مُقدِّمة مركز الدراسات الإسلاميّة
التابع لممثليّة الولي الفقيه في حرس الثورة الإسلامية
الحمد لله الذي جعل الحمد مفتاحاً لذكره، ودليلاً على نعمه وآلائه. والصلاة والسلام على أشرف الخلائق محمّد وآله الطيِّبين الطاهرين.
وبعد:
فهذا الكتاب: (وقائع الطريق من كربلاء إلى الشام) هو الجزء الخامس من دراستنا التاريخية التفصيليّة الموسعة، الموسومة بـ (مع الركب الحسيني من المدينة إلى المدينة)، نُقدّمه إلى القُرّاء الكرام، والمحقّقين الأفاضل؛ لينضمّ إلى مجموعة الأجزاء الصادرة من هذه الموسوعة من قبْله، وهي:
١ - الإمام الحسينعليهالسلام في المدينة المنوّرة.
٢ - الإمام الحسينعليهالسلام في مكّة المكرّمة.
٣ - وقائع الطريق من مكّة إلى كربلاء.
٤ - الإمام الحسينعليهالسلام في كربلاء.
وكتابنا هذا (الجزء الخامس) يواصل مُتابعة حركة أحداث النهضة الحسينية، ما بعد استشهاد الإمام الحسينعليهالسلام ، وقراءة ما جرى على بقيّة أهل البيتعليهمالسلام - في حركة الركب الحسيني من كربلاء إلى الكوفة، ثمّ منها إلى الشام - قراءة تحليلية نقديّة، تتلمس الاستفسار والإجابة الصحيحة عن كلّ مُشكل مُهمّ في مسار هذه المتابعة.
ولا ندّعي شططاً إذا قلنا - كما قلنا بحقّ الأجزاء السابقة -: إنّ هذا الكتاب، قد حوى من التحقيقات والنظرات والإشارات الجديدة، ما وفّقه لسدّ جملة من ثغرات كثيرة، في تاريخ النهضة الحسينية المقدّسة، كانت قبل ذلك مُبهمة غامضة، لم تنل قسطها اللازم من التحقيق، ولم تتوفّر الإجابة الوافية بشأنها.
وهنا لابدّ من أن نتقدّم بالشكر الجزيل إلى مؤلّف هذا الجزء، سماحة الشيخ المحققّ محمّد جعفر الطبسي؛ لِما بذله من جهد كبير، في إعداد مادّة هذا البحث القيّم.
ويحسن هنا - أيضاً - أن نُنوِّه، أنّ سماحة المؤلّف قد تكفّل من قبل، ببحث حركة أحداث (المقتل) وإعداد مادّة بحثه ضمن الجزء الرابع، كما حقّق كتاب (إبصار العين في أنصار الحسينعليهالسلام ) للمرحوم الشيخ المحققّ محمّد السماوي، والذي صدر - هو الآخر - عن مركزنا هذا، ولشيخنا المؤلّف مؤلَّفات أُخرى أيضاً(١) .
كما ينبغي هنا، أن نتقدّم بالشكر الجزيل إلى فضيلة الأستاذ المحقّق علي الشاوي، الذي تولّى العناية بهذا البحث، مُراجعةً ونقداً، وتنظيماً وتكميلاً، كعنايته من قبل بالأجزاء: الثاني، والثالث، والرابع - فضلاً عن تأليفه الجزء الأوّل من هذه الموسوعة - داعين له بمزيد من الموفقيّة في ميدان التحقيق ومؤازرة المحقّقين.
مركز الدراسات الإسلامية
التابع لممثليّة الولي الفقيه في حرس الثورة الإسلامية
____________________
(١) منها: رجال الشيعة في أسانيد السنّة (مجلّد واحد)، وتحقيق كتاب مسالك الإفهام إلى تنقيح شرايع الإسلام - من الطهارة إلى المضاربة (٤ مجلّدات) - وكان الشيخ المؤلّف أيضاً أحد مجموعة المحقّقين الذين قاموا بإنجاز موسوعة (مُعجم أحاديث المهديعليهالسلام ).
مُقدِّمة المؤلّف
(الدور التبليغي المتمِّم للنهضة المقدَّسة)
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه وأشرف بريّته محمّدصلىاللهعليهوآله ، وعلى أهل بيته الطاهرين، سيّما سيّد شباب أهل الجنّة الإمام الحسينعليهالسلام .
لا شكّ ولا ريب، في أنّ الدَّور التبليغي، الذي قمْنَ به النساء عامّة، قبل وحين وبعد واقعة الطف، وعقائل الوحي خاصة، كان له أكبر الأثر والدَّور في توعية الناس وتعريفهم بحقيقة الأمور.
وبدأ هذا الدور من الكوفة، عند ورود سفير الحسينعليهالسلام ، وخذلان أهلها إيّاه إلاّ المرأة التي كانت تُسمّى (طوعة) رضي الله عنها، حيث سمحت لنفسها أن تُدخِل مسلماً دارها وتُضيّفه بأحسن وجه.
ثمّ تلك المرأة التي تأمر ولدها أن ينصر الإمامعليهالسلام وتقول له:
اُخرج فقاتل بين يدي ابن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، حتى تُقتل.
فقال: أفعل.
فخرج. وقال له الحسينعليهالسلام :(هذا شابٌّ قُتِل أبوه، ولعلّ أمّه تكره خروجه) .
فقال الشابّ: إنّ أمّي أمرتني يا بن رسول الله(١) .
____________________
(١) راجع مقتل الحسينعليهالسلام للخوارزمي ٢٥:٢.
وفي هذا الإطار - إطار الفداء والتضحية - يذكر تاريخ كربلاء: أنّ أُمّ وهب بن عبد الله بن حبّاب الكلبي كانت في كربلاء، وكانت تُخاطب ولدها: قمّ يا بني، فانصر ابن بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله . فلم يزل يُقاتل ثمّ قُطعت يداه، وأخذت امرأته عموداً وأقبلت نحوه وهي تقول: فداك أبي وأمّي! قاتل دون الطيِّبين حُرَم رسول اللهصلىاللهعليهوآله وبعد أن قُتل ذهبت إليه تمسح الدم عن وجهه، فبصر بها شمْر، فأمر غلاماً له، فضربها بعمود كان معه فشدخها وقتلها وهي أوّل امرأة قُتلت في عسكر الحسينعليهالسلام (١) .
ولم تزل المرأة الحسينية الغيورة تبدي وفاءها لسيّد شباب أهل الجنّةعليهالسلام ، ففي يوم عاشوراء، وبعدما قُتِل ريحانة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وأخذ العدوّ يهجم على بنات العترة ويسلب النساء، وقفت امرأة من بكر بن وائل، وصرخت في وجوه آل بكر، وهي تقول: أتُسلبُ بنات رسول الله؟! لا حُكم إلاّ لله! يا لثارات المصطفى(٢) .
إنّ شعار (يا لثارات المصطفى)، الذي رفعته هذه المرأة من قبيلة بكر بن وائل شعارٌ مُهمٌّ جدّاً تأريخياً وسياسياً؛ ذلك لأنّ هذه المرأة الغيورة، أدركت أنّ حقيقة المواجهة هي بين الأُموية المنافقة وبين الإسلام الذي جاء به المصطفىصلىاللهعليهوآله .
وهذا أوّل خيوط الفتح الحسيني، وهو فصل الأُموية عن الإسلام.
وعندما سلب مالك بن نسر (بشير) الكندي بُرنس الإمامعليهالسلام ، وأتى به إلى أهله؛ لتَغسله، قالت له زوجه - أمّ عبد الله بنت الحارث -: أتَسلُب ابن بنت رسول
____________________
(١) راجع: البحار: ١٦:٤٥ - ١٧، وفي الملهوف لابن طاووس ١٦١: وخرج وهب بن حباب الكلبي وكان معه زوجته ووالدته.
(٢) راجع: مُثير الأحزان: ٧٧، ومقتل الحسينعليهالسلام للمقرّم: ٣٠١، والمجالس الفاخرة: ٢٣٦، والفتوح: ٥: ١١٧.
الله بُرنسه وتدخل بيتي؟! اُخْرُج عنّي حشا الله قبرك ناراً!(١) .
هذا البحث له مصاديق مليئة في واقعة الطفّ، لسنا بصدد استيعابها.
وأمّا دَور نساء بني هاشم - أعمّ من العقيلة زينب وفاطمة بنت الحسينعليهالسلام وأمّ كلثوم - فلهنّ كلّ الدَّور في تبليغ الرسالة الخالدة، التي كُنَّ يستشعرن مسؤوليتهنّ في وجوب الدفاع عنها.
إنّ الشيء المهمّ الذي كان بنو أُميّة يهتمُّون به، هو أن يُعرّفوا للنّاس الإمام الحسينعليهالسلام أنّه رجل خارجي، خرج على يزيد في العراق، وسعى ليشُقَّ عصا الطاعة، وليُفرّق كلمة الأمّة كان الأُمويون يسعون لترسيخ هذه الفكرة في النفوس الضعيفة بعد واقعة كربلاء.
وكان يزيد وعبيد الله بن زياد، يُصرّان عامدَين على وصف الإمامعليهالسلام بأنّه كذّاب
فهذا عبيد الله بن زياد يُخاطب الأسرى من بني هاشم في قَصره، ويقول: بأنّ الله نصر يزيد وقتل الكذّاب.
فتقوم زينبعليهاالسلام وتقول - ردّاً على أراجيفه -:
الحمد لله الذي أكرمنا بنبيّه محمّدصلىاللهعليهوآله ، وطهّرنا من الرّجس تطهيراً، وإنّما يُفتضح الفاسق ويكذب الفاجر، وهو غيرنا والحمد لله(٢) .
من ثَمّ ننتقل لهاتين الفكرتين: فكرة بني أُميّة، بأنّ الحسينعليهالسلام كاذب في دعواه! وفكرة العقيلة زينبعليهاالسلام ، بأنّ الإمامعليهالسلام من شجرة أهل بيت طهّرهم الله تطهيراً.
____________________
(١) مقتل الحسينعليهالسلام للخوارزمي: ٣٤:٢.
(٢) الإرشاد: ١١٥:٢، تذكرة الخواص: ٢٣٢، اللهوف: ٢٠١، إعلام الورى: ٤٧١:١.
فنرى أنّ زينب (سلام الله عليها) بعد واقعة الطفّ، قامت بكلّ وجودها أمام الطُّغاة من بني أُميّة؛ لتكشف النقاب عن تلك الوجوه الممسوخة، ولتُثبت للناس بأنّ الحسين ابن بنت رسول الإسلامعليهماالسلام ، وليس كما يزعم الناس بأنّه خارجي خرج على يزيد.
والجدير بالذِّكْر، أنّ عمّال بني أُميّة حينما حملوا رؤوس شهداء الطفّ مع السبايا إلى الشام، كانوا كثيراً ما يقولون للنّاس: بأنّ الحسينعليهالسلام خارجي خرج على يزيد(١) . وبهذا أرادوا قلْب الحقائق للناس، وقد حقّقوا بالفعل تلك النتيجة، ولكن لفترة قصيرة جدّاً.
كانت دمشق تُعَدُّ مركزاً أساسياً لبني أُميّة؛ إذ كان يزيد قد اتّخذها عاصمة له، وكان قد أمر بجمع الناس، وأدخلوا سبايا الحسينعليهالسلام بوضع فجيع، وكان يزيد يُريد أن يستثمر تلكم الحال ضدّ أهل البيتعليهمالسلام ، لكنّ زينبعليهاالسلام أدّت رسالتها الخالدة، فقامت في نفس المجلس، وهوت إلى جَيبها فشقّته!! ثمّ نادت بصوت حزين يُقرح القلوب:يا حسيناه! يا حبيب المصطفى! يا بن فاطمة الزهراء!
يقول الراوي: فأبكت - والله - كلّ مَن كان حاضراً في المجلس! ويزيد ساكت!(٢) .
وفي الشام أيضاً يروي الشيخ الصدوق (ره) عن فاطمة بنت عليّعليهاالسلام (٣) ، أنّها قالت: (لما أُجْلِسنا بين يدي يزيد بن معاوية، رقّ لنا أوّل شيء وألطفنا، ثمّ إنّ رجلاً
____________________
(١) راجع البحار: ٤٥: ١١٤.
(٢) اللهوف: ٢١٣ وعنه في نفس المهموم: ٤٤٢.
(٣) قال المزِّي: فاطمة بنت علي بن أبي طالب القرشية الهاشمية، وهي فاطمة الصغرى، توفِّيت سنة سبع عشرة ومئة. (راجع: تهذيب الكمال: ٣٥: ٢٦١، رقم ٧٩٠٣).
من أهل الشام أحمر قام إليه فقال: يا أمير المؤمنين، هَبْ لي هذه الجارية تُعينني - وكنتُ جارية وضيئة - فأُرعبت وفَرِقت وظننت أنّه يفعل ذلك! فأخذتُ بثياب أُختي وهي أكبر منِّي وأعقل، فقالت:كذبتَ - والله - ولُعنتَ ما ذاك لك ولا له.
فغضب يزيد فقال: بل كذبتِ! والله، لو شئت لفعلته.
قالت:لا والله، ما جعل الله ذلك لك، إلاّ أن تخرج من ملّتنا وتدين بغير ديننا.
فغضب يزيد، ثم قال: إياي تستقبلين بهذا؟! إنّما خرج من الدين أبوك وأخوك.
فقالت:بدين الله ودين أبي وأخي وجدّي اهتديت، أنت وجدّك وأبوك.
قال: كذبتِ يا عدوّة الله.
قالت:أميرٌ يشتم ظالماً ويقهر بسلطانه.
قالت: فكأنّه لعنه الله استحيى، فسكت ...)(١) .
فزينب حقّاً من أبرز مصاديق( الّذِينَ يُبَلّغُونَ رِسَالاَتِ اللّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاّ اللّهَ ) (٢) ، فهي لم تخَفْ من أحدٍ في مجالس الحُكّام الطغاة، وكان هدفها إيصال الرسالة المجيدة بأحسن وجه وصورة، ولقد استطاعت أن تُبلّغ رسالات الله إلى أعداء الله من بني أُميّة، فهذا الصراخ والعويل استطاع أن يُغيّر كلّ شيء! وما استطاع العدوّ أن يصل إلى أهدافه الشرّيرة!
إذن؛ لنا أن نقول: لولا وجود زينب، وأمّ كلثوم، وفاطمة بنت الحسين(٣) ، ولولا
____________________
(١) أمالي الصدوق: ١٣٩، المجلس ٣١، ح ٢، الإرشاد ٢: ١٢١.
(٢) سورة الأحزاب: الآية ٣٩.
(٣) قال المزّي: (فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب، القرشية الهاشمية المدنيّة، أخت علي =
خُطَبهنّ الساخنة في الكوفة والشام؛ لأخمد بنو أميّة صوت العدالة الإنسانية، التي رفعها الإمام الحسينعليهالسلام في كربلاء يوم عاشوراء، بحيث لم يبقَ شيء اسمه كربلاء ولا حسينعليهالسلام إلى يومنا هذا!
لا شكّ في أنّ عليّ بن الحسينعليهالسلام كان مريضاً في كربلاء؛ وذلك لمصالح أشرنا إلى بعضها في هذا الكتاب، ولكنّ ما تجدر الإشارة إليه هو الدور الإعلامي والتبليغي، الذي قام به الإمام السجّادعليهالسلام بعد قتل أبيه الإمام الحسينعليهالسلام ؛ للتعريف بالنهضة الحسينية خلال خطاباته في الكوفة والشام.
فقد كانعليهالسلام في الكوفة جنْباً إلى جنْب مع عمّته العقيلة زينبعليهاالسلام في الدفاع عن كيان النهضة الحسينية، ومواجهة الإعلام الأُموي الكاذب، الذي كان مُنتشراً في آفاق العالم ضدّ أهل البيتعليهمالسلام .
فحينما دخل الكوفة مع الأسرى، ورأى أهلها يضجّون ويبكون، خاطبهم قائلاً:(أتَنوحون وتبكون من أجلنا؟! فمَن قتلنا؟!) (١) .
ويقفعليهالسلام أمام الحشود الكثيرة في الكوفة؛ ليؤدّي رسالته الخالدة، فيقول:(أيّها الناس، مَن عرفني فقد عرفني، ومَن لم يعرفني فأنا أُعرّفه بنفسي، أنا عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، أنا ابن المذبوح بشط الفرات من غير ذُحل ولا تِرات! أنا ابن مَن انتُهك حريمه، وسُلب نعيمه، وانتُهب ماله، وسُبي عياله! أنا ابن مَن قُتل صبراً وكفى بذلك فخراً ...
____________________
= بن الحسين زين العابدين وكانت فيمَن قدم دمشق بعد قتل أبيها، ثمّ خرجت إلى المدينة.) (راجع: تهذيب الكمال: ٣٥: ٢٥٤: رقم ٧٩٠١).
(١) البحار: ٤٥: ١٠٨ عن اللهوف: ١٩٢.
فتبّاً لِما قدّمتم لأنفسكم وسوءاً لرأيكم! بأيّة عين تنظرون إلى رسول الله صلىاللهعليهوآله إذ يقول لكم: قتلتم عترتي، وانتهكتم حُرمتي، فلستم من أمّتي؟!) (١) .
كانت هذه الكلمات تصدر عنهعليهالسلام ، والإمام الحسينعليهالسلام كان ما يزال مطروحاً في أرض المعركة! لقد أراد الإمام السجّادعليهالسلام أن يوجِّه أنظار الكوفيين إلى عُظم الجُرم الذي ارتكبه بنو أُميّة؛ وليقف بكلّ وجوده أمام دعوى أنّ الحسينعليهالسلام خارجي خرج على يزيد، ويُعرِّف أباه الإمام الحسينعليهالسلام بأنّه ليس كما يزعم بنو أُميّة، بل هو من أهل بيت النبّوة ومعدن الرسالة.
لما أُدخل الإمامعليهالسلام مع أسرى أهل بيت النبّوة، على عبَيد الله بن زياد في الكوفة، وكانعليهالسلام مغلولاً بالحبْل(٢) ، وأراد الملعون قتْله، ودارت المشاجرة بين زينب وابن زياد، قالعليهالسلام لعمّته زينبعليهاالسلام :(اسكُتي - يا عمّة - حتّى أُكلِّمه) .
ثمّ أقبل إليه فقال:(أبالقتل تُهدّدني يا ابن زياد؟! أما علمت أنّ القتل لنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة؟!) (٣) .
بهذا المنطق وقفعليهالسلام أمام تفرْعُن ابن زياد وتجبّره وطغيانه ...
____________________
(١) اللهوف: ١٩٩.
(٢) قال الخوارزمي في (مقتل الحسينعليهالسلام : ٢: ٤٥): وساق القوم حُرَم رسول اللهصلىاللهعليهوآله كما تُساق الأُسارى، حتى إذا بلغوا بهم الكوفة وعليّ بن الحسين مريض، مغلول مُكبّل بالحديد قد نهكته العلّة ...).
(٣) راجع: اللهوف: ٢٠٢.
دعا يزيد بن معاوية خاطِبه وأمره أن يصعد المنبر، فصعد الخاطب، فذمّ الإمام الحسينعليهالسلام ، وبالغ في ذمّ أمير المؤمنين عليّعليهالسلام ، فقام إليه الإمام السجّادعليهالسلام وقال له:(ويلك! أيُّها الخاطب، اشتريت مَرضاة المخلوق بسخط الخالق، فتبوّأ مقعدك من النار!) (١) .
أمّا في مجلس يزيد فيقول الخوارزمي: (فتقدّم عليّ بن الحسين، حتّى وقف بين يدي يزيد وقال:
لا تطمعوا أن تُهينونا ونُكرمكم |
وأن نكفَّ الأذى عنكم وتؤذونا |
|
فالله يـعـلم أنّـا لا نُـحبُّكم |
ولا نـلومكم إن لـم تُـحبّونا |
فقال يزيد: صدقت! ولكن أراد أبوك وجدّك أن يكونا أميرَين، فالحمد لله الذي قتلهما وسفك دماءهما!
ثمّ قال: يا عليّ، إنّ أباك قطع رحِمي، وجهل حقّي، ونازعني في سلطاني، فصنع الله به ما قد رأيت!(٢) .
وفي تفسير علي بن إبراهيم القمِّي: قال الصادقعليهالسلام :(لما أُدخل رأس الحسين عليهالسلام على يزيد لعنه الله، وأُدخل عليه علي بن الحسين عليهالسلام وبنات أمير المؤمنين عليهالسلام ، وكان علي بن الحسين مُقيَّداً مغلولاً، فقال يزيد: يا علي بن الحسين، الحمد لله الذي قتل أباك. فقال علي بن الحسينعليهالسلام :لعن الله مَن قتل أبي . قال: فغضِب يزيد وأمر بضرب عُنقه عليهالسلام . فقال علي بن الحسينعليهالسلام :فإذا قتلتني فبنات رسول الله صلىاللهعليهوآله مَن يردُّهم إلى منازلهم وليس لهم محرَم غيري؟ فقال: أنت تردُّهم إلى منازلهم. ثمّ دعا بمُبرد، فأقبل يبرد الجامعة من عنقه ليَده. ثمّ قال له: يا علي بن الحسين، أتدري ما الذي أريد
____________________
(١) راجع: اللهوف: ٢١٩.
(٢) مقتل الحسين للخوارزمي ٢/٧٠.
بذلك؟ قال:بلى تُريد أن لا يكون لأحد عليَّ منّة غيرك . فقال يزيد: هذا - والله - ما أردت فِعله. ثمّ قال يزيد: يا علي بن الحسين:( مَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ) . فقال علي بن الحسينعليهالسلام :كلاَّ، ما هذا فينا نزلت، إنّما نزلت فينا: ( مَا أَصَابَ مِن مُصِيَبةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتَابٍ مِن قَبْلِ أَن نَبْرَأَهَا إِنّ ذلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ) ، فنحن الذين لا نأسى على ما فاتنا ولا نفرح بما آتانا) (١) .
قال الخوارزمي: فقال علي بن الحسينعليهالسلام :
(يا بن معاوية وهند وصخر! لم تزل النبّوة والإمرة لآبائي وأجدادي من قبل أن تولَد، ولقد كان جدّي عليّ بن أبي طالب في يوم بدر وأُحد والأحزاب، في يده راية رسول الله صلىاللهعليهوآله ، وأبوك وجدّك في أيديهما رايات الكفّار) .
ثمّ جعل عليّ بن الحسينعليهالسلام يقول:
مـاذا تقولون إذ قال النبيّ لكم |
مـاذا فـعلتم وأنتم آخِر الأُمم |
|
بـعـترتي وبأهلي بعد مُفتقدي |
منهم أُسارى ومنهم ضُرِّجوا بدم |
ثمّ قال عليّ بن الحسينعليهالسلام :
(ويلك! يا يزيد، إنّك لو تدري ماذا صنعت، وما الذي ارتكبت من أبي وأهل بيتي وأخي وعمومتي، إذن لهربت إلى الجبال، وافترشت الرمال، ودعوت بالويل والثبور، أيكون رأس أبي الحسين بن عليّ وفاطمة منصوباً على باب مدينتكم وهو وديعة رسول الله فيكم؟! فأبشر - يا يزيد - بالخزي والندامة! إذا جُمع الناس غداً ليوم القيامة!) (٢) .
____________________
(١) تفسير علي بن إبراهيم القمِّي ٢/٣٥٢.
(٢) مقتل الحسينعليهالسلام / للخوارزمي: ٢: ٧٠.
تلك المواقف البطولية، هي التي استطاعت أن تقف أمام التيّارات الهدّامة، فبنو أُميّة أرادوا مسخ الإسلام الأصيل، وتوهّموا أنّهم بلغوا ذلك الهدف بقتل سيّد شباب أهل الجنّةعليهالسلام !
ولكنّ مواقف السيّدة زينب، وأمّ كلثوم وفاطمة بنت الحسين سلام الله عليه وعليهنّ، وعلى رأسهم سيّد الساجدينعليهالسلام منعت العدوّ من أن يصل إلى هدفه الشيطاني.
يتناول الوقائع المؤلمة بعد مقتل سيد الشهداءعليهالسلام ، حتى ورود الركْب الحسيني أرض الشام.
والبحث في مقصدين.
المقصد الأوّل: ويشتمل على استدراك ما فات في المجلّد الرابع، غير ما ذكرناه هناك، وهو يكون على فصلَين:
الفصل الأوّل: ويشتمل على آيات وتجلّيات الغضب الإلهي في السماء والأرض؛ لمقتل سيد الشهداءعليهالسلام .
الفصل الثاني: ويشتمل على الوقائع المتأخّرة عن قتلهعليهالسلام .
المقصد الثاني: ويشتمل على وقائع الطريق حتى ورود الركب الحسيني أرض الشام، وهو يكون على فصلين:
الفصل الأول: ويشتمل على وقائع حركة الركب الحسيني من كربلاء إلى الكوفة، والأحداث التي جرت على أهل البيت في الكوفة نفسها.
الفصل الثاني: ويشتمل على وقايع حركة الركب الحسيني من الكوفة إلى الشام.
نسأل الله أن يوفِّق الجميع لخدمة الدين الحنيف، إنّه سميع الدعاء.
محمّد جعفر الطبسي
المقصد الأوّل
وهو يشتمل على استدراك ما فات في المجلّد الرابع غير ما ذكرناه هناك ويشتمل على فصلَين:
الفصل الأول
تجلّيات الغضب الإلهي لمقتل سيّد الشهداءعليهالسلام
الفصل الأوّل
تجلّيات الغضب الإلهي لمقتل سيّد الشهداءعليهالسلام
(السلام عليك يا حجّة الله وابن حجّته، السلام عليك يا قتيل الله وابن قتيله، السلام عليك يا ثار الله وابن ثاره، السلام عليك يا وِتر الله الموتور في السموات والأرض، أشهد أنّ دمك سكن في الخُلد، واقشعرّت له أظلّة العرش، وبكى له جميع الخلائق، وبكت له السموات السبْع والأرضون السبْع، وما فيهنّ، وما بينهنّ، ومَن يتقلّب في الجنّة والنار مَن خلْق ربِّنا، وما يُرى وما لا يُرى ...) (١) .
لقد انعكس الغضب الإلهي لمقتل سيّد الشهداء أبي عبد اللهعليهالسلام ، في مرايا عوالم الكائنات في صور منوَّعة عديدة، ولقد رؤيت آيات هذا الغضب الإلهي في عالم الشهادة في السماء وفي الأرض، وفي النبات وفي الحيوان، وفي البحر وفي البَرّ، وعرف بعض الناس علّة هذا الآيات في أقطار، وجهلِها آخرون في أقطار أُخرى.
ويمكننا أن نُتابع - من خلال الآثار الروائيّة - آيات هذا الغضب الإلهي على
____________________
(١) الكافي: ٤: ٥٧٥ - ٥٧٦، ح٢ / وهذا المقطع المبارك جزء من الزيارة التي علّمها الإمام الصادقعليهالسلام ليونس بن ظبيان، بحضور الحسين بن ثوير، والمفضل بن عمر، وأبي سلمة السرّاج.
النحو التالي:
ورد ذكر الآيات السماوية، الكاشفة عن غضب الله تعالى لمقتل الإمام الحسينعليهالسلام ، في المصادر السنّيّة والشيعيّة، الحديثية والتاريخية على حدٍّ سواء، ولم يتعرّض لإنكارها إلاّ شرذمة قليلون من عديمي الإيمان والمعرفة(١) ، ومن الآثار الروائية والتاريخية في هذا الصدد:
____________________
(١) يقول الكاتب حسين محمّد يوسف في كتابه سيّد شباب أهل الجنّة الحسين بن عليّعليهماالسلام ، في ص ٥٥٢: (ومن الخرافات والأكاذيب الموضوعة، ما روي عن كسوف الشمس لمقتل ابن بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله )، ويقول في ص٥٥٤: (إنّ الاعتقاد أنّ السماء أَمطرت دماً، أو أنّه لم يُرفع حجَر في الشام إلاّ رؤي تحته دم عبيط، أو أنّه لما جيء برأس الحسينعليهالسلام إلى دار ابن زياد سالت حيطانها دماً، كلّها من عقائد الشيعة الغلاة ومن أباطيلهم!). وادّعى هذا الكاتب أيضاً: (أنّ أكثر هذه الروايات أُخذت من رواية أبي مخنفّ لوط بن يحيى!).
ولا شكّ أنّ هذا الكاتب قد استوحى زعمه الباطل هذا، من كبيرهم الذي علّمهم السحر، وهو ابن كثير المعروف بتخرُّصاته ضدّ الشيعة الإماميّة، وإلاّ، فإنّ أحاديث هذه الآيات السماوية والأرضية، قد رويت في كُتب أهل السنّة عن أئمّة حفّاظ أحاديثهم كابن أبي شيبة، وابن سعد، وابن جرير، وابن عساكر، وابن حجر، وابن الجوزي، بل إنّ ابن كثير نفسه، قد نقل حديث احمرار السماء في تفسيره ولم يقل فيه شيئاً!
إنّ ممّا يُثير العجب، أن تهون فاجعة عاشوراء في أعيُن بعض مَن يُحسبون من المسلمين، في حين تعظم هذه الفاجعة في أعيُن بعض النصارى، ممّن اطّلع على تأريخ المسلمين، كمثل جرجي زيدان، حيث يقول في ص١٧٣ وص١٧٩ من كتابه تأريخ الإسلام: (لو علم القمر بموقع أشعّته تلك الليلة لحبسها؛ ليستر ذلك الجرم الذي لم يُرتكب مثله في تاريخ العمران ولو أدرك ذلك التراب فضاعة ما جرى في ذلك السبت المهول؛ لفضّل الظمأ على الارتواء!).
روى ابن قولويه بسنده، عن الحلبي، عن الإمام الصادقعليهالسلام أنّه قال:
(إنّ الحسين لما قُتل أتاهم آتٍ وهم في العسكر، فصرخ فزُبِر، فقال لهم: وكيف لا أصرخ ورسول الله صلىاللهعليهوآله قائم ينظر إلى الأرض مرّة وإلى حزبكم مرّة، وأنا أخاف أن يدعو الله على أهل الأرض فأهلكُ فيهم، فقال بعض لبعض:
هذا إنسان مجنون! فقال التوّابون: تا الله، ما صنعنا لأنفسنا؟! قتلنا لابن سميّة سيّد شباب أهل الجنّة!! فخرجوا على عبيد الله بن زياد، فكان من أمرهم ما كان).
قال: فقلت له: جُعلت فداك! مَن هذا الصارخ؟
قال:(ما نراه إلاّ جبرئيل عليهالسلام ، أما إنّه لو أُذِن له فيهم لصاح بهم صيحة يخطف به أرواحهم من أبدانهم إلى النار، ولكن أُمهل لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب أليم ...) (١) .
____________________
(١) كامل الزيارات: ٣٣٦ باب ١٠٨، ح ١٤، وقد علّق المرحوم المحقّق السيّد المقرّم على هذه الرواية قائلاً: (بلى، لقد حضر رسول اللهصلىاللهعليهوآله المعركة، وشاهد ذلك الجمع المتألّب على استئصال أهله من جديد الأرض! وبمرأى منه عويل الأيامى ونشيج الفاقدات وصراخ الصِّبْيَة من الظمأ! وقد سمع العسكر صوتاً هائلاً: ويلَكم يا أهل الكوفة! إنيّ أرى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ينظر إلى جمعكم مرّة وإلى السماء أُخرى، وهو قابض على لحيته المقدّسة!! لكنّ الهوى والضلال المستحكم في نفوس ذلك الجمع، المغمور بالأطماع أوحى إليهم أنّه صوت مجنون!!) (مقتل الحسينعليهالسلام للمقرّم: ٢٩٦).
ومن الجدير بالذكر هنا، أنّه قد مرّت بنا في أواخر الجزء الرابع من هذه الدراسة هذه الرواية عن الإمام الصادقعليهالسلام :(لما ضُرب الحسين بن عليّ عليهالسلام بالسيف، ثمّ ابتدر ليقطع رأسه، نادى منادٍ من قِبَل ربّ العِزّة تبارك وتعالى، من بَطنان العرش، فقال: ألا أيّتها الأمّة المتحيّرة الظالمة بعد نبيّها! لا وفّقكم الله لأضحى ولا فِطر!) . =
روى الحافظ الطبراني في مُعجمه الكبير، قال: (حدّثنا قيس بن أبي قيس البخاري، ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا ابن لهيعة، عن أبي قبيل(١) قال: لما قُتل الحسين بن عليّ رضي الله عنه، انكسفت الشمس كسفة حتى بدت الكواكب نصف النهار، حتى ظننّا أنّها هي!)(٢) .
ورواه ابن عساكر، في ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام بسنده عن أبي قبيل أيضاً(٣) .
____________________
= قال: ثمّ قال أبو عبد اللهعليهالسلام :(لا جَرَم والله، ما وفِّقوا ولا يوفّقون أبداً حتّى يقوم ثائر الحسين عليهالسلام ) (أمالي الصدوق: ١٤٢، المجلس ٣١، حديث رقم ٥، والكافي: ٤: ١٧٠، حديث رقم ٣).
(١) أبو قبيل هذا ممّن روى له البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي وابن ماجة، واسم أبي قبيل: حيّ بن هاني، وعن يحيى بن معين وأبي زرعة: أنّه ثقة.
وقال أبو حاتم: صالح الحديث. (راجع: تهذيب الكمال: ٧: ٤٩٢، والجرح والتعديل: ٣: ٢٧٥ رقم ١٢٢٧).
(٢) المعجم الكبير: ٣: ١١٤ رقم ٢٨٣٨، وانظر: مقتل الحسينعليهالسلام / للخوارزمي: ٢: ٨٩، ومجمع الزوائد: ٩: ١٩٧، والصواعق المحرقة: ١٩٤، وتاريخ الخلفاء للسيوطي: ٢٠٧، وينابيع المودّة: ٣٢١.
(٣) تاريخ ابن عساكر / ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام / تحقيق المحمودي: ٣٥٧، رقم ٢٩٦.
ولا غرابة في وقوع ذلك، كما نصّ عليه الزرقاني في شرح المواهب اللدنيّة: ٢: ٢١٢، والجزري في أُسد الغابة: ١: ٣٩، والعيني في عُمدة القاري في شرح صحيح البخاري: ٢: ٤٧٢.
ولا يُعارَض هذا الحديث بالحديث المشهور الضعيف، القائل: (بأنّ الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد!). ذلك؛ لأنّ هذا الأخير مردّه إلى قيس بن أبي حازم، والرجل مُختلَف فيه، فعن يحيى بن سعيد أنّه مُنكَر الحديث، وقال يعقوب السدوسي: تكلّم فيه أصحابنا، فمنهم مَن حمل عليه، وقال: له مناكير! (راجع: ميزان الاعتدال: ٣: ٣٩٢، رقم ٦٩٠٨).
روى ابن عساكر بسند عن خلف بن خليفة(١) ، عن أبيه(٢) ، قال: (لما قُتل الحسين اسودّت السماء، وظهرت الكواكب نهاراً، حتّى رأيت الجوزاء عند العصر، وسقط التراب الأحمر!)(٣) .
وروى ابن أعثم الكوفي، في وصف ساعة مقتل الإمام الحسينعليهالسلام وسلبه، يقول: (وارتفعت في ذلك الوقت غبرة شديدة سوداء مُظلمة، فيها ريح أحمر، لا يرى فيها أثر عين ولا قدم، حتى ظنّ القوم أنّه قد نزل بهم العذاب، فبقوا كذلك ساعة، ثمّ انجلت عنهم)(٤) .
روى الشيخ المفيد (ره)، عن سعد الإسكاف(٥) ، قال: قال أبو جعفرعليهالسلام :(كان قاتل
____________________
(١) هو خلف بن خليفة بن صاعد بن برام الأشجعي كان بالكوفة، ثمّ انتقل إلى واسط فسكنها مرّة، ثمّ تحوّل إلى بغداد فأقام بها إلى حين وفاته، وقال ابن سعد: كان ثقة. ومات ببغداد سنة ١٨١ هـ. (راجع: تهذيب الكمال: ٨: ٢٨٤ و٢٨٨).
(٢) هو خليفة بن صاعد بن برام الأشجعي، مولاهم الكوفي، ثمّ الواسطي، والد خلف بن خليفة، عدّه ابن حبّان في الثقات. (راجع: تهذيب الكمال: ٨: ٣١٩).
(٣) تاريخ ابن عساكر / ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام / تحقيق المحمودي: ٣٥٤ رقم ٢٨٨، وانظر تهذيب التهذيب لابن حجر: ٢: ٣٠٥، والحدائق الوردية: ٢٤، وتاريخ مدينة ١١: ٢٢٦.
(٤) الفتوح: ٥: ١٤٧، وانظر: مقتل الحسينعليهالسلام / للخوارزمي: ٢: ٤٢ وفيه: (حتى ظنّ القوم أنّ العذاب قد جاءهم، لبثوا بذلك ساعة، ثمّ انجلت عنهم)، وانظر أيضاً: اللهوف: ١٧٧، والبحار: ٤٥: ٥٧.
(٥) قال الشيخ الطوسي: (سعد بن طريف الحنظلي الإسكاف، مولى بني تميم الكوفي وهو صحيح الحديث) (راجع: رجال الشيخ: ١١٥ رقم ١١٤٧).
يحيى بن زكريا ولَد زنا، وقاتل الحسين بن علي عليهالسلام ولَد زنا، ولم تحمرّ السماء إلاّ لهما!) (١) .
وروى ابن سعد في طبقاته، عن عليّ بن مُدرك، عن جدّه الأسود بن قيس قال: (احمرّت آفاق السماء بعد قتل الحسين ستّة أشهُر، يُرى ذلك في آفاق السماء كأنّها الدّم! قال: فحدّثت بذلك شريكاً، فقال لي: ما أنت من الأسود؟ قلت: هو جدّي أبو أمّي. قال: أما والله، إن كان لصدوق الحديث عظيم الأمانة مُكرِماً للضيف)(٢) .
وروى ابن سعد أيضاً، عن محمّد بن سيرين قال: (لم تكن تُرى هذه الحُمرة في السماء عند طلوع الشمس وعند غروبها، حتى قُتل الحسين رضي الله عنه!)(٣) .
وروى أيضاً، عن عمرو بن عاصم الكلابي(٤) ، قال: (حدّثنا خلاّد - صاحب السمسم، وكان ينزل بني جحدر - قال: حدّثتني أمّي قالت: كنّا زماناً بعد قتل الحسين، وإنّ الشمس تطلع مُحمرّة على الحيطان والجدران بالغداة والعشي. قالت:
____________________
(١) الإرشاد: ٢: ١٣٢.
(٢) ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام ومقتله / من القسم غير المطبوع من كتاب الطبقات الكبرى لابن سعد / تحقيق السيد عبد العزيز الطباطبائي (ره): ٩١ رقم ٣٢٨.
ورواه ابن عساكر أيضاً بسنده إلى ابن سعد (راجع: تاريخ ابن عساكر / ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام : ٣٥٥ رقم ٢٩٢) والأسود بن قيس العبدي، وقيل: العجلي. روى عنه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، وقال: العجلي حسن الحديث ثقة. (راجع: تهذيب الكمال: ٣: ٢٣٠)، وقال الذهبي في تاريخ الإسلام: حوادث سنة ١٢١، ص ٣٧٨: مُجمع على ثقته، وانظر: تاريخ الإسلام: حوادث سنة ٦١ هـ، ص ١٥).
(٣) ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام ومقتله / من القسم غير المطبوع من كتاب الطبقات الكبرى لابن سعد: ٩١، رقم ٣٢٧، وانظر الحديث رقم ٣٢٦.
(٤) قال الذهبي: صدوق من علماء التابعين مات سنة ٢١٣هـ (ميزان الاعتدال: ٣: ٢٦٩).
وكانوا لا يرفعون حجراً إلاّ وجدوا تحته دماً!).(١)
وروى ابن عساكر بأسناد عن عليّ بن مُسهّر قال: (حدّثتني جدّتي قالت: كنت أيّام الحسين جارية شابّة، فكانت السماء أيّاماً عَلَقة!)(٢) .
وروى الشيخ الصدوق (ره) بسنده عن جبلّة المكّيّة قالت: (سمعت ميثم التمّار يقول: والله، لتقتلنَّ هذه الأمّة ابن نبيّها في المحرّم لعشر مضين منه يا جبلّة، إذا نظرت إلى الشمس حمراء كأنّها دم عبيط، فاعلمي أنّ سيّدك الحسين قد قُتل!
قالت جبلّة: فخرجت ذات يوم، فرأيت الشمس على الحيطان كأنّها الملاحف المعصفرة! فصحتُ حينئذٍ وبكيت وقلت: قد - والله - قُتِل سيّدنا الحسين بن عليّعليهالسلام !)(٣) .
وروى ابن شهر آشوب، عن حمّاد بن زيد، عن هشام، عن محمّد قال: (تعلم هذه الحمرة في الأفق ممَّ هي؟! ثمّ قال: من يوم قُتِل الحسين!)(٤) .
وعن الأسود بن قيس: (لما قُتل الحسين ارتفعت حمرة من قِبَل المشرق، وحمرة من قِبَل المغرب، فكادتا تلتقيان في كبد السماء ستّة أشهُر!)(٥) .
روى ابن قولويه (ره) بسنده عن كليب بن معاوية، عن الإمام أبي عبد الله
____________________
(١) ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام ومقتله / من القسم غير المطبوع من كتاب الطبقات الكبرى لابن سعد: ٩١ رقم ٣٢٥ / ورواه ابن عساكر أيضاً بسنده عن ابن سعد (ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام من تاريخ ابن عساكر / تحقيق المحمودي: ٣٥٥ قم ٢٩١).
(٢) أمالي الصدوق: ١١٠ المجلس ٢٧ حديث رقم ١ / والملاحف المعصفرة: أي المصبوغة بلون نبات العصفر وهو لون أحمر.
(٣) و (٤) و (٥) مناقب آل أبي طالبعليهمالسلام : ٤: ٥٤، وانظر: سير أعلام النبلاء: ٣: ٣١٢.
الصادقعليهالسلام أنّه قال:(كان قاتل يحيى بن زكريا ولَد زنا، وكان قاتل الحسين عليهالسلام ولَد زنا، ولم تبكِ السماء إلاّ عليهما!) (١) .
وروى أيضاً بسنده عن الحسين بن ثوير، ويونس بن ظبيان، وأبي سلمة السرّاج، والمفضّل بن عمر، كلّهم قالوا: سمعنا أبا عبد الله يقول:
(إنّ أبا عبد الله الحسين بن عليّ عليهماالسلام لما مضى، بكت عليه السماوات السبع والأرضون السبع، وما فيهنّ وما بينهنّ، ومَن ينقلب عليهنّ، والجنّة والنّار، وما خلق ربُّنا، وما يُرى وما لا يُرى) (٢) .
وروى أيضاً بسنده عن زرارة قال: قال أبو عبد اللهعليهالسلام :
(يا زرارة، إنّ السماء بكت على الحسين أربعين صباحاً بالدم، وإنّ الأرض بكت أربعين صباحاً بالسواد، وإنّ الشمس بكت أربعين صباحاً بالكسوف والحُمرة، إنّ الجبال تقطّعت وانتثرت، وإنّ البحار تفجّرت ...) (٣) .
قال ابن حجر: (وأخرج الثعلبي أنّ السماء بكت وبكاؤها حُمرتها!)(٤) .
وروى ابن قولويه (ره) بسنده عن عبد الله بن هلال قال: سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول:(إنّ السماء بكت على الحسين بن عليّ، ويحيى بن زكريا، ولم تبكِ على
____________________
(١) كامل الزيارات: ٧٩ - ٨٠ باب ٢٥ حديث رقم ١ / ورواه عنه أيضاً بسند آخر، وانظر أيضاً الحديث رقم ١١ في نفس الباب، وانظر أيضاً: الخطّ المقريزية: ٢: ٢٨٩، ونظم درر السمطين: ٢٢٢.
(٢) كامل الزيارات: ٨٠، باب ٢٦ حديث رقم ٣ / ورواه أيضاً بسند آخر أيضاً.
(٣) نفس المصدر: ٨٠، باب ٢٦ حديث رقم ٦.
(٤) الصواعق المحرقة: ١٩٤؛ عن الكشف والبيان للثعلبي: ٨: ٣٥٣ / دار إحياء التراث العربي.
أحدٍ غيرهما). قلت: وما بكاؤها؟ قال:(مكثت أربعين يوماً تطلع الشمس بحُمرة وتغرب بحُمرة!) .قلت: فذاك بكاؤها؟ قال:(نعم) (١) .
وينقل ابن البطريق عن صحيح مسلم في ذيل قوله تعالى:( فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ ) (٢) ، عن السدّي أنّه قال: (لما قُتل الحسين بن عليعليهماالسلام بكت السماء، وبكاؤها حُمرتها)(٣) .
تحدّثت روايات كثيرة عن بعض المشتركات بين شخصيّة الإمام الحسينعليهالسلام وما جرى عليه، وشخصيّة يحيى بن زكريّاعليهماالسلام وما جرى عليه، منها على سبيل المثال:
* ما روي عن ابن عبّاس أنّه قال: أوحى الله إلى محمدصلىاللهعليهوآله :(إنّي قتلت بيحيى ابن زكريا سبعين ألفاً، وإنّي قاتل بابن فاطمة سبعين ألفاً) (٤) .
* أنّ رأس يحيى بن زكرياعليهماالسلام أُهدي إلى بغيّ من بغايا بني إسرائيل، كما أشار إلى ذلك مراراً الإمام الحسينعليهالسلام نفسه حيث قال:(ومن هوان الدنيا على الله، أنّ رأس يحيى بن زكريا عليهالسلام أُهدي إلى بغيّ من بغايا بني إسرائيل!) (٥) .
____________________
(١) كامل الزيارات: ٨٩، باب ٢٨، حديث رقم ٤.
(٢) سورة الدخان: ٢٩.
(٣) العُمدة: ٤٦٧، وانظر: الطرائف لابن طاووس (ره): ٢٠٣.
(٤) تذكرة الخواص: ٢٥٢، فردوس الأخبار: ٣: ١٨٧ حديث رقم ٤٥١٥، وأورده السيد ابن طاووس (ره) في الطرائف: ٢٠٢ حديث رقم ٢٩٠، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد: ١: ١٤٢، والحاكم في المستدركات على الصحيحين: ٣: ٢٧٨، وأبو نعيم في حلية الأولياء: ٣: ١٢٠، مقتل الحسينعليهالسلام / للخوارزمي ٢: ١٠٩.
(٥) الإرشاد: ٢: ١٣٢، وانظر: تأويل الآيات: ٢٩٤، ومجمع البيان: ٥: ٧٧٩.
وكذلك، فقد حُمل رأس الإمام الحسينعليهالسلام إلى ابن مرجانة وإلى يزيد(١) .
* روى ابن قولويه (ره) بسنده عن زرارة، عن عبد الخالق بن عبد ربّه قال: سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول:( لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيّاً ) ،(الحسين بن عليّ عليهماالسلام لم يكن له من قبلُ سَميّاً، ويحيى بن زكريّا عليهماالسلام لم يكن له من قبلُ سَميّاً ...) (٢) .
* وروي أنّ مُدّة حمْل زوج زكريا بيحيى كانت ستّة أشهُر، وكذلك كانت مُدّة حمْل مولاتنا فاطمةعليهاالسلام بالإمام الحسينعليهالسلام (٣) .
* وأنّ قاتل يحيىعليهالسلام كان ولَد زنا، وكذلك كان قاتل الإمام الحسينعليهالسلام (٤) .
* وأنّ السماء لم تبكِ إلاّ عليهما(٥) .
* وأنّ رأس يحيىعليهالسلام صُلب على باب جيرون في الشام، وكذلك صُلب رأس الحسينعليهالسلام في الشام في نفس المكان(٦) .
____________________
(١) قال السيّد محمّد بن أبي طالب، في كتابه تسلية المجالس: ١: ١٣٤: (وحُمل رأس يحيى بن زكريّا إلى بغيّ من بغايا بني إسرائيل، وكذلك حُمل رأس الحسين إلى نجل بغيّة من بغايا قريش، ولم تبكِ السماء إلاّ عليهما، بكت أربعين صباحاً).
(٢) كامل الزيارات: ٩٥، باب ٢٨، حديث رقم ٨، والآية في سورة مريم: ٧.
(٣) مناقب آل أبي طالبعليهمالسلام ٤: ٧٦، وجلاء العيون: ٢٧٨.
(٤) مرّت بنا قبل هذا رواية ابن قولويه (ره) بسنده عن كليب بن معاوية، عن الإمام أبي عبد الله الصادقعليهالسلام أنّه قال:(كان قاتل يحيى بن زكريا ولَد زنا، وكان قاتل الحسين عليهالسلام ولَد زنا، ولم تبكِ السماء إلاّ عليهما) (كامل الزيارات: ٧٩ - ٨٠، باب ٢٥ حديث رقم ١).
(٥) انظر في رواية كامل الزيارات السابقة، والرواية رقم ١١ من نفس الباب في نفس المصدر.
(٦) راجع: مقتل الحسينعليهالسلام / للمقرّم: ٣٤٨ / الحاشية: في ما نقله عن كتاب صورة الأرض لابن حوقل، ص ١٦١؛ (صُلب على هذا الباب (جيرون) رأس يحيى بن زكريا وصُلب على باب جيرون رأس الحسين بن علي في موضع الذي صُلب فيه رأس يحيى بن زكريا).
كانت السماء بعد مقتل الإمام الحسينعليهالسلام قد مطرت الناس دماً، وكانت هذه الآية السماوية الكاشفة عن غضب الله تعالى قد شاهدها الناس، وكانت من البينات الإلهية التي لا يمكن إنكارها، حتّى احتجّت بها مولاتنا زينب الكبرىعليهاالسلام على أهل الكوفة في خُطبتها حين قالت:(أفَعجِبتم أن تمطر السماء دماً، ولعذاب الآخرة أخزى وأنتم لا تُنصرون؟!) (١) .
والروايات التي تُخبر عن هذه الآية السماوية مُستفيضة، منها على سبيل المثال:
ما رواه الشيخ الطوسي بسنده، عن عمّار بن أبي عمّار قال: (أَمطرت السماء يوم قُتل الحسينعليهالسلام دماً عبيطاً)(٢) .
وروى ابن سعد في طبقاته، عن أمّ شوق العبدية قالت: حدّثتني نضرة الأزدية قالت: (لما قُتل الحسين بن علي مطرت السماء دماً، فأصبحت خيامنا وكلّ شيء منّا مُلئ دماً!)(٣) .
وروى البيهقي هذا أيضاً عن نضرة الأزدية(٤) .
وروى ابن سعد، عن سليم القاص قال: (مُطرنا دماً يوم قُتِل الحسين)(٥) .
____________________
(١) اللهوف: ١٩٣.
(٢) أمالي الشيخ الطوسي: ٣٣٠ المجلس ١١، حديث رقم ٦٥٩ / ١٠٦.
(٣) ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام / من القسم غير المطبوع من كتاب الطبقات الكبير لابن سعد / تحقيق السيد عبد العزيز الطباطبائي: ٩٠، رقم ٣٢١.
(٤) دلائل النبوّة: ٦: ٤٧١، وانظر: ذخائر العقبى: ١٠، سُبل الهُدى والسلام ١١: ٨٠.
(٥) ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام / من القسم غير المطبوع من كتاب الطبقات الكبير لابن سعد / =
وروى ابن طلحة بسنده المتَّصل إلى هلال بن ذكوان قال: (لما قُتل الحسين مكثنا شهرين أو ثلاثة، كأنّما لُطّخت الحيطان بالدم من صلاة الفجر إلى غروب الشمس.
قال: وخرجنا في سفر فمُطرنا مطراً بقي أثره في ثيابنا مثل الدم!)(١) .
وروى البلاذري بسنده، عن أبي حصين قال: (لما قُتل الحسين مكثوا شهرين أو ثلاثة، وكأنّما تُلطّخ الحيطان بالدم من حين صلاة الغداة إلى طلوع الشمس!)(٢) .
وروى أيضاً بسنده، عن سالم القاص قال: (مُطرنا أيّام قتل الحسين دماً!)(٣) .
وروى القاضي نعمان المصري، عن أمّ سالم قالت: (لما قُتل الحسين بن عليّعليهالسلام مطرت السماء مطراً كالدم، احمرّت منه البيوت والحيطان، فبلغ ذلك البصرة والكوفة والشام وخراسان، حتى كنّا لا نشكُّ أنّه سينزل العذاب!)(٤) .
في رواية الشيخ الصدوق (ره) بسند عن المفضّل بن عمر، عن الإمام الصادق، عن أبيه، عن جدّهعليهمالسلام :
(أنّ الحسين بن علي بن أبي طالب عليهماالسلام دخل يوماً إلى الحسن عليهالسلام ، فلما نظر إليه بكى، فقال له: ما يُبكيك يا أبا عبد الله؟!
قال: أبكي لما يُصنع بك! فقال له الحسنعليهالسلام : إنّ الذي يؤتى إليَّ سمٌّ يدسّ إليّ فأُقتل به، ولكن لا يوم كيومك يا أبا عبد الله! يزدلف إليك ثلاثون ألف رجُل
____________________
= تحقيق السيد عبد العزيز الطباطبائي: ٩٠، رقم ٣٢٢، وراجع البيان والتعريف ٨: ٣٥٣
(١) مطالب السؤول: ١٥٥.
(٢) أنساب الأشراف: ٣: ٤١٣.
(٣) نفس المصدر السابق.
(٤) شرح الأخبار: ٣: ١٦٦، الحديث ١٠٩٩، وفي هامش الكتاب عن الأصل: أمّ سلمة.
يدّعون أنّهم من أُمّة جدّنا محمّد صلىاللهعليهوآله ، ينتحلون دين الإسلام، فيجتمعون على قتلك وسفك دمك فعندها تحلّ ببني أُميّة اللعنة، وتمطر السماء رماداً ودماً، ويبكي عليك كلّ شيء حتّى الوحوش في الفلَوات والحيتان في البحار) (١) .
وروي عن عليّ بن عاصم، عن حصين قال: (جاءنا قتل الحسين بن عليّ، فمكثنا ثلاثاً كأنّ وجوهنا طُليت رماداً! قلت: مثل مَن أنت يومئذٍ؟ قال: رجل متأهّل)(٢) .
روى ابن قولويه (ره) بسنده إلى أبان بن تغلب، قال: قال أبو عبد اللهعليهالسلام :(إنّ أربعة آلاف ملَك هبطوا يُريدون القتال مع الحسين بن عليّ عليهماالسلام ، لم يؤذَن لهم في القتال، فرجعوا في الاستيذان، فهبطوا وقد قُتل الحسين عليهالسلام ، فهم عند قبره شُعثٌ غُبرٌ يبكونه إلى يوم القيامة، رئيسهم مَلك يُقال له: منصور) (٣) .
وروى أيضاً بسند إلى أبي بصير، عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، قال:(وكّل الله تعالى بالحسين عليهالسلام سبعين ألف مَلك، يُصلّون عليه كلّ يوم، شُعثاً غُبراً منذ يوم قُتل إلى ما شاء الله - يعني بذلك قيام القائمعليهالسلام -)(٤) .
____________________
(١) أمالي الصدوق: ١٠١، المجلس ٢٤، حديث رقم ٣.
(٢) تهذيب الكمال: ٦: ٥٢٣ / وحصين هو: حصين بن عبد الرحمان السلمي، أبو هذيل الكوفي (تهذيب الكمال: ٦: ٥١٩).
(٣) كامل الزيارات: ٨٣ باب ٢٧ حديث رقم ٢، وراجع بقيّة أحاديث هذا الباب.
(٤) كامل الزيارات: ٨٤ باب ٢٧ حديث رقم ٥، وراجع بقيّة أحاديث هذا الباب.
وروى الكليني (ره) بسنده عن كرّام قال: (حلفت فيما بيني وبين نفسي، أن لا آكل طعاماً بنهارٍ أبداً حتّى يقوم قائم آل محمّدصلىاللهعليهوآله ، فدخلت على أبي عبد اللهعليهالسلام ، قال: فقلت له: رجل من شيعتكم جعل لله عليه أن لا يأكل طعاماً بنهار أبداً حتّى يقوم قائم آل محمّد! قال:
(فصمْ - إذن - يا كرام، ولا تَصُمْ العيدين، ولا ثلاثة أيّام التشريق، ولا إذا كنت مسافراً، ولا مريضاً، فإنّ الحسين عليهالسلام لما قُتل عجّت السماوات والأرض ومَن عليهما، والملائكة، فقالوا: يا ربّنا، ائذن لنا في هلاك الخلْق، حتى نجدّهم عن جديد الأرض بما استحلّوا حُرمتك، وقتلوا صفوتك!
فأوحى الله إليهم: يا ملائكتي، ويا سماواتي، ويا أرضي، اسكنوا. ثمّ كشف حجاباً من الحُجب، فإذا خلفه محمّد صلىاللهعليهوآله واثنا عشر وصيّاً له عليهمالسلام ، وأخذ بيد فلان القائم من بينهم، فقال: يا ملائكتي، ويا سماواتي، ويا أرضي، بهذا انتصر لهذا. قالها ثلاث مرّات) (١) .
فضلاً عمّا تقدّم من بكاء الأرض مع السماء لمقتل سيد الشهداءعليهالسلام ، وأنّهما لم تبكيا إلاّ له وليحيى بن زكرياعليهالسلام ، وكذلك عجيج الأرض مع السماء والملائكة لتلك الفاجعة، تُحدّثنا مجموعة مُستفيضة من الروايات أنّه ما رُفع حجَر إلاّ ووجِد تحته دم عبيط، وبعض هذه الروايات يذكر مطلق الأرض، وبعضها يذكر أرض
____________________
(١) الكافي: ١: ٥٣٤، حديث رقم ١٩.
الشام، وبعض آخر يذكر أرض بيت المقدس.
روى ابن سعد، عن محمد بن عمر قال: حدّثني عمر بن محمّد بن عمر بن عليّ، عن أبيه، قال: أرسل عبد الملك إلى ابن رأس الجالوت، فقال: هل كان في قتل الحسين علامة؟ قال ابن رأس الجالوت: ما كُشِف يومئذٍ حجَر إلاّ وجِد تحته دم عبيط!)(١) .
وروى أيضاً، عن محمّد بن عمر قال: حدّثني نجيح، عن رجل من آل سعيد يقول: سمعت الزهري يقول: سألني عبد الملك بن مروان فقال: ما كان علامة مقتل الحسين؟
قال: لم تُكشف يومئذ حجراً إلاّ وجِدت تحته دماً عبيطاً! فقال عبد الملك: أنا وأنت في هذا غريبان)(٢) .
أمّا الروايات التي اختصّت بأرض بيت المقدس ...
فقد روى ابن عساكر بسنده، عن أمّ حيّان أنّها قالت: (ولم يُقلَب حجرٌ ببيت المقدس إلاّ أصبح تحته دمٌ عبيط!)(٣) .
____________________
(١) و (٢) ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام / من القسم غير المطبوع من كتاب الطبقات الكبير لابن سعد / تحقيق السيد عبد العزيز الطباطبائي: ٩٠ - ٩١، حديث رقم ٣٢٤ ورقم ٣٢٣ / وروى الحديث الأخير: الطبراني في المعجم الكبير: ٣: ١٢٧ رقم ٢٨٥٦، وانظر: الصواعق المحرقة: ١٩٤، وتذكرة الخواص: ٢٨٤، ونظم دُرر السمطين: ٢٢٠، وينابيع المودّة: ٣٥٦، ومقتل الحسينعليهالسلام / للخوارزمي: ٢: ٩٠، وكشف الغمّة: ٢: ٢٧٥، تاريخ مدينة دمشق ١١: ٢٣٠.
