُّ فرد مسؤوليته الشرعية تجاه دينه واُمّته، وإصلاح واقع الاُمّة.
رابعاً: لقد تعرّضت اُمّتنا ومنذ قرن لأمواج متلاحقة من الثقافات الجاهليّة التي تسخر بعقائد الناس، وتثير الشبهات حول اُصول دينهم ومراسي حضارتهم. واليوم، وبعد تنامي المد الإسلامي، وعودة الناس إلى قواعد دينهم بفضل الله تعالى، نجد موجة جديدة تغزو بلادنا عبر المحطات العالمية المصوّرة التي تبث الأفلام الخليعة؛ لعلّها تجتذب الشبيبة، وتدسّ عبر تلك الأفلام الأفكار الغربية.
كما وأنها تُحكم سيادتها على الإعلام لتصوغ عقولنا حسب مصالحها وأهوائها؛ لذا علينا أن نسارع إلى حصن ثقافتنا الإلهية الصافية، ونتصدى بواسطتها لهذه الموجة الجديدة من الغزو الثقافي.
إنّ القرآن الكريم هو حبل الله المتين والمتصل بين الأرض والسماء،
وأنّنا لو عدنا إليه بحقٍّ لكفانا مؤنة هذا الغزو الجديد.
إنّ على الخطباء الكرام أن يستوحوا من آيات القرآن بصائر لردِّ شبهات الخنّاسين، وأن ينتهزوا فرصة اجتماع الناس لتذكرتهم بالله وباليوم الآخر وبالرسالات، وبالتالي بتلك الاُصول الفكرية التي نجدها في كتاب ربنا. وإنّ عليهم - في ذات الوقت - أن يدعوا الناس إلى قراءة كتاب الله، والتدبر في آياته، والاتّعاظ بها، وصياغة أنفسهم وفقها.
والسنة الشريفة قبس من نور الله، فعلينا الاهتداء بها والتأمّل فيها؛ فإنّ سيرة النبي وأهل بيته (عليه وعليهم السّلام) هي تجسيد للوحي، ومثالاً واقعياً للسنة. وبالدعوة المستمرة إلى العودة إلى مائدة القرآن والسنة نستطيع أن نواجه الغزو الغشوم الذي نتعرض له اليوم.
خامساً: إنّ الشعائر الحسينيّة مائدة إلهية مباركة، وإنّ العلماء والخطباء والمثقفين الرساليين مدعوون إلى أن يستفيدوا منها بأقصى درجة ممكنة؛ وذلك بإعطائها بُعدها الإلهي ومحتواها الرسالي، وجعلها أقرب ما يكون إلى الأهداف السامية التي ابتغاها السبط الشهيدعليهالسلام من نهضته الربانيّة.
سادساً: من أجل تحقيق أهداف النهضة الحسينيّة علينا أن نتشاور ونتعاون، وبالذات فيما يتّصل بحلِّ مشاكل الاُمّة التي علينا أن نتعرّف عليها وعلى حلولها من خلال تواصل وتشاور الخطباء مع العلماء المتصدّين لمختلف المناطق، ومع المثقفين والمتصدين لشؤون المجتمع، وكذلك مع سائر الناس؛ فكلّما كان الخطيب أقرب إلى ضمير اُمّته كلما كانت نصائحه أبلغ أثراً فيهم.
الإمام الحسينعليهالسلام وسيلة النهوض الحضاري
مع اطلالة هلال محرم تهبّ نسائم الهدى من ضمير قبر بكربلاء ضمّ الإيمان والطهر والحرية، وكلّما كبر الهلال واقتربنا من يوم الإمام الحسينعليهالسلام كلّما ازدادت نسائم الهدى عصفاً وريحاناً.
أجل، فهناك في أرض البطولات التي لا تنتهي، وفي يوم الذكريات التي لا تَخْلَق ألف ألف عبرة، وألف ألف حكمة. بلى، هناك روضة تمتدّ مع امتداد الاُفق، ثمراتها العقل الطاهر من دنس الشك والشرك، والعاطفة الطاهرة من رين الذاتية والحمية.
وأبى الله سبحانه إلاّ أن يُربي الصدقات، وأية صدقةٍ أزكى من السخاء بالنفس والأهل كما هو عطاء السبط الشهيدعليهالسلام ؟! وكذلك يمحق الله الربا، وأي رباً أنكد من بناء السلطة على جماجم الشرفاء والأحرار كما هو بناء الدولة الاُمويّة المنقرضة؟!
وهكذا أجرى ربنا بحكمته وقدرته ومجده العظيم من قطرات دم الإمام الحسينعليهالسلام التي تناثرت فوق بقعة محدودة من أرض العراق في لحظة من تاريخ الصراع بين الحقِّ والباطل؛ أجرى ربّنا منها نهراً عظيماً
من العاطفة الطاهرة، ومن الحكمة النافذة حتّى جعل الحسينعليهالسلام كما كتب على ساق عرشه العظيم، جعله مصباح هدى وسفينة نجاة. وكلّما جرى هذا النهر الميمون على بقعة من الأرض أخرج الله فيها ما يناسبها من الثمرات والرياحين.
وهكذا كانت مسيرة عاشوراء في جنوب لبنان وأرض فلسطين مقاومةً استمرت حتّى النصر، وانتفاضةً لن تنتهي بإذن الله حتّى تثمر الفتح المبين بنصر الله سبحانه.
وهكذا كانت هذه المسيرة في العراق وقود استقامة عظيمة ضد أعتى طغاة العصر، وعطاءً سخياً وتضحيةً بكل غالٍ من أجل الدين، وهي ذاتها تصبح في بلد آخر كالجمهورية الإسلاميّة نهضةً حضاريةً في البناء والتطوير، وهي ذاتها تعطي شعباً آخر كما شعبنا في الخليج حيويةً بالغةً لمقاومة الغزو الثقافي، والاستقامة على القيم الرسالية.
إنها نهر متدفق معطاء تأخذ كلّ اُمّةٍ منه حاجتها في لحظة الزمان والمكان. ولا تزال اُمتنا عطشى والنهر يتدفق، وما ارتوينا به لا يشفي كلَّ غليلنا؛ فإنّنا بحاجة إلى المزيد، فلماذا الكسل؟
إنَّ العولمة التي هي ذروة التحول التقني في العالم تفتح لنا آفاقاً إلى المستقبل، كما تفتح علينا أبواباً من الغزو الجامح يتمثل فيما يلي:
أ - غزواً اقتصادياً في إطار (الكات) يمكن أن يحطم ما بنيناه طيلة نصف قرن من الصناعة الوطنية الهشة، حتّى نعود مرة اُخرى سوقاً للبضاعات الأجنبية الأقل كلفة والأفضل جودة.
ب - غزواً اعلاماتياً يربط بلادنا بشبكة الاتصالات الدولية التي تضعها تحت سلطة الأقوياء علمياً وإعلامياً.
ج - غزواً ثقافياً يهدف هدم صرحنا الثقافي والاجتماعي، وتحويل اُمتنا المجيدة إلى هباء منثور يتشكل حسب أهوائهم وضلالاتهم.
وإنما بنهضة قعساء نستطيع أن نصد هذه الغزوات المدمرة. ووقود هذه النهضة متوفر في عاشوراء الحسينعليهالسلام ، فهلاّ تزودنا به وبكل وجودنا دون ترددٍ وتقاعس!
إنّ الغرب ومَن يتبعه من الشعوب المستضعفة امتلكوا ناحية التقنية، وتسنّموا بها ذروة السلطة العالمية؛ ولكنهم فقراء جداً في القيم، وقد محقوا بأيديهم ما ورثوه من آبائهم من القيم المثلى، وهم أحوج ما يكون إليها؛ لأنّ القدرة التقنية الهائلة لا تضبطها شبكة القيم المهزوزة.
ونحن بحمد الله، وبما أكرمنا ربنا سبحانه من هدى الرسالات، وتراث الجهاد، ومجد التضحية، إننا بحمد الله سبحانه قادرون على إمتطاء حصان العولمة، واقتحام كلّ الأبواب المفتوحة، فإذا بشبكة الاتصالات والفضائيات والانفتاح الاقتصادي وغيرها تصبح باذن الله سبحانه سُبُلاً للإصلاح، ووسائلاً للهداية.
ولكن كيف نقوم بذلك؟
أولاً: لا بدّ أن نرتفع من أرض الحساسيات والحميات والذاتيات التي هي منبت الصراعات، ونرتفع إلى سماء الوحدة بعلمية العقل، وبقيمية التقوى، وبأريحية الإحسان.
إنّنا نخسر الكثير الكثير إذا تقوقعنا داخل اُطرنا الخاصة، والشيطان هو
الذي يخوفنا من الخروج منها إلى رحاب الاعتصام بحبل الله المجيد.
إنَّ الأنانية وميراثها النكد المتمثل في الحساسية هي مطية الشيطان التي تثير فينا دفائن الحقد والحمية، والحسد والطمع وسائر الفواحش الباطنة حتّى تشل حركتنا الحضارية. ألا فلننبذها إلى غير رجعة، ولنتعلم من يوم عاشوراء الحسينعليهالسلام كيف نتغلب على وساوس الشيطان.
ثانياً: لكي ننتفع أكثر فأكثر بذكرى عاشوراء، ولكي نجعلها وسيلة النهوض الحضاري، وسبباً إلى التحدي ضد التخلف، لا بدّ أن يقوم علماؤنا والخطباء (حفظهم الله سبحانه وتعالى) بدورهم في تحويل نهضة الطف من التراث إلى العصر، ومن فوران العاطفة إلى حكمة العقل المشبوبة بثورة العاطفة، وعليهم التركيز على مشاكل العصر، وعلى استخلاص الرؤى منها. وهكذا يمكنهم الاعتبار أكثر فأكثر بتراثنا الحافل بالمكرمات.
ثالثاً: وفي أيام محرم، وحيث يهرع أبناؤنا ومن مختلف الأعمار إلى محافل الذكر ومجالس العزاء، تثار عندهم أسئلة شتى حول الإمام الحسينعليهالسلام وأصحابه، وتلتهب نفوسهم بالعواطف النقية؛ فتكون مناسبة ممتازة لتنمية القيم فيهم، وتكريس روح الإيمان والتقوى في أنفسهم. وهكذا يكون كل واحد منّا مسؤولاً عن زرع شتائل المعرفة في الشبيبة.
إنّ الاُمّهات اليوم مسؤولات أكثر من أي يوم مضى عن أولادهنَّ وبالذات صغار السن، فلا بد أن يفصّلن لهم الحديث عن كربلاء الحسين ودروسها الإيمانية. وكذلك الآباء مسؤولون أيضاً، وخصوصاً عن
أولادهم الأكبر سناً. وهكذا الناس جميعاً عليهم أن يتواصوا بينهم، ويستخلصوا دروس النهضة الحسينيّة الشامخة لبعضهم البعض.
إنّ الإمام الحسينعليهالسلام إمامنا جميعاً، فلنجعله معلماً كبيراً، وهادياً عظيماً، وأباً رحيماً؛ لعلّنا ننجو بسفينته ونهتدي بمصباحه إنشاء الله تعالى.
الفصل الثاني
على نهج الإمام الحسينعليهالسلام
الأحاديث النبوية الشريفة كلها هي غاية في الأدب الإلهي، وتجسّد العظمة في الفكر والبصائر، والأخلاق والإيمان. وبين هذا وذاك ثمة أحاديث قدسية صدرت عن رسول الإسلام محمّدصلىاللهعليهوآله تدفع المهتم بها إلى التمعن والتعمق أكثر فأكثر؛ ليصل بمستواه وبصيرته إلى العمق الإيماني المطلوب الذي كان ينشده هذا النبي القدوةصلىاللهعليهوآله للمؤمنين.
ومن جملة تلكم الأحاديث قول الرسول المصطفىصلىاللهعليهوآله بأن الحسينعليهالسلام « مصباح هدى وسفينة نجاة » (١) . وقد وصف هذا الحديث بأنّه مكتوب على يمين العرش، في إشارة إلى عظمة وقدسية هذا الحديث المبارك.
ولكي نكون بمستوى المسؤولية الدينية والحضارية لا بدّ لنا من التدبر والإحاطة بأبعاد هذا الحديث؛ فهو وغيره ممّا فاض على لسان سيد المرسلينصلىاللهعليهوآله وأهل بيته الطيبين الطاهرينعليهمالسلام ، ليس من نوع الكلام أو القصص الصادرة عن غيرهم من البشر حتّى يكون
____________________
(١) بحار الأنوار ٩١ / ١٨٤، ح ١.
بوسعنا أن نمر عليها مرور الكرام، أو أنها من نوع الكلام الذي ما أن يسمع حتّى ينسى.
فتدبّرنا وتعمّقنا وإحاطتنا - بما في وسعنا - بكلامهم الشريف يعكس مدى اهتمامنا وتعظيمنا لمكانتهم السامية؛ الاهتمام والتعظيم المفروضان علينا - نحن المسلمين - من قبل الله سبحانه وتعالى أولاً وآخراً. مع أنّ اهتمامنا بهذه الأحاديث الفذة إنّما هي بمثابة المؤشر العملي على اهتمامنا بأنفسنا؛ فالروايات صدرت عن أهل البيتعليهمالسلام لإنقاذنا من براثن الدنيا وغرورها، ولكي تكون منهجاً ودرساً أساسياً مقارناً للقرآن الكريم في حياتنا وكدحنا إلى الله عزّ وجلّ.
ماذا يعني قول الرسولصلىاللهعليهوآله بأن الحسين مصباح الهدى؟ وماذا تعني الهداية؟ وماذا يعني أن يكون أبو عبد اللهعليهالسلام مصباحاً؟ وما هو المصباح؟ وما هو دور المصباح في حياة الإنسان؟ وما هي مسؤولية الإنسان تجاه هذا المصباح؟ ثم ما هي سفينة النجاة؟ وكيف يكون الحسينعليهالسلام سفينة النجاة؟ وماذا يتوجّب علينا ان نعمل تجاه هذه السفينة؟
إنني في هذا المقام لم أطرح الأسئلة أعلاه كبذخ فكري أو أدبي، ولا أدّعي أبداً بأن بوسع أحد من الناس الإجابة الوافية على هذه الأسئلة باستثناء من أنعم الله عليهم، إنّما الغرض من كل ذلك إلفات نظر المؤمنين إلى ضرورة التعمق في حقيقة الإمام الحسينعليهالسلام ودوره الرباني العظيم، إضافة إلى ضرورة وعي مسؤولياتنا تجاه سيد الشهداء وأبي الأحرارعليهالسلام وقضيته السرمدية.
فالإجابة ليست معقدة بقدر
ما هي عميقة، ونحن في هذا الإطار يهمّنا النهوض بمستوياتنا حتّى نتوصّل إلى الحقائق النورانية لهذا الحديث النبوي الشريف الذي بين أيدينا.
ومن هنا تنبغي الإشارة إلى حقيقة أنّ الإنسان يتركب من بعدين أساسيين، ولا غنى لأحدهما عن الآخر مطلقاً؛ البعد الأول هو البعد العاطفي، والثاني هو بعد الفكر والعقل والبصيرة.
والبعد الأول يحتل موقعاً من الإنسان أشبه ما يكون بموقع الوقود من السيارة؛ حيث لا يعقل مطلقاً أية حركة لهذا المصنوع البشري دون امتلاكه للطاقة. وبمعنى آخر تكون السيارة غير ذات قيمة فيما لو افتقرت إلى الوقود، بغض النظر عن كون هذه السيارة ذات تكنولوجيا عالية أو هابطة.
ولكن السؤال الراهن هو: هل الوقود بمفرده كافياً لحركة السيارة؟ وبطبيعة الحال فإنّ الجواب سيأتي منفياً تجاهه، على اعتبار أن ثمة أبعاد اُخرى لها الدور الكبير في حركة هذه السيارة، وهذه الأبعاد تتمثل تارة في المحرك، واُخرى في العجلات، واُخرى في الأجهزة الأساسية المتعددة.
وهذه الحقيقة تنطبق تمام الانطباق على حقيقة الوجود وشخصية الإنسان، ولا سيما الأفراد الأحياء قوةً وفعلاً. فمن الصعب جداً تصور الحركة والحيوية في الإنسان الذي تنعدم فيه العواطف؛ نظراً إلى أنَّ العاطفة في الإنسان تمثل الدافع للحركة والنشاط، والفعل وردّ الفعل.
فمن تنعدم فيه الشهوة والإحساس بالجوع والألم وتلمس الراحة فهو لا يعدو عن كونه موجوداً جامداً؛ إذ إنّ مجمل هذه الأحاسيس وغيرها تعني وجود الإنسان؛ فالأب يكون أباً حقيقياً حينما يرى الجوع يعضّ أولاده فيسارع إلى تأمين ما يشتهون؛ لأنّه يقدّر مسؤوليته تجاه عائلته من
جهة، ويعرف معنى الجوع وتأثيره من جهة ثانية؛ فهو يعمل المستحيل لكي يوفر الأمن المعيشي لهم. وكذلك الأم التي تترك نومتها الهنيئة لتقوم بإرضاع طفلها الذي قرصه الجوع، والداعي في ذلك بالطبع العاطفة والحنان اللذان تحملهما له؛ لأنّ هذه الأم تعرف أسباب ودوافع البكاء لدى رضيعها، وتعرف في الوقت ذاته الألم الذي يعتصر قلب هذا الطفل جرّاء إحساسه بالجوع.
إذاً فالعاطفة في المثالين المذكورين هي المحرك، وهي الدافع الذي على أساسه يقوم أهم ركن في بناء العائلة المتفاعلة. ثمّ هناك الجانب العقلي في حركة الناس، ومن دون العقل ستفقد العاطفة مصداقيتها.
وما يهمنا في هذا الجانب هو التأكيد على أنّ الإمام الحسينعليهالسلام هو الذي يوفّر للأمة الإسلاميّة حاجتها العقلية كما وفّر لها حاجتها العاطفية؛ فالحسينعليهالسلام كما أصبح للمسلمين بمثابة نقطة الرجاء والعاطفة بنصّ الرسول المصطفىصلىاللهعليهوآله ؛ حيث وصفه بـ (سفينة النجاة) التي تؤدي دور المنقذ أثناء وبعد الأمواج والعواصف والدوّامات، فهو أيضاً بشعاراته ومنجزاته الدينية أصبح (مصباح الهدى) بالنسبة للمؤمنين الذين تعترض طريقهم الانحرافات الفكرية والسياسية.
إنّ الاُمّة الإسلاميّة ومنذ استشهاد أبي عبد الله الحسينعليهالسلام لا تزال تتدفأ بحرارة الثورة الحسينيّة؛ فالحسينعليهالسلام قتيل العبرات، بمعنى أنه قد قُتل لكي يوفّر في الاُمّة المسلمة الدموع؛ لأنّ الإنسان المسلم حينما تدمع عينه ويخشع قلبه سيكون قابلاً لاستلهام المعاني الحية لتعاليم
الدين الحضارية، وسيكون مثله مثل الأرض القابلة لامتصاص غيث السماء حيث تهتز وتربو، دون الأرض الصلدة التي لا تستجيب لنداء المطر ورسالته الداعية إلى الإنبات.
فعندما يبكي المرء ويخشع قلبه تأخذ الآيات القرآنية الكريمة موقعها منه، وتجد استجابة طيبة لديه من أجل الاعتقاد والتمسك بها وتطبيقها. ولكن الإنسان الأبله أو المستهزئ الذي لا تربطه أية عاطفة بالآيات السماوية لن ينتفع بها مهما كان تالياً لها. وقد سئل رسول اللهصلىاللهعليهوآله : أين الله؟
فقال:« عند المنكسرة قلوبهم » (١) .
لذلك فإننا نرى ونشهد على أنّ المقيم للشعائر الحسينيّة يتحوّل إلى إنسان نزيه وطاهر ونظيف؛ نظراً إلى أنّ دموعه التي ذرفها، وقلبه الذي خشع قد غسلاه وطهراه من ذنوبه؛ فهو مغسول بالعاطفة والحماس.
والمسلك في ذلك يبدو واضحاً؛ حيث يعود المقيم للشعائر الحسينيّة إلى قاعدة محاسبة الذات بصورة إرادية أو لا إرادية؛ فهو على يقين من العظمة اللامتناهية التي يتمتع بها سيده ومولاه الحسين بن علي (عليهما السلام)، وهو يعرف من خلال التأريخ ما قام به هذا السيد العظيم من تضحية وشجاعة لا نظير لهما على مرّ الزمان؛ فتراه يعود إلى ذاته ويؤنبها إزاء التقصير في ارتكاب الذنوب، والانهزام تجاه المصاعب والعقبات.
ولا شك أن التوبة العملية هذه مع ما يزامنها من اعتقاد راسخ بولاية الحسين وأهل البيتعليهمالسلام توبة حقيقية مقبولة لدى الله سبحانه وتعالى.
____________________
(١) بحار الأنوار ٧٠ / ١٥٧.
إذاً فالعاطفة الصادقة على جانب كبير جداً من الأهمية في حياة المرء؛ حيث تحركه وتدفعه، وتخلق أمامه أهدافاً وغايات سامية؛ على اعتبار أنّ حياة الإنسان لا تسمّى حياةً ما لم يسعى الإنسان إلى تحقيق شيء فيها.
وأصحاب الحسينعليهالسلام وصلوا إلى هذه الحقيقة؛ حيث لم يغادروا الحياة ما لم يطمئنوا إلى أن التاريخ سيكتب منجزاتهم بحروف من نور في قلوب المؤمنين المصرّين على الثأر لدين الله من الظالمين والجبابرة.
وهنا يجب أن نلتفت إلى أن المصباح هو الذي يشع بالنور، والهدى هو الذي يهدي الإنسان إلى الطريق المستقيم. وإننا كاُمّة مسلمة بعيدون عن الإمام الحسينعليهالسلام من هذه الناحية، فنحن نعيش مع سيد الشهداءعليهالسلام في عواطفه ومأساته فقط مع بالغ الأسف.
وللتوضيح أقول: إنّ تاريخ كربلاء ينقل لنا بأن الإمام الحسينعليهالسلام وأصحابه استمهلوا الأعداء سواد ليلة عاشوراء، ولم يكن طلب الفرصة هذا ناتجاً عن خوف من الموت أو الاستشهاد؛ حيث إنّ هذا الركب الشجاع لم يقدم إلى أرض كربلاء إلاّ وكان عارفاً بما سيؤول إليه مصيره مسبقاً.
والدليل على ذلك أن الإمامعليهالسلام نفسه كان قد قال قبيل مغادرته المدينة المنورة في معرض رده على تحذير من حذّره القتل، وتعرض نسائه ونساء أصحابه للتنكيل والتشريد من قبل الجيش الاُموي، قالعليهالسلام :« قد شاء الله أن يراهن سبايا » (١) .
____________________
(١) حياة الإمام الحسينعليهالسلام - القرشي ٢ / ٢٩٧.
لقد كان سبب الطلب المشار إليه الرغبة في تجديد العهد بكتاب الله تبارك وتعالى؛ فالحسينعليهالسلام كان القرآن الناطق؛ لذا نحن نرى في حركته ومنهجه قرآناً ينطق بصدق الحديث، وصدق الأمانة والتضحية، والتفاني في ذات الله؛ فواقعة كربلاء كانت تجسيداً واقعياً لتعاليم القرآن والوحي المنزل.
ومن جانبنا نحن المسلمين، كلما كان التصاقنا بالقرآن الكريم وتعاليمه شديداً كلما كان اقترابنا للحسينعليهالسلام شديداً أيضاً، والعكس هو الصحيح؛ فالطرفان يعبران عن إرادة إلهية تتجلى في ضرورة إنقاذ الإنسان نفسه من الوساوس والانحرافات.
يقول ربنا سبحانه وتعالى:( قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه ) (آل عمران/٣١)، أي إن كنتم تدّعون محبّة الله ومحبة رسوله ومحبة أولياء الله( فَاتَّبِعُونِي ) ، على اعتبار أن هذا الحب لا بدّ له من طاعة لتتقرّب به؛ كي لا يكون حبّاً فارغاً.
فالإتّباع بمختلف معانيه ومصاديقه، وبمختلف ما يستدعي من تضحية وشجاعة وفداء هو الحب المنشود، وإذا ما اقترن الحب بالطاعة لله تكون النتيجة العملية له:( يُحْبِبْكُمُ اللّهُ ) .
فالعاطفة والعقل إذا ما امتزجا يولّدان الفلاح؛ حيث يقول تعالى:( يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّواْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ) (آل عمران/٣١ - ٣٢)، وهذه الحقيقة تمثل إحدى مصاديق الكفر التي قد يصاب بها الإنسان من حيث لا يشعر؛ إذ يحصل التفاوت بين قوله وفعله، بين اعتقاده وسلوكه.
وقد جاء عن الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام حديث يحتل أعظم درجات الأهمية؛ حيث يتضمّن بيان موقع أئمة أهل البيتعليهمالسلام ، كما يتضمّن ضرورة ما ينبغي أن يكون عليه شيعتهم ومواليهم، بل وجميع المسلمين؛ حيث يقولعليهالسلام :« إنّ الله تبارك وتعالى أوجب عليكم حبّنا وموالاتنا، وفرض عليكم طاعتنا. ألا فمن كان منّا فليقتدِ بنا؛ فإنّ من شأننا الورع والاجتهاد، وأداء الأمانة إلى البرِّ والفاجر، وصلة الرحم، وإقراء الضيف، والعفو عن المسيء. ومن لم يقتدِ بنا فليس منّا ».
