الأجوبة الوافية في رد شبهات الوهابية- الجزء 2
التجميع مناظرات وردود
الکاتب مؤسسة الكوثر للمعارف الإسلامية
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

الأجوبة الوافية في ردّ شبهات الوهّابيّة

المجلد الثاني

تأليف : مؤسسة الكوثر للمعارف الإسلامية


لجنة التحقيق : الشيخ قيصر التميمي ، الشيخ علي حمود العبادي ، الشيخ شاكر عطية الساعدي

تصحيح : الشيخ عبد السادة الساعدي والشيخ أمير كاظم حسون

مراجعة وتقويم : السيد حاتم البخاتي والسيد ميثم الخطيب

الناشر : دهكده جهاني آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

الطبعة الأولى : / ١٤٢٨ هجري قمري

التنضيد والإخراج الفني : مؤسسة الكوثر للمعارف الإسلامية / محسن الجابري

الطبع : أميران ـ قم المقدسة

سعر الدوره : ٩٠٠٠ تومان

العدد : ٢٠٠٠

شابك : ٤ ـ ٧ ـ ٩٤٣٨٨ ـ ٩٦٤ ـ ٩٧٨

جميع حقوق الطبع والترجمة محفوظة للمؤسسة الكوثر للمعارف الإسلامية

هاتف : ٧٧٣٠٩٤٤ ـ ٢٥١ ـ ٠٠٩٨

سايت : www.Annajat.org

العنوان : قم / شارع سمية / زقاق ١٨ / رقم الدار ١٥


الفصل الأوّل : إبطال دعوى أنّ المآتم والشعائر الحسينية التي تقام في عاشوراء بدعة غير جائزة ومن شعائر الجاهلية

الشعائر الحسينية

الشبهة

المآتم الحسينية بدعة غير جائزة ، والشعائر التي تقام في عاشوراء شعائر جاهلية .

الجواب

قبل الإجابة ينبغي أن نقف على حقيقة البدعة ، وعلى الفرق بينها وبين السنّة ، وعلى حقيقة الشعائر أيضاً ، لكي نتمكن من تصنيف العناوين الأخرى ، التي طرحت في الشعائر الحسينية ، وهل هي من البدعة أم من السنّة .

تعريف السنّة

السنّة لغةً :

هي الطريقة(١) ، فسنّة الله تبارك وتعالى طريقته ، ومنه قوله تعالى :( سُنّةَ اللهِ الّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنّةِ اللهِ تَبْدِيلاً ) (٢) .

والسنّة لغةً أعم من كونها حسنة أو سيئة ، قال ابن منظور : ( والسنّة : السيرة ، حسنة كانت أو قبيحة )(٣) .

وفي لسان العرب أيضاً : ( سنّ فلان طريقاً من الخير ، يسنّه إذا ابتدأ أمراً من البر لم يعرفه قومه ، فاستسنوا به وسلكوه )(٤) .

ــــــــــــــ

(١) لسان العرب ، ابن منظور : ج١٣ ص ٢٢٥ ؛ مجمع البحرين ، الطبري : ج ٢ ص ٤٣٦ .

(٢) الفتح : ٢٣ .

(٣) لسان العرب ، ابن منظور : ج ١٣ ، ص ٢٢٥ .

(٤) المصدر نفسه : ج ١٣ ص ٢٢٦ .


السنّة في الاصطلاح الشرعي

السنّة اصطلاحاً هي قول المعصوم وفعله وتقريره ، كقول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكذا فعله ، فإنّه إذا فعل شيئاً يدل على مشروعيته ، أو تقريره ، كما لو كان أحد من الصحابة يأكل الجراد ، بمرأى من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولا يردعهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فعدم الردع يدل على عدم حرمة أكل الجراد ؛ لأنّه لو كان حراماً لوجب على الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ردعه ، مع بيان حرمته ، فمن سكوتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يستفاد عدم حرمته .

قال ابن الأثير في غريب الحديث : ( والأصل فيها [السنّة] الطريقة والسيرة ، وإذا أطلقت في الشرع فإنّما يراد بها ما أمر به النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ونهى عنه وندب إليه قولاً وفعلاً ممّا لم ينطق به الكتاب العزيز ، ولهذا يقال في أدلة الشرع ، الكتاب والسنّة أي : القرآن والحديث )(١) .

وبناءً على ما تقدم يتضح أنّ السنّة تنقسم بالمعنى اللغوي إلى قسمين : سنّة حسنة ، وسنّة سيئة ، كما قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( مَن سنّ سنّة حسنة كان له مثل مَن عمل بها من غير أن ينقص من أجره شيء ، ومَن سنّ سنّة سيئة كان عليه مثل وزر مَن عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء ) (٢) .

أمّا السنّة بالمعنى الاصطلاحي ، فهي دائماً سنّة حسنة ؛ لأنّها سنّة المعصومعليه‌السلام .

ــــــــــــــ

(١) النهاية في غريب الحديث ، ابن الأثير : ج ٢ ص ٤٠٩ .

(٢) مسند أحمد ، أحمد بن حنبل : ج ٤ ص ٣٦١ ؛ سنن الدارمي ، الدارمي : ج ١ ص ١٣٠ ؛ السنن الكبرى ، البيهقي : ج ٤ ص ١٧٦ وغيرها .


البدعة لغةً :

بدع : بدع الشيء يبدعه بدعاً وابتدعه : أنشأه وبدأه والبديع والبدع : الشيء الذي يكون أولاً وفي التنزيل :( قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِنَ الرّسُلِ ) أي : ما كنت أول مَن أرسل ، قد أرسل قبلي رسل كثير .

البدعة : الحدث وما ابتدع من الدين بعد الإكمال ، قال ابن السكيت : ( البدعة كل محدثة )(١) .

وقال الخليل الفراهيدي : البدع : ( الشيء الذي يكون أولاً في كل أمر ، كما قال الله عزّ وجلّ :( قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِنَ الرّسُلِ ) أي : لست بأول مرسل البدعة ما استحدث بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أهواء وأعمال ، ويجمع على البدع )(٢) .

البدعة شرعاً :

هي نسبة شيء إلى الدين وليس منه ، وبتعبير آخر : إدخال ما ليس من الدين في الدين .

قال الراغب في المفردات : ( والبدعة في المذهب : إيراد قول لم يستنّ قائلها وفاعلها فيه بصاحب الشريعة )(٣) .

وفي لسان العرب عن ابن الأثير : ( البدعة بدعتان ، بدعة هدى ، وبدعة ضلال ، فما كانت في خلاف ما أمر الله به ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فهو في حيّز الذم والإنكار ، وما كان واقعاً تحت عموم ما ندب الله إليه وحضّ عليه أو

ــــــــــــــ

(١) لسان العرب : ابن منظور : ج ٨ ص ٦ ؛ وانظر مختار الصحاح ، محمد عبد القادر : ص٣١ .

(٢) كتاب اليمين ، الفراهيدي : ج ٢ ص ٥٤ .

(٣) مفردات ألفاظ القرآن ، الراغب الأصفهاني : ص ٣٩ .


رسوله فهو في حيّز المدح )(١) .

وفي مجمع البحرين للطريحي : ( والبدعة بالكسر فالسكون : الحدث في الدين وما ليس له أصل في كتاب ولا سنّة )(٢) .

ويتبيّن من ذلك أنّ البدعة بالمعنى اللغوي أعم من المعنى الشرعي ؛ ولذا نجد أنّ الشافعي والغزالي وابن حزم وابن الأثير وغيرهم ، قسموا البدعة بالمعنى اللغوي إلى حسنة وسيئة ، بينما البدعة بالمعنى الشرعي لا تكون إلاّ مذمومة ، ولذا ورد في الحديث المستفيض عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( كل بدعة ضلالة ) (٣) .

قال ابن حجر : ( المحدثات بفتح الدال جمع محدثة ، والمراد بها ما أحدث وليس له أصل في الشرع ، ويسمّى في عرف الشرع (بدعة) وما كان له أصل يدل عليه الشرع فليس ببدعة ، فالبدعة في عرف الشرع مذمومة بخلاف اللغة ، فإنّ كل شيء أحدث على غير مثال يسمّى بدعة سواء كان محموداً أو مذموماً )(٤) .

فالبدعة إذاً في الاصطلاح الشرعي تقابل السنّة بمعناها الشرعي ومعناها اللغوي إذا كانت حسنة ، فما لم يكن الشيء من السنّة فهو بدعة ، وما هو من السنّة فليس ببدعة .

ــــــــــــــ

(١) لسان العرب ، ابن منظور : ج ٨ ص ٦ .

(٢) مجمع البحرين ، الطريحي : ج ١ ص ١٦٤ .

(٣) مسند أحمد ، أحمد بن حنبل : ج ٤ ص ٢٦ ؛ المعجم الكبير ، الطبراني : ج ١٨ ص ٢٤٦ ؛ فتح الباري ، ابن حجر العسقلاني : ج ١٣ ص ٢١٢ .

(٤) فتح الباري ، ابن حجر العسقلاني : ج ١٣ ص ٢١٢ .


الشعيرة لغةً :

قال الخليل الفراهيدي في (كتاب العين) : ( تقول أنت الشعار دون الدثار ، تصفه بالقرب والمودّة [ويقال] : ليت شعري أي علمي ، ويقال : ما يشعرك أي : ما يدريك ومنهم مَن يقول : شعرتُه أي : عقلته وفهمته والمشعر : موضع المنسك من مشاعر الحج ، وكذلك الشعارة من شعائر الحج وشعائر الله ، مناسك الحج ، أي : علاماته والشعيرة من شعائر الحج وهو أعمال الحج من السعي والطواف والذبائح ، كل ذلك شعائر الحج )(١) .

وفي غريب الحديث لابن الأثير : ( وشعائر الحج آثاره وعلاماته : جمع شعيرة الشعائر المعالم التي ندب الله إليها وأمر بالقيام عليه )(٢) .

وفي مجمع البحرين : ( وحملوا الشعائر على المعالم ، أي : معالم حدود الله ، وأمره ونهيه وفرائضه )(٣) .

وفي تاج العروس : ( في الصحاح الشعائر : أعمال الحج ، وكل ما جعل علماً لطاعة الله عزّ وجلّ )(٤) .

وقال القرطبي في تفسيره : ( الشعائر : جمع شعيرة ، وهو كل شيء لله فيه أمر أشعر به وأعلم ، ومنه شعائر القوم في الحرب ، وشعائر الله أعلام دينه )(٥) .

ومحصّل كلام اللغويين : أنّ المعنى الجامع لماهيّة الشعائر ، هو جنبة الإعلام الحسّي لكلّ معنى أو سلوك ديني ، أو حكم من الأحكام الدينية ، كل ذلك يسمّى شعاراً ، أو شعائر ، فالشعيرة إذاً هي العلامة .

ــــــــــــــ

(١) كتاب العين ، الفراهيدي : ج ١ ص ٢٥١ .

(٢) النهاية في غريب الحديث ، ابن الأثير : ج ٢ ص ٤٧٩ .

(٣) مجمع البحرين ، الطريحي : ج ٢ ص ٥١٥ .

(٤) مختار الصحاح ، محمد بن عبد القادر : ص ١٨٠ .

(٥) تفسير القرطبي ، القرطبي : ج ١٢ ص ٥٦ .


هل للشعيرة معنى شرعي ؟

من الأمور المهمّة والأساسية التي يقرّرها علماء أصول الفقه ، هي أنّ الشارع إذا لم يتصرف في الوجود الخارجي في مرحلة تطبيق الحكم على العنوان المأخوذ في لسان الدليل ، فلابد أن يكون وجوده هو ما يصدق عليه العنوان عرفاً .

وبعبارة أخرى : إنّ الأصل الأوّلي يقتضي كون وجود ما ينطبق عليه الحكم والعنوان عرفياً ، إلاّ أن يجعل له الشارع وجوداً خاصاً ، بأن ينصب دليلاً على ذلك ، ومثال ذلك تدخل الشارع في وجود وتحقق الصيغة المحققة للطلاق ، حيث نجد أنّ الشارع تصرّف في كيفية حصول الطلاق وإن لم يتصرّف في عنوان الطلاق اللغوي ، وكذلك الأمر بالنسبة للحلف فلا يكون قسماً شرعياً إلاّ بالله ، وكذا النذر لا يكون شرعياً إلاّ أن يأتي به الناذر بصيغته الخاصة ، فهذا تصرّف من الشارع في كيفية الوجود .

أمّا إذا لم يقم دليل من الشارع على ذلك ، فإنّ القاعدة والأصل الأوّلي يقتضي أن يكون وجوده وجوداً عرفياً ، كما في قوله تعالى :( وَأَحَلّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرّمَ الرّبَا ) (١) و( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) (٢) ، فحيث لم يأت دليل يتصرّف في كيفية وجود العقد البيعي في الخارج يكون البيع بمقتضى القاعدة ما هو المتداول عند العقلاء من العقود ، وقد أحلّها وأمضاها الشارع وأوجب الوفاء بها ، نعم قد يتصرّف الشارع في بعض الموارد كبيع السَّلم وغيره .

ــــــــــــــ

(١) البقرة : ٢٧٥ .

(٢) المائدة : ١ .


وإذا تبيّن ذلك ؛ نقول : إنّ الشارع إذا لم يكن قد تصرّف في عنوان الشعائر ، ولا في كيفية تحقيقها ووجودها في الخارج ، فإنّها تبقى على ما هي عليه في العرف .

هل تصرّف الشارع في كيفية تطبيق الشعائر ؟

عند إجراء استقصاء لأهم الآيات القرآنية الدالة على مشروعية الشعائر الدينية ، ومحبوبية ورجحان تعظيم شعائر الله تبارك وتعالى ، نجد أنّ الشارع لم يتعرّض لبيان كيفية وجودها في الخارج إلاّ ما تعرّض له في بعض الموارد ، كما في شعائر الحج وغيرها ، حيث جاء ذلك في بعض الآيات القرآنية :

أ ـ قوله تعالى :( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحِلّوا شَعَائِرَ اللهِ وَلاَ الشّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلاَئِدَ وَلاَ آمّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ ) (١) .

ب ـ قوله تعالى :( ذلِكَ وَمَن يُعَظّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ) (٢) .

حيث نجد في هذه الآية المباركة دلالة واضحة على مطلوبية ورجحان التعظيم لشعائر الله ، من دون أي تصرّف في كيفية حصول التعظيم ، وهذا يعني إيكال كيفية التعظيم إلى العرف .

ج ـ قوله تعالى :( وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِن شَعَائِرِ اللهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ) (٣) .

ــــــــــــــ

(١) المائدة : ٢ .

(٢) الحج : ٣٢ .

(٣) الحج : ٣٦ .


د ـ قوله تعالى :( إِنّ الصّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللهِ ) (١) .

والتعبير فيهما بلفظ (من) التبعيضية يكشف عن كون البُدن والصفا والمروة من مصاديق الشعائر ، من دون التعرّض نفياً أو إثباتاً للمصاديق والأفراد الأخرى للشعائر ، ممّا يدلل على الإيكال إلى العرف الذي ذكرناه .

وأمّا كلمات العلماء من الفقهاء والمحدثين من أهل السنّة في هذا المجال ، والتي تؤكّد على فهمهم لعمومية مفهوم الشعيرة والشعائر وشموله لجميع معالم الدين الإسلامي ، فهي كثيرة جداً ، ونقتصر على ما نصّ عليه فقهاء السنّة ومحدّثوهم :

قال القرطبي :( مِن شَعَائِرِ اللهِ ) أي : من معالمه ومواضع عبادته وهي جمع شعيرة )(٢) .

وقال أيضاً : ( سمّي مشعراً من الشعار وهو العلامة )(٣) .

وأخرج عن عطاء قوله : ( شعائر الله جميع ما أمر ونهى عنه وقال الحسن : دين الله كله ) ، وقال بعد ذلك : ( قلت : وهذا القول هو الراجح الذي يقدم على غيره لعمومه )(٤) .

وقال أيضاً في موضع آخر من تفسيره : ( فشعائر الله أعلام دينه )(٥) .

ــــــــــــــ

(١) البقرة : ١٥٨ .

(٢) تفسير القرطبي ، القرطبي : ج ٢ ص ١٨٠ .

(٣) المصدر نفسه : ج ٢ ص ٤٢ .

(٤) المصدر نفسه : ج ٦ ص ٣٧ .

(٥) المصدر نفسه : ج ١٢ ص ٥٦ .


وقال كذلك : ( وترك الصلاة والآذان فيه ترك إظهار شعائر الإسلام )(١) .

وقال المباركفوري في كتابه تحفة الأحوذي : ( قال في تفسير الخازن : شعائر الله أعلام دينه وأصلها من الإشعار وهو الإعلام ، واحدتها شعيرة ، وكلّ ما كان معلماً لقربان يتقرب به إلى الله تعالى من صلاة ودعاء وذبيحة فهو شعيرة من شعائر الله ، ومشاعر الحج معالمه )(٢) .

وقال النووي في كتابه الفقهي (المجموع) : ( وقوله [أي صاحب المهذّب] شعائر الإسلام هي جمع شعيرة بفتح الشين ، قال أهل اللغة والمفسّرون : هي متعبّدات الإسلام ، ومعالمه الظاهرة ، مأخوذة من شعرت أي : علمت ، فهي ظاهرات معلومات )(٣) .

هـ ـ وأخرج الطبري عن عطاء ، أنّه : ( فسّر الشعائر في الآية :( لاَ تُحِلّوا شَعَائِرَ اللهِ ) ، لا تستحلّوا أيّها الذين آمنوا معالم الله ، فيدخل في ذلك معالم الله معالم الله كلها في مناسك الحج ، من تحريم ما حرّم الله إصابته فيها على المحرم وتضييع ما نهى عن تضييعه فيها ، وفيما حرم من استحلال حرمات حرمه لأنّ الله نهى عن استحلال شعائره ومعالم حدوده ، وإحلالها نهياً عاماً من غير اختصاص شيء من ذلك دون شيء )(٤) .

و ـ ما رواه الطبرسي عن الحسن البصري قال : ( الشعائر شعائر الله ، وهو الدين كله )(٥) وهذا تعميم في موضوع الشعائر أيضاً .

ــــــــــــــ

(١) المصدر السابق نفسه : ج ٥ ص ١٦٠ .

(٢) تحفة الأحوذي ، المباركفوري : ج ٣ ص ٥٠٩ .

(٣) المجموع ، محيي الدين النووي : ج ٣ ص ٨٠ .

(٤) جامع البيان ، ابن جرير الطبري : ج ٦ ص ٧٤ .

(٥) زاد المسير ، ابن الجوزي : ج ٢ ص ٢٣٢ .


ز ـ وورد التعميم للشعائر أيضاً عن عكرمة ، حيث قال : ( إنّ شعائر الله هي حدوده )(١) .

وأمّا الأمور التي عدّها العلماء والفقهاء من مصاديق شعائر الله والدين والإسلامي ، فهي كثيرة جداً ، نستعرض منها ما يلي :

١ ـ ( الصلاة والزكاة والحج والصوم ؛ لكونها أظهر شعائر الإسلام وأعظمها )(٢) .

٢ ـ ( هي من شعائر الإسلام وهي العيد والكسوف والاستسقاء )(٣) .

٣ ـ ( من شعائر الله الوقوف والرمي والطواف والسعي )(٤) .

٤ ـ ( الأذان والإقامة من شعائر الإسلام فتختص بالفرائض )(٥) .

وفي بدائع الصانع قال : ( والأذان والإقامة ، لأنّهما من شعائر الإسلام فتختص بالفرائض )(٦) وفي مواهب الجليل قال : ( ولأنّ الإقامة من شعائر الدين )(٧) وقال ابن قدامة في الأذان : ( لأنّه من شعائر الإسلام الظاهرة ، فكان فرضاً كالجهاد )(٨) .

ــــــــــــــ

(١) زاد المسير ، ابن الجوزي : ج ٢ ص ٢٣٢ .

(٢) شرح مسلم ، النووي : ج ١ ص ١٤٨ .

(٣) شرح مسلم ، النووي : ج ٦ ص ٧٠ ؛ الديباج على مسلم ، السيوطي : ج ٢ ص ٣٨٥ ؛ عون المعبود ، العظيم آبادي : ج ٤ ص ٢٢٦ .

(٤) تحفة الأحوذي ، المباركفوري : ج ٣ ص ٥٠٣ ؛ ونحوه المصنف ، ابن أبي شيبة الكوفي : ج ٤ ص ٣٦٠ .

(٥) كشف القناع ، البهوتي : ج ١ ص ٢٧٣ ؛ ونحوه المجموع ، النووي : ج ٣ ص ٨٠ ؛ ونحوه المغني ، ابن قدامة : ج ١ ص ٤٢٧ .

(٦) بدائع الصنائع ، أبو بكر الكاشاني : ج ١ ص ١٧١ .

(٧) مواهب الجليل ، الرعيني : ج ٣ ص ٥ .

(٨) المغني ، ابن قدامة : ج ١ ص ٤٢٧ .


٥ ـ ( صلاة العيد لأنّها من شعائر الإسلام )(١) .

٦ ـ النوري وغيره قالوا : ( الفقهاء والمتفقّهين يجب إكرامهم وتعظيم حرماتهم )(٢) ، واستدلوا لذلك بقوله تعالى :( ذلِكَ وَمَن يُعَظّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ) ، وقوله قال :( وَمَن يُعَظّمْ حُرُمَاتِ اللهِ ) .

٧ ـ وقد أوجب النووي الجهاد إذا تُرك صلاة العيد ، حيث قال : ( يقاتلون لأنّه من شعائر الإسلام ، وفي تركها تهاون بالشرع )(٣) .

٨ ـ ( من فروض الكفايات إحياء الكعبة والمواقف التي هُناك كل سنة بالزيارة مرّة ؛ لأنّ ذلك من شعائر الإسلام )(٤) .

٩ ـ ما قاله ابن قدامة وغيره : ( الجمعة من أعظم شعائر الإسلام )(٥) .

١٠ ـ ( رفع الصوت بالتكبير من شعائر الإسلام وأعلام الدين )(٦) .

١١ ـ ( صلاة الجماعة من شعائر الإسلام )(٧) .

١٢ ـ ( السلام من شعائر الإسلام )(٨) .

ــــــــــــــ

(١) فتح العزيز ، الرافعي : ج ٥ ص ٦٣؛ مغني المحتاج ، الشربيني : ج ١ ص ٣١٠ ؛ بدائع الصنائع : ج ١ ص ٢٧٥ .

(٢) المجموع ، النووي : ج ١ ص ٢٤ .

(٣) المصدر نفسه : ج ٥ ص ٢ .

(٤) مغني المحتاج ، الشربيني : ج ٤ ص ٢١٢ .

(٥) بدائع الصنائع ، أبو بكر الكاشاني : ج ١ ص ٢٦٩ ؛ الشرح الكبير ، ابن قدامة : ج ٢ ص ٢٢٤ .

(٦) المغني ، ابن قدامة : ج ٢ ص ٢٢٦ ؛ بدائع الصنائع ، أبو بكر الكاشاني : ج ١ ص ١٩٨ .

(٧) بدائع الصنائع ، أبو بكر الكاشاني : ج ١ ص ٢٩٨ .

(٨) المصدر نفسه : ج ٧ ص ١١٣ .


١٣ ـ ( لأنّ النفل الزيادة وهو زائد على الفرض مع أنّه من شعائر الدين العامة )(١) .

١٤ ـ ( إنّ الختان سنّة وهو من شعائر الإسلام وخصائصه )(٢) .

١٦* ـ ( اللعان شعيرة من شعائر الإسلام )(٣) .

وهذا فضلاً عن أقوال علماء مذهب الإمامية الذين ذهبوا إلى تعميم الشعائر لجميع معالم الدين .

وخلاصة ما تقدّم من الآيات القرآنية والروايات وأقوال العلماء : إنّ الشعائر بمفهومها الشرعي لا تختص بمناسك الحج ، أو بخصوص العبادات ، وإنّما تشمل كلّ ما له دور في إظهار المعالم الأساسية والرئيسة في الشريعة ، ونشر أحكام الدين ، فلم يتصرّف الشارع في كيفية تطبيقها وتحقيقها خارجاً إلاّ في بعض الموارد ، إذن تبقى بعض المصاديق التطبيقية لمفهوم الشعائر على ما هي عليه في العرف ، كما هو الحال في البيع في قوله تعالى :( وَأَحَلّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرّمَ الرّبَا ) ، حيث ترك الشارع المقدّس تعيين أفراد ومصاديق حقيقة وماهيّة البيع إلى ما عليه العرف .

إيكال الشعائر إلى العرف هل يستلزم البدعة ؟

لأجل اتضاح المطلوب ينبغي الإشارة إلى حقيقة مهمة يذكرها علماء الأصول ، ويمكن تقريبها بمثال ، كما في الاحترام ، فإنّ الاحترام حكم أوّلي يحكم به العقل والشرع ، إلاّ أنّ مصاديقه وطرق التعبير عنه متغيّرة ومستجدة ، تتخذ أشكالاً مختلفة ومتنوعة ، فالبعض يستخدم القيام وسيلة وعلامة لإبداء الاحترام والتعظيم ، والبعض يجعل المصافحة باليد أو بالإيماء بالرأس أو السجود وسيلة لذلك ، إلاّ أنّ علم القانون ـ سواء الوضعي أم الشرعي ـ لا يعد هذه التغيرات في الأفراد والمصاديق تغيّراً في الحكم الأوّلي للاحترام .

ــــــــــــــ

(١) حاشية رد المحتار ، ابن عابدين : ج ١ ص ١١١ .

(٢) البحر الرائق : ج ٩ ص ٣٥٩ ؛ الدر المختار ، الحصكفي : ج ٧ ص ٣٤٢ .

* يبدو أنّ الرقم ١٦ في التسلسل غير صحيح وقد اكتفينا بالإشارة إلى ذلك [ الشبكة ] .

(٣) حاشية الدسوقي : ج ٢ ص ٤٦٤ .


كذلك من الأمثلة قوله تعالى :( وَأَعِدّوا لَهُم مَا استَطَعْتُم مِن قُوّةٍ وَمِن رِبَاطِ الْخَيْلِ ) (١) .

فالقوّة سواء كانت ضمن أساليب القتال القديمة ، كالسيف والجواد والسهم ونحوها ، أو الحديثة كالطائرات والمدافع والدروع ونحوها ، فإنّ جميع ذلك يعد من القوّة التي يجب إعدادها ، فالقوّة ذات مصاديق متعددة ، لكن وجوب إعداد القوّة ثابت في الشريعة ولم يتغيّر .

وعلى ضوء ذلك ، يتضح أنّ أصل حكم الشعائر ووجوب تعظيمها ثابت في الشريعة ، لأجل دورها الإعلامي الفاعل في إحياء الدين ، إلاّ أنّ مصاديقها متغيّرة وموكولة إلى العرف .

وعلى هذا الأساس نفهم الفرق بين مؤدّى( مَن سنّ سنّة حسنة ) وبين موارد حرمة البدعة ، حيث إنّه في موارد البدعة لم يكن هناك أي دليل ، أو مستند يُعتمد عليه ، بينما في موارد السُنّة الحسنة إنشاء عادات وتطبيقات للشعائر الدينية في المجتمع ذات طابع اجتماعي يكون لها الدور الأساس في إبراز معالم الدين ، فهي تستند إلى الدليل الشرعي ، ومقنّنة ضمن الشروط الشرعية .

ــــــــــــــ

(١) الأنفال : ٦٠ .


نعم لابد في الشيء المستجد من مصاديق الشعيرة أن يكون حلالاً مباحاً في نفسه ، بخلاف البدعة ، حيث تكون سبباً لنشر الرذائل بين الناس بشكل تتحول إلى ظاهرة اجتماعية ثابتة من دون أن يكون لها أي غطاء شرعي ؛ وبذلك يتحمّل محدثها الوزر المضاعف كما قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( مَن سنّ سنّة سيئة فعمل بها كان عليه وزرها ووزر مَن عمل بها لا ينقص من أوزارهم شيئاً )(١) .

أدلّة إقامة المآتم والحزن والبكاء

في مقام ذكر الأدلة التي تساق لإثبات مشروعية هذه الشعائر نواجه نوعين من الأدلة :

النوع الأوّل : الأدلة العامة

وهي التي دلّت على رجحان التعظيم وإقامة الشعائر التي لها دور الإعلام الديني ، فبعد أن أثبتنا أنّ الشعائر والشعار يستخدم في مورد الإعلام للمعاني الدينية بأدوات حسّيّة – كل ما أعلم وذكّر بالله تعالى ، أو بفكرة وعقيدة منتسبة له عزّ وجلّ كأمره ونهيه ، فهو شعار وشعيرة دينية – يتضح الأمر في المآتم والشعائر الحسينية من البكاء والحزن وإقامة المجالس وغيرها ، حيث إنّها تنهض بدور عظيم في التذكير والإعلام بالأهداف التي خرج من أجلها الإمام الحسينعليه‌السلام سبط النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

ــــــــــــــ

(١) سنن ابن ماجة ، ابن ماجه : ج ١ ص ٧٤ ؛ المعجم الكبير ، الطبراني : ج ٢ ص ٣١٥ .


وخامس أصحاب أهل الكساء ، والتي يقع في مقدمتها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما صرحعليه‌السلام بذلك مراراً ، حيث قالعليه‌السلام :( بأنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا ظالماً ومفسداً وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله ، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ) (١)

وقال أيضاًعليه‌السلام :( إنّ هؤلاء قوم لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن ، وأظهروا الفساد في الأرض وأبطلوا الحدود وشربوا الخمور ، واستأثروا بأموال الفقراء والمساكين ، وأنا أولى مَن قام بنصرة دين الله وإعزاز شرعه والجهاد في سبيله لتكون كلمة الله هي العليا ) (٢) ، وقالعليه‌السلام :( مَن رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله ناكثاً لعهد الله مخالفاً لسنّة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يعمل بعباد الله بالإثم والعدوان ، فلم يغير عليه بفعل ولا قول كان حقاً على الله أن يدخله مدخله ) (٣) .

حيث يعتبر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم الفرائض الدينية التي أكّدت عليها الآيات القرآنية ، كما في قوله تعالى :( وَلِتَكُن مِنكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إِلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (٤) .

وقوله تعالى :( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلْنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ ) (٥) .

ــــــــــــــ

(١) الفتوح ، ابن أعثم : ج ٥ ص ٢١ .

(٢) تذكرة الخواص ، سبط ابن الجوزي : ج ٢ ص ١٤٠ ؛ وقريب منه تاريخ الطبري: ج ٤ ص ٣٠٤ .

(٣) تاريخ الطبري ، الطبري : ج ٤ ص ٣٠٤ .

(٤) آل عمران : ١٠٤ .

(٥) آل عمران : ١١٠ .


وقوله تعالى :( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضَهُمْ أَولِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللهُ إِنّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (١) .

وقوله تعالى :( الّذِينَ يَتّبِعُونَ الرّسُولَ النّبِيّ الأُمّيّ الّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التّورَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ ) (٢) .

وقوله تعالى :( الّذِينَ إِن مَكّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصّلاَةَ وَآتَوُا الزّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَللّهِ‏ِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ) (٣) .

وقوله تعالى :( يَا بُنَيّ أَقِمِ الصّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى‏ مَا أَصَابَكَ إِنّ ذلِكَ مِنْ عَزِمِ الأُمُورِ ) (٤) .

إذن هذه الشعائر والمجالس والمواكب الحسينية وما تتخذ من أشكال مختلفة والمعبّرة عن الأسى والحزن ، ليست سلوكاً سلبياً خالياً من الأهداف والنتائج التي تُسهم في الرقي الديني للمجتمع ، ولا هي مجرد تقاليد اجتماعية فارغة من الأفكار والمفاهيم الرسالية ، وإنّما هذه الشعائر تعبر عن البعد الرسالي في الشخصية الإسلامية بما تحمل من رؤى وأفكار ومتبنيات رسالية ، فهي تشكّل جزءاً أساسياً في شخصية الفرد ، ولما تقوم به من دور مؤثر في ربط الفرد المسلم بالأهداف الرسالية التي نهض من أجلها الإمام الحسينعليه‌السلام ، فتكون هذه المآتم والبكاء والحزن وإقامة

ــــــــــــــ

(١) التوبة : ٧١ .

(٢) الأعراف : ١٥٧ .

(٣) الحج : ٤١ .

(٤) لقمان : ١٧ .


المجالس من أفراد ومصاديق شعائر الله ، التي حثّ عليها القرآن الكريم ؛ وذلك لدخولها تحت قوله تعالى :( ذلِكَ وَمَن يُعَظّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ) (١) .

النوع الثاني : الأدلة الخاصة

وهي الأدلّة الواردة في خصوص مشروعية إقامة مآتم الحزن والبكاء على الإمام الحسينعليه‌السلام ، نشير إلى بعضها ضمن النقاط التالية :

الدليل الأوّل : الحزن والبكاء سنّة تكوينية

إنّ البكاء الذي هو تعبير عن الحزن سنّة إلهية تكوينية ، كما في قوله تعالى :( فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السّماءُ وَالأَرْضُ ) (٢) ، فالآية المباركة تنفي بكاء السماء والأرض على هلاك قوم فرعون الظالمين المفسدين في الأرض ، وهذا يعني أنّ السماء والأرض لها القابلية على البكاء والحزن ، وإلاّ فلا معنى للنفي ، بل إنّ الذي يفهم من الآية المباركة هو أنّ السماء والأرض تبكيان على مَن يستحق البكاء ؛ ولذا ورد في كثير من الروايات ذكر بكاء السماء والأرض على المؤمن ، وإليك بعضها :

١ ـ ما أخرجه الطبري في تفسيره عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة في قوله تعالى :( فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السّماءُ وَالأَرْضُ ) ، قال : ( بقاع المؤمن التي كان يصلّي فيها من الأرض تبكي عليه إذا مات ، وبقاعه من السماء التي يرفع

ــــــــــــــ

(١) الحج : ٣٢ .

(٢) الدخان : ٢٩ .


فيها عمله )(١) .

٢ ـ وفي الدّر المنثور عن مجاهد وابن عباس : ( الأرض تبكي على المؤمن أربعين صباحاً )(٢) .

٣ ـ وفي تفسير القرطبي : ( ما من عبد يسجد لله سجدة في بقعة من بقاع الأرض إلاّ شهدت له يوم القيامة وبكت عليه يوم يموت )(٣) .

٤ ـ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( إنّ الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً ، ألا لا غربة على مؤمن ، ما مات مؤمن في غربة غابت عنه فيها بواكيه إلاّ بكت عليه السماء والأرض ) ، ثم قرأ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السّماءُ وَالأَرْضُ ) ثم قال :( إنّهما لا يبكيان على كافر ) (٤) .

٥ ـ وأخرج ابن المبارك ، وعبد بن حميد ، وابن أبي الدنيا، وابن المنذر من طريق المسيب بن رافع ، عن عليعليه‌السلام ، قال :إنّ المؤمن إذا مات بكى عليه مصلاّه من الأرض ومصعد عمله من السماء ، ثم تلا :( فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السّماءُ وَالأَرْضُ ) (٥) .

٦ ـ ( ما من ميت يموت إلاّ تبكي عليه الأرض أربعين صباحاً )(٦) .

ــــــــــــــ

(١) تفسير القرآن ، الصنعاني : ج ٣ ص ٢٠٨ ؛ جامع البيان ، الطبري : ج ٢٥ ص ١٦٢ .

(٢) المستدرك ، الحاكم : ج ٢ ص ٤٤٩ [وقال فيه] صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي ؛ شعب الإيمان ، البيهقي : ج ٣ ص ١٨٣ ؛ فتح القدير ، الشوكاني : ج ٤ ص ٥٧٧ ؛ الدّر المنثور ، السيوطي : ج ٧ ، ص ٤١٢ ؛ المصنف في الأحاديث والآثار ، ابن شيبة : ج ٧ ص ١٣٦ .

(٣) تفسير القرطبي : ج ١٦ ص ١٤١ .

(٤) تفسير الطبري ، الطبري : ج ١١ ص ١٣٧ .

(٥) مسند ابن الجعد ، علي بن الجعد : ص ٣٣٥ .

(٦) الدّر المنثور ، السيوطي : ج ٦ ص ٣١ .


وأمّا بكاء السماء والأرض على الإمام الحسينعليه‌السلام فقد سطّرت المصادر العديدة من كتب السنّة ـ فضلاً عن الكتب الشيعية ـ تفاصيل حصول هذه الظاهرة الكونية عند مقتل الإمام الحسينعليه‌السلام من مطر السماء دماً واحمرارها مدّة مديدة ، ورؤية لون الدم على الجدران وتحت الصخور والأحجار في المدن والبلدان الإسلامية ، وإليك بعض تلك الوقائع :

بكاء السماء دماً حزنا على الحسينعليه‌السلام

١ ـ عن أمير المؤمنينعليه‌السلام قال عندما مرّ بكربلاء موضع قبر الحسينعليه‌السلام :( فتية من آل محمد يقتلون بهذه العرصة تبكي عليهم السماء والأرض ) (١) .

٢ ـ وذكر ابن حبان : ( لمّا قتل الحسين قطرت السماء دماً ، فأصبح جرارنا وكل شيء لنا ملأ دماً )(٢) .

٣ ـ عن ابن عباس : ( إنّ يوم قتل الحسين قطرت السماء دماً ، وإنّ هذه الحمرة التي ترى في السماء ظهرت يوم قتله ولم تر قبله ، وإنّ أيام قتله لم يرفع حجر في الدنيا إلاّ وُجد تحته دم )(٣) .

٤ ـ عن قرة بن خالد قال : ( ما بكت السماء على أحد إلاّ على يحيى بن زكريا والحسين بن علي ، وحمرتها بكاؤها )(٤) .

