الإمام الحسينعليهالسلام والوهابيّة
دراسة تحليلية لأخلاقيات الإمام الحسينعليهالسلام
وعقائد ومواقف الوهابيّة
المولف: الشيخ جلال مَعاش
انتشارات ياس زهراءعليهاالسلام
الإمام الحسينعليهالسلام والوهابيّة.
المؤلف: الخطيب الحسيني الشيخ جلال معاش.
الناشر: ياس الزهراء (سلام الله عليها).
المطبعة: سيماي كوثر.
الطبعة: الأولى ذو الحجّة ١٤٢٩ هـ.
عدد المطبوع: ١٥٠٠.
ردمك: ٣ - ٦٣ - ٢٨٤٣ - ٩٦٤ - ٩٧٨
مركز التوزيع: إيران - قم - شارع ٤٥ متري عمّار ياسر - فرع ٦ - الرقم ١ - الطابق ٣.
الناشر: ياس الزهراء (سلام الله عليها) الهاتف: ٩٨٢٥١٧٧١١٦٧٥ + / المحمول: ٠٩١٢٢٥١٠٥٢٦
بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ *
الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ *
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ *
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ *
صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ *
الإهداء
عفوك سيّدي ومولاي عفوك أتطلّع إليك وأنت بظهر الغيب
وأنت عنواني وأنت رسالتي وأنت هويّتي
إليك يا سيّدي يا صاحب العصر والزمان
يا خليفة الرحمان ومفسِّر القرآن
يابن الحسين الشهيد العطشان الظمآن
إليك يا مولاي يا صاحب الفرج الموعود والعدل المشهود
يا أمل الشعوب، ورجاء المستضعفين
إليك يا إمامي يابن الرسول المصطفى، وعلي الوصي المرتضى، والطهر البتول فاطمة
إليك يا حجّة الله على خلقه، وخاتم أوليائه على أرضه
إليك يا وليّ الدماء الزاكية التي هُدرت على طول المدى ظلماً وعدواناً
إليك يا آخذاً بثأر جدّك سيّد الشهداء ورايتك المظفّرة (يا لثارات الحسين) ..
أرفع هذا القليل؛ لكي أتعطَّر بذكر وطيب أخلاق جدّك الإمام الحسينعليهالسلام
إنّها بضاعة مزجاة إلى مقامكم السّامي، من خادمكم هذا العبد الفاني
ورجائي القبول وأملي الشفاعة يوم لا ينفع مال ولا بنون
والسّلام عليك أيّها المخلّص، وأيها المنقذ للبشريّة كافّة
المؤلّف
تقديم
ما زال الإمام الحسينعليهالسلام يحبّبنا بالإسلام، وبدعوة جدّه المصطفىصلىاللهعليهوآله التي وصفها الباري (عزّ وجلّ) في كتابه بقوله:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ) (١) .
والإمام الشهيد أبو عبد الله الحسينعليهالسلام نهض ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويسير في طريق الإصلاح، مقتدياً بنهج جدّهصلىاللهعليهوآله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإصلاح ما أفسده صبيان بني أُميّة وزبانيتهم.
أُميّة: تلك الشجرة الملعونة في القرآن، والتي اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار بظهور الإسلام على الجاهليّة، وانتصار الخير والفضيلة على الشرّ والرذيلة. أُميّة هي مصيبة الإسلام ومحنته التي امتحن بها رجالاته كلّهم، بدءاً من الرسول الأعظم محمدصلىاللهعليهوآله الذي أصْلاه أبو سفيان حرباً ضروساً شعواء دامت حتّى الفتح المبين لمكّة المكرّمة.
ثمّ جاء عثمان بن عفّان الذي جُعِلَ البديل والند لأمير المؤمنين الإمام عليعليهالسلام في مهزلة التحكيم، وما سمّي بالشورى السداسية، وما تنحَّى عن
_____________________
(١) سورة الأنفال / ٢٤.
صدر الأُمّة إلاّ بعد أن سلَّط عليها صبيان بني أُميّة الفاسقين المنافقين، لا سيما معاوية بن أبي سفيان الذي كان يتمتّع بدهاء سياسي منافق من الطراز الأوّل، فحارب إمام زمانه الشّرعي في صفين، وتسنَّم المكان الأرفع بعد شهادة الإمام عليعليهالسلام ، وصلح الإمام الحسنعليهالسلام حفاظاً على الإسلام الحنيف، وعلى بعض الشخصيات والرموز المرموقة في دين الإسلام، فتحوّل الحكم على يديه إلى ملك عضوض، كما أنذر بذلك رجل الحياة الأوّل الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله من قبل.
ولم يهلك معاوية حتّى أخذ البيعة لولده الفاسق الفاجر يزيد الذي ليس له في الدين حظٌّ ولا نصيب؛ لا من بعيد ولا من قريب، وأوّل ما جلس على كرسي الحكم توجّه إلى سرجون النصراني الرومي يستشيره في تنفيذ وصيه أبيه معاوية التي أوصاه فيها بأخذ البيعة من الإمام الحسينعليهالسلام ؛ لأنّه لا شرعية ولا طاعة له إلاّ بها، وبعض الشخصيات الأُخرى كعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر.
وكان أوّل عمل له من مخازيه التي لا تُعدّ ولا تُحصى، أن أمر بقتل سبط رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وسيّد شباب أهل الجنّة، الإمام الحسينعليهالسلام على تراب كربلاء الطاهر الزكي.
ومن شهادة الإمام الحسينعليهالسلام في كربلاء انطلقت مسيرة الحقّ النورانية، وشاع النور، وأضاء جميع الأرجاء، بمجرّد انفجار أوّل جرح في أجساد أصحاب الإمام الحسينعليهالسلام حتّى كان الفتح باستشهاد الشهداء وسيّدهم الإمام الحسينعليهالسلام .
من ذاك اليوم العصيب العاشر من المحرّم لعام ٦١ للهجرة الشريفة بدأ الإسلام بمسيرة التصحيح الحسيني المباركة، ولكنّها كانت
مقترنة بالعناء والشقاء والدماء. من ذلك اليوم وعلى طول الخطّ حتّى يومنا هذا الذي نعيش فيه.
نعم، يفصلنا عن عاشوراء قرون وسنون متطاولة، إلاّ إنّنا نحياها في كلّ عام، بل في كلّ يوم، وكأنّها تحدث الآن، مع فرق واحد وجوهري، هو أنّنا في عصر النور والحضارة الإلكترونية العملاقة، فأيّ حادث أو حديث يجري في العالم يصل باللحظة، ومباشرة إلى أربع جهات المسكونة بالفضائيات المختلفة.
ألم نرَ ونسمع ونتعجّب ممّا حدث في عاشوراء هذا العام (١٤٢٥ هجرية) الدامي في كربلاء الإمام الحسينعليهالسلام ؟! ألم يهتزّ ضمير العالم الحيّ على الأحداث التي جرت، والدماء التي تفجّرت من أجساد المؤمنين التي تحوّلت إلى أشلاء ممزّقة، ولا ذنب لهم إلاّ حبّهم وولاؤهم وشوقهم لزيارة مولاهم سيّد الشهداء، والدعاء تحت قبته الشامخة؟
ولقد هزّت تلك الأحداث هذا الكربلائي المولد، الحسيني الولاء والخطاب، ففاضت قريحته بالكثير من المحاضرات، وأحيا العديد من المجالس الحسينيّة في مختلف دول العالم المعاصر، لا سيما الدول العربية كالكويت، وقطر، والسعودية، والإمارات العربية المتّحدة، ولبنان، وسورية الشام، وكذا تركيا، وكذلك في الدول الأوروبية كبريطانيا، وفرنسا، وبلجيكا، وهولندا، وألمانيا، والسويد، والدانمارك، والنرويج، وفنلندا وكندا.
وراح يفضح بها اُولئك الذين يكنُّون العداء لكلّ الأُمّة الإسلاميّة حين يكفّرونها، وللإنسانيّة جمعاء حين يعملون على القتل والإفساد في البلاد والعباد.
هذا الكربلائي المولد والانتماء، تأثّر بأحداث كربلاء هذا العام أيّما تأثُر، لا سيما وأنّ ولده الأكبر (مهدي) كان هناك في قلب الحدث؛ فراح يفكّر بطريقة إيجابية يوصل بها رسالة الإسلام إلى العالم، وأراد بالبحث في أخلاقيات الإمام الحسينعليهالسلام القرآنية أن يقول للعالم أجمع: هذا هو الإسلام الذي جاء به الرسول المصطفىصلىاللهعليهوآله ، قمّة الأخلاق والإنسانيّة. ويقول للسلفية الوهابيّة: هذا هو الإمام الحسينعليهالسلام الذي نأتم به ونقتدي بمسيرته، ونهتدي بهداه، ونحيي ذكراه، ونفديه بأرواحنا، فهو ابن الإسلام، ومطّبق القرآن بأخلاقيات جدّه وأبيهصلىاللهعليهوآله .
فأين أنتم من ذلك كلّه؟!
يا دعاة التكفير لجميع الطوائف الإسلاميّة، اتقوا الله في الأُمّة؛ فإنّ عملكم هذا ليس من الدين الإسلامي في شيء؛ لأنّ الدين المعاملة بالمثل، والجدل بالتي هي أحسن. لقد ابتدعتم ديناً جديداً لا يقدِّس حتّى رسولنا المصطفىصلىاللهعليهوآله .
اتقوا الله بالعباد والبلاد إن كان ما تزال لديكم إنسانيّة، وفي قلوبكم رحمة، وفيكم شيء من بقايا ما نسمّيه الضمير يؤاخذكم، فاسمعوا لنداء ربّكم ومواعظ نبيّكم، وأقوال العلماء، وإلهام القلب، ووحي الضمير الحيّ، وتوقّفوا عن أعمالكم الضالّة المضلّة بحقّ هذه الأُمّة التي تكالب عليها الأعداء واللعناء من كلّ جانب؛ يريدون نهشها وتمزيقها، وتقطيع أوصالها، فلا تكونوا أدوات لهم، إلاّ أنّ المخلصين، ولا بدَّ من وجودهم فيكم، يجب أن يرتدعوا، ويتّقوا الله في هذه الأُمّة المرحومة.
وهذا نداء أخلاقي راقٍ، بكلمات تطفح بالفضيلة، وأفعال متّصفة بالجمال
والكمال، ينقلها سماحة الشيخ والخطيب الحسيني جلال معاش في كتابه، وهو من البواكير.
هذا الذي أراد به المقارنة بين الأخلاق الإسلاميّة والأفعال الوهابيّة، فسمّاه بهذا الاسم (الإمام الحسين والوهابيّة).
أسأل الله أن يمدّه من عنده توفيقاً وتسديداً؛ ليتحفنا بمؤلّفات أُخرى إنّه سميع قريب مجيب.
مؤسسة الإمامة
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الأوّل قبل الإنشاء والإحياء، والآخر بعد الموت والفناء. الحمد لله على الإيمان، والحمد لله على الإسلام، والحمد لله على الإحسان، والحمد لله على الامتنان، والحمد لله على القرآن، والحمد لله الذي مَنَّ علينا بمحمّد وآله الكرام (صلوات الله عليهم أجمعين).
والحمد لله ربّ العالمين، والعاقبة للمتّقين، والصلاة والسّلام على محمّد خاتم النبيّين وآل بيته الطّيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.
ويبقى الإمام الحسينعليهالسلام شعارنا إلى الأبد، وإمامنا وسيّدنا على طول المدى.
وتبقى كربلاء قضيتنا، وعاشوراء ملاذنا، والاستشهاد في طريقها ونهجها طلبتنا وأملنا وبغيتنا ما دام فينا عرقٌ ينبض، أو نَفَسٌ يخفق.
وتبقى دماء عاشوراء تغلي في عروقنا، وتفيض بالولاء لسيّد الشهداءعليهالسلام ، وبالبراءة من أعدائه وقاتليه، وتتفجر عروقنا بأيدينا كشعائر، أو بأيدي أعدائنا
كشهداء، ولكن لا بدَّ للدم الموالي لأهل البيتعليهمالسلام أن يُراق في ذكرى عاشوراء الدامية.
في صبيحة العاشر من المحرّم عام ١٤٢٥ هجرية، وأنا اُحيي مقتل الإمام الحسين بن عليعليهماالسلام ، أخبروني بالفاجعة التي حصلت على أرض كربلاء، نظرت إلى التلفاز وتسمّرت أمام الفضائيات، والعيون عبرى، والصدور حرى، وكأنّ في العين قذى، وفي الحلق شجى على ما جرى في كربلاء، وبقيّة الدول الإسلاميّة، ومساجد شيعة أهل البيت الأطهارعليهمالسلام .
ولكن ما العمل؟ وكيف النجاة من هذه الفتنة العمياء؟!
فكّرت وتدبّرت وتأمّلت في هذه المصائب التي تتوالى علينا من كلّ ناحية، فرأيت أنّ الأزمة التي نعاني منها هي أزمة أخلاقيّة وحقوقيّة أكثر من أيّ شيء آخر. نعم، إنّ أزمة عالمنا المعاصر اليوم حسب ما شخَّصه العلماء المختصّون:
١ - أزمة أخلاقيّة: لأنّ حضارتنا اليوم بلا أخلاق، بل صارت المفردات الأخلاقيّة هي عبارة عن رذائل في قاموس الحضارييّن من الغرب إلى الشرق، كالشرف والكرامة والحياء والعفّة وغيرها.
٢ - أزمة حقوقيّة: رغم أنّ العالم المستكبر ينادي ويدير العالم تحت شعار (حقوق الإنسان)، إلاّ أنّهم يعتبرون حقوقهم وحدهم ولا حقّ لأحد غيرهم؛ لأنّهم الأقوياء، وأصحاب النادي النووي في العالم، وأمّا العالم فلا حقّ له إلاّ أن ينفِّذ ما يُملى عليه من اُولئك الطّغاة.
وبناءً على ما تقدّم رأيت من واجبي أن أكتب هذه الصفحات لا سيما وأنّ العديد من الإخوة الأعزاء، والأساتذة الأصدقاء، والتلاميذ النجباء، والمعارف والأقرباء، ومنذ زمن يلحّون عليَّ في كتابة تجاربي المنبريّة، باعتباري من خدّام منبر الإمام السبط الشهيد الإمام الحسينعليهالسلام .
وبما إنّني أتشرّف بخدمته وآله الأطهار (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين)، وأصعد على أعواد المنابر منذ عشرين عاماً، وما زلت أتنقّل في معظم دول قارتي آسيا وأوروبا التي ينتشر فيها المسلمون من أتباع أهل البيتعليهمالسلام ، لا سيما أبناء العراق الجريح الذين كانوا من الشعب الذي لا تغيب عنه الشمس.
كما إنّني من أبناء الحوزة العلميّة درساً وتدريساً، حيث قضيت كلّ أيّام حياتي منذ أن وعيت في جنباتها المباركة، وتحت ضلال المرجعيّة الوارفة، ولكن تحت إلحاحات الضغوط الحياتية، والانشغال المكثّف بالعمل الإداري في نشر علوم آل البيتعليهمالسلام في سائر البلاد كنت أرفض الكتابة، ولا حتّى الاهتمام بتسجيل المحاضرات على كاسيت، أو قرص مضغوط.
لا سيما وإنّني قد أشرفت على طباعة ونشر وتوزيع عشرات الآلاف من الكتب العقائدية الهادفة والمميّزة، والتي لاقت رواجاً في الأوساط الدينية؛ لأنّني كنت وما زلت أتطلّع لنشر مذهب أهل البيتعليهمالسلام بالكتاب، وإعلان مظلوميتهم على المنبر.
فكنت لا أجد وقتاً للتفكير بالكتابة عدا عن التفرّغ لها، وللبحث حول هذا الطريق الشائك والطويل، إلاّ إنّه جميل ومبارك ورائع.
وفي العام المنصرم (١٤٢٤ هجرية)، وعندما كنت حاجّاً إلى بيت الله الحرام، وبعد كلّ ما رأيته بأُمّ عينيّ من أعمال وتصرّفات الملّة التي تسلّطت على أطهر بقاع الأرض، وراحت تكفّر أُمّة (لا إله إلاّ الله)، وتشكّك الحجّاج في دينهم، وتعامل زوّار بيت الله الحرام والرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله بأقسى وأبشع المعاملة، فما أفظعها وأبشعها وأشنعها أن يُقال لك: (يا مشرك، أو يا كافر) وأنت في رحلة رحمانيّة ربّانية، ربّما لا تتكرّر أبداً في حياة معظم الحجّاج.
ولكنّ هذا هو الذي يحدث، وهذا هو الواقع المأساوي الذي تعيشه الأُمّة الإسلاميّة في كلّ عام، وتبقى مصائب شيعة أهل البيتعليهمالسلام مضاعفة، فرأيت أنّه من واجبي أن أكتب في هذا الباب، ولكن كيف لي الدخول وأنا أجهل الباب المباشر؟!
حتى اهتديت إلى فكرة إبداعية جديدة: أن أجري شبه مقارنة، بل مفارقة ما بين المناقب الحسينيّة؛ باعتباري خطيباً حسينياً متخصّصاً في هذا المجال، وبين المواقف والأعمال الوهابيّة التي أصبحت اللعنة المعاصرة للأُمّة الإسلاميّة؛ بسبب ما فيها من جمود وتحجّر، وجحود وتعصّب.
فهي تعامل العالم أجمع على أنّه يجب تدميره وقتل مَنْ فيه، وتصنّف الأُمّة الإسلاميّة ما بين كافر ومشرك مستوجبي القتل والتنكيل، واستباحة الدماء والأعراض والأموال، لا لذنب اقترفوه إلاّ أنّهم تمسّكوا بالقرآن، وسنّة الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله ، وأهل بيته الأطهار (صلوات الله عليهم أجمعين)، أو رفضوا رفضاً قاطعاً تعاليم وتوجيهات محمد بن عبد الوهاب البعيدة كلّ البعد عن منهج الإسلام وتعاليمه.
١ - فعند بيت الله الحرام عقدت العزم على تأليف وكتابة هذا الكتاب، ولكن أردته أن يكون جديداً في بابه، أو لا أقلّ نادراً من طرقه من الكتَّاب؛ فأقسمت على الله أن يوفّقني لذلك المشروع الرائد.
٢ - ولكن، أيّ الأبواب الحسينيّة التي لم تُطرق، والكتّاب والعلماء كتبوا عن الإمام السبط الشهيد (صلوات الله عليه) آلاف الكتب والموسوعات الضخمة؟
العلماء درسوا كلّ الجوانب المأساوية المحزنة، وحتى السياسية والاجتماعية، والاقتصادية والفكرية، والعسكرية والحضارية للنهضة الحسينيّة المباركة، فمَنْ يُبدع؟!
هذا الهاجس ظلّ يراودني منذ حوالي عشر سنوات أن أكتب جديداً ولا أكرّر قديماً في النهضة الحسينيّة المباركة، ولكنّ الإمام الشهيدعليهالسلام ما زال ملهِماً ومسدِّداً لأحبابه وخدّامه؛ فتراني اتّجهت إلى الأخلاق الحسينيّة التي بهرتني طويلاً وعريضاً، وكم تحدّثت وخطبت عن تلك الأخلاق الإلهيّة الرسالية التي كان يتمتّع بها الإمام العظيم الحسين الغريب (صلوات الله عليه).
وهذا باب لم يُبحث بشكل مستقل إلاّ في القليل النادر؛ فاتّجهت إليه، ووجّهت وجهي إلى أخلاق المولى أبي الأحرار الحسينعليهالسلام ورحت أبحث عنها وفيها، فرأيت العجب العُجاب في هذا العصر الذرّي والحضارة الإلكترونية العملاقة، حيث الإنترنت والفضائيات وثورة المعلومات، كم نحن والعالم من حولنا بحاجة إلى هذه الأخلاق الحسينيّة؟!
نعم، هي مناقب الإمام الحسينعليهالسلام وليس شيء آخر سواها؛ تُعطي
للعالم الصورة الحقيقية للإسلام الذي صار مشوَّهاً بسبب الأعمال الوهابيّة العنيفة، فصار الإسلام بنظر العالم يساوي الإرهاب والتخلّف، والضعف والطمع والجشع إلى اللذّات الدنيوية، وحتى سفك دماء الأبرياء، فغدت صورة الإسلام كصور تلك المخلوقات والممسوخات المشوّهة في الأفلام، بما يُسمّى أفلام الخيال العلمي.
فالتصدّي الإعلامي لكشف الشخصيات المزوّرة، وذوي الاتجاهات العنيفة، والأفكار الإرهابية المحسوبة على الإسلام والمسلمين، وتمييزهم أمام الرأي العام العالمي أمر ضروري لا بدَّ منه، وذلك عبر كلّ وسائل الإعلام القديمة والحديثة، من كتب وكرّاسات، ونشرات ومقالات، ومجلات وصحف، وإذاعات وتلفزة وغير ذلك؛ لأنّ الفكر العنيف لا يُقاومه إلاّ الفكر الإسلامي المسالم الصحيح، والفكر المسالم الصحيح أسرع تقبّلاً في الأوساط الشعبية والجماهيرية من غيره، لكن بشرط نشره وبثّه على الناس كافة.
نعم، إنّ الفكر لا يُقاومه إلاّ الفكر، والكلمة الباطلة لا تدفعها إلاّ الكلمة الحقّة، والثقافة الفاسدة لا تردُّها إلاّ الثقافة الصحيحة، وعلينا أن نعلم أنّ الاستعمار الصليبي لا يكفُّ عن تنفيذ مخطّطاته السيئة تجاه المسلمين ما لم يتَّحدوا ويتآخوا فيما بينهم، كما إنّه لا يُقصِّر في نشر ثقافة الباطل، وهو يروَّج للشخصيات الدموية في الأُمّة الإسلاميّة، وتحكيمها برقاب المسلمين ما لم يحصلوا على وعي ديني وفقه سياسي(١) .
_____________________
١ - من محاضرة للإمام الشيرازي (رحمه الله) عن صلاح الدين الأيوبي.
والإسلام عكس ذلك تماماً؛ لأنّه دين الحبّ والإخلاص، والعدالة الاجتماعية والوفاء بالعهد، واحترام الآخرين ومعتقداتهم حتّى التقديس، والتسامح والعطاء والعفّة والوقار، والشجاعة والجرأة بقول الحقّ، والعلم والعمل بما يحبّ الله ويرضى.
الإسلام: حديقة غنّاء أهدتها السماء لأهل الأرض، إلاّ أنّ تصرفات وأخلاقيات بعض الأفراد الذين ينتسبون بالاسم فقط للإسلام، شوَّهوا صورة الإسلام بنظر الملايين من البشر في العالم كلّه، ويستطيع الغيارى من المسلمين عن طريق الإعلام العالمي تصحيح هذه الصورة، وبلورة الصورة الصحيحة المشرقة للإسلام الحنيف؛ لأنّه عندما تُعرض صورة الإسلام الحقيقي على العالم لا يمكن لعاقلٍ إلاّ أن يؤمن به، أو على الأقل من أن يحترمه ويعظّمه ويوقّره، بدلاً من أن يحاربه ويسخر منه ومن حامليه ومعتنقيه.
إيجابٌ وسلبٌ.
بالإيجاب: نريد أن نُعطي الصورة النورانية التي جسّدها الحسين بن علي بن أبي طالب (صلوات الله وسلامه عليهم) على أرض الواقع، والأخلاق الربّانية التي التزم بها خلال حياته الشريفة من المسجد النبوي الشريف حيث الولادة المباركة، وحتى آخر لحظات حياته حيث الشهادة المفجعة على تراب كربلاء المقدّسة.
وبالسلب: نريد أن نجرّد اُولئك الجهلة المتنطّعين من أسلحتهم ونظهرهم على حقيقتهم، ونقول للعالم أجمع: إنّ هؤلاء ليسوا من الإسلام في شيء، فهم يحقدون على الإسلام والمسلمين أكثر ممّا يحقدون عليكم؛ ولذا تراهم يكفّرون
الأُمّة الإسلاميّة كلّها إلاّ أنفسهم ومَنْ تبعهم، فمن أين لهم الإسلام إذن؟!
ونحن نعاني من أعمالهم الشنيعة مثلكم أو حتّى أكثر، ففي كلّ يوم وربما في كلّ بلد، هناك قتل ودماء، وسلب ونهب وتشريد، فأعمالهم تدلّ عليهم وليس على الإسلام؛ فالإسلام منهم بريء.
الإسلام: دين الأخلاق، والقيم السماوية، ورسول اللهصلىاللهعليهوآله قال منذ البداية:((إنّما بُعثت لأتِّمم مكارم الأخلاق)) (١) . وقال (صلّى الله عليه وآله:((أدّبني ربّي فأحسن تأديبي)) (٢) .
وقبل هذا وذاك قال الله تعالى عنهصلىاللهعليهوآله :( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) (٣) .
فما أحوجنا نحن المسلمون إلى العودة إلى حيث النقاء والصفاء الإسلامي، وما أحوج العالم كلّه للدين الإسلامي وأخلاقياته الرحمانية، وشرائعه السماوية، وعدالته الاجتماعية، وتعاليمه الإيمانية؛ ليخرج من عنق الزجاجة الذي حشر نفسه فيها فكاد يختنق ويموت بصنع يديه كدودة القزّ تماماً.
فالبحث في الأخلاق الحسينيّة: ضرورة حضارية، ووفاء إنساني لذلك الإمام العظيم الذي قدّم كلّ ما لديه في سبيل الله ورسالته، وإنقاذ الأُمّة الإسلاميّة من هوّة الضياع الأموية، ومن ثمّ العباسية والعثمانية وحتى الحضارة الإلكترونية.
فهل يسعفنا القلم ويسدّدنا المولى لخدمته؟
هذا ما أرجوه وأطمح إليه في كلّ كلمة أو فكرة أسجّلها على هذه الصفحات، وقد قسّمت البحث (الكتاب) إلى قسمين:
_____________________
١ - مستدرك الوسائل ١١ / ١٨٧ ح ١٢٧٠١.
٢ - تهذيب الأحكام ٩ /٣٩٧، وشرح نهج البلاغة ١١ / ٢٣٣.
٣ - سورة القلم / ٤.
١ - الأخلاق الحسينيّة: وفيه أبحث عن بعض أخلاقيات الإمام الحسينعليهالسلام ، بعد مقدّمة عن الأخلاق والنظريات الأخلاقيّة قديمها وحديثها، وهذا يكون صلب الكتاب وأصله.
٢ - مواقف الوهابيّة: أبيِّن فيه، وبالإجمال دون تفصيل، بعض مواقف الوهابيّة المخزية تجاه الإسلام وآثاره، وتجاه رسوله وأهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين)، وتجاه العالم أجمع.
وأسرد بعض المحاورات التي جرت بيني وبين بعضهم، وأبيّن آراء بعض علماء أبناء العامّة فيهم، وأذكر بعض الأحداث المعاصرة التي تُخبر عنهم وعن سلوكياتهم.
وأرى من المناسب والضروري هنا، أن أوجّه شكراً خاصاً إلى أخي العزيز الأستاذ حسين السيد الذي كان عوناً لي في إخراج هذا الكتاب إلى النور.
راجياً من الله العليّ القدير أن أكون قد وفّقت في كلّ ذلك؛ لإيصال الفكرة الصحيحة للقارئ الكريم عن أخلاقيات الإمام السبط الشهيد الحسين المظلوم الذبيح (عليه أفضل الصلاة وأزكى السّلام، وعن الجاهليّة في القرن العشرين التي تطالبنا عناصرها بالعودة إليها، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم.
جلال معاش
٩ ربيع الأول ١٤٢٥ هجرية
دمشق - السيدة زينبعليهاالسلام
الباب الأوّل: الأخلاق الحسينيّة
الفصل الأوّل: تمهيد في الأخلاق
في البداية هناك سؤال يتبادر إلى ذهن القارئ الكريم هو: ما هي الأخلاق؟ أو أيّ نوع من الأخلاق تريدون؟
ولا بدَّ من نزهة سريعة في بساتين اللغة العربية؛ لتقصِّي المعاني التي وردت في هذه المادة (خلق).
فالنزهة في تلك الحقول اللغوية من أجمل النُّزه؛ لأنّ لغتنا العربية من أجمل وأغنى لغات العالم قاطبة حيَّها وميَّتها.
قال صاحب (معجم المقاييس): الخاء واللام والقاف أصلان:
أحدهما: تقدير الشيء، كقولهم: خَلَقْتُ الأديم للسقاء، إذا قدَّرته (صنَّعته).
والآخر: ملاسة الشيء، كقولهم: صخرة خلقاء، أي ملساء.
ومن الأوّل نأخذ معنى الخُلُق: وهي السجيَّة؛ لأنّ صاحبه قد قدَّر عليه(١) .
وأمّا صاحب (الوسيط) فإنّه قال في هذه المادة كثيراً، وممّا قال:
١ - الخُلُق: حالٌ للنفس راسخة تصدر عنها الأفعال من خيرٍ أو شرٍّ من غير حاجة إلى فكر ورويَّة.
_____________________
١ - معجم مقاييس اللغة ٢ /٢١٤ بتصرف.
٢ - الأخلاق (علم الأخلاق): علم موضوعه أحكام قيميَّة تتعلّق بالأعمال التي توصف بالحُسن أو القبح.
٣ - الأخلاقي (العمل): هو ما يتّفق وقواعد الأخلاق، أو قواعد السلوك المقرَّرة في المجتمع، وعكسه لا أخلاقي.
٤ - الخالق: اسم من أسماء الله تعالى (يعني): المبدع الشيء، المخترعه على غير مثال سبق (أي المبدع أو الصانع).
٥ - الخِلقة: الفطرة. والخليقة: هي كلّ مخلوق. والطبيعة التي يُخلق المرء بها(١) .
ويُضيف بعضهم معاني أُخرى، فكلمة (الخُلُق) تُستعمل في اللغة بمعاني منها: السجيّة، والطبع، والعادة، والدين، والمروءة. وقد ذكر أصحاب المعاجم أمثالاً وأشعاراً تؤيِّد ما ذهبوا إليه.
ولكن بالتأمّل في كلّ هذه المعاني، بعد إرجاعها إلى الأصل اللغوي الذي ذهب إليه (ابن فارس) في مقاييسه، أي إلى معنيين فقط: (التقدير، والملامسة والتسوية)، نلاحظ أنّ بين هذه المعاني صلة قريبة ودقيقة، تكاد تلحظها وتجمعها في إطار واحد.
ولعلّ معنى الكلمة الأصلي في اللغة واحد، وهذه المعاني أفياؤه وظلاله، ولعلَّ هذا المعنى الواحد في اللغة: هو الذي يعرفه الخُلُقيون من هذه الكلمة أيضاً، وإن كانت النصوص اللغوية قاصرة عن إثبات ذلك.
والخُلُقيون يعرفون من معنى هذه الكلمة: أنّها ملكة من ملكات النفس.
_____________________
١ - المعجم الوسيط ١ / ٢٥٢ بتصرف.
ويقولون: إنّ أظهر خاصة تتميّز بها هذا الكلمة هي صدور الأفعال عن الإنسان من دون إمعان فكر أو إعمال رويَّة(١) .
وبالتأمّل في معاني هذه الكلمة مع ملاحظة الأفياء والظلال المرافقة لها، لاح لي أنّ الخيط الدقيق الواصل بينها هو: التقدير والتسوية بالإملاس.
فالله سبحانه قد خلق الإنسان إبداعاً، وزودّه بالعقل، وميّزه بالإرادة؛ ليتمكّن من الفعل والترك، وتحمّل مسؤولية التكليف الشرعي.
وكأنّما العقل والقابليات من خَلْق وتقدير الله سبحانه للإنسان، وأمّا التَّسوية والإملاس لطبائعه فإنّها عن طريق الرسالات السماوية (الدين الإلهي)؛ لأنّ وظيفة الرسالة تهذيب الأخلاق المقدَّرة وإملاسها وتليينها حتّى تأتي النفس الإنسانيّة إلى بارئها( رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ) .
والإنسان العاقل فعلاً لا يرضى إلاّ بالجنّة ونعيمها الدائم.
والله سبحانه وتعالى لا يرضى منه إلاّ الأعمال الصالحة التي أمره بها، أو ندبه إليها.
ومن هذا المنطلق، ذهبت مدرسة أهل بيت النبوّة والطهارة (صلوات الله عليهم) إلى أنّه: لا دين بلا أخلاق، ولا أخلاق بلا دين وإيمان بربّ العالمين.
وهذا ما نستفيده من هذه الحكمة النورانية الرائعة للإمام الحسينعليهالسلام التي يقول فيها:((ما أخذ الله طاقة أحد إلاّ وضع عنه طاعته، ولا أخذ قدرته إلاّ وضع عنه
_____________________
١ - الأخلاق عند الإمام الصادقعليهالسلام / ١٣.
كِلفته)) (١) .
فمَنْ تُسلب منه قوّته يسقط تكليفه، ومَنْ لا يستطيع ويقدر فإنّه لا مسؤولية عليه ولا تكليف، والقاعدة تقول: إذا أخذ ما أوهب أسقط ما أوجب.
وقبل المضي في البحث، لا بدَّ من نظرة إلى الماضي السحيق والحاضر اللصيق؛ لمعرفة نظرة العلماء والفلاسفة لهذه المسألة الخلقية.
وهدفنا ليس البحث عن النظريات الأخلاقيّة المختلفة ومناقشتها والإشكال عليها؛ فلهذا كلّه أماكن وأبحاث أُخرى، وأمّا هدفنا فهو إعطاء لمحة سريعة لزيادة الإيضاح لهذه الفكرة التي توصلنا إليها.
فالبحث في الجذور يعني الأصالة والتأصيل، وأمّا في الفروع فإنّه يعني التهذيب والتحسين والتجميل.
والتأصيل والتجميل عمليتان لا بدَّ منهما في تناولنا لمسألة الأخلاق؛ لأنّهما تمسّان الجوانب النظرية في أصولها، وغايتهما الجوانب العملية في غاياتها؛ لأنّ الأخلاق قواعد وعمل تهذيبي لتجميل السلوك البشري، وتحسين الحياة الإنسانيّة الفردية والاجتماعية؛ ذلك لأنّ الوجود الأخلاقي معطى نفسي، اجتماعي قيمي، يشتمل على الوقائع اللازمة في كلّ مجتمع إنساني ممّا يتّصل بالسلوك.
_____________________
١ - تحف العقول / ١٧٦.
وقد قاد هذا النشاط الفكري العلماء والفلاسفة إلى التمهّل أمام ينبوع السلوك الأخلاقي، فوجدوا أنّه ينبع من النفس أو الشعور، وأطلقوا على هذا الينبوع اسم (الوجدان، أو الضمير، أو الحسّ الأخلاقي).
قائلين (في تعريفه): أنّه صوت نبيل يدعو إلى الخير، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وأنّه حَكَم حكيم عليهم (البشر) يفصل بين الفضيلة والرذيلة، ويميّز الخير عن الشرّ، وأنّه الرادع اليقظ، والآمر المُطاع، والنور الحيّ الذي به تتمثّل الأخلاق الطيِّبة، ويهتدي للعمل الصالح، ويحقّق المرء بإطاعته حال البرّ والتقوى(١) .
فالأخلاق: علمٌ وقواعد عملية واجبة الالتزام؛ حتّى يكون الإنسان أخلاقياً في حياته، وإنسانياً في معاملاته.
وعلم الأخلاق: هو العلم الذي يبعث الكمال في النفس البشرية، وينمِّي القوّة والاستقلال في العقل البشري. وهو العلم الذي يساير الإنسانيّة في اتجاهاتها، ويوجّهها عند حيرتها، ويأخذ بيد العقل عند اضطرابه، ويمدُّه بالقوّة عند ضعفه.
وعلم الأخلاق: هو الرسالة العامّة التي يلزم على كلّ حيّ مدرك أن يبلِّغها إلى كلّ حيّ مدرك، وهو الأمانة الكبيرة التي يجب على كلّ كائن عاقل أن يؤدّيها إلى كلّ كائن عاقل(٢) .
_____________________
١ - الفلسفة الأخلاقيّة / ١١.
٢ - الأخلاق عند الإمام الصادقعليهالسلام / ٦.
فالأخلاق علمٌ، وعلم الأخلاق سلوك يسير عليه الإنسان ليقف على قيمته وإنسانيته؛ لأنّ الإنسان كائن أخلاقي كما يعرفه أحدهم، ولأنّه لا يمكن أن يكون الإنسان إنساناً إلاّ إذا اتّصف بالإنسانيّة. تلك الصفة التي تشكّل جوهره المميّز له عن غيره من جنسه الحيواني، كما يقول الفلاسفة.
والوجدان الأخلاقي حياة قيمية خاصّة ذات درجات شعورية، وتحت الشعورية متفاوتة بتفاوت الإشكالات المطروحة عليها، بحيث تثير في النفس حركة وصراعاً وجدلاً وتردداً ينتهي بعد المحاكمة والموازنة إلى حكم واعٍ يتوخّى سبيله إلى حيّز التنفيذ.
والواقع أنّ كلّ إنسان في كلّ لحظة من لحظات حياته اليومية - وطوال عمره - يعيش مثل هذا الصراع الباطني الخفي، ويجهد جهداً يسيراً أو عسيراً للتكيُّف مع ظروف وجوده الأخلاقي، فيُدرك أنّ أعماله ليست حوادث حياديّة بوجه من الوجوه، بل إنّ ثمّة صبغة أخلاقيّة هي صبغة الاقتراب من الخير أو من الشرّ في كلّ حركة يقوم بها، وفي كلّ فعل يحقّقه وعمل يؤدّيه(١) .
والوجدان الذي كثيراً ما نتحدّث عنه، ونقيّم الناس على أساسه، يصفونه بأنّه: خاصّة تمكّن الفكر البشري من إطلاق أحكام معيارية عفويّة ومباشرة (دون تكلُّف) على القيمة الأخلاقيّة لبعض الأعمال الفردية المحدّدة.
فإذا انصرف الوجدان إلى الحكم على الأفعال المستقبلية، ظهر في صورة (صوت) آمرٍ ناهٍ، وإذا تناول الأعمال الماضية تجلّى بعواطف الفرح و (الارتياح)، أو الألم
_____________________
١ - الفلسفة الأخلاقيّة / ١١.
أو (وخز الضمير).
والشعور الأخلاقي يشبه الشعور الديني من حيث أنّ الخروج على الأخلاق أشبه بالخروج على القداسة الدينية، ولكنّ مصدر القيمة الدينية خارجي عن الإنسان، في حين أنّ الشعور الأخلاقي يستقي من الوجدان ذاته أحكامه الآمرة، وهذه الأحكام تطرح على بساط البحث مصير الإنسان وخلاصه كما يطرحها الشعور الديني(١) .
فالشعور الديني: هو الالتزام بالقواعد الشرعية التي حدّدها الشارع المقدّس (الله) سبحانه وتعالى في رسالاته المتتالية لبني البشر؛ ولذا أطلقنا عليه أنّه من الخارج: أي خارج النفس البشرية. أمّا الضمير والوجدان فهما من الذّات البشرية من داخلها وصميمها فهما داخليان.
وهنا نلتقي بالكلمة المشهورة عن الإمام موسى الكاظمعليهالسلام :((إنّ لله على الناس حجّتين: حجّة ظاهرة، وحجّة باطنة. فأمّا الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمّة، وأمّا الباطنة فالعقول)) (٢) .
ولهذا كان من المحتوم أن يحذّر الإنسان نفسه (الأمّارة) التي بين جنبيه، ويحتاط ضدّ الانحياز، والأحكام المسبقة، والتقليد الأعمى.
فأين الخير والشرّ من الوجدان، إن كان الوجدان حائراً أو ضالاً، أو شاكاً أو موسوساً، أو مبطلاً طالحاً، ولم يكن سليماً أصيلاً نيّراً، واعياً مستقيماً، بل معصوماً؟!
_____________________
١ - المصدر السابق / ١٢.
٢ - تحف العقول / ٢٨٥.
اشتهر عن (باسكال) قوله: (إنّ الأخلاق الحقيقية تسخر من الأخلاق ...)، وذهب المفسّرون لها إلى اعتبار أنّ الأخلاق الحقيقية هي أخلاق الوجدان السليم، أو الشعور المرهف بروح الدقّة والحدس الذكي الفطن، وهي تسخر من النظريات أو المذاهب الأخلاقيّة التي أذاب في طلبها الفلاسفة - وما يزالون - الكثير الكثير من نشاطهم، وجهدهم العقلي المنطقي المنضود.
والمدقّق يجد أنّ المسألة الأخلاقيّة كانت في النظرة الدينية (وهذا ما يهمنا هنا) جزءاً لا يتجزأ من النظرة الشاملة إلى الحياة والسلوك (الإنساني)؛ وذلك أنّ المسوِّغ الأساسي والوحيد للخير والشرّ، وما بينهما من ألوان المستحبّ أو المكروه أو المباح إنّما يرجع إلى الالتزام بما تأمر به التعاليم السماوية / وتنصُّ عليه الكتب المقدّسة(١) .
وهذا ما يؤكّده ديننا الإسلامي الحنيف الذي ختم الله به الرسالات وأكملها، ورسول الإسلام الخاتم الحبيب المصطفىصلىاللهعليهوآله قال:((إنّما بُعثتُ لأُتمّم مكارم الأخلاق)) (٢) .
فإكمال الأخلاق لا يتمّ إلاّ بالالتزام بأخلاق رسول الإسلام وسنّته المطهّرة، وما وصل إلينا من سنن آله الأطهار الأبرار (صلوات الله عليهم أجمعين).
والأخلاق تمثّل أهم الجهات الإنسانيّة التي عني بها دين الإسلام، واهتمَّ
_____________________
١ - الفلسفة الأخلاقيّة / ١٥.
٢ - مستدرك الوسائل ١١ / ١٨٧ ح١٢٧٠١، بحار الأنوار ٦٨ / ٣٨٢، مكارم الأخلاق / ٨.
بها اهتماماً كبيراً (منذ انطلاقته المظفّرة)، والذي يستقصي تعاليم الكتاب (القرآن الكريم) وإرشادات السنّة المطهرّة، يعلم مقدار هذا الاهتمام، ومبلغ هذه العناية.
وهذه الظاهرة من الدين الإسلامي هي إحدى مميّزاته عن سائر الأديان (المنتشرة على وجه الأرض حالياً)، وإحدى مؤهّلاته للخلود (في الحياة والوجود).
وهي جارية على ما تفرضه جامعيَّة الدين، وصفاء أخلاق المتديّنين، يوم غرس الدين بذرته (في الجاهليّة الجهلاء)، قال الشاعر:
وإنّما الأُمم الأخلاقُ ما بقيت |
فإن هُمُ ذهبتْ أخلاقُهم ذهبوا |
وإذا كان شذوذ الأخلاق ناتجاً عن تطرّف في الغريزة، أو إسفاف في العادة، أو قصور في التربية، وإذا كانت أمراض الروح أشدّ فَتكاً في معنويات الأُمّة، وأعظم أثراً في إبعادها عن الخير والسعادة، فجدير بالدين الجامع، وجدير بالمصلح المهذِّب أن يتكفّل بإتمام النقص في الأخلاق، ويتبيّن مواضع الخلل في النفس، ويعالج الخطر في الغريزة الموبوءة؛ لكيوِّن من الفرد عضواً صالحاً لمكانته من الأُمّة، ويجعل من الأُمّة مجتمعاً قابلاً للعلم والعمل في سبيل الخير.
والإسلام دين فردي اجتماعي، وهو في اجتماعيته فردي أيضاً؛ لأنّ الجنّة مشروع خاصّ بالفرد الذي يطلبها، وينظر الإسلام في سعادة الفرد كما ينظر في سعادة الأُمّة، ويسعى لتهذيب الشخص كما يسعى لتنظيم المجتمع.
وإذا كان صلاح الأُمّة مشروطاً بصلاح أفرادها، كان اهتمام الدين بسعادة الفرد من ناحيتين:
- تهمّه سعادة الفرد؛ لأنّه ممّن يجب إيصاله إلى الكمال.
- وتهمّه سعادة الفرد؛ لأنّها شرط في سعادة الأُمّة.
وكلتا هاتين الغايتين يدعو إليهما الدين الجامع.
فإذن لا بدَّ للإسلام من أن يكون دين أخلاق فاضلة، ولا بدّ لقادة الدعوة فيه من بثِّ روح وتعاليم الأخلاق في المجتمع البشري(١) .
وهذا ما سنتلمّسه في السيرة الحسينيّة العطرة التي نحاول تتبّعها في هذه الورقات، فنبيّضها بتلك الأقوال والأفعال النورانية الرحمانية المباركة؛ باعتبار أنّ الإمام الحسينعليهالسلام شخصية قيادية من الطراز الأوّل في العلم والعمل في ساحات الجهاد الأكبر والأصغر، وفي كلّ الظروف سلماً وحرباً.
ولكن قبل المضي لا بدَّ من زيادة في التوضيح؛ لإكمال الفائدة من هذه المقدّمات المختصرة عن علم الأخلاق وفلسفته، وما علينا في هذا المقام إلاّ أن نميّز نوعين من الأخلاق:
١ - الأخلاق الاعتقادية: وهي أخلاق العمل الملحّ الاتّباعي السريع.
٢ - الأخلاق الفلسفية: وهي رهن بالباحث الناقد، والمفكّر المدقّق الذي يعتبر الأخلاق محلّ نظر فلسفي يتوخّى تبيان حقيقة الأخلاق بمعرفة ماهيتها وطبيعتها، وتحديد مصادرها وأهدافها وغاياتها، مؤيّداً معرفته بأدلّة ساطعة تجريبية أو عقلية(٢) .
_____________________
١ - الأخلاق عند الإمام الصادقعليهالسلام / ٨.
٢ - نلفت الانتباه إلى أنّنا لا نؤيّد الفلاسفة في كلّ أقوالهم ونظرياتهم واعتقاداتهم، إلاّ أنّنا هنا نستشهد بأقوالهم حول الأخلاق فقط لا غير.
واللافت أنّ هذا النظر الفلسفي هو ذاته يصدر من قيمة أخلاقيّة مائلة في أنّ كرامة الإنسان تمنع عليه أن يُميت عقله، ويجمِّد فكره، ويضيّق على منطقة عالم الرحب والسعة، مؤمناً بأنّ الإنسانيّة ما برحت دائبة التحفّز والعمل في أجواء التقدّم والإبداع(١) .
وفي الحقيقة يمكننا القول: إنّ الفلسفة الأخلاقيّة هي جماع آراء الفلاسفة الأخلاقيين، وقد كثرت المذاهب الأخلاقيّة بتعدد المذاهب الفلسفية، حتّى صار بوسعنا أن نتحدّث عن أنواع، ونستعرض نماذج من الأخلاق النظرية، أو النظريات الأخلاقيّة، يساوي عددها عدد أصحاب تلك النظريات أو المذاهب.
وعدد هؤلاء ما زال بازدياد كلّما امتدّت بنا الأيام، ولن نقف عند ذاك الاستعراض الممل للأقوال من أفلاطون ومدينته الفاضلة، وأرسطو وشروحه، وأبيقور وتخرّصاته، والرواقيين وفذلكاتهم، ولا حتّى الفارابي وابن سينا والغزالي وإضافاتهم، ولا حتّى الفلسفات المعاصرة كلّها؛ لأنّ الوقوف عندها ممل ومقيت، والواقف عليها لا بدَّ له من أن يفقد أخلاقه، هذا إذا لم يفقد عقله لشدّة تباينها واختلافاتها وفراغها الروحي.
بداية لا بدَّ من القول أنّ المبدأ بوجه عام هو أوّل كلّ أمر؛ سواء أكان بصورة مطلقة، أم بصورة نسبية، أو كان بحسب الترتيب الزمني، أو المنطقي، أو غير ذلك.
_____________________
١ - الفلسفة الأخلاقيّة / ١٦.
ونحن إذا نظرنا إلى كلمة (أخلاق) من زاوية الوجود وجدناها تدلُّ على معنى ينبوع الفعل، أو سببه؛ من حيث أنّ السبب هو أصل النتيجة، فالمبدأ يوضّح وجود الوجود ويفسّره.
والمبدأ من الزاوية المعيارية هو قاعدة الفعل أو معياره من حيث أنّه تصوّر ذهني جلي تعبّر عنه صيغة محدّدة، ويكون المبدأ أخلاقياً بالمعنى الدقيق؛ لأنّه يتّصل بالبحث الأخلاقي.
وما التخلُّق، أي السِّمة الأخلاقيّة التي تسم فعلاً أو فاعلاً، إلاّ التقيُّد الذاتي بالقانون الأخلاقي، وذلك كما يرى (كانت) مثلاً، وهذا يعني أنّ التخلُّق هو إرادة التقيُّد بقانون الأخلاق.
يقول (لوسين): المبدأ الأخلاقي لا يتناول ما ينبغي أن يتناوله الفكر من أمر الحقيقة؛ بل ما ينبغي فعله من أمور صالحة طيّبة، ولا يخفى عليكم أنّ الباحث النظري يتطلّع إلى تطابق المبادئ الفكرية ومعايير الأوامر الأخلاقيّة(١) .
ذاك كان حديثاً مختصراً وسريعاً عن القواعد الأخلاقيّة، ونريد أن نلتفت إلى الغاية المتوخّاة من تلك القواعد وذاك العلم الذي نحن في رحابه (الأخلاق).
والغاية: هي ما يؤدّي إليه الشيء، ويترتّب هو عليه، وقد تسمّى غرضاً من حيث أنّه يطلب بالفعل، ومنفعة إن كان ممّا يتشوّقه الكلّ طبعاً(٢) .
فالغاية بوجه عام هي ما لأجله يُطلب الشيء، وهي نتيجة تستهدفها
_____________________
١ - الفلسفة الأخلاقيّة / ٢٥ - ٢٦.
٢ - الكلّيات - لأبي البقاء / مادة: الغاية.
أسبابها.
يقول (غوبلو): عندما يعي المرء غايته تكون الغاية فكرة، ويكون التحقيق غرضها ونهايتها.
ولكن علينا أن نحسن التمييز بين الغاية والوسيلة، أو الغايات والوسائل الموصلة إليها، أو الطرق المؤدّية إليها.
وقد تساءل باحثون منذ القدم: هل الخير غاية لأنّه خير، أم أنّه خير لأنه غاية؟
ويبقى من الثابت: أنّ ما ندعوه الخير الأسمى هو الغاية الأخلاقيّة القصوى(١) .
والقاعدة الأخلاقيّة تقول: بضرورة المثل الأخلاقي الأعلى، أي لا بدَّ لنا من قدوة حسنة، وربّنا سبحانه وتعالى قال في كتابه العزيز:( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً ) (٢) .
فمثلنا الأعلى في هذه الحياة هو الرسول الأعظم وأهل بيته الأطهار الأبرار، والإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين).
فإنّ المثل الأعلى: هو ما يتطلّع إليه الفاعل أيضاً، ولكن بوصفه نمطاً كاملاً، أو نموذجاً في مجال معيّن من مجالات الفكر أو العمل(٣) .
فالمثل الأخلاقي: مفهوم من مفاهيم الوعي الأخلاقي، فيه يعبَّر عن المطالب الأخلاقيّة في صورة نموذج للشخصية الكاملة أخلاقياً على شكل
_____________________
١ - المفردات الفلسفية - إدمون غوبلو / مادة الغاية.
٢ - سورة الأحزاب / ٢١.
٣ - لالاند، المصدر السابق / مادة المثل الأعلى.
تصوّر عن إنسان تتجسّد فيه أسمى الخصال الأخلاقيّة (الفضائل)(١) .
وذاك المثل الأعلى هو الشخص الأوحد في كلّ زمانه، المتفرّد بالفضائل الأخلاقيّة بالطول والعرض، فالرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله ، والأوصياء من بعده هم أصحاب تلك المنزلة الرفيعة، وذاك المقام السامي في هذه الدنيا، فهم الأولياء الكاملون في الإنسانيّة، والرجال الأنوار في دنيا الإسلام، ومثلُهُ العليا بالفضائل وحسن الشمائل.
إذا اقتصرنا بالنسبة لما نحن فيه هنا على ما يرجع حصراً إلى الفاعل الأخلاقي من حيث أنّه فاعل واعٍ ومسؤول وجدير، ألفينا أنّ لمفهومي الفضيلة والرذيلة تاريخاً ثقافيّاً فائق التنوّع، يواكب تطوّر الوقائع الأخلاقيّة، والأفكار والنظريات المفسّرة على الصعيد الأسطوري والديني والفلسفي، نخلص منه كلّه إلى أنّ الفضيلة على مستوى الفاعل: هي استعداد خاصّ للقيام بواجب معيّن، أو عمل صالح معيّن، وعكسها الرذيلة.
بل هي بقول أدق: الاستعداد الدائم لإرادة الخير، وإعادة صنعه (الخير)(٢) .
ويذهب أحدهم إلى القول: إنّ الإنسان الكامل هو الذي لم تفته فضيلة، ولم تشنه رذيلة،
وهذا الحدّ قلّما ينتهي إليه إنسان، فإذا انتهى الإنسان إلى هذا
_____________________
١ - الفلسفة الأخلاقيّة / ٣١.
٢ - المصدر نفسه / ٥٥.
الحدّ كان بالملائكة أشبه منه بالناس؛ فإنّ الإنسان مضروب بأنواع النقص، مستولى عليه وعلى طبعه بضروب الشرّ، فقلَّما يخلص من جميعها، أو تسلم نفسه من كلّ عيب ومنقصة، وتحيط بكلّ فضيلة ومنقبة.
إلاّ إنّ الإنسان التامّ (الكامل)، وإن كان عزيزاً بعيد التناول، فإنّ صدقت عزيمته، وأعطى الاجتهاد حقّه، كان يقيناً أن ينتهي إلى غايته التي هو متهيّئ لها؛ ويصل إلى بغيته التي تسمو نفسه إليها.
فأمّا تفصيل أوصاف الإنسان التامّ فهو الذي يكون:
- متيقّظاً لجميع معايبه.
- متحرزاً من دخول نقص عليه.
- مستعملاً لكلّ فضيلة.
- ومجتهداً في بلوغ الغاية.
- وعاشقاً لصور الكمال.
- مستلذّاً لمحاسن الأخلاق.
- متيقّظاً في الأصل.
- متبغّضاً لمذموم العادات.
- معنيّاً بتهذيب نفسه.
- غير مستكثر لما يقتنيه من الفضائل.
- مستعظماً اليسير من الرذائل.
- مستصغراً للرّتبة العليا.
- مستحقراً للغاية القصوى.
- يرى التمام دون محلّه، والكمال أقلَّ أوصافه(١) .
والإنسان بالمطلق مسؤول عن أفعاله وتصحيح أعماله؛ لأنّها ناتجة عن إرادة واختيار كامل منه، وهذا هو بالضبط ما نطلق عليه فلسفة التكليف الربّاني للإنسان الذي يلحقه الثواب للمحسن، والعقاب للمسيء.
إذاً، فالفعل الذي يفعله الإنسان بإرادته واختياره يكون على قسمين:
١ - أخلاقي: وهو الذي يكون مظهراً للخلق الصحيح، والذي يكون صدوره بإشارة العقل وإرشاده، وهذا هو الذي يجب أن تكون غايته الكمال الإنساني المطلق، ولا يصل إليه إلاّ المعصوم.
وإذا أعقبت هذا النوع من العمل لذّة فهي شيء آخر يصحب الغاية، يتقدّم عليها أو يقارنها في الوجود.
٢ - غير أخلاقي: وهو الذي لا يعدُّ كذلك (ما سبق).
وفي هذا الصنف من الفعل الاختياري قد تكون الغاية هي اللذّة، وقد تكون الغاية هي الكمال، وقد تكون شيئاً يتوهّمه الفاعل كمالاً.
وسواء ثبت أنّ اللذّة بمطلقها خير أم لم يثبت، فلا يسعنا التصديق بأنّ السعادة هي اللذّة ما دامت السعادة هي الخير الأعلى، وكان أكثر اللذّات مصحوباً بالألم.
والسعادة: هي الخير الأعلى، كما تعرّفها الخاصّة. وهذا ما تفهمه العامّة من معناها أيضاً.
وإذا تجددّ بين الفريقين اختلاف بعد ذلك فإنّما هو في تعيين أفراد الخير الأعلى؛
_____________________
١ - رسائل البلغاء - تصنيف محمّد كرد علي / ٥١٢.
لأنّ الخاصّة تعرف من الخير الأعلى مثالية سامية لا تدركها عقول العامّة، وللعامّة في تحديده رأي قصير لا تذعن له الخاصّة.
لأنّ العامّة تدرك من الخير الأعلى معنىً بسيطاً تحدّده لها أنظار بسيطة، بحيث ترى أنّ السعادة هي الثروة والمال، والصحة والرفاه؛ لأنّها لا تعرف من الخير الأعلى غير هذا وما يشبهه، والخاصَّة لا ترى في ذلك ما يسمّى كمالاً؛ ولا تعدُّ الحصول عليه سعادة إلاّ إذا كان للسعادة معنى آخر.
وكمال النفس عند هؤلاء ارتقاؤها إلى المراتب العقلية الرفيعة، واستيفاؤها حظّها من الإنسانيّة الكاملة، وبين هاتين الطائفتين طبقات متوسطة تعرف من الكمال ومن الخير الأعلى غير ما يعرفه هؤلاء جميعاً فتكون السعادة عندهم شيئاً آخر(١) .
وأرسطو يقول في تعريف الخير: (الخير: هو موضوع جميع الآمال).
ويقول فيلسوف آخر: (الخير: ما يتشوّقه الجميع).
ويقول ثالث: (هو ما يقصده الجميع في أعمالهم).
والملاحظ لهذه التعاريف يجد أنّ بينها فروقاً واضحة، إلاّ أنّها تجتمع على الجهة التي ذكرت آنفاً.
ولفظ الخير عند الخلقيين القدماء يحكي معنيين متناسبين، وللتفرقة بينهما يصفون أحدهما بالخير المطلق، والثاني بالخير المضاف.
والتعاريف المتقدّمة تحدّد الخير بالمعنى الأوّل (المطلق)، وأمّا الخير المضاف
_____________________
١ - الأخلاق عند الإمام الصادقعليهالسلام / ٢٥.
فإنّه كلّ وسيلة توصلنا إلى الخير المطلق.
والفارق بينهما هو الفارق بين الوسيلة والغاية، أو بين الغرض الأدنى والغرض الأقصى(١) .
والإنسان في هذه الحياة يسير في دروبها مستخدماً عقله الذي أنعم الله عليه به، متسلّحاً بإراداته الجبّارة، إمّا في طريق الفضائل والكمالات، أو في طريق الرذائل والسفالات، وصدق ربّنا الجليل حيث يقول:( إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ) (٢) .
لأنّ الإرادة عزيمة في الإنسان يوجد بها ما يروم، ويدفع بها ما يكره، ولها بسائر القوى الإنسانيّة أسوة، فهي تتّصف بالقوّة والضعف.
وقوي الإرادة هو الإنسان العظيم الذي يأتي بالعُجاب، ويفعل ما يشبه المعجزات، إذا أحسن توجيه إرادته إلى أعمال الخير ومحاسن الصّفات، أمّا إذا توجّه بها إلى أعمال الشرّ فإنّه يجرّ على نفسه نقصاً آخر لا يقلّ خطراً عن ضعف الإرادة(٣) .
والمدقّق يلاحظ أنّ الرذائل الخلقية جراثيم فتّاكة يجب دفعها عن النفس مهما أمكن الدفع، وسموم قاتلة يلزم الحذر منها ما أمكن الحذر، وجميع النقائص الخلقية في هذا الحكم على السَّواء، ولا فرق بين القوي منها والضعيف،
_____________________
١ - الأخلاق عند الإمام الصادقعليهالسلام / ٢٧.
٢ - سورة الإنسان / ٣.
٣ - الأخلاق عند الإمام الصادقعليهالسلام / ٤١.
والأوّل والآخر، والحكمة في تقديم بعضها على البعض مختلفة جدّاً.
فمن الناس مَنْ يكون قوي الإرادة، حازم النفس، ومن الخير لهذا الصنف من الناس أن يبتدئ بإصلاح جميع ملكاته دفعة واحدة.
ومن الناس مَنْ يكون ضعيف الإرادة، واهن النفس، فاتر الهمّة، ومن الصواب له أن يبتدئ بإصلاح الضعيف من صفاته؛ ليتمرَّن به على جهاد القوي(١) .
وهذا الذي سمَّاه رسول اللهصلىاللهعليهوآله (الجهاد الأكبر، جهاد النفس)(٢) .
فمجاهدة النفس لإصلاح المفاسد فيها، أو كبح جماح الناشز من صفاتها السبعية والبهيمية، فهذا أعظم من كلّ جهاد في هذه الحياة.
وجهاد النفس أكبر جهاد؛ لأنّها أعدى الأعداء للإنسان كما في الرواية الشريفة:((أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك)) (٣) .
والعاقل الفطن يجب أن يُحارب العدوّ الأقرب والأخطر الذي يكون ضرره أعظم، وفتكه أكبر بذات الإنسان، وهل يهلك الإنسان ويلقيه على منخريه في النار إلاّ نفسه الأمارة بالسوء!
وعلى الإنسان أن يوجد التوازن المطلوب في ملكاته الخلقية؛ لأنّ الفلاسفة
_____________________
١ - الأخلاق عند الإمام الصادقعليهالسلام / ٧١.
٢ - في الحديث: إنّ النبيصلىاللهعليهوآله بعث بسرّية، فلمّا رجعوا قال:((مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر)) . فقيل: يا رسول الله، وما الجهاد الأكبر؟ قال:((جهاد النفس)) . الكافي ٥ / ١٢ ح٣.
٣ - موسوعة البحار ٦٧ / ٣٦.
والحكماء قالوا: فضائل الملكات أوساط، ورذائلها أطراف وانحرافات.
هذا قول أرسطو، وهو صحيح، ويؤيّده ما جاء في تعاليم ديننا الحنيف، وأقوال علمائنا الكبار، وسلفنا من الأبرار الذين قالوا: إنّ الفضيلة وسط بين رذيلتين؛ هما الإفراط والتفريط. فالإفراط: رذيلة بجهة الإيجاب. والتفريط: رذيلة بجهة السلب.
وربّنا سبحانه وصف هذه الأُمّة بالوسيطة، فهي أُمّة وسطى للشهادة على الأُمم، أي الأُمّة المعتدلة الثابتة على الوسط، فلا تميل إلى جهة دون جهة؛ لأنّ الميلان والانحراف والزيغ كلّه رذائل، نهى عنها ربّنا الكريم ورسولنا العظيمصلىاللهعليهوآله وأئمّتنا الأطهارعليهمالسلام ، وعلماؤنا الأبرار منذ القديم وإلى هذا اليوم.
قال تعالى:( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) (١) .
وكلّ شيء عندنا يجب أن يُصبغ بصبغة الدين الذي هو عند الله الإسلام، ولا يمكن أن يُنظر إلى مسألة من المسائل بانعزال عن هذا الأساس الإلهي، وأمير المؤمنينعليهالسلام يقول:((أوّل الدين معرفته)) (٢) .
أي أنّ أوّل التديّن وبدايته أن نعرف الله سبحانه وتعالى، وبعد ذلك نتعرّف على كلّ شيء بالله، فكما أنّ((أوّل الدين معرفته)) حيث تشكّل معرفة الله سبحانه الحجر الأساس للدين، فكذا معرفة الله تشكّل الحجر الأساس
_____________________
١ - سورة البقرة / ١٤٢.
٢ - نهج البلاغة - الخطبة الأولى.
للإنسانيّة، ولا معنى للإنسانيّة ولا للأخلاق من دون معرفة الله تعالى.
وعندما ندخل إلى أجواء التربية الدينية لديننا، نجد أنّ هذه المفاهيم (الخلقية) ليست فارغة، وإنّما هي مليئة، كالحقّ والعدالة، والسّلام والتعايش، والعفّة والتقوى، والعفوية والصدق، والاستقامة والأمانة، فكلّها ألفاظ مليئة بالمعاني ولها منطلق وأساس.
والموضوع المهم هو: على أساس أيّ منطق يمكننا أن نبني الأخلاق؟ أيمكننا أن نجد للأخلاق منطقاً استدلالياً فلسفياً بعيداً عن طريق معرفة الله؟
كلاّ لا يمكن؛ لأنّ الخلفية والرصيد لجميع هذه المفاهيم هي معرفة الله (والإيمان به)، وإذا فُقد الإيمان أصبحت الأخلاق كقطعة نقود لا رصيد لها، قد يكون البعض غير ملتفت إلى هذا الأمر، ومنهجه عندئذٍ لا يكون مبنيّاً على أساس محكم.
ألم يكن الغربيون - ولا سيما الفرنسيون - أوّل مَنْ نشر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولكن أين كان هذا الإعلان أيّام الحرب العالمية الأولى والثانية؟!
ألم تكن هناك حقوق للإنسان في هذه المجالات؟ وأين هم كلّ الذين يتبجّحون اليوم بحقوق الإنسان، وهم يدمّرون كلّ شيء يتعلّق بالإنسان وإنسانيّة الإنسان، حتّى صار يحسد الحيوان ويتمنّى طعامه وكسوته؟!
هذا ما يحدث في عصرنا ونراه بأُمّ أعيننا، في كلّ لحظة شيء جديد عن جرائم تُرتكب بحقّ الإنسان باسم حقوق الإنسان، لماذا؟!
لأنّ أقوالهم لم تكن مبنيّة على أساس رصين، كما يقول الله سبحانه في كتابه المجيد:( وَمِنَ النَّاسِ
مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ) (١) .
عندما تنظر إلى أقوالهم وكتبهم وإعلاناتهم يستولي عليك العجب وتفرح لهذه المواقف الرفيعة، لكنّك لا تدري إذا جاء وقت الامتحان واستولى عليهم العناد ماذا يفعلون،( وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ) (٢) .
إنّ الذّات في الدين لا تعرف الحدود، أي أنّ الفضائل الأخلاقيّة لا حدود لها، والأخلاق الدينية لا تفرّق بين المتديّن وغيره، يقول الله تعالى في محكم كتابه:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ للهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ ) (٣) .
فالشهادة يجب أن تؤدّى لله وإن كانت في ضرر الشاهد، أو أبويه أو أقاربه.
هذا هو موقف الدين الحنيف، وما أكثر القصص العجيبة التي تتحدّث عن آثار مثل هذه الآيات في حياة المسلمين على مرِّ السنين.
فخلاصة ما تقدّم أنّ أساس الفضائل الأخلاقيّة هو معرفة الله تعالى، ثمّ التخلُّق بأخلاق الباري (عزّ وجلّ).
_____________________
١ - سورة البقرة / ٢٠٤.
٢ - سورة البقرة / ٢٠٥.
٣ - سورة النساء / ١٣٥.
الفصل الثاني: الأخلاق الحسينيّة
أخي الكريم، عندما تريد أن تتحدّث عن مسألة فلا بدَّ لك من الإحاطة العلمية بها، وإلاّ فإنّ اللوم سوف يُطالك من حيث لا تدري، وكذلك أي قضية من القضايا تريد أن تدرسها فلا شك في أنّك يجب أن تستغرقها بحثاً من جميع نواحيها؛ لكي لا يكون بدراستك نقص، وفي بحثك مغمز.
وهكذا الأشخاص، فأيّ شخصيةٍ تريد أن تتناولها بالبحث، عليك أن تستهلكها بذاتك حتّى تتقمّصها إن استطعت، أو لا أقل الإحاطة بالظروف الاجتماعية والحياتية زماناً ومكاناً وملابساتٍ؛ حتّى تُعطي الشخصية حقّها منك بحثاً وفكراً ومجهوداً.
فالأخلاق: بحث واسع وعنوان عريض يشمل جميع الفضائل الخلقية وعكسها في الحياة الاجتماعية، وتطبيقها على أرض الواقع الذي نعيش فيه.
فإذا أردت أن تدرس مفرداتٍ أخلاقيّة دراسة مجرّدة، فإن المسألة تختصّ بالفلسفة والمفاهيم الصوريّة، وأمّا إذا أردت تطبيق تلك المفاهيم وانتزاع صور وشواهد عليها بتجسيدها في الحياة العامّة، فإنّ الأمر يخرج من التصوّر إلى التصديق، ومن المجرّد إلى الواقع، ومن النظرية إلى التطبيق، وتلك هي الفلسفة العملية للأخلاق.
والفلسفة الأخلاقيّة المجرّدة لا نريدها؛ لأنّنا لا نستفيد منها في حياتنا إلاّ إذا اتّخذناها منهجاً عملياً نسير بهداها، ونطبّق حروفها وحدودها على حياتنا اليومية، تلك المفردات والمفاهيم التي عجز عن تطبيقها كاملاً إلاّ الأشخاص الكاملون في شخصياتهم الإنسانيّة.
فالشخص الكامل: هو الذي يتحوّل من وجود شخصي إلى شعار إنساني؛ لأنّه يتجرّد من ذاته للحقّ ولوجه الحقّ الذي يمثّله، فيكون ممثلاً للحقّ ومحوراً له في حياته كلّها، كما قال الرسول الأعظم محمدصلىاللهعليهوآله للإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام في أكثر من موقع، وحديث:((علي مع الحقّ والحقّ مع علي يدور معه حيثما دار)) (١) .
فالإمام عليعليهالسلام صار محوراً للحقّ يدور معه أينما توجّه وحيثما حلَّ، فمثل هذه الشهادة المباركة من رمز الإنسانيّة الأوّل، وأعظم شخصية عرفتها البشرية عبر العصور، بحقّ خليفته ووصيّه والإمام القائد للأُمّة من بعده، تعطينا إشارات نورانيّة، وحالات قدسيّة تُحيط بتلك الشخصيات الاستثنائية، فتُضفي عليهم وعلى حياة الأُمّة كلّها رونقاً خاصّاً.
فالإمام بعد الرسول: هو الشخص الكامل في الأُمّة الإسلاميّة، وهو قمّة القيم الفاضلة العالية للأُمّة.
وبالتالي: هو الراية الخفّاقة العالية التي تتّخذها الأُمّة شعاراً للهداية والرشاد والنورانيّة، ولا يمكن أن تكون إلاّ متفرّدة شامخة لا
_____________________
١ - ينابيع المودة / ٦٥ ب٧، الإمامة والسياسة ١ / ٧٣، كنز العمال ١١ / ٦٤٢، الترمذي في الجامع ٥ / ٥٩٢ ح٣٧١٤.
تنالها الأيادي الطامحة، ولا تدركها العيون الباصرة، كما هو النجم في كبد السماء الصافية.
وكم هي جملية تلك الخطبة الأميرية والتي تُسمّى بالشقشقية، حيث يقول:((ينحدر عنّي السّيل، ولا يرقى إليّ الطير)) (١) .
نعم، الإمام هو القمّة العالية، والقيمة السّامية التي لا تُطال ولا تُنال، حتّى العقول والأفهام قد تقصر عن الارتفاع، أو الوصول إلى ذُراها العالية.
والسبب في ذلك: أنّ الكامل يسع الناقص، أمّا الناقص فإنّه لا يمكن أن يسع أو يحيط بالكامل، والقصور يعود إلى طبيعة البشر المتّصفة بالنقص والضعف، والقصور الذاتي عن بلوغ الكمال، إلاّ أنّ التطلّع إلى الكمال، وحبّ الوصول إليه هو من أجمل الصّفات الإنسانيّة.
وبهذه القراءة الدقيقة نفهم الأحاديث النبويّة والعلويّة الشريفة، مثل قول رسول اللهصلىاللهعليهوآله للإمام عليعليهالسلام :((يا علي، ما عرف الله إلاّ أنا وأنت، وما عرفني إلاّ الله وأنت، وما عرفك إلاّ الله وأنا)) (٢) .
ويبقى قول الله سبحانه في كتابه الكريم الميزان الحقّ الذي لا يحيف، قال تعالى:( أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ) (٣) .
فالقابليات تتغيّر وتختلف من شخص إلى آخر، وصدق مَنْ وصف الأجساد
_____________________
١ - نهج البلاغة - الخطبة الشقشقية.
٢ - بحار الأنوار ٣٩ / ٨٤.
٣ - سورة الرعد / ١٨.
والأجسام بأنّها كالأوعية، كلّ يتّسع بقدره، ولا يمكن أن يتّسع أكثر مهما حاولت أن تفعل، وبهذا قال رسول الإنسانيّة محمد (صلوات الله عليه وآله):((إنّا معاشر الأنبياء أُمرنا أن نكلّم الناس على قدر عقولهم)) (١) .
والكلام إذن عن الإمام الحسينعليهالسلام هو بهذا اللحاظ النوراني؛ لأنّنا لسنا أمام شخصيّة عاديّة، بل نحن على شاطئ بحر محيط من الفضائل وحسن الشمائل، منه نجمع بعض الدُّرر واللآلئ الحسان، متنزّهين في الجزر المرجانيّة العجيبة الأشكال والألوان.
أو أنّنا ندخل جنّة أو بستاناً عظيماً في فصل الربيع، نبحث عن أشياء غائبة عنّا، فأينما توجّهت رأيت عجباً، من حسن الربيع وأصوات خرير الينابيع، تدور وتقطف باقات من الزهور الأخلاقيّة المتنوّعة من جنّة المولى أبي عبد الله الحسين (عليه صلوات المصلّين).
أقول: نقطف باقة أو طاقة من الزهور؛ لأنّنا عاجزون عن الإحاطة بكلّ ذاك الربيع الفيّاض بالحسن والكمال، والذي لا يدرك كلّه لا يترك جلّه، فتخيّرت عبقات أخلاقيّة؛ لتكون إشارة لذاك البستان العظيم، لتلك الجنّة الوارفة.
فنستفيد بالباقة التنوّعَ وجمالَه، واختلافَ أشكاله، والأريجَ وتضوُّعَ عبقه في الأرجاء، والألوانَ واختلافاتها وأطيافَها الساحرة؛ لأنّ لكلّ زهرة لونها وعبقها، وشكلها الخاص المميّز.
_____________________
١ - الكافي ٨ / ٢٦٨، مستدرك الوسائل ١١ / ٢٠٨.
فزهرة الياسمين بهذا الشكل البسيط، واللون الناصع البياض، والعبق العجيب الذي يجعلها تختلف عن كلّ الزهور في الدنيا، وهكذا الفُل والنرجس النعسان، وشقائق النعمان وغيرها كثير.
أدور باحثاً في رياض سيدي ومولاي الإمام الحسينعليهالسلام ، ريحانة جدّه الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله ، وفلذة أبيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام ، وبضعة أُمّه سيّدة النساء فاطمة الزهراءعليهاالسلام ، وصنو أخيه الإمام الحسن المجتبىعليهالسلام ، فهل لك أن تسأل من أين استقى الإمام الحسينعليهالسلام كلّ تلك الفضائل الأخلاقيّة؟
إنّه وإن كان الإمام الحسينعليهالسلام هو بذاته نبع فضائل وفيض كمائل إنسانيّة، ينتصب علَمَاً ومناراً للإسلام والإيمان، إلاّ أنّنا نعود إلى النسق الطبيعي للبشريّة والتربية الإنسانيّة؛ لنعرف كيف تربّى الإمام الشهيد في أحضان البشر قبل تقلّبه في أحضان الوحي المقدّس.
وهذا يهمنا في بحثنا هذا؛ لأنّنا نريد أن نتحدّث عن أبي الأحرار الإمام الحسينعليهالسلام كإنسان بشري، خُلق على هذه الأرض في تلك البقعة المباركة، وذاك الزمان الموغل في القدم؛ لنتعلّم منه أصول التربية الإسلاميّة، وأُسس الأخلاق الإيمانيّة، ونرى أين نحن المسلمون في هذا العصر من ذاك كلّه، لا سيما دعاة التكفير وحاملوا لواء الخوارج في هذا العصر الخطير الذين يرون لأنفسهم ديناً خاصّاً لا أحد من المسلمين يشاركهم فيه؛ فيكفّرون الأُمّة الإسلاميّة برمّتها، ويتعاملون معها بأخلاقيّات شاذّة ما أنزل الله بها من سلطان، أقلّها استباحة الدم والعرض والمال، بفتوى أشبه شيء بالجنون والهذيان.
وتوجّهنا إلى أخلاقيّات ومناقب المولى أبي عبد الله الحسينعليهالسلام بالخصوص؛ لأنّه صار مستهدفاً من جديد، ممّن يريدون أن يطفئوا نوره بأفواههم الآثمة، وأن يبعدوا الأُمّة عن شعائره المباركة بالقتل والإرهاب؛ فراحوا يعيثون في الأرض فساداً، فيقتلون الأبرياء في الحضرة الحسينيّة المقدّسة، والروضة العباسيّة الشّريفة، وحرم الكاظميّة الطّاهرة، لا لذنب اقترفوه إلاّ أن يقولوا: ربّنا الله، وإمامنا الحسين بن علي.
وسيأتي تفصيل ذلك في الفصل الثاني من هذا الكتاب إنشاء الله.
وما زيارتنا لسبط الرسول وابن البتول الحسين الشهيد المظلومعليهالسلام إلاّ لنجّدد له العهد والولاء، والوعد بالطلب للثأر العظيم تحت راية صاحب العصر والزمان المهدي المنتظر من آل محمد (صلوات الله عليهم أجمعين).
لقد تعدّدت الأبواق التي تريد أن تبعدنا عن إمامنا ومقتدانا سبط الرسول وابن البتول الحسين المظلوم، فقلت لهم: دعونا وإمامنا، نحبّه كيف نريد، ونبكي عليه متى نشاء، ونعبِّر عن ذلك بطرقنا المختلفة، دعونا نعبِّر عن عشقنا الحسيني كيف استطعنا وكيف أردنا، واذهبوا أنتم إلى مَنْ تريدون؟!
ومنهم مَنْ يقول: إنّها ليست طريقة حضاريّة أن تعبّر عن حزنك وأسفك و ...، بهذه الطرق المتخلفة؛ لأنّنا في عصر الحضارة والنور، وأعمالنا تنقلها الفضائيّات إلى أبعد أصقاع الدنيا.
ومنهم مَنْ يقول: إنّ كلّ هذه الأعمال كفر محض، وشرك مقيت وكلّ الأُمّة التي تؤمن أو تعمل أو تشارك في إحياء تلك الشعائر يجب قتلهم وإبادتهم عن بكرة أبيهم؛ لأنّهم شيعة.
وقبور أئمّتهم وقبابها يجب هدمها كلّها، ومنع الناس
من زيارتها كما فعلوا مع أئمّة البقيع الغرقد.
وهؤلاء أخطر من الجميع؛ لفكرهم الشنيع، وإمكانياتهم الماديّة الهائلة، ودعايتهم المقيتة، وأعمالهم الفظيعة في كربلاء وغيرها من بلاد المسلمين.
وسيأتي تفصيل ذلك في الفصل الثاني من هذا الكتاب بإذن الله تعالى.
لهذا كلّه اخترنا البحث عن (أخلاقيات الإمام الحسينعليهالسلام ) وليس غيره من أصحاب الكمال في هذا المجال الإنساني؛ لنقول للجميع: هكذا عمل الإمام الحسينعليهالسلام ، فما الذي عملتموه، وكيف أنتم تعملون، ومَنْ أقرب إلى الله (عزّ وجلّ) وإلى الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله في المنهج والسلوك؟!
لا سيما أو لعل من أبرز المظاهر التي يتّصف بها عصرنا في أواخر القرن العشرين، الصراعات والنزاعات والاحتجاجات والفتن من كلّ صوبٍ؛ على صعيد الأسرة والمجتمع والدولة، سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي ..
ونحن نشاهد أنّ النقد العنيف يتناول الأخلاق اسماً ومفهوماً، أسساً وتطبيقاً، كما يشمل المذاهب الأخلاقيّة على اختلاف منازعها، ونلمس في الوقت ذاته تبدّلاً عميقاً، إن لم نقل تقهقراً يصيب العادات الأخلاقيّة والأعراف، ويفجّر أزمة الوجدان.
ولكنّ الوضع أشدّ خطراً في أيّامنا هذه؛ ذلك أنّ ضروب الابتعاد عن الجادّة السويّة في السلوك تنمّ عن تدنّي التفكير العقلي، ونحن نرى مَنْ يرفض الأخلاق التقليديّة، ويعلن أنّها بالية لا تلائم العالم الحديث، كما نرى مَنْ يرفض وجود قيم تفرض نفسها على الإنسان، والأمر عندئذ يتناول تعالي النظر الأخلاقي، ويجعل الاضطراب ماثلاً على مستوى الفكر بأكثر منه على صعيد العمل.
ولعلّ هذا اللايقين يؤلّف إحدى ظواهر الأزمة العامّة التي تعاني منها الحضارة المعاصرة، فنحن نشاهد تحوّلات جذريّة تجري في المجالات العلميّة والتقنيّة والاقتصاديّة، وإنّ طراز المعيشة والبنيات الاجتماعيّة والعقليّة المشتركة تتطوّر بحسب إيقاعٍ يُعرب عن تسارع التاريخ، حتّى قيل إنّنا نغيّر القرن كلّ عشرين عاماً.
إذاً، فالإنسان هو هدف الوجود وغايته، وهذا ما يقرّه العلماء والمفكّرون والمصلحون.
أمّا غاية الإنسان وهدفه: فهو الله، وهذا ما يعلمه الحكماء، وربّنا سبحانه وتعالى يقول في حديث قدسي:((عبدي خلقت الأشياء لأجلك وخلقتك لأجلي)) (١) ، وفي القرآن الكريم يقول:( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ ) (٢) .
فالإنسان غاية الوجود، أمّا وجود الإنسان فغايته الله، وساحات قدسه، ومجاورته في الجنّة؛ ولهذه الغاية كان بحثنا الأخلاقي يدور حول ذلك الشخص المجسّد للفضائل والكرامات الأخلاقيّة ذلك النور الأبهر، والعلم الأحمر، حجّة الله على الخلق في عصره الأغبر، ذاك الإمام العظيم الحسين بن عليعليهالسلام .
وأخلاق الإمام الحسينعليهالسلام امتداد لأصله النوراني النبويّ العلويّ، كيف لا وهو خامس أهل البيت الأطهار الأبرارعليهمالسلام ، أهل الكساء اليماني
_____________________
١ - الأمالي / ١٠٢، موسوعة البحار ٢٧ / ٦٢.
٢ - سورة الذاريات / ٥٦.
الذي جلَّلهم به رسول اللهصلىاللهعليهوآله الذي قال الله سبحانه في وصفه:( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) (١) ، فهو صاحب ذلك الخلق الرفيع الذي ربَّى وعلَّم أهل بيته الكرامعليهمالسلام ، حتّى غدوا صورة طبق الأصل عن جدّهم، فكانوا على خُلق عظيم كذلك، وكانوا مدارس مستقلة في فنون التعامل مع الناس بأخلاقٍ إسلاميّة مسؤولةٍ:
- مدرسة اختصَّ بها أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام الذي تخرّج على يدي رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وتقلَّبَ في أحضان الرسالة، وتلقّى أخبار الوحي النورانيّة، فكان ولا زال الأوحدي الذي لا يُطال ولا يُنال.
وصدق ذاك المؤرّخ الغربي الذي قال: إنّ معجزة رسول الله محمدصلىاللهعليهوآله كان علي بن أبي طالبعليهالسلام .
- مدرسة اختصَّت بها سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراءعليهاالسلام التي انبعثت من كبد الرسول((فاطمة بضعة منّي)) (٢) ، وتربَّت بين يدي الرسالة، واقترنت بالولاية العلويّة عندما كبرت فكانت برزخاً نورانيّاً بين الرسالة والولاية والنبوّة والإمامة.
- مدرسة اختصَّ بها الإمام الحسن السبط المجتبىعليهالسلام ، بالصفح والتسامح والوحدة الإسلاميّة؛ لأنّه صاحبها الأوّل، إلاّ أنّه يبقى المظلوم العظيم في هذه الأُمّة، ظلمه أقرب الناس إليه قبل أعدائه، وما زالوا يفعلون.
_____________________
١ - سورة القلم / ٥.
٢ - مَنْ لا يحضره الفقيه ٤ / ١٢٤، مستدرك الوسائل ١٤ / ١٨٢.
- مدرسة اختصَّ بها أبو الأحرار الإمام الحسين الشهيدعليهالسلام ، وهذه في الحقيقة خلاصة كلّ المدارس السّابقة؛ لأنّ الإمام الحسينعليهالسلام هو الذي جمع القسط الأكبر من كلّ مَنْ سبقه جدّه وأبويه وأخيهعليهمالسلام ، ثمّ نفسه القدّوسيّة، وعقله العملاق، واجتهاده المعصوم، فكان منه ما أبهر العقول والألباب.
تأمّل أيّها القارئ الكريم، كيف كان تعامل الإمام الحسينعليهالسلام مع آل بيته وأصحابه وأعدائه؛ فإنّه يعكس أخلاق الإنساني الرسالي الكبير الذي ولِد وترعرع في بيت النبوّة ومهبط الوحي، ذلك البيت الذي اختصّه الله بأمور لم يختصّ بها بيتاً غيره.
لقد أراد الله أن يكون البيت الذي تتطلّع إليه الأُمّة دائماً عبر مسيرتها الطويلة ليكون قدوة دائمة، وإذا أراد الله أن تكون أخلاق هذه الصفوة قدوة دائماً للناس على مرِّ العصور، فإنّه جعل في كلّ جانب من جوانب سلوكها وتصرفاتها مصدر إشعاع ورفد دائمي لأخلاق الإسلام، وتربيته التي أرداها أن تستوعب الحياة بكلّ متغيّراتها، وتنسجم معها وتطوّرها إلى آفاق الإسلام الواسعة التي جعلته مؤهّلاً للبقاء دائماً، وقادراً على قيادة البشريّة والأخذ بيدها إلى ساحل الأمان والخير والعدل والسعادة.
والإمام الحسينعليهالسلام أثبت بسلوكه الرسالي، وأخلاق رسول اللهصلىاللهعليهوآله التي حملها معه دائماً، والتزم بها طيلة حياته الشريفة وحتى آخر لحظة منها، أنّه كان حقّاً ممثّل الرسالة، والوريث الشرعي لرسول اللهصلىاللهعليهوآله ، حتّى صار الإسلام نفسه بكلّ قيمه ومبادئه العظيمة الخيِّرة، حتّى اعترف له بذلك عدوّه اللدود معاوية بن أبي سفيان أمام ابنه يزيد وجمع من أعوانه ومريديه، حين طلبوا منه أن يبيّن عيباً للحسين بن علي فقال: (وما عسيت أن أعيب حسيناً، وما أرى للعيب فيه
موضعاً)(١) .
والإمام الحسينعليهالسلام هو النبع الفيَّاض بالفضائل والكمالات الإنسانيّة، ونحن نتفيّأ فيئه، ونستظلّ بظلّه العميم، ونستنير بنوره الوضَّاء؛ لأنّ سيرته كلّها فضائل وأخلاق كشخصه الشريف:
- فنسب الإمام الحسينعليهالسلام فضيلة كبرى.
- وولادتهعليهالسلام فضيلة سماويّة أُخرى.
- وتربيتهعليهالسلام فضيلة ربّانية ثالثة.
- ونسلهعليهالسلام فضيلة خاصّة رابعة.
- وحياتهعليهالسلام مجمع فضائل لا تنتهي.
وما علينا إلاّ أن نستقي حتّى نرتوي من فضائل ومناقبيّات الإمام الحسين بن علي سيد الشهداء (صلوات الله عليه).
إنّ مهمّة الإمامعليهالسلام وكلّ إمام أن يربّي البشر وأبناء الأُمّة التي يكون فيها، والتربية هي اللبنة الأولى لبناء أسرة صالحة، ومجتمع سالم، وأُمّةٍ وسط، كما وصف القرآن الكريم أُمّتنا الإسلاميّة المباركة.
سأل سائل الإمام الحسينعليهالسلام عن معنى الأدب، فقالعليهالسلام :((هو أنْ تَخرجَ منْ بيتكَ فلا تلقي أحداً إلاّ رأيتَ
_____________________
١ - الإمامة والسياسة - ابن قتيبة ١ / ١٨٢، موسوعة الثورة الحسينيّة ٥ / ٣٣٠، سير أعلام النبلاء ٣ / ١٩٨.
لهُ الفضلَ عليك)) (١) .
هذا هو الأدب الإنساني الرفيع الذي لا يرى أحد في نفسه فضلاً على أحد من خلق الله، وهذا يعبّر عن قمّة في الإنسانيّة من جانبي السلب والإيجاب.
فالإنسان بصير بنفسه، خبير بأحواله كلّها، وربّنا سبحانه يقول:( بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ) (٢) .
والحديث الذي صار يشبه بمثل من الأمثال وهو (رحم الله امرأً عرف قدر نفسه)، فالإمام الحسينعليهالسلام يشير لنا إلى هذه الحقيقة الناصعة.
والحقيقة الأُخرى أنّك على ظنّ أو شك من أحوال أخيك الإنسان الذي تلتقيه، وعلى يقين من أحوال نفسك، فكيف تقدّم الشك على اليقين؟
وهذه قمّة التواضع لخلق الباري (عزّ وجلّ)، ولا يأتي إلاّ من تجربة تربويّة عاليّة جدّاً؛ ولذا يقول سبط الرسول الحسينعليهالسلام موجّهاً ومربّياً أصحابه على هذا الخلق العظيم:((إيّاكَ وما تعتذرُ منه؛ فإنَّ المؤمنَ لا يُسيء ولا يعتذرُ، والمنافقُ كلَّ يومٍ يُسيء ويعتذرُ)) (٣) .
فإذا أردت أن تكون تلميذاً في مدرسة المولى أبي عبد الله الحسينعليهالسلام فعليك أن تحترز من أيّ عمل يمكن أن تعتذر منه. أي العمل الذي يعيب، أو
_____________________
١ - موسوعة كلمات الإمام الحسينعليهالسلام / ٧٥٠ ح٩١٠، جمال الخواطر ٢ / ٧٥.
٢ - سورة القيامة / ٧٥.
٣ - تحف العقول / ١٧٩، موسوعة البحار ٧٨ / ١٢٠.
يشين أو يسيء للآخرين، وهذا يجعلك في حالة مراقبة دائمة لنفسك وتصرّفاتك، وحتى كلماتك يجب أن تكون موزونة بميزان الذهب.
ويُروى عن الإمامعليهالسلام شعراً بهذا المعنى:
أفلحَ عبدٌ كُشف ال |
ـغطاءُ عنهُ ففطن |
|
وقرّ عيناً مَنْ رأى |
أنّ البلاءَ في اللسن |
|
فما زنَ ألفاظه |
في كلّ وقتٍ ووزن |
|
وخافَ من لسانه |
غرباً حديداً فخزن(١) |
فالعبد المفلح: هو الذي رفع الستار عن عينيه وبصيرته، فعلم أنّ آفات اللسان هي أشدّ فتكاً من مخاطبة السنان بالإنسان؛ ولذا وزن ألفاظه، فلم يتحدّث إلاّ بذكر الله سبحانه، أو ما ينفعه ويعينه، وخزنه بين لحييه في غير هذه الموارد القليلة.
والحديث يطول في المقام التربوي للإمام الحسينعليهالسلام ، وسنعيد الكلام عند الحديث عن نفسه القدسية بإذن الله، ولكن قبل أن أتجاوز أخي الكريم، إليك هذه الحادثة النادرة التي تعبّر عن عظمة سيّد شباب أهل الجنّة، ومدى تقديره لأهل العلم والأدب.
يُقال: إنّ أعرابياً جاء الحسين بن عليعليهالسلام وقال: يابن رسول الله، قد
_____________________
١ - قصيدة في كشف الغمّة ٢ / ٢١٢، راجع كلمة الإمام الحسين - للشهيد السيد حسن الشيرازي / ٣٣١.
ضمنتُ دية كاملة وعجزت عن أدائها، فقلت في نفسي: أسأل أكرم الناس، وما رأيت أكرم من أهل بيت رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
فقال الإمام الحسينعليهالسلام :((يا أخا العرب، أسألك عن ثلاث مسائل، فإن أجبت عن واحدة أعطيتك ثلث المال، وإن أجبت عن اثنتين أعطيتك ثلثي المال، وإن أجبت عن الكلّ أعطيتك الكلّ)) .
فقال الأعرابي: يابن رسول الله، أمثلك يسأل مثلي وأنت من أهل بيت العلم والشرف؟!
فقال الحسينعليهالسلام :((بلى، سمعتُ جدّي رسول الله صلىاللهعليهوآله يقول: المعروف بقدر المعرفة)) .
فقال الأعرابي: سلْ عمّا بدا لك، فإن أجبتُ وإلاّ تعلّمتُ منك، ولا قوّة إلاّ بالله.
فقال الإمام:((أيُّ الأعمالِ أفضلُ؟)).
فقال الأعرابي: الإيمان بالله.
فقال الإمام:((فَما النَّجاةُ منَ المهلَكة؟)) .
فقال الأعرابي: الثقة بالله.
فقال الإمام:((فَما يُزيَّنُ الرَّجُلَ؟)) .
فقال الأعرابي: علم معه حلم.
فقال الإمام:((فَإنْ أخْطأهُ ذلِكَ؟)) .
فقال الأعرابي: مال معه مروءة.
فقال الإمام:((فَإنْ أخْطأهُ ذلِك؟)) .
فقال الأعرابي: فقرٌ معه صبر.
فقال الإمام:((فَإنْ أخْطأهُ ذلِكَ؟)) .
فقال الأعرابي: فصاعقة تنزل عليه من السماء فتحرقه؛ فإنّه أهلٌ لذلك.
فضحك الإمام الحسينعليهالسلام ورمى إليه بصرّة فيها ألف دينار، وأعطاه خاتمه وفيه فصٌّ قيمته مئتا درهم، وقال:((يا أعرابِيّ، أعْطِ الذَّهبَ إلى غُرَمائِك، واصْرِفِ الخاتَمَ في نفَقَتِكَ)) .
فأخذه الأعرابي وانصرف وهو يقول:( اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ) (١) .
أسمعت بمثل هذا الدرس العملي والعلمي، وهذا الخُلق الرفيع، وهذه الأخلاق العالية، وهذا الأسلوب التربوي؟!
الإمام العظيمعليهالسلام عَلِم من ذاك الأعرابي الأدب، وتوسّم فيه الفطنة وحسن التربية، فأراد أن يُعلّم الناس ومَنْ هم حوله، أو الأُمّة ومَنْ يأتي بعده، بهذا الأسلوب الحواري البسيط، الكاشف عن شفافيّة الإمامعليهالسلام ، ومدى كرمه وتواضعه لأبناء أُمّته، لا سيما طالب الحاجة، فأخرج ما عنده من ظرف وأدب، وأعطاه ما طلب منه من مال ومتاع.
لا يُقال: إنّ في ذلك إهانة للسائل، حاشى للإمامعليهالسلام ؛ وهو الذي يقول في
_____________________
١ - جامع الأخبار / ١٣٧، موسوعة البحار ٤٤ / ١٩٦، وسورة الأنعام / ١٢٤.
هذا الباب:((صاحبُ الحاجَةِ لَمْ يُكرِمْ وجْهَهُ عَنْ سُؤالِكَ، فَأكرِمْ وَجْهَكَ عَنْ رَدِّهِ)) (١) .
وبهذا الأسلوب وهذه الطريقة أكرم الأعرابي أيّما إكرام حين عرَّف فضله وعلمه على الملأ، وصار حديثه وقصّته من تراث وسنّة الإمام الحسينعليهالسلام ، وكفاه فخراً، ومن ناحية أُخرى فإنّه أخذ المال عن استحقاق؛ لأنّه عرف الأسئلة الثلاثة، وهذا أيضاً درس من الإمام بأن نجعل كلّ أمورنا علميّاً وثقافيّاً؛ لكي يُقدّر الإنسان بقدر علمه، ومستواه الثقافي والإيماني والروحي.
وهذه حادثة ورواية أُخرى عن الإمام الحسينعليهالسلام ، ربما تكون أجمل وأكمل من الأولى، أنقلها لك عزيزي القارئ؛ حتّى لا تظنّ أن القصّة واحدة أو الرواية يتيمة.
روي أنّ أعرابياً من البادية قصد الإمام الحسينعليهالسلام فسلَّم عليه فرَّد عليه السّلام وقال:((يا أعرابِيُّ، فيمَ قَصَدْتَنا؟)) .
قال: قصدتك في دية مسلّمة إلى أهلها.
قالعليهالسلام :((أقَصدْتَ أحَداً قَبْلي؟)) .
قال: قصدت عتبة بن أبي سفيان فأعطاني خمسين ديناراً فرددتها عليه، وقلت له: لأقصدنَّ مَنْ هو خير منك وأكرم.
قال عتبة: ومَنْ هو خير منّي
_____________________
١ - كشف الغمة ٢ / ٢٠٨، الكلمة / ١٢٣.
وأكرم لا أُمَّ لك؟
فقلت: إمّا الحسين بن عليّ، وإمّا عبد الله بن جعفر (ابن أبي طالب)، وقد أتيتك بدءاً لتقيم بها عمود ظهري، وتردّني إلى أهلي.
فقال الحسينعليهالسلام :((والذي فَلَقَ الحبَّةَ، وبْرَأ النَّسَمَةَ، وَتَجَلّى بالعظَمَةِ، ما في مِلْكِ ابْنِ بنتِ نبيّكَ إلاّ مئِتا دينارِ فأعطِهِ إيّاه يا غلامُ، وإنّي أسْألُكَ عن ثلاثِ خِصالٍ إنْ أنتَ أجبتَني عنْها أتْمَمتُها خَمْسَمئةَ دينارٍ)) .
فقال الأعرابي: أكلّ ذلك احتياجاً إلى علمي، أنتم أهل بيت النُبُوَّة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة؟!
فقال الإمام الحسينعليهالسلام :((لا، ولكنْ سَمِعتُ جدّي رسول الله صلىاللهعليهوآله يقول: أعطوا المعروفَ بقَدَرِ المعْرِفَة)) .
فقال الأعرابي: فسلْ، ولا حول ولا قوةّ إلاّ بالله.
فقال الإمام الحسينعليهالسلام :((ما أنْجى مِنَ الهَلَكَةِ؟)) .
فقال: التوكّل على الله.
فقالعليهالسلام :((ما أرْوَحُ للِمُهمِّ؟)) .
فقال: الثّقة بالنفس.
فقالعليهالسلام :((أيُّ شيءٍ خيرٌ للعبدِ في حياتهِ؟)) .
قال: عقل يزينه حلم.
فقالعليهالسلام :((فَإنْ خانهُ ذلكَ؟)) .
فقال: مال يزينه سخاء وسعة.
فقالعليهالسلام :((فإنْ أخْطأهُ ذلك؟)) .
قال: الموت والفناء خير له من الحياة والبقاء.
قال الراوي: فناوله الحسين خاتمه وقال:((بعهُ بمئة دينارٍ)) . وناوله سيفه، وقال:((بعْهُ بمئتي دينارٍ، واذهبْ فقدْ أتْممتُ لكَ خمسمئة دينارٍ)) .
فأنشأ الأعرابي يقول:
قلقتُ وما هاجني مقلقُ |
وما بي سقامٌ ولا موبقُ |
|
ولكن طربتُ لآلِ الرَّسول |
ففاجأني الشعرُ والمنطقُ |
|
فأنتَ الهمامُ وبدرُ الظلام |
ومُعطي الأنامَ إذا أملقوا |
|
أبوكَ الذي فازَ بالمكرمات |
فقصَّرَ عن وصفهِ السبُّقُ |
|
وأنتَ سبقتَ إلى الطيّبات |
فأنتَ الجوادُ وما تلحقُ |
|
بكم فتحَ اللهُ بابَ الهدى |
وبابُ الضلالِ بكم مغلَقُ(١) |
هذه الدروس يلزم عرضها للعالم؛ لكي يعي منهج أهل البيتعليهمالسلام .
وهناك رواية أُخرى قريبة من هذه ترويها كتب التاريخ والفضائل لم أنقلها؛ لكفاية هذا الذي نحن فيه من الدلالة التربويّة، والدروس الأخلاقيّة الرائعة للإمام الحسينعليهمالسلام في تقدير العلم والاهتمام بالثقافة، واحترام الإنسان المتعلّم، وبكلّ تواضع وروح شفّافة وأريحيّة لا مثيل لها، فسلام الله عليك يا أبا عبد الله الحسين المظلوم.
_____________________
١ - إحقاق الحقّ ١١ / ٤٤٠، موسوعة كلمات الإمام الحسين / ٧٦٤.
الفصل الثالث: المواقف الإنسانيّة
الإنسان هو الإنسان في كلّ زمان ومكان، منذ آدم الأوّلعليهالسلام وحتى آخر نسمة تطأ وجه هذه الأرض، وهو الغاية وله النهاية.
والإنسان يجب أن ينطلق من إنسانيته التي تميّزه عن الحيوانيّة التي تشمله، ولولا العقل والإرادة وإمكانيّة التعلّم والتمييز بين الحسن والقبيح، أو الخير والشرّ، لكان شأنه شأن أيّ حيوان يسرح ويمرح في المكان والزمان الذي يولد فيه.
فإنسانيّة الإنسان هي لبّه وأصله وجوهره الذي يعوّل عليه دائماً وأبداً عند التعامل معه؛ ولذا فإنّ غاية الشرائع السماويّة، والرسالات الإلهيّة، وحتى القوانين الوضعيّة، والدساتير الحكوميّة، هي الحفاظ على كرامة الإنسان، على إنسانيّة الإنسان، لتبقى في الحفظ والصوَّن، والدفاع عنها ضدّ العوادي الخارجيّة.
والله سبحانه علّمنا هذا، وأكّد عليه في كتابه حين قال:( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ) (١) .
والرُّسل والأنبياءعليهمالسلام جاؤوا جميعاً لهذه الغاية المقدّسة؛ ولذا
_____________________
١ - سورة الإسراء / ٧٠.
ورد [ عن الإمام أبي الحسنعليهالسلام ]:((حُرمةَ المؤمنِ والنبيّ صلىاللهعليهوآله عندَ الله أعظمُ من حُرمةِ الكعبة)) (١) .
وأوصياء الأنبياءعليهمالسلام هكذا يرون، وعليه يسيرون في حياتهم كلّها؛ لأنّهم قادة المجتمع، ومكلّفون بحفظ كرامة الإنسان، وصيانة إنسانيّته من أن يتعرّض إليها أحد فيُهينها أو يذلّها، والمواقف الإنسانيّة تصبغ حياة الإمام الحسينعليهالسلام الذي نحن في رحابه الإنساني المميّز.
إذاً، إنسانيّة الإنسان هي جوهره وأصله الذي تبني عليه أعماله ونواياه، تلك هي الطينة أو الخليقة أو السّجيّة في الإنسان التي جاءت الروايات الكثيرة تعبّر عنها وتبلورها؛ لإفهامها للبشر ولذوي الخبرة والنظر.
وفي الحديث:((كلّ يعمل على شاكلته)) (٢) ، أي أصل طينته التي خُلق منها، أو الفطرة التي فطره الله عليها، ولا تبديل لخلق الله، والجوهرة المكنونة المخزونة في أعماق النفس البشرية هي إنسانيته التي تنعكس على مرآة حياته كأفعال أخلاقيّة راقية، يقدِّرها كلّ الناس في كلّ عصر ومصر.
ومن تلك المواقف التي تفيض بالإنسانيّة، وكلّ حياة الإمام الحسينعليهالسلام فيّاضة بذلك، ذاك الموقف الذي تحدّثت عنه كتب السيرة، أنّ الإمام الحسينعليهالسلام مرَّ بمساكين قد بسطوا (مدّوا) كساءً لهم، وألقوا عليه كسراً من
_____________________
١ - بحار الأنوار ٥٠ / ٢٤٤، وسائل الشيعة ١٤ / ٥٣٧.
٢ - الكافي ٢ / ١٦ و ٨٥، وسائل الشيعة ١ / ٥٠.
الخبز اليابس، فقالوا: هلمَّ يابن رسول الله، فأكل معهم، وأجاب دعوتهم، ثمّ تلا:( إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ ) (١) .
ثمّ قال:((قَدْ أجبتُكمْ فأجيبوني)) .
قالوا: نعم يابن رسول الله، ونُعمى عين، فقاموا معه حتّى أتوا منزله.
فقال للرباب (زوجته):((أخرجي ما كُنتِ تدَّخرين)) .
فأخرجت ما عندها من نقود فناولها لهم(٢) .
وفي حادثة أُخرى ترويها كتب السيرة العطرة للإمام الحسينعليهالسلام ، والتي تفيض عذوبة ومهابة وأخلاقاً نورانيّة، أنّهعليهالسلام مرَّ على فقراء يأكلون كسراً (خبزاً يابساً) من أموال الصدقة، فسلَّم عليهم فدعوه إلى طعامهم فجلس معهم، وقال:((لولا أنَّه صدقة لأكلتُ معكم)) . ثمّ دعاهم إلى منزله، فأطعمهم وكساهم، وأمر لهم بدراهم(٣) .
نعم، لقد اقتدى المولى أبو عبد اللهعليهالسلام بجدّه المصطفىصلىاللهعليهوآله ، وسار بسيرته العطرة، واهتدى بهداه، فكان يخالط الفقراء ويجالسهم، ويفيض عليهم ببرّه وفضله وإحسانه حتّى لا يتأثّر الفقير بفقره، ولا يبطر الغني بماله.
وهذا إن دلَّ على شيء يدلّ على قمَّة التواضع، وهو درس لِمَنْ يريد قيادة الأُمّة نحو الهداية والخلاص، وفي الجانب الإنساني للإمام الحسينعليهالسلام تتجلّى إنسانيّة الإنسان،
_____________________
١ - سورة النحل / ٢٣.
٢ - تاريخ ابن عساكر ٣ / ٥٤.
٣ - أعيان الشيعة ٤ / ١٤٠.
ويصدّق إيمانَه اهتمامُه بالمحتاجين والفقراء في مجتمعه، ومهما بلغ الإنسان من العلم، أو اجتهد في العبادة، فإنّه لن تتحقّق إنسانيته، ولن يصح تدينه إذا ما تجاهل مناطق الضعف في المجتمع. ألم يقل ربّنا سبحانه:( أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ) (١) .
فالذي يهمل الأيتام، ولا يبالي بجوع الفقراء مكذّب بالدين، وغير صادق في ادّعائه التديُّن وإن بالغ في صلاته وعبادته، بل هو مستحق للويل والعذاب:( فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ) (٢) .
والإمام الحسينعليهالسلام كأهل بيته الطاهرينعليهمالسلام ، كانوا يعيشون للناس أكثر ممّا يعيشون لأنفسهم، فهم مصداق الآية الكريمة:( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ) (٣) ، وفيهم نزلت.
لقد كان الإمام الحسينعليهالسلام طوال حياته الشريفة ملاذاً للفقراء والمحرومين، وملجأ لِمَنْ جارت عليه الأيام، وكان يثلج صدور وقلوب الوافدين إليه بهباته وعطاياه السنية.
ويقول عنه كمال الدين بن طلحة: وقد اشتهر النقل عنه أنّه كان يُكرم الضيف، ويمنح الطالب، ويصل الرحم، ويُسعف السائل، ويكسي العاري، ويُشبع الجائع، ويعطي الغارم، ويشدُّ من أزر الضعيف، ويشفق على
_____________________
١ - سورة الماعون / ١ - ٢.
٢ - سورة الماعون / ٤ - ٧.
٣ - سورة الحشر / ٩.
اليتيم، ويغني ذا الحاجة، وقلَّ أنْ وَصَله مال إلاّ وفرَّقه، وهذه سجيّة الجواد، وشنشنة الكريم، وسمة ذي السماحة، وصفة مَنْ قد حوى مكارم الأخلاق، فأفعاله المتلوَّة شاهدة له بصفة الكرم، ناطقة بأنّه متّصف بمحاسن الشيم(١) .
ويقول المؤرّخون: أنّه كان يحمل في دجى الليل البهيم الجراب، يملؤه طعاماً ونقوداً إلى منازل الأرامل واليتامى والمساكين حتّى أثَّر ذلك في ظهره الشريف، وكان يُحمل إليه المتاع الكثير فلا يقوم حتّى يهب عامَّته(٢) .
ويروى أنّه مرض أُسامة بن زيد مرضاً شديداً، فعاده الإمام الحسينعليهالسلام ، فلمّا استقرَّ به المجلس سمع أُسامة يقول: واغمَّاه.
فقال له الإمامعليهالسلام :((وما غمُّكَ يا أخي؟)) .
قال: ديني، وهو ستون ألف درهم.
فقالعليهالسلام :((هُوَ عليَّ)) .
قال: إنّي أخشى أن أموت.
فقال الإمامعليهالسلام :((لَنْ تموتَ حتّى أقضيها عنكَ)) (٣) .
وبادر الإمامعليهالسلام فقضاها عنه قبل موته، غاضّاً طرفه مع أنّ أُسامة كان من
_____________________
١ - حياة الإمام الحسين بن علي ١ / ١٢٨.
٢ - ريحانة الرسول / ٧١.
٣ - مناقب ابن شهر آشوب ٤ / ٦٥.
المتخلّفين عن بيعة أبيه أمير المؤمنين الإمام عليعليهالسلام ، ولم يجازيه بالمثل وإنّما أغدق عليه الإحسان(١) .
ذاك هو الإمام الحسينعليهالسلام ، العملاق الذي يفيض إنسانيّة لكلّ مَنْ هم حوله، أو هم من أُمّته، فإذا رأى معسراً رفع عنه عسره وفرّج عنه، وإذا مرَّ بمساكين جلس معهم وواساهم بنفسه الشريفة، وإذا اجتاز بفقراء استأنس بهم ودعاهم إلى مأدبته، فكانعليهالسلام والد الأيتام، ومعيل الأيامى والأرامل، ومعتق العبيد والأرقّاء لوجه الله تعالى.
ومواقف الإمام الإنسانيّة في رحلته إلى الشهادة على صعيد كربلاء هي استثناءات عجيبة غريبة لم تتكرّر إلاّ قليلاً، وبعضها لن يتكرّر أبداً، كقصّته مع الحرّ الرياحي وكتيبة الطليعة التي كانت تعدُّ بألف فارس، حين التقوا بالركب المبارك للإمامعليهالسلام وقد كاد العطش أن يقتلهم.
فعطف عليهم وهم يريدون قتله وسقاهم عن آخرهم، وليس الرجال فقطّ بل قالعليهالسلام :((وَرَشِّفوا الخيلَ ترشيفاً)) . أي اسقوها قليلاً من الماء حتّى تقوى على المسير والحركة بمَنْ عليها من الفرسان في ذاك الحرّ الشديد.
وكتب السيرة تروي أنّه كان يسقي بعض الرجال والفرسان بيده الشريفة.
وإليك يا أخي الكريم هذه الرواية العجيبة والغريبة التي كلّما قرأتها تأخذني قشعريرة وحيرة من أمري مثل ذاك الموقف الإنساني، ولا عجب من أخلاقيّات
_____________________
١ - أعيان الشيعة ٤ / ١٠٤.
الإمام الحسينعليهالسلام ، ولكن كلّ العجب من اُولئك الجفاة الغلاظ الذي عاملهم الإمام بكلّ رقّة ولطافة وإنسانيّة فقابلوه بكلّ صلافة وخساسة ودناءة وجحود، ليس للفضل والإنعام، بل لأبسط معاني الأخلاق العربيّة أو الإنسانيّة.
سارَ الإمام الحسينعليهالسلام مِنْ بطنِ العَقَبةِ حتّى نزلَ شَراف(١) ، فلمّا كانَ السّحر أمرَ فتيانَه فاستقَوا من الماءِ فأكْثروا، ثمّ سارَ منها حتّى انتصفَ النّهارُ، فبينا هو يسيرُ إذ كبَّر رجلٌ مِن أصحابِه، فقالَ له الحسينعليهالسلام :((الله أكبرُ، لِمَ كَبَّرتَ؟)) .
فقال: رأيتُ النخلَ.
فقالَ له جماعةٌ من أصحابه: والله إنّ هذا المكانَ ما رأينا فيه نخلةً قطُّ.
فقالَ لهم الحسينُعليهالسلام :((فما تَرَوْنَه؟)) .
قالوا: نراه والله آذانَ الخيل.
قالعليهالسلام :((أنا واللهِ أرى ذلكَ)) .
ثمّ قالعليهالسلام :((ما لنا ملجأ نلجأ إليهِ فنَجْعلُهُ في ظهورنا ونستقبلُ القومَ بوجهٍ واحدٍ؟)) .
فقلنا له: بلى، هذا ذو حُسْم إلى جنبكَ، تَميلُ إليهِ عَنْ يَساركَ، فإنْ سبقتَ إليهِ فهو كما تُريدُ، فأخَذَ إليهِ ذاتَ اليسارِ ومِلنا معهُ، فما كان بأسرعَ من أن طلعتْ علينا هوادي الخيل (أعناقها) فتبينّاها وعدلْنا.
_____________________
١ - شراف: موضع بنجد (معجم البلدان ٣ / ٣٣١).
فلمّا رأوْنا عدلنا عن الطريق عدلوا إلينا كأنّ أسنّتهم اليعاسيبُ (ذكور النحل)، وكأنّ راياتِهم أجنحةُ الطيرِ، فاستبقْنا إلى ذي حُسْم فسبقْناهم إليه، وأمرَ الحسينُعليهالسلام بأبنيتهِ (خيامه) فَضُرِبَتْ له خيمةَ، وجاءَ القومُ زُهاءَ ألفِ فارسٍ معَ الحُرَّ بن يزيدَ (الرياحي) التّميمي حتّى وقفَ هو وخيلُه مُقابلَ الحسينعليهالسلام في حَرِّ الظّهيرةِ، والحسينعليهالسلام وأصحابُه معتمُّونَ متقلِّدون بأسيافِهم.
فقال الحسينعليهالسلام لفتيانه:((اسْقوا القومَ، وأرْووهُمْ منَ الماء ِ، ورشِّفوا الخيلَ ترشيفاً)) .
ففعلوا وأقبلوا يملؤون القِصاعَ والطّساس(١) من الماء ثمّ يُدنونها من الفرسِ، فإذا عبَّ فيها ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً عُزِلَتْ عنه وسَقَوا آخرَ، حتّى سَقَوها (الخيل) كلَّها.
قالَ عليُّ بنُ الطعَّان المُحاربي: كنتُ معَ الحُرِّ يومئذٍ، فجئتُ في آخرِ مَنْ جاءَ من أصحابهِ، فلمّا رأى الحسينعليهالسلام ما بي وبفرسي منَ العطشِ، قالَ:((أنِخِ الراوية)) . والراويةُ عندي السِّقاءُ، ثمَّ قالَعليهالسلام :((يابن أخي، أنخِ الجملَ)) . فأنَخْتُهُ.
فقال:((اشربْ)) . فجعلتُ كلّما شربتُ سالَ الماءُ من السِّقاء (دون فائدة لي).
فقالَ الحسينعليهالسلام :((اخنِثِ السِّقاءَ)) . أي أعطفْه، فلم أدْرِ كيفَ أفعلُ، فَقامَ
_____________________
١ - الطساس: جمع طسّ، وهو معرّب طست، وهو إناء معروف (مجمع البحرين ٢ / ٢١٠).
فَخَنثَه فشربتُ وسقيتُ فرسي(١) .
أرأيت مثل هذا الفعل، أو سمعت بمثله؟!
جيشٌ يأتي إليه ليحاربه وبهذا الحجم الضخم الفخم؛ (لأنّه طليعة الجيش وعادة يكون من أفضل الفرسان والمقاتلين)، يلتقون به وهم على شفا الهلاك والهاوية (هم ودوابّهم) من شدّة العطش وحرِّ الظهيرة، فبدلاً من أن يبيدهم عن آخرهم ويغنم كلّ ما معهم من خيول وجمال ومتاع، وكان ذلك سهلاً عليه، يسقيهم ويرشف خيولهم ليقويهم على نفسه الشريفة، وعلى أصحابه الأفاضل الكرماء، وهم قادمون له ليقتلوه ومَنْ معه جميعاً، مع إنّ الحسين وأهل بيته وأصحابه كانوا بحاجة إلى هذا الماء في تلك الصحراء القاحلة.
وتنقل كتب السيرة أنّ أحد أصحابه قال لهعليهالسلام : يا مولاي دعنا نقاتل هؤلاء ونغتنم ما هم فيه؛ فإنّ قتالهم علينا أسهل.
