مع الركب الحسيني من المدينة إلى المدينة- الجزء 6
التجميع الإمام الحسين عليه السلام
الکاتب محمد أمين الأميني
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404



مُقدِّمة مركز الدراسات الإسلامية

التابع لممثلية الولي الفقيه في حرس الثورة الإسلامية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي جعل الحمد مفتاحاً لذكره، ودليلاً على نعمه وآلائه، والصلاة والسلام على أشرف الخلائق محمد وآله الطيّبين الطاهرين.

وبعد: فهذا هو الجزء السادس والأخير من موسوعتنا التاريخية (مع الركب الحسيني من المدينة إلى المدينة)، ويدور هذا الجزء حول المقاطع الأخيرة من هذه الدراسة، وهي:

١ - الركب الحسيني في الشام.

٢ - عودة الركب الطاهر إلى كربلاء.

٣ - رجوع أهل البيت إلى المدينة.

إذن؛ هذا الجزء يتناول مرحلة ما بعد استشهاد الإمام الحسينعليه‌السلام وأصحابه؛ ومن ثَمّ فهو يُعنى أيضاً بمعرفة نتيجة هذه المسيرة التي سارها هذا الركب الطاهر، ومَن هو المنتصر حقّاً؛ لذلك أفرد المؤلّف الفاضل فصلاً مُستقلاً تحت عنوان (المظلوم ينتصر)، بيّن فيه كيف أنّ نتيجة هذا الصراع الدامي كانت لصالح الحسين المظلومعليه‌السلام ، وأنّ نقطة انقلاب المعادلة بدأت بمُجرّد وصول الأُسارى من آل بيت الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى الشام وقصر يزيد؛ ومن هنا استحقّت أن يطلق عليها اسم (المسيرة المظفّرة).


ولما كانت الشام مركز الحُكم الذي أمر بارتكاب هذه الجريمة النكراء، وبقي آل الرسول فيها مدّة شهدوا خلالها حوادث ووقائع، وألقوا هم فيها - بدورهم - خطباً بقيت تُدوِّي في آذان الدهر، وأدّوا أدواراً...

رأى المؤلّف الفاضل إعطاء صورة عن الشام ووضعها قبل ورود أهل البيت، وكذلك عن حكّامها - ويزيد بالخصوص ومسؤوليّته في الموضوع - ليكون الباحث على معرفة بخلفية القضايا التي يتناولها الكتاب.

وهكذا تمّ في هذا الجزء ربط الختام بالمطلع، كما يُقال.

ونحمد الله تعالى على أن وفّقنا في المبدأ والمآل.

بيد أنّ النقطة التي نرى من واجبنا الإشارة إليها، هي أنّ المؤلّف الفاضل سعى لأن يكون كتابه جامعاً في تناوله لمواضيعه، فالتقط كلّ ما له علاقة بأبحاث الكتاب، ونحن لا يسعنا في هذا المقام إلاّ أن نتقدّم بالشكر الجزيل إلى سماحة المؤلّف المحترم الشيخ الأميني - حفظه الله - وكلّ الإخوة الذين آزرونا في مراجعة وتنظيم هذا البحث القيِّم والأجزاء الأُخرى من هذا الكتاب، ونسأل الله أن يتقبّل منّا جميعاً، وأن يوفّقنا لما فيه رضاه، إنّه خير ناصر ومُعين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

مركز الدراسات الإسلامية          

التابع لممثلية الولي الفقيه في حرس الثورة الإسلامية


مُقدِّمة المؤلّف

المسيرة المظفّرة في فصلها الأخير



مقدمة المؤلف

المسيرة المظفّرة في فصلها الأخير

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين.

إنّها مسيرة مُظفّرة، تحمل رسالة خالدة، إلى أُناس تعرَّفوا على الدِّين من طريق حكّامهم الطواغيت، آخذين بأقوالهم، مُمتثلين أوامرهم، تاركين نواهيهم، مُعتقدين أنّهم خلفاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، زاعمين أنّ كلّ صوت يُرفع بوجههم لابدّ أن يُخمد، وكلّ مَن يقف أمامهم لابدّ أن يُقتل، يحسبون أنّ كلّ حركة تتحرّك نحو إيقاظ شعور الأمّة فتنة، وقادتها أرباب الفتنة! والفتنة لابدّ أن تُخمد! وكلّ مَنْ يُعارض السلطة الحاكمة خارجيٌّ، لابدّ أن يُقطع رأسه ويُدار به بالبلدان! ويُصلب في قلب العاصمة، ويُسبى أهله ويُطاف بهم البلاد؛ لكي يتعلّم الجميع أنّه ليس لديهم إلاّ الصمت والالتزام بما يراه الخليفة المتغلِّب على الحُكم مهما كان، وبلغ ما بلغ!

وإلى أُناس تعرّفوا على إسلام أُمويّ في ظلّ حُكمٍ دمويّ! ولم يعرفوا أيّ حقّ لآل بيت نبيّهمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، بل لم يعرفوا مَن هو المقتول! ومَن أبوه وجدّه! فكيف يدرون لماذا قُتل! وما الذي دعاه لهذه النهضة الدامية؟


أجل، إنّهم لم يكونوا يعلمون إلاّ كلمة واحدة تعلّموها من وعّاظ سلاطينهم - أصحاب الزمرة المتسلّطة الجائرة الفاسدة - وهي أنّ هؤلاء القتلى خرجوا على أمير المؤمنين يزيد!

لهذه المسيرة رسالتان؛ الأُولى إلى شعب ضائع جاهل بالواقع، قد تربَّى على نهج بني أُميّة، وأُخرى إلى عامّة الأمّة الإسلامية الكبرى، الزاعمة أنّ الحُكم لمن غلب!

وتهدف الرسالتان لبثّ الروح في ضمير هؤلاء الناس، وإحيائهم بعد أن ماتوا معنويّاً، وإيقاظهم من رقدتهم، واستنهاضهم للوقوف بوجه كلّ حاكم جابر وصل بالغلبة إلى السلطة، فاقد لشرائط الحُكم والإمامة، وذاك - لعَمْرِي - هو الإصلاح في أمّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كما صرّح به سيّد الشهداء وقائد الأحرار الإمام الحسين بن عليّعليهما‌السلام في مقولته الشهيرة:(... وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي صلى‌الله‌عليه‌وآله ... ) (١) .

وهذا المهمّ تبنّته هذه المسيرة، وعلى رأسها ابن قائد النهضة، الإمام عليّ بن الحسين زين العابدينعليه‌السلام ، وأُخته العقيلة زينب الكبرى بنت الإمام أمير المؤمنينعليهما‌السلام ، وقد نهضا بها على أحسن وجه وفوق ما يُتصوَّر، حتّى انقلبت المعادلة والركب ما زال في قلب العاصمة، ولم يكن ليزيد اللعين بُدٌّ إلاّ البكاء تصنّعاً، والتظاهر بلعن ابن مرجانة والبراءة منه، وإبراز تأسُّفه على ما جرى! وإعادة بقيّة عترة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى المدينة المنوّرة؛ إبقاءً على حكمه وخوفاً على زوال سلطته، وهذا ما سنتوفّر عليه خلال قراءتنا لهذه القطعة من تاريخ النهضة الحسينيّة المباركة، إن شاء الله. والسلام.

محمّد أمين الأمينيّ ( پور أميني )

____________________

(١) بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار، العلاّمة المجلسي ٤٤/ ٣٢٩.


المدخل

الشام وحكَّامها الأُمويّون


التعرُّف على الشام من الجهات الجغرافية، والطبيعيّة، والاجتماعية، والتأريخية، ومعرفة حُكّامها في تلك الفترة - أي بني أُميّة - وطبيعة حكمهم، وجذور علاقتهم بالشام، ولا سيّما حاكمها آنذاك يزيد بن معاوية... يُعطينا آفاقاً جديدة ورؤىً واضحة، لمعرفة جذور ما يواجهنا حينما نقرأ هذا المقطع من التاريخ، إذاً من الأجدر أن نتوقّف عند هذه المحطّة قبل متابعة مسيرة الركب الطاهر.


المدخل

الشام وحُكّامها الأُمويّون

التعريف بالشام:

الشام اسم يتناول عامّة الأقاليم الداخلة اليوم في سورية ولبنان وفلسطين. وللّغويّين والجغرافيّين في سبب تسميته شاماً آراء مختلفة، فقيل: سُمّي بسام بن نوح؛ لأنّه نزل به واسمه بالسريانيّة شام بشين مُعجمة. وقيل: لأنّ أرضه مُختلفة الألوان بالحمرة والسواد والبياض؛ فسُمّي شاماً لذلك كما يُسمَّى الخال في بدن الإنسان شامة. وقيل: سُمّي شاماً؛ لأنّه عن شمال الكعبة، والشام لغة في الشمال(١) .

وهو قطرٌ تأخذ فيه الفصول الأربعة حُكمها، وتتمّ في قيعانه وجباله أسباب النعيم، معتدل الأهوية، مُتهاطل الأمطار والثلوج، مُمرع التربة، فيه الغابات والمعادن، والحمّامات المعدنية والأنهار الجارية، والبحيرات النافعة والأجواء البهيجة، والرباع المنبسطة والمناظر المدهشة، فيه تنبت الحبوب والبقول، والأشجار على اختلاف أنواعها(٢) .

من خواصّ الشام:

قيل: إنّ من خواصّها الطاءات الثلاث: الطعن، والطاعة، والطاعون.

أمّا الطعن فمشهور أنّ أجنادها شجعان، وأمّا الطاعة فما يُضرب به المثل، حتّى قيل: إنّما تمشّى الأمر لمعاوية لأنّه كان في أطوع جند، وكان عليّعليه‌السلام في أعصى جند وهم أهل العراق، وأمّا الطاعون فكثير الحدوث فيها...(٣) .

____________________

(١) خُطط الشام، محمد كرد علي ١/ ٧.

(٢) خُطط الشام ١/ ١٤.

(٣) دائرة المعارف، المعلم بطرس البستاني ١٠/ ٣٩٥.


ومن الخصائص التي امتازت بها الشام - وما تزال - تعايش أصحاب الديانات والقوميّات المختلفة - كالروم والرومان، والفرس والعرب... - فيه(١) .

الشام مدخل الفاتحين:

جاء الفاتحون الشام بحراً وبرّاً... بل من جهاتها الأربع، فجاءها الفراعنة من البحر والبرّ، والبابليّون والفرس من الشرق والشمال، والإسكندر والصليبيّون والعثمانيّون من الشمال، وغازان وهولاكو وتيمور لنك من الشرق، والعرب الفاتحون من الشرق والجنوب، ونابليون من الجنوب ومن الغرب بحراً و...(٢) .

وخضعت دمشق للآشوريّين إلى سنة ٧٢١ حين استولى البابليّون والفرس عليها، ثمّ جاهر أهلها مع سائر السوريّين بالعصيان على بختنصر...

وفي سنة ٣٣١ ق. م استولى إسكندر ذو القرنين عليها، ثمّ صارت من مملكة السلوقيّين اليونانية إلى زمن استيلاء الرومان عليها سنة ٦٤ق. م.

وفي سنة ٥٩ق. م قُتل فيها كثير من الإسرائيليّين، وفي نحو سنة ٢٠ق. م عاد الإسرائيليّون إليها، وفي نحو سنة ٣٧ للميلاد أتاها بولس، وكان مستولياً عليها وقتئذٍ موقّتاً الحارث الغسّانيّ العربيّ حمو هيرودرس الكبير.. ولما تنصّرت الدولة الرومانية ذاعت النصرانية في دمشق وأمر يثودوسيوس بإبطال عبادة الأصنام.. وفي بُرهة وجيزة تنصّر أهلها جميعاً خلا الإسرائيليّين منهم.

وسنة ٥٤٠ للميلاد فتحها الفرس.. وعادت بعد بُرهة قصيرة إلى المملكة الرومانية، وكان عمّالهم فيها بنو غسان، وسنة ٦٣٣ ميلادية فتحها المسلمون.. واستعمل عليها عمر معاوية بن أبي سفيان، وكانت مدّة إمارته عليها عشرين سنة، وسنة (٤١) بايعه الناس! بالخلافة، فهو مؤسّس الدولة الأُمويّة التي جعلت دمشق قاعدة المماليك الإسلامية، وظلّت كذلك إلى سنة ١٣٢ هجرية..(٣) .

____________________

(١ و٢) خطط الشام ١/ ٢٨.

(٣) دائرة المعارف ٨/ ١٨ (بتلخيص).


فتح الشام:

كانت الشام من أوّل الأقطار التي فكّر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله في أمرها لنشر كلمة التوحيد وبثّ الدعوة إلى الإسلام، وكانت تحت حُكم الرومان منذ سبعة قرون، وملكها صاحب مملكة بيزنطية أو مملكة الروم الشرقية ويُعرف باسم هرقل، وكانت علائق عرب الحجاز في الجاهلية كثيرة جدّاً مع أهل هذا القطر.

بلغ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّ بدومة الجندل جمعاً كثيراً يريدون أن يدنوا من المدينة، وهي طرف من أفواه الشام، بينها وبين دمشق خمس ليالٍ، وبينها وبين المدينة خمس عشرة أو ستّ عشرة ليلة، فندب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الناس، واستخلف على المدينة، وخرج في ألف من المسلمين، فكان يسير الليل ويكمن النهار.. إلى أن صالحهم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله على الجزية، وذلك في السنة السادسة من الهجرة، ثمّ أرسلصلى‌الله‌عليه‌وآله كتاباً إلى هرقل - وهو بالشام - والحارث بن أبي شمر - أمير دمشق - يدعوهما إلى الإسلام.

وفي السنة الثامنة للهجرة، بعث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله سريّة كعب بن عُمير الغفاريّ إلى ذات أطلاح من ناحية الشام، وهي وراء وادي القرى بين تبوك وأذرعات.. وفي هذه السنة استنفر الرسولُ الناسَ إلى الشام، فكانت غزوة ذات السلاسل.. ومن السرايا التي أُرسلت إلى الشام سريّة زيد بن حارثة إلى جذام بحسمى وراء وادي القرى ممّا يلي فلسطين من أرض الشام.. وفيه غزوة مؤتة التي بعث النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله جيشاً مؤلّفاً من ثلاثة آلاف مقاتل، بلغوا تخوم البلقاء فلقيتهم جموع هرقل ومعهم العرب المتنصّرة بقرية من قرى البلقاء يُقال لها: مشارف. فانحاز المسلمون إلى قرية يُقال لها: مؤتة. فلقيتهم الروم في جمع عظيم، فاستُشهد من الأُمراء زيد بن حارثة، ثمّ جعفر بن أبي طالب، ثمّ عبد الله بن رواحة..

وفي السنة التاسعة من الهجرة حصلت غزوة تبوك، وكان مع الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله


ثلاثون ألفاً، والخيل عشرة آلاف، والجمال اثنا عشر ألفاً.. إلى أن صالح الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله نجبة بن رؤبة - أسقف أيلة على البحر الأحمر، صالحه - على الجزية، وصالح الرسولُ أهلَ جربا، وأذرح من أرض الشراة، صالح أهل أذرح على مئة دينار، وأهل مقنا - على مقربة من أيلة - على ثلاثمئة دينار، وعلى ربع عروكهم وغزولهم وربع كراعهم.

وفي أواخر أيّام حياة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله جهّز جيشاً إلى الشام، وأمّر عليه أُسامة بن زيد، وقال:( لعن الله مَن تخلّف عن جيش أُسامة... ) (١) .

هذا خلاصة ما جرى في عهد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله بالنسبة إلى اهتمامه الوافر بهذا القُطْر، ولا يخفى أنّ داعي المسألة لم يكن إلاّ إنقاذ البشرية ووضعهم على جادّة الحقيقة، وإيصالهم إلى رحمة الحقّ، وما كان هدف الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله توسيع رقعة حكمه جغرافياً، بل كان ذلك أمراً عرضيّاً تابعاً لبسط كلمة التوحيد، والتفاف الناس حول راية الإسلام، وإنّما هدفه هو هداية الناس إلى الله تبارك وتعالى.

بعد وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله تغيّرت الموازين تدريجيّاً، وانقلبيت الدواعي والحوافز شيئاً فشيئاً، وغرّت الدُّنيا كثيراً من الناس، وأصبحت الغنيمة والحصول على المناصب الدنيوية، وبسط السلطة والنفوذ من أهمّ الدواعي لفتوح البلدان، وهذه نقطة مهمّة لابدّ أن نلتفت إليها ونُميّز بها غزوات الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله عمّا جرى بعده، خاصّة في ظلّ حُكم بني أميّة وبني العبّاس.

يقول صاحب خُطط الشام: وبعد وفاة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله - بعد قتال أبي بكرٍ أهل الرُّدّة - كتب أبو بكر إلى أهل مكّة، والطائف، واليمن، وجميع العرب بنجد والحجاز يستنفرهم للجهاد في الشام، ويُرغّبهم فيه وفي غنائم الروم، فسارعَ الناس إليه بين

____________________

(١) خُطط الشام ١/ ٦٩ - ١٧٦ (بتلخيص).


مُحتسبٍ وطامعٍ، فعقد ثلاثة ألوية لثلاثة رجال، وهم: يزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة، وعمرو بن العاص.. وقد شيّع أبو بكر يزيد بن أبي سفيان راجلاً إلى ما بعد ربض المدينة وأوصاه بوصايا.. إلى أن وصل الجيش إلى مشارف الشام، فنزل في أبل وزيزاء والقسطل، وكان جيش الروم من دون زيزاء بثلث، وطلع ماهان قائد الروم وقدم قدّامه الشماسة والرهبان والقسّيسين يحضّون جيش الروم على القتال، وكان هرقل - وهو من عظام القوّاد - أدرك الخطر، ورأى - لما أتاه الخبر بقرب جيش المسلمين - أن لا يُقاتلهم ويُصالحهم، وقال لقومه: فوالله، لأن تُعطوهم نصف ما أخرجت الشام وتأخذوا نصفاً وتقرُّ بكم جبال الروم، خير لكم من أن يغلبوكم على الشام ويُشاركوكم في جبال الروم. فلما رآهم يعصونه ويردّون عليه بعث أخاه تيودورا وأمّر الأُمراء، وأوّل وقعة كانت بين المسلمين والروم بقرية من قرى غزة يُقال لها: دائن. في ١٢هـ، كانت بينهم وبين بِطْريق غزة، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فهُزم الروم، وتوجّه يزيد بن أبي سفيان في طلب ذلك البطريق.. وانتهى إليه ستّة من قوّاد الروم.. وهُزم الروم، هزمهم المسلمون..

أمّا أبو عبيدة فصالحهم، وخالد بن الوليد حاربهم.. حتّى أن فتح المسلمون جميع أرض حوران وغلبوا عليها سنة ١٣هـ، وأهمّ الوقائع التي انهزم فيها الروم شرّ هزيمة ولحق فلّهم بالشمال وقعة يرموك - واليرموك نهر - فهي الوقعة الفاصلة التي هان (للمسلمين) بها الاستيلاء على القدس ودمشق وما إليها، ثمّ على حمص وحماة وحلب وما إليها من البُلدان.. في حين ما كان خالد يريد الفتح والغلبة، جاءه البريد يُعرّفه بموت أبي بكر وخلافة عمر وتأمير أبي عبيدة على الشام كلّه وعزل خالد، فأخذ الكتاب منه وتركه في كنانته، ووكّل به مَن يمنعه أن يُخبر الناس من الأمر لئلاّ يضعفوا!

وتوفّي أبو بكر قبل فتح اليرموك بعشر ليالٍ، وبعد أن أُصيب الروم بالهزيمة القاطعة على اليرموك، كانت وقعة فحل من الأردن بعد خلافة عمر بن


الخطّاب بخمسة عشر شهراً، ولما انتصر المسلمون على اليرموك كان هرقل في البيت المقدّس، جاءها للاحتفال بتخليص الصليب الذي استردّه قبل ذلك فصار إلى أنطاكية، واستنفر الروم وأهل الجزيرة، وبعث عليهم رجالاً من خاصّته وثقاته، فلقوا المسلمين بفحل، فقاتلوهم أشدّ قتال حتّى ظهروا (أي ظهر المسلمون) عليهم، وقُتل بِطْريقهم وزهاء عشرة آلاف معه، وتفرّق الباقون من مُدن الشام، ولحق بعضهم بهرقل.. ثمّ نهض المسلمون إلى الروم وهم بفحل فاقتتلوا، فهُزمت الروم ودخل المسلمون فحل في ذي القعدة سنة ١٣هـ.. وافتتح شرحبيل بن حسنة الأردن عنوة ما خلا طبرية، فإنّ أهلها صالحوه.. وفتح عمرو بن العاص غزّة ثمّ سبسطية ونابلس ويبنى وعمودس و... وظلّت القدس وقيسارية مُحاصرتَين، ولم تُفتح القدس إلّا سنة خمس عشرة أي بعد فتح دمشق بسنة...(١) .

فتح دمشق:

فتحها المسلمون في رجب سنة ١٤ للهجرة بعد حصار ومُنازلة، وكان قد نزل على كلّ باب من أبوابها أمير من المسلمين، فصدّهم خالد بن الوليد من الباب الشرقيّ حتّى افتتحها عنوة، فأسرع أهل البلد إلى أبي عبيدة بن الجرّاح ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة، وكان كلٌّ منهم على ربع الجيش، فسألوهم الأمان فأمنوهم، وفتحوا لهم الباب، فدخل هؤلاء من ثلاثة أبواب بالأمان، ودخل خالد من الباب الشرقي بالقهر وملكوهم...(٢) .

____________________

(١) خُطط الشام ١/ ٧٧ - ٨٤ (بتلخيص وتصرّف).

(٢) دائرة المعارف ٨/ ٢.


بنو أُميّة والشام

جذور العلاقة:

أُميّة هو عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب... وعبد شمس - والد أُميّة - هو أخو هاشم - الجدّ الثاني للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله -، قيل: وُلد هاشم وعبد شمس توأمين، وإنّ أحدهما قُبل الآخر وله إصبع مُلتصقة بجبهة صاحبه، فتنجّبت فسال الدم، فقيل: يكون بينهما دم..

وأوّل منافرة كانت بين أُميّة وعمّه هاشم، أنّ هاشماً لما وليَ بعد أبيه عبد مناف ما كان له من السقاية والرفادة، حسده أُميّة على رئاسته وإطعامه، فتكلّف أن يصنع صنيع هاشم، فعجز فشمَّتت به ناس من قريش، فغضب ونال من هاشم، ودعاه إلى المنافرة، فكره هاشم ذلك لسنِّه وقَدره، فلم تدَعْه قريش حتّى نافره على خمسمئة ناقة والجلاء عن مكّة عشر سنين، فرضي أُميّة، وجعلا بينهما الكاهن الخزاعيّ ومنزله بعسفان، فقضى لهاشم بالغلبة. وأخذ هاشم الإبل فنحرها وأطعمها الناس، وغاب أميّة عن مكّة بالشام عشر سنين، فكانت هذه أوّل عداوة بينهما(١) .

لو صحّ هذا النقل، فهذا يعني أنّ هذه المسألة كانت انطلاقاً لأمرين:

الأمر الأوّل: كانت بداية العداوة بين بني أُميّة وبني هاشم، بداعي الحسد، وبعد ظهور الإسلام تغيّرت الدواعي وكثرت، وحصلت آفاق جديدة في البين، وهذا ما سنُبيّنه في الأبحاث الآتية.

الأمر الثاني: بداية علاقة بني أُميّة بالشام، فإنّ الشام بموقعه الخاص، وطبيعته الجميلة، وأنهاره الكثيرة، وتنوّع سُكّانه أصبح موقعاً مُهمّاً للتجارة؛ ولذلك نرى قريشاً - ومنهم أبو سفيان الأُمويّ - أنشأوا الروابط الاقتصادية والتجارية مع الشام.

____________________

(١) دائرة المعارف ٤/ ٤١٩.


ومن الغريب جدّاً أن نرى بني أُميّة - الطلقاء - يقومون بدور مُهمّ في فتح الشام، ويأخذون بزمام أمرها قبل الفتح، ولم يتركوه حتى غُلبوا على أمرهم.

فأبو سفيان بنفسه يحضر المعركة في مشيخة من قريش، يُحارب تحت راية ابنه يزيد، وكان له ولابنيه يزيد ومعاوية - بل ولجماعة من أُسرته بل للنساء منهنّ - اليد الطولى والكعب المعلّى في فتح الشام!.. ولقد قاتل بعض النساء بالفعل يوم اليرموك، مثل جويرية ابنة أبي سفيان وكانت مع زوجها. وكذلك هند بنت عتبة أمّ معاوية بن أبي سفيان )(١) .

هذا الكلام وإن لم يخلُ من المبالغة؛ بسبب حُبّ المؤلِّف لمعاوية وانحرافه عن الحقّ - كما نلمسه في مطاوي كتابه - بيدَ أنّ دوافع المسألة معلومة إجمالاً، وتتمثَّل في حُبّ بني أُميّة لهذه المنطقة وتعلُّقهم بها، ولا يبعد أن تكون ثمّة خطّة مدروسة بدأوا بتنفيذها شيئاً فشيئاً.

إذنْ؛ حضر المعركة أبو سفيان وابناه وزوجته وبعض بناته وأُسرته، وأصبح يزيد بن أبي سفيان حاكماً على دمشق، بوعدٍ من الخليفة الذي شيّعه راجلاً إلى خارج المدينة، كما مرّ ذكره عن (الخُطط)، وبقي الشام ليزيد بن أبي سفيان، لكنّه لم يطُلْ أمدُ ولايته؛ لأنّه هلك في طاعون عمواس(٢) ، وبعد يأتي دور أخيه معاوية بن أبي سفيان.

معاوية مؤسِّس الحكومة الأُمويّة السوداء:

لما هلك يزيد بن أبي سفيان والي دمشق سنة ١٨ من الهجرة، ولّى عمر بن الخطّاب أخاه معاوية بن أبي سفيان، فلم يزل والياً لعمر حتّى قُتل عمر، ثمّ ولاّه

____________________

(١) خُطط الشام ١/ ٩٣.

(٢) المصدر: ٩٧. وعمواس من الرملة على أربعة أميال ممّا يلي بيت المقدس ومات فيه ٢٥٠٠٠ إنسان.


عثمان، وأقرَّ عمّال عمر على الشام، فلما مات عبد الرحمان بن علقمة الكناني - وكان على فلسطين - ضمّ عمله إلى معاوية، وكان عمير بن سعيد الأنصاري في سنة ٢١ على دمشق والثنيَّة وحوران وحمص وقنسرين والجزيرة، ومعاوية على الأردن وفلسطين، والسواحل وأنطاكية، ومعرّة ومصرين وقيليقية، ثمّ جعل عمير في سنة ٢٣ على حمص ومعاوية على دمشق.

اجتمع الشام على معاوية لسنتين من إمارة عثمان، أضاف عثمان إليه حمص وحماة وقنسرين والعواصم وفلسطين مع دمشق، ورزقه ألف دينار كلّ شهر(١) .

وهكذا ترسّخ الحُكم الأُموي في الشام، في ظلّ قيادةٍ وتوجّهات جاءت خطواتها تنفيذاً لما قاله أبو سفيان، بعد استقرار خلافة عثمان: ( يا بني أُميّة، تلقّفوها تلقّف الكُرة، فوالذي يحلف به أبو سفيان، ما زلت أرجوها لكم، ولتصيرنَّ إلى صبيانكم وراثة )(٢) .

يقول صاحب الخُطط: ( وما زال عثمان على شيخوخته مغلوباً لمروان وبني أُميّة، أخذ الناس ينقمون - في الحجاز وغيره - على عثمان لستّ سنين من خلافته، فاجتمع ناس من أصحاب الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكتبوا كتاباً ذكروا فيه عدّة أمور، منها ما كان من هبة خُمس أفريقية لمروان، وما كان من تطاوله في البنيان؛ حتّى عدّوا سبع دور بناها بالمدينة، داراً لنائلة، وداراً لعائشة وغيرهما من أهله وبناته، وبنيان مروان القصور بذي خشب، وعمارة الأموال بها من الخُمس الواجب لله ولرسوله، وما كان من إفشائه العمل والولايات في أهله وبني عمّه من بني أُميّة أحداث وغُلمة، لا صحبة لهم من الرسول ولا تجربة لهم بالأمور )(٣) ، إلى أن حصلت فتنة قتل عثمان.

____________________

(١) خُطط الشام ١/ ١٠٠.

(٢) الغدير ٨/ ٢٧٨.

(٣) خُطط الشام ١/ ١٠٣.


يقول محمّد فريد وجدي: ( لما قُتل الخليفة الثالث عثمان بن عفّان، وتولَّى الخلافة عليُّ بن أبي طالب وهو من قريش، حدث شِقاق بين الأُسرتين الأُمويّة والقرشية، وتداعى الناس إلى العصبية الجاهلية، وكان في مقدّمة النافخين في نار هذه الفتنة معاوية بن أبي سفيان الأُمويّ والي الشام، فقام يُطالب بدم عثمان مُتّهماً عليّ بن أبي طالب بالإغراء على قتله، ولما كانت ولايته للشام منذ عشرين سنة، وأهل الشام لا يدرون من أمر الخلافة إلاّ ما كان يُريد لهم، التفّت حوله جموع منهم أكثرهم من شذّاذ القبائل العربية وأصحاب المطامع الذاتية، فشقّ عصا الطاعة لعليّ وادّعى لنفسه الخلافة... )(١) .

لقد استفاد معاوية من جهل الناس أقصى ما يمكن، مستنداً إلى مكره وشيطنته، ولقد كان أهل الشام قريبي العهد بالإسلام، ما عرفوه إلاّ من خلال حُكم الخلفاء وإمارة أمرائهم، وما وجدوه إلاّ مجسّداً في شخص معاوية المتستّر بالدين، فهو يؤمّهم بالصلاة وهم يقتدون به، يخطبهم في الجُمع، ويترأسهم باسم الخلافة الإسلامية، ويُدير شؤونهم في الحرب والسِّلْم.

وانتهز معاوية الفرصة في فتنة قتل عثمان.

ومع أنّه كان منصوباً من قِبله على الشام، وأميراً من أُمرائه لم يُلبِّ دعوته لنُصرته حين كتب عثمان إليه: إنّ أهل المدينة قد كفروا! وخلعوا الطاعة ونكثوا البيعة؛ فابعث إليّ من قِبَلك من مُقاتلة أهل الشام على كلّ صعب وذلول.

ولقد أخطأ صاحب الخُطط؛ إذ زعم أنّ معاوية تربّص به وكره إظهار مُخالفة أصحاب رسول الله وقد علم اجتماعهم، فأبطأ أمره على عثمان حتّى قُتل(٢) .

وإنّما أراد معاوية أن يُبدّل الإمارة بالخلافة.

____________________

(١) دائرة معارف القرن العشرين، محمّد فريد وجدي ١/ ٦٢٢.

(٢) خُطط الشام ١/ ١٠٣.


وبعد قتل عثمان تستّر بقميصه، وبه رسّخ أركان حُكمه وحكومة أُسرته، وبثّ الفتنة في أوساط المجتمع الإسلامي، وحمل راية الشقاق والخلاف ضدّ خليفة المسلمين الشرعي أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام .

قال في الخُطط: ( اغتنم معاوية هذه الفرصة السانحة في مقتل عثمان؛ ليعيد الأمر إلى بني أُميّة ويُصبحوا أُمراء في الإسلام!.. وكان النعمان بن بشير أتاه إلى دمشق بقميص عثمان الذي قُتل فيه مُخضّباً بدمه، وبأصابع نائلة زوجته، فوضع القميص على منبر دمشق، وكتب بالخبر إلى الأجناد، وثاب إليه الناس، وبكوا سنة وهو على المنبر والأصابع مُعلّقة في أردانه، وتعاهد الرجال من أهل الشام على قتل قتلة عثمان ومَن عرض دونهم بشيء أو تُفنى أرواحهم، وكان ستّون ألف شيخ يبكون تحت قميص عثمان.. وكان عمرو بن العاص - لما نشب الناس في أمر عثمان - في ضيعة له بالسبع من حيّز فلسطين قد اعتزل الفتنة! فاستدعاه معاوية يسترشد برأيه، ووعده بمُلك مصر إن هو ظفر بعليّ، فارتأى عمرو أن يجلب معاوية شرحبيل بن السمط الكنديّ رأس أهل الشام، فسار هذا يستقري مدنها مدينةً مدينةً، يُحرّض الناس على الأخذ بدم عثمان، فأجابه الناس كلّهم إلاّ نفراً من أهل حمص نُسَّاكاً، فإنّهم قالوا: نلزم بيوتنا ومساجدنا وأنتم أعلم منّا... )(١) .

ومن هنا انطلقت شرارة حرب صِفِّين، ولا مجال لذكر تفاصيلها الآن.

إسلام أُمويّ وحكم دمويّ!

هنا إسلام أُمويّ ينطق بمنطق القهر والقوّة، برهانه السلاح، ودليله قمع كلّ مَن يقوم بالكفاح، يُنفّذه أرباب السلطة والسيف، ويُزيِّنه البائعون دينهم بدنياهم، المشترون سخط الخالق برضى المخلوق.

____________________

(١) خُطط الشام ١/ ١٠٥.


ترى مظاهر الإسلام من الصلاة والصوم والحجّ و..، لكنّها قشر بلا لُبٍّ، وجسد بلا روح؛ فالطليق ابن الطليق يدّعي الخلافة الإسلامية، ولا يعرف الناس حقّ عليّعليه‌السلام حتى تشتبه المسألة على العامّة ويتأوّه أمير المؤمنينعليه‌السلام بهذه الكلمات:

( فيا عجباً للدهر! إذ صِرتُ يُقرن بي مَن لم يسعَ بقدمي، ولم تكن له كسابقتي التي لا يُدلي أحدٌ بمثلها... )(١) .

وللمال دوره الهامّ في تثبيت ما يُريده الحُكّام؛ فلقد بثّوه ووزّعوه على أوساط الضعفاء والمحبّين لحلاوة الدُّنيا، الناسين مرارة حساب العُقبى، فأصبحوا ساكتين صامتين، كأن لم يحصل شيء ولم يحدث أيّ أمر!

( خَطَبَ معاوية يوماً بمسجد دمشق، وفي الجامع يومئذٍ من الوفود علماء قريش وخطباء ربيعة ومدارهها، وصناديد اليمن وملوكها، فقال معاوية: إنّ الله تعالى أكرم خلفاءه فأوجب لهم الجنّة، فأنقذهم من النار، ثمّ جعلني منهم! وجعل أنصاري أهل الشام، الذابّين عن حرم الله! المؤيَّدين بظفر الله! المنصورين على أعداء الله!!...

وفي الجامع من أهل العراق الأحنف بن قيس، وصعصعة بن صوحان، فقال الأحنف لصعصعة: (أتكفيني أم أقوم أنا إليه؟ (فقال صعصعة:) بل أكفيكه أنا )، ثمّ قام صعصعة فقال: يا بن أبي سفيان، تكلّمت فأبلغت ولم تُقصِّر دون ما أردت، وكيف يكون ما تقول وقد غَلَبْتنا قسراً وملكتنا تجبُّراً ودِنتنا بغير الحقّ، واستوليت بأسباب الفضل علينا؟!

فأمّا إطراؤك أهل الشام، فما رأيت أطوع لمخلوق وأعصى لخالق منهم! قوم ابتعتَ منهم دينهم وأبدانهم بالمال، فإن أعطيتهم حاموا عنك ونصروك! وإن

____________________

(١) نهج البلاغة، كتاب ٩.


منعتهم قعدوا عنك ورفضوك... )(١) .

وأكثروا وضع الأحاديث في فضل الشام، حتّى كأن ليس لله تعالى بشيء من الأرض حاجة إلاّ بها - كما قال محمد الصغاني(٢) - ونشروا لزوم اتّباع كلّ أمير وحُرمة الخروج عليه، ودعوا إلى الصلاة خلف كلّ إمام، برّاً كان أو فاجراً، وبثّوا فضل الغزو في البحر، وتركوا الواقع الثابت، وصار حُبّ عليّ وآله أكبر جُرم لا يُغتفر، وسبُّه على المنابر يجهر(٣) .

نعم، إنّ معاوية تمكّن من بسط حُكمه الجائر، بفضل المال الوافر، وحدّة سيفه الشاهر، وقتله الأفاضل من الصحابة والتابعين الأكابر، مثل عمرو بن الحمق، وحجر بن عديّ وأصحابه، كما احتجّ به الإمام الحسينعليه‌السلام في ضمن رسالته التي أرسلها إلى معاوية:

( ألستَ قاتل حجر بن عديّ أخي كندة وأصحابه الصالحين العابدين، كانوا يُنكرون الظلم ويستعظمون المنكر والبِدَع، ويؤثرون حُكم الكتاب، ولا يخافون في الله لومة لائم، فقتلتَهم ظلماً وعدواناً من بعدما كنتَ أعطيتهم الأيمان المغلّظة والمواثيق المؤكَّدة، لا تأخذهم بحدَث كان بينك وبينهم، ولا بإحنةٍ تجدها في صدرك عليهم؟!

أوَ لست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، العبد الصالح الذي أبلته العبادة فصفّرت لونه ونحّلت جسمه بعد أن أمنته وأعطيته من عهود الله عزّ وجل

____________________

(١) الأمالي للشيخ الطوسي، ٥، ح٤، المجلس الأوّل.

(٢) دائرة المعارف ١٠/ ٣٩٤.

(٣) للمزيد من معرفة الوثائق والتفاصيل حول هذا الموضوع راجع الجزء الأول من هذه الموسوعة: الإمام الحسينعليه‌السلام في المدينة المنوّرة، تأليف: علي الشاوي، ص١١٦ - ١٢٨.


وميثاقه ما لو أعطيته العُصْم ففهمته لنزلت إليك من شغف الجبال، ثمّ قتلته جرأة على الله عزّ وجلّ، واستخفافاً بذلك العهد؟! ...

أوَ لست صاحب الحضرميّين، الذين كتب إليك فيهم ابن سميّة: أنّهم على دين عليّ ورأيه. فكتبت إليه: اقتل كلَّ مَن كان على دين عليّ ورأيه. فقتلهم ومثّل بهم بأمرك، ودين عليّ - والله - وابن عليّ الذي كان يضرب عليه أباك... )(١) .

فبمنطق القوّة أخذ معاوية البيعة لولَده يزيد، كما اعترف بذلك الجميع، ومنهم صاحب خُطط الشام بقوله:

( أوعز معاوية سرّاً إلى ولاة الأمصار، أن يوفِدوا الوفود إليه يُزيّنون له إعطاء العهد لابنه يزيد، حتّى استوثق له أكثر الناس وبايعوه، والسيوف مسلولة - فيما قيل - على رقاب الصحابة في مسجد الرسول، وبذلك أخرج معاوية الخلافة عن أصولها، وجعلها كالملك يورِّثها الأب ابنه أو مَن يراه أهلاً لها من خاصّته، أو كسرويّة أو قيصريّة، على سنّة كسرى وقيصر كما قالوا )(٢) .

ذكر علماء السِّيَر، عن الحسن البصريّ أنّه قال: ( قد كانت في معاوية هنات لو لقي أهل الأرض ببعضها لكفاهم: وثُوبه على هذا الأمر واقتطاعه من غير مشورة من المسلمين، وادّعاؤه زياداً، وقتله حجر بن عديّ وأصحابه، وبتوليته مثل يزيد على الناس )(٣) .

____________________

(١) الاحتجاج للطبرسي ٢/ ٩٠ - ٩١.

(٢) خُطط الشام ١/ ١٠٩.

(٣) تذكرة الخواص: ٢٨٦.


مَن هو يزيد؟

هو يزيد بن معاوية بن أبي سفيان بن حرب بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف، وأُمّه ميسون بنت بجدل بن دلجة بن قنافة أحد بني حارثة بن جناب.

ولِد سنة ٢٥هـ، وكان آدم جعداً مهضوماً أحور العين، بوجهه آثار جدريّ، حسن اللحية خفيفها(١) .

لهوه:

قال البلاذريّ: ( المدائني والهيثم وغيرهما قالوا: كان ليزيد بن معاوية قرد يجعله بين يديه ويُكنّيه أبا قيس، ويقول: هذا شيخ من بني إسرائيل، أصاب خطيئة فمُسخ، وكان يسقيه النبيذ ويضحك ممّا يصنع! وكان يحمله على أتان وحشيّة ويُرسلها مع الخيل فيسبقها، فحمله عليها يوماً وجعل يقول:

تمسَّك أبا قيس بفضل عنانها

فليس عليها إن هلكت ضمان

فقد سبقت خيل الجماعة كلَّها

وخيل أمير المؤمنين أتان

قال المسعودي: وكان على أبي قيس قباء من الحرير الأحمر والأصفر مُشمّر، وعلى رأسه قلنسوة من الحرير ذات ألوان بشقائق، وعلى الأتان سرج من الحرير الأحمر منقوش مُلمع بأنواع الألوان.

قالوا: وكان يزيد همّ بالحجّ ثمّ إتيان اليمن، فقال رجل من تنوخ:

يزيد صديق القرد ملَّ جوارنا

فحنَّ إلى أرض القرود يزيد

فتبّاً لمن أمسى علينا خليفة

صحابته الأدنون منه قرود )(٢)

وروى الباعوني نحوه عن الفوطي في تاريخه، وفيه: أنّ يزيد كان يسقي قرده

____________________

(١) العقد الفريد ٥/ ١٢٤. ونحوه في: الجوهر الثمين: ٨٠؛ التنبيه والإشراف: ٢٦٤.

(٢) أنساب الأشراف ٥/ ٣٠٠.


فضل كأسه، وفيه أيضاً: وجاء يوماً سابقاً فطرحته الريح فمات، فحزن عليه حزناً شديداً، وأمر بتكفينه ودفنه، وأمر أهل الشام أن يُعزّوه فيه! وأنشأ يقول:

كمْ قوم كـرام ذو مـحافظة

إلاّ أتـانا يُـعزّي فـي أبـي قيس

شـيخ الـعشيرة أمـضاها وأجملها

إلى المساعي على الترقوس والريس

لا يُـبعد الله قـبراً أنـت سـاكنه

فـيه جـمال وفيه لحية التيس(١)

فسقه:

قال ابن الصبان: ( وأمّا فسقه فقد أجمعوا عليه )(٢) .

روى السيّد ابن طاووس، عن الإمام زين العابدينعليه‌السلام أنّه قال:( لما أتوا برأس الحسين عليه‌السلام إلى يزيد لعنه الله كان يتّخذ مجالس الشرب ويأتي برأس الحسين عليه‌السلام ويضعه بين يديه ويشرب عليه ) (٣) .

وفي التنبيه والإشراف: ( كان (يزيد) يُبادر بلذَّته، ويُجاهر بمعصيته، ويستحسن خطأه، ويهوّن الأمور على نفسه في دينه إذا صحّت له دنياه )(٤) .

وعن المدائني: كان يزيد يُنادم على الشراب سرجون مولى معاوية، وليزيد شعر منه قوله:

ولها بالماطرون إذا

أكل النمل الذي جمعا

منزل حتّى إذا ارتبعت

سكنت من جلّق بيعا

في جنان ثَمّ مؤنقة

حولها الزيتون قد ينعا(٥)

____________________

(١) جواهر المطالب ٢/ ٣٠٣.

(٢) إسعاف الراغبين: ١٩٣.

(٣) الملهوف: ٢٢٠.

(٤) التنبيه والإشراف: ٢٦٤.

(٥) أنساب الأشراف ٥/ ٣٠١.


وقال المسعوديّ: ( وليزيد وغيره أخبار عجيبة، ومثالب كثيرة، من شرب الخمر، وقتل ابن بنت الرسول، ولعن الوصيّ، وهدم البيت وإحراقه، وسفك الدماء، والفسق، والفجور... )(١) .

وقال الكيا الهراسي في شأنه: ( لو مُددت ببياض لمددت العنان في مخازي هذا الرجل... كيف لا وهو اللاّعب بالنرد والمتصيّد بالفهود ومُدمن الخمر؟!... )(٢) .

وقال الذهبي: ( كان ناصبيّاً فظّاً، يتناول المسكر ويفعل المنكر... )(٣) .

وقال أبو علي مسكويه الرازي: ( وظهر في المدينة، أنّ يزيد بن معاوية يشرب الخمر حتّى يترك الصلاة، وصحّ عندهم ذلك، وصحّ غيره ممّا يُشبهه، فجعلوا يجتمعون لذلك حتّى خلعوه وبايعوا عبد الله بن حنظلة الغسيل )(٤) .

وعن ابن حجر: ( أنّ يزيد قد بلغ من قبايح الفسق والانحلال عن التقوى مبلغاً، لا يُستكثَر عليه صدور تلك القبائح منه )(٥) .

قال المسعودي: ( ولما شمل الناس جورُ يزيد وعمّاله، وعمّهم ظلمه وما ظهر من فسقه، من قتله ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأنصاره، وما أظهر من شرب الخمور، وسيره سيرة فرعون، بل كان فرعون أعدل منه في رعيّته، وأنصف منه لخاصّته وعامّته، أخرج أهل المدينة عامله عليهم، وهو عثمان بن محمّد بن أبي سفيان، ومروان بن الحَكم، وسائر بني أُميّة )(٦) .

____________________

(١) مروج الذهب ٣/ ٧٢.

(٢) هامش تاريخ نيسابور: ٥٩٨ في ترجمته.

(٣) شذرات الذهب ١/٦٨.

(٤) تجارب الأُمم ٢/ ٧٦

(٥) الإتحاف بحُبّ الأشراف: ٦٨ عن شرح الهمزية لابن حجر.

(٦) مروج الذهب ٣/ ٦٨.


وقال المنذر بن الزبير - لما قدم المدينة -: ( إنّ يزيد قد أجازني بمئة ألف، ولا يمنعني ما صنع بي أن أُخبركم خبره، والله، إنّه ليشرب الخمر، والله، إنّه ليسكر حتّى يدَع الصلاة )(١) .

قال اب ن حجر: ( وعلى القول: بأنّه مُسلم. فهو فاسق شرّير سكّير جائر، كما أخبر به النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله )(٢) .

وذكر البلاذري في أنساب الأشراف: ( وذكر لي شيخ من أهل الشام: أنّ سبب وفاة يزيد، أنّه حمل قرده على الأتان وهو سكران، ثمّ ركض خلفها فاندقّت عنقه أو انقطع في جوفه شيء )(٣) .

كتب الأستاذ عبّاس محمود العقّاد: ( الروايات لم تُجمِع على شيء كإجماعها على إدمانه الخمر، وشغفه باللذّات، وتوانيه عن العظائم.. وقد مات بذات الجنب وهو لما يتجاوز السابعة والثلاثين، ولعلّها إصابة الكبد من إدمان الشراب، والإفراط في اللذات، ولا يُعقل أن يكون هذا كلّه اختلاقاً واختراعاً من الأعداء؛ لأنّ الناس لم يختلقوا مثل ذلك على أبيه أو على عمرو بن العاص، وهما بغيضان أشدّ البغض إلى أعداء الأُمويّين..؛ ولأنّ الذين حاولوا ستره من خدّام دولته لم يُحاولوا الثناء على مناقب فيه تحلّ عندهم محلّ مساوئه وعيوبه، كأنّ الاجتراء على مثل هذا الثناء من وراء الحسبان، ولم يكن هذا التخلّف في يزيد من هزال في البُنية أو سقم اعتراه كذلك السقم الذي يعتري أحياناً بقايا السلالات التي تهمُّ بالانقراض والدثور، ولكنّه كان هزالاً في الأخلاق وسقماً في الطويّة.. قعد به العظائم مع

____________________

(١) الغدير ١٠/ ٢٥٦ عن كامل ابن الأثير ٤/ ٤٥، وتاريخ ابن كثير ٨/ ٢١٦.

(٢) الصواعق المحرقة: ٣٣٠.

(٣) أنساب الأشراف ٥/ ٣٠٠.


وثوق بنيانه، وضخامة جثمانه، واتّصافه ببعض الصفات الجسدية التي تزيد في وجاهة الأُمراء، كالوسامة وارتفاع القامة، وقد أُصيب في صباه بمرض خطير - وهو الجدريّ - بقيت آثاره في وجهه إلى آخر عمره، ولكنّه مرض كان يشيع في البادية، ولم يكن من دأبه أن يقعد بكلّ مَن أُصيب به عن الطموح والكفاح )(١) .

كفره:

(الارتداد هو الكفر بعد الإسلام، ويتحقّق بالبيّنة، وبالإقرار على النفس بالخروج من الإسلام، أو ببعض أنواع الكفر - وبكلّ فعل دالّ صريحاً على الاستهزاء بالدِّين والاستهانة به ورفع اليد عنه - وبالقول الدالّ صريحاً على جحد ما عُلم ثبوته من الدِّين ضرورة أو على اعتقاده ما يحرم اعتقاده بالضرورة من الدِّين... )(٢) .

إذا حكمنا بظاهر الإسلام في حقّ أبي سفيان ومعاوية بعد فتح مكّة - وإن كان للتوقّف في ذلك مجال واسع، تؤيّده الشواهد التاريخية في حياتهما السوداء - فإنّنا نحكم بارتداد يزيد عنه؛ وذلك استناداً إلى أشعاره التي أفصح بها عن الإلحاد، وأبان عن خبث ضميره وعدم الاعتقاد، وفيها:

لـعبتْ هـاشم بـالملك فلا

خـبرٌ جـاء ولا وحيٌ نزل

لـيت أشـياخي ببدرٍ شهدوا

جزع الخزرج من وقع الأسل

لأهـلّـوا واسـتهلّوا فـرحاً

ولـقالوا يـا يـزيد لا تُشل

فـجـزيناهم بـبدرٍ مـثلها

وأقـمنا مـثل بـدرٍ فاعتدل

____________________

(١) أبو الشهداء الحسين بن علي: ٦٨.

(٢) أُنظر جواهر الكلام ٤١/ ٦٠٠ - ٦٠١.


لستُ من خِندف إن لم أنتقم

من بني أحمد ما كان فعل(١)

وفيها:

لما بدتْ تلك الحمول وأشرفت

تلك الرؤوس على رُبى جيرون

نعب الغراب فقلت قل أو لا تقل

فقد اقتضيت من الرسول ديوني(٢)

ما قالته زينب الكبرى:

وأوّل مَن استند إلى أشعاره وأثبت كفره - في مجلسه وأمامه - هي العقيلة زينب الكبرى، بنت الإمام أمير المؤمنينعليهما‌السلام التي وصفها الإمام زين العابدينعليه‌السلام : بأنّها(... عالمة غير مُعلَّمة... ) (٣) . فإنّها قالت ليزيد: ( أنسِيتَ قول الله عزّ وجلّ:( وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْماً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ ) (٤) .. ولا غرو منك ولا عجب من فعلك، وأنّى يُرتجى الخير ممّن لفظ فوه أكباد الشهداء! ونبت لحمه بدماء الشهداء! ونبت لحمه بدماء السعداء! ونصب الحرب لسيّد الأنبياء! وجمعَ الأحزاب! وشهرَ الحراب! وهزّ السيوف في وجه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ! أشدّ العرب لله جحوداً! وأنكرهم لرسوله! وأظهرهم له عدواناً وأعتاهم على الربّ كفراً وطغياناً! ألا إنّها نتيجة خِلال الكفر! وضبّ يجرجر في الصدر لقتلى يوم بدر! فلا يستبطئ في بغضنا أهلَ البيت مَن كان نظره إلينا شنفاً وشنآناً وإحناً وأضغاناً! يُظهر كفره برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ! ويُفصح ذلك بلسانك وهو يقول - فرحاً بقتل ولده وسبي ذرّيته - غير متحوّب ولا مُستعظم، يهتف بأشياخه:

____________________

(١) يأتي الكلام حول أشعاره وتمثُّله بأبيات ابن الزبعرى مُفصّلاً.

(٢) جواهر المطالب ٢/ ٣٠٠.

(٣) العوالم ١٧/ ٣٧٠.

(٤) آل عمران: ١٧٨.


لأهلّوا واستهلّوا فرحاً

ولقالوا يا يزيد لا تُشل

مُنتحياً على ثنايا أبي عبد الله - وكان مُقبَّل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله - ينكتها بمِخصرته، وقد التمع السرور بوجهه، لعَمْرِي، لقد نكأتَ القرحة، واستأصلتَ الشأفة، بإراقتك دمَ سيّد شباب أهل الجنّة، وابن يعسوب العرب وشمس آل عبد المطّلب، وهتفتَ بأشياخك، وتقرّبتَ بدمه إلى الكفرة من أسلافك... )(١) .

ما قاله بعض الصحابة:

واستند إلى تلك الأبيات بعض الصحابة، وأثبت ارتداد يزيد بتمثّله لها.

ذكر ابن عبد ربّه: ( بعث مسلم بن عقبة برؤوس أهل المدينة إلى يزيد، فلما أُلقيت بين يديه جعل يتمثّل بقول ابن الزبعرى يوم أُحُد: ليت أشياخي... الأبيات.

فقال له رجل من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ارتددت عن الإسلام - يا أمير المؤمنين -؟ قال: ( بلى، نستغفر الله )، قال: ( والله، لا ساكنتك أرضاً أبداً ). وخرج عنه )(٢) .

أقوال العلماء في كفره:

صرّح كثير من العلماء والمؤرِّخين، وأرباب الفكر بكفر يزيد بن معاوية، نكتفي بذكر بعضهم:

رأي الإمام أحمد بن حنبل:

قال الشبراوي: ( قال العلاّمة ابن حجر في شرح الهمزية: إنّ يزيد قد بلغ من قبائح الفسق والانحلال عن التقوى مبلغاً، لا يُستكثَر عليه صدور تلك القبائح منه، بل قال الإمام أحمد بن حنبل بكفره، وناهيك به علماً وورعاً يقضيان، بأنّه لم يقل ذلك إلاّ لقضايا وقعت منه صريحة في ذلك ثبتت

____________________

(١) الاحتجاج ٢/ ١٢٤ - عنه بحار الأنوار ٤٥/ ١٥٨.

(٢) العقد الفريد ٥/ ١٣٩.


عنده )(١) .

رأي ابن القفطي:

قال الباعوني: ( وذكر ابن القفطي في تأريخه قال: إنّ السبي لما ورد على يزيد بن معاوية خرج لتلقّيه، فلقي الأطفال والنساء من ذرّية علي والحسن والحسين، والرؤوس على أسنّة الرماح، وقد أشرفوا على ثنيّة العقاب، فلما رآهم أنشد:

لما بدتْ تلك الحمول وأشرقت

تلك الرؤوس على رُبى جيرون

نعب الغراب فقلت قل أو لا تقل

فقد اقتضيت من الرسول ديوني

يعني بذلك: أنّه قتل الحسين بمَن قتله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم بدر، مثل عُتبة جدّه ومَن مضى من أسلافه، وقائل مثل هذا بريء من الإسلام، ولا يُشكّ في كفره )(٢) .

رأي الباعوني:

قال: وما أظنّ أنّ مَن استحلّ ذلك ( قتل الحسينعليه‌السلام )، وسلك مع أهل النبيّ هذه المسالك شمّ ريحة الإسلام، ولا آمن بمحمّد عليه الصلاة والسلام، ولا خالط الإيمان بشاشة قلبه، ولا آمن طرفة [عين] بربّه، والقيامة تجمعهم وإلى ربّهم مرجعهم.

ستعلم ليلى أيّ دين تداينت

وأيّ غريمٍ في التقاضي غريمها(٣)

رأي ابن عقيل:

ذكر سبط ابن الجوزيّ، عن ابن عقيل أنّه قال: وممّا يدلّ على كفره (يزيد) وزندقته - فضلاً عن سبّه ولعنه - أشعاره التي أفصح بها بالإلحاد، وأبان عن خبث الضمائر وسوء الاعتقاد، فمنها قوله في قصيدته التي أوّلها:

____________________

(١) الإتحاف بحُبّ الأشراف: ٦٨.

(٢) جواهر المطالب ٢/ ٣٠٠.

(٣) المصدر ٢/ ٣١١.


عـليّة هـاتي واعـلني وتـرنَّمي

بـدلّـك إنّـي لا أُحـبّ الـتناجيا

حـديث أبـي سفيان قِدْماً سمى بها

إلـى أُحُـدٍ حـتّى أقـام الـبواكيا

ألا هـات فـاسقيني على ذاك قهوةً

تـخيَّرها الـعنسي كـرماً شـاميا

إذا مـا نـظرنا فـي أُمـورٍ قديمة

وجـدنا حـلالاً شـربها مُـتواليا

وإن مُـتّ يـا أُمّ الأُحيمر فانكحي

ولا تـأملي بـعد الـفراق تـلاقيا

فـإنّ الـذي حُـدِّثْتِ عن يوم بعثنا

أحـاديث طسم تجعل القلب ساهيا

ولابـدّ لـي مـن أن أزور محمّداً

بمشمولة صفراء تروي عظاميا(١)

رأي اليافعي:

وعن اليافعي: وأمّا حُكم مَن قتل الحسين، أو أمر بقتله ممّن استحلّ ذلك فهو كافر، وإن لم يستحلّ ففاسق فاجر، والله أعلم(٢) .

رأي القاضي أبي يعلى وابن الجوزي:

قال الآلوسيّ: وقد جزم بكفره - أي يزيد بن معاوية - وصرّح بلعنه جماعة من العلماء، منهم الحافظ ناصر السنّة ابن الجوزي، وسبقه القاضي أبو يعلى(٣) .

رأي الكيا الهراسي:

قال: هو (يزيد) اللاّعب بالنرد، المتصيّد بالفهد، والتارك للصلوات، والمدمن للخمر، والقاتل لأهل بيت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والمصرّح في شعره بالكفر الصريح(٤) .

رأي سبط ابن الجوزي:

قال سبط ابن الجوزيّ - بعد ذكره استناد ابن عقيل

____________________

(١) تذكرة الخواص: ٢٩٠.

(٢) شذرات الذهب ١/ ٦٨.

(٣) تفسير روح المعاني ٢٦/ ٧٢.

(٤) جواهر المطالب ٢/ ٣٠١.


بأشعار يزيد على كفره وزندقته(١) - قلت: ومنها قوله:

ولو لم يمسَّ الأرض فاضل بردها

لما كان عندي مَسحة في التيمّم

ومنها: لما بدت تلك الحمول وأشرقت - وقد ذكرناها -.

ومنها قوله:

مـعشر الـنُّدمان قوموا

واسمعوا صوت الأغاني

واشـربوا كـأس مدام

واتـركوا ذكر المغاني

أشـغلتْني نغمة العيدان

عن صـوت الأذانِ

وتـعوّضتُ عن الحور

خـموراً فـي الـدنان

إلى غير ذلك ممّا نقلتُه من ديوانه، ولهذا تطرّق إلى هذه الأُمّة العار بولايته عليها، حتّى قال أبو العلاء المعرّي - يُشير بالشنار إليها -:

أرى الأيّام تفعل كلّ نُكر

فما أنا في العجائب مُستزيد

أليس قريشكم قتلت حسيناً

وكان على خلافتكم يزيد

رأي ابن عساكر:

حُكي عن ابن عساكر أنّه قال: نُسب إلى يزيد قصيدة منها:

لـيت أشـياخي ببدرٍ شهدوا

جزع الخزرج من وقع الأسل

لـعبت هـاشم بـالملك فلا

مَـلَكٌ جـاء ولا وحيٌ نزل

فإن صحّت عنه فهو كافر بلا ريب، انتهى معناه(٢) .

رأي الأجهوري:

قال: وقد اختار الإمام محمّد بن عرفة والمحقّقون من أتباعه

____________________

(١) تذكرة الخواص: ٢٩١.

(٢) شذرات الذهب ١/ ٦٨.


كفر الحجّاج، ولا شكّ أنّ جريمته كجريمة يزيد، بل دونها(١) .

رأي السعد التفتازاني:

قال: والحقّ أنّ رضى يزيد بقتل الحسين، وإهانته أهل بيت رسول الله ممّا تواتر معناه، وإن كانت تفاصيله آحاداً، فنحن لا نتوقّف في شأنه، بل في إيمانه، فلعنة الله عليه، وعلى أنصاره، وعلى أعوانه.

قال الشبراويّ: وقول السعد: بل في إيمانه. أي بل لا نتوقّف في عدم إيمانه، بقرينة ما بعده وما قبله(٢) .

رأي الحافظ البدخشاني:

قال: وجعل (يزيد) ينكت رأسه ( الحسينعليه‌السلام ) بالخيزران، وأنشد أبيات ابن الزبعرى: ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا إلى آخره، والأبيات مشهورة، وزاد فيها بيتين مُشتملين على صريح الكفر(٣) .

رأي الشبراوي:

قال - بعد ذكر تمثّل يزيد بأشعار ابن الزبعرى -: خزّاه الله في هذه الأبيات، إن كانت صحيحة، فقد كفر فيها بإنكار الرسالة(٤) .

رأي الآلوسي:

قال في تفسيره: وفي تاريخ ابن الوردي، وكتاب الوافي بالوفيات: أنّ السبي لما ورد من العراق على يزيد خرج فلقي الأطفال والنساء من ذرّية عليّ والحسين (رضي الله تعالى عنهما)، والرؤوس على أطراف الرماح، وقد أشرفوا على ثنيّة جيرون، فلما رآهم نعب غراب، فأنشأ يقول:

لما بدتْ تلك الحمول وأشرفتْ

تلك الرؤوس على شفا جيرون

نعب الغراب فقلت قل أو لا تقل

فقد اقتضيت من الرسول ديوني

____________________

(١) الإتحاف بحُبّ الأشراف: ٦٧.

(٢) الإتحاف بحُبّ الأشراف: ٦٢، تفسير روح المعاني ٢٦/ ٧٢.

(٣) نزل الأبرار: ١٥٩.

(٤) الإتحاف بحُبّ الأشراف: ٥٧.


يعني أنّه قتل بمَن قتله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم بدر، كجدّه عتبة وخالد ولد عتبة وغيرهما، وهكذا كفر صريح، فإذا صحّ عنه فقد كفر به، ومثله تمثّله بقول عبد الله بن الزبعرى قبل إسلامه: ليت أشياخي... الأبيات..

رأي عبد الباقي أفندي العمري:

أشار إلى أبيات يزيد، شاعرُ العراق عبد الباقي أفندي العمري، فيما حُكي عن الباقيات الصالحات بقوله:

نقطع في تكفيره إن صحّ ما

قد قال للغراب لما نعبا(١)

تأمُّل ابن حجر:

تأمَّل ابن حجر في صواعقه، واتّخذ طريقاً آخر حول هذه المسألة، قال: ( اعلم أنّ أهل السنّة اختلفوا في تكفير يزيد بن معاوية ووليِّ عهده من بعده، فقالت طائفة: إنّه كافر؛ لقول سبط ابن الجوزي - وغيره المشهور -: إنّه لما جاءه رأس الحسين (رضي الله عنه)، جمع أهل الشام وجعل ينكت رأسه بالخيزران، ويُنشد أبيات ابن الزبعرى: ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا الأبيات المعروفة، وزاد فيهما بيتين مُشتملين على صريح الكفر.. وقالت طائفة: ليس بكافر؛ لأنّ الأسباب الموجبة للكفر لم يثبت عندنا منها شيء، والأصل بقاؤه على إسلامه حتّى يُعلم ما يُخرِجه عنه، وما سبق أنّه المشهور يُعارضه ما حُكي أنّ يزيد لما وصل إليه رأس الحسين قال: رحمك الله يا حسين، لقد قتلك رجل لم يعرف حقّ الأرحام، وتنكّر لابن زياد، وقال: قد زرع لي العداوة في قلب البرّ والفاجر. وردّ نساء الحسين ومَن بقي من بنيه مع رأسه إلى المدينة ليُدفن الرأس بها.

وأنت خبير بأنّه لم يثبت موجب واحدة من المقالتين، والأصل أنّه مُسلم،

____________________

(١) هامش الإتحاف: ٥٦.


فنأخذ بذلك الأصل حتّى يثبت عندنا ما يوجب الإخراج عنه؛ ومن ثَمّ قال جماعة من المحقّقين: إنّ الطريقة الثابتة القويمة في شأنه، التوقّف فيه وتفويض أمره إلى الله سبحانه؛ لأنّه العالم بالخفيّات والمطّلع على مكنونات السرائر وهواجس الضمائر، فلا نتعرّض لتكفيره أصلاً؛ لأنّ هذا هو الأحرى والأسلم، وعلى القول: بأنّه مسلم، فهو فاسق شرّير، سكّير جائر، كما أخبر به النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )(١) .

نقول: إنّ هذه الطريقة غير قويمة؛ وذلك لعدّة أمور:

أوّلاً: إنّه بعدما نقل المؤلّف الشهرة في المقام عن سبط ابن الجوزيّ وغيره، بزيادة يزيد بيتين مُشتملين على صريح الكفر، فلا مجال له أن يقول: والأصل أنّه مسلم، فنأخذ بذلك حتى يثبت عندنا ما يوجبه الإخراج.

فأيّ موجب أدلّ من كلامه الصريح، ولو لا التواتر في النقل فالشهرة القائمة كافية لإثبات ذلك، كما نقلها؟!

أضف إلى ذلك ما قاله الآلوسي: ( وما صدر منه من المخازي، ليس بأضعف دلالة على عدم تصديقه من إلقاء ورقة من المصحف الشريف في قذر )(٢) .

ثانياً: وأمّا ما ادّعاه من تعارض الشهرة بالمحكي - مع فرض صحّة المحكيّ - فلا تعارض في البين؛ لأنّنا نقول: إنّه تمثّل بالأبيات، وزاد فيها البيتين المشتملين على صريح الكفر، ومع ذلك لما رأى انقلاب الأمر وتغيّر الأوضاع، وخاف الفتنة، ورأى الزلزال في مُلكه تفوّه بهذه الكلمات؛ والدليل على ذلك ما نقله المؤلّف في هذه المقالة، أنّ يزيد تنكّر لابن زياد وقال: ( قد زرع لي العداوة في قلب البرّ والفاجر )، هذا يؤيّد أنّه اتّخذ هذا الموقف بعدما ثبت لديه استنكار الرأي العام.

____________________

(١) الصواعق المحرقة: ٣٣٠.

(٢) تفسير روح المعاني ٢٦/ ٧٣. سيأتي قوله تفصيلاً في رأيه في لعن يزيد.


ثالثاً: إنّ الاحتياط في المسألة أن يتّخذ الإنسان موقفاً مناسباً في هذه المأساة الكبرى، إنّها فاجعة قتل الحسينعليه‌السلام ، الذي بكى الرسول على قتله قبل مقتله كراراً، ولعن قاتله مراراً، فما فعله ابن الحجر من الاحتياط هو خلاف الاحتياط.

توقّف البيهقي:

ذكر الخوارزميّ: قال شيخ السنّة أحمد بن الحسين، حول تمثّل يزيد بأبيات ابن الزبعرى: وآخر كلام يزيد لا يُشبه أوّله، ولم أكتبه من وجه يثبت مثله، فإن كان قاله فقد ضَمَّ إلى فعل الفجّار - في قتل الحسين وأهل بيته - أقوال الكفّار )(١) .

علّق العلاّمة المحمودي عليه بهذا الكلام:

( أقول: إنّ البيهقي لم يُعجبه أن يُفتّش عن كفر إمامه، كي يثبت له كفره، ويفتضح عند العقلاء، ولو كان بذل جهده حول أقوال يزيد لكان يثبت له أنّه قال بالكفر مراراً، كما عمل بأعمال الكفّار مراراً )(٢) .

مع مجاهد: ذكر سبط ابن الجوزي أنّ مجاهد قال حول أبيات ( لعبت هاشم بالملك فلا ): نافق(٣) .

وفي مقتل الخوارزمي أنّه قال: فلا نعلم الرجل إلاّ قد نافق في قوله هذا(٤) .

وللعلاّمة المحمودي تعليق في المقام أعجبني ذكره، قال:

( النفاق: هو إظهار الإيمان وإبطان الكفر وإسراره، فإن كان قول يزيد:

لعبتْ هاشم بالملك فلا

خبرٌ جاء ولا وحيٌ نزل

____________________

(١) مقتل الخوارزمي ٢/ ٥٩.

(٢) عبرات المصطفين ٢/ ٢٩١.

(٣) تذكرة الخواص: ٢٦١.

(٤) مقتل الخوارزمي ٢/ ٥٨.


هو إظهار الإيمان، فما هو إظهار الكفر والإعلان به؟! وهل فرق بين قول يزيد هذا في كونه صريحاً بالكفر ببعث الرسول، وبين قول الدهريّين الذي حكى الله تعالى عنهم بقوله:( مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ) (١) ؟! فكما أنّ هذا القول من الدهريّين صريح في إنكار المبدأ، كذلك قول يزيد صريح في إنكار الرسالة التي هي الركن الثاني من الدِّين، وكذلك ما حكاه الله عزّ وجلّ عن فرعون في قوله:( ... أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى ) (٢) ، وهل يمكن لمن يعرف العربية ومعنى الكفر والنفاق أن يقول: إنّ هذا القول من فرعون ليس صريحاً في الكفر، وإنّما هو نفاق، أي إبطان الكفر؟! وما أظنّ الفرق بين الأمرين غمض على مجاهد، أو لم يعرف الفرق بينهما!

الظاهر أنّه حينما تكلّم بهذا الكلام، وفسّر الكفر الصريح بالنفاق، كان في جوّ من المعاندين التابعين للنزعات الأُمويّة، ففسّر الكفر الصريح بالكفر غير الصريح، المسمّى بالنفاق كي يستريح من مُشاغبتهم ومُجادلتهم الجاهلية. والأمر واضح غير محتاج إلى التطويل )(٣) .

جوره:

إنّ حكومة آل أبي سفيان قامت على أساس الجور والعدوان، ونجد ذروة ذلك في زمن مُلك يزيد بن معاوية؛ لأنّ اللعين لم تدُمْ سلطته إلاّ ثلاث سنين، قتل في السنة الأُولى منها الإمام الحسين وأصحابهعليهم‌السلام ، وفي السنة الثانية غزا المدينة المنوّرة، وأباحها على جنده ثلاثاً، وهم بجوار قبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله - وسُمّيت بوقعة الحرّة - وفي الثالثة منها هدم الكعبة،

أمّا مأساة كربلاء، فقد قرأت تفاصيلها. وأمّا

____________________

(١) الجاثية: ٢٤.

(٢) النازعات: ٢٤.

(٣) عبرات المصطفين ٢/ ٢٩٢.


وقعة الحرّة وقضايا ابن الزبير، فتفاصيلها خارجة عن عهدة هذا الكتاب، إلاّ أنّنا نذكر نُبذة عن صفحة تاريخه السوداء في وقعة الحرّة.

قال سبط ابن الجوزيّ: ( وذكر المداينيّ في كتاب الحرّة عن الزهريّ قال: كان القتلى يوم الحرّة سبعمئة من وجوه الناس، من قريش والأنصار والمهاجرين ووجوه الموالي، وأمّا من لم يُعرف، من عبدٍ أو حرٍّ أو امرأة فعشرة آلاف، وخاض الناس في الدماء حتّى وصلت الدماء إلى قبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وامتلأت الروضة والمسجد.

قال مجاهد: التجأ الناس إلى حُجرة رسول الله ومنبره، والسيف يعمل فيهم..

وذكر أيضاً المداينيّ عن أبي قرّة قال: قال هشام بن حسّان: ولدت ألف امرأة بعد الحرّة من غير زوج.

وغير المدايني يقول: عشرة آلاف امرأة.

قال الشعبيّ: أليس قد رضي يزيد بذلك وأمر به، وشكر مروان بن الحَكم على فعله؟! )(١) .

يقول ابن قتيبة: ( فوجّه يزيد مسلم بن عقبة المري في جيش عظيم لقتال ابن الزبير، فسار بهم حتّى نزل المدينة، فقاتل أهلها وهزمهم، وأباحها ثلاثة أيّام، فهي وقعة حرّة )(٢) .

وقال اليعقوبي: ( فوجّهه في خمسة آلاف إلى المدينة، فأوقع بأهلها وقعة الحرّة، فقاتله أهل المدينة قتالاً شديداً.. حتى دخلتُ المدينة فلم يبقَ بها كثير أحد إلاّ قُتل، وأباح حرم رسول الله حتّى وَلدت الأبكار لا يُعرف مَن أولدهنّ )(٣) .

وقال ابن حجر: ( فأرسل إليهم مسلم بن عقبة المري، وأمره أن يستبيح

____________________

(١) تذكرة الخواص: ٢٨٩، وبعضه في الردّ على المتعصّب العنيد: ٥٤.

(٢) المعارف: ١٩٨.

(٣) تاريخ اليعقوبي ٢: ٢٥٠.


المدينة ثلاثة أيّام، وأن يُبايعهم على أنّهم خَوَل وعبيد ليزيد، فإذا فرغ منها نهض إلى مكّة لحرب ابن الزبير، ففعل بها مسلم الأفاعيل القبيحة، وقتل بها خلقاً من الصحابة وأبنائهم وخيار التابعين، وأفحش القضية إلى الغاية... )(١) .

وقال ابن الجوزيّ: ( فأباحها مسلم بن عقبة ثلاثاً، يقتلون الرجال ويقعون على النساء! وحكّمتْ امرأةٌ مسلم بن عقبة في ولدها وكان قد أُسر فقال: عجّلوه لها. فضُرِبتْ عنقه، ثمّ دعا مسلم الناس إلى البيعة ليزيد وقال: بايعوا على أنّكم خَوَل له وأموالكم له!

فقال يزيد بن عبد الله بن زمعة: نُبايع على كتاب الله. فأمر به فضُرب عُنقه، وجيء بسعيد بن المسيّب إلى مسلم فقالوا: بايع.

فقال: أُبايع على سيرة أبي بكر وعمر!

فأمر بضرب عنقه، فشهد رجل أنه مجنون، فخلّى عنه.

وذكر محمّد بن سعد في الطبقات: أنّ مروان بن الحَكم يُحرّض مسلم بن عقبة على أهل المدينة ونهبها ثلاثاً، فلما قدم مروان على يزيد شكر له وأدناه... ).

ثمّ قال ابن الجوزي: ( مَن أراد أن ينظر إلى العجائب، فلينظر إلى ما جرى يوم الحرّة على أهل المدينة بإطلاق يزيد أصحابه في النّهب )(٢) .

وقال الشبراوي: ( إنّ يزيد بن معاوية قال لمسلم بن عقبة: إذا ظفرت بالمدينة، فخلّها للجيش ثلاثة أيّام، يسفكون الدماء، ويأخذون الأموال، ويفسقون بالنساء )(٣) .

وقال ابن قتيبة: ( فبلغ عدّة قتلى الحرّة يومئذٍ من قريش والأنصار والمهاجرين ووجوه الناس ألفاً وسبع مئة، وسائرهم من الناس عشرة آلاف، سوى النساء والصبيان، ذكروا أنّه قُتل يوم الحرّة من أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمانون

____________________

(١) أُنظر تهذيب التهذيب ١١/ ٢١٤، رقم ٨١٠٠.

(٢) الردّ على المتعصّب العنيد: ٥٤.

(٣) الإتحاف بحُبّ الأشراف: ٦٥.


رجلاً ولم يبقَ بدريّ بعد ذلك، ومن قريش والأنصار سبعمئة، ومن سائر الناس من الموالي والعرب والتابعين عشرة آلاف، وكانت الوقعة في ذي الحجّة لثلاث بقين منها ثلاث وستّين )(١) .

وفي البدء والتاريخ: (فجاء مسلم بن عقبة فأوقع بالمدينة، وقتل أربعة آلاف رجل من أفناء الناس، وسبعين رجلاً من الأنصار، وبَقَرَ عن بطون النساء، وأباح الحرم، وأنهب المدينة ثلاثة أيّام )(٢) .

هذا بالنسبة إلى المدينة، وأمّا مكّة، فقد قال المسعودي: ( ولما نزل بأهل المدينة ما وصفنا من القتل والنهب والرقّ والسبي، وغير ذلك ممّا عنه أعرضنا من مُسرِفٍ، خرج عنها يريد مكّة في جيوشه من أهل الشام؛ ليوقع بابن الزبير وأهل مكّة بأمر يزيد، وذلك في سنة أربع وستّين، فلما انتهى إلى الموضع المعروف بقديد مات مُسرِف لعنه الله، واستخلف على الجيش الحصين بن نمير، فسار الحصين حتّى مكّة وأحاط بها، وعاذ ابن الزبير بالبيت الحرام... ونصب الحصين فيمَن معه من أهل الشام المجانيق والعرادات على مكّة والمسجد من الجبال والفجاج، وابن الزبير في المسجد. فتواردت أحجار المجانيق والعرادات على البيت، ورُمي مع الأحجار بالنار والنفط ومشاقات الكتّان وغير ذلك من المحروقات، وانهدمت الكعبة واحترقت البَنيَّة... )(٣) .

وقال ابن قتيبة الدينوريّ: ( وحاصروا عبد الله بن الزبير، وأُحرقت الكعبة حتّى انهدم جدارها وسقط سقفها... )(٤) .

____________________

(١) الإمامة والسياسة ١/ ٢١٥.

(٢) البدء والتاريخ ٦/ ١٤.

(٣) مروج الذهب ٣/ ٧١.

(٤) المعارف: ١٩٨.


لعنه:

اللعن: الطّرد من الرحمة، قال تعالى:( ... لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ... ) (١) ، أي أبعدهم وطردهم من الرحمة(٢) ، وأصل اللعن الطرد والإبعاد من الله، ومن الخلق السبّ والدّعاء(٣) .

يمكن الاستدلال على جواز لعن يزيد بعدّة أُمور:

١. التمسّك بعموم وإطلاق بعض الآيات القرآنية:

منها: قوله تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً ) (٤) . ولا شكّ أنّ إيذاء الحسين إيذاء للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فكيف بقتله؟!(٥) .

ومنها: قوله تعالى: ( وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً ) (٦) .

إذا كانت لعنة الله وعذابه العظيم تشمل مَن يقتل مؤمناً مُتعمّداً، فكيف بمَن

____________________

(١) البقرة: ٨٨.

(٢) مجمع البحرين ٤/ ١٢٤، مادّة لعن.

(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر ٤/ ٢٥٥ - عنه سفينة البحار ٢/ ٥١٢.

(٤) الأحزاب: ٥٧.

(٥) قال الزرندي المتوفّى سنة ٧٥٠ في نظم درر السمطين ٢٣٢: وروى علي عن درّة بنت أبي لهب، وفي رواية أبي هريرة: أنّ صبية بنت أبي لهب جاءت إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فقالت: يا رسول الله، إنّ الناس يصيحون بي ويقولون أنت بنت حطب الله، قالت: خرج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله مُغضباً حتّى استوى على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال:( ما بال رجال يؤذوني في أهل بيتي، والذي نفسي بيده، لا يؤمن عبد حتّى يُحبّني، ولا يُحبّني حتّى يُحبّ فيَّ ذرّيّتي، فما لي أُوذى؟! ) .

قالوا: نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله، وفي رواية:( ما بال أقوام يؤذوني في قرابتي؟! ألا مَن آذاني في قرابتي فقد آذاني، ومَن آذاني فقد آذى الله ) انتهى.

أقول: إذا كان الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله يغضب لما حصل في إيذاء بنت أبي لهب لساناً، فكيف لا يحصل ذلك بالنسبة إلى ما جرى في حقّ ابن بنته وأهل بيته لساناً وسناناً؟!

(٦) النساء: ٩٣.


يقوم بقتل الحسينعليه‌السلام وهو سبط الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وثمرة البتولعليها‌السلام ، الذي قال جدّه في حقّه:( حسين منّي وأنا من حسين، أحبّ الله مَن أحبّ حسيناً ) (١) ؟ !

وقوله تعالى:( وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً ) (٢) .

ويزيد هو من الشجرة الملعونة في القرآن؛ قال السيوطي في الدرّ المنثور: ( أخرج ابن أبي حاتم، عن يعلى بن مرّة قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( أُريت بني أُميّة على منابر الأرض وسيتملّكونكم فتجدونهم أرباب سوء ). واهتمّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لذلك فأنزل الله:( ... وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ... ) (٣) .

وعن كتاب المعتضد: لا خلاف بين أحد أنّه تبارك وتعالى أراد بها بني أميّة(٤) .

ومنها: قوله تعالى:( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ) (٥) .

ولا ريب أنّ يزيد هو من أكابر المفسدين في الأرض، بعد قتل الإمام الحسينعليه‌السلام وأصحابه بكربلاء، وأمره ورضاه بذلك ووقعة الحرّة وهدم الكعبة، فإذا لم يكن هذا إفساداً في الأرض فلا يبقى للفساد أيّ معنى! فيشمله لعن الله طبقاً لهذه الآية الشريفة.

وعدّه أحمد بن حنبل من مصاديق المفسدين في الأرض، بتمسّكه بهذه الآية المباركة(٦) .

____________________

(١) مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي ١/ ٢١٣ ط دار أنوار الهدى و...

(٢) الإسراء: ٦٠.

(٣) الدرّ المنثور ٤/ ١٩١.

(٤) سفينة البحار ٢/ ٥١٤ (مادّة لعن).

(٥) محمّد: ٢٢ - ٢٣.

(٦) الردّ على المتعصّب العنيد: ١٦.


٢. التمسّك بعموم بعض الأحاديث:

منها: ما روي عن عليّعليه‌السلام قال: قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله :( سبعة لعنهم الله وكلّ نبيّ مُجاب: المغيّر لكتاب الله، والمكذّب بقدر الله، والمبدّل سنّة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، والمستحلّ من عترتي ما حرّم الله عزّ وجلّ، والمتسلّط في سلطنة ليُعزّ مَن أذلّ الله ويُذلّ مَن أعزّ الله، والمستحلّ لحرم الله، والمتكبّر على عبادة الله عزّ وجلّ ) (١) .

ولا ريب أنّ موارد ممّا ذكر آنفاً مُطبّقة على يزيد، مثل ما روى ابن حجر عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال:( أوّل مَن يُبدّل سنّتي رجل من بني أُميّة، يُقال له: يزيد ) (٢) .

ومنها: ما روى البخاريّ، بإسناده عن أنس، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال:( المدينة حرم من كذا إلى كذا، لا يُقطع شجرها ولا يُحدَث فيها حدث، مَن أحدث حدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ) (٣) .

ومنها: ما رواه أحمد، بإسناده عن إبراهيم التيمي، عن أبيه قال: خطبَنا عليّ فقال:(... قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : المدينة حرم ما بين عِيْر إلى ثور، فمَن أحدث فيها حدثاً أو آوى مُحدِثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة عدلاً ولا صرفاً... ) (٤) .

ومنها: ما روي مسنداً عن السائب بن خلاّد، أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال:( مَن أخاف أهل المدينة أخافه الله عزّ وجلّ، وعليه لعنه الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً ) (٥) .

____________________

(١) سفينة البحار ٢/ ٥١٢. وقريب منه: المعجم الطبراني ٣/ ح١١٦.

(٢) الصواعق المحرقة: ٢٣١.

(٣) صحيح البخاري ٣/ ٢٥ (آخر كتاب الحجّ، باب حرم المدينة).

(٤) مسند الإمام أحمد بن حنبل ١/ ٨١.

(٥) مسند الإمام أحمد بن حنبل ٤/ ٥٥ - ٥٦.


ومنها: ما رواه في كفاية الطالب، بإسناده عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :( لما عُرِج بي إلى السماء، رأيت على باب الجنّة مكتوباً: ( لا إله إلاّ إلاّ الله، محمّد رسول الله، عليّ حبّ الله، الحسن والحسين صفوة الله، فاطمة أمَة الله، على باغضهم لعنة الله، مهما ذكر الله ).

ثمّ قال: تفرّد به عليّ بن حمّاد وهو ثقة، وأخرجه محدّث الشام عن محدّث العراق وإمام أهل الحديث(١) .

قال ابن الجوزي: جاء في الحديث لعن مَن فعل ما لا يُقارب معشار عُشر فعل يزيد(٢) .

٣. أقوال العلماء في لعن يزيد:

أحمد بن حنبل:

قال الآلوسي: ( نقل البرزنجي في الإشاعة، والهيثميّ في الصواعق المحرقة، أنّ الإمام أحمد لما سأله ولده عبد الله عن لعن يزيد قال: كيف لا يُلعن مَن لعنه الله في كتابه؟!

فقال عبد الله: قد قرأت كتاب الله عزّ وجلّ فلم أجد فيه لعن يزيد!

فقال الإمام: إنّ الله تعالى يقول:( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ... ) الآية(٣) ، وأيّ فساد وقطيعة أشدّ ممّا فعله يزيد؟! )(٤) .

ابن الفرّاء (٥) :

قال ابن الجوزيّ: ( وصنّف القاضي أبو الحسين محمّد بن القاضي أبي يعلى بن الفرّاء كتاباً فيه بيان مَن يستحقّ اللعن، وذكر فيهم يزيد وقال: الممتنع من ذلك، إمّا أن يكون غير عالم بجواز ذلك أو مُنافقاً يريد أن يوهم بذلك

____________________

(١) كفاية الطالب: ٤٢٣.

(٢) الردّ على المتعصّب العنيد: ١٩.

(٣) محمّد: ٢٢ - ٢٣.

(٤) روح المعاني ٢٦/ ٧٢.

(٥) المولود في شعبان ٤٥١ والمتوفّى في عاشر محرّم سنة ٥٧٦ قتلاً، هو كما عن المنتظم ١٠/ ٢٩ تفقّه وناظَرَ، وكان مُتشدّداً في السنّة، وكذا في هامش الردّ على المتعصّب: ١٨.


وربّما استفزّ الجهّال بقوله: المؤمن لا يكون لعّاناً

قال (القاضي): وهذا محمول على مَن لا يستحقّ اللعن، نقلت هذا من خطّ أبي الحسين وتصنيفه )(١) .

ابن الجوزيّ:

قال ابن الجوزيّ: ( سألني سائل في بعض مجالس الوعظ - عن يزيد بن معاوية، وما فعل في حقّ الحسين صلوات الله عليه، وما أمر به من نهب المدينة - فقال لي: أيجوز أن يُلعن؟

فقلت: يكفيه ما فيه، والسكوت أصلح!

فقال: قد علمت أنّ السكوت أصلح، ولكن هل تُجوِّز لعنه؟

فقلت: قد أجازها العلماء الورعون منهم الإمام أحمد بن حنبل(٢) ، فإنّه ذكر في حقّ يزيد ما يزيد على اللعنة )(٣) .

ورغم عبارة (السكوت أصلح )، لكنّا نرى أنّ ابن الجوزيّ لم يلتزم بذلك فعلاً ولا قولاً، ولعلّه قاله خوفاً على نفسه في تلك الجلسة؛ والدليل عليه ما قاله سبطه في التذكرة: ( قلت: ولما لعنه جدّي أبو الفرج على المنبر ببغداد، بحضرة الإمام الناصر وأكابر العلماء قام جماعة من الجفاة من مجلسه فذهبوا، فقال جدّي:( ... أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ) (٤) .

وقال: ( وحكى لي بعض أشياخنا عن ذلك اليوم، أنّ جماعة سألوا جدّي عن يزيد، فقال: ما تقولون في رجل وليَ ثلاث سنين، في السنة الأُولى قتل الحسين، وفي الثانية أخاف المدينة وأباحها، وفي الثالثة رمى الكعبة بالمجانيق وهدمها؟! فقالوا: نلعن. فقال: فالعنوه )(٥) .

الأسفراينيّ:

قال: المختار ما ذهب إليه ابن الجوزي، وأبو الحسين القاضي

____________________

(١) الردّ على المتعصّب العنيد: ١٨؛ تذكرة الخواص: ٢٨٧.

(٢) الردّ على المتعصّب العنيد: ٩.

(٣) تذكرة الخواص: ٢٨٧؛ الإتحاف: ٦٣.

(٤ و٥) تذكرة الخواص: ٢٩١.


ومَن وافقهما )(١) .

المقدسيّ:

ومن الذين لعنوا يزيد هو مُطهّر بن طاهر المقدسيّ المتوفّى سنة ٥٠٧ ببغداد، فقد صرّح بلعنه في كتابه البدء والتاريخ(٢) .

السيوطيّ:

قال جلال الدين السيوطي: لعن الله قاتله (أي قاتل الحسين) وابن زياد معه، ويزيد أيضاً، وكان قتله بكربلاء، وفي قتله قصّة فيها طول لا يحتمل القلب ذكرها، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون(٣) .

عبد الكريم بن الشيخ وليّ الدِّين:

قال العلاّمة المحمودي: ومنهم (العلماء المجوّزين للعن يزيد) الشيخ عبد الكريم بن الشيخ ولي الدِّين، مؤلّف كتاب (مجمع الفوائد ومعدن الفرائد)، في ذكر الأحاديث الواردة في الصلاة على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال: ( فمعلوم أنّ يزيد اللعين وأتباعه كانوا من الذين أهانوا أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فكانوا مُستحقّين للغضب والخذلان واللعنة من الملك الجبّار المنتقم يوم القيامة، فعليه وعلى مَن اتّبعه وأحبّه وأعانه ورضّاه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. ثمّ قال: ومَن أراد التفصيل في اللعنة على يزيد، فليُطالع إلى تبيين الكلام، وأمّا منع بعضهم فليس من عدم جوازه، لأنّه جايز بالاتّفاق، بل من خوف السراية إلى أبيه معاوية، كما في شرح المقاصد! )(٤) .

العلاّمة الأجهوري عن شيخ مشايخه:

قال الشبراوي: ( وقال شيخ مشايخنا في حاشية الجامع الصغير، عند قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( أوّل جيش من أُمّتي يركبون البحر

____________________

(١) روح المعاني ٢٦/ ٧٣.

(٢) البدء والتاريخ ٦/ ٦ و٨ و..

(٣) تاريخ الخلفاء: ١٦٥.

(٤) هامش كتاب الردّ على المتعصّب العنيد: ٦ عن كتاب مجمع الفوائد ومعدن الفرائد حوالي ص٢٠.


قد أوجبوا، وأوّل جيش من أُمّتي يغزون مدينة قيصر مغفورٌ لهم ) : هذا يقتضي أنّ يزيد بن معاوية من جملة المغفور لهم!

وأُجيب: بأنّ دخوله فيهم لا يمنع خروجه منهم بدليل خاص، أو أنّ قوله:( مغفور لهم ) مشروط بكونه من أهل المغفرة ويزيد ليس كذلك، حتّى أطلق بعضهم جواز لعنه بعينه؛ لأنّه أمر بقتل الحسين... )(١) .

وفي الحديث المذكور وجوه للنظر، من حيث الصغرى والكبرى وغيرها، لا مجال لذكرها.

الكيا الهراسي:

قال الباعونيّ: ( وسئِل الكيا الهراسي - وهو من كبار الأئمّة - عن لعنه (يزيد بن معاوية)، فقال: لم يكن [يزيد من] الصحابة، ولِد في زمان عمر بن الخطّاب، وركب العظائم المشهورة.

قال: وأمّا قول السلف، ففيه لأحمد قولان تلويح وتصريح، ولمالك أيضاً قولان تصريح وتلويح، ولنا قول واحد وهو التصريح دون التلويح.

قال: وكيف لا، وهو اللاعب بالنرد، المتصيّد بالفهد، والتارك للصلوات، والمدمن للخمر والقاتل لأهل بيت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والمصرّح في شعره بالكفر الصريح؟! )(٢) .

التفتازانيّ في شرح العقائد النسفيّة:

( اتّفقوا على جواز اللعن على مَن قتلَ الحسين، أو أمر به، أو أجازه، أو رضي به، قال: والحقّ أنّ رضى يزيد بقتل الحسين، واستبشاره بذلك، وإهانته أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ممّا تواتر معناه، وإن كان تفصيله آحاداً، قال: فنحن لا نتوقّف في شأنه، بل في كفره وإيمانه، لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه )(٣) .

____________________

(١) الإتحاف بحُبّ الأشراف: ٦٢.

(٢) جواهر المطالب ٢/ ٣٠١.

(٣) شذرات الذهب ١/ ٦٨؛ نُزل الأبرار: ١٦٢.


السمهوديّ:

قال الشبراوي: ( وقال السيّد السمهوديّ في جواهر العقدين: اتّفق العلماء على جواز لعن مَن قتل الحسين(رضي الله عنه)، أو أمر بقتله، أو أجازه، أو رضي به من غير تعيين... )(١) .

البدخشاني:

قال في نُزل الأبرار: (... ويتحقّق أنّه - يزيد - لم يندم على ما صدر منه، بل كان مُصرّاً على ذنبه، مُستمرّاً في طغيانه، إلى أن أقاد منه المنتقم الجبّار، وأوصله إلى دركات النار، والعجب من جماعة يتوقّفون في أمره، ويتنزّهون عن لعنه، وقد أجازه كثير من الأئمّة منهم ابن الجوزيّ، وناهيك به علماً وجلالة... )(٢) .

عبد الباقي أفندي:

قال الآلوسي: ويُعجبني قول شاعر العصر، ذو الفضل الجليّ عبد الباقي أفندي العمريّ الموصليّ، وقد سُئل عن لعن يزيد اللعين:

يزيد على لعني عريضٌ جنابه

فأغدو به طول المدى ألعن اللعنا(٣)

الآلوسيّ:

( الذي يغلب على ظنّي، أنّ الخبيث لم يكن مُصدّقاً برسالة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأنّ مجموع ما فعل مع أهل حرم الله تعالى وأهل حرم نبيّه عليه الصلاة والسلام وعترته الطيّبين الطاهرين في الحياة وبعد الممات، وما صدر منه من المخازي، ليس بأضعف دلالة على عدم تصديقه من إلقاء ورقة من المصحف الشريف في قذر، ولا أظنّ أنّ أمره كان خافياً على أجلّة المسلمين إذ ذاك، ولكن كانوا مغلوبين مقهورين، لم يسعهم إلاّ الصبر، ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، ولو سُلِّم أنّ الخبيث كان مسلماً، فهو مسلم جمع من الكبائر ما لا يُحيط به نطاق البيان، وأنا

____________________

(١) الإتحاف بحُبّ الأشراف: ٦٣.

(٢) نُزل الأبرار: ١٦٠.

(٣) روح المعاني ٢٦/ ٧٣.


أذهب إلى جواز لعن مثله على التعيين، ولو لم يتصوّر أن يكون له مِثْل من الفاسقين، والظاهر أنّه لم يتُبْ، واحتمال توبته أضعف من إيمانه، ويُلحق به ابن زياد وابن سعد وجماعة، فلعنة الله عزّ وجلّ عليهم أجمعين، وعلى أنصارهم وأعوانهم وشيعتهم، ومَن مال إليهم إلى يوم الدِّين، ما دمعت عين على أبي عبد الله... ومَن كان يخشى القال والقيل من التصريح بلعن ذلك الضلّيل فليقل: لعن الله عزّ وجلّ مَن رضي بقتل الحسين ومَن آذى عترة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بغير حقّ ومَن غصبهم حقّهم. فإنّه يكون لاعناً له؛ لدخوله تحت العموم دخولاً أوّلياً في نفس الأمر، ولا يُخالف أحد في جواز اللعن بهذه الألفاظ ونحوها سوى ابن العربي المارّ ذكره وموافقيه، فإنّهم - على ظاهر ما نُقِل عنهم - لا يُجوّزون لعن مَن رضي بقتل الحسين (رضي الله تعالى عنه)، وذلك - لعَمْرِي - هو الضلال البعيد، الذي يكاد يزيد على ضلال يزيد )(١) .

قتله الإمام الحسينعليه‌السلام :

إنّ قتل الحسينعليه‌السلام مصيبة لا مصيبة أعظم منها، كيف لا، وهو من الخمسة الذين قال لهم الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله :( أنا سلمٌ لمن سالمتم وحربٌ لمن حاربتم ) (٢) .

جزاء قاتل الحسينعليه‌السلام وأوصافه في الروايات:

لقد جاءت في شأن قاتل الحسينعليه‌السلام وأوصافه وعذابه روايات دالّة على عمق المأساة، نذكر بعضها:

روى ابن المغازلي، بإسناده عن أبي أحمد بن عامر، عن عليّ بن موسى الرضا،

____________________

(١) روح المعاني ٢٦/ ٧٢ - ٧٤.

(٢) فرائد السمطين ٢/ ٣٨ ح٣٧٣، وفي الصواعق المحرقة ٢٨٤ ح١٦: أخرج الترمذي وابن ماجه وابن حبّان والحاكم أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال:( أنا حرب لمن حاربهم وسلمٌ لمن سالمهم ) .


عن آبائه عن عليّعليهم‌السلام قال:( قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ قاتل الحسين في تابوتٍ من نار مُنكّس في النار، حتّى يقع في قعر جهنّم، وله ريح يتعوّذ أهل النار إلى ربّهم عزّ وجلّ من شدّة ريح نتنه، وفيها خالد ذائق العذاب الأليم، لا يُفتَّر عنه ساعة ويُسقى من حميم، الويل له من عذاب الله عزّ وجلّ ) (١) .

وروي عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال:( إنّ موسى بن عمران سأل ربّه فقال: يا ربّ، إنّ أخي هارون مات فاغفر له، فأوحى الله إليه: يا موسى، لو سألتني في الأوّلين والآخرين لأجبتك ما خلا قاتل الحسين بن علي بن أبي طالب عليه‌السلام ، فإنّي أنتقم له من قاتله ) (٢) .

روى الخوارزمي اعتراض حبر من الأحبار في مجلس يزيد، اعترض على يزيد في قتله الحسينعليه‌السلام ، فأمر يزيد به فوجئ في حلقه ثلاثاً، فقام الحبر وهو يقول: إن شئتم فاقتلوني وإن شئتم فذروني، إنّي أجد في التوراة: مَن قتل ذريّة نبيّ فلا يزال ملعوناً أبداً ما بقي، فإذا مات أصلاه الله نار جهنّم(٣) .

روي عن القندوزي قال: عليعليه‌السلام رفعه:( يقتلُ الحسينَ شرُّ هذه الأُمّة ) (٤) .

وعن مودّة القُربى، عن عليّعليه‌السلام قال:( قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يقتل الحسين شرُّ هذه الأُمّة، ويتبرّأ الله منهم ومَن والاهم وممّن يكفر بي ) (٥) .

____________________

(١) مناقب علي بن أبي طالب ٦٦، ح٩٥. وروح نحوه الخوارزمي في مقتله ٢/ ٨٢، وبعضه الشبراوي في الإتحاف: ٧٤ وغيرهم.

(٢) عيون أخبار الرضا ٢/ ٤٧ ح١٧٩، ذيل اللئالي: ٧٦، على ما في إحقاق الحقّ ١١/ ٣٢٤؛ فرائد السمطين ٢/ ٢٦٣ ح٥٣١؛ مقتل الخوارزمي ٢/ ٨٥؛ انظر: مفتاح النجا (للبدخشي) ١٣٦.

(٣) مقتل الخوارزمي ٢/ ٧١.

(٤) ينابيع المودّة: ٢٦٢ ط اسلامبول على ما في إحقاق الحقّ ١١/ ٣٧١.

(٥) مودّة القربى: ١١١ ط لاهور، على ما في إحقاق الحقّ ١١/ ٣٧١.


وعن المتّقي الهندي: روى ابن عساكر، عن أُمّ سلمة: أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال:( إنّ جبرئيل أخبرني أنّ ابني هذا يُقتل، وأنّه اشتدّ غضب الله على مَن يقتله ) (١) .

وعن ابن سعد، عن عائشة: أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال:( إنّ جبرئيل أراني التربة التي يُقتل عليها الحسين، فاشتدّ غضب الله على مَن يسفك دمه، فيا عائشة، والذي نفسي بيده، إنّه ليحزنني. فمَن هذا مِن أُمّتي يقتل حسيناً بعدي؟! ) (٢) .

روى الخطيب في تاريخه، بإسناده عن جابر بن عبد الله، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال للحسينعليه‌السلام :( لعن الله قاتلك ) .

قال جابر: فقلت يا رسول الله، ومَن قاتله؟

قال:( رجل من أُمّتي يُبغض عترتي لا يناله شفاعتي، كأنّي بنفسه بين أطباق النيران يرسب تارةً ويطفو أُخرى، وأنّ جوفه ليقول: عِقْ عِقْ ) (٣) .

وروى الخوارزمي، عن أبي برزة الأسلمي أو غيره من الصحابة أنّه قال ليزيد:

أشهد لقد رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يرشف ثناياه وثنايا أخيه الحسن ويقول:( إنّهما سيّدا شباب أهل الجنّة، قتل الله قاتلهما ولعنه، وأعدّ له جهنّم وساءت مصيراً ) (٤) .

وقال: قال ابن عبّاس: خرج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قبل موته بأيّام إلى سفر له، ثمّ رجع وهو مُتغيّر اللون مُحمرّ الوجه، فخطب خُطبة بليغة موجزة، وعيناه تهملان دموعاً، قال فيهما:( أيّها الناس، إنّي خلّفت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي... ) ، فساق الخُطبة إلى أن قال:( ألا وإنّ جبرئيل قد أخبرني بأنّ أُمّتي تقتل ولدي الحسين بأرض كربٍ وبلاء، ألا فلعنة الله على قاتله وخاذله آخر الدهر ) (٥) .

____________________

(١ و٢) إحقاق الحقّ ١١/ ٣٦١ عن كنز العمّال ١٣/ ١١٢ط حيدر آباد دكن.

(٣) تاريخ بغداد ٣/ ٢٩٠؛ لسان الميزان ٥/ ٣٧٧؛ إحقاق الحقّ ١١/ ٣٢٣.

(٤) مقتل الخوارزمي ٢/ ٥٧.

(٥) مقتل الخوارزمي ١/ ١٦٤، عنه إحقاق الحقّ ١١/ ٣٦٤.


ومنها: ما ذكر من حديث أُمّ الفضل بنت الحارث، حين أدخلت حسيناً على رسول الله، فأخذه رسول الله صلّى الله عليه وبكى، وأخبرها بقتله، إلى أن قال: ثمّ هبط جبرئيل معه قبضة من تربة الحسين تفوح مسكاً أذفر، فدفعها إلى النبيّ وقال:( يا حبيب الله، هذه تربة ولَدك الحسين بن فاطمة، وسيقتله اللعناء بأرض كربلاء ) .

فقال النبيّ:( حبيبي جبرئيل، وهل تُفلح أُمّة تقتل فرخي وفرخ ابنتي؟! ) .

فقال جبرئيل:( لا، بل يضربهم الله بالاختلاف، فتختلف قلوبهم وألسنتهم آخر الدهر ) ... إلى أن قال: ثمّ أخذ النبيّ تلك القبضة التي أتاه بها الملك، فجعل يشمّها ويبكي ويقول في بكائه:( اللّهم، لا تُبارك في قاتل ولدي، وأصله نار جهنّم ) (١) .

يزيد هو القاتل:

لا شكّ أنّ الفعل كما ينسب إلى المباشر، ينسب إلى المسبّب، يقال: فتح الأمير البلد. وإن لم يحضر المعركة، بل حصل الفتح على يد جنده، ولكن يُنسب إلى أميرهم لكونه الآمر.

وفي مأساة كربلاء، نجد أدلّة قويّة على أنّ يزيد هو القاتل؛ باعتبار أنّه هو الذي أمر بقتل الحسينعليه‌السلام والقتال معه.

فتحصّل؛ أنّ جميع ما روي حول قاتل الحسين، وخذلانه في الدّنيا، وعقابه في العقبى يشمل يزيد؛ لكونه الآمر الأعلى، وبصفته أمير قَتَلَة الحسينعليه‌السلام ، فما شأن عبيد الله بن زياد إلى يزيد إلاّ كنسبة شمر وعمر بن سعد إلى عبيد الله بن زياد، فيشمله العنوان.

هذا، وثَمَّ شواهد تاريخية مُهمّة تُثبت الموضوع.

الشواهد التاريخية:

عندما يتفحّص المتتبّع صفحات التاريخ، يجد هناك أدلّة كافية لإثبات الموضوع، نُشير إلى بعضها:

____________________

(١) المصدر ١/ ١٦٢.


أمْرُه الوليد بن عتبة بقتل الحسينعليه‌السلام :

إنّ يزيد أمر الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، عامله على المدينة بقتل الحسينعليه‌السلام ، وإرسال رأسه الشريف إليه إن لم يُبايع، ولعلّ هذا أوّل مُبادرة لقتل الإمامعليه‌السلام .

قال اليعقوبي: ( كتب (يزيد) إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وهو عامله على المدينة: إذا أتاك كتابي هذا فأحضِر الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير، فخذهما بالبيعة لي، فإن امتنعا فاضرب أعناقهما، وابعث لي برؤوسهما، وخُذْ الناس بالبيعة، فمَن امتنع فأنفذ فيه الحُكم وفي الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير، والسلام )(١) .

مسألة اغتيال الإمام الحسينعليه‌السلام في موسم الحجّ:

إنّ يزيد أمر باغتيال الإمامعليه‌السلام في موسم حجّ عام ٦٠ من الهجرة، قال العلاّمة المجلسي: ( ولقد رأيت في بعض الكُتب المعتبرة، أنّ يزيد أنفذ عمرو بن سعيد بن العاص في عسكر عظيم، وولاّه أمر الموسم، وأمّره على الحاجّ كلّهم، وكان قد أوصاه بقبض الحسينعليه‌السلام سرّاً، وإن لم يتمكّن منه يقتله غيلة، ثمّ إنّه دسّ مع الحاجّ في تلك السنة ثلاثين رجلاً من شياطين بني أُميّة، وأمرهم بقتل الحسينعليه‌السلام على أيّ حال اتّفق )(٢) .

وكتب الدكتور حسن إبراهيم حسن: ( وقد قيل: إنّ الحسين كان يعرف ما يُحدق به من خطر إذا بقى في مكّة؛ لأنّ بني أُميّة سوف يتعقّبونه حتّى يقتلوه في الحجاز؛ لذلك آثر أن يكون قتله بعيداً عن البيت الحرام )(٣) .

* رسائل يزيد حول قتل الحسينعليه‌السلام :

إنّه كتب إلى عبيد الله بن زياد بقتال الحسينعليه‌السلام ، وهناك عدّة شواهد:

____________________

(١) تاريخ اليعقوبي ٢/ ٢٤١.

(٢) بحار الأنوار ٤٥/ ٩٩.

(٣) تاريخ الإسلام ١/ ٣٩٩.


منها: ما روى ابن عبد ربّه، عن علي بن عبد العزيز، عن محمّد بن الضحّاك بن عثمان الخزاعي، عن أبيه قال: ( كتب يزيد إلى عبيد الله بن زياد وهو واليه بالعراق: أنّه بلغني أنّ حسيناً سار إلى الكوفة وقد ابتُلي به زمانك بين الأزمان وبلدك بين البلدان، وابتُليتَ به من بين العمّال، وعنده تُعتق أو تعود عبداً... )(١) .

وقال السيوطي: ( وبعث أهل العراق إلى الحسين الرُّسل والكُتب يدعونه إليهم، فخرج من مكّة إلى العراق في عشر ذي الحجّة، ومعه طائفة من آل بيته، رجالاً ونساءً وصبياناً، فكتب يزيد إلى واليه بالعراق عبيد الله بن زياد بقتاله، فوجّه إليه جيشاً أربعة آلاف، عليهم عمر بن سعد بن أبي وقّاص... )(٢) .

وفي نور الأبصار: ( كتب عبيد الله بن زياد إلى الحسين كتاباً يقول فيه: أمّا بعد، فإنّ يزيد بن معاوية كتب إليّ أن لا تفحض [تغمض] جفنك من المنام، ولا تشبع بطنك من الطعام، إمّا أن يرجع الحسين إلى حكمي أو تقتله، والسلام )(٣) .

اعتراف ابن زياد بذلك:

قال مسكويه الرازي: ( إنّه كتب يزيد إلى عبيد الله بن زياد أن اغْزُ ابن الزبير.

فقال: والله، لا أجمعهما للفاسق أبداً، أقتل ابن رسول الله وأغزو البيت؟! )(٤) .

زينب الكبرى تجعل مسؤولية قتل الحسين على عاتق يزيد:

قالتعليها‌السلام في مجلس يزيد: ( أتقول: ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا. غير مُتأثِّم ولا مُستعظم، وأنت

____________________

(١) العقد الفريد ٥/ ١٣٠؛ سير أعلام النبلاء ٣/ ٣٠٥؛ انظر أنساب الأشراف ٣/ ١٦٠؛ ابن عساكر ترجمة الإمام الحسين: ٢٠٨؛ بغية الطالب (لابن العديم) ٦/ ٢٦١٤؛ مجمع الزوائد ٩/ ١٩٣؛ مُعجم الطبراني ٣/ ١١٥ ح٢٨٤٦ (على ما في هامش عبرات المصطفين ٣/ ٢٨٢)؛ كفاية الطالب: ٤٣٢.

(٢) تاريخ الخلفاء: ١٦٥؛ دائرة المعارف ٧/ ٤٨.

(٣) نور الأبصار: ١٢٩.

(٤) تجارب الأُمم ٢/ ٧٧.


تنكت ثنايا أبي عبد الله بمخصرتك؟! ولم لا تكون كذلك، وقد نكأت القرحة، واستأصلت الشأفة بإهراقك دماء ذرّية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ونجوم الأرض من آل عبد المطّلب؟! ولتردنّ على الله وشيكاً موردهم، ولتودَّنّ أنّك عميت وبُكمت وأنّك لم تقل: فاستهلّوا وأهلّوا فرحاً.. فلئن اتّخذتنا مغنماً لتتّخذنّ مغرماً، حين لا تجد إلاّ ما قدّمت يداك، تستصرخ بابن مرجانة، ويستصرخ بك، وتتعاوى وأتباعك عند الميزان، وقد وجدت أفضل زاد زوّدك معاوية قتلك ذرّية محمّد صلّى الله عليه )(١) .

وقالت - في ضمن خطبتها مُخاطبةً له -: ( وفعلتك التي فعلت، وما فريت إلاّ جلدك، وما جززت إلاّ لحمك، وسترد على رسول الله بما تحمّلت من ذُرّيّته، وانتهكت من حُرمته وسفكت من دماء عترته ولحُمته، حيث يجمع به شملهم، ويلم به شعثهم، وينتقم من ظالمهم، ويأخذ لهم بحقّهم من أعدائهم، ولا يستفزّنّك الفرح بقتلهم... فالعجب كلّ العجب لقتل الأتقياء وأسباط الأنبياء وسليل الأوصياء بأيدي الطلقاء الخبيثة، ونسل العهرة الفجرة تنطف أكفّهم من دمائنا!!... )(٢) .

ابن عبّاس يُحمّل يزيد مسؤولية قتل الإمام الحسينعليه‌السلام :

قال اليعقوبي: ( إنّه كتب في ضمن كتابه إلى يزيد:... وأنت قتلت الحسين بن علي بفيك الكُثْكُث، ولك الأثلب، إنّك - إن تُمنِّك نفسك ذلك - لعازب الرأي، وإنّك لأنت المفنّد المهوّر، لا تحسبني - لا أبا لك - نسيتُ قتلك حسيناً وفتيان بني عبد المطّلب، مصابيح الدُّجى ونجوم الأعلام، غادرهم جنودك مُصرّعين في صعيد، مُرمّلين بالتراب، مسلوبين بالعراء، لا مُكفّنين تسفي عليهم الرياح، وتعاورهم الذئاب، وتنشي بهم عرج الضباع، حتى أتاح الله لهم أقواماً لهم يشتركوا في دمائهم، فأجنّوهم في أكفانهم وبي -

____________________

(١) بلاغات النساء: ٢١.

(٢) الاحتجاج ٢/ ١٢٧ - ١٢٩ عنه بحار الأنوار ٤٥/ ١٥٩.


والله - وبهم عززت وجلست مجلسك الذي جلست - يا يزيد -...

فلا شيء عندي أعجب من طلبك ودّي ونصري! وقد قتلت بني أبي وسيفك يقطر من دمي.. إنّي لأرجو أن يعظم جراحك بلساني ونقضي وإبرامي، فلا يستقرّ بك الجدل ولا يُهملك الله بعد قتلك ثمرة رسول الله إلاّ قليلاً، حتّى يأخذك أخذاً أليماً، فيُخرجك الله من الدُّنيا ذميماً أليماً )(١) .

وقالوا: إنّه كتب إليه: ( ما أنس طردك حسيناً من حرم الله وحرم رسوله، وكتابك إلى ابن مرجانة تأمره بقتله، وإنّي لأرجو من الله أن يأخذك عاجلاً، حيث قتلت عترة نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ورضيت بذلك. أنسيت إنفاذ أعوانك إلى حرم الله لتقتل الحسين؟! )(٢) .

معاوية ابنه يُحمّله المسؤولية:

قال ضمن خُطبته التي ألقاها بعد موت أبيه يزيد: (... ثمّ قُلّد أبي، وكان غير خليق للخير، فركب هواه، واستحسن خطأه، وعظم رجاؤه، فأخلفه الأمل، وقصر عنه الأجل، فقلّت مُنعته، وانقطعت مدّته، وصار في حضرته رهناً بذنبه، وأسيراً بجرمه!

وقال: إنّ أعظم الأُمور علينا، علمنا بسوء مصرعه، وقبح مُنقلبه، وقد قتل عترة الرسول، وأباح الحرمة وحرّق الكعبة )(٣) .

بعض بني العبّاس يُحمّله المسؤولية:

قيل: ( إنّه لما أُحضرت حرم مروان إلى صالح بن علي بن عبد الله ليُقْتلن، فقالت ابنة مروان الكبرى: يا عمّ أمير المؤمنين، حفظ الله لك من أمرك ما تُحبّ حفظه، نحن بناتك وبنات أخيك وابن عمّك! فليسعنا من عفوكم ما أوسعكم من جورنا!!

قال: والله، لا أستبقي منكم أحداً، ألم يقتل أبوك ابن أخي إبراهيم الإمام؟! ألم يقتل هشام بن عبد الملك زيد بن علي بن

____________________

(١) تاريخ اليعقوبي ٢/ ٢٤٨. وروى نحوه الخوارزمي.

(٢) تذكرة الخواص: ٢٧٥. وروى الذهبي مضمون هذه الرسالة أيضاً (أنساب الأشراف ٥: ٣٢٢).

(٣) تاريخ اليعقوبي ٢/ ٢٥٤.


الحسين وصَلَبَه بالكوفة؟! ألم يقتل الوليد بن يزيد يحيى بن زيد وصَلَبَه بخراسان؟! ألم يقتل ابن زياد الدعيّ مسلم بن عقيل؟ّ ألم يقتل يزيد بن معاوية الحسين بن علي وأهل بيته؟! ألم يخرج إليه بحرم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سبايا فوقّفهنّ موقف السبي؟! )(١) .

رضاه بقتل الحسينعليه‌السلام بعد مقتله:

قال السعد التفتازاني: ( والحقّ أنّ رضى يزيد بقتل الحسين وإهانته أهل بيت رسول الله ممّا تواتر معناه )(٢) .

قال الشبراوي: ( قال أبو الفضل: وبعد أن وصل الرأس الشريف إلى دمشق، وضِع في طست بين يدي يزيد، وصار يضرب ثناياه الشريفة بقضيب، ثمّ أمر بصلبه فصُلِب ثلاثة أيّام بدمشق، وشكر لابن زياد صنيعه، وبالغ في إكرامه ورِفْعَته، حتّى صار يدخل على نسائه )(٣) .

وقال سبط ابن الجوزي: والذي يدلّ على هذا، أنّه استدعى ابن زياد إليه وأعطاه أموالاً كثيرة وتحفاً عظيمة، وقرّب مجلسه، ورفع منزلته، وأدخله على نسائه، وجعله نديمه، وسكر ليلة وقال للمغنّي غنِّ، ثمّ قال يزيد بديهيّاً:

اسْقِنْي شربةً تروي فؤادي

ثمّ مِلْ فاسْقِ مثلها ابن زيادِ

صاحب السرّ والأمانة عندي

ولتسديد مغنمي وجهادي

قاتل الخارجي أعني حسيناً

ومُبيد الأعداء والحُسَّادِ(٤)

ونحسب من علائم رضى يزيد، أمره بنصب الرأس الشريف على باب داره(٥) .

____________________

(١) دائرة المعارف ٤/ ٤٢١.

(٢) الإتحاف بحُبّ الأشراف: ٦٢.

(٣) الإتحاف بحُبّ الأشراف: ٦٩.

(٤) تذكرة الخواص: ٢٩.

(٥) مقتل الخوارزمي ٢/ ٧٤.


أقوال العلماء في المسألة:

البلاذري:

روي بأسانيد مُتعدّدة أشياء حول فسق ولهو يزيد، ثمّ قال: ( ثمّ جرى على يده قتل الحسين، وقتل أهل الحرّة ورمي البيت وإحراقه )(١) .

القاضي ابن نعمان:

علّق على كلام يزيد لأُسارى أهل البيت: ( صيّرتم أنفسكم عبيداً لأهل العراق، ما علمت بمخرج أبي عبد الله حتّى بلغني قتله )، بقوله (القاضي ابن نعمان): ( كَذَبَ عدوُّ الله، بل هو الذي جهّز إليه الجيوش )(٢) .

المسعودي:

قال: ( وليزيد وغيره أخبار عجيبة، ومثالب كثيرة من شرب الخمر وقتل ابن بنت رسول الله و... )(٣) .

ابن عقيل (٤٣١ - ٥١٢):

قال الباعوني: ( ولقد قرأ قارئٌ بين يدي الشيخ العالم أبي الوفاء ابن عقيل (رحمه الله)( وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ) (٤) ، فبكى وقال: سبحان الله! كان طمعه فيما قال:( ... فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ... ) (٥) ، جاوزوا - والله - الحدّ الذي طمع فيه!

ضحّوا بأشمط عنوان السجود به

يقطع الليل تسبيحاً وقرآنا

إي والله، عمدوا إلى عليّ بن أبي طالب بين صفَّيه فقتلوه، ثمّ قتلوا ابنه الحسين بن فاطمة الزهراء وأهل بيته الطيّبين الطاهرين، بعد أن منعوهم الماء، هذا والعهد بنبيّهم قريب، وهم القرن الذي رأوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ورأوه يُقبِّل فمه وترشُّفه

____________________

(١) أنساب الأشراف ٥/ ٢٩٩.

(٢) شرح الأخبار ٣/ ٢٦٨.

(٣) مروج الذهب ٣/ ٧٢.

(٤) سبأ: ٢٠.

(٥) النساء: ١١٩.


[يرشف ثناياه]، فنكتوا على فمه وثناياه بالقضيب! تذكّروا - والله - أحقاد يوم بدرٍ وما كان فيه، وأين هذا من مطمع الشيطان وغاية أمله، بتبكيت آذان الأنعام؟!