ــــــــــــــ

(١) الصواعق المحرقة ، ابن حجر الهيتمي : ص ٢٩٣ .

(٢) الثقات ، ابن حبان : ج ٥ ص ٤٨٧ ؛ تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر : ج ١٤ ص ٢٢٧ ؛ سير أعلام النبلاء ، الذهبي : ج ٣ ص ٣١٢ .

(٣) ينابيع المودة ، القندوزي : ج ٣ ص ١٠٢ .

(٤) تفسير القرطبي : ج ١٦ ص ١٤١ ؛ تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر : ج ٦٤ ص ٢١٧ ، وانظر : تفسير ابن كثير ، ابن كثير : ج ٤ ص ١٥٤ ، الدّر المنثور ، السيوطي : ج ٤ ص ٢٦٤ .


٥ ـ قال سليمان القاضي : ( مطرنا دماً يوم قتل الحسين )(١) .

٦ ـ عن ابن عباس قال : ( إنّما حدثت هذه الحمرة التي في السماء حين قتل الحسين )(٢) .

٧ ـ أخرج الطبراني بسنده عن علي بن مسهر ، حدثتني أُمّ حكيم ، قالت : ( قتل الحسين بن عليعليه‌السلام وأنا يومئذ جويرية ، فمكثت السماء أياماً مثل العلقة )(٣) .

٨ ـ أخرج البيهقي عن نظرة الأزدية ، قالت : ( لمّا قتل الحسين بن علي مطرت السماء دماً فأصبحت جرارنا وكل شيء لنا ملأ دماً )(٤) .

٩ ـ عن السدي : ( لمّا قتل الحسين بكت السماء وبكاؤها حمرتها )(٥) .

١٠ ـ عن هلال بن ذكوان ، قال : ( لمّا قتل الحسين مكثنا شهرين أو ثلاثة ، كأنّما لطخت الحيطان بالدم من صلاة الفجر إلى غروب الشمس )(٦) .

١١ ـ وذكر ابن الأثير : ( لمّا قتل الحسين مكث الناس شهرين أو ثلاثة كأنّها تلطخ الحوائط بالدماء ساعة تطلع الشمس حتى ترتفع )(٧) .

ــــــــــــــ

(١) تفسير القرطبي : ج ١٦ ص ١٤١ ؛ ذخائر العقبى ، أحمد بن عبد الله الطبري : ص ١٤٥ ؛ وانظر التاريخ الكبير : البخاري : ج ٤ ص ١٢٩ ؛ تاريخ دمشق ، ابن عساكر : ج ١٤ ص ٢٢٦ .

(٢) إحقاق الحق : ج ٢٧ ص ٣٧٩ .

(٣) مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج ٩ ص ١٩٦ ، ثم قال : ورجاله رجال الصحيح ؛ دلائل النبوة ، البيهقي : ص ٤٧٢ ، المعجم الكبير ، الطبراني : ج ٣ ص ١١٣ ؛ تهذيب الكمال ، المزي : ج ٦ ص ٤٣٣ .

(٤) الثقات ، ابن حبان : ج ٥ ص ٤٨٧ ؛ دلائل النبوة ، البيهقي : ج ٦ ، ص ٤٧١ .

(٥) نظم درر السمطين ، الزرندي الحنفي : ص ٢٢٢ ؛ جامع البيان ، الطبري : ج ٢٥ ص ١٦٠ .

(٦) تذكرة الخواص ، ابن الجوزي : ص ٢٣٢ .

(٧) تاريخ الطبري : الطبري : ج ٤ ص ٢٩٦ ؛ الكامل في التاريخ ، ابن الأثير : ج ٤ ص ٩٠ ؛ البداية والنهاية ، ابن كثير : ج ٨ ص ١٨٥ ؛ أخبار الدول وآثار الأول في التاريخ ، أحمد بن يوسف القرماني : ج ١ ص ٣٢٥ .


١٢ ـ عن ابن أبي جرادة بسند متصل : ( لمّا قتل الحسين مطرنا مطراً بقي أثره في ثيابنا مثل الدم )(١) .

١٣ ـ عن جعفر بن سليمان ، قال حدثتني خالتي أم سالم ، قالت : ( لمّا قتل الحسين بن علي مطرنا مطراً كالدم على البيوت والجدر ، قال : وبلغني أنّه كان بخراسان والشام والكوفة )(٢) .

١٤ ـ عن يزيد بن زياد ، قال : ( لمّا قتل الحسين بن علي (رضي الله عنهما) احمرت آفاق السماء أربعة أشهر )(٣) .

١٥ ـ عن أبي جرادة بسند متصل عن إبراهيم النخعي : ( لمّا قتل الحسين احمرت السماء من أقطارها ، ثم لم تزل حتى تفطّرت وقطرت دماً )(٤) .

١٦ ـ وعنه أيضاً بسند متصل عن مسعدة ، عن جابر ، عن قرط بن عبد الله ، قال : ( مطرت ذات يوم بنصف النهار ، فأصابت ثوبي فإذا دم ، فذهبت بالإبل إلى الوادي فإذا دم ، فلم تشرب ، وإذا هو يوم قتل الحسين (رحمة الله عليه) )(٥) .

ــــــــــــــ

(١) شرح إحقاق الحق : ج ٢٧ ص ٣٩٢ ؛ عن تاريخ حلب : ج ٦ ص ٢٦٤٩ .

(٢) تهذيب الكمال ، المزي : ج ٦ ص ٤٣٣ ؛ ذخائر العقبى ، أحمد بن عبد الله الطبري : ص ١٤٥ ؛ تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر : ج ١٤ ص ٢٢٨ .

(٣) الدر المنثور ، السيوطي : ج ٦ ص ٣١ ؛ تفسير القرطبي ، القرطبي : ج ١٦ ص ١٤١ ؛ وانظر : تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر : ج ١٤ ص ٢٢٧ .

(٤) الذرية الطاهرة النبوية ، محمد بن أحمد الدولابي : ص ٩٧ ، ١٤٠٧ هـ ، الدار السلفية .

(٥) الثقات ، ابن حبان : ص ٣٢٩ .


١٧ ـ ابن حبان عن حماد بن سلمة وابن علية ، عن سليم القاص أبي إبراهيم ، قال : ( مطرنا يوم قتل الحسين دماً )(١) .

١٨ ـ ما في الصواعق ، عن أبي نعيم الحافظ ، عن نصرة الأزدية ، أنّها قالت : ( لمّا قتل الحسين بن علي أمطرت السماء دماً فأصبحنا وجبابنا وجرارنا مملؤة دماً )(٢) .

١٩ ـ في الصواعق أيضاً : ( قال أبو سعيد : ولقد مطرت السماء دماً بقي أثره في الثياب مدة حتى تقطّعت )(٣) .

٢٠ ـ فيه أيضاً : ( ظنّ الناس أنّ القيامة قد قامت )(٤) .

٢١ ـ وفي خطط المقريزي روي : ( أنّ السماء أمطرت دماً فأصبح كل شيء لهم ملآن دماً )(٥) ، أي يوم قتل الحسينعليه‌السلام .

بكاء الأرض دماً عبيطاً

١ ـ أخرج الهيثمي عن الزهري ، قال : ( لم ترفع حصاة ببيت المقدس إلاّ وجد تحتها دم عبيط ) قال الهيثمي : ( رواه الطبراني ، ورجاله ثقات )(٦) .

٢ ـ وفي خطط المقريزي : ( لم يقلب حجر من أحجار بيت المقدس يوم قتل الحسين إلاّ وجد تحته دم عبيط )(٧) .

ــــــــــــــ

(١) الثقات ، ابن حبان : ج ٤ ص ٣٢٩ ؛ لسان الميزان ، ابن حجر : ج ٣ ص ١١٣ .

(٢) الصواعق المحرقة ، ابن حجر الهيثمي : ص ٢٩٤ ؛ ذخائر العقبى ، أحمد بن عبد الله الطبري : ص ١٤٥.

(٣) الصواعق المحرقة ، ابن حجر الهيثمي : ص ٢٩٥ .

(٤) الصواعق المحرقة ، ابن حجر : ص ٢٩٥ ؛ نظم درر السمطين ، الزرندي الحنفي : ص ٢٢٠ .

(٥) تهذيب الكمال ، المزي : ج ٦ ص ٤٣٣ ؛ سير أعلام النبلاء ، الذهبي : ج ٣ ص ٣١٢ .

(٦) مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج ٩ ص ١٩٦ ؛ المعجم الكبير ، الطبراني : ج ٣ ص ١١٩ .

(٧) تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر : ج ١٤ ص ٢٣٠ .


٣ ـ عن الزهري أيضاً ، قال : ( ما رُفع بالشام حجر يوم قتل الحسين إلاّ عن دم ) ، قال الهيثمي : ( رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح )(١) .

٤ ـ عن أبي سعيد ، قال : ( ما رفع حجر في الدنيا لما قتل الحسين إلاّ وتحته دماً عبيطاً ، لقد مطرت السماء دماً بقي أثره في الثياب مدة حتى تقطعت )(٢) .

٥ ـ عن خلاد صاحب السمسم ، قال : ( حدثتني أُمّي ، قالت : كنّا زماناً بعد مقتل الحسين وأنّ الشمس تطلع محمرّة على الحيطان والجدر بالغداة والعشيّ ، قالت : وكانوا لا يرفعون حجراً إلاّ وجد تحته دم )(٣) .

كسوف الشمس واضطراب الكواكب

١ ـ عن عيسى بن حارث الكندي ، قال : ( لمّا قتل الحسين (رضي الله عنه) مكثنا سبعة أيام إذا صلّينا العصر نظرنا إلى الشمس على أطراف الحيطان كأنّها الملاحف المعصفرة ، ونظرنا الكواكب يضرب بعضها بعضاً )(٤) .

٢ ـ عن خلف بن خليفة ، عن أبيه ، قال : ( لمّا قتل الحسين اسودت السماء وظهرت الكواكب نهاراً حتى رأيت الجوزاء عند العصر ، وسقط التراب الأحمر )(٥) .

ــــــــــــــ

(١) مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج ٩ ص ١٩٦ ؛ المعجم الكبير ، الطبري : ج ٣ ص ١١٣ .

(٢) نظم درر السمطين ، الزرندي الحنفي : ص ٢٢ .

(٣) تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر : ج ١٤ ص ٢٢٦ .

(٤) مجمع الزوائد : ج ٩ ص ١٩٧ .

(٥) تهذيب الكمال ، المزي : ج ٦ ص ٤٣٢ .


٣ ـ عن أبي قبيل ، قال : ( لمّا قتل الحسين بن علي (رضي الله عنهما) كسفت الشمس كسفة ، بدت الكواكب نصف النهار حتى ظننا أنّها هي )(١) ، قال الهيثمي : ( رواه الطبراني وإسناده حسن )(٢) بكاء ملائكة السماء

١ ـ عن زين العابدينعليه‌السلام في الشام ، قال :( أنا ابن مسلوب العمامة والرداء ، أنا ابن مَن بكت عليه ملائكة السماء ) (٣) .

جزور (٤) تنقلب دماً وأخرى ناراً

١ ـ عن دويد الجعفي ، عن أبيه ، قال : ( لمّا قتل الحسين انتهبت جزوراً من عسكره ، فلمّا طبخت إذا هي دم ) ، قال الهيثمي : ( رواه الطبري ورجاله ثقات )(٥) .

٢ ـ عن حميد الطحان ، قال : ( كنت في خزاعة فجاءوا بشيء من تركة الحسين ، فقيل لهم : ننحر أو نبيع ؟ قال : انحروا فجلست على جفنة ، فلمّا جلست فارت ناراً )(٦) .

ورس (٧) يتحوّل إلى رماد

١ ـ قال سفيان : ( رأيت الورس الذي أخذ من عسكر الحسين صار مثل

ــــــــــــــ

(١) السنن الكبرى ، البيهقي : ج ٣ ص ٣٣٧ .

(٢) مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج ٩ ص ١٩٧ .

(٣) نور العين في مشهد الحسين ، أبو إسحاق الأسفراييني : ص ٧٠ .

(٤) الجزور ، الناقة المجزورة ، وجزر الناقة يجزرها جزراً نحرها وقطعها ، انظر : لسان العرب : ج ٤ ص ١٣٤ .

(٥) المعجم الكبير ، الطبراني : ج ٣ ص ١٢١ ؛ مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج ٩ ص ١٩٦ .

(٦) المعجم الكبير ، الطبراني : ج ٣ ص ١٢١ ؛ تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر : ج ١٤ ص ٢٣١ ؛ تهذيب الكمال ، المزي : ج ٦ ص ٤٣٥ .

(٧) الورس : نبت أصفر يكون باليمن يتخذ الغمرة للوجه عن الصحاح ، الجوهري : ج ٣ ص ٩٨٨ .


الرماد ) وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح(١) .

٢ ـ حكى ابن عينية عن جدته : ( إنّ جمالاً ممّن انقلب ورسه رماداً ، أخبرها بذلك )(٢) .

الحيطان تسيل دماً

١ ـ ( لمّا جيء برأس الحسينعليه‌السلام إلى دار زياد سالت حيطانها دماً )(٣) .

٢ ـ عن مروان مولى هند بنت المهلب ، قال : ( حدثني بواب عبيد الله بن زياد إنّه لمّا جيء برأس الحسين بين يديه رأيت حيطان دار الأمارة تسيل دماً )(٤) .

قلم يكتب من دم

عن أبي قبيل ، قال : ( لمّا قتل الحسين بن علي بعث برأسه إلى يزيد فنزلوا أول مرحلة فجعلوا يشربون النبيذ ، ويتحيون بالرأس ، فبينما هم كذلك إذ خرجت عليهم من الحائط يد معها قلم حديد فكتب سطراً بدم :

أترجو أُمّةٌ قتلت حسيناً

شفاعةَ جدّه يومَ الحسابِ

فهربوا وتركوا الرأس )(٥) .

ــــــــــــــ

(١) مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج ٩ ص ١٩٧ .

(٢) الصواعق المحرقة ، ابن حجر الهيثمي : ص ٢٩٥ .

(٣) المصدر نفسه : ص ٢٩٥ .

(٤) ذخائر العقبى ، أحمد بن عبد الله الطبري : ص ١٤٥ .

(٥) ذخائر العقبى ، أحمد بن عبد الله الطبري : ص ١٤٥ ؛ الصواعق ، الهيثمي : ص ٢٩٤ .


اضطرام القصر ناراً

عن حاجب عبيد الله بن زياد ، قال : ( دخلت القصر خلف عبيد الله حين قتل الحسين فأضطرم في وجهه نار )(١) .

نوح الجن

١ ـ عن أمّ سلمة (رضي الله عنها) ، قالت : ( سمعت الجن تنوح على الحسين بن علي ) قال الهيثمي : ( رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح )(٢) .

٢ ـ وعنها أيضاً ، قالت : ( ما سمعت نوح الجن منذ قبض النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلاّ الليلة ، وما أرى مشهورٌ إلاّ قد قُتل ، تعنى الحسين (رضي الله عنه) ، فقالت لجاريتها اخرجي فسلي ، فأخبرت أنّه قد قتل ، وإذا جنّية تنوح :

ألا يا عين فاحتفلي بجهد

ومَن يبكي على الشهداء بعدي

على رهط تقودهم المنايا

إلى متحير في ملك عبدي(٣)

٣ ـ عن ميمونة قالت : ( سمعت الجن تنوح على الحسين بن علي ) ، قال الهيثمي : ( رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح )(٤) .

٤ ـ عن أبي جناب الكلبي قال : ( حدثني الجصاصون ، قالوا : كنّا إذا خرجنا إلى الجبان بالليل عند مقتل الحسين سمعنا الجن ينوحون عليه ويقولون :

ــــــــــــــ

(١) المعجم الكبير ، الطبراني : ج ٣ ص ١١٣ ؛ مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج ٩ ص ١٩٦ .

(٢) المصدر نفسه : ج ٣ ص ١٢١ ؛ المصدر نفسه : ج ٩ ص ١٩٩ .

(٣) المصدر نفسه : ج ٣ ص ١٢٣ ؛ المصدر نفسه : ج ٩ ص ١٩٩ .

(٤) المصدر نفسه : ج ٣ ص ١٢٢ ؛ المصدر نفسه : ج ٩ ص ١٩٩ .


مسح الرسول جبينه

فله بريق في الخدود

أبواه من عليا قريش

جدّه خير الجدود )(١)

ثياب مصبوغة بدم

أخرج المغازلي الشافعي في مناقبه ، عن أبي أحمد عامر، قال : ( حدثنا علي بن موسى الرضاعليه‌السلام ، قال :حدثني أبي موسى بن جعفر عليه‌السلام ، قال : حدثني أبي جعفر بن محمد عليه‌السلام ، قال : حدثني أبي محمد بن علي عليه‌السلام ، قال : حدثني أبي علي بن الحسين عليه‌السلام ، قال : حدثني أبي الحسين بن علي عليه‌السلام ، قال : حدثني أبي علي بن أبي طالب عليه‌السلام ، قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : حشر ابنتي فاطمة ومعها ثياب مصبوغة بدمٍ ، فتعلقُ بقائمة من قوائم العرش ، وتقول : يا عدلُ يا جبار ! احكم بيني وبين قاتل ولدي ! قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : فيحكم لابنتي وربّ الكعبة )(٢) .

انقلاب الدنانير خزفاً

ما أخرجه الهيثمي في صواعقه : ( كان مع أولئك الحرس دنانير أخذوها من عسكر الحسين ففتحوا أكياسها ليقتسموها فرأوها خزفاً ، وعلى أحد جانبي كل منها :( وَلاَ تَحْسَبَنّ اللهَ غَافِلاً عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ ) وعلى الآخر( وَسَيَعْلَمُ الّذِينَ ظَلَمُوا أَيّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (٣) .

ــــــــــــــ

(١) المعجم الكبير ، الطبراني : ج ٣ ص ١٢١ ؛ مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج ٩ ص ١٩٩ .

(٢) مناقب علي بن أبي طالب ، الفقيه الحافظ أبو الحسن علي بن محمد الشافعي المغازلي : ص ٦٤ .

(٣) الصواعق المحرقة ، الهيثمي : ص ٣٠٢ .


الدليل الثاني : البكاء والرثاء سنّة قرآنية

ويمكن أن نتناول هذا العنوان من ثلاث جهات :

الجهة الأولى : الندبة والرثاء في القرآن

إنّ القرآن الكريم تضمّن الرثاء والندبة والعزاء على المظلومين ، حيث استعرض ظلاماتهم بدءاً من هابيل ومروراً ببقية الأنبياء والرسل وروّاد الإصلاح والعدالة ، وكذلك استعرض ما وقع من المصائب والظلم والاضطهاد لبعض الجماعات التي تصدّت لمحاربة الفساد والظلم ، كأصحاب الأخدود وقوافل الشهداء عبر تاريخ الإنسانية ، كما جاء في قوله تعالى :( قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ * النّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ ) (١) ، بل نجد أنّ القرآن الكريم رثى المظلومين من الأطفال الصغار المجني عليهم ، نتيجة جهل الجاهلية ، كما في وأد البنات ، قال تعالى :( وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيّ ذَنبٍ قُتِلَتْ ) (٢) ، بل أكثر من ذلك ، حيث رثى وندب القرآن الكريم ناقة صالحعليه‌السلام لكونها آية وشعيرة من شعائر الله تعالى .

ولم يقتصر القرآن الكريم على رثاء هؤلاء المظلومين فقط ، بل أخذ يتوعّد الظلمة بالعذاب والنقمة والهلاك والتنديد بهذه الأفعال القاسية ، ومن أبرز هذه الموارد هي :

١ ـ قصة الموءودة

حيث رثاها القرآن الكريم ـ كما سبق ـ فعرض ما حلّ بها في الجاهلية بشكل مثير للعاطفة والوجدان ؛ إذ كانت تدفن في التراب وهي حيّة مع براءتها وصفاء روحها .

ــــــــــــــ

(١) البروج : ٤ ـ ٦ .

(٢) التكوير : ٨ ـ ٩ .


٢ ـ قصة يوسفعليه‌السلام

استعرض القرآن تفصيل القصة المأساوية ، التي جرت على يوسفعليه‌السلام مع إخوته ، وقد بدأ الله عزّ وجلّ الحديث عن يوسف وظلامته وهو طفل صغير ، بقوله تعالى :( لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسّائِلِينَ * إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبّ إلَى‏ أَبِينَا مِنّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنّ أَبَانَا لَفي ضَلالٍ مّبِينٍ * اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ ) ( فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبّ ) ، فكشفت هذه الآية عن مدى قسوتهم وتعصّبهم وتجمّعهم ، وفضاعة فعلهم في إلقاء الطفل الصغير ـ الذي لا يقوى على شيء ـ في أعماق البئر ، ولا يخفى ما في هذا المشهد من تهييج العاطفة والحزن ، ليجعل من القارئ والسامع يعيش الحالة المأساوية ، وكأنّها متجسّدة أمامه .

ثم يتابع القصة باستعراض مقطع آخر لا يقل مأساةً عن سابقة ، وهو عظمة وشدّة آثار المصيبة على يعقوبعليه‌السلام بقوله تعالى :( وَتَوَلّى‏ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى‏ عَلَى‏ يُوسُفَ وَابْيَضّتْ عَينَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيم * قَالُوا تَاللهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى‏ تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ * قَالَ إِنّمَا أَشْكُوا بَثّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) ، وهذا النص القرآني يكشف عن أنّ الجزع والندبة قد اشتدا وتفاقما على يعقوبعليه‌السلام إلى حد إصابته بالعمى ، وفي بعض الروايات ( دخل جبرئيل على يوسف وهو في السجن ، فقال : أيّها الملك الطيب الريح ، الطاهر الثياب أخبرني عن يعقوب أو ما فعل يعقوب ؟ قال : ذهب بصره ، قال ما بلغ من حزنه ؟ قال : حزن سبعين ثكلى )(١) ، كذلك يكشف النص القرآني الآنف الذكر أنّهعليه‌السلام قد اشتد حزنه ، كما هو معنى البث ، وشكواه إلى الله تعالى إلى درجة اتهام أبنائه له بالخلل في عقله أو بدنه كما هو معنى (الحرض) ، وهذا دليل قرآني قاطع على أنّ شدّة الحزن والجزع على الأصفياء ، والالتجاء إلى الله تعالى وبث الشكوى إليه تعالى ممدوح ؛ لأنّه من فعل الأنبياء المعصومين ، وفي تتمة الرواية السابقة سأل يوسفعليه‌السلام جبرائيلعليه‌السلام : ( قال : ما أجره ؟ قال : أجر مائة شهيد ) ، وهذا بخلاف ما لو كان الجزع جزعاً من قضاء الله وقدره ، فهو من الجزع المذموم ؛ لأنّه يعد اعتراضاً على الله تبارك وتعالى .


٣ ـ قصة أصحاب الأخدود

يسطر لنا القرآن الكريم مجموعة من الدروس الأساسية في حياة المسلمين ، فيبدأ أولاً بذكر ضرورة توثيق الحادثة قبل الخوض في تفاصيلها ، وهذا ما نلمسه في بداية سورة البروج ، فقبل استعراضها لقصة أصحاب الأخدود وتبدأ بالقسم الإلهي أربع مرات( وَالسّماءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ) (٢) ثم بعد ذلك تبدأ السورة المباركة برسم أحداث القصة فتقول :( قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ ) وهذا الأسلوب يعد من أروع أساليب الندبة والرثاء ، وهو نظير قول الراثي : (قُتل الحسين عطشاناً مذبوحاً من القفا مسلوب العمامة والردا).

ــــــــــــــ

(١) المصنف ، ابن أبي شيبه : ج ٨ ص ١٢٢ ؛ الهمّ والحزن ، ابن أبي الدنيا ، ص ٧٧ ؛ وانظر : زاد المسير ، ابن الجوزي : ج ٤ ص ٢٠٤ ؛ وانظر : الدر المنثور ، السيوطي : ج ٤ ص ٣٠ ؛ وانظر : تفسير الثغالبي : ج ٣ ص ٣٤٦ .

(٢) البروج : ١ ـ ٣ .


ثم يأخذ القرآن الكريم بتصوير الحادثة بشكل يثير العواطف ويؤججها ، حيث أن نَفْسَ وصفهم بأصحاب الأخدود ، إنّما هو للتأكيد على بيان كيفية قتلهم داخل الأخدود ، وهو الشق داخل الأرض ، ثم يصف النار التي أحرقتهم بأنها شديدة ، كما في قوله( النّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ ) ، ثم ينتقل إلى نقطة أخرى من المشاهد التي تكشف بشاعة الجريمة ، فيقول :( إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ ) وأي أنّ الظالمين لشدّة قسوتهم وتنكيلهم بالمؤمنين أجلسوهم على شفير الأخدود المتأجج بالنار من أجل إيجاد حالة من الرعب والخوف في أوساطهم من أجل التخلي عن دينهم وعقيدتهم التي آمنوا بها ، وبعد ذلك تتابع السورة بيان شدة الرحمة والشفقة الإلهية على الظلامة التي حلّت بالمؤمنين بقوله تعالى :( وَهُمْ عَلَى‏ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ) ، وبعد ذلك تنتقل السورة لعرض براءة ساحة المؤمنين ، وفي نفس الوقت تكشف وتبرز صمود المؤمنين وتماسكهم ، وسمو هدفهم ونبل مبادئهم ، كما في قوله تعالى :( وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) ، ومن هنا يبدأ الباري تعالى بالتنديد للظالمين وتهديدهم ، ليعلن بذلك عن قاعدة وسنّة إلهية ، وهي الوقوف إلى جانب المظلومين في مواجهة الظالمين ؛ ليعطي بذلك درساً آخر من الدروس القرآنية للمؤمنين ، وهو تربيتهم على ضرورة الوقوف مع المظلومين ، والتضامن معهم ومساندتهم ، والتنديد بالظالمين وأدانتهم وشجبهم والنفرة منهم والبراءة من أفعالهم ، منهم وضرورة عدم وقوف المؤمنين موقف اللامبالاة والتقاعس بذريعة أنّ هذه الأحداث إنّما حصلت في غابر التاريخ ، كما قال تعالى :( إِنّ الّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ * إِنّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ * إِنّ بَطْشَ رَبّكَ لَشَدِيدٌ * إِنّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ) ، ونلمس من هذا الجو القرآني أنّه لا يرضى بالاكتفاء من المسلم والقارئ للسورة بالتعاطف وإثارة الأحاسيس تجاه المظلوم ، وإنّما يطلب من المسلم أن يكون على أشدّ درجة من النصرة والاستنكار للظالم ، وعمله والتنديد به ، ولو كان زمانه قد مضى ، وهذا درس آخر يمليه القرآن الكريم على المؤمنين ؛ مستهدفاً بذلك تطهير الإنسان من الانصهار والذوبان مع الظالمين ، كما قال تعالى :( هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ * بَلِ الّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ * وَاللهُ مِن وَرَائِهِم مُحِيطٌ ) .


٤ ـ قصة قتل قابيل هابيل

إنّنا نجد أنّ القرآن الكريم استعرض جريمة قتل قابيل لأخيه هابيل راثياً بقوله عزّوجلّ :( لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنّي أَخَافُ اللهَ رَبّ الْعَالَمِينَ ) (١) .

فالسورة تبين لنا ما يحمله هابيل من إيمان وصفاء وخوف من الله عزّ وجل ، وتبيّن أيضاً ما يحمله قابيل من القساوة والوحشية والعدوان .

وهذا العرض بدوره يبين صورة من صور الرثاء في القرآن الكريم للمظلومين ، عرضها تعالى بأسلوب مثير للعاطفة والوجدان للوقوف مع المظلومين .

ــــــــــــــ

(١) المائدة : ٢٨ ـ ٣٠ .


٥ ـ قصّة فرعون وهامان مع بني إسرائيل

الصورة التي يعكسها القرآن الكريم لعمل فرعون وهامان وما ارتكباه من ظلم واستكبار في الأرض ، قال تعالى :( يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مّنْهُمْ يُذبّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيي نِسَاءَهُمْ إِنّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) (١) ، وقوله تعالى :( يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ) (٢) ، ولا يخفى ما في هذا التعبير من الرثاء والعزاء ، لما حلّ بالمؤمنين من بني إسرائيل .

٦ ـ تنديد واستنكار القرآن لقتل الأنبياء

وقد ذكر ذلك في مواضع عديدة من القرآن الكريم :

منها : قوله تعالى :( قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (٣) .

ومنها : قوله عزّ وجلّ :( ذلِكَ بِأَنّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النّبِيّينَ بِغَيْرِ الْحَقّ ) (٤) .

ومنها : قوله تبارك وتعالى :( وَيَقْتُلُونَ الّذِينَ يَأْمُرُونَ بالْقِسْطِ مِنَ النّاسِ فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) (٥) ، وقد استنكر القرآن الكريم في هذه الآيات وغيرها قتل رواد الإصلاح من الأنبياء والأولياء ، وهذا من التنديد والشجب الذي تستهدفه الكثير من الشعائر الحسينية .

ــــــــــــــ

(١) القصص : ٤ .

(٢) إبراهيم : ٦ .

(٣) البقرة : ٩١ .

(٤) البقرة : ٦١ .

(٥) آل عمران : ٢١ .


٧ ـ قصّة قتل ناقة صالح

إنّ من أروع صور العزاء والرثاء والندبة التي يعرضها القرآن الكريم هذه الجريمة البشعة ، التي ارتكبها الأشقى في حق ناقة صالحعليه‌السلام ، مع أنّها كانت تتمتع بنوع من الحرمة ؛ لكونها من الشعائر والحرمات التي أضافها الله سبحانه وتعالى لذاته المقدّسة ، حيث قال تعالى :( إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ نَاقَةَ اللهِ وَسُقْيَاهَا * فَكَذّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوّاهَا * وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا ) (١) .

فالسورة المباركة أسندت ذلك الفعل الشنيع إلى قوم ثمود بأجمعهم ، مع أنّ الذي قام به شخص واحد ، وهذا درس آخر يقدّمه القرآن الكريم من خلال استعراضه هذه القصة ، وهي أنّ مَن رضي بفعل قوم كان كمن شاركهم في فعلهم ؛ ولذا أسند الجريمة لقوم ثمود لرضاهم بفعل ذلك الأشقى .

وهذا يعني ضرورة التضامن والوقوف مع المظلومين ، والشجب والاستنكار لما يقوم به الظالمون ، فلابد من تفاعل الشخص مع آيات القرآن الكريم كل آية بحسبها ، وقد ورد في هذا المعنى روايات كثيرة :

عن جرير ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لنفر من أصحابه :( إنّي قارئ عليكم آيات من آخر الزمر فمَن بكى منكم وجبت له الجنّة ، فقرأها من عند( وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقّ قَدْرِهِ ) إلى آخر السورة ، فمنّا مَن بكى ومنّا مَن لم يبك ، فقال الذين لم يبكوا : يا رسول الله لقد جهدنا فلم نبك ، فقال :إنّي سأقرأها عليكم

ــــــــــــــ

(١) الشمس : ١٢ ـ ١٥ .


فمَن لم يبك فليتباك ) (١) ، ولا يخفى ما في الآيات الأخيرة من سورة الزمر من دواعي الحزن والبكاء والأسى ، كقوله تعالى :( وَنُفِخَ فِي الصّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السّماوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاّ مَن شَاءَ اللهُ ثُمّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى‏ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ ) (٢) ( وَسِيقَ الّذِينَ كَفَرُوا إِلَى‏ جَهَنّمَ زُمَراً حَتّى‏ إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هذَا قَالُوا بَلَى‏ وَلكِنْ حَقّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبّرِينَ ) (٣) .

وهذا ما يقرّره أيضاً علماء فن التجويد من ضرورة قراءة السورة بطريقة تتناسب مع الجو الذي تثيره الآية ، فإن كانت تبشّر بالجنّة والثواب فلابد من قراءتها بأسلوب الفرح والابتهاج ، وإن كانت بنحو الإنذار والوعيد فلابد من أن تقرأ بكيفية الخوف والحزن والانكسار ، وإن كانت بنحو الرثاء والنوح فلابدّ أن تقرأ بهذا بالنحو المناسب لذلك .

ثم إنّ القرآن الكريم يقرّر المبدأ النبوي القائل :( لا يحب رجل قوماً إلاّ حُشر معهم ) (٤) ، فينسب القرآن الكريم قتل الأنبياء إلى الذين عاصروا نبيّنا محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، مع أنّ بينهم وبين أنبياء بوناً واسعاً ؛ وما ذلك إلاّ لأنّهم كانوا راضين بما فعل أسلافهم من اليهود بالأنبياء .

والملاحظة الجديرة بالذكر أنّ القرآن الكريم ليس كتاباً قصصياً للتسلية ، وإنّما هو كتاب عبرة وموعظة ، قال تعالى :( قَدْ جَاءَتْكُم مَوْعِظَةٌ مِن رَبّكُمْ وَشِفَاءٌ ) فالغرض الذي يرمي إليه القرآن من خلال عرض القصة هو أخذ العبرة والموعظة من الأمم السابقة .

ــــــــــــــ

(١) المعجم الكبير ، الطبراني : ج ٢ ص ٣٤٨ .

(٢) الزمر : ٦٨ .

(٣) الزمر : ٧١ ـ ٧٢ .

(٤) المعجم الصغير ، الطبراني : ج ٢ ص ٤١ ؛ مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج ١٠ ص ٢٨٠ ، وقال ، ( رواه الطبراني في الصغير والأوسط ، ورجاله رجال الصحيح ) .


ويتحصّل ممّا تقدّم :

١ ـ إنّ أسلوب وأدب الرثاء والعزاء وإقامة المآتم أسلوب اتخذه القرآن الكريم لإثارة المشاعر والعواطف للوقوف مع المظلومين والتضامن معهم والبراءة من الظالمين .

٢ ـ إذا كان أسلوب الرثاء والندبة والعزاء سنّة قرآنية اتخذها القرآن لبيان ظلامات المظلومين كالأنبياء والأولياء وكأصحاب الأخدود ، بل وحتى الناقة والموءودة ، فكيف بحبيب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفلذّة كبده وريحانته ، وسيّد شباب أهل الجنة ؟ لا سيّما وأنّ القرآن الكريم أمر بمودتهم ، والمودة تعني التعاطف والتضامن معهمعليهم‌السلام ، بأن يفرح المؤمن لفرحهم ويحزن لحزنهم .

الجهة الثانية : رثاء أهل البيت ومودتهم

لا شك أنّ مفهوم الحب والمودة والرحمة من الصفات المهمة التي أكّد عليها القرآن الكريم ، واعتبرها من الصفات الأساسية في المؤمنين كقوله تعالى :( وَمِنَ النّاسِ مَن يَتّخِدُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَاداً يُحِبّونَهُمْ كَحُبّ اللهِ وَالّذِينَ آمَنُوا أَشَدّ حُبّاً للهِ‏ ) (١) ، وقوله تعالى :( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ

ــــــــــــــ

(١) البقرة : ١٦٥ .


فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ وَيُحِبّونَهُ أَذِلّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزّةٍ عَلَى الْكَافِرينَ ) (١) ، وقوله تعالى :( وَيُطْعِمُونَ الطّعَامَ عَلَى‏ حُبّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ) (٢) .

وقوله عزّ وجلّ :( مُحَمّدٌ رّسُولُ اللهِ وَالّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) (٣) .

وقد أثبت القرآن صريحاً أيضاً وجوب محبّة الرسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيتهعليهم‌السلام والمودة لهم ، والآيات في ذلك كثيرة من جملتها :

١ ـ قوله تعالى :( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى ) (٤) .

٢ ـ وقوله تعالى :( قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبّونَ اللهَ فَاتّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (٥) .

٣ ـ وقوله تعالى :( قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبّ إِلَيْكُم مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبّصُوا حَتّى‏ يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) (٦) .

وقد دأب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على بيان أنّ محبة أهل البيتعليه‌السلام واجبة ومفروضة على كل مسلم ، وأنّها شرط شفاعته يوم القيامة ، وأنّ حبهم وولاءهم لا يفارق حب اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وولاءه ، كما لا ينفك حبه وولاؤهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن حب الله

ــــــــــــــ

(١) المائدة : ٥٤ .

(٢) الإنسان : ٨ .

(٣) الفتح : ٢٩ .

(٤) الشورى : ٢٣ .

(٥) آل عمران : ٣١ .

(٦) التوبة : ٢٤ .


وولائه ، وأنّ بغضهم بغض لله ولرسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وفي مقام الاستشهاد لذلك نواجه حشداً واسعاً من الروايات :

١ ـ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( لا يؤمن عبد حتى أكون أحبّ إليه من نفسه وأهلي أحبّ إليه من أهله وعترتي أحبّ إليه من عترته وذاتي أحب إليه من ذاته ) (١) .

٢ ـ وعنه أيضاًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( شفاعتي لأُمّتي من أحبّ أهل بيتي وهم شيعتي ) (٢) .

٣ ـ وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( يرد الحوض أهل بيتي ومَن أحبهم من أُمّتي كهاتين السبّابتين ) (٣) .

٤ ـ وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع : عن عمره فيم أفناه ، وعن جسده فيم أبلاه ، وعن ماله فيم أنفقه ، وممّ اكتسبه ، وعن حبّنا أهل البيت ) (٤) .

٥ ـ وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( أدّبوا أولادكم على ثلاث : حبّ نبيكم ، وحبّ أهل بيتي ، وعلى قراءة القرآن ) (٥) .

٦ ـ وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( مَن أراد التوسّل إليّ وأن يكون له عندي يد أشفع له بها يوم القيامة فليصل أهل بيتي ويدخل السرور عليهم ) (٦) .