فقالعليهالسلام :((ما كنت لأبدأهم بقتال)) .
إنّ هذا لعجب عجاب!
ولكن، لو تدري يا عزيزي القارئ ما الذي فعله هؤلاء وجيشهم العرموم على بطاح كربلاء، وحين التقوا بالإمام الحسينعليهالسلام وأهله وأصحابه، وأحاطوه إحاطة السوار بالمعصم، أو القلادة بالجيد؟!
أوَ تدري أنّ أوّل سلاح استخدموه - من خِستِّهم ودناءتهم، وحقارة أنفسهم، وتفاهة قادتهم - هو التعطيش بمنع الماء عن معسكر الإمام الحسينعليهالسلام ومَنْ معه
_____________________
١ - إرشاد المفيد ٢ / ٧٧ - ٧٨.
من ثقل عظيم من نساء وأطفال وبنات آل رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟!
يسقيهم ليُقوِّيهم، ويعطِّشونه ليقتلوه! فوا عجباً ماذا يصنع الإيمان والكفر بالإنسان؟!
فهذا السلاح الدنيء الخسيس ورثه جيش ابن سعد الأموي من جدّهم معاوية بن أبي سفيان، حين حاول منع جيش الإمام عليعليهالسلام من شرب الماء في موقعة صفين الشهيرة، ولم يسقوهم إلاّ عنوة وبحدّ السيف، وبمعركة شنيعة انتصر فيها جيش الإمام عليعليهالسلام على أصحاب معاوية وجلوهم عن الفرات ومنعوهم منه بالقوّة والقهر.
ولو منعوهم نهائياً من الماء لأنصفوهم؛ لأنّهم أوّل مَنْ بدأ بالإساءة والخساسة، ودفع الشرّ بالشرّ ممكن، ولكنّ مناقب الإمام عليعليهالسلام وأخلاقه الإيمانية الرائعة أبت عليه أن يُقابل الشرّ إلاّ بالخير، والسيئة إلاّ بالحسنة، والضلال إلاّ بالهُدى، وعندما قال له أصحابه: نمنعهم من الماء يا أمير المؤمنين كما منعوك ومنعونا، فلا حاجة لنا إلى الحرب.
أبى ذلك وقالعليهالسلام : (دعوهم والماء، فليشربوا وليغسِّلوا وليتوضؤوا، وما لكم إلاّ السيف وساحة المعركة رجالاً نقاتل رجالاً، فاتركوا القوم والماء لنا ولهم على حدِّ سواء)(١) .
وأمّا معاوية وأصحابه فإنّهم قالوا عندما احتلّوا شطّ الفرات: (لا والله، لا ندعهم يشربون حتّى يموتوا عطشاً)(٢) .
_____________________
١ - يبدو أنّ الأخ المؤلّف قد نقل هذا الحديث بالمضمون؛ إذ النص عن الإمامعليهالسلام هو:(( لا والله، لا اُكافيهم بمثل فعلهم، افسحوا لهم عن بعض الشريعة؛ ففي حدّ السيف ما يُغني عن ذلك)) . (راجع ينابيع المودّة ١ / ٤٥١ ب٥١)(موقع معهد الإمامين الحسَنَين) .
٢ - يراجع مروج الذهب - للمسعودي (صفين)، وتاريخ الأُمم والملوك - للطبري، وشرح نهج البلاغة - لابن أبي الحديد ٣ / ٣١٨، و١٠ / ٢٥٧، وينابيع المودّة - للقندوزي باب ٥١.
هذه المناقب العالية هي أمرٌ طبيعي وعادي في سجِّل أهل البيت الأطهارعليهمالسلام ، وهم كتاب الله الناطق، ألم يقل أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام :((لكلِّ شيءٍ زكاة، وزكاةُ الظفرِ بعَدوِّك العفوُ عنْه)) (١) .
والإمام الحسين هو شبل الأمير عليّعليهماالسلام ، ويزيد هو جرو معاوية، ورحم الله مَنْ قال: (وكلّ إناء بالذي فيه ينضح).
فالإمام الحسينعليهالسلام ينضح ويفيض بالخير والنور والهداية؛ لأنّه منبعها وأصلها، فيكون كالشمس الضاحية يستفيد منها كلّ شيء؛ الجماد والنبات والحيوان، وكلّ يأخذ منها حاجته، وتبقى هي في كبد السماء عالية لا تُطال ولا تُنال حتّى بالعين المبصرة؛ لأنّها إذا حدقت فيها عميت تماماً كما أثبت العلم الحديث.
ورأفة الإمامعليهالسلام ورحمته تشمل الحيوانات مع البشر كما مرّ قبل قليل، ولكنّ القصّة العجيبة كانت مع فرسه في أحلك الظروف وأدقّها وأرقّها على قلبه الشريف، وذلك ما ترويه كتب التاريخ والسيرة عنهعليهالسلام .
يروي أبو مخنف عن الجلودي أنّ الإمام الحسينعليهالسلام حمل على الأعور السلمي وعمرو بن الحجّاج الزبيدي، وكانا في أربعة آلاف رجل على الشريعة، وأقحم الفرس على الفرات، فلمّا أولغ (دخل وخاض) الفرس برأسه ليشرب، قالعليهالسلام :
_____________________
١ - ليالي بيشاور / ٤٦٨.
((أنتَ عطشان، وأنا عطشان، والله لا أذوق الماءَ حتّى تشرَب)) . فلمّا سمع الفرس كلام الحسينعليهالسلام شال (رفع) رأسه ولم يشرب، وكأنّه فَهِمَ الكلام(١) .
الإمام الحسينعليهالسلام لا يقدِّم نفسه المقدّسة على فرسه الذي يركبه، والفرس ينفض الماء ويرفض أن يشرب قبل سيّده وصاحبه، فيا ويلهم اُولئك الغلاظ كيف كانوا يشربون ويتلذذون بماء الفرات، والإمام الحسينعليهالسلام ابن بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ونساؤه وأطفاله وعيالات أصحابه يصرخون: العطش العطش؟!
كيف فعلوا ذلك؟ لا أدري والله العظيم إلاّ أنّني أُردّد قوله تعالى:( إِنْ هُمْ إِلاّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ) (٢) .
فالفرس أفضل مِن كلّ مَنْ كان هناك، وهم زهاء ثلاثون ألف مقاتل على أقل التقادير، وإلاّ فإنّ بعض التواريخ تنقل مئات الألوف شربوا الماء والإمام الحسينعليهالسلام عطشان
ألم يسمعوا ويروا موقف ساقي عطاشى كربلاء أبي الفضل العباس (سلام الله عليه)؟!
إليكم طرفاً من قصّته الطويلة بطول قامته:
في التاريخ الإسلامي العظيم كان العباسعليهالسلام السَّقاء، قمر بني هشام، صاحب لواء الإمام الحسينعليهالسلام وهو أكبر إخوته، وأُمّه فاطمة بنت حزام الكلابية،
_____________________
١ - مناقب آل أبي طالب - لابن شهر آشوب ٤ / ٥٨.
٢ - سورة الفرقان / ٤٤.
فلمّا رأى وحدة الحسينعليهالسلام بحيث لم يبقَ معه أحد من أصحابه وأهل بيته، أتاه وقال: هل من رخصة (للبراز والقتال)؟
فبكى الحسينعليهالسلام - وهو محتضن أخاه أبا الفضل - بكاءً شديداً.
قال:((يا أخي، أنتَ صاحِبَ لُوائي، وإذا مَضَيْتَ تَفرَّق عَسكَري)) .
فقال العباسعليهالسلام : قد ضاق صدري وسئمت الحياة، وأريد أن أطلب ثأري من هؤلاء المنافقين.
فقال الحسينعليهالسلام :((إنْ كانَ ولا بدّ فاطْلبْ لِهؤلاءِ الأطفال قليلاً مِنِ الماء)) .
فمضى العباس بعد الوداع يطلب الماء من الفرات وعليه أربعة آلاف فارس، فحملوا عليه وحمل هو عليهم، وجعل يقول:
لا أرهبُ الموتَ إذا الموتُ رقى |
حتّى اُوارى في المصاليتِ لقى |
|
نفسي لنفسِ المصطفى الطّهرِ وقا |
إنّي أنا العباسُ أغدو بالسقا |
ولا أخافُ الشرَّ يومَ الملتقى
ففرّقهم، حتّى إذا دخل الماء وأراد أن يشرب غرف غرفة من الماء فذكر عطش أخيه الحسين وأهل بيتهعليهمالسلام ، فرمى الماء على الماء وقال:
يا نفسُ من بعدِ الحسينِ هوني |
وبعدهُ لا كنتِ أن تكوني |
|
هذا الحسينُ واردُ المنونِ |
وتشربينَ باردَ المعينِ |
|
تاللهِ ما هذا فعالُ ديني |
ولا فعالُ صادقِ اليقينِ |
ثمّ ملأ القربة وحملها متوجّهاً نحو الخيمة، فقطوا عليه الطريق، وأحاطوا به
من كلّ جانب، فكمن له زيد بن ورقاء الجهني من وراء نخلة، وعاونه حكيم بن الطفيل فضربه على يمينه فقدّها، فأخذ السيف بشماله وحمل عليهم، وهو يرتجز:
واللهِ إن قطعتمُ يميني |
إنّي أحامي أبداً عن ديني |
|
وعن إمامٍ صادقِ اليقينِ |
نجلِ النبي الطاهرِ الأمينِ |
فقاتل حتّى ضعف، فكمن له عدّو الله من وراء نخلة فضربه على شماله فقطها كذلك، فقالعليهالسلام :
يا نفسُ لا تخشي من الكفّارِ |
وأبشري برحمةِ الجبّارِ |
|
مع النبي السيّدِ المختارِ |
قد قطعوا ببغيهم يساري |
فأصلهم يا ربِّ حرَّ النارِ
ثمّ جاء سهم فأصاب القربة وأُريق ماؤها، فوقف متحيّراً؛ لا ماء حتّى يوصله إلى الخيمة، ولا يد حتّى يُحارب بها، وبينما هو كذلك وإذا بسهم أصاب عينه، ثمّ ضربه ظالم لعين بعمود من حديد على رأسه فانقلب عن فرسه، وصاح أخاه الحسينعليهالسلام قائلاً: يا أخي أدرك أخاك.
فلمّا أتاه الحسينعليهالسلام ورآه صريعاً على شاطئ الفرات بكى، وقال:((الآن انكَسَرَ ظَهري، وقلَّتْ حيلتي، وشَمَتَ بي عَدوّي)) .
ثمّ توجّه إلى القوم، وأنشأ يقول:
تعدَّيتمُ يا شرًّ قومٍ بفعلكم |
وخالفتمُ قولَ النبيِّ محمّد |
|
أما كانَ خيرُ الرُّسلِ وصّاكم بنا |
أما نحنُ من نسلِ النبيِّ المسدَّد |
|
أما كانتِ الزَّهراءُ أُمّيَ دونكم |
أما كانَ من خيرِ البريّةِ أحمد |
لُعنتم وأُخزيتم بما قد جَنيتم |
فسوفَ تُلاقوا حرَّ نارٍ توقَّد(١) |
أهكذا يكون الوفاء؟ أوَ هذه هي الإنسانيّة التي جُبل البشر عليها؟ إنّ فعل الأُباة والكرماء يُنبئك عن طيب طينتهم، والعكس صحيح، ففعل الجفاة الغلاظ من الدناءة والحقارة يخبرك عن خبث طينتهم بأنّها حمئة خبيثة نتنة، فتسافلت بهم إلى أسفل من البهائم العجماء، وذاك أسفل سافلين في الدنيا، ولهم في الآخرة أسفل سافلين في النار، وغضب الجبّار والعياذ بالله.
وإذا كان لديك شكّ في تلك المسوخات التي كانت تحيط بالإمام الحسينعليهالسلام على صعيد كربلاء، فإليك ما فعلوه بالطفل الرضيع (عبد الله بن الإمام الحسينعليهالسلام وأُمّه الرباب)، فإنّ ذلك لن يدع لديك أيّ شكّ من خروج اُولئك من البشرية، وتجرّدهم من صفات الإنسانيّة كلّها.
كان من أفجع وأقسى ما نُكب به الإمام الحسينعليهالسلام هو رزيته بولده عبد الله الرضيع الذي لم يتجاوز من العمر ستة أشهر، فقد كان الطفل كالبدر في بهائه، وعند عودة الإمام من مصرع العباسعليهالسلام وقف في باب الخيمة، ونادى ولده علياً وأخته زينب الكبرىعليهماالسلام وقال:((يا أختاه، اُوصيك بولدي الصغير خيراً)) .
فقالت له: يا أخي إنّ هذا الطفل له ثلاث أيّام ما شرب الماء، (وقد جفَّ اللبن في ثدي أُمّه لشدّة العطش)، فاطلب له شربة من الماء.
_____________________
١ - موسوعة البحار ٤٥ / ٤٠.
فأخذ منها الطفل (وهو يتلوَّى من شدّة الحرّ والعطش، وكان يُغمى عليه، وقد غارت عيناه، وذبلت شفتاه)، وتوجّه نحو القوم، وقال:((يا قَوم، قَدْ قَتلُتمْ أخي وأولادي وأنصاري، وما بَقِيَ غَيرَ هذا الطفل، وَهوَ يَتلظّى عَطَشاً مِنْ غيرِ ذَنبٍ أتاهُ إليكمُ؛ فاسْقوهُ شَربةً منْ ماء)) .
وفي (نفس المهموم) قالعليهالسلام :((يا قومَ، إنْ لَمْ ترحَمُوني فارْحَموا هذا الطفل)) .
فاختلف القوم فيما بينهم، فمنهم مَنْ يقول: اسقوه الماء، ومنهم مَنْ يقول: لا تسقوه الماء.
فقال بعضهم: إن كان للكبار ذنب فما ذنب الصغار، وإنّه لطفل رضيع؟!
فصاح بهم الإمام الحسينعليهالسلام :((وَيَلكُمْ! خُذوهُ وأنتمْ اسْقوُه الماءَ)) .
فالتفت عمر بن سعد إلى حرملة بن كاهل، وقال: اقطع نزاع القوم يا حرملة.
فقال هذا اللعين: أأعطيه شربة ماء؟!
فقال ابن سعد: بل، ألا ترى إلى بياض نحر الطفل في حجر والده؟
فوضع حرملة بن كاهل (وقيل: عقبة بن بشير الأزدي) سهماً في قوسه ورماه به، فوقع في نحر الطفل فذبحه من الوريد إلى الوريد، فلما أحسَّ بحرارة السهم أخرج يديه من القماط، وراح يرفرف بهما على صدر والده العظيم كالطير المذبوح، فراحعليهالسلام يتلقّى دمه الشريف في يديه ويرميه إلى السماء؛ لكي لا يقع إلى الأرض، فلم تسقط منه قطرة، كما يؤكّد الإمام الباقرعليهالسلام في روايته.
والإمام المفجوع يبكي ويقول:((هَوِّنَ عليَّ ما نَزَلَ بِي أنَّهُ بِعَينِ اللهِ تعالى. اللهُمَّ لا يَكُنْ أهوَن عَليكَ مِنْ فَصيلِ ناقة صالح)) .
((إلهي، إنْ كُنتَ حَبَسْتَ عَنَّا النَّصْرَ فَاجْعَلهُ لِما هُوَ خيرٌ مَنهُ، وانْتَقِمْ مِنْ الظَالِمين، وَاجْعلْ مَا حلَّ بِنا في العاجِل ذَخيرةً لنا في الآجلِ)) .
((اللهمَّ أنتَ الشاهِدُ عَلى قَوْمٍ قَتَلوا أشْبَهَ النَّاسِ بِرَسُوِلكَ مُحَّمدٍ (صلّى الله عليه وآله)) (١) .
وبراوية أُخرى:((إنَّهُمْ قَد عمدوا أن لا يُبقوا أحداً من ذريّة رسولك (صلّى الله عليه وآله)) . وهو يبكي بكاءً شديداً، ويناجي ربّه بهذه الكلمات:((اللهمَّ أنت تعلمُ أنّهم دعونا لينصرونا فخذلونا وأعانوا علينا. اللهمّ احبس عنهم قطر السماء، واحرمهم بركاتك، اللهمّ لا تُرضِ عنهم أبداً. اللهمّ إن كنت حبست عنّا النصر في الدنيا فاجعله لنا ذخراً في الآخرة، وانتقم لنا من القوم الظالمين)) (٢) .
_____________________
١ - حياة الإمام الحسينعليهالسلام ٣ / ٢٧٦.
٢ - ينابيع المودة / ٤١٥، ونفس المهموم / ٣٤٩.
الفصل الرابع: ومضاتٌ اجتماعية وروحية
المجتمع: هو أفراد الأُمّة في اجتماعهم، وعلاقاتهم المختلفة، وتشابكاتها المتعدّدة.
والإنسان نفس، وبدن، وروح، قد ذكر القرآن الكريم النفس وجعلها محتملة الأمرين، مثل قوله تعالى:( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا *وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ) (١) .
وقد ذكر البدن بطور حيادي كأنّه لا شأن له، مثل قوله سبحانه:( فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ) (٢) .
وذكر الروح بالإعظام والإكبار كالآية السابقة وغيرها، فكأنّ البدن السفل، والروح العلو، والنفس بينهما إن مالت إلى الأعلى كانت من العلييّن، وإن مالت إلى الأسفل كانت في سجّين.
والنفس يحيط بها البدن، والبدن في الاجتماع، وتحيط به المدنية أو نحوها،
_____________________
١ - سورة الشمس / ٧ - ١٠.
٢ - سورة الحجر / ٢٩.
وحولها المحيط الطبيعي، والنفس قادرة على إصلاح نفسها، ثمّ بدنها، ثمّ الاجتماع ثمّ المحيط الاصطناعي، ثمّ المحيط الطبيعي، وكما أنّ النفس قادرة على التحريك باتجاه البناء هي قادرة على تخريب الكلّ.
والمجتمع إنّما يتولّد من نقطة البدء، فاللازم في علم الاجتماع أن نبدأ من هنا، ونبني الهيكل الاجتماعي الصحيح من النفس النقيّة النظيفة(١) .
والإنسان خُلق اجتماعياً بالطبع، لا لحاجاته الجسدية فقط، بل لحاجاته النفسية كذلك، حيث الإنسان يستأنس بالإنسان، ويستوحش لفقده، كان الإنسان يؤثر بالإنسان الآخر؛ سواء كانا فردين أو مجتمعين(٢) .
والإسلام يؤمن أنّ بناء المجتمع على أساس القيم الصحيحة والعمل الصالح يُعطيه ديناميكية وحركة في الاتجاه الصحيح، وعكس ذلك صحيح أيضاً، وهذا المفهوم هو عبارة عن واحدة من السنن الطبيعية التي تنطبق على المجتمع البشري عامّة، فالمجتمع مثل النهر يمتلك طاقات هائلة، إذا ما وجِّهت في الاتجاه السليم، وحُفِرت لها قنوات ملائمة، تحرّكت هذه الطاقات عبر القنوات كلّ بقدرها، وغذّت المجتمع، وأعطى بالتالي ثماراً طيّبة، ولكن إذا كانت هذه القنوات غير سليمة ومتناقضة الاتجاهات، فإنّ المجتمع سرعان ما يتحطّم ويموت.
وبكلمة أُخرى: نجد أنّ المجتمع البشري هو عبارة عن جسم حيّ مدرك، له حياته الخاصّة، ولحياته نظامها الخاصّ، وهو يتّصف بالتوازن مثلما يتّصف
_____________________
١ - موسوعة الفقه (الاجتماع) - للإمام الشيرازي ١٠٩ / ٧.
٢ - المصدر نفسه ١٠٩ / ٣٩.
بالانحراف في سلوكه، كما يتّصف الفرد الواحد من الناس.
والنظام الاجتماعي العادل: هو الذي يكفل للمجتمع ولأفراده على السواء جميع الحقوق والواجبات، من غير تعدّ ولا تقصير.
فإذا سار المجتمع على ذلك النظام العادل، وطبَّقه على سلوكه وسلوك أفراده، سمُِّي ذلك التوازن منه عدلاً اجتماعياً.
والعدل الاجتماعي: هو أن تسير الأُمّة إلى المثل الأعلى في الحياة وفي الأخلاق، وأن تسعى ما أمكنها السعي إلى السعادة العامّة والكمالات المطلوبة، وأن تعدَّ للأفراد طرق الوصول إلى الخير فتنشئ المؤسسات الكافلة لخير البلاد والحافظة لخيراتها، وتؤسس المعاهد الصالحة لإعداد الرجال، وتثقيفهم بالثقافة الصحيحة، وأن تتمسّك بالأنظمة الشرعية الموجبة لحفظ الحقوق وسلامة النفوس.
على أن تسير في جميع ذلك وفق النظام الصحيح، والحكمة الرشيدة التي يأمر بها العقل، ويقرّها الشرع.
إنّ تعاون أفراد الأُمّة وتضامنهم أعظم موجب لتحقيق هذا العدل، وأبلغ مؤثّر فيه.
يقول المتأخرون من الخلقيين: إنّ المسؤول عن تحقيق هذه الغاية هي الحكومة التي تسيطر على الأُمّة وتتحكّم في مقدّراتها.
أمّا أفراد الأُمّة فيقعون في الدرجة الثانية من هذه المسؤولية، ووظيفة الفرد هي مساعدة الحكومة في تحقيق الغاية بما يمكنه من الوسائل.
وهذا الرأي قد يكون بيِّن النقص؛ لأنَّ العدل الاجتماعي هو التوازن التامّ في سلوك المجتمع وسلوك أفراده، وتعاون الجميع على العمل في سبيل الخير
واكتساب الصّفات الخلقية المُثلى، ونيل السعادة العامّة، وهذا كلّه من مختصّات المجتمع نفسه ومختصّات أفراده.
أمّا ما تقوم به الحكومة من إنشاء المؤسسات والمعاهد الصالحة، فهو إحدى مقدّمات العدل الاجتماعي(١) .
وبما أنّنا في رحاب الإمام الحسينعليهالسلام الواسعة الرائعة، فإنّنا سوف نلحظ كلا الجانبين في المسألة الاجتماعية، وهما:
١ - على مستوى الأفراد، وتربيتهم وأخلاقهم.
٢ - وعلى مستوى الحكومة والأُمّة. وهذا أحد أهم أسباب النهضة الحسينيّة المباركة.
وعلى كلّ حال، فإنّ الإسلام الحنيف قد اهتمَّ اهتماماً مميّزاً بالأشخاص كأفراد مستقلين؛ لأنّ الجنّة مشروع فردي خاص، كما يُقال، وكلّ إنسان ينبغي أن يسلك الطريق الصحيح الذي رسمه له الشرع الحنيف؛ للوصول إلى الله ورضاه ودار السّلام في جواره الأقدس والجنّة.
وللحقيقة نقول: إن يحمل الإنسان أهدافاً كبيرة، أو يمتلك مستوى علمياً متقدّماً، فذلك لا يؤثّر شيئاً في حركة الواقع والحياة ما لم يصاحبه حضور اجتماعي يشقّ الطريق أمام تلك الأهداف الكبرى، ويترجم العلم إلى فعل
_____________________
١ - الأخلاق عند الإمام الصادقعليهالسلام / ٦٧.
ملموس على أرض الواقع.
لذلك كان الأنبياء والأئمّةعليهمالسلام يعيشون في وسط الناس، ويتفاعلون معهم، ولم يكونوا منعزلين على قمم الجبال، أو في الكهوف والمغارات، ولا كانوا يتعالون ويترفّعون عن الناس في أبراج عاجية.
ومهما كان مستوى المجتمع من حيث التخلّف والجهل، أو من حيث طغيان أجواء الفساد والانحراف، فإنّ ذلك لا يبرّر الهروب والعزوف عن الناس لدى المصلحين الإلهيين.
ويبقى صحيحاً أنّ مخالطة الناس وهم يعيشون حالة الجهل والتخلّف، أو يخضعون لأجواء الفساد والانحراف، قد تسبّب الكثير من الأذى والمعاناة للرجال الإلهيين، لكنّ ذلك هو طريق التغيير والإصلاح، كما أنّه وسيلة لنيل ثواب الله ورضوانه.
والإمام الحسينعليهالسلام نشأ من بداية حياته الشريفة في عمق الشأن الاجتماعي وفي صميم الأحداث؛ وذلك لأنّ جدّه رسول اللهصلىاللهعليهوآله كان قطب رحى المجتمع وقائده الأعلى، وكان أبوه أمير المؤمنين عليعليهالسلام وزير النبي ووصيه وساعده الأيمن، بل كان نفسه بنصِّ آية المباهلة(١) .
وأمّا أُمّه فاطمة الزهراءعليهاالسلام سيدة نساء العالمين، ذات الشأن العالي والمكان المرموق في الدين والدنيا، لا سيما مكانها في قلب أبيها رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فهي بضعته وقلبه وأُمّ أبيها.
_____________________
١ - أحاديث في الدين والثقافة والاجتماع ١ / ٩١.
وممّا يؤكّد حضوره الاجتماعي في المجتمع الإسلامي النامي في ذلك العصر، أنّه كانت له حلقة خاصّة غاصّة بالفضلاء وطلاب العلم والباحثين عن الحقيقة في مسجد جدّه رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وقد سأل رجل من قريش معاوية بن أبي سفيان (العدو اللدود للإمامعليهالسلام ) أين يجد الحسينعليهالسلام ؟
فقاله له معاوية: إذا دخلت مسجد رسول الله فرأيت حلقة فيها قوم كأنّ على رؤوسهم الطير فتلك حلقة أبي عبد اللهعليهالسلام (١) .
كان مجلسهعليهالسلام مجلس علم ووقار، قد ازدان بأهل العلم من الصحابة، وهم يأخذون عنه ما يلقيه عليهم من الأدب والحكمة، ويسجّلون ما يروون عنه من أحاديث جدّهصلىاللهعليهوآله .
ويقول المؤرّخون: إنّ الناس كانوا يجتمعون إليه ويحفّون به وكأنّ على رؤوسهم الطير، يسمعون منه العلم الواسع والحديث الصادق(٢) .
وبالفعل كان مجلسه مهوى الأفئدة، ومتراوح الأملاك، يشعر الجالس بين يديه أنّه ليس في حضرة إنسان من عمل الدنيا وصنيعة الدنيا، تمتد أسبابها برهبته وجلاله وروعته، بل في حضرة طفاح بالسكينة كأنّ الملائكة تروح فيها وتغدو(٣) .
لقد جذبت شخصية الإمام الحسينعليهالسلام ، وسموّ مكانته الروحيّة قلوبَ المسلمين ومشاعرهم، فراحوا يتهافتون على مجلسه (تهافت الفراش على منابع
_____________________
١ - تاريخ ابن عساكر ٤ / ٢٢٢.
٢ - الحقائق في الجوارح والفوارق / ١٠٥، حياة الإمام الحسين ١ / ١٣٧.
٣ - أشعة من حياة الحسينعليهالسلام / ٩٣.
النور)، ويستمعون لأحاديثه وهم في منتهى الإجلال والخضوع(١) .
وبعد هذه المقدّمة التوضيحية نعود إلى التقسيم الذي قدّمناه أوّلاً:
الإسلام يعمل على تربية الإنسان المؤمن المسؤول في المجتمع، والمؤمن عزيز بعزّة الله ورسوله، وذلك من قوله تعالى:( وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ) (٢) .
فالعزّة إنّما تكون بالإسلام والالتزام برسول اللهصلىاللهعليهوآله وعترته الأطهارعليهمالسلام ، والعزّة للعبد المؤمن بعد ذلك.
وتروي كتب التاريخ هذه الحادثة والرواية عن الإمام الحسينعليهالسلام ، إذ دخل عليه رجل من العرب متلثّماً، أسمر شديد السّمرة، فسلَّم وردَّ عليه الإمامعليهالسلام فقال: يابن رسول الله، مسالة.
قالعليهالسلام :((هات)) .
فقال: كم بين الإيمان واليقين؟
قالعليهالسلام :((أربَعُ أصابِع)) .
فقال: كيف؟
قالعليهالسلام :((الإيمانُ ما سَمِعناهُ، واليقينُ ما رأيناهُ، وبين السمعِ والبصرِ أربعُ
_____________________
١ - حياة الإمام الحسين ١ / ١٣٧.
٢ - سورة المنافقون / ٨.
أصابع)) .
فقال: فكم بين السماء والأرض؟
قالعليهالسلام :((دعوةٌ مستجابةٌ)) .
فقال: فكم بين المشرق والمغرب؟
قالعليهالسلام :((مسيرةُ يومٍ للشمس)) .
فقال: فما عزُّ المرء؟
قالعليهالسلام :((استغناؤه عن الناس)) .
فقال: فما أقبح شيء؟
قالعليهالسلام :((الفسقُ في الشيخِ قبيحٌ، والحدةُ في السلطانِ قبيحةٌ، والكذبُ في ذي الحسبِ قبيحٌ، والبُخلُ في ذي الغناء، والحرص في العالم)) .
فقال: صدق يابن رسول الله، فأخبرني عن عدد الأئمّة بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
قالعليهالسلام :((اثنا عشر عدد نقباء بني إسرائيل)) .
فقال: فسمهم لي.
قال: فأطرق الإمام الحسينعليهالسلام ملياً، ثمّ رفع رأسه فقال:((نعم، أُخبرك يا أخا العرب، إنّ الإمام والخليفة بعد رسول الله صلىاللهعليهوآله أبي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهالسلام والحسن وأنا وتسعة من ولدي، منهم علي ابني، وبعده محمد ابنه، وبعده جعفر ابنه، وبعده موسى ابنه، وبعده علي ابنه، وبعده محمد ابنه، وبعده علي ابنه، وبعده الحسن ابنه، وبعده الخلف المهدي، هو التاسع من ولدي، يقوم بالدين في آخر الزمان)) .
قال الراوي: فقام الأعرابي وهو يقول:
مسحَ النبي جبينه |
فله بريقٌ في الخدودِ |
|
أبواهُ من أعلى قريـ |
ـش جدّهُ خيرُ الجدود(١) |
فالعزّ للعبد أن يكون مستغنياً عن الناس، وربما الناس بحاجة إليه، ولقد جاء بكلمة رائعة لأمير المؤمنين عليعليهالسلام يقول فيها:((احتج إلى مَنْ شئت تكن أسيره، واستغن عمَنْ شئت تكن نظيره، وأحسن (امنن) إلى مَنْ شئت تكن أميره)) (٢) .
فإذا احتجت تكون أسيراً، وأمّا إذا أحسنت وأعطيت كنت أميراً، وكم هو الفرق ما بين الأمير والأسير، وأرجو لك عزيزي القارئ الإمارة دائماً وأبداً، وهذا لا يتحقّق إلاّ بانقطاعك إلى الله الغني الحميد، واتّباعك للمولى أبي عبد الله الحسينعليهالسلام في منهجه.
وبكلمة نورانية حسينيّة يقول فيها:((إنّ العزّ والغنى خرجا يجولان، فلقيا التوكّل فاستوطنا)) (٣) .
ومعنى ذلك: إنّ عزّة النفس مقارنة وملازمة للغنى والاستغناء عن الناس، وهذان لا يستوطنان إلاّ عند مَنْ يتوكّل على الله في كلّ أموره، وجميع شؤونه
_____________________
١ - كفاية الأثر / ٢٣٢، موسوعة البحار ٣٦ / ٣٨٤.
٢ - موسوعة البحار ٧٧ / ٤٠٢ باب (١٥) مواعظه وحكمه.
٣ - مستدرك الوسائل ١١ / ٢١٨ ح١٢٧٩٣.
وشجونه.
ورحم الله أبا فراس الحمداني الشاعر الذي يقول:
إنّ الغني هو الغني بنفسه |
ولو انّه عارِ المناكبِ حافي |
والتوكّل على الله، هو تفويضك أمر التدبير والتقدير إلى العزيز القدير.
وقيل ذات يوم للإمام الحسينعليهالسلام : إنّ أبا ذر يقول: الفقر أحبّ إليَّ من الغنى، والسَّقم أحبّ إليَّ من الصحّة.
فقالعليهالسلام :((رَحِمَ اللهُ تعالى أبا ذرّ. أمّا أنا فأقول: مَنْ اتّكل على حسن اختيار الله تعالى له لم يتمنّ غير ما اختاره الله عزّ وجلّ له)) (١) .
فلا تشرط على الله إذا كنت متوكّلاً عليه ولا حتّى تتمنّى، وكلّ منَّا يتمنّى حوائجه، ولكن إذا كنت في المقام الذي يتحدّث عنه الإمام الحسينعليهالسلام ، فإنّك عند ذلك تدع أمرك إلى الله الحكيم العليم، وهذا يكون نابعاً من أعماق إيمانك بأنّ الله حكيم، والحكيم هو الذي يضع الأشياء في مواضعها.
وأنت أخي المؤمن، إذا أيقنت بهذه الحكمة الإلهية، فإنّك تدع التدبير له، وتترك نفسك في الدنيا، وتشتغل بالطاعة والعبادة، ولا تشغل نفسك بأمور الدنيا وتدبيرها ما دام مولاك (عزَّ وجلّ) الحكيم قد تكفَّل بها.
ولهذا وذاك يقول الإمام الحسينعليهالسلام :((مَنْ عبد الله حقّ عبادته آتاه الله فوق أمانيه وكفايته)) (٢) .
فعليك الطاعة والانقياد لله، وعليه العطاء والرزق، وهو أكرم الأكرمين، فكن على يقين أنّه سيعطيك حتّى يغنيك، وفوق كلّ أمانيك.
_____________________
١ - إحقاق الحقّ ١١ / ٥٩١.
٢ - تفسير الإمام العسكريعليهالسلام / ٣٢٧، موسوعة البحار ٧١ / ١٨٤.
ولكن ما هي العبادة التي ترغب فيها؟
وربما تسأل مقابل هذا السؤال وتقول: هل هناك أنواع للعبادة؟!
الإمام الحسينعليهالسلام يجيبك بقوله الرائع:((إنّ قوماً عبدوا الله رغبةً فتلك عبادة التجّار، وإنّ قوماً عبدوا الله رهبةً فتلك عبادة العبيد، وإنّ قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار، وهي أفضل العبادة)) (١) .
فالعبادة ثلاثة، والعبَّاد ثلاث:
١ - عبادة الرغبة والطمع: وهي عبادة التجارة، يريد أن يجمع الأموال الطائلة ويطمع بالزيادة دائماً وأبداً.
والعابد يطمع بالجنّة ويحقّ له الطمع فيها، وبما فيها من حور وقصور، وأنواع الخيرات الحسان، والتي جاء بها أنّها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
٢ - عبادة الرهبة والخوف: وهي عبادة العبيد الذين يخافون من السيد ويحذرون مخالفته؛ لأنّهم يتعرّضون لغضبه وعقابه الشديد.
والعُبّاد يخافون المخالفة ويخشون النار، ويحقّ لهم كلّ ذلك؛ فالخوف من النار وأنواع العذاب فيها يدعو العاقل إلى التوخّي والاحتراز عنها، فالإنسان ضعيف ولن يحتمل غضب الجبّار.
٣ - عبادة الحبّ: وهي عبادة الأحرار الذين علموا عن الله بعض الحقائق
_____________________
١ - تحف العقول / ١٧٧، موسوعة البحار ٧٨ / ١١٧، أعيان الشيعة ١ / ٦٢٠.
التي أفاضها عليهم، فتعلّقت قلوبهم بربّهم؛ لأنّه يستجمع صفات الكمال والجلال، ويستحق العبادة؛ لأنّه المنعم الذي هو أهلٌ للشكر على أفعاله.
وهذه العبادة هي أرفع العبادات وأجلُّها وأجملها؛ لأنّها نابعة من معرفة حقيقية بالمعبود والعابد، وهذه بالحقيقة عبادة الخُلَّص من عباد الله، كالإمام الحسينعليهالسلام والمعصومين من آله الكرامعليهمالسلام .
الإيمان: هو ذلك النور الذي يقذفه الله في قلوب أوليائه وأصفيائه من الناس.
وفي الرواية: أنّه إقرار باللسان وعمل بالأركان، وأنّه أخصُّ من الإسلام الذي يعني التسليم والنطق بالشهادتين، وبه تُحقن الدماء وتجري المناكح والمواريث.
والإيمان أرفع درجة، وأعلى مقاماً من الإسلام. وهو إمّا أن يكون ثابتاً، أو مشككاً متذبذباً، وإمّا أن يكون أصلياً ذاتياً، أو يكون مستعاراً ومستودعاً، والذي يميّز ذلك كلّه هو الامتحان والاختبار الإلهي للعبد.
في رواية عن الحسين بن عليعليهماالسلام أنّه قال:((سُئل أمير المؤمنين (صلواتُ الله عليه) ما ثبات الإيمانِ؟ فقال: الورع. فقيل له: ما زواله؟ قال: الطمع)) (١) .
فثبات الإيمان في القلب يتمّ عن طريق الورع عن محارم الله، وتكون هذه الصّفة النورانيّة ملكة شخصيّة للعبد، وهي في الحقيقة التقوى الرادعة من انتهاك المحارم أو فعل المآثم.
_____________________
١ - موسوعة البحار ٧٠ / ٣٠٥.
وعكس الورع يكون الطمع، فالطمع في أي شيء من متاع الدنيا ولذّائذها وشهواتها، وإن كانت حلالاً، يخرجها إلى حدِّ الإفراط فيها فينقلب إلى الحرام، ويسبّب فعلها اللوم والعقاب؛ ولهذا فإنّ العبد المؤمن دأبه مراقبة نفسه واتّهامها على الدوام.
يقول الإمام الحسينعليهالسلام :((إنّ المؤمن اتّخذ الله عصمتهُ، وقولهُ مرآته، فمرةٌ ينظرُ في نعتِ المؤمنين، وتارةً ينظر في وصف المتُجبّرين، فهو منه في لطائف، ومن نفسه في تعارفٍ، ومن فطنته في يقين، ومن قدسه على تمكين)) (١) .
فالعبد المؤمن يعتصم بالله لا بسواه، ويجعل مرآته في كلّ حركاته وسكناته، كتاب الله وآياته في القرآن الكريم.
فمرّة ينظر في آيات القرآن باحثاً عن الآيات التي تصف المؤمنين، فيجمعها ويلتزم بها قدر الإمكان، لا سيما آيات سورة المؤمنون، وأواخر سورة الفرقان وغيرها من آيات الذكر الحكيم التي تصف المؤمنين، ويبحث عن نداءات أهل الإيمان( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ) ، وقد بلغت (٨٩) مورداً في القرآن، ويتدبّر فيها؛ ليعلم ماذا يريد ربّنا سبحانه منّا، فيفعله إذا كان أمراً، أو يرتدع عنه إذا كان نهياً وزجراً.
ومرّة أُخرى يبحث في الكتاب العزيز عن وصف المتجبّرين، كالفراعنة والقوارين - جمع قارون - وجنودهم وأذنابهم، ويدرس صفاتهم ويحاول قدر المستطاع أن يطهِّر نفسه من تلك الرذائل اللعينة، والفيروسات الروحيّة القاتلة.
_____________________
١ - تحف العقول / ١٧٨، موسوعة البحار ٧٨ / ١١٩ حديث ١٥.
ويبحث في القرآن الكريم عن لطائف الحكمة، وروائع الآيات الروحانيّة، متنسّماً لتلك النسائم العبقة التي تهبّ على روحه ونفسه من خلال تنقّله في رياض الآيات القرآنيّة الكريمة، ويتعرّض إلى نفحات ربّ العالمين الرحمانيّة.
وأمّا نفسه فإنّه دائماً وأبداً يتّهمها؛ فهي أمارة بالسوء، وهو يعرفها حقّ المعرفة، وربّنا سبحانه يقول:( بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ) (١) .
فلا أحد أعلم بك منك إلاّ الذي خلقك ورزقك وسوّاك وعدلك؛ ولهذا يكون الإنسان على يقين من أعماله التي عملها، وهو على إصلاح نفسه وتقديسها وتزكيتها قادر قوي متمكّن؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى ألطف وأرحم بنا من أنفسنا، ولن يحاسبنا على شيء لا نقدر عليه.
وبهذا المعنى يقول الإمام الحسينعليهالسلام :((ما أخذ الله طاقةَ أحدٍ إلاّ وضع عنه طاعتهُ، ولا أخذ قُدرتهُ إلاّ وضع عنه كُلفته)) (٢) .
وهذا يكون أجمل تفسير لقوله تعالى:( لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا ) (٣) ، وقوله تعالى:( لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ مَا آتَاهَا ) (٤) .
والقاعدة التي تقول: إذا أخذ ما أوهب أسقط ما أوجب.
فالتكليف يكون بالقدرة والقدر والسعة وليس زائداً؛ لأنّه يكون ظلماً وجوراً وتكليف بما لا يُطاق، وحاشا لله أن يفعل بعباده مثل هذا.
_____________________
١ - سورة القيامة / ١٤.
٢ - تحف العقول / ١٧٦.
٣ - سورة البقرة / ٢٨٦.
٤ - سورة الطلاق / ٧.
الفصل الخامس: البعد العاطفي في حياة الإمام الحسينعليهالسلام
ولكن ما موقف الإنسان المؤمن من الإمام الحسينعليهالسلام ؟
إنّ هذا الحديث له شؤون وشجون ونفثات في الصدور لا تهدأ أبداً.
لقد جاء على لسان جدّه الحبيب المصطفىصلىاللهعليهوآله :((إنَّ لِقَتْل الحسين حرارةٌ في قلوب المؤمنين لا تبرد أبداً)) (١) .
تلك الحرارة، بل الجذوة المتوقّدة بالحبّ الخالص، والولاء النقي للإمام الحسينعليهالسلام أبي الأحرار وسيّد الشّهداء الذي قدّم نفسه الشريفة وأهله وكلّ ما يملك في سبيل الله، فليس غريباً أن يعطيه الله سبحانه تلك المكانة الرفيعة في القلوب.
والعجيب أنّ الإمامعليهالسلام يعطينا علامة للمؤمن المحبّ، والموالي الحقيقي له، وذلك بحديثين وروايتين تُنقلان عنه (صلوات الله عليه)، وهما:
قالعليهالسلام :((أنا قَتيل العَبرةِ، لا يذكرني مُؤمنٌ إلاّ بكى)) (٢) .
_____________________
١ - مستدرك الوسائل ١٠ / ٣١٨.
٢ - كامل الزيارات / ١٠٨.
وقالعليهالسلام :((أنا قتيلُ العبرةِ، لا يذكرني مؤمنٌ إلاّ استعبر)) (١) .
البكاء على المولى الشهيد، بل سيّد الشهداء، الإمام الحسينعليهالسلام تلك هي مسألة المسائل في هذا العصر الحديث، وما هذا الكتاب، وهذه الدراسة إلاّ نفثة مصدور - كما تقدّم - ردّاً على اُولئك الذين يريدون مصادرة الإمام الحسينعليهالسلام منّا، ومنعنا حتّى من البكاء عليه.
فما ذنبنا إذا كنّا نحبّ، بل نعشق ذاك الإمام العظيم؟ ونعمل على تجديد ذكراه الأليمة؛ لنجدّد العزم على الطلب بثأره في كلّ عام، وفي كلّ يوم إن استطعنا بإعلان الولاء المطلق له، والتبرؤ من أعدائه وقاتليه قديماً وحديثاً وفي كلّ زمان ومكان.
والبكاء يا عزيزي ناتج عن رقّة القلب، واهتياج النفس الناجم عن شدّة الحزن أو الفرح؛ لأنّ الإنسان عندما يضحك كثيراً يبكي، أو عندما يُفاجأ بأمر جميل قد يجهش بالبكاء. وهذا ما نسمّيه بـ (دموع الفرح، أو بكاء الفرح).
وأمّا بكاء الحزن والمصيبة، فهو أمر معروف ومألوف لدى جميع البشر إلاّ مَنْ حرمهم الله من نعمة البكاء، وهؤلاء يتمنّون لو أنّهم يستطيعون البكاء أحياناً.
فالبكاء نعمة حقيقية لِمَنْ يتأمّلها، أو يتدبّرها بعين فاحصة، وفكر وقّاد، وبصيرة منارة بأنوار الوحي الإلهي، ولا بأس بنا، يا أخي الكريم، هنا من أن نلتفت إلى عالمنا المعاصر وثورته العلمية، لا سيما مجال الطبّ البشري
_____________________
١ - أمالي الصدوق / ١١٨، مجلس ٢٨، ح٧.
والتشريعي منها.
فعلماء الأحياء، وأطباء العيون، يقولون: إنّ البكاء له فوائد عظيمة وجليلة للعين الباكية، وللجسد الحامل لها، وللنفس التي تحرّك ذلك الجسد الباكي أو المتباكي.
فإفراز ذلك الدمع وغزارته يكون من الغدد الدمعية، (وقديماً كانوا يعبّرون عنها أنّها من بخار الدم)، فأوّل ما يفعله الدمع أنّه يغسل العين من الداخل وينقّيها من الشوائب العالقة أو الطارئة الواقعة فيها.
ثم تفتح الأقنية الواصلة ما بين العين والأنف فينظّف الأنف كذلك، وتتفتَّح المجاري التنفسية الهوائية، وكذلك أقنية التهوية للأذن، ولهذه العملية ما لها من الفائدة على الأذن الوسطى والسمع بشكل عام.
إنّ الإفرازات التي تخرج من العين والأنف تخفّف الضغط عن الرأس، فيرتاح الإنسان كثيراً عندما يبكي، لا سيما إذا كانت به علّة في رأسه كالصداع وغيره.
والبكاء يريح النفس، ويسكن القلب المضطرب؛ ولهذا فإنّ العلماء ينصحون الإنسان بالبكاء والنحيب عوضاً عن الحصر والكبت؛ لأنّ البكاء يعيد للجسم والنفس التوازن المفقود من جرَّاء الضغوط عليهما.
ولهذا ترى أنّ علماء النفس والأخلاق لم يجدوا بين الصّفات الإنسانيّة كلّها صفة أفضل وأشرف من الرحمة، ورقّة القلب على الآخرين، حتّى إنّ بعض الفلاسفة عدل عن تعريف الإنسان (بالحيوان الناطق) إلى أنّه (حيوان عطوف)، وعليه فلا إنسانيّة مطلقاً بدون عطف على مصائب الآخرين، وبدون الرحمة
والرقّة لنكبات المظلومين.
فالبكاء على المظلومين والشهداء، وعلى رأسهم الإمام الحسينعليهالسلام ، أمر طبيعي وعقلاني، وظاهرة فطرية في مقابل قساوة القلب والغلظة وتحجّر الضمير، وهي أخطر الأمراض النفسية المعبَّر عنها بموت القلب.
ولهذا ترى أنّه من الطبيعي جدّاً أن يحبب الإسلام البكاء ويحضّ عليه؛ لأنّه يحلّ العقد النفسيّة التي يعجز العلم عن معالجتها؛ لأنّ الأزمات والخسائر التي تصدم الإنسان ترسب في قلبه على شكل عقد لا يحلّها سوى الانتقام والثأر ممّن سبّب له تلك النكبة.
وبما أنّ الإسلام دين متسامح لا انتقامي، لا سيما وأنّ الإنسان ظالم جائر في كثير من ألوان الانتقام التي يرغب فيها بطبيعته السبعيّة الحيوانيّة، تتضافر الأديان والقوانين والشرائع على صدِّه ومنعه من ممارستها.
فلا تجد تلك العقد النفسيّة مجالاً للتعبير والتنفيس اللذين يروِّحان عنها، بل تظلُّ في أعماق النفس تأكل بعضها بعضاً، وتأكل الإنسان من الداخل حتّى تنقلب تحت الكبت الطويل إلى حقد يجعل صاحبه شرّيراً يحب الوقيعة في كلّ أحد، بعد أن كان يريد الانتقام من خصمه فقط؛ لأنّه لا يشعر بالراحة إلاّ إذا رأى الدماء البريئة تُراق، ودموع الثكلى تسفح وتنهمر، ولا يطمئن بغير الأنات الجريحة، والآهات الحارّة.
ووجود الحقد في النفوس بلاء وبيل، إذا أصاب مجتمعاً فإنّه يلتهب ويحرق الأخضر واليابس ولا يدعه إلاّ بلاقع، ولا ينجو من ويلاته مجرم ولا بريء؛ ولذا فلا بدَّ من إزالته بمختلف الطرق قبل أن يستفحل ويستعصي على العلاج.
والإسلام الحنيف حين يوصي بالبكاء يحاول حلّ هذه العقد النفسية قبل أن تترسّب في النفوس، وتعاني الكبت الطويل فتتحوّل إلى أمراض نفسيّة خطيرة.
ولذا فإيّاك أن تلتفت إلى اُولئك الذين يرون أن البكاء منقصة، وأنّ الرجال لا يبكون، أو أنّه من المعيب أن تبكي لأنّك رجل، وغير ذلك من الأقوال الضّالة المضلّة التي تُنبئ عن قسوة قائلها، وجفاف قلبه، وتصلّب أحاسيسه ومشاعره.
ورسول اللهصلىاللهعليهوآله وهو الرحمة المهداة إلى بني البشر كان يبكي خوفاً من الله، وشوقاً إلى رحاب قدسه، ورقّة لعباده المؤمنين، وعند فقد أعزَّته.
فإنّه (صلوات الله عليه وآله) بكى على ولده إبراهيم حتّى انتفض منكباه، وقال:((القلبُ يخشع، والعينُ تدمع، ولا نقول ما يُغضب الربَّ)) (١) ، أو أنّهصلىاللهعليهوآله قال:((العينُ تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلاّ ما يُرضي الربّ، وإنّا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون)) (٢) .
كما إنّه (صلوات الله عليه وآله) بكى على أصحابه الأوائل من المسلمين عندما كان يراهم يتقلّبون تحت سياط الشرك والحقد الجائرة كآل ياسر، وبلال، وعمّار، وأبي ذرّ الغفاري (رضوان الله عليهم أجمعين)، وغيرهم من تلك الطبقة الراقية في دنيا الإيمان والإسلام.
_____________________
١ - موسوعة البحار ١٢ / ٣٢٥.
٢ - صحيح البخاري ١ / ١٩٨، باب الجنائز.
وكم مرّة بكى وأبكى (صلوات الله عليه وآله) على أهل بيته، وما سيجري عليهم من ظلم وجور من بعده؛ فإنّه كان يبكي كلّما أخبره جبرائيلعليهالسلام عن مصيبة من مصائبهم، أو شهادة أحدهم، فكم مرّة تنقل كتب السيرة أنّه بكى على فاطمة الزهراءعليهاالسلام ، أو أمير المؤمنينعليهالسلام الذي كان يسمّيه (أنت المظلوم من بعدي)، أو على سبطه الأكبر الإمام الحسن المجتبىعليهالسلام ، أو على سبطه الآخر سيّد الشهداء، وتلك هي المصيبة العظمى، والطامة الكبرى (صلوات الله عليه وآله الأطهار).
إنّ الإمام زين العابدين علي بن الحسينعليهماالسلام ، ذاك الإمام السجّاد العظيم الذي شهد واقعة الطفّ ورآها بأمّ عينيه، قد بكى أكثر من ثلاثين سنة على والده الحسين وآله وأصحابهعليهمالسلام ، ما وضِع بين يديه طعام إلاّ بكى، ولا شرب إلاّ وبكى، حتّى قيل له في ذلك، فكان يجيب ويبيّن عذره لسائله عن ذاك البكاء العجيب.
قيل: إنّهعليهالسلام كان يخرج إلى سوق الجزّارين، فإذا رأى جزّاراً يريد أن يذبح شاة يقول له:((هَلْ سَقيتها الماء؟)) .
فيقول الرجل: نعم يابن رسول الله، إنّا لا نذبح حيواناً حتّى نسقيه ولو قليلاً من الماء.
فيبكي عند ذلك ويقولعليهالسلام :((ولكن ذُبح أبو عبد الله عليهالسلام عطشان)) .
وقال له أحد مواليه: أما آنَ لحزنك أن ينقضي، ولبكائك أن يقل؟!
فقاله له:((ويحك! إنَّ يعقوب النبيّ عليهالسلام كان له اثنا عشر ولداً، فغيّب الله
عنه واحداً منهم، فابيضّت عيناهُ من الحزن من كثرة البكاء، واحدودب ظهرهُ، وابنهُ حيٌ في دار الدنيا، وأنا نظرت إلى أبي وإخوتي وعمومتي وسبعة عشر شاباً من بني عمومتي مجزَّرين كالأضاحي، ونظرت إلى عمّاتي وأخواتي وقد أحاط بهنّ أهل الكوفة وهنّ يستغثنَ ويندبنَ قتلاهنّ، والله ما ذكرت ذلك اليوم إلاّ وخنقتني العبرة)) (١) .
وفي رواية عجيبة مرويّة عن الإمام زين العابدينعليهالسلام أنّه كان إذا أخذ إناءً ليشرب فإنّه يبكي حتّى يملأ الإناء دمعاً، ويقول:((كيف لا أبكي وقد مُنع أبي من الماء الذي كان مطلقاً للسباع والوحوش؟!)) (٢) .
فالبكاء للرجال عند الحقيقة ولوجه الله تعالى هو من أعظم الموارد وأكبر القربات لديه سبحانه.
وفي الرواية عن المعصومعليهالسلام أنّه:((مَنْ ذرفت عينه دمعةً من خشية الله كان تحت ظلّ الله يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه)) (٣) .
وفي رواية تخصُّ المولى أبا عبد الله الحسينعليهالسلام :((مَنْ بكى على الحسين عليهالسلام عارفاً بحقّه، وجبت له الجنّة)) (٤) .
_____________________
١ - سيرة الأئمة الاثني عشر ٢ / ١٢١.
٢ - مناقب آل أبي طالب ٤ / ١٦٦.
٣ - موسوعة البحار ٤٤ / ٢٨٥.
٤ - المصدر السابق.
البكاء على الإمام الحسينعليهالسلام الذي يوجب الجنّة هو البكاء المقرون بالمعرفة والولاء، فمعرفتك بالإمام الحسينعليهالسلام والتزامك بالولاية له، والسير على نهجه وهداه، وتتبّعك لمسيرته المباركة المظفّرة، وقيامك بشعائره المقدّسة هو الذي يوصلك إلى الجنّة.
وإذا كنت من أُمّة جدّه الحبيب المصطفىصلىاللهعليهوآله فلا شك أنّه يجب أن تبكي على الإمام الحسينعليهالسلام ؛ لأنّه قال لبضعته الزهراءعليهاالسلام عندما سألته مَنْ يبكي لقتله؟ قالصلىاللهعليهوآله :((يا فاطمة، إنّ نساء اُمّتي يبكون على نساء أهل بيتي، ورجالهم يبكون على رجال أهل بيتي، ويجدّدون العزاء جيلاً بعد جيل في كلّ سنة)) (١) .
فتجديد العزاء واجبنا الشرعي في هذا العصر العجيب الغريب في تعقيداته وانقلابه الأخلاقي والقيمي، وربما نستفيد من الأحاديث السالفة الذكر أنّ البكاء، وحتى التباكي توجب كلّها الجنّة.
هذا التدرّج هو بلحاظ اختلاف الزمان، فكان كلّما ابتعدنا عن واقعة الطفّ ضعف تأثيرها في قلوب الأُمّة؛ لجفاف الأحاسيس، وغلظة الأفئدة.
ولذا أرى لزاماً علينا أن نتوقّف في هذه الأيّام لنسأل أنفسنا عن واجباتنا تجاه الإمام الحسينعليهالسلام .
والإمام الشيرازي (رضوان الله عليه) يوجزها في ثلاث نقاط:
_____________________
١ - موسوعة البحار / ٢٩٢.
أوّلاً: يلزم علينا أن نعمل؛ لكي نعرض قضية الإمام الحسينعليهالسلام ومبادئه وأهدافه من خلال أحدث الأجهزة العصرية، عن طريق محطّات البثّ المرئية والمسموعة، والإنترنت والكتاب والشريط المسجّل، وكلّ ما يصدق عليه الإعلام لإيصالها إلى العالم بأجمعه بشكلّها الذي أراده الإمام الحسينعليهالسلام ، وأن نعظّم الشعائر التي تقدّمها الهيئات الحسينيّة من ذكر لأبي عبد الله الحسينعليهالسلام والبكاء والعزاء، ومختلف مواكب الحزن.
كما يحسن أن تُعطّل الأسواق والمحلاّت، ونشر مظاهر الحزن والعزاء خلال أيّام عاشوراء، لا سيما يوم العاشر؛ إشعاراً بالحزن على أبي عبد الله الحسينعليهالسلام ، فقد قال الإمام الرضاعليهالسلام :((إنّ المحرمُ شهرٌ كان أهلُ الجاهليّة يُحرّمون فيه القتال فاستُحلّت فيه دماؤنا، وهُتكت فيه حرمتنا، وسُبي فيه ذرارينا ونساؤنا، وأُضرمت النيران في مضاربنا، وانتُهب ما فيها من ثقلنا، ولم تُرعَ لرسول الله حرمة في أمرنا، إنّ يوم الحسين عليهالسلام أقرح جفوننا، وأسبل دموعنا، وأذلّ عزيزنا بأرض كربٍ وبلاءٍ، وأورثتنا يا أرض كربٍ وبلاءٍ، أورثتنا الكرب والبلاء إلى يوم الانقضاء. فعلى مثل الحسين فليبك الباكون؛ فإنّ البكاء يُحطّ الذنوب العظام)) .
ثمّ قالعليهالسلام :((كان أبي عليهالسلام إذا دخل شهر المحرّم لا يُرى ضاحكاً، وكانت الكآبة تغلب عليه حتّى يمضي منه عشرة أيّام؛ فإذا كان يوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مصيبته وحزنه وبكائه، ويقول: هو اليوم الذي قُتل فيه الحسين)) (١) .
_____________________
١ - أمالي الشيخ الصدوق / ١٢٨، المجلس ٢٧ ح٢.
وقالعليهالسلام :((مَنْ ترك السعي في حوائجه يوم عاشوراء قضى الله له حوائج الدنيا والآخرة، ومَنْ كان يوم عاشوراء يوم مصيبته وحزنه وبكائه يجعل الله (عزّ وجلّ) يوم القيامة يوم فرحه وسروره، وقرّت بنا في الجنان عينه، ومَنْ سمّى يوم عاشوراء يوم بركة وادّخر لمنزله شيئاً لم يُبارك له فيما ادّخر، وحُشر يوم القيامة مع يزيد وعبيد الله بن زياد وعمر بن سعد لعنهم الله إلى أسفل درك من النار)) (١) .
ثانياً: مثلما سار الإمام الحسينعليهالسلام في طريق تطبيق الإسلام، والعمل بقوانين القرآن، يتوجّب علينا كذلك أن تكون خُطانا إثر خطاه، وأن نسعى لتطبيق أحكام الإسلام في بلدان العالم الإسلامي.
ثالثاً: علينا أن نقيم وأينما كنّا مجالس العزاء لأبي عبد الله الحسينعليهالسلام على أفضل نحو ممكن؛ لأنّ بقاء الإسلام إلى آخر الزمان هو الهدف الذي من أجله استشهد الإمام الحسينعليهالسلام ، فإنّ الإسلام سيبقى حيّاً إلى الأبد بفضل دم سيد الشهداءعليهالسلام ، ودماء الشهداء الذين تربّوا في مدرستهعليهالسلام ، والذين يدافعون عن العقيدة الإسلاميّة المقدّسة طوال التاريخ.
إنَّ إقامة المآتم والعزاء والبكاء أيّام عاشوراء على الإمام أبي عبد الله الحسينعليهالسلام ، وإقامة المآدب لإطعام الناس في ذلك، وإحياء عاشوراء، فهذه المراسم وأمثالها هي التي حفظت لنا روح التشيّع، والتمسّك بالقرآن والعترة الطاهرةعليهاالسلام (٢) .
_____________________
١ - علل الشرائع / ٢٢٧ ح١.
٢ - قبس من شعاع الإمام الحسينعليهالسلام / ٣٨.
فهل نُلام على البكاء يا عقلاء العالم أجمع؟
أو هل يعذر أحد منكم في عدم البكاء أو التباكي على سيد الشهداءعليهالسلام ؟
والآن يا عزيزي هل عرفت معنى قول الإمام الحسينعليهالسلام :((أنا قتيلُ العبرة)) ؟
بل هناك مقاصد أُخرى هي:
أ - إحياء الشريعة الإسلاميّة وحفظها على مدى الأيام، وتعاقب الأجيال الإسلاميّة.
ب - تقويم الاعوجاج الذي يُصيب المسيرة الإسلاميّة؛ ليكون الإمام الحسينعليهالسلام هو قطب دائرة الرحى في ذلك، وبالتالي نشر الصلاح بين أفراد الأُمّة اقتداء بالروح والأخلاق الحسينيّة الفاضلة.
وهذا التعريف لتأكيد الصّلة بين ذكر مقتلهعليهالسلام وبين البكاء عليه؛ لأنّ لوعة المصاب به لا تُطفأ، ومضض الاستياء له لا ينفد؛ لاجتماع تلك الكوارث عليه، وملاقاته لها بصدر رحيب، وصبر تعجبت منه ملائكة السماء؛ فأوّل ما يتأثّر به السامع لها أن تستدرّ دموعه، فلا يذكر الحسينعليهالسلام إلاّ والعبرة (الدمعة) تسبق الذكر.
أضف إلى ذلك: المودّة الكامنة له في قلوب أحبائه وشيعته، بحيث إذا انضمّت إلى كلّ ما سبق كانت أوعى، لتأكيد الصّلة بين ذكره الشريف وبين البكاء الكثيف عليه(١) . ولا سيما إذا قرأت مع إمامك الحجّة بن الحسن (صلوات الله
_____________________
١ - مقتل الحسين - للمقرم / ٩٨.
عليه وآله، وعجّ الله تعالى فرجه الشريف). يقول في زيارته المقدّسة:((لأندبنك صباحاً ومساءً، ولأبكينّ عليك بدل الدموع دماً)) (١) .
وفي دعاء الندبة نقول:((فعلى الأطايب من أهل بيت محمد وعلي (صلّى الله عليهما وآلهما) فليبكِ الباكون، وإيّاهم فليندب النادبون، ولمثلهم فلتُذرف الدموع، وليصرخ الصارخون، ويضجّ الضاجّون، ويعجّ العاجّون، أين الحسن أين الحسين، أين أبناء الحسين، صالحٌ بعد صالح، وصادقٌ بعد صادق)) (٢) .
وأنت يا عزيزي لا يحقّ لك البكاء فقط، بل هو واجب عليك لنصرة المولى أبي عبد الله الحسينعليهالسلام ؛ لأنّه((قتيل العبرة الساكبة)) ، أو أنّهعليهالسلام :((عبرة كلّ مؤمن ومؤمنة)) .
جعلنا الله من الباكين عليه في الدنيا والآخرة، وحشرنا معه تحت لوائه إله الحقّ آمين.
وهل تعلم يا أخي الكريم أنّ الإمام الحسينعليهالسلام بكى على أعدائه؛ لأنّهم سيدخلون النار بسببه، فهذا عجب عُجاب في عالم البشر، وقاموس الإنسانيّة؟!
فالإمام الحسينعليهالسلام ، وبعد أن اجتمع على قتاله لا أقل من ثلاثين ألف مقاتل، وعظهم مراراً وتكراراً، إلاّ أنّهم لم يفهموا قوله، وتسابقوا إلى قتاله، فراح ينظر إليهم وهو يصلح حبائل سيفه ويبكي، وإذا بسيّدتنا زينب الكبرى،
_____________________
١ - مفاتيح الجنان / زيارة الناحية المقدّسة.
٢ - مفاتيح الجنان / دعاء الندبة.
أُمّ المصائبعليهاالسلام تمرُّ به وهو بتلك الحالة، فتبادر قائلة: فداك أبي وأُمّي يا أبا عبد الله! أوَ تبكي وأنت بمثل هذا الحال؟
فقال لهاعليهالسلام :((يا أُخيّة، أبكي على هؤلاء الذين سيدخلون النارَ بسببي)) .
الله أكبر ما أعظمك، وأجلّ شأنك سيدي ومولاي يا أبا عبد الله، تبكي على أُمّة اجتمعت لتتقرّب إلى الخليفة الفاسق بسفك دمك ومَنْ معك من الآل والأصحاب الكرام؟!
إنّها الأخلاق الحسينيّة، وما أعظمها من أخلاق رحمانيّة نورانيّة، كان يبكي لأنّه كان علَمَ هدايةٍ ورشاد، والمفروض أنّ الأُمّة تدخل الجنّة معه وليس العكس، إلاّ أنّ بني أُميّة وشياطين الإنس والجنّ أبوا إلاّ الرذيلة والدنيّة، وإقحام الأُمّة في الفتنة والضلال في الدنيا، وفي النار وغضب الجبّار في الآخرة.
الفصل السادس: الأخوّة الإسلاميّة والنهج الحسيني
إنّ العلاقات في هذه الحياة نوعان: مادية ومعنوّية، سببيّة ونسبيّة.
١ - الماديّة: كعلاقة الأبوّة والبنوّة، والناس إخوة لأنّهم من أبناء الأنبياء آدم ونوحعليهماالسلام ، وعلاقة الإخوان في عالمنا المعاصر قد تفكّكت وقلَّ تأثيرها أو مراعاتها فيما بين البشر.
٢ - المعنويّة: كعلاقة الأبوّة والبنوّة المعنوية التي تربط بين الأستاذ المعلم والتلميذ الطالب للعلم، والناس ربما لا يعترفون بهذه العلاقة الغير محسوسة ولا ملموسة، إلاّ أنّ لها شأناً عظيماً في الحياة الإسلاميّة، وتُسمّى الأخوّة الإيمانية، وقد قال تعالى:( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) (١) .
وهناك العديد من الأحاديث عن أئمّة المسلمين من أهل البيتعليهمالسلام بهذا المعنى، كقول الإمام الصادقعليهالسلام :((إنّما المؤمنون إخوةٌ بنو أبٍ وأُمّ، وإذا ضرب على رجلٍ منهم عرق سهر له الآخرون)) (٢) .
_____________________
١ - سورة الحجرات / ١٠.
٢ - موسوعة البحار ٧٤ / ٢٦٤، الاُصول من الكافي ٢ / ١٦٥.
وعنهعليهالسلام قال:((المؤمنُ أخو المؤمن كالجسد الواحد، إذا اشتكى شيءٌ منه وجد ألم ذلك في سائر جسده، وأرواحهما من روحٍ واحدة، وإنّ روح المؤمن لأشدّ اتصالاً بروح الله من اتّصال شعاع الشمس بها)) (١) .
وفي رواية أُخرى عن الإمام الباقرعليهالسلام :((المؤمن أخو المؤمن لأبيه وأُمّه؛ لأنّ الله (عزّ وجلّ) خلق المؤمنين من طين الجنان، وأجرى في صُدورهم من ريح الجنّة؛ فلذلك هم إخوة لأبٍ وأُمّ)) (٢) .
فهذه الروايات الشريفة المباركة تؤكّد على الأُخوّة الإيمانية بين المؤمنين، وهي تبيّن سبب هذه الرابطة النورانيّة الروحانيّة التي لم يستطع أن يكتشفها البشر إلى هذا اليوم، حيث الأجهزة المتطوّرة واللايزر والرنين المغناطيسي، وغيرها من الأجهزة الطبيّة الدقيقة.
نعم، وكأنّ الإيمان أبوّة، والمؤمنون إخوة كما في كتاب الله تعالى:( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) (٣) ، وهذه العلاقة أشدّ وأقوى من سابقتها؛ لأنّها ترتبط بالأرواح، وتلك ترتبط بالأجساد، ودائماً وأبداً العلاقات الروحيّة أشدّ وأقوى.
_____________________
١ - موسوعة البحار ٧٤ / ٢٦٨، الاُصول من الكافي ٢ / ١٦.
٢ - موسوعة البحار ٧٤ / ٢٦٦، الاُصول من الكافي ٢ / ١٦٦، المحاسن ١ / ١٣٣.
٣ - سورة الحجرات / ١٠.
ومن هذا الباب يروون الحديث الوارد عن الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله :((يا علي، أنا وأنت أبوا هذه الأُمّة)) (١) .
يقسّم الإمام الحسينعليهالسلام الإخوان إلى أربعة، فيقول:((الإخوان أربعةُ؛ فأخٌ لك وله، وأخٌ لك، وأخٌ عليك، وأخٌ لا لك ولا له)) .
فسُئل عن معنى ذلك، فقالعليهالسلام موضحاً:((الأخُ الذي هو لك وله فهو الأخ الذي يطلب بإخائه بقاء الإخاء ولا يطلب بإخائه موت الإخاء، فهذا لك وله؛ لأنّه إذا تمّ الإخاء طابت حياتهما جميعاً، وإذا دخل الإخاء في حال التناقض بطل جميعاً.
والأخ الذي هو لك فهو الأخ الذي قد خرج بنفسه عن حال الطمع إلى حال الرغبة، فلم يطمع في الدنيا إذ رغب في الإخاء، فهذا متوفّرٌ عليك بكلّيته.
والأخ الذي هو عليك فهو الأخ الذي يتربّص بك الدوائر، ويُفشي السرائر، ويكذب عليك بين العشائر، وينظر في وجهك نظر الحاسد، فعليه لعنة الواحد.
والأخ الذي لا لك ولا له فهو الذي قد ملأه الله حمقاً فأبعده سُحقاً، فتراه يؤثر نفسه عليك، ويطلب شحّاً ما لديك)) (٢) .
هل عرفت الإخوان؟ وهل تأمّلت في قول المولى أبي عبد اللهعليهالسلام في هذا الحديث؟! وهل التفتَّ إلى المغزى الرفيع من هذا الحديث البديع؟!
إنّ الأخوّة ليست كلمات تُقال، بل هي علاقات إنسانيّة لا تُقدر بثمن، ولا
_____________________
١ - ينابيع المودة / ١٤٦ باب ٤١.
٢ - تحف العقول / ١٧٦، مستدرك الوسائل ٩ / ١٥٣ ح١٠٥٣٢.
مال؛ لأنّها تلحظ جوانب الكرامة والمعنويّة في الإنسان.
فالإنسان((إمّا أخٌ لك في الدين، أو نظيرٌ لك في الخَلق)) (١) ، كما يقول أمير المؤمنينعليهالسلام في عهده لمالك الأشتر حين ولاّه مصر.
فهذا الأخ إن كان صالحاً عاملك بإنسانيّة وأخلاق إسلاميّة فنفعك ونفع نفسه منك وبك، وإن كان فاسداً فيجب أن تبعده عنك قدر المستطاع، ولكن إن كان أحمقاً يضرّك من حيث يريد أن ينفعك، فابتعد عنه؛ لئلاّ يرديك في المهالك.
ولكن إذا ظفرت بأخٍ كريم، وصديق حميم، وهؤلاء أندر من الكبريت الأحمر فعليك أن تلزمه، وتعضّ عليه بالنواجذ، وحتى يتحقّق ذلك فيجب أن تُراعي حقوق الأخوّة فيما بينك وبينه. تلك الحقوق التي حدّدها الإمام الحسينعليهالسلام بقوله:((لولا التقيّة ما عُرف وليّنا من عدوّنا، ولولا معرفة حقوق الإخوان ما عُرف من السيئات شيءٌ إلاّ عوقب على جميعها)) (٢) .
ومعرفة المؤمن والسعي في قضاء حوائجه هو عند الإمام الحسينعليهالسلام في أعلى المراتب في الدنيا والآخرة، وتنقل بعض الروايات الكاشفة عن مدى اهتمام الإمامعليهالسلام بقضاء حوائج المؤمنين: عن ابن مهران قال: كنتُ جالساً عند مولاي الحسين بن عليعليهماالسلام ، فأتاه رجل، فقال: يابن رسول الله، إنَّ فلاناً له عليَّ مال ويريد أن يحبسني.
_____________________
١ - نهج البلاغة - باب رسائل أمير المؤمنين.
٢ - تفسير الإمام العسكريعليهالسلام / ٣٢١، ح١٦٥، موسوعة البحار ٧٥ / ٤١٥.
فقالعليهالسلام :((والله ما عندي مالٌ أقضي عنك)) .
قال: فكلّمه (من أجل أن يؤخّر عنه الطلب).
قالعليهالسلام :((ليس لي به أُنسٌ، ولكنّي سمعت أبي أمير المؤمنين عليهالسلام يقول: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : مَنْ سعى في حاجة أخيه المؤمن فكأنّما عبد الله تسعة آلاف سنة، صائماً نهاره قائماً ليله)) (١) .
فقضاء حاجة المؤمن كعبادة تسعة آلاف سنة، وربما تستعظم مثل هذه الرواية، ولكن إليك هذه القصة العجيبة الغريبة عن الإمام الحسينعليهالسلام ، ينقلها عنه حبر الأُمّة الإسلاميّة عبد الله بن عباس، فيقول: كنتُ مع الحسين بن عليعليهماالسلام في المسجد الحرام، وهو معتكف، وهو يطوف بالكعبة، فعرض له رجل من شيعته، فقال: يابن رسول الله، إنّ عليَّ ديناً لفلان، فإن رأيتَ أن تقضيه عنّي.
فقالعليهالسلام :((وربّ هذه البُنيّة ما أصبح عندي شيء)). (يقسم بربّ الكعبة المشرّفة).
فقال: إن رأيت أن تستمهله عنّي فقد تهَدَّدني بالحبس.
قال ابن عباس: فقطع الطّواف، وسعى معه، فقلت: يابن رسول الله، أنسيت أنّك مُعتكف؟!
فقالعليهالسلام :((لا، ولكن سمعتُ أبي عليهالسلام يقول: سمعتُ رسول الله صلىاللهعليهوآله يقول:
_____________________
١ - موسوعة البحار ٧٤ / ٣١٥ ح٧٣.
مَنْ قضى أخاه المؤمن حاجةً كان كمَنْ عبد الله تسعة آلاف سنة، صائماً نهاره وقائماً ليليه)) .
ويقول في رواية أخرى:((أما إنّه لو سعى في حاجتك كان خيراً له من اعتكاف ثلاثين سنة)) (١) .
فالسعي في حاجات المؤمنين هو من أعظم موارد النعم على الإنسان، والسعيد حقّاً هو مَنْ يوفّق لقضاء أكثر الحاجات لأكبر عدد ممكن من الإخوة المؤمنين.
تأمّل في كلام سيد الشهداء الإمام الحسينعليهالسلام الذي يقول:((إنّ حوائج الناس إليكم من نِعَمِ الله عليكم، فلا تملّوا النِّعَمَ)) (٢) .
وهذا من أخلاقيّات الإمام الحسينعليهالسلام الرفيعة التي راح يعلّمنا إيّاها بأقواله وأفعاله خلال سيرته المظفّرة وحياته الشّريفة، وقد تسأل عن المؤمن وحقوقه على أخيه في شريعة الله الخالدة، ودينه الأبدي، ورسالته الخاتمة، فلقد جاءت الروايات عن أئمّة المسلمينعليهمالسلام تضعنا في صلب الإجابة، ولكنّ معرفة الحقوق توجب الحساب الدقيق على التضييع، كما في رواية المعلّى بن خنيس عن الإمام جعفر الصادقعليهالسلام حين سأله عن حقِّ المؤمن على المؤمن.
قالعليهالسلام :((إنّي عليك شفيقٌ؛ إنّي أخاف أن تعلم ولا تعمل، وتضيّع ولا تحفظ)) .
_____________________
١ - موسوعة كلمات الإمامعليهالسلام / ٧٥٦، موسوعة البحار ٩٧ / ١٢٩ ح٦.
٢ - كلمة الإمامعليهالسلام / ١٦٩، موسوعة البحار ٧٤ / ٣١٨ ح٨٠.
قال: لا حولَ ولا قوّة إلا بالله.
قالعليهالسلام :((للمؤمن على المؤمن سبعةُ حقوق واجبة، وليس منها حقٌ إلاّ هو واجبٌ على أخيه، وإن ضيّع منها حقّاً خرج من ولاية الله، وترك طاعته، ولم يكن له فيها نصيب.
أيسر حقّ منها: أن تحبّ له ما تحبّ لنفسك، وأن تكره له ما تكرهه لنفسك.
والحقُ الثاني: أن تُعينه بنفسك ومالك، ولسانك ويدك ورجلك.
والحقّ الثالث: أن تتبع رضاه، وتجتنّب سخطه، وتطيع أمره.
والحقّ الرابع: أن تكون عينه ودليله ومرآته.
والحقّ الخامس: أن لا تشبع ويجوع، وتروى ويظمأ، وتكتسي ويعرى.
والحقّ السادس: أن لا يكون لك خادم وليس له خادم، ولك أمرأةٌ تقوم عليك وليس له أمرأةٌ تقوم عليه، وأن تبعث خادمك يغسل ثيابه، ويصنع طعامه، ويهيئ فراشه.
والحقّ السابع: أن تبرّ قسمه، وتجيب دعوته، وتعود مرضه، وتشهد جنازته، وإن كانت له حاجة تُبادر مبادرةً إلى قضائها، ولا تكلّفه أن يسألكها، فإذا فعلت ذلك، وصلت ولايتك بولايته، وولايته بولاية الله)) (١) .
فأين نحن المسلمون من هذه الصّفات النورانيّة؟!
نعم، إنّ هذه الصّفات، وهذه العلاقة والروابط الروحيّة هي التي صنعت الدولة الإسلاميّة في أوائل الدعوة المباركة، والتاريخ يحدّثنا أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قد آخى بين المسلمين مرّتين؛ في
_____________________
١ - الاختصاص / ٢٣، موسوعة البحار ٧٤ / ٢٢٤، الخصال / ٣٥٠.
مكّة المكرّمة بين المسلمين الأوائل، وفي المدينة بين المهاجرين والأنصار، فكانت حركة مباركة لم يشهدها تاريخ الإنسان من قبل الإسلام ولا من بعده.
وما أحوجنا في هذا العصر إلى هذه الأُخوّة؛ لأنّه لو تكوّنت الأُمّة الإسلاميّة من جديد، وعادت الأُخوّة الإسلاميّة على ما كانت عليه، وغدت الأُمّة تحت قيادة رشيدة منيعة، كقيادة رسول اللهصلىاللهعليهوآله لأمكن تخليص العالم من ويلاته، وصياغة العالم صياغة جديدة يسود فيها كلّ خير ورفاه(١) .
إنّ الإمام الحسينعليهالسلام كان ابن الإسلام الحنيف، والداعي إلى الله، وقائد الأُمّة في ذلك الزمن، والإسلام دين الحرية والرفاه والسّلام، وليس دين الدم والعنف والسيف كما يصوِّره الأعداء في هذه الأيّام.
فالإسلام كلّه سلام وطمأنينة في الدنيا والآخرة، ولا يمكن للبشريّة أن تنعم بالأمن والاطمئنان إلاّ بالالتزام بقوانين وشرائع الإسلام الحنيف، ولا يمكن لأحد أن يحقّق السعادة المرجوّة إلاّ تحت رايته المظفّرة.
وأخلاقيّات سبط الحبيب المصطفى وأقواله في هذا الباب لطيفة وجميلة؛ فإنّه يقول ويفعل ما يقتضيه الموقف الرفيع، والأخلاق العالية، ويدعو الأُمّة لإفشاء السّلام فيما بينها، كما كان يفعل جدّه رسول اللهصلىاللهعليهوآله من قبل.
يقول الإمامعليهالسلام :((البخيلُ مَنْ بخِلَ بالسّلام)) (٢) .
_____________________
١ - الصياغة الجديدة / ٤٩٦.
٢ - تحف العقول / ١٧٧، موسوعة البحار ٧٨ / ١٢٠ ح١٨، أعيان الشيعة ١ / ٦٢١.
فليس البخيل الذي لا يعطيك مالاً أو متاعاً إذا ما احتجت إليه، بل الذي لا يعطيك كلمة السّلام، وهي تحيّة الإسلام وأهل الجنّة - كما في الرواية -، فهل تجد أبخل من هذا الشخص المحروم من نعمة الاطمئنان؟
ويشجّع على السّلام فيما بيننا بقولهعليهالسلام :((للسّلام سبعون حسنة؛ تسعٌ وستون للمبتدئ، وواحدةٌ للرادّ)) (١) .
وردّ السّلام واجب شرعاً، أمّا إلقاؤه فهو فضل وأخلاق إسلاميّة؛ لذا كان يستحق هذا الثواب العظيم.
وتذكر كتب السيرة أنّ رجلاً جاء إلى الإمام الحسينعليهالسلام فقال له ابتداءً: كيف أنت عافاك الله؟!
فقالعليهالسلام :((السّلامُ قبل الكلام عافاك الله)) .
ثمّ قالعليهالسلام لِمَنْ حوله:((لا تَأذَنوا لأحَدٍ حتّى يُسلّم)) (٢) .
نعم، تلك هي أخلاق الإمام الحسينعليهالسلام الإسلاميّة الرفيعة التي يدعونا إليها في كلّ سكناته وحركاته، فكان يسلّم على كلّ مَنْ يلتقيه صغيراً كان أو كبيراً، مؤمناً كان أو فاسقاً عاصياً.
وكان يروي حديثاً عن أبيه أمير المؤمنينعليهالسلام في هذا الباب: عن عليّ بن الحسين زين العابدين عن أبيه الحسينعليهالسلام :((أنّ ابن الكوّا سأل علي بن أبي طالب عليهالسلام فقال: يا أمير المؤمنين، تسلّم على مذنب هذه الأُمّة؟! فقال عليهالسلام : يَراهُ اللهُ (عزّ وجلّ) للتوحيدِ أهلاً، ولا تراهُ للسّلام عليه
_____________________
١ - تحف العقول / ١٧٧، موسوعة البحار ٧٨ / ١٢٠ ح١٧.
٢ - تحف العقول / ١٧٥، موسوعة البحار ٧٨ / ١١٧ ح٦.
أهلاً؟)) (١) .
وعليه فإنّنا نرى أنّ الإمام الحسينعليهالسلام لم يقم بثورة دمويّة انتقاميّة كما يصوِّرها البعض، بل قام بنهضة إيمانيّة نورانيّة لإعادة الأُمّة الإسلاميّة إلى جادّة الصّواب، بعد أن حرَّفها حكّام الجور وصبيان بني أُميّة.
فكانت نهضته المباركة من باب المسؤوليّة الشرعيّة؛ للوقوف أمام الانتهاكات اللأخلاقيّة التي قام بها الحزب الأموي، لإخراج الأُمّة الإسلاميّة عن جادّة الصواب، والمحجّة البيضاء التي أمر الله ورسوله الأُمّة أن تسير عليها.
فأعاد الإمامعليهالسلام إلى الأُمّة الإسلاميّة توهّجها وبريقها وإيمانها، بعد أن كادت الصبية الأمويّة أن تذهب بذلك كلّه، وبالتالي تُطفئ نور الله في الأرض، وتبدّل دينه الحنيف إلى دين عنيف ليس له من الإسلام إلاّ الرسم دون الاسم.
وبالنهضة الحسينيّة صارت الأُمّة تعرف أنّ هناك حقّاً مضيَّعاً، وباطلاً ظالماً مشنَّعاً، وأُمّة لا يمكن لها أن تركع أمام ذاك الظالم الغشوم، والحاكم اللعين الظلوم، بل يجب أن تنهض بوجهه وتقول له مع الإمام الحسينعليهالسلام :((لا والله، لا أُعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أفرّ فرار العبيد)) (٢) .
فالإمامعليهالسلام علّمنا أبجديّات الثورات التصحيحيّة، والنهضات التقويميّة في هذه الأُمّة المرحومة، ولولا دماء الحسينعليهالسلام لصار الإسلام أشنع وأبشع من
_____________________
١ - مستدرك الوسائل ٨ / ٣٥٩.
٢ - بحار الأنوار ٤٤ / ١٩١، مناقب ابن شهر آشوب ٤ / ٦٨، وفي رواية أخرى:((ولا اُقرُّ لكم إقرار العبيد)) .
كلّ الأديان السابقة عليه من التحريف والتبديل والتغيير والتحوير.
نعم، إنّ نهضة المولى الحسين بن عليعليهالسلام سلميّة بكلّ معانيها ومبانيها، ولولا تلك الروح الطامحة إلى الإصلاح لما أخذ معه أهله ونساءه وبناته وأطفالهم جميعاً، ومَنْ يفكّر أن يثور على حكم قوي مثل الحكم الأموي في بدايته ببضعة رجال لا يزيدون على المئة في أعظم الروايات؟
نعم، إنّها نهضة تربويّة، أخلاقيّة، إسلاميّة، رحمانيّة، عالية النفس والمضمون، وليست إلاّ صراحة في وجه الأُمّة النائمة؛ لكي تصحو من غفلتها، وتنهض من كبوتها.
تذكّرت طريفة سمعتها في محاضرة لمفتي حلب الشيخ أحمد بدر حسون وهو من علماء السنة، يقول فيها: ذهبت لحجّ بيت الله الحرام فزرت المدينة المنوّرة، وفي إحدى الأيّام سلّمت على شاب فلم يردّ عليّ السّلام، فكرّرت ذلك، ولم يجب!
فسألته: أخي، لماذا لا تردّ السّلام وهو واجب؟!
فأجاب بغضب: لأنّ لحيتك ليست بطويلة، وثوبك ليس بقصير!
انظر أخي المؤمن إلى هذا السلوك الذي سوف نتعرّض له في القسم الثاني من هذا الكتاب الذي عنوننّاه بـ (مواقف الوهابيّة) حتّى تميّز ما بين النهضة الأخلاقيّة السلمية للحسين بن عليعليهالسلام وما بين هذه الجماعة المتطرّفة.
الفصل السابع: المناقبيّات الذاتيّة للإمام الحسينعليهالسلام
الإنسان هو القيمة العظمى في دين الإسلام، والمحور الذي تدور على مصلحته الشريعة الإسلاميّة وجوداً وعدماً، فعلينا أن نفسِّر كلّ نصّ من نصوصها على هذا الأساس، وننفي كلّ حكم مدوّن في كتب الفقه الإسلامي ينحرف عن هذا الخطّ.
يقول أحد المحامين: الشرع الإسلامي أوّل الشرائع المدنيّة التي دوّنت الأخلاق، وأعطت مفاهيمها قوّة القانون، وجعلت الصدق والأمانة، والوفاء والشرف والمروءة، قوى موجّهة للحقّ، بحيث إذا تجرّد منها انهدم ولم يُعد ملزماً بشيء.
إنّ أفق الشريعة الإسلاميّة أوسع آفاق الشرائع؛ لأنّها تصدر عن العقل والأخلاق، فكلّ ما يقرّره العقل السليم، وتسمح به الأخلاق الفاضلة فهو من الشرع.
وإذا كان دين الإسلام هو دين الإنسانيّة جمعاء حقّاً وواقعاً، فيجب أن يُشبع حاجات الإنسان بالكامل، ولن يكون كذلك إلاّ أن تحرص شريعته على كلّ ما من شأنه أن يخدم الإنسان ويسير به إلى حياة أفضل، علماً كان أو فنّاً،
أو فلسفة أو أخلاقاً(١) ؛ وعليه فإنّك تجد أنّ الشريعة الإسلاميّة هي أكمل الشرائع وأسهل القوانين لتنظيم وتقويم الحياة البشريّة من البدايّة وحتى النهايّة، من قبل انعقاد النطفة وحتى تسوية تراب القبر، كلّ ذلك بمناقبيّات رائعة، وأدبيّات ذائعة، يعرفها الجميع من أفراد الأُمّة بالإجمال، وتغيب عن أكثرهم بالتفصيل، ولكن لا أحد يقول أنّها ليست موجودة.
فالقيم الإسلاميّة، والقواعد الأخلاقيّة تنطلق من عالم حكيم حيّ قيوم قدير، ذاك هو الله العليّ العظيم سبحانه وتعالى، وليست من أيّ شيء أو فكر آخر؛ لأنّ أيّ آخر هو ناقص وقاصر لأنّه مخلوق، أمّا شرعنا المقدّس فإنّه من الكامل المطلق، من الخالق العظيم.
ومشرِّع قوانين الإسلام هو الله سبحانه الذي يعلم حقيقة الإنسان وما يصلحه في الدنيا والآخرة، وهو أعلم به من نفسه مهما كان ذكيّاً، أو ادّعى العبقريّة في مجال من المجالات العامّة.
وربما تكون قيمة العلم والمعرفة أرقى القيم الإنسانيّة في الدين الإسلامي الحنيف؛ ولذا يقول بعض الفلاسفة عن تعريف الإنسان: بأنّه حيوان متعلّم، أو مثقّف، نجد أنّ أوّل سورة نزلت من كتابنا المقدّس هي سورة العلق، وأوّل آياتها بعد البسملة:( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ
_____________________
١ - قيم أخلاقيّة في فقه الإمام الصادقعليهالسلام / ١٠٤.
الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) (١) .
فالقراءة والعلم والكتابة والقلم، تلك هي أوائل المفردات والمفاهيم التي جاء بها القرآن الكريم لبني البشر، منذ أكثر من أربعة عشر قرناً.
وبما أنّ الإمام الحسينعليهالسلام قد تجسّدت في شخصيته جميع القيم الإنسانيّة والمثل العليا، حيث التقت فيه عناصر النبوّة والإمامة البرزخيّة الفاطميّة، فكان جمّاعاً للفضائل، ومثلاً من الأمثلة العليا في الدنيا والدين، فذّاً من الأفذاذ في التكامل البشري، ومثالاً جميلاً رائعاً من أمثلة الرسالة الإسلاميّة؛ فكان بحقّ أطروحة من أطروحات الإسلام الخالدة، بجميع طاقاته ومقوّماته الذاتيّة والرساليّة، ليهدي الأُمّة وتهتدي به الأجيال في كلّ زمان ومكان.
وبما أنّ العلم هو ذروة القيم الإسلاميّة، فإنّنا نقف على أعتاب الإمام الحسينعليهالسلام ؛ لنطلّ من خلاله وبعض كلماته النورانيّة على بحره الذي لا ينزفه المنح، ويلا ينقصه الكيل مهما كان عظيماً، لأنّه بحر عظيم وشاسع، ونبع نوراني فيّاض بالنور والهدايّة، فهو كالشمس في كبد السّماء.
وعلم الإمام ليس كالعلوم الكسبيّة التي نعرفها، بل هو نور من الله يؤيّد به الإمام المفترض الطاعة، فيعلم كلّ الذي يحتاجه عندما يحتاجه؛ إمّا بالإلهام، أو
_____________________
١ - سورة العلق / ١ - ٥.
النقر في الأسماع، أو الرؤيا الصادقة، أو الوحي المباشر أو غير المباشر.
وتروي كتب السيرة أنّ رجلاً لقي الإمام الحسينعليهالسلام في الثعلبيّة في طريقه إلى كربلاء، فدخل عليه وسلّم، وسأله عن قوله تعالى:( يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ) (١) .
فقالعليهالسلام :((إمامٌ دعا إلى هُدى فأجابوا إليه، وإمامٌ دعا إلى ضلالةٍ فأجابوا إليها، هؤلاء في الجنّة وهؤلاء في النّار، وهو قوله تعالى: فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ )) (٢) .
فسأله الإمام الحسينعليهالسلام :((مِن أيّ البلدان أنت؟)) .
فقال الرجل: من أهل الكوفة.
قالعليهالسلام :((يا أخا أهل الكوفة، أما والله لو لقيتك بالمدينة لأريتك أثر جبرائيل في دارنا، ونزوله بالوحي على جدّي. يا أخا أهل الكوفة، مستقى العلم من عندنا، أفعلموا وجهلنا؟! هذا ما لا يكون)) (٣) .
لا والله لا يكون، ولن يكون أحد من هذه الأُمّة أعلم من أهل البيتعليهمالسلام الذين نزل القرآن عليهم وفي أبياتهم التي أمر الله أن تُرفع وتقدّس؛ ليذكر فيها أسمه صباحاً ومساءً في كلّ حين بإذن الله العليّ القدير؛ ولهذا قال الإمام لجعيد الهمداني مرَّة حين سأله: جعلتُ فداك! بأيّ شيءٍ تحكمون؟
فقال:((يا جعيد،
_____________________
١ - سورة الإسراء / ٧١.
٢ - سورة الشورى / ٧.
٣ - مقتل الحسين - للمقرم / ١٧٩.
نحكم بحكم آل داوود، فإذا عيينا عن شيءٍ تلقّانا به روح القدس)) (١) .
فهم القرابة، ومودّتهم هي أجر الرسالة الخاتمة، كما في سورة الشورى المباركة:( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (٢) ، والإمام الحسينعليهالسلام يقول في تفسيرها:((وإنّ القرابة التي أمر الله بصلتها، وعظّم من حقّها، وجعل الخير فيها قرابتنا أهل البيت الذين أوجب الله حقّنا على كلّ مسلم)) (٣) .
نعم، أجر الرسالة مودّة أهل البيتعليهمالسلام ، هُم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً كما في آية التطهير، والإمام الحسينعليهالسلام هو خامس خمسة لم يكن لهم شبيه في الكون من البشر، منذ آدم وحتى آخر مخلوق في الدنيا.
وله ميزة خاصّة بسبب شهادته وفدائه الخالص للإسلام الحنيف، فأعطاه الله ميزة الذريّة الطاهرة، فالأئمّة من صلبه خاصّة، ففي حديث يرويه المولى أبو عبد اللهعليهالسلام عن جدّه الرسولصلىاللهعليهوآله وقوله:((دخلتُ أنا وأخي على جدّي رسول الله صلىاللهعليهوآله فأجلسني على فخذه، وأجلس أخي الحسن على فخذه الأُخرى، ثمّ قبّلنا وقال: بأبي أنتما من إمامين صالحين (سبطين) اختاركما الله منّي ومن أبيكما وأُمّكما، واختار من صلبك يا حسين تسعة أئمّة، تاسعهم قائمهم، وكلّكم في
_____________________
١ - بصائر الدرجات ٩ / ٤٥٢ ب ١٥ ح٧.
٢ - سورة الشورى / ٢٣.
٣ - الكلمة / ٤٨، تأويل الآيات الظاهرة / ٢٢٢.
الفضل والمنزلة عند الله تعالى سواء)) (١) .
وكم كان يوصي بهم الله ورسوله الكريمصلىاللهعليهوآله ، ويأمر الأُمّة بتقديسهم وتبجيلهم واحترامهم وتقديرهم بما يستحقّون، وهم أهلٌ لذلك كلّه، وكذلك يأمرنا بإدخال السرور عليهمعليهمالسلام كيفما استطعنا.
وهذا الإمام الحسينعليهالسلام يحدّث عن جدّه الرسولصلىاللهعليهوآله بذلك، قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله :((مَنْ أراد التوسّل إليّ، وأن يكون له عندي يدٌ أشفع له بها يوم القيامة فليصل أهل بيتي، ويدخل السرور عليهم)) (٢) .
فهل فعلت الأُمّة ما أمرها به رسولها الكريم محمدصلىاللهعليهوآله بأهل بيته الأطهار؟!
أم أنّهم فعلوا عكس كلّ الوصايا بهم، فقتلوهم وشرّدوهم تحت كلّ شجر ومدر، وكأنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله أوصاهم بقتلهم وتشريدهم؟!
فأئمّتنا الكرامعليهمالسلام خاصّة، وأهلهم عامّة قُتلوا ولوحقوا وما زالوا إلى اليوم، وصدق الإمام المعصوم الذي قال:((ما منّا إلاّ مسمومٌ أو مقتول)) (٣) .
وبطلة كربلاء عقيلة الهاشميين سيّدتنا زينب الكبرىعليهاالسلام تقول(٤) :((الموتُ لنا عادة، وكرامتنا من الله الشهادة)) (٥) .
_____________________
١ - كمال الدين ١ / ٢٩٦، ب٢٤ ح١٢.
٢ - أمالي الشيخ الطوسي ١ / ٢٥٩.
٣ - بحار الأنوار ٢٧ / ٢١٦، الصراط المستقيم ٢ / ١٢٨.
٤ - تجدر الإشارة إلى أنّ هذا القول هو للإمام زين العابدينعليهالسلام لا لزينبعليهاالسلام ؛ وذلك عندما أمر ابن زياد بقتله، فأجابه الإمامعليهالسلام بذلك. راجع المصدر نفسه الذي ذكره المؤلّف.(موقع معهد الإمامين الحسَنَين)
٥ - بحار الأنوار ٤٥ / ١١٨.
وفي كلّ بقعة من العالم ترى لهم أثراً بسبب التهجير والتشريد والقمع والاضطهاد والظلم، وما جرى عليهم من مصائب ومحن من هذه الأُمّة.
وحديث الولاء عند الإمام الحسينعليهالسلام طويل وجميل؛ فإنّه يروي الكثير من الأحاديث والأحداث التي تبحث في هذا الموضوع النوراني، كحديث الكساء وأصحاب الكساء ونزول آية التطهير، وحديث الثقلين الذي سيأتي تفصيله في القسم الثاني من هذا الكتاب وتفسيره عند أمير المؤمنينعليهالسلام الذي يقول فيه:
سُئل أمير المؤمنينعليهالسلام عن معنى قول رسول اللهصلىاللهعليهوآله :((إنّي مخلّف فيكم الثقلين؛ كتاب الله وعترتي)) . مَن العترة؟
فقالعليهالسلام :((أنا والحسن والحسين والأئمّة التسعة من ولْد الحسين، تاسعهم مهديهم وقائمهم، لا يُفارقون كتاب الله ولا يُفارقهم حتّى يردوا على رسول الله صلىاللهعليهوآله حوضه)) (١) .
وهذا الحديث - حديث الثقلين - من الأحاديث المتواترة لدى الأُمّة الإسلاميّة جمعاء، وكم من كتب كُتبت عن شرح وتوضيح وإثبات وتنقيح هذا الحديث الشريف، وهو من الأحاديث الواضحة والصريحة، إلاّ أنّ الأيادي الآثمة التي تترصّد لفضائل أهل البيتعليهمالسلام ، وتريد أن تبترها أو تنكرها حاولت جاهدة أن تحرف الحديث عن مساره أو معناه.
_____________________
١ - معاني الأخبار / ٩٠ ح٤.
إنّ حديث أهل البيتعليهمالسلام هو حديث الحقّ الخالص، وإنّ حديثهم سنَّة رحمانيّة؛ لأنّهم القرآن الناطق، وكتاب الله هو القرآن الصامت، فهم يفسّرون الكتاب والكتاب يؤيّدهم وينطق بفضلهم ووجوب اتّباعهم، ولكنّ الحقّ مُرٌّ، وهو صعب ومستصعب.
ذات يوم أتى الإمام الحسينعليهالسلام أناس، فقالوا له: يا أبا عبد الله، حدّثنا بفضلكم الذي جعل الله لكم.
فقالعليهالسلام :((إنّكم لا تحتملونه ولا تُطيقونه)) .
قالوا: بلى نحتمل.
قالعليهالسلام :((إن كنتم صادقين، فليتنحّ اثنان وأحدّث واحداً، فإن احتمله حدّثتكم)) .
فتنحّى اثنان وحدَّث واحداً، فقام طائر العقل، ومرَّ على وجهه وذهب، فكلّمه صاحباه فلم يردَّ عليهما شيئاً، فقاموا وانصرفوا(١) .
سبحان الله! الإنسان يبقى مغروراً بنفسه وهو من أضعف المخلوقات، ولقد وصفه تعالى بذلك فقال:( وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا ) (٢) ، فالإمام الحسينعليهالسلام يقول لهم لا تطيقون، ولا يريد أن يحمّلهم أكبر من طاقاتهم، عطفاً عليهم ورحمة لهم، وهم يصرّون على أنّهم يطيقون ويحتملون، وما واحدهم إلاّ كأس صغير ويطمح لكي يتّسع لمياه البحر العظيم، وإذا قال لهم البحر لن
_____________________
١ - الكلمة / ٥١، عن الخرائج والجرائح ٢ / ٧٩٥ ب١٦ ح٤.
٢ - سورة النساء / ٢٨.
تتّسعوا اتهموه ووصفوه بالبخل أو القصور والتقصير وغير ذلك - والعياذ بالله -، وليس عليهم إلاّ أن يلتفتوا إلى قدرهم وصغر حجمهم.
من الواجب علينا أن نتعبأ من المودّة والحبّ لأهل البيتعليهمالسلام ليس أكثر، فأحبَّ اُولئك الأنوار لله تعالى ولوجه الله الحقّ، ولذواتهم المقدّسة؛ لأنّك مفطور على هذا الحبّ، ومأمور بتلك المودّة.
يروى أنّه وفد إلى الإمام الحسينعليهالسلام وفد فقالوا: يابن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، إنّ أصحابنا وفدوا إلى معاوية ووفدنا نحن إليك.
فقالعليهالسلام :((إذن أُجيزكم بأكثر ممّا يُجيزهم)) .
فقالوا: جُعلنا فداك! إنّما جئنا مرتادين لديننا.
قال: فطأطأ رأسه الشريف ونكت في الأرض وأطرق طويلاً، ثم رفع رأسه فقال:((قصيرةٌ من طويلة، مَنْ أحبّنا لم يُحبّنا لقرابةٍ بيننا وبينه، ولا لمعروفٍ أسديناه إليه، إنّما أحبّنا لله ورسوله، فمَنْ أحبّنا جاء معنا يوم القيامة كهاتين - وقرن بين سبابتيه -)) (١) .
تأمّل، إنّها لا تحتاج إلى طويل الشرح وكثير التفريع والتفصيل رغم أنّها تستوعب ذلك؛ فإنّ الحبّ والوِدّ يجب أن يكون خالصاً مخلصاً لوجه الله وليس لأيّ قرابة نسبيّة أو خدمة دنيويّة، والفاعل لها فإنّه سيُحشر معهم في يوم
_____________________
١ - أعلام الدين / ٤٦٠.
القيامة، ورسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول:((المرءُ يُحشر مع مَنْ أحب)) (١) .
وفي حديث آخر عن المعصوم:((أليس الدين كُله الحبَّ في اللهِ، والبغض في الله؟)) (٢) .
وذلك لأنّ الحبّ في الله ولله يأتي نقيّاً دون شوائب، أمّا حبّ الدنيا فإنّه كالدنيا فيه من القاذورات والأوساخ المعنوية الشيء الكثير، وفي رواية للإمام الحسينعليهالسلام :((مَنْ أحبّنا لله وردنا نحن وهو على نبينا صلىاللهعليهوآله هكذا - وضمّ إصبعيه -،ومَنْ أحبّنا للدنيا فإنّ الدنيا لتسع البرّ والفاجر، فإنّه إذا قام قائم العدل وسع عدله البرّ والفاجر)) (٣) .
عليك يا عزيزي ليس بالحبّ فقط، بل بالطاعة والاقتداء بأئمّتك من أهل البيتعليهمالسلام ، والإمام الحسينعليهالسلام عليك أن تعرفه وتعشقه وتطيعه في كلّ ما أمركَ به الشرع المقدّس، وإلاّ كنت مدّعياً للحبّ والولاء ولست صادقاً في قولك إذا لم يقترن بالأفعال.
وللإمام الحسينعليهالسلام الكثير من الخطب التي تُعلن عن هذا المنهج النوراني الصريح، أعلنها الإمامعليهالسلام على رؤوس الأشهاد، وأمام الجيش الأموي كلّه، وقبل ذلك أمام الملك الأوّل للدولة الأمويّة معاوية بن أبي سفيان، وكم هي قصص الإمام مع ذلك الرجل الحاكم لأكبر دولة في العالم لذلك العصر.
_____________________
١ - بحار الأنوار ٦٦ / ٨٠.
٢ - مستدرك الوسائل ١٥ / ١٢٨.
٣ - أمالي الشيخ الطوسي ١ / ٢٥٩.
عن موسى بن عقبة أنّه قال: لقد قيل لمعاوية أنّ الناس قد رموا أبصارهم إلى الحسينعليهالسلام ، فلو قد أمرته أن يصعد المنبر فيخطب؛ فإنّ فيه حصراً وفي لسانه كلالة.
فقال لهم معاوية: قد ظنّنا ذلك بالحسن، فلم يزل حتّى عظم في أعين الناس وفضحنا.
فلم يزالوا به حتّى قال للحسينعليهالسلام : يا أبا عبد الله، لو صعدت المنبر فخطبت.
فصعد الحسينعليهالسلام على المنبر فَحَمَدَ اللهَ وأثنى عليه، وصلّى على النبيِّصلىاللهعليهوآله ، فسمع رجلاً يقول: مَنْ هذا الذي يخطب؟
فقال الحسينعليهالسلام :((نحنُ حزبُ الله الغالبون، وعترة رسول الله صلىاللهعليهوآله الأقربون، وأهل بيته الطيّبون، وأحد الثقلين الذين جعلنا رسول الله صلىاللهعليهوآله ثاني كتاب الله تبارك وتعالى الذي فيه تفصيل كلُّ شيء، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والمعوّل علينا في تفسيره، ولا يُبطئنا تأويله، بل نتّبع حقائقه، فأطيعونا؛ فإنّ طاعتنا مفروضةٌ، إذ كانت بطاعة الله ورسوله مقرونة، قال الله عزّ وجلّ: ( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ ) (١) ،وقال: ( وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ
_____________________
١ - سورة النساء / ٥٩.
وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاّ قَلِيلاً ) (١) .
وأحذركم الإصغاء إلى هتوف الشيطان بكم؛ فإنّه لكم عدوّ مبين، فتكونوا كأوليائه الذين قال لهم: ( لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ منكم ) (٢) فتلقون للسيوف ضرباً، وللرماح ورداً، وللعمد حطماً، وللسهام غرضاً، ثمّ لا يُقبل من نفسٍ إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً)) .
قال معاوية: حسبك يا أبا عبد الله فقد أبلغت(٣) .
هل سمعت مثل هذا البيان الواضح إلاّ من جدّه وأبويه (صلوات الله عليهم جميعاً)، إنّهم من أهل البيت الذين زقّوا العلم زقّاً، وآتاهم الله الحكم صغاراً وكباراً.
فطاعة أهل البيتعليهمالسلام هي طاعة للرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، وبالتالي هي طاعة لله بالطول وليس بالعرض، وآية الولاية والتصدق بالخاتم تؤكّد ذلك مع كثير من الآيات القرآنية الشريفة.
وعلينا أن نبحث عن الحقيقة ونتمسّك بها ونحافظ عليها، لا أن نكون كمعاوية الذي لم يحفظ رسوله الكريم المصطفىصلىاللهعليهوآله في أهل بيته، بل طغى
_____________________
١ - سورة النساء / ٨٣.
٢ - سورة الأنفال / ٤٨.
٣ - الاحتجاج ٢ / ٢٢ - ٢٣، مناقب ابن شهر آشوب ٤ / ٦٧.
وبغى حتّى قاتل الإمام علياًعليهالسلام ، رأس العترة وسيّدهم في صفين، ثمّ دسَّ السمّ إلى الإمام الحسن السبطعليهالسلام ، وأراد الوقيعة بالإمام الحسينعليهالسلام فلم يستطع.
وإليك أخي الكريم بعض أحوال الإمام الحسينعليهالسلام مع ذاك الطاغيّة الباغيّة، وأهل بيته الشجرة الملعونة في القرآن كما في سورة الإسراء المباركة، والشجرة الخبيثة كما في سورة إبراهيم المباركة، وأقربائهم صبية النار، والأوزاغ الملعونين إلى يوم القيامة على لسان الحبيب المصطفىصلىاللهعليهوآله وأهل بيته الأطهارعليهمالسلام .
يروى أنّ مروان بن الحكم قال يوماً للحسين بن عليعليهماالسلام بمحضر من رجالات قريش: لولا فخركم بفاطمة بِمَ كنتم تفتخرون علينا؟
فوثب الحسينعليهالسلام - وكان شديد القبضة - فقبض على حلقه فعصره، ولوى عمامته على عنقه حتّى غشي عليه ثمّ تركه، وأقبل الإمامعليهالسلام على القوم فقال:((أنشدكم بالله إلاّ صدّقتموني إن صدقت. أتعلمون أنّ في الأرض حبيبين كانا أحبّ إلى رسول الله صلىاللهعليهوآله منّي ومن أخي؟ أو على ظهر الأرض ابن بنت نبيّ غيري وغير أخي؟)) .
قالوا: اللهمّ لا.
قالعليهالسلام :((وإنّي لا أعلم في الأرض ملعوناً ابن ملعون غير هذا (مروان) وأبيه، طريدي رسول الله صلىاللهعليهوآله . والله ما بين جابرس وجايلق، أحدهما بباب
المشرق والآخر بباب المغرب، رجلان ممّن ينتحل الإسلام أعدى لله ولرسوله ولأهل بيته منك ومن أبيك؛ إذ كان علامةُ قولي فيك أنّك إذا غضبت سقط رداؤك عن منكبك)) .
قال: فو الله ما قام مروان من مجلسه حتّى غضب، فانتفض وسقط رداؤه عن عاتقه(١) .
هذا هو (الوزغ ابن الوزغ) كما في الرواية عن الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله ، وهذا الملعون سيصبح أمير المؤمنين بعد حين، ويخطب باسمه في جميع بلاد المسلمين، ويتعاقب على الحكم الأموي سبعة أكباش من صلبه الملعون.
وفي معركة الجمل للإمام الحسينعليهالسلام مع هذا الوزغ حوادث وأحداث جسام عظام، تخبرك عن عظيم أخلاق الإمامعليهالسلام ، وفادح حقارة ودناءة ذاك الوزغ، منها تلك التي حدثت في يوم معركة الجمل حيث كان مروان وجماعته مع المرأة وأتباع الجمل الأدْبَب، عسكر ذاك الشيطان.
فعندما عُقر الجمل وفرَّ أصحابه، وقُتل طلحة(٢) والزبير، وأُسرت عائشة، كان من الفارّين عبد الله بن الزبير ومروان بن الحكم ومَنْ لفَّ لفهم، فأرسل مروان يستغيث بالإمامين الحسنينعليهماالسلام ؛ ليشفعا له عند أبيهما أمير المؤمنين عليعليهالسلام ، حيث كانوا يخافون على أنفسهم حدَّ السيف.
فخفّا إلى أبيهما وكلّماه في شأنه، وقالا له:((يُبايعك يا أمير المؤمنين)) .
_____________________
١ - المناقب ٤ / ٥١، الاحتجاج ٢ / ٦٩، موسوعة البحار ٤٤ / ٢٠٦.
٢ - علماً أنّ مروان بن الحكم هو الذي قتل طلحة في يوم الجمل، وذلك حين رآه يريد الفرار، فرماه بسهم فقتله.
فقالعليهالسلام :((أوَ لم يُبايعني بعد قتل عثمان، لا حاجة لي في بيعته؛ إنّها كفٌ يهودية، لو بايعني بكفّه لغدر بسبابته (أو بسبته)، أما أنّ له إمرةً كلعقة الكلب أنفه، وهو أبو الأكبُش الأربعة، وستلقى الأُمّة منه ومن ولده يوماً أحمر!)) (١) .
وما زالا يتلطّفان به حتّى عفا عنه، إلاّ أنّ هذا الوغد قد تنكّر لهذا المعروف، وقابل السبطين بكلّ ما يملك من وسائل الشرّ، فهو الذي منع جنازة الإمام الحسنعليهالسلام أن تُدفن بجوار جدّه وأمطرها بسهامه، وهو الذي أشار على الوليد بقتل الإمام الحسينعليهالسلام إن امتنع من البيعة ليزيد(٢) .
لقد كان ذلك في المدينة المنوّرة عندما هلك معاوية واستولى على كرسي الخلافة يزيد الفاسق الفاجر، فقد أرسل إلى الوليد والي المدينة يخبره الخبر، ويأمره بأخذ البيعة من الناس مع ورقة صغيرة كتب فيها: خذ الحسين وعبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن الزبير بالبيعة أخذاً شديداً عنيفاً ليست فيه رخصة، ومَنْ أبى عليك منهم فاضرب عنقه وابعث إليّ برأسه(٣) .
وبعث الوليد إلى الإمام الحسينعليهالسلام فوضع خطّة مع فتيان بني هاشم الأجاويد بحيث لا يمكّن الوليد من نفسه، وعندما استقرَّ المجلس بأبي عبد اللهعليهالسلام نعى الوليد إليه معاوية، ثمّ عرض عليه البيعة ليزيد، فقالعليهالسلام :((مثلي
_____________________
١ - بحار الأنوار ٣٢ / ٢٣٤، نهج البلاغة / ١٠٢، ضبط د. صبحي صالح - ط دار الكتاب - بيروت.
٢ - حياة الإمام الحسين بن علي ١ / ١٢٦.
٣ - مقتل الحسين - للخوارزمي ١ / ١٧٨.
لا يُبايع سرّاً، فإذا دعوت الناس إلى البيعة دعوتنا معهم، فكان أمراً واحداً)) (١) .
فاقتنع الوليد منه، ولكن مروان ابتدر قائلاً: إن فارقك الساعة ولم يبايع لم تقدر منه على مثلها حتّى تكثر القتلى بينكم، ولكن احبس الرجل حتّى يبايع أو تضرب عنقه.
فقال الحسينعليهالسلام :((يابن الزّرقاء، أنت تقتلني أم هو؟ كذبت وأثمت!)) .
ثمّ أقبلعليهالسلام على الوليد، وقال:((أيّها الأمير، إنّا أهل بيت النبوّة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، بنا فتح الله وبنا يختم، ويزيد رجلٌ شارب الخمور، وقاتل النفس المحرمة، معلنٌ بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون، وننظر وتنظرون أيّنا أحقُّ بالخلافة)) .
وارتفعت الأصوات فيما بينهم، وخرج الإمام الحسينعليهالسلام من بينهم قهراً، فقال مروان للوليد: عصيتني، فو الله لا يمكنك من مثلها أبداً.
قال الوليد: وبّخ غيرك يا مروان! اخترت لي ما فيه ذهاب ديني، أأقتلُ حسيناً إنْ قال لا أبايع، والله لا أظنّ امرأً يُحاسب بدم الحسين إلاّ خفيف الميزان يوم القيامة، ولا ينظر الله إليه ولا يزكّيه وله عذاب أليم!(٢) .
انظر واعجب من جرأة هذا الوزغ على الله وعلى أوليائه الكرام الميامين، وهو من أشرّ خلق الله، يأمر بضرب عنق وقتل ابن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، الإمام في ذاك الزمان، المفترض الطاعة والولاية على الأُمّة جمعاء، إلاّ أنّ عذره كان بيِّناً
_____________________
١ - تاريخ الطبري ٦ / ١٨٩.
٢ - مقتل الحسين - للمقرّم / ١٣١، الخوارزمي / ١٨٣، واللهوف / ١٣.
في أوّل كلام الإمام الحسينعليهالسلام ، حيث عرَّفه جيداً بأنّه ابن الزرقاء، تلك البغي التي كانت من أصحاب الرايات المومسات.
وإليك نموذج آخر، إنّه من عمرو بن العاص بن ليلى، أرخص بغايا العرب في عصرها، ولقد كانت له قصص كثيرة ومثيرة مع أبناء الطهر المصطفىصلىاللهعليهوآله ووصيه أمير المؤمنين عليعليهالسلام ، أكتفي بهذه الحادثة اللطيفة، حيث تروي كتب التاريخ والأدب أنّ عمرو بن العاص قال للإمام الحسينعليهالسلام : يابن علي، ما بال أولادنا أكثر من أولادكم؟
فقالعليهالسلام :
بغاثُ الطيرِ أكثرها فراخاً |
وأُمُّ الصقرِ مقلاة نزور(١) |
فقال: ما بال الشيب إلى شواربنا أسرع منه في شواربكم؟
فقالعليهالسلام :((إنّ نساءكم نساءٌ بخرةٌ (كريهة رائحة الفم)، فإذا دنا أحدكم من امرأته نكهت في وجهه فيُشاب منه شاربه)) .
فقال: ما بال لحاكم أوفر من لحانا؟
_____________________
١ - الشعر لعباس بن مرداس السلمي. بغاث الطير: شرارها وما لا يصاد منها. المقلاة من النوق التي تضع واحداً ثمّ لا تحمل بعده، والمقلاة من النساء التي لا يعيش لها ولد. النزور: المرأة القليلة الولد.
فقالعليهالسلام :(( وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاّ نَكِداً )) (١) .
فقال معاوية لعمرو: بحقّي عليك إلاّ سكتّ؛ فإنّه ابن عليّ بن أبي طالب.