هذا مع قرب العهد وسماع كلام ربّ الأرباب:( ... قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى... ) (١) ، ستروا عقائدهم في عصره مخافة السيف، فلما صار الأمر إليهم كشفوا قناع البغي والحيف( ... سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حِكِيمٌ عَلِيمٌ ) (٢) .

الكيا الهراسي (٤٥٠ - ٥٠٤):

وَصَفَه بقوله: ( هو اللاّعب بالنرد، والمتصيّد بالفهد، والتارك للصلوات، والمدمن للخمر، والقاتل لأهل بيت النبيّ ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) )(١) .

التفتازاني:

في شرح العقائد النسفية: ( والحقّ أنّ رضى يزيد بقتل الحسين، واستبشاره بذلك، وإهانته أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ممّا تواتر معناه، وإن كان تفصيله آحاداً... )(٤) .

الذهبي:

قال الذهبي في شأنه: ( كان ناصبيّاً فظّاً، يتناول المسكر، ويفعل المنكر، افتتح دولته بقتل الحسين، وختمها بوقعة الحرّة... )(٥) .

الأجهوري:

قال في ضمن كلماته: ( أطلق بعض العلماء جواز لعن يزيد بعينه؛ لأنّه أمر بقتل الحسين )(٦) .

الشبراوي:

قال: ( وقد ذكر بعض الثقات: ولا يشكّ عاقل أنّ يزيد بن معاوية هو القاتل للحسين (رضي الله عنه)؛ لأنّه الذي ندب عبيد الله بن زياد لقتل الحسين )(٧) .

____________________

(١) الشورى: ٢٣.

(٢) الأنعام: ١٣٩.

(٣) جواهر المطالب ٢/ ٣٠١.

(٤ و٥) شذرات الذهب ١/ ٦٨.

(٦) الإتحاف بحبّ الأشراف: ٦٢.

(٧) الإتحاف: ٦٦.


لماذا تنصّل من مسؤولية قتل الإمامعليه‌السلام ؟!

عندما نتصفّح تاريخ مأساة كربلاء، نجد هناك كلمات صدرت من يزيد تُثير الغرابة، وهي جديرة بالتأمّل، من ذلك:

( ويلي على ابن مرجانة!! فعل الله به كذا! أما والله، لو كانت بينه وبينه رحم ما فعل هذا )(١) .

و( لعن الله ابن مرجانة! لقد وجده بعيد الرحم منه )(٢) .

( وما علمت بخروج أبي عبد الله حين خرج، ولا بقتله حين قتله )(٣) .

( أحرزت أنفسكم عبيد أهل العراق، وما علمت بخروج أبي عبد الله ولا بقتله )(٤) .

( لعن الله ابن مرجانة! أما والله، لو أنّي صاحبه ما سألني خصلة أبداً إلاّ أُعطيتها إيّاه! ولدفعت الحتف عنه بكلّ ما استطعت ولو بهلاك بعض ولْدي، ولكنَّ الله قضى ما رأيت! )(٥) .

( كنت أرضى من طاعتهم بدون قتل الحسين، لعن الله ابن سميّة! أما إنّي لو كنت صاحبه لعفوت عنه )(٦) .

(... لكنّ عبيد الله بن زياد لم يعلم رأيي في ذلك، فعجّل عليه بالقتل فقتله )(٧) .

( أما والله، يا حسين، لو أنا صاحبك ما قتلتك )(٨) .

( لو كان بينك وبين ابن مرجانة قرابة لأعطاك ما سألت)(٩) .

( لعن الله ابن مرجانة، فوالله، ما أمرته بقتل أبيك! ولو كنت

____________________

(١) أنساب الأشراف ٣/ ٤٢٤.

(٢) المصدر ٣/ ٤١٩.

(٣) الإمامة والسياسة ٢/ ٨.

(٤) العقد الفريد ٥/ ١٣١.

(٥) مقتل الخوارزمي ٢/ ٧٤؛ روضة الواعظين ١/ ١٩٢؛ بحار الأنوار ٤٥/ ١٣١ و١٤٦.

(٦) تجارب الأُمم ٢/ ٧٤.

(٧) مقتل الخوارزمي ٢/ ٨٠؛ بحار الأنوار ٤٥/ ٣٢٦.

(٨) تاريخ الطبري ٤/ ٣٥٢.

(٩) مُثير الأحزان: ٩٩.


متولّياً لقتاله ما قتلته )(١) ...

إنّ ما نجده من قبيل ذلك يرجع إلى ثلاثة أُمور:

الأوّل: كذبه؛ فإنّ الرجل الذي يلهو ويفسق جهراً ويكفر بالربّ عياناً، ليس بغريب عنه أن يكذب، كيف يدّعي الجهل ويجعل المسؤولية على عاتق واليه عبيد الله بن زياد، وهو المسبّب الأعلى لتلك الفاجعة العظمى؟!

أليس هو الذي كتب إلى واليه وليد، يأمره بقتل الحسين إذا لم يُبايع؟!

أليس هو الذي أمر باغتيال الإمام في موسم الحجّ؟!

أليس هو الذي أرسل الكُتب إلى عبيد الله وأمره بقتال الحسينعليه‌السلام وقتله؟!

إنّ كلّ هذه الأدلّة القويّة والشواهد القويمة تدلّ على مدى كذب الرجل.

الثاني: انقلاب الأوضاع وخوفه على زوال ملكه؛ والدليل على ذلك، أنّه فرِح بقتل الحسين في بادئ الأمر، لكنّه بعد ذلك - وحينما رأى بوادر الفتنة والمشاكل العديدة في مُلكه وفي قلب عاصمته وحتّى في بيته - التجأ إلى إبراز الندم، وقد صرّح بذلك المؤرّخون:

قال ابن الأثير: ( قيل: ولما وصل رأس الحسين إلى يزيد حسنت حال ابن زياد عنده، وزاده، ووصله، وسرّه ما فعل، ثمّ لم يلبث إلاّ يسيراً، حتّى بلغه بُغض الناس له ولعنهم وسبّهم، فندم على قتل الحسين )(٢) .

ونقل نحوه الذهبي، عن محمّد بن جرير، بإسناده عن يونس بن حبيب قال: ( لما قتل عبيدُ الله الحسين وأهله، بعث برؤوسهم إلى يزيد، فسُرَّ بقتلهم أوّلاً، ثمّ لم يلبث حتّى ندم على قتلهم )(٣) .

____________________

(١) بحار الأنوار ٤٥/ ١٦٢.

(٢) الكامل في التاريخ ٤: ٨٧.

(٣) سير أعلام النبلاء ٣/ ٣٧.


وقال الشيخ محمّد الصبّان: ( ثمّ ندم لما مقته المسلمون على ذلك، وأبغضه العالم، وفي هذه القصّة تصديق لقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( إنّ أهل بيتي سيلقون بعدي في أُمّتي قتلاً وتشريداً، وإنّ أشرَّ قومنا لنا بُغضاً بنو أُميّة وبنو مخزوم )، رواه الحاكم )(١) .

وثَمَّ شواهد مُتقنة، سنوافيك بها في مبحث (انقلاب المعادلة وخوف الفتنة).

الثالث: لا نستبعد أنّ هناك أيادي مُرتزقة دسّوا بعض ذلك في كُتب التاريخ والسير؛ لأجل أن يُطهّروا يزيد ويُبرّئوه عن بعض ما فعل - مع أنّه لا يطهر ولو بإلقائه في ماء البحر - ويشوّهوا الأمر بعد ذلك! ويفتحوا المجال لمثل ابن تيمية وأذنابه، ولكن دون ذلك خرط القَتاد.

يزيد في مرآة الحديث:

روى ابن حجر، عن أبي يعلى، بسنده عن أبي عبيدة، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :( لا يزال أمر أُمّتي قائماً بالقسط، حتّى يكون أوّل مَن يثلمه رجل من بني أُميّة، يُقال له: يزيد ).

وقال: وأخرج الروياني في مسنده عن أبي الدرداء قال: سمعت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول:( أوّل مَن يُبدّل سُنّتي رجل من بني أُميّة، يُقال له: يزيد ) (٢) .

وروي عن الإمام الحسينعليه‌السلام أنّه قال لأخيه محمّد بن الحنفيّة:( يا أخي، والله، لو لم يكن في الدُّنيا ملجأ ولا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية، فقد قال جدّي صلى‌الله‌عليه‌وآله : اللَّهمَّ لا تبارك في يزيد ) (٣) .

____________________

(١) إسعاف الراغبين: ١٨٨.

(٢) الصواعق المحرقة: ٢٣١؛ تسلية المجالس ٢/ ١٤٧.

(٣) تسلية المجالس ٢/ ١٥٨.


يزيد في كلمات الإمام الحسينعليه‌السلام :

كتبعليه‌السلام إلى معاوية:

(... اتّق الله يا معاوية، واعلم أنّ لله كتاباً لا يُغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها، واعلم أنّ الله ليس بناسٍ لك قتلك بالظنّة وأخذك بالتُّهمة، وإمارتك صبيّاً يشرب الشراب ويلعب بالكلاب... ) (١) .

وفي كتابه إلى معاوية أيضاً:

( ثمّ ولّيت ابنك، وهو غلام يشرب الشراب ويلهو بالكلاب، فَخُنْت أمانتك وأخربت رعيّتك، ولم تؤدّ نصيحة ربّك، فيكف تولِّي على أُمّة محمّد مَن يشرب المسكر، وشارب المسكر من الفاسقين، وشارب المسكر من الأشرار، وليس شارب المسكر بأمين على درهم فكيف على الأُمّة؟! ) (٢) .

وقالعليه‌السلام لمعاوية:

( وفهمت ما ذكرته عن يزيد، من اكتماله وسياسته لأُمّة محمّد، تُريد أن توهِم الناس في يزيد، كأنّك تصف محجوباً، أو تنعت غائباً، أو تُخبر عمّا كان ممّا احتويته بعلم خاص، وقد دلّ يزيد من نفسه على موقع رأيه، فخُذْ

____________________

(١) الإمامة والسياسة ١/ ١٨٠؛ الغدير ١٠/ ١٦١؛ موسوعة كلمات الإمام الحسينعليه‌السلام : ٢٥٤؛ رجال الكشّي ٥١/ ح٩٨؛ معادن الحِكمة ١/ ٥٨٢؛ العوالم ١٧/ ٩٢ ح٦.

(٢) دعائم الإسلام ٢/ ١٣٣ ح٤٦٨؛ موسوعة كلمات الإمام الحسينعليه‌السلام : ٢٥٨ ح٢٣١.


ليزيد فيما أخذ به، من استقرائه الكلاب المهارشة عند التحارش، والحمام السبق لأترابهن، والقينات ذوات المعازف وضروب الملاهي، تجده ناصراً، ودعْ عنك ما تُحاول... ) (١) .

وقالعليه‌السلام له أيضاً:

( مَن خير لأُمّة محمّد؟! يزيد الخمور الفجور! ) (٢) .

وقالعليه‌السلام لعبد الله بن الزبير:

(... انظر أبا بكر ( أتظنّ (٣) ) أنّي أُبايع ليزيد، ويزيد رجل فاسق مُعلن الفسق، يشرب الخمر، ويلعب بالكلاب والفهود، ويُبغض بقيّة آل الرسول؟! لا والله، لا يكون ذلك أبداً ) (٤) .

وقال لوليد بن عتبة:

(... ويزيد رجل فاسق، شارب الخمر، قاتل النفس المحرّمة، مُعلن بالفسق، ومثلي لا يُبايع لمثله... ) (٥) .

____________________

(١) الإمامة والسياسة ١/ ١٨٦؛ تاريخ اليعقوبي ٢/ ٢٢٨؛ أعيان الشيعة ١/ ٥٨٣؛ الغدير ١٠/ ٢٤٨؛ موسوعة كلمات الإمام الحسين: ٢٦٢ ح٢٣٤.

(٢) الفتوح ٣/ ٣٤٣؛ موسوعة كلمات الإمام الحسينعليه‌السلام : ٢٦٥ ح٢٣٦.

(٣) كذا في تسلية المجالس، وهو الأنسب.

(٤) الفتوح ٥/ ١١؛ مقتل الخوارزمي ١/ ١٨٢؛ موسوعة كلمات الإمام الحسينعليه‌السلام : ٢٧٨ ح٢٤٤.

(٥) الفتوح ٥/ ١٤؛ مقتل الخوارزمي ١/ ١٨٤؛ مُثير الأحزان: ٢٤؛ بحار الأنوار ٤٤/ ٣٢٥؛ موسوعة كلمات الإمام الحسينعليه‌السلام : ٢٨٣ ح٢٥١؛ تسلية المجالس ٢/ ١٥٢.


وقال لمروان بن الحكم:

(... إنّا لله وإنّا إليه راجعون! وعلى الإسلام السلام؛ إذ قد بُليت الأُمّة براعٍ مثل يزيد.. ويحَك! أتأمرني ببيعة يزيد، وهو رجل فاسق؟! لقد قلت شططا... لا ألومك على قولك؛ لأنّك اللعين الذي لعنك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنت في صلب أبيك الحَكم بن أبي العاص، فإنّ مَن لعنه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لا يمكن له ولا منه إلاّ أن يدعو إلى بيعة يزيد! ) (١) .

وقالعليه‌السلام :

( سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول:( الخلافة مُحرَّمة على آل أبي سفيان وعلى الطلقاء أبناء الطلقاء، فإذا رأيتم معاوية على منبري فابقروا بطنه.

فوالله، لقد رآه أهل المدينة على منبر جدّي فلم يفعلوا ما أُمروا به، فابتلاهم الله بابنه يزيد، زاده الله في النار عذاباً ) (٢) .

وقالعليه‌السلام لعبد الله بن عمر:

( أبا عبد الرحمان، أنا أُبايع يزيد وأدخل في صلحه؛ وقد قال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فيه وفي أبيه ما قال؟! ) (٣) .

____________________

(١ و٢) الفتوح ٥/ ١٧؛ مقتل الخوارزمي ١/ ١٨٤؛ موسوعة كلمات الإمام الحسينعليه‌السلام : ٢٨٤ ح٢٥٢؛ ونحوه في تسلية المجالس ٢/ ١٥٣ وفيه:(... فإنّه لا يُنكَر منه أن يدعو إلى بيعة يزيد... ) .

(٣) الفتوح ٥/ ٢٦؛ مقتل الخوارزمي ١/ ١٩؛ مُثير الأحزان: ٤١؛ موسوعة كلمات الإمام الحسينعليه‌السلام : ٣٠٦؛ ونحوه في تسلية المجالس ٢/ ١٦٥.


يزيد في نظر الصحابة والتابعين وبعض كبار القوم:

لقد جرت على لسان بعض الصحابة والتابعين والكبار من الناس كلمات حول يزيد بن معاوية عليه اللعنة - الذي وصفته زينب الكبرى (سلام الله عليها): بكونه عدوَّ الله وابن عدوّ الله(١) - نذكر بعضها:

أبو هريرة:

قال الشبراوي: ( وروى ابن أبي شيبة وغيره، عن أبي هريرة أنّه قال: ( اللّهمّ، لا تُدركني سنة ستّين! ولا إمرة الصبيان! ). وكانت ولاية يزيد فيها. انتهى )(٢) .

ابن عبّاس:

قال الخوارزمي: ( وذكر أبو الحسن السلامي البيهقي في تاريخه، عن ابن عبّاس أنّه قال: سبب زوال الدولة عن يزيد بن معاوية - والله - قتله الحسينعليه‌السلام )(٣) .

عتبة بن مسعود:

حينما علم عتبة بن مسعود بإرادة ابن عبّاس لبيعة يزيد خوفاً، اعترضه بهذا الكلام - كما نقله ابن قتيبة - وقال:( أتُبايع ليزيد، وهو يشرب الخمر، ويلهو بالقيان، ويستهتر بالفواحش؟! )(٤) .

ابن الزبير:

وفي تاريخ خليفة، بإسناده عن بقيّة بن عبد الرحمان، عن أبيه قال: ( لما بلغ يزيد بن معاوية أنّ أهل مكّة أرادوا ابن الزبير على البيعة فأبى، أرسل النعمان بن بشير الأنصاري، وهمام بن قبيصة النميري إلى ابن الزبير، يدعوانه إلى البيعة ليزيد، على أن يجعل له ولاية الحجاز وما شاء وما أحبّ لأهل بيته من

____________________

(١) بلاغات النساء: ٢١.

(٢) الإتحاف بحُبّ الأشراف: ٦٥.

(٣) مقتل الخوارزمي ٢/ ٢١٠ طبع الخاقاني.

(٤) الإمامة والسياسة ١/ ٢٠٣.


الولاية، فقدما على ابن الزبير، فعرضا عليه ما أمرهما به يزيد، فقال ابن الزبير: أتأمراني ببيعة رجل يشرب الخمر، ويدع الصلاة، ويتبع الصيد...؟! )(١) .

وجاء في تذكرة الخواص: ( ذكر الواقدي، وهشام، وابن إسحاق وغيرهم، قالوا: لما قُتل الحسينعليه‌السلام بعث عبد الله بن الزبير إلى عبد الله بن العبّاس ليُبايعه وقال: أنا أولى من يزيد الفاسق الفاجر... )(٢) .

وفي البدء والتاريخ: ( وأمّا عبد الله بن الزبير، فامتنع بمكّة، ولاذ بالكعبة، ودعا الناس إلى الشورى، وجعل يلعن يزيد، وسمّاه الفاسق المتكبّر... )(٣) .

وفي البداية والنهاية: ( أنّ ابن الزبير لما بلغه مقتل الحسين شرع يخطب الناس، ويُعظِّم قتل الحسين وأصحابه جدّاً، ويعيب على أهل الكوفة وأهل العراق ما صنعوه من خذلانهم الحسين، ويترحّم على الحسين، ويلعن مَن قتله ويقول: ( أما والله، لقد قتلوه، طويلاً بالليل قيامه، كثيراً في النهار صيامه! أما والله، ما كان يستبدل بالقرآن الغناء والملاهي، ولا بالبكاء من خشية الله اللغو والحداء، ولا بالصيام شرب المدام، وأكل الحرام، ولا بالجلوس في حلق الذِّكْر طلب الصيد - يعرِّض في ذلك بيزيد بن معاوية - فسوف يلقون غيّاً )، ويؤلّب الناس على بني أُميّة، ويحثّهم على مُخالفته وخلع يزيد )(٤) .

سعيد بن المسيّب:

قال اليعقوبي: ( وكان سعيد بن المسيب يُسمِّي سنيَّ يزيد بن معاوية بالشؤم، في السنة الأُولى قُتل الحسين بن علي وأهل بيت رسول

____________________

(١) تاريخ خليفة بن خياط: ١٥٦.

(٢) تذكرة الخواص: ٢٧٥.

(٣) البدء والتاريخ ٦/ ١٣.

(٤) البداية والنهاية ٨/ ٢١٣.


الله، والثانية استُبيح حرم رسول الله وانتُهكت حُرمة المدينة، والثالثة سُفكت الدماء في حرم الله وحُرقت الكعبة )(١) .

عبد الله بن عفيف:

حينما قال عبيد الله بن زياد في خُطبته: ( الحمد لله الذي أظهر الحقّ وأهله! ونصر أمير المؤمنين يزيد وحزبه! وقتل الكذّاب ابن الكذّاب حسين بن عليّ وشيعته! ). وثب إليه عبد الله بن عفيف الأزدي - وكان شيخاً كبيراً ضريراً قد ذهب بصره، قد ذهبت إحدى عينيه بصفّين والأُخرى يوم الجمل - قام فقال: ( يا بن مرجانة، إنّ الكذّاب ابن الكذّاب لأنت وأبوك، والذي ولاّك وأبوه... )(٢) .

وقال السيّد محمّد بن أبي طالب: ( إنّه قال له ابن زياد: يا عدوّ نفسه، ما تقول في عثمان؟

فقال: يا بن مرجانة، ويا بن سميّة الزانية! ما أنت وعثمان أساء أم أحسن، أصلح أم أفسد، والله تعالى وليّ خلقه، يقضي بينهم وبين عثمان بالعدل؟! ولكن سلني عنك وعن أبيك، وعن يزيد وأبيه )(٣) .

عبد الله بن حنظلة:

قال ابن الجوزي: وكان ابن حنظلة يقول: ( يا قوم، والله، ما خرجنا على يزيد حتّى خفنا أن نُرمى بالحجارة من السماء، إنّ الرجل ينكح الأُمّهات والبنات والأخوات، ويشرب الخمر ويدع الصلاة، والله، لو لم يكن معي أحد من الناس لأبليت لله في بلاءً حسناً )(٤) .

عبد الله بن مُطيع:

روى الذهبي عنه أنّه قال في شأن يزيد: ( إنّه يشرب الخمر، ويترك الصلاة، ويتعدّى حكم الله )(٥) .

____________________

(١) تاريخ اليعقوبي ٢/ ٢٥٣.

(٢) جواهر المطالب ٢/ ٢٩٢؛ تاريخ الإسلام ١/ ٤٠٠؛ الردّ على المتعصّب العنيد: ٢٤.

(٣) تسلية المجالس ٢/ ٣٧٠.

(٤) الصواعق المحرقة: ٢٣٢. وروى نحوه السيوطي عنه (تاريخ الخلفاء: ٢٠٩).

(٥) سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٠.


عبد الله بن عمرو بن حفص المخزومي:

قال ابن الجوزي: ( قال أبو الحسن المدائني - وكان من الثقات -: أتى أهل المدينة المنبر، فخلعوا يزيد، فقال عبد الله ابن عمرو بن حفص المخزومي: قد خلعت يزيد، كما خلعت عمامتي - ونزعها من رأسه - وإنّي لأقول هذا، وقد وصلني وأحسن جائزتي، ولكنّ عدوّ الله سكّيرٌ )(١) .

عمرو بن حفص بن المغيرة - أبو زوجة يزيد -:

قال البيهقي: ( ولما كان من أمر الحسينعليه‌السلام ما كان، قَدِم عمرو بن حفص بن المغيرة، وكان تزوّج يزيد بن معاوية ابنته وأعطاه مالاً كثيراً، فلما قدم المدينة جاءه محمّد بن عمرو بن حزم، وعبيد الله بن حنظلة، وعبد الله بن مُطيع بن الأسود، وناس من وجوه أهل المدينة قالوا: ننشدك الله ربّ هذا البيت، وربّ صاحب هذا القبر، إلاّ أخبرتنا عن يزيد، فقال: إنّه ليشرب الخمر، ويُنادم القردة، ويفعل كذا، ويصنع كذا.

فقالوا: والله، ما لنا بأهل الشام من طاقة، ولكن ما يحِلّ لنا أن نُبايع رجلاً على هذه الحال... )(٢) .

وفد المدينة:

قال ابن الجوزي: ( لما دخلت سنة اثنتين وستّين، ولّى يزيد عثمان بن محمّد ابن أبي سفيان المدينة، فبعث إلى يزيد وفداً من المدينة، فلما رجع الوفد أظهروا شتم يزيد وقالوا: قدمنا من عند رجل ليس له دين، يشرب الخمر، ويعزف بالطنابير، ويلعب بالكلاب، وإنّا نُشهدكم أنّا قد خلعناه )(٣) .

معاوية بن يزيد بن معاوية:

قال في دائرة المعارف: ( قام بالأمر بعده ابنه معاوية بن يزيد بن معاوية، لكنّه خلع نفسه بعد أربعين يوماً؛ حبّاً بعليّ؛ وكرهاً لقتل

____________________

(١) الردّ على المتعصّب العنيد: ٥٤.

(٢) المحاسن والمساوئ: ٦٣.

(٣) الردّ على المتعصّب العنيد: ٥٣. وروى نحوه سبطه في التذكرة (تذكرة الخواص: ٢٨٨).


الحسن والحسين ولأخذ جدّه الخلافة من بني هاشم )(١) .

وقال ابن حجر: ( إنّه لما وُلِّيَ صعد المنبر فقال: إنّ هذه الخلافة حبل الله، وإنّ جدّي معاوية نازع الأمر أهله، ومَن هو أحقّ به منه، عليّ بن أبي طالب، وركب بكم ما تعلمون، حتّى أتته منيّته، فصار في قبره رهيناً بذنوبه، ثمّ قلّد أبي الأمر، وكان غير أهل له، ونازع ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقَصِف عمرُه، وانبتر عقبُه، وصار في قبره رهيناً بذنوبه )(٢) .

عمر بن عبد العزيز:

روى ابن الحجر أنّه قال نوفل بن أبي عقرب: ( كنت عند عمر بن عبد العزيز، فذكر رجلٌ يزيد بن معاوية فقال: (قال أمير المؤمنين يزيد ). فقال عمر: ( تقول: أمير المؤمنين يزيد؟! ). وأمر به فضُرب عشرين سوطاً )(٣) .

يزيد في أقوال العلماء:

ذكرنا في مطاوي المباحث السابقة أقوالاً لكبار العلماء والمؤرِّخين والمفسِّرين - حول هذه الجرثومة الفاسدة الطاغية - ما يُناسب بعض زوايا حياته السوداء، ونذكر هنا بعض ما يكون أعمّ وأشمل منها:

١ - الإمام ابن حنبل:

روى ابن الجوزي، بإسناده عن مهنّا بن يحيى قال: ( سألت أحمد عن يزيد بن معاوية، فقال: هو الذي فعل بالمدينة ما فعل.

قلت: وما فعل بها؟

قال: نهبها.

قلت: فنذكر عنه الحديث؟

قال: لا يُذكَر عنه الحديث ولا [ كرامة ]، لا ينبغي لأحد أن يكتب عنه حديثاً.

قال: ومَن كان معه حين فعل ما

____________________

(١) دائرة المعارف ٤/ ٤٢٠.

(٢) الصواعق المحرقة: ٣٣٦؛ تاريخ اليعقوبي ٢/ ٢٥٤.

(٣) الصواعق المحرقة: ٢٣٢؛ انظر تهذيب التهذيب ١١/ ٣١٥ رقم ٨١٠٠.


فعل؟ قال: أهل الشام )(١) .

وقال ابن الجوزي في المنتظم: ( وقد أسند يزيد بن معاوية الحديث، فروى عن أبيه، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإسنادنا إليه متّصل! غير أنّ الإمام أحمد سُئل: أيُروى عن يزيد الحديث؟

فقال: ( لا، ولا كرامة )؛ فلذلك امتنعنا أن نُسند عنه )(٢) .

٢ - مُجاهد:

ذكر سبط ابن الجوزي، عن ابن أبي الدُّنيا قال: ( قال مجاهد: فوالله، لم يبقَ في الناس أحد إلاّ مَن سبّه وعابه وتركه ( أي يزيد بن معاوية ) )(٣) .

٣ - الكيا الهراسي:

وحكى عن ذيل تاريخ نيسابور أنّه قد سُئِلَ عن يزيد بن معاوية، فقدح فيه وشطح وقال: ( لو مُددت ببياض لمددت العنان في مخازي هذا الرجل، فأمّا قول السلف، فلأحمد، ومالك، وأبي حنيفة قولان: تلويح، وتصريح، ولنا قول واحد التصريح، وكيف لا، وهو اللاعب بالنرد! والمتصيّد بالفهود، ومُدمن الخمر، وهو القائل:

أقول لصحب ضمَّ الكأس شملهم

وداعـي صبابات الهوى يترنَّم

خـذوا بـنصيب من نعيمٍ ولذَّة

فـكلٌّ وإن طال المدى يتصرّم

ولا تتركوا يوم السرور إلى غدٍ

فـرُبَّ غـدٍ يأتي بما ليس يُعلَم(٤)

٤ - ابن الجوزي:

قال: ( ليس العجب من فعل عمر بن سعد وعبيد الله بن زياد، وإنّما العجب من خذلان يزيد وضربه بالقضيب على ثنيَّة الحسين، وإعادته إلى المدينة... لبلوغ الغرض الفاسد، أفيجوز أن يفعل هذا بالخوارج؟! أوليس في

____________________

(١) الردّ على المتعصّب العنيد: ١٣. ورواه سبطه عنه في تذكرة الخواص: ٢٨٧.

(٢) المنتظم ٥/ ٣٢٢. وقد ذكرنا رأي أحمد بن حنبل حول لعن يزيد، فراجع.

(٣) تذكرة الخواص: ٢٦٢.

(٤) على ما في هامش جواهر المطالب ٢/ ٣٠١.


الشرع أنّهم يُصلّى عليهم ويدفنون؟! وأمّا قوله: (لي أن أسبيهم ). فأمر لا يقع لفاعله ومُعتقده إلاّ اللعنة، ولو أنّه احترم الرأس حين وصوله وصلّى عليه، ولم يتركه في طست، ولم يضربه بقضيب، ما الذي كان يضرّه، وقد حصل مقصوده من القتل؟! ولكنْ أحقاد جاهلية؛ ودليلها ما تقدّم من إنشاده: ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا )(١) .

وقال: ( واعلم أنّه ما رضي ببيعة يزيد أحد ممّن يُعوّل عليه، حتّى العَوام أنكروا ذلك، غير أنّهم سكتوا خوفاً على أنفسهم.. وأجمع العلماء على أنّه لا يجوز التنصيص على إمام بالتشهّي، وأنّه لابدّ من صفات، وصفات الإمام وشروط الإمامة جَمَعَها الحسينعليه‌السلام ، لا يُقاربه فيها أحد من أهل زمانه.. وإذا ثبت أنّ الصحابة كانوا يطلبون الأفضل ويرونه الأحقّ، أفيشكّ أحد أنّ الحسين أحقّ بالخلافة من يزيد؟! لا، بل مَن هو دون الحسين في المنزلة، كعبد الرحمان بن أبي بكر، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عبّاس، وما في هؤلاء إلاّ مَن له صحبة ونَسَب، ونجدة وكفاية، وورع وعلم وافر لا يُقاربهم يزيد، فبأيّ وجه يستحقّ التقديم؟! وما رضي ببيعة يزيد عالم ولا جاهل، ولو قيل لأجهل الناس: أيّهما أصلح، الحسين أو يزيد؟ لقال: الحسين.

فبان بما ذكرنا، أنّ ولاية يزيد كانت قهراً، وإنّما سكت الناس خوفاً، ومن جملة مَن خرج ولم يُبايع ابن عمر! فلما خاف على نفسه بايع... )(٢) .

٥ - ابن أبي الحديد ردّاً على بعض:

( وكذا القول في الحديث الآخر، وهو قوله: ( القرن الذي أنا فيه خير... ثمّ الذي يليه) وممّا يدلّ على بطلانه، أنّ القرن الذي جاء بعده بخمسين سنة شرّ قرون الدُّنيا، وهو أحد القرون التي ذكرها في

____________________

(١) الردّ على المتعصّب العنيد: ٥٢، ونحوه بتفاوت في تذكرة الخواص: ٢٩٠.

(٢) الردّ على المتعصّب العنيد: ٦٨ - ٧٠.


النصّ، وكان ذلك القرن هو القرن الذي قُتل فيه الحسين، وأُوقِع بالمدينة وحوصرت مكّة، ونُقضت الكعبة، وشربت خلفاؤه القائمون مقامه والمنتصبون أنفسهم في منصب النبوّة الخمور، وارتكبوا الفجور، كما جرى ليزيد بن معاوية، وليزيد بن عاتكة، وللوليد بن يزيد.. وإذا تأمّلت كتب التواريخ وجدت الخمسين الثانية شرّاً كلّها لا خير فيها، فكيف يصحّ هذا الخبر؟! )(١) .

٦ - سيّد الحفّاظ شهردار بن شيرويه الديلمي:

قال الخوارزمي: (وأخبرني سيّد الحفّاظ - ثمّ ذكر إسناد الخبر إلى عبد الله بن بدر الخطمي - عن النبيّ(صلَّى الله عليه وسلَّم) يقول:( مَن أحبّ أن يُبارَك في أجله وأن يُمتَّع بما خوّله الله تعالى، فليَخلفني في أهلي خلافة حسنة، ومَن لم يَخلفني فيهم بُتك عمره وورد عليَّ يوم القيامة مسودّاً وجهه ) قال: فكان كما قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ فإنّ يزيد بن معاوية لم يخلفه في أهله خلافة حسنة فبُتك عمره، وما بقي بعد الحسينعليه‌السلام إلاّ قليلاً، وكذلك عبيد الله بن زياد لعنهما الله )(٢) .

٧ - مجد الأئمّة:

روى الخوارزمي بإسناده: (عن عبد الله بن عمر: أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال:( مَن ذبح عصفوراً بغير حقّه سأله الله عنه يوم القيامة ).

وفي رواية أُخرى:( مَن ذبح عصفوراً بغير حقّ ضجّ إلى الله تعالى يوم القيامة منه، فقال: يا ربّ، إنّ هذا ذبحني عبثاً ولم يذبحني منفعة ) ، ثمّ قال: قال مجد الأئمّة: هذا لمن ذبح عصفوراً بغير حقّ، فكيف لمن قتل مؤمناً؟! فكيف لمن قتل ريحانة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو الحسينعليه‌السلام ؟! )(٣) .

____________________

(١) شرح نهج البلاغة ٢٠/ ٢٩.

(٢) مقتل الخوارزمي ٢/ ٨٥.

(٣) المصدر ٢/ ٥٢.


٨ - ابن تيمية:

حُكي عن ابن تيميّة أنّه حكم بضلالته، حيث قال ما معناه: ( ومن الناس مَن يرى يزيد رجلاً صالحاً وإمامَ عدلٍ، وهذا قول بعض الضلاّل... )(١) .

٩ - صاحب الميزان:

قال صاحب شذرات الذهب: ( وقال فيه (يزيد) في الميزان: إنّه مقدوحٌ في عدالته، ليس بأهل أن يُروى عنه )(٢) .

١١ - ابن حجر:

قال الشبراوي: (قال العلاّمة ابن حجر في شرح الهمزية: إنّ يزيد قد بلغ من قبايح الفسق والانحلال عن التقوى مبلغاً لا يُستكثَر عليه صدور تلك القبائح منه )(٣) .

١٢ - الجوهري:

ذكر العلاّمة المحمودي، أنّه أنشد في ناصبي أحمق:

رأيت فتىً أشقراً أزرقـاً

قلـيل الدمـاغ كثير الفضول

يُفضّل من حمقه دائـماً

يزيد ابن هند على ابن البتول(٤)

١٣ - ابن حزم:

قال في شذرات الذهب: ( وعدّ ابن حزم خروم الإسلام أربعة: قتل عثمان، وقتل الحسين، ويوم الحرّة، وقتل ابن الزبير )(٥) .

١٤ - العلاّمة الحجّة الأميني:

ولنختم المقال بما ذكره العلاّمة الحجّة البحّاثة الشيخ الأميني:

(... نعم، تمّت تلك البيعة المشومة مع فقدان أيّ جدارة وحنكة في يزيد،

____________________

(١) على ما ذكره المحمودي في هامش الردّ على المتعصّب العنيد: ٣٠ عن ما حكى عن ابن تيميّة في كتاب الفتاوى ٤/ ٤٨١.

(٢) شذرات الذهب ١/ ٦٨.

(٣) الإتحاف بحُبّ الأشراف: ٦٨.

(٤) (هامش) الردّ على المتعصّب العنيد: ١٢.

(٥) شذرات الذهب ١/ ٦٨.


تؤهّله لتسنّم عرش الخلافة، على ما تردّى به من ملابس الخزي وشية العار من معاقرة الخمور، ومُباشرة الفجور، ومُنادمة القيان ذوات المعازف، ومُحارشة الكلاب، إلى ما لا يتناهى من مظاهر الخزاية، وقد عرفته الناس بذلك كلّه منذ أولياته، وعرّفه به أُناس آخرون... )(١) .

موته:

قال ابن قتيبة الدينوري: ( كانت ولاية يزيد ثلاث سنين وشهوراً، وهلك بحوارين من عمل دمشق، سنة أربع وستّين وهو ابن ثمان وثلاثين سنة )(٢) .

وروى الذهبي، عن محمّد بن أحمد بن مسمع قال: ( سكر يزيد، فقام يرقص فسقط على رأسه، فانشقّ وبدا دماغه )(٣) .

وفيه يقول الشاعر:

يا أيُّها القبر بحوارينا

ضممت شرّ الناس أجمعينا(٤)

* * *

روي عن عمر بن عبد العزيز أنّه قال: ( رأيت فيما يرى النائم أنّ القيامة قد قامت - إلى أن قال -: ثمّ مررت على وادٍ من نار، فإذا رجل فيه، كلّما أراد أن يخرج قُمِع بمقامع من حديد فهوى، فقلت: مَنْ هذا؟ قيل: يزيد بن معاوية )(٥) .

____________________

(١) الغدير ١٠/ ٢٥٥.

(٢) المعارف: ١٩٨.

(٣) سير أعلام النبلاء ٤/ ٣٦.

(٤) البدء والتاريخ ٦/ ١٦.

(٥) مقتل الخوارزمي ٢/ ٨٦.



الفصل الأوّل

دور أهل البيت في الشام



الفصل الأوّل

دور أهل البيت في الشام

الشام قبل ورود أهلالبيت عليهم‌السلام

ظهور الآيات في الشام بعد مقتل الحسينعليه‌السلام :

رُويت عدّة روايات حول ظهور آيات كونيّة في الشام بعد استشهاد الإمام الحسينعليه‌السلام (١) ، نذكر بعضها:

روى الطبراني، بإسناده عن ابن شهاب قال: ( ما رُفع بالشام حجر يوم قَتْل الحسين بن علي إلاّ عن دم، رضي الله عنه )(٢) .

وقال الزرندي: ( روى أبو الشيخ في كتاب السنّة.. بسنده إلى يزيد بن أبي زياد قال: شهدت مقتل الحسين وأنا ابن خمس عشرة سنة، فصار الفرس(٣) في

____________________

(١) لعلّ هذه الآيات والتغيّرات الكونيّة التي حدثت في الشام، هي التي أدّت إلى تغيّر الأوضاع وانقلاب المعادلة ضدّ يزيد، كما سنأتي عليه في البحوث اللاحقة من هذا الكتاب.

(٢) المعجم الكبير للطبراني ٣/ ١٢٠، ح٢٨٣٥. وقال الهيثمي (مجمع الزوائد ٩/ ١٩٦) بعد ذكره الخبر عن الزهري: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. وفي ذخائر العُقبى (ص١٤٥) بعد ذكره الرواية قال: خرّجه ابن السري.

(٣) هكذا في المصدر ولعلّ الصحيح الورس وهو: نبت يُستعمَل لتلوين الملابس الحريرية، لاحتوائه على مادّة حمراء، ينبت في بلاد العرب والحبشة والهند، كما جاء في المعجم الوسيط مادّة (ورس).


عسكرهم رماداً واحمرّت السماء لقتله، وانكسفت الشمس لقتله، حتّى بدت الكواكب نصف النهار، وظنّ الناس أنّ القيامة قد قامت، ولم يُرفَع حجر في الشام إلاّ رُؤي تحته دم عبيط )(١) .

وقال مُحبّ الدِّين الطبري: ( رُوي عن جعفر بن سليمان قال: حدّثتني خالتي أمّ سالم قالت: لما قُتل الحسين مُطرنا مطراً كالدم على البيوت والخدر.

قالت: وبلغني أنّه كان بخراسان والشام والكوفة )(٢) .

حالة الناس:

إنّ قتل الحسينعليه‌السلام أفجَعَ كلّ الناس، ما خلا السلطة الحاكمة، وبنو أُميّة، وأهالي دمشق، والبصرة - على ما في بعض الروايات -:

روى الشيخ الجليل جعفر بن محمّد بن قولويه، بإسناده عن يونس بن ظبيان، وأبي سلمة السرّاج، والمفضّل بن عمر قالوا: سمعنا أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول:( لما مضى الحسين بن عليّ عليهما‌السلام بكى عليه جميع ما خلق الله إلاّ ثلاثة أشياء: البصرة، ودمشق، وآل عثمان ) (٣) .

وروى الشيخ الطوسي، بإسناده عن الحسين بن فاختة، عن أبي عبد الله جعفر بن محمّدعليهما‌السلام ، قال:( إنّ أبا عبد الله الحسين عليه‌السلام لما قُتل بكتْ عليه السماوات السبع، والأرضون السبع، وما فيهنّ، وما بينهنّ، ومَن يتقلّب في الجنّة والنار، وما يُرى وما لا يُرى، إلاّ ثلاثة أشياء فإنّها لم تبكِ عليه ) .

فقلتُ: جُعلت فداك، وما هذه الثلاثة

____________________

(١) نظم درر السمطين: ٢٢٠.

(٢) ذخائر العُقبى: ١٤٥، ثمّ قال: خرّجه ابن بنت منيع؛ إحقاق الحقّ ١١/ ٤٦٠، وقال: ورواه ابن عساكر في تاريخه على ما في مُنتخبه ٤/ ٣٣٩، والذهبي في تاريخ الإسلام ٢/ ٣٤٩.

(٣) كامل الزيارات: ٨٠ ح٤، عنه بحار الأنوار ٤٥/ ٢٠٦.


أشياء التي لم تبكِ عليه؟ فقال:( البصرة، ودمشق، وآل الحَكم بن أبي العاص ) (١) .

ولا شكّ أنّ المقصود من البصرة ودمشق أهلهما، كما في قوله تعالى:( وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ... ) (٢) ، أي أهلها.

أمّا أهل دمشق؛ فلطول زمان تسلّط بني أميّة عليهم، وبثّ الفتنة والدعايات الكاذبة ضدّ آل بيت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في هذا المصر.

وأمّا البصرة؛ فحسبها أنّها البلدة التي اتّخذها الناكثون موضعاً للوقوف في وجه الإمام المفترض الطاعة عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، ولبقاء آثار حرب الجمل دور لا يمكن التغافل عنه.

وأمّا آل عثمان وآل الحكم بن أبي العاص؛ فإنّهم من بني أُميّة الشجرة الملعونة في القرآن، كما تقدّم.

المهمّ أنّ أهل الشام لم يتأثّروا في بادئ الأمر بقتل الحسينعليه‌السلام ، بل راحوا يهنئون يزيد بالفتح(٣) !!.

أمْرُ يزيد بإرسال رأس الإمامعليه‌السلام وأُسرته إلى الشام!

أمر يزيدُ عبيدَ الله بن زياد بإرسال الرأس الشريف وبقيّة عترة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله (٤) ؛ ممّن صرّح بهذا الأمر ابن سعد، فإنّه نقل بإسناده عن عامر، قال: ( وقَدِم رسول من قِبل يزيد بن معاوية، يأمر عبيد الله أن يُرسل إليه بثقل الحسين ومَن بقي من ولده وأهل بيته ونسائه، فأسلفهم أبو خالد ذكوان عشرة آلاف درهم، فتجهّزوا بها )(٥) .

____________________

(١) أمالي الطوسي: ٥٤، مجلس ٢، ح٧٣، ونحوه في كامل الزيارات: ٨٠ ح٥ بتفاوت.

(٢) يوسف: ٨٢.

(٣) مُثير الأحزان: ١٠٠.

(٤) وهذا هو مؤيّد آخر لرضى يزيد بقتل سيّد الشهداءعليه‌السلام .

(٥) الطبقات الكبرى (ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام ومقتله من القسم غير المطبوع من الكتاب): ٨١.


وقال السيّد ابن طاووس: ( وأمّا يزيد بن معاوية، فإنّه لما وصل إليه كتاب ابن زياد ووقف عليه، أعاد الجواب إليه، يأمره فيه بحمل رأس الحسينعليه‌السلام ورؤوس مَن قُتل معه، وبحمل أثقاله ونسائه وعياله )(١) .

وقال ابن الجوزي: ( ثمّ دعا ابنُ زياد زحرَ بن قيس، فبعث معه برأس الحسين ورؤوس أصحابه إلى يزيد، وجاء رسولٌ من قِبل يزيد فأمر عبيد الله أن يُرسل إليه بثقل الحسين ومَن بقي من أهله )(٢) .

وممّا يؤيِّد ذلك، ما نقله الطبري وابن الأثير عن هشام الكلبي، عن مجيء بريد من يزيد بن معاوية إلى عبيد الله حاملاً كتابه إليه بأن سرِّح الأُسارى إليَّ (٣) .

مَن حمل الرأس الشريف؟

وقع خلاف بين أهل السير في مَن دُفع إليه رأس الحسينعليه‌السلام ورؤوس أصحابه الأوفياء حتّى يحملها إلى يزيد، والأقوال ثلاثة:

أ) زحر بن قيس الجعفي:

هذا هو رأي الأغلب(٤) ، يؤيّده ما رواه الطبري الإمامي، بإسناده عن إبراهيم بن سعد أنّه كان مع زهير بن القين حين صحب الحسينعليه‌السلام ، فقال له:( يا زهير، اعلم أنّ هاهنا مشهدي، ويَحمِل هذا من جسدي - يعني رأسه - زحر بن قيس، فيدخل به على يزيد يرجو نواله، فلا يُعطيه شيئاً ) (٥) .

____________________

(١) الملهوف: ٢٠٨. ونحوه في تسلية المجالس ٢/ ٣٧٢.

(٢) الردّ على المتعصّب العنيد: ٤٥.

(٣) تاريخ الطبري ٤/ ٣٥٤؛ الكامل في التاريخ ٤/ ٨٤.

(٤) الإرشاد ٢/١١٨؛ الفتوح ٢/١٨٠؛ الكامل في التاريخ ٤/٨٣؛ البداية والنهاية ٨/١٩٣؛ مقتل الخوارزمي ٢/٥٥؛ إعلام الورى: ٢٤٨؛ جواهر المطالب ٢/ ٢٩١.

(٥) دلائل الإمامة: ١٨٢ ح٩٧.


وكان معه أبو بُردة بن عوف الأزدي، وطارق بن أبي ظبيان في جماعة من أهل الكوفة.

قال الشيخ المفيد: ( ولما فرغ القوم من التطواف به - أي بالرأس الشريف - بالكوفة ردّوه إلى باب القصر، فدفعه ابن زياد إلى زحر بن قيس، ودفع إليه رؤوس أصحابه، وسرّحه إلى يزيد بن معاوية عليهم لعائن الله ولعنة اللاعنين في السماوات والأرضين، وأنفذ معه أبا بردة بن عوف الأزدي، وطارق بن أبي ظبيان في جماعة من أهل الكوفة، حتّى وردوا بها على يزيد بدمشق )(١) .

ب) مُحَفّز بن ثعلبة العائذي:

صرّح بذلك البلاذري، قال: ( وأمر عبيد الله بن زياد بعليّ بن الحسين، فغُلّ بغِلّ إلى عنقه، وجهَّز نساءه وصبيانه، ثمّ سرّح بهم مع مُحفَّز بن ثعلبة من عائذة قريش، وشمر بن ذي الجوشن )(٢) .

ونُقل عن عوانة بن الحكم أنّه قال: ( قُتل الحسين بكربلاء، قتله سنان بن أنس، واحتزّ رأسه خولي بن يزيد، وجاء به إلى ابن زياد، فبعث به إلى يزيد مع مُحفّز بن ثعلبة )(٣) .

ج) عمر بن سعد:

تفرّد بذكره الشبراوي، قال: ( ويُقال: إنّ الذي حضر بالرأس إلى الشام عمر بن سعد بن أبي وقّاص، وفي عنق عليّ بن الحسين ويديه الغِلّ )(٤) .

____________________

(١) الإرشاد ٢/ ١١٨.

(٢) أنساب الأشراف ٣/ ٤١٦.

(٣) أنساب الأشراف ٣/ ٤١٦. وذُكر هذا المعنى في تذكرة الخواص: ٢٦٢؛ تسلية المجالس ٢/ ٣٧٢.

(٤) الإتحاف بحُبّ الأشراف: ٥٥.


أهلالبيت عليهم‌السلام في الشام

أصبح أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أُسارى!

هذه هي الفاجعة الكبرى، والمأساة العُظمى، جاءوا إلى الشام وعلى رأسهم سيّد العابدين وزين المتهجّدين عليّ بن الحسينعليه‌السلام ، وقد جُعل الغِلّ في عنقه ويده(١) ، يحمله بعير يطلع بغير وطاء، والأُسارى من أهل بيت الرسول من النساء والصبيان راكبين أقتاباً يابسة، ورأس الحسينعليه‌السلام على علَم، وحولهم الجنود بالرماح إنْ دمعت عين أحدهم قُرع رأسه بالرمح، ساقوا بهم من منزل إلى منزل كما تُساق أُسارى التُّرك والديلم..

نعم، إنّهم جاءوا إلى الشام مشدودين على أقتاب الجمال موثوقين بالحبال، والنساء مكشفاف الوجوه و... إنّا لله وإنّا إليه راجعون.

روي عن زينب الكبرى (سلام الله عليها) أنّها قالت: (قد علم الله ما صار إلينا. قُتل خيرنا، وانسقنا كما تُساق الأنعام، وحُملنا على الأقتاب! )(٢) .

وجاء في رسالة ابن عبّاس ليزيد: ( ألا ومن أعجب الأعاجيب - وما عشت أراك الدهر العجيب - حملك بنات عبد المطّلب وغُلمة صغاراً من ولْده إليك بالشام، كالسبي المجلوب، تُري الناس أنّك قهرتنا وأنّك تأمر علينا، ولعَمْرِي، لئن كنت تُصبح وتُمسي آمناً لجرح يدي... )(٣) .

وقال ابن حبان: ( ثمّ أنفذ عبيد الله بن زياد رأس الحسين بن علي إلى الشام مع

____________________

(١) الكامل في التاريخ ٤/ ٨٣؛ جواهر المطالب ٢/ ٢٩٣؛ إعلام الورى: ٢٤٨.

(٢) أخبار الزينبات المنسوب إلى العلاّمة أبي عبيد الله الأعرج بن الإمام السجّاد: ١١٦.

(٣) تاريخ اليعقوبي ٢/ ٢٥٠.


أُسارى النساء والصبيان من أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على أقتاب، مُكشّفات الوجوه والشعور )(١) .

وقال: ( ثمّ أركب الأُسارى من أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من النساء والصبيان أقتاباً يابسة مُكشّفات الشعور، وأُدخلوا دمشق كذلك )(٢) .

وقال ابن عبد ربّه: ( وحمَل أهلُ الشام بنات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سبايا على أحقاب الإبل )(٣) .

واليعقوبي: ( وأُخرج عيال الحسين وولده إلى الشام، ونُصب رأسه على رمح )(٤) .

وقال ابن أعثم والخوارزمي: ( فسار القوم بحرم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الكوفة إلى بلاد الشام على محامل بغير وطاء، من بلد ومن منزل إلى منزل، كما تُساق أُسارى التُّرك والديلم )(٥) .

وقال سبط ابن الجوزي: ( ولما أسلم وحشي قاتل حمزة قال له رسول الله:( غيّب وجهك عنّي، فإنّي لا أُحبّ مَن قَتَل الأحبّة )، قال هذا والإسلام يجبّ ما قبله، فكيف يقدر الرسول أن يَرى مَن ذبح الحسين وأمر بقتله وحمَل أهله على أقتاب الجمال؟! )(٦) .

وقال الباعوني: ( وحمل أهل الشام بنات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سبايا على

____________________

(١) كتاب الثقات ٢/ ٣١٢.

(٢) المصدر نفسه ٢/ ٣١٣، ونحوه في عبرات المصطفين ٢/ ٢٦٥.

(٣) العقد الفريد ٥/ ١٣٢.

(٤) تاريخ اليعقوبي ٢/ ٢٤٥.

(٥) الفتوح ٢/ ١٨٠، مقتل الخوارزمي ٢/ ٥٥، ونحوه في تسلية المجالس ٢/ ٣٧٩.

(٦) تذكرة الخواص: ٢٧٤؛ نظم درر السمطين: ٢٢٢.


الأقتاب )(١) .

وفي شذرات الذهب: ( ولما تمّ قتلُه حُمِل رأسه وحرم بيته وزين العابدين معهم إلى دمشق كالسبايا، قاتل الله فاعل ذلك وأخزاه ومَن أمر به أو رضيه )(٢) .

وقال الشبراوي: ( ثمّ أرسل بها إلى يزيد بن معاوية، وأرسل معه الصبيان والنساء مشدودين على أقتاب الجمال، موثوقين بالحبال، والنساء مُكشّفات الوجوه والرؤوس )(٣) .

وقال: ( ومن عجائب الدهر الشنيعة وحوادثه الفظيعة أن يُحمل آل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على أقتاب الجمال، موثّقين بالحبال، والنساء مُكشّفات الوجوه والرؤوس، من العراق إلى أن دخلوا دمشق، فأُقيموا على درج الجامع حيث يُقام الأُسارى والسبي، والأمر كلّه لله، لا حول ولا قوّة إلاّ به )(٤) .

وقال السيّد محمّد بن أبي طالب: ( فسار بهم مُحَفّز حتّى دخل الشام، كما يُسار بسبايا الكفّار، ويتصفّح وجوههم أهل الأقطار )(٥) .

كيف ورد أهل بيت الحسينعليه‌السلام دمشق؟!

لقد دخل أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله دمشق نهاراً، وأهلها قد علّقوا الستور والحُجب والديباج، فرحين مُستبشرين، ونساؤهم يلعبن بالدفوف، ويضربن على الطبول، كأنّه العيد الأكبر عندهم.

____________________

(١) جواهر المطالب ٢/ ٢٧٣.

(٢) شذرات الذهب ١/ ٦٧.

(٣) الإتحاف بحُبّ الأشراف: ٥٥.

(٤) المصدر نفسه: ٦٩.

(٥) تسلية المجالس ٢/ ٣٧٢.


روى الخوارزمي، بإسناده عن زيد، عن أبيهعليه‌السلام قال: ( إنّ سهل بن سعد قال: خرجت إلى بيت المقدس، حتى توسّطت الشام، فإذا أنا بمدينة مُطّردة الأنهار، كثيرة الأشجار قد علّقوا الستور والحُجب والديباج، وهم فرحون مُستبشرون، وعندهم نساء يلعبن بالدفوف والطبول، فقلت في نفسي: لعلّ لأهل الشام عيداً لا نعرفه نحن.

فرأيت قوماً يتحدّثون، فقلت: يا هؤلاء، ألكم بالشام عيد لا نعرفه نحن؟!

قالوا: يا شيخ نراك غريباً!

فقلت: أنا سهل بن سعد، قد رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحملت حديثه.

فقالوا: يا سهل، ما أعجبك السماء لا تمطر دماً والأرض لا تُخسف بأهلها!

قلت: ولِمَ ذاك؟

فقالوا: هذا رأس الحسين عترة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، يُهدى من أرض العراق إلى الشام، وسيأتي الآن.

قلت: واعجباه! يُهدى رأس الحسين والناس يفرحون؟! فمن أيّ باب يدخل؟

فأشاروا إلى باب يُقال له: باب الساعات. فسرت نحو الباب، فبينما أنا هنالك، إذ جاءت الرايات يتلو بعضها بعضاً، وإذا أنا بفارس بيده رمح منزوع السنان، وعليه رأس مَن أشبه الناس وجهاً برسول الله، وإذا النسوة من ورائه على جمال بغير وطاء، فدنوت من إحداهنّ فقلت لها: يا جارية، مَن أنت؟

فقالت: أنا سكينة بنت الحسين.

فقلت لها: ألكِ حاجة إليّ - فأنا سهل بن سعد، ممّن رأى جدّك وسمعت حديثه -؟

قالت: يا سهل، قل لصاحب الرأس: أن يتقدّم بالرأس أمامنا؛ حتّى يشتغل الناس بالنظر إليه فلا ينظرون إلينا، فنحن حرم رسول الله.

قال: فدنوت من صاحب الرأس وقلت له: هل لك أن تقضي حاجتي وتأخذ منّي أربعمئة دينار؟

قال: وما هي؟

قلت: تُقدِّم الرأس أمام الحرم. ففعل ذلك، ودفعت له ما وعدته... )(١) .

____________________

(١) مقتل الخوارزمي ٢/ ٦٠؛ تسلية المجالس ٢/ ٣٧٩؛ بحار الأنوار ٤٥/ ١٢٧.


إنّ هذه الرواية تكشف عن عدّة نقاط:

١ - الوضع العامّ، المتمثِّل بحالة الفرح والانبساط والاشتغال باللهو، وهي ناشئة عن الجهل السائد، وقد بيّنا جذوره في مدخل هذا الكتاب.

٢ - الوضع الخاصّ، وهو وجود ضمائر حيّة تعرف الأمور، وتُميّز الحقّ من الباطل، ممّن رأى سهلُ بن سعد بعضَهم مُصادفةً، وسمع منهم هذا الكلام: ( يا سهل، ما أعجبك السماء لا تمطر دماً والأرض لا تُخسف بأهلها، هذا رأس الحسين عترة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يُهدى من أرض العراق إلى الشام )، وأغلب الظنّ أنّهم قاموا بدور مُهمّ في إيقاظ الناس، بعدما فُسح لهم المجال، إلى جانب الدور المهمّ الذي أدّاه أهل بيت الحسينعليه‌السلام في الشام، وإن لم نعلم تفاصيل ذلك.

٣ - اهتمام حرم الحسينعليه‌السلام بمسألة الحجاب وحفظ مكانة المرأة في الإسلام، مع كونهم في مأساة كبيرة لا تتصوّرها العقول، فلقد قدموا من سفر بعيد، ونالت منهم جراحات اللسان والسنان ما نالت، ومع ذلك تقول سكينة: ( قل لصاحب الرأس: أن يتقدّم بالرأس أمامنا؛ حتّى يشتغل الناس بالنظر إليه فلا ينظرون إلينا، فنحن حرم رسول الله ).

ونحو ذلك ما رواه السيّد ابن طاووس وابن نما، قال - واللفظ للأوّل -: (قال الراوي: وسار القوم برأس الحسينعليه‌السلام ونسائه والأسرى من رجاله، فلما قربوا من دمشق دنت أُمّ كلثوم من الشمر - وكانت من جملتهم - فقالت: لي إليك حاجة.

فقال: وما حاجتك؟

قالت: إذا دخلت بنا البلد، فاحملنا في درب قليل النُظَّارة، وتقدّم إليهم أن يُخرجوا هذه الرؤوس من بين المحامل ويُنحّونا عنها، فقد خُزينا من كثرة النظر إلينا ونحن في هذه الحال، فأمر في جواب سؤالها أن تُجعل الرؤوس على الرماح في أوساط المحامل - بغياً منه وكفراً - وسلك بهم بين النُظَّارة


على تلك الصفة، حتّى أتى بهم إلى باب دمشق، فوقفوا على درج باب المسجد الجامع حيث يُقام السبي )(١) .

وروي أنّ السبايا لما وردوا مدينة دمشق أُدخلوا من باب يُقال له: باب (توما)(٢) .

وروى محمّد بن أبي طالب قال: ( إنّ رؤوس أصحاب الحسين وأهل بيته كانت ثمانية وسبعين رأساً، واقتسمتها القبائل ليتقرّبوا بذلك إلى عبيد الله وإلى يزيد )(٣) .

رأس الحسين يتلو القرآن!

كيف ينطق الرأس الشريف؟ وما الذي نطق به؟ لقد نطق بالقرآن؛ لكي يثبت للجميع أنّه شهيد القرآن، وإذا كان هو القرآن الناطق في حياته، فكيف لا ينطق به بعد استشهاده؟!

المروي في التاريخ، أنّ الرأس الشريف تلا هذه الآية الشريفة:( ... فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) (٤) .

روى ابن عساكر، عن الأعمش، عن سلمة بن كهيل قال: ( رأيت رأس الحسين بن علي (رضي الله عنه) على القنا وهو يقول:( ... فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) (٥) .

____________________

(١) الملهوف: ٢١٠. ونحوه في مُثير الأحزان: ٩٧ وفيه: فأمر (شمر) بضدّ ما سألته بغياً منه وعتوَّاً.

(٢) مقتل الخوارزمي ٢/ ٦١.

(٣) بحار الأنوار ٤٥/ ٦٢.

(٤) البقرة: ١٣٧.

(٥) تاريخ مدينة دمشق ٧/ ٥٠٩.


وجاء في مختصر تاريخ دمشق لابن منظور:

( وقال: إنّ كلّ راوٍ لهذا الحديث قال لمن رواه له: الله، إنّك سمعته من فلان؟ قال: الله، إنّي سمعته منه، إلى الأعمش! قال الأعمش: فقلت لسلمة بن كهيل: الله، إنّك سمعته منه؟ قال: الله، إنّي سمعته منه بباب الفراديس بدمشق! لا مُثّل لي ولا شُبّه لي وهو يقول:( ... فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) (١) .

تكلّم رأس الحسينعليه‌السلام بدمشق!

أخرج ابن عساكر، بإسناده عن المنهال بن عمرو قال: أنا - والله - رأيت رأس الحسين بن علي حين حُمل وأنا بدمشق، وبين يدي الرأس رجل يقرأ سورة الكهف حتّى بلغ قوله:( أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً ) (٢) ، قال: فأنطق الرأس بلسان ذرب فقال:( أعجب من أصحاب الكهف قتلي وحملي ) (٣) .

وروى ابن شهر آشوب عن الحافظ السروي أنّه قال: ( وسُمع أيضاً صوتهعليه‌السلام بدمشق:( لا قوّة إلاّ بالله ) (٤) .

____________________

( ١ ) مُختصر تاريخ دمشق ١٠/ ٩٢. وروى الخبر الشيخ الجليل أبو محمّد جعفر بن أحمد بن علي القمّي ( المسلسلات: ٢٥١)؛ والعلاّمة الجويني ( فرائد السمطين ٢/ ١٦٩ ح٤٥٨ ) بإسنادهما. وانظر: تهذيب تاريخ دمشق ٦/ ٢٣٦؛ الوافي بالوفيات ١٥/ ٣٢٣؛ قيد الشريد لمحمّد بن طولون: ٧٥.

( ٢ ) الكهف: ٩.

( ٣ ) تاريخ مدينة دمشق ١٧/ ٢٤٦، وانظر: الخرائج والجرائح ٢/ ٥٧٧؛ الثاقب في المناقب: ٣٣٣ ح٢٧٤، وفيه أنّه قال:( أمري أعجب من أمر أصحاب الكهف والرقيم ) ، الخصائص الكبرى ٢/ ١٢٧؛ بحار الأنوار ٤٥/ ١٨٨، ح٣٦؛ الصراط المستقيم ٢/ ١٧٩ ح٥٧؛ مناقب أمير المؤمنين للصنعاني ٢/ ٢٦٧؛ الكواكب الدُّرِّية ١/ ٥٧؛ إسعاف الراغبين: ١٩٦؛ نور الأبصار: ١٣٥؛ مدينة المعاجز: ٢٧٤؛ إثبات الهُداة ٥/ ١٩٣ ح٣٢؛ إحقاق الحقّ ١١/ ٤٥٣؛ عبرات المصطفين ٢/ ٣٣٠؛ العوالم ١٧/ ٤١٢.

( ٤ ) المناقب ٤/ ٦١.


على درج المسجد:

أمر يزيد عليه اللعنة بإيقاف الأُسارى من أُسرة الرسول ( صلَّى الله عليه وآله ) بدرجة المسجد، حيث توقَف الأُسارى لينظر الناس إليهم، صرّح بذلك المؤرّخون، ومنهم مطهّر بن طاهر المقدسي( ١) ، وابن العبرى( ٢) ، قال - واللفظ للأخير -: ( ثمّ بعث ( أي ابن زياد ) به ( أي رأس الحسين ( عليه السلام) ) وبأولاده إلى يزيد بن معاوية، فأمر نساءه وبناته فأُقمن بدرجة المسجد حيث توقَف الأسارى ينظر الناس إليهم ).

مع الشيخ الشامي:

قال ابن أعثم: ( وأُتي بحرم رسول الله ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) حتّى أُدخلوا من مدينة دمشق من باب يُقال له: ( باب توما)، ثمّ أُتي بهم حتّى وقفوا على درج باب المسجد حيث يُقام السبي، وإذا بشيخ قد أقبل حتّى دنا منهم وقال: الحمد لله الذي قتلكم وأهلككم، وأراح الرجال من سطوتكم، وأمكن أمير المؤمنين! منكم.

فقال له عليّ بن الحسين:( يا شيخ، هل قرأت القرآن؟! )

فقال: نعم، قرأته.

قال:( فعرفت هذه الآية: ( قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى... ) (٣) ؟! ) .

فقال الشيخ: قد قرأت ذلك.

فقال عليّ بن الحسين ( رضي الله عنه):( فنحن القُربى يا شيخ! ) .

قال:( فهل قرأت في ( بني إسرائيل): ( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ... ) (٤) ؟! ) .

____________________

(١) البدء والتاريخ ٦/ ١٢.

(٢) تاريخ مُختصر الدول: ١٩٠.

(٣) الشورى: ٢٣.

(٤) الإسراء: ٢٦.


فقال الشيخ: قد قرأت ذلك.

فقال عليّ ( رضي الله عنه):( نحن القُربى يا شيخ! ولكن هل قرأت هذه الآية: ( وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى ) ( ١ ) ،فنحن ذو القُربى يا شيخ! ولكن هل قرأت هذه الآية: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (٢) ؟! ) .

فقال الشيخ: قد قرأت ذلك.

فقال:( فنحن أهل البيت الذين خُصصنا بآية الطهارة! ) .

قال: فبقى الشيخ ساعة ساكتاً نادماً على ما تكلّمه، ثمّ رفع رأسه إلى السماء وقال: اللّهمَّ، إنّي تائبٌ إليك ممّا تكلّمته ومن بغض هؤلاء القوم، اللّهمّ، إنّي أبرأ إليك من عدوّ محمّد وآل محمّد من الجنّ والإنس )(٣) .

وفي اللهوف قال: قال الراوي: ( بقي الشيخ ساكتاً نادماً على ما تكلّم به، وقال: ( تالله، إنّكم هُم؟! ).

فقال عليّ بن الحسينعليهما‌السلام :( تالله، لنحن هم من غير شكّ، وحقّ جدّنا رسول الله ( صلَّى الله عليه وآله ) إنّا لنحن هم ) .

قال: فبكى الشيخ ورمى عمامته، ثمّ رفع رأسه إلى السماء، وقال: اللّهمّ، إنّي أبرأ إليك من عدوّ آل محمّد( صلَّى الله عليه وآله ) من الجنّ والإنس. ثمّ قال: هل لي من توبة؟

فقال له:( نعم، إن تبت تاب الله عليك وأنت

____________________

( ١ ) الأنفال: ٤١.

( ٢ ) الأحزاب: ٣٣.

( ٣ ) الفتوح ٢/ ١٨٣. ونحوه في: تفسير فرات الكوفي: ١٥٣ ح١٩١؛ أمالي الصدوق: ٢٣٠؛ عنه بحار الأنوار ٤٥/ ١٥٤؛ روضة الواعظين ١/ ١٩١؛ الاحتجاج ٢/ ١٢٠؛ عنه بحار الأنوار ٤٥/ ١٦٦ ح٩؛ مقتل الخوارزمي ٢/ ٦١؛ الدرّ المنثور ذيل آية ٢٣: الشورى و٢٦: الإسراء، بتفاوت يسير، وفيه: أنّ الشيخ الشامي قال - بعدما رفع يده إلى السماء -: اللّهم، إنّي أتوب إليك - ثلاث مرّات - اللّهمّ، إنّي أبرأ إليك من عدوّ آل محمّد ومن قتلة أهل بيت محمّد، لقد قرأت القرآن فما شعرت بهذا قبل اليوم.


معنا ) . فقال: ( أنا تائب). فبلغ يزيد بن معاوية حديث الشيخ، فأمر به فقُتِل )(١) .

تأمّل وملاحظات:

نستنتج من هذا الخبر عدّة أُمور:

١ - إنّ هذا أوّل موقف تكلّم به الإمام زين العابدين بعد تحمُّله شِدَّة السفر وشقَّته، وبعدما رأى من المعاناة؛ لأنّه روي أنّ الإمام ( عليه السلام ) لم يتكلّم في الطريق - من الكوفة إلى الشام - حتّى وصل الشام( ٢) .

٢ - الإمام ( عليه السلام ) يقوم بأداء الرسالة في أوّل فرصة وأوّل نقطة يجد بها الطينة الطيّبة. فمع أنّ ذاك الشيخ الشاميّ لم يكن إلاّ رجلاً عاش في كَنف حُكم الأُمويّين مدّة طويلة، ولم يرَ عليّاً ولا أحداً من أبنائه، ولكنّه كان على فطرة سليمة، بينما الذين قاموا بقتل الإمام الحسين وسبي أهل بيته، فقد كان كثير منهم ممّن رأى عليّاً والحسن والحسين ( عليهم السلام ) وصلّى خلفهم! وسلّم عليهم ولكنّهم كانوا خبثاء!

٣ - هذا الخبر يدلّ على سيطرة الجوّ الإعلامي المسموم، على مجتمع وبيئة تربَّت في أحضان بني أُميّة، لقد أذاعوا بأنّ المقتول هو رجل خارجيّ، خرج على أمير المؤمنين! وخليفة المسلمين! كان يريد بثّ الفتنة والفرقة في المجتمع( ٣) ؛ ولذلك نرى أنّ الشيخ الشامي حينما يواجه الإمام ( عليه السلام ) أوّل مرّة يحمد الله على قتل

____________________

( ١ ) الملهوف: ٢١١، ونحوه في تسلية المجالس ٢/ ٣٨٤. وروى الخبر ابن حجر ( الصواعق المحرقة: ٣٤١ باب وصيّة النبيّ ( صلَّى الله عليه وآله ) بهم )؛ ينابيع المودّة ٢/ ٣٠٢ عن الطبراني مُلخّصاً.

( ٢ ) انظر: تاريخ الطبري ٤/ ٣٥١؛ الكامل في التاريخ ٤/ ٨٣؛ جواهر المطالب ٢/ ٢٩١؛ الإرشاد ٢/ ١١٩؛ إعلام الورى: ٢٤٨؛ مُثير الأحزان: ٩٧.

( ٣ ) ومن هنا نجد أنّ الإمام الحسين ( عليه السلام ) يهتمّ بهذا الجانب بنفسه، حيث يقول:( إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ) .


الحسين ( عليه السلام ) ويقول: ( الحمد لله الذي قتلكم وأهلككم! وأراح الرجال من سطوتكم! وأمكن أمير المؤمنين منكم! ).

ولكن حينما ينكشف له الواقع يتوب إلى الله من قوله، ويتبرّأ من قَتَلة أهل بيت رسول الله ( عليهم السلام ) وأعدائهم، وكانت أكثريّة المجتمع الشامي، على غرار هذا الشيخ، قد ضلّلهم الدعاية الأُموية وحجبتهم عن معرفة أهل بيت رسول الله ( صلَّى الله عليه وآله)؛ ومن ثَمَّ لم يتحمّل يزيد ذلك وأمر بقتل ذلك الشيخ؛ كي يظلّ مُسيطراً على الأوضاع في زعمه.

متى وصل الرأس الشريف؟

بالنسبة إلى زمان وصول الرأس الشريف هناك عدّة احتمالات:

الأوّل: أنّ الرأس الشريف حُمل مع تسييرهم أهل البيت إلى الشام، وهناك بعض الشواهد التاريخية تؤيّد ذلك.

* منها: ما رواه ابن حبّان بقوله: ( ثمّ أنفذ عبيد الله بن زياد رأس الحسين بن علي إلى الشام، مع أُسارى النساء والصبيان من أهل بيت رسول الله ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) )(١) .

* ومنها: ما رواه السيّد ابن طاووس، عن الإمام زين العابدين أنّه قال:( حملني على بعير يطلع بغير وطاء، ورأس الحسين ( عليه السلام ) على عَلَم ونسوتنا خلفي على بغال... والفارطة خلفنا وحولنا بالرّماح ) (٢) .

* ومنها: ما رواه ابن الأثير: ( ثمّ أرسل ابن زياد رأس الحسين ورؤوس أصحابه مع زحر بن قيس إلى الشام، إلى يزيد ومعه جماعة، وقيل: مع شمر وجماعة

____________________

( ١ ) كتاب الثقات ٢/ ٣١٢.

( ٢ ) إقبال الأعمال: ٥٨٣.


معه، وأرسل معه النساء والصبيان وفيهم عليّ بن الحسين )(١) .

* ومنها: ما نقله السيّد ابن طاووس أيضاً: ( وأمّا يزيد بن معاوية، فإنّه لما وصل إليه كتاب ابن زياد ووقف عليه أعاد الجواب إليه، أمره فيه بحمل رأس الحسين ( عليه السلام ) ورؤوس مَن قُتل معه وبحمل أثقاله ونسائه وعياله )(٢) .

الثاني: أنّ الرأس الشريف أُوصل إلى دمشق قبل وصول أهل البيت ( عليهم السلام)، وهناك بعض الشواهد تؤيّد هذا الاحتمال:

منها: ما صرّح به ابن أعثم والخوارزمي بقولهما - واللفظ للأوّل -: ( ثمّ دعا ابن زياد بزحر بن قيس الجعفي، فسلّم إليه رأس الحسين بن علي ( رضي الله عنهما ) ورؤوس إخوته... ورؤوس أهل بيته وشيعته ( رضي الله عنهم أجمعين )، ودعا علي بن الحسين، فحمله وحمل أخواته وعمّاته ونساءهم إلى يزيد بن معاوية... وسبق زحر بن قيس برأس الحسين ( عليه السلام ) إلى دمشق حتى دخل على يزيد، فسلّم عليه ودفع إليه كتاب عبيد الله بن زياد، قال: فأخذ يزيد كتاب عبيد الله بن زياد فوضعه بين يديه، ثمّ قال: هات ما عندك يا زحر، فقال: أبشِر يا أمير المؤمنين!... )(٣) .

ومُقتضى هذا الاحتمال، أنّ الرأس الشريف أُرجع بعد ذلك إلى خارج دمشق؛ لكي يُدخَل مع الأُسارى الشام.

الثالث: أنّ أهل بيت الحسين ( عليه السلام ) سُرِّحوا إلى دمشق بعدما أُنفذ برأس الحسين ( عليه السلام)، ولكنّهم لحقوا بالذين معهم الرأس الشريف، فأُدخِلوا مع الرأس الشريف الشام.

____________________

( ١ ) الكامل في التاريخ ٤/ ٨٣.

( ٢ ) الملهوف: ٢٠٨. وكذا ما روى في شذرات الذهب ١/ ٦٧؛ والإتحاف ٥٥ و٦٩.

( ٣ ) الفتوح ٢/ ١٨٠؛ نحوه مقتل الخوارزمي ٢/ ٥٥ بتفاوت يسير.


روى الشيخ المفيد والطبرسي ما يؤيّد ذلك، قالا: ( ثمّ إنّ عبيد الله بن زياد - بعد إنفاذه برأس الحسين - أمر بنسائه وصبيانه فجُهّزوا وأمر بعليّ بن الحسين فغُلّ بغِلّ إلى عنقه، ثمّ سرّح بهم في أثر الرأس مع مُحفَّز بن ثعلبة العائذي، وشمر بن ذي الجوشن، فانطلقا بهم حتّى لحقوا بالقوم الذين معهم الرأس... )(١) .

ويمكن أن يُقال: إنّ الرأس الشريف أُنفذ مع إنفاذ أهل البيت إلى الشام وأُدخِل معهم دمشق، ولكنّه أُدخل بالرأس الشريف مجلس يزيد قبل إدخالهم مجلسه، وهذا يتَّحد مع الاحتمال الأوّل الذي ربّما ذكره الأكثر، ويُحمل عليه الاحتمال الثاني أيضاً.

أمّا زمن دخول الرأس الشريف في الشام تحديداً، فقد صرّح بعض العلماء كونه في أوّل يوم من شهر صفر.

قال أبو ريحان البيروني: (في اليوم الأوّل من صفر، أُدخل رأس الحسينعليه‌السلام مدينة دمشق، فوضعه بين يديه، ونقر ثناياه بقضيب كان في يده، وهو يقول: لست من خندف إن لم أنتقم... الأبيات )(٢) .

وقال الكفعمي: ( وفي أوّله (صفر) أُدخل رأس الحسينعليه‌السلام إلى دمشق، وهو عيد عند بني أُميّة )(٣) .

وعليه يُحمل ما ذكره الشيخ البهائي بقوله: ( الأوّل من صفر، فيه حُمِل رأس أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام إلى دمشق، وجعلوه بنو أُميّة عيداً )(٤) .

____________________

(١) الإرشاد ٢/ ١١٩؛ إعلام الورى: ٢٤٨.

(٢) الآثار الباقية: ٣٢١.

(٣) مصباح الكفعمي: ٥١٠.

(٤) توضيح المقاصد: ٥.


رأس الإمامعليه‌السلام بين يدي يزيد!

قال الحافظ البدخشاني: ( ولما قدموا دمشق ودخلوا على يزيد رموا برأس الحسين (رضي الله عنه) بين يديه، فاستبشر الشقيّ بقتله، وجعل ينكت رأسه بالخيزران... )(١) .

وقال الدينوري: ( قالوا: إنّ ابن زياد جهّز علي بن الحسين ومَن كان معه من الحرم، ووجّه بهم إلى يزيد بن معاوية، مع زحر بن قيس ومحقن بن تغلبة(٢) ، وشمر بن ذي الجوشن، فساروا حتّى قدموا الشام ودخلوا على يزيد بن معاوية بمدينة دمشق، وأُدخل معهم رأس الحسين، فرُمي بين يديه، ثمّ تكلّم شمر بن ذي الجوشن فقال: يا أمير المؤمنين، ورد علينا هذا في ثمانية عشر رجلاً من أهل بيته وستّين رجلاً من شيعته... )(٣) .

ثمّ ذكر الدينوري كلاماً تفرّد هو بنسبته إلى شمر، خلافاً لغيره من المؤرّخين الذين يرون أنّ المتكلّم كان زحر بن قيس.

قال الشيخ المفيد - وغيره(٤) : ( روى عبد الله بن ربيعة الحميري فقال: إنّي لعند يزيد بن معاوية بدمشق، إذ أقبل زحر بن قيس حتّى دخل عليه، فقال له يزيد: ويلك! ما وراءك وما عندك؟

قال: أبشِر - يا أمير المؤمنين - بفتح الله ونصره! ورد علينا الحسين بن علي في ثمانية عشر من أهل بيته وستّين من شيعته، فسرنا إليهم فسألناهم أن يستسلموا أو ينزلوا على حُكم الأمير عبيد الله بن زياد أو القتال، فأحطنا بهم من كلّ ناحية، حتى إذا أخذت السيوف مآخذها من هام القوم، جعلوا يهربون إلى غير وزر، ويلوذون

____________________

(١) نُزل الأبرار: ١٥٩.

(٢) الظاهر أنّه تصحيف مُحفّز بن ثعلبة.

(٣) الأخبار الطوال: ٢٦٠.

(٤) ممّن سنذكرهم في الهامش الآتي.


منّا بالآكام والحفر لواذاً، كما لاذ الحمائم من صقر، فوالله، يا أمير المؤمنين! ما كانوا إلاّ جزر جَزور أو نومة قائل حتى أتينا على آخرهم، فهاتيك أجسادهم مُجرّدة، وثيابهم مُرمّلة، وخدودهم مُعفّرة، تصهرهم الشمس، وتسفي عليهم الرياح، زوّارهم العقبان والرخم.

فأطرق يزيد هُنيهة، ثمّ رفع رأسه فقال: فقد كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين، أما لو أنّي صاحبه لعفوت عنه )(١) .

____________________

(١) الإرشاد ٢/ ١١٨.

ورواه أيضاً ابن سعد في الطبقات الكبرى (ترجمة الإمام الحسين): ٨١، وفيه (... في سبعين من شيعته.. فاختاروا القتال على الاستسلام، فناهضناهم عند شروق الشمس، ثمّ جرّدنا فيهم السيوف اليمانية، فجعلوا يبرقطون إلى غير وزر فنُصرنا الله عليهم.. حتّى كفى المؤمنين مؤونتهم.. أجسامهم مُطرّحة مُجرّدة.. ومناخرهم مُرمّلة تسفي عليهم الريح ذيولها بقي سبسب تنتابهم عرج الضباع.. )، وابن عبد ربّه، بإسناده عن الغاز بن ربيعة الجرشي في العقد الفريد: ٥/ ١٣٠، وفيه (... سبعة عشر رجلاً من أهل بيته... وهامهم مُرمّلة... فأبوا إلاّ القتال... الريح بقاع سبسب )، وابن أعثم في الفتوح: ٢/ ١٨٠ وفيه: (... في اثنين وثلاثين من شيعته وإخوته وأهل بيته... فأبوا علينا... فقاتلناهم من وقت شروق الشمس إلى أن أضحى النهار... ما كانوا إلاّ كقهوة الحامل... أجسادهم بالعراء مُجرّدة وثيابهم بالدماء مُرمّلة وخدودهم بالتراب مُعفّرة )، والطبري في تاريخه: ٤/ ٣٥١، وفيه: ( كان مع زحر أبو بردة بن عوف الأزدي، وطارق بن أبي ظبيان الأزدي... فاختاروا القتال على الاستسلام، فعدونا عليهم مع شروق الشمس... الرخم بقيّ سبسب )، وابن الجوزي في المنتظم: ٥/ ٣٤١، وفيه (... فاختاروا القتال، فغدونا عليهم من شروق الشمس... )، وابن الأثير في الكامل في التاريخ: ٢/ ٨٣، وابن نما عن العذري بن ربيعة بن عمرو الجرشي في: مُثير الأحزان: ٩٨، وفيه: ( فاختاروا القتال على الاستسلام، فعدونا عليهم من شروق الشمس... والرخم بقاع قرقر سبسب، لا مُكفّنين ولا موسّدين... )، وابن كثير في البداية والنهاية: ٨/ ١٩٣، والباعوني عن روح بن زنباع في جواهر المطالب: ٢/ ٢٧٠، وفيه (... في تسعة عشر رجلاً من أهل بيته وستّين رجلاً من شيعته... فأبوا إلاّ القتال، فعدونا عليهم مع شروق الشمس... الرياح بقاع سبسب طعمة للعقاب والرخم ).


وروى سبط ابن الجوزي، عن الواقدي، عن ربيعة بن عمر قال: ( كنت جالساً عند يزيد بن معاوية في بهوٍ له، إذ قيل: (هذا زحر بن قيس بالباب ). فاستوى جالساً مذعوراً، وأذِن له في الحال، فدخل فقال: ما وراءك؟... ).

إلى أن قال: (... في سبعين راكباً من أهل بيته وشيعته... فأبوا واختاروا القتال... وهم صرعى في الفلاة... )(١) .

تأمُّل ومُلاحظات:

مع مُلاحظة تلك النصوص نصل إلى الحقائق التالية:

الأوّل: خوف يزيد، كما روى سبط ابن الجوزي في الفقرة أعلاه.

الثاني: صلابة الإمام الحسينعليه‌السلام وأصحابه الأوفياء، وعظمتهم وعِزّة أنفسهم وقدرتهم الفائقة؛ حيث إنّ الجميع - بما فيهم ابن سعد وابن عبد ربّه وابن أعثم والطبري وابن الجوزي وسبطه وابن الأثير وابن نما وابن كثير والباعوني وغيرهم - اعترفوا بأنّ الإمام وصحبه رفضوا الاستسلام وأبوا إلاّ القتال(٢) .

الثالث: اعتراف العدوّ بقساوة أفعاله وفظاعة جريمته.

الرابع: عجز العدوّ عن مقابلة الواقع والتجاؤه إلى الكذب، حيث يقول: ( وجعلوا يهربون إلى غير وزر ويلوذون منّا بالآكام والحفر... ).

بينما الواقع الثابت على عكس ذلك، والدليل عليه ( تصديق أميرهم عمر بن سعد لكلام عمرو بن الحجّاج، حينما رأى عدم قدرتهم لمبارزتهم فصاح بالناس: ( يا حمقى، أتدرون مَنْ تُقاتلون؟! تُقاتلون فرسان أهل المصر! وتُقاتلون قوماً

____________________

(١) تذكرة الخواص: ٢٦٠.

(٢) مرّ ذكر المصادر مع أرقام الأجزاء والصفحات آنفاً.


مُستميتين! لا يبرز إليهم منكم أحد! فإنّهم قليل وقلّما يبقون، والله، لو لم ترموهم إلاّ بالحجارة لقتلتموهم )، فقال عمر بن سعد: ( صدقت، الرأي ما رأيت! )، فأرسل في الناس مَن يعزم عليهم ألاّ يُبارز رجل منكم رجلاً منهم )(١) .

ويكفي لقطع نباح هذا الشقي وأمثاله المراجعة إلى ما تجلّى في يوم عاشوراء، من تسابق الحسين وأصحابهعليهم‌السلام في الرواح إلى الله تعالى، برواية الموثوقين من المؤرِّخين، وكذا يكفي ما أبداه بعض الحاضرين في كربلاء من أشقّاء هذا الرجس (زحر بن قيس)، حيث اعتذر عن قتاله وقتله لآل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بما رواه عنه ابن أبي الحديد قال: ( ثارت علينا عصابة، أيديها في مقابض سيوفها كالأسود الضارية... تُلقي أنفسها على الموت، لا تقبل الأمان، ولا ترغب في المال، ولا يحول حائل بينها وبين الورود على حياض المنيّة أو الاستيلاء على الملك، فلو كففنا عنها رويداً لأتت على نفوس العسكر بحذافيرها! )(٢) .

ردّ فعل يزيد:

ذكر المؤرِّخون، أنّ يزيد بعدما سمع كلام زحر بن قيس تكلّم بكلمات تدلّ - بنظرنا - على كذبه ونفاقه(٣) .

فمن ذلك ما ذكره ابن سعد أنّه دمعت عينا يزيد! وقال: ( كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين )! ثمّ تمثّل:

مَن يذق الحرب يجد طعمها

مرّاً وتتركه بجعجاع(٤)

____________________

(١) الإرشاد ٢/ ١٠٣.

(٢) شرح نهج البلاغة ٣/ ٣٠٧/ ٢٦٢.

(٣) راجع ما ذكرنا في عنواني (قتله الحسين) و(كذبه)، في المدخل - شخصية يزيد.

(٤) الطبقات الكبرى (ترجمة الإمام الحسين من القسم غير المطبوع): ٨١.


ومنه: ما رواه ابن أعثم أنّه ( أطرق يزيد ساعة، ثمّ رفع رأسه فقال: يا هذا، لقد كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين بن علي، أما والله، لو صار إليّ لعفوت عنه، ولكن قبّح الله ابن مرجانة.

قال: وكان عبد الله بن الحَكم - أخو مروان بن الحَكم - قاعداً عند يزيد بن معاوية، فجعل يقول شعراً، فقال يزيد: نعم، لعن الله ابن مرجانة؛ إذ أقدم على قتل الحسين بن فاطمة، أما والله، لو كنت صاحبه لما سألني خصلة إلاّ أعطيته إيّاها، ولدفعت عنه الحتف بكلّ ما استطعت، ولو كان بهلاك بعض ولْدي، ولكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، فلم يكن له منه مردّ )(١) .

وأظنّ(٢) أنّ وضع المجلس أدّى بيزيد لاتّخاذ هذا الموقف - كذباً ونفاقاً - ولعلّ هذا أوّل موقف أبرز فيه تراجعه وأظهر ندامته.

وروى نحوه ابن عبد ربّه من أنّ يزيد قال: ( لعن الله ابن سميّة، أما والله، لو كنت صاحبه لتركته، رحم الله أبا عبد الله وغفر له! )(٣) .

وقريب منه ما في الأخبار الطوال، وفيه أنّه تمثّل بعد ذلك:

نُفلِّق هاماً من رجال أعزَّة

علينا وهم كانوا أعقَّ وأظلما(٤)

وقد ذكرنا الشواهد المتقنة والكافية لإثبات أنّ يزيد هو الآمر بقتل الحسينعليه‌السلام والراضي بقتله، وأنّه هو الأصل في ذلك، وأنّ ما أظهره من الندامة يرجع إلى كذبه وخوفه على زوال مُلكه، وتمشّياً مع الوضع العام واستنكار الناس

____________________

(١) الفتوح ٢/ ١٨٠؛ مقتل الخوارزمي ٢/ ٥٦.

(٢) مُضافاً إلى ما ذكرناه في المدخل - عن يزيد.

(٣) العقد الفريد ٥/ ١٣٠ ونحوه في المنتظم ٥/ ٣٤١.

(٤) الأخبار الطوال: ٢٦٠.


لذلك - بعدما كُشف عن القضية شيئاً فشيئاً - والدليل على ذلك أنّه لم يُعاقِب ابن زياد على ما فعله ولم يعزله عن الإمارة، بل شكر له واستدعاه وشرب معه الخمر كما مرّ ذكره(١) .

وممّا يدلّ على ذلك ما رواه الحافظ البدخشاني، قال: ( ولما قدموا دمشق ودخلوا على يزيد رموا برأس الحسين (رضي الله عنه) بين يديه، فاستبشر الشقيّ بقتله، وجعل ينكت رأسه بالخيزران... )(٢) .

إزاحة وهْم:

قيل: ( إنّ زحر بن قيس الجعفي شهد صِفِّين مع عليّعليه‌السلام وقدّمه على أربعمئة من أهل العراق، وبقي بعده مؤمّراً، وأمّره الحسنعليه‌السلام بأخذ البيعة له، وهو مع ذلك وثّقه الإمام أحمد بن حنبل وأحمد بن عبد الله العجلي؛ ومعه لابدّ أن يكون غيره - وليس هو - الذي أتى برأس الحسين ( عليه السلام ) )(٣) .

الجواب: إنّ الرأي الغالب بين أصحاب السير والتراجم، أنّ الذي أتى بالرأس الشريف هو زحر بن قيس الجعفي(٤) ، وإن قيل: غيره. مثل ما نقله ابن نما، بكونه زحر بن قيس المذحجي(٥) ، وما قيل: بأنّه كان شمر بن ذي الجوشن(٦) .

والظاهر أنّ ما

____________________

(١) في ص٥٩ من هذا الكتاب.

(٢) نُزل الأبرار: ١٥٩.

(٣) اُنظُر بُغية الطلب ٨/ ٣٧٨٤.

(٤) اُنظُر الطبقات (ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام من القسم غير المطبوع ): ٨١؛ الفتوح ٢/ ١٨٠؛ العقد الفريد ٥/ ١٣٠؛ تذكرة الخواص: ٢٦٠؛ جواهر المطالب؛ مقتل الخوارزمي ٢/ ٥٥.

(٥) مُثير الأحزان: ٩٨.

(٦) الأخبار الطوال: ٢٦٠.


قيل: بأنّه زفر بن قيس(١) ، أو زجر بن قيس(٢) فإنّه تصحيف، ومردّ الجميع إلى شخص واحد.

نعم، هناك احتمال وجود فرد آخر وهو مُحفَّز بن ثعلبة العائذي(٣) ، والظاهر أنّه كان مع أُسارى أهل البيت حينما دخل على يزيد، وهناك خلط في النقل، فبعضهم يذكرون أنّه أتى بالرأس الشريف(٤) ، وبعضهم يقول: إنّه أتى بالرأس الشريف وأهل بيته(٥) ، وبعضهم يذكر أنّه أتى مع أهل بيت الحسين(٦) ، وهو المختار.

وكيفما كان، فالمشهور أنّ الذي أتى بالرأس الشريف إلى يزيد هو زحر بن قيس لعنه الله.

وأمّا ما قيل: بأنّه كان من أصحاب عليّ و... فإنّه ليس أوّل قارورة كُسِرت، فغير واحدٍ من أصحاب عليّعليه‌السلام انقلبوا إلى الجاهلية السوداء، ألم يكن شمر من أصحاب عليّعليه‌السلام في صِفِّين؟! ألم يُجرح في تلك الحرب؟!(٧) ألم يكن شبث بن ربعي من أصحاب عليّ والحسينعليهما‌السلام ؛ حتّى إنّه قال: ( قاتلنا مع عليّ بن أبي طالب ومع ابنه من بعده آل أبي سفيان خمس سنين، ثمّ عدونا على ولَده وهو خير أهل الأرض نُقاتله مع آل معاوية وابن سميّة الزانية )(٨) ، ولكنّ المهمّ حُسن العاقبة.

وأمّا توثيق الإمام حنبل والعجلي، فلا نُرتِّب عليه أثراً.

____________________

(١) المنتظم ٥/ ٣٤١.

(٢) تذكرة الخواص: ٢٦٠.

(٣) الطبقات (ترجمة الإمام الحسين): ٨٢؛ سير أعلام النبلاء ٣/ ٣١٥.

(٤) سير أعلام النبلاء ٣/ ٣١٥؛ الطبقات: ٨٢؛ تاريخ الإسلام (حوادث ٦١ - ٨٠)؛ مقتل الخوارزمي ٢/ ٥٨.

(٥) تاريخ الطبري ٤/ ٢٥٤.

(٦) الإرشاد ٢/ ١١٩؛ إعلام الورى: ٢٤٨؛ أنساب الأشراف ٣/ ٤١٦؛ تاريخ الطبري ٤/ ٣٥٢.

(٧) وقعة صِفّين: ٢٦٧.

(٨) مقتل الحسينعليه‌السلام للمقرَّم: ٢٤٢.


القاتل يطلب الجائزة!

قال أبو الفرج الأصفهاني: ( وحمل (ابن زياد) أهله (الحسينعليه‌السلام ) أسرى، وفيهم عمر وزيد والحسن بنو الحسن بن علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، وكان الحسن بن الحسن بن علي قد ارتُثّ جريحاً فحُمل معهم، وعلي بن الحسين الذي أُمّه أُمّ ولد، وزينب العقيلة، وأُمّ كلثوم بنت علي بن أبي طالب، وسكينة بنت الحسين، لما أُدخلوا على يزيد - لعنه الله - أقبل قاتل الحسين بن علي يقول:

أوقِـرْ ركـابي فِضَّة أو ذهبا

فـقد قـتلت الـملك المحجَّبا

قـتلت خـير الناس أُمّاً وأبا

وخيرهم إذ يُنسبون نَسبا )(١)

وفي مقتل الخوارزمي، بإسناده عن زيد بن علي بن الحسين عن أبيهعليهم‌السلام : ( ثمّ وضع الرأس في حقّة وأُدخل على يزيد، فدخلت معهم، وكان يزيد جالساً على السرير، وعلى رأسه تاج مُكلَّل بالدُّرّ والياقوت، وحوله كثير من مشايخ قريش، فدخل صاحب الرأس ودنا منه، وقال:

أوقِرْ ركابي فضّةً أو ذهبا

فـقد قتلتُ السيِّدَ المحجّبا

قتلت أَزكَى الناسِ أُمّاً وأبا

وخيرهم إذ يذكرون النَّسَبا

فقال له يزيد: إذا علمت أنّه خير الناس لِمَ قتلته؟!

قال: رجوت الجائزة!

فأمر بضرب عنقه، فحُزّ رأسه... )(٢) .

____________________

(١) مقاتل الطالبيّين: ١١٩، وانظر: الخرائج والجرائح ٢/ ٥٨٠، عنه بحار الأنوار ٤٥/ ١٨٦.

(٢) مقتل الخوارزمي ٢/ ٦١؛ تسلية المجالس ٢/ ٣٨١؛ بحار الأنوار ٤٥/ ١٢٨. وفي ينابيع المودّة (٣/ ٩١): فقال له يزيد: إذا علمت أنّه خير الناس أُمّاً وأبا فلِمَ قتلته؟! اُخْرُج من بين يدي، فلا جائزة لك.

فخرج هارباً خائباً من الجائزة، وخاسراً في عاجل الدُّنيا وآجل الآخرة.


مجلس يزيد:

لقد غمرت الأفراح والمسرّات يزيد، وسُرَّ سروراً بالغاً، وأمر بترتيب مجلس فخم حاشد من الأشراف والأعيان والشخصيات.

قال ابن الجوزي: ( ثمّ جلس يزيد ودعا أشراف أهل الشام، وأجلسهم حوله، ثمّ أدخلهم - أي الأسرى من آل البيتعليهم‌السلام - عليه )(١) .

إنّ التاريخ لم يُزوّدنا بأسماء كلّ مَن حضر ذلك المجلس المشؤوم، لكنّا نعلم أنّه كان حاشداً بالأشراف والأعيان والشخصيات، مثل بعض الصحابة والتابعين! كأبي بُرزة الأسلمي(٢) ، وزيد بن الأرقم(٣) ، وقيل: سمرة بن جندب(٤) ، وبعض الأنصار(٥) ، وبعض ناصري بني أُميّة منهم النعمان بن بشير(٦) ، والكبار من الشجرة الملعونة في القرآن، مثل يحيى بن الحَكم(٧) ، وعبد الله بن الحَكم(٨) ، وعبد الرحمان بن الحَكم(٩) ،

____________________

(١) المنتظم ٥/ ٣٤١.

(٢) تاريخ الطبري ٤/ ٢٩٣؛ المنتظم ٥/ ٣٤٢؛ الردّ على المتعصّب العنيد: ٤٧؛ سير أعلام النبلاء ٣/ ٣٠٩؛ تذكرة الخواص: ٢٦١؛ البداية والنهاية ٨/ ١٩٤ و١٩٩؛ أنساب الأشراف ٣/ ٤١٦؛ البدء والتاريخ ٦/ ١٢؛ الملهوف: ٢١٤؛ مُثير الأحزان: ١٠٠؛ بحار الأنوار ٤٥/ ١٣٢؛ الفتوح ٢/ ١٨١؛ مقتل الخوارزمي ٢/ ٥٧.

(٣) الخرائج والجرائح ٢/ ٥٧.

(٤) مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي ٢/ ٦٤ (ط دار أنوار الهُدى).

(٥) الطبقات الكبرى (ترجمة الإمام الحسين من القسم غير المطبوع): ٨٢، عبرات المصطفين ٢/ ٣٢١.

(٦) الجوهرة ٢/ ٢١٩ على ما في عبرات المصطفين.

(٧) الإرشاد ٢/ ١١٩؛ إعلام الورى: ٢٤٨؛ تاريخ الطبري ٤/ ٣٥٢؛ الكامل في التاريخ ٤/ ٨٩؛ المناقب ٤/ ١١٤.

(٨) الفتوح ٢/ ١٨٠.

(٩) أنساب الأشراف ٣/ ٤٢١؛ تاريخ الإسلام للذهبي: ١٨؛ مجمع الزوائد ٩/ ١٩٨؛ بحار الأنوار ٤٥/ ١٣٠ عن المناقب.


وكذا رجال السلطة الحاكمة، وبعض نساء بني أُميّة مثل (ريّا) حاضنة يزيد(١) ، والتحقت بها زوجة يزيد هند بنت عبد الله بن عامر بن كريز(٢) .

ومن أهل الكوفة الذين أتوا مع أُسارى آل البيتعليهم‌السلام إلى الشام: زحر بن قيس(٣) ، وشمر بن ذي الجوشن(٤) ، ومُخفّر بن ثعلبة(٥) ، وعمر بن سعد(٦) ، ومحقن بن ثعلبة(٧) ، وأبو بُردة بن عوف الأزدي، و(طارق بن أبي ظبيان الأزدي، وجماعة من أهل الكوفة)(٨) ، وغيرهم مثل ربيعة بن عمر(٩) ، والعذري بن ربيعة بن عمرو الجرشي(١٠) ، وعبد الله بن ربيعة الحميري(١١) ، والغار بن ربيعة الجرشي(١٢) ، وروح بن زنباع(١٣) .

____________________

(١) تاريخ مدينة دمشق ١٩/ ٤٢٠؛ سير أعلام النبلاء ٣/ ٣١٩؛ البداية والنهاية ٨/ ٢٠٥؛ الإتحاف بحُبّ الأشراف: ٥٦.

(٢) مقتل الخوارزمي ٢/ ٧٣؛ تسلية المجالس ٢/ ٣٩٩؛ بحار الأنوار ٤٥/ ١٤٢.

(٣) الأخبار الطوال: ٢٦٠؛ الفتوح ٢/ ١٨٠، الإرشاد ٢/ ١١٩؛ الكامل في التاريخ ٤/ ٨٣؛ إعلام الورى: ٢٤٨..

(٤) أنساب الأشراف ٣/ ٤١٦؛ الأخبار الطوال: ٢٦٠؛ الإرشاد ٢/ ١١٩؛ الكامل في التاريخ ٤/ ٨٣؛ إعلام الورى: ٢٤٨..

(٥) أنساب الأشراف ٣/ ٤١٦؛ الفتوح ٤/ ١٨٠؛ مقتل الخوارزمي ٢/ ٥٥؛ الإرشاد ٢/ ١١٩؛ إعلام الورى: ٢٤٨ (وفي الأخيرين محفر بدل مخفر)..

(٦) الإتحاف بحُبّ الأشراف: ٥٥ (وفيه عمرو بدل عمر).

(٧) الأخبار الطوال: ٢٦٠ (والظاهر اتّحاده مع مخفر وأنّه تصحيف).

(٨) الإرشاد ٢/ ١١٨؛ تاريخ الطبري ٤/ ٢٥١؛ البداية والنهاية ٨/ ١٩٣.

(٩) تذكرة الخواص: ٢٦٠.

(١٠) مُثير الأحزان: ٩٨.

(١١) الإرشاد ٢/ ١١٨.

(١٢) العقد الفريد ٥/ ١٣٠.

(١٣) جوهر المطالب ٢/ ٢٧٠، ولكنّ الظاهر أنّه راوي الخبر عن الغار بن ربيعة الجرشي، كما هو كذلك في العقد الفريد، فهناك سقط في السند.


ومن جانب آخر، نرى بعض مُمثّلي كبار الدولة آنذاك وكبار أهل الكتاب، مثل سفير الروم(١) ورأس الجالوت(٢) .

فتحصّل أنّه كان مجلساً في غاية الأهمّية سياسياً واجتماعياً، داخلياً وخارجياً؛ ومن هنا أراد يزيد أن يُظهر نفسه بأنّه هو الغالب على عدوّه! وقد انتهى كلّ شيء(٣) .

قال المزّي: ( فلما قدموا (الأُسارى من آل البيت) عليه (يزيد) جمع مَن كان بحضرته من أهل الشام، ثمّ أُدخلوا عليه، فهنّأوه بالفتح! )(٤) .

مجلس أم مجالس؟

هل كان مجلس يزيد - الذي أُحضر فيه الرأس الشريف وأُسارى آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله - مجلساً واحداً أم مجالس مُتعدّدة؟ يظهر من بعض السير الثاني.

روى الخوارزمي، بإسناده عن الإمام زين العابدين عليّ بن الحسينعليه‌السلام أنّه قال:( لما أُتي برأس الحسين عليه‌السلام إلى يزيد، كان يتّخذ مجالس الشرب ويأتي برأس الحسين فيضعه بين يديه ويشرب عليه ) (٥) .

وقال ابن نما: ( وكان يزيد يتّخذ مجالس الشرب واللهو والقيان والطرب، ويُحضِر رأس الحسين بين يديه )(٦) .

____________________

(١) تذكرة الخواص: ٢٦٣.

(٢) الكامل في التاريخ: ٤/ ٩٠.

(٣) غافلاً أنّ المسيرة سيُكتب لها الظفر، وأنّ المعادلة ستنقلب ضدّه، وأنّ مجلسه سيصير قاعدة إعلام ظفر الحسينعليه‌السلام وبلوغ حركته إلى أهدافها المقدّسة.

(٤) تهذيب الكمال ٦/ ٤٢٩.

(٥) مقتل الخوارزمي ٢/ ٧٢؛ وعنه الملهوف: ٢٢٠.

(٦) مُثير الأحزان: ١٠٣.


قالوا: ( وحضر ذات يوم في مجلسه رسول ملك الروم )(١) ، وظاهر هذا النقل حصول التَّكرّر، وهو ليس ببعيد؛ لأنّ اللعين كان يُحضِر الرأس الشريف ويشرب الشراب كما روي.

فتحصّل؛ أنّ المجالس تكرّرت، سواء قبل ورود أهل البيت أم بعده، ولكن كان ذلك ضمن مجالس خاصّة، والظاهر أنّ المجلس الذي جرت فيه الأمور الآتي ذكرها، الحاشد بالأعيان والأشراف (بل الأرجاس) من الناس لم يكن إلاّ مجلساً واحداً، وهو المجلس العام الذي سوف نذكر تفاصيل ما جرى فيه.

كيفيّة دخول أُسارى آل البيتعليهم‌السلام :

قال الشيخ المفيد والطبرسي: (ولم يكن عليّ بن الحسينعليه‌السلام يُكلِّم أحداً من القوم في الطريق كلمة حتّى بلغوا - أي الشام -، فلما انتهوا إلى باب يزيد، رفع مجفر بن ثعلبة صوته فقال: هذا مجفر بن ثعلبة، أتى أمير المؤمنين باللئام الفجرة، فأجابه عليّ بن الحسينعليهما‌السلام :( ما ولدت أُمّ مجفر أشرّ وألأم ) (٢) .

ونُسِبَت هذه الإجابة إلى يزيد - وهو الأنسب -(٣) .

فمن الذين نسبوا هذه الإجابة إلى يزيد: البلاذريّ(٤) ، وابن سعد(٥) ، والطبري(٦) ،

____________________

(١) الملهوف: ٢٢١؛ مقتل الخوارزمي ٢/ ٧٢، ولكن في مُثير الأحزان (ص١٠٣): فحضر مجلسه...

(٢) الإرشاد ٢/ ١١٩؛ إعلام الورى: ٢٤٨ (وفيه محفر).

(٣) لأنّه قد يرد عليه، أنّ الردّ يتضمّن الإقرار بنسبة اللؤم والفجور إلى أهل البيتعليهم‌السلام - والعياذ بالله - ويقرّر أنّ مخفراً أكثر لؤماً وفجوراً!! وهذا بعيد الصدور من الإمامعليه‌السلام وهو من سادة الفصاحة.

غير أنّ الردّ يتناسب مع نفسية يزيد، الذي يرى أهل البيت أعداء له، ولكنّه لا يُفضّل مخفراً - هذا النكرة - عليهم، إلاّ أن يكون هناك محذوف، مثلاً: أشرّ الناس وألأم.

(٤) أنساب الأشراف ٣/ ٤١٦ (وفيه مخفر بن ثعلبة).

(٥) الطبقات ( ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام ): ٨٢.

(٦) تاريخ الطبري ٤/ ٣٥٢ (وفيه محفز).


وابن نما(١) ، وابن الأثير(٢) ، وابن كثير(٣) ، والذهبي(٤) ، والخوارزمي(٥) . بتفاوت يسير بينهم.

قال البلاذري: ( ثمّ سرّح (عبيد الله) بهم (الأُسارى) مع مُحفّز بن ثعلبة من عائذة قريش، وشمر بن ذي الجوشن. وقوم يقولون: بعث مع محفز برأس الحسين أيضاً، فلما وقفوا بباب يزيد رفع مُحفّز صوته فقال: يا أمير المؤمنين، هذا مُحفّز بن ثعلبة أتاك باللئام الفجرة!

فقال يزيد: ما تحفّزت عنه أمّ مُحفّز ألأم وأفجر )(٦) .

أقول: ويل لمن كفّره نمرود!

وقال الطبري وابن الأثير: ( فدعا عبيد الله بن زياد مُحفِّز بن ثعلبة وشمر بن ذي الجوشن فقال: انطلقوا بالثقل والرأس إلى أمير المؤمنين يزيد بن معاوية.

فخرجوا حتّى قدموا على يزيد، فقام مُحفّز بن ثعلبة فنادى - بأعلى صوته -: جئنا برأس أحمق الناس وألأمهم!

فقال يزيد: ما ولدت أمّ مُحفّز ألأم وأحمق، ولكنّه قاطع ظالم )(٧) .

وقال ابن سعد: ( وقدم برأس الحسين مخفر بن ثعلبة العائذي - عائذة قريش - على يزيد، فقال: أتيتك - يا أمير المؤمنين - برأس أحمق الناس وألأمهم!

فقال يزيد: ما ولدت أمّ مخفر أحمق وألأم، لكنّ الرجل لم يقرأ كتاب الله:( ... تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء... ) (آل عمران: ٢٦)(٨) .

____________________

(١) مُثير الأحزان: ٩٨ - عن تاريخ دمشق - وعنه بحار الأنوار ٤٥/ ١٢٩ (وفيه مخفر).

(٢) الكامل في التاريخ ٤/ ٨٤.

(٣) البداية والنهاية ٨/ ١٩٦ وفيه محقر بن ثعلبة العائذي.

(٤) سير أعلام النبلاء ٣/ ٣١٥؛ تاريخ الإسلام (حوادث ووفيات ٦١ - ٨٠).

(٥) مقتل الخوارزمي ٢/ ٥٨، وفيه ( ما ولدت أمّ محفز أكفر وألأم وأذمّ ).

(٦) أنساب الأشراف ٣/ ٤١٦.

(٧) تاريخ الطبري ٤/ ٢٥٤؛ الكامل في التاريخ ٤/ ٨٤.

(٨) الطبقات: ٨٢؛ وعنه سير أعلام النبلاء ٣/ ٣١٥؛ تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير، حوادث (٦١ - ٨٠).


وروى الخوارزمي، بإسناده عن مجاهد ( أنّ يزيد حين أُتي برأس الحسين بن علي ورؤوس أهل بيته قال ابن مُحفّز: يا أمير المؤمنين، جئناك برؤوس هؤلاء الكفرة اللئام!

فقال يزيد: ما ولدت أمّ مُحفّز أكفر وألأم وأذمّ )(١) .

وأظنّ أنّ الرأس أُدخِل ثانياً مع مُحفّز في مجلس يزيد؛ لأنّه أُدخِل مع زحر بن قيس في المرّة الأُولى كما ذكرناه - وكان ذاك مجلسه الخاصّ - وفي المرّة الثانية أُدخل في مجلسه العام مع هذا الرجس الخبيث.

وأمّا كيفيّة الورود، فلقد روي عن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال:( لما أُدخل رأس الحسين بن عليّ عليهما‌السلام على يزيد لعنه الله، وأُدخل عليه عليّ بن الحسين وبنات أمير المؤمنين عليه‌السلام كان عليّ بن الحسين مُقيّداً مغلولاً ) (٢) .

وعن الإمام الباقرعليه‌السلام :( قُدِم بنا على يزيد بن معاوية لعنه الله، بعدما قُتِل الحسين ونحن اثنا عشر غلاماً، ليس منّا أحد إلاّ مجموعة يداه إلى عنقه، وفينا عليّ بن الحسين... ) (٣) .

وفي مقتل الخوارزمي: ( ثمّ أُتي بهم حتّى أُدخلوا على يزيد، قيل: إنّ أوّل مَن دخل شمر بن ذي الجوشن بعليّ بن الحسين مغلولة يداه إلى عنقه، فقال له يزيد: مَن أنت يا غلام؟

قال:( أنا عليّ بن الحسين )، فأمر برفع الغِلّ عنه )(٤) .

____________________

(١) مقتل الخوارزمي ٢/ ٥٨.

(٢) تفسير القمّي ٢/ ٣٥٢ عنه بحار الأنوار ٤٥/ ١٦٨.

(٣) شرح الأخبار ٣/ ٢٦٧ ح١١٧٢. ونحوه عن الإمام زين العابدين في مُثير الأحزان: ٩٨؛ العقد الفريد ٥/ ١٣١؛ الإمامة والسياسة ٢/ ٨؛ جواهر المطالب ٢/ ٢٧٢ و٢٧٨، إلاّ أنّ فيها محمّد بن الحسين بن علي بن أبي طالب، والظاهر سقوط كلمة (عليّ) والصحيح: محمّد بن عليّ بن حسين الذي ينطبق على الإمام الباقرعليه‌السلام ؛ إذ لا نعرف ولداً بقي للإمامعليه‌السلام غير الإمام عليّ بن الحسين زين العابدينعليه‌السلام .

(٤) مقتل الخوارزمي ٢/ ٦٢.


قال السيّد ابن طاووس: ( قال الراوي: ثمّ أُدخل ثقل الحسينعليه‌السلام ونساؤه ومَن تخلّف من أهله على يزيد، وهم مُقرَّنون في الحبال)(١) .

وقال سبط ابن الجوزي: ( وكان عليّ بن الحسين والنساء موثّقين في الحبال )(٢) .

وعنه: ( ولما أُتي يزيد بثقل الحسين (رضي الله عنه) ومَن بقي من أهله فأُدخلوا عليه وقد قُرنوا بالحبال فوقفوا بين يديه )(٣) .

وقال الشبلنجي: (ثمّ أمر بعلي زين العابدين فدخل عليه مغلولاً )(٤) .

رأس الحسينعليه‌السلام في ملجس يزيد!

روى ابن شهر آشوب، عن أبي مخنف قال: (لما دُخِل بالرأس على يزيد كان للرأس طيب قد فاح على كلّ طيب )(٥) .

وعن مرآة الزمان: (لما وضِع الرأس بين يدي يزيد كان بالخضراء(٦) ، فتَهْتَه (فقهقه خ ل) حتّى سمعه مَن كان بالمسجد، ولما سمع صوت النوائح عليه أنشد:

يا صيحة تُحمَد من صوائح

ما أهوَن الموت على النوائح

ويُقال: إنّه كبّر تكبيرة عظيمة! )(٧) .

قال ابن الأثير: ( ثمّ أُدخل نساء الحسين عليه (يزيد) فجعلت فاطمة وسكينة

____________________

(١) الملهوف: ٢١٣.

(٢) تذكرة الخواص: ٢٦٢.

(٣) مرآة الزمان: ١٠٠ - مخطوط - على ما في عبرات المصطفين ٢/ ٢٨٨.

(٤) نور الأبصار: ١٣٢.

(٥) المناقب ٤/ ٦١.

(٦) الظاهر أنّه قصر الخضراء الواقع قرب المسجد الأُموي حاليّاً.

(٧) عبرات المصطفين ٢/ ٢٨٤.


ابنتا الحسين تتطاولان؛ لتنظرا إلى الرأس، وجعل يزيد يتطاول ليستر عنهما الرأس! فلما رأين الرأس صحن، فصاح نساء يزيد وولول بنات معاوية )(١) .

وقال السيّد ابن طاووس: ( ثمّ وضع رأس الحسينعليه‌السلام بين يديه وأجلس النساء خلفه؛ لئلا ينظرن إليه )(٢) .

يزيد ينكت ثنايا الحسينعليه‌السلام !

إنّ هذا الفعل الفضيع ممّا تواتر نقله؛ حتى عُدّ من مُسلّمات التاريخ، وافتضح به فاعله يزيد.

قال أحمد بن أبي طاهر (م٢٨٠): ( لما كان من أمر أبي عبد الله الحسين بن عليعليهما‌السلام الذي كان، وانصرف عمر بن سعد - لعنه الله - بالنسوة والبقيّة من آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ووجّههنّ إلى ابن زياد لعنه الله، فوجّههنّ هذا إلى يزيد - لعنه الله وغضب عليه - فلما مثلوا بين يديه أمر برأس الحسينعليه‌السلام ، فأُبرز في طست، فجعل ينكت ثناياه بقضيب في يده... )(٣) .

وقال اليعقوبي: ( ووضِع الرأس بين يدي يزيد، فجعل يقرع ثناياه بالقصب )(٤) .

روى ابن الجوزي، عن سالم بن أبي حفصة قال: ( قال الحسن البصري: ( جعل يزيد بن معاوية يطعن بالقضيب موضع في رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وا ذلاّه! )(٥) .

____________________

(١) الكامل في التاريخ ٤/ ٨٥.

(٢) الملهوف: ٢١٣، وفيه (فرآه علي بن الحسينعليه‌السلام ، عنه بحار الأنوار ٤٥/ ١٣٢، ونحوه في مُثير الأحزان: ٩٩ بتفاوت يسير جدّاً.

(٣) بلاغات النساء: ٢٠.

(٤) تاريخ اليعقوبي ٢/ ٢٤٥.

(٥) الردّ على المتعصّب العنيد: ٤٧.


وقال السيّد ابن طاوس وابن نما: (ثمّ دعا يزيد بقضيب خيزران، فجعل ينكت به ثنايا الحسينعليه‌السلام )(١) .

وعن مرآة الزمان: ( قال العامري بن ربيعة: جمع يزيد أهل الشام، ووضع الرأس في طشت، وجعل ينكت عليه بالخيزرانة )(٢) .

روى ابن كثير، عن ابن أبي الدُّنيا، بإسناده عن الحسن قال: ( لما جيء برأس الحسين، جعل يزيد يطعنه بالقضيب )(٣) .

وقال مُطهّر بن طاهر المقدسي: ( ووضع رأسه بين يديه، وجعل ينكث بالقضيب في وجهه )(٤) .

ونقل ذلك كثير من المؤرّخين، مثل الباعوني(٥) ، والشبراوي(٦) وغيرهما، نكتفي بما أوردناه. كما وثّقه الشعراء بقصائدهم؛ أنشد الصاحب بن عبّاد:

يقرع بالعود ثنايا لها

كان النبي المصطفى لاثما(٧)

وقال الجواليقي:

اخـتال بالكبر على ربّه

يـقرع بـالعود ثـناياه

بحيث قد كان نبيّ الهُدى

يـلثم في قُبلته فاه(٨)

____________________

(١) اللهوف: ٢١٤؛ مُثير الأحزان: ١٠٠؛ بحار الأنوار ٤٥/ ١٣٢.

(٢) نقلناه من عبرات المصطفين ٢/ ٣١٥.

(٣) البداية والنهاية ٨/ ١٩٤.

(٤) البدء والتاريخ ٦/ ١٢.

(٥) جواهر المطالب ٢/ ٢٩٣.

(٦) الإتحاف بحُبّ الأشراف: ٦٩.

(٧) المناقب ٤/ ١١٤.


ولقد أظهر يزيد بفعله الفضيع ما في قلبه من الكفر والحقد، يفعل ذلك في حقّ مَن قال الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله في شأنه:( حسين منّي وأنا من حسين، أحبّ الله مَن أحبّ حسيناً، حسين سبط من الأسباط ) (١) . وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله :( إنّ الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة ) (٢) .

ولنِعْمَ ما قال ابن الجوزي على ما ذكره سبطه في التذكرة، قال: ( قال جدّي: ولو لم يكن في قلبه أحقاد جاهلية وأضغان بدرية لاحترم الرأس لما وصل إليه، ولم يضربه بالقضيب، وكفّنه ودفنه، وأحسن إلى آل رسول الله )(٣) .