(٣) تاريخ مدينة دمشق: ١٤: ٢٢٩، وراجع: البحار ٤٥: ٢١٦، وكامل الزيارات: ٩٣ باب ٢٩ حديث ٢٠، ومقتل الحسينعليهالسلام / للخوارزمي: ٢: ١٠٢.
وروى الخوارزمي عن حمّاد بن زيد(١) قال: (أوّل ما عُرِف الزهري أن تكلَّم في مجلس الوليد بن عبد الملك، قال الوليد: أيّكم يعلم ما فعلت أحجار بيت المقدس يوم قُتل الحسين؟
فقال الزهري: أنّه لم يُقلب حجَرٌ إلاّ وجِد تحته دم عبيط!)(٢) .
وروى الشيخ الصدوق بسنده، عن فاطمة بنت عليّعليهماالسلام أنّها قالت: (ثمّ إنّ يزيد
____________________
(١) هو حمّاد بن زيد بن درهم الأزدي الجهضي، أبو إسماعيل الأزرق. قال ابن سعد: وكان عثمانياً ولِد سنة ٩٨ هـ وتوفِّي ١٧٩ هـ (راجع: تهذيب الكمال: ٧: ٢٣٩، والطبقات الكبرى: ٧: ٢٨٦).
(٢) مقتل الحسينعليهالسلام / للخوارزمي: ٢: ١٠٢ رقم ١٨، وانظر: سير أعلام النبلاء: ٣: ٣١٤، والمعجم الكبير للطبراني: ٣: ١١٣ حديث رقم ٢٨٣٤، والإتحاف بحُبّ الأشراف: ٢٤، وتاريخ ابن عساكر / ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام / تحقيق المحمودي: ٣٦٢ رقم ٣٠١ و ٣٠٢، راجع تاريخ مدينة دمشق ١٤: ٢٩.
وقد روى ابن عبد ربَّه عن الزهري - في قصّة مُفصّلة - كيف قدم هو وقتيبة على عبد الملك بن مروان في إيوان له، وكيف أجاب الزهري عن سؤال عبد الملك بن مروان: (هل بلغكم أيّ شيء أصبح في بيت المقدس ليلة قُتل الحسين بن علي؟) أو (ما أصبح ببيت المقدس يوم قُتل الحسين بن عليّ بن أبي طالب؟)، حيث أجابه الزهري قائلاً: (نعم، حدّثني فلان - لم يُسمِّه - أنّه لم يُرفع تلك الليلة التي صبيحتها قُتِل علي بن أبي طالب، والحسين بن علي، حجر في بيت المقدس إلاّ وجِد تحته دم عبيط! فقال عبد الملك: صدقت، حدّثني الذي حدّثك، وإنّي وإيّاك في هذا الحديث لغريبان! ..). (راجع: العقد الفريد: ٤: ٣٨٦).
ويلاحَظ في مثل هذه الروايات، اهتمام الحُكّام الأُمويين بآيات الغضب الإلهي لمقتل سيد الشهداءعليهالسلام ! ولكن هل ردعهم العلم بهذه الآيات عن مواصلة قتل الأئمّة من ذرِّية الحسينعليهالسلام بالسمّ، أو اضطهادهم وقهرهم والتضييق عليهم؟! أبداً؛ لأنّ طلاّب العلوّ والفساد في الأرض مُعرِضون عن آيات الله المنتقم الجبّار!.
لعَنه الله أمَر بنساء الحسينعليهالسلام فحُبِسنَ مع عليّ بن الحسينعليهالسلام في محبس لا يُكنُّهم من حرٍّ ولا قَرٍّ، حتّى تقشّرت وجوههم، ولم يُرفع ببيت المقدس حجر عن وجه الأرض إلاّ وجِد تحته دم عبيط! وأبصر الناس الشمس على الحيطان حمراء، كأنّها الملاحف المعصفرة! إلى أن خرج عليّ بن الحسينعليهالسلام بالنسوة، وردّ رأس الحسين إلى كربلاء)(١) .
أمّا الروايات التي تذكر أرض الشام، فقد روى الطبراني بسند عن ابن شهاب قال: (ما رُفع بالشام حجَر يوم قتل الحسين بن عليّ إلاّ عن دم!! رضي الله عنه)(٢) .
روى ابن قولويه في كامل الزيارات بسنده، عن الحسين بن ثوير، ويونس بن ظبيان، وأبي سلمة السّراج، والمفضّل بن عمر، قالوا: سمعنا أبا عبد اللهعليهالسلام يقول:(لما مضى الحسين بن عليّ عليهماالسلام بكى عليه جميع ما خلق اللهُ إلاّ ثلاثة أشياء: البصرة، ودمشق، وآل عثمان!) (٣) ، وفي بعض الروايات:(وبنو أميّة!) (٤) .
أمّا استثناء بني أُميّة من البكاء على الإمام الحسينعليهالسلام فلِعلّة واضحة؛ وهي أنّهم أعداء الله ورسوله وأهل البيتعليهمالسلام وأعداء الإسلام، وهم الذين سفكوا دم الإمامعليهالسلام ، ولقد اشتفوا بقتله، هذا ابن زياد يُخاطب زينبعليهاالسلام قائلاً:
(لقد شفى الله نفسي من طاغيتك والعصاة من أهل بيتك!)(٥) .
____________________
(١) أمالي الصدوق: ١٤٢، المجلس ٣١، حديث رقم ٥.
(٢) المعجم الكبير ٣: ١١٣ ح٢٨٣٥، راجع ذخائر العقبى ص١٤٥، وسُبل الهدى والرشاد ١١: ٨٠ ونفس المهموم: ٤٨٥.
(٣) كامل الزيارات: ٨٠، باب ٢٦، حديث رقم ٤.
(٤) المنتخب للطريحي: ٣٩.
(٥) الإرشاد: ٢: ١١٥.
وهذا يزيد يُصرّح بكفره وتشفِّيه بمقتل الإمام الحسينعليهالسلام ؛ حيث أنشد مُتمثّلاً بأبيات ابن الزبعرى:
لـيت أشـياخي ببدرٍ شهدوا |
جزع الخزرج من وقْع الأسل |
|
لأهـلُّـوا واسـتهلّوا فـرحاً |
ثـمّ قـالوا يـا يزيد لا تُشل |
|
قـد قـتلنا القَرْم من ساداتهم |
وعـدَلـناه بـبدرٍ فـاعتدل |
|
لـعبت هـاشم بـالملك فـلا |
خـبرٌ جـاء ولا وحـيٌ نزل |
|
لـست من خِندف إن لم أنتقم |
من بني أحمد ما كان فعَل(١) |
ويقول:
لما بدت تلك الحمول أشرقت |
تلك الرؤوس على شفا جيرون |
|
نعب الغراب فقلت قُلْ أولا تقُلْ |
فقد اقتضيت من الرسول ديوني(٢) |
فهذا وذاك وغيرهما كثير؛ ممّا يكشف عن مدى حقد هذه الشجرة الملعونة على أهل البيتعليهمالسلام وفرحتهم بمقاتلهم.
وأمّا دمشق، فلولائها لبني أميّة؛ إذ كفى أهلها عاراً وشناراً أنّهم أوقفوا بقيّة الركب الحسينيّ عند باب الساعات، وقد خرجوا إليهم بالدفوف والمزامير والبوقات، في حال من الفرح والسرور والابتهاج بمقتل ابن بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأهل بيته وأصحابه.
وأمّا البصرة آنذاك، فإنّ أغلب أهلها عثمانيو الرأي والهوى، فلا عجب أن تُستثنى البصرة آنذاك من بقيّة بقاع الأرض التي بكت على الإمام الحسينعليهالسلام (٣) .
____________________
(١) مقتل الحسينعليهالسلام للمقرّم: ٣٥٧، وراجع اللهوف: ٢١٤.
(٢) نفس المصدر: ٣٤٨.
(٣) ممّا خاطب به أمير المؤمنين عليّعليهالسلام أهل البصرة يومذاك:(فما ظنّكم يا أهل البصرة، وقد نكثتم بيعتي، وظاهرتم عليَّ عدوّي؟). =
هناك مجموعة من الروايات التي تُحدِّث عن نَوح الجنّ لمقتل سيّد الشهداءعليهالسلام ، نذكر منها على سبيل المثال:
روى الشيخ ابن قولويه (ره) بسندٍ عن أمّ سلمةرضياللهعنه زوجة النبيّصلىاللهعليهوآله أنّها قالت: (ما سمعت نَوح الجنّ منذ قَبض الله نبيّه إلاّ الليلة، ولا أراني إلاّ وقد أُصبت بابني الحسين.
قالت: وجاءت الجِنيّة منهم وهي تقول:
أيا عيناي فانهملا بجُهد |
فمَن يبكي على الشهداء بعدي |
|
على رهطٍ تقودهم المنايا |
إلى متجبّرٍ من نسل عبدِ)(١) |
وروى (ره) أيضاً بسندٍ عن عبد الله بن حسّان الكناني قال:
(بكت الجنّ على الحسين بن عليّعليهماالسلام فقالت:
ماذا تـقولون إذ قـال الـنبيّ لـكم |
ماذا فـعـلتم وأنـتم آخِـر الأُمـم |
|
بـأهـل بـيتي وإخـواني ومـكرمتي |
من بين أسرى وقتلى ضُرِّجوا بدم)(٢) |
____________________
= فقام إليه رجل فقال: نظنّ خيراً ونراك قد ظفرت وقدرت، فإن عاقبت فقد اجترمنا ذلك، وإن عفوت فالعفو أحبُّ إلى الله.
فقال:(قد عفوت عنكم، فإيّاكم والفتنة، فإنّكم أوّل الرعيّة نكث البيعة وشقّ عصا هذه الأمّة!) (الإرشاد: ١: ٢٥٧).
لقد تمكّنت عائشة وطلحة والزبير وابنه عبد الله ومن ورائهم عصبة أُخرى من المنافقين - ممّن تخلّفوا عن بيعة أمير المؤمنين عليّعليهالسلام - من أمثال عبد الله بن عمر، وسعد بن أبي وقّاص، ومحمّد بن سلمة، من خداع أهل البصرة وكسب رأي جُلّ أهلها إلى صالحهم بدعوى مظلوميّة عثمان، فقاتلت البصرة آنذاك عليّاًعليهالسلام ، وكان قد قتل منهم مقتلة عظيمة في الجَمل، الأمر الذي ترك أثره الواضح في مَيل جُلِّ أهلها إلى الهوى والرأي العثماني.
(١) كامل الزيارات: ٩٣، باب ٢٩، حديث رقم ١.
(٢) كامل الزيارات: ١٠١ - ١٠٢، باب ٢٩، حديث رقم ٦.
وروى (ره) أيضاً بسندٍ عن داود الرقّي، قال: (حدّثتني جدّتي أنّ الجنّ لما قُتل الحسينعليهالسلام بكت عليه بهذه الأبيات:
يا عـين جـودي بـالعَبر |
وابـكـي فـقد حـقَّ الـخبر |
|
ابـكي ابـن فـاطمة الـذي |
ورد الـفـرات فـما صـدر |
|
الـجـنُّ تـبـكي شـجْـوها |
لـمّـا أتى مـنه الـخبر |
|
قُـتِـل الـحـسين ورهـطه |
تـعـساً لـذلـك مـن خـبر |
|
فـلأبـكـيـنّك حرقة |
عـنـد الـعـشاء وبـالسحَر |
|
ولأبـكـينّك ما جرى |
عِرقٌ وما حمل الشجر) (١) . |
روى الخوارزمي بسند متّصل إلى المفضّل بن عمر الجعفي قال: (سمعت جعفر بن محمّدعليهماالسلام يقول:
(حدّثني أبي محمد بن عليّ عليهماالسلام ، حدّثني أبي عليّ بن الحسين عليهماالسلام قال: لما قُتل الحسين جاء غراب فوقع في دمه، ثمّ تمرّغ، ثمّ طار فوقع بالمدينة على جدار فاطمة بنت الحسين وهي الصغرى، فرفعت رأسها إليه فنظرته فبكت ...) (٢) .
وينقل العلاّمة المجلسيّ (ره) عن (بعض مؤلّفات أصحابنا) أنّه روي من طريق أهل البيتعليهمالسلام أنّه:
(لما استُشهد الحسين عليهالسلام بقي في كربلاء صريعاً، ودمه على الأرض مسفوحاً، وإذا بطائرٍ أبيض قد أتى وتمسّح بدمه، وجاء والدم يقطر منه، فرأى طيوراً تحت الظلال على الغصون والأشجار، وكلّ منهم يذكر الحَبّ والعلَف والماء،
____________________
(١) كامل الزيارات: ٩٧، باب ٢٩، حديث ١١.
(٢) مقتل الحسينعليهالسلام ، للخوارزمي: ٢: ٩٢.
فقال لهم ذلك الطير المتلطّخ بالدّم: يا ويلكم! أتشتغلون بالملاهي وذِكْر الدنيا والمناهي، والحسين في أرض كربلاء في هذا الحرّ مُلقىً على الرمضاء ظامئ مذبوح ودمه مسفوح، فعادت الطيور كلٌّ منهم قاصداً كربلاء، فرأوا سيّدنا الحسين مُلقىً في الأرض جثّة بلا رأس، ولا غُسل ولا كفن، قد سفت عليه السوافي وبدنه مرضوض قد هشّمته الخيل بحوافرها، زوّاره وحوش القِفار، وندبته جنّ السهول والأوعار، قد أضاء التراب من أنواره، وأزهر الجوّ من إزهاره .
فلما رأته الطيور تصايحن وأعلنّ بالبكاء والثبور، وتواقعن على دمه يتمرَّغن فيه، وطار كلّ واحدٍ منهم إلى ناحية، يُعلِم أهلها عن قتل أبي عبد الله الحسين عليهالسلام ...) (١) .
وروى الخوارزمي بسنده عن المشطاح الورّاق، قال: (سمعت الفتح بن سحرف(٢) ، العابد يقول: كنت أفتّ الحَبّ للعصافير كلّ يوم فكانت تأكل، فلما كان يوم عاشوراء فتتُّ لها فلم تأكل، فعلمت أنّها أمتنعت لقتل الحسين بن عليّعليهماالسلام !)(٣) .
____________________
(١) البحار: ٤٥: ١٩١، ومدينة المعاجز: ٤: ٧٢، والعوالم: ١٧ ٥١٢ ح١.
(٢) في سير أعلام النبلاء ١٣: ٩٣ و ٨: ٣٨٧: الفتح بن شخرف، والظاهر أنّه توفِّي سنة ٧٣ هـ وفي تاريخ بغداد: ١٢: ٣٨٤: كان أحد العبّاد السيّاحين، ثمّ سكن بغداد وكان من المشهورين بالورع والصلاح إلى آخر عمره.
(٣) مقتل الحسينعليهالسلام / للخوارزمي: ٢: ٩١، وفي بغية الطلب في تاريخ حلب ٦: ٢٦٥٧ لأحمد بن أبي جرادة الحلبي المتوفَّى سنة ٦٦٠ هـ: (عن أبي الفضل بن عبد السميع المنصوري يقول: سمعت الفتح بن شرف يقول: كنت أفتّ للنمل الخبز كلّ يوم، فلما كان يوم عاشوراء لم يأكلوه!).
روى ابن شهر آشوب عن أحاديث ابن الحاشر قال: (كان عندنا رجل فخرج على الحسين، ثمّ جاء بجَمل وزعفران، فكلّما دقّوا الزعفران صار ناراً، فلطخت امرأته على يديها فصارت برصاء.
وقال: ونحر البعير، فكلّما جزّوا بالسكّين صار مكانها ناراً! فقطعوه فخرج منه النار! قال: فطبخوه ففارت القِدْر ناراً!)(١) .
وروى ابن عساكر بسنده، عن أبي حميد الطحّان قال: (كنت في خزاعة فجاؤوا بشيء من تركة الحسين، فقيل لهم: ننحر أو نبيع فنُقسّم؟
قالوا: انحروا. قال: فنُحر، فجُعل على جفْنة، فلما وضعت فارت ناراً!)(٢) .
وعنه أيضاً، بإسناده عن حمّاد بن زيد: حدّثني جميل بن مرّة قال: أصابوا إبلاً في عسكر الحسين يوم قُتل، فطبخوا منها، فصارت كالعلْقم!)(٣) .
ونقل الذهبي، عن يحيى بن معين: حدّثنا جرير، عن يزيد بن أبي زياد(٤) قال: قُتِل الحسين ولي أربع عشرة سنة، وصار الوَرْس الذي كان في عسكرهم رماداً! واحمرّت آفاق السماء! ونحروا ناقة في عسكرهم، فكانوا يرون في لحمها
____________________
(١) مناقب آل أبي طالبعليهالسلام : ٣: ٢١٥، والبحار: ٤٥: ٣٠٢، والعوالم: ١٧: ٦١٧.
(٢) تاريخ ابن عساكر / ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام / تحقيق المحمودي: ٣٦٦، رقم ٣٠٨.
(٣) تاريخ ابن عساكر / ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام / تحقيق المحمودي: ٣٦٦ - ٣٦٧، رقم ٣٠٩، وانظر: سير أعلام النبلاء: ٣: ٣١٣.
(٤) قال محمد بن فضيل: كان من أئمّة الشيعة الكبار! وقال أبو عبيد الآجري عن أبي داود: لا أعلم أحداً ترك حديثه!
وقال محمّد بن عبد الله الحضرمي: مات سنة سبع وثلاثين ومئة. (راجع: تهذيب الكمال: ٣٢: ١٣٨ - ١٣٩).
النيران!)(١) .
وروى سبط ابن الجوزي، بسند إلى مروان بن الوصين، قال: (نُحرت الإبل التي حُمل عليها رأس الحسين وأصحابه، فلم يستطيعوا أكل لحومها، كانت أمَرَّ من الصبْر!)(٢) .
وروى الطبراني بسنده عن ذويد الجعفي، عن أبيه قال: (لما قُتل الحسين انتُهب جزور من عسكره، فلما طُبخت إذا هي دم! فأكفوها)(٣) .
وقال ابن حجر: (وأخرج أبو الشيخ، أنّ الوَرْس الذي كان في عسكرهم تحوّل رماداً، وكان في قافلة من اليمن تُريد العراق فوافتهم حين قتله!)(٤) .
روى الزمخشري، عن هند بنت الجون أنّه: نزل رسول اللهصلىاللهعليهوآله خيمة خالتي أمّ معبد(٥) ، فقام من رقدته ودعا بماء فغسل يديه، ثمّ تمضمض ومجّ في عوسجة إلى جانب الخيمة، فأصبحنا وهي كأعظم دوحة! وجاءت بثمر كأعظم ما يكون في لون الوَرْس ورائحة العنبر وطعم الشهد! ما أكل منها جائع إلاّ شبع، ولا ظمآن إلاّ روى، ولا سقيم إلاّ برئ! ولا أكل من ورقها بعير إلاّ سمن، ولا شاة إلاّ درّ لبنها،
____________________
(١) سِيَر أعلام النبلاء: ٣: ٣١٣.
(٢) تذكرة الخواص: ٢٤٠.
(٣) المعجم الكبير: ٣: ١٢١ حديث رقم ٢٨٦٤، وراجع نظم دُرر السمطين ٢٢٠، إحقاق الحق ١١: ٥٠٢.
(٤) الصواعق المحرقة: ١٩٤.
(٥) اشتهرت بكُنيتها، واسمها عاتكة بنت خالد بن خليف بن منقذ بن ربيعة الخزاعية وكان منزلها بقديد، نزل عليها رسول اللهصلىاللهعليهوآله حين هاجر إلى المدينة. (راجع: الاستيعاب: ٤: ١٩٥٨).
فكنّا نُسميّها المباركة!
وينتابنا من البوادي، مَن يستشفي بها ويتزوّد بها، حتّى أصبحنا ذات يوم وقد تساقط ثمرها واصفّر ورقها! ففزعنا فما راعنا إلاّ نعي رسول الله، ثمّ إنّها بعد ثلاثين سنة أصبحت ذات شوك من أسفلها إلى أعلاها، وتساقط ثمرها وذهبت نَضرتها! فما شعرنا إلاّ بمقتل أمير المؤمنين عليّ، فما أثمرت بعد ذلك، فكنّا ننتفع بورقها، ثمّ أصبحنا وإذا بها قد نبع من ساقها دم عبيط! وقد ذبُل ورقها! فبينا نحن فزعين بورقها إذ أتانا خبر مقتل الحسين، ويبست الشجرة على أثر ذلك وذهبت!)(١) .
____________________
(١) ربيع الأبرار: ١: ٢٨٥، وانظر: مقتل الحسينعليهالسلام / للخوارزمي: ٢: ٩٨، وإحقاق الحقّ: ١١: ٤٩٤.
المقصد الأول
الفصل الثاني
الوقائع المتأخِّرة عن قتل الإمام الحسينعليهالسلام
الفصل الثاني
الوقائع المتأخّرة عن قتلهعليهالسلام
لا شكّ في أنّ كلّ مَن اشترك في قتل سيّد شباب أهل الجنّة وسلْبه ونهْبه، ابتُلي ببليّة في دار الدنيا قبل الآخرة.
روى الخوارزمي في المقتل، عن مينا أنّه قال: (ما بقي من قَتَلَةِ الحسين أحدٌ لم يُقتل إلاّ رُمي ببلاء في جسده قبل أن يموت)(١) .
ونقل سبط ابن الجوزي، عن الزهري أنّه قال: (ما بقي منهم أحدٌ إلاّ وعوقِب في الدنيا، إمّا بالقتل، أو العَمى، أو سواد الوجه، أو زوال الملك في مدّة يسيرة)(٢) .
قُتِل عبيد الله بن زياد (ل) على يد إبراهيم بن مالك الأشتر (ره) في وقعة الخازر، حيث التقاه في ميدان المعركة، فضربه ضربة بالسيف شرّقت منها يداه، وغرّبت رِجلاه، وكان ذلك في الليل، فلما تأكّدوا منه وجدوا أنّه عبيد الله بن زياد نفسه،
____________________
(١) مقتل الحسينعليهالسلام / للخوارزمي: ١: ١٠٤.
(٢) تذكرة الخواص: ٢٥٢.
فاجتزّوا رأسه، وقال إبراهيم بن مالك: الحمد لله الذي أجرى قتله على يدي(١) .
وبعث إبراهيم بن مالك (ره) برأس عبيد الله بن زياد لعنه الله، ورؤوس الرؤساء من أهل الشام وفي آذانهم رقاع أسمائهم، فقدِموا على المختار وهو يتغدّى، فحمد الله تعالى على الظفر، فلما فرغ من الغداء قام فوطأ وجه ابن زياد بنعله، ثمّ رمى بها إلى غلامه وقال: اغْسِلها؛ فإنّي وضعتها على وجه نجس كافر(٢) .
وروى الخوارزمي بسنده، عن عمارة بن عمير قال: (لما جيء برأس عبيد الله بن زياد إلى المختار مع رؤوس أصحابه، نُضِّدت في المسجد في الرحْبة، فانتهيت إلى الناس وهم يقولون: قد جاءت! قد جاءت! فلم أدرِ! فإذا حيّة قد جاءت فتخلّلت الرؤوس حتّى دخلت في منخر عبيد الله بن زياد! فمكثت هُنيئة، ثمّ خرجت فذهبت حتّى تغيّبت، ثمّ قالوا: قد جاءت! قد جاءت! ففعلت ذلك أمامي مرّتين أو ثلاثاً!
قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث صحيح)(٣) .
(قال أبو عمر البزّاز: كنت مع إبراهيم بن مالك الأشتر، لما لقي عبيد الله بن زياد - لعنه الله - بالخازر، فعددنا القتلى بالقصب لكثرتهم. قيل: كانوا سبعين ألفاً، وصَلب إبراهيمُ ابنَ زياد مُنكَّساً، فكأنّي أنظر إلى خُصْيَيه كأنّهما جعلان!)(٤) .
____________________
(١) راجع: ذوب النضار: ١٣٢ - ١٣٨.
(٢) ذوب النضار: ١٤٢.
(٣) مقتل الحسينعليهالسلام / للخوارزمي: ٢: ٩٦ / وروى أيضاً عن عبد الملك بن كردوس، عن حاجب عبيد الله قال: (دخلت القصر خلْف عبيد الله فاضطرم في وجهه ناراً! فقال هكذا بكُمّه على وجهه، والتفت إليّ فقال: هل رأيت؟ قلت: نعم. فأمرني أن أكتم ذلك!) (نفس المصدر: ٢: ٩٩).
(٤) ذوب النضار: ١٤٢ / وعن أبي الطفيل عامر بن وائلة الكناني قال: وضِعتْ الرؤوس عند السدّة =
كانت الندامة والحَسرة قد أكلت قلب عمر بن سعد لعنه الله؛ لأنّه لم يَنَلْ من ابن زياد ما كان يؤمَّله من مناصب الدنيا وأطماعها، وخرج من مجلس ابن زياد يُريد منزله إلى أهله (وهو يقول في طريقه: ما رجع أحدٌ مثل ما رجعت! أطعت الفاسق ابن زياد الظالم ابن الفاجر! وعصيت الحاكم العدل! وقطعت القرابة الشريفة! وهجَره الناس، وكان كلّما مرّ على ملأ من الناس أعرضوا عنه، وكلّما دخل المسجد خرج النّاس منه، وكلّ مَن رآه قد سبّه! فلزم بيته إلى أن قُتِل!)(١) .
وكان المختار (ره) قد أعطى عمر بن سعد الأمان بشرط ألاّ يُحدِث حدَثاً(٢) ، ولما علم عمَر بقول المختار فيه عزم على الخروج من الكوفة، فأحضر رجلاً اسمه مالك بن دومة وكان شجاعاً، وأعطاه أربعمئة دينار نفقة لحوائجهما، وخرجا من الكوفة، فلما كانا عند حمّام عمر أو نهر عبد الرحمان أطلع عمر صاحبه على نيّته في الهرب خوفاً من المختار، لكنّ صاحبه أقنعه بأنّ المختار أعجز من أن ينال عمَر بسوء، وأوحى إليه أنّه أعزّ العرب! فاغترّ بكلامه فرجعا إلى الكوفة، ولما علم المختار بخروجه من الكوفة قال: ألله أكبر! وفَينا له وغدَر! وفي عُنقه سلسلة لو جهد أن ينطلق لَما استطاع!
____________________
= بالكوفة، عليها ثوب أبيض، فكشفنا عنها الثوب وحيّة تتغلغل في رأس عبيد الله بن زياد! ونُصبت الرؤوس في الرحبة.
قال عامر: ورأيت الحيّة تدخل في منافذ رأسه وهو مصلوب مراراً!!) (نفس المصدر: ١٤٢ - ١٤٣).
(١) تذكرة الخواص: ٢٣٣.
(٢) قال الإمام الباقرعليهالسلام :(إنّما قصد المختار (إلاّ أن تُحدِث حدَثاً!) هو أن يدخل بيت الخلاء ويُحدِث!) (راجع: ذوب النضار: ١٥٧).
وأرسل عمَر ابنه إلى المختار فقال له: أين أبوك؟
قال: في المنزل - ولم يكونا يجتمعان عند المختار، وإذا حضر أحدهما غاب الآخر خوفاً أن يجتمعا فيقتلهما - فقال حفص: أبي يقول: أتفي لنا بالأمان؟
قال: اجلس! وطلب المختار أبا عمرة - وهو كيسان التمّار - فأسرّ إليه أن اقتُل عمر بن سعد، وإذا دخلت عليه وسمعته يقول: يا غلام! عليّ بطيلساني، فاعلم أنّه يُريد السيف، فبادره واقتله!
فلم يلبث أن جاء ومعه رأسه!
فقال حفص: إنّا لله وإنّا إليه راجعون. فقال له: أتعرف هذا الرأس؟ قال: نعم، ولا خير في العيش بعده! فقال: إنّك لا تعيش بعده! وأمَر بقتله.
وقال المختار: عمَر بالحسينعليهالسلام ، وحفص بعليّ بن الحسينعليهالسلام ، ولا سواء، والله، لأقتلنّ سبعين ألفاً كما قُتل بيحيى بن زكرياعليهماالسلام .
وقيل: إنّه قال: لو قتلت ثلاثة أرباع قريش، لَما وفوا بأنمُلة من أنامل الحسينعليهالسلام (١) .
قال مسلم بن عبد الله الضبابي: (كنا مع شمْر حين هزَمَنا المختار، فدنا منّا العبد(٢) ، فقال شمر: اركضوا وتباعدوا؛ لعلّ العبد يطمع فيّ! فأمعنّا في التباعد عنه،
____________________
(١) راجع: ذوب النضار: ١٢٦ - ١٢٩.
(٢) في ذوب النضار: ١١٦ / (ثمّ علم المختار أنّ شمر بن ذي الجوشن - لعنه الله - خرج هارباً ومعه نفر ممّن شرك في قتل الحسينعليهالسلام ، فأمر عبداً له أسود - يُقال له: رزين. وقيل: زربي، ومعه عشرة وكان شجاعاً - يتّبعه فيأتيه برأسه).
حتى لحقه العبد فحمل عليه شمر فقتله، ومشى فنزل في جانب قرية اسمها الكلتانيّة(١) على شاطئ نهر إلى جانب تلّ، ثمّ أخذ من القرية علْجاً فضربه، ودفع إليه كتاباً، وقال: عجّل به إلى مصعب بن الزبير فمشى العلْج حتّى دخل قرية فيها أبو عمرة بعثه المختار إليها في أمرٍ ومعه خمسمئة فارس، فأقرأ الكتاب رجلاً من أصحابه، وقرأ عنوانه، فسأل عن شمر وأين هو؟ فأخبره أنّ بينهم وبينه ثلاثة فراسخ قال مسلم بن عبد الله: قلت لشمر: لو ارتحلت من هذا المكان فإنّا نتخوّف عليك! قال: ويلكم! أكلّ هذا الجزع من الكذّاب؟! - والله - لا برحت فيه ثلاثة أيّام! فبينما نحن في أوّل النوم، إذ أشرفت علينا الخيل من التلّ وأحاطوا بنا، وهو عريان متّزرٌ بمنديل، فانهزمنا وتركناه!
فأخذ سيفه ودنا منهم فلم يكُ بأسرع أن سمعنا: قُتل الخبيث! قتله أبو عمرة، وقُتل أصحابه.
ثمّ جيء بالرؤوس إلى المختار، فخرّ ساجداً، ونُصبت الرؤوس في رحبة الحذّائين، حذاء الجامع)(٢) .
(وهرب سنان بن أنس لعنه الله إلى البصرة فهُدم داره، ثمّ خرج من البصرة نحو القادسيّة، وكان عليه عيون، فأخبروا المختار، فأخذه بين العذيب والقادسيّة، فقطّع أنامله ثمّ يديه ورجْليه، وأغلى زيتاً في قِدر وألقاه فيه)(٣) .
____________________
(١) الكلتانيّة: قرية ما بين السوس والصيمرة. (مراصد الإطّلاع: ٣/١١٧٤).
(٢) راجع: ذوب النضار: ١١٦ - ١١٨.
(٣) ذوب النضار: ١٢٠.
(ثمّ بعث أبا عمرة، فأحاط بدار خولّي بن يزيد الأصبحي، وهو حامل رأس الحسينعليهالسلام إلى عبيد الله بن زياد، فخرجت امرأته إليهم وهي النوّار ابنة مالك - كما ذكر الطبري في تأريخه - وقيل: اسمها العيّوف، وكانت مُحبّةً لأهل البيتعليهمالسلام ، قالت: لا أدري أين هو؟! وأشارت بيدها إلى بيت الخلاء! فوجدوه وعلى رأسه قوصرة(١) ، فأخذوه وقتلوه، ثمّ أمر بحرقه)(٢) .
(ثمّ بعث عبد الله بن كامل إلى حكيم بن الطُّفيل السنبسي، وكان قد أخذ سلْب العبّاس ورماه بسهم، فأخذوه قبل وصوله إلى المختار، ونصبوه هدفاً، ورموه بالسهام)(٣) .
(حدّث المنهال بن عمرو قال: دخلت على زين العابدينعليهالسلام أُودِّعه وأنا أُريد الانصراف من مكّة، فقال:(يا منهال! ما فعل حرملة بن كاهل؟!) . وكان معي بشر بن غالب، فقلت: هو حيٌّ بالكوفة!
فرفع يديه وقال:(اللّهمّ، أذِقْه حرّ الحديد، اللهمّ، أذِقْه حرّ الحديد، اللهمّ، أذِقْه حرّ النار!) .
قال المنهال: وقدمت إلى الكوفة والمختار بها فركبت إليه، فلقيته خارجاً من داره، فقال: يا منهال! ألم تشركنا في ولايتنا هذه؟
فعرّفته أنّي كنت بمكّة، فمشى حتّى أتى الكُناس، ووقف كأنّه ينتظر شيئاً! فلم يلبث أن جاء قوم فقالوا: أبشِر أيُّها
____________________
(١) القوصرة: وعاء للتمر يُصنع من نسج أوراق سعف النخيل.
(٢) ذوب النضار: ١١٨ - ١١٩.
(٣) ذوب النضار: ١١٩.
الأمير فقد أُخذ حرملة! فجيء به، فقال: لعنك الله، الحمد لله الذي أمكنني منك! الجزّار الجزّار! فأُتي بجزّار، فأمره بقطع يديه ورجْليه، ثمّ قال: النّار النّار!، فأُتي بنار وقصب فأُحرق ...)(١) .
وكان ممّن سلبوا الإمامعليهالسلام ، وكانوا قد أتوا المختار به (وعرّفوه أنّه أخذ خاتمه وقطع إصبعه! فأمر بقطع يديه ورجْليه، فلم يزل ينزف حتّى مات)(٢) .
(قال موسى بن عامر: فأوّل مَن بدأ به(٣) الذين وطأوا الحسينعليهالسلام بخَيلهم، وأنامهم على ظهورهم، وضرب سكك الحديد في أيديهم وأرجلهم، وأجرى الخيل عليهم حتّى قطّعتهم، وحرّقهم بالنار، ثمّ أخذ رجُلين اشتركا في دم عبد الرحمان بن عقيل بن أبي طالب وفي سلْبه، كانا في الجبّانة، فضرب أعناقهما، ثمّ أحرقهما بالنار، ثمّ أحضر مالك بن بشير(٤) فقتله في السوق)(٥) .
(وطلب عمرو بن صبيح الصيداوي(٦) ، فأتوه وهو على سطحه بعدما هدأت
____________________
(١) ذوب النضار: ١٢١.
(٢) ذوب النضار: ١٢٣.
(٣) أي المختار.
(٤) تذكره مصادر تأريخية أُخرى باسم: مالك بن النسر، وهو الذي سلب الإمامعليهالسلام بُرنسه وكان من خزّ، وروي أنّه يبست يداه ولم يزل فقيراً بأسوء حال إلى أن مات. (راجع: مقتل الحسينعليهالسلام / للخوارزمي: ٢: ٣٤).
(٥) ذوب النضار: ١١٨.
(٦) وهو أيضاً من الذين رضّوا جسد الإمامعليهالسلام .
العيون، وسيفه تحت رأسه، فأخذوه وسيفه، فقال: قبّحك الله من سيف! ما أبعدك على قُربك!
فجيء به إلى المختار، فلما كان من الغَداة طعنوه بالرماح حتّى مات)(١) .
(وأحضر زيد بن رقاد فرماه بالنبْل والحجارة وأحرقه)(٢) .
قال الخوارزمي: (وقال عبيد الله بن عمّار: رأيت على الحسين سراويل تلمع ساعة قُتِل، فجاء أبجر بن كعب فسلبه وتركه مُجرّداً! وذكر محمّد بن عبد الرحمان: أنّ يدي أبجر بن كعب كانتا تنضحان الدم في الشتاء وتيبسان في الصيف كأنّهما عود!)(٣) .
ويروي الخوارزمي أيضاً عن الإمام الصادقعليهالسلام ، أنّه قال:(وجِد فيه (٤) ثلاث وثلاثون طعنة، وأربع وثلاثون ضربة، وأخذ سراويله بحير بن عمرو الجرمي فصار زمناً مُقعداً من رجْليه، وأخذ عمامته جابر بن يزيد الأزدي فاعتمّ بها فصار
____________________
(١) ذوب النضار: ١٢٢.
(٢) ذوب النضار: ١٢٠.
(٣) مقتل الحسينعليهالسلام / للخوارزمي: ٢: ٤٣ - ٤٤ / ويُلاحَظ أنّ المصادر التأريخية المعتبرة الأُخرى أثبتت أيضاً اسم هذا اللعين: أبجر بن كعب، كما في تاريخ الطبري: ٣: ٣٣٣، والإرشاد: ٢: ١١٠، وإعلام الورى: ١: ٤٦٨، واللهوف: ١٧٨، والمناقب لابن شهر آشوب: ٤: ١٢٠، وتذكرة الخواص: ٢٢٨، وورد في الدرّ النظيم: ٥٥٧: الحرّ بن كعب، والظاهر أنّه تصحيف، وقال المحقّق السماوي في إبصار العين: ٧٤: (ويمضي في بعض الكُتب ويجري على بعض الألسن: أبحر بن كعب، وهو غلط وتصحيف).
(٤) أي الحسينعليهالسلام .
مجذوماً، وأخذ مالك بن نسر الكندي درعه فصار معتوهاً ...) (١) .
(ورُئي رجل بلا يدَين ولا رجْلين وهو أعمى، يقول: ربِّ، نجّني من النّار! فقيل له: لم تبقَ عليك عقوبة وأنت تسأل النجاة من النار؟ قال: إنّي كنت في مَن قاتل الحسين بن عليّ في كربلاء، فلما قُتل رأيت عليه سراويل وتكّة حسنة، وذلك بعدما سلَبه الناس، فأردت أن أنتزع التكّة، فرفع يده اليمنى ووضعها على التكّة، فلم أقدر على دفعها فقطعت يمينه! ثمّ أردت انتزاع التكّة، فرفع شماله ووضعها على التكّة، فلم أقدر على دفعها فقطعت شماله، ثمّ هممت بنزع السراويل! فسمعت زلزلة فخفت وتركته، فألقى الله عليّ النوم، فنمت بين القتلى، فرأيت كأنّ النبيّ محمّداًصلىاللهعليهوآله أقبل ومعه عليّ وفاطمة والحسنعليهمالسلام ، فأخذوا رأس الحسين، فقبّلتْه فاطمة وقالت:يا بنيّ، قتلوك! قتلهم الله! وكأنّه يقول:ذبحني شمر، وقطع يدي هذا النائم! وأشار إليّ.
فقالت فاطمة:قطع الله يديك ورجليك، وأعمى بصرك وأدخلك النار ، فانتبهت وأنا لا أُبصر شيئاً، ثمّ سقطت يداي ورجلاي منِّي! فلم يبقَ من دعائها إلاّ النار!)(٢) .
____________________
(١) مقتل الحسينعليهالسلام / للخوارزمي: ٢: ٤٢.
(٢) مقتل الحسينعليهالسلام / للخوارزمي: ٢: ١١٥، وفي اللهوف: ١٨٣: (وروى ابن رباح قال: لقيت رجلاً مكفوفاً قد شهد قتل الحسين، فسُئل عن ذهاب بصَره.
فقال: كنت قد شهدت قتله عاشر عشرة، غير أنّي لم أطعن ولم أضرب ولم أرمِ، فلما قُتل رجعت إلى منزلي وصلّيت العشاء الآخرة، ونمت، فأتاني آتٍ في منامي فقال: أجب رسول اللهصلىاللهعليهوآله . فقلت: مالي وله؟!
فأخذ بتلابيبي وجرّني إليه، فإذا النبيّصلىاللهعليهوآله جالس في صحراء، حاسر عن ذراعيه، آخذ بحربة! ومَلَكٌ قائم بين يديه وفي يديه سيف من نار يقتل أصحابي التسعة، فلما ضرب ضربة التهبت أنفسهم ناراً! فدنوت منه وجثوت بين يديه وقلت: السلام عليك يا رسول الله. فلم يردّ عليّ، =
وروى الخوارزمي عن أبي عبد الله غلام الخليل قال: (حدّثنا يعقوب بن سليمان قال: كنت في ضيعتي فصلّينا العُتمة، وجعلنا نتذاكر قتل الحسينعليهالسلام ، فقال رجل من القوم: ما أعان أحدٌ عليه إلاّ أصابه بلاءٌ قبل أن يموت. فقال شيخ كبير من القوم: أنا ممّن شهدها، وما أصابني أمرٌ كرهته إلى ساعتي هذه!
وخبا السِراج، فقام ليُصلحه فأخذته النار! وخرج مُبادراً إلى الفرات وألقى نفسه فيه، واشتعل وصار فحمة!)(١) .
____________________
= ومكث طويلاً، ثمّ رفع رأسه وقال:يا عدوّ الله! انتهكت حُرمتي! وقتلت عترتي! ولم ترعَ حقّي وفعلت ما فعلت! فقلت: يا رسول الله، والله، ما ضربت بسيف، ولا طعنت برمح، ولا رميت بسهم. فقال:صدقت، ولكن كثّرت السواد، اُدنُ منّي! فدنوت منه فإذا طشت مملوٌّ دماً! فقال لي:هذا دم ولدي الحسين عليهالسلام ! فكحَّلني من ذلك الدم، فانتبهت حتى الساعة لا أبصر شيئاً!)، ورواه الخوارزمي أيضاً في المقتل: ٢: ١١٧ - ١١٨ وفيه ابن رماح بدلاً من ابن رباح، وقال الخوارزمي: وأورد هذا الحديث مجد الأئمة السرخسي ورواه عن أبي عبد الله الحدّاد، عن الفقيه أبي جعفر الهنداوني
(١) مقتل الحسينعليهالسلام / للخوارزمي: ٦٢ على ما في طبعة الغري / نقلاً عن إحقاق الحق: ١١: ٥٣٦، ورواه الخوارزمي، أيضاً في المقتل: ٢: ١١١ عن عطاء بن مسلم، عن السدّي، بتفاوت، والشيخ المحترق فيه من قبيلة طيّ، ورواه ابن حجر في صواعقه، ١٩٣ عن أبي الشيخ بتفاوت.
وانظر: تهذي التهذيب: ٢: ٣٥٣، وتذكرة الخواص: ٢٩٢، ووسيلة المآل لأحمد بن الفضل بن محمّد بن كثير: ١٩٧ (على ما في إحقاق الحقّ: ١١: ٥٣٨)، وانظر: نظم درر السمطين للزرندي: ٢٢٠، وسير أعلام النبلاء: ٣: ٢١١، وينابيع المودّة: ٣٢٢، وإسعاف الراغبين: ١٩١، وجواهر المطالب: ٢: ٢٨٩، وبشارة المصطفى للطبري: ٤٢٦ رقم ٣.
لم يكتفِ جلاوزة بني أُميّة، أعداء الله ورسولهصلىاللهعليهوآله ، بعد قتل الإمامعليهالسلام بسلْبه ورضِّ جسده الطاهر بحوافر الخيل، بل جاوزوا المدى، فعدوا على المخيّم؛ لنهب ما فيه، ولهتك ستْر حُرَم رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، بسلْب ما عليهن من حُليّ وحجاب بصورة فجيعة يَندى لها جبين كلّ أبيّ غيور! وما أحسن ما قال اليافعي: (لما قُتل السادة الأخيار، مال الفجرة الأشرار إلى خيام الحريم المصونة وهتكوا الأستار!)(١) .
وقال الدينوري: (ثمّ مال الناس على ذلك الوَرْس الذي كان أخذه من العِير، وإلى ما في المضارب فانتهبوه!)(٢) .
وروى الطبري، عن أبي مخنف قائلاً: (ومال الناس على نساء الحسين وثقله ومتاعه، فإن كانت المرأة لتُنازع ثوبها عن ظهرها حتى تُغلَب عليه فيُذهب به منها!)(٣) .
ويقول السيّد ابن طاووس (ره): (وتسابق القوم على نهب بيوت آل الرسول وقرّة عين الزهراء البتول، حتّى جعلوا ينتزعون ملحفة المرأة عن ظهرها، وخرجن بنات رسول اللهصلىاللهعليهوآله وحريمه يتساعدن على البكاء ويندبن لفِراق الحماة والأحبَّاء)(٤) .
وكان نهب المخيّم بأمرٍ مُباشر من عمر بن سعد! قال الإسفراييني: (قال (أي عمر بن سعد): دونكم الخيام انهبوها!
فدخلوا وجعلوا يسلبون ما على الحريم
____________________
(١) مرآة الجنان: ١: ١٣٥.
(٢) الأخبار الطوال: ٢٥٨.
(٣) تاريخ الطبري: ٣: ٣٣٤، وانظر: الإرشاد: ٢: ١١٢، والكامل في التاريخ: ٣: ٢٩٥.
(٤) اللهوف: ١٨٠.
والأطفال من اللباس! ثمّ قطَّعوا الخيام بالسيوف، فخرجت أمّ كلثوم وقالت:
يا بن سعد، الله يحكم بيننا وبينك! ويحرمك شفاعة جدّنا! ولا يسقيك من حوضه كما فعلت بنا وأمرت بقتال سبط الرسول، ولم ترحم صبيانه، ولم تُشفِق على نسائه! فلم يلتفت إليها)(١) .
وكان المبادر لتنفيذ هذا العمل المخزي شمر بن ذي الجوشن! يقول حسام الدين في الحدائق الوردية: (وأقبل شمر بن ذي الجوشن إلى الخيام، وأمر بسلب كلّ ما مع النساء، فأخذوا كلّ ما في الخيمة، حتّى أخذوا قِرطاً في أذُن أمّ كلثوم وخرموا أذنها، وفرغ القوم من القسمة، وضربوا فيها النار!)(٢) .
وروى الشيخ الصدوق (ره) بسند عن عبد الله بن الحسنعليهماالسلام ، عن أمّه فاطمة(٣)،
____________________
(١) نور العين في مشهد الحسينعليهالسلام : ٤٦.
(٢) الحدائق الوردية: ١٢٣، وانظر: مناقب آل أبي طالبعليهمالسلام : ٤: ١١٢ وفيه: (وقصد شمر إلى الخيام، فنهبوا ما وجدوا حتّى قُطِعت أُذن أمّ كلثوم لحلقة!).
(٣) هي فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب، القرشيّة الهاشميّة المدنية.
روت عن بلال المؤذِّن مُرسلاً، وعن أبيها الحسينعليهالسلام ، وعن عبد الله بن عباس، وأخيها زين العابدينعليهالسلام ، وعن أسماء بنت عميس، وعن عمّتها زينب العقيلةعليهاالسلام ، وعن عائشة، وعن جدّتها فاطمة الكبرى بنت رسول الله مُرسلاً.
وروى عنها: أبناؤها: إبراهيم بن الحسين المثنّى، وأخوه الحسن المثلّث، وأخوه عبد الله بن الحسن المثنّى، وغيرهم (راجع: تهذيب الكمال: ٢٥: ٢٥٤).
قال ابن سعد: أمّها أمّ إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله، وتزوّجها ابن عمّها حسن بن حسن، فولدت له عبد الله وإبراهيم وحسناً وزينب (الطبقات: ٧: ٤٧٣، وانظر: مقاتل الطالبين: ١٧١).
وهي التي قال فيها الحسينعليهالسلام لابن أخيه الحسن المثنّى: إنّي اخترت لك ابنتي فاطمة، فهي أكثرهما شبهاً بأمّي فاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله . (راجع: مُستدركات علم رجال الحديث: =
بنت الحسينعليهماالسلام قالت:(دخلت الغاغة علينا الفسطاط وأنا جارية صغيرة، وفي رجْليّ خلخالان من ذهب، فجعل رجلٌ يفضّ الخلخالين من رجْلي وهو يبكي! فقلت: ما يُبكيك يا عدوّ الله؟! فقال: كيف لا أبكي وأنا أسلب ابنة رسول الله!
فقلت: لا تسلبني. قال: أخاف أن يجيء غيري فيأخذه!
____________________
= ٨: ٥٩٢).
روى العلاَّمة المجلسي في البحار ٢٦: ٢١٤، عن أبي المقدام قال: كنت أنا وأبي (المقدام) حاجَّين، قال: فماتت أمُّ أبي المقدام في طريق المدينة، قال: فجئت أُريد الإذن على أبي جعفرعليهالسلام فإذا بغلته مسرجة، وخرج ليركب، فلما رآني قال:(كيف أنت يا أبا المقدام؟) . قال: قلت: بخير جُعلت فداك. ثم قال:(يا فلانة استأذني على عمّتي) . قال: ثمّ قال:(لا تعجل حتى آتيك) . قال: فدخلت على عمّته فاطمة بنت الحسين، وطرحتْ لي وسادة فجلست عليها، ثمّ قالت: كيف أنت يا أبا المقدام؟ قلت: بخير جعلني الله فداكِ، يا بنت رسول الله.
قال: قلت: يا بنت رسول الله، شيء من آثار رسول اللهصلىاللهعليهوآله . قال: فدعت وُلْدها فجاؤوا خمسة، فقالت: يا أبا المقدام، هؤلاء لحم رسول اللهصلىاللهعليهوآله ودمه. وأرتني جفنة فيها وضرُ عجين، وضبّابته حديد، فقالت: هذه الجفنة التي أُهديت إلى رسول الله ملاء لحم وثريد! قال: فأخذتها وتمسّحت بها!
وقال العلاّمة المجلسي: وكون الجفنة عندها يُنافي سائر الأخبار، إلاّ أن يكون الإمامعليهالسلام أودعها عندها مع أنّها حينئذ كانت في بيتهعليهالسلام كما هو ظاهر الخبر.
وقال النمازي: وهي أكبر من سكينة. وبالجملة، لا نظير لها في التقوى والكمال والفضائل والجمال؛ ولذا تُسمّى الحور العين!
توفِّيت في المدينة سنة ١١٧ هـ. (راجع مُستدركات علم رجال الحديث ٨: ٥٩٢).
وكانت فيمَن قدم دمشق بعد قتل أبيها، ثمّ خرجت إلى المدينة. (تهذيب الكمال: ٣٥: ٢٥٥) وروى لها أبو داود، والترمذي، والنسائي في مُسند عليّ، وابن ماجة.
قالت: وانتهبوا ما في الأبنية حتّى كانوا ينزعون الملاحف عن ظهورنا!) (١) .
وقال ابن نما (ره): (ثمّ اشتغلوا بنهب عيال الحسين ونسائه، حتّى تُسلب المرأة مقنعتها من رأسها، أو خاتمها من أصبعها، أو قُرطها من أُذنها، وحِجلها من رجْلها، وجاء رجل من سنبس(٢) إلى ابنة الحسينعليهالسلام وانتزع ملحفتها من رأسها، وبقين عرايا تراوحهنّ رياح النوائب وتعبث بهنّ أكفّ المصائب، قد غشيهنّ القدَر النازل، وساورهنّ الخطْب الهائل ...)(٣) .
____________________
(١) أمالي الشيخ الصدوق: ١٣٩ - ١٤٠ المجلس ٣١، حديث رقم ٢ / وفي بعض النُسَخ (دخلت الغنمة علينا ...) وفي أُخرى (العامة)، والغاغة مأخوذة من الغوغاء، وأصل الغوغاء الجُراد حين يخفّ للطيران، ثمّ استُعير للسَّفلة من الناس والمتسرِّعين إلى الشرّ. (راجع: لسان العرب: ١٠: ١٤٦)، ورواه ابن سعد في طبقاته أيضاً، راجع: ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام / من القسم غير المطبوع من كتاب الطبقات الكبير لابن سعد: ٧٨، وانظر: سيَر أعلام النبلاء: ٣: ٣٠٣.
(٢) سنبس: اسم قبيلة هذا الرجل، فهو سنبسي.
(٣) مُثير الأحزان: ٧٦ / وينقل العلاّمة المجلسي (ره) قائلاً: (رأيت في بعض الكتب أنّ فاطمة الصغرى قالت: كنت واقفة بباب الخيمة، وأنا أنظر إلى أبي وأصحابه مُجزّرين كالأضاحي على الرمال، والخيول على أجسادهم تجول، وأنا أُفكّر فيما يقع علينا بعد أبي من بني أُميّة: أيقتلوننا أو يأسروننا؟ فإذا برجل على ظهر جواده يسوق النساء بكعب رمحه، وهنّ يلُذن بعضهنّ ببعض، وقد أخذ ما عليهنّ من أخمرة وأسورة، وهنّ يصحنَ: وا جدّاه، وا أبتاه، وا عليّاه، وا قلّة ناصراه، وا حسناه! أما من مُجير يُجيرنا؟ أما من ذائد يذود عنّا؟ قالت: فطار فؤادي وارتعدت فرائصي، فجعلت أُجيل بطرفي يميناً وشمالاً على عمّتي أمّ كلثوم؛ خشية منه أن يأتيني، فبينا أنا على هذه الحالة، وإذا به قد قصدني ففررت منهزمة، وأنا أظنّ أنِّي أسلم منه، وإذا به قد تبعني فذُهلت خشية منه، وإذا بكعب الرمح بين كتفيّ فسقطت على وجهي، فخرم أُذني وأخذ قُرطي ومقنعتي، وترك الدماء تسيل على خدّي، ورأسي تصهره الشمس، وولىّ راجعاً إلى الخيم، وأنا مغشيّ عليّ، وإذا أنا بعمّتي عندي تبكي وهي تقول: قومي نمضي! ما أعلم ما جرى على البنات وأخيك العليل؟ =
روى ابن شهر آشوب، عن الإمام الرضاعليهالسلام أنّه قال:
(إنّ المحرّم شهر كان أهل الجاهلية يُحرِّمون القتال فيه، فاستُحلّت فيه دماؤنا! وهُتك فيه حُرمتنا! وسُبي فيه ذرارينا ونساؤنا! وأُضرمت النيران في مضاربنا! وانتُهب ما فيها من ثقلنا!) (١) .
____________________
= فقمت وقلت: يا عمّتاه، هل من خرقة أستر بها رأسي عن أعين النُّظّار؟ فقالت: يا بنتاه، وعمّتك مثلك! فرأيت رأسها مكشوفاً وقد اسودّ من الضرب، فما رجعنا إلى الخيمة إلاّ وهي قد نُهبت وما فيها، وأخي عليّ بن الحسين مكبوب على وجهه لا يُطيق الجلوس من كثرة الجوع والعطش والأسقام، فجعلنا نبكي عليه ويبكي علينا) (البحار: ٤٥: ٦٠ - ٦١).
ويقول الإسفراييني في كتابه - نور العين في مشهد الحسينعليهالسلام ص٤٥ -: (قالت زينب أخت الحسين: كنّا ذلك الوقت جلوساً في الخيام، إذ دخل علينا رجال فيهم رجل أزرق العيون، فأخذ كلّ ما كان في خيمتنا التي كنّا مجتمعين فيها، ثمّ نظر إلى علي بن الحسين، وهو مطروح على قطعة من الأديم، فجذبها من تحته ورماه على الأرض، ثمّ أخذ قناعي من رأسي، ونظر إلى قِرط في أذُني، فعالجه وقرضه بأسنانه، فخرم أذُني ونزعه، وجعل الدم يسيل على ثيابي، وهو مع ذلك يبكي! ثمّ نظر إلى خلخال كان في رجلَيْ فاطمة الصغرى، فجعل يُعالجها حتّى كسرهما وخرج الخلخال منهما، فقالت له: أتسلبنا وأنت تبكي؟! فقال: أبكي لِما حلّ بكم أهل البيت!!
قالت زينب: فخنقتني العَبرة من وجع أذُني وبكاء فاطمة، فقلت له: قطع الله يديك ورجليك، وأذاقك الله النار في الدنيا قبل الآخرة!
فقال: والله، لا جاوزت دعوتها ثمّ قطع يديه ورجليه وأحرقه بالنار وذهب).
(١) مناقب آل أبي طالبعليهمالسلام : ٢: ٢٠٦، وانظر: مُسند الإمام الشهيد: ٢: ١٩٦.
لا شكّ في أنّ الإمام زين العابدين وسيّد الساجدين عليّ بن الحسينعليهماالسلام كان حاضراً في كربلاء مع أبيهعليهالسلام ، وكان مريضاً، وهذا ممّا تسالم عليه التاريخ، وكان شمر بن ذي الجوشن قد سعى بعد قتل الإمام الحسينعليهالسلام إلى قتل البقيّة الباقية، من ذريّة الحسينعليهالسلام مُتمثّلة بابنه الإمام زين العابدينعليهالسلام ، وكان ذلك بأمر صادر عن ابن زياد لعنه الله، كما صرّح شمر نفسه بهذا(١) .
قال الشيخ المفيد (ره) في كتابه الإرشاد: (قال حميد بن مسلم: فوالله، لقد كنت أرى المرأة من نسائه وبناته وأهله، تُنازع ثوبها عن ظهرها حتّى تُغلب عليه فيُذْهَب به منها، ثمّ انتهينا إلى عليّ بن الحسينعليهالسلام ، وهو منبسط على فراش وهو شديد المرض، ومع شمر جماعة من الرجّالة، فقالوا له: ألا نقتل هذا العليل؟
فقلت: سبحان الله! أيُقتل الصبيان؟! إنّما هو صبيّ وإنّه لما به! فلم أزل حتّى رددتهم عنه.
وجاء عمر بن سعد، فصاح النساء في وجهه وبكين، فقال لأصحابه: لا يدخل أحدٌ منكم بيوت هؤلاء النسوة، ولا تعرّضوا لهذا الغلام المريض.
وسألته ليسترجع ما أُخذ منهنّ ليتستّرنّ به، فقال: مَن أخذ من متاعهنّ شيئاً فليردّه عليهن!
فوالله، ما رَدّ أحدٌ منهم شيئاً، فوكَّل بالفسطاط وبيوت النساء، وعليّ بن الحسين، جماعة ممّن كانوا معه وقال: احفظوهم؛ لئلاّ يخرج منهم أحد، ولا تُسيئُنّ إليهم!)(٢) .
____________________
(١) كان الشمر قد أجاب مَن طلب إليه ألاّ يقتل الإمام السجّادعليهالسلام قائلاً: (قد صدر أمر الأمير عبيد الله، أن أقتل جميع أولاد الحسينعليهالسلام ) (راجع: معالي السبطين: ٢: ٨٧).
(٢) الإرشاد: ٢: ١١٢ - ١١٣، وانظر: تاريخ الطبري: ٣: ٣٣٥.
وروى ابن سعد في طبقاته، قائلاً: (وكان عليّ بن الحسين الأصغر مريضاً نائماً على فراش، فقال شمر بن ذي الجوش الملعون: اقتُلوا هذا!
فقال له رجل من أصحابه: سبحان الله! أتقتُل فتىً حدثاً مريضاً لم يُقاتل؟!
وجاء عمر بن سعد فقال: لا تعرَّضوا لهؤلاء النسوة، ولا لهذا المريض!)(١) .
وذكر القرماني في كتابه أخبار الدول، قائلاً: (وهَمّ شمر الملعون - عليه ما يستحقّ من الله - بقتل عليّ الأصغر بن الحسين وهو مريض، فخرجت إليه زينب بنت عليّ وقالت:والله، لا يُقتَل حتى أُقتل!) (٢) .