فقالعليهالسلام :
إن عادتْ العقربُ عُدنا لها |
وكانت النعلُ لها حاضره |
|
قد علمت عقربُ واستيقنت |
أن لا لها دنيا ولا آخره(٢) |
كان دأب اُولئك الأشرار أن ينقصوا من أهل البيت الأطهارعليهمالسلام ، إلاّ أنّ الله سبحانه كان يخذلهم دائماً وأبداً على أيدي الأئمّة وأتباعهم المخلصين، وهذا ديدن الحقّ في مقابل الباطل.
وقبل أن أغادر هذا المقام فإنّني أحبّ أن أختمه برسالة كتبها الإمام الحسينعليهالسلام ردّاً على رسالة إليه من معاوية بن أبي سفيان، عندما وشى مروان بن الحكم والي المدينة إلى معاوية عن الإمام الحسينعليهالسلام بأنّه يعدُّ العدّة للخروج والثورة عليه.
روي أنّ مروان بن الحكم كتب إلى معاوية وهو عامله على المدينة: أمّا بعد، فإنّ عمرو بن عثمان ذكر أنّ رجالاً من أهل العراق ووجوه أهل
_____________________
١ - سورة الأعراف / ٥٨.
٢ - المناقب لآل أبي طالب ٤ / ٦٧.
الحجاز يختلفون إلى الحسين بن علي، وذكر أنّه لا يأمن وثوبه، وقد بحثت عن ذلك فبلغني أنّه لا يريد الخلاف يومه هذا، ولست آمن أن يكون هذا أيضاً لما بعده؛ فاكتب إليَّ برأيك في هذا، والسّلام.
فكتب إليه معاوية: أمّا بعد، فقد بلغني كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه من أمر الحسين، فإيّاك أن تعرض للحسين في شيء، واترك حسيناً ما تركك، فإنّا لا نريد أن نعرض له في شيء ما وفى ببيعتنا، ولم ينزُ على سلطاننا، فاكمن عنه ما لم يبد لك صفحته، والسّلام.
وكتب معاوية إلى الحسين بن عليعليهالسلام : أمّا بعد، فقد انتهت إليَّ أمور عنك إن كانت حقّاً فقد أظنّك تركتها رغبة فدعها، ولعمر الله، إنّ مَنْ أعطى الله عهده وميثاقه لجدير بالوفاء، وإن كان الذي بلغني باطلاً فإنّك أنت أعزل الناس لذلك، وعظ نفسك فاذكره، ولعهد الله أوف؛ فإنّك متى ما تنكرني أنكرك، ومتى ما تكدني أكدك، فاتّقِ شقّ عصا هذه الأُمّة، وأن يؤدّهم الله على يديك في فتنة، فقد عرفت الناس وبلوتهم، فانظر لنفسك ولدينك، ولأمّة محمدصلىاللهعليهوآله ، ولا يستخفنَّك السفهاء الذين لا يعلمون.
فلمّا وصل الكتاب إلى الحسين (صلوات الله عليه) كتب إليه:((أمّا بعد، فقد بلغني كتابُك، تذكرُ فيه أنّه قد بلغك عنّي أُمورٌ أنت لي عنها راغبٌ، وأنا لغيرها عندك جديرٌ، فإنّ الحسنات لا يهدي لها، ولا يردُّ إليها إلاّ الله.
وأمّا ما ذكرت أنّه انتهى إليك عنّي، فإنّه إنّما رقاه إليك عنّي الملاّقون المشاؤون بالنميم، وما أُريد لك حرباً ولا عليك خلافاً، وأيمُ الله، إني لخائف لله في ترك ذلك، وما أظنّ الله راضياً بترك ذلك، ولا عاذراً بدون الإعذار فيه إليك، وفي أوليائك القاسطين الملحدين، حزب الظلمة وأولياء الشياطين.
ألستَ القاتل حجر بن عدي أخا كندة والمصلين العابدين الذين كانوا ينكرون الظلم ويستعظمون البدع، ولا يخافون في الله لومة لائم؟ ثمّ قتلتهم ظلماً وعدواناً من بعد ما كنتَ أعطيتهم الأيمان المغلّظة، والمواثيق المؤكّدة لا تأخذهم بحدثٍ كان بينك وبينهم، ولا بإحنةٍ تجدها في نفسك؟
أوَ لستَ قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، العبد الصالح الذي أبلته العبادة فنحل جسمه وصفرّ لونه؟ بعد ما أمّنته وأعطيته من عهود الله ومواثيقه ما لو أعطيته طائراً لنزل إليك من رأس الجبل، ثمّ قتلته جُرأة على ربّك واستخفافاً بذلك العهد؟
أوَ لستَ المدّعي زياد بن سُميّة، المولود على فراش عبد ثقيف؟ فزعمت أنّه ابن أبيك، وقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : الولد للفراش، وللعاهر الحجر. فتركت سُنّة رسول اللهصلىاللهعليهوآله تعمّداً، وتبعت هواك بغير هدى من الله، ثمّ سلّطته على العراقيين يقطع أيدي المسلمين وأرجلهم، ويسمل أعينهم، ويصلبهم على جذوع النخل، كأنّك لست من هذه الأُمّة وليسوا منك؟!
أوَ لستَ صاحب الحضرميين الذين كتب فيهم ابن سُميّة أنّهم كانوا
على دين علي عليهالسلام ؟ فكتبت إليه أن اقتل كلّ مَنْ كان على دين علي، فقتلهم ومثّل بهم بأمرك، ودينُ علي عليهالسلام سرّ الله الذي كان يُضرب عليه أباك ويضربك، وبه جلست مجلسك الذي جلست، ولولا ذلك لكان شرفك وشرف أبيك الرحلتين .
وقلت فيما قلت: انظر لنفسك ولدينك ولأُمّة محمد، واتّقِ شقّ عصا هذه الأُمّة، وأن تردهم إلى فتنة. وإنّي لا أعلم فتنة أعظم على هذه الأُمّة من ولايتك عليها، ولا أعلم نظراً لنفسي ولديني ولأُمّة محمدصلىاللهعليهوآله أفضل من أن أجاهدك، فإن فعلت فإنّه قربةٌ إلى الله، وإن تركته فإنّي أستغفر الله لديني، وأسأله توفيقه لإرشاد أمري.
وقلت فيما قلت: أنّك إن أنكرك تنكرني، وإن أكدك تكدني، فكدني ما بدا لك؛ فإنّي أرجو أن لا يضرّني كيدك فيّ، وأن لا يكون على أحدٍ أضرّ منه على نفسك، لأنّك قد ركبت جهلك، وتحرّصت على نقض عهدك، ولعمري ما وفيت بشرط.
ولقد نقضت عهدك بقتلك هؤلاء النفر الذين قتلتهم بعد الصلح والإيمان، والعهود والمواثيق، فقتلتهم من غير أن يكونوا قاتلوا وقتلوا، ولم تفعل ذلك بهم إلاّ لذكرهم فضلنا، وتعظيمهم حقّنا، فقتلتهم مخافة أمرٍ لعلك لو لم تقتلهم متّ قبل أن يفعلوا، أو ماتوا قبل أن يدركوا.
فأبشر يا معاوية بالقصاص، واستيقن بالحساب، واعلم أنّ لله تعالى كتاباً لا يُغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها، وليس الله بناسٍ لأخذك بالظنّة، وقتلك أولياءه على التهم، ونفيك أولياءه من دورهم إلى دار الغربة، وأخذك للناس بيعة ابنك غلام حدث، يشرب الخمر، ويلعب
بالكلاب، لا أعلمك إلاّ وقد خسرت نفسك، وتبّرت دينك، وغششت رعيتك، وأخربت أمانتك، وسمعت مقالة السفيه الجاهل، وأخفت الورع التقي لأجلهم، والسّلام)) (١) .
أخي القارئ، لم أعلّق على هذه الرسالة؛ لوضوح الحقيقة، وكما يُقال: توضيح الواضحات من أشكل المشكلات، بل تركته لذوقك الرفيع، وأخلاقك العالية؛ لتعرف ما بين السطور.
إنّك لو تأمّلت رسالة معاوية فقط لتصوّرت أنّه رجل قديس؟ ولكنّ جواب الإمامعليهالسلام كشف الحقيقة، وزيف حال الرجل.
_____________________
١ - راجع رجال الكشي ١ / ٢٥٠ - ٢٥٩ ح٩٧ - ٩٩، والغدير ١٠ / ١٦٠، والإمامة والسياسة ١ / ١٨٠.
الفصل الثامن: النبوّة والإمامة توأمان
الإمام الحسينعليهالسلام هو ابن الإمام عليعليهالسلام ، هو ابن الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله ، هو ابن الرسالة الإسلاميّة، وأخلاقه القرآن.
والنبوّة هي بعثة من الله لبني البشر، أمّا الإمامة فهي امتدادٌ رساليٌ وتأويليّ إلهيّ لتلك الرسالة، وإلاّ لخلت الأرض من الحجّة، ولو خلت لساخت بأهلها.
وفي رواية عن الإمام محمد الباقرعليهالسلام ، عن أبيه زين العابدينعليهالسلام ، عن جدّه الإمام الحسينعليهالسلام قال:((خرج رسول الله صلىاللهعليهوآله ذاتَ يومٍ وهو راكبٌ، وخرج عليٌ عليهالسلام وهو يمشي، فقال له: يا أبا الحسن، إمّا أن تركب وإمّا أن تنصرف؛ فإنّ الله عزّ وجلّ أمرني أن تركب إذا ركبتُ وتمشي إذا مشيت، وتجلس إذا جلستُ، إلاّ أن يكون في حدٍّ من حدود الله لا بدّ لك من القيام والقعود فيه، وما أكرمني الله بكرامةٍ إلاّ وقد أكرمك بمثلها، وخصّني الله بالنبوّة والرسالة وجعلك ولييّ في ذلك تقوم في حدوده وصعب أموره، والذي بعثني بالحقِّ نبيّاً ما آمن بي مَنْ أنكرك، ولا أقرّ بي مَنْ جحدك، ولا آمن بالله مَنْ كفر بك، وإنّ فضلك لَمِن فضلي، وإنّ
فضلي لفضل الله، وهو قول ربّي عزّ وجلّ: ( قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) (١) .
ففضل الله نبوّة نبيكم، ورحمته ولاية علي بن أبي طالب عليهالسلام ( فَبِذَلِكَ ) قال: بالنبوّة والولاية ( فَلْيَفْرَحُوا ) يعني الشيعة ( هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) يعني ما يجمع مخالفوهم من الأهل والمال والولد في دار الدنيا، والله يا عليّ ما خُلقتَ إلاّ ليُعبد ربّك، ولتُعرف بكَ معالم الدين، وتُصلح بكَ دار السبيل، ولقد ضلّ مَنْ ضلّ عنك، ولن يهتدي إلى الله مَنْ لم يهتد إليك وإلى ولايتك.
وهو قول ربّي عزّ وجلّ: ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى ) (٢) يعني إلى ولايتك، ولقد أمرني ربّي تبارك وتعالى أن افترض من حقّك ما افترض من حقّي، وإنّ حقّك لمفروضٌ على مَنْ آمن بي، ولولاك لم يُعرف حزب الله وبكَ يُعرف عدوّ الله، ومَنْ لم يلقه بولايتك لم يلقه بشيء.
ولقد أنزل الله عزّ وجلّ إليّ: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) يعني في ولايتك يا علي ( وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ) (٣) ولو لم اُبلّغ ما أُمرت به من ولايتك لحبط عملي، ومَنْ لقيَ الله عزّ وجلّ بغير ولايتك فقد حبط عمله وغداً سُحقاً له (سُحقاً) وما
_____________________
١ - سورة يونس / ٥٨.
٢ - سورة طه / ٨٢.
٣ - سورة المائدة / ٦٧.
أقولُ إلاّ قول ربّي تبارك وتعالى، وإنّ الذي أقولُ لَمِنَ الله أنزله فيك)) (١) .
إنّ هذا الحديث الذي يرويه الإمام الحسينعليهالسلام عن جدّهصلىاللهعليهوآله بحقّ أبيه أمير المؤمنينعليهالسلام ليس حديث فكاهة ورواية عابرة، بل هو حديث ولاء ودين يُدان به بين يدي الله عزّ وجلّ. والذي يُلفت النظر ليس الحديث فقط، بل الأدب العظيم، والخُلق العالي، والاحترام الكبير الذي كان يتعامل به الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله مع وصيه وابن عمّه الإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام ، هذا الإمام العظيم الذي تجرّأ عليه الوهابيّة، لا سيما شيخهم ابن تيميّة وغيره كما سنوضّح فيما بعد بإذن الله.
إنّ ميزة العلم هي الميزة الأساسية للدين الإسلامي، وبالتالي لقادة المسلمين الربّانيين وأئمّة الدين (سلام الله عليهم أجمعين)، وإنّ أشرف العلوم علم القرآن الكريم.
والقرآن عند الإمام الحسينعليهالسلام فيه أربعة أشياء، كما كان يقول (سلام الله عليه):((كتابُ الله عزّ وجلّ على أربعة أشياء: على العبارة، والإشارة، واللطائف، والحقائق. فالعبارة للعوام، والإشارة للخواص، واللطائف للأولياء، والحقائق
_____________________
١ - كلمة الإمام الحسين / ٤٨ - ٤٩.
للأنبياء)) (١) .
وفي حديث آخر يروى عنه وعن أبيه أمير المؤمنينعليهماالسلام :((القرآن ظاهره أنيقٌ، وباطنه عميقٌ)) (٢) .
سلام الله عليك سيدي ومولاي يا أبا عبد الله، ما أعظمك وأجمل كلامك هذا الذي تصف فيه القرآن الحكيم، بكلمات عذبة رقيقة إلاّ أنّها تُعطي بحاراً من العلم القرآني لكافة البشرية!
إنّ الإمامعليهالسلام قد أعطى تقسيماً للبشر جميعاً، فهذا التصنيف ليس للقرآن فقط، بل لِمَنْ يقرؤه أيضاً، والناس على هذه الأوجه الأربعة:
الصنف الأوّل: هم عامّة الناس الذي يحفظون القرآن بالقراءة والتلاوة والتبرّك به في كلّ ذلك، وليس لهم إلاّ الألفاظ والكلمات بمعناها الظاهر، ورسمها المتداول.
أمّا الصنف الثاني: فهم الخواصّ من المؤمنين، وهم كالأشعّة اللامعة ينظرون من بين الحروف، وما وراء الكلمات؛ لتضيء لهم فكرة أو علماً لم يكن لغيرهم، وهؤلاء أندر من الكبريت الأحمر في كلّ زمان ومكان.
أمّا الصنف الثالث: فهم الأولياء من اُولئك المؤمنين الذين جاهدوا في الله حقّ جهاده، فهداهم وسدّدهم إلى لطائف الكتاب العزيز.
أمّا الصنف الرابع: فهم الأنبياء والرسل فقط، فحقائق القرآن لهم وليس
_____________________
١ - جامع الأخبار / ٤١ فصل ٢٢، موسوعة البحار ٩٢ / ٢٠ ح١٨.
٢ - المصدر نفسه.
لغيرهم، وهي حقائق لأنّها لا تقبل التأويل أو التفسير المخالف لما يقوله المعصومعليهالسلام .
ويبقى القرآن الكريم في ظاهره أنيقاً جميلاً كالنور يتلألأ على صفحات الوجود العلوي والسفلي، وأمّا باطنه فإنّه أعمق من أن يتصوّره بشر عادي؛ لأنّه متّصل بنور الأنوار، وقدس الأقداس، بالذّات الإلهية المقدّسة.
وإليك بعض تلك اللطائف الجميلة، والحقائق الرائعة نستلهمها من الإمام الحسينعليهالسلام عن بعض آيات القرآن الكريم، وعليك يا عزيزي أن تلحظ أنّنا نأخذ بحجمنا نحن وقدرنا الصغير، ويبقى الإمامعليهالسلام فوق ما يمكن أن نفهم بكثير؛ فإنّه يروى أنّ رجلاً جاء إليه وسأله عن معنى (كهيعص) فقال له:((لو فسّرتها لك لمشيت على الماء)) (١) .
فالإمامعليهالسلام يفيض علينا بقدرنا، وبحسب عقولنا القاصرة، وإليك ما قاله في تفسير كلمة (الصمد) الشريفة من كلمات سورة الإخلاص المباركة:
عن الإمام الباقرعليهالسلام ، عن أبيهعليهالسلام قال:((إنّ أهل البصرة كتبوا إلى الحسين بن علي عليهماالسلام يسألونه عن (الصمد)، فكتب إليهم:
_____________________
١ - ينابيع المودّة / ٤٨٤، إحقاق الحقّ ١١ / ٤٣٢.
بسم الله الرحمن الرحيم
أمّا بعد، فلا تخوضوا في القرآن، ولا تُجادلوا فيه، ولا تتكلّموا فيه بغير علم؛ فقد سمعت جدّي رسول الله صلىاللهعليهوآله يقول: مَنْ قال في القرآن بغير علم فليتبوّأ مقعده من النار، وإنّ الله سبحانه قد فسّر الصمد فقال: ( اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ ) ثمّ فسّره فقال: ( لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ) .
( لَمْ يَلِدْ ) :لم يخرج منه شيء كالولد وساير الأشياء الكثيفة التي تخرج من المخلوقين، ولا شيءٌ لطيف كالنفس، ولا يتشعّب منه البدوات كالسِّنة والنوم، والخطرة والهمّ، والحزن والبهجة، والضحك والبكاء، والخوف والرجاء، والرغبة والسأمة، والجوع والشبع، تعالى أن يخرج منه شيء، وأن يتولّد منه شيء كثيفٌ أو لطيفٌ.
( وَلَمْ يُولَدْ ) :لم يتولّد من شيءٍ، ولم يخرج من شيء كما تخرج الأشياء الكثيفة من عناصرها، كالشيء من الشيء، والدابة من الدابة، والنبات من الأرض، والماء من الينابيع، والأثمار من الأشجار، ولا كما تخرج الأشياء اللطيفة من مراكزها كالبصر من العين، والسمع من الأذن، والشمّ من الأنف، والذوق من الفمّ، والكلام من اللسان، والمعرفة والتمييز من القلب، وكالنّار من الحجر. لا بل هو ( اللهُ الصَّمَدُ ) الذي لا من شيء ولا في شيء ولا على شيء، مبدع الأشياء وخالقها، ومنشئ الأشياء بقدرته، يتلاشى ما خلق للفناء
بمشيته، ويبقى ما خلق للبقاء بعلمه، فذلكم الذي ( لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ) ، عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ )) (١) .
وفي رواية أُخرى عنهعليهالسلام أنّه قال:((الصمد: الذي لا جوف له، والصمد: الذي قد انتهى سؤدده، والصمد: الذي لا يأكل ولا يشرب، والصمد: الذي لا ينام، والصمد: الدائم الذي لم يزل ولا يزال)) (٢) .
هذا عن (الصمد)، ذاك الاسم الكريم العظيم لله سبحانه وتعالى في لطائف الإمام الحسينعليهالسلام .
وأمّا عن (القدرِ) وما جاء في هذا الباب من اللطائف القرآنية في سورة القدر المباركة، يحدّثنا الإمام الباقرعليهالسلام عن أبيه زين العابدينعليهالسلام قوله:
((قرأ عليُّ بن أبي طالب عليهالسلام ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) وعنده الحسن والحسين عليهماالسلام ، فقال له الحسين عليهالسلام : يا أبتاه، كأنّ بها من فيك حلاوةً؟!
فقال له: يابن رسول الله وابني، إنّي أعلمُ فيها ما لم تعلم، إنّها لمّا نزلت بعث إليّ جدّك رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فقرأها عليّ ثمّ ضرب على كتفي الأيمن وقال: يا أخي ووصيي، ووالي أُمّتي بعدي، وحرب أعدائي إلى يوم يبعثون، هذه السورة لك من بعدي، ولولدك من بعدك، إنّ جبرائيل أخي من الملائكة حدَّث إليّ أحداث أُمّتي في سنتها، وإنّه ليحدث ذلك إليك كأحداث النبوّة.
_____________________
١ - توحيد الصدوق / ٩٠، البرهان ٤ / ٥٢٥، موسوعة البحار ٣ / ٢٢٣.
٢ - التوحيد / ٩٠، البرهان ٤ / ٥٢٥، موسوعة البحار ٣ / ٢٢٣.
ولها نورٌ ساطعٌ في قلبكَ وقلوب أوصيائك إلى مطلع فجر القائم عليهالسلام )) (١) .
اقرأ واستمع واعجب مسبّحاً الخالق تعالى على هذا الأدب الجمّ، وعلى هذه الأخلاق الفاضلة بين الوالد العظيم والولد الكريم، ثمّ بين الاثنين وذكر رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
الإمام الحسينعليهالسلام يقول لوالده عند تلاوته للقرآن (السورة) كأنّ بها من فيك حلاوة، أدب عظيم، وأخلاق عالية، وتوقير واحترام، فالنظر إلى وجه أمير المؤمنينعليهالسلام عبادة، والنظر إلى وجه الوالدين عبادة، والنظر إلى وجه العالم عبادة، وكلّ هذه الصّفات النورانيّة اجتمعت بالإمام عليعليهالسلام .
والإمام عليّ وليّ الله الأعظمعليهالسلام يبادل ولده باحترام أكبر، وتبجيل أعظم، حيث يناديه يابن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ثمّ يردفه (وابني)؛ إعظاماً للوالدة الشهيدة سيّدة نساء العالمين الزهراءعليهاالسلام ، ويعلّمه بلطف ولين من أسرار السورة وأسباب نزولها.
إنّه لدرسٌ تربويٌ تعليميٌّ أخلاقيٌّ رفيعٌ جدّاً ليتنا نحفظه، ونعلّمه للآباء قبل الأبناء، والأساتذة قبل التلاميذ؛ ليكون لنا نبراساً ومتراساً على طول المدى.
هذه حقائق قرآنيّة، ولطائف عرفانيّة اقتطفناها من رياض الإمام الحسينعليهالسلام القرآنيّة النورانيّة، الوارفة الظلال، البهيّة الجمال التي تميس خضرتها بغنج ودلال، تسبح الخالق المتعال.
وقد رأيت لزاماً عليَّ أن أنقل لكم هذين الحديثين عن توحيد الله ومعنى صفاته؛ ليعرف المسلمون كافة كيف علّمنا
_____________________
١ - موسوعة البحار ٧٠ / ٦٠، موسوعة كلمات الإمامعليهالسلام / ٥٦٧.
الإمام الحسينعليهالسلام حقائق العلم وخصائص التوحيد، ودقائق الفهم للأسماء الشريفة، والصّفات الملازمة للذّات المقدّسة، لا أن نفهمها بذاك الفهم الساذج الذي يخلو حتّى من التفكير السليم، والفعل الصحيح، إذ يجسّمون الخالق ويشبّهونه بخلقه تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.
هنا محطّات أخلاقيّة أستعرضها بعد حديث مقتضب عن القيادة العسكرية وشروطها، وعوامل نجاحها - كما نفهمها في الوقت الحاضر - في أرض المعركة، وأثناء التحضير لها.
إنّ مسألة القائد وقيادة الأعمال القتالية أثناء مجريات المعركة لها الأثر الكبير جدّاً في أيّة معركة حدثت، أو يمكن أن تحدث على هذه الأرض أو خارجها، وللقائد العسكري صفات يجب أن يتحلّى بها؛ ليكون ناجحاً في عمليّة الإرادة والتوجيه، وقيادة العسكريين، أو العناصر المشتركة في المعركة.
هذا وقد حدّد الإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام هذه الصّفات بعهده لمالك الأشتر النخعي (رضوان الله عليه) حين بعثه والياً على مصر بخمسة عشر نقطة، أو صفة، هي أن يكون القائد:
١ - مؤمناً، وناصحاً لله دائماً.
٢ - عفيفاً، طاهر الجيب، نقي السريرة.
٣ - حكيماً، يبطن على الغضب، ويستريح إلى العذر، ولا يعجل بالأمور.
٤ - شفوقاً على عسكره وجنده، وخاصة الضعفاء منهم.
٥ - ينبو عن الأقوياء، ويشتدّ عليهم؛ لمنعهم من الطغيان على الضعفاء.
٦ - من ذوي الحسب والنسب، والبيوتات المشهورة بالإصلاح.
٧ - شجاعاً، ورابط الجأش، وثابت الجنان (القلب).
٨ - كريماً، وهي من أكبر صفات النبل البشري في كلّ زمان ومكان.
٩ - ذكياً، سريع البديهة، ولا يستأثر بالقرار دون مشورة الأصحاب.
١٠ - لا يهتمّ بالإطراء والمديح، فاحثوا التراب في وجوه المداحين كما في الرواية.
١١ - أقرب الناس إلى العدوّ، وأكثرهم مراجعة وكرّاً عليه أثناء القتال.
١٢ - عادلاً بين جنده في توزيع المهام والواجبات على الجنود.
١٣ - يشاور أصحابه، ويتراجع عندما يشعر بالخطأ في القرار الذي اتّخذه.
١٤ - قويّاً وحازماً، إلاّ أنّه لا يغضب من جنده، ويملك غضبه إذا ما غضب يوماً.
١٥ - لا يتردّد باتّخاذ القرار المناسب، والعمل على تنفيذه مباشرة، ولا يتلكأ بسبب الضعف أو الخوف، فلا ضعف ولا جبن فيه.
هذا استعراض لبعض النقاط التي حدّدها الإمام عليعليهالسلام ، وهو أعظم قائد عسكري ربّاني عرفته البشرية بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وهي صفات القائد الناجح حقيقة، وفي كلّ الموازين والمعارك، وتجمع بين الدنيا والآخرة، أي أنّ القيادة تكون ربّانيّة رساليّة إسلاميّة وإنسانيّة عسكريّة واقعيّة، إذ لا إفراط ولا تفريط لديه، فتنقلب الفضائل إلى عكسها تماماً، وهذا ما لا يريده الإسلام أصلاً.
أمّا في عصرنا الحاضر بتعقيدات القوّات، وتنوّع الأسلحة، واختلاف الأماكن والأوضاع والأنواع القتالية، ونحن في عصر الصواريخ النوويّة العابرة للقارات، وأسلحة الإبادة الجماعيّة الشاملة والرحيمة، في عصر النور الإلكتروني وما فيه من حرب النجوم والفضاء الخارجي، فإنّ الإنسان المعاصر لم يكتفِ بإفساد البرّ والبحر، بل راح يسعى إلى إفساد الجو والفضاء الخارجي، فما هي صفات القائد العسكري في قواميسنا العسكريّة اليوم؟
إنّنا إن تتبّعنا مناهج الأكاديميّات العسكريّة من الغرب المتطوّر إلى الشرق النامي وما بينهما من متخلفين، نرى أنّ صفات القائد عندهم مختصرة بخمسة أو ستة نقاط لا أكثر، هي:
١ - العقيدة: أن يلتزم العقيدة السياسيّة للبلد الذي يعيش فيه.
٢ - الذكاء والمبادرة، والاعتماد على النفس باتّخاذ القرار وإمضائه بإصرار.
٣ - الانضباط الصارم، والإصرار على تنفيذ المهام القتالية.
٤ - الإرادة القتالية، والقدرة التنظيمية للقوّات؛ لسهولة القيادة.
٥ - الإعداد العسكري العالي، والثقافة العسكريّة العامّة الجيدة.
٦ - إمكانيّة تربية وتدريب المقاتلين.
وبإعادة النظر في هذه الصفات أو النقاط التي سلفت نرى كم هو الفرق بينها وبين الصفات السابقة عند الإمام عليعليهالسلام ؛ وذلك لأنّ الإمامعليهالسلام يلتزم بالدين الحنيف وبالعقيدة الإيمانية، فترى الصفات عنده يغلب عليها الجانب السماوي الإلهي الرسالي، ثمّ يلتفت إلى الصفات الذاتيّة والشخصية الأُخرى
للقائد.
وهذا ما يسبغ الصفة الإنسانيّة الأخلاقيّة القيميّة عليها، لا صفات القسوة والغطرسة والانفراديّة باتّخاذ القرارات، والإصرار بعناد على تنفيذها كما يفهم من صفات القائد المعاصر الذي يجب أن يكون خالياً من كلّ صفات الرحمة والعطف والرأفة والإنسانيّة تجاه عدوّه.
فإذا سألت أحداً منهم، لماذا هذه القسوة لديكم في التعامل؟
يقول: هكذا يجب أن يكون القائد، لا يرحم أبداً، ولا يتردّد في تدمير وإبادة العدوّ، هكذا تربينا منذ البداية، وقد نستعمل القسوة حتّى مع مناصرنا إذا لزم الأمر، فالقائد يجب أن يُطاع دون تردّد، وتنفذ الأوامر دون تذمّر من أحد.
لأنّ القائد أساساً ليس عنده الوقت الكافي ليستمع إلى رأي أقرب المقرّبين إليه، فكيف سيكون لديه إمكانية المشاورة أو النصح؟
والقائد لا يعتذر ولو أخطأ؛ لأنّ اعتذاره يؤدّي إلى خلخلة صورته في عيون عناصره ومرؤوسيه، ورجاؤه إذا ما قال رجاءً فإنّه أمر عسكري واجب التنفيذ.
والبحث يطول هنا إلاّ أنّنا لسنا بحاجة إلى بسط القول في الباب، فنلوي عنق البحث إلى صفات القائد الناجح قديماً وحديثاً بنظر القادة العظام والسادة الكرام أئمّة الأنامعليهمالسلام ، فنسأل: أين قيادة الإمام الحسينعليهالسلام من هذا كلّه؟
هل كان الإمامعليهالسلام قائداً ناجحاً بالمعنى الكلّي للكلمة؟
هل من ملاحظات على قيادة الإمام الحسينعليهالسلام ؟ أم أنّه كما قال ذاك
الجلف عن أبيه الإمام عليعليهالسلام : إنّ الإمام علياً رجل شجاع، إلاّ أنّه لا علم له بفنون الحرب وولده كذلك؟!
هل كان الإمام الحسينعليهالسلام قائداً عسكريّاً فقط، أم أنّه كان قائداً رساليّاً إلهيّاً بكلّ المعاني الروحيّة والسماويّة السامية في هذه الدنيا؟!
نَعم، كان الإمام الحسينعليهالسلام نِعمَ القائد لجنده، وكانت تتوفّر في شخصه الكريم جميع الصّفات المذكورة قديماً وحديثاً، وأكثر منها أيضاً، لماذا؟!
لأنّهعليهالسلام جمع صفات القائد العسكري الفذ، والإنسان المثالي في الإنسانيّة، والإمام المفترض الطاعة من السماء (من الله تعالى).
وأحسب أنّني لست بحاجة إلى البسط والتطويل؛ لأنّه يخرجنا عن مدار بحثنا هنا، رغم أنّ الحديث عن الأخلاق والشجاعة، والذكاء ومضاء العزيمة التي أظهرها الإمام الحسينعليهالسلام على أرض كربلاء كقائد حقيقي في يوم عاشوراء كثيرة وعظيمة، إلاّ إنّني سوف أختار مواقف معيّنة، وأترك البقيّة الباقيّة لذكاء وفطنة الأخ القارئ الكريم.
١ - وضوح الرؤية عند الإمام الحسين:
الإنسان الذي لا يمتلك رؤية مستقبليّة واضحة، أو الذي ليس لديه بصيرة نيّرة تهديه إلى السبيل الصحيح؛ ليصل إلى هدفه المنشود وغايته المرجوّة، لا يمكن أن يكون ناجحاً في عمله، أو ناجحاً في تفكيره، أو سعيداً في حياته.
والقائد من باب أولى وأخصّ عليه أن يمتلك رؤية شبه حقيقيّة، أو تصوّراً جادّاً لمراحل المعركة، مع حساب كلّ الاحتمالات الممكنة الوقوع، أو حتّى
البعيدة والمستحيلة الحدوث، ويقول في قراره عند كلّ نقطة: إنّ كان كذا أو حدث كذا فإنّنا نتصرّف بهذا الشكل أو تلك الطريقة؛ لتلافي الخسائر والتأثير بالعدوّ قدر الإمكان.
وهذا كلّه لا يأتي إلاّ من دراسة المعركة وعناصرها كلّها - لا سيما قوّات الصديق والعدوّ - وتحليل كافة المعطيات المتوفّرة، وحساب الاحتمالات، مع ثقافة عسكريّة عالية، وخبرة عمليّة واسعة في خوض وإدارة الأعمال القتاليّة العسكريّة التي تأتي بالتدريب المستمر على القتال.
والمولى أبو عبد الله الحسينعليهالسلام كان من القادة الأفذاذ الذين خاضوا المعارك حتّى حفظوها عن ظهر قلب؛ وذلك لأنّه ومنذ ولادته المباركة في أوائل سنوات الهجرة المباركة التي شُحنت بالغزوات والحروب الإسلاميّة مع أهل الشرك والكفر والضلال، حتّى خاض رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأصحابه حوالي ثمانين غزوة وسريّة، كان يراقب ويرصد كلّ ما يجري في تلك الساحة.
أمّا في عهد الخلفاء الأوائل، فإنّ الإمام الحسينعليهالسلام شارك في فتح أفريقيا، وخاض حروب التأويل الثلاث: الجمل والناكثين، وصفين والقاسطين، والنهروان والمارقين، مع أبيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام ، تلك الحروب التي كانت تشيب الطفل الرضيع من هولها، وعظيم وقعتها على النفوس، وتأثيرها في القلوب، كما إنّه شارك أخاه الإمام الحسن السبط المجتبىعليهالسلام وقاسمه همومه طيلة فترة إمامته التي امتدت حوالي عشر سنوات، وذاق معهعليهماالسلام طعم الغدر من الأُمّة الإسلاميّة، ومكرها بعد الصلح مع
معاوية، والاتهامات الشنيعة - والعياذ بالله - للإمام الحسنعليهالسلام بعد ذلك، حتّى إنّ أحدهم طعنه في فخذه يريد قتله، وآخر قال له: يا مذِّل المؤمنين - نستجير بالله من ذلك كلّه -، إلى أن وصلت سفن النجاة الإيمانيّة إلى شواطئ الإمام الحسينعليهالسلام ، ورست سفينة الإمامة عنده، ولاذ به المؤمنون، والتجأ إليه المخلصون من شيعته ومحبي أبيه الأميرعليهالسلام ، فنهض على اسم الله وبأمره خير نهوض، وقارع الفساد في الأُمّة بيد من حديد، وصارع معاوية الجبّار العنيد بسياسة حكيمة ورأي سديد.
إلاّ إنّه أعلن النهضة المباركة عندما نزا على عرش الخلافة والإمارة ذاك الطاغية يزيد، وأراد تشريعاً لسطانه، وتثبيتاً لملكه بفتوى (بيعة) من الإمام الحسينعليهالسلام ، وأرسل بالتهديد والوعيد وحرّ الحديد إن لم يفعل الإمامعليهالسلام ذلك ويبايع، إلاّ إنّ أبيّ الضيم قالها مدوّية منذ اليوم الأوّل:((مِثلي لا يُبايع مِثلَه)) . أي أنّ الذي يكون في مقامي، مقام إمامة الأُمّة الشرعيّة والحقيقيّة، لا يمكن أن يُعطي شرعيّة الحكم والقيادة لشخص مثل يزيد، فاسقٍ فاجرٍ، شاربٍ للخمر، قاتلٍ للنفس المحرّمة؛ لأنّ مثل هذا لا شرعيّة لوجوده أصلاً، فيجب أن تُقام عليه الحدود الإسلاميّة كلّها، أو العقوبات القانونيّة المطابقة لأعماله الإجراميّة.
ومنذ البداية، وقبلها من حين الولادة، والإمام الحسينعليهالسلام يمتلك الرؤية الواضحة، والفكر الناضج الذي جعله يتّخذ هذا القرار الحاسم والمصيري، لا سيما وأنّه يعلم علم اليقين أنّه مُطارد ومقتول ظلماً وعدواناً حتّى لو اختبأ في قنن الجبال وأوكار الصقور، فإنّهم لن يدعوه حتّى يستخرجوه ويقتلوه.
والملفت أنّ القائد العسكري أو السياسي يخفي على أتباعه وأقرب المقرّبين إليه الكثير من التفاصيل الحساسة حتّى لا يتأثّر مَنْ حوله معنويّاً ونفسيّاً، فتخور عزائمهم وتضعف قواهم، وتتأثّر الحركة أو النهضة الثوريّة وتتعثّر من بدايتها.
إلاّ إنّ القيادة الإلهيّة والرساليّة للإمام الحسينعليهالسلام تملك الشجاعة الفائقة لكي تخبر عن أدقّ التفاصيل لكافة العسكريين، وليس للمقرّبين من القائد فقط؛ لأنّ قيادة السماء همّها وهدفها الأوّل الإنسان المخلص، والعبد التقي الذي يقدم على العمل بدافع ديني يقيني، لا من منطلق مصالح دنيويّة آنيّة يطمع بها، أو منصب قيادي تشريفي يطمح إليه، فهؤلاء يعملون من أجل المصلحة أو الكرسي، وليس لله والقربى من ساحاته المقدّسة.
إنّ الحسين بن عليعليهماالسلام القائد الناهض في وجه الفساد الأموي، يعلم منذ البداية أنّ كرامته من الله الشهادة، ولم تغب عن باله يوماً كلمة جدّه رسول اللهصلىاللهعليهوآله :((إنَّ لك في الجنّة درجات لن تنالها إلاّ بالشهادة)) (١) .
ولذا قال لأصحابه وأهل بيته سوف نُقتل جميعاً على أرض كربلاء بوحشيّة ودون رحمة أو رأفة؛ وإنّما أراد بذلك أن يكونوا على بيِّنة من أمرهم منذ البداية:((مَنْ كان باذلاً فينا مهجته، وموطِّناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا؛ فإنّني راحلٌ مصبحاً إن شاء الله تعالى)) (٢) .
فالشهادة هي الهدف، وليس النصر والغلبة واستلام السلطة السياسيّة،
_____________________
١ - موسوعة كلمات الإمام الحسينعليهالسلام / ٢٨٧.
٢ - مثير الأحزان / ٤١، اللهوف في قتلى الطفوف / ٢٦.
فكانت رؤية الجميع واضحة، والنتيجة محتمة، ولكنّهم يعلمون أيضاً أنّ ثمن هذه الشهادة حفظ الإسلام.
وهذا عكس جميع العلوم العسكريّة، وقيادة الأعمال القتاليّة في عصرنا الحاضر، أو مَنْ كان قبلنا بعشرات السنين.
٢ - الصراحة والصدق أساس المنهج الحسيني:
الصراحة قوّة، والصدق شهامة وإباء وكرامة.
الصراحة شموخ وشَمَم، والصدق أمانة وديانة وكرم.
الصدق: ضدّ الكذب، وهو أشرف الصّفات المَرْضِيَّةِ، ورئيس الفضائل النفسيّة، وما ورد في مدحه وعظيم فائدته من الآيات والأخبار لا يمكن إحصاؤه(١) .
وممّا جاء في وصف الصادقين في كتاب الله قوله تعالى:( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ اُولئك هُمُ الصَّادِقُونَ ) (٢) .
وقد أمرنا ربّنا سبحانه بأن نكون في كلّ أحوالنا مع الصادقين، محمدٍ وعترته الطاهرين (صلوات الله عليه وعليهم أجمعين) وجميع الأنبياء والمرسلين بقوله تعالى:( اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) (٣) .
_____________________
١ - جامع السعادات ٢ / ٣٣٣.
٢ - سورة الحجرات / ١٥.
٣ - سورة التوبة / ١٢٠.
وممّا يروى عن الإمام الحسينعليهالسلام بهذا الشأن الأخلاقي قولهعليهالسلام :((الصدق عزٌّ، والكذبُ عجزٌ، والسرُّ أمانةٌ، والجوارُ قرابةٌ، والمعونةُ صداقةٌ، والعملُ تجربةٌ، والخُلُقُ الحسنُ عبادةٌ، والصمتُ زينٌ، والشحُ فقرٌ، والسخاءُ غنى، والرفقُ لبٌ)) (١) .
فالصدق عزٌّ وفخرٌ للإنسان؛ لأنّه يعبّر عن شموخ وأنفة، وسلامة النفس من الأمراض الباطنيّة، لأنّ الإنسان لا يكذب إلاّ لعلّة نفسيّة، وخساسة داخلية يعيش فيها، ويقع تحت وطأتها فتدفعه إلى الكذب والدجل؛ ليريح نفسه من عقدة النقص تلك، ولو أصلحها بالحقّ والصدق لكانت أجدى وأنفع له على كلّ حال.
وهل هناك موقف أصعب من موقف الإمام الحسينعليهالسلام من بداية حياته إلى يوم عاشوراء، حيث شهادته المظفّرة على تراب كربلاء؟!
ويروي الإمام الصادقعليهالسلام قائلاً:((قال عليّ للحسين عليهماالسلام : يا أبا عَبدِ الله، أُسوةٌ أنتَ قِدماً. (أي أنت أسوة يقتدى بك منذ القديم).
فقالعليهالسلام : جُعلتُ فداك ما حالي؟!
قالعليهالسلام : قد علمت ما جهلوا، وسينتفع عالمٌ بما علم، يا بُنيّ اسمع وأبصر من قبل أن يأتيك، فو الذي نفسي بيده، ليسفكنَّ بنو أُميّة دمك، ثمّ لا يزيلونك عن دينك، ولا يُنسونك ذكر ربّك.
فقال الإمام الحسينعليهالسلام : والذي نفسي بيده حسبي، وأقررت بما أنزلَ
_____________________
١ - تاريخ اليعقوبي ٢ / ٢٤٦.
اللهُ، وأصدّق قول نبي الله، ولا أُكذّب قول أبي)) (١) .
هذه شهادة صادقة من أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام بحقّ ولده الحسينعليهالسلام ، فهو قدوة في كلّ خير وإحسان وبركة منذ أن ولد على هذه الأرض وظهر في هذا الوجود.
ولا يفوتنا الإشارة إلى هذا الأدب العظيم، والتواضع الجم الذي يتجلّى به الإمامعليهالسلام بحضرة والده العظيم.
فيبدأ كلامه بالفداء له بالروح والجسد، ويُقسم بارّاً بالله أنّه يكفيه الإقرار لله بما ينزل والتسليم بما يقدر، ويصدّق جدّه الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله فيما أخبر به، ولا يكذب - حاشاه - قول أبيه فيما يخبره عن فاجعته في كربلاء.
فالإنسان العالم بالعواقب يجب أن يستفيد من علمه ذاك بالعمل الصالح والتقى، وانتهاز الفرص في الخيرات، ولا يتوانى أو يتكاسل عن إصلاح المجتمع ومفاسده التي تفشّت في زمانه، وسماع النصيحة واجب، بالتبصّر بالعواقب تسلم النتائج، وتكون إيجابيّة أكثر.
وحركة الإمام الحسينعليهالسلام منذ البداية كانت صادقة وصريحة، فلا التواء ولا مواراة؛ لأنّ الهدف واضح، والنتيجة مضمونة ومعلومة عند القائد، فلماذا لا يكون واضحاً كلّ الوضوح مع الجميع؟!
ولكي نزيد مسألة الوضوح عند الإمام الحسينعليهالسلام فإنّنا نستعرض أنواع الصدق عند علماء الأخلاق، ونطبّقها على حركة الإمام الشهيدعليهالسلام ؛ لنرى كم كانت حركة الإمامعليهالسلام صادقة ونزيهة، وكم كانت مواقفه واضحة وظاهرة
_____________________
١ - موسوعة البحار ٤٤ / ٢٦٢ ح١٧، العوالم ١٧ / ١٥٢.
للعيان.
فالعلماء قالوا: إنّ الصدق أنواع ستة هي:
١ - الصدق في القول: وهو الذي يُقابل الكذب، وهذا من أفحش فواحش اللسان.
والإمامعليهالسلام منزّه ومطهّرٌ من هذه الآفة، وكلماته كلّها تخبر عن مدى صدقه في الحديث والقول.
٢ - الصدق في العزم: وهو الجزم على عمل الخير لوجه الله تعالى، وهل رأيت أحداً كان أحزم وأجزم من عمل الإمام الحسينعليهالسلام ؟ الذي قدّم كلّ ما يملك من الأهل والأبناء، والأصحاب والأموال والأعراض في سبيل الله والمبدأ الذي نهض لإصلاحه، ألا وهو الإسلام المحمّدي الأصيل الذي حاول صبيان بني أُميّة أن يغيّروه إلى ديانة أمويّة صوريّة لا حقيقة لها في أرض الواقع.
والإنسان بطبعه يقدّم العزم والإرادة على العمل، فإن كان في داخله وباطنه جازماً على العزم، مصمّماً على العمل بمقتضاه فإنّ عزمه يكون صادقاً لأنّه مقارن للقوّة والإرادة الصادقة في تنفيذ العمل الذي عزم عليه، وهذه الصّفة كانت واضحة وجليّة منذ البداية وحتى النهاية في نهضة الحسين بن عليعليهالسلام الإصلاحيّة.
٣ - الصدق في النيّة والإرادة: وهذا هو الإخلاص الكامل بالعمل لوجه الله تعالى، وذلك بألاّ يكون له باعث في عمله وفي جميع حركاته وسكناته إلاّ الله.
والمولى أبو عبد الله الحسينعليهالسلام قال:((إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي رسول الله، اُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير
بسيرة أبي وجدّي، فمَنْ قبلني بقبول الحقّ فالله أولى بالحقّ، ومَنْ ردّ عليّ أصبر حتّى يقضي الله بيني وبين القوم الظالمين)) (١) .
هذه هي النيّة الصادقة، والهدف الواضح بالإصلاح للأُمّة، وإعادتها إلى السير بسيرة الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله وأمير المؤمنينعليهالسلام وذلك لوجه الحقّ تعالى دون غيره.
٤ - الصدق والوفاء بالعزم: فإنّ النفس قد تسخو بالعزم في الوقت الحاضر، إذ لا مشقّة ولا تعب في الوعد، ولكن إذا حان وقت العمل بالوعد فإنّها تهيج وتجزع، وتبحث عن مبرّرات للحنث بالوعد، فإذا ثبت الإنسان كالإمام الحسينعليهالسلام على عهده فإنّه يكون صادق العزم، وموطّناً نفسه على الوفاء به.
٥ - الصدق في الأعمال: أي تطابق القول والعمل، والظاهر والباطن، والسريرة والعلانيّة، وهذا من أصعب الموارد في هذه الحياة، ولا يكتمل هذا المقام إلاّ الكُمَّل من أولياء الله( وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ) (٢) .
والإمام الحسينعليهالسلام يقول:((إنّ الناس عبيد الدنيا، والدين لعقٌ على ألسنتهم، يحوطونه ما درّت به معائشهم، فإذا محِّصوا بالبلاء قلّ الديّانون)) (٣) .
وامتحان الإمام الحسينعليهالسلام كان أصعب، وأعظم امتحان في هذه الحياة كلّها؛ وذلك لأنّ القرآن الكريم وربّنا سبحانه يخبرنا عن أبينا إبراهيم
_____________________
١ - بحار الأنوار ٤٤ / ٣٢٩.
٢ - سورة سبأ / ١٣.
٣ - بحار الأنوار ٤٤ / ١٩٥، تحف العقول / ١٧٦، كشف الغمّة ٢ / ٣٢.
الخليلعليهالسلام فيما أُمر بذبح ولده في المنام الصادق، وأسلم ولده إسماعيلعليهالسلام لأمر باريه، وتلّه للجبين، وفداه الله بذبح عظيم. وقال ربّنا عند ذلك:( إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ ) (١) .
أُمر إبراهيمعليهالسلام بالذبح فامتثل لأمر الله بعد مشاورة ولده البارّ إسماعيلعليهالسلام ، والنتيجة نجاة الولد، ورفعة الوالد والولدعليهماالسلام عند الله وعند الناس جميعاً بأنّهما من العظماء في تاريخ الإنسانيّة كلّها.
أمّا سيد الشهداء الحسين بن عليعليهماالسلام فإنّ الأمر مختلف تماماً؛ لأنّه قدّم جميع أهله وأصحابه للذبح أمام عينيه الشريفتين، فأوّل شهداء البيت العلوي كان ولده علي الأكبرعليهالسلام ، وآخرهم ولده الطفل الرضيع عبد الله ذُبح بسهم حرملة على صدره الشريف.
وبعد هذا وذاك قدّم نفسه الشريفة ودمه الطاهر قرباناً لله تعالى، كما قالت عقيلة بني هاشم أُمّ المصائب زينب بنت عليعليهماالسلام : (اللهمّ تقبّل هذا القربان من آل محمد).
أسألك أيّها القارئ الكريم هل سمعت بمثل هذا الصدق؟ وهل يمكن أن تُقارن بين عمل أبينا إبراهيمعليهالسلام وسيدنا أبي عبد الله الحسينعليهالسلام ؟!
٦ - الصدق في مقامات الدين: من الصبر والشكر، والتوكّل والحبّ، والخوف والرجاء، والزهد والتعظيم، والرضى والتسليم، وغير ذلك.
_____________________
١ - سورة الصافات / ١٠٦.
وهو أعلى درجات الصدق وأعزّها(١) ، وأبو الأحرار الحسين بن عليعليهماالسلام كان مثال ذلك كلّه، فصبره لا يوصف، وشكره لا يُعرف، وحبّه لا يستشفّ، ورضاه بالقضاء وتسليمه لأمر باريه بكلّ ما حدث عليه لا يمكن لأحد أن يستوعبه بكلام.
وأخيراً اعلم أيّها العزيز أنّ من علامات هذا الصدق (المقامات) كتمان المصائب والطاعات جميعاً، وكراهة اطّلاع الخلق عليها، وقد روي أنّ الله تعالى أوحى إلى موسىعليهالسلام :((أنّي إذا أحببتُ عبداً ابتليته ببلايا لا تقوى لها الجبال؛ لأنظر كيف صدقه؛ فإن وجدته صابراً اتّخذته وليّاً وحبيباً، وإن وجدته جزوعاً يشكوني إلى خلقي خذلته ولم أُبال)) (٢) .
ألم يردّد الإمام الحسينعليهالسلام عند كلّ مصيبة وفاجعة في أحد أصحابه وإخوته وأبنائه الكرام:((هوّن ما نزل بي أنّه بعين الله)) ؟ فالأمر النازل إذا كان بعناية الله ورعايته وتحت أنظاره فإنّه يهون عند الأولياء، والإمام الحسينعليهالسلام سيّدهم في ذاك الزمان.
والقائد السياسي الذي ينهض في وجه حكومة طاغية، ويصرخ في وجه فرعون باغٍ، ربما عليه أن يخفي الكثير من المعلومات التي تصله عن أصحابه، لا سيما تلك التي تؤثّر على الرأي العام للجماهير التي تلتفّ حوله.
_____________________
١ - للتفصيل راجع جامع السعادات ٢ / ٣٣٧.
٢ - جامع السعادات ٢ / ٣٣٩.
أمّا القائد العسكري فإنّه أحفظ للمعلومات، ولديه قاعدة تقول: تُعطى المعلومات بحجم المسؤوليات. أي أنّك كقائد عسكري لا تُعطي كلّ المعلومات التي بحوزتك لكلّ عناصرك فتكون قد فضحت نفسك وجندك؛ لأنّ العدو يراقبك، وربما يكون له عيون وجواسيس في جيشك، فاكتم الأوامر والمعلومات الهامّة والضرورية، وأعطِ كلّ قائد أو مرؤوس بحجم المهمّة التي تكلّفه بها، وعدا ذلك هو مقتله بالنسبة لك.
أمّا الإمام الحسينعليهالسلام فكان عكس جميع القادة السياسيين والعسكريين على طول المدى؛ لأنّه منذ البداية يقول: سوف نُحارب في نهضتنا، ولكنّ نجاحنا في أن نُقتل في سبيل الله، وهذه الحقيقة لم يدركها الكثيرون في ذاك الزمان وحتى يومنا هذا، كيف ينجح مَنْ يُقتل؟!
لهؤلاء نقول: انظروا إلى حركة الإمام الحسينعليهالسلام ونهضته المباركة وتدبّروا، هل نجح هو أم الذين قتلوه على بطحاء كربلاء؟!
وأمّا المعيار العسكري فإنّ النجاح يكون بتحقيق الهدف، أو المهمّة التي كُلّفَ بها، فإذا حقّقت مهمّتك وقُتلت فإنّك ناجح لا شك، والإمام الحسينعليهالسلام كان الهدف من نهضته إحياء سُنّة جدّه المصطفىصلىاللهعليهوآله وسيرة أبيه أمير المؤمنينعليهالسلام ، وبالتالي المحافظة على الدين الإسلامي الحنيف من الانحراف الأموي البغيض، وبهذا نجح الإمامعليهالسلام أيّما نجاح، فما زال ذكر سيّد الشهداء الحسين بن عليعليهالسلام وعاشوراء الأحرار تشكّل خطراً على كلّ المستكبرين والطّغاة في العالم أجمع.
يختلف المؤرّخون في المكان الذي ورد فيه خبر استشهاد سفيره إلى أهل الكوفة ابن عمّه مسلم بن عقيل (رضوان الله عليه) إلى الحسينعليهالسلام ، فمنهم مَنْ قال: بالثعلبية أو في زبالة أو في مكان آخر، المهمّ أنّ رجلان أسديان جاءا إلى الإمامعليهالسلام وسايراه حتّى نزل في زبالة فقالا له: (رحمكَ الله، إنَّ عندنا خبراً إنْ شئتَ حَدَّثناك علانيةً وإن شئتَ سرّاً).
وتأمّل الحسينعليهالسلام في أصحابه، (وهنا شاهدي الأوّل على هذه الصراحة العجيبة من الإمام القائد السياسي هنا، كيف ينطلق بها، وكيف علينا أن نفهمها ونقتدي بها)، فقالعليهالسلام :((ما دُونَ هؤلاءِ سترٌ)) .
فقالا: أرأيتَ الراكبَ الذي استقبلته عشيَّ أمسِ؟
قال:((نَعَمْ، وأردتُ مسألتَهَ)) .
فقالا: قد والله استبرأنا لكَ خبره، وكفيناك مسألته، وهو امرؤٌ منّا ذو رأي وصدقٍ وعقلٍ، وإنّه حدّثنا أنّه لم يخرج من الكوفة حتّى قُتل مسلم وهانئ ورآهما يُجران في السوق بأرجلهما(١) .
وكان وقعُ النبأ المؤلم كالصاعقة على العلويّين، فانفجروا بالبكاء على فقيدهم العظيم حتّى ارتّج الموضع بالبكاء، وسالت الدموع كلّ مسيل(٢) .
_____________________
١ - الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد / ٢٢٢، ط / مؤسسة الأعلمي - بيروت، وج٢ ص٧٤ ط / مؤسسة آل البيت لإحياء التراث.
٢ - حياة الإمام الحسين بن عليعليهماالسلام ٣ / ٦٩، الدرّ المسلوك ١ / ١١١.
فانبرى إلى الإمامعليهالسلام بعض أصحابه قائلين: ننشدُكَ الله إلاّ انصرفت من مكانك؛ فإنّه ليس لك بالكوفة ناصرٌ ولا شيعةٌ، بل نتخوّفُ أن يكونوا عليك.
ويلتفت الإمام القائد إلى بني عقيل ويقول لهم:((ما ترونَ فقد قُتل مسلم؟)) .
فوثب الفتية وهم يُعلنون استهانتهم بالموت قائلين: لا واللهِ، لا نرجعُ حتّى نُصيب ثأرَنا، أو نذوقَ ما ذاق مسلم.
وبعد ما سمع الإمامعليهالسلام هذه المقالة، قال:((لا خير في العيش بعد هؤلاء)) .
ثمّ أنشد:
سأمضي وما بالموتِ عارٌ على الفتى |
إذا ما نَوى حَقّاً وجاهدَ مُسلما |
|
فإنْ مُتّ لم أندم وإن عشتُ لم أُلم |
كفى بك عاراً أن تعيشَ وتُرغما(١) |
ولما سار من الموضع الذي أتاه فيه الخبر باتّجاه العراق لإكمال المسيرة، وإذا به يلتقي بالشاعر العربي الحسن بن هانئ المعروف بالفرزدق، فسلّم عليه وقال: يابن رسول اللهصلىاللهعليهوآله كيف تركن إلى أهل الكوفة وهم الذين قتلوا ابن عمّك مسلم بن عقيل وشيعته؟!
قال: فاستعبر الحسينعليهالسلام باكياً، ثمّ قال:((رَحِمَ الله مسلماً، فلقد صارَ إلى روح الله وريحانه، وجنّته ورضوانه، أما إنّه قد قضى ما عليه وبقي ما علينا)) .
ثمّ أنشأ يقول:
_____________________
١ - الإرشاد ٢ / ٧٥، الدرّ النظيم / ١٦٧.
فإنْ تكنِ الدنيا تُعدّ نفيسة |
فإنّ ثوابَ اللهِ أعلى وأنبلُ |
|
وإنْ تكنِ الأبدانُ للموتِ أُنشئت |
فقتلُ امرئٍ بالسيفِ في اللهِ أفضلُ |
|
وإنْ تكنِ الأرزاقُ قسماً مقدّراً |
فقلّةُ حرصِ المرءِ في السعي أجملُ |
|
وإنْ تكنِ الأموالُ للتركِ جمعها |
فما بالُ متروكٍ بهِ المرءُ يبخلُ(١) |
ثمّ قالعليهالسلام :((اللهمّ اجعل لنا ولشيعتنا منزلاً كريماً، واجمع بيننا وبينهم في مستقرّ رحمتك، إنّك على كلّ شيء قدير)) (٢) .
هل قرأت أو انتهى إلى سمعك مثل هذا الموقف، وهذه الشجاعة، وهذه الصراحة من قائد سياسي يسير للثورة على دولة ظالمة، وينهض في وجه حاكم مستبدّ فاسق فاجر ظالم؟!
نعم، إنّه لموقف عظيم يستوقفنا طويلاً أمامه لنتأمّله بهدوء ورويَّة؛ ولنستوضح خيط النور الذي ينساب منه، فإنّنا لا نرى إلاّ القائد الربّاني والسياسي والأخلاقي، والقائد العسكري الذي يقود جيشاً من الإيمان رغم قلّة عدده، قد تسامت قامات أفراده وارتفعت حتّى بلغت عنان السماء، وتضخّمت حتّى سوت ما بين المشرق والمغرب، وكأنّ كلّ واحد منهم صار علماً وجبلاً من أوتاد الأرض الحافظة لها من الاضطراب والميدان.
فمَنْ كأصحاب الحسينعليهالسلام وهو الذي قال فيهم، وشهد لهم:
_____________________
١ - مثير الأحزان / ٤٥، اللهوف / ٣٢.
٢ - موسوعة البحار ٤٤ / ٣٧٤.
((فإنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيتٍ أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي)) (١) .
وهؤلاء صاروا كذلك؛ لأنّ الإمامعليهالسلام عاملهم تلك المعاملة، وربّاهم بهذا الأسلوب الإسلامي الرفيع في التربية، وساسهم بالأخلاق، حيث الصراحة والصدق والوضوح في كلّ شيء حتّى في أدقّ وأرقّ الظروف السياسيّة والأمنيّة.
ولو كان الإمام الحسينعليهالسلام لم يسر معهم على هذا المنوال، وبهذه الروح النقيّة لكانوا خذلوه في ساحة المعركة على أرض كربلاء.
وأبو الأحرار الحسين بن عليعليهماالسلام أراد أن يكون أصحابه من خلّص الأصحاب، فراح ينقّيهم ويختبرهم ويغربلهم غربلة ويهزهم في كلّ موقف هزَّ السياط؛ ليعلم مَنْ يسير معه لله، ومَنْ يسير طمعاً في الدنيا، حتّى وصلوا إلى أرض كربلاء أتقياء أنقياء، بعيدين عن الخنى كنجوم السماء.
ومواقف الإمام القائد الاختباريّة ابتدأت من المدينة وقبل أن يخرج منها، وفي مكة وأثناء مغادرته إيّاها، وفي كلّ منزل ترد إليه أخبار كان يلقيها على أصحابه؛ لأنّه((ما دون هؤلاء سرّ)) ، أي ليسوا من أهل الخيانة والغدر؛ ولذا فواجبي أن لا أكتم عنهم شيئاً من المعلومات التي تردني مهما كانت مفجعة.
إنّهم جميعاً قادة وسادة كرام، يستأهل كلّ واحد منهم أن يكون قائد جيش، ومَنْ بلغ هذا المبلغ فإنّ الإمامعليهالسلام لا يخفي عليه شيئاً؛ ليكون على بيّنة من أمره.
_____________________
١ - إرشاد المفيد / ٢٣١، اللهوف / ٤١، تاريخ الطبري ٣ / ٣١٥.
وكانت أعظم غربلة لجيش الإمامعليهالسلام عند هذا الموضع الذي بلغه فيه شهادة مسلم بن عقيل وبعض أصحابه المخلصين في الكوفة؛ فإنّ الإمامعليهالسلام استوقف الناس، وأخرج كتاباً أو ورقة وقرأها عليهم، وكان فيها:((بسم الله الرحمن الرحيم. أمّا بعد، فإنّه قد أتانا خبرٌ فظيعٌ، قتل مسلم بن عقيل، وهانئ بن عروة، وعبد الله بن يقطر، وقد خذلنا شيعتنا، فمَنْ أحبّ منكم الانصراف فلينصرف في غير حرجٍ، ليس عليه ذمام)) (١) .
يُقال: فتفرّق الناس عنهعليهالسلام ، وأخذوا يعدلون يميناً وشمالاً حتّى لم يبقَ معه إلاّ أصحابه الذين جاؤوا معه من المدينة، ونفر يسير ممّن انضمّوا إليه في الطريق.
هل رأيت أو سمعت بمثل هذا في تاريخ الثورات والحروب العالميّة؟!
هذا كان من جانب الصراحة والصدق في أسلوب التعامل مع الأصحاب، ومن الشجاعة والقيميّة في أعلى مراتبها في دنيا الإنسانيّة.
وبقي علينا الجانب الآخر من شخصية الإمام الحسينعليهالسلام الإنسانيّة، الأبويّة، المسؤوليّة، وهذه تجلّت بموقفه مع ابنة مسلم بن عقيل، هذا الموقف الذي يهمله كثير من كتّاب التاريخ والسيرة.
_____________________
١ - موسوعة البحار ٤٤ / ٣٧٤، الإرشاد ٢ / ٧٥ تحقيق: مؤسسة آل البيتعليهمالسلام لإحياء التراث.
الذي يستوقفني هنا أيّها المؤمن، قصّة الإمام الحسينعليهالسلام مع حميدة طفلة مسلم بن عقيل حين جاء خبر شهادته للإمامعليهالسلام كيف تصرّف معها؟ هل كان تصرّفه كقائد سياسي أو عسكري؟ أم أنّه تصرّف كإنسان، بل كأب عطوف رؤوف قلَّ نظيره في التاريخ الإسلامي؟!
إنّه كان لمسلم بن عقيل طفلة وحيدة يُقال لها: حميدة. كانت مع عيالات العلويّين في ركب الإمام الحسينعليهالسلام ، وعندما جاء خبر الفاجعة بمسلم ذهب الإمامعليهالسلام إلى خيمة النساء ونادى بأخواته:((أن أعطوني حميدة)) .
فلمّا جاءت أخذها واحتضنها، ووضعها في حجره، وراح يمسح على رأسها، وعيناه الشريفتان المباركتان تدمعان، فأحسّت الطفلة بالخطر، وحلول نازلة وشر، فقالت: يا عمّ، لماذا تمسح على رأسي كاليتامى؟! هل حدث لوالدي شيء؟
فقالعليهالسلام :((يا ابنتي، أنا أبوكِ، وبناتي (فاطمة وسكينة)أخواتك)) (١) .
وهكذا ضجّت النساء بالبكاء والعويل على مسلم بن عقيل.
فهل لك أن تتصوّر هذه الرقّة الأبويّة، والعطف السّامي، والمحبّة الرفيعة للإمام الحسينعليهالسلام مع هذه الطفلة المفجوعة بأبيها؟!
فيا قادة العالم السياسي، هكذا يكون القائد السياسي الحقيقي للأُمّة، وهو والد شفوق، وأخ رؤوف لشعبه، ومَنْ هم تحت حكمه وسلطته، وليس سيّداً وهم
_____________________
١ - مثير الأحزان / ٤٥.
عبيد أرقّاء، أو أنّه من جنس سامٍ وهم من جنس آخر دانٍ، أو أنّه سبعٌ ضارٍ وهم شياه وأحمال وديعة يفعل فيها ما يشاء كيف يشاء متى يشاء؟!
ويا أيّها القادة العسكريون، تعلّموا من الحسين بن عليعليهماالسلام كيف يكون القائد الناجح في معارك الشرف والكرامة، وتعاملوا مع مرؤوسيكم وجنودكم بأخلاق الحسينعليهالسلام ، وبما تعامل به مع جنده والذين كانوا تحت قيادته المظفّرة؛ حتّى يفدوكم ويدافعوا عنكم كما دافعوا عن الحسينعليهالسلام ، وفدوه وأهله من كلّ سوء حتّى استشهدوا جميعاً قبل أن تصل إلى قائدهم الحسين جراحة واحدة.
هكذا يعلمنا أبو عبد اللهعليهالسلام ، فانظروا إلى مَنْ وعى رسالة الحسينعليهالسلام في أمسنا المعاصر، كيف نجح وحرّر شعبه وبلاده، ذاك زعيم الهند غاندي الذي قال: (تعلّمت من الحسين كيف أكون مظلوماً فأنتصر).
وهذه واقعة أُخرى عجيبة، وموقف لم يسجّل التاريخ مثله من نُبل وأخلاق الإمام الحسينعليهالسلام وشجاعته، ووفاء الأهل والأصحاب الكرام، وأتحدّى مَنْ يستنطق التاريخ كلّه أن يأتي بمثل هذا الموقف في ليلة عاشوراء.
يروى أنّه نهض عمر بن سعد بن أبي وقاص إلى الحسينعليهالسلام عشية الخميس لتسع مضين من المحرَّم، ثمّ نادى: يا خيل الله اركبي، وبالجنّة أبشري!
تصوّر يا عزيزي هذا الشيطان الرجيم الذي ينادي بالخيول أن تركب لقتال
ابن رسول اللهصلىاللهعليهوآله وسيّد شباب أهل الجنّة، ويلقّبها (بخيل الله)، وهي (خيول يزيد)، ويبشّرها بالجنّة، ولكن ليس جنّة الله، وإنّما جنّة بني أُميّة؛ لأنّ الذين يقاتلونه هو الإمام الحسينعليهالسلام ، وهو سيّد شباب أهل جنّة الله.
وزحف جيش ابن سعد نحو معسكر الإمام بعد العصر، والحسينعليهالسلام جالس أمام خيمته محتبٍ بسيفه، إذ خفق برأسه على ركبتيه، فسمعت أخته الضجّة فدنت من أخيها، وقالت: (يا أخي، أما تسمع الأصوات قد اقتربت؟)
فرفع الحسينعليهالسلام رأسه فقال:((إنّي رأيتُ رسول الله صلىاللهعليهوآله الساعةَ في المنامِ وهو يقولُ لي: أنّك تروح إلينا)) .
فلطمت أخته وجهها، ونادت بالويل. فقال لها الحسينعليهالسلام :((ليس لكِ الويل يا أخيّة، اسكتي رحمكِ الله)) .
ثمّ قال له العباس بن علي: (يا أخي، أتاك القوم).
فنهض ثمّ قال:((يا عباس، اركب بنفسي أنتَ يا أخي حتّى تلقاهم، وتقول لهم: ما لكم، وما بدا لكم؟ وتسألهم عمّا جاء بهم)) .
فأتاهم العباس في نحو من عشرين فارساً، فيهم زهير بن القين وحبيبب بن مظاهر، فقال لهم العباس: (ما بدا لكم، وما تريدون؟).
قالوا: قد جاء أمر الأمير أن نعرض عليكم أن تنزلوا على حكمة أو نناجزكم.
فقال: (فلا تعجلوا حتّى أرجع إلى أبي عبد الله فأعرض عليه ما ذكرتم).
فوقفوا وقالوا: القه فأعلمه، ثمّ القنا بما يقول لك.
فانصرف العباس راجعاً يركض إلى الحسينعليهالسلام يخبره الخبر، ووقف أصحابه يخاطبون القوم ويعظونهم ويكفّونهم عن قتال الحسينعليهالسلام .
فجاء العباس إلى الحسينعليهالسلام فأخبره بما قال القوم.
فقالعليهالسلام :((ارجع إليهم، فإن استطعت أن تُؤخّرهم إلى غدوة، وتدفعهم عنّا العشيّة؛ لعلّنا نصلّي لربّنا الليلة وندعوه ونستغفره، فهو يعلم أنّي قد كنت أحبُّ الصلاة له، وتلاوة كتابه، وكثرة الدعاء والاستغفار)) .
فمضى العباس إلى القوم، ورجع من عندهم ومعه رسول من قبل عمر بن سعد يقول: إنّا قد أجّلناكم إلى غدٍ، فإن استسلمتم سرحّناكم إلى أميرنا عبيد الله بن زياد، وإن أبيتم فلسنا تاركيكم، وانصرف.
فجمع الحسينعليهالسلام أصحابه عند قرب المساء.
قال علي بن الحسين زين العابدينعليهالسلام :((فدنوت منه لأسمع ما يقول لهم، وأنا إذ ذاك مريض، فسمعتُ أبي يقول لأصحابه: أُثني على الله أحسن الثناء، وأحمده على السّرّاء والضّرّاء. اللهمّ إنّي أحمدك على أن كرّمتنا بالنبوّة، وعلّمتنا القرآن، وفقّهتنا في الدّين، وجعلت لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدةً فاجعلنا من الشاكرين.
أمّا بعد، فإنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيتٍ أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله عنّي خيراً، ألا وإنّي لا أظنّ يوماً لنا من هؤلاء، ألا وإنّي قد أذنت لكم، فانطلقوا جميعاً في حلٍّ ليس عليكم منّي ذمام، هذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً.
فقال له إخوته وأبناؤه وبنو أخيه وابنا عبد الله بن جعفر: لِمَ نفعل ذلك لنبقى بعدك؟ لا أرانا الله ذلك أبداً! بدأهم بهذا القول العباس بن عليعليهالسلام وتبعه الجماعة عليه فتكلّموا بمثله ونحوه.
فقال الحسينعليهالسلام : يا بني عقيل حسبكم من القتل بمسلم فاذهبوا أنتم فقد أذنتُ لكم.
قالوا: سبحان الله! فما يقول الناس؟ يقولون إنّا تركنا شيخنا وسيّدنا وبني عمومتنا خير الأعمام ولم نرمِ معهم بسهمٍ، ولم نطعن معهم برمحٍ، ولم نضرب معهم بسيفٍ، ولا ندري ما صنعوا! لا والله، ما نفعل (ذلك)، ولكن نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا، ونقاتل معك حتّى نرد موردك، فقبّح الله العيش بعدك.
وقام إليه مسلم بن عوسجة فقال: أنحن نُخلّي عنك! وبِمَ نعتذر إلى الله في أداء حقّك؟ أمّا والله، حتّى أطعن في صدورهم برمحي، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة. والله، لا نخلّيك حتّى يعلم الله أنا قد حفظنا غيبة رسوله فيك.
أمّا والله، لو قد علمتُ أنّي أُقتل ثمّ أُحيى، ثمّ أُحرق ثمّ أُحيى ثم أُذرى، يُفعل ذلك بي سبعين مرّة ما فارقتك حتّى ألقى حمامي دونك. فكيف لا أفعل ذلك وإنّما هي قتلة واحدة، ثمّ هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً؟
وقام زهير بن القين (رحمه الله) فقال: والله، لوددتُ أنّي قُتلت ثم نُشرت ثمّ قُتلت، حتّى أُقتل هكذا ألف مرّة، وأنّ الله عزّ وجلّ يدفع بذلك القتل عن نفسك، وعن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك.
وتكلّم جماعة أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضاً في وجه واحد، فجزاهم
الحسين عليهالسلام خيراً)) .
وقيل لمحمد بن بشير الحضرمي في تلك الحال: قد أُسر ابنك بثغر الرّي.
فقال: عند الله أحتسبه ونفسي، ما كنت أحبّ أن يؤسر وأنا أبقى بعده.
فسمع الحسينعليهالسلام قوله، فقال:((رحمكَ الله، أنتَ في حلٍّ من بيعتي، فاعمل في فكاكِ ابنك)) .
فقال: أكلتني السبِّاع حيّاً إن فارفتك.
قال:((فأعطِ ابنك هذه الأثواب البرود يستعين بها فداء أخيه)) . فأعطاه خمسة أثوابٍ قيمتها ألف دينار.
قال الراوي: وبات الحسينعليهالسلام وأصحابه تلك الليلة ولهم دويّ كدويّ النحل، ما بين راكع وساجد، وقائم وقاعد، فعبر إليهم - أي التحق بهم - في تلك الليلة من عسكر عمر بن سعد اثنان وثلاثون رجلاً(١) .
هذا هو المؤتمر الموسَّع الذي ضمَّ جميع أفراد جيش الحقّ والخير، جيش الإيمان والتقوى، الجيش الذي يقوده ويرأسه الإمام الحسين السبطعليهالسلام ، وفي آخر ليلة له في هذه الدنيا الدنيّة.
هل سمعت بمثله أيّها القارئ المنصف؟ وهل قرأ أحرار العالم شبيه ذلك؟!
نعم، هذا هو الحسين بن عليعليهماالسلام ، وعظمة شخصه، وسموّ أخلاقه وإنسانيّته التي لا تُحد، وعطفه الذي لا يوصف؟
_____________________
١ - إرشاد المفيد / ٢٣٠ - ٢٣٢، اللهوف / ٤٠ - ٤١.
الإمام الحسينعليهالسلام يعلم علم اليقين أنّه مقتول بسيوف بني أُميّة وزبانيتهم، وكلّ مَنْ سيبقى معه مصيره الشهادة وقطع الرؤوس والدوران بها في البلاد، والتمثيل بجثثهم على رؤوس الأشهاد؛ ولذا فإنّه (صلوات الله عليه) ولعظيم تديّنه وأخلاقيّة نهضته، أراد أن يحلّ الجميع من البقاء معه؛ لأنّه ربّما كان بينهم مَنْ يرى أنّ حياته في الأُمّة الإسلاميّة وبين ظهرانيّها أنفع له ولأهله كما يظنّ البعض، فتمنعه البيعة والالتزام بها، والشرف والكرامة والأنفة، والشجاعة والشهامة، وغير ذلك من الصّفات الإنسانيّة الحميدة من التخلّف عن القتال مع الإمام، فأرادعليهالسلام أن يكون واضحاً وصريحاً معهم منذ البداية وحتى هذه الليلة.
وهذا الموقف الذي أكّد لهم فيه أنّه مقتول، وأنّ حكّام بني أُميّة لا يطلبون إلاّ نفسه الزكيّة وشخصه الكريم، وإذا ما وصلوا إليه ذُهلوا عن البقيّة الباقية، وتركوهم ولم يبحثوا عنهم، فيتفرّقون في الأمصار والبلدان إلى أن يأتيهم الأجل المحتوم.
إنّها العظمة، الإيمان، التقوى، القيم الإنسانيّة العظيمة، يريدعليهالسلام أن لا يكون مسؤولاً عن شهادة أحد من أصحابه دون رويّة ووضوح رؤية وبصيرة، يريدهم جميعاً أن يكونوا مخلصين لله، وليس لشخص الإمام الحسينعليهالسلام ، رغم أنّه يستحق أن يُفدى بأغلى وأثمن ما في الوجود، أرادهم لله خالصين مخلصين.
قد يُقال: عند هجوم القوم عصر التاسع من شهر محرّم يَطلب الإمام منهم رخصة لليلة فقط، لماذا؟ هل هي مهلة للتفكير أو التدبير، أو تقدير المصير؟ أم أنّها مهلة للاستسلام للحاكم الظالم كما ظنَّ الكثير من جهّال العراق آنذاك؟ أم
هي فرصة للهروب والفرار في ذلك الليل البهيم خوفاً من التحدّي والمواجهة؟
لماذا هذه المهلة إذن؟!
كلّ تلك الحسابات لم تكن في فكر، ولا دارت في خلد الإمام الحسينعليهالسلام ، ولا حتّى أحد من أصحابه البررة، بل المهلة للصلاة والعبادة، والدعاء وقراءة آيات من القرآن الكريم والاستغفار، وليس لأيّ شيء آخر.
هكذا يكون الرّسالي الربّاني، القائد الإلهي، يطلب مهلة عن الموت؛ لكي يتهيّأ أصحابه وأهل بيته للقاء الربّ الجليل، فهل هو بحاجة لذلك كلّه؟!
لا، الإمام الحسينعليهالسلام ليس بحاجة لهذه الصلاة أو الدعاء أو الاستغفار، بل لأنّ الله يعلم أنّ الإمام الحسينعليهالسلام ((يحبّ الصلاة له، وتلاوة كتابه، وكثرة الدعاء والاستغفار)) .
إذن الصلاة بالحبّ، وحبّ الصلة بالله العزيز الحميد، وتلاوة الكتاب فيه لذّة ما بعدها لذّة؛ لأنّه كلام ربّ العالمين، وتلاوته تعني مخاطبة الله لتاليه.
والدعاء: هو خطاب من العبد إلى المعبود مباشرة.
فكم أنت عظيم يا سيدي ويا مولاي يا أبا عبد الله، كم أنت محبٌّ لله عابد له؟!
إنّ الصلاة - الصلة الحقيقية بين العبد وربّه - لها وقعٌ خاصّ، وشأنٌ رفيع، ومكانة سامية في قاموس الأولياء والعظماء، لا سيما وأنّ الحبيب المصطفىصلىاللهعليهوآله
كان يقول:((حُبّبَ إليّ من دُنياكم ثلاث وجعلت قرّة عيني في الصلاة)) (١) .
ولذا فإنّ قصص الأئمّة من أهل البيت الأطهارعليهمالسلام مع الصلاة عجيبة وغريبة، لا سيما وأنّ أمير المؤمنين عليعليهالسلام كان يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة، وحفيده الإمام زين العابدين علي بن الحسين لقّب بالسجادعليهالسلام لكثرة صلاته وسجوده.
وأمّا المولى أبو عبد الله الحسينعليهالسلام فإنّه كان يحبّ الصلاة، ومَنْ أحبَّ شيئاً بادر إليه، ووالده العظيم حينما وقف في ليلة الهرير المشهورة في حرب صفين وراح يصلّي، استنكر عليه أحد القوم فقال له: صلاة في مثل هذا اليوم (الوقت) يا مولاي؟!
فقالعليهالسلام :((على ماذا إذنْ نُقاتلُ القَوم؟!)) . أليس على الصلاة، فإذا تركنا الصلاة فلا داعي للحرب والقتال؛ لأنّنا سنكون مثلهم تماماً في ترك الصلاة أو تأخيرها.
وهكذا عندما حلّ وقت الزوال في يوم عاشوراء وهم في حلبة المعركة، جاء أبو ثمامة الصيداوي إلى الحسينعليهالسلام وقال: يا أبا عبد الله، نفسي لنفسك الفداء، هؤلاء اقتربوا منك، لا والله لا تُقتل حتّى أُقتل دونك، وأحبّ أن ألقى ربّي وقد صلّيت هذه الصلاة.
فرفع الحسينعليهالسلام رأسه إلى السماء، وقال:((ذكرتَ الصلاة، جعلك الله من المصلِّين الذّاكرين. نعم، هذا أوّل وقتها)) . ثمّ قال:((سلوهم أن يكفّوا عنّا حتّى
_____________________
١ - شرح نهج البلاغة ١٩ / ٣٤١، بحار الأنوار ٧٣ / ١٤١.
نُصلّي)) .
فقال الحصين بن نُمير: إنّها لا تُقبل. (تصوّر أنّ صلاة الإمام الحسينعليهالسلام لا تقبل عند هذا)!
فقال حبيب بن مظاهر الأسدي: لا تُقبل الصلاة كما زعمت من ابن بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله وتقبل منك يا ختَّار (يا حمار)!
فحمل عليه حصين بن نُمير، وحمل عليه حبيب فضرب وجه فرسه بالسيف فشبَّ (وثب) به الفرس ووقع عنه الحصين، واستنقذه أصحابه.
فقال الحسينعليهالسلام لزهير بن القين، وسعيد بن عبد الله:((تقدّما أمامي حتّى أصلّي الظهر)) . فتقدّما أمامه في نصف أصحابه حتّى صلّى بهم صلاة الخوف(١) .
ووقف البطل سعيد بن عبد الله الحنفي أمام الإمام الحسينعليهالسلام درعاً ووقاية له أثناء الصلاة، ولمّا أُثخن بالجراح سقط على الأرض، وهو يقول: اللهمَّ العنهم لعن عاد وثمود، وأبلغ نبيّك منّي السّلام، وأبلغه ما لقيت من ألم الجراح؛ فإنّي أردت بذلك ثوابك في نصرة ذريّة نبيّكصلىاللهعليهوآله .
والتفت إلى الحسينعليهالسلام قائلاً: أوفيتُ يابن رسول الله؟
قالعليهالسلام :((نعم، أنتَ أمامي في الجنّة)) .
وقضى نحبه، وارتفعت روحه إلى ربِّه، فوجدوا فيه ثلاثة عشر سهماً غير الضرب بالسيف والطعن بالرمح.
حقاً هكذا تصنع العقيدة أبطالاً يفخر بهم التاريخ، وتخلّدهم الأُمم.
_____________________
١ - موسوعة البحار ٤٥ / ٢١، الكلمة / ٢٨٤.
ولما فرغ الإمام الحسينعليهالسلام من الصلاة قال لأصحابه:((يا كرام، إنّ هذه الجنّة قد فُتحت أبوابُها، واتّصلت أنهارها، وأينعت ثمارُها، وهذا رسول الله والشهداء الذين قُتلوا في سبيل الله يتوقّعون قدومكم ويتباشرون بكم، فحاموا عن دين الله ودين نبيّه، وذبّوا عن حرم الرسول (صلّى الله عليه وآله)) .
فقالوا: نفوسنا لنفسك الفداء، ودماؤنا لدمك الوقاء، فو الله لا يصل إليك وإلى حرمك سوء وفينا عرق يضرب(١) .
هكذا تكون العبادة والصلاة، وهكذا يكون الأصحاب الأوفياء؛ ولذا استحقوا جميعاً، وبكلّ فخر وجدارة شهادة الإمام الحسينعليهالسلام لهم، وتقليدهم بذلك الوسام الرفيع العالي الذي يحقّ لهم أن يعلّقوه على صدر السماء التي كتبت أسماءهم من نور، حيث قال لهم مولاهم وقائدهم:((فإنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي)) .
فمَنْ كمسلم بن عوسجة الأسدي الذي قال في المؤتمر: والله، لا نخلّيك حتّى يعلم الله أنّا قد حفظنا غيبة رسولهصلىاللهعليهوآله فيك. أما والله، لو قد علمتُ أنّي أُقتل ثمّ أُحيى، ثمّ أُحرق ثمّ أُحيى ثمّ أُذرى، يُفعل بي ذلك سبعين مرّة ما فارقتك.
ومَنْ كزهير بن القين الذي قال: والله، لوددتُ أنّي قُتلت ثمّ نُشرت، ثمّ قُتلت، حتّى أُقتل هكذا ألف مرّة.
وأمّا ذاك البطل الذي أُسر ولده عند العدوّ يقول: أكلتني السباع حيّاً إن
_____________________
١ - مقتل الحسين - للمقرّم / ٢٤٦.
فارقتك.
ألا يستحق مثل هؤلاء الأبطال مثل ذاك الوسام الرفيع؟! بلى والله، إنّه لهم وليس لأحد غيرهم، فكم هو الفرق بين هؤلاء الأصحاب الكرام، وغيرهم من رجال الإسلام الذين صحبوا رسول اللهصلىاللهعليهوآله وبعد أيام قتلوا ابنته الوحيدة، بعد أن عصروها بالباب، وكسروا ضلعها، وأسقطوا جنينها، وضربوا عضدها، ولطموا خدّها، وفعلوا ما فعلوا!
فهكذا تكون الصحبة، وهكذا يكون الأصحاب، وهؤلاء الكرام ليسوا من الشيعة فقط، كما يظنّ الكثير من الناس الجهلاء بثورة الإمام الحسينعليهالسلام ونهضته العملاقة؛ فإنّ فيهم السيّد الجليل، والهاشميّ الأصيل، والسنيّ النبيل، وحتى المسيحي النصراني، والحروري الخارجي، إلى الكثير من العبيد والأرقّاء، والأطفال والنساء.
فنهضة الإمام الحسينعليهالسلام كانت أمميَّة شاملة وليست فئوية ضيّقة، كما يظنّها البعض من قصيري النظر، وقليلي العلم والثقافة بالنهضة الحسينيّة المباركة، وسنتحدّث عن هذا في بحث السّلام فيما بعد بإذن الله.
الفصل التاسع: صور أخلاقيّة أُخرى من أرض الطفوف
إنّ لكلّ معركة استثناءات تخرج بها الخطط العسكريّة عمّا رُسم لها، وذلك بما تفرضه أرض المعركة وتطوّراتها المتلاحقة، وسير الأعمال القتاليّة وتنفيذ المعركة، إلاّ إنّ معركة يوم عاشوراء على تراب كربلاء كانت كلّها استثناءات منقطعة النظير في التاريخ كلّه.
ولهذا لو استعرضنا جميع الصور لكان يجب علينا أن نكتب المقتل من جديد، أو أن ننقل تفاصيل المقاتل المختلفة، وهذا ما لا نريده هنا، والذي نريده أن نلتفت إلى الأخلاقيّات الحسينيّة كشخص وكقائد عسكري كما تصرَّف في أرض المعركة؛ لنعلم مدى الإيمان والقيم التي تحلّى بها المولى أبو عبد الله الحسين الامام الحسين (عليه السلام) في أشدّ الظروف وأدقّ الأوقات.
إنّ المرأة هذا المخلوق الرائع الجميل، اللطيف الناعم، الريحانة التي تحيطنا من كلّ نواحينا، ويلفنا من كلّ جوانب حياتنا فهي: الأُمّ والزوجة، والبنت والأخت، والخالة والعمّة والجدّة.
المرأة التي خلقها الله منّا،( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً
لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا ) (١) ، وجعلها الله لنا سكناً وسكينة، وملجأ ورهينة في ذات الوقت، ورغم ذلك ظلمها الرجل منذ البداية؛ لأنّه لم يستطع أن يفهمها أو يقدّرها حقّ قدرها فيتعامل معها بمنطقها اللطيف، حتى إنّ العرب في الجاهليّة كانوا يدفنونها حيَّة (بالوأد) بحجّة الفقر والخوف منه تارة، أو بذريعة العار والخوف من الفضيحة تارة أُخرى، فكان( وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ) (٢) .
إلاّ إنّ الإسلام الحنيف والرسول العظيم أعطى للمرأة حقّها اللازم، ووضعها في مكانها اللائق على لائحة الإنسانيّة المكرّمة منذ البداية؛ لأنّ أوّل الناس إسلاماً كانت أُمّنا خديجة بن خويلد (رضي الله عنها وأرضاها) التي منحت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كلّ شيء حتّى قال بحقّها:((لولا سيف علي ومال خديجة لما قام للإسلام عود)) .
هذه العظيمة كانت زوجة وأُمّاً، فكانت نِعْمَ الزوجة والأُمّ، وعندما جاء دور البنت فإنّ ابنتها سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السّلام) تقف شامخة تتحدّى الرجال جميعاً بالكفاءة الإيمانيّة:((فلولا علي (عليه السّلام) لما كان لفاطمة الزهراء كفؤ آدم فما دون)) (٣) ، كما يقول النبي (صلّى الله عليه وآله)، وكفى بهذه العظيمة التي كانت حجّة على الأولياء العظام أن تكون قدوة وأسوة حسنة.
_____________________
١ - سورة الروم / ٢١.
٢ - سورة النحل / ٥٨ - ٥٩.
٣ - التهذيب ٧ / ١٤٧٠، بحار الأنوار ٤٣ / ١٠٧.
فالإسلام دين الله الخاتم الذي نظّم الحياة كلّها بحكمة بالغة؛ لأنّه من حكيم خبير بصير، ولذا تراه وضع المرأة في مكانتها الصحيحة في الحياة الاجتماعيّة الإسلاميّة، وما دعاة التحرّر أو المنادون بحريّة المرأة في هذا العصر الأغبر إلاّ ثلّة من الأفّاكين والمحتالين الذين يطالبون بتجريد المرأة من كلّ كرامة وقداسة؛ لتكون لعبة جميلة بين أيديهم وأرجلهم، ولا همَّ لهم إلاّ جسدها وجمالها، فتراهم يستخدمونها لشهواتهم الخسيسة الدنيئة، ثمّ يلقونها كأتفه سلعة بالية يستخدمونها.
فلكلّ مَنْ ينادي بحقوق المرأة في العالم نقول: ادرس الإسلام وقوانين وتشريعات الإسلام في هذا الباب؛ فإنّك ستجد أنّه أعطاها كامل حقوقها، ونظَّم لها حياتها، وحفظها من كلّ أذى حتّى العيون الطامحة أو النفوس الطامعة، ووضعها في مكانها الذي خلقها الله له، كأساس ومدير لأعظم لبنة في المجتمع، ألا وهي الأسرة.
وإذا يمّمنا بنظرنا إلى ما نحن بصدده، واتّجهنا بأرواحنا وعيوننا إلى أرض الطفوف ومَنْ عليها، فإنّنا سنجد أنّ النساء كنَّ مرافقات للرجال ومساويات لهم؛ لأنّ فيهنّ السيّدة العظيمة الجليلة زينب الكبرى (سلام الله عليها) شقيقة القائد الأعلى الإمام الحسين (عليه السّلام)، وفيهنّ زوجته الرباب، وابنته سكينة، وكذلك زوجات الأبطال والمقاتلين وحتى العبيد والإماء.
فللمرأة حضور عظيم جدّاً في كربلاء، حتّى إنّ معظم الخطباء والعلماء الأجلاّء يذهبون إلى أنّ وجود المرأة في كربلاء كان ضرورة لبقاء المسيرة
واستمرار المنهج؛ لأنهنَّ كنَّ كالإعلام الذي نقل الأحداث بتفاصيلها المؤلمة، مع ما يرافقها من بكاء ونواح وحتى العويل على الشهداء.
وهذا ما جعل أخبار الفاجعة تنتشر في المجتمع الذي ينزلنَ فيه كالنار في الهشيم، حتّى إنّ يزيد الطاغية اعترف بذلك.
ويُقال: إنّ أوّل مجلس عزاء على سيّد الشهداء ِأقامته هند زوجة يزيد في الشام.
وأمّا موقف السيّدة العظيمة زينب الكبرى، عقيلة بني هاشم، في كربلاء، ثمّ في الكوفة، وحتى في الشام، وخطبها الرنّانة التي فضحت فيها الحكومة الأمويّة بكلّ قوّة واقتدار، حتّى إنّها خاطبت الحاكم الأموي الأعلى يزيد بن معاوية قائلة: (فو الله، ما فريتَ إلاّ جلدكَ، ولا حززت إلاّ لحمك، ولَتردنّ على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بما تحمّلت من سفكِ دماء ذُرِّيته، وانتهكتْ من حرمتهِ في عترتهِ).
وقالت: (ألا فالعجب كلّ العجبِ لقتلِ حزبِ الله النُجباء، بحزبِ الشّيطان الطُّلقاء!).
ثمّ قالت: (ولئن جرّت عليّ الدّواهي مخاطبتك، إنّي لأستصغر قدرك، وأستعظم تقريعك، وأستكثر توبيخك، لكنّ العيون عبرى، والصدور حرّى.
فكد كيدك، واسعَ سعيك، وناصب جهدك، فو الله لا تمحو ذكرنا، ولا تُميت وحينا، ولا يرحض عنك عارها. وهل رأيك إلاّ فند، وأيّامك إلاّ عدد، وجمعك إلاّ بدد. يوم ينادي المنادي: ألاّ لعنة الله على الظالمين)(١) .
_____________________
١ - موسوعة بحار الأنوار ٤٥ / ١٣٤.
مَنْ يستطيع أن يخاطب الحاكم في أيّ دولة من دول العالم بهذا الخطاب، وبهذا الأسلوب والتحدّي، وبهذه اللهجة القوية المليئة بالبلاغة والتقريع؟
لكنّها زينب بنت أبيها أمير المؤمنين علي (عليه السّلام)، وأُمّها الزهراء (عليها السّلام) التي وقفت بشموخ وجرأة أمام الخليفة الأوّل تطالب بفدك، وخطبتها الصريحة الأُخرى في نساء الأنصار بعد ذلك.
نعم، إنّها زينب السيّدة العظيمة التي كان يحترمها الحسين (عليه السّلام) أي احترام، ويجلّها عظيم الإجلال، ويقدّرها كبير التقدير؛ فإنّه كان إذا دخلت عليه منزله، أو خيمته في كربلاء وهو يقرأ القرآن فإنّك تراه يضع القرآن، ويقف لها إجلالاً وإكباراً، وكان لا يخاطبها إلاّ بكلّ احترام، لما يعلمه من عظمتها، ورفيع مكانتها عند الله.
فكانت لزينب (عليها السّلام) مع إخوتها وقفات ووقفات، لا سيما مع الإمام القائد، ونائبه السيّد الجليل أبو الفضل العباس (عليه السّلام).
وهكذا ترى احترام الأئمّة (عليهم السلام) للسيدة زينب (عليها السّلام)، وهذا هو الإمام زين العابدين (عليه السّلام) يقول لها:((عمَّة، أنتِ بحمدِ الله عالمةٌ غير معلّمة، وفهمةٌ غير مفهمّة)) (١) .
وأمّا سبي الحوراء فإنّها لمصيبة المصائب أن تُسبى وتُؤسر مثل السيّدة زينب عقيلة بني هاشم (عليها السّلام) وسائر الهاشميّات والعلويّات، وعلى العالم المتحضّر أن يُراجع أخلاقيّات الإمام الحسين (عليه السّلام) وأئمّة المسلمين؛ ليتعلّم كيف يتعامل مع المرأة، وكيف يعلّمها لتكون كزينب والرباب وسكينة ورملة وليلى (عليهنّ السّلام).
_____________________
١ - موسوعة بحار الأنوار ٤٥ / ١٦٤، الاحتجاج ٢ / ٣٠٥.
إذاً، فالإمام القائد (عليه السّلام) لم يصرخ أو يأمر أو ينهر تلك النساء من حوله، بل كان لهنّ البلسم الشافي، والأدب الراقي، والنور الساطع، وكلّ ذلك بأخلاقه الفاضلة.
ولدينا صور أُخرى عن مناقبيّات سبط الرسول الحسين (عليه السّلام) مع النساء في يوم عاشوراء، كأُمّ وهب التي رافقته مع زوجها النصراني المؤمن الذي قُتل مع زوجته، وكانت من قبل تنهاه عن الالتحاق بالإمام الحسين (عليه السّلام)؛ لأنّه عريس جديد وشاب نضر.
فإنّك تجد الإمام القائد (عليه السّلام) يخاطبهنّ بهذا الخطاب:((يا أمة الله، عودي إلى الخيام رحمك الله؛ فإنّه ليس على النساء جهاد. أما ترضينَ أن تكوني مع زينب والرّباب)) (١) .
وهكذا فإنّ الأخلاق الإسلاميّة التي جسّدها الحسين (عليه السّلام) كانت حاضرة بكلّ دقّة ورقّة في جنبات كربلاء، لا سيما في أيّام عاشوراء. فأبو الفضل العباس (عليه السّلام) كانت أمنيته أن يوصل الماء إلى النساء والأطفال في ذلك اليوم، والإمام (عليه السّلام) ترك الماء عندما قال له ذاك الجلف: تتلذّذ بالماء البارد وقد هجموا على خيامك وهتكوا حريمك؟
فالغيرة والحميّة والعفة، وجميع المفردات الأخلاقيّة كانت حاضرة عند الإمام ولم يفته منها شيء، ولو تتبّعناها لطال بنا الحديث، ولكنّ نباهة القارئ
_____________________
١ - المصدر السابق.
تكفي المؤونة.
إنّ عادة الرقّ وحياة العبيد كانت سائدة وبكثرة في تلك الأيّام، وعندما جاء الإسلام العظيم فإنّه أولى هذه المسألة اهتماماً كبيراً لتحرير اُولئك العبيد الأرقاء. فهناك الكثير من الكفّارات وغيرها تحضّ على تحرير الرقاب من رقّ العبوديّة، ورفع تلك القيود عن كواهلهم.
وفي كربلاء كان للعبيد حضور خاصّ؛ لأنّهم شاركوا وسطّروا ملاحم بطولية كالسادة تماماً، وهنا نأخذ صورة العبد (جون) الذي كان يخدم الصحابي الجليل أبا ذرّ الغفاري (رضوان الله عليه)، ثمّ انتقل إلى خدمة الإمام الحسين (عليه السّلام)، ورافقه إلى كربلاء، وتحمّل معه عناء الطريق كلّه، ولا أحد يعلم ما يفكّر به هذا الرجل العبد.
وعندما سقط أصحاب الحسين (عليه السّلام) شهداء، تقدّم هذا العبد إلى أبي الأحرار الحسين (عليه السّلام) بكلّ تواضع وخشوع يستأذنه للنزول إلى ميدان القتال، إلاّ إنّ الإمام أراد أن يردّه ردّاً أخلاقيّاً لطيفاً؛ لكي لا يجرح شعوره، فقال له بكلّ حبّ وحنان وتقدير:((يا جون، إنّما تبعتنا طلباً للعافية، فأنت في إذن منّي)) ، أو((فلا تبتلِ بطريقنا)) (١) .
فأنت أتيت معنا على الصحة والحياة والعيش الكريم، وأمّا الآن فإنّه الموت الزؤام الذي لا بدَّ منه، فأين ترمي بنفسك؟ ولعلك خجلت أو استحييت من
_____________________
١ - اللهوف / ٤٧، مثير الأحزان / ٦٣، العوالم ١٧ / ٢٦٥.
موقفك، فأنّا أعذرك وأقدّر لك هذا الموقف، ولكن أنت في حلّ من ذلك كلّه، فاذهب وعش حياتك كما تريد.
فوقع جون على قَدَمي الإمام القائد يقبّلهما وهو يقول: يابن رسول الله، أنا في الرخاء ألحسُ قصاعكم، وفي الشدّة أخذلكم! والله، إنّ ريحي لَنَتنٌ، وحَسَبي لَلئيم، ولوني لأسود، فتنفّس عليَّ بالجنّة؛ ليطيب ريحي، ويشرف حسبي، ويبيضَّ لوني، لا والله، لا أُفارقكم حتّى يختلط هذا الدمّ الأسود مع دمائكم(١) .
ألم أقل لك إنّ كربلاء وعاشوراء استثناء منقطع النظير في التاريخ كلّه، فمَنْ يقف مثل هذا الموقف العظيم؟! ما هو السبب الذي يجعل هذا العبد رهن إشارة المولى؟! إنّه يعرف نفسه جيداً، وإنّ طموحه كبير، وأمله عظيم؛ لأنّه محدِّقٌ بنظر من حديد إلى مكانة سامية في جنان الخلد، ورضى الربّ وجنّة القرب؛ لذا تراه يرفض العيش، بل ويطلب الموت العاجل.
وعندما سمع سيّد الشهداء الحسين (عليه السّلام) كلامه، أذن له بالنزول إلى المعركة، فسطّر ملحمته بحروف من نور، وكتب وثيقة وفائه وصدقه وإخلاصه بدمه الطاهر الزكي.
وحينما استشهد وسقط على الأرض ذهب إليه المولى أبو عبد الله الحسين (عليه السّلام)، ودعا له بهذه الكلمات التي تفيض عذوبة ولطافة:((اللهمّ بيّض وجهه، وطيّب ريحه، واحشره مع محمد (صلّى الله عليه وآله)، وعرّف بينه وبين آل محمد (صلّى الله عليه وآله)) .
فكان كلّ مَنْ يمرّ بالمعركة يشمّ منه رائحة طيّبة أزكى من المسك(٢) .
_____________________
١ - المصدر السابق.
٢ - مقتل الحسين - للمقرّم / ٢٥٢، العوالم / ٨٨.
إنّ مناقبيّات سيّد الشُّهداء الحسين بن علي (عليهما السّلام) كانت عظيمة جدّاً مع هؤلاء الكوكبة من العبيد الذين فاقوا على الكثيرين من اُولئك الذين فاتتهم المسيرة الحسينيّة، وهم في أعلى مراتب الإسلام كعبد الله بن العباس وغيره من أعلام الإسلام.
وكُتب السيرة والمقاتل تروي أنّ الإمامعليهالسلام كان كلّما سقط واحد من هؤلاء العبيد يذهب إليه ويرفع رأسه ويحتضنه رقةً وحُبّاً به، فكان يودّع الدنيا وهو في حجر الحسينعليهالسلام .
فلمّا صُرع واضح التركي مولى الحرث المذحجي استغاث بالحسينعليهالسلام فأتاه أبو عبد الله واعتنقه، فقال: مَن مثلي وابن رسول اللهصلىاللهعليهوآله واضع خدّه على خدّي؟! ثمّ فاضت نفسه الطاهرة(١) .
وكذلك كان حال أسلم مولى الحسينعليهالسلام حيث مشى إليه واعتنقه وكان به رمق، فتبسّم وافتخر بذلك ومات(٢) .
تلك هي الأخلاق الإسلاميّة العظيمة التي لا تفرّق بين عبد رقيق وسيّد جليل، ولا بين أبيض وأسود، بل إنّ التفاضل بالأعمال والتقوى وليس بالأحساب والأنساب.
فأين اُولئك الذين يدَّعون الحريّة والديمقراطيّة وحقوق الإنسان؟!
هلاّ قرؤوا الإسلام الحنيف وأخلاقيّات أهل البيت الأطهارعليهمالسلام ، لا سيما
_____________________
١ - مقتل الحسين - للمقرّم / ٢٤٩، مقتل الخوارزمي ٢ / ٢٤.
٢ - المصدر السابق.
أخلاقيّات عاشوراء وكربلاء التي سطّرها سيد الشهداء الحسين بن عليعليهماالسلام على أرض الواقع، فرسخت في القلوب المؤمنة وعافتها النفوس الخبيثة؟!
تبقى المسيرة متعثّرة ما لم تسعفها أخلاق القيادة الرساليّة والوفاء من الجند والأصحاب، وهذا ما يجب أن يتبادله القائد ومَنْ هم تحت قيادته وإمرته؛ لأنّ حبّ القائد يعني حبّ القضية والوفاء لها وإيثارها على النفس والغير.
وعاشوراء سجّلت على أرض كربلاء ملاحم بطوليّة بدماء الشهداء الزكيّة، وأبرزت كلّ معاني الوفاء، وأعظم صور الأخلاق، وأرفع أوسمة القيم المثاليّة في الحياة الإنسانيّة، وذلك مع جميع الشهداء من الأهل والأقرباء وحتى الأصحاب والعبيد والإماء.
هذا البطل زهير بن القين، يقف أمام الحسينعليهالسلام ويضع يده على كتفه، ويقول:
أقدم هديت هادياً مهديّا |
فاليوم ألقى جدّك النبيّا |
|
وحسناً والمرتضى عليّا |
وذا الجناحين الفتى الكميّا |
وأسد الله الشهيد الحيّا
فيقول له الإمام:((وأنا ألقاهم على أثَرِكَ)) .
هذه من صور الوفاء الخالدة، ولكن أين الوسام الأخلاقي المقابل؟
إنّه من الحسين بن عليعليهالسلام القائد الذي وقف على جسد زهير بعد شهادته، يقول له:
((لا يُبعدنّك الله يا زُهير، ولعن الله قاتليك؛ لَعْنَ الذين مُسخوا قردةً وخنازير)) (١) .
إليك هذا القائد التاريخي لجناح الحسينعليهالسلام الذي كبر سنّه في طاعة الله، وقضى نحبه بين يدي ابن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فكان ممّن يستحق الخلود كشامة على خدود الدهر.
إنّه حبيب بن مظاهر الأسدي الذي كان من أصحاب أمير المؤمنينعليهالسلام ومن شرطة الخميس، وكان نافذ البصيرة، صلب الإيمان، ويصفه المؤرّخون بالوفاء؛ إذ أنّه كان يوم الطفّ من أشدّ أصحاب الإمام سروراً وغبطة بما يصير إليه من الشهادة بين يدي ريحانة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فقد برز وهو يقول:
أنا حبيب وأبي مظهّر |
فارس هيجاء وحرب تسعر |
|
وأنتم منّا لعمري أكثر |
ونحن أوفى منكم وأصبر |
|
ونحن أعلى حجّة وأظهر |
حقّاً وأبقى منكم وأعذر |
إذن هو وفيٌّ لمبدئه، ودينه وعقيدته، وبالتالي لقائده وإمامه وسيّده؛ ولذا كان صاحب الوسام الرفيع، لأنّ هذا البطل قد هدَّ مقتله الحسينعليهالسلام كما يقول المؤرّخون؛ ولذا وقف القائد العظيم على الجسد المقطّع فاسترجع كثيراً، وقال:((عند الله أحتسب نفسي وحماة أصحابي)) (٢) .
فالوفاء من الجندي يقابله أخلاق عالية، وأوسمة رفيعة من القائد.
_____________________
١ - تاريخ الطبري ٦ / ٢٥٣.
٢ - حياة الإمام الحسين بن علي ٣ / ٢٢١، تاريخ الكامل - لابن الأثير ٣ / ٢٩٢، تاريخ الطبري ٦ / ٢٥١.
وقصّة الحرّ الرياحيّ التائب، ووداع الإمام له وشهادته له بأنّه حرٌّ في الدنيا والآخرة تكفيه، وإنّه نِعْمَ الرجل كان.
وكذلك برير بن خضير، ذاك العابد الزاهد، المعلّم للقرآن في مسجد الكوفة الذي دعا صاحبه إلى المباهلة في قلب المعركة لولاية أمير المؤمنينعليهالسلام ، ورغم كبر سنّه، وجلالة قدره فإنّه تعارك مع خصمه رضي بن منقذ العبدي فصرعه وجلس على صدره، فاستغاث هذا برجل من أصحابه، فقال له عفيف بن زهير: هذا برير بن خضير القارئ الذي كان يقرئنا القرآن في جامع الكوفة.
فلم يلتفت إليه فقتل بريراً بالرمح، وعاد إليه بالسيف فقتله، وذهبت روحه إلى بارئها طاهرة زكيّة.
وعاد عدوّه إلى بيته فاستقبلته زوجته النوار قائلة: أعنت على ابن فاطمة، وقتلت سيّد القرّاء، لقد أتيت عظيماً من الأمر! والله لا أكلّمك من رأسي كلمة أبداً(١) .
وقبل أن أدعك وأودّعك من هذا الفصل، لا بأس بأن نذكر عملاقاً من عمالقة كربلاء؛ لنستأنس ونتبارك بسيرته العطرة.
كان عابس بن شبيب رئيساً من رؤساء همدان الخير، وخطيباً من خطباء العرب، وناسكاً في العبادة، ومجتهداً في الدين، إنّه من رجال الشيعة المعروفين، ولا غرو فهذا ديدن بني شاكر، فكلّهم كانوا مخلصين بولايتهم لأمير المؤمنين
_____________________
١ - مقتل الحسين - للمقرّم / ٢٥٠.
عليعليهالسلام ، ولقد قال فيهم الإمام عليعليهالسلام في صفين:((لو تمّتْ عدّتهم ألفاً لعُبد الله حقَّ عبادته)) .
وكانوا من شجعان العرب المشهورين، وحماتهم المعروفين؛ ولذا لقبوا بـ (فتيان الصباح)، وعابس هذا كان من أكابرهم ورجالاتهم الرفيعة الشأن، وما أن قدم مسلم بن عقيلعليهالسلام الكوفة حتّى بايعه وراح يساعده في جميع شؤونه.
وفي يوم الطفّ وقف أمام سيّد الشهداء ليودعه بهذه الكلمات التي تشعّ محبّة وفخاراً، وتنضج بالولاء والوفاء: ما أمسى على ظهر الأرض، قريب ولا بعيد، أعزّ عليَّ منك، ولو قدرت أن أدفع الضيَّم عنك بشيء أعزّ عليّ من نفسي لفعلت. السّلام عليك، اشهد لي أنّي على هداك وهدى أبيك. ومشى بالسيف نحو القوم.
قال ربيع بن تميم: فلمّا رأيته مقبلاً عرفته، وقد كنت شاهدته في المغازي فكان أشجع الناس، فقلت للقوم: أيّها الناس هذا أسد الأسود، هذا ابن شبيب لا يخرجنّ إليه أحد منكم.
فأخذ ينادي: ألا رجل، ألا رجل لرجل؟!
فتحاماه الناس لشجاعته المعروفة، فقال لهم عمر بن سعد وكان قريباً منهم: ويلكم! ارضخوه بالحجارة (اضربوه بها بشدّة وقسوة).
فرموه بالحجارة من كلّ جانب، فلمّا رأى ذلك ألقى درعه ومغفره وشدَّ على القوم، فصاح به أحد أصحابه: ما لك يا عابس هل جُننتْ؟!
فقال البطل المغوار: نعم، حبُّ الحسين أجنّني(١) .
وهنا شاهدي: لماذا تعلّق هذا الرجل الشجاع بالإمام الحسينعليهالسلام إلى هذه الدرجة؟! لماذا أحبّه حتّى الجنون؟!
هل يمكن لأحدٍ أن يشتري الحبّ؟! وهل يمكن أن يرغم قلبه على حبّ مَنْ لا يحبّ؟
وقد تسألني: وهل القلب باليد أم أنّ أمره بيد الربّ تعالى؟
نعم، الحبّ في القلب، والقلب يتقلّب بيد الربّ سبحانه، ولا أحد يستطيع أن يحبّ أو يكره بإرادته ومتى شاء وأراد، فهذا أمر متعذّر؛ ولذا قال أمير المؤمنين عليعليهالسلام :((لو ضربت خيشومَ المؤمن بسيفي هذا على أن يبغضني ما أبغضني، ولو صببتُ الدنيا بجمّاتها على المنافق على أن يُحبّني ما أحبّني)) (٢) .
والإنسان يمتلك القلوب بالإحسان والأخلاق الفاضلة والقيم السامية، والمولى أبو عبد الله الحسينعليهالسلام الذي مثَّل خُلق القرآن والإسلام والرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله في كلّ أيّام حياته، أسر القلوب، وسكن أفئدة المؤمنين، لا سيما أصحابه الذين كانوا معه في كربلاء، ولا عجب أن يصرّح عابس بن شبيب بهذه الحقيقة العاشورائيّة.
_____________________
١ - المصدر السابق.
٢ - نهج البلاغة - قصار الحكم، رقم ٤٥.
الفصل العاشر: ثقافة السِّلم والسَّلام عند الحسين بن عليعليهالسلام
السَّلام ثقافة وضرورة حضارية؛ لأنّ الثقافة فكر نظري وتطبيق عملي، فهذا لا ينفصل عن هذا، وهذا لا يبتعد عن ذاك، العلم والعمل، الفكر والتطبيق، النظري والعملي. والثقافة خليط من كلّ ذلك، ولكلّ مجتمع أو بلد ثقافته المميّزة له عن الآخر، وقد تتوحّد الثقافات، وربما تختلف العادات، وهذا أمر طبيعي في هذه الحياة.
فالسَّلام ما هو؟ وكيف مارسه الإمام الحسينعليهالسلام في نهضته، تلك هي القضية؟
وقبل البسط في الحديث لا بدَّ لنا من مقدّمات تبسيطيّة لبعض المفاهيم، باعتبار أنّ هذه الكلمة (السّلام) هي عبارة عن مفهوم عام ضبابي، فلا بدَّ من العودة إلى كتب اللغة العربية؛ حتّى نعرف المعنى الحقيقي لها في لغتنا الأُمّ، ومن ثمّ التيمّم باتّجاه الجوانب الأُخرى وأطيافها المعاصرة.
ولو سألت كلّ عباقرة البشريّة عن معنى (السعادة) لما حصلت إلاّ على آراء مختلفة، تخبرك عن هوية أصحابها ونفسيّاتهم أكثر ممّا تخبرك عن المعنى الحقيقي للكلمة.
السَّلام: هو حالة من الهدوء والاطمئنان الذي يشعر بها الإنسان في نفسه، وكذلك في أسرته ومجتمعه وأُمّته والعالم أجمع. فلا تعقيدات ولا قلق نفسي،
ولا عنف أسري ولا اضطرابات في المجتمع، ولا منازعات في اختلافات الأُمّة؛ فالاختلاف حقّ مشروع وسُنّة كونيّة، ولا حروب وعمليات عسكريّة في العالم المسكون.
هذا هو السّلام العام كما نفهمه ونتطلّع إليه على كلّ المستويات. وإذا رجعنا إلى المعنى اللغوي للكلمة، فإنّنا سوف نجد كلّ ذلك في تراثنا اللغوي، إذ أنّ اللغة العربية هي أجمل وأغنى لغات العالم الحيّة والميّتة في مفرداتها وبلاغتها.
(سِلْم) السين واللام والميم معظم بابه من الصحة والعافية. فالسلامة: أن يسلْم الإنسان من العاهة، والله جلّ ثناؤه: هو السّلام، لسلامته ممّا يلحق المخلوقين من العيب والنقص والفناء. قال الله (جلّ جلاله):( وَاللهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ ) (١) .
فالسَّلام: هو اسم الله (جلّ ثناؤه) وداره الجنّة. ومن بابه الإسلام: وهو الانقياد التام(٢) .
أسلم: انقاد، وأخلص الدين لله، ودخل في دين الإسلام، ودخل في السلم. والسلام اسم من أسمائه تعالى. والسلامة: البراءة من العيوب(٣) .
والسَّلام: تحيّة الإسلام، بل تحيّة أهل الجنّة، كما في الحديث الشريف، وهي
_____________________
١ - سورة يونس / ٢٥.
٢ - معجم مقاييس اللغة ٣ /٩٠ مادة (سلم).
٣ - المعجم الوسيط ١ / ٤٤٦ مادة (سلم).
قولنا (السّلام عليكم)، والتحيّة بها مستحبّة استحباباً مؤكّداً، أمّا ردّها فهو واجب شرعاً وعقلاً بمثلها (وعليكم السّلام)، أو بأحسن منها بأن تزيد (ورحمة الله وبركاته) وما أشبه ذلك. وهي سواء للزائر الداخل، أو للمودّع الخارج، فالتحيّة هي السّلام(١) .
والسَّلام: هو علامة انتهاء الصلاة والخروج من الحضرة المقدّسة لله تعالى، والتي تدخلها بتكبيرة الإحرام استئذاناً، فلا بدّ من السّلام عند الانتهاء والخروج، فتسلّم على الوسيلة إلى الله وهو الرسول وآله الأطهارعليهمالسلام . وتسلّم على نفسك تحيّة من الله مباركة طيّبة، وتسلّم على الملأِ الملائكي والإيماني من حولك؛ ليكون كلّ ما أنت فيه سلاماً وهدوءاً واطمئناناً، فالسّلام بالنسبة للإسلام هدف استراتيجي حضاري(٢) .
وردت هذه الكلمة (سلم) ومشتقاتها المختلفة أكثر من (٨٠) مرّة في القرآن الكريم، وذلك بألفاظ عدّة (٢٦ لفظاً) أكثرها هي: سلام، سلاماً، أسلم، السلم.
كما إنّه وردت مادة الإسلام ومشتقاته أكثر من (٥٧) مرّة في الكتاب الكريم. والإسلام هو مشتق وباب من أبواب السّلام كما هو معروف.
فالطرح الإسلامي لهذا الشعار نابع من صميمه العقيدي، وأصوله الفكريّة
_____________________
١ - السبيل إلى إنهاض المسلمين / ١٤٣.
٢ - للتفصيل راجع موسوعة الفقه / السلم والسّلام.
كما هو بيِّن في كتاب الله، النبع القيّم، والفضائل والتشريعات الإسلاميّة كلّها.
والملفت للنظر هنا أنّ المتتبّع لآيات القرآن الكريم، سوف يرى أنّه لا يوجد فيها ما يعبّر عن العنف، أو أيّ مشتقّ من مشتقاته أبداً. وهذا يزيد التأكيد على أنّ الدين الإسلامي يرفض العنف ويدعو إلى السّلام مع الجميع.