ــــــــــــــ

(١) المعجم الكبير ، الطبراني : ج ٧ ص ٧٥ ؛ المعجم الأوسط ، الطبراني : ج ٦ ص ٥٩ ؛ نظم درر السمطين : ص ٢٣٣ .

(٢) تاريخ بغداد ، الخطيب البغدادي : ج ٢ ص ١٤٤ .

(٣) ذخائر العقبى ، الطبري : ص ١٨ ؛ مقاتل الطالبين ، أبو الفرج الأصفهاني : ص ٤٤ ؛ ينابيع المودة ، القندوزي : ج ٢ ص ١١٦ .

(٤) المعجم الكبير ، الطبراني : ج ١١ ص ٨٤ ؛ المعجم الأوسط ، الطبراني : ج ٩ ص ١٥٦ ؛ كنز العمال ، المتقي الهندي : ج ١٤ ص ٣٧٩ .

(٥) الجامع الصغير ، السيوطي : ج ١٠ ص ٥١ ؛ كنز العمال ، المتقي الهندي : ج ١٦ ص ٤٥٦.

(٦) الصواعق ، ابن حجر : ص ٢٦٧ ؛ ينابيع المودة ، القندوزي : ج ٢ ص ٣٧٩ .


٧ ـ وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( لا يحبنا أهل البيت إلاّ مؤمن تقي ، ولا يبغضنا إلاّ منافق شقي ) (١) .

٨ ـ وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( والذي نفسي بيده لا يدخل قلب امرئ الإيمان حتى يحبهم لله ولقرابتهم منّي ) (٢) ، يعني بهم أهل البيتعليهم‌السلام .

٩ ـ وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( مَن أحبني وأحب هذين وأباهما وأُمّهما كان معي في درجتي يوم القيامة ) (٣) .

١٠ ـ وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( لا يؤمن رجل حتى يحب أهل بيتي لحبّي ) ، فقال عمر بن الخطاب : وما علامة حب أهل بيتك ؟ قال :( حب هذا وضرب بيده على علي) (٤) .

١١ ـ وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( إنّ السعيد حقّ السعيد مَن أحب عليّاً في حياته وبعد موته ، وإنّ الشقي كلّ الشقي مَن أبغض عليّاً في حياته وبعد موته ) (٥) .

١٢ ـ وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( مَن أحبّ الحسن والحسين فقد أحبّني ، ومَن أبغضهما فقد أبغضني ) (٦) .

ــــــــــــــ

(١) المصدر نفسه : ص ٣٤٧ ؛ المصدر نفسه : ج ٢ ص ١١٦ ، ٤٦٠ .

(٢) سنن ابن ماجة ، ابن ماجه : ج ١ ص ٥٠ ؛ المستدرك ، الحاكم : ج ٤ ص ٧٥ .

(٣) سنن الترمذي ، محمد بن عيسى : ج ٥ ، ص ٣٠٥ ؛ مسند أحمد ، أحمد بن حنبل : ج ١ ص ٧٧ .

(٤) نضم درر السمطين ، الزرندي : ص ٢٣٣ ؛ بشارة المصطفى ، محمد بن علي الطبري : ص ٢٤٤ ؛ ينابيع المودة ، القندوزي : ج ٢ ص ٢٦٥ .

(٥) المعجم الكبير ، الطبراني : ج ٢٢ ص ٤١٥ ؛ مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج ٩ ص ١٣٢ ؛ ذخائر العقبى ، أحمد بن عبد الله الطبري : ص ٩٢ .

(٦) سنن ابن ماجه : ج ١ ص ٥١ ؛ مسند أحمد ، أحمد بن حنبل : ج ٢ ص ٢٨٨ ؛ المعجم الكبير ، الطبراني : ج ٣ ص ٤٨ ؛ الجامع الصغير ، السيوطي : ج ٢ ص ٥٥٤ ؛ ذخائر العقبى ، أحمد بن عبد الله الطبري : ص ١٢٣ .


١٣ ـ وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( بأبي هما وأُمّي مَن أحبني فليحب هذين ) (١) .

١٤ ـ وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( اللّهمّ إنّي أحبّهما فأحبّهما وأحبّ مَن يحبّهما ) (٢) .

١٥ ـ وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( مَن أحبّني فليحب هذين ) (٣) .

١٦ ـ وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( اللّهمّ إنّي أحبّه فأحببه وأحبّ مَن يحبه ) (٤) ، يعني الحسينعليه‌السلام .

١٧ ـ وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( حسين منّي وأنا من حسين ، أحبّ الله مَن أحب حسيناً ، حسين سبط من الأسباط ) (٥) .

وقد ذكر الفخر الرازي في تفسيره تعليقاً على آية المودة :( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى ) اختصاص أهل البيتعليهم‌السلام بمزيد من التعظيم ، وذكر لذلك وجوها قال : ( الثاني : لا شك أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يحب فاطمةعليها‌السلام ، قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( فاطمة بضعة منّي يؤذيني ما يؤذيها ) ، وثبت بالنقل المتواتر عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه كان يحب عليّاً والحسن والحسينعليها‌السلام وإذا ثبت ذلك،

ــــــــــــــ

(١) المصنف : ج ٧ باب ما جاء في الحسن والحسين عليهما‌السلام ، ص ٥١١ وانظر : مجمع الزوائد ، الهيثمي ، ج ٩ ص ١٧٩ ؛ ذخائر العقبى ، أحمد بن عبد الله الطبري : ص ١٢٣ .

(٢) سنن الترمذي ، الترمذي : ج ٥ ص ٣٢٢ ؛ المعجم الكبير ، الطبراني : ج ٣ ص ٤٩ ؛ مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج ٩ ص ١٨٠ ؛ ذخائر العقبى ، أحمد بن عبد الله الطبري : ص ١٢١ ؛ نظم درر السمطين ، الزرندي : ص ٢١١ ؛ أسد الغابة ، ابن الأثير : ج ٢ ص ١١ .

(٣) مسند أبي داود : الطيالسي : ص ٣٢٧ ؛ الإصابة : ج ٢ ص ٦٣ ؛ تاريخ مدينة دمشق : ج ١٣ ص ٢٠٠ ؛ البداية والنهاية ، ابن كثير : ج ٨ ص ٢٢٥ ؛ العلل ، الدار قطني : ج ٥ ص ٦٤ .

(٤) صحيح البخاري : ج ٧ ص ٥٥ ؛ مسند أحمد ، أحمد بن حنبل : ج ٢ ص ٢٤٩ ؛ السنن الكبرى ، النسائي : ج ٥ ص ٤٩ ؛ صحيح ابن حبان : ج ١٥ ص ٤١٧ ؛ سير أعلام النبلاء ، الذهبي : ج ٣ ص ٢٥٠ .

(٥) سنن الترمذي ، ج ٥ ص ٣٢٤ ؛ سنن ابن ماجه ج ١ ص ٥١ ، باب فضائل أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ مستدرك الصحيحين : ج ٣ ص ١٧٧ ؛ مسند أحمد ، أحمد بن حنبل ، ج ٤ ص ١٧٢ .


وجب على كل الأُمّة مثله لقوله :( وَاتّبِعُوهُ لَعَلّكُمْ تَهْتَدُونَ ) (١) ، ولقوله تعالى :( فَلْيَحْذَرِ الّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ) ، ولقوله :( قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبّونَ اللهَ فَاتّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ ) ، ولقوله سبحانه :( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) ، الثالث إنّ الدعاء للآل منصب عظيم ؛ ولذلك جُعل هذا الدعاء خاتمة التشهّد في الصلاة ، وهو قوله :( اللّهم صلّ على محمد وآل محمد وارحم محمداً وآل محمد ) ، وهذا التعظيم لم يوجد في حق غير الآل ، فكل ذلك يدلّ على أنّ حب آل محمد واجب ، وقال الشافعي :

يا راكِباً قِف بِالمُحَصَّبِ مِن مِنىً

وَاِهتِف بِقاعِدِ خَيفِها وَالناهِضِ

سَحَراً إِذا فاضَ الحَجيجُ إِلى مِنىً

فَيضاً كَمُلتَطِمِ الفُراتِ الفائِضِ

إِن كانَ رَفضاً حُبُّ آلِ مُحَمَّدٍ

فَليَشهَدِ الثَقَلانِ أَنّي رافِضي

ونقل أيضاً عن الكشاف عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال :( مَن مات على حب آل محمد مات شهيداً ، ألا ومَن مات على حب آل محمد مات مغفوراً له ، ألا ومَن مات على حب آل محمد مات تائباً ، ألا ومَن مات على حب آل محمد مات مؤمناً مستكمل الإيمان ، وألا ومَن مات على حب آل محمد بشّره ملك الموت بالجنة ثم منكر ونكير ، ألا ومَن مات على حب آل محمد يزف إلى الجنة كما تزف العروس إلى بيت زوجها ، ألا ومَن مات على حب آل محمد فتح له في قبره بابان إلى الجنة ، ألا ومَن مات على حب آل محمد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة ، ألا ومَن مات على حب آل محمد مات على السنّة والجماعة ، ألا ومَن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوباً على جبينه آيس من رحمة الله ، ألا ومَن مات على بغض آل محمد مات كافراً ، ألا ومَن مات على بغض آل محمد لم يشم رائحة الجنة ) .

ــــــــــــــ

(١) الأعراف : ١٥٨ .


هذا هو الذي رواه صاحب الكشاف ، وأنا أقول : آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هم الذين يؤول أمرهم إليه ، فكل مَن كان أمرهم إليه أشدّ وأكمل كانوا هم الآل ، ولا شكّ أنّ فاطمة وعليّاً والحسن والحسين كان التعلّق بينهم وبين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أشد التعلّقات ، وهذا كالمعلوم بالنقل المتواتر ، فوجب أن يكونوا هم الآل )(١) .

ولا يخفى أنّ المودة لأهل البيتعليهم‌السلام لا تقتصر على مجرد المحبة القلبية فقط ، وإنّما هي عمل قلبي تترجمه أفعال الشخص على أرض الواقع ، فلابدّ أن تتجلّى تلك المحبة في بعض المظاهر التي تجسّدها في الواقع الخارجي ، ومن أهم هذه المظاهر :

أولاً : لزوم اتّباعهم والأخذ منهم ، والتسليم لأمرهم ، لقوله تعالى :( قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبّونَ اللهَ فَاتّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ ) (٢) ، وهذه الآية المباركة دالة على أنّ المحبة الحقيقية لله عزّ وجلّ إنّما تكون بمحبة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واتّباعه ، وهذا جارٍ فيمَن هم نفسه وأهله وورثته وأوصياؤه .

ثانياً : الحزن لحزنهم ، والفرح لفرحهم ، كما في قوله تعالى :( إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ ) (٣) ، فقد ذمّ الله تبارك وتعالى أعداء رسول الله من الكفّار بأنّهم يفرحون بما يسوء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويحزنون إذا أصابتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حسنة ، فالآية الكريمة تبيّن أنّ العداوة تستلزم الحزن لفرح النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيتهعليهم‌السلام والفرح لمصيبتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيتهعليهم‌السلام ، فتدل الآية ـ بدلالة المفهوم ـ أنّ المحبة تقتضي الحزن لمصابهم والفرح لفرحهم ، ونظير ذلك قوله تعالى :( إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبروا وَتَتّقُوا لاَ يَضُرّكُمْ كَيْدُكُمْ ) .

إذن بمقتضى هذه الدلالات القرآنية يتّضح أنّ إقامة مظاهر الحزن من العزاء والرثاء على المصائب ـ التي حلّت بأهل البيتعليهم‌السلام وبالخصوص ما جرى على سيّد شباب أهل الجنة من الرزايا والمصائب ـ من أهم ما تفرضه وتوجبه مودة القربى .

ــــــــــــــ

(١) التفسير الكبير ، الفخر الرازي : ج ٢٧ ص ١٦٦ ـ ١٦٧ .

(٢) آل عمران : ٣١ .

(٣) البراءة : ٥٠ .


الجهة الثالثة : مدح القرآن للبكاء

عند التأمّل والتدبّر في الآيات القرآنية ؛ نجد أنّ مدح البكاء والتحسّس والتأثّر العاطفي احتل مساحة واسعة من القرآن الكريم ، فهناك العديد من الآيات الكريمة التي اعتبرت الانفعال العاطفي ـ الذي يكون البكاء أحد مظاهره البارزة ـ بأنّه انفعال وتأثّر مطلوب وفطري ، وكمال للنفس الإنسانية ؛ إذا كان ناشئاً عن حقيقة من الحقائق الدينية ، وفيما يلي إشارة إلى بعض تلك الآيات :

أولاً : قوله تعالى :( لَتَجِدَنّ أَشَدّ النّاسِ عَدَاوَةً لِلّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنّ أَقْرَبَهُم مَوَدّةً لِلّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ قَالُوا إِنّا نَصَارى‏ ذلِكَ بِأَنّ مِنْهُمْ قِسّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرّسُولِ تَرَى‏ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقّ يَقُولُونَ رَبّنَا آمَنّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشّاهِدِينَ ) (١) ، حيث نجد أنّ هذه الآية المباركة ذمّت اليهود لشدّتهم وقسوتهم وامتدحت القسّيسين والرهبان من النصارى لرقّة ولين قلوبهم وفيض دموعهم خضوعاً أمام الحق بعد أن عرفوه .

ــــــــــــــ

(١) المائدة : ٨٢ ـ ٨٣ .


ثانياً : قوله تعالى :( لَيْسَ عَلَى الضّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى‏ وَلاَ عَلَى الّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا للهِ‏ِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلاَ عَلَى الّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدّمْعِ حَزَناً أَلاّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ ) (١) ، فمدح القرآن الكريم المؤمنين الذين يتشوّقون للمشاركة في الجهاد وفعل الخير والإنفاق .

ثالثاًً : قوله تعالى :( أُولئِكَ الّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِنَ النّبِيّينَ مِن ذُرّيّةِ آدَمَ وَمِمّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرّيّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى‏ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرّحْمنِ خَرّوا سُجّداً وَبُكِيّاً ) (٢) ، فمن صفات المدح التي أثبتها القرآن الكريم للأنبياء ـ وهم الأسوة والقدوة المتحركة أمام الناس والنموذج الذي تقتدي به البشرية ـ هي تأثّرهم العاطفي الذي يظهر بمظهر البكاء غالباً عندما تتلى عليهم آيات الرحمن .

رابعاً : قوله تعالى حكاية عن يعقوبعليه‌السلام :( وَقَالَ يَا أَسَفَى‏ عَلَى‏ يُوسُفَ وَابْيَضّتْ عَينَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيم * قَالُوا تَاللهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى‏ تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ * قَالَ إِنّمَا أَشْكُوا بَثّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) (٣) ، فقد خلّد القرآن الكريم بهذه الآيات المباركة بكاء يعقوب على يوسف ليسطّر بذلك درساً قرآنياً على مر الأجيال وهذا هدي من هدي الأنبياء ، الذين أمر الله سبحانه وتعالى رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الاقتداء بهديهم حيث قال :( فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ) وأمر أمة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالاقتداء به بقوله عزّ وجلّ :( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) ( وَمَا آتَاكُمُ الرّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) ، وهذا يعني إنّما جاء من قصص في القرآن الكريم لأجل العبرة والاقتداء( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأولي الأَلْبَابِ ) ، فيعقوبعليه‌السلام الذي هو نبي من أنبياء الله المصطفين المعصومين استمرّ بكاؤه على يوسف طوال فترة غيابه ، واشتد به البكاء حتى أبيضت عيناه من الحزن ، أي عميت ، وقد كان بكاؤه ـ الذي أوصله إلى حالة العمى ـ بإرادة واختيار منه ، فإذا كان شوق وحزن وبكاء نبي على نبي آخر يصل إلى هذا الحد ، فكيف بنا نحن غير المعصومين عندما نرى ونسمع بما حلّ بالمعصومينعليهم‌السلام من المصائب والرزايا والقتل والاضطهاد ، فأيّ قلب لا يحزن وأيّ عين لا تدمع ،

ــــــــــــــ

(١) التوبة : ٩١ ـ ٩٢ .

(٢) مريم : ٥٨ .

(٣) يوسف : ٨٤ ـ ٨٦ .


وكيف لا نعقد تلك المجالس التي عقدها يعقوبعليه‌السلام على يوسفعليه‌السلام حزناً وبكاءً ورثاءً وكان حزنه كحزن سبعين ثكلى ، ولم يكن يعلم أنّ يوسف قد مات أو قتل ، بل ظاهر الآيات القرآنية تدل على أنّه كان يعلم بحياته ، كما في قوله :( قَالَ إِنّمَا أَشْكُوا بَثّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * يَا بَنِيّ اذْهَبُوا فَتَحَسّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُوا مِن رّوْحِ اللهِ إِنّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَوْحِ اللهِ إِلاّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ) ، أخرج السيوطي عن عمر بن يونس اليماني ، والخطيب البغدادي عن يحيى بن سليم : ( إنّ ملك الموت أستأذن ربّه تعالى أن يسلّم على يعقوبعليه‌السلام فأذن له : فأتاه فسلّم عليه فقال له بالذي خلقك هل قبضت روح يوسف ؟ قال : لا )(١) .

إذن هذا السلوك والخلق النبوي الذي يسطّره القرآن الكريم ، أنّما هو لأجل التأسّي به ، وأخذ العبرة والموعظة ، قال تعالى :( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأولي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى‏ وَلكِن تَصْدِيقَ الّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلّ شَي‏ءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) (٢) .

خامساً : مدح القرآن الكريم البكاء الناتج عن الخشوع والتدبّر في الآيات الإلهية ، والشوق إلى لقاء الله عزّ وجلّ ، كما في قوله تعالى :( قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوا إِنّ الّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى‏ عَلَيْهِمْ يَخِرّونَ لِلأَذْقَانِ سُجّداً * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبّنَا لَمَفْعُولاً * وَيَخِرّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوع ) (٣) .

سادساً : ذم القرآن الكريم ونهيه عن الضحك والإمساك عن البكاء كقوله تعالى :( أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ ) (٤) .

كذلك ذمّه تعالى وزجره عن الفرح المذموم الذي يكون قريناً للفخر والزهو ، كما في قوله تعالى :( وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسّتْهُ لَيَقُولَنّ ذَهَبَ السّيّئَاتُ عَنّي إِنّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ) (٥) ، فالقرآن يذم الفرح الذي يكون سببه غاية دنيوية أو ترقّب غاية دنيوية ، قال تعالى :( لاَ تَفْرَحْ إِنّ اللهَ لاَ يُحِبّ

ــــــــــــــ

(١) تاريخ بغداد : ج ١٣ ص ١٧٣ ؛ ونحوه الدر المنثور : ج ٤ ص ٣٦ ؛ ونحوه في تفسير القرطبي : ج ٩ ص ٢٥١ .

(٢) يوسف : ١١١ .

(٣) الإسراء : ١٠٧ ـ ١٠٩ .

(٤) النجم : ٥٩ ـ ٦٠ .

(٥) هود : ١٠ .


الْفَرِحِينَ ) (١) ويخصص الفرح الممدوح فيما إذا كان في سياق الطريق إلى الكمال ، قال تعالى :( قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ) (٢) ، وهو نظير قول الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( ما أدري بأيّهما أشدّ فرحاً بقدوم جعفر أم بفتح خيبر ) (٣) .

إذن من ذلك يتّضح أنّ البكاء ليس مذموماً ولا سلبياً على إطلاقه ، بل إنّ أغلب أفراده لها آثار إيجابية على النفس الإنسانية بصريح القرآن الكريم كما تقدم فضلاً عمّا ورد من الروايات المستفيضة وفتاوى الفقهاء ، التي عدّت البكاء من خشية الله من أعظم القربات والعبادات :

١ ـ في دعاء لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( اللّهمّ ارزقني عينين هطّالتين ، تشفيان القلب تذرف الدموع من خشيتك قبل أن يكون الدمع دماً والأضراس جمراً ) (٤) .

٢ ـ عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :( سبعة يظلّهم الله رجل ذكر الله ففاضت عيناه ) (٥) .

٣ ـ عن مطرف عن أبيه قال : ( رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يصلّي وفي صدره أزيز كأزيز الرحى من البكاء )(٦) .

ــــــــــــــ

(١) القصص : ٧٦ .

(٢) يونس : ٥٨ .

(٣) المعجم الصغير ، الطبراني : ج ١ ص ١٩ ؛ المستدرك ، الحاكم : ج ٢ ص ٦٢٤ ، قال الحاكم ، ( هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ) ؛ تهذيب الكمال ، المزي : ج ٥ ص ٥٣ ؛ مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج ٩ ص ٢٧٢ ، قال فيه ، ( رواه الطبراني مرسلاً ورجاله رجال الصحيح ) .

(٤) كتاب الدعاء ، الطبراني : ص ٤٢٩ ؛ تاريخ دمشق : ج ١١ ص ١٢٠ ؛ فيض القدير في شرح الجامع الصغير ، المناوي : ج ٢ ص ١٨١ ، وقال فيه المناوي ( قال الحافظ العراقي وإسناده حسن ) .

(٥) صحيح البخاري ، البخاري : ج ٧ ص ١٨٥ ؛ فتح الباري : ج ١١ ص ٢٦٧ ؛ الجامع الصغير : ج ٢ ص ٤٣ .

(٦) سنن أبي داود : ج ١ ص ٢٠٦ ؛ ونحوه مسند أحمد ، أحمد بن حنبل : ج ٤ ص ٢٥ ؛ ونحو النسائي : ج ٣ ص ١٣ ؛ ونحوه المستدرك : ج ١ ص ٢٦٤ ، قال ، ( هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ) ؛ السنن الكبرى ، البيهقي : ج ٢ ص ٢٥١ ؛ فتح الباري : ج ٢ ص ١٧٣ ؛ ونحوه صحيح ابن حبان : ج ٢ ص ٤٤٠ ، ج ٣ ص ٣١ .


٤ ـ وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( لا يلج النار رجل بكى من خشية الله ) (١) .

٥ ـ عن سعد بن مالك قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول :( إنّ هذا القرآن نزل بحزن فإذا قرأتموه فأبكوا ، فإن لم تبكوا فتباكوا ) (٢) .

٦ ـ عن عائشة قالت : (كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يبيت فيناديه بلال بالأذان فيقوم فيغتسل ، فإنّي لأرى الماء ينحدر على خده وشعره ، ثم يخرج فيصلّي فاسمع بكاءه ) قال الهيثمي : رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح(٣) .

٧ ـ في بعض مناجاة الله تعالى لموسىعليه‌السلام :( وأمّا البكّاؤون من خيفتي فأولئك لهم الرفيق الأعلى لا يشاركون فيه ) (٤) .

٨ ـ عن أبي عبد اللهعليه‌السلام :( البكاؤون خمسة : آدم ويعقوب ويوسف وفاطمة بنت محمد وعلي بن الحسين ، فأمّا آدم فبكى على الجنة حتى صار في خديه أمثال الأودية ، وأمّا يعقوب فبكى على يوسف حتى ذهب بصره وحتى قيل له تالله تفتؤا تذكر يوسف حتى تكون حرضاً أو تكون من الهالكين ، وأمّا يوسف فبكى على يعقوب حتى تأذّى به أهل السجن فقالوا : أمّا أن تبكي نهاراً وتسكت الليل وأمّا أن تبكي الليل وتسكت النهار فصالحهم على واحد منهما ، وأمّا فاطمة فبكت على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى تأذّى بها أهل المدينة ،

ــــــــــــــ

(١) سنن الترمذي : ج ٣ ص ٣٨٠ ؛ سنن النسائي : ج ٦ ص ١٢ ؛ فتح الباري ، العسقلاني : ج ١١ ص ٢٦٧ ؛ قال ، ( وصححه الترمذي والحاكم ) ؛ الدر المنثور ، السيوطي : ج ١ ص ٢٤٨ .

(٢) السنن الكبرى ، البيهقي : ج ١٠ ، ص ٢٣١ ؛ سنن ابن ماجه ، ج ١ ص ٤٢٤ ؛ تهذيب الكمال ، المزني : ج ١٧ ص ١٢٩ ؛ مسند أبي يعلى ، أبي يعلى الموصلي : ج ٢ ص ٥٠ .

(٣) مسند أبي يعلى ، أبي يعلى ، ج ٨ ص ١٦٣ ؛ مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج ٢ ص ٨٨ ـ ٨٩ .

(٤) المعجم الكبير ، الطبراني : ج ١٢ ص ٩٤ ؛ تاريخ مدينة دمشق ؛ ابن عساكر : ج ٦١ ص ١١٤ .


فقالوا لها آذيتنا بكثرة بكائك ، فكانت تخرج إلى مقابر الشهداء فتبكي حتى تقضي حاجتها ثم تنصرف ، وأمّا علي بن الحسين فبكى على الحسين عشرين سنة أو أربعين سنة ما وضع بين يديه طعام إلاّ بكى حتى قال له مولى له جُعلت فداك يابن رسول الله إنّي أخاف عليك أن تكون من الهالكين ، قال إنّما أشكو بثّي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون إنّي لم أذكر مصرع بني فاطمة عليها‌السلام إلاّ خنقتني لذلك العبرة ) (١) .

٩ ـ عن أنس بن مالك : ( إنّ فاطمة بكت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقالت :يا أبتاه من ربهما أدناه يا أبتاه إلى جبريل أنعاه يا أبتاه جنة الفردوس مأواه )(٢) .

١٠ ـ وعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( عينان لا تمسّهما النار : عين بكت من خشية الله ، وعين باتت تحرس في سبيل الله ) (٣) .

١١ ـ عن جرير قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لنفر من أصحابه :( إنّي قارئ عليكم آيات من آخر الزمر فمَن بكى منكم وجبت له الجنة ، فقرأها من عند( وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقّ قَدْرِهِ ) إلى آخر السورة ، فمنّا مَن بكى ومنّا مَن لم يبك ، فقال الذين لم يبكوا يا رسول الله لقد جهدنا أن نبكي فلم نبك ، فقال :إنّي سأقرأها عليكم فمَن لم يبك فليتباك ) (٤) .

ــــــــــــــ

(١) كشف الغمّة ، الإربلي : ج ٢ ص ١٢١ .

(٢) مسند أحمد ، أحمد بن حنبل : ج ٣ ص ١٩٧ ؛ سنن النسائي : ج ٤ ص ١٣ ؛ المستدرك ، الحاكم : ج ٣ ص ٥٩ ؛ سنن البيهقي : ح٢ ص ٧١ .

(٣) سنن الترمذي : ج ٣ ص ٩٦ ؛ تاريخ بغداد : ج ٣ ص ١٦٣ ؛ الجامع الصغير ، السيوطي : ج ٢ ص ١٨٤ ؛ مجمع الزوائد : ج ٥ ص ٢٨٨ .

(٤) المعجم الكبير ، الطبراني : ج ٢ ص ٣٤٨ ؛ الدر المنثور ، السيوطي : ج ٥ ص ٣٣٥ ؛ ونحوه فتح القدير ، الشوكاني : ج ٥ ص ٤٨٨ .


١٢ ـ وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( مَن بكى من خشية الله غفر الله له ) (١) .

١٣ ـ وعنه أيضاًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( مَن بكى على ذنبه في الدنيا حرّم الله ديباجة وجهه على جهنّم ) (٢) .

١٤ ـ وفي تفسير القرطبي ، يقول في سجدة الإسراء :( اللّهمّ اجعلني من الباكين إليك والخاشعين لك ) (٣) .

١٥ ـ وفيه أيضاً يقول : ( اللّهمّ اجعلني من عبادك المنعم عليهم المهديين الساجدين لك الباكين عند تلاوة آياتك )(٤) .

١٦ ـ قال النووي في (المجموع) : ( ويستحب البكاء عند القراءة وهي صفة العارفين وشعار عباد الله الصالحين ، قال تعالى :( وَيَخِرّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً ) والأحاديث والآثار فيه كثيرة )(٥) .

١٧ ـ عن ابن مسعود قال : ( ما رأينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم باكياً أشدّ من بكائه على حمزة ، وضعه في القبلة ثم وقف على جنازته وانتحب حتى بلغ به الغشي ، يقول :( يا عم رسول الله ، يا حمزة ، يا أسد الله وأسد رسوله ، يا حمزة يا فاعل الخيرات ، يا حمزة يا كاشف الكربات ، يا حمزة يا ذاب عن وجه رسول الله ) (٦) ، وقد ندبصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للبكاء على حمزة عندما قال :( ولكن حمزة لا

ــــــــــــــ

(١) كنز العمال ، المتقي الهندي : ج ٣ ص ١٤٨ .

(٢) ذكر أخبار أصبهان ، الحافظ الأصفهاني : ج ٢ ص ١٧١ .

(٣) تفسير القرطبي ، القرطبي : ج ١١ ص ١٢١ ؛ مغني المحتاج ، الشربيني : ج ١ ص ٢١٧ ، حواشي الشرواني : ج ٢ ص ٢١٥ .

(٤) تفسير القرطبي ، القرطبي : ج ١١ ص ١٢١ .

(٥) المجموع ، النووي : ج ٢ ص ١٦٤ .

(٦) ذخائر العقبى ، أحمد بن عبد الله الطبري : ص ١٨١ .


بواكي له ) (١) ، وقد استمرت سنة البكاء على حمزة فـ ( فلم تبك امرأة من الأنصار على ميت بعد قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لكن حمزة لا بواكي له إلى اليوم إلاّ بدأت البكاء على حمزة )(٢) .

ويكشف ذلك أيضاً عن مشروعية الندبة والرثاء وإدامة العزاء والبكاء على العظماء من آل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

١٨ ـ عن حماد بن زيد ، عن خالد بن سلمة قال : ( لمّا جاء نعي زيد بن حارثة أتى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منزل زيد فخرجت عليه ابنة لزيد فلمّا رأت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أجهشت في وجهه فبكى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى انتحب فقيل يا رسول الله ما هذا ؟ قال :شوق الحبيب إلى حبيبه )(٣) .

ــــــــــــــ

(١) ذخائر العقبى ، أحمد بن عبد الله الطبري : ص ٨٣ .

(٢) طبقات ابن سعد : ج ٣ ص ١١ ؛ ونحوه أسد الغابة : ج ٢ ص ٤٨ .

(٣) الأخوان ، الحافظ ابن أبي الدنيا : ص ١٥٢ ؛ فيض القدير : ج ٣ ص ٦٩٥ .


الدليل الثالث : البكاء وإقامة المآتم على الإمام الحسين من سنن الأنبياء

لا شكّ أنّ الاعتماد في الاستدلال على مشروعية الشعائر الحسينية بسنن الأنبياءعليهم‌السلام يعد من العناصر المهمة التي لابد أن يعتمد عليها الباحث في المسائل الدينية ؛ وذلك لوجود الأمر الإلهي بوجوب الاقتداء بهم والاتّباع لهم ، ويمكن تقسيم هذا الدليل إلى قسمين :

القسم الأوّل : سنّة الأنبياء في البكاء بصورة عامة .

القسم الثاني : بكاء الأنبياء على الإمام الحسينعليه‌السلام خاصة .

القسم الأوّل :

والشواهد الدالة على هذا القسم بخصوصه كثيرة جداً ، منها :

١ ـ بكاء يعقوبعليه‌السلام على يوسفعليه‌السلام

وهو ما تقدّم من بكاء النبي يعقوبعليه‌السلام على ولده يوسفعليه‌السلام وما ادّخره الله تعالى له من الأجر ؛ حيث ورد في الأثر : ( كان منذ خرج يوسف من عند يعقوب إلى يوم رجع ثمانون سنة لم يفارق الحزن قلبه ، يبكي حتى ذهب بصره )(١) وذكر الطبري : ( قيل ما بلغ وجد يعقوب على ابنه قال وجد سبعين ثكلى ، قيل وما كان له من الأجر قال : أجر مائة شهيد ، وما ساء ظنّه بالله قط ساعة من ليل أو نهار )(٢) .

وفي رواية أخرى : ( دخل جبرئيل على يوسف وهو في السجن ، فقال :

ــــــــــــــ

(١) جامع البيان ، الطبري : ج ١٣ ص ٦٤ .

(٢) تاريخ الطبري ، الطبري : ج ١ ص ٢٥٠ ؛ الدّر المنثور ، السيوطي : ج ٤ ص ٣١ .


أيّها الملك الطيب الريح ، الطاهر الثياب ما فعل يعقوب ؟ فقال : ذهب بصره ، قال ما بلغ من حزنه ؟ قال : حزن سبعين ثكلى ، قال : ما أجره ، قال : أجر مائة شهيد )(١) .

وفي ثالثة عن ابن عباس قال : ( إنّ يعقوب أُعطي على يوسف أجر مائة شهيد )(٢) .

٢ ـ بكاء يوسف على يعقوب

أخرج القرطبي عن ابن عباس قال في حق يوسفعليه‌السلام عندما دخل السجن : ( ويبكي حتى تبكي معه جدر البيوت وسقفها والأبواب )(٣) .

القسم الثاني : بكاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على الإمام الحسينعليه‌السلام

١ ـ عن أُمّ سلمة : ( كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جالساً ذات يوم في بيتي ، قال :لا يدخل عليّ أحد فانتظرت فدخل الحسين فسمعت نشيج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يبكي فاطلعت ، فإذا حسين في حجره والنبي يمسح جبينه وهو يبكي)(٤) ، قال الهيثمي : رواه الطبراني ، بأسانيد ورجال أحدها ثقات )(٥) .

٢ ـ وفي حديث آخر لأُمّ سلمة قالت : ( كان جبرائيل عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والحسين معي فبكى فدنا من النبي فتركته فدنا منه فأخذته فبكى فتركته ،

ــــــــــــــ

(١) المصنف ، ابن أبي شيبه : ج ٨ ص ١٢٢ ؛ الهم والحزن ، ابن أبي الدنيا : ص ٧٧ ؛ ونحوه زاد المسير ، ابن الجوزي : ج ٤ ص ٢٠٤ ؛ الدر المنثور ، السيوطي : ج ٤ ، ص ٣٠ .

(٢) تفسير القرطبي ، القرطبي : ج ٩ ص ٢٤٧ .

(٣) المصدر نفسه : ج ٩ ص ٨٨ .

(٤) المعجم الكبير ، الطبراني : ج ٣ ص ١٠٨ ـ ١٠٩ .

(٥) مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج ٩ ص ١٨٩ .


فقال له جبرئيل :أتحبّه يا محمد ؟ فقال :نعم ، قال جبرائيل :أما إنّ أمتك ستقتله ، وإن شئت أريتك الأرض التي يقتل بها )(١) .

٣ ـ وعن أُمّ الفضل بنت الحارث أنّها جاءت بالإمام الحسينعليه‌السلام بعد ولادته حيث قالت : ( فدخلت يوماً على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فوضعته في حجره ثم حانت منّي التفاتة فإذا عينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تهريقان من الدموع ، قالت : فقلت : يا نبي الله ـ بأبي أنت وأُمّي ـ ما لك ؟ قال :( أتاني جبريل فأخبرني أنّ أُمّتي ستقتل أبني هذا ، فقالت : هذا ؟! فقال :نعم ، وأتاني بتربة من تربته حمراء ) (٢) .

٤ ـ وعن أُمّ سلمة أيضاً قالت : ( إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اضطجع ذات ليلة للنوم فاستيقظ وفي يده تربة حمراء يقبّلها ، فقلت : ما هذه التربة يا رسول الله ؟ قال :أخبرني جبرئيل عليه‌السلام إنّ هذا يقتل بأرض العراق ، فقلت لجبرئيل : أرني تربة الأرض التي يقتل بها ، فهذه تربته )(٣) .

٥ ـ كذلك عن أُمّ سلمة قالت : ( دخل الحسينعليه‌السلام على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنا جالسة على الباب فتطلعت فرأيت في كف النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شيئاً يقبّله وهو نائم على بطنه ، فقلت : يا رسول الله تطلعت فرأيتك تقلّب شيئاً في كفّك والصبي نائم على بطنك ودموعك تسيل ، فقال :إنّ جبرئيل أتاني بالتربة التي يقتل عليها فهي التي أقلّب بكفّي )(٤) .

ــــــــــــــ

(١) تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر : ج ١٤ ص ١٩٤ .

(٢) المستدرك ، الحاكم : ج ٣ ص ١٧٦ قال الحاكم : ( هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ) .

(٣) المستدرك ، الحاكم النيسابوري : ج ٤ ص ٣٩٨ ، قال الحاكم : ( هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ) .

(٤) المعجم الكبير ، الطبراني : ج ٣ ص ١٠٩ ؛ المصنف ، ابن أبي شيبة الكوفي : ج ٨ ص ٦٣٢ ؛ مسند ابن راهويه : ج ٤ ص ١٣١ .


٦ ـ وعن عائشة قالت : ( دخل الحسين به عليعليهما‌السلام على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو يوحى إليه فنزل على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال جبريل لرسول للهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أتحبّه يا محمد ؟ قال :وما لي لا أحب ابني ، قالفإنّ أُمّتك ستقتله من بعدك فمد جبرئيلعليه‌السلام يده فأتاه بتربة بيضاء ، فقال :في هذه الأرض يقتل ابنك هذا واسمها الطف ، فلما ذهب جبريل من عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والتزمه في يده يبكي ، فقاليا عائشة إنّ جبريل أخبرني أنّ ابني حسين مقتول في أرض الطفّ ، وأنّ أُمّتي ستفتتن بعدي ، ثم خرج إلى أصحابه فيهم عليعليه‌السلام وأبو بكر وعمر وحذيفة وعمار وأبو ذر وهو يبكي ، فقالوا : ما يبكيك يا رسول الله ؟ فقالأخبرني جبريل أنّ ابني الحسين يقتل بعدي بأرض الطف ، وجاءني بهذه التربة وأخبرني أنّ فيها مضجعه )(١) .