وبذلك يظهر ضلالة مَن يدّعي أنّ يزيد ما كان راضياً بقتل الحسينعليه‌السلام وأنّه اغتمّ لذلك! إذ لو صحّ ذلك فلماذا ارتكب هذا الفعل الفضيع؟

نقل الباعوني، عن الشيخ العالم أبي الوفاء ابن عقيل أنّه قال: ( ثمّ قتلوا ابنه (أي ابن الإمام عليّ) الحسينَ بن فاطمة الزهراء، وأهل بيته الطيّبين الطاهرين بعد أن منعوهم الماء، هذا والعهد بنبيّهم قريب، وهم القرن الذي رأوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ورأوهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يُقبِّل فمه وترشفه (يرشف ثناياه)، فنكتوا على فمه وثناياه بالقضيب! تذكّروا - والله - أحقاد يوم بدر وما كان فيه. وأين هذا من مطمع الشيطان وغاية أمله بتبتيك آذان الأنعام؟!

هذا مع قرب العهد وسماع كلام ربّ الأرباب:( قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) ستروا - والله - عقائدهم في عصره مخافة السيف، فلما صار الأمر إليهم كشفوا قناع البغي والحيف )(٤) .

____________________

(١) مقتل الحسين للخوارزمي ٣/ ٢١٣، الفصل السابع ح٨ ط دار أنوار الهُدى، وغيره.

(٢) مختصر تاريخ دمشق ٧/ ١١٨، كنز العمّال ١٣/ ٦٦١.

(٣) تذكرة الخواص: ٢٩٠.

(٤) جواهر المطالب ٢/ ٣١٣.


أ) ما قاله يزيد عند نكته ثنايا الحسينعليه‌السلام !

قال البلاذري: (وحدّثني ابن برد الأنطاكي الفقيه، عن أبيه قال:... وقال يزيد حين رأى وجه الحسين: ما رأيت وجهاً قطّ أحسن منه!

فقيل له: إنّه كان يُشبه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فسكت )(١) .

وروى ابن سعد، بإسناده عن يزيد بن أبي زياد قال: ( لما أُتي يزيد بن معاوية برأس الحسين بن علي، جعل ينكت بمخصرة معه سنّه، ويقول: ما كنت أظنّ أبا عبد الله يبلغ هذا السنّ!

قال: وإذا لحيته ورأسه قد نصل من الخضاب الأسود )(٢) .

وقال محمّد بن حبان: ( فلما وضِع الرأس بين يدي يزيد بن معاوية، جعل ينقر ثنيّته بقضيب كان في يده ويقول: ما أحسن ثناياه )(٣) .

وعن التلمساني أنّه قال: ( وأُتي يزيد برأس الحسينعليه‌السلام ، فلما وضِع بين يديه جعل ينكت أسنانه بقضيب كان في يده ويقول: كان أبو عبد الله صبيحاً )(٤) .

ب) ما أنشده يزيد!

لقد تمثّل يزيد ببيت شعر للحصين بن الحمام المرّي(٥) وهو:

____________________

(١) أنساب الأشراف ٣/ ٤١٦.

(٢) الطبقات الكبرى ٨٢، ح٢٩٧؛ سير أعلام النبلاء ٣/ ٣٢٠؛ تاريخ الإسلام (للذهبي): ١٩.

(٣) كتاب الثقات ٢/ ٣١٣.

(٤) عبرات المصطفين ٢/ ٣١٠ عن كتاب الجوهرة ٢/ ٢١٩ط الرياض.

(٥) الحصين بن الحمام، هو شاعر جاهلي، وقصيدته تشتمل ٤٢ بيتاً، وقد تمثّل يزيد - لعنه الله - بالبيت السادس منها، أُنظر الأغاني ١٤/ ١٠، شرح اختيارات المفضل للخطيب التبريزي ١/ ٣٢٥.


نُفلِّق هاماً من رجال أعِزَّة

علينا وهم كانوا أعقَّ وأظلما(١)

وفي بعض الكتب أنّه قال:

يُفلِّقنَ هاماً من رجال أعِزَّة

علينا وهم كانوا أعقَّ وأظلما(٢)

وأمّا زمان إنشاده، فقد ذكروا أنّه كان حينما كشف عن ثنايا سيّد الشهداء وتناوله بقضيب(٣) .

وذكر بعضهم أنّه قالها حينما وُضِع الرأس الشريف بين يديه(٤) .

____________________

(١) أُنظر مقاتل الطالبيين: ١١٩؛ المعجم الكبير (للطبراني) ٣/ ١٠٩، ح٢٨٠٦؛ تجارب الأُمم ٢/ ٧٤؛ الإرشاد ٢/ ١١٩؛ المناقب ٤/ ١١٤؛ مقتل الخوارزمي ٢/ ٥٧؛ كفاية الطالب: ٤٣٢، إعلام الورى: ٢٤٨؛ مرآة الزمان (مخطوط): ٩٩ (على ما في عبرات المصطفين ٢/ ٣١٥)؛ تاريخ دمشق ١٩/ ٤٩٣؛ تهذيب الكمال ٦/ ٤٢٨؛ مجمع الزوائد ٩/ ١٩٨.

(٢) أُسد الغابة ٥/ ٣٨١؛ المنتظم ٥/ ٣٤٢؛ الردّ على المتعصّب العنيد: ٤٥ و٤٦؛ الطبقات الكبرى (ترجمة الإمام الحسين): ٨٢؛ تاريخ الطبري ٤/ ٢٥٢ و٢٥٤؛ الفتوح ٢/ ١٨١؛ أنساب الأشراف ٣/ ٤١٥؛ العقد الفريد ٥/ ١٣١.

(٣) صرّح بذلك ابن سعد في الطبقات (ترجمة الإمام الحسين): ٨٢؛ وأبو الفرج الأصفهاني في مقاتل الطالبيين: ١١٩؛ والطبراني في المعجم الكبير ٣/ ١٠٩، ح٢٨٠٦؛ والطبري في تاريخه ٤/ ٣٥٦؛ وابن الأثير في أُسد الغابة ٥/ ٣٨١؛ والكامل في التاريخ ٤/ ٨٥؛ وابن الجوزي في المنتظم ٥/ ٣٤٢؛ والردّ على المتعصّب العنيد: ٤٥ و٤٦؛ وسبطه في مرآة الزمان: ٩٩ - مخطوط - (على ما في عبرات المصطفين ٢/ ٣١٥)؛ وابن شهر آشوب في المناقب ٤/ ١١٥؛ وابن عساكر في تاريخ دمشق ١٩/ ٤٩٣؛ والمزّي في تهذيب الكمال ٦/ ٤٢٨.

(٤) صرّح بذلك البلاذري في أنساب الأشراف ٣/ ٤١٥؛ وابن عبد ربّه في العقد الفريد ٥/ ١٣١؛ والطبراني في المعجم الكبير ٣/ ١٢٤ ح٢٨٤٨؛ وابن أعثم في الفتوح ٢/ ١٨١؛ والطبري في تاريخه ٤/ ٣٥٢ و٤٥٤؛ والشيخ المفيد في الإرشاد ٢/ ١١٩؛ ومسكويه الرازي في تجارب الأُمم ٢/ ٧٤؛ والخوارزمي في مقتله ٢/ ٥٧؛ والكنجي الشافعي في كفاية الطالب: ٤٣٢؛ والطبري في إعلام الورى: ٢٤٨؛ والهيثمي في مجمع الزوائد ٩/ ١٩٨.


نكتفي بذكر ما أورده الطبري، قال: ثمّ أذِن (يزيد) للناس، فدخلوا والرأس بين يديه، ومع يزيد قضيب، فهو ينكت به في ثغره، ثمّ قال: إنّ هذا وإيّانا كما قال الحصين بن الحمام المرّي:

يُفلِّقن هاماً من رجال أحبّة

إلينا وهم كانوا أعقّ وأظلما(١)

وقفة مع بعض الكُتب:

١ - ذكر ابن شهر آشوب - عن الطبري والبلاذري والكوفي -: أنّه لما وضِعت الرؤوس بين يدي يزيد، جعل يضرب بقضيبه على ثنيّته، ثمّ قال: يومٌ بيوم بدر، وجعل يقول: نُفلّق هاماً... إلى آخره(٢) .

هذا أيضاً ممّا يدلّ على كفره وزندقته، وتصريح على أنّ ما ارتكبه يزيد كان انتقاماً من الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإليه يُشير ابن عبّاس ضمن رسالته إلى يزيد.

قال سبط ابن الجوزي: ذكر الواقدي وهشام وابن إسحاق وغيرهم: أنّه كتب ابن عبّاس إلى يزيد كتاباً جاء فيه: ( يا يزيد، وإنّ من أعاظم الشماتة حملك بنات رسول الله وأطفاله وحرمه من العراق إلى الشام أُسارى مجلوبين مسلوبين، تُري الناس قدرتك علينا، وأنّك قد قهرتنا واستوليت على آل رسول الله، وفي ظنّك أنّك أخذت بثأر أهلك الكفرة الفجرة يوم بدر، وأظهرت الانتقام الذي كنت تُخفيه والأضغان الذي تكمن في قلبك كمون النار في الزّناد، وجعلت أنت وأبوك دم عثمان وسيلةً إلى إظهارها.

فالويل لك من ديّان يوم الدِّين! ووالله، لئن أصبحت آمناً من جراحة يدي، فما أنت بآمن من جراحة لساني )(٣) .

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤/ ٣٥٦؛ الكامل في التاريخ ٤/ ٨٥.

(٢) المناقب ٤/ ١١٤.

(٣) تذكرة الخواص: ٢٧٦.


٢ - ذكر الطبري، بإسناده عن القاسم بن عبد الرحمان مولى يزيد بن معاوية: أنّ يزيد قال بعد تمثّله بأبيات الحصين: ( أما والله، يا حسين، لو أنا صاحبك ما قتلتك )(١) .

ففيه:

أوّلاً: أنّه منقول عن مولى يزيد، فهو مُتَّهم في حدّ نفسه.

ثانياً: لو لم يكن راضياً بقتله، فلماذا أساء إلى الرأس الشريف وأمر بسبي أهله إلى الشام؟!

ثالثاً: قد ذكرنا الأدلّة الوافية بأنّه هو الذي أمر بقتل الحسينعليه‌السلام والراضي بقتله، وإليه يُنسب الفعل بالسبب.

رابعاً: لو صحّ النقل نقول: لم يقل هذا إلاّ مراعاةً لوضعه وإبقاءً لحُكمه، والدليل عليه ما رواه سبط ابن الجوزي ( أنّه ضرب يزيد ثنايا الحسين بالقضيب وأنشد للحصين بن الحمام المرّي:... (الأبيات) فلم يبقَ أحد إلاّ عابه وتركه )(٢) .

وبذلك يظهر وهن ما نقله الطبراني عن محمّد بن الحسن المخزومي، أنّه (لما أُدخل ثقل الحسين بن علي على يزيد بن معاوية ووضِع رأسه بين يديه بكى يزيد وقال: نُفلّق... (الأبيات)، أما والله، لو كنت صاحبك ما قتلتك أبداً )(٣) .

وزبير بن بكار روى الخبر عن محمّد بن الحسن، وهو ضعيف ومعاند لأهل البيت؛ قال الشيخ المفيد في شأنه: ( لم يكن موثوقاً به في النقل، وكان مُتّهماً فيما يذكره من بُغضه لأمير المؤمنينعليه‌السلام وغير مأمون فيما يدّعيه على بني هاشم )(٤) .

إنّها مُحاولة شرذمة من الناس لإنقاذ يزيد، وما هي إلاّ كتشبّث الغريق بالتوافه.

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤/ ٣٥٢.

(٢) مرآة الزمان: ٩٩ (مخطوط) على ما في عبرات المصطفين ٢/ ٣١٥.

(٣) المعجم الكبير ٣/ ١٢٤، ح٢٨٤٨؛ تاريخ الإسلام ٢/ ٣٥٠.

(٤) تزويج عليّ بنته من عمر: ١٥.


فعل يزيد واستنكار بعض الحاضرين:

لقد سخطت كلّ الضمائر الحُرَّة أشدّ السخط على يزيد وأفعاله، وأنكرت عليه ما ارتكبه في حقّ رأس سيّد الشهداءعليه‌السلام ، وفيما يلي نذكر بعضهم:

١ - أبو برزة الأسلمي:

قال سبط ابن الجوزي: ( وأمّا المشهور عن يزيد في جميع الروايات، أنّه لما حضر الرأس بين يديه، جمع أهل الشام وجعل ينكت عليه بالخيزران... قال ابن أبي الدُّنيا: وكان عنده أبو برزة الأسلمي، فقال له: يا يزيد، ارفع قضيبك، فوالله، لطالما رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يُقبِّل ثناياه )(١) .

وروي عنه أيضاً أنّه ( لما ضرب يزيد ثنايا الحسين بالقضيب وأنشد للحصين بن الحمام المرّي، فلم يبقَ أحد إلاّ عابه وتركه، وكان عنده أبو برزة الأسلمي، فقال له: ارفع قضيبك، فطالما رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يُقبّل ثناياه، أما إنّك ستجيء يوم القيامة وشفيعك ابن زياد، ويجيء الحسين وشفيعه محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )(٢) .

وروى المزي(٣) ، والطبري(٤) ، وابن الجوزي(٥) ، والذهبي(٦) ، وابن كثير(٧) ، أنّه بعدما وضِع الرأس الشريف بين يدي يزيد جعل ينكت بالقضيب على فيهعليه‌السلام وتمثّل بالأبيات، فقال له أبو برزة: ارفع قضيبك، فوالله، لربّما رأيت فاه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله

____________________

(١) تذكرة الخواص: ٢٦١ - ٢٦٢.

(٢) مرآة الزمان: ٩٩ - مخطوط - (على ما في عبرات المصطفين ٢/ ٣١٥).

(٣) تهذيب الكمال ٦/ ٤٢٨.

(٤) تاريخ الطبري ٤/ ٢٩٣.

(٥) المنتظم ٥/ ٣٤٢؛ الردّ على المتعصّب العنيد:٤٧.

(٦) سير أعلام النبلاء ٣/ ٣٠٩.

(٧) البداية والنهاية ٨/ ١٩٤ و١٩٩.


على فيه يلثمه.

وقال البلاذري: (قالوا: وجعل يزيد ينكت بالقضيب ثغر الحسين حين وضع رأسه بين يديه، فقال أبو برزة الأسلمي: أتنكت بالقضيب ثغر الحسين؟! لقد أخذ قضيبك من ثغره مأخذاً ربّما رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يرشفه، أما إنّك - يا يزيد - تجيء يوم القيامة وشفيعك ابن زياد، ويجيء الحسين وشفيعه محمّد.

ثمّ قام: ويُقال: إنّ هذا القائل رجلٌ من الأنصار )(١) .

وقد بسط السيّد ابن طاووس وابن نما أنّه أقبل عليه أبو برزة الأسلمي وقال: ( ويحك! يا يزيد، أتنكت بقضيبك ثغر الحسينعليه‌السلام ابن فاطمة؟! أشهد لقد رأيت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يرشف ثناياه وثنايا أخيه الحسن ويقول:( أنتما سيّدا شباب أهل الجنّة، قتل الله قاتلكما ولعنه، وأعدّ له جهنّم وساءت مصيراً ) ، قال الراوي: فغضب يزيد وأمر بإخراجه فأُخرج سحباً )(٢) .

وفي هذا الموقف يستند أبو برزة - بصفته أحد الصحابة(٣) - إلى فعل

____________________

(١) أنساب الأشراف ٣/ ٤١٦. وروي نحوه في البدء والتاريخ ٦/ ١٢؛ البداية والنهاية ٨/ ١٩٤؛ جواهر المطالب ٢/ ٦٤.

(٢) الملهوف: ٢١٤؛ مُثير الأحزان: ١٠٠ عنه بحار الأنوار ٤٥/ ١٣٢. وانظر: الفتوح ٢/ ١٨١ ومقتل الخوارزمي ٢/ ٥٧، مع تفصيل أكثر، قالا: - واللفظ للثاني -: ثمّ دعا يزيد بقضيب خيزران، فجعل ينكث به ثنايا الحسينعليه‌السلام وهو يقول: لقد كان أبو عبد الله حسن المضحك. (وفي الفتوح: حسن المنطق)، فأقبل عليه أبو برزة الأسلمي - أو غيره من الصحابة - وقال له: ويحك! يا يزيد، أتنكت بقضيبك ثغر الحسين ابن فاطمة؟ (في الفتوح: أتنكث بقضيبك ثنايا الحسين وشعره؟ لقد أخذ قضيبك هذا مأخذاً من ثغره، أشهد... ) ثمّ ذكر ما نقلناه عن ابن طاووس.

(٣) هو نضلة بن عبيد بن الحارث الأسلمي، غلبت عليه كُنيته، اختلف في اسمه. صحابي من سكّان المدينة ثمّ البصرة، شهد مع عليّعليه‌السلام النهروان، مات بخراسان سنة ٦٥، انظر تهذيب التهذيب ١٢/ ١٨ رقم ٨٢٨٤؛ الإصابة ٣/ ٥٥٧ ترجمة رقم ٨٧١٨؛ الأعلام ٨/ ٣٣.


الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله بالنسبة إلى لزوم حُبّ الحسينعليه‌السلام ، وقوله بالنسبة إلى حبّه والبراءة من أعدائه وقاتله، وهو موقف جليل في أهمّ زمان وأخطر مكان؛ ولأجل ذلك لم يتحمّل الطاغية هذا الموقف، فغضب عليه وأمر بإخراجه، فأُخرج سحباً.

ملاحظتان:

الملاحظة الأُولى:

قيل: إنّ ابن تيميّة - الضالّ المضلّ - نفى حضور أبي برزة الأسلمي مجلس يزيد، بدليل وجوده بالكوفة حينما أُحضر الأُسارى من آل البيت(١) .

فنقول: الدليل عليل من وجوه:

الأوّل: المشهور حضور أبي برزة في الشام وفي مجلس يزيد، وقد ذكر ذلك الجمّ الغفير من المؤرِّخين، مثل البلاذري، والطبري، وابن أعثم، وابن الأثير، والذهبي، وابن كثير، وابن الجوزي، وسبطه، والباعوني، والمزّي والخوارزمي وغيرهم، كما أسلفناه. وهذا أمر لا يمكن لأحد أن يتغافل عنه إلاّ إذا كان أعور!

الثاني: على فرض وجوده بالكوفة زمن وجود الأسرى فيها، فوجوده بالشام زمن وجودهم فيها ليس بأمر مُستبعد؛ لأنّه قد ذكرنا أنّ ابن زياد جهّزهم وأرسلهم إلى الشام ومعهم جماعة، فمن الممكن أن يكون منهم، أو أنّه ذهب بنفسه إلى الشام.

الثالث: أنّ ابن تيمية لم ينفِ هذا فحسب، بل ينفي أموراً بديهيّة ضروريّة ومسلّمة تاريخيّاً، ممّا يدعو إلى السخرية والاستهزاء به؛ فإنّه قال: ( فيزيد لم يأمر بقتل الحسين! ولا حمل رأسه بين يديه، ولا نكت بالقضيب على ثناياه، بل الذي

____________________

(١) اُنظُر حول رأس الحسين ١٧١.


جرى هذا منه هو عبيد الله بن زياد، كما ثبت ذلك في صحيح البخاري، ولا طيِفَ برأسه في الدُّنيا ولا سُبي أحد من أهل الحسين )!!(١) .

إنّ الناظر فيما أوردناه، والمتتبّع في السير يعلم بأنّ ابن تيمية - لكونه من أصلب المدافعين عن يزيد - كيف يُبالغ بحرارة في الدفاع عن هذه الجرثومة الفاسدة، وكيف يُعرض عن جميع ما ذكره أرباب السير والتاريخ من اقتراف يزيد لهذه الجريمة النكراء، فهذا هو ابن كثير الدمشقي - الذي تلوح شقاوته في تاريخه - من جملة مَن اعترف بذلك وقال: ( وقد ورد في ذلك آثار كثيرة )(٢) ، فلأجل ذلك لا يُعتنى بكلامه في المقام.

الرابع: أنّ المهمّ هو اتّخاذ هذا الموقف من أحد الصحابة في المجلس - أيّاً كان ذلك الصحابيّ - وهو ثابت.

الملاحظة الثانية:

قال الخوارزمي: ( وقيل: إنّ الذي ردّ على يزيد ليس أبا برزة، بل هو سمرة بن جندب صاحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقال ليزيد: قطع الله يدك يا يزيد! أتضرب ثنايا طالما رأيت رسول الله يُقبّلهما ويلثم هاتين الشفتين؟

فقال له يزيد: لو لا صحبتك لرسول الله لضربت - والله - عنقك!

فقال سمرة: ويلك! تحفظ لي صحبتي من رسول الله! ولا تحفظ لابن رسول الله بنوّته؟! فضجّ الناس بالبكاء وكادت أن تكون فتنة )(٣) .

ففيه:

____________________

(١) اُنظُر: سؤال في يزيد بن معاوية لابن تيمية: ١٦؛ الإتحاف بحُبّ الأشراف: ٥٥.

(٢) البداية والنهاية ٨/ ١٩٤.

(٣) مقتل الخوارزمي ٢/ ٥٨.


أوّلاً: أنّه خبر مُرسل لا يذكره غيره، ولا يثبت عند الخوارزمي أيضاً، ولذلك يذكره بقوله: (قيل).

وثانياً: إنّ المشهور أنّ سمرة بن جندب قد مات قبل وقعة الطف(١) ، فالمسألة مُنتفية بانتفاء موضوعها رأساً.

وثالثاً: قيل: إنّ سمرة كان عامل معاوية وشريكاً في جرمه، وهو من شرطة ابن زياد الذين حرّضوا الناس على قتال أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام ، فمن كان هذا حاله يُستبعد منه اتّخاذ مثل هذا الموقف - على فرض حياته وحضوره بالشام آنذاك - وإن لم نستبعد بالمرّة أن يتّخذ إنسان فاسد موقفاً جليلاً في زمنٍ ما.

ونرجع إلى المقصود ونقول: بأنّ المهمّ هو محض اتّخاذ هذا الموقف من أحد الصحابة، وإن لم نعرفه على وجه التحديد.

٢ - زيد بن أرقم:

قال القطب الراوندي: (فدخل عليه (أي على يزيد) زيد بن أرقم، ورأى الرأس في الطشت، وهو يضرب بالقضيب على أسنانه، فقال: ( كفّ عن ثناياه، فطالما رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يُقبّلها )!

فقال يزيد: لو لا أنّك شيخ خَرِفْت لقتلتك )(٢) .

وإلى ذلك أشار الحميري بقوله:

لم يزل بالقضيب يعلو ثنايا

في جناها الشفاء من كلّ داء

قال زيد ارفعن قضيبك ارفع

عـن ثنايا غُرٍّ غذي باتّقاء

طالما قد رأيت أحمد يلثمها

وكم لي بذاك من شهداء(٤)

____________________

(١) مقتل الحسين للخوارزمي ٢/ ٦٤ط دار أنوار الهدى.

(٢) الخرائج والجرائح ٢/ ٥٨.

(٣) المناقب ٤/ ١١٤.


إنّ زيد هو الذي روى عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في شأن سبطه سيّد الشهداءعليه‌السلام أنّه قال:( اللّهمّ، إنّي أُحبّه فأحبّه ) (١) ، فلذلك إذا صدر منه هذا الموقف فليس بغريب.

روى ابن الجوزي، عن زيد بن أرقم أنّه قال: ( كنت عند يزيد بن معاوية، فأُتي برأس الحسين بن علي، فجعل ينكت بالخيزران على شفتيه وهو يقول:

يُفلِّقن هاماً من رجال أعزَّة

علينا وهم كانوا أعقَّ وأظلما

فقلت له: ارفع عصاك!

فقال: تُرابيٌّ؟!

فقلت: أشهد لقد رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واضعاً حسناً على فخذه اليمنى، واضعاً حسيناً على فخذه اليسرى، وهو يقول:( اللّهمّ، إنّي أستودعكهما وصالح المؤمنين ) ، فكيف كان حفظك يا يزيد وديعة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟! )(٢) .

٣ - نعمان بن بشير:

روي عن محمّد بن أبي بكر التلمساني المشهور بالبري أنّه قال: ( وأُتي يزيد برأس الحسينعليه‌السلام ، فلما وضِع بين يديه جعل ينكت أسنانه بقضيب كان في يده ويقول: ( كان أبو عبد الله صبيحاً ).

فقال النعمان بن بشير: ( ارفع يدك - يا يزيد - عن فمٍ طالما رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يُقبّله)، فاستحيى يزيد وأمر برفع الرأس )(٣) .

٤ - صحابيّ لم يُسمَّ:

روى ابن الأثير، عن عبد الواحد القرشي قال: ( لما أُتي يزيد برأس الحسين

____________________

(١) إحقاق الحقّ ١١/ ٣٠١، عن سير أعلام النبلاء ٣/ ٢١٢ ط مصر.

(٢) الردّ على المتعصّب العنيد: ٤٦.

(٣) الجوهرة ٢/ ٢١٩ على ما في عبرات المصطفين ٢/ ٣١٠.


ابن علي (رضي الله عنهما) تناوله بقضيب، فكشف عن ثناياه، فوالله، ما أبرد بأبيض منها، وأنشد:

يُفلِّقن هاماً من رجال أعزَّة

علينا وهم كانوا أعقَّ وأظلما

فقال له رجل عنده: يا هذا، ارفع قضيبك، فوالله، ربّما رأيت شفتي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فكأنّه يُقبّله.

فرفع مُتذمِّراً عليه مُغضباً )(١) .

قال ابن سعد: (ثمّ مال بالخيزرانة بين شفتي الحسين، فقال له رجل من الأنصار حضره: ارفع قضيبك هذا، فإنّي رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يُقبِّل الموضع الذي وضعته عليه )(٢) .

٥ - يحيى بن الحَكم أو عبد الرحمان بن الحَكم:

وممّن اعترض على فعل يزيد يحيى بن الحَكم أخو مروان بن الحَكم، فإنّه لما رأى ما فعل يزيد برأس الحسين وتمثُّله بالأبيات قال:

لهامٌ بأدنى الطف أدنى قرابة

من ابن زياد العبد ذي الحسب الرذل

أُميّة أمسى نسلها عدد الحصى

وبنت رسول الله ليس لها نسل

فضرب يزيد في صدر يحيى بن الحَكم وقال: اسكُت!

رواه كثير من أرباب السير منهم الشيخ المفيد والطبرسي(٣) .

____________________

(١) أُسد الغابة ٥/ ٣٨١. وروى نحوه عن تاريخ دمشق، وفيه: رجل له صحبة كان عند يزيد بن معاوية حين أُتي برأس الحسين بن علي، إن لم يكن أبا برزة الأسلمي، أو زيد بن أرقم فهو غيرهما (عبرات المصطفين ٢/ ٣٢١ عن تاريخ دمشق المجلّد الأخير: ٥٧، انظر مختصر تاريخ دمشق ٢٩/ ٢٢٠).

وجاء في مقتل الخوارزمي (٢/ ٥٨): فقال له - أي ليزيد - بعض جلسائه: ارفع قضيبك، فوالله، ما أُحصي ما رأيت شفتي محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مكان قضيبك يُقبّله.

(٢) الطبقات الكبرى ( ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام من القسم غير المطبوع ): ٨٢.

(٣) الإرشاد ٢/ ١١٩؛ إعلام الورى: ٢٤٨.


وجاء في بعض الكتب أنّه قال:

لهامٌ بجنب الطفّ أدنى قرابة

من ابن زياد العبد ذي الحسب الوغل

سُميّة أمسى نسلها عدد الحصى

وليس لآل المصطفى اليوم من نسل(١)

ونُسب هذا الموقف وهذه الأبيات وموقف يزيد منها إلى أخيه عبد الرحمان بن الحَكم أيضاً (٢) ، ووصفه سبط ابن الجوزي أنّه كان شاعراً فصيحاً، فلعلّ الراجح نسبتها إليه لا إلى أخيه يحيى.

وعن سبط ابن الجوزي، أنّه بعدما أنشد الأبيات صاح وبكى، فضرب يزيد صدره، وقال له: يا بن الحمقاء!، ما لكَ ولهذا؟!(٣) .

وفي البحار عن المناقب بعد ذكر ما أنشده عبد الرحمان بن الحَكم قال يزيد: نعم، فلعن الله ابن مرجانة إذ أقدم على مثل الحسين بن فاطمة، لو كنت صاحبه لما سألني خصلة إلاّ أعطيته إيّاها! ولدفعت عنه الحتف بكلّ ما استطعت ولو بهلاك بعض ولدي، لكن قضى الله أمراً فلم يكن له مردّ.

وفي رواية أنّ يزيد أسرّ إلى عبد الرحمان وقال: سبحان الله! أنّى هذا الموضع؟! أما يسعك السكوت؟!(٤) .

٦ - الحسن المثنّى:

روى ابن نما أنّ الحسن بن الحسن لما رآه يضرب بالقضيب موضع فم رسول الله قال: وا ذلاّه!

____________________

(١) اُنظُر تاريخ الطبري ٤/ ٣٥٢؛ الكامل في التاريخ ٤/ ٨٩؛ المناقب ٤/ ١١٤؛ جواهر المطالب ٢/ ٢٩٤.

(٢) أنساب الأشراف ٣/ ٤٢١؛ تاريخ الإسلام (للذهبي): ١٨؛ مجمع الزوائد ٩/ ١٩٨؛ مرآة الزمان: ٩٩ (على ما في عبرات المصطفين ٢/ ٣١٥)؛ بحار الأنوار ٤٥/ ١٣٠.

(٣) مخطوطة مرآة الزمان: ٩٩ (على ما في عبرات المصطفين ٢/ ٣١٥).

(٤) بحار الأنوار ٤٥/ ١٣٠.


سُميَّة أمسى نسلها عدد الحَصى

وبنت رسول الله ليس لها نسل(١)

ولقد ذكرنا أنّ الحسن البصري أيضاً قال ذلك حينما سمع بالخبر(٢) . ولعلّه حصل خبط في النقل.

يزيد في موضع الانفعال:

قال سبط ابن الجوزي: ( ولما فعل يزيد برأس الحسين ما فعل تغيّرت وجوه أهل الشام، وأنكروا عليه ما فعل، فقال: أتدرون من أين دهى أبو عبد الله؟!

قالوا: لا.

قال: من الفقه والتأويل، كأنّي به قد قال:أبي خيرٌ من أبيه، وأُمّي خيرٌ من أُمّه، وجدّي خيرٌ من جدّه، فأنا أحقّ بهذا الأمر منه. ولم يلحظ قوله تعالى:( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ... ) الآية(٣) . فسرى عن وجوه أهل الشام )(٤) .

قال ابن أعثم والخوارزمي: (ثمّ أقبل (يزيد) على أهل مجلسه وقال: هذا يفخر عليَّ ويقول:( أبي خير من أبي يزيد، وأُمّي خيرٌ من أُمّه، وجدّي خيرٌ من جدّ يزيد، وأنا خير من يزيد ) ، فهذا الذي قتله! فأمّا قوله: (إنّ أبي خير من أبي يزيد)، فقد حاجّ أبي أباه فقضى الله لأبي على أبيه! وأمّا قوله: (إنّ أُمّي خير من أُمّ يزيد) فلعَمْرِي، إنّه صادق! إنّ فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خيرٌ من أُمّي، وأمّا قوله: (إنّ جدّي خير من جدّ يزيد) فليس أحد يؤمن الله واليوم الآخر يقول: إنّه خيرٌ من محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأمّا قوله: (أنا) خيرٌ منّي. فلعلّه لم يقرأ هذه الآية:( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ... قَدِيرٌ ) (٥) .

____________________

(١) مُثير الأحزان: ١٠٠.

(٢) الردّ على المتعصّب العنيد: ٤٧.

(٣) آل عمران: ٢٦.

(٤) مرآة الزمان ١٠ - مخطوط - على ما في عبرات المصطفين ٢/ ٢٨٤.

(٥) الفتوح ٢/ ١٨١؛ مقتل الخوارزمي ٢/ ٥٧؛ تاريخ الطبري ٤/ ٢٥٤؛ الكامل في التاريخ ٤/ ٨٥.


ومن المعلوم أنّ يزيد التجأ إلى هذا القول بعد اعتراض كثير من الحاضرين، وفيهم بعض الصحابة وأقاربه أيضاً، فصار مُحرجاً، فسعى لتشويه أهداف نهضة الحسين بهذا القياس السخيف، وإلاّ فأين الثرى من الثُّريّا؟! أين معاوية الطليق ابن الطليق من عليّ أمير المؤمنين وسيّد الوصيّين وقائد الغرّ المحجّلين؟! وأين هند آكلة الأكباد من فاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمين؟! وأين أبو سفيان الطليق من النبيّ الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله سيد الأوّلين والآخرين؟! وأين يزيد اللعين من الحسينعليه‌السلام وهو سيّد شباب أهل الجنّة أجمعين؟!

وبعبارة أخصر: أين الشجرة الملعونة في القرآن من الشجرة المباركة، التي أصلها ثابت وفرعها في السماء؟!

ويختم يزيد كلامه بذكر مشيئة الله وقضائه وقدره، وهو لا يعلم منها شيئاً، وهذا هو سلاح المتجبّرين أن يُنهوا كلّ شيء إلى هذه النقطة ويروّجوا لمسلك الجبر في المقام، ويُسكتوا أصوات مخالفيهم والساذجين من الناس.

نعم، التجأ يزيد إلى هذا الموقف المنفعل، بعدما رأى فضاعة إساءته إلى رأس سبط الرسول وثمرة البتول، ولذلك ذكروا أنّه قال بهذا المقال بعدما اعترضه أبو برزة الأسلمي(١) ، أو ابن الحَكم(٢) ، وبعد ذلك تمثّل بأبيات ابن الزبعرى.

ويزيد نفسه يعلم مَن هو الحسينعليه‌السلام ومكانته في قلوب الناس العارفين.

إنّ ابن كثير - مع ما فيه - يعترف بعلوّ مكانة أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام في عيون الناس، ويقول: ( بل الناس إنّما ميلهم إلى الحسين لأنّه السيّد الكبير وابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فليس على وجه الأرض يومئذٍ أحدٌ يُسايره ولا يُساويه )(٣) .

____________________

(١) الكامل في التاريخ ٤/ ٨٥؛ البداية والنهاية ٨/ ١٩٧.

(٢) بحار الأنوار ٤٥/ ١٣١.

(٣) البداية والنهاية ٨/ ١٥١.


تمثُّل يزيد بأبيات ابن الزبعرى:

قال الخوارزمي: ( ثمّ كشف (يزيد) عن ثنايا رأس الحسين بقضيبه ينكته به وأنشد.. فقال بعض جلسائه: ارفع قضيبك! فوالله، ما أُحصي ما رأيت شفتي محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مكان قضيبك يُقبّله! فأنشد يزيد:

يا غراب البين ما شئت فقُل

إنّـما تـندب أمـراً قد فُعِل

كـلّ مُـلك ونـعيم زائـل

وبـنات الـدهر يلعبن بكلّ

لـيت أشـياخي ببدرٍ شهدوا

جزع الخزرج من وقع الأسل

لأهـلّـوا واسـتهلّوا فـرحاً

ثـمّ قـالوا يـا يزيد لا تُشلّ

لـست من خِندف إن لم أنتقم

مـن بـني أحمد ما كان فعل

لـعبت هـاشم بـالملك فلا

خـبرٌ جـاء ولا وحيٌ نزل

قـد أخـذنا مـن عليٍّ ثارنا

وقـتلنا الفارس الليث البطل

وقـتلنا الـقُرم مـن ساداتهم

وعـدلناه بـبدرٍ فاعتدل(١)

عدّة ملاحظات:

١ - إنّ يزيد تمثّل بأبيات ابن الزبعرى في المقام. صرّح بذلك الكثير.

منهم: أبو الفرج الأصفهاني(٢) ، وابن أعثم الكوفي(٣) ، وسبط ابن الجوزي(٤) ، وابن شهر أشوب(٥) ، والخوارزمي(٦) ..

____________________

(١) مقتل الخوارزمي ٢/ ٥٨.

(٢) مقاتل الطالبيين: ١١٩.

(٣) الفتوح ٢/ ١٨٢.

(٤) تذكرة الخواص: ٢٦١.

(٦) مقتل الخوارزمي ٢/ ٦٦.


وابن نما(١) ، وابن عساكر(٢) ، والباعوني(٣) ، والسيّد ابن طاووس(٤) ، وابن أبي الحديد المعتزلي(٥) ، وابن عبد ربّه(٦) ، والبدخشاني(٧) ، وغيرهم. وادّعى سبط ابن الجوزي الشهرة في ذلك(٨) .

أمّا أصل الأشعار، فقد ذكرها ابن هشام (المتوفَّى سنة ٢١٣ أو ٢١٨)(٩) ، ومحمّد بن سلام الجمهي ( المتوفّى سنة ٢٣١)(١٠) ، والجاحظ (المتوفّى سنة ٢٥٥)(١١) ، وأقدمها وأكملها في سيرة ابن هشام.

وأمّا ابن الزبعرى، فهو عبد الله بن الزبعرى بن قيس بن عدي بن سعيد بن سهم، أبو سعد، شاعر قريش من الجاهلية، كان شديداً على المسلمين، قيل: إنّه أسلم في الفتح سنة ثمان، ومات سنة ١٥ من الهجرة(١٢) .

قال الخوارزمي: ( قال الحاكم: الأبيات التي أنشدها يزيد بن معاوية هي

____________________

(١) مُثير الأحزان: ١٠١.

(٢) تاريخ مدينة دمشق ١٩/ ٤٢٠.

(٣) جواهر المطالب ٢/ ٢٩٩.

(٤) الملهوف: ٢١٤.

(٥) شرح نهج البلاغة ١٤/ ٢٨٠.

(٦) العقد الفريد ٥/ ١٣٩.

(٧) نُزل الأبرار: ١٥٩.

(٨) تذكرة الخواص: ٢٦١.

(٩) السيرة النبوية ٣/ ١٤٣.

(١٠) طبقات الشعراء: ٥٧.

(١١) الحيوان ٥/ ٥٦٤.

(١٢) الإصابة ٢/ ٣٠٨ - ترجمة رقم ٤٦٧٩؛ المؤتلف: ١٣٢.

قال محمّد بن سلام الجمهي: وبمكّة شعراء، فأعبرهم شعراً عبد الله بن الزبعرى، والزبعرى في اللغة السيّئ الخُلق والغليظ. (طبقات الشعراء: ٥٧).


لعبد الله بن الزبعرى، أنشدها يوم أُحد لما استُشهد حمزة عمّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وجماعة من المسلمين، وهي قصيدة طويلة )(١) .

قال ابن هشام: (قال ابن إسحاق: وقال عبد الله بن الزبعرى في يوم أُحد:

يـا غراب البين أسْمَعْتَ فقل

إنّـما تـنطق شـيئاً قد فُعل

إنّ لـلـخير ولـلشرّ مـدىً

وكـلا ذلـك وجـدٌ وقُـبِل

والـعطيّات خـساس بـينهم

وسـواء قـبر مُـثْرٍ ومُقل

كـلّ عـيش ونـعيم زائـل

وبـنات الـدهر يلعبن بكل

أبـلغا حـسّان عـنّي آيـة

فقريض الشعر يشفي ذا الغلل

كـم ترى بالجرّ من جمجمة

وأكُـفّ قـد أمـرَّت ورجل

وسـرابيل حِـسان سـريت

عن كماة أهلكوا في المنتزل

كـم قـتلنا مـن كـريمٍ سيِّد

مـاجد الـجدّين مقدام بطل

صـادق الـنجدة قَـرم بارع

غـير مُلتاث لدى وقع الأسل

فـسل الـمِهراس من ساكنه

بـين أقـحاف وهام كالجحل

لـيت أشـياخي ببدرٍ شهدوا

جزع الخزرج من وقع الأسل

حـين حـكّت بـقباء بركها

واستحرّ القتل في عبد الأشل

ثـمّ خـفّوا عند ذاكم رُقّصا

رقص الحفّان يعلو في الجبل

فـقتلنا الضعف من أشرافهم

وعـدلنا مـيل بـدر فاعتدل

لا ألــوم الـنفس إلاّ أنّـنا

لـو كـررنا لـفعلنا المفتعل

فأجابه حساّن بن ثابت الأنصاري (رضي الله عنه) بقصيدة مطلعها:

____________________

(١) مقتل الحسين للخوارزمي ٢/ ٧٤ (ط دار أنوار الهدى).


ذهبت يا بن الزبعرى وقعة

كان منّا الفضل فيها لو عدل (١)

ورواه الخوارزمي بهذا التفصيل مع تفاوت يسير(٢) .

٢ - إنّ يزيد قد زاد على أبيات ابن الزبعرى ما يدلّ على كفره وخبث باطنه وسريرته، ويكشف عمّا في قلبه من الإلحاد والحقد لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته الطيّبين الطاهرين.

قال ابن أعثم: ثمّ زاد فيها هذا البيت من نفسه:

لستُ من عُتبة إن لم أنتقم

من بني أحمد ما كان فعل (٣)

وقال سبط ابن الجوزي: قال الشعبي: وزاد فيها يزيد فقال:

لعبت هاشم بالملك... الأبيات(٤) .

وعنه أنّه قال: وقيل: إنّ يزيد زاد فيها هذه الأبيات:

لاسـتهلّوا ثـمّ طـاروا فرحاً

ثـمّ قـالوا يـا يزيد لا تُشل

لـعبت هـاشم بـالملك فـلا

خـبرٌ جـاء ولا وحـيٌ نزل

لـست من خِندف إن لم أنتقم

من بني هاشم ما كان فعل(٥)

ولذلك اتّخذ كثير من علماء المسلمين موقفاً جليّاً وصلباً، أمام هذا الطاغي الملحد؛ استناداً إلى هذه الأبيات - وإلى غيرها من أعماله السيّئة - كما ذكرنا ذلك بالتفصيل في المباحث السابقة، ومنه على سبيل المثال:

____________________

(١) أحجمنا عن ذكر القصيدة بكاملها لطولها، فمَن شاء فليُراجع: السيرة النبويّة ٣/ ١٤٣.

(٢) مقتل الخوارزمي ٢/ ٦٦.

(٣) الفتوح ٢/ ١٨٢.

(٤) تذكرة الخواص: ٢٦١.

(٥) مرآة الزمان: ٩٩ (على ما في عبرات المصطفين ٢/ ٣١٥).


قال مجاهد: ( نافق فيها، ثمّ والله ما بقي من عسكره أحد إلاّ تركه )(١) .

٣ - لقد أوضحنا أنّ أرباب كُتب السير والتاريخ قد ذكروا تمثّل يزيد بهذه الأبيات، وإن كان هناك اختلاف يسير في كيفيّة النقل وعدد الأبيات، فبعضهم لم يذكر إلاّ بيتاً واحداً(٢) ، وبعضهم اثنين(٣) ، وبعضهم ثلاثة(٤) ، وبعضهم أربعة(٥) ، وبعضهم خمسة(٦) ، وبعضهم ستّة(٧) ، وبعضهم سبعة(٨) ، وبعضهم ثمانية أبيات منها(٩) .

٤ - لقد استندت العقيلة السيّدة زينب الكبرى بنت الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام إلى إنشاد يزيد لهذه الأبيات في المجلس بقولها:

( ألا إنّها نتيجة خلال الكفر، وضبّ يُجرجر في الصدر لقتلى يوم بدر، فلا يُستبطئ في بغضنا أهل البيت مَن كان نظره إلينا شنفاً وشناناً، وإحناً وأضغاناً، يُظهر كفره برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ويُفصح ذلك بلسانه، وهو يقول - فرحاً بقتل ولده وسبي ذريّته غير متحوّب ولا مُستعظم يهتف بأشياخه -:

____________________

(١) المنتظم ٥/ ٣٤٣؛ الردّ على المتعصّب العنيد: ٤٧؛ تذكرة الخواص: ٢٦١؛ البداية والنهاية ٨/ ١٩٤.

(٢) أمالي الصدوق: ٢٣١.

(٣) مقاتل الطالبيّين: ١١٩؛ المنتظم ٥/ ٣٤٣؛ الردّ على المتعصّب العنيد: ٤٧؛ جواهر المطالب ٢/ ٢٩٩؛ الإتحاف بحُبّ الأشراف: ٥٦.

(٤) مُثير الأحزان: ١٠١.

(٥) الخرائج والجرائح ٢/ ٥٨٠؛ البداية والنهاية ٨/ ١٩٤؛ تفسير القمّي (على ما في بحار الأنوار ٤٥/ ١٦٧ ح١٣.

(٦) مرآة الزمان: ٩٩ (على ما في عبرات المصطفين ٢/ ٣١٥)؛ الملهوف: ٢١٤؛ المناقب ٤/ ١١٤.

(٧) بلاغات النساء: ٢١؛ الفتوح ٢/ ١٨٢؛ الاحتجاج ٢/ ١٢٢.

(٨) روضة الواعظين ١/ ١٩١.

(٩) مقتل الخوارزمي ٢/ ٥٨.


لأهلّوا واستهلّوا فرحاً

ولقالوا يا يزيد لا تُشل

مُنتحياً على ثنايا أبي عبد الله - وكان مُقبَّل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله - ينكتها بمِخصرته، قد التمع السرور بوجهه(١) .. فلترِدَنّ وشيكاً موردهم، ولتودنّ أنّك شُللت وبُكمت ولم تكن قلت ما قلت وفعلت ما فعلت )(٢) .

٥ - قال ابن أبي الحديد المعتزلي، في جملة أبيات ذكرها عن ابن الزبعرى، أنّه قالها لوصف يوم أحُد:

ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا

جزع الخزرج من وقع الأسل

حين حطّت بقباء بركها

واستحرّ القتل في عبد الأشل

ثمّ قال: (كثير من الناس يعتقدون أنّ هذا البيت ليزيد بن معاوية، وقال مَن أكره التصريح باسمه: هذا البيت ليزيد؟

فقلت له: إنّما قاله يزيد مُتمثِّلاً، لما حُمل إليه رأس الحسينعليه‌السلام وهو لابن الزبعرى.

فلم تسكن نفسه إلى ذلك، حتّى أوضحته له فقلت: ألا تراه قال: (جزع الخزرج من وقع الأسل) والحسينعليه‌السلام لم تُحارب عنه الخزرج، وكان يليق أن يقول: جزع بني هاشم من وقع الأسل.

فقال بعض مَن كان حاضراً: لعلّه قاله يوم الحرّة، فقلت: المنقول أنّه أنشده لما حُمل إليه رأس الحسينعليه‌السلام ، والمنقول أنّه شعر ابن الزبعرى، ولا يجوز أن يُترك المنقول إلى ما ليس بمنقول )(٣) .

أقول: لا ريب في صحّة ما قاله المعتزلي، من أنّ أصل الأبيات لابن الزبعرى

____________________

(١) الاحتجاج ٢/ ١٢٦ عنه بحار الأنوار ٤٥/ ١٥٨.

(٢) الملهوف: ٢١٦ - ٢١٧.

(٣) شرح نهج البلاغة ١٤/ ٢٨٠ عنه بحار الأنوار ٣٤/ ١٥٦؛ عوالم ٢٧/ ٣٩٨.


وإن زاد عليها يزيد أبياتاً - كما مرّ - وكذلك لا خلاف في أنّه أنشده لما حُمل إليه رأس الحسينعليه‌السلام بالشام، ولكن ما ادّعاه من عدم نقل إنشاده في وقعة الحرّة، فإنّه غير صحيح؛ فلقد روي ابن عبد ربّه ذلك بقوله: (وبعث مسلم بن عقبة برؤوس أهل المدينة إلى يزيد، فلما أُلقيت بين يديه جعل يتمثّل بقول ابن الزبعرى يوم أُحد:

ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا

جزع الخزرج من وقع الأسل

لأهـلّـوا واسـتهلّوا فـرحاً

ولـقـالوا لـيزيد لا فـشل

فقال له رجل من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ارتدد عن الإسلام يا أمير المؤمنين؟!

قال: بلى، نستغفر الله.

قال: والله، لا ساكنتك أرضاً أبداً! وخرج عنه )(١) .

وهذا اعتراف من يزيد على نفسه، بأنّ قوله يوجب الكفر والارتداد عن الدِّين! وإن أمكن أن يُقال: بأنّها سالبة بانتفاع الموضوع!!

٦ - جاء في تفسير القمّي في ذيل الآية الشريفة:( ... ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ) (٢) :

( وأمّا قوله:( ... ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ... ) ، فهو رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لما أخرجته قريش من مكّة، وهرب منهم إلى الغار وطلبوه ليقتلوه، فعاقبهم الله يوم بدر، فقُتل عتبة وشيبة والوليد وأبو جهل وحنظلة بن أبي سفيان

____________________

(١) العقد الفريد ٥/ ١٣٩.

(٢) الحج: ٦٠.


وغيرهم، فلما قُبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله طُلِب بدمائهم، فقُتل الحسين وآل محمّد بغياً وعدواناً، وهو قول يزيد حين تمثّل بهذا الشعر: ( وذكر الأبيات ثمّ قال: )

وقال الشاعر في مثل ذلك:

وكذاك الشيخ أوصاني به

فاتّبعت الشيخ فيما قد سُئِل

وقال يزيد أيضاً - والرأس مطروح يُقلّبه -:

يا ليت أشياخنا الماضين بالحضر

حتّى يقيسوا قياساً لا يُقاس به

أيّام بدرٍ لكان الوزن بالقدر

فقال الله تبارك وتعالى:( ... وَمَنْ عَاقَبَ... ) يعني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ( ... بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ... ) ، يعني حين أرادوا أن يقتلوه ( ... ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ... ) يعني بالقائمعليه‌السلام من ولْده(١) .

٧ - روى ابن عساكر، بإسناده عن حمزة بن زيد الحضرمي قال: ( رأيت امرأة من أجمل النساء وأعقلهنّ يُقال لها: (ريا) كان بنو أُميّة يُكرمونها، وكان هشام (أي هشام بن عبد الملك) يُكرمها، وكانت إذا جاءت إلى هشام تجيء راكبة، فكلّ مَن رآها من بني أُميّة أكرمها، ويقولون: ريا حاضنة يزيد بن معاوية، فكانوا يقولون: قد بلغت من السنّ مئة سنة، وحُسن وجهها وجمالها باق بنضارته! فلما كان من الأمر الذي كان(٢) استترت في بعض منازل أهلنا، فسمعتها - وهي تقول وتعيب بني أميّة مداراة لنا - قالت: دخل بعض بني أُميّة على يزيد، فقال: ( أبشِر! يا أمير المؤمنين، فقد أمكنك الله من عدوّ الله! وعدوّك - يعني الحسين بن علي - قد قُتل ووُجِّه برأسه إليك )، فلم يلبث إلاّ أيّاماً حتّى جيء برأس الحسين، فوضِع بين يدي يزيد في طشت، فأمر الغلام، فرفع الثوب كان عليه، فحين رآه خمّر وجهه بكمه -

____________________

(١) تفسير القمّي ٣/ ٨٦؛ عنه بحار الأنوار ٤٥/ ١٦٧.

(٢) من زوال ملك بني أُميّة ونقله إلى بني العبّاس.


كأنّه يشمّ منه رائحة(١) - وقال: الحمد لله الذي كفانا المؤونة بغير مؤونة! كلّما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله.

قالت ريا: فدنوت منه، فنظرت إليه وبه ردع من حنّا.

قال حمزة: فقلت لها: أقَرَعَ ثناياه بالقضيب كما يقولون؟

قالت: إي والذي ذهب بنفسه وهو قادر على أن يغفر له، لقد رأيته يقرع ثناياه بالقضيب في يده، ويقول أبياتاً من شعر ابن الزبعرى(٢) .

أقول: ليس بغريب أن يتمثّل يزيد بتلك الأبيات في مواطن عديدة، ومواقف مختلفة ومتعدّدة، ومن المحتمل أنّ ما روته ريا حصل في مجلسه الخاص، كما جرى ذلك في مجلسه العام، كذلك استند إليها في وقعة الحرّة كما مرّ ذكره.

٨ - أنكر ابن تيمية - في رسالته (سؤال في يزيد بن معاوية) التي كتبها بعد قرون من وقعة الطف مُنتصراً ليزيد - كونه المردِّد لشعر ابن الزبعرى(ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا) (٣) .

وإنكار ابن تيميّة لمثل هذه المسألة الواضحة المسلّمة تأريخيّاً - التي ادّعى سبط ابن الجوزي حصول الشهرة عليها(٤) - ليس إلاّ إنكار أمر بديهي، وليس الداعي لذلك إلاّ نصرة يزيد، حشره الله معه، ولقد ذكرنا مصادر البحث شافياً فلا نُعيد.

____________________

(١) روى الشبراوي عنها أنّها قالت: دنوت من رأس الإمام الحسين حين شمّ يزيد منه رائحة لم تُعجبه فإذا تفوح منه رائحة من ريح الجنّة كالمسك الأذفر بل أطيب.. انظر الإتحاف بحُبّ الأشراف: ٥٦.

(٢) تاريخ مدينة دمشق ١٩/ ٤٢٠ ترجمة ريا حاضنة يزيد بن معاوية. وروي في سير أعلام النبلاء ٣/ ٣١٩؛ البداية والنهاية ٨/ ٢٠٥؛ الإتحاف بحُبّ الأشراف: ٥٦ بتفاوت.

(٣) أُنظر: سؤال في يزيد بن معاوية: ١٤.

(٤) تذكرة الخواص: ٢٦١.


مُحاورات الإمام السجّادعليه‌السلام مع يزيد:

لقد بلغت الحرب النفسيّة الذروة بعد وقعة الطف الأليمة، ولم تكن بأقلّ من الحرب في ظلّ السيوف، فيزيد يريد أن يظهر بمظهر الغالب الظافر في جميع المجالات، وأن يرى انتهاء الأمر بتمامه، لكي يتمّ بذلك كلّ شيءٍ له! وهو يعلم أنّه لا يصل إليه إلاّ بظفره في هذه الحرب النفسيّة، فثمّ يتمّ ترجيح إحدى كفّتي المعادلة.

وفي جبهة الحق نرى أنّها تسير على مسير قائدها، وتتحرّك نحو تحقق أهدافها.

وللإمام زين العابدين عليّ بن الحسينعليه‌السلام القدح المعلّى في ذلك؛ لأنّه هو الحجّة على الأرض بعد أبيه، ولذلك نرى أنّ زينب الكبرى تقف خلفه في جميع المواقف، ومنها ما روي أنّه قال يزيد لزينب: تُكلّميني؟!

فقالت: هو - أي الإمام زين العابدينعليه‌السلام - المتكلِّم(١) ، نعم، ولعمّته زينب الكبرى (سلام الله عليها) الدور الأوفى بعده كما نذكره إن شاء الله.

كان الإمامعليه‌السلام يواجه مشاكل عديدة ينبغي له أن يتغلّب عليها:

١ - طاغوتاً يُسمَّى بيزيد مُتستّر بستار الخلافة الإسلامية، لابدّ أن يُفتضح على رؤوس الأشهاد، ويكشف الغطاء عن واقعه الرذل، ليُكسِّر أمام مُحبّيه ومواليه.

٢ - حُكماً دمويّاً تحت غطاء ديني، فيزيد يستند إلى بعض الآيات القرآنية! ولابدّ للإمام أن يواجه ذلك، ويتمسّك بالقرآن في الإجابة، أو يفسّره بواقعه.

٣ - إعلاماً مضلّلُاً وبيئة مسمومة، فلقد عرّفوا الحسينعليه‌السلام بأنّه رجل خارجيّ! فعلى الإمام أن يواجه ذلك بكلّ صلابة ويُعرِّف أباه ونفسه وأهل بيته بأنّهم أولاد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، حيث يتكرّر ذلك في مواطن عديدة.

____________________

(١) المناقب ٤/ ١٧٣.


إنّ كلّ ذلك يحتاج إلى اتّخاذ مواقف بطولية، وشجاعة علوية، وصمود فاطميّ، وقد تمثّلت في زين العابدين وزينب الكبرى (سلام الله عليهما).

وحينها سوف ترى مَن هو الغالب؟!

قال ابن سعد: (ثمّ أُتي يزيد بن معاوية بثقل الحسين ومَن بقي من أهله، فأُدخلوا عليه قد قُرنوا في الحبال، فوقفوا بين يديه، فقال له عليّ بن الحسين:( أنشدك بالله يا يزيد، ما ظنّك برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لو رآنا مُقرّنين في الحبال، أما كان يرقّ لنا؟! ) .

فأمر يزيد بالحبال، فقُطّعت، وعُرف الانكسار فيه! )(١) .

وهكذا تمكَّن الإمامعليه‌السلام - في أوّل موقف وقفه أمام هذا الطاغي - أن يُجرّده من السلاح، فهوعليه‌السلام لم يكسره نفسياً فحسب، بل جعل الانكسار يبين ويُعرف فيه، كما صرّح بذلك ابن سعد، وسبط ابن الجوزي - في المرآة .

قال سبط ابن الجوزي: ( وكان عليّ بن الحسين والنساء موثّقين في الحبال، فناداه علي:( يا يزيد، ما ظنّك برسول الله لو رآنا موثّقين في الحبال، عرايا على أقتاب الجمال؟! ) ، فلم يبقَ في القوم إلاّ مَن بكى )(٢) .

وهذه الرواية تُصرّح بتغيير وضع المجلس بهذه الكلمة.

قال ابن نما: ( فقال عليّ بن الحسينعليهما‌السلام :( وأنا مغلول، فقلت: أتأذن لي في الكلام؟

____________________

(١) الطبقات الكبرى (ترجمة الإمام الحسين من القسم غير المطبوع): ٨٣. روى مضمونه: الردّ على المتعصّب العنيد: ٤٩؛ تذكرة الخواص: ٢٦٢؛ عبرات المصطفين ٢/ ٢٨٨؛ الكامل في التاريخ ٤/ ٨٦؛ تاريخ دمشق ١٩/ ٤٩٣؛ مُثير الأحزان: ٩٨؛ الملهوف: ٢١٣؛ جواهر المطالب ٢/ ٢٩٤؛ تسلية المجالس ٢/ ٣٨٤ وفيه: (... وكان أوّل مَن دخل شمر بن ذي الجوشن على يزيد بعليّ بن الحسينعليه‌السلام مغلولة يده إلى عنقه... ).

(٢) تذكرة الخواص: ٢٦٢.


فقال: قل ولا تقل هُجْراً !

قلت: لقد وقفت موقفاً لا ينبغي لمثلي أن يقول الهُجْر، ما ظنّك برسول الله لو رآني في الغِلّ؟!

فقال لمن حوله: حلّوه ) (١) .

قال ابن أعثم: ( ثمّ أُتي بهم - الأسرى من آل البيت - حتّى أُدخلوا على يزيد، وعنده يومئذٍ وجوه أهل الشام، فلما نظر إلى عليّ بن الحسين (رضي الله عنه) قال: مَن أنت يا غلام؟!

فقال:( أنا عليّ بن الحسين ) .

فقال: يا عليّ، إنّ أباك الحسين قطع رحمي، وجهل حقّي، ونازعني سلطاني، فصنع الله به ما قد رأيت.

فقال عليّ بن الحسين:( مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ) (٢) .

فقال يزيد لابنه خالد: (اردد عليه يا بُني)، فلم يدرِ خالد ماذا يقول، فقال يزيد قل له:( وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ) (٣) )(٤) .

____________________

(١) مُثير الأحزان: ٩٩.

أقول: لو لم يتجرّأ ذلك القائل بقوله في يوم الرزيّة: إنّ النبيّ ليهجر، أو أنّه قد غلبه الوجع - والعياذ بالله - لما كان يتجرّأ هذا الخبيث أن يتفوّه بمثل هذه الكلمات في حقّ أبنائه.

(٢) الحديد: ٢٢.

(٣) الشورى: ٣٠.

(٤) الفتوح: ٢/ ١٨٤. وروي مضمونه في: أنساب الأشراف ٣/ ٤١٩؛ الطبقات الكبرى - من القسم غير المطبوع - ٨٣؛ تاريخ الطبري ٤/ ٣٥٢؛ الكامل ٤/ ٨٦؛ الإرشاد ٢/ ١٢٠؛ إعلام الورى: ٢٤٩؛ مقتل الخوارزمي ٢/ ٦٣؛ الردّ على المتعصّب العنيد: ٤٩؛ عبرات المصطفين ٢/ ٢٨٨.


يُستفاد من هذه الرواية استشهاد يزيد بالآية الشريفة، دون أن يردّه الإمام، وفيه تأمّل واضح، فكيف يستند الطاغي إلى آية شريفة في المقام - وهو يريد المغالطة في البين - والإمام قادر على الجواب ولا يفعل!

فلذلك نرى حصول خلل في النقل.

فبعضهم لم يذكر شيئاً عن إجابة يزيد لكلام الإمام، مثل ما أورده ابن الجوزي في المنتظم(١) ، ولا بأس به.

ولنِعْمَ ما ذكره أبو الفرج الأصفهاني في المقام! قال: ( ثمّ دعا يزيد - لعنه الله - بعليّ بن الحسين، فقال: ما اسمك؟

فقال:( عليّ بن الحسين ) .

قال: أوَ لم يقتل الله عليّ بن الحسين؟!

قال:( قد كان لي أخ أكبر منّي يُسمّى علياً فقتلتموه! ) .

قال: بل الله قتله.

قال علي:( اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا... ) (٢) .

قال له يزيد:( وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ... ) (٣) .

فقال علي:( مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) (٤) .

فوثب رجل من أهل الشام فقال: دعني أقتله، فألقت زينب نفسها عليه )(٥) .

فتحصّل أنّه بناءً على ما ذكره أبو الفرج ينتهي الكلام بما استند به الإمامعليه‌السلام ، وهو المطلوب المختار.

____________________

(١) المنتظم ٥/ ٣٤٣.

(٢) الزمر: ٤٢.

(٣) الشورى: ٣٠

(٤) الحديد: ٢٢ - ٢٣.

(٥) مقاتل الطالبيين: ١٢٠.


والدليل عليه ما رواه علي بن إبراهيم القمّي، عن الإمام جعفر الصادقعليه‌السلام ، قال: قال الصادقعليه‌السلام :

(لما أُدخِل رأس الحسين بن عليّعليهما‌السلام على يزيد لعنه الله، وأُدخل عليه عليّ بن الحسين وبنات أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وكان عليّ بن الحسينعليه‌السلام مُقيّداً مغلولاً، فقال يزيد: يا عليّ بن الحسين، الحمد لله الذي قتل أباك.

فقال عليّ بن الحسين:( لعن الله مَن قتل أبي ) .

فغضب يزيد وأمر بضرب عُنقه.

فقال عليّ بن الحسين:( فإذا قتلتني فبنات رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله مَن يردّهم إلى منازلهم وليس لهم محرم غيري؟ ) .

فقال: أنت تردّهم إلى منازلهم!

ثمّ دعا بمبرد فأقبل يبرد الجامعة من عنقه بيده.

ثمّ قال له: يا عليّ بن الحسين، أتدري ما الذي أريد بذلك؟

قال:( بلى، تُريد أن لا يكون لأحد عليَّ منّة غيرك ) .

فقال يزيد: هذا - والله - ما أردت أفعله.

ثمّ قال يزيد: يا عليّ بن الحسين( وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ... ) (١) .

فقال عليّ بن الحسين:( كلاّ، ما هذه فينا نزلت، إنّما نزلت فينا: ( مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ... وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ... ) (٢) ،

____________________

(١) الشورى: ٣٠.

(٢) الحديد: ٢٢ - ٢٣.


فنحن الذين لا نأسى على ما فاتنا، ولا نفرح بما أتانا منها ) (١) .

نعم، ذكر ابن الصبّاغ المالكي بعد ذكر استشهاد يزيد بآية:( وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ... ) كلاماً للإمام عليّ بن الحسينعليه‌السلام يكون بمنزلة تفسير هذه الآية.

قال: فقال عليّعليه‌السلام :( هذا في حقّ مَن ظَلَم، لا في مَنْ ظُلم ) (٢) ، فالإمام يهدم أصل استناد يزيد من الأساس، ويُبيّن عدم فقهه بمعنى الآية الشريفة.

قالوا: ( ثمّ دعا بالنساء والصبيان، فأُجلِسوا بين يديه، فرأى هيئة قبيحة فقال: قبّح الله ابن مرجانة، لو كانت بينكم وبينه قرابة ورحم ما فعل هذا بكم ولا بعث بكم هكذا )(٣) .

وهذا أيضاً موضع آخر لتبيِّن الانكسار في وجه يزيد، والتجائه للتفوّه بهذه الكلمات الواهية، وهو يريد أن يتخلّى عن المسؤولية، ويرميها على عاتق فاسق مثله هو ابن زياد.

ملاحظات:

ذكر بعضٌ وقوع المكالمة بين يزيد والإمام زين العابدينعليه‌السلام والاستناد بتلك الآيات الشريفة في هذه المواقف:

١ - قال ابن قتيبة: (وذكروا أنّ أبا معشر قال: حدّثني محمّد بن الحسين بن علي(٤) قال:

____________________

(١) تفسير القمّي ٢/ ٣٥٢ عنه بحار الأنوار ٤٥/ ١٦٨ ح١٤.

(٢) الفصول المهمّة: ١٩٥.

(٣) أُنظر تاريخ الطبري ٤/ ٣٥٢؛ البداية والنهاية ٨/ ١٩٦؛ اعلام الورى: ٢٤٩.

(٤) الظاهر هنا سقط، وهو كلمة عليّ بن، والصحيح هو محمّد بن عليّ بن الحسين بن علي الذي ينطبق على الإمام محمّد الباقر الذي كان حاضراً في مجلس يزيد.


( دخلنا على يزيد ونحن اثنا عشر غلاماً مُغلّلين في الحديد، وعلينا قُمُصٌ، فقال يزيد: أخلصتم أنفسكم بعبيد أهل العراق؟! وما علمت بخروج أبي عبد الله حين خرج ولا بقتله حين قُتل، فقال عليّ بن الحسين: ( مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) (١) .

فغضِب يزيد وجعل يعبث بلحيته، وقال: ( وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِير ٍ ) (٢) ،يا أهل الشام، ما ترون في هؤلاء؟

فقال رجل من أهل الشام: لا تتّخذنّ من كلب سوء جرواً... ) (٣) .

فبناءً على ما ذكره ابن قتيبة لم يفسح المجال للإمام حتّى يقوم بالجواب.

٢ - ذكر ابن عبد ربّه عن، عليّ بن عبد العزيز، عن محمّد بن الضحّاك بن عثمان الخرامي، عن أبيه قال: ( فقتله ( أي الإمام الحسينعليه‌السلام ) عبيدُ الله، وبعث برأسه وثقله إلى يزيد، فلما وُضِع الرأس بين يديه تمثّل بقول حصين بن الحمام المرّي:

يُفلِّقن هاماً من رجال أعزّة

علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما

فقال له عليّ بن الحسين - وكان في السبي -:( كتاب الله أولى بك من الشِّعر،

____________________

(١) الحديد: ٢٢ - ٢٣.

(٢) الشورى: ٣٠.

(٣) الإمامة والسياسة ٢/ ٨. وروى مضمونه: العقد الفريد ٥/ ١٣١؛ شرح الأخبار ٣/ ٢٦٨، ح١١٧٢؛ جواهر المطالب ٢/ ٢٧٢؛ وذكره تاريخ الطبري ٤/ ٣٥٥ بتفاوت.


يقول الله: ( مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) (١) .

فغضب يزيد وجعل يعبث بلحيته، ثمّ قال: غير هذا من كتاب الله أولى بك وبأبيك، قال الله:( وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ) (٢) ، ما ترون يا أهل الشام في هؤلاء؟... )(٣) .

فبناءً على هذا الخبر - أيضاً - لم يفسح يزيد المجال لإجابة الإمامعليه‌السلام .

أورد الحافظ الطبراني، بإسناده عن الليث قال: ( أبى الحسينُ بن علي (رضي الله عنهما) أن يُستأسر(٤) ، فقاتلوه فقتلوه، وقتلوا بنيه وأصحابه الذين قاتلوا معه بمكان يُقال له: الطف. وانُطلِق بعليّ بن حسين وفاطمة بنت حسين وسكينة بنت حسين إلى عبيد الله بن زياد، وعليّ يومئذٍ غلام قد بلغ، فبعث بهم إلى يزيد بن معاوية، فأمر بسكينة فجعلها خلف سريره لئلاّ ترى رأس أبيها، وذو قرابتها وعليّ بن الحسين (رضي الله عنهما) في غلّ فوضع رأسه، فضرب على ثنيتي الحسين (رضي الله عنه) فقال:

نُفلِّق هاماً من رجالٍ أحبَّة

إلينا وهم كانوا أعقَّ وأظلما

فقال عليّ بن الحسين (رضي الله عنه):( مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن

____________________

(١) الحديد: ٢٢ - ٢٣.

(٢) الشورى: ٣٠.

(٣) العقد الفريد ٥/ ١٣١. انظر: تذكرة الخواص: ٢٦٢؛ كفاية الطالب: ٤٣٢؛ جواهر المطالب ٢/ ٢٧١.

(٤) جاء في المصدر أن يستأنس، وهو تصحيف، والصحيح ما أثبتناه، كذا في تاريخ الإسلام للذهبي ١٨ وسير أعلام النبلاء ٣/ ٣١٩ وتاريخ مدينة دمشق ١٩/ ٤٩٣ ومجمع الزوائد ٩/ ١٩٥..


قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ) (١) .

فثقل على يزيد أن يتمثّل ببيت شعر وتلا عليّ آية من كتاب الله عزّ وجلّ، فقال يزيد: بل( ... بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ) (٢) .

فقال عليّعليه‌السلام :( أما والله، لو رآنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مغلولين لأحبّ أن يُخلِّينا من الغِلّ ) .

قال: صدقت، فخلّوهم من الغِل.

قال:( ولو وقفنا بين يدي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأحبّ أن يُقرّبنا ) .

قال: صدقت، فقرّبوهم.

فجعلت فاطمة وسكينة يتطاولان لتريان رأس أبيهما، وجعل يزيد يتطاول في مجلسه ليستر عنهما رأس أبيهما... )(٣) .

التأمّل الذي ذكرناه يجري في هذا النقل، وعلى فرض صحّته، فالكلام الواقع بين الإمام ويزيد محمول على إرادة الإمام تجريد يزيد من سلاحه، وذلك بتعريف نفسه وأهل بيته بأنّهم أولاد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنّ ما يجري باسم الخلافة الإسلامية هو على خلاف سنّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد نجح الإمامعليه‌السلام في ذلك.

قال ابن أعثم والخوارزمي - واللفظ للأوّل -:

( فتقدّم عليّ بن الحسين حتّى وقف بين يدي يزيد بن معاوية، وجعل يقول:

____________________

(١) الحديد: ٢٢.

(٢) الشورى: ٣٠.

(٣) المعجم الكبير ٣/ ١٠٩، ح٢٨٠٦. وروى ذلك تاريخ مدينة دمشق - ترجمة فاطمة بنت الحسين - ١٩/ ٤٩٣؛ سير أعلام النبلاء ٣/ ٣١٩؛ تاريخ الإسلام: ١٨؛ مجمع الزوائد ٩/ ١٩٥.


لا تطمعوا أن تُهينونا ونُكرمكم

وأن نكفّ الأذى عنكم وتؤذونا

فالله يـعـلم أنّـا لا نـحبّكُم

ولا نـلومكُم إن لـم تـحبّونا

فقال يزيد: صدقت يا غلام، ولكن أراد أبوك وجدّك أن يكونا أميرين، فالحمد لله الذي أذلّهما وسفك دماءهما!

فقال له عليّ بن الحسين:( يا بن معاوية وهند وصخر، لم يزل آبائي وأجدادي فيهم الإمرة من قبل أن تلد [تولد]، ولقد كان جدّي عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه -يوم بدر وأُحد والأحزاب في يده راية رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبوك وجدّك في أيديهما رايات الكفر ) .

ثمّ جعل عليّ بن الحسين يقول:

مـاذا تـقولون إن قال النبيّ لكم

مـاذا فـعلتم وأنـتم آخـر الأُمم

بـعترتي وبـأهلي بـعد مُنقلبي

مـنهم أُسارى ومنهم ضُرِّجوا بدم

أكـان هـذا جزائي أن نصحتكم

أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي

ثمّ قال عليّ بن الحسين:( ويلك - يا يزيد -! إنّك لو تدري ما صنعت وما الذي ارتكبت من أبي وأهل بيتي، وأخي وعمومتي، إذاً لهربت في الجبال، وفرشت الرمال، ودعوت بالويل والثبور، أن يكون رأس الحسين بن فاطمة وعلي منصوباً على باب المدينة، وهو وديعة رسول الله فيكم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأبشِر بالخزي والندامة غداً، إذا جُمِع الناس ليومٍ لا ريبَ فيه! ) (١) .

____________________

(١) الفتوح ٢/ ١٨٤. اُنظُر: مقتل الخوارزمي ٢/ ٦٢؛ تسلية المجالس ٢/ ٢٨٦؛ بحار الأنوار ٤٥/ ١٣٥.


وفيه نقاط للبحث والتأمّل:

١ - صلابة موقف الإمام وصموده في المقام.

٢ - جعل الإمام مسؤولية قتل الإمام الحسينعليه‌السلام - وما جرى في وقعة الطف وبعده - على عاتق يزيد وتنبيهه لعمق الفاجعة الكبرى، ووعيده بنار جهنّم.

٣ - تبيين موضع جبهة يزيد، بأنّه وأباه وجدّه كانوا على خطِّ الباطل، وفي قِباله هو وأبوه وجدّه على نهج الحقّ، وأنّ النهضة الحسينيّة هي استمرار لتلك المواجهة والمقابلة.

٤ - وفي هذا الخبر أيضاً ما يفضح يزيد نفسه، فقد رأينا أنّه يُحاول أحياناً أن يتخلّى عن مسؤولية قتل الإمام الحسين ويدّعي - كذباً وزوراً - بعدم علمه بقتل الحسينعليه‌السلام وعدم رضاه بذلك، بينما نراه - في هذا الخبر - يُفصح عمّا في ضميره، ويُصرّح بفرحه وسروره بقتل سيّد الشهداء ويحمد الله على ذلك!

يزيد يهمُّ بقتل الإمامعليه‌السلام !

قال الفقيه المحدّث قطب الدين الراوندي: ( وروي أنّه لما حُمِل عليّ بن الحسينعليهما‌السلام إلى يزيد عليه اللعنة همَّ بضرب عنقه، فوقفه بين يديه وهو يُكلّمه ليستنطقه بكلمة يوجب بها قتله، وعليّعليه‌السلام يُجيبه حسب ما يُكلّمه، وفي يده سبحة صغيرة يُديرها بأصابعه، وهو يتكلّم، فقال له يزيد عليه ما يستحقّه: أنا أُكلّمك وأنت تُجيبني وتُدير أصابعك بسبحة في يدك! فكيف يجوز ذلك؟!

فقالعليه‌السلام :( حدّثني أبي عن جدّي صلى‌الله‌عليه‌وآله : أنّه كان إذا صلّى الغداة وانفتل لا يتكلّم حتّى يأخذ سبحة بين يديه، فيقول: اللّهم، إنّي أصبحت أُسبّحك وأحمدك، وأُهلّلك وأُكبّرك، وأُمجّدك بعدد ما أُدير به سبحتي، ويأخذ السبحة في


يده ويُديرها وهو يتكلّم بما يُريد من غير أن يتكلّم بالتسبيح، وذكر أنّ ذلك مُحتسب له، وهو حرز إلى أن يأوي إلى فراشه، فإذا آوى إلى فراشه قال مثل ذلك القول، ووضع سبحته تحت رأسه، فهي محسوبة له من الوقت إلى الوقت، ففعلت هذا اقتداءً بجدّي صلى‌الله‌عليه‌وآله ) .

فقال له يزيد عليه اللعنة مرّة أُخرى: لست أُكلِّم أحداً منكم إلاّ ويُجيبني بما يفوز به.

وعفا عنه ووصله وأمر بإطلاقه )(١) .

إشارة بعض الحاضرين بقتل الإمام!

قال المسعودي: ( فلما استُشهد (أي الإمام الحسينعليه‌السلام ) حُمِل عليّ بن الحسين مع الحرم، وأُدخل على اللعين يزيد، وكان لابنه أبي جعفرعليه‌السلام سنتان وشهور، فأُدخِل معه، فلما رآه قال له: كيف رأيت يا عليّ بن الحسين؟!

قال:( رأيت ما قضاه الله عزّ وجلّ قبل أن يخلق السماوات والأرض ) .

فشاور يزيد جلساءه في أمره، فأشاروا بقتله وقالوا له: لا تتّخذ من كلبِ سوءٍ جرواً.

فابتدر أبو محمّد الكلام، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال ليزيد لعنه الله:( لقد أشار عليك هؤلاء بخلاف ما أشار جلساء فرعون عليه، حيث شاورهم في موسى وهارون، فإنّهم قالوا له: أرْجِه وأخاه، وقد أشار هؤلاء عليك لقتلنا، ولهذا سبب ) .

____________________

(١) الدعوات: ٦١ ح١٥٢، عنه بحار الأنوار ٤٥/ ٢٠٠.


فقال يزيد: وما السبب؟

فقالعليه‌السلام :( إنّ أولئك كانوا الرشدة، وهؤلاء لغير رشدك، ولا يقتل الأنبياء وأولادهم إلاّ أولاد الأدعياء ) .

فأمسك يزيد مُطرقاً، ثمّ أمر بإخراجهم على ما قُصّ وروي )(١) .

وحيث كان هذا الكلام يحتوي على أحسن برهان وأتقن دليل، لم يجد يزيد أيّ ملجأ يهرب إليه.

مُجابهة الإمام زين العابدين مع الرجل الشامي!

قال ابن سعد: ( فقام رجل من أهل الشام فقال: ( إنّ سباءهم لنا حلال! ).

فقال عليّ بن حسين:( كذبت ولؤمت، ما ذاك لك إلاّ أن تخرج من ملّتنا وتأتي بغير ديننا ) .

فأطرق يزيد مليّاً، ثمّ قال للشامي: اجلس )(٢) .

وروى القاضي نعمان، عن عليّ بن الحسينعليهما‌السلام قال: ( ووجّه بي إلى يزيد لعنه الله مع سائر حرم الحسينعليه‌السلام وحرم مَن أُصيب معه، فلما صرنا بين يدي يزيد اللعين قام رجل من أهل الشام فقال: يا أمير المؤمنين، نساؤهم لنا حلال.

فقال عليّ بن الحسينعليه‌السلام :( كذبت إلاّ أن تخرج من ملّة الإسلام، فتستحلّ ذلك بغير دين ) .

فأطرق يزيد ملياً، وأمر بالنسوة، فأدخلن إلى نسائه... )(٣) .

____________________

(١) إثبات الوصية: ١٤٥.

(٢) الطبقات الكبرى (ترجمة الإمام الحسين من القسم غير المطبوع): ٨٣؛ الطبقات الكبرى (ترجمة الإمام علي بن الحسينعليهما‌السلام ) ٥/ ٢١٢. ونحوه في: المنتظم ٥/ ٣٤٥؛ عبرات المصطفين؛ شرح الأخبار ٣/ ٢٥٣، وفيه: ( فأطرق يزيد، ولم يقل في ذلك شيئاً )؛ سير أعلام النبلاء ٣/ ٣٠٣ بتفاوت.

(٣) شرح الأخبار ٣/ ١٥٨ ح١٠٨٩.


زينب الكبرى في مجلس يزيد:

إنّها بنت عليّ وفاطمة، وأُخت الحسن والحسين، قد تربَّت في أحضان النبوّة والولاية، وهي اليوم بطلة المعركة، تقف أمام الطاغي بكلّ صلابة، وتُكلِّمه بتمام الشجاعة؛ لأنّها ترى الواقع الثابت عند الله، وتعلم بأنّ أخاها ومسيره الغالبان، والطاغي هو المخذول المغلوب على أمره، ولأجل ذلك نرى أنّه لم يُدركها الهول والفزع، وتقوم برسالتها وبواجبها امتداداً لثورة كربلاء، وتجسيداً رائعاً لقيمها الكريمة وأهدافها السامية.

فهي تتكلّم في وقت الكلام، وتسكت في وقت السكوت، حينما يسألها يزيد بكلامه ( تُكلّميني؟! ) تجعل المسؤولية على عاتق عليّ بن الحسينعليه‌السلام بقولها: هو المتكلِّم(١) ، حتّى تُعرِّف الإمام والحجّة وقائد المسيرة، وحينما يكون الوقت مُقتضياً نرى أنّها تأخذ بزمام الكلام وتنطق بكلمات عالية، تكشف عن كونها تربّت في مدرسة أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام .

قال القندوزي: ( ثمّ أمر يزيد الملعون أن يُحضِروا عنده حرم الحسين وأهل بيته، قالت زينب:

يا يزيد، أما تخاف الله ورسوله من قتل الحسين؟! وما كفاك ذلك حتّى تستجلب بنات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من العراق إلى الشام؟! وما كفاك حتّى تسوقنا إليك كما تُساق الإماء على المطايا بغير وطاء؟! وما قتل أخي الحسين (سلام الله عليه) أحدٌ غيرُك يا يزيد، ولو لا أمرك ما يقدر ابن مرجانة أن يقتله؛ لأنّه كان أقلّ عدداً وأذلّ نفساً، أما خشيت من الله بقتله وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيه وفي أخيه:( الحسن والحسين

____________________

(١) المناقب ٤/ ١٧٣.


سيّدا شباب أهل الجنّة من الخلق أجمعين ) ؟، فإن قلت: لا. فقد كذبت، وإن قلت: نعم. فقد خصمت نفسك واعترفت بسوء فعلك.

فقال: (ذرّية يتبع بعضها بعضاً). وبقي يزيد خجلاً ساكتاً )(١) .

وفي هذا الخطاب نقاط لابدّ من الالتفات إليها:

١) التركيز على الانتساب لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ وذلك لأجل كسر حاجز الخوف الإعلامي المشوّه والمسموم.

٢) التركيز على جعل مسؤولية قتل الإمام الحسينعليه‌السلام على عاتق يزيد، وعدم إمكانه من التخلّي عنه، وأنّه لولاه لما تمكّن ابن مرجانة أن يرتكبه.

٣) تأثير كلام زينب الكبرى، بحيث إنّ يزيد لم يحِرْ جواباً.

بين يدي رأس الإمام!

نرى أنّ زينب الكبرى (سلام الله عليها) تتّخذ موقفاً عاطفياً، حينما تواجه رأس أخيها سيّد الشهداء (سلام الله عليه)، ومع ذلك تؤثّر على المجلس تأثيراً تامّاً، بحيث ينقلب المجلس، حتّى يبكي كلُّ مَن كان حاضراً في المجلس ويزيد ساكت.

قال السيّد ابن طاووس: ( وأمّا زينب، فإنّها لما رأته ( رأس الحسينعليه‌السلام ) أهوت إلى جيبها فشقّته، ثمّ نادت بصوت حزين يُقرح القلوب: يا حسيناه! يا حبيب رسول الله! يا بن مكّة ومنى! يا بن فاطمة الزهراء سيّدة النساء! يا بن بنت المصطفى! ).

قال الراوي: ( فأبكت - والله - كلّ مَن كان حاضراً في المجلس، ويزيد ساكت )(٢) .

____________________

(١) ينابيع المودّة ٣/ ٩٢.

(٢) الملهوف: ٢١٣. ونحوه: مُثير الأحزان: ١٠٠؛ الاحتجاج ٢/ ١٢٣؛ تسلية المجالس ٢/ ٣٨٤.


خُطبة زينب الكبرى:

إنّ من أروع الخطب التي سجّلها التأريخ، فصارت من متمِّمات النهضة الحسينيّة المباركة، هي الخطبة التي ألقتها زينب الكبرى في مجلس يزيد.

يقول الأستاذ باقر شريف القرشي: ( فقد دمّرت فيه حفيدة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله جبروت الطاغية، وألحقت به الهزيمة والعار، وعرّفته أنّ دعاة الحقّ لا تنحني جباههم أمام الطغاة والظالمين )(١) .

ولقد ذكر كثيرٌ تلك الخُطبة الغرّاء، أقدمهم ابن طيفور (ت: ٢٨٠) نذكرها حسب نقله؛ لقدمته وعلوّ مضامينه، ثمّ نردف ما نقله بالصيغة التي رواها الخوارزمي؛ وذلك لأجل وجود فروق كثيرة في نقل الأخير، ولاشتماله على مطالب راقية ومضامين عالية.

قال ابن طيفور - بعد ذكر تمثّل يزيد بأبيات ابن الزبعرى -:

فقالت زينب بنت عليّعليهما‌السلام :

صدق الله ورسوله يا يزيد( ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ ) (٢) ، أَظَنَنْتَ - يَا يَزِيدُ - حين أُخِذ عَلَيْنَا بأَطراف الأَرْضِ وَأكناف السَّمَاءِ، فَأَصْبَحْنَا نُسَاقُ كَمَا تُسَاقُ الأُسارى أَنَّ بِنَا هَوَاناً عَلَى اللهِ، وَبِكَ عَلَيْهِ كَرَامَةً، وَأَنَّ هذا لِعَظِيمِ خَطَرِكَ؟! فَشَمخْتَ بِأَنْفِكَ وَنَظَرْتَ في عِطْفِكَ، جَذلان فرحاً حينَ رِأَيْتَ الدُّنْيَا مُسْتَوْسِقَةً لكَ، وَالأُمُورَ مُتَّسِقَةً عليك،

____________________

(١) حياة الإمام الحسين ٣/ ٣٨٠.

(٢) الروم: ١٠.


وقد أُمْهِلت ونُفِّست، وهو قول الله تبارك وتعالى:( وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْماً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ ) (١) ، أمِنَ العدل - يا بن الطُّلقاء - تخديرك نساءك وإماءَك وسوقك بنات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد هتكت ستورهن وأصحلت صوتهن، مكتئبات تحذي بهنّ الأباعر ويحدو بهنّ الأعادي من بلدٍ إلى بلد، لا يُراقبن ولا يؤوين، يتشوفهنّ القريب والبعيد، ليس معهنّ وليّ من رجالهنّ؟! وكيف يُستبطأ في بُغضنا مَن نظر إلينا بالشنف والشنآن، والإحن والأضغان؟! أتقول: ( ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا ) غير مُتأثِّم ولا مُستعظم، وأنت تنكت ثنايا أبي عبد الله بمخصرتك؟! ولِمَ لا تكون كذلك وقد نكأت القرحة واستأصلت الشافة بإهراقك دماء ذرّية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ونجوم الأرض من آل عبد المطّلب؟! ولتردنّ على الله وشيكاً موردهم ولتودَنّ أنّك عميت وبُكمت، وأنّك لم تقل: (فاستهلّوا وأهلّوا فرحاً).

اللّهمَّ، خُذْ بحقّنا وانتقم لنا ممّن ظلمنا! والله، ما فريت إلاّ في جلدك ولا حززت إلاّ في لحمك، وسترد على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم برغمك وعترته ولحُمته في حظيرة القدس، يوم يجمع الله شملهم ملمومين من الشعث، وهو قول الله تبارك وتعالى:( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ

____________________

(١) آل عمران: ١٧٨.


اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) (١) ، وسيعلم من بوّأك ومكّنك من رقاب المؤمنين، إذا كان الحَكَم الله والخصم محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجوارحك شاهدة عليك، فبِئْسَ للظالمين بدلاً! أيّكم شرٌّ مكاناً وأضعف جنداً؟! مع أنّي - والله - يا عدوّ الله وابن عدوّه أستصغر قَدرك وأستعظم تقريعك، غير أنّ العيون عبرى! والصدور حرّى! وما يجزي ذلك أو يُغني عنّا، وقد قُتل الحسينعليه‌السلام ، وحزب الشيطان يُقرِّبنا إلى حزب السفهاء ليُعطوهم أموال الله على انتهاك محارم الله، فهذه الأيدي تنطف من دمائنا، وهذه الأفواه تتحلَّب من لحومنا، وتلك الجُثث الزواكي يعتامها عسلان الفلوات، فلئن اتّخذتنا مغنماً لتتّخذنّ مغرماً، حين لا تجد إلاّ ما قدّمت يداك، تستصرخ ابن مرجانة ويستصرخ بك، وتتعاوى وأتباعُك عند الميزان، وقد وجدت أفضل زاد زوّدك معاوية قتلك ذرّية محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فوالله، ما اتّقيتُ غير الله، ولا شكواي إلاّ إلى الله، فكِدْ كيدك واسْعَ سعيك وناصب جهدك، فوالله، لا يدحض عنك عار ما أتيت إلينا أبداً، والحمد لله الذي ختم بالسعادة والمغفرة لسادات شبّان الجنان، فأوجب لهم الجنّة، أسأل الله أن يرفع لهم الدرجات، وأن يوجب لهم المزيد من فضله، فإنّه وليٌّ قدير(٢) .

____________________

(١) آل عمران: ١٦٩.

(٢) بلاغات النساء: ٣٥.


وأمّا ما ذكره الخوارزمي فهو:

فقامت زينب بنت علي - وأُمّها فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - فقالت:

( الْحَمْدُ للهِ ربّ العالمين، والصلاة والسلام على(١) سيّد المرسلين، صدق الله تعالى إذ يقول:( ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُون ) (٢) . أظننت - يا يزيد - حيث أخذت علينا أقطار الأرض(٣) ، وآفاق السّماء وأصبحنا(٤) نُساق كما تُساق الأُسارى(٥) أنّ بنا على الله(٦) هواناً (٧) ، وبك عليه كرامة(٨) ، وأنّ ذلك لعُظم خِطرك عنده(٩) ؟! فشمخت بأنفك ونظرت في عطفك(١٠) ، جَذلان مسروراً، حين رأيت الدّنيا لك مستوسقة، والأُمور(١١) مُتَّسقةً، وحين صفا لك مُلكنا(١٢) وسلطاننا، فمهلاً

____________________

(١) في الاحتجاج: على جدّي سيّد المرسلين.

(٢) الروم: ١٠.

(٣) في الاحتجاج: وضيّقت علينا آفاق السماء.

(٤) في الاحتجاج: فأصبحنا لك في أسار نُساق إليك سَوْقَ في قطار، وأنت علينا ذو اقتدار.

(٥) في الملهوف: الإماء.

(٦) في الاحتجاج: من الله.

(٧) في الاحتجاج: وعليك منه كرامة وامتناناً.

(٨) في مصير الأحزان: وبك على الله كآبة، فشمخت.

(٩) في الاحتجاج: وأنّ ذلك لعظم خطرك وجلالة قدرك.

(١٠) في الاحتجاج: تضرب أصدريك فرحاً وتنقض مذرويك مرحاً.

(١١) في الاحتجاج: الأُمور لديك.

(١٢) في الاحتجاج: مُلكنا وخلص لك سلطاننا.


مهلاً(١) ! أنسيت قول الله تعالى: ( وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْماً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ ) (٢) ؟!

أمِنَ العدل - يا بن الطّلقاء - تخديرك إماءك وسوقك بنات رسول الله سبايا؟! قد هتكت ستورهنّ، وأبديت وجوههنّ، يُحدى(٣) بهنّ من بلد إلى بلد، ويستشرفهنّ أهل المناهل(٤) والمناقل، ويتصفّح وجوههنّ القريب والبعيد(٥) ، والدّنيّ والشّريف(٦) ، ليس معهنّ من رجالهنّ وليٌّ، ولا من حماتهنّ حميّ(٧) . وكيف تُرجى المراقبة مَن لفظ فوه أكباد السّعداء(٨) ، ونبت لحمه بدماء الشُهداء(٩) ؟!

____________________

(١) في الاحتجاج: لا تطِشْ جهلاً.

(٢) آل عمران: ١٧٨.

(٣) في الملهوف: تحدو بهنّ الأعداء، وفي الاحتجاج: يحدو بهنّ الأعداء.

(٤) في الاحتجاج: أهل المنازل والمناهل.

(٥) في الاحتجاج: والغائب والشهيد، والشريف والوضيع.

(٦) في الاحتجاج: والرفيع.

(٧) في الاحتجاج: حميم عتوّاً منك على الله، وجحوداً لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ودفعاً لما جاء به من عند الله، ولا غَرْوَ منك! ولا عَجب من فعلك! وأنّى يُرتجى الخير ممّن لفظ فوه.

(٨) في الملهوف: الأزكياء، وفي الاحتجاج: الشهداء.

(٩) السعداء، ونصَبَ الحرب لسيّد الأنبياء، وجمع الأحزاب وشهر الحراب وهزّ السيوف في وجه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أشدّ العرب لله جحوداً وأنكرهم له رسولاً، وأظهرهم له عدواناً وأعتاهم على الربّ كفراً وطغياناً، ألا أنّها نتيجة الكفر، وضبّ يُجرجر في الصدر لقتلى يوم بدر، فلا يَستبطئ.


وكيف(١) لا يَستبطئ في بُغضنا أهل البيت(٢) من نظر إلينا بالشّنف والشّنآن والإحن والأضغان؟! ثُمّ تقول(٣) غير مُتأثّم ولا مُستعظم(٤) :

لأهلُّوا واستهلّوا فرحا

ثمّ قالوا يا يزيد لا تُشل

مُنتحياً(٥) على ثنايا أبي عبد اللهعليه‌السلام (٦) تنكتها بمخصرتك(٧) !

وكيف لا تقول ذلك، وقد نكأت القرحة، واستأصلت الشافة، بإراقتك(٨) دماء ذرِّيَّة آل(٩) محمّد(١٠) ونجوم الأرض من آل عبد المطَّلب؟!

____________________

(١) في الملهوف: وكيف يستظلّ في ظلّنا أهل البيت مَن نظر.

(٢) في الاحتجاج: مَن كان نظره إلينا شنعاً وشنآناً، وإحناً وأضغاناً، يُظهر كفره برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ويُفصح ذلك بلسانه وهو يقول - فرحاً بقتل ولده وسبي ذرّيته غير مُتحوّب ولا مُستعظم يهتف بأشياخه -: لأهلّوا.

(٣) في الملهوف: ثمّ تقول، وفي الاحتجاج: وهو يقول.

(٤) في الاحتجاج: يهتف بأشياخه.

(٥) في الاحتجاج والملهوف، ومُثير الأحزان: مُتنحّياً.

(٦) في الملهوف: سيّد شباب أهل الجنّة تنكتها، وفي الاحتجاج: وكان مُقبَّل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ينكتها.

(٧) في الاحتجاج: بمِخصرته قد التمع السرور بوجهه، لعمري لقد نكأت.

(٨) دم سيّد شباب أهل الجنّة، وابن يعسوب الدِّين والعرب، وشمس آل عبد المطّلب، وهتفت بأشياخك وتقرّبت بدمه إلى الكَفرة من أسلافك، ثمّ صرخت بندائك، ولعَمْرِي، لقد ناديتهم لو شهدوك ووشيكاً تشهدهم ولم يشهدوك، ولتودّ يمينك كما زعمت شُلّت بك عن مرفقها وجُذَّت. و[أحببت] أُمّك لم تحملك وأباك لم يلدك حين تصير إلى سخط الله ومُخاصمك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، اللّهمّ، خُذْ...

(٩) في الملهوف: ذرّيّة محمّد.

(١٠) مُثير الأحزان: الذريّة الطاهرة، وتهتف بأشياخك لتردنّ موردهم، اللّهمَّ، خُذْ...


أتهتف(١) بأشياخك؟! زعمت تُناديهم(٢) ، فلتردنّ وشيكاً موردهم، ولتودَّنّ أنّك شُللت وبُكمت ولم تكن قلت ما قلت.

اللّهمّ، خُذْ بحقّنا، وانتقم(٣) ممّن ظلمنا(٤) ، وأحْلِل غضبك(٥) بمَن سفك دماءنا(٦) وقتل حُماتنا.

فوالله، ما فريت إلاّ جلدك، ولا (٧) جززت(٨) إلاّ لحمك، ولتردَنّ على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بما تحمّلت(٩) من سفك دماء ذرّيته وانتهاك حُرمته(١٠) في لحُمته وعترته، وليُخاصمنّك حيث يجمع الله تعالى شملهم، ويلم شعثهم، ويأخذ لهم بحقّهم( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ

____________________

(١) في الملهوف: وتهتف بأشياخك.

(٢) في الملهوف: إنّك تُناديهم.

(٣) في مُثير الأحزان: وانتقم لنا ممّن ظلمنا، فما فريت إلاّ جلدك.

(٤) في الاحتجاج: وانتقم من ظالمنا.

(٥) في الاحتجاج: غضبك على مَن سفك.

(٦) في الاحتجاج: ونقض ذمارنا، وقتل حماتنا، وعتك عنّا سدولنا، وفعلت فعلتك التي فعلت، وما فريت.

(٧) في الاحتجاج: وما جززت.

(٨) في الملهوف: ولا حززت.

(٩) الاحتجاج: من دم ذُرّيّته وانتهكت من حُرمته وسفكت من دماء عترته ولحُمته، حيث يجمع به شملهم ويلم به شعثهم، وينتقم من ظالمهم ويأخذ لهم بحقّهم من أعدائهم، فلا يستفزّنّك الفرح بقتلهم ولا تحسبنّ.

(١٠) في الملهوف: وانتهكت من حرمته في عترته ولحُمته، وحيث يجمع الله شملهم ويلم شعثهم ويأخذ بحقّهم ولا تحسبنّ...


يُرْزَقُونَ ) (١) .(٢) فحسبك بالله(٣) حاكماً، وبمحمد خصماً(٤) وبجبرئيل ظهيراً، وسيعلم مَن سوّل(٥) لك ومكّنك من رقاب المسلمين، أنْ بئس(٦) للظّالمين بدلاً، وأيّكم شرٌّ مكاناً وأضعف(٧) جُنداً.

ولئن جرّت عليّ الدّواهي مُخاطبتك، فإنّي(٨) لأستصغر قَدرك، وأستعظم تقريعك، وأستكبر(٩) توبيخك، لكنّ العيون عبرى، والصّدور حرّى.

ألا(١٠) فالعَجب كلّ العَجب! بقتل(١١) حزب(١٢) الله النُجباء بحزب

____________________

(١) آل عمران: ١٦٩.

(٢) في الاحتجاج: فرحين بما آتاهم الله من فضله) وحسبك.

(٣) في الاحتجاج: وليّاً وحاكماً وبرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خصيماً.

(٤) الملهوف: خصيماً.

(٥) في الاحتجاج: مَن بوّأك.

(٦) في الملهوف: (بِئْسَ) من دون (أن).

(٧) الاحتجاج: وأضلّ سبيلاً. وما استصغاري قَدرك ولا استعظامي تقريعك، توليماً لانتجاع الخطاب فيك، بعد أن تركت عيون المسلمين به عبرى وصدورهم عند ذكره حرّى، فتلك قلوب قاسية، ونفوس طاغية، وأجسام محشوّة بسخط الله ولعنة الرسول، قد عشّش فيها الشيطان وفرَّخ، ومن هناك مثلك ما درج ونهض.

(٨) في الملهوف: إنّي.

(٩) في الملهوف: وأستكثر.

(١٠) غير موجودة في الاحتجاج.

(١١) في الملهوف: لقتل.

(١٢) في الاحتجاج: لقتل الأتقياء وأسباط الأنبياء، وسليل الأوصياء، بأيدي الطُّلقاء الخبيثة، ونسل العهرة الفجرة، تنطف أكفُّهم.


الشيطان الطُّلقاء، فتلك الأيدي تنطف(١) من دمائنا، وتلك(٢) الأفواه تتحلّب من لحومنا، وتلك الجُثث الطّواهر الزّواكي تتنابها(٣) العواسل وتعفوها(٤) الذئاب(٥) ، وتؤمّها الفراعل، ولئن اتّخذتنا مغنماً لتجدنا(٦) وشيكاً مغرماً، حين لا تجد إلاّ ما قدّمت يداك(٧) ، وأنّ الله ليس بظلاّم للعبيد، فإلى الله المشتكى(٨) ، وعليه المعوّل.

فكد كيدك(٩) ، واسْعَ سعيك، وناصب جهدك، فوالله، لا تمحو(١٠) ذِكْرنا، ولا تُميت وحينا، ولا تُدرك أمدنا، ولا ترحض عنك عارها(١١) ، ولا تغيب شنارها، فهل رأيك إلاّ فند وأيّامك إلاّ عدد،

____________________

(١) في الملهوف: فهذه الأيدي تنضخ من دمائنا.

(٢) في الاحتجاج: وتتحلّب أفواههم من لحومنا، تلك الجُثث الزاكية على الجيوب الضاحية تنتابها.

(٣) في الملهوف: تتناهبها.

(٤) في الاحتجاج: تُعفّرها [ أُمّهات ] لفزاعل، فلئن.

(٥) في الملهوف: وتعفوها أُمّهات الفراعل.

(٦) في الاحتجاج: لتجد بنا.

(٧) في الاحتجاج: وما ربّك بظلاّم للعبيد، والملهوف: وما الله بظلاّم للعبيد.

(٨) في الاحتجاج: وإليه الملجأ والمؤمّل، ثمّ كِدْ.

(٩) في الاحتجاج: واجهد جهدك فو [الله] الذي شرّفنا بالوحي والكتاب والنبوّة والانتجاب، لا تُدرك أمدنا، ولا تبلغ غايتنا، ولا تمحو ذكرنا، ولا يدحض عنك عارنا، وهل رأيك.

(١٠) في الملهوف: لا تمحونّ.

(١١) في الملهوف: وهل رأيك إلاّ فنداً وأيّامك إلاّ عدداً وجمعك إلاّ بدداً؟!


وشملك(١) إلاّ بدد، يوم يُنادي المنادي ألا لعنة(٢) الله على الظالمين.

فالحمد لله الّذي ختمَ(٣) لأوّلنا بالسّعادة والرحمة، ولآخرنا بالشّهادة والمغفرة(٤) .

وأسأل(٥) الله أن يُكمل لهم الثّواب، ويوجب لهم المزيد(٦) ، وحسن المآب، ويختم بنا الشرافة، إنّه رحيم ودود، وحسبنا الله ونِعْمَ الوكيل، نِعْمَ المولى ونعم النصير(٧) )(٨) .

إنّه خطاب عظيم! تمكّن من كسر غرور يزيد وتحطيم كبريائه!

يقول الإمام كاشف الغطاء (رحمه الله): ( أتستطيع ريشةُ أعظم مُصوِّر وأبدع مُمثِّل أن يُمثِّل لك حال يزيد وشموخه بأنفه، وزهوّه بعطفه، وسروره وجذله باتّساق الأمور وانتظام الملك، ولذّة الفتح والظفر، والتشفّي والانتقام؟! - بأحسن من ذلك التصوير

____________________

(١) في الاحتجاج: وجمعك.

(٢) في الاحتجاج: ألا لعن الظالم العادي.

(٣) في الاحتجاج: حكم لأوليائه بالسعادة، وختم لأصفيائه ببلوغ الإرادة، ونقلهم إلى الرحمة والرأفة، والرضوان والمغفرة، ولم يشقَ بهم غيرك ولا ابتُلي بهم سواك، ونسأله أن يُكمل لهم الأجر ويجزل لم الثواب والذخر، ونسأله حسن الخلافة وجميل الإنابة إنّه رحيم ودود.

(٤) في الملهوف: والرحمة.

(٥) في الملهوف: ونسأل.

(٦) في الملهوف: ويحسن علينا الخلافة إنّه رحيم ودود.

(٧) ليست هذه الفقرة الأخيرة في الملهوف.

(٨) مقتل الخوارزمي ٢/ ٦٣. وانظر: مُثير الأحزان: ١٠١؛ الملهوف: ٢١٥؛ الاحتجاج ٢/ ١٢٣؛ الحدائق الوردية لحميد بن زيد اليماني؛ بحار الأنوار ٤٥/ ١٣٣؛ أعلام النساء ٢/ ٩٥ لعمر رضا كحالة؛ وغيرهم.


والتمثيل - وهل في القدرة والإمكان لأحد أن يدفع خصمه بالحجّة والبيان، والتقريع والتأنيب، ويبلغ ما بلغته سلام الله عليها بتلك الكلمات، وهي على الحال الذي عرفت، ثمّ لم تقتنع منه بذلك حتّى أرادت أن تُمثّل له وللحاضرين عنده ذلّة الباطل وعِزّة الحقّ، وعدم الاكتراث والمبالاة بالقوّة والسلطة، والهيبة والرهبة، أرادت أن تُعرّفه خِسّة قَدَرِه، وضِعَة مقداره، وشناعة فعله، ولؤم فرعه وأصله؟! )(١) .

ويقول المرحوم الفكيكي:

(تأمّل معي في هذه الخُطبة الناريّة، كيف جمعت بين فنون البلاغة وأساليب الفصاحة، وبراعة البيان، وبين معاني الحماسة وقوّة الاحتجاج، وحجّة المعارضة والدفاع في سبيل الحرّيّة، والحقّ والعقيدة بصراحة هي أنفذ من السيوف إلى أعماق القلوب، وأحدّ من وقع الأسنّة في الحشا والمهج في مواطن القتال ومجالات النزال، وكان الوثوب على أنياب الأفاعي وركوب أطراف الرماح أهون على يزيد من سماع هذا الاحتجاج الصارخ، الذي صرخت به ربيبة المجد والشرف في وجوه طواغيت بني أُميّة وفراعنتهم، في منازل عزّهم ومجالس دولتهم الهرقلية الارستقراطية الكريهة.

ثمّ إنّ هذه الخطبة التاريخية القاصعة، لا تزال تنطق ببطولات الحوراء الخالدة وجرأتها النادرة، وقد احتوت النفس القويّة الحسّاسة الشاعرة بالمثالية الأخلاقية الرفيعة السامية، وسيبقى هذا الأدب الحيّ صارخاً في وجوه الطغاة الظالمين على مدى الدهر وتعاقُب الأجيال، وفي كلّ ذكرى لواقعة الطف الدامية المفجعة )(٢) .

____________________

(١) السياسة الحسينيّة: ٣٠.

(٢) مجلّة الغري، السنة السابعة، العدد ٦، على ما في حياة الإمام الحسينعليه‌السلام ٣/ ٣٨١.


نظرة سريعة في مضامين الخُطبة:

إنّ هذه الخُطبة الغرّاء تحتوي على مضامين عالية ومواقف صلبة، نشير إلى بعضها:

١ - بيان نقطة مُهمّة في المعارف الإسلامية، حول إمهال الله تعالى الطغاة الظلمة والكفرة الفجرة، وأنّه ليس ذلك إلاّ لإتمام الحجّة عليهم وليزدادوا إثماً، وفي المقام أنّ ما وصل إليه يزيد ليس لعُظم خِطره عند الله! فليعلم أنّه له عذاب عظيم.

٢ - بيان جور يزيد في الحكم، مع أنّه يدّعي تمثيله الخلافة الإسلامية.

٣ - التركيز على مسألة حفظ مكانة المرأة ولزوم الغيرة.

٤ - التركيز على أنّ ما فعله يزيد هو نتيجة الكفر، وأنّ ما ارتكبه هو انتقام لما فعله الرسول من قتل أقرباء يزيد الكفرة في يوم بدر، وهو هزّ السيوف في وجه رسول الله بعد مضيّ خمسين سنة من وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام.

٥ - التأكيد أنّ الحُكم والولاية لآل محمّد لا لغيرهم، وذلك في قولها: ( وحين صفا لك مُلكنا وسلطاننا ).

٦ - الإشارة إلى مسؤولية مَن مكَّن الطاغية من رقاب المسلمين، وبذلك تُجيب عمّا يُريد أن يُحيل ذلك إلى قضاء الله وقدره!

٧ - التصريح بعدم تمكّن يزيد ولا أذنابه من محو ذكر أهل البيت، فذلك أمر لا يتمكّنه أحد.

٨ - بيان عظمة مقام الشهيد وعلوّ الشهادة في الفكر الإسلامي.

٩ - جعل المسؤولية الكبرى في قتل الإمام الحسينعليه‌السلام على عاتق يزيد مباشرة.


موقف يزيد من الخُطبة!

قال الخوارزمي - بعد ذكره الخُطبة - فقال يزيد:

يا صحيحة تُحمَد من صوائح

ما أهون النوح على النوائح(١)

وقال الأستاذ باقر شريف القرشي: ( وكان خطاب العقيلة كالصاعقة على رأس يزيد، فقد انهار غروره وتحطّم كبرياؤه، وحار في الجواب، فلم يستطع أن يقول شيئاً، إلاّ أنّه تمثّل بقول الشاعر (وذكر البيت)، ولم تكُنْ أيّة مُناسبة بين ذلك الخطاب العظيم، الذي أبرزت فيه عقيلة الوحي واقع يزيد، وجرّدته من جميع القيم الإنسانية، وبين ما تمثّل به من الشعر، الذي أعلن فيه أنّ الصيحة تُحمَد من الصوائح، وأنّ النوح يهون على النائحات، فأيّ ربط موضوعي بين الأمرين؟! )(٢) .

موقف زينب الكبرى من طَلَبِ الرجل الشامي!

قال الشيخ المفيد:

(قالت فاطمة بنت الحسينعليها‌السلام : فلما جلسنا بين يدي يزيد ورقّ لنا، فقام إليه رجل من أهل الشام أحمر، فقال: يا أمير المؤمنين، هَبْ لي هذه الجارية - يعنيني - وكنت جارية وضيئة، فأرعدت وظننت أنّ ذلك جائز لهم، فأخذت بثياب عمّتي زينب، وكانت تعلم أنّ ذلك لا يكون.

فقالت عمّتي للشامي: كذبت - والله - ولؤمت! والله، ما ذلك لك ولا له!

فغضب يزيد وقال: كذبتِ! إنّ ذلك لي، ولو شئت أن أفعل لفعلت!

____________________

(١) مقتل الخوارزمي ٢/ ٦٣. وقال ابن نما وابن طاووس: فقال يزيد لعنه الله:

يا صيحة تُحمَد من صوائح

ما أهون الموت على النوائح

مُثير الأحزان: ١٠١؛ الملهوف: ٢١٨.

(٢) حياة الإمام الحسينعليه‌السلام ٣/ ٣٨٣.


قالت: والله، ما جعل الله لك ذلك إلاّ أن تخرج من ملّتنا وتدين بغيرها.

فاستطار يزيد غضباً وقال: إيّاي تستقبلين بهذا؟! إنّما خرج من الدِّين أبوك وأخوك!

قالت زينب: بدين الله ودين أبي ودين أخي اهتديت أنت وجدّك وأبوك إن كنت مُسلماً.

قال: كذبتِ يا عدوّة الله!

قالت له: أنت أمير، تشتم ظالماً وتقهر بسلطانك.

فكأنّه استحيى وسكت.

فعاد الشامي فقال: هَبْ لي هذه الجارية.

فقال له يزيد: اعِزُبْ، وهَبَ الله لك حتفاً قاضياً )(١) .

ملاحظات:

١ - قال ابن الجوزي وأمّ: ا قوله: (لي أن أسبيهم) فأمر لا يقع لفاعله ومُعتقده إلاّ اللعنة(٢) .

وقال سبطه: ( ليس العجب من قتال ابن زياد الحسين! وتسليطه عمر بن سعد على قتله! وحمل الرؤوس إليه! وإنّما العجب من خذلان يزيد وضربه بالقضيب ثناياه!! وحمل آل رسول الله سبايا على أقتاب الجمال!!وعزمه على أن يدفع فاطمة

____________________

(١) الإرشاد ٢/ ١٢١. روى مضمونه في شأن بنت الحسين: الفتوح ٢/ ١٨٤؛ مقتل الخوارزمي ٢/ ٦٢؛ روضة الواعظين ١/ ١٩٢؛ مُثير الأحزان: ١٠٠؛ إعلام الورى: ٢٤٩؛ الاحتجاج ٢/ ١٣١؛ تذكرة الخواص: ٢٦٤؛ الملهوف: ٢١٨؛ جواهر المطالب ٢/ ٢٩٥؛ تسلية المجالس ٢/ ٣٨٥، وغيرهم بتفاوت بالنقل.

(٢) الردّ على المتعصّب العنيد: ٥٢.


بنت الحسين إلى الرجل الذي طلبها!!... وكذا قول يزيد: (لي أن أسبيكم) لما طلب الرجل فاطمة بنت الحسين)(١) .

٢ - ذكر الخوارزمي - حينما ذكر ما وقع من الكلام بين يزيد وزينب الكبرىعليها‌السلام في المقام -:

( قالت زينب: أمير مُسلّط يشتم ظالماً، ويقهر بسلطانه، اللّهمّ، إليك أشكو دون غيرك.

فاستحيى يزيد، وندم وسكت مُطرقاً، وعاد الشاميّ إلى مثل كلامه، فقال: يا أمير المؤمنين، هَبْ لي هذه الجارية.

فقال له يزيد: اعِزُبْ عنّي لعنك الله! ووهب لك حَتفاً قاضياً، ويلك! لا تقل ذلك! فهذه بنت علي وفاطمة، وهم أهل بيت لم يزالوا مُبغضين لنا منذ كانوا )(٢) .

وروى سبط ابن الجوزي، عن هشام بن محمّد قال: ( إنّه لما دخل النساء على يزيد، نظر رجل من أهل الشام إلى فاطمة بنت الحسينعليه‌السلام وكانت وضيئة، فقال ليزيد: هَبْ لي هذه؛ فإنّهنّ لنا حلال، فصاحت الصَّبْيَّة وارتعدت، وأخذت بثوب عمّتها زينب، فصاحت زينب: ليس ذلك إلى يزيد ولا كرامة!

فغضب يزيد وقال: لو شئت لفعلت!

فقالت زينب: صلِّ إلى غير قبلتنا، ودِنْ بغير ملّتنا وافعل ما شئت، فسكن غضبه )(٣) .

والمهُمّ ما ذكره السيّد ابن طاووس:

(ونظر رجل من أهل الشام إلى فاطمة بنت الحسينعليه‌السلام فقال: يا أمير

____________________

(١) تذكرة الخواص: ٢٩٠.

(٢) مقتل الخوارزمي ٢/ ٦٢؛ انظر الفتوح ٢/ ١٨٤.

(٣) تذكرة الخواص: ٢٦٤.


المؤمنين، هَبْ لي هذه الجارية، فقالت فاطمة لعمّتها: يا عمّتاه، أُيتمت وأستخدم؟!

فقالت زينب: لا، ولا كرامة لهذا الفاسق!

فقال الشامي: مَن هذه الجارية؟

فقال له يزيد لعنه الله: هذه فاطمة ابنة الحسين، وتلك عمّتها زينب ابنة عليّ.

فقال الشامي: الحسين بن فاطمة وعليّ بن أبي طالب؟!

قال: نعم.

فقال الشامي: لعنك الله يا يزيد! تقتل عترة نبيّك وتسبي ذرّيته، والله، ما توهّمت إلاّ أنّهم سبي روم!

فقال يزيد: والله، لأُلحقنّك بهم. ثمّ أمر به، فضُربت عنقه )(١) .

وهذا الخبر أيضاً يدلّ بوضوح على سيطرة الإعلام المضلّل، وبثّ الدعايات الكاذبة في الشام؛ ولذلك نرى تركيز أهل البيت - وعلى رأسهم الإمام زين العابدينعليه‌السلام وزينب الكبرىعليها‌السلام - وتكرارهم بأنّهم من أولاد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وثمرة عليّ وفاطمة.

٣ - ذكر بعض أنّ القصّة جرت في شأن فاطمة بنت علي، ثمّ ذكروا الموقف الزينبيّ نفسه، ذكر ذلك البلاذري(٢) ، والشيخ الصدوق(٣) ، والطبري(٤) ، وابن الأثير(٥) ، وابن الجوزي(٦) ، وابن كثير(٧) بتفاوت بالنقل.

أقول: وأمّا فاطمة بنت علي - عليه السلام - فقد ذكرها الشيخ المفيد(٨) ، وابن

____________________

(١) الملهوف: ٢١٨؛ تسلية المجالس ٢/ ٣٨٥.

(٢) أنساب الأشراف ٣/ ٤١٦.

(٣) أمالي الصدوق: ٢٣١، عنه بحار الأنوار ٤٥/ ١٥٤.

(٤) تاريخ الطبري ٤/ ٣٥٣.

(٥) الكامل في التاريخ ٤/ ٨٦.

(٦) الردّ على المتعصّب العنيد: ٤٩؛ المنتظم ٥/ ٣٤٤.

(٧) البداية والنهاية ٨/ ١٩٦.

(٨) الإرشاد ١/ ٣٥٥.


شهر آشوب(١) ، والطبرسي(٢) ، وابن أبي الحديد(٣) ، وغيرهم في عداد أولاد الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام وأُمّها أُمّ ولد، روي عن عنبسة العابد أنّه قال: إنّ فاطمة بنت علي مُدّ لها في العمر حتّى رآها أبو عبد اللهعليه‌السلام (٤) .

ولكنّ المهمّ في المقام أمران:

الأوّل: لا نعلم بحضورها في وقعة الطف وبعدها.

الثاني: على فرض حضورها، فالقرائن الحالية والمقالية في الخبر، تدلّ على أنّها كانت في شأن فاطمة بنت الحسينعليهما‌السلام لا فاطمة بنت عليّعليهما‌السلام ، التي روي أنّها كانت مُتزوّجة من محمّد بن عقيل(٥) .

وأمّا ما جاء في بعض هذه الأخبار، بأنّها قالت: فأخذتُ أُختي وهي أكبر منّي وأعقل(٦) . أو: وأخذتُ بثياب أُختي زينب(٧) ، فهناك رواية يمكن الركون والاعتماد عليها، وهي ما رواها الخوارزمي أنّها قالت فاطمة بنت الحسين: فأخذت بثياب أُختي وعمّتي زينب(٨) ، والأُخت هي سكينة بنت الحسينعليهما‌السلام .

٤ - أهمل بعض التصريح بالاسم، واكتفى بذكر عنوان (وصيفة من بناتهم)(٩) ،

____________________

(١) المناقب ٣/ ٣٠٥، عنه بحار الأنوار ٤٢/ ٩٢.

(٢) إعلام الورى، عنه بحار الأنوار ٤٢/ ٩٤.

(٣) شرح نهج البلاغة، عنه بحار الأنوار ٤٢/ ٩٠.

(٤) قرب الإسناد: ١٦٣ ح٥٩٤، عنه بحار الأنوار ٤٢/ ١٠٦.

(٥) بحار الأنوار ٤٢/ ٩٢.

(٦) أمالي الصدوق: ٢٣١.

(٧) تاريخ الطبري ٤/ ٣٥٤.

(٨) مقتل الخوارزمي ٢/ ٦٢.

(٩) تهذيب الكمال ٦/ ٤٢٩.


أو (وصيفة من بناته)(١) ، أو (صَبيّة منهم)(٢) ، ثمّ ذكر الموقف نفسه لزينبعليها‌السلام .