هذا وقد تمّ اختبار هذا الشعار على أرض الواقع فأعطى نتائج رائعة حقّاً، فقد أعطى حضارة كانت وما زالت فخراً للإنسانيّة جمعاء، بعلومها وآدابها، وعمرانها رجالاتها، وتاريخها الناصع كلّه.
وأمّا رسول اللهصلىاللهعليهوآله الذي كان خُلقه القرآن، وحياته تطبيق وتجسيد لآيات وأحكام القرآن الحكيم، فقد عاش في مكّة أربعين عاماً واسمه الصادق الأمين، وعندما نزل عليه الوحي المقدّس، وأُمِر بالتبليغ لرسالة السماء؛ لكي ينقذ أهل الأرض من الظلام والجهل والتخلّف إلى النور والعلم والحضارة، راح الجهلاء وأبناء الجاهليّة يرمونه بكلّ ما يمكن أن يُرمى به من كذب ودجل، وسحر وشعوذة، وجنون وهوس، وغيرها الكثير من الألفاظ، ولم يكتفوا بذلك، بل كانوا يضربونه ويؤذونه، بل يرضخونه بالحجارة حتّى أدموا كعبيه وآذوه.
وصدق حين قالصلىاللهعليهوآله :((ما أوذي نبيٌ مثلَ ما أوذيت)) (١) .
حتى إنّهم لم يتركوا شيئاً يمكن أن يؤذوه به إلاّ وفعلوه؛ من قتل ربيبته، ومحاولة اغتياله شخصيّاً ولعدّة مرّات، فاضطروه إلى الالتجاء إلى شعب أبي
_____________________
١ - موسوعة بحار الأنوار ٣٩ / ٥٥، مناقب آل أبي طالب ٣ / ٢٤٧.
طالبعليهالسلام لمدّة ثلاث سنوات، وتهجير أصحابه مرّتين إلى الحبشة، ولم يزالوا به حتّى هاجر إلى بلد هجرته مكرهاً(١) .
لكنّه وبعد فتح مكة، وبعد حروب طاحنة خاضها ضدّ جيش الكفر والشرك المكي وهو في دار غربته، وعندما أسرهم وتمكّن منهم قال لهم:((اذهبوا فأنتم الطُّلقاء)) (٢) .
فالأذى لا يُقابل بالأذى في شريعتنا، بل يُقابل بالإحسان والامتنان، والإطلاق لوجه الله تعالى، وكذلك فعل أمير المؤمنين عليعليهالسلام الذي قال له رسول اللهصلىاللهعليهوآله :((أنت المظلوم من بعدي)) (٣) ، فلقد ظلموه وانتهكوا حرمته، واقتحموا عليه داره، وقتلوا زوجته سيّدة نساء العالمين، وطفلها الجنين (محسن)، وساقوه كالأسير، وفعلوا أفعالاً يندى لها جبين الإنسانيّة، إلاّ أنّه كان كثيراً ما يقولعليهالسلام :((لأُسالمنَّ ما سلمتْ أمورُ المسلمين، ولم يكن بها جورٌ إلاّ عليَّ خاصةً)) (٤) .
ويقولعليهالسلام :((سلامةُ الدِّين أحبُّ إلينا من غيره)) (٥) .
هذا هو الشعار، وهذه هي الممارسة العمليّة له، فالسّلام عند أمير المؤمنين عليعليهالسلام هو السبيل إلى بقاء الدين الإسلامي، والطريق الأفضل لانتشاره.
علينا أن نستفيد من هذا الدرس العظيم من الإمام عليعليهالسلام على طول المدى.
_____________________
١ - لأوّل مرّة في تاريخ العالم ١ / ١٤٣.
٢ - الكافي ٣ / ٥١٢، وسائل الشيعة ٩ / ١٨٢، بحار الأنوار ١٩ / ١٨٠.
٣ - عيون أخبار الإمام الرضاعليهالسلام ١ / ٩ ح١٣، و٢ / ٢٧١ ح٦٣، الاعتقادات في دين الإمامية - للشيخ الصدوق / ١٤.(موقع معهد الإمامين الحسَنَين)
٤ - بحار الأنوار ٢٩ / ٦١٢، نهج البلاغة / ١٠٢.
٥ - بحار الأنوار ٢٨ / ٣٥٣، شرح نهج البلاغة ٦ / ٢١.
أمّا الإمام الحسن السبط المجتبىعليهالسلام فإنّه دفع الحكومة والإمارة كلّها لمعاوية حقناً لدماء المسلمين، ولوحدتهم وحفظ كلمتهم، فهو رمز الوحدة والجماعة إلى هذا اليوم.
قدّمنا هذه المقدّمات؛ لنصل إلى شواطئ النور لبحر الحسين السبطعليهالسلام سيّد الشهداء، وسيّد شباب أهل الجنّة الذي قتلته هذه الأُمّة ظلماً وعدواناً، وجرأة على الله ورسوله ما بعدها جرأة، ولكن كيف، ولماذا؟!
طال البحث حول حركة الإمام الحسينعليهالسلام ، فهل هي ثورة حقيقيّة كان الهدف منها قلب نظام الحكم في الدولة الإسلاميّة، والسيطرة بالتالي على مقاليد الأمور السلطويّة؟ أم إنّها كانت نهضة شعبيّة محدودة دون تأييد جماهيري؛ ولذا أُبيدت؟
أم إنّها كانت حركة إصلاحيّة سلميّة جوبهت بقسوة عجيبة، وعنف غريب لم يسجّل التاريخ له مثيلاً؟!
إنّ الإمام الحسينعليهالسلام كان ابن الإسلام البار، بل أصل الإسلام الحقيقي في عصره، وهو الذي يُعطي الشرعيّة للحكومة التي تحكم باسم الإسلام، وإذا لم يعطِ الشرعيّة (بالبيعة) فهذا يعني أنّ الحكومة غير معترف بها دينيّاً وعقائديّاً، فهي تسير إلى الفشل بلا شك.
الإمام الحسينعليهالسلام ومنذ اليوم الأوّل كان يردّ الاعتداء والعنف عن نفسه، وذلك حين دخل دار الإمارة وحاولوا أن يضربوا عنقه، كما أشار مروان بن
الحكم على والي يزيد بن معاوية على المدينة، إلاّ إنّ الإمامعليهالسلام كان قد اصطحب معه فتيان بني هاشم احتياطاً لمثل هذا العمل الدنيء من الحاكم وأعوانه، وكان في كلّ مسيرته النهضويّة مسالماً، لم يبدأ أحداً بعدوان، ولم يشنّ على أحد حرباً.
أمّا عن أهداف الحركة (أو النهضة) الحسينيّة، فإنّ الإمامعليهالسلام قال منذ البداية:((إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا مُفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي رسول الله صلىاللهعليهوآله ؛ أريدُ أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي وأبي علي بن أبي طالب عليهالسلام ، فمَنْ قبلني بقبول الحقّ فالله أولى بالحقّ، ومَنْ ردّ عليَّ أصبر حتّى يحكم الله بيني وبين القوم الظالمين)) (١) .
فالحركة لطلب الإصلاح في الأُمّة. وهذا لا يأتي إلاّ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وذلك لأنّ بني أُميّة غيّروا قواعد الإسلام، وحرفوا الأُمّة عن المحجّة البيضاء والصراط المستقيم، حتّى فشا المنكر وقلّ المعروف بكثرة أنصار الأوّل وخذلان الثاني، حتّى صار الإسلام بحالة من التقهقر والرجوع إلى العهد الجاهلي، وهذا لا يمكن السكوت عنه.
فنهض الإمام الحسينعليهالسلام ، وتحرّك لإصلاح منظومة القيم الإسلاميّة، وإنقاذ الإسلام من الجاهليّة، وبالتالي إعادة المجتمع المسلم إلى أخلاقيّات الإسلام وأحكام القرآن، وسيرة رسول اللهصلىاللهعليهوآله وسنّته الشريفة، ولكن كيف؟
_____________________
١ - موسوعة البحار ٤٤ / ٣٢٩.
أرادوا أن يعيدوها جاهليّة جهلاء، فلا خبرٌ جاء ولا وحيٌ نزل.
أرادوا أن يطمسوا معالم الدين الحنيف، ويسلّموه للأجيال اللاحقة مشوّهاً ومنفّراً.
أرادوا أن يُطفئوا نور الله بأفواههم وأعمالهم، وبكلّ ما توفّر لديهم من معطيات.
أرادوا أن ينتقموا من رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، بإبادة ذريّته وقتل ريحانته وأبنائهعليهمالسلام .
أرادوا أن يحكموا بالباطل، وهم لا يعترفون بالحقّ تعالى.
فكيف السبيل إلى دفع إرادتهم السيئة الخبيثة بإرادة نورانيّة رحمانيّة ربّانيّة؟ فهل هناك إلاّ إمام ذاك الزمان، المكلّف برعاية وحفظ الدين وتسديد الأُمّة، وإعادتها إلى جادة الصواب إذا مالت بها الطريق في أثناء مسيرتها؟!
لقد كان الإمام الحسين سبط رسول الله، وسيّد شباب أهل الجنّة، فأنعم به وأكرم من قائد حقّ، وناطق بالصدق، تتجسّد فيه أخلاقيّات الإسلام والقرآن ورسول الله، وشجاعة والده علي بن أبي طالب، ورقّة ولطافة ومحبّة أُمّه فاطمة الزهراء (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين).
فحركة الإمام منذ البداية وحتى النهاية - وهي لما تنته إلى الآن - كانت تهدف إلى إبطال كلّ ما أراده اُولئك الرهط اللعناء بحقّ الدين الحنيف.
فأراد الإمامعليهالسلام أن يؤكّد الإسلام ويرسّخه في الأُمّة كوحي منزل من السماء.
وأراد أن يبيّن معالم الدين، ويوضّح أحكامه، ليسلّمه إلى الأجيال صحيحاً ناصعاً جميلاً.
وأراد أن يستنير الجميع بنور الله الأعظم بالقول والعمل حتّى الشهادة.
وأراد أن يؤكّد مكانة الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله ويمكّن دينه حتّى ولو كلّفه ذلك نفسه القدسيّة، وجميع مَنْ معه من الأهل والأصحاب الكرام.
نعم، أراد أن يزهق الباطل، ويثبت الحقّ لوجه الحقّ تعالى، ويسجّل ذلك كلّه بدمه الطاهر الزكي على تراب كربلاء، ليبقى شعاراً تتناقله الأجيال المؤمنة، ويذكره الرجال الطامحون إلى الإصلاح بالسلم والعلم.
وهذا المهاتما غاندي الذي حرّر الهند من الاستعمار البريطاني بحركته السلميّة يقول: (تعلّمت من الحسين كيف أكون مظلوماً فأنتصر).
والمهاتما غاندي، هذا الرجل الذي دحر الاستعمار البريطاني من بلاده، بعد استعمار واحتلال دام قروناً عدّة، ونهب طال كلّ خيرات الهند، بماذا حرّر بلاده؟
حرّرها بشعاراته السِّلميّة، وحركته السِّلميّة الإصلاحيَّة التي شهد لها التاريخ الحديث بالحكمة والحنكة والشجاعة.
وغاندي هذا تعلّم من الإمام الحسينعليهالسلام ، وتعلّم من الإسلام الأخلاق الفاضلة الكريمة، من حلم وصبر، وشجاعة ووفاء، ومحبّة وإخاء، وثبات على الحقّ الذي يعتقد به، فحرَّر بلاده وصار مثالاً يُحتذى به، وعَلماً يُشار إليه بالبَنان كلّما ذُكر السَّلام، وما هو إلاّ تلميذ في مدرسة المولى أبي عبد ا لله الحسين سيّد الشهداء.
نحن إذا نظرنا في التاريخ وفي الواقع فسنجد أنّ البعض يحاول أن يبني
إمبراطوريّة سياسيّة، والبعض الآخر يحاول أن يبني إمبراطوريّة عالميّة، وبعض يحاول أن يبني إمبراطوريّة إعلاميّة، ولكن الأنبياء وأوصيائهمعليهمالسلام وحدهم كانوا يريدون أن يبنوا إمبراطوريّة سلام (إنسانيّة)، وقد سجّل التاريخ بأحرف من نور أنّ الحسين السبطعليهالسلام قد قُتل من أجل أن يسود السَّلام.
يبدأ السَّلام من إحساس نزيه يتحوّل إلى فكرة مقدّسة بمرور الزمن؛ والإحساس بالكرامة والسَّلام يتطلب كرامة وسلامة الإحساس، وكما يحوم الضباب حول القمم العالية، فإنّ كلّ فكرة تدعو للسّلام لا بدّ وأن تحوم حولها الشبهات، تماماً مثل السَّلام الحسيني.
لقد قُتل الحسين بن علي الشهيدعليهالسلام في معركة من أجل السَّلام، غير أنّه لم يُهزَم كرجل عمل في سبيل السَّلام والكرامة، والحرية والعدالة والإصلاح.
إنّ مَنْ يريد أن يُصبح رجل سلام عليه أن يفكّر كما يفكّر رجال السَّلام، وأن يتصرّف ويتحمّل مثلهم، ومَثَلهم الأعلى هو الإمام الحسينعليهالسلام .
قلنا بأنّ الله سبحانه هو السَّلام، ومنه السَّلام، وإليه السَّلام، ويدعو إلى دار السَّلام، ورسوله محمدصلىاللهعليهوآله رسول الإسلام والسَّلام، وهو يقول:((حسين منّي وأنا من حسين)) (١) . ومعنى هذا أنّ الإمام الحسينعليهالسلام هو رائد السَّلام الإلهي والعالمي، وأنّ ظلامته تكمن في اغتيال نيّة وجهود السَّلام الحسيني.
إنّ الإمام الحسينعليهالسلام كان يبحث عن أيّ فرصة سلام للأُمّة، ولم يكن يبحث عن فرصة هروب إلى الأمام، وكيف يكون ذلك وهو القائل:((إنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة، والحياةَ مع الظّالمين إلاّ برماً)) (٢) .
_____________________
١ - سنن الترمذي ٥ / ٣٢٤ ح٣٨٦٤.(موقع معهد الإمامين الحسَنَين)
٢ - موسوعة بحار الأنوار ٤٤ / ١٩٢، كشف الغمة ٢ / ٣٢، المناقب ٤ / ٦٨.
وأن تحمل مشعلاً كبيراً للسّلام حتّى ولو لم تنجح في وضعه على قمم الجبال، أفضل من أن تحمل شمعة صغيرة يمكن أن تضعها في أيّ مكان، وأن تحمل شمعة خير لك من أن تعيش في الظلام.
كان أبو عبد الله الحسينعليهالسلام يبحث عن السَّلام بقوّة الرفق، وصلابة الإرادة الإيمانيّة، ومهما كانت إرادتك صلبة فلا بدّ لك من أن تعتمد اللّين والسَّلام في تنفيذها.
وكلمات الإمام ما زالت تردّدها الأجيال في أصداء الزمن باحثة برفقٍ ولين عن السَّلام، وحفظ الذمام قائلةً:((إذا كرهتُموني فدعوني أنصرف عنكم - إلى مأمن من الأرض -)) (١) .
وهو الذي خرج في ليلة العاشر من المحرَّم قاصداً قيادة جيش العدوّ (عمرو بن سعد)؛ ليبحث معه فرص السَّلام الممكنة، وفرص الحياة الآمنة بعيداً عن الدماء وقعقعة السّلاح.
نعم، كان الإمام يبحث عن سلام البطولة والرجولة وليس عن بطولة السَّلام، ولأن تكاليف البطولة كبيرة وغالية فإنّ أغلب الناس يحبّذون القيام بتمثيل دور بطل السَّلام، بدل أن يقوموا بأداء دور سّلام البطولة.
وكم مرّة حاول الإمام الحسينعليهالسلام نزع فتيل الصاعقة المدمِّرة، وإيقاف السيل أو تحويله إلى أماكن أكثر أمناً وفائدة، وأقلّ ضرراً وأذيّة، حتّى أنّه طلب منهم أن يتركوه ليسير أو يسيروا معه إلى الشام.
وفي يوم عاشوراء خاطبهم ونصحهم حتّى أنّه بكى عليهم رحمة وشفقة؛
_____________________
١ - روضة الواعظين ١ / ١٨١، المناقب لآل أبي طالب ٤ / ٩٧.
لأنّهم سوف يدخلون النار بسببه، وهو لا يريد لهم إلاّ الرحمة والجنّة، إلاّ أنّ إبليس ركبهم وساقهم إلى ما فيه هلاكهم في الدنيا والآخرة.
إنّه إذا كان جلب المنفعة هو أكبر دوافع التّجار إلى العمل، ودفع المضرّة هو أكبر دوافع الحكماء، فإنّ مسؤوليّة السَّلام هي أكبر دوافع العظماء إلى ذلك؛ ولذلك كان الإمامعليهالسلام يرى أن السَّلام وحده هو الكفيل بإخراج الأُمّة من شرنقة الضياع والانحراف.
وكما كانت حروب الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله دفاعيّة - دفعاً للاعتداء، وبحثاً عن السَّلام في الأرض - فإنّ دفاع الإمام الحسينعليهالسلام عن نفسه وعياله، لهو أكبر دليل على أنّه لم يرد الحرب، بل كان دائماً يقول:((إنّي أكرهُ أن أبدأهم بقتالٍ)) (١) .
حتى حين تمكن من طلائعهم - جيش الحرّ الرياحي - وكانوا على شفا حفرة من الهلاك بالعطش هم ودوابهم، فإنّه أنقذهم وسقاهم الماء حتّى أنعشهم ولم يبدأهم بالقتال، وكان من السهل أن يبيدهم عن بكرة أبيهم، أو لا أقل أن يتركهم يموتون عطشاً في تلك الصحراء، وتلسعهم سياط الشمس المحرقة حتّى يهلكوا، إلاّ أنّ أخلاق الحسين بن عليعليهالسلام أرفع من ذلك بكثير.
فالإمام لم يكن أبداً يريد القتال ولا الحرب، ولم يكن يسمح لعسكره ببدء المعركة بعد أن تحتّمت في صباح اليوم العاشر، إذ لم تستعر نيرانها إلاّ بعد أن تقدّم (عمر بن سعد) ووضع نبلاً في كبد قوسه، ورماه إلى جهة معسكر
_____________________
١ - مستدرك الوسائل ١١ / ٨٠، بحار الأنوار ٤٥ / ٤.
الحسينعليهالسلام وقال: اشهدوا لي عند الأمير أنّي أوّل مَنْ رمى؛ فانهالت السّهام على جيش الإيمان كالمطر كما يذكر المؤرّخون وأرباب السير(١) .
فالمولى أبو عبد اللهعليهالسلام لم يكن يريد أن يقاتلهم ويقتلهم، بل كان يريد أن يهديهم ويحميهم، وينقذهم من شياطين الإنس والجنّ، كان يفكر بسعادتهم وعيالاتهم، وإصلاح جميع شؤونهم الخاصّة والعامّة، ولا يفكّر بقتلهم وإبادتهم، ولو أراد ذلك لدعا عليهم دعوة واحدة فيغرقهم الفرات، أو تبلعهم الصحراء، أو تلعنهم السماء وترميهم بحجارة من سجّيل لتجعلهم كأصحاب الفيل.
إنّ الإمام الحسينعليهالسلام قد أبى أن يعيش إلاّ عزيزاً كريماً بكلّ شموخه وعظمته، وأبى أعداؤه إلاّ الإصرار على أخذه بالذلّة:((إنّ الدّعيَ ابن الدعي قد ركز بين اثنين؛ بين السِّلة والذلّة)) (٢) ؛ وذلك لأنّ العدوّ ينظر إلى تحقيق مصالحه وأهدافه غير منقوصة، ولذا تراه لم يعطِ للإمام أيّ فرصة لتحقيق المصلحة العامّة للإسلام المتمثلة في السَّلام.
وقد نجح شمر بن ذي الجوشن في إفشال عدّة حوارات بين الإمام الحسينعليهالسلام وعمرو بن سعد من أجل السَّلام.
والحقيقة أنّه لا شك في ضرورة امتلاك القوّة من القوّة، ولكنّ استخدامها في غير وقتها ومحلّها من الضعف.
وسبحان الله الذي يملك القوّة جميعاً، ولا يستخدمها إلاّ بقدر وحكمة!
_____________________
١ - مقتل الحسين - للمقرّم / ٢٣٧.
٢ - مثير الأحزان / ٥٤، شرح نهج البلاغة ٣ / ٢٤٩.
ولو كانت القوّة يمكن أن يُكتب لها البقاء من غير أن يرافقها السَّلام الحسيني لما انقرضت الإمبراطوريّات، ولو كان السَّلام يمكن أن يُكتب له البقاء والانتصار من غير القوّة لما كانت أسماء الشهداء تملأ صفحات التاريخ النيّرة، وفي مقدّمتهم سيّد الشهداء الحسين بن عليعليهماالسلام .
أراد الإمام السَّلام بشروطه هو، وليس بشروط يزيد بن معاوية أو عبيد الله بن زياد؛ ولذا فلن يكون الاستسلام للباطل قاعدة للسَّلام بين الأُمم، إذ كيف يمكن الجمع بين الهزيمة والطمأنينة؟
ولذلك قال أبو الأحرار الحسين بن عليعليهماالسلام :((هيهاتَ منّا الذّلة! يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون)) (١) .
ينقسم السَّلام إلى ثلاث مستويات متتاليات، هي:
١ - السَّلام الذاتي: الذي يعيشه كلّ واحد منّا ويتمنّاه في حياته كلّها.
٢ - السَّلام المجتمعي: الذي يشمل المجتمع كلّه من الأسرة وحتى الأُمّة.
٣ - السَّلام العالمي: وهو الذي لا يتحقّق إلاّ في آخر الزمان، ولكن لا بدَّ من السعي وراءه في كلّ زمان، وخصوصاً في هذا الزمن الأغبر الذي تتكالب فيه الأقوياء لأكل وهضم الضعفاء.
فلكي يكون الإنسان في سلام مع نفسه، يجب عليه أن يؤدّي حقّ ربّه وحقّ نفسه، ولكي يكون في سلام مع أسرته يجب أن يعطي لكلٍّ حقّه؛ أبويه وإخوته، وأقربائه وزوجته وأبنائه.
_____________________
١ - موسوعة البحار ٤٥ / ٨٣، الاحتجاج / ٢٣٦، المناقب ٤ / ١١٠.
أمّا الذي يتطلّع إلى سلام الأُمّة فعليه تأدية الحقوق المرتبطة بها، من الجار المؤمن إلى المسلم إلى أهل الكتاب وأهل الذمّة، إلى المعلّم والقاضي، إلى أن يصل إلى الحاكم الشرعي، فلكلٍّ حقّه، وعليه أن يراعيه ما أمكنه ذلك، ويؤدّيه عن طيب خاطر وهدوء نفس.
أمّا الذي يدنو ويتفاءل في سلام العالم (السَّلام الكوني)، فعليه أن يؤدّي حقوق العالم عليه، فللأرض حقّ وللسماء حقّ، وللبحار والأنهار والمياه حقّ، وللبهائم والحيوانات البريّة والبحريّة والطيور حقوق، وهي شريكة لنا في هذا الكون الفسيح، ولا ننسى حقوق الأجيال المقبلة من هذه الثروات، كما إنّ الهواء وطبقات الجو والأوزون، وبقيّة الكواكب والنجوم والأكوان كلّها لها مواقعها وحقوقها، وعلى الإنسان أن يعي ويؤدّي بعض هذه الحقوق.
لأنّ الله سبحانه يقول وقوله حقّ وصدق:( كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) (١) و( كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ ) (٢) و( وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ) (٣) .
فالكون مركّب من حقوق وواجبات، فصاحب الحقّ سلطان، ومَنْ عليه الواجب فهو مطالب به أيّ لتأديته، وهذا أمر بديهي وفطري وعقلاني، ولا يستطيع أحد أن ينكر ضرورة تأدية الواجب.
ومن حقوق الأجيال القادمة أن تعيش وتتنعّم بهذه النعم حسب حاجتها وطاقتها، وواجبنا الحفاظ على هذه الثروات وألاّ نستهلك منها ما يزيد عن حاجتنا، وذلك بهدر هذا المخزون الكوني فيما يدمّر الكون ولا يعمّره، وفيما
_____________________
١ - سورة القمر / ٤٩.
٢ - سورة الرعد / ٨.
٣ - سورة الحجر / ١٩.
يبيد البشر ولا يسعدهم.
ومن يعِ كلّ هذا أو بعضه يمكن أن يعيش في سلام ذاتي يشعر فيه بالسعادة والأمن والاطمئنان، وبقدر الوعي والعمل تكون النتائج إيجاباً أو سلباً.
فالسَّلام: ضرورة حضاريّة حقّاً، طرحه الإسلام منذ أربعة عشر قرناً من الزمن، وهو ضرورة لكلّ مناحي الحياة البشريّة اعتباراً من الفرد مروراً بالمجتمع وانتهاءً بالعالم أجمع.
والسَّلام: هو الذي يبني ويعلّي ويعلّم ويطوّر المجتمع.
والحرب أو العنف: هو الذي يدمِّر ويهدم ويقتل ويشرّد، ولا يقي ولا يذر، بل يدفع بالبشر إلى التخلّف والجهل والرذيلة.
ولأنّ سيّد الشهداء كان يعيش السَّلام في داخله، فقد حمل مسؤوليّة تحقيق المشروع على عاتقه، غير أنّ الطرف الآخر كان يريد من الحسين الاستسلام دون السَّلام، ولا معنى لتحقيق السّلام مع الآخرين من دون أن تحقّقه مع نفسك، فلا أحد أولى به منك.
ويفقد السَّلام قدسيته عندما تحمل اليد الملوثة رايته، ذلك أنّ اللوث نجاسة مسرية وستسري إلى الراية من اليد. وقد كان يزيد بن معاوية يريد سلام السيف، وقد رفع له راية بيد عمر بن سعد كُتب عليها (عجّلوا في قتل الحسين حتّى نصلّي جماعة)!
وإذا كان السَّلام ممنوعاً عنك فلا تتردّد في قبول خيار الدفاع عنه؛ حتّى تصبح معركتك مقدّسة، وهكذا كان الحسين يدافع عن الطهارة والسَّلام، وهو الذي أنشد يقول:
الموتُ أولى من ركوبِ العارِ |
والعارُ أولى من دخولِ النارِ |
والله ما هذا وهذا جاري
بين الدم والسيف صراع علني أحياناً وخفي حيناً آخر، فإذا كان في العلن انتصر الدم على السيف، وإذا كان في الخفاء انتصر السيف على الدم.
ومن هنا فإنّ كلّ أعداء السَّلام في التاريخ يريقون الدماء في الظلام، ويغسلون عنها أيديهم في العلن، وماذا سيبقى من الضمير العالمي إذا كان السَّلام يُذبح كلّ يومٍ بمنظرٍ وبمسمعٍ من كلّ الناس في كلّ مكان.
إنّ الحسينعليهالسلام وقّع على وثيقة استشهاده؛ لينقذ السَّلام المذبوح، وشتان بين مَنْ يقبل التوقيع على وثيقة إعدامه لينقذ الأُمّة المُحبطة، وبين مَنْ يوقّع على وثيقة إعدام أُمّته وسلامها لينقذ نفسه أو حزبه.
فالأوّل موقف الشهداء والحسين سيّدهم، والثاني موقف قاتلي الشهداء ويزيد رئيسهم.
وعندما بحث الحسينعليهالسلام عن السَّلام كان يريده للجميع، فهو ليس من الذين يتحدّثون عن خلاص الأُمّة وهم يتاجرون بآلامها.
وإذا أقمنا الحزن على سيّد الشهداء كلّ سنة فهو تقصير، أمّا إذا أقمنا عليه الحزن كلّ ساعة فهذا توقير، كلّ ذلك لأنّ السَّلام يُذبح كلّ ساعة، فالحزن على فقد قلب الحسين الذي بحث عن السَّلام، فهل نبحث عن السَّلام في قلب الحسين من جديد؟
ويبقى الحسين هو الشهيد الشاهد على اغتيال السَّلام بسيوف البغي(١) .
_____________________
١ - مجلة النبأ / ٨٥ عدد ٦٦ (بتصرّف).
الإسلام دين الحكمة والقرآن الحكيم هو دستوره، وهو منزل من حكيم عليم. ورسول اللهصلىاللهعليهوآله وهو أحكم العلماء على مدى العصور والدهور، باعتراف العدوّ والصديق، والقاصي والداني، وكلّ مَنْ اطّلع على حياته الشريفة وأخلاقه العظيمة لا بدّ أن يأخذه العجب العجاب من حكمته وخلقه العظيم، وحنكته السياسيّة الفريدة.
الحكمة: هي وضع الشيء في موضعه المناسب له كما قالوا في تعريفها، فهل من الحكمة أن نجبر الخلق على الإسلام أو الإيمان؟
وهل من الحكمة أن يُقاتَل كلّ مَنْ يخالفنا الرأي؟!
وهل من الحكمة أن نُبيد أهل الأديان السابقة؛ لأنّها قد نُسخت بالإسلام؟!
وهل من الأخلاق أن نقتل مَنْ نشاء، كيف نشاء، ومتى نشاء، دون أيّة ضوابط شرعيّة، أو أيّة قيود عقليّة، أو شروط منطقيّة لذلك؟!
لا هذا ولا كلّ ما يمتّ إليه بصلة من الإسلام في شيء، بل الإسلام أمر بعكسه تماماً، والإسلام هو دين المحبّة والأخوّة والسَّلام، وأخلاقيّاته معروفة للجميع ومشهود لها بالطهارة.
(إنّما الأصل الذي يدعو إليه الإسلام هو السَّلام، وليست الحروب والمقاطعة، وما أساليب العنف، إلاّ وسائل اضطرارية وشاذّة، وهي على خلاف الاُصول الأوّليّة الإسلاميّة، حالها حال الاضطرار لأكل الميتة وما أشبه،
والحروب تقدّر بقدرها في الإسلام)(١) .
فالإسلام يقول مقابل ذلك:
( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ) (٢) ، ويقول:( أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) (٣) ، ويقول:( لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ) (٤) ، ويقول:( وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) (٥) ، ويقول:( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا ) (٦) ، ويقول:( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ) (٧) ، ويقول:( لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ ) (٨) ، ويقول:( ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ) (٩) .
فالإسلام واحة غنّاء من الحبّ والسَّلام والتعاون، وهو يرفض رفضاً قاطعاً جميع أشكال وأنواع العنف النفسي والجسدي، والاجتماعي والسياسي، والاقتصادي والثقافي، حتّى أنّه يرفض العنف ولو بالكلمة؛ شعراً أو نثراً، سبّاً أو لعناً، قذفاً أو غيبةً، فالأخلاقيّات الإسلاميّة ترفض جميع هذه الأنواع من السلوكيّات المنحرفة.
_____________________
١ - السبيل إلى إنهاض المسلمين / ١٤٣.
٢ - سورة القصص / ٥٦.
٣ - سورة يونس / ٥٩.
٤ - سورة الكافرون / ٦٦.
٥ - سورة سبأ / ٢٤.
٦ - سورة آل عمران / ٦٤.
٧ - سورة النساء / ١٧.
٨ - سورة الإسراء / ٣٣.
٩ - سورة البقرة / ٢٠٨.
والتقديم والتقويم عنده هو قوله تعالى الموجّه إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله وإلينا جميعاً:( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) (١) .
فالحكمة بالمواقف والمواجهات والموعظة الحسنة للأهل والأقارب والمحيط الاجتماعي، والجدل بالتي هي أحسن لأهل الإنكار والجحود وللمخالفين في الآراء.
فأين دعاة التكفير للأُمّة الإسلاميّة كلّها من أخلاقيّات الإمام الحسينعليهالسلام ؟! وأين أصحاب منهج السبّ والتشهير بالأُمّة من أخلاق الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله ؟!
وأين رعاة المفسّدين في الدنيا ولا سيما في الأُمّة الإسلاميّة من أخلاق القرآن الكريم؟!
_____________________
١ - سورة النحل / ١٢٥.
الفصل الحادي عشر: رؤية أُخرى في التوحيد الإلهي والتربوي
عن عكرمة، قال: بينما ابن عباس يحدّث الناس إذ قام إليه نافع بن الأزرق فقال: يابن عباس، تفتي في النملة والقمّلة، صف لنا إلهك الذي تعبده؟
فأطرق ابن عبّاس إعظاماً لله (عزّ وجلّ)، وكان الحسين بن عليعليهالسلام جالساً ناحية، فقال:((إليَّ يابن الأزرق)) .
فقال: لست إيّاك أسأل!
فقال ابن عباس: يابن الأزرق، إنّه من أهل بيت النبوّة، وهم ورثة العلم.
فأقبل نافع بن الأزرق نحو الحسينعليهالسلام ، فقال له الحسينعليهالسلام :((يا نافعُ، إنّ مَنْ وضع دينه على القياس لم يزل الدّهر في الارتماس، مائلاً عن المنهاج، ظاعناً في الاعوجاج، ضالاً عن السّبيل، قائلاً غير الجميل. يابن الأزرق، أصفُ إلهي بما وصف به نفسه، وأعرِّفه بما عرّف به نفسه، لا يُدرك بالحواسّ، ولا يُقاس بالنّاس، فهو قريبٌ غير مُلتصق، وبعيدٌ غيرُ متقصٍّ، يُوحّد ولا يُبعّض، معروفٌ بالآيات، موصوفٌ بالعلامات، لا إله إلاّ هو الكبيرُ المتعال)) (١) .
_____________________
١ - التوحيد / ٧٩ ب٢ ح٣٥، مستدرك الوسائل ١٧ / ٢٦١ ح٢٦٠.
فبكى ابن الأزرق، وقال: يا حسين، ما أحسن كلامك؟!
قال له الحسينعليهالسلام :((بلغني أنّك تشهدُ على أبي وعلى أخي وعليّ بالكفر)) .
قال ابن الأزرق: أما والله يا حسين، لئن كان ذلك لقد كنتم منار الإسلام ونجوم الأحكام.
فقال له الحسينعليهالسلام :((إنّي سائلك عن مسألةٍ)) .
قال: اسأل.
فسأله عن هذه الآية:( وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ ) (١) ،يابن الأزرق، مَنْ حُفظَ في الغُلامين؟
قال: أبوهما.
قال الحسينعليهالسلام :((فأبوهُما خيرٌ أم رسول الله صلىاللهعليهوآله ؟)) .
قال ابن الأزرق: أنبأنا الله أنّكم قوم خصمون(٢) .
الإمام حياة العلم كما في الرواية، أي أنّ به يحيا العلم وينمو ويبارك، ولولا الإمام المعصوم في كلّ عصر لتاه الناس عن دينهم، وتشتّت بهم الأهواء، وكثرت التأويلات والاجتهادات في دين الله، كما فعل المجسّمة وأتباع القياس قديماً وحديثاً، لا سيما اُولئك الذين يدَّعون التوحيد وهم مشركون مشبّهون،
_____________________
١ - سورة الكهف / ٨١.
٢ - تاريخ ابن عساكر، ترجمة الإمام الحسين / ١٥٧ ح٢٠٣.
ويرمون الأُمّة الإسلاميّة بالكفر والشرك؛ لأنّها تنزّه الله عن التشبيه.
فيا أُمّة الإسلام ويا شعوب الأرض، تعالوا تعلّموا من الحسين بن علي وسائر أهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم) العلوم الحقَّة التي لا يمكن أن نجدها عند غيرهم من سكّان المعمورة، ودعكم من تخرّصات الآخرين.
فكيف لغير أولياء الله أن يعرفوا الله؟! وكيف لأعداء الله أن يعرفوا شيئاً عن الله تعالى في أسمائه وصفاته؟! فمعرفة الله تُؤخذ من أوليائه المقرّبين لا من أعدائه والمشبّهين له بعباده أو مخلوقاته.
وهذا الإمام الحسينعليهالسلام يحذّرنا من اُولئك الذين يمرقون من الدين، (الخوارج قديماً، والذين يكفّرون المسلمين حديثاً)، ويصف لنا الله سبحانه بهذا الحديث الرائع:((أيّها النّاس، اتّقوا هؤلاء المارقة الذين يُشبّهون الله بأنفسهم، يُضاهئون قول الذين كفروا من أهل الكتاب، بل هو الله ليس كمثله شيءٌ، وهو السميع البصير، لا تُدركه الأبصار، وهو يُدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير.
استخلص الوحدانيّة والجبروت، وأمضى المشيئة والإرادة، والقدرة والعلم بما هو كائنٌ، لا منازع له في شيء من أمره، ولا كفؤ له يُعادله، ولا ضدّ له يُنازعه، ولا سميّ له يُشابهه، ولا مثل له يُشاكله.
لا تتداوله الأمور، ولا تجري عليه الأحوال، ولا تنزل عليه الأحداث، ولا يُقدّر الواصفون كُنه عظمته، ولا يخطُر على القلوب مبلغ جبروته؛ لأنّه ليس له في الأشياء عديلٌ، ولا تُدركه العلماء بألبابها، ولا أهل التفكير بتفكيرهم إلاّ بالتحقيق إيقاناً بالغيب؛ لأنّه لا يُوصف بشيءٍ من صفات المخلوقين، وهو الواحد الصّمد، ما
تُصوّر في الأوهام فهو خلافه، ليس بربٍّ مَنْ طُرح تحت البلاغ، ومعبودٍ مَنْ وجِدَ في هواء أو غير هواء .
هو في الأشياء كائنٌ لا كينونة محظور بها عليه، ومن الأشياء بائنٌ لا بينونة غائب عنها. ليس بقادرٍ مَنْ قارنه ضدٌ، أو ساواه ندٌّ، ليس عن الدّهر قدمه، ولا بالنّاحية أُممه، احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار، وعمّن في السماء احتجابه كمَنْ في الأرض.
قربه كرامته، وبعده إهانته، لا تحلّه في، ولا توقّته إذ، ولا تُؤامره إنْ، علّوه من غير توقّلٍ، ومجيئه من غير تنقّل، يُوجد المفقود، ويُفقد الموجود، ولا تجتمع لغيره الصفتان في وقت، يصيب الفكر منه الإيمان به ...)) (١) .
إذا كان الخالق بهذه الصفات من الكمال، لا بدَّ للمخلوق من اتّصافه بصفاته الجميلة، وأجمل صفة للإنسان أنّه عبد الله؛ ولهذا نجد أنّه أوّل ما يوصف النبيّ أو الرّسول بأنّه عبد الله ثمّ رسوله.
وأوّل وصف للعباد الكاملين من أئمّة المسلمين العبوديّة لله؛ لأنّ الكمال المنشود بالعبوديّة الخالصة للمعبود. والعبادة: هي غاية الخلق، أو العلّة الغائيّة لخلق المخلوقات كما يقول الفلاسفة.
وهذا تقرير لما جاء بالآية الشريفة:( وَمَا
_____________________
١ - تحف العقول / ١٧٦، موسوعة البحار ٤ / ٣٠١ ح٢٩.
خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ ) (١) .
والإمام الحسينعليهالسلام يقول:((مَنْ عبد الله حقّ عبادته، آتاه الله فوق أمانيّه وكفايته)) (٢) .
ولكن حقّ العبادة كيف؟ ومَنْ يستطيع أن يعبد الله حقّ العبادة إلاّ الخُلّص من العباد؟ كالإمام ومَنْ هم مثله في الطهارة والكمال من آله الكرام (سلام الله عليهم جميعاً).
وأمّا بالنسبة للتقوى: فللإمام الحسينعليهالسلام كلمات رائعة، وخطب مدوّية يحض الأُمّة ويحثّها على التقوى التي هي أجلى غايات العبادة، كخطبته التي يقول فيها:((أوصيكم بتقوى الله، وأُحذّركم أيّامه، وأرفع لكم أعلامه، فكأنّ المخوف قد أُفد بمهول وروده، ونكير حلوله، وبشع مذاقه، فاعتلق مهجكم، وحال بين العمل وبينكم.
فبادروا بصحّة الأجسام في مدّة الأعمار، كأنّكم ببغتات طوارقه فتنقلكم من ظهر الأرض إلى بطنها، ومن علوِّها إلى أسفلها، ومن أُنسها إلى وحشتها، ومن رَوحها وضوئها إلى ظلمتها، ومن سعتها إلى ضيقها، حيث لا يُزار حميمٌ، ولا يُعاد سقيمٌ، ولا يُجاب صريخٌ.
أعاننا الله وإيّاكم على أهوال ذلك اليوم، ونجّانا وإيّاكم من
_____________________
١ - سورة الذاريات / ٥٦.
٢ - بحار الأنوار ٦٨ / ١٨٤، مجموعة ورام ٢ / ١٠٨.
عقابه، وأوجب لنا ولكم الجزيل من ثوابه .
عباد الله، فلو كان ذلك قصر مرماكم، ومدى مظعنكم، كان حسب العامل شغلاً يستفرغ عليه أحزانه، ويُذهله عن دنياه، ويكثر نصَبه لطلب الخلاص منه، فكيف وهو بعد ذلك مرتهنٌ باكتسابه، مستوقفٌ على حسابه، لا وزير له يمنعه، ولا ظهير عنه يدفعه، ويومئذ ( لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ) (١) .
أوصيكم بتقوى الله، فإنّ الله قد ضمن لِمَنْ اتّقاه أن يحوِّله عمّا يكره إلى ما يحبّ ( وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) (٢) ، فإيّاك أن تكون ممّن يخاف على العباد من ذنوبهم، ويأمن العقوبة من ذنبه؛ فإنّ الله تبارك وتعالى لا يُخدع عن جنّته، ولا يُنال ما عنده إلاّ بطاعته إن شاء الله)) (٣) .
هل قرأت أو سمعت كهذا الوصف الجميل، والموعظة البالغة، وهذا التحذير من الموت الذي تحدّث عنه الإمام في مطلع موعظته النورانيّة هذه؟!
_____________________
١ - سورة الأنعام / ١٥٨.
٢ - سورة الطلاق / ٣.
٣ - تحف العقول / ١٧٠، موسوعة البحار ٧٨ / ١٢٠ ح٣، الأنوار البهية / ١٤٥.
الموت: هو ذاك الطارئ المهول، والضيف النزول، والوارد المجهول.
إنّ الموت: هو المخوف الذي يوفد على كلّ منّا بمهول المطلع، ويأتينا بغتة أو فجأة، أو على قدر لا يعلمه إلاّ صاحبه، قال تعالى:( اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ) (١) ، بشع المذاق، صعب الحلول، شنيع الصنيع، يستلُّ الأرواح، ويمنع الإنسان من متابعة العمل الصالح.
ولذا فجدير بالإنسان العاقل أن يعدّ العدّة لهذا الضيف الذي لا بدَّ من نزوله وحلوله، نفسيّاً ومعنويّاً، وفي الرواية:((موتوا قبل أن تموتوا)) (٢) ، و((حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا)) (٣) .
والإمام الحسينعليهالسلام يخبرنا عن الموت قائلاً:((لو عقلَ الناسُ، وتصوّروا الموت بصورته لخربت الدُّنيا)) (٤) ؛ وذلك لأنّ أمر الموت عظيم لا يمكن تصوّره، ولو تصوّرنا الموت لما عمل أحد للدنيا بشيء؛ ولذا كانت الدنيا تخرب، ويصبح الناس جميعاً من أبناء الآخرة وهم في هذه الدنيا، فسبحان مَنْ قهر عباده بالموت!
ولولا الموت لشمخ الإنسان برأسه وطغى، وبغى بعضهم على بعض، ولأظهر كلٌّ بحجمه ما أظهره فرعون لأهل زمانه ودولته.
وفي رواية عن الإمام الحسين (عليه السّلام) يقول:((لولا ثلاثةٌ ما وضع ابن آدم رأسه لشيءٍ؛ الفقرُ، والمرضُ،
_____________________
١ - سورة الزمر / ٤٢.
٢ - تفسير ابن عربي ١ / ٨١، بحار الأنوار ٦٩ / ٥٩.(موقع معهد الإمامين الحسَنَين)
٣ - وسائل الشيعة ١٦ / ٩٩ ح٢١٠٨٢ /٩.(موقع معهد الإمامين الحسَنَين)
٤ - إحقاق الحقّ ١١ / ٥٩٢.
والموت)) (١) .
والفقر: هو ذلّ حاضر للإنسان، قاتله الله ما أبشعه! وأمّا المرض: فإنّه منبع الألم، وربما يكون مقدّمة للموت.
فالثلاثة يجمعهم الموت قاصم الظهور، ومذلّ مَنْ في القصور.
وعلى الإنسان أن يعتبر بالماضين قبل أن يصبح عبرة للأجيال الآتية، ويعمل لعمار آخرته في دنياه، لا أن يعمل للدنيا وعمارها بخراب الآخرة ونسيانها.
وبين يدينا موعظة جميلة جدّاً بهذا المعنى لأبي عبد الحسينعليهالسلام يقول فيها:((يابن آدم، تفكّر وقل: أين ملوكُ الدنيا وأربابها الذين عمّروا واحتفروا أنهارها وغرسوا أشجارها، ومدنوا مدائنها؟ فارقوها وهم كارهون، وورثها قومٌ آخرون، ونحن بهم عمّا قليلٍ لاحقون.
يابن آدم، اذكر مصرعك، وفي قبرك مضجعك، وموقفك بين يدي الله تشهد جوارحك عليك يوم تزلُّ فيه الأقدامُ، وتبلغ القلوب الحناجر، وتبيضُّ وجوهٌ، وتسودٌّ وجوهٌ، وتبدو السرائرُ، ويوضعُ الميزانُ بالقسط.
يابن آدم، اذكر مصارع آبائك وأبنائك، كيف كانوا وحيث حلّوا؟ وكأنّك عن قليلٍ قد حللت محلّهم، وصرت عبرةً للمعتبر)) .
وأنشد شعراً:
_____________________
١ - نزهة الناظر وتنبيه الخاطر / ٨٠ ح٤.
أينَ الملوكُ التي عن حفظها غفلت |
حتّى سقاها بكأسِ الموتِ ساقيها |
|
تلكَ المدائنُ في الآفاقِ خالية |
عادتْ خراباً وذاقَ الموتَ بانيها |
|
أموالُنا لذوي الورّاثِ نجمعها |
ودورُنا لخرابِ الدّهرِ نبنيها(١) |
كلمات بسيطة ومعبّرة لا تحتاج إلى تعليق أو توضيح؛ لأنّ توضيح الواضحات من أشكل المشكلات.
والشعر في آخرها يوجز مغزاها ومعناها، فتبصّر في أمرك يا عزيزي، واعرف أين أنت، وإلى أين أنت سائر؟
تيقّظ من غفلتك أيّها العبد السّاهي أو الغافل؛ حتّى لا تُؤخذ على حين غرّة فتذهب حياتك سُدى، وأكبر الخسران خسران النفس في الدار الآخرة.
وفي رواية جميلة عن المولى أبي عبد الله الحسينعليهالسلام يقول فيها:((وجِدَ لوحٌ تحت حائط مدينة من المدائن مكتوبٌ فيه: أنا الله لا إله إلاّ أنا، ومحمدٌ نبييّ، عجبتُ لِمَنْ أيقن بالموت كيف يفرح! وعجبتُ لِمَنْ أيقن بالقدر كيف يحزن! وعجبت لِمَنْ اختبر الدنيا كيف يطمئن إليها! وعجبت لِمَنْ أيقن بالحساب كيف يُذنب!)) (٢) .
وأنا العبد الفقير أعجب ممّنْ يتدبّر هذا الحديث، كيف لا يسوح في الأرض مطلِّقاً الدنيا ثلاثاً كأمير المؤمنين عليعليهالسلام ، يبحث عن رضى الله، متفرّغاً للعبادة والجهاد؟!
_____________________
١ - إرشاد القلوب ١ / ٢٩.
٢ - عيون الأخبار ٢ / ٤٨ ح١٥٨، موسوعة البحار ٧٨ / ٤٥ ح١٣، و٧٣ / ٩٥ ح٧٦.
إنّ الحجّ عبادة عظيمة جدّاً في ديننا الإسلامي، وهو استجابة لنداء أبينا إبراهيم الخليلعليهالسلام منذ قرون وقرون، حين أمره الله أن يعلي البيت ويعمره، ثمّ ينادي في الناس بالحجّ، فجعل الله ذاك المكان المقفر مهوى للأفئدة والقلوب الطاهرة.
وآيات القرآن الكريم تشهد على ذلك كلّه، ونتلوه في آيات مباركات، لا سيما في كلّ من سورة إبراهيم وسورة الحجّ المباركتين.
وللإمام الحسينعليهالسلام مع الحجّ حقائق ووقائع جميلة، وشواهد عظيمة، فكتُب التاريخ والسيرة والتراجم تذكر أنّه حجّ إلى بيت الله الحرام خمساً وعشرين حجّة ماشياً على قدميه(١) ، وكانت الأفراس والنجائب تُقاد بين يديه وأمامه(١) .
وذات مرَّة خرج طالباً العمرة، وفي أثناء الطريق مرض مرضاً شديداً، فبلغ ذلك أباه أمير المؤمنينعليهالسلام وكان في المدينة المنوّرة، فخرج في طلبه فأدركه في (السقيا) وهو مريض، فقال له:((يا بُنيّ، ما تشتكي؟)) .
قالعليهالسلام :((أشتكي رأسي)) .
فدعا أمير المؤمنينعليهالسلام ببدنة (ناقة) فنحرها، وحلق رأس الحسين وردّه إلى المدينة، فلمّا أبل (شفي) من مرضه قفل راجعاً إلى مكّة المكرّمة واعتمر(٣) .
_____________________
١ - تاريخ ابن عساكر ١٣ / ٢٥٤.
٢ - المصدر نفسه / ٥٤.
٣ - حياة الإمام الحسين بن علي ١ / ١٣٤، دعائم الإسلام ١ / ٣٩٥.
ويروى أنّه كان إذا أمسك الركن الأسود (الحجر الأسود) يناجي الله ويدعوه بهذه الكلمات النورانيّة:((إلهي، أنعمتني فلم تجدني شاكراً، وابتليتني فلم تجدني صابراً، فلا أنت سلبت النعمة بترك الشكر، ولا أدمت الشدّة بترك الصبر. إلهي، ما يكون من الكريم إلاّ الكرم)) (١) .
ومَنْ يدرس حياة الإمام الحسينعليهالسلام تستوقفه ثلاثة مواقف في الحجّ الحسيني المبارك:
١ - دعاء الإمام الحسينعليهالسلام في يوم عرفة.
٢ - مؤتمر مِنى في آخر حجّة حجّها الإمام قبل وفاة معاوية بعام.
٣ - آخر حجّة حجّها ولكن لم يكملها، بل أحلَّ إحرامه في يوم التروية، وانطلق إلى العراق في طريقه إلى كربلاء الفاجعة.
وفي الحقيقة فإنّ دراسة دعاء الإمام الحسينعليهالسلام في يوم عرفة يحتاج إلى كتاب كبير وموسَّع؛ لأنّ فيه من المعارف الراقية، واللطائف الرائعة ما لا يدركه إلاّ أصحاب العلوم والمعارف الإلهيّة الحقّة.
وأنا العبد الفقير معترف بالتقصير والقصور عن ذلك العمل الرفيع؛ لقصر الباع، وقلّة البضاعة، ولكن كما يُقال: (ما لا يُدرك كلّه لا يُترك جلّه).
ومن هذه الحقيقة التي نعترف بها أوّلاً، نحاول قراءة فقرات هذا الدعاء العظيم للمولى أبي عبد اللهعليهالسلام ، ومحاولة الاستفادة منه ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً.
_____________________
١ - حياة الإمام الحسين بن علي ١ / ١٣٤، الكواكب الدريّة ١ / ٥٨.
إنّ معارف الدعاء الشريف للمولى أبي عبد الحسينعليهالسلام في يوم عرفة تكاد لا تنحصر في موضوع واحد، لكنّه يبدأ بالحمد والتمجيد لله تعالى، ثمّ ينتقل إلى العلوم الدقيقة للإنسان من عالم الأصلاب إلى الأرحام وظلماتها، ثمّ إلى الدنيا وتطوّراتها وأطوارها المختلفة.
وهكذا ينتقل الإمام من آيات النفس البشريّة، إلى آيات الكون الآفاقيّة برحابتها وعظمتها، والدَّارس للدعاء الشريف يشعر وكأنّه في بحر خضم من المعارف النورانيّة الرفيعة، والعميقة والبليغة، بحيث وردت بهذا الترتيب البديع أو السهل السريع؛ ولذا فإنّني سأختار فقرات فقط من الدعاء مع الالتفات إلى اللطائف الأخلاقيّة فيها، وممّا يرتبط ببحثنا عن أخلاقيّات الإمام الحسينعليهالسلام ، فالأخلاق مع العبادة والطاعة قمّة الأخلاق الفاضلة.
١ - التمجيد:
وهو التقديس والتنزيه، والتعظيم للمولى تعالى، وهذا مطلوب في بداية كلّ دعاء كما في الرواية الشريفة أنّ:((مَنْ أرادَ الدعاء فليبدأ بالتَّمجيدِ لله تعالى)) .
والإمام الحسينعليهالسلام يبدأ حامداً وممجّداً بقوله:((الحمدُ لله الذي ليس لقضائهِ دافعٌ، ولا لعطائه مانعٌ، ولا كصنعه صُنع صانعٍ، وهو الجواد الواسع، فطر أجناس البدائع، وأتقن بحكمته الصّنائع، لا تخفى عليه الطلايعُ، ولا تضيعُ عنده الودائعُ، جاري كلِّ صانعٍ، ورائشُ كلّ قانع، وراحم كلِّ ضارعٍ، ومنزّلُ المنافع، والكتاب
الجامع بالنّور الساطع، وهو للدّعوات سامعٌ، وللدّرجات رافعٌ، وللكربات دافعٌ، وللجبابرة قامعٌ، فلا إله غيره، ولا شيء يعدله، وليس كمثله شيء وهو السميع العليم، البصيرُ اللطيف الخبيرُ، وهو على كلّ شيءٍ قدير ...)) (١) .
تأمّل عزيزي القارئ هذه الكلمات وأعدْها؛ حتّى تتذوق ما فيها من حلاوة، وترى ما عليها من طلاوة، ألا تجد أنّ في كلّ جملة قصّة أو حكمة، أو نظريّة علميّة؟
ألا ترى أنّ جملة((ليسَ لقضائهِ دافعٌ، ولا لعطائه مانعٌ)) تلخّص مسألة كلاميّة في غاية الدقّة (القضاء والقدر)، وبحوثه الكلاميّة التي طال الحديث فيها بين أقطاب الأُمّة، وافترقت على أساسها إلى ثلاث فرق أساسية؟
أمّا الجملة الثانية:((ليسَ كصُنعهِ صُنعُ صانع)) فإنّها تحكي قصّة الخلق كلّه من الذّرة إلى المجرّة؛ فإنّها كلّها مخلوقة له سبحانه، وإذا أضفنا إليها الجملة التي بعدها فإنّها تزداد ألقاً ونوراً، أعني قولهعليهالسلام :((فَطَرَ أجناس البدائِع، وأتقنَ بحكمتهِ الصنائعُ)) .
نعم، إنّه إبداع أوّل الخلق؛ لأنّه جاء لا عن مثال سبقه. والفطر: الخلق الإبداعي الأوّل. فطرة الله: خلقته الأولى وإيجاده الأوّل الذي لا يمكن أن يكون إلاّ بحكمة بالغة ودقّة متناهية، وإلاّ كان الخلق عبثاً والخالق لاعباً - والعياذ بالله - وهو الحكيم العليم القادر.
_____________________
١ - البلد الأمين - للكفعمي / ٢٥١، زاد المعاد - للمجلسي / ١٤٦.
فَنِعَمُ الخالق على المخلوقات لا تُحصى ولا تُعدّ؛ ولذا يتعذّر الشكر عليها وتأدية واجب ذلك للمنعم بها علينا.
يقول الإمامعليهالسلام بعد الالتفات إلى عجيب خلق الإنسان:((فسُبحانك سُبحانك من مُبدئ مُعيدٍ، حميدٍ مجيدٍ، وتقدّستْ أسماؤك، وعظمت آلاؤك، فأيّ أنعمك يا إلهي أُحصي عدداً أو ذكراً، أم أيّ عطاياك أقومُ بها شكراً، وهي يا ربِّ أكثرُ من أن يُحصيها العادّون، أو يبلغُ عِلمها الحافظون)) (١) .
وربّنا سبحانه وتعالى قال وهو أصدق القائلين:( إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوهَا ) (٢) ، فكيف يشكر ما لا يُحصى.
إذا كانت النعم لا تُحصى، والشكر عليها لا يؤدّى، ووصفها متعذّر لجهل معظمها، فكيف لك أن تصف خالقها، أو تعرف حقيقة بارئها؟! هيهات هيهات! لا يمكن لك ذلك مهما كنت من أصحاب العقول العملاقة؛ لأنّك مهما بلغت ستبقى محدوداً وربّك مطلقاً، فهل يمكن للمحدود أن يحيط علماً بالمطلق؟
[كلاّ؛ ولذا قال الإمام الحسينعليهالسلام : ]((يا مَنْ لا يعلم كيف هو إلاّ هو، يا مَنْ لا يعلمُ ما هو إلاّ هو، يا مَنْ لا يعلمُ ما يعلمهُ إلاّ هو، يا مَنْ كبس الأرض على الماء، وسدَّ الهواء بالسّماء، يا مَنْ له أكرمُ الأسماء، يا ذا المعروف الذي لا ينقطعُ أبداً)) (٣) .
_____________________
١ - المصدر السابق.
٢ - سورة إبراهيم / ٣٤.
٣ - إقبال الأعمال - للسيد ابن طاووس ٢ / ٨٠.
فالله سبحانه لا يُعرَف بالكيف، ولا بالماهية الحقيقيّة، ولا يعلم سرّه إلاّ هو، فعلم ذلك لم يخرج منه إلى أحد من خلقه؛ لأنّه لا يُحتمل، ويتعذَّر على الإنسان الإحاطة أو المعرفة بالله تعالى؛ ولذا جاء في الحديث الشريف:((تفكّروا في خلقِ الله، ولا تتفكّروا في ذات الله فتضلّوا)) .
فالعلم بالله، ومن الله، ولكن لا أحد يعلم عن الله وصفاته، أو أسمائه أو حتّى علمه إلاّ هو.
٢ - معرفة الخالق:
قلنا: إنّ معرفة الخالق سبحانه متعذّرة، إلاّ أنّه وصف نفسه القدّوسية، ووضع لها أسماء مباركة؛ لنتعامل معها في هذه الحياة، وسمح لنا بمعرفة الأوصاف بما يقابلها في صفحات الوجود من انعكاسات وظلال نورانيّة.
فعرفنا الاسم ِأو الصفة الجلالية أو الجمالية بالتجلّي على أرض الواقع فيما بيننا، وإلاّ فإنّه سرّ مكنون مصون.
فالله سبحانه معروف بالصفات، ولا نصفه إلاّ بما وصف لنا نفسه، وعلى الإنسان أن يعرف ربّه، كما يقول المولى أبو عبد الله الحسينعليهالسلام :((يا مولاي، أنتَ الذي أنعمتَ، أنتَ الذي أحسنتَ، أنتَ الذي أجملتَ، أنتَ الذي أفضلتَ، أنت الذي مننتَ، أنتَ الذي أكملتَ، أنتَ الذي رزقتَ، أنتَ الذي أعطيتَ، أنتَ الذي أغنيتَ، أنتَ الذي أقنيتَ، أنتَ الذي آويتَ، أنتَ الذي كفيتَ، أنتَ الذي هديتَ، أنتَ الذي عصمتَ، أنتَ الذي سترتَ، أنتَ الذي غفرتَ، أنتَ الذي أقلتَ، أنتَ الذي مكّنتَ، أنتَ الذي أعززتَ، أنتَ الذي أعنتَ، أنتَ
الذي عضدتَ، أنتَ الذي أيّدتَ، أنتَ الذي نصرتَ، أنتَ الذي شفيتَ، أنتَ الذي عافيتَ، أنتَ الذي أكرمتَ، تبارَكتَ ربِّي وتَعَاَليتَ فلك الحمدُ دائماً، ولك الشُّكر واصباً أبداً)) .
تلك هي المعرفة الحقّة للخالق تعالى، فهل تحتاج منّا إلى شرح أو تعليق أو توضيح؟
لا أحسبني محتاجاً لذلك، بل سأتركه للقارئ الكريم العارف الروحاني.
٣ - معرفة النفس والاعتراف بالذنب:
إنّ المعرفة الإنسانيّة عامّة وشاملة مهما كانت واسعة أو عميقة، إلاّ الأولياء الكمّل من عباد الله المخلصين، كمحمد وآله الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين)، فإنَّ علمهم لَدُنّيٌّ بتعليم المولى لهم كلّ العلوم التي تحتاجها البشرية، ولم يَخْفَ عنهم إلاّ علم السّاعة كما في الروايات.
أمّا الإنسان العادي فإنّ معرفته بنفسه يجب أن تكون أفضل المعارف لديه، وربّنا سبحانه وتعالى يقول:( بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ) (١) .
إنّ أخبر الناس وأعلمهم بأنفسهم هم المؤمنون الذين أنار الله بصائرهم فكانوا على يقين من أمورهم كلّها، وتراهم ينظرون بنور الله، ويهتدون بآياته وكتابه الكريم، ولكنّ الإمام الحسينعليهالسلام يعلّمنا كيف ندعو ونعترف بالتقصير؛ لأنّه لا أحد يعبد الله حقّ عبادته مهما جاهد فيه؛ لذلك
_____________________
١ - سورة القيامة / ١٤ - ١٥.
يقولعليهالسلام في دعاء عرفة أيضاً:((أنا يا إلهي المعترِفُ بِذُنوبي فاغفرها لي، أنا الذي أخطأتُ، أنا الذي هممتُ، أنا الذي جَهِلتُ، أنا الذي غفلتُ، أنا الذي سَهوتُ، أنا الذي اعْتمدتُ، أنا الذي تعمَّدتُ، أنا الذي وَعَدتُ، أنا الذي أخلفتُ، أنا الذي نَكثتُ، أنا الذي أقررتُ، أنا الذي أعترفُ بنعمتك عندي وأبوء بذنوبي فاغفْر لي، يا مَنْ لا تضرُّهُ ذُنوبُ عباده وهوَ الغنيُّ عَنْ طاعَتِهمْ، والموفِّقُ مَنْ عمَل منهم صالحاً بمعونَتهِ ورحمتهِ، فلك الحمد إلهي وسيدي)) .
والاعتراف بالذنب فضيلة، والاعتراف بالتقصير يجبره، والاعتراف بالخطأ اعتذار، وعليك أن تعترف بذنبك أمام سيدك وتطلب منه الغفران، وتقف بين يديه لتقرّ على نفسك بكلّ ما عملت، وتطلب منه العفو عنك وإخلاءك من التبعات.
وتقول مع سيّدك:((اللهُمَّ اجعلنا في هذا الوقت ممَّنْ سألكَ فأعطيته، وشكركَ فزدتهُ، وتابَ إليك فقبلتهُ، وتنصَّلَ إليك مِنْ ذنوبه كُلِّها فغفرتها له، يا ذا الجلال والإكرام)) .
وذلك كلّه نابع من معرفتك بنفسك، ويقينك من ذنبك، ورحمة ربّك وواسع مغفرته، من العبد الاعتراف بالذنب، ومن الربّ الرحمة والغفران، وكلّ يعمل على شاكلته.
((إلهي، أنا الفقيرُ في غناي، فكيف لا أكونُ فقيراً في فقري. إلهي،
أنا الجاهلُ في علمي فكيف لا أكونُ جهولاً في جهلي. إلهي، إنَّ اختلافَ تدبيركَ وسُرعةَ طواء مقاديرك منعا عبادكَ العارفين بك عن السُّكون إلى عطاء واليأس منك في بلاءٍ. إلهي، منّي ما يليقُ بلؤمي، ومنكَ ما يليقُ بكرمكَ. إلهي، وصفتَ نفسكَ باللُّطفِ والرّأفةِ لي قبلَ وجود ضعفي، أفتمنعني منهما بعد وجود ضعفي؟! إلهي، إنْ ظهرتِ المحاسنُ منّي فبفضلكَ ولك المنَّةُ عليَّ، وإنْ ظهرتِ المساوي منَّي فبعدلك، ولكَ الحُجّةُ عليَّ)) .
٤ - لطائف ومعارف:
إنّ العرفان هو لطائف نورانيّة تُقذف في القلوب المؤمنة، فتلوح إشارات غامضة، وتنطلق كلمات مبهمة لا يمكن شرحها أو تفسيرها، أو ربما يصعب فهمها على غير أصحاب القلوب الرقيقة، والعقول العميقة، والأفكار الدقيقة.
ومن هذه اللفتات الرفيقة في دعاء الإمام الحسينعليهالسلام الذي نحن في رحابه قولهعليهالسلام :((إلهي، هذا ذُلّي ظاهرٌ بينَ يديكَ، وهذا حالي لا يخفى عليكَ، منكَ أطلُبُ الوصولَ إليك، وبكَ أستدلُّ عليك، فاهْدني بنوركَ إليكَ، وأقمني بصدق العبوديَّة بين يديك. إلهي، عَلَّمني من علمك المخزون، وصُنّي بستركَ المصون. إلهي، حقّقني بحقائق أهل القُربِ واسلُك بي مسلك أهلِ الجّذب. إلهي، أغنني بتدبيرك عنْ تدبيري، وباختياركَ عن اختياري، وأوقفني على مراكز اضطراري. إلهي، أخرجني من ذُلِّ نفسي، وطهِّرني من شكّي وشركي قبلَ حلول رمسي. إلهي، تقدّس رضاكَ أن يكون له علةٌ منكَ فكيف يكونُ له
علّةُ منِّي؟! إلهي أنتَ الغنيُّ بذاتِكَ أنْ يَصِلَ إليكَ النَّفعُ منكَ فكيفَ لا تكونُ غنيّاً عنّي ؟!
أنت الذي أشْرقتَ الأنوارَ في قلوب أوليائكَ حتّى عرفوكَ ووحَّدوك، وأنتَ الذي أزلتَ الأغبارَ عنْ قلوبِ أحبائكَ حتّى لم يُحبّوا سواكَ ولمْ يلجأوا إلى غيركَ، أنتَ المؤنسُ لهم حيثُ أوْحَشَتهمُ العوالمُ، وأنتَ الذي هديتهُمْ حيثُ استبانتْ لهمُ المعالمُ، ماذا وجد مَنْ فقدك وما الذي فقد مَنْ وجدك؟ لقد خابَ منْ رضيَ دونكَ بدلاً، ولقدْ خسِرَ مَنْ بغى عنكَ مُتحوَّلاً)) .
تملَّ وانتشِ بهذه العبارات النوارنيّة، وهذه الكلمات المضيئة، واشرحها في نفسك ونوّر بها قلبك. وفي نهاية الدعاء الشريف يقول الإمامعليهالسلام :((يا مَنْ استوى برحمانيَّته فصارَ العرشُ غيباً في ذاته، محقْتَ الآثار بالآثارِ، ومحوتَ الأغبار بمُحيطات أفلاكِ الأنوار، يا مَنْ احتجبَ في سُرادقاتِ عرشهِ عن أنْ تُدركهُ الأبصارُ، يا مَنْ تجلّى بكمال بهائهِ فتحقّقتْ عظمتُهُ (من) الاستواء، كيفَ تخفى وأنتَ الظاهرُ، أم كيف تغيبُ وأنتَ الرَّقيب الحاضرُ؟ إنَّكَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، والحمدُ لله وحده)) .
سأترك لقلبك المنارِ بأنوار الوحي التعليق، بل التعلُّق بهذه المعاني واللطائف التي احتوتها كلمات المولى أبي عبد الله الحسين (صلوات الله وسلامه عليه).
أنقل هذا المؤتمر الحسيني المبارك بطوله لك أخي العزيز وقد تسأل ما علاقة هذا بالأخلاق، ولماذا نقلته بهذا السياق، وأثناء الحديث عن العبادة والحجّ خاصّة؟
إنّ الأخلاق هنا تكمن، فالحديث عن هذا المؤتمر له صلة وثيقة بالحجّ وبالأخلاق الإسلاميّة من جهات عدّة:
١ - من أخلاقيّات القائد الرسالي.
٢ - من أخلاقيّات المعارضة السياسيّة.
٣ - من أخلاقيّات الحجّ والعبادة عامّة.
أليس هذا كلّه من الأخلاق ويصبّ في موضوع بحثنا الأخلاقي الحسيني؟
إنّ هذا المؤتمر امتداد للحجّ الواجب، والعبادة الوحيدة المفروضة على مستطيعي الأُمّة ولمرّة واحدة في العمر.
إنّ الحجّ في الحقيقة أكبر مؤتمر إسلامي سنوي في العالم، بل وأكبر ظاهرة إيمانيّة أخلاقيّة في الحياة؛ لأنّها تمثيل للقيامة والمحشر بكلّ ما فيه من عظمة ومهابة وقداسة.
والمسلمون يجب عليهم أن يهتمّوا أيّما اهتمام بهذا المؤتمر النوراني المبارك، وأن يعيدوه إلى مجده وإلى أصله التشريعي؛ فإنّ القوم في هذه الأيام لا سيما وبعد تسلّط الحركة الوهابيّة على مقاليد الأمور هناك، يفرغون الحجّ والعبادات من معانيها ومقاصدها الشرعيّة.
فتحوّل الحجّ إلى قشر لا لبّ فيه، وذكر لساني لا معنى في القلب له، هكذا أراد لنا السلفيون وأتباع محمد بن عبد الوهاب، وما يخطّطها الاستعمار لضرب
كلّ مقدّساتنا الإسلاميّة وعقائدنا الإيمانيّة؛ ليسهل عليهم التسلّط والسيطرة علينا وعلى بلادنا وخيراتها كلّها.
فالحجّ أخلاق إنسانيّة، ورسالة إيمانيّة رحمانيّة، لا سيما شعائره الجملية البهيّة المنظّمة التي ترهب العالم المستكبر عندما يرون هذه الجموع المليونيّة بلباس واحد، وطواف واحد، وموقف واحد، وهتاف وتلبية واحدة، فيتساءلون: ماذا لو هتفت هذه الجموع بسقوطنا أو أعلنوا الحرب علينا؟
نعم، هذا المؤتمر المبارك يبيّن أخلاقيّات رفيعة من أخلاقيّات الإمام الحسينعليهالسلام ، واحترامه لجدّه المصطفىصلىاللهعليهوآله وأبيه المرتضىعليهالسلام ، والصحابة الكرام والتابعين لهم بإحسان، فتراه يخطابهم بكلّ إجلال وتقدير واحترام وتبجيل، ويذكّرهم بالقيادة الربانيّة والرسالة الإيمانيّة وواجبهم الشرعي تجاه ذلك كلّه، ويأخذ اعترافهم وإقرارهم على كلّ ما يقول، ويأمرهم بتبليغ الرسالة إلى أهل الصلاح والإيمان في كلّ البلدان.
وإليك أخي المؤمن تفاصيل المؤتمر كما ترويها الكتب المعتبرة لدينا:
لمّا كان قبل موت معاوية بسنة حجّ الحسين بن علي (صلوات الله عليه) وعبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر معه، فجمع الحسينعليهالسلام بني هاشم؛ رجالهم ونساءهم ومواليهم، ومن الأنصار ممّن يعرفه الحسينعليهالسلام وأهل بيته. ثمّ أرسل رسلاً قال لهم: ((لا تَدَعوا أحداً ممّن حجّ العام من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله المعروفين بالصلاح والنسك إلاّ اجتمعوا لي، فاجتمع إليه بمنى أكثر من سبعمئة رجل وهم في سرادقة عامّتهم من التابعين، ونحو من مئتي رجل من أصحاب النبيصلىاللهعليهوآله ، فقام فيهم خطيباً فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال:
((أمّا بعدُ، فإنَّ هذا الطاغيةَ قد فعل بنا وبشيعتنا ما قد رأيتم وعلمتم وشهدتم، وإنّي أريدُ أن أسألكم عن شيءٍ، فإن صدقتُ فصدّقوني وإن كذبتُ فكذّبوني، وأسألكم بحقّ الله عليكم وحقّ رسوله صلىاللهعليهوآله وقرابتي من نبيّكم لما سيّرتم مقامي هذا ووصفتم مقالتي، ودعوتم أجمعين في أمصاركم من قبائلكم ومَنْ أمنتم من الناس)) (١) .
وفي رواية أُخرى بعد قوله: فكذّبوني قال:((اسمعوا مقالتي، واكتبوا قولي، ثُمَّ ارجعوا إلى أمصاركم وقبائلكم فمَنْ أمنتم من النّاس ووثقتم به فادعوهم إلى ما تعلمون من حقّنا؛ فإنّي أتخوّف أن يدرسَ هذا الأمر، ويذهب الحقُ ويُغلبُ، ( وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) )) (٢) .
وما ترك شيئاً ممّا أنزل الله فيهم من القرآن إلاّ تلاه وفسَّره، ولا شيئاً ممّا قاله رسول اللهصلىاللهعليهوآله في أبيه وأخيه وأُمّه وفي نفسه وأهل بيته إلاّ رواه، وكلّ ذلك يقول أصحابه: اللهمَّ نعم، وقد سمعنا وشهدنا. ويقول التابعي: اللهمَّ قد حدّثني به مَنْ أُصدّقه وأئتمنه من الصحابة.
فقال:((أُنشدكم الله إلاّ حدّثتم به مَنْ تثقون به وبدينه)) (٣) .
قال سليم: فكان فيما ناشدهم الحسينعليهالسلام وذكّرهم، أن قال:
_____________________
١ - الاحتجاج - للطبرسي ٢ / ١٩.(موقع معهد الإمامين الحسَنَين)
٢ - سورة الصف / ٨.
٣ - موسوعة الغدير ١ / ١٩٨، كتاب سليم بن قيس / ١٦٨.
((أُنشدكم الله، أتعلمون أنّ عليّ بن أبي طالب كان أخا رسول الله صلىاللهعليهوآله حين آخى بين أصحابه فآخى بينه وبين نفسه، وقال: أنتَ أخي وأنا أخوك في الدنيا والآخرة؟)) .
قالوا: اللهمّ نعم.
قال:((أُنشدكم الله، هل تعلمون أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله اشترى موضع مسجده ومنازله فابتناه، ثمّ ابتنى فيه عشرة منازل، تسعةً له وجعل عاشرها في وسطها لأبي، ثمّ سدَّ كلّ بابٍ شارعٍ إلى المسجد غيرَ بابه، فتكلّم في ذلك مَنْ تكلّم فقال: ما أنا سددتُ أبوابكم وفتحتُ بابه، ولكنّ الله أمرني بسدّ أبوابكم وفتح بابه.
ثمّ نهى الناس أن يناموا في المسجد غيره، وكان يُجنبُ في المسجد ومنزله في منزل رسول الله صلىاللهعليهوآله ، فولِدَ لرسول الله صلىاللهعليهوآله وله فيه أولاد؟)) .
قالوا: اللهمّ نعم.
قال:((أفتعلمون أنّ عمر بن الخطّاب حرص على كوّةٍ قدر عينه يدعها في منزله إلى المسجد فأبى عليه، ثمّ خطب فقال: إنّ الله أمرني أن ابني مسجداً طاهراً لا يسكنه غيري وغير أخي وابنيه؟)) .
قالوا: اللهمّ نعم.
قال:((أنشدكم الله، أتعلمون أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله نصبهُ يوم غدير خُمٍّ فنادى له بالولاية، وقال: ليبلّغ الشَّاهدُ الغائبَ؟)) .
قالوا: اللهمّ نعم.
قال:((أنشدكم الله، أتعلمون أنَّ رسول الله صلىاللهعليهوآله قال له في غزوةِ تبوك: أنتَ
منّي بمنزلة هارونَ من موسى، وأنتَ وليُّ كلِّ مؤمنٍ بعدي؟)) .
قالوا: اللهمّ نعم.
قال:((أنشدكم الله، أتعلمون أنَّ رسول الله صلىاللهعليهوآله حين دعا النصارى مِنْ أهلِ نجرانَ إلى المباهلة لم يأتِ إلاّ به وبصاحبته وابنيه؟)) .
قالوا: اللهمّ نعم.
قال:((أنشدكم الله، أتعلمون أنّه دفع إليه اللواء يوم خيبرٍ، ثمّ قال: لأدفعنَّه إلى رجلٍ يحبّه الله ورسوله ويُحبُّ الله ورسوله، كرّار غير فرار، يفتحها الله على يديه؟)) .
قالوا: اللهمّ نعم.
قال:((أتعلمون أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله بعثهُ ببراءة وقال: لا يبلِّغ عنّي إلاّ أنا أو رجل منّي؟)) .
قالوا: اللهمَّ نعم.
قال:((أتعلمون أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله لم تنزل به شدةٌ قطٌ إلاّ قدَّمه لها ثقةً به، وأنّه لم يدعه باسمه قطّ إلاّ أن يقول: يا أخي، وادعوا لي أخي؟)) .
قالوا: اللهمّ نعم.
قال:((أتعلمون أنَّ رسول الله صلىاللهعليهوآله قضى بينه وبين جعفرٍ وزيدٍ، فقال: يا علي، أنت منّي وأنا منك، وأنت وليُّ كلّ مؤمنٍ بعدي؟)) .
قالوا: اللهمّ نعم.
قال:((أتعلمون أنّه كانت له من رسول الله صلىاللهعليهوآله كلّ يومٍ خلوةٌ، وكلّ ليلةٍ
دخلةٌ، إذا سأله أعطاه، وإذا سكت ابتدأه؟)) .
قالوا: اللهمّ نعم.
قال:((أتعلمون أنَّ رسول الله صلىاللهعليهوآله فضّله على جعفرٍ وحمزة حين قال لفاطمة عليهاالسلام : زوّجتكِ خير أهل بيتي، أقدمهم سلماً، وأعظمهم حلماً، وأكثرهم علماً؟)) .
قالوا: اللهمّ نعم.
قال:((أتعلمون أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله قال: أنا سيّدُ ولد آدم، وأخي عليّ سيّد العرب، وفاطمةُ سيّدةُ نساء أهل الجنّة، والحسن والحسين ابناي سيّدا شباب أهل الجنّة)) .
قالوا: اللهمّ نعم.
قال:((أتعلمون أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله أمرهُ بغسلهِ، وأخبرهُ أنّ جبرائيل عليهالسلام يُعينُهُ عليه؟)) .
قالوا: اللهمّ نعم.
قال:((أتعلمون أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله قالَ في آخر خُطبةٍ خطبها: إنّي تركتُ فيكم الثَّقلين؛ كتاب الله وأهل بيتي، فتمسَّكوا بهما لن تضلوا؟)) .
قالوا: اللهمّ نعم.
فلم يدع شيئاً أنزله الله في علي بن أبي طالبعليهالسلام خاصّة، وفي أهل بيته من القرآن ولا على لسان نبيّهصلىاللهعليهوآله إلاّ ناشدهم فيه، فيقول الصحابة: اللهمّ
نعم، قد سمعنا، ويقول التابع: اللهمّ قد حدثنيه مَنْ أثق به فلان وفلان.
ثمَّ ناشدهم أنَّهم قد سمعوه يقول:((مَنْ زعمَ أنّه يُحبّني ويبغض علياً فقد كذب، ليس يُحبني ويبغض علياً، فقال له قائل: يا رسول الله وكيف ذلك؟
قال: لأنّه منّي وأنا منه، مَنْ أحبّه فقد أحبني، ومَنْ أحبّني فقد أحبّ الله، ومَنْ أبغضه فقد أبغضني ومَنْ أبغضني فقد أبغض الله)) .
فقالوا: اللهمَّ نعم، قد سمعنا. وتفرّقوا على ذلك(١) .
هذا هو الكلام الفصل، والحجّة من حجّة الله على الخلق في ذاك اليوم المهيب، وتحت ظلّ الحكم الأموي الرهيب الذي طغى فيه معاوية بن أبي سفيان، وراح يقتل الناس لا سيما شيعة أمير المؤمنينعليهالسلام ؛ سعياً منه لإبادة الإيمان، ودفن الإسلام دفناً، كما صرّح بذلك لصاحبه المغيرة بن شعبة ذات يوم.
إنّ الإسلام كلّه أخلاق وقيم ومثل عُليا، وكلّ ذلك تمثّله القيادة الربّانيّة، والإمامة الشرعيّة المتمثّلة بأهل البيت الأطهارعليهمالسلام ، وأبو عبد الله الحسينعليهالسلام خامس أصحاب الكساء يبيّن الحقائق، ويضع النقاط على الحروف، وكأنّه (روحي له الفداء) يُهيّئ الأُمّة الإسلاميّة ليوم عصيب، سيحلّ يوم عاشوراء، وموقف عجيب سيقفه على تراب كربلاء.
أليس هذا كلّه أخلاق وقيم يجب على الأُمّة تمثّله في حياتها إذا أرادت السعادة والخير لها، والخروج من هذه الشرنقة التي حصرت نفسها فيها في هذا الزمان الأغبر.
_____________________
١ - كتاب سليم بن قيس / ١٦٨ - ١٧١.
نعم، بنهضة الحسينعليهالسلام وأخلاقيّاته، ومناقبيّاته النموذجية الصادقة يكون الإنقاذ والخلاص.
بقي علينا أن نتحدّث عن مفردة واحدة من مناقبيّات الإمام الحسينعليهالسلام في هذا الباب؛ لنكون قد حاولنا إعطاء صورة واضحة عن معظم الجوانب الاجتماعيّة لحياة المولىعليهالسلام الذي له كلمة رائعة يقول فيها:((مَنْ سرّه أن يُنسأ في أجله ويُزاد في رزقه، فليصل رحمه)) (١) .
عرَّف علماء الأخلاق الصلة بأنّها ضدّ القطيعة.
وصلة الرحم: هي إشراك ذوي اللحمة والقرابات بما ناله من المال والجاه وسائر خيرات الدنيا، وهو أعظم القربات، وأفضل الطاعات(٢) .
قال سبحانه في كتابه العزيز:( وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى ) (٣) .
وقال تعالى:( وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ ) (٤) .
وقال تعالى:( وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ) (٥) .
_____________________
١ - عيون أخبار الرضاعليهالسلام ٢ / ٤٤ ح١٥٧، موسوعة البحار ٧٤ / ٩١ ح١٥.
٢ - جامع السعادات ٢ / ٢٥٩.
٣ - سورة النساء / ٣٦.
٤ - سورة النساء / ١.
٥ - سورة رعد / ١.
وكم هي الأحاديث النبويّة والإماميّة حول الرحم وصلتها، وثواب ذلك الوصل الذي أمر الله به.
ففي الحديث النبوي الشريف:((أوصي الشاهدَ مِنْ أُمّتي والغائب، ومَنْ في أصلاب الرجال وأرحام النساء إلى يوم القيامة، أنْ يصلَ الرَّحمَ وإن كانت منه على مسيرة سنة؛ فإنَّ ذلك من الدِّين)) (١) .
وأمير المؤمنينعليهالسلام يقول:((صِلوا أرحامكم ولو بالتّسليم)) (٢) .
والإمام الباقرعليهالسلام يقول:((إنَّ الرحم متعلّقةٌ يوم القيامة بالعرش، وهي تقول: اللهمَّ صل مَنْ وصلني، واقطع مَنْ قطعني)) (٣) .
والإمام الصادقعليهالسلام يقول:((صلة الرَّحم تهوِّن الحساب يوم القيامة، وهي منسأةٌ في العمر، وتقي مصارع السُّوء)) (٤) .
فالرحم: ربما تكون من الرحمة والتراحم، فإذا وصلت كانت سبباً لنزول الرحمة الإلهيّة على اُولئك المتراحمين، فيرحمهم الله؛ لأنّهم تراحموا فيما بينهم، ولهذا تكون منسأة، مطوّلة للعمر والأجل المحتوم (الموت)، وتزيد في الأرزاق، وتبارك الأعمار، وتبني البلاد، وتزدهر أحوال العباد.
والعقوق والقطيعة: من أهم أسباب التنازع والخصام، وهي في ذوي الأرحام تكون الحالقة؛ لأنّها تحلق الأعمار والأرزاق، وتدع الديار لا خير فيها، ولا بركة تنزل عليها من الباري تعالى:((ارحموا مَنْ في الأرض يرحمكم مَنْ في
_____________________
١ - جامع السعادات ٢ / ٢٦٠.
٢ - المصدر نفسه.
٣ - المصدر نفسه.
٤ - المصدر نفسه.
السماء)) (١) . كما في الحديث المشهور.
عرّفوا الحكمة: بأنّها وضع الأشياء في مواضعها الصحيحة. وأهل اللغة ذهبوا عدّة مذاهب في المعنى الدقيق للكلمة في اللغة العربية.
ففي (لسان العرب): الحكمة: هي معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم. ويُقال لِمَنْ يحسن دقائق الصناعات ويتقنها حكيم.
وفي (تاج العروس): هي العلم بحقائق الأشياء والعمل بمقتضاها؛ ولهذا انقسمت إلى علميّة وعمليّة.
وقد يُقال بلسان الفلاسفة: هي هيئة القوّة العقليّة العلميّة وهي الحكمة الإلهيّة.
واستطلاع القرآن الكريم وموارد الحكمة فيه يرشدنا إلى المعنى الاصطلاحي الإسلامي لهذه الكلمة، والتي منها اسم الله (الحكيم) سبحانه وتعالى.
وقيل يوماً للإمام عليعليهالسلام صف لنا الحكيم، فقالعليهالسلام :((هو الذي يضع الأشياء في مواضعها)) (٢) .
فقيل له: صف لنا الجاهل؟
فقالعليهالسلام :((قد فعلت)) .
أي أنّ الأمور تُعرف بأضدادها، فإذا كان الحكيم هو الذي يضع الأمور
_____________________
١ - موسوعة البحار ٧٧ / ١٦٧، كنز العمال / ح٥٩٦٩.
٢ - عدّة الدّاعي / ٣٢١، بحار الأنوار ٢٨ / ٤٠١، تنزيه الأنبياء / ١٠٣.
والأشياء في مواضعها الصحيحة، فإنّ الجاهل هو الذي لا يضعها، أو يضعها في غير أماكنها.
وحياة الإمام الحسينعليهالسلام حكمة خالصة من بدايتها إلى نهايتها، وإذا قلنا بمقياسنا نحن البسطاء أنّ الأمور تُعرف بخواتيمها، وعلمنا جميعاً أنّ ختام حياة الإمامعليهالسلام كانت أفضل الخواتيم وأفجعها، ألا وهي الشهادة في سبيل الله، حتّى صار إلى قيام الساعة سيّد الشهداء شهيد الطفوف وكربلاء.
وممّا يروى عنه (صلوات الله عليه) في هذا الباب الحكيم، وهذا المجلس الذي كان بحضرة أبيه أمير المؤمنين الإمام عليعليهالسلام حيث أقبل على الحسينعليهالسلام فقال له:((ما السؤدد؟)) . (أي السمو والرفعة والفخر والشرف للإنسان).
قالعليهالسلام :((اصطناعُ العشيرةِ، واحتمالُ الجريرة)) . (أي خدمة الناس وحمل الأعباء الثقيلة عن أصحابها).
قالعليهالسلام :((فما الغنى؟)) . (أي الذي يجعلك غنيّاً في نفسك).
قالعليهالسلام :((قِلّةُ أمانيك، والرّضا بما يكفيك)) . (أي قلّة الأماني، فالقناعة كنز لا يفنى).
قالعليهالسلام :((فما الفقر؟)) . (أي المعنوي والنفسي وليس المادي فقط).
قالعليهالسلام :((الطَّمعُ وشدّةُ القنوط؟)) . (أي الطمع بما في أيدي الناس ذلّ، والقنوط من رحمة الله كفر).
قالعليهالسلام :((فما اللؤم؟)) . (أي ما يخبرك عن لؤم إنسان ونذالته).
قالعليهالسلام :((إحرازُ المرءِ نفسهُ وإسلامهُ عرسهُ)) . (أي أن يصون نفسه عن الأعداء ويسلّم لهم زوجته).
قالعليهالسلام :((فما الخرَق؟)) .
قالعليهالسلام :((مُعاداتُكَ أميرَك، ومَنْ يقدرُ على ضُرِّك ونفعك)) .
ثمّ التفت أمير المؤمنين إلى الحارث الهمداني الأعور، فقال:((يا حارث، علّموا هذه الحكمَ أولادكم؛ فإنّها زيادةٌ في العقل والحزم والرأي)) (١) .
نعم، إنّه درس حكيم، وحكمة بالغة تعلّمنا إيّاها هذه الكلمات القصيرة التي اشتملت عليها هذه الرواية، والحوار ما بين الأمير وشبله الحسينعليهماالسلام .
فالحكمة: هي التوازن العادل في القوّة الفكريّة، والرذيلة التي تقابل الحكمة من جانب التفريط هي الحمق والبلادة، ويعنون عنها: تعطيل القوّة الفكريّة عن العمل، وكبت مالها من مواهب واستعدادات، والخسيسة التي تضادها من جانب الإفراط هي المكر والدهاء، ويريدون منه التجاوز بالفكر عن حدود البرهان الصحيح، واستخدام قوّة العقل في ما وراء الحقّ، فقد تثبت نتائج ينكرها الحسّ، وقد تنفي أشياء تثبتها البداهة.
ولست أدري أنّ لفظ المكر والدهاء يدلاّن على هذا المعنى؛ لأنّهما بمعنى الاحتيال والخداع وهو شيء آخر وراء الحكمة الباطلة التي يقصدها هؤلاء المفسّرون، أمّا الدهاء بمعنى جودة الرأي فهو يقرب من معنى الحكمة، وإذن فلنسمّ هذه النقيصة الخلقيّة (بالحكمة الباطلة) كما يسمّيها علماء الأخلاق.
_____________________
١ - معاني الأخبار / ٤٠١ ح٦٢، موسوعة البحار ٧٢ / ١٩٣ ح١٤.
ونحن إذا فحصنا الفضيلة العقليّة (الحكمة) وجدناها تتألّف من عنصرين أساسيّين لا غنى لها عن أحدهما:
- قوّة فكريّة في طريقها إلى التوازن.
- وعلم يرشد هذه القوّة إلى طريق الاعتدال.
ليس التوازن في القوّة الفكريّة من الأشياء التي تمنحها المصادفة ويكوّنها الاتفاق، وليس بالأمر السهل الذي تكفي في حصوله للإنسان خبرة قليلة وتجربة نادرة؛ لأنّه توازن في كلّ ما يعتقد، وتوازن في كلّ ما يقول، وتوازن في كلّ ما يعمل، وأنّى للقوّة الفكريّة بهذه الاستقامة التامّة إذا هي لم تستعن بإرشاد العلم الصحيح، وأنّى للعقل بمفرده أن يبصر هداه في الطريق الشائك والمسلك الملتوي.
كلّنا نتمنّى التوازن العادل في طبائعنا والاستقامة التامّة في سلوكنا، وأيّ أفراد البشر لا يتمنّى الكمال لنفسه؟ ولكنّ الجهل يقف بنا دون الحدّ، وميول النفس تبعدنا عن الغاية، والعقل هو القوّة الوحيدة التي يشيع فيها جانب التفريط بين أفراد الإنسان؛ وذلك من تأثير الجهل.
فالجهل هو أوّل شيء يحاربه علم الأخلاق؛ لأنّه أوّل خطر يصطدم به الكمال الإنساني، وأوّل انحطاط تقع فيه النفس البشريّة، وأوّل مجرّئ لها على ارتكاب الرذيلة، بل هو أوّل خطيئة وآخر جريمة.
يرتكب الجاهل أخطاء خُلقيّة تعود بالضرر على نفسه، وقد يعود ضررها على أُمّته وشعبه أيضاً، وعذره في ذلك أنّه جاهل، وإذا كان الفقيه لا يعد الجهل عذراً في مخالفة النظام الشرعي، فإنّ الخلقي أجدر أن لا يقبل ذلك العذر؛
لأنّ الفقه أسلس قياداً، والفقيه أكثر تسامحاً، أمّا العالم الخُلقي فإنّه يطبّق نظامه بحزم، ويقرّر نتائجه بدقّة، ولا يجد في المخالفة عذراً لمعتذر، ولا سيما إذا كان ذلك العذر أحد المحظورات الخُلقيّة كالجهل.
وإذاً، فمن الرشد أن يكون العلم أوّل شيء يفرضه علم الأخلاق(١) ، ولما تقدّم نعرف سبب تقسيم العلماء الحكمة إلى النظرية والعمليّة.
فالحكمة النظريّة: هي الأفكار الحكيمة والأقوال الحكيمة التي تنطلق من عقول وآراء حكماء البشر، لا سيما الكاملين منهم والمعصومين بالذّات وبالخصوص الأئمّة الكرامعليهمالسلام ، وإذا استعرضنا كلمات الإمام الحسينعليهالسلام سنجد أنّها لا تخرج عن هذا القانون قيد أنملة.
أمّا الحكمة العمليّة: فهي تطبيق تلك الأفكار النورانيّة على أرض الواقع في الحياة الدنيا، وأمثل تطبيق للحكمة الإلهيّة هو ما أولَّه وطبّقه قادة الإسلام العظام، كلّ في زمانه ومكانه الذي عاش فيه.
والحكمة؛ النظريّة منها والعمليّة، تتجلّى في النهضة المباركة للإمام الحسينعليهالسلام ، والدارس المدقّق، والمنصف لتلك النهضة يراها حكيمة من ألفها إلى يائها، من البداية إلى حيث النهاية المأساويّة على بطاح كربلاء بالسمو الأعظم بالشهادة المقدّسة.
ولسنا هنا في مقام البحث التفصيلي لإثبات الحكمة في كلّ عمل أقدم عليه الإمام الحسينعليهالسلام في مسيرته المباركة؛ لأنّ ذلك يطيل بنا المقام، والوقوف
_____________________
١ - الأخلاق عند الإمام الصادقعليهالسلام / ٥٣ - ٥٤.
حيث لا نريد أن نقف حاليّاً لإخراجنا عن موضوعنا وبحثنا حول الأخلاق وأطيافها، ولكن في البحث القادم عن (الشجاعة) فإنّنا سوف نأخذ عيّنات وأمثلة تبيّن لنا حكمة القول والعمل الحسيني ووقوعه في محلّه الصحيح.
جُبلت الشجاعة على ثلاث طبائع، لكلّ واحدة منهنّ فضيلة ليست للأُخرى؛ السخاء بالنفس، والأنفة من الذلّ، وطلب الذكر.
فإذا تكاملت في الشجاع كان البطل الذي لا يقام لسبيله والموسوم بالإقدام في عصره، وإذا تفاضلت فيه بعضها على بعض كانت شجاعته في ذلك الذي تفاضلت فيه أكثر وأشدّ إقداماً.
هكذا يصف حفيد الإمام الحسينعليهالسلام الإمام جعفر الصادقعليهالسلام الشجاعة، ويعطيها هذا المعنى البديع الذي يحبب للإنسان المؤمن أن يتصف بها، وهي عبارة عن أركان ثلاثة يرتكز عليها معنى الشجاعة الحقيقيّة في بني البشر:
١ - السخاء بالنفس: وهو غاية الجود والكرم، وهل جاد بهذا المعنى أحد كجود الإمام الحسينعليهالسلام ؟!
٢ - الأنفة من الذلّ: وهو الإباء، والإمام الحسينعليهالسلام أبيّ الضيم، وقد صارت كلمته في كربلاء:((هيهات منّا الذلّة! يأبى الله ذلك لنا ورسولُهُ والمؤمنون، وحُجورٌ طابت وطهرت)) شعاراً لنا ولكلّ أحرار العالم.
٣ - طلب الذكر بمعنى الشرف والسؤدد: وهذا هو الشَّمم والشموخ، وهو
القائل:((والله، لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أفرّ منكم فرار العبيد)) (١) .
وقبل الاستطراد بالحديث عن شجاعة الإمام الحسينعليهالسلام وأهل بيته وأصحابه الميامين، نقول: إنّ الشجاعة هي فضيلة بين التهوّر (الإفراط) والجبن (التفريط)، والإنسان العاقل عليه أن يتذكّرها بما لها من مدائح وشرف عظيم، وعليه أن يكلّف نفسه المواظبة على آثارها ولوازمها حتّى تصير عنده ملكة وطبعاً راسخاً في القلب والنفس.
والشجاعة: هي طاعة قوّة الغضب للعقل في الإقدام أو الإحجام عن الأمور الهائلة والخطيرة، وعدم اضطرابها بدفعها إلى الخوض فيما يقتضيه رأيها عند ثورانها بالغضب.
ولا ريب أنّها من أشرف الملكات النفسيّة، وأفضل الصفات الكماليّة لبني البشر، والفاقد لها من الرجال بريء عن الفحولة والرجولة. وهو في الحقيقة إلى النساء أقرب منه إلى الرجال؛ لأنّ الجبن في المرأة مطلوب ومرغوب.
وقد وصف الله سبحانه خيار الصحابة بها، وذلك قوله في القرآن الكريم:( أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ ) (٢) ، وأمر الله بها نبيّه بقوله:( وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ) (٣) ؛ إذ الشدّة والغلظة من لوازم الشجاعة وآثار القوّة الغضبية المهذّبة.
والأخبار والروايات تذكرها بكثير من التحبيذ، وتعدّها من صفات أولياء الله، والكمَّل من عباده المؤمنين المتّقين.
_____________________
١ - إرشاد المفيد / ٢٣٤.
٢ - سورة الفتح / ٢٩.
٣ - سورة التوبة / ٧٣.
وتهذيب الغضب يكون قبل حصوله، وطريقه: هو التفكير الصحيح في أسباب الغضب، والتأمّل في عواقبه، وما يجرَّه على النفس وعلى الغير من أضرار وأخطار.
والشجاعة: هي أوّل فضيلة للقوّة الغضبية، ولها مظهران:
- ثبات في مقام الدفاع عن المقدّسات: النفس والمال، والعرض والدين والأرض.
- إقدام في محلّ الجهاد الأكبر والأصغر.
والشجاعة لا تتميّز بلون واحد، ولا تختصّ بسمة خاصّة، فالغضب للحقّ شجاعة؛ لأنّه ممّا يأمر به العقل، والحلم عن جهل الجاهل شجاعة؛ لأنّه ممّا يدعو إليه الرشد، والثورة على الباطل شجاعة؛ لأنّها ممّا تقتضيه الحكمة.
يقدم الشجاع في موضع يقتضي الإقدام، ويحجم في موقف يقتضي الإحجام، وهو في كلتا الحالتين شجاع؛ لأنّه ثابت القلب أمام المخاطر، شجاع لأنّه يدير حركاته وأعماله بحكمة(١) .
وبما أنّنا في رحاب الإمام الحسينعليهالسلام وأخلاقيّاته الرحمانيّة وأفعاله القيميّة، وما زلنا نسبح في تلك الرحاب العامرة، قد وصلنا إلى البحر الخضمّ، وصرنا في قلب التيّار الهائج، والبحر المحيط المائج.
وهنا أعترف وبكلّ شجاعة أنّني أقف حائراً كلّما وقفت أمام هذه الصفة في الإمام الحسينعليهالسلام ؛ فإنّها الصفة التي أعجبت الإنس والجنّ، بل قل حتّى السماوات والأرض ومَنْ فيهنّ.
_____________________
١ - الأخلاق عند الإمام الصادقعليهالسلام / ٨٥.
هل تعجب وأنت أمام شخصيّة كالحسين بن علي بن أبي طالب (صلوات الله وسلامه عليهم)؟
أنا أعجب؛ لأنّني قاصر عن إدراك أو فهم أو استيعاب مثل هذا الإقدام، أو هذه الشجاعة التي تصدر عن إنسان بشري عاش على تراب هذه الأرض.
قيل الكثير الكثير عن شجاعة الحسين بن عليعليهالسلام في كربلاء، ولكن مهما قيل فإنّ الصفة أكبر والموصوف أعظم وأجل وأكبر من كلّ قولٍ أو وصف قيل فيه.
وقد شهد له أعداؤه قبل أوليائه بذلك؛ فإنّه هو لا غيره الذي قال فيه ذاك الرجل: ما رأيت مكثوراً قط قُتل أهله وأصحابه جميعاً أربط جأشاً منه! فكان كلّما ازدادت المحن تهلّل وجه أكثر، وكانت الكتيبة إذا شدَّ عليها تفرّ الرجال من بين يديه كالمعزى من السبع.
لم أقرأ ولم أسمع عن شخص يحيط به جيش عرمرم، وهو ملقى على الأرض وفي جسده عشرات، بل مئات من ضربات السيوف وطعنات الرماح، وجراحات السهام والنبال، وهو (روحي له الفداء) يجود بنفسه الشريفة، وهم يخافون منه ويخشون حتّى النظر إلى وجهه الشريف أو عينيه المباركتين، فما نظر لأحد إلاّ هابه وأخذ بمجامع قلبه فيفرّ منه، حتّى انبرى إليه ذاك الشيطان اللعين شمر بن ذي الجوشن!
ولن نطيل الحديث حول هذه الصفة الحسينيّة؛ لأنّها من أوضح الواضحات في تاريخ الإنسانيّة المكافح، ولكن لنا أن نعطي شواهد، وأن نقف أمام محطّات أساسيّة في المسيرة الشجاعة البطلة للمولى أبي عبد الله الحسين (صلوات الله وسلامه عليه).
١ - رفض الظلم والحاكم الظالم:
الظلم من أبشع الصفات في الإنسان أو حتّى المخلوقات؛ ولذا فإنّ الظلم ظلمات كما في الرواية الشريفة. والظلم من شيم النفوس الضعيفة. وهذا يغلب على طبيعة بني البشر.
وأمّا أصحاب النفوس الأبيّة الضيم، والعالية الهمّة فإنّها تكره أن تظلم كما تأبى أن تُظلم.
ولذا كانت وصيته لولده الإمام علي بن الحسين زين العابدينعليهماالسلام :((أي بنيّ إيّاكَ وظُلم مَنْ لا يجد عليكَ ناصراً إلاّ الله عزَّ وجلَّ)) (١) .
وهذا نابع من وصية أمير المؤمنين الإمام عليعليهالسلام لولديه الحسنينعليهماالسلام :((يا بنيّ كونا للظالمِ خَصماً وللمظلومِ عوناً)) (٢) .
والذي يرفض الظلم لا بدّ أن يرفض الظالم؛ سواء كان حاكماً أو محكوماً. والحاكم أولى بالمقاومة والرفض؛ لما جاء في الحديث النبوي الشريف:((إنّ أفضلَ الجهادِ كلمةُ عدلٍ عند إمامٍ جائر)) (٣) .
وهذا المجاهد هو واحد من سبعة يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظِلَّ إلاّ ظلُّه.
الإمام الحسينعليهالسلام رفض الحاكم الطاغية معاوية بن أبي سفيان قبل أن يرفض ولده يزيد الطاغية، والروايات والخطب الحسينيّة بحضور معاوية ومراسلاته معه تؤكّد على هذه الحقيقة الرافضة للحاكم الظالم مهما كانت
_____________________
١ - كلمة الإمام الحسين / ٣٣٧.
٢ - مستدرك الوسائل ١٢ / ١٨٠، بحار الأنوار ٩٧ / ٩٠، نهج البلاغة / ٤٢١.
٣ - الفروع من الكافي ٥ / ٥٩ ح١٦، التهذيب ٦ / ١٧٧، وسائل الشيعة ١٦ / ١٢٦.
قوّته وعدد جنده.
وذات يوم وصف نافع بن جبير معاوية بقوله تزلّفاً إليه: إنّه كان يسكته الحلم وينطقه العلم، فقال الإمامعليهالسلام :((بل كان ينطقه البَطَر ويسكته الحصر)) (١) .
فالغني يبطر ويحكي كما يحلو له لا سيما إذا كان حاكماً ومتسلّطاً على مقاليد الأُمّة، وأمّا إذا سكت فإنّه عن حصر وعي وعدم إسعاف قريحته له بالكلام فيسكت رغم أنفه، فأيّ علم كان عند ذاك الطليق، وأيّ حلم كان عند مَنْ قتل الآلاف المؤلّفة، لا لشيء إلاّ لحبّهم وولائهم لأهل البيتعليهمالسلام ، وصحبتهم لأمير المؤمنين الإمام عليعليهالسلام ؟!
وإليك يا عزيزي القارئ هذه القصَّة التي تدلُّ على غباء الرجل، وعدم معرفته بالدين الذي يحكم به أُّمته، ويدَّعي أنّه خال المؤمنين، أو أنّه خليفة رسول ربّ العالمينصلىاللهعليهوآله .
يروي صالح بن كيسان يقول: لمّا قتل معاوية حجرَ بن عدي وأصحابه (رضوان الله عليهم) حجَّ ذلك العام فلقي الحسين بن عليعليهماالسلام ، فقال: يا أبا عبد الله، هل بلغك ما صنعنا بحجر وأصحابه، وأشياعه وشيعة أبيك؟!
فقالعليهالسلام :((وما صنعتَ بهم؟)) .
قال: قتلناهم وكفّناهم وصلَّينا عليهم.
_____________________
١ - بحار الأنوار ٣٣ / ٢١٩، كنز الفوائد ٢ / ٣٢.
فضحك الإمام الحسينعليهالسلام ثمّ قال:((خَصَمَكَ القوم يا معاويةُ، لكنّنا لو قتلنا شيعتك ما كفّناهم ولا صلّينا عليهم ولا قبرناهم، ولقد بلغني وقيعتك في عليّ عليهالسلام وقيامك ببغضنا، واعتراضك بني هاشم بالعيوب، فإذا فعلت ذلك فارجع إلى نفسك، ثمّ سلها الحقّ عليها ولها، فإن لم تجدها أعظم عيباً فما أصغر عيبك فيك، وقد ظلمناك يا معاوية، فلا توترنّ غير قوسك، ولا ترمينّ غير غرضك، ولا ترمنا بالعداوة من مكانٍ قريبٍ؛ فإنّك والله لقد أطعت فينا رجلاً ما قدم إسلامه ولا حدث نفاقه، ولا نظر لك، فانظر لنفسك أو دع)) (١) .
يعني بقوله الأخير عمرو بن العاص، ذاك الجلف المجافي عن الدين والإسلام والحقّ الذي كان أعدى أعداء الله وأهل بيت رسوله (صلوات الله عليه وآله أجميعن).
وخَصمَه القوم، يعني أنّه اعترف بعظمة لسانه أنّه قتل أناساً مؤمنين من أهل الإسلام الحنيف، ورغم قتلهم فإنّهم أهلٌ أن يُحترموا بالغسل والكفن والصلاة الواجبة لموتى المسلمين، وكتاب الله وأحاديث الرسولصلىاللهعليهوآله تشدّد النكير على( مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً ) (٢) ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا ) (٣) ، فكيف مَنْ قتل عدداً غير قليل من المؤمنين المخلصين ظلماً وعدواناً؟!
وأمّا الإمامعليهالسلام ، فلو قتلهم أو قتل أحداً من أصحاب معاوية لما قام له بأيّ
_____________________
١ - الاحتجاج ٢ / ١٩، كشف الغمّة ٢ / ٢٠٥، وسائل الشيعة ٢ / ٧٠٤ ح٣.
٢ - سورة المائدة / ٣٢.
٣ - سورة النساء / ٩٣.
شيء ولا حتّى الدفن، وهذه شهادة بأنّ معاوية وأصحابه ليسوا من الإسلام في شيء.
والشجاعة الأدبيّة في كلمات أبي الأحرار الحسينعليهالسلام كانت عالية، بحيث لم يترك معاوية يتيه ويفخر بأنّه قتل شيعة أمير المؤمنينعليهالسلام وأصحابه، فبعد الصفعة الأولى وقبل أن يستيقظ معاوية من ألمها ثنّى عليه الإمام الحسينعليهالسلام بالصفعة الأخرى لتكون أشدّ ألماً وقوّة.
فقال له:((لقد بلغني وقيعتك في عليّ عليهالسلام )) أي أنّك تسبّه، وهذِهِ سُنّة سيئّة أنت محاسب عنْها، وقد استمرت هذه السُنّة في الأُمّةِ الإسلاميّة عشرات السنوات، وتصل بالعيب إلى بني هاشم وهَمْ مَنْ هم في دنيا الفضائل والإسلام. فإنْ فعلتَ ذلكَ فعليكَ أنْ ترجعَ إلى نفسِكَ وتقف معها وقفةً صادقةً، ألستَ تَراها مَحشوَّةً بالعيوبِ العظامِ، وأعظم عيوب بني هاشم هي أصغر عيوبك فيك؟!
فإيَاكَ أنْ تشدَّ وِترَ القوسِ الذي لا تملكه، وتصطادَ غيرَ هدفِكَ، فإنَّ ذلكَ دلالةٌ على قلّةِ العقلِ، والجهلِ وسوء التدبير، والطاعة لابن النابغة عمرو بن العاص شانئ رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأهل بيتهِ في العداوة والمحاربة للإمامعليهالسلام وأهل بيته الكرام جميعاً.
وفي الرسالة التي سبق أن نقلناها قرأت قول الإمام الحسينعليهالسلام فيها:((وإنّي لا أعلمُ فتنةً أعظم على هذه الأُمّة من ولايتك عليها، ولا أعلمُ نظراً لنفسي ولديني ولأُمّة محمد صلىاللهعليهوآله وعلينا أفضل من أن أجاهدك، فإن فعلت فإنّه
قربةٌ إلى الله، وإنْ تركتُهُ فإنّي أستغفر الله لذنبي وأسأله توفيقه لإرشاد أمري)) (١) .
وفي نهاية تلك الرسالة يعلن رفضه ليزيد اللعين بقوله:((وأخذك الناس ببيعة ابنك غلامٍ حدث، يشربُ الخمر، ويلعب بالكلاب، لا أعلمك إلاّ وقد خسرت نفسك، وتبّرت دينك، وغششت رعيّتك، وأخربت أمانتك)) (٢) .
هل يوجد أقوى وأصرح من هذه الكلمات الحسينيّة في رفض بيعة معاوية وابنه يزيد؟
إنّه يرى وجوب الجهاد لهم؛ ولذا يستغفر الله بالتقصير من ذلك، لأنّ جهادهم من أقرب القربات إلى الله، ولكنّ الحين لم يحن، وصلح أخيه الإمام الحسنعليهالسلام أجدر بالوفاء.
ولذا فإنّ الإمام الحسينعليهالسلام رفض في المدينة المنوّرة بيعة يزيد رفضاً قاطعاً، وأعلنها نهضة ربّانيّة مباركة لإيقاظ الأُمّة إلى وجوب جهاد الحاكم الظالم، وتنحية الطاغية عن دفّة القيادة للأُمّة الإسلاميّة، فقالعليهالسلام :((مثلي لا يبايع مثله)) ، وكان هذا هو البيان الأوّل للنهضة الحسينيّة، وقد تقدّم.
٢ - رفض انتهاك حُرمة الكعبة: (إنّ للبيتِ ربّاً يحميه).
كلمة انطلقت منذ آلاف السنين، وما زالت تردّدها الأجيال فتسمع صداها في كلّ زمان ومكان، منذ أن نطق بها سيدنا شبية الحمد عبد المطلب بن عمرو
_____________________
١ - بحار الأنوار ٤٤ / ٢١٣، رجال الكشي / ٥٠.
٢ - رجال الكشي / ٣٢، أعيان الشيعة ١ / ٥٨٢.
العلى هاشم الخير، وإلى اليوم نردّدها وكأنّها قيلت اليوم أو أمس القريب.
منذ أن جابه بها عبد المطلب أبرهة الحبشي الذي قاد جيش الفيل وجاء ليهدم الكعبة المشرّفة؛ لأنّه بنى خيراً منها كما يزعم ويدّعي كذباً وزوراً في اليمن، وأراد هو عكس ما أراد الله؛ لأنّه لم يكن يعتقد بالله، وكان جلّ اعتقاده بنفسه وقوّته.
بيت الله الحرام لا ينتهك حرمته إلاّ مَنْ هو على شاكلة أبرهة الحبشي، والحجّاج بن يوسف الثقفي ومَنْ لفَّ لفهم من خوارج هذه الأُمّة المرحومة كهؤلاء الذين يدَّعون الإسلام ويكفّرون الأُمّة الإسلاميّة في هذا العصر بأبشع أسلوب وأشنع طريقة عرفها التاريخ.
فللمكان قدسيته لا سيما مكة المكرّمة حرم الله، والمدينة المنوّرة حرم رسول اللهصلىاللهعليهوآله ((المدينةُ حَرمي)) (١) كما قال الحبيب المصطفى لأصحابه. وللزمان قدسيته كذلك، كأيّام الأعياد، وشهر الله شهر رمضان وغيرها من (أيّام الله)، فكلّ شيء يُنسب إلى مقدّس فهو مقدّس وذو مكانة ماديّة ومعنويّة.
ومن أخلاق أبي عبد الله الحسينعليهالسلام أنّه كان يحترم المقدّسات ويجلّها، ويحترم ذوي الشأن في المقدّسين كجدّه وأبويه وأخيه (صلوات الله عليهم جميعاً)؛ ولذا تراه إذا كانت تهجم عليه الخطوب والمحن فإنّه يلتجئ إلى جدّه المصطفى، ويحبس نفسه الشريفة على ترابه، ويناديه ويناجيه بعبارات تفيض بكلّ المعاني المقدّسة.
فعندما رفض البيعة للحاكم الجديد، يزيد الظالم الفاجر، الفاسق العربيد،
_____________________
١ - الكافي ٤ / ٥٦٤ ح٥. (موقع معهد الإمامين الحسَنَين)
وأعلن ذلك على رؤوس الأشهاد، راحوا يعدّون العدّة لاغتياله في حرم جدّه (المدينة المنوّرة)، فما كان منه إلاّ أن أعدَّ واستعدَّ للهجرة إلى مكة المكرّمة؛ طلباً للحماية الإلهيّة وحاجّاً للبيت العتيق، وقبل خروجه من المدينة ذهب إلى قبر جدّه وروضته ولاذ بها مودِّعاً بهذه الكلمات النورانيّة:((السّلامُ عليك يا رسول الله، أنا الحسين بن فاطمة، فرخك وابن فرختك ...)) .
ولمّا كانت الليلة الثانية خرج الحسين بن عليعليهالسلام إلى القبر أيضاً وصلّى ركعات، فلمّا فرغ من صلاته جعل يقول:((اللهمّ إنّ هذا قبرُ نبيّك محمّد وأنا ابن بنت نبيّك، وقد حضرني من الأمر ما قد علمتَ. اللهمّ إنّي أحبُّ المعروف وأكره المنكر، وأنا أسألك يا ذا الجلال والإكرام بحقّ هذا القبر ومَنْ فيه إلاّ اخترت لي ما هو لك رضى ولرسولك رضى)) .
ثمّ جعل يبكي عند القبر حتّى إذا كان قريباً من بياض الصبح وضع رأسه على القبر فأغفى، فإذا هو برسول الله قد أقبل في كتيبة من الملائكة عن يمينه وعن شماله وبين يديه حتّى ضمّ الحسين إلى صدره وقبَّل بين عينيه، وقال:((حبيبي يا حسين، كأنّي أراك عن قريب مُرمّلاً بدمائك، مذبوحاً بأرض كربٍ وبلاء، من عصابةٍ من أُمّتي، وأنت مع ذلك عطشان لا تُسقى، وظمآن لا تُروى، وهم مع ذلك يرجون شفاعتي، لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة. حبيبي يا حسين، إنّ أباك وأُمّك وأخاك قدموا عليّ وهم مشتاقون إليك، وإنّ لك في الجنان لدرجات لن تنالها إلاّ بالشهادة)) .
فجعل الحسينعليهالسلام في منامه ينظر إلى جدّه ويقول:((يا جدّاه، لا حاجة لي
في الرجوع إلى الدنيا فخذني إليك، وأدخلني معك في قبرك)) .
فقال له رسول اللهصلىاللهعليهوآله :((لا بدّ لك من الرجوع إلى الدُّنيا حتّى تُرزق الشهادة، وما قد كتب الله لك فيها من الثواب العظيم)) .
قال: فانتبه الحسينعليهالسلام من نومه فزعاً مرعوباً، فقصَّ رؤياه على أهل بيته وبني عبد المطلب، فلم يكن في ذلك اليوم في مشرق ولا مغرب قوم أشدُّ غمّاً من أهل بيت رسول اللهصلىاللهعليهوآله ولا أكثر باكٍ وباكية منهم(١) .