٧ ـ ما أخرجه أحمد عن عبد الله بن نجا عن أبيه : ( إنّه سار مع عليعليه‌السلام وكان صاحب مطهّرته فلمّا حاذى نينوى وهو منطلق إلى صِفّين ، فنادى عليعليه‌السلام :اصبر أبا عبد الله اصبر أبا عبد الله بشط الفرات ، قال : قلت : وما ذاك ؟ قال : دخلت على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذات يوم وعيناه تفيضان ، قلت : يا نبي الله ما شأن عينيك تفيضان ؟ قال : قام من عندي جبرئيل فحدثني أنّ الحسين يقتل بشط الفرات ؟ قال : فقال : هل لك إلى أن أشمّك من تربته ؟ قال : قلت نعم ، فمدّ يده فقبض قبضة من تراب فأعطانيها ، فلم أملك عيني أن فاضت )(٢) ، قال الهيثمي : أخرجه البزار والطبراني ورجاله ثقات .

ــــــــــــــ

(١) المعجم الكبير ، الطبراني : ج ٣ ص ١٠٧ .

(٢) مسند أحمد ، أحمد بن حنبل : ج ١ ص ٨٥ ؛ وانظر : المصنف ، ابن أبي شيبة الكوفي : ج ٨ ص ٦٣٢ .


٨ ـ وفي الصواعق للهيتمي ، عن ابن سعد الشعبي : ( مرّ علي (رضي الله عنه) بكربلاء عند مسيره إلى صِفّين وحاذى نينوى ، فوقف وسأل عن اسم الأرض ، فقيل : كربلاء ، فبكى حتى بلّ الأرض من دموعه ، ثم قال : دخلت على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ) إلى آخر الحديث المتقدّم .

٩ ـ كذلك عن أُمّ سلمة ، قالت : كان الحسن والحسين يلعبان بين يدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في بيتي ، فنزل جبرئيل فقال :يا محمد ، إنّ أُمّتك تقتل ابنك هذا من بعدك ، وأومأ بيده إلى الحسينعليه‌السلام ، فبكى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وضمّه إلى صدره ، ثم قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :وضعت عندك هذه التربة ، فشمّها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال :ويح كرب وبلاء ، قالت : وقال :يا أُمّ سلمة إذا تحوّلت هذه التربة دماً فاعلمي أنّ مشهور (١) قد قتل ، فجعلتها أُمّ سلمة في قارورة ثم جعلت تنظر إليها كل يوم ، وتقول : إنّ يوماً تتحوّلين دماً ليوم عظيم )(٢) .

١٠ ـ وعن أُمّ سلمة أيضاً قالت : ( رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو يمسح رأس الحسينعليه‌السلام ويبكي ، فقلت ، ما بكاؤك ؟ فقال :إنّ جبرئيل أخبرني إنّ ابني هذا يقتل بأرض يقال لها كربلاء ، قالت : ثم ناولني كفّاً من تراب أحمر وقال :إنّ هذا من تربة الأرض التي يقتل بها ، فمتى صار دماً فاعلمي أنّه قد قُتل ، قالت أمّ سلمة : فوضعت التراب في قارورة عندي ، وكنت أقول : إنّ يوماً يتحوّل فيه دماً ليوم عظيم )(٣) ، قال في الصواعق ، قالت أُمّ سلمة : ( فلمّا كانت ليلة

ــــــــــــــ

(١) هكذا ذكره الطبري وفي بقية المصادر بدل كلمة (مشهور) كلمة (ابني) .

(٢) المعجم الكبير ، الطبراني : ج ٣ ص ١٠٨ ؛ ونحوه تهذيب الكمال ، المزي : ج ٦ ص ٤٠٩ ؛ تهذيب التهذيب ، ابن حجر : ج ٢ ص ٣٠٠ ؛ تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر : ج ١٤ ص ١٩٣ .

(٣) ذخائر العقبى ، أحمد بن عبد الله الطبري : ص ١٤٧ .


قتل الحسينعليه‌السلام سمعت قائلاً يقول :

أيها القاتلون جهلاً حسيناً

ابشروا بالعذاب والتذليلِ

قد لعنتم على لسان ابن داود

وموسى وحامل الإنجيلِ

قالت : فبكيت وفتحت القارورة فإذا الحصيات قد جرت دماً )(١) .

الدليل الرابع : بكاء الأوصياء من الأئمّةعليهم‌السلام

إنّ البكاء والعزاء على الإمام الحسينعليه‌السلام سنّة الأوصياء والأئمّة من أهل البيتعليهم‌السلام ، ولا شك أنّ قيامهم بهذا الأسلوب من الحزن والبكاء يكون بنفسه دليلاً مستقلاً لجواز البكاء والعزاء على الإمام الحسينعليه‌السلام ، لما يتمتعون به من عصمة وطهارة ، كما نصّ على ذلك القرآن الكريم والروايات المتواترة كحديث الثقلين ، ومن ثمّ لا يكون عملهم إلاّ في طاعة ورضا الله تعالى ، فلابدّ من الاقتداء بهم والأخذ منهم ، وإليك بعض الأمثلة على ذلك :

١ ـ بكاء الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، وقد تقدّم سابقاً .

٢ ـ بكاء الإمام علي بن الحسينعليه‌السلام :

( سُئل علي بن الحسين عن كثرة بكائه ، فقال :لا تلوموني ، فإنّ يعقوب فقد سبطاً من ولده فبكى حتى ابيضّت عيناه من الحزن ولم يعلم أنّه مات ، وقد نظرت إلى أربعة عشر رجلاً من أهل بيتي يذبحون في غداة واحدة ، فترون حزنهم يذهب من قلبي أبداً ؟ )(٢) .

ــــــــــــــ

(١) الصواعق المحرقة ، الهيتمي : ص ٢٩٣ .

(٢) تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر : ج ٤١ ص ٣٨٦ ؛ تهذيب الكمال ، المزي : ج ٢٠ ص ٣٩٩ ؛ ونحوه البداية والنهاية ، ابن كثير : ج ٩ ص ١٢٥ .


٣ ـ بكاء الإمام جعفر بن محمد الصادقعليه‌السلام حيث قال :( إنّ يوم عاشوراء أحرق قلوبنا وأرسل دموعنا وأرض كربلاء أورثتنا الكرب والبلاء ) (١) .

٤ ـ بكاء الإمام علي بن موسى الرضاعليه‌السلام ، عن دعبل الخزاعي قال : ( لمّا أنشدت مولاي الرضا قصيدتي التي أوّلها :

مَدارِسُ آياتٍ خَلَت مِن تِلاوَةٍ

وَمَنزِلُ وَحيٍ مُقفِرُ العَرَصاتِ

فلمّا انتهيت إلى قولي :

خُروجُ إِمامٍ لا مَحالَةَ خارِجٌ

يَقومُ عَلى اِسمِ اللهِ وَالبَرَكاتِ

يميّز فينا كل حقّ وباطلٍ

ويجزي على النعماء والنقماتِ

بكى الرضا بكاءً شديداً )(٢) .

الدليل الخامس : حثّ الرسول وأهل بيتهعليه‌السلام على البكاء

لقد حثّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الأُمّة الإسلامية على إدامة البكاء على الإمام الحسينعليه‌السلام وإحياء ذكرى شهادته ، التي أنبأ عنها قبل وقوعها ، وكذا حثّ أهل بيت العصمة والطهارة على إقامة مجالس إحياء ذكرى الإمام الحسينعليه‌السلام والبكاء عليه وعلى ما حلّ بأهله من القتل والسبي والتشريد والتطريد ، وذلك من أجل إدامة المبادئ التي قام من أجلها الإمام الحسينعليه‌السلام في نفوس الأمة ، وإليك بعض تلك الروايات :

١ ـ ما جاء عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيث قال :( ما من عبد يبكي يوم أصيب

ــــــــــــــ

(١) نور العين في مشهد الحسين ، أبو إسحاق الأسفراييني : ص ٨٤ .

(٢) ينابيع المودة ، القندوزي الحنفي : ج ٣ ص ٣٠٩ .


ولدي الحسين إلاّ كان يوم القيامة مع أُولي العزم من الرسل (وقال)البكاء في يوم عاشوراء نور تام يوم القيامة ) (١) .

٢ ـ وعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أيضاً :( إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ من بطنان العرش : يا أهل القيامة غضّوا أبصاركم لتجوز فاطمة بنت محمد مع قميص مخضوب بدم الحسين ، فتحتوي على ساق العرش فتقول : أنت الجبّار العدل : اقضِ بيني وبين مَن قتل ولدي ، فيقضي الله لابنتي ورب الكعبة ، ثم تقول : اللّهمّ اشفعني في مَن بكى على مصيبته فيشفعها الله فيهم ) (٢) .

٣ ـ وعن الإمام الحسينعليه‌السلام قال :( مَن دمعت عيناه فينا دمعة أو قطرت عيناه فينا قطرة آتاه الله عزّ وجلّ الجنّة ) (٣) .

٤ ـ عن الإمام محمد الباقرعليه‌السلام قال :( كان أبي علي بن الحسين يقول : أيّما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين ومَن معه حتى تسيل على خديه بوّأه الله في الجنّة غرفاً ، وأيّما مؤمن دمعت عيناه دمعاً حتى يسيل على خديه ، لأذى مسّنا من عدونا بوّأه الله مبوء صدق ) (٤) .

٥ ـ عن الإمام جعفر بن محمد الصادقعليه‌السلام قال :( إنّ يوم عاشوراء أحرق قلوبنا وأرسل دموعنا ، وأرض كربلاء أورثتنا الكرب والبلاء ، فعلى مثل الحسين فليبك الباكون ، فإنّ البكاء عليه يمحو الذنوب أيها المؤمنون ) (٥) .

٦ ـ كذلك عن الإمام جعفر الصادقعليه‌السلام قال :( مَن ذَكرنا أو ذُكرنا عنده فخرج من عينيه مثل جناح بعوضة غفر الله له ذنوبه ولو كانت مثل زبد

ــــــــــــــ

(١) لسان الميزان ، ابن حجر : ج ٢ ص ٤٥١ .

(٢) ينابيع المودة ، القندوزي : ج ٢ ص ٣٢٣ .

(٣) ذخائر العقبى ، أحمد بن عبد الله الطبري : ص ١٩ ؛ ينابيع المودة ، القندوزي : ج ٢ ص ١١٧.

(٤) ينابيع المودة ، القندوزي : ج ٣ ص ١٠٢ .

(٥) نور العين في مشهد الحسين ، أبو إسحاق الأسفراييني : ص ٨٣ ـ ٨٤ .


البحر ) (١) .

٧ ـ وأخرج سبط ابن الجوزي عن ابن الهبارية الشاعر أنّه اجتاز بكربلاء فجلس يبكي على الحسين وأهله (رضي الله عنهم) وأنشد شعراً :

أحسين والمبعوث جدك بالهدى

قسماً يكون الحق عنه مسائلي

لو كنت شاهد كربلا لبذلت في

تنفيس كربك جهد بذل الباذلِ

وسقيت حدّ السيف من أعدائكم

عللاً وحد السمهري الذابلِ

لكنّني أخرّت عنك لشقوتي

فبلابلي بين الغريّ وبابلِ

هبني حرمت النصر من أعدائكم

فأقل من حزن ودمع سائلِ

ثم نام في مكانه فرأى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المنام فقال له : جزاك الله عني خيراً ، وأبشر فإنّ الله قد كتبك ممّن جاهد بين يدي الحسين )(٢) .

الدليل السادس : اندراج الشعائر الحسينية تحت عنوان تعظيم الشعائر

لا شك أنّ الحسينعليه‌السلام ونهضته والمبادئ التي خرج من أجلها من شعائر الله ، بل الحسينعليه‌السلام الذي هو عدل القرآن الكريم وثاني الثقلين وسيّد شباب أهل الجنّة من أعظم شعائر الله ، التي لابد من التمسّك بها وتعظيمها وإحياء أمرها ، كما تقدّم مفصّلاً وجوب تعظيم شعائر الله بنص الآيات والروايات الشريفة وفتاوى العلماء والفقهاء ؛ ولا ريب أنّ إقامة المآتم والمجالس والبكاء والرثاء يعد رافداً مهمّاً من روافد الثقافة ، لما تضطلع به من دور مهم وكبير في الحركة الإعلامية والثقافية للدين الإسلامي ، ولمّا تتضمّنه من رصيد ضخم في التبليغ والإرشاد ، الذي يشكل عنصراً مهماً من عناصر الصمود والتضحية والمقاومة .

ويكمن سرّ قوّة هذه الشعائر في إثارة المشاعر الإنسانية ، فحينما تتحوّل هذه الأفكار إلى متبنّيات لدى الإنسان وتشكّل جزءاً من شخصيته ، تصبح عملية المساس بها مساساً بشخصيته ؛ لأنّ هذه الأفكار مستوحاة من الرسالة ، وبذلك يكون الانتصار لها والدفاع عنها دفاعاً عن الشخصية الرسالية ، وبذلك يهتز الإنسان بكل مشاعره متى ما مست رسالته وأهدافه ، ومن ثمّ يتحوّل هذا الإحساس المرهف إلى رصيد رسالي يصون الرسالة ، وهذا يعد من أبرز الأساليب التربوية والثقافية لإحياء الرسالة الإسلامية التي أُمرنا بالمحافظة عليها .

ــــــــــــــ

(١) ينابيع المودة ، القندوزي : ج ٣ ص ١٠٢ .

(٢) نظم درر السمطين ، الزرندي : ص ٢٢٥ ؛ ينابيع المودة ، القندوزي : ج ٣ ص ٤٩ .


الدليل السابع : إنّ الحزن والبكاء والرثاء ممّا تقتضيه الفطرة البشرية

من الواضح أنّ التركيبة الإنسانية مليئة بالعواطف والأحاسيس ، ويعد هذا الجانب من العناصر الأساسية في الفطرة الإنسانية التي أودعها الله تعالى في النفوس :( فِطْرَتَ اللهِ الّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ) .

وقد قنّنت الشريعة حدود هذه الفطرة بحيث لا تصل إلى حدّ الإفراط والتعدّي للحدود الإلهية ، وكذلك لا تصل إلى حد التفريط وإماتة هذه الفطرة ، والشريع الإسلامية وفقاً لمتطلبات تلك الفطرة سمحت بالحزن والبكاء ؛ ولذا نجد أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال حينما فقد ابنه إبراهيم :( العين تدمع والقلب يحزن ، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ، وإنّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون ) (١) .

فإنّ إهمال هذا الجانب العاطفي واضمحلاله وإماتته يؤدّي إلى مضاعفات وآثار سلبية على الشخصية ، وهذا ما يؤكّده علماء النفس (السيكولوجيا) حيث إنّهم يؤكّدون على ضرورة اتخاذ البكاء وسيلة للتنفيس عن النفس لما ألمّت بها من المصائب ، ومَن يتخذ البكاء وسيلة يكون أبعد من غيره في احتمال وقوعه وأصابته بالاختلال العقلي والنفسي ، فإنّ الذي يمتنع عن البكاء يكون عرضة للإصابة بأنواع من العقد النفسية والانفصام في الشخصية ، بخلاف مَن يتخذ من البكاء وسيلة لتهدئته والتخفيف عنه ، والتهوين عن شدّة وطأة المصائب فإنه يكون أقل عرضة للإصابة بتلك الأمراض ، فالبكاء يخلق حالة من التوازن الروحي في النفس الإنسانية .

وهذا لا يعني أنّ البكاء يقلل من العزم والهمّة في نصرة الحق ، وإنّما البكاء من خلال توجيهه الوجهة الصحيحة وجعله ضمن الغاية المرسومة له ، يجعل الشخص ساعياً لتحصيل ما افتقده أو الثأر له ـ مثلاً ـ المظلوم يبكي ويحزن ويأسف على فقد حق من حقوقه فإنّه وإن خفّف عن نفسه ببكائه من جهة الضغط المتراكم عليه نتيجة ذلك الفقدان ، لكن لا زال البكاء والحزن يزيد المظلوم شوقاً إلى حقّه المغتصب ، فإنّنا نشاهد بالوجدان أنّ ذلك المظلوم يزداد عزماً وتصميماً وإرادة لتحصيل حقّه المهدور ، وأنّ بكاءه لا يقف عائقاً أمام حركته بتاتاً .

ــــــــــــــ

(١) صحيح البخاري ، البخاري : ج ٢ ص ٨٥ ؛ مسند أحمد ، أحمد بن حنبل : ج ٢ ص ١٩٤ ؛ فيض القدير شرح الجامع الصغير ، المناوي : ج ٢ ص ٧١٧ ؛ ونحوه مستدرك ، الحاكم : ج ٤ ص ٤٠ ؛ سنن أبي داود : ج ٢ ص ٦٤ .


وعلى ضوء ما سلف نجد أنّ علماء الاجتماع يدركون مفارقة بين بلدان الشرق ـ لا سيّما الشرق الأوسط ـ وبين بلاد الغرب ، ويلاحظون في الشرق وجود مزيد من العاطفة والإحساس أكثر منها في الغرب ، وكأنّما ما هو الموجود في الغرب مجرّد قوالب إدراكية عقلية خالية من الجانب العاطفي والروحي ؛ ولذا تشير الإحصائيات في مجالات عديدة إلى بروز الأمراض الروحية والنفسية والعقد وتفكّك الأسر وكثرة الحالات الانتحارية وغيرها ، ممّا هو مرتبط بجانب العاطفة .

إذن طمس هذه النعمة التي أنعم بها الباري علينا وإلقاؤها يعتبر طمساً لفطرة الله تعالى .

معطيات إقامة المجالس والعزاء على الإمام الحسينعليه‌السلام

لعلّ نافلة القول التحدّث عن معطيات المجالس والمآتم الحسينية ودورها الإيجابي في تكامل الفرد والمجتمع ، وترسيخ القيم الروحية والأخلاقية .

فإنّ ما تحمله تلك المآتم والمجالس من القيم والمعاني الإنسانية الرفيعة ، فضلاً عن مشاهدها وأحداثها الملحمية الدامية ، كلّ ذلك جعل من ثورة الإمام الحسينعليه‌السلام رمزاً يتجاوز في دلالاته حدود الزمان والمكان ، ويعلو على حواجز الانتماء إلى مذهب أو طائفة ؛ لذا صار الإمام الحسينعليه‌السلام إرثاً ورمزاً إنسانياً عاماً يستنطقه ويستلهم منه الجميع .

ولأجل إلقاء المزيد من الضوء نستعرض بعض تلك المعطيات ضمن النقاط التالية :

أوّلاً : إبراز الجانب المأساوي في واقعة عاشوراء

الذي يتصفّح كتب التاريخ التي تسرد تفاصيل حركة عاشوراء الأليمة ، يهتز ضميره وينتابه الحزن والألم الشديد ، وتسيل دموعه عندما يمر بكل مفردة من مفردات تلك الواقعة المأساوية ، فقد رافقت المأساة يوم عاشوراء عندما مال الأعداء على كثرتهم وشراستهم على معسكر الإمام الحسينعليه‌السلام على قلّة أصحابة وخذلان الناصر ، فما غابت شمس يوم العاشر من محرّم إلاّ وهم مجزّرون على رمضاء كربلاء مسلّبون تصهرهم الشمس بحرارتها ، وليتهم أكتفوا بذلك ، بل عمدوا إلى ذلك الجسد الطاهر ورضّوه بحوافر خيولهم ، وهجموا على حرم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فسلبوهن ، وروّعوهن هذا ، والسياط تعلوا متونهن ضرباً وتلويعاً ، ثم ساقوهم كما تساق الأسارى من بلد إلى بلد ، ومن مجلس إلى مجلس يتصفّح وجوههم الدنيء والشريف ، وغير ذلك من الفجائع والرزايا التي تكشف عن


عظمة المأساة وجليل الخطب والمصاب ؛ فكيف لا يبكي ويجزع مَن يسمع أو يقرأ أنّ الحسينعليه‌السلام يأتي في لحظات الوداع يقبّل ويودّع ولده الرضيع ، فيتقدم : ( إلى باب الخيمة فقال : ناولوني ذلك الطفل حتى أودعه فناولوه الصبي ، فجعل يقبّله وهو يقول : يا بني ويل لهؤلاء القوم إذا غداً خصمهم جدّك محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإذا بسهم قد أقبل حتى وقع في لبّة الصبي فقتله فنزل الحسينعليه‌السلام عن فرسه وحفر له بطرف السيف وصلّى عليه ودفنهعليه‌السلام ، ثم بعد ذلك أصبح وحيداً فريداً لا ناصر له ولا معين ( فحملوا عليه من كلّ جانب وأوثقته الجراح بالسيوف ، فضربه رجل يقال له زرعة بن شريك التميمي ضربة على يده اليسرى ، وضربه عمرو بن طلحة الجحفي بسهم ووقع في نحره ، وطعنه صالح بن وهب اليزني طعنة في خاصرته فسقط الحسينعليه‌السلام عن فرسه إلى الأرض واستوى قاعداً ونزع السهم من نحره وأقرن كفّيه فكلّما امتلأتا من دمه خضّب به رأسه ولحيته ، وهو يقول :هكذا حتى ألقى ربّي بدمي مغصوباً على حقّي ... وأقبل بعد ذلك فرس الحسينعليه‌السلام وكان قبل ذلك غار من بين أيديهم أن لا يؤخذ ، فوضع رأسه في دم الحسينعليه‌السلام وأقبل يركض إلى خيمة النساء ، وهو يصهل ، فلمّا نظرت أخوات الحسينعليه‌السلام وبناته وأهل بيته إلى الفرس وليس عليه أحد رفعوا أصواتهم بالصراخ والعويل ، وأقبل القوم حتى أحدقوا بالخيمة ، وأقبل الشمر بن ذي الجوشن حتى وقف قريباً من خيمة النساء ، قال لقومه أدخلوا فاسلبوا بُزيهن ، فدخل القوم فأخذوا كلّ ما كان في الخيمة حتى أفضوا إلى قرط كان في أذن أم كلثوم فأخذوه وخرموا أذنها ، وخرج القوم من الخيمة وأضرموها بالنار وساق القوم حرم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من كربلاء كما تساق الأسارى )(١) ، هذا ما نَقله المحدّثون والمؤرّخون ، وقد نقلوا عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما ينبئ عن شدة هذه المأساة ، وتقدم نقل بعضها من بكائهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإقامته للمآتم على الإمام الحسين بين أصحابه ، وقد شوهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو يجمع دماء القتلى في كربلاء ومن تلك الروايات :

ــــــــــــــ

(١) الفتوح ، ابن أعثم الكوفي : ج ٥ ص ١١٥ ـ ١٢٠ .


١ ـ عن ابن عباس قال : ( رأيت رسول الله في المنام نصف النهار أشعث أغبر ، معه قارورة فيها دم ، فقلت بأبي وأُمّي يا رسول الله ما هذا ؟ قال : هذا دم الحسين وأصحابه ، لم أزل التقطه منذ اليوم ! قال : عمار فأحصيت ذلك اليوم فوجدناه قد قتل فيه )(١) .

٢ ـ عن رزين قال حدثتني سلمى ، قالت : ( دخلت على أم سلمة وهي تبكي ، فقلت ما يبكيك ؟ قالت رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ تعني في المنام ـ وعلى رأسه ولحيته التراب ، فقلت مالك يا رسول الله ؟ قال : شهدت قتل الحسين آنفاً )(٢) .

٣ ـ عن أبي النّضر الحرمي ، قال : ( رأيت رجلاً سَمج العمى فسألته عن سبب ذهاب بصره ، فقال : كنت فيمن حضر عسكر ابن سعد ، فلمّا جاء الليل رقدت فرأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المنام وبين يديه طشت فيها دم وريشة في الدم ، وهو يؤتى بأصحاب عمر بن سعد فيأخذ الريشة فيخط بها أعينهم فأتى بي ، فقلت : يا رسول الله ! والله ما ضربت بسيف ولا طعنت برمح ولا رميت بسهم ، فقال : أفلم تكثّر عدونا ؟ فأدخل أصبعيه في الدم السبّابة والوسطى وأهوى بها إلى عيني فأصبحت ، وقد ذهب بصري )(٣) .

ــــــــــــــ

(١) مسند أحمد ، ج ١ ص ٢٤٢ ص ٢٨٣ ؛ المعجم الكبير : ج ٢ ص ١٤٤ ؛ البداية والنهاية ، ابن كثير : ج ٨ ص ٢١٨ ؛ تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر : ج ١٤ ص ٢٣٧ ؛ مجمع الزوائد : ج ٩ ص ١٩٤ ، وقال فيه ، ( رجاله رجال الصحيح ) .

(٢) المعجم الكبير ، الطبراني : ج ٢٣ ص ٣٧٣ ؛ التاريخ الكبير ، البخاري : ج ٣ ص ٣٢٤ ؛ المستدرك على الصحيحين ، الحاكم النيسابوري : ج ٤ ص ١٩ ؛ سنن الترمذي : ج ٥ ص ٣٢٣ ؛ سير أعلام النبلاء ، الذهبي : ج ٣ ص ٣١٦ ؛ تهذيب التهذيب ، ابن حجر : ج ٢ ص ٣٠٧ ؛ البداية والنهاية ، ابن كثير : ج ٨ ص ٢١٩ ؛ تهذيب الكمال ، المزي : ج ٦ ص ٤٣٩ .

(٣) مناقب علي بن أبي طالب ، ابن المغازلي : ص ٤٠٥ ؛ تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر : ج ١٤ ص ٢٥٩ ؛ ونحوه مقتل الحسين ، الخوارزمي : ج ٢ ص ١٧١ ـ ١١٨ ؛ ونحوه التذكرة ، ابن الجوزي : ج ٢ ص ٢٥ ؛ ينابيع المودة ، القندوزي : ص ٣٢٣ .


أمّا شدّة أثرها على مَن شهد تلك الواقعة من الصحابة والتابعين فكثير جداً ، فعن زيد بن أرقم : ( قال كنت عند عبيد الله بن زياد (لعنه الله) إذ أتي برأس الحسين بن علي فوضع في طست بين يديه ، فأخذ قضيباً فجعل يفتر به عن شفته وعن أسنانه فلم أر ثغراً قط كان أحسن منه كأنّه الدر فلم أتمالك أن رفعت صوتي بالبكاء ، فقال ما يبكيك أيّها الشيخ ؟! قال يبكيني ، رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقبّل بعض موضع هذا القضيب ويلثمه ويقول اللّهم إنّي أحبّه )(١) .

وهذا يدلك على عظمة هذه الواقعة في نفوس المسلمين ودورها في تأجيج عواطفهم .

إذن من معطيات إقامة هذه المجالس والمآتم إبراز ذلك الجانب المأساوي لتلك الواقعة من أجل حفظ المبادئ الحسينية في وسط الأُمّة .

ثانياً : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

لقد ارتبطت أهداف وغايات إقامة المآتم والعزاء على الإمام الحسينعليه‌السلام بأهداف الإمام الحسينعليه‌السلام في الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، كما أعلنعليه‌السلام عن ذلك في بداية تحرّكه بقوله :( إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا ظالماً ولا مفسداً ، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي ، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ) (٢) ، وقولهعليه‌السلام للمسيب بن نجبة الفزاري وعدّة معه :( إنّي لأرجو أن يعطي الله أخي على نيّته وأن

ــــــــــــــ

(١) تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر : ج ١٤ ص ٢٣٦ ؛ سير أعلام النبلاء : ج ٣ ص ٣١٥ .

(٢) الفتوح ، ابن أعثم : ج ٥ ص ٢١ .


يعطيني على نيّتي في حبّي جهاد الظالمين ) (١) ، وقوله أيضاً في كتابه ليزيد :( وما أظن لي عند الله عذراً في تركي جهادك ، وما أعظم فتنة أعظم من ولايتك هذه الأُمّة ) (٢) .

ومن هنا ارتبطت المشاعر والشعائر الحسينية بأهداف الثورة الحسينية ، وساهم ذلك في تحديد هدفها الأعظم ، وهو الإصلاح في أُمّة الإسلام ؛ وبذلك أصبحت هذه المآتم الحسينية والعزاء الحسيني هتافاً ضد الظالمين ، وأصبح الزخم الحسيني تياراً عارماً ضد الطواغيت .

فحين يتعبأ أبناء الأمة بهذه الأحاسيس يزداد وعيهم وشعورهم بالمسؤولية تجاه مبادئ الإسلام ، عند ذلك يتولّى هذا التيار الجماهيري الواعي عملية تغيير الواقع المنحرف ، ومقاومة الظلمة .

ومن هنا نجد أن الطواغيت عمدوا لمحاربة هذه المآتم ومنعها ، وقد حدثنا التاريخ عن الكثير من المحاولات التي استهدفت القضاء على قبر الإمام الحسينعليه‌السلام ومنع زيارته ، والاعتداء على زواره منها :

١ ـ الطبري في تاريخه : ( أمر المتوكّل بهدم قبر الحسين بن عليعليهما‌السلام وهدم ما حوله من المنازل والدور وأن يحرث ويبذر ويسقي موضع قبره وأن يمنع الناس من إتيانه فذكر أنّ عامل صاحب الشرطة نادى الناحية من وجدناه عند قبره بعد ثلاثة بعثناه إلى المطبق فهرب الناس وامتنعوا من

ــــــــــــــ

(١) سير أعلام النبلاء، الذهبي : ج ٣ ص ٢٩٤ ؛ تاريخ الذهبي ، حوادث وفيات (٦١ ـ ٨٠ هـ) ، ص ٦ ؛ تاريخ مدينة دمشق : ج ١٤ ص ٢٠٥ ؛ تهذيب الكمال ، المزي : ج ٦ ص ٤١٣ .

(٢) تاريخ الذهبي ، حوادث وفيات ( ٦١ ـ ٨٠ هـ) ، ص ٦ .


المصير إليه وحرث ذلك الوضع وزرع ما حواليه )(١) .

٢ ـ قال ابن الضحاك حدثنا هشام بن محمد قال : ( لمّا أجرى الماء على قبر الحسين نضب بعد أربعين يوماً وامتحى اثر القبر ، فجاء أعرابي من بني أسد فجعل يأخذ قبضة ويشمه حتى وقع على قبر الحسين وبكى(٢) ، وقال بأبي وأُمّي ما كان أطيبك وأطيب تربتك ميتاً ثم بكى وأنشأ يقول :

أرادوا ليخفوا قبره عن وليّه

فطيب تراب القبر دل على القبرِ

٣ ـ وذكر الذهبي في تاريخه وقوله : ( وفيها ـ سنة ٢٣٦ هـ ـ أمر المتوكل بهدم قبر السيد الحسين بن علي (رضي الله عنهما) وهدم ما حوله من الدّور، وأن تعمل مزارع ، ومنع الناس من زيارته ، وحُرِث وبقي صحراء )(٣) .

ثالثاً : التفاعل الإيجابي بين الفكرة والعاطفة

إنّ هذه المآتم ومراسم العزاء على الإمام الحسينعليه‌السلام لم تقف عند البكاء والتباكي ، وإنّما هي ناتج الارتباط الوثيق بين المعلومة والإحساس العاطفي لدى الفرد ، فإنّه كلّما ارتبطت الفكرة والمعلومة ارتباطاً وثيقاً مع عواطف الإنسان وأحاسيسه ، يكون تأثير الفكرة في النفس أوقع وأشد ، وكلما ازدادت أواصر هذا الارتباط كانت الثمار المرجوة من تلك الفكرة أكثر نضجاً وأشد تأثيراً ورسوخاً ، فيزداد الفرد المؤمن عزماً وقوّة وتمسّكاً بمبدئه ورسالته ؛ ولذا نرى ذلك التفاعل الإيجابي بين الأمة وشخصية الشهيد والأسوة ، حيث تخلق لنا أبطالاً ومضحّين لهم الدور الفاعل في مسيرة تلك الأمة .

ــــــــــــــ

(١) تاريخ الطبري ، الطبري : ج ٧ ص ٣٦٦ ؛ ونحوه في الكامل في التاريخ ، ابن الأثير : ج ٧ ص ٥٥ ؛ البداية والنهاية ، ابن كثير : ج ١٠ ص ٣٤٧ .

(٢) تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر : ج ١٤ ص ٢٤٥ .

(٣) تاريخ الإسلام ، الذهبي ؛ حوادث سنة ٢٣١ ـ ٢٤٠ ، ص ١٨ ؛ تاريخ الطبري : ج ٧ ص ٣٦٥ ؛ ونحوه البداية والنهاية ، ابن كثير : ج ١٠ ص ٣٤٧ .


لذا نجد أنّ المخرجين الكبار في فن العرض والإخراج السينمائي يبحثون عن المؤثّرات العاطفية ، التي تثير المشاهدين والسامعين لأجل أن يجعلوا من الفكرة التي يريدون تسويقها فكرة حيّة وفعّالة وراسخة في النفوس ، فإن كل عقيدة إذا لم تقترن بالعاطفة ، فهي عقيدة هشّة واهية لا تصمد أمام الفتن والمغريات ؛ لذا مزجت السماء الشريعة الإسلامية بالعاطفة من خلال الحب ( وهل الدين إلا الحب في الله )(١) ، ولا يمكن للإنسان أن يكون مؤمناً ما لم يكن محبّاً لله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيتهعليهم‌السلام ، وقال تعالى :( قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبّونَ اللهَ فَاتّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ ) (٢) ، فقد جعلت الآية الحب لله تعالى المحور للطاعة والإيمان ، وكذلك قوله تعالى :( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ وَيُحِبّونَهُ أَذِلّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزّةٍ عَلَى الْكَافِرينَ ) (٣) ، وقوله تعالى :( مُحَمّدٌ رّسُولُ اللّهِ وَالّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) (٤) ، وقد ورد عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انه قال : (لكل شيء أساس وأساس الدين حبنا أهل البيت)(٥) ، وعن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( أحبوا الله لما يغدوكم به

ــــــــــــــ

(١) المستدرك على الصحيحين ، الحاكم النيسابوري : ج ٢ ص ٢٩١ ؛ الدر المنثور ، السيوطي : ج ٢ ص ١٧ ؛ الجامع الصغير ، السيوطي : ج ٢ ص ٨٥ ؛ فتح القدير : ج ١ ص ٣٣٤ .

(٢) آل عمران ، ٣١ .

(٣) المائدة ، ٥٤ .

(٤) الفتح ، ٢٩ .

(٥) لسان الميزان ، ابن حجر ، ج ٥ ص ٣٨٠ ؛ ميزان الاعتدال للذهبي : ج ٤ ص ٣٥ .


من نعمة وأحبوني لحب الله وأحبوا أهل بيتي لحبي ) (١) . وقد سبق ذكر الكثير من الروايات في المجال .

إذن للعاطفة دور كبير في حفظ العقيدة والفكرة ؛ لأنّ لغة المشاعر والعاطفة يفهمها الكبار والصغار والواعون والأقل وعياً ، على العكس من الأفكار الجامدة ، فهذه الأحاسيس والعواطف التي تثيرها المآتم الحسينية ثروة الجميع الناس ، فهي حالة تربوية تنمي لدى الأجيال حالة من الوعي الفكري الممزوج بالأحاسيس التي تحث على المبادئ السامية التي أكد عليها الدين الإسلامي ، كضرورة نصرة المظلوم ، والتضحية من أجل الحق ، فإنّ أجلى صورة تجسدها ثورة الإمام الحسينعليه‌السلام هي الفداء والتضحية من أجل الإسلام بالنفس والأهل والأصحاب ، وأيّ نفس كنفس الحسينعليه‌السلام ، وأيّ أهل كأهله ، وأصحاب كأصحابه ، وقد هزّ الإمام الحسين في حركته ضمير وعاطفة الأُمّة الإسلامية من خلال مجيئه بعياله ونسائه وأطفاله ، وإصراره على المسير في الطريق الأعظم ، كذلك نفس إدارة الإمام الحسينعليه‌السلام للمعركة من تقديم الصبيان والرضعان قرابين للمبادئ السامية لحركته .

كذلك ما قامت به أُخته الحوراء زينبعليها‌السلام بعد المعركة من دور إعلامي كبير ، ومشاركة ميدانية رائعة ، وموقف رسالي فذ ، حيث أثارت المشاعر وهزّت الضمائر ، وأظهرت بشاعة الصورة الإجرامية التي ارتكبها بنو أمية بحق الحسينعليه‌السلام وأهله وأطفاله وأصحابه ، حيث جعلت من مصرع أخيها مأساة خالدة على مر الدهور والأعوام .

وهذا الموقف الزينبي العظيم وما ينطوي عليه من وعي رسالي وبطولي منقطع النظير ، فقد شاطرت وشاركت أخاها الحسينعليه‌السلام في بلوغ الثورة الحسينية ووصولها إلى تحقيق غاياتها وأهدافها.

ــــــــــــــ

(١) المعجم الكبير ، الطبراني : ج ٣ ص ٤٦ وج ١٠ ص ٢٨١ ؛ مستدرك الحاكم : ج ٣ ص ١٥٠ ، وقال فيه (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه) ؛ أسد الغابة ، ابن الأثير : ج ٢ ص ١٣ ؛ ذخائر العقبى ، أحمد بن عبد الله الطبري : ص ١٨ .


مضافاً إلى ما يعطيه الموقف الزينبي ، من درس عظيم للمرأة المسلمة في تحمّلها للمسؤولية والعمل في خدمة الإسلام .

إذن العواطف والأحاسيس والمشاعر التي التي تثيرها المآتم الحسينية لها الدور الكبير في تمسّك الإنسان بعقيدته ومبادئه ؛ وذلك من خلال تعميق هذه العقيدة في النفس الإنسانية ، عن طريق مزجها بالعاطفة .