وقالعليهالسلام :« لا تسفّهوا؛ فإنَّ أئمتكم ليسوا بسفهاء » (١) .
فالإنسان لكي يصل الجنة عليه أن يعفّ نفسه عن ارتكاب المعاصي، وأن يبذل كل وسعه، ويجدّ ويجتهد في طريق أداء الواجبات الشرعية الذي هو في واقع الأمر المسؤول أولاً وآخراً عنها؛ فأئمة أهل البيتعليهمالسلام لا يحبون الشخص الكسول الجامد، وإنّما يحبون المؤمن الذي يبذل جهده تماماً، أو يستنفذ طاقته في إطار الطاعة.
أمّا أداء الأمانة فهو أمر ذو وجوه؛ منها وجه تحمل المسؤوليات السماوية انطلاقاً من مفهوم الآية القرآنية القائلة:( اِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأرض وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان ) (الأحزاب/٧٢)، ومنها نبذ الخيانة الذي يعكس الصورة الصحيحة للأئمةعليهمالسلام ولشيعتهم، رغم ما يبذله حزب الشيطان من مساع حثيثة لتشويه صورتهم بين الناس.
وكان الامام السجادعليهالسلام
____________________
(١) بحار الأنوار ٧٢ / ١١٥.
يقول بهذا الصدد:« عليكم بأداء الأمانة؛ فوالّذي بعث محمداً بالحق نبياً لو أنَّ قاتل أبي الحسين بن علي عليهالسلام ائتمنني على السيف الذي قتله به لأدّيته إليه » (١) .
وكان رسول اللهصلىاللهعليهوآله قد قال من قبل:« لا تنظروا إلى كثرة صلاتهم وصومهم، وكثرة الحج والمعروف، وطنطنتهم بالليل، ولكن انظروا إلى صدق الحديث وأداء الأمانة » (٢) . فالمطلوب والأهم من الوجهة الشرعية تطبيق المعتقدات دون الاكتفاء بالناحية النظرية لها، وهذا لعمري خلاصة وجذوة الرسالات السماوية.
ثمّ إنّ الله سبحانه وتعالى وبعد أن وضّح الخارطة الإيمانية التي ينبغي للإنسان المسلم السير وفقها، قال:( إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى ءَادَمَ وَنُوحاً وءَالَ إبراهيم وءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ) (آل عمران/٣٣)، وهو بذلك يدفع المؤمنين إلى التطلع عبر إيمانهم العملي نحو أن يكونوا من المصطفين الأخيار؛ فالأصطفاء أمر يعمّ جميع المؤمنين ممّن يدفعهم الإيمان الجاد إلى التطور والوعي الأكثر والأوسع لحقيقة الوجود ومصيره.
والسؤال الأكثر جدية الذي أودّ طرحه في هذا المقام هو: إنه على الرغم من عمق العلاقة العاطفية التي تربط الموالين للإمام الحسينعليهالسلام ، فإننا نرى تفاوتاً واضحاً بين مستوى العلاقة العاطفية وبين مقدار الاندماج الفكري والعقلي بقضية كربلاء ورؤى الإمام الحسينعليهالسلام وأخلاقه!
فما السبب في ذلك يا ترى؟! علماً بأننا قدّمنا فيما مضى
____________________
(١) بحار الأنوار ٧٢ / ١١٤، ح٣.
(٢) ميزان الحكمة ١ / ٣٤٤.
من القول بأنّ العلاقة العاطفية بالحسينعليهالسلام وقضيته العادلة لا تأخذ مصداقيتها ما لم ينضم إليها وعي والتزام فكريان.
لقد تركنا الإطار الفكري للقضية، وكأن السبط الشهيدعليهالسلام قد ولد في يوم عاشوراء وقُتل فيه. وها نحن لا نعرف - أو لا نتطلع لأن نعرف - من الإمام الحسين سوى أحداث كربلاء رغم عظمتها، في حين أن حياة الإمام الحسينعليهالسلام تحمل في طياتها العظمة برمتها، بدءاً بمولده الشريف في الصدر الأول للإسلام، ثمّ امتداداً لمعطيات هذا المولد المبارك.
إنّنا لا نكلّف أنفسنا البحث في رسائل وخطب سيد الشهداء اللاهبة إلى معاوية، فضلاً عن عدم تدبّرنا فيها، وإننا نتغافل عن مطالعة رسائلهعليهالسلام المفصّلة فيما يخص حياة العلماء وصفاتهم، بل ولا نسعى إلى التدبر في الزيارات التي نقرؤها؛ تعظيماً وعرفاناً بجميل الحسينعليهالسلام لنا. فهل فكّر الواحد منا فيما تعنيه هذه الزيارات؟ ولماذا هذا التعدد فيها؟ ولماذا هذا التوقيت الخاص لأنواعها وأقسامها؟
وإننا في الوقت الذي نكون بأمس الحاجة إلى أجهزة تبليغية متطورة وفاعلة بهذا الشأن نرى الكثير من الخطباء عديمي الاهتمام بما تعنيه هذه الزيارات، مع العلم أنها قد صدرت عمن هم معصومون عن الخطأ؛ الأمر الذي يحول دون الانتفاع بهذه الزيارات أدنى نفع.
وإنني إذ أقرأ الزيارة المعروفة بزيارة عاشوراء كثيراً ما تستوقفني عباراتها النورانية، والتي منها هذه العبارة:« السلام عليك يا أبا عبد الله وعلى الأرواح التي حلّت بفنائك، وأناخت برحلك » . فالأرواح التي حلّت
بفناء الحسينعليهالسلام هي أرواح الأنبياء والشهداء، والعلماء والصدّيقين؛ أرواح المخلصين الذين يهمهم خدمة الدين وإعلاء كلمته.
فأنعِم وأكرِم بلحظة أو ساعة أو حياة يخصص الإنسان فيها جهوده وطاقاته لكي يكون مع هذا الإمام العظيم؛ الإمام الذي على أساس جهاده قامت قائمة الدين بعد عواصف وسيول التحريف والكبت والطغيان، بل وأكثر من ذلك كله هو استمرار معطيات الثورة الحسينيّة بالنسبة للمصممين على إنقاذ شعوبهم من عبودية الطاغوت.
ونحن بدورنا نسلّم على تلك الأرواح ونقول:« السلام عليك يا أبا عبد الله وعلى الأرواح التي حلّت بفنائك، وأناخت برحلك، ولا جعله الله آخر العهد منّا لزيارتكم؛ السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين جميعاً ورحمة الله وبركاته » .
الإمام الحسينعليهالسلام ضمانة الهدى والفلاح
عن الحسين بن علي عليهما السلام قال:« دخلت على رسول الله صلىاللهعليهوآله وعنده اُبيُّ بن كعب، فقال لي رسول الله صلىاللهعليهوآله : مرحباً بك يا أبا عبد الله، يا زين السماوات والأرض. قال له اُبيّ: وكيف يكون يا رسول الله زين السماوات والأرض أحدٌ غيرك؟! فقال: يا اُبيّ، والذي بعثني بالحق نبياً إنّ الحسين بن علي في السماء أكبر منه في الأرض، وإنه لمكتوب عن يمين عرش الله مصباح هدى، وسفينة نجاة » (١) .
الإمام الحسين عليهالسلام ضمانة الهدى والفلاح (*)
إنّ أبا عبد اللهعليهالسلام كما أنبأنا بذلك الصادق الأمين هو مصباح للهدى، وسفينة للنجاة. والإنسان بحاجة في حياته إلى أمرين: الهدى والفلاح؛ الهدى لكي يعرف الطريق، والفلاح لكي يصل إلى أهدافه، ويحقق أهدافه وطموحاته.
والإمام الحسينعليهالسلام يضمن لنا تحقيق هذين الأمرين، وهذا يعني أنّهعليهالسلام يمثّل تلك القيم والمبادئ التي نزل بها الوحي، والتي تبصر الإنسان بطريقه في الحياة.
والحسينعليهالسلام
____________________
(١) بحار الأنوار ٩١ / ١٨٤، ح١.
(*) لا يخفى ما في العنوان من تكرار مع ما قبله.(موقع معهد الإمامين الحسنَين)
بنهجه وكلماته المضيئة، والحب الذي له في قلوب المؤمنين يمثّل النجاة في الدنيا والآخرة.
وإذا تدبّرنا في آيات الذكر الحكيم نرى أنّ الهدى والفلاح هما نهاية وعاقبة المتقين؛ ففي بداية سورة البقرة نقرأ قوله تعالى:( ألم * ذَلِكَ الكِتَابُ لاَرَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلمُتَّقِينَ ) (البقرة/١ - ٢)، حتّى تصل إلى قوله:( اُولئك عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَاُولئك هُمُ المُفْلِحُونَ ) (البقرة/٥).
فالهدى هو القرآن، والذي يدلنا على هذا الهدى هو الإمام الحسينعليهالسلام من خلال كلماته وأفكاره، ومن خلال تجسيده للقرآن؛ فقد كانعليهالسلام القرآن الناطق بما قام به من حركة ونهضة؛ ولذلك كان مصباحاً للهدى، أي تفسيراً وتأويلاً صحيحاً للقرآن الذي أمرنا بمقارعة الطغاة والظالمين، وأن لا نشرك بالله احداً.
ثمّ إنّ الحسينعليهالسلام هو في نفس الوقت سفينة نجاة؛ فالبشرية معرّضة لأن تبتلعها أمواج الفتن، وتهددها الأخطار، وعليها اذا ما أرادت التخلص من هذه الفتن والأخطار أن تتمسّك بنهج أبي عبد الله الحسينعليهالسلام .
ولقد كان من أهم مهام الأنبياءعليهمالسلام ، وأعظم مسؤولياتهم أنهم كانوا يحاولون إعادة الناس إلى حقيقة الدين. ولقد بعث الله سبحانه وتعالى الأنبياء والرسل والأوصياء الواحد بعد الآخر؛ لأنّ الناس كانوا يحاولون أفراغ الدين من محتواه والأخذ بقشوره؛ فهم يصلّون ولكن صلاتهم لا تنهاهم عن الفحشاء والمنكر، ولا تدعوهم إلى الله وذكره،
ولا تدفعهم إلى إطعام المسكين، وأداء الواجبات وترك المحرمات. ومثل هذه الصلاة هي صلاة عمر بن سعد التي أداها في يوم عاشوراء، في حين أنّه قد قتل الصلاة؛ لأنّه قتل أبا عبد اللهعليهالسلام الذي كان يمثّل الصلاة وكل الواجبات الشرعية.
وعلى سبيل المثال فإنّ الحج كان من ضمن الفرائض التي كانت موجودة قبل الإسلام، ولكنّ المشركين كانوا قد افرغوا هذه الفريضة من محتواها؛ فمشركو قريش الذين كانوا سدنة البيت كانوا يوجبون على الحجاج أن لا يطوفوا بثيابهم، وإنّما عليهم أن يبدّلوها ويرتدوا ثياباً جديدة يأخذونها من سدنة البيت ليحجّوا بها.
وهذه هي إحدى البدع؛ فالعرب كانوا يأتون للحج ولكنّ المشركين كانوا يفرضون عليهم غرامة. قد كان البعض فقراء لا يستطيعون شراء تلك الثياب، فكانوا يضطرون إلى أن يطوفوا حول الكعبة عراة.
وقد أقام المشركون في بيت الله الحرام ما يقرب من ثلاثمئة صنم، وكانوا يطوفون حول البيت، ثم يلبّون فيقولون: لبيك اللَّهمَّ لبيك، لبيك لا شريك لك، إلاّ شريك هو لك …(١) . وبذلك كانوا يحرّفون الكلم عن مواضعه، ويدّعون التوحيد وهم غارقون في الشرك!
هكذا كان دين المشركين، لقد افرغوه من محتواه؛ فكان حجهم وصلاتهم مكاء وتصدية كما يقول (عزّ وجلّ):( وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً ) (الأنفال/٣٠). فالذي كان يصلّي لم يكن
يصلي لله، وإنما ليصد الناس عن سبيله.
ولقد جاء نبينا الأعظمصلىاللهعليهوآله ليعيد إلى الدين حقيقته وجوهره، وهكذا كانت وظيفة الأئمةعليهمالسلام ؛ فقد قاموا بهذا الدور أيضاً؛ فقد جاء الإمام الحسينعليهالسلام ليرى فوق منبر رسول اللهصلىاللهعليهوآله رجلاً يفتخر بأنه يشرب الخمر، ويزني بعمّته، ويلاعب القرود، بالإضافة إلى أنّه كان أحد الشعراء المعروفين بالغناء والطرب ووصف الخمرة!
وهكذا، فقد كانت الخلافة موجودة، ومنبر رسول اللهصلىاللهعليهوآله موجوداً، وهكذا الحال بالنسبة إلى المسجد. ولكننا عندما ننظر إلى المحتوى نراه فساداً في فساد، وحميات وعصبيات، واختلافاً بين القبائل العربية، وبين العرب والموالي، وبالتالي عودة الجاهليّة بكل قيمها الفاسدة.
وقد روي في هذا المجال أنّ عبد الله بن عمر قد دعي إلى نصرة الحسينعليهالسلام ، ولكنه امتنع عن ذلك، طالباً من الداعين له أن يتركوه منشغلاً بالصلاة في مسجد النبيصلىاللهعليهوآله ؛ بحجة أنّ هذا العمل أكثر ثواباً عند الله.
هذا في حين أنّ الاُمّة كانت تنحرف، والفساد يعم، والإسلام في خطر، فما فائدة مثل هذه الصلاة والنبيصلىاللهعليهوآله يقول:« إذا ظهرت البدعة في اُمّتي فليظهر العالم علمه؛ فإن لم يفعل فعليه لعنة الله» (١) ؟ إنّ الصلاة التي تغطّي على تقاعس الإنسان وهزيمته واستسلامه إنّما هي مكاء وتصدية.
ترى من الذي يجب أن يقوم بمهمة إزالة هذا الانحراف الواسع العميق
____________________
(١) بحار الأنوار ٢ / ٧٢.
غير أبي عبد الله الحسينعليهالسلام الذي ادّخره الله سبحانه لمثل هذا اليوم؟ ولذلك فقد أصبحعليهالسلام مصباح الهدى وسفينة النجاة؛ لأنّه هو الذي أنقذ الله به البشرية كلها من الضلالة، وإلاّ لكان الدين في خبر كان، ولانتهى كما انتهت الأديان السابقة؛ فلقد علّم الحسينعليهالسلام البشرية أن حقيقة الدين هي المهمة لا مظاهره، وهو درس لنا نحن أيضاً؛ فإذا رأينا إنساناً يصلّي ولكنه يكذب بعد الصلاة، ويخون الأمانة، فعلينا أن نقول له: إن صلاتك مردودة عليك.
وإذا أردنا أن نجرّب مجتمعاً ما فعلينا أن نعرفه من خلال تعامل أفراده مع بعضهم البعض؛ فهل يؤدّون الأمانة، أم أنّهم يأكلون أموالهم بينهم بالباطل؟ ولقد جاء في الحديث عن الإمام الصادقعليهالسلام :« لا تنظروا إلى طول ركوع الرجل وسجوده؛ فإنَّ ذلك شيء اعتاده، فلو تركه استوحش لذلك » (١) .
إنّ الإمام الحسينعليهالسلام جاء ليعلّمنا أنّ الدين والإيمان حقيقة؛ فالإيمان ليس بالتظنّي ولا بالتمني، وإنّما هو ما وقّر في القلب، فإذا لم يوجد النور في القلب، ولم تكن للإنسان القدرة على نهي النفس عن الهوى، فيؤدي الصلاة وهو يعبد الشيطان وهوى النفس، فإنّ هذه الصلاة مردودة؛ فالله (عزّ وجلّ) لا يتقبل إلاّ من المتقين، وهذه هي حقيقة الدين.
ولقد أوضح لنا القرآن حقائق الدين، فهو يقول مرة:( لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ) (البقرة/١٧٧). فتولية الوجه
____________________
(١) اُصول الكافي ٢ / ١٠٥.
إنّما هو من جملة الاُمور الظاهرية، والبر إنّما هو الإيمان الحقيقي، والإنفاق، والجهاد في سبيل الله.
ثم يقول مرة اُخرى:( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَآجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَيَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ ) (التوبة/١٩). فهل من الممكن أن اُصبح مؤمناً حقيقياً بمجرد أن آتي بالماء وأسقي به الحجيج في حين أنّني لم أنه نفسي عن الهوى، ولم أخف مقام ربي، ولم أكن مع ديني ضد مصلحتي؟
وفي سورة [مريم] يبيّن لنا ربنا تبارك وتعالى بعض صفات الأنبياء، فيقول:( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ ) (مريم/٥٤)، أي أنّ الدين هو الصدق في الوعد والكلام والالتزام، ثم يقول تعالى:( وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ ) (مريم/٥٥)، فإن ندّعي التدين ولكن لا نهتم بأولادنا، ولا نأمرهم بالصلاة فإنّ هذا ليس من الدين في شيء.
ثم يقول تعالى بشأن إدريسعليهالسلام :( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إبراهيم إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً ) (مريم/٤١)، فقد كانت من صفات هذا النبي العظيم أنّه كان صادقاً في كلِّ حقٍّ، وهذا هو معنى الإيمان.
ومن الصفات التي اشترك فيها جميع الأنبياءعليهمالسلام الصفة التي يشير إليها تعالى في قوله:( إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّا ) (مريم/٥٨)، فالحقائق الإلهية كانت تعني بالنسبة اليهم الخضوع والخشوع والإخبات؛ ولذلك فإنّهم كانوا يسلّمون للأمر الإلهي دون مناقشة.
وبعد ذلك يشير ربنا (عزّ وجلّ) إلى الانحراف الذي ظهر بعد الأنبياءعليهمالسلام قائلاً:( فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ ) (مريم/٥٩)،
ومن المعلوم أنّ إضاعة الصلاة ليس كتركها؛ فالإضاعة تعني أنهم كانوا يصلّون، ولكن ليس تلك الصلاة التي يريدها الله تعالى؛ لأنّهم كانوا يتبعون شهواتهم لا أحكام دينهم.
إنّنا الآن نريد أن نركب سفينة النجاة وندخل في أمان الله تعالى تحت راية أبي عبد الله الحسينعليهالسلام ؛ لذا فعلينا أن نصلح واقعنا الفاسد. وإذا ما دخلنا في محرّم ثم خرجنا منه كما دخلنا فقد ضيّعنا فرصة إصلاح نفوسنا وأوضاعنا؛ فعلينا أن نهيئ أنفسنا للانتفاع من هذا الموسم الشريف وخصوصاً فيما يتعلق بعلاقتنا مع بعضنا البعض.
فإذا كان الواحد منا يحمل في قلبه - لا سمح الله - حقداً وضغينة، أو سوء ظن تجاه أخيه المؤمن فعليه أن يزيله. ولا تكن تعزيتنا في هذا الشهر من أجل ان يكون موكبنا - مثلاً - أفضل من مواكب الآخرين، أو حسينيتنا أفضل من الحسينيّات الاُخرى؛ فمثل هذا التفكير إنّما هو من الحميات والعصبيات الجاهليّة.
إنّ المهم هو العمل الذي يكون فيه مرضاة الله سبحانه وتعالى، وأن لا يكون هدفنا رضا الناس فقط. ثمّ إنّ مجالسنا يجب أن تكون مركزاً للوحدة والتلاحم؛ لأنّ راية الحسينعليهالسلام هي راية الوحدة، لا راية الفرقة والاختلاف، فإذا ما تفرقنا فإنّ الآخرين سيستشكلون علينا بأننا نمتلك إماماً واحداً، ولكننا مع ذلك متفرقون عن بعضنا.
فلنوحد أنفسنا؛ فإن الوحدة هي حقيقة الدين كما قال الله تعالى:( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا ) (آل عمران/١٠٣)، وحبل الله هو القرآن الكريم، والنبي محمّدصلىاللهعليهوآله ،
والأئمة المعصومونعليهمالسلام .
ولنصلح أنفسنا ولا نخدعها بالمظاهر، فعندما نقف أمام أبي عبد اللهعليهالسلام ونقول:« إنّي سلم لمن سالمكم، وحربٌ لمن حاربكم » (١) ، فإن هذا يقتضي أن نحب كلَّ من أحب الحسينعليهالسلام ، ونوالي كلَّ مَن والاه، لا أن نختلف معه ونُكنَّ له العداوة والضغينة، ونروح ضحية التنافس المقيت.
فلنطهّر أنفسنا، ولنكن صادقين مع أمامنا الحسينعليهالسلام ، وفي هذه الحالة سنركب سفينة النجاة، وسيكون الحسينعليهالسلام شفيعنا في الآخرة، وسبباً لنجاتنا من المشاكل والمآسي في الدنيا.
الإمام الحسينعليهالسلام ومنهج البراءة من المشركين
لقد دافع المسلمون في الجزيرة العربية عن الوحي في العصر الأوّل أفضل دفاع، وجاهدوا الكفّار دون هوادة حتّى نصرهم الله تعالى، فعمّ الإسلام الجزيرة، ورفرفت على ربوعها راية التوحيد، وحينئذ أنزل الخالق (عزّ وجلّ) سورة البراءة التي هي السورة الوحيدة في القرآن التي لا تفتتح باسم الله الرحمن الرحيم؛ دلالة على غضب الله وشدة انتقامه.
وعندما نزلت هذه السورة على قلب الرسولصلىاللهعليهوآله ، وأراد إبلاغ المسلمين في الموسم الأكبر في الحجِّ بأنه منذ تلك اللحظة، وإلى أربعة أشهر يمهل المشركين أن يتركوا الجزيرة العربية ولا يعودوا إلى حرم الأمن الإلهي.
نزل جبرائيلعليهالسلام على الرسولصلىاللهعليهوآله وأخبره بأن لا يحمل هذه السورة إلى المشركين إلاّ هو أو شخص يمثّله ويكون نفسه. وحينئذ دعا النبيصلىاللهعليهوآله أمير المؤمنينعليهالسلام وحمله هذه السورة، فصدع الإمامعليهالسلام بها في الموسم.
وكانت القبائل العربية المشركة المتوافدة إلى موسم الحج الأكبر متواجدة في المشاعر كما في مكة المكرمة، ولكن الإمامعليهالسلام أعلن البراءة بكلِّ صراحة في ذلك الموسم العظيم.
والملاحظ في هذا المجال أنّ كل الطغاة عبر التأريخ يرفضون الحديث عن البراءة، فلا بأس أن تتحدث عن الصدق، والوفاء، وصلة الرحم، والصلاة، والزكاة، ولكن إيّاك ان تتحدث عن الشرك، والرشوة، والفساد، والانحراف، والمنكر.
ترى لماذا تبدأ كلمة التوحيد بالرفض وتنتهي بالإثبات (لا إله إلاّ الله)؟ ولماذا يغفر الله تعالى كل ذنب ولكنه لا يغفر الشرك به؟ ولماذا يعد الشرك ظلماً عظيماً؟ ولماذا كانت معركة الأنبياءعليهمالسلام عبر التأريخ مع الشرك والمشركين الذين كانوا يتّخذون مع الله آلهة، ومن دونه أولياء؟
السبب في كل ذلك هو أن المنزلق الأكبر للبشرية إنّما هو منزلق أن لا يرفضوا الله تعالى، ولكنهم يشركون به في نفس الوقت؛ فكل شيء يشهد على وجود الله، ولكن الناس يريدون عادة أن يعبدوا مع الله غيره، وأن يتّخذوا مخلوقاته أولياء من دونه؛ سواء كانوا حجراً أم بشراً أم مناهج.
فالمشكلة هي أن الإنسان يريد أن يعبد الله تعالى عندما تكون له مصلحة في ذلك؛ فتراه يعبد الله حيناً، ويخضع للطاغوت حيناً. فالمنزلق الخطير الذي يوقع الشيطان الإنسان فيه هو هذا المنزلق، فلا بأس أن يصلي من الليل إلى الصباح، ولكن إذا تعيّن عليه أن يطبّق قوله سبحانه:( يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ ) (النساء/ ١٣٥) أن يقوم لله، ويشهد بالقسط، وينكر المنكر، ويقاوم الطاغوت، ويرفض الانحراف، فحينئذ تبدأ الصعوبة.
فالذي يقوم أمام سلطان جائر وينكر عليه فساده وانحرافه، فإن هذا السلطان لن يسكت عنه؛ ولذلك كان
إبراهيم الخليلعليهالسلام محطّماً للأصنام؛ لأنّه رفض الانحراف، بل إنه بدأ مسيرة التوحيد من خلال الرفض؛ رفض عبادة الشمس والكواكب حتّى قال:( إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماوَاتِ وَالأرض ) (الأنعام/ ٧٩)، فلولا رفضه لعبادة من هو دون الله لما كان موحداً، ولما عمد إلى تحطيم الأصنام.
وهكذا فإن الرفض هو بداية الإيمان، ولقد علّمنا أبو عبد الله الحسينعليهالسلام درس الرفض والتوحيد؛ فالسرّ الذي جعل العالم كلّه يقف إجلالاً لهعليهالسلام كلّما مرت ذكرى محرم هو في أنّ منهج التوحيد علّمه كيف يرفض الانحراف ولو كلّفه ذلك أن يسفك دمه.