٥ - لقد تفرّد أبو الفرج الإصبهاني بذكره الخبر في شأن زينب سلام الله عليها، فإنّه بعدما ذكر من الكلام الذي جرى بين الإمام زين العابدينعليه‌السلام ويزيد، قال: ( فوثب رجل من أهل الشام فقال: (دعني أقتله)، فألقت زينب نفسها عليه، فقام رجل آخر فقال: ( يا أمير المؤمنين، هَبْ لي هذه اتّخذها أمَة).

قال: فقالت له زينب: (لا! ولا كرامة! ليس لك ذلك، ولا له، إلاّ أن يخرج من دين الله ).

فصاح به يزيد: (اجلس)، فجلس، وأقبلت زينب عليه وقالت: ( يا يزيد، حسبك من دمائنا )، وقال عليّ بن الحسين:( إن كان لك بهؤلاء النسوة رحم وأردت قتلي فابعث معهنّ أحداً يؤدّيهنّ ).

فرقَّ له وقال: لا يؤدّيهنّ غيرك )(٣) .

٦ - لقد حقّقت زينب الكبرى نصراً حاسماً على الطاغي، وهو في ذروة السلطة والقدرة الظاهريّة، فقد أفحمته المرّة بعد المرّة، وقد تمكّنت أن تُظهر جهل مدّعي الخلافة للناس، كما كشفت عن عدم فقهه في شؤون الدِّين؛ فإنّ نساء المسلمين لا يصحّ اعتبارهنّ سبايا في الحروب، ولا يُعامَلن معاملة السبي، فكيف إن كنّ بنات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟!

دور أُمّ كلثوم في مجلس يزيد:

قال العلاّمة المجلسي (رحمه الله) - حول طلب الرجل الشامي من يزيد -:

(وفي بعض الكُتب: قالت أُمّ كلثوم للشامي: اسكت يا لُكع الرّجال! قطع الله لسانك، وأعمى عينيك، وأيبس يديك، وجعل النار مثواك، إنّ أولاد الأنبياء لا

____________________

(١) البداية والنهاية ٨/ ١٩٩.

(٢) سير أعلام النبلاء ٣/ ٣٠٩.

(٣) مقاتل الطالبيين: ١٢٠.


يكونون خدمة لأولاد الأدعياء.

قال: فوالله، ما استتمّ كلامها حتّى أجاب الله دعاءها في ذلك الرجل.

فقالت: الحمد لله الذي عجّل لك العقوبة في الدُّنيا قبل الآخرة! فهذا جزاء مَن يتعرّض لحرم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله )(١) .

دور سكينة بنت الحسينعليهما‌السلام :

قال الشيخ المفيد: ( سكينة بنت الحسين... أُمّها الرباب بنت امرئ القيس بن عدي، كلبية، وهي أُمّ عبد الله بن الحسين... )(٢) .

ولها دور مُهمّ في جميع مراحل النهضة الحسينيّة، ومنها في مجلس يزيد، فهي تسير على نهج أخيها الإمام السجّادعليهما‌السلام وعمّتها زينب الكبرىعليها‌السلام ، وتقصد تحقيق نفس الأهداف، وتتوسّل بذات الأساليب؛ فلذلك نرى أنّها تقوم بتعريف الأُسارى بأنّهم من آل محمّد، لكي تُسيطر على الجوّ المسموم إعلاميّاً.

روى الحميري، بإسناده عن عبد الله بن ميمون، عن جعفر بن محمّد، عن أبيهعليهما‌السلام قال:( لما قُدِم على يزيد بذراري الحسين أُدِخل بهنّ نهاراً مكشوفات وجوههنّ، فقال أهل الشام الجفاة: ما رأينا سبياً أحسن من هؤلاء، فمَنْ أنتم؟ فقالت سكينة بنت الحسين: نحن سبايا آل محمّد ) (٣) .

ونرى أنّها تواجه يزيد بكلّ صلابة، وتُجبره على التراجع في الموقف، بحيث يُظهر الندامة ويجعل المسؤولية على عاتق ابن مرجانة كذباً وزوراً.

____________________

(١) بحار الأنوار ٤٥/ ١٣٧.

(٢) الإرشاد ٢/ ١٣٥.

(٣) قرب الإسناد: ٢٦، ح٨٨، عنه بحار الأنوار ٤٥/ ١٦٩ ح١٥.


قال ابن سعد: ( وقالت له سكينة بنت حسين: يا يزيد، بنات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم [ سبايا(١) ].

فقال: يا بنت أخي، هو - والله - عليَّ أشدّ منه عليك!

وقال: أقسمت بالله، لو أنّ بين ابن زياد وبين حسين قرابة ما أقدم عليه، ولكن فرّقتْ بينه وبينه سميّة!

وقال: قد كنت أرضى من طاعة أهل العراق بدون قتل الحسين، فرحم الله أبا عبد الله، عجّل عليه ابن زياد، أما والله، لو كنت صاحبه ثمّ لم أقدر على دفع القتل عنه إلاّ بنقص بعض عمري لأحببت أن أدفعه عنه! ولوددت أنّي أتيت به سلماً )(٢) .

قال الشيخ الصدوق (رحمه الله): ثمّ أُدخِل نساء الحسينعليه‌السلام على يزيد بن معاوية، فصحن نساء آل يزيد وبنات معاوية وأهله، وولولن وأقمن المأتم، ووضع رأس الحسين بين يديه، فقالت (سكينة بنت الحسين): والله، ما رأيت أقسى قلباً من يزيد، ولا رأيت كافراً ولا مشركاً شرّاً منه ولا أجفى منه(٣) ، وأقبل يقول وينظر إلى الرأس:

ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا

جزع الخزرج من وقع الأسل(٤)

____________________

(١) أخذناه من سير أعلام النبلاء وغيره.

(٢) الطبقات الكبرى (ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام من القسم غير المطبوع): ٨٣. ونحوه في مرآة الزمان: ١٠٠ - على ما في عبرات المصطفين ٢/ ٢٨٨ -؛ سير أعلام النبلاء ٣/ ٣٠٣ بتفاوت يسير.

(٣) وفي الكامل في التاريخ: ٤/ ٨٥؛ والفصول المهمّة: ١٩٥؛ ومرآة الزمان: ١٠١ (مخطوط على ما في عبرات المصطفين: ٢/ ٢٨٣): (ما رأيت كافراً بالله خيراً من يزيد بن معاوية).

أقول: لعلّ المقصود بـ (خيراً) أي خير ما تكون الرؤية، أي هو واضح الكفر، لا مؤونة في تبيّن ذلك منه.

إن لم نقل: إنّ بعض مُحبّيه أراد التخفيف من قبح ما اجترحه، فاقترف ما شاء وأضاف هذه المفتريات!

(٤) أمالي الصدوق: ٢٣٠، عنه بحار الأنوار ٤٥/ ١٥٤. وروي نحوه في روضة الواعظين ١/ ١٩١.


دور فاطمة بنت الحسينعليهما‌السلام :

قال الشيخ المفيد: ( فاطمة بنت الحسين... أمّها أُمّ إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله، تيميّة )(١) .

قال ابن عبد ربّه: ( وحمل أهل الشام بنات رسول الله سبايا على أحقاب الإبل، فلما أُدخلن على يزيد قالت فاطمة ابنة الحسين: يا يزيد، أبنات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سبايا؟!

قال: بل حرائر كرام، اُدْخُلي على بنات عمّك تجديهن قد فعلن ما فعلتِ.

قالت فاطمة: فدخلت إليهنّ، فما وجدت فيهنّ سفيانيّة إلاّ مُتلدّمة تبكي )(٢) .

وقال ابن نما: ( وقالت فاطمة بنت الحسين: يا يزيد، بنات رسول الله سبايا؟! فبكى الناس وبكى أهل داره حتّى علت الأصوات )(٣) .

وقال القاضي نعمان: ( فقالت فاطمة بنت الحسينعليه‌السلام : يا يزيد، ما تقول في بنات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله سبايا عندك؟!

فاشتدّ بكاؤه حتّى سمع ذلك نساؤه، فبكين حتّى سمع بكاءهن مَن كان في مجلسه )(٤) .

وروى الطبري عن أبي عوانة بن الحَكم الكلبي: (ثمّ أُدخِل نساء الحسين على يزيد، فصاح نساء آل يزيد وبنات معاوية وأهله وولولن، ثمّ إنّهنّ أُدخِلن على يزيد، فقالت فاطمة بنت الحسين - وكانت أكبر من سكينة -: أبنات رسول

____________________

(١) الإرشاد ٢/ ١٣٥.

(٢) العقد الفريد ٥/ ١٣٢.

(٣) مُثير الأحزان: ٩٩.

(٤) شرح الأخبار ٣/ ٢٦٨.


الله سبايا يا يزيد؟!

فقال يزيد: ابنة أخي، أنا لهذا كنت أكره.

قالت: والله، ما تُرِك لنا خرص.

قال: يا ابنة أخي، ما أُتي إليك أعظم ممّا أُخذ منك.

ثمّ أُخرِجن فأُدخِلن دار يزيد بن معاوية )(١) .

والشيء الذي يُلفت النظر في هذا الموقف، هو وضوح التراجع والتنازل من قِبل الطاغي يزيد بن معاوية، وهو يرجع إلى ما حصل في المجلس، ومن تأثير كلام أهل بيت العترة، بحيث انقلب المجلس، لأنّ المجلس الذي أُسّس على أساس أن يكون مجلس فرح يزيد أصبح مجلس مأتم الحسينعليه‌السلام ومنطلق الانقلاب ضدّ يزيد، وعليه يُحمَل ما ورد في هذه الأخبار، من أنّه رقّ عليهم! ولعن ابن مرجانة، أو أنّه بكى!! فإنّ ذلك كان لأجل بكاء الناس وخوفه من إثارة الفتنة وزوال مُلكه.

وأمّا ما حُكي عن فاطمة قولها: ( والله، ما تُرِك لنا خرص )، ففيه:

١ - لم يثبت صدور هذا الكلام منها، وفي صحّة ما حُكي عنها تأمّل.

٢ - بناءً على فرض صحّة الصدور، فإنّها قالته لأجل بيان شدّة ما ارتكبه جلاوزة يزيد في معركة الطفّ، لا أنّها تُطالب ذلك، إلاّ أنّ في ضمن ما سُلب عن أهل البيت بعض مواريث فاطمة الزهراء، فإنّه لا تُقابلها أيّ شيء، فمُطالبة ذلك ليس بمعنى الحصول على أمر مادّي فحسب.

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤/ ٣٥٥. وروى نحوه: الكامل في التاريخ ٤/ ٨٦؛ البداية والنهاية ٨/ ١٩٧؛ نور الأبصار: ١٣٢ بتفاوت يسير.


استنكار بعض أهل الكتاب!

إنّ رسالة الثورة الحسينيّة لم تنحصر بطائفة دون أُخرى، ولا بقوم دون آخرين، ولا بزمان دون غيره؛ لذلك نرى أنّ الاستنكار والتنديد بمُرتكبي الفاجعة العُظمى ومُسبّبيها لم يخصّ المسلمين وحدهم، بل شمل كلّ أحرار العالم على مدى الزمان، ومنه استنكار بعض حاضري مجلس يزيد من أهل الكتاب.

جذور المسألة:

صحيح أنّ عمق الفاجعة والمأساة يستدعي أن يتّخذ كلّ إنسان حُرّ موقفاً جليّاً، وجليلاً وصلباً تجاهها، ولكنّ جذور المسألة - هنا - قد تعود إلى ما روي في كتبهم وآثارهم (أعني أهل الكتاب) حول ما يجري في كربلاء.

فقد روى سالم بن أبي جعدة، عن كعب الأحبار أنّه قال: ( إنّ في كتابنا (أنّ رجلاً من ولْد محمّد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يُقتَل، ولا يجفُّ عرق دوابّ أصحابه حتى يدخلوا الجنّة، فيُعانقوا الحور العين )، فمرّ بنا الحسنعليه‌السلام ، فقلنا: هو هذا؟

قال: لا. فمرّ بنا الحسينعليه‌السلام ، فقلنا: هو هذا؟

قال: نعم )(١) .

وفي كامل الزيارة، بإسناده عن خالد الربعي قال: حدّثني مَن سمع كعباً يقول: ( أوّل مَن لعن قاتل الحسينعليه‌السلام إبراهيم خليل الرحمان، لعنه وأمر وُلْده بذلك، وأخذ عليهم العهد والميثاق، ثمّ لعنه موسى بن عمران وأمر أُمّته بذلك، ثمّ لعنه داود وأمر بني إسرائيل بذلك، ثمّ لعنه عيسى وأكثر أن قال: يا بني إسرائيل، العنوا قاتله، وإن أدركتم أيّامه فلا تجلسوا عنه، فإنّ الشهيد معه كالشهيد مع الأنبياء...، وكأنّي أنظر إلى بقعته، وما من نبيّ إلاّ وقد زار كربلاء ووقف عليها وقال: إنّكِ

____________________

(١) أمالي الصدوق: ٢٠٣، مجلس ٢٩، ح٢٢٠، عنه بحار الأنوار ٤٤/ ٢٢٤، ح٢.


لبقعة كثيرة الخير! فيك يُدفَن القمر الأزهر )(١) .

وروى الخوارزمي عن الفتوح، بإسناده عن كعب الأحبار: أنّه لما أسلم زمن عمر بن الخطّاب وقدم المدينة، وجعل أهل المدينة يسألونه عن الملاحم التي تكون في آخر الزمان، فكان يُخبرهم بأنواع الملاحم والفتن ويقول: ( وأعظمها ملحمةً هي الملحمة التي لا تُنسى أبداً! وهي الفساد الذي ذكره الله تعالى في كتابكم فقال:( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ... ) ، وإنّما فُتح بقتل قابيل هابيل ويُختم بقتل الحسين بن عليعليه‌السلام ، ثمّ قال كعب: لعلّكم تُهوِّنون قتل الحسين! أولا تعلمون أنّه تُفتح يوم قتله أبواب السماوات كلّها ويؤذَن للسماء بالبكاء فتبكي دماً عبيطاً؟! فإذا رأيتم الحمرة قد ارتفعت من جنباتها شرقياً وغربياً، فاعلموا أنّها تبكي حسيناً، فقيل له: يا أبا إسحاق، كيف لم تفعل ذلك بالأنبياء وأولاد الأنبياء من قبل وبمَن كان خيراً من الحسين؟! فقال كعب،: ويْحَكُمْ! إنّ قتل الحسين لأمرٌ عظيم؛ لأنّه ابن بنت خير الأنبياء، وأنّه يُقتل علانية مُبارزة ظلماً وعدواناً، ولا تُحفظ فيه وصيّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو مزاج مائه، وبضعة من لحمه، فيُذبَح بعرصة كربلاء في كرب وبلاء )(٢) .

وقال ابن كثير: ( وقد روي عن كعب الأحبار آثار في كربلاء )(٣) .

وعن رأس الجالوت أنّه قال: ( كنت أسمع أنّه يُقتل بكربلاء ابن نبيّ، فكنت إذا دخلتها ركضت دابّتي حتّى أخلفها! فلما قُتل الحسين جعلت أسير على هنيئتي )(٤) .

____________________

(١) كامل الزيارات: ٦٧ ح٢، عنه العوالم ١٧/ ٥٩٣ ح٢؛ بحار الأنوار ٤٤/ ٣٠١ ح١٠.

(٢) مقتل الخوارزمي ٢/ ١٦٩.

(٣) البداية والنهاية ٨/ ٢٠١.

(٤) الكُنى (للدولابي) ٢/ ٢٠؛ المعجم الكبير ٣/ ١١٨ ح٢٨٢٧؛ سير أعلام النبلاء ٣/ ٢٩١؛ الكامل في التاريخ ٤/ ٩٠.


وقال سبط ابن الجوزي: قال ابن سيرين: وجِد حجر قبل مبعث النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بخمسمئة سنة مكتوب بالسريانية، فنقلوه إلى العربية، فإذا هو:

أترجو أمَّة قتلت حسيناً

شفاعة جدِّه يوم الحساب(١)

وروى الخوارزمي، عن إمام لبني سليم قال: ( حدّثنا أشياخنا قالوا: دخلنا في الروم كنيسةً لهم، فوجدنا في الحائط صخرة فيها مكتوب:

أترجو أمَّة قتلت حسيناً

شفاعة جدِّه يوم الحساب(١)

وروى الخوارزمي، عن إمام لبني سليم قال: ( حدّثنا أشياخنا قالوا: دخلنا في الروم كنيسةً لهم، فوجدنا في الحائط صخرة فيها مكتوب:

أترجو أمَّة قتلت حسيناً

شفاعة جدِّه يوم الحساب(١)

فلا والله ليس لهم شفيع

وهم يوم القيامة في العذاب

فقلنا لشيخ من الكنيسة: مُنْذُ كم هذا الكتاب؟

فقال: من قبل أن يُبعث صاحبكم بثلاثمئة عام )(٢) .

وفي بعض الكُتب أنّه وجد ذلك البيت بستّمئة عام قبل مبعث الرسول(٣) .

وروى الزرندي، عن سليمان بن يسار: وجد حجر مكتوب عليه:

لابـدّ أن تـرد الـقيامة فـاطم

وقـميصها بـدم الحسين مُلطَّخ

ويـلٌ لـمَن شـفعاؤه خصماؤه

والصُّور في يوم القيامة يُنفخ(٤)

____________________

(١) تذكرة الخواص: ٢٧٤. وروى نحوه الكثير من أرباب السير والتواريخ بتفاوت يسير (نظم دُرر السمطين: ٢١٩؛ كشف الغمّة ٢/ ٥٤؛ فرائد السمطين ٢/ ١٦٠؛ البداية والنهاية ٨/ ٢٠٢؛ إحقاق الحقّ ١١/ ٥٦٧ عن تاريخ الإسلام والرجال الشيخ عثمان دوة الحنفي: ٣٨٦، وقال: روى مضمونه في الأخبار الطوال: ١٠٩؛ تاريخ الخميس ٢/ ٢٩٩؛ حياة الحيوان: ١/ ٦٠؛ نور الأبصار: ١٢٢).

(٢) مقتل الخوارزمي ٢/ ٩٣؛ ونحوه في بشارة المصطفى: ٢٠١؛ أمالي الصدوق: ١٩٣ مجلس ٢٧ ح٢٠٣؛ روضة الواعظين ١/ ١٩٣؛ مجمع الزوائد ٩/ ١٩٩؛ إحقاق الحقّ ١١/ ٥٥٧ - ٥٦٠.

(٣) كفاية الطالب: ٨٣٨؛ تهذيب الكمال ٦/ ٤٤٢.

(٤) نظم درر السمطين: ٢١٩.


هذا، وأهمّ من جميع ذلك أنّه جاء في العهد القديم والجديد ذكر ما ينطبق على الإمام الحسينعليه‌السلام ، كما أورده الأستاذ الشيخ أحمد الواسطي، في كتابه القيّم (أهل البيت في الكتاب المقدّس)، قال:

(يوحنّا) يُخبر عن المذبوح بكربلاء:

فقد جاء في سفر يوحنا

كي أتّا نشحطتا

في بدمخا قانيتا لإيلوهيم

من كل مشبحا في لا شون في كل عم في گوي

في إيريه فا اشمع

قول ملاخيم ربيم

قورئيم عوشير في حاخما

في گبورها في هدار كافود في براخا(١) .

ويعني هذا النصّ:

إنّكَ الذي ذُبِحت

وقدَّمت دمك الطاهر قرباناً للربِّ

ومن أجل إنقاذ الشعوب والأُمم

وسينال هذا الذبيح المجد

والعِزَّة والكرامة وإلى الأبد لأنّه

جسّد البطولة والتضحية بأعلى مراتبها.

____________________

(١) يوحنّا ٥: ٩ - ١٢ ص٤٦٣ (الأصل العبري) العهد الجديد.


يُشير النصّ العبري إلى الإمام الحسينعليه‌السلام من خلال ما جاء على لسان (يوحنّا) بأنّه المذبوح الذي ضحّى بنفسه وأهل بيته من أجل الله، وأنّه سينال المجد والعِزّة على مرّ العصور والأجيال، وهذا ما يتّضح من خلال التحليل اللغوي للنصّ العبري، حيث نجد الإشارة إلى أنّه (ذُبِحَ، قُتِل) من خلال صيغة اسم الفاعل (نشحطتا) وهي مُشتقّة من الفعل (شاحط): (ذَبَح، قَتَل)(١) .

ثمّ نجد في النص العبري تأكيداً آخر على أنّ المذبوح يشري دمه الطاهر قربةً إلى الله، وابتغاء مرضاته من خلال عبارة: (بَدِمْخا قانيتا)، فالفعل (قانيتا) هو بالأصل: (قانا): (اشترى، باع) و(التاء) في (قانيتا) هي (تاء المخاطب)(٢) .

ثمّ الإشارة إلى نكتة مُهمّة، وهي أنّ هذه التضحية وهذا القربان الذي قدّمه الحسينعليه‌السلام لكلّ الشعوب والأُمم على اختلاف لغاتهم وقوميّاتهم بقوله: (من كل مشبحا ولاشون وعم وگوي )(٣) .

ثمّ يؤكّد النصّ على أنّ الله سيجعل - لسيّد الشهداء - المجد والكرامة والعِزّة بقوله: (في اشمع قول ملاخيم ربيم قورئيم عوشر في حاخما في گبورا في هدار كافود )(٤) . وهذا ما ينطبق على سيّد الشهداء المذبوح بكربلاء، الذي انفرد بهذه الخصوصية التي ميّزته عن بقيّة الشهداء على مرّ التأريخ.

____________________

(١) المعجم الحديث، ص٤٧١.

(٢) نفس المصدر، ص١٠٤، ٤٢٥.

(٣) المعجم الحديث، ص٢٤٠، ٣٦٩، ٤٨.

(٤) المصدر السابق، ص٨١، ١١٤، ٢١٢.


(أرميا) يُخبر عن مذبحة كربلاء:

فقد جاء في صحيفة (أرميا)

في هيوم هَهو كاشلوا

في نافلوا تسافونا عل يد نهر فرات

في آكلا حيرب

في سابعا

في راوتا من دمام

كي زيبح لأدوناي يهفا

تسفاؤوت با إيرتس

تسافون إل نهر فرات(١) .

ويعني هذا النص:

في ذلك اليوم يسقط القتلى في المعركة

قرب نهر الفرات

وتشبع الحرب والسيوف وترتوي

من الدماء التي تسيل في ساحة المعركة

بسبب مذبحة ربّ الجنود في أرض

تقع شمال نهر الفرات

فالنصّ الذي أخبر عنه (أرميا) يكشف بكلّ وضوح عن ملحمة الطف في كربلاء الحسين، ومن خلال التحليل اللغوي للنصّ العبري، نجد تعظيماً لفداحة ما

____________________

(١) العهد القديم، صحيفة أرميا: ٤٦: ٦، ١٠ ص٧٨٢ (الأصل العبري).


يحدث في ذلك اليوم حيث، يسقط القتلى في المعركة: (كاشلوا في نافلوا) في شمال نهر الفرات: (تسافونا عل يد نهر فرات)(١) .

ثمّ التأكيد على أنّ: الحراب والسيوف ستشبع وترتوي من الدماء التي ستسيل في ساحة المعركة: (في آكلا حيرب في سابعا في راوتا من دمّام)، والإشارة ثانية إلى أنّ هذه المذبحة ستقع شمال نهر الفرات:

(تسافون إل نهر فرات). فإخبار (أرميا) بسقوط الشهداء، وارتواء السيوف من دمائهم على أرض تقع على (نهر الفرات) يدلّ دلالةً واضحةً، على أنَّ هذه الأرض هي (كربلاء)؛ لأنّ (عبيد الله بن زياد) عندما بعث (بعمر بن سعد) على رأس جيش فلقي الحسينعليه‌السلام بموضع على الفرات يُقال له: (كربلاء)(٢) ، فمنعوه الماء، وحالوا بينه وبين ماء الفرات.

ويتّضح من خلال هذين النصّين، وما تضمّناه من تنبُّؤاتٍ بما سيحدث على أرض (كربلاء)، وما سيُلاقيه (سيّد الشهداء) يتطابق مع ما ورد عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمّةعليهم‌السلام ، بشأن مظلومية الحسين، وأشارت إلى مكان استشهاده والحسين كان طفلاً صغيراً(٣) .

رأس اليهود في مجلس يزيد:

قال الفقيه المحدّث قطب الدِّين الراوندي: (ودخل عليه (يزيد) رأس اليهود. فقال: ما هذا الرأس؟

فقال: رأس خارجيّ!

قال: ومَنْ هو؟

____________________

(١) العهد الجديد ص٢٢٦، ٣١١، ٤٠٦.

(٢) أهل البيتعليهم‌السلام في الكتاب المقدّس: ١١٣ - ١١٨.

(٣) المصدر نفسه.


قال: الحسين؟

قال: ابن مَن؟

قال: ابن عليّ.

قال: ومَن أُمّه؟

قال: فاطمة.

قال: ومَن فاطمة؟

قال: بنت محمّد.

قال: نبيّكم؟!

قال: نعم.

قال: لا جزاكم الله خيراً، بالأمس كان نبيّكم واليوم قتلتم ابن بنته؟! ويحَك! إنّ بيني وبين داود النبيّ نيِّفاً وسبعين أباً، فإذا رأتني اليهود كفّرت لي(١) ، ثمّ مال إلى الطشت وقبّل الرأس، وقال: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ جدّك محمّداً رسول الله، وخرج، فأمر يزيد بقتله )(٢) .

وذكر ابن أعثم - بعد ذكره ما جرى بين الإمام زين العابدينعليه‌السلام ويزيد من الكلام - قال: (فالتفت حبر من أحبار اليهود وكان حاضراً، فقال: مَن هذا الغلام يا أمير المؤمنين؟!

فقال: صاحب الرأس هو أبوه.

قال: ومَن هو صاحب الرأس يا أمير المؤمنين؟

قال: الحسين بن علي بن أبي طالب.

____________________

(١) قيل: يقال: كفّر - لسيده. إذا انحنى ووضع يده على صدره وطأطأ رأسه كالركوع تعظيماً له.

(٢) الخرائج والجرائح ٢/ ٥٨١، عنه بحار الأنوار ٤٥/ ١٨٧.


قال: فمَن أُمّه؟

قال: فاطمة بنت محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فقال الحبر: يا سبحان الله! هذا ابن نبيّكم قتلتموه في هذه السرعة، بِئْسَ ما خلّفتموه في ذُرّيته، والله، لو خلّف فينا موسى بن عمران سبطاً من صلبه لكنّا نعبده من دون الله(١) ، وأنتم إنّما فارقكم نبيّكم بالأمس، فوثبتم على ابن نبيّكم فقتلتموه، سوأةً لكم من أُمّة.

قال: فأمر يزيد بكرة في حلقه(٢) ، فقام الحبر وهو يقول: إن شئتم فاضربوني أو فاقتلوني أو فذروني، فإنّي أجد في التوراة أنّه مَن قتل ذُرّية نبيّ لا يزال مغلوباً(٣) أبداً ما بقي، فإذا مات يصليه الله نار جهنّم )(٤) .

وروى ابن عبد ربّه، عن أبي الأسود محمّد بن عبد الرحمان أنّه قال: ( لقيت رأس الجالوت(٥) ، فقال:

إنّ بيني وبين داود سبعين أباً، وإنّ اليهود إذا رأوني عظّموني وعرفوا حقّي وأوجبوا حفظي، وأنّه ليس بينكم وبين نبيّكم إلاّ أب واحد، وقتلتم ابنه )(٦) .

قال الخوارزمي: ( قال بعض العلماء: إنّ اليهود حرَّموا الشجرة التي كان منها

____________________

(١) لظننّا أنّا كنّا نعبده من دون الله / تسلية المجالس، وقريب منه في الخوارزمي.

(٢) فأمر يزيد به فوجئ بحلقه ثلاثاً/ الخوارزمي.

(٣) ملعوناً/ الخوارزمي - تسلية المجالس - البحار.

(٤) الفتوح ٢/ ١٨٥. وأورد نحوه: مقتل الخوارزمي ٢/ ٧١؛ تسلية المجالس ٢/ ٣٩٦؛ بحار الأنوار ٤٥/ ١٣٩ بتفاوت يسير جدّاً.

(٥) بن يهوذا/ مُثير الأحزان.

(٦) العقد الفريد ٥/ ١٣٢. ونحوه في الطبقات الكبرى (ترجمة الإمام الحسين من القسم غير المطبوع): ٨٧، ح٣٠٦)؛ تذكرة الخواص: ٢٦٣؛ مُثير الأحزان: ١٠٣ الملهوف: ٢٢٠ وغيرهم بتفاوت يسير.


عصا موسى أن يخبطوا بها وأن يوقدوا منها النار؛ تعظيماً لعصا موسى، وأنّ النصارى يسجدون للصليب؛ لاعتقادهم فيه أنّه من جنس العود الذي صُلِب عليه عيسى، وأنّ المجوس يُعظّمون النار؛ لاعتقادهم فيها أنّها صارت برداً وسلاماً على إبراهيم نفسها، وهذه الأُمّة قد قتلت أبناء نبيّها، وقد أوصى الله تعالى بمودّتهم وموالاتهم، فقال عزّ مِن قائل:( قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى... ) (١) )(٢) .

رسول ملك الروم في مجلس يزيد:

روى سبط ابن الجوزي، عن عبيد بن عمير، قال: ( كان رسول قيصر حاضراً عند يزيد، فقال ليزيد: هذا رأس مَن؟ فقال: رأس الحسين. قال: ومَن الحسين؟ قال: ابن فاطمة. قال: ومَن فاطمة؟ قال: بنت محمّد. قال: نبيّكم؟ قال: نعم. قال: ومَن أبوه؟ قال: عليّ بن أبي طالب. قال: ومَن عليّ بن أبي طالب؟ قال: ابن عمّ نبيّنا.

فقال: تبّاً لكم ولدينكم!! ما أنتم - وحقِّ المسيح - على شيء، إنّ عندنا في بعض الجزائر دَيْر فيه حافر حمار ركبه عيسى السيّد المسيح، ونحن نحجّ إليه في كلّ عام من الأقطار، وننذر له النذور، ونُعظّمه كما تُعظّمون كعبتكم، فأشهد أنّكم على باطل، ثمّ قام ولم يعد إليه )(٣) .

وروى ذلك الخوارزمي بتفصيل أكثر، وهو ما أورده بإسناده عن زيد بن علي، ومحمّد بن الحنفية، عن عليّ بن الحسين زين العابدينعليه‌السلام أنّه قال:( لما أُتي برأس الحسين عليه‌السلام إلى يزيد كان يتُخذ مجالس الشرب، ويأتي برأس الحسين، فيضعه بين يديه ويشرب عليه، فحضر ذات يوم أحد مجالسه

____________________

(١) الشورى: ٢٣.

(٢) مقتل الخوارزمي ٢/ ١٠١.

(٣) تذكرة الخواص: ٢٦٣.


رسول ملك الروم - وكان من أشراف الروم وعظمائها - فقال: يا ملك العرب، رأس مَنْ هذا ؟

فقال له يزيد: مالكَ ولهذا الرأس؟!

قال: إنّي إذا رجعت إلى مَلِكِنا يسألني عن كلّ شيء رأيته، فأحببت أن أُخبره بقصّة هذا الرأس وصاحبه ليُشاركك في الفرح والسرور.

فقال يزيد: هذا رأس الحسين بن علي بن أبي طالب.

فقال: ومَن أُمّه؟

قال: فاطمة الزهراء.

قال: بنت مَن؟

قال: بنت رسول الله.

فقال الرسول: أُفٍّ لك ولدينك!! وما دين (إلاّ) أحسن من دينك! اعلم أنّي من أحفاد داود، وبيني وبينه آباء كثيرة، والنصارى يُعظّمونني ويأخذون التراب من تحت قدمي تبرُّكاً؛ لأنّي من أحفاد داود، وأنتم تقتلون ابن بنت رسول الله، وما بينه وبين رسول الله إلاّ أُمّ واحدة، فأيّ دين هذا؟!

ثمّ قال له الرسول: يا يزيد، هل سمعت بحديث كنيسة الحافر؟!

فقال يزيد: قل حتّى أسمع.

فقال: إنّ بين عمّان والصين بحراً مسيرته سنة، ليس فيه عمران إلاّ بلدة واحدة في وسط الماء، طولها ثمانون فرسخاً وعرضها كذلك، وما على وجه الأرض بلدة أكبر منها، ومنها يُحمل الكافور والياقوت والعنبر، وأشجارهم العود، وهي في أيدي النصارى، لا مُلْكَ لأحد فيها من الملوك، وفي تلك البلدة كنائس كثيرة، أعظمها كنيسة الحافر، في محرابها حقّة من ذهب مُعلّقة، فيها حافر يقولون: إنّه حافر حمار كان يركبه عيسى، وقد زُيِّنت حوالي الحقّة بالذهب والجواهر والديباج والإبريسم، وفي كلّ عام يقصدها عالم من النصارى، فيطوفون حول


الحقّة، ويزورونها ويقبّلونها، ويرفعون حوائجهم إلى الله ببركتها، هذا شأنهم ودأبهم بحافر حمار يزعمون أنّه حافر حمار كان يركبه عيسى نبيّهم، وأنتم تقتلون ابن بنت نبيّكم! لا بارك الله فيكم ولا في دينكم .

فقال يزيد لأصحابه: اقتلوا هذا النصراني؛ فإنّه يفضحنا إن رجع إلى بلده ويُشنّع علينا.

فلما أحسّ النصراني بالقتل قال: يا يزيد، أتُريد قتلي؟!

قال: نعم.

قال: فاعلم أنّي رأيت البارحة نبيّكم في منامي وهو يقول لي: يا نصراني، أنت من أهل الجنّة! فعجبت من كلامه حتّى نالني هذا، فأنا أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، ثمّ أخذ الرأس وضمّه إليه، وجعل يبكي حتّى قُتل ) (١) .

ثمّ قال الخوارزمي: (وروى مجد الأئمّة السرخسكي، عن أبي عبد الله الحدّاد أنّ النصراني اخترط سيفاً وحمل على يزيد ليضربه، فحال الخدم بينهما وقتلوه، وهو يقول: الشهادة الشهادة! )(٢) .

ولنِعْمَ ما أورده ابن شهر آشوب عن بعض شعراء أهل البيتعليهم‌السلام :

وا خـجلةَ الإسـلام من أضداده

ظـفروا لـه بـمعائب ومـعاثر

آل الـعُزير يُـعظّمون حـماره

ويـرون فـوزاً لـثْمَهم بالحافر

وسـيوفكم بـدم ابـن بنت نبيّكم

مخضوبة لرضى يزيد الفاجر(٣)

____________________

(١) مقتل الخوارزمي ٢/ ٧٢. ونحوه في: مُثير الأحزان: ١٠٣؛ الملهوف: ٢٢١؛ تسلية المجالس ٢/ ٣٩٧؛ بحار الأنوار ٤٥/ ١٨٩؛ عوالم العلوم ١٧/ ٤١٨. بتفاوت يسير.

(٢) مقتل الخوارزمي ٢/ ٧٢.

(٣) المناقب ٤/ ١٢٣.


دور الإمام زين العابدينعليه‌السلام في الشام:

هناك مسؤولية كبيرة يتحمّل أثقالها ويحمل أعباءها حجّة الله على أرضه، الإمام زين العابدين عليّ بن الحسينعليهما‌السلام ؛ إذ يرى نفسه أمام حُكّام فجرة وأُناسٍ جهلة، وعليه أن يؤدّي رسالة دم شهداء كربلاء، وعلى رأسهم أبيه سيّد الشهداء الإمام الحسينعليه‌السلام .

زينب الكبرى تُعرِّف قائد المسيرة:

ذكرنا أنّ زينب الكبرى (سلام الله عليها) حينما واجهها يزيد وسألها بقوله: ( تُكلّميني؟ ) أشارت إلى ابن أخيها الإمام السجّادعليه‌السلام وقالت: ( هو المتكلِّم(١) )، أرادت بذلك أن تُعرِّف قائد المسيرة المظفّرة.

السجّادعليه‌السلام يعرّف أهل البيت من خلال القرآن!

لقد مضت فترة طويلة من الزمان، وكتابة أحاديث فضل أهل البيت ونشرها ممنوعة - فكيف بفهمها واستيعابها؟! - فقد مُنع من تدوين الأحاديث بعد رحيل الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، بذريعة عدم التهاء الناس به عن القرآن!

وأعجب من ذلك أنّه منعت الحكومات عن فهم القرآن! وأصرّت على قراءة ظاهر آياته، دون السؤال عن تأويلها! كما منع معاويةُ ابنَ عبّاس عن ذلك(٢) .

وهكذا كان على الإمامعليه‌السلام أن ينتهز كلّ فرصة لبثّ الروح في أجساد هذه الأُمّة الميّتة، ويُرشدهم إلى حقائق القرآن الكريم، ويهديهم إلى معرفة المقصود منه.

____________________

(١) المناقب ٤/ ١٧٣.

(٢) أُنظر الاحتجاج ٢/ ٨٢.


ومن هذا المنطلق، نرى الإمامعليه‌السلام يستدلّ بآيات شريفة نزلت في شأن أهل البيتعليهم‌السلام ؛ حتّى يُعرِّف الناس واقع الأمر، مثل ما ذكرناه حول مُحادثة الإمامعليه‌السلام مع الرجل الشامي، واستدلالهعليه‌السلام بهذه الآيات الشريفة:

( قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى... ) .

( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ... ) .

( وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى... ) .

( ... إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (١) .

خُطبة الإمام زين العابدينعليه‌السلام :

لم يكتفِ الإمامعليه‌السلام بذكر آيات شريفة منطبقة على أهل البيتعليهم‌السلام ، بل وقف موقفاً حازماً أمام الطاغية، وواجهه بكلّ صلابة، وكلّمه بكلّ شجاعة، ولم يكتفِ بذلك أيضاً، بل أخذ بزمام الكلام، وخاطب الجمهور، وكشف القناع عمّا سُتر فترةً طويلةً، وذلك بعدما قام الخطيب الشامي وتكلّم بما اشترى به رضى المخلوق بسخط الخالق.

قال الخوارزمي:

( وروي أنّ يزيد أمر بمنبر وخطيب ليذكر للناس مساوئ للحسين وأبيه عليّعليهما‌السلام (٢) ، فصعد الخطيب المنبر فحمد الله وأثنى عليه وأكثر الوقيعة في عليّ

____________________

(١) انظر ص٨٨ - ٨٩ من هذا الكتاب.

(٢) في الفتوح (٢/ ١٨٥): ثمّ دعا يزيد بالخاطب وأمر بالمنبر فأُحضر، ثمّ أمر بالخاطب فقال: اصعد المنبر فخبِّر الناس بمساوئ الحسين وعليّ وما فعلا.


والحسين، وأطنب في تقريظ معاوية ويزيد، فصاح به عليّ بن الحسين:

( ويلك أيُّها الخاطب! اشتريت رضى (١) المخلوق بسخط الخالق، فتبوّأ (٢) مقعدك من النار ) .

ثمّ قال:( يا يزيد، ائذن لي حتّى أصعد هذه الأعواد، فأتكلّم بكلمات (٣) فيهنّ لله رضى ولهؤلاء الجالسين أجر وثواب ) .

فأبى يزيد، فقال الناس: يا أمير المؤمنين، ائذن له ليصعد، فلعلّنا نسمع منه شيئاً. فقال لهم: إن صعد(٤) المنبر هذا لم ينزل إلاّ بفضيحتي وفضيحة آل أبي سفيان(٥) .

____________________

وفي المناقب (٤/ ١٦٨) وكتاب الأحمر: قال الأوزاعي: لما أُتي بعليّ بن الحسين ورأس أبيه إلى يزيد بالشام قال لخطيب بليغ: خُذْ بيد هذا الغلام فائت به إلى المنبر، وأخبِر الناس بسوء رأي أبيه وجدّه، وفراقهم الحقّ وبغيهم علينا!

قال: فلم يدعْ شيئاً من المساوئ إلاّ ذكره فيهم، فلما نزل قام عليّ بن الحسين فحمد الله...

(١) في الفتوح: مرضاة.

(٢) في الفتوح: فانظر.

(٣) في الفتوح: بكلام فيه رضىً الله ورضى هؤلاء الجلساء وأجر وثواب.

(٤) في الفتوح: إنّه إن صعد.

(٥) ذكر الطبرسي ما يُشابه ذلك في حقّ سيّد الشهداءعليه‌السلام زمن حكومة معاوية، فإنّه روى عن موسى بن عقبة أنّه قال: لقد قيل لمعاوية: إنّ الناس قد رموا بأبصارهم إلى الحسينعليه‌السلام ، فلو قد أمرته يصعد المنبر فيخُطب، فإنّ فيه حصراً وفي لسانه كلالة.

فقال لهم معاوية: قد ظننّا ذلك بالحسن، فلم يزل حتّى عظم في أعين الناس وفضحنا.

فلم يزالوا به حتّى قال للحسين: يا أبا عبد الله، لو صعدت المنبر فخطبت، فصعد الحسينعليه‌السلام المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فسمع رجلاً يقول: مَن هذا الذي يخطب؟ فقال الحسينعليه‌السلام :( نحن حزب الله الغالبون، وعترة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الأقربون، وأهل بيته الطيّبون، وأحد


فقالوا: وما قَدر ما يُحسن هذا؟

فقال: إنّه من أهل بيت قد زُقّوا العلم زقّاً(١) .

ولم يزالوا به حتّى أذِن له بالصعود، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه(٢) ، ثمّ خطب خُطبة أبكى منها العيون، وأوجل منها القلوب، فقال فيها:

( أيّها الناس، أُعطينا ستّاً وفُضّلنا بسبع، أُعطينا العلم، والحِلم، والسماحة، والفصاحة، والشجاعة والمحبّة في قلوب المؤمنين. وفضّلنا بأنّ منّا النبيّ المختار محمّداً صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومنّا الصدِّيق، ومنّا الطيّار، ومنّا أسد الله وأسد الرسول، ومنّا سيّدة نساء العالمين

الثقلين اللذين جعلنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثاني كتاب الله تبارك وتعالى، الذي فيه تفصيل كلّ شيء، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والمعوَّل علينا في تفسيره، لا يبطئنا تأويله، بل نتّبع حقايقه، فأطيعونا، فإنّ طاعتنا مفروضة؛ إذ كانت بطاعة الله ورسوله مقرونة، قال الله عزّ وجلّ:( ... أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ... ) (النساء: ٥٩)، وقال: ( وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً ) (النساء: ٨٣)، وأُحذِّركم الإصغاء إلى هتوف الشيطان بكم، فإنّه لكم عدوّ مُبين، فتكونوا كأوليائه الذين قال لهم: ( ... لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ... ) (الأنفال: ٤٨) فتُلقَون للسيوف ضرباً، وللرماح ورداً، وللعمد حطماً، وللسهام غرضاً، ثمّ لا يُقبل من نفس إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً ).

قال معاوية: حسبُك يا أبا عبد الله، فقد أبلغت! (الاحتجاج ٢/ ٩٤)

____________________

(١) في الفتوح: إنّه من نسل قوم قد رزقوا العلم رزقاً حسناً.

(٢) في المناقب: فلما نزل قام عليّ بن الحسين، فحمد الله بمحامد شريفة وصلّى على النبيّ صلاة بليغة موجزة.


فاطمة البتول، ومنّا سبطا هذه الأُمّة وسيّدا شباب أهل الجنّة (١) .

فمَن عرفني فقد عرفني، ومَن لم يعرفني (٢) أنبأته بحسبي ونسبي (٣) .

أنا ابن مكّة ومنى، أنا ابن زمزم (٤) والصفا (٥) ،أنا ابن مَن حمل الزكاة (٦) بأطراف الرداء، أنا ابن خير مَن ائتزر وارتدى، أنا ابن خير مَن انتعل واحتفى، أنا ابن خير مَن طاف وسعى (٧) ، (أنا) ابن خير مَن حجّ ولبّى، أنا ابن مَن حُمل على البراق (٨) في الهواء، أنا ابن مَن أُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فسبحان مَن أسرى! أنا ابن مَن بلغ به جبرائيل إلى سدرة المنتهى، أنا

____________________

(١) ههنا في الفتوح والاحتجاج والبحار: أيُّها الناس.. وفي المناقب: يا معشر الناس.

(٢) بعده في الاحتجاج والمناقب: فأنا أُعرّفه بنفسي.

(٣) في الفتوح، بعده: أيُّها الناس.

(٤) في المناقب: مروة؛ في الاحتجاج: المروة.

(٥) ههنا في الاحتجاج توجد عبارة:أنا ابن محمّد المصطفى، أنا ابن مَن علا فاستعلى، فجاوز سدرة المنتهى، وكان من ربّه قاب قوسين أو أدنى.

وفي المناقب:أنا ابن محمّد المصطفى، أنا ابن مَن لا يخفى، أنا ابن مَن علا فاستعلى فجاز سدرة المنتهى وكان من ربّه كقاب قوسين أو أدنى، أنا ابن مَن صلّى بملائكة السماء مثنى مثنى، أنا ابن مَن أُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، أنا ابن عليّ المرتضى...

(٦) في البحار: الركن.

(٧) في الفتوح: أنا ابن خير مَن حجّ وطاف وسعى ولبّى.

(٨) في الفتوح: أنا ابن خير مَن حمل البراق.


ابن مَن دنا فتدلّى فكان من ربّه قاب قوسين أو أدنى، أنا ابن مَن صلّى بملائكة السماء، أنا ابن مَن أوحى إليه الجليل ما أوحى، أنا ابن محمّد المصطفى .

أنا ابن علي المرتضى، أنا ابن مَن ضرب خراطيم الخلق حتّى قالوا: لا إله إلاّ الله، أنا ابن مَن ضرب بين يدي رسول الله بسيفين، وطعن برمحين، وهاجر الهجرتين، وبايع البيعتين، وصلّى القبلتين، وقاتل ببدرٍ وحُنين، ولم يكفر بالله طرفة عين. أنا ابن صالح المؤمنين، ووارث النبيّين، وقامع الملحدين، ويعسوب المسلمين، ونور المجاهدين، وزين العابدين، وتاج البكّائين، وأصبر الصابرين، وأفضل القائمين من آل ياسين [و] (١) رسول ربّ العالمين، أنا ابن المؤيّد بجبرائيل، والمنصور بميكائيل، أنا ابن المحامي عن حرم المسلمين، وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، والمجاهد أعداءه الناصبين، وأفخر مَن مشى من قريش أجمعين، وأوّل مَن أجاب واستجاب لله (٢) من المؤمنين، وأقدم السابقين (٣) ، وقاصم المعتدين، ومُبير (٤) المشركين، وسهم من مرامي

____________________

(١) ليس في البحار، وهو الأنسب، وعلى فرض وجوده فـ (رسول) معطوف على كلمة ياسين.

(٢) في البحار: ولرسوله.

(٣) في البحار: وأوّل السابقين.

(٤) في البحار: مُبيد.


الله على المنافقين، ولسان حكمة العابدين، ناصر (١) دين الله، ووليّ أمر الله، وبستان حكمة الله، وعيبة علم الله (٢) ، سمح سخيّ (٣) ، بهلول زكيّ أبطحيّ، رضيّ مرضيّ، مقدام هُمام، صابر صوّام، مُهذّب قوّام، شجاع قمقام، قاطع الأصلاب، ومفرّق الأحزاب، أربطهم جناناً، وأطبقهم عناناً، وأجرأهم لساناً، وأمضاهم عزيمة، وأشدّهم شكيمة، أسد باسل، وغيث هاطل، يطحنهم في الحروب إذا ازدلفت الأسنّة وقربت الأعنّة، طحن الرحى (٤) ، ويذروهم ذرو الريح الهشيم، ليث الحجاز، وصاحب الإعجاز، وكبش العراق، الإمام بالنصّ والاستحقاق، مكّيّ مدنيّ، أبطحيّ تُهاميّ، خيفيّ عقبيّ، بدريّ أُحُديّ، شجريّ مُهاجريّ، من العرب سيّدها، ومن الوغى ليثها، وارث المشعرين، وأبو السبطين الحسن والحسين، مُظهِر العجائب، ومُفرّق الكتائب، والشهاب الثاقب، والنور العاقب، أسد الله الغالب، مطلوب كلّ طالب، غالب كلّ غالب، ذاك جدّي عليّ بن أبي طالب (٥) .

أنا ابن فاطمة الزهراء، أنا ابن سيّدة النساء، أنا ابن الطهر

____________________

(١) في البحار: وناصر.

(٢) في البحار: علمه.

(٣) ههنا في البحار، عبارة (بهيّ) أيضاً.

(٤) في البحار: طحن مرحا.

(٥) في البحار: ثمّ قال.


البتول، أنا ابن بضعة الرسول... ) (١) .

قال: ولم يزل يقول: (أنا، أنا) حتّى ضجّ الناس بالبكاء والنحيب، وخشي يزيد أن تكون فتنة(٢) ، فأمر المؤذّن أن يؤذِّن، فقطع عليه الكلام وسكت(٣) .

فلما قال المؤذِّن(٤) : (الله أكبر)(٥) قال عليّ بن الحسين:( كبّرت كبيراً لا يُقاس ولا يُدرك بالحواس، لا شيء أكبر من الله ) .

فلما قال: (أشهد أن لا إله إلاّ الله) قال عليّ:

____________________

(١) هذا الفقرة في المناقب هكذا:( أنا ابن عليّ المرتضى، أنا ابن فاطمة الزهراء، أنا ابن خديجة الكبرى، أنا ابن المقتول ظلماً، أنا ابن المحزوز الرأس من القفا، أنا ابن العطشان حتّى قضى، أنا ابن طريح كربلاء، أنا ابن مسلوب العمامة والرداء، أنا ابن مَن بكت عليه ملائكة السماء، أنا ابن مَن ناحت عليه الجنّ في الأرض والطير في الهواء، أنا ابن مَن رأسه على السنان يُهدى، أنا ابن مَن حرمه من العراق إلى الشام تُسبى، أيّها الناس، إنّ الله - تعالى وله الحمد - ابتلانا أهل البيت ببلاءٍ حَسن؛ حيث جعل راية الهُدى والعدل والتُّقى فينا، وجعل راية الضلالة والردى في غيرنا، فُضِّلنا أهل البيت بستّ خصال، فضّلنا بالعلم، والحِلم، والشجاعة، والسماحة، والمحبّة والمحلّة في قلوب المؤمنين، وآتانا ما لم يؤتَ أحداً من العالمين من قبلنا، فينا مختلف الملائكة وتنزيل الكتب ) .

(٢) في الاحتجاج: فضجّ أهل الشام بالبكاء، حتّى خشي يزيد أن يؤخذ من مقعده، فقال للمؤذّن: أذِّن.

(٣) الفقرة في الفتوح هكذا: فلم يزل يُعيد ذلك حتّى ضجّ الناس بالبكاء والنحيب، وخشي يزيد أن تكون فتنة فأمر المؤذِّن فقال: اقطع عنّا هذا الكلام.

(٤) في المناقب: (.. فلم يفرغ حتّى قال المؤذِّن: (الله أكبر)، فقال عليعليه‌السلام :( الله أكبر كبيراً ) ، فقال المؤذِّن: أشهد أن لا إله إلاّ الله، فقال علي بن الحسين:( شَهِد بها شعري... ) ، فلما قال المؤذِّن: أشهد أنّ محمّداً رسول الله، قال علي:( يا يزيد، هذا جدّي أو جدّك؟! فإن قلت: جدّك، فقد كذبت. وإن قلت: جدّي، فلِمَ قتلت أبي وسبيت حرمه وسبيتني؟! ) .

ثمّ قال:( معاشر الناس، هل فيكم مَن أبوه وجدّه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ؟! ) . فعَلَتْ الأصوات بالبكاء، فقام إليه رجل يُقال له: المنهال بن عمرو الطائي، وفي رواية مكحول...

(٥) في الاحتجاج: فلما قال المؤذِّن: (الله أكبر) جلس عليّ بن الحسين على المنبر.


شهد بها (١) شعري وبشري ولحمي ودمي ومخّي وعظمي ) .

فلما قال: ( أشهد أنّ محمّداً رسول الله ) التفت عليّ(٢) من أعلى المنبر إلى يزيد وقال:( يا يزيد، محمّد هذا جدّي أم جدّك؟! فإن زعمت أنّه جدّك فقد كذبت (٣) ،وإن قلت (٤) : إنّه جدّي. فلِمَ قتلت عترته؟! ) .

قال: وفرغ المؤذِّن من الأذان والإقامة، فتقدّم يزيد(٥) وصلّى صلاة الظهر(٦) .

روى الخُطبة أرباب السير والتاريخ، فمنهم مَن ذكرها تفصيلاً كابن أعثم(٧) ، والخوارزمي(٨) ، ومحمّد بن أبي طالب(٩) ، ومنهم مَن ذكر معظمها كابن شهر آشوب(١٠) ، والمجلسي(١١) ، ومنهم مَن ذكر بعضها مثل أبي الفرج الأصفهاني(١٢) ، ومنهم مَن أشار إليها واكتفى بذكر مقدّماتها، مثل ابن نما والسيّد ابن طاووس(١٣) .

____________________

(١) في الفتوح: يشهد بها.

(٢) في الفتوح والبحار: التفت علي بن الحسين من فوق المنبر إلى يزيد.

(٣) في البحار هنا عبارة (وكفرت) أيضاً.

(٤) في البحار: وإن زعمت.

(٥) في الفتوح: تقدّم يزيد يُصلّي بالناس صلاة الظهر، فلما فرغ من صلاته أمر بعليّ بن الحسين وأخواته وعمّاته رضوان الله عليهم، ففرّغ لهم داراً فنزلوها، وأقاموا أيّاماً يبكون وينوحون على الحسين (رضي الله عنه).

(٦) مقتل الخوارزمي ٢/ ٦٩/ ٧١.

(٧) الفتوح ٢/ ١٨٥.

(٨) مقتل الخوارزمي ٢/ ٦٩.

(٩) تسلية المجالس ٢/ ٣٩١. عن صاحب المناقب (بحار الأنوار ٤٥/ ١٣٧)، وغيرهم.

(١٠) المناقب ٤/ ١٦٨. (الاحتجاج ٢/ ١٣٢ - عنه بحار الأنوار ٤٥/ ١٦١ ح٦).

(١١) بحار الأنوار ٤٥/ ١٦١ ح٦.

(١٢) مقاتل الطالبيين: ١٢١.

(١٣) مُثير الأحزان: ١٠٢؛ الملهوف: ١٩.


نظرة خاطفة في الخُطبة وصداها:

لقد اقتصر الإمام السجّادعليه‌السلام في هذه الخُطبة على التعريف بأُسرته ونفسه، ولم يتعرّض لشيء آخر - فيما وصل إلينا من خُطبته الشريفة - ولعلّ السرّ في ذلك؛ أنّه لما كان يعلم أنّ المجتمع الشامي لا يعرف عن أهل البيت ومنزلتهم الرفيعة شيئاً؛ لكونه تربّى في أحضان سلطة الطغاة من بني أُميّة التي أخفت عنهم الحقائق وغذّتهم بالولاء لأبناء الشجرة الملعونة - بني أُميّة - والحقد على آل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، اكتفىعليه‌السلام بذلك.

ومن هذا المنطلق؛ نرى أنّ الإمامعليه‌السلام يُعالج المسألة عاطفيّاً؛ لأنّ تأثيره - في هذه المرحلة - أكثر من أيّ أداة، ومضمون الخطبة يُرشدنا إلى أنّ المخاطَبين كانوا من جمهور الناس، لا الأشراف والأعيان منهم فحسب، فجوّ المجلس يختلف عن جوّ مجلس يزيد العامّ، الذي كان محشوّاً بالأعيان والأشراف، وكبار رجال أهل الكتاب، وبعض مُمثّلي الدول الكبار آنذاك(١) .

فلذلك نرى أنّ الإمام يُعدّد مزايا آل البيتعليهم‌السلام ، ويخصّ بالذكر رجالاً منهم ليس لهم بديل ولا نظير، فيقول: بأنّ مناّ النبيّ المختار، ومنّا الصدِّيق - يعني عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام -، ومنّا الطيّار - يقصد جعفر بن أبي طالبعليه‌السلام -، ومنّا أسد الله وأسد الرسول - يريد حمزة سيّد الشهداءعليه‌السلام -، ومنّا سيّدة نساء العالمين - أي فاطمة البتولعليها‌السلام -، ومنّا سبطا هذه الأمّة وسيّدا شباب أهل الجنّة - الحسنينعليهما‌السلام -، دون أن يُصرّح في البداية بالمقصود ممّن يذكرهم بهذه الأوصاف مثل الصدِّيق، وسيّدي شباب أهل الجنّة و...، حتّى يذكر أوصافاً مُتعدّدة لهم، تكشف عن بعض زوايا حياتهم وفضائلهم؛ ليكون أوقع بالنفوس، كما كان ذلك بالفعل.

____________________

(١) وهذا يؤيّد أنّها أُلقيت في المسجد لا المجلس، انظر: بحار الأنوار ٤٥/ ١٦١.


وبعد ذلك يذكر الإمام أصله وجذره نسباً وموطناً؛ حتّى يعلم الجميع أنّه فرع الشجرة النبويّة، والثمرة العلويّة، والجوهرة الفاطمية، واللؤلؤة الحسينيّة، ومن قلب مكّة والمدينة، فكيف شوّهت السلطة الباغية والحكومة الطاغية الواقع على الناس، وأذاعت الكذب، وعرّفتهم للأمّة بأنّهم الخوارج على أمير المؤمنين يزيد!

إنّ الإمامعليه‌السلام بعد تبيينه مُختصّات جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من الوحي والمعراج و... يقوم ببيان خصائص جدّه المظلوم، أسد الله الغالب الإمام عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، والمجتمع الشامي يسمع أوصافاً له يسمعها أوّل مرّة؛ فهو الذي ضرب بين يدي رسول الله بسيفين، وطعن برمحين، وهاجر الهجرتين، وبايع البيعتين، وصلّى القبلتين، وقاتل ببدر وحنين، ولم يكفر بالله طرفة عين... وارث النبيّين، وقامع الملحدين، ويعسوب المسلمين... وتاج البكّائين، وأصبر الصابرين... المؤيَّد بجبرائيل، والمنصور بميكائيل... قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين...

ثمّ يذكر بعض خصائص جدّته الصدِّيقة الكبرى، الإنسيّة الحوراء فاطمة الزهراءعليها‌السلام حتى يصل إلى قمّة كلامه بقوله:( أنا ابن المقتول ظلماً... ) يقول ذلك والظالم - يزيد - جالس بين يديه في المجلس. ويُشير إلى بعض مأساة كربلاء فيقول:( أنا ابن المحزوز الرأس من القفا، أنا ابن العطشان حتّى قضى، أنا ابن طريح كربلاء، أنا ابن مسلوب العمامة والرداء ) .

وبذلك عرَّف الناس أنّ والده الحسين قد قُتِل مظلوماً، عطشاناً، واحتُزّ رأسه الشريف من القفا، وطُرِح جسمه الطاهر بكربلاء، وسُلب عمامته ورداؤه.

فانقلب المجلس - وذلك تبعاً لانقلاب العالم - لقتل الحسينعليه‌السلام ! كيف لا، وقد قال الإمامعليه‌السلام :( أنا ابن مَن بكت عليه ملائكة السماء، أنا ابن مَن ناحت عليه الجنّ في الأرض والطير في الهواء... ) .


هذا ما جرى في كربلاء، وهذا ما وقع في الكون بقتل الحسينعليه‌السلام ، وأمّا الشيء الموجود حالياً بالشام، الذي لابدّ أن يلتفت إليه هذا الجمهور الغافل الضائع، فهو أنّ جسم الحسينعليه‌السلام الطاهر، وإن كان في كربلاء، ولكنّ رأسه الشريف وحرمه موجودان بالشام وبين أيديهم، ونبّههم الإمام على ذلك بقوله:( أنا ابن مَن رأسه على السنان يُهدى، أنا ابن مَن حرمه من العراق إلى الشام تُسبى... ) .

ولم يجد الطاغي ابن الباغي يزيد بن معاوية مفرّاً، إلاّ أن يلتجئ إلى المؤذِّن بذريعة الأذان، وقد كان يعلم في البداية أنّ الإمامعليه‌السلام لو صعد المنبر يقلب الوضع عليه، وقد صرّح بأنّه لو صعد المنبر لم ينزل إلاّ بفضيحته وفضيحة آل أبي سفيان، وأنّه من أهل بيت قد زقّوا العلم زقّاً، ولكنّ إصرار الناس غلبه على أمره، وأظنُّ أنّه ما كان يعلم أنّه ينقلب الأمر عليه إلى هذه الدرجة، وإلاّ لما كان يرضى بذلك، وإن بلغ ما بلغ، وإنّما رضي بذلك خوفاً من الناس وفراراً من حفيرة، ولكنّه وقع في بئر حفره سوء عمله وخبث ضميره، وأوجبه كلام حقٍّ، صدر من قلبٍ طاهر على لسانٍ صادق.

نعم، إنّ يزيد لم يتمكّن أن يقطع كلام الإمام إلاّ بالأذان، كما أنّ أباه - معاوية - لم يتمكّن أن يهرب من سيف جدّه - عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام - إلاّ برفعه المصاحف! ولكنّ الإمام واجه هذه الخدعة ببيان حقيقة الربوبيّة وواقع التوحيد ولُبّ الرسالة، وواجه الطاغية يزيد بكلامه:( يا يزيد، محمّد هذا جدّي أم جدّك؟! فإن زعمت أنّه جدّك فقد كذبت، وإن قلت: إنّه جدّي. فلِمَ قتلت عترته؟! ) .

فطرح أمامه سؤالاً لم يَحِرْ يزيد جواباً له، وهو أنّ هذا محمّداً رسول الله الذي تشهد برسالته - فيما تزعم - وتترأس رئاسة أُمّته، وتدّعي خلافته - ظلماً وزوراً - فهل هو جدّك أم جدّي؟! إذا كنت تدّعي أنّه جدّك فهذا كذب واضح، فالجميع


يعلم أنّك فرع الشجرة الملعونة، وإذا قلت: إنّه جدّي. فلماذا قتلت عترته وسبطه، وسبيت أهله؟!

قال بعض المؤرِّخين: لقد أثّر خطاب الإمام تأثيراً بالغاً في أوساط المجتمع الشامي؛ فقد جعل بعضهم ينظر إلى بعض ويُسِرُّ بعضهم إلى بعض بما آلوا إليه من الخيبة والخسران، حتّى تغيَّرت أحوالهم مع يزيد(١) ، وأخذوا ينظرون إليه نظرة احتقار وازدراء.

الإمامعليه‌السلام مع مكحول صاحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

ذكر الطبرسي - بعد نقله خُطبة الإمام زين العابدينعليه‌السلام - قال: ( فنزل - أي نزل عليّ بن الحسينعليه‌السلام عن المنبر - فأخذ ناحية باب المسجد، فلقيه مكحول(٢) صاحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال له: كيف أمسيت يا بن رسول الله؟ قال:

____________________

(١) جوهرة الكلام في مدح السادة الأعلام: ١٢٨ - على ما في ( حياة الإمام الحسينعليه‌السلام ) ٣/ ٣٨٨.

(٢) هو - على ما ذكره المزّي -: مكحول الشامي أبو عبد الله، ويُقال: أبو أيّوب، ويُقال: أبو مسلم، والمحفوظ أبو عبد الله الدمشقي الفقيه، وكانت داره بدمشق عند طرف سوق الأحد... وقال محمد بن المنذر الهري: إنّ أصله من هرات... وذكره محمّد بن سعد في الطبقة الثالثة من تابعي أهل الشام... وقال: محمّد بن عبد الله بن عمّار الموصلي: مكحول إمام أهل الشام... وعن الزهري: العلماء أربعة: سعيد بن المسيّب بالمدينة، وعامر الشعبي بالكوفة، والحسن بن أبي الحسن بالبصرة، ومكحول بالشام. (تهذيب الكمال ٢٨/ ٤٦٤).

وقال المامقاني: مكحول غير مذكور في كُتب رجالنا، وإنّما عدّه أبو موسى من الصحابة، واصفاً له بمولى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وذكر ابن أبي الحديد في شرح النهج أنّه كان من المبغضين لأمير المؤمنينعليه‌السلام . (تنقيح المقال ٣/ ٢٤٦ رقم ١٢١٠٨).

وقال المحدّث القمّي: مكحول من علماء التابعين بالشام... وعدّه ابن أبي الحديد من المبغضين لعلي... وفي كتاب الاختصاص، عن سعيد بن عبد العزيز أنّه قال: كان الغالب على مكحول عداوة علي بن أبي طالب، وكان إذا ذكر عليّاً لا يُسمّيه ويقول: أبو زينب. (مُستدرك سفينة البحار ٩/ ٧٢).


( أمسينا بينكم مثل بني إسرائيل في آل فرعون، يُذبّحون أبناءهم، ويستحيون نساءهم، وفي ذلكم بلاء من ربّكم عظيم ) (١) .

زين العابدينعليه‌السلام مع منهال (٢) :

روى المحدّث الجليل عليّ بن إبراهيم القمّي، بإسناده عن عاصم بن حميد، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال:( لقي المنهال بن عمر [ عليّ (٣) ] بن الحسين بن عليّ عليهم‌السلام ، فقال له: كيف أصبحت يا بن رسول الله؟

قال: ويحك! أما آن لك أن تعلم كيف أصحبت؟! أصبحنا في قومنا مثل بني إسرائيل في آل فرعون، يُذبِّحون أبناءنا، ويستحيون نساءنا (٤) ،وأصبح خير البريّة بعد محمّد يُلعَن على المنابر، وأصبح عدوّنا يُعطى المال والشرف، وأصبح مَن يُحبّنا محقوراً منقوصاً حقّه، وكذلك لم يزل المؤمنون، وأصبحت العَجم تعرف للعرب حقّها بأنّ محمّداً كان منها، وأصبحت

____________________

(١) الاحتجاج ٢/ ١٣٤ - عنه بحار الأنوار ٤٥/ ١٦٢.

(٢) هو المنهال بن عمرو الأسدي، عدّه الشيخ بهذا العنوان تارة في أصحاب الحسينعليه‌السلام ، وعدّه في أصحاب الصادقعليه‌السلام أيضاً قائلاً: المنهال بن عمرو الأسدي مولاهم كوفي، روى عن عليّ بن الحسين وأبي جعفر وأبي عبد اللهعليهم‌السلام ، وعدّه البرقي في أصحاب عليّ بن الحسينعليهما‌السلام ، روى عن الأصبغ، وروى عنه علي بن عبّاس... كذا في مُعجم رجال الحديث ٢٠/ ١٠ رقم ١٢٧٢٥.

(٣) سقط في النسخة المطبوعة، وذكره المجلسي عنه عن الإمام عليّ بن الحسينعليه‌السلام .

(٤) إشارة إلى الآية الشريفة:( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) (القصص: ٤).


قريش تفتخر على العرب بأنّ محمّداً كان منها، وأصبحت العرب تعرف لقريش حقّها بأنّ محمّداً كان منها، وأصبحت العرب تفتخر على العجم بأنّ محمّداً كان منها، وأصبحنا أهل البيت لا يُعرف لنا حقّ، فكهذا أصبحنا يا منهال ) )(١) .

وقال ابن أعثم الكوفي: وخرج عليّ بن الحسين ذات يوم، فجعل يمشي في أسواق دمشق، فاستقبله المنهال بن عمرو الطائي، فقال له: كيف أمسيت يا بن رسول الله؟

قال:( أمسينا كبني إسرائيل في آل فرعون، يُذبِّحون أبناءهم، ويستحيون نساءهم، يا منهال، أمست العرب تفتخر على العَجم بأنّ محمّداً عربيٌّ، وأمست قريش تفتخر على سائر العرب بأنّ محمّداً منهم، وأمسينا أهل بيت محمّد ونحن مغصوبون مظلومون، مقهورون منقتلون، مثبورون مطرودون، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون على ما أمسينا فيه يا منهال ) (٢) .

ذكر هذه المحادثة عدّة من أرباب الأخبار والسير بتفاوت يسير، منهم المحدّث الجليل فرات الكوفي(٣) ، وأبو جعفر الكوفي(٤) ، والخوارزمي(٥) ، وابن نما(٦) ، وابن شهر آشوب(٧) ، وابن طاووس(٨) ، وابن عساكر(٩)

____________________

(١) تفسير القمّي ٢/ ١٣٤ - عنه بحار الأنوار ٤٥/ ٨٤.

(٢) الفتوح ٢/ ١٨٧.

(٣) تفسير فرات الكوفي: ١٤٩، ح١٨٧.

(٤) المناقب: ١٣٨.

(٥) مقتل الخوارزمي ٢/ ٧١.

(٦) مُثير الأحزان: ١٠٥.

(٧) المناقب ٤/ ١٦٩.

(٨) الملهوف: ٢٢٢.

(٩) مختصر تاريخ دمشق ١٧/ ٢٤٤.


مُلاحظة:

ذكر ابن شهر آشوب ما جرى بين الإمام السجّادعليه‌السلام وكلام السائل، على نحو ما أورده فرات الكوفي في تفسيره، إلاّ أنّه قال في بدايته: ( فقام إليه رجل من شيعته، يُقال له: المنهال بن عمرو الطائي. وفي رواية: مكحول صاحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله )(١) .

ولكنّ الظاهر تكرّر الواقعة والمحادثة لا وحدتها، خاصّة وأنّ المروي كون مُحادثة مكحول عند ناحية المسجد، ومكالمة منهال في سوق دمشق، وليس بغريب أن يتكرّر ويتقارب جواب في سؤال واحد.

وكيف كان، فالإمام يتأوّه ويسترجع على ما رأى بأُمّ عينيه من المصائب والمآسي، التي لم يتحمّلها أحدٌ من الناس.

قال ابن نما: ولله درّ مهيار(٢) بقوله في العترة الطاهرة:

يُعظِّمون له أعواد منبره

وتحت أرجلهم أولاده وضعوا

بأيّ حُكم بَنُوه يتبعونكم

وفخركم أنّكم صحبٌ له تبع(٣)

مع الرأي العام المضلَّل... مرّة أُخرى!

لقد اهتمّ الإمامعليه‌السلام بمسألة تنوير الأفكار وكشف الحقائق أكثر من أيّ شيء،

____________________

(١) الفتوح ٢/ ١٨٧.

(٢) مهيار بن مرزويه، أبو الحسن أو أبو الحسين الديلمي، شاعر كبير، في معانيه ابتكار، وفي أسلوبه قوّة، قال الحرّ العاملي: جمع مهيار بين فصاحة العرب ومعاني العَجم، وقال الزبيدي: شاعر زمانه. فارسي الأصل، من أهل بغداد، أسلم على يد الشريف الرضيّ، وهو شيخه وعليه تخرّج في الشعر والأدب... توفّي في بغداد سنة ٤٢٨هـ (الأعلام ٧/ ٣١٧، وذَكر من مصادر ترجمته: تاريخ بغداد ١٣/ ٢٧٦؛ المنتظم ٨/ ٩٤؛ البداية والنهاية ١٢/ ٤١؛ ابن خلكان ٢/ ١٤٩).

(٣) مُثير الأحزان: ١٠٦؛ الملهوف: ٢٢٣.


ولقد ذكرنا شيئاً من كلامه ومُحادثاته، وخُطبه التي تُعالج هذا الجانب.

وفيما يلي نذكر بعض الأسئلة التي طُرحت على الإمام، ونرى كيف اهتمّ الإمام بالمسألة، وذلك في ضمن أجوبته.

روى فرات بن إبراهيم الكوفي، بإسناده عن يحيى بن مساور، قال: ( أتى رجل من أهل الشام إلى عليّ بن الحسينعليهما‌السلام ، فقال له: أنت عليّ بن الحسين؟

قال:( نعم ).

قال: أبوك قتل المؤمنين!

فبكى عليّ بن الحسين، ثمّ مسح وجهه وقال:( ويلك! وبما قطعت على أبي أنّه قتل المؤمنين؟! ) .

قال: بقوله:( إخواننا بغوا علينا، فقاتلناهم على بغيهم ) .

قال:( أما تقرأ القرآن؟! ) .

قال: إنّي أقرأ.

قال:( أما سمعت قوله: ( وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً... وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً... وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً ) (١) ؟! ) .

قال: بلى.

قال:( كان أخاهم في عشيرتهم أو في دينهم؟! ) .

قال: في عشيرتهم.

قال:( فرّجت عنّي فرّج الله عنك ) )(٢) .

وروى نحوه العيّاشي(٣) .

____________________

(١) هود: ٥٠ و٨٤ و٦١.

(٢) تفسير فرات الكوفي: ١٩٢ ح٢٤٨.

(٣) تفسير العيّاشي ٢/ ١٥٢ ح٤٣ - عنه البرهان في تفسير القرآن ٢/ ٢٢٤ بتفاوت.


حبس الإمام زين العابدينعليه‌السلام !

قال المدائني: ( وموضع حبس زين العابدين هو اليوم مسجد )(١) .

أقول: لعلّه هو المسجد الواقع في جنب مقام رأس الحسينعليه‌السلام في جوار المسجد الأُموي حاليّاً.

قال ابن الحوراني: ( قال الكمال الدميري في (حياة الحيوان الكبرى): قال ابن عساكر: ومسجد عليّ بن الحسين هو زين العابدين في جامع دمشق معروف.

قلت: هو في المسجد الشرقي الشمالي، كان (رضي الله عنه) يُصلّي في كلّ يوم وليلة ألف ركعة، وهو مسجد لطيف، عليه جلالة وهيبة، يُزار ويُتبرّك به )(٢) .

وروى الشيخ الصدوق، عن فاطمة بنت عليّ (صلوات الله عليهما) قالت: ( ثمّ إنّ يزيد (لعنه الله) أمر بنساء الحسينعليه‌السلام ، فحُبسن مع عليّ بن الحسينعليهما‌السلام في محبس لا يُكنّهم من حرٍّ ولا قَرٍّ، حتّى تقشّرت وجوههم )(٣) .

مُحاولات اغتيال الإمام زين العابدينعليه‌السلام !

وزين العابدين بقيد ذلٍّ

وراموا قتله أهل الخؤونا(٤)

لقد تعرّض الإمام السجّادعليه‌السلام للقتل والاغتيال في عدّة مواطن، ولكن أبى الله ذلك؛ حفظاً لبقاء حُججه على أرضه.

فمن تلك المواطن كربلاء:

قال سبط ابن الجوزي: ( وإنّما استبقوا عليّ بن

____________________

(١) المناقب ٤/ ١٧٣.

(٢) الإشارات إلى أماكن الزيارات المسمّى زيارات الشام: ٢٠.

(٣) أمالي الصدوق: ٢٣١، مجلس ٣١، ح٢٤٣ - عنه بحار الأنوار ٤٥/ ١٤٠.

(٤) من أشعار لأُمّ كلثوم بنت الإمام عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام قالتها حينما توجّهت إلى المدينة، اُنظُر: بحار الأنوار ٤٥/ ١٩٨.


الحسين لأنّه لما قُتل أبوه كان مريضاً، فمرّ به شمر فقال: اقتلوه. ثمّ جاء عمر بن سعد، فلما رآه قال: لا تتعرّضوا لهذا الغلام، ثمّ قال لشمر: ويحك! مَن للحرم؟! )(١) .

ومنها في الكوفة:

قال الطبرسي - بعد ذكر ما جرى بين الإمامعليه‌السلام وابن زياد من الكلام -: فغضب ابن زياد وقال: ( لك جرأة على جوابي! وفيك بقيّة للردّ عليَّ؟! اذهبوا واضربوا عنقه! )، فتعلّقت به زينب...(٢) .

ومنها في الشام:

وذلك في عدّة مواقف:

منها: ما ذكره الفقيه القطب الراوندي: ( وروي أنّه لما حُمل عليّ بن الحسينعليه‌السلام إلى يزيد لعنه الله هَمَّ بضرب عنقه )(٣) .

ومنها: ما روي عن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال: (كان عليّ بن الحسين مقيّداً مغلولاً، فقال يزيد لعنه الله: يا عليّ بن الحسين، الحمد لله الذي قتل أباك!

فقال عليّ بن الحسين:( لعنة الله على من قتل أبي ) ). قال: ( فغضب يزيد وأمر ضرب عنقه، فقال عليّ بن الحسين:( فإذا قتلتني، فبنات رسول الله مَن يردّهم إلى منازلهم وليس لهم محرم غيري؟!... ) (٤) .

ومنها: ما رواه صاحب الاحتجاج، بعد ذكره الخطبة السجّادية ورجوع الإمام السجّادعليه‌السلام إلى المنزل، فبعده قال ليزيد:( يا يزيد، بلغني أنّك تُريد قتلي، فإن كنت لابدّ قاتلي فوجّه مع هؤلاء النسوة مَن يردّهن ) (٥) .

ومنها: ما رواه ابن شهر آشوب عن المدائني: (لما انتسب السجّاد إلى النبيّ

____________________

(١) تذكرة الخواص: ٢٥٨.

(٢) إعلام الورى: ٢٤٧.

(٣) بحار الأنوار ٤٥/ ٢٠٠.

(٤) بحار الأنوار، ٤٥/ ١٦٨.

(٥) بحار الأنوار ٤٥/ ١٦٢.


قال يزيد لجلوازه: أدْخِله في هذا البستان واقتله وادفنه فيه. فدخل به إلى البستان، وجعل يحفر والسجّاد يصلّي، فلما همّ بقتله ضربته يد من الهواء، فخرّ لوجهه وشهق ودهش، فرآه خالد بن يزيد وليس لوجهه بقيّة، فانقلب إلى أبيه وقصّ عليه، فأمر بدفن الجلواز في الحفرة وإطلاقه، وموضع حبس زين العابدين هو اليوم مسجد )(١) .

ومنها: ما رواه المسعوديّ، بعد ذكر المحادثة بين الإمامعليه‌السلام ويزيد، قال: ( فشاور يزيد جلساءه في أمره، فأشاروا بقتله )(٢) .

ومنها: ما رواه ابن كثير بقوله: وروي أنّ يزيد استشار الناس في أمرهم، فقال رجل ممّن قبّحهم الله: ( يا أمير المؤمنين، لا يتّخذن من كلبِ سوءٍ جرواً، اقتُل عليّ بن الحسين؛ حتّى لا يبقى من ذرّية الحسين أحد )، فسكت يزيد...(٣) .

ومنها: ما رواه ابن عساكر، بإسناده عن حمزة بن زيد الحضرمي، عن ريّا حاضنة يزيد أنّها قالت: ( ولقد جاءه (أي يزيد) رجل من أصحاب رسول الله (صلَّى الله عليه وسلَّم) فقال له: قد أمكنك الله من عدوّ الله وابن عدوّ أبيك! فاقتل هذا الغلام ينقطع هذا النسل، فإنّك لا ترى ما تُحبّ وهم أحياء، آخر مَن يُنازَع فيه - يعني عليّ بن حسين بن علي - لقد رأيت ما لقي أبوك من أبيه، وما لقيت أنت منه، وقد رأيت ما صنع مسلم بن عقيل، فاقطع أصل هذا البيت، فإنّك إن قتلت هذا الغلام انقطع نسل الحسين خاصّة، وإلاّ فالقوم ما بقي منهم أحد طالبك بهم، وهم قوم ذو مكر، والناس إليهم مائلون، وخاصّة غوغاء أهل العراق يقولون: ابن رسول الله(صلَّى الله عليه وسلَّم)، ابن عليّ وفاطمة. اقتُله فليس هو بأكرم من صاحب هذا الرأس.

____________________

(١) المناقب ٤/ ١٧٣. ولعلّ ما ذكره صاحب الاحتجاج هو بعد حصول هذه المسألة.

(٢) إثبات الوصيّة: ١٤٥.

(٣) البداية والنهاية ٨/ ١٩٨.


فقال: لا قمت ولا قعدت، فإنّك ضعيف مهين، بل أدعهم، كلّما طلع منهم طالع أخذته سيوف آل أبي سفيان!

قال: إنّي قد سمَّيت الرجل الذي من أصحاب رسول الله (صلَّى الله عليه وسلَّم)، ولكن لا أُسمّيه ولا أذكره )(١) .

تأمّل وملاحظات:

نجد في هذه الرواية موارد للتأمّل والتوقّف عليها:

١ - إصرار بالغ من رجل - قيل: إنّه صاحب رسول الله! - على قتل سبطه الوحيد المتبقّي من ذُرّيته، ولم يكتفِ بذكر اقتراحه مرّة واحدة، بل كرّره مرّة بعد أُخرى.

٢ - بطلان نظرية عدالة جميع الصحابة! فهل من العدالة أن يُصرّ رجل على قتل سبط الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟! إلاّ أن يُقال: إنّه ما أكثر هذا السنخ من الصحابة العدول في شيعة آل أبي سفيان!

٣ - اعتراف هذا الرجل العدوّ بميل الناس إلى آل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، حيث يقول: والناس إليهم مائلون، يريد بذلك أن يُحرّك يزيد على قتل الإمام.

٤ - والعَجب من راوي الخبر! أنّه يكتم اسم هذا الصحابي العدل! أيرى أنّ ذلك يوجب حفظ مكانته؟!

تجلّي مكارم الأخلاق!

روي أنّ يزيد أمر بردّ ما أُخذ من أهل البيتعليهم‌السلام ، وزاد عليه مئتي دينار، فأخذها زين العابدينعليه‌السلام ، وفرّقها على الفقراء والمساكين(٢) .

____________________

(١) تاريخ مدينة دمشق ١٩/ ٤٢٠، ذيل ترجمة ريا. أُنظر: البداية والنهاية ٨/ ٢٠٤؛ تاريخ الإسلام للذهبي ٣/ ١٢؛ الجوهرة للتلمساني ٢/ ٢١٨.

(٢) الملهوف: ٢٢٤، مُثير الأحزان: ١٠٦.


مأساة الشام

رأس الحسينعليه‌السلام في دمشق!

الجسم منه بكربلاء مُضرَّج

والرأس منه على القناة يُدار

إنّ للرأس الشريف دوراً هامّاً في استمرار رسالة النهضة الحسينيّة، فقد ذكرنا أنّ الرأس الشريف تلا القرآن وتكلّم في دمشق. وهذه هي من أكبر الحُجج وأحسن الأدلّة على منزلته الرفيعة، وعلوّ مقامه عند الله تبارك وتعالى.

ولم تنحصر معجزة الرأس الشريف بما ذُكر، بل هناك أُمور وشواهد أُخرى:

روى البيهقي، بإسناده عن أبي معشر قال: ( وقُتل الحسين (رضي الله عنه) وجميع مَن معه رحمهم الله، وحُمل رأسه إلى عبيد الله بن زياد، فوضع بين يديه على ترس، فبعث به إلى يزيد، فأمر بغسله وجعله في حريرة وضُرِب عليه خيمة ووُكِّل به خمسين رجلاً.

فقال واحد منهم: نمت وأنا مُفكّر في يزيد وقتله الحسينعليه‌السلام ، فبينا أنا كذلك إذ رأيت سحابة خضراء، فيها نور قد أضاءت ما بين الخافقين، وسمعت صهيل الخيل ومُنادياً يُنادي:( يا أحمد، اهبط ) . فهبط رسول الله (صلَّى الله عليه وسلَّم) ومعه جماعة من الأنبياء والملائكة، فدخل الخيمة، وأخذ الرأس، فجعل يُقبِّله ويبكي ويضمّه إلى صدره، ثمّ التفت إلى مَن معه، فقال:( انظروا إلى ما كان من أُمّتي في ولدي، ما بالهم لم يحفظوا فيه وصيّتي، ولم يعرفوا حقّي؟! لا أنالهم الله شفاعتي ) .

قال: وإذا بعدّة من الملائكة يقولون:( يا محمّد، الله تبارك وتعالى يُقرئك السلام، وقد أمرنا بأن نسمع لك ونُطيع، فمُرْنا أن نقلب البلاد عليهم ).

فقال(صلَّى الله عليه وسلَّم):( خلّوا عن أُمّتي، فإنّ لهم بُلغةً وأمداً ) .


قالوا:( يا محمّد، إنّ الله جلّ ذكره أمرنا أن نقتل هؤلاء النفر ) .

فقال:( دونكم وما أُمِرتم به ) .

قال: فرأيت كلّ واحد منهم قد رمى كلّ واحد منّا بحربة، فقتل القوم في مضاجعهم غيري، فإنّي صِحت يا محمّد.

فقال: وأنت مُستيقظ؟

قلت: نعم.

قال: خلّوا عنه يعيش فقيراً ويموت مذموماً.

فلما أصبحت دخلت على يزيد وهو مُنكسر مهموم، فحدّثته بما رأيت، فقال: امضِ على وجهك، وتُبْ إلى ربّك!! )(١) .

وعن الشبلنجي أنّه قال: ( روى سليمان الأعمش (رضي الله عنه) قال: خرجنا ذات سنة حُجَّاجاً لبيت الله الحرام وزيارة قبر النبيّعليه‌السلام ، فبينا أنا أطوف بالبيت، إذا رجل مُتعلّق بأستار الكعبة وهو يقول: (اللّهمَّ، اغفر لي وما أظنّك تفعل )، فلما فرغتُ من طوافي قلت: سبحان الله العظيم! ما كان ذنب هذا الرجل؟! فتنحّيت عنه.

ثمّ مررت به مرّة ثانية، وهو يقول: ( اللّهمَّ، اغفر لي، وما أظنّك تفعل! ).

فلما فرغتُ من طوافي قصدتُ نحوه فقلت: يا هذا، إنّك في موقف عظيم، يغفر الله فيه الذنوب العظام، فلو سألت منه عزّ وجلّ المغفرة والرحمة لرجوت أن يفعل، فإنّه مُنعم كريم.

فقال: يا عبد الله، مَن أنت؟

فقلت: أنا سليمان الأعمش.

____________________

(١) المحاسن والمساوئ: ٦٢.


فقال: يا سليمان، إيّاك طلبت، وقد كنت أتمنّى مثلك.

فأخذ بيدي، وأخرجني من داخل الكعبة إلى خارجها، فقال لي: يا سليمان، ذنبي عظيم.

فقلت: يا هذا، أذنبك أعظم أم السماوات؟ أم الأرضون؟ أم العرش؟

فقال لي: يا سليمان، ذنبي أعظم! مهلاً حتّى أُخبرك بعَجب رأيته.

فقلت له: تكلّم رحمك الله.

فقال لي: يا سليمان، أنا من السبعين الذين أتوا برأس الحسين بن علي (رضي الله عنهما) إلى يزيد بن معاوية، فأمر بالرأس، فنُصِب خارج المدينة، وأُمِر بإنزاله ووضِع في طست من ذهب، ووضِع ببيت منامه، فلما كان في جوف الليل انتبهتْ امرأة يزيد بن معاوية، فإذا شعاع ساطع إلى السماء، ففزعتْ فزعاً شديداً، وانتبه يزيد من منامه، فقالت له: يا هذا، قم، فإنّي أرى عَجباً.

قال: فنظر يزيد إلى ذلك الضياء، فقال لها: اسكُتي، فإنّي أرى كما ترين.

قال: فلما أصبح من الغد أمر بالرأس، فأُخرج إلى فسطاط وهو من الديباج الأخضر، وأمر بالسبعين رجلاً فخرجنا إليه نحرسه، وأمر لنا بالطعام والشراب حتّى غربت الشمس، ومضى من الليل ما شاء الله ورقدنا، فاستيقظتُ ونظرتُ نحو السماء، وإذا بسحابة عظيمة ولها دويّ كدويّ الجبال وخفقان أجنحة، فأقبلتْ حتّى لصقتْ بالأرض، ونزل منها رجل وعليه حُلّتان من حُلل الجنّة، وبيده درانك وكراسي، فبسط الدرانك، وألقى عليها الكراسي، وقام على قدميه ونادى:( انزل يا أبا البشر، انزل يا آدم! ) .

فنزل رجل أجمل ما يكون من الشيوخ شيباً، فأقبل حتّى وقف على الرأس، فقال:( السلام عليك يا وليّ الله، السلام عليك يا بقيّة الصالحين، عشت سعيداً، وقُتلت طريداً، ولم تزل عطشاناً حتّى ألحقك الله بنا،


رحمك الله ولا غفر لقاتلك، الويل لقاتلك غداً من النار، ثمّ نزل وقعد على كرسي من تلك الكراسي ) .

قال: يا سليمان، ثمّ لم ألبث إلاّ يسيراً، وإذا بسحابة أُخرى أقبلت حتّى لصقت بالأرض، فسمعت مُنادياً يقول:( انزل يا نبيّ الله، انزل يا نوح! ).

وإذا برجل أتمّ الرجال خَلقاً، وإذا بوجهه صفرة، وعليه حُلّتان من حُلل الجنّة، فأقبل حتّى وقف على الرأس، فقال:( السلام عليك يا أبا عبد الله، السلام عليك يا بقيّة الصالحين، قُتلت طريداً، وعشت سعيداً، ولم تزل عطشاناً حتّى ألحقك الله بنا، غفر الله لك، ولا غفر لقاتلك، الويل لقاتلك غداً من النار ) ، ثمّ زال فقعد على كرسي من تلك الكراسي.

قال: يا سليمان، ثمّ لم ألبث إلاّ يسيراً، وإذا بسحابة أعظم منها، فأقبلت حتّى لصقت بالأرض، فقام الأذان، وسمعت مُنادياً يُنادي:( انزل يا خليل الله، انزل يا إبراهيم! ) .

وإذا برجل ليس بالطويل العالي، ولا بالقصير المتداني، أبيض الوجه، أملح الرجال شيباً، فأقبل حتّى وقف على الرأس، فقال:( السلام عليك يا أبا عبد الله، السلام عليك يا بقيّة الصالحين، قُتلت طريداً وعشت سعيداً، ولم تزل عطشاناً حتّى ألحقك الله بنا، غفر الله لك، ولا غفر لقاتلك، الويل لقاتلك غداً من النار ) .

ثمّ تنحّى، فقعد على كرسي من تلك الكراسي.

ثمّ لم ألبث إلاّ يسيراً، فإذا بسحابة عظيمة، فيها دويّ كدويّ الرعد وخفقان أجنحة، فنزلت حتّى لصقت بالأرض، وقام الأذان فسمعت قائلاً يقول:( انزل يا نبيّ الله، انزل يا موسى بن عمران! ) .

قال: فإذا برجل أشدّ الناس في خَلقه وأتمّهم في هيبته، وعليه حُلّتان من حُلل الجنّة، فأقبل حتّى وقف على الرأس، فقال مثل ما تقدّم، ثمّ تنحّى فجلس على كرسيّ من تلك الكراسي.


ثمّ لم ألبث يسيراً، وإذا بسحابة أُخرى، وإذا فيها دويّ عظيم وخفقان أجنحة، فنزلت حتّى لصقت بالأرض، وقام الأذان، فسمعت قائلاً يقول:( انزل يا عيسى، انزل يا روح الله! ) . فإذا أنا برجل مُحمرّ الوجه، وفيه صفرة، وعليه حُلّتان من حُلل الجنّة، فأقبل حتّى وقف على الرأس، فقال مثل مقالة آدم ومَن بعده، ثمّ تنحّى فجلس على كرسي من تلك الكراسي.

ثمّ لم ألبث إلاّ يسيراً وإذا بسحابة عظيمة فيها دويّ كدويّ الرعد والرياح وخفقان أجنحة، فنزلتْ حتّى لصقتْ بالأرض، فقام الأذان، وسمعت مُنادياً يُنادي:( انزل يا محمّد، انزل يا أحمد! ).

وإذا بالنبيّ (صلَّى الله عليه وسلَّم) وعليه حُلّتان من حُلل الجنّة، وعن يمينه صفّ من الملائكة، والحسن وفاطمة (رضي الله عنهما)، فأقبل حتّى دنا من الرأس، فضمّه إلى صدره، وبكى بكاءً شديداً، ثمّ دفعه إلى أُمّه فاطمة، فضمّته إلى صدرها، وبكت بكاءً شديداً، حتّى علا بكاؤها وبكى لها مَن سمعها في ذلك المكان.

فأقبل آدمعليه‌السلام حتّى دنا من النبيّ (صلَّى الله عليه وسلَّم)، فقال:( السلام على الولد الطيّب، السلام على الخُلق الطيّب، أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك في ابنك الحسين ) .

ثمّ قام نوح وإبراهيم وموسى وعيسىعليهم‌السلام ، فقالوا كقوله، كلّهم يُعزّونه (صلَّى الله عليه وسلَّم) في ابنه الحسين.

ثمّ قال النبيّ (صلَّى الله عليه وسلَّم):( يا أبي آدم، ويا أبي نوح، ويا أبي إبراهيم، ويا أخي موسى، ويا أخي عيسى، اشهدوا وكفى بالله شهيداً على أُمّتي بما كافأوني في ابني وولدي من بعدي ) .

فدنا منه مَلَك من الملائكة، فقال:( قطعت قلوبنا يا أبا القاسم، أنا الملك الموكّل بسماء الدُّنيا، أمرني الله تعالى بالطاعة لك، فلو أذِنت لي أنزلتها على


أُمّتك، فلا يبقى منهم أحد ) .

ثمّ قام مَلك آخر فقال:( قطعت قلوبنا يا أبا القاسم، أنا الموكّل بالبحار، أمرني الله بالطاعة لك، فإن أذِنتَ لي أرسلتها عليهم، فلا يبقى منهم أحد ) .

فقال النبيّ (صلَّى الله عليه وسلَّم):( يا ملائكة ربّي، كفُّوا عن أُمّتي، فإنّ لي ولهم موعداً لن أخلفه ) .

فقام إليه آدمعليه‌السلام فقال:( جزاك الله خيراً من نبيّ أحسن ما جوزي به نبيّ عن أُمّته ) .

فقال له الحسن:( يا جدّاه، هؤلاء الرقود هم الذين يحرسون أخي، وهم الذين أتوا برأسه ) .

فقال النبيّ (صلَّى الله عليه وسلَّم):( يا ملائكة ربّي، اقتلوهم بقتلهم ابني ) .

فوالله، ما لبثت إلاّ يسيراً حتّى رأيت أصحابي قد ذُبحوا أجمعين.

قال: فلصق بي مَلك ليذبحني، فناديته: يا أبا القاسم، أجرني! وارحمني يرحمك الله.

فقال:( كفّوا عنه ) .

ودنا منّي وقال:( أنت من السبعين رجلاً؟! ) .

قلت: نعم.

فألقى يده في منكبي، وسحبني على وجهي، وقال:( لا رحمك الله! ولا غفر لك! أحرق الله عظامك بالنار ) .

فلذلك أيست من رحمة الله.

فقال الأعمش: إليك عنّي؛ فإنّي أخاف أن أُعاقب من أجلك )(١) .

____________________

(١) نور الأبصار: ١٢٥ - على ما في إحقاق الحقّ ١١/ ٣٣٥. اُنظُر: بحار الأنوار ٤٥/ ١٨٧ نقلاً عن الخرائج والجرائح ٢/ ٥٨١ بتفاوت، خاصّة فيما يتعلّق بمصير الرأس الشريف.


صلب الرأس الشريف في دمشق!

روى الذهبي، عن حمزة بن يزيد الحضرمي أنّه قال: ( وقد حدّثني بعض أهلنا: أنّه رأى رأس الحسين مصلوباً بدمشق ثلاثة أيّام )(١) .

وقال الشبراوي: قال أبو الفضل: ( وبعد أن وصل الرأس الشريف إلى دمشق، وُضِع في طست بين يدي يزيد، وصار يضرب ثناياه الشريفة بقضيب، ثمّ أمر بصلبه، فصُلِب ثلاثة أيّام بدمشق )(٢) .

وذكر الباعوني: أنّ الرأس نُصب بدمشق ثلاثة أيّام، ثمّ وضِع بخزانة السلاح(٣) .

ونقل العلاّمة المجلسي: أنّ رأس الحسينعليه‌السلام صُلب بدمشق ثلاثة أيّام، ومكث في خزائن بني أُميّة(٤) .

هذا بالنسبة إلى أصل صلب الرأس الشريف في دمشق، وأمّا بالنسبة إلى مكان صلبه، ففيه روايتان:

١ - على باب مسجد دمشق:

روى الشيخ الصدوق وابن الفتّال، قالا: ( ثمّ أمر (يزيد) برأس الحسينعليه‌السلام ، فنُصِب على باب مسجد دمشق )(٥) .

٢ - على باب دار يزيد:

قال العلاّمة المجلسي: وقال صاحب المناقب: (وذكر أبو مخنف وغيره: أنّ

____________________

(١) سير أعلام النبلاء ٣/ ٣١٩.

(٢) الإتحاف بحُبّ الأشراف: ٦٩.

(٣) جواهر المطالب ٢/ ٢٩٩.

(٤) بحار الأنوار ٤٥/ ١٤٥.

(٥) أمالي الصدوق: ٢٣١ - عنه بحار الأنوار ٤٥/ ١٥٤ - روضة الواعظين ١/ ١٩١.


يزيد لعنه الله أمر بأن يصُلب الرأس على باب داره )(١) .

الرأس الشريف في بيت يزيد:

قال البلاذري: ( وبعث يزيد برأس الحسين إلى نسائه، فأخذته عاتكة ابنته، وهي أُمّ يزيد بن عبد الملك، فغسّلته ودهنته وطيّيبته، فقال لها يزيد: ما هذا؟!

قالت: بعثت إليّ برأس ابن عمّي شَعِثاً، فلممتُه وطيّيبته )(٢) .

إطافة الرأس الشريف في مدائن الشام:

قال القاضي نعمان: ( ثمّ أمر يزيد اللعين برأس الحسينعليه‌السلام ، فطيف به في مدائن الشام وغيرها )(٣) .

أوّل رأس حُمِل في الإسلام!

لقد حملوا رأس الحسينعليه‌السلام ، وقد صرّح المؤرِّخون بأنّه هو أوّل رأس حُمِل على رمح في الإسلام(٤) .

إسلام يهودي ببركة الرأس الشريف:

قال الخوارزمي: ( وروي أنّ رأس الحسينعليه‌السلام لما حُمِل إلى الشام، جنّ عليهم الليل، فنزلوا عند رجل من اليهود، فلما شربوا وسكروا قالوا له: عندنا رأس الحسين، فقال لهم: أروني إيّاه، فأروه إيّاه بصندوق يسطع منه النور إلى السماء،

____________________

(١) بحار الأنوار ٤٥/ ١٤٢.

(٢) أنساب الأشراف ٣/ ٤١٦.

(٣) شرح الأخبار ٣/ ١٥٩.

(٤) المعجم الكبير (للطبراني) ٣/ ١٣٤ ح٢٨٧٦؛ الردّ على المتعصّب العنيد: ٤٠؛ كشف الغمّة ٢/ ٥٤؛ مجمع الزوائد ٩/ ١٩٦؛ الجوهر الثمين: ٧٨.


فعجب اليهودي واستودعه منهم، فأودعوه عنده، فقال اليهودي للرأس - وقد رآه بذلك الحال: اشفع لي عند جدّك.

فأنطق الله الرأس وقال:( إنّما شفاعتي للمحمّديّين، ولست بمحمّدي! ) .

فجمع اليهودي أقرباءه، ثمّ أخذ الرأس ووضعه في طست، وصبّ عليه ماء الورد، وطرح فيه الكافور والمِسك والعنبر، ثمّ قال لأولاده وأقربائه: هذا رأس ابن بنت محمّد.

ثمّ قال: وا لهفاه! لم أجد جدّك محمّداً فأُسلم على يديه، ثمّ وا لهفاه! لم أجدك حيّاً فأُسلم على يديك، وأُقاتل دونك، فلو أسلمت الآن أتشفع لي يوم القيامة؟

فأنطق الله الرأس، فقال بلسانٍ فصيح:( إن أسلمت فأنا لك شفيع ) ، قالها ثلاث مرّات، وسكت، فأسلم الرجل وأقرباؤه.

قال: أقول: لعلّ هذا الرجل اليهودي كان راهب (قنسرين)؛ لأنّه أسلم بسبب رأس الحسينعليه‌السلام ، وجاء ذكره في الأشعار، وأورده الجوهري والجرجاني في مراثي الحسين )(١) .

رباب ترثي الحسين:

وعن تاريخ الفرماني: أنّ رباب بنت امرئ القيس رثت الحسينعليه‌السلام في الشام، بعد أن أخذت رأسه وقبّلته ووضعته في حجرها وهي تقول:

واحسيناً فلا نسيت حسيناً

أقصدته أسنّة الأعداء

غادروه بكربلاء صريعاً

لا سقى الله جانبي كربلاء (٢)

____________________

(١) مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي ٢/ ١١٥، ح٤٩ط دار أنوار الهدى - عنه إحقاق الحقّ ١١/ ٤٩٩؛ بحار الأنوار ٤٥/ ١٧٢ ح٢٠؛ العوالم ١٧/ ٤١٧، ح١٨.

(٢) تاريخ الفرماني: ٤، على ما في هامش شرح الأخبار ٣/ ١٧٨.


رأس الحسينعليه‌السلام عند يتيمته!

روى عماد الدِّين الطبري، عن كتاب الحاوية لقاسم بن محمّد بن أحمد المأموني: ( أنّ نساء أهل بيت النبوّة أخفين على الأطفال شهادة آبائهم، وقلن لهم: إنّ آباءكم قد سافروا إلى كذا وكذا، وكان الحال على ذلك المنوال حتّى أمر يزيد بأن يدخلن داره، وكان للحسينعليه‌السلام بنت صغيرة لها أربع سنين، قامت ليلة من منامها وقالت: أين أبي الحسين؟ فإنّي رأيته في المنام مُضطرباً شديداً.

فلما سمع النسوة ذلك بكين وبكى معهنّ سائر الأطفال، وارتفع العويل، فانتبه يزيد من نومه، وقال: ما الخبر؟

ففحصوا عن الواقعة وقصّوها عليه، فأمر لعنه الله بأن يذهبوا برأس أبيها إليها، فأتوا بالرأس الشريف وجعلوه في حجرها، فقالت: ما هذا؟!

قالوا: رأس أبيك! ففزعت الصَّبيَّة وصاحت، فمرضت وتوفّيت في أيّامها بالشام )(١) .

وفي (الإيقاد) للسيّد الجليل السيّد محمّد علي الشاه عبد العظيمي (رحمه الله)، عن العوالم وغيره ما مُلخّصه:

( إنّه كان للحسينعليه‌السلام بنت صغيرة يُحبّها وتُحبّه، وقيل: كانت تُسمّى رقيّة، وكان لها ثلاث سنين، وكانت مع الأسراء في الشام، وكانت تبكي لفراق أبيها ليلاً ونهاراً، وكانوا يقولون لها: هو في السفر(٢) .

فرأته ليلةً في النوم، فلما انتبهت جزعت جزعاً شديداً، وقالت: ايتوني بوالدي وقرّة عيني، وكلّما أراد أهل البيت إسكاتها ازدادت حزناً وبكاءً، ولبكائها هاج حزن أهل البيت، فأخذوا في البكاء، ولطموا الخدود، وحثّوا على رؤوسهم التراب، ونشروا الشعور، وقام الصياح، فسمع يزيد [صيحتهم وبكاءهم، فقال: ما الخبر؟

قيل له: إنّ بنت الحسين الصغيرة

____________________

(١) كامل البهائي ٢/ ١٧٩، عنه نفس المهوم؛ معالي السبطين ٢/ ١٧٠.

(٢) أي سفر الآخرة.


رأت أباها بنومنها، فانتبهت وهي تطلبه وتبكي وتصيح، فلما سمع يزيد ذلك ](١) ، فقال: ارفعوا إليها رأس أبيها، وحطّوه بين يديها تتسلّى.

فأتوا بالرأس في طبق مُغطّى بمنديل، ووضعوه بين يديها، فقالت: يا هذا(٢) ، إنّي طلبت أبي ولم أطلب الطعام.

فقالوا: إنّ هنا أباك!

فرفعت المنديل ورأت رأساً، فقالت: ما هذا الرأس؟!

قالوا: رأس أبيك.

فرفعت الرأس ووضعته(٣) إلى صدرها وهي تقول: يا أبتاه، مَن ذا الذي خضّبك بدمائك؟! يا أبتاه، مَن ذا الذي قطع وريدك(٤) ؟! يا أبتاه، مَن ذا الذي أيتمني على صغر سنّي؟ يا أبتاه، مَن لليتيمة حتّى تكبر؟! يا أبتاه، مَن للنساء الحاسرات؟ يا أبتاه، مَن للأرامل المسبيّات؟! يا أبتاه، مَن للعيون الباكيات؟! يا أبتاه، مَن للضائعات الغريبات؟! يا أبتاه، مَن للشعور المنشورات؟! يا أبتاه، مِن بعدك وا خيبتاه! يا أبتاه، مِن بعدك وا غربتاه! يا أبتاه، ليتني لك الفداء! يا أبتاه، ليتني قبل هذا اليوم عمياء! يا أبتاه، ليتني وسُدِّت(٥) التراب ولا أرى شيبك مُخضّباً بالدماء!

ثمّ وضعت فمها على فم الشهيد المظلوم، وبكت حتّى غُشي عليها، فلما حرّكوها فإذا هي قد فارقت روحها الدُّنيا، فارتفعت أصوات أهل البيت بالبكاء، وتجدّد الحزن والعزاء، ومَن سمع من أهل الشام بكاءهم بكى، فلم يُرَ في ذلك اليوم إلاّ باكٍ أو باكية، فأمر يزيد بغسلها وكفنها ودفنها )(٦) .

____________________

(١) أوردناه من معالي السبطين.

(٢) ما هذا / معالي السبطين.

(٣) وضمّته / معالي السبطين.

(٤) وريديك / معالي السبطين.

(٥) توسّدت / معالي السبطين.

(٦) الإيقاد: ١٧٩ ( ولكنّا لم نجده في عوالم البحراني في النسخة التي بأيدينا ). ورواه الشيخ الحائري المازندراني (معالي السبطين ٢/ ١٧٠) عنه وعن مُنتخب الطريحي، ولم نعثر عليه فيه أيضاً.


كلام حول السيّدة رقيّة:

إن قيل: إنّه ما كان للإمام الحسينعليه‌السلام إلاّ بنتان، وهما سكينة وفاطمة.

نقول: المرويّ وإن كان ذلك، ولكنّه ليس بمُتّفق عليه، فهناك بعض الروايات تدلّ على أنّ الإمامعليه‌السلام كان له بنات ثلاث بل - على قول - أربع.

قال الطبري الإماميّ: ( وله - أي للإمام الحسينعليه‌السلام - من البنات زينب، وسكينة، وفاطمة )(١) .

وممّن ذكر القول الآخر العلاّمة الأربلي، وابن الصبّاغ المالكي، فإنّهما قالا - واللفظ للأخير : ( قال الشيخ كمال الدِّين بن طلحة: كان للحسينعليه‌السلام من الأولاد ذكوراً وإناثاً عشرة، ستّة ذكور وأربع إناث، فالذكور: عليّ الأكبر، وعليّ الأوسط وهو زين العابدين، وعليّ الأصغر، ومحمّد، وعبد الله، وجعفر... وأمّا البنات: فزينب، وسكينة، وفاطمة، هذا قول المشهور )(٢) .

ولم يصرّح الأربلي وابن الصبّاغ باسم البنت الرابعة، فلعلّها هي التي عُرِفت باسم رقيّة في أوساط الناس.

إن قيل: لعلّها هي رقيّة بنت الإمام عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام .

قلنا: لكن لا يمكن الاعتماد عليه؛ لأنّ الروايات في شأنها على قسمين:

القسم الأوّل: ما تُصرّح بأنّها ماتت صغيرة، مثل ما ذكره سبط ابن الجوزي في قوله: ( وقد زاد ابن إسحاق في أولاد فاطمة من عليّعليه‌السلام : محسناً، مات صغيراً،

____________________

(١) دلائل الإمامة: ١٨١. وانظر: المناقب ٤/ ٧٧؛ الهداية الكبرى: ٢٠٢؛ كشف الغمّة ٢/ ٣٩؛ إسعاف الراغبين، المطبوع بهامش نور الأبصار: ١٩٥ (على ما في إحقاق الحقّ ١١/ ٤٥١).

(٢) الفصول المهمّة: ١٩٩. ونحوه في كشف الغمّة ٢/ ٣٨، وفيه: هذا قول مشهور، ثمّ قال: وقيل: كان له أربع بنين وبنتان، والأوّل أشهر.


وزاد الليث: رقيّة، ماتت صغيرة أيضاً )(١) .

فبناءً على هذا؛ لا يمكن القول: بأنّها المقصودة بالمقام؛ لأنّ الفاصل الزماني بين وفاة الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام وما بعد وقعة الطفّ يُخرجها عن كونها صغيرة! هذا إذا فرضنا أنّها ولِدت في آخر أيّام حياة الإمام عليّعليه‌السلام ، وإلاّ فإنّ المسألة أصعب.

القسم الثاني: ما تُصرّح بأنّها كبرت وتزوّجت من مسلم بن عقيل(٢) ، فإنّ المؤرِّخين ذكروا في عِداد أنصار الإمام الحسينعليه‌السلام الذين استُشهدوا معه في كربلاء عبد الله بن مسلم بن عقيل، وقد صرّحوا بأنّ أُمّه كانت رقيّة بنت عليّ بن أبي طالب.

صرّح بذلك ابن حبّان(٣) ، والقاضي نعمان(٤) ، والطبري(٥) عن أبي مخنف، وخليفة بن خياط(٦) ، وابن الأثير(٧) وغيرهم.

ولكن مع هذا لا يمكن القول: بأنّها المقصودة؛ وذلك لعدّة أُمور:

أوّلاً: لا نعلم بحضورها في وقعة الطف، ولكنّ القرائن تؤيّد حضورها؛ وذلك لأسباب مُتعدّدة مثل إرسال زوجها مسلم بن عقيل إلى الكوفة، وحضور أبنائها مع الحسينعليه‌السلام من البنات والذكور، فبطبيعة الحال هي تُلازم أخاها في

____________________

(١) تذكرة الخواص: ٣٢٢.

(٢) المجدي في الأنساب: ١٨.

(٣) كتاب الثقات ٢/ ٣١١.

(٤) شرح الأخبار ٣/ ١٩٥.

(٥) تاريخ الطبري ٤/ ٣٥٩.

(٦) تاريخ خليفة بن خيّاط: ١٤٥.

(٧) الكامل في التاريخ ٤/ ٩٣.


هذه المرحلة الحسّاسة والهامّة جدّاً.

ثانياً: ليس لنا دليل على وفاتها في الشام، بل هناك بعض الأخبار بوجود قبرها بمصر(١) ، - صرّح بذلك ياقوت الحموي وغيره(٢) ، وإلاّ فبطبيعة الحال تكون قد توفّيت بالمدينة.

ثالثاً: القرائن التي نُقلت في شأن وفاة هذه السيّدة، تختلف تماماً عمّا إذا كانت امرأة كبيرة، كما هو واضح.

أضِف إلى ذلك ما نُقل في شأن إصلاح قبر هذه السيّدة وكونها بنتاً صغيرة، روى الشيخ الحائري المازندراني قال: ( وقد أخبرني بعض الصلحاء: أنّ للسيّدة رقيّة بنت الحسينعليهما‌السلام ضريحاً بدمشق الشام، وأنّ جدران قبرها قد تعيّبت، فأرادوا إخراجها منه لتجديده، فلم يتجاسر أحد أن ينزله من الهيبة، فحضر شخص من أهل البيت يدعى السيّد ابن مرتضى، فنزل في قبرها ووضع عليها ثوباً لفّها فيه وأخرجها، فإذا هي بنت صغيرة دون البلوغ، وكان متنها مجروحاً من كثرة الضرب، وقد ذكرتُ ذلك لبعض الأفاضل، فحدّثني به ناقلاً له عن بعض أشياخه )(٣) .

رابعاً: تصريح بعض أرباب الكُتب، مثل ما نُقل عن كتاب مُنتخبات التواريخ لمحمّد أديب آل تقي الدِّين الحصني بقوله: ( ونُقل أيضاً أنّ السيّدة رقيّة بنت

____________________

(١) قيل: كذا ذكره الشعراني في الباب العاشر من المنن، انظر لطائف المنن والأخلاق: ٤٠٤، والدرّ المنثور لزينب فواز: ٢٠٦، كذا في هامش الإشارات إلى أماكن الزيارات: ٢٦.

(٢) مُعجم البلدان ٥/ ١٦٧ مادّة مصر رقم ١١٣٠٤؛ الإتحاف بحُبّ الأشراف: ٩٥؛ أعيان الشيعة ٧/ ٣٤.

(٣) معالي السبطين ٢/ ١٧١، وذكر تفصيل ذلك العلاّمة الحجّة محمّد هاشم الخراساني، عن السيّد محمّد علي الشامي سبط السيّد إبراهيم الدمشقي آل السيّد مرتضى، عن جدّه السيّد إبراهيم الذي باشر في أمر إصلاح القبر الشريف، وذكر أنّ القصّة جرت في حوالي سنة ١٢٨٠هـ، راجع كتاب مُنتخب التواريخ: ٣٨٨.


الإمام الحسين الصغيرة دفنت عند باب الفراديس )(١) .

وروي عن الشعراني في الباب العاشر من كتاب المنن: ( وأخبرني بعض الخواص: أنّ رقيّة بنت الحسينعليه‌السلام في المشهد القريب من جامع دار الخليفة أمير المؤمنين يزيد، ومعها جماعة من أهل البيت، وهو معروف الآن بجامع شجرة الدرّ، وهذا الجامع على يسار الطالب للسيّدة نفيسة، والمكان الذي فيه السيّدة رقيّة عن يمينه، ومكتوب على الحجر الذي ببابه هذا البيت:

بقعة شُرِّفت بآل النبيّ

وببنت الحسين الشهيد رُقيّة )(٢) .

وقد جُدِّد بناء قبر هذه السيّدة بعد انتصار الثورة الإسلامية، وإقامة الجمهورية الإسلامية في إيران بقيادة الإمام الخميني أعلى الله مقامه الشريف، وقد أصبح بناءً ضخماً، ورمزاً للتضحية والجهاد في سبيل الله وإعلاء كلمته.

إن قيل: هل هناك تصريح باسمها في ضمن كلمات الإمام الحسينعليه‌السلام ؟

يُقال: نعم، مثل ما ذكره السيّد ابن طاووس أنّه حينما أرادعليه‌السلام أن يودِّع أهله قال: يا أُختاه، يا أُمّ كلثوم، وأنت يا زينب، وأنت يا رقيّة، وأنت يا فاطمة، وأنت يا رباب، انظُرن إذا أنا قُتلِت فلا تُشقِّقن عليَّ جيباً، ولا تخمشن عليَّ وجهاً، ولا تقلن عليَّ هُجراً(٣) .

وما ذكره القندوزي أنّه نادى: يا أُمّ كلثوم، ويا سكينة، ويا رقيّة، ويا عاتكة، ويا زينب، ويا أهل بيتي عليكنّ منّي السلام(٤) .

وكلا الاحتمالين في شأنها ممكن، وإن كان ظاهر لحن خطاب ما ذكره السيّد

____________________

(١) مُنتخبات التواريخ، مراقد أهل بيت در شام [بالفارسية]: ٤٥.

(٢) معالي السبطين ٢/ ١٧١.

(٣) الملهوف: ١٤١.

(٤) ينابيع المودّة ٣/ ٧٩، عنه إحقاق الحقّ ١١/ ٦٣٣.


ابن طاووس: أنّه متوجّه إلى أُخته رقيّة بنت عليّعليه‌السلام ، ويمكن اعتبار هذا دليلاً آخر على حضورها في معركة الطفّ.

وصف مسكن أهل البيت في الشام:

روى الشيخ الصدوق (رحمه الله)، بإسناده عن فاطمة بنت علي (صلوات الله عليهما) أنّها قالت: ( ثمّ إنّ يزيد (لعنه الله) أمر بنساء الحسينعليه‌السلام فحُبسن مع عليّ بن الحسينعليهما‌السلام في محبس لا يُكنّهم من حرٍّ ولا قُرّ حتّى تقشّرت وجوههم )(١) .

وقال القاضي نعمان بعد ذكره بكاء يزيد!: ( وقيل: إنّ ذلك بعد أن أجلسهنّ في منزل لا يُكنّهن من برد ولا حرّ، فأقاموا شهراً ونصف، حتّى أقشرت وجوههنّ من حرّ الشمس، ثمّ أطلقهم )(٢) .

وقال ابن نما: (وأُسكِنَّ في مساكن لا تقيهنّ من حرّ ولا برد، حتّى تقشّرت الجلود وسال الصديد، بعد كَنِّ الخدور وظلِّ الستور، والصبر ظاعن والجزع مُقيم، والحزن لهنّ نديم )(٣) .

وقال السيّد ابن طاووس: (ثمّ أمر (يزيد) بهم إلى منزل لا يُكنّهم من حرّ ولا برد، فأقاموا فيه حتّى تقشّرت وجوههم )(٤) .

وقال الشيخ المفيد: ( ثمّ أمر (يزيد) بالنسوة أن يُنزلن في دار على حدة، معهنّ أخوهنّ عليّ بن الحسينعليهم‌السلام ، فأُفرد لهم دار تتّصل بدار يزيد، فأقاموا أيّاماً )(٥) .

____________________

(١) أمالي الصدوق: ٢٣١، مجلس ٣١، ح٢٤٣، عنه بحار الأنوار ٤٥/ ١٤٠ ونحوه في روضة الواعظين ١/ ١٩٢، وفيه مجلس بدل محبس، والظاهر كونه تصحيف.

(٢) شرح الأخبار ٣/ ٢٦٩.

(٣) مُثير الأحزان: ١٠٢.

(٤) الملهوف: ٢١٩. وروي مضمونه في تسلية المجالس ٢/ ٣٩٦.

(٥) الإرشاد ٢/ ١٢٢؛ إعلام الورى: ٢٤٩.


والمستفاد من بعض الأخبار - مضافاً إلى ما ذُكر - أنّ البيت كان خراباً بحيث كان يُخشى وقوعه عليهم.

روى صاحب (بصائر الدرجات)، بإسناده عن محمّد بن علي الحلبي قال: ( سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول: لما أُتي بعليّ بن الحسينعليه‌السلام يزيد بن معاوية - عليه لعائن الله - ومَن معه، جعلوه(١) في بيت، فقال بعضهم: إنّا جعلنا في هذا البيت ليقع علينا فيقتلنا. فراطن الحرس، فقالوا: انظروا إلى هؤلاء يخافون أن تقع عليهم البيت، وإنّما يخرجون غداً فيُقتلون، قال عليّ بن الحسينعليهما‌السلام :( لم يكن فينا أحد يُحسن الرطانة غيري، والرطانة عند أهل المدينة الروميّة ) )(٢) .