ألم تلحظ الشجاعة التي تفيض من موقف الإمام الحسين (عليه السلام)؟ وهل يمكن لغير الإمام أن يعرف هذه التفاصيل الدقيقة عن مسيرته الاستشهادية ويطيق عليها صبراً ويحتسبها عند الله؟! هذا من ناحية.
ومن ناحية أُخرى ألم تلحظ عزيزي القارئ الأدب الجمّ، والأخلاق الإسلاميّة الحسينيّة، واحترامه لمقام جدّه المصطفىصلىاللهعليهوآله وهو ملحود تحت التراب، يزوره ويناجيه، ويبثّ إليه شجونه وهمومه، ويتلقى التعليمات والتوجيهات المباشرة منه عبر الأحلام الصادقة فينفذها بكلّ قوّة واطمئنان وشجاعة وإقدام؟!
وهؤلاء الخوارج الجدد يرون أن لا قيمة ولا فائدة من رسول اللهصلىاللهعليهوآله - والعياذ بالله - حتّى قال قائلهم: (إنّ عصاي هذه خير من محمد؛ لأنّها تنفع ومحمد لا ينفع). أستغفر الله،
_____________________
١ - موسوعة بحار الأنوار ٤٤ / ٣٢٨، الفتوح ٥ / ٢٠، مقتل الحسين - للخوارزمي ١ / ١٨٦.
( كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاّ كَذِباً ) (١) .
فمقام رسول اللهصلىاللهعليهوآله ومكانته ميّتاً كمقامه ومكانته حيّاً بلا فرق أبداً عند أولياء الله.
فالإمام الحسينعليهالسلام يلجأ إلى قبر جدّه ويلوذ به ويناجيه ويناديه ويبثّه شكواه، فهل كان مشركاً والعياذ بالله؟!
أم أنّه كان لا يعلم ما هو الشرِّك والتوحيد حتّى جاء اُولئك وعرفوا أن الاستجارة بقبر النبيّصلىاللهعليهوآله شرك أكبر، وفاعله مشرك كافر يُقتل؟! لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم.
أم صدّقوا أنّ عصا مسخهم أفضل من رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؛ لأنّها تنفع للحيّة والعقرب، ورسول اللهصلىاللهعليهوآله لا ينفع بعد أن مات ودُفن تحت التراب، وهو الذي قالصلىاللهعليهوآله :((مَنْ زارني ميّتاً كمَنْ زارني حيّاً)) و((مَنْ زارني بعد موتي كان كمَنْ زارني في حياتي)) (٢) .
والإمام الحسين المظلومعليهالسلام كان في أخلاقيّاته هذه الصفة النورانيّة الحميدة، ألا وهي احترام وتعظيم وتقديس جدّهصلىاللهعليهوآله حيّاً وميّتاً، ولا أريد أن أعيد الكلمات لأنّها من أوضح العبارات وأعذبها، والإمام الحسينعليهالسلام يخاطب جدّه، والجدّ يسمعه ويجيبه ولو في عالم الرؤيا والأحلام حتّى تبقى في الصورة البشريّة التي يمكن لنا أن نفهمها نحن البسطاء.
إلى مكة، اتّجه الإمامعليهالسلام من حرم جدّه إلى حرم ربّه، إلى بيت الله الحرام
_____________________
١ - سورة الكهف / ٥.
٢ - وسائل الشيعة ١٤ / ٥٧٨، بحار الأنوار ٩٨ / ٣٦٦، كامل الزيارات / ٢٨٧.
الكعبة المشرّفة، وراح يلتقي بالوفود تلو الوفود، والأعيان بعد الأعيان، والشخصيّات بعد الشخصيّات إلى أيّام الحجّ، فأحرم حاجّاً لله تعالى، ولكن في تلك الأثناء علم الحاكم الجديد بأمر الإمام الحسينعليهالسلام ورفض البيعة له، فبعث رسولاً وجنَّد جنوداً وأمرهم: اقتلوا الحسين ولو كان متعلّقاً بأستار الكعبة، إنّه إذن الفتك بالحسين أينما وجد.
فما العمل إذن؟ والأيّام من أيّام الله المقدّسة هي أيّام الحجّ، والشهر هو الشهر الحرام (ذو الحجّة) محرّم فيه القتال، والمكان حرم الله الأقدس بيت الله العتيق مكة المكرّمة، والمطلوب أقدس دم في ذاك الزمان، هو دم شخص الإمام الحسينعليهالسلام بالذّات للحاكم الجائر الظالم يزيد بن معاوية.
علم الإمام بالمؤامرة الخبيثة التي كان يقودها عمرو بن سعيد بن العاص وحثالة من أهل الشام أعدَّهم وجعل السيوف تحت إحرامهم؛ للفتك بالحسينعليهالسلام في مكة المكرّمة، وأينما وجدوه حتّى ولو كان يطوف بالبيت، أو يسعى بين الصفا والمروة أو حتّى في عرفات والمشعر الحرام، أينما استطاعوا أن يجدوه فسوف يقتلونه - والعياذ بالله -.
ويا ويلهم من جرأتهم على الله ورسوله ووليّه! فأراد الإمام أن يحبط المؤامرة الدنيئة تلك، فاقتصر على العمرة وعدل عن الحجّ، وأراد الخروج من مكة بأسرع وقت ممكن حفاظاً على حرمة البيت وقدسيته، فأعلن ذلك على رؤوس الأشهاد بخطبة رائعة قال فيها:((الحمدُ لله، وما شاء الله، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله، وصلّى الله على رسوله، خُطّ الموتُ على ولدِ آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخُيّر لي مصرعٌ
أنا لاقيه، كأنّي بأوصالي تُقطعها عسلانُ الفلوات بين النّواويس وكربلا، فيملأن منّي أكراشاً جوفاً، وأجربة سُغباً، لا محيص عن يومٍ خُطّ بالقلم، رضى الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه ويُوفيّنا أجور الصّابرين، لن تشذّ عن رسول الله صلىاللهعليهوآله لحمته، وهي مجموعة له في حظيرة القدس، تقرُّ بهم عينه، وينجز لهم وعده. مَنْ كان فينا باذلاً مهجته، وموطّناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا؛ فإنّي راحلٌ مُصبحاً إن شاء الله)) (١) .
أخي الكريم، هل قرأت أو سمعت بمثل هذا الكلام البليغ؟ وهل يخطر بذهنك أنّ قائد ثورة تغييريّة يقوم في وجه دولة قائمة يصرّح بمثل هذا البيان (بالموت والشهادة) لكلّ مَنْ يذهب معه؟!
نعم، الصراحة قمّة الشجاعة الأدبيّة، والتعاطي والتعامل معها قمّة الشجاعة العمليّة، والصريح شجاع يعترف بنقاط قوّته ويعزّزها، ويعترف كذلك بنقاط ضعفه ويعالجها.
وهذا عادةً لا يتميّز به القادة العسكريون؛ لأنّ للمعركة ظروفها الخاصّة وحالاتها وأحكامها، والقائد الناجح بنظريات قادة الجيوش، هو الذي يستطيع السيطرة على قوّاته في جميع مراحل القتال، لا سيما في الظروف المعقّدة.
وهذا قد يتطلّب التكتّم التام على المعلومات التي تؤثّر سلباً على معنويّات القوّات ونفسيّات الجنود، والروح المعنوية أساس في ثبات الجند في كلّ معركة.
أمّا قيادة الإمام الحسينعليهالسلام فكانت استثناء من هذا كلّه، ونهضته فريدة في هذه الحياة كلّها.
_____________________
١ - كشف الغمة ٢ / ٢٠٣، اللهوف / ٢٦.
كان هذا واضحاً في المدينة المنوّرة منذ البداية، وفي مكة المكرّمة كان الأمر أوضح، وكان الإمام به أصرح؛ فإنّه عندما عزم على الرحيل من مكة المكرّمة في يوم التروية، والناس يستعدّون للخروج إلى عرفات، دبَّ الخبر أنّ الحسين بن عليعليهالسلام سوف يخرج إلى العراق، وذلك بعد الخطبة التي أوردناها، وسمع بذلك أهل الموقف والموسم.
وفي الليل جاءه أخوه محمد بن الحنفية (رضي الله عنه) فقال له: (يا أخي، إنّ أهل الكوفة مَنْ قد عرفت غدرهم بأبيك وأخيك، وقد خفت أن يكون حالك حال مَنْ مضى، فإن رأيت أن تقيم؛ فإنّك أعزّ مَنْ في الحرم وأمنعه).
فقالعليهالسلام :((يا أخي، قد خفتُ أن يغتالني يزيد بن معاوية في الحرم، فأكونَ الكبش الذي تُستباحُ به حرمةُ هذا البيت)) .
فقال له ابن الحنفية: (فإن خفت ذلك فسر إلى اليمن، أو بعض نواحي البَرّ؛ فإنّك أمنع الناس به، ولا يقدر عليك أحد).
فقالعليهالسلام :((أنظُرُ فيما قُلتَ)) .
فلمّا كان السَّحر، ارتحل الحسينعليهالسلام فبلغ ذلك ابن الحنفية، فأتاه فأخذ زمام ناقته التي ركبها، فقال له: (يا أخي، ألم تعدني النظر فيما سألتك؟!).
قالعليهالسلام :((بلى)) .
فقال: (فما حداك على الخروج عاجلاً؟!).
قالعليهالسلام :((أتاني رسول الله صلىاللهعليهوآله بعد ما فارقتك فقال: يا حسين، اخرجْ فإنَّ الله شاء أن يراكَ قتيلاً)) .
فقال له ابن الحنفية: (إنّا لله وإنّا إليه راجعون، فما معنى حملك هؤلاء النساء معك وأنت تخرج على مثل هذه الحال؟!).
فقال لهعليهالسلام :((قد قال لي صلىاللهعليهوآله : إنَّ الله قد شاءَ أن يراهنَّ سبايا)) (١) .
والصراحة بهذا الشكل شيمة الأقوياء دون الضعفاء ومن أخلاق العظماء، قال فيلسوف من الغرب: (الاعتذار: هو أقصى مراتب النضوج العقلي والعاطفي، فالعظيم يعتذر ويشعر بأخطائه، وهو في قمّة النصر لا في هوّة الهزيمة).
ويقول العقاد: (لا أحد يعترف بالنقص إلاّ أن يريد التوصّل للاستشهاد بالكمال، أو يخشى أن يفشي أسرار عدوّ له على غير حقيقتها)(٢) .
والإمام الحسينعليهالسلام قائد ولكن ليس فيه نقص ولا عيب - حاشاه - وليس عنده خطأ في أقواله وأفعاله؛ فإنّ القرآن الكريم وجدّه المصطفى قد شهدا له بذلك، ولذا بقيت مواقفه هذه نبراساً لكلّ الأحرار، ومناراً للهداية إلى كافة البشرية.
فالإمامعليهالسلام عند الكعبة المقدّسة (حرسها الله وشرفها) ولا يريد أن تُنتهك به حُرمة المكان الأكثر حُرمة على وجه الأرض.
٣ - رفض حياة الذلّ والخنوع:
الحياة واحدة ولن تتكرّر، وكلّ إنسان له دورة واحدة تبدأ بالولادة وتنتهي
_____________________
١ - الكلمة / ٢٤٦، اللهوف / ٢٧.
٢ - فلسفة الأخلاق الإسلاميّة / ٢٠٣.
بالموت، فإن عاش حياته بشرف وكرامة كان بها ونعمت، وسيذكر بالفضل والكرامة بين الناس إلى أمد بعيد بعد وفاته، وإن كان العكس أي عاش حياته بدناءة، وخساسة فإنّها بئس المعيشة وبئس الرجل صاحبها.
والإمام الحسينعليهالسلام سيد الشهداء، وأبو الأحرار، وشيخ الأوفياء، ووالد الأولياء، وأصل الإباء، فالدناءة تبعد عنه بُعد المشرقين، وأخلاقه الفاضلة ملأت الخافقين، ألا تراه أو تقرأ له، أو تسمع عنه هذه الكلمات التي تطفح شموخاً وإباء.
يُقال أن الإمام الحسينعليهالسلام قام خطيباً في أصحابه على مشارف نينوى أو على أرض كربلاء، وكان ممّا قال:((إنّه قد نزلَ من الأمر ما قد ترون، وإنَّ الدنيا قد تغيَّرت وتنكَّرت وأدبر معروفها، ولم يبقَ منها إلاّ صُبابةٌ كصبابة الإناء، وخسيسُ عيشٍ كالمرعى الوبيل.
ألا ترون إلى الحقِّ لا يُعملُ به، وإلى الباطل لا يُتناهى عنه؟ ليرغب المؤمنُ في لقاء ربّه مُحقاً؛ فإنّي لا أرى الموتَ إلاّ سعادةً والحياة مع الظالمين إلاّ برماً.
إنّ النّاس عبيدُ الدنيا، والدّين لعقٌ على ألسنتهم، يحوطونه ما درّت معايشهم، فإذا محِّصوا بالبلاء قلَّ الديّانون)) (١) .
_____________________
١ - موسوعة البحار ٤٤ / ٣٨٠ - ٣٨٢، مقتل الحسين - للمقرّم / ١٩٤.
هكذا أصبحت الدنيا إذا ذهب المعروف عنها، والأسوأ من ذلك كلّه هو تعطيل الحقّ والعمل بالباطل، واللازم العكس إعمال الحقّ وإبطال الباطل.
وهكذا صارت الأمور إلى هذه المستويات من التدنِّي الأخلاقي وقلّة التديّن بحيث أنّ الناس يبادرون إلى نبيَّهم كبني إسرائيل، أو إلى إمامهم كهذه الأُمّة، ويريدون قتله والتقرّب بدمه إلى سلطان جائر أو طاغية جبّار.
قال الإمام الحسينعليهالسلام بهذا المعنى:((إنَّ من هوانِ الدُّنيا على الله أنَّ رأس يحيى بن زكريّا اُهدي إلى بغيٍّ من بغايا بني إسرائيل)) .
وذات يوم ضربعليهالسلام بيده على لحيته الشريفة وقال:((اشتدَّ غضبُ الله تعالى على اليهود؛ إذ جعلوا له ولداً، واشتدَّ غضبُ الله تعالى على النَّصارى؛ إذ جعلوهُ ثالث ثلاثة، واشتدَّ غضبهُ على المجوس؛ إذ عبدوا الشَّمس والقمر دونه، واشتدَّ غضبه على قومٍ اتّفقت كلمتهم على قتل ابن بنت نبيّهم. أما والله، لا أُجيبهم إلى شيءٍ ممّا يريدون حتّى ألقى الله تعالى وأنا مخضّبٌ بدمي)) (١) .
إنّ حياة الذلّ والهوان لا تليق بالرجال العظام، ذوي الهمم الشامخة، والأخلاق الأبيّة، والمروءات والشهامات، والإمام الحسينعليهالسلام ثار على الواقع المزري الذي وصلت إليه الأُمّة الإسلاميّة في ظلّ حكومة معاوية وولده يزيد.
إنّ نهضة الإمامعليهالسلام كانت ضرورة حضاريّة لإيقاظ الأُمّة وتنبيهها؛ وذلك لأنّ((الدّعيّ ابن الدعيّ قد ركز بين اثنتين؛ بين السّلة والذّلة، وهيهات منّا الذلّة؛
_____________________
١ - اللهوف في قتلى الطفوف / ٤٣، الكلمة / ٢٧٩.
يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وجُدودٌ طابت، وحُجورٌ طهرت، واُنوفٌ حميةٌ، ونفوسٌ أبيّةٌ، لا تُؤثر مصارعَ اللئام على مصارع الكرام. ألا قد أعذرتُ وأنذرتُ، ألا وإنّي زاحفٌ بهذه الأسرة على قلّة العدد وخذلان الناصر)) (١) .
فيزيد بن معاوية أو عبيد الله بن زياد لم يرضَ منَّا إلاّ إحدى خصلتين كلتاهما مرّ:
١ - إمّا السلّة: أي السيف والحرب، واستلال الأرواح من الأجساد.
٢ - وإمّا الذلَّة: أي الذلّ والهوان، والسَّوق أسرى إلى الكوفة كالعبيد والإماء.
ولكن هيهات هيهات! أي بعيد كلّ البعد عن اُولئك اللئام أن يعطيهم الإمام الحسين سيّد الإباء، وأصل الكرامة والشرف ما أرادوا؛ فهم على يقين من أنّ الحسينعليهالسلام لن يختار إلاّ السيف والقتال حتّى لو كان وحيداً فريداً في أرض كربلاء.
وكان هذا الموقف واضحاً وجليّاً في الخطبة الأولى لأبي عبد الله الحسينعليهالسلام على تراب كربلاء في أوّل يوم عاشوراء، حين خطبهم بخطبة بليغة عظيمة وهو راكبٌ فرسه، معتمٌّ بعمامة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، لابسٌ درعه ومتقلّدٌ سيفه، فقال في أوّلها:((أيُّها الناس، اسمعوا قولي ولا تعجلوا حتّى أعظكم بما يحقّ لكم عليَّ، وحتّى أعذرَ إليكم، فإن أعطيتموني النَّصفَ كنتم بذلك أسعد،
_____________________
١ - مقتل الحسين - للمقرّم / ٢٣٤، اللهوف في قتلى الطفوف / ٥٤، موسوعة البحار ٤٥ / ٨.
وإنْ لم تعطوني النَّصف من أنفسكم فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ ،إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ )) (١) (٢) .
إلى أن قال له قيس بن الأشعث: (ما ندري ما تقول، ولكن انزل على حكم بني عمّك فإنّهم لن يُرُوك إلاّ ما تحب).
فقال له الإمام الحسينعليهالسلام بكلّ أنفة وإباء، وشموخ وعظمة:((لا والله، لا أُعطيكم بيدي إعطاء الذّليل، ولا أفرُّ منكم فرار العبيد (٣) . يا عباد الله، إنّي عُذتُ بربّي وربّكم أن ترجمون، أعوذُ بربّي وربّكم من كلّ متكبّر لا يؤمن بيوم الحساب)) (٤) .
فإمّا الحياة بكرامة أو الموت بشهامة، تلك هي كلمات الإمام الحسينعليهالسلام ، ما زالت شعارات تُكتب على جدران الزمان والمكان، لتقرأها الأجيال الحرّة المتطلّعة إلى الحريّة والسؤدد، والشرف والكرامة على طول المدى دائماً وأبداً.
ما أكثر ما يُحكى عن كرم وسماحة وجود وعطاء الإمام الحسينعليهالسلام ، وهذا بحر لا ينفد على مدى الأيام، ومهما تحدّثنا فإنّ الوصف قاصر، والقلم
_____________________
١ - سورة يونس / ٧١، وسورة الأعراف / ١٩٦.
٢ - إرشاد المفيد / ٢٣٤، الكلمة / ٢٧٣.
٣ - وفي رواية: ولا أُقرُّ إقرارَ العبيد.
٤ - إرشاد المفيد / ٢٣٤، الكلمة / ٢٧٣.
كليل، والفكر عليل عن الإحصاء، ولكن لا بأس ببعض الوقائع التاريخية التي لم ننقلها من قبل.
- يحكي الحسن البصري فيقول: إنّ الإمام الحسينعليهالسلام ذهب ذات يوم مع أصحابه إلى بستانه، وكان في ذاك البستان غلام للحسينعليهالسلام اسمه صافي، فلمّا قرب من البستان رأى الغلام قاعداً يأكل الخبز، فجلس الحسينعليهالسلام عند بعض النخل بحيث لا يراه الغلام، فنظر إليه الإمامعليهالسلام وهو يرفع الرغيف فيرمي نصفه إلى الكلب ويأكل نصفه، فتعجّب الحسينعليهالسلام من فعل الغلام.
فلمّا فرغ من الأكل قال: الحمد لله ربّ العالمين، اللهمّ اغفر لسيّدي كما باركت لأبويه برحمتك يا أرحم الراحمين.
فقام الحسينعليهالسلام وقال:((يا صافي)) .
فقام الغلام فزعاً وقال: يا سيدي وسيد المؤمنين إلى يوم القيامة، إنّي ما رأيتك فاعف عنّي.
فقال الحسينعليهالسلام :((اجعلني في حلٍّ يا صافي؛ لأنّي دخلتُ بُستانك بغير إذنك)) .
فقال صافي: بفضلك يا سيدي وكرمك وسؤددك تقول هذا.
فقال الحسينعليهالسلام :((إنّي رأيتُك ترمي نصفَ الرَّغيف إلى الكلب وتأكُلُ نصفه، فما معنى ذلك؟)) .
فقال الغلام: إنّ هذا الكلب نظر إليّ وأنا آكل فاستحييت منه، وهو كلبك يحرس بستانَك، وأنا عبدك نأكل رزقك معاً.
فبكى الحسينعليهالسلام وقال:((إن كانَ كذلك فأنتَ عتيقٌ لله تعالى، ووهبتُ لك
ألفي دينار)) .
فقال الغلام: إن أعتقتني فأنا أريد القيام ببستانك.
فقال الحسينعليهالسلام :((إنَّ الكريم ينبغي له أن يصدِّق قولهُ بالفعل. أوما قلتُ لك اجعلني في حلٍّ؛ فقد دخلتُ بُستانك بغير إذنك، فصدّقت قولي ووهبته؛ البستان وما فيه لك، فاجعل أصحابي الذين جاؤوا معي أضيافاً، وأكرمهم من أجلي أكرمك الله تعالى يوم القيامة، وبارك لك في حسن خُلُقك وأدبك)) .
فقال الغلام: إن وهبتني بستانك فإنّي قد سبّلته لأصحابك وشيعتك(١) .
أي أنّ الغلام قد جعل البستان سبيلاً لأصحاب الإمام الحسينعليهالسلام وشيعته، وهو خادم وحافظ للبستان فقط.
وإليك قصّة أُخرى من قصص الكرم والجود الحسيني، مع الأخلاقيّات الاستثنائية التي حباها الله لهذا الإمام العظيم (عليه آلاف التحيّة والسّلام وآله الكرام).
- عن الذَّيال بن حرملة قال: خرج سائل يتخطّى أزقّة المدينة حتّى أتى باب الحسين بن عليعليهالسلام فقرع الباب، وأنشأ يقول:
لم يخبِ اليومَ مَنْ رجاكَ ومَنْ |
حرّكَ من خلفِ بابكَ الحلقه |
|
فأنتَ ذو الجودِ وأنتَ معدنه |
أبوكَ قد كان قاتلَ الفسقه |
_____________________
١ - المجالس السنية ١ / ٢٦، موسوعة كلمات الإمام الحسين / ٦٢٥، مستدرك الوسائل ٧ / ١٩٢ ح٨٠٠٦.
قال: وكان الحسين بن عليعليهالسلام واقفاً يصلّي، فخفّف من صلاته وخرج إلى الأعرابي، فرأى عليه أثر ضرّ وفاقة، فرجع ونادى بقنبر، فأجابه: لبيك يابن رسول الله.
قالعليهالسلام :((ما تبقّى معكَ مِنْ نفقتنا؟)) .
قال: مئتا درهم أمرتني بتفريقها في أهل بيتك.
قالعليهالسلام :((هاتها؛ فقدْ أتى مَنْ هو أحقُّ بها منهم)) .
فأخذها وخرج يدفعها إلى الأعرابي، وأنشأعليهالسلام :
خُذها فإنّي إليكَ معتذرٌ |
واعلمْ بأنّي عليكَ ذو شفقه |
|
لو كان في سيرنا الغداةُ عصا |
كانت سمانا عليك مُندفقه |
|
لكنَّ ريب الزمان ذو نكدٍ |
والكفُّ منّا قليلةُ النفقه |
فأخذها الأعرابي وولَّى وهو يقول:
مطهّرون نقّياتٌ جيوبهمُ |
تجري الصلاةُ عليهم أينما ذُكروا |
|
وأنتمُ أنتمُ الأعلَون عندكمُ |
علمُ الكتابِ وما جاءت بهِ السورُ |
|
مَنْ لم يكن علويّاً حين تنسبه |
فما لهُ في جميعِ الناسِ مُفتخرُ(١) |
فهل رأيت أخي الكريم مثل هذا الجود والكرم الحسيني؟ وهذه العفّة والنفسيّة حيث تراه يفيض منها بلا تكلّف؛ لأنّ الدنيا عنده لا تساوي عفطة عنز كما كان أبوه الأميرعليهماالسلام يقول، إذ الدنيا للعطاء والتباذل خُلقت، وليس للجمع والكنز، فلمَنْ؟ ولماذا؟!
_____________________
١ - تاريخ ابن عساكر (ترجمة الإمام الحسين) / ١٦٠، أعيان الشيعة ١ / ٥٧٩.
وأخلاقيّات العفيف لا بدَّ أن يرافقها العفو كذلك؛ إذ إنّ العفو من شيم الكرام، وعند المقدرة من شيم العظام.
والمولى أبو عبد الله (صلوات الله وسلامه عليه) كم وكم مرّة عفا عن الناس من العبد والرقيق وحتى السيد الشريف المطاع.
وكان يحضّ دائماً على قبول العذر من المسيء والمعتذر، كما يحدّث عنه ولده الإمام علي زين العابدينعليهالسلام قال:((سمعتُ الحسين عليهالسلام يقول: لو شتمني رجلٌُ في هذه الأُذن وأومأ إلى اليُمنى، واعتذر لي في الأُخرى لقبلتُ ذلك منه؛ وذلك أنّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليهالسلام حدَّثني أنَّه سمع جدّي رسول الله صلىاللهعليهوآله يقول: لا يرد الحوض مَنْ لم يقبل العذر من مُحقٍّ أو مبطلٍ)) (١) .
فالكريم وأبيّ النفس والفاضل عليه أن يقبل الاعتذار ويعفو عن المسيء؛ ليرتفع في عيون الناس وقلوبهم، فينظروا إليه بمهابة وتعظيم، ولا يعود أحد يجرؤ على الإساءة مرّة أُخرى، كما حدث مع ذاك الشامي (عصام بن المصطلق) الذي قال: دخلت المدينة فرأيت الحسين بن عليعليهالسلام فأعجبني سمته ورواؤه (هيأته ومنظره)، وأثار من الحسد ما كان يخفيه صدري لأبيه من البغض، فقلت له: أنت ابن أبي تراب؟
فقالعليهالسلام :((نعم)) .
_____________________
١ - إحقاق الحقّ ١١ / ٤٣١.
فبالغتُ في شتمه وشتم أبيه، فنظر إليّ نظرةَ عاطف رؤوف، ثمّ قال:((أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ * وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ )) (١) .
ثمّ قال ليعليهالسلام :((خفِّضْ عليكَ، أستغفرُ الله لي ولك، إنَّكَ لو استعنتنا لأعنَّاك، ولو استرفدتنا لرفدناك، ولو استرشدتنا لأرشدناك)) .
قال عصام: فتوسَّم منّي الندم على ما فرطَ منّي.
فقالعليهالسلام :(( لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ )) (٢) .
ثمّ أضاف يسأل:((أمِنْ أهلِ الشَّامِ أنتَ؟)) .
قلت: نعم.
قالعليهالسلام :((شنشنةٌ أعرفُها من أخذم. حيّانا الله وإيّاك، انبسطْ إلينا في حوائجك وما يعرضُ لك تجدني عند أفضل ظنِّكَ إن شاء الله تعالى)) .
قال عصام: فضاقت عليّ الأرض بما رحبت، وودت لو ساخت بي، ثمّ سللت منه لواذاً وما على الأرض أحبّ إليّ منه ومن أبيه(٣) .
_____________________
١ - سورة الأعراف / ١٩٩ - ٢٠٢.
٢ - سورة يوسف / ٩٢.
٣ - نفثة المصدور / ٦١٤.
هذا آخر حديثنا في الفصل الأوّل من هذا الكتاب عن بعض مناقبيّات المولى أبي عبد الله الحسينعليهالسلام .
اللهمّ اجعل محياي محيا محمد وآل محمد، ومماتي ممات محمد وآل محمد. اللهمّ أدخلني في كلّ خير أدخلت فيه محمداً وآل محمد، وأخرجني من كلّ سوء أخرجت منه محمداً وآل محمد، والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسّلام على محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين.
الباب الثاني: مواقف الوهابيّة
هل سمعت عزيزي القارئ عن حديث البدعة الذي روي عن الرسول الخاتم الحبيب المصطفى محمدصلىاللهعليهوآله ؟
هل قرأت يا أخي الكريم خبر الخوارج من هذه الأُمّة في الأحاديث النبويّة الشريفة، وأعمال أمير المؤمنين الإمام عليعليهالسلام قديماً بحقّهم؟
هل خبرت أمر الردّة والمرتدّين كيف ابتدؤوا واستمروا؟ متى وإلى أين سوف ينتهون؟
وبالتالي هل تعلم شيئاً عن أحوال آخر الزمان، وحوادث نهاية العالم الذي نعيش فيه؟
حديث البدعة:
ألم يأتك حديث البدعة الذي قاله الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله منذ مئات السنين، يحذّرنا منها ويصفها لنا بدقّة، ويبيّن أفكارها، ويخبر عن أصحابها ومكانهم في الدار الآخرة.
لقد روت كتب الحديث أنّه (صلوات الله وسلامه عليه وآله) قال:((إنَّ على كلِّ حقيقة نوراً، وإنَّ شرّ الأمور محدّثاتها، وإنَّ كلَّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة
في النار)) (١) .
البدعة: هي إحداث شيء ليس من الدين، وإلصاقه بالدين والتعبّد به، أو دعوة الناس إلى التعبّد به.
وفي الحديث الشريف:((مَنْ سمعَ ناطقاً فقد عبده؛ فإنْ كانَ الناطقُ مِنْ عندِ اللهِ فقدْ عبد اللهَ، وإنْ كانَ منْ عندِ الشَّيطان فقد عبد الشَّيطان)) (٢) .
والحبيب المصطفىصلىاللهعليهوآله وأئمّة المسلمين كانوا دائماً يحذّرون الأُمّة من البدع الضالة، وليس هناك بدع حسنة في الدين كما يقول العلماء، ويتبرؤون منهم ويطردونهم من مجالسهم؛ حتّى لا يفتتن الضعفاء من الأُمّة بهم.
وقصّة الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله مع ذي الثدية حين دخل المسجد النبوي الشريف فأعجب الصحابة به، فأمر أبا بكر بأن يأخذ السيف ويضرب عنقه، ثمّ أمر عمر بذلك بعد أن عاد صاحبه دون أن يفعل بحجّة أنّه كان ساجداً يصلّي، فعاد عمر بذات الحجّة، فأخذ السيف أمير المؤمنين عليعليهالسلام فقال لهصلىاللهعليهوآله :((اضرب عنقه إن وجدته)) .
فذهب إليه الأميرعليهالسلام فلم يجده؛ لأنّه خرج من الباب الآخر للمسجد، وكان هذا فيما بعد من رؤوس الخوارج، وقُتل في النهروان مع مَنْ قُتل منهم يومذاك، وبحث عنه أمير المؤمنينعليهالسلام مع أصحابه ولما وجدوه كبّروا(٣) .
وكان ذلك بمثابة معجزة للحبيب المصطفىصلىاللهعليهوآله ؛ لأنّه أخبر عنه قبل أكثر
_____________________
١ - مستدرك الوسائل ١٢ / ٣٢٤، كشف الغمة ٢ / ١٣٤.
٢ - وسائل الشيعة ١٧ / ٣١٧.
٣ - انظر الإرشاد / ١٥٠ - ١٥٢.
من ثلاثين سنة وأعطى أوصافه بدقة.
إذا كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله أخبر الأُمّة عن البدعة وحذّر منها أُمّته، وإذا كان الصحابة الكرام يتوقّون أن يُقال لأحدهم أنّه أبدع في الدين، رغم كلّ الذي عملوه وفعلوه من تغيير وتبديل تحت اسم الاجتهاد، فكيف يمكن لأهل نجد بعد أكثر من ألف سنة أن يأتوا بدين جديد غير دين الإسلام؟!
كيف لِمَنْ لا يعترف بالله والرسول وأئمّة الإسلام أن يقول عن نفسه أنّه مسلم أو على دين الإسلام؟! وسيأتيك التفصيل بإذن الله.
وكيف لِمَنْ يرمي أُمّة الإسلام بالكفر والشرك والضلال أن يدّعي أنّه مسلم؟!
نعم، إنّه مسلم ولكن على دين محمد بن عبد الوهاب لا دين محمد بن عبد الله!
وبالتالي كيف لهؤلاء أن يدّعوا العلم بالدين، والقرآن والسُّنَّة، واللغة والفلسفة، وأحكام العقل وأخبار النقل، وأنّهم علماء ومجتهدون ومجدّون للدين؟!
حقاً إنّها لطامّة كبرى نزلت على هذه الأُمّة من أصحاب هذه الأفكار الغريبة والعجيبة!
حذّر رسول اللهصلىاللهعليهوآله من الخوارج. ومَنْ يتتبّع الأحاديث الشريفة يلاحظ أنّه حذّر من فئتين من الخوارج: سلف وخلف.
أمّا السلف: فهم أصحاب ذي الثدية الذي مرّ ذكره آنفاً، ووصفهم رسول
اللهصلىاللهعليهوآله بأكثر من حديث ورواية، كقولهصلىاللهعليهوآله :((يمرقون من الإسلام (الدين) كما يُمرَق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم)) (١) .
وقالصلىاللهعليهوآله عن أوصافهم في الآخرة:((إنّهم كلاب أهل النار)) (٢) .
وقالصلىاللهعليهوآله :((يقرؤون القرآن يحسبونه لهم وهو عليهم)) (٣) .
أو:((يقرؤون القرآن تحتقرون قراءتكم عند قراءتهم، وصلاتكم عند صلاتهم، لا يتجاوز تراقيهم. يقرؤون القرآن والقرآن يلعنهم)) (٤) .
واُولئك هم الذين خرجوا على أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام ، الخليفة الشرعي، وإمام الزمان الذي اجتمعت عليه الأُمّة الإسلاميّة، عدا الشام لوجود معاوية بن أبي سفيان فيها، وبايعه الصحابة والتابعون بعد الفتنة التي اصطنعها صبيان بني أُميّة حول عثمان الضعيف تجاههم، ولم تنجلي إلاّ بقتله وإلقائه في حشِّ كوكب.
وكانوا حوالي العشرة آلاف خرجوا بعد التحكيم، فكفّروا الإمام علياًعليهالسلام - والعياذ بالله - ومعاوية والحكمين وكل مَنْ يلوذ بهما، فبعث إليهم أمير المؤمنين يستتيبهم مع عبد الله بن عباس، فرجع إلى حظيرة الإسلام المباركة ستة آلاف وبقي أربعة آلاف منهم.
_____________________
١ - صحيح مسلم / باب (الخوارج شرّ الخلق والخليقة) ح ١٠٦٨، وكذا ح (١٠٦٣ - ١٠٦٧) فراجع، صحيح البخاري / باب (مَنْ ترك قتال الخوارج).
٢ - سنن الترمذي / ح ٤٠٨٦، الطبراني في الكبير ٨ / ١٦٧ ح١٠٣٤.
٣ - صحيح مسلم ٨ / ١٨٠، الحاكم في المستدرك ٢ / ١٤٨.
٤ - المصدر نفسه.
وراحوا يسعون في الأرض فساداً، فخرج إليهم أمير المؤمنينعليهالسلام بجيشه والتقوا عند النهروان، فقتلهم جميعاً ولم ينجُ منهم إلاّ أقل من عدد الأصابع كما أخبر بذلك أمير المؤمنينعليهالسلام :((لا يُقتل منكم عشر، ولا ينجو منهم عشر)) .
ورغم الذي فعلوه فإنّ شعار أمير المؤمنينعليهالسلام كان:((لا نبدؤكم بقتال، ولا نمنعكم عن مساجد الله أن تذكروا فيها اسمه، ولا نمنعكم من الفيء ما دامت أيديكم معنا)) (١) .
اُولئك هم السلف، خوارج الأمس البعيد الماضي السحيق، فذهبوا وكانوا لعنة التاريخ على هذه الأُمّة، ولكن لعنة الله تلاحقهم إلى أن ترميهم في الدرك الأسفل من النار؛ لأنّهم:((شرّ قتلى تحت أديم السماء)) (٢) كما يصفهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله في كلمة له.
وأمّا الخلف، فهم خوارج اليوم القريب والحاضر الذي نعيش فيه، وهم أشنع وأبشع من اُولئك اللعناء في تاريخ الأُمّة الإسلاميّة.
تروي كتب الحديث قول رسول اللهصلىاللهعليهوآله :((إنّما أخاف على أُمّتي الأئمّة المضلّين، وإذا وضع عليهم السيف لم يُرفع إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتّى يلحق حي من أُمّتي بالمشركين، وحتى تعبد فيأم (فيآم) من أُمّتي الأوثان،
_____________________
١ - المنتظم في تاريخ الأمم والملوك ٥ / ١٣٥، أحداث سنة ٣٧ هـ.
٢ - مسند أحمد ١٢ / ٣٣٨، سنن ابن ماجة / ح ٣٩٥٢، سنن أبو داود: ح ٤٢٥٢.
وإنّه يكون في أُمّتي كذّابون ثلاثون كلّهم يزعم أنّه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أُمّتي على الحقّ منصورة لا يضرّهم مَنْ خذلهم حتّى يأتي أمر الله)) (١) .
مَنْ هم الضّالون المضلّون الذين خرجوا من الدين ومرقوا منه، بعد أن كفّروا الأُمّة واستباحوا دماءها، وأموالها وأعراضها، دون ذنب أو جريمة سوى أنّهم خالفوا آراء الوهابيّة السلفيّة بالعقائد والأحكام والأخلاق الباطلة، الذين( يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً ) (٢) ؟!
وصدق الشريف عبد الله الذي كتب كتاباً عنهم يبيّن فيه حالهم منذ بداية انتشارهم تحت عنوان (صدق الخبر في خوارج القرن الثاني عشر)، إنّهم خوارج العصر الحديث. فأحاديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله عن آخر الزمان، وأخباره عن الكثير من الحوادث والقضايا تؤكّد لنا ذلك وبما لا يدع لنا مجالاً للشك.
إنّه محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي، نشأ في بلدة العيينة من بلاد نجد، وقرأ الفقه على مذهب أحمد بن حنبل، سافر إلى مكة ثمّ إلى المدينة ودرس عند الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن يوسف، وأظهر الإنكار على الاستغاثة برسول اللهصلىاللهعليهوآله عند قبره الشريف، ثمّ عاد إلى نجد ثمّ إلى البصرة.
يقول مستر همفر: (لقد وجدت في (محمد بن عبد الوهاب) ضالّتي
_____________________
١ - كتاب العمدة / ٤٣١.
٢ - سورة الأنعام / ١١٢.
المنشودة؛ فإنّ تحرّره وطموحه وتبرّمه من مشايخ عصره، ورأيه المستقل الذي لا يهتم حتّى بالخلفاء الأربعة أمام ما يفهمه هو من القرآن والسنّة ...)(١) .
ثمّ هرب من (البصرة) وعاد إلى قرية (حريملة) من نجد بعد أن تأثّر واقتنع من المستر همفر الذي آخاه على أنّه مجدّد الدين ونبيّه الجديد، إلاّ أنّ أباه كان في تلك القرية فلم يستطع أن يظهر دعوته، إلى أن مات أبوه فتجرّأ على إظهار عقائده والإنكار على المسلمين عقائدهم.
وتبعه حثالة من الناس إلى أن ضجّ الناس بهم، وهمّوا بقتلهم فخرج قاصداً (العيينة) وكان فيها زعيم اسمه (عثمان بن أحمد بن معمّر) فأطمعه ابن عبد الوهاب في ملوكية نجد فساعده الرجل طمعاً بالملك، فأظهر دعوته وذهب إلى قبر زيد بن الخطاب فهدمه، فوصل خبره إلى زعيم الإحساء والقطيف (سليمان بن محمد بن عزيز)، فأرسل إلى عثمان يطالبه بقتله، فأخرجه من منطقته فذهب إلى (الدرعية) سنة (١١٦٠ هـ).
و (الدرعية) هي المكان الذي خرج منه مسيلمة الكذاب وأظهر الفساد، وكان صاحبها محمد بن سعود من قبيلة عنيزة، فتوسّل الرجل بامرأة الحاكم إليه، وطمعه في الغزو للغلبة والاستيلاء على بلاد نجد، فبايعه محمد بن سعود على سفك دماء المسلمين، وجعل ابن سعود يجهّز الجيوش لنصرته، ويؤلّب العساكر لترويج دعوته وطريقته حتّى استقام أمره(٢) .
_____________________
١ - مذكرات مستر همفر / ٣٤.
٢ - الصواعق الإلهية في الردّ على الوهابيّة / ٢٧، عن تاريخ نجد لابن الآلوسي.
وتوفّي محمد بن عبد الوهاب في عام (١٢٠٦ هـ) بعد أن أحدث في الإسلام شرخاً لا يندمل أبداً، وأفسد في البلاد والعباد فساداً لا يتصوّر، فإلى الله المشتكى وعليه المعوّل، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم.
الفصل الأول: وقفة عقائدية
تلك كانت مقدّمة موجزة عن الوهابيّة السلفية، بحيث لا يمكن للباحث أن يتجاهلها إذا أراد أن يكتب عن تلك الجماعة من الناس كما سمّاهم ابن الآلوسي في كتابه (تاريخ نجد)، لا سيما وأنّ عقائدهم استشرت، وطرائقهم تفشَّت في الأُمّة كالنار في الهشيم إذا رافقه رياح قويّة في أواخر أيام الصيفية.
فالرياح جاءت عن السياسة وبعض الدول التي تبعت تلك الأفكار الضالة المضلّة، وراحت تضخّ الأموال الطائلة في سبيل الدعوة لأفكار محمد بن عبد الوهاب؛ للانقلاب على دين رسول الله محمد بن عبد اللهصلىاللهعليهوآله ، ولكن كانوا كما يحدّثنا ربّنا عن أهل جهنّم والعياذ بالله( كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا ) (١) .
وهؤلاء كلّما جاء مجدّد منهم لعن الأُمّة وكفّرها وتشدّد أكثر من سابقيه، وراحوا يتسابقون في إظهار انحرافاتهم عن الدّين والملّة الحقّة، ويتفاخرون بالجرأة على الله ورسولهصلىاللهعليهوآله وأهل البيت الأطهارعليهمالسلام لإظهار العداء السافر والنصب الواضح لهم.
_____________________
١ - سورة الأعراف / ٣٨.
فهلمَّ معنا عزيزي القارئ نقوم بجولة سريعة في عقائد القوم التي يعاكسون بها عقائد الأُمّة ويناقضونها، ويكفّرون كلّ مَنْ وقف في وجههم كائناً مَنْ كان، وسنوافيك خلال البحث ببعض المواقف والحوادث التي تخبرك عن حقيقة القوم وعقائدهم.
إنّ الوهابيّة كفّرت الأُمّة بسبب التوحيد وهم أبعد ما يكون عن التوحيد؛ لأنّ لهم توحيداً مخترعاً ما أنزل الله به من سلطان، ومَنْ لا يقول بتوحيدهم كافر مشرك، حلال الدم والمال والعرض.
والحديث عن التوحيد يستوقفنا كثيراً لدى القوم؛ لأنّه الأساس المعتمد لإبطال الدين، وإخراج المسلمين من حظيرة الإسلام المنيعة.
إنّهم يبنون عقيدة التوحيد على الرمال المتحرّكة دون أساس؛ لأنّ الأساس العلمي والعقائدي بالله (عزَّ وجلَّ) عندهم باطل بإجماع الأُمّة الإسلاميّة قديماً وحديثاً.
١ - التجسيم والتشبيه عند الوهابيّة:
يقولون بالتجسيم والتشبيه لله تعالى، ويسمّونها من باب المغالطة: توحيد الأسماء والصفات.
إنّ المتأمّل في العقائد الوهابيّة يجد أنّهم يتخيّلون الله تعالى على صورة آدمي، وبناءً على هذا الأصل يبنون أساس الصفات في التوحيد الذي في عقيدتهم، فيقولون: إنّ لله صورةً ووجهاً، وعينين وجبيناً، وحَقْواً (خصراً) وذراعين، ويدين وأصابع، وأنامل وصدراً، وساقاً وقدماً ورجلاً وغير
ذلك من أعضاء الآدميين.
ويقولون: بأنّه ينزل ويتحرّك ويأتي، ثمّ يعقّبون على ذلك ليرضوا العامّة بقولهم، بلا كيف ولا تشبيه!(١) .
وأوائل مَنْ قال بالتجسيم في هذه الأُمّة استقاه من العقائد السابقة والديانات السالفة المزوّرة، لا سيما ما دخل في ديننا الحنيف من إسرائيليات عن طريق عدد من اُولئك اليهود الذين دخلوا في دين الله بقصد الكيد والدسّ، منطلقين من حقدهم الدفين على هذا الدين الذي لم يستطيعوا مقاومته بالعلن، فأرادوا الدخول فيه ليعبثوا فيه من الداخل فيكون ذلك عليهم أسهل.
وبالتالي تكون مهمّتهم أبسط ما يكون، بحيث يتعاطف معهم المسلمون الأوائل ويتقبّلون أقوالهم لأنّهم منهم وفيهم؛ ولذا كان خطر المنافقين على الأُمّة أكبر بكثير من خطر الكفّار والمشركين، وهم الذين وصفهم الله سبحانه في القرآن بقوله:( هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) (٢) .
فقد اندسّ في الدين الإسلامي من اليهود عدد من الأحبار والعلماء الكبار حتّى صاروا من أعاظم المحدّثين إلى يومنا هذا، ككعب الأحبار وعبد الله بن منبه وأبو هريرة الدوسي - على أقوال -، فنقولوا الكثير من الإسرائيليات، وقصص الأنبياء من كتبهم، ورووها على أنّها من السنّة النبويّة المطهّرة أو أحاديثه الشريفة، وكثير من علمائنا الأعلام صنّفوا كتباً عن هذا الموضوع.
_____________________
١ - السلفية الوهابيّة / ٢١.
٢ - سورة المنافقون / ٤.
٢ - الله جالس على كرسي:
وكان من أخطرهم كعب الأحبار الذي قال عنه الذهبي: (جالس أصحاب محمدصلىاللهعليهوآله فكان يحدّثهم عن الكتب الإسرائيلية ...)(١) .
وينقل عنه حديث (العلو)، وأنّ الله تعالى في المكان الفوق (السماء العالية)، فقد روي عنه أنّ الله سبحانه قال: (أنا الله فوق عبادي، وعرشي فوق جميع خلقي، وأنا على عرشي أدير أمور عبادي، ولا يخفى عليَّ شيء في السماء ولا في الأرض).
وفي حديث آخر له يقول: (فما في السماوات سماء إلاّ وله أطيط كأطيط الرَّحل في أوّل ما يرتحل - عندما يكون جديداً - من ثقل الجبّار فوقهنّ)(٢) .
ومن هذا الباب قالوا: (إنّ الكرسي هو موضع القدمين من العرش، أو هو العرش الذي يقعد عليه الله - تعالى شأنه - فلا يفضل منه مقدار أربع أصابع، وله أطيط كأطيط الرحل الجديد)(٣) .
وكثيرة جدّاً إسرائيليات كعب الأحبار هذا، ولا يقلُّ عنه زميله وصديقه وهب بن منبِّه الذي يروي حديثاً في بعض المعاني المتقدّمة في التجسيم، كقوله: (إنّ السماوات والبحار لفي الهيكل - السليماني - وإنّ الهيكل لفي الكرسي، وإنّ قدميه (عزّ وجلّ) لعلى الكرسي، وقد عاد الكرسي كالنعل في
_____________________
١ - سير أعلام النبلاء ٣ / ٤٨٩.
٢ - المصدر نفسه.
٣ - ابن تيمية، حياته وعقائده / ١٢٢.
قدميه)(١) .
٣ - يشتركون مع اليهود والنصارى في التجسيم:
هذا التجسيم والتشبيه لله - تعالى الله عن أقوالهم علوّاً كبيراً - جاء من أصحاب الديانات الباطلة المزيّفة السابقة، لا سيما اليهود والنصارى الذين ادّعوا له الجسميّة، واخترعوا له الزوجة والأولاد( قَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) (٢) .
اعلم يرحمك الله تعالى، أنّ الإغريق أو اليونان واليهود المجسّمة اشتركوا في أنّهم وصفوا الله تعالى وتخيّلوه على شكل إنسان، وأثبتوا له أفراد عائلة خياليّة كالزوجة والأولاد، ووصفوه بأنّه يذهب ويأتي، ويصعد وينزل، ويضحك ويغضب، وأثبتوا له أعضاء كأعضاء البشر، وأنّه على صورة شاب أمرد، أو شيخ كبير طاعن في السنّ(٣) ، وله لحية بيضاء ناصعة.
ينقل ابن تيمية شيخ المجسّمين عن النصارى قولهم: وفي الإنجيل أنّ المسيحعليهالسلام قال: لا تحلفوا بالسماء؛ فإنّها كرسي الله. وقال للحواريين: إن أنتم غفرتم للناس فإنّ أباكم الذي في السماء يغفر لكم كلّكم، انظروا إلى طير السماء فإنّهنّ لا يزرعن ولا يحصدن، ولا يجمعن في الهواء، وأبوكم الذي في
_____________________
١ - كتاب السنّة - لعبد الله بن أحمد بن حنبل ٢ / ٤٧٧.
٢ - سورة التوبة / ٣٠.
٣ - السلفية والوهابيّة / ٢٤.
السماء هو الذي يرزقهم(١) .
وأتباع هؤلاء اندسّوا في الإسلام منذ أوائل تبلوره وتجسيده كدولة وكقوّة دينية ودنيوية، وهذا ما اعترف به أحد مشايخ الوهابيّة بقوله: وتسرّب الإسرائيليات إلى المسلمين، ومبدأ دخولها في علومهم أمر يرجع تاريخه إلى عهد الصحابة؛ وذلك لأنّ القرآن يتّفق مع التوراة والإنجيل في ذكر بعض المسائل والحوادث التاريخية (كقصص الأنبياء)، وإن كان بينه وبين التوراة والإنجيل فرق كبير، وهو الإيجاز الذي يتميّز به القرآن ويجعله كمعجزة، والإطناب والتفصيل الذي يتّصف بهما التوراة والإنجيل، إضافة إلى تحريفهما وتغييرهما كما نصّ القرآن على ذلك(٢) .
وأمّا أخبار أبي هريرة الدوسي وتدليسه في الحديث، وكذبه الفاضح على رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وتدجيله لصالح معاوية بن أبي سفيان تحت تأثير بطنته، ومضيرة معاوية اللذيذة حتّى سمّاه الشيخ محمود أبو رية المصري (شيخ المضيرة) فإنّ حديثه يطول تتبّعه، وما على الباحث إلاّ قراءة ما كتبه السيد عبد الحسين شرف الدين والشيخ أبو رية، كلّ في كتابه عن أبي هريرة.
ويروى بخصوص ما نحن فيه أنّ التابعي الكبير بسر بن سعيد، كان يقول: (اتّقوا الله وتحفّظوا من الحديث، فو الله رأيتنا نجالس أبا هريرة فيحدّث عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ويحدّثنا عن كعب الأحبار ثمّ يقوم، فأسمع بعض مَنْ كان معنا يجعل حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله عن كعب، ويجعل حديث كعب عن رسول
_____________________
١ - فتاوى ابن تيمية ٥ / ٦٠٤.
٢ - السلفية والوهابيّة / ٢٧.
اللهصلىاللهعليهوآله (١) .
وبكلمة نقول: إنّ حديث التجسيم والتشبيه الذي جاءت به العقول الوهابيّة، وأساطين التجليد (وليس التجديد)، هو من عند اليهود والنصارى، وربما قيل ذلك من بقايا الوثنية اليونانية وغيرها من العقائد الباطلة التي جاء الإسلام الحنيف لتصحيحها وتقويمها وإعادتها إلى التوحيد الحقّ الذي يتلخص بقول أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام في خطبة الأشباح المعروفة، والمروية في نهج البلاغة، والتي يقول فيها:((الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لا يَفِرُهُ الْمَنْعُ وَالْجُمُودُ، وَلا يُكْدِيهِ الإِعْطَاءُ وَالْجُودُ الأَوَّلُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْلٌ فَيَكُونَ شَيْءٌ قَبْلَهُ، وَالآخِرُ الَّذِي لَيْسَ لهُ بَعْدٌ فَيَكُونَ شَيْءٌ بَعْدَهُ، وَالرَّادِعُ أَنَاسِيَّ الأَبْصَارِ عَنْ أَنْ تَنَالَهُ أَوْ تُدْرِكَهُ)) .
ثمّ قال للذي سأله:((فَانْظُرْ أَيُّهَا السَّائِلُ فَمَا دَلَّكَ الْقُرْآنُ عَلَيْهِ مِنْ صِفَتِهِ فَائْتَمَّ بِهِ، وَاسْتَضِئْ بِنُورِ هِدَايَتِهِ، وَمَا كَلَّفَكَ الشَّيْطَانُ عِلْمَهُ مِمَّا لَيْسَ فِي الْكِتَابِ عَلَيْكَ فَرْضُهُ، وَلا فِي سُنَّةِ النَّبِيِّ صلىاللهعليهوآله وَأَئِمَّةِ الْهُدَى أَثَرُهُ، فَكِلْ عِلْمَهُ إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ)) (٢) .
هكذا ينزّه الله سبحانه وتعالى أئمّةُ المسلمين، والأُمّةُ كلّها من بعدهم، فهم منار الهدى وأعلام التقى للأُمّة، عنهم تأخذ معالم دينها.
_____________________
١ - رواه مسلم في كتاب (التمييز) ١ / ١٧٥.
٢ - نهج البلاغة ١ / خطبة ٨٩ المعروفة بالأشباح.
وهذا بالضبط ما جاء به القرآن الكريم الذي كان قمّة الإعجاز في كلّ شيء، حتّى في بحوث التوحيد والتقديس والتنزيه للباري تعالى.
ألا تكفي عشرات الآيات المباركات في هذا الباب، وهي رأس الدين وأوّل أصوله، وعمدة أركانه الخمسة؟
ألا تكفي الوهابيّة السلفيّة والحشويّة وبقيّة المجسّمة سورة الإخلاص المباركة وكلماتها النورانيّة:( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ) (١) ؟
بلى والله تكفي وتكفي؛ لأنّها تعادل ثلث القرآن كما في الروايات المستفيضة، لِما فيها من معارف التوحيد الذي قال عنه أمير المؤمنين في خطبة أُخرى:((أوّلُ الدِّينِ معرفتهُ، وكمالُ معرفتهِ التَّصديقُ به، وكمالُ التصديقِ به توحيدهُ، وكمالُ توحيدهِ الإخلاصُ لهُ، وكمالُ الإخلاصِ لهُ نفيُ الصفاتِ عنهُ؛ لشهادةِ كلِّ صفةٍ أنّها غيرُ الموصوفِ، وشهادةِ كلِّ موصوفٍ أنّهُ غيرُ الصفةِ)) (٢) .
إلاّ أنّ المجسّمة لم يرق لهم ذلك، فراحوا يحملون آيات القرآن على ظاهرها البحت، ولم يعتمدوها في أبحاثهم، وإنّما عمدوا إلى السُنّة والأحاديث الملفّقة والمكذوبة على رسول اللهصلىاللهعليهوآله الذي قال:((ستكثر من بعدي الكذّابة، فما جاءكم عنّي فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافقه فخذوه، وإن عارضه
_____________________
١ - سورة الإخلاص.
٢ - نهج البلاغة - الخطبة الأولى.
فاضربوا به عرض الحائط)) .
٤ - الرحمن على صورة إنسان:
وهؤلاء تركوا الميزان والحكَم وهو كتاب الله، وجعلوا المحكوم عليه السُنّة هي الحكَم في عقائدهم، وتمسّكوا بأحاديث كعب الأحبار، وعبد الله بن منبه، وعبد الله بن سلام، ومقاتل بن سليمان، وأبي هريرة الدوسي وغيرهم ممّن رويت عنهم تلك الأحاديث التي لم يسمعوها من رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
كقول أبي هريرة: (إنّ الله خلق آدم على صورته)(١) ، وهذا ترجمة لما جاء في التوراة في السّفر الأوّل: (سنخلق بشراً على صورتنا يشبهها).
وأصل هذا الحديث صحيح إلاّ أنّ أبا هريرة اختصره وأخذ منه ما يوافق أهواءه، أو ما كان يمليه عليه صاحبه كعب الأحبار، لكنّ الصحابة صحّحوه له؛ حيث أنّ النبيصلىاللهعليهوآله مرَّ برجل يضرب رجلاً (عبداً) وهو يقول: (قبّح الله وجهك، ووجه مَنْ أشبه وجهك).
فقالصلىاللهعليهوآله :((إذا ضرب أحدكم فليتقِ (يتجنب) الوجه؛ فإنّ الله تعالى خلق آدم على صورته)) (٢) .
أي أنّ الوجه المضروب على صورة أبيه آدمعليهالسلام ، وليس كما فهمه اُولئك من أنّ ضمير الصورة عائد على الذّات المقدّسة، سبحانك اللهمّ سبحانك.
_____________________
١ - صحيح البخاري / ح ٦٢٢٧، صحيح مسلم / ح ٢٨٤١.
٢ - صحيح مسلم / ح ٢٦١٢، مسند أحمد ٢ / ٤٣٤.
وهذا آخر (عبد الرحمن بن عائش) يروي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنّه قال: (رأيت ربّي في أحسن صورة) تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.
فقال لي (الله): فيمَ يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟!
قلت: أنت أعلم ياربّ، فوضع كفّه بين كتفيّ حتّى وجدت بردها بين ثديي!)(١) تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.
والحافظ ابن الجوزي يروي ذلك عن ابن حامد المجسّم الحنبلي بهذا اللفظ: (ولمّا أُسري بي رأيت الرحمان تعالى في صورة شاب أمرد، له نور يتلألأ، وقد نُهيت عن وصفه لكم، فسألت ربّي أن يكرمني برؤيته، وإذا هو كأنّه عروس حين كشف عن حجابه، مستوٍ على عرشه)(٢) .
وبيّن الحافظ ابن الجوزي أنّ هذا كذب قبيح(٣) .
وهذه أُمّ الطفيل تروي أنّ النبيصلىاللهعليهوآله رأى ربّه في المنام في أحسن صورة شاباً موفّراً، رجلاه في خضرةٍ، عليه نعلان من ذهب، على وجهه فراش من ذهب(٤) .
وبعد هذا البسط، إليك عقيدة القوم في الله سبحانه وتعالى التي تبدو واضحة من عنوان الكتاب الذي ألّفه الشيخ محمود التويجري، وهو (عقيدة أهل
_____________________
١ - تهذيب التهذيب ٦ / ١٨٥.
٢ - دفع شبهة التشبيه - لابن الجوزي / ١٥١.
٣ - السلفية الوهابيّة / ٣٢.
٤ - المصدر نفسه.
الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن).
تصوّر رعاك الله هذه العقيدة الغير إسلاميّة، ويطالبوننا باعتناقها وهي محضّ الجاهليّة التي حاربها الإسلام ورسولهصلىاللهعليهوآله ورجالاته المخلصون؟!
وإليك ما كتبه الرحّالة العالمي ابن بطوطة عن مشاهداته لإمام من أئمّتهم في العقائد، وشيخ من أعظم مشايخهم، وعمدة من أعمدتهم الذي لم يأتِ مثله إلاّ المجدّد في نظرهم محمد بن عبد الوهاب النجدي.
كان بدمشق من كبار الفقهاء الحنابلة تقي الدين بن تيمية(١) ، كبير الشام،
_____________________
١ - مَنْ هو ابن تيمية؟
أحمد بن عبد الحليم الحرّاني الحنبلي، الملقّب بابن تيمية، وتقي الدين، وأبي العباس، كان من كبار علماء الحنابلة في القرن السابع والثامن الهجريين. ولد في مدين حرّان سنة ٦٦١ هـ، وبعد أن عاش ٦٧ عاماً توفي سنة ٧٢٨ هـ في دمشق.
إنّه من بيت حمل لواء المذهب الحنبلي أكثر من قرن من الزمن، تعاقب فيه رجال على زعامة المذهب، فتصدّروا الخطابة وأكثروا التأليف، منهم: محمد بن الخضر بن تيمية، وابنه عبد الغني المعروف بالسيف، وأيضاً عبد القاهر بن عبد الغني السيف.
والدة ابن تيمية تدعى ستّ النعم بنت عبدوس الحرّانية. أمّا بالنسبة إلى قبيلته، فإنّ أحداً ممّن ترجم له لم يذكر قبيلته ولا منحدره القومي، وحتى معاصروه وتلامذته كالذهبي، وابن الوردي، وابن كثير وغيرهم لم ينسبوه إلى قبيلة من قبائل العرب ولا من غيرهم، ولم يذكر شيء من ذلك في تراجم آبائه أيضاً؛ فبقيت نسبته عرضة للتكهّنات التي لا يؤيّدها دليل شافٍ، ولا ينفيها برهان قاطع بعد سكوت معاصريه، بل ومعاصري آبائه عن ذلك.
نشأ ابن تيمية بحرّان، حتّى إذا بلغ السابعة من عمره أغار على المدينة التتار، ففرّ أهل المدينة منها، =
يتكلّم في الفنون، إلاّ أنّ في عقله شيئاً، وكان أهل دمشق يعظّمونه أشدّ التعظيم، (وهذا ديدن الهمج الرعاع الذين كانوا يعظّمون معاوية وعمرو بن العاص و ...)، ويعظهم على المنبر، وتكلّم بأمر أنكره الفقهاء (التجسيم والتشبيه).
قال: وكنت إذ ذاك بدمشق فحضرته يوم الجمعة وهو يعظ الناس على منبر الجامع ويذكّرهم، فكان من جُملة كلامه أن قال: (إنّ الله ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا) ونزل درجة من المنبر ثمّ صعد ليكمل!
فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزهراء، وأنكر ما تكلّم به، فقامت العامّة إلى هذا الفقيه (ابن تيمية) وضربوه بالأيدي والنعال ضرباً كثيراً حتّى سقطت عمامته، وظهر على رأسه شاشيّة حرير (وهو محرّم على رجال أُمّة محمدصلىاللهعليهوآله ، فأنكروا عليه لباسها واحتملوه إلى دار عزّ الدين بن مسلم قاضي الحنابلة، فأمر بسجنه، وعزّره بعد ذلك(١) (أي جلده وأقام عليه الحدّ).
هذه عقيدة القوم يا أهل الإيمان!
_____________________
= وهاجرت أسرته إلى الشام واستقرّت هناك، وكانت آراؤه الكثيرة المنحرفة تخالف آراء الفقهاء، فكفّروه واشتدّت العداوة بينه وبينهم حتّى بدأ ولاة مصر يستمعون للشكايات المثيرة، ومنها شكايات الصوفية.
لم يقيّد ابن تيمية نفسه باتّباع مذهب أحمد بن حنبل، وكان من المسائل الكلامية يغالي في التوحيد، وفي زمانه رحّب الناس به واستمعوا إليه وأعجبوا به، وتعصّب له فريق، ولكنّ دعوته لم تلقَ التأييد، فظلّت راكدة إلى أربعة قرون ونصف، حيث حملها محمد بن عبد الوهاب مؤسّس الحركة الوهابيّة إلى شبه الجزيرة العربية في القرن الثاني عشر الهجري.
١ - رحلة ابن بطوطة / ٩٥.
هذه آراء أعاظمهم ومشايخهم وأعلامهم عن الله تعالى وصفاته؟!
هذا هو التوحيد الذي يدعون الأُمّة الإسلاميّة إليه؟! أليس هو عين الكفر والشرك والجحود بكل ما جاء به القرآن وملّة أهل الإيمان؟!
الفصل الثاني: خلاصة عقيدتهم في التوحيد
يعتقد الوهابيون السلفيون أنّ الله تعالى جسم له حدّ وغاية، وأنّ له صورة ووجهاً، وعينين وفماً، وأضراساً وأضواء لوجهه هي السبحات، ويدين وكفاً، وخنصراً وإبهاماً، وأصابع وصدراً، وجنباً وساقين، ورجلين وقدمين، وأنّه جالس على العرش، وأنّه ينتقل من مكان إلى مكان، فينزل في النصف الثاني من الليل إلى السماء الدنيا وينادي ثمّ يصعد(١) ، نستجير بالله.
ويقول الحافظ ابن الجوزي: (ورأيت من أصحابنا مَنْ تكلّم في الاُصول بما لا يصلح، وانتدب للتصنيف ثلاثة: أبو عبد الله بن حامد وصاحبه القاضي وابن الزاغوني، فصنّفوا كتباً شانوا بها المذهب، ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام، فحملوا الصفات على مقتضى الحسّ، فسمعوا أنّ الله تعالى خلق آدم على صورته، فأثبتوا له صورة ووجهاً على الذات، وعينين وفماً ولهوات، وأضراساً وأضواء لوجهه هي السّبحات، ويدين وأصابع، وكفاً وخنصراً، وإبهاماً وصدراً، وفخذاً وساقين ورجلين، وقالوا ما سمعنا بذكر الرأس(٢) !
_____________________
١ - السلفية الوهابيّة / ٥٨.
٢ - دفع شبهة التشبيه بأكفّ التنزيه - لابن الجوزي / ٩٧. علماً أنّ هذا ليس هو ابن قيّم الجوزيّة تلميذ ابن تيميّة.
وقالوا: يجوز أن يَمسّ ويُمسّ، ويدني العبد من ذاته. وقال بعضهم: ويتنفس ..
وأبو بكر ابن العربي يروي عن القاضي أبي يعلي الحنبلي أنّه كان إذا ذُكر الله سبحانه يقول: (ألزموني - من صفات الله - ما شئتم؛ فإنّي ألتزمه إلاَّ اللحية والعورة)(١) .
أهذا هو حقيقة التوحيد في المفهوم القرآني؟! وهل يرضاه الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ؟! وهل يقبله العقل السليم؟!
ويعتقدون مثل كلّ المسلمين أنّ الله وحده هو المنفرد بالخلق والتدبير، والإحياء والإماتة، والملك التام لكلّ ما في هذا الكون(٢) ، ولكنّهم يبنون على ذلك أنّ مَنْ دعا غير الله واستغاث به وهو غائب أو ميت، وطلب منه المدد واعتقد أنّه ينفع ويضرّ، ويشفي المريض ويردّ الغائب، وينتصر للمظلوم فقد أشرك بالله العظيم.
ولا ينفع هذا أن يسمّي ما يفعله شفاعة أو توسلاً فهذه حجّة المشركين، ومن الشرك ما يفعله كثير من الناس من النذر لغير الله، والذبح لغيره كما يفعل عند قبور الصالحين وغيرهم، كما إنّ مَنْ صلّى وسجد لغير الله فقد أشرك(٣) .
_____________________
١ - العواصم ٢ / ٢٨٣.
٢ - معلومات مهمة من الدين / ٦.
٣ - المصدر نفسه، علماً أنّ هذا الكتيب يوزّع بالملايين على حجّاج بيت الله الحرام.
إنّ هذا الكلام هو كجنود معاوية من قبل الذي كان يغتال الناس بالسمّ المدسوس في العسل ويتّهم الله تعالى بأنّه الفاعل، ويقول: (إنّ لله جنوداً من عسل).
إنّ هذا الكلام المنسّق يدسّ الكفر بالإسلام والشرك باسم التوحيد، ويخرج الأُمّة من الدين دفعة واحدة بعد أن دخلوه زرافات ووحدانا ومن ثمّ أفواجاً.
اعلم عزيزي القارئ أنّ من ضروريات الدين الإسلامي، والمُجمع عليه بين جميع الفرق المنتحلة لدين سيّد الأنام محمد بن عبد اللهصلىاللهعليهوآله ، بل ومن أعظم أركان التوحيد: توحيد الله (عزَّ وجلَّ) في تدبير العالَم، كالخلق والرزق، والإماتة والإحياء، إلى غير ذلك ممّا يرجع إلى تدبير العالَم، كتسخير الكواكب، وجعل الليل والنهار، والظلم والأنوار، وإنزال الأمطار وإجراء الأنهار.
فلا كلام بين طوائف أهل الإسلام أنّ المدبّر لهذا النظام هو الله الملك العلاّم وحدهُ(١) . كيف لا يكون ذلك، والمسلم يقرأ العشرات من الآيات القرآنية المباركة التي تصف الله سبحانه بهذه الصفات، وتسند إليه تلك الأفعال التي يستقل بها من دون الخلق طراً؟! كقوله تعالى:( قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ ) (٢) .
_____________________
١ - الوهابيّة واُصول الاعتقاد / ٣٥.
٢ - سورة يونس / ٣١.
وقوله:( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ ) (١) .
وقوله:( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللهُ ) (٢) .
وغير ذلك كثير جدّاً في آيات الكتاب الحكيم.
ولكن مَنْ قال لكم أيها الناس أنّ (التوسّل والاستغاثة، والاستشفاع، أو طلب الانتفاع) هو شرك أكبر؟
ومَنْ قال أنَّ التماس الشفاعة وتشريك غير الله مع الله وتقديمه بين يدي الدعاء هو شرك بالله العظيم؟!
ومَنْ قال أنَّ التوسّل بالأنبياء والصالحين وزيارة قبورهم والنذر لهم حبّاً لهم وتقرباً إلى الله بذلك، هو من الشرك الكبير الذي يخرج صاحبه من الدين، ويُستباح دمه ويحلّ لكم قتله؟!
١ - شرعية التوسّل:
إنَّ التوسّل إلى الله ليس بالأمر المندوب فقط، بل هو من الواجبات العقلية والنقلية في الشريعة الإسلاميّة؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى يقول:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ) (٣) ، وقال سبحانه:( اُولئك الَّذِينَ يَدْعُونَ
_____________________
١ - سورة العنكبوت / ٦١.
٢ - سورة العنكبوت / ٦٣.
٣ - سورة المائدة / ٣٥.
يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ ) (١) .
فالتوسّل بشخص مقرَّبٍ أو مَلكٍ عظيمٍ إلى الله تعالى ليس عبادة له؛ لاعتقادنا أنّ النفع والضرّر هو من الله سبحانه باستقلاليّة مطلقة، ولكن نجعله وسيلتنا (واسطتنا) إلى الله؛ لكي يستجيب لنا ببركة ذاك العظيم أو المقرب إلى ساحات القدس؛ ولذا ترانا في كثير من أدعيتنا نقول: بجاه الحبيب المصطفى عندك يا الله، بجاه كلّ مَنْ له جاه عندك، وبحقّ كلّ مَنْ جعلت له حقّاً عندك، وبكرامة مَنْ له كرامة عندك، وهكذا.
وهذا معمول به عند جميع المسلمين منذ عهدهم الأوّل وزمن الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله وحتى يومنا هذا، تراها سنّة مباركة جارية، فليس الغرض بالعمل والاستغاثة الشرك بالله - والعياذ بالله -، بل الغرض: أن يفعل الله فعله، ويقضي الحاجة ببركتهم وشفاعتهم؛ حيث إنّهم مقرّبون لديه، مكرّمون عنده، ولا مانع من أن يكونوا سبباً ووسيلة لجريان فيضه(٢) الأقدس علينا نحن الفقراء إليه والمذنبون بحقّه علينا.
فلا جرأة لنا أن ندعوه بأنفسنا المخطئة، وألسنتنا المذنبة؛ ولذا جاء في الحديث الشريف:((ادعُ الله بلسان لم تخطئ به)) .
قالوا: كيف ذلك يا رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟
قالصلىاللهعليهوآله :((ادع لأخيك المؤمن، ودعه يدعو لك، ودعاء المؤمن لأخيه المؤمن في ظهر الغيب لا يحجبه عن الله حجاب)) .
_____________________
١ - سورة الإسراء / ٥٧.
٢ - الوهابيّة واُصول الاعتقاد / ٣٧.
فكيف يفسّر هذه الأحاديث المباركة والآيات الشريفة اُولئك الذين جاؤوا بعد قرون من عمل الأُمّة؛ ليكتشفوا حديثاً أنّ هذا شرك كبير؟!
ولاُولئك نقول: إذا كان أحدكم في منصب الإفتاء، أو الوزارات والقيادات في بلدانكم، لا سيما مَنْ تحكمونها من البلدان، إذا أراد شخص منكم قضية أو خدمة أو وظيفة وجاء إليك بأبيك أو أخيك، أو ولدك أو صديقك ومَنْ هو عزيز عندك، هل ستعتبر ذلك شركاً عظيماً وتضرب عنق ذاك المتوسّل إليك بأحبابك؟!
سأترك الجواب إلى حضرات السادة القرّاء الكرام، فهذا أمر بديهي لدى العقلاء كما نراه ويراه أكثر أهل العلم والإيمان من هذه الأُمّة.
٢ - شرعية الدعاء:
يعتقد الوهابيون السلفيون أنَّ مَنْ دعا أو استغاث بأحد غير الله فقد أشرك بالله؛ لأنّ الدعاء عبادة كما في قوله تعالى:( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) (١) .
فإذا قلت: يا محمد يا رسول الله، أو يا علي يا ولي الله، فإنّما أنت بهذا النداء تشرك بالله؛ لأنّك تدعو غير الله وتستغيث بغير الله.
اسمع ما يقول الصنعاني في (تنزيه الاعتقاد): (ومَنْ هتف باسم نبي، أو صالح بشيء، أو قال: اشفع لي إلى الله في حاجتي، أو أستشفع بك إلى الله في حاجتي، أو نحو ذلك، أو قال: اقضِ ديني، أو اشفِ مريضي أو نحو ذلك، فقد دعا ذلك النبيّ والصالح،
_____________________
١ - سورة غافر / ٦٠.
والدعاء عبادة - بل مخّها - فيكون قد عبد غير الله وصار مشركاً)(١) .
قل لي بربّك، أليس هذا عين السفسطة؟! أليس هذا البرهان كبراهين اُولئك السوفسطائيين الذين ما زال العقلاء يضحكون من براهينهم السطحية، والخالية عن أيّ أصل علمي؟!
إنّك عندما تقدّم نبيّاً أو صالحاً بين يدي دعائك إلى الله؛ ليكون لك وسيلة وباباً لقبول الدعاء واستجابة الطلب، فأين هذا من العبادة التي تعني الخضوع النابع من الاعتقاد بالألوهيّة والربوبيّة للمعبود، وهذا محصوراً بالله قطعاً؟!
والله سبحانه وتعالى أمرنا نحن المسلمين أن نقدّم رسول اللهصلىاللهعليهوآله خاصّة بين يدي حاجاتنا، بقوله تعالى:( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً ) (٢) .
هذا لأنّ المدعو عبد من عباد الله المكرمين، (بل أكرم عباد الله طرّاً)، ولأنّه ذو مقام معنوي استحق به منزلة النبوّة أو الإمامة، والله سبحانه وعد المتوسّلين بهصلىاللهعليهوآله بقبول أدعيتهم، وإنجاح طلباتهم فيما إذا قصدوا الله عن طريقه(٣) .
لا بل هناك أحاديث كثيرة تأمرنا وتحضّنا على الابتداء بالدعاء وإنهائه بالصلاة على محمد وآل محمد (صلوات الله وسلامه عليهم)؛ لأنّها مفتاح القبول للدعاء كما في الحديث الشريف:((مَنْ كانت له إلى الله (عزّ وجلّ) حاجة
_____________________
١ - كشف الارتياب في أتباع محمد بن عبد الوهاب / ٢٧٣.
٢ - سورة النساء / ٦٤.
٣ - التوحيد والشرك في القرآن الكريم / ١٨٤.
فليبدأ بالصلاة على محمد وآله، ثمّ يسأل حاجته، ثمّ يختم بالصلاة على محمد وآل محمد؛ فإنّ الله (عزّ وجلّ) أكرم من أن يقبل الطرفين ويدع الوسط، إذ كانت الصلاة على محمد وآل محمد لا تحجب عنه)) (١) .
نعم، إنَّ أحد أعظم موارد استجابة الدعاء ذكر الحبيب المصطفى محمدصلىاللهعليهوآله ؛ لأنّ ذكره واجب ومندوب، وفاضل ومرغوب في كلّ زمان ومكان.
٣ - حقيقة الشفاعة:
يقول محمد بن عبد الوهاب: إن قال قائل: الصالحون ليس لهم من الأمر شيء، ولكن أقصدهم وأرجو من الله شفاعتهم. فالجواب: إنّ هذا قول الكفّار سواء بسواء، وأقرأ عليهم قوله تعالى:( الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى ) (٢) .
وقوله تعالى:( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ ) (٣) .
وإن قال: إنّ النبي أُعطي الشفاعة، وأنا أطلبها ممّن أعطاه الله.
فالجواب: إنّ الله أعطاه الشفاعة ونهاك عن طلبها منه فقال تعالى:( فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً ) (٤) .
وأيضاً فإنّ الشفاعة أعطيها غير النبي، فصحَّ أنّ الملائكة يشفعون،
_____________________
١ - الكافي ٢ / ٤٩٤ ح١٦.
٢ - سورة الزمر / ٣.
٣ - سورة يونس / ١٨.
٤ - سورة الجن / ١٨.
والأولياء يشفعون.
أتقول: إنّ الله أعطاهم الشفاعة فأطلبها منهم؟
فإن قلت هذا رجعت إلى عبادة الصالحين التي ذكرها الله في كتابه(١) .
إنّ هذا الكلام كذر الرماد في العيون تماماً، فما معنى أن يعطيك الله الشفاعة وينهاني عن طلبها منك، فما قيمة هذه الشفاعة إذن؟
ولكن هذه حجّة مَنْ لا حجّة له؛ لأنّه صح أنّ الله أعطى الشفاعة للأنبياء والأولياء والملائكة وحتى الخواصّ، كالوالدين والأصدقاء من المؤمنين.
فإذا صحَّت وثبتت بالكتاب والسنّة، فإنّه علينا أن نبحث لها عن تأويل، ونلتفّ عليها لنفرّغها من محتواها العقائدي.
فلاُولئك المتفلسفين من السلفيين نقول: إنّ للمسألة ثلاثة أركان أساسيّة:
١ - جهة الشفاعة المطلقة: هي لله سبحانه( قُلْ للهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً ) (٢) . أي أنّ المشفوع إليه هو الله؛ لأنّه صاحب الحساب والعقاب في الآخرة.
٢ - جهة الشفاعة النسبية: هي لِمَنْ أعطاه الله إذناً بالشفاعة؛ لكرامة أو قرب أو أي أمر معنوي له. وهذه ثابتة لِمَنْ ذكرنا من قبل، وهؤلاء شفاعتهم مأذونة (بإذن الله)؛ لأنّه [قال سبحانه]:( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ ) (٣) ، [وقال:] ( مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ) (٤) .
_____________________
١ - كشف الشبهات / ٩.
٢ - سورة الزمر / ٤٤.
٣ - سورة البقرة / ٢٥٥.
٤ - سورة يونس / ٣.
[وقال أيضاً:]( يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ) (١) .
[وكذلك قال:]( وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضَى ) (٢) .
هذه الآيات المباركات وأُخرى غيرها تؤكّد أنّ الشفاعة لا تكون إلاّ بإذن الله تعالى.
٣ - جهة الطلب: أي مَنْ يطلب الشفاعة، وهو العبد الفقير المحتاج إلى شفاعة شافع من نبي كريم، أو إمام مبين أو غير ذلك؛ ليرحمه الله ويغفر له ذنوبه، ويدخله الجنة بالرحمة والشفاعة المقبولة.
وهؤلاء المساكين يحتاجون في تحقّق الشفاعة إلى أمرين اثنين:
١ - أن يكون الشفيع مأذوناً له في الشفاعة.
٢ - أن يكون المشفوع له مرضيّاً عند الله(٣) .
وأين هذا من الشرك يا عقلاء العالم؟! فإذا اعتقدنا بالشفاعة للنبيصلىاللهعليهوآله وطلبناها منه، فهل هذا يعني أنّنا نعبد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ونجعله صنماً نعبده من دون الله، وتُستباح لذلك دماؤنا؟! ويحكم علينا أتباع ابن عبد الوهاب بالقتل والسبي وغير ذلك؟! أين هذا من دين الإسلام الحنيف يا عباد الله؟!
وسيكون لنا وقفات وحوارات، وقصص وروايات مع هذه الجماعة فيما بعد؛ لنرى التعصّب والتبلّد الذي يضرب بعرض الحائط كلّ ما جاء به القرآن
_____________________
١ - سورة طه / ١٠٩.
٢ - سورة الأنبياء / ٢٨.
٣ - التوحيد والشرك في القرآن الكريم / ١٦٣.
الكريم، والعقل السليم، والرسول العظيم محمدصلىاللهعليهوآله ، فلا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم.
ب) توحيد العبادة:
العبادة الحقّة التي تعني الخضوع الكامل مع اعتقاد إلهيّة المعبود، أو المتوجّه إليه بالطاعة، تعدّ من ضروريات الدين الإسلامي، والمتّفق عليه من جميع طبقات المسلمين، بل من أعظم أركان اُصول الدين: اختصاص العبادة بالله ربّ العالمين.
ولذا نقول في صلواتنا كلّ يوم عشر مرّات:( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) ؛ لأنّه لا يستحقّها غيره، ولا يجوز إيقاعها لغيره، ومَنْ عبد غيره فهو كافرٌ مشرك؛ سواء عبد الأصنام، أو عبد أشرف الملائكة، أو أفضل الأنام.
وهذا لا يرتاب فيه أحد ممّن عرف دين الإسلام(١) .
ولكن شذّاذ الآفاق وشواذ العصور المتأخّرة يقولون: ومن الشرك ما يفعله كثير من الناس من النذر لغير الله والذبح لغيره، كما يفعل عند قبور الصالحين وغيرهم.
فكما إنّ مَنْ صلّى وسجد لغير الله فقد أشرك، فكذلك مَنْ نحر وذبح لغير الله فقد أشرك، ومن هنا حذّر رسول اللهصلىاللهعليهوآله أُمّته من اتّخاذ القبور مساجد؛ حتّى لا يقع الناس في الشرك بسبب الغلو في الصالحين(٢) .
_____________________
١ - الوهابيّة واُصول الاعتقاد / ٢٢.
٢ - معلومات مهمة عن الدين / ١٥.
نقول نعم، العبادة لله وحده، ويجب أن تكون خالصة مخلصة لوجهه الكريم دون أيّ شريك، وهذا ما نستفيده ونتعلّمه من القرآن الكريم، لا سيما أُمّ الكتاب التي نقرؤها في الصلوات كلّها قائلين:( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) .
وتقديم (إيّاك) على الفعل (نعبدُ) تفيد الحصر كما يقول أهل اللغة والتفسير، أي أنّنا نقول: نحصر العبادة، والاستعانة بك يا الله، فلا نعبد ولا نستعين بأحد إلاّ بك وحدك، وما على أهل الكفر والإيمان إلاّ التوجّه والبحث في جميع كتب التفسير حول هذه الآية المباركة في سورة الفاتحة.
وهذا ما نقرؤه في سورة الكافرون، والعشرات من الآيات القرآنية في مختلف السور، كقوله تعالى:( إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ للهِ أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيَّاهُ ) (١) .
وقوله تعالى:( وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) (٢) .
وعبادة الله وحده كانت آخر وصايا الأنبياءعليهمالسلام لأبنائهم وذويهم وأُممهم، كما قصَّ سبحانه وتعالى لنا وصيّة نبيّ الله يعقوبعليهالسلام :( أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) (٣) .
تلك هي العبادة المخلصة التي أمر الله بها رسوله الكريمصلىاللهعليهوآله وأُمّته
_____________________
١ - سورة يوسف / ٤٠.
٢ - سورة التوبة / ٣١.
٣ - سورة البقرة / ١٣٣.
المرحومة، كما في قوله تعالى:( وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ) (١) .
وقوله تعالى:( قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي ) (٢) .
فالعبادة كما يقول أهل العربية: هي غاية الخضوع والخشوع والتذلّل والسجود، ووضع المكارم على الأرض أمام المخضوع له، وهذا لا يجوز إلاّ لله وحده؛ ولذا فإنّك ترى المسلمين والمؤمنين عندما يذهب أحدهم إلى زيارة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، أو أولياء الله ويصلّون صلوات الزيارة فتراهم يقولون في عقبها: (اللهمّ إنّي صليتُ وركعتُ، وسجدتُ لك وحدك لا شريك لكَ؛ لأنّ الصلاة والركوع والسجود لا تكون إلاّ لك لأنّك أنت الله لا إله إلاّ أنت. اللهمّ صلّ على محمد وآل محمد وأبلغهم عنّي أفضل السّلام والتحية واردُد عليّ منهم السّلام. اللهمّ (وهذه الصلاة) هديةٌ منّي إلى مولاي (وتسمّي المزور). اللهمّ صلّ على محمد وآله وتقبّل منّي وأجُرني على ذلك بأفضل أملي ورجائي فيك وفي وليك يا وليّ المؤمنين)(٣) .
_____________________
١ - سورة الزمر / ٦٥ - ٦٦.
٢ - سورة الزمر / ١٤.
٣ - مفاتيح الجنان / ٥٠٣.
وربما تقول: وَأجُرني عليهما شفاعته لي يوم القيامة، أو يوم الورود عليك.
وهذا كما تقرأ يا أخي المؤمن، إقرار اللسان الذي ينبع عن عقد راسخ في الجنان على أنّ العبادة لا تجوز إلاّ لله وحده؛ لأنّه أهل العبادة، وصاحب الاستحقاق لها بالأصالة، وبها يتفرّد دون غيره من الخلق أجمعين.
الفصل الثالث: حقيقة السجود لغير الله
إنّ هذا السجود إذا كان بأمر من الله، يخرج عن حيّز العبادة للمسجود له إلى حيّز عبادة الآمر بالسجود، كما في قصّة أبينا آدمعليهالسلام وسجود الملائكة له، وورود ذلك في عدد من السور القرآنية، كما في قوله تعالى:( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) (١) .
نسأل: هل كان السجود هنا عبادة لآدمعليهالسلام أم تعظيماً وتفخيماً وتكريماً له؟!
فالآية تدلّ دلالة قطعية وواقعية واضحة على أنّ آدمعليهالسلام كان مسجوداً له، وأنّ الملائكة كانوا هم الساجدين، وأنّ الله اعتبر إبليس مستكبراً وكافراً؛ لأنّه لم يسجد لآدم، فهل كان آدم معبوداً إلهاً والملائكة عابدون له والعياذ بالله؟!
لا، إنّ الآية تدلّ على أنّ آدمعليهالسلام كان مسجوداً للملائكة، ولم يحسب سجودهم له شركاً وعبادة لغير الله، ولم تعدّ الملائكة بذلك العمل مشركة، ولم يجعلوا بعملهم هذا ندّاً لله وشريكاً في المعبودية، بل كان عملهم تعظيماً لآدم وتكريماً لشأنه(٢) .
_____________________
١ - سورة البقرة / ٣٤.
٢ - التوحيد والشرك في القرآن الكريم / ٥١.
وهنا يمكن أن يكون لدينا عدد من الصور لتفسير أو فهم هذا السجود الملائكي المقدّس لآدمعليهالسلام ، كما يذهب معظم أهل التفسير قديماً وحديثاً:
- يمكن أن يتصوّر: أنّ معنى السجود لآدم في هذه الآية هو الخضوع له، لا السجود بمعناه الحقيقي المتعارف كسجود الصلاة.
- ويمكن أن يتصوّر: أنّ المقصود بالسجود لآدمعليهالسلام ، هو جعله (قبلة) كالكعبة المشرّفة، لا السجود له سجوداً حقيقياً.
ولكن كلا التصوّرين باطلان بالدليل:
أمّا الأوّل: فلأنّ تفسير السجود في الآية بالخضوع خلاف الظاهر والمتفاهم العربي؛ إذ المتبادر من هذه الكلمة في اللغة والعرف هو الهيئة السجودية المتعارف عليها لا الخضوع.
وأمّا الثاني: فهو أيضاً باطل؛ لأنّه تأويل بلا مصدر يرجع إليه، ولا دليل يدلّ عليه، هذا مضافاً إلى أنّ آدمعليهالسلام لو كان قبلة للملائكة لما كان ثمة مجال لاعتراض الشيطان؛ إذ قال:( أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً ) (١) .
لأنّه يلزم أبداً أن تكون القبلة أفضل من الساجد، ليكون أيّ مجال لاعتراضه، بل اللازم هو كون المسجود له أفضل من الساجد، في حين أنّ آدمعليهالسلام لم يكن أفضل في نظر الشيطان، وهذا ممّا يدلّ على أنّ السجود كان أمام مسجود له.
_____________________
١ - سورة الإسراء / ٦١.
يقول الجصّاص: ومن الناس مَنْ يقول أنّ السجود كان لله، وآدم بمنزلة القبلة لهم، وليس هذا بشيء؛ لأنّه يوجب أن لا يكون في ذلك حظّ من التفضيل والتكرمة، وظاهر ذلك يقتضي أن يكون آدمعليهالسلام مفضلاً مكرماً.
ويدلّ أنّ الأمر بالسجود قد كان أراد به الله تكرمة آدمعليهالسلام وتفضيله، وقول إبليس فيما حكى الله عنه:( أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ ) (١) .
فأخبر إبليس أنّ امتناعه من السجود لأجل ما كان من تفضيل الله وتكرمته لآدم بأمر إيّاه بالسجود له. ولو كان الأمر بالسجود على أنّه نصب قبلة للساجدين من غير تكرمة له ولا فضيلة، لما كان لآدم في ذلك حظّ ولا فضيلة يُحسد عليها كالكعبة المنصوبة للقبلة(٢) .
وعلى هذا فمفهوم الآية هو: أنّ الملائكة سجدوا لآدم بأمر الله سجوداً واقعيّاً، وأنّ آدم أصبح مسجوداً للملائكة بأمر الله، وهنا أظهر الملائكة من أنفسهم غاية الخضوع أمام آدمعليهالسلام ، ولكنّهم مع ذلك لم يكونوا ليعبدوه(٣) .
إنَّ العودة إلى القرآن الكريم واستعراض الآيات التي تحدّثنا عن سجود آخر ولا عبادة للمسجود له، تضعنا أمام قصّة نبيّ الله يوسفعليهالسلام وأبويه وإخوته،
_____________________
١ - سورة الإسراء / ٦١ - ٦٢.
٢ - أحكام القرآن ١ / ٣٠٢.
٣ - التوحيد والشرك في القرآن الكريم / ٥٢.
كما تحدّثنا السورة المباركة بقوله تعالى:( وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً ) (١) .
ورؤياه التي يتذكّرها هي:( إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ) (٢) .
وقد تحقّقت هذه الرؤيا بعد سنوات عجاف طويلة، بحيث سجد ليوسف أبواه وإخوته جميعاً عندما اجتمع شملهم تحت ظلّه وملكه لمصر، علماً بأنّ أحد الساجدين هو والده يعقوبعليهالسلام وهو نبيّ كما لا يخفى عليك أخي العزيز.
ألا ترى أنّ تعبير القرآن واضح وصريح بسجودهم ليوسفعليهالسلام ؟
وعن هذا البيان القرآني يستفاد جليّاً أنّ مجرّد السجود لأحد بما هو مع قطع النظر عن الضمائم والدوافع ليست عبادة، والسجود كما نعلم هو غاية الخضوع والتذلّل(٣) .
إذ أنّه ليس كلّ خضوع بركوع أو سجود أو تذلّل يعتبر عبادة، ويعتبر فاعلها مشركاً بالله كما يذهب أصحاب الفكر الوهابي، والقرآن الكريم يؤيِّد ما نذهب إليه ويدحضهم بكلّ قوّة في العديد من الموارد والآيات المباركة.
إنّ الله سبحانه وتعالى، ورسوله الكريمصلىاللهعليهوآله والعترة الطاهرةعليهمالسلام ، والأولياء والصلحاء والعقلاء يأمرون الولد بالخضوع لوالديه احتراماً
_____________________
١ - سورة يوسف / ١٠٠.
٢ - سورة يوسف / ٤.
٣ - التوحيد والشرك / ٥٣.
وإجلالاً لهما حتّى ولو كانا كافرين أو مشركين، ويعبر عن ذلك بخفض الجناح لهما، وهو كناية عن الخضوع الشديد والتذلّل لهما، بقوله تعالى:( وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً ) (١) .
فهل يا ترى إنّ الله سبحانه عندما أمرنا هذا الأمر بالخضوع والتدلّل للوالدين، أمرنا بعبادتهما والشرك به والعياذ بالله؟! إنّ مثل هذا التفكير السقيم عجيب غريب فعلاً!
وكذلك أمرنا سبحانه وجميع البشر بالحجّ للبيت العتيق، والطواف حوله واستلام الحجر الأسود، والسعي بين الصفا والمروة، والصعود على عرفات للوقوف على صعيده الطاهر، ورمي الجمرات في منى، وغير ذلك من مناسك الحجّ الإسلاميّة التي تنطوي على معاني رفيعة عالية، ومغازي معنوية سامية، ونفعل ذلك بأمر من الله وسنّةٍ من رسولهصلىاللهعليهوآله ، لا عبادة للحجر والمدر والصخور، وما شابه ذلك من مكوّنات تلك الأماكن المقدّسة الطاهرة.
وهل نشرك بالله في أفعالنا العبادية تلك، لا سيما ونحن نترك الأهل والمال والبلاد ونقصد البيت العتيق؛ لنحجّ إلى الله عبادة وطاعة، وتقرّباً إلى جناب قدسه طمعاً بالمغفرة وزيادة الأجر بالجنّة؟!
والأعجب من هذا وذاك في التفكير السلفي الوهابي اعتصامهم برواية عمر ابن الخطاب الذي يحتجّ بها الشيخ عبد العزيز إمام المسجد النبوي الشريف،
_____________________
١ - سورة الإسراء / ٢٤.
بمحاورة له مع بعض الإخوة الكرام حيث يقول عمر للحجر الأسود بعدما قبّله: (إنّي أعلم أنّك حجر لا تنفع ولا تضرّ، ولولا أنّي رأيت النبيّصلىاللهعليهوآله يقبّلك ما قبّلتك)(١) .
ولكن هذا الشيخ ذُهل عن جواب الإمام عليعليهالسلام لعمر في نفس الموقف حين بيّن له غلط عقيدته، وأعطاه الصحيح ببيانه الفصيح، حين قال له:((نعم والله، إنّه ليضرّ وينفع؛ لأنّه الحجر الذي وضع فيه ميثاق الخلق عندما جمعهم الله في عالم الذرّ، وألقمه لهذا الحجر وكان أبيض من الثلج، وهو من حجار الجنّة، وسوف يشهد لكلّ مَنْ أتاه واستلمه يوم القيامة)) (٢) .
والرواية معروفة ومشهورة، وأقنعت عمر بن الخطاب في حينها، ولكنّها لم تقنع هؤلاء البشر في هذه العصور؛ لأنّهم يرون أنّ السجود والركوع، واستلام الحجر الأسود، والخضوع والتذلّل هو من الشرك الأكبر الذي يخرج من الملّة، أو الأصغر الذي يُفَسَّق صاحبُه ويُعذَّر، وإلاّ فليقتل والعياذ بالله.
فهل يمكن أن يفكّر بمثل هذا التفكير عاقل يا عقلاء الدنيا؟! أين العقل؟! هل هو نائم أو مخدّر تحت تأثير الفضائيات الداعرة أو المخدّرات القاتلة؟ أم أنّه في إجازة طويلة الأمد؟ أم أنّه محكوم عليه بالإعدام قهراً تحت ظلام الدعوات الباطلة؟!
لقد جاء رسول اللهصلىاللهعليهوآله ليثير لكم دفائن العقول منذ أكثر من ١٤٠٠ عام، فلماذا حبستم عقولكم في قمقم معظم، وجلدتم أنفسكم بسياط الجهل القاسية
_____________________
١ - صحيح البخاري ٢ / ٥٧٩ كتاب الحجّ ح ١٥٢٠.
٢ - التفسير الكبير - للفخر الرازي ١٦ / ٣٢ قريب من هذا المعنى.
من دعوة ضالّة جاءت بتعاليم بعيدة عن الفطرة؟!
اقرؤوا ما كتب إليه أخوه سليمان بن عبد الوهاب وغيره من العلماء الأعلام الغيارى على دين الإسلام الحنيف، وسيأتيكم بعض منه في البحوث القادمة بإذن الله.
وفي الجملة نقول: ليس مطلق الخضوع عبادة، وإلاّ لكنّا وقعنا جميعاً في الشرك، ووقع معنا حتّى رؤوس الفكر السلفي؛ وذلك لأنّهم يخضعون للآباء والأُمّهات، ويأمرون أولادهم وأزواجهم بالخضوع لهم، ويتذلّلون للأمراء والكبراء ويخضعون لهم بعض الخضوع.
فالتواضع ولين الجانب وسعة الصدر، وبعض الأخلاقيّات التي تشتمل على بعض الخضوع ليست من العبادة في شيء، بل هي أخلاقيّات إنسانيّة رائعة لا يمكن أن نتخلّى عنها.
فالاحترام والتقدير ليس عبادة، وإلاّ فإنّ الله سبحانه أمر المسلمين بعدم رفع الصوت أمام رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وعدم الجهر له بالقول، وعدم مناداته من وراء الحجرات، وعندما كثرت مناجاتهم لهصلىاللهعليهوآله أمرهم بدفع صدقة قبل المناجاة، فلم يعمل بهذا الأمر الإلهي إلاّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام كما هو مشهور في السيرة وكتب التفسير كلّها.
وكُتب السنن فيها الكثير من الأحاديث التي تحكي عن تعظيم وتقدير المسلمين لرسول اللهصلىاللهعليهوآله واحترامه احتراماً يبهر كلّ غريب جاء إليهم، وكانوا يتسابقون إلى أوامره ويطبقونها في كلّ صغيرة وكبيرة، حتّى أنّهم كانوا يتبرّكون
بفضل وضوئه، ويتطببون بلمسه أو بشمِّ عرفه (عرقه)؛ لأنّه أطيب من المسك والعنبر.
يروى أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله خرج إلى البطحاء في وقت الظهيرة فتوضأ وراح يصلّي، فقام الناس (المسلمون) فجعلوا يأخذون يده فيمسحون بها وجوههم، والرواي يقول: فأخذت بيده فوضعتها على وجهي، فإذا هي أبرد من الثلج، وأطيب رائحة من المسك(١) .
هذا فعل رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأصحابه الأوائل، فهل هذا عبادة لرسول اللهصلىاللهعليهوآله من دون الله؟! وفاعله مشرك بالله والعياذ بالله؟! إنّ هذا القول لإفك عظيم!
فالعبادة - عزيزي القارئ - هي الخضوع والخشوع مع اعتقاد جازم بإلهيّة المخضوع له المعبود، أو أنّها الخضوع اللفظي أو العملي الناشئ عن الاعتقاد بألوهيّة المخضوع له.
ومن العلماء مَنْ وضع هذا التعريف في قالب آخر حيث قال: إنَّ العبادة هي الخضوع ممّن يرى نفسه غير مستقل في وجوده وفعله أمام مَنْ يكون مستقلاً بنفسه غنيّاً عن غيره.
والعبادة بهذا المعنى هي نداء الله تعالى وسؤاله والخضوع التامّ أمامه، لاستنزال حاجات الدنيا والآخرة للعبد؛ لأنّ الله هو الفاعل الحقيقي،
_____________________
١ - صحيح البخاري ١ / ١٨٣ كتاب الصلاة ح ٤٧٩، وما يُقارب هذا المعنى راجع الأحاديث رقم: (١٥٨ - ١٨٦ - ١٨٧ - ٣٦٩ - ٣٣٤٧ - ٣٣٤٨ - ٥٣٤٦ - ٥٥٢١ - ٥٩٩١).
والمتصرّف المختار، والمالك الكلّي لأمور الدنيا والآخرة كلّها، والمتصرّف فيها بالتدبير الحكيم، ولو دعا العبد أو نادى أيّ موجود آخر في هذه الحياة بهذا الوصف تماماً أو بعضاً، فالدعاء والنداء عبادة له وشرك بلا كلام أو نزاع في ذلك.
وعلى ذلك، فلو خضع واحد منّا أمام موجود زاعماً بأنّه مستقل في ذاته أو فعله لصار الخضوع عبادة، بل لو طلب فعل الله من غيره لكان هذا الطلب نفسه عبادة وشركاً(١) .
هذا هو المعنى الحقيقي للعبادة، وليس كلّ ما يذهب إليه أتباع محمد بن عبد الوهاب من أنّ كلّ خضوع أو خشوع، أو دعاء أو استغاثة، أو زيارة هي عبادة لذاك الذي نتوجّه إليه؛ لأنّ التوجّه إلى أيّ شيء أو أحد دون اعتقادٍ جازمٍ بألوهيةٍ، أو جزءٍ من ألوهيةٍ في مَنْ نتوجه إليه، أو أنّه يملك استقلالية ذاتية في تصرّفه، أو تصريف شؤون أو بعض شؤون هذا الكون الفسيح لا يعتبر عبادة أو شركاً.
_____________________
١ - التوحيد والشرك في القرآن الكريم / ٨٨.
الفصل الرابع: الرسول الأعظم في الفكر الوهابي
كُتب الكثير الكثير عن الرسول الأعظم محمد بن عبد اللهصلىاللهعليهوآله من أُمّته ومن خارج هذه الأُمّة، منذ أن ظهر إلى الوجود بشخصه المبارك، ولا سيما بعد أن بدأ دعوته الإسلاميّة الميمونة.
فكان القمّة الإنسانيّة التي لا تُرتقى، بل ينظر إليها كما النجوم في السماء، لا بل هو شمس الوجود وقطب دائرتها النوراني.
ولطالما أُعجب به البشر من كلّ صنف ونوع من بني آدم على مختلف الألوان والقوميّات في الدنيا، ومختلف الأديان والانتماءات العقائديّة كذلك، حتّى أنّ الكفّار وأهل الشرك اعترفوا بعظمته وعلوّ مكانته على أقرانه، ولا أقران له كما نعتقد.
ولذا تراهم كلّما كتب كاتب عن الأنبياء والعظماء والمصلحين والأطهار، ترى اسم النبيّ محمدصلىاللهعليهوآله يكون على قمّة الهرم كما يقول الكاتب الغربي المشهور (مايكل هارت) في كتابه (المائة الأوائل).
نعم، لقد بهر العقول وحيّر الألباب بعظمته وعلوّ همّته، ورسالته التي نعتنق وندين لله بها، وكم كتب النصارى عن شخصيّة الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله ؛ معبّرين عن مدى إعجابهم وحبّهم لذاك الرمز الخالد الذي جعله الله للبشرية
قدوة وأسوة بقوله تعالى:( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً ) (١) .
هذا هو البشير النذير والسراج المنير. هذا هو العلم الشامخ والنور الباهر. هذا هو الرسول العظيم والنبي الكريم هو خاتم الأنبياء، وسيد البشر من الأوّلين والآخرين الذي أفرده الله سبحانه بالرسالة الخاتمة، وقال عنه:( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) (٢) .
إنّ المتأمّل في هذه الجملة النورانيّة، وهذا الوصف الكريم لرسول اللهصلىاللهعليهوآله يرى أنّه تفرّد به دون غيره من الأنبياء والرسلعليهمالسلام .
فكلّ نبيّ كان يبشّر قومه بالرسول الذي بعده، وكلّ رسول كان يبشّر بالرسول الذي يليه، وجميعهم كانوا يبشّرون بالرسول الخاتم المصطفى محمدصلىاللهعليهوآله ، فمن نوحعليهالسلام إلى إبراهيم الخليلعليهالسلام ، ومنه إلى موسى الكليمعليهالسلام وعيسى المسيحعليهالسلام الذي قال مبشّراً:( وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ) (٣) .
فكلّهم كانوا محطّات نورانيّة وأساسيّة في الحركة التكامليّة والمسيرة الرساليّة في بني البشر، ولكن عندما وصلت إلى المحطّة النهائيّة والرسول الخاتمصلىاللهعليهوآله كانت قد وصلت إلى القمّة؛ إذ أنّه ليس بعده نبيّ ولا رسول، وليس بعد
_____________________
١ - سورة الممتحنة / ٦.
٢ - سورة الفتح / ٢٩.
٣ - سورة الصف / ٦.
رسالته رسالة تنزل من السماء إلى الأرض لتخلّص البشريّة من العذاب والعناء.
فـ (محمد رسول الله) أي أنّهصلىاللهعليهوآله هو الذي يستحق أن يُطلق عليه هذا الوصف دون غيره. فمحمد رسول اللهصلىاللهعليهوآله وكفى به رسولاً، وإذا ذكر هو يذهل الإنسان عن كلّ رسول غيره.
أقول: نعم، إنّ الرسول الحقّ هو محمد دون غيره، رغم أنّ إخوانه من الرسل السابقين كانوا حقائق موجودة، ولكن إذا ذُكر العظيم ذُهل عمَّن هم أقلّ منه عظمة.
فكيف تعامل الفكر السلفي والوهابي مع هذا الرسول الكريمصلىاللهعليهوآله ؟! كيف تناولوا ذكره ووصفه، والصلاة عليه، وسيرته وسنّته؟!
وكيف بالتالي تعاملوا مع أهله الأطهار الأبرارعليهمالسلام وذريّته المباركة؟!
تلك هي المعضلة الكبرى، أن تقرأ ما يقولونه أو يطرحونه حول ذاك الحبيب الإلهي وأهل بيته وخاصّته وذريّته الكرام (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين).
إنّ أصحاب هذه الدعوة أرادوا أن يصنعوا إسلاماً مشوّهاً على مقاساتهم وأفكارهم، مستفيدين من الدين وسماحته، فراحوا( يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ) (١) ، ويلفِّقون الأحاديث، ويخترعون الأخبار والروايات الكاذبة، ويجتزئون ويقطعون المرويّات الصحيحة والمتواترة في هذه الأُمّة المرحومة.
عمدوا إلى الاُصول فشوَّهوها، وإلى الفروع فحرَّفوها، وإلى السَّنن
_____________________
١ - سورة النساء / ٤٦.
فبتروها، فكان لديهم مسخ باطل سمّوه ديناً.
يتعلّقون بالقشور ويتركون اللباب، يبهرهم المصباح ولا يسألون عن الكهرباء التي نوّرته، حتّى إنّ أكابرهم وفي أواخر القرن العشرين أنكروا المسلّمات التي عرفها صبياننا، ككروية الأرض ودورانها حول نفسها أو حول الشمس.
فهل سمعت بهذا من قبل؟! أو قرأت كهذا في مثل هذا العصر؟
إنّ هذه الأمّة لم تقدّر رسول اللهصلىاللهعليهوآله حقّ قدره، وأمّا هؤلاء فسأدع الحكم عليهم إليك عزيزي القارئ، وإليك الكلام وبعض أطرافه فقط.
سيّدنا رسول الله محمد بن عبد اللهصلىاللهعليهوآله خاتم الأنبياء وسيّد المرسلين.
كم قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله :((أنا سيّد ولد آدم ولا فخر)) (١) كما روته كتب السيرة والسنن؟
ومن البديهي المتعارف أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله سيّد البشر من أُمّة ربيعة ومضر، لا بل من كلّ البشر.
فهو السيّد المطاع، والقائد المعظّم، وهذا ما لم يرق لأصحاب الفكر الوهابي السلفي، فقالوا: لا يجوز إطلاق لفظ السيادة على رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
لا بل تجرّأ أحد المتأخّرين إلى القول: إنّه يجوز إطلاق لفظ السيادة على أيّ إنسان إلاّ سيّدنا رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، بدعوى أنّ هذا يجرّ إلى عبادته من دون الله تعالى.
_____________________
١ - وسائل الشيعة ٢٥ / ٢٣، بحار الأنوار ٩ / ٢٩٤.
كيف نعبد رسول اللهصلىاللهعليهوآله إذا أطلقنا عليه لفظاً يمكن أن نطلقه على كلّ أحد، وهو الجدير بهذا الوصف دون غيره، هذا الذي لا أدريه ولا أعرف كيف توصّلت عبقرية ذاك الأستاذ إليه؟!
رسول اللهصلىاللهعليهوآله سيّد البشر وسيّد ولد آدم، وسيّد الأنبياء والمرسلينعليهمالسلام ، هذه بديهيات؛ ولذا كان الصحابة ينادونه: (يا سيّدي) كما تشهد كتب السيرة والسنن، فلماذا لا يجوز أن نطلقها على رسولنا الكريم (صلوات الله عليه وآله)، وتطالبنا أن نطلقها عليك؟!
وليس هذا فقط، بل إنّ بعضهم كان ينظر لنفسه على أنّه أفضل أو خير من رسول اللهصلىاللهعليهوآله - والعياذ بالله - وأنفع للأُمّة من رسولها؛ لأنّه حيّ ورسول اللهصلىاللهعليهوآله ميّت!
وذهب آخر إلى القول - وهذا القول منسوب في الحقيقة لابن عبد الوهاب شخصياً -: ما محمّد؟ إنّ عصاي هذه خيرٌ من محمد؛ لأنّها ينتفع بها في قتل الحيّة ونحوها، ومحمّد قد مات ولم يبقَ فيه نفعٌ أصلاً، وإنّما هو طارش وقد مضى!
ولا شكّ أنّ هذا الكلام كفرٌ بالإجماع، وهذه الجملة الأخيرة: (هو طارش) من محمد بن عبد الوهاب كما هو معلوم، وتعني في لغة أهل الشرق: المرسل من قوم إلى آخرين (ساعي بريد)، فيعني بهذا القول أنّه (صلوات الله عليه وآله) حامل كتب (رسائل)، أي غاية أمره أنّه كالطارش الذي يرسله الأمير أو غيره في أمرٍ لأناسٍ؛ ليبلّغهم إيِّاه ثمّ ينصرف(١) .
_____________________
١ - السلفية الوهابيّة / ٧٧، عن روضة المحتاجين لمعرفة قواعد الدين - للشيخ رضوان العدل بيبرس / ٣٨٤.
وساعي البريد كما هو معلوم شخص مجهول في معظم الأحيان، بل هو مُهان كذلك لدناءة وظيفته عند الجهّال، وتأثيره فيمَنْ يرسل إليهم لا يتعدّى الخبر الذي يحمله، أو الرسالة التي يبلغها إليهم إذا ما عرف فحواها، ويتركهم ويمضي دون ذكر أو تأثير في حياتهم الخاصّة أو العامّة إلاّ أن يذكره ذاكر.
فهل كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله كذلك؟( كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ) !
ولا أدري وربما لا أفهم من معنى الكلمة غير الذي فهمه وشرحه ذاك الشيخ الجليل؛ لأنّ الطرش تعني ببعض لغات العرب: (الدواب) لا سيما الماشية (الغنم والمِعزَى) خاصة.
ويكون (الطارش) هو صاحب (الطرش) والمسؤول عنه: أي الراعي. وكما هو معلوم فإنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله كان يرعى الغنم في مكة المكرّمة في بدايات شبابه وأوائل صباه، وبالرواية عنهصلىاللهعليهوآله :((ما من نبيّ ولا رسول إلاّ ورعى الغنم، إلاّ إدريس فإنّه كان بزازاً (خياطاً))) (١) .
أعتقد والله العالم أنّهم يعنون أنّ رسول الله كان راعياً للغنم لا أكثر ولا أقل، فما عساه أن تكون قيمته عندهم وهو بهذه الوظيفة!
والأدهى قول أحدهم: إنّ محمّداً رسول اللهصلىاللهعليهوآله زينة كالخاتم في اليد للزينة، إنّه خاتم باليد فقط، وينزع خاتمه من يده للإيضاح أمام مَنْ يسمعه، فهل سمعت بهذا التفسير العجيب الغريب؟!
_____________________
١ - وسائل الشيعة ١٧ / ٤١، مستدرك الوسائل ١٣ / ٢٦.
والأعظم من هذا وذاك أنّ زعيم القوم محمد بن عبد الوهاب كان ينهى عن الصلاة على النبيصلىاللهعليهوآله ويتأذّى من سماعها، وينهى عن الإتيان بها ليلة الجمعة (مع إنّها أفضل الأعمال كما في الرواية)، وعن الجهر بها على المنائر (لا سيما التعقيب بعد الأذان) ويؤذي مَنْ يفعل ذلك ويعاقبه أشدّ العقاب وربما يقتله.
وكان يقول - وعليه إثم ذلك -: إنّ الربابة في بيت الخاطئة - يعني الزانية - أقلُّ إثماً ممّن ينادي بالصلاة على النبيّصلىاللهعليهوآله على المنائر(١) .
وأحرق كتاب (دلائل الخيرات) وغيره من كتب الصلاة على النبيصلىاللهعليهوآله ، متستراً بقوله (ملبّساً على أتباعه) إنّ ذلك بدعة، وإنّه يريد المحافظة على التوحيد(٢) .
ولم يكتفِ ابن عبد الوهاب بتلك التهم للرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله ، والأوصاف والنعوت البعيدة كلّ البعد عن الأدب والاحترام، فإنّه ولشدّة نصبه وعداوته لرسول اللهصلىاللهعليهوآله راح يمنع الناس من الصلاة عليه، وهي من أعظم القربات عند الله، وكثير من العلماء في كلّ عصر ومصر ألّفوا كتباً تشيد وتحضّ على الصلاة على رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
كيف لا، وسبحانه وتعالى يقول له:( وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (٣) .
_____________________
١ - السلفية الوهابيّة / ٧٦.
٢ - المصدر نفسه.
٣ - سورة التوبة / ١٠٣.
و( إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) (١) .
ولم يكتفِ كذلك بهذه الموبقة العظيمة، بل راح يمنع الناس من الحضور في مجالس الذكر، ومَنْ رفع أصواتهم بالذكر المأمور به كالتسبيح والتهليل والتكبير، وقراءة القرآن أو الدعاء للمؤمنين، وراح يحارب تلك المجالس العامرة بالنور، والتي تحفّها الملائكة حيث تنزل؛ لتتبرّك بحضور مثل تلك المجالس النورانيّة العامرة بالإيمان.
واعتبروا ذلك كلّه من بدع الصوفية؛ ولذا حين جاء (الوهابيون) حرّموا مظاهر التصوّف كالاجتماع على الذكر، وقراءة القرآن، والصلاة على النبيصلىاللهعليهوآله بعد الأذان، وحمل المسبحة، كما حاربوا اسم التصوّف بشكل عام، وأوّل مَنْ ابتدع ذلك محمد بن عبد الوهاب النجدي.
ومحاربة الذكر ومظاهر التصوّف، هي ممّا افترق به محمد بن عبد الوهاب ومَنْ جاء بعده من المتمسلفين عن قدامى أئمّتهم مثل ابن تيميّة وغيره(٢) ؛ لأنّ هذا الأخير يمتدح الصوفية وكلّ مظاهرها لا سيما الذكر والاجتماع عليه.
فما عسانا أن نقول عن كلّ هذه الأقوال والتصرّفات البعيدة كلّ البعد عن الدين الإسلامي الحنيف، بل هي بعيدة عن الإنسانيّة وأخلاقيّات الوفاء للعظماء المتعارف عليها في كلّ عصر ومصر(٣) ؟!
_____________________
١ - سورة الأحزاب / ٥٦.
٢ - السلفية الوهابيّة / ٧٥.
٣ - حقيقة الحديث عن الصوفية والتصوّف، هل طريقتهم يقرّها الإسلام؟ وهل هي مطابقة لسُنّة الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله ؟ هذا ممّا يحتاج إلى دراسة وبحث وتحقيق.
يقول أكثر الدارسين لسيرة ومنهج هذه الجماعة: أنّ تعاملهم مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله ما كان ليكون لولا العداء العجيب الذي يكنّه ابن عبد الوهاب وأتباعه لأهل البيت النبويّ ورجالات البيت الهاشميّ ككلّ، لا سيما السادة الكرام.
وإنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله أخبر أمير المؤمنينعليهالسلام وهو بدوره أخبرنا، كما في نهج البلاغة بقوله:((والله، لَو ضَربتُ خيشومَ المؤمنِ بسيفي هذا على أن يُبغضني ما أبغضني، ولو وضعتُ الدنيا بين يدي المنافق على أن يُحبّني ما أحبّني؛ وذلك أنّه قُضي فانقضى على لسان رسول الله صلىاللهعليهوآله حيث قال لي: يا عليّ لا يحبّك إلا مؤمنٌ، ولا يُبغضك إلاّ منافقٌ)) (١) .