فللعواطف الدور الكبير في حل الكثير من المشاكل والمعضلات التي يعجز منطق الاستدلال عن حلها ؛ ولذلك حينما نراجع تاريخ الأنبياءعليهم‌السلام ترى أنّهم كانوا في أوائل بعثتهم يلتف حولهم أُناس لم يكن المنطق والبرهان هما الدافع الوحيد لإيمانهم والتفافهم حول الأنبياء ، وهكذا نبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المرحلة الأولى من دعوته ، كان عمله يرتكز على كسب المشاعر والعواطف الصادقة لدى الناس .

ولا ريب أنّ حادثة عاشوراء تنطوي بطبيعتها على بحر زاخر من العواطف الصادقة ؛ لأنّها جاءت نتيجة لثورة إنسان عظيم ومعصوم ، لا يمكن التشكيك في شخصيته المتسامية ، وقد أقرّ جميع المنصفين في العالم بتعالي هدفه ، ورفعة مبادئه السامية التي قامت على إنقاذ المجتمع الإسلامي من براثن الظلم والاستعباد .

إذن على ضوء ما سلف يتحصل أنّ هذه المآتم والمجالس الحسينية والبكاء والعزاء ليس الغرض منها إلغاء دور العقل وتجميده ، وعزل البرهان والمنطق ، وإنّما دورها مكمّل لدور العقل ، فهي تساهم في ترسيخ ما أثبته العقل في النفس الإنسانية ، فإنّ الأهداف التي قام بها الإمام الحسينعليه‌السلام والتي من أبرزها الحفاظ على الخط الإسلامي الأصيل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الظالمين ، كانت لإثارة المشاعر والعواطف دور بارز في تحقيقها وترسيخها في الوسط الإسلامي ، بل الإنساني بصورة عامة .

فالعقل والفطرة يلتقيان في تأييد هذه المآتم ومباركتها ؛ وبذلك يتضح بطلان وزيف القول بأنّ المآتم تثبت العقائد من خلال العواطف لا العقل .


رابعاً : إبراز جانب القدوة في المجتمع

إنّ في إقامة هذه المآتم حثّاً على معرفة أهل الفضل والصفات السامية ، ومن ثمّ الإقتداء بهم ، هذا من جانب ، ومن جانب آخر أنّ في هذه المآتم إبراز لدور القدوة والأسوة في حياة المجتمع ، فإنّ الإنسان إذا علم أنّ القدوة قد جسّد المبادئ الإسلامية التي كان يأمر ويدعو للإتيان بها ، فسيكون تأثيرها أوقع ممّا لو كانت مبادئ فارغة عن التجسيد في الواقع الخارجي ، فلو لم يقدّم الإمام الحسينعليه‌السلام نفسه وأهل بيته وأصحابه في سبيل الله ، لما كان لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والجهاد والتضحية في سبيل الله وغيرها من مبادئ الإسلام ذلك التأثير البالغ الذي أعطته الثورة الحسينية لتلك المبادئ .

إذن هذه المآتم تقوم بإبراز ذلك الدور الأساس الذي قام بتجسيده إمامنا الحسينعليه‌السلام تجسيداً حيّاً وفعّالاً ، ولا يخفى ما لهذا من الأثر الكبير في نفوس المؤمنين .

خامساً : الحفاظ على استقلالية المذهب وتعبئة الجماهير

إنّ في إقامة المجالس حفظاً للمذهب من كيد الأعداء الذين طالما سعوا للقضاء على مذهب أهل البيت بالقتل والتشريد والتطريد وأنواع الظلم والجور والمكر والكيد ؛ لأنّ هذه الجالس ـ التي تعرض رزايا أهل البيتعليهم‌السلام وما جرى عليهم من المصائب ـ تقوّي من عزيمة المؤمن على ما يحل به من رزايا ومصائب ومحن إلى قيام دولة الحق والعدل على يد الإمام المهديعليه‌السلام ، كل ذلك من خلال طرح المفاهيم الإسلامية الصحيحة وبلورة الأسس الفكرية الصائبة وتوضيحها للناس ، من خلال ذكر أقوالهم وسيرتهم ومواقفهم في شتّى المجالات السياسية والاجتماعية والفكرية على مر الدهور ، وجعل أقوالهم وسيرتهم وما جرى عليهم نبراساً ينير الدرب ، ويُعبّد للمؤمنين طريقاً لا يمكن سلكه لو لا التزود من سيرتهم الحقّة ، فالمآتم والمجالس لها الدور الكبير في نشر علوم وفضائل أهل البيتعليهم‌السلام على مختلف المستويات والأصعدة ؛ لذا قيل : إنّ المذهب الشيعي يمتلك محورين أساسين لا يمتلكها أي مذهب آخر وهما نظام المرجعية في أمور الدين ، والمجالس الحسينية .

وهذان المحوران تفتقر إليهما المذاهب الأخرى ممّا جعلها تفقد حالة الاستقلالية ؛ ولذا احتاجت إلى الدعم السياسي لها من قِبل السلطات الحاكمة ، على عكس مذهب أهل البيتعليهم‌السلام الذي كان يتمتع باستقلالية تامة عن الحكومات الجائرة على رغم المحاربة التي لا هوادة فيها من قِبل تلك السلطات تجاه مذهب أهل البيتعليهم‌السلام .


فللمنبر والمحاضرات الحسينية من التأثير الجماهيري الواسع ، ما ليس لغيرها من الوسائل التبليغية والإعلامية الأخرى ؛ لأنّها كانت ولا زالت محل اجتماع المؤمنين على اختلاف طبقاتهم وميولهم ، ولا يستطيع أي خط سياسي مهما أُوتي من تنظيم وتخطيط تعبئة هذه الجماهير وجمعها ـ من دون إجبار ـ بالشكل الذي نراه في مجالس الحسينعليه‌السلام فتراها مكتظّة بالحاضرين يسوقهم الشوق إلى الحسينعليه‌السلام ويقودهم حبّه ومبادؤه السامية ، لا يبالون في سبيل ذلك بحرٍّ ولا بردٍ ولا عناء .

ومن ثمّ تكون هذه المجالس والمآتم وسيلة أساسية من وسائل تربية المجتمع ـ بطريقة لا شعورية ـ على حسن الاجتماع والتزاور والتعاون ؛ وبذلك تساهم في تأليف القلوب وتواددها وتعاطفها وتراحمها .

الخلاصة

١ ـ إنّ السنّة في اللغة تعني الطريقة والسيرة ، وسنّة الله طريقته ، وفي الاصطلاح الشرعي : هي قول وفعل وتقرير المعصومعليه‌السلام .

٢ ـ إنّ البدعة لغةً هي إنشاء الشيء لا على على مثال سابق واختراعه وابتكاره بعد أن لم يكن ، كما في قوله تعالى( بَدِيعُ السّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) وفي الاصطلاح الشرعي : هي إدخال ما ليس من الدين في الدين ، أي نسبة شيء إلى الدين وليس منه .

٣ ـ إنّ الشعيرة لغةً هي الإعلام من طريق الحس ، ومنه المشاعر وهي المعالم واحدها مشعر ، والمعنى الجامع بين كلام اللغويين هو الإعلام الحسّي لكل معنى من المعاني ، وهكذا المعنى الاصطلاحي للشعيرة ، فهي أيضاً الإعلام الحسّي لكل معنى ، أو سلوك ديني ، أو حكم من الأحكام الدينية ، فكل ذلك يسمّى شعاراً ، فالشعيرة إذاً هي العلامة .

٤ ـ إنّ الشارع لم يتصرّف في عنوان الشعائر ، بل أبقاها على ما هي عليه في اللغة وهي الإعلام ، وكذلك لم يتدخل في كيفية تحقيقها ووجودها في الخارج ، فأبقاها على ما عليه العرف ، وهذه قاعدة أُصولية مفادها أنّ الشارع إذا لم يتصرّف في مرحلة التطبيق في العنوان الوارد في لسان الدليل ، فإنّ القاعدة والأصل الأوّلي أن يبقى على وجوده ومعناه العرفي ، كما في أحلّ الله البيع .


فالشارع لم يتصرّف ولم يتعرّض لكيفية تطبيق الشعائر في الخارج إلاّ في بعض الموارد ، كما في قوله تعالى :( إِنّ الصّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللهِ ) (١) فالتعبير بلفظ (من) التبعيضية يكشف عن كون البُدن والصفا من مصاديق الشعائر من دون التعرّض نفياً أو إثباتاً إلى المصاديق والأفراد الأخرى للشعائر ، وهذا يدل على إيكال ذلك إلى العرف في تحديد المصاديق ، وكذا قوله تعالى :( ذلِكَ وَمَن يُعَظّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ) (٢) حيث دلّت الآية على مطلوبية ورجحان التعظيم للشعائر من دون التعرّض لكيفية حصول التعظيم ، وموكلة ذلك إلى العرف .

وهنالك جملة من علماء السنّة من فقهاء ومحدّثين فهموا الشمول والعمومية لمفهوم الشعيرة بالنحو الذي ذكرناه .

ــــــــــــــ

(١) البقرة : ١٥٨ .

(٢) الحج : ٣٢ .


الفصل الثاني : إبطال دعوى أنّ التوسّل بغير الله شرك وعبادة لغير الله

جواز التوسّل في الشريعة الإسلامية

الشبهة

إنّ التوسّل بغير الله تعالى شرك ؛ لأنّه عبادة لغير الله عزّ وجلّ ، فكيف تتوسّل الشيعة بالنبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيتهعليهم‌السلام ؟

الجواب

هل التوسّل والاستعانة بغير الله شرك ؟

إنّ سيرة المسلمين على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبعد وفاته قائمة على التوسّل إلى الله عزّ وجلّ بأوليائه وعباده الصالحين ، والتبرّك بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وآثاره وغير ذلك ـ كما سيأتي ـ ولم يعترض على ذلك أحد من المسلمين إلى زمن ابن تيمية .

فالمنحى القائل إنّ التوسّل بغير الله شرك رأي ابتدعه ابن تيمية في الإسلام ، ولم يسبقه إليه أحد قبله من المسلمين .

فمن الجدير بالملاحظة أنّ الشبهة التي يتردّد ذكرها في كلام ابن تيمية ترجع ـ بحسب زعمه ـ إلى أنّ جعل الواسطة بين العبد وبين ربّه شرك منافٍ للتوحيد .

إلاّ أنّنا نذكّر ابن تيمية وأتباعه ، أنّ هذا التوحيد الذي يتحدث عنه ، ليس هو التوحيد المرضي عند الله تعالى ، بل إنّ توحيد ابن تيمية ، ما هو إلاّ وليد استنتاجات واستنباطات خاطئة ، لا تمتّ إلى الدين بصلة ، ولكي يكون الجواب وافياً ، وخالياً من اللّبس في الدلالة على المطلوب ، لابد من البحث في العناوين التالية :

١ ـ العلل والأسباب .

٢ ـ معنى كلمات الله .

٣ ـ هل الواسطة ضرورية ؟

٤ ـ الفرق بين التوسّل والشفاعة والاستغاثة والتبرّك .


نظام الخلق نظام الأسباب والوسائط

من المسائل المهمّة التي ينبغي الوقوف عليها ، هي كيفية الخلق ، وكيفية صدور الكائنات عن ذات الباري تعالى ، وكيفية ارتباط بعضها مع البعض الآخر .

ومجمل القول في هذه المسألة : إنّ نظام الخلق الإلهي ، إمّا دفعي ( كن فيكون ) ، وإمّا خلقي تدريجي ، أي بواسطة وسائل وأسباب .

وبعبارة أخرى : إنّ مشيئة الله تعالى وحكمته اقتضت أن يكون نظام الخلق عن طريق سلسلة من العلل والوسائط .

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقه في جملة وافره من الآيات المباركه :

قال تعالى :( يَا أَيّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَى‏ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) (١) .

وقال تعالى :( وَأَنْزَلَ مِنَ الْسّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا

ــــــــــــــ

(١) الحجرات : ١٣ .


للهِ‏ِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) (١) .

فالباء في قوله تعالى ( به ) بمعنى السببية ، فالآية الكريمة صريحة في كون الماء سبباً لإخراج الثمرات.

وقال تعالى :( اللهُ الّذِي يُرْسِلُ الرّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السّماءِ كَيْفَ يَشَاءُ ) (٢) . فالآية الكريمة في سببية الرياح لتحريك السحاب وبسطه في السماء .

وقال تعالى :( وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن كُلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ) (٣) . فقد نسبت الآية الكريمة اهتزاز الأرض وربوتها إلى الماء ونسبت أيضاً الإنبات إلى الأرض.

وقال تعالى :( خَلَقَ السّماوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى‏ فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ ) (٤) ، فقد نسبت هذه الآية المباركة ثبات الأرض وعدم اضطرابها إلى الجبال .

وقد حدثتنا الآيات والروايات الشريفة عن وجود جنود لله وملائكة لهم وظائف معيّنة موكّلين بتنفيذها والقيام بها :

منها : التدبير ، قال تعالى :( فَالْمُدَبّرَاتِ أَمْراً ) (٥) .

وأخرج ابن حجر عن ابن أبي الحسين قال : ( سمت أبا الطفيل قال :

ــــــــــــــ

(١) البقرة : ٢٢ .

(٢) الروم : ٤٨ .

(٣) الحج : ٥ .

(٤) لقمان : ١٠ .

(٥) النازعات : ٥ .


سمعت ابن الكواء يسأل علي بن أبي طالبعليه‌السلام عن( الذاريات ذرواً ) ، قال : الرياح وعن( الحاملات وقراً ) ، قال : السحاب ، وعن( الجاريات يسراً ) ، قال : السفن وعن( المدبّرات أمراً ) ، قال : الملائكة وقال : وصحّحه الحاكم )(١) .

وقال ابن كثير في قوله تعالى :( فالمدبّرات أمراً ) قال عليعليه‌السلام ومجاهد وعطاء وأبو صالح الحسن وقتادة والربيع وأنس والسدي : هي الملائكة ؛ زاد الحسن تدبّر الأمر من السماء إلى الأرض ، يعني بأمر ربّها عزّ وجلّ )(٢) .

ومنها : التقسيم ، قال تعالى :( فَالْمُقَسّماتِ أَمْراً ) (٣) .

عن محمد بن جبير بن مطعم ، قال : ( سمعت عليّاًعليه‌السلام يخطب الناس ، فقام عبد الله بن الكواء ، فقال : يا أمير المؤمنين ، أخبرني عن قول الله تبارك وتعالى :( فَالْمُقَسّماتِ أَمْراً ) قال :الملائكة )(٤) .

وعن ابن عباس في قوله تعالى :( فَالْمُقَسّماتِ أَمْراً ) قال : ( الملائكة )(٥) .

وعن مجاهد في قوله : ( فَالْمُقَسّماتِ أَمْراً ) يقول : ( فالملائكة التي تقسّم أمراً في خلقه )(٦) .

ومنها : الحفظ ، قال تعالى :( لَهُ مُعَقّبَاتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ ) (٧) ، قال ابن عباس : ( معقبات ملائكة حفظة تعقب الأُولى منها

ــــــــــــــ

(١) فتح الباري ، ابن حجر : ج ٨ ص ٤٥٩ ؛ ونحوه المستدرك ، الحاكم النيسابوري : ج ٢ ص ٤٦٧ ، وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه .

(٢) تفسير ابن كثير : ج ٤ ص ٤٩٨ .

(٣) الذاريات : ٤ .

(٤) جامع البيان ، الطبري : ج ٢٦ ص ٢٤١ ؛ تفسير القرطبي : ج ١٧ ص ٣٠ ؛ تفسير ابن كثير : ج ٤ ص ٢٤٨ .

(٥) جامع البيان : الطبري : ج ٢٦ ص ٢٤٢ .

(٦) جامع البيان ، الطبري : ج ٢٦ ص ٢٤١ .

(٧) الرعد : ١١ .


الأخرى)(١) .

وقال تعالى :( وَإِنّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ) (٢) .

ومنها : الرقابة وكتابة الأعمال ، قال تعالى :( كِرَاماً كَاتِبِينَ ) (٣) ، وقال تعالى :( إِذْ يَتَلَقّى الْمُتَلَقّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) (٤) .

ومنها : إنزال الوحي الإلهي ، قال تعالى :( يُنَزّلُ الْمَلاَئِكَةَ بِالرّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى‏ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنّهُ لاَ إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاتّقُونِ ) (٥) ، وقال تعالى :( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلّمَهُ اللهُ إِلاّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنّهُ عَلِيّ حَكِيمٌ ) (٦) .

ومنها : قبض الأرواح وتوفّي الأنفس ، قال تعالى :( فَكَيْفَ إِذَا تَوَفّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ) (٧) ، وقال تعالى :( وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتّى‏ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَيُفَرّطُونَ ) (٨) ، وقال تعالى :( قُلْ يَتَوَفّاكُم مَلَكُ الْمَوْتِ الّذِي وُكّلَ بِكُمْ ثُمّ إِلَى‏ رَبّكُمْ تُرْجَعُونَ ) (٩) ، وغيرها .

ــــــــــــــ

(١) صحيح البخاري : ج ٥ ص ٢١٨ .

(٢) الانفطار : ١٠ .

(٣) الانفطار : ١١ .

(٤) سورة ق : ١٧ ـ ١٨ .

(٥) النحل : ٢ .

(٦) الشورى : ٥١ .

(٧) محمّد : ٢٧ .

(٨) الأنعام : ٦١ .

(٩) السجدة : ١١ .


والآيات القرآنية تثبت أنّ لكلّ ملك مقاماً معلوماً( وَمَا مِنّا إِلاّ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ ) (١) ، وهذا يعني أنّ الملائكة متفاوتون في مقاماتهم ووظائفهم الموكولة إليهم من قِبل الله تعالى ، فمنهم الكروبيون ومنهم ما دون ذلك ، فلكل واحد منهم عمله ووظيفته الخاصة به ، فكل بحسب استعداده ومرتبته وقربه من الله تعالى ، فمثلاً جبرائيل موكّل بإنزال الوحي السماوي على الأنبياء والرسل ، وميكائيل موكّل بالأرزاق ، وعزرائيل موكّل بقبض الأرواح ، وإسرافيل موكّل بالنفخ في الصور .

وهنالك ملائكة مكلّفون بتدبير السحاب والرياح والمطر وتسجيل أعمال العباد وآخرون موكّلون بالجحيم والجنّة ، كلهم يعملون بإذن الله وإرادته .

إذن نستفيد من هذه البيانات القرآنية وجود نظام متسلسل قائم على نظام العلية والمعلولية ، والسببية والمسببية .

والأمر ذاته نجده في عالم الطبيعة كالزرع والإنبات وغيرها ، لا تأتي إلاّ ضمن سلسلة من العلل والوسائط ، وقائم على سنن إلهية لا تبدذل ولا تغيّر( فَلَن تَجِدَ لِسُنّتِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنّتِ اللهِ تَحْوِيل ) (٢) .

ولا شك أنّ كل هذه الوسائط والأسباب خاضعة لإرادة ومشيئة الله تعالى :( وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاّ أَن يَشَاءَ اللهُ إِنّ اللهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ) (٣) .

هل الله تعالى محتاج إلى الوسائط ؟

إنّ تصوّر احتياج الله تعالى إلى تلك الوسائط ، ما هو إلاّ نوع من الضلالة الفاضحة ، إذ كيف يكون الله تبارك وتعالى محتاجاً إلى غيره( وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ) ، فله القدرة المطلقة على كل شيء .

ومجمل القول في هذا الأمر هو أنّ ضعف المرتبة الوجودية للأشياء ، وعدم استعدادها لاستقبال الفيض الإلهي مباشرة ، هو الذي أحوجها إلى الاستظلال بظل الموجودات الأعلى منها مرتبة ، وتتلقّى الفيض الإلهي عن طريقها ، فعلى سبيل المثال فإنّ الله تعالى هو الذي يحيي الأرض وما عليها

ــــــــــــــ

(١) الصافات : ١٦٤ .

(٢) فاطر : ٤٣ .

(٣) الإنسان : ٣٠ .


فهو خالق كل شيء ، وهو الذي يدير الأمور وفق حسابات دقيقة ومنظّمة ، لكن مع ذلك نجد أنّ للشمس والأرض والرياح والماء دوراً في عملية الإنبات واستخراج بركات الأرض ، فلو لا تلك الأمور لما أمكنت الحياة على هذه الأرض ، فهل يمكن أن يقال إن الشمس أو الأرض أو الماء شركاء لله تعالى ، بحيث لا يكون قادراً على ذلك من دون وساطتها ؟! .وحقيقة ذلك هو أن سير الحياة على هذه الأرض من الإنبات وتوليد المثل تستوجب وساطة تلك الأمور ، حتى تستمد المخلوقات الأرضية من فيض الله تبارك وتعالى .

إذن السبب في جعل هذه الوسائط ليس منشأه العجز في القدرة الإلهية ، وإنّما سببه عدم قابلية واستعداد بعض المخلوقات لتقبّل الفيض الإلهي مباشرةً .

لا تخلو الأرض من واسطة

بناءً على ما تقدم يتضح أنّ جعل الواسطة في الأرض ضرورة لابد منها ، وهذا المضمون يلتقي مع ما ورد عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( لا تخلو الأرض من قائمٍ بحجّة ) (١) ، فالحجّة هو الواسطة بين الله تعالى وبين خلقه ، وهو الذي يتلقّى الفيض الإلهي ليمدّ به حياة الكائنات على هذه الأرض .

قال تعالى :( إِنّا أنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبّهِم مِن كُلّ أَمْرٍ * سَلاَمٌ هِيَ حَتّى‏ مَطْلَعِ الْفَجْرِ ) (٢) فالملائكة والروح عندما تنزل ليلة القدر لابد من وجود مَن يستقبل ويأخذ ما تأتي به الملائكة من الباري عزّ وجلّ ؛ ولذلك لابد أن يكون أشرف الكائنات في الوجود وهو حجّة الله في الأرض ، فالحجّة هو الواسطة والوسيلة بين الله تعالى وبين خلقه ، كما ورد عن فاطمةعليها‌السلام أنّها قالت :( وأحمد الله الذي بعظمته ونوره يبتغي مَن في السموات والأرض إليه الوسيلة ونحن وسيلته في خلقه ) (٣) .

ومن الجدير بالالتفات أنّ الواسطة والوسيلة ليست على إطلاقها حجّة ومرضية عند الله تعالى ، فلابد أن تكون ممّا أنزل الله بها سلطاناً لا باقتراح من العبيد أنفسهم .

ــــــــــــــ

(١) تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر : ج ٥٠ ص ٢٥٥ ؛ ونحوه تاريخ اليعقوبي ، اليعقوبي : ج ٢ ص ٢٠٦ ؛ ينابيع المودة ، القندوزي : ج ١ ص ٨٩ ؛ المناقب ، الخوارزمي : ص ٣٦٦ .

(٢) سورة القدر : ١ ـ ٥ .

(٣) شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : ج ٦ ص ٢١١ .


الكلمات والأسماء الإلهية

لا يخفى أنّ معنى الاسم هو من السمو والسمة للدلالة على الشيء ، قال الراغب الأصفهاني : ( الاسم : ما يعرف به ذات الشيء ، وأصله من السمو ، وهو الذي به رفع ذكر المسمّى فيعرف به )(١) .

وقال الزبيدي في تاج العروس : ( عن أبي العباس : الاسم وسم سمة توضع على الشيء يعرف به )(٢) .

وقال ابن منظور : ( قال الزجاج : معنى قولنا اسم هو مشتق من السمو وهو الرفعة )(٣) .

وبذلك يكون الاسم بمعنى العلامة والآية وما يستفاد منه الدلالة على الشيء ، وبنفس المعنى ما جاء في الكلمة ، ففي قوله تعالى :( أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلّمُهُمْ ) (٤) قال ابن منظور : ( تكلّمهم تجرحهم وتسمهم ، وقيل : تسمهم في وجوههم ، تسم المؤمن بنقطة بيضاء فيبيضّ وجهه ، وتسم الكافر بنقطة سوداء فيسودّ وجهه )(٥) ، فالكلمة أيضاً من الوسم والسمة ، وفي مجمع البحرين إنّ الكلمات التامات : قيل ( هي أسماؤه الحسنى وكتبه المنزلة )(٦) ، وقد استعملت الكلمة في القرآن الكريم في الأسماء والآيات والحجج الإلهية ، قال تعالى :( وَتَمّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَ مُبَدّلَ لِكَلِمَاتِهِ

ــــــــــــــ

(١) مفردات ألفاظ القرآن ، للراغب الأصفهاني : ص ٢٤٤ .

(٢) تاج العروس ، الزبيدي : ج ١٠ ص ١٨٣ .

(٣) لسان العرب ، ابن منظور : ج ١٤ ص ٤٠١ .

(٤) النمل : ٨٢ .

(٥) لسان العرب ، ابن منظور : ج ١٢ ص ٥٢٥ .

(٦) مجمع البحرين ، الطريحي : ج ٤ ص ٦٨ .


وَهُوَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ ) (١) ، قال الراغب في معنى الكلمة في قوله تعالى :( وَتَمّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ ) : ( الكلمة هاهنا القضية ، فكل قضية تسمّى كلمة سواء كان ذلك مقالاً أو فعالاً ، ووصفها بالصدق ؛ لأنّه يقال قول صدق وفعل صدق ) ثم قال : ( وقوله تعالى :( وَيُحِقّ اللهُ الْحَقّ بِكَلِمَاتِهِ ) أي : بحججه التي جعلها الله تعالى لكم عليهم سلطاناً مبيناً ، أي : حجّة قوية )(٢) .

فالكلمات الإلهية آيات وحجج وسمات وعلامات نصبها الله عزّ وجلّ ورفعها لخلقه لكي يهتدوا بها .

وفي تفسير القرطبي في قوله تعالى :( وَيُحِقّ اللهُ الْحَقّ بِكَلِمَاتِهِ ) قال : ( أي بكلامه وحججه وبراهينه )(٣) .

إذن أطلقت كلمات الله عزّ وجلّ على آياته وحججه الشاملة لأنبيائه ورسله وكتبه ؛ ولذلك أطلق القرآن الكريم الكلمة على نبيّه عيسى في قوله تعالى :( إِنّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى‏ ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى‏ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ ) (٤) ، وقوله لنبيّه زكريا :( أَنّ اللهَ يُبَشّرُكَ بِيَحْيَى‏ مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ وَسَيّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِنَ الصّالِحِينَ ) (٥) .

إذن فالكلمة والآية والاسم هي العلامة والدلالة على ذيها ، فعيسى كلمة وآية وعلامة على عظمة الله عزّ وجلّ ، قال تعالى :( وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ

ــــــــــــــ

(١) الأنعام : ١١٥ .

(٢) مفردات ألفاظ القرآن ، الراغب الأصفهاني : ص ٤٤٠ .

(٣) تفسير القرطبي : ج ٨ ص ٣٦٩ .

(٤) النساء : ١٧١ .

(٥) آل عمران : ٣٩ .


وَأُمّهُ آيَةً ) (١) .

فالأنبياء والرسل كلمات الله تعالى ، وعلامات وحجج للاهتداء بها إلى الله تبارك وتعالى ، وأعظم الآيات هو الرسول الأعظم وأهل بيتهعليهم‌السلام ـ كما سيأتي ـ لذا نجد أنّ آدم توسّل بمحمد وآل محمد عندما اقترف خطيئته بتركه الأولى وهبوطه من الجنّة ، كما نقل ذلك جملة من مفسّري أهل السنّة في تفسير قوله تعالى :( فَتَلَقّى‏ آدَمُ مِنْ رَبّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ) (٢) ، كما ورد عن ابن عباس ، حيث قال : ( سُئل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن الكلمات التي تلقّاها آدم من ربّه فتاب عليه ، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

سأله بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين )(٣) .

وهذا المعنى يلتقي مع أمره تعالى عباده بدعائه بأسمائه ، حيث قال تعالى :( وَللهِ‏ِ الأَسْماءُ الْحُسْنَى‏ فَادْعُوهُ بِهَا ) (٤) ، فعندما يريد أحد دعاء الله تعالى وطلب الحاجة منه فلابد من توسيط كلماته وأسمائه الحسنى ، لكنّ النظرة للأسماء والكلمات والآيات الإلهية لابد أن تكون نظرة آلية لا نظرة استقلالية ؛ لأنّها تعني الشرك .

ولذلك ورد في الأدعية الصحيحة المأثورة :( أسألك بكل اسم لك ، وأسألك بأسمائك الحسنى ، وأسألك بأنّك أنت الله وأعوذ برضاك من

ــــــــــــــ

(١) المؤمنون : ٥٠ .

(٢) البقرة : ٣٧ .

(٣) الدر المنثور ، السيوطي : ج ١ ص ٦٠ ـ ٦١ ؛ شواهد التنزيل ، الحسكاني : ج ١ ص ١٠٢ ؛ المناقب ، ابن المغازلي : ص ٦٣ ؛ ينابيع المودة ، القندوزي : ج ١ ص ٢٨٨ .

(٤) الأعراف : ١٨٠ .


سخطك ) (١) .

وقد ورد عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( إنّ عليّاً راية الهدى ، وإمام أوليائي ، ونور مَن أطاعني ، وهو الكلمة التي ألزمتها المتقين ) (٢) .

الله تعالى يخطئ الوسائط المخترعة

على ضوء ما سبق يتضح السبب في تخطئة الله تعالى للوسائط التي يقترحها الوثنيون ، كما في قوله تعالى :( أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزّلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ) (٣) ، فالله تعالى لا يخطئ أصل الواسطة ، بل التخطئة للواسطة المقترحة التي لم ينزل بها الله تعالى سلطاناً .

وبذلك يتبيّن أنّ الواسطة المرفوضة من قِبل الله تعالى ، هي الواسطة المقترحة من قِبل الناس من دون الخضوع لإرادة الله تعالى ، بخلاف ما لو كانت الواسطة بإرادة الله ومشيئته ، كما هو الحال في الأمر الإلهي للملائكة بالسجود لآدم ، فسجود الملائكة في الحقيقة ليس لآدم بالخصوص ، وإنّما هو امتثال لإرادة الله وطاعة لأمره ؛ لأنّه تعالى هو الذي أمر بذلك ، فالسجود يكون له عزّ وجلّ كما ورد ذلك في روايات الفريقين ، إذاً فالطاعة لله تعالى تتحقّق إذا كانت بإرادة الله تعالى وأمره وإن كان عن طرق الوسائط ، بخلاف أولئك الذين يعبدون من الوسائط ما لم ينزل به سلطاناً .

ــــــــــــــ

(١) شفاء السقام ، تقي الدين السبكي : ص ٢٩٨ .

(٢) حلية الأولياء ، أبو نعيم الأصبهاني : ج ١ : ص ٦٧ ؛ نظم درر السمطين ، الزرندي الحنفي : ص ١١٤ ؛ تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر : ج ٤٢ ص ٢٧٠ ؛ ينابيع المودة ، القندوزي : ج ١ ص ٤٠١ .

(٣) الأعراف : ٧١ .


حقيقة العبادة

عند التأمّل في حقيقة العبادة نجد أنّ المقوّم الأساسي لها ليس هو مطلق التذلّل والخضوع .

وبعبارة أخرى : إنّ المعنى الاصطلاحي للعبادة أخص من المعنى اللغوي ؛ إذ إنّها على المعنى الاصطلاحي تعنى الخضوع والتذلّل مع الاعتقاد بألوهية المعبود والمخضوع له وأنّ له حق التصرّف والتأثير المباشر في شؤون المخلوق بنحو الاستقلال ، بينما على المعنى اللغوي يكفي في تحقق وصدق مفهوم العبودية مجرّد تحقق الخضوع والخنوع والتذلّل للغير ، أو أنّه نهاية الخضوع والتذلّل ، وفرق بين المعنيين ، والشاهد على ما ذكرناه من المعنى الاصطلاحي ما ورد في القرآن الكريم ، حيث قال :( يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَالَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ ) (١) ، وقال تعالى :( وَاتّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ آلِهَةً لّيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً ) (٢) ، وقال تعالى :( وَاتّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ آلِهَةً لّعَلّهُمْ يُنصَرُونَ ) (٣) ، وقال تعالى :( وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبّي وَرَبّكُمْ ) (٤) ، وقال تعالى :( إِنّ هذِهِ أُمّتُكُمْ أُمّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبّكُمْ فَاعْبُدُونِ ) (٥) ، وغيرها من الآيات التي تبيّن معنى العبودية ، أنّها بمعنى الاعتقاد يكون المعبود إلهاً وله مقام الربوبية ، فله حقّ التصرّف والتدبير في جميع شؤون العابد بنحو الاستقلال ، ومن أظهر مصاديق تحقق العبودية هو السجود

ــــــــــــــ

(١) الأعراف : ٥٩ .

(٢) مريم : ٨١ .

(٣) يس : ٧٤ .

(٤) المائدة : ٧٢ .

(٥) الأنبياء : ٩٢ .


للمعبود ، فإنّه يمثّل غاية الخضوع والتذلّل للمسجود له ، ومع ذلك لا نجد أنّ القرآن الكريم يحرّم ذلك بشكل مطلق ، بل هناك شرائط خاصة إذا توفّرت في الساجد كان فعله وسجوده محرّماً وشركاً بالله تعالى ، وكان سجوده عبادة للمسجود له ، وهي كما ذكرنا من كون السجود والمسجود له اقتراحاً من العبد مع الاعتقاد بألوهيته وتأثيره المستقل والمباشر ، وإلاّ لكان سجود الملائكة لآدم عبادة له ! أو السجود باتجاه الكعبة عبادة لها ، أو سجود يعقوب وبنيه ليوسف عبادة له ، قال تعالى :( وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرّوا لَهُ سُجّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبّي حَقّاً ) (١) ، ولم يذهب أحد من المسلمين إلى أنّ سجود أولاد يعقوب ليوسف ، أو سجود الملائكة لآدم ، أو السجود باتجاه الكعبة عبادة للمسجود له .

بل نجد أنّ الله تعالى قد مدح الخضوع والتذلّل بين المؤمنين في القرآن الكريم ، كما في قوله تعالى :( أَذِلّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزّةٍ عَلَى الْكَافِرينَ ) (٢) ، وكذا أمره تعالى للأبناء بخفض الجناح ذلاً وخضوعاً لآبائهم ، بقوله تعالى :( وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذّلّ مِنَ الرّحْمَةِ ) (٣) .

ونرى أيضاً أنّ كثيراً من الأعمال العبادية تشابه عمل الوثنيين ، ومع ذلك لا تعد شركاً ، فإذا لاحظت أعمال الحج من أوّلها إلى آخرها تجدها تشبه عمل الوثنيين في ظاهرها ، ومع ذلك لا يعد الطواف بالبيت واستلام الحجر الأسود والسعي بين الصفا والمروة ، أعمالاً شركية ، مع أنّها لا تختلف كثيراً بحسب الصورة والظاهر عن ممارسات المشركين وأعمالهم ، ولهذا لابد أن نقف على المقوّم الحقيقي للعبادة .

ولا ريب ـ كما تقدم ـ أنّ جوهر وكنه العبادة متقوّم بالأمر الإلهي ، والاعتقاد بألوهية المعبود وربوبيته ، وأنّه المسؤول المستقل في الإجابة ، فلو خضع الإنسان لأحد أو شيء أو طلب منه شيئاً ، باعتقاد أنّه إله أو رب مستقل في التأثير والإجابة ، يكون قد عبده ، ومن ثمّ لا يعد طلب الإنسان وسؤاله من إنسان آخر أو مخلوق من المخلوقات عبادة للمسؤول ، إلاّ إذا اعتقد أنّه يضر وينفع ، وينقض ويبرم باستقلاله ومن دون استيذان من الله سبحانه وخارجاً عن سلطانه .

ــــــــــــــ

(١) يوسف : ١٠٠ .

(٢) المائدة : ٥٤ .

(٣) الإسراء : ٢٤ .


فكثير من الأعمال التي يقوم بها أتباع الأنبياء ومحبّوهم من الخضوع والتكريم والاحترام ، ليست عبادة لهم ، وإن بلغت غاية التذلّل والخشوع ، ومن جملة تلك الأفعال ، التوسّل والاستغاثة والتبرّك والشفاعة ؛ لعدم وجود ملاك العبادة فيها ، وهو الاعتقاد باستقلالية التأثير في العطاء .

وممّا يشهد على ذلك ، هو أنّه لو كان مطلق الخضوع والتذلل عبادة ، فمعنى ذلك أنّ الله تعالى يأمر بعبادة غيره ، كما في أمره بالخضوع والتذلّل للوالدين وبين المؤمنين وهذا ممّا لا يتصوّره عاقل .

ثم إنّنا لا نجد أحداً من المتوسّلين بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيتهعليهم‌السلام يعتقد أنّهم خالقوه أو مدبّرون لأمره بالاستقلال ، أو يتظاهر المتوسّل بالعبودية لهم ، ولم نسمع أنّ أحداً خاطب الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيتهعليهم‌السلام بقوله : ( يا خالقي ويا رازقي ويا معبودي ) ، بل لا يمكن لأحد مهما كان عليه من الجهل أن يعتقد بالنبي وأهل بيتهعليهم‌السلام بشيء من تلك المعاني ، كيف وهو يعتقد أنّهم بشر اصطفاهم الله بعلمه وجعلهم وسائط بينه وبين خلقه .

نعم نحن نعتقد ـ كما سيأتي ـ أنّ أرواحهم المباركة باقية عند الله تعالى ، فهم أحياء يرون مقامنا ويسمعون كلامنا ويردّون سلامنا ويتوسّطون بيننا وبين الله تعالى لقضاء الحوائج واستجابة الدعاء ، ونظراً إلى هذه الحياة الطيبة يخاطبهم السائل ويسلّم عليهم ، ويتوسّل بهم إلى الله تعالى ، ويطلب منهم الشفاعة ؛ لأنّهم ممّن ارتضاهم الله سبحانه وتعالى ، وقبل منهم أعمالهم بأحسن القبول ، مع سابق الحسنى لهم من قبله تبارك وتعالى :( إِنّ الّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِنّا الْحُسْنَى ) (١) ، وأي حسنى أعظم من التطهير والعلم والعصمة والإمامة .