وفي روضة الصفا: (فلما وصل شمر - لعنه الله - إلى الخيمة التي كان عليّ بن الحسينعليهماالسلام فيها متّكئاً، سلّ سيفه ليقتله.
قال حميد بن مسلم: سبحان الله! أيُقتل هذا المريض؟! لا تقتله!
وقال بعضهم: إنّ عمر بن سعد أخذ بيديه وقال: أما تستحيي من الله؟! تُريد أن تقتل هذا الغلام المريض!
قال شمر: قد صدر أمر الأمير عبيد الله، أن أقتل جميع أولاد الحسين.
فبالغ عمر في منعه حتّى كفّ عنه، فأمر بإحراق خيام أهل بيت المصطفى!)(٣) .
وفي تذكرة الخواص، عن الواقدي قال: (وإنّما استبقوا عليّ بن الحسين؛ لأنّه لما قُتل أبوه كان مريضاً، فمرّ به شمر فقال: اقتلوه!
ثمّ جاء عمر بن سعد، فلما رآه قال: لا تتعرّضوا لهذا الغلام!
ثمّ قال لشمر: ويحك! مَن للحرم؟)(٤) .
____________________
(١) ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام من القسم غير المطبوع، من كتاب الطبقات الكبرى لابن سعد: ٧٨.
(٢) أخبار الدول: ١٠٨.
(٣) روضة الصفا: ٣: ١٧٠.
(٤) تذكرة الخواص: ٢٣٢.
تؤكّد جميع الروايات التي تتناول الحديث في حالة الإمام زين العابدينعليهالسلام في كربلاء، على أنّه كان مريضاً، ولم يرد في المصادر التاريخية إلى أيِّ فترة استمرّ به هذا المرض، لكنّ المستفاد من بعض الإشارات التاريخية، أنّهعليهالسلام كان لم يزل مريضاً ناحلاً ضعيفاً حتّى في الشام.
وقد ذهب بعضهم إلى أنّه قد أُصيب بعين فمَرِض، كما ذهب إلى ذلك أحمد بن حنبل، حيث زعم - على ما ذكره ابن شهر آشوب - أنّهعليهالسلام كان أُلبِس دُرعاً ففضل عنه، فأخذ الفضلة بيده ومزّقه؛ فصار سبباً لمرضه!(١).
واستبعد ذلك آخرون، وقالوا: إنّ الأمر أهمّ وأعظم ممّا ذهب إليه ابن حنبل؛ إذ إنّ إرادة الباري تعالى تعلّقت بضرورة بقائهعليهالسلام بعد أبيهعليهالسلام ؛ لأنّه من مصاديق (بقيّة الله)، وحلقة من حلقات سلسلة الإمامة المباركة، فشاء الله تعالى أن يكون مريضاً تلك الأيّام؛ حتّى يسقط عنه الجهاد بين يدي أبيه؛ ليُحفظ بذلك، ولتُحفظ به سلسلة الإمامة الكبرى(٢) .
ولا مُنافاة بين أن يكون لمنشأ مرضه سبب في الخارج، وبين أن تكون الغاية من مرضه حفْظ سلسلة الإمامة، فالأمور بأسبابها.
____________________
(١) راجع: مناقب آل أبي طالبعليهمالسلام : ٤: ١٤٢.
(٢) في مقتل الحسينعليهالسلام / للخوارزمي: ٢: ٣٦ / يقول الخوارزمي: (فخرج علي بن الحسين وهو زين العابدين، وهو أصغر من أخيه عليِّ القتيل، وكان مريضاً، وهو الذي نَسَلَ آل محمّدعليهمالسلام ، فكان لا يقدر على حمل سيفه، وأمّ كلثوم تُنادي خلفه: يا بنيّ، ارجِع! فقال:(يا عمّتاه، ذريني أُقاتل بين يدي ابن رسول الله!) . فقال الحسين:(يا أمّ كلثوم، خُذْيه وردِّيه، لا تبقَ الأرض خالية من نسل آل محمّد!) .
ونُريد هنا أن نُنبّه، إلى أنّ مرضهعليهالسلام وإن كان سبباً مساعداً في انصراف الأعداء عن قتله؛ لأنّهم كانوا يرونه قاب قوسين من أجله، لِما به من شدّة المرض! لكنّ مرضهعليهالسلام لم يكن السبب الرئيس في انصرافهم عن قتله، بل إنّ السبب الرئيس في حفظه من القتل، ذلك الموقف الفدائي العظيم، الذي قامت به عمّته زينبعليهاالسلام ؛ حيث تعلّقت به وقالت مُخاطبة شمراً:(حسبك من دمائنا! والله، لا أُفارقه، فإن قتلته فاقتلني معه!) (١) .
وقد تكرّر منهاعليهاالسلام هذا الموقف الفدائي العظيم في الكوفة، في قصر عبيد الله بن زياد لعنه الله، حيث طرحت نفسها على ابن أخيهاعليهماالسلام وقالت:(لا يُقتَل حتّى تقتلوني! ...) (٢) .
وهنا ينبغي أيضاً، أن نُنبّه إلى أنّنا نشكّ شكّاً قويّاً، في الدور الإيجابي الذي صوّره حميد بن مسلم لنفسه، في الذود عن حياة الإمام زين العابدينعليهالسلام ، وفي صرف شمر بن ذي الجوشن عن قتله - بل يمتدّ شكّنا إلى جميع الأدوار الإيجابيّة الأُخرى التي رسمها حميد بن مسلم لنفسه - على ما ورد في روايات ابن جرير الطبري في تأريخه، وفي تواريخ الذين أخذوا عنه بلا تدبُّر!
ذلك؛ لأنّ حميد بن مسلم الأزدي هذا، كان مُنتمياً انتماءً صريحاً إلى معسكر عمر بن سعد يوم عاشوراء! ويتّضح من مجموع رواياته، أنّه كان وجيهاً من وجهاء هذا المعسكر، معروفاً عند قادته وقريباً منهم!
ويكفي في الدلالة على هذا، أنّه وخولّي بن يزيد الأصبحي حمَلا رأس الإمامعليهالسلام إلى ابن زياد(٣) بتكليف من عمر
____________________
(١) الإرشاد: ٢: ١١٦.
(٢) راجع: الإرشاد: ٢: ١١٦، واللهوف: ٢٠٢، ومُثير الأحزان: ٩١.
(٣) راجع: الإرشاد: ٢: ١١٣.
بن سعد! ثمّ إنّ جميع الأدوار الإيجابيّة - إذا صحّ هذا الإطلاق - التي ظاهرها أنّه تأثّر لأهل البيتعليهمالسلام أو دفع عنهم شرّاً، إنّما رويت من طريقه هو، وهذا ما يدعو - على الأقلّ - إلى التحفُّظ عن تصديقها، وإلى التأمّل فيها.
قال السيّد ابن طاووس (ره): (ثمّ أخرجوا النساء من الخيمة، وأشعلوا فيها النّار، فخرجن حواسر مُسلّبات حافيات، باكيات يمشين سبايا في أسْر الذلّة ...)(١) .
وقال ابن نما (ره): (وخرج بنات سيّد الأنبياء، وقرّة عين الزهراء، حاسرات مُبديات للنياحة والعويل، يندبن على الشباب والكهول، وأُضرمت النار في الفسطاط، فخرجن هاربات، وهنّ كما قال الشاعر:
فترى اليتامى صارخين بعولة |
تحثوا التراب لفقْد خير إمام |
|
وبقين ربَّات الخدور حواسراً |
يمسحن عرض ذوائب الأيتام |
|
وترى النساء أراملاً وثواكلاً |
يبكين كلّ مُهذّب وهُمام)(٢) . |
ولا يخفى أنّ جميع الخيام قد أُضرمت فيها النار؛ بدليل قول الإمام الرضاعليهالسلام :(وأُضرمت في مضاربنا النّار) (٣) .
لكنّ الظاهر، أنّ هذا الفسطاط الذي كنّ النسوة والأطفال فيه جميعاً مع الإمام زين العابدينعليهالسلام ، هو آخر الخيام التي أُحرقت بعد إخراجهم منه.
____________________
(١) اللهوف: ١٨٠، وانظر: الفتوح: ٥: ١٣٨.
(٢) مُثير الأحزان: ٧٧.
(٣) راجع: مناقب آل أبي طالبعليهمالسلام : ٢: ٢٠٦.
ذكر الطبري أنّ الناس قالوا لسنان بن أنس:(١) قتلت حسين بن عليّ، وابن فاطمة ابنة رسول الله! قتلت أعظم العرب خطراً! جاء إلى هؤلاء يُريد أن يُزيلهم عن مُلكهم! فأتِ أُمراءك فاطلب ثوابك منهم، لو أعطوك بيوت أموالهم في قتل الحسين كان قليلاً!
فأقبل على فرسه، وكان شجاعاً شاعراً، وكانت به لوثة، فأقبل حتّى وقف على باب فسطاط عمر بن سعد، ثمّ نادى بأعلى صوته:
أوقرْ ركابي فضَّة أو ذهبا |
أنا قتلت الملِك المحجّبا |
|
قتلت خير الناس أمّاً وأبا |
وخيرهم إذ ينسبون نسبا |
فقال عمر بن سعد: أشهدُ أنّك لمجنون ما صححت قطّ! أدخلوه عليَّ.
فلما أُدخل حذفه بالقضيب، ثمّ قال: يا مجنون! أتتكلّم بهذا الكلام؟! أما والله، لو سمعك ابن زياد لضرب عُنقك!(٢).
____________________
(١) سنان بن أنس بن عمرو بن حيّ بن بن مالك بن النخع، قاتل الحسين. (راجع: جمهرة أنساب العرب: ٤١٥).
(٢) تاريخ الطبري: ٣: ٣٣٥ / وفي نقل سبط ابن الجوزي، عن ابن سعد في طبقاته: أنّ سنان بن أنس النخعي جاء إلى باب ابن زياد، وأنشد هذه الأبيات، فلم يُعطه ابن زياد شيئاً! (تذكرة الخواص: ١٤٣). وانظر: ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام ومقتله / من القسم غير المطبوع من كتاب الطبقات الكبرى لابن سعد: ٧٥.
إنّ واقعة حمْل رأس سبط رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وسائر الرؤوس الطاهرة، جريمة أُخرى من الجرائم الفظيعة التي شهدتها كربلاء، هذه الجريمة التي كشفت نقاباً آخر عن خبث سريرة النظام الأُموي!
فقد ذكرت نصوص تاريخية مُعتمدة، أنّ أعداء الله ورسولهصلىاللهعليهوآله بعدما قتلوا الإمام الحسينعليهالسلام في اليوم العاشر من المحرّم، بعثوا برأسه إلى عبيد الله بن زياد من ساعته، فقد ذكر الدينوري، أنّ عمر بن سعد بعث برأس الحسين من ساعته إلى عبيد الله بن زياد مع خولّي بن يزيد الأصبحي(١) .
قال الشيخ المفيد (ره): (وسرّح عمر بن سعد من يومه ذلك - وهو يوم عاشوراء - برأس الحسينعليهالسلام مع خولّي بن يزيد، وحميد بن مسلم الأزدي، إلى عبيد الله بن زياد، وأمر برؤوس الباقين من أصحابه وأهل بيته فنظّفت، وكانت اثنين وسبعين رأساً، وسرّح بها مع شمر بن ذي الجوشن، وقيس بن الأشعث، وعمرو بن الحجّاج، فأقبلوا حتّى قدموا بها على ابن زياد)(٢).
____________________
(١) راجع: الأخبار الطوال: ٢٥٩.
(٢) الإرشاد: ٢: ١١٣، وانظر: تاريخ الطبري: ٣: ٣٣٥، واللهوف: ١٨٩ وفيه: (ثمّ إنّ عمر بن سعد - لعنه الله - بعث برأس الحسين عليه الصلاة والسلام في ذلك اليوم - وهو يوم عاشوراء - مع خولّي بن يزيد الأصبحي وحميد بن مسلم الأزدي إلى عبيد الله بن زياد، وأمر برؤوس الباقين من أصحابه وأهل بيته، فقُطِّعت وسُرِّح بها مع شمر بن ذي الجوشن لعنه الله، وقيس بن الأشعث، وعمرو بن الحجّاج، فأقبلوا حتّى قدموا الكوفة).
ونقول: لعلّ مراد السلطة الأُموية من وراء عملها الوحشيّ - قطع جميع رؤوس الشهداءعليهمالسلام وحملها إلى عبيد الله بن زياد ثمّ إلى يزيد - هو إيجاد الرهبة، وخلق الرُّعب، وإشاعة الخوف والذلّ في نفوس الناس؛ من أجل دفعهم أكثر فأكثر إلى الانقياد والامتثال، والخنوع للأوامر الظالمة الجائرة، التي تصدر عن مراكز القرار التابعة لهذه =
وخبر المفيد والطبري مشعرٌ بأنّ رؤوس بقيّة الشهداءعليهمالسلام - بعد رأس الإمامعليهالسلام - كانت أيضاً قد سبقت الركب الحسيني إلى الكوفة.
لكن بعض النصوص التأريخية الأُخرى، تُفيد أنّ رؤوس بقيّة الشهداءعليهمالسلام قد رافقت الركب الحسيني إلى الكوفة، يقول الدينوري: (وأقام عمر بن سعد بكربلاء بعد مقتل الحسينعليهالسلام يومين، ثمّ أذَّن في الناس بالرحيل، وحُملت الرؤوس على أطراف الرماح!)(١) .
بقي جسد الإمام الحسينعليهالسلام مع أجساد الشهداء الآخرين من أهل بيته وأصحابهعليهالسلام في العراء لا توارى، تصهرها حرارة الشمس، وتَسفِ عليها الرياح السوافي، وكان اللعين عمر بن سعد قد دفن القتلى من جيشه وصلّى عليهم، وترك جسد الإمامعليهالسلام وأجساد أنصاره صلوات الله عليهم أجمعين.
ويظهر من بعض المتون التأريخية، أنّ النساء في الركب الحسيني قد مررن على الجثث الطواهر بعد إحراق المخيم. يقول: السيّد ابن طاووس: (ثمّ أخرجوا النساء من الخيمة وأشعلوا فيها النار، فخرجن حواسر مُسلّبات، حافيات باكيات، يمشين سبايا في أسر الذلّة، وقلن: بحقّ الله إلاّ ما مررتم بنا على مصرع الحسين! فلما نظر النسوة إلى القتلى صحْن وضربْن وجوههنّ. قال: فوالله، لا أنسى زينب ابنة عليّ، وهي تندب الحسينعليهالسلام وتُنادي بصوت حزين وقلب كئيب:
____________________
= السلطة.
(١) الأخبار الطوال: ٢٥٩، وانظر: جواهر المطالب: ٢: ٢٩١.
وا محمّداه! صلّى عليك مليك السماء، هذا حسينٌ بالعراء! مرمّلٌ بالدماء! مُقطّع الأعظاء! وا ثكلاه! وبناتك سبايا! إلى الله المشتكى، وإلى محمّد المصطفى، وإلى عليّ المرتضى، وإلى فاطمة الزهراء، وإلى حمزة سيّد الشهداء!
وا محمّداه! وهذا حسين بالعراء! تسفي عليه ريح الصبا! قتيل أولاد البغايا! وا حزناه! وا كرباه عليك يا أبا عبد الله! اليوم مات جدّي رسول الله! يا أصحاب محمّد! هؤلاء ذرّيّة المصطفى يُساقون سوق السبايا!!.
وفي بعض الروايات:
وا محمّداه! بناتك سبايا! وذرّيتك مُقتّلة تسفي عليهم ريح الصبا! وهذا حسين محزوز الرأس من القفا! مسلوب العمامة والرداء! بأبي مَن أضحى عسكره في يوم الاثنين نهباً! بأبي مَن فسطاطه مُقطّع العُرى! بأبي مَن لا غائب فيُرتجى، ولا جريح فيُداوى! بأبي مَن نفسي له الفداء بأبي المهموم حتّى قضى! بأبي العطشان حتّى مضى! بأبي مَن يقطر شيبه بالدماء! يا بن علي المرتضى، يا بن خديجة الكبرى، يا بن فاطمة الزهراء سيدة النساء، ...
بأبي مَن جدّه رسول إله السماء! بأبي مَن هو سبط نبيّ الهدى! بأبي محمّد المصطفى! بأبي مَن رُدَّت عليه الشمس حتّى صلّى!
قال الراوي: فأبكت - والله - كلّ عدوّ وصديق(١) .
____________________
(١) وفي مقتل الحسينعليهالسلام / للخوارزمي: ٢: ٤٥ /: (وما زالت تقول هذا القول، حتّى أبكت - والله - كلّ صديق وعدوّ! حتّى رأينا دموع الخيل تنحدر على حوافرها! ثمّ قُطِّعت رؤوس الباقين فسُرّح باثنين وسبعين رأساً مع شمر بن ذي الجوشن، وقيس بن الأشعث، وعمرو بن الحجّاج.)، وانظر: =
ثمّ إنّ سكينة اعتنقت جسد الحسين! فاجتمع عدّة من الأعراب حتّى جرّوها عنه!)(١) .
ويقول قرّة بن قيس التميمي(٢) : (نظرت إلى النسوة لما مررن بالحسين، صِحْن ولطمن خدودهنّ، فاعترضتهن على فرس! فما رأيت منظراً من نسوة أحسن منهنّ!)(٣) .
____________________
= الخُطط المقريزية: ٢: ٢٨٩.
(١) اللهوف: ١٨٠ - ١٨١ / وقال الشيخ ابن نما (ره) في مثُير الأحزان: ٧٧: (ومررن على جسد الحسين وهو مُعفّر بدمائه! مفقود من أحبّائه! فندبت عليه زينب بصوت مُشجٍ وقلب مقروح فأذابت القلوب القاسية، وهدّت الجبال الراسية!).
(٢) قرّة بن قيس التميمي: كان رسول عمر بن سعد إلى الإمامعليهالسلام أوائل نزوله كربلاء، حيث قال له: يا قرّة، إلقَ حسيناً فسلْه: ما جاء به؟ وماذا يريد؟
فأتاه قرّة، فلما رآه الحسينعليهالسلام مُقبلاً قال:(أتعرفون هذا؟) .
فقال له حبيب بن مظاهررضياللهعنه : نعم، هذا رجل من حنظلة تميم، وهو ابن أختنا وبعدما سلّم إلى الإمامعليهالسلام رسالة ابن سعد، وأراد الرجوع قال له حبيب: ويحك! يا قرّة، أين ترجع؟! إلى القوم الظالمين، انصُر هذا الرجل الذي بآبائه أيّدك الله بالكرامة.
فقال له قرّة: أرجع إلى صاحبي بجواب رسالته وأرى رأيي! (راجع: الإرشاد: ٢: ٨٥) ولكنّه أصرّ على البقاء مع الظالمين!
وكان إلى جنب الحرّ الرياحيرضياللهعنه ساعة همّ بالتحوُّل إلى صفّ الحسينعليهالسلام ، غير أنّ الحرّرضياللهعنه لم يُخبره بنيّته لعدم ثقته به! ولقد زعم قرّة بعد ذلك، أن لو كان الحرّرضياللهعنه قد أخبره بنيّته بالذهاب إلى الحسينعليهالسلام لذهب معه!
وكان كاذباً؛ ودليل كذبه هو أنّه بقي مع الظالمين بعد ذلك! (راجع: تاريخ الطبري: ٣: ٣٢٠).
ولعلّه هو (قرّة بن عمرو بن قيس) الذي بعثه مسعود بن عمرو الأزدي على رأس مئة من الأزد لحماية عبيد الله بن زياد لعنه الله، حينما ثارت عليه البصرة حتّى قدموا به إلى الشام! (راجع: تاريخ الطبري ٤: ٤٠٢ / نشر مؤسسة الأعلمي - بيروت).
(٣) مُثير الأحزان: ٨٣ / ويُلاحِظ المتأمّل، أنّ هذا النصّ التاريخي وثيقة أُخرى من الوثائق =
قال السيّد الأجلّ ابن طاووس (رحمه الله): (اعلم أنّ أواخر النهار يوم عاشوراء كان اجتماع حرم الحسينعليهالسلام وبناته وأطفاله في أسر الأعداء، مشغولين بالحزن والهموم والبكاء، وانقضى عليهم آخر ذلك النهار وهم فيما لا يُحيط به قلبي من الذلّ والانكسار، وباتوا تلك الليلة فاقدين لحماتهم ورجالهم، وغرباء في إقامتهم وترحالهم، والأعداء يُبالغون في البراءة منهم والإعراض عنهم وإذلالهم؛ ليتقرّبوا بذلك إلى المارق عمر بن سعد، مؤتِم أطفال محمّدصلىاللهعليهوآله ومُقرح الأكباد، وإلى الزنديق عبيد الله بن زياد، وإلى الكافر يزيد بن معاوية رأس الإلحاد والعناد)(١) .
يقول الأديب المؤرّخ المحقّق المرحوم، السيّد عبد الرزاق المقرّم:
(يا لها من ليلة مرّت على بنات رسول اللهصلىاللهعليهوآله ! بعد ذلك العزّ الشامخ، الذي لم يُفارقهنّ منذ أوجد الله كيانهنّ! فلقد كنّ بالأمس في سرادق العظمة وأخبية الجلالة، يشعُّ نهارها بشمس النبوّة، ويُضيء ليلها بكواكب الخلافة ومصابيح أنوار القداسة! وبقين في هذه الليلة في حلَك دامس من فقْد تلك الأنوار الساطعة بين رحلٍ مُنتهب، وخباء مُحترق، وفَرَقٍ سائد، وحُماة صرعى، ولا مُحامٍ لهنّ ولا كفيل!
____________________
= التاريخية الكاشفة عن حقارة ودناءة قرّة بن قيس التميمي، وانحطاطه النفسي، فهو - في هذا النصّ - لم يتأثَّر ولم يحزن لمنظر هؤلاء النسوة المفجوعات، المسلّبات المهتوكات الستر والحجاب، الباكيات على خير الشهداء!! ولم يشعر بالذنب والندامة! بل تأثّر لحسن منظرهنّ وجمال مشهدهن وهنّ مُكشّفات!!!
(١) الإقبال: ٥٨٣، وعنه نفس المهموم: ٣٥٠.
لا يدرين مَن يدفع عنهنّ إذا دهمَهنّ داهم! ومَن الذي يردّ عادية المرجفين! ومَن يُسكّن فورة الفاقدات ويُخفّف من وجْدِهن!
نعم، كان بينهنّ صراخ الصِّبْيَة، وأنين الفتيات، ونشيج الوالهات، فأُمّ طفل فطمته السهام! وشقيق مُستشهَد! وفاقدة ولَد! وباكية على حميم! وإلى جنبهنّ أشلاء مُبضّعة! وأعضاء مُقطّعة! ونحور دامية! وهنّ في فلاة من الأرض جرداء وعلى مطلع الأكمة جحفل الغدر، تهزّهم نشوة الفتح وطيش الظفر ولؤم الغَلبة!
وعلى هذا كلّه، لا يدرين بماذا يندلع لسان الصباح؟ وبماذا ترتفع عقيرة المنادي؟ أبالقتل أمْ بالأسر؟! ولا مَن يدفع عنهنّ غير الإمام (العليل)، الذي لا يملك لنفسه نفعاً ولا يدفع ضرّاً، وهو على خطر من القتل!!
لقد عمّ الاستياء في هذه الليلة عالم الملك والملكوت! وللحور في غُرف الجنان صراخ وعويل! وللملائكة بين أطباق السماوات نشيج ونحيب! وندبته الجنّ في مكانها)(١) .
روى الشيخ المفيد (رحمه الله) في أماليه، عن المحفوظ بن المنذر، قال: حدّثني شيخ من بني تميم كان يسكن الرابية، قال: سمعت أبي يقول: ما شعرنا بقتل الحسينعليهالسلام حتّى كان مساء ليلة عاشوراء!(٢) ، فإنّي لجالس بالرابية، ومعي رجل من الحيّ، فسمعنا هاتفاً يقول:
واللّه ما جئتكم حتّى بصرتُ به |
بالطف مُنعفر الخدَّين منحورا |
____________________
(١) مقتل الحسينعليهالسلام / للمقرّم: ٢٨٩.
(٢) لا يخفى على لبيب، أنّ المراد بها ليلة الحادي عشر؛ لأنّ الهاتف كان يُخبر عن مقتلهعليهالسلام .
وحـوله فـتيةٌ تُـدمى نحورهم |
مثل المصابيح يعلون الدُّجى نورا |
|
وقد حثثت قلوصي كي أُصادفهم |
من قبل أن يُلاقوا الخُرَّد الحورا |
|
فـعـاقني قدَرٌ والله بـالغُه |
وكـان أمـراً قضاه الله مقدورا |
|
كان الحسين سراجا يُستضاء به |
الله يـعلم أنّـي لـم أقُـلْ زورا |
|
صـلّى الإلـه على جسم تضمّنه |
قبر الحسين حليف الخير مقبورا |
|
مُـجاوراً لرسول الله في غُرف |
ولـلوصيّ ولـلطيّار مـسرورا |
فقلنا له: مَن أنت يرحمك الله؟
قال: أنا وأبي من جنّ نصيبين(١) ، أردنا مؤازرة الحسين ومواساته بأنفسنا، فانصرفنا من الحجّ فأصبناه قتيلاً!)(٢) .
____________________
(١) نصيبين: مدينة عامرة من بلاد الجزيرة، على جادّة القوافل من الموصل إلى الشام، وفيها وفي قراها على ما يذكر أهلها أربعون ألف بستان! (راجع: مُعجم البلدان: ٥: ٢٨٨).
(٢) أمالي الشيخ المفيد: ٣٢٠ المجلس ٣٨ حديث رقم ٧، وانظر: أمالي الطوسي: ٩٠ - ٩١ المجلس الثالث حديث رقم ١٤١/٥. وحديث نَوْح الجِنّ أفرد له الشيخ ابن قولويه (ره) في كتابه كامل الزيارات باباً مُستقلاًّ، وأورده الطبراني في مُعجمه الكبير، والذهبي في تاريخ الإسلام، وفي سير أعلام النبلاء، والشبلنجي الحنفي في آكام المرجان، والزرندي الحنفي في نظم درر السمطين، وابن حجر العسقلاني في الإصابة، وابن حجر في مجمع الزوائد، وقال: رجاله رجال الصحيح، وابن كثير في البداية والنهاية، والگنجي الشافعي في كفاية الطالب، والخوارزمي، في مقتل الحسينعليهالسلام ، وسبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص، والسيوطي في الخصائص الكبرى، وابن العربي في مُحاضرات الأبرار، والقندوزي في ينابيع المودّة، وابن عساكر في تاريخ دمشق، وأكثر هذه الروايات منقولة عن أمّ سلمة زوج رسول اللهصلىاللهعليهوآله وهذا من الأدلّة القويّة أيضاً على أنّها رضي الله عنها كانت على قيد الحياة، إلى ما بعد مقتل الحسينعليهالسلام ، خلافاً لما نُقل عن الواقدي أنّه قال: بأنّ وفاتها كانت في شوّال سنة تسع وخمسين للهجرة؛ إذ قوله هذا ضعيف جدّاً، ولعلّه قد انفرد به، وهو خلاف المشهور، قال ابن حجر: (وأمّا قول الواقدي: إنّها توفِّيت سنة تسع =
اتّفق المؤرِّخون على أنّ عمر بن سعد لم يخرج عن كربلاء في اليوم العاشر من المحرّم، بل بقي حتّى اليوم الحادي عشر إلى الزوال، فجمع قتلاه وصلّى عليهم، وترك قرّة عين الزهراء البتولعليهاالسلام مطروحاً على أرض كربلاء، مع بقيّة الشهداء من أهل بيته وصحبه الكرامعليهمالسلام بلا غُسل ولا كفَن!
يقول السيد ابن طاووس (ره): (وأقام ابن سعد بقيّة يومه واليوم الثاني إلى زوال الشمس، ثمّ ارتحل بمَن تخلّف من عيال الحسينعليهالسلام ، وحمل نساءه على أحلاس أقتاب الجمال بغير وطاء ولا غطاء! مُكشّفات الوجوه بين الأعداء، وهنّ ودائع خير الأنبياء! وساقوهنّ كما يُساق سبيِ التُرك والروم في أسر المصائب والهموم)(١) .
وقال ابن أعثم الكوفي: (وساق القوم حُرَم رسول الله من كربلاء، كما تُساق
____________________
= وخمسين. فمردود عليه بما كُتب في صحيح مسلم: أنّ الحارث بن عبد الله بن ربيعة، وعبد الله بن صفوان، دخلا على أمّ سلمة في ولاية يزيد بن معاوية، فسألاها عن الجيش الذي يُخسف بهم! وكانت ولاية يزيد في أواخر سنة ستِّين). (تهذيب التهذيب: ١٢: ٤٥٦)، وممّا يدلّ على فساد قول الواقدي، ما أورده الذهبي في ترجمة أمّ سلمة أنّها كانت تبكي على الحسين وتقول: رأيت رسول الله في المنام وهو يبكي، وعلى رأسه ولحيته التراب! فقلت: ما لك يا رسول الله؟! قال: شهدت قتل الحسين آنفاً! (راجع: المستدرك على الصحيحين: ٤: ١٩).
(١) اللهوف: ١٨٩.
الأُسارى!).(١)
أمّا الطبري فقال: (وأقام عمر بن سعد يومه ذلك والغد، ثمّ أمر حميد بن بكير الأحمري، فأذّن في الناس بالرحيل إلى الكوفة، وحمل معه بنات الحسين وأخواته ومَن كان معه من الصبيان، وعليّ بن الحسين مريض)(٢) .
لكنّ الدينوري في هذا الصدد كان قد ذكر أمراً شاذّاً غريباً خلافاً للمشهور، حين ذكر أنّ ابن سعد كان قد حمل نساء الحسينعليهالسلام وحشمه في المحامل المستورة على الإبل!
يقول الدينوري: (وأقام عمر بن سعد بكربلاء بعد مقتل الحسين يومين، ثمّ أذّن في الناس بالرحيل، وحُملت الرؤوس على أطراف الرماح! وأمر عمر بن سعد بحمل نساء الحسين وأخواته وبناته وجواريه وحشمه في المحامل المستورة على الإبل! وكانت بين وفاة رسول اللهصلىاللهعليهوآله وبين قتل الحسين خمسون عاماً)(٣) .
قال السيّد محمّد بن أبي طالب (ره): (ثمّ أذّن ابن سعد بالرحيل إلى الكوفة، وحمل بنات الحسين وأخواته وعليّ بن الحسين وذراريهم، فأُخرجوا حافيات حاسرات، مُسلّبات باكيات، يمشين سبايا في أسر الذلّة!
فقلن: بحقّ الله، ما نروح معكم ولو قتلتمونا، إلاّ ما مررتم بنا على مصرع الحسين!
____________________
(١) الفتوح: ٥: ١٣٩.
(٢) تاريخ الطبري: ٣: ٣٣٦، وانظر الكامل في التاريخ: ٣: ٢٩٦.
(٣) الأخبار الطوال: ٢٥٩، وانظر: جواهر المطالب: ٢: ٢٩١.
فأمر ابن سعد لعنه الله ليمرّوا بهم من المقتل، حتّى رأين إخوانهنّ وأبناءهنّ وودّعْنهم.
فذهبوا بهنّ إلى المعركة، فلما نظر النسوة إلى القتلى صِحْنَ وضربن وجوههنّ ...)(١) .
وقال ابن الأثير: (... فاجتازوا بهنّ على الحسين وأصحابه صرعى، فصاح النساء ولطمن خدودهنّ وصاحت زينب أخته:
يا محمّداه! صلّى عليك ملائكة السماء، هذا الحسين بالعراء! مُزّمل بالدماء! مُقطّع الأعضاء! وبناتك سبايا! وذُرّيّتك مُقتّلة تسفي عليها الصبا! فأبكت كلّ عدوّ وصديق)(٢) .
وقال الإسفرائيني: (فأمر ابن سعد أن تؤخَذ النساء عن جسد الحسين بالرغم عنهنّ! فحُملوا على أقتاب الجمال بغير غطاء ولا وِطاء! مكشوفات الوجوه بين الأعداء! وساقوهم كما تُساق سبايا الروم في شرّ المصائب والهموم ...)(٣) .
لكنّ بعض المتون تُصرّح بأنّهم جاءوا بالنساء على مصارع الشهداءعليهمالسلام ، ومرّوا بهنّ عليهم قسراً وعناداً لا بطلب وإصرار منهنّ!
فقد (روي عن عبد الله بن إدريس، عن أبيه: أنّهم قد جاءوا بالنساء عناداً وعبروهنّ على مصارع آل الرسولصلىاللهعليهوآله ، فلما نظرت أمّ كلثوم أخاها الحسين تسفي عليه الرياح! وهو مكبوب! وقعت من أعلى البعير إلى الأرض، وحضنت أخاها وهي تقول ببكاء وعويل:
____________________
(١) تسلية المجالس وزينة المجالس: ٢: ٣٣٢.
(٢) الكامل في التاريخ: ٣: ٢٩٦.
(٣) نور العين في مشهد الحسين: ٤٧.
يا رسول الله، انظر إلى جسد ولَدك مُلقى على الأرض بغير دفن! كفَنه الرمل السافي عليه! وغسله الدّم الجاري من وريدَيه! وهؤلاء أهل بيته يُساقون أُسارى في أسر الذلّ! ليس لهم مَن يُمانع عنهم! ورؤوس أولاده مع رأسه الشريف (١) على الرماح كالأقمار!
يا محمّد المصطفى، هذه بناتك سبايا وذرّيّتك مُقتّله!
فما زالت تقول هذا القول ونحو هذا، فأبكت كلّ صديق وعدوّ! حتّى رأينا دموع الخيل تتقاطر على حوافرها! وساروا بها وهي باكية حزينة لا ترقأ لها دمعة ولا تبطل لها حسرة!)(٢) .
قال السيّد محمّد بن أبي طالب: (روي أنّ رؤوس أصحاب الحسينعليهالسلام وأهل بيته كانت ثمانية وسبعين رأساً، واقتسمتها القبائل؛ ليتقرّبوا بذلك إلى عبيد الله بن زياد ويزيد)(٣) .
وروى البلاذري عن أبي مخنف أنّه: (لما قُتل الحسين جيء برؤوس مَن قُتِل معه من أهل بيته وأصحابه إلى ابن زياد، فجاءت كندة بثلاثة عشر رأساً، وصاحبهم قيس بن الأشعث(٤) ، وجاءت هوازن بعشرين رأساً، وصاحبهم شمر بن ذي
____________________
(١) يُلاحَظ أنّ ما في هذه العبارة خلافٌ لما ذكرته مصادر تأريخية مُعتبرة، من أنّ رأس الإمامعليهالسلام أُرسل من ساعته مع خولّي بن يزيد وحميد بن مسلم إلى ابن زياد.
(٢) أسرار الشهادة: ٤٦٠، وانظر: معالي السبطين: ٢: ٥٥.
(٣) تسلية المجالس: ٢: ٣٣١، وانظر: اللهوف: ١٩٠، والبحار: ٤٥: ٦٢.
(٤) قيس بن الأشعث بن قيس الكندي: أحد أفراد عائلة معروفة بنفاقها، وبُغضها لأهل البيتعليهمالسلام ، =
الجوشن، وجاءت بنو تميم بسبعة عشر رأساً، وجاءت بنو أسد بستّة عشر رأساً،
____________________
= فهو ابن الأشعث الذي اشترك في مؤامرة اغتيال أمير المؤمنين عليّعليهالسلام ، وأخوه محمّد بن الأشعث، ذو الدور الكبير الواضح في مُقاتلته مسلم بن عقيلعليهالسلام في الكوفة!
وذو دور قياديّ أيضاً - حسب بعض الروايات - في مواجهة الإمام الحسينعليهالسلام في كربلاء! وأخته جعدة زوج الإمام الحسنعليهالسلام الذي دسّت إليه السمّ فقتلته!
وكان قيس بن الأشعث، ممّن كاتب الإمام الحسينعليهالسلام وهو في مكّة! وقد احتجّ الإمامعليهالسلام عليه وعلى مَن كاتبه من الآخرين في كربلاء! لكنّهم أنكروا ما صدر عنهم عناداً ومُكابرة! فقد قال قيس مُجيباً الإمامعليهالسلام : (ما ندري ما تقول؟! ولكن انزل على حُكم بني عمّك؛ فإنّهم لن يروك إلاّ ما تُحبّ! فقال له الحسينعليهالسلام :(لا والله، لا أُعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أفرّ فرار العبيد!) (راجع: الإرشاد: ٢: ٩٨).
وكان قيس من الذين سلبوا الإمام الحسينعليهالسلام بعد قتله؛ إذ أخذ قطيفته التي كان يجلس عليها. وكان قيس قد هرب من المختار طول سلطانه (راجع: الأخبار الطوال: ٣٠٠) وقد أنف أن يأتي البصرة فيشمت به أهلها، فانصرف إلى الكوفة مُستجيراً بعبد الله بن كامل - وكان من أخصّ الناس عند المختار - فأقبل عبد الله إلى المختار فقال: أيُّها الأمير، إنّ قيس بن الأشعث قد استجار بي وأجرتُه! فأنفذ جواري إيّاه. فسكت عنه المختار مَليَّاً، وشغله بالحديث، ثمّ قال: أرني خاتمك! فناوله إيّاه، فجعله في أصبعه طويلاً، ثمّ دعا أبا عمرة فدفع إليه الخاتم وقال له سرّاً: انطلق إلى امرأة عبد الله بن كامل فقل لها: هذا خاتم بعلك علامة؛ لتُدخليني إلى قيس بن الأشعث، فإنِّي أُريد مُناظرته في بعض الأمور التي فيها خلاصه من المختار!
فأدخلتْه إليه، فانتضى سيفه فضرب عنقه، وأخذ رأسه فأتى به المختار، فألقاه بين يديه، فقال المختار: هذا بقطيفة الحسين فاسترجع عبد الله بن كامل وقال للمختار: قتلت جاري وضيفي وصديقي في الدهر!
قال له المختار: لله أبوك! اسكُت! أتستحلّ أن تُجير قتَلَة ابن بنت نبيّك؟! (راجع: الأخبار الطوال: ٣٠٢).
وجاءت مذحج بسبعة أرؤس، وجاء سائر قيس بتسعة أرؤس)(١).
وقال الدينوري: (وحُملت الرؤوس على أطراف الرماح! وكانت اثنين وسبعين رأساً، جاءت هوازن منها باثنين وعشرين رأساً، وجاءت تميم بسبعة عشر رأساً مع الحصين بن نمير(٢) ، وجاءت كندة بثلاثة عشر رأساً مع قيس بن
____________________
(١) أنساب الأشراف: ٣: ٤١٢، وانظر: المنتظم: ٥: ٣٤١.
(٢) تتفاوت المصادر التاريخية في ذكر اسم هذا الرجل، فمنها مَن يذكره باسم (الحصين بن تميم) التميمي كما في تاريخ الطبري: ٣: ٣٢٤، وإبصار العين: ٢٧، وأنساب الأشراف: ٣: ٣٧٧ وفيه: (الحصين بن تميم بن أسامة التميمي)، وغير هذه المصادر أيضاً، وتميم كما لا يخفى من القبائل العدنانيّة.
لكنّ جُلّ المصادر التأريخية تذكره باسم (الحصين بن نمير) السكوني الكندي، كما في مُختصر تاريخ دمشق: ٧: ١٩٠، والتبيين في أنساب القرشيين للمقدسي: ٢٩٣، والنسب لأبي عبيد القاسم بن سلام: ٣١٠، والإصابة لابن حجر: ٢: ٢٢، وتهذيب الكمال: ٦: ٥٤٨، والمعارف لابن قتيبة: ٢٣٩، وكذلك في تاريخ الطبري: ٣: ٣٠٣، والإرشاد: ٢: ٥٧، وترجمة الإمام الحسينعليهالسلام من القسم غير المطبوع من كتاب الطبقات الكبير لابن سعد: ٩٢، ومصادر أُخرى غيرها، ولا يخفى أنّ كندة من القبائل اليمنيّة.
وكان من السهل الممكن أن يُقال: إنّ هذين الاسمين المختلفين في اسم الأب واللقب هما لرجلين اثنين، هذا من قبيلة عدنانية، والآخر من قبيلة يمينة، لكنّ الذي يجعل المحقّق في حيرة - قبل الوصول إلى القطع بحقيقة الأمر - هو أنّ المصادر التاريخية تذكر لهما نفس الوقائع والأحداث والأدوار؛ الأمر الذي يُشير إلى أنّ هذا الحصين رجل واحد، فمن أين نشأ هذا التفاوت وما هي خطوطه الأُولى؟!
كان هذا الرجل (الحصين بن نمير) بدمشق حين عزم معاوية على الخروج إلى صِفِّين، وخرج معه، وولي الصائفة ليزيد بن معاوية، وكان أميراً على جند حمص، وكان في الجيش الذي وجّهه يزيد إلى أهل المدينة من دمشق لقتال أهل الحَرّة، واستخلفه مسلم بن عقبة المعروف بمسرِف =
الأشعث، وجاءت بنو أسد بستّة رؤوس مع هلال الأعور، وجاءت الأزد بخمسة رؤوس مع عهيمة بن زهير، وجاءت ثقيف باثني عشر رأساً مع الوليد بن عمرو)(١) .
لكنّ الطبري ذكر قصّة الرؤوس المقدّسة قائلاً: (وقطف رؤوس الباقين، فسرّح باثنين وسبعين رأساً مع شمر بن ذي الجوشن، وقيس بن الأشعث، وعمرو بن الحجّاج، وعزرة بن قيس، وأقبلوا حتّى قدموا بها على عبيد الله بن زياد)(٢) .
من هنا يلاحظ المتتبّع؛ أنّ هناك اختلافاً بين المصادر التأريخية، في صدد متى أُخذت بقيّة رؤوس الشهداءعليهمالسلام إلى عبيد الله بن زياد في الكوفة، فمنها من يُصرّح: أُخذت إلى الكوفة بعد رأس الإمامعليهالسلام وقبل بقيّة الركب الحسيني، برِفقة شمر بن ذي الجوش، وقيس بن الأشعث، وعمرو بن الحجّاج، وعزرة بن قيس، وهؤلاء أيضاً من قبائل مُختلفة!
____________________
= على الجيش، وقاتل ابن الزبير، وكان بالجابية حين عقدت لمروان بن الحَكم الخلافة (راجع: مُختصر تاريخ دمشق: ٧: ١٩٠)، وكان على الشرطة في أربعة آلاف فارس من قِبَل عبيد الله بن زياد، وأمره أن يُقيم بالقادسيّة إلى القطقطانة، فيمنع مَن أراد النفوذ من ناحية الكوفة إلى الحجاز، إلاّ مَن كان حاجّاً، أو مُعتمراً، أو مَن لا يُتّهم بمُمالأة الحسينعليهالسلام (راجع: الأخبار الطوال: ٢٤٣). وعدّه ابن قتيبة في أسماء المنافقين وقال: (وحصين بن نمير، وهو الذي أغار على تمر الصدقة فسرقه وفي فتنة عبد الله بن الزبير ولي الجيش وحاصروا عبد الله، وأُحرقت الكعبة حتّى انهدم جدارها وسقط منها سقفها (المعارف: ٣٤٣ و٣٥١).
وكانت عاقبة أمره، أنّ إبراهيم بن الأشتر أحرقه بالنّار (راجع: مُختصر تاريخ دمشق: ٧: ١٩٢).
(١) الأخبار الطوال: ٢٥٩.
(٢) تاريخ الطبري: ٣: ٣٣٦.
ومنها من يُصرّح: بأنّ هذه الرؤوس المقدّسة أُخذت إلى الكوفة برِفقة بقيّة الركب الحسيني، وكانت القبائل قد تنافست على السهم الأعظم منها!
كما أنّ المصادر التأريخية قد اختلفت أيضاً، في مجموع عدد هذه الرؤوس الشريفة:
فمنها من صرّح: بأنّها ثمانية وسبعون رأساً - كما مرّ -.
ومنها من صرّح: بأنّها اثنان وتسعون رأساً(١) ، أو سبعون رأساً(٢) ، ولا يبعد هذا القول إذا علم أنّ عشيرة الحرّ بن يزيد الرياحيرضياللهعنه منعت من قطع رأسه، كذلك رأس الطفل الرضيع عبد اللهعليهالسلام ؛ لأنّ الإمامعليهالسلام - على رواية - قد دفنه.
لكنّ أشهر هذه الأقوال، هو: أنّ عدد هذه الرؤوس المقدّسة اثنان وسبعون(٣) .
____________________
(١) تذكرة الخواص: ٢٣١.
(٢) الفصول المهمَّة: ١٩٨.
(٣) راجع: الإرشاد: ٢: ١١٣، وتاريخ الطبري: ٣: ٣٣٦، ومقتل الحسينعليهالسلام / للخوارزمي: ٢: ٣٩، والبداية والنهاية: ٨: ١٩١.
المقصد الثاني
وهو يشتمل على وقائع الطريق حتى ورود الرَّكْب الحسيني أرض الشام
ويكون على فصلين:
الفصل الأول
الركب الحسينيّ في الكوفة
الفصل الأول
« الرَّكْب الحسينيّ في الكوفة »
مرّ بنا أنّ الطبري من المؤرّخين الذين رووا أنّ عمر بن سعد أرسل برأس الإمامعليهالسلام - بعد قتله مباشرة - مع خولّي بن يزيد، وحميد بن مسلم الأزدي إلى عبيد الله ابن زياد، لكنّه حينما يواصل روايته(١) . يقول: (فأقبل به خولّي، فأراد القصر فوجد باب القصر مُغلقاً، فأتى منزله(٢) ، فوضعه تحت أُجانه في منزله، وله امرأتان، امرأة من بني أسد، والأُخرى من الحضرميين، يُقال لها: النوّار ابنة مالك بن عقرب، وكانت تلك الليلة ليلة الحضرميّة.
قال هشام: فحدّثني أبي، عن النوّار بنت مالك قالت: أقبل خوّلي برأس الحسين فوضعه تحت أُجانة في الدار، ثمّ دخل البيت فأوى إلى فراشه، فقلت له: ما الخبر عندك؟ قال: جئتك بغنى الدهر! هذا رأس الحسين معك في الدار! قالت:
____________________
(١) تُلاحَظ هنا ثغرة تأريخية؛ إذ لا نعلم كيف انفرد خولّي بالرأس، وكيف اختفى حميد بن مسلم الأزدي عن مسرح قصّة حمْل الرأس إلى ابن زياد!
(٢) وكان منزله على فرسخ من الكوفة. (راجع مقتل الحسينعليهالسلام للمقرّم: ٣٠٤، ورياض الأحزان: ١٦).
فقلت: ويلَك! جاء الناس بالذهب والفضّة، وجئت برأس ابن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ! لا والله، لا يجمع رأسي ورأسك بيتٌ أبداً!
قالت: فقمت من فراشي فخرجت إلى الدار، فدعا الأسدية فأدخلها إليه، وجلست انظر، فوالله، ما زلت أنظر إلى نور يسطع مثل العمود من السماء إلى الأُجانة! ورأيت طيراً بيضاً تُرفرف حولها!
قال: فلما أصبح غدا بالرأس إلى عبيد الله بن زياد ...)(١).
أمّا السيّد هاشم البحراني فيقول: (إنّ عبيد الله بن زياد لعنه الله، بعدما عُرِض عليه رأس الحسينعليهالسلام ، دعا بخولّي بن يزيد الأصبحي وقال له: خُذْ هذا الرأس حتّى أسألك عنه.
فقال: سمعاً وطاعة.
فأخذ الرأس وانطلق به إلى منزله، وكان له امرأتان، إحداهما ثعلبية، والأُخرى مُضَرية، فدخل على المضريّة، فقالت: ما هذا؟!
فقال: هذا رأس الحسين بن عليّ وفيه مُلك الدنيا!
فقالت له: أبشِر! فإنّ خصمك غداً جدّه محمّد المصطفى!
ثم قالت: والله، لا كنت لي ببعْل، ولا أنا لك بأهل! ثمّ أخذت عموداً من حديد وأوجعت به دماغه!
فانصرف من عندها وأتى به إلى الثعلبية، فقالت: ما هذا الرأس الذي معك؟
قال: هذا رأس خارجيّ، خرج على عبيد الله بن زياد.
فقالت: وما اسمه؟
فأبى أن يُخبرها ما اسمه، ثمّ تركه على التراب وجعل عليه أُجانة.
قال: فخرجت امرأته في الليل، فرأت نوراً ساطعاً من الرأس إلى عنان السماء! فجاءت إلى الأجانة، فسمعت أنيناً وهو يقرأ! إلى طلوع الفجر! وكان آخر ما قرأ:
____________________
(١) تأريخ الطبري: ٣: ٣٣٥.
( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) ، وسمعت حول الرأس دويّاً كدويّ الرعد! فعلمت أنّه تسبيح الملائكة!
فجاءت إلى بعْلها وقالت: رأيت كذا وكذا، فأيّ شيء تحت الأجانة؟!
فقال: رأس خارجي، فقتله الأمير عبيد الله بن زياد، وأُريد أن أذهب به إلى يزيد بن معاوية؛ ليُعطيني عليه مالاً كثيراً!
قالت: ومَن هو؟!
قال: الحسين بن عليّ!
فصاحت وخرّت مغشيّة عليها! فلما أفاقت قالت: يا ويلك! يا شرّ المجوس! لقد آذيت محمّداً في عترته! أما خفت من إله الأرض والسماء؛ حيث تطلب الجائزة على رأس ابن سيّدة نساء العالمين؟!
ثمّ خرجت من عنده باكية، فلما قامت رفعت الرأس وقبّلته ووضعته في حِجْرها وجعلت تُقبّله وتقول: لعن الله قاتلك! وخصمه جدّك المصطفى!
فلما جَنّ الليل غلب عليها النوم، فرأت كأنّ البيت قد انشقّ بنصفين وغشيَه نور! فجاءت سحابة بيضاء، فخرج منها امرأتان، فأخذتا الرأس من حِجْرها وبكَتا!
قالت: فقلت لهما: بالله، مَن أنتما؟
قالت إحداهما: أنا خديجة بنت خويلد! وهذه ابنتي فاطمة الزهراء! ولقد شكرناك، وشكر الله لك عملك، وأنت رفيقتنا في درجة القدس في الجنّة!
قال: فانتبهت من النوم والرأس في حِجرها، فلما أصبح الصبح جاء بعْلُها لأخذ الرأس، فلم تدفعه إليه وقالت: ويلك! طلّقني! فوالله، لا جمعني وإيّاك بيت!
فقال: ادفعي لي الرأس وافعلي ما شئت!
فقالت: لا والله، لا أدفعه إليك!
فقتلها وأخذ الرأس، فعجّل الله بروحها إلى الجنّة في جوار سيّدة النساء)(١).
منازل الطريق من كربلاء إلى الكوفة (٢) :
لم نجد في المصادر التأريخيّة - في ضوء مُتابعتنا - ذكراً وتفصيلاً لما جرى على الركب الحسيني في الطريق بين كربلاء والكوفة، غير أنّ هناك خبراً كاشفاً، عن أنّ (الحنّانة) كانت أحد هذه المنازل، يقول الشهيد الأوّل (ره): (فإذا نزلتَ الثويّة، وهي الآن تلّ بقُرب الحنّانة، عن يسار الطريق لمن يقصد من الكوفة إلى المشهد، فصلّ عندها ركعتين، كما روي أنّ جماعة من خواصّ أمير المؤمنينعليهالسلام دُفنوا هناك، وقُلْ ما تقوله عند رؤية القبّة الشريفة، فإذا بلغت العَلَمَ وهي الحنّانة، فصلّ ركعتين، فقد روى محمّد بن أبي عمير، عن المفضّل قال: جاز الصادقعليهالسلام بالقائم المائل في طريق الغريّ فصلّى ركعتين، فقيل له: ما هذه الصلاة؟
____________________
(١) مدينة المعاجز: ٤: ١٢٤ رقم ١٨٥، وانظر: ص١١٤، وهذه الرواية بهذا النحو رواها المرحوم السيّد البحراني مُرسلة، ولعلّه قد انفرد بها.
(٢) قال البراقي: كانت الكوفة واسعة كبيرة تتّصل قُراها وجباباتها إلى الفرات الأصلي وقُرى العذار، فهي تبلغ ستّة عشر ميلاً وثُلُثي ميل.
وقال البراقي أيضاً: أحد حدودها خندق الكوفة المعروف (بكري سعد)، والحدّ الآخر القاضي الذي هو بقرب القائم إلى أن يصل قريباً من القرية المعروفة اليوم بـ (الشنافيّة)، والحدّ الآخر الفرات، الذي هو مُمتدّ من الديوانية إلى الحسكة إلى القرية المعروفة اليوم بـ (أبو قوارير) وهي منزل الرماحيّة، والحدّ الرابع قرى العذار التي هي من نواحي الحلّة السيفيّة. (راجع: تاريخ الكوفة: ١٣٤).
وقال ياقوت الحموي: ذكر أنّ فيها من الدور خمسين ألف دار للعرب من ربيعة ومضر، وأربعة وعشرين ألف دار لسائر العرب، وستّة آلاف دار لليمن. (مُعجم البلدان: ٤: ٤٩٢).
فقال:(هذا موضع رأس جدّي الحسين بن عليّ عليهماالسلام ، وضعوه هاهنا لما توجّهوا من كربلاء، ثمّ حملوه إلى عبيد الله بن زياد لعنة الله عليه ...) (١) .
وقال الشيخ محمّد مهدي الحائري: (وقال المرحوم - وحيد عصره - شيخنا النوري نوّر الله مضجعه: إنّه كان قريباً من النجف الأشرف ميل من الجص والآجر، ويقال له: القائم. ويسمّونه: بالعَلَمْ. فلما قُبض أمير المؤمنينعليهالسلام وجاءوا إلى النجف الأشرف، فلما وصلوا إلى العَلَم والقائم انحنى تعظيماً لأمير المؤمنين كالراكع فسمّوه بالحنّانة، وزيد في شرفه أنّه لما جيء برأس الحسينعليهالسلام إلى الكوفة ووصل هناك وقد مضى من الليل شطره، فوضع اللعين الحامل الرأس المبارك في ذلك المقام، وهذا أوّل منزل نزل به رأس الحسينعليهالسلام في طريق الكوفة، بقي غريباً وحيداً في ذلك المقام، ثمّ بنوا مسجداً في ذلك المكان وسُمِّي بمسجد الحنّانة، ويُستحب فيه الدعاء والزيارة وقيل: سُمّي بالحنانة؛ لأنّه لما وضِع رأس الحسينعليهالسلام في ذلك الموضع سُمِع من الرأس الشريف حنين وأنين إلى الصباح، والله العالم)(٢) .
تفاوتت المصادر التأريخية في عدد الباقين من الركب الحسينيّ، وفي أسماء الأسرى منهم، حينما أُخذوا من كربلاء إلى الكوفة، فقد قال ابن سعد في طبقاته: (ولم يفلت من أهل بيت الحسين بن عليّ الذين معه إلاّ خمسة نفر: عليّ بن
____________________
(١) المزار: ٦٩، وانظر: جواهر الكلام: ٢٠: ٩٣.
(٢) معالى السبطين: ٢: ٩٦.
الحسين الأصغر، وهو أبو بقيّة وِلْد الحسين بن عليّ اليوم، وكان مريضاً فكان مع النساء، وحسن بن حسن بن عليّ،(١) وله بقيّة، وعمرو بن حسن بن عليّ ولا بقيّة له، والقاسم بن عبد الله بن جعفر، ومحمّد بن عقيل الأصغر، فإنّ هؤلاء استُضعفوا، فقدم بهم وبنساء الحسين بن عليّ وهنّ: زينب، وفاطمة ابنتا عليّ بن أبي طالب، وفاطمة، وسكينة ابنتا الحسين بن علي، والرباب بنت أنيف(٢) الكلبية امرأة الحسين بن علي، وهي أمّ سكينة وعبد الله المقتول ابنَي الحسين بن علي، وأمّ محمّد بنت حسن بن عليّ امرأة عليّ بن حسين، وموالي لهم ومماليك عبيد وإماء، قدم بهم على عبيد الله بن زياد مع رأس الحسين بن علي ورؤوس مَن قُتِل معه رضي الله عنه وعنهم)(٣) .
وقال الطبري: (وأقام عمر بن سعد يومه ذلك والغد، ثمّ أمر حميد بن بكير الأحمري، فأذّن في الناس بالرحيل إلى الكوفة، وحمل معه بنات الحسين وأخواته
____________________
(١) قال السيّد ابن طاووس (ره): (وروى مُصنِّف كتاب المصابيح: أنّ الحسن بن الحسن المثنّى قَتل بين يدي عمّه الحسينعليهالسلام في ذلك اليوم سبعة عشر نفساً، وأصابته ثماني عشرة جراحة، فوقع فأخذه خاله أسماء بن خارجة، فحمله إلى الكوفة وداواه حتّى برئ وحملَه إلى المدينة) (راجع: اللهوف: ١٩١).
ومفاد ظاهر هذا الخبر، أنّ الحسن المثنّى لم يكن مع الأسرى في الركب الحسينيّ، الذين أُخذوا من كربلاء إلى الكوفة.
(٢) المشهور أنّ الربابّ بنت امرئ القيس.
(٣) ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام ومقتله / من القسم غير المطبوع من كتاب الطبقات الكبرى لابن سعد / تحقيق السيّد عبد العزيز الطباطبائي (ره): ص٧٨، وانظر: سير أعلام النبلاء للذهبي: ٣: ٣٠٣ في نقله عن طبقات ابن سعد. وانظر: تسمية مَن قُتِل مع الحسينعليهالسلام : ١٥٧.
ومَن كان معه من الصبيان وعليّ بن الحسين مريض)(١) .
وفي مقاتل الطالبيين: (وحمل أهله أسرى، وفيهم عمرو، وزيد، والحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالبعليهمالسلام ، وكان الحسن بن الحسن بن عليّ قد ارتثّ جريحاً، فحُمل معهم، وعليّ بن الحسين الذي أمّه أمّ ولد، وزينب العقيلة، وأمّ كلثوم بنت علي بن أبي طالب، وسكينة بنت الحسين ...)(٢) .
وقال الشيخ عماد الدين الطبري في كامل البهائي: (وكنّ جميعهنّ عشرين نسوة، وكان لزين العابدين في ذلك اليوم اثنان وعشرون سنة، ولمحمّد الباقر أربع، وكانا كلاهما في كربلاء وحفظهما الله تعالى)(٣) .
ويُستفاد من (الفائدة الثالثة) التي ذكرها المحقِّق السماوي في كتابه إبصار العين: أنّ زوجة الشهيد جنادة بن الحرث السلمانيرضياللهعنه كانت في الركب الحسيني أيضاً، وهي أمّ الشهيد عمرو بن جنادةرضياللهعنه الغلام ذي الإحدى عشرة سنة من العمر، وكذلك كانت عائلة الشهيد مسلم بن عوسجةرضياللهعنه (٤) في هذا الركب، وأمّ الشهيد وهب الذي كان نصرانيّاًرضياللهعنه (٥) ، وآخرون قد يكشف عنهم التحقيق الدقيق.