ولهذا الحديث عدّة روايات وبألفاظ مختلفة، ممّا يؤكّد صدروها عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله بتلك الألفاظ لاختلاف مناسباتها، كقولهصلىاللهعليهوآله لعليعليهالسلام :((يا علي، لا يحبّك إلاّ طاهر الولادة، ولا يبغضك إلاّ خبيث الولادة)) (٢) .
وهذا ما أكّدته عائشة بنت أبي بكر حين سألوها عن الإمام عليعليهالسلام في أواخر أيّامها، فقالت شعراً:
إذا ما التِّبْرُ حُكَّ على محكٍّ |
تبيّنَ زيفهُ من غيرِ شكِّ |
|
وفينا الدرُّ والذهب المصفى |
عليّ بيننا شبهُ المحكِّ |
_____________________
١ - نهج البلاغة / قصار الحكم رقم ٤٥.
٢ - ينابيع المودّة / ١٥٨ ب٤٤.
نعم، إنّ الإمام علياًعليهالسلام هو المحكّ المميّز للناس، ألم يقل له رسول الله (صلى الله عليه وآله):((حبّ علي عنوان صحيفة المؤمن)) (١) ؟!
وقالصلىاللهعليهوآله :((مَنْ آذى علياً فقد آذاني)) (٢) .
وقال أيضاً:((علي مع الحقّ والحقّ مع علي لا يفترقان)) (٣) .
وقالصلىاللهعليهوآله :((مَنْ أطاع علياً فقد أطاعني، ومَنْ عصى علياً فقد عصاني)) (٤) .
وأكّدت كتب الصحاح قولهصلىاللهعليهوآله :((يا علي، لا يحبّك إلاّ مؤمن، ولا يبغضك إلاّ منافق)) (٥) .
هذا الذي فضائله كُتبت على صفحات تاريخ الإنسانيّة بأنصع الكلمات النورانيّة، هذا الذي قام الإسلام بسيفه، ومال خديجة كما في الرواية.
هذا الذي قاتل على التنزيل مع رسول الله، وقاتل على التأويل من بعده؛ حفاظاً على دين الله من أن يصيبه هدم أو ثلم، فسلامة الدين أحبّ إليه كما هو ثابت عنه (صلوات الله عليه وآله).
فما هو موقف هذه الجماعة من عظيم الإسلام وإمام المسلمين، وأمير
_____________________
١ - ينابيع المودّة / ١٠٥ ب ٢٠.
٢ - مسند أحمد بن حنبل / ح ١٥٣٩٤.
٣ - ينابيع المودة / ٦٥ ب ٧.
٤ - الحاكم في المستدرك ٣ / ١٢١ و ١٢٨.
٥ - صحيح مسلم ١ / ٨٦، الترمذي ٥ / ٦٤٣، النسائي ٨ / ١١٦، ابن ماجة ١ / ٤٢.
المؤمنين، وقائد الغرِّ المحجّلين، ويعسوب الدين، عدل القرآن الناطق. هذا الذي لولاه لما كان للإسلام ذكر أو فكر؟
وأدعوك عزيزي القارئ إلى تصوّر الإسلام بدون علي بن أبي طالبعليهالسلام ، هل يمكن أن نرفع علياً من تاريخ الإسلام الحنيف؟
إليك بعض ما قاله إمام النواصب ابن تيميّة الذي أصّل اُصول السلفية، وأسّس لهم القواعد التي بنوا عليها دعوتهم الخارجة عن سنن الدين القويم، ومن أقواله نعرف أصله وفصله.
كان يقول ابن تيميّة في الإمام أمير المؤمنين عليعليهالسلام : (إنّ أبا بكر أسلم شيخاً يدري ما يقول، وعليٌّ أسلم صبيّاً، والصبي لا يصحّ إسلامه على قول)(١) .
فالإمام عليعليهالسلام لم يكن مسلماً عند ابن تيميّة؛ لأنّه أسلم صبيّاً ولا يصح إسلام الصبي كما يقول ويدّعي، ولكن كيف يطلق هذا الحكم - بعدم صحة إسلام الصبي - لا أدري؟!
لسنا هنا في باب إثبات الفضائل أو مناقشة إسلام الإمام عليعليهالسلام ، ولكن نرجع إلى كلّ مَنْ أرّخ عن هذا الإمام وسيرته، منذ أن كان في بطن أُمّه، ثمّ ولادته متفرّداً بهذه الخصيصة في جوف الكعبة، ثمّ تربيته بين يدي رسول اللهصلىاللهعليهوآله منذ البداية وحتى شهادته في محراب عبادته في مسجد الكوفة؟!
_____________________
١ - السلفية الوهابيّة / ٦٥ عن الدرر الكامنة ١ / ١٥٥، في ترجمة ابن تيمية.
فهل تجد في سيرته العطرة ما يخرجه عن الدين والعياذ بالله؟! أم أنّك تجد قصّة حياته كلّها ديناً يدان بها؟! فأين هذا ممّن شاخ وكبر على الشرك وعبادة الأصنام؟!
نعم، إنّه صوت العدالة الإنسانيّة الشامخة عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، وكفى كونه صنو النبيّ المصطفىصلىاللهعليهوآله .
نعم، إنّ الإغضاء عن خصائص الإمامعليهالسلام وعظيم مزاياه (وفضائله) إغضاء عن الشمس في رائعة النهار، وإغضاء عن الخُلق النبيل، وعن الصدق الذي لا يحجبه شيء، وعن اليقين، وعن الشجاعة والإيمان والحكمة في أتّم معانيها، إغضاء عن الكمال (الإنساني).
ولكن، هناك مَنْ لا يقف عند حدود الإغضاء، بل يبتعد حتّى ينال منهعليهالسلام تلميحاً أو تصريحاً - والعياذ بالله -، نيلاً يحمله عليه هوى في الآخرين يريد أن يرفعهم، أو شنآن ينقله من باب إلى آخر من أبواب كلامٍ لا يستحسن له وجه في حالٍ من الأحوال(١) .
وهذا حال السلفية كلّهم، وعلى رأسهم ابن تيميّة وتلميذه الأخير محمد بن عبد الوهاب؛ فإنّهم ناصبوا رسول الله وأهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم) العداء، فكان أمير المؤمنين عليعليهالسلام أوّل هدف لهم يريدون النيل منه؛ ليبرّروا فعلة أعدائه بني أُميّة بسبابه ولعنه على المنابر أعواماً متطاولة.
ولتكون ذريعة لانتقاص أبنائه وشيعته الذين يدينون لله بحبّهم وولائهم لأميرهم علي بن أبي طالبعليهالسلام ، وانطلاقاً من البغض والحقد راحوا إلى كلّ
_____________________
١ - ابن تيمية حياته وعقائده / ٣٢١.
فضيلة ورواية تتحدّث عن فضائلهعليهالسلام فكذّبوها وأنكروها أصلاً، ولم تسلم منهم الروايات المتواترة والأحاديث الثابتة والصحيحة المؤكّدة بحقّه.
وأنكروا حتّى نزول آيات القرآن بحقّ أهل البيتعليهمالسلام الذين كان رأسهم وأصلهم أمير المؤمنين عليّعليهالسلام وسيّدة النساء فاطمة الزهراءعليهاالسلام ، حتّى إنّ حديث الولاية المتواترة كما يؤكّد تواتره الذهبي، وخطبة حجّة الوداع التي يقول فيها رسول اللهصلىاللهعليهوآله :((مَنْ كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهمّ والِ مَنْ والاه وعادِ مَنْ عاداه، وانصر مَنْ نصره، واخذل مَنْ خذله، وأدر الحقّ معه كيفما دار)) (١) .
فيقول عنه ابن تيمية: (فليس هو في الصحاح، لكن هو ممّا رواه العلماء، وتنازع الناس في صحته)! وأمّا ابن حزم فإنّه يقول عنه: (فلا يصح من طريق الثقاة أصلاً)(٢) .
وهل تصدّق أنّ الألباني ذاك السلفي العنيد يعترف بصحة الحديث وتواتره، ويستغرب من معلّمه وأستاذه البعيد، فيقول: فمن العجيب حقّاً أن يتجرّأ شيخ الإسلام ابن تيميّة على إنكار هذا الحديث وتكذيبه في (منهاج السنّة ٤ / ١٠٤).
فلا أدري - بعد ثبوت تواتره - وجه تكذيبه للحديث إلاّ التسرّع والمبالغة في الردّ على الشيعة.
وفي مكان آخر يقول الشيخ: (وهذا من مبالغاته الناتجة في تقديري من
_____________________
١ - بحار الأنوار ٣٧ / ١٤٨.
٢ - السلفية الوهابيّة / ٦٥، منهاج السنة ٤ / ٨٦.
تسرّعه في تضعيف الأحاديث قبل أن يجمع طرقها ويدقّق النظر فيها)(١) .
هذا ديدنهم، وتلك هي مبالغ علمهم، فشيخ الإسلام السلفي - لا الإسلام المحمدي - ينكر كلّ فضائل أمير المؤمنين عليعليهالسلام حتّى التي تسالم عليها الصبيان، وسارت بها وبأمثالها الركبان، كالعلم والشجاعة.
يقول ابن تيمية عن أمير المؤمنينعليهالسلام : (لا نسلّم أنّ علياً كان أحفظ للكتاب والسنّة وأعلم بهما من أبي بكر وعمر، بل هما كان أعلم بكتاب الله والسنّة منه)(٢) .
هل سمعت بمثل هذه الدعوى الباطلة والفرية المفضوحة؟! هل كان الرجل يعلم من صاحبيه أكثر من علمهما بأنفسهما؟! ونُحيله إلى كتب التاريخ؛ فإنّها أحصت أكثر من مئة وخمسين مرّة قال فيها عمر بن الخطاب: (لولا علي لهلك عمر)(٣) .
وفي رواية أُخرى: (أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن)(٤) .
وكم مرّة أحصر هو وصاحبه عن أبسط الأسئلة في كتاب الله حتّى المعاني
_____________________
١ - المصدر السابق / ٦٦.
٢ - منهاج السنة ٣ / ٢٧٠.
٣ - شرح نهج البلاغة - لابن أبي الحديد ١٢ / ٢٠٥.
٤ - ابن حجر في فتح الباري ١٢ / ١٠١، أبو داوود في السنن ٢ / ٢٢٧، البخاري في صحيحه باب لا يُرجم المجنون والمجنونة.
اللغوية، ألم يقل أبو بكر: (أيّ سماء تظلّني، وأيّ أرض تقلّني إن قلت في كتاب الله ما لا أعلم). وقال عمر: (لا عيب على عمر أن يقول لا أعلم).
وقال عمر أيضاً: (كلّ الناس أفقه منك يا عمر حتّى ربّات الحجال)(١) .
ألا تعجب من إمامٍ أخطأ وامرأة أصابت؟!
ومَنْ قال أنّ أبا بكر أو ابن الخطاب كانا ممّن حفظا كتاب الله؟!
فها هي كتب التاريخ والسنن إن كان فيها إلاّ أنّ عمر بن الخطاب حفظ سورة البقرة بعد اثني عشر سنة من نزولها، فذبح لذلك عجلاً سميناً فرحاً بذلك.
أين ذلك كلّه وسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول:((أقضاكم علي)) ،((أحكمكم علي))، ((أعلمكم علي)).
الإمام علي مُلئ إيماناً من مشاشة رأسه إلى أخمص قدميه، فكان الأنزع البطين الذي بطن العلوم كلّها، وهو الذي جمع القرآن حفظاً ورواية وتفسيراً حتّى إنّ جميع علوم الإسلام تنتهي إليه بطريق من الطرق، أو تتعلّق به بسبب من الأسباب.
إنّ إنكار القوم لعلم باب مدينة العلم النبويّة الإلهيّة، حيث قال النبي الأكرمصلىاللهعليهوآله :((أنا مدينة العلم وعليّ بابها، فمَنْ أراد العلم فليأتِ باب المدينة)) (٢) لهو إنكار لأوضح الواضحات، ولكن في الأمر قضية، ووراء الأكمة ما
_____________________
١ - شرح نهج البلاغة - لابن أبي الحديد ١ / ١٨٢، السيوطي في الدرّ المنثور ٢ / ١٣٣، ابن كثير في تفسيره ١ / ٣٦٨، القرطبي في تفسيره ٥ / ٩٩.
٢ - تاريخ دمشق - لابن عساكر ٤٢ / ٣٨٧ الرقم (٨٩٧٦)، الحاكم النيسابوري ٣ / ١٢٦ و١٢٨ و٢٢٦، ليالي بيشاور - لسلطان الواعظين، ويذكر فيه خمسين مصدراً من مصادر العامّة.
وراءها، فهذا نتيجة الحقد الأعمى والبغض الشنيع لأمير المؤمنينعليهالسلام .
ولنا هنا أن نسأل ما هو موقف الوهابيّة من الذريّة الطاهرةعليهمالسلام ؟
خذها إليك من رأسهم محمد بن عبد الوهاب الذي يقول في كتابه (مسائل الجاهليّة): الافتخار بكونهم من ذريّة الأنبياءعليهمالسلام ، فردّ الله عليهم بقوله:( تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (١) .
ثمّ يذكر قول البعض: أنا علويٌّ، أو حسنيٌّ، أو حسينيٌّ(٢) .
فالافتخار بالانتساب إلى فخر ربيعة ومضر، إلى سيّد البشر محمد بن عبد اللهصلىاللهعليهوآله هو بدعة وضلالة، ومن آثار الجاهليّة عند القوم.
إنّ هذا التصريح من (ابن تيمية وبعده محمد بن عبد الوهاب) بغمط فضل آل البيتعليهمالسلام ، ومحاولته لزرع العقيدة الناصَّة على عدم قيمة أن يكون الإنسان من آل البيت ومن تلك الذريّة الطاهرةعليهمالسلام ، واستعمال الآية في غير موضعها، والتظاهر بالاستدلال بالقرآن لطمس قول الحقيقة(٣) ، والكثير الكثير من الآيات المباركة التي رفعت شأنهم وعظّمت مكانتهم في الدنيا والآخرة، والتي منها:
_____________________
١ - سورة البقرة / ١٤١.
٢ - مسائل الجاهليّة / ١٣٢، ط / مؤسسة مكة، توزيع الجامعة الإسلاميّة بالمدينة المنوّرة.
٣ - السلفية الوهابيّة / ٦٨.
( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (١) . و( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (٢) ، وآية( ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ) (٣) .
ثمّ إنّنا نرى على أرض الواقع أنّ هؤلاء لا يحترمون أهل البيت إطلاقاً، بل إذا وجدوا عالماً من آل البيت فإنّهم يطعنون في نسبه محاولين إزاحة هذا الشرف عنه، ثمّ في ردّهم عليه نراهم لا يحترمونه البتة، وإنّما يحترمون أهل نحلتهم أثناء ردّهم على أحد منهم إذا أخطأ في مسألته.
ومن ذلك: أنّ الألباني عندما كان يردّ على الأشراف الغماريين فيما يسوِّده، فإنّه كان يعبّر بأسوأ أنواع التعبير في الخطاب، ويستعمل كلمات هابطة لا تدلّ على الاحترام! بينما يعبّر في حقّ ابن باز أثناء ردّه عليه بعبارات التوقير والإجلال والاحترام! وما ذلك إلاّ للنّصب الذي يحملونه في صدورهم(٤) .
وسنوافيك يا عزيزي ببعض هذه الحرب الشنيعة على الإسلام ورجاله المخلصين فيما بعد بإذن الله.
الصلاة على العترة الطاهرة هي من الواجبات، وهي من الأمور التي أكّدت الشريعة عليها، والصلاة لا تتمّ ولا تُقبل ولا تسقط واجباً ما لم تكن (الصلاة) كاملة، وهذا واضح بالحديث المتواتر الذي نقله العلماء وأرباب السنن، وذلك
_____________________
١ - سورة الشورى / ٢٣.
٢ - سورة الأحزاب / ٣٣.
٣ - سورة آل عمران / ٣٤.
٤ - السلفية الوهابيّة / ٦٧.
حين نزلت آية الصلاة وهي قوله تعالى:( إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) (١) .
يروي كعب بن عجزة أنّه قال: قلنا يا رسول الله، قد علمنا كيف نسلّم عليك، فكيف نصلّي عليك؟!
فقالصلىاللهعليهوآله :((قولوا: اللهمّ صلِّ على محمد وآل محمد)) .
وبراوية أُخرى تمام الصلاة الإبراهيمية:((قولوا: اللهمّ صلِّ على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم في العالمين إنّك حميد مجيد)) (٢) .
وهذا من الأحاديث المتّفق عليها، وهو من المسلّمات في ديننا الحنيف؛ لأنّ الصلاة الواجبة لا تُقبل إلاّ بها.
ولنِعْمَ ما قال ذاك الأخ الكريم: فهذه الصلاة على آل محمد الذين كانوا معه في المباهلة، والتي يؤدّيها ابن تيمية في تشهّده وفي دعائه، هل يستطيع أن يحذف منها ذكرهم ويضع مكانها أبا بكر وعمر؛ لتكون صلاته أتمّ واستجابة دعائه أولى وأسرع؟!
إنّه يعلم، ويعلم كلّ مسلم أنّ صلاته عندئذٍ ستكون باطلة، بل لو أبقى ذكرهم فيها وأضاف معهم أبا بكر وعمر لبطلت صلاته بلا جدال، فكم الفرق بين مَنْ جُعل ذكره في الصلاة واجباً لا تصحّ بدونه، ومَنْ إذا ذُكر في الصلاة
_____________________
١ - سورة الأحزاب / ٥٦.
٢ - الدرّ المنثور ٥ / ٢١٦، وكذا نقلته كتب الصحاح كلّها كالبخاري ومسلم مع تغيير في الألفاظ.
بطلت؟(١)
إنّه لفرق شاسع، فأين الثّرى من الثريّا، وأين الذرّة من المجرّة؟! تصوّر أنّ ذكرهمعليهمالسلام والصلاة عليهم واجبة في الصلاة كالوضوء الواجب للصلاة الواجبة، فهل تصحّ صلاة بلا وضوء؟!
وربما يقول قائل: إنّنا نصلّي على الرسولصلىاللهعليهوآله ونمسك أو نقف، ولكن إذا ألحقنا به الأهل أو الآل الكرامعليهمالسلام فإنّنا نتبعهم بالصحابة والأعلام.
أقول: إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قد نهانا عن هذه الصلاة التي يصلّيها البعض؛ وذلك بالرواية القائلة عنهصلىاللهعليهوآله :((لا تصلّوا عليَّ الصلاة البتراء)) .
فقالوا: وما الصلاة البتراء؟
قالصلىاللهعليهوآله :((تقولون اللهمَّ صلِّ على محمّد وتمسكون، بل وقالوا: اللهمَّ صلِّ على محمّدٍ وعلى آلِ محمّد)) (٢) .
وقبل أن نترك هذا المقام الرفيع السامي لذكر محمد وآل محمد (صلوات الله عليهم أجمعين)، لا بأس بأن نتبّرك بهذا الحديث الشريف الذي روته كتب السنن، وأوصى بعض العلماء الأعلام بأن يكتب على كفنه؛ ليكون له حرزاً من النار بإذن الله.
يروي البخاري عن الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله أنّه قال:((ألا ومَنْ مات على حبّ آل محمّد، مات شهيداً.
_____________________
١ - ابن تيمية حياته وعقائده / ٣١٣.
٢ - الصواعق المحرقة / ١٤٦.
ألا ومَنْ مات على حبّ آل محمّد، مات مغفوراً له.
ألا ومَنْ مات على حبّ آل محمّد، مات تائباً.
ألا ومَنْ مات على حبّ آل محمّد، مات مؤمناً مستكمل الإيمان.
ألا ومَنْ مات على حبّ آل محمّد، بشره ملك الموت بالجنّة ثمّ منكر ونكير.
وفي رواية:ألا ومَنْ مات على حبّ آل محمّد يزفُّ إلى الجنّة كما تزفّ العروس إلى بيت زوجها.
ألا ومَنْ مات على حبّ آل محمّد، جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة.
ألا ومَنْ مات على حبّ آل محمّد، مات على السنّة والجماعة)) .
هذا للمحبّ، فما للمبغض؟ اسمع بقيّة الحديث:
((ألا ومَنْ مات على بغض آل محمّد مات كافراً.
إلا ومَنْ مات على بغض آل محمّد، جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيس من رحمة الله.
ألا ومَنْ مات على بغض آل محمّد، لم يشم رائحة الجنّة)) (١) .
هل عرفت الفرق بين المحبّ للآل الكرامعليهمالسلام ، والمبغض الشانئ لهم؟
عليك أن تعرف الناس بهذه المقاييس الرحمانيّة النورانيّة، لا أن تأخذ بالأسماء والألقاب ووسع الأكمام وحسن الهندام وغير ذلك.
_____________________
١ - صحيح البخاري، تفسير الكشاف، تفسير سورة الشورى / ٢٣.
فشيخ الإسلام ابن تيميّة هو شيخ الإسلام لكن غير إسلام الحبيب المصطفىصلىاللهعليهوآله ، إنّه شيخ دين جديد جاء به من عند نفسه حتّى رماه علماء عصره بالكفر والزندقة، وسجنه أهل السياسة حتّى مات في سجنه.
ألم تسمع يا عزيزي الغالي بحديث الشيطان وقرنه الذي روته كتب السنن؟
إليك إذن ما يشفي الغليل، ويروي العطشان للحقيقة:
جاء في صحيح البخاري وغيره قول رسول اللهصلىاللهعليهوآله :((الإيمان يماني، والفتنة من ها هنا حيث يطلعُ قرنُ الشيطان)) (١) .
ولك أن تعرف ما المقصود من (ها هنا) لتعلم الجهة وتحدد المكان المقصود.
فرواية أُخرى عن ابن عمر أنّهصلىاللهعليهوآله قال وهو مستقبل المشرق:((إنّ الفتنة ها هنا)) (٢) .
وفي رواية أُخرى كذلك يقول فيها رسول اللهصلىاللهعليهوآله :((اللهمّ بارك لنا في مدينتنا، وفي صاعنا، وفي مدنا، ويمننا، وشامنا ، ثمّ استقبل مطلع الشمس، فقال:ها هنا يطلُعُ قَرنُ الشيطان)) (٣) .
وفي رواية أُخرى أكثر تحديداً ما نصّه: عن أبي مسعود عقبة بن عمرو، قال: أشار رسول اللهصلىاللهعليهوآله بيده نحو اليمن فقال:((الإيمان ها هنا، ألا إنّ القسوة
_____________________
١ - صحيح البخاري ٦ / ٢٤١، صحيح مسلم ٥ ح ٢٩٠٥.
٢ - صحيح البخاري ٦ / ٢٤١، وصحيح ابن حبان ٨ / ٢٢٣ ح ٦٦١٤.
٣ - مسند أحمد بن حنبل / ح ٦٠٥٥، صحيح مسلم / ح ١٣٨٣.
وغلظ القلوب في الفدادين (الرعاة والجمّالون)عند اُصول أذناب الإبل حيث يطلع قرن للشيطان في ربيعة ومضر)) (١) .
وأهل الحجاز يعلمون أنّ نجد تقع في الجهة الشرقية بالنسبة للحجاز، ومنها خرج مسيلمة الكذاب وإليها جاءته صاحبته سجاح التي ادّعت النبوّة كذلك.
وتروي الصحاح الكثير من الأحاديث عن الفتن وأواخر الزمان، منها هذه الرواية عن سويد بن غفلة، قال عليعليهالسلام :((سمعت النبي صلىاللهعليهوآله يقول: يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البريّة، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإنّ قتلهم أجر لِمَنْ قتلهم يوم القيامة)) (٢) .
وهذا الحديث هو غير الحديث الذي يتحدّث فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآله ويحذّر الأُمّة من فتنة الخوارج، والذي يقول فيه:((يخرج فيكم قوم تحقّرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وعملكم مع عملهم، ويقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)) (٣) .
فهل عرفت السرّ الذي من أجله أطلق العلماء الأعلام والغيارى على الإسلام على أتباع هذه الجماعة اسم الخوارج؛ لأنّ جميع الأحاديث المتقدّمة وغيرها تصفهم وتنعتهم وتدلّ، بل وتشير إليهم مباشرة؟!
_____________________
١ - فتح الباري ٦ / ٣٥٠.
٢ - صحيح البخاري / ح ٥٠٥٧.
٣ - صحيح البخاري / ح ٥٠٥٨، صحيح مسلم / ح ١٠٦٤.
ولنِعْمَ ما ردَّ به الشيخ سليمان بن عبد الوهاب على أخيه محمد بخصوص هذه المسألة، اسمعه حيث يقول:
إنّ أوّل فتنة وقعت بعدهصلىاللهعليهوآله وقعت بأرضنا هذه (يعني بلاد نجد حين خرج مسيلمة الكذاب وغيره)، فنقول: هذه الأمور التي تجعلون بها المسلم كافراً، بل تكفّرون مَنْ لم يكفّره ملأ مكة والمدينة، واليمن والحرمين. وبلدنا هذه هي أوّل مَنْ ظهرت فيها الفتن، ولا نعلم في بلاد المسلمين أكثر من فتنها قديماً وحديثاً (وهذا مصداق للأحاديث المتقدّمة وهي معجزة نبوّية بلا شك).
وأنتم (يعني أخوه وأتباعه) الآن مذهبكم أنّه يجب على العامّة اتّباع مذهبكم، وأنّ مَنْ اتبعه ولم يقدر على إظهاره في بلده، وتكفير أهل بلده وجب عليه الهجرة إليكم، وأنّكم الطائفة المنصورة.
وهذا خلاف كلّ الأحاديث المتقدّمة، فإنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله أخبره الله بما هو كائن على أُمّته إلى يوم القيامة، وهوصلىاللهعليهوآله بدوره أخبر بما يجري عليهم ومنهم.
فلو علم أنّ بلاد المشرق خصوصاً نجد بلاد مسيلمة أنّها تصير دار الإيمان، وأنّ الطائفة المنصورة تكون بها، وأنّها بلاد يظهر فيها الإيمان ولا يخفى في غيرها، وأنّ الحرمين الشريفين واليمن تكون بلاد كفر تُعبد فيها الأوثان وتجب الهجرة منها لأخبر بذلك كلّه، ولدعا لأهل المشرق وخصوصاً نجد، ولدعا على الحرمين واليمن والشام، وأخبر أنّهم يعبدون الأصنام وتبرّأ منهم، وإذا لم يكن إلاّ عكس ذلك، فإنّهصلىاللهعليهوآله عمَّ المشرق، وخصَّ نجد بأنّ
منها يطلع قرن الشيطان، وأنّ منها وفيها الفتن، وامتنع من الدعاء لها، وهذا خلاف زعمكم.
وإنّ اليوم عندكم الذين دعا لهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله كفّار، والذين أبى أن يدعوا لهم وأخبر أنّ منها يطلع قرن الشيطان، وأنّ منها الفتن والزلازل هي بلاد الإيمان تجب الهجرة إليها(١) .
هل نحتاج إلى تعليق بعد هذا البيان الواضح من الشيخ سليمان؟!
وهل يلزمنا الردّ على محمد بن عبد الوهاب بعد أن ردّ عليه شقيقه بهذا التصريح في كتابه القيّم (الصواعق الإلهية في الردّ على الوهابيّة)، والعنوان يخبرك عن المحتوى والمضمون؟!
عصمنا الله وإيّاكم من السقوط في مهاوي عبادة الذّات، أو اتّباع الشيطان اللعين الرجيم، وجعلنا من المعتصمين بمحمد وآله الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين).
_____________________
١ - الصواعق الإلهية في الردّ على الوهابيّة / ١٣٧.
الفصل الخامس: الإمام الحسينعليهالسلام في الفكر السلفي
تحدّثنا عن عداء السلفية لرسول الله محمدصلىاللهعليهوآله ، وبيّنا كيف كان يمنع محمد بن عبد الوهاب من الصلاة على الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله ، وربما يعاقب مَنْ يرفع صوته بها.
وتحدّثنا عن عدائهم للإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام ، وهو ميزان الأعمال، وميزان ما بين الإيمان والكفر بالعقيدة.
وتحدّثنا عن عدائهم ومحاربتهم لأهل البيتعليهمالسلام عامّة باعتبارهم ذرّية الحبيب المصطفىصلىاللهعليهوآله وعترته التي اختارها الله، وأوصى رسول اللهصلىاللهعليهوآله الأُمّة بها، وكانت مودّتهم أجر الرسالة الخاتمة.
وبقي علينا فرع كريم من الأصل العظيم، إنّه الحسين بن عليعليهماالسلام ومحنته الكبرى في هذه الأُمّة، ودماؤه الزكية وأبناؤه وإخوته وأصحابه من الشهداء الذين كُتب الإسلام بدمائهم على صفحات الوجود.
فما هو موقف السلفية والوهابيّة من هذا الإمام العظيم، وشهادته المفجعة على بطاح كربلاء؟
المولى أبو عبد الله الحسينعليهالسلام الذي قال الله عنه الكثير من آيات القرآن المجيد، وقال عنه جدّه الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله الكثير الكثير من الأحاديث التي
تجعل من الإمامعليهالسلام :((مصباح هدى وسفينة نجاة)) (١) و (سيّد شباب أهل الجنّة)(٢) و (ريحانة الرسولصلىاللهعليهوآله وقرّة عين البتول)(٣) و (الإمام إن قام وإن قعد).
وقد تقدّم في القسم الأوّل - المناقب والأخلاق الحسينيّة - بعض الإشارات التي لاحت لنا من نوره الوضّاء، واستطعنا أن نستفيد منها لا سيما ما يتعلّق بالأخلاق والقيم الإنسانيّة الإسلاميّة التي مثّلها الإمامعليهالسلام بشخصه الكريم في حياة المسلمين على أرض الواقع.
وأهل الإنصاف من كلِّ نِحلة ودين ودنيا عندما يقرؤون عن الحسين بن عليعليهالسلام ، وما جرى عليه من مصائب وأهوال حتّى قُتل شهيداً مظلوماً سعيداً، راضياً مرضيّاً عند الله ورسوله، يتأثّرون بتضحياته الجسام ويتّخذونه قدوة وأسوة.
فكم من مسيحي تأثّر بالإمام الحسينعليهالسلام وكتب عنه الدراسات والمؤلّفات، كأنطون بارا وسليمان الكتاني، وغيرهما من علماء النصارى حتّى قال قائلهم: لو أنّ لنا شخصاً كالإمام الحسينعليهالسلام لصنعنا له تمثالاً من ذهب نضعه في مدخل كلّ قرية.
وقال آخر: بل لوضعناه في كلّ بيت ولدعونا الناس إلى المسيحيّة باسم
_____________________
١ - موسوعة البحار ٣٦ / ٢٥ ح٨.
٢ - سنن الترمذي ٥ / ٦٥٦ ح٣٧٦٨، باب مناقب الحسن والحسينعليهماالسلام .
٣ - كنز العمال ١٢ / ١١٣ ح٣٤٢٥١، ينابيع المودة / ١٩٣، الفصول المهمة / ١٥٢.
الحسينعليهالسلام المظلوم(١) .
وكم من الثوار استفاد من سيرة وسنّة الإمامعليهالسلام في تحرير بلدانهم، ألم يقل المهاتما غاندي محرّر الهند من الاستعمار البريطاني: (تعلّمت من الحسين كيف أكون مظلوماً فأنتصر)؟!
وأمّا علماء الإسلام من مختلف المذاهب فإنّ حصر الكتب التي كتبوها عن الإمام السبط الشهيد متعذّر وليس بالمقدور؛ ذلك لأنّ ما لم يطبع أكثر من المطبوع، والمجهول منها أكثر من المعلوم، ورغم كلّ ذلك فإنّ المكتبات تضجّ بالكتب عن سيد الشهداء وأبي الأحرار الحسين بن عليعليهالسلام .
رغم ذلك كلّه ورغم كلّ الآيات التي شملت الإمامعليهالسلام ، والأحاديث التي رويت في الإمام الشهيد، وأقوال العلماء من كلّ الأديان والأمم وبكلّ لسان، رغم ذلك كلّه فعند السلفية: أنّه قُتل بسيف جدّه!
نعم، إنّها فتوى قاضي القضاة لعشرات السنوات، إنّه شريح القاضي هو الذي أطلق تلك الفتوى ليُرضي سيّده يزيد (لعنة الله عليه)، ويُغضب الربّ الجليل وسيّد الخلقصلىاللهعليهوآله حين قال: إنّ الحسين قُتل بسيف جدّه.
وكذلك ذهب القاضي أبو بكر ابن العربي المالكي في كتابه (العواصم من القواصم) إلى أنّ الإمام الحسينعليهالسلام قُتل بسيف جدّه وشريعته(٢) .
وكم طبع هذا الكتاب ووزّع في الأسواق بالمجان وبلا أثمان؛ لما فيه من التعصّب المقيت
_____________________
١ - انظر الحسين في الكفر المسيحي / ٢٤.
٢ - راجع: العواصم من القواصم في تحقيق مواقف الصحابة بعد وفاة النبيصلىاللهعليهوآله / ٢٢٩، طباعة السلفية، القاهرة ١٣٧١ هـ.
والتهجّم على أهل البيتعليهمالسلام وأتباعهم بلا ذنب ولا سبب.
وذلك - على ما يدّعي - لأنّ الإمام الحسينعليهالسلام خرج على الخليفة الحاكم، وهو لا يستحق الخلافة، وليس للإمامة أهلاً - والعياذ بالله -، فثار على يزيد وسلطانه فقتله؛ لأنّه أراد الفتنة بالأُمّة، وهذا حكمه القتل والتنكيل.
فبالحكم الشرعي الذي ينصّ على وجوب قتل الخارج على الخليفة قُتل الإمام السبط الشهيد (عليه السّلام)، ويزيد لم يفعل إلاّ واجبه بقتل الإمام الحسينعليهالسلام وأصحابه!
ولن نطيل الكلام في هذا المقام، بل سأنقل لك أيّها القارئ الكريم فقرات وكلمات من شيخ الإسلام السلفي ابن تيمية، رأس الجماعة وعالمهم، وآراءه في النهضة الحسينيّة المباركة، ورموز أعدائها يزيد وجيشه؛ لتعلم مدى تعلّق هؤلاء الناس بالدين الإسلامي الحنيف ورموزه المقدّسة.
فما عساه يقول ابن تيمية في النهضة وقائدها العظيم سيد شباب أهل الجنةعليهالسلام ؟
بادئ ذي بدء نتذكّر كلمات الإمام الحسينعليهالسلام التي يعرب فيها عن فلسفته في المسألة وأسبابها ودوافعها وما الذي يريده منها.
قال المولى أبو عبد الله الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) في البيان الأوّل للنهضة أمام والي المدينة ووزيره مروان بن الحكم، حين أمر الوليد أن يضرب عنق الإمام إن لم يبايع:((أيّها الأمير، إنّا أهلُ بيت النبوّة، ومعدنُ الرسالة، ومختلف الملائكة، ومحلُّ الرّحمة، بنا فتح الله وبنا يختمُ، ويزيدُ رجلٌ فاسقٌ، شاربُ الخمور، وقاتلُ النّفس
المحرّمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يُبايع مثله، ولكن نُصبح وتُصبحون، وننظرُ وتنظرون أيُّنا أحقُّ بالخلافة والبيعة)) (١) .
هذا هو البيان النهضوي الأوّل وفيه: رفض البيعة لمثل يزيد الفاسق الفاجر.
والإمام السبط الشهيد عندما أراد الخروج من المدينة قاصداً مكة المكرّمة في أيّام الحجّ، كتب وصيته لأخيه محمد بن الحنفية، ويا لها من وصية نورانيّة رائعة يقول فيهاعليهالسلام :((وإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا مُفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجتُ لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي، أُريدُ أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي وأبي عليّ بن أبي طالب، فمَنْ قبلني بقبول الحقِّ فالله أولى بالحقّ، ومَنْ ردَّ عليّ هذا أصبر حتّى يقضي الله بيني وبين القوم بالحقّ وهو خير الحاكمين)) (٢) .
فالإمام الحسينعليهالسلام خرج على يزيد ليس لأنّه حاكم الدولة الإسلاميّة، لا بل لأنّه فاسق فاجر، ولا يمكن أن يكون مثلُه حاكماً للمسلمين؛ لأنّه بعيد كلّ البعد عن الإسلام وعن أخلاقيّاته وعقائده السمحة.
ولم يخرج نزهة بسبب الترف والرفاهيّة، ولا طمعاً في الحكم والرئاسة، بل كان الهدف سامياً، والغاية نبيلة، والمطلوب عمل دؤوب ودماء زاكيات تسيل، وأجساد طاهرة تُقطّع، وستور وخدور تُنتهك.
_____________________
١ - مقتل الحسين - للمقرّم / ١٣١، مثير الأحزان / ٢٤، مقتل الحسين - للخوارزمي ١ / ١٨٤، الفتوح ٥ / ١٤.
٢ - مقتل الحسين - للمقرّم / ١٣٩، العوالم / ٥٤، مقتل الخوارزمي ١ / ١٨٨، المناقب ٤ / ٨٩، الفتوح ٥ / ٢٣.
وذلك كلّه لطلب الإصلاح لهذه الأُمّة التي عدلت بها بنو أُميّة عن جادة الصّواب إلى السبل الشيطانيّة المختلفة، وكان التدهور قد وصل إلى أن تسنّم كرسي القيادة العليا مثل يزيد الخارج عن الإسلام، بل هو إلى دين أُمّه أقرب وإلى طباعهم أنسب.
فأُمّة الحبيب المصطفىصلىاللهعليهوآله غدت مهدَّدة بالاضمحلال، وديانته أصبحت مهدَّدة بالانحلال إذا لم يخرج الحسين مُعلناً الرفض لهذا الحاكم العنيد والطاغية يزيد الذي زاد على كلّ الأعمال الخبيثة التي قام بها أبوه وجدّه من قبل في محاربة الإسلام ورسولهصلىاللهعليهوآله .
ولكنّ المصيبة عند السلفية والوهابيّة تكمن هنا بالضبط، وبالذّات قول الإمامعليهالسلام : ((وأسيرَ بسيرةِ جدّي وأبي عليّ بن أبي طالب))؛ لأنّهم لا يريدون لسيرة وسنّة علي بن أبي طالبعليهالسلام أن تكون هي السائدة، ولا لكلمته أن تكون هي العليا في الحياة الإسلاميّة، مع أنّ ذلك لأجل الحقّ تعالى، وهل بعد الحقّ إلاّ الضلال المبين!
وكثيراً ما خطب الإمام الحسينعليهالسلام خلال مسيرته المظفَّرة ووعظ الناس، ونبّه الأُمّة إلى المخاطر المحدقة بها من حكومة يزيد، وها هي بعض الكلمات التي قالها الإمام الحسينعليهالسلام أمام جيش يزيد؛ ليعتذر إلى الله بقيام الحجّة عليهم:((أيُّها الناس، إنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله قال: مَنْ رأى سُلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله، ناكثاً بعهد الله، مخالفاً لسنّة رسول الله صلىاللهعليهوآله ، يعملُ في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغيّر ما عليه بفعلٍ ولا قولٍ كان حقّاً على الله أن يُدخله مدخله، ألا وإنّ هؤلاء (بنو أُميّة وأزلامهم)قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد،
وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلُّوا حرام الله وحرّموا حلاله، وأنا أحقُّ مَنْ غيّر ...)) (١) .
تنبّه لخطاب المولى أبي عبد الله الحسينعليهالسلام ؛ فإنّه ينادي الناس، أيّ الذين يتّصفون بالإنسانيّة، وأمّا مَنْ تبلّد قلبه وتجلّد عقله فإنّ هذا النداء لا يخصّه، كاُولئك الخوارج عن الإنسانيّة.
والإمام الحفيد يحدّث عن جدّه الرسول (صلوات الله عليهما وآلهما) مباشرة ودون وسائط كأبي هريرة الدوسي، أو كعب الأحبار اليهودي، أو غيره من المدلّسين، أو الذين وقع عليهم الجرح والتعديل في علم الرجال، بل سيّد شباب أهل الجنّة يروي عن سيّد البشر وخاتم الأنبياءعليهمالسلام هذه الرواية والتي تضعنا أمام شمس الحقيقة.
إنّ تحكّم سلطان جائر وجب على كلّ حرٍّ أن يكون ثائراً؛ إمّا باليد والسيف، أو الكلمة والقلم، ولا مجال لأضعف الإيمان (بالقلب) إذا كانت بيضة الإسلام وشريعته مهدّدة بالانحراف والضياع.
وهذا بالضبط كان حال الأُمّة الإسلاميّة حين وصل بها السقوط والتسافل؛ ليتسنم الحكم والقيادة السياسية شخص فاسد فاسق منافق كيزيد بن معاوية بن أبي سفيان، ويسلّط زبانيته ورجاله الساقطين على هذه الأُمّة ويستهلكون مقدّراتها؛ ولذا فقد وجب النهوض للإصلاح، وحرم السكوت والخنوع؛ لأنّ الأُمّة
_____________________
١ - الكامل في التاريخ ٤ / ٤٨.
والملّة يتهدّدها طغيان يزيد وجلاوزته من صبيان أُميّة اللعناء على لسان الوحي وسيّد الأنبياء والرسل (صلوات الله عليهم أجمعين وآله الطاهرين).
فمَنْ ينهض بهذا الواجب إلاّ المؤمن التقيّ؟ ومَنْ يخنع للفاسق إلاّ الفاسق أو الجبان الشقيّ؟ ولكن قد تسأل ماذا فعل صبيان أُميّة وزعيمهم يزيد؟
الجواب يأتيك من بطل التوحيد الإمام الحسين الشهيد (سلام الله عليه) في الخطاب نفسه، فقد كان من أفعال هؤلاء ما يلي:
١ - التزام طاعة الشيطان، وقد أمروا أن يكفروا به( إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ) (١) .
٢ - ترك طاعة الرحمان:( وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ) (٢) .
٣ - إظهار الفساد، فالزعيم شاربٌ للخمر، لاعبٌ بالقرد والنرد، معلنٌ بالفسق.
٤ - تعطيل الحدود، كيف يقيمونها وهم جهلاء بها، بل وهم أوّل المستحقين لإقامتها عليهم؟!
٥ - الاستئثار بالفيء، فقد استهلكوا اقتصاد الأُمّة الذي فيه حياتها ورفاهها.
٦ - أحلّوا حرام الله؛ كالخمر، والزنى، والقتل وغيرها.
٧ - حرّموا حلال الله.
ألا تكفي هذه البنود السبعة لمعرفة أحوال الجماعة في الديانة والتدين؟
_____________________
١ - سورة فاطر / ٦.
٢ - سورة الأنبياء / ٩٢.
بلى والله، إنّها لتكفي واحدة منها لتخرجهم من حظيرة الدين الحنيف وتعيدهم إلى حظائر أجدادهم وما كانوا يعبدونَ، كاللاّت والعزّى ومناة الثالثة الأُخرى التي ما انفك يقسم بها أبو سفيان حتّى آخر أيّام حياته المشحونة بالحقد والحرب لله ولرسوله وللمؤمنين.
ورغم ذلك فقد صار عند هؤلاء من المسلمين الذين حسن إسلامهم، بل ومن المؤمنين الكبار؛ لأنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال يوم فتح مكة:((مَنْ دخل دار أبي سفيان فهو آمن)) (١) ، فلم يميّزوا بين الأمن على نفسه من القتل والمؤمن.
تأمّل في كلام الإمام الحسينعليهالسلام حيث قال في أواخر حياته:((ألا وإنّ الدعيَّ ابن الدَّعي قد ركز بين اثنتين بين السلّة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة؛ يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنين)) (٢) .
فالقوم خيّروه بين السيف والقتل، أو الذلّ والمهانة!
ولكن هيهات؛ إنّه ابن أبيه علي بن أبي طالبعليهالسلام الذي قال: (لو اجتمعت العرب على قتالي لما وليت)(٣) ، وربما لو اجتمعت الإنس والجنّ على قتاله أو قتال ولدهعليهماالسلام لما هربا من ساحة المعركة؛ لأنّ الهارب ذليل وحاشاهم من الذلّ.
لماذا هذا الإباء إذن؟
١ - الله يأبى لهم ذلك.
٢ - رسول اللهصلىاللهعليهوآله يأبى لهم ذلك.
_____________________
١ - مسند أحمد ٢ / ٢٩٢.
٢ - موسوعة البحار ٤٥ / ١٠، تاريخ ابن عساكر، ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام / ٢١٦، مقتل الحسين - للخوارزمي ٢ / ٦.
٣ - لعل المؤلّف يقصد قولهعليهالسلام :((والله، لو تظاهرت العرب على قتالي لما وليت عنها، ولو أمكنت الفرص من رقابها لسارعت إليها)) . راجع شرح نهج البلاغة - لابن أبي الحديد ١٦ / ٢٨٩.(موقع معهد الإمامين الحسَنَين)
٣ - المؤمنون بالله ورسوله يأبون الذلّ لمولاهم وإمامهم.
٤ - حجور طابت وطهرت، وهي فاطمة الزهراءعليهاالسلام وأُمّها خديجة، وغيرهنّ من الطاهرات.
٥ - وأنوف أبيّة، فالإمامعليهالسلام سيّد أُباة الضيم والأحرار في هذه الدنيا.
كلّ ذلك لماذا؟ من أجل أن لا نؤثر طاعة الشيطان على عبادة الرحمان، فنترك يزيد وجلاوزته يعيثون في الأرض فساداً وفي الأُمّة إفساداً.
فأطلقها مدويّة منذ ذاك اليوم الدامي:((لا والله، لا أُعطيكم بيدي إعطاء الذلِّيل، ولا أفرُّ فِرار العَبيد)) ، أو((ولا أقرّ لكم إقرار العبيد)) (١) .
هذا بعض ما قاله الإمام الحسينعليهالسلام ، وتلك هي فلسفته لشرح أسباب نهضته المباركة.
ولكن كيف قرأ السلفيون والوهابيون هذه النهضة العظيمة؟
تلك هي المسألة، وهذا ما نستوضحه في هذه الصفحات نقلاً عن عميدهم وسيّدهم ابن تيمية وليس غيره.
يقول عن شهادة الإمامعليهالسلام في جملة غاية في الصدق واللطافة: بل تمكّن اُولئك الظَّلمة الطغاة من سبط رسول اللهصلىاللهعليهوآله حتّى قتلوه مظلوماً شهيداً(٢) .
ولكن إذا سألته بعد هذه الجملة التي يعترف بها أنّ الإمام الحسينعليهالسلام هو
_____________________
١ - إرشاد المفيد / ٢٣٥.
٢ - منهاج السنة النبوية ٢ / ٢٤١.
سبط رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وأنّه قُتل مظلوماً ليس ظالماً، وأنّ قتلته هم طغاة ظالمون، إذا سألته مَنْ القاتل الظالم، أليس الطاغية يزيد بن معاوية الذي أمر بقتل الإمام ولو كان متعلّقاً بأستار الكعبة؟!
يقول: لا، يزيد بريء من دم الحسين؛ لأنّه أمير المؤمنين! وحاكم سياسي أعلى للدولة، ولذا فإن خروج الحسين على يزيد رأي فاسد؛ لأنّ مفسدته أعظم من مصلحته، وقلَّ مَنْ خرج على إمام ذي سلطان إلاّ كان ما تولّد على فعله من الشرّ أعظم ممّا تولّد من الخير(١) .
وتتعجّب كيف يكون خروج الإمام الحسينعليهالسلام لا مصلحة ولا خير فيه؟!
وكيف يمكن لإنسان مسلم أن يقول أنّ رأي الإمام الحسينعليهالسلام فاسد، وأنّ عمله فيه مفسدة للأُمّة الإسلاميّة، وهو الذي خرج لطلب الإصلاح في أُمّة جدّه؟!
اسمعه يقول: ولم يكن في خروجه مصلحة لا في دين ولا في دنيا، وكان في خروجه وقتله من الفساد ما لم يكن يحصل لو قعد في بلده(٢) .
هل يمكن لعاقل أن يتكلّم بهذا، سبحانك هذا بهتان عظيم؟! إذ أنّه كيف لم يرَ هذا الرجل وأتباعه المصلحة المتوخّاة من نهضة الإمامعليهالسلام ؟ وينفيها من الدنيا والآخرة، كيف ذلك؟ ومن أين له العلم بأحوال الآخرة؟!
ويقول ما هو أدهى وأعظم من ذلك: إنّ ما قصده الحسين من تحصيل الخير
_____________________
١ - منهاج السنة النبوية ٢ / ٢٤١.
٢ - المصدر نفسه.
ودفع الشرّ لم يحصل منه شيء، بل زاد الشرّ بخروجه وقتله، ونقص الخير بذلك وصار سبباً لشرّ عظيم(١) .
لماذا صار الإمام الحسينعليهالسلام سبباً لشرّ عظيم يابن تيمية المبجّل؟!
يقول: لأنّ خروجه ممّا أوجب الفتن(٢) .
ويعني بالفتن التي كان الإمام الحسينعليهالسلام سبباً فيها: الثورات المتتالية على بني أُميّة إلى أن أسقطتهم، ورمت بأسطورة معاوية إلى مزابل ونفايات التاريخ، من ثورة المدينة المنوّرة إلى حركة ابن الزبير في مكة المكرّمة مروراً بثورة التوابين، وثورة زيد بن علي بن الحسينعليهالسلام ، ونهضات تلو نهضات وثورات تعقبها ثورات حتّى أطاح العباسيون ببني أُميّة ودفعوها إلى أرذل ما يمكن.
وهذا ما لا يتمنّاه الجماعة السلفية وشيخهم ابن تيمية الذي كان يريد أن يطول الظلم الأموي، وتدوم الجولة الأمويّة إلى آخر الدهر.
وهذا ما صرّح به مؤسس دولتهم معاوية بن أبي سفيان حين قال للمغيرة بن شعبة نديمة: لا والله، إلاّ دفناً دفناً(٣) . ويقصد الدفن لذكر رسول اللهصلىاللهعليهوآله الذي يعلن عنه بالأذان خمس مرّات.
ألا تعجب عزيزي القارئ أن يرى الهندوسي مصلحةً بخروج الإمام الحسينعليهالسلام ويتعلّم منه، والمسيحي يرى كلّ الخير بنهضة الإمام الحسينعليهالسلام ويتمنّى أن يكون لديهم مثل هذا العظيم؛ ليصنعوا له تماثيل من ذهب، ويدعون
_____________________
١ - منهاج السنة النبوية ٢ / ٢٤٢.
٢ - المصدر نفسه.
٣ - شرح نهج البلاغة - لابن أبي الحديد ٥ / ١٣٠.
الناس إلى المسيحية باسمه، وقبل هؤلاء جميعاً الله سبحانه وتعالى يقرّر أنّ كلّ المصلحة والخير بنهضة المولى أبي عبد الله الحسينعليهالسلام ويأمره بالخروج على يزيد.
ورسول اللهصلىاللهعليهوآله يرى كلّ المصلحة والخير بخروج حفيده الإمام السبط الشهيد فيأمره بالخروج إلى الشهادة؛ لأنّ له مكانة عند الله لا ينالها إلاّ بالشهادة، وأنّ دين الإسلام لن يستمر ويستقيم إلاّ بشهادة سيّد شباب أهل الجنّة.
وأبو الأحرار الحسينعليهالسلام وكلّ مَنْ معه من آل البيتعليهمالسلام وأصحابه الكرام يرون الخير والمصلحة بالنهضة، ويأتي ابن تيمية بعد ذلك ليكتشف الحقيقة ويعلنها مدوّيةً على الملأ وكأنّه اكتشف كنزاً من العلم أنّ الإمامعليهالسلام صار سبباً لشرٍّ عظيم.
لماذا؟! لأنّ خروجه أوجب الفتن(١) !
هل تتصوّر هذا من إنسان يدّعي الانتماء إلى الإسلام والإنسانيّة؟!
ويحتجّ على سبط الرسول وعلينا ببعض تلك الآراء الفاسدة، أو الغير ناضجة ممّن نصح الإمام السبط بعدم الخروج على يزيد، يقول: لذا أشار عليه بعضهم أن لا يخرج، وهم بذلك قاصدون نصيحته، طالبون لمصلحته ومصلحة المسلمين! والله ورسوله إنّما يأمر بالصلاح لا بالفساد(٢) !
_____________________
١ - منهاج السنة النبوية ٢ / ٢٤٢.
٢ - المصدر نفسه ٢ / ٢٤١.
ولكن الإمامعليهالسلام لم يخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرج لطلب الإصلاح في أُمّة جدّه، وليسير بسيرة جدّه وأبيه أمير المؤمنين، والله ورسوله قطعاً مع الحسينعليهالسلام ونهضته، وليس مع يزيد وطغيانه وفساده وتهتّكه.
ولكن دعه مع إمامه يزيد، ودعنا وإمامنا الحسينعليهالسلام ، خير لبني الإنسان ألف مرة أن يكون فيهم خُلقٌ كخُلق الحسين الذي أغضب يزيد بن معاوية، من أن يكون جميع بني الإنسان على ذلك الخُلق الذي يرضى به يزيد(١) .
إنّه كلام حقّ لا يرضى به ابن تيمية وأمثاله من السلفيّة والوهابيّة الذين يرون ويعتقدون بإمامة يزيد الدينيّة والدنيويّة، ويطالبون السبط الشهيدعليهالسلام بالبيعة والاعتذار عمّا بدر منه في نهضته؛ لأنّه أوجب الفتن على إمامهم يزيد.
وأعجب شيء أن يُطلب الحسين بن علي أن يبايع مثل هذا الرجل، ويزكّيه أمام المسلمين، ويشهد له عندهم أنّه نِعمَ الخليفة المأمول، صاحب الحقّ في الخلافة، وصاحب القدرة عليها!
ولا مناص للحسين من خصلتين: هذه البيعة، أو الخروج؛ لأنّهم لن يتركوه بمعزل عن الأمر لا له ولا عليه.
إنَّ بعض المؤرّخين من المستشرقين وضعاف الفهم من الشرقيين، ينسون هذه الحقيقة ولا يولونها نصيباً من الرجحان في كفّ الميزان.
وكان خليقاً بهؤلاء أن يذكروا أنّ مسألة العقيدة الدينية في نفس الحسين بن
_____________________
١ - أبو الشهداء الحسين بن علي / ١٠٨.
علي لم تكن مسألة مزاج أو مساومة، وأنّه كان رجلاً يؤمن أقوى الإيمان بأحكام الإسلام، ويعتقد أشدّ الاعتقاد أنّ تعطيل حدود الدين هو أكبر بلاء يحيق به وبأهله وبالأُمّة قاطبةً في حاضرها ومصيرها؛ لأنّه مسلم ولأنّه سبط محمد، فمَنْ كان إسلامه هداية نفس، فالإسلام عند الحسين هداية في نفس وشرف بيت(١) .
ولكنّ السلفية لا ترى الإسلام هداية نفس، ولا يعتقدون بشرف البيت النبوي؛ لأنّهم يحاربون أهله لا سيما ذرية رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
ولابن تيميّة فلسفة خاصّة بالنسبة لأميره يزيد بن معاوية؛ فإنّه المدافع العنيد عن سيّده يزيد، ولا شيء يريد من وراء ذلك إلاّ محاربة أهل البيتعليهمالسلام وشيعتهم؛ لأنّ يزيد إمام ذو سلطان، وابن تيمية يعتقد بإمامة كلّ مَنْ ركب كرسي السلطنة والإمارة.
ومن المعروف أنّ يزيد متهتّك فاجر على المستوى الشخصي قبل أن يتسلّط على هذه الأُمّة بسلطان والده معاوية الذي اعتبر المدافعون عنه أنّ يزيد أحد أهم مخازيه الموبقة، مقرونة بحربه لأمير المؤمنين عليعليهالسلام وقتله لحجر بن عدي وأصحابه الشهداء.
فيزيد أُمّه ميسون الكلبيّة النصرانيّة التي لم تتحدّث كتب التاريخ أنّها أسلمت، بل تحدّث التاريخ على تربية ولدها يزيد على أخلاقها وعادات أهلها
_____________________
١ - أبو الشهداء الحسين بن علي / ١١٥.
من الشرك والكفر وكلّ ما يخرج الإنسان من الدين الإسلامي، كشرب الخمور، وركوب الفواحش كلّها، لا سيما الزنا حتّى بالمحرّمات، وضرب الطنبور واللعب بالقرود والفهود وغير ذلك من الرزايا التي تربّى عليها يزيد بين أخواله النصارى.
هذا الذي قاله عنه عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة عندما خرج من عنده بوفد رسمّي من أهل المدينة المنوّرة: (والله ما خرجنا على يزيد حتّى خفنا أن نُرمى بالحجارة من السماء؛ إنّه رجل ينكح أُمّهات الأولاد، والبنات والأخوات، ويشرب الخمر، ويدع الصلاة)(١) .
كانت إمارة يزيد أقل من أربع سنوات ارتكب خلالها من الكوارث الفاجعة التي ما زالت الدّنيا تتحدّث عنها.
فعل هتلر واحدة فقط باليهود وكما يقولون كذباً وافتراء، وذلك بما يسمّى الهولوكوست (أيّ المحرقة) حيث ادّعوا أنّه أحرق اليهود في ألمانيا؛ لأنّهم العنصر الخبيث في أيّ مجتمع نزلوه، فأقاموا الدنيا ولم يقعدوها وما زالوا يتحدّثون بها في كلّ المحافل الدوليّة، ووسائل الاتصالات العالميّة، مظهرين بشاعة أعمال هتلر الذي أصبح لعنة التاريخ المعاصر.
ولكنّ يزيد فعل أكثر من ذلك بكثير بحيث لا يُقاس عمل أيّ مجرم بأعماله مهما بلغت من الهمجية، ومنها:
١ - في السنة الأولى: قتل الحسين بن عليعليهالسلام وذريّة الرسول الأعظم
_____________________
١ - تاريخ الخلفاء / ١٦٥.
محمدصلىاللهعليهوآله ، وهل فعل بنو إسرائيل بأنبيائهمعليهمالسلام كهذا الفعل؟!
٢ - في السنة الثانية: قتل أهل المدينة واستباحها ثلاثة أيام لجيشه ففعلوا الأفاعيل، فهل فعلت النازيّة بستالينغراد كهذا؟!
٣ - في السنة الثالثة: أحرق الكعبة المشرّفة بعد أن رماها بالمنجنيق، فهل فعل نيرون الذي أحرق روما أبشع من فعلة الحجّاج؟!
٤ - وفي السنة الرابعة: قيل أنّه تزوّج عمّته - والعياذ بالله -، وهذا لا يفعله الأوادم ولا حتّى الحيوانات، إلاّ الخنازير وأشباهها من البشر.
هذا الذي فعل كلّ ذلك ما شأنه، وما مكانه عند السلفية وشيخها ابن تيمية؟!
نعم، إنّه معذور في أعماله كلّها وذلك لسببين:
١ - لأنّه إمام ذو سلطان ويحقّ له أن يفعل ما يشاء في سلطانه.
٢ - لأنّه متأوّل، فإذا أحسن فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر واحد، فهو مأجور على كلّ حال، فإذا قتل الحسينعليهالسلام بتأوّله فإنّه يُخطئ إذا كان مخطئاً وله أجر اجتهاده عند الشيخ ابن تيمية!
يقول الشيخ بتأويل يزيد: (وأمّا أهل التأويل المحض فاُولئك مجتهدون مخطئون، خطؤهم مغفورٌ لهم، وهم مثابون على ما أحسنوا فيه من حسن قصدهم واجتهادهم في طلب الحقّ واتّباعه)(١) .
هذا الكلام يقوله ابن تيمية في الجدال عن يزيد، وتبريراً لأخطائه؛ فمن
_____________________
١ - رأس الحسين / ٢٠٤.
المناسب جدّاً أن يدعمه باتّفاق العلماء على أنّهم لا يكفّرون أهل القبلة بمجرّد الذنوب ولا بمجرّد التأويل، (فلماذا تكفّر السلفية الأُمّة كلّها إذن) وأنّ الشخص الواحد إذا كانت له حسنات وسيئات فأمره إلى الله تعالى(١) !
ويزيد من أين له هذه الحسنات أيّها الشيخ؟!
قلَّب الشيخ أوراق التاريخ فلم يجد إلاّ ما تقدّم من يزيد: تاركاً للصلاة، ملازماً للخمور، ولا تفارقه الأغاني والغانيات، ملاعباً للكلاب والقرود والفهود، لا علاقة له بالدين، وجلّ علاقته من هذه الدنيا نيل كلّ ما استطاع من الشهوات واللذائذ المحرّمة بلا رادعٍ من دين ولا وازعٍ من ضمير.
وهذا ما لا يرضاه الشيخ في إمامه، فغاص في التاريخ إلى قعره فوجد ما يتمسّك به وهو: وكان له موقف في القسطنطينية - وهو أوّل جيش غزاها - ما يعدّ من الحسنات(٢) .
وا ويلاه! أيّ حسنة تلك التي وجدتها أيّها الشيخ في ذهاب إمامك يزيد مع الجيش الذي توجّه إلى القسطنطينية، أيّة حسنة ليزيد في ذلك يا عقلاء المسلمين؟!
وربما تزداد عجباً من جعل هذا الفعل حسنة ليزيد إذا علمت يا عزيزي الكريم كيف شارك يزيد في ذلك الجيش، خذها من المؤرّخين!
قال ابن الأثير في أحداث سنة ٤٩ هجرية: (في هذه السنة وقيل سنة خمسين
_____________________
١ - رأس الحسين / ٢٠٦.
٢ - المصدر نفسه / ٢٠٧.
سيَّر معاوية جيشاً كثيفاً إلى بلاد الروم للغزاة، وجعل عليهم سفيان بن عوف، وأمر ابنه يزيد بالغزاة معهم، فتثاقل واعتلّ، فأمسك عنه أبوه.
قال: فأصاب الناس في غزاتهم جوعٌ ومرض شديد، فأنشأ يزيد يقول:
ما إن أُبالي بما لاقت جموعهمُ |
بالفَرقَدونة من حمّى ومن مُومِ |
|
إذا اتكأتُ على الأنماطِ مرتفقا |
بدير مُرّانَ عندي أُمّ كلثومِ |
وأُمّ كلثوم امرأته بنت عبد الله بن عامر. (هكذا قالوا والحقيقة بضمير الغيب)، فبلغ معاوية شعره، فأقسم عليه ليلحقنّ بسفيان في أرض الروم، فسار معه جمع كثير أضافهم إليه أبوه(١) .
وأنت تقرأ هذه السطور التي لخّص فيها العلماء حسنة يزيد بالخروج إلى أرض الروم، تلك الحسنة التي كانت رغماً عن أنفه، وليس بشجاعته أو صولته وجولته؛ لأنّه لا يصول ويجول إلاّ في أحضان النساء.
إنّ مدى تعلّقه بالجهاد، وحبّه للفتوح الإسلاميّة واضح للعيان، ومدى اهتمامه بذاك الجيش الجرّار من المجاهدين كذلك، فهو (ما إن أبالي بما لاقت جموعهم)، كيف يبالي إذن وهو (بدير مران) ذاك الدير النصراني معتكفاً فيه لحاجاته وديانته يعبد هواه وشيطانه( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ ) (٢) .
حسنة يزيد يا شيخ ما هي إلاّ أتفه سيئة له، فكيف صارت عندك حسنة
_____________________
١ - الكامل في التاريخ ٣ / ٤٥٨.
٢ - سورة الجاثية / ٢٣.
ترفع عنه موبقة استباحة المدينة وقتل الأصحاب والتابعين لهم بإحسان، لا إله إلاّ الله ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله؟!
هذه الحسنة التي ترفع السيئة عند ابن تيميّة لسيّده ومولاه يزيد، ولكن أين التأويل في بقيّة أعمال يزيد؟
خذها من الشيخ نفسه:
١ - قتل الإمام الحسينعليهالسلام :
يقول: إنّ يزيد لم يظهر الرضا بقتله، وأنّه أظهر الألم لقتله، والله أعلم بسريرته، وقد عُلم أنّه لم يأمر بقتله ابتداءً، ولكنّه كان مع ذلك ما انتقم من قاتليه، ولا عاقبهم على ما فعلوا إذ كانوا قتلوه لحفظ ملكه، ولا قام بالواجب في الحسين وأهل بيته، ولم يظهر له من العدل وحسن السيرة ما يوجب حمل أمره على أحسن المحامل، ولا نقل أحد أنّه كان على أسوأ الطرائق التي توجب الحدّ(١) .
فيزيد لم يقتل ولا حتّى أمر بالقتل، ولكنّه لم يعاقب القاتل؛ لأنّه فعل ذلك لمصلحته، وهذا أمر عادي في عرف الملوك، وأعظم ما كان منه أنّه لم يحلم عن الإمام الحسينعليهالسلام ويحمله على العدل وحسن السيرة، إلاّ أنّ ذلك لا يوجب حدّاً وتنكيلاً وهذا بإجماع العلماء، ولست أدري أيّ علماء إلاّ علماء السلفيّة والوهابيّة.
ولا داعي للتعليق على كلّ هذه الدعاوي الباطلة بداية ونهاية، إلاّ أنّني أنقل ما نقله المؤرّخون عن الأمر بقتل سيّد الشهداءعليهالسلام الذي صدر من يزيد،
_____________________
١ - رأس الحسين / ٢٠٧.
ولا أتعدّى القاتل المباشر للإمام ألا وهو عبيد الله بن زياد.
قالوا: عاش عبيد الله بن زياد بعد موت يزيد فاضطربت عليه الأحوال في العراق فخرج إلى الشام ومعه مئة رجل من الأزد يحفظونه، وفي بعض الطريق رأوه قد سكت طويلاً، فخاطبه أحدهم ويدعى مسافر بن شريح اليشكري، فقال له: أنائمٌ أنت؟
قال: لا، كنت أحدّث نفسي.
قال له مسافر: أفلا أحدّثك بما كنت تحدّث به نفسك؟
قال: هات.
قال مسافر: كنت تقول: ليتني كنتُ لم أقتل حسيناً.
فقال عبيد الله بن زياد: أمّا قتلي الحسين فإنّه أشار إليّ يزيد بقتله أو قتلي، فاخترتُ قتله(١) .
وكذلك كان أمر يزيد لوالي المدينة بأخذ البيعة أو القتل، وإلى والي مكة بقتل الإمامعليهالسلام ولو كان متعلّقاً بأستار الكعبة، كلّ ذلك من بديهيات المؤرّخين كما قرأت من قبل، ولكنّ الشيخ ابن تيمية كان يتمنّى لو قاد إمامه يزيد الجيش مباشرة لقتل إمامنا الحسينعليهالسلام ، وإبادة ذريّة رسول اللهصلىاللهعليهوآله حتّى يرضى، وربما يعدّها من حسناته كذلك.
_____________________
١ - الكامل في التاريخ ٤ / ١٤٠.
٢ - واقعة الحرّة:
واستباحة المدينة لثلاثة أيّام بعد المقتلة العظيمة التي مُني بها أهل الإيمان في مدينة الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله التي قال فيها النبيّ الأكرمصلىاللهعليهوآله :((المدينة حرمٌ ما بين عابر إلى ثور (١) ، فمَنْ أحدث فيها حدثاً أو آوى مُحدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ولا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً ...)) (٢) .
وكثيرة هي الأحاديث في فضل وحرمة المدينة المنوّرة المباركة، أمّا يزيد فإنّه وجّه إليها جيشاً جرّاراً بقيادة مسرف بن عقبة فقتل الثوّار، وحاصر المدينة واستباحها لمدّة ثلاثة أيّام حتّى ولدت فيها ألف بكر لا يعلم آباؤهم، وكانوا يزوّجون بناتهم ولا يسألون عنها.
ولكن ماذا يقول ابن تيمية: فأمّا أهل الحرّة فإنّهم لمّا خلعوا يزيد وأخرجوا نوّابه أرسل إليهم مرّة بعد مرّة يطلب الطاعة فامتنعوا، فأرسل إليهم مسلم بن عقبة المرّي وأمره إذا ظهر عليهم أن يبيح المدينة ثلاثة أيام، وهذا هو الذي عظم إنكار الناس له من فعل يزيد(٣) .
هكذا كان إمامه معذوراً في وقعة الحرّة، وفي قتل أهلها من الصحابة حتّى لم يكد ينجُ منهم أحد، وهم الصحابة الكبار من المهاجرين والأنصار وأبنائهم؛ لأنّ تأويله وغيرته على ملكه ومحاولة حفظه كان أولى، وهو الذي يقول فيهم: إنّ مَنْ طعن بأحد منهم فهو أضلّ من حمار أهله.
_____________________
١ - هما جبلان؛ الأوّل في المدينة، والآخر في مكة. النهاية ١٠ / ٢٢٩.
٢ - كنز العمال ١٢ ح ٣٤٨٠٥.
٣ - منهاج السنة النبوية ٢ / ٢٥٣.
ولكنّ الذي لم يكن له حقّ فيه: هو استباحة المدينة وانتهاك أعراض المسلمين؛ ولهذا يُبرر بأسلوبه الساخر: لكنّه - أي يزيد - لم يقتل جميع الأشراف، ولا بلغ عدد القتلى عشرة آلاف، ولا وصلت الدماء إلى قبر النبيّ(١) !
وا ويلاه من هذا الكلام! وكأنّك تحسّ من كلام الشيخ أسفه وحسرته إذ لم يقتل الجميع، وتصل الدماء إلى قبر النبيصلىاللهعليهوآله ، لا حول ولا قوّة إلاّ بالله على هذا الكلام!
فيزيد متأوّل وإمام مُخطئ، ولكنّ أهل المدينة هم المعتدون لشقّ عصا الطاعة والخروج على الإمام يزيد؛ ولذا فهم يستحقّون ما وقع لهم، ولذا أخذ مسلم بن عقبة البيعة ممّن بقي من أهل المدينة على أنّهم عبيد أرقّاء ليزيد بن معاوية، ولكن كيف ذلك وما تأويلها عند ابن تيمية، علمه عنده؟
٣ - إحراق الكعبة المشرَّفة:
أمّا عن إحراق الكعبة ورميها بالمنجنيق حتّى تهدمّت بقيادة طاغية بني أُميّة (الحجّاج بن يوسف الثقفي) فقد قال المؤرّخون: إنّ جيش يزيد لما قضى على حركة أهل المدينة في وقعة الحرّة توجّه إلى مكة قاصداً ابن الزبير الذي كان معتصماً بها، فحاصروه ورموه بالمنجنيق حتّى أحرقوا الكعبة، فصعد قاضي ابن الزبير ينادي: يا أهل الشام، هذا حرم الله الذي كان مأمناً في الجاهليّة فاتقوا الله.
_____________________
١ - منهاج السنة النبوية ٢ / ٢٥٣.
فيصيح الشاميّون: الطاعة الطاعة! الكرّة الكرّة! الرواح قبل المساء!
فلم يزالوا على ذلك حتّى احترقت الكعبة، وقال أهل الشام: إنّ الحرمة والطاعة اجتمعتا، فغلبت الطاعة الحرمة(١) .
ولكن ماذا يقول ابن تيمية: إنّ حريق الكعبة لم يقصده يزيد، وإنّما كان مقصوده حصار ابن الزبير، والضرب بالمنجنيق كان له (لابن الزبير) لا للكعبة، ويزيد لم يهدم العكبة ولم يقصد إحراقها، لا هو ولا نوّابه باتّفاق المسلمين(٢) !
هل تضحك أم تبكي عزيزي القارئ من هذا الكلام؟! هل قرأت مثل هذا التبرير السلفي لأفعال يزيد؟!
بعد كلّ الذي تقدم، وكلّ هذا الدفاع المستميت عن يزيد، هل تتوقّع من الشيخ أن يسمح بلعن يزيد الذي صارت لعنته كلعنة الشيطان، أصبحت مضرباً للأمثال عند الأُمّة الإسلاميّة حتّى يُقال: العن يزيد ولا تزيد.
ومعنى القول: إنّ يزيد هو الوحيد الذي يستحق اللعنة من هذه الأُمّة المرحومة، أو أنّه من أوائل مَنْ يستحقّون ذلك، ولكن لعنته المتّفق عليها بين علماء الأُمّة وعوامها على حدّ سواء هي باطلة عند ابن تيمية.
إنّ الشيخ ابن تيمية ألّف كتاباً سمّاه (فضائل معاوية ويزيد وأنّه لا يُسبّ)
_____________________
١ - ابن تيمية حياته وعقائده / ٣٧٩.
٢ - منهاج السنة النبوية ٢ / ٢٥٤.
وكانت دعواه من حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله :((لا يكون المؤمن لعّاناً)) (١) .
وإليك أوّلاً رأي الإمام أحمد بن حنبل بلعن يزيد بن معاوية:
قيل للإمام أحمد: أتكتب حديث يزيد؟
فقال: لا، ولا كرامة، أوَ ليس هو الذي فعل بأهل الحرّة ما فعل؟!
وقيل له: إنَّ قوماً يقولون: إنّا نحبّ يزيد.
فقال: وهل يحبّ يزيداً أحد يؤمن بالله واليوم الآخر؟!
فقال له ابنه صالح: فلماذا لا تلعنه؟
فقال الإمام أحمد: ومتى رأيت أباك يلعن أحداً ...، وكيف لا يُلعن مَنْ لعنه الله تعالى في كتابه؟!
فقيل له: وأين لعن الله يزيد في كتابه؟
فقال: في قوله تعالى:( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * اُولئك الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ) (٢) .
وهل يكون فساد أعظم من قتل الحسينعليهالسلام ؟!
وقد قال تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ) (٣) .
وأيّ أذى أشدّ على محمّدصلىاللهعليهوآله من قتل الحسين الذي هو له ولابنته البتول
_____________________
١ - سنن الترمذي ٣ / ٢٥٠ ب ٧١ ما جاء في اللعن والطعن ح٢٠٨٨.
٢ - سورة محمد / ٢٣.
٣ - سورة الأحزاب / ٥٧.
قرّة عين(١) .
وهل تعلم عزيزي القارئ أنّ ابن تيمية ينقل هذا الحديث إلاّ أنّه يختصره كعادته عندما ينقل مثل هذه الروايات، ويقف عند قول الإمام أحمد لولده متى رأيت أباك يلعن أحداً، فيكتب في آخر الرواية (انتهى)؛ لإشعار القارئ بانتهاء الرواية إلاّ أنّها لم تنتهِ، ولكنّ التعصّب هو الذي ينهي الرواية حيث يشاء الشيخ.
واللطيف في القضية أنّ شيخاً من تلاميذ الشيخ ابن تيمية هو أبو الفرج ابن الجوزي الفقيه الحنبلي، يؤلّف كتاباً يردّ به على كتاب ابن تيمية أسماه (الردّ على المتعصّب العنيد) يقول فيه: إنّ إنكار (ابن تيمية) على مَنْ استجاز ذمّ المذموم، ولعن الملعون من جهلٍ صراحٍ، فقد استجازه كبار العلماء منهم الإمام أحمد بن حنبل، وقد ذكر أحمد في حقّ يزيد ما يزيد على اللعنة(٢) . ويقصد طبعاً الحديث المتقدّم.
فناصر السنّة والمكافح عن السلف والمدافع عن يزيد وأبيه معاوية هو الشيخ ابن تيمية؛ وذلك لحبّه وتعلّقه الشديد بهما. ورسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول:((المرء يحشر مع مَنْ أحبّ)) (٣) .
حشره الله معهما هو وجميع مَنْ يتولّونه.
قال ابن العماد الحنبلي، قال التفتازاني في (شرح العقائد النسفية): اتفقوا (العلماء) على جواز اللعن على مَنْ قتل الحسين، أو أمر به، أو أجازه، أو
_____________________
١ - الإتحاف بحبّ الأشراف / ٦٤.
٢ - الردّ على المتعصّب العنيد / ١٣.
٣ - تفسير ابن عربي ١ / ٤٢ تفسير آية ٢٤ من سورة البقرة.
رضي به.
والحقّ إنّ رضا يزيد بقتل الحسين، واستبشاره بذلك وإهانته أهل بيت رسول اللهصلىاللهعليهوآله ممّا تواتر معناه، وإن كان تفصيله آحاداً فنحن لا نتوقّف في شأنه، بل في كفره وعدم إيمانه، لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه(١) .
والشبراوي يقول: ولا يشكّ عاقل أنّ يزيد بن معاوية هو القاتل للحسينعليهالسلام ؛ لأنّه هو الذي ندب عبيد الله بن زياد لقتل الحسين(٢) .
ماذا تحكم على ابن تيمية بعد هذه الأقوال، وهو ممّن رضي بقتل الإمام الحسين بن عليعليهالسلام ودافع عن قاتله، وبرّر أعماله وأجازه في كلّ ما فعل؟!
يطول ويكثر الطعن علينا نحن شيعة أهل البيتعليهمالسلام ويتّهموننا بلعن أو سب الصحابة أو غيرهم من المسلمين. والمسألة تطول إلاّ أنّني سأوجزها بأسطر قليلة وآيات من الذكر الحكيم فقط؛ نتبيّن من خلالها رأي الإسلام الحنيف بمسألة اللعن.
إنّ المعنى المتعارف لللّعن: هو الطرد والإبعاد من رحمة الله، فهي إلى الدعاء أقرب منها إلى السباب أو الشتائم؛ لذا تراك إذا كنت تريد أن تلعن أحداً تقول: اللهم العن فلاناً، أو العنه، أي اطرده من رحمتك، وأبعده من ساحة قدسك، فهي إذن أمر عادي لِمَنْ يستحقّه.
وردت هذه المادة (لَعْنْ) في القرآن الكريم (٤٠) مرّة بمختلف الصيغ
_____________________
١ - شذرات الذهب ١ / ٦٩.
٢ - الإتحاف بحبّ الإشراف / ٦٢.
والاشتقاقات اللغوية والتي بلغت (١٧) اشتقاقاً أكثرها كان:
(لَعْنَة) ١٣ مرّة.
(لعنهم) ٧ مرّات.
(لَعنهُ) ٣ مرّات.
(يَلعنُ) و (يلعنهم) و (لُعنوا) كلّ واحدة مرّتين.
وباقي الاشتقاقات، وهي لَعَنَ، لَعَنَتْ، لَعنَاً، لعنَّاهم، نَلعنهم، إلعنهُمْ، لُعِن، لَعْنَتي، اللاّعنون،، مَلعونين، الملعونة، وردت مرّة واحدة فقط.
فمَنْ الذين لعنهم الله في كتابه العزيز؟
أ) الشيطان اللعين الرجيم. ولعنته من البديهيات الإسلاميّة بقوله تعالى:( إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ إِنَاثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاّ شَيْطَاناً مَرِيداً * لَعَنَهُ اللهُ ) (١) .
وقال تعالى:( قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ) (٢) .
فهو ملعون مطرود من رحمة الله إلى يوم البعث والحساب.
ب) أصناف من البشر، لعنهم الله بصفاتهم وأعمالهم مثل:
١ - الكافرون، بقوله تعالى:( إنَّ اللهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً ) (٣) .
_____________________
١ - سورة النساء / ١١٦ - ١١٧.
٢ - سورة ص / ٧٧ - ٧٨.
٣ - سورة الأحزاب / ٦٤.
( فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ) (١) .
( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ اُولئك عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) (٢) .
٢ - الظالمون، بقوله تعالى:
( فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) (٣) .
( وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) (٤) .
( يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ) (٥) .
٣ - الكاذبون، بقوله تعالى:
( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (٦) .
( وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ) (٧) .
_____________________
١ - سورة البقرة / ٨٩.
٢ - سورة البقرة / ١٦١.
٣ - سورة الأعراف / ٤٤.
٤ - سورة هود / ١٨.
٥ - سورة غافر / ٥٢.
٦ - سورة آل عمران / ٦١.
٧- سورة النور / ٧.
٤ - المفسدون في الأرض، بقوله تعالى:
( وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ اُولئك لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ) (١) .
٥ - الذين يرومون المحصنات ويقذفونهنّ ببهتان، والعياذ بالله، قال تعالى:
( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (٢) .
٦ - الذين يؤذون الله ورسوله، بقوله تعالى:
( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً ) (٣) .
٧ - المنافقون، في قوله تعالى:
( وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً ) (٤) .
٨ - علماء السوء ووعّاظ السلاطين، وذلك بقوله تعالى:
( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ
_____________________
١ - سورة الرعد / ٢٥.
٢ - سورة النور / ٢٣.
٣ - سورة الأحزاب / ٥٧.
٤ - سورة الفتح / ٦.
وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً * اُولئك الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً ) (١) .
ج) هناك اليهود، من اللعناء الذين تكرّرت لعنتهم في القرآن الكريم بالتصريح بالاسم، أو الصفات التي كانت تلازمهم كأصحاب السبت، والذين مسخوا قردة وخنازير وعبدوا الطاغوت، وغير ذلك من الصفات من ذلك:
١ - اليهود، في قوله تعالى:
( وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ) (٢) .
٢ - أصحاب السبت، بقوله تعالى:
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً ) (٣) .
٣ - المسوخات منهم، بقوله تعالى:
( قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ اُولئك شَرٌّ مَكَاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ) (٤) .
_____________________
١ - سورة النساء / ٥١ - ٥٢.
٢ - سورة المائدة / ٦٤.
٣ - سورة النساء / ٤٧.
٤ - سورة المائدة / ٦٠.
٤ - ناقضوا الميثاق، لقوله تعالى:
( فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ) (١) .
٥ - الكافرون منهم، بقوله تعالى:
( وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ ) (٢) .
( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ) (٣) .
بعد هذا الاستعراض السريع للآيات المباركات دون تعليق؛ لأنّني سأترك ذلك للأخ القارئ الكريم.
بقيت لدينا مسألتان هما:
الأولى: وردت في القرآن كلمة (الشجرة الملعونة)، وذلك بقوله تعالى:( وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاّ طُغْيَاناً كَبِيراً ) (٤) .
ذهب المفسّرون وأهل العلم والإنصاف إلى أنّها نزلت بحقّ بني أُميّة، فهم الشجرة المعلونة في القرآن بقصّة ترويها كتب التفسير والسنن، وأنّ تلك الرؤيا التي رآها الحبيب المصطفىصلىاللهعليهوآله هي رؤيته أنّ صبيان بني أُميّة ينزون على منبره
_____________________
١ - سورة المائدة / ١٣.
٢ - سورة البقرة / ٨٨.
٣ - سورة المائدة / ٧٨.
٤ - سورة الإسراء / ٦٠.
نزو القردة، فأخبر الأُمّة وحذّرها فتنتهم.
وقال بحقّ زعيمهم:((إذا رأيتم معاوية على منبري فابقروا كرشه، ولن تفعلوا)) .
بروايات مختلفة يعلمها المتتبّعون للسيرة النبويّة المباركة.
وقال كذلك:((اللهمّ العن القائد والسائق والراكب)) (١) عندما رأى أبا سفيان يركب على بعير ويزيد يقوده ومعاوية يسوقه.
الثانية: فهي مكانة اللعن واللاعن لِمَنْ يستحقّ اللعن في كتاب الله العزيز.
والمسألة دقيقة وتحتاج إلى تمحيص وتدقيق، وسأتطرق إليها لأنّها تُهمة شنيعة يلصقها بعض الجهّال بالشيعة، من أنّهم يسبّون ويلعنون، وأنّ المؤمن لا يكون لعّاناً.
أقول وبالله العون: إنّ المؤمن حقّ الإيمان يجب أن يكون لعّاناً لأعداء الله وأعداء رسوله الكريمصلىاللهعليهوآله . ولنرى ماذا يقول القرآن الكريم، وهو كلام ربّ العالمين في هذا الخصوص.
جاء في سورة البقرة المباركة الآيات التالية:( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ اُولئك يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُونَ إِلاّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَاُولئك أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ اُولئك عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ
_____________________
١ - بحار الأنوار ٣٠ / ٢٩٥، الاحتجاج ١ / ٢٧٤، شرح نهج البلاغة ٦ / ٢٨٨.
أَجْمَعِينَ ) (١) .
بالتدبر في هذه الآيات المباركة تجد:
- إنّ كتمان الرسالة وبيّنات الهدى يستوجب اللعنة، ويُستثنى منها التائب توبة نصوحاً لوجه الله تعالى.
- إنّ الكفّار والذين ماتوا على الكفر يستحقّون اللعنة كذلك، ولا توبة لهم.
ولكن اللعنة مِمَّن؟ وهنا الشاهد على كلامي.
١ - من الله عزّ وجلّ.
٢ - من الملائكة الكرام.
٣ - من اللاعنين. وقيل: هم الملائكة، ولكنّ الواقع أنّهم المؤمنون؛ لأنّ الملائكة مذكورون.
٤ - من الناس. وهم جميع الناس الذين يمكن أن يلعنوا الكفّار، فلهم ذلك ويؤجرون على عملهم ذاك.
إلاّ أنّه يجب أن لا تخفى عليك هذه المسألة: وهي أنّ اللعنة على الذين يكتمون الآيات من بعد ما عرفوها هي من الله واللاعنين، أي المؤمنين.
أمّا اللعنة على الكفّار، لا سيما الميّتون منهم فهي من الله والملائكة والناس أجمعين؛ لأنّهم أعمّ وأشمل بالكفر من اُولئك الذين يشملهم الصنف الأوّل.
أمّا الذين في الصنف الأوّل فهم أخصّ وألعن؛ ولذا لا تصيبهم إلاَّ اللعنة المجابة
_____________________
١ - سورة البقرة / ١٥٩ - ١٦١.
من الله واللاعنين.
وجاء في آيات سورة آل عمران المباركة ما هو قريب من ذلك من الآيات:( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ * كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * اُولئك جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) (١) .
وبالتدبّر في الآيات نجد:
١ - الدين المقبول عند الله هو الإسلام، ولا يقبل أي دين غيره أبداً.
٢ - مَنْ يترك الإسلام رغبة منه إلى غيره فإنّه يخسر الدنيا والآخرة.
٣ - الله سبحانه لا يهدي المستكبرين الذين يعلمون علم اليقين أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله صادق وأمين، وأنّ القرآن هو من عند الله الحقّ، إلاّ أنّهم ينكرون ويصرّون على ذلك.
٤ - وهؤلاء يستحقّون اللعنة. ومِمَّن هي؟
- من الله تعالى.
- والملائكة الكرام.
- والناس أجمعين.
فالملاحظ في الآيات الآنفة الذكر أنّ اللعن هو مقام عظيم، وأحياناً يكون واجباً على أهل الإيمان والتقى؛ لأنّ أهل العربية يستنبطون ذلك من العطف
_____________________
١ - سورة آل عمران / ٨٥ - ٨٧.
الوارد في الآيات المباركة.
( يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُون ) ، وعليهم( لَعْنَةَ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) في الموردين، وهذا العطف بالواو على الذّات المقدّسة تعني قدسيّة المعطوف لقداسة المعطوف عليه، وهذا يجب أن لا يخفى عليك أخي العزيز.
وهنا يجب أن نتذكّر مسألة التولّي لأولياء الله والتبرِّي من أعدائهم.
والولاية تعني: الالتزام بعد الإيمان بنهج أولياء الله. وأمّا البراءة فتعني: التبرّي اللساني والقلبي والفعلي من أعداء الله ورسوله والأئمّة الأطهار (صلوات الله وسلامه عليهم).
ولهذا نقرأ في آية الكرسي:( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (١) .
فالكفر بالطاغوت يجب أن يسبق الإيمان كما في الآية المباركة؛ لأنّ الإنسان إذا لم يكفر بالطاغوت وينزعه من قلبه تماماً فإنّه لن يخلص في إيمانه بالله تعالى، وهذا واضح من التشهّد بـ (لا إله إلاّ الله) فالنفي يسبق الإثبات للوحدانية.
ولكن، أسألك عزيزي القارئ ما هي نتيجة هذا البحث؟ هل وجدت أنّ يزيد وأشباهه وأنصاره يستحقّون اللعنة أم لا؟
وإذا كان الشخص تنطبق عليه صفة من الصفات التي تستحق اللعن، فهل سوف تلعنه أم لا؟
_____________________
١ - سورة البقرة / ٢٥٦.
ومَنْ يلعنه الله ورسوله والملائكة، واللاعنون والناس فهل ستوافق على لعنه؟
هذا والأحاديث المرويّة عن رسول الله في السنّة النبويّة الشريفة تؤكّد أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله لعن الكثير من اللعناء؛ اعتباراً من المستهزئين والمشركين والمنافقين، لا سيما بني أُميّة (الشجرة الملعونة في القرآن)، والشجرة المروانيّة التي قال عنها:((الوزغ ابن الوزغ، الملعون ابن الملعون، عليه اللعنة وعلى مَنْ يخرج من صلبه إلى يوم الدين)) (١) . وعائشة كانت تسميه (فضضٌ من لعنة نبي الله)(٢) .
وكثير من الصحابة لعن بعضهم بعضاً، وصحاح المسلمين مليئة بمثل هذه الأحاديث والأحداث، وإليك واحدة نأخذها من البخاري وشيخه:
قال الحميدي (شيخ البخاري وأستاذه): حدّثنا سفيان، حدّثنا عمرو بن دينار قال: أخبرني طاووس سمع ابن عباس يقول: بلغ عمر بن الخطاب أنّ سمرة بن جندب باع خمراً.
فقال: قاتل الله سمرة، ألم يعلم أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال:((لعن الله اليهود، حرّمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها)) (٣) أي: أذابوها.
ولا يهولنك إذا قرأت في صحيح البخاري كلمة (فلاناً) مكان اسم سمرة بن
_____________________
١ - مقتل الحسينعليهالسلام - للخوارزمي ١ / ١٨٤.
٢ - الكامل في التاريخ ٤ / ٥٠٧.
٣ - صحيح البخاري ١ / ٩ ح ١٣ من أحاديث عمر.
جندب؛ لأنّه كان يريد أن يُغطّي على عورة هذا الصحابي المفضوحة على الملأ كعورة عمرو بن العاص في صفين.
وهذا ديدن البخاري وعادته في محاولة التغطية والتمويه؛ لأنّه يعتقد بعدالة الصحابة جميعاً دون استثناء، وأنّهم كالنجوم ولا يتطرّق إلى أحدهم الشك، (ومَن طعن بأحد منهم فهو أضلّ من حمار أهله) كما يقول شيخ السلفية ابن تيمية!
ولكن، أسأله وأمثاله، ما رأيه بهذا الصحابي (سمرة بن جندب)، وهذا الطعن واللعن له من الصحابي الثاني عمر بن الخطاب؟!
صحابي يبيع الخمر في عهد عمر، وعمر يلعنه، فهل كان أهلاً للعنة؟ أم أنّ عمر كان كما وصف ابن تيمية؟!
وهذا الصحابي الذي يبيع الخمر هو من أهل النار بنصّ حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، كما في (سير أعلام النبلاء) للذهبي.
والمشهور أنّه وقع في قدر مملوء بالماء الحار جدّاً فمات بالنار في الدنيا، وله نار الآخرة كما أخبر الصادق الأمينصلىاللهعليهوآله ؛ وذلك لكثرة الدماء التي سفكها في عهد بني أُميّة، فكان زياد يستخلفه ستة أشهر على البصرة وعلى الكوفة مثلها.
قال الذهبي: وقتل سَمُرَةُ بشراً كثيراً، وما في الأرض بقعةٌ نشفَتْ من الدم ما نَشفَتْ هذه - يعنون دار الأمارة - قتل بها سبعون ألفاً.
قيل: مَنْ فعل ذلك؟ قال: زيادٌ وابنه (عبيد الله) وسَمُرة (بن جندب)(١) .
_____________________
١ - انظر سير أعلام النبلاء ٣ / ١٨٥ ترجمة ٣٥.
ولا تظنّ أنّ هذا الصحابي الذي يدافع عنه الناس كان يبيع الخمرة ولا يشربها، لا بل كانت لا تفارقه أبداً.
ويحدّث ابن أبي الحديد قائلاً: جاء رجل من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله فأتياه فإذا هو سمرة بن جندب، وإذا عند إحدى رجليه خمر وعند الأُخرى ثلج.
فقلنا: ما هذا؟! قالوا: به النقرس.
وإذا القوم قد أتوه، فقالوا: يا سمرة ما تقول لربّك غداً؟ تؤتى بالرجل فيقال لك: هو من الخوارج فتأمر بقتله، ثمّ تؤتى بآخر فيقال لك: ليس الذي قتلته بخارجي ذاك فتى وجدناه ماضياً في حاجته فشبّه علينا، وإنّما الخارجي هذا فتأمر بقتل الثاني؟
فقال سمرة: وأيّ بأس في ذلك؟! إن كان من أهل الجنّة مضى إلى الجنّة، وإن كان من أهل النار مضى إلى النار(١) !
هذا الصحابي الذي رفض نخل الجنّة بضمانة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، هو الذي قال بحقّه محمد بن سليم: سألت أنس بن سيرين، هل كان سمرة قتل أحداً؟
قال: وهل يُحصى مَنْ قتل سمرة بن جندب؟! استخلفه زياد على البصرة وأتى إلى الكوفة، فجاء وقد قتل ثمانية آلاف من الناس، فقال له: هل تخاف أن تكون قد قتلت أحداً بريئاً؟
_____________________
١ - سير أعلام النبلاء ٣ / ٧٧، شرح نهج البلاغة مجلد ٣ ج٥ / ١٢١.
قال: لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت(١) !
ويشهد أبو سوار العدوي قائلاً: قتل سمرة من قومي في غداة سبعة وأربعين رجلاً قد جمع القرآن(٢) (أي حفظه)!
أهكذا تكون الصحبة؟!
أو هكذا يكون الصحابة؟! وهكذا تكون العدالة؟!
_____________________
١ - سير أعلام النبلاء ٣ / ٧٧، شرح نهج البلاغة مجلد ٣ ج٥ / ١٢١.
٢ - المصدر نفسه.
الفصل السادس: حربٌ على القبور
أن تحارب حيّاً فهذا ممكن وربما يحكم به العقلاء، أو لا أقل تجد لنفسك مبرّراً لذلك، ولكن أن تحارب الأموات فهذا الذي لا مبرّر له عند العقلاء!
أن تحارب الله سبحانه وتعالى في رسالته، ورسولَ اللهصلىاللهعليهوآله بذاته وذريّته الطاهرة في الحياة وفي الممات فهذا شيء عجاب والله!
نعم، إنّ السلفية عامّة والوهابيّة خاصّة أعلنت حربها على رسول اللهصلىاللهعليهوآله بكلّ صلافة وجلافة باسم الدين، فقالوا:
- لا يجوز أن نقول لرسول اللهصلىاللهعليهوآله سيّدنا أو سيّدي، فنزعوا عنه السيادة!
- لا يجوز أن ترفع صوتك بالصلاة على محمد وآله، بل إنّ ابن عبد الوهاب كان يجلد وربما قتل مَنْ رفع صوته بالصلاة أمامه!
- لا يجوز الاجتماع والجمع للذكر، والصلاة من أعظم الذكر مهما كان السبب.
كلّ ذلك جاء باسم التوحيد وعدم الشرك، ولكن كلّ ذلك لم يرق لهم ولم يشف غليل صدروهم؛ لأنّهم يسمعون المؤذّن يشهد بالرسالة خمس مرّات، ويصلّي ويسلّم على الحبيب المصطفى بعد الأذان، فأمروا بإلغائها تماماً بعد الأذان!
ولم يكتفوا بذلك؛ لأنّهم يرون الناس يضجّون ويعجّون إلى الله بالدعاء
وهم طائفون حول قبر نبيّه الشريف وروضته النورانيّة المباركة، فراحوا يحرِّضون الناس على عدم الزيارة، ويمنعون الزائر من استلام الضريح، أو حتّى الوصول إلى الرخام الموضوع حول القبر الشريف، وفوق ذلك فهم يدوسونه بأحذيتهم!
لقد أعلنوها حرباً على القبور جميعاً، وعلى المساجد والقباب التي فوقها، فدمّروا الذي دمّروه دون وازع من ضمير، أو رادع من دين، أو احترام للميت أو الحي مهما كان دينه أو مذهبه، فعملوا أعمالاً يندى لها جبين التاريخ وما زالوا يعملون!
وقبل الاستطراد بالحديث عن القبور المهدومة، والحُرم المنتهكة من قبل الوهابيّة، لا بأس بأن نقدّم كلماتهم وفتاويهم حول هذا الموضوع الذي يعتبرونه من الشرك الأكبر، ويطلقون عليها (عبادة القبور)، وعلى فاعليها (بالقبوريين).
اسمعه يقول: والشرك منه ما هو أكبر مُخرج عن ملّة الإسلام، صاحبه مخلّد في النار إن مات على ذلك.
ومن مظاهر الشرك المنتشرة في كثير من بلاد المسلمين:
- الاعتقاد بأنّ الأولياء الموتى يقضون الحاجات، ويفرِّجون الكربات، والاستعانة والاستغاثة بهم، والله سبحانه وتعالى يقول:( وَقَضَى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيَّاهُ ) (١) .
- وكذلك دعاء الموتى من الأنبياء والصالحين أو غيرهم للشفاعة، أو
_____________________
١ - سورة الإسراء / ٢٣.
للتخليص من الشدائد، والله يقول:( أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ) (١) .
- وبعضهم يتّخذ ذكر اسم الشيخ أو الوليّ عادته وديدنه إن قام وإن قعد وإن عثر، وكلّما وقع في ورطة أو مصيبة وكربة، فهذا يقول: يا محمد، وهذا يقول: يا علي، وهذا يقول: يا حسين، وهذا يقول: يا بدوي، وهذا يقول: يا جيلاني، وهذا يقول: يا شاذلي، وهذا يقول: يا رفاعي، وهذا يدعو العيدروس، وهذا يدعو السيدة زينب، وذاك يدعو ابن علوان والله يقول:( إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ) (٢) .
- وبعض عُبّاد القبور يطوفون بها، ويستلمون أركانها، ويتمسحون بها، ويقبّلون أعتابها، ويعفّرون وجوههم في تربتها، ويسجدون لها إذا رأوها، ويقفون أمامها خاشعين متذلّلين متضرّعين سائلين مطالبهم وحاجاتهم، من شفاء مريض، أو حصول ولد، أو سدّ حاجة، وربما نادى صاحب القبر: يا سيدي، جئتك من بلد بعيد فلا تخيّبني، والله عزّ وجلّ يقول:( وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ) (٣) . وقال النبيصلىاللهعليهوآله :((مَنْ مات وهو يدعو من دون الله ندّاً دخل النار)) (٤) .
- وبعضهم يحلقون رؤوسهم عند القبور، وعند بعضهم كتب بعناوين
_____________________
١ - سورة النحل / ٦٢.
٢ - سورة الأعراف / ١٩٤.
٣ - سورة الأحقاف / ٥.
٤ - صحيح البخاري ٨ / ١٧٦.
مثل: (مناسك حجّ المشاهد) ويقصدون بالمشاهد: القبور وأضرحة الأولياء.
- وبعضهم يعتقد أنّ الأولياء يتصرّفون في الكون وأنّهم يضرّون وينفعون، والله عزّ وجلّ يقول:( وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ ) (١) .
- وكذلك من الشرك النذر لغير الله، كما يفعل الذين ينذرون الشموع والأنوار لأصحاب القبور(٢) .
نقلت هذه الفقرة بطولها لأختصر الطريق، وأقيك عزيزي القارئ من التنقّل من كتاب إلى آخر فأوفّر عليك وقتك وجهدك؛ لأنّ الرجل جاء برأي الجميع، وهذا زبدة القول عندهم في هذه المسألة التي اتّخذوها ديناً دون دين محمدصلىاللهعليهوآله ؛ لأنّهم كفّروا الأُمّة كلّها، ورموها بالشرك الأكبر نتيجة هذه العقيدة الفاسدة.
وإذا قلت لهم: وقبر النبيّ الأعظمصلىاللهعليهوآله الذي كان مهوى القلوب المؤمنة منذ أكثر من ألف وأربعمئة عام قبل أن يجود علينا الزمان بكم؟
لقالوا العجب العجاب، تأمّل أخي القارئ:
يقول الألباني: إنّ من بدع زيارة المدينة المنوّرة قصد قبرهصلىاللهعليهوآله بالسفر، وإبقاء القبر النبوي في مسجده، وزيارة قبرهصلىاللهعليهوآله قبل الصلاة في مسجده، والتوسّل بهصلىاللهعليهوآله إلى الله في الدعاء، وطلب الشفاعة وغيرها منه، وقصد القبر
_____________________
١ - سورة يونس / ١٠٧.
٢ - محرّمات استهان بها الناس - محمد صالح المنجد / ١٢ - ١٤.
النبوي للسّلام عليه دبر كل صلاة(١) .
وقوله: إنّ من البدع إبقاء قبرهصلىاللهعليهوآله في المسجد يعدّ من أشنع وأعظم الفواحش التي نطق بها هذا الرجل! وهل يتصوّر عاقل أنّ مَنْ ينطق بهذا يحترم النبيصلىاللهعليهوآله ويحبّه ويوقّره؟!
لا سيما وهو يقول ذلك في كتابه، ثمّ ليعلم أنّ هذه البدع ليست خطورتها في نسبة واحدة، بل هي على درجات؛ فبعضها شرك وكفّر صريح - كما سترى - وبعضها دون ذلك.
ولكن يجب أن يعلم أنّ أصغر بدعة يأتي بها الرجل في الدين هي محرّمة بعد تبيّن كونها بدعة، فليس في البدع كما يتوهّم بعضهم ما هو في رتبة المكروه فقط، كيف ورسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول:((كلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار)) ، أي صاحبها، فتأمّلوا يا مسلمين! أيّ بدعة أعظم ممّا جاء به السلفيّة بهذه الأفكار الجهنميّة؟!
وأيّ ضلال أكبر من ضلال مَنْ يدعو إلى قلع قبر رسول اللهصلىاللهعليهوآله من مسجده، أو مَنْ يرى أنّ أعظم مصيبة عليه أن يرى قبّته النوراء تناطح عنان السماء، أو مَنْ يعتقد أنّ ذلك كلّه بدعة وضلالة وانحراف عن دين الإسلام ومنبع الحبيب المصطفى محمدصلىاللهعليهوآله !
وهل تعلم أنّ ابن باز وهو مفتي الديار السعودية لم يزر قبر رسول
_____________________
١ - مناسك الحجّ والعمرة - للألباني / ٦٠، السلفية الوهابيّة / ٦٧.
اللهصلىاللهعليهوآله ، وكان يرفض زيارته ما دامت القبّة فوقه أو الضريح حوله؟! هل تتصوّر وجود مثل هذا الرجل في أُمّة الحبيب المصطفىصلىاللهعليهوآله ؟!
وهل تعلم أنّهم يسمّونه (بالصنم) ويرفضون زيارته والوقوف على أعتابه؟!
ورغم كلّ الإهانات التي كانوا وما زالوا يوجّهونها إلى رسول الله وأهل بيته الأطهار (صلوات الله عليهم أجمعين) حتّى كانت عصا أحدهم خيراً منه؛ لأنّه يقتل بها الحيّة!
وعند محمد بن عبد الوهاب ما هو إلاّ طارش! هل تعلم ما هي فتاواهم حول هذا الموضوع؟!
نواقض الإسلام عند الوهابيّة كثيرة، منها:
١ - مَنْ اعتقد أنّ هدي غير النبيصلىاللهعليهوآله أكمل من هديه، أو أنّ حكم غيره أحسن من حكمه فقد أشرك(١) .
فهل تعلم أنّهم خالفوا هدي رسول اللهصلىاللهعليهوآله واتّبعوا هدي محمد بن عبد الوهاب وشيوخه السلفيين من قبله؛ رغبة عن دين رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى ما جاء به محمد بن عبد الوهاب، وما اخترعه من عقائد وأفكار، وراحوا يحكمون الناس بالحديد والنار؟!
٢ - مَنْ أبغض شيئاً ممّا جاء به الرسولصلىاللهعليهوآله لمشروعيته ولو عمل به فقد كفر(٢) .
_____________________
١ - دليل الحاج والمعتمر - هيئة التوعية / ١١.
٢ - المصدر نفسه / ١٣.
والسلفيّة والوهابيّة تركوا سنّة رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأوّلوا القرآن الكريم حسب ما أرادوا وليس كما جاء به العلماء من أئمّة المسلمين.
٣ - مَنْ استهزأ بالله، أو كتابه، أو رسولهصلىاللهعليهوآله ، أو بشيء من دين الله فقد كفر(١) .
وهل يوجد استهزاء بالله - والعياذ بالله - أكثر من تشبيهه بخلقه وما يقولونه بحقّه؟!
وهل هناك استهزاء بالقرآن كتأويلاتهم وآرائهم الفاسدة في تفسيره؟!
وهل سمعت سخرية واستخفافاً برسول اللهصلىاللهعليهوآله كأقوالهم وأفعالهم منذ بداية دعوتهم إلى الآن؟!
وهل قرأت سخرية بالدين الحنيف أكبر ممّن يكفّر الأُمّة ويرميها بالشرك الأعظم، ويُبيح دماءها وأعراضها وأموالها؟!
والأعظم من ذلك ما يعلّق الكاتب للبنود الماضية قائلاً: ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد والخائف إلاّ المكره(٢) .
فحكمهم الكفر بفتاواهم وكلماتهم التي يبثّونها في كتبهم التي يبيعونها بلا ثمن، ويوزعونها مجّاناً على جميع عباد الله بخطوط أنيقة، وطباعة راقية، وألوان زاهية؛ لترويج الأفكار الضالّة بين بسطاء الأُمّة الإسلاميّة.
والحرب الكافرة الأموية على رسول اللهصلىاللهعليهوآله ما زالت مستمرّة، وهم في كلّ يوم يتهجّمون عليه، أو يحاولون الهجوم على قبره الشريف، إلاّ أنّ الله سبحانه أخزاهم فلم يستطيعوا أن يعملوا شيئاً، فاندفعوا إلى ذريّته الطاهرة
_____________________
(١) دليل الحاج والمعتمر - هيئة التوعية / ١١.
(٢) المصدر نفسه / ١٥.
المباركة يشتمونهم وينتقصون من قدرهم، ويسبّون ويضربون كل مَنْ والاهم وتشيّع لهم، لا لذنب اقترفوه إلاّ أن يكون الحبّ لمحمد وآله الأطهار (صلوات الله عليهم أجمعين).
فذهبوا بكلّ قوّتهم وصبّوا جام غضبهم على قبور الأئمّة والصالحين من الصحابة في البقيع فهدموها، ونهبوا كلّ ما فيها من أموال وأضرحة، ومشاهد عامرة بالنور والإيمان والصلوات.
وقبل أن نستطرد بالحديث عن بقيّة الفرق لا بأس بفكرة موجزة عن رأي الإسلام بالقبور، وبناء المشاهد ووضع الأضرحة عليها؛ وذلك لنكون إسلاميّين واقعيّين، ونعرف كم هو التضليل وسوء التأويل في أقوال السلفيّة.
والمصيبة أخي الكريم أن تعلم أنّهم يحاربونك كإنسان مسلم في الحياة وبعد الممات، كيف يكون ذلك؟!
١ - في الحياة: إذا لم تتبعهم وتعتقد بأفكارهم، وتنتهج طريقتهم، وتستنَّ بسنّتهم كطول اللحية، وقصر الدشداشة (الجلابية)، وتكفير الأُمّة وما أشبه فإنّهم عند ذلك يوجّهون إليك سهامهم، وأقلّ التهم عندهم الشرك الأصغر، فإذا قلت: (يا رسول اللهصلىاللهعليهوآله فذلك مصيبة عندهم؛ فإنّها من الشرك الأكبر، فإمّا أن تتوب أو تُقتل، وإذا عرفوك شيعيّاً فإنّه لا توبة لك عندهم؛ لأنّك تستعمل (التقية)، وحكمك القتل لا محالة! فيقيّدونك بألف قيد إذا لم تكن وهابيّاً سلفيّاً.
٢ - عند الموت: يحاربونك أيضاً؛ لأنّ المسلمين - حسب زعمهم - لديهم منكرات يجب إزالتها مثل:
أ) الإعلان في المآذن عن موت شخص.
ب) تقديم أكاليل الزهور لوضعها على الميت.
ج) رفع الصوت بالبكاء على الميت، أو النياحة أو لطم الخدود.
د) ذهاب النساء مع الرجال إلى المقبرة لدفن الميت.
هـ) رثاء الميت عند القبر، ومدحه بالنثر والشعر.
و) قراءة القرآن عند القبر، أو الذكر أو المولد.
ز) الاجتماع إلى أهل الميت في مكان معين للتعزية.
٣ - وبعد الموت والدفن في القبر: يلاحقونك بحربهم الشرسة الخبيثة، بحجّة أنّه:
أ) يحرم البناء على القبر، والأحجار العالية، وتدهينه والكتابة عليه.
ب) يحرم القيام بعمل حفلة الأربعين، والحول للميت وتوزيع المأكولات.
ج) تحرم زيارة القبور في يوم مخصوص، كيوم الجمعة أو العيد أو النصف من شعبان(١) .
أخي الكريم، قد تتعجّب وتقول: يا أخي، إنّ هذا الكلام من عندك، أو استنبطته من أعمالهم وما رأيته منهم؟
أقول لك: لا والله، بل أنقله بكلّ أمانة، وبالحرف الواحد تقريباً من كتاب
_____________________
١ - معلومات مهمّة عن الدين / ١٢١ وما بعدها.
لهم جميل وأنيق كانوا يوزّعونه على حجّاج بيت الله الحرام تحت عنوان: (معلومات مهمّة عن الدين لا يعلمها كثير من المسلمين) إعداد: محمد جميل زينو.
وكما ترى فإنّهم يحرمونك من إعلان موتك، واتّباع أهلك لجنازتك، والتعزية لأهلك فيك، وحتى من قراءة القرآن، أو مجالس الذكر والفاتحة على روحك، ويحرمون أصدقائك وأحباءك من رثائك؛ سواء بالشعر، أو النثر أو إحياء أسبوعك أو سنويتك!
وكلّ ذلك مشروع ومندوب في الشريعة الإسلاميّة، بل منها ما هو واجب، ومنها ما هو مستحبّ مؤكّداً؛ لأنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله والصحابة كانوا يفعلونا احتراماً لموتاهم.
فكلّ عمل ينطوي تحت شعار (تعظيم شعائر الله) فهو واجب أو مندوب، وكثير من الأعمال التي نحييها بخصوص الأموات والقبور هي من هذا القبيل، فلماذا كلّ هذا التهويل والاستنكار علينا في كلّ ذلك؟
فالأُمّة الإسلاميّة منذ وفاة الشخص الأوّل من المسلمين وحتى الشهداء كانوا يوقّرون ويُزارون ويُصلّى عند قبورهم، بل ويجمع رسول اللهصلىاللهعليهوآله النساء؛ ليبكينَ على الشهداء كعمّه حمزةعليهالسلام ، أسد الله وأسد رسوله، وعند شهادته [في معركة أُحد، وبكاء نساء الأنصار على شهدائهنّ] قال:((لكن حمزة لا بواكي له!)) ، [فرجعت الأنصار فقلن لنسائهم: لا تبكين أحداً حتّى تبدأنَ بحمزة. قال: فذاك فيهم إلى اليوم لا يبكين ميتاً إلاّ بَدأن بحمزة](١) .
وابنته سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (صلوات الله عليها) كانت تزور عمّها حمزة، وتصنع من تربته مسبحة تديرها بين أصابعها الشريفة تذكر الله بها، فهل عرفت هنا لماذا يحاربون المسبحة؛ لأنّها من سنن بهجة قلب المصطفى
_____________________
١ - مجمع الزوائد - للهيثمي ٦ / ١٢٠.(موقع معهد الإمامين الحسَنَين)
فاطمة الزهراءعليهاالسلام !
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله :((مَنْ زارني بعد موتي كمَنْ زارني في حياتي)) (١) ، و((مَنْ حجّ ولم يزرني فقد جفاني)) (٢) .
والمشهور المؤكّد عند أهل البيت الأطهارعليهمالسلام أنّ الإمام علياً وفاطمة الزهراء والحسن والحسين (صلوات الله عليهم أجمعين) كانوا لا ينقطعون، ولا حتّى يوماً واحداً، عن زيارة قبر رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
فهذه كتب التاريخ تذكر مدى حزن وبكاء فاطمة الزهراء على أبيها، وأنّ أهل المدينة ضجّوا من كثرة بكائها عليه حتّى اشتكوها إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام ، فبنى لها بيتاً خارج المدينة تبكي فيه سمّوه (بيت الأحزان)، وهو من المشاهد التي هدمها أصحاب التكفير في السنوات الأخيرة.
حتى إنّها في خطبتها الفدكية وفي مسجد أبيها رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، التفت في نهايتها إلى القبر الشريف، ونادت برفيع صوتها ورنت حزنها، وهي تحتجّ على القوم ببيان صحيح، كأنّما رسول الله كان يتكلّم.
فمما قالت:((أيّها الناس، اعلموا أنّي فاطمة، وأبي محمد صلىاللهعليهوآله ، أقول عوداً وبدءاً، ولا أقول ما أقول غلطاً، ولا أفعل ما أفعل شططاً)) .
إلى أن قالت:((أتقولون مات محمد صلىاللهعليهوآله ؟ فخطب جليل استوسع خرقه،
_____________________
١ - منتخب كنز العمال - هامش مسند أحمد ٢ / ٣٩٢.
٢ - العوالم ٢ / ٦٧٣.
واستنهر فتقه، وانفتق رتقه، وأظلمت الأرض لغيبته، وكُسفت النجوم لمصيبته، وأكدت الآمال، وخشعت الجبال، وأُضيع الحريم، وأُزيلت الحرمة عند مماته، فتلك - والله - النازلة الكبرى، والمصيبة العظمى، لا مثلها نازلة، ولا بائقة عاجلة)) (١) .
إلى أن قالت شعراً:
قد كانَ بعدكَ أنباءٌ وهنبثة |
لو كنتَ شاهدها لم تكثرِ الخطبُ |
|
إنّا فقدناكَ فَقْدَ الأرضِ وابلها |
واختلَّ قومُكَ فاشهدهم وقد نكبوا |
|
وكلّ أهلٍ لهُ قُربى ومنزلة |
عندَ الإلهِ على الأدنينِ مقتربُ |
|
أبدتْ رجالٌ لنا نجوى صدورهمُ |
لما مضيتَ وحالت دونَكَ التّربُ |
|
تجهمّتنا رجالٌ واستُخِفَّ بنا |
لما فُقِدتَ وكلُّ الإرثِ مغتصَبُ |
|
وكنتَ بدراً ونوراً يُستضاءُ به |
عليكَ تنزلُ من ذي العزّةِ الكتبُ |
|
وكانَ جبريلُ بالآياتِ يؤنسنا |
فقد فُقِدتَ فكلُّ الخيرِ محتجَبُ |
|
فليتَ قبلكَ كان الموتُ صادفنا |
لما مضيتَ وحالت دونَكَ الكثبُ |
|
إنّا رُزينا بما لم يُرْزَ ذو شجن |
من البريّةِ لا عجمٌ ولا عربُ(٢) |
ألم يكن هذا رثاء من سيّدة النساء لأبيها (صلوات الله عليهم)؟ لماذا لم يستنكر عليها المستنكرون يومها، أم أنّ هؤلاء الوهابيّة أعلم منها ومن الصحابة الذين سمعوها بالكتاب والسنة - والعياذ بالله -؟!
وهذا شأن الإمام عليعليهالسلام قبل فاطمة الزهراءعليهاالسلام ، فإنّ قبر أخيه وحبيبه رسول اللهصلىاللهعليهوآله كان ملاذه دائماً وأبداً، لا سيما حينما قادوه كُرهاً
_____________________
١ - العوالم ٢ / ٦٧٣.
٢ - فاطمة الزهراءعليهاالسلام من المهد إلى اللّحد / ٥٠٢.
للبيعة، وبعد أن هدّدوه بضرب العنق إذا لم يبايع، فقالعليهالسلام :((أتقتلون عبد الله وأخا رسوله؟!)) .
فقال عمر: [أمّا] عبد الله نعم، وأمّا أخو رسوله فلا علم لنا بذلك. بايع وإلاّ ضربت عنقك(١) .
فلاذ بقبر رسول اللهصلىاللهعليهوآله ضاجّاً باكياً إلى الله، يبثّ شكواه إلى أخيه وابن عمّه رسول اللهصلىاللهعليهوآله ممّا لاقاه من جفاء وجفاف وغلظة أخلاق القوم، والقصّة مشهورة ومعروفة.