وروى الطبراني الإمامي، بإسناده عن يحيى بن عمران الحلبي قال: ( سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول: أُتي بعليّ بن الحسينعليهما‌السلام إلى يزيد بن معاوية ومَن معه من النساء أسرى، فجعلوهم في بيت، ووكّلوا بهم قوماً من العَجم لا يفهمون العربيّة، فقال بعض لبعض: إنّما جعلنا في هذا البيت ليُهدم علينا فيقتلنا فيه، فقال عليّ بن الحسينعليه‌السلام للحرس بالرطانة:( تدرون ما يقول هؤلاء النساء؟ يقلن: كيت وكيت ) ، فقال الحرس: قد قالوا إنّكم تخرجون غداً وتُقتلون، فقال عليّ بن الحسينعليه‌السلام :( كلاّ! يأبى الله ذلك ) ، ثمّ أقبل عليهم يُعلّمهم بلسانهم )(٣) .

رؤيا سكينة بنت الحسينعليه‌السلام بالشام:

قال ابن نما: (ورأت سكينة في منامها وهي بدمشق: كأنّ خمسة نُجب من نور قد أقبلت، وعلى كلّ نجيب شيخ والملائكة مُحدقة بهم، ومعهم وصيف

____________________

(١) جاء في رواية (دلائل الإمامة): (فجعلوهم في بيت)، وهو الأنسب.

(٢) بصائر الدرجات: ٣٣٨، باب ١٢، ح١، عنه بحار الأنوار ٤٥/ ١٧٧. وانظر: المناقب ٤/ ١٤٥.

(٣) دلائل الإمامة: ٢٠٤، ح١٢٥.


يمشي، فمضى النُّجب وأقبل الوصيف إليّ وقرب منّي وقال: يا سكينة، إنّ جدّك يُسلّم عليك.

فقلت: وعلى رسول الله السلام، يا رسول الله، مَن أنت؟

قال: وصيف من وصائف الجنّة.

فقلت: مَن هؤلاء المشيخة الذين جاءوا على النُّجب؟

قال: الأوّل آدم صفوة الله، والثاني إبراهيم خليل الله، والثالث موسى كليم الله، والرابع عيسى روح الله.

فقلت: مَن هذا القابض على لحيته يسقط مرّة ويقوم أُخرى؟

فقال: جدّك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فقلت: وأين هم قاصدون؟

قال: إلى أبيك الحسين.

فأقبلتُ أسعى في طلبه لأُعرِّفه ما صنع بنا الظالمون بعده، فبينما أنا كذلك إذ أقبلت خمسة هوادج من نور، في كلّ هودج امرأة.

فقلت: مَن هذه النسوة المقبلات؟

قال: الأُولى حوّاء أُمّ البشر، والثانية آسية بنت مزاحم، والثالثة مريم بنت عمران، والرابعة خديجة بنت خويلد، والخامسة الواضعة يدها على رأسها تسقط مرّة وتقوم أُخرى.

فقلت: مَن؟

فقال: جدّتك فاطمة بنت محمّد، أُمّ أبيك.

فقلت: والله، لأُخبرنّها ما صُنِعَ بنا.


فلحقتها ووقفت بين يديها أبكي وأقول: يا أُمّتاه، جحدوا - والله - حقّنا، يا أُمّتاه، بدّدوا - والله - شملنا، يا أُمّتاه، استباحوا - والله - حريمنا، يا أُمّتاه، قتلوا - والله - الحسين أبانا.

فقالت: كفُّي صوتك يا سكينة، فقد أقرحتِ كبدي، وقطّعت نياط قلبي، هذا قميص أبيك الحسين معي لا يُفارقني حتّى ألقى الله به.

ثمّ انتبهتُ وأردت كتمان ذلك المنام، وحدّثت به أهلي، فشاع بين الناس )(١) .

وذكر بعضه السيّد ابن طاووس، وروى عنها أنّها رأت ذلك في اليوم الرابع من مقامهم في الشام(٢) ، وذكره العلاّمة المجلسي بتفصيل أكثر عن بعض مؤلّفات أصحابنا مرسلاً(٣) .

مدّة إقامة أهل البيت في الشام:

لم نعثر على مَن صرّح بمدّة إقامتهم بالشام تحديداً من القدماء، إلاّ القاضي أبو حنيفة النعمان بن محمّد التميمي المغربي، المتوفّى سنة ٣٦٣ من الهجرة، فإنّه قال: ( فأقاموا فيه شهراً ونصف )(٤) ، ويقرب منه قول ابن طاووس حيث قال: (أقاموا فيه شهراً)(٥) ، وما عداه اكتفوا بذكر عنوان عام، مثل ما ذكره الشيخ المفيد بقوله: (فأقاموا أيّاماً)(٦) ، واعتمد عليه الطبرسي(٧) .

____________________

(١) مُثير الأحزان: ١٠٤، عنه بحار الأنوار ٤٥/ ١٤٠.

(٢) الملهوف: ٢٢٠، وفيه: أنّها قالت لجدّتها فاطمة الزهراءعليها‌السلام في المنام: يا أُمّتاه، جحدوا - والله - حقّنا، يا أمّتاه، بدّدوا - والله - شملنا، يا أُمّتاه، استباحوا - والله - حريمنا، يا أُمّتاه، قتلوا - والله - الحسين أبانا.

(٣) بحار الأنوار ٤٥/ ١٩٤.

(٤) شرح الأخبار ٣/ ٢٦٩.

(٥) إقبال الأعمال: ٥٨٩.

(٦) الإرشاد ٢/ ١٢٢.

(٧) إعلام الورى: ٢٤٩.


نعم، ذكر العلاّمة المجلسي عن بعض كُتب أصحابنا مُرسلاً، ما يُستفاد منه أنّ مدّة البقاء كانت زهاء عشرة أيّام، حيث قال: ( وندبوه على ما نُقل سبعة أيّام، فلما كان اليوم الثامن دعاهنّ يزيد وعرض عليهنّ المقام فأبين، وأرادوا الرجوع إلى المدينة، فأحضر لهم المحامل )(١) ، ولكنّ المأخذ غير معلوم؛ فلا يمكن الاستناد إليه.

وإذا اعتمدنا على ما رواه ابن سعد، من بعث يزيد إلى المدينة، وقدوم عدّة من ذوي السنّ من موالي بني هاشم عليه، وضمّه إليهم عدّة من موالي أبي سفيان، وبعث الأُسارى من آل البيتعليهم‌السلام معهم إلى المدينة(٢) فيكون البقاء - مع ملاحظة مدّة إرسال البريد إلى المدينة وإتيانهم منها إلى الشام - أكثر من ذلك حتماً.

حقائق أمْ أوهام؟

١ - قيل: إنّ يزيد أمر بالنسوة - من آل البيتعليهم‌السلام - أن ينزلن في دار على حدة، معهنّ ما يُصلحهنّ وأخوهنّ عليّ بن الحسين في الدار التي هنّ فيها(٣) .

وفيه: أنّ هذه الدار تختلف عن الدار الخربة، التي وصفت بكونها لا تُكنّهم من حرّ ولا برد، حتّى تقشّرت وجوههم(٤) ، بل هي دار نُقلوا إليها بعد أحداث مجلس يزيد، ويدلّ عليه ما أردفه الطبري بعد ذلك بقوله: فخرجن حتّى دخلن دار يزيد، فلم تبقَ من آل معاوية امرأة إلاّ استقبلتهنّ تبكي(٥) . فهي إمّا دار يزيد كما هو ظاهر

____________________

(١) بحار الأنوار ٤٥/ ١٩٦.

(٢) الطبقات الكبرى: ٨٤ ( ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام من القسم غير المطبوع ).

(٣) تاريخ الطبري ٣/ ٣٣٩ط دار الكتب العلمية بيروت وفي ط ٤/ ٣٥٣ ونحوه في نور الأبصار: ١٣٢.

(٤) أمالي الصدوق: ٢٣١؛ شرح الأخبار ٣/ ٢٦٩؛ روضة الواعظين ١/ ١٩٢؛ مُثير الأحزان: ١٠٢؛ الملهوف: ٢١٩؛ تسلية المجالس ٢/ ٣٩٦؛ بحار الأنوار ٤٥/ ١٤٠.

(٥) تاريخ الطبري ٣/ ٣٣٩.


نقل الطبري، وتصريح آخرين بقولهم: إنّ يزيد أنزلهم في داره الخاصّة(١) ، أو دار تتّصل بدار يزيد، كما مرّ ذلك عن المفيد(٢) والطبرسي(٣) ، فما عن بعضٍ، من توصيف منزلهم بالحسن والصلاح! فغير صحيح، والمنقول من ذلك محمول على ما ذُكِر، ويؤيّده ما قاله السيّد محمّد بن أبي طالب بقوله: ( روي أنّ اللعين لما خشي شقّ العصا وحصول الفتنة، أخذ في الاعتذار والإنكار لفعل ابن زياد، وإبداء التعظيم والتكريم لعليّ بن الحسينعليهما‌السلام ، ونقل نساء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى داره الخاصّة، وكان لا يتغدّى ولا يتعشّى إلاّ مع سيّدنا سيّد العابدين )(٤) .

٢ - قيل: إنّ يزيد ما كان يتغدّى ويتعشّى حتّى يحضر معه عليّ بن الحسينعليهما‌السلام (٥) .

وفيه - إن صحّ ذلك -: أنّه لم يكن إلاّ بعد تغيُّر المعادلة وانقلاب الأمر عليه، قام به حفظاً للظاهر سياسةً منه وخوفاً من الفتنة، وأمّا في الخفاء والواقع، فقد عرفت غير مرّة أنّه هو الذي همَّ بقتل الإمام زين العابدينعليه‌السلام وأراد اغتياله، وهو الذي كشف عن خبث باطنه وسوء سريرته، عند مُحادثته مع الإمامعليه‌السلام .

٣ - قيل: إنّ يزيد طلب من عليّ بن الحسينعليه‌السلام أن يُصارع ولده خالداً(٦) .

____________________

(١) مقتل الخوارزمي ٢/ ٧٤؛ تسلية المجالس ٢/ ٣٩٩، بحار الأنوار ٤٥/ ١٤٣.

(٢) الإرشاد ٢/ ١٢٢.

(٣) إعلام الورى: ٢٤٩.

(٤) تسلية المجالس ٢/ ٤٥٧.

(٥) مقتل الخوارزمي ٢/ ٧٤؛ المنتظم ٥/ ٣٤٤، تاريخ الطبري ٤/ ٣٥٣؛ الكامل في التاريخ ٤/ ٧؛ تسلية المجالس ٢/ ٣٩٩؛ البداية والنهاية ٨/ ١٩٧.

(٦) مقتل الخوارزمي ٢/ ٧٤؛ المناقب ٤/ ١٧٢ (عن الطبري والبلاذري)؛ الاحتجاج ٢/ ١٣٤ عنه بحار الأنوار ٤٢/ ١٦٢.


وهذا أيضاً خطأ وغير صحيح قطعاً، وإن صحّ مضمون الخبر، فهو في شأن عمرو بن الحسن، الذي ذكره أصحاب السير والتواريخ، منهم ابن سعد في طبقاته، قال: ثمّ دعا بعليّ بن حسين وحسن بن حسن وعمرو بن حسن، فقال لعمرو بن حسن - وهو يومئذٍ ابن إحدى عشرة سنة -: أتُصارع هذا؟ يعني خالد بن يزيد، قال: لا، ولكن أعطني سكّيناً وأعطِه سكّيناً حتّى أُقاتله.

فضمّه إليه يزيد وقال:

شنشنة أعرفها من أخزم

هل تلد الحيَّة إلاّ حيَّة(١)

ومنه يظهر أنّ ما في بعض الكتب(٢) ، من كونه عمرو بن الحسين، بدل عمرو بن الحسن تصحيف؛ إذ لا نعلم بولَد لهعليه‌السلام بهذه الاسم، مضافاً إلى أنّه لم يبقَ من ذرّيته الطاهرة إلاّ الإمام عليّ بن الحسينعليه‌السلام .

والذي يغلب على الظنّ - أنّ عمّال بني أميّة دسّوا هذه الأُمور، ونشروها بين أوساط الناس، بعدما رأوا تأثير كلام الإمامعليه‌السلام في قلب عاصمة حكومة بني أُميّة السوداء، أو أنّه حصل من سهو الكُتّاب.

وأمّا البيت الذي تمثّل به يزيد، فهناك بعض الخلاف في كيفيّته، روى الخوارزمي أنّه قال:

شنشنة أعرفها من أخزم

هل تلد الحيَّة إلاّ حيَّة(٣)

وروى ابن الجوزي: ( سنَّة أعرفها من أحرم )(٤) ، وجاء في نسخة من كتابه كما

____________________

(١) الطبقات الكبرى ( ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام من القسم غير المطبوع ): ٨٤. انظر أيضاً: تاريخ الطبري ٤/ ٣٥٣؛ الكامل في التاريخ ٤/ ٨٧؛ مثير الأحزان: ١٠٥، (وفيه: عمر بن الحسن بدل عمرو، وأيضاً في أنّ يزيد قال قبل إنشاده البيت: ما تتركون عداوتنا صغاراً وكباراً )؛ الملهوف: ٢٢٣.

(٢) الأخبار الطوال: ٢٦١؛ المنتظم ٥/ ٣٤٤؛ البداية والنهاية ٨/ ١٩٧؛ نور الأبصار: ١٣٢.

(٣) مقتل الخوارزمي ٢/ ٧٤.

(٤) المنتظم ٥/ ٣٤٤.


في الطبقات وفي نور الأبصار: ( وهل تلد الحيّة إلاّ الأحوية )(١) .

وفي المناقب:

هذا من العصا عصيّة

هل تلد الحيّة إلاّ الحيّة

ثمّ قال: وفي كتاب الأحمر قال: أشهد أنّك ابن علي بن أبي طالب(٢) .

وفي الاحتجاج أنّه قال: لا تلد الحيّة إلاّ الحيّة

أشهد أنّك ابن عليّ بن أبي طالب(٣) .

وأصل البيت هو - كما عن ابن الكلبي - لأبي أخزم الطائي وهو جدّ أبي حاتم أو جدّ جدّه، وكان له ابن يقال له: أخزم. وقيل: كان عاقّاً، فمات وترك بنين، فوثبوا يوماً على جدّهم أبي أخزم فأدموه، فقال:

إنّ بنيَّ ضرّجوني بالدم

شنشنة أعرفها من أخزم

يعني هؤلاء أشبهوا أباهم في العقوق، والشنشنة: الطبيعة والعادة.. يُضرب في قرب الشبه(٤) .

٤ - قيل: ( إنّ فاطمة بنت علي قالت لامرأة يزيد: (ما تُرك لنا شيء). فالتفت يزيد فقال: (ما أتى إليهم عظيم)، ثمّ ما ادّعوا شيئاً ذهب لهم إلاّ أضْعَفَه لهم )(٥) .

____________________

(١) نور الأبصار: ١٣٢.

(٢) المناقب ٤/ ١٧٣.

(٣) الاحتجاج ٢/ ١٣٤.

(٤) مجمع الأمثال ١/ ٣٧٥ (رقم ١٩٣٣).

(٥) الطبقات الكبرى (ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام من القسم غير المطبوع): ٨٣؛ ونحو ما روي عن فاطمة بنت الحسينعليهما‌السلام أنّها قالتها لأُمّ كلثوم زوج يزيد. أُنظر عبرات المصطفين ٢/ ٢٨٩ عن مخطوطة مرآة الزمان: ١٠٠.


ومن هذا القبيل ما رواه ابن الأثير بقوله: (وسألهنّ - أي يزيد - عمّا أُخذ منهنّ فأضعفه لهنّ(١) . وما رواه الطبري وابن كثير: وأرسل يزيد إلى كلّ امرأة ماذا أُخِذ؟ وليس منهنّ امرأة تدّعي شيئاً بالغاً ما بلغ إلاّ قد أضعفه لها )(٢) .

ففي جميع ذلك أنّه:

أوّلاً: لا نُسلّم بصحّة الخبر، فشأن أهل البيت - الذين هم أهل بيت الحميّة والغيرة وأرباب العزّة والمنعة - أعلى وأرفع من أن يطلبوا من رجل خبيث سيّئ السيرة والسريرة شيئاً، فما هي إلاّ مُفتعلات وموضوعات، وضعها أنصار بني أُميّة حقداً على أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وبُغضاً لهم.

وثانياً: على فرض التسليم بها، فإنّ مُطالبة أهل البيت ما كانت لأجل الحصول على أمور مادّية، بل هناك في ضمن ما سُلب منهم بعض مواريث آل البيت الخاصّة، وخاصّةً ما يتعلّق بفاطمة الزهراء (سلام الله عليها)(٣) ، وهذا أمرٌ لا يُعوّض بأيّ شيء.

وثالثاً: من الممكن أنّ بعض نساء آل البيت نقلن تلك الأُمور، لأجل تبيين عمق الفاجعة والمأساة التي جرت في كربلاء، حتّى يبقى في التاريخ ويُذكر على الألسن، لا أن يكون المقصود مطالبة شيء منها.

ورابعاً: يحقّ لكلّ أحد غُصِبَ ماله أن يُطالب به، وليس في ذلك أيّ نقيصة، ولكن المسائل التي ضمّتها هذه الروايات أوجبت أن نتأمّل في قبولها، فإنّ هناك أغراضاً سياسيّة فاسدة، لا يمكن التغاضي عنها.

٥ - إنّ المتتبّع في أحداث كربلاء، يجد روايات تُريد أن تمرّ على القضايا

____________________

(١) الكامل في التاريخ ٤/ ٨٦.

(٢) تاريخ الطبري ٤/ ٣٥٥؛ البداية والنهاية ٨/ ١٩٨.

(٣) الملهوف: ٢٢٢.


مروراً سريعاً، غامضة العين، كأنّه لم يحدث شيء! أو أنّه انتهى بالخير والسلامة! نذكر بعضه:

روى الذهبي، بإسناده عن عمرو بن دينار قال: (حدّثنا محمّد بن علي عن أبيه قال:( قُتِل الحسين وأُدخلنا الكوفة فلقيَنا رجل، فأدخلنا منزله، فألحفنا! فنمتُ، فلم أستيقظ إلاّ بحسّ الخيل في الأزقّة، فحُملنا إلى يزيد، فدمعت عينه حين رآنا، وأعطانا ما شئنا! وقال: إنّه سيكون في قومك أمور، فلا تدخل معهم... ) (١) .

إنّ الناظر الجاهل بالحقائق حينما يقرأ الخبر، يتصوّر أنّ راويه يقصّ عن سفر فحسب! ولم يحدث أيّ خبر في الكوفة، لا من السجن ولا أحداث مجلس عبيد الله بن زياد، ولم يحدث في الطريق إلى الشام أيُّ أمر، ووصلوا بالخير والسلامة الشام، وتأثّر يزيد، بحيث دمعت عينه!

ولا نعلم كيف يُتصوّر إمكان أن يأخذ رجلٌ بقيّة الركب إلى منزله، والحراسة مُشدّدة عليهم من قِبل ابن زياد؟!

وروى الطبراني - بعد ذكر بعض أحداث مجلس يزيد ومُحادثة الإمامعليه‌السلام معه - قال: ( فجعلت فاطمة وسكينة يتطاولان لتريا رأس أبيهما، وجعل يزيد يتطاول في مجلسه ليستر عنهما رأس أبيهما، ثمّ أمر بهم فجُهّزوا وأُصلح إليهم وأُخرجوا إلى المدينة )!(٢) .

وهناك بعض الأخبار التي هي على هذا المنوال، فكلّ هذه الروايات إمّا أن تكون بيان قطعة ناقصة من الحادثة، وإمّا أن تكون لأجل تحريف التاريخ عن حقائقه.

____________________

(١) سير أعلام النبلاء ٣/ ٣٢٠.

(٢) المعجم الكبير للطبراني ٣/ ١٠٩/ ح٢٨٠٦.


المظلوم ينتصر

غلبة الدم على السيف!

حصلت المعركة، ووقعت الملحمة في أرض الطف، ولكنّها لم تنتهِ فصولها.

أجل، سقط قائد النهضة صريعاً على الثرى، وذُبِح عطشاناً من القفا، ورُفِع رأسه الشريف على السنا، ولكنّ المعركة لم ولن تنتهي.

أرادوا أن يحكموا - بالظاهر -: بأنّ الخليفة! هو الظافر، كيف لا، وقد قُتل قائد المسيرة، وسُبي أهله الذين حُملوا مع رؤوس الشهداء أُسارى من بلد إلى بلد، حتّى وصلوا بهم إلى عاصمة المملكة، وأهلها فرحون مُستبشرون، زاعمون أنّ ذلك أمارة الغلبة والظَّفَر؟!

نعم، إنّهم ارتكبوا المجازر التي تشمئزّ منها القلوب، وفعلوا ما يُقرح الأكباد، ولكنّهم نسوا شيئاً واحداً، وهو أنّه هناك سنّة الله وإرادته التي تغلب كلّ شيء!

أرادوا أن يُطفئوا نور الله بأفواههم، وأبى الله ذلك:( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (١) ، وقال سبحانه وتعالى:( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (٢) .

أرادوا أن يغلبوا حجّة الله وقد قال سبحانه وتعالى:( كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ) (٣) .

تخيّلوا أنّ الغلبة بالعدد والعُدّة فقط، وقد نسوا قوله تعالى:( ... كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ... ) (٤) .

____________________

(١) التوبة: ٣٢.

(٢) الصف: ٨.

(٣) المجادلة: ٢١.

(٤) البقرة: ٢٤٩.


ومن هذا المنطق، ننطلق إلى سنّة إلهيّة ثابتة في ساحة صراع الحقّ مع الباطل، وهي انتصار الحقّ على الباطل، لقد غلب الدمُ السيفَ؛ لأنّ الله يقول:( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ) (١) ، وقال تعالى: ( ... فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ) (٢) .

كيف انقلبت المعادلة؟

إنّ مسألة انقلاب المعادلة، وتغيُّر الأوضاع، وتبدُّل كَفَّتي الموازنة لم تحصل دُفعة ودونما مقدّمات، بل هي حصيلة جهود كثيرة، ونتيجة مُقاساة شدائد صعبة، تحمّلها أهل بيت الحسينعليه‌السلام ، وعلى رأسهم سيّد المتهجِّدين وزين العابدين عليّ بن الحسينعليه‌السلام ، والسيّدة العقيلة زينب الكبرى (سلام الله عليها). وابتدأت تلك الجهود بعد استشهاد الإمام الحسينعليه‌السلام مباشرة، واستمرّت في الكوفة وفي الطريق إلى الشام، وأثمرت في دمشق، وامتدّت حتّى وصلت إلى بيت الطاغي ابن الباغي يزيد بن معاوية، بحيث زعزعت أركان حكومته من الداخل والخارج.

هذا ما سنتناوله في هذه المرحلة، ونُركّز على بعض جوانبه، وننظر إلى بعض زواياه.

نظرة إلى دور الإمام زين العابدينعليه‌السلام :

لقد رأينا موقف الإمامعليه‌السلام تجاه المسائل العديدة التي حصلت بعد عاشوراء إلى زمان دخوله الشام - لا سيّما ما جرى في الشام - ولقد ذكرنا شواهد مُتعدِّدة على دور الإمام البارز على صعيد الشعب والحكومة والشخصيات.

فقد تمكّن الإمامعليه‌السلام أن يُكسِّر الحواجز، ويُهدِّم الموانع التي فرضتها السلطة

____________________

(١) الصافات: ١٧١ - ١٧٣.

(٢) المائدة: ٥٦.


الطاغية، ويعبر جميع ذلك، ويقوم بكسر الحواجز الإعلامية المفروضة على الناس، ويُبيِّن الحقائق التي أُخفيت عليهم.

فتارةً يرى الإمامعليه‌السلام أُناساً ساذجين قلبوا الأمر عليهم، فيواجههم برحابة صدره الشريف، كما حصل ذلك مع الشيخ الشامي، الذي حمد الله على قتل الحسينعليه‌السلام وأهله! - في البدية - ولكنّه حينما يسمع آيات قرآنية نازلة في شأن آل بيت رسول الله - كآية التطهير والمودّة في القربى وغيرها - يرجع إلى فطرته السليمة ويقول: اللّهمَّ، إنّي تائب إليك ممّا تكلّمته ومن بُغض هؤلاء القوم! اللّهمَّ، إنّي أبرأ إليك من عدوّ محمّد وآل محمّد من الجنّ والإنس(١) .

ولم يتحمّل يزيد ذلك، فأمر بقتل ذلك الشيخ الشامي(٢) .

إنّ التمسّك بالقرآن والاستدلال به، هو أحسن طريق اتّخذه الإمامعليه‌السلام للاحتجاج به في هذا المقطع؛ لأنّهم - كما ذكرنا - منعوا نشر أحاديث فضل أهل البيتعليهم‌السلام منعاً كاملاً، كما وضعوا في قبالها أحاديث في شأن مبغضيهم!

فتارةً نرى الإمام إذا واجه الطاغية، قابله وهاجمه بقوّة الإيمان، وصلابة البيان، وإقامة البرهان، بحيث لم يُبقِ له إلاّ الخزي والخسران، ثمّ أوعده بالنيران؛ لأنّه تابع إمامه الذي ليس هو إلاّ الشيطان، ولكونه ثمرة عبدة الأوثان.

فلذلك واجهه بهذا الكلام:( أنشدك بالله - يا يزيد -، ما ظنّك برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لو رآنا مقرَّنين في الحبال؟! أما كان يرقُّ لنا؟! ) .

فأمر يزيد بالحبال فقُطعت، وعُرِف الانكسار فيه(٣) ، فلم

____________________

(١) الفتوح ٢/ ١٨٣؛ تفسير فرات الكوفي: ١٥٣ ح١٩١؛ أمالي الصدوق: ٢٣٠؛ روضة الواعظين ١/ ١٩١؛ الاحتجاج ٢/ ١٢٠؛ مقتل الخوارزمي ٢/ ٦١؛ بحار الأنوار ٤٥/ ١٥٤ و١٦٦.

(٢) الملهوف: ٢١١؛ تسلية المجالس ٢/ ٣٨٤.

(٣) الطبقات الكبرى: ٨٣؛ الردّ على المتعصّب العنيد: ٤٩؛ تذكرة الخواص: ٢٦٢؛ الكامل في التاريخ ٤: ٨٦؛ تاريخ دمشق ١٩/ ٤٩٣؛ مُثير الأحزان: ٩٨؛ الملهوف: ٢١٣؛ جواهر المطالب ٢/ ٢٩٤.


يبقَ في القوم إلاّ مَن بكى(١) .

وحينما استشهد يزيد - المدّعي خلافة رسول الله - ببيت لشاعر جاهلي يُجيبه الإمامعليه‌السلام بآية قرآنية، فيثقل ذلك على يزيد(٢) ، ولم يجد إلاّ أن يلتجئ لآية شريفة في غير موقعها، فيُثبت الإمامعليه‌السلام له وللجميع عدم فقهه بالقرآن، وعدم دركه معناه(٣) ، هذا وهو مدّعي الخلافة الإسلاميّة!

ومع الأسف الشديد، فإنّ كثيراً من المؤرّخين لم يذكروا هذه القطعة الأخيرة!

هذا جانب ممّا نُقل عن نشاط الإمامعليه‌السلام ، على صعيد مواجهة الطاغوت ومُجابهته، وكسر كبريائه وسطوته، وكذا الأمر بالنسبة إلى مقابلة الإمامعليه‌السلام مع بعض الأشخاص، سواء كانوا من الساذجين المنخدعين منهم - كما مرّ في قصّة الشيخ الشامي - أو غيرهم مثل ما ذُكِر حول تكلّم الإمامعليه‌السلام مع مكحول صاحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (٤) أو منهال(٥) .

وأمّا على الصعيد الشعبي العام، فنجد ذروة ذلك في خطبته الغرّاء، التي أُلقيت أمام حشد الجماهير مع حضور يزيد الملعون، ولقد بسطنا القول في تأثير الخُطبة وصداها فراجِعْ (٦) ، ونكتفي بذكر ما أورده السيّد محمّد بن أبي طالب عند ذكره الخُطبة، قال: ( فلم يزل يقول: أنا. حتّى ضجّ الناس بالبكاء والنحيب والأنين، وخشي يزيد اللعين أن تكون فتنة، فأمر المؤذِّن فقال: اقطع عليه الكلام )(٧) .

____________________

(١) تذكرة الخواص: ٢٦٢.

(٢) المعجم الكبير للطبراني ٣/ ١٠٩، ح٢٨٠٦؛ تاريخ مدينة دمشق ١٩/ ٤٩٣؛ سير أعلام النبلاء ٣/ ٣١٩؛ تاريخ الإسلام: ١٨؛ مجمع الزوائد ٩/ ١٩٥.

(٣) تفسير القمّي ٢/ ٣٥٢؛ الفصول المهمّة: ١٩٥.

(٤) الاحتجاج ٢/ ١٣٤؛ عنه بحار الأنوار ٤٥/ ١٦٢.

(٥) تفسير القمّي ٢/ ١٣٤؛ الفتوح ٢/ ١٨٧؛ تفسير فرات الكوفي: ١٤٩؛ مقتل الخوارزمي ٢/ ٧١.

(٦) أُنظر مبحث (نظرة خاطفة في الخُطبة وصداها) في هذا الكتاب.

(٧) تسلية المجالس ٢/ ٣٩٥.


ومن هنا نعلم ما هو السرّ وراء قيام يزيد بحبس الإمامعليه‌السلام (١) ، أو أمره باغتياله(٢) ، واقتراح بعض الصحابة!(٣) ومشاوريه(٤) ذلك.

وهذه الشواهد المتقنة تؤيّد مدى نجاح نشاط الإمامعليه‌السلام وعمله في جوانب مُتعدّدة.

نظرة إلى دور زينب الكبرىعليها‌السلام :

لقد قامت السيّدة العقيلة زينب الكبرى - سلام الله عليها - بواجبها الرسالي، امتداداً للنهضة الحسينيّة، وتجسيداً رائعاً لقيمها الراقية وأهدافها السامية.

إنّها بنت علي وفاطمة.

إنّها أُخت الحسنين.

إنّها التي تغذَّت في حِضن النبوّة، وتربّت في كَنف الولاية.

وهي التي رأت مصائب لم ولن يرى مثلها أحد!

لقد رأت بالأمس مظلوميّة جدّها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في آخر أيّام حياته.

ثمّ رأت مظلوميّة أُمّها الصدّيقة الشهيدة فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) وكيف كُسِر ضلعها(٥) ، وأُحِرق باب دارها(٦) ، وهي التي حضرت المسجد مع أُمّها ونقلت تلك الخُطبة الغرَّاء التي ألقتها أُمّهاعليها‌السلام (٧) .

____________________

(١) المناقب ٤/ ١٧٣؛ أمالي الصدوق: ٢٣١؛ بصائر الدرجات: ٣٣٩؛ بحار الأنوار ٤٥/ ١٤٠.

(٢) بحار الأنوار ٤٥/ ١٦٨ و٢٠٠؛ المناقب ٤/ ١٧٣.

(٣) تاريخ مدينة دمشق ١٩/ ٤٢٠.

(٤) إثبات الوصيّة: ١٤٥؛ البداية والنهاية ٨/ ١٩٨.

(٥) كتاب سليم بن قيس الهلالي: ٤٠؛ الاحتجاج ١١/ ٢١٢، ولقد أخبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بوقوع ذلك، اُنظُر أمالي الصدوق: ١٧٦ ح١٧٨؛ إرشاد القلوب: ٢٩٥؛ فرائد السمطين ٢/ ٣٥؛ نوادر الأخبار: ١٦١.

(٦) إثبات الوصيّة: ١٢٤.

(٧) الاحتجاج ١/ ٢٥٣، وانظر: بلاغات النساء: ١٩؛ معاني الأخبار: ٣٥٤؛ أمالي الطوسي: ٢٣٨؛


وبذلك تعلّمت كيف تواجه الحُكّام الظلمة، بقوّة البيان، وصلابة الإيمان، وإذا أردْتَ أن تعلم جذور خُطب زينب، فارجِع البصر إلى ما بعد وفاة الرسول، تجدها ترجع إلى خُطبة أُمّها الزهراء البتول (سلام الله عليها).

ثمّ رأت غربة أبيها المظلوم عليّ بن أبي طالب واستشهاده، ثمّ الحسن عليهم (سلام الله جميعاً).

أمّا اليوم، فقد أصبحت بطلة المعركة الكبرى، ولقد أدّت واجبها بأحسن وجه، وعبر مواقف؛ منها:

١ - متابعتها لإمام زمانها وابن أخيها عليّ بن الحسينعليه‌السلام ، الذي عرّفته أمام يزيد بقولها هو المتكلِّم(١) .

٢ - وقوفها الصلب أمام الطاغية يزيد.

٣ - تأثير كلامها في أوساط المجتمع الشامي، وخاصّة في مجلس يزيد.

٤ - تأثيرها البالغ في قلب العاصمة وفي بيت يزيد، كما يأتي تفصيل ذلك.

٥ - موقفها العاطفي أمام رأس أخيها الحسين، بحيث قلبت المجلس، إلى حدٍّ قالوا: فأبكت - والله - كلّ مَن كان(٢) .

٦ - إلقاء خطبتها الغرّاء في مجلس يزيد، التي تضمّنت معاني عالية، ومضامين راقية، وبراهين مُتقنة، ولقد بسطنا القول في شأنها.

____________________

كشف الغمّة ٢/ ١١٤؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٦/ ٢٣٣؛ أعلام النساء ٤/ ١٢٨؛ إحقاق الحقّ ١٠/ ٣٠٦؛ بحار الأنوار ٤٣/ ١٥٩.

(١) المناقب ٤/ ١٧٣.

(٢) الاحتجاج ٢/ ١٢٣.


نظرة إلى دور سائر أهل البيتعليهم‌السلام وأثره:

لقد ذكرنا مواقف صلبة من أهل البيتعليهم‌السلام ، في مواضع مُختلفة، ومواطن مُتعدّدة:

منها: الموقف الذي اتّخذته أُمّ كلثوم أمام طلب الرجل الشامي من يزيد(١) .

ومنها: ما قامت به سكينة في تعريف هذه الأُسرة الطاهرة بقولها: ( نحن سبايا آل محمّد )(٢) ، فهذا الكلام يُثير سؤالاً في أذهان الناس، فحواه: أنّه لو كانوا هم من آل محمّد، فلماذا السبي؟! وهل هذه هي المودّة في القُربى التي جعلها الله أجراً لجدّهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟!

وهي التي كشفت القناع عن باطن يزيد بقولها: ( والله، ما رأيت أقسى قلباً من يزيد، ولا رأيت كافراً، ولا مشركاً شرّاً منه، ولا أجفى منه! )(٣) .

وهي التي أذلّت يزيد بقولها: يا يزيد، بنات رسول الله سبايا؟!(٤) .

ومنها: الموقف الذي اتّخذته فاطمة بنت الحسينعليه‌السلام ، بحيث حينما دخلوا بيت يزيد ما وجدوا فيهنّ سفيانيّة إلاّ وهي تبكي(٥) .

قال ابن نما: ( وقالت فاطمة بنت الحسين: يا يزيد، بنات رسول الله سبايا؟! فبكى الناس وبكى أهل داره حتّى علت الأصوات )(٦) .

____________________

(١) بحار الأنوار ٤٥/ ١٣٧.

(٢) قُرب الإسناد ٢٦/ ٨٨، عنه بحار الأنوار ٤٥/ ١٦٩ ح١٥.

(٣) أمالي الصدوق: ٢٣٠، عنه بحار الأنوار ٤٥/ ١٥٤.

(٤) الطبقات الكبرى: ٨٣؛ سير أعلام النبلاء ٣/ ٣٠٣.

(٥) العقد الفريد ٥/ ١٣٢؛ مُثير الأحزان: ٩٩؛ شرح الأخبار ٣/ ٢٦٨؛ تاريخ الطبري ٤/ ٣٥٥؛ الكامل في التاريخ ٤/ ٨٦؛ البداية والنهاية ٨/ ١٩٧.

(٦) مُثير الأحزان: ٩٩.


وكذا ما روي في شأن عمرو بن الحسن، حينما طالبه يزيد المصارعة مع ولَده خالد(١) .

فإنّ المتأمِّل في جميع ذلك - وهو شيء قليل ممّا وصل بأيدينا، وما أخفته الأعداء حقداً وبغضاً وحسداً أكثر، والله العالم - يجد أنّ هذه المسيرة حقّقت أهدافها، ووصلت إلى بُلغتها، ونالت مُناها من استيقاظ الناس وكشف النقاب عن سريرة أصحاب الزمرة الطاغية، وإصلاح أمر الأُمّة؛ لكي تكون معركة كربلاء أعظم وأشرف معارك الحقّ ضدّ الباطل على مدى الدهور والأعصار.

نظرة إلى مواقف بعض الصحابة:

لقد ذكرنا في مطاوي الأبحاث السابقة، أنّ بعض الصحابة كان لهم الدور الإيجابي تجاه الفاجعة العُظمى التي حصلت في أرض كربلاء، وجرى الحق على ألسنتهم، وتكلّموا بالواقع، واتّخذوا مواقف جليلة، ولا نعني بذلك تبرئتهم عن عدم نصرتهم الحسينعليه‌السلام ، بل المقصود أنّ اتّخاذ هذا الموقف نفسه قد أثّر في أوساط الناس وانقلاب المعادلة، ومن هؤلاء:

١ - سهل بن سعد، فهو الذي قال هذه الكلمة - حينما علم بورود سبايا أهل البيت الشام ومعهم رأس الحسينعليه‌السلام -: وا عجباه! يُهدى رأس الحسين والناس يفرحون؟!(٢) .

٢ - واثلة بن الأسقع، فإنّه لما سمع أنّ رجلاً من أهل الشام قام بلعن الحسين وأبيه(عليه ما السلام) - وقد جيء برأسه الشريف - قال: والله، لا أزال أُحبّ عليّاً والحسن

____________________

(١) الطبقات الكبرى: ٨٤ (ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام من القسم غير المطبوع )؛ تاريخ الطبري ٤/ ٣٥٣؛ الكامل في التاريخ ٤/ ٧٨؛ مُثير الأحزان: ١٠٥؛ الملهوف: ٢٢٣.

(٢) مقتل الخوارزمي ٢/ ٦٠؛ تسلية المجالس ٢/ ٣٧٩؛ بحار الأنوار ٤٥/ ١٢٧.


والحسين وفاطمة بعد أن سمعت رسول الله (صلَّى الله عليه وسلَّم) يقول فيهم ما قال...(١) .

٣ - أبو برزة الأسلمي، هو الذي اعترض على يزيد حينما رآه ينكت رأس الحسينعليه‌السلام بالخيزران بقوله: يا يزيد، ارفع قضيبك، فوالله، لطالما رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يُقبِّل ثناياه(٢) .

ولقد بسطنا القول في تفصيل ذلك عند ذكر مجلس يزيد، فراجِع.

٤ - زيد بن أرقم، فإنّه اتّخذ موقفاً مُشابهاً لموقف أبي برزة الأسلمي بقوله: كُفّ عن ثناياه، فطالما رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يُقبّلها.

فقال يزيد: لو لا أنّك شيخ خَرِفت لقتلتك(٣) .

وإليه أشار السيّد الحميري في أشعاره(٤) .

٥ - النعمان بن بشير، قيل: إنّه ممّن استنكر فعل يزيد في مجلسه(٥) .

وروى الخوارزمي، بإسناده عن عكرمة بن خالد قال: ( أُتي برأس الحسين إلى يزيد بن معاوية بدمشق فنُصب، فقال يزيد: عليَّ بالنعمان بن بشير، فلما جاء قال: كيف رأيت ما فعل عبيد الله بن زياد؟!

قال: الحرب دُوَل.

فقال: الحمد لله الذي قتله!

قال النعمان: قد كان أمير المؤمنين - يعني به معاوية - يكره قتله.

فقال:

____________________

(١) أُسد الغابة ٢/ ٢٠. ونحوه ما ذكره الذهبي في شأن وائلة بن الأسقع، والظاهر اتّحاده مع ما مرّ (سير أعلام النبلاء ٣/ ٣١٤).

(٢) تذكرة الخواص: ٢٦١، وانظر: تهذيب الكمال ٦/ ٤٢٨؛ تاريخ الطبري ٤/ ٢٩٣؛ المنتظم ٥/ ٣٤٢؛ الردّ على المتعصّب العنيد: ٤٧؛ سير أعلام النبلاء ٣/ ٣٠٩؛ البداية والنهاية ٨/ ١٩٤ و١٩٩.

(٣) الخرائج والجرائح ٢/ ٥٨.

(٤) المناقب ٤/ ١١٤.

(٥) الجوهرة ٢/ ٢١٩ على ما في عبرات المصطفين ٢/ ٣١٠.


ذلك قبل أن يخرج، ولو خرج على أمير المؤمنين - والله - قتله إن قدر.

قال النعمان: ما كنت أدري ما كان يصنع!

ثمّ خرج النعمان، فقال (يزيد): هو كما ترون إلينا مُنقطع، وقد ولاّه أمير المؤمنين ورفعه، ولكنّ أبي كان يقول: لم أعرف أنصاريّاً قطّ إلاّ يُحبّ عليّاً وأهله ويُبغض قريشاً بأسرها )(١) .

هذا مع أنّ ابن أبي الحديد قد صرّح بانحرافه عن عليّعليه‌السلام بقوله: وكان النعمان بن بشير مُنحرفاً عنه، وعدوّاً له، وخاض الدماء مع معاوية خوضاً، وكان من أُمراء يزيد ابنه حتّى قُتل وهو على حاله(٢) .

ولقد أثّر اتّخاذ هذا الموقف من بعض الصحابة، بحيث لم يتحمّله يزيد وقال: لو لا صحبتك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لضربت - والله - عنقك!

فقال: ويلك! تحفظ لي صحبتي من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ولا تحفظ لابن رسول الله بنوّته؟!

فضجّ الناس بالبكاء، وكادت أن تكون فتنة(٣) .

بعض الموالين لأهل البيت في الشام:

حينما نُريد أن نُحلّل الواقع الاجتماعي، لابدّ أن نلتفت إلى هذه النقطة، وهي أنّ المستفاد من بعض النصوص وجود بعض الموالين لأهل البيتعليهم‌السلام في الشام، وفي قلب عاصمة الدولة الأمويّة، وهذا أمر لا يمكن أن نتغافل عنه في هذا المقطع.

ممّا يؤيّد هذا المطلب هو ما رواه سهل بن سعد، قال: ( خرجت إلى بيت المقدس، حتّى توسّطت الشام، فإذا أنا بمدينة مُطّردة الأنهار، كثيرة الأشجار، قد علّقوا

____________________

(١) مقتل الخوارزمي ٢/ ٥٩.

(٢) شرح نهج البلاغة ٤/ ٧٧.

(٣) مقتل الخوارزمي ٢/ ٥٨.


الستور والحُجب والديباج، وهم فرحون مُستبشرون، وعندهم نساء يلعبن بالدفوف والطبول، فقلت - في نفسي -: لعلّ لأهل الشام عيداً لا نعرفه نحن.

فرأيت قوماً يتحدّثون، فقلت: يا هؤلاء، ألكم بالشام عيد لا نعرفه نحن؟

قالوا: يا شيخ، نراك غريباً!

فقلت: أنا سهل بن سعد، قد رأيت رسول الله (صلَّى الله عليه وسلَّم) وحملت حديثه.

فقالوا: يا سهل، ما أعجبك السماء لا تمطر دماً والأرض لا تُخسف بأهلها؟!

قلت: ولِمَ ذاك؟!

فقالوا: هذا رأس الحسين عترة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يُهدى من أرض العراق إلى الشام، وسيأتي الآن... )(١) .

وهذا الخبر يدلّ على وجود ضمائر حيّة عارفة بالأُمور، وتُميّز الحقّ عن الباطل، فلابدّ أن نجعل لهم سهماً في دعم النهضة الحسينيّة وإيقاظ الناس، وإن لم نعلم تفاصيله.

وممّا يؤيّد ذلك، ما روي أنّ بعض الفضلاء التابعين، لما شاهد رأس الإمام الحسينعليه‌السلام أخفى نفسه شهراً من جميع أصحابه، فلما وجدوه بعد أن فقدوه سألوه عن سبب ذلك، فقال: أما ترون ما نزل بنا؟! ثمّ أنشأ يقول:

جـاءوا برأسك يا بن بنت محمّد

مُـتـرمّلاً بـدمـائه تـرمـيلا

فـكأنّما بـك يـا بن بنت محمّد

قـتلوا جِـهاراً عـامدين رسولا

قـتلوك عـطشاناً ولـمَّا يرقبوا

فـي قـتلك الـتأويل والتنزيلا

ويُـكبِّرون بـأن قُـتلت وإنّـما

قـتلوا بـك الـتكبير والتهليلا

يا مَن إذا حسن العزاء عن امرئ

كـان الـبكا حَـسناً عليه جميلا

فـبكتْك أرواح الـسحائب غدوة

وبكتْك أرواح الرياح أصيلا(٢)

____________________

(١) مقتل الخوارزمي ٢/ ٦٠.

(٢) تسلية المجالس ٢/ ٣٨٢، ( ذكره السيّد محمّد بن أبي طالب ضمن أحداث الشام ).


نفوذ بعض الموالين في جهاز الحكم الأُموي!

إنّ الناظر في الأحداث التأريخية، يجد شواهد قد يُستشمّ منها نفوذ بعض مُحبّي أهل البيت في جهاز السلطة، منها ما رواه الطبري عن حبس الأُسارى من آل بيت الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله في السجن بالكوفة، ووقوع حجر فيه ومعه كتاب مربوط، وفيه خبر خروج البريد بأمرهم في يوم كذا وكذا إلى يزيد بن معاوية، وهو سائر كذا وكذا يوماً، وراجع في كذا وكذا، فإن سمعتم التكبير فأيقنوا بالقتل، وإن لم تسمعوا تكبيراً فهو الأمان إن شاء الله(١) .

فهذا ممّا يؤيّد نفوذ موالي أهل البيت في جهاز السلطة، ولو بتعدّد الوسائط.

وممّا يؤيّد ذلك، ما روي عن الإمام الصادقعليه‌السلام حول موضع دفن رأس الحسينعليه‌السلام بقوله:( ولكن لما حُمِل رأسه إلى الشام سرقه مولى لنا فدفنه بجنب أمير المؤمنين عليه‌السلام ) (٢) . وسيأتي الكلام حول موضع دفن الرأس الشريف.

يزيد يواجه المشاكل في بيته!

إنّ عُمق المأساة أثّر في نفوس الكلّ، حتّى دخل بيت يزيد، الذي لم يتمكّن من السيطرة على الوضع. وبين يديك الشواهد التأريخية التي تُثبت ذلك:

١ - بكاء نساء الأُسرة الأُمويّة

قال البلاذري: وصيَّح نساء من نساء يزيد بن معاوية، وولولن حين أُدخل نساء الحسين عليهنّ(٣) .

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤/ ٣٥٤؛ الكامل في التاريخ ٤/ ٨٤.

(٢) كامل الزيارات: ٣٤ ب٩ ح٥؛ الكافي ٤/ ٥٧١ ح١؛ بحار الأنوار ٤٥/ ١٧٨.

(٣) أنساب الأشراف ٣/ ٤١٧.


قال ابن فتّال: ثمّ أُدخِل نساء الحسين على يزيد بن معاوية - لعنهما الله وأخزاهما - فصِحْنَ نساء أهل يزيد وبنات معاوية وأهله، وولولن وأقمن المأتم(١) .

وروي عن فاطمة بنت الحسينعليه‌السلام أنّها قالت: ( فدخلت إليهنّ فما وجدت سفيانيّة إلاّ مُلتدمة(٢) تبكي )(٣) .

قال ابن الصبّاغ: قال (يزيد): ( أدْخِلُوهم إلى الحريم )، فلما دخلْنَ على حرمه لم تبقَ امرأة من آل يزيد إلاّ أتتهنّ وأظهرنَ التوجّع والحزن على ما أصابهنّ وعلى ما نزل بهنّ(٤) .

قال الطبري، بإسناده عن الحارث بن كعب عن فاطمة بنت عليّعليهما‌السلام : ( فخرجن حتّى دخلن دار يزيد، فلم تبقَ من آل معاوية امرأة إلاّ استقبلتهنّ تبكي تنوح على الحسين )(٥) .

روى البلاذري: ( لما قُدِم برأس الحسين على يزيد بن معاوية، فأُدخل أهله الخضراء بدمشق، تصايحت بنات معاوية ونساؤه فجعل يزيد يقول:

يا صيحةً تُحمد من صوائح

ما أهوت الموت على النوائح

إذا قضى الله أمراً كان مفعولاً، قد كنّا نرضى من طاعة هؤلاء بدون هذا! )(٦) .

____________________

(١) روضة الواعظين ١/ ١٩١.

(٢) الملتدمة: التي تضرب صدرها في النياحة.

(٣) العقد الفريد ٥/ ١٣٢؛ جواهر المطالب ٢/ ٢٧٣.

(٤) الفصول المهمّة: ١٩٥. انظر: جواهر المطالب ٢/ ٢٩٥؛ نور الأبصار: ١٣٢.

(٥) تاريخ الطبري ٤/ ٣٥٣. وانظر: المنتظم ٥/ ٣٤٤؛ تذكرة الخواص: ٢٦٥؛ الكامل في التاريخ ٤/ ٨٦؛ مقتل الخوارزمي ٢/ ٧٣؛ البداية والنهاية ٨/ ١٩٧؛ تسلية المجالس ٢/ ٣٩٩؛ البحار ٤٥/ ١٤٢.

(٦) أنساب الأشراف ٣/ ٤١٩. وانظر: تذكرة الخواص: ٢٦٥. حيث يقول: لما دخلت نساء الحسين على


نعم، روى القاضي نعمان ما يُغاير ما ذكرناه مبدئيّاً، فإنّه روى عن علي بن الحسينعليه‌السلام أنّه قال:( وأمر بالنسوة فأُدخلن إلى نسائه، ثمّ أمر برأس الحسين عليه‌السلام ، فرُفع على سنّ القناة، فلما رأين ذلك نساؤه أعولن، فدخل - اللعين - يزيد على

____________________

نساء يزيد قلن: وا حسيناه! فسمعهنّ يزيد فقال: يا صيحة...

أقول: إنّ إحالة الأمر إلى القضاء والقدر - من دون استيعاب معناه - كان من دأب بني أُميّة وأنصارهم، ومن هذا المنطلق ترويج الفكر الجبري أمام الاختيار؛ وذلك لأجل تبرئة أنفسهم عمّا ارتكبوا! وتخدير عقول الناس.

يقول العلاّمة الحجّة آية الله السبحاني - دام ظلّه - في كتاب (أبحاث في المِلل والنحل) ١/ ٢٣٣: لقد اتّخذ الأُمويّون مسألة القدر أداة تبريرية لأعمالهم السيئة، وكانوا ينسبون وضعهم الراهن بما فيه من شتّى ضروب العَبث والفساد إلى القدر، قال أبو هلال العسكري (في الأوائل ٢/ ١٢٥): إنّ معاوية أوّل مَن زعم أنّ الله يريد أفعال العباد كلّها.

ولأجل ذلك؛ لما سألت أُمُّ المؤمنين عائشة معاوية عن سبب تنصيب ولده يزيد خليفة على رقاب المسلمين، فأجابها: إنّ أمر يزيد قضاء من القضاء! وليس للعباد الخِيَرة من أمرهم. الإمامة والسياسة ١/ ١٦٧، وبهذا أيضاً أجاب معاوية عبد الله بن عمر، عندما استفسر من معاوية عن تنصيبه... وقد كانت الحكومة الأُمويّة الجائرة مُتحمّسة على تثبيت هذه الفكرة في المجتمع الإسلامي، وكانت تواجه المخالف بالشتم والضرب والإبعاد.

قال الدكتور أحمد محمود الصبحي ( في كتابه نظرية الإمامة: ٣٣٤ ): ( إنّ معاوية لم يكن يدعم مُلكه بالقوّة فحسب، ولكن بآيديولوجية تمسُّ العقيدة في الصميم، ولقد كان يُعلن في الناس أنّ الخلافة بينه وبين عليّعليه‌السلام قد احتكما فيها إلى الله، فقضى الله له على عليّعليه‌السلام ، وكذلك حين أراد أن يطلب البيعة لابنه يزيد من أهل الحجاز أعلن أنّ اختيار يزيد للخلافة كان قضاء من القضاء، ليس للعباد خِيَرة في أمرهم، وهكذا كاد أن يستقرَّ في أذهان المسلمين أنّ كلّ ما يأمر الخليفة حتّى ولو كانت طاعة الله في خلافه، فهو قضاء من الله قد قُدِّر على العباد ).

وقد سرى هذا الاعتذار إلى غير الأُمويّين، من الذين كانوا في خدمة خلفائهم وأُمرائهم، فهذا عمر بن سعد بن أبي وقّاص قاتل الإمام الشهيد الحسينعليه‌السلام لما اعترض عليه عبد الله بن مطيع العدوي بقوله: ( اخترت هَمَدَان والرَّيَّ على قتل ابن عمّك؟! ). يُجيبه بالقول: ( كانت أُموراً قُضيت من السماء، وقد أعذرت إلى ابن عمّي قبل الوقعة فأبى إلاّ ما أبى ) (طبقات ابن سعد ٥/ ١٤٨).


نسائه فقال: ما لَكُنَّ لا تبكين مع بنات عمِّكُنَّ. وأمرهن أن يُعْوِلن معهنّ تمرّداً على الله عزّ وجلّ واستهزاءً بأولياء الله عليهم‌السلام .

ثمّ قال:

نُـفلِّق هـاماً من رجال أعزَّة

عـلينا وهم كانوا أعقّ وأظلما

صبرنا وكان الصبر منّا سجيّة

بأسيافنا يفرين هاماً ومعصما

وجعل يستفرِه الطرب والسرور، والنسوة يبكين ويندبن، ونساؤه يُعولن معهنّ وهو يقول :

شـجيٌّ بكى شجوة فاجعاً

قـتيلاً وباكٍ على مَن قُتل

فـلم أرَ كـاليوم في مأتم

كان الظُّبا به والنفل )(١)

٢ - موقف زوجة يزيد:

روى الطبري، بإسناده عن القاسم بن بخيت قال: ( ودخلوا على يزيد، فوضعوا الرأس بين يديه، وحدّثوه الحديث، قال: فسمعت دَوْرَ الحديث هند بنت عبد الله بن عامر بن كُرَيز - وكانت تحت يزيد بن معاوية - فتقنّعت بثوبها وخرجت، فقالت: يا أمير المؤمنين، أرأسُ الحسين بن فاطمة بنت رسول الله؟!

قال: نعم، فأعْوِلي عليه، وحُدّي على ابن بنت رسول الله (صلَّى الله عليه وسلَّم) وصريخة قريش، عجّل عليه ابن زياد، فقتله قتله الله(٢) ).

ولكنَّ الخوارزمي نقله بعد أحداث ورود أهل بيت الحسين بيت يزيد، قال:

____________________

(١) شرح الأخبار ٣/ ١٥٨. والشجي الهيم. والنَّفل: المغنم، فشبّه اللعين نساءه بالظُّبى، وجعل نساء الحسينعليه‌السلام مغنماً.

(٢) تاريخ الطبري ٤/ ٣٥٥؛ الكامل في التاريخ ٤/ ٨٤؛ جواهر المطالب ٢/ ٢٩٣.


(وخرجت هند بنت عبد الله بن عامر بن كريز امرأة يزيد - وكانت قبل ذلك تحت الحسين بن عليّعليهما‌السلام - فشقّت الستر وهي حاسرة، فوثبت على يزيد وقالت: أرأس ابن فاطمة مصلوب على باب داري؟! فغطّاها يزيد، وقال: نعم! فأعْوِلي عليه يا هند، وابكي على ابن بنت رسول الله وصريخة قريش، عجّل عليه ابن زياد فقتله، قتله الله! )(١) .

وصُرِّح في رواية السيّد محمّد بن أبي طالب(٢) والعلاّمة المجلسي(٣) ، أنّها شقّت الستر وهي حاسرة، فوثبت إلى يزيد وهو في مجلس عام فغطّاها.

فبناءً عليه، فهي خرجت إلى مجلس يزيد بعد ورود أهل بيت الحسين إلى بيتها.

قال ابن سعد: ( وبكت أُمّ كلثوم بنت عبد الله بن عامر بن كريز على الحسين، وهي يومئذٍ عند يزيد بن معاوية، فقال يزيد: حقّ لها أن تُعْوِل على كبير قريش وسيّدها )(٤) .

رؤيا زوجة يزيد!

قال العلاّمة المجلسي: روي في بعض مؤلّفات أصحابنا... قال:

( ونُقل عن هند زوجة يزيد قالت: كنت أخذت مضجعي، فرأيت باباً من السماء وقد فُتحت، والملائكة ينزلون - كتائب كتائب - إلى رأس الحسين وهم يقولون: السلام عليك يا أبا عبد الله، السلام عليك يا بن رسول الله.

فبينما أنا

____________________

(١) مقتل الخوارزمي ٢/ ٧٣.

(٢) تسلية المجالس ٢/ ٣٩٩.

(٣) بحار الأنوار ٤٥/ ١٤٢.

(٤) الطبقات الكبرى: ٨٣؛ روي في سير أعلام النبلاء ٣/ ٣٠٣؛ مرآة الزمان: ١٠٠ (على ما في عبرات المصطفين ٢/ ٢٨٩).


كذلك إذ نظرت إلى سحابة قد نزلت من السماء وفيها رجال كثيرون، وفيهم رجل دُرِّيّ اللون، قمريّ الوجه، فأقبل يسعى حتّى انكبّ على ثنايا الحسين يُقبّلهما وهو يقول: يا ولدي، قتلوك! أتراهم ما عرفوك؟! ومن شرب الماء منعوك! يا ولدي، أنا جدّك رسول الله، وهذا أبوك عليّ المرتضى، وهذا أخوك الحسن، وهذا عمّك جعفر، وهذا عقيل، وهذان حمزة والعبّاس، ثمّ جعل يُعدّد أهل بيته واحداً بعد واحد.

قالت هند: فانتبهت من نومي فزعةً مرعوبةً، وإذا بنور قد انتشر على رأس الحسين، فجعلت أطلب يزيد وهو قد دخل إلى بيت مُظلم، وقد دار وجهه إلى الحائط وهو يقول: ما لي وللحسين؟! وقد وقعت عليه الهمومات، فقصصت عليه المنام وهو مُنكّس الرأس )(١) .

إقامة عزاء الحسينعليه‌السلام في بيت الطاغية!

إنّ أهل بيت الحسينعليه‌السلام بدّلوا بيت يزيد إلى موضع إقامة العزاء والمأتم على الحسينعليه‌السلام ، حيث صرَّح بعض المؤرِّخين بقوله: ( وأقمن المأتم )(٢) ، وذلك بعد ورودهنّ بيت يزيد.

وصرّح بعض آخر بأنّهنّ أقمن المأتم على الحسين ثلاثة أيّام(٣) .

وانقلب الأمر على اللعين يزيد بن معاوية، حتّى التجأ هو لإقامة المأتم على

____________________

(١) بحار الأنوار ٤٥/ ١٩٦. وانظر: نور الأبصار: ١٣٥، فقد ذكر الرؤيا بتفصيل.

(٢) تاريخ الطبري ٤/ ٣٥٥؛ الكامل في التاريخ ٤/ ٨٦؛ تذكرة الخواص: ٢٦٥؛ روضة الواعظين ١/ ١٩١؛ جواهر المطالب ٢/ ٢٩٥.

(٣) تاريخ الطبري ٤/ ٣٥٣؛ الكامل في التاريخ ٤/ ٨٧؛ مقتل الخوارزمي ٢/ ٧٣؛ تسلية المجالس ٢/ ٣٩٩؛ بحار الأنوار ٤٥/ ١٤٢.


الحسينعليه‌السلام ثلاثاً!!

قال ابن سعد: (وأمر - يزيد - نساء آل أبي سفيان، فأقمن المأتم على الحسين ثلاثة أيّام، فما بقيت منهنّ امرأة إلاّ تلقّتنا تبكي وتنتحب، ونُحنَ على حسين ثلاثة )(١) .

وقال البلاذري: ( وصيَّحَ نساء من نساء يزيد بن معاوية، وولولن حين أُدخل نساء الحسين عليهنّ، وأقمن على الحسين مأتماً، ويقال: إنّ يزيد أذِن لهنّ في ذلك )(٢) .

وقال السيّد ابن طاووس: ( ثمّ جعلت امرأة من بني هاشم كانت في دار يزيد تندب الحسينعليه‌السلام وتُنادي: يا حبيباه! يا سيّداه! يا سيّد أهل بيتاه! يا بن محمّداه! يا ربيع الأرامل واليتامى! يا قتيل أولاد الأدعياء!

قال الراوي: فأبكت كلّ مَن سمعها )(٣) .

والمستفاد من بعض النصوص: أنّ مأتم الحسين استمرّ أكثر من ذلك - ولعلّ التحديد بثلاثة أيّام راجع إلى ما أمره يزيد بإقامة المأتم، مثل ما رواه العلاّمة المجلسي (رحمه الله) عن بعض مؤلّفات أصحابنا، فإنّه بعدما نقل رؤيا زوجة يزيد قال: ( فلما أصبح [يزيد] استدعى حرم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال لهنّ: أيُّما أحبّ إليكنَّ، المقام عندي أو الرجوع إلى المدينة؟ ولكم الجائزة السَّنْيَّة!

____________________

(١) الطبقات الكبرى: ٨٣. وروي نحوه في تذكرة الخواص: ٢٦٢؛ مرآة الزمان: ١٠٠ (على ما في عبرات المصطفين ٢/ ٢٨٩) وفيه: قالت سكينة: فما تلقّتنا (ظ) منهنّ امرأة إلاّ وهي تبكي وتنتحب؛ وسير أعلام النبلاء ٣/ ٣٠٣.

(٢) أنساب الأشراف ٣/ ٤١٧.

(٣) الملهوف: ٢١٣. ورواه السيّد محمّد بن أبي طالب (تسلية المجالس ٢/ ٣٨٤).


قالوا: نُحبُّ أوّلاً أن ننوح على الحسين.

قال: افعلوا ما بدا لكم.

ثمّ أُخليت لهنّ الحجر والبيوت في دمشق، ولم تبقَ هاشميّة ولا قرشيّة إلاّ ولبست السواد على الحسين، وندبوه - على ما نُقل - سبعة أيّام... )(١) .

بل لابدّ أن يُقال: إنّ العزاء والنوح على الحسينعليه‌السلام استمرّ طيلة مقامهم في دمشق؛ لأنّه لم تكن مُجرّد سكب الدموع وجريانها، بل هي رسالة دم الحسين الذي هزّ أركان سلطة يزيد، بل طريق زوال كلّ ظالم مشى على نهج يزيد.

قال ابن أعثم: ( وأقاموا أيّاماً يبكون وينوحون على الحسين (رضي الله عنه) )(٢) .

وقال ابن نما: ( وكانت النساء مدّة مقامهنّ بدمشق يَنُحْنَ عليه بشجوٍ وأنّةٍ، وينْدُبْن بعويلٍ ورنَّة، ومصاب الأسرى عظم خطبه، والأسى لكم الثكلى عالٍ طبه )(٣) .

وقال السيّد ابن طاووس: (وكانوا مدّة مقامهم في البلد المشار إليه ينوحون على الحسينعليه‌السلام )(٤) .

يزيد يبكي تصنّعاً!!

وآل الأمر إلى أن يُظهر يزيد البكاء أمام الناس تصنّعاً ورياءً، حتّى إنّ ابن قتيبة قال: (فبكى يزيد حتّى كادت نفسه تفيض! وبكى أهل الشام حتّى علت أصواتهم )(٥) .

____________________

(١) بحار الأنوار ٤٥/ ١٩٦.

(٢) الفتوح ٢/ ١٨٥.

(٣) مُثير الأحزان: ١٠٢.

(٤) الملهوف: ٢١٩.

(٥) الإمامة والسياسة ٢/ ٨.


ولقد بالغ ابن قتيبة فيما رواه، فما ذكره فهو راجع إمّا إلى حُسْن تصنُّعه! أو ناشٍ عن مدى نصرة ناصريه في الرواية، حشرهم الله معه.

يزيد يأمر بتقديم بعض الخدمات!!

إنّ خوف زوال الملك وحصول الفتن أوجب على يزيد أن يُغيّر معاملته مع أهل البيتعليهم‌السلام ، فلقد ذكرنا في توصيف سكنى أهل البيتعليهم‌السلام أنّهم أُسكنوا داراً لا يُكنّهم من حرٍّ ولا برد، حتّى أُقْشِرَت وجوههم(١) ، ولكن انظروا إلى ما فعله بعد ذلك.

قال ابن قتيبة: ثمّ قال - يزيد بعد بكائه التصنّعي -: ( خلّوا عنهم، واذهبوا بهم إلى الحمّام، واغسلوهم، واضربوا عليهم القباب ).

ففعلوا، وأمال عليهم المطبخ وكساهم، وأخرج لهم الجوائز الكثيرة من الأموال والكسوة(٢) .

ولكن مع ذلك لم نستبعد وقوع شيء من الكذب في تقديم هذه الخدمات الواهية، فالظنّ الغالب أنّها من أكاذيب أنصار بني أُميّة خذلهم الله.

يزيد يُظهر الندامة ويلعن ابن مرجانة!!

واضطرّ يزيد إلى أن يُظهر الندامة على ما ارتكبه في شأن قتل سيّد الشهداء الإمام الحسين بن علي بن أبي طالبعليه‌السلام وأصحابه الكرام الأوفياء، وبادر بلعن عامله على الكوفة عبيد الله بن زياد؛ وذلك نتيجة لعدّة أُمور:

١ - الاستنكار الشعبي العام؛ بحيث بلغه بُغض الناس له ولعنهم وسبّهم

____________________

(١) أمالي الصدوق: ٢٣١؛ مجلس ٣١؛ ح٢٤٣؛ شرح الأخبار ٣/ ٢٦٩؛ مُثير الأحزان: ١٠٢؛ الملهوف: ٢١٩؛ روضة الواعظين ١/ ١٩٢؛ تسلية المجالس ٢/ ٣٩٦؛ بحار الأنوار ٤٥/ ١٤٠.

(٢) الإمامة والسياسة ٢/ ٨.


إيّاه، وهذا الاستنكار شمل المسلمين كافّة، حيث صرّح يزيد هو نفسه قائل: ( لعن الله ابن مرجانة! لقد بغّضني إلى المسلمين! وزرع لي في قلوبهم البغضاء )(١) ، ( لعن الله ابن مرجانة!.. لقد زرع لي ابن زياد في قلب البرّ والفاجر، والصالح والطالح العداوة! )(٢) .

وقال جلال الدِّين السيوطي: ( ولما قُتِل الحسين وبنو أبيه، بعث ابن زياد برؤوسهم إلى يزيد، فسُرَّ بقتلهم أوّلاً، ثمّ ندم لما مقته المسلمون على ذلك، وأبغضه الناس، وحقّ لهم أن يُبغضوه )(٣) .

وقال الشيخ الصبّان: ( ثمّ ندم لما مقته المسلمون على ذلك وأبغضه العالم )(٤) .

٢ - الاستنكار الخاصّ وذلك في:

أ) وجوه أهل الشام: قال سبط ابن الجوزي: ( ولما فعل يزيد برأس الحسين ما فعل، تغيّرت وجوه أهل الشام، وأنكروا عليه ما فعل )(٥) .

ب) عسكر يزيد: روى ابن الجوزي عن مجاهد - بعد ذكر تمثّل يزيد بأشعار ابن الزبعرى: (نافق فيها، ثمّ - والله - ما بقي في عسكره أحد إلاّ تركه، أي عابه وذمّه )(٦) .

ج) استنكار بيت يزيد: وقد ذكرناه تفصيلاً آنفاً.

____________________

(١) تذكرة الخواص: ٢٦٥.

(٢) المصدر السابق: ٢٦١.

(٣) تاريخ الخلفاء: ١٦٦.

(٤) إسعاف الراغبين: ١٨٨.

(٥) مرآة الزمان: ١٠٠ (على ما في عبرات المصطفين ٢/ ٢٨٤).

(٦) الردّ على المتعصّب العنيد: ٤٧. وروى نحوه البداية والنهاية ٨/ ١٩٢.


فظهر أنّ تظاهر يزيد بالندامة، ولعنه ابن مرجانة ما كان إلاّ خوفاً على زوال مُلكه وفناء نفسه الخبيثة، ولم يكن إلاّ عن مكر وخُدعة، وكذب وزور.

هذا هو لُبّ الواقع، وأمّا الظاهر فهناك بعض الروايات تُعالج جانباً من هذا الموضوع، ومع ذلك فيها أمور مُنكرة مدسوسة من قِبل مُحبّي بني أُميّة، ولابدّ من الانتباه لها.

قال ابن الأثير: ( وقيل: ولما وصل رأس الحسين إلى يزيد حسنت حال ابن زياد عنده، وزاده ووصله وسرّه ما فعل، ثمّ لم يلبث إلاّ يسيراً حتّى بلغه بُغض الناس له ولعنهم وسبّهم، فندم على قتل الحسين، فكان يقول: وما عليَّ لو احتملت الأذى، وأنزلت الحسين معي في داري، وحكّمته فيما يريد وإن كان عليَّ في ذلك وهن في سلطاني؛ حفظاً لرسول الله (صلَّى الله عليه وسلَّم)، ورعايةً لحقّه وقرابته! لعن الله ابن مرجانة! فإنّه اضطرّه، وقد سأله أن يضع يده في يدي، أو يلحق بثغر حتى يتوفّاه الله، فلم يُجبه إلى ذلك فقتله، فبغّضني بقتله إلى المسلمين، وزرع في قلوبهم العداوة، فأبغضني البرّ والفاجر بما استعظموه من قتلي الحسين، ما لي ولابن مرجانة؟! لعنه الله وغضب عليه! )(١) .

تأمُّل وملاحظات:

١ - اعتراف يزيد بأنّ ندامته ناشئة عن بُغض المسلمين وعداوتهم له، بعد قتله الإمام الحسينعليه‌السلام ، وإلاّ فلِمَ الفرح والسرور أوّلاً ثمّ حصول الندامة بعده؟!

٢ - وأمّا قوله: ( وحكّمته فيما يريد وإن كان عليَّ في ذلك وهن في سلطاني )، ففي الحقيقة كان الإمام يرى عدم شرعيّة سلطته، وقد صرّح بقولهعليه‌السلام :( الخلافة

____________________

(١) الكامل في التاريخ ٤/ ٨٧. وروي نحوه تذكرة الخواص: ٢٦٥؛ سير أعلام النبلاء ٣/ ٣٧؛ تاريخ الإسلام: ٢٠، عن محمّد بن جرير عن يونس بن حبيب.


مُحرّمة على آل أبي سفيان ) (١) .

فالمطلوب عند الإمام قلع أساس حُكمه وسلطته؛ فحينئذٍ لا يبقى من مُلكه شيء وإن كان موهناً.

٣ - وأمّا قوله: (وقد سأله أن يضع يده في يدي) فهو أيضاً إمّا من أكاذيب يزيد نفسه التي ليست بقليلة، أو من مُفتعلات أعوانه؛ لأنّ الإمام الشهيدعليه‌السلام هو الذي أدلى بموقفه الصامد بقوله:( لا والله، لا أُعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أُقرّ لكم إقرار العبيد ) (٢) ، وهو القائل:( ألا وإنّ الدعيّ ابن الدعيّ قد تركني بين السلّة والذلّة، وهيهات له ذلك منّي، هيهات منّا الذلّة... ) (٣) .

٤ - وأمّا لعنه ابن مرجانة، فعلى فرض صحّته لا يكون إلاّ صوريّاً؛ لما قد ذكرنا أنّه هو الذي استدعاه وشكر له وشرب معه الخمر بعد مقتل الحسينعليه‌السلام (٤) ، وكذا الجواب فيما قيل: بأنّه غضب على ابن زياد ونوى قتله!(٥) .

والدليل على ذلك؛ بأنّه لم يفعل أيّ شيء بعد ذلك إلاّ الشكر له!

ومن هذا القبيل ما رواه سبط ابن الجوزي عن الواقدي أنّه قال: ( فلما حضرت الرؤوس عنده قال: فرّقت سميّة بيني وبين أبي عبد الله وانقطع الرحم! لو كنت صاحبه لعفوت عنه! ولكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، رحمك الله يا حسين! لقد قتلك رجل لم يعرف حقّ الأرحام! )(٦) .

____________________

(١) بحار الأنوار ٤٥/ ٣٢٦.

(٢) بحار الأنوار ٤٥/ ٧.

(٣) الاحتجاج ٢/ ٩٩، عنه بحار الأنوار ٤٥/ ٨٣.

(٤) راجع فصل ( قتله الحسينعليه‌السلام ورضاه ).

(٥) تذكرة الخواص: ٢٦٥ عن تاريخ ابن جرير.

(٦) تذكرة الخواص: ٢٦١.


ولقد أثبتنا لك بالشواهد المتقنة، وذكر الاعترافات المتعدّدة أنّه هو الذي أمر بقتل الحسينعليه‌السلام (١) ، ولكنّ الخبيث يريد أن يتخلّى عن المسؤولية ويجعلها على عاتق فاسقٍ مثله؛ خوفاً من إثارة الناس عليه.

ومن الغريب جدّاً، أنّنا نجد أُناساً يريدون أن يُبرّئوا ساحة يزيد من هذه الجريمة النكراء، وقد لوّثوا بذلك أنفسهم، ومن هؤلاء صاحب خُطط الشام حينما يقول: ( وكانت غلطة ابن زياد في قتل الحسين وسبي آله الطاهرين ذريعة أكبر للنيل من يزيد وآل يزيد، فتقوّلوا عليه وحطّوا من كرامته! مع أنّه سار بسيرة أبيه في الملك من التوسّع في الفتوح وقتال أعداء المملكة من الروم )(٢) .

نعم، إنّه سار بسيرة أبيه، بل أسرع في السير في بُغيه وظلمه وجوره وطغيانه ووقوفه أمام الحقّ، وقتله الطاهرين من ذرّية خاتم المرسلينصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وذهب بنفسه إلى عذاب ربّ العالمين.

فحينئذٍ؛ لا يمكن لأحد أن يُخفي ما في ضميره باستعمال كلمة غلطة ابن زياد وما شابهها، فإنّه إن صحّ التعبير بذلك - وليس بصحيح - فليست هي إلاّ امتثال لما أمره يزيد، والتستّر خلف مسألة الفتوح لا يُغني عن الحقّ شيئاً.

ولعلّ المؤلّف جعل وقعة الحرّة ومجزرة المدينة المنوّرة، وخراب الكعبة من جملة فتوحات يزيد!

ولنختم الكلام بما ذكره السيّد محمّد بن أبي طالب، فإنّه أجاد بقوله: ( وأقول: لعن الله يزيد وأباه! وجَدّيه وأخاه! ومَن تابعه وولاّه، بينا هو ينكت ثنايا الحسين بالقضيب ويتمثّل بشعر ابن الزبعرى... وإغلاظه لزينب بنت عليّ بالكلام

____________________

(١) راجع مبحث: ( قتله الإمام الحسينعليه‌السلام ) في هذا الكتاب.

(٢) خُطط الشام ١/ ١١٣.


السيّئ لما سأله الشامي.. وقوله لعليّ بن الحسينعليه‌السلام : أراد أبوك وجدّك أن يكونا أميرين، فالحمد لله الذي قتلهما وسفك دماءهما... ونصب رأس الحسينعليه‌السلام على باب القرية الظالم أهلها - أعني بلدة دمشق - وإيقافه ذرّية الرسول على درج المسجد كسبايا التُّرْك والخزر، ثمّ إنزاله إيّاهم في دار لا يُكنّهم من حرّ ولا قُرّ حتّى تقشّرت وجوههم وتغيّرت ألوانهم، وأمر خطيبه أن يرقى المنبر ويُخبر الناس بمساوئ أمير المؤمنين ومساوئ الحسينعليهما‌السلام وأمثال ذلك، ثمّ هو يلعن ابن زياد ويتبرّأ من فعله ويتنصّل من صُنعه! وهل فَعَل اللعين ما فعل إلاّ بأمره وتحذيره من مخالفته؟! وهل سفك اللعين دماء أهل البيت إلاّ بإرغابه وإرهابه له بقوله، ومراسلته بالكتاب الذي ولاّه فيه الكوفة، وحثّه فيه على قتله، وأمره له بإقامة الأرصاد وحفظ المسالك على الحسين، وقوله لابن زياد في كتابه، وأمره له بإقامة الأرصاد وحفظ المسالك على الحسين، وقوله لابن زياد في كتابه: إنّه قد ابتُلي زمانك بالحسين من بين الأزمان، وفي هذه الكَرَّة تُعتق أو تكون رقّاً عبداً كما تعبد العبيد، فاحبس على التُّهمة واقتل على الظنّة...؟!

وإنّما أظهر اللعين التبرّي من فعل ابن زياد لعنه الله خوفاً من الفتنة وتمويهاً على العامّة؛ لأنّ أكثر الناس في جميع الآفاق والأصقاع أنكروا فعله الشنيع وصُنعه الفضيع، ولم يكونوا راضين بفعله وما صدر عنه، خصوصاً مَن كان حيّاً من الصحابة والتابعين في زمنه، كسهل بن سعد الساعدي، والمنهال بن عمرو، والنعمان بن بشير، وأبي برزوة الأسلمي ممّن سمع ورأى إكرام الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله له ولأخيه، وكذلك جميع أرباب المِلل المختلفة من اليهود والنصارى... ولم يكن أحد من المسلمين في جميع البلاد راضياً بفعله إلاّ مَن استحكم النفاق في قلبه من شيعة آل أبي سفيان، بل كان أكثر أهل بيته ونسائه وبني عمّه غير راضين بذلك )(١) .

____________________

(١) تسلية المجالس ٢/ ٤٠٠ (بتلخيص).


وعد يزيد لزين العابدينعليه‌السلام :

قال ابن نما: (وعد يزيد لزين العابدينعليه‌السلام بقضاء ثلاث حاجات )(١) ، والمستفاد من نقل السيّد ابن طاووس أنّه كان بعد اعتراض الإمامعليه‌السلام لما تفوّه به الخطيب الشامي، ووعد يزيد للإمام في ذلك اليوم(٢) ، فحينئذٍ هي من إحدى نتائج الموقف الصلب الذي اتّخذه الإمامعليه‌السلام ، فقام يزيد بتقديم التنازلات، حتى آل الأمر إلى أن يفي بوعده.

قال السيّد (رحمه الله): ( وقال لعليّ بن الحسينعليه‌السلام : اذكر حاجاتك الثلاث التي وعدتك بقضائهنّ.

فقال له:

( الأُولى: أن تُريني وجه سيّدي ومولاي الحسين، فأتزوّد منه، وأنظر إليه وأُودِّعه.

والثانية: أن تردّ علينا ما أُخذ منّا.

والثالثة: إن كنت عزمت على قتلي أن توجّه مع هؤلاء النسوة مَن يردّهن إلى حرم جدّهنّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ) (٣) .

فقال: أمّا وجه أبيك فلن تراه أبداً، وأمّا قتلك فقد عفوت عنك، وأمّا النساء فلا يردّهن إلى المدينة غيرك، وأمّا ما أُخذ منكم فإنّي أُعوّضكم عنه أضعاف قيمته.

فقالعليه‌السلام : أمّا مالك فلا نُريده، وهو موفّر عليك، وإنّما طلبت ما أُخِذ منّا؛ لأنّ فيه مغزل فاطمة بنت محمّد، ومقنعتها، وقلادتها، وقيمصها.

____________________

(١) مُثير الأحزان: ١٠٣.

(٢) الملهوف: ٢١٩.

(٣) روي الطلب الثالث هذا في مقاتل الطالبيّين: ١٢٠؛ الاحتجاج ٢/ ١٣٥.


فأمر بردّ ذلك، وزاد عليه مئتي دينار، فأخذها زين العابدينعليه‌السلام وفرّقها على الفقراء والمساكين )(١) .

قال السيّد محمّد بن أبي طالب: ( روي أنّ اللعين لما خشي شقّ العصا وحصول الفتنة أخذ في الاعتذار، والإنكار لفعل ابن زياد، وإبداء التعظيم والتكريم لعليّ بن الحسينعليهما‌السلام ، ونقل نساء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى داره الخاصّة، وكان لا يتغدّى ولا يتعشّى إلاّ مع سيّدنا سيِّد العابدينعليه‌السلام ، وكلّ مَن كان حاضراً من الصحابة والتابعين والأجلّة وبني أُميّة، أشاروا عليه لعنه الله بردّ حرم رسول الله، والإحسان إليهم، والقيام بما يُصلحهم، فأحضر سيّدنا عليّ بن الحسين وقال: إنّي كنت قد وعدتك بقضاء ثلاث حاجات فاذكرها لي لأقضيها )(٢) ... ثمّ ذكر نحو ما مرّ.

ففي الخبر الذي روا السيّد ابن طاووس وابن نما وجوه للتأمّل:

١ - تعليل الإمامعليه‌السلام بوجود آثار من فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) في ضمن ما سُلِب من أهل البيت، يُرشدنا إلى علّة كلّ ما روي حول طلب أهل البيت بردِّ ما أُخذ منهم؛ فتكون هذه الرواية حاكمة وناظرة ومُفسِّرة لما رُوي في هذا الشأن.

٢ - إنّ تصريح الإمام بأنّ فيه آثار فاطمة ومغزلها وقميصها، وقلادتها ومقنعتها، يُرشدنا إلى لزوم الاهتمام بحفظ آثار النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وعترته الطاهرينعليهم‌السلام والتبرّك بها.

٣ - مسألة عفو يزيد عن قتل الإمام زين العابدين تدلّ على نيّته الخبيثة حول قتل واغتيال الإمامعليه‌السلام بالمطابقة، وكذلك تدلّ على كذب ادّعائه بأنّه ما كان يُحبّ قتل الحسينعليه‌السلام بالملازمة، فإنّه إن لم يكن آمراً بقتل الحسينعليه‌السلام وراضياً به - مع أنّه خرج عليه بزعمه - فكيف أراد قتل ابنهعليه‌السلام - مع أنّه في حالة الأسر - ثمّ يعفو

____________________

(١) الملهوف: ٢٢٦، ورواه مُثير الأحزان: ١٠٦ بتلخيص.

(٢) تسلية المجالس ٢/ ٤٥٧.


عنه بعد ذلك.

٤ - قوله: ( لن تراه أبداً )، لعلّه ناظر إلى إرسال الرأس الشريف إلى المدينة حينذاك، كما سيأتي الكلام حوله.

٥ - أمر يزيد بردّ المأخوذ يدلّ على أنّ المسلوب من أهل البيتعليهم‌السلام أُرسل إلى يزيد، وهذا يؤيّد ما احتملناه سابقاً.

٦ - فعل الإمامعليه‌السلام بتفريق الزائد على ما أُخذ منهم - وهو مئتي دينار - كشف عن زاوية من زوايا الأخلاق العالية المتجلِّية في أهل بيت النبوّة.

استشارة يزيد وجوه أهل الشام:

روى ابن عبد ربّه، عن عليّ بن عبد العزيز، عن محمّد بن الضحّاك بن عثمان الخزامي، عن أبيه قال: (... [قال يزيد]: ما ترون يا أهل الشام في هؤلاء؟

فقال له رجل: لا تتّخذ من كلب سوءٍ جرواً.

قال النعمان بن بشير الأنصاري: اُنظُر ما كان يصنعه رسول الله (صلَّى الله عليه وسلَّم) لو رآهم في هذه الحالة، فاصنعه بهم.

قال: صدقت، خلّوا عنهم، واضربوا عليهم القباب.

وأمال عليهم المطبخ وكساهم وأخرج إليهم جوائز كثيرة، وقال: لو كان بين ابن مرجانة وبينهم نسب ما قتلهم! ثمّ ردّهم إلى المدينة )(١) .

إنّ المستفاد من النصوص، أنّ هذه المحادثة والاستشارة حصلت في آخر أيّام مقام أهل البيتعليهم‌السلام في الشام، لا ما هو المترائي من بعض الكُتب من أنّه جرت

____________________

(١) العقد الفريد ٥/ ١٣١؛ الإمامة والسياسة ٢/ ٨؛ جواهر المطالب ٢/ ٢٧١؛ مقتل الخوارزمي ٢/ ٦٥؛ مُثير الأحزان: ٩٨؛ الملهوف: ٢١٨.


في مجلس يزيد العام؛ لأنّنا قد ذكرنا شواهد عديدة بأنّ المجالس قد تكرّرت، وإن لم تكن على حدٍّ سواء من حيث الأهمّية، فحينئذٍ يريد يزيد أن يجد مفرّاً لكي يُخلّص نفسه من هذه الواقعة التي هزّت أركان حكومته، وممّا يؤيّد ذلك هو ما أورده القاضي نعمان بقوله:

ثمّ قال: يا أهل الشام، ما ترون في هؤلاء؟

فقال قائلهم: قد قتل (كذا)، ولا تتّخذ جروء من كلب سوء.

فقال النعمان بن بشير: اُنظر ما كنت ترى أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يفعله فيهم لو كان حيّاً، فافعله.

فبكى يزيد، فقالت فاطمة بنت الحسينعليه‌السلام : ( يا يزيد، ما تقول في بنات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله سبايا عندك؟! ). فاشتدّ بكاؤه! حتّى سمع ذلك نساؤه! فبكين حتّى سمع بكاءهنّ مَن كان في مجلسه.

وقيل: إنّ ذلك بعد أن أجلسهنّ في منزل لا يُكنّهنّ من بردٍ ولا حرّ، فأقاموا فيه شهراً ونصف، حتّى أُقْشِرت وجوههنّ من حرّ الشمس، ثمّ أطلقهم(١) .

تجهيز الأسرى من آل البيت إلى المدينة:

قال السيّد ابن طاووس: ( ثمّ أمر - يزيد - برَدِّ الأُسارى وسبايا البتول إلى أوطانهم بمدينة الرسول )(٢) .

قال الشيخ المفيد: ( ثمّ ندب يزيد النعمانَ بن بشير وقال له: تجهّز لتخرج بهؤلاء النسوان إلى المدينة )(٣) .

____________________

(١) شرح الأخبار ٣/ ٢٦٨.

(٢) الملهوف: ٢٢٥.

(٣) الإرشاد ٢/ ١٢٢.


قال الباعوني: ( فقال يزيد: جهّزوهم. وأمر النعمانَ بن بشير أن يُجهّزهم بما يُصلحهنّ ويسير معهم )(١) .

قال الطبري: ( ثمّ قال يزيد بن معاوية: يا نعمان بن بشير، جهّزهم بما يُصلحهم، وابعث معهم رجلاً من أهل الشام أميناً صالحاً، وابعث معه خيلاً وأعواناً، فيسير بهم إلى المدينة )(٢) .

____________________

(١) جواهر المطالب ٢/ ٢٩٥.

(٢) تاريخ الطبري ٤/ ٣٥٣؛ وانظر: الكامل في التاريخ ٤/ ٨٧؛ روضة الواعظين ١/ ١٩٢؛ المنتظم ٥/ ٣٤٤؛ بحار الأنوار ٤٥/ ١٤٥ نقلاً عن صاحب المناقب.


الفصل الثاني

حركة المسيرة المظفَّرة



الفصل الثاني

حركة المسيرة المظفَّرة

الخروج من الشام

لقد نجح أعلام الركب الحسيني في أداء واجبهم الرسالي، في هذا المقطع الزمني والمكاني المهمّ على أحسن وجه، حتّى خشي يزيد وقوع الفتن والأحداث، واضطراب الرأي العام، وخروج الأمر من يده؛ الأمر الذي دعاه للتفكير بجدّية في طريق للخلاص من هذه المشكلة العويصة، فأمر النعمان بن بشير بتجهيز الركب الطاهر لإرجاعهم إلى المدينة. وقد رأينا كيف اختلفت المعاملة مع أهل بيت الرسول منذ ذلك الحين.

يقول الأستاذ باقر شريف القرشي: ( وأصبحت - الخُطب - حديث الأندية والمجالس، فكانت تغلي كالحُمم على تلك الدولة الغاشمة، وهي تُنذر بانفجار شعبي يكتسح دولة يزيد، فقد عرَّفت أهل الشام لؤم يزيد وخبث عنصره، وقلبت الرأي العام عليه، فجُوبِهَ بالنقد حتّى في مجلسه وسقط اجتماعيّاً، وذهبت مكانته من النفوس )(١) .

يزيد يعتذر من الإمام عليّ بن الحسينعليه‌السلام !

____________________

(١) حياة الإمام الحسينعليه‌السلام ٣/ ٤١٣.


قال السيّد محمّد بن أبي طالب: ( ولم يكن أحد من أكثر الناس في جميع الآفاق راضياً بفعله؛ فلذلك أبدى الاعتذار وركن إلى الإنكار، خوفاً أن يُفتق عليه فتق لا يُرتق، وأن ينفتح عليه باب من الشرّ لا يُغلق، فاعتذر وأنّى له الاعتذار )(١) .

قال الشيخ المفيد (رحمه الله): ( ولما أراد أن يُجهّزهم دعا عليّ بن الحسينعليهما‌السلام ، فاستخلاه، ثمّ قال له: لعن الله ابن مرجانة! أَمَ والله، لو أنّي صاحب أبيك ما سألني خصلة أبداً إلاّ أعطيته إيّاها! ولدفعت الحتف عنه بكلّ ما استطعت، ولكنّ الله قضى ما رأيت، كاتبْني من المدينة وأنْهِ كلّ حاجة تكون لك.

وتقدَّمَ بكسوته وكسوة أهله )(٢) .

وأعرض عنه الإمام؛ لأنّ كلامه لم يكن إلاّ تهرّباً ممّا لحقه من الخزي والعار.

قال ابن سعد: ( وقال - يزيد - لعليّ بن حسين: إن أحببت أن تُقيم عندنا فنصلْ رحمك ونعرف لك حقّك فعلت، وإن أحببت أن أردّك إلى بلادك وأصلك.

قال: بل تردّني إلى بلادي.

فردّه إلى المدينة ووصله )(٣) .

وقال الخوارزمي: وروي أنّ يزيد عرض عليهم المقام بدمشق، فأبوا ذلك

____________________

(١) تسلية المجالس ٢/ ٤٠٣.

(٢) الإرشاد ٢/ ١٢٢. وروى نحوه: إعلام الورى: ٢٤٩)؛ وروى مضمونه: تاريخ الطبري ٤/ ٣٥٣؛ الكامل في التاريخ ٤/ ٨٧؛ الاحتجاج ٢/ ١٣٥ - عنه بحار الأنوار ٤٥/ ١٦٢ ح٦؛ روضة الواعظين ١/ ١٩٢؛ مقتل الخوارزمي ٢/ ٧٤؛ البداية والنهاية ٨/ ١٩٧؛ تسلية المجالس ٢/ ٣٩٩؛ بحار الأنوار ٤٥/ ١٤٥ - عن صاحب المناقب.

(٣) الطبقات: ٨٤ ( ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام من القسم غير المطبوع )؛ ونحوه في: الطبقات الكبرى ٥/ ٢١٢ ( ترجمة الإمام عليّ بن الحسينعليهما‌السلام ). وروى مضمونه: المنتظم ٥/ ٣٤٥؛ تذكرة الخواص: ٢٦٥؛ ومرآة الزمان: ١٠١ - على ما في عبرات المصطفين ٢/ ٣٥١.


وقالوا: ( رُدَّنا إلى المدينة، لأنّها مُهاجرة جدّنا )، فقال للنعمان بن بشير: ( جهّز هؤلاء بما يُصلحهم وابعث معهم رجلاً من أهل الشام أميناً صالحاً، وابعث معهم خيلاً وأعواناً )، ثمّ كساهم وحباهم وفرض لهم الأرزاق والأنزال(١) .

وقال القاضي نعمان: وأمر - يزيد - بإطلاق عليّ بن الحسينعليه‌السلام ، وخيّره بين المقام عنده أو الانصراف، فاختار الانصراف إلى المدينة فسرّحه(٢) .

وقال: ولما بلغ من النداء على رأس الحسينعليه‌السلام والاستهانة [بحرمه] ونساء مَن قُتل معه من أهل بيته ما أراده، وعليّعليه‌السلام على حاله من العلّة، وما أراده الله تعالى من سلامته، وأن لا تنقطع الإمامة بانقطاعه، فسرّحهم يزيد اللعين، وانصرف إلى المدينة(٣) .

عرض الأموال على آل البيتعليهم‌السلام ورفض السيّدة أُمّ كلثوم:

روى العلاّمة المجلسي عن بعض أصحابنا، قال: ( فلما كان اليوم الثامن دعاهنّ يزيد، وأعرض عليهنّ المقام، فأبين وأرادوا الرجوع إلى المدينة، فأحضر لهم المحامل وزيّنها، وأمر بالأنطاع الإبريسم، وصبّ عليها الأموال، وقال: يا أُمّ كلثوم، خذوا هذا المال عوض ما أصابكم!

فقالت أُمّ كلثوم: يا يزيد، ما أقلّ حياءك وأصلب وجهك! تقتل أخي وأهل بيتي وتُعطيني عوضهم! )(٤) .

____________________

(١) مقتل الخوارزمي ٢/ ٧٤.

(٢) شرح الأخبار ٣/ ١٥٩.

(٣) المصدر نفسه ٢/ ٢٥٢.

(٤) بحار الأنوار ٤٥/ ١٩٦.


متى كان الخروج من الشام؟

المستفاد من بعض النصوص أنّ الخروج من الشام كان في العشرين من صفر.

قال الشيخ المفيد (رحمه الله): ( وفي العشرين منه (شهر صفر)، كان رجوع حرم سيّدنا ومولانا أبي عبد اللهعليه‌السلام من الشام إلى مدينة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله )(١) .

وقال الشيخ الطوسي (رحمه الله): ( وفي اليوم العشرين منه (صفر) كان رجوع حرم سيّدنا أبي عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالبعليه‌السلام من الشام إلى مدينة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله )(٢) .

وقال الشيخ رضيّ الدين علي بن يوسف بن المطهّر الحِلِّي: ( وفي اليوم العشرين من صفر سنة إحدى وستّين أو اثنين وستّين - على اختلاف الرواية به في قتل مولانا الحسينعليه‌السلام -(٣) كان رجوع حرم مولانا أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام من الشام إلى مدينة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله )(٤) .

وقال الكفعمي: ( وفي العشرين منه (صفر) كان رجوع حرم الحسين بن عليعليه‌السلام إلى المدينة )(٥) .

وقال في موضع آخر: ( وفي هذا اليوم (العشرين من صفر) كان رجوع حرم الحسينعليه‌السلام من الشام إلى المدينة )(٦) .

فإذا فرضنا أنّ المقصود من عبارة يوم خروجهم من الشام إلى المدينة هو

____________________

(١) مسار الشيعة: ٤٦.

(٢) مصباح المتهجِّد: ٧٣٠، عنه بحار الأنوار ١٠١/ ٣٣٤.

(٣) أقول: لا مجال لهذا التردّد في سنة الرجوع بعد إمكان دعوى التواتر في كون شهادتهعليه‌السلام في سنة إحدى وستّين، كما هو واضح للمتتبّع في المقام.

(٤) العدد القويّة: ٢١٩ رقم ١١.

(٥) مصباح الكفعمي: ٥١٠.

(٦) المصدر نفسه: ٤٨٩.


يوم خروجهم من الشام، لا يوم دخولهم المدينة، وقلنا: إنّ الرأس الشريف أُدخِل الشام في الأوّل من صفر، وأنّ أهل بيت الحسينعليه‌السلام دخلوها في ذلك اليوم - مع احتمال تقدّم ورود الرأس عليهم - فيكون مدّة بقائهم في الشام عشرين يوماً.

وقد ذكرنا عن القاضي نعمان القول ببقائهم فيها شهراً ونصف، وهناك رأي وسط يقول بمكوثهم فيها شهراً، ذكره السيّد ابن طاووس(١) .

المسايرون للركب!

لقد سايرت الركب الطاهر عدّةٌ بأمر يزيد، وقد ورد ذكرهم في التاريخ إمّا بالعنوان الكلّي أو بالخصوص، وللتوقّف في ذلك مجال، وذلك بطرحسؤالين:

السؤال الأوّل: مَنْ هم المسايرون؟

١) جيش: قال مسكويه الرازي: ( ثمّ جهّز - يزيد - النساء وعليّ بن الحسين، وضمّ إليهم جيشاً، حتّى ردّهم إلى المدينة )(٢) .

٢) جماعة: قال ابن نما: ( ثمّ أمر يزيد بمضيّ الأُسارى إلى أوطانهم مع نعمان بن بشير وجماعة معه إلى المدينة )(٣) .

٣) ثلاثون فارساً: قال أحمد بن داود الدينوري: ( ثمّ أمر - يزيد - بتجهيزهم بأحسن جهاز، وقال لعليّ بن الحسين: ( انطلق مع نسائك حتّى تبلغهنّ وطنهنّ )، ووجّه معه رجلاً في ثلاثين فارساً، يسير أمامهم، وينزل حجرة عنهم، حتّى انتهى

____________________

(١) إقبال الأعمال: ٥٨٩.

(٢) تجارب الأُمم ٢/ ٧٥.

(٣) مثير الأحزان: ١٠٦.


بهم إلى المدينة )(١) .

٤) عدّة من موالي أبي سفيان: روى الخوارزمي، عن أبي العلاء الحافظ، بإسناده عن مشايخه ( أنّ يزيد بن معاوية حين قُدم عليه برأس الحسين وعياله، بعث إلى المدينة، فأقدم عليه عدّة من موالي بني هاشم، وضمّ إليهم عدّة من موالي آل أبي سفيان، ثمّ بعث بثقل الحسين ومَن بقي من أهله معهم، وجهّزهم بكلّ شيء، ولم يدع لهم حاجة بالمدينة إلاّ أمر لهم بها )(٢) .

٥) نعمان بن بشير: كما ذكرنا ذلك عن ابن نما(٣) والباعوني(٤) .

وهو المستفاد ممّا ذكره الشيخ المفيد(٥) والطبرسي(٦) .

٦) محرز بن حريث الكلبي: روي عن سبط ابن الجوزي أنّه قال: ( وبعث - يزيد - معهم محرز بن حريث الكلبي )(٧) .

٧) رجل من بهرا: قال ابن سعد: ( وبعث - يزيد - بهم مع محرز بن حريث الكلبي ورجل من بهرا، وكانا من أفاضل أهل الشام )(٨) .

٨) عدّة من ذوي السنّ من موالي بني هاشم: قال ابن سعد: ( ثمّ بعث

____________________

(١) الأخبار الطوال: ٢٦١.

(٢) مقتل الخوارزمي ٢/ ٧٥؛ بحار الأنوار ٤٥/ ١٤٥. يؤيّده ما صرّح به ابن سعد في طبقاته: ٨٤ (ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام من القسم غير المطبوع ).

(٣) مُثير الأحزان: ١٠٦.

(٤) جواهر المطالب ٢/ ٢٩٥.

(٥) الإرشاد ٢/ ١٢٢.

(٦) إعلام الورى: ٢٤٩.

(٧) مرآة الزمان: ١٠١ (على ما في عبرات المصطفين ٢/ ٣٥١). وصرّح بذلك ابن سعد كما يأتي.

(٨) الطبقات الكبرى: ٨٤ ( ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام من القسم غير المطبوع ).


يزيد إلى المدينة، فقدم عليه بعدّة من ذوي السنّ من موالي بني هاشم، ثمّ من موالي بني علي، وضمّ إليهم أيضاً عدّة من موالي أبي سفيان، ثمّ بعث بثقل الحسين ومَن بقي من نسائه وأهله وولْده معهم، وجهّزهم بكلّ شيء، ولم يدع لهم حاجة بالمدينة إلاّ أمر لهم بها )(١) .

٩) عدّة من موالي بني عليّ: كما ذكرنا ذلك عن الطبقات آنفاً، وهو عطف الخاص على العام، كما أنّه يمكن دمج بعض ما ذكرنا في بعض.

السؤال الثاني: لماذا هذه المسايرة؟

من الغريب جدّاً أن يقول أحد: إنّ يزيد يقوم بإرسال هؤلاء لأجل المحافظة عليهم فحسب، وإن كان هذا هو الظاهر المترائى من القضيّة، ولكن الواقع هو المحافظة عليهم أوّلاً، والسيطرة على الأوضاع ثانياً، والثاني أولى بالمقصود عنده؛ إذ بعدما علمنا بمدى تأثير أهل البيت في العاصمة، ونشر الحقائق إلى سائر البلدان، فمن الطبيعي أن يخاف يزيد حصول التمرُّد والعصيان عليه في بعض البلدان الواقعة في المسير، وقد راعت السلطة ذلك بالبعث إلى المدينة، واستقدام عدّة من ذوي السنّ من موالي بني هاشم وموالي بني عليّ من أجل مسايرتهم للركب.

ما سُمِع عند ترك دمشق:

قال ابن أعثم: ثمّ أمر بهم يزيد بزاد كثير ونفقة، وأمر بحملانهم إلى المدينة، فلما فصلوا من دمشق سمعوا مُنادياً يُنادي في الهواء وهو يقول:

أيُّها القاتلون ظلماً حسينا

أبْشِرُوا بالعذاب والتنكيل

____________________

(١) المصدر السابق.


كلّ مَن في السماء يدعو عليكم

من نبيٍّ ومُرسلٍ وقتيل

قد لُعنِتم على لسان موسى

وداود وحامل الإنجيل(١)

حُسْن المعاملة في الطريق!

قال ابن سعد: ( وأمر - يزيد - الرُّسل الذين وجّههم معهم أن ينزلوا بهم حيث شاءوا ومتى شاءوا )(٢) .

وذكرنا عن الدينوري، أنّ يزيد وجّه معهم رجلاً في ثلاثين فارساً يسير أمامهم، وينزل حُجرة عنهم حتّى انتهى بهم إلى المدينة(٣) .

قال الشيخ المفيد (رحمه الله): ( وأنفذ معهم في جملة النعمان بن بشير رسولاً تقدّم إليه أن يسير بهم في الليل، ويكونوا أمامه، حيث لا يفوتون طرفه، فإذا نزلوا تنحّى عنهم، وتفرّق هو وأصحابه حولهم كهيئة الحرس لهم، وينزل منهم حيث إذا أراد إنسان من جماعتهم وضوءاً أو قضاء حاجة لم يحتشم، فسار معهم في جملة النعمان، ولم يزل يُنازلهم في الطريق، ويُرفق بهم - كما وصّاه يزيد - ويرعونهم حتّى دخلوا المدينة )(٤) .

وقال الشبلنجي: (ثمّ إنّ يزيد بعد ذلك أمر النعمان بن بشير أن يُجهّزهم بما يُصلحهم إلى المدينة الشريفة، وسيّر معهم رجلاً أميناً من أهل الشام في خيل

____________________

(١) الفتوح ٢/ ١٨٧.

(٢) الطبقات: ٨٤ ( ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام من القسم غير المطبوع ).

(٣) الأخبار الطوال: ٢٦١.

(٤) الإرشاد ٢/ ١٢٢. وروي نحوه في: تاريخ الطبري ٤/ ٣٥٤؛ الكامل في التاريخ ٤/ ٨٨؛ مقتل الخوارزمي ٢/ ٧٤؛ إعلام الورى: ٢٤٩؛ روضة الواعظين ١/ ١٩٢؛ تسلية المجالس ٣/ ٣٩٩ )؛ بحار الأنوار ٤٥/ ١٤٦ - عن صاحب المناقب - بتفاوت يسير جدّاً.


سيّرها صُحْبَتهم.. وأوصى بهم الرسول الذي سيّره صُحبتهم، وكان يُسايرهم وهو وخيله التي معهم، فيكون الحريم قدّام بحيث إنّهم لا يفوتون، فإذا نزلوا تنحّى عنهم ناحية هو وأصحابه، وكانوا حولهم كهيئة الحرس، وكان يسألهم عن حالهم، ويتلطّف بهم في جميع أُمورهم، ولا يشقّ عليهم في مسيرهم، إلى أن دخلوا المدينة )(١) .

وممّا يدلّ على ذلك، ما رواه الطبري عن أبي مخنف قال: ( قال الحارث بن كعب: قالت لي فاطمة بنت علي: قلت لأُختي زينب: يا أُخيّة، لقد أحسن هذا الرجل الشامي إلينا في صحبتنا، فهل لكِ أن نصله؟

فقالت: والله، ما معنا شيء نصله به إلاّ حُليّنا!

قلت لها: فنُعطيه حُليّنا؟

قالت: فأخذت سواري ودُملجي، وأخذت أختي سوارها ودُملجها، فبعثنا بذلك إليه، واعتذرنا إليه، وقلنا له: هذا جزاؤك بصُحبتك إيّانا بالحَسن من الفعل.

قالت: فقال: لو كان الذي صنعت إنّما هو للدُّنيا كان في حليكنّ ما يرضيني، ولكن - والله - ما فعلته إلاّ لله، ولقرابتكم من رسول الله (صلَّى الله عليه وسلَّم)(٢) .

لعلّ المقصود من هذا الرجل الشامي هو محرز بن حريث الكلبي، أو رجل من بهرا الذي عبّر عنهما ابن سعد بقوله: وكانا من أفاضل أهل الشام(٣) ، وإن كان

____________________

(١) نور الأبصار: ١٣٢.

(٢) تاريخ الطبري ٤/ ٢٥٤. وروى نحوه: الكامل في التاريخ ٤/ ٨٤، وفيه: (فأخرجنا سوارين ودُملجين فبعثنا بها إليه واعتذرنا... )؛ مقتل الخوارزمي ٢/ ٧٤؛ البداية والنهاية ٨/ ١٩٧؛ بحار الأنوار ٤٥/ ١٤٦ - عن صاحب المناقب. بتفاوت يسير جدّاً.

(٣) الطبقات الكبرى: ٨٤ ( ترجمة الإمام الحسين من القسم غير المطبوع ).


المستفاد ممّا نقله ابن نما والباعوني أنّ المتولّي لذلك هو نعمان بن بشير(١) ، ولكنّه أنصاري مدني، فلا يشمله إطلاق كونه الرجل الشامي، إلاّ إذا قيل: إنّه صار شاميّاً بعدما استوطنه! - أي هو شامي الهوى مدنيّ الأصل!

____________________

(١) مُثير الأحزان: ١٠٦؛ جواهر المطالب ٢/ ٢٩٥.


إلى كربلاء

زيارة قبر الإمام الحسينعليه‌السلام :

قال السيّد ابن طاووس: ( قال الراوي: ولما رجع نساء الحسينعليه‌السلام وعياله من الشام وبلغوا إلى العراق، قالوا للدليل: ( مُرَّ بنا على طريق كربلاء ) فوصلوا إلى موضع المصرع )(١) .

وقال السيّد محمّد بن أبي طالب: ( فسألوا أن يُسار بهم على العراق؛ ليُجدّدوا عهداً بزيارة أبي عبد اللهعليه‌السلام )(٢) .

وقال القندوزي: ( ثمّ أمرهم (يزيد) بالرجوع إلى المدينة المنوّرة، فسار القائد بهم، وقال الإمام والنساء للقائد: بحقّ معبودك أن تدلُّنا على طريق كربلاء. ففعل ذلك حتّى وصلوا كربلاء )(٣) .

ولا غرابة في الأمر، فإنّ يزيد - كما روى ابن سعد في طبقاته - أمر الرُّسل الذين وجّههم معهم أن ينزلوا بهم حيث شاءوا ومتى شاءوا(٤) .

مَنْ هو أوّل زائر لقبر الحسينعليه‌السلام ؟

روى ابن نما، عن ابن عائشة قال: مرّ سليمان بن قتّة العدوي مولى بني تميم بكربلاء، بعد قتل الحسينعليه‌السلام بثلاث، فنظر إلى مصارعهم، فاتّكأ على فرس له عربيّة، وأنشأ:

____________________

(١) الملهوف: ٢٢٥.

(٢) تسلية المجالس ٢/ ٤٥٨.

(٣) ينابيع المودّة ٣/ ٩٢.

(٤) الطبقات ( ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام من القسم غير المطبوع ): ٨٤.


مـررت عـلى أبـيات آل محمّد

فـلم أرَهـا أمـثالها يـوم حلَّت

ألم ترَ أنّ الشمس أضحت مريضةً

لـفقد حـسين والـبلاد اقشعرّت

وكـانوا رجـاءً ثمّ أضحوا رزيّة

لـقد عـظمت تلك الرزايا وجلّت

وتـسألنا قـيس فـنعطي فقيرها

وتـقتلنا قـيس إذا الـنعل زلّت

وعـند غـنيٍّ قـطرة من دمائنا

سـنطلبهم يـوماً بها حيث حلّت

فـلا يُـبْعِد الله الـديار وأهـلها

وإنْ أصـبحت منهم برغم تخلَّت

فـإنّ قـتيل الطفّ من آل هاشم

أذلّ رقــاب الـمسلمين فـذلّت

وقـد أعـولت تبكي السماء لفقده

وأنجمنا ناحت عليه وصلّت (١)

قد يستدِلّ القائل بهذه الرواية، أنّ سليمان بن قتّة العدوي هو أوّل مَن زار قبر الحسينعليه‌السلام ، حيث صرّح ابن نما أنّه زاره بعد قتل الحسينعليه‌السلام بثلاث.

وفيه:

أوّلاً: هذا ممّا لم يقله أحد فيما نعرفه.

ثانياً: إنّ هذا القيد ممّا تفرّد به ابن نما، وأمّا بقيّة أرباب السير والتواريخ، فقد اكتفوا بذكر رثاء سليمان، من دون أن يُقيّدوا ذلك بيوم(٢) ، ولا مكان(٣) .

____________________

(١) مُثير الأحزان: ١١٠، عنه بحار الأنوار ٤٥/ ٢٩٣.

(٢) اُنظُر: تذكرة الخواصّ: ٢٧٢ ( وفيه: وذكر الشعبي وحكاه ابن سعد أيضاً قال: مرّ سليمان بن قتّة بكربلاء، فنظر إلى مصارع القوم فبكى حتّى كاد أن يموت ثمّ قال... )؛ الملهوف: ٢٣٣ ( وفيه: وقد بكى على المنازل المشار إليها فقال... )؛ ينابيع المودّة ٣/ ١٠٠ ( وفيه: وقف سليمان على مصارع الحسين وأهل بيته (رضي الله عنهم)، وجعل يبكي ويقول... ).

(٣) اُنظر: الطبقات: ٩٢ ( ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام من القسم غير المطبوع )؛ مقاتل الطالبيين: ١٢١؛ أنساب الأشراف ٣/ ٤٢٠؛ المناقب ٤/ ١١٧؛ مروج الذهب ٣/ ٦٤؛ تهذيب الكمال ٦/ ٤٤٧؛ سير أعلام النبلاء ٣/ ٣١٨؛ الاستيعاب ١/ ٣٧٩؛ البداية والنهاية ٨/ ٢١٣؛ جواهر العقدين ٢/ ٣٣٣.


ثالثاً: الرواية تدلّ على مروره بكربلاء ونظره إلى مصارعهم، والمرور بها والنظر إلى المصرع أعمّ من أن يكون ذلك بقصد الزيارة أم لا، فهذا يختلف عمّا إذا نوى شخص زيارة قبر أبي عبد اللهعليه‌السلام ، فـ( إنّما الأعمال بالنيّات ) (١) ، وإنّما( لكلّ امرئٍ ما نوى ) (٢) .

رابعاً: إنّ لفظ المصرع أعمّ من أن يكون ناظراً إلى مكان استشهادهم، أو إلى أجسادهم المطهّرة التي كانت مُلقاة على الأرض، فهناك إجمال في هذه الناحية، إذ لو كان ذلك قبل دفن الأجساد المطهّرة فلا ينطبق عليه عنوان زيارة القبور، فشأنه شأن بني أسد الذين شاركوا في تدفين الشهداء، كما روي ذلك.

خامساً: إنّ في بعض الروايات أنّه قال ضمن تلك الأبيات:

وأنّ قتيل الطفّ من آل هاشم

أذلّ رقاباً من قريش فذلّت

فقال له عبد الله بن حسن بن حسن: ويحك ألا قلت: أذلّ رقاب المسلمين فذلّت؟!(٣) .

فلو علمنا أنّ عبد الله بن الحسن لم يكن حاضراً في كربلاء في اليوم الثالث، فهذا يعني أنّه أنشدها مُتأخّراً، إلاّ أن يُقال: إنّه كرّر ما أنشده سابقاً بعد ذلك، واعترض عليه عبد الله بن الحسن المثنّى!

فالمتحصّل من جميع ذلك؛ أنّه لا نتمكّن أن نُعرِّف سليمان بكونه أوّل مَن زار قبر الحسينعليه‌السلام .

نعم، ربّما نتمكّن من أن نقول: هو أوّل مَن رثاه - من الشعراء - بعد مقتلهعليه‌السلام ، وقد كسب بذلك لنفسه شرفاً لا يُنكر، خاصّة مع لحاظ ذلك الزمن المخوف، وغلبة الجور والظلم على الناس؛ ولأجله نرى أهمّيّة ما نقله أبو الفرج

____________________

(١ و٢) ميزان الحكمة ١٠/ ٢٧٧، ح٢٠٦٦١ وح٢٠٦٦٢.

(٣) الطبقات: ٩٢ ( ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام ومقتله من القسم غير المطبوع )؛ تذكرة الخواص: ٢٧٢.


الإصبهاني - بعد ذكره الأبيات - بقوله: وقد رثى الحسين بن عليّ - صلوات الله عليه - جماعة من متأخّري الشعراء. وأمّا مَن تقدّم فما وقع إلينا شيء رُثي به، وكانت الشعراء لا تُقدِم على ذلك مخافة بني أُميّة وخشية منهم )(١) .

فحينئذٍ؛ لا ينطبق هذا العنوان إلاّ في رجل شريف ذي معرفة كاملة، وهو ذلك الصحابي الجليل والعارف النبيل، جابر بن عبد الله الأنصاري - رضوان الله عليه - الذي رحل من المدينة المنوّرة إلى كربلاء؛ لأجل زيارة سيّد الشهداءعليه‌السلام ، فقد صرّح كثير من العلماء في كونه هو أوّل مَن اكتسب شرف عنوان زائر قبر الحسينعليه‌السلام ، وكفاه شرفاً وكرامة وذخراً.

قال الشيخ المفيد: ( وفي اليوم العشرين منه (صفر).. هو اليوم الذي ورد فيه جابر بن عبد الله بن حزام الأنصاري صاحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ورضي الله تعالى عنه من المدينة إلى كربلاء، لزيارة قبر سيّدنا أبي عبد اللهعليه‌السلام ، فكان أوّل مَن زاره من الناس )(٢) .

وبه قال الشيخ الطوسي(٣) ، والعلاّمة الحلّي(٤) ، والشيخ رضيّ الدِّين علي بن يوسف بن المطهّر الحلّي(٥) ، والكفعمي(٦) ، والمجلسي(٧) ، والمحدّث النوري(٨) وغيرهم.

____________________

(١) مقاتل الطالبيين: ١٢١.

(٢) مسار الشيعة: ٤٦.

(٣) مصباح المتهجّد: ٧٣٠.

(٤) منهاج الصلاح على ما في لؤلؤ ومرجان: ١٤٧.

(٥) العدد القويّة: ٢١٩ رقم ١١؛ عنه بحار الأنوار ٩٨/ ١٩٥.

(٦) مصباح الكفعمي: ٤٨٩.

(٧) بحار الأنوار ١٠١/ ٣٣٤.

(٨) مستدرك الوسائل ٣/ ٥٨٠.


جابر بن عبد الله الأنصاري وعطيّة العوفي في كربلاء:

جابر بن عبد الله هو ذلك الصحابي الجليل، الذي روى عنه عبد الرحمان بن سابط قال: ( كنت مع جابر، فدخل الحسين بن علي، فقال جابر:مَن سرّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنّة فلينظر إلى هذا ، فأشهدُ لسمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقوله )(١) .

فهو من أهل المعرفة، فإن فاتته السعادة بفوز الشهادة في ركاب سبط خاتم الرسالة، فليس بغريب عنه أن يشدّ الرحال لزيارة قبره الشريف إبرازاً إيّاه ومخالفته للسلطة، وتجديداً للعهد والوفاء.

روى الشيخ أبو جعفر محمّد بن أبي القاسم محمّد بن علي الطبري، بإسناده عن الأعمش عن عطيّة العوفي قال:

( خرجت مع جابر بن عبد الله الأنصاري، زائرين قبر الحسين بن عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، فلما وردنا كربلاء دنا جابر من شاطئ الفرات، فاغتسل، ثمّ ائتزر بإزار، وارتدى بآخر، ثمّ فتح صرّة فيها سِعْدٌ، فنثرها على بدنه، ثمّ لم يخطُ خطوة إلاّ ذَكر الله تعالى، حتّى إذا دنا من القبر قال: ألمسنيه(٢) . فألمسته، فخرّ على القبر مغشيّاً عليه، فرششت عليه شيئاً من الماء، فلما أفاق قال: ( يا حسين ) ثلاثاً، ثمّ

____________________

(١) مقتل الخوارزمي ١/ ١٤٧ وانظر ذخائر العُقبى: ١٢٩؛ تاريخ الإسلام للذهبي ٣/ ٨؛ سير أعلام النبلاء ٣/ ١٩٠؛ نظم درر السمطين: ٢٠٨؛ البداية والنهاية ٨/ ٢٠٦؛ مجمع الزوائد ٩/ ١٨٧؛ إسعاف الراغبين: ٢٠٦؛ ينابيع المودّة: ٢٢٢؛ نور الأبصار: ١١٦؛ مشارق الأنوار للخمراوي: ١١٤؛ أرجح المطالب: ٢٨١؛ كذا في إحقاق الحقّ ١١/ ٢٨٩ - ٢٩١.

(٢) يُمكننا أن نعتبر هذا علّة عدم حضور جابر بن عبد الله في وقعة الطف؛ إذ المستفاد من هذه العبارة أنّه كان مكفوف البصر حينذاك، فيكون معذوراً، ويؤيّد ذلك ما رواه ابن قتيبة في (الإمامة والسياسة) (١/ ٢١٤) في قضية وقعة الحرّة بقوله: ( وكان جابر بن عبد الله يومئذٍ قد ذهب بصره... )، ومن المعلوم أنّ الفاصل الزمني بين وقعة الطف ووقعة الحرّة لم يكن إلاّ ما يُقارب سنة.


قال: حبيب لا يُجيب حبيبه!!