____________________
(١) تاريخ الطبري: ٣: ٣٣٥، وانظر: الكامل في التاريخ: ٣: ٢٩٦، ومقتل الحسينعليهالسلام / للخوارزمي: ٢: ٤٤، ومُثير الأحزان: ٨٣ وفيه أيضاً في ص ٩٨: (قال علي بن الحسينعليهالسلام :(أُدخلنا على يزيد ونحن اثنا عشر رجلاً مغلَّلون ...) .
(٢) مقاتل الطالبيين: ١١٩، وانظر: اللهوف: ١٩١، وانظر: تاريخ أبي الفداء: ١: ٢٦٦ وفيه: (ثمّ بعث ابن زياد بالرؤوس وبالنساء والأطفال إلى يزيد بن معاوية وفيهنّ ابنة عقيل بن أبي طالب ...).
(٣) الكامل البهائي لعماد الدين الطبري: ٢٩٠.
(٤) راجع: إبصار العين: ٢٢٠.
(٥) راجع: أمالي الصدوق: ١٣٧ المجلس ٣٠، حديث رقم ١.
أكثر المصادر التأريخيّة، تذكر أنّ عمر بن سعد كان قد ارتحل من كربلاء إلى الكوفة في اليوم الحادي عشر بعد الزوال، حاملاً معه بقايا الركب الحسينيّ، وفي ضوء حساب المسافة وسرعة الدوابّ في ذلك العصر، فإنّ الأرجح أنّ عمر بن سعد ومَن معه يُمسون عند مشارف الكوفة أوّل الليل - أيّ ليلة الثاني عشر - هذا إذا كان قد جدّوا السير إلى الكوفة.
من هنا؛ فإنَّ الأرجح أنَّ الركب الحسينيّ قد بات ليلة الثاني عشر في صحبة عسكر ابن سعد، في منزل من منازل الطريق القريبة جدّاً من الكوفة أو على مشارفها، والظاهر أنّ عمر بن سعد كان قد دخل الكوفة نهار اليوم الثاني عشر مع عسكره وبقيّة الركب الحسيني أسرى وسبايا، ودخوله الكوفة نهاراً لا ليلاً أمرٌ يقتضيه العامل الإعلامي، وزهو الانتصار، والمباهاة بالظفر، في صدر كلٍّ من ابن زياد وابن سعد وأعوانهما.
وهناك أيضاً إشارات تأريخية، تؤكِّد أنّ دخول عمر بن سعد الكوفة كان في النهار، منها: ما رواه سهل بن حبيب الشهرزوري قال: فدخلتُ الكوفة فوجدت الأسواق مُعطّلة، والدكاكين مُغلّقة، والناس مجتمعون خلقاً كثيراً، حلقاً حلقاً، منهم مَن يبكي سرّاً، ومنهم مَن يضحك جهراً، فتقدّمت إلى شيخ منهم وقلت له: يا شيخ، ما نزل بكم؟! أراكم مُجتمعين كتائب! ألكم عيد لستُ أعرفه للمسلمين؟!
فأخذ بيدي وعدل بي ناحية عن الناس، وقال: يا سيّدي، ما لنا عيد! ثمّ بكى بحرقة ونحيب!
فقلت: أخبرني يرحمك الله؟!
قال: بسبب عسكرين أحدهما منصور، والآخر مهزوم مقهور!
فقلت: لمن هذان العسكران؟!
فقال: عسكر ابن زياد، وهو ظافر منصور! وعسكر الحسين بن عليّعليهماالسلام ، وهو مهزوم مكسور!
ثمّ قال: وا حرقتاه! أن يدخل علينا رأس الحسين!
فما استتمّ إذ سمعت البوقات تُضرب، والرايات تخفق قد أقبلت، فمددت طرْفي وإذا بالعسكر قد أقبل ودخل الكوفة)(١) .
لما وصل إلى ابن زياد خبر عودة جيشه، بقيادة عمر بن سعد إلى الكوفة، أمر أن لا يحمل أحدٌ من الناس السلاح في الكوفة، كما أمر عشرة آلاف فارس أن يأخذوا السكك والأسواق، والطرُق والشوارع؛ خوفاً من النّاس أن يتحرّكوا حميّة وغيرة على أهل البيتعليهمالسلام ، إذا رأوا بقيّتهم بتلك الحالة من الأسر والسبي، وأمر أن تُجعل الرؤوس في أوساط المحامل أمام النساء، وأن يُطاف بهم في الشوارع والأسواق؛ حتّى يغلب على الناس الخوف والخشية.(٢)
كما أمر عبيد الله بن زياد أن يضعوا الرأس المقدّس على الرمح، ويُطاف به في سكك الكوفة وقبائلها، واجتمع مئة ألف إنسان للنظر إليه، منهم مَن كان يُهنِّئ، ومنهم مَن كان يُعزّي!(٣).
____________________
(١) مدينة المعاجز: ٤: ١٢١.
(٢) راجع: معالي السبطين: ٢: ٥٧، وروضة الشهداء: ٢٨٨.
(٣) راجع: كامل البهائي: ٢٩٠ / ولا يخفى على المتتبّع العارف أنّ عدد نفوس أهل الكوفة آنذاك (سنة ٦١ هـ ق) قد يربو على ثلاثمئة ألف نسمة؛ ذلك لأنّ الكوفيين الذين كاتبوا الإمام الحسينعليهالسلام في سنة ٦٠ هـ بعد موت معاوية، ذكروا له عن وجود مئة ألف مقاتل! فلو أنّ كلّ =
كانت الكوفة قد خرجت عن بكرة أبيها؛ لتشهد احتفال ابن زياد بمقدم جيشه الظافر في الظاهر! ولتشهد بقايا العسكر الذي قاتله جيش عمر بن سعد، ولتتصفّح وجوه السبايا!
ومن أهل الكوفة مَن كان يعلم بحقيقة مجرى الأحداث، ويُدرك عُظم المصاب وفظاعة الجناية التي ارتكبتها الكوفة بالأساس، ويدري أنّ السبايا المحمولين مع عمر بن سعد هم بقيّة آل النبيّصلىاللهعليهوآله ، وأنّ الرؤوس المشالات على أطراف الأسنّة هي رؤوس ابن رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأهل بيته وأصحابه، وهم خير أهل الأرض يومذاك، فكان يبكي لعُظم الرزيّة!
ومنهم مَن كان أُمويّ الميل والهوى، أو جاهلاً لم يعلم بحقائق الأحداث، مُتوهّماً أنّ والي الكوفة وأميرها قد فتح فتحاً جديداً على ثغْر من ثغور المسلمين! وجيء إليه بسبايا من غير المسلمين، فكان يضحك جهراً ويُهنِّئ مَن يلقاه بهذه المناسبة!!
قال صاحب رياض الأحزان: (وقد مُلئت شوارعها - أي الكوفة - وسككها وأزقَّتها من الرجال والنسوان، والشيوخ والشبّان، والصبايا والصبيان، من الموالف
____________________
= واحد من هؤلاء ينتمي إلى عائلة من ثلاثة أفراد (في ضوء حساب المعدّل)، لكان مجموع نفوس الكوفة آنذاك حوالي ثلاثمئة ألف نسمة، ويُساعد على ما ذهبنا إليه، أنّ عمر بن الخطّاب في سنة ٢٢ هـ. ق كان قد صرّح بصدد أهل الكوفة قائلاً: وأيّ شيء أعظم من مئة ألف لا يرضون عن أمير ولا يرضى عنهم أمير؟! وأُحيطت الكوفة على مئة ألف مقاتل. (راجع: الكامل في التاريخ: ٣: ٣٢)، وهذا في سنة ٢٢ هـ؛ فلا شكّ أن نفوسهم بعد ٣٨ سنة قد بلغ حوالي ثلاثة أمثال عددهم سنة ٢٢ هـ.
والمخالف، وحزب الرحمان، وأولياء الشيطان، منهم باكٍ ومُنتحب، ومنهم ضاحك وطرِب، منهم عارف بالواقعة العظمى، وأنّها جرت على آل النبيّ محمدصلىاللهعليهوآله ، ومنهم جاهل غافل عن البلوى)(١) .
وروى الشيخ الطوسي بسنده، عن حذلم بن ستير(٢) ، قال: (قدمت الكوفة في المحرّم سنة إحدى وستّين، مُنصرف عليّ بن الحسينعليهماالسلام بالنسوة من كربلاء، ومعهم الأجناد يُحيطون بهم، وقد خرج الناس للنظر إليهم، فلما أقبل على الجِمال بغير وطاء جعل نساء الكوفة يبكين ويلتدمْن!(٣) ، فسمعت عليّ بن الحسينعليهماالسلام وهو يقول بصوت ضئيل - وقد نهكته العلّة! وفي عنُقه الجامعة! ويده مغلولة إلى عنقه! -:(إنّ هؤلاء النسوة يبكين! فمَن قتلنا؟!) (٤) .
ويقول اليعقوبي في تاريخه: (وحملوهنّ إلى الكوفة، فلما دخلن إليها خرجت نساء الكوفة يصرخن ويبكين! فقال عليّ بن الحسين:(هؤلاء يبكين! فمَن
____________________
(١) رياض الأحزان: ٤٨ /، ونقل أيضاً عن تذكرة الأئمّة للعلاّمة المجلسي أنهّ (قال بعض النظّار والمتفرّجين لبعض شماتةً بهم: إنّ الله تعالى نِعْمَ ما كافى هؤلاء به عمّا أحدثوه وأبدعوه وفعلوه!
وكان هو في ذلك، إذ طارت من السماء حجارة وأصابت فمه وسقط ميّتاً لعنه الله).
(٢) في رجال الشيخ الطوسي: ١١٣ ورد اسمه (حذيم بن شريك الأسدي)، وروى الطبرسي في كتابه الاحتجاج عنه حديث ورد الإمام السجّادعليهالسلام الكوفة مع أهل البيت، وخطبة زينب الكبرى في الكوفة. (راجع: الاحتجاج: ٢: ٣٢٠ رقم ٣٢٢)، وفي البحار: ٤٥: ١٠٨ (بشير بن خزيم الأسدي)، وفي مُستدركات علم رجال الحديث: ٢: ٣٧: (بشير بن جزيم الأسدي: لم يذكروه، وهو راوي خطبة مولاتنا زينبعليهاالسلام بالكوفة.).
(٣) التدمتْ المرأة: ضربت صدرها في النياحة، وقيل: ضربت وجهها في المآتم.
(٤) أمالي الطوسي: ٩١، واللهوف: ١٩٢، وأمالي المفيد: ٣٢٠، والفصول المهمّة: ١٩٢، والمنتخب للطريحي: ٣٥٠.
قتلَنا؟!) (١) .
ويقول ابن أعثم الكوفي: (وساق القوم حُرَم رسول الله من كربلاء، كما تُساق الأُسارى! حتّى إذا بلغوا بهم إلى الكوفة خرج الناس إليهم فجعلوا يبكون وينوحون ...)(٢) .
وقال السيد ابن طاووس (ره): (قال الراوي: فأشرفت امرأة من الكوفيّات فقالت: من أيّ الأُسارى أنتنّ؟ فقلن: نحن أُسارى آل محمدصلىاللهعليهوآله !!
فنزلت المرأة من سطحها، فجمعت لهنّ مُلاء وأُزُراً ومقانع، وأعطتهنّ فتغطّين)(٣) .
ويصف حاجب عبَيد الله بن زياد حال الناس ذلك اليوم فيقول: (.. ثمّ أمر بعليّ بن الحسينعليهالسلام فغُلّ، وحُمل مع النسوة والسبايا إلى السجن، وكنت معهم، فما مررنا بزقاق إلاّ وجدناه ملاء رجالاً ونساء يضربون وجوههم ويبكون ...!!)(٤) .
قال العلاّمة المجلسي (ره): (رأيت في بعض الكُتب المعتبرة(٥) ، روى مُرسلاً عن مسلم الجصاص، قال: دعاني ابن زياد لإصلاح دار الإمارة بالكوفة، فبينما أنا
____________________
(١) تاريخ اليعقوبي: ٢: ١٧٧.
(٢) الفتوح: ٥: ١٣٩.
(٣) اللهوف: ١٩١.
(٤) أمالي الشيخ الصدوق: ١٤٠ المجلس ٣١ حديث رقم ٣.
(٥) لا يُعرَف السرّ في عدم ذكر العلاّمة المجلسي (ره) اسم هذا الكتاب الذي وصفه من الكُتب المعتبرة.
أُجصّص الأبواب، وإذا أنا بالزعقات(١) قد ارتفعت من جنبات الكوفة! فأقبلت على خادم كان معنا، فقلت: ما لي أرى الكوفة تضجّ؟!
قال: الساعة أتَوا برأس خارجيّ خرج على يزيد.
فقلت: مَن هذا الخارجي؟!
فقال: الحسين بن علي!
قال: فتركت الخادم حتّى خرج، ولطمت وجهي حتّى خشيت على عيني أن تذهب!(٢) ، وغسلت يدي من الجصّ، وخرجت من ظَهر القصر وأتيت إلى الكُناس، فبينما أنا واقف والناس يتوقَّعون وصول السبايا والرؤوس، إذ أقبلت نحو أربعين شِقّة(٣) تُحمل على أربعين جَملاً، فيها الحرم والنساء وأولاد فاطمةعليهاالسلام ، وإذا بعليّ بن الحسينعليهالسلام على بعير بغير وطاء! وأوداجه تشخب دماً! وهو مع ذلك يبكي ويقول:
يا أُمّة السوء لا سَقياً لربعكم |
يا أُمّة لم تراعِ جدّنا فينا |
|
لو أنّنا ورسول الله يجمعنا |
يوم القيامة ما كنتم تقولونا |
|
تُسيّرونا على الأقتاب عارية |
كأنّنا لم نُشيِّد فيكم دينا |
|
بني أُميّة ما هذا الوقوف على |
تلك المصائب لا تُلبُّون داعينا(٤) |
|
تُصفِّقون علينا كفَّكم فرحاً |
وأنتم في فجاج الأرض تسْبونا |
|
أليس جدّي رسول الله ويلكم |
أهدى البريّة من سُبل المضلِّينا |
____________________
(١) قال ابن منظور: والزعق: الصياح. (لسان العرب: ٦: ٤٦).
(٢) وفي هذا إشارة إلى أنّ مسلماً الجصّاص كان من مُحبيّ أهل البيتعليهمالسلام .
(٣) والشِّقّة: الشظيّة أو القطعة المشقوقة من لوح أو خشب أو غيره. (لسان العرب: ١٠: ١٨٢).
(٤) يُلاحَظ في هذا البيت وما بعده ضعف وركاكة ظاهرة، ولعلّ هذه الأبيات من نظم آخرين ثمّ ألحقت بالأبيات الثلاثة الأُولى، والله العالم.
يا وقعة الطفّ قد أورثتني حزناً |
والله يهتك أستار المسيئينا |
قال: وصار أهل الكوفة يُناولون الأطفال الذين على المحامل بعض التمر والخبز والجوز، فصاحت بهم أمّ كلثوم، وقالت: يا أهل الكوفة، إنّ الصدقة علينا حرام!
وصارت تأخذ ذلك من أيدي الأطفال وأفواهم وترمي به إلى الأرض.
قال: كلّ ذلك والنّاس يبكون على ما أصابهم!
ثمّ إنّ أمّ كلثوم أطلعت رأسها من المحمل، وقالت لهم:
صهٍ يا أهل الكوفة! تقتلنا رجالكم وتبكينا نساؤكم؟! فالحاكم بيننا وبينكم الله يوم فصل القضاء!
فبينما هي تُخاطبهنّ إذا بضجّة قد ارتفعت، فإذا هم أتوا بالرؤوس يقدمهم رأس الحسينعليهالسلام (١) ، وهو رأسٌ زهريٌّ قمرىٌّ، أشبه الخلْق برسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ولحيته كسواد السّبج(٢) قد انتصل منها الخضاب، ووجهه دارة قمر طالع! والرمح تلعب بها (كذا) يميناً وشمالاً، فالتفتت زينب، فرأت رأس أخيها، فنطحت جبينها بمُقدّم المحمِل، حتّى رأينا الدّم يخرج من تحت قناعها، وأومأت إليه بحرقة وجعلت تقول:
يا هلالاً لما استتمّ كمالا |
غاله خسفه فأبدى غروبا |
|
ما توهّمت يا شقيق فؤادي |
كان هذا مُقدَّراً مكتوبا |
|
يا أخي فاطم الصغيرة كلِّمها |
فقد كاد قلبها أن يذوبا |
____________________
(١) ظاهر هذا الخبر يُخالف الأخبار التي مضت قبل هذا، والمصرِّحة بأنّ رأس الإمامعليهالسلام أُخذ من ساعته إلى ابن زياد بيد خولّي وحميد بن مسلم، إلاّ أنّ الرؤوس المقدّسة جيء من القصر بها إلى حيث يمرّ الركب تلك الساعة داخل الكوفة. والله العالم.
(٢) السَّبَج: حجر أسود شديد السواد برّاق.
يـا أخـي قـلبك الشفيق علينا |
مـا لـه قد قسا وصار صليبا |
|
يا أخي لو ترى عليّاً لدى الأسر |
مـع الـيُتْم لا يُـطيق وجوبا |
|
كـلّما أوجـعوه بالضرب نادا |
ك بـذلٍّ يـغيض دمعاً سكوبا |
|
يـا أخـي ضُـمَّه إليك وقرِّبه |
وسـكِّـن فؤاده الـمرعوبا |
|
مـا أذلّ الـيتيم حـين يُنادي |
بـأبيه ولا يراه مُجيبا) (١) . |
لا شكّ بأنّ الصدقة الواجبة حرام على أهل البيتعليهمالسلام وعلى ذراريهم، وهي - كما ورد في الأثر(٢) - أوساخ الناس، وأنّها لا تحلّ على محمّد ولا آل محمّدصلىاللهعليهوآله ، ثمّ إنّه لا خلاف في عدم تحريم الصدقة المندوبة، فلماذا منعَتْ السيّدة أمّ كلثوم أو زينبعليهاالسلام الأطفال من أخذ ما كان يُقدِّمه لهم أهل الكوفة من تمر وخبز وجوز؟ ألأنّ ذلك كان صدقة واجبة وهي محرّمة عليهم؟ أمْ كان ذلك احتياطاً، فلرّبما كان بعض ذلك من الصدقة الواجبة؟ أمْ كان ذلك محمولاً على الكراهة أو الحُرمة بتعليل خاص؟
يقول الشيخ الأنصاري (ره) في كتاب الزكاة(٣) ما نصّه: (ثمّ إنّه لا خلاف في عدم تحريم الصدقة المندوبة، وبه وردت أخبار كثيرة، إلاّ أنّ في بعض الأخبار ما يدلّ
____________________
(١) بحار الأنوار: ٤٥: ١١٤ - ١١٥.
(٢) قال ابن عبّاس: (وكان (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كثيراً ما يقول عن الصدقة: هي أوساخ النّاس، وأنّها لا تحلّ لمحمّد ولا آل محمّد. (كشف الغمّة عن هذه الأمّة للشعراني: ١٥٤). وانظر: وسائل الشيعة: ٦: ١٨٥ باب ٢٩ من أبواب المستحقّين للزكاة.
(٣) كتاب الزكاة: ٣٥٢.
على نهي الإمامعليهالسلام عن ماء المسجد؛ مُعلّلاً بأنّها صدقة، وقد اشتُهر حكاية منع سيدتنا زينب أو أمّ كلثومعليهاالسلام للسبايا عن أخذ صدقات أهل الكوفة؛ مُعلِّلتين بكونها صدقة، ويمكن حملها على الكراهة أو الحرمة، إذا كان الدفع على وجه المهانة كما احتمله في شرح المفاتيح).
وفي طول ذلك، يمكن أن نقول: بأنّ من المحتمل أيضاً، أنّ سيدتناعليهاالسلام أرادت من وراء ردّ عطايا أهل الكوفة ومنع السبايا منها - مع فرض الكراهة - أن تُعرِّف النّاس بأنّ سبايا هذا الركب ليسوا من أيّ الناس، بل هم آل رسول اللهصلىاللهعليهوآله الذين فرض الله مودّتهم واتِّباعهم، وأنّ يزيد بن معاوية وعامله ابن زياد قد عصيا الله ورسولهصلىاللهعليهوآله بارتكاب ما ارتكبا من آل الرسولصلىاللهعليهوآله ، حتّى ينكشف للنّاس من أهل الكوفة عُظم الجريمة والرزيّة، وفظاعة ما اجترحوه من ذنب الانقياد ليزيد وابن زياد وأتباعهما.
ولما رأت العقيلة زينبعليهاالسلام الحشود الكثيرة من أهالي الكوفة، قد ملأت الشوارع والطرق والسكك، اندفعت إلى الخطابة وإلى التبليغ وإلى تبيان ما جرى على أهل بيت النبوّة، وأخذت تُحمِّل أهل الكوفة مسؤولية نقض العهد والبيعة وقتل ريحانة رسول الله، وتُوخِز ضمائرهم وتُحرق قلوبهم، بتعريفهم عُظم ما اجترحوا من جُرم، وقبح ما ألبسوا أنفسهم من عارٍ لا يُغسَل أبد الدهر!
قال السيّد ابن طاووس (ره): (قال بشير بن خزيم الأسدي: ونظرت إلى زينب بنت عليّ يومئذٍ، ولم أرَ خَفرةً - والله - أنطق منها! كأنّها تُفرغ من لسان أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ! وقد أومأت إلى النّاس أن اسكتوا فارتدّت الأنفاس
وسكنت الأجراس!! ثمّ قالت:
الحمد لله، والصلاة على أبي محمّد وآله الطيّبين الأخيار! أمّا بعد، يا أهل الكوفة! يا أهل الختل والغدر! أتبكون؟! فلا رقأت الدمعة، ولا هدأت الرنّة! إنّما مَثَلكم كمَثل الذي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثاً، تتّخذون أيمانكم دخَلاً بينكم! ألا وهل فيكم إلاّ الصَّلف النَّطف، والصدر الشّنف، وملق الإماء، وغمز الأعداء، أو كمرعى على دِمنة، أو كفضّة (كقصّة خ ل) على ملحودة!؟! ألا ساء ما قدّمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون!
أتبكون وتنتحبون؟! إي والله، فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً، فلقد ذهبتم بعارها وشنارها، ولن ترحضوها بغسل بعدها أبداً! وأنّى ترحضون قتل سليل خاتم النبوّة، ومعدن الرسالة، وسيّد شباب أهل الجنّة، وملاذ خيرتكم، ومفزع نازلتكم، ومنار حجّتكم، ومدره ألسنتكم؟! ألا ساء ما تزرون، وبُعداً لكم وسحقاً، فلقد خاب السعي، وتبّت الأيدي، وخسرت الصفقة، وبؤتم بغضب من الله، وضُربت عليكم الذّلة والمسكنة!
ويلكم يا أهل الكوفة! أتدرون أيّ كبد لرسول الله فريتم؟! وأيّ كريمة له أبرزتم؟! وأيّ دم له سفكتم؟! وأيّ حُرمة له انتهكتم؟! ولقد جئتم بها صلعاء عنقاء سوداء فقماء - وفي بعضها - خرقاء شوهاء، كطلاع الأرض أو ملاء السماء!
أفعجبتم أن مطرت السماء دماً؟! ولعذاب الآخرة أخزى وأنتم لا تُنصرون! فلا يستخفّنكم المهل، فإنّه لا يَحفزه البدار، ولا يخاف فوت الثار، وإنّ ربّكم لبالمرصاد!
قال الراوي: فوالله، لقد رأيت النّاس يومئذٍ حيارى يبكون، وقد وضعوا أيديهم في أفواههم! ورأيت شيخاً واقفاً إلى جنبي حتّى اخضلّت لحيته! وهو يقول: بأبي أنتم وأمّي! كهولكم خير الكهول! وشبابكم خير الشباب! ونساؤكم خير النساء! ونسلكم خير نسل، لا يخزى ولا يُبزى!)(١) .
____________________
(١) اللهوف: ١٩٢، وانظر: أمالي المفيد: ٣٢١، والفتوح: ٥: ١٣٩، وأمالي الطوسي: ١: ٩٠، ومُثير الأحزان: ٨٦، ومناقب آل أبي طالبعليهمالسلام ٤: ١١٥، والبحار: ٤٥: ١٦٢.
وروى المرحوم الطبرسي هذه الخطبة الغرّاء، بتفاوت وفيه زيادة: ثمّ أنشأت تقول:
مـاذا تـقولون إنّ قال النبيّ لكم |
مـاذا صـنعتم وأنـتم آخر الأُمم |
|
بـأهل بـيتي وأولادي تـكرمتي |
مـنهم أُسارى ومنهم ضُرِّجوا بدم |
|
ما كان ذاك جزائي إذ نصحت لكم |
أن تخلفوني بسوءٍ في ذوي رحمي |
|
إنّـي لأخشى عليكم أن يحلّ بكم |
مثل العذاب الذي أودى على إرَم |
ثمّ ولّت عنهم.
وفيه أيضاً: فقال علي بن الحسينعليهالسلام :
(يا عمّة اسكتي! ففي الباقي عن الماضي اعتبار، وأنت بحمد الله عالمة غير مُعلّمة، فهمةٌ غير مُفهَّمة، إنّ البكاء والحنين لا يردّان مَن قد أباده الدهر!) .
فسكتت، ثمّ نزلعليهالسلام وضرب فسطاطه، وأنزل نساءه، ودخل الفسطاط.
الاحتجاج: ٢: ١٠٩ / ويُلاحظ في إضافة الطبرسي (ره) أنّ قوله: (ثمّ نزل وضرب فسطاطه وأنزل نساءه ودخل الفسطاط) كاشف عن أنّ ما نقله من قول الإمام السجادعليهالسلام ، كان قد صدر منه إلى عمّتهعليهاالسلام عند مشارف المدينة المنوّرة حين العودة إليها - على احتمال أقوى - أو في كربلاء، عند عودتهم إليها من الشام.
ذلك؛ لأنّهعليهالسلام لم يكن له فسطاط في مسير السبي والأسر، ولم يكن له أن يُنزل النساء باختياره حيث يشاء! فتأمّل!
وقال السيّد ابن طاووس (ره): (وروى زيد بن موسى(١) ، قال: حدّثني أبي، عن جدّيعليهماالسلام قال: خطبَتْ فاطمة الصغرى بعد أن وردت من كربلاء، فقالت:
الحمد لله عدد الرمل والحصى، وزِنَة العرش إلى الثرى، أحمده وأؤمن به، وأتوكّل عليه، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّداً عبده
____________________
(١) قال النمازي في مُستدركات علم رجال الحديث: ٣: ٤٨٦ رقم ٥٩٨٧: (زيد بن موسى الكاظمعليهالسلام . ويُقال له: زيد النار. روى الصدوق عن ياسر: أنّه خرج بالمدنية وأُحرق وقُتل، فبعث إليه المأمون فأُسر وحمل إلى المأمون، فقال المأمون: اذهبوا به إلى أبي الحسنعليهالسلام . قال: ياسر: فلما دخل عليه قال له أبو الحسن:(يا زيد أغرّك قول سفَلة أهل الكوفة: إنّ فاطمة أحصنت فرجها فحرّم الله ذرّيتها على النار؟ ذاك للحسن والحسين خاصّة! إن كنت ترى أنّك تعصي الله وتدخل الجنّة! وموسى بن جعفر عليهالسلام أطاع الله ودخل الجنّة فأنت إذاً أكرم على الله عزّ وجلّ من موسى بن جعفر عليهالسلام ! والله، ما ينال بنا أحدٌ ما عند الله عزّ وجلّ إلاّ بطاعته، وزعمت أنّك تناله بمعصيته، فبِئْسَ ما زعمت!) .
فقال له زيد: أنا أخوك وابن أبيك. فقال له أبو الحسنعليهالسلام :(أنت أخي ما أطعت الله عزّ وجلّ إنّ نوحاً قال: ( رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ ) ، فقال الله عزّ وجل: ( يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ) ، فأخرجه الله عزّ وجلّ من أن يكون من أهله بمعصيته) .
وقال السيد الخوئي في المعجم ٧/٣٦٠ بعد نقله هذه الحكاية: (وروى أيضاً - أي الشيخ الصدوق - عن أبي الحسين عليّ بن أحمد النسّابة عن مشايخه: أنّ زيد بن موسى كان يُنادم المنتصر!! وكان في لسانه فضل، وكان زيدياً، رواهما في العيون، الباب ٥٨، ح٣ و٤.
وذكر فيه غيرهما ممّا دلّ على ذمِّ زيد، إلاّ أنّ جميع تلك الروايات ضعيفة السند لا يُعتمد عليها.
والذي يُسهِّل الخَطْب، أنّه لم يرد في هذا توثيق ولا مدح، وكلام الشيخ المفيد لا دلالة فيه على المدح من جهة الدين كما هو ظاهر).
ورسوله صلىاللهعليهوآله ، وأنّ أولاده ذُبحوا بشطّ الفرات بغير ذَحل ولا تِرات !
اللّهمّ، إنّي أعوذ بك أن أفتري عليك الكذب، أو أن أقول عليك خلاف ما أنزلت عليه، من أخْذ العهود لوصيّه عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، المسلوب حقّه، المقتول من غير ذنب كما قُتِل ولده بالأمس، في بيت من بيوت الله، في معشر مسلمة بألسنتهم! تعساً لرؤوسهم ما دفعت عنه ضيماً في حياته ولا عند مماته، حتّى قبضته إليك محمود النقيبة، طيّب العريكة، معروف المناقب مشهور المذاهب، لم تأخذه فيك اللّهم لومة لائم ولا عذل عاذل، هديته اللّهم للإسلام صغيراً، وحمدت مناقبه كبيراً، ولم يزل ناصحاً لك ولرسولكصلىاللهعليهوآله حتى قبضته إليك، زاهداً في الدنيا غير حريص عليها، راغباً في الآخرة، مجاهداً لك في سبيلك، رضيته فاخترته فهديته إلى صراط مستقيم.
أمّا بعد، يا أهل الكوفة، يا أهل المكر والغدر والخُيلاء! فإنّا أهل بيت ابتلانا الله بكم، وابتلاكم بنا، فجعل بلاءنا حسناً، وجعل علمه عندنا وفهْمه لدينا، فنحن عيبة علمه، ووعاء فهمه وحكمته، وحجّته على الأرض في بلاده لعباده، أكرمنا الله بكرامته، وفضّلنا بنبيّه محمّدصلىاللهعليهوآله على كثير ممّن خلق تفضيلاً بيّناً، فكذّبتمونا وكفّرتمونا! ورأيتم قتالنا حلالاً! وأموالنا نهباً! كأنّنا أولاد تُرك وكابُل! كما قتلتم جدّنا بالأمس(١) ، وسيوفكم تقطر من دمائنا أهل البيت لحقد مُتقدّم! قرّت لذلك
____________________
(١) هذه العبارة: (كما قتلتم جدّنا بالأمس) تُشخِّص أنّ فاطمة هذه هي فاطمة بنت الحسينعليهالسلام ؛ لأنّ الجدّ القتيل هو أمير المؤمنين عليّعليهالسلام ، أمّا إطلاق الصغرى أو الكبرى على فاطمة بنت الحسينعليهاالسلام فلا يوجد في كُتب المؤرّخين الأوائل، لكنّه موجود في كُتب مؤرّخين آخرين، مُتأخّرين عن أولئك، أمثال الخوارزمي، وابن نما، وابن طاووس، والعلاّمة المجلسي، وقد ذكر الشيخ المفيد (ره) فاطمة ضمن ذكره لبنات الحسينعليهالسلام ، لكنّه لم يُقيّدها بصغيرة أو كبيرة، كما أنّهاعليهاالسلام مذكورة في أكثر كُتب التراجم بدون هذا القيد، فمثلاً في كتاب تهذيب الكمال: ٣٥: ٢٥٤ =
عيونكم، وفرحت قلوبكم، افتراءً على الله ومكراً مكرتم، والله خير الماكرين، فلا تدعونَّكم أنفسكم إلى الجذل بما أصبتم من دمائنا ونالت أيديكم من أموالنا، فإنّ ما أصابنا من المصائب الجليلة والرزايا العظيمة ( فِي كِتَابٍ مِن قَبْلِ أَن نَبْرَأَهَا إِنّ ذلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللّهُ لاَ يُحِبّ كُلّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) تبّاً لكم! فانتظروا اللعنة والعذاب، فكأنّ قد حلّ بكم وتواترت من السماء نقمات، فيُسحتكم بعذاب ويُذيق بعضكم بأس بعض، ثمّ تُخلَّدون في العذاب الأليم يوم القيامة بما ظلمتمونا، ألا لعنة الله على الظالمين .
____________________
= رقم ٧٩٠١: (فاطمة بنت الحسين بن عليّ بن أبي طالب القرشيّة الهاشميّة المدنيّة، أخت عليّ بن الحسين زين العابدين، وأمّها أمّ إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله، تزوّجها ابن عمّها حسن بن حسن فولدت له عبد الله وإبراهيم وحسناً وزينب ...).
وعدّها ابن حبّان في الثقات! وقال: ماتت وقد قاربت التسعين. (راجع: كتاب الثقات: ٥: ٣٠١).
وأمّا المشهور من أنّ للإمام الحسينعليهالسلام بنتاً اسمها فاطمة الصغرىعليهالسلام ، وقد تركها في المدينة؛ لأنّها كانت يومذاك مريضة، فلم يصطحبها معه إلى كربلاء؛ لشدّة وجعها وعدم تمكُّنها من السير والحركة، فلا تؤكِّده نصوص مصادر مُعتبرة.
نعم، روى الخوارزمي في مقتله قصّة مجيء الغراب بعد مقتل الحسينعليهالسلام ووقوعه في دمهعليهالسلام ، وأنّه بعد ذلك طار إلى المدينة حتّى وقف على جدار فاطمة بنت الحسين وهي الصغرى، فرفعت رأسها إليه فنظرته فبكت (راجع: مقتل الحسينعليهالسلام / للخوارزمي: ٢: ٩٢).
وذكر المرحوم الشهيد السيد قاضي طباطبائي (ره): أنّ صاحب كتاب مطالب السؤول ذكر أنّ هناك بنتاً أُخرى للحسينعليهالسلام لم يذكر اسمها، وإذا صحّ ذلك فلعلّها هي التي اسمها فاطمة وبقيت في المدينة! (راجع: كتاب التحقيق حول زيارة الأربعين / فارسي: ٢٩٠).
ويلكم! أتدرون أيّة يدٍ طاعنتنا منكم؟! وأيّة نفس نزعت إلى قتالنا؟! أمْ بأيّ رِجْل مشيتم إلينا تبغون مُحاربتنا؟!
قسَت - والله - قلوبكم، وغلظت أكبادكم، وطُبع على أفئدتكم، وخُتم على أسماعكم وأبصاركم، وسوَّل لكم الشيطان وأملى لكم، وجعل على بصركم غشاوة فأنتم لا تهتدون!
فتبّاً لكم يا أهل الكوفة! أيّ تراتٍ لرسول اللهصلىاللهعليهوآله قِبَلكم، وذحول له لديكم بما عندتم بأخيه عليّ بن أبي طالبعليهالسلام جدّي وبنيه وعترة النبيّ الأخيار صلوات الله وسلامه عليهم؟! وافتخر بذلك مُفتخركم، فقال:
نحن قتلنا عليّاً وبني علي |
بسيوف هنديّة ورماح |
|
وسبينا نساءهم سبي تُرك |
ونطحناهم فأيّ نطاح |
بفيك - أيُّها القائل - الكُثْكُث والأثلب! افتخرت بقتل قوم زكّاهم الله وأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً! فاكظم وأقعِ كما أقعى أبوك فإنّما لكلّ امرئٍ ما اكتسب وما قدّمت يداه، أحسدتمونا - ويلاً لكم - على ما فضّلنا الله؟!
فما ذنبا إن جاش دهراً بحورنا |
وبحرك ساجٍ لا يواري الدّعامصا |
ذلك فضل الله يؤتيه مَن يشاء، والله ذو الفضل العظيم، ومَن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور.
قال: وارتفعت الأصوات بالبكاء! وقالوا: حسبك - يا ابنة الطيِّبين! - فقد أحرقت قلوبنا، وانضجت نحورنا، وأضرمت أجوافنا. فسكتت)(١) .
____________________
(١) اللهوف: ١٩٤، وانظر: الاحتجاج: ٢: ١٠٤، ومُثير الأحزان: ٨٧، وتسيلة المجالس: ٢: ٣٥٥ - ٣٥٩، والبحار: ٤٥: ١١٠.
(قال: وخطبت أمّ كلثوم بنت عليّعليهالسلام في ذلك اليوم من وراء كلِّتها، رافعة صوتها بالبكاء فقالت:
يا أهل الكوفة، سوأة لكم! خذلتم حسيناً وقتلتموه، وانتهبتم أمواله وورثتموه! وسبيتم نساءه ونكبتموه! فتبّاً لكم وسُحقاً!!
ويلكم! أتدرون أيّ دواهٍ دهتكم؟! وأيّ وزرٍ على ظهوركم حملتم؟! وأيّ دماءٍ سفكتم؟! وأيّ كريمة أصبتموها؟! وأيّ صبية سلبتموها؟! وأيّ أموالٍ انتهبتموها؟! قتلتم خير رجالات بعد النبيّصلىاللهعليهوآله ونُزعت الرحمة من قلوبكم، ألا إنّ حزب الله هم الفائزون، وحزب الشيطان هم الخاسرون.
ثمّ قالت:
قـتلتم أخـي صبراً فويلٌ لأمّكم |
سـتُجزون نـاراً حـرُّها يتوقَّد |
|
سـفكتم دمـاءً حـرَّم الله سفكها |
وحـرّمها الـقرآن ثـمّ مـحمّد |
|
ألا فـابشروا بـالنّار إنّـكم غداً |
لـفي سـقرٍ حـقّاً يقيناً تُخلَّدوا |
|
وإنّي لأبكي في حياتي على أخي |
عـلى خير من بعد النبيّ سيولَد |
|
بـدمعٍ غـزير مُستهلّ مُكفكف |
على الخدّ منّي دائماً ليس يجمد |
قال: فضجّ الناس بالبكاء والحنين والنوح، ونشر النساء شعورهنّ، ووضعن التراب على رؤوسهنّ، وخمشن وجوههنّ وضربن خدودهنّ، ودعون بالويل والثبور، وبكى الرجال ونتفوا لحاهم! فلم يُرَ باكية وباكٍ أكثر من ذلك اليوم)(١) .
____________________
(١) اللهوف: ١٩٨، وانظر: تسلية المجالس: ٢: ٣٥٩، والبحار: ٤٥: ١١٢.
(ثمّ إنّ زين العابدينعليهالسلام أومأ إلى الناس أن اسكتوا، فسكتوا، فقام قائماً، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر النبيّصلىاللهعليهوآله ثمّ صلّى عليه، ثمّ قال:
(أيّها الناس! مَن عرفني فقد عرفني، ومَن لم يعرفني فأنا عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهالسلام ، أنا ابن مَن انتُهكت حُرمته، وسُلبت نعمته، وانتُهب ماله، وسُبي عيالُه! أنا ابن المذبوح بشطّ الفرات من غير ذَحلٍ ولا تِرات! أنا ابن مَن قتل صبراً، فكفى بذلك فخراً!
أيّها الناس! فأنشدكم الله، هل تعلمون أنّكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه؟! وأعطيتموه من أنفسكم العهد والميثاق والبيعة وقاتلتموه!؟
فتبّاً لما قدّمتم لأنفسكم! وسوأة لرأيكم! بأيّة عين تنظرون إلى رسول الله صلىاللهعليهوآله ، إذ يقول لكم: قتلتم عترتي، وانتهكتم حرمتي، فلستم من أمّتي؟!).
قال الراوي: فارتفعت الأصوات من كلّ ناحية، ويقول بعضهم لبعض: هلكتم وما تعلمون!!
فقالعليهالسلام :(رحم الله امرئً قبِل نصيحتي وحفظ وصيّتي في الله وفي رسوله وأهل بيته، فإنّ لنا في رسول الله صلىاللهعليهوآله أسوةً حسنة) .
فقالوا بأجمعهم: نحن كلّنا - يا بن رسول الله - سامعون مُطيعون، حافظون لذمامك، غير زاهدين فيك ولا راغبين عنك! فمُرْنا بأمرك يرحمك الله! فإنّا حرب لحربك! وسلم لسلمك! لنأخذنّ يزيد لعنه الله ونبرأ ممّن ظلمك!
فقالعليهالسلام :(هيهات هيهات! أيّها الغدرة المكرة! حيل بينكم وبين شهوات أنفسكم! أتُريدون أن تأتوا إليّ كما أتيتم إلى آبائي من قبل؟!
كلاّ وربِّ الراقصات! فإنّ الجُرح لما يندمل، قُتِل أبي صلوات الله عليه بالأمس وأهل بيته معه، ولم يُنسني ثكل رسول الله وثكل أبي وبني أبي، ووجْده بين لَهاتي، ومرارته بين حناجري وحلقي، وغصصه يجري في فراش صدري، ومسألتي أن لا تكونوا لنا ولا علينا!) .
ثمّ قال:
لا غرو إن قُتِل الحسين فشيخه |
قد كان خيراً من حسين وأكرما |
|
فلا تفرحوا يا أهل كوفان بالذي |
أُصيب حسين كان ذلك أعظما |
|
قـتيل بشطّ النهر روحي فداؤه |
جـزاء الـذي أرداه نار جهنّما |
ثمّ قال:(رضينا منكم رأساً برأس! فلا يوم لنا ولا يوم علينا!) (١) .
يلاحِظ المتأمّل في خُطب كلٍّ من الإمام السجّاد، والعقيلة زينب، وأمّ كلثوم، وفاطمة الصغرىعليهمالسلام ، أنّ الخطّ المشترك الرئيس في كلّ هذه الخُطب، هو أنّهم صلوات الله عليهم ألقوا باللائمة على أهل الكوفة، وخاطبوهم بصفتهم الجناة الذي ارتكبوا جريمة قتل سيد الشهداءعليهالسلام وأنصاره رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، بما ظهر منهم من ختل وغدر ونقضٍ للبيعة، وبما كان منهم من انقياد تامٍّ لأوامر يزيد، وعبَيد الله بن زياد، وعمر بن سعد، وشمر، وبقيّة طغاتهم!
فالأمّة هنا هي قعود النار التي اقتدح شرارتها الجبابرة الظالمون، وهي أداة القتل، بل هي التي باشرت ارتكاب الجريمة العُظمى بيدها! فهي التي تستحقّ اللعن الدائم إلى قيام الساعة، وفي هذا وردت نصوص كثيرة عن أهل بيت
____________________
(١) اللهوف: ١٩٩، وانظر: الاحتجاج: ٢: ١١٧ بتفاوت يسير، ومُثير الأحزان: ٨٩ - ٩٠ والبحار: ١١٢ - ١١٣.
العصمةعليهمالسلام منها هذه الفقرة من زيارة عاشوراء:
(... فلعن الله أُمّة أسّست أساس الظلم والجَور عليكم أهل البيت، ولعن الله أمّة دفعتكم عن مقامكم، وأزالتكم عن مراتبكم التي رتّبكم الله فيها، ولعن الله أمّة قتلتكم ...) (١) .
إنّ دور الأمّة - في مجموعة العلل والأسباب الاجتماعية - هو الدور الفاعل الرئيس، فبالأمّة يستطيع قادة الخير أن يُحقِّقوا كلّ مشاريع الخير والصلاح، وبدونها يعجز هؤلاء القادة عن تحقيق هدف من أهداف الإصلاح والخير، وكذلك فإنّ أئمّة الضلال إنّما يستطيعون بلوغ أهدافهم الشرّيرة المشؤومة، ما أطاعتهم الأمّة فيما يريدون، ويعجزون عن تحقيق أيِّ مطمع من مطامعهم إذا خالفتهم الأمّة في الرأي والعمل.
نعم، في البدء يكون سامريٌّ وعِجل! لكنّهما لا أثر لهما ما لم تُطعْهما الأمّة وتقتفِ أثرهما!
فالأمّة وإن كانت تابعة لكنّها ذات الدور الفاعل الأساس!
من هنا؛ صبّ خطباء بقيّة الركب الحسينيّ جام غضبهم على أهل الكوفة، وحمّلوهم أوزار جريمة فاجعة عاشوراء إذ لولا أمّة (أهل الكوفة) لكان ابن زياد وجلاوزته أعجز من أن يقوموا بما قاموا به!
يُستفاد من بعض النصوص، أنّ مولاتنا فاطمة الزهراءعليهاالسلام كان لها من ذريّتها
____________________
(١) راجع: نصّ زيارة عاشوراء.
بنتٌ واحدة هي زينبعليهاالسلام ، وكانت كُنيتها أمّ كلثوم، كما في هذا النصّ الذي ينقله الشيخ القمّي في كتابه (بيت الأحزان) عن كتاب مصباح الأنوار:(عن أبي عبد الله عليهالسلام ، عن آبائه عليهمالسلام ، قال: (إنّ فاطمة عليهاالسلام لما احتضرت أوصت عليّاً عليهالسلام فقالت: إذا أنا متّ فتولّ أنت غُسلي، وجهّزني، وصلِّ عليّ، وأنزلني في قبري، وألحدني، وسوِّ التراب عليّ، واجلس عند رأسي قبالة وجهي، فأكثر من تلاوة القرآن والدعاء؛ فإنّها ساعة يحتاج الميّت إلى أُنس الأحياء، وأنا أستودعك الله تعالى وأوصيك في ولْدي خيراً، ثمّ ضمّت إليها أمّ كلثوم فقالت له: إذا بلَغَتْ فلها ما في المنزل ثمّ الله لها، فلما توفّيت فعل ذلك أمير المؤمنين عليهالسلام ) (١) .
وكما في النص الذي يرويه الشيخ الصدوق (ره) بسنده، عن حمّاد بن عثمان (قال: قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : جُعلت فداك! ما معنى قول رسول الله:(إنّ فاطمة أحصنت فرْجها، فحرّم الله ذرّيّتها على النار؟) . فقال:(المعتقون من النار هم ولْد بطنها الحسن والحسين وأمّ كلثوم) (٢) .
وكما في الخبر الذي ينقله الشيخ المفيد (ره) من رواية عثمان بن المغيرة، حيث يقول: (لما دخل شهر رمضان كان أمير المؤمنينعليهالسلام يتعشّى ليلة عند الحسن، وليلة عند الحسين، وليلة عند عبد الله بن جعفر، وكان لا يزيد على ثلاث لُقَم ...)(٣) .
فإنّ ليلة عبد الله بن جعفررضياللهعنه تعني ليلة زينبعليهاالسلام ؛ لأنّها زوجته، وليس هنا ليلة أُخرى يتعشّى فيها عليّعليهالسلام عند ابنة له أُخرى اسمها أمّ كلثوم!
لكنّ هناك روايات أُخرى، يُستفاد منها أنّ عليّاً وفاطمةعليهاالسلام كان لهما من
____________________
(١) بيت الأحزان: ١٤٩ / مطبعة سيد الشهداءعليهالسلام - قم.
(٢) معاني الأخبار: ١٠٧.
(٣) الإرشاد: ١: ١٤.
ذرّيتهما ابنتان، هما زينب وأمّ كلثوم (عليهنّ السلام)، بل إنّ هذه الروايات هي الأكثر، وفي ضوئها ذهب جمع من علمائنا إلى هذا، منهم الشيخ المفيد (ره) حيث يقول في الإرشاد: (فأولاد أمير المؤمنين صلوات الله عليه سبعة وعشرون ولداً ذكراً وأُنثى: الحسن، والحسين، وزينب الكبرى، وزينب الصغرى المكنَّاة أُمّ كلثوم، أُمُّهم فاطمة البتول ...)(١) .
ويقول المقدسي المتوفَّى سنة ٦٢٠ هـ في كتابه (التبيين في أنساب القرشيين): (وولدت - أيّ فاطمةعليهاالسلام - لعليّ رضي الله عنه: الحسن، والحسين، وأمّ كلثوم، وزينب)(٢) . وقال أيضاً: (ولم يتزوّج عليّ امرأة سوى فاطمة حتّى ماتت، وولِد له منها الحسن، والحسين، وأمّ كلثوم، وزينب الكبرى رضي الله عنهم)(٣) .
وقال المرحوم المامقاني: (أمّ كلثوم بنت أمير المؤمنينعليهالسلام ، هذه كُنية لزينب الصغرى، وقد كانت مع أخيها الحسينعليهالسلام بكربلاء، وكانت مع السجاد إلى الشام ثمّ إلى المدينة، وهي جليلة القدر فهيمة بليغة ...)(٤) .
وقال المرحوم النمازي: (كانت لمولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه بنات منهنّ ثلاث زينبات: زينب الكبرى، وزينب أُخرى المكنّاة بأمّ كلثوم، من وِلْد فاطمة الزهراء صلوات الله عليها، وزينب أُخرى من أمّ ولَد.
أمّا زينب الكبرى صلوات الله عليها: من رواة الحديث، أدركت النبيّصلىاللهعليهوآله وولِدت في حياته، وهي عقيلة بني هاشم، ذات الخصال الحميدة والصفات
____________________
(١) الإرشاد: ١: ٣٥٤.
(٢) التبيين في أنساب القرشيِّين: ٩١.
(٣) نفس المصدر: ١٢٥.
(٤) تنقيح المقال: ٣: ٧٣.
المجيدة، وفي الصبر والثبات وقوّة الإيمان والتقوى فريدة وحيدة، وفي الفصاحة والبلاغة كأنّها تنطق من لسان أمير المؤمنينعليهالسلام وفي كتاب الزينبات روايات محصولها، أنّ زينب الكبرىعليهاالسلام لما جاءت إلى المدينة كانت تُحرّض الناس على الأخذ بثأر الحسينعليهالسلام ، فأبلغ خبرها والي المدينة إلى يزيد، فأمر يزيد بإخراجها من المدينة مع مَن تشاء من نساء بني هاشم إلى مصر، فجهّزهنّ إلى مصر، فلما وردوا مصر أقامت فيها أحد عشر شهراً وخمسة عشر يوماً، وتوفِّيت بمصر في ١٥ رجب سنة ٦٢هـ ..)(١) .
ويُنسب إلى السيّد محسن الأمين العاملي أنّه قال: (وجد على قبر في الشام حجر مكتوب عليه: هذا قبر السيّدة زينب المكنّاة بأمّ كلثوم بنت سيّدنا عليّ رضي الله عنه)(٢) .
روى ابن سعد في طبقاته يقول: (قال عليّ بن الحسين:(فغيّبني رجلٌ منهم (٣) ، وأكرم نُزلي واختصّني، وجعل يبكي كلّما خرج ودخل! حتّى كنت أقول: (إن يكن عند أحدٍ من الناس خيرٌ ووفاء فعند هذا!
إلى أن نادى منادي ابن زياد: ألا مَن وجد عليّ بن حسين فيأت به فقد جعلنا فيه ثلاثمئة درهم!
____________________
(١) مُستدركات علم رجال الحديث: ٨: ٥٧٧ رقم ١٨٠٨١.
(٢) مدينة الحسين / فارسي / لمحمّد باقر مدرّس: ١٣٢.
(٣) أي من أهل الكوفة.
قال: فدخل - والله - عليَّ وهو يبكي، وجعل يربط يدي إلى عُنقي وهو يقول: أخاف!!
فأخرجني - والله - إليهم مربوطاً حتّى دفعني إليهم وأخذ ثلاثمئة درهم وأنا أنظر إليها!!
فأُخذت وأُدخلت على ابن زياد فقال: ما اسمك؟
فقلت: عليّ بن حسين.
قال: أوَ لم يقتل الله عليّاً؟!
قال: قلت: كان لي أخ يُقال له: عليّ، أكبر منّي، قتله النّاس!
قال: بل الله قتله.
قلت: ( اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ) .
فأمر بقتله، فصاحت زينب بنت عليّ: يا بن زياد حسبك من دمائنا! أسألك بالله إن قتلته إلاّ قتلتني معه! فتركه ...) (١) .
إنَّنا نتحفَّظ على هذه الرواية - في صدد اختطاف الإمامعليهالسلام أو تغييبه - من الناحية التحقيقية للأسباب التالية:
١ - أنّ هذه الرواية - فضلاً عن إرسالها - كان ابن سعد قد تفرّد بها على ما يبدو؛ إذ لم يذكرها مؤرّخ آخر من مؤرّخي أهل السنّة، فضلاً عن مؤرّخي الشيعة الأوائل.
وما في كتاب المنتظم أو في كتاب مرآة الزمان لابن الجوزي هو نقل عن كتاب الطبقات، وكذلك ما في كتاب تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي هو أيضاً نقل عن كتاب الطبقات.
____________________
(١) الطبقات الكبرى: ٥: ٢١٢ وعنه: تذكرة الخواص: ٢٣٢، وقد ذكر الشيخ القرشي أنّ ابن الجوزي أورده في المنتظم وفي مرآة الزمان (راجع: حياة الإمام الحسين بن عليّعليهماالسلام ٣: ٢٥٦).
٢ - كان الإمام السجّادعليهالسلام زعيم قافلة السبي والراعي لها، ولا شكّ أنّه كان موضع حراسة مُشدّدة خاصة من قِبَل حرس ابن زياد، فهو لا يخفى عن أعينهم طرفة عين؛ لأهمِّيته، فلا يُعقل أن يأتي رجل فيأخذه ويُغيّبه عن الركب وعن الحرس وعن الناس بهذه السهولة!!
٣ - ثمّ إنّ الإمام السجّادعليهالسلام لم يكن ليخفى طرفة عين عن نظر الهاشميّات في الركب الحسينيّ؛ لأنّه بقيّة السلف وبقيّة الإمامة؛ ولأنّه حماهنّ الذي يلُذن به، خصوصاً مولاتنا زينبعليهاالسلام التي كان أهمّ ما يُهمّها هو المحافظة على الإمامعليهالسلام ، وقد عرّضت نفسها مراراً للقتل دونه محافظة عليه، فلو صحّ ما في هذه الرواية؛ لكانت زينبعليهاالسلام قد أقامت الدنيا وأقعدتها، ولَبان ذلك في كُتب التأريخ كحدث مهمٍّ جدَّاً من أحداث وقائع الأسر والسبيّ.
٤ - تُظهِر هذه الرواية الإمامعليهالسلام وكأنّه لا يُهمّه إلاّ أمر نفسه! ولا يُهمّه ما تُعانيه عمّاته وأخواته وبقيّة سبايا الركب الحسينيّ؛ إذ قد أحسّ بالراحة والاطمئنان عند هذا الرجل!! - كما تُصوّره الرواية! - وهذا ممّا لا يتلاءم مع الغيرة الهاشميّة الحسينية، التي خير ما تتجسّد إن تجسّدت ففي عليّ بن الحسينعليهماالسلام نفسه.
٥ - وتُظهِر هذه الرواية الإمامعليهالسلام أيضاً، وكأنّه ليس لا يعلم ما يُريده هذا الخاطف فقط - وهو الذي لا يخفى عليه علم ما يشاء علمه! - بل وكأنّه من البساطة والسذاجة - حاشاه! - بحيث قد اطمأنّ بسرعة إلى هذا الرجل المجهول، وهو من أهل الكوفة الذي يصفهم الإمام السجّادعليهالسلام نفسه بأنّهم أهل غدر وختل وخيانة.
٦ - ظاهر الرواية مشعرٌ بأنّ الإمامعليهالسلام بقي في منزل هذا الرجل نهاراً أو أكثر من نهار! وفي نقل ابن الجوزي:(فبينما أنا ذات يوم عنده) ، وهذا التعبير مُشعر بأنّهعليهالسلام بقي عند هذا الرجل أيّاماً!!
مع أنّ تسلسل حركة أحداث ووقائع وجود الركب الحسينيّ في الكوفة يُنافي هذا تماماً؛ لأن لقاءهم مع ابن زياد في قصره كان قد تمّ في نفس اليوم الذي دخلوا فيه الكوفة - وهو اليوم الثاني عشر من المحرّم -؛ ولأنّ إدخالهم السجن كان قد بدأ في أواخر نهار ذلك اليوم، فكيف يمكن لذلك الرجل - على ما تدّعيه رواية ابن سعد - أن يُغيّب الإمامعليهالسلام عنده؟!
قال السيّد ابن طاووس (ره): (ثمّ أمر ابن زياد برأس الحسينعليهالسلام فطيف به في سكك الكوفة، ويحقّ لي أن أتمثّل هاهنا بأبيات لبعض ذوي العقول، يرثي بها قتيلاً من آل الرسولصلىاللهعليهوآله ، فقال:
رأس ابـن بـنت مـحمّدٍ ووصيّه |
لـلـناظرين عـلى قـناةٍ يُـرفع |
|
والـمـسلمون بـمنظرٍ وبـمسمع |
لا مـنـكرٌ مـنـهم ولا مُـتـفجِّع |
|
كـحلت بـمنظرك الـعيون عمايةً |
وأصمَّ رزؤك كـلّ أُذن تـسمع |
|
أيـقظتَ أجـفاناً وكـنت لها كرى |
وأنـمْتَ عـيناً لـم تكن بك تهجع |
|
ما روضةٌ إلاّ تـمنَّت أنّـها |
لك حُفرة ولخطّ قبرك مضجع) (١) |
____________________
(١) اللهوف: ٢٠٣ / ويقول جرجي زيدان: (أمّا ابن زياد، فأمر برأس الحسين فداروا به في طُرقات الكوفة على رمح، ولم يبقَ أحدٌ إلاّ رآه!) (تاريخ روايات الإسلام: ١: ١٧٩)، ويقول عبّاس محمود العقّاد: (فالمتواتر الموافق لسَير الأمور، أنّهم حملوا الرؤوس والنساء إلى الكوفة، فأمر ابن زياد أن يُطاف بها في أحياء الكوفة ثمّ تُرسل إلى يزيد) (كتاب أبو الشهداء: ١٦٣)، وقال الإسفرائيني: (ثمّ لما أن طافوا بالرأس جميع الكوفة سلّموه إلى عمر المخزومي، وأمروه أن يحشوه مسكاً وكافوراً، ففعل ذلك فما أن أتمّ فعله حتّى بُليت يده ووقعت بها الأكلة وتهرَّأت!) (نور العين في مشهد الحسينعليهالسلام : ٥١)، وتقول الدكتورة عائشة عبد الرحمان - بنت الشاطئ -: =
وقال الشيخ المفيد (ره): (ولما أصبح عبيد الله بن زياد، بعث برأس الحسينعليهالسلام فدير به سكك الكوفة كلّها وقبائلها، فروي عن زيد بن أرقم أنّه قال: مُرّ به عليَّ وهو على رمح وأنا في غرفة، فلما حاذاني سمعته يقرأ:( أَمْ حَسِبْتَ أَنّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً ) .(١) فقفّ(٢) - والله - شَعري وناديت: رأسك - والله - يا بن رسول الله أعجب!!
ولما فرغ القوم من التطوّف به بالكوفة ردّه إلى باب القصر، فدفعه ابن زياد إلى زجر بن قيس، ودفع إليه رؤوس أصحابه وسرّحه إلى يزيد بن معاوية)(٣) .
وقال ابن شهر آشوب: وروى أبو مخنف، عن الشعبي: أنّه صُلب رأس الحسينعليهالسلام بالصيارف في الكوفة، فتنحنح الرأس وقرأ سورة الكهف إلى قوله:( إِنّهمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً ) ، فلم يزدهم ذلك إلاّ ضلالاً!)(٤) .