لا، بل عندما لحُدت سيدتنا فاطمة الزهراءعليهاالسلام في قبرها الشريف ليلاً توجّه إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله قائلاً:((السّلام عليك يا رسول الله، عنّي وعن ابنتك النازلة في جوارك، والسريعة اللحاق بك، قلَّ يا رسول الله عن صفيتك صبري، ورقَّ عنها تجلّدي، إلاّ أنّ في التأسّي بعظيم فرقتك وفادح مصيبتك موضع تَعَزٍّ، فلقد وسّدتُك في ملحودة قبرك، وفاضت بين نحري وصدري نفسك، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
لقد استُرجِعَت الوديعة، وأُخذت الرهينة. أمّا حزني فسرمد، وأمّا ليلي فمسهّد إلى أن يختار الله لي دارك التي أنت فيها مقيم، وستنبئك ابنتك بتضافر أُمَّتك على هضمها حقّها؛ فأحفها السؤال، واستخبرها الحال. هذا ولم يَطُل العهد ولم يخلُ منك الذكر.
والسّلام عليكما سلام مودِّعٍ، لا قالٍ ولا سئمٍ، فإن أنصرف فلا عن ملالة، وإن أُقم فلا عن سوء ظنّ بما وعد الله الصابرين)) (١) .
وكان يقول شعراً كذلك:
_____________________
١ - بحار الأنوار - للمجلسي ٢٩ / ٦٢٧.
٢ - موسوعة البحار ٤٣ / ١٨٣.
أرى عللَ الدنيا عليَّ كثيرة |
وصاحبها حتّى المماتِ عليلُ |
|
لكلّ اجتماعٍ من خليلينِ فرقة |
وإنّ بقائي عندكم لقليلُ |
|
وإنّ افتقادي فاطمٍ بعدَ أحمدٍ |
دليلٌ على أن لا يدومَ خليلُ(١) |
أليس هذا بكاءً وتوجّعاً، وعويلاً ورثاءً؟
قل لي بربّك أيّها القارئ المنصف، هل تعمل بسنّة وسيرة علي بن أبي طالب وفاطمة بنت محمد (صلوات الله عليهم أجمعين)، أم تعمل بأقوال خوارج العصور المتأخّرة كابن تيميّة ومحمد بن عبد الوهاب وغيرهما؟!
وقصّة الحسين بن عليعليهالسلام والتجاؤه إلى قبر جدّه الحبيب المصطفىصلىاللهعليهوآله ووداعه ممّا تقدّم في الفصل الأوّل من الكتاب، فهل تحتاج إلى دلائل على مشروعية زيارة قبر النبيصلىاللهعليهوآله وبقيّة القبور، لا سيما أئمّة المسلمين والعباد الصالحين؟!
هذا وقد نُقل عن الصحابة بطرق عديدة أنّ الصحابة كانوا يلجؤون إلى قبر النبيصلىاللهعليهوآله يندبونه في الاستسقاء، ومواقع الشدائد وسائر الأمراض(٢) .
ولا يخفى أنّ وفاة المتوسَّل به لا تنافي التوسّل أصلاً؛ فإنّ مكانته عند الله لا تزول بالموت كما هو واضح، هذا مع أنّهم في الحقيقة أحياء كما ذكر الله عزّ وجلّ في حال الشهداء، فالأنبياء والأولياء (وهم شهداء على كلّ حال) أحقّ بذلك.
_____________________
١ - موسوعة البحار ٤٣ / ١٨٣.
٢ - وفاء الوفاء ٤ / ١٣٧٢.
والأرواح لا تفنى بالموت، والعبرة بها لا بالأجساد الفانية، وإن كانت أجساد الأنبياءعليهمالسلام لا تبلى كما نُصّ عليه في الأخبار(١) .
وفي الرواية أنّ الشهداء وسائر المؤمنين إذا زارهم المسلم وسلّم عليهم عرفوه وردّوا عليه السّلام(٢) .
وينقلون عن السيد المسيح أنّ روح الله عيسى لمّا دفن مريم العذراء قال: السّلام عليك يا أُمّاه، فأجابته من جوف القبر: وعليك السّلام حبيبي وقرّة عيني(٣) .
وهناك قصّة نبيّ الله (حيقوق) أو (حبقوق) الإسرائيلي الذي وجدوه كما هو في قبره منذ سنوات، وكانت المخابرات الإسرائيلية تعمل على سرقته.
وكذلك قصص الحرّ الرياحي والشيخ المفيد، وغيرهم كثير ممّن لم تبلَ أجسادهم، ولدينا قول يجري كالمثل: السعيد من يحفظ لاشته من أن تأكله الأرض، والمداومة على غُسل الجمعة يفيد في ذلك كما تؤكّد الروايات، أمّا ابن عبد الوهاب يقول: الشيعة إذا ماتوا تحوّلوا إلى قردة وخنازير، فلا حول ولا قوّة إلاّ بالله.
_____________________
١ - سنن ابن ماجة ١ / ٥٢٤.
٢ - وفاء الوفاء ٤ / ١٣٥١.
٣ - الوهابيّة - للبلاغي / ٤٧.
الزيارة مكروهة، وبالتخصيص محرّمة، ونداؤها من الشرك، والبناء عليها من أكبر الكبائر عند السلفيّة والوهابيّة، كيف، ولماذا؟
اعلم أنّ البناء على قبور الأنبياء والعباد المصطفين تعظيم لشعائر الله، وهو من تقوى القلوب، ومن السنن الحسنة؛ حيث إنّه احترام لصاحب القبر، وباعث على زيارته، وعلى عبادة الله عزّ وجلّ بالصلاة والقراءة والذكر وغيرها عنده، وملجأ للزائرين والغرباء، والمساكين والتالين والمصلّين، بل هو إعلاء لشأن الدين.
فعن النبيصلىاللهعليهوآله :((مَنْ سنّ سنّة حسنة فله أجرها وأجر مَنْ عمل بها إلى يوم القيامة)) (١) . وقد بُني على مراقد الأنبياءعليهمالسلام قبل ظهور الإسلام وبعده، فلم ينكره النبيصلىاللهعليهوآله ، ولا حتّى أحد من الصحابة والخلفاء، كالقباب المبنية على قبر دانيال في شوشتر، وهود وصالح، ويونس وذي الكفلعليهمالسلام والأنبياء في بيت المقدس وما يليها، كالجبل الذي دُفن فيه موسىعليهالسلام بالأردن، وبلد الخليل مدفن سيّدنا إبراهيمعليهالسلام في فلسطين.
بل الحِجْرُ المبني جوار الكعبة المشرّفة على قبر سيّدنا إسماعيلعليهالسلام وأُمّه الذي صار للمسلمين مصلّى، وأوّل مَنْ بنى حجرة قبر النبيصلىاللهعليهوآله باللبن، بعد أن كانت مقوّمة بجريد النخل، عمر بن الخطاب، ثمّ تناوب الخلفاء على تعميرها(٢) .
_____________________
١ - مسند أحمد ٤ / ٣٦١.
٢ - الوهابيّة / ٤٩، وفاء الوفاء ٢ / ٦٤٧.
وفي رواية البنائي واعظ أهل الحجاز، عن الإمام الصادق، عن جدّه أمير المؤمنينعليهماالسلام :((إنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله قال للحسين عليهالسلام : والله، لتقتلنَّ في أرض العراق وتُدفن بها. فقلت: يا رسول الله، ما لِمَنْ زار قبورنا، وعمّرها وتعاهدها؟ فقال: يا أبا الحسن، إنّ الله جعل قبرك وقبر ولديك من بقاع الجنّة، وعرصة من عرصاتها، وإنّ الله جعل قلوب نجباء من خلقه، وصفوة من عباده تحنّ إليكم، وتحتمل المذلّة والأذى، فيعمّرون قبوركم، ويكثرون زيارتها تقرّباً منهم إلى الله تعالى، ومودّة منهم لرسوله، اُولئك - يا علي - المخصَّصون بشفاعتي، الواردون حوضي، وهم زوَّاري غداً في الجنّة. يا علي، مَنْ عمَّر قبوركم وتعاهدها فكأنّما أعان سليمان بن داود على بناء بيت المقدس)) (١) .
هذا حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله يؤكّد به على بناء المشاهد، ورفع المراقد المقدّسة لأهل البيتعليهمالسلام ، فمن أين جاء السلفيّة والوهابيّة بقولهم: أمّا البناء على القبور فممنوع إجماعاً؟!
من أين الإجماع الكاذب وهذه البدعة جاؤوا بها بعد ١٢٠٠ سنة، ومن سُنّة رسول اللهصلىاللهعليهوآله وعمل أعلام الأُمّة بالبناء على القبور الطاهرة للأولياء وعباد الله الصالحين؟!
وأزيدك أنّ الله سبحانه ذكرها بالتقدير والتعظيم لفاعلها، هذا غير أنّها من شعائر الدين، وذلك لما ورد في قصّة أهل الكهف وذلك بقوله تعالى:( وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ
_____________________
١ - موسوعة البحار ١٠٠ / ١٢٠.
أمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً ) (١) .
كما ترى عزيزي الكريم أنّ الآية تثبت كلا الأمرين: بناء القبور، واتّخاذها مساجد.
١ - ابنوا عليهم بنياناً، أي مشهداً وبناءً عالياً؛ ليُعرف ويُزار من قبل الغير.
٢ - لنتّخذنّ عليهم مسجداً، وهذا أمر واضح ببناء مسجد في ذاك المكان، (وعليهم) واضحة للبيان على أنّ المسجد كان عليهم، أي على قبورهم.
فإذا فعل اُولئك المؤمنون الأوائل هذا الفعل وأقرّهم الله سبحانه على عملهم في كتابه الكريم، فماذا لا يدعونا نعمّر قبور أئمّة المسلمين والعباد الصالحين؛ لتكون مساجد يُذكر فيها اسم الله كثيراً؟!
والعجيب أنّ الوهابيّة تبني عقيدتها هذه على حديث مضطرب لم تروه كتب الصحاح المعتبرة، وهو: عن أبي الهياج، أو أنّ أمير المؤمنين علياًعليهالسلام بعث أبا الهياج وقال له: لأبعثنّك فيما بعثني فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآله أن أسوَّي كلّ قبر، وأن أطمس كلّ صنم(٢) .
فهل كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله يبعث الإمام علياًعليهالسلام ليهدم قبور المسلمين في البقيع وغيره، أم أنّه كان يبعثه ليدكّ صروح الشرك، ويهدم أبنية الكفر، ويكسّر أصنام العرب؟!
_____________________
١ - سورة الكهف / ٢١.
٢ - مسند أحمد ١ / ٨٩ ح١١١.
تلك القبور التي يُعبد أصحابها من دون الله، وتلك الأماكن التي بُنيت للأصنام أصلاً هي التي كان يحاربها أمير المؤمنينعليهالسلام ، وليس قبور أنبياء الله وأوليائه والصالحين من عباده!
لكنّ هؤلاء الوهابيّة يأخذون ما أرادوا، ويتركون ما أراد الله وما أمر رسوله الكريمصلىاللهعليهوآله .
الفصل السابع: مأساة البقيع الغرقد
وتبقى مأساتنا مع الخوارج في هذا الزمان مستمرة، إلاّ أنّ لمأساة البقيع الغرقد حديث آخر، وألم وجرح في القلب لا يندمل، وما زال يتجدّد في كلّ لحظة وكلّ يوم وكلّ عام.
فما قصّة قبور البقيع المقدّسة مع اُولئك الخوارج على الناموس الإنساني؟
البقيع (لغة): موضع فيه أروم (اُصول) شجر من ضروب (أنواع) شتى؛ وبه سُمّي بقيع الغرقد، وهي مقبرة بالمدينة. والغرقد: شجر له شوك كان ينبت هناك، ويُسمّى أيضاً العوسج. فذهب وبقي الاسم ملازماً للموضع.
والبقيع من الأرض: المكان المتّسع، ولا يُسمّى بقيعاً إلاّ وفيه شجر(١) .
وفي تاج العروس قريب من هذا التعريف.
يقع في الاتجاه الجنوبي الشرقي من الروضة النبويّة المباركة غير بعيد عنها، وهو على شكل مستطيل، وكان فيما مضى متّصلاً بالمدينة المنوّرة، وفُصل عنها بالسور، ولكن بعد النهضة العمرانيّة صار ضمن المدينة، وله طرق وممرّات، وأُلحق إليه الكثير من الأرض؛ لكثرة الدفن فيه على طول الأيام الخالية إلى اليوم.
_____________________
١ - لسان العرب / مادة (بقع).
تروي كتب الأخبار عن كعب الأحبار اليهودي أنّه قال: نجد مكتوباً في الكتاب (التوراة) أنّ مقبرة بغربي المدينة على حافة سبيل، يُحشر منها سبعون ألفاً ليس عليهم حساب.
وقال: نجدها في (التوراة) كفّته محفوفة بالنخيل.
قال سعيد المقبري: قدم مصعب بن الزبير حاجّاً ومعتمراً ومعه ابن رأس الجالوت (عالم وحبر اليهود الأعظم) فدخل المدينة من نحو البقيع، فلمّا مرَّ بالمقبرة، قال ابن رأس الجالوت: إنّها لهي.
قال مصعب: وما هي؟
قال: إنّنا نجد في كتاب الله (التوراة) صفة مقبرة في شرقيها نخيل وغربيها بيوت، يُبعث منها سبعون ألفاً كلّهم على صورة القمر ليلة البدر، وقد طفتُ مقابر الأرض فلم أرَ تلك الصفة حتّى رأيت هذه المقبرة.
وفي رواية أُخرى: هذه التي نجدها في كتاب الله(١) .
كثيرة هي الأشعار التي قيلت في بقيع الغرقد في الجاهليّة والإسلام، نقتطف أبياتاً للإشارة فقط:
أينَ الذين عهدتهم في غبطة |
بينَ العقيقِ إلى بقيعِ الغرقدِ |
وحسّان بن ثابت يقول راثياً رسول اللهصلىاللهعليهوآله :
وجهي يقيكَ التُّربَ لهفاً ليتني |
غُيّبتُ قبلكَ في بقيعِ الغرقدِ |
_____________________
١ - قبور أئمّة البقيع قبل تهديمها / ٢٤.
ولابن معصوم المدني الذي يذكر القبّة الشريفة والبقيع في أبيات:
يا عينُ هذا المصطفى أحمدْ |
خيرُ الورى والسيدُ الأمجدْ |
|
وهذه القبّة قد أشرقتْ |
دونَ عُلاها الشمسُ والفرقدْ |
|
وهذه الروضةُ قد أزهرت |
فيها المنى والسُّؤل والمقصدْ |
|
هذا المصلّى والبقيع الذي |
طابَ منهُ المنهلُ والموردْ(*) |
والشيخ عبد اللطيف المدني الذي ينشد معدّداً المشاهد والمراقد المقدّسة قبل هدمها:
ارحل لطيبةَ لا تؤمَّ سواها |
وعساك أن تحظى برؤيةِ طاها |
|
هي طيبةٌ طابت وطابَ اُصولها |
ومدينةٌ ربُّ السماءِ بناها |
|
وبها البقيعُ وأهله في جَنَّة |
شهداؤها في جنّة مأواها |
|
وكذاك عباس وسيدنا الحسن |
في قبةٍ والنورُ من أعلاها |
|
وبهِ الرضيّةُ أُمّ سيدنا علي |
وكذا حليمةُ إن بررتَ ثراها |
|
ونساءُ خيرِ المرسلين قبورهن |
مشهورة وسطَ البقيعِ تراها |
والسيد محسن الأمين العاملي (رحمه الله) يقول:
يا قبّةً بثرى البقيعِ منيعةً |
شَأتِ الفراقدَ والسُّهى في مصعدِ |
|
ولقبّة الأفلاك دون منالها |
شأو الضليعِ غداً وسير المجهدِ |
|
شعّت بها أنوارُ آلِ محمدٍ |
بسنىً على طولِ الزمانِ مخلّدِ |
|
من كلّ فذٍّ في البريةِ مغتذٍ |
دَرَّ النبوّة بالإمامةِ مرتدي |
|
في بقعة ودّت نجوم سمائها |
في الأرضِ من حصبائها لو تفتدي(١) |
_____________________
(*) في المصراع الثاني خلل عروضي واضح.(موقع معهد الإمامين الحسنين)
١ - قبور أئمّة البقيع قبل تهديمها / ٢٤.
للأماكن قدسيّةٌ عند الله سبحانه وتعالى، كمكة المكرّمة التي شرّفها الله ببيته، والمدينة المنوّرة التي نوّرها برسولهصلىاللهعليهوآله ، وبيت المقدس الذي بارك حوله، وهكذا النجف الأشرف ووادي السّلام، وكربلاء الطاهرة المقدّسة.
فللمكان قدسيّة كما للزمان مواسم مباركة كشهر الله (شهر رمضان)، والعشر الأوائل من ذي الحجّة وغيرها. وقد يجتمع المقدّسان بالزمان والمكان فيزداد شرف كليهما فيكون نوراً على نور.
وقيل قديماً: المكان بالمكين، والدار بساكنها، والأرض بأهلها.
والبقيع وإن كانت ذات شرف من الأرض، إلاّ إنّ شرفها قد ازداد بتلك الأجساد الطاهرة المقدّسة التي دُفنت فيها، وسنستعرض أسماء النجوم الطاهرة بتلك الأرض فيما بعد بإذن الله.
وفي رواية عن أبي موهبة مولى رسول الله قالصلىاللهعليهوآله :((إنّي أُمرت أن أستغفر لأهل البقيع)) (١) .
وفي رواية أُخرى عن عطاء بن يسار قالصلىاللهعليهوآله :((السّلام عليكم، قومٌ موجّلون، أتانا وأتاكم ما توعدون. اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد)) (٢) .
وفي رواية أُمّ قيس قالصلىاللهعليهوآله :((يحشر من هذه المقبرة سبعون ألفاً يدخلون
_____________________
١ - بحار الأنوار ٢٢ / ٤٦٦، شرح نهج البلاغة ١٠ / ١٨٣.
٢ - المصدر نفسه.
الجنّة بغير حساب، كأنّ وجوههم القمر ليلة البدر)) (١) .
وعنه (صلوات الله عليه وآله):((مقبرتان تضيئان لأهل السماء كما تضيء الشمس والقمر لأهل الدنيا؛ البقيع بقيع أهل المدينة، ومقبرة بعسقلان)) (٢) .
وهناك أحاديث وروايات أُخرى في البقيع لا سيما عن أئمّة أهل البيتعليهمالسلام ، ولكن يجب أن لا يفوتنا هذا الحديث الشريف عن الحسن قال:((أتى النبي صلىاللهعليهوآله على بقيع الغرقد فقام فقال: السّلام عليكم يا أهل القبور - ثلاثاً -، لو تعلمون ما الذي نجّاكم الله منه ممّا هو كائن بعدكم!
قال:التفت فقال: هؤلاء خير منكم.
قلنا: يا رسول الله، إنّما هم إخواننا، آمنا كما آمنوا، وأنفقنا كما أنفقوا، وجاهدنا كما جاهدوا، وأتوا على أجلهم ونحن ننتظر.
فقال: إنّ هؤلاء قد مضوا لم يأكلوا من أجورهم شيئاً، وقد أكلتم من أجوركم، ولا أدري كيف تصنعون بعدي)) (٣) .
يا رسول الله، تعال واسمع أقوال هؤلاء الوهابيّة، وانظر إلى أعمالهم التي يندى لها جبين الإنسانيّة؛ لبشاعتها وفظاظتها.
البقيع مقبرة عظيمة وكبيرة وجليلة القدر، وفيها ما شاء الله من الأجساد لاُولئك الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه. يُقال: إنّ أوّل مَنْ دفن فيها هو
_____________________
١ - مستدرك الوسائل ٢ / ٣٠٩.
٢ - بحار الأنوار ٢٢ / ٤٢٢.
٣ - تاريخ المدينة - لابن شبّة النميري ١ / ٩٤ تحت عنوان (المقبرة التي يضيء نورها يوم القيامة).
الصحابي الجليل عثمان بن مظعون (رضوان الله عليه)، وهو أوّل صحابي من المهاجرين يتوفّى في المدينة المنوّرة، وهو من أكابر الصحابة الكرام.
والنبي الأكرمصلىاللهعليهوآله قام بنفسه بدفن هذا الرجل الجليل، وعندما أهالوا عليه التراب أمر أحدهم فجاء بحجرة كبيرة، وحسرصلىاللهعليهوآله عن ذراعيه وحملها مع الرجل ووضعها عند الرأس، وقال:((ليعلم بها قبر أخي، وأدفن إليه مَنْ مات من أهلي)) (١) .
وهكذا كان عثمان بن مظعون فاتح باب المقبرة لتتعالى الجثامين تباعاً إليها، فكانت أوّل مقبرة للمسلمين في المدينة المنوّرة، فكلّ مَنْ كان يموت أو يستشهد ينقلونه إليها لينضمّ إلى ترابها الطاهر.
ومن الأسماء اللامعة والبدور الساطعة التي شعَّت من أرض البقيع الأسماء التالية:
١ - الصدّيقة الكبرى فاطمة الزهراءعليهاالسلام ، سيّدة نساء العالمين على رواية.
٢ - الإمام الحسن بن علي الزكي المجتبى السبط الشهيدعليهالسلام .
٣ - الإمام علي بن الحسينعليهالسلام زين العابدين وسيّد الساجدين.
٤ - الإمام محمد بن عليعليهالسلام ، باقر علم النبيّين من الأوّلين والآخرين.
٥ - الإمام جعفر بن محمدعليهالسلام ، الصادق الصدوق أبو عبد الله.
هؤلاء الكرام البررة من المعصومين من أئمّة المسلمين، دُفنوا في بقيع الغرقد، وإلى جانبهم الكثير من رجالات الإسلام ونسائه كذلك، مثل:
١ - إبراهيم ابن النبي محمدصلىاللهعليهوآله .
٢ - إسماعيل ابن الإمام جعفر الصادقعليهالسلام .
٣ - العباس بن عبد المطلب عمّ الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله .
_____________________
١ - السنن الكبرى - للبيهقي ٣ / ٤١٢، باب حمل النبي (صّلى الله عليه وآله) حجراً ووضعها عند رأس عثمان بن مظعون ليعلم بها قبره.
٤ - عقيل بن أبي طالب على رواية.
٥ - عبد الله الجواد بن جعفر الطيار بن أبي طالبعليهالسلام .
٦ - محمد بن الحنفية ابن الإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام .
٧ - عبد الله بن جعفر الطيار على رواية.
٨ - المقداد بن الأسود الصحابي الجليل.
٩ - سعد بن معاذ.
١٠ - قيس بن سعد بن عبادة.
١١ - أسامة بن زيد بن الحارثة.
١٢ - القاسم بن محمد بن أبي بكر.
١٣ - مالك الأشتر النخعي على رواية.
هذا ويروي أصحاب السيرة والتواريخ أنّ عشرة آلاف من الصحابة دُفنوا في ذاك البقيع الطاهر.
وأمّا أسماء النساء ممّن دُفنّ فيه:
١ - فاطمة بنت أسد الهاشمية، أُمّ الإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام .
٢ - صفية بنت عبد المطلب، عمّة رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
٣ - جمانة بنت عبد المطلب، عمّة رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
٤ - أُمّ البنين فاطمة بنت حزام الكلابية، زوجة الإمام عليعليهالسلام .
٥ - أُمّ الحسن زينب الكبرى بنت الإمام عليعليهالسلام ، توفيت مع ولدها زيد، على رواية.
٦ - رقية الكبرى بنت أمير المؤمنين عليعليهالسلام .
٧ - سكينة بنت الإمام الحسينعليهالسلام ، على رواية.
٨ - حليمة السعدية، مرضعة النبيصلىاللهعليهوآله .
وهناك تسعة من نساء النبيصلىاللهعليهوآله وقبورهنّ خلف مشهد أئمّة البقيععليهمالسلام ، وهنَّ:
١ - سودة بنت زمعة.
٢ - عائشة بنت أبي بكر.
٣ - حفصة بنت عمر بن الخطاب.
٤ - أُمّ سلمة المخزومية.
٥ - زينب بنت جحش.
٦ - جويرية بنت الحارث.
٧ - رملة السفيانية أُمّ حبيبة.
٨ - صفية بنت حيي بن أخطب.
٩ - مارية القبطية أُمّ إبراهيمعليهالسلام .
هذه أسماء لأشخاص بعضها لامعة وعملاقة في دنيا الإسلام والعقيدة، وكانت قبورها معمورة ولها أضرحة وقباب تناطح قبّة الفلك، كثير زوّارها، عظيم أجرها، يجتمعون فيها من كلّ حدب وصوب للصلاة والدعاء والذكر للمولى الجليل.
وما زالوا كذلك حتّى جاء أتباع محمد بن عبد الوهاب واستولوا على مقدّرات الحجاز، وراحوا يعيثون في الأرض الفساد، فهدّموا تلك المراقد المقدّسة، وسرقوا ونهبوا كلّ ما فيها من أثاث ومقتنيات فنيّة رائعة.
واللافت للنظر أنّ أوّل مَنْ بنى على القبور للأئمّة الأربعةعليهمالسلام في البقيع هو مجد الملك أبو الفضل أسعد بن محمد بن موسى الماردستاني القمّي، من وزراء السلطان السلجوقي وذلك سنة ٤٨٨ هـ.
ثمّ قام بترميمها وتحسينها الخليفة العباسي الناصر لدين الله بن المستضيء بالله في سنة (٥٦٠ هـ)، وهناك وصوفات كثيرة للمنائر والقباب الشامخة التي كانت تملأ أرض البقيع، لا سيما الأئمّة الأربعة (صلوات الله عليهم)(١) .
وأمّا البقيع فهو خارج سور المدينة ومحاذٍ للروضة المشرّفة، ما بين الجنوب والمشرق، وفيه القبور المنوّرة الأربعة للأئمّة الكرامعليهمالسلام ، أعني: أبا محمد الحسن المجتبى، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي باقر العلوم، وجعفر بن محمد الصادق القول (صلوات الله وسلامه عليهم)، وتُزار فاطمةعليهاالسلام في قبّتهم ممّا يلي وجه ولدها من القبلة.
وفي تلك القبّة المنوّرة مدفن العباس عمّ النبيصلىاللهعليهوآله ، وخارج القبّة بفاصله قليلة من طرف (نجم) سهيل، قبّة هي القبّة التي يُقال أنّها مبنيّة على بيت الأحزان، وكانت فاطمةعليهاالسلام تخرج إليه وتبكي على أبيها فيه.
وتشتمل مقبرة البقيع على قباب كثيرة مثل: قباب أزواج النبيصلىاللهعليهوآله ، وبنات النبيصلىاللهعليهوآله ، وأولاد النبيصلىاللهعليهوآله ، ومرضعته حليمة السعدية، وفاطمة بنت
_____________________
١ - إذا أحببت التفصيل راجع الكتب التي تحدّثت عن تلك الآثار الطاهرة ومنها (موسوعة العتبات المقدّسة).
أسد، أُمّ أمير المؤمنينعليهالسلام (١) .
البقيع بعد الزلزال
زار المستر روتر (Eldon Rutter) مقبرة البقيع عام (١٩٢٥ م)(٢) بعد تهديمها بأشهر قليلة فكتب: وحينما دخلت إلى البقيع وجدت منظره كأنّه منظر بلدة قد خُربت عن آخرها، فلم يكن في أنحاء المقبرة كلّها ما يمكن أن يُرى أو يُشاهد، سوى أحجار مبعثرة، وأكوام صغيرة من التراب لا حدود لها، وقطع من الخشب والحديد مع كتل كثيرة من الأحجار والآجر والإسمنت المنكسر هنا وهناك.
قد كان ذلك أشبه بالبقايا المبعثرة لبلدة أصابها الزلزال فخرّبها كلّها، ووجدت بجنب السور الغربي للمقبرة أكواماً كبيرة من ألواح الخشب القديمة، والكتل الحجرية وقضبان الحديد، وكان بعض ما جمع من المواد الإنشائية المبعثرة، وكُوِّم هناك بانتظام، وقد أُزيلت الأنقاض من بعض الممرّات الضيّقة حتّى يتمكن الزائرون أن يمرّوا منها ليصلوا إلى مختلف أنحاء المقبرة.
فيما عدا ذلك لم يكن هناك ما يدلّ على شيء من الانتظام، فقد كان كلّ شيء عبارة عن وعورة تتخلّلها مواد الأبنية المهدّمة، وشواهد القبور المبعثرة، ولم يحدث هذا بفعل الزمن وعوارض الطبيعة، بل صنعته يد الإنسان عن تقصُّد وعمد.
_____________________
١ - قبور أئمّة البقيع / ٨٢، عن كتاب (الرحلة المكية) - للسيد عبد الله خان الموسوي.
٢ - راجع موسوعة العتبات المقدّسة - للأستاذ جعفر الخليل ٢ / ٣٢٥ - ٣٢٨.
فقد هُدّمت واختفت عن الأنظار القبّاب البيضاء التي كانت تدلّ على قبور آل البيت النبوي في السابق، وقبر الإمام مالك وغيرهم، وأصاب القبور الأُخرى نفس المصير، فسُحقت وهُشّمت حتّى الأقفاص المصنوعة من أعواد الجريد التي كانت تغطّي قبور الفقراء من الناس قد عُزلت جانباً وأُحرقت.
وحينما توغّلنا داخل المقبرة لمشاهدة الأكوام التي تدلّ في يومنا هذا على قبور المسلمين الأوائل الذين صنعوا التاريخ الحافل، سمعتُ دليلي عامداً يكرّر بهمس ويقول: أستغفر الله، أستغفر الله، لا حول ولا قوّة إلاّ بالله.
وكانت القلّة ممّن بقي من سدنة القبور التي بقيت معالمها شاخصة للعيان، يقفون أو يجلسون بجنبها بأوجه كئيبة، ومن دون أن تبدر منهم أيّة حركة، فلم يطلبوا الصّدقة ولم يتكلّموا بشيء سوى بعض الكلمات الخافتة، برغم عدم وجود أحد من الوهابيّين على مقربة منهم، غير اثنين من عبيد ابن سبهان في الباب.
لكنّ بعض النخاولة(١) كانوا لا يزالون منشغلين في التقاط بعض القطع الصالحة لاستعمالها في بيوتهم، من الخشب وغيره يلتقطونها من بين الخرائب والأنقاض.
ليس بوسع هؤلاء النخاولة أن يدفنوا موتاهم في العادة بين قبور الأولياء في البقيع، ولكنّهم قاموا الآن تحت إشراف السلطة وإرغامهم على تهديم وتدمير قبور المسلمين الموجودة في البقيع.
لقد سرنا في ممرٍّ ضيِّق، وكنا نتجوّل بين الأنقاض والأزبال المبعثرة هنا وهناك، ثمّ توجّهنا إلى جهة من المقبرة، وفيما كنّا نخطو بخطوات بطيئة التقينا
_____________________
١ - لفظة تطلق على أتباع أهل البيتعليهمالسلام في المدينة المنوّرة.
بجماعات من الهنود التي كانت راجعة من زيارة هذه المقبرة، وكان الذي يتقدّم هذه الجماعات من الهنود رجلاً مسنّاً ذا لحية طويلة وقد خطَّ الشيب سوداها. كان وهو يمشي منتصب الرأس لا يحرّك عينيه يمنة ولا يسرة، ينظر إلى الأمام على الدوام، والدموع تنحدر من عينيه بتيار مستمر، أمّا الذين كانوا يسيرون وراءه فقد نظروا إلينا نظرة خاطفة، ثمّ حوّلوا أنظارهم إلى الأمام بسرعة، ثمّ بعد ذلك وصلنا إلى مرتفع بسيط، وعندئذٍ عرفت سبب الحزن الذي كان يبدو على الهندي المسنّ، والذي كانت الدموع تنهمر من عينيه، فقد كانت هناك بين أيدينا على الأرض قطعة من الخشب يظهر أنّها مقلوعة من صندوق خشبي كان موضوعاً على أحد القبور، فعلمت أنّه كان يبكي على هذه القطع من الأخشاب التي كانت من بقية الصناديق التي توضع على قبور المسلمين سابقاً، ورأيت هندياً آخر كان جالساً بجنب خشبة وهو يبكي وينتحب على مصير قبور المسلمين المهدّمة(١) .
لا يا مستر، لا يبكون على الأخشاب، ولا ينتحبون على صناديق، بل كانوا يبكون على أئمّتهم وسادتهم وقادتهم في هذه الحياة.
كانوا يبكون أصحاب القبور والأضرحة؛ لأنّنا لا نبكي على الحجارة والحديد والأخشاب كما يتصوّر ويعتقد الوهابيّة السلفيّة! بل نبكي على تلك الأجساد الطاهرة والأرواح الزاكيّة لأئمّة المسلمين من آل ياسينعليهمالسلام .
وقد نادى القائل:
أمرُّ على الديارِ ديارِ ليلى |
اُقبِّل ذا الجدارِ وذا الجدارا |
|
وما حبّ الديارِ شغفنَ قلبي |
ولكن حبُّ مَنْ سكنَ الديارا |
_____________________
١ - قبور أئمة البقيع قبل تهديمها / ٨٥ - ٨٦.
نعم، إنّها لداهية عظمى ومصيبة كبرى يندى لها جبين الإنسانيّة والتاريخ أن تتهدّم تلك القباب الشامخة التي( أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ) (١) ، ويسبح له فيها( رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ) (٢) ، عباد صالحون يقصدونها للزيارة ومواصلة الودِّ مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله وعبادة ربّ العالمين.
ألا يُفجع مَنْ يزورهم وهو قاصد من آلاف الأميال أن يرى القباب مهدّمة، والأضرحة مهشّمة، والقبور منتهكة، والحرمات لأصحاب الحرمة العالية معتدى عليها؟!
بلى والله، إنّ المؤمن حقّاً تسيل دموعه إذا ذُكر عنده الحبيب المصطفىصلىاللهعليهوآله شوقاً إليه، أو فاطمة الزهراء على ظلامتها وضلعها المكسور، والإمام الحسن المجتبى المسموم وظلامته، والإمام السجّاد المهضوم وعبادته، والإمام الباقر وعلمه، والإمام الصادق وحديثه النوراني (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين).
فترى المسلمين كافة يقصدون المدينة المنوّرة؛ ليستنيروا بأنوار الأئمّة العظامعليهمالسلام ، ويتمرَّغون بتراب القبور، فيمنعونهم من الزيارة والبكاء والوصول حتّى إلى القبر الشريف في هذه الأيام!
العيون تدمع، والقلوب تخشع، والفؤاد يتفطّر، والنيران تتأجّج في القلوب
_____________________
١ - سورة النور / ٣٦.
٢ - سورة النور / ٣٧.
كالبراكين الثائرة، فتراهم يتنفّسون الصعداء؛ لأنّ أنفاسهم مكبوتة، وحلوقهم مكظومة، وكم لنا من قصّة مع اُولئك الجفاة الغلاظ الذين يقفون ولا عمل لهم إلاّ تكفير الأُمّة، ورمي المؤمنين بالشرك - والعياذ بالله -، وستأتيك بعض القصص بهذا الخصوص فيما بعد إن شاء الله.
نقلت لك عزيزي القارئ ما تقدّم وباختصار؛ ليكون شاهداً محايداً لا يميل مع أحد، وكأنّه آلة تصوير تنقل ما هو موجود أمام عدستها مباشرة.
وليس عجيباً ولا غريباً من الأجهزة العالمية والمنظمات والهيئات الدولية أن تهتمّ لمثل تلك الأماكن المقدّسة والمشاهد المشرفة، فتصوّرها وتحتفظ بمعالمها على أساس أنّها تراث إنساني عالمي لا يخصّ جماعة أو أُمّة أو دولة.
فتوجّهت تلك المنظمات إلى الحكّام في بلاد الحجاز؛ لكي لا يهدموا شيئاً من ذاك التراث العظيم، علماً أنّ ما يهمّ هؤلاء إنّما هو الشكل والظاهر، ونحن نهتمّ بالمضمون والباطن.
وهناك منظمة إسلاميّة عالميّة مقرّها لندن (المنظمة العالميّة للدفاع عن الأماكن المقدّسة) أصدرت كتاباً تحت عنوان (البقيع المنوَّر) جاء فيه:
لقد استنكر العالم الإسلامي بأسره عملية الهدم والتخريب للأماكن المقدّسة والأضرحة المباركة والبقاع المكرّمة، ولا يزال يستمر هذا الاستنكار بصور مختلفة منها:
١ - عقد المؤتمرات: عقد العديد من المؤتمرات؛ لتدارس تاريخ تدمير
الأماكن المقدّسة وأسبابه وأهدافه، وإعادة إعمار البقيع والأضرحة المباركة.
٢ - وضع الأبحاث: من تأليف الكتب والبحوث حول تلك الأماكن، والتحقيق حولها علميّاً وتاريخيّاً.
٣ - نشر المجلاّت: نشر مجلات وجرائد بهذا الخصوص في اليوم الثامن من شوال؛ لإحياء ذكرى حادثة البقيع المظلوم.
٤ - إصدار البيانات في كلّ مناسبة؛ لتذكير الناس بتلك الجريمة النكراء.
٥ - بعث الرسائل: تخاطب المنظمات العالميّة وقادة العالم الإسلامي؛ للتدخل في القضية.
٦ - إرسال البرقيّات إلى العلماء والشخصيّات الإسلاميّة والعالميّة والسفارات الدوليّة؛ لإعلان الاستنكار والمطالبة بإعادة بناء ما طالته يد التخريب الوهابيّة.
٧ - تنظيم المسيرات؛ للاستنكار في الذكرى السنويّة لتلك الجريمة.
٨ - نشر الصور للأضرحة قبل الهدم وللواقع الراهن المزري بعد الهدم.
٩ - تأسيس الجمعيات للعمل لإعادة البناء، وإحياء ذكريات مباركات لتلك البقعة الطاهرة من أرض الحجاز الغالية(١) .
وجاء فيه كذلك: فقد دمرّت مراقد هؤلاء السادة والقادة، فتبكي الأحجار
_____________________
١ - البقيع المنوّر / ٢٨ وما بعدها.
الموضوعة على مكانها كما تجري الدموع من العيون الناظرة إليها(١) .
فماذا يقول العالم وأنت أيّها الأخ المنصف عن هذه الجريمة النكراء التي ارتكبها أتباع محمد بن عبد الوهاب بحقّ ذريّة رسول الله محمد بن عبد اللهصلىاللهعليهوآله .
نعم، لقد احتل الوهابيّة المدينة المنوّرة عام ١٢٢١ هـ ومكة المكرّمة عام ١٢٢٠ هـ، وكانت لهم محاولات قبل ذلك حتّى نجحوا أخيراً بالاحتلال العسكري.
ولذا في عام ١٢٢٠ هـ منعوا الحجّاج العراقيّين والإيرانيّين.
في عام ١٢٢١ هـ منعوا الحجّاج الشاميّين.
في عام ١٢٢٢هـ منعوا الحجّاج المصريّين من الحجّ.
لماذا كان المنع؟!
السبب في ذلك يعود إلى سعود الكبير الذي أراد أن يجبر الحجّاج على اعتناق مذهبه والالتزام بدعوته الوهابيّة، ولمّا رفضوا منعهم من الحجّ واعتبرهم هراطقة كفرة(٢) !
وفي الثامن من شوال عام ١٣٤٤ هـ الموافق ٢١ / ٤ / ١٩٢٥ هدم الوهابيون الأضرحة والقبور المبنيّة في البقيع الشريف.
في ذلك اليوم المشؤوم انهالت معاول الجهل والعصبية على العتبات والمراقد
_____________________
١ - البقيع المنوّر / ١٤.
٢ - المصدر نفسه / ٢٢.
المقدّسة في المدينة المنوّرة والتي كان يؤمّها المسلمون؛ ليروا من خلالها معالم تاريخهم وآثار سلفهم الصالح، وليؤدّوا أمامها مراسيم التحيّة والإجلال لرسول الإسلام العظيم النبي محمد ولآل بيته الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين)، وخيرة صحابته المجاهدين.
وبمبرّرات واهية ودعاوى زائفة قام الجهلة المتعصّبون بهدم الأضرحة المباركة والبيوت المشرّفة التي أذن الله أن تُرفع ويُذكر فيها اسمه ضمن مقبرة البقيع وسائر أنحاء المدينة والحجاز بشكل عام.
ولقد فوجئ المسلمون في العالم بذلك الاعتداء الأثيم الذي استهدف تاريخهم ومقدّساتهم وتراثهم من قبل فئة محدودة، لا يصح لها أبداً مهما كانت مبرّراتها أن تفرض رأيها في قضية وموضوع يرتبط بكلّ المسلمين.
ولكنّ اُولئك القائمين بجريمة هدم المقدّسات استبدّوا برأيهم، وخالفوا إجماع الأُمّة، وجرحوا مشاعرها، ورفضوا أيّ دعوة للحوار والنقاش حول الموضوع، كما لم يُبالوا بصرخات الاعتراض والغضب التي عمّت أجواء المسلمين(١) .
والإمام الشيرازي المجدّد الثاني (أعلى الله درجاته) يتنبأ بإعادة إعمار البقيع بعد زوال مَنْ هدمه، وذلك في كتاب له عن (البقيع الغرقد) يقول فيه: الذين هدموا البقيع وسائر البقاع المباركة لم يفعلوها إلاّ بالسيف من دون أيّ منطق عقلائي، وهذا خلاف سيرة جميع الأنبياء والمرسلين والأئمّة الصالحين (صلوات الله عليهم أجمعين).
_____________________
١ - يوم البقيع / ٦.
إنّ المنطق هو الذي يصلح للبقاء، وإلاّ فصاحب السيف يسقط حين يسقط سيفه، والسيف مؤقت جدّاً. وبقاء القبور المباركة مهدومة دليل على أنّه لا زال السيف بيد الهادمين إلى الآن، ولكن عندما يسقط السيف من أيديهم ستجد المسلمين جميعاً في نفس اليوم آخذين في البناء(١) .
إنّ أدلّة العقل والمنطق في الأزمان باقية وخالدة يذهب السيف والطغيان.
والأعظم والأدهى من ذلك أنّ اُولئك لم يهدموا ويخرّبوا المراقد والمشاهد فقط، بل هدّموا الكثير من المساجد، لا لشيء إلاّ لطمس آثار النبيصلىاللهعليهوآله والعترة الطاهرةعليهمالسلام والأصحاب الكرام.
وهناك أكثر من (٤٤) مسجداً هدّمه الوهابيّون في بلاد الحجاز، وفيما يلي قائمة بعدد المساجد والمراقد التي تعرّضت للهدم:
١ - مسجد المنارتين.
٢ - مسجد بني عمرو بن مبذول، من بني النجار.
٣ - مسجد بني عبيد.
٤ - مسجد بني سلمة.
٥ - مسجد بني أسلم.
٦ - مسجد بني حرام الصغير.
_____________________
١ - البقيع الغرقد / ٣١.
٧ - مسجد واقم.
٨ - مسجد بني مازن.
٩ - صدقة الزبير.
١٠ - بني الحبلى.
١١ - مسجد بني أُميّة بن زيد الأوسي أو مسجد بني أُميّة الأوسي.
١٢ - مسجد بني الواقف.
١٣ - مسجد النور.
١٤ - مسجد الميثب، أو صدقة النبيصلىاللهعليهوآله .
١٥ - مسجد بين الجثجاثة وبئر شداد، بطرف وادي العقيق.
١٦ - مسجد بني غفار.
١٧ - مسجد بني راتج.
١٨ - مسجد بني جهينة.
١٩ - مسجد بني خدارة.
٢٠ - مسجد البياضة.
٢١ - مسجد بني دينار.
٢٢ - مسجد بقيع الزبير.
٢٣ - مسجد بني وائل الأوسي.
٢٤ - مسجد التوبة.
٢٥ - مسجد عتبان بن مالك.
٢٦ - مسجد القرصة.
٢٧ - مسجد بني خطمة أو مسجد العجوز.
٢٨ - مسجد بني أنيف.
٢٩ - مسجد بلال بن رباح (وهو غير المسجد الموجود في المدينة حاليّاً، على مقربة من الحرم النبوي الشريف).
٣٠ - مسجد عثمان بن عفان.
٣١ - مسجد ثنية الوداع.
٣٢ - مسجد السيدة فاطمة الصغرى.
٣٣ - مسجد القشلة.
٣٤ - مسجد فيفاء الخبار.
٣٥ - مسجد بني زريق، من الخزرج.
٣٦ - مسجد بني ساعدة.
٣٧ - مسجد أبي بن كعب (مسجد البقيع).
٣٨ - مسجد المصرع (مسجد الوادي).
٣٩ - مسجد حمزة بن عبد المطلب (سيد الشهداء).
٤٠ - مسجد العمرة (مسجد عرفة).
٤١ - مسجد دار سعد بن خيثمة.
٤٢ - مسجد بن عدي (دار النابغة).
٤٣ - مسجد بني ظفر (مسجد البغلة).
٤٤ - قبر السيدة آمنة بنت وهب (يقع في منطقة الأبواء).
٤٥ - قبر والد الرسولصلىاللهعليهوآله ، عبد الله بن عبد المطلب - المدينة المنوّرة -.
٤٦ - مسجد الشمس، أو مسجد ردّ الشمس(١) .
بالإضافة إلى:
١ - قبر السيّدة آمنة بنت وهب (بالأبواء)، والدة الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله .
٢ - قبر السيّد عبد الله بن عبد المطلب (بالمدينة)، والد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، لأنهما مشركان كما يعتقد القوم، والعياذ بالله(٢) .
٣ - البيت الذي ولد فيه الرسولصلىاللهعليهوآله في مكة المكرّمة الذي حوّلوه إلى مكتبة (مكة المكرّمة).
٤ - البيت الذي عاش فيه الرسولصلىاللهعليهوآله في المدينة المنوّرة.
فلماذا كلّ هذا الحقد على الإسلام وآثاره، وعلى الرسول وذريّته وآله (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين)؟!
وأخيراً:
وممّا يبعث على الألم والأسى أن تتعرّض هذه الديار المقدّسة في هذا العصر لمؤامرةٍ خطيرة تستهدف تاريخ الإسلام وآثار ومعالم الرسالة الإلهيّة، حيث تسلِّط على الجزيرة العربية أناس يحملون مخطّطاً رهيباً يهدف إلى إزالة آثار الإسلام، ومعالم تاريخه الأوّل، وذلك بناءً على الأفكار التي بشَّر بها محمد بن عبد الوهاب وخلفاؤه وأتباعه لهدم جميع البيوت والمشاهد والقبب والمساجد التي شُيّدت لحفظ آثار الرسالة، وتعظيم مضاجع الأئمّة والشهداء والصحابة.
وقد هدّموا قبّة زمزم والقباب التي حول الكعبة، وتتبّعوا جميع المواضع
_____________________
١ - البقيع المنور / ٣٣، المنظمة العالميّة للدفاع عن الأماكن المقدّسة - لندن.
٢ - لا نعلم لماذا أعاد المؤلّف ذكر القبرين المرقّمين ٤٤ و٤٥ هنا تحت الرقمين ١ و٢، ولعلّه وقع سهواً من قلمه.(موقع معهد الإمامين الحسَنَين)
التي تضمّ آثار الصالحين فهدّموها، وكانوا عند الهدم يرتجزون ويضربون الطبل (فرحاً)، ويغنّون ويبالغون في شتم القبور ويقولون: إن هي إلاّ أسماء سمّيتموها(١) !
فلمّا استولى الوهابيون على المدينة المنوّرة هدّموا القباب التي فيها وفي ينبع، ومنها قبّة أئمّة البقيع بالمدينة، ولكنّهم لم يهدموا قبّة النبيصلىاللهعليهوآله ، وحملوا الناس على ما حملوهم عليه بمكة وأخذوا جميع ذخائر الحجرة النبويّة وجواهرها، حتّى إنّهم ملؤوا أربع سحاحير من الجواهر المحلاّة بالماس والياقوت العظيمة القدر(٢) .
نعم، إنّهم لم يدمّروا قبّة الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله إلاّ إنّهم يطمعون بذلك أخزاهم الله على الدوام، وشاع أنّهم ضربوا بالرصاص على قبّة النبيصلىاللهعليهوآله (٣) ، وما زالوا يسمّونه بالصنم - والعياذ بالله -!
وأرادوا هدم قبر رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلاّ أنّهم خافوا على ملكهم من انفجار الأوضاع عليهم من العالم الإسلامي كلّه.
ولكنّ النوايا السيئة ما زالت عندهم يبيّتونها وينتظرون الفرصة المواتية للانقضاض على رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، كما فعل أصحاب العقبة تماماً إلاّ أنّ الله لهم بالمرصاد.
فهذا أحد دعاتهم يدعو - وكثيرة صارت مثل هذه الدعوات - إلى هدم القبر الشريف والقبّة المنيفة؛ لأنّهم يعتبرون بقاءه أمراً منكراً وانحرافاً، وإنّ إدخال
_____________________
١ - راجع كشف الارتياب في أتباع محمد بن عبد الوهاب / ٢٢.
٢ - يوم البقيع / ٢٥ عن (تاريخ الجبرتي).
٣ - انظر كشف الارتياب في أتباع محمد بن عبد الوهاب / ٦٠.
قبره في المسجد أشدّ إثماً وأعظم مخالفة، وسكوت المسلمين على بقاء الأبنية لا يصيّرها أمراً مشروعاً(١) !
هل تعلم أنّ هذا الشيخ يعترف أنّ هذه السُنّة تملأ العالم الإسلامي في كلّ أقطاره، ولا أحد استنكر ذلك حتّى سيّده ونبيّه محمد بن عبد الوهاب، وقال برأيه فيها؟! وهو يقول: إنّ هذا أمر عمَّ البلاد، وطبق الأرض شرقاً وغرباً بحيث لا ترى بلدة من بلاد الإسلام إلاّ وفيها قبور ومشاهد، بل مساجد المسلمين غالبها لا تخلو من قبر أو مشهد(٢) .
وهل الأمر يحتاج إلى كثير من الشرح والتوضيح، أم أنّه من أوضح الواضحات عندك؟
أرجو الله أن يقي المسلمين شرورهم وإرهابهم في هذه الأيام العصيبة، وأن تُبصر الأُمّة اُصول تلك الدعوات ومنابت هذه الاعتقادات البعيدة كلّ البعد عن الإسلام وعقائده المباركة، المتمثّلة بالقرآن الكريم والسنّة النبويّة الشريفة والعترة الطاهرة.
_____________________
١ - يوم البقيع / ٢٦ عن كتاب تبديد الظلام - لإبراهيم الجبهان / ٣٨٩.
٢ - المصدر نفسه / ٢٧.
الفصل الثامن: الإرهاب النظري والعملي
إنّ الإرهاب صار في عصرنا الحاضر كقميص عثمان في تاريخنا الماضي، بل هو كنخلة سمرة بن جندب، فكلّ مَنْ أرادوا محاربته صار إرهابياً، وأيّ دولة تريد القوى الاستعمارية ضربها أو التأثير عليها؛ لإخضاعها صارت تهمة الإرهاب جاهزة.
وبالتدقيق وللحقيقة نقول: إنّ الإرهاب صناعة غربية، ولكنّها أُلبست اللباس الشرقي عامّة وربما نُفِّذت بيد مَنْ يدّعي الإسلام، والإسلام منها بريء مهما كان، وفي أيّ بلد وجِد؛ لأنّ الإسلام دين سلم، وحب، ووئام، ولا مكان للقوّة والسيف عنده إلاّ للدفاع عن النفس، ودفع الأعداء، ومنع الاعتداء على الأعراض والأموال والأنفس في البلاد الإسلاميّة.
فهي حالة استثنائية وليست أصلية في الفكر والعقيدة؛ لأنّ الإسلام ينطلق بدعوة الإحسان لتأليف القلوب وتوحيد المجتمع، كما قال الله تعالى:( وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) (١) .
_____________________
١ - سورة فصلت / ٣٤.
فلا مكان للإرهاب النظري، أو العملي في الدين الإسلامي، وأمّا التنظيمات العنيفة، أو التي تستخدم السلوك العنيف والعمل الشنيع فأصحابها ليسوا من الإسلام في شيء وإن اهتمّوا بالجهاد؛ فللجهاد قوانين وشرائع وضوابط شرعيّة بالإضافة إلى الزمان والمكان، وكلّ ذلك يحدّده الفقه والشريعة المقدّسة، والفقهاء الأجلاّء من المجتهدين.
وهو الفكر العنيف، والكلمة القاسية، والحكم الفظّ الغليظ بالتعامل مع الآخرين، وأحد أهم معالم الفكر الوهابي السلفي هو رمي مخالفيهم من المذاهب الأُخرى بالابتداع والشرك، والجهمية والتعطيل والإلحاد، وأنّهم أعداء السنّة والتوحيد.
فالوهابيّة يرمون المتوسّلين بالأنبياء وآل البيت والأولياء، والذين يزورون القبور، والذين يصلّون في مسجد فيه قبر، وزائري رسول اللهصلىاللهعليهوآله الذين يدعون الله تعالى مستقبلين قبره الشريف بالشرك والابتداع!
كما يزعمون أنّ المتمذهبين (أتباع المذاهب كلّها) بمذاهب الأئمّة والصوفيين والأشاعرة الذين هم جمهور أهل السنّة والجماعة، وكذا الشيعة والإباضية وغيرهم بأنّهم مبتدعة، وأنّهم أعداء السنّة والتوحيد.
يقول الألباني: أعداء السنّة من المتمذهبين، والأشاعرة والمتصوّفة وغيرهم(١) !
_____________________
١ - السلفية الوهابيّة / ٧٢.
والسلفيّون الوهابيّون ليس لديهم أيّ احترام للخلاف بينهم وبين مخالفيهم مِن بقيّة المذاهب والفرق(١) .
ويعتبرون أنفسهم مقدّسين وبعيدين كلّ البعد عن الشبهات، وأنّ كلامهم موزون وصحيح وواجب الاتّباع، ولا يجوز ترك حرف واحد منه، فأقوالهم كأقوال ربّ العالمين، وكتاباتهم كالقرآن الكريم - والعياذ بالله -، ولا يجوز ردّ حرف واحد منها.
تأمّل أخي القارئ في هذه الكلمة الغريبة: فإنّه مَنْ استعمل شيئاً خلاف ما في هذا الكتاب (شرح السنّة) فإنّه ليس يدين لله بدين، وقد ردّه كلّه، كما لو أنّ عبداً آمن بجميع ما قال الله تبارك وتعالى إلاّ أنّه شكّ في حرف، فقد ردّ جميع ما قال الله تعالى وهو كافر(٢) .
هل قرأت مثل هذا الكلام وبهذا البيان في كلام أيّ عالم مسلم من غير الوهابيّة؟ وهل رأيت أجهل من هذا الداعية الذي يتحدّث بهذه العنجهية وهذه الطريقة الغريبة؟!
وما علينا إلاّ نردّ جهله بقول الله تعالى:( وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً ) (٣) .
١ - السنّة بمذاهبها كلّها، الأشاعرة والمعتزلة وحتى البسطاء الفقراء من الأُمّة.
٢ - الشيعة بفرقها كلّها، الإمامية والإسماعيلية، وغير ذلك.
_____________________
١ - سلسلة الأحاديث الصحيحة - للألباني ٦ / ٦٧٦.
٢ - شرح السنّة / ١٠٦.
٣ - سورة الفرقان / ٦٣.
٣ - الصوفية بجميع طرقها ومشايخها وأورادها.
ولكن لهم مع الاثنين من هؤلاء موقفاً خاصّاً سنذكره بعد تقديم هذه الباقة العطرة من أحاديث الحبيب المصطفىصلىاللهعليهوآله التي تعرّف المسلم والإسلام في السنّة المطهّرة، نقدمها للقارئ الكريم على طبق من نور إن شاء الله، نقتطفها من كتاب الشيخ سليمان بن عبد الوهاب الذي ردّ على أخيه محمد بن عبد الوهاب ردّاً رائعاً.
عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول:((بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحجّ البيت، وصوم رمضان)) (١) .
وعنه قالصلىاللهعليهوآله :((أُمرت أن أُقاتل الناس حتّى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمداً رسول الله، ويُقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّ الإسلام وحسابهم على الله)) (٢) .
وعن أبي هريرة قال: قالصلىاللهعليهوآله :((أُمرت أن أُقاتل الناس حتّى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها)) (٣) .
عن عصام المزني قال: كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله إذا بعث سرية يقول:((إذا
_____________________
١ - صحيح البخاري ١ / ٤٧، صحيح مسلم / ح١٦.
٢ - صحيح البخاري ٣ / ٢١١، صحيح مسلم / ح٢١.
٣ - صحيح مسلم / ح٢١.
رأيتم مسجداً، أو سمعتم منادياً فلا تقتلوا أحداً)) (١) .
عن أبي ذرّ الغفاري (رضوان الله عليه) قال، قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله :((ما من عبد قال: لا إله إلاّ الله، ثمّ مات على ذلك إلاّ دخل الجنّة)) (٢) .
بشرطها وشروطها كما يحدّدها الإمام الرضاعليهالسلام في حديث السلسة الذهبية المشهورة في كتب السنن.
عن عبد الله بن مسعود (رضوان الله عليه) قال، قالصلىاللهعليهوآله :((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)) (٣) .
وعن ابن عمر قال: قالصلىاللهعليهوآله :((كفّوا عن أهل لا إله إلاّ الله لا تكفّروهم بذنب؛ فمَنْ كفّر أهل لا إله إلاّ الله فهو إلى الكفر أقرب)) (٤) .
وعن أنس بن مالك عنهصلىاللهعليهوآله قال:((ثلاث من أصل الإيمان؛ الكفّ عمّن قال: لا إله إلاّ الله، لا تكفّروه بذنب، ولا تخرجوه من الإسلام بعمل)) (٥) .
وفي حديث آخر يرويه البخاري:((مَنْ حمل علينا السّلاح فليس منّا)) (٦) .
وفي حديث آخر يرويه مسلم في باب النهي عن الإشارة بالسّلاح إلى مسلم، قولهصلىاللهعليهوآله :((مَنْ أشار إلى أخيه بحديدة فإنّ الملائكة تلعنه حتّى يدعه وإن كان أخاه لأبيه وأُمّه)) (٧) .
وعن أبي ذرّ (رضوان الله عليه) عن النبيصلىاللهعليهوآله قال:((لا يرمي الرجل
_____________________
١ - صحيح مسلم / ح ٢١.
٢ - مسند أحمد بن حنبل ٢ / ٤٩٥ ح ١٦١٦٧.
٣ - صحيح البخاري / كتاب الفتن.
٤ - الطبراني في الكبير / ح ١٣٠٨٩.
٥ - أبو داود في السنن / ح ٢٥٣٥.
٦ - صحيح البخاري ٨ / ٣٧ كتاب الديات.
٧ - صحيح مسلم ٨ / ٣٤.
رجلاً بالفسق ولا يرميه بالكفر إلاّ ارتدّت عليه إن لم يكن صاحبها كذلك)) (١) .
وعن ثابت الضحّاك عن النبيصلىاللهعليهوآله :((مَنْ قذف مؤمناً بكفر فهو كقتله)) (٢) .
وأخيراً عن أبي هريرة عن النبيصلىاللهعليهوآله :((أيّما رجل قال لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما)) (٣) .
هذا ما قاله رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وفي الحديث المشهور عنهصلىاللهعليهوآله :((المسلم مَنْ سلم المسلمون من لسانه ويده)) (٤) ، فماذا تقول الوهابيّة والسلفيّة بحقّ الأُمّة الإسلاميّة، وبحقّ كلّ إنسان مسلم لا يوافقهم الرأي؟!
إليك نماذج من أقوالهم وفتاواهم:
- مذهب الشيعة الإمامية: مذهب مبتدع في الإسلام؛ اُصوله وفروعه(٥) .
هل تعلم أنّ هذه الفتوى صادرة عن اللجنة الدائمة للبحوث العلميّة والإفتاء، يوقّع عليها أربعة من أكبر رؤوس الوهابيّة في هذا العصر؟!
وإليك واحدة أُخرى لهم كذلك: لا يجوز للمسلم أن يقلّد مذهب الشيعة الإماميّة، ولا الشيعة الزيديّة، ولا أشباههم من أهل البدع، كالخوارج والمعتزلة والجهمية وغيرهم، وأمّا انتسابه إلى
_____________________
١ - صحيح البخاري ١٠ / ٣٨٨.
٢ - صحيح البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي / ح ١٩٤٠.
٣ - صحيح البخاري ١٠ / ٤٤٨، ومسلم / ح ٦٠.
٤ - نهج البلاغة - الخطبة ١٦٧، كنز العمال ١ / ١٤٩.
٥ - فتاوى اللجنة ٢ / ٣٣٨.
بعض المذاهب الأربعة المشهورة فلا حرج فيه إذا لم يتعصّب للمذهب الذي انتسب إليه، ولم يخالف الدليل من أجله(١) .
هل تدري لماذا هذا التقييد لمَنْ ينتسب إلى المذاهب الأربعة؟!
لأنّهم سيكفّرونه ويكفّرون إمامه أوّلاً كما سنبيِّن فيما بعد.
وهذا عبد العزيز ابن باز مفتي الديار، طُرحت عليه مسألة التقريب بين المذاهب الإسلاميّة، فقال: التقريب بين الرافضة وبين أهل السُنّة غير ممكن؛ لأنّ العقيدة مختلفة؛ فعقيدة أهل السُنّة والجماعة توحيد الله وإخلاص العبادة لله سبحانه وتعالى، وأنّه لا يُدعى معه أحد، لا ملك مقرّب ولا نبي مرسل؛ إنّ الله سبحانه وتعالى هو الذي يعلم الغيب. ومن عقيدة أهل السُنّة محبّة الصحابة والترضّي عنهم، والإيمان بأنّهم أفضل خلق الله بعد الأنبياء! وأنّ أفضلهم أبو بكر، ثمّ عمر، ثمّ عثمان، ثمّ علي! والرافضة خلاف ذلك، فلا يمكن الجمع بينهما، كما إنّه لا يمكن الجمع بين اليهود والنصارى والوثنين وأهل السُنّة، فكذلك لا يمكن التقريب بين الرافضة وبين أهل السُنّة؛ لاختلاف العقيدة التي أوضحناها(٢) .
في فتوى أُخرى لابن باز يقول فيها: أفيدكم بأنَّ الشيعة فرق كثيرة، وكلّ فرقة لديها أنواع من البدع، وأخطرها فرقة الرافضة الخمينيّة الاثني عشريّة؛ لكثرة الدّعاة إليها، ولما فيها من الشرك الأكبر؛ كالاستغاثة بأهل البيت، واعتقادهم أنّهم يعلمون الغيب، ولا سيما الأئمّة الاثني عشر حسب زعمهم، ولكونهم
_____________________
١ - فتاوى اللجنة ٢ / ١٥٦.
٢ - المصدر نفسه.
يكفّرون ويسبّون غالب الصحابة، كأبي بكر وعمر، نسأل الله السّلامة ممّا هم عليه من الباطل(١) .
وهذا ثالث القوم، إنّه ابن الجبرين، وكم له من المخازي في هذا الباب الفاضح له، يستفتونه حول وجود الشيعة في الدوائر الرسميّة وكيفية التعامل معهم، ورسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول:((الدين المعاملة)) (٢) ، وهذا يقول: يكثر الابتلاء بهم في كثير من الدوائر؛ من مدارس وجامعات ودوائر حكومية، في هذه الحالة نرى إذا كانت الأغلبية لأهل السُنّة أن يظهروا إهانتهم وإذلالهم وتحقيرهم، وكذلك أن يظهروا شعائر أهل السُنّة فيذكرون دائماً فضائل الصحابة، ويذكرون الترضّي عنهم ومدائحهم، وتشتمل مجالسهم على ذكر فضل القرآن، وعلى ذكر تكفير مَنْ حرَّفه أو ما أشبه ذلك؛ لعلّهم أن ينقمعوا بذلك، وأن يذلّوا ويهانوا، وتضيق بذلك صدورهم ويبتعدوا.
أمّا معاملتهم فيعاملهم الإنسان بالشدّة؛ فيظهر في وجوههم الكراهية، ويظهر البغض والتحقير والمقت لهم، ولا يبدؤهم بالسّلام، ولا يقوم لهم، ولا يصافحهم، لكن يمكن إذا بدؤوا بالسّلام أن يردّ عليهم بقوله: وعليكم أو ما أشبه ذلك(٣) .
فلو سُئل هذا الوهابي عن معاملة اليهود والنصارى هل كان هذا جوابه؟! أو هل قرأت مثل هذه الآداب والأخلاق في التعامل الاجتماعي؟!
_____________________
١ - مجمع الفتاوى ٥ / ١٥٧ و ٤ / ٤٣٩.
٢ - عجائب الآثار للجبرتي ٣ / ١٠٣.
٣ - فتوى بتاريخ ٢٣ / ٨ / ١٤٢٤ هـ.
وهل يمكن معاملة المسلم بهذا الشكل المزري؟ بل هل يمكن معاملة الإنسان بهذه الطريقة؟ فأين الأخلاق الإسلاميّة والفضائل والقيم الإنسانيّة أيّها المسلمون؟!
فهل نزع الله الرحمة من قلوب هؤلاء، أم أنّهم إخوان مَنْ مُسخوا قردة وخنازير حتّى ينظروا إلى الناس بهذه الطريقة السوداويّة؟!
أين منظمات حقوق الإنسان ولوائحهم العالميّة؟ أين عقلاء العالم ليسمعوا قول هذا المتعصّب الذي لا يعلم ولا يدري ما يقول؟!
لا أيّها الشيخ، إنّها العالميّة وعصر الفضائيّات والنشر الإلكتروني، ففكّروا ألف مرّة قبل أن تنطقوا مثل هذه الهرطقات، أو تكتبوا مثل هذا الكلام اللاأخلاقي.
اقرأ معي هذه الفتوى لابن الجبرين وما فيها من التفرقة العنصريّة:
إن كان لأهل السُنّة دولة وقوّة وأظهر الشيعة بدعهم وشركهم واعتقاداتهم، فإنّ على أهل السنّة أن يجاهدوهم بالقتال بعد دعوتهم؛ ليكفّوا عن إظهار شركهم وبدعهم، ويلزموا شعائر الإسلام، وإذا لم تكن لأهل السنّة قدرة على قتال المشركين والمبتدعين، وجب عليهم القيام بما يقدرون عليه من الدعوة والبيان(١) !
الله أكبر على هذا المفتي وهذه الفتوى! ألم تقرأ أحاديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله التي تؤكّد على حقن دماء مَنْ شهد الشهادتين فقط؟! فكيف تفتي بوجوب قتل
_____________________
١ - تاريخ الفتوى ٢٣ / ٨ / ١٤٢١ هـ.
أهل القبلة من المسلمين، ورسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول:((سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)) (١) .
إنّي ما أزال حائراً تجاه هذه الفتاوى، فكيف صدرت وعلى أيّ قواعد شرعية واُصول فقهية اعتمد أصحابها، لا سيما وهي تخالف الاُصول كلّها الكتاب، والسنّة، والإجماع، والعقل، وحتى القياس، فمن أين جاؤوا بها؟ فلا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم.
هل تعلم عزيزي القارئ أنّ رسالة وجِّهت إلى وزير المعارف السعودي تستنكر وجود شخص يُدرِّس في مدارس المدينة المنوّرة (لأنّه شيعي)، هل تصدّق ذلك؟!
وأذكر أنّ أحد الإخوة السعوديين من المنطقة الشرقية ذات الأغلبية الشيعية نجح بالشهادة الثانوية، وبمجموع عالٍ جدّاً يؤهّله لدخول أي فرع جامعي، إلاّ أنّ السياسة كانت تُحرِّم عليهم الجيش والكليات الراقية، لا سيما الحقوق والطب وغيرها.
إلاّ أنّ هذا الطالب أصرَّ على التسجيل في كلّية الطب (تلك المهنة الإنسانيّة الرائعة) في المدينة المنوّرة، وبعد أن رُفض طلبه لعدّة مرّات، تقدّم بطلب إلى رئيس الجامعة للمقابلة؛ ليعرف سبب عدم قبوله بفرع الطبّ البشري.
وبالفعل نجح بلقاء الدكتور رئيس الجامعة في مكتبه الضخم الفخم، إلاّ أنّه
_____________________
١ - صحيح البخاري / كتاب الفتن.
فوجئ بهذا الدكتور يجادله، ويريد أن يثنيه عن عزمه بدراسة الطبّ، ليس بالحوار العقلاني، بل بالحوار الوهّابي، بحيث قال الدكتور: هل تستطيع أن تخبرني ما الفرق بين الشيعي والحمار؟!
فأجابه الطالب بكلّ قوّة وشجاعة: نعم يا دكتور، لا فارق بين الشيعي والحمار إلاّ هذه الطاولة، وضرب بيده على المكتب الذي يجلس خلفه ذاك الرجل وخرج إلى غير رجعة.
هكذا يتعاملون مع البشر بهذا المنطق العجيب الغريب الذي لم أسمع مثله في التاريخ، ولا حتّى من أولاد الشوارع في شيكاغو، ولا أروقة هوليود!
ابن عثيمين: نعم، الشيعة في حكم الكفّار.
وسُئل الشيخ ابن عثيمين: هل يعتبر الشيعة في حكم الكافرين؟
فقال: الشيعة، والصواب أن يُقال: الرافضة؛ لأنّ تشيّعهم لعلي بن أبي طالب (رضي الله عنه) تشيّع متطرّف غالٍ لا يقبله علي (رضي الله عنه).
فالرافضة كما وصفهم شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم) حيث قال: إنّهم أكذب طوائف أهل الأهواء، وأعظمهم شركاً!
فلا يوجد في أهل الأهواء أكذب منهم، ولا أبعد عن التوحيد، حتّى إنّهم يخربون مساجد الله التي يُذكر فيها اسمه، فيعطّلونها عن الجمعة والجماعات، ويعمرون المشاهد التي أُقيمت على القبور التي نهى الله ورسوله عن اتخاذها (مساجد).
وقال: الرافضة أُمّة مخذولة، ليس لها عقل صريح، ولا نقل صحيح، ولا دين
مقبول، ولا دنيا منصورة.
وإذا شئت أن تعرف ما كان الرافضة عليه من خبث فاقرأ كتاب (الخطوط العريضة) لمحبّ الدين الخطيب، فقد ذكر عنهم ما لم يذكر عن اليهود والنصارى في أعظم خلفاء هذه الأُمّة أبي بكر وعمر.
وأمّا خطر الرافضة على الإسلام فكبير جدّاً، وقد كانوا السبب في سقوط الخلافة الإسلاميّة في بغداد، وإدخال التتر عليها، وقتل العدد الكبير من العلماء كما هو معلوم في التاريخ.
وخطرهم يأتي من حيث أنّهم يدينون (بالتقية) التي حقيقتها النفاق، وهو إظهار قبول الحقّ مع الكفر به باطناً. والمنافقون أخطر على الإسلام من ذوي الكفر الصريح(١) .
اقرأ واعجب، وما عشت أراك الدهر عجباً، مثل هذا الكلام ينطلق من عضو الإفتاء الأعلى للديار الحجازية، كيف تجرّأ وكيف أفتى بهذه الكلمات، وفيها من الخلط والخبط ما لا يخفى حتّى على الأطفال؟!
ولكنّ فتواه تردّ عليه، وعليه وزرها ووزر مَنْ عمل بها إلى يوم القيامة. وهذه التهمة للشيعة ليست بالجديدة، ولكن ليس الشيعة هم الذين هدموا الخلافة الإسلاميّة، ولا هم الذين قتلوا علماء الدين، ولا هدموا مساجد المسلمين، وإنّما غيرهم مَنْ فعل ذلك كلّه! وليس هنا مجال بيان ذلك.
وقد تبيّن لك بالأرقام فيما تقدّم عن أعمالهم التخريبية لبيوت الله، وآثار
_____________________
١ - فتاوى مهمّة لعموم الأُمّة / ١٤٥.
الرسالة المباركة، كيف طمسوها بحقد عجيب على الإسلام والمسلمين؟
نعم، يشهد التاريخ على صدور فتوى من حاقد من أمثالهم، قال في حلب: الشيعة كفّار، واجب قتلهم، ونهب أموالهم، وسبي ذراريهم، ومَنْ لم يحكم بكفرهم كافر يقتل. ولَقتلُ شيعيٍّ واحد أفضل من قتل ستين كافراً عند الله.
وعلى أثر هذه الفتوى وقعت واقعة (مرج دابق)، ودخلوا على الجامع الكبير (الأطرش) في حلب، وذبحوا كلّ مَنْ فيه حتّى إنّ الدماء سالت من أبواب المسجد، وشُرّد شيعة حلب في تلك الأيام.
وسُئل أحدهم ذات مرّة: كيف يُدفن الشيعي؟
فقال: يدفع بالخشبة من بعيد إلى قبره ويهال التراب عليه!
هكذا تصنع الأحقاد، وهذا من نتائج التعصّب والعناد على الباطل، فهل قرأت كهذا المنطق العنيف؟! وهل توقّعت وجود مثل هذا الإرهاب الفكري في العالم الإسلامي كلّه؟! بل في العالم أجمع إلاّ عند اليهود.
فأسهل شيء عندهم أن يرموك بالكفر أو الشرك، ويستبيحون دمك ومالك وعرضك. وليس من الضروري أن تذنب في حقّهم، أو يكون لك عمل باطل في عرفهم، وربما حكموا عليك من مظهرك وشكلك، أو بلدك ودولتك.
وأكبر الطامات أنّك تذهب إلى الحجّ وتتحرّق شوقاً لتلك المشاهد المشرّفة وهم يرمونك بالشرك، ويتّهمونك بالكفر مباشرة.
إنّ مواقف علماء الإسلام ورجالات الدين الحنيف من الوهابيّة واضحة وضوح الشمس؛ لأنّ الإنسان المسلم يتخلّق بأخلاق الدين، ويعامل الناس على تلك الأسس والقواعد الأخلاقيّة الإسلاميّة الرائعة، وسأكتفي بنموذجين وربما بثلاثة فقط.
ولكن للتذكير أقول: بأنّ الوهابيّة السلفيّة تكفّر أُمّة الحبيب المصطفىصلىاللهعليهوآله قاطبةً، وتخرج الجميع؛ السنّة والشيعة، من الإسلام. ويستعملون (الإرهاب الفكري) بالسبّ والشتم والتكفير، ويستعملون (الإرهاب العملي) بالحرب والقتل والهدم والتدمير، فلا يسلم أحد من المسلمين على وجه الأرض!
فالشيعة كفّار ومشركون، والسنّة كفّار متمذهبون إلاّ مَنْ لحقهم وتبع إمامهم محمد بن عبد الوهاب، وهم يشدّدون النكير على الأحناف وإمامهم أبي حنيفة النعمان، فهم شديدوا البغض لهم؛ وذلك لأنّ الحنابلة يرون أنّ الإمام أبا حنيفة من أئمّة الضلال.
ويقول إسحاق بن منصور كوسج: قلت لأحمد بن حنبل: يؤجر الرجل على بغض أبي حنيفة وأصحابه؟ قال: إي والله.
ونقل عبد الله بن أحمد (بن حنبل): أنّ الإمام أبا حنيفة كان جهمياً، وأنّه كافر وزنديق، وأنّه كان ينقض عُرى الإسلام عروة عروة، وأنّه ما ولد في الإسلام مولود أشأم من أبي حنيفة، وأنّه استتيب من الكفر مرتين(١) .
_____________________
١ - السلفية والوهابيّة /٧٣، عن كتاب السنة لعبد الله بن أحمد بن حنبل.
وأمّا حديث الصوفية والتصوّف مع الوهابيّة فهو طويل وشائك؛ فقد حرّم محمد بن عبد الوهاب الذكر كلّه، ومنع من الاجتماع لأجل الذكر وقراءة القرآن، وجلد وربما قتل مَنْ يجهر بالصلاة على النبي محمدصلىاللهعليهوآله رغم أنّها تُذهب النفاق وتطرد الشياطين، فعلوا كلّ ذلك لقهر ومحاربة الصوفية والتصوّف كلّه.
ولذا فإنّ العلماء من كلّ المذاهب كتبوا وردّوا على الوهابيين بكلّ قوّة واقتدار وما زالوا يفعلون.
أوّل مَنْ بادر إلى الرّد على محمد بن عبد الوهاب أخوه سليمان بن عبد الوهاب في كتاب أسماه (الصواعق الإلهية في الردّ على الوهابيّة) يقول فيه بعد شرح لاُصول الدين: (إذا فهمتم ما تقدّم فإنّكم الآن تكفّرون مَنْ شهد أن لا إله إلاّ الله وحده، وأنّ محمداً عبده ورسوله، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام رمضان، وحجّ البيت، مؤمناً بالله وملائكته، وكتبه ورسله، ملتزماً لجميع شعائر الإسلام، وتجعلونهم كفّاراً وبلادهم بلاد حرب.
فنحن نسألكم: مَنْ إمامكم في ذلك؟
وممّنْ أخذتم هذا المذهب؟
إلى أن يقول: ولكن من أين لكم أنّ المسلم الذي يشهد أن لا إله إلاّ الله، وأن محمداً عبده ورسوله إذا دعا غائباً أو ميتاً، أو نذر له، أو ذبح لغير الله، أو تمسّح بقبرٍ، أو أخذ ترابه أنّ هذا هو الشرك الأكبر الذي مَنْ فعله حبط عمله، وحلَّ ماله، ودمه؟!
وأنّه الذي أراده الله سبحانه من هذه الآية:( وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (١) وغيرها من القرآن!
وإن قلتم: فهمنا ذلك من الكتاب والسنّة.
قلنا: لا عبرة بمفهومكم، ولا يجوز لكم ولا لمسلم الأخذ بمفهومكم؛ فإنّ الأُمّة مجمعة - كما تقدّم - أنَّ الاستنباط مرتبة أهل الاجتهاد المطلق، ومع هذا لو اجتمعت شروط الاجتهاد في رجل لم يجب على أحد الأخذ بقوله دون نظر.
إلى أن يقول: ولكنّ المطلوب منكم هو الرجوع إلى كلام أهل العلم، والوقوف عند الحدود التي حدّدوها؛ فإنّ أهل العلم ذكروا في كلّ مذهب من المذاهب الأقوال والأفعال التي يكون بها المسلم مرتداً، ولم يقولوا: مَنْ نذر لغير الله فهو مرتد، ولم يقولوا: مَنْ طلب من غير الله فهو مرتد. ولم يقولوا: مَنْ ذبح لغير الله فهو مرتد. ولم يقولوا: مَنْ تمسّح بالقبور وأخذ من ترابها فهو مرتد، كما فعلتم أنتم.
فإن كان عندكم شيء فبيّنوه؛ فإنّه لا يجوز كتم العلم، ولكنّكم أخذتم هذا بمفاهيمكم، وفارقتم الإجماع، وكفّرتم أُمّة محمدصلىاللهعليهوآله كلّهم حيث قلتم: مَنْ فعل هذه الأفاعيل فهو كافر، ومَنْ لم يكفِّره فهو كافر(٢) .
هذا كان النموذج الأوّل.
وأمّا النموذج الثاني: فهو يتضمّن الردّ من شخصين مهمّين في العالم الإسلامي، وهي عبارة عن نصائح كتبها السيّد
_____________________
١ - سورة الأنعام / ٨٨.
٢ - الصواعق الإلهية في الردّ على الوهابيّة / ٤٦ وما قبلها.
يوسف هاشم الرفاعي من الوجهاء المعروفين في الكويت، وقدَّم لها الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي من كبار علماء سورية.
في مقدمة كتاب (نصيحة لإخواننا علماء نجد) يتحدّث الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، وهو من كبار علماء سوريا، عن أفكار هذه الجماعة التي تطلق على نفسها تارة الوهابيّة، وتارة أُخرى السلفيّة، وعن عقائدهم التي منها تكفير كافة المسلمين واتهامهم بأنّهم أهل البدع والضلالة وما أشبه ذلك.
وإليك بعض ما جاء في هذه المقدّمة:
وما أعلم أنّ العالم الإسلامي أجمع في استيائه من أمر من الأمور في عصر من العصور كاستيائه من هذا الذي يقدم عليه الإخوة مسؤولوا المملكة وعلماؤها اليوم، من إخلاء مكة والمدينة وما حولها من سائر الآثار المتّصلة بحياة رسول اللهصلىاللهعليهوآله الشخصيّة والنبويّة، وما تبع ذلك من الإقدام على أمور تناقض الشرع، وتناقض المنهج الذي كان عليه السلف الصالح، كمنع المسلمين من زيارة البقيع ومنع الدفن فيه، وتكفير سواد هذه الأُمّة بحجّة كونهم أشاعرة أو ماتريديّين!
وهل كان الإمام الأشعري إلاّ نصير السلف الصالح بإجماع الأُمّة؟!
والذي زاد من هذا الاستياء الذي بلغ اليوم ذروته، أنّ هؤلاء الإخوة الذين يقدمون على هذه الفظائع المنكرة، ماضون ومستمرون في ذلك في صمت وقدر كبير من اللامبالاة! وقد كان أدنى ما يقتضيه الالتزام بأوليات الدين الإسلامي والبديهيات المتفق عليها من أحكامه، أن يبدأ هؤلاء الإخوة فينشرون بياناً يأتون
به على سمع العالم الإسلامي وبصره، يوضّحون فيه الدليل على ما قد تحقّق لديهم من وجوب هدم آثار النبوّة والقضاء عليها، وملاحقتها بالمحو أيّاً كانت وأينما وجدت، ومن ثمّ يعلنون عن عزمهم - بناء على ذلك - على تنفيذ ما يقتضيه الحكم الشرعي المقرون بدليله.
ولقد كنت ولا أزال واحداً من ملايين المسلمين الذين تأخذهم الدهشة لهذا الذي يجري في مكة والمدينة، تحت أبصار المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، مع الاستخفاف بمشاعرهم وعلومهم ومعتقداتهم، ودون تقديم أي معذرة بين يدي مغامراتهم العجيبة هذه، من حجّة علمية يتمسّكون بها، أو اجتهاد ديني حقّ لهم أن يجنحوا إليه!
بل لقد آثرت تحت تأثير هذه الدهشة أن أبدأ فأتّهم نفسي بالجهل، وأن أفترض في معلوماتي الشرعية خطأ توهّمته صواباً، أو حكماً غاب عنّي علمه، وذلك ابتغاء المحافظة على ما هو واجب من حسن الظنّ بالإخوة المسلمين، لا سيما العلماء منهم، ما اتّسع السبيل إلى ذلك؛ فرحت أنبش سيرة السلف الصالح وموقفهم، بدءاً من عصر الصحابة فما بعد، وأستجلي من جديد موقفهم من آثار النبوّة؛ سواء منها العائدة إلى شخص رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، أو ذات الدلالة على رسالته ونبوّته، فلم أجد إلاّ الإجماع بدءاً من عصر الرسولصلىاللهعليهوآله على مشروعية التبرّك بآثاره، بل رأيت الصحابة كلّهم يسعون ويتنافسون على ذلك.
ولا ريب أنّ مشايخ نجد يعلمون ما نعلمه جميعاً من ورود الأحاديث الصحيحة الثابتة في الصحيحين وغيرهما، المتضّمنة تبرّك الصحابة بِعرَق رسول الله وشعره، ووضوئه وبصاقه، والقدح الذي كان يشرب فيه، والأماكن التي
صلّى فيها، وجلس أو قال فيها.
ولا نشك في أنّهم يعلمون كما نعلم أنّ عصور السلف الثلاثة مرّت شاهدةً بإجماع على تبرّك اُولئك السلف بالبقايا التي تذكّرهم برسول اللهصلىاللهعليهوآله من دار ولادته، وبيت خديجة (رضي الله عنها)، ودار أبي أيوب الأنصاري التي استقبلته فنزل فيها في أيّامه الأولى من هجرته إلى المدينة المنوّرة، وغيرها من الآثار كبئر أريس وبئر ذي طوى ودار الأرقم.
ثمّ إنّ الأجيال التي جاءت فمرّت على أعقاب ذلك كانت خير حارس لها، وشاهد أمين على ذلك الإجماع.
ثمّ إنّ العالم الإسلامي كلّه يُفاجأ اليوم بهذه البدعة التي يمزّق بها إخوتنا مشايخ نجد إجماع سلف المسلمين وخلفهم إلى يومنا هذا؛ فدار ولادة رسول الله تُهدّم وتُحوّل إلى سوق للبهائم، ودار ضيافة رسول اللهصلىاللهعليهوآله في المدينة تحوّل إلى مراحيض! وتمرّ أيدي المحو والتدمير على كلّ الآثار التي تناوبت أجيال المسلمين كلّهم شرف رعايتها والمحافظة عليها.
والأعجب من هذا كلّه أنّ مشايخ نجد يرون مدى استنكار العالم الإسلامي وغليانه الوجداني لهذه البدعة التي تزدري إجماع المسلمين من قبل، وتستخفّ بمشاعرهم الإيمانية دون أن يتوجّهوا إليهم بكلمة يبرّرون فيها عملهم، ويشرحون فيها وجهة نظرهم.
إذ المفروض إذا كانوا هم المصيبون في عملهم هذا، وعلماء العالم الإسلامي قاطبة جاهلون ومخطئون أن يتوجّهوا إليهم ببيان هذا الذي يعرفونه؛ حتّى يتنبهوا إلى خطئهم، ويتحوّلوا إلى الصواب الذي امتازوا وانفردوا عن العالم كلّه بمعرفته، وبذلك يكسبون أجر هدايتهم وإرشادهم إلى الحقّ الذي تاه عنه المسلمون خلال أجيالهم المتصرّمة كلّها.
وجاء في مكان آخر من حديثه عن أفكار هذه الجماعة:
فهلاّ تلمّستم يا علماء نجد مكان محبّة الله ورسوله من أفئدتكم، وهلاّ استنبتّم هذه المحبّة أن رأيتموها ضامرة بمزيد من ذكر الله عزّ وجل، إذن لدفعكم هذا الحبّ - والله - إلى حراسة آثار النبوّة وصاحبها بدلاً من محوها والقضاء عليها، ولسلكتم في ذلك مسلك السلف الصالح (رضوان الله عليهم)، وإذن لأقلعتم عن ترديد تلك الكلمة التي تظنّونها نصيحة وهي باطل من القول، وتحسبونّها أمراً هيّناً، وهي عند الله عظيم، ألا وهي قولكم للحجيج في كثير من المناسبات: إيّاكم والغلو في محبّة رسول الله!
ولو قلتم، كما قال رسول الله: لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، لكان كلاماً مقبولاً، ولكان ذلك نصيحة غالية.
أمّا الحبّ الذي هو تعلّق القلب بالمحبوب على وجه الاستئناس بقربه والاستيحاش من بعده فلا يكون الغلوّ فيه عندما يكون المحبوب رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلاّ عنواناً على مزيد قرب من الله، وقد علمنا أنّ الحبّ في الله من مستلزمات توحيد الله تعالى.
ومهما غلا محبّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله في حبّه له أو بالغ فلن يصل إلى أبعد من القدر الذي أمر به رسول اللهصلىاللهعليهوآله إذ قال فيما اتّفق عليه الشيخان: لا يؤمن أحدكم حتّى أكون أحبّ إليه من ماله وولده والناس أجمعين، وفي رواية البخاري: ومن نفسه.
وإذا ازدهرت قلوبكم بهذه المحبّة فلسوف تعلمون أنّها مهما تلظّت بهذه المحبّة، فلسوف تظلّ متقاصرة عن الحدّ الذي يستحقه رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ولسوف تنتعش نفوسكم لمرأى آثار النبوّة إن كان قد بقي منها بقيّة لديكم اليوم بدلاً
من أن تكرهوها، وتسعوا سعيكم الحثيث للتخلّص منها وللقضاء عليها(١) !
صاحب هذا الكتاب هو (يوسف بن السيّد هاشم الرفاعي) وهو من الوجهاء المعروفين في الكويت، يبيّن في كتابه معاناته وآراءه تجاه هذه الجماعة أتباع محمد بن عبد الوهاب.
أخي القارئ: تأمّل في هذه الكلمات أو سميّها النصائح، ترى كيف هذه الجماعة تكفّر كافة المسلمين، وأنّهم جماعة شاذّة ومنبوذة من كافة المذاهب الإسلاميّة.
فتعالوا معنا يا كرام؛ لكي نقف ببصيرة مع بعض هذه الكلمات التي اقتطفناها من هذا الكتاب التي سمّاها المؤلف (نصيحة).
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسّلام على سيّدنا رسول الله وعلى آله وصحبه الكرام ومَنْ والاه.
وبعد، فانطلاقاً من قول النبي (صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه):((الدين النصيحة)) .
قلنا: لِمَنْ؟
قال:((لله ولكتابه ولرسوله ولأئمّة المسلمين وعامّتهم)) (٢) .
_____________________
١ - نصيحة لإخواننا علماء نجد / ٨ مع الإجمال.
٢ - رواه مسلم في صحيحه ١ / ٧٤ كتاب الإيمان، باب بيان أنّ الدين النصيحة رقم (٥٥) عن تميم الداري.
فبعد صدور كتابي (الردّ المحكم المنيع) وصدور عدّة كتب لأهل العلم انتظرت لعلّه ينصلح أو يتغيّر شيء من تصرّفاتكم وأساليبكم، ولكن لم يحصل من ذلك شيء.
وحيث إنّ الله تعالى يقول في سورة العصر:( وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ) (١) ؛ فقد عزمت بعد الاستخارة أن أتوجّه إليكم بهذه النصيحة التي أرجو أن تكون مقبولة، سائلاً المولى تعالى أن يُرينا وإيّاكم الحقّ حقّاً ويرزقنا اتّباعه، وأن يُرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، وأن لا يجعله علينا متشابهاً فنتّبع الهوى، والله الهادي للصواب.
فأقول وبالله التوفيق:
١ - لا يجوز اتّهام المسلمين الموحّدين الذين يصلّون معكم، ويصومون ويزكّون، ويحجّون البيت ملبّين مردّدين: لبيك اللهمّ لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إنَّ الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.
لا يجوز شرعاً اتّهامهم بالشرك كما تطفح كتبكم ومنشوراتكم، وكما يجأر خطيبكم يوم الحجّ الأكبر من مسجد الخيف بمنى صباح عيد الحجّاج وكافة المسلمين، وكذلك يروّع نظيره في المسجد الحرام يوم عيد الفطر بهذه التهجّمات والافتراءات أهل مكة والمعتمرين، فانتهوا هداكم الله تعالى، وترويع المسلم حرام، لا سيما أهالي الحرمين الشريفين، وفي هذا المعنى نصوص شريفة
_____________________
١ - سورة العصر.
صحيحة.
٢ - لقد كفّرتم الصوفيّة ثمّ الأشاعرة، وأنكرتم واستنكرتم تقليد واتّباع الأئمّة الأربعة (أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل) في حين أنّ مقلّدي هؤلاء كانوا يمثّلون السواد الأعظم من المسلمين، كما إنّ المنهج الرسمي لدولتكم والذي وضعه الملك عبد العزيز ينصّ على اعتماد واعتبار المذاهب الأربعة، فانتهوا هداكم الله تعالى(١) .
ومَنْ كان كافراً بعد إسلامه فهو في حكم المرتدّ الذي يُباح دمه، فتذكّروا حديث نبيّكم المصطفىصلىاللهعليهوآله :((لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)) (٢) .
٣ - بعد أن فرغتم ممّن سبق، سلّطتم من المرتزقة الذين تحتضنونهم مَنْ رَمَى بالضلال والغواية الجماعات والهيئات الإسلاميّة العاملة في حقل الدعوة، والناشطة لإعلاء كلمة الله تعالى، والآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر كالتبليغ، والإخوان المسلمين، والجماعة (الديوبندية) التي تمثّل أبرز علماء الهند
_____________________
١ - المؤلّف: في هذه الأيام بدأ النظام السعودي يتقرّب من باقي الفرق الإسلاميّة؛ كالإمامية الاثني عشرية، والإسماعيلية، والزيدية وغيرها تحت عنوان المصالحة الوطنية، وقد عكست الدولة السعودية ذلك في الإعلام، ونأمل أن تكون هذه خطوة جيّدة لإعطاء باقي المسلمين في الجزيرة العربية (بلاد الحجاز) حريّتهم وحقوقهم المظلومة، ولا سيما القاطنين في المنطقة الشرقية من بلاد الحجاز.
٢ - رواه البخاري في صحيحه / كتاب الفتن، باب قول النبيصلىاللهعليهوآله :((مَنْ حمل علينا السّلاح فليس منّا)) ، (الفتح ١٣ / ٢٩ ح ٧٠٧٧، ٧٠٨٠، ومسلم في صحيحه ١ / ٨٢ كتاب الإيمان، باب معنى قول النبيصلىاللهعليهوآله :((لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)) ، ح ٦٦، ٦٥.
وباكستان وبنغلادش، والجماعة (البريلوية) التي تمثّل السواد الأعظم من عامّة المسلمين في تلك البلاد، مستخدمين في ذلك الكتب والأشرطة ونحوها، وقمتم بترجمة هذه الكتب إلى مختلف اللغات وتوزيعها بوسائلكم الكثيرة مجاناً.
أمّا هجومكم على الأزهر الشريف وعلمائه فقد تواتر عنكم كثيراً.
٤ - تردّدون جملة الحديث الشريف:((كلّ بدعة ضلالة)) (١) بدون فهم؛ للإنكار على غيركم، بينما تقرّون بعض الأعمال المخالفة للسنّة النبويّة ولا تنكرونها ولا تعدّونها بدعة!
سنذكر بعضاً منها فيما يلي:
٥ - إنّكم تغلقون مسجد رسول اللهصلىاللهعليهوآله بعد صلاة العشاء مباشرةً وهو الذي لم يكن يُغلق قبلكم في حياة المسلمين، وتمنعون الناس من الاعتكاف والتهجّد فيه، وتنسون قول الله تعالى:( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا اُولئك مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلاّ خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (٢) .
٦ - تفرضون على المؤذّنين الحجازيين أسلوباً معيناً في الأذان هو أسلوبكم في نجد، وزمناً معيناً محدوداً، وتطلبون عدم ترخيم الصوت وتحليته بنداء المسلمين لهذه الشعيرة العظيمة (الصلاة).
٧ - تمنعون التدريس والوعظ في الحرمين الشريفين، ولو كان المدرِّس من
_____________________
١ - جزء من حديث رواه مسلم في صحيحه ١ / ٥٩٢ كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة ح ٨٦٧ عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنه).
٢ - سورة البقرة / ١١٤.
كبار علماء المسلمين حتّى لو كان من علماء الحجاز والإحساء ما لم يكن على مذهبكم، وبإذن صريح منكم مكتوب ومختوم منكم فقط، ويُمنع غيركم حتّى لو كان شيخ الأزهر الشريف، فاتقوا الله ولا تغلوا في مذهبكم، وأحسنوا الظنّ بإخوانكم من علماء المسلمين.
٨ - تمنعون دفن المسلم الذي يموت خارج المدينة المنوّرة ومكّة المكّرمة من الدفن فيهما، وهما من البقاع الطّيبة المباركة التي يحبّها الله ورسوله، فتحرمون المسلمين ثواب الدفن في تلك البقاع الشريفة المباركة.
فعن عبد الله بن عدي الزهري عنه قال: رأيت رسول اللهصلىاللهعليهوآله على راحلته واقفاً بالحزورة يقول:((والله إنَّكِ لخير أرض الله، وأحبّ أرض الله إلى الله، ولولا أنّي اُخرجت منك ما خرجتُ)) (١) .
وعن ابن عمر قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله :((مَن استطاع أن يموت بالمدينة، فليمت بها؛ فإنّي أشفع لِمَنْ يموت بها)) (٢) .
_____________________
١ - رواه أحمد في مسنده ٤ / ٣٠٥، والترمذي في سننه ٥ / ٧٢٢ كتاب المناقب، باب فضل مكة ح ٣٩٢٥ وقال: حديث حسن غريب صحيح، ورواه النسائي في سننه الكبرى ٢ / ٤٧٩، وابن ماجه في سننه ٢ / ١٠٣٧ كتاب المناسك، باب فضل مكة ح ٣١٠٨، وابن حبان في صحيحه ٩ / ٢٢ كتاب الإحسان ح ٣٧٠٨، والحاكم في المستدرك ٣ / ٧، والحزورة: التل أو الربوة الصغيرة.
٢ - رواه أحمد في مسنده ٢ / ٧٤، والترمذي في سننه ٥ / ٧١٩ كتاب المناقب، باب فضل المدينة ح ٣٩١٧، ورواه النسائي في السنن الكبرى ٢ / ٤٨٨، وابن ماجه في سننه ٢ / ١٠٣٩ كتاب المناسك، باب فضل المدينة ح ٣١١٢، وابن حبان في صحيحه ٩ / ٥٧ كتاب الإحسان ح ٣٧٤١.
٩ - تمنعون النساء من الوصول إلى المواجهة الشريفة أمام قبر النبيصلىاللهعليهوآله والسّلام عليه أسوة بالرجال، ولو استطعتم لمنعتم النساء من الطواف مع محارمهنّ بالبيت الحرام، خلافاً لما كان عليه السلف الصالح والمسلمون، وتحقّرون النساء المؤمنات المحصنات القانتات، تنهرونهنّ وتحجبونهنّ عن رؤية المسجد والإمام بحواجز كثيفة، وتنظرون إليهنّ نظرة الشكّ والارتياب.
وهذه بدعة شنيعة؛ لأنّه إحداث ما لم يحدث في زمنه (عليه الصلاة والسّلام) والسلف الصالح، فقد كان يلي الإمام صفوف الرجال ثمّ الصبيان ثمّ النساء، يصلّون جميعاً وبلا حواجز خلفه (صلّى الله تعالى عليه وآله).
١٠ - أتيتم بالمرتزقة والجهّال من العابسين عند المواجهة الشريفة، يستدبرون المصطفىصلىاللهعليهوآله بأقفيتهم وظهورهم، ويستقبلون زواره المسلمين بوجوه عابسة مكفهرّة تنظر إليهم شزراً، متّهمة إيّاهم بالشرك والابتداع يكادون أن يبطشوا بهم، يوبّخون هذا وينتهرون ذاك، ويضربون يد الثالث ويرفعون أصواتهم زاجرين متجاهلين وناسين قول الله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ اُولئك الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) (١) .
كلّ هذا مع الكبر والاستمرار في إهانة أحباب المصطفى وزوّاره المؤمنين في حضرته الشريفة، وقبالة مضجعه الشريف الذي اعتبره شيخ الحنابلة ابن عقيل
_____________________
١ - سورة الحجرات / ٢ - ٤.
أفضل بقعة على اليابسة كما نقل ذلك عنه الشيخ ابن القيم في كتابه (بدائع الفوائد)(١) .
١١ - تمنعون النساء من زيارة البقيع الشريف بلا دليل قطعي مجمع عليه من الشرع، وتضيّقون على المسلمين في الزيارة إلاّ في أوقات محدودة وقصيرة، حتّى إنّ بعضهم ينتهز فرصة تشييع الجنائز ليزور البقيع الشريف.
وقد منعتم المزوِّرين في المدينة المنوّرة من مرافقة الزائرين وقطعتم أرزاقهم، وبدونهم صار الناس يتخبّطون ولا يعرفون أماكن قبور آل البيت الكرام وأُمّهات المؤمنين والصحابة، وهذا ظلم وتعسّف، وقهر وبطر لا يرضاه الله تعالى ورسوله الكريم، فانتهوا هداكم الله تعالى.
١٢ - هدمتم معالم قبور الصحابة وأُمّهات المؤمنين وآل البيت الكرام (رضي الله عنهم)، وتركتموها قاعاً صفصفاً، وشواهدها حجارة مبعثرة، لا يُعلم ولا يُعرف قبر هذا من هذا، بل سُكب على بعضها(٢) (البنزين)، فلا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم.
_____________________
١ - انظر بدائع الفوائد - لابن القيم ٣ / ١٣٥ - ١٣٦ وفيه ما نصّه: قال ابن عقيل: سألني سائل: أيّهما أفضل؛ حجرة النبيصلىاللهعليهوآله أو الكعبة؟
فقلت: إن أردت مجرّد الحجرة فالكعبة أفضل، وإن أردتَ وهو فيها، فلا والله ولا العرش وحملته، ولا جنّة عدن ولا الأفلاك الدائرة؛ لأنّ بالحُجرة جسداً لو وزن بالكونين لرجح ا هـ.
وقال الإمام مالك: إنّ البقعة التي فيها جسد النبيصلىاللهعليهوآله أفضل من كلّ شيء حتّى الكرسي والعرش، ثمّ المسجد النبوي ثمّ المسجد الحرام، ثمّ مكة.
٢ - قبر السيّدة آمنة بنت وهب، أُمّ الحبيب المصطفى نبي هذه الأُمّةصلىاللهعليهوآله .
فهلاّ أبقيتم وسمحتم بالتحجير وهو مباح، وارتفاع القبر شبراً وهو مباح مع الشاهدين، فقد ثبت أنّ النبيصلىاللهعليهوآله وضع حجراً على قبر عثمان بن مظعون (رضي الله عنه) ثمّ قال:((أعَلّمُ بها قبر أخي وأدْفِنُ مَنْ ماتَ من أهلي)) (١) .
وقال خارجة بن زيد: رأيتني ونحن شبّان في زمن عثمان وأن أشدَّنا وثبةً الذي يثبت قبر عثمان بن مظعون حتّى يُجاوزه(٢) .
١٣ - أنشأتم مكتب استجواب ومحاكمة وتحقيق في زاوية الحرم النبويّ (القديمة سابقاً)، وكذلك بجوار البقيع حالياً، وصرتم تحاكمون فيها مَنْ ترقبونه يتوسّل، أو يكثر الزيارة، أو يخشع أو يبكي، أو يدعو الله تعالى أمام القبر الشريف متوسّلاً به إلى الله تعالى، حيث توجّهون لهم قائمة من الأسئلة - الجاهزة سلفاً - عن مشروعية الزيارة والتوسُّل والمولد الشريف، فمَنْ وجدتّموه مخالفاً لذلك سجنتموه، وألغيتم إقامته وأبعدتموه من البلاد، مع أنّ هذه أمور تدور بين الاستحباب والإباحة عند العلماء حتّى عند الحنابلة، فلا يجوز تكفير المسلم بها ومعاقبته.
وقد حدّثني مَنْ أثق به من السجناء أنّه كانت الأغلال في يديه طيلة فترة
_____________________
١ - رواه أبو داود في سننه ٣ / ٥٤٣ كتاب الجنائز، باب في جمع الموتى في قبر، والقبر يعلم ح ٣٢٠٦، قال الحافظ ابن حجر في (التلخيص الحبير) ٢ / ١٤١، إسناده حسن.
٢ - رواه البخاري في صحيحه: (فتح الباري ٣ / ٢٦٤) في الجنائز، باب الجريدة على القبر تعليقاً، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٣ / ٢٦٥): خارجة بن زيد: أي ابن ثابت الأنصاري أحد ثقات التابعين، وهو أحد السبعة الفقهاء من أهل المدينة الخ، وصله المصنف - أي البخاري - في التاريخ الصغير من طريق ابن إسحاق: حدّثني يحيى بن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري، سمعت خارجة بن زيد فذكره، وفيه جواز تعليقة القبر ورفعه عن وجه الأرض ا هـ.
السجن الذي امتدّ شهراً، وكان يتوضأ ويصلّي وهي في يده، كما كان ممنوعاً حتّى من قراءة القرآن الكريم، فاتقوا الله تعالى فإنَّ الظلم ظلمات يوم القيامة.
ولا يجوز أن يكون فعل ذلك في مسجد النبيصلىاللهعليهوآله المبعوث رحمة للعالمين الذي قال:((إنّما أنا رحمةٌ مهداة)) (١) . وبعثه الله تعالى رحمةً للعالمين، فكيف بالمسلمين الذين تعاملونهم هذه المعاملة القاسية المنكرة بجواره الكريم وفي مسجده الشريف، وهو القائل (عليه الصلاة والسّلام):((الأنبياء أحياء في قبورهم يصلّون)) (٢) . و((إنّ الله عزّ وجلّ حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء)) (٣) .
١٤ - سمحتم لأحد المحسنين من أهل المدينة بهدم وإعادة بناء مسجد أبي بكر في جبل الخندق على حسابه الخاص، وبعد الهدم أوقفتم رخصة البناء؛
_____________________
١ - رواه البيهقي في شعب الإيمان ٢ / ١٦٤، وفي دلائل النبوّة ١ / ١٥٧ - ١٥٨، والحاكم في المستدرك ١ / ٣٥، ووافقه الذهبي، ورواه القضاعي في مسنده ٢ / ١٨٩ مرفوعاً عن أبي هريرة، ورواه الدارمي في سننه ١ / ٢١ وغيره عن أبي صالح مرسلاً، رواه البزاز في كشف الأستار ٣ / ١١٤ بلفظ:((إنّما بعثت رحمة مهداة)) . قال الهيثمي في المجمع ٨ / ٢٥٧: رواه البزاز والطبري في الصغير والأوسط، ورجال البزاز رجال الصحيح.
٢ - رواه البيهقي في حياة الأنبياء / ١٥، وأبو يعلي في مسنده ٦ / ١٤٦ ح ٣٤٢٥، والبزاز في مسنده / ٢٥٦ وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢ / ٢١١: (رواه أبو يعلي والبزاز، ورجال أبي يعلي ثقات).
٣ - رواه أحمد في مسنده ٤ / ٨، وابن أبي شيبة ٢ / ٥١٦، وأبو داود في سننه / ١٠٤٧، والنسائي ٣ / ٩١ - ٩٢، وابن ماجه ١ / ١٠٨٥، وابن حبان في صحيحه: (الإحسان ٣ / ١٩٠ - ١٩١)، وابن خزيمة في صحيحه / ١٧٣٣، والحاكم في المستدرك ١ / ٢٧٨ وصححه، ووافقه الذهبي، وصححه النووي في الأذكار (انظر الفتوحات الربّانية ٣ / ٣٠٩ - ٣١٢).
لأنّكم تعتبرون زيارة المساجد السبعة في موقع معركة الخندق النازلة فيها سورة الأحزاب بدعة، بل وتتمنون هدمها(١) .
١٥ - تمنعون الناس من إدخال وقراءة كتاب (دلائل الخيرات) للشيخ العارف بالله محمد سليمان الجزولي الحسني في الصلوات على النبي (عليه الصلاة والسّلام)(٢) ، وكذا غيره من الكتب في حين أنّكم تعلمون ما يدخل ويعرض من الكتب والمطبوعات المنكرة شرعاً! فاتقوا الله تعالى.
١٦ - تتجسّسون وتلاحقون، وتستجوبون وتعاقبون مَنْ يقيم مجالس الاحتفال والاحتفاء بذكرى المولد النبوي الشريف التي تخلو من أيّ منكر في الشرع، في حين لا تعترضون على مجالس اللهو والطرب والغناء ومظاهرها بشتى ألوانها وأنواعها.
فهل يجوز الكيل بمكيالين، وهل تجوز إهانة المحبّ ومراضاة الفاسق المستهتر؟(٣) .
_____________________
١ - المؤلّف: وفي آخر زيارتنا للمدينة المنوّرة، وكان ذلك في عام ١٤٢٤ هـ، زرنا هذه المساجد، فقد شاهدنا أنّ مسجد السيّدة فاطمة الزهراءعليهاالسلام أُغلق منذ أربع سنوات، ومسجد علي بن أبي طالبعليهالسلام أُغلق أيضاً منذ عامين، والمخطّط هو هدم كلّ هذه المعالم التاريخية وبناء مسجد كبير واحد فقط! فلا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم.
٢ - المؤلّف: بل كلّ كتاب غير المختّصة بعقائدهم وأفكارهم فهي ممنوعة علناً، وقد بعثنا كتباً إسلاميّة عامّة بالبريد فرجع البريد مكتوباً عليه (من الممنوعات)، وقد صادروا منّا ومن المسلمين وحجّاج بيت الله الحرام ملايين من الكتب بعنوان (غير مسموحة)!
مع العلم أنّ كلّ العالم أصبح قرية صغيرة كما يقولون، وكلّ ما تريده موجود على الانترنيت وفي سي دي صغير، ولكن انظر إلى التخلّف العقلي، والتعصب الأعمى عند هذه الجماعة!
٣ - المؤلّف: تأمّل يا أخي القارئ، ماذا يصنع عشرات الآلاف من الأجانب غير المسلمين في المملكة من المنكرات والمحرّمات، أو القنوات الفاسدة التي يملكها الأمراء المنحرفون وأنتم ساكتون عنهم، أو حتّى ترى في المطارات كيف يُهان الحاج والمعتمر ويقومون يتفتيشه =
١٧ - تمنعون الأئمّة من (القنوت) في المساجد في صلاة الصبح وتعتبرونه بدعة، علماً بأنّه ثابت شرعاً لدى إمامين من الأئمّة الأربعة: هما الشافعي ومالك، فلماذا فرض الرأي الواحد، والتضييق على المسلمين؟! فاتقوا الله تعالى(١) .
١٨ - لا تعهدون بالإمامة في الحرمين الشريفين إلاّ لأحدكم (من نجد)، وتحظرونها على مَنْ سواكم من علماء الحجاز والإحساء وغيرهم، فهل هذا من العدل أو من الدين بالضرورة؟! فاتقوا الله تعالى، وأقسطوا إنّه تعالى يحبّ المقسطين.
١٩ - أعملتم معولكم في هدم آثار النبي (عليه الصلاة والسّلام) والصحابة الكرام في المدينة المنوّرة خاصّة والحرمين الشريفين عامّة، حتّى كاد أن لا يبقى منها إلاّ المسجد النبوي الشريف وحده، في حين أنّ الأُمم تعتزّ وتحتفظ بآثارها، ذكرى وعبرة ودليلاً على ماضيها التليد، وترى أنّ كلّ أثر يقصد للاطّلاع والزيارة شرك بالله تعالى والله تعالى أمرنا بأن نسير في الأرض؛ لننظر آثار المشركين فنعتبر بها، كعاد وثمود الموجودة في (ديار صالح - العلا قرب المدينة المنوّرة)، والتي لا تزال مزاراً للسائحين، حيث قال الله تعالى:( قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ) (٢) .
_____________________
= والتدقيق في جوازه، بينما غير المسلم يكرم ويحترم ويعامل معاملة حسنة، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
١ - المؤلّف: علماً أنّ المذهب الإمامي الاثني عشري أيضاً يعتبر (القنوت) في كافة الصلوات مستحبّاً.
٢ - سورة آل عمران / ١٣٧.
وقال تعالى:( أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ وَاقٍ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) (١) .
وقال تعالى:( أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاّ اللهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ) (٢) .
فلماذا تحرمون المسلمين من مشاهدة معالم وآثار معركة بدر وأُحد، والحديبية وحنين والأحزاب، وغيرها من (أيّام الله) التي نصر بها رسوله وعباده الصالحين، وهزم الشرك والمشركين؟ فاتّقوا الله وكونوا من أولي الألباب لعلكم ترحمون.
٢٠ - آويتم (ناصر الألباني) ونصرتموه، وسمحتم له بنشر كتابه (أحكام الجنائز وبدعها) الذي طالب فيه جهاراً بإخراج قبر المصطفىصلىاللهعليهوآله من المسجد الشريف(٣) ، وعيّنتموه عضواً في المجلس الأعلى للجامعة الإسلاميّة في المدينة المنوّرة وأستاذاً بها، ولمّا أخرجه الملك فيصل مع بعض أتباعه وطردهم، أعدتموه إلى نفس المنصب بعد ذلك، ولا تزال كتبه الكاسدة مفسوحاً لها ومشجّعة
_____________________
١ - سورة غافر / ٢١ - ٢٢.
٢ - سورة إبراهيم / ٩.
٣ - وهذا الهراء ردّده أيضاً في رسالته (تحذير الساجد) انظر ص٦٨ - ٦٩، بل زاد على ذلك حين عدّ في رسالته (حجّة النبيصلىاللهعليهوآله ص١٣٧، من ضمن بدع المدينة المنوّرة كما يزعم (إبقاء القبر النبوي في مسجده) ا هـ.
عندكم(١) .
٢١ - تنتهزون كلّ عام فرصة صيانة وصباغة وترميم المسجد النبويّ الشريف؛ لتزيلوا كثيراً من المعالم الإسلاميّة الموجودة في خلوة المسجد الشريف من الآثار والمدائح النبويّة، فقد طمستم كثيراً من أبيات البردة النبويّة للبوصيري، وقد أردتم طمس البيتين الشهيرين، المكتوبين على الشباك الشريف، الواردين في قصّة العتبي كما ذكرها ابن كثير في التفسير(٢) :
يا خيرَ مَنْ دُفنت بالقاعِ أعظمه |
فطابَ من طيبهنّ القاعُ والأكَمُ |
_____________________
١ - المؤلّف: كما بينا سابقاً فإنّ كتب الإمامية الاثني عشرية أيضاً ممنوعة، ويحاسب عليها الإنسان محاسبة عسيرة.
٢ - انظر تفسير ابن كثير ٢ / ٣٠٦.
نفسي الفداءُ لقبرٍ أنتَ ساكنه |
فيهِ العفافُ وفيهِ الجودُ والكرمُ |
لولا أن نهاكم الملك فهد عندما بلغه الأمر وأمر بإعادتها، فما هذا الجفاء والصد عن نبيّكم الكريمصلىاللهعليهوآله وهو الواسطة بينكم وبين ربّكم تعالى؟ ما الأمر الذي بينكم وبينه؟
وكأنّكم نسيتم قوله تعالى:( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (١) ، وقوله تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً ) (٢) .
٢٢ - سمحتم للمدعو مقبل بن هادي الوادعي، المعروف بكثرة سبابه وطعنه على مخالفيه من العلماء، والدعاة إلى الله وصلحاء هذه الأُمّة، كما تشهد بذلك كتبه وأشرطته، أن يتقدّم ببحث في نهاية دراسته الجامعية في الجامعة الإسلاميّة بالمدينة المنوّرة، بعنوان: (حول القبّة المبنيّة على قبر الرسول صلّى الله عليه وآله)، وإشراف الشيخ حماد الأنصاري، طالب فيها جهاراً نهاراً بإخراج القبر الشريف من المسجد النبويّ، واعتبر وجود القبر والقبّة الشريفة بدعة كبيرة، وطالب بإزالتها وهدمها! ومنحتموه على ذلك درجة الفوز والنجاح!
فهل تكرّمون مَنْ يحادّ رسول الإسلام، حبيب الله، رحمة للعالمين وخليله (عليه الصلاة والسّلام)؟!
وقد وجّه هذا الرجل المئات من أتباعه ومقلديه ونحوهم ممّنْ تأثر بمذهبكم، ووجّههم وهم حاملوا السّلاح إلى هدم ونبش قبور المسلمين الصالحين في
_____________________
١ - سورة التوبة / ٦١.
٢ - سورة الأحزاب / ٧٥.
عدن باليمن منذ سنوات قليلة، فعاثوا في الأرض فساداً وخراباً، فنبشوا قبور الموتى بالمساحي ونحوها حتّى أخرجوا عظام بعض الموتى وانتهكوا حرماتهم، وأثاروا فتنة عمياء، وبلغنا أنّهم استخدموا في ذلك المتفجرات (الديناميت) في بعض المواضع في اليمن (وهذا كلّه في صحيفة أعمالكم)!
٢٣ - سمّيتم المصحف الشريف الذي أمر بطبعه الملك فهد بـ (مصحف المدينة النبويّة) بدلاً من أن يسمّى (مصحف المدينة المنوّرة)، وكأنّكم لا تقرّون أنّ هذه المدينة المباركة قد استنارت بل استنارت الدنيا كلّها ببعثة ورسالة سيّدنا محمد (عليه الصلاة والسّلام)، وقديماً هتفت جواري الأنصار عند هجرته الشريفة مرحّبات:
طلعَ البدرُ علينا |
من ثنيّاتِ الوداع |
|
وجبَ الشكرُ علينا |
ما دعا للهِ داع |
فهو البدر والقمر والنور، قال تعالى:( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً ) (١) ، وقال سبحانه: ( قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (٢) .