فالإمام الحسينعليهالسلام أعلن عن ثورته بقوله:« إنّا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة ويزيد رجل فاسق، شارب الخمر، قاتل النفس المحّرمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله » (١) . فلم يقل: أنا لا اُبايع يزيد، بل قال: إنّ منهجي يختلف عن منهجه.
فمثل أبي عبد الله الحسين الذي رضع من ثدي الإيمان، وترعرع في حضن فاطمة الزهراءعليهاالسلام ، وشبَّ تحت رعاية أمير المؤمنينعليهالسلام لا يمكنه أن يبايع رجلاً فاسقاً كيزيد. فمَن كان مع الحسينعليهالسلام لا يمكن أن يكون مع يزيد، وهذا هو الطريق الصحيح.
ولقد أعلن الحسينعليهالسلام مرة اُخرى عن منهجه التوحيدي في رسالته إلى العلماء؛ حيث نقل في هذه الرسالة حديثاً عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول:« مَن رأى سلطاناً جائراً، مستحلاً لحرم الله، ناكثاً
____________________
(١) بحار الأنوار ٤٤ / ٣٢٥.
لعهد الله، مخالفاً لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، ثمّ لم يغيّر عليه بقول ولا فعل، كان حقيقاً على الله أن يدخله مدخله » (١) ، أي إنّ الإنسان الذي يداهن السلاطين ولا يتبرأ منهم فإنه سيكون شريكاً في جرائمهم.
وقد كان الإمام الحسينعليهالسلام يستهدف من هذه الرسالة استنهاض همم العلماء ليقوموا قياماً واحداً ضد يزيد الطاغية. وفي هذا المجال يقول تعالى:( وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ) (الزمر/١٧)، وفي موضع آخر يقول (عزّ وجلّ):( فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَانفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (البقرة/٢٥٦).
فالكفر بالطاغوت هو بداية الطريق، والذي لا يكفر به لا يمكن أن يؤمن بالله، فكيف من الممكن أن تجتمع على إنسان واحد قيادتان؟ وكيف يقوده إمامان؛ إمام الهوى، وإمام الهدى؟
إنّ حركة الإنسان لا تتحمل قيادتين؛ ولذلك فإن الرفض هو بداية التسليم والإيمان، وهذا هو ما فعله الإمام الحسينعليهالسلام ؛ فهو لم يترك جانباً من جوانب حياتنا إلاّ وأضاءه بنهضته الكبرى.
إنّ الحسينعليهالسلام بدأ نهضته هذه بقضية هامة، وهي أنه قد نظر إلى العاقبة منذ بداية الطريق؛ فقد أعلن في أول خروجه من مكة المكرمة قائلاً:« … خُطَّ الموت على ولد آدم مخطَّ القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخيّر لي مصرع أنا لاقيه، كأنّي بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات، بين النواويس وكربلاء …» .
____________________
(١) بحار الأنوار ٤٤ / ٣٨٢.
ثمّ قالعليهالسلام :« مَن كان فينا باذلاً مُهجته، موطّناً على لقاء الله نفسه، فليرحل معنا؛ فانّي راحل مصبحاً إن شاء الله » (١) .
وهكذا فإنهعليهالسلام لم يُمَنِّ الناس بالإمارة والنصر والخيرات، وإنما أعلن لهم أنّ هذا الطريق لا بدّ وأن ينتهي بالشهادة. وعندما يتسلح قوم بهذه الفلسفة وهذه الروحية العالية فإنهم لا يمكن أن يغلبوا عن ضعف؛ لأنّ النهاية هي الشهادة، وهم قد بدؤوا بالنهاية هذه، أي اعتبروها بداية الطريق كما فعل الإمام الحسينعليهالسلام .
ونحن اليوم نجدد ذكرى أبي عبد الله الحسينعليهالسلام ، ونستقبل شهر محرم بما فيه من نفحات إلهية، وفرص للهداية، وعواطف جياشة، وأعين دامعة، وبما فيه من مجالس.
علينا أن نستقبله بالكلمة المسؤولة التي تحمّل الناس مسؤوليتهم الشرعية؛ فالقرآن الكريم يقول:( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حتّى يُغَيِّرُوا مَا بِاَنفُسِهِمْ ) (الرعد/١١)، ويقول:( وَأَن لَّيْسَ لِلإنسان إِلاَّ مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ) (النجم/٤٠).
فالكل سوف يقف في ذلك اليوم الرهيب لكي يجيب ربه، ولا فرق في ذلك بين الكبير والصغير، والعالم والجاهل، والغني والفقير؛ فالجميع سوف يحملون معهم المسؤولية، فأنت مسؤول، وأنا مسؤول، وكلنا مسؤولون.
ومن مسيرة الإمام الحسينعليهالسلام ونهضته نستلهم ثمة أفكار، منها:
١ - فكرة المسؤولية، وهي الفكرة الاُولى التي زرعها الإمام الحسينعليهالسلام في روع الاُمّة؛ فهناك الكثير ممن جاء إلى الإمام الحسينعليهالسلام
____________________
(١) بحار الأنوار ٤٤ / ٣٦٦ - ٣٦٧.
وأوصاه بأن لا يحمل معه عياله وأهل بيته إذا كان متأكداً من أنه سيُقتل في سبيل الله، ولكنهعليهالسلام كان يريد أن يعلّمنا درس المسؤولية، وأنّ كلَّ واحد منّا يجب أن يتحمل قدراً منها.
وفعلاً، فقد حمل الجميع هذه الرسالة في يوم عاشوراء؛ اعتباراً من حبيب بن مظاهر، ذلك الرجل الذي احدودب ظهره بسبب شيخوخته، وانتهاءً بالطفل الرضيع علي الأصغر، وهذه هي فكرة المسؤولية التي يجب أن نبيّنها للناس عبر المنابر والمجالس.
إنّ الأوضاع المتردية التي نجدها في اُمتنا، والفساد العريض، والتشتت والاختلاف، كل ذلك رهين بالمسؤولية التي لا بدّ أن نتحملها؛ فالعلماء بعلمهم، والخطباء بألسنتهم، والكُتّاب بأقلامهم، والتجار بأموالهم، وكلّ حسب قدرته وطاقته. فبما أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم الفرائض الدينية، فالجميع يجب أن يتحملوا المسؤولية.
وكلّ واحد منا عندما يريد البحث عن خطيب يعلمه معالم دينه، فلا بدّ أن يفتّش عن خطيب يحمله المسؤولية، لا أن يبحث عن خطيب يبرّر له ويخدّره؛ فالدين ليس بالتمني، بل بالعمل والاجتهاد والورع.
فالجماهير يجب أن تلتف حول خطباء ينطقون عن أبي عبد اللهعليهالسلام بكلماتهم وسلوكهم؛ فالخطيب الذي يجلس على منبر أبي عبد اللهعليهالسلام إنّما ينطق باسمه؛ فلذا لا بدّ أن يكون مثله.
٢ - أمّا الفكرة الثانية التي لا بدّ أن نستقبل بها شهر محرم فهي فكرة القيادة الربانيّة؛ فعندما حمل الحسينعليهالسلام الراية قال:« إنّا نحن أهل
بيت النبوة، ومعدن الرسالة … » (١) ، أي إنّ الخط الصحيح يتمثّل في قيادة ربانية إلهية تتّصف بصفة النبوة والرسالة، أي تحمل الحقائق الإلهية إلى الناس. ومعنى ذلك أنّ القائد الشرعي هو الذي يحمل في داخله حقائق التوحيد ليحملها إلى الآخرين، وهذا هو معنى القيادة الربانيّة.
فعندما تريد أن تعرف قائدك فانظر إليه، هل يدافع عن قيم الوحي، وهل يدعو إلى قيم الرسالة، وهل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، أم يداهن السلاطين ويسكت عنهم؟
ومن هنا فإن الاُمّة الإسلاميّة لا يمكن أن يسودها الصلاح إلاّ بالتفافها حول القيادات الربانيّة، وهذه القيادات لا بدّ أن نعرفها ونبحث عنها؛ فالله سبحانه وتعالى أخفى أولياءه بين عباده، وقد تحدّث القرآن عن صفاتهم قائلاً:( يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ) (المائدة/٥٤).
٣ - الفكرة الثالثة التي نستلهمها من نهضة الحسينعليهالسلام الكبرى هي الطريق الواضح والمنهج السليم؛ فلقد اختارعليهالسلام طريقاً ومنهجاً محددين، فلو كان قد قُتل وهو متعلق بأستار الكعبة لما أصبحت ثورته عظيمة، ولكنه أعلن أوّلاً البراءة من المشركين، وعبّأ الاُمّة الإسلاميّة بالوعي، ثم قَدِمَ إلى كربلاء.
صحيح أنهعليهالسلام قد استشهد في أرضٍ بعيدة عن موطنه، ولكن أرض العراق كانت مأهولة بالقرى والمدن، وهوعليهالسلام
عندما قُتل فيها صبغ أرضها بدمه الشريف، وكانت رايته هي المنتصرة رغم انكسارها الظاهري؛ ولذا أصبحت الكوفة بعد ذلك بفترة قصيرة مركزاً للثورات المتلاحقة طوال تأريخها؛ ففي سنة (٦٥) للهجرة انفجرت حركة التوابين، ثمَّ حركة المختار. وإذا ما سمعنا عن كلِّ الحركات الكبرى في التأريخ فإنّ منشأها الكوفة؛ وذلك ببركة دم أبي عبد اللهعليهالسلام .
وعندما قُتلعليهالسلام في كربلاء فإنّ أهل بيته الذين اُسروا حملوا رسالته إلى الكوفة، ومنها إلى الشام ثمَّ إلى المدينة. وهكذا فقد كانت رايتهعليهالسلام تدور في الآفاق حتّى أسقطت أنظمة الطغاة.
ونحن يجب أن نفتش عن الاستراتيجية الصحيحة والمنهج اللاحب الذي نسير به إلى الأهداف المرسومة، من خلال تحمل المسؤولية، واتباع القيادة الربانيّة، وتعيين الاستراتيجية الواضحة، وبذلك ستنتصر الاُمّة على أعدائها، وتتغلب على مشاكلها، وتحقق أهدافها بإذن الله. وهذه هي دروس ثورة أبي عبد الله الحسينعليهالسلام .
وكلمة أخيرة، وهي أنّ علينا تطهير أنفسنا في هذا الشهر من الحمية الجاهليّة، والأفكار الخاطئة، والثقافات الدخيلة، والأحقاد والضغائن، وأن نوحّد أنفسنا تحت راية الإسلام والإيمان. فالإمام الحسينعليهالسلام هو سفينة النجاة، فلنركب هذه السفينة، وهو مصباح هدى، فلنهتدِ بهذا المصباح في الظلمات، وهو شفيع هذه الاُمّة، فلنطلب الشفاعة من الله تبارك وتعالى به ليغفر الله ذنوبنا ويكفّر عنا سيئاتنا.
ونسأله تعالى أن يوفقنا لأن نكون حسينيِّين قولاً وعملاً، وأن نكون مع الحسينعليهالسلام وتحت رايته في الدنيا والآخرة.
الإمام الحسينعليهالسلام محور حكمة الخلق، ومظهر تحدّي الطغيان
عندما يتذكر الإنسان أبا الأحرار وسيّد الشهداء أبا عبد الله الحسينعليهالسلام ، ينهمر في قلبه شلاّل من مشاعر شتى؛ فمن جهة يتدفق في قلب الإنسان تيار من الحزن عند ذكر السبط الشهيد، ومن جهة اُخرى يتفجّر في قلبه إحساس عميق بالشجاعة والبطولة والتحدّي، ومن جهة ثالثة ينساب على قلب الإنسان - عندما تثور في نفسه ذكرى الإمام الحسينعليهالسلام - نور من السرور والبهجة بهذا السبط الشهيد الذي غيّر العالم بكيانه المتميز.
الإمام الحسين عليهالسلام محور حكمة الخلق
ونحن عندما ندرس طبيعة الخلقة، والحكمة الكامنة وراءها من خلال آيات الذكر الحكيم، والسنة النبوية الشريفة، وعبر ما يهتدي إليه عقل الإنسان وفكره الصافيان، فحينئذ سندرك أن الإمام الحسينعليهالسلام كان محوراً أساسياً في حكمة الخلق، وأنّه لا بدّ لمثل هذا الرجل أن يأتي، ولا بدّ أن يكتب بدمه عنوان حياة الإنسان، وأن تكون ملحمة كربلاء رمز وجود الخلقة بفضل تلك الإرادة التي جعلت السبط الشهيد يقتحم
غمار الموت بكل رحابة صدر. فكلما ازدحمت عليه المصائب، وتراكمت عليه الآلام، وتزاحمت الجراحات على جسده الشريف كلّما كان وجهه الكريم يتلألأ إشراقاً وبهجة؛ لأنّه - وهو العبد المطيع - كان يقترب من ربه، رب العزة والقدرة.
وهكذا، فإنّ تلك الإرادة هي سرّ خلق الإنسان، فلولا إرادة الصدّيقين، ولولا المشيئة التي امتحن الله (عزّ وجلّ) بها النبيين والصالحين من عباده، لما كان لهذا الخلق من حكمة.
فالله تبارك وتعالى لم يخلق الإنسان لكي يفسد في الأرض ويسفك الدماء كما ظنّت الملائكة؛ فقد كان تعالى يعلم ما لا يعلمون، ويعلم بعلمه الأزلّي أنّ بين أبناء آدم، ومن بين هذا التراب واللحم والأعصاب سوف يسمو اُناس ليرتقوا إلى أعلى علّيين، وليصلوا إلى تلك الدرجة التي قال عنها جبرائيلعليهالسلام : ولو دنوت أنملة لاحترقت(١) .
ولذلك فإنّ هذه الإرادة، الإرادة الإنسانيّة التي تتحدّى الشهوات، وثقل المادة، والحنين إلى التراب، وضغوط الإرهاب، والإعلام المضلّل، هذه الإرادة هي فلسفة وحكمة خلق الإنسان على هذا الكوكب، بل إنّني استطيع أن اُقرّر وبكلِّ ثقة واطمئنان بأنّ هذه الإرادة هي حكمة خلق الكون بأسره.
إنّ الله جلّ وعلا الذي يقول للشيء كن فيكون، ويخلق بين الكاف والنون مجرّات ومنظومات شمسيّة هائلة، لا يقدّر ولا يقيّم الوجود بسبب
____________________
بحار الأنوار ١٨ / ٣٨٢.
ضخامته تلك، بل إنّه تعالى إنّما يقيم ويكرّم شيئاً واحداً هو إرادة الإنسان، حبّ الله، والإيثار، والشهادة، وتسامي الإنسان من أرض الشهوات إلى اُفق الحبّ الإلهي.
ومن المعلوم أنّ هناك في تاريخ الأنبياءعليهمالسلام العديد العديد من التضحيات، والأعمال والإنجازات المتميّزة التي لا يكاد العقل البشري يبلغها، ولكن كل تلك المكارم والتضحيات والإيثار والفداء تجمّعت مرة واحدة في كربلاء خلال فترة زمنية قصيرة.
ولندرس في هذا المجال القرآن الكريم الذي سجّل تاريخ الأنبياء في أصدق وأوضح مظاهره المشرقة؛ فماذا فعل النبي آدم، وماذا فعل النبي نوح، وماذا فعل النبي إبراهيمعليهمالسلام ؟ وماذا كانت سيرة النبي موسى والنبي عيسىعليهماالسلام ؟
لقد فعلوا أشياء كثيرة، ولكنها تجسّدت جميعاً في كربلاء؛ ولذلك فإننا نقف أمام ضريح الإمام الحسينعليهالسلام لنقول:« السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله، السلام عليك يا وارث نوح نبي الله، السلام عليك يا وارث إبراهيم خليل الله، السلام عليك يا وارث موسى كليم الله، السلام عليك يا وارث عيسى روح الله » (١) .
وبالطبع فإنّي لا أعلم متى كلّم الله تعالى الحسين الشهيدعليهالسلام ، ولكنني قرأت في التأريخ أنّ النبيصلىاللهعليهوآله قال عن شهيد من شهداء الإسلام إنّ الله سبحانه كلّمه مجابهة، ولا ريب أن سيّد الشهداء
____________________
(١) مفاتيح الجنان - زيارة الإمام الحسينعليهالسلام / ٤٢٨.
وحجة الله أحرى بأن يكلّم مشافهة بعد شهادته؛ ولذلك فقد أضحىعليهالسلام وريث موسى كليم الله.
ثمّ إنّ السبط الشهيد هو وارث عيسى روح الله، ومن المعلوم أنّ عيسى بن مريمعليهالسلام لم يكن يمتلك من حطام الدنيا شيئاً، وهذه كانت خصيصة متميّزة في حياته؛ فهو لم يكن يمتلك بيتاً، ولا أثاثاً، ولا زوجةً، ولا أولاداً، ولا أموالا، إلى درجة أنّه لم يكن يمتلك حتّى وطناً؛ ولذلك سمّي بـ (المسيح)؛ لإنه كان يسيح في الأرض، وكان يلتحف السماء، ويفترش التراب، ويأكل مما تنبته الأرض.
أمّا الإمام الحسينعليهالسلام فقد كان يمتلك كل شيء دون أن يملكه شيء، وهذا هو أعظم الزهد؛ فقد كانعليهالسلام يمتلك الأموال الطائلة التي جاء بها إلى كربلاء، كما كان يمتلك أفضل الأصحاب، وأحسن الاُخوان، وأفضل الأولاد وأبرّهم، ولكنه أعطى في لحظة واحدة كلَّ ما كان يمتلكه، وقدّمه قرباناً لربّه؛ ولذلك صحّ أن نقف أمام ضريحه المقدّس ونقول:« السلام عليك يا وارث عيسى روح الله » .
والسؤال المهمّ الذي نريد أن نطرحه في هذا المجال هو: كيف بلغ السبط الشهيدعليهالسلام تلك الدرجة العليا، وما هي التربية التي تلقّاها بحيث أصبح مهيّأًً لهذه الكرامة الإلهية العظيمة؟
للجواب على ذلك نقول: إنّ الشهادة كرامة عظيمة من الله تعالى للإنسان، لا يؤتاها إلاّ مَن هيَّأ في نفسه أسبابها وعواملها. ومن المعلوم أنّ كلمات الإنسان رسول عقله، والتعبير عن شخصيته، ونحن عندما نقرأ
أدعية أبي عبد الله الحسينعليهالسلام وخصوصاً قمة أدعيته وذروتها جميعاً المتمثلة في دعاء يوم عرفة، فإننا سنكتشف شخصيته، وندرك أن هذه الشخصية تتلخص في كلمة واحدة، وهي أنّهعليهالسلام حبيب الله؛ فهوعليهالسلام يخاطب ربه قائلاً:« ماذا وجد من فقدك، وماذا فقد من وجدك » (١) .
لقد كانعليهالسلام يقف الساعات الطوال في صحراء عرفة، ودموعه تجري على خديه دون أن يشعر بالتعب؛ لأنّه كان يقف بين يدي حبيبه، وقد كان هذا هو ديدنه حتّى في اللحظات الأخيرة من حياته الشريفة؛ حيث ازدحم عليه ما يقرب من ثلاثين الفاً كلّهم يريدون سفك دمه، ومع ذلك فإنّه لم يطلب من بارئه أن ينقذه وينجيه، بل كانت كلماته كلمات إنسان عارف بالله تعالى، فكان يقول:« اللَّهمَّ أنت متعالي المكان، عظيم الجبروت، شديد المحال، غنيٌّ عن الخلايق، عريض الكبرياء … » (٢) .
ذعر الحكم الاُموي من الإمام الحسين عليهالسلام
وبعد استشهاد الإمام الحسنعليهالسلام ، وتفاقم الانحرافات التي بدت من معاوية، كان الأخير يحاول أن يستميل أبا عبد الله الحسينعليهالسلام ويشتري رضاه أو سكوته على الأقل، ولكن الحسينعليهالسلام كان كزبر الحديد أمامه لا يلين.
وفي هذا المجال يروى أن مروان كان حاكماً من قبل معاوية على المدينة، وأنّه كتب رسالة إلى أميره يقول فيها: أمّا بعد، فقد كثر اختلاف
____________________
(١) مفاتيج الجنان - دعاء الإمام الحسينعليهالسلام في يوم عرفة / ٢٧٣.
(٢) مفاتيح الجنان - أعمال اليوم الثالث من شعبان / ١٦٤.
الناس إلى حسين، والله إنّي لأرى لكم منه يوماً عصيباً(١) .
وهنا لننظر بتأمل ودقة في جواب معاوية لمروان: اترك حسيناً ما تركك ولم يظهر لك عداوته ويبد صفحته، وأكمن عنه كمون الثرى إنشاء الله، والسّلام(٢) .
وبعد فترة يقترح مروان على معاوية إبعاد الإمامعليهالسلام عن يثرب، وفرض الإقامة الجبرية عليه في الشام؛ ليقطعه عن الاتّصال بأهل العراق. ولم يرتضِ معاوية ذلك، فرد عليه: وأردت والله أن تستريح منه وتبتليني به(٣) ! فقد كان معاوية يعلم حق العلم أنّ الحسينعليهالسلام إذا جاء إلى الشام فإنّ هذا البلد سينقلب عليه.
ثم يبعث معاوية برسالة إلى الإمام الحسينعليهالسلام مضمّناً تلك الرسالة بعض التهديدات، فيقول: فقد اُنهيت إليّ عنك اُمور إن كانت حقاً فإنّي لم أظنها بك رغبة عنها، وإن كانت باطلة فأنت أسعد الناس بمجانبتها … فلا تحملني على قطيعتك والإساءة إليك؛ فانك متى تنكرني أنكرك، ومتى تكدني أكدك، فاتّقِ الله يا حسين في شق عصا الاُمّة، وأن تردهم في فتنة ...(٤) .
ولننظر فيما يلي نظرة تأمّل ودقّة في جواب الإمام الحسينعليهالسلام على تلك الرسالة التهديدية:« أما بعد، فقد بلغني كتابك تذكر فيه أنه
____________________
(١) حياة الإمام الحسين بن عليعليهالسلام - القرشي ٢ / ٢٢٣.
(٢) المصدر نفسه.
(٣) المصدر نفسه.
(٤) المصدر نفسه / ٢٢٤.
انتهت إليك عني اُمور … أمّا ما ذكرت أنه رُقي إليك عني، فإنّه إنّما رقاه إليك الملاّقون المشاؤون » .
وهنا يوضحعليهالسلام أنّ جهاز الحكم لا يمكنه أن يكسب ثقة الناس من خلال سياسة الاستخبارات والجاسوسية؛ لأنّ الوشاة والنمّامين يفرّقون قبل أن يوحّدوا. ثمّ ينفيعليهالسلام أن يكون قد أعدّ العدة لشن حرب عسكرية ظاهرية ضد معاوية؛ لأنّ سياسته وإستراتيجيته كانتا تقومان على أساس تشكيل معارضة قوية ضد الحكم الاُموي، تتفجّر بعد معاوية وتستمر إلى ما شاء الله.
ثم يقولعليهالسلام مهّدداً هو الآخر معاوية:« … وإني لأخشى الله في ترك ذلك منك » ، أي إن كانت هناك خشية فهي خشيتي من الله تعالى في أن أتركك أنت يا معاوية تتحكم في رقاب المؤمنين،« … ومن الإعذار فيه إليك وإلى أوليائك القاسطين حزب الظلمة » (١) .
إنّ هذه الرسالة يكتبها رجل ينبغي أن يكون - حسب زعمهم - مطيعاً لمعاوية بن أبي سفيان الذي سيطر على البلاد الإسلاميّة جميعاً، ولكن لننظر إلى لهجة أبي عبد الله الحسينعليهالسلام الذي يتحدى الطاغوت الاُموي الجائر، ويستعرض المظالم والجرائم التي ارتكبها بحق المؤمنين الصالحين، وإعلائه في مقابل ذلك لشأن السفلة، وشذّاذ الآفاق، وتسليطهم على رؤوس المسلمين:« ألست القاتل حجر بن عدي أخا كندة وأصحابه المصلّين العابدين، الذين كانوا ينكرون الظلم، ويستعظمون البدع، ويأمرون بالمعروف،
____________________
(١) حياة الإمام الحسين بن عليعليهالسلام - القرشي ٢ / ٢٢٥.
وينهون عن المنكر، ولا يخافون في الله لومة لائم، ثم قتلتهم ظلماً وعدواناً من بعد ما أعطيتهم الأيمان المغلظة، والمواثيق المؤكدة؛ جرأة على الله، واستخفافاً بعهده؟!
أوَلست قاتل عمرو بن الحمق الخزاعي صاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، العبد الصالح الذي أبلته العبادة؛ فنحل جسمه واصفرّ لونه، فقتلته بعد ما أمنته وأعطيته ما لو فهمته العصم لنزلت من رؤوس الجبال؟!
أوَلست بمدّعي زياد بن سمية المولود على فراش عبيد ثقيف، فزعمت أنه ابن أبيك، وقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : الولد للفراش وللعاهر الحجر، فتركت سنة رسول اللهصلىاللهعليهوآله تعمداً، وتبعت هواك بغير هدى من الله، ثمّ سلّطته على أهل الإسلام؛ يقتلهم، ويقطع أيديهم وأرجلهم، ويسمل أعينهم، ويصلبهم على جذوع النخل، كأنك لست من هذه الاُمّة وليسوا منك؟!