ثمّ قال: وأنّى لك بالجواب؟! وقد شُحطت أوداجك على أثباجك، وفُرِّق بين بدنك ورأسك، فأشهد أنّك ابن خاتم النبيّين، وابن سيّد المؤمنين، وابن حليف التقوى، وسليل الهدى، وخامس أصحاب الكساء، وابن سيّد النقباء، وابن فاطمة سيّدة النساء، وما لكَ لا تكون هكذا؟! وقد غذّتك كفّ سيّد المرسلين، ورُبيّت في حجر المتّقين، ورضعت من ثدي الإيمان، وفُطمت بالإسلام، فطبت حيّاً، وطبت ميّتاً، غير أنّ قلوب المؤمنين غير طيّبة لفراقك، ولا شاكّة في الخيرة لك، فعليك سلام الله ورضوانه، وأشهد أنّك مضيت على ما مضى عليه أخوك يحيى بن زكريا.

ثمّ جال بصره حول القبر وقال: السلام عليكم أيّتها الأرواح التي حلّت بفناء الحسين، وأناخت برحله، واشهد أنّكم أقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وأمرتم بالمعروف، ونهيتم عن المنكر، وجاهدتم الملحدين، وعبدتم الله حتّى أتاكم اليقين، والذي بعث محمّداً بالحقّ نبيّاً، لقد شاركنا كم فيما دخلتم فيه.

قال عطيّة: فقلت له: يا جابر، كيف! ولم نهبط وادياً، ولم نعلُ جبلاً، ولم نضرب بسيف، والقوم قد فُرِّق بين رؤوسهم وأبدانهم، وأُوتمت أولادهم، وأُرملت أزواجهم؟!

فقال: يا عطيّة، سمعت حبيبي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول:( من أحبّ قوماً حُشِر معهم، ومَن أحبّ عمل قوم أُشرك في عملهم ) . والذي بعث محمّداً بالحقّ نبيّاً، إنّ نيّتي ونيّة أصحابي على ما مضى عليه الحسينعليه‌السلام وأصحابه، خُذْني نحو أبيات كوفان.

فلما صرنا في بعض الطريق قال: يا عطيّة، هل أوصيك وما أظنّ أنّني بعد هذه السفرة مُلاقيك، أحبب مُحبَّ آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ما أحبّهم، وابْغُضْ مُبغض آل


محمّد ما أبغضهم وإنْ كان صوّاماً قوّاماً، وأرْفِق بمُحبّ محمّد وآل محمّد، فإنّه إن تزلّ له قدم بكثرة ذنوبه ثبتت له أُخرى بمحبّتهم، فإنّ مُحبّهم يعود إلى الجنّة، ومُبغضهم يعود إلى النار )(١) .

وفيه نقاط للتأمّل:

منها:

١ - معرفة عظمة جابر، وذلك عِبر علوّ معرفته بمنزلة آل بيت محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله .

٢ - اتّخاذ موقف مُهمّ لجابر، حيث إنّه عدّ أعداء الحسينعليه‌السلام من الملحدين.

٣ - أدب جابر تجاه أبي عبد اللهعليه‌السلام ، وذلك نتيجة لكمال معرفته؛ فلذلك نراه يغتسل، ثمّ ينثر السِّعْد على بدنه، ثمّ يذكر الله في كلّ خطوة، ثمّ لمْسُه القبر فوقوعه مغشيّاً عليه، وصياحه: يا حسين ثلاثاً، ثمّ فقرات زيارته الدالّة على مدى معرفته تجاه الرسول ووصيّه وسبطهعليهم‌السلام .

٤ - المستفاد من هذا النقل، أنّ جابراً يتّجه بعد زيارته نحو أبيات كوفان، ولم يذكر فيه شيئاً من ملاقاته للإمام زين العابدينعليه‌السلام وسائر أُسرة الحسينعليه‌السلام . ويأتي تحقيق المقام.

ثمّ إنّ السيّد ابن طاووس أورد كيفيّة زيارة جابر قبر أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام وأصحابه الأوفياء، مع تفاصيل أُخرى يستدعي ذكرها تماماً.

قال: ( وقال عطا(٢) : كنت مع جابر بن عبد الله يوم العشرين من صفر، فلما وصلنا الغاضرية اغتسل في شريعتها، ولبس قميصاً كان معه طاهراً، ثمّ قال لي: أمعكَ شيء من الطيب يا عطا؟

قلت: معي سِعْد.

فجعل منه على رأسه وسائر

____________________

(١) بشارة المصطفى: ٧٤. وروى نحوه مقتل الخوارزمي (٢/ ١٦٧) مُسنداً بتفاوت يسير.

(٢) الظاهر اتّحاده مع عطيّة، كما احتمله المحدّث النوري أيضاً في لؤلؤ ومرجان: ١٤٩.


جسده، ثمّ مشى حافياً حتّى وقف عند رأس الحسينعليه‌السلام ، وكبّر ثلاثاً، ثمّ خرّ مغشيّاً عليه، فلما أفاق سمعته يقول:

السلام عليكم يا آل الله، السلام عليكم يا صفوة الله، السلام عليكم يا خيرة الله من خلقه، السلام عليكم يا سادة السادات، السلام عليكم يا ليوث الغابات، السلام عليكم يا سُفُن النجاة، السلام عليك يا أبا عبد الله ورحمة الله وبركاته.

السلام عليك يا وارث علم الأنبياء، السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله، السلام عليك يا وارث نوح نبيّ الله، السلام عليك يا وارث إبراهيم خليل الله، السلام عليك يا وارث إسماعيل ذبيح الله، السلام عليك يا وارث موسى كليم الله، السلام عليك يا وارث عيسى روح الله، السلام عليك يا بن محمّد المصطفى، السلام عليك يا بن عليّ المرتضى، السلام عليك يا بن فاطمة الزهراء، السلام عليك يا شهيد ابن الشهيد، السلام عليك يا قتيل ابن القتيل، السلام عليك يا وليّ الله وابن وليّه، السلام عليك يا حجّة الله وابن حجّته على خلقه.

أشهد أنّك قد أقمت الصلاة، وآتيت الزكاة، وأمرت بالمعروف، ونهيت عن المنكر، وبررت والِدْيك، وجاهدت عدوّك، أشهد أنّك تسمع الكلام، وتردّ الجواب، وأنّك حبيب الله وخليله ونجيبه وصفيّه وابن صفيّه.

زُرْتُك مُشتاقاً، فكُنْ لي شفيعاً إلى الله، يا سيّدي، أستشفع إلى الله بجدّك سيّد النبيِّين، وبأبيك سيّد الوصيّين، وبأُمّك سيّدة نساء العالمين، لعن الله قاتليك وظالميك وشانئيك ومبغضيك من الأوّلين والآخرين.

ثمّ انحنى على القبر، ومرَّغ خدّيه عليه وصلّى أربع ركعات، ثمّ جاء إلى قبر عليّ بن الحسينعليهما‌السلام فقال: السلام عليك يا مولاي وابن مولاي، لعن الله قاتلك، لعن الله ظالمك، أتقرّب إلى الله بمحبّتكم، وأبرأ إلى الله من عدوّكم.


ثمّ قبّله وصلّى ركعتين، والتفت إلى قبور الشهداء، فقال:

السلام على الأرواح المنيخة بقبر أبي عبد الله، السلام عليكم يا شيعة الله وشيعة رسوله وشيعة أمير المؤمنين والحسن والحسين، السلام عليكم يا طاهرون، السلام عليكم يا مهديّون، السلام عليكم يا أبرار، السلام عليكم وعلى ملائكة الله الحافّين بقبوركم، جمعني الله وإيّاكم في مُستقرّ رحمته تحت عرشه.

ثمّ جاء إلى قبر العبّاس بن أمير المؤمنينعليهما‌السلام ، فوقف عليه وقال: السلام عليك يا أبا القاسم، السلام عليك يا عبّاس بن عليّ، السلام عليك يا بن أمير المؤمنين، أشهد لقد بالغت في النصيحة، وأدّيت الأمانة، وجاهدت عدوّك وعدوّ أخيك، فصلوات الله على روحك الطيّبة، وجزاك الله من أخٍ خيراً.

ثمّ صلّى ركعتين ودعا الله ومضى )(١) .

إنّ هذه الزيارة تدلّ على مدى عظمة ومعرفة وجلالة هذا الصحابي الجليل.

ثمّ إنّه متى التحق عطيّة بجابر؟ هل كان عطيّة في الحجّ - تلك السنة - ثمّ اصطحبه جابر؟ أو أنّ جابراً جاء إلى الكوفة وأتيا معاً لزيارة قبر الحسينعليه‌السلام ؟

هذا ممّا لم يتيسّر لنا تحقّقه.

بيان شخصيَّتيهما:

١ - جابر بن عبد الله بن مرو بن حزام الأنصاري:

روى الكشّي أنّه من السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام (٢) ،...، وهو آخر مَن بقي من أصحاب الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وكان مُنقطعاً إلى آل البيتعليهم‌السلام ، وكان يقعد في المسجد وهو مُعتمٌّ

____________________

(١) مصباح الزائر: ٢٨٦، عنه بحار الأنوار ١٠١/ ٣٢٩.

(٢) اختيار معرفة الرجال ١/ ٣٨، رقم ٧٨.


بعمامة سوداء وينادي: ( يا باقر العلم )(١) ، وكان يتوكّأ على عصاه ويدور في سكك المدينة ويقول: ( عليّ خير البشر )(٢) . وكان شيخاً قد أسنّ فلم يتعرّض الحجّاج له )(٣) .

وقال المحدّث النوري: ( هو من السابقين الأوّلين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام وحامل سلام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى باقر علوم الأوّلين والآخرين، وأوّل مَن زار أبا عبد الله الحسينعليه‌السلام في يوم الأربعين، المنتهى إليه سند أخبار اللوح السمائي، الذي فيه نصوص من الله ربّ العالمين، على خلافة الأئمّة الراشدين، الفائز بزيارته من بين جميع الصحابة عند سيّدة نساء العالمين، وله بعد ذلك مناقب أُخرى وفضائل لا تُحصى )(٤) .

وذكره المحدّث القمّي قال: ( صحابيّ جليل القدر، وانقطاعه إلى أهل البيتعليهم‌السلام ، وجلالته أشهر من أن تُذكَر، مات سنة ٧٨هـ، والروايات التي يظهر منها فضله كثيرة جدّاً ).

ثمّ ذكر بعضها، فقال بعد ذلك: ( أقول: حُكي عن (أُسد الغابة) أنّه قال في جابر (رضي الله عنه): إنّه شهد مع النبيّ ثمان عشرة غزوة، وشهد صِفِّين مع عليّ بن أبي طالب، وعُمي في آخر عمره... وهو آخر مَن مات بالمدينة ممّن شهد العقبة. إلى أن قال: وكان من المكثرين للحديث، الحافظين للسُّنن. وقال الشيخ (رحمه الله): إنّه شهد بدراً وثماني عشرة غزوة مع النبيّ، قلت: وهذا يُطابق قول جابر: شاهدت منها تسعة عشر. والله العالم )(٥) .

____________________

(١) المصدر نفسه، رقم ٨٨.

(٢) المصدر نفسه ١/ ٤٤ ح٩٣.

(٣) المصدر نفسه، ٢/ ١٢٤ ح١٩٥.

(٤) مستدرك الوسائل ٣/ ٥٨٠ الفائدة الخامسة من الخاتمة ترجمة جابر، عنه سفينة البحار ١/ ١٤١.

(٥) سفينة البحار ١/ ١٤٠ - ١٤١.


وذكر السيّد الخوئي، أنّه شهد بدراً وثماني عشرة غزوة مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومن أصفياء أصحاب عليّعليه‌السلام ، ومن شرطة خميسه، ومن أصحاب الحسن والحسين والسجّاد والباقرعليهم‌السلام ، جليل القدر... روى الكليني بسند صحيح، عن أبي جعفرعليه‌السلام قوله:( ولم يَكْذب جابر ) (١) ).(٢)

٢ - عطيّة بن سعد بن جنادة العوفي من جديلة قيس:

ويكنّى أبا الحسن قاله المحدّث القمّي، وقال: ( عطيّة العوفي أحد رجال العلم والحديث، يروي عنه الأعمش وغيره، وروي عنه أخبار كثيرة في فضائل أمير المؤمنينعليه‌السلام ... وهو الذي تشرّف بزيارة الحسينعليه‌السلام مع جابر الأنصاري الذي يُعدّ من فضائله أنّه كان أوّل مَن زاره... روي أنّه جاء سعد بن جنادة إلى عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام وهو بالكوفة، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّه قد ولِد لي غلام فسمِّه.

فقال:( هذا عطيّة الله ) .

فسُمِّي عطيّة، وكانت أُمّه روميّة، وخرج عطيّة مع ابن الأشعث(٣) ، هرب عطيّة إلى فارس، وكتب الحجّاج إلى محمّد بن القاسم الثقفي: أن ادعُ عطيّة، فإن لعن عليّ بن أبي طالب وإلاّ فاضربه أربعمئة سوط واحُلق رأسه ولحيته!

فدعاه وأقرأه كتاب الحجّاج، وأبى عطية أن يفعل، فضربه أربعمئة سوط، وحلق رأسه ولحيته، فلما ولّي قتيبة بن مسلم خراسان خرج إليه عطيّة، فلم يزل بخراسان حتّى ولّي عمر بن هبيرة العراق، فكتب إليه عطيّة يسأله الإذن له في القدوم، فأذِن له، فقدم الكوفة فلم يزل بها إلى أن توفّي سنة ١١١، وكان كثير الحديث ثقة إن شاء الله، انتهى.

____________________

(١) مُعجم رجال الحديث ٤/ ٣٣٠، رقم ٢٠٢٦، عنه المفيد من مُعجم رجال الحديث: ١٠٠.

(٢) ولمزيد التعرّف على شخصيّته راجع مصادر ترجمته مثل: رجال الشيخ ٧٣؛ الإصابة ١/ ٢١٣؛ تهذيب الأسماء ١/ ١٤٢؛ الأعلام ١/ ٢١٣ وتنقيح المقال ١/ ١٩٩ وغيرها.

(٣) مرّت ترجمته وقصّة خروجه في الجزء الثاني من هذه الموسوعة ص١٢٢، فراجع.


عن (مُلحقات الصراح) قال: عطيّة العوفي بن سعيد (سعد ظ)، له تفسير في خمسة أجزاء. قال عطيّة: عرضت القرآن على ابن عبّاس ثلاث عرضات على وجه التفسير، وأمّا على وجه القراءة فقرأ عليه سبعين مرّة، انتهى.

ويظهر من كتاب بلاغات النساء، أنّه سمع عبد الله بن الحسن يذكر خُطبة فاطمة الزهراءعليها‌السلام في أمر فدك فراجِعْ )(١) .

قال ابن نما: ( ولما مرّ عيال الحسينعليه‌السلام بكربلاء وجدوا جابر بن عبد الله الأنصاري (رحمه الله) وجماعة من بني هاشم قدموا لزيارته في وقت واحد، فتلاقوا بالحزن والاكتئاب والنوح على هذا المصاب المقرح لأكباد الأحباب )(٢) .

قال السيّد ابن طاووس: ( فوصلوا إلى موضع المصرع، فوجدوا جابر بن عبد الله الأنصاري (رحمه الله)، وجماعة من بني هاشم، ورجالاً من آل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله قد وردوا لزيارة قبر الحسينعليه‌السلام ، فوافوا في وقت واحد وتلاقوا بالبكاء والحزن واللطم )(٣) .

إقامة العزاء على أرض الطف:

أقام الركب الحسيني مجلسَ العزاء في أرض المعركة وهي الطفّ، وذلك بعد إقامته في الشام، وبذلك صارت سُنَّة حَسنة، استمرّت من ذلك الحين إلى الآن، وأمّا المجلس الذي أُقيم بكربلاء فقد تبنّاه أهل بيت الحسينعليهم‌السلام الذين شهدوا بأعيُنهم عُمق المأساة والفاجعة بأعينهم، وقد حضرها جابر بن عبد الله الأنصاري(٤) ، وجماعة من بني هاشم، ورجال من آل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله أتوا لزيارة قبر الحسينعليه‌السلام ،

____________________

(١) سفينة البحار ٢/ ٢٠٥ مادّة عطا.

(٢) مُثير الأحزان: ١٠٧.

(٣) الملهوف: ٢٢٥. وروى نحوه السيّد محمّد بن أبي طالب (تسلية المجالس ٢/ ٤٥٨).

(٤) في زيارته الثانية للقبر الشريف.


واجتمعت إليهم نساء ذلك السواد، وأقاموا أيّاماً، وفي بعض التواريخ استمرّت ثلاثة أيّام.

قال السيّد: ( وأقاموا المآتم المقرحة للأكباد، واجتمعت إليهم نساء ذلك السواد، وأقاموا على ذلك أيّاماً )(١) .

وروى القندوزي عن أبي مخنف: ( فأخذوا بإقامة المآتم إلى ثلاثة أيّام )(٢) .

التحقيق حول الأربعين!

لقد وقع الخلاف في زمن مجيء أهل البيتعليهم‌السلام إلى كربلاء، هل كان ذلك في الأربعين الأُولى؟ أم الثانية؟ أم غيرهما؟

أمّا أصل مجيئهم إلى كربلاء فلا ينبغي الريب فيه؛ إذ إنّه - مضافاً إلى إمكانه - مذكور في كثير من الكُتب المعتبرة، وعدم تصريح بعض الكبار من العلماء لا يكون تصريحاً بالعدم، إذ إنّه أعمّ.

وأمّا زمن المجيء، فقد وقع الخلاف فيه، فذهب فريق إلى كونه في الأربعين الأوّل، ونفى فريق إمكان وقوعه فيه، وقالوا: إنّ المدّة لا تكفي، فلابدّ أن يكون بعد ذلك، ولكن ليس في الأربعين الثاني، بل فيما بينهما.

أمّا كونه في الأربعين الثاني (أي في سنة ٦٢هـ) فبعيد جدّاً، وإن ذكره بعض(٣) ، ولكن لا يمكن الالتفات إليه.

أمّا الفريق الأوّل (أعني القائلين: بأنّ الرجوع كان في الأربعين الأوّل)، فمنهم:

____________________

(١) الملهوف: ٢٢٥.

(٢) ينابيع المودّة ٣/ ٩٢. ونحوه في المنتخب ٢/ ٤٨٣.

(٣) مثل ناسخ التواريخ.


١ - أبو ريحان البيروني، قال: ( العشرون (من صفر) رُدَّ رأس الحسين إلى جثّته حتّى دُفن مع جثّته، وفيه زيارة الأربعين، وهم حرمه بعد انصرافهم من الشام )(١) .

٢ - الشيخ البهائي، قال: ( التاسع عشر (من صفر) فيه زيارة الأربعين لأبي عبد اللهعليه‌السلام ، وهي مرويّة عن الصادقعليه‌السلام ، وقتها عند ارتفاع النهار، وفي هذا - وهو يوم الأربعين من شهادتهعليه‌السلام - كان قدوم جابر بن عبد الله الأنصاري (رضي الله عنه) لزيارتهعليه‌السلام ، واتّفق في ذلك اليوم ورود حرمهعليه‌السلام من الشام إلى كربلاء، قاصدين المدينة، على ساكنها السلام والتحيّة )(٢) .

٣ - العلاّمة المجلسي (رحمه الله)، فقد نقل الشهرة بين الأصحاب، وقال حول علّة استحباب زيارة الحسين الحسين صلوات الله عليه في يوم الأربعين: ( والمشهور بين الأصحاب، أنّ العلّة في ذلك رجوع حرم الحسين - صلوات الله عليه - في مثل ذلك اليوم إلى كربلاء عند رجوعهم من الشام، وإلحاق عليّ بن الحسين - صلوات الله عليه - الرؤوس بالأجساد )(٣) .

٤ - الشهيد القاضي الطباطبائي، فإنّه أتعب نفسه الزكيّة لإثبات هذه المسألة، وقد أتى بكتاب ضخم حول هذا الموضوع، وسنتعرّض إلى مُلخّص ما استدلّ به حينما نذكر أدلّة المحدّث النوري.

وهناك من العلماء - رحمهم الله - مَن لم يتعرّض لذلك مطلقاً كالشيخ المفيد(٤) ،

____________________

(١) الآثار الباقية: ٣٢١.

(٢) توضيح المقاصد: ٦.

(٣) بحار الأنوار ١٠١/ ٣٣٤.

(٤) مسار الشيعة ٤٦.


والحلّي(١) ، والكفعمي(٢) ، فإنّهم اكتفوا بذكر رجوع أهل البيت من الشام إلى المدينة، ولم يذكروا شيئاً من وصولهم إلى كربلاء.

وبعضهم قد توقّف في المسألة، ولم يختر أيّ الجانبين، مثل جدّنا آية الله الفقيه الشيخ الطبسي النجفي، حينما قال: ( إنّما البحث في أنّهم أتوا إلى كربلاء في الأربعين الأُولى أو في السنة المقبلة؟ مُقتضى ظاهر بعض أنّه كان في السنة الأُولى، وظاهر عبارة ابن طاووس في اللهوف كذلك... وفي الناسخ أنّه ليس لنا خبر صريح في ذلك، بل قال: مجيء آل الله سنة الشهادة مُحال، ولكن مجيء جابر وجماعة من بني هاشم في الأربعين الأوّل بلا إشكال. وأمّا الشيخ عماد الدِّين حسن بن علي الطبري، الذي كان مُعاصراً للخواجة نصير الدِّين الطوسي في كامل البهائي: أنّ آل الرسول دخلوا دمشق في السادس عشر من شهر صفر في الأربعين الثاني، والذي يقول بالثاني إنّ مكثهم في الكوفة ما كان بنحو الاختصار، ثمّ بعد ذلك مرورهم في الأمصار والبلدان والقرى، وتوقّفهم في قرب (ميافارقين) عشرة أيّام، وثلاثة أيّام في النصيبين، وثلاثة أيّام في خارج الشام، مع وقوفهم في الكوفة في الحبس وغيره ما يقرب من عشرين يوم، فكيف وصلوا في عشرين صفر من السنة الأُولى التي وقعت فيها الشهادة؟! والعلم عند الله، وما كان البناء في رواحهم ومجيئهم من الشام إلى كربلاء بطريق الإعجاز.

فعليه؛ أنا من المتوقّفين في ذلك، ولكنّ المشهور عند عوامّ الناس في السنة الأُولى، مع أنّ ظاهر عدّة التواريخ أنّ توقّفهم في الشام لا يقلّ من شهر )(٣) .

____________________

(١) العدد القويّة: ٢١٩.

(٢) مصباح الكفعمي: ٤٨٩ و٥١٠.

(٣) مقتل الإمام الحسينعليه‌السلام : ٢٨٥ - مخطوط.


وقد نفى ذلك بعض العلماء واستبعده جدّاً، ومنهم:

١ - السيّد ابن طاووس: قال في (إقبال الأعمال): ( وجدت في (المصباح): أنّ حرم الحسينعليه‌السلام وصلوا المدينة مع مولانا عليّ بن الحسينعليه‌السلام يوم العشرين من صفر، وفي غير (المصباح): أنّهم وصلوا كربلاء أيضاً في عودهم من الشام يوم العشرين من صفر، وكلاهما مُستبعد؛ لأنّ عبيد الله بن زياد - لعنه الله - كتب إلى يزيد يُعرّفه ما جرى ويستأذنه في حملهم، ولم يحملهم حتّى عاد الجواب إليه، وهذا يحتاج إلى نحو عشرين يوماً أو أكثر منها؛ لأنّه لما حملهم إلى الشام روي أنّهم أقاموا فيها شهراً في موضع لا يُكنّهم من حرٍّ ولا برد، وصورة الحال يقتضي أنّهم تأخّروا أكثر من أربعين يوماً من يوم قُتلعليه‌السلام إلى أن وصلوا العراق أو المدينة، وأمّا جوازهم في عودهم على كربلاء فيمكن ذلك، ولكنّه ما يكون وصولهم إليها يوم العشرين من صفر؛ لأنّهم اجتمعوا على ما روى جابر بن عبد الله الأنصاري، فإن كان جابر وصل زائراً من الحجاز، فيحتاج وصول الخبر إليه ومجيئه أكثر من أربعين يوماً، وعلى أن يكون جابر وصل من الحجاز من الكوفة أو غيرها [كذا] انتهى )(١) .

وفيه: أنّه لم نعثر في (المصباح): ( أنّ حرم الحسينعليه‌السلام وصلوا المدينة يوم العشرين من صفر )، وإنّما فيه: ( أنّه كان رجوع حرم سيّدنا أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام من الشام إلى مدينة الرسول في اليوم العشرين من صفر )(٢) .

وقلنا آنفاً: إنّه لو كان المقصود هو مبدأ الرجوع - لا الوصول والدخول فيها - فحينئذٍ يكون المراد أنّه كان يوم الانطلاق من الشام، فلا مجال لأحد الاستبعادين.

____________________

(١) إقبال الأعمال: ٥٨٩.

(٢) مصباح المتهجّد: ٧٣٠.


٢ - العلاّمة المجلسي، فإنّه قال: ( فائدة: اعلم أنّه ليس في الأخبار ما العلّة في استحباب زيارته - صلوات الله عليه - في هذا اليوم ( الأربعين )!

والمشهور بين الأصحاب، أنّ العلّة في ذلك رجوع حرم الحسين - صلوات الله عليه - في مثل ذلك اليوم إلى كربلاء، عند رجوعهم من الشام، وإلحاق عليّ بن الحسين - صلوات الله عليه - الرؤوس بالأجساد، وقيل: في مثل ذلك اليوم رجعوا إلى المدينة، وكلاهما مُستبعدان جدّاً؛ لأنّ الزمان لا يسعُ ذلك، كما يظهر من الأخبار والآثار، وكون ذلك في السنة الأُخرى أيضاً مُستبعد )(١) .

واستبعدهما في زاد المعاد(٢) ، وما علّقناه حول كلام السيّد جارٍ هنا أيضاً.

٣ - المحدّث النوري، فإنّه استبعده بالمرّة، وذكر أدلّة لا بأس بها في الجملة، سنذكرها في المبحث الآتي (القضاء بين المحدّث النوري والقاضي الطباطبائي).

٤ - المحدّث القمّي، فإنّه ( قدّس سرّه) من المستبعدين والمنكرين لذلك أيضاً (٣) .

٥ - الشيخ محمّد إبراهيم الآيتي، فإنّه نفاه وعدّه من الأساطير التاريخية!(٤) .

٦ - الشهيد المطهّري، فإنّه (رضي الله عنه)، نفى خبر لقاء أهل البيت مع جابر بجدٍّ، وقال: المتفرّد بذلك هو السيّد ابن الطاووس في اللهوف، ولم يذكره أحد غيره، حتّى إنّ السيّد لم يذكره في سائر كتبه أيضاً، والدليل العقلي يرفضه أيضاً(٥) .

وفيه: إن كان مقصوده - رضوان الله عليه - من إنكار اللقاء، عدم حصوله في

____________________

(١) بحار الأنوار ١٠١/ ٣٣٤.

(٢) زاد المعاد، عنه مقتل الإمام الحسينعليه‌السلام للطبسي.

(٣) مُنتهى الآمال ١/ ٨١٧.

(٤) بررسي تاريخ عاشورا: ١٤٨.

(٥) حماسه حسيني ١/ ٣٠.


خصوص يوم الأربعين - كما هو المترائى من ظاهر عبارته، خاصّة مع ضمّه الدليل العقلي لذلك - فإنّ السيّد ابن طاووس لم يقله حتّى في اللهوف، وإن كان المقصود إنكار أصل اللقاء، فإنّ السيّد ليس المتفرّد في هذه القضيّة، فإنّ هناك كباراً من العلماء نجدهم قد صرّحوا بذلك، منهم: الشيخ ابن نما الذي كان مُعاصراً للسيّد(١) ، والشيخ البهائي(٢) ، والسيّد ابن أبي طالب(٣) ، والعلاّمة المجلسي(٤) ، والقندوزي(٥) وغيرهم.

ويأتي القول المختار في الموضوع.

القضاء بين المحدِّث النوري والقاضي الطباطبائي:

ذكرنا الأقوال في المسألة، وأشرنا إلى أنّ المحدِّث النوري كان من المنكرين للرجوع في الأربعين الأوّل، بينما كان الشهيد القاضي من الذاهبين لإثباته، لكن لما كان هذين العلمين الحجّتين مُتحمّسَين في رأيهما، ويُقدّمان الأدلّة على ما يذهبان إليه، فإليك مُجمل ما أفاداه، والنظر المختار فيه:

١ - مع المحدِّث النوري:

قال المحدّث النوري: ( إنّ السيّد ابن طاووس، والذي روى خبر لقاء أهل البيت مع جابر بن عبد الله الأنصاري، ألّف كتاب اللهوف في أوان تكليفه وبداية شبابه، ويدلّ عليه اثنان:

____________________

(١) مُثير الأحزان ١٠٧.

(٢) توضيح المقاصد ٦.

(٣) تسلية المجالس ٢/ ٤٥٨.

(٤) جلاء العيون ٤٥٠.

(٥) ينابيع المودّة ٣/ ٩٢.


١) إنّه أسقط ذكر المأخذ والإسناد فيه وفي مصباح الزائر، وهو خلاف سيرته وطريقته في سائر كُتبه الموجودة، وليس هناك وجه إلاّ عدم إتقانه التامّ وقلّة اطّلاعه في حين تأليف هذين الكتابين، وكذلك في كتابه الآخر المسمّى بـ ( المجتنى )؛ فحينئذٍ لو ورد إشكال على كتابه فلا يُنافي شخصيّته وعظمته وعلوّ مقامه، وطول باعه وكثرة اطّلاعه في الأحاديث والآثار؛ لأنّها حصلت تدريجيّاً وعلى مرّ الزمان.

٢) إنّ السيّد قد صرّح في إجازاته أنّه كتب مصباح الزائر في بداية التكليف(١) ، وقال في أوّل اللهوف: إنّ من أجلّ البواعث لنا على سلوك هذا الكتاب(٢) أنّني لما جمعت كتاب (مصباح الزائر وجناح المسافر)، ورأيته قد احتوى على أقطار الزيارات ومختار أعمال تلك الأوقات؛ فحامله مُستغنٍ عن نقل مصباح لذلك الوقت الشريف أو حمل مزار كبير أو لطيف، أحببت أيضاً أن يكون حامله مُستغنياً عن نقل مقتل في زيارة عاشوراء إلى مشهد الحسين صلوات الله عليه، فوضعت هذا الكتاب ليُضمّ إليه )(٣) .

مُناقشة مُقدّمتي النوري:

فمقصود المحدّث النوري من هاتين المقدّمتين: أنّ السيّد ابن طاووس كتب اللهوف - وهو المصدر الأقدم في المسألة - في سنّ مُبكِّرة، وفي وقت عدم تضلُّعه

____________________

(١) بحار الأنوار ١٠٧/ ٣٩.

(٢) الملهوف: ٨٦.

(٣) لؤلؤ ومرجان: ١٤٤.


التامّ، فلا يُركَن إليه في هذه المسألة.

وفي كليهما وجوه للنظر:

١ - إنّ إسقاطه المأخذ والإسناد ليس ناشئاً عن عدم إتقانه التامّ وقلّة اطّلاعه - كما قال -، بل لما كان قصد المؤلّف تأليف كتاب صغير الحجم، كثير الموضوع، قابل للحمل في مشهد الحسينعليه‌السلام وغيره، فلابدّ له أن يفعل ذلك، وإلاّ يكون ذلك نقضاً للغرض، ولكان الأجدر الاكتفاء بالمطوّلات كمصباح الشيخ.

٢ - قال السيّد (ابن طاووس) في إجازاته: (ممّا ألّفته في بداية التكليف من غير ذكر الأسرار والتكشيف كتاب مصباح الزائر وجناح المسافر ثلاث مجلّدات )(١) ، ثمّ ذكر سائر كتبه، وقال في آخر ما ذكره من تصانيفه: ( وصنّفت كتاب الملهوف على قتلى الطفوف، ما عرفت أنّ أحداً سبقني إلى مثله، ومَن وقف عليه عرف ما ذكرته من فضله )(٢) .

فربّما الناظر إلى هذه العبارة يستشفّ منها أنّ اللهوف هو آخر ما صنّفه، لما في جعله آخر تصانيفه، ومع عدم قبول ذلك فالمتيقّن أنّ هذه الشهادة منه على مضمون الكتاب حصلت في مرحلة كمال عمره الشريف، وبعد فراغه من كثير من تصانيفه؛ فإذن لا يناسب ذلك الكلام في حقّ هذا الكتاب.

٣ - إنّ المحدّث النوري قد صرّح في كتابه هذا بأنّ (مصباح الزائر) من الكُتب المعتبرة(٣) ! وهذان لا يجتمعان.

٤ - ثمّ إنّ ضمّه إلى (مصباح الزائر) ليس دليلاً على كتابته في أوان التكليف،

____________________

(١) بحار الأنوار ١٠٧/ ٣٩.

(٢) المصدر نفسه ١٠٧/ ٤٢.

(٣) لؤلؤ ومرجان: ١٤٨.


بل المؤلّف رأى حُسن ذلك فيما بعد، كما صرّح بذلك نفسه.

٥ - أضف إلى ذلك، أنّ تأليف الكُتب من مثل هؤلاء في هذا السنّ المبكِّرة هو عناية إلهيّة خاصّة لمن يشاء من خيار عباده؛ ولذلك نجد كباراً من العلماء القدماء مُجتهدين في أوان التكليف أو قبله.

٦ - إنّ السيّد ليس المتفرّد بذلك، بل هذا العلاّمة الجليل الفقيه ابن نما الحلّي (٥٦٧ - ٦٤٥هـ) - الذي قال المحقّق الكركي عنه: وأعلم العلماء بفقه أهل البيت(١) - ذكر خبر اللقاء أيضاً، ولا يقول أحد: إنّه كتبه في أوان تكليفه! وإنّه ناشٍ عن كذا وكذا. وهو متقدِّم زمنيّاً على السيّد ابن طاووس، إذ كانت ولادة السيّد (رحمه الله) سنة ٥٨٩هـ ووفاته سنة ٦٦٤، بينما ولِد ابن نما في سنة ٥٦٧ وتوفِّي سنة ٦٤٥، فولادته كانت قبل السيّد بـ ٢٢ سنة، واتّفق وفاته قبل وفاة السيد بـ ٢١ سنة.

فتحصّل، أنّ صدور هذا اللحن من الخطاب من مثل هذا المحدّث في شأن ذلك العالم الكبير غير مُناسب.

٧ - لقد أجابه الشهيد القاضي الطباطبائي بقوله - ما مُلخّصه -:

( إنّ هذه المسألة ليس قائلها السيّد ابن طاووس في اللهوف فحسب، بل هناك أبو ريحان البيروني المتوفّى عام ٤٤٠ قد صرّح بذلك، وعليه شهرة الأصحاب من الإمامية - التي ادّعاها العلاّمة المجلسي - ومورد وفاق العلماء من القرن الأوّل إلى القرن السابع، وأوّل مَن استشكل فيها السيّد ابن طاووس في الإقبال، ومن المتأخِّرين المحدّث النوري )(٢) .

____________________

(١) اُنظر مُقدّمة مُثير الأحزان: ٩.

(٢) اُنظر مقدّمة مُثير الأحزان: ٤ - ٢٠.


إذن؛ تخرج المسألة عن كونها في إطار نقل راوٍ مجهول، نقل في سنّ مُبكِّر من العمر، بل هناك جذور للمسألة.

نعم، سوف نذكر بعض الملاحظات على كلام الشهيد القاضي الطباطبائي.

المحدِّث النوري يستدلّ بسبع نقاط:

ثمّ إنّ المحدِّث النوري قال:

( وصول أهل البيت في الأربعين (الأُولى) إلى كربلاء - بناءً على ما ذكره السيّد في اللهوف - منافٍ لأمور كثيرة وأخبار عديدة، وتصريح عدّة من العلماء، منها:

١ - إنّ السيّد في الإقبال - بعد إشارته إلى ما ذكره في اللهوف سابقاً - قد استبعد ذلك.

ثمّ نقل المحدّث النوري ما ذكرناه عن الإقبال فيما مضى، وقال بعده:

هذا مُلخّص ما أفاده في الإقبال، والعَجب منه أنّه يذكر في اللهوف قضيّة استئذان ابن مرجانة من يزيد حول مسألة الأُسارى، وحملهم إلى الشام بعد ذلك، ومع ذلك نقل تلك القصّة (أي اجتماعهم مع جابر في يوم الأربعين) وهما لا يجتمعان.

٢ - إنّ أحداً من أجلاّء فَنِّ الحديث والمعتمَدين من أهل السير والتاريخ لم يذكروا ذلك في كتبهم، مع أنّه في غاية الأهمّية وجدير بالذكر، بل المستفاد من سياق كلامهم إنكارهم له.

ثمّ ذكر خبر المفيد في الإرشاد حول أمر يزيد بتجهيز أهل بيت الحسين إلى المدينة، إلى أن قال:


فسار معهم في جملة النعمان، ولم يزل يُنازلهم في الطريق ويُرفق بهم كما وصّاه يزيد، ويرعاهم حتّى دخلوا المدينة، ومن البعيد أن يرى المفيد خبراً يعتمد عليه حول ذهابهم إلى كربلاء ولقائهم جابراً وإقامتهم العزاء على الحسينعليه‌السلام ولم يُشرْ إليه، وكذا الطبري في تاريخه الذي يُعدّ من التواريخ المعتبرة، وابن الأثير في الكامل لم يذكرا شيئاً من الرجوع إلى كربلاء(١) .

٣ - قال الشيخ المفيد في (مسار الشيعة) في ضمن وقائع شهر صفر: وفي اليوم العشرين منه كان رجوع حرم سيّدنا ومولانا أبي عبد اللهعليه‌السلام من الشام إلى مدينة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو اليوم الذي ورد فيه جابر بن عبد الله الأنصاري، صاحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من المدينة إلى كربلاء لزيارة قبر سيّدنا أبي عبد اللهعليه‌السلام فكان أوّل مَن زاره [من المسلمين] ويُستحبّ زيارته(٢) وذكر نحوه الشيخ الطوسي في مصباح المتهجّد (٧٣٠)، والعلاّمة الحلّي في منهاج الصلاح، والكفعمي في موضعين من مصباحه (٤٨٩ و٥١٠).

وظاهر العبارة، أنّه يوم خروجهم من الشام لا ورودهم المدينة كما توهّمه بعض؛ لأنّ السير من الشام إلى المدينة الذي يزيد على مئتي فرسخ، لا يتعارف أن يكون أقلّ من شهر، خاصّة مع

____________________

(١) لؤلؤ ومرجان: ١٤٥ - ١٤٦.

(٢) مسار الشيعة: ٤٦.


ملاحظة أمر يزيد لنعمان ( برعاية حالهم في الطريق )، واختلاف العبارة يدلّ على المراد؛ إذ لو كان المقصود واحداً لما غيّر التعبير ولاكتفى بكلمة الرجوع، بينما نجد استعمال كلمتين في المقام، وهما الرجوع والورود.

وعلى أيّ حال؛ فهذه الكلمات صريحة في عدم مجيئهم إلى كربلاء! وإلاّ لكان ذِكْرُه في أحداث شهر صفر أجدر، وذلك لجهات مُتعدّدة.

٤ - إنّ تفصيل ورود جابر إلى كربلاء مذكور في كتابين معتبرين وهما (بشارة المصطفى) للشيخ عماد الدِّين أبي القاسم الطبري - الذي هو من نفائس الكُتب الموجودة - و(مصباح الزائر) للسيّد ابن طاووس، وليس فيهما ذكر عن ورود أهل البيت إلى كربلاء وحصول اللقاء مع جابر، بل المستفاد أنّ الزيارة لم تكن إلاّ ساعات عديدة، فمن المستبعَد - عادةً - أن يحصل اللقاء ولم يذكره عطيّة، هذا مضافاً إلى أنّه لا أظنّ أن يقبل ذو العقل السليم بأن يأتي الإمام السجّادعليه‌السلام - ويكون ذلك أوّل زيارته لقبر أبيه في الظاهر - ولم يُنقل عنه كلام ولا زيارة، وتُنقل الزيارة التي تعمل بها الشيعة عن جابر.

٥ - ( إنّ أبا مخنف لوط بن يحيى من كبار المحدّثين والمعتمد عند أرباب السير والتواريخ، ومقتله في غاية الاعتبار، إلاّ أنّه لم يوصِل أصل مقتله بأيدينا، والموجود حالياً المنسوب إليه مُشتمل على بعض المطالب المنكرة المخالفة لأصول


المذهب التي أدخلها الأعداء والجُهّال لأغراض فاسدة، فهو ساقط عن الاعتماد والاعتبار، ولا يمكن الوثوق على منفرداته؛ ولذلك لم ننسب خبر ورود أهل البيت إلى كربلاء في الأربعين إليه، مع أنّ الموجود فيه هو نحو ما مرّ عن اللهوف،... هذا، ولكن مع ذلك نجد أنّ الموجود في هذا المقتل - مع كثرة النسخ المختلفة - اتّفاق (في جميع نسخه) على أنّه كان سير أهل البيت من الكوفة نحو الشام من طريق تكريت والموصل، ونصيبين وحلب المعبَّر عنه بالطريق السلطاني، الذي كان معموراً ومارّاً بكثير من القرى والمدن المعمورة، وهناك ما يقرب بأربعين منزلاً من الكوفة إلى الشام، وحصلت قضايا عديدة وبعض الكرامات في الطريق، بحيث لا يمكن ادّعاء دسّ جميعها وجعلها بواسطة الوضّاعين، خصوصاً مع عدم وجود الداعي على وضع بعضها.

أضف إلى ذلك، أنّ هناك شواهد كثيرة على كون تسييرهم من الطريق السلطاني، منها ما ذكر في سائر الكُتب المعتبرة مثل مناقب ابن شهر آشوب حول قصّة دير راهب قنسرين، وبروز الكرامات الباهرة من الرأس الشريف، وقنسرين يقع بمنزل من حلب، وخُرِّب سنة ٣٥١ حين إغارة الروم.

ومنها: قصّة يحيى اليهودي الحرّاني، وسماعه تلاوة الرأس آيات من القرآن، ثمّ إسلامه وشهادته كما نقله الفاضل


المتبحِّر الجليل، السيّد جلال الدِّين في روضة الأحباب، وقال: إنّ هناك قبر يحيى المعروف بيحيى الشهيد، والدُّعاء عند رأسه مُستجاب، والحرّان يطلق على موضعين:

الأوّل: بلد في شرقي الفرات من بلاد الجزيرة (وهي ما بين الفرات ودجلة).

الثاني: قرية من توابع حَلَب، وكلاهما مُحتمَل.

وكذا تصريح العالم الجليل البصير عماد الدِّين الطبرسي (الطبري)، في كتابه كامل السقيفة المعروف بـ (كامل بهائي)، في أنّ مرور الأسرى من آل البيتعليهم‌السلام من آمِد وموصل، ونصيبين وبعلبك، وميافارقين وشيرز، و(آمد) على ساحل دجلة مثل موصل، و(بعلبك) على ثلاث منازل من الشام، و(ميافارقين) في قرب ديار بكر من بلاد الجزيرة، و(شيرز) بقرب حماة بين حلب والشام، وذُكر بعض القصص والحكايات في هذه المنازل، وموضع الرأس الشريف في (معرّة) من قرى (حلب)، كما ذكره بعض العلماء الأعلام، وذكروا ما حصل فيها ومعاملة أهلها مع جيش ابن زياد.

كما أنّ الفاضل الألمعي، ملاّ حسين الكاشفي في (روضة الشهداء) ذكر قضايا عديدة حين عبورهم من تلك المنازل وغيرها.

وليس الغرض من ذكر هذه الشواهد التمسّك والاستشهاد بكلّ واحد منها، وإن كان بعضها في غاية الاعتبار، ولكنّ الغرض أنّ المنصف يحصل على اطمئنان تامّ بأنّ المسير


كان في هذا السير - أي السلطاني -، مُضافاً على أنّه لم نجد مُعارضاً ومُخالفاً له من الأخبار وكلمات الأصحاب إلى زماننا هذا.

وحينما يتأمّل العاقل، ويلاحظ السير من كربلاء إلى الكوفة، ومنها إلى الشام ثمّ إلى كربلاء، مع مُلاحظة لبثهم أقلّ الأيّام في كلا البلدين (الكوفة والشام) يعدّ رجوعهم في الأربعين من الممتنعات.

ومع الإغماض عمّا ذُكِر، لو فُرِض أنّ السير كان من البريّة وفي غربي الفرات، فمع التأمّل يصدق الامتناع والاستبعاد أيضاً؛ لأنّ الفاصلة بين الكوفة إلى الشام - بخطٍّ مُستقيم - يكون ١٧٥ فرسخاً، ونعلم أنّهم وصلوا الكوفة في ١٢ من المحرّم، وكان المجلس المشؤوم في ١٣ منه، وذهاب القاصد منها إلى الشام ورجوعه منها إليها - في مسألة استئذان ابن مرجانة من يزيد، وحمله الأسرى إليه من بعد وصول جوابه - كما ذكره السيّد في اللهوف وابن الأثير في الكامل - لا يقلّ من عشرين يوماً، كما في الإقبال.

وأمّا ما احتمله بعض الأفاضل في حواشيه على مزار البحار، من وقوع الاستئذان وجواب يزيد بواسطة الحمام فاسد؛ لعدم تداوله في عصر بني أُميّة وبداية حُكم بني العبّاس، بل على ما صرّح به شهاب الدِّين أحمد بن يحيى بن فضل الله العمري في كتاب التعريف: أنّ أصل تلك النوع من الحمام،


الذي يُعبّر عنه بحمام الهدى وحمام الرسائلي من الموصل، وكان موضع اعتناء هامّ عند ملوك الفاطميّين، وأوّل مَن نقله من الموصل هو نور الدِّين محمود بن زنگي في سنة ٥٦٥.

وبالجملة؛ مع ملاحظة ما ذُكِر عن الإقبال حول حبسهم في الشام شهراً، وإقامتهم العزاء سبعة أياّم بعد خروجهم عن الحبس - كما في كامل البهائي، ولبثهم عشرة أيّام في منزل يزيد على ما ذكره محمّد بن جرير الطبري في تاريخه، وسيرهم مع نهاية الإجلال والإكرام، والتأنّي والوقار ليلاً من الشام - كما ذكره الشيخ المفيد وغيره، (فوصولهم في الأربعين غير ممكن)، فلو فُرِض أن يسيروا كلّ ليلة ثمانية فراسخ على ذلك الخطّ المستقيم، لاستمرّ السير نحو ٢٢ يوماً، مع أنّ السير فيه غير مُيسّر، لقلّة المياه فيه، خاصّة لتلك المسيرة الحافّة بالنساء والأطفال.

٦ - لو كان وصول الإمام السجّادعليه‌السلام وجماعة من بني هاشم، وتشرّفهم لزيارة قبر أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام في يوم واحد، بل في وقت واحد، لما كان مناسباً أن يُعدّ جابر أوّل زائر قبره، ويجعل ذلك من مناقبه، كما قاله الشيخ المفيد في مسار الشيعة والكفعمي في مصباحه(١) .

٧ - لا يخفى على الناظر في كتب المقاتل، أنّه بعدما أبرز يزيد الندامة الظاهرية، وعرض على آل البيت الخيار في البقاء أو

____________________

(١) لؤلؤ ومرجان: ١٥٠ - ١٥٣.


الرجوع وطلبهم الرجوع، تركوا الشام قاصدين المدينة، ولم يكن هناك ذكر عن العراق وكربلاء، ولم يكن البناء على الذهاب لذلك الصوب، والمسموع من المتردّدين أنّ طريق الشام إلى العراق يختلف من طريق الشام نحو المدينة ويتمايز في الشام نفسه، فلم يكن هناك قدر مشترك في السير، وهو معلوم لمن يلاحظ اختلاف طول هذه البلاد، فبناءً عليه؛ مَن يرد العراق فلابدّ أن يسير على خطِّ العراق من الشام نفسه، ولو كان تركهم الشام قاصدين العراق - كما هو ظاهر اللهوف - من دون اطّلاع وإذن يزيد فهذا غير ميسّر، ولابدّ أن يعرضوا ذلك عليه في المجلس، ولا يظنّ أنّه لو عرضوا طلبهم الذهاب إلى العراق - الذي لم يكن القصد إلاّ زيارة التربة المقدّسة - لرضي بذلك وأذِنَ؛ وذلك لخبث سريرته، ودناءة طبعه، وهو الذي أعطى مئتي دينار وقال: هذا عوض ما أصبكم، فكيف يرضى بأن يزداد في مصارف السفر؟!

فكيف كان؛ إنّ هذا الاستبعاد يُسقط الوثوق بالمرّة عن ذلك الراوي المجهول، الذي روى عنه في اللهوف، ومع ضمّه لتلك الشواهد المتقدّمة يخرب أساس احتمال ورودهم بكربلاء في الأربعين، من أساسه(١) .

____________________

(١) لؤلؤ ومرجان: ١٥٤.


مناقشتنا للمحدّث النوري:

مُناقشة النقطة الأُولى:

إنّ السيّد في اللهوف لم يُصرِّح بحصول اللقاء في خصوص يوم الأربعين، بل ذكر خبر اللقاء فقط، كما ذكره ابن نما أيضاً، ويأتي وجه عدم منع اجتماعهما.

مُناقشة النقطة الثانية:

أوّلاً: لقد أجاب الشهيد القاضي حول عدم ذكر الشيخ المفيد لذلك: أنّ بناءه كان هو نقل ما وصل إليه مسنداً ولو كان خلافاً للمشهور(١) ، والعهدة على مدّعيها.

ثانياً: أنّ عدم الذِّكْر أعمّ من عدم الوقوع، وهؤلاء لم ينفوا ذلك.

ثالثاً: وقد ذكرنا تصريح بعضهم حول حصول اللقاء، مثل البيروني والشيخ البهائي وغيرهما.

مُناقشة النقطة الثالثة:

إنّنا نوافقه في استنباطه من كلمة الرجوع الخروج من الشام لا الوصول إلى المدينة، كما ذكرناه سابقاً، والظاهر أنّ قوله: (وإن توهّمه بعض) ناظر إلى ما ذكره السيّد ابن طاووس في الإقبال، ولكن لا نوافق في كون هذه الكلمات صريحة في عدم إتيانهم إلى كربلاء، وقد قلنا: إنّ عدم الذكر يكون أعمّ، خاصّة مع ملاحظة ما قيل حول دأب الشيخ المفيد في كتابة التاريخ.

وأمّا ما ذكره من عدم إمكان الرجوع إلى المدينة في أقلّ من شهر، فقد ذكر الشهيد القاضي الطباطبائي شواهد عديدة على إمكان ذلك، ويأتي كلامه.

____________________

(١) المصدر نفسه ٩٤.


مُناقشة النقطة الرابعة:

أوّلاً: إنّ تعبير هذا المحدّث العظيم عن مصباح الزائر بكونه من الكُتب المعتبرة، مع تصريحه أنّه ألّف في أوان تكليفه، وهو في ذلك الوقت كذا وكذا. عدول عمّا ذكره سابقاً؛ فإنّه رفض خبر اللقاء استناداً لضمّه اللهوف إلى مصباح الزائر الذي أُلّف في سنّ مُبكّر، تسرياً للضعف منه إليه!

ثانياً: استبعاد المحدّث في مكانه، إلاّ أنّه عدم ذكر عطيّة ذلك في محلّه، ويأتي وجهه!

مُناقشة النقطة الخامسة:

هذا هو أهمّ دليل ذكره المحدّث النوري؛ حيث المقصود منه وصوله إلى نتيجة الامتناع في فرض المسألة.

ولقد اهتمّ الشهيد القاضي لإجابته وإثبات الإمكان، وسنذكر أدلّته بعد إتمام أقوال المحدّث النوري.

مُناقشة النقطة السادسة:

على فرض ذلك ليس هناك مانع أن يكون جابر سبق القوم في الزيارة، فينبطق عنوان أوّل زائر عليه، بل المستفاد من النصوص سبق جابر عليهم، حينما قالوا: فوصلوا إلى موضع المصرع، فوجدوا جابر بن عبد الله(١) .

فتحصّل أنّ اللقاء وإن كان في يوم واحد، ولكنَّ التشرُّف بزيارة القبر لم يكن في وقت واحد، ويأتي المختار في المسألة.

____________________

(١) اللهوف: ٢٢٥.


مناقشة النقطة السابعة:

أوّلاً: إنّ وجود القدر المشترك من الطريق(١) هو ممّا يُستفاد من نقل اللهوف، وأمّا ما نقله ابن نما - الذي هو مقدّم على اللهوف - فليس فيه أثر عن ذلك.

وثانياً: إنّ المستشكل نفى وجود قدر مُشترك في الطريق لأجل شيئين:

أ) اتّكاله على نقل قول المتردّدين في عصره.

وفيه: أنّ هذا لا يكفي؛ إذ إنّ التغيير والتبديل في الطرق ممّا يحصل في كلّ زمان، فكيف ذلك بالنسبة إلى مسألة راجعة إلى أكثر من ألف سنة، ثمّ نظنّ كونه على تلك الحالة السابقة، فالمسألة تحتاج إلى تتبّع وتحقيق أكثر.

ب) اعتماده على ملاحظة طول البلدان الثلاثة.

وهذا ممّا لا يُغني في المقام، فالطريق قضية ترجع إلى مصالح عامّة لأُناس يقطعونه - من أهالي تلك المناطق - ولأجله نرى أنّه ربّما يُكثر في طول السير لأجل عبوره في تلكم البلاد والقرى؛ إذ ليس المقصود هو المبدأ الأعلى والمقصد المنتهى فحسب، فلحاظ طول البلاد يُفيد إذا كان السير في الهواء، لا الأرض!

وثالثاً: إنّ ما استبعده في المقام غير وارد؛ إذ مع تصريحه باختلاف حالة يزيد يوم خروج الأسرى من الشام، وإبراز ندامته ظاهراً، ومع ملاحظة أوامر يزيد بلزوم حُسن المعاملة معهم، وخاصّة مع الالتفات إلى ما ذكرناه عن ابن سعد بأنّ

____________________

(١) القدر المشترك من الطرق، كربلاء المدينة الشام.


يزيد أمر الرُّسل الذين وجّههم أن ينزلوا بهم حيث شاءوا ومتى شاءوا(١) ، فلو طلبوا الذهاب إلى كربلاء إمّا ابتداءً من نفس الشام، أو بعد الخروج منه، فليس بمُستبعد.

وأمّا عدم ذكرهم كربلاء، والاكتفاء بذكر المدينة لا ضير فيه، بعد أن كانت هي الغاية القصوى بالنسبة إليهم، لكونها موطنهم ومسقط رأسهم، فما شأن كربلاء في ذلك الزمان إلاّ شأن إحدى المنازل في الطريق، فسؤال يزيد كان ناظراً إلى اختيار محلّ الإقامة الدائميّة، لا المؤقّتة، ومن الطبيعي أن يكون الجواب مطابقاً للجواب؛ ولذلك اكتفوا بذكر المدينة، ولا يُنافي لقاصد المدينة أن يكون مارّاً بكربلاء.

٢ - مع القاضي الطباطبائي

هذا، ولكنّ الشهيد السعيد القاضي الطباطبائي قد وقف بجدٍّ وعزم على إثبات كون الرجوع في الأربعين الأُولى، وبما أنّ أهمّ أدلّة المحدِّث النوري كان الوجه الخامس منها، فنذكر مُلخّص ما أفاده الشهيد، ثمّ نذكر مُلاحظاته على ذلك الوجه.

قال: إنّ رجوع أهل البيت في الأربعين الأول، وإلحاق رؤوس الشهداء إلى أجسادهم هو المشهور بين العلماء، وكان موضع وفاقهم إلى القرن السابع، وأوّل مَن أشكل في ذلك السيّد بن طاووس في الإقبال، وأمّا مسألة لقائهم مع جابر، فقد ذكره ابن طاووس وابن نما، وإنّهما وإن لم يُصرِّحا بتحديد يوم الورود، ولكنّه كان ذلك في الأربعين حتماً؛ لأنّ أحداً لم يذكره في غير الأربعين، وهو ما فهمه العلماء، وقد اتّفق العلماء وأرباب المقاتل على تشرّف جابر في يوم الأربعين.

____________________

(١) الطبقات: ٨٤ ( ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام ومقتله من القسم غير المطبوع ).


ثمّ قال - في توجيه إمكان السير:

إنّ البعير الذلول والخيل العربية التي كانت تُستعمل في ذلك الزمان، كانت تسير المسافة الكثيرة في مدّة قليلة، ولعلّه لن يوجد نظيرها في عصرنا!

القاضي يستدلُّ بعشر نقاط:

ثمّ ذكر شواهد عديدة على تحقّق السير من العراق إلى الشام - وبالعكس - في مدّة عشرة أو ثمانية، بل وحتّى سبعة أيّام، منها:

١ - ذكر السيّد محسن الأمين (رحمه الله) في أعيان الشيعة: أنّ هناك طريقاً مُستقيماً بين العراق والشام، يسلكه أعراب العُقيل في زماننا هذا خلال أسبوع فقط.

٢ - وذكر السيّد الأمين (رحمه الله) أيضاً: أنّ أعراب صليب - وهم من حوران الواقع في قبلة دمشق - كانوا يسيرون إلى العراق في مدّة ثمانية أيّام.

٣ - لقد أتى خبر موت معاوية إلى الكوفة بعد مضيّ أسبوع من موته، ذكر المامقاني في تنقيح المقال عن الكشّي بإسناده عن أبي خالد التمّار قال: كنت مع ميثم التمّار بالفرات يوم الجمعة، فهبّت ريح وهو في سفينة من سفن الرومان. قال: فخرج فنظر إلى الريح، فقال: شدّوا برأس سفينتكم؛ إنّ هذه ريح عاصف، مات معاوية الساعة، قال: فلما كانت الجمعة المقبلة قدم بريد من الشام، فلقيته فاستخبرته، قلت: يا عبد الله،


ما الخبر؟

قال: الناس على أحسن حال، توفِّي أمير المؤمنين وبايع الناس يزيد.

قال: قلت: أيّ يوم توفّي؟

قال: يوم الجمعة(١) .

٤ - لقد كان موت معاوية في ١٥ من رجب سنة ٦٠، وخروج الإمام الحسينعليه‌السلام من المدينة في ٢٨ من شهر رجب، وتحقّق في هذا الفاصل الزماني - الذي هو عبارة عن ١٣ يوماً - وصول القاصد، وعدم بيعتهعليه‌السلام ، مع أنّ الفاصلة بين الشام والحجاز أكثر منه إلى العراق.

٥ - ذكر الطبري أنّ بسر بن أرطاة أمهل أبا بكر أن يذهب من الكوفة نحو الشام ويرجع خلال أسبوع، فصار ذهابه إلى معاوية وإيابه إلى بسر في سبعة أيّام، فيُعلم من ذلك أنّه ذهب من الكوفة إلى الشام في ثلاثة أيّام ونصف، وكذا حال الرجوع.

٦ - في مسألة نجاة المختار من الحبس، ذهب عميرة حاملاً رسالة عبد الله بن عمر - زوج أُخت المختار - إلى يزيد، وأخذ بكتاب استخلاصه منه، وتوجّه نحو الكوفة، وسار الطريق في أحد عشر يوماً إلى أن وصل الكوفة.

٧ - خرج الإمام الحسينعليه‌السلام من مكّة في الثامن من ذي الحجّة، والفاصل بينها وبين الكوفة ما يُقارب بـ ٣٨٠ فرسخاً، والإمام ما كان يُسرع في السير، ووصل إلى كربلاء في الثاني من

____________________

(١) تنقيح المقال ٣/ ٢٦٢، رقم ١٢٣٤٤.


المحرّم.

فتحصّل أنّ مسيرته تمكّنت أن تقطع هذه المسافة الطويلة خلال ٢٤ يوماً، فعُلِم من ذلك أنّهم ساروا كلّ يوم ما يقرب من ١٥ فرسخاً (مع أنّه كان يقف في بعض المنازل).

٨ - لقد صرّحت كثير من الكُتب المعتبرة، أنّ ورود أهل البيت في الشام كان في الأوّل من صفر، منها ما ذكره أبو ريحان البيروني في الآثار الباقية، وأنّهم توجّهوا من الكوفة نحو الشام في حوالي العشرين أو الخامس عشر من المحرّم، ثمّ إنّهم ساروا هذه المسافة في حدود عشرة أيّام أو خمسة عشر يوماً إلى أن وصلوا الشام، ورجوعهم في هذه المدّة نحو العراق غير بعيد، مع أنّ أبا ريحان البيروني الذي كان عالماً بالأوضاع ومُطِّلعاً على كيفيّة السير في ذلك الزمان ذكره ولم يستبعده ولم يرفضه.

٩ - روي أنّ هارون الرشيد وأبا حنيفة كانا يستهلاّن هلال ذي الحجّة في الكوفة أو بغداد، وبعد رؤيتهما الهلال كانا يخرجان للحجّ.

١٠ - روى الشيخ المفيد، بإسناده عن خيزران الأسباطي، قال: قدمت على أبي الحسن علي بن محمّدعليهما‌السلام المدينة، فقال لي:( ما خبر الواثق عندك؟ ).

قلت: جُعلت فداك، خلّفته في عافية، أنا من أقرب الناس عهداً به، عهدي به منذ عشرة أيّام.

قال: فقال لي:( إنّ أهل المدينة يقولون: إنّه مات! ) .

فقلت: أنا أقرب الناس به عهداً.

قال: فقال لي:( إنّ الناس يقولون: إنّه


مات ).

فلما قال لي:( إنّ الناس يقولون... ) ، علمت أنّه يعني نفسه...(١) .

تلخيص استنتاج القاضي:

يُمكننا أن نُلخّص ما أراد القاضي استنتاجه هكذا:

يُعلم من قوله: (عهدي به منذ عشرة أيّام)، أنّه تمكّن أن يسير هذه المسافة التي نحو ٣٨٠ فرسخاً في عشرة أيّام.

فتحصّل من جميع ذلك، إمكان السير في زهاء عشرة أيّام، وما ذكره المحدّث النوري ليس إلاّ هو صِرْف استبعاد، وهذه الشواهد التاريخية تُثبت الإمكان.

فمُلخّص القول: إنّه يصحّ ما ذكره سبط ابن الجوزي أنّهم تركوا الكوفة في (١٥) من المحرّم نحو الشام، ثمّ إنّهم وصلوا الشام في الأوّل من صفر، ولبثوا فيه ما يقرب ثمانية أيّام، ثمّ توجّهوا إلى كربلاء خلال ثمانية أو عشرة أيّام، فتمكّنوا من الرجوع إلى كربلاء والدخول فيها في العشرين من صفر - الأربعين، وهو المطلوب.

ثمّ قال - ردّاً على حجج المقابل -:

أمّا مسألة استئذان ابن مرجانة من يزيد، ورجوع القاصد إليه الذي يحتاج إلى عشرين يوماً، ولبثهم في الشام شهراً - الذي ذكره المحدّث النوري، وبذلك نفى الرجوع في الأربعين - ففيه:

____________________

(١) الإرشاد ٢/ ٣٠١.


أوّلاً: إنّ البريد يتمكّن أن يوصَل في خلال ثلاثة أيّام تقريباً، كما مرّ ذكره في خبر بسر بن أرطاة.

وثانياً: من الممكن أنّ الاستئذان يكون قد حصل بواسطة حمام الهُدى، وكان ذلك ممكناً؛ إذ إنّ أوّل مَن استعمل الحمام لهذا القصد هو نوح النبيّ، ثمّ سليمان، وكذلك الإيرانيّون، فحينئذٍ كان استعماله لذلك القصد مُتداولاً في ذلك العصر.

وثالثاً: لم يكن هناك دليل مُعتبر على لبثهم في الشام شهراً، بل التواريخ المعتبرة تُصرِّح بكونه أيّاماً، من ثمانية إلى عشرة.

وقال أيضاً:

ثمّ إنّ المشهور بين علماء الإمامية، أنّ الرأس المطهّر أُلحق بالجسد الطاهر في الأربعين الأوّل، ألحقه الإمام زين العابدينعليه‌السلام ، وروى المجلسي شُهرة الأصحاب حول رجوع أهل البيت في العشرين من صفر.

مُلخَّص أدلّة القاضي الطباطبائي ومُناقشتها:

فمُلخّص أدلّة القاضي الطباطبائي:

١ - أنّ الشُّهرة قائمة على رجوع آل البيت في الأربعين الأول.

٢ - أنّ الرجوع في هذا الوقت ممكن، وذلك بذكر الشواهد التاريخية المتعدّدة.

٣ - وبما أنّ جابراً قد زار قبر الإمام الحسينعليه‌السلام في الأربعين، فحصول اللقاء أيضاً كان في الأربعين الأول؛ إذ لم يقل أحد بغيره، وهو ما فهمه العلماء.


وفيه:

أمّا الأوّل: إنّ هذه الشُّهرة لا تُغني من الحقّ شيئاً، خاصّة وقد ذكرنا أنّ مُدّعيها - وهو العلاّمة المجلسي(١) - أعرض عنها واستبعدها بالمرَّة.

وأمّا الثاني: الحقّ أنّ ما ذكره الشهيد القاضي الطباطبائي من الشواهد التاريخية المتعدّدة - التي تدلّ على مدى تتبُعه وكثرة تعبه لأجله - يُخرج المسألة عن صورة الامتناع، ويُدخلها في فرض الإمكان، وبذلك يُهدم أساس قول المحدّث النوري، إلاّ أنّه لا يكفي هذا الحدّ في إثبات المراد؛ إذ المطلوب هو ثبوت الوقوع لا الإمكان، وإمكان الشيء أعمّ من وقوعه.

وأمّا الثالث: فإنّ الصحيح أنّ زيارة جابر لقبر الإمامعليه‌السلام كانت في الأربعين، ولكنّا ننفي حصول اللقاء فيه أيضاً، خاصّة وأنّ ابن نما والسيّد ابن طاووس - وهما المصدران الأساسيّان في خبر اللقاء - لم يُحدّدا زمن اللقاء، فننفي الملازمة بينهما.

القول المختار في المسألة:

ويتّضح بذلك - والله العالم بحقائق الأُمور - ما يلي:

إنّ جابر بن عبد الله الأنصاري، ذلك الصحابي الجليل العالم العارف البصير، الذي تحمّل مشقّة السفر - وهو كبير العمر مكفوف البصر - وشدّ رحله من المدينة نحو كربلاء، لم يكتفِ بزيارة واحدة لقبر سيّد الشهداءعليه‌السلام ، وأنّه زار قبر الإمامعليه‌السلام مرّتين على الأقلّ، أمّا زيارته الأُولى فهي التي رويناها عن الطبري(٢) ،

____________________

(١) بحار الأنوار ١٠١/ ٣٣٤.

(٢) بشارة المصطفى: ٧٤.


والسيّد ابن طاووس(١) ، والخوارزمي(٢) ، تلك الزيارة التي رواها عطيّة، فإنّ هذه الزيارة تختلف عن زيارته المقرونة باللقاء، وذلك لأمور:

١ - في هذه الزيارة لم نجد ذكراً عن خبر اللقاء، بل لعلّ هناك تصريحاً بعدم اللقاء؛ إذ جاء في رواية الطبري والخوارزمي، أنّ جابراً طلب من عطيّة أن يتوجّه نحو أبيات كوفان بقوله: ( خُذْني نحو أبيات كوفان )، ثمّ صارا في الطريق، فمن المستبعَد جدّاً أن يحصل اللقاء ولم يذكره عطيّة، مع أنّه في غاية الأهمّيّة.

٢ - إنّ المستفاد من خبر الطبري والسيّد ابن طاووس والخوارزمي، أنّه لم يكن هناك في حين زيارتهما أحد غيرهما، ولكن جاء في ضمن الخبر المقرون باللقاء أنّ هناك جماعة من بني هاشم، حينما قال ابن نما: ( ولما مرّ عيال الحسينعليه‌السلام بكربلاء وجدوا جابر بن عبد الله الأنصاري - رحمة الله عليه - وجماعة من بني هاشم قدموا لزيارته )(٣) .

وقال السيّد: ( فوصلوا إلى موضع المصرع، فوجدوا جابر بن عبد الله الأنصاري (رحمه الله) وجماعة من بني هاشم، ورجالاً من آل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد وردوا لزيارة قبر الحسينعليه‌السلام ، فوافوا في وقت واحد ).

فالمستفاد منهما ورود عدّة من بني هاشم، ورجال من آل الرسول إلى كربلاء - وإن لم نعرفهم تفصيلاً - ولم نجد هناك اسم عطيّة، ولو كان حاضراً لروى اللقاء مع هؤلاء الجماعة، فتحصّل أنّهما زيارتان.

٣ - إنّ تصريح كثير من العلماء، بكون جابر أوّل زائر للحسينعليه‌السلام ، يُثبت تقدّم زيارته على زيارة جماعة من بني هاشم، وإلاّ فما كان هناك وجه في تلبُّسه بهذا العنوان دون غيره.

فتحصّل؛ أنّ الزيارة التي رواها الطبري والسيّد

____________________

(١) مصباح الزائر: ٢٨٦.

(٢) مقتل الخوارزمي ١/ ١٦٧.

(٣) مُثير الأحزان: ١٠٧.


والخوارزمي - التي فيها ذِكْر عطيّة، وليس فيها ذِكْر ورود جماعة من بني هاشم وخبر اللقاء - تختلف عمّا ذكره ابن نما، والسيّد (في اللهوف) - والذي ليس فيه ذكر عطيّة، وهي زيارة أُخرى توفَّقَ جابر لها بعد زيارته الأُولى، وليس ببعيد على إنسان ذي معرفة وبصيرة، مثل جابر أن يُكرّر الزيارة ولا يكتفي بزيارة واحدة.

فبناءً عليه؛ يكون يوم الأربعين يوم زيارة جابر لقبر الحسينعليه‌السلام ، كما ذكرناه عن المصادر المتعدّدة. وأمّا مجيء أهل البيت وحصول لقائهم معه ومع جماعة من بني هاشم، فقد حصل في زيارة أُخرى بعد ذلك، وإن لم نعلم تحديدها بالضبط، كما أنّ ابن نما والسيّد في اللهوف لم يُحدّداه.

وبذلك تنحلّ العُقدة، وترفع العويصة في مسألة رجوع أهل البيت إلى كربلاء، كيف جاءوا؟ وهل جاءوا؟ وهل يمكن الوصول أم لا؟ ويزول تشتّت الأقوال الموجودة المردّدة بين القبول والردّ والتوقّف في ذلك.

وأمّا ما ذكره الشهيد القاضي بفهم العلماء كذلك، فإنّه غير مُحقّق، وهو ناشٍ عن ثبوت ملازمة زيارة جابر في الأربعين وحصول اللقاء مع أهل البيت في كربلاء، وهو مبنيّ على وصولهم في الأربعين، هذه الملازمة غير ثابتة.

وأمّا ما ذكره السيّد الشهيد، فإنّه لم يكن إلاّ لأجل إثبات إمكان رجوعهم ورفع الامتناع والاستبعاد، وهذا غاية ما يمكن أن يُستفاد منه - والحقّ أنّه وفِّق لذلك - إلاّ أنّه لا يمكن الاستناد إليه في المقام؛ إذ مع فرض التسليم بذلك، فإنّ هذا يتحقّق في فرض إرسال البريد - وما شابهه - الذي من شأنه السرعة في السير، أو تكون هناك ظروف خاصّة (كمسألة الوصول لأداء مناسك الحجّ أو تنفيذ الأوامر... إلخ )، لا في مثل هذه المسيرة التي كان شأنها خلاف ذلك ذلك؛ إذ إنّها بطبيعة حالها حاملة للأطفال والنساء، وقد مرّت بالمنازل المتعدّدة قبل وصولها الشام، وبعد الخروج منها تغيّرت المعاملة، وذلك بصدور أوامر بلزوم المحافظة عليهم ورعاية أمرهم


في السير واللبث، ولم يكن هناك نذر للوصول في الأربعين إلى كربلاء!!

فإذن؛ لا يكون هناك أيّ داعٍ لإيصالهم - أو وصولهم - في الأربعين إلى كربلاء.

نعم، لو كانت لدينا نصوص مُعتبرة حول رجوعهم في الأربعين لالتزمنا بها، ولكن أنّى لنا ذلك؟!

وأمّا ما ذكره البيروني(١) والبهائي(٢) ، من التصريح بذلك، فلا يمكن الالتزام به؛ لعدم تمحُّضهما في روايات التاريخ، ولكونهما ذوي فنون، فلعلّ حصل ذلك من خطور الملازمة المنتفية.

أضف إلى ذلك ما يُعارضه ممّا ذكره القاضي نعمان (ت: ٣٦٣هـ) - المقدّم عليهما زمناً وخبرة (في الرواية) - وقد صرّح في كتابه (شرح الأخبار) بلبث أهل بيت رسول الله شهراً ونصفاً في الشام(٣) ، وبذلك يظهر الجواب عمّا ذكره السيّد الشهيد من عدم وجود دليل مُعتبر حول بقاء أهل البيت شهراً في الشام - كما رواه في الإقبال.

فظهر من ذلك؛ أنّه مع ملاحظة بقائهم في الشام، مع ضمّ مسألة استئذان ابن مرجانة من يزيد، ولحاظ حالة المسيرة في الذهاب والإياب، يكون رجوع هذه المسيرة في الأربعين إلى كربلاء أمراً مُستبعَداً جدّاً، وإن كان هو مُمكناً في حدّ نفسه فيما عداها.

فيستنتج بذلك عدم الالتزام بإلحاق الرأس الشريف بالجسد الطاهر في خصوص يوم الأربعين.

نعم، أُلحق الرأس في وقت مجيء أهل البيت، اللّهمّ إلاّ أن نلتزم بما ذكره السيّد ابن طاووس من الوجه.

فالمختار في المسألة؛ أنّ رجوع آل بيت الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى كربلاء ما كان في الأربعين الأُولى ولا الثانية، بل في الفترة الواقعة بينهما.

____________________

(١) الآثار الباقية: ٣٢١.

(٢) توضيح المقاصد: ٦.

(٣) شرح الأخبار ٣/ ٢٦٩.


تحديد يوم الأربعين:

إنّ العشرين من صفر هو يوم الأربعين، وهو موضع وفاق الجميع، إلاّ ما ذكرنا عن الشيخ البهائي، فإنّه جعل يوم التاسع عشر من صفر يوم الأربعين(١) ، وهو المتفرّد في قوله، وذلك الاختلاف ناشٍ عن احتساب يوم عاشوراء أو عدمه، والظاهر عدم احتسابه؛ لأنّ المقصود مضيّ ذلك المقدار من بعد الشهادة، فيكون يوم الحادي عشر من محرّم مضيّ يوم عنها وهكذا، فيكون يوم العشرين من صفر مضيّ أربعين يوماً من شهادتهعليه‌السلام .

وقال السيّد ابن طاووس:

(فإن قيل: كيف يكون يوم العشرين من صفر يوم الأربعين، إذا كان قتل الحسين صلوات الله عليه يوم عاشر من محرّم، فيكون يوم العاشر من جملة الأربعين، فيصير واحداً وأربعين.

فيُقال: لعلّه قد كان شهر محرّم الذي قُتل فيه صلوات الله عليه ناقصاً، وكان يوم عشرين من صفر تمام الأربعين يوماً، فإنّه حيث ضُبط يوم الأربعين بالعشرين من صفر، فإمّا أن يكون الشهر - كما قلنا - ناقصاً، أو يكون تامّاً ويكون يوم قتله صلوات الله عليه غير محسوب من عدد الأربعين؛ لأنّ قتله كان في أواخر نهاره، فلم يحصل ذلك اليوم كلّه في العدد، وهذا تأويل كافٍ للعارفين، وهُمْ أعرف بأسرار ربّ العالمين في تعيين أوقات الزيارة للطاهرين )(٢) .

فضل زيارة الإمام الحسينعليه‌السلام في يوم الأربعين:

سمَّى الشيخ الحرّ العاملي باباً باسم: ( باب تأكُّد استحباب زيارة الحسينعليه‌السلام

____________________

(١) توضيح المقاصد: ٦.

(٢) إقبال الأعمال: ٥٨٩.


يوم الأربعين من مقتله، وهو يوم العشرين من صفر )(١) .

روى الشيخ المفيد والشيخ الطوسي قالا: ( روي عن أبي محمّد الحسن بن علي العسكريعليهما‌السلام أنّه قال:( علامات المؤمن خمس: صلاة الإحدى والخمسين، وزيارة الأربعين، والتختُّم باليمين، وتعفير الجبين، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ) )(٢) .

وروى الشيخ الطوسي، بإسناده عن صفوان الجمّال قال: ( قال لي مولاي الصادقعليه‌السلام في زيارة الأربعين:( تزور عند ارتفاع النهار وتقول: السلام على وليّ الله وحبيبه... - وذكر الزيارة إلى أن قال: -وتُصلّي ركعتين وتدعو بما أحببت وتنصرف ) (٣) .

إلحاق الرأس الشريف بالجسد الطاهر:

لقد أحسن دعبل الخزاعي في رثائه، إذ قال:

رأس ابن بنت محمّد ووصيّه

لـلناظرين عـلى قناة يُرفع

والـمسلمون بمنظرٍ وبمسمعٍ

لا مُـنكِر مـنهم ولا مُتفجّع

كحلت بمنظرك العيون عماية

وأصمّ رزؤك كلّ أُذن تَسمع

أيقظت أجفاناً وكنت لها كرى

وأنمت عيناً لم تكن بك تهجع

____________________

(١) وسائل الشيعة ١٤/ ٤٧٨، كتاب الحجّ، باب ٥٦.

(٢) كتاب المزار (للشيخ المفيد): ٦٠؛ تهذيب الأحكام ٦/ ٥٢ كتاب المزار باب ١٦ ح٣٧ عنه وسائل الشيعة ١٤/ ٤٧٨ ح١٩٦٤٣؛ انظر: مصباح المتهجّد: ٧٣٠؛ روضة الواعظين ١/ ١٩٥؛ مصباح الكفعمي: ٤٨٩ (حاشية)؛ مصباح الزائر: ٢٨٦؛ إقبال الأعمال: ٥٨٩؛ بحار الأنوار ٨٢/ ٢٩٢ ح٢١ (عن مصباح الشيخ)؛ وج ٨٥/ ٧٥ ح٧ (عن مصباح الشيخ)؛ وج ١٠١/ ١٠٦ ح١٧ (عن التهذيب).

(٣) تهذيب الأحكام ٦/ ١١٣ ح٢٠١ - عنه وسائل الشيعة ١٤/ ٧٨ ح١٩٦٤٤، انظر مصباح المتهجّد ٧٣٠؛ إقبال الأعمال ٥٨٩.


ما روضة إلاّ تمنَّت أنّها

لك منزلٌ ولخطِّ قبرك مضجع(١)

قال فخر الشيعة وسند الشريعة العلاّمة المجلسي (رحمه الله): ( والمشهور بين علمائنا الإماميّة أنّه دُفِن رأسه مع جسده، ردّه عليّ بن الحسين (عليهما السلام ) )(٢) .

وقال السيّد محمّد بن أبي طالب: ( وأمّا رأس الحسينعليه‌السلام ، فروي أنّه أُعيد إلى كربلاء، ودُفِن مع جسده الشريف، وكان العمل من الطائفة على هذا )(٣) .

وأمّا كيفيّته، فقد قال البدخشاني: ( ثمّ وجّه (يزيد) ذُريّة الحسين (رضي الله عنه) ورأسه مع عليّ بن الحسين إلى المدينة )(٤) .

فبناءً على مرورهم بكربلاء؛ فقد أُلحق الرأس الشريف بالجسد الطاهر، وهو المرويّ كما يأتي.

الأقوال في موضع دفن رأس الحسينعليه‌السلام :

لقد ذكرنا قول المشهور بين علمائنا، على أنّه دُفِن الرأس الشريف بكربلاء، وإليك تفصيل الكلام.

لقد ذُكرت مواضع مُتعدّدة حول مكان دفن الرأس الشريف، وهي:

١) كربلاء المقدّسة: صرّح بذلك الكثير من علمائنا - حتّى أصبح هو المشهور بينهم بل ادّعى البعض الإجماع على ذلك - بل ذكره بعض علماء العامّة أيضاً، وتدلّ عليه بعض الروايات.

روى الشيخ الصدوق، بإسناده عن فاطمة بنت علي (صلوات الله عليهما) أنّها

____________________

(١) المناقب ٤/ ١٢٦؛ مُثير الأحزان: ١٠٧؛ كفاية الطالب: ٤٤٦؛ بحار الأنوار ٤٥/ ٢٥٥.

(٢) بحار الأنوار ٤٥/ ١٤٥.

(٣) تسلية المجالس ٢/ ٤٥٩.

(٤) نُزل الأبرار: ١٦٠.


قالت: ( ولم يُرفَع ببيت المقدس حجر عن وجه الأرض إلاّ وجِد تحته دم عبيط، وأبصر الناس الشمس على الحيطان حمراء، كأنّها الملاحف المعصفرة، إلى أن خرج عليّ بن الحسينعليهما‌السلام بالنسوة، وردّ رأس الحسين إلى كربلاء )(١) .

ووجِّه سؤال إلى السيّد المرتضى - أعلى الله مقامه - وهو: ( هل ما روي من حمل رأس مولانا الشهيد أبي عبد اللهعليه‌السلام إلى الشام صحيح؟ وما الوجه فيه؟

فقال: الجواب: هذا أمر قد رواه جميع الرواة والمصنِّفين في يوم الطف، وأطبقوا عليه، وقد رووا أيضاً أنّ الرأس أُعيد بعد حمله إلى هناك، ودُفِن مع الجسد بالطف )(٢) .

وقال الطبرسي: ( وذكر الأجلّ المرتضى (رضي الله عنه) في بعض مسائله، أنّ رأس الحسين بن عليّ رُدَّ إلى بدنه بكربلاء من الشام وضُمَّ إليه، والله أعلم )(٣) .

وذكر ابن فتّال النيسابوري مضمون ما رواه الشيخ الصدوق، الذي يدلّ على أنّه ارتضاه(٤) .

قال ابن نما الحلّي، بعد ذكره الأقوال في موضع الدفن من المدينة ودمشق - عند باب الفراديس عند البرج الثالث ممّا يلي المشرق - ومصر، قال: ( والذي عليه المعوَّل من الأقوال أنّه أُعيد إلى الجسد بعد أن طيفَ به في البلاد ودُفِن معه )(٥) .

وقال السيّد ابن طاووس في الملهوف: ( وأمّا رأس الحسينعليه‌السلام ، فروي أنّه

____________________

(١) أمالي الصدوق: ٢٣١، مجلس ٣١، ح٢٤٣، عنه بحار الأنوار ٤٥/ ١٤٠.

(٢) رسائل الشريف المرتضى ٣/ ١٣٠.

(٣) إعلام الورى: ٢٥٠.

(٤) روضة الواعظين ١/ ١٩٢.

(٥) مُثير الأحزان: ١٠٦.


أُعيد فدُفِن بكربلاء مع جسده الشريف صلوات الله عليه، وكان عمل الطائفة على هذا المعنى المشار إليه )(١) .

ولقد ذكرنا عن البيروني(٢) ، والشيخ البهائي(٣) ، تصريحهم بإلحاق الرأس الشريف بالجسد بكربلاء.

وقد ذكر السيّد في الإقبال وجهاً لكيفيّة الإلحاق(٤) .

____________________

(١) الملهوف: ٢٢٥، عنه بحار الأنوار ٤٥/ ١٤٤.

(٢) الآثار الباقية: ٣٢١.

(٣) توضيح المقاصد: ٦.

(٤) قال: فصلٌ فيما نذكره من الجواب عمّا ظهر في أنّ رَدَّ رأس مولانا الحسينعليه‌السلام كان يوم العشرين من صفر:

اعلم أنّ إعادة الرأس المقدّس لمولانا الحسين - صلوات الله عليه - إلى جسده الشريف يشهد به لسان القرآن العظيم المنيف؛ حيث قال الله جلّ جلاله:( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) ، فهل بقي شكّ حيث أخبر الله أنّه من حيث استُشهد حيّ عند ربّه مرزوق مصون؟! فلا ينبغي أن يشكّ في هذا العارفون.

وأمّا كيفيّة إحيائه بعد شهادته، وكيفيّة جمع رأسه الشريف إلى جسده بعد مُفارقته، فهذا سؤال يكون فيه سوء أدب من العبد على الله جلّ جلاله أن يُعرّفه كيفيّة تدبير مقدوراته، وهو جهل من العبد وإقدام على ما لم يُكلَّف العلم به ولا السؤال عن صفاته.

وأمّا تعيين الإعادة يوم الأربعين من قتله، والوقت الذي قُتِل فيه الحسين صلوات الله وسلامه عليه، ونقله الله جلّ جلاله إلى شرف فضله كان الإسلام مقلوباً، والحقّ مغلوباً وما تكون الإعادة بأمور دنيويّة، والظاهر أنّها بقدرة الإله، لكن وجِدت نحو عشر روايات مُختلفات في حديث الرأس الشريف كلّها منقولات، ولم أذكر إلى الآن أنّني وقفت ولا رويت تسمية أحد ممّن كان من الشام، حتّى أعادوه إلى جسده الشريف بالحائر عليه أفضل السلام، ولا كيفيّة لحمله من الشام إلى الحائر على صاحبه أكمل التحية والإكرام، ولا كيفيّة لدخول حرمه المعظّم، ولا مَن حفر ضريحه المقدَّس المكرّم حتّى عاد إليه، وهل وضعه موضعه من الجسد أو في الضريح مضموماً إليه؟ فليقتصر الإنسان على ما يجب عليه من تصديق القرآن، من أنّ الجسد المقدّس تكلّم عقيب الشهادة، وأنّه حيّ يُرزق في دار السعادة، ففي بيان الكتاب العزيز ما يُغني عن زيادة دليل وبرهان. (إقبال الأعمال: ٥٨٨).


وقال السيّد محمّد بن أبي طالب: ( وأمّا رأس الحسينعليه‌السلام ، فروي أنّه أُعيد إلى كربلاء ودُفِن مع جسده الشريف، وكان العمل من الطائفة على هذا )(١) .

وذكر الخوارزمي ما فعل سليمان بن عبد الملك بالرأس الشريف، وهو ( أنّ الرأس الشريف صُلب بدمشق ثلاثة أيّام، ومكث في خزائن بني أُميّة حتّى ولِّي سليمان بن عبد الملك، فطلبه، فجيء به وهو عظم أبيض قد قَحِل، فجعله في سفط وطيّبه، وجعل عليه ثوباً ودفنه في مقابر المسلمين بعدما صلّى عليه، فلما ولّي عمر بن عبد العزيز بعث إلى المكان يطلبه منه فأخبره بخبره، فسأل عن الموضع الذي دُفِن فيه، فنبشه وأخذه، والله أعلم بما صنع، والظاهر من دينه أنّه بعثه إلى كربلاء، فدُفِن مع جسده )(٢) .

وفيه: إن صحّ الخبر، فهو في حقّ أحد شهداء وقعة الطفّ لا سيّد الشهداء؛ إذ المشهور عندنا إلحاقه بالجسد بواسطة الإمام زين العابدينعليه‌السلام ؛ ولذلك أجابه العلاّمة المجلسي (رحمه الله) بقوله: ( أقول: هذه أقوال المخالفين في ذلك، والمشهور بين علمائنا الإماميّة أنّه دُفِن رأسه مع جسده، ردّه عليّ بن الحسينعليهما‌السلام )(٣) .

وقال الشبراوي: ( وقيل: أُعيد إلى الجثّة بكربلاء بعد أربعين يوماً من مقتله )(٤) .

وقال الشبلنجي: ( وذهبت الإماميّة أنّه أُعيد إلى الجثّة، ودُفِن بكربلاء بعد أربعين يوماً من المقتل )(٥) .

____________________

(١) تسلية المجالس ٢/ ٤٥٩.

(٢) مقتل الخوارزمي ٢/ ٧٥.

(٣) بحار الأنوار ٤٥/ ١٤٥.

(٤) الإتحاف بحُبّ الأشراف: ٧٠.

(٥) نور الأبصار: ١٣٣.


بل قد يُقال: إنّ حصول الشُّهرة على الدفن بكربلاء ليس هو عند الإماميّة فقط، بل هو عند المسلمين، كما قال سبط ابن الجوزي: واختلفوا في الرأس على أقوال أشهرها أنّه رَدّه إلى المدينة مع السبايا، ثمّ رُدَّ إلى الجسد بكربلاء، فدُفِن معه، قاله هشام وغيره(١) .

ولا يخفى أنّه وإن كانت روايات الشيعة تختلف عن غيرها في كيفيّة الإلحاق، إذ الشهرة على إلحاق الإمام عليّ بن الحسينعليهما‌السلام رأس أبيه إلى جسده الطاهر، بينما غيرهم يذكرونه إمّا من بعد رجوع السبايا إلى المدينة، أو غيره، ولكنّ المهمّ هو أصل الإلحاق بالجسد والدفن في أرض كربلاء.

٢) النجف الأشرف: قال العلاّمة المجلسي (رحمه الله): وقد وردت أخبار كثيرة في أنّه مدفون عند قبر أمير المؤمنينعليه‌السلام (٢) .

أقول: الظاهر أنّ كلامه (رحمه الله) ناظر إلى روايات في باب زيارة أمير المؤمنينعليه‌السلام :

منها: ما رواه الشيخ الكليني، بإسناده عن يزيد بن عمر بن طلحة، قال: قال لي أبو عبد اللهعليه‌السلام وهو بالحيرة:( أما تريد ما وعدتك؟ ) .

قلت: بلى - يعني الذهاب إلى قبر أمير المؤمنين صلوات الله عليه - قال: فركب وركب إسماعيل (ابنه معه)(٣) ، وركبت معهما حتّى إذا جاز الثوية(٤) ، وكان بين الحيرة والنجف عند ذكوات بيض، نزل ونزل إسماعيل ونزلت معهما، فصلّى وصلّى إسماعيل وصلّيت، فقال لإسماعيل:( قم فسلِّم على جدّك الحسين عليه‌السلام ) .

فقلت: جُعلت فداك، أليس

____________________

(١) تذكرة الخواص: ٢٦٥.

(٢) بحار الأنوار ٤٥/ ١٤٥.

(٣) كذا في رواية كامل الزيارة.

(٤) موضع قريب من الكوفة، وقيل: بالكوفة. وقيل: خريبة إلى جانب الحيرة على ساعة منها، كذا في مُعجم البلدان ٢/ ١٠١ رقم ٢٥٨٤.


الحسينعليه‌السلام بكربلاء؟

فقال:( نعم، ولكن لما حُمل رأسه إلى الشام سرقه مولى لنا فدفنه بجنب أمير المؤمنين عليه‌السلام ) (١) .

وروى بإسناده عن أبان بن تغلب، قال: كنت مع أبي عبد اللهعليه‌السلام ، فمرّ بظهر الكوفة، فنزل فصلّى ركعتين، ثمّ تقدّم قليلاً فصلّى ركعتين، ثمّ سار قيلاً فنزل فصلّى ركعتين، ثمّ قال:( هذا موضع قبر أمير المؤمنين عليه‌السلام ) .

قلت: جُعلت فداك، والموضعين اللذين صلّيت فيهما؟

قال:( موضع رأس الحسين عليه‌السلام وموضع منزل القائم ) (٢) .

وروى الشيخ ابن قولويه، عن عليّ بن أسباط رفعه قال: قال أبو عبد اللهعليه‌السلام :( إنّك إذا أتيت الغريَّ رأيت قبرين: قبراً كبيراً، وقبراً صغيراً، فأمّا الكبير فقبر أمير المؤمنين، وأمّا الصغير فرأس الحسين بن عليّ عليه‌السلام ) (٣) .

وروي عن يونس بن ظبيان قال: كنت عند أبي عبد اللهعليه‌السلام بالحيرة أيّام مقدمه على أبي جعفر، في ليلة صَحيانة مُقمرة، قال: فنظر إلى السماء فقال:( يا يونس، أما ترى هذه الكواكب ما أحسنها، أما إنّها أمانٌ لأهل السماء ونحن أمانٌ لأهل الأرض ) .

ثمّ قال:( يا يونس، أيّهما أحبّ إليك البغل أو الحمار؟ ) .

قال:

____________________

(١) الكافي ٤/ ٥٧١ باب موضع رأس الحسينعليه‌السلام ، ح١؛ كامل الزيارات: ٣٤، باب ٩ ح٤؛ وسائل الشيعة ١٤/ ٤٠٠ ح١٩٢٦؛ بحار الأنوار ٤٥/ ١٧٨.

وروى مضمونه الشيخ الطوسي بإسناده عن عمر بن عبد الله بن طلحة النهدي عن أبيه (تهذيب الأحكام ٦/ ٣٥، ح٧٢، عنه وسائل الشيعة ١٤/ ٣٩٩ ح١٩٤٥٥).

(٢) الكافي ٤/ ٥٧٢، ح٢؛ كامل الزيارات: ٣٤ باب ٩ ح٥؛ وسائل الشيعة ١٤/ ٤٠٠ ح١٩٤٥٧.

وروى مضمونه الشيخ الطوسي بإسناده عن مبارك الخبّاز (تهذيب الأحكام ٦/ ٣٤، ح٧١، عنه وسائل الشيعة ١٤/ ٣٩٩ ح١٩٤٥٤).

(٣) كامل الزيارات: ٣٥ ح٦، عنه وسائل الشيعة ١٤/ ٤٠٢ ح١٩٤٦٠.


فظننت أنّ البغل أحبّ إليه لقوّته، فقلت: الحمار.

فقال:( أُحبّ أن تؤثرني به! ) .

قلت: قد فعلت، فركب وركبت، ولما خرجنا من الحيرة قال:( تقدّم يا يونس ) . قال: فأقبل يقول:( تيامن، تياسر ) .

فلما انتهينا إلى الذكوات الحُمر قال:( هو المكان؟ ) .

قلت: نعم، فتيامن ثمّ قصد إلى موضع فيه ماء وعين، فتوضّأ، ثمّ دنا من أكمة فصلّى عندها، ثمّ مال عليها وبكى، ثمّ مال إلى أكمة دونها، ففعل مثل ذلك، ثمّ قال:( يا يونس، افعل مثل ما فعلت ) . ففعلت ذلك، فلما تفرّغت قال لي:( يا يونس، تعرف هذا المكان؟! ) .

فقلت: لا.

فقال:( الموضع الذي صلّيت عند أوّلاً هو قبر أمير المؤمنين عليه‌السلام ، والأكمة الأُخرى رأس الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما‌السلام ، إنّ الملعون عبيد الله بن زياد لعنه الله لما بعث رأس الحسين عليه‌السلام إلى الشام رُدَّ إلى الكوفة، فقال: أخْرِجوه عنها لا يُفتن به أهلها، فصيّره الله عند أمير المؤمنين عليه‌السلام ، فالرأس مع الجسد والجسد مع الرأس ) (١) .

قال العلاّمة المجلسي (رحمه الله) في بيان الخبر: ( قوله:( فالرأس مع الجسد ) ، أي بعدما دُفِن هناك ظاهراً ألُحِق بالجسد بكربلاء، أو صعد به مع الجسد إلى السماء، كما في بعض الأخبار، أو أنّ بدن أمير المؤمنين - صلوات الله عليه - كالجسد لذلك الرأس، هما من نور واحد )(٢) .

وروي عن الشيخ الطوسي، بإسناده عن مفضل بن عمر قال: جاز الصادقعليه‌السلام بالقائم المائل في طريق الغري، فصلّى عنده ركعتين، فقيل له: ما هذه الصلاة؟

فقال:( هذا موضع رأس جدّي الحسين بن علي عليه‌السلام وضعوه هاهنا ) (٣) .

____________________

(١) كامل الزيارات: ٣٦، باب ٩، ح١٠، عنه وسائل الشيعة ١٤/ ٤٠٢ ح١٩٤٦١؛ بحار الأنوار ٤٥/ ١٧٨ ح٢٩.

(٢) بحار الأنوار ٤٥/ ١٧٨.

(٣) وسائل الشيعة ١٤/ ٤٠١ ح١٩٤٥٩.


ولكن يمكن أن يُقال: إنّه مكان وَضْعِ الرأس لا دَفْنه، إلاّ أن يُرفع هذا الاحتمال بفعل الإمام وهو الصلاة، فتأمّل إذ هو أعمّ.

وروى الشيخ عبد الكريم بن طاووس قال: وذكر محمّد بن المشهدي في مزاره ما صورته:

( روى محمّد بن خالد الطيالسي، عن سيف بن عميرة، قال: خرجت مع صفوان بن مهران الجمّال وجماعة من أصحابنا إلى الغري بعدما ورد أبو عبد اللهعليه‌السلام ، فزرنا أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فلما فرغنا من الزيارة صرف صفوان وجهه إلى ناحية أبي عبد اللهعليه‌السلام وقال: نزور الحسين بن عليعليهما‌السلام من المكان هذا من عند رأس أمير المؤمنينعليه‌السلام ، قال صفوان: وزرت مع سيّدي أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام وفعل مثل هذا )(١) .

ثمّ قال المحدّث الحُرّ العاملي: هذا يُحتمل قصد الزيارة من بُعد، ويُحتمل إرادة زيارة رأس الحسينعليه‌السلام (٢) .

كيفما كان، فهذا المكان من الأمكنة المقدّسة، التي ينبغي للمؤمن العارف أن يُظهر أدبه ويزور سيّده،؛ ولأجله نرى أنّ المحدِّث الحُرّ العاملي يعقد باباً في كتابه، باسم ( باب استحباب زيارة رأس الحسينعليه‌السلام عند قبر أمير المؤمنينعليه‌السلام ، واستحباب صلاة ركعتين لزيارة كلّ منهما )(٣) .

وعلى ذلك نحمل على العارف الكامل المجاهد، الفقيه المجدّد، مؤسّس الجمهورية الإسلامية في إيران، آية الله العظمى الإمام الخميني أعلى الله مقامه

____________________

(١) فرحة الغريّ: ٩٦.

(٢) وسائل الشيعة ١٤/ ٤٠١، ح١٩٤٥٨.

(٣) وسائل الشيعة ١٤/ ٣٩٨، كتاب الحجّ، أبواب المزار وما يُناسبه، باب ٣٢.


الشريف، فإنّه - على ما قيل - لم يكن يمرُّ من أمام رأس الإمام أمير المؤمنين أبداً خلال حضوره في النجف الأشرف طيلة ١٤ سنة؛ احتمالاً لوجود الرأس الشريف فيه واحتراماً له.

وأمّا ما أورده سبط ابن الجوزي بقوله: ( وذكر عبد الله بن عمرو الورّاق في كتاب المقتل، أنّه لما حضر الرأس بين يدي ابن زياد أمر حجّاماً فقال: قوِّره. فقوَّره، وأخرج لغاديده ونخاعه وما حوله من اللحم، واللغاديد ما بين الحنك وصفحة العُنق من اللحم، فقام عمرو بن الحريث المخزومي فقال لابن زياد: قد بلغت حاجتك من هذا الرأس، فهب لي ما ألقيت منه.

فقال: ما تصنع به؟

فقال: أُواريه.

فقال: خُذْه.

فجمعه في مطرف خزّ كان عليه وحمله إلى داره، فغسله وطيّبه، وكفّنه ودفنه عنده في داره، وهي بالكوفة تُعرَف بدار الخزّ دار عمرو بن حريث المخزوميّ )(١) .

ففيه: أنّه على فرض صحّته، فإنّه دفن بعض ما كان مُتّصلاً بالرأس الشريف في الكوفة لا الرأس، كما هو صريح الخبر؛ لأنّه قبل إرسال الرأس الشريف إلى الشام.

اللعنة الأبدية على كلّ مَن ارتكب وأمر ورضي بتلك المأساة الكبرى والفاجعة العُظمى.

٣ - المدينة ( البقيع): يأتي في المبحث الآتي حول أوضاع المدينة بعد قتل الحسينعليه‌السلام ما ورد حول إرسال يزيد الرأس الشريف إلى عامله فيها وهو عمرو بن سعيد، ولأجل ذلك صارت جنّة البقيع - المدينة - إحدى الأمكنة التي قيل: بكونها تشرّفت بضمّ الرأس الشريف فيها.

قال ابن سعد: ثمّ أمر عمرو بن سعيد برأس الحسين، فكُفِّن ودُفن بالبقيع عند

____________________

(١) تذكرة الخواص: ٢٥٩.


قبر أُمّه(١) .

وقال ابن نما: ( وأمّا الرأس الشريف اختلف الناس فيه، قال قوم: إنّ عمرو بن سعيد دفنه بالمدينة )، ثمّ ذكر سائر الأقوال، واختار قول الدفن بكربلاء وقال: ( هو المعوّل عليه )(٢) .

وروى الخوارزمي، عن أبي العلاء الحافظ، بإسناده عن مشايخه ( أنّ يزيد بعث رأس الحسين إلى عمرو بن سعيد بن العاص، وهو إذ ذاك عامله على المدينة، فقال عمرو: وددت أنّه لم يُبعث به إليّ، ثمّ أمر عمرو برأس الحسينعليه‌السلام ، فكُفِّن ودُفن بالبقيع عند قبر أُمّه فاطمةعليها‌السلام )(٣) .

وقال الباعوني: ( وأمّا رأسه، فالمشهور بين أهل التاريخ والسير أنّه بعثه ابن زياد بن أبيه الفاسق إلى يزيد بن معاوية، وبعث به يزيد إلى عمرو بن سعيد الأشدق - لطيم الشيطان - وهو إذ ذاك بالمدينة، فنصبه ودُفِن عند أُمّه بالبقيع )(٤) .

وفي شذرات الذهب: ( والصحيح أنّ الرأس المكرّم دُفِن بالبقيع إلى جنب أُمّه فاطمة، وذلك أنّ يزيد بعث به إلى عامله بالمدينة عمرو بن سعيد الأشدق، فكفّنه ودفنه )(٥) .

وقال الشبلنجي: ( وقيل: دُفِن بالبقيع عند قبر أُمّه وأخيه الحسن، وهو قول ابن

____________________

(١) الطبقات: ٨٥ ( ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام ومقتله من القسم غير المطبوع ). وروى ذلك: المنتظم ٥/ ٣٤٤؛ الردّ على المتعصّب العنيد: ٤٩؛ تذكرة الخواص: ٢٦٥؛ سير أعلام النبلاء ٣/ ٣١٥؛ نهاية الارب ٢٠/ ٤٨١؛ البداية والنهاية ٨/ ٢٠٥ـ عن ابن سعد.

(٢) مُثير الأحزان: ١٠٦.

(٣) مقتل الخوارزمي ٢/ ٧٥؛ بحار الأنوار ٤٥/ ١٤٥. وروى مضمونه الذهبي (تاريخ الإسلام: ٢٠).

(٤) جواهر المطالب ٢/ ٢٩٩.

(٥) شذرات الذهب ١/ ٦٧.


بكار والعلاّمة الهمداني وغيرهما )(١) .

وكيفما كان، فهذا الاحتمال ناشٍ عن إرسال الرأس الشريف إلى المدينة، كما ذكره ابن حجر في قوله: ( وأرسل - يزيد - برأسه وبقيّة بنيه إلى المدينة )(٢) .

والجواب هو ما ذكره العلاّمة المجلسي: أمّا إرسال الرأس إلى المدينة فلا ضير بالمقام؛ لاحتمال كون الإرسال في مدّة وجود أهل البيت بالشام، وعليه يُحمل قول يزيد للإمام السجّاد ( عليه السلام): ( فأمّا وجه أبيك فلن تراه أبداً )(٣) ، فلا يمنع تبدّل رأيه بعد وصول الرأس من المدينة إلى الشام وتسليمه إلى الإمام السجّادعليه‌السلام .

وأمّا قول ابن حجر: بإرسال يزيد الرأس والأُسرة إلى المدينة، فلا يُنافي مرورهم بكربلاء ودفنهم الرأس فيها ثمّ قصدهم المدينة، وسيأتي خبر البلاذري حول إرجاع الرأس الشريف من المدينة إلى الشام(٤) .

٤ - الشام: قال البلاذري: قال الكلبي: وبعث يزيد برأسه إلى المدينة، فنُصِب على خشبة، ثمّ رُدَّ إلى دمشق، فدُفِن في حائط بها، ويقال: في دار الإمارة. ويقال: في المقبرة(٥) .

قيل: الحائط: الحديقة أو البستان، ودار الإمارة هي قصر الخضراء، وكان بجوار الجامع الأُموي إلى الجنوب منه(٦) .

وقال: ( ودُفِن رأس الحسين في حائط بدمشق، إمّا حائط القصر وإمّا غيره،

____________________

(١) نور الأبصار: ١٣٣.

(٢) الصواعق المحرقة: ٢٩٤.

(٣) الملهوف: ٢٢٦.

(٤ و٥) أنساب الأشراف ٣/ ٤١٩.

(٦) عبرات المصطفين ٢/ ٣٤١.


وقال قوم: دُفِن في القصر حُفِر له وأُعْمِق )(١) .

وروى ابن عساكر، بإسناده عن ريا حدّثته: ( أنّ الرأس مكث في خزائن السلاح، حتّى ولّي سليمان بن عبد الملك، فبعث إليه فجاء به وقد قحل وبقي عظم أبيض، فجعله في سفط وطيَّبه، وجعل عليه ثوباً، ودُفِن في مقابر المسلمين، فلما ولّي عمر بن عبد العزيز بعث إلى الخازن - خازن بيت السلاح - وجِّهْ إليَّ رأس الحسين بن علي.

فكتب إليه: أنّ سليمان أخذه وجعله في سفط وصلّى عليه ودفنه، فصحّ ذلك عنده. فلما دخلت المسوَّدة سألوا عن موضع الرأس، فنبشوه وأخذوه، والله أعلم ما صُنِع )(٢) .

قال ابن كثير: المسوَّدة يعني بني العبّاس(٣) .

وحكى الخوارزمي: ( أنّ سليمان بن عبد الملك بن مروان رأى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المنام كأنّه يبرّه ويلطفه، فدعا الحسن البصري وقصّ عليه وسأله عن تأويله، فقال الحسن: لعلّك اصطنعت إلى أهله معروفاً!

فقال سليمان: إنّي وجدت رأس الحسين في خزانة يزيد بن معاوية، فكسوته خمسة من الديباج، وصلّيت عليه في جماعة من أصحابي وقبرته!

فقال الحسن: إنّ النبي رضي عنك بسبب ذلك. فأحسن إلى الحسن البصري، وأمر له بجوائز )(٤) .

وقال ابن الجوزي: ( وذكر ابن أبي الدُّنيا، أنّهم وجدوا في خزانة يزيد رأس

____________________

(١) أنساب الأشراف ٣/ ٤١٦.

(٢) تاريخ مدينة دمشق ٧/ ٤٢١.

(٣) البداية والنهاية ٨/ ٢٠٥. وروي أوّله في جواهر المطالب ٢/ ٢١١ والإتحاف ٦٩.

(٤) مقتل الخوارزمي ٢/ ٧٥؛ بحار الأنوار ٤٥/ ١٤٥. ثمّ ذكر مضمون ما أورده ابن عساكر، ثمّ أضاف عليه: والظاهر من دينه - عمر بن عبد العزيز - أنّه بعثه إلى كربلاء فدفن مع جسده (المصدر).

وروى مضمون رؤياه نظم درر السمطين: ٢٢٦، والإتحاف: ٧٠ أيضاً.


الحسين، فكفّنوه ودفنوه بدمشق عند باب الفراديس )(١) .

وذكره أيضاً في ( الردّ على المتعصّب العنيد)، عن ابن أبي الدُّنيا من حديث عثمان بن عبد الرحمان، عن محمّد بن عمر بن صالح - ثمّ نقل الخبر كما في المنتظم - ثمّ قال: (وعثمان ومحمّد ليسا بشيء عند أهل الحديث، والأوّل - أي الدفن بالبقيع - الصحيح )(٢) .

وروى ابن نما، عن منصور بن جمهور ( أنّه دخل خزانة يزيد بن معاوية، لما فُتِحَت وجِد بها جونة حمراء، فقال لغلامه سليم: احتفظ بهذه الجونة، فإنّها كنز من كنوز بني أُميّة، فلما فتحها إذا فيها رأس الحسينعليه‌السلام وهو مخضوب بالسواد، فقال لغلامه: آتني بثوب، فأتاه به، فلفّه، ثمّ دفنه بدمشق عند باب الفراديس، عند البرج الثالث ممّا يلي المشرق )(٣) .

ثمّ ذكر سائر الأقوال، واعتمد على كون الدفن بكربلاء(٤) .

وذكر سبط ابن الجوزي ما رواه جدّه عن ابن أبي الدُّنيا بعنوان القول الثالث في المسألة، وفيه: ( فكفّنوه ودفنوه بباب الفراديس في دار الإمارة، وكذا ذكر الواقدي أيضاً )(٥) .

ثمّ قال: ( والرابع: أنّه بمسجد الرقّة على الفرات بالمدينة المشهورة، ذكره عبد الله بن عمر الورّاق في كتاب المقتل، وقال: لما حضر الرأس بين يدي يزيد بن

____________________

(١) المنتظم ٥/ ٣٤٤.

(٢) الردّ على المتعصّب العنيد: ٥٠. ورواه أيضاً جواهر المطالب ٢/ ٢٩٩ عن ابن أبي الدُّنيا.

(٣) جواهر المطالب ٢/ ٢٩٩.

(٤) مُثير الأحزان: ١٠٦.

(٥) تذكرة الخواص: ٢٦٥.


معاوية، قال: لأبعثنّه إلى آل أبي معيط، عن رأس عثمان. وكانوا بالرقّة، فبعثه إليهم، فدفنوه في بعض دورهم، ثمّ أُدِخلت تلك الدار في المسجد الجامع قال: وهو إلى جانب سدرة هناك، وعليه شبيه النيل لا يذهب شتاءً ولا صيفاً )(١) .

وروى الذهبي، عن أبي أُميّة الكلاعي قال: ( سمعت أبا كرب قال: كنت فيمَن توثّب على الوليد بن يزيد بدمشق، فأخذت سفطاً وقلت: فيه غنائي. فركبت فرسي وخرجت به من باب توما.

قال: ففتحته، فإذا فيه رأس مكتوب عليه هذا رأس الحسين بن علي، فحفرت له بسيفي فدفنته )(٢) .

وروى ابن كثير ما رواه ابن أبي الدُّنيا من طريق عثمان بن عبد الرحمان، عن محمّد بن عمر بن صالح، وقال: وهما ضعيفان، ثمّ قال: ( قلت: ويُعرف مكانه بمسجد الرأس اليوم، داخل باب الفراديس الثاني.

ثمّ ذكر ما رواه ابن عساكر عن ريّا )(٣) .

وقال ابن الحوراني: ( ودخل باب الفراديس مشهد الحسين، ويُسمَّى مسجد الرأس، وهو معروف الآن، وهو مشهد حافل عليه جلالة وهيبة، وله وقف على مصالحه، وهذا المشهد يقصده الناس للزيارة والدُّعاء والتبرّك، والتماس الحوائج، وهو في غاية القبول )(٤) .

وجاء في دائرة المعارف: ( وفي باب الفراديس مشهد الحسين بن علي )(٥) .

____________________

(١) تذكرة الخواص: ٢٦٥.

(٢) سير أعلام النبلاء ٣/ ٣١٦. وتاريخ الإسلام: ٢٠، وسير أعلام النبلاء ٣/ ٣١٩ وروى أيضاً ما ذكره ابن عساكر عن ريا.

(٣) البداية والنهاية ٨/ ٢٠٥.

(٤) الإشارات إلى أماكن الزيارات: ٢٥.

(٥) دائرة المعارف ٨/ ٢.


فتحصّل من جميع ذلك:

أنّ الروايات حول دفن الرأس الشريف في الشام على أقسام:

منها: ما روي بطريق ضعيف، كما اعترفوا بذلك.

ومنها: ما أعرض عنها ناقلوها.

وأنّ الأقوال في تحديد مكانه مُختلفة وهي:

أ) دمشق - في حائط بها -

ب) في دار الإمارة بدمشق.

ج) في المقبرة بدمشق.

د) في القصر الخضراء بدمشق.

هـ) عند باب الفراديس بدمشق.

و) بمسجد الرقّة.

ز) قرب باب توما.

٥) مصر: قال ابن نما: وحدّثني جماعة من أهل مصر، أنّ مشهد الرأس عندهم يُسمّونه مشهد كريم، عليه من الذهب شيء كثير، يقصدونه في المراسم، ويزورونه، ويزعمون أنّه مدفون هناك(١) .

وقال سبط ابن الجوزي: ( واختلفوا في الرأس على أقوال... الخامس: أنّ الخلفاء الفاطميّين نقلوه من باب الفراديس إلى عسقلان، ثمّ نقلوه إلى القاهرة، وهو فيها، وله مشهد عظيم يُزار في الجملة )(٢) .

____________________

(١) مُثير الأحزان: ١٠٦.

(٢) تذكرة الخواص: ٢٦٥.


ولقد ذكرنا اختيار ابن نما وسبط ابن الجوزي القول: بدفن الرأس الشريف بكربلاء.

قال ابن كثير: ( وادّعت الطائفة المسمّون بالفاطميّين، الذين ملكوا الديار المصريّة قبل سنة أربعمئة إلى ما بعد سنة ستّين وستّمئة، أنّ رأس الحسين وصل إلى الديار المصرية ودفنوه بها، وبنوا عليه المشهد المشهور به بمصر الذي يُقال له: تاج الحسين بعد سنة خمسمئة، وقد نصّ غير واحد من أئمّة أهل العلم على أنّه لا أصل لذلك )(١) . ثمّ ذكر علّة ذلك على ما زعمه، والذي يظهر حقده من خلاله.

وقال الشبلنجي: ( اختلفوا في رأس الحسين (رضي الله عنه) بعد مسيره إلى الشام إلى أين سار، وفي أيّ موضع استقرّ، فذهب طائفة إلى أن يزيد أمر أن يُطاف به في البلاد، فطيف به حتّى انتهى به إلى عسقلان، فدفنه أميرها بها، فلما غلب الأفرنج على عسقلان افتداه منهم الصالح طلائع وزير الفاطميّين بمال جزيل، ومشى إلى لقائه من عدّة مراحل، ووضعه في كيس حرير أخضر على كرسي من الآبنوس، وفرش تحته المسك والطيب، وبنى عليه المشهد الحسيني المعروف بالقاهرة قريباً من خان الخليلي... والذي عليه طائفة من الصوفية أنّه بالمشهد القاهري.

قال المنّاوي في طبقاته: ( ذكر لي بعض أهل الكشف والشهود، أنّه حصل له اطّلاع على أنّه دُفِن مع الجثّة بكربلاء، ثمّ ظهر الرأس بعد ذلك بالمشهد القاهري! لأنّ حُكم الحال بالبرزخ حُكم الإنسان الذي تدلّى في تيّارٍ جارٍ، فيطفو بعد ذلك في مكان آخر، فلما كان الرأس مُنفصلاً طاف في هذا المحل (المسمّى) بالمشهد الحسيني المصري! وذكر أنّه خاطبه )(٢) .

____________________

(١) البداية والنهاية ٨/ ٢٠٥.

(٢) نور الأبصار: ١٣٣.


وقال: وفي كتاب الخُطط للمقريزي، بعد كلام على مشهد الحسين (رضي الله عنه) ما نصّه: ( وكان حمل الرأس الشريف إلى القاهرة من عسقلان، ووصوله إليها في يوم الأحد ثامن من جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمسمئة... ويُذْكَر أنّ هذا الرأس الشريف لما أُخرج من المشهد بعسقلان وجد دمه لم يجفّ، وله ريح كريح المسك )(١) .

وقال الشبراوي: ( قال العلاّمة الشعراني: لما دُفِن الرأس الشريف ببلاد المشرق، ومضى عليه مدّة أرشى عليه الوزير طلائع بن رزيك، وأنفق ثلاثين ألف دينار، ونقله إلى مصر، وبنى عليه المشهد الشريف، وخرج هو وعسكره حفاة إلى نحو الصالحية من طريق الشام، يتلقّون الرأس الشريف، ثمّ وضعه طلايع في برنس من حرير أخضر، على كرسي من ابنوس، وفرش تحته المِسْك والطيب، وقد زرته مراراً... ثمّ ذكر رؤيا الشيخ شهاب الدين أحمد بن الشبلي الحنفي )(٢) .

إنّ طلائع بن رزيك كان نائب مصر، كما صرّح بذلك الشبراوي(٣) ، وذكر تفصيل ما حصل من نقل الرأس من عسقلان إلى القاهرة سنة ٥٤٨(٤) .

وفي جميع ذلك: أنّه على فرض صحّته، فلعلّه راجع إلى أحد أصحاب الحسينعليه‌السلام الذين استُشهدوا معه صلوات الله عليه، وأهل البيت أدرى بما في البيت، ولم يذكر أحد منهم حول دفن الرأس الشريف بمصر.

فالمختار هو قول المشهور: من إلحاق الرأس الشريف بالجسد الطاهر

____________________

(١) المصدر نفسه: ١٣٥.

(٢) الإتحاف: ٧٥.

(٣) المصدر نفسه: ٩٧.

(٤) المصدر نفسه: ٧٨ - ٨٢.


بكربلاء.

ولنختم الكلام بما ذكره سبط ابن الجوزي: ففي أيّ مكان رأسه أو جسده، فهو ساكن في القلوب والضمائر، قاطن في الأسرار والخواطر، أنشدنا بعض أشياخنا في هذا المعنى:

لا تطلبوا المولى(١) حسين

بـأرض شـرق أو بغرب

ودعـوا الـجميع وعرّجوا

نـحوي فـمشهده بقلبي(٢)

ترك كربلاء نحو المدينة:

ثمّ إنّ أهل بيت الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله تركوا كربلاء قاصدين المدينة، بعدما أقاموا العزاء على سيّد الشهداء بكربلاء.

قال السيّد ابن طاووس: قال الراوي: ثمّ انفصلوا من كربلاء طالبين المدينة(٣) .

ولـقد نـلتم ونـلنا مـنكم

وكـذاك الحرب أحياناً دُوَل

نـضع الأسياف في أكتافكم

حـيث نهوى عَللاً بعد نَهل

نخرج الأضياح من أستاهكم

كسلاح النّيب يأكلن العَصَل

إذ تـولُّون عـلى أعـقابكم

هرباً في الشعب أشباه الرِسَل

إذ شـددنـا شَـدَّة صـادقةً

فـأجأناكم إلـى سفح الجبل

بـخناطيل كـأشداف الـملا

مَـن يـلاقوه من الناس يهل

____________________

(١) هكذا في الأصل، ولعلّ الصحيح: قبر، وليس المولى

(٢) تذكرة الخواص: ٢٦٦.