وارجعوا إلى كتب التفاسير وهي كثيرة؛ لتروا أنّهم فسّروا النور في الآية الشريفة بأنّه المصطفى (عليه الصلاة والسّلام)، وهنا لا نجادلكم في نور ذاته
_____________________
١ - سورة الأحزاب / ٤٥ - ٤٦.
٢ - سورة المائدة / ١٥ - ١٦.
الشريفة، بل نقول: إنّه (عليه الصلاة والسّلام) كان نوراً ورحمة بما جاء به من كتاب وسنة وهداية، قال تعالى:( وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (١) .
٢٤ - في الوقت الذي تفصلون النساء عن ذويهنّ ومحارمهنّ في المسجد النبوي بحجّة الغيرة على العرض والدين، توقفون الرجال من أتباعكم أمام مداخل النساء يستشرفونهنّ وكأنّهم معصومون عن كلّ ما يصدر عن غيرهم، كما أنّكم توقفون مراقبيكم من الرجال بين صفوف الطائفين والطائفات من الحجّاج والمعتمرين يستشرفون وجوه النساء ويطالبونهنّ بالحجاب، خلافاً لما عليه الجمهور من وجوب كشف الوجوه عند أداء هذه الشعيرة.
٢٥ - لا تعترضون على مَنْ يُرعب المسلمين الموجودين في الحرم المكي ويحقّق معهم، ثمّ يقبض عليهم إذا لم يجد معهم (سند الإقامة)، خلافاً لقول الله تعالى عن الحرم الشريف:( وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ) (٢) ، وهو أيضاً ممّا يشوّش ويعكّر الصفو والهدوء، والسكينة والهيبة على المعتكفين والركّع السجود.
٢٦ - تمنعون وتمتنعون في المحاكم الشرعية عن إبرام عقود الزواج، والنكاح بين المسلمين والمسلمات لكلّ مسلم غريب ومسلمة إذا كان زائراً ولا يملك سند الإقامة الدائم، وهذه بدعة وظلم، وفي ذمتكم لو ارتكب ما هو محرّم شرعاً.
٢٧ - ترفضون أن تسجّلوا أي طالب للدراسات العليا في جامعاتكم إلاّ بعد
_____________________
١ - سورة المائدة / ١٦.
٢ - سورة آل عمران / ٩٧.
أن تمتحنونه في ما تسمّونه بـ (العقيدة الصحيحة)، ولا تكتفون بأنّه مسلم من عامّة المسلمين الموحّدين، وهذه عصبية ممقوتة.
٢٨ - إذا اختلف معكم أحد في موضوع، أو أمر فقهي أو عقدي، أصدرتم كتاباً في ذمّه وتبديعه أو تشريكه، ومع هذا لا تمنحونه حقّه في الدفاع عن نفسه وتبرئتها من ذلك(١) .
٢٩ - سعيتم لبدعة كبيرة لم تسبقوا إليها حتّى من أسلافكم في العقيدة والمنهج، وهي أنّكم سعيتم لغلق وقفل البقيع الشريف، ومنع الدفن فيه، ونقل دفن الأموات الجدد إلى موقع آخر بعيد عن موقع الشرك والبدع في رأيكم؛ ولمنع الناس من الدخول إلى البقيع وزيارة مَنْ فيه من الآل والصحابة والتابعين وبقيّة الصالحين، ولكنّ الله تعالى أحبط مسعاكم.
٣٠ - رضيتم ولم تعارضوا هدم بيت السيّدة خديجة الكبرى، أُمّ المؤمنين والحبيبة الأولى لرسول ربّ العالمينصلىاللهعليهوآله ، المكان الذي هو مهبط الوحي الأوّل عليه من ربّ العزّة والجلال، وسكتّم على هذا الهدم راضين أن يكون المكان بعد هدمه دورات مياه وبيوت خلاء، وميضآت!
_____________________
١ - المؤلّف: وإذا أردّتم الحقيقة أيّها الأحبّة فزوروا المنطقة الشرقية في المملكة؛ فسوف ترون الأعاجيب من مظلوميّة أتباع أهل البيتعليهمالسلام هناك!
فأين الخوف من الله تعالى؟ وأين الحياء من رسوله الكريم (عليه الصلاة والسّلام)؟!
٣١ - حاولتم ولا زلتم تحاولون، وجعلتم دأبكم هدم البقيّة الباقية من آثار رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ألا وهي البقعة الشريفة التي ولد فيها والتي هُدّمت، ثمّ جُعلت سوقاً للبهائم، ثمّ حوّلها بالحيلة الصالحون إلى مكتبة هي: (مكتبة مكة المكّرمة)، فصرتم ترمون المكان بعيون الشرّ والتهديد، والانتقام وتتربصون به الدوائر، وطالبتم صراحة بهدمه واستعديتم السلطة وحرّضتموها على ذلك، بعد اتخاذ قرار بذلك من هيئة كبار علمائكم قبل سنوات قليلة، (وعندي شريط صريح بذلك).
فيا سوء الأدب، وقلّة الوفاء لهذا النبيّ الكريم الذي أخرجنا الله به وإيّاكم والأجداد من الظلمات إلى النور! ويا قلّة الحياء منه يوم الورود على حوضه الشريف! ويا بؤس وشقاء فرقة تكره نبيّها؛ سواء بالقول أو بالعمل، وتحقّره وتسعى لمحو آثاره! والله تعالى يقول لنا:( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) (١) .
والله تعالى يقول ممتنّاً على بني إسرائيل بطالوت وموسى وهارون:( وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (٢) .
وقال المفسرون: إنّ البقية المذكورة هي عصا موسى ونعلاه و الخ.
_____________________
١ - سورة البقرة / ١٢٥.
٢ - سورة البقرة / ٢٤٨.
واقرؤوا إن شئتم الأحاديث الصحيحة الواردة فيما يتعلق بآثار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، واهتمام الصحابة بها المذكورة في ثنايا أبواب صحيح البخاري، ففيه الكفاية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وفيه الغنية لقوم يعقلون ويتدبرون.
٣٢ - ضيّقتم ثمّ أوصدتم وأقفلتم باب النصيحة من المسلمين لأئمّتهم وحكّامهم، وأفتيتم بمعصية مَنْ يخالف ذلك، وعاديتموه في الوقت الذي فيه المسلمون وحكّامهم بأمسِّ الحاجة إلى الوعظ والنصيحة بالحسنى، وصلّى الله تعالى على القائل:((الدين النصيحة)) .
قلنا لِمَنْ؟
قال:((لله ولكتابه ولرسوله ولأئمّة المسلمين وعامّتهم)) (١) .
٣٣ - منعتم الدروس إلاّ دروسكم، والمذاهب إلاّ مذهبكم، والوعظ إلاّ وعظكم، والدعاة إلاّ دعاتكم، فعتطّلت مجالس العلم، ودرست محافل الوعظ، وخوت حلقات القرآن، واستخفت مجالس الذكر، فماذا غداّ أنتم لربّكم قائلون، يوم يقول:( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ) (٢) ؟
٣٤ - أنشأتم جامعة في المدينة المنوّرة سمّيتموها (الجامعة الإسلاميّة) بجوار سيّد المرسلينصلىاللهعليهوآله ، فهرع الناس والعلماء إليها بفلذّات أكبادهم وأبنائهم مسرعين فرحين؛ لينهلوا من هذا المنبع، ظانّين أنّها ستزيدهم محبّة واتّباعاً لحبيبهمصلىاللهعليهوآله وآله الطيّبين وأصحابه والتابعين، فإذا بكم تدرّسونهم كيف يجافونه ويجافونهم أجمعين. وتجعلون الطلاب على بعضهم يتجسسون؛ لينقلوا إليكم أسماء وأخبار مَنْ سمّيتموهم (القبوريّين) الذين يكثرون الزيارة والسّلام على
_____________________
١ - رواه مسلم في صحيحه ١ / ٧٤ ح ٥٥ وقد تقدّم.
٢ - سورة الصافات / ٢٤.
سيّد المرسلين ورحمة الله للعالمين؛ حتّى يكونوا من المحارَبين المنبوذين المفصولين، إلاّ مَنْ والاكم وأطاعكم فهو وحده الصادق الأمين.
ومَنْ تخرّج بكم وتشرّب بآرائكم من الناجحين، صرتم ترسلونهم إلى بلادهم وكلاء عنكم منذرين ومبشّرين؛ لتجديد إسلام آبائهم وأقوامهم الضالّين بزعمكم، وتُغدقون عليهم الرواتب، وتفتحون لهم المكاتب، وتفسحون الميادين، فتقوم القيامة وينشب الخلاف والعداء بينهم وبين العلماء والصلحاء من آبائهم وشيوخهم السابقين، وكأنّهم قنابل موقوتة عبّأتموها وملأتموها بكلّ سوء ظنّ وحقد دفين؛ ممّا جعل البلاد الإسلاميّة وخاصّة إفريقيا وآسيا ساحة للمعارك والخلافات بين المسلمين، بل وصل الأمر هذا إلى البلدان الإسلاميّة التي استقلّت حديثاً من روسياً، وإلى الأقلّيات والجاليات المسلمة في أوروبا وأمريكا واستراليا وغيرها، فإلى الله المشتكى.
٣٥ - إنّ ما يحصل من مذابح ومجازر، ومآسٍ تشوّه سمعة الإسلام وتفتك بالمسلمين، خاصّة كالتي في الجزائر ومصر، أو التي حدثت في الحرم المكي، ما هي إلاّ ثمرة خرِّيجيكم وآرائكم، وقراءة كتبكم ومطبوعاتكم التي بُنيت على التكفير والتشريك، والتبديع وسوء الظنّ بالمسلمين ..
٣٦ - تتّهمون المخالفين لكم من المسلمين بأنّهم جهمية أو معتزلة مارقون، وأنتم الجهمية؛ لأنّكم وافقتموهم في بعض آرائهم، وحقّاً أنتم المعتزلة؛ لأنّكم شاركتموهم في إنكار الولاية والأولياء والكرامة والكرامات، وحياة الموتى وتحكيم العقل في المغيّبات من أمور الدين.
وقديماً قيل: رمتني بدائها وانسلَّت، وقيل:
لا تنهَ عن خلقٍ وتأتيَ مثله |
عارٌ عليكَ إذا فعلتَ عظيمُ |
فهل أنتم للحقّ سامعون؟!
٣٧ - تعملون عمل الخوارج، فإذا جاءكم أحد من المسلمين، وخاصّة طلبة العلم، تبدؤون في عقيدته أصحيحة عندكم أم لا؟ ما تقول في كذا، وكذا، وأين الله؟ و ...؟
وهكذا كان يعمل الخوارج فيما سبق، فكانوا إذا جاءهم، أو مرَّ بهم المسلم الموحّد امتحنوه، فإذا خالفهم قتلوه، أمّا المشرك أو الكافر فيتلطّفون به ويتلون الآية:( وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ ) (١) ،( أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) (٢) .
٣٨ - كان للمذاهب الأربعة في الحرم المكي منابر فهدّمتموها، ثمّ كراسي للتدريس فمنعتموها(٣) .
٣٩ - كان هناك أثر (مبرك للناقة) ناقة النبيصلىاللهعليهوآله في مسجد (قباء) يوم قدومه مهاجراً إلى المدينة، في مكان نزل فيه قوله تعالى:( لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى
_____________________
١ - سورة التوبة / ٦.
٢ - سورة القلم / ٣٥ - ٣٦.
٣ - المؤلّف: أمّا المذهب الإمامي الاثني عشري الذين عددهم في العالم اليوم أكثر من (٥٠٠) مليون إنسان، يعني أكثر من ثلث المسلمين، فلا منبر ولا كرسي، ولا صوت للتدريس ولا الخطابة، فمَنْ يشرح للحجّاج والمعتمرين مسائلهم الشرعية؟!
التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ) (١) ، فأزلتم هذا الأثر، وكنّا نشاهده حتّى وقت قريب.
٤٠ - وكان في مسجد القبلتين علامة على القبلة القديمة إلى المسجد الأقصى المنسوخة، فأزلتموها باعتبارها بدعة.
٤١ - أزلتم بُستان الصحابي سلمان الفارسي (رضي الله عنه) حيث كانت هناك نخلة غرسها النبيصلىاللهعليهوآله ، ورَدَمْتُم بئر (العين الزرقاء) قرب قباء، وبئر أريس (بئر الخاتم)، ومنعتم مشاهدة بئر رومة التي اشتراها عثمان من اليهودي، وهناك آثار كثيرة هامّة؛ إمّا أزيلت كلّية، أو غُيرت معالمها.
٤٢ - وكان لأهل الإحساء من أصحاب المذاهب الأربعة مدارس خاصّة لكلّ مذهب أغلقتموها ومنعتم التدريس فيها(٢) ؛ لأنّه لا يجوز عندكم تدريس ما سوى مذهبكم في المدارس التي تشرفون عليها للذكور والإناث، ولمّا صاروا يقيمون بعض الدروس في بيوتهم راقبتموهم وضايقتموهم، وحاصرتموهم وتجسّستم عليهم.
فهل هذه أعمال الدعاة الأبرار، والرجال الأخيار، التقاة الزهّاد، الورعين الخائفين من الله تعالى القائل:( وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) (٢) ؟!
_____________________
١ - سورة التوبة / ١٠٨.
٢ - المؤلّف: فإذا كانت المذاهب الأربعة قد أُغلقت مدارسهم، فإنّ أتباع مذهب أهل البيتعليهمالسلام لم يكن لهم مدارس حتّى تُغلق، بل كان نصيبهم المنع المطلق، ولا تُدرّس أفكارهم ولا عقائدهم ولا أحكامهم الشرعية، مع العلم أنّ نفوسهم في المملكة ربع السكّان تقريباً.
٣ - سورة البقرة / ٢٨١.
والقائل:( أَلا يَظُنُّ اُولئك أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) (١) .
٤٣ - وضعتم معاولكم في بيت الصحابي الجليل (أبي أيوب الأنصاري) الذي استضاف فيه النبيصلىاللهعليهوآله عند قدومه المدينة المنوّرة قبل بناء حجراته الشريفة، وقد حافظت عليه كلّ العهود السابقة بما فيها عهد أسلافكم، فهدمتم هذا الأثر الشريف الذي كان في قبلة محراب المسجد النبوي الشريف؛ وذلك بزعم أنّ المسلمين (المشركين) يتبرّكون به!
٤٤ - كما ردمتم (بيرحاء) التي دخلت في التوسعة، ولم تتركوا عليها أثراً أو علامة، كأثر دخله النبيصلىاللهعليهوآله ورد ذكره في صحيح البخاري(٢) وغيره.
ولم تبقوا في المدينة المنوّرة من آثار المصطفى وأصحابه غير المسجد النبوي وحده، فهلاّ التفتم لخيبر وغيرها، وهل يجوز أن نقلّد اليهود في إزالتهم لكلّ أثر إسلامي في القدس الشريف فنزيل آثارنا في المدينة المنوّرة؟!
وماذا أبقيتم للأجيال القادمة من تراثنا المجيد؟!
٤٥ - وتوسّعتم في إصدار الأحكام باسم الشرع الحنيف في قتل المخالفين لكم من أصحاب الرقية والعلاج الروحي، وسمّيتموهم (سحرة)، ولم تفرّقوا بين المحقّين منهم وبين المبطلين منهم، وتركتم لأنفسكم مطلق الفتوى والحكم
_____________________
١ - سورة المطففين / ٤ - ٦.
٢ - انظر صحيح البخاري ٢ / ١٢٦ كتاب الزكاة، باب الزكاة على الأقارب، وصحيح مسلم ١ / ٦٩٣ كتاب الزكاة، باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين ح ٩٩٨.
بذلك، فأسلتم دماء الكثيرين من الأبرياء بحجّة أنّهم سحرة تُستباح دماؤهم، متناسين قوله تعالى:( وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ ) ، وقول البشير النذيرصلىاللهعليهوآله :((أوّل ما يقضى به بين الناس يوم القيامة في الدماء)) (١) .
فقفوا عند الحدود وادرؤوها بالشبهات، واتّقوا يوم يُقتص للجماء من القرناء،( يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً ) (٢) ،( وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) (٣) (٤) .
هذه مقتطفات من الرسالة التي وجّهها السيّد هاشم الرفاعي، فهل من مدافع عن مظلومية أتباع أهل البيتعليهمالسلام ؟
_____________________
١ - متّفق عليه، رواه البخاري ٨ / ١٣٨، ومسلم ٥ / ١٠٧ وقد تقدّم.
٢ - سورة النبأ / ٤٠.
٣ - سورة البقرة / ٢٨١.
٤ - نصيحة لإخواننا علماء نجد / ٢٦ مع الإجمال.
الفصل التاسع: مفهوم الأخلاق عند الوهابيّة
أمّا الأخلاق الفاضلة، والقيم الإنسانيّة، فإنّهم لم يسمعوا بها أبداً، أو إنّهم سمعوا بها ولكنّها كانت غير منسجمة مع سلوكهم فرفضوها تماماً. والله سبحانه يريد الدعوة:( بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) (١) .
وهم يريدون الدعوة إلى دينهم بالحديد والنار، وبمنطق القوّة لا قوّة المنطق، وإنّما قوّة العنف والإرهاب، وإذا أردت الحوار معهم فلا أسهل من السباب والشتائم، والتكفير والإشراك والإلحاد التي ستكون بانتظارك دائماً وأبداً؛ فتراهم يشوّشون ويصرخون، ويقذفون الناس بالسباب لأتفه الأسباب، ولمجرد الاختلاف بالرأي معهم.
والاختلاف بالرأي حالة طبيعية وتكوينية في حياة الإنسان، الله سبحانه وتعالى رعاها حين قال على لسان رسوله الكريمصلىاللهعليهوآله :( وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) (٢) .
أمّا الوهّابي فيقول لك: أنت على ضلال دائماً وهو على الهدى المبين، لا
_____________________
١ - سورة النحل / ١٢٥.
٢ - سورة سبأ / ٢٤.
لقول الله عزّ وجلّ، ولا لقول رسولهصلىاللهعليهوآله ، بل لقول ابن تيمية، أو ابن الجوزية، أو ابن عبد الوهّاب، أو الألباني، أو ابن باز وأمثالهم.
ورحم الله الشاعر الذي قال:
وحسبكمُ هذا التفاوتُ بيننا |
وكلُّ إناءٍ بالذي فيهِ ينضحُ |
فلا غرابة من سوء أخلاقهم، وفظاظة ألفاظهم، وجفاف أذواقهم، وقلّة أدبهم تجاه مَنْ يحاورونه، أو يراسلونه، أو حتّى بحديثهم العادي الغير موجّه.
أين الأخلاق الإسلاميّة؟
الكلّ يعلم، أنّ الأخلاق أساس من أسس التكوين الاجتماعي، ودعامة من الدعامات التي يقوم عليها التجمّع الإنساني؛ ولذا فهي مدار بحث منذ القديم وحتى العصر الراهن، كما تقدّم - وبيّنا في الفصل الأوّل -.
والشاعر العربي يقول:
إنّما الأممُ الأخلاقُ ما بقيت |
فإنْ همُ ذهبتْ أخلاقُهم ذهبوا |
وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله :((الخُلق الحسن نصف الدّين)) (١) ، وقالصلىاللهعليهوآله :((أثقل ما يوضع في الميزان الخُلق الحسن)) (٢) ، وقالصلىاللهعليهوآله :((أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم أخلاقاً)) (٣) .
_____________________
١ - موسوعة البحار ٧١ / ٣٨٥.
٢ - موسوعة البحار ٧١ / ٣٨٣.
٣ - موسوعة البحار ٧١ / ٣٨٩.
وعن الحسن بن الجهم قال: سألت الرضاعليهالسلام : جُعلت فداك، ما حدّ التوكّل؟
قال لي:((أن لا تخاف مع الله أحداً)) .
قال: فقلت: فما حدّ التواضع؟
قال:((أن تُعطي الناس من نفسك ما تحبّ أن يعطوك مثله)) .
قال: قلت: جُعلت فداك، أشتهي أن أعلم كيف أنا عندك؟
فقال:((انظر كيف أنا عندك)) (١) .
وأمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام يقول:((حَسِّنْ مع جميع الناس خُلقك؛ حتّى إذا غبت عنهم حنّوا إليك، وإذا متّ بكوا عليك، وقالوا: إنّا لله وإنّا إليه راجعون. ولا تكن من الذين يُقال عند موته: الحمد لله ربّ العالمين)) (٢) .
هذه أخلاق الأُمم الحضارية، هذه هي أخلاق الله الذي ربّى عليها رسول اللهصلىاللهعليهوآله الذي قال:((أدّبني ربّي فأحسن تأديبي)) (٣) .
وعليها ربّى رسول اللهصلىاللهعليهوآله أهل بيته الأطهارعليهمالسلام :((نحن صنايع ربّنا، والخلق من بعد صنايعنا)) (٤) .
وعليها تربّت الأُمّة كلّها منذ اليوم الأوّل للرسالة المباركة، إلاّ البعيدون عن أخلاق أهل البيتعليهمالسلام ؛ لأنّهم تربّوا على يدي محمد بن عبد الوهاب حديثاً وابن تيمية قديماً، وفاقد الشيء لا يُعطيه؛ لأنّهما كانا بعيدين كلّ البُعد عن الخُلق النبوي الشريف.
_____________________
١ - الأمالي - للشيخ الصدوق / ٣١١ ح٣٦٠ / ٨.
٢ - نهج البلاغة / قصار الحكم رقم ١٠.
٣ - بحار الأنوار ١٦ / ٢١٠، شرح نهج البلاغة ١١ / ٢٣٣.
٤ - الصراط المستقيم ٢ / ٢٣٥، بحار الأنوار ٥٣ / ١٧٨.
سُئل أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام عن الفرق بين الحقّ والباطل، فأحال السؤال إلى ولده البار الإمام الحسن المجتبىعليهالسلام ، فقال:((أربع أصابع)) ، ووضع يده الشريفة على خدّه المبارك، وأردف قائلاً:((فالحقّ أن تقول: رأيت، والباطل أن تقول: سمعت)) (١) .
وسأل رجل من العرب المولى أبا عبد الله الحسينعليهالسلام قائلاً: كم بين الإيمان واليقين؟ قالعليهالسلام :((الإيمانُ ما سَمِعناهُ، واليقينُ ما رأيناهُ، وبين السَّمع والبَصرِ أرَبعْ أصابعَ)) (٢) .
والواقع أصدق من كلّ تقارير الأخبار والصحفيين في العالم، وما عليك يا عزيزي الكريم إلاّ الوقوف لحظات أمام شاشة التلفاز وتنتقل بين الفضائيات ولا سيما الإخبارية وما أكثرها؛ حتّى تعلم إلى أيّ مدى وصل العنف الوهابي؟
وبالتالي باتت عمليات القتل والتدمير والاغتيالات بالجملة في المشهد العالمي. فالتكفير صار أمراً طبيعياً عند هذه الجماعة!
إنّهم يريدون تجميد الحياة، أو إعادتها إلى آلاف السنين إلى الوراء، فهم يرفضون حتّى النظريّات العلميّة، والنهضات العالميّة والإبداعات والمبتكرات العقليّة التي توصّل إليها الإنسان في هذا العصر الذي قفزت فيه البشريّة قفزات نوعيّة لا تُقاس بأيّة قفزة كانت قبلها، ولا ينكر هذا إلاّ الجاهل أو الغافل.
فهل تعلم أنّهم ينكرون حتّى كرويّة الأرض ودورانها حول نفسها، أو حول
_____________________
١ - تجدر الإشارة إلى أن الحديث طويل، وقد أخذ منه المؤلّف ما يحتاج إليه؛ لبيان موضوعه. انظر: الخصال للشيخ الصدوق / ٤٤١ ح٣٣.(موقع معهد الإمامين الحسَنَين)
٢ - تفسير البرهان ٤ / ١٦٧، كفاية الأثر / ٢٣٢.
الشمس، كما نُقل عن عبد العزيز بن باز مفتي الديار السعودية الذي يستدلّ على بطلان الكرويّة والدوران بعدم انكباب، أو انصباب الماء من الكأس الذي يضعه على الطاولة أمامه.
تصوّر يرعاك الله موقفهم من هذه الأمور العلميّة التي صارت من البديهيّات عند أطفالنا.
ويتمثل الخطر السلفي الوهابي في ناحيتين:
١ - الخطر الخارجي على غير المسلمين: الذين يريد الوهابيّون منهم أن يسلّموا قهراً، ويعتنقوا الوهابيّة حصراً، أو أن دماءهم وأموالهم وأعراضهم مباحة؛ لأنّهم كفّار ومشركون.
٢ - الخطر الداخلي على المسلمين: وذلك بسبب سياسة التكفير للأُمّة الإسلاميّة، وهي من أخطر الدعوات الخارجية (من الخوارج) التي ظهرت في الدين الإسلامي، منذ ظهوره المبارك وحتّى الآن، فما من دعوة أو نزعة، أو بدعة ظهرت، إلاّ وكانت تلاحظ الأُمّة الإسلاميّة، وترعى بيضة الإسلام، إلاّ هؤلاء الذين يكفّرون الأُمّة كلّها. سبحانك اللهمّ هذا بهتان عظيم!
فالعنف الوهابي العملي ظاهر للعيان، وحقدهم مشتعل النيران، تغلي بها القلوب الحجريّة التي يحملونها في صدورهم، وما الأحداث التي جرت في أفغانستان والباكستان، والهند والسعودية، واليمن ولبنان، ومصر والجزائر، وخصوصاً العراق الجريح وسائر البلدان، إلاّ شاهد على أعمالهم التخريبيّة التي شوّهت صورة الإسلام في العالم، وصار يُعرف بأنّه دين دموي! وإليكم ما تناقلته وكالات الأنباء العالمية:
سلسلة جرائم نكراء أُخرى يندى لها الجبين، أقدمت عليها الأُمويّة
الجديدة من زمر الوهابيّة، وفلول البعث الكافر المرتبطين بتنظيمات القاعدة الإرهابيّة، أعداء الدين والإنسانيّة تُضاف إلى سجّل جرائمهم البشعة، وأعمالهم الوحشيّة الجبانة بحقّ الشعب العراقي المسلم عامّة، وشيعة أهل بيت رسول اللهصلىاللهعليهوآله على وجه الخصوص.
إذ قام أعداء الإنسانيّة صباح هذا اليوم العاشر من المحرّم ١٤٢٥ هـ بما يلي:
١ - تفجير خمس عبوات ناسفة بالقرب من ضريح أبي الفضل العباس بن أمير المؤمنينعليهالسلام في مدينة كربلاء المقدّسة، أسفر عن سقوط عدد كبير من الضحايا بين شهيد وجريح، رجالاً ونساءً وأطفالاً كلّهم من الزوّار الأبرياء.
٢ - وبنفس التوقيت في مدينة الكاظمية حيث مرقد الإمامين الجوادين (موسى الكاظم ومحمد الجواد عليهما السّلام) في ضواحي بغداد العاصمة العراقيّة.
٣ - وفي مدينة الصدر ببغداد التي قدّمت آلاف الشهداء في طريق العدل والحريّة والسّلام.
ارتكبت بنفس الأسلوب الجبان من خلال تفجير عدّة عبوات ناسفة، ثلاث منها خارج وداخل حرم الإمامين الجوادينعليهماالسلام في الكاظميّة، أسفرت عن مقتل وجرح العديد من المواطنين الأبرياء يقدّر بالعشرات(١) .
وبين يدي العشرات من الأوراق التي تصف الحالة التي تمّ بها التفجير، وكلّها تؤكّد أنّها عمليات انتحاريّة كانت تستهدف الشيعة الإماميّة في يوم عزائها الأكبر عاشوراء.
_____________________
١ - وكالات الأنباء العالميّة كلّها، وكافة الصحف والمجلات العالمية و .
١ - الوهابي وحجّاج بيت الله:
وأذكر أنّني في عام ١٤٢٠ هجرية، وفي أيّام الحجّ حيث وفّقني الله لذلك فله الحمد، وكنّا نبدأ بزيارة الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله في المدينة المنوّرة، وأهل البيتعليهمالسلام وكرام الصحابة في البقيع الشريف وبقية الشهداء هناك.
وذات يوم رأيت اجتماعاً كبيراً من الناس غير العرب يقفون مع أحد العناصر الوهابيّة، ولا أحد منهم يفهم على الآخرين شيئاً؛ لأنّهم كلٌّ يتحدّث بلغته ولهجته ولكنته.
ورأيت الوهابي يتهجّم عليهم بصوت عالٍ، وسمعته يفسّق تارة، ويرمي بالكفر أو الشرك أُخرى! وهذا من أبسط التهم لديه؛ ولذا قال: يا عبّاد الأصنام والقبور!
فاقتربت منه وقلت له: يا أخي العزيز، هؤلاء حجّاج بيت الله الحرام، وجاؤوا هنا لزيارة قبر رسول الله وأهل بيته الأطهار والصحابة الكرام! ورسول اللهصلىاللهعليهوآله قد أوصى بهم، وأوصى بزيارته هذه؛ لأنّه قال:((مَنْ حجّ ولم يزرني فقد جفاني)) (١) .
وهؤلاء الضيوف جاؤوا لزيارته وتلبية ندائه، فلماذا هذا الجفاء والعنف معهم؟ فهذا لا يجوز، علماً أنّ الكثير منهم قطعوا آلاف الأميال ويأتون لأوّل مرّة، وربما لا يرجعون ثانية.
فقال لي وعينه محمرَّة: قل ماذا تريد؟
_____________________
١ - مستدرك الوسائل ١٠ / ١٨.
قلت: عليك بالهدوء والاحترام لهؤلاء الضيوف؛ إنّهم ضيوف الرحمن والرسول الكريمصلىاللهعليهوآله .
فقال: هؤلاء لا ينفع معهم الهدوء والرحمة.
قلت: أليس الله تعالى يقول في كتابه الكريم واصفاً ومخاطباً رسول اللهصلىاللهعليهوآله :( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) (١) ،( وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) (٢) . أين عطفك وحنانك، ورحمتك وأخلاقك الإسلاميّة؟!
فبهت الرجل، ثمّ سكت وأعرض عنّي وأدار لي ظهره!
بهذه الأخلاقيّات يتعاملون مع المسلمين وضيوف الرحمن، وزوّار وعشّاق رسول اللهصلىاللهعليهوآله في دار ضيافته الشريفة، فيشوّهون صورة الإسلام بعيون أبنائه، ويكرّهونهم بأقدس وأطهر الأماكن، ويبعّدونهم عن مقدّساتهم وآثار الرسول والرسالة المقدّسة، وللأسف الشديد كلّ ذلك يقع تحت اسم الإسلام والتوحيد والجهاد.
٢ - إهانة عند قبر النبيصلىاللهعليهوآله :
إنّ الحجّ الواجب مرّة واحدة في الحياة، وقليل مَنْ يوفَّق للإعادة ثانية، والقليل جدّاً الذي يحجّ ثلاث مرّات ويُكتب أنّه مدمن الحجّ، والنادر الذي يذهب أكثر من ذلك إذا كان مسكنه خارج منطقة الجزيرة العربية.
ولهذا نرى أنّ النسبة العظمى ربما أكثر من ٩٠% من الحجّاج يأتون لأوّل
_____________________
١ - سورة الأنبياء / ١٠٧.
١ - سورة القلم / ٤.
مرّة لأداء فريضة الحجّ ومندوب الزيارة.
فهي إذن رحلة العمر التي لن تتكرّر بالنسبة لهم، فهم إذن غرباء والغريب جاهل بالأرض والسّكان، والعادات والتقاليد، فهذا ما يزيد من غربته، ولكنّ الواجب يهدم بعض تلك الوحشة، وهيبة المكان وروحانيّة الزمان تضيفان الكثير من مظاهر الودّ والألفة بين الإخوة الحجّاج.
وهكذا فهم أوّل مرّة يدخلون المدنية المنوّرة، ويرون الروضة المباركة والقبر الشريف والقبّة المنيرة، فيرجعون إلى التاريخ ويتذكّرون ما تعلّموه وحفظوه عن ظهر قلب. بل ربما هو محفور في حنايا القلب، لا سيما وصف رسول الله وأهل بيته (صلوات الله وسلامه عليهم)، فترى أعينهم تفيض من الدمع شوقاً إلى الحبيب المصطفىصلىاللهعليهوآله .
وكذا الحال بالنسبة إلى مكة المكرّمة حيث البيت العتيق، ومسقط رأس الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، وآثار الرسالة والرسول تراها ماثلة للعيان، لا سيما التي لم تستطع يد الهدم الوهابيّة تخريبها، وتتذكر تلك العهود الغابرة، والأحداث الماضية وتسترجع في ذهنك حياة رسول الإسلامصلىاللهعليهوآله والمسلمين الأوئل.
فكلّ خطوة، وكلّ لمحة، وكلّ شيء يذكّرك بمقدّساتك ودينك، وقرآنك العظيم والحروب والغزوات، وتسأل نفسك كم لاقى وعانى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؛ لتبليغ الرسالة وإنقاذ البشر من الضلال وظلماته؟
ولذا ترى الحاجّ إذا ما وصل به المقام إلى أمام قبر النبي الأكرمصلىاللهعليهوآله ، وربما قبل ذلك بكثير، فإنّه يقف بخشوع ومهابة وكأنّه في حضرته المباركة، وتجري الدموع على خدّيه باكياً منتحباً على رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وهكذا عند قبور الأئمّة
الأطهارعليهمالسلام والشهداء والصحابة الأجلاّء.
الشوق والحبّ يسوقان المسلمين إليك يا رسول الله ليس إلاّ، فهم لم يروك عياناً، بل يطمعون برؤية محيّاك ولو بالمنام، إلاّ أنّهم قرؤوا وصفك، وسمعوا سيرتك العطرة، واعتنقوا ديانتك الحنيفيّة، وها هم الآن يقفون أمام قبرك خاشعين، وإلى الله داعين ضارعين، تكسوهم الهيبة، ويجلّلهم الخشوع أمام عظمة أعظم مخلوق خُلق، وينتشي القلب بعد أن يشمّ العبير الطيّب الذي يفوح من ذاك القبر المقدّس الذي هو أطيب من المسك وغيره، ويسمو الفكر، وترفرف الروح في فضاء من الروحانيّة والنورانيّة المقدّسة التي لا يمكن وصفها؛ لأنّها من الشعور الذي لا يوصف أبداً، وإنّما يُحسّ ويُعاش ممّنْ هم من أهل الإيمان؛ ولذا وربما باللاشعور تهجم إلى القفص الحديدي، أو إلى الشباك المطلّ على القبر، أو الجدار أو أي شيء يمكن لك أن تلمسه، وكلّما كان أقرب كان الأمر أطيب والمكان أهيب؛ وإذا لم تستطع شيئاً من ذلك فلا شك أنّك ستشير إشارة بيدك من بعيد إلى ذلك المكان المقدّس الشريف.
وبينما أنت بكلّ هذه الروحانيّة التي لا تحبّ أن يقطعها عليك أحد، تُفاجأ بعناصر وأفراد الوهابيّة يصيحون ويصرخون دون خوف من الله، ولا احترام لرسوله الكريمصلىاللهعليهوآله الذي أمرنا الله سبحانه باحترامه:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ) (١) .
بل يهجمون عليك، وربما ضربوك إذا مددت يدك باتّجاه الحبيب
_____________________
١ - سورة الحجرات / ٢.
المصطفىصلىاللهعليهوآله ، ويقذفونك بالكفر والشرك قائلين: لا تَدْعُ، لا تتوسّل بالرسول، لا تلمس القفص؛ إنّه حديد لا ينفع. لا تقف هنا لا لا، وألف لا.
فقلت لأحدهم مرّة: فلماذا جئنا إلى المدينة إذن، وتحمّلنا مشاقّ السفر لقطع آلاف الأميال؟ فلماذا نأتي وتأتي الملايين إلى المدينة أصلاً؟
فقال: للصلاة في المسجد النبوي.
قلت: وقبر النبيّصلىاللهعليهوآله وزيارته؟
قال: محمد مات وانتهى أمره.
قلت: النبيصلىاللهعليهوآله يوصينا بزيارة قبره الشريف بقوله:((مَنْ حجّ ولم يزرني فقد جفاني)) (١) ، وروايات كثيرة بهذا المعنى ملأت كتب المسلمين، وأنت تمنعنا من زيارته؟!
فقال: اذهب أنت رافضي، رافضي لا ينفع معك الكلام.
قلت: لماذا تمنعنا من الوقوف والنظر إلى قبر حبيب الله بينما أنت واقف وظهرك إلى قبر النبيصلىاللهعليهوآله ، وهذا إهانة لرسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟!
فتركني وذهب ولم يجبني.
إنّه الجفاء والغلظة، وضيق الصدر الذي تتّصف به هذه الجماعة.
وكم أستحضر سيرة رسول الإنسانيّة وسيّد الكائناتصلىاللهعليهوآله فأقول في نفسي: الله أكبر! ما أعظمك يا رسول اللهصلىاللهعليهوآله ! وما أعظم صبرك، وأوسع صدرك الشريف! كم تحمّلت الأذى من مثل هؤلاء في حياتك، وأنت القائل:((ما أوذي
_____________________
١ - مغني المحتاج - لمحمد بن أحمد الشربيني ١ / ٥١٢.
نبي مثل ما أوذيت)) (١) .
فكنت تدعوهم إلى خير الدنيا والآخرة، وهم يقذفونك بالسحر والجنون والكذب - والعياذ بالله - وأنت الصّادق الأمين، فساعد الله قلبك يا رسول اللهصلىاللهعليهوآله !
إنّني كلّما ذهبت إلى الحجّ ونظرت بأُمّ عيني إلى هذه التصرّفات اللأخلاقيّة من هذه العناصر، أتذكر معاناة حبيب اللهصلىاللهعليهوآله في تبليغ الرسالة. أتذكّر مظلوميّة أمير المؤمنينعليهالسلام بعد وفاة الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، وكذلك مظلوميّة سيّدة النساء فاطمة الزهراء، وبقيّة أئمّة أهل البيت (عليهم صلوات الله وسلامه)، ولكن لا أملك إلاّ أن أقول: لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم.
٣ - لا تسلّم عليه إنّه نجس:
ما رأيك بهذا العنوان، يستفزّك أليس كذلك؟
أخلاق هذه الجماعات لا تستفزّ فقط، بل كلّها استفزاز أصلاً، فهذا شأنهم عند كلّ مَنْ سمع وقرأ عن سيرتهم ومنهجهم.
وعليه فإنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: (مَنْ قال: لا إله إلاّ الله محمد رسول اللهصلىاللهعليهوآله فهو مسلم، له ما للمسلمين وعليه ما عليهم)(٢) .
فيعامل كإنسان مسلم وإن عُلِمَ منه النفاق يقيناً، والإسلام أحد المطهّرات كما نعلم من خلال الفقه.
فالإنسان يطهر بمجرّد دخوله الإسلام، ويحكم بطهارته وجميع شؤونه وما يحيط به من أدوات، هذا هو فقه وشريعة الإسلام، وأمّا فقه ابن تيمية وابن عبد الوهاب فشيء آخر.
_____________________
١ - كشف الغمة ٢ / ٥٣٧، المناقب ٣ / ٢٤٧.
٢ - ما ذُكر هو قول لأنس بن مالك عندما سأله ميمون بن سياه قائلاً: يا أبا حمزة، ما يحرّم دم المسلم وماله؟ فقال أنس: مَنْ شهد أن لا إله إلاّ إلى آخره. ولعلّ أنس قد استنبطه من قوله (صّلى الله عليه وآله) في الشهادتين. (راجع السنن الكبرى - للنسائي ٢ / ٢٨٠ رقم ٣٤٣٠). (موقع معهد الإمامين الحسَنَين)
ففي زيارتنا هذا العام ١٤٢٥ هجرية للمدينة المنوّرة، وحيث كنّا مجموعة من المشايخ والعلماء الكرام، وإذا بصراخ وضجّة تعلو في جنبات البقيع الطاهر، فاستطلعنا الخبر وبحثنا عن الأمر، وإذا بأحد الإخوة من أصدقائنا المشايخ في نزاع وجدال عقيم مع أحد هذه العناصر هناك.
فسألناه عن الخبر وماذا جرى.
قال: سألني ذاك الشاب - وأشار إلى شاب يقف هناك - بعض الأسئلة الدينية، فرحت أُجيبه بكلّ احترام وتقدير عن كلّ أسئلته، وإذا بهذا الذي يقف أمامكم يقول للشاب السائل: لماذا تتكلّم معه؟ لماذا تتكلّم مع هذا الرافضي الكافر النجس؟ فاذهب وغسل يدك (طهّرها)؛ لأنّه كافر نجس؟!
فعندما سمعتُ ذلك وقف شعر بدني كلّه، وأصابتني قشعريرة شديدة من هول ما أسمع من هذا الجاهل، ففقدت أعصابي وبدأت أصرخ: أيّها الناس، يا عالم، تعالوا وانظروا إلى هذا الذي يقول عنّي: كافر نجس، فاجتمع الناس حولي، فهرب ذلك الرجل خوفاً من الناس، وبعد قليل جاء ومعه الشرطة، فأشار عليّ وذهب فأرادوا أن يعتقلوني، وانتهى الأمر وكأنّ شيئاً لم يكن.
والله عجيب من هؤلاء الناس! ماذا يحسبون أنفسهم؟ هكذا كنت أقول في نفسي، ولماذا كلّ هذا الهجوم؟! وبهذه الطريقة الجافة، واللسان الفظ الغليظ، والأخلاق السيئة التي تذكّرنا بأبي جهل، وأبي لهب، وأبي سفيان وغيرهم من رؤوس قريش في الزمن الغابر؟!
٤ - أنا من أتباع محمد بن عبد الوهاب:
يعيبون علينا أنّنا من شيعة علي بن أبي طالبعليهالسلام ، وهذا فخرنا إلى أبد الآبدين، ويفتخرون أنّهم شيعة محمد بن عبد الوهاب.
الشيعة: تعني الأتباع والأصحاب والأنصار.
وقبل شهر رمضان المبارك من عام ١٤٢٤ هـ، وفي مكتبنا الكائن في مبنى الحوزة العلمية الزينبية المقدّسة في ضواحي دمشق الفيحاء، ذلك المعهد الكبير، والصرح الحضاري الشهير الذي بناه وشيّده الشهيد السعيد السيد حسن الشيرازي (أعلى الله درجاته) بجوار عمّته عقيلة الطالبيّين زينب الكبرى (سلام الله عليها) منذ عقود؛ لتكون منارة للنور يقصدها الناس طلباً للعلم والعمل.
هناك زارنا أحد الأصدقاء ومعه شاب وسيم فسلّما علينا، فرددنا السّلام عليهما بأحسن منه كما أمرنا ربّنا تعالى في كتابه العزيز:( وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ) (١) .
فقال صديقي: هذا صديقي وعنده بعض الأسئلة يطرحها عليكم إذا سمحتم.
فقلت: الأخ العزيز، من أين؟
قال: أنا من أتباع محمد بن عبد الوهاب.
قلت له: نحن من أتباع محمد بن عبد اللهصلىاللهعليهوآله ، فهو قائدنا ونبيّنا، ورسول الله، وخاتم النبييّن، فنحن من أتباعه دون غيره، ونحن محمّديون لا غير قبل كلّ
_____________________
١ - سورة النساء / ٨٦.
صبغة أُخرى، إلاّ أنّنا نتّبع بعده الإمام علي بن أبي طالب وأهل البيت الأطهار (صلوات الله وسلامه عليهم)؛ لأنّ الله ورسوله أمرنا بذلك، لأنّه على نهج الله وشريعة نبيه محمدصلىاللهعليهوآله .
فالإمام عليعليهالسلام هو وصي رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وولداه الحسن والحسين ابنا رسول اللهصلىاللهعليهوآله وريحانتاه وسيّدا شباب أهل الجنّة، وَوِدّ هؤلاء الكرام أجر للرسالة كما في سورة الشورى المباركة:( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (١) .
ورحت أتحدّث للأخ الشاب عن الأخلاق الإسلاميّة، وأخلاق الحبيب المصطفىصلىاللهعليهوآله وأهل البيتعليهمالسلام ، وكيفية التعامل الصحيح مع الناس جميعاً على اختلاف مذاهبهم وأديانهم، احتراماً وتقديراً بالقول والفعل.
وأثناء الحديث سألته: الأخ متزوّج؟
فقال: لا، بل أعزب.
فاغتنمتها فرصة، فرحت أتحدّث له عن الزواج وسننه في الإسلام، وأحاديث رسول الله وأهل البيت (صلوات الله عليهم) في الزواج، وكيف تمّ زواج الإمام عليعليهالسلام بسيّدة النساء فاطمة الزهراءعليهاالسلام ومهرها البسيط.
وهكذا طال بنا البحث، ولكن كنت دائماً وأبداً أدقّ على الوتر الحساس، وأعزف على اتجاه واحد، هو أنّنا أتباع محمد بن عبد اللهصلىاللهعليهوآله لا غير، ونحفظ سيرته وسنته أكثر من الآخرين، ونحيط علماً بأحواله ونلتزم بمنهجه قولاً وعملاً،
_____________________
١ - سورة الشورى / ٢٣.
وأنّه ليس في الإسلام شيء اسمه محمد بن عبد الوهاب، إلاّ هذا الذي جاء بعد ألف ومئتي عام ليقول لنا: إنّ الإسلام غير صحيح، والأُمّة الإسلاميّة كافرة ومشركة وضالة، لا تقول بالتوحيد فحلال دمها ومالها وعرضها!
وهكذا كان الشاب طيلة الجلسة حائراً في نفسه، مرتبكاً ممّا يسمعه، ومتفاجئاً من أحاديثنا وكأنّه يسمع بها لأوّل مرّة، فخرج من عندنا مع صاحبه وهو على حيرة ودهشة بعد أن شكرنا على الحديث، وودّعنا مصحوباً بالسّلامة.
٥ - لحيتك ليست طويلة وثوبك ليس بقصير!
إنّ من أكبر نعم المولى علينا هي نعمة الإسلام الكامل بالولاية العظمى، وعصرنا هذا عصر العلم والتكنولوجيا والطباعة والنشر، فالحقائق تظهر على الملأ، وكتب الحقّ تُطبع وتُنشر في كلّ زمان ومكان؛ إمّا بالورق، أو على الإنترنت، أو البريد الإلكتروني وغير ذلك، وهذه نعمة كذلك.
ولذا راح العديد من الناس، لا سيما العلماء وأساتذة الجامعات والمتنورون يقرؤون عن أهل البيتعليهمالسلام ، فيرون أنّ الحقّ معهم ومنهم وإليهم، فيعلنون انضمامهم إلى الركب المبارك ويركبون سفينة النجاة.
فالحقّ أبلج، والحق أحقّ أن يتّبع، ولكن مَنْ يتمسّك بالحقّ فذاك هو السعيد حقّاً. وفي هذا العقد الأخير (١٤١٥ - ١٤٢٥ هجرية) ازداد الدخول في مذهب أهل البيتعليهمالسلام زيادة ملحوظة؛ حيث دخل النور إلى قلوبهم فاستضاؤوا بنور العترة الطاهرة، وهذا كلّه كان؛ إمّا ببركة أمير المؤمنينعليهالسلام ونهجه، أو الزهراء ومظلوميّتها، أو الإمام الحسين وشهادته المفجعة (صلوات الله عليهم).
فأهل التهريج والكذب والافتراء كانوا يصفون أتباع أهل البيتعليهمالسلام أوصافاً
هي أشبه بوصف اليهود أو المجوس أو أبشع من ذلك، وقد مرّت عليك بعض الفتاوى الظالمة لهم.
فمحمد بن عبد الوهاب يقول: إنّهم إذا ماتوا يُمسخون قردة وخنازير.
وآخر مثله يقول: يُدفع بالخشبة من بعيد إلى قبره إذا مات الشيعي.
وثالث القوم يقول: إنّ لهم أذناباً كأذناب الحيوانات، تظهر بالليل وتختفي بالنهار، كأنتيل الراديو في السيارة.
ورابع وخامس، والناس البسطاء المساكين يصدّقون هذه التخاريف، ويعتقدونها ويأخذونها كمسلّمات وبديهيّات؛ لأنّ الشيخ يتكلّم بها ويتشدّق ويتمنطق، ولا يدرون أنّه يقول غلطاً ويفعل شططاً.
والخوف دفع الشيعة إلى أقطار الأرض فتفرّقوا تحت كلّ حجر ومدر، فسكنوا قُلل الجبال وكهوفها في البلدان، منقطعين إلى الله في عباداتهم، لأنّهم محاربون بلا ذنب، ويُعتدى عليهم بلا رحمة كما حصل في مصر [زمن] صلاح الدين الأيوبي، وسورية في مرج دابق بحلب الشهباء، وأفغانستان وباكستان والعراق في هذه الأعوام المتأخّرة؛ لا لذنبٍ اقترفوه إلاّ حبّهم وولائهم لآل البيت الأطهار (عليهم السّلام).
فالشيعي مهدور الدم والمال والعرض؛ ولذا راح يخفي عقيدته وربما اسمه، وكثير منهم غيّروا دينهم لشدّة الظلم الذي وقع عليهم.
ولكن عصرنا الحاضر، هو عصر كشف الحقائق، ورفع الستور عن المحظور.
ومنذ فترة كنت أستمع لمحاضرة يلقيها سماحة الشيخ أحمد بدر حسون مفتي حلب، وهو من العلماء الأعلام في سورية، وله مكانته وحضوره في
الساحة الثقافية والاجتماعية، لا سيما في مدينة حلب، وخلال المحاضرة روى هذه القصّة التي حدثت معه، قال: كنت ذاهباً إلى المدينة المنوّرة للزيارة المباركة لرسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فرأيت شاباً فسلّمت عليه فلم يردّ السّلام، فقلت: أخي، اُسلّم عليك ولا تردّ السّلام، والسّلام مستحبّ ورده فرض واجب! لماذا لا تردّ السّلام يا أخي؟!
فقال: لأنّ لحيتك ليست بطويلة، وثوبك ليس بقصير، (علماً أنّه كان يرتدي اللباس العلمائي وزيّ رجال الدين).
فيعقب الشيخ: فبتُّ حائراً من هذا الجواب الغريب الذي لم يأت به أحد، وما أنزل الله به من سلطان!
٦ - حوار عند قبر أم البنين:
في إحدى سنوات الحجّ حيث أكرمنا الله ووفّقنا لحجّ بيته الحرام، وزيارة خير الأنام والعترة الكرامعليهمالسلام ، وخلال نزولنا إلى المدينة المنوّرة كالعادة، وفي إحدى الزيارات إلى بقيع الغرقد، أذكر أنّني كنت واقفاً عند قبر أُمّ البنين (فاطمة بنت حزام الكلابية)، زوجة أمير المؤمنين الإمام عليعليهالسلام الذي نصحه بها أخوه عقيل بن أبي طالب، وذلك حين قال له: يا أخي، اختر لي امرأة ولدتها الفحولة من العرب لأتزوجها.
فقال عقيل: أين أنت من فاطمة بنت حزام الكلابية؟
فذهب الإمام عليعليهالسلام وخطبها وتزوجها، فكانت بارّة تقيّة، شديدة الحبّ
والولاء، مخلصة لسيّدتها فاطمة الزهراءعليهاالسلام ، فكانت أوّل ما شرطت على أمير المؤمنينعليهالسلام أن لا يناديها باسمها؛ حتّى لا يزعج الحسنان بتذكيرهم بأُمّهم فاطمة الزهراءعليهاالسلام .
ولذا سمّيت في التاريخ والسيرة (أُمّ البنين)؛ لأنّها أنجبت أربعة أشبال ذكور هم: (العباس، وعبد الله، وجعفر، وعثمان)، واستشهد الجميع تحت راية الإمام الحسينعليهالسلام على بطاح كربلاء.
كنّا نزورها؛ احتراماً وتقديراً ووفاءً لها، وذات يوم أنا واقف عند قبرها سألني أخ من مصر العربية قبر مَنْ هذا؟
فقلت: قبر فاطمة أُمّ البنين زوجة الإمام عليعليهالسلام .
فقال: قصدك فاطمة الزهراء (رضي الله عنها).
قلت: لا، هذه الزوجة الثانية لأمير المؤمنينعليهالسلام تزوّجها بعد شهادة فاطمة الزهراءعليهاالسلام .
فقال: أين إذن قبر فاطمة الزهراء؟
قلت: ليس لها قبر معروف، والتاريخ لا يعرف لها قبراً، ولكن يُقال:
١ - إنّها دُفنت في بقيع الغرقد هنا، ولكن لا أحد يعلمه بالتحديد.
٢ - أو إنّها دُفنت في بيتها حين قبضها الله سبحانه، وعندما تمّ توسيع المسجد كانت غرفتها (أي مكان قبرها) في الروضة المباركة التي وصفها رسول اللهصلىاللهعليهوآله :((روضة من رياض الجنّة)) .
وبينما أحدّثه ويحدّثني، ويسأل وأجيبه، ونتبادل أطراف الحديث والحوار
كان هناك أربعة أشخاص من عناصر الوهابيّة يحرسون القبر الشريف، ويمنعون أحداً من البكاء وزيارته والسّلام على صاحبته أُمّ البنين (سلام الله عليها)، وإذا سألهم سائل: قبر مَنْ هذا؟
يقولون: لا نعلم، هذه أحجار لا تضرّ ولا تنفع، اذهب وصلِّ في المسجد النبوي.
وبينما نحن كذلك قفز إلينا أحدهم وقال: ماذا تقول يا شيخ! ليس لفاطمة قبر!
قلت: نعم، أين قبرها أرشدني ودلّني عليه، وأنا لك من الشاكرين.
فقال: هنا، وأشار بيده إلى البقيع كلّه.
قلت: أين؟ حدّد لي قبراً معيناً.
وعند ذلك سمع الإخوة الزائرون صوتي اُحدّثه، فجاؤوا إليَّ مسرعين وقالوا: شيخنا، اتركه وإلاّ فمصيرك إلى السجن أو التعذيب(١) ، أو التسفير خارج الحجاز، فيمنعونك من أداء مناسك الحجّ كما فعلوا بالكثير من قبل.
فسحبوني وأخرجوني من البقيع كلّه قبل أن يأتي عناصر الشرطة ويأخذوني معهم، فما كان منّي إلاّ أن اُحوقل وأسترجع بصمت وحسرة: (لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم، إنّا لله وإنّا إليه راجعون).
_____________________
١ - علماً أنّ هناك سجن خاصّ تحت أرض البقيع الغرقد.
٧ - وحوار آخر بجوار الكعبة:
الحجّ واجب، وفرض على كلّ مَنْ استطاع إليه سبيلاً، مرّة واحدة في الحياة كلّها، وأحد أركان الحجّ الأساسي الطواف بالبيت العتيق.
ما أهيب ذاك المكان، وما أعظم روحانيّته ونورانيّته! إنّه أشبه ما يكون بيوم الحشر والنشر؛ حيث اجتماع الناس على صعيد واحد، في مكان واحد، ولباس واحد، وتلبية واحدة، ولا فرق بين غني ولا فقير، ولا كبير ولا صغير، الكلّ سواسية.
فترى الحجّاج يطوفون حول البيت العتيق يلبّون ويتضرّعون، ويضجّون ويعجّون إلى الله عزّ وجلّ، يهلّلون ويكّبرون ويتوسّلون إلى جناب قدسه، فمنهم مَنْ يطوف، وآخر متعلّق بالأستار، وأخر يلمس الجدران، ومنهم مَنْ يتبرّك بالأركان الأربعة: (ركن الحجر الأسود، والركن العراقي، والركن الشامي، والركن اليماني). وبعضهم في حِجر إسماعيلعليهالسلام ، وآخرون عند باب المستجار الذي دخلت منه فاطمة بنت أسد، عندما استجارت بالله فانشق الجدار ودخلت وعاد الجدار إلى وضعه، فولدت الإمام علياًعليهالسلام في جوف الكعبة وبقيت ثلاثة أيام.
والجميع متعلّق قلبه بالله، حبّاً وشوقاً وتطلّعاً إلى نفحاته الروحانيّة وأنواره القدسيّة. إنَّ هيبة المكان لا توصف أبداً.
وهنا، وفي مثل هذا المكان ترى العجب العُجاب، فالغضب مرتسم على وجوه اُولئك الوهابيّين، مكشّرين كأنّهم من زبانية جهنم، يدفعون ويهينون
ويكفّرون الحجّاج على هواهم.
فهذا كافر، وذاك مشرك، والآخر عابد صنم، وهذه الكعبة أحجار لا تضرّ ولا تنفع، وهذا كذا، وذاك كذا، ويقسّمون الناس ويعطوهم شهادة الموحّد، أو الكافر أو المشرك وغير ذلك.
وبينما كنتُ عند حِجر أبينا إسماعيلعليهالسلام قلت لأحد الحجّاج المتعصّبين المغررين: انظر هل هذا من الإسلام في شيء؟! هؤلاء حجّاج قطعوا آلاف الأميال للحجّ، وتجشّموا العناء بالسفر والمشقّة والتعب، وهم مسلمون موحّدون، ويعتقدون باُصول الدين وفروعه.
قال: هذا حجر لا أكثر ولا أقل.
قلت: والحجر الأسود ماذا يكون؟ فسكت ولم يحر جواباً.
فقلت: وغلاف القرآن أليس من الجلد أو النايلون وجلود الحيوانات، فلماذا تقبّله أنت؟
قال: نعم، وهل هذا حرام؟
قلت: لا أبداً، ولكن لماذا تقبّله؟
قال: لأنه يحوي القرآن.
فقلت: ما الفرق بين هذا وذاك؟ نحن لا نريد الحجر بل نريد ما وراء الحجر يا أخي.
فسكت ولم ينبث ببنت شفة.
فاستطردتُ قائلاً: فلو سلّمنا جدلاً بما تقولون، فهذه عقائد الناس التي يؤمنون بها كما لكم عقائدكم، فدعوا الناس وعقائدهم، واتركوهم يعبدون
ربّهم كما يعتقدون( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) (١) ، فكلّ شيء يمكن أن تجبرني عليه إلاّ مسألة العقيدة فهي معقودة في القلب، والقلب بيد الربّ وليس بأيدي البشر، إنّ الله سبحانه وتعالى خاطب رسولهصلىاللهعليهوآله :( أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) (٢) .
فما بالكم أنتم تريدون أن يعتنق الناس الوهابيّة بالقوّة والإكراه، ولماذا كلّ هذه القساوة والفظاظة؟
أبهذا أمر الدين وسيّد المرسلينصلىاللهعليهوآله ؟ أتريدون تبليغ الإسلام بهذه الطريقة المشينة؟! أؤكّد لك يا أخي، أنّكم وبهذه الطريقة العنيفة تنفّرون الناس من الدين، وتبعدوهم عن الإيمان!
فنحن في عصر الحضارة والنور، والاتصالات والفضائيات، والإنترنت وثورة المعلومات، وهذا عصر الحوار، والرأي والرأي الآخر، والحريات والديموقراطيات، فأين أنتم من كلّ ذلك؟!
فسكت قليلاً، ثمّ قال بعد أن ظهر عليه التأثّر بكلامي: لا أدري، ليس عندي جواب لك، وراح يردّد: الله يهدينا، الله يهدينا.
٨ - وهّابي ودعاء كميل:
قصص كثيرة وحوارات عقيمة، ولكن لا بدَّ منها في بعض الأحيان؛ لأنّها تفرض نفسها عليك، أو أن تصرف أحدهم يجرّك إلى الحوار رغم أنفك.
_____________________
١ - سورة البقرة / ٢٥٦.
٢ - سورة يونس / ٩٩.
ففي عام ١٤٢١ هجرية أوّل ما نزلنا المدينة المنوّرة حيث يطيب لنا الجلوس بها؛ لأنّ هواؤها عليل وماؤها طيّب، وفيؤها ظليل، كيف لا وقد دعا لها رسول اللهصلىاللهعليهوآله أوّل ما نزل فيها، فكانت تُسمّى (يثرب)؛ لشدّة قساوة الحياة فيها، حيث الرطوبة العالية والحرارة الشديدة، فما كان ينزل بها أحد غريب إلاّ ويمرض بسبب فساد الماء والهواء فيها. فعندما هاجر إليها الحبيب المصطفىصلىاللهعليهوآله شكوا إليه حالها، وطلبوا منه الدعاء لها، فقال:((اللهمَّ طيّبْ ريحها)) ؛ فتحولّت إلى أطيب مدينة في العالم.
فصارت (طيبة) لطيب العيش فيها، ووجود الروضة الشريفة، والضريح المبارك للرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله ، وآثار الرسالة، ممّا زادها مهابة وروحانيّة جمالاً وكمالاً، كيف لا وأنفاس رسول الله وأهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم) تتردّد في جنباتها الأربعة.
ولكنّ الذي يعكِّر صفو العيش ويكدّر الحياة فيها، وجود العناصر العنيفة بأشكالهم الغريبة، وأخلاقهم الفظّة، وكلماتهم الجارحة، ونظراتهم الحاقدة الذين يرون أنّهم على الحقّ المبين، وأنّ غيرهم كفّار أو مشركون.
وذات مرّة، وفي ليلة الجمعة (مساء الخميس) كنّا نقرأ دعاء كميل، ذاك الدعاء العظيم الشأن الذي علَّمه أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام لصاحبه كميل بن زياد النخعي؛ فعُرف باسمه، وهو دعاء الخضرعليهالسلام ، ويجدي ويفيد في ردّ الأعداء ودفع غائلتهم، وفتح باب الأرزاق، وغفران الذنوب، وهو من الأدعية المشهورة جدّاً.
كان ذلك في ساحة ما بين المسجد النبوي الشريف، ومقبرة البقيع المقدّس،
والحضور مهيب، والقارئ خطيب، والناس متفاعلة معه، يستمعون إليه والدموع تجري على خدودهم من خشية الله؛ لما يحتويه هذا الدعاء الشريف من معاني لطيفة وجميلة.
وبعد الانتهاء من قراءة الدعاء يقوم بعض الإخوة من الزوّار من أهل الخير بتوزيع الحلوى على الحضور؛ طلباً للأجر والثواب من ربّ الأرباب.
وكنت واقفاً بمسافة عنهم، وإلى جانبي شاب، فقدّموا له الحلوى فرفضها ولم يأخذها، فقلت له: أخي العزيز، لماذا لم تأخذ الحلوى؟
فقال: هؤلاء كفّار.
قلت: كيف ذلك وهم يقرؤون هذا الدعاء الربّاني التوحيدي؟!
قال: هم كفّار كفّار. وبعصبية وغضب.
قلت: هل سمعت ماذا كانوا يقرؤون؟ إنّهم يقرؤون دعاء كميل الذي فيه هذه الكلمات الرائعة:((اللهمّ إنّي أسألك برحمتك التي وسعت كلّ شيء، وبقوّتك التي قهرت بها كلّ شيء. اللهمَّ اغفر لي الذنوب التي تهتك العصم، اللهم اغفر لي الذنوب التي تُنزل النقم، اللهمّ اغفر لي الذنوب التي تُغيّر النعم، اللهمّ اغفر لي الذنوب التي تحبس الدعاء، اللهمّ اغفر لي الذنوب التي تُنزل البلاء، اللهمّ اغفر لي الذنوب التي تقطع الرّجاء، اللهمّ اغفر لي كلّ ذنبٍ أذنبته، وكلّ خطيئةٍ أخطأتها)) (١) .
فقاطعني قائلاً: أنت من أين؟
_____________________
١ - مفاتيح الجنان / ٩٦، الدعاء والزيارة / ١١٩.
قلت: من العراق.
فقال: وأنت أيضاً كافر.
فسكتُّ عنه، ثمّ توجّهت بوجهي إلى قبر النبيُّ محمّدصلىاللهعليهوآله وأنا أقول: ساعد الله قلبك يا رسول الله من اُولئك القوم، حيث كان يخاطب الباري عزَّ وجلّ:((اللهمَّ اهدِ قومي فإنَّهم لا يعلمون)) .
انظر أيّها المؤمن إلى هذه الطريقة في الحوار والتعصّب وعدم الاستماع!
الفصل العاشر: خاتمة وحلول
كان لا بدّ من هذا الاستطراد الطويل، وهذا النقاش والحوار لبعض أفكار وعقائد وأخلاق السلفيّة الوهابيّة؛ لأنّ الأمر عظيم، والخرق اتّسع في الأُمّة الإسلاميّة بسبب ما يفعلونه فيها وفي العالم من أحداث.
نعم، كان لا بدَّ لنا من هذا الاستطراد أيّها القارئ الكريم؛ لتتابع العقائد والأحداث كما تمليه علينا مسؤوليتنا أمام الله ورسولهصلىاللهعليهوآله ، والأجيال القادمة من الأُمّة الإسلاميّة المرحومة.
وأسأل نفسي أين الحل؟ ما هو المخرج من هذه الأزمة التي تئنّ منها الأُمّة كلّها في هذه الأيام، فقد صار الإسلام تهمة عالميّة، وإهانة على الإنسانيّة - والعياذ بالله - وهو الرحمة الربانيّة للناس أجمعين، ورسوله الكريم محمدصلىاللهعليهوآله رحمة الله المُهداة إلى بني البشر قاطبة؟
فكّرت بالأمر مليّاً، وقلَّبت الأفكار، وتدبّرت الأخبار فوجدت أنَّ الحلّ الوحيد لهذه الأزمة هو مواجهتها بالحقائق، ودعوة عناصرها إلى الاستيقاظ من غفلتهم؛ لإعادتهم إلى حظيرة الإسلام بعد أن كاد يخرجهم منها محمد بن عبد الوهاب.
ولكن يبقى السؤال كيف؟
إنّها المسألة التي يجب التفكير بها مليّاً، وعقد المؤتمرات والندوات، وتأليف الكتب والمطبوعات، والدوريات والنشرات، بالسلب والإيجاب.
إيجاباً: ببيان حقائق الدين وشريعة سيّد المرسلين الحقّة.
سلباً: توضيح العقائد الباطلة، والبدع الضالّة التي جاء بها بعض الرجال من أمثال ابن تيمية وابن عبد الوهاب والألباني، ومن سار على منهجهم، ونسج على منوالهم.
وأرى أنّ الحلّ يجب أن يكون على كلّ المستويات التكتيكية الآنيّة، والاستراتيجية البعيدة الأجل، وبتضافر الجهود المخلصة لإنقاذ هؤلاء البشر ممّا هم فيه من تيهٍ وانحراف، وذلك يتم باتّجاهين:
١ - عقائدي: يقوم به رجال الدين الإسلامي بكلّ طوائفهم للدفاع عن عقائد الإسلام الحقّة؛ لأنّهم جميعاً متّهمون بالكفر والشرك والخروج من الملّة، دون فرق بين شيخ كبير وطفل صغير.
٢ - سياسي: فالمصيبة الكبرى انطلقت من أحضان السياسة؛ لأنّها أوحت بهذه الأفكار إلى محمد بن عبد الوهاب، ومَنْ قبله ومَنْ بعده الذي اعتنقها وراح يدعو إليها، ويبحث عن مؤيّدين لها وداعمين لها، حتّى وجد ضالته في رجل طامح يتطلّع إلى بناء دولة، وزعامة كبرى في الجزيرة العربية، فتحالف معه لوصول كلّ منهما إلى هدفه، وهذا الذي حصل في بدايات القرن الماضي.
والمعالجة السياسيّة تكون ذات تأثير أكبر، واستجابة من الجماهير أسرع وأوسع، فلولا دعم الحكومات ورجال الأعمال، وصرف المليارات من الدولارات على نشر الدعوة الوهابيّة، لكانت قد اندثرت وانمحت بموته وذهابه إلى ربّه محمّلاً بكل هذه الأوزار.
وللحقّ نقول: إنّ ما حصل في عاشوراء الدامي ضدّ المسلمين الشيعة؛ سواء كان في العراق، أو في باكستان، أو في أفغانستان، أو سائر البلدان من قبل، إنّما حصل بسبب تلك النظرة العدوانيّة من قبل طرف ضدّ الطرف الآخر.
فالوهابيّون يرون في الإنسان الشيعي سرطاناً في الجسد الإسلامي (والعياذ بالله)، يقدّمونه على أنّه عدوّ للإسلام والشريعة المحمديّة.
فكم من فتوى ضجّت بها كتب الطوائف الأُخرى في استباحة دماء الشيعة (كما تقدّم بعضها من قبل)! وكم من مكتبات ضخمة في دول الطوق العراقي قد أُسّست لغرض طمس الهوية الشيعية، وملاحقة المسلمين الشيعة أينما ذهبوا؟!
وكم شخصاً من أتباع الفكر التكفيري قد أفتى بوجوب الجنّة لِمَنْ يقتل شيعيّاً؟!
وبناءً عليه، فيجب إجراء تصحيح عام وشامل لكلّ هذه الدعوات التكفيرية، ومراجعة دقيقة لكلّ العقائد المنحرفة لهذه الجماعة، بمساندة الحكّام والحكومات والدوائر الرسمية في جميع البلدان الإسلاميّة والمنظمات العالميّة، وبعقد المؤتمرات والندوات لمعالجة هذه القضية.
وما يتوجّب على علماء الطوائف الأُخرى، وأصحاب القرار السياسي، هو اجتثاث تلك الفتاوى السخيفة التي سبّبت تصدّعاً وشقّاً كبيراً في الأُمّة
الإسلاميّة، عن طريق طباعة وتوزيع كتب أو نشرات، أو مناهج دراسيّة في المدارس والجامعات، وإعادة النظر بمنهج أصحاب التكفير والعدوان؛ فإنّه آخذ بالاستشراء لتدمير شباب الأُمّة الإسلاميّة ومستقبلها ونهضتها، على حساب السلم والأمن والعدالة الاجتماعية لعموم الأُمّة الإسلاميّة.
أمّا بالنسبة للمجتمع الإسلامي والدول الإسلاميّة، فإنّه يجب إشاعة فكر التعايش السلمي بين جميع الفرقاء، ومحاولة تصحيح النظرة ما بين جميع الأطراف، فالمسلم أخ للمسلم في الدين، وغير المسلم أخ للمسلم في الإنسانيّة، كما يقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام .
والواجب علينا أن نتعايش على أساس تبادل الحقوق والواجبات بما تمليه علينا شريعتنا الإسلاميّة، والتركيز والدعوة إلى حوار ما بين الطوائف الإسلاميّة، بل حوار ما بين الأديان، بل حوار ما بين الحضارات.
فنشر ثقافة التعايش وقبول الآخر هو ثقافة حضاريّة إسلاميّة إنسانيّة، نطل بها على أنفسنا؛ لينظر إلينا الآخر كأُمّة واحدة يحسب حسابها في كلّ زمان ومكان، لا أن ينظروا إلينا على أنّنا فرقاء وملل ونحل نكفّر بعضنا بعضاً، ونقتل أنفسنا بأيدينا.
بعد هذه المقدّمة نقول: هناك آيات عديدة في القرآن الحكيم، تتحدّث عن التنوّع والتعدّد في حياة البشر، فرغم أنّ البشر يتساوون في إنسانيّتهم العامّة، وفي خصائصهم الأوّلية المشتركة، إلاّ أنّهم في حقيقة الأمر يتمايزون بدرجة وأُخرى داخل المحيط البشري.
وهذا التنوّع إنّما هو جزء من ظاهرة كونيّة تشمل أصناف المخلوقات والكائنات، فمجرّات الفضاء وكواكبه متعدّدة متنوّعة، وعالم النبات يحتوي على ألوان وأشكال مختلفة رغم وحدة التربة التي ينبت منها، والماء الذي يسقى به، يقول تعالى:( وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) (١) .
( وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ) (٢) .
وعالم الحيوان هو الآخر عامل متنوّع، فدواب الأرض وطيور السماء ليست أُمّة واحدة، وإنّما هي أُمم متعدّدة متنوّعة، يقول الباري (عزّ وجلّ):( وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ) (٣) .
وحتى الملائكة ليسوا جميعاً في مستوى واحد، وعلى شاكلة واحدة، بل
_____________________
١ - سورة الرعد / ٤.
٢ - سورة الأنعام / ١٤١.
٣ - سورة الأنعام / ٣٨.
هناك تنوّع في أشكالهم، ومهامهم ومقامهم، يقول تعالى:( الْحَمْدُ للهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (١) .
أمّا بالنسبة لعالم الإنسان فقد تحدّث القرآن الحكيم عن العديد من جوانب التنوّع في حياته، وضمن الأبعاد المختلفة.
التمايز الفردي: هناك نوع من التميّز الشخصي لكلّ فرد من أفراد البشر، فصورته وصوته يميّزانه عن الآخرين؛ ولذلك اعتمد التصوير الفوتوغرافي، والتسجيل الصوتي للدلالة على الشخص.
وكذا نرى خطوط أصابع يد الإنسان تسجّل تمايزاً دقيقاً بين أفراد البشر، فإبهام كلّ إنسان والخطوط الموجودة فيه لا تتشابه مع أيّ إنسان آخر مهما كانت درجة القرابة بينهما، حتّى في الحيّز الوراثي الواحد وحتى في التوأم؛ ومن هنا يعتبر أخذ بصمات الإنسان دليلاً ثبوتيّاً واضحاً يستدلّ بها عليه، ولعلّ في قوله تعالى:( بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ ) (٢) إشارة إلى هذه الحقيقة العلميّة، تسبق ما أثبته العلم أخيراً في هذا المجال، حيث أصبح لدينا علم مستقل بذاته يسمّى (علم البصمات)، يستفاد منه في القانون الجنائي وتعتمد عليه الدوائر الأمنيّة في مكافحة الجريمة ومعرفة المجرمين.
تفاوت على مستوى العلم والمعرفة: مستوى الذكاء والفطنة يتفاوت بين
_____________________
١ - سورة فاطر / ١.
٢ - سورة القيامة / ٤.
الناس حتّى أصبحت له مقاييس ومعدلات يرصد بها، كما إنّ الرغبة في العلم والمعرفة تختلف من شخص إلى آخر، يقول تعالى:( نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ) (١) .
تفاوت الحالة الاقتصادية: كما إنّ البشر في حياتهم المعيشيّة الماديّة ووجهها الاقتصادي متغايرون أيضاً، فيوجد غني وفقير، وفيما بينهما درجات عدّة متفاوتة، يقول تعالى في سورة الزخرف:( نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً ) (٢) .
حيث إنّ تفاوت المواهب والقدرات والرغبات بين أبناء البشر هو الذي يشعرهم بحاجتهم إلى بعضهم البعض؛ فالبشر ليسوا نسخاً مكرّرة، إنّما هم متفاوتون ممّا يدفعهم للتعامل مع بعضهم، وتسخير بعضهم البعض لصالح المجموع، ولتقدّم حركة الحياة.
وهذا التفاوت يترتّب عليه تمايز مستوى المعيشة واختلاف أنماطها.
التنوّع العرقي والقومي: رغم أنّ مصدر الإنسانيّة رجل واحد وامرأة واحدة، هما آدم وحواء، كما يقول تعالى:( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً ) (٣) .
إلاّ أنّ استمرار حركة التناسل البشري، واتّساع رقعة معيشتهم على سطح
_____________________
١ - سورة يوسف / ٧٦.
٢ - سورة الزخرف / ٣٢.
٣ - سورة النساء / ١.
المعمورة أدّى بمرور الزمن إلى أن تتكيف مظاهر وأشكال تكوّنهم الجسدي بما يتناسب وظروف المحيط الطبيعي الذي يعيشون فيه، ونظراً لاختلاف الأجواء والظروف الطبيعية التي تعيشها مجاميع البشر، فقد أفرزت حالات من الاختلاف في المظاهر والأشكال بين تلك المجاميع.
التنوع الإنساني واللغوي: ومن أجلى ألوان التنوّع في حياة البشر تنوّع اللغات وتعدّدها، فقد أبان العلماء أنّ هناك حوالي (٣٠٠٠) لغة منطوقة في العالم اليوم ولا تدخل اللهجات في إطار هذا العدد(١) ، ويكفي في الهند وحدها ثمّة (٨٥٠) ألف لغة ولهجة محليّة مستعملة.
لقد منح الله تعالى الإنسان القدرة على التعبير عمّا يدور في نفسه عبر النطق والكلام، يقول تعالى:( خَلَقَ الإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ) (٢) .
ولذلك يعتبر القرآن تعدد اللغات واختلاف الألسنة آية من آيات الله، ويذكرها إلى جانب ذكر خلق السماوات والأرض، يقول الباري (عزّ وجلّ):( وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ ) (٣) .
التنوع الديني: وقد تحدّث القرآن الكريم عن تعدد الديانات، وأثبت ذكر أهم الديانات السماوية والوثنية، معتبراً ذلك التعدد والاختلاف ظاهرة طبيعية في هذه الحياة، لما منح الله تعالى
_____________________
١ - الموسوعة العربية العالمية ٢١ / ١١٩.
٢ - سورة الرحمن / ٣ - ٤.
٣ - سورة الروم / ١٢٢.
الإنسان من حرية اختيار، وأودع في نفسه من نوازع الخير والشرّ، أمّا الحسم والفصل بين أتباع هذه الديانات فهو مؤجّل إلى ما بعد الحياة الدنيا.
يقول الله سبحانه وتعالى:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) (١) .
والمتمعّن في جوهر المعنى القرآني في هذا المجال، وضمن سياقه الموضوعي، يلاحظ دون أدنى شكّ إلى طبيعة الإقرار القرآني بحقيقة الاختلاف الديني بين بني البشر، والآية الكريمة تذكر أتباع ست ديانات كانت معروفة وسائدة آنذاك، بل ويبسط مدارات الحديث عن ذلك في أكثر من جهة وموضوع.
فأوّلاً: لا يمكن إلغاء حالة التعدّد الديني بالقوّة والفرض حيث يقول:( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) (٢) ، ويقول:( لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ) (٣) .
ثانياً: على المؤمن بدين الله أن يعتمد الأسلوب اللائق المناسب في الدعوة إلى دينه، دون تهريج أو تجريح، أو تشنّج وانفعال، قال تعالى في كتابه الكريم:( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) (٤) .
ثالثاً: يفترض أن يستهدف الإنسان من تديّنه الوصول إلى الحقيقة، فلا بدّ له
_____________________
١ - سورة الحج / ١٧.
٢ - سورة البقرة / ٢٥٦.
٣ - سورة الكافرون / ٦.
٤ - سورة النحل / ١٢٥.
حينئذٍ من الانفتاح على الديانات والآراء الأُخرى بحثاً عن الحقّ والصواب، يقول الباري (عزّ وجلّ):( الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ اُولئك الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَاُولئك هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ ) (١) .
ولا يصح له أن ينكفئ على عقيدته الموروثة دون تفكير أو نقاش، قال تعالى:( قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ) (٢) .
لذا ينبغي أن يسود الحوار السليم بين الديانات المختلفة اعتماداً على الدليل والبرهان، قال تعالى:( أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ) (٣) .
والحوار بين الأديان يجب أن يكون موضوعيّاً هادئاً، على أساس الاحترام المتبادل، فقد قال سبحانه وتعالى:( وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) (٤) .
رابعاً: لا ينبغي للاختلاف الديني بين الناس أن يؤدّي إلى الصراع والنزاع، فالأصل في العلاقة بين أبناء البشر هو التعايش والانسجام والاحترام المتبادل، أمّا مَنْ تُسوّل له نفسه الاعتداء على المختلفين معه فلا بدّ له من ردعه ومواجهة عدوانه، قال تعالى:( لا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ
_____________________
١ - سورة الزمر / ١٨.
٢ - سورة المائدة / ١٠٤.
٣ - سورة الأنبياء / ٢٤.
٤ - سورة العنكبوت / ٤٦.
وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) (١) .
وينهى الإسلام عن جرح مشاعر أتباع الديانات حتّى لو كانت وثنية بسبّ مقدّساتهم؛ لأنّ ردّ فعلهم الطبيعي سيكون سبّ مقدّسات المسلمين، قال سبحانه وتعالى:( وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ) (٢) .
مع التطوّر العلمي والتكنولوجي الهائل في حياة الإنسان نرى أنّ المسافات قد أُلغيت وتساقط الحدود بين أبناء البشر، وأصبحت الدنيا قرية واحدة، ممّا يفرض على الناس أن يتعايشوا مع بعضهم مهما تنوّعت انتماءاتهم، وتعدّدت هوياتهم من أجل مصالحهم المشتركة.
وخيرات الكون، وامكانات الحياة وضعها الله سبحانه تحت تصرّف الجميع، فهي لجميع الناس، لا يحقّ لأحد أن يستأثر بها على أحد، والانتماء والتوجّه لا يبرّران الاستئثار ولا يسوغان الحرمان.
لذلك يؤكّد القرآن الكريم أنّ عطاء الله ونعمه في هذه الحياة مبذولة لجميع البشر، يحد بها المؤمنون والكافرون على حدّ سواء، فعطاؤه سبحانه ليس محظوراً على أحد، يقول الله سبحانه وتعالى:( كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا
_____________________
١ - سورة الممتحنة / ٨.
٢ - سورة الأنعام / ١٠٨.
كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ) (١) .
ويقول سبحانه وتعالى:( وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ ) (٢) .
فالأرض وخيراتها للأنام جميعاً على اختلاف أعراقهم وأديانهم وتوجّهاتهم.
جاء في الحديث الشريف عن الإمام محمد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (صلوات الله عليهم أجمعين):((صلاح شأن الناس التعايش)) (٣) .
ودعا رجلٌ بحضرة الإمام علي بن الحسين زين العابدينعليهالسلام قائلاً: اللهمّ أغنني عنْ خَلقكَ.
فردّ عليه الإمام زين العابدين:((ليس هكذا، إنّما الناس بالناس، ولكن قل: اللهمّ أغنني عن شرارِ خلقك)) (٤) .
فالناس بالناس، ولا تصلح شؤونهم إلاّ بتعايشهم مع بعضهم البعض مهما تنوعّت انتماءاتهم وتوجّهاتهم، ولكن كيف يتحقّق التعايش مع كلّ هذا التنوّع؟
هناك شرطان أساسيان لتحقيق هذا التعايش:
أوّلاً: ضمان الحقوق والمصالح للأطراف المختلفة: فإذا ما شعر طرف من
_____________________
١ - سورة الإسراء / ٢٠.
٢ - سورة الرحمن / ١٠.
٣ - موسوعة البحار - للعلاّمة محمد باقر المجلسي ١ / ١٩٧.
٤ - موسوعة البحار ٧١ / ١٦٧.
الأطراف بانتهاك حقوقه، أو التعدّي على مصالحه من قبل طرف آخر فلن تتوفّر حينئذٍ أجواء التعايش، وما يحصل غالباً من تنازع وصراع بين الجهات المتنوّعة في المجتمع إنّما هو بسبب طغيان وتعدّي فئة على حقوق ومصالح فئة أُخرى، والفئة المضطهدة حتّى إن كانت أقلّية أو ضعيفة إلاّ أنّ شعورها بالغبن والظلامة يمنعها من التفاعل الإيجابي مع بقيّة الفئات، بل يدفعها إلى التفكير في الثأر والانتقام.
ولذلك يشدّد القرآن الحكيم على لزوم رعاية حقوق الآخرين، وعدم الاعتداء على المخالفين، يقول تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ للهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ) (١) .
ثانياً: الاحترام المتبادل: فالإنسانيّة جوهرٌ واحد مشترك عند أبناء البشر، فعليهم أن يحترموا إنسانيّتهم باحترام بعضهم البعض، وحتى إذا ما اختلفت اتّجاهاتهم لكنّهم نظراء ومتساوون في إنسانيّتهم، وكما يقول الإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام :((فإنّهم - يعني الناس -صِنفان؛ إمّا أخٌ لك في الدّين، أو نظيرٌ لك في الخلْق)) (٢) .
ويشجّع القرآن العظيم المسلمين على حُسن التعامل مع المخالفين لهم في الدين، وإن يتواصلوا معهم على أساس الإحسان والاحترام، وحفظ
_____________________
١ - سورة المائدة / ٨.
٢ - نهج البلاغة / كتاب رقم ٥٣.
الحقوق ما داموا مسالمين لم يبدؤوا المسلمين بعدوان، يقول الباري (عزّ وجلّ):( لا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) (١) .
وما الأحلاف والمعاهدات السلميّة التي عقدها رسول اللهصلىاللهعليهوآله مع قبائل اليهود، وتجمعات النصارى، وفئات المشركين من العرب، إلاّ نموذج لما يريده الإسلام من قيام علاقات إنسانيّة إيجابيّة بين المختلفين من أجل تعايش مشترك.
ويسجّل التاريخ للمسلمين حرصهم على الالتزام بتلك المعاهدات، وتقيدهم بحسن التعامل والوفاء بالعهود، طبقاً لتعاليم الإسلام الموجبة لذلك، يقول تعالى:( وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً ) (٢) ،( وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ) (٣) .
فالإسلام ليس ديناً رقيّاً ولا قوميّاً ولا قبليّاً، بل كما خاطب الله نبيّه محمداًصلىاللهعليهوآله :( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً ) (٤) ،( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً ) (٥) .
وحتى الذين يرفضون استلام رسالة الله إليهم، ولا يتوفّقون لدخول الإسلام كدين يدينون به، إلاّ أنّهم لا يُحرمون أبداً من التفيؤ بظلال الإسلام
_____________________
١ - سورة الممتحنة / ٨.
٢ - سورة الإسراء / ٣٤.
٣ - سورة البقرة / ١٧٧.
٤ - سورة سبأ / ٢٨.
٥ - سورة الأعراف / ١٥٨.
والعيش في رحاب دولته ونظامه.
فرسالة الإسلام ونبي الإسلام خير وعطاء ورحمة للبشرية جمعاء:( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) (١) .
ومبدأ (التكافل الاجتماعي) مضمون لكلّ أفراد المجتمع مع تنوّع أديانهم، وحدث مرّة أن رأى أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام أثناء خلافته شيخاً مكفوفاً يستجدي الناس، فقال الإمام مُستنكراً:((ما هذا؟!)) .
قالوا: يا أمير المؤمنين، نصراني.
فقال أمير المؤمنين:((استعملتموه حتّى إذا كبر وعجز منعتموه! أنفقوا عليه من بيت المال)) (٢) .
وهذا القانون لم يكن موجوداً لا في عهد الإمبراطوريّة الرومانيّة ولا اليونانيّة.
والقانون الإسلامي يحمي حقوق الجميع مع تنوّع أديانهم، ويسجّل التاريخ بإكبار كيف أنّ مواطناً يهوديّاً نازع أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام في درع، فحضر الإمام معه مجلس القضاء عند شُريح القاضي، وجلس في جنب خصمه اليهودي(٣) .
_____________________
١ - سورة الأنبياء / ١٠٧.
٢ - المحدّث العاملي في كتابه (وسائل الشيعة) ١٥ / ٦٦، ضمن باب تحت عنوان: أنّ نفقة النصراني إذا كبر وعجز عن الكسب من بيت المال.
٣ - موسوعة البحار ٤١ / ٥٦.
والآداب والأخلاق الإسلاميّة التي يُربّي الإسلام عليها أبناءه سارية المفعول في التعامل بين أفراد المجتمع مع تنوّع أديانهم، وليست خاصّة بالمسلمين فيما بينهم.
روي أنّ غلاماً لابن عباس ذبح شاة، فقال له ابن عباس: إذا سَلخْتَ فابدأ بجارنا اليهودي، ثمّ كرّرها حتّى قال له الغلام: كم تقول هذا؟
فقال ابن عباس: إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله لم يزل يوصينا بالجار حتّى خشينا أنّه سيورّثهُ(١) .
ومعنى هذا: أنّ الإسلام لا يفرّق في مكارم الأخلاق، وحقوق الاجتماع بين المسلم وأي مخالف آخر، فالكلّ في نظره سواء.
وهذا أيضاً ممّا يكرّس حالة الانسجام والتعايش بين المواطنين المتنوّعين دينيّاً، فالتمايّز الديني لا يؤثّر في التكافل الاجتماعي والاحترام المتبادل.
فالفقير والمحتاج يستحقّان المساعدة من المجتمع، دون النظر لدينه وعقيدته؛ حيث تَحُلُّ الصدقة أيضاً على فاسق وكافر من يهودي ونصراني، أو مجوسي ذمي أو حربي، لقوله تعالى:( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً ) (٢) .
ومعلوم أنّ الأسير في الآية حربي(٣) .
والتمايز الديني لا يمنع المشاركة في تحصيل المكاسب، والاستفادة من فرض
_____________________
١ - راجع رسالة الحقوق - لحسن القباني ٢ / ٥٣٤.
٢ - سورة الإنسان / ٨ - ٩.
٣ - راجع الفقه الإسلامي وأدلّته - وهبة الزحيلي ٢ / ٩٨.
التنمية والإنتاج.
فمثلاً: مَنْ بادر لأرض مهملة غير مملوكة فأحياها بجهده ونشاطه، ببناء أو زرع أو ما أشبه من طرق الاستفادة من الأرض فإنّه يتملّكها بإحيائها.
فعندنا يجوز لكلّ أحد إحياء الموات بالأصل، والظاهر أنّه يملك به من دون فرق بين كون المُحيي مسلماً أو كافراً(١) .
وكذلك لا يشترط عند الجمهور (الحنفية والمالكية والحنابلة) كون المُحيي مسلماً، فلا فرق بين المسلم والذمّي في الإحياء؛ لعموم قول النبيصلىاللهعليهوآله :((مَنْ أحيا أرضاً ميتة فهي له)) . ولأنّ الإحياء أحد أسباب التمليك، فاشترك فيه المسلم والذمّي كسائر أسباب الملكية(٢) .
ومن بداية الإسلام كانت الصفوة التي سبقت إلى الإيمان به، وجاهدت وناضلت من أجله، تضمّ عناصر من أعراق وقوميّات مختلفة، فكان ذلك نواة وأرضية لبناء المجتمع الإسلامي على أساس من التنوّع العرقي والقومي.
فمن بين الأسماء اللامعة في بناء صرح الإسلام الأوّل، نرى (سلمان الفارسي) من فارس الذي تنافس الناس فيه يوم الأحزاب، فقال المهاجرون: سلمان منّا، وكان قويّاً عارفاً بحفر الخنادق. وقالت الأنصار: هو منّا ونحن أحقّ به.
_____________________
١ - كتاب منهاج الصالحين - للسيد محمد الروحاني / كتاب إحياء الموات، مسألة ٦٧٣.
٢ - راجع كتاب الفقه الإسلامي ٥ / ٥٥٩.
فبلغ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قولهم: فقال:((سلمان منّا أهل البيت)) .
ولقد كان يومئذٍ يعمل عمل عشر رجال(١) ، وأصبح سلمان فيما بعد والياً على المدائن عاصمة الأكاسرة.
ومن الحبشة كان (بلال بن رباح الحبشي) الذي يقول عن نفسه: (إنّما أنا حبشي، كنت بالأمس عبداً) أخذ موقعاً خالداً، في ذاكرة التاريخ الإسلامي حتّى أصبح المؤذّن الرسمي للصلاة بعد تشريع الأذان.
وكم كان صعباً على رجال قريش أن يروا بلال العبد الأسود الحبشي وهو يصعد على الكعبة؛ ليؤذّن بعد فتح مكة، وهذه هي عالمّية الإسلام وإنسانيّته التي لا تفرّق بين الناس على أساس أعراقهم وقوميّاتهم.
ومن الروم كان (صُهيب الرومي) الذي قال فيه عُتاة قريش: أتيتنا صعلوكاً فقيراً، فكثر مالك عندنا، وبلغت بيننا ما بلغت، والآن تنطلق بنفسك وبمالك(٢) .
ونهاية البحث ننقل لكم ما قاله محمد أبو زهرة عن (التنوّع في المذاهب).
يقول: قال - يعني أبو حنيفة - لي أبو جعفر المنصور: يا أبا حنيفة، إنّ الناس قد فُتنوا بجعفر بن محمد، فهيئ له من المسائل الشداد. فهيّأت له أربعين مسألة.
ويقول أبو حنيفة في لقائه بالإمام الصادقعليهالسلام بالحيرة في حضرة المنصور: أتيته فدخلت عليه وجعفر بن محمد جالس عن يمينه، فلمّا بصرت به دخلتني من
_____________________
١ - الواقدي في كتاب المغازي ٢ / ٤٤٦.
٢ - كتاب الإجابة في تمييز الصحابة - لابن حجر العسقلاني ٣ / ٤٥١.
الهيبة لجعفر الصادق بن محمد ما لم يدخلني لأبي جعفر المنصور.
التفت إليَّ - يعني المنصور - فقال: يا أبا حنيفة، ألْقِ على أبي عبد الله من مسائلك.
فجعلتُ ألقي عليه، فيجيبني فيقول:((أنتم تقولون كذا،وأهل المدينة يقولون كذا،ونحن نقول كذا)) ، فربما تابعنا وربما تابعهم، وربما خالفنا جميعاً حتّى أتيت على الأربعين مسألة، وما أخلّ منها بمسألة.
ثمّ قال أبو حنيفة: إنّ أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس(١) .
أمّا مالك بن أنس إمام المذهب المالكي يقول محمد أبو زهرة: لقد كنت آتي جعفر بن محمد وكان كثير المزاح والتبسّم، فإذا ذُكر عنده النبيصلىاللهعليهوآله اخضرّ وأصفرّ، وقد اختلفت إليه زماناً، فما كنتُ أراه إلاّ على إحدى ثلاث خصال: إمّا مصلّياً وإمّا صائماً وإمّا يقرأ القرآن، وما رأيته قد يحدّث عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلاّ على طهارة، ولا يتكلّم فيما لا يعنيه، وكان من العلماء العبّاد الزهّاد الذين يخشون الله، وجعل يعدّد فضائله(٢) .
إنّ التعدّد والتنوّع في المدارس الفكريّة والفقهيّة، واختلاف آراء العلماء والفقهاء هو نتيجة طبيعيّة لمبدأ الاجتهاد، وفي معرفة مفاهيم الدين وأحكامه، وإذا كان الإجهاد مطلوباً، بل ومفروضاً؛ حيث يرى أغلب علماء الأُمّة أنّه فرض وواجب كفائي على المسلمين في كلّ زمان ومكان.
_____________________
١ - كتاب تاريخ المذاهب الإسلاميّة / ٦٩٣.
٢ - المصدر نفسه / ٣٩٧.
مع كلّ هذا التاريخ الإسلامي المشرق نرى مع الأسف أنّ هناك مَنْ يُثير الألم والحسرة لما يعكس من حالات التعصّب والعداء؛ حيث أُزهقت فيها النفوس، وهُتكت فيها الحرمات، وأُضيعت الحقوق بسبب رفض حالة التنوّع، وكانت هناك ومع الأسف ممارسات عدوانيّة مؤلمة تناقض سماحة الإسلام وعدله، ومحاولة فرض هيمنة معينة على الآخرين.
وكان اختلاف الرأي والمذهب سبباً لمآسي واعتداءات فظيعة داخل المجتمع الإسلامي، حتّى وصل الأمر إلى التكفير والإفتاء بحليّة الدم والمال!
إنّ ما يشهده العالم الثالث من حروب وأزمات، وما تعانيه الشعوب النامية من تخلّف ومشاكل يرجع في الغالب إلى أجواء التنازع السائدة ما بين المسلمين، وعدم الاعتراف بالآخر والقبول به والتعايش معه، مع كلّ ما نواجهه من التحدّيات الخطيرة التي تحيط بالأُمّة الإسلاميّة في هذا الزمان.
ومع أنّنا نعيش عصر الانفتاح والتقدّم العلمي، إذن ما هو مبرّر التنافر والصراع ما بين المذاهب الإسلاميّة؟
أوّلاً: إنّه الجهل برؤية الإسلام وتعاليمه.
وثانياً: الأخلاق السيئة التي تنشأ من الأنانيّة والمصلحيّة والتعصّب.
وثالثاً: جهود الأعداء الخارجيّين والداخليّين التي تصبّ على نار التفرقة، وتزرع الفتن وتبثّ الاختلاف(١) .
_____________________
١ - انظر كتاب (التنوّع والتعايش) مع بعض التعليقات.
بأن يعترف كلّ طرف للآخر بحقّه في التمسّك بقناعاته ومعتقداته، وممارسة شعائره الدينية، والعمل وفق اجتهاداته المذهبيّة.
وهذا ما يأمر به الإسلام، وتدعو إليه تعاليمه السمحاء، وهو منهج أئمّة أهل البيتعليهمالسلام ، وأيضاً ما يدعو إليه العقل والمنطق السليم.
وفي الختام: نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينبّهنا عن نومة الغافلين، وأن يوفّقنا لما يحبّ ويرضى، ويهدنا إلى الصراط المستقيم، صراط محمد وآل بيته الأطهار، والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسّلام على محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين.
المصادر
١ - القرآن الكريم.
٢ - نهج البلاغة.
٣ - مفاتيح الجنان.
٤ - الدعاء والزيارة.
٥ - الاحتجاج - للطبرسي - نشر المرتضى - مشهد.
٦ - أحاديث في الدين والثقافة والاجتماع - حسن موسى الصفّار - مؤسسة البلاغ - بيروت.
٧ - إحقاق الحقّ - للتستري - قم.
٨ - الاختصاص - للمفيد - جماعة المدرّسين - قم.
٩ - الإرشاد - للمفيد - مؤسسة الأعلمي - بيروت.
١٠ - أسرار الشهادة - للدربندي - مؤسسة الأعلمي - بيروت.
١١ - أعيان الشيعة - محسن الأمين - دار التعارف - بيروت.
١٢ - الإمامة والسياسة - ابن قتيبة - منشورات الشريف الرضي - قم.
١٣ - الآمالي - للطوسي - مكتبة الداوري - قم.
١٤ - أشعة من حياة الحسين - عبد الله العلايلي - بيروت.
١٥ - بحار الأنوار - للعلاّمة المجلسي - المكتبة الإسلاميّة - طهران، مع طبعات متنوعة.
١٦ - تحف العقول - للحراني - جماعة المدرّسين - قم.
١٧ - تاريخ اليعقوبي - أحمد بن أبي يعقوب - قم.
١٨ - تفسير الإمام العسكري - مؤسسة الإمام المهدي - قم.
١٩ - تاريخ دمشق - لابن عساكر - مؤسسة المحمودي - بيروت.
٢٠ - التوحيد - للصدوق - جماعة المدرسية - قم.
٢١ - حياة الإمام الحسين - القريشي - دار البلاغة - بيروت.
٢٢ - جامع الأخبار - للشعيري - مكتبة الحيدرية - النجف.
٢٣ - الخصال - للصدوق - جماعة المدرّسين - قم.
٢٤ - رجال الكشي - للطوسي.
٢٥ - السبيل إلى إنهاض المسلمين - محمد الشيرازي - مؤسسة الفكر الإسلامي - بيروت.
٢٦ - سليم بن قيس - دار الفنون - بيروت.
٢٧ - سيرة الأئمة الأثني عشر - هاشم معروف الحسيني.
٢٨ - شرح نهج البلاغة - لابن أبي الحديد - دار إحياء التراث العربي - بيروت.
٢٩ - الأخلاق عند الإمام الصادقعليهالسلام - محمد أمين زين الدين.
٣٠ - جامع السعادات - للنراقي.
٣١ - رسائل البلغاء - محمد كرد علي.
٣١ - الصياغة الجديدة - محمد الشيرازي - دار العلوم - بيروت.
٣٣ - عدة الداعي - لابن فهد الحلي.
٣٤ - عيون أخبار الرضا - للصدوق - مؤسسة الأعلمي - بيروت.
٣٥ - علل الشرائع - للصدوق - مكتبة الداوري - قم.
٣٦ - العوالم - للبحراني الأصفهاني - قم.
٣٧ - فقه الاجتماع - محمد الشيرازي - دار العلوم - بيروت.
٣٨ - الفلسفة الأخلاقيّة - د. عادل العوا - ابن حيان - دمشق.
٣٩ - فلسفة الأخلاق - مرتضى مطهري - مؤسسة البعثة - بيروت.
٤٠ - فلسفة الأخلاق في الإسلام - محمد جواد مغنية - دار الجواد - بيروت.
٤١ - قبس من شعاع الإمام الحسين - محمد الشيرازي - دار العلوم - بيروت.
٤٢ - قيم أخلاقيّة في فقه الإمام الصادق - محمد جواد مغنية.
٤٣ - الكافي - للكليني - دار الكتب الإسلاميّة - طهران.
٤٤ - كامل الزيارات - لابن قولويه - المرتضويّة - النجف.
٤٥ - كشف الغمة - للأربلي - المكتبة الإسلاميّة - طهران.
٤٦ - كلمة الإمام الحسين - حسن الشيرازي - دار العلوم - بيروت.
٤٧ - لأوّل مرّة في تاريخ العالم - محمد الشيرازي - دار العلوم - بيروت.
٤٨ - ليالي بيشاور - محمد الموسوي - مؤسسة الثقلين - بيروت.
٤٩ - اللهوف - لابن طاووس - مكتبة الحيدرية - النجف.
٥٠ - مجلة النبأ - المستقبل للثقافة والإعلام.
٥١ - المجالس السنية - محسن الأمين - الشريف الرضي - قم.
٥٢ - مروج الذهب ومعادن الجوهر - للمسعودي.
٥٣ - مستدرك الوسائل - للمحدث النوري.
٥٤ - مقتل المقرم - عبد الرزاق المقرّم - قم.
٥٥ - مكارم الأخلاق - للطبرسي - دار القاري - بيروت.
٥٦ - مناقب آل أبي طالب - ابن شهر آشوب - علامة - قم.
٥٧ - موسوعة كلمات الإمام الحسين - معهد تحقيقات باقر العلوم - دار المعارف - قم.
٥٨ - المفردات الفلسفية - إدمون غوبلو.
٥٩ - ينابيع المودة - للقندوزي - مكتبة الحيدرية - النجف.
٦٠ - ابن تيمية حياته وعقائده - صائب عبد الحميد - مركز الغدير - بيروت.
٦١ - أبو الشهداء الحسين بن علي - محمود العقاد.
٦٢ - البقيع الغرقد - محمد الشيرازي - مؤسسة الإمامة - بيروت.
٦٤ - البقيع المنوّر - المنظمة العالمية للدفاع عن الأماكن المقدّسة - لندن.
٦٥ - التنوع والتعايش - حسن موسى الصفار - دار التآخي - بيروت.
٦٦ - تاريخ الخلفاء - للسيوطي - دار الكتب العلمية - بيروت.
٦٧ - تهذيب التهذيب - ابن حجر العسقلاني.
٦٨ - التوحيد والشرك في القرآن الكريم - جعفر السبحاني - مؤسسة الفكر الإسلامي - بيروت.
٦٩ - دليل الحاج والمعتمر - هيئة التوعية في المملكة العربية السعودية.
٧٠ - رأس الحسين - ابن تيمية - دار الكتاب العربي - تحقيق الجميلي.
٧١ - دفع شبهة التشبيه - لابن الجوزي.
٧٢ - الرد على المتعصب العنيد - أبو الفرج ابن الجوزي - تحقيق المحمودي.
٧٣ - رحلة ابن بطوطة.
٧٤ - شذرات الذهب - ابن العماد الحنبلي - دار الفكر - بيروت.
٧٥ - سنن ابن ماجه - ابن ماجة القزويني - دار الفكر - بيروت.
٧٦ - سنن الترمذي - محمد بن عيسى الترمذي.
٧٧ - كتاب السنة - لعبد الله بن أحمد بن حنبل.
٧٨ - السلفية الوهابيّة - لحسن بن علي السقاف - دار الإمام الرواس.
٧٩ - سير أعلام النبلاء - شمس الدين الذهبي.
٨٠ - صحيح بن حيان.
٨١ - صحيح البخاري - مؤسسة الخدمات الطباعية - بيروت.
٨٢ - صحيح مسلم - مسلم بن الحجّاج النيسابوري - مؤسسة عزّ الدين - بيروت.
٨٣ - الصواعق الإلهية في الرد على الوهابيّة - لسليمان بن عبد الوهاب - تحقيق السراوي - دار ذو الفقار - بيروت.
٨٤ - عوالم العلوم - عبد الله البحراني - قم.
٨٥ - فتح الباري.
٨٦ - فاطمة الزهراء من المهد إلى اللحد - محمد كاظم القزويني - الوفاء - بيروت.
٨٧ - قبور أئمّة البقيع قبل تهديمها - للسيد عبد الحسين الحيدري - دار السّلام - بيروت.
٨٨ - الكامل في التاريخ - ابن الأثير - دار صادر - بيروت.
٨٩ - كشف الارتياب في أتباع محمد بن عبد الوهاب - محسن الأمين - الطبعة الخامسة (القديمة).
٩٠ - كنز العمال - للمتقي الهندي - مؤسسة الرسالة - بيروت.
٩١ - محرّمات استهان بها الناس - محمد صالح المنجد - المملكة العربية السعودية.
٩٢ - مذكرات مستر همفر.
٩٣ - مسند أحمد بن حنبل - أحمد بن حنبل - دار الفكر - بيروت.
٩٤ - مسائل الجاهليّة.
٩٥ - معلومات مهمة عن الدين - إعداد محمد جميل زينو - مركز الدعوة والإرشاد - المملكة العربية السعودية.
٩٦ - مناسك الحج والعمرة - للألباني.
٩٧ - مقتل الحسين - للخوارزمي.
٩٨ - منهاج السنة النبوية - ابن تيمية - دار الكتب العلمية - بيروت.
٩٩ - موسوعة العتبات المقدّسة - جعفر الخليلي - مؤسسة الأعلمي - بيروت.
١٠٠ - نصيحة لإخواننا علماء نجد - يوسف بن هاشم الرفاعي - دار اقرأ - دمشق.
١٠١ - وفاء الوفاء.
١٠٢ - الوهابيّة واُصول الاعتقاد - محمد جواد البلاغي.
١٠٣ - يوم البقيع - حسن الصفّار - مؤسسة البقيع - لإحياء التراث.
الفهرس
الإهداء ٤
تقديم. ٥
المقدمة ١٠
سياسة ترويج الصفات.. ١٥
نعم، (الإمام الحسين والوهابيّة): ١٦
الباب الأوّل: الأخلاق الحسينيّة ١٩
الفصل الأوّل: تمهيد في الأخلاق. ٢١
فهم الأخلاق. ٢٦
تقويم الأخلاق. ٣٠
المبادئ الأخلاقيّة ٣٣
مميزات الفاعل الأخلاقي. ٣٦
الإرادة الإنسانيّة الكاملة ٤٠
الفصل الثاني: الأخلاق الحسينيّة ٤٥
في التربية الإسلاميّة ٥٧
تقديره لأهل العلم والأدب.. ٥٩
عطاء المعروف بقدر المعرفة ٦٢
الفصل الثالث: المواقف الإنسانيّة ٦٥
الحسين والمساكين. ٦٨
زيارته للمرضى وقضاء الدين. ٧١
موقف الحسين عليهالسلام مع جيش الحرّ ٧٢
رأفة الحسين عليهالسلام بالحيوان. ٧٧
العباس عليهالسلام وعطش الأطفال والنساء ٧٨
الذنب الفظيع في قتل الرضيع. ٨١
الفصل الرابع: ومضاتٌ اجتماعية وروحية ٨٥
البعد الاجتماعي في حياة الإمام الحسين عليهالسلام.... ٩٠
العمل على مستوى الفرد: ٩٣
الحسين عليهالسلام وعزّة الإنسان المسلم. ٩٣
الحسين عليهالسلام والتوكّل على الله. ٩٥
أنواع العبادة عند الحسين بن علي عليهماالسلام..... ٩٧
الإيمان والمؤمن عند الإمام الحسين عليهالسلام.... ٩٨
الفصل الخامس: البعد العاطفي في حياة الإمام الحسين عليهالسلام.... ١٠١
الحسين عليهالسلام قتيل العَبْرة ١٠٣
فلسفة البكاء على سيّد الشهداء عليهالسلام.... ١٠٤
الرحمة في بكاء رسول الله صلىاللهعليهوآله.... ١٠٧
المظلوميّة في بكاء زين العابدين عليهالسلام.... ١٠٨
البكاء الواعي. ١١٠
واجباتنا تجاه عاشوراء الحسين عليهالسلام.... ١١٠
الإمام الحسين عليهالسلام يبكي على أعدائه ١١٤
الفصل السادس: الأخوّة الإسلاميّة والنهج الحسيني. ١١٧
قضاء حوائج المؤمنين. ١٢٢
حقوق الإخوان. ١٢٤
تحية السلام في الخلق الحسيني. ١٢٦
الفصل السابع: المناقبيّات الذاتيّة للإمام الحسين عليهالسلام.... ١٣١
علم الإمام عليهالسلام.... ١٣٥
الحسين عليهالسلام وأجر الرسالة ١٣٧
الحسين عليهالسلام وحديث الولاء والولاية ١٣٩
الحب في الله لأبي عبد الله عليهالسلام.... ١٤١
طاعة الحسين عليهالسلام مفروضة ١٤٣
رأفة الإمام الحسين عليهالسلام وموقف مروان بن الحكم. ١٤٥
موقف آخر مع عمرو بن العاص.. ١٤٩
رسالة الإمام الحسين عليهالسلام لمعاوية ١٥٠
الفصل الثامن: النبوّة والإمامة توأمان. ١٥٥
الحسين عليهالسلام وعلوم القرآن. ١٥٩
الحسين عليهالسلام وفلسفة التوحيد. ١٦١
أخلاقيات القائد العسكري. ١٦٥
صفات القائد عند الإمام علي بن أبي طالب عليهالسلام.... ١٦٥
صفات القائد العسكري حالياً: ١٦٧
قيادة الإمام الحسين بن علي عليهماالسلام..... ١٦٨
صدق القائد السياسي والعسكري. ١٧٩
تعقّل الحسين عليهالسلام من شهادة مسلم. ١٨١
القائد والأصحاب.. ١٨٣
الحسين عليهالسلام ويتيمة مسلم. ١٨٦
موقف الأصحاب من قائدهم ليلة عاشوراء ١٨٧
الإمام عليهالسلام والصلاة تحت الأسنّة ١٩٣
الفصل التاسع: صور أخلاقيّة أُخرى من أرض الطفوف.. ١٩٩
المرأة في كربلاء ٢٠١
الحسين (عليه السّلام) وبطلة كربلاء زينب (عليها السّلام) ٢٠٣
الحسين (عليه السّلام) وزوجة النصراني. ٢٠٦
رجال في كربلاء، العبيد نموذج. ٢٠٧
أصحاب الحسين عليهالسلام وصور من الوفاء ٢١٠
حبّ الحسين عليهالسلام أجنّني. ٢١٢
الفصل العاشر: ثقافة السِّلم والسَّلام عند الحسين بن علي عليهالسلام.... ٢١٥
القرآن الكريم وحقيقة السّلام ٢١٩
النبيّ محمد رسول صلىاللهعليهوآله السّلام ٢٢٠
الحسين عليهالسلام ورسالة السّلام والإصلاح. ٢٢٢
أقسام السَّلام ٢٣٠
إستراتيجيّة السَّلام ٢٣٤
الفصل الحادي عشر: رؤية أُخرى في التوحيد الإلهي والتربوي. ٢٣٧
سمات العبادة الحسينيّة ٢٤٢
الحسين عليهالسلام يحذّر من الموت.. ٢٤٥
فلسفة الحجّ عند الحسين بن علي عليهماالسلام..... ٢٤٨
تأمّلات عرفانيّة في دعاء يوم عرفة ٢٥٠
المؤتمر الحسيني في الحجّ. ٢٥٨
الحسين عليهالسلام وصلة الرحم. ٢٦٥
الحكمة في المفهوم الحسيني. ٢٦٧
الشجاعة الأخلاقيّة في النهج الحسيني. ٢٧٢
معاوية يعترف بالقتل. ٢٧٧
الحسين عليهالسلام يرفض بيعة يزيد. ٢٨١
اقتلوا الحسين ولو في الكعبة ٢٨٤
رؤية الحسين عليهالسلام إلى الدنيا ٢٨٩
الكرم والجود الحسيني. ٢٩٢
العفو عن المسيء ٢٩٦
الباب الثاني: مواقف الوهابيّة ٢٩٩
تمهيد. ٣٠١
حديث الخوارج: ٣٠٣
مَنْ هو محمد بن عبد الوهاب؟ ٣٠٦
الفصل الأول: وقفة عقائدية ٣٠٩
عقيدة الوهابيّة في التوحيد. ٣١٢
الإمام علي عليهالسلام ونظرية التجسيم. ٣١٧
مشاهدات ابن بطوطة لابن تيمية ٣٢١
الفصل الثاني: خلاصة عقيدتهم في التوحيد. ٣٢٥
التوحيد الذي تدعونا إليه الوهابيّة ٣٢٧
توحيد الأفعال (الأسماء والصفات): ٣٢٨
الفصل الثالث: حقيقة السجود لغير الله. ٣٤١
حقيقة سجود الملائكة لآدم عليهالسلام.... ٣٤٣
هل السجود ليوسف عليهالسلام عبادة؟ ٣٤٥
عمر والحجر الأسود ٣٤٧
العبادة عند النبي الأكرم صلىاللهعليهوآله.... ٣٤٩
الفصل الرابع: الرسول الأعظم في الفكر الوهابي. ٣٥٣
محمد طارش وليس بسيّد! ٣٥٨
الصلاة على النبيّ صلىاللهعليهوآله بدعة ٣٦١
مواقف الوهابيّة من الإمام علي عليهالسلام.... ٣٦٣
ابن تيميّة وعلم علي بن أبي طالب عليهالسلام.... ٣٦٨
الوهابيّة والذريّة الطاهرة عليهمالسلام.... ٣٧٠
الفتنة وقرن الشيطان. ٣٧٥
سليمان بن عبد الوهاب يردّ على أخيه ٣٧٧
الفصل الخامس: الإمام الحسين عليهالسلام في الفكر السلفي. ٣٧٩
النهضة الحسينيّة عند ابن تيمية ٣٩٠
يزيد عند ابن تيميّة ٣٩٥
ابن تيمية ولعن يزيد. ٤٠٤
موضوعية اللعن في القرآن الكريم. ٤٠٧
الصحابة يلعنون بعضهم بعضاً ٤١٧
الفصل السادس: حربٌ على القبور ٤٢١
ابن باز وزيارة قبر النبيّ صلىاللهعليهوآله.... ٤٢٧
نواقض الإسلام عند الوهابيّة ٤٢٨
حتّى الأموات محاربون. ٤٣٠
المسلمون وقبر رسول الله صلىاللهعليهوآله.... ٤٣٣
البناء على القبور ٤٣٨
الفصل السابع: مأساة البقيع الغرقد. ٤٤٣
الموقع الجغرافي: ٤٤٥
البقيع في التاريخ: ٤٤٦
البقيع في الشعر: ٤٤٦
مكانة البقيع وفضل زيارته ٤٤٨
مَن دُفن في البقيع؟ ٤٤٩
البقيع قبل الزلزال. ٤٥٣
المنظمات العالمية للدفاع عن البقيع. ٤٥٨
أرقام وتواريخ لهدم البقيع: ٤٦٠
حتى المساجد هدّموها ٤٦٢
الفصل الثامن: الإرهاب النظري والعملي. ٤٦٩
الإرهاب الفكري. ٤٧٢
الوهابيّون يكفّرون جميع الفرق الإسلاميّة ٤٧٣
فتوى ابن الجبرين في كيفية التعامل مع الشيعة: ٤٧٨
كلية الطب ممنوعة على الشيعة! ٤٨٠
ذبح الشيعة في حلب: ٤٨٣
موقف علماء الإسلام من الوهابيّة ٤٨٤
وقفة أخرى لسليمان بن عبد الوهاب مع أخيه: ٤٨٥
الدكتور البوطي وموقفه من الوهابيّة: ٤٨٧
نصيحة لإخواننا علماء نجد: ٤٩١
الفصل التاسع: مفهوم الأخلاق عند الوهابيّة ٥١٥
قتل الزائرين للعتبات المقدّسة ٥٢٠
قصص واقعيّة وحوارات مع الوهابيّة ٥٢٣
الفصل العاشر: خاتمة وحلول. ٥٤٣
إشاعة ثقافة التعايش السلمي. ٥٤٨
التعايش ما بين المذاهب الإسلاميّة ٥٤٩
التعايش منهج وتطبيق. ٥٥٥
أُمّة واحدة وقوميّات متعدّدة ٥٦١
التعايش هو الخيار ٥٦٥
المصادر ٥٦٧
مصادر الباب الأول. ٥٦٧
مصادر الباب الثاني. ٥٧٠