أوَلست قاتل الحضرمي الذي كتب فيه إليك زياد أنه على دين عليعليهالسلام ، فكتبت إليه أن اقتل كلّ مَن كان على دين علي؛ فقتلهم ومثّل بهم بأمرك، ودين علي هو دين ابن عمهصلىاللهعليهوآله الذي أجلسك مجلسك الذي أنت فيه، ولولا ذلك لكان شرفك وشرف آبائك تجشم الرحلتين؛ رحلة الشتاء والصيف؟!
وقلت فيما قلت: انظر لنفسك ودينك، ولاُمّة محمّد صلىاللهعليهوآله ، واتقِ شقَّ عصا هذه الاُمّة، وأن تردهم إلى فتنة أعظم على هذه الاُمّة من ولايتك عليها » (١) .
فمن الفتن الكبرى أن يدير اُمور المسلمين رجل مثل معاوية ويزيد، والطغاة الذين يتحكّمون برقاب المسلمين اليوم.
____________________
(١) حياة الإمام الحسين بن عليعليهالسلام - القرشي ٢ / ٢٢٥ - ٢٢٦.
ثمَّ يقولعليهالسلام :« … ولا أعظم لنفسي ولديني ولاُمّة محمّد صلىاللهعليهوآله أفضل من أن اُجاهرك؛ فإن فعلت فإنّه قربة إلى الله، وإن تركته فإني استغفر الله لديني، وأسأله توفيقه لإرشاد أمري » (١) . فليس الاحتياط في ترك السلاطين؛ فمن حارب السلطان ضَمِنَ الجنّة، ومن ترك محاربته فلقد يمتلك عذراً عند الله تعالى، وقد لا يمتلكلا.
يقولعليهالسلام مستمراً في لهجته التهديدية:« … وقلت فيما قلت: إنّي إن أنكرتك تنكرني، وإن أكدك تكدني؛ فكدني ما بدا لك … » (٢) .
فلنتأمل هذا التحدي الذي صدر من رجل هو في الظاهر من عامة الناس، يخاطب طاغوت زمانه:« فكدني ما بدا لك؛ فإني أرجو أن لا يضرني كيدك، وأن لا يكون على أحد أضرّ منه على نفسك؛ لأنّك قد ركبت جهلك، وتحرّصت على نقض عهدك. ولعمري ما وفيت بشرط، ولقد نقضت عهدك بقتل هؤلاء النفر الذين قتلتهم بعد الصلح والأيمان، والعهود والمواثيق، فقتلتهم من غير أن يكونوا قاتلوا وقُتلوا، ولم تفعل ذلك بهم إلاّ لذكرهم فضلنا وتعظيمهم حقّنا …
فابشر يا معاوية بالقصاص، واستيقن بالحساب، واعلم أنّ لله تعالى كتاباً لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ احصاها. وليس الله بناسٍ لأخذك بالظنة، وقتلك أولياءه على التهم، ونفيك إياهم من دورهم إلى دار الغربة، وأخذك الناس ببيعة ابنك الغلام الحدث، يشرب الشراب، ويلعب بالكلاب، ما أراك إلاّ قد خسرت
____________________
(١) حياة الإمام الحسين بن عليعليهالسلام - القرشي ٢ / ٢٢٦.
(٢) المصدر نفسه.
نفسك، وتبرت دينك، وغششت رعيتك، وسمعت مقالة السفيه الجاهل، وأخفت الورع التقي، والسلام » (١) .
ولعل هذه المرحلة كانت في اُخريات أيام معاوية؛ حيث جمع الحسينعليهالسلام في مكة المكرمة وفي أيام الحج كلَّ مَن كان يمتّ إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله بصلة من بقية الأصحاب، ولعل سبعين رجلاً منهم كان قد حضر، بالإضافة إلى التابعين الذين قدم منهم ما يقرب من أربعمئة رجل، بالإضافة إلى المؤمنين الصالحين الذين دعاهم الحسينعليهالسلام للاجتماع في مكة؛ حيث أقام معهم مؤتمراً سياسياً بيّن لهم فيه الوضع الخطير الذي يسود الاُمّة، ثم أمرهم أن يبلغوا المسلمين، ويعدّوهم للثورة.
وقد هيّأ الإمام الحسينعليهالسلام كلَّ تلك المقدمات في عصر معاوية، وكان من ضمن ما قالهعليهالسلام في الأصحاب والتابعين:« أما بعد، فإنّ هذا الطاغية - يعني معاوية -قد فعل بنا وبشيعتنا ما قد رأيتم، وعلمتم وشهدتم، وإني اُريد أن أسألكم عن شيء؛ فإن صدقت فصدّقوني، وإن كذبت فكذّبوني.
اسمعوا مقالتي، واكتبوا قولي، ثمَّ ارجعوا إلى أمصاركم وقبائلكم؛ فمن أمنتم من الناس ووثقتم به فادعوهم إلى ما تعلمون من حقّنا؛ فإني أتخوف أن يدرس هذا الأمر ويغلب، والله متم نوره ولو كره الكافرون » (٢) .
____________________
(١) حياة الإمام الحسين بن عليعليهالسلام - القرشي ٢ / ٢٢٦ - ٢٢٧.
(٢) المصدر نفسه / ٢٢٨ - ٢٢٩.
ثمَّ بيّنعليهالسلام في حديث طويل فضائل أهل البيتعليهمالسلام ، والطريق الإسلامي القويم، وأعلن عن منشور ثورته. وهكذا فإنّ الإمام الحسينعليهالسلام كان قد بدأ - في الواقع - ثورته ضد الحزب الاُموي منذ أيام معاوية، ولكنّ حركته كانت حركة سرية، ثم تحوّلت إلى حركة علنية بعد موت معاوية.
ونحن إذا درسنا التاريخ بعمق ودقة نجد أن نهضة أبي عبد الله الحسينعليهالسلام هي التي أسقطت، لا الحزب الاُموي فحسب بل تلك القيم الجاهليّة التي كان الاُمويّون يحاولون زرعها في الأمّة؛ أي إنّ الحسينعليهالسلام نجح في محاربة الردّة الجاهليّة الاُموية، والدليل على نجاحه هو تلك الثورات والانتفاضات التي توالت بعد عصرهعليهالسلام ، وما زالت مستمرة إلى يومنا هذا.
سر عظمة الإمام الحسينعليهالسلام
ترى لماذا كتب الله (عزّ وجلّ) عن يمين العرش بأنّ الحسينعليهالسلام (مصباح هدى وسفينة نجاة) (١) ؟ وكيف جعل السبط الشهيد بمثابة سفينة نوح مَن ركبها نجا ومَن تخلف عنها هلك؟ ولماذا هذه الكرامة البالغة لشخص أبي عبد الله الحسينعليهالسلام عند الله، وأنه - كما جاء في الحديث -:« إنّ الحسين بن علي في السماء أكبر منه في الأرض » (٢) ، أي إنّ أهل السماء أعرف بالحسين وكرامته من أهل الأرض، مع أنّنا نجد أنّ كرامته عند أهل الأرض ليست بالقليلة؟
في كلِّ عام يحلّ علينا موسم محرّم، موسم الحزن الثائر، فنجد الدنيا وكأنها قد انقلبت؛ فالشوارع تتجلّل بالسواد، والناس يفرضون على أنفسهم لباس الحزن، والإذاعات ومحطات التلفاز تبثّ برامج خاصة بهذه المناسبة؛ فهذا الموسم هو نسمة جديدة تهب على قلوب العالمين ليس في المناطق التي يسكنها أتباع أهل البيتعليهمالسلام فحسب، وإنما في سائر مناطق العالم.
فلماذا أعطى الله سبحانه هذه الكرامة لأبي عبد الله الحسينعليهالسلام ؟
____________________
(١) بحار الأنوار ٩١ / ١٨٤، ح١.
(٢) المصدر نفسه.
نظرات في عظمة الإمام الحسين عليهالسلام
البعض من الناس عندما يقفون إزاء عظمة عاشوراء، وملحمة كربلاء، فإنّهم يعبّرون عن إعجابهم بالحسينعليهالسلام ، وبتلك الثورة الناهضة التي ما تزال حيّة في أفئدة الجماهير؛ فهم يقدّرونهعليهالسلام لأنه كان حراً لم تستعبده السلطة، ولأنه دافع عن حريته، ودعا الناس إلى التحرر.
كل ذلك صحيح، ولكنه ليس كل القضية بل هو جزء بسيط منها؛ فالأحرار كثيرون، وكثير من الناس عاشوا وماتوا أحراراً، في حين أنّنا لا نقدّسهم ولا نقدّرهم كما نقدّس ونقدّر أبا عبد الله الحسينعليهالسلام .
والبعض الآخر يرى أنّهعليهالسلام ناضل وجاهد من أجل إقامة حكم الله في الأرض، وثار من أجل إقامة العدل، وإحياء الدين، وبث روح القيم القرآنية في الاُمّة. وهذا صحيح أيضاً، ولكنه هو الآخر لا يمثل كل القضية؛ فكثيرون هم اُولئك الذين ثاروا من أجل إقامة حكم الله تعالى، وقُتلوا في هذا الطريق، والبعض منهم استطاع أن يحقق هدفه؛ فأقام حكم الله في قطعة معينة من الأرض.
والبعض الآخر يرى أنّ سرّ بقاء ملحمة كربلاء في أنّها كانت ملحمة مأساوية لم ولن تقع في التاريخ ملحمة أشد فظاعة وإيلاماً وحزناً منها، حتّى مضى هذا المثل في التاريخ(لا يوم كيومك يا أبا عبد الله) .
فيوم الحسينعليهالسلام أعظم من كل يوم؛ فقد اقرح الجفون، وأسبل الدموع، ولكن ليس هذا هو سرّ عظمة أبي عبد اللهعليهالسلام ؛ فالمآسي في التاريخ كثيرة، والذين قُتلوا ودُمّروا وقُتلت عوائلهم كثيرون؛ من مثل الحسين شهيد فخ، وزيد بن علي اللَّذين تعرّضا للإبادة هما
وعوائلهما بشكل فظيع، ومع ذلك فإنّنا لا نجد كلَّ الناس يهتمون بهذه الأحداث، بل لعل أكثرهم لا يعرفون عنها شيئاً.
وبناءً على ذلك فإنّ عظمة الحسينعليهالسلام لا تكمن فقط في أنّ شخصيته كانت شخصيّةً ثائرة حرّة، أو لأنّها تعرضت للإبادة بشكل فظيع. إذاً، فما هو سرّ هذه العظمة؟
للإجابة على هذا السؤال نقول: لا بدّ أن نعلم بأنّ الله سبحانه هو خالق الكون، ومليك السماوات والأرض، وبيده الأمر، وأنّه يرفع مَن يشاء ويضع مَن يشاء، وأنّ مَن تمسّك بحبله رفعه، ومَن ترك حبله وضعه.
ومن المعلوم أنّ الحسينعليهالسلام تمسك بحبل الله فرفعه، وأخلص العمل له فأخلص الله له ودّ المؤمنين، وجعل له في قلب كلِّ مسلم حرارة. وقديماً عندما خلق الله (تقدّست أسماؤه) آدمعليهالسلام وأسكنه الجنّة، رأى آدم ما رأى حول العرش من الأنوار، ثمّ علّمه جبرائيل تلك الأسماء والكلمات، ونطق بها، وأقسم على الله (عزّ وجلّ) بتلك الكلمات والأنوار الخمسة فلما ذكر الحسينعليهالسلام سالت دموعه وانخشع قلبه، وقال: يا أخي جبرئيل، في ذكر الخامس ينكسر قلبي وتسيل عبرتي!
قال جبرئيلعليهالسلام : ولدك هذا يُصاب بمصيبة تصغر عندها المصائب.
فقال: يا أخي، وما هي؟
قال: يُقتل عطشانَ غريباً، وحيداً فريداً، ليس له ناصرٌ ولا معين … فبكى آدم وجبرئيل بكاء الثكلى(١) .
وهكذا فإنّ قيمة الإمامعليهالسلام تكمن في أنّه كان مخلصاً صفياً، فهوعليهالسلام
____________________
(١) بحار الأنوار ٤٤ / ٢٤٥.
لو كان يمتلك ألف ابن مثل عليّ الأكبر، وكان عليه أن يضحّي بهم في لحظة واحدة لما تردّد في فعل ذلك؛ لأنه جرّد نفسه عن أهوائه رغم أنهعليهالسلام كان يحب عليّ الأكبر حباً لا حدّ له، حباً لا يمكن أن يضمره أي أبٍ لابنه؛ لأنّ علياً الأكبر كان أشبه الناس برسول اللهصلىاللهعليهوآله خَلقاً وخُلقاً، ومع ذلك فإنّ حب الحسينعليهالسلام لله تعالى كان أشدّ كما يقول سبحانه:( وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَشَدُّ حُبَّاً لِلَّهِ ) (البقرة/١٦٥).
ونحن إذا رأينا اليوم أنّ الناس يقدّرون أبا عبد اللهعليهالسلام ، وإذا رأيناهم يحملون إلينا في كل شهر محرم موسماً جديداً وميموناً من ذكراهعليهالسلام ، فلأن ثورته كانت ثورة ربانية، ولأنه كان أباً للأحرار، وثائراً من أجل الدين، وكان يريد إقامة حكم الله في الأرض، ومع كل ذلك فإنّ هذه المزايا تعّد اُموراً ثانوية.
فالإمام الحسينعليهالسلام عندما وقف في عرفة وقرأ ذلك الدعاء الخالد الذي هو بحق كنز من كنوز الرحمة، وموسوعة توحيدية كبرى، فإنّه قد جسّد فقرات هذا الدعاء في كربلاء؛ فهو عندما قال وهو متوجّه إلى الله جل جلاله:« إلهي، ماذا فقد من وجدك، وماذا وجد من فقدك » (١) ؟ فإنّه كان يرى أن كل شيء في الوجود، وكل القيم متمثلة في حب الله ومعرفته.
وقد جسّدعليهالسلام كل ذلك في كربلاء كلما كان يفقد عزيزاً أو ابناً أو أخاً من أعزّ الاُخوان عليه؛ فعلى سبيل المثال فإنّ أبناء واُخوان وأصحاب الإمام الحسينعليهالسلام الذين ضرّجوا بدمائهم في كربلاء كان كل واحد منهم يمثّل نجماً في اُفق التوحيد؛ فقد كان بعض أصحاب الإمام الحسينعليهالسلام أصحاباً للنبيصلىاللهعليهوآله ؛
____________________
(١) مفاتيح الجنان - دعاء الإمام الحسينعليهالسلام في يوم عرفة / ٢٧٣.
من مثل حبيب بن مظاهر الذي اُوتي علم المنايا والبلايا، ومن مثل مسلم بن عوسجة الذي كان فقيهاً وعالماً من العلماء العظام. ولقد قُتل هؤلاء الواحد تلو الآخر، ومع ذلك فإنّ وجه أبي عبد اللهعليهالسلام كان يزداد إشراقاً رغم أنّ قلبه كان يتفطّر ألماً عليهم.
وبعد أن أكملعليهالسلام مهمته قبض قبضة من تراب كربلاء، ووضع جبهته الشريفة عليه وقال:« صبراً على قضائك يا رب، لا إله سواك يا غياث المستغيثين، ما لي رب سواك، ولا معبود غيرك » (١) .
وفي الحقيقة فإنّ ما نعطيه ويعطيه العاملون لتجديد ذكرى أبي عبد اللهعليهالسلام لو وضع في كفة، ووضعت كلمة الحسينعليهالسلام هذه في تلك اللحظة، وفي ذلك الموقف في كفة اُخرى لرجحت كلمة الحسين على أعمالنا جميعاً؛ فلقد أعطىعليهالسلام كلَّ ما يملك في سبيل الله حتّى الطفل الرضيع، وعائلته التي وضعها في بحر من الأعداء الشرسين المتوحشين، ومع كلِّ ذلك فقد قال:« صبراً على قضائك يا رب، لا إله سواك يا غياث المستغيثين، ما لي رب سواك، ولا معبود غيرك » .
وهكذا فإنّ الذي جعل ذكرى الحسينعليهالسلام خالدة هو أنّ ما كان لله يبقى، والإمام الحسينعليهالسلام عمل مخلصاً لوجه الله.
ونحن إذا أردنا أن نرضي الخالق تبارك وتعالى، والحسين، وجدّه واُمّه، وأباه وأخاه، والأئمة من ولده (عليهم الصلاة والسّلام جميعاً) فلا بدّ أن نخلص أعمالنا لوجه الله، وأن نفعل كلَّ ما يمكننا من أجل أن نخلّد ونجدّد ذكرى الثورة الحسينيّة حتّى من خلال التظاهر بالعزاء، والبكاء عليه بصوت عالٍ بحيث يسمعنا الآخرون.
____________________
(١) مقتل الحسينعليهالسلام - للمقرم / ٣٥٧.
وفي هذا المجال روى لي أحد الخطباء قصة طريفة يقول فيها: كنّا نقيم مجالس العزاء على الحسينعليهالسلام في بلد أجنبي، في صالة نستأجرها كلّ عام، فسألني أحد الأشخاص المسيحيين قائلاً: إنّكم تأتون إلى هذه الصالة وتستأجرونها سنوياً لتبكوا، في حين أنّ الآخرين يستأجرونها لإقامة مجالس الأعراس والأفراح، فلماذا تفعلون ذلك؟!
فقلت له: لأننا في عزاء.
فقال: عزاء مَن؟
فقلت: عزاء سيّدنا وإمامنا وقائدنا.
فقال لي: متى اُصيب، وكيف؟
فقلت: قبل ألف وأربعمئة عام.
فتعجّب من ذلك، وأصابته الدهشة لأننا ما زلنا نبكي على رجل مات قبل مئات السنين. فقلت له: إنّ مقتله لم يكن عادياً؛ فلقد قُتل مظلوماً، وبشكل مأساوي بعد أن دعاه الناس، ووعدوه بالنصرة، فإذا بهم يخذلونه، ويسلمونه للأعداء، ويحيطون به في صحراء قاحلة حيث لا ماء ولا طعام، وحتّى طفله الرضيع لم يسقوه شربة من الماء، بل رموه بدلاً من ذلك بسهم قاتل.
يقول الخطيب: وبعد أن شرحت للرجل المسيحي سبب بكائنا على الإمام الحسينعليهالسلام إذا به يجهش بالبكاء، وتتقاطر دموعه، ويظهر تعاطفه معنا، ثمّ طلب منّا أن نسمح له بأن يشاركنا في العزاء على أبي عبد اللهعليهالسلام .
وهكذا فإنّ سر خلود الثورة الحسينيّة يكمن في أنها كانت ثورة ربّانية خالصة لوجه الله الكريم، وأنها كانت من الأحداث التي قدّر الله لها أن تحدث منذ الأزل؛ فقد كانت مرتبطة ارتباطاً مباشراً بالمشيئة الإلهية.
وأمّا بالنسبة للعوامل الاُخرى التي تُذكر في تفسير سر خلود ثورة الإمام الحسينعليهالسلام فهي أسباب ثانوية تتفرّع من السبب الرئيس الذي ذكرناه.
الفصل الثالث
على هدى الإمام الحسينعليهالسلام
كربلاء البداية لا النهاية
( وإِذْ يَرْفَعُ إبراهيم الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا اُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إبراهيم إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الاَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَآ إبراهيم بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي َقالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وإِلهَ ءَابآئِكَ إبراهيم َوإِسْمَاعِيلَ وإِسْحَاقَ إِلهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) (البقرة/١٢٧ - ١٣٣).
كثير من الناس يزعمون أنّ هذه الفاجعة كانت نهاية؛ لأنّ أهل البيتعليهمالسلام ، وفي طليعتهم حجة الله الإمام الحسين بن علي سبط رسول اللهصلىاللهعليهوآله قد قُتلوا بتلك الطريقة المأساوية الأليمة التي لم ولن يأتي
الزمان بمثلها؛ ولذلك يبنون كلَّ حياتهم على هذا الأساس. فلأن الإمام الحسينعليهالسلام قد قُتل واستشهد، وسُبيت عياله وحريمه، إذن لا يمكن لأحد أن يقوم بالسيف ويطالب بالحق؛ لأنّ الإمام الحسين (سلام الله عليه) لم يستطع أن يقيم دولة الإسلام، فلن تقوم للإسلام دولة أبد الدهر.
وهكذا تتسلسل في خيالاتهم حلقات الهزيمة والانطواء، ويكتفون بأن يُخلّدوا هذه الذكرى بأية طريقة ممكنة، لا لكي يتّخذوا منها منطلقاً، وإنّما لكي يتّخذوا منها مبرّراً وعُذراً وتعلّلاً لكيلا يتحركوا ولا يعملوا شيئاً؛ فالإمام الحسين قُتل ونحن نبكي عليه ونلطم، ونقيم الشعائر المختلفة من أجل إحياء ذكراه وحسب، وكفى الله المؤمنين القتال!
ولكن الحقيقة هي على العكس من ذلك، ففاجعة الطفِّ كانت البداية؛ فمنذ القطرة الأخيرة التي اُريقت من دم أبي عبد الله الحسين (سلام الله عليه) بدأت شجرة الإسلام بالحياة من جديد، وكان ذلك اليوم بداية الربيع؛ حيث إنّ عشرات الملايين من البشر اهتدوا بأبي عبد الله الحسين (سلام الله عليه)، وبدأت مسيرة التاريخ تتكامل وتتكامل، وتتحقق كلمة الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله ، حيث قال:« حسينٌ منّي وأنا من حسين » (١) .
فالبداية كانت في تلك اللحظة التي وقفت فيها الصدّيقة الصغرى زينب الكبرى (سلام الله عليها) في يوم الحادي عشر من شهر محرم سنة إحدى وستين للهجرة، على مصرع أخيها الحسينعليهالسلام ، وألقت
____________________
(١) حياة الإمام الحسين بن عليعليهالسلام - القرشي ٢ / ٢٦٥.
خطاباً أكّدت فيه على أنّ هذا المصرع سيكون عَلَماً وبدايةً للتاريخ، وسيجتمع المسلمون حول هذا المكان ليتّخذوا منه منطلقاً للبعثة، وتحولاً جديداً للإسلام.
وكانت (سلام الله عليها) صادقة؛ لأنّها كانت تتحدّث عن أبيهاعليهالسلام ، عن جدها رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، عن جبرئيلعليهالسلام ، عن الله سبحانه وتعالى، حديثاً ذا سلسلة ذهبية تتصل برب العزة.
فبداية التحول أو التحول نفسه شمل قتلة الإمام الحسينعليهالسلام ؛ فهذا سنان - وهو أحد القتلة - يأتي برأس الحسينعليهالسلام إلى عمر بن سعد وهو يقول:
أوقر ركابي فضةً أو ذهبا |
إنّي قتلتُ السيّد المحجّبا |
|
قتلتُ خير الناس اُمّاً وأبا |
وخيرهم إذ ينسبون النسبا(١) |
مما لا شك فيه إنّ هذا الرجل مصيره النار، وقد بدأ يعترف بجرائمه بحق خير الناس، وهكذا تبدأ الاعترافات الواحدة تلو الاُخرى، كلٌّ يقول ماذا فعل؛ ولذلك وبعد حوالي أقل من خمس سنوات من مقتل أبي عبد الله الحسين (سلام الله عليه) قام الصحابي الجليل سليمان بن صُرد الخزاعي بتلك الثورة العملاقة (ثورة التوابين).
وكان سليمان (عليه الرحمة) آنذاك رجلاً طاعناً في السن، ناهز التسعين من عمره، ومع ذلك استطاع أن يعبِّئ أربعة آلاف شخص مستعد للشهادة، وكانوا يجمعون السلاح في شوارع الكوفة وينادون: يا لثارات الحسين.
وكانوا أول من سقى الناس الماء مجّاناً، وكانوا يقولون لمن يسقونه الماء:(اشرب والعن قاتل الحسين) ، مع أنّ
____________________
(١) حياة الإمام الحسين بن عليعليهالسلام - القرشي ٣ / ٣٠٥.
جلب الماء كان صعباً حينها؛ لبُعد منابعه ومصادره عن المدينة، ولكنهم جمعوا بهذا الاُسلوب الأنصار، وقرروا الذهاب إلى الشام لمقاتلة الظلمة قاتلي الإمام الحسينعليهالسلام ، حيث استشهد معظمهم في معركة غير متكافئة، فهل كانت حركتهم بداية أم نهاية؟
إنها بداية تبعتها حركة المختار الثقفي، ثم حركة أهل المدينة التي عُرفت بـ (واقعة الحرة)، والتي خلع فيها أهل المدينة بيعة يزيد والاُمويِّين من رقابهم بعد أن عرفوا حقيقتهم، فأرسل إليهم يزيد عشرة آلاف رجل بقيادة (مسلم بن عقبة)، أو كما يسميه المسلمون (مُسْرِف)؛ لإسرافه في القتل، وتجاوزه على مدينة الرسولصلىاللهعليهوآله وصحابته والتابعين، وهتك أعراضهم، فما استسلم أهل المدينة، بل حاربوا حرباً استشهادية فدائية، أي حرب من نوع جديد تعلّموها من أبي عبد الله الحسين (سلام الله عليه).
فإذن هنا كانت البداية، ثمّ انّطلقت الثورات والتي كان أبرز المشاركين فيها أعقاب الإمام الحسن (سلام الله عليه)، أبناء وأحفاد الحسن المثنى الذي شارك في معركة كربلاء ولم يُقتل، وإنما جُرح، فضلاً عن أبناء خاله وخالاته، وكان قد عولج وشفي.