____________________
= (وطيف برأس الحسين في أحياء الكوفة على مرأى من السبايا الثواكل! أين الأشياع والأنصار؟! أين الألوف الأربعون الذين ألحّوا في دعوته ليتواصلوا معه في سبيل الحقّ؟! فجاءهم مُلبيّاً وترك مأمنه إلى جوار البيت العتيق! ألا فليملئوا عيونهم من رأس سيّد الشهداء! وليروا نساءه وبناته سبايا! وليملئوا أسماعهم بصوت ابنته سكينة، إذ تقف في الركب التعِس حاسرة الوجه مهيضة الجناح!) (موسوعة آل النبيّ عليهم الصلاة والسلام: ٨١٩).
(١) سورة الكهف: الآية ٩.
(٢) أي: قام من الفزع. (راجع: الصحاح للجوهري: ٤: ١٤١٨).
(٣) الإرشاد: ٢: ١١٧، وانظر: كشف الغمّة: ٢: ٢٧٩، وتاريخ الطبري: ٣: ٣٣٨، والبداية والنهاية: ٨: ١٩٢، وإعلام الورى: ٢٤٨.
(٤) مناقب آل أبي طالب: ٤: ٦١ وعنه البحار: ٤٥: ٣٠٤، والعوالم: ١٧: ٣٨٦، ومدينة المعاجز: ٤: ١١٥.
(لم يزل السبط الشهيد حليف القرآن منذ أُنشئ كيانه؛ لأنّهما ثِقلا رسول الله وخليفتاه على أُمّته، وقد نصّ الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله بأنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليه الحوض، فبذلك كان الحسينعليهالسلام غير مُبارح تلاوته طيلة حياته، في تهذيبه وإرشاده، وتبليغه في حلّه ومرتحله، حتى في موقفه يوم الطف بين ظهراني أولئك المتجمهرين عليه؛ ليتمّ عليهم الحجّة ويوضّح لهم المحجّة.
هكذا كان ابن رسول الله يسير إلى غايته المقدّسة سيراً حثيثاً، حتّى طفق يتلو القرآن رأسه المطهّر فوق عامل السنان، عسى أن يحصل في القوم مَن يُكَهْربه نور الحقّ، غير أنّ داعية الهدى لم يُصادف إلاّ قصوراً في الإدراك وطبعاً في القلوب، وصمماً في الآذان( خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ) .
ولا يستغرب هذا مَن يفقه الأسرار الإلهيّة؛ فإنّ المولى سبحانه بعد أن أوجب على سيّد الشهداء النهضة لسدّ أبواب الضلال، بذلك الشكل المحدَّد الظرف والمكان والكيفيّة لمصالح أدركها الجليل جلّ شأنه، فأوصى إلى نبيّه الأقدس أن يقرأ هذه الصفحة الخاصة على ولده الحسينعليهالسلام ، فلا سبيل إلاّ التسليم والخضوع للأصلح المرضيّ لربّ العالمين( لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ) .
وحيث أراد المهيمن تعالى بهذه النهضة المقدّسة، تعريف الأمّة الحاضرة، والأجيال المتعاقبة ضلال الملتوين عن الصراط السويّ، العابثين بقداسة الشريعة، أحبَّ الإتيان بكلّ ما فيه توطيد أُسس هذه الشهادة، التي كتبت بدمها الطاهر صحائف نيّرة من أعمال الثائرين في وجه المنكر، فكانت هذه محفوفة بغرائب لا تصل إليها الأفهام، ومنها استشهاد الرأس المعظَّم بالآيات الكريمة، والكلام من رأس مقطوع أبلغ في إتمام الحجّة على مَن أعْمته الشهوات عن إبصار الحقائق،
وفيه تركيز العقائد على أحقّيّة دعوته، التي لم يقصد بها إلاّ الطاعة لربّ العالمين، ووخامة عاقبة مَن مدّ عليه يد السوء والعدوان، كما نبّه الأُمّة على ضلال مَن جرّأهم على الطغيان.
ولا بدع في القدرة الإلهيّة، إذا مكّنت رأس الحسينعليهالسلام من الكلام للمصالح التي نقصر عن الوصول إلى كُنهها، بعد أن أودعت في الشجرة قوّة الكلام مع نبيّ الله موسى بن عمرانعليهالسلام عند المناجاة، وهل تُقاس الشجرة برأس المنحور في طاعة الرحمان سبحانه؟! كلاّ!)(١) .
لعلّ السرّ في تلاوة الرأس المقدّس هذه الآية الشريفة من سورة الكهف( أَمْ حَسِبْتَ أَنّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً ) (٢) ، هو أنّ هناك مُشتركات بين أصحاب الكهفعليهمالسلام وبين الإمام الحسينعليهالسلام وأصحابه الذين استُشهدوا بين يديهعليهمالسلام ، ومع وجود هذه المشتركات جعل الله تبارك وتعالى آية الحسينعليهالسلام أعجب وأعجب؟!
وهذا ما تؤكِّده نفس الآية الشريفة؛ حيث تبدأ باستفهام استنكاري مفاده: أنّ في آيات الله ما هو أعجب من آية أصحاب الكهفعليهمالسلام ، وهذا المعنى هو ما أراد أن يُلفت الانتباه إليه الرأس المقدّس، بتكرار تلاوة هذه الآية الشريفة في مواضع كثيرة(٣) .
____________________
(١) مقتل الحسينعليهالسلام / للمقرّم: ٣٣١.
(٢) سورة الكهف، الآية ٩٠.
(٣) راجع الإرشاد ٢: ١١٧، الخرائج والجرائح ٢: ٥٧٧ ح ١، البحار ٤٥: ١٨٨.
فإذا كان الناس قد أيقنوا بحقّانيّة دعوة واعتقاد أصحاب أهل الكهف بعد ثلاثمئة وتسع سنين، فإنّ نهضة الإمام الحسينعليهالسلام قد حفّت بها آيات الله الكاشفة عن حقّانيّتها منذ بدئها وحتى يومنا هذا، وما جرى من آيات إلهيّة على يد الإمام الحسينعليهالسلام في أعدائه في أيّام حياته وبعد استشهاده - وهي كثيرة جدّاً - دليل على ذلك أيضاً، بل إنّ نفس نطق الرأس المقدّس بعد قطعه وحتى دفنه هو آية من أكبر الآيات المفصحة عن هذه الحقّانية، وعن كونهعليهالسلام فيما جرى عليه أعجب وأعجب من آية أصحاب الكهف!
وقد يحسُن هنا أيضاً الإشارة، إلى أهمّ المشتركات بين الإمام الحسينعليهالسلام وأصحابه صلوات الله عليهم أجمعين، وبين أصحاب الكهفعليهمالسلام ، وهي:
١ - الفتوّة: (... إنّهم فتية ...): والفتى لا ينحصر معناه بمعنى الشابِّ والحدَث، بل معناه الجزل من الرجال، الناهض بأعباء المسؤولية، المتحمّل لأعباء المعتقد، كما قال الشاعر:
إنّ الفتى حمَّال كلِّ مُلمة |
ليس الفتى بمنعَّم الشبَّان |
٢ - القيام لله: إنّ قيام أهل الكهف قرّره القرآن الكريم بقوله تعالى:( إِذْ قَامُوا فَقَالُوا ) ، وقيام شهداء الطف لا يحتاج إلى دليل.
٣ - الرجعة: ورد في الروايات(١) ، أنّ لأهل الكهف رجعة، وأنّهم من أنصار الإمام المهديّعليهالسلام قائد الفصل الأخير من فصول نهضة الإمام الحسينعليهالسلام . كما ورد في الروايات، أنّ شهداء الطفّ يرجعون أيضاً.
____________________
(١) راجع: الدّر المنثور: ٤: ٢١٥، مُعجم أحاديث الإمام المهدي: ١: ٤٦٦.
ينقل صاحب كتاب رياض الأحزان: أنّه حُكي عن شاهد عيان: أنّ الرؤوس لما كانت تؤخَذ من الرماح وتُنزّل على باب دار الإمارة، كانت شفتا رأس الإمام الحسينعليهالسلام تتحرّكان، وهو يقرأ قوله تعالى:( وَلاَ تَحْسَبَنّ اللّهَ غَافِلاً عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ ) (١) .
روى ابن عساكر بسنده، عن أبي غالب قال: (حدّثني بوّاب عبيد الله بن زياد: أنّه لما جيء برأس الحسين فوضع بين يديه، رأيت حيطان دار الإمارة تسايل دماً!!)(٢) .
قال الشيخ المفيد (ره): (جلس ابن زياد للناس في قصر الإمارة، وأذِن للناس إذْناً عامّاً، وأمر بإحضار الرأس فوضِع بين يديه(٣) ، فجعل ينظر إليه ويتبسّم! وفي
____________________
(١) رياض الأحزان: ٥٥ / والآية هي الآية ٤٢ من سورة إبراهيم.
(٢) تاريخ ابن عساكر / ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام / تحقيق المحمودي: ٣٦١ رقم ٢٩٩، وفي الصواعق المحرقة: ١٩٤: (لما جيء برأس الحسين إلى دار ابن زياد سالت حيطانها دماً!)، وذكره في ذخائر العُقبى: ١٠ عن مروان (أبي لبابة الورّاق مولى عائشة زوج النبيّصلىاللهعليهوآله ، وقيل: مولى هند بنت المهلب)، عن بوّاب عبيد الله بن زياد.
(٣) ينقل أنّه (حمل اللئيم الرأس الطاهر على يديه، وجعل ينظر إليه فارتعدت يداه، فوضع الرأس على فخذه، فقطرت قطرة من الدم من نحره الشريف على ثوبه، فخرقه حتى إذا وصل إلى فخذه =
يده قضيب يضرب به ثناياه! وكان إلى جانبه زيد بن أرقم صاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآله - وهو شيخ كبير - فلما رآه يضرب بالقضيب ثناياه قال له: ارفع قضيبك عن هاتين الشفتين! فوالله الذي لا إله غيره، لقد رأيت شفتي رسول اللهصلىاللهعليهوآله عليهما ما لا أُحصيه كثرة تُقبّلهما.
ثمّ انتحب باكياً، فقال له ابن زياد: أبكى الله عينيك! أتبكي لفتح الله؟! والله، لولا أنّك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك!
فنهض زيد بن أرقم من بين يديه وصار إلى منزله)(١) .
وفي نصّ ما ينقله سبط ابن الجوزي، عن ابن أبي الدنيا: (فنهض زيدٌ وهو يقول: أيّها الناس، أنتم العبيد بعد اليوم! قتلتم ابن فاطمة وأمّرتم ابن مرجانة؟! والله،
____________________
= فخرّجه وصار جرحاً منكراً، فكلّما عالجه لم يتعالج! حتّى ازداد نتناً وعفونة! ولم يزل يحمل معه المسك لإخفاء تلك العفونة حتّى هلك!) (راجع: معالي السبطين: ٢: ٦٥).
(١) الإرشاد: ٢: ١١٤، وانظر: تاريخ الطبري: ٣: ٣٣٦ وفيه: قال أبو مخنف: حدّثني سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم قال: دعاني عمر بن سعد، فسرّحني إلى أهله لأُبشّرهم بفتح الله عليه وبعافيته!!، فأقبلت حتى أتيت أهله فأعلمتهم ذلك، ثمّ أقبلت حتّى أدخل فأجد ابن زياد قد جلس للناس، وأجد الوفد قد قاموا عليه، فأدخلهم وأذِن للناس، فدخلت فيمَن دخل، فإذا رأس الحسين موضوع بين يديه، وإذا هو ينكت بقضيب بين ثنيّتيه ساعة!
فلما رآه زيد بن أرقم لا ينجم عن نكته بالقضيب قال له: أعلُ بهذا القضيب عن هاتين الثنيّتين فلما خرج سمعت الناس يقولون: والله، لقد قال زيدٌ بن أرقم قولاً لو سمعه ابن زياد لقتَله! قال: فقلت: ما قال؟ قالوا: مرّ بنا وهو يقول: ملَكَ عبدٌ عبداً فاتّخذهم تلداً! أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم! قتلتم ابن فاطمة وأمّرتم ابن مرجانة؟! فهو يقتل خياركم ويستعبد شراركم! فرضيتم بالذلّ؟! فبُعداً لمن رضي بالذل). (وانظر: البداية والنهاية: ٨: ١٩٢، ومآثر الإنافة في معالم الخلافة: ١: ١١٩، وعبرات المصطفين: ٢: ٢٠٠، والخُطط المقريزيّة: ٢: ٢٨٩).
ليقتلنّ أخياركم! وليستعبدنّ شراركم! فبُعداً لمن رضي بالذلّ والعار!
ثمّ قال: يا بن زياد، لأُحدّثنّك حديثاً أغلظ من هذا! رأيت رسول اللهصلىاللهعليهوآله أقعد حسناً على فخذه اليمنى، وحسيناً على فخذه اليسرى، ثمّ وضع يده على يافوخيهما، ثمّ قال:(اللّهم، إنّي أستودعك إيّاهما وصالح المؤمنين) . فكيف كانت وديعة رسول اللهصلىاللهعليهوآله عندك يا ابن زياد؟!)(١) .
روى ابن عساكر بأسانيد إلى أنس بن مالك الصحابي أنّه قال: (لما أُتي برأس الحسين - يعني إلى عبيد الله بن زياد - قال: فجعل ينكت بقضيب في يده ويقول: إن كان لحَسَن الثغْر! فقلت: والله، لأسوءنّك! لقد رأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) يُقبِّل موضع قضيبك منه)(٢) .
روى الشيخ المفيد (ره) بسند عن أبي سلمان المؤذّن، عن زيد بن أرقم قال: نشد عليٌّ النّاس في المسجد فقال:(أُنشد الله رجلاً سمع النبيّ صلىاللهعليهوآله يقول: مَن كنت
____________________
(١) تذكرة الخواص: ٢٣١، وانظر: أُسد الغابة: ٢: ٢١، وتاريخ ابن عساكر / ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام / تحقيق المحمودي: ٣٨١ - ٣٨٣ رقم ٣٢٢ و٣٢٣، ومقتل الحسينعليهالسلام / للخوارزمي: ٢: ٣٩، والمعجم الكبير / للطبراني: ٥: ٢٣٤، ومجمع الزوائد: ٩: ١٩٤، وانظر: أمالي الشيخ الطوسي: ٢٥٢: المجلس التاسع: رقم ٤٤٩/٤١ و ٤٥٠/٤٢.
(٢) تاريخ ابن عساكر / ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام / تحقيق المحمودي: ٣٧٨ - ٣٨٠ رقم ٣١٩ و ٣٢٠، وانظر: رقم ٣٢١، وراجع حواشي هذه الصفحات الثلاث من ذلك الكتاب لمعرفة المصادر الأُخرى التي أوردت هذه الأحاديث أيضاً.
مولاه فعليٌّ مولاه، اللّهم، والِ مَن والاه، وعاد مَن عاداه؟) .
فقام اثنا عشر بدريّاً، ستّة من الجانب الأيمن، وستّة من الجانب الأيسر، فشهدوا بذلك.
قال زيد بن أرقم: وكنت فيمَن سمع ذلك فكتمته! فذهب الله ببصري.
وكان يتندّم على ما فاته من الشهادة ويستغفر)(١) .
وأمّا أنس بن مالك، فقد كان أمير المؤمنين عليّعليهالسلام بعثه إلى طلحة والزبير - لما جاءعليهالسلام إلى البصرة - ليُذكِّرهما شيئاً ممّا سمعه من رسول اللهصلىاللهعليهوآله في أمرهما، فلوى أنس عن ذلك ورجع إليه فقال: (إنّي أُنسيت ذلك الأمر!
فقالعليهالسلام :(إن كنت كاذباً فضربك الله بها بيضاء لامعة لا تواريها العمامة!) .
فأصاب أنَساً داء البرَص فيما بعد في وجهه! فكان لا يرى إلاّ مُبرقعاً.(٢)
فلا عجب أن يحضر مجلس ابن زياد، ويجلس إلى جانبه، أمثال هذين الصحابيّين، اللذين كانا قد كتما ما سمعاه من الحقّ من فم رسول اللهصلىاللهعليهوآله !
ولا عجب أن يكون هناك آخرون من الصحابة ممَّن تعوّدوا حضور مجلس الطاغية ابن زياد، في الأيّام التي كانت حركة أحداث النهضة الحسينية تمرّ بأخطر مُنعطفاتها!
ألم يكن من واجب أمثال هؤلاء الصحابة أن يكونوا إلى جنب الإمامعليهالسلام في نهضته، حتّى وإن كانوا ممّن سقط عنه تكليف الجهاد والقتال، حتى تقوى بهم حجّة الحقّ على الباطل؟! ثمّ أليسوا هم ممّن قتل ابن فاطمةعليهاالسلام وأمَّر ابن مرجانة؟!
____________________
(١) الإرشاد: ١: ٣٥٢، ويُلاحَظ أنّ هذه الرواية لا تُحدِّد متى ذهب بصر زيد بن أرقم، كما يُلاحظ أنّ روايات استنكاره على ابن زياد ضربه ثنايا الرأس المقدّس ظاهرة في أنّ زيد بن أرقم كان يتمتّع ببصره حتّى ذلك الوقت، والله العالم.
(٢) راجع: نهج البلاغة: ٥٣٠ رقم ٣١١ / ضبط الدكتور صبحي الصالح.
كيف لا؟! وهم من المقرّبين إلى ابن مرجانة الذين يجلسون إلى جنبه، مُعرضين عن ركب الحسينعليهالسلام في كربلاء وهي على قرب من الكوفة!
إنّنا لا نملك أن نردّ أو أن نُنكر ما أورده التاريخ، من أنّ هذين الصحابيين قد أنكرا على ابن زياد نكته ثنايا الرأس المقدّس بالقضيب، لكنّنا نملك أن نُفسّر سبب هذا الاستنكار فنقول: إنّ أمثال هؤلاء لا يستنكرون على الطغاة مُفتضح مُنكراتهم وقبائحهم؛ انتصاراً للحقّ وللمعروف، بل يستنكرونها عليهم حرصاً على ما تُبقى لهم أنفسهم عند الناس من سمعة حسنة!! - إن كان ثَمَّ سمعة حسنة لهم! - ثمّ هم لا يصلِون في استنكارهم الحدّ الذي يُهددّ حياتهم ويُعرِّضهم إلى القتل، بل لا يستنكرون إلاّ مع اطمئنانهم من عدم وصول المكروه إليهم! ولو كان أمثال هؤلاء ممّن ينتصرون للحقّ في وجه الباطل في صدق من النيّة والعزم؛ لرأيناهم في صفحة التأريخ تحت راية الهُدى وفي صفّ الحقّ، لا في مجالس الطغاة وأنديتهم وملاهيهم.
من الملفت للانتباه، أنّ من معالم الحُكم الأُموي - بل من معالم الفترة التي استولت فيها حركة النفاق على سدّة الحُكم منذ السقيفة - هو أنّ أفراد فصيل مُنافقي أهل الكتاب من يهود ونصارى، كانوا يقومون بدَور (المستشار) لحكَّام حركة النفاق(١) .
وهذا الخبر الذي ينقله سبط ابن الجوزي، في كتابه تذكره الخواص من مصاديق هذه الحقيقة: (وقال هشام بن محمّد: لما وضِع الرأس بين يدي ابن زياد قال له كاهنه: قم فضع قدمك على فم عدوّك! فقام فوضع قدمه على فيه! ثمّ قال
____________________
(١) راجع تفاصيل هذه الحقيقة في الجزء الأوّل من هذه الموسوعة: (الإمام الحسينعليهالسلام في المدينة المنوّرة) / في مقالة: حركة النفاق قراءة في الهويّة والنتائج.
لزيد بن أرقم: كيف ترى؟!
فقال: والله، لقد رأيت رسول اللهصلىاللهعليهوآله واضعاً فاه حيث وضعت قدمك!)(١) .
(وسيقت العقائل الهاشميّات إلى قصر الإمارة، في موكب تعسٍ، لم تشهد الدنيا له مثيلاً من قبل ولا من بعد!
بنات النبيّ سبايا قد حُملن على أقتاب الجِمال بغير وطاء! مُمزِّقات الجيوب حواسر الوجوه! حافيات الأقدامّ يتقدّمهنّ حمَلَة الرؤوس على أسنّة الرماح!)(٢) .
ويقول الشيخ المفيد (ره): (وأُدخل عيال الحسينعليهالسلام على ابن زياد، فدخلتْ زينب أُخت الحسين في جملتهم مُتنكّرة وعليها أرذل ثيابها، فمضت حتّى جلست ناحية من القصر، وحفّت بها إماؤها، فقال ابن زياد: مَن هذه التي انحازت ناحية ومعها نساؤها؟! فلم تُجبْه زينب، فأعاد ثانية وثالثة يسأل منها!
فقال له بعض إمائها: هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول الله.
فأقبل عليها ابن زياد وقال لها: الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم!
فقالت زينب:الحمد لله الذي أكرمنا بنبيّه محمّد صلىاللهعليهوآله وطهّرنا من الرجس تطهيراً،
____________________
(١) تذكرة الخواص: ٢٣١ / وفي: ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام / من القسم غير المطبوع من كتاب الطبقات الكبير لابن سعد: ٧٩: (فلما وضِعت الرؤوس بين يدي عبيد الله جعل يضرب بقضيب معه على فم الحسين وهو يقول:
يفلقن هاماً من أُناسٍ أعزّة |
علينا وهم كانوا أعقَّ وأشأما). |
(٢) موسوعة آل النبيّ عليه الصلاة والسلام / الدكتورة بنت الشاطي: ٨١٩.
وإنّما يُفتضح الفاسق ويكذب الفاجر، وهو غيرنا والحمد لله.
فقال ابن زياد: كيف رأيت فِعل الله بأهل بيتك؟!
قالت:كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتُحاجُّون إليه وتختصمون عنده!
فغضب ابن زياد واستشاط.
فقال عمرو بن حريث:(١) أيُّها الأمير، إنّها امرأة، والمرأة لا تؤخذ بشيء من منطقها، ولا تُذمّ على خطابها.
فقال لها ابن زياد: لقد شفى الله نفسي من طاغيتك والعُصاة من أهل بيتك!!)(٢) .
وفي عبارة الطبري: (فقال لها ابن زياد: قد أشفى الله نفسي من طاغيتك والعصاة المرَدة من أهل بيتك!
قال: فبكت، ثمّ قالت:لعَمري، لقد قتلت كهْلي، وأبَرت أهلي، وقطعت فرعي، واجتثثت أصلي، فإن يُشفك هذا فقد اشتفيت!
فقال لها عبيد الله: هذه سجّاعة! قد - لعَمري - كان أبوك شاعراً سجّاعاً!
وفي رواية ابن أعثم الكوفي والسيّد ابن طاووس: أنّ ابن زياد لما سأل زينبعليهاالسلام قائلاً: كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك؟!
____________________
(١) عمرو بن حريث: لقد مرّت بنا ترجمة موجزة لهذا المنافق ذي الميل والهوى الأُموي في الجزء الرابع من هذه الموسوعة: (الإمام الحسينعليهالسلام في كربلاء: ٩٤ - ٩٥) فراجع.
(٢) الإرشاد: ٢: ١١٥، وانظر: أمالي الصدوق: ١٤٠ المجلس ٣١ حديث رقم ٣، وروضة الواعظين: ١٩٠، والحدائق الوردية: ١٢٤، وإعلام الورى: ٢٤٧.
(٣) تاريخ الطبري: ٣: ٣٣٧، وانظر: الكامل في التاريخ: ٣: ٢٩٧، وجواهر المطالب في مناقب الإمام علي بن أبي طالب: ٢: ٢٩٢.
قالت:(ما رأيت إلاّ جميلاً! هؤلاء القوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم - يا بن زياد - فتُحاجّون وتُخاصمون، فانظر لمن الفَلَج يومئذٍ! ثكلتك أمّك يا بن مرجانة!) (١) .
قال الشيخ المفيد (ره): (وعُرِض عليه عليّ بن الحسينعليهالسلام ، فقال له: مَن أنت؟
فقال:(أنا عليٌّ بن الحسين) .
فقال: أليس قد قتل الله عليّ بن الحسين؟!
فقال له عليّعليهالسلام :(قد كان لي أخٌ يُسمّى عليّاً قتله الناس) .
فقال له ابن زياد: بل الله قتله.
فقال عليّ بن الحسينعليهالسلام :( اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ) (٢) .
فغضب ابن زياد وقال: وبكَ جُرأة لجوابي؟! وفيك بقيّة للردّ عليّ؟! اذهبوا به فاضربوا عنقه!
فتعلّقت به زينب عمّته وقالت:يا بن زياد حسبك من دمائنا!
واعتنقته وقالت:والله، لا أُفارقه، فإن قتلته فاقتلني معه!
فنظر ابن زياد إليها وإليه ساعة، ثمّ قال: عجباً للرحِم! والله، إنّي لأظنّها ودّت أنّي قتلتها معه! دعوه فإنّي أراه لِما به!)(٣) .
____________________
(١) الفتوح: ٥: ١٤٢، وانظر: اللهوف: ٢٠١، وتهذيب الكمال: ٦: ٤٢٩، وسير أعلام النبلاء: ٣: ٣٠٩.
(٢) سورة الزمر، الآية ٤٢.
(٣) الإرشاد: ٢: ١١٧، وفي تاريخ الطبري: ٣: ٣٣٧: أنّ زينبعليهاالسلام قالت لابن زياد: (أسألك بالله إن كنت مؤمناً إن قتلته لما قتلتني معه! قال: وناداه عليٌّ فقال:(يا بن زياد! إن كانت بينك وبينهنّ قرابة فابعث معهنّ رجلاً تقيّاً يصحبهن بصُحبة الإسلام)، وانظر: إعلام الورى: ٢: ٤٧٢.
وفي رواية ابن أعثم الكوفي: (فالتفت ابن زياد إلى عليّ بن الحسين رضي الله عنه وقال: أوَ لم يُقتَل عليّ بن الحسين؟!
قال:(ذاك أخي، وكان أكبر منّي، فقتلتموه، وإنّ له مطلاً (١) منكم يوم القيامة!) .
فقال ابن زياد: ولكنّ الله قتله!
فقال عليّ بن الحسين رضي الله عنه:( ( اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ) (٢) ،وقال تعالى: ( وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ ) )(٣) .
فقال ابن زياد لبعض جلسائه: ويحَك! خُذْه إليك فأظنُّه قد أدرك الحُلم؟
قال: فأخذه مري بن معاذ الأحمري، فنحّاه ناحية ثمّ كشف عنه فإذا هو أنبت، فردّه إلى عبيد الله بن زياد وقال: نعم، أصلح الله الأمير، قد أدرك(٤) .
فقال: خُذْه إليك الآن فاضرب عنقه!
قال: فتعلّقت به عمّته زينب بنت عليّ وقالت له: يا بن زياد، إنّك لم تُبقِ منّا أحداً، فإن كنت عزمت على قتله فاقتلني معه!
فقال عليّ بن الحسين لعمّته:(اسكُتي حتّى أُكلِّمه) .
____________________
(١) أيّ: أنّ له حقّاً ودَيْنَاً عندكم يُطالبكم به يوم القيامة! راجع معنى المطل في (لسان العرب: ١١: ٦٢٤ - ٣٢٥).
(٢) سورة الزمر، الآية ٤٢.
(٣) سورة يونس، الآية ١٠٠.
(٤) دعوى أنّ ابن زياد فتّش الإمامعليهالسلام لمعرفة هل بلغ الحُلم أم لا؟! لا تصحّ؛ لأنّ الإمامعليهالسلام يومذاك كان عمره ثلاثاً وعشرين سنة على رواية الزبير بن بكّار، أو ثماني وعشرين سنة على رواية الواقدي، (وأمّا قول أبي مخنف لوط بن يحيى، وهشام الكلبي: إنّه كان صغيراً ففتّشه ابن زياد، وقال: انظروا هل أدرك ليقتله، فلا يصحّ ذلك، بل هذه القصّة كانت مع عمر بن الحسنعليهالسلام ، فإنّه كان من جملة الأُسارى). (راجع: سرّ السلسلة العلوية / لأبي نصر البخاري: ٣١).
ثمّ أقبل عليٌّ رضي الله عنه على ابن زياد:(أبالقتل تهدّدني؟! أما علمت أنّ القتل لنا عادة، وكرامتنا الشهادة؟!) .
قال فسكت ابن زياد، ثمّ قال: أخرجوهم عنّي!
وأنزلهم في دار إلى جانب المسجد الأعظم ...)(١) .
قال السيّد المقرّم: (ودعا بهم ابن زياد مرّة أُخرى، فلما أُدخِلوا عليه رأين النسوة رأس الحسين بين يديه، والأنوار الإلهيّة تتصاعد من أساريره إلى عنان السماء، فلم تتمالك الرباب زوجة الحسين دون أن وقعت عليه تُقبّله، وقالت:
إنّ الـذي كـان نـوراً يُستضاء به |
بـكـربلاء قـتـيلٌ غـير مـدفون |
|
سـبط الـنبيّ جـزاك الله صـالحة |
عـنّا وجُـنِّبت خُـسران الـموازين |
|
قـد كـنتَ لـي جَبلاً صعباً ألوذ به |
وكـنت تـصحبنا بـالرحم والـدين |
|
مَـن لـليتامى ومَـن للسائلين ومَن |
يُـعنى ويـأوي إلـيه كـلّ مسكين |
|
والله لا أبـتـغي صـهراً بـصهركم |
حتّى أُغيَّب بين الماء والطين)(٢) . |
____________________
(١) الفتوح: ٥: ١٤٢.
(٢) وهي الرباب بنت امرئ القيس بن عدي بن أوس بن جابر بن كعب بن عليم بن هبل بن عبد الله بن كنانة بن بكر بن عوف بن غدرة بن زيد اللاّت بن رفيدة بن ثور بن كلب. (راجع: ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام / من القسم غير المطبوع من كتاب الطبقات الكبير لابن سعد: ١٨)، وقال هشام بن الكلبي كانت الرباب من خيار النساء وأفضلهنّ. (راجع: الأغاني: ١٦: ١٤٩)، وقال ابن الأثير: كانت حيّة وحُملت إلى الشام فيمَن حُمل من أهله، ثمّ عادت إلى المدينة (راجع: الكامل في التاريخ: ٣: ٣٠٠)، وانظر: تاريخ خليفة بن خيّاط: ١٤٥، ومُستدركات علم رجال الحديث: ٨: ٥٧٤، وتنقيح المقال: ٣: ٧٨.
(وقيل: إنّ الرباب بنت امرئ القيس زوجة الحسين، أخذت الرأس ووضعته في حِجرها وقبّلته، وقالت:
وا حـسيناً فـلا نـسيت حـسيناً |
أقـصـدته أسـنّـة الأعداء |
|
غادروه بـكـربلاء صـديعاً |
لا سقى الله جانبي كربلاء)(١) . |
وفيما رواه الشيخ الصدوق (ره) قوله: (... وأرسل ابن زياد لعنه الله قاصداً إلى أمّ كلثوم (أخت. ظ) بنت الحسينعليهالسلام ، فقال: الحمد لله الذي قتل رجالكم! فكيف ترون ما فعل بكم؟!
فقالت:يا بن زياد، لئن قرَّت عينك بقتل الحسين عليهالسلام فطالما قرّت عين جدّه به، وكان يُقبّله ويلثم شفتيه ويضعه على عاتقه! يا بن زياد، اعدّ لجدّه جواباً؛ فإنّه خصمك غداً!) (٢) .
____________________
(١) تذكرة الخواص: ٢٣٣.
(٢) أمالي الصدوق: ١٣٩ المجلس ٣٠ حديث رقم ١ / ولعلّ قوله: (وأرسل ابن زياد لعنه الله قاصداً إلى أمّ كلثوم ...)، إشارة إلى أنّ ابن زياد كان قد استدعاهم إلى مجلسه مرّة ثانية، كما ذهب إلى ذلك السيّد المقرّم في المقتل: ٣٢٦.
ويُلاحَظ على هذه الرواية أنّ فيها ترديداً في أنّ أمّ كلثوم أخت الحسينعليهالسلام أو ابنته، مع أنّه لم يُعرف - في غير هذا المتن - أنّ للحسينعليهالسلام بنتاً بهذا الاسم، كما لم يُعرف أنّ هذه الكُنية كانت لواحدة من بناته عليه وعليهنّ السلام.
ويقول الإسفرائيني في كتابه: نور العين في مشهد الحسينعليهالسلام : ٤٢ (ثمّ قال (ابن زياد): أيُّكم أمّ كلثوم؟ فقالت: ما تُريد منّي يا عدوّ الله؟! فقال: قبَّحكم الله!
فقالت: يا بن زياد! وإنّما يُقبِّح الله الفاسق والكاذب! وأنت الكاذب والفاسق، فأبشر بالنّار! فضحك من قولها وقال: إن صرتُ إلى النّار في الآخرة فقد بلغتُ مرادي وما أؤمّله! فقالت: يا ويلك! قد أرويت الأرض من دم آل البيت. فقال لها: أنت سجَّاعة مثل أبيك! ولولا أنّك امرأة =
هناك عدّة إشارات ومُلاحظات، تُلفت انتباه المتأمّل في وقائع ما جرى في مجلس ابن زياد، وفي مُحاوراته مع رموز بقيّة الركب الحسينيّ، منها:
وقد تجسَّدت هذه الحقيقة في مجموعة من الردود التي صدرت عنهمعليهمالسلام في مواجهة ابن زياد، في مثل قول زينبعليهاالسلام :(الحمد لله الذي أكرمنا بنبيّه محمّد صلىاللهعليهوآله وطهّرنا من الرجس تطهيراً، وإنّما يُفتضح الفاسق ويكذب الفاجر وهو غيرنا والحمد لله ...).
وفي قولها:
(ما رأيت إلاّ جميلاً! هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم - يا بن زياد - فتُحاجّون وتُخاصمون، فانظر لمن الفَلَج يومئذٍ ثكلتك أمّك يا بن مرجانة!).
وفي قول الإمام زين العابدينعليهالسلام :
(أبالقتل تُهدّدني؟! أما علمت أنّ القتل لنا عادة، وكرامتنا الشهادة؟!).
وفي قول أمّ كلثومعليهاالسلام :(يا بن زياد، اعدّ لجدّه جواباً؛ فإنّه خصمك غداً!).
وقد تجلَّى ذلك في ردّها على ابن زياد قائلة:(ما رأيت إلاّ جميلاً!) ، ولم
____________________
= لضربت عنقك. فقالت: لولا أنّي سجّاعة ما وقفت بين يديك ينظر إليّ البارُّ والفاجر! وأنا مهتوكة الخباء! وإخوتي بين يديك من غير غطاء!).
وفي المقتل المنسوب لأبي مخنف: ١٦٤ نصّ عن هذه المحاورة بين أمّ كلثومعليهاالسلام وبين ابن زياد لعنه الله، قريب من هذا النصّ!.
تقلعليهاالسلام : (ما رأيت في كربلاء إلاّ جميلاً!)، بل صرّحت بإطلاق رؤية الجميل! أي: أنّهاعليهاالسلام منذ أن رأت لم ترَ من الله إلاّ جميلاً!! في كربلاء وقبلها وبعدها! وفي هذا غاية المعرفة والعرفان، وغاية الرضا بقضاء الله والاطمئنان بقدره، وغاية الرضا عن الله تبارك وتعالى، وغاية الشكر له، ولا يكون ذلك إلاّ من الحبّ لله سبحانه في أعلى مراتبه.
وأمّا فداؤها وتضحيتها صلوات الله عليها، فقد تجسّد في مواصلتها إلقاء نفسها في فم الموت والقتل مراراً؛ دفاعاً عن حجّة الله على عباده وإمام زمانه، مولانا زين العابدينعليهالسلام ، وإصرارها على أن تُقتل قبله ومعه! ولقد تجسّد ذلك في مثل قولهاعليهاالسلام :(والله، لا أُفارقه، فإن قتلته فاقتلني معه!) ، حتّى لقد تأثّر اللعين ابن زياد من تضحيتها وفدائها ظنّاً منه أنّ ذلك من عاطفة الرحِم فقط! حتّى قال: (عجباً للرحِم! والله، إنّي لأظنّها ودّت أنّي قتلتها معه!).
فقاتله قاتلٌ لرسول اللهصلىاللهعليهوآله وهو خصمه يوم القيامة
وقد تجسّد هذا المعنى في قول أمّ كلثومعليهاالسلام : (يا بن زياد، لئن قرّت عينك بقتل الحسينعليهالسلام فطالما قرّت عين جدّه به، وكان يُقبّله ويلثم شفتيه ويضعه على عاتقه! يا بن زياد، اعدّ لجدّه جواباً؛ فإنّه خصمك غداً!). كما ظهر هذا المعنى في اعتراض زيد بن أرقم وأنس بن مالك على ابن زياد أيضاً.
وكان قد أصرّ ابن زياد لعنه الله، على ترسيخه في أذهان الناس في المجلس، في قوله لزينبعليهاالسلام : (كيف رأيت فعل الله بأهل بيتك؟!)، وفي قوله للإمام السجّادعليهالسلام : (أليس قد قتل الله عليّ بن الحسين؟!)، وفي ردّه عليه مرّة أُخرى حيث
قال: (بل الله قتله!).
كان الأُمويون يُريدون أن يوهموا النّاس بشُبهة: أنّ كلّ ما يجري من وقائع وأحداث، وظلم وجور وقتل، هو تجسيد لإرادة الله وتحقيق لأمره، فلا يحقّ لأحدٍ أن يعترض على إرادة الله، ففي ذلك الكفر والخروج عن رِبقة الإسلام!! وشقّ لعصا المسلمين!! وتفريق كلمتهم!!
وبذلك يحجر الأُمويون وكلّ الطغاة على الأُمّة أن تعترض، أو تنهض وتقوم لإزالة الظلم والجور والطغيان؛ ليتمادوا هم في مُمارسة ما يحلو لهم من اجتراح المظالم والمجازر، وإخماد كلّ صوت يدعو إلى الحقّ والعدل!
وفي مواجهة هذا المنطق الجبري، حرص أهل البيتعليهمالسلام على نشر هذه العقيدة الحقّة، وهي: أنّ ما يجري على يد الطغاة الظالمين، من قتل وظلم وجور وفساد لا يُمثِّل إرادة الله؛ لأنّ الله تعالى - فيما صرّح به في كتابه الحكيم - لا يريد الظلم، ولا الفساد، ولا الجور، ولا قتل النفس التي حرَّم قتلها إلاّ بالحقّ، ولا يُحبّ الظالمين ولا يهديهم، بل هو مع المتّقين والمحسنين، ومع المصلحين الذين لا يريدون علوَّاً في الأرض ولا فساداً.
والله تبارك وتعالى قد دعا عباده المؤمنين، المتقّين المصلحين، إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلى القيام بوجه الظالمين الجائرين الطغاة، وإلى المتاجرة مع الله بأموالهم وأنفسهم في سبيله، فإذا قُتِلوا في سبيله فهم على الحقيقة أحياء عند ربّهم يرزقون، وهذا لا يعني أنّ الله سبحانه أراد قتلهم على نحو القهر والجبر، وأنّ الطغاة الذين قتلوهم إنّما نفّذوا وحقّقوا الإرادة الإلهيّة بقتلهم! بل هؤلاء الطغاة مسؤولون أمام الله عن قتل كلّ مظلوم.
وقد ردّت زينبعليهاالسلام على دعوى ابن زياد: أنّ ما جرى على أهل بيتها هو من
فعل الله سبحانه!
فقالت: هؤلاء القوم كتب الله عليهم القتل - أي: على نحو الأمر الشرعي في القيام ضدّ الحكم الأُموي، وإن أدّى هذا القيام إلى استشهادهم، فبرزوا إلى مضاجعهم امتثالاً للأمر الشرعي، وسيجمع الله بينك وبينهم يا بن زياد - فأنت يا بن زياد مسؤول أمام الله عن قتلهم - فتُحاجّون وتُخاصمون! فانظر لمن الفَلَج يومئذٍ؟! ثكلتك أمّك يا بن مرجانة.
وقد ردّ الإمام السجّادعليهالسلام على هذه الدعوى الجبرية أيضاً في قوله:(قد كان لي أخٌ يُسمّى علياً قتله الناس) ، وحينما أصرّ ابن زياد على دعواه بقوله: (بل الله قتله!)، ردّ عليه الإمامعليهالسلام بهذه الآية الشريفة:( اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ) ، أي: أنّه سبحانه يتوفّى الأنفس حين موتها وحين النوم وحين القتل، وهذا لا يعني أنّ الله حتَّم على النفس القتيلة أن تُقتَل على نحو القهر والجبر، بل القاتل مسؤول عند الله، وقد تجسّد هذا في ردّ الإمامعليهالسلام على ابن زياد - في رواية أُخرى - حيث قال:(ذاك أخي، وكان أبكر منّي، فقتلتموه، وإنّ له مطلاً منكم - أي: حقّاً ودَيْنَاً يُطالبكم به -يوم القيامة!) .
وبهذا يكون هذا المنطق الجبري قد خاب وافتضح، واتّضح بطلانه أمام الناس في مجلس ابن زياد، ببركة وعي وشجاعة الإمام السجّاد والعقيلة زينبعليهماالسلام .
وهذا ما يلحظه المتأمّل في سيرة جميع طواغيت العصور، وقد تجلّى ذلك في مجلس ابن زياد في قوله - مُستنكراً على الإمام السجّادعليهالسلام جرأته وشجاعته في الردّ عليه قائلاً -: (وبك جرأة لجوابي؟! وفيك بقيّة للردّ عليّ؟! اذهبوا به فاضربوا عنقه!)، وفي قوله لزينبعليهاالسلام : (لقد شفى الله نفسي من طاغيتك والعصاة من أهل بيتك!!).
ينقل المحقّق القرشي، عن كتاب مرآة الزمان قائلاً: (وكان في المجلس رجل من بكر بن وائل، يُقال له: جابر. فانتفض وهو يقول: لله عليّ أن لا أُصيب عشرة من المسلمين خرجوا عليك إلاّ خرجتُ معهم!)(١) .
روى الخوارزمي بسند إلى أبي العالية البراء(٢) قال: (لما قُتل الحسينعليهالسلام أُتي عبيد الله بن زياد برأسه، فأرسل إلى أبي برزة(٣) فقال له عُبَيد الله: كيف شأني وشأن حسين بن فاطمة؟
قال: الله أعلم! فما علمي بذلك؟!
قال: إنّما أسألك عن علمك!
قال: أمّا إذا سألتني عن رأيي، فإنّ علمي أنّ الحسين يشفع له جدّه محمّدصلىاللهعليهوآله ، ويشفع لك زياد!
فقال له: اخرج! لولا ما جعلت لك؛ لضربت - والله - عنقك! فلما بلغ باب الدار، قال: لئن لم تغدُ عليّ وترُحْ لأضربنّ عنقك!!)(٤) .
____________________
(١) حياة الإمام الحسين بن عليعليهالسلام ٣: ٣٤٣، نقلاً عن مرآة الزمان في تواريخ الأعيان: ٩٨.
(٢) أبو العالية: البراء البصري، اسمه زياد، وقيل: كلثوم. وهو ثقة، مات في شوّال سنة تسعين. (راجع: تقريب التهذيب: ٢: ٤٤٣).
(٣) أبو برزة الأسلمي: اسمه نضلة بن عبيد. قال الخطيب البغدادي: (سكن المدينة وشهد مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله فتح مكّة، ثمّ تحوّل إلى المدينة فنزلها، وحضر مع عليّ بن أبي طالبعليهالسلام قتال الخوارج بالنهروان. (تاريخ بغداد: ١: ١٨٢)، وقال خليفة: (وافى خراسان ومات بها بعد سنة أربع وستّين.). (تاريخ خليفة: ١٠٩). وانظر: سير أعلام النبلاء: ٣: ٤٣، وتقريب التهذيب: ٢: ٣٠٣.
(٤) مقتل الحسينعليهالسلام / للخوارزمي: ٢: ٤٩ - ٥٠ رقم ١٤، وانظر: الحدائق الوردية: ١٢٣.
وينقل سبط ابن الجوزي رواية عن الشعبي: أنّه كان عند ابن زياد قيس بن عبّاد(١) ، فقال له ابن زياد: ما تقول فيّ وفي حسين؟
فقال: يأتي يوم القيامة جدّه وأبوه وأمّه فيشفعون فيه، ويأتي جدّك وأبوك وأمّك فيشفعون فيك! فغضب ابن زياد وأقامه من المجلس(٢) .
روى الشيخ الصدوق (ره) بسند إلى حاجب عبيد الله بن زياد: أنّ ابن زياد (لما جيء برأس الحسينعليهالسلام أمر فوضِع بين يديه في طست من ذهب، وجعل يضرب بقضيب في يده على ثناياه ويقول: لقد أسرع الشيب إليك يا أبا عبد الله!
فقال رجل من القوم: فإنّي رأيت رسول الله يلثم حيث تضع قضيبك!
فقال: يوم بيوم بدْر!!
ثمّ أمر بعليّ بن الحسينعليهالسلام فغُلّ وحُمل مع النسوة والسبايا إلى السجن، وكنت معهم، فما مررنا بزقاق إلاّ وجدناه ملاءً رجالاً ونساءً، يضربون وجوههم ويبكون، فحُبسوا في سجن وطُبِق عليهم!
____________________
(١) هو قيس بن عبّاد القيسي الضبعي: أبو عبد الله البصري، عدّه ابن سعد من تابعي أهل البصرة. قال: وكان ثقة قليل الحديث وقتله الحجّاج. (راجع: تهذيب الكمال: ٢٤: ٦٤، والطبقات الكبرى: ٧: ١٣١).
(٢) تذكرة الخواص: ٢٣١، وأورده المحقِّق القرشي في حياة الإمام الحسين بن عليعليهماالسلام : ٣: ٣٥٣ نقلاً عن عيون الأخبار لابن قتيبة: ٢: ١٩٧ وقال: وجاء في وفيات الأعيان: ٥: ٣٩٥ قال لحارثة بن بدر العدواني : ما تقول فيّ وفي حسين يوم القيامة؟ قال: يشفع له أبوه وجدّه، ويشفع لك أبوك وجدّك! فاعرف من هنا ما تُريد!.
ثمّ إنّ ابن زياد لعنه الله دعا بعليّ بن الحسين والنسوة، وأُحضر رأس الحسينعليهالسلام ، وكانت زينب بنت عليّعليهاالسلام فيهم، فقال ابن زياد: الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحاديثكم!
فقالت زينبعليهاالسلام :
الحمد لله الذي أكرمنا بمحمّدٍ وطهّرنا تطهيراً يا بن زياد، حسبك ما ارتكبت منّا! فلقد قتلت رجالنا وقطعت أصلنا وأبَحْت حريمنا وسبيت نساءنا وذرارينا، فإن كان ذلك للاشتفاء فقد اشتفيت!
فأمر ابن زياد بردِّهم إلى السجن، وبعث البشائر إلى النواحي بقتل الحسين ...)(١) .
وذهب ابن سعد في طبقاته إلى أنّ عبيد الله بن زياد أمر بحبس مَن قدم به عليه من بقيّة أهل الحسين معه في القصر(٢) .
وقال السيد ابن طاووس (ره): (ثمّ أمر ابن زياد بعليّ بن الحسينعليهالسلام وأهله، فحُملوا إلى دار جنب المسجد الأعظم، فقالت زينب بنت عليّعليهماالسلام : لا يدخلنّ علينا عربية إلاّ أمّ ولد أو مملوكة، فإنهنّ سُبين كما سُبينا ...)(٣) .
وروى الطبري قائلاً: (فبينا القوم مُحتبسون، إذ وقع حجَر في السجن معه كتاب مربوط، وفي الكتاب: خرج البريد بأمركم في يوم كذا وكذا إلى يزيد بن
____________________
(١) أمالي الصدوق: ١٤٠ المجلس ٣١ حديث رقم ٣.
(٢) ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام / القسم غير المطبوع من كتاب الطبقات الكبرى لابن سعد / تحقيق السيّد عبد العزيز الطباطبائي: ٨١.
(٣) اللهوف: ٢٠٢ / وقال المرحوم السيّد المقرّم، في كتابه مقتل الحسينعليهالسلام : ٣٢٦: (ولما وضح لابن زياد ولْولة الناس ولغط أهل المجلس، خصوصاً لما تكلّمت معه زينب العقيلة خاف هياج الناس؛ فأمر الشرطة بحبس الأُسارى في دار إلى جنب المسجد الأعظم).
معاوية، وهو سائر كذا وكذا يوماً، وراجع في كذا وكذا، فإن سمعتم التكبير فأيقنوا بالقتل! وإن لم تسمعوا تكبيراً فهو الأمان إن شاء الله.
قال: فلما كان قبل قدوم البريد بيومين أو ثلاثة، إذا حجَرٌ قد أُلقي في السجن، ومعه كتاب مربوط وموسى، وفي الكتاب: أوصوا واعهدوا فإنّما يُنتظر البريد يوم كذا وكذا. فجاء البريد ولم يُسمع التكبير، وجاء كتابٌ بأن سرِّح الأُسارى إليّ)(١) .
هناك عدّة مُلاحظات مُستفادة من مجموعة هذه النصوص:
١ - يُستفاد من نصّ الشيخ الصدوق (ره): أنّ ابن زياد لم يحبسهم معه في القصر، كما ذهب إلى ذلك ابن سعد في طبقاته، ولا في دار إلى جنب المسجد الأعظم، كما روى السيّد ابن طاووس في اللهوف، بل حبسهم في سجن على بُعد من القصر ومن المسجد، بدليل قول الحاجب: (فما مررنا بزقاق إلاّ وجدناه ملاءً رجالاً ونساءً، يضربون وجوههم ويبكون)، وربّما كان ابن زياد قد أمر بحبسهم في السجن المطبق قبل أن تقع بينه وبينهم المحاورات الجريئة الساخنة، ثمّ بعد أن استدعاهم فحاورهم وحاوروه، وصار الناس يولولون ويلغط أهل المجلس خاف ابن زياد، فأمر بردّهم إلى الحبس مرّة أُخرى في دار إلى جنب المسجد، كما ذهب إلى ذلك السيد المقرّم(٢) ، أو في القصر.
٢ - كما أنّ هذا السجن كان مُطبقاً عليهم ومُضيّقاً عليهم فيه، لا يمكن أن يدخل عليهم فيه داخل باختياره، بدليل قول الحاجب كما في رواية الصدوق (ره): (فحُبِسوا في سجن وطُبق عليهم)، لا كما توحي رواية السيّد ابن طاووس (ره) أنّ
____________________
(١) تاريخ الطبري: ٣: ٣٣٩، وانظر الكامل في التاريخ: ٣: ٢٩٨.
(٢) مقتل الحسين / للمقرم: ٣٢٦.
بإمكان أيّة امرأة الدخول عليهم، حيث يقول: (فقالت زينب بنت عليّعليهالسلام : لا يدخلنّ علينا عربية إلاّ أمّ ولد أو مملوكة؛ فإنهنّ سُبين كما سُبينا)، ولعلّ هذه العبارة كانت قد نطقت بها زينبعليهاالسلام في المدينة بعد العودة إليها كما هو المشهور، أو ربّما حصل إمكان دخول النساء عليهم في المحبس، بعدما سُجنوا في المرّة الثانية في دار إلى جنب المسجد إذا أخذنا برواية اللهوف، وذهبنا إلى ما ذهبت إليه السيّد المقرّم، لكنّ رواية الشيخ الصدوق ظاهرة في أنّهم أُعيدوا مرّة أُخرى إلى نفس السجن المطبق الأوّل.
٣ - الذي يبدو ويُحتمل، أنّ مراد حاجب ابن زياد من قوله: (... وبعث البشائر إلى النواحي بقتل الحسين ...) هو أنّ ابن زياد بعث بخبر مقتل الحسينعليهالسلام إلى بقيّة عمّال بني أميّة وإلى أمرائهم لا إلى الأمّة؛ لأنّ خبر مقتل ابن رسول اللهصلىاللهعليهوآله عند سواد الأمّة ليس من البشرى في شيء، بل هو مُصيبة عُظمى وفاجعة كُبرى، لكنّ الطغاة من عادتهم تحميل الأُمم المقهورة تحت سلطانهم وظلمهم أفراحهم وأحزانهم، وإن كانت الأُمّة تعيش الحزن فيما يفرح به الطغاة، ويطفح قلبها بالفرح في مصائبهم!
٤ - المثير للتساؤل في رواية الطبري وابن الأثر، أنّه بينما هم في الحبس، إذ سقط عليهم حجَر فيه كتاب مربوط ..)، تُرى مَن هذا الذي أُرسل إليهم هذا الكتاب؟!
هل السلطة الأُموية هي التي أمرت بإرسال هذا الكتاب مع الحجَر إليهم؛ مواصلةً منها للإرهاب النفسي والتعذيب الروحي الذي كانت تُمارسه ضدّهم؟
وهذا النوع من أساليب التعذيب كانت الحكومات الطاغوتية، ولم تزل إلى اليوم تستخدمه ضدّ سجناء المعارضة، حيث لا يعرف السجين هل المرسَل عدوّ
أم صديق مُشفِق؟
أم أنّ أحداً - أو جماعة - من مُحبّي أهل البيتعليهمالسلام كان على اطّلاع بأخبار البريد ومدّة ذهابه وإيابه، وبعلامة الأمر بالقتل وعلامة الأمان، وأراد أن يُخبر الإمام السجّادعليهالسلام بذلك؛ ليعهد بعهده ويوصي بوصيّته؟!
ويؤيِّد هذا ما في عبارة رواية الطبري: (وإن لم تسمعوا تكبيراً فهو الأمان إن شاء الله)، فقوله: فهو الأمان إن شاء الله مشعرٌ بأنّ مَن ألقى الحجر والكتاب يتمنّى لهم الأمان والنجاة.
وممّا يؤيّد أيضاً أنّ هذا المرسِل من مُحبّي أهل البيتعليهمالسلام ، قد لجأ إلى هذا الأسلوب؛ خوفاً من بطش السلطة الأُموية، هو أنّ هذه السلطة لو شاءت أن تُمارس هذا الأسلوب من أجل الإرهاب النفسي والتعذيب الروحي، لمارسته مع بقايا آل الحسينعليهالسلام علناً؛ إذ العلانيّة لا تنقص من أثره شيئاً، أو إلاّ شيئاً يسيراً.
يروي الطبري: أنّ الإمام الحسينعليهالسلام بقيّة دفنوا بعد مقتلهم بيوم، أي في اليوم الحادي عشر، وأنّ أهل الغاضريّة من بني أسد قاموا بدفنهم، حيث يروي عن أبي مخنف قائلاً: (ودُفِن الحسين وأصحابه أهل الغاضريّة من بني أسد بعد ما قُتِلوا بيوم ...)(١) .
وذهب إلى ذلك البلاذري أيضاً، حيث يقول: (ودفن أهل الغاضريّة من بني أسد جثّة الحسين، ودفنوا جثث أصحابه رحمهم الله بعدما قُتِلوا بيوم ...)(٢) .
____________________
(١) تاريخ الطبري: ٣: ٣٣٥.
(٢) أنساب الأشراف: ٣: ٤١١.
أمّا الخوارزمي فيقول: (وأقام عمر بن سعد يومه ذلك إلى الغد، فجمع قتلاه فصلّى عليهم ودفنهم، وترك الحسين وأهل بيته وأصحابه! فلما ارتحلوا إلى الكوفة وتركوهم على تلك الحالة، عمد أهل الغاضرية من بني أسد فكفّنوا أصحاب الحسين، وصلّوا عليهم، ودفنوهم ...)(١) .
هذا قول جلّ مؤرّخي أهل السنّة ولعلّ المنبع الأوّل الذي أخذوا عنه هذا القول، هو نفس المنبع الذي أخذ عنه الطبري، وهو أبو مخنف.
ويوافقهم في هذا الرأي أبرز مؤرّخي الشيعة! كالمسعودي أيضاً، حيث يقول: (ودفن أهل الغاضريّة - وهم قوم من بني غاضر من بني أسد - الحسين وأصحابه بعد قتلهم بيوم)(٢) .
والشيخ المفيد (ره)؛ حيث يقول: (ولما رحل ابن سعد خرج قوم من بني أسد كانوا نزولاً بالغاضرية إلى الحسين وأصحابه رحمة الله عليهم، فصلّوا عليهم، ودفنوا الحسينعليهالسلام حيث قبره الآن، ودفنوا ابنه عليّ بن الحسين الأصغر(٣) عند رجْليه، وحفروا للشهداء من أهل بيته وأصحابه الذين صرّعوا حوله ممّا يلي رجْلَي الحسينعليهالسلام ، وجمعوهم فدفنوهم جميعاً معاً، ودفنوا العبّاس بن عليّعليهماالسلام في موضعه الذي قُتل فيه على طريق الغاضريّة حيث قبره الآن)(٤) .
وذهب إلى ذلك السيد ابن طاووس (ره) أيضاً؛ حيث يقول: (ولما انفصل عمر ابن سعد لعنه الله عن كربلاء، خرج قوم من بني أسد، فصلُّوا على تلك الجُثث
____________________
(١) مقتل الحسينعليهالسلام للخوارزمي: ٢: ٤٤.
(٢) مروج الذهب: ٣: ٧٢.
(٣) ذلك لأنّ الشيخ المفيد (ره) يذهب إلى أنّ سيدنا الإمام السجّاد هو عليّ الأكبر؛ وقد أثبتنا في المجلّد الرابع أنّ عليّ بن الحسينعليهالسلام المقتول بالطفّ هو الأكبر فراجع.
(٤) الإرشاد: ٢: ١١٤.
الطواهر المرمّلة بالدماء، ودفنوها على ما هي الآن عليه)(١) .
ومن هؤلاء أيضاً ابن شهر آشوب (ره)؛ حيث قال: (ودفن جثثهم بالطفّ أهل الغاضريّة من بني أسد بعدما قُتِلوا بيوم، وكانوا يجدون لأكثرهم قبوراً! ويرون طيوراً بيضاً! ...)(٢) .
إنّ المستفاد من جميع هذه النصوص: أنّ دفْن الإمام الحسينعليهالسلام والمستشهَدين بين يديهعليهمالسلام ، كان قد تمّ في نفس اليوم الذي ارتحل فيه ابن سعد عن كربلاء، وهو اليوم الحادي عشر، وكان ذلك عصراً؛ لأنّ ابن سعد قد ارتحل عن كربلاء فيه بعد الزوال.
خصوصاً فيما يتعلّق بأنّ بني أسد من أهل الغاضرية، هم الذين تولّوا تكفين الإمامعليهالسلام وأصحابه(٣) ، وصلّوا عليهم، ودفنوهم!
____________________
(١) اللهوف: ١٢٥.
(٢) مناقب آل أبي طالب (عليم السلام): ٤: ١١٢.
(٣) ذكر ذلك الخوارزمي في المقتل: ٢: ٤٤ / وهناك روايات مُستفيضة ومُشاهدات رواها لنا التأريخ، تؤكّد أنّ الإمامعليهالسلام وأصحابه صلوات الله عليهم أجمعين، دُفنوا على هيئتهم التي استُشهدوا عليها بلا تكفين ولا غُسل، ومن هذه المشاهدات على سبيل المثال، ما رواه الشيخ الطوسي (ره) في الأمالي: ٣٢٦ رقم ٦٥٣ / ١٠٠، بسنده إلى إبراهيم الديزج، الذي بعثه المتوكّل لنبش قبر الحسينعليهالسلام ، قال: (... أتيت في خاصّة غلماني فقط، وإنّي نبشت فوجدت بارية جديدة وعليها بدن الحسين بن عليّ، ووجدت منه رائحة المسك، فتركت البارية على حالتها، وبدن الحسين على البارية، وأمرت بطرح التراب عليه، وأطلقت عليه الماء، وأمرت بالبقر لتمخره وتحرثه، فلم تطأه البقر! وكانت إذا جاءت إلى الموضع رجعت عنه! فحلفت لغلماني بالله وبالأَيمان المغلّظة لئن ذكر أحدٌ هذا لأقتلنّه).