والحاصل : إنّ اتخاذ الواسطة ليس على إطلاقه من العبادة والشرك بالله تعالى ؛ لأنّ العبادة خضوع وتذلّل مع اعتقاد أنّ للمخضوع له مقام الألوهية والاستقلال في التأثير ، لا مجرد الخضوع والتذلّل ، وقد ورد في القرآن الكريم نماذج كثيرة من الوسائط التي نسبت لها آثار غير طبيعية وخارقة للعادة :

منها : قميص يوسف ، حيث وصف القرآن الكريم كيفية برء يعقوب ممّا أصاب عينه من العمى ، ويقول حاكياً عن يوسف ، أنّه قال :( اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَأَلْقُوهُ عَلَى‏ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ) (٢) ( فَلَمّا أَن

ــــــــــــــ

(١) الأنبياء : ١٠١ .

(٢) يوسف : ٩٣ .


جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى‏ وَجهِهِ فَارْتَدّ بَصِيراً قَالَ أَلَمْ أَقُل لكُمْ إِنّي أَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) (١) .

ومنها : التراب الذي قد قبضه السامري من أثر الرسول ، وقد وصف لنا القرآن الكريم ذلك بقوله تعالى :( فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لّهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هذَا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسَى‏ فَنَسِىَ ) (٢) ، فبعدما رجع موسى من الميقات ورأى الحال الذي عليه قومه ، سأل السامري عن كيفية ما أتى به من عمل ، فأجاب بقوله :( قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذلِكَ سَوّلَتْ لِي نَفْسِي ) (٣) ، حيث علل السامري عمله بأنه أخذ قبضة من أثر الرسول فعالج بها مطلوبه ، فأخرج لهم جسداً عجلاً له خوار ، وهذا يكشف عن أن التراب المأخوذ من أثر الرسول كان له أثره الخاص الذي توسل به السامري .

ومنها : عصا موسى قد جعلها الله سبحانه وتعالى واسطة ووسيلة لإجراء المعاجز على يد نبيّه موسى ، قال تعالى :( فَأَوْحَيْنَا إِلَى‏ مُوسَى‏ أَنِ اضْرِب بِعصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلّ فِرْقٍ كَالطّوْدِ الْعَظِيمِ ) (٤) ، وقال تعالى :( وَإِذِ اسْتَسْقَى‏ مُوسَى‏ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ ) (٥) .

ــــــــــــــ

(١) يوسف : ٩٦ .

(٢) طه : ٨٨ .

(٣) طه : ٩٦ .

(٤) الشعراء : ٦٣ .

(٥) البقرة : ٦٠ .


ومنها : ما توسّل به سليمان للإتيان بعرش بلقيس ، فقد استعان بمَن عنده علم من الكتاب ، قال تعالى :( قَالَ يَا أَيّهَا الْمَلَؤُا أَيّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْرِيتٌ مّنَ الْجِنّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مقَامِكَ وَإِنّي عَلَيْهِ لَقَوِيّ أَمِينٌ * قَالَ الّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هذَا مِن فَضْلِ رَبّي لِيَبْلُوَنِي ءَأَشْكُرُ أَم أَكْفُرُ ) (١) .

ولم يعدّ الله سبحانه وتعالى جميع تلك الموارد شركاً ، فما هو الفرق بينها وبين التوسّل بالأرواح المقدّسة والطاهرة للأنبياء والأولياء والأوصياء ؟ وكيف يعد التوسّل بها شركاً وقد أمرنا الله تعالى باتخاذ الوسيلة إليه :( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اتّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ) (٢) .

وسوف يتضح لنا لاحقاً مصداق الوسيلة العظمى إلى الله تعالى ، وأنّها رسول الله الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيتهعليهم‌السلام .

التوسّل وعناوين أُخرى

التوسّل والاستغاثة والشفاعة والاستعانة عناوين يجمعها قاسم مشترك واحد وهو الواسطة ، وقد ورد في البخاري في حديث الشفاعة يوم القيامة إطلاق لفظ الاستغاثة على الشفاعة ، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم ، ثم بموسى ، ثم بمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )(٣) .

ــــــــــــــ

(١) النمل : ٣٨ ـ ٤٠ .

(٢) المائدة : ٣٥ .

(٣) صحيح البخاري : ج ٢ ص ١٣٠ ؛ ونحوه مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج ١٠ ص ٣٧١ ؛ فتح الباري ، ابن حجر : ج ١١ ص ٣٨٠ ؛ تفسير ابن كثير : ج ٣ ص ٥٩ .


التوسّل في الكتاب والسنّة وسيرة المسلمين

التوسّل في القرآن الكريم

إنّ مبدأ التوسّل وجعل الواسطة بين العبد وبين ربّه من المبادئ القرآنية التي أكدت عليها الآيات المباركة ، وأمرت باتخاذها وتوسيطها ، فللّه تعالى وسائل ووسائط ذكرها القرآن الكريم ، وأمر بالرجوع إليها والتوسّل بها ، وجعلها حبلاً ممدوداً من السماء إلى الأرض ، يستجاب لمَن تمسّك به ، وتُقضى حوائج مَن استمسك بعروته الوثقى التي لا انفصام لها ولا انقطاع ، وإليك بعض تلك الآيات التي تعرضت للوسيلة والواسطة ونصّت على وجوب الرجوع إليها والتمسّك بها :

منها : قوله تعالى :( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اتّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (١) .

وهذه دعوة عامة من الله تعالى للتقرّب إليه بالوسائل ، وغير مختصة بسبب دون سبب آخر ، فهذه الآية المباركة تحث على التمسّك بكل واسطة ووسيلة موجبة للتقرّب إلى الله تعالى كالتوسل بالأسماء الإلهية ، والأعمال الصالحة ، ودعاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وشخصه المبارك وحقه وجاهه وقبره وأهل بيتهعليهم‌السلام ، وغير ذلك من الوسائل والوسائط التي نصّت عليها الآيات والسنّة النبوية كما سيأتي لاحقاً .

فالآية المباركة تحثّ المسلمين على ابتغاء الوسيلة والتوجّه بها إلى الله ، حيث إنّ الجار والمجرور ( إليه ) متعلّق بالوسيلة ، والابتغاء لم يأخذ إلاّ مفعولاً واحداً وهو الوسيلة ، فالمسلمون والمؤمنون مأمورون بابتغاء الوسيلة والفزع إليها وتوسيطها بينهم وبين الله تعالى ، ولا يمكن ابتغاء الله تعالى من دون الواسطة والوسيلة ، ولذا لم يكن الابتغاء في الآية إلاّ للوسيلة ؛ لكونها موصلة إلى الله سبحانه وتعالى ، فلا توحيد ولا عبادة صحيحة لله تبارك وتعالى إلاّ إذا كانت عن طريق الوسائل والوسائط بينه وبين خلقه ؛ ولذا كفر الشيطان عندما استكبر على وسيلة الله وخليفته آدم .

ــــــــــــــ

(١) المائدة : ٣٥ .


ومنها : قوله تعالى :( وَلَوْ أَنّهُمْ إِذ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرَوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوّاباً رَحِيماً ) (١) .

وهذه الآية المباركة تحث أيضاً على الرجوع إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجعله واسطة في غفران الذنوب بواسطة استغفارهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والآية كما ترى مطلقة تشمل حال الحياة وبعد الممات ، وهذا ما فهمه بعض أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وغيرهم ، كما في قصة الأعرابي وغيرها على ما سيأتي لاحقاً .

ومنها : قوله تعالى :( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رُسُولُ اللهِ لَوّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدّونَ وَهُم مُسْتَكْبِرُونَ ) (٢) ، وهذا الاستكبار الذي نصّت عليه الآية المباركة بنفسه حصل من إبليس عندما أمره الله تعالى بالسجود إلى آدم وجعله واسطة في تعليم الأسماء والوقوف على حقائق الخلق ، قال تعالى :( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوْا لآِدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبَى‏ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ

ــــــــــــــ

(١) النساء : ٦٤ .

(٢) المنافقون : ٥ .


الْكَافِرِينَ ) (١) .

وهذا ما وقع من المنافقين عندما أمرهم الله تعالى بالرجوع إلى النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجعله واسطة في المغفرة والاستغفار ، فحصل لهم ما حصل لإبليس من الاستكبار على أوامر الله تعالى ، وهذا هو سبيل كل مَن يسلك صراط الاستنكار على مبدأ الوسائل والوسائط الإلهية .

ومنها : قوله تعالى حاكياً عن ولد يعقوب :( قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنّا كُنّا خَاطِئِينَ * قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّي إِنّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرّحِيمُ ) (٢) .

ومنها : قوله تعالى :( أُولئِكَ الّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى‏ رَبّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ) (٣) .

ومنها : قوله تعالى حكاية عن نبي الله سليمان :( قَالَ يَا أَيّهَا الْمَلَؤُا أَيّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) (٤) ، فهذا سليمان وهو نبي من أنبياء الله تعالى يتوسّل في قضاء الأمور المهمّة والخارقة للعادة بمَن عنده علم من الكتاب ، حيث طلب الإتيان بالعرش من ذلك المكان البعيد قبل أن يرتد إليه طرفه ، وهو من الأمور التي لا تتحقق إلاّ بالإعجاز وقوّة إلهية وقد جعل الله تعالى واسطة ذلك مَن كان عنده علم من الكتاب ، وهذا لا يعني أنّ سليمان في جعله الواسطة للإتيان بالعرش كان عاجزاً عن ذلك ، بل لأجل أن يبيّن للناس أنّ في أُمّته وحكومته مَن هو واسطة في قضاء مهمّات الأمور .

ــــــــــــــ

(١) البقرة : ٣٤ .

(٢) يوسف : ٩٧ ـ ٩٨ .

(٣) الإسراء : ٥٧ .

(٤) النمل : ٣٨ .


ومنها : قوله تعالى :( مَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيّئَةً يَكُن لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللهُ عَلَى‏ كُلّ شَيْ‏ءٍ مُقِيتاً ) (١) ، فالشفاعة في هذه الآية المباركة ظاهرة في الشفاعة الدنيوية ؛ إذ إنّها تتحدث عن دار العمل والاكتساب لا دار الجزاء والحساب ، وقد نصّت هذه الآية الكريمة على مشروعية الشفاعة والواسطة الحسنة المجعولة من الله تعالى والمرضية لديه .

ومنها : قوله تعالى :( إِنّ الّذِينَ كَذّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لاَ تُفَتّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السّمَاءِ وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنّةَ حَتّى‏ يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمّ الْخِيَاطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ ) (٢) ، فالذين يكذبون بالآيات الإلهية ويستكبرون ويصدون عنها ولا يتوجّهون إليها ولا يوسّطونها بينهم وبين الله تعالى لا تفتح لهم أبواب السماء ، فلا يقبل لهم دعاء ، ولا يرتفع لهم عمل ، بل ولا يقبل منهم توحيدهم الذي يزعمون ، ولذا لا يدخلون الجنّة كما هو حال إبليس عندما استكبر وأبى أن يسجد لآدم .

نكتفي بهذا المقدار من البحث القرآني .

التوسّل في السنّة النبوية وسيرة المسلمين

أولاً : التوسّل بعموم الأنبياء والصالحين

لقد ورد في الروايات المعتبرة والصريحة التأكيد على صحّة التوسّل بذوات وحق الأنبياء والصالحين:

١ ـ عن ابن عباس ، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أنّه قال :( مَن سرّه أن يوعيه الله عزّ وجلّ حفظ القرآن ، وحفظ أصناف العلم ، فليكتب هذا الدعاء في إناء نظيف أو في صحفة قوارير ، بعسل وزعفران وماء مطر ، ويشربه على الريق ، وليصم ثلاثة أيام ، وليكن إفطاره عليه فإنه يحفظها إنشاء الله عزّ وجلّ ، ويدعو به في أدبار صلواته المكتوبة اللّهمّ إنّي أسألك بأنّك مسؤول لم يسأل مثلك ولا يسأل ، وأسألك بحق محمد رسولك ونبيّك ، وإبراهيم خليلك وصفيك ، وموسى كليمك ونجيّك ، وعيسى كلمتك ووجيهك وروحك ، وأسألك بصحف إبراهيم وتوراة موسى وزبور داود وإنجيل عيسى وفرقان محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأسألك بكل وحي أوحيته ، وبكل حق قضيته ، وبكل سائل أعطيته ، وأسألك بأسمائك التي دعاك بها أنبياؤك فاستجيب لهم ، وأسألك

ــــــــــــــ

(١) النساء : ٨٥ .

(٢) الأعراف : ٤٠ .


باسمك المخزون المكنون الطهر الطاهر المطهّر المبارك المقدّس الحي القيّوم ذي الجلال والإكرام ، وأسألك باسمك الواحد الأحد الصمد الفرد الوتر الذي ملأ الأركان كلها والذي من أركانك كلها ، وأسألك باسمك الذي وضعته على السماوات فقامت ، وأسألك باسمك الذي وضعته على الأرضين فاستقرّت ، وأسألك باسمك الذي وضعته على الجبال فرست ، وأسألك باسمك الذي وضعته على الليل فأظلم ، وأسألك باسمك الذي وضعته على النهار فاستنار ، وأسألك باسمك الذي تحيي به العظام وهي رميم ، وأسألك بكتابك المنزل بالحق ونورك التام أن ترزقني حفظ القرآن وحفظ أصناف العلم وتثبتها في قلبي ، وأن تستعمل بها بدني في ليلي ونهاري أبداً ما أبقيتني يا أرحم الراحمين ) (١) .

٢ ـ ما ورد من توسّل يوسف بيعقوب ، حيث جاء ذلك عن أبي بصير سأل الإمام الصادق : ( ما كان دعاء يوسف في الجب فإنّا قد اختلفنا فيه ؟ قال :إنّ يوسف لمّا صار في الجب وآيس من الحياة قال : اللّهمّ إن كانت الخطايا والذنوب قد أخلقت وجهي عندك فلن ترفع لي إليك صوتاً ، ولن تستجيب لي دعوة فإنّي أسألك بحق الشيخ يعقوب ، فارحم ضعفه واجمع بيني وبينه ، فقد علمت رقّته علي وشوقي إليه ، قال : ثم بكى أبو عبد اللهعليه‌السلام ، ثم قال :وأنا أقول : اللّهمّ إن كانت الخطايا والذنوب قد أخلقت وجهي عندك فلن ترفع إليك صوتاً ولن تستجيب دعوة فإنّي أسألك بك فليس كمثلك شيء ، وأتوجّه إليك بمحمد نبيّك نبي الرحمة يا الله يا الله يا الله ، قال : ثم قال أبو عبد الله :قولوا هذا وأكثروا منه )(٢) .

٣ ـ وقد توسّل داودعليه‌السلام بحق آبائهعليهم‌السلام ، فقد ورد عن ابن عباس ، أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :( قال داود : أسألك بحق آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ) (٣) .

ــــــــــــــ

(١) كتاب الدعاء ، الطبراني : ص ٣٩٧ .

(٢) روضة الواعظين ، الفتّال النيسابوري : ص ٣٢٧ .

(٣) تفسير القرطبي : ج ٩ ص ١٥٩ ؛ مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج ٨ ص ٢٠٢ .


ثانياً : التوسّل بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالخصوص

١ ـ قبل خلقهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

حيث إنّ النبي آدمعليه‌السلام عندما اقترف خطيئته وهي تركه للأولى ، وتاب إلى الله تعالى ممّا صدر منه ، تلقّى من ربّه كلمات فتاب عليه ، كما أشار القرآن الكريم لذلك :( فَتَلَقّى‏ آدَمُ مِنْ رَبّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنّهُ هُوَ التّوّابُ الرّحِيمُ ) (١) .

وقد ورد في الأحاديث الصحيحة أنّ تلك الكلمات هي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وفي أحاديث أخرى هي محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسينعليهم‌السلام .

روى الحاكم في المستدرك عن عمر بن الخطاب ، أنّه قال : ( قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :لمّا اقترف آدم الخطيئة قال : يا رب ، أسألك بحق محمد لمّا غفرت لي .

فقال الله : يا آدم ، وكيف عرفت محمداً ولم أخلقه ؟ قال : يا رب ، لأنّك لما خلقتني بيدك أو نفخت فيّ من روحك رفعت رأسي ، فرأيت على قوائم العرش مكتوباً لا إله إلاّ الله محمد رسول الله ، فعرفت أنّك لم تضف إلى اسمك إلاّ أحب الخلق إليك ، فقال الله : صدقت يا آدم ، إنّه لأحب الخلق إليّ ، ادعني بحقّه فقد غفرت لك ولو لا محمد ما خلقتك ) ، وقال الحاكم : ( هذا حديث صحيح الإسناد )(٢) .

ــــــــــــــ

(١) البقرة: ٣٧ .

(٢) المستدرك ، الحاكم النيسابوري : ج ٢ ص ٦١٥ ؛ ونحوه الدر المنثور ، السيوطي : ج ١ ص ٦٠ ؛ ونحوه المعجم الأوسط ، الطبراني : ج ٦ ص ٣١٣ ؛ ونحوه المعجم الصغير ، الطبراني : ج ٢ ص ٨٢ .


وكذلك أخرجها السيوطي في تفسيره بلفظ آخر يشتمل على ذكر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيتهعليهم‌السلام ، وهي : ( اللّهمّ إنّي أسألك بحق محمد وآل محمد سبحانك لا إله إلاّ أنت ، عملت سوءً ، وظلمت نفسي فاغفر لي إنّك أنت الغفور الرحيم ، اللّهمّ إنّي أسألك بحق محمد وآل محمد سبحانك لا إله إلاّ أنت ، عملت سوءً ، وظلمت نفسي فتب علي إنّك أنت التواب الرحيم ، فهؤلاء الكلمات التي تلقى آدم )(١) .

وفي لفظ ثالث للرواية : ( الكلمات التي تلقى آدم فتاب عليه سأله بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم إلاّ تبت علي ، فتاب عليه )(٢) .

٢ ـ التوسّل بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل البعثة

تواترت الأخبار حسب تعبير السبكي(٣) في توسّل المسلمين بالنبي ، حيث كانوا يفزعون إليهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويستغيثون به من كل ما يصيبهم وينيبهم ، ولم تقتصر هذه الاستغاثات بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في زمن بعثته ، وإنّما كانت ممتدة منذ أن كان رضيعاً ولم تقتصر الاستغاثة على المسلمين خاصة ، بل اليهود الذين هم أقل عقيدة بمثل هذه الأمور( وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلّتْ أَيْدِيهِمْ ) كانوا يتوسّلون بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإليك عدة من تلك الوقائع التاريخية في هذا المضمار :

ــــــــــــــ

(١) الدر المنثور ، السيوطي : ج ١ ص ٦٠ .

(٢) الدر المنثور : ج ١ ص ٦١ ؛ شواهد التنزيل ، الحسكاني : ج ١ ص ١٠١ ؛ ينابيع المودة : ج ١ ص ٢٨٨ ـ ٢٩٠ ، ج ٢ ص ٢٤٨ ؛ روضة الواعظين ، النيسابوري ص ١٥٧ ؛ العمدة ، ابن البطريق : ص ٣٧٩ ؛ خصائص الوحي ، ابن البطريق ص ١٣٠ ؛ تفسير غريب القرآن ، الطريحي : ص ٦٦ .

(٣) شفاء السقام في زيارة خير الأنام ، تقي الدين السبكي : ص ٣٠٥ .


ألف) توسّل اليهود بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

ذكر المفسّرون في تفسير الآية المباركة :( وَلَمّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ) (١) ، حيث إنّ اليهود من أهل المدينة وخيبر إذا قاتلوا مَن يليهم من مشركي العرب من الأوس والخزرج وغيرهما قبل بعثة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كانوا يستنصرون به عليهم ويستفتحون لما يجدون ذكره في التوراة فيدعون ويتوسّلون بحقّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للنصرة عليهم فيقولون : ( اللّهمّ إنّا نستنصرك بحق النبي الأمي إلا نصرتنا عليهم ) ، وعن ابن عباس قال : ( كانت يهود خيبر تقاتل غطفان فكلما التقوا هزمت يهود خيبر فعاذت اليهود بهذا الدعاء : اللّهمّ إنّا نسألك بحق محمد النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان إلاّ نصرتنا عليهم ، قال : فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء فهزموا غطفان ، فلمّا بعث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كفروا به ، فأنزل الله( كَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الّذِينَ كَفَرُوا ) (٢) .

ب) استسقاء عبد المطّلب بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو رضيع

حيث استسقى عبد المطلب بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو صغير ، ولذا قال ابن حجر :

( إن أبا طالب أشار بقوله :

وأبيض يُستسقى الغمام بوجهه

ثمال اليتامى عصمة للأراملِ

ــــــــــــــ

(١) البقرة : ٦٤ .

(٢) تفسير القرطبي : ج ٢ ص ٢٧ ؛ الدر المنثور ، السيوطي : ج ١ ص ٨٨ ؛ أسباب النزول ، الواحدي : ج ١ ص ١٦ ؛ البداية والنهاية ، ابن كثير : ج ٢ ص ٢٧٨ ؛ السيرة النبوية ، ابن كثير : ج ١ ص٢٩٢ ؛ المستدركى الحاكم النيسابوري : ج ٢ ص ٢٦٣ .


إلى ما وقع في زمن عبد المطلب ، حيث استسقى لقريش والنبي معه غلام )(١) .

ج) استسقاء أبي طالب بالنبي وهو غلام

أخرج القسطلاني عن ابن عساكر ، عن جلهمة بن عرفطة ، قال : ( قدمت مكّة وهم في قحط ، فقالت قريش : يا أبا طالب ! أقحط الوادي ، وأجدب العيال ، فهلم فاستسق فخرج أبو طالب ومعه غلام ـ يعني النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ كأنّه شمس دجن تجلّت عن سحابة قتماء ، وحوله أغيلمة ، فأخذه أبو طالب ، فألصق ظهره بالكعبة ، ولاذ إلى الغلام ، وما في السماء قزعة ، فأقبل لسحاب من ها هنا ، وأغدق واغدودق ، وانفجر له الوادي وأخصب النادي لباديء ، وفي ذلك يقول أبو طالب .

وأبيض يُستسقى الغمام بوجهه

ثمال اليتامى عصمة للأراملِ

وجاء في الملل والنحل للشهرستاني : ( وممّا يدلل على معرفته بحال الرسالة وشرف النبوّة أنّ أهل مكّة لمّا أصابهم ذلك الجدب العظيم وأمسك السحاب عنهم سنتين ، أمر أبو طالب ابنه يحضر المصطفى محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأحضره وهو رضيع في قماط، فوضعه على يديه، واستقبل الكعبة ورماه إلى السماء وقال: يا رب، بحق هذا الغلام ورماه ثانياً وثالثاً، وكان يقول: بحق هذا الغلام اسقنا غيثاً مغيثاً دائماً هطلاً، فلم يلبث ساعة أن طبق السحاب وجه السماء وأمطر حتى خافوا على المسجد. وأنشد أبوطالب ذلك الشعر اللامي الذي منه :

وَأَبيَضَ يُستَسقى الغَمامُ بِوَجهِهِ

ثِمالُ اليَتامى عِصمَةٌ لِلأَرامِلِ

يَلوذُ بِهِ الهُلاّكُ مِن آلِ هاشِمٍ

فَهُم عِندَهُ في رَحمَةٍ وَفَواضِلِ

كَذَبتُم وَبَيتِ اللهِ نبزى مُحَمَّداً

وَلَمّا نُطاعِن دونَهُ وَنُناضِلِ

وَنُسلِمهُ حَتّى نُصَرَّعَ حَولَهُ

وَنذهلَ عَن أَبنائِنا وَالحَلائِلِ

وقد كانت هذه الوقائع من الاستسقاء بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو غلام ، وكذا استسقاء عبد المطلب بهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو صغير معروفة بين العرب .

ــــــــــــــ

(١) فتح الباري ، ابن حجر : ج ٢ ص ٤١٢ .

(٢) مسند أحمد: ج٢ ص٩٣؛ صحيح البخاري: ج٢ ص١٥٠؛ سنن ابن ماجه: ج١ ص٤٠٥؛ تاريخ بغداد: ج١٤ ص٢٨٨؛ السنن الكبرى، البيهقي: ج٣ ص٣٥٢؛ فتح الباري، ابن حجر: ج٢ ص٤١٢؛ كتاب الدعاء، الراني: ص٥٩٧.


٣ـ التوسّل بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد البعثة

ألف) أعرابي يستسقي بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

وقد كان استسقاء أبي طالب بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو غلام موضع رضا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما هو صريح بعض الروايات ، فعن أنس بن مالك قال : ( جاء أعرابي إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال : يا رسول الله ، لقد أتيناك وما لنا صبي يغط ولا بعير يئط ، وأنشد :

أتيناك والعـذراء تدمـي لبانهــا

وقد شغلت أُمّ الصبي عـن الطفـلِ

وألقى بكفّيـه وخرّ استــكانـةً

من الجوع موتاً ما يمر وما يحلي

ولا شيء ممّا يأكل الناس عندنا

سوى الحنظل العامي والعلهز الغسلِ

ولـيس لنـا إلاّ إلــيك فــرارنـا

وأين فـرار النـاس إلاّ إلى الـرسـلِ

فقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يجر رداءه حتى صعد المنبر ، ثم رفع يديه إلى السماء ، فقال : اللّهمّ اسقنا غيثاً ، مغيثاً ، غدقاً ، طبقاً ، نافعاً غير ضار ، عاجلاً ، غير رايث ، وكذلك تخرجون ، قال : فما ردّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يديه حتى التقت السماء بأبراقها وجاء أهل البطحاء يضجّون الغرق ، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اللّهمّ حوالينا ولا علينا ، فانجاب السحاب حتى أحدق بالمدينة كالإكليل ، فضحك النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى بدت نواجذه ، ثم قال : لله در أبي طالب لو كان حيّاً قرّت عيناه ، من ينشدنا قوله ؟ فقال علي : أنا يا رسول الله ، لعلك تريد :

وَأَبيَضَ يُستَسقى الغَمامُ بِوَجهِهِ

ثِمالُ اليَتامى عِصمَةٌ لِلأَرامِلِ

يَلوذُ بِهِ الهُلاّكُ مِن آلِ هاشِمٍ

فَهُم عِندَهُ في رَحمَةٍ وَفَواضِلِ

ــــــــــــــ

(١) الملل والنحل ، الشهرستاني : ص ٢٣٧ ـ ٢٣٨ .


فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أجل )(١) .

ثم إنّ التوسّل بالصغار في الاستسقاء أمر ندب إليه الشارع ، وقد ذكر الشافعي(٢) في آداب صلاة الاستسقاء استحباب خروج الصبيان وكبار السن .

ولا شك أنّ الهدف من وراء ذلك هو أنّ هؤلاء الأبرياء والصلحاء مفاتيح استنزال الرحمة ، وكأنّ المتوسّل يقول ربّي وسيّدي ومولاي إنّ الصغير معصوم من الذنب والكبير الطاعن في السن أسير الله في أرضك ، وهما أحق بالرحمة عندك ، فلأجلهم أنزل رحمتك إليهم حتى تعمّنا ، كالساقي للشجرة الواحدة يسقي مساحة واسعة لأجل تلك الشجرة ، وفي ظلّها تسقى سائر الأشجار والأعشاب الأخرى .

ب) رجل يطلب الإغاثة من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

ورد في الصحيحين ، عن أنس بن مالك : ( إنّ رجلاً دخل المسجد يوم جمعة من باب كان نحو دار القضاء ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قائم يخطب ، فاستقبل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قائماً ، ثم قال : يا رسول الله ، هلكت الأموال وانقطعت السُبل ، فادع الله يغيثنا فرفع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يديه ، ثم قال : ( اللّهمّ أغثنا اللّهمّ أغثنا اللّهمّ أغثنا ) قال أنس : ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار ، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس فلمّا توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت ، فلا والله ما رأينا الشمس ستاً ، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قائم يخطب ، فاستقبله قائماً ، فقال : يا رسول الله ، هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يمسكها عنا ، قال : فرفع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يديه ، ثم قال : ( اللّهمّ حوالينا ولا علينا ، اللّهمّ على الآكام والضراب وبطون الأودية ومنابت الشجر ) قال : فأقلعت وخرجنا نمشي في الشمس )(٢) ، فكان المرتكز لدى المسلمين أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو المفزع والوسيلة والواسطة بينهم وبين الله تعالى في قضاء الحوائج واستجابة الدعاء ، ثم إنّ إطلاقها شامل لما بعد وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فهو الوسيلة ، خصوصاً وأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيّ يرزق يسمع كلامنا ويردّ سلامنا كما سيأتي .

ــــــــــــــ

(١) التمهيد ، ابن عبد البر : ج٢٢ ص٦٣ ـ ٦٥ ؛ الأحاديث الطوال ، الطبراني : ص٧٢ ؛ دلائل النبوة ، البيهقي : ج٦ ص١٤٠ ؛ البداية والنهاية ، ابن كثير : ج٦ ص٩٩ .

(٢) الأم ، الشافعي : ج١ ص٢٨٤ .


ج) النبي هو الشفيع عند ربّه في الدنيا

روى البيهقي في دلائله ، وغيره عن أبي وجزة السلمي قال : ( لمّا قفل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من غزوة تبوك أتاه وفد بني فزارة ـ إلى أن قال ـ فقالوا : يا رسول الله ، أسنتت بلادنا وأجدبَ جنابُنا وحَرَبت عيالنا وهلكت مواشينا ، فادعُ ربّك أن يغيثنا ، واشفع لنا إلى ربّك ويشفع ربّك إليك ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( سبحان الله ، ويلك ، أنا شفعت إلى ربّي فمن ذا الذي يشفع ربّنا إليه ، لا إله إلاّ هو العظيم وسع كرسيّه السموات والأرض ) ـ إلى أن قال ـ فقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فصعد المنبر وكان مما حفظ من دعائه : ( اللّهمّ اسق بلدك وبهيمتك وانشر رحمتك وأحي بلدك الميت )(١) وذكر دعاءً وحديثاً طويلاً .

ــــــــــــــ

(١) صحيح البخاري: ج٢ ص١٧، كتاب الاستسقاء، باب الاستسقاء يوم الجمعة؛ صحيح مسلم: ج٣ ص٢٤، كتاب صلاة الاستسقاء.


وفي سنن أبي داود : ( أتى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أعرابي ، فقال : يا رسول الله ، جهدت الأنفس ، وضاعت العيال ، ونهكت الأموال ، وهلكت الأنعام ، فاستسق الله لنا فإنّا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك ، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( ويحك ! أتدري ما تقول ؟ ) وسبّح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فما زال يسبّح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه ، ثم قال : ( ويحك ! إنّه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه ، شأن الله أعظم من ذلك )(١) .

ومن الواضح أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قرّر الأعرابي على قوله : ( فإنّا نستشفع بك على الله ) ، فلم ينكرصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الاستشفاع به على الله ، وإنّما أنكر بقوله : ويحك قول الأعرابي : ( ونستشفع بالله عليك ) فبيّن له الرسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه لا يصلح الاستشفاع بالله على أحد من خلقة ، أي لا يصح أن يجعل الله واسطة لخلقه ؛ لأنّ الله تعالى أعظم شأناً ، وإنّ الواسطة لا تملك من أمرها شيء ، وإنّما كل شيء بيد المالك ، وهو الله تعالى ، فلا يصح جعله واسطة وشفيع .(٢)

د) توسّل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بحقّه وحق مَن سبقه من الأنبياء

عن أنس بن مالك قال : ( لمّا ماتت فاطمة بنت أسد بن هاشم أم عليعليه‌السلام دخل عليها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فجلس عند رأسها ، فقال :رحمك الله يا أُمّي ، كنت

ــــــــــــــ

(١) دلائل النبوة ، للبيهقي : ج٦ ص١٤٣ ، باب استسقاء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ شفاء السقام في زيارة خير الأنام ، السبكي : ص٣٠٦ ؛ الدر المنثور ، السيوطي : ج١ ص٣٢٤ ؛ البداية والنهاية ، ابن كثير : ج٦ ص١٠٠ .

(٢) سنن أبي داود : ج ٢ ص ٤١٨ ؛ كتاب السنة ، عمرو بن أبي عاصم : ص٢٥٢ ؛ تهذيب الكمال ، المزي : ج٤ ص٥٠٥ ؛ البداية والنهاية : ج١ ص١١ ؛ شفاء السقام ، السبكي : ص٣٠٦ .


أمّي بعد أمّي ، تجوعين وتشبعيني ، وتعرين وتكسيني ، وتمنعين نفسك طيّب الطعام وتطعميني ، تريدين بذلك وجه الله والدار الآخرة ، ثم أمر أن تغسّل ثلاثاً وثلاثاً ، فلما بلغ الماء الذي فيه الكافور سكبه عليها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بيده ، ثم خلع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قميصه فألبسها إيّاه ، وكُفّنت فوقه ، ثم دعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب وغلاماً أسود ليحفروا ، فحفروا قبرها فلمّا بلغوا الّلحد حفره رسول الله بيده ، وأخرج ترابه بيده ، فلمّا فرغ دخل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاضطجع فيه ، وقال :الله الذي يحيي ويميت وهو حي لا يموت ، اغفر لأُمّي فاطمة بنت أسد ولقّنها حجّتها ، ووسّع عليها مدخلها ، بحقّ نبيّك والأنبياء الذين من قبلي فإنّك أرحم الراحمين )(١) .

هـ) توسّل الضرير بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

عن عثمان بن حنيف ، قال : ( إنّ رجلاً ضريراً أتى إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : ادع الله أن يعافيني ، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إن شئت دعوت ، وإن شئت صبرت وهو خير ؟ قال : فادعه : فأمَرهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يتوضأ فيُحسن وضوءه ويصلي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء :( اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك محمد نبي الرحمة ، يا محمد إنّي توجّهت بك إلى ربّي في حاجتي فتقض ، اللّهم شفّعه فيّ ) ، قال ابن حنيف : ( فو الله ما تفرّقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا كأن لم تكن به ضر )(٢) والرفاعي ـ الكاتب الوهّابي المعاصر الذي يسعى دائماً إلى

ــــــــــــــ

(١) المعجم الأوسط ، الطبراني : ج١ ص٦٧ ـ ٦٨ ؛ المعجم الكبير ، الطبراني : ج٢٤ ص٣٥٢ ؛ مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج٩ ص٢٥٧ ، ورجال هذا الحديث رجال الصحيح ولم يقع الإشكال في روح بن صلاح ، وقد وثّقه ابن حبان والحاكم نص على ذلك الهيثمي في المصدر المذكور .

(٢) مسند أحمد ، أحمد بن حنبل : ج٤ ص١٣٨ ؛ المستدرك ، الحاكم : ج١ ص٥٢٧ ، وقال الحاكم : ( هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه ) ؛ صحيح ابن خزيمة ، ابن خزيمة : ج٢ ص٢٢٦ .


تضعيف الأحاديث الخاصة بالتوسّل ـ يقول حول هذا الحديث : ( لا شك أنّ هذا الحديث صحيح ومشهور ولا ريب أنّ ارتداد بصر الأعمى بدعاء رسول الله )(١) .

وقال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط البخاري(٢) .

أمّا دلالة الحديث : فهو واضح الدلالة على أنّ الأعمى توسّل بذات النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بتعليم منهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فهو وإن طلب من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الدعاء له ، إلاّ أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم علّمه دعاء تضمّن التوسّل بذات النبي ، فهذا الحديث من أمتن الأدلة وأصرحها على جواز التوسّل بذات النبي ، ومن أبرز الجمل الصريحة فيه هي :

أ ـ ( اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك ) ، فإنّ التوجّه بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الوارد في هذا الدعاء معناه التوجه بذات النبي المقدسة وشخصيته الكريمة ، ولا يمكن تقدير كلمة ( دعاء ) لتكون الجملة أتوجه إليك بدعاء نبيك ؛ خلاف الظاهر وتحكم بلا دليل ، بل إنّ هذا الدعاء الذي علّمه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للرجل الضرير( اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك ) ، هو نفس مضمون الآية المباركة( وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ ) .

ب ـ ( محمد نبي الرحمة ) وهذه الجملة تؤكّد أنّ المقصود من السؤال من الله بواسطة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وشخصيته ، حيث جاءت هذه الجملة ( محمد نبي الرحمة ) بعد كلمة نبيك .

ج ـ جملة ( يا محمد إنّي أتوجّه بك إلى ربّي ) وهذه الجملة تدل على أنّ الرجل حسب تعليم الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اتخذ النبي نفسه وسيلة لدعائه أي أنّه توسّل بذات النبي لا بدعائه .

د ـ ( وشفّعه فيّ ) : أي يا رب ، اجعل النبي شفيعي وتقبل شفاعته في حقّي ، وليس معناه تقبل دعاءه في حقّي .

٤ ـ التوسّل بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد وفاته

هناك موارد عديدة ذكر فيها توسّل الصحابة وغيرهم بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منها الموارد التالية :

الأوّل : تعليم عثمان بن حنيف رجلاً التوسّل بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد وفاته

روى الطبراني في معجمه الكبير عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ، عن عمّه عثمان بن حنيف : ( أنّ رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له ، فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في

ــــــــــــــ

(١) الوهابية في الميزان ، السبحاني : ص١٦٥ .

(٢) المستدرك ، الحاكم : ج١ ص٥٢٧ .