(٣) الملهوف: ٢٢٦. روى نحوه: تسلية المجالس ٢/ ٤٥٩؛ ينابيع المودّة ٣/ ٩٢؛ المنتخب ٢/ ٤٨٣)، وغيرهم.


ضـاق عـنّا الشعب إذ نجزعه

ومـلانا الـفرط مـنه والرِّجَل

بــرجـالٍ لـسـتُمُ أمـثـالهم

أيّـدوا جـبريل نـصراً فـنزل

وعـلـونا يـوم بـدرٍ بـالتُّقى

طـاعة الله وتـصديق الـرُّسل

وقـتـلنا كــلّ رأسٍ مـنـهم

وقـتـلنا كـلّ جـحجاحٍ رفـل

وتـركنا فـي قـريشٍ عـورةً

يـوم بـدرٍ وأحـاديث الـمَثل

ورســول الله حـقّـاً شـاهدٌ

يـوم بـدرٍ والـتنابيل الـهبل

فـي قـريشٍ من جموعٍ جمّعوا

مثل ما يُجمع في الخصب الهمل

نـحن لا أمـثالكم وُلْـد اسْـتِهَا

نحضر الناس إذا البأس نزل(١)

____________________

(١) السيرة النبويّة ٣/ ١٤٣.



الفصل الثالث

إلى مدينة الرسول



الفصل الثالث

إلى مدينة الرسول

المدينة قبل وصول خبر مقتل الإمام الحسينعليه‌السلام :

كانت المدينة المنوّرة تترقّب سماع خبر أعظم حادثة وأكبر كارثة وأفضع فاجعة في العالم... كيف لا، وهو خبر قتل مَن قال جدّه سيّد الكائنات في حقّه:( حسين منّي وأنا من حسين ) (١) .

إنّ بعض أقرباء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وأصحابه كانوا يعلمون بمصير الحسينعليه‌السلام إجمالاً، وذلك عبر ما سمعوه عن صاحب الرسالةصلى‌الله‌عليه‌وآله ، مباشرةً أو بالواسطة، فإنّهم - وإن فاتهم الفوز العظيم أو قصّروا في سبيل نصرة ابن بنت نبيّهمعليه‌السلام - ولكنّ ذلك لم يمنعهم أن يعيشوا في حالة من الخوف والقلق، وترقُّب الأحداث!

لقد قامت زوجة الرسول الكريمصلى‌الله‌عليه‌وآله أُمّ سلمة - التي حصلت على شرف العلم والمعرفة وأصبحت موضع سرّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله - بدورها العظيم تجاه هذه المأساة، إذ استودعها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله تربة من تراب كربلاء قبل مقتل الحسينعليه‌السلام بسنوات عديدة، ولقد احتفظت بها، وصار احمرارها علامة تحقُّق المأساة، وهي التي روت أحاديث كثيرة في هذا الشأن، كما سترى.

____________________

(١) تهذيب التهذيب ٢/ ٢٩٩ و...


وروى ابن عبّاس - بدوره - عدّة روايات حول هذا الموضوع، واتّخذ مواقف جيّدة، ولا نريد بذلك توجيه عدم حضوره في كربلاء.

وثَمّة بعض القصائد والأشعار التي ربّما نُسبت إلى الجنّ، وإنّها وإن كانت بموضع من الإمكان بل الوقوع، فإنّ مصيبة قتل الحسينعليه‌السلام شملت الكون بكامله والخلائق بأجمعها، والموجودات كلّها، إلاّ أنّ هناك احتمالاً آخر، وهو صدورها من بعض الناس الموالين لأبي عبد الله الحسينعليه‌السلام ومحبّي أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أو أنّ بعضها كذلك، ولا ضير بأن نجمع حصول كلا الأمرين وتحقّقهما، أي صدور بعضها من الجنّ وبعضها من شيعة الإمام من الإنس.

كما رويت بعض المنامات والرؤى الصادقة، من أمثال أُمّ سلمة وابن عبّاس وغيرهما، تناقلها الناس، وأثّرت في أوساط المجتمع الذي تهيّأ لسماع خبر الفاجعة.

ولا ننسى أنّ الآيات السماوية والأرضية الكثيرة، التي حصلت في مناطق عديدة بعد مقتل الإمام الحسينعليه‌السلام خلقت الجوّ المناسب لذلك.

وإليك - أيّها القارئ الكريم - بعض النصوص التي تُعالج هذا الموضوع، وتُبيّن ما جرى في هذه الفترة من الزمان.

دور أُمِّ سلمة:

* أُمُّ سلمة تعلم بمصير الإمامعليه‌السلام :

فقد روى الطبراني، بإسناده عن سعد بن طريف، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ، عن أُمّ سلمة قالت:( قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : يُقتَل حسين بن علي (رضي الله عنه) على رأس ستّين من


مهاجرتي ) (١) .

* أُمُّ سلمة ترى تربة الحسينعليه‌السلام :

روى الطبراني، بإسناده عن عتبة بن عبد الله بن زمعة، عن أُمّ سلمة:

( أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله اضطجع ذات يوم، فاستيقظ وهو خاثر النفس، وفي يده تربة حمراء يُقلّبها، فقلت: ما هذه التربة يا رسول الله؟

فقال:( أخبرني جبريل عليه‌السلام أنّ هذا - الحسينعليه‌السلام -يُقتل بأرض العراق، فقلت لجبريل عليه‌السلام : أرني تربة الأرض التي يُقتل بها. فهذه تربتها ) (٢) .

وروى الحاكم بإسناده عن عبد الله بن وهب بن زمعة قال:

أخبرتني أُمّ سلمة (رضي الله عنها): أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اضطجع ذات ليلة للنوم، فاستيقظ وهو حائر، ثمّ اضطجع فرقد، ثمّ استيقظ وهو حائر دون ما رأيت به المرّة الأُولى، ثمّ اضطجع فاستيقظ وفي يده تربة حمراء يُقبّلها، فقلت: ما هذه التربة يا رسول الله؟

قال:( أخبرني جبريل عليه الصلاة والسلام أنّ هذا - الحسين -يُقتل بأرض العراق فقلت لجبريل: أرني تربة الأرض التي يُقتل بها. فهذه تربتها ).

ثمّ قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يُخرجاه(٣) .

____________________

(١) المعجم الكبير ٣/ ١١٠ ح٢٨٠٧.

(٢) المعجم الكبير ٣/ ١١٦ ح٢٨٢١، اُنظر كنز العمّال ١٣/ ٦٥٧ ح٣٧٦٦٧.

(٣) المستدرك على الصحيحين ٤/ ٣٩٨، عنه إحقاق الحقّ ١١/ ٣٣٩؛ سير أعلام النبلاء ٣/ ٢٨٩؛ ذخائر العُقبى ١٥٧.


وروى الطبراني، بإسناده عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن أُمّ سلمة قالت:

( كان رسول الله (صلَّى الله عليه وسلِّم)، جالساً ذات يوم في بيتي فقال:( لا يدخل عليَّ أحد ) . فانتظرت فدخل الحسين (رضي الله عنه)، فسمعت نشيج رسول الله (صلَّى الله عليه وسلِّم) يبكي، فاطّلعتُ، فإذا حسين في حجره والنبيّ (صلَّى الله عليه وسلِّم) يمسح جبينه وهو يبكي، فقلت: والله، ما علمت حين دخل!

فقال:( إنّ جبرئيل عليه‌السلام كان معنا في البيت، فقال: تُحبّه؟ قلت: أمّا من الدُّنيا فنعم، قال: إنّ أُمّتك ستقتل هذا بأرض يُقال لها: كربلاء ) . فتناول جبريلعليه‌السلام من تربتها فأراها النبيّ (صلَّى الله عليه وسلِّم)، فلما أُحيط بحسين حين قُتل قال:( ما اسم هذه الأرض؟ ) .

قالوا: كربلاء.

قال:( صدق الله ورسوله، أرض كربٍ وبلاء ) (١) .

وروي بإسناده عن صالح بن أريد، عن أُمّ سلمة (رضي الله عنها) قالت:

( قال لي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( اجلسي بالباب ولا يلِجنَّ عليَّ أحد ) . فقمت بالباب إذ جاء الحسين (رضي الله عنه)، فذهبت أتناوله، فسبقني الغلام، فدخل على جدّه، فقلت: يا نبيّ الله، جعلني الله فداك، أمرتني أن لا يلج عليك أحد، وإنّ ابنك جاء، فذهبت أتناوله فسبقني، فلما طال ذلك تطلّعت من الباب، فوجدتك تُقلِّب بكفّيك شيئاً ودموعك تسيل، والصبي على بطنك، قال:( نعم، أتاني جبريل، فأخبرني أنّ أُمّتي يقتلونه، وأتاني بالتربة التي يُقتل عليها، فهي التي أُقلِّب بكفّي ) (٢) .

____________________

(١) المعجم الكبير ٣/ ١١٥، ح٢٨١٩.

(٢) المعجم الكبير ٣/ ١١٥، ح٢٨٢٠.


مُلاحظتان:

١ - إنّ أُمّ سلمة ليست الوحيدة في نقل أخبار إتيان جبرئيل بتربة الحسينعليه‌السلام إلى جدّه الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، بل هناك روايات عديدة عن غيرها، مثل عائشة، وزينب بنت جحش حول هذا الموضوع الهامّ(١) التي لا مجال لذكرها الآن.

٢ - إنّها لم تكن الوحيدة التي رأت تربة الحسينعليه‌السلام قبل مقتله، بل هناك أشخاص رأوها، وعلى رأسهم أبوه الإمام عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، نذكر بعضهم:

أ) الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام :

روى الطبراني، بإسناده عن عبد الله بن نجي، عن أبيه أنّه سافر مع عليّ (رضيّ الله عنه)، فلما حاذى نينوى قال:( صبراً أبا عبد الله! صبراً بشط الفرات! ) .

قلت: وما ذاك؟

قال:( دخلتُ على رسول الله (صلَّى الله عليه وسلِّم) ذات يوم وعيناه تفيضان، فقلت: هل أغضبك أحد يا رسول الله؟ ما لي أرى عينيك مُفيضتين؟ قال: قام من عندي جبريل عليه‌السلام ، فأخبرني أنّ أُمّتي تقتل الحسين ابني.

ثمّ قال: هل لك أن أُريك من تربته؟

قلت: نعم، فمدّ يده فقبض قبضة، فلما رأيتها لم أملك عينيّ أن فاضتا ) (٢) .

ب) أبو بكر وعمر وحذيفة وعمّار وأبو ذرّ:

روى الطبراني، بإسناده عن عائشة قالت:

____________________

(١) المعجم الكبير ٣/ ١١٣ ح٢٨١٥؛ مجمع الزوائد ٩/ ١٨٨ و١٨٩ و١٩٢.

(٢) المعجم الكبير ٣/ ١١١ ح٢٨١١. وروي في مُسند أحمد ١/ ٨٥؛ مجمع الزوائد ٩/ ١٨٧ وقال: ( ورجاله ثقات ولم ينفرد نجيّ بهذا )؛ تهذيب الكمال ٦/ ٤٠٧؛ سير أعلام النبلاء ٣/ ٢٨٨؛ مقتل الخوارزمي ١/ ١٧٠ وغيرهم.


( دخل الحسين بن علي (رضي الله عنه) على رسول الله (صلَّى الله عليه وسلِّم) وهو يوحى إليه، فنزا على رسول الله (صلَّى الله عليه وسلِّم) وهو مُنكبٌّ، ولعب على ظهره، فقال جبريل لرسول الله (صلَّى الله عليه وسلِّم):( أتُحبّه يا محمّد؟ ) .

قال:( يا جبريل، وما لي لا أُحبُّ ابني؟! ) .

قال:( فإنّ أُمّتك ستقتله من بعدك ) . فمدّ جبريلعليه‌السلام يده، فأتاه بتربة بيضاء، فقال:( في هذه الأرض يُقتَل ابنك هذا - يا محمّد - واسمها الطفّ ) . فلما ذهب جبريلعليه‌السلام من عند رسول الله (صلَّى الله عليه وسلِّم) خرج رسول الله (صلَّى الله عليه وسلِّم) والتربة في يده يبكي، فقالوا: ما يُبكيك يا رسول الله؟

فقال:( أخبرني جبريل أنّ ابني الحسين يُقتل بعدي بأرض الطفّ، وجاءني بهذه التربة، وأخبرني أنّ فيها مضجعه ) (١) .

* تربة الحسينعليه‌السلام عند أُمّ سلمة:

روى الطبراني، بإسناده عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك قال:

(استأذن مَلَك القطر ربّه عزّ وجلّ أن يزور النبيّ (صلَّى الله عليه وسلِّم)، فأذِن له، فجاءه وهو في بيت أُمّ سلمة، فقال:( يا أُمّ سلمة، احفظي علينا الباب، لا يدخل علينا أحد ). فبينما هم على الباب إذ جاء الحسين، ففتح الباب، فجعل يتقفَّز على ظهر النبيّ (صلَّى الله عليه وسلِّم)، والنبيّ (صلَّى الله عليه وسلِّم)

____________________

(١) المعجم الكبير ٣/ ١١٣ ح٢٨١٤.


يلثمه ويُقبّله، فقال له الملَك:( تُحبُّه يا محمّد؟ ).

قال:( نعم ).

[ قال: ]( أما أنّ أُمّتك ستقتله، وإن شئت أن أُريك من تربة المكان الذي يُقتل فيها ) .

قال: فقبض من المكان الذي يُقتل فيه، فأتاه بسهلة حمراء، فأخذته أُمّ سلمة، فجعلته في ثوبها.

قال ثابت: كنّا نقول: إنّها كربلاء )(١) .

وروى الطبراني، بإسناده عن شقيق بن سلمة، عن أُمّ سلمة قالت:

( كان الحسن والحسين ( رضي الله عنهما ) يلعبان بين يدي النبيّ (صلَّى الله عليه وسلِّم) في بيتي، فنزل جبريلعليه‌السلام فقال:( يا محمّد، إنّ أُمّتك تقتل ابنك هذا من بعدك فأومأ بيده إلى الحسين، فبكى رسول الله (صلَّى الله عليه وسلِّم) وضمّه إلى صدره، ثمّ قال رسول الله (صلَّى الله عليه وسلِّم):( وديعةً عندك هذه التربة )، فشمَّها رسول الله (صلَّى الله عليه وسلِّم) وقال:( ويحَ كرب وبلاء! ) .

قالت: وقال رسول الله (صلَّى الله عليه وسلِّم):( يا أُمّ سلمة، إذا تحوّلت هذه التربة دماً فاعلمي أنّ ابني قد قُتِل ) .

قال: فجعلتها أُمّ سلمة في قارورة، ثمّ جعلت تنظر إليها كلّ يوم وتقول: إنّ يوماً تُحوَّلين دماً ليوم عظيم )(٢) .

____________________

(١) المعجم الكبير ٣/ ١١٢، ح٢٨١٣. وروي نحوه في مُسند الإمام أحمد بن حنبل ٣/ ٢٤٢؛ دلائل النبوّة ٦/ ٤٦٩؛ الخصائص الكبرى ٢/ ١٢٥ - عن البيهقي وأبي نعيم؛ ذخائر العُقبى: ١٤٦، ثمّ قال: خرجه البغوي في مُعجمه وخرجه أبو حاتم في صحيحه؛ الصواعق المحرقة: ٢٩٢ - عن البغوي وأبي حاتم وأحمد؛ تهذيب الكمال ٦/ ٤٠٨؛ مجمع الزوائد ٩/ ١٨٧ و١٩٠؛ كنز العمّال ١٣/ ٦٥٧، ح٣٧٦٦٩ وغيرهم.

(٢) المعجم الكبير ٣/ ١١٤ ح٢٨١٧. وأخرجه: كفاية الطالب: ٤٢٦؛ تهذيب الكمال: ٦/ ٤٨٠؛ مجمع


وقال الشيخ المفيد: وروي بإسناد آخر عن أُمّ سلمة - رضي الله عنها - أنّها قالت:

( خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من عندنا ذات ليلة، فغاب عنّا طويلاً، ثمّ جاءنا وهو أشعث أغبر ويده مضمومة، فقلت: يا رسول الله، ما لي أراك شَعثاً مُغبرّاً؟!

فقال:( أُسري بي في هذا الوقت إلى موضع من العراق يُقال له: كربلاء. فأُريت فيه مصرع الحسين ابني وجماعة من ولْدي وأهل بيتي، فلم أزل ألقط دماءهم، فها هي في يدي ) . وبسطها إليّ فقال:( خُذْيها واحتفظي بها ) . فأخذتها فإذا هي شبه تراب أحمر، فوضعته في قارورة، وسددتُ رأسها واحتفظتُ به، فلما خرج الحسينعليه‌السلام من مكّة مُتوجِّهاً نحو العراق، كنت أُخْرِج تلك القارورة في كلّ يوم وليلة فأشمّها وأنظر إليها، ثمّ أبكي لمصابه، فلما كان في اليوم العاشر من المحرّم - وهو اليوم الذي قُتل فيهعليه‌السلام - أخرجتها في أوّل النهار وهي بحالها، ثمّ عدت إليها آخر النهار فإذا هي دم عبيط، فصمت في بيتي وبكيت، وكظمت غيظي مخافة أن يسمع أعداؤهم بالمدينة، فيُسرعوا بالشماتة، فلم أزل حافظةً للوقت حتّى جاء الناعي ينعاه، فحقّق ما رأيت )(١) .

____________________

الزوائد ٩/ ١٨٩؛ تهذيب التهذيب ٢/ ٣٤٦؛ الصواعق المحرقة: ٢٩٢؛ ذخائر العُقبى: ١٤٦ وقال: خرّجه الملاّ في سيرته؛ الخصائص الكبرى ٢/ ١٢٥؛ طرح الترتيب ١/ ٤١ - على ما في إحقاق الحقّ ١١/ ٣٤٧.

(١) الإرشاد ٢/ ١٣٠، عنه بحار الأنوار ٤٤/ ٢٣٩، ح٣١. وروي في إعلام الورى: ٢١٧؛ روضة الواعظين ١/ ١٩٣، وذكر مضمونه: الصواعق المحرقة: ٢٩٢؛ نظم درر السمطين: ٢١٥.


وقال ابن الأثير:

( وروي أنّ النبي (صلَّى الله عليه وسلِّم) أعطى أُمّ سلمة تراباً من تربة الحسين حمله إليه جبرائيل، فقال النبيّ (صلَّى الله عليه وسلِّم) لأُمّ سلمة:( إذا صار هذا التراب دماً فقد قُتِل الحسين ) . فحفظتْ أُمّ سلمة ذلك التراب في قارورة عندها، فلما قُتِل الحسين صار التراب دماً، فأعلمت الناس بقتله أيضاً )(١) .

وقال الطبري:

( إنّ أُمّ سلمة أخرجت يوم قتل الحسين بكربلاء وهي بالمدينة قارورة فيها دم، فقالت: قُتِل - والله - الحسين.

فقيل: من أين علمتِ؟!

قالت: دفع إليّ رسول الله من تربته وقال لي:( إذا صار هذا دماً فاعلمي أنّ ابني قد قُتِل ) ، فكان كما قالت )(٢) .

وذكر الخوارزمي: ( أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أخذ تلك القبضة - من تربة الحسينعليه‌السلام - التي أتاه بها الملَك، فجعل يشمّها ويبكي ويقول في بكائه:( اللّهمَّ، لا تُبارك في قاتل ولدي، وأصْلِه نار جهنّم ) .

ثمّ دفع تلك القبضة إلى أُمّ سلمة، وأخبرها بقتل الحسين بشاطئ الفرات، وقال:( يا أُمّ سلمة، خُذْي هذه التربة إليك، فإنّها إذا تغيّرت وتحوّلت دماً عبيطاً فعند ذلك يُقتل ولدي الحسين ) )(٣) .

بل المستفاد من بعض النصوص، أنّ أُمّ سلمة كانت تحمل قارورتين من تراب الحسينعليه‌السلام ، إحداهما سلّمها إليها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والأُخرى تسلّمتها من

____________________

(١) الكامل في التاريخ ٤/ ٩٣.

(٢) دلائل الإمامة: ١٨٠.

(٣) مقتل الخوارزمي ١/ ١٦٢. ورواه السيّد محمّد بن أبي طالب (تسلية المجالس ٢/ ١١٢).


يدي الحسينعليه‌السلام .

لقد روى الفقيه المحدّث القطب الراوندي، أنّ الإمام الحسينعليه‌السلام لما أراد العراق ( قالت له أُمّ سلمة: لا تخرج إلى العراق؛ فقد سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول:( يُقتَل ابني الحسين بـ [ أرض ] العراق ) ، وعندي تربة دفعها إليّ في قارورة.

فقال:( والله، إنّي مقتول كذلك، وإن لم أخرج إلى العراق يقتلونني أيضاً، وإن أحببتِ أن أُريك مضجعي ومصرع أصحابي ) .

ثمّ مسح بيده على وجهها، ففسح الله في بصرها حتّى أراها ذلك كلّه، وأخذ تربة فأعطاها من تلك التربة أيضاً في قارورة أُخرى، وقالعليه‌السلام :( فإذا فاضتا دماً فاعلمي أنّي قد قُتْلِت ) .

فقالت أُمّ سلمة: فلما كان يوم عاشوراء، نظرت إلى القارورتين بعد الظهر، فإذا هما قد فاضتا دماً.

فصاحت، ولم يُقلَب في ذلك اليوم حجر ولا مَدَر إلاّ وجِد تحته دم عبيط )(١) .

ويظهر من رواية الفقيه ابن حمزة، عن الباقرعليه‌السلام مُرسلاً - بعد ذكر ما يقرب من نقل الخرائج في المضمون -:( أنّها خلطت التربة التي أعطاها الإمام الحسين عليه‌السلام مع التربة التي كانت عندها ) (٢) .

* ما سمعته أُمّ سلمة ليلةَ قُتِل الحسينعليه‌السلام !

روى الخوارزمي، بإسناده عن عبد الرحمان بن محمّد بن أبي سلمة يذكر عن

____________________

(١) الخرائج والجرائح ١/ ٢٥٣ ح٧، عنه بحار الأنوار ٤٥/ ٨٩ ح٢٧؛ العوالم ١٧/ ١٥٧، ح٧.

(٢) الثاقب في المناقب: ٣٣١، فصل ٥، ح٢٧٢ ونحوه في الهداية: ٢٠٢ وعيون المعجزات: ٦٩ بتفاوت.


أبيه عن جدّه، عن أُمّ سلمة قالت:

( جاء جبرئيلعليه‌السلام إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال:( إنّ أُمّتك تقتله - يعني الحسين -بعدك ).

ثمّ قال له:( ألا أُريك من تربة مقتله؟ ) .

قال:( نعم ) . فجاء بحُصيّات، فجعلهنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في قارورة، فلما كانت ليلة قَتْل الحسين - قالت أُمّ سلمة - سمعت قائلاً يقول:

أيّها القاتلون جَهْلاً حسيناً

أبْشِرُوا بالعذاب والتنكيل

قد لُعنتم على لسان ابن داود

وموسى وصاحب الإنجيل

 ( قال: ) فبكيت وفتحت القارورة، فإذا قد حدث فيها دم )(١) .

* ما رأته أُمّ سلمة في منامها!

روى الترمذي، بإسناده عن سلمى قالت: ( دخلتُ على أُمّ سلمة وهي تبكي، فقلت: ما يبكيك؟

قالت: رأيت رسول الله (صلَّى الله عليه وسلِّم) - تعني في المنام - وعلى رأسه ولحيته التراب، فقلت: ما لكَ يا رسول الله؟

قال:شهدت قَتْلَ الحسين آنفاً )(٢) .

____________________

(١) مقتل الخوارزمي ٢/ ٩٤، عنه إحقاق الحقّ ١١/ ٣٤٧. ورواه: نظم درر السمطين: ٢١٧، وفيه: (فإذا الحُصيّات قد جرت دماً)، والصواعق المحرقة: ٢٩٢ وغيرهم.

(٢) الجامع الصحيح، سُنن الترمذي ٥/ ٦٥٧، باب ٣١ مناقب الحسن والحسين، ح٣٧٧١. ورواه: المعجم الكبير ٢٣/ ٣٧٣ ح٨٨٢؛ المستدرك ٤/ ١٩؛ تاريخ دمشق، ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام : ٣٨٨، ح٣٢٨؛ كفاية الطالب: ٤٣٣؛ أُسد الغابة ١/ ٢٢؛ الخصائص الكبرى ٢/ ١٢٦؛ البداية والنهاية ٨/ ٢٠٢؛ سير أعلام النبلاء ٣/ ٣١٦؛ تاريخ الإسلام: ١٧؛ الصواعق المحرقة: ٢٩٤؛ تهذيب التهذيب ٢/ ٣٠٧، تلخيص المستدرك ٤/ ١٩؛ تهذيب الكمال ٢/ ٤٣٩ واُنظر: مصابيح السنّة: ٢٠٧؛ مقتل الخوارزمي ٢/ ٩٦؛ أسماء الرجال (للذهبي) ٢/ ١٤١؛ جامع الأصول (لابن الأثير) ١٠/ ٢٤؛ المختار في مناقب الأخبار: ٢٢؛ ذخائر العُقبى: ١٤٨؛ نظم درر السمطين: ٢١٧؛ تهذيب التهذيب ٢/ ٣٥٣ - على ما في إحقاق الحقّ ١١/ ٣٥٥.


وزاد الباعوني - بعد ذكره خبر سلمى -: ثمّ قالت: ( فعلوها؟ ملأ الله قبورهم وبيوتهم ناراً! ).

ثمّ استيقظتْ مغشيّاً عليها )(١) .

وقال الخوارزمي بعد ذكره الخبر: ( وجاء في المراسيل، أنّ سلمى المدنيّة قالت: رفع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى أُمّ سلمة قارورة فيها رمل من الطف، وقال لها:( إذا تحوّل هذا دماً عبيطاً فعند ذلك يُقتَل الحسين ) .

قالت سلمى: فارتفعت واعية من حجرة أُمّ سلمة، فكنت أوّل مَن أتاها، فقلت لها: ما دهاك يا أُمّ المؤمنين؟

قالت: رأيت رسول الله في المنام والتراب على رأسه، فقلت: ما لكَ؟

قال:وثب الناس على ابني فقتلوه، وقد شهدته قتيلاً الساعة. فاقشعرّ جلدي وانتبهت، وقمت إلى القارورة، فوجدتها تفور دماً.

قالت سلمى: ورأيتها موضوعة بين يديها )(٢) .

روى الشيخ الصدوق (رحمه الله)، بإسناده عن أبي البختري وهب بن وهب، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائهعليهم‌السلام عن أُمّ سلمة (رضي الله عنها):( أنّها أصبحت يوماً تبكي، فقيل لها: ما لكِ؟!

قالت: لقد قُتل ابني الحسين عليه‌السلام ، وما رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله منذ مات إلاّ الليلة، فقلت: بأبي أنت وأُمّي، ما لي أراك شاحباً؟

فقال: لم أزل منذ الليلة أحفر قبر الحسين وقبور أصحابه ) (٣) .

وذكر الشيخ الطوسي، بإسناده عن عبد الله بن عبّاس، قال: ( بينا أنا راقد في منزلي، إذ سمعت صُراخاً عظيماً عالياً من بيت أُمّ سلمة زوج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فخرجت يتوجّه بي قائدي إلى منزلها، وأقبل أهل المدينة إليها - الرجال والنساء - فلما انتهيت إليها قلت: يا أُمّ المؤمنين، ما بالك تصرخين وتغوثين؟!

فلم تُجبني، وأقبلت على

____________________

(١) جواهر المطالب ٢/ ٢٩٨.

(٢) مقتل الخوارزمي ٢/ ٩٦؛ بحار الأنوار ٤٥/ ٢٣٢.

(٣) أمالي الصدوق: ٢٠٢، المجلس ٢٩، ح٢١٧. ورواه الشيخ المفيد في أماليه ص٣١٩، المجلس ٣٨، ح٦، كذا: أمالي الطوسي: ٩٠، المجلس ٣، ح١٤٠؛ وروضة الواعظين: ١٧٠.


النسوة الهاشميّات وقالت: يا بنات عبد المطّلب، اسعدنني وابكين معي، فقد واللَّه قُتل سيّدكنّ وسيّد شباب أهل الجنّة، قد واللَّه قُتل سبط رسول اللَّه وريحانته الحسين، فقيل: يا أُمّ المؤمنين، ومن أين علمت ذلك؟ قالت: رأيت رسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله في المنام الساعة شعثاً مذعوراً، فسألته عن شأنه ذلك، فقال: قتل ابني الحسين وأهل بيته اليوم، فدفنتهم، والساعة فرغت من دفنهم، قالت: فقمت حتّى دخلت البيت، وأنا لا أكاد أن أعقل، فنظرت فإذا بتربة الحسين التي أتى‌ بها جبرئيل من كربلاء، فقال: إذا صارت هذه التربة دماً فقد قُتل ابنك، وأعطانيها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال:اجعلي هذه التربة في زجاجة - أو قال: في قارورة-ولتكن عندك، فإذا صارت دماً عبيطاً فقد قُتل الحسين ، فرأيت القارورة الآن، وقد صارت دماً عبيطاً تفور، قال: وأخذت أُمّ سلمة من ذلك الدم، فلطّخت به وجهها، وجعلت ذلك اليوم مأتماً ومناحة على الحسين عليه السلام، فجاءت الركبان بخبره وأنّه قد قُتل في ذلك اليوم.

قال عمرو بن ثابت: قال أبي: فدخلت على أبي جعفر محمّد بن عليّ عليهما السلام منزله، فسألته عن هذا الحديث، وذكرت له رواية سعيد بن جبير هذا الحديث عن عبداللَّه بن عبّاس، فقال أبو جعفر عليه السلام:حدّثنيه عمر بن أبي سلمة عن أُمّه امّ سلمة .

قال ابن عبّاس- في رواية سعيد بن جبير عنه قال-: فلمّا كانت الليلة رأيت رسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله في منامي أغبر أشعث، فذكرت له ذلك وسألته عن شأنه، فقال لي:

ألم تعلمي أنّي فرغت من دفن الحسين وأصحابه .

قال عمرو بن أبي المقدام: فحدّثني سدير عن أبي جعفر عليه السلام أنّ جبرئيل جاء إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بالتربة التي يُقتل عليها الحسين عليه السلام، قال أبو جعفر: فهي عندنا»(١)

____________________

(١) أمالي الطوسي: ٣١٥، مجلس ١١، ح ٦٤٠. ورواه ابن شهر آشوب عن أحمد في المسند عن أنس =


وروى الفقيه ابن حمزة عن الإمام الباقر عليه السلام:

«فلمّا كانت تلك الليلة التي صبيحتها قُتل الحسين بن عليّ صلوات اللَّه عليهما فيها، أتاها (أُمّ سلمة) رسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله في المنام أشعث باكياً مغبرّاً، فقالت: يارسول اللَّه، مالي أراك باكياً مغبرّاً أشعث؟ فقال:دفنت ابني الحسين عليه السلام وأصحابه الساعة .

فانتبهت أُمّ سلمة رضي اللَّه عنها، فصرخت بأعلى صوتها، فقالت: وا ابناه، فاجتمع أهل المدينة، وقالوا لها: ما الذي دهاك؟

فقالت: قُتل ابني الحسين بن علي صلوات اللَّه عليهما، فقالوا لها:

وما علمك [بذلك‌]؟ قالت: أتاني في المنام رسول اللَّه صلوات اللَّه عليه باكياً أشعث أغبر، فأخبرني أنّه دفن الحسين وأصحابه الساعة، فقالوا: أضغاث أحلام، فقالت: مكانكم، فإنّ عندي تربة الحسين عليه السلام، فأخرجت لهم القارورة فإذا هي دم عبيط» «١».

أُمّ سلمة تسمع نوح الجنّ‌

روى الشيخ الصدوق بإسناده عن أُمّ سلمة- زوجة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله - قالت:

ما سمعت نوح الجنّ منذ قُبض النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلّاالليلة، ولا أراني إلّاوقد أصبت بابني.

قالت: وجاءت الجنّية منهم:

____________________

= والغزالي في « كيمياء السعادة » وابن بطة في « الإنابة » من خمسة عشر طريقاً وابن حبيش التميمي ( المناقب ٤/٥٥، عنه العوالم ١٧/٥٠٧ ح ١؛ بحار الأنوار ٤٥/٢٢٧، ح٢٢).

(١) الثاقب في المناقب: ٣٣٠، ح ٢٧٢. وروى نحوه أبو عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبي ( الهداية الكبرى: ٢٠٣)، وغيره، اُنظر: إثبات الوصيّة: ٢٦٢؛ عيون المعجزات:٦٩؛ الصراط المستقيم ٢/١٧٩، ح ٧؛ مدينة المعاجز ٣/٤٨٩ ح ١٠٠٣؛ معالم الزلفى: ٩١.


ألا يا عين فانهملي بجهد

فمن يبكي على الشهداء بعدي‌

على‌ رهط تقودهم المنايا

إلى متجبّر في ملك عبد(١)

صراخ أُمّ سلمة وضجّة المدينة

لقد ذكرنا عن ابن عبّاس أنّ أهل المدينة- رجالًا ونساءً- توجّهوا نحو بيت أُمّ سلمة، بعدما سمعوا صراخها وبكاءها.

وممّا يؤيّد ذلك ما أورده اليعقوبي في تاريخه، قال: «وكان أوّل صارخة صرخت في المدينة أُمّ سلمة زوج النبي، كان دفع إليها قارورة فيها تربة، وقال لها:

إنّ جبريل أعلمني أنّ أُمّتي تقتل الحسين ، وأعطاني هذه التربة، وقال لي: إذا صارت دماً عبيطاً فاعلمي أنّ الحسين قد قُتل، وكانت عندها، فلمّا حضر ذلك الوقت جعلت تنظر إلى القارورة في كلّ ساعة، فلمّا رأتها قد صارت دماً صاحت واحسيناه! وا ابن رسول اللَّه! وتصارخت النساء من كلّ ناحية، حتّى ارتفعت المدينة بالرجّة التي ما سُمع بمثلها قطّ»(٢) .

____________________

(١) أمالي الصدوق: ٢٠٢، مجلس ٢٩، ح ٢١٨. انظر: إحقاق الحقّ ١١/٥٧٣؛ شرح الأخبار ٣/١٦٧ ح ١١٠٧ وفيه: « ألا يا عين جودي لي ومن »؛ مقتل الخوارزمي ٢/٩٥) وفيه: « فاحتفلي على رهط سرت بهم »؛ مثير الأحزان: ١٠٨ وفيه: « فاحتملي في الملك »؛ ترجمة الإمام الحسين من تاريخ دمشق: ٣٩٣ – ٣٩٧؛ تذكرة الخواص: ٢٦٩ وفيه: « فاختلفي في ثوب عبد »؛ كفاية الطالب: ٤٤٢ وفيه: « فاحتفلي »؛ ذخائر العقبى: ١٥٠ – بعضه – وقال: « خرّجه الملّا في سيرته »؛ الخصائص الكبرى ٢/١٢٧ وفيه: « فاحتفلي »؛ مجمع الزوائد ٩/١٩٩ وفيه: « فاحتفلي »؛ تهذيب الكمال ٦/٤٤١ وفيه: «فاحتفلي بجهد متخيّر »، وغيرهم: معجم الطبراني: ٢٨٦٩؛ آكام المرجان: ١٤٧- على ما في إحقاق الحقّ ١١/٥٧٣ وفيه: « فاحتفلي متحيّر ».

(٢) تاريخ اليعقوبي ٢/٢٤٥.


خلاصة الكلام‌

إنّ أُمّ سلمة- بما حازت من موقع انتمائها لرسول اللَّه صلى الله عليه و آله، وبما نالت من موضع ائتمانها من قبل رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، وبما فازت من معرفتها بآل بيت رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، وبما قامت برسالتها تجاه آل اللَّه ...- أخذت دورها المحوري في فترة عدم حضور آل بيت المصطفى صلى الله عليه و آله بالمدينة، وأثّرت تأثيراً بالغاً، بحيث ضجّت المدينة بصراخها ورجفت بأنينها، سلام اللَّه ورضوانه عليها، ولعلّ عدم إجابتها لسؤال ابن عبّاس- في ما رواه الشيخ الطوسي- عتاب منها عليه في عدم نصرته سبط الرسول عليه السلام، واللَّه العالم.

دور ابن عبّاس‌

علمه بمصير سيّد الشهداء عليه السلام‌

كان ابن عبّاس من الذين يعلمون بمصير الإمام عليه السلام، فمن الطبيعي أن يكون ممّن يترقّب خبر استشهاده عليه السلام.

أخرج الحاكم عن ابن عبّاس قال: «ما كنّا نشكّ وأهل البيت متوافرون أنّ الحسين يُقتل بالطف»(١) .

رؤيا ابن عبّاس وإخباره بعض الناس‌

روى أحمد بإسناده عن ابن عبّاس قال: «رأيت النبيّ صلى الله عليه و سلم فيما يرى النائم بنصف النهار، وهو قائم أشعث أغبر، بيده قارورة فيها دم، فقلت: بأبي أنت وأُمّي يارسول اللَّه، ما هذا؟ قال:هذا دم الحسين وأصحابه لم أزل ألتقطه منذ اليوم ، فأحصينا ذلك اليوم، فوجدوه قُتل في ذلك اليوم»(٢) .

____________________

(١) مستدرك الحاكم ٣: ١٧٩، عنه الخصائص الكبرى ٢/١٢٦.

(٢) مسند أحمد بن حنبل ١/٢٨٣. وروى في: المعجم الكبير ٣/١١٦، ح ٢٨٢٢؛ عبرات المصطفين ٢


وروى ابن عساكر بإسناده عن عليّ بن زيد بن جدعان قال: «استيقظ ابن عبّاس من نومه، فاسترجع وقال: قُتل حسين واللَّه، فقال له أصحابه: كلّا، قال:

رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه و سلم ومعه زجاجة من دم، فقال:ألا تعلم ما صنعتْ أُمّتي من بعدي؟ قتلوا ابني الحسين وهذا دمه ودم أصحابه أرفعها إلى اللَّه عزّوجلّ ، قال: فكتب ذلك اليوم الذي قال فيه، وتلك الساعة، فما لبثوا إلّا أربعة وعشرين يوماً حتّى جاءهم الخبر بالمدينة أنّه قُتل ذلك اليوم، وتلك الساعة» «١».

وقال الزرندي: وفي رواية أنّ ابن عبّاس كان في قايلة له، فانتبه من قايلته وهو يسترجع، ففزع أهله فقالوا: ما شأنك؟ ما لكَ؟ قال: رأيت النبيّ صلى الله عليه و آله وهو يتناول من الأرض شيئاً، فقلت: بأبي وأُمّي يارسول اللَّه صلى الله عليه و آله ماهذا الذي تصنع؟

____________________

= /١٢٣؛ شرح الأخبار ٣/١٦٨، ح ١١١٠؛ الاستيعاب ١/٣٨١؛ تاريخ بغداد ١/١٤٢؛ المستدرك على الصحيحين ٤/٣٩٨؛ مناقب عليّ بن أبي طالب: ٧٨، ح ١١٦ وفيه: « رأيت رسول الله ص وأنا قائل ..»؛ مقتل الخوارزمي ٢/٩٤؛ ترجمة الإمام الحسين ع من تاريخ دمشق: ٣٨٥، ح ٣٢٥؛ دلائل النبوّة ٦/٤٧١؛ الردّ على المتعصّب العنيد: ٥٢؛ أسد الغابة ١/٢٢؛ اعلام الورى: ٢١٨؛ تذكرة الخواص: ٢٦٨؛ تاريخ الخلفاء: ١٦٦؛ الخصائص الكبرى: ١٢٦؛ نظم درر السمطين: ٢١٧؛ سير أعلام النبلاء ٣/٣١٥؛ تاريخ الإسلام: ١٧؛ تلخيص المستدرك ٤/٣٩٨؛ ذخائر العقبى: ١٥٨؛ الإصابة ١/٣٣٥؛ الصواعق المحرقة: ٢٩٤؛ تهذيب التهذيب ٢/٣٠٦؛ جواهر المطالب ٢/٢٩٧؛ البداية والنهاية ٨/٢٠٢ وقال: « تفرّد به أحمد وإسناده قويّ »؛ مجمع الزوائد ٩/١٩٤ وقال: « رجال أحمد رجال الصحيح »؛ تهذيب الكمال ٦/٤٣٩؛ بحار الأنوار ٤٥/٢٣١؛ عوالم ١٧/٥١٠، باب ٤، ح ١؛ إحقاق الحقّ – الملحقات – ١١/٣٦٩، وغيرهم: اُنظر: مشكاة المصابيح: ٥٧٢، الفضائل للقطيعي ٢/٧٨٠ – على ما في عبرات المصطفين ٢/١٢٥.

(١) تاريخ مدينة دمشق ١٤/٢٣٧ (ط دار الفكر دمشق)؛ مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر ٧/١٥٢. وروى في كشف الغمّة ٢/٥٦؛ كفاية الطالب: ٤٢٨؛ البداية والنهاية ٨/٢٠٢؛ جواهر المطالب ٢/٢٩٨ بتفاوت يسير، عن ابن أبي الدُّنيا، وغيرهم: إحقاق الحقّ ١١/٣٧٠؛ الدرّ النظيم (مخطوط) عن السمعاني في أماليه والنظري في الفضائل العلويّة: ١٧٥ – على ما في عبرات المصطفين ٢/١٢٧.


قال: دم الحسين أرفعه إلى السماء(١) .

وكيفما كان فقد أيقن ابن عبّاس بالمأساة، وأخبر الناس بقتل الحسين عليه السلام، وهذا ما صرّح به ابن الأثير في قوله: قال ابن عبّاس: «رأيت النبيّ صلى الله عليه و سلم الليلة التي قُتل فيها الحسين وبيده قارورة، وهو يجمع فيها دماً، فقلت: يارسول اللَّه ما هذا؟ قال:

هذه دماء الحسين وأصحابه أرفعها إلى اللَّه تعالى، فأصبح ابن عبّاس فأعلَمَ الناس بقتل الحسين، وقصّ رؤياه، فوُجد قد قُتل في ذلك اليوم»(٢) .

ولقد ذكر ابن شهرآشوب فيما رواه خصوصيّات لابدّ من ذكرها، قال: «إنّ ابن عبّاس: رأى النبيّ صلى الله عليه و سلم في منامه بعد [ما] قتل الحسين عليه السلام وهو مغبرّ الوجه حافي القدمين باكي العينين، وقد ضمّ حجز قميصه إلى نفسه، وهو يقرأ هذه الآية:( وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّـهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ) (٣)

وقال: «إنّي مضيت إلى كربلاء والتقطت دم الحسين من الأرض، هو ذا في حجري، وأنا ماضٍ أُخاصمهم بين يديّ ربّي »(٤) .

ما سمعه أهل المدينة

روى الشيخ الجليل ابن قولويه بإسناده عن عمرو بن عكرمة قال: أصبحنا ليلة قتل الحسين عليه السلام بالمدينة، فإذا مولى لنا يقول: سمعنا البارحة منادياً ينادي ويقول:

أيّها القاتلون جهلًا حسينا

أبشروا بالعذاب والتنكيل‌

____________________

(١) نظم درر السمطين: ٢١٨.

(٢) الكامل في التاريخ ٤/٩٣.

(٣) إبراهيم: ٤٢.

(٤) المناقب ٤/٨٤؛ ونحوه في تسلية المجالس ٢/٤٤١.


كـلّ أهل السماء يدعو عليكم

مـن نـبيٍّ ومُـرسلٍ وقـبيل

قـد لُعنتم على لسان ابن داود

وذي الروح حامل الإنجيل(١)

وقال الشيخ مُطهّر بن طاهر المقدسي: وسمع أهل المدينة ليلةَ قُتِل الحسين في نهارها هاتفاً يهتف:

مسح الرسول جبينه

فله بريق في الخدود

أبواه من عَلْيَا قريش

وجدّه خير الجدود(٢)

وقال الشيخ الثقة ابن نما الحلّي: وممّا انفرد بن النطنزي في كتاب الخصائص، عن أبي ربيعة، عن أبي قبيل، قيل: سُمع في الهواء بالمدينة قائلٌ يقول:

____________________

(١) كامل الزيارات: ٩٧، باب ٢٩، ح١٠، عنه بحار الأنوار ٤٥/ ٢٣٨. وذكر في الإرشاد ٢/ ١٢٤ وفيه: ( فلما كان الليل من ذلك اليوم الذي خطب فيه عمرو بن سعيد بقتل الحسين بن عليّعليهما‌السلام بالمدينة سمع أهل المدينة في جوف الليل مُنادياً يُنادي - يسمعون صوته ولا يرون شخصه -:.. من نبي وملاك وقبيل.. ابن داود وموسى وصاحب.. )؛ تاريخ الطبري ٤/ ٣٥٨، وفيه ( من نبي وملك وقبيل.. ابن داود وموسى )، ثمّ قال: ( قال هشام: حدّثني عمرو بن حيزوم الكلبي عن أبيه قال: سمعت هذا الصوت. وذكر أسماء مَن قُتل من بني هاشم مع الحسينعليه‌السلام وعدد مَن قُتل من كلّ قبيلة من القبائل التي قاتلته )؛ الكامل في التاريخ ٤/ ٩٠؛ مُثير الأحزان: ١٠٧ - عن صاحب الذخيرة وفيه: ( أهل السماء تبكي.. وملاك وقبيل.. ابن داود وموسى وصاحب.. ) - عنه بحار الأنوار ٤٥/ ٢٣٥؛ كشف الغمّة ٢/ ٦٨ - كما في الإرشاد؛ تذكرة الخواص: ٢٧٠؛ روضة الواعظين ١/ ١٩٣ وفيه: ( ظلماً حسيناً.. نبي وملك وقبيل.. وموسى وعيسى وصاحب وصاحب... )؛ البداية والنهاية ٨/ ٢٠٠ وفيه مثل ما ذكرناه عن الروضة، إلاّ أنّه ليس فيه كلمة عيسى؛ الملهوف: ٢٠٨ وفيه: ( كلّ مَن في السماء يبكي عليه من نبيّ وشاهد ورسول.. وموسى وصاحب الإنجيل )؛ تسلية المجالس ٢/ ٣٧٢، وغيرهم مثل: تاريخ دمشق ٤/ ٣٤١؛ كفاية الطالب: ٢٩٥؛ نظم درر السمطين: ٢١٧؛ ينابيع المودّة: ٣٢٠ - على ما في إحقاق الحقّ ١١/ ٥٧٦ -؛ بحار الأنوار ٤٥/ ١٩٩ - عن شارح ديوان أمير المؤمنينعليه‌السلام .

(٢) البدء والتاريخ ٦/ ١٢.


يـا مَـن يقول بفضل آل محمّد

بـلِّغْ رسـالتنا بـغير تـواني

قـتلتْ شـرارُ بـني أُميّة سيّداً

خـير الـبريّة مـاجداً ذا شان

ابن المفضَّل في السماء وأرضها

سـبط الـنبيّ وهـادم الأوثان

بكت المشارق والمغارب بعدما

بـكت الأنام له بكلّ لسان (١)

وقال ابن نما:

(وناحت عليه - أي على الحسينعليه‌السلام - الجنّ، وكان نفر من أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله منهم المسوّر بن مخزمة ورجال يستمعون النوح ويبكون )(٢) .

وروى الشيخ ابن قولويه، بإسناده عن الحلبي قال: قال لي أبو عبد اللهعليه‌السلام :

( لما قُتِل الحسينعليه‌السلام سمع أهلنا قائلاً يقول بالمدينة: اليوم نزل البلاء على هذه الأُمّة، فلا يرون فرحاً حتّى يقوم قائمكم، فيُشفي صدوركم ويقتل عدوّكم، وينال بالوِتْر أوتاراً.

ففزعوا منه وقالوا: إنّ لهذا القول لحادثاً، قد حدث ما لا نعرفه. فأتاهم خبر الحسينعليه‌السلام بعد ذلك، فحسبوا ذلك، فإذا هي تلك الليلة التي تكلّم فيها المتكلِّم ) (٣) .

وروى الشيخ المفيد، بإسناده عن محفوظ بن المنذر قال: ( حدّثني شيخ من بني تميم كان يسكن الرابية، قال: سمعت أبي يقول: ما شعرنا بقتل الحسينعليه‌السلام حتّى كان مساء ليلة عاشوراء، فإنّي لجالس بالرابية ومعي رجل من الحيّ، فسمعنا هاتفاً يقول:

____________________

(١) مُثير الأحزان: ٩٥، عنه بحار الأنوار ٤٥/ ١٢٤.

(٢) مُثير الأحزان: ١٠٧، عنه بحار الأنوار ٤٥/ ٢٣٥.

(٣) كامل الزيارات: ٣٣٦، باب ١٠٨، ح١٤، عنه بحار الأنوار ٤٥/ ١٧٢.


والله مـا جئتكم حتّى بصرتُ به

بـالطفّ مُـنعفرَ الخدَّين منحورا

وحـوله فِـتيةٌ تُـدمى نحورهم

مثل المصابيح يعلون الدُّجى نورا

وقد حثثت قُلوصي كي أُصادفهم

من قبل أن يُلاقوا الخُرَّد الحورا

فـعـاقني قــدرٌ والله بـالغه

وكـان أمـراً قضاه الله مقدورا

كان الحسين سُراجاً يُستضاء به

الله يـعلم أنّـي لـم أقُـلْ زورا

صـلّى الإلـه على جسمٍ تضمّنه

قبر الحسين حليف الخير مقبورا

مـجاوراً لرسول الله في غُرَف

ولـلوصيّ ولـلطيّار مَـسرورا

فقلنا له: مَن أنت يرحمك الله؟

قال: أنا وأبي من جنّ نصيبين، أردنا مؤازرة الحسينعليه‌السلام ومواساته بأنفسنا، فانصرفنا من الحجّ، فأصبناه قتيلاً )(١) .

إلاّ أنّ سبط ابن الجوزي ذكره بنحو آخر قال: ( وذكر المدايني عن رجل من أهل المدينة، قال: خرجت أُريد اللحاق بالحسينعليه‌السلام - لما توجّه إلى العراق - فلما وصلت الرَّبَذَة إذا برجل جالس، فقال لي: يا عبد الله، لعلّك تُريد أن تُمدَّ الحسين؟

قلت: نعم.

قال: وأنا كذلك، ولكن اقعد؛ فقد بعثت صاحباً لي والساعة يَقْدِم بالخبر.

قال: فما مضت إلاّ ساعة وصاحبه قد أقبل وهو يبكي، فقال له الرجل: ما الخبر؟

فقال:

والله مـا جئتكم حتّى بصرتُ به

في الأرض مُنعَفرَ الخدَّين منحورا

وحـوله فِـتية تُـدمى نـحورهم

مثل المصابيح يغشون الدُّجى نورا

وقـد حثثت قُلوصي كي أُصادفهم

من قبل ما ينكحون الخُرَّدَ الحورا

____________________

(١) أمالي المفيد: ٣٢٠، مجلس ٣٨، ح٧، عنه بحار الأنوار ٤٥/ ٢٣٩، ح٩. وروى نحوه الشيخ الطوسي في أماليه (٩٠، مجلس ٣، ح١٤١).


يا لهف نفسي لو أنّي لحقتهم

إذاً لقرَّت إذا حلّوا أساريرا

فقال له الرجل الجالس:

اذهـب فـلا زال قـبراً أنـت سـاكنه

حـتّى الـقيامة يُـسقى الغيث ممطورا

فــي فـتـيةٍ بـذلـوا لـله أنـفسهم

قد فارقوا المال والأهلين والدُّورا )(١) .

والمستفاد منه ومن بعض النصوص، أنّه سيطرت حالة من الندامة على بعض أوساط المجتمع من بعد خروج أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام إلى العراق، ولعلّه أصابهم الخَجل في عدم نصرتهم ابن بنت نبيّهم، وأحسّوا لذلك في نفسهم الذلّ.

ولقد روى الزرندي الخبر بتفصيل أكثر، قال: ( ونقل أبو الشيخ في كتابه، بسنده إلى محمّد بن عبّاد بن صهيب عن أبيه، قال: قدم رجل المدينة يطلب الحديث والعلم بها، فجلس في حلقة، فمرّ بهم رجل، فسلّم عليهم، فقال له ذلك الرجل: نُحبّ أن تُخبرنا بما جئت له، تُريد نُصرة الحسين بن علي؟

قال: نعم، خرجت أُريد نُصرة الحسين، فلما صرت بالرَّبَذة إذا برجل جالس، فقال لي: يا أبا عبد الله، أين تُريد؟

قلت: أُريد نُصرة الحسين.

قال: وأنا أريد ذلك أيضاً، ولنا رسول هناك يأتينا بالخبر الساعة.

قال: فتعجّبت من قوله: يأتينا بالخبر الساعة، فلم يلبث وهو يُحدّثني إذا أقبل رجل وقال له الذي كان معي: ما وراءك؟ فأنشأ يقول:

ي والله مـا جـئتكم حتّى بصرت به

لَحْب العجاجة لَحْب السيف مَنحورا

وحـوله فِـتيةٌ تُـدمى نـحورهم

مثل المصابيح يغشون الدُّجى نورا

وقـد حثثت قُلوصي كي أُصادقهم

من قبل ما أن يُلاقوا الخُرَّد الحورا

يا لهف نفسي لو أنّي قد لحقت بهم

إنّـي تـحلّيت إذا حـلّت أساويرا

____________________

(١) تذكرة الخواص: ٢٧١.


فأجابه الذي كنت معه واستعبر وقال:

في فتيةٍ وهبوا لله أنفسهم

قد فارقوا المال والأهلين والدُّورا

فلا زال قبراً أنت تسكنه

حتّى القيامة يُسقى الغيث ممطورا

ثمّ التفتُّ فلم أرهما، فعلمت أنّهما من الجنّ، فرجعت إلى المدينة، وإذا الخبر قد لحقنا أنّ الحسين قد قُتِل، وأنّ رأسه حمله سنان بن أنس النخعي إلى يزيد )(١) .

ولا يخفى أنّ سماع الهاتف لم ينحصر بالمدينة وضواحيها، بل حصل في أمكنة شتّى وبقاع عديدة:

منها: مكّة وضواحيها :

روى القاضي نعمان عن عبد الله بن زواق، قال: ( سمعت رجلاً من الأنصار يُحدّث معمراً، قال: لما كان اليوم الذي قُتِل فيه الحسين بن عليّعليه‌السلام مرّ رجل في بعض الليل في مِنى، فمسع صوتاً على كبكب(٢) كأنّه صوت امرأة تنوح: ( إبك أبكي حسينا أيما )، فأجابتها أُخرى من ثبير(٣) تقول: ( إبك أبكي ابن الرسول أيما).

قال الرجل: فكتبتُ تلك الليلة، فإذا هي الليلة التي تتلو اليوم الذي قُتل الحسينعليه‌السلام (٤) .

ومنها: البصرة:

قال ابن نماء: وروي أنّ هاتفاً سُمع بالبصرة يُنشد ليلاً:

إنّ الرماح الواردات صدورها

نحو الحسين تُقاتل التنزيلا

____________________

(١) نظم درر السمطين: ٣٢٣.

(٢) اسم جبل خلف عرفات مُشرف عليها، قيل: هو الجبل الأحمر الذي تجعله في ظهرك إذا وقفت بعرفة. مُعجم البلدان ٤/ ٤٩٢، رقم ١٠١٠٧.

(٣) قال الجمحي: الأثبرة أربعة: ثبير غينى.. وثبير الأعرج.. وثبير مِنى.. وقال نصر: ثبير من أعظم جبال مكّة بينها وبين عرفة.. مُعجم البلدان ٢/ ٨٥، رقم ٢٧٦٩.

(٤) شرح الأخبار ٣/ ١٦٩، ح١١١٣.


ويُهلِّلون بأنْ قُتلتَ وإنّما

قَتلوا بك التكبير والتَّهليلا

فكأنّما قتلوا أباك محمّداً

صلّى عليه الله أو جبريلا(١)

رؤيا عامر بن سعد البجلي!

أورد ابن عساكر، بإسناده عن عامر بن سعد البجلي، قال: ( لما قُتل الحسين بن علي رأيت رسول الله(صلَّى الله عليه وسلِّم) في المنام، فقال:إن رأيت البراء بن عازب فاقرأه منّي السلام، وأخبره أنّ قتلة الحسين بن علي في النار، وإن كاد الله أن يسحت أهل الأرض منه بعذاب أليم.

قال: فأتيت البراء، فأخبرته، فقال: صدق رسول الله (صلَّى الله عليه وسلِّم)، قال رسول الله (صلَّى الله عليه وسلِّم):( مَن رآني في المنام فقد رآني، فإنّ الشيطان لا يتصوّر بي ) (٢) .

تقاطر الدم من شجرة!

إنّ مصيبة قتل الحسينعليه‌السلام شملت الكون كلّه؛ ولذلك نرى حدوث الآيات الكَونيّة في الأرض والسماء بعد مقتله - صلوات الله عليه - وبكاء العالَم عليه(٣) ،

____________________

(١) مُثير الأحزان: ١٠٨.

(٢) ترجمة الإمام الحسين من تاريخ دمشق: ٤٤٤، ح٣٩٧. وذكره المزّي (تهذيب الكمال ٦/ ٤٤٦) وفيه:( وإن كاد الله ليسحت ) والبدخشاني (نُزل الأبرار: ١٦٣) وقال: (أخرجه ابن الأخضر) وغيرهما.

(٣) منها ما ذكره الشيخ الصدوق (رحمه الله) بإسناده عن جبلة المكّيّة قالت: سمعت ميثماً التمّار قدّس الله روحه يقول:والله، لتقتلَنّ هذه الأُمّة ابن نبيّها في المحرّم لعشر يمضين منه، وليتّخذنّ أعداء الله ذلك اليوم يوم بركة، وأنّ ذلك لكائن، قد سبق في علم الله تعالى ذكره، أعلم ذلك بعهد عهده إليَّ مولاي أمير المؤمنين صلوات الله عليه، ولقد أخبرني أنّه يبكي عليه كلّ شيء حتّى الوحوش في الفلوات، والحيتان في البحار، والطير في جوّ السماء، وتبكي عليه الشمس والقمر والنجوم والسماء والأرض، ومؤمنو


وتفصيلها خارج عن المقام، إلاّ إنّنا نكتفي بذكر هذا الخبر:

روى العلاّمة المجلسي عن بعض كُتب المناقب المعتبرة، عن سيّد الحفّاظ أبي منصور الديلمي، بإسناده عن هند بنت الجون قالت: نزل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بخيمة خالتها أُمّ معبد ومعه أصحاب له، فكان من أمره في الشاة ما قد عرفه الناس، فقال(١) في الخيمة هو وأصحابه حتّى أبرد، وكان يوم قائظ شديد حرّه، فلما قام من رقدته دعا بماء، فغسل يديه فأنقاهما، ثمّ مضمض فاه ومجّه على عوسجة كانت إلى جنب خيمة خالتها ثلاث مرّات، واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه وذراعيه، ثمّ مسح برأسه ورجليه وقال:( لهذه العوسجة (٢) شأن ) .

ثمّ فعل مَن كان معه من أصحابه مثل ذلك، ثمّ قام فصلّى ركعتين، فعجبت أنا وفتيات الحيّ من ذلك، وما كان عَهِدْنا ولا رأينا مُصلّياً قبله، فلما كان من الغد أصبحنا وقد علت العوسجة حتّى صارت كأعظم دوحة عادية وأبهى، وخضّد الله شوكها، وساخت عروقها، وكثرت أفنانها، واخضرّ ساقها وورقها، ثمّ أثمرت بعد ذلك وأينعت بثمر كأعظم ما يكون من الكمأة في لون الوَرْس المسحوق، ورائحة العنبر، وطعم الشَّهْد، والله،

____________________

الإنس والجنّ وجميع ملائكة السماوات ورضوان ومالِك وحملة العرش، وتمطر السماء دماً ورماداً، ثمّ قال: وجبت لعنة الله على قَتَلة الحسينعليه‌السلام كما وجبت على المشركين الذين يجعلون مع الله إلهاً آخر، وكما وجبت على اليهود والنصارى والمجوس...

ثمّ قال ميثم: يا جبلة، اعلمي أنّ الحسين بن عليعليهما‌السلام سيّد الشهداء يوم القيامة، ولأصحابه على سائر الشهداء درجة، يا جبلة، إذا نظرتِ إلى الشمس حمراء كأنّها دمٌ عبيط فاعلمي أنّ سيّدك الحسين قد قُتِل!

قالت جبلة: فخرجت ذات يوم، فرأيت الشمس على الحيطان كأنّها الملاحف المعصْفَرة، فصحت حينئذٍ وبكيت، وقلت: قد - والله - قُتِل سيّدنا الحسين بن عليّ عليهما‌السلام . (أمالي الصدوق: ١٨٩، مجلس ٢٧، ح١، علل الشرائع ١/ ٢٢٧، ح٣، عنهما بحار الأنوار ٤٥/ ٢٠٢، ح٤).

(١) من القيلولة.

(٢) العوسج: من شجر الشوك له جناة حمراء ويكون غالباً في السباخ، الواحدة عوسجة.


ما أكل منها جائع إلاّ شبع، ولا ظمآن إلاّ روي، ولا سقيم إلاّ بَرِأ، ولا ذو حاجة وفاقة إلاّ استغنى، ولا أكل من ورقها بعير ولا ناقة ولا شاة إلاّ سمنت ودرّ لبنها، ورأينا النماء والبركة في أموالنا منذ يوم نزل، وأخصبت بلادنا، وأمرعت، فكنّأ نُسمِّي تلك الشجرة: (المباركة)، وكان ينتابنا من حولنا من أهل البوادي يستظلّون بها، ويتزوّدون من ورقها في الأسفار، ويحملون معهم في الأرض القِفار، فيقوم لهم مقام الطعام والشراب، فلم تزل كذلك وعلى ذلك حتى أصبحنا ذات يوم وقد تساقط ثمارها، واصفرّ ورقها، فأحزننا ذلك وفرقنا له، فما كان إلاّ قليل حتّى جاء نعي رسول الله، فإذا هو قد قُبِضَ ذلك اليوم، فكانت بعد ذلك تُثمر ثمراً دون ذلك في العظم والطعم والرائحة، فأقامت على ذلك ثلاثين سنة، فلما كانت ذات يوم أصبحنا وإذا بها قد تشوّكت من أوّلها إلى آخرها، فذهبت نضارة عيدانها وتساقط جميع ثمرها، فما كان إلاّ يسيراً حتّى وافى مقتل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، فما أثمرت بعد ذلك لا قليلاً ولا كثيراً، وانقطع ثمرها، ولم نَزَلْ ومَن حولنا نأخذ من ورقها ونُداوي مرضانا بها، ونستشفي به من أسقامنا.

فأقامت على ذلك بُرهة طويلة، ثمّ أصبحنا ذات يوم، فإذا بها قد انبعثت من ساقها دماً عبيطاً جارياً، وورقها ذابلة تقطر دماً كماء اللحم، فقلنا: إن قد حدث عظيمة. فبتنا ليلتنا فزعين مهمومين نتوقّع الداهية، فلما أظلم الليل علينا سمعنا بكاءً وعويلاً من تحتها وجلبةً شديدة ورجّة، وسمعنا صوت باكية تقول:

أيا بن النبيّ ويا بن الوصيّ

ويا مَن بقيّة ساداتنا الأكرمينا

ثمّ كثرت الرنّات والأصوات، فلم نفهم كثيراً ممّا كانوا يقولون، فأتانا بعد ذلك قتل الحسينعليه‌السلام ، ويبست الشجرة، وجفّت، فكسّرتها الرياح والأمطار بعد ذلك، فذهبت واندرس أثرها.


قال عبد الله بن محمّد الأنصاري: فلقيت دعبل بن علي الخزاعي بمدينة الرسول، فحدّثته بهذا الحديث، فلم يُنكره وقال: حدّثني أبي عن جدّي، عن أُمِّه سعيدة بنت مالك الخزاعية أنّها أدركت تلك الشجرة، فأكلتْ من ثمرها على عهد عليّ بن أبي طالبعليهما‌السلام ، وأنّها سمعت تلك الليلة نوح الجنّ، فحفظت من جِنِّيّة منهنّ:

يـا بـن الـشيهد ويا شهيداً عمّه

خـير الـعمومة جـعفر الـطيّار

عـجباً لـمصقول أصـابك حدُّه

في الوجه منك وقد علاه غبار(١)

ولقد روى ذلك أيضاً الخوارزمي(٢) ، والسيّد محمّد بن أبي طالب(٣) بتفاوت يسير.

قصّة الغُراب وفاطمة بنت الحسين ( الصغرى )!

روى الخوارزمي، بإسناده عن المفضّل بن عمر الجُعفي، سمعت جعفر بن محمّدعليهما‌السلام يقول:( حدّثني أبي محمد بن علي، حدّني أبي عليّ بن الحسين عليهما‌السلام قال: لما قُتل الحسين جاء غراب فوقع في دمه، ثمّ تمرّغ، ثمّ طار، فوقع بالمدينة على جدار دار فاطمة بنت الحسين - وهي الصغرى - فرفعتْ رأسها إليه، فنظرته فكبت وقالت:

نعب الغراب فقلت مَن

تنعاه ويلك من غراب

قال الإمام فقلت من

قال الموفَّق للصواب

____________________

(١) بحار الأنوار ٤٥/ ٢٢٣ ح١.

(٢) مقتل الخوارزمي ٢/ ١١١ ح٤٤، ط دار أنوار الهدى.

(٣) تسلية المجالس ٢/ ٤٧٠.


إنّ الـحسين بـكربلا

بين المواضي والحراب

قـلت الحسين فقال لي

مُلقىً على وجه التراب

ثـمّ اسـتقلّ به الجَناح

ولـم يُطِق ردّ الجواب

فـبكيت مـنه بـعبرةٍ

تُرضي الإله مع الثواب

 ( قال محمّد بن عليّعليهما‌السلام : )فنعتْهُ لأهل المدينة، فقالوا: جاءت بسحر عبد المطّلب، فما كان بأسرع من أن جاءهم الخبر بقتل الحسين عليه‌السلام ) (١) .

الطير المتلطّخ بالدم في المدينة!

قال العلاّمة المجلسي (رحمه الله):( روى بعض أصحابنا قال: وروي من طريق أهل البيت عليهم‌السلام أنّه لما استُشهد الحسين عليه‌السلام بقي في كربلاء صريعاً ودمه على الأرض مسفوحاً، وإذا بطائر أبيض قد أتى وتمسّح بدمه، وجاء والدّم يقطر منه، فرأى طيوراً تحت الظِلال على الغصون والأشجار، وكلّ منهم يذكر الحَبّ والعلف والماء، فقال لهم ذلك الطير المتلطّخ بالدّم: يا ويلكم! أتشتغلون بالملاهي، وذِكْر الدُّنيا والمناهي، والحسين في أرض كربلاء في هذا الحرّ مُلقى على الرمضاء، ظامئ مذبوح، ودمه مسفوح، فعادت الطيور كلّ منهم قاصداً كربلاء، فرأوا سيّدنا الحسين عليه‌السلام مُلقى في الأرض، جثّة بلا رأس ولا غُسل ولا كفن، قد سفت عليه

____________________

(١) مقتل الخوارزمي ٢/ ٩٢، عنه إحقاق الحقّ ١١/ ٤٩٢، ورواه بحار الأنوار ٤٥/ ١٧١ عن بعض الكُتب القديمة؛ فرائد السمطين ٢/ ١٦٣ ح٤٥١ وفيه: ( حقّاً لقد سكن التراب... بين الأسنّة والضراب / فابكِ الحسين بعبرةٍ تُرضي الإله.. فلم يُطق.. فبكيت فما هلّ بي بعد الوصيّ المستجاب )؛ تسلية المجالس ٢/ ٤٦٩؛ بحار الأنوار ٤٥/ ١٧١ ح١٩، عن كتاب المناقب القديم، وفيه: ( بين الأسنّة والضراب. فابكي الحسين بعبرة ترجى الإله مع الثواب.. حقّاً لقد سكن التراب.. فلم يُطِقْ.. فبكيت ممّا هلّ بي بعد الدعاء المستجاب )؛ العوالم ١٧/ ٤٩٠، ح٢ وغيرهم بتفاوت.


السوافي، وبدنه مرضوض قد هشّمته الخيل بحافرها، زوّاره وحوش القفار، وندبته جنّ السهول والأوعار، قد أضاء التراب من أنواره، وأزهر الجوّ من إزهاره، فلما رأته الطيور تصايحن وأعلنَّ بالبكاء والثبور، وتواقعن على دمه يتمرّغن فيه، طار كلّ واحد منهم إلى ناحية يُعلِم أهلها عن قتل أبي عبد الله الحسين عليه‌السلام، فمن القضاء والقدر أنّ طيراً من هذه الطيور قصد مدينة الرسول، وجاء يُرفرف والدّم يتقاطر من أجنحته، ودار حول قبر سيّدنا رسول الله يُعلن بالنداء: ( ألا قُتِل الحسين بكربلاء، ألا ذُبح الحسين بكربلاء )، فاجتمعت الطيور عليه وهم يبكون عليه وينوحون .

فلما نظر أهل المدينة من الطيور ذلك النوح، وشاهدوا الدّم يتقاطر من الطير، لم يعلموا ما الخبر حتى انقضت مدّة من الزمان، وجاء خبر مقتل الحسين، علموا أنّ ذلك الطير كان يُخبر رسول الله بقتل ابن فاطمة البتول، وقُرّة عين الرسول.

وقد نُقل أنّه في ذلك اليوم الذي جاء فيه الطير إلى المدينة، كان في المدينة رجل يهودي، وله بنت عمياء زمناء طرشاء مشلولة، والجذام قد أحاط ببدنها، فجاء ذلك الطائر والدم يتقاطر منه، ووقع على شجرة يبكي طول ليلته، وكان اليهودي قد أخرج ابنته تلك المريضة إلى خارج المدينة إلى بستان، وتركها في البستان الذي جاء الطير ووقع فيه، فمن القضاء والقدر أنّ تلك الليلة عرض لليهوديّ عارض، فدخل المدينة لقضاء حاجته، فلم يقدر أن يخرج تلك الليلة إلى البستان التي فيها ابنته المعولة، والبنت لما نظرت أباها لم يأتها تلك الليلة لم يأتها نوم لوحدتها؛ لأنّ أباها كان يُحدِّثها ويُسلّيها حتّى تنام، فسمعت عند السحر بكاء الطير وحنينه، فبقيت تتقلّب على وجه الأرض، إلى أن صارت تحت


الشجرة التي عليها الطير، فصارت كلّما حنّ ذلك الطير تُجاوبه من قلب محزون، فبينما هي كذلك إذ وقع قطرة من الدّم، فوقعت على عينها ففُتحت، ثمّ قطرة أُخرى على عينها الأُخرى فبرئت، ثمّ قطرة على يديها فعوفيت، ثمّ على رجليها فبرئت، وعادت كلّما قطرت قطرة من الدّم تُلطِّخ به جسدها، فعوفيت من جميع مرضها من بركات دم الحسينعليه‌السلام .

فلما أصبحت أقبل أبوها إلى البستان، فرأى بنتاً تدور ولم يعلم أنّها ابنته، فسألها أنّه كان لي في البستان ابنة عليلة لم تقدر أن تتحرّك، فقالت ابنته: والله، أنا ابنتك، فلما سمع كلامها وقع مغشيّاً عليه، فلما أفاق قام على قدميه، فأتت به إلى ذلك الطير، فرآه واكراً على الشجرة، يئنّ من قلبٍ حزين مُحترق ممّا رأى ممّا فُعل بالحسينعليه‌السلام ، فقال له اليهودي: أقسمت عليك - بالذي خلقك أيّها الطير - أنْ تُكلّمني بقُدرة الله تعالى!

فنطق الطير مُستعبراً، ثمّ قال: إنّي كنت واكراً على بعض الأشجار مع جملة الطيور عند الظهيرة، وإذا بطير ساقط علينا، وهو يقول: أيّها الطيور، تأكلون وتتنعّمون، والحسين في أرض كربلاء في هذا الحرّ على الرمضاء، طريحاً ظامئاً والنحر دامٍ، ورأسه مقطوع، على الرمح مرفوع، ونساؤه سبايا، حفاة عرايا، فلما سمعنا بذلك تطايرنا إلى كربلاء، فرأيناه في ذلك الوادي طريحاً، الغُسل من دمه، والكفن الرّمل السافي عليه ، فوقعنا كلّنا عليه نوح ونتمرّغ بدمه الشريف، وكان كلّ منّا طار إلى ناحية، فوقعت أنا في هذا المكان.

فلما سمع اليهودي ذلك تعجبّ وقال: لو لم يكن الحسين ذا قدر رفيع عند الله ما كان دمه شفاء من كلّ داء، ثمّ أسلم اليهودي وأسلمت البنت وأسلم خمسمئة من قومه )(١) .

____________________

(١) بحار الأنوار ٤٥/ ١٩١. ورواه البحراني أيضاً (عوالم ١٧/ ٤٩٣، ح١٠).


المدينة بعد تلقّيها خبر مقتل الإمام الحسينعليه‌السلام :

ضجّت المدينة المنوّرة أربع مرّات لخبر مقتل الإمام أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام منذ استشهادهعليه‌السلام حتّى صول أهل بيته إليها، كما يلي:

١ - بعد فزع أُمّ سلمة، حين ملاحظتها انقلاب ما في القارورة دماً، وبعد أن رأت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في منامها.

٢ - بعد وصول مبعوث ابن زياد، وإذاعة السلطة الفاجرة - رسميّاً - خبر تحقّق الفاجعة والمأساة.

٣ - بعد مجيء مبعوثي يزيد بالخبر - أو برأس الحسينعليه‌السلام كما في بعض الروايات.

٤ - بعد وصول آل بيت الحسين إلى المدينة، واستقبال الناس لهم بالعويل والبكاء.

وإليك التفاصيل:

أمّا الموقف الأوّل (انقلاب ما في القارورة دماً ورؤية أُمِّ سلمة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في المنام وتأثّرها)، فقد مرّت تفاصيله آنفاً، فلا نُعيد.

وأمّا الموقف الرابع ( أعني: ضجّة المدينة بعد وصول آل بيت الحسينعليه‌السلام إليها )، فهذا ما سنتناوله تفصيلاً في المبحث الآتي ( عودة بقيّة الركب الحسيني إلى المدينة المنوّرة ) تحت عنوان ( حال المدينة بعد علم أهلها بمصرع الإمامعليه‌السلام ).

أمّا ما سنتعرّض له فهما الموقفان الباقيان، أي الموقف الثاني ( بعد وصول مبعوث ابن زياد ) والثالث ( بعد دخول الرأس الشريف حسب بعض الروايات ):


وصول مبعوث ابن زياد المدينة المنوّرة:

لقد أنفذ اللعين ابن زياد رسولاً إلى عمرو بن سعيد بن العاص والي المدنية، يحمل خبر قتل الحسينعليه‌السلام ، وهو عبد الملك بن ابي الحُدَيث السُّلمي(١) ، أو عبد الملك بن أبي الحارث السلمي(٢) ، أو عبيد الله بن الحرث السلمي(٣) .

* ولقد اكتفى بعضٌ بذكر العنوان العام، ولم يُصرّح باسمه:

قال السيّد ابن طاووس: ( وكتب عبيد الله بن زياد إلى يزيد بن معاوية، يُخبره بقتل الحسين وخبر أهل بيته، وكتب أيضاً إلى عمرو بن سعيد بن العاص أمير المدينة بمثل ذلك )(٤) .

وقال ابن الأثير: ( فأرسل عبيد الله بن زياد مُبشّراً!! إلى المدينة بقتل الحسين إلى عمرو بن سعيد )(٥) .

 وقال ابن كثير: ( ثمّ كتب ابن زياد إلى عمرو بن سعيد أمير الحرمين، يُبشِّره بمقتل الحسين! )(٦) .

* فيما رواه آخرون بتفاصيل أكثر كالطبري، فإنّه قال: ( قال هشام: حدّثني عوانة بن الحَكَم، قال: لما قُتل عبيد الله بن زياد الحسين بن عليّ وجيء برأسه إليه،

____________________

(١) كما في الإرشاد ٢/ ١٢٣، ولكن جاء في نقل العلاّمة المجلسي في البحار ٤٥/ ١٢١ عن نسخة الإرشاد الذي كان بيده، أنّه عبد الملك بن أبي الحارث السلمي، فينطبق على ما ذكره الطبري، والظاهر هو كذلك؛ إذ إنّ الخلاف يرجع إلى الكتابة، ولا يخفى تشابه كتابة الحرث مع الحديث.

(٢) كما في تاريخ الطبري ٤: ٣٥٦.

(٣) كما ذكره ابن نما في مُثير الأحزان: ٩٤.

(٤) الملهوف: ٢٠٧، عنه بحار الأنوار ٤٥/ ١٢١.

(٥) الكامل في التاريخ ٤/ ٨٨.

(٦) البداية والنهاية ٨/ ١٩٨.


دعا عبد الملك بن أبي الحارث السلمي فقال: انطلق حتّى تَقْدِم المدينة على عمرو بن سعيد بن العاص، فبشّره بقتل الحسين.

وكان عمرو بن سعيد بن العاص أمير المدينة يومئذ، قال: فذهب ليعتلَّ له، فزجره، وكان عبيد الله لا يُصطلى بناره، فقال: انطلق حتّى تأتي المدينة لا يسبقك الخبر، وأعطاه دنانير، وقال: لا تعتلّ، وإنْ قامت بك راحلتك فاشتر راحلة )(١) .

ولقد ذكرنا مراراً، أنّ أهل المدينة كانوا يترقّبون سماع خبر المأساة، ومن الشواهد على ذلك ما رواه الطبري في الخبر نفسه: قال: ( قال عبد الملك: فقدمت المدينة، فلقيني رجل من قريش ، فقال: ما الخبر؟ فقلت: الخبر عند الأمير، فقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، قُتل الحسين بن علي! )(٢) .

مبعوث ابن زياد عند والي المدينة:

قال الطبري: ( قال عبد الملك: فدخلت على عمرو بن سعيد، فقال: ما وراءك؟

فقلت: ما سَرَّ الأمير! قُتل الحسين بن علي!

فقال: نادِ بقتله!

فناديت بقتله، فلم أسمع - والله - واعية قطّ مثل واعية نساء بني هاشم في دورهنّ على الحسين، فقال عمرو بن سعيد - وضحك:

عجّت نساء بني زياد عجَّة

كعجيج نسوتنا غَداة الأرنب

والأرنب وقعة كانت لبني زبيد على بني زياد من بني الحارث بن كعب من

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤/ ٣٥٦.

(٢) الإرشاد ٢/ ٢٣، عنه بحار الأنوار ٤٥/ ١٢١؛ الكامل في التاريخ ٤/ ٨٨؛ مُثير الأحزان: ٩٤.


رهط عبد المدان، وهذا البيت لعمرو بن معديكرب.

ثمّ قال عمرو: هذه واعية بواعية عثمان بن عفّان!

ثمّ صعد المنبر، فأعلم الناس بقتله(١) ، ودعا ليزيد بن معاوية ونزل )(٢) .

ضجّة الناس عند سماع الخبر:

( ولما بلغ أهل المدينة مقتل الحسين كثر النوائح والصوارخ عليه )(٣) .

وروى الشيخ المفيد والشيخ الطوسي وابن شهر آشوب، عن أبي هياج عبد الله بن عامر أنّه قال: ( فما رأينا باكياً ولا باكية أكثر ممّا رأينا ذلك اليوم )(٤) .

اشتداد الواعية في دور بني هاشم:

روى الشيخ المفيد (رحمه الله)، عن مبعوث ابن زياد إلى المدينة: ( فلم أسمع - والله - واعية قطّ مثل واعية بني هاشم في دورهم على الحسين بن عليّعليهم‌السلام ، حين سمعوا النداء بقتله )(٥) .

وقال البلاذري: واشتدّت الواعية في دور بني هاشم، فقال عمرو بن سعيد الأشدق: واعية بواعية عثمان.

وقال مروان حين سمع ذلك:

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤/ ٣٥٦. وروى نحوه: الإرشاد ٢/ ١٢٣ وذكر بعضه كشف الغمّة ٢/ ٦٨ ومُثير الأحزان: ٩٤، إلاّ أنّه يظهر من رواية ابن نما أنّ المنادي بقتل الإمام الحسينعليه‌السلام هو رجل غير مبعوث ابن زياد، حيث قال: فدخلت على عمرو، وقال: ما وراءك؟ فأخبرته، فاستبشر وأمر أن يُنادى بقتله.

(٢) الإرشاد ٢/ ١٢٣؛ كشف الغمّة ٢/ ٦٨.

(٣) أنساب الأشراف ٣/ ٤١٧.

(٤) أمالي المفيد: ٣١٩، مجلس ٣٨، ح٥؛ أمالي الطوسي: ٨٩ مجلس ٣ ح١٣٩؛ المناقب ٤/ ١١٦.

(٥) الإرشاد ٢/ ١٢٣. وروى نحوه تاريخ الطبري ٤/ ٣٥٦؛ كشف الغمّة ٢/ ٦٨.


عجّت نساء بني زياد عجَّة

كعجيج نسوتنا غَداة الأرنب(١)

وقال ابن كثير: ثمّ كتب ابن زياد إلى عمرو بن سعيد أمير الحرمين، يُبشّره بقتل الحسين، فأمر مُنادياً فنادى بذلك، فلما سمع نساء بني هاشم ارتفعت أصواتهنّ بالبكاء والنوح، فجعل عمرو بن سعيد يقول: هكذا ببكاء نساء عثمان بن عفّان(٢) .

وروي عن القاسم بن نجيب أنّه قال: ولما بلغ أهل المدينة مقتل الحسين بكى عليه نساء بني هاشم ونُحْنَ عليه(٣) .

وقال السيّد محمّد بن أبي طالب: وكان ابن زياد حين قُتل الحسينعليه‌السلام أرسل يُخبر يزيد بذلك، وكتب أيضاً إلى عمرو بن سعيد بن العاص... أمير المدينة بمثل ذلك، فأمّا عمرو بن سعيد، فحيث وصله الخبر صعد المنبر وخطب الناس وأعلمهم ذلك، فعظمت واعية بني هاشم، وأقاموا سنن المصائب والمآتم(٤) .

جلاوزة السلطة تظهر كُفرها وحقدها!

يـسـتبشرون بـقتله وبـسبّه

وهـمُ عـلى ديـن النبيّ محمّد

والله مـا هـم مـسلمون وإنّما

قـالوا بـأقوال الـكَفْور الملْحِد

قد أسلموا خوف الردى وقلوبُهم

طُويَت على غُلٍّ وحقدٍ مُكمد(٥)

من جلاوزة السلطة الحاكمة ممّن أظهر كفره بالله، وبغضه وحقده لآل بيت رسوله: عمرو بن سعيد، أحد أفراد هذه الشجرة الملعونة.

____________________

(١) أنساب الأشراف ٣/ ٤١٧.

(٢) البداية والنهاية ٨/ ١٩٨.

(٣) المصدر نفسه.

(٤) تسلية المجالس ٢/ ٣٧٢.

(٥) مُثير الأحزان: ٩٤.


قال العلاّمة الحجّة الشيخ الأميني (رحمه الله):

( عمرو بن سعيد بن العاص بن أُميّة الأُموي، المعروف بالأشدق، الذي جاء في (مسند أحمد) من طريق أبي هريرة مرفوعاً:( ليرعفنَّ على منبري جبّار من جبابرة بني أُميّة يسيل رعافه ) (١) .

قال: فحدّثني مَن رأى عمرو بن سعيد رعف على منبر رسول الله، حتّى سال رعافه، كان هذا الجبّار ممّن يسبّ عليّاًعليه‌السلام على صهوة المنابر، قال القسطلاني في ( إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري )، والأنصاري في ( تحفة الساري في شرح صحيح البخاري )، والأنصاري في ( تحفة الباري شرح البخاري المطبوع في ذيل إرشاد الساري )، في الصفحة المذكورة: سُمّي عمرو بالأشدق، لأنّه صعد المنبر فبالغ في شتم عليّ (رضي الله عنه)، فأصابته لقوة - أي داء في وجهه -... )(٢) .

وقال - بعد ذكر وصول مبعوث ابن زياد إليه، وعلمه بخبر قتل الحسينعليه‌السلام -: ثمّ صعد المنبر، فأعلم الناس قتله، وفي ( مثالب أبي عبيدة ): ثمّ أومأ إلى القبر الشريف وقال: ( يا محمّد، يوم بيوم بدر )، فأنكر عليه قوم من الأنصار(٣) .

وممّا يدلّ على خُبثه ما أردفه العلاّمة الأميني (رحمه الله) قال: ( كان أبو رافع عبداً لأبي أُحيحة سعيد بن العاص بن أُميّة، فأعتق كلٌّ من بنيه نصيبه منه إلاّ خالد بن سعيد، فإنّه وهب نصيبه للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فأعتقه، فكان يقول: أنا مولى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلما ولّي عمرو بن سعيد بن العاص المدينة أيّأم معاوية أرسل إلى البهيّ بن أبي رافع، فقال له: مولى مَن أنت؟ فقال: مولى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله . فضربه مئة سوط، ثمّ تركه ثمّ دعاه، فقال: مولى مَن أنت؟ فقال: مولى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله . فضربه مئة سوط،

____________________

(١) مسند أحمد ٢/ ٥٢٢.

(٢ و٣) الغدير ١٠/ ٢٦٤. انظر - أيضاً - الجزء الثاني من هذه الموسوعة، تأليف الشيخ نجم الدين الطبسي، ص١٩٣ - ١٩٤.


حتّى ضربه خمسمئة سوط، فلما خاف أن يموت قال له: أنا مولاكم )(١) .

وممّن أبرز خُبثه وحقده على آل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله مروان بن الحَكم، كما روى عن التنبيه على أبي القالي في أماليه أنّه قال: ( وقد رأيت أبا محمد بن حبيب البصري: أدرج هذا البيت (عجّت نساء) في خبر ذكره، فقال: لما جاء نعي الحسين (رضي الله عنه) ومَن كان معه قال مروان: يومٌ بيوم الخفض المجوّر؟! أي يوم بيوم عثمان، ثمّ تمثّل بقول الأسدي: عجّت نساء... )(٢) .

موقف أُمّ سلمة:

إنّ لأُمّ المؤمنين أُمّ سلمة - سلام الله عليها - مواقف صرحية وجريئة، تجاه هذه الجريمة النكراء التي جرت في حقّ ثمرة فؤاد الرسول، ومهجة قلب بنته البتول وأهل بيته، ولقد ذكرنا شيئاً منها في أوّل هذا الفصل.

وأمّا بالنسبة إلى بعد وصول خبر نعي أبي عبد الله الحسين ( سلام الله عليه )، فنجد منها مواقف بطولية، وكلمات صريحة وواضحة تجاه المأساة، نذكر بعض ما ظفرنا به:

قال ابن الجوزي: ( وذكر ابن أبي الدُّنيا، أنّه لما بلغ أُمّ سلمة قتل الحسين قالت: فعلوها؟! ملأ الله قبورهم وبيوتهم ناراً، ثمّ وقعت مغشيّاً عليها )(٣) .

روى ابن سعد، بإسناده عن عمر بن عبد الواحد، عن شهر بن حوشب قال: ( إنّا لعند أُمّ سلمة زوج النبيّ (صلَّى الله عليه وسلِّم) قال: فسمعنا صارخة، فأقبلت حتّى انتهت إلى أُمّ

____________________

(١) الغدير ١٠/ ٢٦٥.

(٢) عبرات المصطفين ٢/ ٢١٩ وسترى ما يدلّ على المقصود في بحث ( رأس الحسينعليه‌السلام بالمدينة ).

(٣) الردّ على المتعصّب العنيد: ٥١.


سلمة، فقالت: قُتل الحسين!

قالت: قد فعلوها؟! ملأ الله بيوتهم - أو قبورهم - عليهم ناراً. ووقعت مغشيّاً عليها. قال: وقمنا )(١) .

وروى أيضاً، بإسناده عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب قال: ( سمعت أُمّ سلمة حين أتاها قتل الحسين لعنت أهل العراق وقالت: قتلوه؟! قتلهم الله، غرّوه وذلّوه لعنهم الله )(٢) .

وروى الحاكم الحسكاني، بإسناده عن عبد الحميد بن بهرام قال: ( حدّثنا شهر بن حوشب قال: سمعت أُمّ سلمة حين جاء نعي الحسين بن علي لعنت أهل العراق، فقالت: قتلوه؟! قتلهم الله! غرّوه وذلّوه لعنهم الله، وإنّي رأيت رسول الله (صلَّى الله عليه وسلِّم) جاءته فاطمة غدية ببرمة لها قد صنعت له فيها عصيدة تحملها في طبق لها، حتّى وضعتها بين يديه، فقال لها:( أين ابن عمّك؟ ) .

قالت:( هو في البيت ) .

قال:( اذهبي فادعي به وائتيني بابنيه ) .

فجاءت تقود ابنيها كلّ واحد منهما بيد، وعليّ يمشي في أثرهم [ في أثرها (خ) ]، حتّى دخلوا على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأجلسهما في حجره، وجلس عليّ على يمينه وفاطمة على يساره، فاجتذب من تحتي كساءً خيبريّاً، كان بساطاً لنا على المنامة بالمدينة، فلفّه رسول الله عليهم جميعاً، فأخذ بشماله بطرفي الكساء، وألوى بيده اليمنى إلى ربّه وقال:( اللّهمَّ، إنّ هؤلاء أهلي،

____________________

(١) الطبقات، ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام من القسم غير المطبوع: ٨٧، ح٣٠١. ورواه: تاريخ دمشق ( ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام : ٣٩٠، ح ٣٣٠؛ تذكرة الخواص: ٢٦٧؛ سير أعلام النبلاء ٣/ ٣١٨؛ تهذيب الكمال ٦/ ٤٣٩؛ البداية والنهاية ٨/ ٢٠٢، وغيرهم.

(٢) الطبقات، ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام من القسم غير المطبوع: ٨٩، ح٣١٤. ورواه: مسند أحمد ٦/ ٢٩٨؛ المعجم الكبير ٣/ ١١٤، ح٢٨١٨؛ مُثير الأحزان: ٩٥؛ شواهد التنزيل ٢/ ١١١ ح٧٤٣؛ تذكرة الخواص: ٢٦٧؛ الطرائف: ١٢٦، ح١٩٤ - عنه بحار الأنوار ٤٥/ ١٩٨؛ مجمع الزوائد ٩/ ١٩٤، وقال: ورجاله موثّقون؛ بحار الأنوار ٤٥/ ١٢٤ وغيرهم بتفاوت يسير.


أذْهِبْ عنهم الرجس وطهِّرهم تطهيراً - ثلاث مرّات -) .

قلت: يا رسول الله، ألستُ من أهلك؟

قال:( بلى ) .

فأدخلني في الكساء. فدخلت في الكساء بعدما قضى دعاؤه لابن عمه وابنيه وابنته فاطمةعليهم‌السلام (١) .

إنّ أُمّ سلمة - مع أنّها كانت تعيش في ظروف صعبة جدّاً - وضّحت أنّ القوم أجرموا بحقّ آخر مَن بقي من أصحاب الكساء، وهو الطاهر ابن الطاهر، الحسين بن عليّعليهما‌السلام .

ولم تكتفِ هذه المرأة الجليلة بهذا الحدّ من إبراز الموقف، بل أعلنت الحداد ولبست السواد علناً وفي الملأ العام من الناس، وفي مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

روى القاضي نعمان، عن أبي نعيم، بإسناده عن أُمّ سلمة: ( أنّها لما بلغها مقتل الحسينصلى‌الله‌عليه‌وآله ضربت قبّة في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، جلست فيها ولبست سواداً )(٢) .

نعي أسماء بنت عقيل:

روى الشيخ المفيد، بإسناده عن أبي الهياج عبد الله بن عامر قال: ( لما أتى نعي الحسينعليه‌السلام إلى المدينة، خرجت أسماء بنت عقيل بن أبي طالب - رضي الله عنها - في جماعة من نسائها، حتّى انتهت إلى قبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلاذت به، وشهقت عنده، ثمّ التفتت إلى المهاجرين والأنصار، وهي تقول:

____________________

(١) شواهد التنزيل ٢/ ١١٠، ح٧٤١. ورواه أيضاً: كشف الغمّة ٢/ ٥٨.

لا يقال: إنّها من أهل البيتعليهم‌السلام وإنّها دخلت الكساء، حسب هذه الرواية.

لأنّنا نقول: إنّها دخلته - كما قالت - بعدما قضى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله دعاءه لابن عمّه وابنيه وابنته فاطمةعليهم‌السلام ، أي أنّها لم تكن مشمولة بقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله :( اللّهمَّ، إنّ هؤلاء أهلي، أذْهِبْ عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ) .

(٢) شرح الأخبار ٣/ ١٧١، ح١١١٩.


مـاذا تـقولون إن قال النبيّ لكم

يوم الحساب وصدْقُ القول مسموع

خـذلتم عـترتي أو كـنتم غـيّباً

والـحقّ عـند وليّ الأمر مجموع

أسـلمتموهم بـأيدي الظالمين فما

مـنكم لـه اليوم عند الله مشفوع

ما كان عند غداة الطف إذ حضروا

تـلك الـمنايا ولا عـنهنّ مدفوع

قال: فما رأينا باكياً ولا باكية أكثر ممّا رأينا ذلك اليوم )(١) .

* وصول مبعوثَيْ يزيد إلى المدينة:

لقد أرسل يزيد ورسولين إلى المدينة، وهما مُحرز بن حريث بن مسعود الكلبي، ورجل من بهرا، كما صرّح بذلك ابن نما في قوله: ( وروي أنّ يزيد بن معاوية بعث بمقتل الحسين إلى المدينة مُحرز بن حريث بن مسعود الكلبي من بني عدي بن حباب، ورجلاً من بهرا(٢) ، وكانا من أفاضل أهل الشام، فلما قدما خرجت امرأة من بنات عبد المطّلب قيل: هي زينب بنت عقيل. ناشرة شعرها، واضعة كمّها على رأسها، تتلقّاهم وهي تبكي وتقول: ماذا تقولون.. (الأبيات) )(٣) .

رأس الحسينعليه‌السلام بالمدينة:

ثَمَّة روايات تدلّ على إرسال الرأس الشريف إلى المدينة؛ بغية إشاعة الرعب والخوف، والقضاء على كلّ حركة مُضادّة، وذكرنا بعض الأخبار في بحث ( الأقوال في موضع دفن رأس الحسينعليه‌السلام )، فلا نُعيدها، والظاهر أنّه كان في فترة وجود أهل البيتعليهم‌السلام في الشام.

ثمّ إنّه أُرْجِع الرأس الشريف إلى الشام، كما صرّح

____________________

(١) أمالي المفيد: ٣١٩، مجلس ٣٨، ح٥؛ أمالي الطوسي ص٨٩، مجلس ٣، ح١٣٩؛ المناقب ٤/ ١١٦.

(٢) بهرا، قبيلة من قضاعة، راجع مجموع البحرين.

(٣) مُثير الأحزان: ٩٤.


بذلك البلاذري عن الكلبي بقوله: وبعث يزيد برأسه إلى المدينة، فنُصِب على خشبة ثمّ رُدَّ إلى دمشق(١) ، ثمّ دُفِع إلى الإمام زين العابدينعليه‌السلام ، حتّى ألحقهعليه‌السلام بالجسد الشريف، وهذا ينسجم مع رواية القاضي نعمان بوجود أهل البيتعليهم‌السلام في الشام مدّة شهر ونصف(٢) ، أو مع نقل السيّد ابن طاووس بوجودهم فيه ما يُقارب شهراً(٣) .

قال ابن سعد: وبعث يزيد برأس الحسين إلى عمرو بن سعيد بن العاص، وهو عامل له يومئذٍ على المدينة، فقال عمرو: وددت أنّه لم يبعث به إليّ.

فقال مروان: اسكُتْ. ثمّ تناول الرأس، فوضعه بين يديه، وأخذ بأرنبته فقال:

يا حبّذا بُرْدك في اليدين

ولونك الأحمر في الخدّين

كأنّما بات بمجسدين

والله، لكأنّي أنظر إلى أيّام عثمان، وسمع عمرو بن سعيد الصيحة من بني هاشم فقال:

عجّت نساء بني زياد عجَّة

كعجيج نسوتنا غداة الأرنب(٤)

وجاء في نقل البلاذري:

قال عمرو بن سعيد: وددت أنّ أمير المؤمنين لم يبعث إلينا برأسه، فقال مروان: بِئْسَ ما قلت، هاته:

____________________

(١) أنساب الأشراف ٣/ ٤١٩.

(٢) شرح الأخبار ٣/ ٢٦٩.

(٣) وقد بسطنا الكلام فيه فراجع، فنكتفي بذكر ما يتعلّق بالمدينة.

(٤) الطبقات ( ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام ومقتله من القسم غير المطبوع ): ٨٤. وروى صدره مقتل الخوارزمي ٢/ ٧٥، وانظر تذكرة الخواص: ٢٦٥، وفيه: عجّت نساء بني تميم...


يا حبّذا بَرْدُك في اليدين

ولونك الأحمر في الخدَّين(١)

وقال: حدّثنا عمر بن شبه، حدّثني أبو بكر، عيسى بن عبد الله بن محمّد بن عمر بن علي ّ بن أبي طالب عن أبيه قال: رعف عمرو بن سعيد على منبر رسول الله (صلَّى الله عليه وسلِّم)، فقال بيار الأسلمي - وكان زاجراً -: إنّه ليوم دمٍ.

قال: فجيء برأس الحسين، فنُصب، فصرخت نساء أبي طالب، فقال مروان:

عجّت نساء بني زبيد عجّةً

كعجيج نسوتنا غَداة الأزيب

ثمّ صحْنَ أيضاً، فقال مروان:

ضربت ذو شرّ فيهم ضربة

أثبتت إن كان ملك فاستقرّ )(٢) .

وقال ابن نما:

( ونقلت عن تاريخ البلاذري أنّه لما وافى رأس الحسينعليه‌السلام المدينة، سُمِعتْ الواعية من كلّ جانب، فقال مروان بن الحَكم:

ضربت دوسر فيهم ضربةً

أثبتت أوتاد حكم فاستقرَّ

ثمّ أخذ ينكت وجهه بقضيب ويقول:

يا حبّذا بُرْدك في اليدين

ولونك الأحمر في الخدّين

كــأنّـه بـــات بـمـجسدين

شفيت منك النفس يا حسين )(٣) .

لقد كشف القاضي نعمان عن بعض زوايا القضيّة بقوله: ( ثمّ أُتي برأس الحسين إلى عمرو بن سعيد، فأعرض بوجهه عنه واستعظم أمره، فقال مروان

____________________

(١) أنساب الأشراف ٣/ ٤١٧.

(٢) أنساب الأشراف ٣/ ٤١٨. وجاء في نقل ابن سعد:

ضرب الدوسر فيهم ضربةً

أثبتت أوتاد مُلك فاستقرّ

 (٣) مُثير الأحزان: ٩٥، عنه بحار الأنوار ٤٥/ ١٢٤.


اللعين لحامل الرأس: هاته. فدفعه إليه، فأخذه بيده وقال:

يا حبّذا بُردك في اليدين

ولونك الأحمر في الخدّين )(١) .

وفي شرح الأخبار أيضاً: ( ولما أمر اللعين (يزيد) بأن يُطاف برأس الحسينعليه‌السلام في البلدان أتى به إلى المدينة، وعامله عليها عمرو بن سعيد [الأشدق]، فسمع صياح النساء، فقال: ما هذا؟ قيل: نساء بني هاشم يبكين لما رأين رأس الحسين، وكان عنده مروان بن الحَكم. فقال مروان اللعين مُتمثّلاً:

عجَّت نساء بني زياد عجَّةً

كعجيج نسوتنا غداة الأذيب

عنى اللعين عجيج نساء بني عبد شمس ممّن قُتل منهم يوم بدر، فأمّا ما أقاموه ظاهراً من أمر عثمان، فمروان اللعين فيمَن ألبَّ عليه وشمت بمصابه وهو القائل:

لما أتاه نعيه ذينه

من كسر ضلعاً كسر جنبه

ولكنَّ ذحول بني أُميّة بدماء الجاهلية التي طلبوا بها رسول الله في عترته وأهل بيته، ولما قال ذلك مروان اللعين قال عمرو بن سعيد - عامل المدينة يومئذٍ -: لوددت - والله - أنّ أمير المؤمنين لم يكن يبعث إلينا برأس الحسين.

فقال له مروان: اسكُت لا أُمّ لك! وقل كما قال الأوّل:

ضربوا رأس شريز ضربة

اشتت أوتاد ملك فاستتر )(٢) .

وروى ابن أبي الحديد المعتزلي عن الإسكافي قوله: ( أمّا مروان.. فأخبث عقيدة وأعظم إلحاداً وكفراً، وهو الذي خطب يوم وصل إليه رأس الحسينعليه‌السلام إلى المدينة، وهو يومئذٍ أميرها(٣) ، وقد حمل الرأس على يديه فقال:

____________________

(١) شرح الأخبار ٣/ ١٦٠ - ١٦٢.

(٢) شرح الأخبار ٣/ ١٥٩.

(٣) لقد مضى أنّ أمير المدينة كان حينئذٍٍ عمرو بن سعيد، إلاّ أنّ مروان كان حاضراً في المجلس.


يا حبّذا بُردك في اليدين

وحُمرة تُجرى على الخدَّين

كأنّما بتَّ بمحشدين

ثمّ رمى بالرأس نحو قبر النبيّ، وقال: يا محمّد، يومٌ بيوم بدر!

وهذا القول مُشتقّ من الشعر الذي تمثّل به يزيد بن معاوية، وهو شعر ابن الزبعرى، يوم وصل الرأس إليه، والخبر مشهور(١) .

نعم، إنّ بني أُميّة وأذنابهم أثبتوا بفعلتهم النكراء استمرار جاهليّتهم السوداء، ولقد أظهروا أحقادهم المكنونة، وأرادوا استيفاء ثأرهم من صاحب الرسالة بإبادتهم لعترته، وإنّهم ما آمنوا بالله ورسوله طرفة عين أبداً.

رثاء ابنة عقيل:

كان لبنات عقيل دَوْر مهمّ في إثارة مشاعر الناس، وانقلابهم نفسيّاً بعد مقتل أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام وأصحابه، وقد ذكرنا سابقاً ما يتعلّق بإحداهنّ، وهي أسماء بنت عقيل، وذلك بعد وصول خبر استشهاد أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام .

ثمّ ها نجد هنا دوراً بارزاً لأُختها، وهي - على ما صرّح به أكثر المؤرِّخين - زينب بنت عقيل، وإن اكتفى بعضهم بذكر عنوان ( امرأة من بنات عبد المطّلب )(٢) ، أو (ابنة عقيل)(٣) ، أو (أُمّ لقمان بنت عقيل)(٤) ، لكنّ الأكثر ذَكَر أنّها (زينب بنت عقيل)(٥) .

____________________

(١) شرح نهج البلاغة ٤/ ٧١.

(٢) الردّ على المتعصّب العنيد: ٥١؛ مُثير الأحزان: ٩٥.

(٣) مروج الذهب ٣/ ٦٨؛ تاريخ الطبري ٤/ ٣٥٧؛ المنتظم ٥/ ٣٤٤؛ جواهر المطالب ٢/ ٢٩٦.

(٤) الإرشاد ٢/ ١٢٤؛ روضة الواعظين ١/ ١٩٢؛ كشف الغمّة ٢/ ٦٨.

(٥) أنساب الأشراف ٣/ ٤٢٠؛ شرح الأخبار ٣/ ٤٩٩، ح١١٢٨؛ تذكرة الخواص: ٢٦٧؛ مجمع الزوائد ٩/ ١٩٩؛ تسلية المجالس ٢/ ٣٧٢.


وأمّا كيفيّة خروجها، فقد ذكر المسعودي أنّها خرجت في نساء من قومها، حواسر حائرات؛ لما قد ورد عليهنّ من قتل السادات(١) .

وقال الطبري: إنّها خرجت ومعها نساؤها وهي حاسرة تلوي بثوبها(٢) .

وقال الشيخ المفيد: ( وخرجت أُمّ لقمان بنت عقيل بن أبي طالب - حين سمعت نعي الحسين - حاسرة، ومعها أخواتها، أُمّ هاني، وأسماء، ورملة، وزينب بنات عقيل بن أبي طالب - رحمة الله عليهن - تبكي قتلاها بالطفّ وهي تقول... )(٣) .

وذكره ابن الفتّال(٤) ، والأربلي(٥) كذلك.

وقال ابن الجوزي: ( ولما أتى المدينة مقتل الحسينعليه‌السلام خرجت ابنة عقيل ومعها نساؤها حاسرة وهي تبكي وتقول... )(٦) .

وقال سبط ابن الجوزي: قال الواقدي: ( لما وصل الرأس إلى المدينة والسبايا لم يبقَ بالمدينة أحد(٧) ، وخرجوا يضجّون بالبكاء، وخرجت زينب بنت عقيل بن أبي طالب، كاشفةً وجهها ناشرةً شعرها تصيح: وا حسيناه! وا إخوتاه! وا أهلاه! وا محمّداه! ثمّ قال... )(٨) .

____________________

(١) مروج الذهب ٣/ ٦٨.

(٢) تاريخ الطبري ٤/ ٣٥٧.

(٣) الإرشاد ٢/ ١٢٤.

(٤) روضة الواعظين ١/ ١٩٢.

(٥) كشف الغمّة ٢/ ٦٨.

(٦) المنتظم ٥/ ٣٤٤ ونحوه.

(٧) تذكرة الخواص: ٢٦٧.

(٨) هو المتفرّد بذكر عطف السبايا على الرأس، وهو غير صحيح، ولا تؤيِّد ذلك الشواهد التاريخية التي ذكرناها.


وقال ابن نما: ( فلما قدما (مبعوثا يزيد إلى المدينة) خرجت امرأة من بنات عبد المطّلب، قيل: هي زينب بنت عقيل. ناشرةً شعرها، واضعةً كمّها على رأسها، تتلقّاهم وهي تبكي وتقول... )(١) .

وأمّا مكان ذلك، فقد صرّح البلاذري والطبراني والقاضي نعمان، بكونه في البقيع(٢) ، وأمّا الآخرون، فلم يُحدّدوا الموضع من المدينة.

وأمّا ما قالته، فقد ذكر البلاذري أنّه: وقالت زينب بنت عقيل ترثي قتلى أهل الطف، وخرجت تنوح بالبقيع:

مـاذا تـقولون إن قـال الـنبيّ لـكم

مــاذا فـعلتم وأنـتم آخـر الأُمـم

بـأهل بـيتي وأنـصاري أمـا لـكمُ

عـهـد كـريم أمـا تـوفون بـالذمم

ذُرّيـتـي وبـنـو عـمِّي بـمضيعةٍ

مـنهم أُسـارى وقـتلى ضُرِّجوا بدم

مــا كـان ذا جـزائي إذ نـصحتكمُ

أن تَخْلفوني بسوء في ذوي رحمي(٣)

وأمّا غيره - ما عدا سبط ابن الجوزي والخوارزمي - فقد ذكر من الأبيات ثلاثاً مع تفاوت، وجاء في ضمن نقل المسعودي:

بـعـترتي وبـأهلي بـعد مُـفتقدي

نـصفٌ أُسارى ونصف ضُرِّجوا بدم

مـا كـان هذا جزائي إذ نصحت لكم

أن تَخْلفوني بشرٍّ في ذوي رحمي(٤)

____________________

(١) مُثير الأحزان: ٩٥، ونحوه في الردّ على المتعصّب العنيد: ٥١.

(٢) أنساب الأشراف ٣/ ٤٢٠؛ المعجم الكبير ٣/ ١٢٦، ح٢٨٥٣؛ شرح الأخبار ٣/ ١٩٩، ح١١٢٨.

(٣) أنساب الأشراف ٣/ ٤٢٠.

(٤) مروج الذهب ٣/ ٦٨. ونحوه في: المعجم الكبير ٣/ ١٢٦، ح٢٨٥٣، وفيه: (.. بأهل بيتي وأنصاري وذرّيتي منهم أُسارى... )؛ شرح الأخبار ٣/ ١٩٩ ح١١٢٨، وفيه: (... بأهل بيتي وقد


ثمّ إنّ الطبراني قال بعد ذلك: فقال أبو الأسود الدؤلي: نقول:( ... رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا... ) الآية(١) ، ثمّ قال أبو الأسود:

أقـول وزادني جزعاً وغيظاً

ن أزال الله مُـلْكَ بـني زيـاد

وأبـعدهم كما غدروا وخانوا

كـما بـعُدت ثمود وقوم عاد

ولا رجـعت ركـابهم إلـيهم

إذا وقفت إلى يوم التناد(٢) .

وقال القاضي نعمان: ( فقال أبو الأسود الدؤلي: وقد سمعتها تقول:( ... رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (٣) ، وهذا قول مَن لم يعتقد عداوة أهل بيت محمّد، فأمّا الذين اعتقدوا عداوتهم، وقصدوا لما قصدوا إليه منهم، مصرّون على كفرهم وعلى ما ارتكبوه منهم، وقد قتلوا من أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بعد هذا خلقاً كثيراً قلّ مَن يحصر عددهم ظلماً لهم، واستخفافاً

____________________

أضحوا بحضرتكم منهم أُسارى... هل كان... )؛ تاريخ الطبري ٤/ ٣٥٧ ذكر بيتين، وفيه: ( بعترتي وبأهلي... منهم أُسارى ومنهم... )؛ الكامل في التاريخ ٤/ ٨٩؛ الإرشاد ٢/ ١٢٤ وفيه: ( منهم أُسارى ومنهم... بسوء... ). ومثله في: روضة الواعظين وكشف الغمّة. ومقتل الخوارزمي ٢/ ٧٦: (... فهم أُسارى.../ ضيّعتم حقّنا والله أوجبه، وقد عرى الفيل حقّ البيت والحرم )، وكفاية الطالب: ٤٤١ وفيه: (... بأهل بيتي وأنصاري وشيعتهم... منهم أُسارى وقتلى ضُرِّجوا... ما كان ذاك... )؛ المنتظم ٥/ ٣٤٤ وفيه: ( بعترتي وبأهلي عند منطلقي منهم أُسارى ومنهم ضُرِّجوا بدم... )؛ تذكرة الخواص: ٢٦٧، وفيه: ( بأهل بيتي وأولادي أما لكم عهدٌ أما... هذا جزائي إذا نصحت لكم...)؛ مُثير الأحزان... منهم أُسارى و... )؛ جواهر المطالب ٢/ ٢٩٦ وفيه: (... منهم أُسارى ومنهم... )؛ تسلية المجالس ٢/ ٣٧٢؛ عيون الأخبار ١/ ٢١٣، بتفاوت يسير.

(١) الأعراف: ٢٣.

(٢) المعجم الكبير ٣/ ١٢٦، ح٢٨٥٣؛ مجمع الزوائد ٩/ ١٩٩؛ كفاية الطالب: ٤٤١.

(٣) الأعراف: ٢٣.


لحقّهم، غير مَن تعاطى ما ليس له منهم، فصرعه تُعاطيه ما ليس له، وتعدّيه إلى غير حظّه وتُسمِّية اسمه )(١) .

خطبة عمرو بن سعيد!

أورد ابن سعد - بعدما ذكر وصول الرأس الشريف إلى المدينة -:

( ثمّ خرج عمرو بن سعيد إلى المنبر، فخطب الناس، ثمّ ذكر حسيناً وما كان من أمره، وقال: والله، لوددتُ أنّ رأسه في جسده، وروحه في بدنه، يسبُّنا ونمدحه، ويقطعنا ونصله، كعادتنا وعادته.

فقام ابن أبي حبيش - أحد بني أسد بن عبد العزَّى بن قصي - فقال: أما لو كانت فاطمة حيّةً لأحزنها ما ترى!

فقال عمرو: اسكُت لا سكتَّ، أتُنازعني فاطمة وأنا من عفر ظبايها، والله، إنّه لابْنُنا، وأنّ أُمّه لابنتُنا! أجل - والله - لو كانت حيّةً لأحزنها قتله! ثمّ لم تلُمْ مَن قتله! يدفع عن نفسه!

فقال ابن أبي حبيش: إنّه ابن فاطمة، وفاطمة بنت خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّى )(٢) .

لقد ذكرنا فيما سبق حقد ابن سعيد وبُغضه لآل بيت رسول الله، بل ما يَثبت بذلك كفره، وإنّ المتأمِّل في هذه الخُطبة والعارف بأجوائها لا يستغرب منها؛ إذ يعلم أنّها أُلقيت في ظلّ أجواء مُضطربة بعد وصول الخبر المدينة، ووصول الرأس الشريف إليها، ولذلك ترى هذا الحاقد يُظهر التراجع في كلامه، ويظهر

____________________

(١) شرح الأخبار ٣/ ١٩٩.

(٢) الطبقات: ٨٥ ترجمة الإمام الحسين من القسم غير المطبوع منه.


نفسه في موقف المدافع والمتأثّر، ولكنّه مع ذلك تراه لا يستطيع التستُّر على خبث سريرته، حتّى في هذه الكلمات التي يتفوّه بها في هذه الظروف الخاصّة.

قال البلاذري: ( وقام ابن أبي حبيش - وعمرو يخطب - فقال: رحم الله فاطمة، فمضى في خطبته شيئاً، ثمّ قال: وا عجباً لهذا الألثغ! وما أنت وفاطمة؟!

قال: أُمّها خديجة، يريد أنّها من بني أسد بن عبد العزّى.

قال: نعم، والله، وابنة محمّد أخذتها يميناً وأخذتها شمالاً، ورددت أنّ أمير المؤمنين كان نحّاه عين (عنّي ظ) ولم يُرسل به إليّ، وددت - والله - أنّ رأس الحسين كان على عنقه وروحه كانت في جسده )(١) .

وقال الخوارزمي: ( قالوا: ثمّ صعد عمرو بن سعيد - أمير المدينة - المنبر، وخطب وقال في خطبته:

إنّها لَدْمَةٌ بلَدْمَة، وصدمة بصدمة، وموعظة بعد موعظة ( حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ ) (٢) ، والله، لوددت أنّ رأسه في بدنه، وروحه في جسده أحياناً كان يسبّنا ونمدحه، ويقطعنا ونصله، كعادتنا وعادته، ولم يكن من أمره ما كان، ولكن كيف نصنع بمَن سلّ سيفه يُريد قتلنا؟! إلاّ أن ندفع عن أنفسنا.

فقام إليه عبد الله بن السائب فقال: أما لو كانت فاطمة حيّة، فرأت رأس الحسين لبكت عليه. فجبهَهُ عمرو بن سعيد وقال: نحن أحقّ بفاطمة منك! أبوها عمّنا! وزوجها أخونا! وابنها ابننا! أما لو كانت فاطمة حيّة لبكت عينها، وحزن كبدها، ولكن ما لامتْ مَن قتله، ودفع عن نفسه )(٣) .

____________________

(١) أنساب الأشراف ٣/ ٤١٨.

(٢) القمر: ٥.

(٣) مقتل الخوارزمي ٢/ ٧٦.


إنّ سخافة ما استدلّ به هذا اللعين هو ممّا يُضحك الثكلى، أمِنَ الدفاع أن يُحاصر آلاف الفسقة الفجرة عدّة قليلة وفيهم آخر سبط بقي من آخر رسول لربّ العالمين، وعترته وذُرِّيّته والنساء والأطفال، وعدّة من خيار الأصحاب الذين كانوا رُهبان الليل وأُسد النهار، ثمّ يُقتلون عُطاشى وتُحتزّ رؤوسهم الطاهرة، وتُسبى نساؤهم وتُحمل من مدينة إلى مدينة ونقطة إلى نقطة...؟! وهل هذا إلاّ الانتقام من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كما اعترف بذلك الطاغي ابن الباغي يزيد بن معاوية وسائر أذنابه، بما فيهم عمرو بن سعيد ومروان بن الحَكم وغيرهم.

وأمّا فاطمة وأبوها وزوجها، وسائر الأنبياء من قبل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلقد بكوا على مُصاب الحسينعليه‌السلام ، ولعنوا مَن أمر وارتكب ورضي بقتل الحسينعليه‌السلام .

موقف عبد الله بن جعفر:

إنّ لعبد الله بن جعفر مواقف مُشرِّفة بعد وقوع مأساة كربلاء واستشهاد ولَديه - وهما عون وعبد الله - في ركاب خالهما أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام .

وممّا يُمكن أن يُستند إليه في توجيه عدم حضوره في كربلاء، ما جاء في زيارة الناحية المقدّسة، المنسوبة للإمام الحجّةعليه‌السلام ، حيث قال في حقّ ولَده:( السلام على محمّد بن عبد الله بن جعفر الشاهد مكان أبيه ) (١) .

فلعلَّ عُذراً لم نعلمه منَعَه من الحضور.

وممّا يُرشدنا إلى موقفه الإيجابي ما ذكره الطبري، بإسناده عن عبد الرحمان ابن عبيد أبي الكنود قال: ( لما بلغ عبد الله بن جعفر بن أبي طالب مقتل ابنيه مع الحسين، دخل عليه بعض مواليه والناس يُعزّونه، قال - ولا أظنّ مولاه ذلك إلاّ أبا

____________________

(١) زيارة الناحية المقدّسة المنسوبة للإمام الحجّةعليه‌السلام .


اللسلاس - فقال: هذا ما لقينا ودخل علينا من الحسين. قال: فحذفه عبد الله بن جعفر بنعله، ثمّ قال: يا بن اللخناء، أللحسين تقول هذا؟! والله، لو شهدتُه لأحببت أن لا أُفارقه حتّى أُقتل معه، والله، إنّه لممّا يَسخي بنفسي عنهما ويُهوِّن عليَّ المصاب بهما أنّهما أُصيبا مع أخي وابن عمّي، مواسيين له صابرين معه.

ثمّ أقبل على جُلسائه فقال: الحمد لله عزّ وجلّ عليَّ بمصرع الحسين، إن لا يكن آستْ حسيناً يدي فقد آساه ولدي )(١) .

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤/ ٣٥٧. وروى مضمونه الكامل في التاريخ ٤/ ٨٩؛ مقتل الخوارزمي ٢/ ٧٦، وذُكر بعضه في الطبقات ( ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام من القسم غير المطبوع: ٨٥ ).