وقد نظم هؤلاء السادة الحسنيون حركات وثورات متلاحقة لا يرد ذكرها في الأخبار عادة. وكانت الأنظمة الحاكمة تُلقي هؤلاء الثوار في سجون رهيبة، هي عبارة عن حُفر يُلقى الطعام إليهم فيها من كوى صغيرة في الأعلى، وكانوا لا يميزون الليل من النهار في تلك الحفر إلاّ بمقدار قراءتهم القرآن الكريم، أي إنهم كانوا يقرؤون
ثمانية أجزاء من القرآن مثلاً حتّى يحين موعد صلاة الظهر، ثم ثمانية اُخرى حتّى يحين موعد صلاة المغرب، وهكذا فلا ليل ولا نهار، وإذا مات أحدهم لا يُدفن، بل يُترك في مكانه حتّى يتحلّل، ثمّ يموت آخر وآخر، يموتون جميعاً، فيُهدم السجن على جثثهم ويصبح قبراً لهم.
ورغم ذلك كانوا يثورون، وقد كان عيسى بن زيد بن علي بن الحسين صغيراً عندما توفّي والده في المنفى، وقد سُمّي بالسيد السقّاء؛ لأنّه خرج من بلده ودخل الكوفة، واستأجر بعيراً، وكان يسقي عليه، ويأكل من ثمن السقاية، وكان لا يُعرف عنه شيء سوى أنه سقّاء.
ولمّا توفي ترك ولدين أخذهما أحد أصحابه وجاء بهما إلى المهدي العباسي، وما إن قيل للمهدي العباسي: إنّ فلاناً جاء، قال: دعوه يدخل، فقد جاء إلى الموت برجله؛ إذ إننا نبحث عنه، وقد رصدنا مكافأة لمن يقبض عليه.
فجاء ودخل ومعه الطفلان، وسلّم على الخليفة العباسي، فلم يرّد عليه سلامه، ولكنه قال له: لقد جئت برجلك إلى الموت.
قال: يا خليفة، جئتك معزّياً ومبشراً.
قال: بم تبشّرني؟
قال: لقد توفي عيسى بن زيد.
فقال: إنها والله لبشارة حقاً.
وقد كان عيسى قبل وفاته رجلاً كبيراً في السن، وكان مجرّد سقّاء، ومع ذلك كان شبحه يلاحق الخليفة في قصره ببغداد.
ثم قال: وبم تعزّيني؟
قال: هذان ولداه وقد أصبحا يتيمين. وبكى، ثم قال له المهدي العباسي: لقد عفونا عنك لبشارتك، وأمّا الطفلان فسيبقيا عندي؛ لقرابتهما منّي، فهما وأنا من بني هاشم!
وهكذا بقي مزيد بن عيسى والحسين بن عيسى عند المهدي الذي وضعهم في دار الخلافة مع أولاده، حيث يصطحبونهم يومياً
إلى الصيد، أي إنهما كانا سجينين في دار الإمارة، وعندما كبر أحدهم وأصبح عمره سبعة عشر عاماً، ذهب إلى أحد الأصقاع وجمع أنصاراً وقاد ثورة على المهدي العباسي.
وهكذا فقد حمل أولاد الإمامين الحسن والحسينعليهماالسلام الرسالة والثورة، ليس من الجانب الثوري وجانب حمل السلاح فقط، بل ومن جانب العبادة والعلم، وتبليغ الرسالة، وقيادة الاُمّة في مختلف المجالات أيضاً. إذاً فكربلاء كانت البداية. والسؤال هو: كيف أصبحت كربلاء البداية نهايةً في أذهان بعضنا؛ مما جعلها وسيلة للتبرير والاعتذار عن العمل والتعلل؟
إنني اُريد أن أستوحي الإجابة السليمة من الآيات القرآنية التي توّجتُ بها الحديث: إنّ في كل حركة في التاريخ جانبين؛ جانب الهدم وجانب البناء، فأنت إذا أردت أن تبني عمارة ضخمة فلا بدّ لك قبل كلِّ شيء من أن تهدم العمارة السابقة المنهارة والخاوية على عروشها، وتسوّي الأرض، وترسي القواعد، وتبني تلك العمارة الضخمة التي تريدها، أليس كذلك؟
وكربلاء أرض كانت فيها رسالتان؛ رسالة الهدم ورسالة البناء، وقد جاء الإمام الحسين (سلام الله عليه) بهاتين الرسالتين، فأعلن: لا ليزيد، ولا لبني اُميّة، ولا للطاغوت، وقال:« مثلي لا يبايع مثله » (١) .
____________________
(١) بحار الأنوار ٤٤ / ٣٢٥.
و« هيهات منّا الذلة! » (١) ، وهذا يعني الهدم. أي هدم بناء بني اُميّة، ذلك البناء الجاهلي الفاسد.
وكل حركة كانت في هذا الاتجاه كانت هدماً للطغيان الاُموي، ولكن هل كانت كل الحركات للهدم فقط؟ كلا بالطبع؛ فقد كان إلى جانب هذا الهدم بناء، والبناء هنا يعني بناء الحركة؛ فالإمام الحسين أكد أيضاً أنه: لا ليزيد، نعم لولاية الله تعالى وولاية رسولهصلىاللهعليهوآله ، وولاية علي بن أبي طالبعليهالسلام ، وولاية الإمام الحسنعليهالسلام ، وولاية الحسينعليهالسلام نفسه، وولاية أولاده المعصومينعليهمالسلام .
كفى المشكلة أنه منذ ظهور الخوارج ظهرت مجموعات من الناس لا تقول سوى (لا)، وليس عندها (نعم). كانوا يقولون: (لا حكم إلاّ لله)، ولكن الله هو الذي ينزّل الشرائع من السماء ويحكم. وقد لاحظنا عبر التاريخ أن الله يرسل أنبياءه ليحكموا،( وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بإِذْنِ اللّهِ ) (النساء/٦٤)،( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً ) (النساء/٦٤).
إذاً فالقصة قصة (لا) و (نعم)؛ لا للطاغوت، نعم للرسول، نعم للإمام. وحينما قال الخوارج: (لا) حاربوا الإمام علياًعليهالسلام ، وحاربوا الإمام الحسينعليهالسلام ، وحاربوا يزيد، وحاربوا معاوية، وحاربوا بني العباس …
وبدا أنهم يجهلون ما يريدون! ثم حاربوا أنفسهم إلى أن انتهوا
____________________
(١) حياة الإمام الحسين بن عليعليهالسلام - القرشي ٢ / ١٩٣.
وانقرضوا تقريباً؛ فلقد انهى السلب والنفي والرفض كلَّ شيء لديهم حتّى وجودهم.
تعتبر حركة الإسلام حركة ذات بعدين؛ حيث بدأ الإسلام بكلمة (لا إله إلاّ الله). فحينما نقول: (لا إله) فإنّنا نعني ألا يكون هناك وثن، ولا صنم، ولا عبادة للشمس، ولا عبادة للنجم، ولا عبادة للطاغوت، ولا عبادة للقوم، ولا عبادة للعنصر، ولا عبادة للدم، ولا عبادة للوطن، ولا عبادة للأرض. أما حينما نقول: (إلاّ الله) فذلك يعني أننا نقول: نعم لله ورسوله وخلفائه، وحزبه وجنده.
في حين أن الخوارج أخذوا فقط (لا إله) فسكتوا؛ لأنّ الذي ينفي رسول اللهصلىاللهعليهوآله ينفي الله، والذي ينفي علياًعليهالسلام ينفي رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، والذي ينفي الحسن ينفي علياًعليهماالسلام ، والذي ينفي الحسين ينفي الحسنعليهماالسلام ، أي إنّ الذي لا يقبل التالي إنّما يرفض الأوّل تلقائياً، يرفضه ويتسلسل.
وهذه الناحية الثانية ظلت عالقة في تاريخنا مع الأسف؛ فقد عمّقنا الرفض في أنفسنا، ولكننا لم نفلح في تعميق حالة الإيجاب؛ ولذلك أصبحنا اُمة رافضة دون أن نكون اُمة بانية لتاريخها. إذاً كيف بُني التاريخ؟
لقد بُني التاريخ من خلال القرآن الكريم؛ فالقرآن الكريم يؤكّد ويركز - وبالذات في الآيات التي تلوناها - على حقيقة مهمة، وهي بصيرة التسليم؛ فلقد كانت من أعظم صفات النبي إبراهيمعليهالسلام صفة التسليم.
والتسليم يعني القبول والرضا، والطاعة والاتّباع،( وإِذْ يَرْفَعُ إبراهيم الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وإِسْمَاعِيلُ ) (البقرة/١٢٧). كان النبي إبراهيم يرفع القواعد، وإسماعيل يساعده،( رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ) (البقرة/١٢٧ - ١٢٨)، والإسلام يعني التسليم والرضا المطلق.
حينما وضع النبي إبراهيمعليهالسلام في المنجنيق ورُمي به تلقّاه جبرئيل في الهواء، فقال: هل لك من حاجة؟
قال: أمّا إليك فلا؛ حسبي الله ونعم الوكيل.
فاستقبله ميكائيل فقال: إن أردت أخمدتُ النار؛ فإنّ خزائن الأمطار والمياه بيدي.
فقال: لا اُريد.
وأتاه ملك الريح فقال: لو شئت طيرّت النار.
قال: لا اُريد.
فقال جبرئيل: فاسأل الله.
فقال: حسبي من سؤالي علمهُ بحالي(١) .
إنّ النبي إبراهيمعليهالسلام يطلب من الله أن يجعله من المسلمين؛ فالإسلام درجة أعلى من كل الدرجات، ( رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا اُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إبراهيم إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ) (البقرة/١٢٨ - ١٣٠).
تُرى كيف اقتضى الاستنتاج القرآني أنّ مَن لا يرغب بسلوك طريق النبي إبراهيمعليهالسلام أن يكون من السفهاء؟
____________________
(١) بحار الأنوار ٦٨ / ١٥٦.
الجواب:( وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ) (البقرة/١٣٠)؛ لأنّ الله اصطفى إبراهيمعليهالسلام ، وكان أفضل الخلق في عصره،( وَإِنَّهُ فِي الاَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ) (البقرة/١٣٠)؛ لأنه حينما( قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ) (البقرة/١٣١)، أي ارضَ بكلام الله،( قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) (البقرة/١٣١)، أي إنه لا يوجد لدي اعتراض على الله؛ فأنا مستعد لتنفيذ ما يأمر به.
هكذا هي ملة النبي إبراهيمعليهالسلام ، والأنبياءعليهمالسلام جميعاً لديهم هذه الملة،( وَوَصَّى بِهَآ إبراهيم بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ ) (البقرة/١٣٢). هذا الخط الممتد من النبي إبراهيمعليهالسلام إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله يدعو كله إلى كلمة واحدة، وهي كلمة الإسلام، أي التسليم والرضا المطلق.( يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ ) (البقرة/١٣٢)، أي مسلمون لرب العالمين، وهكذا تتسلسل الآيات.
وحينما تكون الاُمّة مسلمة فهي تهدم العدو وتبني الصديق؛ لأنّ الإسلام يقتضي التسليم للقيادة والأوامر والأحكام الشرعية، وأيضاً رفع الاختلافات.
وقد قال ربنا في آية اُخرى:( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ
حتّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ) (النساء/٦٥)، أي يجعلوك حاكماً فيما نمى بينهم من الخلافات والصراعات،( ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) (النساء/٦٥).
إنّ القضايا المتواضعة التي تفتّتنا هي سبب تخلفنا، وهي في الواقع جراثيم تتكاثر وتتكاثر إلى أن تصبح خلافات وصراعات ضخمة. إنّ تعبير القرآن الكريم تعبير بليغ، فهو يقول:( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حتّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ) ، ولو أنّ المتخاصمين ذهبوا منذ الوهلة الاُولى لبروز الخلاف إلى النبيصلىاللهعليهوآله وحسموه لما تحول هذا الخلاف إلى أنهارٍ من الدم، ومعولٍ لهدم الاُمّة والحضارة.
نحن يجب أن نبني، وعلينا ان نأخذ من واقعة كربلاء منطلقاً للبناء؛ وذلك بتكريس حسِّ الولاء لأهل البيتعليهمالسلام في أنفسنا؛ بحيث نوالي أهل البيتعليهمالسلام ، ونوالي أولياءهم، ونعادي اعداءهم..
الحزب الجاهلي والتحدي الرسالي
كان الرجل مسافراً في سفرة طويلة، فلمّا عاد إلى أهله بعد سنين وجد في البيت بنتاً ذات خمس أو ست سنوات، سأل زوجته: مَن هذه البنت؟ فقالت: كنتُ حاملاً حينما سافرت.
فأضمر الرجل في قلبه شراً، وتحيّن الفرصة، وذات يوم اصطحب ابنته إلى ضاحية القرية التي كان يسكنها، وبدأ بحفرِ حفرة، بينما جلست البنت على طريق الصحراء تنظر إلى أبيها، وهي لا تعلم لِمَ كان مشغولا بحفر تلك الحفرة، وكان كلما تعب وعاد ليجلس تأتي هذه الطفلة التي هي في عمر الورود لتمسح عن وجهه التراب والغبار والعرق، إلى أن حانت ساعة الجريمة؛ فأخذها ودسّها في الحفرة وأهال عليها التراب.
في تلك اللحظة كانت أصوات الاستغاثة تتعالى من فم ابنته، لكن قلبه القاسي كان عصيّاً على الرحمة؛ فلذا دسّها ثم عاد إلى البيت ينفض ثيابه من التراب!
هذه صورة واحدة من صور المعانات التي فرضتها الجاهليّة على العرب قبل الإسلام؛ فقد كانت ثقافتهم مليئة بالعصبية وإثارة التمايز القبلي، والتعصب القومي والعنصرية المقيتة، ولم يكن الجد والاجتهاد وسائر القيم
البنّاءة هو ما يسود اقتصادهم، بل كان اقتصادهم مبنياً على الغارات الليلية التي كانوا يباغتون بها بعضهم بعضاً.
فإذا أحست القبيلة بالفقر فإنّها تفكر في الغزو، وتعتبره عملاً مشروعاً؛ حيث تغير بالليل أو بالنهار على قبيلة اُخرى؛ فتقتل الرجال، وتسبي النساء، وتغنم ما استطاعت أن تغنمه من الأموال.
وكانت الغارات المتبادلة بينهم تخيّم على حياتهم، حتّى إنّ الإمام أمير المؤمنين (سلام الله عليه) يقول حينما يصوّر حياتهم:« كان شعارهم الخوف، ودثارهم السيف » (١) . ففي خارج ثيابهم يحملون السيف، وفي داخل أنفسهم كان يعشعش الخوف، وكانت نظرتهم الثقافية بدائية إلى أبعد الحدود.
أمّا عبادتهم فحدّث ولا حرج؛ فما كانت صلاتهم عند البيت إلاّ مكاء وتصدية (تصفيق وتصفير)، فكانوا يطوفون حول البيت عراة، وينشدون الأشعار الفاحشة أثناء الطواف، ويدعون الله بهذه الكلمات: (اغفر اغفر، وإن لم تغفر جزماً تغفر)، أو كانوا يقولون: (لبّيك اللَّهمَّ لبّيك، لبّيك لا شريك لك إلاّ شريك هو لك ...) (٢) .
وكانت الكعبة بهذه المساحة تحمل أكثر من ثلاثمئة وستين صنماً، أمّا في بلادهم فكانوا يعبدون الأصنام التي يصنعونها بأيديهم من مواد شتى، بين حجارة أو تمر أو خشب، أمّا علاقاتهم الاجتماعية فكانت مبنية على أساس الخوف والترقّب؛ لأنّ أبسط الاُمور كانت قد تؤدي إلى
____________________
(١) نهج البلاغة - خطبة رقم ٨٩.
(٢) بحار الأنوار ٣ / ٢٥٣.
نشوب حرب طاحنة تستمر أعواماً متطاولة كما حدث في حرب (داحس والغبراء)، وربما (البسوس) التي استمرت ثلاثمئة عاماً، وكان سببها أن رجلاً قتل ناقة آخر.
وعموماً فقد كان الفقر والجوع والخوف والتردي الحضاري يسيطر على حياتهم إلى أبعد الحدود، فجاء رسول اللهصلىاللهعليهوآله ليغيّر هذه الحالة رأساً على عقب؛ فليس من العبث أن النبيصلىاللهعليهوآله لم تبق له في هذه الدنيا إلاّ بنت واحدة يقول عنها:« فاطمة بضعة منّي، يريبني ما رابها (١) ...فمن آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله » (٢) .
وليس عبثاً أنّ الله سبحانه وتعالى قدّر لهذه البنت أن تكون الكوثر، وأن تكون ذرّية النبيصلىاللهعليهوآله منها، بل إنّ ذلك لكي يغيّر الإسلام، وتغيّر التقادير الإلهية كل تلك السنن الباطلة والثقافات السخيفة التي كانت سائدة في العصر الجاهلي.
وقد عمل النبيصلىاللهعليهوآله خلال ثلاث وعشرين سنة ما لم يعمله النبي نوحعليهالسلام بين قومه خلال ألف سنة إلاّ خمسين عاماً، وما لم يفعله الأنبياء العظام اُولوا العزم والشدة في قرون عديدة.
فقد اختصر جهودهم في أقل من ربع القرن الذي عاشه مع اُمّته، وتحدى ركام الخرافات والأساطير والثقافات الباطلة، وكوّن حضارة يكمن أساس قيمتها في التعاون على البر والتقوى؛ بحيث وصلت الحال
____________________
(١) بحار الأنوار ٢١ / ٢٧٩.
(٢) بحار الأنوار ٤٣ / ٥٤.
بالمسلمين إلى درجة أنّ جرحى معركة (مؤتة) كانوا يرفضون الواحد بعد الآخر شرب الماء الذي أمر رسول اللهصلىاللهعليهوآله بسقيهم به، طالبين تقديمه لإخوتهم المجروحين، ولسان حال أحدهم يقول: إن صاحبي أشد عطشاً مني فاسقه قبلي. رغم أنهم كانوا يحتضرون جميعاً، وأنّ من المستحب أن يُسقى المحتضر قبل وفاته. وهكذا فقد آثر كلٌّ منهم صاحبه على نفسه ولو كانت به خصاصة حتّى ماتوا عطاشى عن بكرة أبيهم.
لقد تحول اُولئك العرب الذين كان أحدهم يقتل صاحبه بسبب لقمة خبز إلى هذه القمة العالية من المحبة والعطاء والرقة؛ فعندما كان النبيصلىاللهعليهوآله يلقي خطاباً فيهم كانت دموعهم تسيل على خدودهم؛ إذ قد تحوّل قساة القلوب إلى ذوي قلوب لينة كنبتة الربيع.
وحينما وقف الإمام الحسينعليهالسلام على مصرع حبيب بن مظاهر قال:« لله درّك يا حبيب! لقد كنت فاضلاً تختم القرآن في ليلة واحدة » (١) . هكذا تحوّل اُولئك الناس، وإذا بالأرض الإسلاميّة تخضرّ، وإذا باُولئك الأذلاء يتحولون إلى أعزّة، وإذا برسل العرب وكتبهم تتواتر وتتوافد على أقطار الأرض، وإذا بهرقل الروم وكسرى فارس وقيصر الروم والغساسنة يكتبون الرسائل للنبيصلىاللهعليهوآله أو لمن جاء بعده متوسّلين قبول عذرهم، وإذا بالجيوش الإسلاميّة تقتحم المدن بعد المدن وتصل إلى ما تصل إليه.
وخلال ربع قرن ساد الإسلام مناطق واسعة من العالم؛ ذلك لأنّ القيم الجاهليّة الشيطانيّة الخبيثة تحولت إلى قيم ربانية عالية. ولكن الجاهليّين
____________________
(١) مجمع مصائب أهل البيتعليهمالسلام / ١٣١.
جاؤوا ولبسوا رداء الإسلام وتسللوا إلى مواقع السلطة، وهؤلاء هم بنو اُميّة ومَن لفَّ لفيفهم، وقد حملوا راية الكفر علنا، وكان هدفهم الأساس إعادة تلك الجاهليّة الاولى بكل تفاصيلها.
ولهذا قال الإمام الحسينعليهالسلام :« إنّا لله وإنّا إليه راجعون، وعلى الإسلام السلام إذ قد بُليت الاُمّة براع مثل يزيد! » (١) ؛ لأن يزيد جاء فعلاً لهدف تصفية الإسلام تصفية تامة، وهو لم يكن أرعنَ كما يدّعي بعض المؤرّخين، بل كان يدرك جيداً ما يفعل، وكان الحزب الاُموي يحكم من خلاله، ومن خلال أبيه، ومن خلال من تلاه من خلفاء الجور.
إنّ قصة الصراع بين أئمة أهل البيتعليهمالسلام وبين الحزب الاُموي ليست حكاية بسيطة ذات دوافع هامشية، بل إنها صراع بين الحزب الرسالي (حزب الله)، والحزب الجاهلي (حزب الشيطان).
أو هو صراع بين الشجرة الطيبة( مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَآءِ ) (إبراهيم/٢٤)، والشجرة الملعونة في القرآن( وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرض مَالَهَا مِن قَرَارٍ ) (إبراهيم/٢٦)؛ فالشجرة الاولى تنتج الورد والثمار الطيبة، والشجرة الثانية تنتج الحنظل والأشواك، والصراع إنّما هو بين منهجين وبرنامجين.
ومثلما كان لدى الاُمويِّين مخطط مدروس بدأ بتنفيذه معاوية، واستمر طيلة حكم بني اُميّة، كذلك كان لدى آل الرسول (سلام الله عليهم) برنامج واضح أيضاً، قام كلٌّ منهم فيه بدور، وهذا البرنامج ليس من الأرض وإنما جاء من السماء.
____________________
(١) بحار الأنوار ٤٤ / ٣٢٦.
وقصة عاشوراء ليست طارئة، وإنّما هي حلقة من المخطط، أي إنّه لا بدّ أن يصطدم الفريقان، ولا بد أن يُقتل الإمام الحسينعليهالسلام ليفتح بشهادته خطّاً جديداً للاُمة لمقاومة التحريفية الاُمويّة، وينبغي أن يحدث ذات الأمر في مواجهة أية تحريفية اُخرى في التاريخ. وهذا البرنامج أزلي أبدي منذ خلق الله الكون وإلى ما شاء الله سبحانه.
وإزاء مثل هذا المخطط الاُموي المستمر حتّى الآن، وفي سياق البرنامج الرسالي الأزلي الأبدي، ما هي مسؤوليتنا نحن؟
إنّ هذه المسؤولية تتمثل - أوّلاً - بالدفاع عن تلك القيم التي دافع عنها الإمام الحسينعليهالسلام ؛ حيث جاء ليدافع عن الصلاة والصوم، والزكاة والحج. أما إذا فصلنا الحسينعليهالسلام عن هذه القيم فسنصبح كأننا نقبل بالنبيصلىاللهعليهوآله ، ولكننا نتصوره بشكل آخر في أذهاننا لا كما بعثه الله سبحانه وتعالى. والنبي الذي لا يأمر بالصلاة والصيام والحج ليس نبياً، ولم يبعثه الله.
وحينما نقرأ زيارة وارث ونقول:« أشهد أنّك قد أقمت الصلاة، وآتيت الزكاة، وأمرت بالمعروف، ونهيت عن المنكر »، فهذا الكلام يعني أن الإمام الحسينعليهالسلام قد جسّد هذه القيم، واستشهد من أجلها.
ولو سُئلتُ أن اُلخص هدف الإمام الحسينعليهالسلام في كلمة واحدة، لقلت: إنّ هدفه وهدف كلِّ الأنبياء والأئمةعليهمالسلام هو القرآن، هذا الكتاب الذي بين أيدينا، والذي هو الثقل الأكبر؛ فقد ضحى أبو عبد الله الحسينعليهالسلام من أجله، ولو بقي القرآن غريباً بيننا، لا يتدبر الواحد منّا في
آياته، ولا يقرأ الآخر تفسيره، ولا يطبقه الثالث على حياته، فسنكون ممّن وجّهوا السهام إلى قلب الحسين المقدس.
وبقيت كلمة هامة؛ فإذا رأينا قناة انحصر عنها الماء فلا ينبغي أن نسدها، وإذا رأينا صحناً قلَّ فيه الطعام فلا يستحسن أن نهشمه، وإذا رأينا قرآننا لا يُطبَّق لا نمزق رسمه، أي لا بدّ أن تبقى قضية الحسينعليهالسلام ساخنة في كل مجال حتّى لو كانت مفرغة لبعض الوقت من جلّ مضامينها؛ لأنّه سوف يأتي قوم ويملؤون هذا الفراغ، ويحوّلون هذه القضية إلى قضية رائدة.
واقعة كربلاء ثورة مستمرة
إنّ قضية كربلاء هي أساساً ليست قضية عادية تتكرر، بل هي تشبه بعثة الأنبياءعليهمالسلام ، وقضية الطوفان في التاريخ، وسحرة فرعون، وشق البحر لموسى، وما أشبه ذلك من الأحداث الهامة التي لا تتكرر.