إنّ طريقة دفن الإمامعليهالسلام وأهل بيته وأصحابه المستشهدين بين يديه صلوات الله عليهم أجمعين، على النحو والتوزيع المعروف من خلال قبورهم - والمتسالم عليه بلا خلاف - لا يمكن لبني أسد من أهل الغاضريّة - وهم من أهل القرى الذين لم يشهدوا المعركة - أن يُحقّقوا ذلك بدون مُرشد عارف تماماً بهؤلاء الشهداء وبأبدانهم ولباسهم، خصوصاً وأنَّ الرؤوس الشريفة كانت قد قُطّعت وبقيت الأجساد الشريفة بلا رؤوس، فلولا هذا المرشد المطّلع العالم؛ لَما أمكن لبني أسد من أهل الغاضرية التمييز بين شهيد وآخر، ولولاه لكان الدفن عشوائياً بلا معرفة، ولم يكن ليتحقّق هذا الفصل المقصود وهذا التوزيع المدروس بين هذه القبور على ما هي عليه الآن.
وفي ضوء الاعتقاد: بأنّ الإمام لا يلي أمره إلاّ إمام مثله(١) ، فإنّ هذا المرشد الذي لابدّ أن يكون قد حضر عملية الدفن مع بني أسدٍ من أهل الغاضرية، هو الإمام السجّادعليهالسلام ، ولابدّ أن يكون حضورهعليهالسلام إلى ساحة كربلاء حضوراً إعجازياً خارقاً للعادة في الأسباب؛ لأنّهعليهالسلام حينذاك كان لم يزل في قيد الأسر بيد الأعداء.
وهذا ما يؤكِّده المأثور عن أهل بيت العصمةعليهمالسلام ، كما في رواية إثبات الوصية عن سهل بن زياد بن العباس، عن إسماعيل بن سهل، عن بعض أصحابه قال: (كنت عند الرضاعليهالسلام ، فدخل عليه عليّ بن أبي حمزة، وابن السرّاج، وابن المكاري، فقال عليٌّ - بعد كلام بينهم وبينهعليهالسلام في إمامته -: إنّا روينا عن آبائكعليهمالسلام :(أنّ الإمام لا يلي أمره إلاّ الإمام مثله) .
____________________
(١) راجع مثلاً: الكافي: ١: ٣٨٤ - ٣٨٥ باب أنّ الإمام لا يُغسِّله إلاّ إمام من الأئمةعليهمالسلام ، وراجع: علل الشرائع: ١: ١٨٤ باب ١٤٨: العلّة التي من أجلها غسَّل فاطمة أمير المؤمنين لما توفِّيت، وراجع: عيون أخبار الرضاعليهالسلام : ٢: ٢٤٥ - ٢٥٠ باب ٦٤ حديث رقم ١.
فقال له أبو الحسنعليهالسلام :(فأخبرني عن الحسين بن عليّ كان إماماً أو غير إمام؟!) .
قال: كان إماماً.
قال:(فمَن ولِيَ أمره؟!) .
قال: علي بن الحسين!
قال:(وأين كان عليّ بن الحسين؟!) .
قال: كان محبوساً بالكوفة في يد عبيد الله بن زياد.
فقال:(كيف ولِيَ أمر أبيه وهو محبوس؟!) .
قال: له روينا أنّه خرج وهم لا يعلمون، حتّى ولِيَ أمر أبيه، ثمّ انصرف إلى موضعه.
فقال له أبو الحسن:(إنّ هذا الذي أمكن عليّ بن الحسين وهو مُعتقل، فهو يُمكّن صاحب هذا الأمر - وهو غير مُعتقل - أن يأتي بغداد ويلي أمر أبيه ويتصرَّف وليس هو المحبوس ولا مأسور!) (١) .
ويُستفاد من متن هذه الرواية في هذه الفقرة: (كان محبوساً بالكوفة في يد عبيد الله بن زياد، خرج وهم لا يعلمون حتّى ولي أمر أبيه ثمّ أنصرف)، أنّ الإمام عليّ بن الحسينعليهالسلام خرج من محبسه بالكوفة - بالأمر المعجز - إلى كربلاء لدفن أبيهعليهالسلام ، وكان خروجه هذا (وهم لا يعلمون).
إذن؛ فخروجهعليهالسلام إلى كربلاء المعجز لم يكن في اليوم الحادي عشر حتماً؛ ذلك لأنّه لم يدخل المحبس إلاّ في اليوم الثاني عشر، إذ لم يكن عمر بن سعد قد دخل بعسكره وبالسبايا مدينة الكوفة، إلاّ في نهار اليوم الثاني عشر، كما قدّمنا قبل ذلك في سياق الأحداث.
____________________
(١) إثبات الوصيّة: ١٧٥.
وإذا علمنا أنّ جُلّ نهار اليوم الثاني عشر، كان انقضى على بقيّة أهل البيتعليهمالسلام في عرْضهم على الناس، وفي عرْضهم على ابن زياد - لعنه الله - في مجلسه في القصر، وفي مُحاوراتهم معه؛ فإنّه يتّضح لنا أنّ ابن زياد أمر بحبسهم عصر أو أواخر نهار اليوم الثاني عشر، ثمّ استدعاهم، ثمّ أعادهم إلى الحبس مرّة أُخرى.
وبهذا تكون ليلة اليوم الثالث عشر هي أوّل ليلة لهم في السجن، حيث بقوا فيه إلى اليوم الذي أرسلهم ابن زياد فيه إلى يزيد.
ومن هنا - مع الانتباه إلى ما تذكره الرواية من أنّهعليهالسلام خرج من محبسه إلى كربلاء لدفن أبيهعليهالسلام وهم لا يعلمون - نستنتج؛ أنّ خروجه كان من المحبس في وقت كان قد فرغ الطاغية من التحقيق معهم فلا يعود إلى استدعائهم، أي في وقت كان الإمام السجّادعليهالسلام قد اطمأنّ إلى أنّه إذا غاب عن الأنظار، فإنّه لا يفتقد في الفترة التي ينشغل فيها بدفن أبيه وأنصاره صلوات الله عليهم أجمعين ...
وعليه؛ فالمرجّح أنّهعليهالسلام - في ضوء هذا التحليل - كان قد خرج إلى كربلاء بالأمر المعجز، إمّا ليلة الثالث عشر أو في نفس اليوم الثالث عشر، مُبادراً إلى دفن الشهداءعليهالسلام في أقرب وقت مُمكن.
لكنّ ظاهر بعض الآثار، يدلّ على أنّ عملية دفن الأجساد المقدّسة حصلت في اليوم الثالث عشر من المحرّم لا في ليلته، كما في كتاب أسرار الشهادة، حيث يقول: (وكان إلى جنب العلقميّ حيّ من بني أسد، فمشت نساء ذلك الحيّ إلى المعركة، فرأين جثث أولاد الرسول، وأفلاذ حشاشة الزهراء البتول، وأولاد عليّ أمير المؤمنينعليهالسلام فحل الفحول، وجثث أولادهم في تلك الأصحار وهاتيك القفار، تشخب الدماء من جراحاتهم، كأنّهم قتلوا في تلك الساعة! فتداخل النساء من ذلك المقام العَجبُ! فابتدرن إلى حيّهنّ، وقلن لأزواجهنّ ما شاهدنه، ثمّ قلن لهم: بماذا
تعتذرون من رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأمير المؤمنينعليهالسلام وفاطمة الزهراء، إذا أُوردتم عليهم؛ حيث إنّكم لم تنصروا أولاده، ولا دافعتم عنهم بضربة سيف ولا بطعنة رمح ولا بحذفة سهم؟!
فقالوا لهنّ: إنّا نخاف من بني أُميّة!
وقد لحقتهم الذلّة وشملتهم الندامة من حيث لا تنفعهم، وبقيت النسوة يجُلْن حولهم ويقُلْن لهم: إن فاتتكم نصرة تلك العصابة النبويّة، والذبّ عن هاتيك الشنشنة العليّة العلويّة، فقوموا الآن إلى أجسادهم الزكيّة فواروها، فإنّ اللعين ابن سعد قد وارى أجساد مَن أراد مواراته من قومه، فبادِروا إلى مواراة أجساد آل رسول الله، وارفعوا عنكم بذلك العار! فماذا تقولون إذ قالت العرب لكم: إنّكم لم تنصروا ابن بنت نبيّكم مع قُربه وحلوله بناديكم؟! فقوموا واغسلوا بعض الدَرَن عنكم!
قالوا: نفعل ذلك.
فأتوا إلى المعركة، وصارت همّتهم أوّلاً أن يواروا جثّة الحسينعليهالسلام ثمّ الباقين، فجعلوا ينظرون الجثث في المعركة، فلم يعرفوا جثّة الحسينعليهالسلام من بين تلك الجثث؛ لأنّها بلا رؤوس وقد غيّرتها الشموس، فبينا هم كذلك، وإذا بفارس أقبل إليهم حتّى إذا قاربهم قال:(أنّى بكم؟).
قالوا: إنّا أتينا لنواري جثّة الحسينعليهالسلام وجثث ولْده وأنصاره، ولم نعرف جثّة الحسينعليهالسلام !
فلما سمع ذلك حنّ وأنَّ وجعل يُنادي:(وا أبتاه! وا أبا عبد الله! ليتك حاضر وتراني أسيراً ذليلاً!) .
ثمّ قال لهم:(أنا أُرشدكم) .
فنزل عن جواده، وجعل يتخطّى القتلى، فوقع نظره على جسد الحسينعليهالسلام فاحتضنه وهو يبكي ويقول:(يا أبتاه، بقتلك قرّت عيون الشامتين! يا أبتاه، بقتلك فرحت بنو أُميّة! يا أبتاه، بعدك طال حزننا! بعدك طال كربنا!) .
قال: ثمّ إنّه مشى قريباً من محلّ جثّته فأهال يسيراً من التراب، فبان قبر محفور ولحد مشقوق! فأنزل الجثّة الشريفة وواراها في ذلك المرقد الشريف كما هو الآن.
قال: ثمّ إنّهعليهالسلام جعل يقول: هذا فلان، وهذا فلان.
هذا والأسديّون يوارونهم، فلما فرغ مشى إلى جثّة العبّاس بن أمير المؤمنينعليهماالسلام فانحنى عليها، وجعل ينتحب ويقول:(يا عمّاه! ليتك تنظر حال الحرم والبنات وهنّ يُنادين: وا عطشاه! وا غربتاه!) .
ثمّ أمر بحفر لحْده وواراه هنا، ثمّ عطف على جثث الأنصار وحفر حفيرة واحدة وواراهم فيها، إلاّ حبيب بن مظاهر، حيث أبى بعض بني عمّه ذلك، ودفنه ناحية عن الشهداء.
قال: فلما فرغ الأسديون من مواراتهم قال لهم:(هلموا لِنوارِ جثّة الحرّ الرياحي) .
قال: فتمشَّى وهم خلْفه، حتى وقف عليه فقال:(أمّا أنت، فقد قَبِلَ الله توبتك، وزاد في سعادتك ببذْلك نفسك أمام ابن رسول الله صلىاللهعليهوآله ) .
قال وأراد الأسديّون حمْله إلى محلّ الشهداء، فقال:(لا، بل في مكانه واروه) .
قال: فلما فرغوا من مواراته ركب ذلك الفارس جواده، فتعلّق به الأسديّون، فقالوا: بحقّ مَن واريته بيدك! مَن أنت؟
فقال:(أنا حجّة الله عليكم، أنا عليّ بن الحسين عليهالسلام ، جئت لأواري جثّة أبي ومَن معه من إخواني وأعمامي وأولاد عمومتي وأنصارهم، الذين بذلوا مُهجهم دونه، وأنا الآن راجع إلى سجن ابن زياد لعنه الله، وأمّا أنتم فهنيئاً لكم، لا تجزعوا إذ تُضاموا فينا!) .
فودّعهم وانصرف عنهم. وأمّا الأسديون، فإنّهم رجعوا مع نسائهم إلى حيّهم)(١) .
وقال المرحوم السيّد المقرّم: (وفي اليوم الثالث عشر من المحرّم، أقبل زين العابدين لدفن أبيه الشهيدعليهالسلام ؛ لأنّ الإمام لا يلي أمره إلاّ إمام مثله(٢) ولما أقبل السجّادعليهالسلام وجد بني أسد مُجتمعين عند القتلى مُتحيّرين! لا يدرون ما يصنعون، ولم يهتدوا إلى معرفتهم فأخبرهمعليهالسلام عمّا جاء إليه من مواراة هذه الجسوم الطاهرة، وأوقفهم على أسمائهم، كما عرّفهم بالهاشميين من الأصحاب ثمّ مشى الإمام زين العابدين إلى جسد أبيه واعتنقه وبكى بكاءً عالياً، وأتى إلى موضع القبر، ورفع قليلاً من التراب، فبان قبر محفور، وضريح مشقوق! فبسط كفّيه تحت ظهره
____________________
(١) أسرار الشهادة: ٤٥٢.
(٢) راجع: إثبات الوصيّة للمعسودي: ١٧٣، وكتاب زين العابدينعليهالسلام للسيّد المقرّم: ٤٠٢، ويحسن هنا أن ننقل ما قاله السيّد المقرّم (ره) في المقتل: ٣١٩: (لم تكشف الأحاديث هذا السرّ المصون، ولعلّ النكتة فيه، أنّ جثمان المعصوم عند سَيره إلى المبدأ الأعلى بانتهاء أمد الفيض الإلهي يختصّ بآثار منها: أن لا يقرب منه مَن لم يكن من أهل هذه المرتبة؛ إذ هو مقام قاب قوسين أو أدنى، ذلك المقام الذي تقهقر عنه الروح الأمين! وعام النبيّصلىاللهعليهوآله وحده في سبحات الملكوت! وليست هذه الدعوى في الأئمّة بغريبة، بعد أن تكوّنوا من الحقيقة المحمّدية، وشاركوا جدّهم في المآثر كلّها إلاّ النبوّة والأزواج - كما في المحتضر للحسن بن سليمان الحلِّي: ص ٢٢ / طبع النجف - وهذه أسرار لا تصل إليها أفكار البشر، ولا سبيل لنا إلى الإنكار بمُجرّد بُعدنا عن إدراكها ما لم تبلغ حدّ الاستحالة، وقد نطقت الآثار الصحيحة: بأنّ للأئمّة أحوالاً غريبة، ليس لسائر الخلق الشركة معهم، كإحيائهم الأموات بالأجساد الأصليّة، ورؤية بعضهم بعضاً، وصعود أجسادهم إلى السماء، وسماعهم سلام الزائرين لهم، وقد صادق على ذلك شيخنا المفيد في المقالات: ٢٨٤ / طبعة طهران، والكراجكي في كنز الفوائد، والمجلسي في مرآة العقول: ج١ / ص ٣٧٣، وكاشف الغطاء في منهج الرشاد: ص٥١، والنوري في دار السلام: ج١ / ص ٢٨٩).
وقال:(بسم الله، وفي سبيل الله، وعلى ملّة رسول الله، صدق الله ورسوله، ما شاء الله، لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العظيم) .
وأنزله وحده، لم يُشاركه بنو أسد فيه، وقال لهم:(إنّ معي مَن يُعنني) ، ولما أقرّه في لحْده وضع خدّه على منحره الشريف قائلاً:(طوبى لأرض تضمّنت جسدك الطاهر، فإنّ الدنيا بعدك مُظلمة، والآخرة بنورك مُشرقة، أمّا الليل فمُسهَّد! والحزن سرمد! أو يختار الله لأهل بيتك دارك التي أنت بها مُقيم! وعليك منّي السلام يا بن رسول الله ورحمة الله وبركاته) .
وكتب على القبر:(هذا قبر الحسين بن عليّ بن أبي طالب، الذي قتلوه عطشاناً غريباً) .
ثمّ مشى إلى عمّه العبّاسعليهالسلام ، فرآه بتلك الحالة التي أدهشت الملائكة بين أطباق السماء! وأبكت الحور في غُرَف الجنان! ووقع عليه يلثم نحْره المقدّس قائلاً:(على الدنيا بعدك العفا يا قمر بني هاشم، وعليك منِّي السلام من شهيد مُحتسب ورحمة الله وبركاته) .
وشقّ له ضريحاً، وأنزله وحده كما فعل بأبيه الشهيد، وقال لبني أسد:(إنّ معي مَن يُعينني!) .
نعم، ترك مساغاً لبني أسد بمُشاركته في مواراة الشهداء، وعيّن لهم موضعَين، وأمرهم أن يحفروا حفرتين، ووضع في الأُولى بني هاشم، وفي الثانية الأصحاب.
وأمّا الحرّ الرياحي، فأبعدته عشيرته إلى حيث مرقده الآن، وقيل: إنّ أمّه كانت حاضرة، فلما رأت ما يُصنع بالأجساد حملت الحرّ إلى هذه المكان.
وكان أقرب الشهداء إلى الحسين ولَده (الأكبر)عليهالسلام ، وفي ذلك يقول الإمام
الصادق لحمّاد البصري(١) :(قُتِل أبو عبد الله غريباً بأرض غُربة، يبكيه مَن زاره، ويحزن له مَن لم يزره، ويحترق له مَن لم يشهده، ويرحمه مَن نظر إلى قبره، ابنه عند رجْليه ...) (٢) .
روى ابن نما (ره) يقول: (ورويت إلى ابن عائشة، قال: مرّ سليمان بن قتّة العدويّ(٣) مولى بني تميم بكربلاء، بعد قتل الحسينعليهالسلام بثلاث، فنظر إلى مصارعهم، فاتّكأ على فرَس له عربية وأنشأ:
مـررت عـلى أبـيات آل محمّد |
فـلم أرَهـا أمـثالها يـوم حُلَّتِ |
|
ألم ترَ أنّ الشمس أضحت مريضة |
لـفقْد حـسينٍ والـبلاد اقشعرّت |
|
وكـانوا رجـاءً ثمّ أضحوا رزيّة |
لـقد عـظُمت تلك الرزايا وجلَّتِ |
|
وتـسألنا قـيس فـنُعطي فقيرها |
وتـقتلنا قـيس إذا الـنعلُ زلَّت |
|
وعـند غـنيٍّ قـطرة من دمائنا |
سـنطلبهم يـوماً بها حيث حلَّت |
|
فـلا يُـبعد الله الـديار وأهـلها |
وإن أصـبحت منهم برغمٍ تخلَّت |
|
فـإنّ قـتيل الطفّ من آل هاشم |
أذلّ رقاب الـمسلمين فـذلَّت |
|
وقـد أعـولت تبكي النساء لفقْده |
وأنـجُمنا نـاحت عـليه وصلَّتِ |
وقيل: الأبيات لأبي رمح الخزاعي)(٤) .
____________________
(١) راجع: كامل الزيارات: ٣٢٥.
(٢) مقتل الحسينعليهالسلام / للمقرّم: ٣١٩ - ٣٢١.
(٣) قال المرحوم الشيخ عبّاس القمّي: (سليمان بن قتّة التابعي الخزاعي الشيعي، قيل: إنّه أوّل مَن رثى الحسينعليهالسلام ، مرّ بكربلاء فنظر إلى مصارع شهداء الطفّ، فبكى حتّى كاد أن يموت ثمّ قال: ...) (راجع: الكنى والألقاب: ١: ٣٨٣).
(٤) مُثير الأحزان: ١١٠ - ١١١ / ونقل الأبيات أبو فرج الإصبهاني في كتابه مقاتل الطالبيين: ١٢١، وانظر: سير أعلام النبلاء: ٣: ٣١٨، ومناقب آل أبي طالبعليهمالسلام : ٤: ١١٧ وفيه: (سليمان بن قبّة =
وقد يُستفاد ممّا ورد في متن الخبر: (مرّ سليمان بن قتّة بعد قتل الحسينعليهالسلام بثلاث، فنظر إلى مصارعهم ...) أنّ الأجساد الطاهرة قد مرّت عليها ثلاث ليالٍ وهي بعد لم تدفن، حين مرّ عليها سليمان بن قتّة؛ فيكون هذا الخبر دليلاً على أنّ الدفن لم يحصل في اليوم الحادي عشر، ولا في اليوم الثاني عشر، ولا في ليلة الثالث عشر.
لكنّنا إذا علمنا أنّ المراد بمصارعهم هو الأمكنة التي صرّعوا فيها(١) ، أي ساحة ميدان المعركة في كربلاء، فإنّ الاستفادة المشار إليها من هذا الخبر تنتفي؛ إذ يمكن أن يُقال: إنّ سليمان بن قتّة مرّ بساحة المعركة في كربلاء، في اليوم الثالث عشر، بعد دفن الشهداءعليهمالسلام ، فرأى قبورهم وآثار الحرب في ساحة الميدان، فرثاهم بهذه الأبيات.
وممّا يؤيِّد ذلك؛ أنّه ذكر (أبيات آل محمّد) ولم يصف الأجساد حيث صرِّعت، وربّما كان ذكر الأبيات كناية عن القبور، كما يؤيّد ذلك أنّ سليمان لو كان مرّ بالأجساد الطاهرة قبل دفنها، فكيف يصحّ منه عدم السعيّ إلى دفنها، وهو من مُحبّي أهل البيتعليهمالسلام ؟!
ولو كان - أيضاً - حاضراً ساعة دفنهم، مع جملة مَن حضر من بني أسد من أهل الغاضريّة بحضور الإمام السجّادعليهالسلام ؛ لكان له خبرٌ يُذكر مع الإمامعليهالسلام ومع بني أسد ذلك اليوم في التاريخ، بل كان هو المبادر إلى تسجيل تلك اللحظات الخالدة من ساعة الدفن على صفحة التاريخ، في قصيدة من شِعره رائعة، تبقى القلوب والألسن تتناقلها إلى قيام الساعة!
ولنعُدْ الآن إلى تتمّة مجرى أحداث الكوفة ...
____________________
= الهاشمي)، وانظر: نظم درر السمطين: ٢٣٦، ونسب قريش: ٤١.
(١) راجع: لسان العرب: ٨: ١٩٧ ففيه (ومصارع القوم: حيث قتلوا).
روى الخوارزمي أنّه: (ولما جيء برأس الحسين إلى عبيد الله، طلب مَن يُقَوِّره ويُصلحه، فلم يجسر أحدٌ على ذلك، ولم يحِر أحدٌ جواباً، فقام طارق بن المبارك(١) ، فأجابه إلى ذلك، وقام به فأصلحه وقوّره، فنصبه بباب داره!)(٢) .
وقال سبط ابن الجوزي: (وذكر عبد الله بن عمر الورّاق في كتاب (المقتل)، أنّه لما حضر الرأس بين يدي ابن زياد أمر حجّاماً فقال: قوِّرْه.
فقوَّره وأخرج لغاديده ونخاعه وما حوله من اللحم - واللغاديد ما بين الحنك وصفحة العنق من اللحم - فقام عمرو بن حريث المخزومي فقال: يا بن زياد، قد بلغت حاجتك من هذا الرأس! فهب لي ما ألقيت منه.
فقال: ما تصنع به؟! فقال: أواريه. فقال: خُذْه.
فجمعه في مطرف خزٍّ كان عليه، وحمله إلى داره، فغسله وطيّبه وكفّنه ودفنه عنده في داره، وهي بالكوفة تُعرف بدار الخزّ دار عمرو بن حريث المخزومي)(٣) .
____________________
(١) طارق بن المبارك: لم نعثر على ترجمته، لكنّ الخوارزمي قال في تتمّة الخبر: (ولطارق هذا حفيد كاتب يُكنّى: (أبا يعلى) هجاه (العدويّ) فعرض له بذلك وقال:
نـعـمة الله لا تُـعاب ولـكن |
ربّـما اسـتقبحت عـلى أقوام |
لا يـليق الغنى بوجه أبي يعلى ولا نور بـهجة الإسـلام
وسخ الثوب والعمامة والبرذون والـوجـه والـقـفا والـغلام
لا تـسمُّوا دواتـه فـتُصيبوا |
من دماء الحسين في الأقلام). |
(٣) مقتل الحسينعليهالسلام / للخوارزمي: ٢: ٥٨ - ٥٩.
(٤) تذكرة الخواص: ٢٣٣ / وقال اليافعي في مرآة الجنان: (وذكروا مع ذلك ما يعظم من الزندقة والفجور، وهو أنّ عبيد الله بن زياد أمر أنّ يُقوَّر الرأس المشرّف المكرّم حتى يُنصب في الرمح، =
اختلفت الروايات في مَن هو أوّل رأس حُمل في الإسلام، فقد صرّحت بعضها: بأنّ أوّل رأس حُمِل (أي رُفِع على رمح) هو رأس الإمام الحسينعليهالسلام ، وصرّح البعض الآخر: أنّ أوّل رأس حُمِل (نُقل من بلدٍ إلى آخر) هو رأس عمرو بن الحمقرضياللهعنه .
ومع اختلاف معنى الحمْل، فإنّ هذه الروايات لا تُعارض بعضها بعضاً، أمّا إذا كان المراد بالحمل هو نقل الرأس من بلد إلى آخر، فإنّ الجمع بين هذه الروايات مُمكن أيضاً، إذا قلنا: إنّ أوّل رأس من بني هاشم حُمِل في الإسلام هو رأس الحسينعليهالسلام ، وأوّل رأس حُمل في الإسلام من غيرهم هو رأس عمرو بن الحمقرضياللهعنه .
ومن أمثلة هذه الروايات:
١ - روي عن عاصم، عن زرّ(١) ، قال: (أوّل رأس حُمل على رمح في الإسلام رأس الحسين بن عليّ، فلم أرَ باكياً ولا باكية أكثر من ذلك اليوم)(٢) .
٢ - وروى ابن سعد في طبقاته بسنده عن عاصم، عن زرّ أنّه قال: (أوّل رأس رُفِع
____________________
= فتحامى الناس عن ذلك، فقام من بين الناس رجل يُقال له: طارق بن المبارك، بل هو ابن المشؤوم المذموم، فقوَّره ونصبه بباب المسجد الجامع وخطب خُطبة لا يحلّ ذكرها!) (مرآة الجنان: ١: ١٣٥).
(١) هو زرّ بن حبيش بن حباشة بن أوس بن بلال، ذكره ابن سعد في طبقاته (٦/١٠٥) في الطبقة الأُولى من تابعي أهل الكوفة، وقال: كان ثقة كثير الحديث.
وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء (٤/١٦٦): الإمام القدوة مقرئ الكوفة. وقال أبو عبيد: مات زرّ سنة إحدى وثمانين. وقيل: سنة ثلاث وثمانين. (راجع: تهذيب الكمال: ٩: ٣٣٩).
(٢) نفس المهموم: ٣٦٦ وانظر: كشف الغمّة: ٢: ٢٣٧.
على خشبة رأس الحسين)(١) .
٣ - وروى أيضاً بسنده عن الشعبي قال: (رأس الحسين أوّل رأس حُمِل في الإسلام)(٢) .
٤ - وعن ابن مسعود، عن النبيّصلىاللهعليهوآله أنّه قال:(إنّ أوّل رأس يُحمل على رمح في الإسلام رأس ولدي الحسين عليهالسلام ) .
وقال:(أخبرني بذلك أخي جبرئيل عن الربّ العظيم) (٣) .
٥ - وقال ابن الأثير الجزري: (وكان رأسه أوّل رأس حُمل في الإسلام على خشبة في قول، والصحيح أنّ أوّل رأس حُمل في الإسلام رأس عمرو بن الحمق)(٤) .
ولما قام طارق بن المبارك لعنه الله بتقوير الرأس المقدّس امتثالاً لأمر ابن زياد، أمر هذا الطاغية بالرأس الشريف فنُصب على باب داره، ثمّ إنّ ابن زياد نادى في الناس فجمعهم في المسجد الأعظم، ثمّ خرج ودخل المسجد، وصعد المنبر، (فحمد الله وأثنى عليه، فكان من بعض كلامه أن قال: الحمد لله الذي أظهر الحقّ وأهله! ونصر أمير المؤمنين وأشياعه! وقتل الكذّاب ابن الكذّاب!!
قال: فما زاد على هذا شيئاً حتّى وثب إليه عبد الله بن عفيف الأزدي، ثمّ
____________________
(١) ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام / من القسم غير المطبوع من كتاب الطبقات الكبرى لابن سعد / تحقيق السيد عبد العزيز الطباطبائي: ٨٠ - ٨١ رقم ٢٩٤.
(٢) ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام / من القسم غير المطبوع من كتاب الطبقات الكبرى لابن سعد: ٨١ رقم ٢٩٥.
(٣) المنتخب للطريحي: ٣٣٢.
(٤) الكامل في التاريخ: ٣: ٣٩٨.
العامري(١) - أحد بني والبة - وكان من رؤساء الشيعة وخيارهم، وكان قد ذهبت عينه اليسرى يوم الجَمل، والأخرى يوم صِفّين، وكان لا يكاد يُفارق المسجد الأعظم، يُصلّي فيه إلى الليل ثمّ ينصرف إلى منزله ..
فلما سمع مقالة ابن زياد وثب إليه وقال: يا بن مرجانة، إنّ الكذّاب وابن الكذّاب أنت وأبوك! ومَن استعملك وأبوه! يا عدوّ اللهِ ورسولِه! أتقتلون أبناء النبيّين وتتكلّمون بهذا الكلام على منابر المسلمين؟!
فغضب عبيد الله بن زياد وقال: مَن المتكلّم؟!
فقال: أنا المتكلّم يا عدوّ الله! أتقتل الذرّيّة الطاهرة، الذين أذهب الله عنهم الرجس في كتابه، وتزعم أنّك على دين الإسلام؟! وا غوثاه! أين أولاد المهاجرين والأنصار؛ لينتقموا من هذا الطاغية اللعين ابن اللعين على لسان رسول الله ربّ العالمين؟!
فازداد غضب ابن زياد حتّى انتفخت أوداجه، فقال: عليَّ به!
فوثب إليه الجلاوزة فأخذوه، فنادى بشعار الأزد: يا مبرور.
وكان عبد الرحمان بن مخنف الأزدي(٢) في المسجد، فقال: ويحَ نفسك!
____________________
(١) أو الغامدي كما في أنساب الأشراف: ٣: ٤١٣.
(٢) قال النمازي (ره) في مُستدركات علم رجال الحديث: ٤: ٤٢١: (عبد الرحمان بن مخنف الأزدي الشريف الكريم، لم يذكروه، وهو من أصحاب أمير المؤمنينعليهالسلام يوم صفّين.)، وروى نصر بن مزاحم المنقري: (أنّ راية بني نهد بن زيد أخذها مسروق بن الهيثم بن سلمة فقُتل، وأخذ الراية صخر بن سمي فارتُثّ، ثمّ أخذها عليّ بن عمير فقاتل حتّى ارتُثّ، ثمّ أخذها عليّ بن عمير فقاتل حتّى ارتُثّ، ثمّ أخذها عبد الله بن كعب فقُتل، ثمّ رجع إليهم سلمة بن حذيم بن جرثومة وكان يُحرّض الناس فوجد عبد الله بن كعب قد قُتل، فأخذ رايته فارتُثّ وصُرِع، فأخذها عبد الله بن عمر بن كيشة فارتُثّ، ثمّ أخذها أبو مسبّح =
أهلكتَها وأهلكتَ قومك.
وحاضر الكوفة يومئذٍ سبعمئة مقاتل من الأزد، فوثبت إليه فتية من الأزد، فانتزعوه منهم وانطلقوا به إلى منزله!
ونزل ابن زياد عن المنبر ودخل القصر، ودخلت عليه أشراف الناس!
فقال: أرأيتم ما صنع هؤلاء القوم؟!
قالوا: رأينا أصلح الله الأمير، إنّما فعل ذلك الأزد، فشدّ يدك بساداتهم فهم الذين استنقذوه من يدك!
فأرسل عبيد الله إلى عبد الرحمان بن مخنف الأزدي فأخذه، وأخذ جماعة من أشراف الأزد فحبسهم، وقال: لا خرجتم من يدي أو تأتوني بعبد الله بن عفيف!
ثمّ دعا بعمرو بن الحجّاج الزبيدي، ومحمّد بن الأشعث، وشبث بن ربعي، وجماعة من أصحابه، فقال لهم: اذهبوا إلى هذا الأعمى الذي أعمى الله قلبه كما أعمى عينيه، فأتوني به!
فانطلقوا يريدون عبد الله بن عفيف، وبلغ الأزد ذلك، فاجتمعوا وانضمّت إليهم قبائل من اليمن؛ ليمنعوا صاحبهم.
فبلغ ذلك ابن زياد، فجمع قبائل مُضَر وضمّهم إلى محمّد بن الأشعث، وأمره أن يُقاتل القوم!
فأقبلت قبائل مُضر، ودنت منهم اليمن فاقتتلوا قتالاً شديداً، وبلغ ذلك ابن
____________________
= ابن عمرو الجهني فقُتل، ثمّ أخذها عبد الله بن النزال فقُتل، ثمّ أخذها أخوه عبد الرحمان بن زهير فقُتل، ثمّ أخذها مولاه مخارق فقُتل، حتى صارت إلى عبد الرحمان بن مخنف الأزدي ...) (وقعة صِفّين: ٢٦١).
زياد، فأرسل إلى أصحابه يؤنِّبهم ويُضعّفهم!
فأرسل إليه عمرو بن الحجّاج يُخبره باجتماع اليمن معهم، وبعث إليه شبث بن ربعي: أيُّها الأمير، إنّك بعثتنا إلى أسود الآجام فلا تعجل!
قال: واشتدّ اقتتال القوم حتى قُتلت جماعة من العرب، ووصل القوم إلى دار عبد الله بن عفيف، فكسروا الباب واقتحموا عليه!
فصاحت ابنته: يا أبتي، أتاك القوم من حيث تحذر!
فقال: لا عليك يا بُنيّة! ناوليني سيفي.
فناولته السيف، فجعل يذبُّ عن نفسه وهو يقول:
أنا ابن ذي الفضل عفيف الطاهر |
عـفيف شـيخي وأنا ابن عامر |
|
كـم دارع مـن جمعكم وحاسر |
وبـطـل جـدَّلـته مُـغـاور |
وجعلت ابنته تقول: ليتني كنت رجلاً فأُقاتل بين يديك هؤلاء الفجَرة، قاتلي العترة البررة!
وجعل القوم يدورون عليه من يمينه وشماله وورائه، وهو يذبّ عن نفسه بسيفه، فليس أحد يقدم عليه، كلّما جاءوه من جهة قالت ابنته: جاءوك - يا أبت - من جهة كذا! حتّى تكاثروا عليه من كل ناحية، وأحاطوا به، فقالت ابنته: وا ذلاّه! يُحاط بأبي وليس له ناصر يستعين به!
وجعل عبد الله يُدافع ويقول:
والله لو يُكشف لي عن بصري |
ضاق عليكم موردي ومصدري |
ومازالوا به حتّى أخذوه.
فقال جندب بن عبد الله الأزدي(١) ، صاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآله : إنّا لله وإنّا إليه
____________________
(١) جندب بن عبد الله الأزدي: قال الذهبي: (فذاك جندب بن عبد الله، ويُقال: جندب بن كعب، أبو عبد الله الأزدي صاحب النبيّصلىاللهعليهوآله ويُقال له: جندب الخير، وهو الذي قتل المشعوذ، روى خالد الحذّاء، عن أبي عثمان النهدي: أنّ ساحراً كان يلعب عند الوليد بن عقبة الأمير، فكان يأخذ سيفه، فيذبح نفسه ولا يضرّه، فقام جندب إلى السيف فأخذه فضرب عنقه، ثمّ قرأ:( أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ) (سير أعلام النبلاء: ٣: ١٧٥ - ١٧٦ رقم ٣١).
وقال الشيخ المفيد (ره): (وروى أصحاب السير، عن جندب بن عبد الله الأزدي قال: شهدت مع عليّعليهالسلام الجَمل وصِفّين، لا أشكّ في قتال مَن قاتله، حتى نزلنا النهروان فدخلني شكٌّ وقلت: قرُّاؤنا وخيارنا نقتلهم؟! إنّ هذا لأمر عظيم!
فخرجت غدوة أمشي ومعي إداوة ماء، حتّى برزت عن الصفوف، فركزت رمحي ووضعت ترْسي إليه واستترت من الشمس، فإنّي لجالس حتّى ورد عليَّ أميرُ المؤمنينعليهالسلام فقال:(يا أخا الأزد! أمعك طَهور؟!). قلت: نعم. فناولته الإداوة، فمضى حتى لم أرَه، ثمّ أقبل وقد تطهّر، فجلس في ظلّ الترْس فإذا فارس يسأل عنه، فقلت: يا أمير المؤمنين، هذا فارس يريدك. قال:(فأشر إليه) . فأشرت إليه فجاء فقال: يا أمير المؤمنين، قد عبَر القوم وقد قطعوا النهر. فقال:(كلاَّ ما عبروا!) . قال: بلى والله، لقد فعلوا. قال:(كلاّ ما فعلوا!) .
قال: فإنّه لكذلك، إذ جاء آخر فقال: يا أمير المؤمنين، قد عبَر القوم.
قال:(كلاّ ما عبروا!) .
قال: والله، ما جئتك حتّى رأيت الرايات في ذلك الجانب والأثقال. قال:(والله، ما فعلوا! وإنّه لمصرعهم ومهراق دمائهم!) .
ثمّ نهض ونهضت معه، فقلت في نفسي: الحمد لله الذي بصّرني هذا الرجل وعرّفني أمره! هذا أحد رجُلين: إمّا رجل كذّاب جريء، أو على بيّنة من ربّه وعهد من نبيّه! اللّهمّ، إنّي أُعطيك عهداً تسألني عنه يوم القيامة، إن أنا وجدت القوم قد عبروا أن أكون أول مَن يُقاتله وأوّل مَن يطعن بالرمح في عينه، وإن كانوا لم يعبروا أن أُقيم على المناجزة والقتال.
فدُفعنا إلى الصفوف فوجدنا الرايات والأثقال كما هي!
فأخذ بقَفاي ودفعني ثمّ قال:(يا أخا الأزد! أتبيَّن لك الأمر؟!) . قلت: أجَل يا أمير المؤمنين. قال: =
راجعون! أخذوا - والله - عبد الله بن عفيف، فقبّح الله العيش بعده! فقام وجعل يُقاتل من دونه، فأُخِذ أيضاً وانطُلق بهما، وابن عفيف يُردّد: والله لو يُكشف لي عن بصري ...
فلما أُدخل على عبيد الله، قال له: الحمد لله الذي أخزاك!
فقال ابن عفيف: يا عدوّ الله! بماذا أخزاني؟! والله لو يكشف عن بصري ...
فقال له: ما تقول في عثمان؟
فقال: يا بن مرجانة! يا بن سميّة! يا عبد بني علاج! ما أنت وعثمان؟! أحسَن أم أساء، وأصلح أم أفسد؟! الله وليّ خلْقه، يقضي بينهم بالعدل والحق، ولكن سَلْني عنك وعن أبيك! وعن يزيد وأبيه!
فقال ابن زياد: لا سألتك عن شيء أو تذوق الموت!
فقال ابن عفيف: الحمد لله ربّ العالمين، كنت أسأل الله أن يرزقني الشهادة قبل أن تلدْك أمّك مرجانة، وسألته أن يجعل الشهادة على يدي ألعن خلْقه وأشرّهم وأبغضهم إليه، ولما ذهب بصري آيست من الشهادة، أمّا الآن، فالحمد لله
____________________
=(فشأنك بعدوّك) . فقتلت رجلاً، ثمّ قتلت آخر، ثمّ أختلفت أنا ورجل آخر أضربه ويضربني فوقعنا جميعاً، فاحتملني أصحابي، فأفقْت حين أفقتُ وقد فرغ القوم) (الإرشاد: ١: ٣١٧ - ٣١٩، وانظر: الكافي: ١: ١٨٠ رقم ٢ نحوه، وكذا كنز العمّال: ١١: ٢٨٩ عن الطبراني في الأوسط، وابن أبي الحديد في شرح النهج: ٢: ٢٧١، والبحار: ٤١: ٢٨٤ رقم ٢).
ولما بويع عثمان عن مؤامرة الشورى، وزويت الخلافة عن أمير المؤمنين عليّعليهالسلام مرّة ثالثة، رجع جندب (ره) إلى العراق، وكان كلّما ذكر للناس شيئاً من فضائل عليّعليهالسلام ومناقبه وحقوقه زبروه ونهروه، حتّى رُفع ذلك من قوله إلى الوليد بن عقبة والي الكوفة يومذاك، فبعث إليه فحبسه، حتّى كُلّم فيه فخُلّى سبيله. (راجع: الإرشاد: ١: ٢٤١ - ٢٤٣، وأمالي الطوسي: ١ / ٢٣٩، وشرح ابن أبي الحديد: ٩: ٥٧).
الذي رزقنيها بعد اليأس منها، وعرّفني الاستجابة منه لي في قديم دعائي!
فقال عبيد الله: اضربوا عنقه! فضُربت، وصُلِب!
ثمّ دعا ابن زياد بجندب بن عبد الله، فقال له: يا عدوّ الله! ألست صاحب عليّ بن أبي طالب يوم صِفّين؟!
قال: نعم، ولازلت له وليّاً ولكم عدوّاً! لا أبرأ من ذلك إليك ولا أعتذر في ذلك وأتنصّل منه بين يديك!
فقال ابن زياد له: أما إنّي سأتقرَّب إلى الله بدمك!
فقال جندب: والله، ما يُقرّبك دمي إلى الله، ولكنّه يُباعدك منه، وبعد: فإنّي لم يبقَ من عمري إلاّ أقلّه، وما أكره أن يُكرمني الله بهوانك!
فقال: أخرجوه عنّي، فإنّه شيخ قد خرف وذهب عقله!
فأُخرج وخلّي سبيله)(١) .
لا شكّ في أنّ ابن زياد لم يُقدم على قتل جندب بن عبد الله الأزدي (جندب الخير)، مع ما في قلبه من غلّ وحقد متأجّج عليه، لا لأنّه رجل قد تقادم به العمر فخرف وذهب عقله؛ بل لأنّ قتله بعد قتْل عبد الله بن عفيفرضياللهعنه قد يؤجّج الأزد ويُحرِّضهم عليه، وهم من القبائل التي لها حساب مُهمّ في كلّ أمر ملم.
____________________
(١) مقتل الحسينعليهالسلام / للخوارزمي: ج ٢ ص ٥٩ - ٦٢، وانظر: الفتوح: ٥: ١٤٤ - ١٤٦، وتاريخ الطبري: ٣: ٣٣٧، والكامل في التاريخ: ٣: ٢٩٧، والإرشاد: ٢ / ١١٧ وفيه: (فقال ابن زياد: عليّ به. فأخذته الجلاوزة، فنادى بشعار الأزد، فاجتمع منهم سبعمئة رجل فانتزعوه من الجلاوزة، فلما كان الليل أرسل إليه ابن زياد مَن أخرجه من بيته، فضرب عنقه وصلبه في السبخة رحمه الله). وانظر: (اللهوف: ٢٠٣، وأنساب الأشراف: ٣: ٤١٣ - ٤١٤، وتذكرة الخواص: ٢٣٢ - ٢٣٣).
إذن؛ فالسبب هو حسابات الموازنات في تهدئة العشائر الكبيرة، وكسب مودّتها وعدم إثارتها، فعفوه عن جندب بن عبد اللهرضياللهعنه مُحاولة لتهدئة ثائرة الأزد، بعد تفاقم الوضع وتأزّم العلاقة معهم نتيجة وقائع انتفاضة عبد الله بن عفيفرضياللهعنه .
وفي هذا الاتجاه يروي لنا ابن أعثم الكوفي قائلاً:
(ثمّ قدم إليه سفيان بن يزيد(١) ، فقال له ابن زياد: ما الذي أخرجك عليّ يا بن المعقل؟! فقال له: بلغني أنّ أصحابك أسَروا عمّي فخرجت أُدافع عنه.
قال: فخلّى سبيله، وراقب فيه عشيرته. ثمّ دعا بعبد الرحمان بن مخنف الأزدي، فقال له: ما هذه الجماعة على بابك؟! فقال: أصلح الله الأمير! ليس على بابي جماعة، وقد قتلت صاحبك الذي أردت، وأنا لك سامع مطيع! وإخوتي لك جميعاً كذلك! قال: فسكت عنه ابن زياد، ثمّ خلاّه وخلّى سبيل إخوته وبني عمّه)(٢) .
وهكذا قبلت رؤوس الأزد (وهم أسود الآجام!) أن توادع ابن زياد موادعة ذليلة، وهذا شأن مَن يهاب المواجهة من الطغاة!، فلم يؤثَر عن أحد من أشراف
____________________
(١) قال النمازي في مُستدركات علم رجال الحديث: ٤: ٩٥: (سفيان بن يزيد الأزدي، عدّ من مجاهيل الصحابة، لكن يظهر حُسنه وكماله من كونه على ميمنة جند إبراهيم بن الأشتر لطلب الثأر وقتال ابن زياد. راجع: البحار: ٤٥: ٣٨٠).
(٢) الفتوح: ٥: ١٤٦، وانظر: أنساب الأشراف: ٣: ٤١٤ وفيه: (وخرج سفيان بن يزيد بن المغفل ليدفع عن ابن عفيف فأخذوه معه وأُتي بجندب بن عبد الله، فقال له ابن زياد: والله، لأتقربنّ إلى الله بدمك! فقال: إنّما تتباعد من الله بدمي وقال لابن المغفل: قد تركناك لابن عمّك سفيان بن عوف، فإنّه خير منك).
الأزد، أنّه آثر التأسّي بعبد الله بن عفيفرضياللهعنه الأزدي، ذي القلب البصير والنفس العزيزة الأبيّة، الذي انتفض بوجه الطاغية ابن زياد صارخاً بكلمة الحقّ، التي صُعق ابن زياد لها ولجرأة صاحبها، فنزل عن المنبر مخذولاً مدحوراً، ودخل قصره حائراً فيما يمكن أن يواجه به هذا الثائر الفرد، الذي كان أمّة في انتفاضته!
قال ابن الأثير الجزري: (ثمّ إنّ ابن زياد قال لعمر بن سعد - بعد عوده من قتل الحسين -: يا عمر، ائتني بالكتاب الذي كتبته إليك في قتل الحسين!
قال: مضيت لأمرك وضاع الكتاب!
قال: لتجئني به.
قال: ضاع!
قال: لتجئني به!
قال: تُرك - والله - يُقرأ على عجائز قريش بالمدينة اعتذاراً إليهنّ!
أما والله، لقد نصحتك في الحسين نصيحة لو نصحتها أبي سعد بن أبي وقّاص، لكنت قد أدّيت حقّه!
فقال عثمان بن زياد أخو عبيد الله: صدق والله، لوددتُ أنّه ليس من بني زياد رجل إلاّ وفي أنفِه خُزامة إلى يوم القيامة، وأنّ الحسين لم يُقتل!
فما أنكر ذلك عبيد الله بن زياد!)(١) .
____________________
(١) الكامل في التاريخ: ٣: ٣٠٣، وانظر: مُثير الأحزان: ١١٠، والمنتظم لابن الجوزي: ٥: ٩٨، والبحار: ٤٥: ١١٠.
وخرج عمر بن سعد من مجلس ابن زياد، وهو يتجرّع كأس الندامة ولا يكاد يسيغه، وهو يقول: (ما رجع أحد إلى أهله بشرّ ممّا رجعت به! أطعت الفاجر الظالم ابن زياد، وعصيت الحكم العدل، وقطعت القرابة الشريفة!)(١) .
ينقل الخوارزمي عن محمّد بن إسحاق(٢) صاحب السيرة: (أنّ عبيد الله لما قتل ابن عفيف الأنصاري،(٣) وجاءت الجمعة الثانية، صعد المنبر وبيده عمود من حديد، فخطب الناس وقال في آخر خطبته: الحمد لله الذي أعزّ يزيد وجيشه بالعِزّ والنصر! وأذلَّ الحسين وجيشه بالقتل!
فقام إليه سيّد من سادات الكوفة، وهو المختار بن أبي عبيد، فقال له: كذبت يا عدوّ الله وعدوّ رسوله! بل الحمد لله الذي أعزّ الحسين وجيشه بالجنّة والمغفرة، وأذلّك وأذلّ يزيد وجيشه بالنار والخزي!
فحذفه ابن زياد بعموده الحديد الذي كان في يده فكسر جبينه، وقال للجلاوزة: خذوه! فأخذوه.
____________________
(١) أنساب الأشراف: ٣: ٤١٤ - ٤١٥، وتذكرة الخواص: ٢٣٣.
(٢) هو محمّد بن إسحاق بن محمّد بن عبد الرحمان بن عبد الله بن المسيّب بن أبي السائب بن عابد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، القرشيّ المخزوميّ المسيّبي، أبو عبد الله المدني، نزيل بغداد.
قال محمد بن سعد: كان ثقة، ومن الناس مَن تكلّم فيه، وكان خرج من المدينة قديماً فأتى الكوفة والجزيرة والريّ وبغداد، فأقام بها حتى مات في سنة إحدى وخمسين ومئة. (راجع: تهذيب الكمال: ٢٤: ٤٠٠ و ٤٢٦، والطبقات الكبرى: ٧: ٣٢١).
(٣) الظاهر أنّ المراد به هو عبد الله بن عفيف الأزديرضياللهعنه المتقدّم ذكره.
فقال أهل الكوفة: أيّها الأمير، هذا هو المختار! وقد عرفت حسَبه ونسَبه، وختْنه عمر بن سعد، وختنه الآخر عبد الله بن عمر!
فأوجس في نفسه خيفة، فحبس المختار ولم يتجرّأ على قتله، فكتب المختار إلى عبد الله كتاباً شرح فيه القصّة، فكتب ابن عمر إلى يزيد: أمّا بعد، أفما رضيت بأن قتلت أهل نبيّك حتّى ولّيت على المسلمين مَن يسبُّ أهل بيت نبيِّنا ويقع فيهم على المنبر؟! عبَر عليه ابن عفيف فقتله! ثمّ عبَر عليه المختار فشجّه وقيّده وحبسه!
فإذا أنت قرأت كتابي هذا، فاكتب إلى ابن زياد بإطلاق المختار، وإلاّ فو الله، لأرمينّ عبيد الله بجيش لا طاقة له به، والسلام.
فلما قرأ يزيد الكتاب غضب من ذلك، وكتب إلى ابن زياد: أمّا بعد، فقد ولّيتك العراق ولم أولّك على أن تسبّ آل النبيّ على المنابر وتقع فيهم، فإذا قرأت كتابي هذا فأطلق المختار من حبسك مُكرّماً، وإيّاك أن تعود إلى ما فعلت، وإلاّ فو الذي نفسي بيده، بعثت إليك مَن يأخذ منك الذي فيه عيناك!
فلما ورد الكتاب على ابن زياد أخرج المختار من حبسه، ودعا بمشايخ الكوفة وسلّمه إليهم سالماً، فخرج المختار من الكوفة هارباً نحو الحجاز ...)(١) .
لكنّ المرحوم السيّد المقرّم ينقل عن كتاب (الأعلاق النفيسة) لابن رسته: أنّه (لما أحضر ابن زياد السبايا في مجلسه أمر بإحضار المختار وكان محبوساً عنده من يوم قُتِل مسلم بن عقيل، فلما رأى المختار هيئة مُنكرة زفر زفرة شديدة، وجرى بينه وبين ابن زياد كلام أغلظ فيه المختار، فغضب ابن زياد وأرجعه إلى
____________________
(١) مقتل الحسينعليهالسلام / للخوارزمي: ٢: ٢٠٥ - ٢٠٦ رقم ٤.
الحبس، ويُقال: ضربه بالسوط على عينه فذهبت!)(١) .
وينقل صاحب كتاب (معالي السبطين) هذه الصورة:
(وفي بعض الكُتب: ثمّ إنّ ابن زياد استخرج المختار من الحبس، وكان محبوساً؛ لأنّه لما قتل مسلماً وهانياً وبعث برأسيهما إلى يزيد، كتب يزيد كتاباً إلى ابن زياد يشكره في ذلك، وكتب أنّه بلغني أنّ حسيناً توجّه إلى العراق، فضع المناظر والمسالح، واقتُلْ واحبِسْ على الظنّة والتُّهمة، فلما وصل الكتاب إلى ابن زياد قَتل مَن قَتل، وحبس جماعة من الشيعة منهم المختار، فبقي في السجن حتى جيء برأس الحسينعليهالسلام ، ووُضِع بين يديه فغطّاه بمنديل، واستخرج المختار من الحبس، وجعل يستهزئ عليه (كذا)!
فقال المختار: ويلك! أتستهزئ عليّ، وقد قرّب الله فَرَجي؟!
فقال ابن زياد: من أين يأتيك الفَرَج يا مختار؟!
قال: بلغني أنّ سيّدي ومولاي الحسين قد توجّه نحو العراق، فلابدّ أن يكون خلاصي على يده!
قال اللعين: خاب ظنّك ورجاؤك يا مختار! إنّا قتلنا الحسين!
قال: صَهْ! فضَّ الله فاك! ومَن يقدر على قتل سيّدي ومولاي الحسين؟!
قال له: يا مختار، انظر! هذا رأس الحسين!
فرفع المنديل، وإذا بالرأس بين يديه في طشت من الذهب، فلما نظر المختار إلى الرأس الشريف جعل يلطم على رأسه ويُنادي: وا سيّداه! وا مظلوماه!)(٢) .
____________________
(١) مقتل الحسينعليهالسلام / للمقرّم: ٣٢٩ عن الأعلاق النفيسة لابن رسته: ٢٢٤.
(٢) معالي السبطين: ٢: ٦٥.
يبدو من مجموع روايات حبس المختار (ره) أنّه كان قد حُبس مرّتين:الأُولى: حين حُبس مع ميثم التمّاررضياللهعنه ، في أوائل أيّام ولاية ابن زياد على الكوفة، ثمّ أُخرِج بشفاعة عبد الله بن عمر له عند يزيد.والثانية: حين حُبِس مع عبد الله بن الحارث بن نوفل، في ختام حركة مسلم بن عقيلعليهماالسلام في الكوفة (وكان المختار عند خروج مسلم في قرية له تُدعى (خطوانيّة)، فجاء بمواليه يحمل راية خضراء، ويحمل عبد الله بن الحارث راية حمراء، وركز المختار رايته على باب عمرو بن حريث وقال: أردت أن أمنع عمرواً!
ووضح لهما قتل مسلمعليهالسلام وهانيرضياللهعنه ، وأُشير عليهما بالدخول تحت راية الأمان عند عمرو بن حريث ففعلا، وشهد لهما ابن حريث باجتنابهما ابن عقيل، فأمر ابن زياد بحبسهما بعد أن شتم المختار واستعرض وجهه بالقضيب فشتر عينه، وبقيا في السجن إلى أن قُتل الحسينعليهالسلام (١) .
لكنّ السيّد المقرّم (ره) يستفيد من رواية الخوارزمي الماضية، أنّ عبد الله بن عمر كان قد تشفّع في المختار مرَّتين، وأطلقه من الحبس في كلّ منهما، حيث يقول: (وبعد قتل ابن عفيف، كان المختار بن أبي عبيد الثقفي مُطلق السراح بشفاعة عبد الله بن عمر بن الخطاب عند يزيد، فإنّه زوج أُخته صفيّة بنت أبي عبيد الثقفي، ولكنّ ابن زياد أجّله في الكوفة ثلاثاً، ولما خطب ابن زياد بعد قتل ابن عفيف، ونال من أمير المؤمنينعليهالسلام ثار المختار في وجهه وشتمه وقال: كذبت يا عدوّ الله وعدوّ رسوله! بل الحمد لله الذي أعزّ الحسين وجيشه بالجنّة والمغفرة، وأذلّك وأذلّ يزيد وجيشه بالنار والخزي.
____________________
(١) مقتل الحسينعليهالسلام / للمقرّم: ١٥٧ - ١٥٨.
فحدفه ابن زياد بعمود حديد، فكسر جبهته وأمر به إلى السجن، ولكنّ النّاس عرّفوه بأنّ عمر بن سعد صهره على أخته، وصهره الآخر عبد الله بن عمر، وذكروا ارتفاع نسَبه فعدل عن قتله، وأبقاه في السجن، ثمّ تشفّع فيه ثانياً عبد الله بن عمر عند يزيد، فكتب إلى عبيد الله بن زياد بإطلاقه ...)(١) .
روى الشيخ الصدوق (ره) بسند إلى حمران بن أعين (ره)، عن أبي محمّد شيخ لأهل الكوفة، قال: (لما قُتل الحسين بن عليّعليهالسلام أُسر من عسكره غلامان صغيران، فأُتي بهما عبيد الله بن زياد، فدعا سجّاناً له فقال: خُذْ هذين الغلامين إليك، فمِن طيِّبِ الطعام فلا تُطعهما! ومِن البارد فلا تسقهما، وضيّق عليهما سجنهما!
وكان الغلامان يصومان النهار، فإذا جنّهما الليل أُتيا بقُرصَين من شعير، وكوز من ماء القراح! فلما طال بالغلامين المكْث حتّى صارا في السنة! قال أحدهما لصاحبه: يا أخي، قد طال بنا مكثنا، ويوشك أن تفنى أعمارنا وتبلى أبداننا! فإذا جاء الشيخ فأعلمه مكاننا وتقرّب إليه بمحمّدصلىاللهعليهوآله لعلّه يوسِّع علينا في طعامنا ويزيدنا في شرابنا!
فلما جنّهما الليل، أقبل الشيخ إليهما بقرصين من شعير وكوز من ماء القراح.
فقال له الغلام الصغير: يا شيخ، أتعرف محمّداً؟!
قال: فكيف لا أعرف محمّداً، وهو نبيي؟!
____________________
(١) مقتل الحسينعليهالسلام / للمقرّم: ٣٣٠.
قال: أفتعرف جعفر بن أبي طالب؟!
قال: وكيف لا أعرف جعفراً، وقد أنبت الله له جناحين يطير بهما مع الملائكة كيف يشاء؟!
قال: أفتعرف عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ؟!
قال: وكيف لا أعرف عليّاً، وهو ابن عمّ نبيي وأخو نبيّي؟!
قال له: يا شيخ، فنحن من عترة نبيّك محمّدصلىاللهعليهوآله ، ونحن من وِلْد مسلم بن عقيل بن أبي طالب، بيدك أُسارى، نسألك مِن طيّب الطعام فلا تُطعمنا، ومِن بارد الشراب فلا تسقِنا، وقد ضيّقت علينا سجننا!!
فانكبّ الشيخ على أقدامهما يُقبّلهما ويقول: نفسي لنفسكما الفداء! ووجهي لوجهكما الوقاء! يا عترة نبيّ الله المصطفى! هذا باب السجن بين يديكما مفتوح! فخُذا في أيّ طريق شئتما!