حاجته ، فلقي بن حنيف فشكى ذلك إليه ، فقال له عثمان بن حنيف : ائت الميضأة فتوضأ ، ثم ائت المسجد فصلِّ فيه ركعتين ، ثم قل : اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبينا محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نبي الرحمة ، يا محمد إنّي أتوجّه بك إلى ربي فتقضي لي حاجتي ، وتذكر حاجتك ورح حتى أروح معك ، فانطلق الرجل فصنع ما قال له ، ثم أتى باب عثمان بن عفان ، فجاء البواب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان ، فأجلسه معه على الطنفسة ، فقال : حاجتك ، فذكر حاجته وقضاها له ، ثم قال له : ما ذكرت حاجتك حتى كان الساعة ، وقال : ما كانت لك من حاجة فأذكرها ، ثم إنّ الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف ، فقال له : جزاك الله خيراً ، ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إلي حتى كلمته فيَّ ، فقال عثمان بن حنيف : والله ما كلمته ولكنّي شهدت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأتاه ضرير فشكى إليه ذهاب بصره ، فقال له النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : فتصبر ، فقال : يا رسول الله ، ليس لي قائد ، وقد شق علي ، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ائت الميضأة فتوضأ ، ثم صل ركعتين ، ثم ادع بهذه الدعوات ، قال ابن حنيف : فو الله ، ما تفرّقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنّه لم يكن به ضر قط )(١) ، ودلالة الحديث على فهم ابن حنيف جواز التوسّل بالنبي بعد وفاته واضحة لا لبس فيها ؛ لأنّه أمر ذلك الرجل أن يتوجّه إلى الله تعالى بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد وفاته

وفي مورد آخر ، عن ابن أبي الدنيا في كتاب ( مجابو الدعاء ) عن ابن كثير ابن رفاعة يقول : ( جاء رجل إلى عبد الملك بن سعيد بن أبجر فجس بطنه ، فقال : بك داء لا يبرأ ، قال : ما هو ؟ قال : الدبيلة ، قال : فتحول الرجل ، فقال : الله ، الله ، الله ربي ، لا أشرك به شيئاً ، اللّهمّ إنّي أتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمةصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تسليماً يا محمد ، إنّي أتوجه بك إلى ربك وربي يرحمني ممّا بي ، قال : فحس بطنه ، فقال : قد برئت ما بك علّة )(٢) .

الثاني : توسّل الأعرابي بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

وهي حكاية العتبي المشهورة ، حيث قال : ( كنت جالساً عند قبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فجاء أعرابي ، فقال : السلام عليك يا رسول الله ، إنّي سمعت الله يقول :( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللهَ

ــــــــــــــ

(١) المعجم الكبير ، الطبراني : ج٩ ص٣١ ، المعجم الصغير ، الطبراني : ج١ ص١٨٣ .

(٢) مجموع الفتاوى ، ابن تيمية : ج١ ص١٨٨ ، الناشر دار الوفاء ـ الثانية ـ ١٤٢١ه .


تَوَّابًا رَّحِيمًا ) وقد جئتك مستغفراً لذنبي ، مستشفعاً بك إلى ربّي ؛ ثم بكى ، وأنشأ يقول :

يا خير مَن دفنت بالقاع أعظمه

فطاب من طيبهن القاع والأكمُ

نفسي الفداء لقبـر أنت ساكنه

فيه العفاف وفيه الجود والكرمُ

ثم انصرف الأعرابي ، فغلبتني عيني فرأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال : يا عتبي ، الحق الأعرابي ، فبشره أنّ الله قد غفر له )(١)

الثالث : رجل يستسقي بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند قبره

روى البيهقي : ( إنّه جاء رجل إلى قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال : يا رسول الله ، استسق لأمتك ، فجاءه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المنام وأخبره أنّهم يسقون )(٢) .

الرابع : رجل آخر يأتي إلى قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

أخرج القرطبي في تفسيره عن الإمام عليعليه‌السلام ، أنّه قال : ( قدم علينا أعرابي بعد ما دفنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بثلاثة أيام ، فرمى بنفسه على قبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحثا على رأسه من ترابه ، فقال : قلت : يا رسول الله ، فسمعنا قولك ، ووعيت عن الله فوعينا عنك ، وكان فيما أنزل الله عليك( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظلَمُواْ أَنفُسَهُمْ ) الآية ، وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي ، فنودي من القبر أنّه قد غُفر لك )(٣)

ــــــــــــــ

(١) تفسير ابن كثير ، ابن كثير : ج١ ص٥٣٢ ؛ المجموع ، محيي الدين النووي : ج٨ ص٢٧٤ ؛ الشرح الكبير ، عبد الرحمان بن قدامة : ج٣ ص٤٩٤ ؛ تفسير الثعلبي : ج٢ ص٢٥٧ ؛ الدر المنثور ، السيوطي : ج١ ص٢٣٨ .

(٢) فتح الباري ، ابن حجر : ج٢ ص٤١٢ ؛ وفاء الوفا ، السمهودي : ج٢ ص١٣٧٤ .

(٣) تفسير القرطبي ، القرطبي : ج ٥ ص ٢٦٥ .


الخامس : مالك يأمر المنصور بالاستشفاع برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

فقد ورد أنّ المنصور الدوانيقي لمّا ناظر مالكاً في مسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال له مالك : ( يا أمير المؤمنين ، لا ترفع صوتك في هذا المسجد ، فإنّ الله أدّب قوماً فقال :( لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ ) (١) وذمّ آخرين ، فقال :( إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ ) (٢) ، وأنّ حرمته ميتاً كحرمته حيّاً ، فاستكان لها أبو جعفر وقال : يا أبا عبد الله ، أستقبل القبلة وأدعو أم أستقبل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ فقال له : ولم تصرف وجهك عنه ، وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدمعليه‌السلام إلى الله تعالى يوم القيامة ، بل استقبله واستشفع به )(٣) .

السادس : عائشة علّمت المسلمين أن يتوسّلوا بقبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

أخرج الدارمي في سننه عن أوس بن عبد الله ، قال : ( قحط أهل المدينة قحطاً شديداً ، فشكوا إلى عائشة ، فقالت : انظروا قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاجعلوا منه كوى(٤) إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف ، ففعلوا فمطرنا مطراً حتى نبت العشب وسمنت الإبل ، حتى تفتقت من الشحم ، فسمّي عام الفتق )(٥) .

السابع : العلماء يحثّون الزائرين على التوسّل بقبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

إنّ من السنن المؤكّدة التي حثّ عليها العلماء والفقهاء من الفريقين هي سنّة التوسّل بالنبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند زيارة قبره الشريف في المدينة المنورة ، وإليك بعض أقوال علماء السنّة في هذا المجال :

ــــــــــــــ

(١) الحجرات : ٢ .

(٢) الحجرات :٤ .

(٣) الشفا بتعريف حقوق المصطفى ، القاضي عياض : ج٢ ص٤١؛ سبل الهدى والرشاد ، الصالحي الشامي : ج١١ ص٤٣٩ ؛ دفع الشبه عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، الحصني الدمشقي : ص١٤٠ .

(٤) الكوة : الخرق في الحائط والثقب في البيت ، لسان العرب ، ابن منظور : ج١٥ ص٢٣٦ .

(٥) سنن الدارمي : ج١ ص٤٤ .


١ـ قال أحمد في منسكه الذي كتبه للمروزي : ( إنّه يتوسّل بالنبي في دعائه )(١) .

٢ـ ما ذكره محيي الدين النووي بعد أن تعرّض لزيارة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكيفيتها مُفصلاً ، حيث قال : ( ثم يرجع ـ أي الزائر ـ إلى موقفه الأول قبالة وجه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويتوسّل به في حق نفسه ، ويستشفع به إلى ربّه سبحانه وتعالى ، ومن أحسن ما يقوله ما حكاه المارودي والقاضي وأبو الطيب وسائر أصحابنا عن العتبي مستحسنين له ، قال : ( كنت جالساً ) )(٢) ثم يتعرّض إلى قصة الأعرابي الذي توسّل بقبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد تقدم ذكرها مفصّلاً .

٣ـ ما قاله ابن قدامة في المغني ، في كيفية زيارة الرسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( اللّهم صلِّ على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميد مجيد ، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميد مجيد ، اللّهمّ إنّك قلت وقولك الحق :( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ) وقد أتيتك مستغفراً من ذنوبي ، مستشفعاً بك إلى ربي ، فأسألك يا رب أن توجب لي المغفرة كما أوجبتها لمَن أتاه في حياته ، اللّهمّ اجعله أوّل الشافعين ، وأنجح السائلين وأكرم الآخرين والأولين ،

ــــــــــــــ

(١) كشف القناع ، البهوتي : ج٢ ص٧٩ .

(٢) المجموع ، النووي : ج٨ ص ٢٧٤ ؛ مغني المحتاج ، محمد الشربيني : ج١ ص٥١٢ ؛ تطهير الفؤاد ، محمد بخيت الحنفي : ص١٢٧ .


برحمتك يا أرحم الراحمين )(١)

٤ـ وقال قاضي القضاة تقي الدين السبكي المصري الشافعي في معرض ردّه على ابن تيمية لمنعه التوسّل بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (فسعيه [أي ابن تيمية] في منع الناس من زيارتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يدل على ضغينة كامنة فيه نحو الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكيف يتصور الإشراك بسبب الزيارة والتوسل في المسلمين الذين يعتقدون في حقّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه عبده ورسوله ، وينطقون بذلك في صلواتهم نحو عشرين مرة في كل يوم على أقل تقدير ، إدامة لذكرى ذلك ، ولم يزل أهل العلم ينهون العوام عن البدع في كل شؤونهم ، ويرشدونهم إلى السنّة في الزيارة وغيرها إذا صدرت منهم بدعة في شيء ، ولم يعدّوهم في يوم من الأيام مشركين بسبب الزيارة أو التوسل ، كيف وقد أنقذهم الله من الشرك وأدخل في قلوبهم الإيمان ، وأوّل مَن رماهم بالإشراك بتلك الوسيلة هو ابن تيمية ، وجرى خلفه مَن أراد استباحة أموال المسلمين ودماءهم ؛ لحاجة في النفس ولم يخف ابن تيمية من الله )(٢) .

وقال الشيخ محمد زاهد الكوثري في ( تكملة السيف الصقيل ) : ( والأحاديث في زيارته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الغاية من الكثرة ، وقد جمع طرقها الحافظ صلاح الدين العلائي في جزء كما سبق ، وعلى العمل بموجبها استمرت الأمّة ، إلى أن شذّ ابن تيمية عن جماعة المسلمين في ذلك ، قال علي القاري في شرح الشفاء : وقد فرّط ابن تيمية من الحنابلة ، حيث حرّم السفر لزيارة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )(٣) .

ــــــــــــــ

(١) المغني ، ابن قدامة : ج٣ ص٥٩٠ ؛ وكشف القناع ، البهوتي : ج٢ ص٥٩٩ .

(٢) تكملة السيف الصقيل ، الشيخ زاهد الكوثري : ص ١٧٩ .

(٣) تكملة السيف الصقيل ، الشيخ زاهد الكوثري : ص١٧٩ .


٥ـ وقال الحصني الدمشقي : ( وإذا كان رحمة للعالمين فكيف لا يتوسّل ويستشفع به ـ إلى أن قال ـ : ومَن أنكر التوسّل به والتشفّع به بعد موته وأنّ حرمته زالت بموته فقد أعلم الناس ونادى على نفسه أنّه أسوأ حالاً من اليهود ، الذين يتوسّلون به قبل بروزه إلى الوجود ، وأنّ في قلبه نزغة هي أخبث النزغات ) ثم قال بعد نقله لقصة مالك مع المنصور في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( ولم نعلم أنّ أحداً طعن في قصة مالك إلاّ هذا الفاجر ابن تيمية )(١) .

٦ـ قال الشوكاني في تحفة الذاكرين : ( ويتوسّل إلى الله سبحانه بأنبيائه والصالحين )(٢) .

٧ـ قال شيخ الإسلام زكريا بن محمد الأنصاري في كتابه ( فتح الوهاب ) : ( ثم يرجع [أي الزائر] إلى موقفه الأول قبالة وجه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويتوسّل به في حقّ نفسه ويستشفع به إلى ربّه )(٣) .

٨ـ ما قاله يحيى بن شرف الدين النووي في الأذكار النووية عند تعرضه لزيارة النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، حيث قال : ( ثم يرجع إلى موقفه قبالة وجه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيتوسّل به في حقّ نفسه ، ويستشفع به إلى ربّه سبحانه وتعالى ، ويدعو لنفسه ولوالديه وأصحابه وأحبابه ومن أحسن إليه وسائر المسلمين )(٤) .

ــــــــــــــ

(١) دفع الشبه عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، الدمشقي : ص١٣٧ ص١٤١ .

(٢) تحفة الذاكرين ، الشوكاني : ج٢ ص٣٧ ؛ البشارة والإتحاف ، حسن علي السقاف : ص٥١ .

(٣) فتح الوهاب ، شيخ الإسلام زكريا بن محمد الأنصاري : ج١ ص٢٥٧ ؛ الإقناع ، الحجاوي : ج١ ص٢٣٧ ؛ مغني المحتاج ، الشربيني : ج١ ص٥١٢ ؛ حواشي الشرواني ، الشرواني والعبادي : ج٤ ص١٤٥ ؛ إعانة الطالبين ، الدمياطي : ج٢ ص٣٥٧ ؛ الإغاثة في جواز الاستغاثة ، حسن علي السقاف : ص٢٨ .

(٤) الأذكار النووية ، يحيى بن شرف الدين النووي : ص٢٠٥ .


٩ـ وقال الفقيه الرعيني : ( أمّا التوسّل فالظاهر أنّه جائز والله أعلم )(١) .

١٠ـ وفي فيض القدير قال : ( قال السبكي : ويحسن التوسّل والاستعانة والتشفّع بالنبي إلى ربّه ، ولم ينكر ذلك أحد من السلف ولا من الخلف حتى جاء ابن تيمية ، فأنكر ذلك وعدل عن الصراط المستقيم ، وابتدع ما لم يقله عالم قبله وصار بين أهل الإسلام مُثلة )(٢) .

١١ـ قال القيرواني المالكي في المدخل ، في فصل زيارة القبور : ( وأمّا عظيم جناب الأنبياء والرسل ـ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ـ فيأتي الزائر ويتعيّن عليه قصدهم من الأماكن البعيدة ثم يتوسّل إلى الله تعالى بهم في قضاء مآربه ومغفرة ذنوبه ، ويستغيث بهم ، ويطلب حوائجه منهم ، ويجزم بالإجابة ببركتهم ويقوي حسن ظنّه في ذلك ، فإنّهم باب الله المفتوح ، وجرت سنّته سبحانه وتعالى بقضاء الحوائج على أيديهم وبسببهم ، ومَن عجز عن الوصول فليرسل بالسلام عليهم ، ويذكر ما يحتاج إليه من حوائجه ومغفرة ذنوبه وستر عيوبه إلى غير ذلك ، فإنّهم السادات الكرام ، والكرام لا يردون مَن سألهم ولا مَن توسّل بهم ولا مَن قصدهم ولا مَن لجأ إليهم وأمّا في زيارة سيّد الأوّلين والآخرين ـ صلوات الله عليه وسلامه ـ فكل ما ذكر يزيد عليه أضعافه ، أعني في الانكسار والذلّ والمسكنة ؛ لأنّه الشافع المشفّع ، الذي لا ترد شفاعته ، ولا يخيب مَن قصده ، ولا مَن نزل بساحته ، ولا مَن استعان أو استغاث به فمَن توسّل به ، أو استغاث به ، أو طلب حوائجه منه ، فلا يرد ولا يخيب لما شهدت به المعاينة والآثار فالتوسّل به ـ عليه الصلاة والسلام ـ هو محل حط أحمال الأوزار ، وأثقال الذنوب والخطايا ؛ لأنّ بركة شفاعته ـ عليه الصلاة والسلام ـ وعظمها عند ربّه لا يتعاظمها ذنب ؛ إذ أنّها أعظم من الجميع ، فليستبشر

ــــــــــــــ

(١) مواهب الجليل ، الحطاب الرعيني : ج٤ ص٤٠٦ .

(٢) فيض القدير ، المناوي : ج٢ ص١٧٠ .


مَن زاره ، وليلجأ إلى الله تعالى بشفاعة نبيّه ـ عليه الصلاة والسلام ـ مَن لم يزره ومَن اعتقد خلاف هذا فهو المحروم ، ألم يسمع قول الله عزّ وجل :( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ ) (١) ، فمَن جاءه ووقف ببابه وتوسّل به وجد الله تواباً رحيماً ؛ لأنّ الله منزّه عن خلف الميعاد ، وقد وعد سبحانه وتعالى بالتوبة لمَن جاءه ووقف ببابه وسأله واستغفر ربّه ، فهذا لا يشك فيه ولا يرتاب إلاّ جاحد للدين ، معاند لله ولرسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، نعوذ بالله من الحرمان )(٢) .

١٢ـ قول الشيخ محمد البيروتي في تعليق حسن الأثر : ( زيارة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مطلوبة ؛ لأنّه واسطة الخلق )(٣) .

الثامن : التوسّل بالنبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في زيارته

١ـ الزيارة التي ذكرها الشرنبلالي الحنفي في كتابه ( مراقي الفلاح ) ، وقد جاء فيها : ( يا رسول الله ، نحن وفدك وزوّار حرمك تشرفنا بالحلول بين يديك لنفوز بشفاعتك والنظر إلى مآثرك ومعاهدك ، والقيام بقضاء بعض حقّك والاستشفاع بك إلى ربنا ؛ فإنّ الخطايا قد قصمت ظهورنا ، والأوزار قد أثقلت كواهلنا ، وأنت الشافع المشفّع ، الموعود بالشفاعة العظمى ، والمقام المحمود ، وقد قال الله تعالى :( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللهَ

ــــــــــــــ

(١) النساء : ٦٤ .

(٢) المدخل ، القيرواني : ج١ ص٢٥٧ .

(٣) تعليق حسن الأثر ، محمد درويش الحوت البيروتي : ص ٢٤٦ .


وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللهَ تَوَّاباً رحِيماً ) (١) وقد جئناك ظالمين لأنفسنا مستغفرين لذنوبنا فاشفع لنا إلى ربك ، واسأله أن يميتنا على سنّتك ، وأن يحشرنا في زمرتك ، وأن يوردنا حوضك وأن يسقينا بكأسك غير خزايا ولا نادمين ، الشفاعة الشفاعة يا رسول الله )(٢) .

٢ـ الزيارة التي ذكرها صاحب كتاب ( مجمع الأنهر ) ، جاء فيها : ( السلام عليك يا رسول الله ، أسألك الشفاعة الكبرى ، وأتوسّل بك إلى الله تعالى في أن أموت مسلماً على ملّتك وسنّتك وأن أُحشر في زمرة عباد الله الصالحين )(٣) .

٣ـ الزيارة التي ذكرها الغزالي في ( إحياء العلوم ) ، وقد جاء فيها : ( اللّهمّ إنّك قلت وقولك الحق :( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللهَ تَوَّاباً رحِيماً ) اللّهمّ إنّا سمعنا قولك وأطعنا أمرك ، وقصدنا نبيّك ، مستشفعين به إليك في ذنوبنا ، وما أثقل ظهورنا من أوزارنا ، تائبين من زللنا معترفين بخطايانا وتقصيرنا ، فتب اللّهمّ علينا ، وشفّع نبيك هذا فينا ، وارفعنا بمنزلته عندك وحقّه عليك )(٤) .

٤ـ ما ذكره العدوي الحمزاوي من الزيارة في كتابه ( كنز المطالب ) ، حيث قال : ( ومن أحسن ما يقول بعد تجديد التوبة في ذلك الموقف الشريف ، وتلاوة :( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللهَ تَوَّاباً رحِيماً ) ، نحن وفدك يا رسول الله وزوّارك ، جئناك

ــــــــــــــ

(١) النساء : ٦٤ .

(٢) الغدير : ج٥ ص١٣٩ .

(٣) الغدير ، الأميني : ج٥ ص١٣٩ .

(٤) الغدير ، الأميني : ج٥ ص١٤١ .


لقضاء حقّك وللتبرّك بزيارتك والاستشفاع بك ممّا أثقل ظهورنا وأظلم قلوبنا ، فليس لنا شفيع غيرك نؤمله ، ولا رجاء غير بابك نصله ، فاستغفر لنا واشفع لنا إلى ربّك يا شفيع المذنبين )(١) .

٥ـ ما ذكره القسطلاني في ( المواهب اللدنية ) ، حيث قال : ( وينبغي للزائر لهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يكثر من الدعاء والتضرّع والاستغاثة والتشفع والتوسّل بهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فجدير بمَن استشفع به أن يشفعه الله فيه ـ إلى أن قال ـ : ثم إنّ كلاًّ من الاستغاثة والتوسّل والتشفّع والتوجّه بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما ذكره في تحقيق النظرة ومصباح الظلام واقع في كل حال : قبل خلقه وبعد خلقه في مدة حياته في الدنيا وبعد موته في البرزخ وبعد البعث في عرصات القيامة )(٢) .

٦ـ وقال الزرقاني في ( شرح المواهب ) : ( وليتوسّل بهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويسأل الله تعالى بجاهه في التوسّل به إذ هو محط جبال الأوزار وأثقال الذنوب ؛ لأنّ بركة شفاعته وعظمها عند ربّه لا يتعاظمها ذنب )(٣) .

إشكال ابن تيمية

وقد أشكل ابن تيمية على التوسّل بالأنبياء والأولياء ، لا سيّما بعد الموت ؛ لأنّ الميت لا ينفع ولا يضر ، وأنّ التوسّل بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد موته بدعة حرام

مع أنّنا نجد تواتر الأحاديث الشريفة ، الصحيحة والصريحة في أنّ النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حي يرزق ، وأنّ سلامنا يبلغه ، وأنّه يرد الجواب على مَن سلّم عليه ، وأنّ صلاتنا وأعمالنا تعرض عليه ، بل إنّ الاعتقاد بحياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد موته والتوسّل به كان سيرة متّبعة من قِبل المسلمين كافة إلى أن جاء ابن تيمية ، فأحدث في الإسلام ما لم يبتدعه أحد قبله ، وقال :( إنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد موته انقطع عن الدنيا ) .

ــــــــــــــ

(١) كنز المطالب ، حسن العردي الحمزاوي الشافعي : ص ٢١٦ .

(٢) المواهب اللدنية ، القسطلاني : ج٤ : ص٥٩٣ .

(٣) شرح المواهب ، الزرقاني : ج٨ : ص ٣١٧ .


وللإجابة على ذلك نقول :

١ـ القرآن يشهد على حياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

قال تعالى :( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللهَ تَوَّاباً رَّحِيماً ) (١) ، ومن الواضح أنّ هذه الدعوة عامة لجميع المسلمين في كل زمان ، فإطلاق الآية شامل لحياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل وفاته وبعدها ، وتخصيصها بحياتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل الموت ، تحكم بلا دليل .

والشاهد على عموم الآية هو وقوع الفعل( جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ ) في سياق الشرط يفيد العموم ؛ لأنّ الفعل في معنى النكرة لتضمّنه مصدراً منكراً ، والنكرة الواقعة في سياق النفي والشرط تفيد العموم .

وقال تعالى :( لتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) (٢) فالآية المباركة صريحة في أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يشهد أعمال أُمّته في الدنيا قبل وبعد وفاته .

وقال تعالى :( وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ) (٣) ، فالآية مطلقة ، فلا تختص بحياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والمؤمنين ، بل شاملة لرؤيا أعمال أُمّته

ــــــــــــــ

(١) النساء :٦٤ .

(٢) البقرة : ١٤٣ .

(٣) التوبة : ١٠٥ .


في حياته وبعد رحيلهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كما أنّ ذلك يتناسب مع مضمون الآية :( هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ ) (١)

وقال تعالى : ( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيداً ) (٢) .

أخرج القرطبي في تفسيره في ذيل هذه الآية المباركة عن المنهال بن عمرو ، أنّه سمع سعيد بن المسيّب يقول : ( ليس من يوم إلاّ تعرض على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أُمّته غدوةً وعشيةً فيعرفهم بسيماهم وأعمالهم ، فلذلك يشهد عليهم ، يقول الله تبارك وتعالى :( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيداً ) )(٣) .

وقال في التذكرة : ( إنّ الأعمال تُعرض على الله تعالى يوم الخميس ويوم الاثنين ، وعلى الأنبياء والآباء والأُمّهات يوم الجمعة ولا تعارض ، فإنّه يحتمل أن يخص نبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بما يعرض كل يوم ، ويوم الجمعة مع الأنبياء )(٤) .

ولا شك أنّ الشهادة على الأعمال تقتضي أن يكون الشاهد حيّاً ، حاضراً ، عالماً ، شاعراً ، مطّلعاً على ظاهر أعمال الأُمّة وبواطنها .

٢ـ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يسمع الصلاة عليه

لقد احتار ابن تيمية وأتباعه في توجيه الصلاة والتسليم على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

ــــــــــــــ

(١) الحج : ٧٨ .

(٢) النساء : ٤١ .

(٣) تفسير القرطبي : ج٥ ص١٩٨ .

(٤) التذكرة ، القرطبي : ص٢٩٤ .


في الصلاة ، فإنّ المصلّي المسلم يصلّي ويسلّم على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في كل يوم أكثر من خمس مرات ، فيقول :( اللّهمّ صلِّ على محمد وآل محمد ، السلام عليك أيّها النبي ورحمة الله وبركاته ) ، فإن كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد وفاته لا يسمع توسّل المتوسّلين ومخاطبة الناس له وتسليمهم عليه ، فإنّ ذلك يترتّب عليه لغوية وعبثية مخاطبة المسلمين لهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في صلاتهم بقولهم :( السلام عليك أيّها النبي ورحمة الله وبركاته ) ، الذي تواتر عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في تعليم كيفية التشهد في الصلاة(١) .

ومن غرائب وعجائب جهلهم ما نقله الشيخ أحمد زيني دحلان شيخ الشافعية في الدرر السنيّة في حديثه عن محمد بن عبد الوهاب ، قال : ( حتى أنّ بعض أتباعه كان يقول : عصاي هذه خير من محمد ؛ لأنّها ينتفع بها في قتل الحيّة ونحوها ، ومحمد قد مات ولم يبق فيه نفع )(٢) ونقله أيضاً الشيخ الزهاوي شيخ الأحناف في العراق في كتابه ( الفجر الصادق )(٣) ، وهذه العقيدة هي الركن الأساس في تحريمهم التوسّل بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبكل الأموات .

٣ـ الأعمال تُعرض على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد وفاته

وفي هذا المقام نواجه كمّاً واسعاً من الروايات الصحيحة ، نذكر بعضها إجمالاً :

ــــــــــــــ

(١) صحيح البخاري : ج٢ ص٦٠ ؛ صحيح ابن حبان : ج٥ ص٢٧٥ .

(٢) الدرر السنية ، أحمد زيني دحلان : ص٤٢, مكتبة أيشيق ـ إستانبول ـ تركية ، ١٣٩٦ .

(٣) الفجر الصادق ، الزهاوي : ١٨ .


أولاً : روايات عرض الأعمال

عن عبد الله بن مسعود ، قال : ( قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : حياتي خير لكم تحدثون وتحدث لكم ، ووفاتي خير لكم تُعرض عليّ أعمالكم ، فما رأيت من خير حمدت الله عليه ، وما رأيت من شر استغفرت الله لكم )(١) .

وقد تقدّم عن القرطبي في التذكرة أنّ : ( الأعمال تعرض على الله تعالى يوم الخميس ويوم الاثنين ، وعلى الأنبياء والآباء والأمّهات يوم الجمعة ولا تعارض ، فإنّه يحتمل أن يخص نبيناعليه‌السلام العرض كل يوم ، ويوم الجمعة مع الأنبياء )(٢) .

وورد عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( أكثروا الصلاة عليّ يوم الجمعة وليلة الجمعة ؛ فمَن صلّى عليَّ صلاة صلّى الله عليه عشراً ) (٣) .

وورد عنه أيضاً أنّه قال :( أكثروا الصلاة عليّ في يوم الجمعة ، فإنّه مشهود تشهده الملائكة ، وإنّ أحداً لن يصلّي عليّ إلاّ عرضت عليّ صلاته ) (٤) ، وفي لفظ آخر :( أكثروا عليّ من الصلاة في كل يوم جمعة ، فإنّ صلاة أُمّتي تعرض عليّ في كل يوم جمعة ، فمَن كان أكثرهم عليّ صلاة كان أقربهم منّي منزلة ) (٥) ، وفي لفظ ثالث :( أكثروا الصلاة علي يوم الجمعة

ــــــــــــــ

(١) مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج٩ ص٢٤ ، قال الهيثمي : رواه البزار ورجاله رجال الصحيح .

(٢) التذكرة ، القرطبي : ص٢٩٤ .

(٣) السنن الكبرى ، البيهقي : ج٣ ص٢٤٩ .

(٤) سنن ابن ماجه ، ابن ماجه : ج١ ص٥٢٤ ؛ تفسير ابن كثير ، ابن كثير : ج٣ ص٥٢٢ ؛ البداية والنهاية ، ابن كثير : ج٥ ص٢٩٧ ؛ الجامع الصغير ، السيوطي : ج١ ص٢٠٩ ؛ صحيح الجامع الصغير ، الألباني : ج١ ص٢٦٣ ؛ نيل الأوطار ، الشوكاني : ج٣ ص٣٠٤ .

(٥) الجامع الصغير ، السيوطي : ج١ ص٢٠٩ ؛ سنن البيهقي : ج٣ ص٢٤٩ .


فإنّي أبلغ وأسمع ) (١) ؛ وفي لفظ رابع :( أكثروا الصلاة عليّ فإنّ الله وكّل بي ملكاً عند قبري فإذا صلّى عليّ رجل من أُمّتي قال لي ذلك الملك : يا محمد ، إنّ فلان بن فلان صلّى عليك الساعة ) ، أخرجها السيوطي في الجامع الصغير ، وصحّحها الألباني(٢)

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( مَن صلّى عليّ عند قبري سمعته ، ومَن صلّى عليّ نائياً بلغته ) (٣)

وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( أكثروا عليّ من الصلاة يوم الجمعة ، فإنّه يوم مشهود ، تشهده الملائكة ، وإنّ أحداً لا يصلّي عليّ إلاّ عرضت عليّ صلاته حتى يفرغ ، قال : قلت : وبعد الموت ؟ قال :إنّ الله حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء فنبي الله حي يرزق ) (٤) قال المزي : ( رواه عن عمرو بن سواد السرحي ، عن ابن وهب ، فوقع لنا بدلاً عالياً )(٥)

والروايات بهذا المضمون كثيرة جداً ، ودلالتها واضحة على حياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد وفاته .

ثانياً : النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يرد السلام

فقد ورد عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال :( ما من أحد يسلّم عليّ إلاّ ردّ الله

ــــــــــــــ

(١) كتاب الأم ، الشافعي : ج١ ص٢٣٩ .

(٢) صحيح الجامع الصغير ، الألباني ج١ ص٢٦٣ ؛ كنز العمال ، المتقي الهندي : ج١ ص٤٩٤ ؛ ونحوه تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر : ج٥٦ ص٣٠٢ .

(٣) شرح سنن النسائي ، السيوطي : ج٤ ص١١٠ .

(٤) تهذيب التهذيب ، ابن حجر : ج٣ ص٣٤٤ ؛ سبل الهدى والرشاد ، الصالحي الشامي : ج١٢ ص٣٥٧ ؛ البداية والنهاية ، ابن كثير : ج٥ ص٢٩٧ ؛ السيرة النبوية ، ابن كثير : ج٤ ص٥٤٨ .

(٥) تهذيب الكمال ، المزي : ج١٠ ص٢٤ .


عليّ روحي حتى أردّ عليه السلام ) (١) .

وهذه الرواية صريحة في حياة النبي بعد وفاته ، وإلاّ فكيف يرد السلام .

وفي رواية أخرى أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم [قال] :( مَن زارني بعد وفاتي وسلّم عليّ رددت عليه السلام عشراً ، وزاره عشرة من الملائكة ، كلّهم يسلّمون عليه ، وكل مَن سلّم عليّ في بيته ردّ الله علي روحي حتى أسلم عليه ) (٢) .

وكذا ما أخرجه الطبراني في المعجم الكبير عن مجاهد عن ابن عمر عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :( مَن حجّ فزار قبري بعد وفاتي كان كمَن زارني في حياتي ) (٣) .

٤ـ الأنبياءعليهم‌السلام أحياء في قبورهم

الروايات الواردة في هذا المقام متضافرة ، وهي تؤكّد على حياة الأنبياء بعد وفاتهم :

منها : ما رواه الحافظ أبو بكر البيهقي ، عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أنّه قال :( الأنبياء صلوات الله عليهم أحياء في قبورهم يصلّون ) (٤) .

ــــــــــــــ

(١) سنن أبي داوود ، أبو داود السجستاني : ج٢ ص٥٣٤ ؛ مسند أحمد ، أحمد بن حنبل : ج٢ ص٥٢٧ ؛ مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج١٠ ص١٦٢ ؛ فتح الباري ، ابن حجر : ج٦ ص٣٥٢ ، وقال فيه : ورواته ثقات ؛ تفسير ابن كثير ، ابن كثير : ج٣ ص٥٢٢ ، قال فيه : وصححه النووي .

(٢) السنن الكبرى ، البيهقي : ج٥ ص٢٤٦ ؛ الجامع الصغير ، السيوطي : ج٢ ص٥٩٤ ؛ كنز العمال ، المتقي الهندي : ج٥ ص١٣٥ .

(٣) المعجم الكبير ، الطبراني : ج١٢ ص٣١٠ .

(٤) مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج٨ ص٢١١ ، قال الهيثمي : ( رواها أبو يعلى ، والبزار ، ورجال ابن يعلى ثقات ) ، فتح الباري ، ابن حجر : ج٦ ص٣٥٢ ، قال ابن حجر : ( أخرجه من طريق يحيى بن كثير ، وهو من رجال الصحيح عن المستلم ابن سعيد ، وقد وثقه أحمد وابن حبان عن الحجاج الأسود ، وهو ابن أبي زياد البصري ، وقد وثقه أحمد وابن معين وصححه البيهقي ، وأخرجه أيضاً عن طريق الحسن بن قتيبة ) ؛ ونحوه وعون المعبود ، العظيم آبادي : ج٣ ص٢٦١ ، قال : رواه المنذري وصححه البيهقي ، وفي صحيح مسلم عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : ( مررت بموسى ليلة أُسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلّي عند قبره ) ؛ البيهقي في حياة الأنبياء : ص١٥ ؛ مسند أبي يعلى ، أبو يعلى الموصلي : ج٦ص ١٤٧ ؛ الجامع الصغير ، السيوطي : ج١ ص٤٧٧ ؛ فيض القدير ، المناوي : ج٣ ص٢٣٩ ؛ قال : ( لأنّهم كالشهداء ، بل أفضل ، والشهداء أحياء عند ربّهم ) ؛ ميزان الاعتدال ، الذهبي : ج١ ص٤٦٠ ؛ لسان الميزان ، ابن حجر : ج٢ ص١٧٥ ، أخبار أصفهان ، الحافظ أبو نعيم الأصفهاني : ج٢ ص٨٣ ؛ ابن عدي في الكامل : ج٢ ص٣٨٢ .


ومنها : ما ورد عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال :( الأنبياء لا يتركون في قبورهم بعد أربعين ليلة ، ولكنّهم يصلّون بين يدي الله تعالى حتى ينفخ في الصور ) (١) .

ومنها : ما ذكره البيهقي أيضاً أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :( مررت بموسى ليلة أُسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره ) (٢) .

ومنها : ما أخرجه مسلم في صحيحه أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :( قد رأيتني في جماعة من الأنبياء ، فإذا موسى قائم يصلّي ، فإذا رجل ضرب جعد كأنّه من رجال شنوءة ، وإذا عيسى بن مريم عليه‌السلام قائم يصلّي . وإذا إبراهيم عليه‌السلام قائم يصلّي ، أشبه الناس به صاحبكم (يعني نفسه)، فحانت الصلاة فأممتهم فلمّا فرغت من الصلاة ، قال قائل : يا محمد ! هذا مالك صاحب النار ، فسلّم عليه ، فالتفت إليه فبدأني بالسلام ) (٣) ، وفي أحاديث أُخرى أنّه لقيهم في بيت المقدس .

ــــــــــــــ

(١) فتح الباري ، ابن حجر : ج٦ ص٣٥٢ ؛ المصنف ، الصنعاني : ج٣ ص٥٧٧ ؛ كنز العمال ، المتقي الهندي : ج١١ ص٤٧٤ .

(٢) فتح الباري ، ابن حجر : ج٦ ص٣٥٢ ؛ المصنف ، الصنعاني : ج٣ ص٥٧٧ ؛ البداية والنهاية ، ابن كثير : ج١ ص٣٧٠ ؛ تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر : ج٦١ ص١٨٥ .

(٣) صحيح مسلم ، مسلم : ج١ ص١٠٩ .