عودة بقيّة الركب الحسيني إلى المدينة المنوَّرة:

إنّهم على مقربة من المدينة، مدينة جدّهم، ومهاجر أبيهم، ومأوى أُمّهم، مسقط رأسهم، وموطن أحبَّتهم، ما أصعب الدخول إليها وهم على هذه الحالة...

لقد خرجوا مع الحسينعليه‌السلام ، واليوم رجعوا بلا حسين إلاّ مِن رايته الحمراء.

ومن الطبيعي أن تأخذ المسيرة منحىً عاطفيّاً أكثر من أيّ شيءٍ، فلقد عاش أهل المدينة مع الحسين وتعوّدوا عليه، ورأوا في وجوده وجود جدّه بعلمه وهيبته، وخُلقه وشجاعته وغيرته، وبكلّ مكارم الأخلاق، واليوم يسمعون بوصول أهل بيته قُرب موطنه، أهل بيت خرجوا معه ورجعوا وحدهم، ولكنّهم يحملون رسالته.

ومن هذا المنطلق، نرى أنّ المسيرة لم تكتفِ بالتزام الظاهر العاطفي فحسب، بل إنّها عنيت بالجانب المبدئي والمنهجي أكثر، واستمرّت على ذلك في أشكال مُختلفة، سواء كان ذلك على شكل إقامة العزاء والمأتم، أم استمرار البكاء، أم إلقاء الخُطَب أم بثّ الأدعية العالية المضامين أم غير ذلك.

والغاية من كلّ ذلك هو تنوير الأفكار وإيقاظ المجتمع من السُّبات العميق، الذي استولى على جميع أفراده، ما خلا مَن تمسّك بالقرآن والعترة.

نعم، إنّها لحظات صعبة...

يقول الشيخ ابن نما الحلّي - واصفاً تلك الحال -: ولما رجع صحب آل الرسول من السفر بعد طول الغيبة... وقد خلّفوا السبط مُفترشاً للتراب بعيداً من الأحباب، بقفرة بهماء، وتنوفة شوهاء، لا سمير لمناجيها، ولا سفير لمفاجيها، وأعينهم باكية ليُتْمِ البقيّة الزاكيّة، فأسفتُ ألا أكون رائد أقدامهم ورافد حذي


لموطئ أقدامهم، وقلت هذه الأبيات بلسان قالي ولسان حالهم:

ولـمّا وردنـا مـاء يثرب بعدما

أسلنا على السبط الشهيد المدْامعا

ومُـدَّت لـما نلقاه من ألم الجَوى

رقاب المطايا واستكانت خواضعا

وجرَّع كأس الموت بالطفّ أنفساً

كـراماً وكـانت للرسول ودايعا

وبـدَّل سـعد الشمِّ من آل هاشم

بـنحس فـكانوا كالبدور طوالعا

وقـفنا على الأطلال نندب أهلها

أسىً وتبكي الخاليات البلاقعا (١)

ما قالته أُمّ كلثوم:

روى العلاّمة المجلسي عن بعض مؤلّفات أصحابنا قال: وأمّا أُمّ كلثوم، فحين توجّهت إلى المدينة جعلت تبكي وتقول:

مـديـنةَ جـدِّنـا لا تـقبلينا

فـبالحسرات والأحـزان جينا

ألا فـاخبر رسـول الله عـنّا

بـأنّا قـد فُـجعنا فـي أبينا

وأنّ رجـالنا بالطفّ صرعى

بـلا رؤوس وقد ذَبحوا البنينا

وأخْـبِر جـدَّنا أنّـا أُسـرنا

وبـعد الأسـر يـا جدَّا سُبينا

ورهطك يا رسول الله أضحوا

عـرايا بـالطفوف مُـسلَّبينا

وقد ذبحوا الحسين ولم يراعوا

جـنابك يـا رسـول الله فينا

فـلو نظرتْ عيونك للأُسارى

عـلى أقـتاب الجمال مُحمّلينا

رسول الله بعد الصَّونِ صارت

عـيون الـناس نـاظرةً إلينا

وكـنتَ تـحوطُنا حتّى تولَّت

عـيونُك ثـارت الأعدا علينا

____________________

(١) مُثير الأحزان: ١١٢.


أفـاطمُ لو نظرتِ إلى السبايا

بـناتك فـي الـبلاد مُشتّتينا

أفاطم لو نظرتِ إلى الحيارى

ولـو أبصرتِ زين العابدينا

أفـاطم لـو رأيتينا سُهارى

ومـن سهر الليالي قد عُمينا

أفـاطم مـا لقيتي من عِداكِ

ولا قـيراط مـمّا قـد لقينا

فـلو دامت حياتكِ لم تزالي

إلـى يـوم الـقيامة تندبينا

وعـرّجْ بـالبقيع وقف ونادِ

أيـا بن حبيب ربّ العالمينا

وقـل يا عمُّ يا حسن المزكَّى

عيال أخيك أضحوا ضائعينا

أيـا عـمّاه إنّ أخاك أضحى

بـعيداً عنك بالرّمضا هرينا

بـلا رأس تنوح عليه جهراً

طـيور والوحوش الموحشينا

ولـو عاينت يا مولاي ساقوا

حـريماً لا يـجدْنَ لهم مُعينا

عـلى متن النياق بلا وطاء

وشـاهدت الـعيال مُكشَّفينا

مـديـنة جـدِّنا لا تـقبلينا

فـبالحسرات والأحزان جينا

خـرجنا منك بالأهلين جمعاً

رجـعنا لا رجـال ولا بنينا

وكُنَّا في الخروج بجمع شملٍ

رجـعنا حـاسرين مُـسلَّبينا

وكـنّا فـي أمـان الله جهراً

رجـعنا بـالقطيعة خـائفينا

ومـولانا الـحسين لنا أنيس

رجـعنا والـحسين به رهينا

فـنحن الضائعات بلا كفيل

ونـحن النائحات على أخينا

ونحن السائرت على المطايا

نُـشال على جمال المبغضينا

ونـحن بـنات يـس وطه

ونـحن الـباكيات على أبينا

ونـحن الطاهرات بلا خفاء

ونحن المخلَصون المصطفونا


ونحن الصابرات على البلايا

ونـحن الصادقون الناصحونا

ألا يـا جـدَّنا قـتلوا حسينا

ولـم يـرعوا جناب الله فينا

ألا يـا جـدّنا بـلغت عدانا

مُـناها واشـتفى الأعداء فينا

لـقد هـتكوا النساء وحمّلوها

عـلى الأقـتاب قهراً أجمعينا

وزيـنب أخرجوها من خِباها

وفـاطم والـهٌ تُـبدي الأنينا

سـكينة تشتكي من حِرّ وجدٍ

تُـنادي الغوث ربَّ العالمينا

وزيـن الـعابدين بـقيد ذيل

ورامـوا قـتله أهل الخؤونا

فـبعدهمُ عـلى الـدُّنيا تراب

فـكأس الموت فيها قد سُقينا

وهذى قصّتي مع شرح حالي

ألا يا سامعون ابكوا علينا(١)

الإمام زين العابدينعليه‌السلام يوفِد بشير بن حَذْلَم:

المتتبِّع لمسيرة الركب الطاهر من كربلاء إلى الكوفة ومنها إلى الشام، يُدرك أنّ الإمامعليه‌السلام كان هو المسيطر على الأوضاع، وكان يخرق الإعلام المشوَّه ويُقلِّب الأمر على الحُكّام ويُبيِّن الحقائق المستورة، فكان نهجه وسلوكه نهج الفعل والتأثير، لا الانفعال والتأثّر.

ومن هذا المنطلق؛ نفهم سرّ إيفاد الإمامعليه‌السلام بشير بن حذلم الشاعر إلى المدينة، فلقد تمكّن - بصفته رسول الإمامعليه‌السلام وبكونه شاعراً قويّاً ومؤثّراً عاطفياً - من التأثير في المجتمع، حتّى كاد أن يقلب الوضع في المدينة، بحيث تحرّك أهل المدينة - بما فيها من الرجال والنساء والكبار والصغار - إلى خارجها لاستقبال آل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، واستثمر الإمامعليه‌السلام هذه الفرصة وألقى عليهم

____________________

(١) بحار الأنوار ٤٥/ ١٩٧؛ ينابيع المودّة ٣/ ٩٤.


كلمته التي سوف ترى مدى تأثيرها بعد ذلك.

قال السيّد ابن طاووس: ( قال بشير بن حَذْلَم: فلما قربنا منها - أي المدينة - نزل عليّ بن الحسينعليهما‌السلام ، فحطّ رحله، وضرب فسطاطه، وأزل نساءه، وقال:( يا بشير، رحم الله أباك، لقد كان شاعراً، فهل تقدر على شيء منه؟ ).

قلت: بلى يا بن رسول الله، إنّي لشاعر، قال: فادخل المدينة وانْعَ أبا عبد اللهعليه‌السلام .

قال بشير: فركبتُ فرسي وركضت حتّى دخلت المدينة(١) .

وقال: فلما بلغت مسجد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله رفعت صوتي بالبكاء، وأنشأتُ أقول:

يا أهل يثرب لا مُقام لكم بها

قُتِلَ الحسين فأدمُعي مدرارُ

الجسمُ منه بكربلاء مُضرَّجٌ

والرأس منه على القناة يُدارُ

قال: ثمّ قلت: هذا عليّ بن الحسين مع عمّاته وأخواته قد حلّوا بساحتكم ونزلوا بفنائكم، وأنا رسوله إليكم أُعرِّفكم مكانه )(٢) .

حال المدينة بعد علم أهلها بمصرع الإمامعليه‌السلام :

وروى السيّد ابن طاووس، عن بشير بن حذلم أنّه قال: ( وسمعت جارية تنوح على الحسينعليه‌السلام وتقول:

نـعى سـيّدي نـاعٍ نـعاه فأوجعا

فـأمـرضني نـاعٍ نـعاه فـأفجعا

أعـينَيَّ جـودا بـالمدامع واسـكبا

وجـودا بـدمع بـعد دمـعكما معا

على مَن دهى عرش الجليل فزعزعا

وأصـبح أنـف الدِّين والمجد أجدعا

عـلى ابـن نـبيّ الله وابن وصيّه

وإن كـان عـنّا شاحط الدار أشسعا

____________________

(١) الملهوف: ٢٢٦، عنه تسلية المجالس ٢/ ٤٦٠. وانظر: مُثير الأحزان: ١١٢؛ ينابيع المودّة ٣/ ٩٣.

(٢) الملهوف: ٢٢٦. ونحوه في مُثير الأحزان: ١١٢؛ تسلية المجالس ٢/ ٤٦٠؛ ينابيع المودّة ٣/ ٩٣.


ثمّ قالت: أيُّها الناعي، جدّدت حزننا بأبي عبد اللهعليه‌السلام ، وخدشت منّا قروحاً لما تندمل، فمَن أنت يرحمك الله؟

قلت: أنا بشير بن حذلم، وجّهني مولاي عليّ بن الحسين، وهو نازل موضع كذا وكذا مع عيال أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام ونسائه )(١) .

وروى السيّد ابن طاووس، عن بشير بن حذلم أيضاً أنّه قال: ( فما بقيت في المدينة مُخدّرة ولا مُحجّبة إلاّ برزن من خدورهن، مكشوفة شعورهنّ، مخمّشة وجوههنّ، ضاربات خدودهنّ، يدعون بالويل والثَّبور، فلم أرَ باكياً أكثر من ذلك اليوم، ولا يوماً أمرّ على المسلمين منه بعد وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله )(٢) .

وقال ابن نما: ( فلم يبقَ في المدينة مُخدّرة ولا مُحجّبة إلاّ برزت وهنَّ بين باكية ونائحة ولاطمة، فلم يرَ يوم أمرَّ على أهل المدينة منه )(٣) .

وقال في أخبار الزينبات: ( حدّثني إبراهيم بن محمّد الحريري، قال: حدّثني عبد الصمد بن حسّان السعدي، عن سفيان الثوري، عن جعفر بن محمّد الصادق، عن أبيه، عن الحسن بن الحسن قال:( لما حُملنا إلى يزيد وكنّا بضعة عشر نفساً، أمر أن نسير إلى المدينة، فوصلناها في مُستهلّ... (٤) ، وعلى المدينة عمرو بن سعيد الأشدق... (٥) ، فجاء عبد الملك بن الحارث السهمي فأخبره بقدومنا، فأمر أن يُنادي في أسواق المدينة ألا إنّ زين العابدين وبني عمومته وعمّاته قد قدموا إليكم، فبرزت الرجال والنساء والصبيان، صارخات باكيات، وخرجت نساء

____________________

(١) الملهوف: ٢٢٧.

(٢) الملهوف: ٢٢٦؛ تسلية المجالس ٢/ ٤٦٠؛ ينابيع المودّة ٣/ ٩٣.

(٣) مُثير الأحزان: ١١٢.

(٤) بياض في الأصل.


بني هاشم حاسرات تُنادي وا حسيناه! وا حسيناه! فأقمنا ثلاثة أيّام بلياليها ونساء بني هاشم وأهل المدينة مجتمعون حولنا ) (١) .

استقبال الناس بقيّة العترة الطاهرة:

قال ابن نما: ( وخرج الناس إلى لقائه ( عليّ بن الحسينعليه‌السلام )، وأخذوا المواضع والطُّرُق )(٢) .

قال السيّد ابن طاووس: ( قال بشير بن حذلم: فتركوني مكاني وبادروا، فضربتُ فرسي حتّى رجعتُ إليهم، فوجدت الناس قد أخذوا الطُّرُق والمواضع، فنزلت عن فرسي، وتخطّيت رقاب الناس، حتّى قربت من باب الفسطاط )(٣) .

وهذا التوصيف يكشف عن مدى زحام الناس حول الإمامعليه‌السلام ، بحيث لم يجد بشير بُدّاً إلاّ أن يتخطّى رقاب الناس، ويوصِل نفسه قُرب باب الفسطاط.

خُطبة الإمام زين العابدينعليه‌السلام :

روى السيّد ابن طاووس عن بشير: ( وكان عليّ بن الحسينعليهما‌السلام داخلاً، فخرج ومعه خُرقة يمسح بها دموعه، وخلفه خادم معه كرسي، فوضعه له، وجلس عليه، وهو لا يتمالك من العبرة، فارتفعت أصوات الناس بالبكاء وحنين الجواري والنساء، والناس من كلّ ناحية يُعزّونه، فضجّت تلك البُقعة ضجّة شديدة، فأومأ بيده: أن اسكتوا. فسكنت فورتهم، فقالعليه‌السلام :(٤)

____________________

(١) أخبار الزينبات: ١١٣.

(٢) مُثير الأحزان: ١١٢.

(٣) الملهوف: ٢٢٨.

(٤) قال ابن نما: قال بشير: فعدت إلى باب الفسطاط، وإذا هو قد خرج وبيده خرقة يمسح بها دموعه


( الحمد لله ربّ العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدِّين، بارئ الخلائق أجمعين، الذي بَعُد فارتفع في السماوات العُلى، وقرُب فشهد النجوى، نحمده على عظائم الأُمور، وفجائع الدهور، وألم الفواجع، ومضاضة اللواذع، وجليل الرزء، وعظيم المصائب الفاظعة الكاظّة الفادحة الجائحة .

أيّها القوم، إنّ الله تعالى - وله الحمد - ابتلانا بمصائب جليلة، وثُلْمَة في الإسلام عظيمة، قُتِل أبو عبد اللهعليه‌السلام وعترته، وسُبي نساؤه وصِبْيته، وداروا برأسه في البُلدان من فوق عام السنان، وهذه الرزيّة التي لا مثلها رزيّة.

أيُّها الناس، فأيُّ رجالات منكم يُسَرّون بعد قتله؟! أم أيّة عين منكم تحبس دمعها وتضنّ عن انهمالها؟!

فلقد بكت السبع الشداد لقتله، وبكت البحار بأمواجها، والسماوات بأركانها، والأرض بأرجائها، والأشجار بأغصانها، والحيتان في لُجج البحار، والملائكة المقرَّبون، وأهل السماوات أجمعون.

أيُّها الناس، أيُّ قلبٍ لا ينصدع لقتله؟! أم أيّ فؤاد لا يحنّ إليه؟! أم أيّ سمعٍ يسمع هذه الثُّلمة التي ثُلمت في الإسلام ولا يُصمّ؟!

أيّها الناس، أصبحنا مطرودين مُشرَّدين مذمومين شاسعين عن الأمصار، كأنّنا أولاد تُرْك أو كابل، من غير جُرم اجترمناه، ولا مكروه ارتكبناه، ولا ثُلمة في الإسلام ثلمناها، ما سمعنا بهذا في آبائنا الأوّلين، إن هذا إلاّ اختلاق.

والله، لو أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله تقدَّم إليهم في قتالنا كما تقدّم إليهم في الوصاية

____________________

وخادم معه كرسي، فوضعه وجلس وهو مغلوب على لوعته، فعزّاه الناس، فأومئ إليهم: أن اسكتوا. فسكنت فورتهم، فقال... ) مُثير الأحزان: ١١٣.


بنا لما زادوا على ما فعلوا بنا، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، من مُصيبة ما أعظمها وأوجعها، وأفجعها وأكظّها، وأفظعها وأمرّها وأفدحها، فعند الله نحتسب فيما أصابنا وأبلغ بنا، إنّه عزيز ذو انتقام ) (١) .

ثمّ قام - عليه السلام - ومشى إلى المدينة ليدخلها...(٢) .

تأمُّل ومُلاحظات:

إنّ هذا الخطاب مع قُصره يحتوي على أُمور مُهمّة، نذكر بعضها:

١ - التركيز على حمد الله وثنائه المستمرّ وعلى كلّ حال وفي كلّ الظروف.

٢ - بيان ما وقع في عالم الكون، وأنّ العوالم بما فيها من البحار والسماوات، والأرض والأشجار، والحيتان والملائكة وأهل السماوات و... بكت على الحسين، وأنّ ما حدث مُصيبة ما أعظمها وأوجعها، وأفجعها وأفظعها وأمرّها وأفدحها و...

٣ - بيان عُمق ما ارتكبوه من الفاجعة، بحيث لم يمكن أن يقع أبشع منها، وأنّه لم يُعهد في التاريخ، حتّى لو أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كان أوصاهم بذلك - فرضاً - لما زادوا على ما فعلوا بهم، وإليه يُشير العلاّمة الآية، السيّد مهدي بحر العلوم في قوله:

لو أنّهم أُمِرُوا بالبُغض ما صنعوا

فوق الذي صنعوا لو جدَّ جِدُّهم(٣)

٤ - إيقاظ الناس وتوجيههم على ذلك بلزوم اتّخاذ الموقف، في قوله(ع ليه السلام):( أيّ قلب لا ينصدع لقتله؟! أم أيّ فؤاد لا يحنّ إليه؟! أم أيّ سمعٍ يسمع هذه الثُّلمة التي ثُلمت في الإسلام ولا يُصَمّ؟! ) .

____________________

(١) الملهوف: ٢٢٨؛ مُثير الأحزان: ١١٣؛ ينابيع المودّة ٣/ ٩٣ بتفاوت يسير.

(٢) ينابيع المودّة ٣/ ٩٣.

(٣) عبرات المصطفين ٢/ ٣٥٩.


في المدينة المنوّرة

حالة أهل البيتعليهم‌السلام حين دخولهم المدينة:

قال الشيخ ابن نما الحِلّي يصف الحالة: ثمّ دخل زين العابدينعليه‌السلام وجماعته دار الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله فرآها مُقفرة الطلول، خالية من سُكَّانه، خالية بأحزانه، قد غشيها القدر النازل، وساورها الخطب الهائل، وأطلَّت عليها عذابات المنايا، وأظلّتها جحافل الرزايا، وهي موحشة العرصات، لفقد السادات...

وقـفت عـلى دار الـنبيّ مـحمّد

فـألفيتها قـد أقـفرت عرصاتها

وأمـست خـلاءً من تلاوة قارئٍ

وعـطّل مـنها صومها وصلاتها

وكـانـت مـلاذاً لـلعلوم وجـنّة

من الخطب يغشي المعتقين صلاتها

فـأقوت من السادات من آل هاشم

ولـم يـجتمع بعد الحسين شتاتها

فعيني لقتل السبط عبرى ولوعتي

عـلى فـقده مـا تنقضي زفراتها

فـيا كبدي كم تصبرين على الأذى

أما آن أن يُغني إذن حَسراتها (١)

وقال السيّد محمّد بن أبي طالب الكركي: ( ولما شاهدعليه‌السلام منازل أحبّائه، التي كانت مشارق أنوار الإيمان، ومظاهر أسرار القرآن، ومواطن مصابيح العرفان، ومعادن مجاويع الإحسان، تندب بلسان حالها، وتنحب لفقد رجالها، وتذرف عبراتها من مآقيها، وتصاعد زفراتها من تراقيها، وتُنادي بصوت يُنبئ عن شدّة لوعتها، ويُخبر بحدّة كربتها، ويستخبر كلّ راكب وراجل، وينشد كلّ ظاعن ونازل:

____________________

(١) مُثير الأحزان: ١١٤.


أيـن مَـن كانوا شموسي وبدوري

أيـن مـا كـانوا جمالي وسروري

أيـن مَـن كـانوا حُماتي ورعاتي

وهُداتي حين تعييني أموري...(١)

مُـذ نـأوا بـالبُعد عن إنسان عيني

كـثر الـشامت إذ قـلَّ نـصيري

يـا عـيوني إن تكن عَزَّت دموعي

فـاذرفي بـالدم مـن قـلبٍ كسير

نادى مجلس كراماتهم، ومدارس تلاواتهم، ومقامات عباداتهم، ومحاريب صلواتهم، أين مَن كُتِب رياض الكرم بجودهم وحُماة الأُمم بوجودهم؟ أين عمّاركِ بركوعهم وسجودهم وقوّامكِ في طاعة معبودهم؟ أين مَن كانت حدائق أنعُمهم في فنائكِ مُغدقة، وجداول كرمهم في خلالكِ مُتدفِّقة، وأعلام علومهم منصوبة، وأروقة شرفهم مضروبة؟ كم أضاءوا بمصابيح نفقاتهم ظلمتك؟ وكم آنسوا بنغمات تلاوتهم وحشتك؟ وكم أحيوا بصلاتهم ليلك ونهارك؟ وكم أناروا بنور تهجُّدهم حنادس أسحارك؟

فأجابه صداها بلسان حالها، وأخبره فناؤها بتنكّر أحوالها: رحلوا عن تقنّعي، فسكنوا في بيت الأحزان قلبي، ونأوا عن ربوعي، فأطالوا لطول نواهم كربي، فآهٍ! فيا شوقاه لمواطئ أقدامهم على صعيدي! آه وا أسفاه لانتقال أقمار وجوههم عن منازل سعودي! خابني زماني بإبعادهم عنّي، فأصبح باب سروري مُرتجى، وعاندني دهري إذ أسلبهم منّي، فليس لي بعدهم في الخلق مُرتجى، فيا كلم قلبي ذُبْ أسفاً، فما لك مأوى في رميم عظامي، ويا سقيم جسمي مُتْ كمداً قبل تقضِّي مدّتي وأيّامي...

وشاهد ( صلوات الله عليه ) منازل أحبّائه مُظلمة لوحشتها، مُقفرة لخلوتها،

____________________

(١) هنا عدّة أبيات لم أذكرها مُراعاةً للاختصار.


فكأنّي بلسان حاله قد ناجاها، وببيان مقاله ناداها: يا أيّتها المنازل التي غابت عنها حماتها، وغيّرت صفاتها، وحلّت مرابعها، وأقوت مجامعها، حزني لفقد عُمَّارك سرمد، ووجدي لبُعد سمائك لا ينفد، وأنباء مُصيبتهم تُرسل عبراتي، وأحاديث محنتهم تُهيِّج حسراتي، وديارهم الخالية تُحرق قلبي، وربوعهم الخاوية تُذهل لُبِّي، وكيف لا يقدح زند الفراق نار الاشتياق في جوانحي وأحشائي، ويُفرغ فرط الغرام ثوب السقام على جوارحي وأعضائي...؟! )(١) .

حالة المدينة بعد دخول حرم الحسينعليه‌السلام :

قال الخوارزمي: ( قالوا: ولما دخل حرم الحسينعليه‌السلام المدينة عجّت نساء بني هاشم، وصارت المدينة صيحةً واحدة... )(٢) .

وقال ابن فتّال النيسابوري: (... حتّى دخلوا المدينة، فلم يُسمَع واعية مثل واعية بني هاشم في دورهم على الحسين بن عليّ (عليهما السلام ) )(٣) .

رثاء امرأة من بنات عبد المطّلب:

روى ابن الجوزي، بإسناده عن عمّار الدهني، عن أبي جعفر قال: [ لما ] قدموا المدينة خرجت امرأة من بنات عبد المطّلب ناشرةً شعرها واضعةً كُمّها على رأسها تلقّاهم وتقول:

ماذا تقول إن قال النبيّ لكم

ماذا فعلتم وأنتم آخر الأُمم

____________________

(١) تسلية المجالس ٢/ ٤٦٤.

(٢) مقتل الخوارزمي ٢/ ٧٦، ثمّ ذكر بعد ذلك ضحك عمرو بن سعيد أمير المدينة وتمثُّله بقول عمرو بن معدي كرب الزبيدي وخطبته على المنبر، وهو ما ذكرناه بعد وصول رأس الحسينعليه‌السلام المدينة، فلا نُعيد.

(٣) روضة الواعظين ١/ ١٩٢.


بـعـترتي وبـأهلي بـعد مُـفتقدي

مـنهم أُسـارى وقـتلى ضُرِّجوا بدم

مـا كـان هذا جزائي إذ نصحت لكم

أن تخلفوني بسوءٍ في ذوي رحمي(١)

عند مسجد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله :

قال العلاّمة المجلسي (رحمه الله): ( روي في بعض مؤلّفات أصحابنا: قال الراوي: ( وأمّا زينب، فأخذت بعَضادَتي باب المسجد، ونادت: ( يا جدّاه، إنّي ناعية إليك أخي الحسين )، وهي مع ذلك لا تجفّ لها عبرة، ولا تفتر من البكاء والنحيب، وكلّما نظرت إلى علي بن الحسين تجدّد حزنها، وزاد وجدها )(٢) .

لبس السواد وإقامة المأتم:

روى البرقي، بإسناده عن عمر بن علي بن الحسين، قال: ( لما قُتل الحسين بن عليعليه‌السلام لبس نساء بني هاشم السواد والمسوح، وكنّ لا يشتكين من حرّ ولا برد، وكان عليّ بن الحسين يعمل لهنَّ الطعام للمأتم )(٣) .

مُكافأة الحرس:

لقد شكرت العلويّات كلّ الذين قاموا برعايتهنّ من الشام حتّى المدينة، قال الشبلنجي: ( وكان [ الرجل الحارس ] يسألهم عن حالهم ويتلطّف بهم في جميع

____________________

(١) الردّ على المتعصّب العنيد: ٥١. وروي نحوه في: البدء والتاريخ ٦/ ١٢؛ البداية والنهاية ٨/ ١٩٩ و٢٠٠؛ تهذيب الكمال: ٤٢٩ بتفاوت يسير.

لقد ذكرنا - فيما سبق - رثاء ابنة عقيل حينما ورد خبر مقتل الإمام الحسينعليه‌السلام إلى المدينة، إلاّ أنّ بعض المؤرِّخين - كما ذكرنا أسماءهم آنفاً - روى ذلك بعد وصول حرم الحسينعليه‌السلام المدينة، وهو لا يُنافي ما سبق، إذ هما أمران إيجابيّان لا مانع من جمعهما وتكرُّرهما في زمانين.

(٢) بحار الأنوار ٤٥/ ١٩٨.

(٣) المحاسن: ٤٢٠، باب الإطعام، باب ٢٦، ح١٩٦، عنه بحار الأنوار ٤٥/ ١٨٨ ح٣٣.


أُمورهم، ولا يشقُّ عليهم في مسيرهم إلى أن دخلوا المدينة، فقالت فاطمة بنت الحسين لأُختها سكينة: قد أحسن هذا الرجل إلينا، فهل لكِ أن تصليه بشيء؟

فقالت: والله، ما معنا ما نصله به، إلاّ ما كان من هذا الحُلْيّ.

قالت: فافعلي. فأخرجتا له سوارين ودُملجين وبعثا بهما إليه فردّهم، وقال: لو كان الذي صنعته رغبةً في الدُّنيا لكان في هذا مُقنِع بزيادة كثيرة، ولكنّي - والله - ما فعلته إلاّ لله، ولقرابتكم من رسول الله (صلَّى الله عليه وسلَّم) )(١) .

ولقد ذكرنا فيما سبق في مبحث ( حُسن المعاملة في الطريق) ما يدلّ على ذلك، إلاّ أنّ الكلام جرى بين فاطمة بنت علي وأُختها زينب (سلام الله عليهما)، وأنّ التي أرسلت السوار والدُّملج إلى ذلك الرجل هي زينبعليها‌السلام ، وهو الأنسب(٢) .

ولكنّ الإمام زين العابدينعليه‌السلام كافأ بعضهم بأحسن ما يُمكن وفوق ما يُتصوَّر.

روى الطبري الإمامي، بإسناده عن أبي نمير عليّ بن يزيد، قال: ( كنت مع عليّ بن الحسينعليه‌السلام عندما انصرف من الشام إلى المدينة، فكنت أُحسِن إلى نسائه وأتوارى عنهم عند قضاء حوائجهم، فلما نزلوا المدينة بعثوا إليّ بشيء من حُليِّهنّ فلم آخذه، وقلت: فعلت هذا لله عزّ وجلّ (ولرسوله خ). فأخذ عليّ بن الحسينعليه‌السلام حجراً أسود أصمّ، فطبعه بخاتمه، ثمّ قال:( خُذْه وسل كلّ حاجة لك منه، فوالله الذي بعث محمّداً بالحقّ، لقد كنت أسأله الضوء في البيت فينسرج في الظلماء، وأضعه على الأقفال فتُفتح لي، وآخذه بين يدي السلاطين فلا أرى إلاّ ما أُحبّ ) )(٣) .

____________________

(١) نور الأبصار: ١٣٢.

(٢) ذكر ذلك تاريخ الطبري ٤/ ٢٥٤ والكامل في التاريخ ٤/ ٨٨ ومقتل الخوارزمي ٢/ ٧٤ والبداية والنهاية ٨/ ١٩٧.

(٣) دلائل الإمامة: ٢٠١ ح١١٩، اُنظر: نوادر المعجزات ١١٦/ ٧؛ إثبات الهُداة ٣/ ٢٦، ب ١٧، ف٢٢، ح٦١؛ مدينة المعاجز ٤/ ٢٥٩، ح١٢٩٣.


هدم بيوت تتعلّق بأُسرة الحسينعليه‌السلام :

وممّا يكشف القناع عن سياسة القمع الأُموي، ما ارتكبوه من هدمٍ لبعض البيوت التي تتعلّق بأُسرة أبي عبد اللهعليه‌السلام ، وهذا هو تأييد آخر لما ذكرناه مراراً.

قال القاضي نعمان: ( وروي عن جعفر بن محمّدعليه‌السلام أنّه قال:( أُصيب الحسين عليه‌السلام وعليه دين بضع وسبعون ألف دينار.

( قال: )وكفّ يزيد عن أموال الحسين عليه‌السلام ، غير أنّ سعيد بن العاص هدم دار عليّ بن أبي طالب، ودار عقيل ودار الرباب بنت امرئ القيس، وكانت تحت الحسين، وهي أُمّ سكينة ) (١) .

وهذا هو تأييد آخر لما هو مُسلّم في التاريخ، وركّزنا عليه وأكّدناه مراراً، وقلنا: إنّ ما هو يظهر من بعض الكُتب من إظهار يزيد الحزن على ما وقع لم يكن إلاّ كذباً ونفاقاً وزور، وإلاّ فلماذا هذا الفعل الشنيع؟!

لاحظوا ما قيل من طلب يزيد من الإمامعليه‌السلام أن يكتب إليه كتاباً إذا اضطرّ إلى أمر! ثمّ يفعل بهم هذا!

إقامة العزاء على الحسينعليه‌السلام :

روى القاضي نعمان عن الإمام جعفر بن محمّدعليه‌السلام أنّه قال:

( نيحَ على الحسين بن علي سنة كاملة كلّ يوم وليلة، وثلاث سنين من اليوم الذي أُصيب فيه، وكان المسور بن مخرمة وأبو هريرة وتلك المشيخة من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يأتون مُستترين ومُقنّعين، فيسمعون ويبكون )(٢) .

____________________

(١) شرح الأخبار ٣/ ٢٦٩، ح١١٧٣.

(٢) دعائم الإسلام ١/ ٢٢٧.


وهذا الخبر يدلّ على مدى حزن الهاشميّين، واهتمامهم بعزاء سيّد الشهداءعليه‌السلام ، بحيث حزنوا كأشدّ ما يكون الحزن واللوعة، واستمرّوا على ذلك؛ إبقاءً لذكر أبي عبد اللهعليه‌السلام واستمراراً لنهجه.

نَوْحُ الجِنّ:

قال الزرندي: روى جعفر بن محمّد، عن أبيهعليهما‌السلام قال:( نيحَ (على) الحسين بن علي ثلاث سنين، وفي اليوم الذي قُتِل فيه، فكان وائلة بن الأصقع، ومروان بن الحَكم، ومسور بن مخرمة، وتلك المشيخة من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يجيئون فيسمعون نوح الجنّ ويبكون ) (١) .

رثاء أُمّ البنين:

روي عن صاحب رياض الأحزان أنّه قال: ( وأقامت أُمّ البنين زوجة أمير المؤمنين العزاء على الحسينعليه‌السلام ، واجتمع عندها نساء بني هاشم يندبن الحسين وأهل بيته )(٢) .

وقال المامقاني: ( ويُستفاد قوّة إيمانها... أنّ بِشْراً كلّما نعى إليها بعد وروده المدينة أحداً من أولادها الأربعة قالت - ما معناه -: أخبرني عن الحسينعليه‌السلام ، فلما نعى إليها الأربعة قالت: قد قطّعت أنياط قلبي، أولادي ومَن تحت الخضراء كلّهم فداءً لأبي عبد الله الحسينعليه‌السلام )(٣) .

قال أبو الفرج الإصفهاني: ( وكانت أُمّ البنين... تخرج إلى البقيع فتندب بنيها

____________________

(١) نظم درر السمطين: ٢٢٤، عنه إحقاق الحقّ ١١/ ٥٨٩.

(٢) رياض الأحزان: ٦٠، على ما في هامش شرح الأخبار ٣/ ١٨٦.

(٣) تنقيح المقال ٣/ ٧٠.


أشجى ندبة وأحرقها، فيجتمع الناس إليها يسمعون منها، فكان مروان يجيء فيمَن يجيء لذلك، فلا يزال يسمع ندبتها ويبكي!

ذكر ذلك عليّ بن محمّد بن حمزة، عن النوفلي: عن حمّاد بن عيسى الجهني، عن معاوية بن عمّار، عن جعفر بن محمّد )(١) .

وقال أبو الحسن الأخفش في شرح الكامل: ( وقد كانت تخرج إلى البقيع كلّ يوم ترثيه، تحمل ولده ( أي ولد العبّاسعليه‌السلام ) عبيد الله، فيجتمع لسماع رثائها أهل المدينة وفيهم مروان بن الحَكم، فيبكون لشَجى الندبة.

ومن قولها (رضي الله عنها):

يا مَن رأى العبّاس كرَّ على جماهير النقد

ووراه من أبناء حيدر كلّ ليثٍ ذي لبد

أُنْبِئتُ أنّ ابني أُصيب برأسه مقطوع يد

ويلي على شبلي أمال برأسه ضرب العَمد

لو كان سيفك في يديك لما دنا منك أحد

وقولها أيضاً:

لا تـدعونَّي ويـكَ أُمّ الـبنين

تُـذكّـريني بـليوث الـعرين

كـانت بـنون لـي أُدعى بهم

قد واصلوا الموت بقطع الوَتين

تُـنازع الـخرصان أشـلاءهم

فـكلّهم أمـسى صريعاً طعين

يـا لـيت شِعْرِي أكما أخبروا

بأنّ عبّاساً قطيع اليمين )(٢)

____________________

(١) مقاتل الطالبيين: ٩٠.

(٢) شرح الكامل، على ما في هامش شرح الأخبار ٣/ ١٨٦.


حزن وبكاء الرباب بنت امرئ القيس ورثاؤها:

لقد حزنت الرباب زوجة الإمام الحسينعليه‌السلام حزناً بالغاً، ووجدت عليه وجداً شديداً، وقد أبدت من الوفاء شيئاً غريباً.

قال ابن الأثير: ( وكان مع الحسين امرأته الرباب بنت امرئ القيس، وهي أُم ابنته سكينة، وحُملت إلى الشام فيمَن حُمل من أهله، ثمّ عادت إلى المدينة، فخطبها الأشراف من قريش، فقالت: ما كنت لأتَّخذ حموّاً بعد رسول الله (صلَّى الله عليه وسلَّم). وبقيت بعده سنة لم يُظلّها سقف بيت حتّى بليت وماتت كَمَداً )(١) .

وقال ابن كثير: ( ولما قُتل (الحسينعليه‌السلام ) بكربلاء كانت (رباب) معه، فوجدت عليه وجداً شديداً... وقد خطبها بعده خلقٌ كثير من أشراف قريش، فقالت: ما كنت لأتّخذ حموّاً بعد رسول الله (صلَّى الله عليه وسلَّم)، ووالله، لا يؤويني ورجلاً بعد الحسين سقف أبداً، ولم تزل عليه كَمِدة حتّى ماتت. ويُقال: إنّها عاشت بعده أيّاماً يسيرة، فالله أعلم )(٢) .

وما ذكر من إقامتها على قبر أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام سنة، ثمّ رجوعها إلى المدينة قائلة:

إلى الحول ثمّ اسمُ السلام عليكما

ومَن يبكِ حولاً كاملاً فقد اعتذر(٣)

ممّا لا يُمكننا المساعدة عليه، وهو بعيد جدّاً، والمستفاد من البيت البكاء على الحسينعليه‌السلام سنة لا البقاء على قبره الشريف؛ ولذلك ذكر بعض المؤرِّخين ذلك بقول: (قيل). الدالّ على ضعفه(٤) .

____________________

(١) الكامل في التاريخ ٤/ ٨٨.

(٢ و٣) البداية والنهاية ٨/ ٢١٢.

(٤) الكامل في التاريخ ٤/ ٨٨.


نعم، قال سبط ابن الجوزي: ( وعاشت بعد الحسين سنة، ثمّ ماتت كَمَداً، ولم تستظلّ بعد الحسين بسقف )(١) .

وبذلك يُستظهر أنّها قالت ذلك البيت في آخر أيّام حياتها، ولعلّها أنشدته حينما رأت بوادر الموت وعلمت بفراق الروح من الجسم، وإلاّ فمن شأنها أن تكون على هذه الحالة إلى آخر أيّام حياتها ولو طالت.

وذكر بعض المؤرِّخين، أنّها رثته رثاءً حزيناً، فقالت فيه:

إنّ الـذي كـان نوراً يُستضاء به

بـكربلاء قـتيل غـير مـدفون

سـبط الـنبيّ جـزاك الله صالحةً

عـنّا وحُـبيت خـير الـموازين

قـد كـنت جـبلاً صـعْبَاً ألوذ به

وكـنت تَـصحبنا بالرحم والدِّين

مَـن لـليتامى ومَن للسائلين ومَن

يُـغني ويـأوي إلـيه كلّ مسكين

والله لا أبـتغي صـهراً بصهركم

حتّى أُغيَّب بين الرمل والطين(٢)

رثاء عاتكة بنت زيد:

قيل: إنّه بلغ من وفاء أزواج الإمام الحسينعليه‌السلام أنّ زوجته السيّدة عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل كانت تنوح عليه، وقد رثته بذوب روحها قائلةً:

وا حـسيناً فـلا نسيتُ حسينا

أَقْـصَـدَتْه أسِـنّـةُ الأعـداء

غـادروه بـكربلاء صـريعاً

لا سَقى الغيثُ بعده كربلاء(٣)

هذا، ولكن نُسبت هذه الأبيات - مع تفاوتٍ يسير - إلى رباب زوجة الإمام

____________________

(١) تذكرة الخواص: ٢٦٥.

(٢) اُنظر الأغاني ١٦/ ١٤٧.

(٣) مُعجم البلدان ٤/ ٥٠٥، رقم ١٠١٧٦.


الحسين، وأنّها رثت بها الحسينعليه‌السلام في الشام، بعدما أخذت رأسه وقبّلته ووضعته في حجرها وقالتها(١) .

أُمّ سلمة تردُّ الأمانات إلى أهلها:

روى الشيخ الكليني أيضاً، بإسناده عن أبي بكر الحضرمي، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال: ( إنّ الحسين صلوات الله عليه لما صار إلى العراق استودع أُمّ سلمة (رضي الله عنها) الكُتب والوصيّة، فلما رجع عليّ بن الحسينعليه‌السلام دفعتها إليه )(٢) .

ونحوه ما ذكره المسعودي بقوله: ( ثمّ أحضر ( أي الإمام الحسينعليه‌السلام ) عليّ بن الحسينعليه‌السلام وكان عليلاً، فأوصى إليه بالاسم الأعظم ومواريث الأنبياءعليهم‌السلام وعرّفه أن قد دفع العلوم والصُّحُف والسلاح إلى أُمّ سلمة (رضي الله عنها)، وأمرها أن تدفع جميع ذلك إليه )(٣) .

وقال أيضاً: ( فلما قرب استشهاد أبي عبد اللهعليه‌السلام دعاه ( أي عليّ بن الحسينعليه‌السلام )، وأوصى إليه، وأمره أن يتسلّم ما خلّفه عند أُمّ سلمة - رحمها الله - مع مواريث الأنبياء والسلاح والكتاب )(٤) .

وهذا أيضاً ممّا يدلّ على مدى جلالة وعظمة أُمّ سلمة رضوان الله عليها، بحيث إنّها كانت مؤتمنة عند الرسول وآله إلى آخر أيّام حياتها، والأشياء التي حفظتها هي الأشياء التي لابدّ أن تكون عند حجّة الله في الأرض في كلّ زمان.

وممّا يُظهر أهمّية ذلك ما رواه الفقيه ابن حمزة الطوسي، عن أبي خالد الكابلي أنّه

____________________

(١) تاريخ الفرماني على ما في هامش شرح الأخبار ٣/ ١٧٨.

(٢) الكافي ١/ ٢٤٢، ح٣؛ الغيبة ١٩٥/ ١٥٩؛ المناقب ٤/ ١٧٢؛ إعلام الورى: ٢٥٢.

(٣) إثبات الوصيّة: ١٤٢.

(٤) إثبات الوصيّة: ١٤٥.


قال: ( لما قُتِل أبو عبد الله الحسين صلوات الله عليه، وبقيت الشيعة مُتحيّرة، ولزم عليّ بن الحسين ( صلوات الله عليهما ) منزله، اختلفت الشيعة إلى الحسن بن الحسن، وكنت فيمَن يختلف إليه، وجعلت الشيعة تسأله عن مسألة ولا يُجيب فيها، وبقيت لا أدري مَن الإمام مُتحيّراً، وإنّي سألته ذات يوم فقلت له: جُعلت فداك، عندك سلاح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟

فغضب، ثمّ قال: يا معشر الشيعة، تعنُّونا ( تَعيبوننا خ)؟!

فخرجت من عنده حزيناً كئيباً، لا أدري أين أتوجّه، فمررت بباب عليّ بن الحسين زين العابدين عليه الصلاة والسلام قائم الظهيرة، فإذا أنا به في دهليزه قد فتح بابه، فنظر إليّ فقال:( يا كنكر ) . فقلت: جُعلت فداك، والله، إنّ هذا الاسم ما عرفه أحد إلاّ الله عزّ وجلّ وأنا، وأُمّي كانت تُلقّبني به وتُناديني وأنا صغير.

قال: فقال لي:( كنت عند الحسن بن الحسن؟! ) .

قلت: نعم.

قال:( إن شئت حدّثتك، وإن شئت تحدّثني ) .

فقلت: بأبي أنت وأُمّي! فحدّثني.

قال:( سألتَه عن سلاح رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال: يا معشر الشيعة، تعنّونا؟ ) .

فقلت: جُعلت فداك، كذا - والله - كانت القضيّة.

فقال للجارية:( ابعثي إليّ بالسفط ). فأخرجتْ إليه سفطاً مختوماً، ففضّ خاتمه وفتحه، ثمّ قال:( هذه درع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ) . ثمّ أخذها ولبسها، فإذا هي إلى نصف ساقه، قال: فقال لها:( اسبغي ) . فإذا هي تنجرّ في الأرض، ثمّ قال:( تقلّصي ). فرجعت إلى حالها، ثمّ قال صلوات الله عليه:( إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إذا لبسها قال لها هكذا، وفعلت هكذا مثله ) )(١) .

____________________

(١) الثاقب في المناقب: ٣٦٣، ح٣٠٢، اُنظر: المناقب ٤/ ١٣٥؛ الهداية الكبرى: ٢٢٥؛ مدينة المعاجز ٤/ ٤٢٢، ح١٤٠٦.


فاطمة بنت الحسينعليه‌السلام تردّ الأمانات إلى أهلها:

روى الشيخ الكليني (رحمه الله)، بإسناده عن أبي الجارود، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال:( إنّ الحسين بن عليّ عليهما‌السلام لما حضره الذي حضره دعا ابنته الكبرى فاطمة بنت الحسين عليه‌السلام ، فدفع إليها كتاباً ملفوفاً ووصيّة ظاهرة، وكان عليّ بن الحسين عليهما‌السلام مبطوناً معهم، لا يرون إلاّ أنّه لما به، فدفعَت فاطمة الكتاب إلى عليّ بن الحسين عليه‌السلام ، ثمّ صار - والله - ذلك الكتاب إلينا يا زياد ) .

قال: قلت: ما في ذلك الكتاب، جعلني الله فداك؟

قال:( فيه - والله - ما يحتاج إليه وُلْد آدم منذ خلق الله آدم إلى أن تفنى الدُّنيا، والله، إنّ فيه الحدود، حتّى أنّ فيه أرش الخدش ) (١) .

ويبدو أنّ هذه غير الأمانات التي قامت بردّها أُمّ سلمة، فيظهر أنّ الإمامعليه‌السلام قسّم الأمانات والوصيّة وبعض المواريث إلى قسمين، فجعل بعضها بيد ابنته فاطمة، والآخر بيد أُمّ سلمة، لكي يُسلِّماهما من بعده إلى حُجّة الله في أرضه. هذا وعقولنا قاصرة عن إدراك ذلك تفصيلاً.

استمرار بكاء وحزن الإمام زين العابدينعليه‌السلام :

روى الشيخ الصدوق، عن أبي عبد الله جعفر بن محمّد الصادقعليه‌السلام أنّه قال:

( البكّاءون خمسة: آدم، ويعقوب، ويوسف، وفاطمة بنت محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعليّ بن الحسينعليهما‌السلام . فأمّا آدم، فبكى على الجنّة حتّى صار في خدّيه أمثال الأودية، وأمّا يعقوب، فبكى على

____________________

(١) اُنظر: بصائر الدرجات: ١٦٨، ح٢٤؛ المناقب ٤/ ١٧٢؛ إثبات الوصيّة: ١٤٢.


يوسف حتّى ذهب بصره، وحتّى قيل له: ( ... تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ ) (١) ،وأمّا يوسف، فبكى على يعقوب حتّى تأذّى به أهل السجن، فقالوا: إمّا أن تبكي بالنهار وتسكت بالليل، وإمّا أن تبكي بالليل وتسكت بالنهار، فصالحهم على واحد منهما، وأمّا فاطمة بنت محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله فبكت على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله حتّى تأذّى بها أهل المدينة، وقالوا لها: قد آذيتنا بكثرة بكائك. فكانت تخرج إلى مقابر الشهداء، فتبكي حتّى تقضي حاجتها ثمّ تنصرف، وأمّا عليّ بن الحسين، فتبكي حتّى تقضي حاجتها ثمّ تنصرف، وأمّا عليّ بن الحسين فبكى على الحسين عليهما‌السلام عشرين سنة أو أربعين سنة، وما وُضِع بين يديه طعام إلاّ بكى، حتّى قال له مولى له: جُعلت فداك، يا بن رسول الله، إنّي أخاف عليك أن تكون من الهالكين، قال: إنّما أشكو بثّي وحزني إلى الله، وأعلم من الله ما لا تعلمون، إنّي لم أذكر مصرع بني فاطمة إلاّ خنقتني لذلك عَبْرة ) (٢) .

وقال ابن نما: ( فقد رويت عن والدي رحمة الله عليه، أنّ زين العابدينعليه‌السلام كان - مع حِلمه الذي لا توصف به الرواسي وصبره الذي لا يبلغه الخلّ المواسي - شديد الجزع والشكوى لهذه المصيبة والبلوى، بكى أربعين سنة بدمع مسفوح وقلب مقروح، يقطع نهاره بصيامه وليله بقيامه، فإذا أُحضِر الطعام لإفطاره ذكر قتلاه وقال: وا كرباه، ويُكرِّر ذلك ويقول: قُتِل ابن رسول الله جائعاً، قتل ابن رسول الله عطشانا حتّى يبلّ [بالدمع] ثيابه )(٣) .

____________________

(١) يوسف: ٨٥.

(٢) أمالي الصدوق: ٢٠٤، مجلس ٢٩، ح٥؛ الخصال ٢٧٢/ ١٥٤. وروى الفتّال النيسابوري آخره.

(٣) مُثير الأحزان: ١١٥.


وقال: ( قال أبو حمزة الثمالي: سُئلعليه‌السلام عن كثرة بكائه، فقال:

( إنّ يعقوب فَقَدَ سبطاً من أولاده فبكى عليه حتّى ابيضّت عيناه وابنه حيّ في الدُّنيا، ولم يعلم أنّه مات، وقد نظرت إلى أبي وسبعة عشر من أهل بيتي قُتلوا في ساعة واحدة، فترون حزنهم يذهب من قلبي؟! ) (١) .

وقال السيّد ابن طاووس: ( فاسلك أيّها السامع بهذا المصاب مسلك القدوة من حملة الكتاب، فقد روي عن مولانا زين العابدينعليه‌السلام - وهو ذو الحِلم الذي لا يبلغ الوصف إليه - أنّه كان كثير البكاء لتلك البلوى، عظيم البثّ والشكوى، فروي عن الصادقعليه‌السلام أنّه قال:( إنّ زين العابدين عليه‌السلام بكى على أبيه أربعين سنة، صائماً نهاره، قائماً ليله، فإذا حضره الإفطار جاء غلامه بطعامه وشرابه فيضعه بين يديه، فيقول: كُلْ يا موالاي. فيقول: قُتِل ابن رسول الله جائعاً، قُتل ابن رسول الله عطشاناً. فلا يزال يُكرّر ذلك ويبكي حتّى يبلّ طعامه من دموعه، ويمتزج شرابه منها، فلم يزل كذلك حتّى لحق بالله عزّ وجلّ ) (٢) .

وروى الخوارزمي، بإسناده عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي جعفر محمّد بن علي الباقرعليه‌السلام قال:( كان أبي عليّ بن الحسين عليه‌السلام إذا حضرت الصلاة يقشعرّ جلده، ويصفرّ لونه، وترتعد فرائصه، ويقف شعره، ويقول - ودموعه تجري على خدّيه -: لو علم العبد مَن يُناجي ما انفتل ).

وبرز يوماً إلى الصحراء، فتبعه مولى له، فوجده قد سجد

____________________

(١) المصدر السابق.

(٢) الملهوف: ٢٣٣.


على حجارة خشنة، قال مولاه: فوقفت حيث أسمع شهيقه وبكاءه، فوالله، لقد أحصيت عليه ألف مرّة وهو يقول:( لا إله إلاّ الله حقّاً حقّاً، لا إله إلاّ الله تعبّداً ورقّاً، لا إله إلاّ الله إيماناً وصدقاً ) . ثمّ رفع رأسه من سجوده وإنّ لحيته ووجهه قد غُمرا بالماء من دموع عينيه، فقال له مولاه: يا سيّدي، أما آن لحزنك أن ينقضي، ولبكائك أن يقلّ؟! فقال له:( ويحك! إنّ يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم كان نبيّاً ابن نبيّ، وله اثنا عشر ابناً، فغيّب الله تعالى واحداً منهم، فشاب رأسه من الحزن، واحدودب ظهره من الغمّ، وذهب بصره من البكاء وابنه حيّ في دار الدُّنيا، وأنا رأيت أبي وأخي وسبعة وعشرين (١) من أهل بيتي صرعى مقتولين، فكيف ينقضي حزني ويقلّ بكائي؟! ) (٢) .

وقال الأربلي: وعن جعفر بن محمّدعليهما‌السلام قال:( سُئل عليّ بن الحسين عن كثرة بكائه، قال: لا تلوموني، فإنّ يعقوب فَقَدَ سِبْطاً من ولده فبكى حتّى ابيضّت عيناه ولم يعلم أنّه مات، وقد نظرت إلى أربعة عشر رجلاً من أهل بيتي في غداة واحدة قتلى، فترون حزنهم يذهب من قلبي؟! ) (٣) .

____________________

(١) جاء في نقل الملهوف: سبعة عشر، وهو الصحيح، وهناك قرائن على صحّة هذا النقل.

(٢) مقتل الخوارزمي ٢/ ١٢٤. ورواه السيّد ابن طاووس مُرسلاً بتفاوت يسير (الملهوف: ٢٣٤).

(٣) كشف الغمّة ٢/ ١٠٢.


دور الإمام زين العابدينعليه‌السلام في استمرار الرسالة:

إنّ الإمامعليه‌السلام قد أدّى في دوره بأحسن ما يمكن، بالنسبة إلى استمرار الرسالة الحسينيّة، وتثبيت دعائمها، وثمرتها وتربية النفوس عليها، وذلك بعدّة أُمور:

١ - تثبيت أمر الإمامة: إنّ السلطة الغاشمة والزمرة الحاكمة أرادت وأحبّت أن ترى انخماد كلّ شيء بعد مقتل أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام ، ولكنّ الإمامعليه‌السلام بدوره أثبت أنّ الإمامة أمرٌ خارج عن نطاق إرادة البشر، وأنّها أمر إلهي يُلازمها لطف ربّاني، وعناية ربّانيّة مخصوصة، وبذلك يحمل ما جرى بينهعليه‌السلام وبين عمّه محمّد بن الحنفيّة(١) ، وممّا يؤيّد ذلك ما ذكرناه في رواية أبي خالد الكابلي آنفاً.

٢ - تربية الناس: إنّ الإمامعليه‌السلام بما أنّه يمتلك قوّة وموهبة إلهيّة، فقد قام بتربية الناس، وذلك عبر كلماته ومواعظه التي ربَّما كانت تُلقى في يوم الجمعة، وفي مسجد رسول اللهعليه‌السلام ، ومعلوم أنّ حضور الناس في يوم الجمعة يختلف عمّا سواه.

روى ورّام بن أبي فراس، عن سعيد بن المسيب أنّه قال: ( كان عليّ بن الحسين يعظ الناس، ويُزهّدهم في الدُّنيا، ويرغّبهم في الآخرة بهذا الكلام في كلّ جمعة في مسجد الرسول )(٢) .

٣ - بثّ المعارف الإلهيّة: لما كان الإمامعليه‌السلام يعيش في ظروف سياسيّة شاقَّة جدّاً، فمن الطبيعي أنّه ما كان يسعه أن يحضر الساحة بالنحو المطلوب؛ ولذلك نرى أنّهعليه‌السلام قدّم ثروة علميّة عظيمة في قالب الدُّعاء، وهو يُعالج أموراً عديدة في جوانب مُختلفة، كالمجال التربوي، والعرفاني، والاجتماعي، والسياسي...

____________________

(١) اُنظر الاحتجاج ٢/ ١٤٧ و١٥١.

(٢) تنبيه الخواطر: ٣٦٦.


٤ - الإمام ومسألة أخذ الثأر من قَتَلَة الإمام عليه‌السلام : إنّ المتتبّع في التاريخ ربّما يحصل على قرائن وشواهد عديدة على قيادة الإمامعليه‌السلام مسألة أخذ ثأر قَتَلة الإمام الحسينعليه‌السلام ، وتفصيل ذلك خارج عن عهدة هذا المقال(١) ، بل إنّنا نجد أنّه كان يهتمّ في هذه المسألة في دعائه المستمرّ ليلاً ونهاراً.

قال القاضي نعمان: ( وكان عليّ بن الحسينعليه‌السلام يدعو في كلّ يوم وليلة أن يُريه الله قاتل أبيه مقتولاً، فلما قتل المختار قَتَلَه الحسينعليه‌السلام بعث برأس عبيد الله بن زياد ورأس عمر بن سعد - مع رسول من قِبله - إلى عليّ بن الحسينعليهما‌السلام ، وقال لرسوله: إنّه يُصلّي من الليل، فإذا أصبح وصلّى الغداة هجع ثمّ يقوم [ فيستاك ] فيؤتى بغذائه، فإذا أتيت بابه فاسأل عنه، فإذا قيل لك: إنّ المائدة وضعت بين يديه. فاستأذن عليه وضَعْ الرأسين على [مائدته]، قل له: المختار يقرأ عليك السلام ويقول لك: يا بن رسول الله، قد بلّغك الله ثارك. ففعل الرسول ذلك، فلما رأى علي بن الحسين رأسين على [مائدته] خرّ الله ساجداً، وقال:( الحمد لله الذي أجاب دعائي وبلّغني ثأري من قَتَلة أبي ) ، ودعا للمختار وجزّاه خيراً )(٢) .

وممّا يدلّ على مدى تأثير الإمامعليه‌السلام هو ملاحظة ردود فعل السلطة، نذكر بعضها:

١ - إيذاؤهم له وشتمه على المنبر: ذكر سبط ابن الجوزي، عن ابن سعد أنّ والي المدينة هشام بن إسماعيل المخزومي كان يؤذي علي بن الحسين، ويشتم عليّاً على المنبر وينال منه(٣) .

____________________

(١) اُنظر ذوب النضار: ٩٧ - ٩٨ و١٤٤.

(٢) شرح الأخبار ٣/ ٢٧٠.

(٣) تذكرة الخواص: ٣٢٨.


وقال القاضي نعمان: ( وولّي هشام بن إسماعيل المخزومي المدينة، فنال عليّ بن الحسينعليه‌السلام من الأذى والمكروه عظيماً )(١) .

وهكذا كان دأب سائر الولاة، وإن كانت تختلف أحياناً شدّةً وضعفاً.

٢ - قصد قتل الإمام أو سَمّه: روى الطبري - الإمامي - بإسناده عن إبراهيم بن سعد قال: ( لما كانت واقعة الحَرّة وأغار الجيش على المدينة، وأباحها ثلاثة وجّه بَرْدَعَة الحمار صاحب يزيد بن معاوية (لعنه الله) في طلب عليّ بن الحسينعليهما‌السلام ليقتله أو يسمّه... )(٢) .

دور زينب الكبرى (سلام الله عليها) في استمرار الرسالة:

لقد اطّلع القارئ الكريم على مواقف بطولية لزينب الكبرى في مواطن عديدة، ولم تترك زينب الكبرى هذه الرسالة إلى آخر حياتها، ومن تلك المواطن هي المدينة المنوّرة، فقد أخذت بدورها العظيم تجاه هذه المأساة، بحيث إنّها كانت تُحرّض الناس على أخذ ثأر الحسينعليه‌السلام ، وخطبت بالناس في ذلك، وأثّرت، بحيث لم تتمكّن السلطة أن تتحمّل وجودها بالمدينة، وقامت بنفيها عنها.

روى صاحب (أخبار الزينبات)، بإسناده عن مصعب بن عبد الله، قال: ( كانت زينب بنت عليّ - وهي بالمدينة - تؤلّب الناس على القيام بأخذ ثأر الحسين، فلما قام عبد الله بن الزبير بمكّة وحمل الناس على الأخذ بثأر الحسين وخلع يزيد، بلغ ذلك أهل المدينة، فخطبت فيهم زينب، وصارت تؤلّبهم على القيام للأخذ بالثأر،

____________________

(١) شرح الأخبار ٣/ ٢٦٠، ح١١٦٢.

(٢) دلائل الإمامة: ١٩٨، ح١١٢.


فبلغ ذلك عمرو بن سعيد، فكتب إلى يزيد يُعلمه بالخبر، فكتب إليه أنْ فرّق بينها وبينهم، فأمر أن يُنادي عليها بالخروج من المدينة والإقامة حيث تشاء، فقالت: قد علم الله ما صار إلينا، قُتل خيُّرنا، وانسقنا كما تُساق الأنعام، وحُملنا على الأقتاب، فوالله، لا خرجنا وإن أُهريقت دماؤنا.

فقالت لها زينب بنت عقيل: يا بنة عمّاه، قد صدقنا الله وعده، وأورثنا الأرض نتبوّأ منها حيث نشاء، فطيبي نفساً، وقَرّي عيناً، وسيجزي الله الظالمين، أتريدين بعد هذا هواناً، ارحلي إلى بلد آمن.

ثمّ اجتمع عليها نساء بني هاشم، وتلطّفن معها في الكلام، وواسينها )(١) .

بل المستفاد من بعض النصوص أنّ يزيد لعنه الله هو الذي أشار بنقلها عن المدينة، فقد رُوي عن عبيد الله بن أبي رافع أنّه قال: ( سمعت محمّداً أبا القاسم بن علي يقول: لما قدمت زينب بنت علي من الشام إلى المدينة مع النساء والصبيان، ثارت فتنة بينها وبين عمرو بن سعيد الأشدق والي المدينة من قِبل يزيد، فكتب إلى يزيد يُشير عليه بنقلها من المدينة، فكتب له بذلك، فجهّزها هي ومَن أراد السفر معها من نساء بني هاشم إلى مصر، فقدمتها لأيّام بقيت من رجب )(٢) .

وهذا يدلّ على مدى تأثير زينب الكبرى (سلام الله عليها) في المجتمع، بحيث أحسّت الزمرة الفاسدة الحاكمة بالخطر، وقامت بنفيها عن المدينة.

وأمّا ذهابها إلى مصر أو الشام، والتحقيق في موضع دفنها، فخارج عن عهدة هذا الكتاب، ولكنّ المهمّ التركيز على أنّها أدّت واجبها بنجاح بإبلاغ الرسالة الحسينيّة، وتحمّلت أنواع المشاقّ والآلام في هذا السبيل.

____________________

(١) أخبار الزينبات: ١١٥.

(٢) أخبار الزينبات: ١١٧.


روي بإسناد عن محمّد بن عبد الله، عن جعفر بن محمّد الصادق، عن أبيه، عن الحسن بن الحسن أنّه قال:( لما خرجت عمّتي زينب من المدينة، خرج معها من نساء بني هاشم فاطمة ابنة الحسين وأُختها سكينة ) (١) .

وقال: وبالسند المرفوع إلى رقيّة بنت عقبة بن نافع الفهري، قالت: كنت فيمَن استقبل زينب بنت علي لما قدمت مصر بعد المصيبة، فتقدّم إليها مسلمة بن مخلد، وعبد الله بن الحارث، وأبو عميرة المزني، فعزّاها مسلمة وبكى وبكت وبكى الحاضرون، وقالت: هذا ما وعد الرحمان وصدق المرسلون...

* * *

وهكذا كانت حركة المسيرة المظفّرة، وهذا هو تاريخ الركب الحسيني الطاهر. ولنختم الكتاب بما أورده الباعوني بقوله:

( ولم تَقُمْ لبني حرب بعدهم قائمة، حتّى سلبهم الله مُلكهم، وقطع دابرهم، وأورثهم اللعنة والخزي والعار إلى آخر الأبد، وكتب عبد الملك بن مروان إلى الحجّاج بن يوسف: جنّبني دماء أهل البيت، فأنّي رأيت بني حرب سلبوا مُلكهم لما قتلوا الحسين )(٢) .

١/ ذو القعدة/ ١٤١٩هـ

محمد أمين الأميني       

____________________

(١) المصدر: ١١٨.

(٢) جواهر المطالب ٢/ ٢٧٨.





فهرس الآيات القرآنية

الآية الكريمة

رقمها

الصفحة

سورة البقرة

لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ

٨٨

٤٣

فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ

١٣٧

٩١، ٩٢

كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ

٢٤٩

٢٣٥

سورة آل عمران

تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء

٢٦

١١١

قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ

٢٦

١٢٩

وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً

١٦٩

١٥٦، ١٦١

ولا يحسبنّ الّذين كفروا أنّما نملي لهم خيرٌ لأنفسهم

١٧٨

٣٠، ١٥٦، ١٥٩

سورة النساء

وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا

٩٣

٤٣

فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ

١١٩

٦٠


سورة المائدة

فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ

٥٦

٢٣٦

سورة الأنعام

سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حِكِيمٌ عَلِيمٌ

١٣٩

٦١

سورة الأعراف

رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا

٢٣

٣٨٩

سورة الأنفال

وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ

٤١

٩٤، ١٩٠

سورة التوبة

يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ

٣٢

٢٣٥

سورة هود

وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً... وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً

٥٠، ٦١

٢٠٥

أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ

٩٥

٤٧

سورة يوسف

وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ

٨٢

٨٣


تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً

٨٥

٤١٦

سورة إبراهيم

وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ

٤٢

٣١٦

سورة الإسراء

وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ

٢٦

٩٣، ١٩٠

وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ

٦٠

٤٤

وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ

٦٠

٤٤

سورة الكهف

أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا

٩

٩٣

سورة الحج

ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ

٦٠

١٣٧، ١٣٨

سورة الروم

ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ

١٠

١٥٥، ١٥٨

ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ

٤١

١٧٨


سورة الأحزاب

إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ

٣٣

٩٤، ١٩٠

إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ

٥٧

٤٣

سورة سبأ

وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً

٢٠

٦٠

سورة الصافات

وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ

١٧١

٢٣٦

وَإِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ

١٧٢

٢٣٦

وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ

١٧٣

٢٣٦

سورة الزمر

اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا

٤٢

١٤٣

سورة الشورى

قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى

٢٣

٦١، ٩٣، ١١٦، ١٨٦، ١٩٠

وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ

٣٠

١٤٢، ١٤٣، ١٤٨


سورة الجاثية

مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ .

٢٤

٣٩

سورة محمّد

فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا

٢٢

٤٤، ٤٦

أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ

٢٣

٤٤، ٤٦

سورة القمر

حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ

٥

٣٩١

سورة الحديد

مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ

٢٢

١٤٢-١٤٤، ١٤٦، ١٤٧

سورة المجادلة

كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ

٢١

٢٣٥

سورة الصف

يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ

٨

٢٣٥

سورة النازعات

أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى

٢٤

٣٩


فهرس المصادر

١ - القرآن الكريم

٢ - نهج البلاغة

٣ - الآثار الباقية عن القرون الخالية، أبو ريحان محمّد بن أحمد البيروني الخوارزمي (ت: ٤٤٠)، مكتبة المثنّى بغداد.

٤ - أبحاث في المِلل والنِّحل، محاضرات الأستاذ الشيخ جعفر السبحاني، مركز مديريّة الحوزة العلميّة بقم.

٥ - أبو الشهداء الحسين بن علي، عبّاس محمود العقّاد، منشورات الشريف الرضيّ، قم.

٦ - الإتحاف بحبُّ الأشراف، الشيخ عبد الله بن محمّد بن عامر الشبراوي، مطبعة الأدبيّة مصر، منشورات الرضيّ، قم.

٧ - إثبات الوصيّة للإمام عليّ بن أبي طالب، أبو الحسن عليّ بن الحسين بن علي المسعودي الهذلي (ت: ٣٤٦ )، منشورات الرضيّ، قم.

٨ - إثبات الهُداة، الشيخ محمد بن الحسن الحُرّ االعاملي، (ت: ١١٠٤).

٩ - الاحتجاج، أبو منصور أحمد بن علي بن أبي طالب، ق٦، دار الأُسوة للطباعة والنشر، إيران.

١٠ - إحقاق الحقّ، القاضي الشهيد السيّد نور الله الحسيني المرعشي التُّستري، (ت: ١٠١٩)، تعليقات آية الله العُظمى النجفي المرعشي، مكتبة آية الله المرعشي النجفي، قم.

١١ - إحياء علوم الدِّين، أبو حامد محمّد بن محمّد الغزالي، (ت: ٥٠٥)، دار المعرفة، بيروت.

١٢ - أخبار الزينبات، المنسوب إلى العلاّمة أبي الحسين يحيى بن الحسن بن جعفر


الحجّة بن عبيد الله الأعرج العُبيدلي بن الحسين الأصغر بن الإمام السجّاد (٢١٤ - ٢٧٧).

١٣ - الأخبار الطوال، أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري، (ت: ٢٨٢)، دار إحياء الكُتب العربيّة، القاهرة.

١٤ - اختيار معرفة الرجال المعروف برجال الكشّي، الشيخ الطوسي (ت: ٤٦٠)، جامعة مشهد، تحقيق حسن المصطفوي.

١٥ - إرشاد في معرفة حُجج الله على العباد، الشيخ المفيد (٣٣٦ - ٤١٣)، تحقيق مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث، قم.

١٦ - إرشاد القلوب، الشيخ أبو محمّد الحسن بن محمّد الديلمي، منشورات الرضيّ، قم، إيران.

١٧ - الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ابن عبد البرّ النمري القرطبي، (ت: ٤٦٣)، (المطبوع بهامش الإصابة ) دار إحياء التراث العربي، بيروت.

١٨ - أُسد الغابة في معرفة الصحابة، ابن الأثير، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

١٩ - إسعاف الراغبين في سيرة المصطفى وفضائل أهل بيته الطاهرين، الشيخ محمّد الصبّان (المطبوع بهامش نور الأبصار).

٢٠ - الإشارات إلى أماكن الزيارات المسمّى زيارات الشام، ابن الحوراني.

٢١ - الأعلام، خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، بيروت.

٢٢ - إعلام الورى، أمين الإسلام أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي (ق٦)، دار المعرفة، بيروت، لبنان.

٢٣ - أعلام النساء في عالمي العرب والإسلام، عمر رضا كحالة، مؤسّسة الرسالة، بيروت.

٢٤ - أعيان الشيعة، العلاّمة السيّد محسن الأمين العاملي، دار التعارف للمطبوعات، بيروت.

٢٥ - الأغاني، أبو الفرج الأصفهاني، (ت: ٣٥٦)، دار الكتب العلمية، بيروت.


٢٦ - الإصابة في تمييز الصحابة، شهاب الدِّين أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت: م ٨٥٢)، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

٢٧ - إقبال الأعمال، رضيّ الدِّين أبو القاسم عليّ بن موسى بن جعفر بن طاووس، (ت: ٦٦٤ أو ٦٦٨)، دار الكُتب الإسلامية، طهران.

٢٨ - الأمالي، للشيخ الصدوق (ت: م٣٨١)، تحقيق قسم الدراسات الإسلاميّة، مؤسّسة البعثة، قم.

٢٩ - الأمالي، للشيخ الطوسي (٣٨٥ - ٤٦٠)، تحقيق قسم الدراسات الإسلامية، مؤسسة البعثة قم.

٣٠ - الأمالي، للشيخ المفيد (ت: ٤١٣)، منشورات جماعة المدرِّسين في الحوزة العلميّة، قم المقدّسة.

٣١ - الإمامة والسياسة، أبو محمّد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (٢١٣ - ٢٧٦)، ط مصر ١٣٨٨، منشورات الرضيّ، قم.

٣٢ - أنساب الأشراف، البلاذري (ق٣)، بإشراف مكتب البحوث والدراسات في دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت.

٣٣ - أنصار الحسين، الشيخ محمّد مهدي شمس الدِّين، المؤسّسة الدولية للدراسات والنشر، بيروت.

٣٤ - أهل البيتعليهم‌السلام في الكتاب المقدّس، أحمد الواسطي، الطبعة الأُولى ١٩٩٧م.

٣٥ - الإيقاد، السيّد محمّد علي الشاه عبد العظيمي، (ت: م١٣٣٤)، تحقيق محمّد جواد الرضوي الكشميري، منشورات الفيروزآبادي.

٣٦ - بحار الأنوار الجامعة لدُرر أخبار الأئمّة الأطهار، العلاّمة المجلسي (ت: ١١١١)، المكتبة الإسلامية طهران.

٣٧ - البدء والتاريخ، مُطهّر بن طاهر المقْدِسي (ت: م ٥٠٧)، ط ١٩٦٢م.

٣٨ - البداية والنهاية، أبو الفداء الحافظ ابن كثير الدمشقي (ت: ٧٧٤)، دار الكُتب العلميّة، بيروت.


٣٩ - بررسي تاريخ عاشوراء، دكتر محمّد إبراهيم آيتي، مكتبة الصدوق، طهران.

٤٠ - البرهان في تفسير القرآن، السيّد هاشم البحراني.

٤١ - بشارة المصطفى، أبو جعفر محمّد بن أبي القاسم محمّد بن علي الطبري، (القرن السادس)، منشورات المكتبة الحيدرية ١٣٨٣هـ.

٤٢ - بصائر الدرجات، أبو جعفر محمّد بن الحسين بن فرُّوخ الصفّار القمّي، (ت: ٢٩٠هـ)، منشورات مكتبة آية الله العُظمى المرعشي النجفي، قم ١٤٠٤.

٤٣ - بلاغات النساء، أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر المعروف بابن طيفور (ت: ٣٨٠)، منشورات مكتبة بصيرتي، قم.

٤٤ - تاج المواليد في مواليد الأئمّة ووفيّاتهم، الطبرسي (ت: ٥٤٨)، المطبوعة في ضمن المجموعة النفيسة.

٤٥ - تاريخ الإسلام، الدكتور حسن إبراهيم حسن - مُعاصر ـ، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

٤٦ - تاريخ الإسلام ووفيّات المشاهير والأعلام، الحافظ شمس الدِّين محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت: ٧٤٨)، بيروت.

٤٧ - تاريخ بغداد أو مدينة السلام، الحافظ أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي (ت: ٤٦٣)، دار الفكر، بيروت.

٤٨ - تاريخ خليفة بن خيّاط، أبو عمرو خليفة بن خيّاط بن أبي هبيرة الليثي العصفري الملقَّب بـ (شبّاب)، (ت: ٢٤٠هـ)، مكتبة دار الباز، مكّة المكرّمة.

٤٩ - تاريخ الخُلفاء، الحافظ جلال الدين السيوطي، (ت: ٩١١)، دار الكتب العلميّة، بيروت.

٥٠ - تاريخ الطبري (تاريخ الأُمم والملوك)، أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري، منشورات الأعلمي، بيروت.

٥١ - تاريخ مختصر الدول، غريغوريوس أبو الفرج بن هرون الطبيب الملطي المعروف بابن العبري (٦٢٣ - ٦٨٥هـ)، دار الرائد اللبناني.


٥٢ - تاريخ مدينة دمشق، الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله الشافعي، المعروف بابن عساكر (٤٩٩ - ٥٧١) المطبوع على الصورة الخطّيّة من المكتبة الظاهرية بدمشق، دار البشير.

٥٣ - تاريخ نيسابور، الحافظ أبو الحسن عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي (ت: ٥٢٩)، الحلقة الأُولى منه المنتخب من السياق، منشورات جماعة المدرِّسين في الحوزة العلميّة في قم المقدّسة، ط ١٤٠٣.

٥٤ - تاريخ اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب بن واضح، الكاتب العبّاسي المعروف باليعقوبي، دار صادر ودار بيروت، بيروت.

٥٥ - تجارب الأُمم، أبو علي مسكويه الرازي (٣٢٠ - ٤٢١) تحقيق الدكتور أبو القاسم إمامي، دار سروش للطباعة والنشر، طهران.

٥٦ - ترجمة ريحانة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الإمام الحسينعليه‌السلام من تاريخ دمشق لابن عساكر، تحقيق الشيخ محمّد باقر المحمودي، مجمع إحياء الثقافة الإسلاميّة.

٥٧ - تذكرة الخواص، سبط ابن الجوزي (٥٨١ - ٦٥٤)، مكتبة نينوى الحديثة طهران.

٥٨ - تزويج عليّعليه‌السلام بنته من عمر، الشيخ المفيد، (ت: ٤١٣)، المؤتمر العالمي لألفيّة الشيخ المفيد، قم.

٥٩ - تسلية المجالس وزينة المجالس ( مقتل الحسينعليه‌السلام )، محمد بن أبي طالب الحسيني الموسوي الحائري الكركي، مؤسّسة المعارف الإسلاميّة.

٦٠ - تفسير العيّاشي، أبو النضر محمّد بن مسعود بن عيّاش السلمي السمرقندي، الانتشارات العلميّة الإسلاميّة، طهران.

٦١ - تفسير فرات الكوفي، أبو القاسم فرات بن إبراهيم بن فرات الكوفي، ق٣، تحقيق محمّد الكاظم، مؤسّسة الطبع والنشر التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، الجمهورية الإسلاميّة في إيران.

٦٢ - تفسير القمّي، أبو الحسن عليّ بن إبراهيم القمّي (ق٣ - ٤)، مطبعة النجف ١٣٨٦، تصحيح السيّد طيب الموسوي الجزائري.


٦٣ - التلخيص ( تلخيص المستدرك على الصحيحين )، الحافظ الذهبي، المطبوع بذيل المستدرك على الصحيحين.

٦٤ - تنقيح المقال، المامقاني.

٦٥ - تنبيه الخواطر (مجموعة ورّام).

٦٦ - توضيح المقاصد، الشيخ بهاء الدِّين محمّد بن الحسين العاملي (ت: ١٠٣٠)، المطبوع مع المجموعة النفيسة.

٦٧ - تهذيب الأحكام: الشيخ الطوسي ٤٦٠، دار الكُتب الإسلامية، طهران.

٦٨ - تهذيب التهذيب، الحافظ شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢)، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، دار الكُتب العلميّة، بيروت.

٦٩ - تهذيب الكمال في أسماء الرجال، الحافظ جمال الدِّين أبو الحجّاج يوسف المزّي (٦٥٤ - ٧٤٢)، تحقيق الدكتور بشّار عوّاد معروف، مؤسّسة الرسالة، بيروت.

٧٠ - الثاقب في المناقب، عماد الدين أبو جعفر محمّد بن علي الطوسي، المعروف بابن حمزة، تحقيق نبيل رضا علوان، دار الزهراء، بيروت.

٧١ - الجامع الصحيح - سُنن الترمذي - أبو عيسى محمّد بن عيسى بن سورة (٢٠٩ - ٢٩٧)، دار عمران، بيروت.

٧٢ - جلاء العيون، العلاّمة المجلسي، الانتشارات العلميّة الإسلامية، طهران.

٧٣ - جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، الفقيه الأكبر الشيخ محمّد حسن النجفي، مؤسّسة التاريخ العربي، بيروت، تحقيق محمود القوچاني.

٧٤ - جواهر المطالب في مناقب الإمام عليّ بن أبي طالب، شمس الدِّين أبو البركات محمّد بن أحمد الدمشقي الباعوني الشافعي (ت: ٨٧١)، مجمع إحياء الثقافة الإسلاميّة.

٧٥ - الجوهر الثمين في سير الملوك والسلاطين، ابن دُقماق (ت: ٨٠٩)، تحقيق


محمّد كمال الدِّين عِزّ الدين علي، عالم الكُتب، بيروت.

٧٦ - حجّة السعادة في حجّة الشهادة.

٧٧ - حماسه حسيني، الشهيد المطهّري، انتشارات صدرا، قم.

٧٨ - حول رأس الحسينعليه‌السلام ، ابن تيمية.

٧٩ - الحيوان، أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (١٥٠ - ٢٥٥)، تحقيق عبد السلام محمّد هارون، مكتبة مصطفى البابي وأولاده، مصر.

٨٠ - حياة الإمام الحسينعليه‌السلام ، باقر شريف القرشي، انتشارات مدرسة الأيرواني.

٨١ - الخرائج والجرائح، الفقيه قُطب الدين الراوندي (ت: ٥٧٣)، تحقيق مؤسّسة الإمام المهديعليه‌السلام ، قم.

٨٢ - الخصال، الشيخ الصدوق (ت: ٣٨١).

٨٣ - الخصائص الكبرى، الحافظ جلال الدِّين عبد الرحمان بن أبي بكر السيوطي (ت: ٩١١)، دار الكتاب العربي، بيروت.

٨٤ - خطط الشام، محمد كرد علي، دار العلم للملايين، بيروت.

٨٥ - دائرة المعارف، المعلم بطرس البستاني، دار المعرفة، بيروت.

٨٦ - دائرة معارف القرن العشرين، محمّد فريد وجدي، مطبعة دائرة معارف القرن العشرين، ط ١٣٨٦.

٨٧ - الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور، جلال الدِّين السيوطي، دار المكتبة الإسلاميّة والمكتبة الجعفريّة، طهران.

٨٨ - دعائم الإسلام وذكر الحلال والحرام والقضايا والأحكام، القاضي أبو حنيفة النعمان بن محمّد التميمي المغربي، تحقيق آصف بن علي أصغر فيضي، دار المعارف بمصر.

٨٩ - الدعوات، أبو الحسين سعيد بن هبة الله قطب الدِّين الراوندي (ت: ٥٧٣٩)، مؤسّسة الإمام المهديعليه‌السلام ، قم.

٩٠ - دلائل الإمامة، أبو جعفر محمّد بن جرير بن رستم الطبري، (ق٥)، تحقيق


مؤسّسة البعثة، قم.

٩١ - دلائل النبوّة، أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي (٣٨٤ - ٤٥٨)، تحقيق الدكتور عبد المعطي قلعجي، دار الكُتب العلمية، بيروت.

٩٢ - دمشق... تاريخ وصور، الدكتور قتيبة الشهابي.

٩٣ - ذخائر العُقبى في مناقب ذوي القُربى، الحافظ مُحبّ الدِّين أحمد بن عبد الله الطبري، مكتبة القدسي، القاهرة.

٩٤ - ذرايع البيان في عوارض اللسان، آية الله الشيخ محمّد رضا الطبسي النجفي (١٣٢٢ - ١٤٠٥).

٩٥ - ذوب النضار في شرح الثار، الشيخ جعفر بن محمّد بن جعفر، المعروف بابن نما الحلّي، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المقدّسة.

٩٦ - الردّ على المتعصّب العنيد، تحقيق السيّد أحمد الحسيني، دار القرآن الكريم، قم.

٩٧ - رسائل الشريف المرتضى، تحقيق السيّد أحمد الحسيني، دار القرآن الكريم، قم.

٩٨ - روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، الآلوسي البغدادي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

٩٩ - روضة الواعظين، محمّد بن الفتّال النيسابوري الشهيد سنة ٥٠٨، منشورات الرضي، قم.

١٠٠ - زاد المعاد، العلاّمة المجلسي.

١٠١ - سفينة البحار ومدينة الحِكم والآثار، الشيخ عبّاس القمّي، دار المرتضى، بيروت.

١٠٢ - سير أعلام النبلاء، شمس الدين محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت: ٧٤٨)، مؤسّسة الرسالة، بيروت.

١٠٣ - السيرة النبويّة، ابن هشام (ت: ٢١٣ أو ٢١٨)، دار إحياء التراث العربي، بيروت.


١٠٤ - شذرات الذهب في أخبار مَن ذهب، أبو الفلاح عبد الحيّ بن العماد الحنبلي (ت: ١٠٨٩)، دار الكُتب العلميّة، بيروت.

١٠٥ - شرح اختيارات المفضل، الخطيب التبريزي (ت: ٥٠٢)، تحقيق الدكتور فخر الدّين عبادة، دار الفكر، بيروت.

١٠٦ - شرح الأخبار في فضائل الأئمّة الأطهار، القاضي أبو حنيفة النعمان بن محمّد التميمي المغربي (ت: ٣٦٣)، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة.

١٠٧ - شرح الكامل، أبو الحسن الأخفش.

١٠٨ - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد (٥٨٦ - ٦٥٦)، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكُتب العربيّة، عيسى البابي الحلبي وشركاؤه.

١٠٩ - شواهد التنزيل لقواعد التفضيل، الحافظ عبيد الله بن عبد الله بن أحمد، المعروف بالحاكم الحسكاني الحذّاء الحنفي النيسابوري، (ق٥)، تحقيق الشيخ محمّد باقر المحمودي، مجمع إحياء الثقافة الإسلاميّة، قم.

١١٠ - صحيح البخاري، أبو عبد الله محمّد بن إسماعيل البخاري، دار الكُتب العلميّة، بيروت - لبنان.

١١١ - صحيفة الإمام الرضاعليه‌السلام ، تحقيق مدرسة الإمام المهديعليه‌السلام ، قم المقدّسة.

١١٢ - الصراط المستقيم إلى مُستحقّي التقديم، الشيخ زين الدين أبو محمّد علي بن يونس العاملي النباطي البياضي، تحقيق: محمّد باقر البهبودي، المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية، طهران.

١١٣ - الصواعق المحرقة، أحمد بن حجر الهيثمي المكّي، دار الكُتب العلميّة، بيروت.

١١٤ - طبقات الشعراء، محمد بن سلام الجمهي (١٣٩ - ٢٣١)، مطبعة بريل في مدينة ليدن سنة ١٩١٣م.

١١٥ - الطبقات الكبرى، ابن سعد، دار بيروت للطباعة والنشر.

١١٦ - الطبقات الكبرى، (ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام ومقتله من القسم غير المطبوع من


كتاب الطبقات الكبير )، ابن سعد، تحقيق السيّد عبد العزيز الطباطبائي، مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث، قم.

١١٧ - الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف، رضيّ الدين أبو القاسم علي بن موسى بن طاووس، (ت: ٦٦٤)، مطبعة الخيام، قم.

١١٨ - العِبر في خبر مَن غبر، الحافظ الذهبي (ت: ٧٤٨)، تحقيق الدكتور صلاح الدين المنجد، مطبعة حكومة الكويت ١٩٨٤م.

١١٩ - عبرات المصطفين، الشيخ محمّد باقر المحمودي، مجمع إحياء الثقافة الإسلاميّة.

١٢٠ - العُدَد القويّة لدفع المخاوف اليومية، رضيّ الدين علي بن يوسف بن المطهّر الحلّي (القرن الثامن)، تحقيق السيّد مهدي الرجائي، مكتبة آية الله العظمى النجفي المرعشي، قم.

١٢١ - العقد الفريد، أحمد بن محمد بن عبد ربّه الأندلسي، (ت: ٣٢٨)، تحقيق الدكتور عبد المجيد الترحيني، دار الكُتب العلمية، بيروت، لبنان.

١٢٢ - عوالم العلوم والمعارف والأحوال من الآيات والأخبار والأقوال، الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني، مدرسة الإمام المهديعليه‌السلام ، قم المقدّسة.

١٢٣ - عيون أخبار الرضاعليه‌السلام ، الشيخ محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي، (ت: ٣٨١)، تصحيح السيّد مهدي الحسيني اللاجوردي.

١٢٤ - عيون المعجزات.

١٢٥ - الغدير في الكتاب والسنَّة والأدب، العلاّمة الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي، دار الكتاب العربي، بيروت.

١٢٦ - الفتوح، أحمد بن أعثم الكوفي، تحقيق الدكتور سهيل زكار، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت.

١٢٧ - فرائد السمطين، إبراهيم بن محمّد بن المؤيّد بن عبد الله بن علي بن محمّد الجويني الخراساني (٦٤٤ - ٧٣٠) مؤسّسة المحمودي، لبنان.


١٢٨ - فردوس الأخبار، الحافظ شيرويه بن شهردار بن شيرويه الديلمي (ت: ٥٠٩)، دار الكتاب العربي، بيروت.

١٢٩ - فرحة الغريّ في تعيين قبر أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب في النجف، السيّد عبد الكريم بن طاووس (ت: ٦٩٣)، منشورات الرضي، قم.

١٣٠ - الفصول المهمَّة في معرفة أحوال الأئمّةعليهم‌السلام ، ابن الصبّاغ المالكي (ت: ٨٥٥)، مطبعة العدل، النجف.

١٣١ - قُرب الإسناد، أبو العبّاس عبد الله بن جعفر الحميري - من أعلام القرن الثالث، تحقيق مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث، قم.

١٣٢ - قيد الشريد، محمّد بن طولون.

١٣٣ - الكافي، الشيخ أبو جعفر محمّد بن يعقوب بن إسحاق الكليني الرازي (ت: ٣٢٨)، دار الكُتب الإسلامية، طهران.

١٣٤ - كامل البهائي، الحسن بن علي بن محمّد بن علي بن الحسن الطبري، المشهور بعماد الدِّين الطبري، (القرن السابع)، مكتبة المرتضوي طهران.

١٣٥ - كامل الزيارات، أبو القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه (ت: ٣٦٧)، تصحيح العلاّمة الأميني، المطبعة المرتضويّة في النجف ١٣٥٦.

١٣٦ - الكامل في التاريخ، الشيخ عِزّ الدّين أبو الحسن علي بن أبي الكرم، المعروف بابن الأثير، دار صادر ودار بيروت، بيروت.

١٣٧ - كتاب الثقات، الحافظ محمّد بن حبان بن أحمد أبي حاتم التميمي البستي (ت: ٣٥٤)، مؤسّسة الكُتب الثقافية، ط حيدر آباد الدكن، الهند.

١٣٨ - كتاب سليم بن قيس، المتوفَّى حدود سنة ٩٠، تحقيق علاء الدين الموسوي، مؤسّسة البعثة، طهران.

١٣٩ - كتاب المزار، الشيخ المفيد (ت: ١٤١٣)، مدرسة الإمام المهديعليه‌السلام ، قم.

١٤٠ - كشف الغُمّة، أبو الحسن علي بن عيسى بن أبي الفتح الأربلي، مكتبة بني هاشم، تبريز، ط ١٣٨١.


١٤١ - كفاية الطالب، الحافظ أبو عبد الله محمّد بن يوسف بن محمّد القرشي الكنجي الشافعي (ت: ٦٥٨)، تحقيق محمّد هادي الأميني، دار إحياء تراث أهل البيت، طهران.

١٤٢ - كنز العمّال في سُنن الأقوال والأفعال، المتّقي الهندي، (ت: ٩٧٥)، مؤسّسة الرسالة، بيروت.

١٤٣ - لؤلؤ ومرجان، الحاج ميرزا حسين النوري الطبرسي، تحقيق حسين أُستاد ولي، دار الكُتب الإسلاميّة، طهران.

١٤٤ - مثالب العرب، هشام بن الكلبي (٩٦ - ٢٠٤)، دار الهُدى، بيروت.

١٤٥ - مُثير الأحزان، ابن نما الحلّي (٥٦٧ - ٦٤٥)، تحقيق مؤسّسة الإمام المهدي، قم.

١٤٦ - المجْدي في الأنساب، السيّد نجم الدِّين أبو الحسن علي بن محمّد بن علي بن محمّد العلوي العمري النسّابة (القرن الخامس) مكتبة آية الله النجفي المرعشي.

١٤٧ - مجمع البحرين، الشيخ فخر الدِّين الطريحي (ت: ١٠٨٥)، دفتر نشر الثقافة الإسلامية، طهران.

١٤٨ - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، الحافظ نور الدِّين علي بن أبي بكر الهيثمي (ت: م٨٠٧)، دار الكتاب العربي، بيروت.

١٤٩ - المحاسن، أبو جعفر أحمد بن محمّد بن خالد البرقي، تصحيح السيّد جلال الدّين الحسيني المحدِّث، دار الكُتب الإسلاميّة، طهران.

١٥٠ - المحاسن والمساوئ، الشيخ إبراهيم بن محمّد البيهقي، دار صادر بيروت.

١٥١ - مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر، محمّد بن مُكرّم المعروف بابن منظور، تحقيق السيّد أحمد صقر، دار المعرفة، بيروت.

١٥٢ - مراقد أهل البيت في الشام (بالفارسية)، السيّد أحمد الفهري، منشورات أمير كبير، طهران.

١٥٣ - مُرُوج الذهب ومعادن الجوهر، أبو الحسن علي بن الحسين بن علي


المسعودي، (ت: ٣٤٦)، دار الهجرة، قم.

١٥٤ - مسار الشيعة في مُختصر تواريخ الشريعة، الإمام الشيخ المفيد (٣٣٦ - ٤١٣هـ)، المؤتمر العالمي لألفيّة الشيخ المفيد (قدّس سرّه).

١٥٥ - المستدرك على الصحيحين، الإمام الحافظ أبو عبد الله الحاكم النيسابوري، دار المعرفة، بيروت، لبنان.

١٥٦ - مستدرك الوسائل، الحاج ميرزا حسين النوري الطبرسي، منشورات المكتبة الإسلاميّة ومؤسّسة إسماعيليان، قم.

١٥٧ - المسلسلات، أبو محمّد جعفر بن أحمد بن علي القمّي (المطبوع مع جامع الأحاديث و... )، تصحيح السيّد محمّد الحسيني النيسابوري، مجمع البحوث الإسلاميّة، مشهد، إيران.

١٥٨ - مُسند أبي يعلى الموصلي، الإمام الحافظ أحمد بن علي بن المثنى التميمي (٢١٠ - ٣٠٧)، تحقيق حسين سليم أسد، دار المأمون للتراث، دمشق.

١٥٩ - مسند الإمام أحمد بن حنبل، دار صادر، بيروت.

١٦٠ - مصابيح السنَّة، البغوي.

١٦١ - مصباح الزائر، رضيّ الدِّين السيّد علي بن موسى بن طاووس، (ت: ٦٦٤)، مؤسّسة آل البيتعليهم‌السلام لإحياء التراث.

١٦٢ - مصباح الكفعمي، الشيخ تقيّ الدِّين إبراهيم بن علي بن الحسن بن محمد بن صالح العاملي الكفعمي، منشورات الرضيّ والزاهدي، قم.

١٦٣ - مصباح المتهجّد، الشيخ الطوسي (ت: ٤٦٠)، تصحيح إسماعيل الأنصاري الزنجاني.

١٦٤ - المعارف، أبو محمّد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، (ت: ٢٧٦)، دار الكُتب العلمية، بيروت.

١٦٥ - معامل الزُّلفى، السيّد هاشم البحراني.

١٦٦ - معالي السبطين في أحوال الحسن والحسينعليهما‌السلام ، الشيخ محمّد مهدي


الحائري المازندراني، منشورات الرضي، قم.

١٦٧ - مُعجم البلدان، شهاب الدِّين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي الرومي البغدادي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

١٦٨ - مُعجم رجال الحديث، آية الله السيّد أبو القاسم الموسوي الخوئي، الطبعة الخامسة، طهران.

١٦٩ - المعجم الكبير، الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، (ت: ٣٦٠)، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، دار إحياء التراث العربي، الناشر مكتبة ابن تيمية، القاهرة.

١٧٠ - المفيد من مُعجم رجال الحديث، محمّد الجواهري، منشورات مكتبة المحلاّتي، قم.

١٧١ - مقاتل الطالبيّين، أبو الفرج الأصفهاني (٢٨٤ - ٣٥٦)، تحقيق السيّد أحمد صقر، دار المعرفة، بيروت.

١٧٢ - مقتل الحسينعليه‌السلام ، أبو المؤيّد الموفّق بن أحمد المكّي أخطب خوارزم، (ت: ٥٦٨)، طبعة النجف، تحقيق العلاّمة الشيخ محمّد السماوي، منشورات المفيد، قم.

١٧٣ - مقتل الحسينعليه‌السلام ، عبد الرزّاق الموسوي المقرَّم.

١٧٤ - مقتل الإمام الحسينعليه‌السلام ، آية الله الشيخ محمّد رضا الطبسي النجفي - مخطوط.

١٧٥ - الملهوف على قتلى الطفوف، رضيّ الدِّين أبو القاسم عليّ بن موسى بن جعفر بن طاووس، (ت: ٦٦٤)، تحقيق فارس تبريزيان، دار الأُسوة للطباعة والنشر ١٤١٤.

١٧٦ - المنتخب في جمع المراثي والخطب المشتهر بالفخري، الشيخ فخر الدين الطريحي النجفي، منشورات الشريف الرضي.

١٧٧ - مُنتخب التواريخ، محمّد هاشم الخراساني، انتشارات علميّة إسلاميّة - طهران.

١٧٨ - مَن لا يحضره الفقيه، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي (ت:


٣٨١)، جماعة المدرّسين في الحوزة العلمية بقم المقدّسة.

١٧٩ - مناقب آل أبي طالب، أبو جعفر رشيد الدِّين محمّد بن علي بن شهر آشوب، (ت: ٥٨٨)، المطبعة العلميّة بقم.

١٨٠ - مناقب أمير المؤمنين، الصنعاني.

١٨١ - مناقب عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، أبو الحسن عليّ بن محمّد بن محمّد الواسطي الجلاّبي الشافعي الشهير بابن المغازلي، (ت: ٤٨٣)، المكتبة الإسلاميّة طهران.

١٨٢ - المنتظم من تاريخ الأُمم والملوك، أبو الفرج عبد الرحمان بن علي بن محمّد بن الجوزي، (ت: ٥٩٧)، دار الكُتب العلميّة - بيروت.

١٨٣ - موسوعة كلمات الإمام الحسينعليه‌السلام ، عدّة من المؤلّفين، معهد تحقيقات باقر العلوم، دار المعروف، قم.

١٨٤ - نُزل الأبرار بما صحّ من مناقب أهل البيت الأطهار، الحافظ محمّد بن معتمد خان البدخشاني الحارثي، (ت: ١١٢٦)، تحقيق الشيخ محمّد هادي الأميني، مكتبة الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام العامّة، أصفهان.

١٨٥ - نظرية الإمامة، الدكتور أحمد محمود صبحي.

١٨٦ - نظم درر السمطين في فضائل المصطفى والمرتضى والبتول والسبطين، جمال الدين محمّد بن يوسف بن الحسن بن محمّد الزرندي الحنفي المدني، (ت: ٧٥٠)، تحقيق محمّد هادي الأميني، مكتبة نينوى الحديثة، طهران.

١٨٧ - نور الأبصار في مناقب آل بيت النبيّ المختار، الشيخ مؤمن بن حسن مؤمن الطناحي، مؤسّسة إسماعيليان للطباعة والنشر والتوزيع، قم.

١٨٩ - واقعة كربلاء، الشيخ محمّد مهدي شمس الدين، المؤسّسة الدولية للدراسات والنشر، بيروت.

١٩٠ - وسائل الشيعة، الشيخ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي (ت: ١١٠٤)، مؤسّسة آل


البيتعليهم‌السلام لإحياء التراث.

١٩١ - وفيّات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، أبو العبّاس شمس الدّين أحمد بن أبي بكر بن خلكان (ت: ٦٨١)، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

١٩٢ - الهداية الكبرى، أبو عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبي (ت: ٣٣٤)، مؤسّسة البلاغ، بيروت.

١٩٣ - ينابيع المودّة، الشيخ سليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي (ت: ١٢٩٤)، دار أُسوة للطباعة والنشر، قم.


الفهرست

مُقدِّمة مركز الدراسات الإسلامية ٣

مُقدِّمة المؤلّف.. ٥

المدخل الشام وحكَّامها الأُمويّون

المدخل الشام وحُكّامها الأُمويّون. ١١

التعريف بالشام: ١١

من خواصّ الشام: ١١

الشام مدخل الفاتحين: ١٢

فتح الشام: ١٣

فتح دمشق: ١٦

بنو أُميّة والشام ١٧

جذور العلاقة: ١٧

معاوية مؤسِّس الحكومة الأُمويّة السوداء: ١٨

إسلام أُمويّ وحكم دمويّ! ٢١

مَن هو يزيد؟ ٢٥

لهوه: ٢٥

فسقه: ٢٦

كفره: ٢٩

ما قالته زينب الكبرى: ٣٠

ما قاله بعض الصحابة: ٣١

أقوال العلماء في كفره: ٣١

رأي الإمام أحمد بن حنبل: ٣١

رأي ابن القفطي: ٣٢

رأي الباعوني: ٣٢

رأي ابن عقيل: ٣٢


رأي اليافعي: ٣٣

رأي القاضي أبي يعلى وابن الجوزي: ٣٣

رأي الكيا الهراسي: ٣٣

رأي سبط ابن الجوزي: ٣٣

رأي ابن عساكر: ٣٤

رأي الأجهوري: ٣٤

رأي السعد التفتازاني: ٣٥

رأي الحافظ البدخشاني: ٣٥

رأي الشبراوي: ٣٥

رأي الآلوسي: ٣٥

رأي عبد الباقي أفندي العمري: ٣٦

تأمُّل ابن حجر: ٣٦

توقّف البيهقي: ٣٨

جوره: ٣٩

لعنه: ٤٣

١. التمسّك بعموم وإطلاق بعض الآيات القرآنية: ٤٣

٢. التمسّك بعموم بعض الأحاديث: ٤٥

٣. أقوال العلماء في لعن يزيد: ٤٦

أحمد بن حنبل: ٤٦

ابن الفرّاء: ٤٦

ابن الجوزيّ: ٤٧

الأسفراينيّ: ٤٧

المقدسيّ: ٤٨

السيوطيّ: ٤٨

عبد الكريم بن الشيخ وليّ الدِّين: ٤٨

العلاّمة الأجهوري عن شيخ مشايخه: ٤٨


الكيا الهراسي: ٤٩

التفتازانيّ في شرح العقائد النسفيّة: ٤٩

السمهوديّ: ٥٠

البدخشاني: ٥٠

عبد الباقي أفندي: ٥٠

الآلوسيّ: ٥٠

قتله الإمام الحسينعليه‌السلام: ٥١

جزاء قاتل الحسين عليه‌السلام وأوصافه في الروايات: ٥١

يزيد هو القاتل: ٥٤

الشواهد التاريخية: ٥٤

أمْرُه الوليد بن عتبة بقتل الحسين عليه‌السلام: ٥٥

مسألة اغتيال الإمام الحسين عليه‌السلام في موسم الحجّ: ٥٥

* رسائل يزيد حول قتل الحسين عليه‌السلام: ٥٥

اعتراف ابن زياد بذلك: ٥٦

زينب الكبرى تجعل مسؤولية قتل الحسين على عاتق يزيد: ٥٦

ابن عبّاس يُحمّل يزيد مسؤولية قتل الإمام الحسين عليه‌السلام: ٥٧

معاوية ابنه يُحمّله المسؤولية: ٥٨

بعض بني العبّاس يُحمّله المسؤولية: ٥٨

رضاه بقتل الحسين عليه‌السلام بعد مقتله: ٥٩

أقوال العلماء في المسألة: ٦٠

البلاذري: ٦٠

القاضي ابن نعمان: ٦٠

المسعودي: ٦٠

ابن عقيل (٤٣١ - ٥١٢): ٦٠

الكيا الهراسي (٤٥٠ - ٥٠٤): ٦١

التفتازاني: ٦١


الذهبي: ٦١

الأجهوري: ٦١

الشبراوي: ٦١

لماذا تنصّل من مسؤولية قتل الإمام عليه‌السلام؟! ٦٢

يزيد في مرآة الحديث: ٦٤

يزيد في كلمات الإمام الحسينعليه‌السلام: ٦٥

يزيد في نظر الصحابة والتابعين وبعض كبار القوم: ٦٨

أبو هريرة: ٦٨

ابن عبّاس: ٦٨

عتبة بن مسعود: ٦٨

ابن الزبير: ٦٨

سعيد بن المسيّب: ٦٩

عبد الله بن عفيف: ٧٠

عبد الله بن حنظلة: ٧٠

عبد الله بن مُطيع: ٧٠

عبد الله بن عمرو بن حفص المخزومي: ٧١

عمرو بن حفص بن المغيرة - أبو زوجة يزيد -: ٧١

وفد المدينة: ٧١

معاوية بن يزيد بن معاوية: ٧١

عمر بن عبد العزيز: ٧٢

يزيد في أقوال العلماء: ٧٢

١ - الإمام ابن حنبل: ٧٢

٢ - مُجاهد: ٧٣

٣ - الكيا الهراسي: ٧٣

٤ - ابن الجوزي: ٧٣

٥ - ابن أبي الحديد ردّاً على بعض: ٧٤


٦ - سيّد الحفّاظ شهردار بن شيرويه الديلمي: ٧٥

٧ - مجد الأئمّة: ٧٥

٨ - ابن تيمية: ٧٦

٩ - صاحب الميزان: ٧٦

١١ - ابن حجر: ٧٦

١٢ - الجوهري: ٧٦

١٣ - ابن حزم: ٧٦

١٤ - العلاّمة الحجّة الأميني: ٧٦

موته: ٧٧

الفصل الأوّل: دور أهل البيت في الشام

الفصل الأوّل: دور أهل البيت في الشام ٨١

الشام قبل ورود أهل البيت عليهم‌السلام.... ٨١

ظهور الآيات في الشام بعد مقتل الحسين عليه‌السلام: ٨١

حالة الناس: ٨٢

أمْرُ يزيد بإرسال رأس الإمام عليه‌السلام وأُسرته إلى الشام! ٨٣

مَن حمل الرأس الشريف؟ ٨٤

أ) زحر بن قيس الجعفي: ٨٤

ب) مُحَفّز بن ثعلبة العائذي: ٨٥

ج) عمر بن سعد: ٨٥

أهل البيت عليهم‌السلام في الشام ٨٦

أصبح أهل بيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أُسارى! ٨٦

كيف ورد أهل بيت الحسين عليه‌السلام دمشق؟! ٨٨

إنّ هذه الرواية تكشف عن عدّة نقاط: ٩٠

رأس الحسين يتلو القرآن! ٩١

تكلّم رأس الحسين عليه‌السلام بدمشق! ٩٢

على درج المسجد: ٩٣


مع الشيخ الشامي: ٩٣

تأمّل وملاحظات: ٩٥

متى وصل الرأس الشريف؟ ٩٦

رأس الإمام عليه‌السلام بين يدي يزيد! ٩٩

تأمُّل ومُلاحظات: ١٠١

ردّ فعل يزيد: ١٠٢

إزاحة وهْم: ١٠٤

القاتل يطلب الجائزة! ١٠٦

مجلس يزيد: ١٠٧

مجلس أم مجالس؟ ١٠٩

كيفيّة دخول أُسارى آل البيت عليهم‌السلام: ١١٠

رأس الحسينعليه‌السلام في ملجس يزيد! ١١٣

يزيد ينكت ثنايا الحسين عليه‌السلام! ١١٤

أ) ما قاله يزيد عند نكته ثنايا الحسين عليه‌السلام! ١١٧

ب) ما أنشده يزيد! ١١٧

وقفة مع بعض الكُتب: ١١٩

فعل يزيد واستنكار بعض الحاضرين: ١٢١

١ - أبو برزة الأسلمي: ١٢١

ملاحظتان: ١٢٣

٢ - زيد بن أرقم: ١٢٥

٣ - نعمان بن بشير: ١٢٦

٤ - صحابيّ لم يُسمَّ: ١٢٦

٥ - يحيى بن الحَكم أو عبد الرحمان بن الحَكم: ١٢٧

٦ - الحسن المثنّى: ١٢٨

يزيد في موضع الانفعال: ١٢٩

تمثُّل يزيد بأبيات ابن الزبعرى: ١٣١


مُحاورات الإمام السجّاد عليه‌السلام مع يزيد: ١٤٠

ملاحظات: ١٤٥

يزيد يهمُّ بقتل الإمام عليه‌السلام! ١٥٠

إشارة بعض الحاضرين بقتل الإمام! ١٥١

مُجابهة الإمام زين العابدين مع الرجل الشامي! ١٥٢

زينب الكبرى في مجلس يزيد: ١٥٣

بين يدي رأس الإمام! ١٥٤

خُطبة زينب الكبرى: ١٥٥

نظرة سريعة في مضامين الخُطبة: ١٦٦

موقف يزيد من الخُطبة! ١٦٧

موقف زينب الكبرى من طَلَبِ الرجل الشامي! ١٦٧

ملاحظات: ١٦٨

دور أُمّ كلثوم في مجلس يزيد: ١٧٢

دور سكينة بنت الحسين عليهما‌السلام: ١٧٣

دور فاطمة بنت الحسينعليهما‌السلام: ١٧٥

استنكار بعض أهل الكتاب! ١٧٧

جذور المسألة: ١٧٧

(يوحنّا) يُخبر عن المذبوح بكربلاء: ١٨٠

(أرميا) يُخبر عن مذبحة كربلاء: ١٨٢

رأس اليهود في مجلس يزيد: ١٨٣

رسول ملك الروم في مجلس يزيد: ١٨٦

دور الإمام زين العابدين عليه‌السلام في الشام: ١٨٩

زينب الكبرى تُعرِّف قائد المسيرة: ١٨٩

السجّادعليه‌السلام يعرّف أهل البيت من خلال القرآن! ١٨٩

خُطبة الإمام زين العابدين عليه‌السلام: ١٩٠

نظرة خاطفة في الخُطبة وصداها: ١٩٨


الإمام عليه‌السلام مع مكحول صاحب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: ٢٠١

زين العابدين عليه‌السلام مع منهال: ٢٠٢

مُلاحظة: ٢٠٤

مع الرأي العام المضلَّل... مرّة أُخرى! ٢٠٤

حبس الإمام زين العابدين عليه‌السلام! ٢٠٦

مُحاولات اغتيال الإمام زين العابدين عليه‌السلام! ٢٠٦

تأمّل وملاحظات: ٢٠٩

تجلّي مكارم الأخلاق! ٢٠٩

مأساة الشام ٢١٠

رأس الحسين عليه‌السلام في دمشق! ٢١٠

صلب الرأس الشريف في دمشق! ٢١٦

الرأس الشريف في بيت يزيد: ٢١٧

إطافة الرأس الشريف في مدائن الشام: ٢١٧

أوّل رأس حُمِل في الإسلام! ٢١٧

إسلام يهودي ببركة الرأس الشريف: ٢١٧

رباب ترثي الحسين: ٢١٨

رأس الحسينعليه‌السلام عند يتيمته! ٢١٩

كلام حول السيّدة رقيّة: ٢٢١

وصف مسكن أهل البيت في الشام: ٢٢٥

رؤيا سكينة بنت الحسين عليه‌السلام بالشام: ٢٢٦

مدّة إقامة أهل البيت في الشام: ٢٢٨

حقائق أمْ أوهام؟ ٢٢٩

المظلوم ينتصر ٢٣٥

غلبة الدم على السيف! ٢٣٥

كيف انقلبت المعادلة؟ ٢٣٦


نظرة إلى دور الإمام زين العابدين عليه‌السلام: ٢٣٦

نظرة إلى دور زينب الكبرى عليها‌السلام: ٢٣٩

نظرة إلى دور سائر أهل البيت عليهم‌السلام وأثره: ٢٤١

نظرة إلى مواقف بعض الصحابة: ٢٤٢

بعض الموالين لأهل البيت في الشام: ٢٤٤

نفوذ بعض الموالين في جهاز الحكم الأُموي! ٢٤٦

يزيد يواجه المشاكل في بيته! ٢٤٦

١ - بكاء نساء الأُسرة الأُمويّة ٢٤٦

٢ - موقف زوجة يزيد: ٢٤٩

رؤيا زوجة يزيد! ٢٥٠

إقامة عزاء الحسين عليه‌السلام في بيت الطاغية! ٢٥١

يزيد يبكي تصنّعاً!! ٢٥٣

يزيد يأمر بتقديم بعض الخدمات!! ٢٥٤

يزيد يُظهر الندامة ويلعن ابن مرجانة!! ٢٥٤

تأمُّل وملاحظات: ٢٥٦

وعد يزيد لزين العابدين عليه‌السلام: ٢٦٠

استشارة يزيد وجوه أهل الشام: ٢٦٢

تجهيز الأسرى من آل البيت إلى المدينة: ٢٦٣

الفصل الثاني: حركة المسيرة المظفَّرة

الفصل الثاني: حركة المسيرة المظفَّرة ٢٦٧

الخروج من الشام ٢٦٧

يزيد يعتذر من الإمام عليّ بن الحسين عليه‌السلام! ٢٦٧

عرض الأموال على آل البيت عليهم‌السلام ورفض السيّدة أُمّ كلثوم: ٢٦٩

متى كان الخروج من الشام؟ ٢٧٠

المسايرون للركب! ٢٧١

السؤال الأوّل: مَنْ هم المسايرون؟ ٢٧١


السؤال الثاني: لماذا هذه المسايرة؟ ٢٧٣

ما سُمِع عند ترك دمشق: ٢٧٣

حُسْن المعاملة في الطريق! ٢٧٤

إلى كربلاء ٢٧٧

زيارة قبر الإمام الحسين عليه‌السلام: ٢٧٧

مَنْ هو أوّل زائر لقبر الحسين عليه‌السلام؟ ٢٧٧

جابر بن عبد الله الأنصاري وعطيّة العوفي في كربلاء: ٢٨١

بيان شخصيَّتيهما: ٢٨٥

إقامة العزاء على أرض الطف: ٢٨٨

التحقيق حول الأربعين! ٢٨٩

القضاء بين المحدِّث النوري والقاضي الطباطبائي: ٢٩٤

١ - مع المحدِّث النوري: ٢٩٤

مُناقشة مُقدّمتي النوري: ٢٩٥

المحدِّث النوري يستدلّ بسبع نقاط: ٢٩٨

مناقشتنا للمحدّث النوري: ٣٠٦

٢ - مع القاضي الطباطبائي. ٣٠٩

القاضي يستدلُّ بعشر نقاط: ٣١٠

تلخيص استنتاج القاضي: ٣١٣

مُلخَّص أدلّة القاضي الطباطبائي ومُناقشتها: ٣١٤

القول المختار في المسألة: ٣١٥

تحديد يوم الأربعين: ٣١٩

فضل زيارة الإمام الحسينعليه‌السلام في يوم الأربعين: ٣١٩

إلحاق الرأس الشريف بالجسد الطاهر: ٣٢٠

الأقوال في موضع دفن رأس الحسين عليه‌السلام: ٣٢١

ترك كربلاء نحو المدينة: ٣٣٨


الفصل الثالث: إلى مدينة الرسول

الفصل الثالث: إلى مدينة الرسول. ٣٤٣

المدينة قبل وصول خبر مقتل الإمام الحسين عليه‌السلام: ٣٤٣

دور أُمِّ سلمة: ٣٤٤

* أُمُّ سلمة تعلم بمصير الإمام عليه‌السلام: ٣٤٤

* أُمُّ سلمة ترى تربة الحسين عليه‌السلام: ٣٤٥

مُلاحظتان: ٣٤٧

أ) الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام: ٣٤٧

ب) أبو بكر وعمر وحذيفة وعمّار وأبو ذرّ: ٣٤٧

* تربة الحسين عليه‌السلام عند أُمّ سلمة: ٣٤٨

* ما سمعته أُمّ سلمة ليلةَ قُتِل الحسين عليه‌السلام! ٣٥٢

* ما رأته أُمّ سلمة في منامها! ٣٥٣

أُمّ سلمة تسمع نوح الجنّ‌. ٣٥٦

صراخ أُمّ سلمة وضجّة المدينة ٣٥٧

خلاصة الكلام‌ ٣٥٨

دور ابن عبّاس‌. ٣٥٨

علمه بمصير سيّد الشهداء عليه السلام‌ ٣٥٨

رؤيا ابن عبّاس وإخباره بعض الناس‌. ٣٥٨

قال: دم الحسين أرفعه إلى السماء. ٣٦٠

ما سمعه أهل المدينة ٣٦٠

رؤيا عامر بن سعد البجلي! ٣٦٦

تقاطر الدم من شجرة! ٣٦٦

قصّة الغُراب وفاطمة بنت الحسين ( الصغرى )! ٣٦٩

الطير المتلطّخ بالدم في المدينة! ٣٧٠

المدينة بعد تلقّيها خبر مقتل الإمام الحسين عليه‌السلام: ٣٧٣

وصول مبعوث ابن زياد المدينة المنوّرة: ٣٧٤


مبعوث ابن زياد عند والي المدينة: ٣٧٥

ضجّة الناس عند سماع الخبر: ٣٧٦

اشتداد الواعية في دور بني هاشم: ٣٧٦

جلاوزة السلطة تظهر كُفرها وحقدها! ٣٧٧

موقف أُمّ سلمة: ٣٧٩

نعي أسماء بنت عقيل: ٣٨١

* وصول مبعوثَيْ يزيد إلى المدينة: ٣٨٢

رأس الحسينعليه‌السلام بالمدينة: ٣٨٢

رثاء ابنة عقيل: ٣٨٦

خطبة عمرو بن سعيد! ٣٩٠

موقف عبد الله بن جعفر: ٣٩٢

عودة بقيّة الركب الحسيني إلى المدينة المنوَّرة: ٣٩٤

ما قالته أُمّ كلثوم: ٣٩٥

الإمام زين العابدين عليه‌السلام يوفِد بشير بن حَذْلَم: ٣٩٧

حال المدينة بعد علم أهلها بمصرع الإمام عليه‌السلام: ٣٩٨

استقبال الناس بقيّة العترة الطاهرة: ٤٠٠

خُطبة الإمام زين العابدينعليه‌السلام: ٤٠٠

تأمُّل ومُلاحظات: ٤٠٢

في المدينة المنوّرة ٤٠٣

حالة أهل البيت عليهم‌السلام حين دخولهم المدينة: ٤٠٣

حالة المدينة بعد دخول حرم الحسين عليه‌السلام: ٤٠٥

رثاء امرأة من بنات عبد المطّلب: ٤٠٥

عند مسجد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله: ٤٠٦

لبس السواد وإقامة المأتم: ٤٠٦

مُكافأة الحرس: ٤٠٦

هدم بيوت تتعلّق بأُسرة الحسين عليه‌السلام: ٤٠٨


إقامة العزاء على الحسين عليه‌السلام: ٤٠٨

نَوْحُ الجِنّ: ٤٠٩

رثاء أُمّ البنين: ٤٠٩

حزن وبكاء الرباب بنت امرئ القيس ورثاؤها: ٤١١

رثاء عاتكة بنت زيد: ٤١٢

أُمّ سلمة تردُّ الأمانات إلى أهلها: ٤١٣

فاطمة بنت الحسين عليه‌السلام تردّ الأمانات إلى أهلها: ٤١٥

استمرار بكاء وحزن الإمام زين العابدين عليه‌السلام: ٤١٥

دور الإمام زين العابدين عليه‌السلام في استمرار الرسالة: ٤١٩

دور زينب الكبرى (سلام الله عليها) في استمرار الرسالة: ٤٢١

فهرس الآيات القرآنية ٤٢٧

فهرس المصادر ٤٣٢