فلما جنّهما الليل أتاهما بقرصين من شعير وكوز من ماء القراح! ووقفهما على الطريق، وقال لهما: سيرا يا حبيبيَّ الليل، واكمنا النهار، حتّى يجعل الله عزّ وجل لكما من أمركما فرجاً ومخرجاً!
ففعل الغلامان ذلك، فلما جنّهما الليل انتهيا إلى عجوز على باب، فقالا لها: يا عجوز، إنّا غلامان صغيران غريبان، حدَثان غير خبيرين بالطريق، وهذا الليل قد جنّنا، أضيفينا سواد ليلتنا هذه، فإذا أصبحنا لزمنا الطريق!
فقالت لهما: فمَن أنتما يا حبيبيّ؟ فقد شممت الروائح كلّها فما شممت رائحة أطيب من رائحتكما!
فقالا لها: يا عجوز، نحن من عترة نبيّك محمّدصلىاللهعليهوآله ، هربنا من سجن عبيد الله بن زياد من القتل!
قالت: يا حبيبيّ، إنّ لي ختْناً قد شهد الواقعة مع عبيد الله بن زياد، أتخوّف أن يُصيبكما هاهنا فيقتلكما!
قالا: سواد ليلتنا هذه، فإذا أصبحنا لزمنا الطريق.
فقالت: سآتيكما بطعام.
ثمّ أتتهما بطعام، فأكلا وشربا، ولما ولِجا الفراش قال الصغير للكبير: يا أخي، إنَّا نرجوا أن نكون قد أمنّا ليلتنا هذه، فتعال حتّى أعانقك وتُعانقني، وأشمّ رائحتك وتشمّ رائحتي، قبل أن يُفرّق الموت بيننا!
ففعل الغلامان ذلك واعتنقا وناما، فلما كان في بعض الليل أقبل ختْن العجوز الفاسق، حتّى قرع الباب خفيفاً، فقالت العجوز: مَن هذا؟
قال: أنا فلان!
قالت: ما الذي أطرقك هذه الساعة، وليس هذا لك بوقت؟!
قال: ويحك! افتحي الباب قبل أن يطير عقلي وتنشقَّ مرارتي في جوفي جهد البلاء الذي قد نزل بي!
قالت: ويحك! ما الذي نزل بك؟!
قال: هرب غلامان صغيران من عسكر عبيد الله بن زياد، فنادى الأمير في معسكره: مَن جاء برأس واحدٍ منهما فله ألف درهم! ومَن جاء برأسيهما فله ألفا درهم! فقد أتعبت وتعبت ولم يصل في يدي شيء!
فقالت العجوز: يا ختني! احذر أن يكون محمّد خصمك في القيامة!
قال: ويحك! إنّ الدنيا مُحرص عليها!
فقالت: وما تصنع بالدنيا وليست معها آخرة؟!
قال: إنّي لأراك تُحامين عنهما، كأنّ عندك من طلب الأمير شيء؟! قومي فإنّ
الأمير يدعوك!
قالت: ما يصنع الأمير بي، وإنّما أنا عجوز في هذه البرّيّة؟!
قال: إنّما لي الطلب! افتحي لي الباب حتى أريح واستريح، فإذا أصبحت فكّرت في أيّ الطريق آخذ في طلبهما.
ففتحت له الباب، وأتته بطعام وشراب، فأكل وشرب، فلما كان في بعض الليل سمع غطيط الغلامين في جوف الليل، فأقبل يهيج كما البعير الهائج، ويخور كما يخور الثور، ويلمس بكفّه جدار البيت حتى وقعت يده على جنب الغلام الصغير!
فقال له: مَن هذا؟
قال: أمّا أنا فصاحب المنزل، فمَن أنتما؟!
فأقبل الصغير يُحرّك الكبير ويقول: قم يا حبيبي، فقد والله وقعنا فيما كنّا نحاذره!
قال لهما: مَن أنتما؟!
قالا له: يا شيخ، إن نحن صدقناك فلنا الأمان؟
قال: نعم!
قالا: أمان الله وأمان رسوله، وذمّة الله وذمّة رسول الله؟
قال: نعم!
قالا: ومحمّد بن عبد الله على ذلك من الشاهدين؟
قال: نعم!
قالا: والله، على ما نقول وكيل وشهيد؟
قال: نعم!
قالا له: يا شيخ، فنحن من عترة نبيّك محمّدصلىاللهعليهوآله ، هربنا من سجن عبيد الله بن زياد من القتل!
فقال لهما: من الموت هربتما، وإلى الموت وقعتما! الحمّد لله الذي أظفرني بكما!
فقام إلى الغلامين فشدّ أكتافهما، فبات الغلامان ليلتهما مُكتَّفَين، فلما انفجر عمود الصبح دعا غلاماً له أسود يُقال له: فليح، فقال: خُذْ هذين الغلامين فانطلق بهما إلى شاطئ الفرات واضرب أعناقهما، وائتني برؤسهما لأنطلق بهما إلى عبيد الله بن زياد وآخذ جائزة ألفي درهم.
فحمل الغلام السيف، فمضى بهما ومشى أمام الغلامين، فما مضى إلاّ غير بعيد حتّى قال أحد الغلامين: يا أسود، ما أشبه سوادك بسواد بلال مؤذّن رسول الله!!
قال: إنّ مولاي قد أمرني بقتلكما، فمَن أنتما؟
قالا له: يا أسود، نحن من عترة نبيّك محمّدصلىاللهعليهوآله ، هربنا من سجن عبيد الله بن زياد من القتل، أضافتنا عجوزكم هذه، ويُريد مولاك قتلنا!
فانكبّ الأسود على أقدامهما يُقبّلهما ويقول: نفسي لنفسكما الفداء، ووجهي لوجهكما الوقاء! يا عترة نبيّ الله المصطفى! والله، لا يكون محمّدصلىاللهعليهوآله خصمي في القيامة.
ثمّ عدا فرمى السيف من يديه ناحية، وطرح نفسه في الفرات وعبَر إلى الجانب الآخر، فصاح به مولاه: يا غلام، عصيتني؟!
فقال: يا مولاي، إنّما أطعتك ما دمت لا تعصي الله، فإذا عصيت الله فأنا منك بريء في الدنيا والآخرة!
فدعا ابنه فقال: يا بُني، إنّما أجمع الدنيا حلالها وحرامها لك! والدنيا مُحرص عليها، فخُذ هذين الغلامين إليك، فانطلق بهما إلى شاطئ الفرات فاضرب أعناقهما، وائتني برؤوسهما لأنطلق بهما إلى عبيد الله بن زياد وآخذ جائزة ألفي درهم.
فأخذ الغلام السيف، ومشى أمام الغلامين، فما مضى (فما مضيا) غير بعيد حتّى قال أحد الغلامين: يا شاب، ما أخوفني على شبابك هذا من نار جهنّم!
فقال: يا حبيبيَّ، فمَن أنتما؟
قالا: من عترة نبيّك محمّدصلىاللهعليهوآله يُريد والدك قتلنا!
فانكبّ الغلام على أقدامهما يُقبِّلهما ويقول لهما مقالة الأسود، ورمى بالسيف ناحية، وطرح نفسه في الفرات وعبَر! فصاح به أبوه: يا بنيّ، عصيتني؟!
قال: لإن أُطيع الله وأعصيك أحبّ إليّ من أن أعصي الله وأُطيعك.
قال الشيخ: لا يلي قتلكما أحدٌ غيري! وأخذ السيف ومشى أمامها، فلما صار إلى شاطئ الفرات سلّ السيف من جفنه، فلما نظر الغلامان إلى السيف مسلولاً اغرورقت أعينهما، وقالا له: يا شيخ، انطلق بنا إلى السوق واستمتع بأثماننا، ولا ترد أن يكون محمّد خصمك في القيامة غداً!
فقال: لا! ولكن أقتلكما وأذهب برأسيكما إلى عبيد الله بن زياد، وأخذ جائزة ألفين!
فقالا له: يا شيخ، أما تحفظ قرابتنا من رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟!
فقال: ما لكما من رسول الله قرابة!!
قالا: يا شيخ، فائت بنا إلى عبيد الله بن زياد حتى يحكم فينا بأمره!
قال: ما بي إلى ذلك سبيل، إلاّ التقرُّب إليه بدمكما!
قالا له: يا شيخ، أما ترحم صِغَر سِنّنا؟!
قال: ما جعل الله لكما في قلبي من الرحمة شيئاً!
قالا: يا شيخ، إن كان ولابدّ فدعنا نُصلّي ركعات!
قال: فصلّيا ما شئتما إن نفعتكما الصلاة!
فصلّى الغلامان أربع ركعات، ثمّ رفعا طرفيهما إلى السماء فناديا: يا حيّ، يا حكيم، يا أحكم الحاكمين، أحكم بيننا وبينه بالحقّ!
فقام إلى الأكبر فضرب عنقه! وأخذ برأسه ووضعه في المِخلاة! وأقبل الغلام الصغير يتمرّغ في دم أخيه وهو يقول: حتّى ألقى رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأنا مُختضب بدم أخي!
فقال: لا عليك، سوف ألحقك بأخيك!
ثمّ قام إلى الغلام الصغير فضرب عنقه! وأخذ رأسه ووضعه في المِخلاة! ورمى ببَدَنَيهما في الماء وهما يقطران دماً!
ومرّ حتّى أتى بهما عبيد الله بن زياد، وهو قاعد على كرسيّ له، وبيده قضيب خيزران، فوضع الرأسين بين يديه، فلما نظر إليهما قام ثمّ قعد ثلاثاً، ثمّ قال: الويل لك! أين ظفرت بهما!
قال: أضافتهما عجوز لنا!
قال: فما عرفت حقّ الضيافة؟!
قال: لا!
قال: فأيّ شيء قالا لك؟
قال: قالا: يا شيخ، اذهب بنا إلى السوق فبعنا فانتفع بأثماننا، فلا ترد أن يكون محمّدصلىاللهعليهوآله خصمك في القيامة!
قال: فأيّ شيء قلت لهما؟!
قال: قلت: لا! ولكن أقتلكما وانطلق برأسيكما إلى عبيد الله بن زياد، وآخذ ألفَي درهم.
قال: فأيّ شيء قالا لك؟
قال: قالا: ائت بنا إلى عبيد الله بن زياد حتّى يحكم فينا بأمره!
قال: فأيّ شيء قلت؟!
قال: قلت: ليس لي إلى ذلك سبيل إلاّ التقرّب إليه بدمكما!
قال: أفلا جئتني بهما حيَّين فكنت أُضاعف لك الجائزة وأجعلها أربعة آلاف درهم؟!
قال: ما رأيت إلى ذلك سبيلاً إلاّ التقرّب إليك بدمهما!
قال: فأيّ شيء قالا لك أيضاً؟
قال: قالا: يا شيخ، احفظ قرابتنا من رسول الله!
قال: فأيّ شيء قلت لهما؟!
قال: قلت: ما لكما من رسول الله قرابة!
قال: ويلك! فأيّ شيء قالا لك أيضاً؟
قال: قالا: يا شيخ! ارحم صغر سنّنا!
قال: فما رحمتهما؟!
قال: قلت: ما جعل الله لكما من الرحمة في قلبي شيئاً!
قال: ويلك! فأيّ شيء قالا لك أيضاً؟
قال: قالا: دعنا نُصلّي ركعات. فقلت: فصلّيا ما شئتما إن نفعتكما الصلاة! فصلّى الغلامان أربع ركعات.
قال: فأيّ شيء قالا في آخر صلاتهما؟
قال: رفعا طرفيهما إلى السماء وقالا: يا حيّ، يا حكيم، يا أحكم الحاكمين، أحكم بيننا وبينه بالحقّ!
قال عبيد الله بن زياد: فإنّ أحكم الحاكمين قد حكم بينكم وبين الفاسق!
قال: فانتدب له رجل من أهل الشام فقال: أنا له!
قال: فانطلِقْ به إلى الموضع الذي قتل فيه الغلامين، فاضرب عنقه، ولا تترك أن يختلط دمه بدمهما، وعجّل برأسه! ففعل الرجل ذلك، وجاء برأسه فنصبه على قناة، فجعل الصبيان يرمونه بالنبْل والحجارة وهم يقولون: هذا قاتل ذرّية رسول اللهصلىاللهعليهوآله !)(١) .
____________________
(١) أمالي الشيخ الصدوق: ٧٦ - ٨١، المجلس التاسع عشر، حديث رقم ٢ / وروى الخوارزمي في (مقتل الحسينعليهالسلام : ٢: ٥٤ - ٥٨ حديث رقم ٢٧) قصّة هذين الغلامينعليهماالسلام بتفاوت، وبسند متّصل إلى محمّد بن يحيى الذهلي، ولكنّه ذكر أنّ أحد هذين الغلامين اسمه إبراهيم، والآخر اسمه محمّد، وأنّهما ابنان لجعفر الطيّارعليهالسلام ، وهذا خلاف الحقيقة التاريخية؛ لأنّ جعفر بن أبي طالبعليهماالسلام كان قد استُشهد في موقعة مؤتة في سنة ثمان من الهجرة، فبين يوم مؤتة وبين سنة مقتل الحسينعليهالسلام اثنتان وخمسون سنة! نعم، يُحتمل أن يُقال: إنّهما من أحفاد جعفرعليهالسلام ، لكنّ أحداً - غير ما أورده الخوارزمي - لم يقل بذلك. فالأقوى - وهو المشهور - ما أورده الشيخ الصدوق (ره) من أنّ هذين الغلامينعليهماالسلام من أولاد مسلم بن عقيلعليهماالسلام .
وحادثة قتلهما - في ضوء رواية الصدوق (ره) - كانت قد وقعت بعد سنة من اعتقالهما، وقد أوردناها في هذا الفصل؛ لأنّها من جملة ما وقع من أحداث لبقيّة الركب الحسينيّ في الكوفة، في أيّام الطاغية عبيد الله بن زياد لعنه الله.
المقصد الثاني
الفصل الثاني
مع الركب الحسينيّ من الكوفة إلى الشام
الفصل الثاني
« مع الركب الحسينيّ من الكوفة إلى الشام »
يُستفاد من بعض النصوص، أنّ بقيّة الركب الحسينيّ لم يَطُل بقاؤهم في الكوفة إلاّ يومين أو يوماً وبعض يوم!، كما في نصّ سبط ابن الجوزي؛ حيث يقول: (ثمّ إنّ ابن زياد حطّ الرؤوس في اليوم الثاني وجهّزها والسبايا إلى الشام، إلى يزيد بن معاوية)(١) ، وهذه المدّة هي أقلّ مدّة ممكنة.
لكنّ نصوصاً أُخرى، تُفيد أنّهم بقوا في الكوفة المدّة التي يستغرقها ذهاب وإياب البريد بين الكوفة ودمشق، كما في نصّ ابن الأثير الجزري؛ حيث يقول: (إنّ آل الحسين لما وصلوا إلى الكوفة حبسهم ابن زياد، وأرسل إلى يزيد بالخبر، فبينما هم في الحبس، إذ سقط عليهم حجر فيه كتاب مربوط، وفيه: إنّ البريد سار بأمركم إلى يزيد، فيصل يوم كذا ويعود يوم كذا، فإن سمعتم التكبير فأيقنوا بالقتل! وإن لم تسمعوا تكبيراً فهو الأمان.
فلما كان قبل قدوم البريد بيومين أو ثلاثة إذا حجَر قد أُلقي، وفيه كتاب يقول: أوصوا واعهدوا فقد قارب وصول البريد)(٢) .
____________________
(١) تذكرة الخواص: ٢٣٤.
(٢) الكامل في التاريخ: ٣: ٢٩٨، وانظر: تاريخ الطبري: ٣: ٣٣٩.
والظاهر أنّ البريد آنذاك كان على نوعين: (بريد الطير)، و(بريد الخَيل)، وبريد الطير أسرع من بريد الخيل، وبريد الخيل أسرع كثيراً من رحلة مسافر أو أكثر يجدّون السير على نفس مسافة البريد؛ ذلك لأنّ الخيل في البريد - وهي من أجود الخيل وأسرعها - تقطع مسافة جزئية من مسافة البريد، ثمّ تسلّم البريد إلى غيرها لتقطع مسافة جزئية أُخرى بعدها، وهكذا حتّى تتمّ مسافة البريد كلّها، فلا تُعاني أفراس البريد ولا فرسانها من تعب ولا نصَب، ويتمّ إيصال البريد بأسرع وقت مُمكن!
فإذا علمنا - في ضوء بعض النصوص(١) - أنّ عميرة الذي أرسله عبد الله بن عمر إلى يزيد، ومعه كتاب يشفع فيه لإطلاق سراح المختار من سجن ابن زياد، توجّه إلى الكوفة من الشام حاملاً كتاب يزيد إلى ابن زياد بإطلاق سراح المختار، وقد قطع المسافة بين الشام والكوفة بأحد عشر يوماً! أمكننا القول: بأنّ (بريد الخيل) يقطع هذه المسافة - بين دمشق والكوفة - في ستّة أيّام مثلاً.
وإذا علمنا - في ضوء نصوص أُخرى(٢) - أنّ هناك طريقاً مستقيماً بين الشام والعراق يمكن أن يقطعه المسافر في العادة خلال مدّة أسبوع، وكان عرب عقيل يسلكون هذا الطريق، كما كان عرب صليب يذهبون من حوران للنجف في نحو ثمانية أيّام، أمكننا أن نقبل بأنّ البريد آنذاك يمكن أن يقطع المسافة بين الكوفة ودمشق في سبعة أيّام أو أقلّ.
وإذا افترضنا أنّ ابن زياد كتب إلى يزيد بخبر انتهاء وقعة الطفّ مباشرة بعد
____________________
(١) مُثير الأحزان: ٧٤.
(٢) راجع: أعيان الشيعة: القسم الأول من الجزء الرابع، وعنه كتاب: التحقيق حول زيارة الأربعين: ١٩٣.
انتهائها، وأنّ البريد تحرّك برسالته إلى يزيد في ليلة الحادي عشر، أو في اليوم الحادي عشر، فإنّه يُمكننا أن نحتمل - على فرض أنّ مدّة البريد أسبوع - أنّ البريد وصل إلى دمشق حوالي اليوم السابع عشر من المحرّم.
وإذا افترضنا أيضاً أنّه تحرّك من دمشق إلى الكوفة بجواب يزيد في نفس اليوم، فإنّ من المحتمل أيضاً أنّه يصلها حوالي اليوم الرابع والعشرين من المحرّم.
وإذا قلنا: إنّ الركب الحسينيّ تحرّك من الكوفة إلى الشام في نفس اليوم الرابع والعشرين من المحرّم، فإنّ مدّة بقائهم في الكوفة - وهي تبدأ من اليوم الثاني عشر - تكون حوالي اثني عشر يوماً على احتمال قويّ، والله العالم.
فيما رواه الطبري قوله: (ثمّ إنّ عبيد الله أمر بنساء الحسين وصبيانه فجُهّزن، وأمر بعليّ بن الحسين فغلّ بغلّ إلى عنقه! ثم سرّح بهم مع مُحفز بن ثعلبة العائذي - عائذة قريش - ومع شمر بن ذي الجوشن، فانطلقا بهم حتّى قدموا على يزيد، فلم يكن عليّ بن الحسين يُكلّم أحداً منهما في الطريق كلمة حتّى بلغوا ...)(١) .
وقال السيد ابن طاووس (ره): (وأمّا يزيد بن معاوية، فإنّه لما وصل كتاب ابن زياد ووقف عليه أعاد الجواب إليه، يأمره فيه بحمْل رأس الحسينعليهالسلام إليه ورؤوس مَن قُتل معه، وبحمْل أثقاله ونسائه وعياله، فاستدعى ابن زياد بمخفر بن ثعلبة العائذي، فسلّم إليه الرؤوس والأُسارى والنساء، فسار بهم مخفر إلى الشام، كما يُسار بسبايا الكفّار، يتصفّح وجوههنّ أهل الأقطار!)(٢) .
____________________
(١) تاريخ الطبري: ٣: ٣٣٨.
(٢) اللهوف: ٢٠٨.
ويقول السيّد ابن طاووس (ره) في كتابه (إقبال الأعمال): (رأيت في كتاب المصابيح، بإسناده إلى جعفر بن محمّدعليهماالسلام قال:
(قال لي أبي، محمّد بن عليّ: سألت أبي عليّ بن الحسين عن حمْل يزيد له، فقال: حملني على بعير يطلع بغير وطاء! ورأس الحسين عليهالسلام على علَم! ونسوتنا خلْفي على بِغال أكفّ، والفارطة خلفنا وحولنا بالرماح، إن دمعت من أحدنا عين قُرع رأسه بالرمح! حتى إذا دخلنا دمشق صاح صائح: يا أهل الشام، هؤلاء سبايا أهل البيت الملعون!) (١) .
ويقول ابن الصبّاغ المالكي - في كتابه الفصول المهمّة -: (وقد جعل ابن زياد الغلّ في يديه - أي الإمام السجّادعليهالسلام - وفي عنقه، ولم يزالوا سايرين بهم على تلك الحالة إلى أن وصلوا الشام)(٢) .
وفيما يرويه لنا الصحابيّ سهل بن سعد(٣) ، عن لقائه بالركب الحسينيّ في
____________________
(١) إقبال الأعمال: ٨٩ / الجزء ٣، وعنه البحار: ٤٥: ١٥٤ باب ٣٩ حديث رقم ٢.
(٢) الفصول المهمّة: ١٩٣.
(٣) قال الذهبي: سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة، الإمام، الفاضل، المعمّر، بقيّة أصحاب رسول الله، أبو العباس الخزرجي، الأنصاري الساعدي.
وكان أبوه من الصحابة الذين توّفوا في حياة النبي. وهو آخر مَن مات بالمدينة من الصحابة. وكان من أبناء المئة. ذكر عدد كبير وفاته في سنة إحدى وتسعين. روى أصحاب الكُتب الستّة. (راجع: سير أعلام النبلاء: ٣: ٤٢٢ رقم ٧٢).
وذكر المزّي في تهذيب الكمال: ١٢: ١٨٩ يقول: (وذكر الواقدي وغيره: أنّ الحجّاج أرسل إلى سهل بن سعد يريد إذلاله في سنة أربع وسبعين، فقال: ما منعك من نصر أمير المؤمنين عثمان؟ قال: قد فعلت. قال: كذبت. ثمّ أمر به فختم في عنقه ختْم!). =
دمشق قوله: (... فبينا أنا كذلك، حتّى رأيت الرايات يتلو بعضها بعضاً، فإذا نحن بفارس بيده لواء منزوع السنان، عليه رأس أشبه الناس وجهاً برسول اللهصلىاللهعليهوآله ! فإذا أنا من ورائه رأيت نسوة على جِمال بغير وطاء ...)(١) .
وإنّ صفة دخول بقيّة أهل البيتعليهمالسلام على يزيد كاشفة عن حالهم الأصعب أثناء الطريق، يقول السيّد ابن طاووس (ره): (ثمّ أُدخِل ثِقل الحسينعليهالسلام ونساؤه ومَن تخلّف من أهله على يزيد، وهم مقرَّنون في الحبال! فلما وقفوا بين يديه وهم على تلك الحال، قال له عليّ بن الحسين:
(أُنشدك الله يا يزيد! ما ظنّك برسول الله لو رآنا على هذه الحال؟! ...) (٢) .
____________________
= وقال المرحوم النمازي: (سهل بن سعد الساعدي الأنصاري، من أصحاب رسول الله وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما، وكان عمره عند وفاة النبيصلىاللهعليهوآله خمس عشرة سنة، وعاش إلى ٨٨ - ٩١، رواياته في الفضائل (راجع: البحار: ٣٩: ١٢) وفي أسماء الأئمة الاثني عشر وفضائلهم والتصريح بإمامتهم (راجع: البحار: ٣٦: ٣٥١).
وروى عنه ابنه عباس، عن فاطمة الزهراءعليهاالسلام ، عدد الأئمة صلوات الله عليهم (راجع: البحار: ٣٦: ٣٥٢) وهو ممّن شهد لعليعليهالسلام بحديث الغدير (راجع: الغدير: ١: ٤٥)، ولقي أهل بيت الحسينعليهالسلام في الشام، وبكى لهم وقضى حاجة سكينة بنت الحسينعليهماالسلام (راجع: البحار: ٤٥: ١٢٧) - (مُستدركات علم رجال الحديث: ٤: ١٧٨ رقم ٦٧٢٣).
(١) البحار: ٤٥: ١٢٨ باب ٣٩.
(٢) اللهوف: ٢١٣ / وقال ابن أعثم الكوفي في كتابه الفتوح: ٥: ١٤٧: (فسار القوم بحُرَم رسول الله من الكوفة إلى بلاد الشام، على محامل بغير وطاء، من بلد إلى بلد، ومن منزل إلى منزل، كما تُساق أُسارى التُّرك والديلم ...).
وقال ابن سعد في طبقاته: (وقدم رسول من قِبَل يزيد بن معاوية، يأمر عبيد الله أن يُرسل إليه بثقل الحسين ومَن بقي من ولْده وأهل بيته ونسائه، فأسلفهم أبو خالد ذكوان عشرة آلاف درهم تجهّزوا بها! (راجع: ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام / من القسم غير المطبوع من كتاب الطبقات الكبير =
وفي خُطبة مولاتنا زينب العقيلةعليهاالسلام في مجلس يزيد، صورة وافية لطريقة حمل بقيّة أهل البيتعليهمالسلام من الكوفة إلى الشام، حيث قالتعليهاالسلام وهي تُقرِّع الطاغية:
(أمِنَ العدل - يا بن الطلقاء - تخديرك حرائرك وإماءك، وسَوقك بنات رسول الله سبايا، قد هتكتَ ستورهنّ! وأبديت وجوههنّ! تحْدوا بهنّ الأعداء من بلدٍ إلى بلد! ويستشرفهنّ أهل المناهل والمناقل! ويتصفّح وجوههنّ القريب والبعيد، والدنيّ والشريف! ليس معهنّ من رجالهنّ وليّ، ولا من حُماتهنّ حميّ؟! ...)(١) .
يُستفاد من النصوص التي مضت عن السيّد ابن طاووس (ره)، أنّ الرؤوس المقدّسة كانت مع الركب الحسينيّ في حركته من الكوفة إلى الشام.
____________________
= لابن سعد / تحقيق السيّد عبد العزيز الطباطبائي: ٨١)، ولا يخفى ما في آخر هذا الخبر من الغرابة والإبهام! فمَن هو أبو خالد ذكوان؟ إنّنا لم نعثر له على ترجمة في الرجال!
ثمّ هل أسلف الركب الحسينيّ ذلك المبلغ؟ وما حاجتهم إلى المال وهم في قيد الأسر والحبس؟! أم هو أسلف عبيد الله بن زياد وجماعته؟ وهل يُتصوّر إمكان حاجة هذا الطاغية المتسلّط على العراق إلى مثل هذا المبلغ؟!
والغريب من ابن سعد في طبقاته أيضاً، أنّه يروي لذكوان أبي خالد هذا دوراً آخر، حيث يقول في نفس الصفحة: (وأمر عبيد الله بن زياد بحبس مَن قدم به عليه من بقيّة أهل حسين معه في القصر، فقال ذكوان أبو خالد: خلّ بيني وبين هذه الرؤوس فأدفنها. ففعل، فكفّنها ودفنها بالجبّانة، وركب إلى أجسادهم فكفّنهم ودفنهم!!!).
(١) اللهوف: ٢١٦.
لكنّ نصوصاً أُخرى، تُشعر أنّ الرؤوس المقدّسة سبقت الركب الحسينيّ إلى الشام، كما في نصّ الشيخ المفيد (ره)؛ حيث يقول: (ولما فرغ القوم من التطوّف به - أي الرأس المقدّس - بالكوفة، ردّه إلى باب القصر، فدفعه ابن زياد إلى زحر بن قيس(١) ، ودفع إليه رؤوس أصحابه، وسرّحه إلى يزيد بن معاوية عليهم لعائن الله ولعنة اللاعنين في السماوات والأرضين، وأنفذ معه أبا بردة بن عوف الأزدي،(٢)
____________________
(١) ويرد اسمه في بعض المصادر: زجر بن قيس، وفي بعض المصادر زفر بن قيس، وهو غير صحيح، بل الصحيح - كما هو المنقول عن المتقدّمين -: زحر بن قيس. (راجع مثلاً: كتاب النسب: ٣٢١ / لأبي عبيد، القاسم بن سلام، المتوفَّى سنة ١٥٤ هـ، وكتاب جمهرة أنساب العرب: ٤٠٩ / للأندلسي المتوفّى سنة ٣٨٤ هـ).
وهذا الرجل كان من أصحاب أمير المؤمنين عليعليهالسلام ، ورسوله إلى جرير بن عبد الله إلى الريّ، ثمّ رسوله إلى الخوارج، وكان معه في حرب الجَمل، وله أشعار في مدحه، وله قضايا ومواقف في صِفّين، ولكن استحوذ عليه الشيطان، فكانت عاقبته أن التحق بجنود الكفر والشيطان، وصار من أقرب الناس إلى عبيد الله بن زياد ومن خواصّه، ولقد فوّض إليه مُهمّة حمل الرأس الشريف وسائر الرؤوس الطاهرة ليحملها إلى الشام، وحينما حمل بقيّة أهل البيتعليهمالسلام إلى الكوفة كان زحر هذا يضربهم بالسوط!
وقد روى محمد بن جرير بن رستم الطبري، أنّ الإمام الحسينعليهالسلام قال لزهير بن القينرضياللهعنه :(اعلم أنّ هاهنا مشهدي - أي كربلاء -ويُحمل هذا من جسدي - يعني رأسه -زحر بن قيس، فيدخل به على يزيد يرجو نواله، فلا يُعطيه شيئاً) . (راجع: دلائل الإمامة: ١٨٢ رقم ٩٧ / ٢).
ومن غرائب وعجائب بعض علماء الرجال من أهل السنّة، أنّهم يعدّون زحر بن قيس من الثقات (راجع: كتاب الثقات لابن حبّان: ٤: ٢٧٠)، ويُعبّر عنه ابن حبّان أنّه من كبّار التابعين، ولا يُشير بشيء إلى سوء عاقبته! وانظر أيضاً مقالة البخاري في تاريخه: ٣: ٤٤٥.
(٢) وكان عثمانيّاً تخلّف عن أمير المؤمنين يوم الجَمل، وحضر معه يوم صِفّين لنصرته، وكان مُنافقاً يُكاتب معاوية سرّاً وكان عنده كريماً. (راجع: مُستدركات علم رجال الحديث: ٨: ٣٣٩).
وطارق بن أبي ظبيان(١) ، في جماعة من أهل الكوفة، حتّى وردوا بها على يزيد بدمشق)(٢) .
وأوضح من ذلك في هذا الصدد، ما قاله الشيخ المفيد (ره) أيضاً: (ثمّ إنّ عبيد الله بن زياد بعد إنفاذه برأس الحسينعليهالسلام أمر بنسائه وصبيانه فجُهِّزوا، وأمر بعليّ بن الحسين فغُلّ بغلّ إلى عنقه، ثمّ سرّح بهم في أثر الرأس مع مجفر بن ثعلبة العائذي، وشمر بن ذي الجوشن، فانطلقوا بهم حتّى لحقوا بالقوم الذين معهم الرأس، ولم يكن عليّ بن الحسينعليهالسلام يُكلّم أحداً من القوم في الطريق كلمة حتّى بلغوا ...)(٣) .
____________________
(١) وقال النمازي أيضاً: (طارق بن أبي ظبيان (أبي شهاب)، من الذين ذهبوا برأس الحسينعليهالسلام إلى دمشق بأمر عبيد الله بن زياد) (راجع: مُستدركات علم رجال الحديث: ٤: ٢٨٤).
(٢) الإرشاد: ٢: ١١٨.
(٣) الإرشاد: ٢: ١١٩، وانظر: تاريخ الطبري: ٣: ٣٣٨، والفصول المهمّة لابن الصبّاغ المالكي: ١٩٣، ومُختصر تاريخ دمشق: ٢٤: ١١١، ومقتل الحسينعليهالسلام للخوارزمي: ٢: ٥٨.
وينقل المحقِّق القرشي، عن عبد الباسط الفاخوري قوله: (ثمّ إنّ عبيد الله جهّز الرأس الشريف، وعليّ بن الحسين ومَن معه من حرمه، بحالة تقشعرُّ منها ومن ذكرها الأبدان، وترتعد منها مفاصل الإنسان، بل فرائص الحيوان) (حياة الإمام الحسين بن عليّعليهماالسلام : ٣: ٣٦٧ عن تحفة الأنام في مُختصر تاريخ الإسلام: ٨٤).
وقال أبو طالب المكّي: (ثمّ إنّ عبيد الله بن زياد جهّز عليّ بن الحسين، ومَن كان مع الحسين من حرمه، بعد أن اعتمدوا ما اعتمدوه من سبي الحريم وقتل الذراري، ممّا تقشعرُّ من ذكره الأبدان وترتعد منه الفرائص إلى البغيض يزيد بن معاوية ...). (قوت القلوب: ١: ٧٥).
وإن تعجب فعجب قول ابن تيميّة، في مخالفته الحقيقة التأريخية المسلّمة، حيث يقول: سيّر ابن زياد حرم الحسين بعد قتله إلى المدينة)!! (راجع: المنتقى من منهاج الاعتدال للذهبي: ٢٨٨).
هناك طريقان يصلان بين الكوفة ودمشق، عرضت لذكرهما بعض الكُتب التي تناولت الحديث في قصّة سفر الركب الحسينيّ من الكوفة إلى الشام، وهذان الطريقان هما:
وهو الطريق الذي ذكره الميرزا النوري(١) ، وذهب إلى أنّ بقيّة الركب الحسيني كانوا قد سلكوا هذا الطريق من الكوفة إلى الشام، وعلى هذا كان الميرزا النوري قد استبعد أن تكون زيارة الأربعين التي زار بها بقيّة أهل البيتعليهمالسلام قبر الحسينعليهالسلام في الأربعين يوماً الأُولى بعد مقتله في سنة ٦١ للهجرة.
وهذا الطريق مع طوله وكثرة منازله، لا يمكن لسالك يجدّ السير فيه ولا يلوي على أحد ولا يتوقّف في منزل أن يسلكه في أقلّ من عشرة أيّام، ولو أردنا أن نقبل بأنّ مسير الركب الحسيني كان على هذا الطريق، ونقبل جميع ما حدث لهم في منازله، لاستغرق ذلك سنة من الزمان على قول بعض المحقّقين!(٢) .
ومنازل هذا الطريق - على ما ذهب إليه فرهاد ميرزا صاحب كتاب (قمقام زخّار) - هي: حرّان، حصاصة، تكريت، وادي النخلة، برصاباد، الموصل، عين الوردة، قنسرين، معرّة النعمان، كفرطاب، الشيرز، الحمى (حماة)، حمْص، بعلبك(٣) .
____________________
(١) اللؤلؤ والمرجان: ١٥٠.
(٢) راجع: كتاب تحقيق حول زيارة الأربعين / للمرحوم الشهيد المحقّق قاضي الطباطبائي: ١٩٣.
(٣) قمقام زخّار: ٢: ٥٤٨ / للمرحوم فرهاد ميرزا المتوفَّى سنة ١٣٠٥ هـ ق.
وقد وردت أسماء منازل هذا الطريق في المقتل المنسوب لأبي مخنف مُتفاوتة في الترتيب، مع إضافة ونقص(١) .
والمتأمّل في الخرائط الجغرافية، يجدها لا تقبل بترتيب بعض تلك المنازل!! ويقول المرحوم المحدّث الشيخ عبّاس القميّ: (اعلم أنّ ترتيب المنازل التي نزلوها في كلّ مرحلة، باتوا بها أم عبروها، منها غير معلوم ولا مذكور في شيء من الكُتب المعتبرة، بل ليس في أكثرها كيفيّة مسافرة أهل البيت إلى الشام ...)(٢) .
وهو طريق يُمكن قطعه في مدّة أسبوع؛ لكونه مستقيماً، وممّن ذهب إلى أنّ أهل البيتعليهمالسلام سلكوا هذا الطريق هو المرحوم السيد محسن الأمين في موسوعته الكبيرة (أعيان الشيعة)؛ حيث يقول: (... والمشهور أنّهم وصلوا إلى كربلاء في العشرين من صفر، ومنه زيارة الأربعين الواردة عن أئمّة أهل البيتعليهمالسلام للحسينعليهالسلام .
وقد يُستبعد ذلك: بأنّ المسافة بين العراق والشام تُقطع في نحو من شهر، ولابدّ يكونوا بقوا في الشام مدّة، فكيف يمكن استيعاب الذهاب والإياب والبقاء في الشام، والذهاب للكوفة والبقاء فيها، أربعين يوماً؟!
ويمكن دفع الاستبعاد: بأنّه يوجد طريق بين الشام والعراق، يمكن قطعه في أسبوع؛ لكونه مُستقيماً، وكان عرب عقيل يسلكونه في زماننا.
وتدلّ بعض الأخبار، على أنّ البريد كان يذهب من الشام للعراق في أسبوع،
____________________
(١) راجع: المقتل المنسوب لأبي مخنف / ص ١٨٠.
(٢) نفس المهموم: ٤٢٥.
وعرب صليب يذهبون من حوران للنجف في نحو ثمانية أيّام.
فلعلّهم سلكوا هذا الطريق، وتزوّدوا ما يكفيهم من الماء، وأقلّوا المقام في الكوفة والشام، والله أعلم.)(١) .
ونحن أيضاً نُرجّح أنّ أعداء الله ورسولهصلىاللهعليهوآله كانوا قد سلكوا ببقيّة الركب الحسيني في سفرهم من الكوفة إلى الشام أقصر الطرق مسافة، سواء أكان طريق عرب عقيل أم غيره، ونستبعد أنّهم سلكوا ما يُسمّى بالطريق السلطاني الطويل.
ذلك؛ لأنّ من الطبيعي يومذاك أن يحرص كلٌّ من يزيد وابن زياد وجلاوزتهم، الموكّلين ببقيّة الركب الحسيني على وصول هذا الركب إلى دمشق في أسرع وقت ممكن! ويتوسّلوا بكلّ الوسائل المساعدة لتحقيق هذه الرغبة!
أمّا يزيد لعنه الله؛ فلكي يروي ظمأه إلى التشفّي بمشهد انكسار أهل البيتعليهمالسلام من رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأمير المؤمنين، مُتوهماً أنّ بني أُميّة عدلوا يوم عاشوراء ببدْر فاعتدل! حتّى استشهد بشعر ابن الزبعرى في هذا المعنى! جذلان بمظاهر الظفر المكذوب!
وأمّا ابن زياد لعنه الله؛ فلكي يُري أميره يزيد كيف نفّذ أوامره كما يُحبّ ويرضى! حتّى يحظى عنده بمزيد من الوجاهة والمنزلة والاعتماد، فهو على عجلة من أمر وصول بقيّة الركب الحسيني إلى الشام بأسرع وقت، من أجل دفقة سرور موهومة، تدخل على قلب يزيد، تنعكس آثارها الإيجابية على حياة ابن زياد ومصيره!
وأمّا الجلاوزة لعنهم الله الذين رافقوا الركب الحسيني، فهم أشدّ لهفة إلى
____________________
(١) أعيان الشيعة: القسم الأول من الجزء الرابع، وعنه كتاب تحقيق حول زيارة الأربعين: ١٩٣.
الوصول بالركب إلى الشام بأسرع ما يُمكن من الوقت؛ طمعاً في نوال جوائز يزيد، والحصول على مزيد من الحظوة عنده!
فكانت جميع مصالح الطغاة وجلاوزتهم تدعو إلى اعتساف أقصر الطرق من الكوفة إلى الشام!! ويُذكَر أيضاً أنّ جلاوزة ابن زياد حينما خرجوا برأس الحسينعليهالسلام من الكوفة، كانوا يخافون من قبائل العرب أن تثور فيهم الغيرة والحميّة، فكانوا يخشون أن يأخذوا منهم الرأس المقدّس؛ ولذا كانوا يتجنّبون السير على الجادّة المعروفة، وكلّما وصلوا إلى قبيلة طلبوا العلوفة وقالوا معنا رأس خارجيّ!(١) .
أشارت مصادر تاريخية، إلى جملة من وقائع حدثت على طريق الركب الحسيني من الكوفة إلى الشام، نورد هنا ذكر هذه الوقائع - ممّا اشتُهر منها، وممّا لم يتفرّد به المقتل المنسوب إلى أبي مخنف - في ضوء تتابعها حسب منازل الطريق ما أمكننا ذلك، وهي:
روى الخوارزمي بسند عن ابن لهيعة(٢) ، عن أبي قبيل(٣) ، قال: (لما قُتِل
____________________
(١) راجع: قمقام زخّار: ٢: ٥٤٨ نقلاً عن كامل البهائي: ٢: ٢٩٢.
(٢) هو عبد الله بن لهيعة بن عقبة بن فرعان بن ربيعة بن ثوبان الحضرمي الأعدولي وروى عن جماعة منهم أبو قبيل.
قال روح بن صلاح: لقي ابن لهيعة اثنين وسبعين تابعياً.
وعن أحمد بن حنبل: مَن كان مثل ابن لهيعة بمصر في كثرة حديثه وضبطه وإتقانه؟ ومات سنة أربع أو ثلاث وسبعين. (راجع تهذيب الكمال: ١٥: ٤٨٧ رقم ٣٥١٣).
=
الحسينعليهالسلام بعث برأسه إلى يزيد، فنزلوا أوّل مرحلة، فجعلوا يشربون ويبتهجون بالرأس! فخرجت عليهم كفّ من الحائط، معها قلم من حديد، فكتبت سطراً بدم:
أترجو أُمّةٌ قتلت حسيناً |
شفاعة جدّه يوم الحساب؟!)(١) |
وفي المقتل المنسوب إلى أبي مخنف: أنّ ابن زياد دعا الشمر اللعين،
____________________
= (٣) واسمه حيّ بن هاني بن ناضر، أبو قبيل المعافري، روى عنه جماعة منهم ابن لهيعة. وعن أبي حاتم: صالح الحديث. وقال أبو سعيد بن يونس: توفِّي بالبُرُلس سنة ثمان وعشرين ومئة. (راجع: سير أعلام النبلاء: ٥: ٢١٤ رقم ٨٦، وتهذيب الكمال: ٧: ٤٩٠ رقم ١٥٨٦).
(١) مقتل الحسينعليهالسلام / للخوارزمي: ٢: ١٠٥ - ١٠٦ رقم ٢٨، ورواه أيضاً مُحبّ الدين الطبري في كتابه ذخائر العُقبى: ١٤٥ بتفاوت يسير، وفي آخره: (فهربوا وتركوا الرأس)، وقال الطبري: خرّجه ابن منصور بن عمّار. ورواه ابن المغازلي في المناقب: ٣٨٨ رقم ٤٤٢ وفيه: (فلما صار الليل قعدوا يشربون ويتحيّون بالرأس ...)، وليس فيه ذكر أنّ هذه الواقعة حصلت في الطريق إلى الشام، وقال مُحقّق كتاب ابن المغازلي (البهبودي) في حاشية نفس الصفحة: أخرجه العلاّمة الطبراني في المعجم الكبير: ١٤٧ نسخة جامعة طهران وخرّجه عنه الحافظ الكنجي في الكفاية: ٢٩١ ط و ٤٣٩ ط، والحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد: ٩ / ١٩٩، والحافظ الذهبي في تاريخ الإسلام: ٣ / ١٣، والحافظ السيوطي في الخصائص الكبرى: ٢ / ١٢٧، وأخرجه المحبّ الطبري في الذخائر: ١٤٥ ...)، وانظر: الإتحاف بحُبِّ الأشراف: ٢٣، ونظم درر السمطين: ٢١٩ و ٢٣٨، والخُطط المقريزية: ٢: ٢٨٦، وتاريخ مدينة دمشق: ١٤: ٢٤٤، وينبغي التنويه أنّ بعض هذه المصادر لم تُشخِّص أنّ هذه الواقعة حصلت في الطريق إلى الشام.
وقال الشيخ عبّاس القمّي (ره): (وروي عن كتب الفريقين، أنّ حاملي الرأس الشريف لما نزلوا في أوّل مرحلة جعلوا يشربون ويتبجّحون بالرأس فيما بينهم، فخرجت عليهم كفّ من الحائط، معها قلم من حديد فكتبت أسطراً بدم:
أترجو أُمّةٌ قتلت حسيناً |
شفاعة جدّه يوم الحساب |
ففزعوا من ذلك وارتاعوا، ورحلوا من ذلك المنزل) (نفس المهموم: ٤٢٢).
وخولّي، وشبث بن ربعي، وعمر بن سعد(١) ، وضمّ إليهم ألف فارس! وأمرهم بأخذ السبايا والرؤوس إلى يزيد، وأمرهم أن يشهروهم في كلّ بلدة يدخلونها! فساروا على ساحل الفرات، فنزلوا على أول منزل كان خراباً، فوضعوا الرأس الشريف المبارك المكرّم، والسبايا مع الرأس الشريف، وإذا رأوا يداً خرج من الحائط معه (كذا) قلم، يكتب بدم عبيط شعراً:
أترجو أُمّةٌ قتلت حسيناً |
شفاعة جدّه يوم الحساب |
|
فـلا والله لـيس لهم شفيع |
وهم يوم القيامة في العذاب |
|
لقد قتلوا الحسين بحكم جَور |
وخالف أمرُهم حُكمَ الكتاب |
فهربوا، ثمّ رجعوا، ثمّ رحلوا من ذلك المنزل، وإذا هاتف يقول:
ماذا تـقولون إذ قـال الـنبيّ لـكم |
ماذا فـعـلتم وأنـتم آخـر الأُمَـم |
|
بـعِـترتي وبـأهـلي بـعد مُـفتقدي |
مـنهم أُسـارى ومـنهم ضُـرِّجوا بدم |
|
مـا كـان هـذا جزائي إذ نصحت لكم |
أن تخلفوني بسوء في ذوي رحِمي)(٢) |
وروى الخوارزمي، عن إمامٍ لبني سليم، قال: حدّثنا أشياخنا، قالوا: دخلنا في الروم كنسية لهم، فوجدنا في الحائط صخرة، فيها مكتوب:
أترجو أُمّة قتلت حسيناً |
شفاعة جدِّه يوم الحساب |
|
فلا والله ليس لهم شفيع |
وهم يوم القيامة في العذاب |
فقلنا لشيخ في الكنيسة: منذ كم هذا الكتاب؟
فقال: من قبل أن يُبعَث صاحبكم بثلاثمئة عام!!)(٣) .
____________________
(١) في رفْقة خولّي وشبث وعمر بن سعد تأمُّل، خصوصاً عمر بن سعد. (راجع: نفس المهموم: ٣٨٦).
(٢) راجع إحقاق الحقّ: ١١: ٥٦٤، ومُنتخب الطريحي: ٤٨٠.
(٣) مقتل الحسينعليهالسلام / للخوارزمي: ٢: ١٠٦ رقم ٢٩.
وفي (تاريخ الخميس) يقول الديار بكري: (فساروا إلى أن وصلوا إلى دير في الطريق، فنزلوا ليَقيلوا به، فوجدوا مكتوباً على بعض جدرانه:
أترجو أُمّة قتلت حسيناً |
شفاعة جدِّه يوم الحساب |
فسألوا الراهب عن السطر، ومَن كتبه.
فقال: إنّه مكتوب هاهنا من قبل أن يُبعث نبيّكم بخمسمئة عام!)(١) .
قال سبط بن الجوزي في (تذكرة الخواص): (وذكر عبد الملك بن هاشم في كتاب (السيرة) الذي أخبرنا القاضي الأسعد أبو البركات، عبد القويّ بن أبي المعالي بن الحبّار السعدي، في جمادى الأوّل سنة تسع وستّمئة بالديار المصرية قراءةً عليه ونحن نسمع قال: أنبأنا أبو محمّد عبد الله بن رفاعة بن غدير السعدي، في جمادى الأُولى سنة خمس وخمسين وخمسمئة، قال: أنبأنا أبو الحسين عليّ بن الحسين الخلعي، أنبأنا أبو محمد عبد الرحمان بن عمر بن سعيد النحّاس النحيي: أنبأنا أبو محمد عبد الله بن جعفر بن محمد بن رنجويه البغدادي: أنبأنا أبو سعيد عبد الرحيم بن عبد الله البرقي: أنبأنا أبو محمد عبد الملك بن هشام النحوي البصري(٢) ، قال:
____________________
(١) تاريخ الخميس: ٢: ٧٥ و٢٩٩، وانظر: تاريخ مدينة دمشق: ٢٤: ٢٤٣، ومُحاضرة الأبرار ومُسامرة الأخيار: ٢: ٢٢٥، وأخبار الدول للقرماني: ١٠٨ وفيه: (وقيل: إنّ الجدار انشقّ وظهر فيه كفّ مكتوب عليه هذا السطر! ...).
(٢) قال الذهبي: (عبد الملك بن هشام بن أيّوب، العلاّمة النحوي الأخباري، أبو محمد الذهلي السدوسي، وقيل: الحميري، المعافري، البصري، نزيل مصر، وتوفِّي سنة ثمان ومئتين) (سير أعلام النبلاء: ١٠: ٤٢٨ رقم ١٣١).
لما أنفذ ابن زياد رأس الحسينعليهالسلام إلى يزيد بن معاوية مع الأُسارى، موثّقين في الحبال، منهم نساء وصبيان وصبيّات من بنات رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، على أقتاب الجِمال، موثّقين مُكشّفات الوجوه والرؤوس! وكلّما نزلوا منزلاً أخرجوا الرأس من صندوق أعدّوه له، فوضعوه على رمح وحرسوه طول الليل إلى وقت الرحيل، ثمّ يُعيدوه إلى الصندوق ويرحلوا، فنزلوا بعض المنازل، وفي ذلك المنزل دَيْرٌ فيه راهب، فأخرجوا الرأس على عادتهم، ووضعوه على الرمح، وحرسه الحرس على عادته، وأسندوا الرمح إلى الدَيْر.
فلما كان في نصف الليل، رأى الراهب نوراً من مكان الرأس إلى عنان السماء! فأشرف على القوم وقال: مَن أنتم؟
قالوا: نحن أصحاب ابن زياد.
قال: وهذا رأس مَن؟!
قالوا: رأس الحسين بن عليّ بن أبي طالب، ابن فاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله !
قال: نبيّكم؟!
قالوا: نعم!
قال: بِئْسَ القومُ أنتم! لو كان للمسيح ولَد لأسكنّاه أحداقنا!
ثمّ قال: هل لكم في شيء؟
قالوا: وما هو؟
قال: عندي عشرة آلاف دينار، تأخذونها وتُعطوني الرأس يكون عندي تمام الليلة، وإذا رحلتم تأخذونه!
قالوا: وما يضرُّنا؟!
فناولوه الرأس، وناولهم الدنانير، فأخذه الراهب فغسَّله وطيّبه، وتركه على فخذه، وقعد يبكي الليل كلّه! فلما أسفر الصبح قال: يا رأس، لا أملك إلاّ نفسي،
وأنا أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ جدّك محمّداً رسول الله، وأُشهِد الله أنَّني مولاك وعبدك!
ثمّ خرج عن الدَّيْر وما فيه، وصار يخدم أهل البيت!
قال ابن هشام في السيرة: ثمّ إنّهم أخذوا الرأس وساروا، فلما قربوا من دمشق قال بعضهم لبعض: تعالوا حتّى نُقسّم الدنانير لا يراها يزيد فيأخذها منّا!
فأخذوا الأكياس وفتحوها، وإذا الدنانير قد تحوّلت خزَفاً! وعلى أحد جانبي الدينار مكتوب:( وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ) الآية، وعلى الجانب الآخر:( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) فرمَوها في برَدى(١) )(٢) .
أمّا الخوارزمي، فقد روى نظير هذه القصّة، حيث قال: (وروي: أنّ رأس الحسينعليهالسلام لما حُمل إلى الشام، جنّ عليهم الليل فنزلوا عند رجُلٍ من اليهود، فلما شربوا وسكروا قالوا له: عندنا رأس الحسين!
فقال لهم: أروني إيّاه!
فأروه إيّاه بصندوق يسطع منه النور إلى السماء! فعجب اليهودي! واستودعه منهم فأودعوه عنده، فقال اليهودي للرأس - وقد رآه بذلك الحال -: اشفع لي عند جدّك! فأنطق الله الرأس وقال:(إنّما شفاعتي للمحمّديين، ولستَ بمحمّدي!) .
____________________
(١) نهر بدمشق، مخرجه من الزبداني.
(٢) تذكرة الخواص: ٢٣٦ - ٢٣٧ / وقد روى قطب الدين الرواندي (ره) بسند إلى سليمان بن مهران الأعمش هذه القصّة بتفاوت، ولم يذكر مكان وقوعها، وذكر فيها أنّ أمير الركب كان عمر بن سعد! (راجع: الخرائج والجرائح: ٢: ٥٧٧ - ٥٨٠ رقم ٢)، وقد قال الشيخ عباس القمّي (ره): (أقول: الذي يظهر من التواريخ والسيَر، أنّ عمر بن سعد لم يكن مع القوم في سيرهم إلى الشام، فكونه معهم بعيد ...). (نفس المهموم: ٤٢٤).
فجمع اليهودي أقرباءه، ثمّ أخذ الرأس ووضعه في طست، وصبّ عليه ماء الورد، وطرح فيه الكافور والمسك والعنبر، ثمّ قال لأولاده وأقربائه: هذا رأس ابن بنت محمّد!
ثمّ قال: وا لهفاه! لم أجد جدّك محمّداً فأُسلم على يديه! ثمّ وا لهفاه! لم أجدك حيّاً فأُسلم على يديك وأُقاتل دونك! فلو أسلمت الآن أتشفع لي يوم القيامة؟
فأنطق الله الرأس، فقال بلسان فصيح:(إن أسلمت فأنا لك شفيع!) .
قالها ثلاث مرّات، وسكت، فأسلم الرجل وأقرباؤه!
وقال الخوارزمي: لعلّ هذا الرجل اليهودي كان راهب (قنسرين)؛ لأنّه أسلم بسبب رأس الحسينعليهالسلام ، وجاء ذكره في الأشعار، وأورده الجوهري والجرجاني في مراثي الحسين، كما سيرد عليك في موضعه إن شاء الله)(١) .
ونقول: لا مانع من أن تتكرّر قصّة اهتداء راهب يهودي أو نصراني، وتتشابه الواقعة في أكثر من منزل، كما أنّه لا دليل على انحصارها في منزل واحد ومع راهب واحد! مع العلم أنّ الطرق الخارجية التي تمتدّ بين المدن الرئيسة يومذاك كانت تكثر فيها الصوامع والأديرة!
وينقل السيد هاشم البحراني (ره) عن الطريحي (ره) فيقول: (روى الثقاة، عن أبي سعيد الشامي، قال: كنت ذات يوم مع القوم اللئام، الذين حملوا الرؤوس والسبي إلى دمشق، لما وصلوا إلى دير النصارى، فوقع بينهم أنّ نصر الخزاعي قد جمع عسكراً، ويُريد أن يهجم عليهم نصف الليل، ويقتل الأبطال، ويُجدِّل الشجعان، ويأخذ الرؤوس والسبي، فقال رؤساء العسكر من عُظم اضطرابهم: نلجأ الليلة إلى الدَّيْر ونجعله كهفاً لنا؛ لأنّ الدير كان لا يقدر أن يتسلّط عليه العدوّ.
____________________
(١) مقتل الحسينعليهالسلام للخوارزمي: ٢: ١١٥ - ١١٦ رقم ٤٩.
فوقف الشمر وأصحابه على باب الدَّيْر، وصاح بأعلى صوته: يا أهل الدَّيْر!
فجاءهم القسِّيس الكبير، فلما رأى العسكر قال لهم: مَن أنتم؟! وما تُريدون؟!
فقال الشمر: نحن من عسكر عبيد الله بن زياد، ونحن سائرون من العراق إلى الشام.
فقال القسِّيس: لأيّ غرض؟
قال: كان شخص بالعراق قد تباغى، وخرج على يزيد، وجمع العساكر! فعقد يزيد عسكراً عظيماً فقتلوهم، وهذه رؤوسهم، وهؤلاء النساء سباياهم!
قال الراوي: قال: فنظر القسِّيس إلى رأس الحسينعليهالسلام ، وإذا بالنور ساطع منه! والضياء لامع قد لحق بالسماء! فوقع في قلبه هيبة منه.
فقال القسِّيس: دَيرنا ما يسعكم، بل أدخلوا الرؤوس والسبي إلى الدَير، وحيطوا أنتم من خارج، إن دهمكم عدوّ فقاتلوه، ولا تكونوا مُضطربين على السبي والرؤوس.
قال: فاستحسنوا كلام القسِّيس صاحب الدَّيْر، وقالوا: هذا هو الرأي!
فحطّوا رأس الحسين في صندوق، وقُفل عليه، وأدخلوه إلى داخل الدير والنساء وزين العابدينعليهالسلام ، وصاحب الدَّيْر حطّهم في مكان يليق بهم.
قال الراوي: ثمّ إنّ صاحب الدَّيْر أراد أن يرى الرأس الشريف، فجعل ينظر حول البيت الذي فيه الصندوق، وكان له رازونة، فحطّ في تلك الرازونة فرأى البيت يُشرق نوراً! ورأى أنّ سقف البيت قد انشقّ! ونزل السماء تخت عظيم والنور يسطع من جوانبه، وإذا بامرأة أحسن من الحور جالسة على التخت، وإذا بشخصٍ يصيح: أطرقوا ولا تنظروا. وإذا قد خرج من ذلك البيت نساء، فإذا حوّاء، وصفيّة، وزوجة إبراهيم أمّ إسماعيل، وراحيل أمّ يوسف، وأمّ موسى، وآسية، ومريم، ونساء النبيّ.
قال الراوي: فأخرجوا الرأس من الصندوق، وكلّ من تلك النساء واحدة بعد واحدة يُقبِّلن الرأس الشريف، فلما وقعت النوبة لمولاتي فاطمة الزهراءعليهاالسلام غُشي على بصر صاحب الدَّيْر، وعاد لا ينظر بالعين، بل يسمع الكلام، وإذا قائلة تقول:
السلام عليك يا قتيل الأمّ، السلام عليك يا مظلوم الأمّ، السلام عليك يا شهيد الأمّ، السلام عليك يا روح الأمّ، لا يُداخلك همّ وغمّ، فإنّ الله سيُفرِّج عنِّي وعنك ويأخذ لي بثأرك.
قال: فلما سمع الدَّيْرانيّ البكاء من النساء اللاتي نزلن من السماء، اندهش ووقع مغشيّاً عليه، فلما أفاق من ذلك البكاء، وإذا بالشخص نزل إلى البيت وكسر القفل والصندوق، واستخرج الرأس وغسله بالكافور والمسك والزعفران، ووضعه في قبلته، وجعل ينظر إليه ويبكي ويقول: يا رأس رؤوس بني آدم، ويا عظيم، ويا كريم جميع العوالم! أظنّك أنت من الذين مدحهم الله في التوراة والإنجيل، وأنت الذي أعطاك فضل التأويل؛ لأنّ خواتين سادات الدنيا والآخرة يبكين عليك ويندبنك!
أمّا أنا أُريد أن أعرفك باسمك ونعتك!
فنطق الرأس بإذن الله وقال:(أنا المظلوم! أنا المقتول! أنا المهموم! وأنا المغموم! وأنا الذي بسيف العدوان والظلم قُتلت! أنا الذي بحرب أهل الغيِّ ظُلِمت!) .