وقد أراد الله سبحانه وتعالى أن يضرب بهذه الواقعة المثل الأعلى للظلم من جهة، ولتحدي الظلم من جهة اُخرى؛ لكي لا يدّعي أحد من البشر أنّ الظلم الذي وقع عليه هو ظلم عظيم لا يستطيع تحديه، ولكي لا يتذرع شعب بإن النظام الحاكم عليه هو نظام متجبّر قاهر طاغوتي لا يستطيع الوقوف بوجهه؛ فلقد كان النظام الذي تسلّط على رقاب المسلمين في ذلك اليوم أشدّ قهراً وطغياناً؛ ولكي لا يقول أحد إنّه لا يستطيع أن يعمل من أجل الله تعالى بحجة أنّه يخشى على أمواله؛ فلقد جاء أبو عبد الله الحسينعليهالسلام إلى كربلاء ومعه صفوة أمواله.
ولكي لا يزعم أحد أنّه يخاف من الثورة لأنها سوف تسلبه راحته؛ فالإمام الحسينعليهالسلام أقلقته الثورة حتّى أنه اندفع من المدينة المنورة إلى مكة، ومن مكة إلى الكوفة، وفي طريق الكوفة انحرف إلى كربلاء.
وبالإضافة إلى ذلك لكي لا يقول أحد إنّه يخاف على نفسه من القتل؛ لأنّ دمه ليس أزكى من دم أبي عبد الله الحسينعليهالسلام سبط رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وسيّد شباب أهل الجنّة.
ولكي لا يقول أحد إنّه يخاف على منصبه ومرتبته العالية بين الناس، وإنّ الحكومة سوف تعلن أنّه رجل إرهابي وجاسوس للأجانب؛ فسيّدنا وإمامنا الحسينعليهالسلام ضحّى بعنوانه ومركزه في كربلاء؛ فشريح القاضي أفتى بحلّية دم الإمام الحسينعليهالسلام ، كما أنّنا نعلم أنّ رأسه الشريف المبارك طيف به في كل مكان، وكانت المنابر كلها تعلن أنّ هذا هو رأس الخارجيّ الذي خرج على الحكومة الشرعية!
ثمَّ لكي لا يقول أحد إنّ نفسه لا تهمّه، ولكنه يخشى على أطفاله، وزوجته، وعرضه، وناموسه من انتهاك السلطات لها؛ فالإمام الحسينعليهالسلام قدم إلى كربلاء ومعه كلّ عياله، وفيهم عقيلة بني هاشم، تلك المرأة الشريفة المحترمة التي كانت في يوم من الأيام أميرة على البلاد الإسلاميّة، واُختها اُمّ كلثوم، ومجموعة اُخرى من الفتيات الهاشميّات المخدّرات، ومع كلّ ذلك فقد أتى أبو عبد اللهعليهالسلام بكلّ أهل بيته، معلناً عن استعداده لأن يعرّضهم للسبي والأسر والسلب في سبيل مرضاة الخالق (عزّ وجلّ).
ولهذا فإنّ الإمام الحسينعليهالسلام قد سلب منّا بثورته الخالدة كلّ الأعذار والتبريرات بعدم الثورة، فلماذا لا نثور، وممّن نخاف، وأيّ نهج يجب أن نتّبعه؟ إنّ علينا تحديد منهجنا منذ الآن؛ فأمّا مع الحسين بن عليعليهالسلام ، وأمّا مع يزيد بن معاوية.
وهناك أيضاً منهج وسط يلتقي مع
منهج يزيد، وهو الطريق الذي سار فيه شريح القاضي؛ حيث ادّعى أنه سوف لا يدخل الحرب ضد الحسينعليهالسلام ، ولكنه دخل في النهاية في معسكر يزيد بن معاوية.
علينا أن نتساءل عن سبب حدوث واقعة كربلاء؛ ليأتينا الجواب بأنّ الله تبارك وتعالى قدّر هذه الواقعة لتكون المثل الأعلى للمؤمنين الرساليين الذين يتّبعون نهج أبي عبد الله الحسينعليهالسلام ، ولكي لا يبقى أيُّ تبرير أو حجّة للإنسان في استسلامه للطغاة.
وهكذا فإنّ الإمام الحسينعليهالسلام يبقى العنوان والمثل الأعلى للثورة الإسلاميّة. فعلى الرغم من مرور ما يقرب من ألف وأربعمئة عام على واقعة كربلاء ولكننا نرى التهابها يزداد في كلِّ عام، وكأنها حدثت قبل فترة قصيرة، وخصوصاً في البلدان التي يكثر فيها الموالون لأهل البيتعليهمالسلام ؛ ذلك لأنّ الحسينعليهالسلام هو ثورة خالدة في قلوب المؤمنين إلى الأبد، وليس باستطاعة أية قوة أن تخمد هذه الثورة.
فمنذ زمان هارون العباسي والمتوكل وغيرهم من الطغاة كانت هناك محاولات مستمرة لمنع إقامة العزاء على الإمام الحسينعليهالسلام ، والوقوف في وجه هذا المد الإسلامي الجارف، ولكن هل استطاعوا أن يفعلوا شيئاً؟
إنّ واقعة كربلاء هي ثورة مستمرة لا يستطيع أحد في العالم أن يخمدها؛ فهي ثورة منطلقة من الماضي لتصنع المستقبل، ولتخلق واقعاً جديداً وحياة اُخرى.
إنّ الشباب الرسالي الواعي لا بدّ أن يدرك أنّ قضية أبي عبد الله الحسينعليهالسلام ليست قضية تاريخية مضت، بل هي ثورة مستمرة هدفها
إحراق كل عروش الظالمين. فما دام هناك حاكم ظالم جالس على أريكة الحكم، فإنّنا مستمرون في الدفاع عن مبادئ الحسين، وحمل رايته حتّى نسقطهم جميعاً.
وهذه الروح الاستمرارية التي أعطتنا إياها قضية كربلاء هي أكبر رأسمال نملكه؛ فلولاها لكان الطغاة قد منعونا حتّى عن الصلاة، ولأدخلوا الكفر والفسوق إلى بيوتنا، ولاستعبدونا، ولم يتركونا نتمسك بقيمنا وديننا.
لماذا الإمام الحسينعليهالسلام مصباح الهدى
من المعروف أن في جسم الإنسان نظاماً يدافع عنه ويحميه، ويحول دون تسرب الجراثيم إليه أو السيطرة عليه، وإذا ما تزعزع هذا النظام في يوم من الأيام فإنّ الإنسان سيصاب بما يُدعى اليوم بمرض فقدان المناعة (الإيدز)، وهو المرض الذي يمنح مختلف الجراثيم القدرة على القضاء على حياة الإنسان.
إنّ الله تبارك وتعالى حينما خلق ابن آدم خلق له العين التي يبصر بها، واليد التي يبطش بها، والرجل التي يسعى بها، وخلق له أجهزة هي الغاية في الدقة والاتقان، وخلق مع ذلك كلّه سياجاً رصيناً يتمثّل في نظام المناعة الذاتية.
وكذلك أوجد سبحانه وتعالى نظام الدفاع في داخل الإنسان؛ حيث زوّده بشبكة بالغة التعقيد من الأعصاب، فترى لكلِّ خلية عصبية طرفين؛ طرفاً في المخ وآخر مثبتاً في أطراف الجسد، فحتّى لو أنّ نملة - على حقارة حجمها ووزنها - وقفت على إصبع من أصابع رجل الإنسان، فإنّه سرعان ما ينكشف أمرها عبر ما يوعز به المخ بسرعته الخيالية؛ لكي تتحرك اليد - مثلاً - لتطرد هذا الجسم الغريب.
وأوجد (عزّ وجلّ) العين الباصرة ليكون بمقدور صاحبها دفع الخطر عن نفسه ومحيطه، أمّا مَن لم يتمتع بالاُذن السامعة، أو قابلية الشم، أو اللمس
أو التذوق فإنّه سيكون عرضة للهزيمة أو الانهيار أو التضرر على أقل تقدير؛ لأنّ نظامه الدفاعي قد حلّ فيه الخلل والنقصان. وبالإضافة إلى كلِّ ذلك هناك طاقة إنسانيّة كبرى يختزنها الإنسان ليستفيد منها في أشد الأوقات حراجة، وهي الإحساس المسبق بالخطر، الإحساس الذي يوفّر له القدرة على التصدي والتجاوز، هذا فضلاً عن قدرة العقل والتفكير لوضع الخطط واختيار الوسائل للدفاع.
وهذا الواقع نجده أيضاً في المجتمع؛ حيث يملك - بما آتاه الله - القدرة للدفاع عن نفسه عبر المميزات المادية والروحية والفكرية. ولعل أوّل عوامل انهيار المجتمع أو الدولة هو الافتقار إلى هذه المميزات.
فمثلاً: إذا كانت هناك دولة من أجمل وأحسن وأرقى الدول، ولكنها تفتقر إلى جيش يدافع عنها أمام الأخطار الخارجية، أو أنها تفتقر إلى الجهاز الأمني الذي من طبيعته المسارعة في كشف الأخطار، إنّ مثل هذه الدولة تصاب بالعطب والانهيار غالباً؛ وعلى ذلك فإنّ الصحة والأمان نعمتان لا يمكن الاستعاضة عنهما بأية مميزات اُخرى؛ سواء على الصعيد الخاص أو العام.
فالاُمّة التي تستطيع الدفاع عن نفسها؛ حيث تمتلك الشرف، والإباء، والحماسة، وقدرة مقاومة الأخطار، هذه الاُمّة تبقى أمة شامخة، أمّا الاُمّة التي تفتقر إلى نظام دفاعي، أو لا تجد في قاموسها مكاناً لمعاني الشرف والحماسة والرغبة في التصدي فإنّها اُمّة سرعان ما تنهار وتذوب في مطامح الأمم الاُخرى.
وفي هذا الصدد يقول ابن خلدون: إنّ الدول إنّما تقوم على أساس العصبية. ومراده من العصبية الغيرة، والحمية، والشرف، والاستعداد الدائم لمقاومة الأعداء والأخطار حتّى الموت.
فالاُمّة التي تملك هذه القيمة، ويعرف أبناؤها أنّ هناك ما هو أغلى من الحياة والعيش لبضعة سنوات يبقى فيها المرء صاغراً، هذه الاُمّة تبقى ولا تنهار.
إنّ هذه القيمة الإنسانيّة الراقية عبّر عنها أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسّلام) بقوله مخاطباً أصحابه:« فالموت في حياتكم مقهورين، والحياة في موتكم قاهرين» (١) ، أي إنّ مصداقية حياة الإنسان لا تتحقق إلاّ بكونه منتصراً، وإنّ الموت يهيمن على الإنسان بكلِّ ثقله ما دام مقهوراً منهزماً وإن حلا له تصوّر كونه حياً.
لقد عاشت وتعيش اُمتنا المسلمة منذ ما يزيد على ألف وأربعمئة سنة، متحدية للزمن الصعب؛ حيث مرّت بها حوادث كانت الواحدة منها حريّة بتدمير أي اُمّة من الاُمم الاُخرى، ولكن الاُمّة الإسلاميّة قاومت وتصدّت بفضل ما تملك من نظم دفاع ووقاية.
فهل تعرف أنّ الحروب الصليبية قد استمرت حوالي مئتي عام، أي ستة أجيال كاملة، وأنّ بعض تلكم الحملات كانت تضم ما يزيد على المليون مقاتل صليبي تجمّعوا للاستيلاء على الشرق، وبالذات على بقعة صغيرة منه هي بلاد الشام أو فلسطين؟
وهل تعرف أنّ الحملات التترية على المسلمين قد أبادت مدناً بأكملها؟ ولكن الاُمّة الإسلاميّة ظلت مقاومة صامدة بفضل تعاليم القرآن، وبفضل الملاحم التاريخية الفذة التي سجّلها المسلمون بأحرف من نور، وبفضل القيم التي كرّسها المؤمنون خلال مواقفهم البطولية في الصدر الأوّل للإسلام، وبفضل ما غرسته ثورة الإمام الحسينعليهالسلام في يوم عاشوراء في نفوس المسلمين من قيم وتعاليم وبصائر.
____________________
(١) نهج البلاغة - الخطبة رقم ٥١.
وقد سألني أحدهم - وأنا واقف في عرفة أثناء الحجّ - عن السبب وراء ما اُرّدده على لساني من ذكر الإمام الحسينعليهالسلام ، رغم أنّ الجميع يعرف أن منادياً ينادي من قِبل الله سبحانه وتعالى في يوم عرفة:(انصرفوا مغفورين؛ فقد أرضيتموني ورضيت عنكم) (١) ، في وقت يراني فيه جالساً أو واقفاً وأنا أقول:« السلام عليك يا أبا عبد الله وعلى الأرواح التي حلّت بفنائك، ولا جعله الله آخر العهد منّي لزيارتكم، السلام على الحسين، وعلى عليّ بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين » .
أو يسألني عن سبب بكائي على الحسينعليهالسلام في عرفة واهتمامي البالغ في قراءة دعاء الإمام الحسين الذي قرأه هو في يوم عرفة.
ولا أجد ما اُجيبه سوى القول: بأن كلّما نملك فإنّما هو من الإمام الحسينعليهالسلام ؛ فهو الذي علّمنا كيف ندافع عن أنفسنا في مقابل الطغاة، وأن نعيش أعزةً، وألاّ نموت إلاّ بعزّة؛ فهذه الشعلة المتّقدة فينا قد امتلكناها من الحسينعليهالسلام ؛ حيث قال سلام الله عليه:« إنّي لم أخرج أشراً، ولا بطراً، ولا ظالماً، ولا مفسداً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في اُمّة جدي؛ اُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر » (٢) .
وهذه رسالة ليس من شأنها أن تكتب بيد عادية، بل كتبت بدم الحسين، ودم أبنائه، ودم رضيعه (سلام الله عليهم أجمعين).
أعطى الذي ملكتْ يداه إلهه |
حتّى الرضيع فداه كلُّ رضيعِ |
لقد تعلّمنا من ثورة الإمام الحسينعليهالسلام وما قدّمه من تضحيات
____________________
(١) بحار الأنوار ٩٦ / ٢٤٩.
(٢) حياة الإمام الحسين بن عليعليهالسلام - القرشي ٢ / ٢٨٨.
طالت أعزَّ ما لديه أنّ الحياة التي كتبها الله سبحانه للإنسان ليست هذه الحياة التي يضطر فيها الواحد منّا إلى الاستجداء أو خدمة الظلمة والخضوع لهم.
وقد استلهم أتباع هذا الإمام العظيمعليهالسلام هذا الدرس المقدّس في أرض المقاومة في لبنان؛ حيث قدحت شرارة الدفاع المقدس في جنوب لبنان، وتمكّن الشباب الثائر من إلحاق الهزيمة النكراء بالقوة الصهيونية التي كانت تقف وراءها جيوش سبع عشرة دولة.
وقد سطّرت المقاومة الإسلاميّة في لبنان آلاف الملاحم البطولية لتحقيق هذا الإنجاز العظيم، وكان في كلِّ ملحمة من هذه الملاحم ما يهزّ قلب وفكر الإنسان بما للكلمة من معنى؛ وذلك لأنّ شيعة الحسينعليهالسلام في الجنوب اللبناني قد فهموا الدرس الحسيني الخالد جيداً، كما أخذوا على أنفسهم أن يتأسّوا بسيرة علي الأكبر والقاسم بن الحسن المجتبىعليهمالسلام ، وكيف أنهما - كما يشير التاريخ الموثق لملحمة كربلاء - لم يوليا أهمية للدنيا؛ لأنّهما قد عرفا ما حاق بالدين من خطر ماحق، وما ينتظرهما من حياة أبدية سعيدة إذا ما نهضا بوجه الظلم والطغيان.
ومن هنا قال علي الأكبر لأبيه الإمام الحسينعليهالسلام بعد أن عرف بأن الحق معهم: يا أبة، لا نبالي بالموت(١) . ومن هنا أيضاً رأينا كيف أنّ القاسم بن الحسن لم يأبه بتلك الجموع الظالمة، وجلس ليصلح شسع نعله وهو محاصر بين ألسنة النيران، ووابل الحجر، ووميض السيوف والرماح.
واليوم نجد أنّ نفس هذه الروح المقدسة قد انتقلت من المجاهدين
____________________
(١) بحار الأنوار ٤٤ / ٣٦٧ و ٣٧٩.
اللبنانيين لتستقر في ذات الشباب الفلسطينيين الذين يتسابقون فيما بينهم لينالوا شرف الشهادة في سبيل الله؛ ذلك لأنّ قصص وملاحم التضحية والفداء قد انتقلت هي الاُخرى إليهم.
أمّا في العراق، فأقولها بصراحة: إنّ نظام صدام لم يدع وسيلة قمع وإفساد إلاّ واستخدمها، ولو أنّنا لجأنا إلى الإحصاءات في هذا المجال لوصلنا إلى أرقام نجومية؛ فقد تمتّع صدام بدعم كافة القوى العالمية، وكانت كافة الإمكانات الدولية تحت تصرفه؛ بسبب ما كان يؤديه من خدمات للصليبية والصهيونية العالمية بموقفه المجرم وحربه الشعواء ضد الجمهورية الإسلاميّة في إيران، ولا يزال الغرب يرى أنّ من مصلحته التعامل مع صدام كرئيس ضعيف في المنطقة.
ولكن مع كل ذلك لا يزال الشعب العراقي شعباً مقاوماً، وأبرز دليل على ذلك تمسك هذا الشعب بأصالته الدينية والثورية المتمثلة في إقامة الشعائر الحسينيّة بمختلف الطرق، رغم الحجر والمنع، والتخويف والإثارة. زرافات الناس تنهمر انهمار السيل على كربلاء، متحدّين موقف السلطة الظالمة إزاء إحياء الشعائر الحسينيّة، ومقاومين لطغيانها وبطشها.
إنّ ملحمة كربلاء علّمتنا وعلّمت أبناءنا كيف نحارب في لبنان، وفي فلسطين، وفي أفغانستان، وفي العراق لندافع عن قيمنا وشرفنا، وبهذا صار الإمام الحسينعليهالسلام مصباح هدى وسفينة نجاة.
فاُمّتنا لا بدّ لها من تجاوز الذات لتحقيق المصالح الكبرى؛ إذ إنّ الدفاع عن القيم فوق الذاتيات، وفوق المصالح الفردية العقيمة، وعندئذٍ ستتحول اُمّتنا إلى خير اُمّة سواء في الدنيا أو الآخرة.
فالله تبارك وتعالى لم يقل: كنتم خير اُمّة اُخرجت للناس؛ لأنكم تملكون الثروة أو النفط أو الموقع الاستراتيجي، أو لأنكم تمتلكون نظاماً تشريعياً جيداً. كلاّ، فالذي يملك كل ما ذكرناه ولكنه يفتقر إلى قدرة الدفاع عن نفسه يذهب كلُّ ما يملكه هباءً منثوراً، تماماً كما الإنسان الضخم الجثة ولكنه جبان خائر العزم، لا قيمة له ولا يهابه أحد.
ربنا سبحانه وتعالى يقول:( كُنْتُمْ خَيْرَ اُمَّةٍ اُخْرِجَتْ لِلْنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر ) (آل عمران/١١٠)، وهو الأساس في المسألة برمّتها.
ولقد قرأنا عبر الروايات التاريخية الخاصة بمقتل الإمام الحسينعليهالسلام أنّ الطاغية يزيد قد أمر بأن يطاف برأس الإمامعليهالسلام في مختلف المدن والقرى في البلاد الإسلاميّة، وأنّ الرأس الشريف كان إذا ما وضع في موضع من هذه المدينة أو تلك يقرأ قوله سبحانه وتعالى:( أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أصحاب الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ ءَايَاتِنَا عَجَباً * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إلى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً * فَضَرَبْنَا عَلَى ءَاذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَاَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهمْ فِتْيَةٌ ءَامَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرض لَن نَدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَآ إِذاً شَطَطاً * هَؤُلآءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ ءَالِهَةً لَّوْلاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً * وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْووا إلى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِن رَّحْمَتِهِ
وَيُهَيّءْ لَكُم مِن أَمْرِكُم مِرْفَقاً ) (الكهف/٩ - ١٦)؛ وذلك ليبيّن للناس بأنّه يمثّل قصة أصحاب الكهف في التاريخ المعاصر، أي كما قام الفتية من أصحاب الكهف وانتفضوا وبيّنوا الحقيقة، ودافعوا عن القيم من داخل حالة الظلم، فدافع الله عنهم ونصرهم؛ فغلب دينهم على الدين الآخر، كذلك الإمام الحسينعليهالسلام كرر القصة نفسها؛ لأنّه كان قد ملؤه الإيمان والتصديق بوعد الله القائل:( فَلَن تَجِد َلِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً ) (فاطر/٣).
واليوم نجد أنّ خط وفكر الإمام الحسينعليهالسلام هو الذي ينتصر في كلِّ مكان رغم إرادة الظالمين الذين مارسوا ويمارسون أنواع القمع والديكتاتورية.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممّن يتبع نهج الحسينعليهالسلام ، ونهج جده وأبيه المرتضى، واُمّه الزهراء وأخيه المجتبى والأئمة المعصومين من ذرّيته (عليهم الصلاة والسّلام)، وأن يجعلنا من المدافعين عن الدين والمبادئ، وأن يحيينا حياة محمّد وآله، ويميتنا ممات محمّد وآله، وأن يثبّت لنا قدم صدق مع الحسين وأصحاب الحسين الذين بذلوا مهجهم دون الحسينعليهالسلام .
الإمام الحسينعليهالسلام يدعوك لنصرته
لقد ردّد السبط الشهيد أبو عبد الله الحسينعليهالسلام في كربلاء هذا النداء التاريخي:« أما من ناصر ينصرنا؟ » (١) ، وكرّره المرّة بعد الاُخرى في كلِّ مصيبة هجمت عليه، وخصوصاً في اللحظات الأخيرة من حياته عندما فقد أعزّته وأنصاره، بل وحتّى طفله الرضيع.
الإمام الحسين عليهالسلام إمام كلِّ العصور
ترى من كان يخاطبعليهالسلام ؟ هل كان يخاطب اُولئك الذين ذبحوا ابناءه وأهل بيته وأنصاره، أم كان يخاطب أشخاصاً آخرين؟
إنّ الحسينعليهالسلام سيّد الشهداء، وإمام المتّقين، وقدوة الصالحين، لا في عصره فحسب، وإنّما دائماً وأبداً، وعبر العصور المتتالية؛ فقد كانعليهالسلام يخاطب الأجيال، ويخاطبنا، ويخاطب من كان قبلنا، ومن سيأتي من بعدنا، ويخاطب كلَّ ضمير حيّ، وكل قلب معمور بالإيمان.
لقد كانعليهالسلام خلاصة الفضائل، وتطبيقاً حيّاً للقرآن، بل والقرآن الناطق؛ فنصرتهعليهالسلام لا تقتضي بالضرورة أن نعاصره ونعيش معه، بل تعني نصرة مبادئه وأهدافه، والقيم التي ثار من أجلها؛
____________________
(١) مجمع مصائب أهل البيتعليهمالسلام / ٢٣٦.
فإن لم نستطع أن ننتصر لشخص أبي عبد اللهعليهالسلام ، والفتية من أهل بيته وأصحابه وأنصاره، فلا بدّ من أن ننصر تلك المبادئ التي ثار من أجلها وضحّى في سبيلها؛ ولذلك نجد المؤمنين عندما يقفون أمام الضريح المقدس يردّدون هذا الهتاف القدسي الخالد: (لبيك يا أبا عبد الله)، وهم يعنون بهذا النداء أنّهم إن لم يكونوا حاضرين عند استنصاره واستغاثته، ولم ينصروه في ذلك اليوم نصرة مادية، فإنّهم سوف ينتصرون للمبادئ والقيم والرسالة التي من أجلها ضحّى، وفي سبيلها بذل أعزّ ابنائه وأنصاره.
ولذلك نجد هؤلاء المؤمنين يكرّرون أيضاً النداء التالي: (فيا ليتني كنت معكم فأفوز معكم) (١) ؛ لأنّ هذا التمنّي والرجاء إنّما هو تعبير عن ذلك الإخلاص الذي نحمله، عن تلك الروح الإيمانية التي نتمنّى أن نتحلّى بها، وعن ذلك المبدأ الذي اتخذناه طريقاً ومنهجاً.
واليوم وبعد مرور أكثر من أربعة عشر قرناً على ذلك التاريخ ما يزال هذا الهتاف يدوّي ويتجلّى في كل يوم، ولقد صدقت المقولة الخالدة: (كلّ يوم عاشوراء، وكل أرض كربلاء).
ففي كل يوم تتجلى المعركة بين الحقِّ والباطل، واُولئك الذين يريدون أن يفصلوا الواقع عن التاريخ، أو أن يجرّدوا التاريخ من سننه وبصائره ورؤاه فهم قشريون لا يريدون أن يتحمّلوا مسؤولياتهم.
____________________
(١) مفاتيح الجنان - زيارة الإمام الحسينعليهالسلام / ٤٢٧.
واليوم تتجلّى هذه المعركة مرة اُخرى في عالمنا الإسلامي؛ فبنو اُميّة بأفكارهم، وعنصرياتهم، وجاهليتهم قد عادوا من جديد. فالذي يدرس تاريخ بني اُميّة، ويبحث في طبيعة ذلك التجمع الذي كان قد احتشد تحت راية أبي سفيان، ثمّ راية معاوية ويزيد، يدرك أنهم ليسوا بعيدين عن التجمعات الطاغوتية القائمة في أغلب بلدان عالمنا الإسلامي اليوم؛ فبنو اُميّة كانوا قد حملوا راية القومية، ونفخوا في العنصريات البائدة، وأعادوا الحياة إلى الجاهليّة التي قضى عليها الإسلام في الظاهر.