فقال صاحب الدَّيْر: بالله أيُّها الرأس زدني!
فقال الرأس:(إن كنت تسأل عن حالتي ونسَبي؟ أنا ابن محمّد المصطفى! أنا ابن عليّ المرتضى! أنا ابن فاطمة الزهراء! أنا ابن خديجة الكبرى! وأنا ابن العروة الوثقى!
أنا شهيد كربلاء! أنا مظلوم كربلاء! أنا قتيل كربلاء! أنا عطشان كربلاء! أنا ظمآن كربلاء! أنا مهتوك كربلاء!) .
قال الراوي: فلما سمع صاحب الدَّيْر من رأس الحسينعليهالسلام هذا الكلام جمع تلامذته ومُريديه، وحكى لهم هذه الحكاية، وكانوا سبعين رجلاً، فضجّوا بالبكاء والنحيب، ونادوا بالويل والثبور، ورموا العمائم من رؤوسهم، وشقّوا أزياقهم، وجاءوا إلى سيّدنا ومولانا علي بن الحسين، زين العابدينعليهالسلام ، ثمّ قطعوا الزنّار وكسروا الناقوس! واجتنبوا أفعال اليهود والنصارى، وأسلموا على يديه، وقالوا: يا بن رسول الله! مُرْنا أن نخرج إلى هؤلاء القوم الكفرة ونُقاتلهم، ونجلي صدأ قلوبنا ونأخذ بثأر سيّدنا!
فقال لهم الإمام:(لا تفعلوا ذلك؛ فإنّهم عن قريب ينتقم الله منهم ويأخذهم أخذ عزيز مقتدر) .
فردّوا أصحاب الدَّيْر عن القتال)(١) .
قال السيّد ابن طاووس (ره): (روى ابن لهيعة وغيره حديثاً، أخذنا منه موضع الحاجة، قال: كنت أطوف بالبيت فإذا أنا برجل يقول: اللهمّ، اغفر لي وما أراك فاعلاً!
فقلت له: يا عبد الله، اتَّقِ الله ولا تقل مثل هذا! فإنّ ذنوبك لو كانت مثل قطر الأمطار وورق الأشجار فاستغفرت الله غفرها لك، فإنّه غفور رحيم!
قال: فقال لي: تعال حتّى أُخبرك بقصّتي!
فأتيته، فقال: اعلم أنّا كنّا خمسين نفراً ممّن سار مع رأس الحسينعليهالسلام إلى الشام، فكنّا إذا أمسينا وضعنا الرأس في تابوت، وشربنا الخمر حول التابوت! فشرب أصحابي ليلة حتّى سكروا ولم أشرب معهم، فلما جنّ الليل سمعت رعداً
____________________
(١) مدينة المعاجز: ٤: ١٢٦.
ورأيت برْقاً، فإذا أبواب السماء قد فُتحت! ونزل آدمعليهالسلام ، ونوح، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ونبيّنا محمّد صلّى الله عليه وآله وعليهم أجمعين، ومعهم جبرئيل وخَلْقٌ من الملائكة، فدنا جبرئيل من التابوت، وأخرج الرأس، وضمّه إلى نفسه وقبَّله، ثمّ كذلك فعل الأنبياء كلّهم، وبكى النبيّصلىاللهعليهوآله على رأس الحسينعليهالسلام وعزّاه الأنبياء، وقال له جبرئيلعليهالسلام :(يا محمّد، إنّ الله تبارك وتعالى أمرني أن أُطيعك في أُمّتك، فإن أمرتني زلزلت بهم الأرض، وجعلت عاليها سافلها كما فعلت بقوم لوط!) .
فقال النبيّصلىاللهعليهوآله :(لا يا جبرئيل، فإنّ لهم معي موقفاً بين يدي الله يوم القيامة!) .
ثمّ جاء الملائكة نحونا ليقتلونا، فقلت: الأمان الأمان يا رسول الله!
فقال: اذهب، فلا غفر الله لك!)(١) .
ينقل الطريحي، عن مسلم الجصّاص قوله: (فلما وصلوا إلى تكريت أنفذوا إلى صاحب البلد أن تلقّانا (كذا) فإنّ معنا رأس الحسين وسباياه! فلما أخبرهم الرسول بذلك نُشرت الأعلام، وخرجت الغَلمة يتلقّونهم!
فقالت النصارى: ما هذا؟
فقالوا: رأس الحسين!
فقالوا: هذا رأس ابن بنت نبيّكم!؟
قالوا: نعم.
قال: فعظم ذلك عليهم، وصعدوا إلى بِيَعهم وضربوا النواقيس تعظيماً لله ربّ
____________________
(١) اللهوف: ٢٠٨.
(٢) تكريت: وهي بلدة بين بغداد والموصل، وأقرب إلى بغداد، وتبعد عنها ثلاثين فرسخاً وتقع غربي دجلة. (راجع: مراصد الاطّلاع: ١: ٢٦٨).
العالمين! وقالوا: اللّهم، إنّا إليك بُراء ممّا صنع هؤلاء الظالمون!)(١) .
وقال القندوزي: (فلما وصلوا إلى بلد تكريت نُشرت الأعلام، وخرج الناس بالفرح والسرور! فقالت النصارى للجيش: إنّا بُراء ممّا تصنعون أيّها الظالمون! فإنّكم قتلتم ابن بنت نبيّكم، وجعلتم أهل بيته أُسارى!)(٢) .
لم يُذكر في واحد من الكُتب التاريخية المعتبرة - على مستوى التحقيق - أنّ أهل البيتعليهمالسلام في الطريق من الكوفة إلى الشام قد مرّوا بمدينة الموصل، وقد تجنّب بعض المحققّين والمؤرّخين الخوض في صدد صحّة أو عدم صحّة هذا المدّعى، ومَن ذكرها منهم ذكرها على نحو النقل عمّن ذكرها، فالمرحوم الشيخ عبّاس القمّي - مثلاً - يقول ما هذا نصّه: (وأمّا مشهده بالموصل، فهو كما في روضة الشهداء(٣) ما ملخّصه: أنّ القوم لما أرادوا أن يدخلوا الموصل، أرسلوا إلى عامله أن يُهيِّئ لهم الزاد والعلوفة، وأن يُزيِّن لهم البلدة، فاتّفق أهل الموصل أن يُهيِّئوا لهم ما أرادوا، وأن يستدعوا منهم أن لا يدخلوا، بل ينزلون خارجها، ويسيرون من غير أن
____________________
(١) مُنتخب الطريحي: ٤٨١، وانظر: ناسخ التواريخ: ٣: ١٠٣.
(٢) ينابيع المودّة: ٣٥١.
(٣) راجع: روضة الشهداء: ٣٦٨ / ويُلاحظ المتتبّع أنّ هذا الكتاب، وكتاب قمقام رخّار، وكتاب ينابيع المودّة، وكتاب معالي السبطين، وأمثالها، تأخذ جميعها ما تأخذه من منازل الطريق السلطاني عن كتاب المقتل المنسوب إلى أبي مخنف، وأصل قضيّة المرور بمدينة الموصل هو كتاب المقتل المنسوب إلى أبي مخنف، فراجع ذلك في ص ١٨٣ منه.
يدخلوا فيها(١) ، فنزلوا ظاهر البلد على فرسخ منها، ووضعوا الرأس الشريف على صخرة، فقطرت عليها قطرة دم من الرأس المكرّم، فصارت تشعُّ(٢) ويغلي منها الدم كلّ سنة في يوم عاشوراء! وكان الناس يجتمعون عندها من الأطراف، ويُقيمون مراسم العزاء والمآتم في كلّ عاشوراء، وبقي هذا إلى أيّام عبد الملك بن مروان فأمر بنقل الحجَر، فلم يُرَ بعد ذلك منه أثر، ولكن بنوا على ذلك المقام قبّة سمّوها مشهد النقطة)(٣) .
ويقول الشيخ عبّاس القمّي: (وأمّا السانحة التي وقعت بنصيبين: ففي الكامل للبهائي ما حاصله: أنّهم لما وصلوا إلى نصيبين، أمر منصور بن الياس بتزيين البلدة، فزيّنوها بأكثر من ألف مرآة، فأراد الملعون الذي كان معه رأس الحسينعليهالسلام أن يدخل البلد فلم يُطعه فرَسه! فبدّله بفرَس آخر فلم يُطعه! وهكذا فإذا بالرأس الشريف قد سقط إلى الأرض، فأخذه إبراهيم الموصلي(٥) ، فتأمّل فيه، فوجده رأس الحسينعليهالسلام ، فلامهم ووبّخهم فقتله أهل الشام، ثمّ جعلوا الرأس في خارج البلد ولم يُدخلوه به.
____________________
(١) وعلّة ذلك أنّ أهلها كانوا من مُحبّي أهل البيتعليهمالسلام ، كما في كتابي معالي السبطين: ٢: ٧٧ وناسخ التواريخ: ٣: ١٠٢.
(٢) في معالي السبطين: ٣: ١٠٢ (تنبع) بدلاً من (تشعّ).
(٣) نفس المهموم: ٤٢٦.
(٤) نصيبين: وهي مدينة عامرة من بلاد الجزيرة على جادّة القوافل من الموصل إلى الشام، وفيها وفي قُراها - على ما يُذكر - أربعون ألف بستان، وبينها وبين سنجار تسعة فراسخ، وبينها وبين الموصل ستّة أيّام. (راجع: مُعجم البلدان: ٥: ٢٨٨، ومُعجم ما استُعجِم: ٤: ٥٦٨ و١٣١٠).
(٥) لم نعثر على ترجمة لهذا الرجل القتيل المذكور في هذا الخبر.
قلت: ولعلّ مسقط الرأس الشريف صار مشهداً)(١) .
وفي كتاب الإشارات إلى معرفة الزيارات: (في مدينة نصيبين مشهد النقطة، يُقال: إنّه من دم رأس الحسينعليهالسلام ، وفي سوق النشّابين مشهد الرأس، فإنّه عُلِّق هناك لما عبروا بالسبي إلى الشام!)(٢) .
ويقول الشيخ عباس القمّي (ره): (وأمّا المشهد الذي كان بحماة(٣) : ففي بعض الكتب(٤) ، نقلاً عن بعض أرباب المقاتل أنّه قال: لما سافرت إلى الحجّ فوصلت إلى حماة، رأيت بين بساتينها مسجداً يُسمَّى مسجد الحسينعليهالسلام !
قال: فدخلت المسجد، فرأيت في بعض عمارته ستراً مُسبلاً من جدار، فرفعته ورأيت حجراً منصوباً في جدار، وكان الحجر مؤرَّباً، فيه موضع عنق رأسه أثر فيه، وكان عليه دم مُنجمد! فسألت من بعض خدّام المسجد: ما هذا الحجَر والأثر والدم؟
فقال لي: هذا الحجَر موضع رأس الحسينعليهالسلام ، فوضعه القوم الذين يسيرون به إلى دمشق ...)(٥) .
____________________
(١) نفَس المهموم: ٤٢٦.
(٢) مقتل الحسينعليهالسلام / للمقرّم: ٣٤٦ (الحاشية) نقلاً عن كتاب الإشارات إلى معرفة الزيارات: ص ٦٦ / لأبي الحسن علي بن أبي بكر الهروي المتوفّى سنة ٦١١ هـ ق.
(٣) مدينة كبيرة بينها وبين شيزر نصف يوم، وبينها وبين دمشق خمسة أيّام للقوافل، وبينها وبين حلب أربعة أيّام. (راجع: مُعجم البلدان: ٣: ٣٨٣).
(٤) يعني بذلك: كتاب رياض الأحزان، للمولى حسن القزويني، ص٨٣، الطبعة الحجرية سنة ١٣٠٥هـ.
(٥) نفَس المهموم: ٤٢٦ - ٤٢٧.
يقول المرحوم الشيخ عبّاس القمّي: (وأمّا مشهد الرأس بحمْص فما ظفرت به! كما أنّي لم أظفر بمشهد الرأس من كربلاء إلى عسقلان!
نعم، في جنب الباب الشمالي من صحن مولانا أبي عبد الله الحسينعليهالسلام مسجد يُسمّى مسجد رأس الحسينعليهالسلام ، وفي ظهر الكوفة عند قائم الغري مسجد يُسمّى بمسجد الحنّانة، فيه يُستحب زيارة الحسينعليهالسلام ؛ لأنّ رأسهعليهالسلام وضِع هناك)(١) .
يقول صاحب كتاب نهر الذهب في تاريخ حلب: (وفي سنة إحدى وستّين قُتل الحسينعليهالسلام بكربلاء، واحتزّ رأسه الشريف شمر بن ذي الجوشن، وسار به وبمَن معه من آل الحسين إلى يزيد في دمشق، فمرّ بطريقه على حلب، ونزل به عند الجبل ووضعه على صخرة من صخراته، فقطرت منه قطرة دم بُني على أثرها مشهد عُرف بمشهد النقطة)(٣) .
وقال أيضاً: (قلت: ذُكر أنّ سبب بناء مشهد النقطة؛ هو أنّ رأس الحسين لما وصلوا به إلى هذا الجبل وضعوه على الأرض، فقطرت منه قطرة دم فوق صخرة، بنى الحلبيُّون عليها هذا المشهد، وسُمّي مشهد النقطة، ولعلّ هذه الصخرة نُقلت
____________________
(١) نفَس المهموم: ٤٢٧.
(٢) مدينة عظيمة وتبعد عن الشام (يعني دمشق) تسعة أيام (راجع: مُعجم البلدان: ٢: ٢٨٢ و ٢٨٤)، وقال البغدادي: (مدينة مشهورة بالشام ومن حلب إلى قنسرين يوم، وإلى المعرّة (أي معرّة النعمان) يومان) (مراصد الإطلاع: ١: ٤١٧).
(٣) نهر الذهب في تاريخ حلب: ٣: ٢٤.
من هذا المشهد بعد خرابه إلى محراب مشهد الحسين فبُني عليها ...)(١) .
قال الحموي: (وفي غربيّ البلد في سفح جبل جوشن(٢) قبر المحسن بن الحسين، يزعمون أنّه سقط لما جيء بالسبي من العراق ليُحمل إلى دمشق، أو طفل كان معهم بحلب دُفِن هنالك)(٣) .
وقال أيضاً: (جوشن جبل في غربي حلب، ومنه كان يُحمل النحاس الأحمر وهو معدنه، ويُقال: إنّه بطل منذ عُبر عليه بسبي الحسين بن علي ونساؤه، وكانت زوجة الحسين حاملاً فأسقطت هناك، فطلبت من الصنّاع في ذلك الجبل خبزاً وماء، فشتموها ومنعوها! فدعت عليهم، فمن الآن مَن عمل فيه لا يربح)(٤) .
وقال الغزّي: (وممّا يلحق بهذه المحلّة (أي محلّة الكلامته) مشهد محسن، ومشهد الحسين.
فأمّا مشهد محسن، فيعرف بمشهد الدكّة ومشهد الطرح، وهو غربيّ حلب، سُمّي بهذا المكان؛ لأنّ سيف الدولة بن حمدان كان له دكّة على الجبل المطلّ على موضع المشهد، يجلس عليها لينظر إلى حلبة السباق، فإنّها كانت تُقام بين يديه هناك.
وعن تاريخ ابن أبي طيّ: أنّ مشهد الدكّة ظهر في سنة ٣٥١هـ، وأنّ سبب ظهوره؛ هو أنّ سيف الدولة كان في إحدى مناظره التي بداره خارج المدينة، فرأى
____________________
(١) نهر الذهب في تاريخ حلب: ٣: ٢٤.
(٢) وجوشن: جبل مطلّ على حلب في غربيّها، وسفحه مقابر ومشاهد للشيعة. (مُعجم البلدان: ٢: ١٨٦).
(٣) مُعجم البلدان: ٢: ٢٨٤.
(٤) مُعجم البلدان: ٢: ١٨٦.
نوراً ينزل على مكان المشهد وتكرَّر ذلك، فركب بنفسه إلى ذلك المكان، وحفره فوجد حجراً عليه كتابة: هذا قبر المحسن بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب.
فجمع سيف الدولة العلويّين وسألهم: هل كان للحسين ولد اسمه المحسن؟
فقال بعضهم: ما بلغنا ذلك، وإنّما بلغنا أنّ فاطمة كانت حاملاً فقال لها النبيّصلىاللهعليهوآله :(في بطنك محسن!) . فلما كان يوم البيعة هجموا على بيتها لإخراج عليّ إلى البيعة فأحدجت! ...)(١) .
(وقال بعضهم: إنّ سبي نساء الحسين لما مرّوا بهنّ على هذا المكان طرحت بعض نسائه هذا الولد. فإنّا نروي عن آبائنا: أنّ هذا المكان سُمّي بجوشن؛ لأنّ شمر بن ذي الجوشن نزّل عليه السبي والرؤوس، وكان معدناً يُستخرج منه الصفر، وإنّ أهل المعدن فرحوا بالسبي فدعت عليهم زينب بنت الحسين (هكذا)، ففسد ذلك المعدن.
فقال سيف الدولة: هذا الموضع قد أذِن الله بإعماره، فأنا أُعمّره على اسم أهل البيت ...)(٢) .
وقال السيّد المقرّم (ره): (وبالقرب من حلب مشهد يُعرف بـ (مسقط السقط)، وذلك أنّ حرم الرسولصلىاللهعليهوآله لما وصلوا إلى هذا المكان أسقطت زوجة الحسين سقطاً كان يُسمّى محسناً!)(٣) .
وقال الشيخ عبّاس القمّي (ره): (وإنّي قد تشرّفت بزيارة هذا المشهد الشريف، في مرجعي من زيارة بيت الله الحرام، في سنة ١٣٤٢ هـ، وقد شاهدت عمارة المشهد الشريف، وكان مبنيّة من صخور عظيمة في نهاية الإتقان والاستحكام،
____________________
(١) و (٢) نهر الذهب في تاريخ حلب: ٢: ٢٠٩.
(٣) مقتل الحسينعليهالسلام للمقرّم: ٣٤٦ - ٣٤٧.
ولكنّ الأسف أنّها لأجل المحاربة الواقعة بحلب تهدّمت بنيانها، فهي الآن مخروبة مُنهدمة ساقطة حيطانها على سقوفها، خاوية على عروشها ...)(١) .
قال الشيخ عبّاس القمّي (ره): (وأمّا مشهد الرأس الشريف بعسقلان، ففي بعض الكتب(٢) أنّه مشهور!)(٣) .
قال النطنزي في الخصائص: (لما جاءوا برأس الحسين ونزلوا منزلاً يُقال له: قنسرين، اطّلع راهب من صومعته إلى الرأس، فرأى نوراً ساطعاً يخرج من فيه ويصعد إلى السماء! فأتاهم بعشرة آلاف درهم، وأخذ الرأس وأدخله صومعته، فسمع صوتاً ولم يرَ شخصاً قال: طوبى لك! وطوبى لمن عرف حُرمته!
فرفع الراهب رأسه وقال: يا ربّ، بحقّ عيسى! تأمر هذا الرأس بالتكلّم معي! فتكلّم الرأس وقال:(يا راهب! أيّ شيء تُريد؟) .
قال: مَن أنت؟
قال:(أنا ابن محمّد المصطفى! وأنا ابن عليّ المرتضى! وأنا ابن فاطمة الزهراء! وأنا المقتول بكربلاء! أنا المظلوم! أنا العطشان!) فسكت.
فوضع الراهب وجهه على وجهه، فقال: لا أرفع وجهي عن وجهك حتى
____________________
(١) نفَس المهموم: ٦٧٨.
(٢) عنى بذلك: مشكاة الأدب الناصري، وقال في الحاشية أيضاً: راجع: ناسخ التواريخ: ٣: ١٩٤.
(٣) نفَس المهموم: ٤٢٨.
تقول: أنا شفيعك يوم القيامة!
فتكلّم الرأس وقال:(ارجع إلى دين جدّي محمّد صلىاللهعليهوآله ) .
فقال الراهب: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أنّ محمّداً رسول الله.
فقبل له الشفاعة، فلما أصبحوا أخذوا منه الرأس والدراهم، فلما بلغوا الوادي نظروا الدراهم قد صارت حجارة!)(١) .
وقد ذكر الطريحي قصّة راهب مع الرأس المقدّس أيضاً، تُشبه قصّة راهب قنسرين، لكنّه ذكر أنّ مكان هذه القصّة كان قريباً (نحو ستّة أميال) من بعلبك!(٢).
روى ابن رستم الطبري بسنده، عن سعد بن أبي خيران (طيران)، عن الحارث بن وكيدة قال: (كنت فيمَن حمل رأس الحسين، فسمعته يقرأ سورة الكهف! فجعلت أشكّ في نفسي وأنا أسمع نغمة أبي عبد الله!
فقال لي:(يا بن وكيدة، أما علمت أنّا معشر الأئمّة أحياء عند ربّنا نُرزق!).
فقلت في نفسي: أسرق رأسه!
____________________
(١) مناقب آل أبي طالبعليهمالسلام : ٤: ٦٧ عن كتاب الخصائص للنطنزي، وعنه البحار: ٤٥: ٣٠٣ - ٣٠٤.
(٢) راجع: المنتخب للطريحي: ٤٨١ - ٤٨٢.
(٣) الحارث بن وكيدة: لم نعثر له على ترجمة في الرجال، وقال النمازي: (لم يذكروه، روى سعدان ابن أبي طيران عنه قراءة رأس مولانا الحسين صلوات الله عليه وتكلُّمه). (مُستدركات علم رجال الحديث: ٢: ٢٨٦).
فنادى:(يا بن وكيدة، ليس لك إلى ذاك سبيل، سفكهم دمي أعظم عند الله من تسييرهم رأسي، فذرهم فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يُسحبون!) (١) .
قال السيّد ابن طاووس (ره): (وسار القوم برأس الحسينعليهالسلام والأُسَراء من رجاله، فلما قربوا من دمشق، دنت أمّ كلثوم من شمر وكان من جملتهم.
فقالت له: لي إليك حاجة!
فقال: ما حاجتك؟!
قالت:
إذا دخلت بنا البلد، فاحملنا في درب قليل النُّظَّارة، وتقدّم إليهم أن يُخرجوا هذه الرؤوس من بين المحامل ويُنحّونا عنها، فقد خُزينا من كثرة النظر إلينا ونحن في هذه الحال!
فأمر - في جواب سؤالها - أن يُجعل الرؤوس على الرماح في أوساط المحامل بغياً منه وكفراً!! وسلك بهم بين النظّارة على تلك الصفة حتّى أتى بهم باب دمشق!)(٢) .
____________________
(١) دلائل الإمامة: ١٨٨ رقم ١٠٨ / ١٣.
(٢) اللهوف: ١٥٥ - ١٥٦ وعنه نفس المهموم: ٤٢٩ - ٢٣٠، وانظر: مقتل الحسينعليهالسلام / للمقرّم: ٣٤٧ - ٣٤٨، ومُثير الأحزان: ٥٣.
قال المرحوم الشيخ عبّاس القمّي: (قال الشيخ الكفعمي(١) ، وشيخنا البهائي(٢) ، والمحدّث الكاشاني(٣) : في أوّل صفر أُدخل رأس الحسينعليهالسلام إلى دمشق، وهو عيد عند بني أميّة، وهو يوم تتجدّد فيه الأحزان:
كانت مآتم بالعراق تعدُّها |
أُمويَّة بالشام من أعيادها |
وحُكي أيضاً، عن أبي ريحان في الآثار الباقية(٤) ، أنّه قال: في اليوم الأوّل من صفر أُدخل رأس الحسينعليهالسلام مدينة دمشق ...)(٥) .
____________________
(١) مصباح الكفعمي: ٥١٠.
(٢) توضيح المقاصد / للبهائي: ٤.
(٣) تقويم المحسنين / للفيض الكاشاني: ١٥.
(٤) الآثار الباقية / للبيروني: ٣٣١ / طبع مكتبة المثنّى - بغداد.
(٥) نفَس المهموم: ٤٢٩، وانظر: مقتل الحسينعليهالسلام / للمقرّمُ: ٣٤٨.
فهرس المصادر
١ - إبصار العين في أنصار الحسين عليهالسلام : الشيخ محمد بن طاهر السماوي، ت ١٣٧٠ هـ، تحقيق: محمد جعفر الطبسي (مؤلّف هذا الكتاب)، مركز الدراسات الإسلامية لحرس الثورة الإسلامية، قم.
٢ - الإتحاف بحُبّ الأشراف: عبد الله بن محمد بن عامر الشبراوي، ت ١٢٨٠ هـ، مكتبة الشريف الرضي، قم.
٣ - إثبات الوصية للإمام علي بن أبي طالب عليهالسلام : أبو الحسين، علي بن الحسين بن علي المسعودي الهذلي، ت ٣٤٦هـ، منشورات الشريف الرضي، قم.
٤ - الاحتجاج: أبو منصور، أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي، من علماء القرن السادس، دار الأُسوة للطباعة والنشر، قم ١٤١٦هـ.
٥ - إحقاق الحقّ: القاضي نور الله الحسيني الشهيد سنة ١٠١٩هـ، نشر مكتبة السيد المرعشي، قم.
٦ - الأخبار الطوال: أبو حنيفة، أحمد بن داود الدينوري، ت ٢٨٢هـ، منشورات الشريف الرضي، قم.
٧ - اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي): ت ٣٨٥هـ، نشر مؤسّسة آل البيتعليهمالسلام لإحياء التراث، قم.
٨ - الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد: الشيخ المفيد، أبو عبد الله، محمد بن محمد بن النعمان العكبري، ت ٤١٣هـ، نشر مؤسّسة آل البيتعليهمالسلام لإحياء التراث، قم.
٩ - الاستيعاب في معرفة الأصحاب: أبو عمر، يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البرّ القرطبي، ت ٤٦٣هـ، نشر النهضة، مصر.
١٠ - أُسد الغابة في معرفة الصحابة: عِزّ الدين بن الأثير، أبو الحسن علي بن محمد الجزري، ت ٦٣٠هـ، نشر المكتبة الإسلامية، طهران.
١١ - إسعاف الراغبين في سيرة المصطفى وفضائل أهل بيته الطاهرين: الشيخ محمد الصبّان، المطبوع بهامش نور الأبصار.
١٢ - الإصابة في تمييز الصحابة: أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي (ابن حجر العسقلاني)، ت ٨٢٥هـ، دار الكتاب العربي، ودار إحياء التراث العربي، بيروت.
١٣ - الأصيلي في أنساب الطالبيين: صفيّ الدين محمد بن تاج الدين علي، المعروف بابن الطقطقي الحسني، ت ٧٠٩هـ، نشر مكتبة السيد المرعشي، ١٤١٨هـ.
١٤ - إعلام الورى بأعلام الهُدى: أبو علي، الفضل بن الحسن الطبرسي، ت ٥٤٨ هـ، نشر مؤسّسة آل البيتعليهمالسلام لإحياء التراث، قم.
١٥ - أعيان الشيعة: السيد محسن الأمين العاملي، ت ٣٧٠هـ، دار التعارف، بيروت.
١٦ - الأغاني: أبو الفرج الإصبهاني، ت ٣٥٦هـ، دار الفكر ودار الكتب العلمية، بيروت.
١٧ - الإقبال بالأعمال الحسنة: السيد رضي الدين بن طاووس، ت ٦٦٤هـ، مكتب الإعلام الإسلامي، قم.
١٨ - الأمالي: الشيخ الصدوق، أبو جعفر، محمد بن علي بن الحسين بن بابويه، ت ٣٨١هـ، منشورات الأعلمي للمطبوعات، بيروت.
١٩ - أمالي الشيخ المفيد: محمد بن النعمان، ت ٤١٣هـ، نشر جماعة المدرّسين، قم.
٢٠ - الإمام الحسين عليهالسلام وأصحابه: الشيخ فضل علي القزويني، ت ٢٩٠هـ، مطبعة باقري، قم.
٢١ - أنساب الأشراف: أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري، ت ٢٧٩هـ، دار الفكر، بيروت.
٢٢ - بحار الأنوار: العلاّمة الشيخ محمد باقر المجلسي، ت ١١١٠هـ، مؤسّسة الوفاء، بيروت.
٢٣ - البداية والنهاية في التاريخ: أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي، ت ٧٧٤هـ، دار الكُتب العلمية، ودار الفكر، بيروت.
٢٤ - بشارة المصطفى لشيعة المرتضى: عماد الدين، أبو جعفر، محمد بن أبي القاسم الطبري، من علماء القرن السادس، نشر مؤسّسة النشر الإسلامي، قم، ١٤٢٠هـ.
٢٥ - بغية الطلب في تاريخ حلب: أحمد بن أبي جرادة الحلبي، ت ٦٦٠هـ، مؤسّسة البلاغ، بيروت، ١٤٠٩هـ.
٢٦ - البيان في أخبار صاحب الزمان: محمد بن يوسف بن محمد القرشي الگنجي الشافعي، ت٦٥٨هـ، دار إحياء تراث أهل البيتعليهمالسلام ، طهران.
٢٧ - البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث الشريف: إبراهيم بن محمد بن كمال الدين، الشهير بابن حمزة الحسيني الحنفي الدمشقي، ت١١٢٠هـ، المكتبة العلمية، بيروت.
٢٨ - تاريخ ابن عساكر، ترجمة الإمام الحسين عليهالسلام : تحقيق المحمودي، نشر مجمع إحياء الثقافة الإسلامية، قم.
٢٩ - تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام: شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي، ت٧٤٨هـ، دار الكتاب العربي، بيروت.
٣٠ - تاريخ الخلفاء: جلال الدين السيوطي: ت٩١١هـ، منشورات الشريف الرضي، قم ١٤١١هـ.
٣١ - تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس: حسين بن محمد الديار بكري، ت ٩٦٦هـ، مؤسّسة شعبان، بيروت.
٣٢ - تاريخ الطبري: أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري، ت ٣١٠ هـ، دار الكُتب العلمية، بيروت.
٣٣ - التاريخ الكبير: محمد بن إسماعيل البخاري، ت ٢٥٦هـ، دار الكتب العلمية، بيروت.
٣٤ - تاريخ اليعقوبي: ابن واضح، أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر العباسي اليعقوبي، ت ٢٨٤هـ، دار صادر، بيروت.
٣٥ - تاريخ بغداد: الخطيب أبو بكر البغدادي، ت ٤٦٣هـ، دار الكُتب العلمية، بيروت.
٣٦ - تاريخ خليفة: أبو عمر خليفة بن خياط العصفري، ت ٢٤٠هـ، دار الباز، مكّة المكرّمة.
٣٧ - تاريخ روايات الإسلام: جرجي زيدان، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت.
٣٨ - تاريخ مدينة دمشق: أبو القاسم، علي بن الحسن بن هبة الله الشافعي، المعروف بابن عساكر، ت ٥٧١هـ، دار الفكر، بيروت.
٣٩ - تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة: السيد شرف الدين علي بن الحسين الاسترابادي الغروي، من علماء النصف الثاني من القرن العاشر، نشر مؤسّسة النشر الإسلامي، قم.
٤٠ - التبيين في أنساب القرشيّين: موفّق الدين، أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، ت ٦٢٠هـ، نشر عالم الكتب ومكتبة النهضة العربية، بيروت.
٤١ - التحقيق حول زيارة الأربعين: السيد قاضي الطباطبائي.
٤٢ - تذكرة الخواص: سبط ابن الجوزي، شمس الدين، أبو المظفّر، يوسف بن فرغلي بن عبد الله البغدادي، ت ٦٥٤هـ، نشر مكتبة نينوى الحديثة، طهران.
٤٣ - ترجمة الإمام الحسين عليهالسلام : ومقتله من القسم غير المطبوع من كتاب الطبقات الكبرى لابن سعد: تحقيق عبد العزيز الطباطبائي.
٤٤ - تسلية المجالس وزينة المجالس: محمد بن أبي طالب الحسني الموسوي الكركي، من أعلام القرن العاشر، نشر مؤسّسة المعارف الإسلامية، قم، ١٤١٨هـ.
٤٥ - تسمية مَن قُتِل مع الحسين عليهالسلام : الفضيل بن الزبير بن عمر بن درهم الكوفي الأسدي (من أصحاب الإمامين الباقر والصادقعليهماالسلام )، طُبِع في مجلّة تراثنا، العدد الثاني، السنة الأُولى، سنة ١٤٠٦هـ.
٤٦ - تفسير القمّي: علي بن إبراهيم بن هاشم القمّي، توفّي في القرن الثالث، نشر مكتبة العلاّمة، قم.
٤٧ - تقريب التهذيب: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ت ٨٥٢هـ، دار المعرفة، بيروت.
٤٨ - تنقيح المقال في علم الرجال: الشيخ عبد الله محمد بن حسن بن المولى عبد الله المامقاني النجفي، ت ١٣٥١هـ، طبعة حجرية.
٤٩ - تهذيب التهذيب: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ت ٨٥٢هـ، دار صادر، بيروت.
٥٠ - تهذيب الكمال في أسماء الرجال: أبو الحجّاج، جمال الدين المزّي، ت ٧٤٢هـ، مؤسّسة الرسالة، بيروت، ١٤٠٣هـ.
٥١ - الجرح والتعديل: أبو محمد، عبد الرحمان بن أبي حاتم محمد بن إدريس بن المنذر التميمي الحنظلي الرازي، ت ٣٢٧هـ، دار الكُتب العلمية، بيروت، ١٣٧١ هـ.
٥٢ - جلاء العيون: محمد باقر المجلسي: ت١١١١هـ.
٥٣ - جمهرة أنساب العرب: ابن السائب الكلبي، ت ٢٠٤هـ، تحقيق محمود العظم.
٥٤ - جواهر الكلام: محمد حسن النجفي، ت١٢٦٦هـ، نشر دار الكُتب الإسلامية، طهران.
٥٥ - جواهر المطالب في مناقب الإمام علي بن أبي طالب عليهالسلام : شمس الدين، أبو البركات، محمد بن أحمد الدمشقي الباعوني الشافعي، ت٨٧١هـ، نشر مجمع إحياء الثقافة الإسلامية، قم، ١٤١٥هـ.
٥٦ - الحدائق الوردية: أبو الحسن، حسام الدين، حميد بن أحمد المحلّي، نشر جامع النهرين، صنعاء.
٥٧ - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: أبو نعيم الإصبهاني، ت ٤٣٠هـ، دار الكُتب العربي، بيروت.
٥٨ - حياة الإمام الحسين عليهالسلام : باقر شريف القرشي، دار الكُتب العلمية، قم.
٥٩ - الخرائج والجرائح: قطب الدين، سعيد بن هبة الله الراوندي، ت٥٧٣هـ، نشر مؤسّسة الإمام المهديعليهالسلام ، قم.
٦٠ - الخصائص الكبرى: الحافظ جلال الدين عبد الرحمان بن أبي بكر السيوطي، ت ٩١١ هـ، دار الكتاب العربي، بيروت.
٦١ - الخُطط المقريزية: تقي الدين، أحمد بن علي بن عبد القادر بن محمد، المعروف بالمقريزي، طبع ١٣٢٤هـ، مصر.
٦٢ - الدرّ المنصور في التفسير بالمأثور: جلال الدين السيوطي، ت٩١١هـ، طبع مكتبة السيد النجفي، قم.
٦٣ - دلائل الإمامة: أبو جعفر محمد بن جرير بن أسحم الطبري، من علماء القرن
السابع، المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف.
٦٤ - دلائل النبوة: أبو نعيم الإصبهاني أحمد بن عبدالله، ت ٤٣٠هـ، دار المعرفة، بيروت.
٦٥ - ذخائر العُقبى في منقاب ذوي القُربى: مُحبّ الدين الطبري، ت ٦٩٤هـ، مكتبة القدسي، القاهرة.
٦٦ - ذوب النظار في شرح الثار: جعفر بن محمد بن جعفر بن هبة الله، المعروف بابن نما، من أعلام القرن السابع، مؤسّسة النشر الإسلامي، قم، ١٤١٦هـ.
٦٧ - ربيع الأبرار: أبو القاسم الزمخشري، ت ٥٣٨هـ، نشر الشريف الرضي، قم.
٦٨ - رجال الشيخ: محمد بن الحسن الطوسي، ت ٤٦٠هـ، مؤسّسة النشر الإسلامي، قم.
٦٩ - روضة الواعظين: محمد بن الفتّال النيسابوري، الشهيد سنة ٥٠٨ هـ، منشورات المكتبة الحيدرية، النجف، ١٣٨٦هـ.
٧٠ - زين العابدين عليهالسلام : السيد المقرّم، منشورات الشريف الرضي، قم.
٧١ - سبل الهُدى والسلام: محمد بن يوسف الشامي، ت ٩٤٢ هـ، دار الكُتب العلمية، بيروت، ١٤١٤هـ.
٧٢ - سيد شبّاب أهل الجنّة: حسين محمد يوسف، مكتبة دار الشعب، القاهرة.
٧٣ - سير أعلام النبلاء: شمس الدين، محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، ت ٧٤٨هـ، مؤسّسة الرسالة، بيروت.
٧٤ - شرح الأخبار: القاضي النعمان بن محمد بن منصور، ت ٣٦٥ هـ، مؤسّسة النشر الإسلامي، قم.
٧٥ - شرح النهج البلاغة: ابن أبي الحديد، عبد الحميد بن هبة الله المدائني، ت ٦٥٦هـ، دار إحياء التراث العربي.
٧٦ - الصحاح: إسماعيل بن حمّاد الجوهري، ت ٣٩٣هـ، دار العلم للملايين، بيروت، ١٤٠٧هـ.
٧٧ - الصواعق المحرقة: أحمد بن حجر الهيثمي، ت ٩٧٤هـ، مكتبة القاهرة، ١٣٨٥هـ.
٧٨ - الطبقات الكبرى: أبو عبد الله، محمد بن سعد بن منيع البصري الزهري، ت ٢٣٠هـ، دار صادر بيروت.
٧٩ - الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف: السيد ابن طاووس، ت٦٦٤هـ، مطبعة الخيام، قم.
٨٠ - العمدة: يحيى بن الحسن الأسدي الحلّي، المعروف بابن البطريق، ت ٦٠٠هـ، مؤسّسة النشر الإسلامي، قم.
٨١ - عمدة القاري في شرح صحيح البخاري: بدر الدين الحسيني، ت ٨٥٥هـ، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
٨٢ - عوالم العلوم: الشيخ عبد الله بن نور الله البحراني، من أعلام القرن الثاني عشر، نشر مدرسة الإمام المهديعليهالسلام ، قم.
٨٣ - عيون أخبار الرضا عليهالسلام : الشيخ الصدوق أبو جعفر، محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي، ت ٣٨١هـ، انتشارات جهان، طهران.
٨٤ - علل الشرائع: الشيخ أبو جعفر الصدوق، ت٣٨١هـ، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
٨٥ - عيون الأخبار: أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، ت٢٧٦هـ، دار الكُتب العلمية، بيروت.
٨٦ - الغدير في الكتاب والسنّة: عبد الحسين الأميني، ت١٣٩٠هـ، دار الكتاب العربي، بيروت.
٨٧ - الفتوح: أبو محمد أحمد بن أعثم الكوفي، توفّي نحو ٣١٤هـ، دار الندوة الجديدة، بيروت.
٨٨ - فردوس الأخبار: أبو شجاع شيرويه بن شهردار بن شيرويه الديلمي الهمداني، ت ٥٠٩هـ، دار الكتب العلمية، بيروت.
٨٩ - الفصول المهمّة في معرفة الأئمة عليهمالسلام : ابن الصبّاغ المالكي، ت٨٥٥ هـ، منشورات الأعلمي، طهران.
٩٠ - قمقام زخّار: فرهاد ميرزا، ت ١٣٠٥هـ.
٩١ - قوت القلوب: أبو طالب المكّي، ت ٣٨٦هـ، دار الفكر، بيروت.
٩٢ - الكافي: ثقة الإسلام، أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني، ت ٣٢٩هـ، دار الأضواء، بيروت.
٩٣ - الكامل البهائي: عماد الدين الطبري، توفّي في القرن السابع، نشر المكتبة المرتضوية، طهران.
٩٤ - كامل الزيارات: أبو القاسم، جعفر بن محمد بن جعفر بن موسى بن قولويه القمّي، ت ٣٦٨هـ، نشر مكتبة الصدوق، طهران.
٩٥ - الكامل في التاريخ: أبو الحسن، عِزّ الدين علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني، المعروف بابن الأثير الجزري، ت ٦٣٠هـ، دار الكتاب العربي، بيروت.
٩٦ - كتاب الثقات: محمد بن حبّان بن أحمد أبي حاتم التميمي السبتي، ت ٣٥٤هـ، دار الفكر، بيروت.
٩٧ - كتاب الزكاة: الشيخ مرتضى الأنصاري، ت ١٢٨١هـ، إعداد: لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم، قم، ١٤١٥هـ.
٩٨ - كشف الغمّة في معرفة الأئمة عليهمالسلام : علي بن عيسى الأربلي، ت ٦٩٢هـ، دار
الكتاب الإسلامي، بيروت.
٩٩ - الكشف والبيان: الثعلبي، دار إحياء التراث العربي.
١٠٠ - كنزل العمّال في سنن الأقوال والأفعال: علاء الدين، علي المتّقي بن حسام الدين الهندي، ت ٩٧٥هـ، مؤسّسة الرسالة، بيروت.
١٠١ - الكُنى والألقاب: الشيخ عباس القمّي، ت ١٣٥٩هـ، نشر مكتبة الصدر، طهران.
١٠٢ - لسان العرب: أبو الفضل، جمال الدين محمد بن مكرم، ابن منظور، ت ٧١١هـ، نشر أدب الحوزة، قم، ١٤٠٥هـ.
١٠٣ - اللهوف (الملهوف) على قتلى الطفوف: رضي الدين، أبو القاسم علي بن موسى بن جعفر بن طاووس، ت ٦٦٤هـ، دار الأسوة، قم.
١٠٤ - اللؤلو والمرجان: ميران حسين النوري، ت ١٣٢٠هـ.
١٠٥ - مُثير الأحزان: الشيخ نجم الدين، جعفر بن محمد بن هبة الله، ابن نما الحلّي، ت ٨٤١هـ، نشر مدرسة الإمام المهديعليهالسلام ، قم.
١٠٦ - المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة: السيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي، نشر مؤسّسة المعارف الإسلامية، قم.
١٠٧ - مجمع البيان في تفسير القرآن: أبو علي، الفضل بن الحسن الطبرسي، ت ٥٤٨هـ، دار إحياء التراث العربي.
١٠٨ - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: نور الدين، علي بن أبي بكر الهيثمي، ت ٨٠٧هـ، دار الكتاب العربي، بيروت.
١٠٩ - مُختصر تاريخ دمشق: محمد بن مكرم، المعروف بابن منظور، ت ٧١١هـ، دار الفكر، بيروت.
١١٠ - مدينة الحسين: محمد باقر مدرّسي.
١١١ - مدينة المعاجز: السيد هاشم بن سليمان بن إسماعيل الحسيني البحراني التوبلي، ت ١١٠٧هـ، مؤسّسة المعارف الإسلامية، قم.
١١٢ - مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع: صفي الدين عبد المؤمن بن عبد الحق البغدادي، ت ٧٢٩هـ، دار المعرفة، بيروت.
١١٣ - مرآة الجِنان وعبرة اليقظان: أبو محمد اليافعي المكّي ت ٧٦٨ هـ، مؤسّسة الأعلمي، بيروت.
١١٤ - مرآة الزمان في تاريخ الأعيان: شمس الدين أبو المظفّر، يوسف بن قزاغلي، المعروف بسبط ابن الجوزي، ت ٦٥٤هـ، طبع أنقرة.
١١٥ - مرآة العقول: محمد باقر المجلسي، ت ١١١٠هـ، دار الكُتب الإسلامية، طهران.
١١٦ - دار السلام: ميرزا حسين النوري، ت ١٣٢٠هـ.
١١٧ - مروج الذهب ومعادن الجوهر: علي بن الحسين المسعودي، ت ٢٤٦هـ، نشر دار المعرفة، بيروت.
١١٨ - المزار: الشيخ المفيد، أبو عبد الله، محمد بن محمد بن النعمان العكبري، ت ٤١٣هـ، ضمن مجموعة مؤلّفات الشيخ المفيد، نشر المؤتمر العالمي لألفيّة المفيد، قم.
١١٩ - مُستدركات علم رجال الحديث: الشيخ علي النمازي الشاهرودي، ت ١٤٠٥هـ، مطبعة الشفق، طهران.
١٢٠ - المستدرك على الصحيحين: أبو عبد الله، محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري، ت ٤٠٥هـ، دار المعرفة، بيروت.
١٢١ - مسند الإمام الشهيد أبي عبد الله الحسين عليهالسلام : الشيخ عزيز الله العطاردي، نشر عطارد.
١٢٢ - مطالب السؤول في مناقب آل الرسول: كمال الدين محمد بن طلحة بن محمد القرشي الشافعي، ت ٦٥٢هـ، دار الكُتب التجارية، النجف.
١٢٣ - المعارف: أبو محمد، عبد الله بن مسلم، المعروف بابن قتيبة الدينوري، ت ٢٧٦هـ، نشر مكتبة الشريف الرضي، ١٤١٥هـ.
١٢٤ - معالي السبطين في أحوال الحسن والحسين عليهماالسلام : محمد مهدي الحائري المازندراني، منشورات الشريف الرضي، قم.
١٢٥ - معاني الأخبار: الشيخ الصدوق، أبو جعفر، محمد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّي، ت ٢٨١هـ، منشورات جماعة المدرّسين في الحوزة العلمية، قم.
١٢٦ - مُعجم أحاديث الإمام المهدي عليهالسلام : جمع من المؤلّفين، منهم مؤلّف هذا الكتاب، نشر مؤسّسة المعارف الإسلامية، قم.
١٢٧ - مُعجم البلدان: شهاب الدين، أبو عبد الله، ياقوت بن عبد الله الحموي الرومي البغدادي، ت ٦٢٦هـ، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
١٢٨ - المعجم الكبير: سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني، ت ٣٦٠هـ، الدار العربية للطباعة، بغداد.
١٢٩ - مُعجم رجال الحديث: السيد أبو القاسم الخوئي، منشورات مدينة العلم، قم.
١٣٠ - مُعجم ما استُعجم: عبد الله البكري الأندلسي، ت ٤٨٢هـ، نشر عالم الكُتب، بيروت.
١٣١ - مقاتل الطالبيّين: أبو الفرج، علي بن الحسين بن محمد الإصفهاني، ت ٣٥٦هـ، مكتبة الشريف الرضي، قم.
١٣٢ - مقتل الحسين عليهالسلام : الخوارزمي، أبو المؤيّد، الموفّق بن أحمد المكّي، أخطب خوارزم، ت ٥٦٨هـ، دار أنوار الهدى، قم.
١٣٣ - مقتل الحسين عليهالسلام : السيد عبد الرزّاق الموسوي المقرّم، ت ١٣٩١هـ، انتشارات
الرضي، قم.
١٣٤ - مقتل الحسين عليهالسلام : المنسوب لأبي مخنف، نشر منشورات الشريف الرضي، قم.
١٣٥ - مناقب آل أبي طالب عليهالسلام : أبو جعفر، رشيد الدين، محمد بن علي بن شهر آشوب السروي المازندراني، ت ٥٨٨هـ، مؤسّسة العلاّمة، قم.
١٣٦ - المنتخب: فخر الدين الطريحي، ت ١٠٨٥هـ، نشر مكتبة أرومية، قم.
١٣٧ - المنتظم في تاريخ الأُمم والملوك: أبو الفرج عبد الرحمان بن علي الجوزي، ت ٥٩٧هـ، دار الكُتب العلمية، بيروت، ١٤١٢هـ.
١٣٨ - المواهب اللدنية بالمنح المحمدية: الشيخ أحمد بن محمد القسطلاني، ت ٩٢٣هـ، دار الكُتب العلمية، بيروت، ١٤١٦هـ.
١٣٩ - موسوعة آل النبي عليه الصلاة والسلام: الدكتورة بنت الشاطي.
١٤٠ - ميزان الاعتدال في نقد الرجال: عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، ت ٧٤٨هـ، مصر.
١٤١ - النسب: أبو عبيد القاسم بن سلام، ت ١٥٤هـ، دار الفكر بيروت، ١٤١٠هـ.
١٤٢ - نسب قريش: مصعب بن عبد الله الزبيري، ت ٢٣٦هـ، طبع مصر، سنة ١٩٥٣هـ، ودار المعارف بيروت.
١٤٣ - وقعة صِفِّين: نصر بن مزاحم المنقري، ت ٢٠٤هـ، نشر مكتبة السيد المرعشي النجفي، قم.
١٤٤ - نظم درر السمطين: جمال الدين الزرندي الحنفي، ت ٧٥٠هـ، نشر مكتبة نينوى الحديثة، طهران.
١٤٥ - نفَس المهموم: الشيخ عباس القمّي، ت ١٣٥٩هـ، منشورات مكتبة بصيرتي، قم، ١٤٠٥هـ.
١٤٦ - نور العين في مشهد الحسين عليهالسلام : أبو إسحاق الأسواني، نشر مكتبة ومطبعة البابي الحلبي وأولاده، مصر، ١٣٧٤هـ.
١٤٧ - نهر الذهب في تاريخ حلب: كامل البالي الحلبي، الشهير بالغزّي، دار القلم العربي، بيروت.
١٤٨ - وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة: محمد بن الحسين الحرّ العاملي، ت ١١٠٤هـ، تحقيق: مؤسّسة آل البيتعليهمالسلام لإحياء التراث، قم.
١٤٩ - وفيات الأعيان: أحمد بن محمد بن خلكان، ت ٦٨١هـ، دار صادر، بيروت.
١٥٠ - ينابيع المودّة: سليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي، ت ١٢٩٤هـ، منشورات مكتبة بصيرتي، قم.
الفهرس
مُقدِّمة مركز الدراسات الإسلاميّة ٥
مُقدِّمة المؤلّف: (الدور التبليغي المتمِّم للنهضة المقدَّسة) ٧
دَور نسوة بني هاشم: ٩
مواصلة الرسالة التبليغية في دمشق: ١٠
الإمام السجّاد ودَوره في كربلاء: ١٢
الإمام السجّاد في مجلس الطاغية ابن زياد: ١٣
الإمام السجاد في الشام: ١٤
وهذا الكتاب ١٦
المقصد الأوّل
الفصل الأول
الفصل الأوّل: تجلّيات الغضب الإلهي لمقتل سيّد الشهداء عليهالسلام ١٩
الآيات السماوية: ٢٠
١ - صرخة جبرئيل عليهالسلام: ٢١
٢ - كسوف الشمس: ٢٢
٣ - اسوداد السماء: ٢٣
٤ - إحمرار السماء: ٢٣
٥ - بكاء السماء: ٢٥
معنى بكاء السماء: ٢٦
إشارة: ٢٧
٦ - إمطار السماء دماً: ٢٩
٧ - وأَمطرت السماء رماداً أيضاً! ٣٠
٨ - بكاء الملائكة وصلاتهم على الإمام الحسين عليهالسلام: ٣١
٩ - عجيج السماوات والأرض والملائكة لمقتله عليهالسلام: ٣٢
الآيات الأرضيّة: ٣٢
إشارة: ٣٥
نَوْحُ الجِنّ: ٣٧
الطيور: ٣٨
تحوُّل الورس رماداً! وامتلاء اللحم ناراً ومرارة! ٤٠
آثار الحُزن في العوسجة المباركة! ٤١
الفصل الثاني
الفصل الثاني: الوقائع المتأخّرة عن قتله عليهالسلام.... ٤٥
صورٌ من عواقب قتَلتِه وأعدائه عليهالسلام: ٤٥
مَصير عبيد الله بن زياد لعنه الله: ٤٥
مَصير عمَر بن سعد لعنه الله: ٤٧
مَصير شمر بن ذي الجوشن لعنه الله: ٤٨
مَصير سنان بن أنس لعنه الله: ٤٩
مصير خولِّي بن يزيد الأصبحي لعنه الله: ٥٠
مَصير حكيم بن الطُّفيل السنبسي لعنه الله: ٥٠
مَصير حرملة بن كاهل لعنه الله: ٥٠
مَصير بَجْدل بن سليم لعنه الله: ٥١
مَصير الذين وطأوا جسد الإمام عليهالسلام بالخيل: ٥١
مَصير عمرو بن صبيح الصيداوي لعنه الله: ٥١
مَصير زيد بن رقاد الجهني لعنه الله: ٥٢
مصير أبجر بن كعب لعنه الله: ٥٢
مَصير أحد سالبي الإمام عليهالسلام: ٥٣
نَهب المخيَّم الحسيني: ٥٥
محاولة قتل الإمام زين العابدين عليهالسلام! ٦٠
إشارة: ٦٢
ثمّ أُحرقت الخيام! ٦٤
جائزة سنان بن أنس: ٦٥
رؤوس الشهداء: ٦٦
الأجساد الطاهرة: ٦٧
الساعات الأخيرة من يوم عاشوراء: ٧٠
الليلة الحادية عشرة: ٧٠
هاتف من الجنّ ينعى الإمام عليهالسلام ليلة الحادي عشر: ٧١
اليوم الحادي عشر من المحرّم: ٧٣
كيف حمَل ابن سعد بقيّة الركب الحسينيّ إلى الكوفة؟! ٧٣
مرور الركب الحسينيّ على مصارع الشهداء عليهالسلام: ٧٤
القبائل تتنافس على حَمْل الرؤوس إلى ابن زياد: ٧٦
إشارة: ٧٩
المقصد الثاني
الفصل الأول
الفصل الأول: « الرَّكْب الحسينيّ في الكوفة ». ٨٣
الرأس المقدّس يسبق الركْب إلى الكوفة: ٨٣
منازل الطريق من كربلاء إلى الكوفة ٨٦
بقيّة الركب الحسينيّ: ٨٧
متى دخل الركب الحسينيّ الكوفة؟ ٩٠
إعلان حالة الطوارئ القصوى في الكوفة! ٩١
كيف استقبلت الكوفة بقيّة الركب الحسينيّ؟! ٩٢
مسلم الجصّاص يصف حال الكوفة يومذاك! ٩٤
إشارة: ٩٧
خُطبة بطلة كربلاء عليهاالسلام: ٩٨
خُطبة فاطمة الصُّغرى بنت الحسين عليهالسلام: ١٠١
خطبة أمّ كلثوم بنت عليّ عليهالسلام: ١٠٥
خُطبة الإمام السجّاد عليهالسلام: ١٠٦
إشارة (١): ١٠٧
الإشارة (٢): ١٠٨
هل كانت لفاطمة عليهاالسلام بنتٌ واحدة أم أكثر؟ ١٠٨
حكاية اختطاف الإمام السجّاد!! ١١١
إشارة: ١١٢
الطواف برأس الإمام عليهالسلام في سكك الكوفة!! ١١٤
كلام المرحوم السيّد المقرّم حول تكلُّم الرأس: ١١٦
ما هو السرّ في تلاوته هذه الآية من سورة الكهف؟ ١١٧
في مجلس الطاغية ابن زياد: ١١٩
الرأس المقدّس يتلو القرآن عند باب دار الإمارة! ١١٩
وسالت دماً حيطان دار الإمارة! ١١٩
ابن زياد يضرب ثنايا الرأس المقدَّس بالقضيب!! ١١٩
وأنس بن مالك أيضاً! ١٢١
إشارة: ١٢١
وكان للكاهن دَور المستشار هناك أيضاً! ١٢٣
العقيلة زينب في مواجهة ابن زياد! ١٢٤
الإمام السجّاد عليهالسلام في مواجهة ابن زياد! ١٢٦
الرباب زوج الإمام عليهالسلام مع رأسه المقدّس: ١٢٨
أمّ كلثوم عليهاالسلام في مواجهة ابن زياد! ١٢٩
إشارات: ١٣٠
١ - الشجاعة العُليا التي يتمتّع بها أهل البيت عليهمالسلام: ١٣٠
٢ - العرفان والفداء في ذروته عند مولاتنا زينب عليهاالسلام: ١٣٠
٣ - قربان الله وقتيله في كربلاء هو ريحانة رسول الله صلىاللهعليهوآله: ١٣١
٤ - تفنيد المنطق الجبري الذي أشاعه الأُمويُّون: ١٣١
٥ - الطغيان والتشفّي من علائم الطواغيت دائماً: ١٣٣
وينتفض رجل من بكر بن وائل في وجه ابن زياد! ١٣٤
ابن زياد يستفزّ الصحابي أبا برزة الأسلمي! ١٣٤
الركب الحسينيّ في محبس ابن زياد: ١٣٥
إشارة: ١٣٧
دفن الإمام وبقيّة الشهداء عليهمالسلام: ١٣٩
ولكن هل يمكن الأخذ بهذا الرأي؟! ١٤١
خبر سليمان بن قتّة: ١٤٩
ابن زياد يطلب مَن يُقَوِّرُ الرأس المقدّس! ١٥١
أوّل رأس حُمل في الإسلام! ١٥٢
انتفاضة عبد الله بن عفيف الأزدي رضياللهعنه! ١٥٣
ابن زياد يُحاول استعادة الموادعة مع الأزد ١٥٩
ابن زياد يُطالب ابن سعد بكتاب الأمر بقتْل الإمام عليهالسلام! ١٦١
المختار يتصدّى لابن زياد في المسجد الأعظم! ١٦٢
إشارة: ١٦٥
مقتل ولَدَي مسلم بن عقيل عليهماالسلام: ١٦٦
المقصد الثاني
الفصل الثاني
الفصل الثاني: « مع الركب الحسينيّ من الكوفة إلى الشام » ١٧٧
مدّة بقاء الركب الحسينيّ في الكوفة: ١٧٧
كيف حُمل بقيّة أهل البيت عليهمالسلام إلى يزيد؟! ١٧٩
هل كانت الرؤوس المقدّسة مع الركْب الحسينيّ؟ ١٨٢
منازل الطريق من الكوفة إلى دمشق: ١٨٥
١ - الطريق السلطاني: ١٨٥
٢ - الطريق المستقيم (طريق عرب عقيل): ١٨٦
جُملة من وقائع الطريق إلى الشام: ١٨٨
١ - خروج يدٍ من الحائط تكتب بمدادٍ من الدم! ١٨٨
٢ - قصّة الراهب مع الرأس المقدّس! ١٩١
٣ - الأنبياء والملائكة يزورون الرأس المقدّس. ١٩٧
٤ - تكريت تستقبل الركب بالفرح!! ١٩٨
المشاهد المقدّسة في منازل الطريق: ١٩٩
١ - مشهد النقطة في الموصل! ١٩٩
٢ - مشهد النقطة في نصيبين: ٢٠٠
٣ - مشهد النقطة في حماة! ٢٠١
٤ - هل هناك مشهد للرأس المقدّس بحمْص؟ ٢٠٢
٥ - مشهد النقطة في حلَب! ٢٠٢
٦ - مشهد السقط في حلَب! ٢٠٣
٧ - مشهد الرأس المقدّس في عسقلان!! ٢٠٥
ولنَعُدِ الآن إلى قنسرين وقصّة راهبها! ٢٠٥
تكلُّم الرأس المقدّس مع الحارث بن وكيدة: ٢٠٦
وعلى مقربة من دمشق! ٢٠٧
اليوم الذي ورد فيه الركب الحسينيّ دمشق: ٢٠٨
فهرس المصادر ٢٠٩