والأنظمة الطاغوتية القائمة الآن تفعل نفس الشيء، وتتبع ذات الأساليب؛ وعلى هذا فمن أراد أن يحيي الجاهليّة فلا بد من أن يحيي معها أبا سفيان؛ لأنّ هذا الرجل هو الذي كان يقودها. كما ويعني أن نبعث من جديد معاوية ويزيد؛ لأنهما هما اللذان ورثا من أبي سفيان راية الجاهليّة.
في حين إنّ على كل إنسان مؤمن أن يتبرأ من بني اُميّة، وممّن شايعهم وسار في طريقهم، وأن يلعنهم قائلاً:« ولعن الله بني اُميّة قاطبةً » (١) . وهذه الكلمة لا تعني أنّ بني اُميّة يمثّلون عنصراً؛ فالإسلام لا يتبرأ من العنصر؛ فالله سبحانه وتعالى عندما خلق الإنسان فإنّه خلقه بحيث لا يكون هناك فرق بين عربي وأعجمي، وبين أبيض وأسود، وعلى هذا فإنّ لعن بني اُميّة قاطبة يعني لعن منهجهم واُسلوبهم في العمل.
إنّ بني اُميّة يعودون الآن إلى الحياة بنفس الشعارات، فإن سمعنا أنّ
____________________
(١) مفاتيح الجنان - زيارة الإمام الحسينعليهالسلام في يوم عاشوراء / ٤٥٦.
صداماً - مثلاً - يفتخر في مجالسه بالحجّاج قائلاً: إنّه أفضل حاكم حكم العراق! فليس هذا شاذاً عن القاعدة؛ فصدام لا يفتخر بجسم الحجّاج الذي تحوّل إلى رميم، وإنّما لأنّه ينهج منهجه، ويؤمن بأفكاره في الحياة؛ فقد فعل صدام مثل ما فعله الحجّاج من قتل للأبرياء، وهتك للحرمات، والاعتداء على شرف النساء.
وإنَّ الأعمال والممارسات القمعية التي قام ويقوم بها تشبه إلى حد كبير ما قام به عمر بن سعد في كربلاء عندما أمر بإحراق خيم نساء أهل البيتعليهمالسلام .
إنّ المجاهدين الذين يقاومون هذه الممارسات القمعية يدفعوننا إلى إكبارهم وإكبار ذلك الدين والمبدأ الذي يربّي مثل هؤلاء الإبطال، وإلى ازدياد إيماننا بصدق رسالات الله (عزّ وجلّ) وتعاليمه، وكيف أنّ هذه التعاليم تُخرّج مثل هؤلاء المجاهدين المضحّين الذين يقفون في هذه القمة السامقة.
وبعد، فهذا هو الصراع الحقيقي المتجدد دائماً بين الحزب الاُموي الجديد والجاهليّة الجهلاء وبين أنصار أبي عبد الله الحسينعليهالسلام ؛ فهتافهعليهالسلام ما يزال يدوّي في كل أُذنٍ واعية، ولكن هناك آذان صمّاء لا تسمع.
ونحن لا نوجّه خطابنا إلى مثل هؤلاء، بل إلى اُولئك الذين يمتلكون الآذان الواعية السميعة التي تلتقط صوت أبي عبد اللهعليهالسلام ، هذا الصوت الذي يخترق القرون ليصل إلى مسامعنا ومسامع الدهر قائلاً:« أما من ناصرٍ ينصرنا؟ » .
إنّها استغاثة من إمام ثار، ولكن لا لنفسه، وإنّما لدين الله وحرماته وحدوده.
إنّ أيام محرم تأتي في كلِّ عام، ولكن هل من الصحيح أن ندعها تأتي وتذهب دون أن نستغلّها الاستغلال الأمثل؟ بل وإنني أخشى أن يكون هناك بعض ممّن يشتركون في المجالس الحسينيّة، ويذرفون الدموع، ولكنهم في نفس الوقت يشتركون بأعمالهم في قتل الإمام الحسينعليهالسلام ، وزيادة مصائبه ومآسيه.
كذلك الرجل الذي بادر بعد حرق الخيام إلى نهب وسلب حلي بنات أبي عبد اللهعليهالسلام ؛ حيث روي عن عبد الله بن الحسن، عن اُمّه فاطمة بنت الحسينعليهالسلام قالت: دخلت العامة علينا الفسطاط، وأنا جارية صغيرة، وفي رجلي خلخالان من ذهب؛ فجعل رجل يفضّ الخلخالين من رجلي وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك يا عدو الله؟!
فقال: كيف لا أبكي وأنا أسلب ابنة رسول الله.
فقلتُ: لا تسلبني.
قال: أخاف أن يجيء غيري فيأخذه(١) !
وهكذا فإنّ هناك من يشترك في مجالس أبي عبد الله الحسينعليهالسلام ولكنه في نفس الوقت يساهم في دعم السلطات الظالمة وتأييدها، ويمتنع عن تقديم يد العون والنصرة إلى المجاهدين السائرين في خط الإمام الحسينعليهالسلام . وأنا أخشى أن يكون مصير هؤلاء كمصير اُولئك.
إنّنا إذا سمعنا أصوات استغاثة أبي عبد الله الحسينعليهالسلام ثمّ لم نستجب لها فإنّنا سنُحشر مع أهل الكوفة الذين قاتلوا الإمام الحسينعليهالسلام ، وكان بعضهم من شيعته وشيعة أبيهعليهماالسلام . إذاً فالتشيّع بدون إرادة وتضحية وعطاء هو نوع من النفاق الأسود.
____________________
(١) بحار الأنوار ٤٥ / ٨٢.
إنّنا لا بدّ أن نحوّل شهر محرم في كلِّ عام إلى منعطف خطير هام، وإلى قفزة في مسيرة العمل الجهادي ضد الطغاة. فلو اُسقط هؤلاء الطغاة بحول الله تعالى وقوّته، وبجهاد المجاهدين، فإنّ آفاقاً جديدة سوف تفتح أمام الاُمّة، أمّا إذا بقي هؤلاء الطغاة فإنّ ليالي حالكة ستكون في انتظار المسلمين؛ لأنّ الصراع قد بلغ الآن ذروته ولا يمكن التراجع عنه.
إنّ كلّ واحد منّا عليه أن يتحوّل إلى جهاز إعلامي، وأن نكون جدّيين في إبعاد الكسل والضجر والتواني عن أنفسنا. فلنكن حازمين، ولنتجاوز عقبات هذا الطريق؛ فمن يريد أن ينصر أبا عبد الله الحسينعليهالسلام فإنّ عليه أن لا يكون جباناً كسولاً ضجراً، وأن لا يدع عقبة تقف أمامه، وأن يكون جدّياً في عمله.
إنّ أمامنا فرصة شهر محرم الحرام في كل عام، فلنجرّب أنفسنا، ولنجرّب إرادتنا، ولنتوكل على الله سبحانه وتعالى، فهو القائل وقوله الحق:( وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ) (الطلاق/٣)، والله لا بدّ أن ينصرنا شريطة أن ننصره بكلّ ما نمتلك من قوة. فلنحوّل شهر محرم الحرام إلى أيام كلّها عمل وجهاد؛ لكي نحوّل المجتمع إلى مجتمع ملتهب ثورة وحماساً في سبيل القضايا التي تعيشها الاُمّة.
وللأسف فإنّ البعض يحمل هذه الفكرة الخاطئة، وهي أنه يستصغر نفسه، ويستهين بالدور الذي من الممكن أن يقدّمه فيقول: مَن أنا؟ وماذا يمكن أن اُقدّم للقضية، ومَن يقول إنّني لو عملت فإنّ الله سوف ينصر اُمّتي؟
في حين إنّ من الواجب عليه أن يقوم بدوره، وليس عليه نتيجة هذا الدور؛ فإنكار المنكر واجب بالقلب، واللسان، والمال، واليد، والنفس، وبكلِّ وسيلة شرعية اُخرى، فإذا تملّص كلُّ واحد منا من المسؤولية، وانسحبنا من الساحة لم يبقَ في الميدان أحد.
فكثيراً ما تكون مشاركتك أنت شخصياً في العمل مكملة لشروط الانتصار، فإن كان للانتصار شرط، وهو اجتماع مليون إنسان، وكنت أنت تكمل هذا الرقم، ثمّ تأخّرت وانهزم الجانب الإسلامي فإنّك ستكون مسؤولاً في هذه الحالة؛ لأنّك كنت تستطيع أن تقدّم النصرة والعون، وأن تجعل النصر حليف الجانب الإسلامي ولكن لم تفعل.
فلماذا التواكل؟ ولماذا نخضع للوساوس الشيطانيّة ولهوى النفس؟ ولماذا ننسى مبادئنا عند العمل؟ فرغم أنّ المبادئ راسخة كلها في بالنا، ولكننا عند العمل نتجاهلها ونتناساها، في حين أنّ أمير المؤمنينعليهالسلام يقول في هذا الصدد:« لا تجعلوا علمكم جهلاً، ويقينكم شكّاً؛ إذا علمتم فاعملوا، وإذا تيقّنتم فأقدموا » (١) . فالإقدام مهم، فإلى متى الانتظار البارد؟
وربما يسأل البعض في هذا المجال: ماذا عسانا أن نقدّم؟
إنّك تستطيع أن تقوم بأعمال كثيرة؛ أن تحرّك لسانك، ويدك، وأن تتبرّع في سبيل القضية، علماً بأنّ التبرّع ليس بكمّية المبلغ الذي تدفعه، ولكن بمقدار حبّك لهذا المال، وانتزاع هذا الحب من نفسك كما يقول تعالى:( لَن تَنَالُوا البِرَّ حتّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) (آل عمران/٩٢).
____________________
(١) نهج البلاغة - قصار الحكم / ٢٧٤.
وفي هذا المجال يُروى أنّ النبيصلىاللهعليهوآله صنع للزهراءعليهاالسلام قميصاً جديداً ليلة عرسها وزفافها، وكان لها قميص مرقوع، وإذا بسائل على الباب يقول: أطلب من بيت النبوة قميصاً خلقاً.
فأرادت أن تدفع اليه القميص المرقوع، فتذكّرت قوله تعالى:( لَن تَنَالُوا البِرَّ حتّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) ، فدفعت له الجديد، فلمّا قرب الزفاف نزل جبرئيل وقال: يا محمّد، إنّ الله يقرئك السّلام، وأمرني أن اُسلّم على فاطمة، وقد أرسل لها معي هدية من ثياب الجنة من السندس الأخضر(١) .
وهكذا، فكلّما كان قلب الإنسان متعلّقاً بشيء كلّما كانت علاقتة النفسية به شديدة، وكلّما استطاع هذا الإنسان تحدّي هذه العلاقة كان ثوابه عظيماً، وخصوصاً العلماء، وبالأخص طلبة العلوم الدينية والمبلّغين.
فليس من الصحيح أن يدعو الناس إلى الإنفاق في حين أنّهم لا ينفقون بشكل عملي كما يقول تعالى:( أتَأْمُرُونَ الْنَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ) (البقرة/٤٤)، وكما يقول الإمام عليعليهالسلام :« ما أحثّكم على طاعةٍ إلاّ وأسبقكم إليها » (٢) .
ونحن لو تعمّقنا في الآية السابقة، وخشعنا لها، لتبيّن لنا قبح وبشاعة أن يدعو الإنسان الناس إلى سلوك هو لا يتحلّى به كما يقول عزّ من قائل:( كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ ) (الصف/٣).
____________________
(٨١) فاطمة الزهراء بهجة قلب المصطفى / ٤٨٥.
(٨٢) نهج البلاغة - الخطبة رقم ١٧٥.
فالله (عزّ وجلّ) يمقت ويحتقر ذلك الإنسان الذي يدعو إلى البرِّ ثم لا يبادر إليه من خلال العمل والإنفاق والجهاد.
فلنكن إذاً كما كان الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه الأوفياء (سلام الله عليهم جميعاً)، لنكن عند أقوالنا وادّعاءاتنا، ولنكن حسينيِّين في سلوكنا وتصرّفاتنا ومواقفنا، فيكون بإمكاننا خدمة رسالتنا الإسلاميّة الخدمة الأفضل والأمثل.
أين نحن من ولاية الإمام الحسينعليهالسلام
( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِاَيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) (السجدةِ/٢٤)
تحت لهيب أشعة الشمس، في طرف الصحراء حيث الرمال الحارقة، في ظهيرة يوم عرفة، في وادي عرفات، وعند يسار جبل الرحمة، وعندما احتشدت وفود الرحمن إلى تلك الأرض المباركة، حيث الرحمة الإلهية الشاملة.
في تلك الزاوية وقف السبط الشهيد الإمام أبو عبد الله الحسينعليهالسلام ودموعه تجري، وعيناه كأنّهما عينان نضّاختان، وحوله تلك الثلّة المؤمنة المباركة من اُولي البصائر، هم بدورهم كانت دموعهم تجري، رافعين أيديهم إلى السماء، ضارعين يجأرون إلى ربّهم، وصوت الإمام الحسينعليهالسلام الشجيّ الزاخر بكل ألوان العرفان والتعبّد والتوسّل، ذلك الصوت كان يدوّي في تلك الصحراء:« إلهي أنا الفقيرُ في غِنايَ فكيف لا أكونُ فقيراً في فقري! إلهي أنا الجاهلُ في علمي فكيف لا أكونُ جهولاً في جهلي! إلهي إنَّ اختلافَ تدبيِركَ، وسرعةَ طواءِ مقاديرِكَ منعا عبادَكَ العارفينَ بك عن السُّكونِ إلى عطاءٍ، واليأسِ منكَ في بلاءٍ. إلهي منّي ما يَليقَ بلؤُمي، ومنك ما يليقُ بكرمك.
إلهي وصَفْتَ نفسكَ باللطفِ والرأفة لي قبل وجودِ ضَعفي، أفتمنعُني منهما بعد وجودِ ضَعفي! إلهي إن ظَهَرتِ المحاسنُ منّي فبفضلكَ ولك المِنّةُ عليَّ، وإنْ ظهرت المساوئ منّي فبعدلِكَ ولك الحجّةُ عليَّ. إلهي كيف تَكِلُني وقد تكفّلتَ لي، وكيف أُضامُ وأنت الناصرُ لي، أم كيف أخيبُ وأنت الحفيُّ بي؟! … » (١) .
وفي عشيّة يوم تاسوعاء، حينما زحف الجيش الاُموي الظالم على مخيم الإمام أبي عبد اللهعليهالسلام ، وبلغ ذلك الإمام، طلب إلى أخيه أبي الفضل العباسعليهالسلام أن يسأل العدو المهلة حتّى يجدّد وأصحابه (رضوان الله عليهم أجمعين) العهد بالقرآن الكريم، ويقضوا ليلتهم الأخيرة بإقامة الصلاة وقراءة الدعاء.
وقد وصف الأعداء قبل الأصدقاء أنّهم كانوا يسمعون من مخيم الإمام الحسينعليهالسلام وأصحابه دويّاً كدوّي النحل من شدّة التضرع والعبادة والدعاء.
وحتّى خلال اللّحظات الأخيرة؛ حيث كان نزف الدم قد أخذ من الإمام الحسينعليهالسلام كلّ مأخذ، لم يغفل سيّد الشهداءعليهالسلام عن ذكر الله طرفة عين، فقال إذ ذاك:« صبراً على قضائك يا رب، لا إله سواك » (٢) .
مَن هو الإمام الحسينعليهالسلام ؟
هذا هو الإمام الحسينعليهالسلام ، فجوهره المقدّس كان عرفانه بالله، وكان وجدانه حبّ الله؛ فقد كانعليهالسلام يألف الصلاة
____________________
(١) مفاتيح الجنان - دعاء الحسينعليهالسلام في يوم عرفة / ٢٧١.
(٢) مقتل الحسينعليهالسلام - المقرمّ / ٣٥٧.
والقرآن، ويستأنس بهما، وكان يرى نفسه بين أصابع الرحمن، كان كلُّه عرفاناً وتقوىً وحبّاً عميقاً لربّ العزّة.
وفي إطار تعرّفنا على الإمام الحسينعليهالسلام نجد أنفسنا مضطرّين إلى التركيز على تلك اللحظة الحاسمة من حياته الشريفة، وأقصد بها لحظة عاشوراء، وهي اللحظة التي كانت تعبيراً متكاملاً عن كلّ قيم السماء، وعن تأريخ جميع الأنبياء، كما كانت تعبيراً عن وراثة سيّد الشهداء لصفوة الله آدمعليهالسلام ، ولشيخ المرسلين نوحعليهالسلام ، ولمحطّم الأصنام إبراهيمعليهالسلام ، ولكليم الله موسىعليهالسلام ، ولروح الله عيسىعليهالسلام ، ولسيد الأنبياء محمّدصلىاللهعليهوآله .
إنّ يوم عاشوراء كان كيوم القيامة، كألف سنةٍ ممّا تعدّون، بل وأكثر من ذلك بكثير؛ ولذلك يقف الزائر للقبر الشريف قائلاً:« السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله …» حتّى ينتهي إلى النصّ الشريف من الزيارة المتواترة:« السلام عليك يا وارث عليٍّ وليّ الله » (١) .
لقد ولد الإمام الحسينعليهالسلام ولادتين؛ كانت الأولى في الثالث من شعبان، وكانت الولادة الثانية في يوم عاشوراء، وهو في كلا الولادتين وُلد ووُلد معه الإسلام. فحينما قال النبيصلىاللهعليهوآله :« حسين منّي وأنا من حسين، أحبّ الله من أحبّ حسيناً » (٢) ، فالقضية تعني بالدرجة الأولى قصد النبيصلىاللهعليهوآله إلى توجيه الاُمّة إلى منزلة الإمام الحسينعليهالسلام من الدين والعقيدة التي تمثّلها شخصية الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، ثمّ يأتي تبعاً لذلك قصد النبيصلىاللهعليهوآله تبيين صلة القرابة التي تربطه بالحسينعليهالسلام .
____________________
(١) مفاتيح الجنان - زيارة وارث للإمام الحسينعليهالسلام .
(٢) حياة الإمام الحسين بن عليعليهالسلام - القرشي ٢ / ٢٦٥.
فالإمام الحسينعليهالسلام هو باب الله، وهو وسيلة الرحمة الإلهية، وهو الصراط المستقيم الذي ندعو الله يومياً أن يهدينا إليه.
فإن تعرف الإمام الحسينعليهالسلام بانّه ابن أمير المؤمنين الإمام عليٍّعليهالسلام ، وابن سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراءعليهاالسلام ، وأنّه سبط الرسولصلىاللهعليهوآله ، وشهيد كربلاء، وغريب الغرباء، فتلك معرفة جيدة، ولكنها لا تقع في الدرجة الأولى من درجات المعرفة، فمن أراد السموّ إلى الدرجات العلا والثواب الأكبر فعليه أن يعرف الإمام الحسينعليهالسلام حقّ المعرفة.
وقد ورد بسندٍ معتبر عن بشير الدهّان قال: قلت للصادق (صلوات الله وسلامه عليه): ربما فاتني الحج، فأعرف عند قبر الحسينعليهالسلام ؟
قال:« أحسنت يا بشير، أيّما مؤمن أتى قبر الحسين (صلوات الله عليه) عارفاً بحقه في غير يوم عيد كُتب له عشرون حجّة، وعشرون عمرة مبرورات متقبلات، وعشرون غزوة مع نبيٍّ مرسل وإمام عادل. ومَن أتاه في يوم عرفة عارفاً بحقه كُتب له ألف حجة، وألف عمرة مبرورات متقبلات، وألف غزوة مع نبي مرسل وإمام عادل » (١) ، إلى غير ذلك من الثواب والدرجة.
إنّ من يريد الوصول إلى الهدف المنشود فعليه أن يبحث ويسير وفق الطريق الصحيح، وحتّى الرغبة في الوصول إلى أهل البيت (عليهم الصلاة والسّلام) بحاجة إلى تحديد الطريق الصحيح من الطريق المنحرف.
وبين هذا وذاك نجد - وللأسف الشديد - من يمنّي نفسه بالفوز بمرضاة الله رغم ارتكابه أنواع الكبائر، تحت طائلة أنّه يحب أهل البيتعليهمالسلام ،
____________________
(١) مفاتيج الجنان - فضائل زيارة الحسين في يوم عرفة.
شأنه في ذلك شأن فرقة المرجئة التي أسسها أو قوّمها بنو اُميّة في إطار مساعيهم الشيطانيّة لإخماد حركة المجتمع نحو الحق والحريّة؛ فقد كانت تلك الفرقة تعتقد بأنّ التفوّه بالشهادتين، والاعتقاد برسالة النبيّصلىاللهعليهوآله ، وأداء بعض التكاليف كفيل بضمان الجنّة حتّى وإن تخلّل ذلك ارتكاب الكبائر والموبقات من الذنوب.
وتستدل تلك الفرقة على ما ذهبت إليه ببعض الآيات والشبهات. ولكنّ الأئمّة المعصومين (عليهم الصلاة والسلام) في مقابل ذلك عارضوا هذه العقيدة التي سيطرت آنذاك على عقول كثير من المسلمين، عارضوها بكل قوّة، وعملوا دون تمييع الحدود التي رسمها الله سبحانه وتعالى بين المؤمنين وغير المؤمنين؛ فقالوا مراراً وتكراراً، وبشكل أو بآخر بأنّ الإيمان قول وعمل، وأكّدوا بأنّ الإيمان عمل كلّه والقول منه، بمعنى أنّ القول وإعلان الإيمان ليس إلاّ عملاً واحداً من جملة أعمال الإيمان.
وقالوا أيضاً: إنّ مرتكب الكبيرة لدى ارتكابه المعصية يبتعد عن روح الإيمان، وأيّة قيمة للإيمان من الممكن بقاؤها مع إنسان لا يجد في نفسه مانعاً يمنعه عن ارتكاب الكبائر من الكذب، والفجور، والظلم، وقتل الآخرين، بل وما فائدة الإيمان؟ ولماذا إذاً خلق الله عزّ وجلّ النار ورسم العدالة؟!
إنّ بعض الناس الذين يدّعون الإيمان وحبّ وموالاة أهل البيتعليهمالسلام ، ولكنهم في الوقت ذاته تتّحد عقيدتهم مع عقيدة المرجئة، فيقولون بعدم التناقض بين الإيمان والظلم، أو الفجور أو التقاعس عن أداء التكاليف الدينية، إنّ هؤلاء ينبغي أن يعرفوا بأنّ الولاية لأهل البيتعليهمالسلام قضية أساسية من قضايا الرسالة الإلهية، ومن لا يتّبع تعاليم أهل البيتعليهمالسلام حريٌّ به أن تُسلب
منه هذه الولاية؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم:( ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَآءُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِاَيَاتِ اللَّهِ ) (الروم/١٠).
والتكذيب بآيات الله من الممكن أن يأخذ صبغة عملية عبر ارتكاب المآثم والموبقات والكبائر وهجر التكاليف الشرعية، كما قد يأخذ التكذيب بآيات الله صبغة مباشرة عبر عدم الاعتراف بها والكفر بها جهاراً.
فالذي لا يطيع أوامر الله والرسولصلىاللهعليهوآله وخلفائه الأئمةعليهمالسلام من بعده من شأنه أن يموت كافراً، ومن شأنه أيضاً أن يحرم من ولاية الله والرسول والأئمة، وذلك هو الخسران المبين.
ولقد كرّر الإمام أبو عبد الله جعفر الصادقعليهالسلام قوله لشيعته:« أبلغ (الراوي)موالينا عنّا السلام، وأخبرهم أنّا لا نغني عنهم من الله شيئاً إلاّ بعمل، وأنّهم لن ينالوا ولايتنا إلاّ بعمل أو ورع » (١) .
فمن يقل بأنّه موالٍ للأئمةعليهمالسلام ويعيش بين الموالين هو الآخر معرّض إلى الانزلاق نحو المفاسد، ومن ثمّ سيتبيّن له الخطل فيما ادّعاه؛ وذلك لأنّ الأئمةعليهمالسلام أنفسهم لا يعترفون بتشيّع إنسان ما لم يتبعهم بما أمروه به ونهوه عنه.
وإنّها لخطيئة كبرى وخسارة عظمى أن يتصور الإنسان أن موالاة أهل البيتعليهمالسلام مجرّد المحبة وإحياء الذكرى؛ لأنّ الولاية بمعناها الكامل والصحيح هي طاعة الله، وطاعة رسولهصلىاللهعليهوآله ، والاعتراف بحقّ آل البيتعليهمالسلام ، والسير على نهجهم الذي لم ولن يختلف أبداً عن تعاليم القرآن.
ومن نماذج النقص في الولاية للأئمةعليهمالسلام أن نرى البعض منهمكاً في التحدّث عن فضائلهم ومناقبهم وتأريخهم، ولكنّه في الوقت ذاته يقصّر في
____________________
(١) بحار الأنوار ٢ / ٢٨.
التعرّف إلى الحكمة الإلهية من وجود الأئمّةعليهمالسلام ، أو تنصيبهم زعماء للدين من دون الناس، ويقصّر أيضاً في معرفة فقههم ومعارفهم الإلهية؛ فتراه - تبعاً لذلك - يجادل في كل صغيرة وكبيرة مجادلةً تنبع من عدم التسليم لآراء الأئمّةعليهمالسلام ، مع علمه واعترافه بعصمتهم ومنزلتهم من القرآن والرسولصلىاللهعليهوآله .
فمَن قال بإمامة الحسين بن علي وسائر الأئمة المعصومينعليهمالسلام يتوجّب عليه اتّباع كلماتهم، فلا يجهلها أو يتجاهلها، أو يفسّرها حسب هواه وأغراضه.
ومن جملة ما يروى في هذا الإطار أنّ الإمام الصادقعليهالسلام سأل رجلاً من أتباعه - ولعله فضيل بن يسار - قائلاً:« كيف تسليمك لنا يا فضيل؟ » .
فأجاب: يابن رسول الله، لو أخذتَ تفّاحة وقسمتها قسمين، وقلْت هذا القسم حلال وهذا حرام فأنا لا أقول: لماذا؟ بل أقول: سلّمت.
وكان من قبله سلمان المحمدي؛ حيث أُثر عنه أنّه كان يقتفي أثر أمير المؤمنينعليهالسلام ، فيضع قدمه في موضع قدم الإمامعليهالسلام ، فهو كان يرغب بالتعبير عن اتّباعه وتسليمه لأمير المؤمنينعليهالسلام حتّى في هذا المجال وبهذه الطريقة …
بعد أن نتجاوز خطيئة المرجئة وقشرية السلفية بالنسبة لأهل البيتعليهمالسلام ، وبعد أن نتوجّه إلى العمق، أقول كلمة، وأعتقد بأنّها مهمّة للغاية، وهي: إنّ الإنسان حينما يحب ويتبع الأئمةعليهمالسلام يجب أن تتنامى في قلبه محبّة أولياء ومحبّي الأئمّةعليهمالسلام ؛ إذ لا يجوز العيش في رحاب أهل البيتعليهمالسلام مع رفض أوليائهم ومحبّيهم، ويتبع ذلك عدم صحّة البحث عن المعاذير لذلك الرفض أو الطرد أو الكره.
ويروى في هذا المجال عن محمّد بن علي الصوفي قال: استأذن إبراهيم الجمّالرضياللهعنه على أبي الحسن عليّ بن يقطين الوزير فحجبه، فحجّ عليُّ بن يقطين في تلك السنة، فاستأذن بالمدينة على مولانا موسى بن جعفرعليهالسلام فحجبه، فرآه ثاني يومه، فقال عليُّ بن يقطين: يا سيدي، ما ذنبي؟!
فقال:« حجبتك لأنّك حجبت أخاك إبراهيم الجمّال، وقد أبى الله أن يشكر سعيك أو يغفر لك إبراهيم الجمّال » .
فقلت: سيدي ومولاي، مَن لي بإبراهيم الجمّال في هذا الوقت، وأنا بالمدينة وهو بالكوفة؟!
فقال:« إذا كان الليل فامض إلى البقيع وحدك من غير أن يعلم بك أحد من أصحابك وغلمانك، واركب نجيباً هناك مسرجاً » .
قال: فوافى البقيع وركب النجيب، ولم يلبث أن أناخه على باب إبراهيم الجمّال بالكوفة، فقرع الباب وقال: أنا عليُّ بن يقطين.
فقال إبراهيم الجمّال من داخل الدار: وما يعمل عليُّ بن يقطين الوزير ببابي؟!
فقال عليُّ بن يقطين: يا هذا، إنَّ أمري عظيم! وآلى عليه أن يأذن له، فلمّا دخل قال: يا إبراهيم، إنَّ المولىعليهالسلام أبى أن يقبلني أو تغفر لي.
فقال: يغفر الله لك.
فآلى عليُّ بن يقطين على إبراهيم الجمّال أن يطأ خدّه، فامتنع إبراهيم من ذلك، فآلى عليه ثانياً ففعل، فلم يزل إبراهيم يطأ خدّه وعليُّ بن يقطين يقول: اللَّهمَّ اشهد. ثمَّ انصرف وركب النجيب وأناخه من ليلته بباب المولى موسى بن جعفرعليهالسلام بالمدينة، فأذن له ودخل عليه فقبله(١) .
إذاً فالقضية حادّة ومهمّة للغاية، لا سيما وأنّ الشيطان قد أكثر من مزالقه ومهاويه ليوقع بها بين الناس؛ لذلك نرى البعض يكيل التهم
____________________
(١) بحار الأنوار ٤٨ / ٨٥.
والأكاذيب للعلماء والكتّاب والمجاهدين العاملين، وبأعصاب باردة، غافلاً أو متغافلاً عن أنّ ما يجترحه بلسانه من غيبة أو إشاعة للفحشاء أو قول بغير حقٍّ أو افتراء على شيعة أهل البيتعليهمالسلام من شأنه أن يبعده عن أهل البيتعليهمالسلام فيلقيه على رأسه في جهنم.
من الممكن أن نعبّر عن مسؤوليتنا تجاه الولاية لأهل البيتعليهمالسلام بعدة أبعاد ونقاط، وهي:
١ - أن نعرف أهل البيتعليهمالسلام حقّ المعرفة؛ فنعرف مقامهم ومنزلتهم، وأنّهم خلفاء الله في الأرض، وأنهم أسماؤه الحسنى … ونستطيع ذلك من خلال الأدعية والزيارات المأثورة، فلنكن على تواصل دائم معهم عبر قراءة الزيارات الشريفة الواردة بحقهم، من قبيل زيارة عاشوراء، ولنعوّد أنفسنا على زيارة أضرحة الأئمةعليهمالسلام وأولادهم ما أمكن.
٢ - معرفة كلماتهم؛ وعليه فإنّ القراءة الواعية للكتب التي احتوت آثارهم؛ مثل نهج البلاغة، والصحيفة السجّادية، وتحف العقول لها الأثر الأكبر في تعميق المعرفة بسنّة أهل البيت (صلوات الله عليهم).
٣ - معرفة مسيرتهم العملية والاقتداء بها؛ ولذلك كان لزاماً علينا البحث عن الكتب والمقالات والمحاضرات الخاصّة بهذا الشأن.
٤ - الاتّباع والاقتداء بهم.
٥ - الدفاع عنهم، فربّنا العلي القدير يقول:( يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ) ، ونصرة الله تكون عبر نصرة دينه، وإنّ أوّل من يمثل الدين هو الرسولصلىاللهعليهوآله وسيرته، وأهل بيتهعليهمالسلام وسيرتهم
ومبادئهم، وهذا يعني الذبّ عن شخصياتهم المقدسة ما امكن؛ فلندافع عن أئمتناعليهمالسلام بالعمل الصالح، وإنشاء المشاريع، وكتابة الكتب وغير ذلك.
٦ - محبّة أولياء آل الرسولصلىاللهعليهوآله وحمايتهم والدفاع عنهم، وليكن الشعار الأوّل في هذا المضمار ما نقرأه في زيارة المعصومينعليهمالسلام ، حيث جاء:« اِنّي سِلْمٌ لِمَن سالمكم، وحربٌ لمَن حاربكم، ووليٌّ لمَن والاكم، وعدوٌّ لمَن عاداكم » (١) .
نسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المنتصرين لدينه، وأن لا يستبدل بنا غيرنا، وأن يجعلنا مع الحسينعليهالسلام فنواليه ونتّبعه، ونعرفه وندافع عنه. وندعوه تبارك وتعالى أن يرفع الضيم عن أتباع أهل البيتعليهمالسلام أينما كانوا، وأن يجعل كلمتهم هي العليا، وكلمة أعدائهم السفلى، إنّه وليّ التوفيق.
____________________
(١) مفاتيح الجنان - زيارت الإمام الحسينعليهالسلام في يوم عاشوراء / ٤٥٧.
الشعائر الحسينيّة اُسلوباً ومحتوىً
ترى لماذا نحيي في كلِّ عام شعائر الإسلام في ذكرى استشهاد أبي عبد الله الحسينعليهالسلام ؟ ولماذا تتجدد هذه الذكرى مع مرور السنين، وتتسع في كل عام، وتنتشر عبر آفاق جديدة؟
هذا السؤال ليس سؤالاً فقهياً أو علمياً محضاً، بل هو سؤال واقعي يعيشه كل إنسان مسلم. وللإجابة عليه نقول: إنّ هذه الواقعة يعيشها كل قلب، وكل فطرة، وكل نفس بشرية.
وقد طرح عليّ هذا التساؤل اثنان من المستشرقين الالمان قائلين: لماذا يتغيّر كل شيء عندكم أيها الشيعة إذا اقترب هلال محرم، لا بضغط من حكومة، ولا بمال من غني، ولا بإعلام قوي، بل بشكل عفوي، في حين أنّكم تعتقدون بقول نبيكمصلىاللهعليهوآله :« مداد العلماء خير من دماء الشهداء »، فلماذا ترفعون راية الحسين بينما يقرّر رسولكم أن مداد العلماء خير من دماء الشهداء؟
وعندما أجبتهما على هذا السؤال قلت لهما: أوّلاً: إنّ الحسينعليهالسلام ليس شخصاً، بل هو قضية، وقيمة، ومدرسة، ومنهج، ومسيرة؛
فهوعليهالسلام كالنبي إبراهيم الذي كان يمثّل اُمّة، وكان حنيفاً مسلماً ولم يكن من المشركين؛ ولذلك فإنّ جميع أتباع الديانات السماوية يقدّسون هذا الرجل؛ لانه جسّد قيمة التوحيد، ورفع راية (لا إله إلاّ الله)، فتحوّل إلى قيمة؛ ولذلك قرّر القرآن الكريم أنّه كان اُمّة، واستجاب له الله سبحانه وتعالى عندما قال:( وَاجْعَل لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ ) (الشعراء/٨٤).
وكما أنّ إبراهيمعليهالسلام جسّد قيمة، فإنّ الحسينعليهالسلام قد جسّد قيمة هو الآخر؛ فقد استشهد في سبيل العدل والحق، ومن أجل الدين والحرية. ومن المعلوم أنّ هذه القيم ثابتة، فلا يمكن أن يأتي زمان لا نحتاج فيه إلى الدين والعدالة والحرية؛ فالحق هو فلسفة الحياة، بل هو الحياة نفسها، وبدونه لا يمكن ان تستمر. وكما أنّ قيمة الدين والعدالة والحرية والحقّ وسائر القيم المقدسة مستمرة، فإنّ قضية الإمام الحسينعليهالسلام مستمرة هي الاُخرى.
وفي القسم الثاني من الإجابة قلت لذينك المستشرقين: إننا نعيش اليوم تحت راية أبي عبد الله الحسينعليهالسلام ، ونحن أتباع أهل البيتعليهمالسلام لا يمكن أن نعيش بدونه؛ لأنّ العيش بدونه يعني العيش بدون قيم، وبدون دين واستقلال.
ونحن كنّا وما زلنا نقيم المواكب الحسينيّة في كلِّ عام؛ ففي أيام الأربعين يتقاطر الشيعة على مدينة كربلاء لتتحوّل إلى موكب حسيني كبير، وهذه المواكب هي الناطقة عن قضية الإمام الحسينعليهالسلام
وقضايا الشيعة في العالم الإسلامي؛ فعلى سبيل المثال اُعدم قبل خمسة وأربعين عاماً مسلم إيراني بسيف آل سعود ظلماً وعدواناً، وفي تلك السنة حملت جميع المواكب الحسينيّة التي وفدت إلى كربلاء راية هذا الرجل، وبعد فترة كان النظام البائد في إيران يضطهد العلماء، فكانت المواكب الحسينيّة في العراق تنادي بالدفاع عن علماء إيران، وبعد فترة اُخرى حدثت مجزرة ضد الشيعة في لبنان، فما كان من المواكب الشيعية في العراق إلاّ أن نادت بالدفاع عن الشيعة في لبنان.
وأنا اُوجّه كلامي هنا إلى اُولئك الذين يلوموننا على بكائنا في يوم عاشوراء، فأقول لهم: إنّنا نبكي بكاء الأبطال، ولكي نصبح حسينيين. فمثل هذه الشعائر هي التي حافظت على الإسلام، بلى هي التي حافظت علينا - نحن الشيعة - على مرّ التاريخ رغم كثافة المشاكل المحيطة بنا.
وهكذا فإنّ ثورة الإمام الحسينعليهالسلام كانت قضية فأصبحت قيمة، وكانت واقعة فتحولت إلى راية. وكل إنسان في هذا العالم يريد أن يدافع عن قيمه وقضيّته وظلامته لا بدّ أن ينضوي تحت هذه الراية المقدّسة.
وقد أدركت الحكومة الطاغوتيّة عمق هذه الشعائر؛ ولذلك فإنّها عمدت وتعمد إلى محاربة الشعائر الدينية للشيعة، فهي تريد - في الحقيقة - أن تعزل الشيعة عن تأريخهم.
ففي كلِّ عام تهتدي الآلاف المؤلّفة من البشر بفضل الحسينعليهالسلام ؛ ولذلك فإنّ الحكومات تحرص على محاربة هذه المجالس التي يجب أن نحافظ عليها بأي شكل من الأشكال لكي تستمر المسيرة والنهضة؛ ذلك لأنّ الإمام الحسينعليهالسلام
استشهد، وباستشهاده في كربلاء أثبت أنّ الظلامة التي ارتكبت بحقِّ أهل البيتعليهمالسلام كانت حقيقية.
وهكذا فإنّ الشعائر باقية ومستمرة، فالله سبحانه وتعالى يقول:( وَمَن يُعَظِّمْ شَعَآئِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ) (الحج/ ٣٢).
وهنا اُريد أن أتوقّف عند كلمتين في تفسير هذه الآية الكريمة المقتطفة من سورة الحج؛ الكلمة الاُولى هي (الشعائر) التي هي جمع شعيرة، وهي كل عمل يشعرك بشيء؛ فقد كانوا يأتون بالإبل إلى مكّة المكرّمة بعد أن يشعروها - أي يلطّخوها بشيء من الدم -، أو يقلّدوها بشيء يشعر أنّها قرابين في سبيل الله تعالى؛ لكي يتجمّع عليها الفقراء والمساكين وينالوا نصيبهم منها.
والقرآن الكريم يصف هذا العمل بقوله تعالى:( مِن شَعَآئِرِ اللَّه ) (الحج/٣٦)، أي إنّ هذه القرابين خالصة لله سبحانه ولا شأن لأحد بها؛ وعلى هذا فإنّ الشعائر تنطبق على كل ما يعظّمه الإنسان شريطة أن لا يكون حراماً.
ويحذّر القرآن الكريم في قوله تعالى:( ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَآئِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ) من أن تفرغ الشعيرة من محتواها؛ لأنّها يجب أن ترسّخ التقوى - التي هي الكلمة الثانية التي نريد التحدث عنه - في النفس، فيجب أن نخلص النية في أدائها تماماً كالصلاة التي تكون باطلة إذا ما انعدمت منها النية؛ لأنّ النية هي إطار ومحتوى الصلاة بالإضافة إلى ذكر الله تعالى وخشوع القلب.
وهكذا الحال بالنسبة إلى الشعائر الحسينيّة، فلنعمل من أجل ان تتحوّل هذه الشعائر إلى مدرسة تربوية للمجتمع.
وهنا أطرح بعض الاقتراحات في مجال تطوير الشعائر الحسينيّة وإغنائها، وهي:
١ - فهم شخصية الحسين عليهالسلام من خلال كلماته
علينا أن نفهم الحسينعليهالسلام من خلال كلماته؛ فقد كانعليهالسلام إماماً ناطقاً، وكان من أعظم ما تكلّم به دعاؤه في يوم عرفة، هذا الدعاء الغنيّ بالمعاني العرفانية، والذي يقول من جملة ما يقول فيه:« الحمد لله الذي ليس لقضائه دافع، ولا لعطائه مانع، ولا كصنعه صنع صانع، وهو الجواد الواسع. فطر أجناس البدائع، وأتقن بحكمته الصنائع، لا تخفى عليه الطلائع، ولا تضيع عنده الودائع، جازي كل صانع، ورائش كل قانع، وراحم كل ضارع، منزل المنافع، والكتاب الجامع بالنور الساطع » (١) .
فلنتأمل هذه الفقرة، ولننظر كيف يعرّف الإمام الحسينعليهالسلام ربه (عزّ وجلّ) بكلمات مضيئة تفيض توحيداً وإخلاصاً.
وأمّا عن كلامه في النبوّة والإمامة فيقولعليهالسلام :« إنّا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، ومحلّ الرحمة، بنا فتح الله وبنا ختم، ويزيد رجل فاسق … ومثلي لا يبايع مثله » (٢) .
ومن جملة كلامهعليهالسلام في الموت قوله:« خُطّ الموت على ولد آدم مخطَّ القلادة على جيد الفتاة » (٣) .
____________________
(١) مفاتيح الجنان - دعاء الإمام الحسين يوم عرفة.
(٢) حياة الإمام الحسين بن عليعليهالسلام - القرشي ٢ / ٢٥٥.
(٣) بحار الأنوار ٤٤ / ٣٦٦.
إنّنا نمتلك - والحمد لله - حوزات علمية، وقد حافظت هذه الحوزات على استقلالها وحيويتها على مدى العصور، ولكن هذه الحوزات تخرّج العلماء والمراجع الكبار في الغالب، وعلينا أن نفتح إلى جانب هذه الحوزات أو داخلها تخصّص للخطباء؛ لكي يتلقّى الطالب في الحوزة دروس الخطابة.
إنّ شهر محرم هو بالنسبة إلينا الرأسمال الوحيد، فإذا لم نقم المجالس في شهر عاشوراء من كلِّ عام فسوف لا نمتلك برنامجاً للأعوام القادمة، فلماذا إذاً لا نقيم مؤتمرات للخطباء؛ كأن يجتمعوا قبيل حلول شهر محرم في كلِّ عام ليتبادلوا الأفكار والآراء بينهم بشأن تطوير المجالس الحسينيّة؟
إنّ المشرفين على المجالس والحسينيّات والمواكب عليهم بدورهم أن يعقدوا الاجتماعات على مدار السنة؛ لكي يدرسوا ويصدروا القرارات بشأن بناء الحسينيّات، وجمع التبرعات، والإتيان بالخطباء الجدد الذين من شأنهم أن يسهموا في تزويد المسلمين بأفكار جديدة.
وهنا اُوجّه كلامي إلى المثقفين، وأدعو كل واحد منهم إلى أن يبثّوا بين الناس من خلال كلماتهم وكتبهم ومقالاتهم كلَّ ما هو جديد ومفيد عن الثورة الحسينيّة.
وعلى هذا فإنّ علينا أن نعمل جاهدين من أجل أن نطوّر أساليبنا من ناحية المحتوى، وهذه هي إحدى مسؤولياتنا الكبرى.
فمن المتعيّن علينا أن ندعو إلى المجالس الحسينيّة، وأن نحرص على أن يحضرها عدد كبير من الناس؛ وذلك من خلال تطوير الأساليب، وتزويد الشعائر الحسينيّة بالمحتوى الذي يجب أن يكون تجسيداً لمدرسة الحسينعليهالسلام التي هي مدرسة القيم والتقوى.
ومن الجدير بالذكر هنا أنّ المجالس الحسينيّة يجب أن تكون اللسان المعبّر والناطق عن مشاكلنا وآلامنا وقضايانا، أي أن نُعطي لهذه الشعائر محتوىً حضارياً مرتبطاً بالزمان؛ ذلك لأن شيعة الحسينعليهالسلام لا بدّ أن يسيروا في خطه، وأن يترجم الواحد منهم قوله إلى واقع عملي وهو يقف امام ضريحهعليهالسلام ويردّد:« إنّي سِلمٌ لمن سالمكم، وحربٌ لمَن حاربكم، ووليٌّ لمَن والاكم، وعدوٌ لمَن عاداكم » (١) .
فنحن نسير في خطّهعليهالسلام ، ونمثل تكتّلاً واحداً تحت رايته التي لا بدّ أن تقودنا إلى الجنة كما يشير إلى ذلك الحديث الشريف:« أوسع الأبواب في القيامة باب أبي عبد الله الحسين » .
والحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسّلام على محمّد وآله الطاهرين
____________________
(١) مفاتيح الجنان - زيارة الإمام الحسينعليهالسلام في يوم عاشوراء / ٤٥٧.
الفهرس
المقدّمة ٣
ذلكم الإمام الحسين عليهالسلام.... ٦
الفصل الأوّل: على خطى الإمام الحسين عليهالسلام.... ٩
الإمام الحسين عليهالسلام منار التوحيد. ١١
١ - الإمام الحسين. ١١
٢ - الكلمة المسؤولة ١٩
٣ - القيادة الربانيّة ٢٠
٤ - المنهج الواضح. ٢٢
٥ - الاستقامة حتّى الشهادة أو النصر ٢٤
الإمام الحسين عليهالسلام مشعل الهدى وسفينة الخلاص.. ٢٨
ألف: يوم الحسين. ٢٨
باء: رسالة عاشوراء ٣١
الإمام الحسين عليهالسلام ضمير الاُمة ومسؤولية المستقبل. ٣٦
الضمير الناهض.. ٣٦
شهر محرم.. باب الرحمة ٣٨
العودة الى القرآن. ٤٠
الرؤية السليمة ٤٠
حصن الإيمان. ٤١
مسؤوليات اجتماعيّة ٤١
الإمام الحسين عليهالسلام الشهيد الشاهد. ٤٤
كربلاء رمز المواجهة ٤٨
الإمام الحسين. ٥١
الإمام الحسين عليهالسلام والتطوّر الحضاري للأمة ٦١
الإمام الحسين عليهالسلام وسيلة النهوض الحضاري. ٦٦
الفصل الثاني: على نهج الإمام الحسين عليهالسلام.... ٧١
الإمام الحسين عليهالسلام آية العقل والعاطفة ٧٣
الإمام الحسين عليهالسلام ضمانة الهدى والفلاح. ٨٤
الإمام الحسين. ٨٤
العودة إلى حقيقة الدين؛ رسالة الأنبياء ٨٥
حقائق الدين في القرآن. ٨٨
فرصة إصلاح النفس.. ٩٠
الإمام الحسين عليهالسلام ومنهج البراءة من المشركين. ٩٢
الرفض بداية الإيمان. ٩٤
درس المسؤولية ٩٦
اتّباع القيادة الربانيّة ٩٧
اختيار المنهج السليم. ٩٨
الإمام الحسين عليهالسلام محور حكمة الخلق، ومظهر تحدّي الطغيان. ١٠٠
الإمام الحسين. ١٠٠
الإرادة حكمة الخلق. ١٠١
كربلاء خلاصة بطولات التاريخ. ١٠٢
الشهادة كرامة عظيمة ١٠٣
ذعر الحكم الاُموي من الإمام الحسين. ١٠٤
الردّ الحاسم. ١٠٥
جرائم الحزب الاُموي. ١٠٦
الفتنة الكبرى. ١٠٧
الإعداد للثورة ١٠٩
سر عظمة الإمام الحسين عليهالسلام.... ١١١
نظرات في عظمة الإمام الحسين. ١١٢
الخلوص والصفاء ١١٣
مأساة تستدر الدموع. ١١٦
الفصل الثالث: على هدى الإمام الحسين عليهالسلام.... ١١٧
كربلاء البداية لا النهاية ١١٩
هل كانت فاجعة الطف الأليمة نهاية أم بداية؟ ١١٩
تكامل مسيرة التاريخ. ١٢٠
حملة الرسالة ١٢٤
حركات ذات بعدين. ١٢٦
أعلى درجات الإيمان. ١٢٦
الحزب الجاهلي والتحدي الرسالي. ١٣٠
إحدى صور المعاناة ١٣٠
لكلِّ قبيلةٍ صنم. ١٣١
عمل فريد من نوعه ١٣٢
صراع مبدئي. ١٣٤
ما هي مسؤوليتنا؟ ١٣٥
واقعة كربلاء ثورة مستمرة ١٣٧
لماذا الإمام الحسين عليهالسلام مصباح الهدى. ١٤١
الإمام الحسين عليهالسلام يدعوك لنصرته ١٤٩
الإمام الحسين. ١٤٩
هتاف الحسين مازال يدّوي. ١٥٠
معركة الحق والباطل تعيد نفسها ١٥١
بنو اُميّة يعودون إلى الحياة ١٥١
الصراع ما يزال متجدّداً ١٥٢
نحن ومحّرم ١٥٣
شهر محرم منعطف خطير. ١٥٤
ماذا نقدّم؟ ١٥٥
بين القول والفعل. ١٥٦
أين نحن من ولاية الإمام الحسين عليهالسلام.... ١٥٨
مَن هو الإمام الحسين عليهالسلام؟ ١٥٩
التقوى والورع شرط الولاية ١٦١
آفاق الولاية ١٦٤
مسؤولياتنا تجاه الولاية ١٦٦
الشعائر الحسينيّة اُسلوباً ومحتوىً. ١٦٨
سر خلود الثورة الحسينيّة ١٦٨
أهمّية المواكب الحسينيّة ١٦٩
الشعائر الحسينيّة والأنظمة الطاغوتيّة ١٧٠
تعظيم شعائر الله. ١٧١
١ - فهم شخصية الحسين. ١٧٢
٢ - تخريج الخطباء ١٧٣
٣ - إقامة المؤتمرات.. ١٧٣
٤ - دور المشرفين على الحسينيّات والمواكب.. ١٧٣
٥ - دور المثقّفين. ١٧٣
ضرورة تطوير الأساليب.. ١٧٤