٥ـ الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء

وهذا ما تؤكّده أعداد وافرة من الروايات ، منها هذه الرواية ، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال :( أفضل أيامكم يوم الجمعة ، وفيه خلق آدم ، وفيه قبض ، وفيه النفخة ، وفيه الصعقة ، فأكثروا عليّ من الصلاة فيه ، فإنّ صلاتكم معروضة ، فقالوا : كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت ؟ ـ يقولون بليت ـ قال :إنّ الله تعالى حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء صلوات الله عليهم ) (١) ، وقال الشوكاني في نيل الأوطار : ( وقد ذهب جماعة من المحقّقين إلى أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حي بعد وفاته ، وأنّه يسرّ بطاعات أُمّته ، وأنّ الأنبياء لا يبلون ، مع أنّ مطلق الإدراك كالعلم والسماع ثابت لسائر الموتى ، وقد صحّ عن ابن عباس مرفوعاً : ما من أحد يمرّ على قبر أخيه المؤمن ، وفي رواية : بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلّم عليه ، إلاّ عرفه وردّ عليه ، ولابن أبي الدنيا : إذا مرّ الرجل بقبر يعرفه فيسلّم عليه ردّ عليه السلام وعرفه ، وإذا مرّ بقبر لا يعرفه ردّ عليه السلام ، وصح أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يخرج إلى البقيع لزيارة الموتى ويسلّم عليهم ، وورد النص في كتاب الله في حق الشهداء أنّهم أحياء يرزقون ، وأنّ الحياة فيهم متعلّقة بالجسد ، فكيف بالأنبياء والمرسلين ؟ وقد ثبت في الحديث : أنّ الأنبياء أحياء في قبورهم ، رواه المنذري وصحّحه البيهقي ، وفي

ــــــــــــــ

(١) مسند أحمد ، أحمد بن حنبل : ج٤ ص٨ ؛ سنن الدارمي ، الدارمي : ج١ ص٣٦٩ ؛ سنن ابن ماجة ، ابن ماجه : ج١ ص٣٤٥ ؛ سنن أبي داود ، أبو داود السجستاني : ج١ ص٢٣٦ ؛ سنن النسائي : ج٣ ص٩٢ ؛ المستدرك ، الحاكم : ج١ ص٢٧٨ ، قال فيه : ( هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه ) ؛ تهذيب الكمال ، المزي : ج٣ ص٣٨٧ ، قال فيه : ( أخرجه أحمد وصحّحه ابن خزيمة وابن حبان ، والحاكم ووافقه الذهبي ، وحسنه الحافظان المنذري وابن حجر ) ؛ ميزان الاعتدال : ج٢ ص٩٩ ، قال فيه : ( ذكره ابن حبان في الثقات على قاعدته ) ؛ سير أعلام النبلاء ، الذهبي : ج٩ ص١٦٢ ، قال فيه : ( إسناده صحيح ) ؛ المغني ، ابن قدامة : ج٢ ص٢٠٨ .


صحيح مسلم عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :( مررت بموسى ليلة أُسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلّي في قبره ) (١) .

٦ـ الرسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولقاء الأنبياء

قد ثبت في الصحيح في حديث الإسراء أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجد آدم في السماء الدنيا :( قال جبريل لخازن السماء : افتح ، قال : مَن هذا ؟ قال : جبريل ، قال : هل معك أحد ؟ قال : نعم ، معي محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال : أرسل إليه ؟ قال : نعم ، فافتح ، فلمّا فتح علونا السماء الدنيا ، فإذا رجل قاعد على يمينه أسودة وعلى يساره أسودة ، إذا نظر قبل يمينه ضحك ، وإذا نظر قبل يساره بكى ، فقال : مرحباً بالنبي الصالح والابن الصالح ، قلت لجبريل : من هذا ؟ قال : هذا آدم ، وهذه الأسودة عن يمينه وشماله نسم بنيه ، فأهل اليمين منهم أهل الجنّة ، والأسودة التي عن شماله أهل النار ، فإذا نظر عن يمينه ضحك ، وإذا نظر قبل شماله بكى ، حتى عرج بي إلى السماء ) (٢) ، وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( رأيت ليلة أُسري بي موسى بن عمران رجل آدم طوال جعد كأنّه من رجال شنوءة ، ورأيت عيسى بن مريم عليهما ، مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض ، سبط الرأس ) (٣) ، وغيرها الكثير من الروايات التي تدل بصراحة ووضوح على حياة الأنبياءعليهم‌السلام .

أضف إلى ذلك أنّ الأنبياءعليهم‌السلام لا سيّما خاتمهمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هم الذين أخرجوا

ــــــــــــــ

(١) نيل الأوطار ، الشوكاني : ج٣ ص٣٠٤ .

(٢) صحيح البخاري : ج١ ص٩٢ ؛ صحيح مسلم : ج١ ص١٠٢ ؛ مسند أحمد : ج٥ ص١٤٣ ؛ صحيح ابن حبان : ج١٦ ص٤٢٠ ؛ مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج١ ص٦٦ ، قال فيه : ( رواه عبد الله من زيادته على أبيه ، ورجاله رجال الصحيح ) .

(٣) مسند أحمد : ج١ ص٢٤٥ ؛ صحيح البخاري : ج٤ ص٨٤ ؛ صحيح مسلم : ج١ ص١٠٥ .


الناس من الظلمات إلى نور الهداية ، وبسببهم ، وبواسطتهمعليهم‌السلام حاز الكثير من المؤمنين المراتب العالية عند الله تعالى ، كما هو الحال في الشهداء الذين هم أحياء عند ربّهم يرزقون ، ومن الواضح أنّ الأنبياء والرسل لا سيّما النبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي هو أفضل الخلائق على الإطلاق ، والشهداء وغيرهم إنّما نالوا الذي نالوه بسبب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبواسطته ، فهو الذي سنّ لهم طريق الجهاد والتضحية والفداء بإذن الله تعالى ، وقد قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( مَن سنّ سنّة حسنة فله أجرها وأجر مَن عمل بها ) (١) ، وكذا قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( مَن دعا إلى هدى كان له الأجر مثل أجور مَن يتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً ، ومَن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم آثام من يتبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً ) (٢) .

٧ـ حياة الشهداء

صرّحت الآيات القرآنية بأنّ الشهداء أحياء عند ربّهم ، ولكنّ الناس لا يشعرون :

منها : قوله تعالى :( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم منْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لاَ

ــــــــــــــ

(١) مسند أحمد ، أحمد بن حنبل : ج٤ ص٣٦١ ؛ سنن الدارمي ، الدارمي : ج١ ص١٣ ؛ سنن ابن ماجة ، ابن ماجه : ج١ ص٧٤ ؛ السنن الكبرى ، البيهقي : ج٤ ص١٧٥ ؛ مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج١ ص١٦٨ ، قال فيه : ( رواه الطبراني في المعجم الكبير ورجاله موثقون ) ؛ المعجم الكبير ، الطبراني : ج٢ ص٣١٥ .

(٢) صحيح مسلم : ج٨ ص٦٢ ؛ سنن الترمذي ، الترمذي : ج٤ ص١٤٩ ؛ مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج١ ١٦٨ ، وقد عقد له باباً خاصاً صحح فيه الكثير من الروايات .


يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ) (١) .

ومنها : قوله تعالى :( وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ ) (٢) .

هذا فضلاً عن الأحاديث الصحيحة والمتواترة الواردة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم التي صرّحت بأنّ الشهداء أحياء عند ربّهم يرزقون(٣)

وقد ورد عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه وقف على مصعب بن عمير وهو منجعف على وجهه وقرأ هذه الآية :( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ ) ، ثم قال :( إنّ رسول الله يشهد أنّكم الشهداء عند الله يوم القيامة ، ثم : أقبل على الناس ، فقال :زوروهم وأتوهم وسلّموا عليهم ، فو الذي نفسي بيده لا يسلِّم عليهم مسلِّم إلى يوم القيامة إلاّ ردّوا عليه السلام ) (٤) .

٨ـ حياة سائر الموتى

النصوص من الكتاب والسنّة الشريفة متضافرة في ذلك ، نتعرّض إلى بعضها على سبيل الإجمال :

أولاً : نبي الله صالح يخاطب قومه الهالكين

إنّ نبي الله صالحاًعليه‌السلام بعد أن دعا قومه إلى عبادة الله ، وحذّرهم من التعرّض لما جاء به من المعجزة ، التي هي ناقة الله تبارك وتعالى ، إلاّ أنّهم

ــــــــــــــ

(١) آل عمران : ١٦٩ـ ١٧١ .

(٢) البقرة : ١٥٤ .

(٣) راجع كتب الصحاح والتفسير .

(٤) الطبقات الكبرى ، ابن سعد : ج٣ ص١٢١ .


عقروها وعتوا عن أمر ربّهم :( فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ * فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ ) (١) ، حيث تبيِّن الآية بصراحة أنّهم بعدما هلكوا وأصبحوا في دارهم جاثمين ، وأنّ نبي الله صالحاًعليه‌السلام خاطبهم قائلاً :( لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ ) ولا معنى لمخاطبته لقومه إذا كانوا لا يسمعون .

ثانياً : مخاطبة نبي الله شعيبعليه‌السلام لقومه الهالكين

ذكر القرآن الكريم قصة أخرى لنبي آخر من الأنبياء ، وهي قصة نبي الله شعيبعليه‌السلام مع قومه ؛ إذ خاطبهم بعد أن عمّهم الهلاك ، كما في قوله تعالى :( فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ * الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَانُواْ هُمُ الْخَاسِرِينَ * فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ ) (٢) .

ثالثا : الأمر الإلهي للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالتكلّم مع الأنبياء السابقينعليهم‌السلام

فقد جاء في قوله تعالى لنبيّه الأكرم محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ) (٣) .

فنلاحظ أنّ الله تعالى يأمر نبيه الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بسؤال الأنبياء الذين بعثوا من قبله ، وهذا يكشف عن حياتهم وسماعهم لمخاطبته وسؤاله لهم .

ــــــــــــــ

(١) الأعراف : ٧٨ـ ٧٩ .

(٢) الأعراف : ٩١ـ٩٣ .

(٣) الزخرف : ٤٥ .


وعن سعيد بن جبير في قوله :( وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا ) الآية قال : ( ليلة أُسري به لقي الرسل )(١) .

وعن ابن جريج في قوله :( وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا ) الآية قال : ( بلغنا أنّه ليلة أُسري به أُري الأنبياء ، فأُري آدم فسلّم عليه )(٢) .

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله :( وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا ) الآية ، قال : ( جمعوا له ليلة أُسري به ببيت المقدس(٣) ، فأمّهم وصلّى بهم فقال الله له : سلهم )(٤) .

وقال النووي : ( وقد ثبت في حديث الإسراء أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اجتمع بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين في السموات وفي بيت المقدس وصلّى بهم ، قال : فلا يبعد أنّ الله تعالى أحياهم كما جاء في الشهداء )(٥) .

رابعاً : مخاطبة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قتلى المشركين

حيث روي أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقف على قليب بدر وخاطب المشركين الذين قتلوا وأُلقيت جثثهم في القليب :( يا أهل القليب ، يا عتبة بن ربيعة ويا شيبة بن ربيعة ويا أمية بن خلف ويا أبا جهل بن هشام ، فعدد مَن كان منهم في القليب ،بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم كذبتموني وصدّقني الناس ، وأخرجتموني وآواني الناس ، وقاتلتموني ونصرني الناس ، هل وجدتم ما

ــــــــــــــ

(١) الدر المنثور ، السيوطي : ج٦ ص١٩ .

(٢) الدر المنثور : ج٦ ص١٩ .

(٣) الدر المنثور ، السيوطي : ج٥ ص١٩ .

(٤) جامع البيان ، الطبري : ج٢٥ ص٩٩ .

(٥) شرح صحيح مسلم ، النووي : ج١٦ ص ٢٠٠ .


وعدكم ربّكم حقاً ؟ فإنّي قد وجدت ما وعدني ربّي حقاً ، فقال المسلمون : يا رسول الله ، أتنادي قوماً قد جيّفوا ؟ قال :ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ، ولكن لا يستطيعون أن يجيبوني ) (١) .

وعن أبى طلحة : ( إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلاً من صناديد قريش ، فقذفوا في طوى من أطواء بدر خبيث مخبث ، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال ، فلمّا كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشدّ عليها رحلها ، ثم مشى واتبعه أصحابه ، فقالوا : ما نرى يطلق إلاّ لبعض حاجته ، حتى قام على شفة الركى ، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم يا فلان بن فلان ويا فلان بن فلان أيسرّكم أنّكم أطعتم الله ورسوله ، فإنّا قد وجدنا ما وعدنا ربّنا حقّاً ، فهل وجدتم ما وعد ربّكم حقّاً ؟ فقال عمر : يا رسول الله ، ما تكلّم من أجساد لا أرواح لها ؟ فقال : والذي نفس محمد بيده ، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم )(٢)

وعن ابن عمر قال : ( اطلع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على أهل القليب ، فقال :وجدتم ما وعد ربكم حقّاً ، فقيل له : أتدعو أمواتاً ؟ فقال :ما أنتم بأسمع منهم ولكن لا يجيبون )(٣) .

خامساً : في حياة سائر الموتى

صرّحت الروايات المتضافرة والصحيحة بحياة سائر الموتى ، فضلاً عن الروايات التي تشير إلى انتفاع الميت بعمل الحيّ من دعاء وصدقة وغيرها ، وإليك بعض الشواهد على ذلك :

ــــــــــــــ

(١) تاريخ الطبري : ج٢ ص١٥٦ ؛ البداية والنهاية ، ابن كثير : ج٣ ص٣٥٧ .

(٢) صحيح البخاري ، البخاري : ج٥ ص٨ ؛ مسند أحمد ، أحمد بن حنبل : ج٤ ص٢٩ ؛ صحيح ابن حبان ، ابن حبان : ج١١ ص٩٩ .

(٣) صحيح البخاري ، البخاري : ج ٢ ص ١٠١ .


الميت يسمع قرع النعل

أخرج البخاري في صحيحه عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أنّه قال :( العبد إذا وُضع في قبره وتولّى وذهب عنه أصحابه ، حتى أنّه يسمع قرع نعالهم ، أتاه ملكان فأقعداه ، فيقولان له : ما كنت تقول في هذا الرجل محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟

فيقول : أشهد أنّه عبد الله ورسوله .

فيقال : انظر إلى مقعدك من النار ، أبدلك الله به مقعداً من الجنّة ، قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : فيراهما جميعاً .

وأمّا الكافر أو المنافق فيقول : لا أدري ؟ كنت أقول ما يقول الناس ، فيقال : لا دريت ، ولا تليت ، ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أُذنيه ، فيصيح صيحة يسمعها مَن يليه إلاّ الثقلين ) (١) وقريب منه رواه مسلم من حديث أسماء .

الميت ينادي

وقد ورد عن أبي سعيد الخدري إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :( إذا وُضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم ، فإن كانت صالحة قالت : قدّموني ، وإن كانت غير صالحة : قالت لأهلها : يا ويلها أين تذهبون بها ؟ يسمع صوتها كل شيء إلاّ الإنسان ولو سمع الإنسان لصعق ) (٢) .

ــــــــــــــ

(١) صحيح البخاري ، البخاري : ج٢ ص٩٢ ، باب الميت يسمع خفق النعال .

(٢) صحيح البخاري ، البخاري : ج٢ ص٨٨ ؛ مسند أجمد ، أحمد بن حنبل : ج٣ ص٤١ ؛ السنن الكبرى ، النسائي : ج١ ص٦٢٤ ؛ المصنف ، الصنعاني : ج٣ ص٤٤٢ ؛ صحيح ابن حبان : ج٧ ص٣١١ ؛ وغيرها .


وغير ذلك من الروايات الكثيرة ، راجع صحيح البخاري ومسلم وغيرهما(١) ، التي تثبت أنّ الموتى أحياء وترد إليهم أرواحهم ، وإن كانوا على درجات متفاوتة من النعيم أو العذاب .

مضافاً إلى الروايات المتواترة على انتفاع الميت بأعمال الأحياء .

أمّا بدعائهم كما تواتر ذلك عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من زيارته لأهل البقيع ودعائه لهم وزيارته لشهداء أُحد ، وتعميمه بالدعاء وتكرار ذلك منه ولو لم ينتفعوا بدعائه كما قام بهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

التوسّل بأهل البيتعليهم‌السلام

تقدّم في مطلع الحديث عن التوسّل أنّ الله تعالى أمر بابتغاء الوسيلة ، بمعنى البحث عنها ومعرفتها ، للتوسّل بها إلى الله تعالى ، كما في قوله عزّ وجلّ :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (٢) ، وفي آية أخرى :( أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً ) (٣) .

فهاتان الآيتان وغيرهما دالتان على مشروعية التوسّل كما تقدّم ، وشاملتان بإطلاقهما للتوسّل بالأعمال الصالحة والأولياء الصالحين ، ولا معنى لحصر مدلولهما بالتوسّل بالأعمال دون الأشخاص ، وقد سبق بيان ذلك مفصّلاً .

ــــــــــــــ

(١) صحيح البخاري : ج١ ص٦١ ؛ صحيح مسلم ، مسلم : ج١ ص١٦٦ ؛ مسند أحمد ، أحمد بن حنبل : ج١ص٢٢٥.

(٢) المائدة : ٣٥ .

(٣) الإسراء : ٥٧ .


والآيات تمدح المتوسّلين بأنّهم يبحثون عن الوسيلة الأقرب إلى الله تعالى ، ومن الواضح أنّ أقرب الناس وسيلة إلى الله تعالى هم محمد وأهل بيته الطاهرون ، كما دلّت على ذلك الروايات الصحيحة الواردة عن نبينا محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيتهعليهم‌السلام :

أوّلاً : نبي الله آدمعليه‌السلام توسّل بمحمد وآل محمدعليهم‌السلام

فقد جاء عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أنّه قال :( إنّ آدم لما اقترف الخطيئة ، فتلقّى من ربّه كلمات فتاب عليه ، وهذه الكلمات التي تلقّاها آدم فتاب الله عليه هي : محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين ) (١) .

وفي رواية أخرى إن آدمعليه‌السلام قال :( اللّهمّ إنّي أسألك بحق محمد وآل محمد سبحانك لا إله إلاّ أنت ، عملت سوءً ، وظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم ، فهؤلاء الكلمات التي تلقى آدم ) (٢) .

وأخرج الحاكم في المستدرك عن عمر بن الخطاب ، أنّه قال : ( قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :لمّا اقترف آدم الخطيئة قال : يا رب ، أسألك بحق محمد لّما غفرت لي .

فقال الله : يا آدم ، وكيف عرفت محمداً ولم أخلقه ؟ قال : يا رب ، لأنّك لمّا

ــــــــــــــ

(١) الدر المنثور ، السيوطي : ج١ ص٦٠ ؛ شواهد التنزيل ، الحسكاني : ج١ ص١٠١ ؛ المناقب ، ابن المغازلي : ص٦٣ .

(٢) الدر المنثور ، السيوطي : ج١ ص٦٠ ؛ الفتوحات المكّيّة ، ابن عربي : ج٤ ص٥٠٩ .


خلقتني بيدك أو نفخت فيّ من روحك رفعت رأسي ، فرأيت على قوائم العرش مكتوباً لا إله إلاّ الله محمد رسول الله ، فعرفت أنّك لم تضف إلى اسمك إلاّ أحب الخلق إليك ، فقال الله : صدقت يا آدم ، إنّه لأحب الخلق إليّ ، وادعني بحقّه فقد غفرت لك ، ولولا محمد ما خلقتك ) ، وقال الحاكم : ( هذا حديث صحيح الإسناد )(١) .

وجاء في فرائد السمطين للحمويني عن أبي هريرة ، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في قصة آدم :( يا آدم هؤلاء صفوتي فإذا كان لك لي حاجة فبهؤلاء توسّل ، فقال النبي : نحن سفينة النجاة مَن تعلّق بها نجا ومَن حاد عنها هلك ، فمَن كان له إلى الله حاجة فليسألنا أهل البيت ) (٢) .

ثانياً : عليعليه‌السلام أقرب الوسائل إلى الله

ورد عن عائشة أنّها قالت في حق عليعليه‌السلام ، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أنّه قال :( يقتلهم خير الخلق والخليقة وأقربهم إلى الله وسيلة ) ، كما جاء عن مسروق ، قال : ( قالت عائشة : يا مسروق ، إنّك من ولدي ، وإنّك من أحبّهم إليّ ، فهل عندك علم من المخدج ؟ قال : قلت : نعم ، قتله علي بن أبي طالب على نهر يقال لأعلاه تامرا ولأسفله النهروان بين حقائق وطرفاء ، قالت : أبغني على ذلك بيّنة ، فأتيتها بخمسين رجلاً من كل خمسين بعشرة ، وكان الناس إذ ذاك أخماساً ، يشهدون أنّ علياًعليه‌السلام قتله على نهر يقال لأعلاه تامرا

ــــــــــــــ

(١) المستدرك ، الحاكم : ج٢ ص٦١٥ ؛ الدر المنثور ، السيوطي : ج١ ص٦٠ ؛ دلائل النبوة ، البيهقي : ج٥ ص٤٨٩ ؛ ونحوه المعجم الأوسط ، الطبراني : ج٦ ص ٣١٣ ؛ ونحوه المعجم الصغير ، الطبراني : ج٢ ص٨٢ .

(٢) أرجح المطالب ، عبيد الله الحنفي : ص٤٦١ .


ولأسفله النهروان بين حقايق وطرفاء ، فقلت : يا أمه ، أسألك بالله وبحق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبحقّي ، فإنّي من ولدك ، أي شيء سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول فيه ؟ قالت : سمعت رسول الله يقول :هم شر الخلق والخليقة ، يقتلهم خير الخلق والخليقة ، وأقربهم عند الله وسيلة )(١) .

ولا غرابة في ذلك ؛ لأنّ أهل البيتعليهم‌السلام امتازوا عن بقية البشر بامتيازات خاصّة ، وخصّهم الباري بالذكر والعناية في آيات كثيرة في القرآن الكريم ، فضلاً عمّا صدع به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حقّهم وفضلهم ومكانتهم وكرامتهم على الله تعالى .

فهذا ابن حجر يروي عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أنّه قال :( مَن أراد التوسّل ، وأن يكون له عندي يد أشفع بها يوم القيامة ، فليصل أهل بيتي ويدخل السرور عليهم ) (٢) .

فرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كشف وبيّن الطريق والسبيل لمَن يريد أن ينال شفاعتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهو أن يصل أهل بيته ويدخل السرور عليهم ، وهذا دليل واضح على علو شأنهم وكرامتهم عند الله تعالى .

وعن فاطمةعليها‌السلام ، قالت :( وأحمدوا الله الذي بعظمته ونوره يبتغي مَن في السموات والأرض إليه الوسيلة ونحن وسيلته في خلقه ) (٣) .

ــــــــــــــ

(١) شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : ج٢ ص٢٦٧ ؛ المناقب ، ابن المغازلي : ص٥٦ ؛ ونحوه نهج الإيمان ، ابن جبر : ص٥٥٩ ؛ وقريب منه ما في مسند أحمد : ج٣ ص٢٢٤ ؛ ونحوه فتح الباري : ج١٢ ص٢٥٣ .

(٢) ابن حجر الهيتمي ، الصواعق المحرقة : ص١٧٦ ؛ ينابيع المودة ، القندوزي : ج٢ ص٣٧٩ .

(٣) السقيفة وفدك ، الجوهري البغدادي (٣٢٣هـ) : ص ١٠١ ؛ شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : ج١٦ ص٢١١ .


وهذا المضمون يلتقي مع مضامين أخرى ونصوص كثيرة واردة في هذا المعنى .

منها : ما ورد عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( عليّ بن أبي طالب أميني غداً في القيامة وصاحب رايتي في القيامة على مفاتيح خزائن رحمة ربّي ) (١) .

ومنها : ما ورد عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( إنّ عليّاً راية الهدى وإمام أوليائي ونور مَن أطاعني ، وهو الكلمة التي ألزمتها المتّقين ) (٢) وغيرها .

ثالثاً : التوسّل بحق محمد وآل محمد أمان من الخوف

فقد ورد عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أنّه قال :( إذا هالك أمر فقل : اللّهمّ صلِّ على محمد وآل محمد ، وإنّي أسألك بحق محمد وآل محمد أن تكفيني شر ما أخاف وأحذر ، فإنّك تكفي ذلك الأمر ) (٣) .

رابعاً : أهل البيتعليهم‌السلام مع رسول الله في درجة الوسيلة

وهو ما رواه أعيان الحفّاظ والمفسّرين في كتبهم عن عليعليه‌السلام ، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أنّه قال :( في الجنّة درجة تدعى الوسيلة ، فإذا سألتم الله تعالى فسألوا لي الوسيلة ، قالوا : يا رسول الله ، مَن يسكن فيها معك ؟ قال : علي وفاطمة والحسن والحسين ) ، وفي لفظ آخر : ( وهي لنبيّ ، وأرجو أن أكون أنا ، فإذا سألتموها فاسألوها لي ، فقالوا : مَن يسكن معك فيها يا رسول الله ؟

ــــــــــــــ

(١) حلية الأولياء ، أبو نعيم الأصفهاني : ج١ ص٦٦ .

(٢) المصدر نفسه : ج١ ص٦٧ .

(٣) نظم درر السمطين ، الزرندي الحنفي : ص ٤٩ .


قال : فاطمة وبعلها والحسن والحسين )(١) .

وهذه الرواية صريحة في أنّ أهل البيتعليهم‌السلام لهم تلك الدرجة من الشفاعة التي لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهذا واضح من تعبيرهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأنّ عليّاً وفاطمة والحسن والحسين يسكنون معهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في ذلك الموقع والدرجة العظيمة ، ولا غرابة في ذلك ، فأهل البيتعليهم‌السلام ليسوا بأقل من يد أنس بن مالك التي يتبرّك بها الناس ؛ لأنّها مسّت يد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهمعليهم‌السلام الذين قال فيهم رسول للهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( لا يؤمن عبد بالله حتى أكون أحبّ إليه من نفسه ، وتكون عترتي أحبّ إليه من أهله ) .

أقوال التابعين والعلماء في التوسّل بأهل البيتعليهم‌السلام

١ـ عن عكرمة في قوله تعالى :( أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ ) ، قال : ( هم النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين ((٢) .

٢ـ ما أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه عن أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي ، قال : (سمعت الحسن بن إبراهيم أبا علي الخلال ( شيخ الحنابلة ) يقول : ما همّني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر فتوسّلت به إلاّ سهّل الله تعالى لي ما أحب )(٣) .

٣ـ ما ذكره الشيخ عبد الله الشبراوي الشافعي في كتابه الإتحاف بحب الأشراف :

ــــــــــــــ

(١) كنز العمال ، المتقي الهندي : ج١٢ ص١٠٣ ؛ المناقب ، ابن المغازلي : ص٢٤٧ .

(٢) شواهد التنزيل ، الحسكاني : ج١ ص٤٤٦ .

(٣) تاريخ بغداد ، الخطيب البغدادي : ج١ ص١٣٣ .


آل طـه ومَن يقـل آل طـه

مستجيـراً بجاهـكم لا يـردُّ

حبكم مذهبي وعقد يقيني

ليس لي مذهب سواه وعقدُ (١)

إلى آخر قصيدته التي يتوسّل فيها بأهل البيتعليهم‌السلام .

٤ـ قول الشافعي : ( قبر موسى الكاظم ترياق مجرّب لإجابة الدعاء )(٢) .

٥ـ قال الواسطي في حق أهل البيتعليهم‌السلام :

قوم بهم غفرت خطيئة آدمٍ

وهم الوسيلة والنجوم الطلّعُ (٣)

٦ـ قول الشافعي أيضاً :

آل النبــي ذريعتـــي

وهمُ إليـه وسيلتـي

أرجو بهم أُعطى غداً

بيد اليمين صحيفتي(٤)

التوسّل بالأولياء والصالحين

وفي هذا المقام نستعرض عدّة وقائع تكشف عن كون سيرة المسلمين قائمة على جواز التوسّل بالصالحين من العباد أيضاً ، فضلاً عن الأنبياء والأوصياءعليهم‌السلام ، ومن جملتها :

ورد أنّ عمر بن الخطاب استسقى بالعباس بن عبد المطلب عمّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، حيث قال : ( اللّهمّ إنّا كنّا إذا نتوسّل بنبينا فتسقينا ، وإنّا نتوسل

ــــــــــــــ

(١) الإتحاف بحب الأشراف ، الشبراوي الشافعي : ص٢١٧ .

(٢) البصائر ، الداجوي الحنفي : ص ٤٢ .

(٣) الأسرار الفاطمية ، محمد فاضل المسعودي : ص٣١ .

(٤) الصواعق المحرقة ، ابن حجر الهيتمي : ص٢٧٤ .


إليك بعم نبيّنا محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاسقنا )(١) ثم خطب الناس وقال : ( فاقتدوا أيّها الناس برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في عمّه العباس واتخذوه وسيلة إلى الله )(٢) ، وقال ابن حجر العسقلاني في كتابه ( فتح الباري ) : (ويستفاد من قصة العباس استحباب الاستشفاع بأهل الخير والصلاح وأهل بيت النبوّة )(٣) .

وكذلك استسقى حمزة بن القاسم الهاشمي ببغداد ، فقال : ( اللّهمّ إنّا من ولد ذلك الرجل الذي استسقى بشيبته عمر بن الخطاب ، فسقوا )(٤) فمازال يتوسّل بهذه الوسيلة حتى اسقوا

وجاء في الدعاء : ( اللّهمّ إنّي أستشفع لديك بخواص عبادك )(٥) .

التوسّل بحق السائلين

قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( مَن قال حين خرج إلى الصلاة : اللّهمّ إنّي أسألك بحق السائلين عليك ، وبحق ممشاي هذا ، فإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياءً ولا سمعةً ، خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك ، أسألك أن تنقذني من النار ، وأن تغفر لي ذنوبي ، إنّه لا يغفر الذنوب إلاّ أنت ؛ وكّل به سبعون ألف

ــــــــــــــ

(١) صحيح البخاري ، البخاري : ج٤ ص٢٠٩ ؛ السنن الكبرى ، البيهقي : ج٣ ص٣٥٢ ؛ الطبقات الكبرى ، ابن سعد : ج٤ ص٢٩ ؛ المعجم الكبير ، الطبراني : ج١ ص٧٢ ؛ البداية والنهاية ، ابن كثير : ج٦ ص١٠١ ؛ تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر : ج٢٦ ص٣٥٥ ؛ إرواء الغليل ، محمد ناصر الألباني : ج٣ ص١٣٩ ، قال فيه : (رواه ابن خزيمة أيضاً وأبو عوانة وابن حبان والطبراني في الكبير ، وصححه الحافظ الذهبي) ؛ نيل الأوطار ، الشوكاني : ج٤ ص٣٢ .

(٢) فتح الباري ، ابن حجر : ج ٢ ص ٤١٣ .

(٣) فتح الباري ، ابن حجر : ج ٢ ص ٤١٣ .

(٤) شفاء السقام ، السبكي : ص٣٠٩ ؛ تطهير الفؤاد ، الشيخ محمد الحنفي : ص١٤٣ .

(٥) الأذكار النووية ، يحيى بن شرف النووي : ص٢٠١ .


ملك يستغفرون له ، وأقبل الله عليه بوجهه حتى يفرغ من صلاته ) (١) وفي مضمونه أحاديث أخرى أيضاً.

شفاعة الأحياء للأموات

عن يونس قال : ( سألت مجاهد عن الصلاة على الميت ، فقال : إنا نحن نقول فيه : اللّهمّ أنت خلقته وأنت هديته للإسلام وأنت قبضت روحه وأنت أعلم بسريرته وعلانيته جئنا شفعاء فاشفع له ، فاغفر له )(٢) .

التوسّل بالقرآن الكريم

عن جابر قال : ( خرجت سرية من سرايا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فمرّوا ببعض القبائل قالوا : عندنا رجل يتخبّطه أحسبه قال الشيطان ، فقال رجل من الأنصار : أتوني به فقرأ عليه بفاتحة الكتاب ثلاث مرات فبرأ الرجل )(٣) .

وأخرج النووي عن أبى سعيد الخدري : ( إنّ نفراً من أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نزلوا على حيّ من أحياء العرب ، فلُدغ سيّدهم ، فجعل بعض الصحابة يقرأ الفاتحة ويجمع بزاقه ويتفل ، فبرأ الرجل ) رواه البخاري ومسلم(٤) .

إذن التوسّل لا ريب في مشروعيته ، بل الترغيب والحث عليه على المستوى القرآني والروائي وقيام سيرة المسلمين جميعاً عليه ما عدا ابن تيمية وأتباعه .

ــــــــــــــ

(١) مسند أحمد ، أحمد بن حنبل : ج٣ ص٢١ ؛ مسند ابن الجعد ، علي ابن الجعد : ص٢٩٩ ؛ سنن ابن ماجة ، ابن ماجه : ج١ ص٢٥٦ ؛ الدعاء ، الطبراني : ص١٤٩ ؛ ميزان الاعتدال ، الذهبي : ج٢ ص٤٤٦ ؛ الشرح الكبير ، ابن قدامة : ج١ ص٥٠١ .

(٢) المصنف ، ابن شيبة الكوفي : ج٣ ص١٧٨ .

(٣) مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج٤ ص٩٥ .

(٤) مسند أحمد ، أحمد بن حنبل : ج٣ ص٤٤ ؛ المجموع ، محي الدين النووي : ج٥ ص١١٢ ؛ ونحوه صحيح مسلم : ج٧ ص٢٠ ؛ ونحوه السنن الكبرى ، النسائي : ج٤ ص٣٦٧ ؛ المغني ، ابن قدامة : ج٦ ص٣٥ .


الخلاصة

١ـ الذي ثبت في البحث أن نظام الخلق نظام الأسباب والوسائط ، بمقتضى حكمة الله تعالى وإرادته ، وهذا ممّا لا مجال لإنكاره ، فضلاً عن الآيات الكريمة التي تؤكد هذه الحقيقة ، فهنالك عدّة وظائف في الخلق تدار بواسطة الملائكة من المدبرات والمقسمات ، ومن الملائكة مَنْ وظيفته الحفظ أو الرقابة أو كتابة الأعمال ، أو إنزال الوحي أو قبض الأرواح ونحوها من تدبير الرياح والسحاب والمطر .

٢ـ إنّ اتخاذ الواسطة ليس دائماً شركاً وعبادة لغير الله تعالى ؛ لأنّ العبادة خضوع وتذلّل مع اعتقاد أنّ المخضوع له صاحب مقام الألوهية والاستقلال في التأثير .

٣ـ ورد في القرآن الكريم نماذج كثيرة من الوسائط التي نسبت لها آثار غير طبيعية وخارقة للعادة ، كقميص يوسف وكيفية شفاء يعقوب عند إلقائه على وجهه ، حيث ارتدّ بصيراً ، والتراب الذي قبضه السامري ، وعصى موسىعليه‌السلام ، وما توسّل به سليمانعليه‌السلام وإتيانه بعرش بلقيس

٤ـ إنّ عنوان التوسّل والشفاعة والاستعانة عناوين يجمعها قاسم مشترك ، وهو الواسطة .

٥ـ إنّ القرآن الكريم ، أمر باتخاذ الوسيلة التي يرضاها الله تعالى لا الوسيلة المقترحة التي لم ينزل الله بها من سلطان ، وقد قال تعالى :( وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ ) ، وكذا في أمر القرآن الكريم وحثه للمسلمين على الرجوع إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجعله واسطة في غفران الذنوب ، كما حكى لنا نمطاً من أنماط التوسّل في قوله تعالى حكاية عن وُلد يعقوب : ( يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا ) وكذا حكاية فعل نبي الله سليمان وهو يتوسّط ويتوسّل بمَن عنده علم من الكتاب لقضاء الأمور المهمّة والخارقة للعادة ، ونحوها .

ونجد أنّ القرآن الكريم يذم الشيطان لعدم سجوده لآدمعليه‌السلام مع أنّه لم يشرك بالله ، كل ذلك يدلّ على مشروعية الواسطة التي يأذن الله بها لا مطلق الواسطة ولا كونها باقتراح الناس .

وإليك ملخّص لما مرّ من نماذج التوسّل بغير الله

التوسّل بعموم الأنبياء

لقد وردت عدّة روايات معتبرة تؤكّد على صحّة التوسّل بذوات وحق الأنبياءعليهم‌السلام والصالحين من قبيل توسّل يوسف بيعقوبعليهما‌السلام ، وتوسّل نبي الله داودعليه‌السلام بحق آبائهعليهم‌السلام ، وقد ورد في كتاب الدعاء للطبري ما يؤكّد هذا المعنى .


التوسّل بنبيّنا الأكرم محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

ممّن توسّل بالرسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو نبي الله آدمعليه‌السلام عند اقترافه الخطيئة وقبل خلق نبينا محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما نصّت عليه جملة من الروايات .

وكذا التوسّل بهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل بعثته ، حيث كانت قريش تفزع إليه وتستغيث به في كل ما يصيبها ، بل اليهود من أهل المدينة وخيبر يتوسّلون بهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عندما كانوا يقاتلون مَن يليهم من مشركي العرب من الأوس والخزرج ، كما في جملة من الروايات .

وكذلك استسقاء عبد المطلب به وهو رضيع ، وكذا توسّل به عمه أبو طالب وهوصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غلام ، مضافاً إلى الروايات الكثيرة التي تؤكّد هذا المعنى .

الروايات تصرّح بأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو الشفيع

فقد وردت عدة روايات تشهد على أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو الشفيع عند ربّه في الدنيا فضلاً عن الآخرة .

توسّل النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بحقّه وحق مَن سبقه من الأنبياءعليهم‌السلام

إنّ النبي نفسهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم توسّل بحقّه وحق مَن سبقه من الأنبياء لأجل المغفرة لفاطمة بنت أسد (رضي الله عنها) أُمّ الإمام عليعليه‌السلام .

روايات تؤكّد توسل المسلمين بالنبي بعد وفاته

هنالك روايات عدّة تؤكّد على توسّل المسلمين بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد وفاته ، وأنّها كانت سيرة قائمة بين المسلمين ، ولم يعترض أحد على ذلك إلاّ بعد أن جاء ابن تيمية بعقائده المخالفة لجميع المذاهب الإسلامية .

فقد ورد في الروايات تعليم عثمان بن حنيف رجلاً على كيفية التوسّل بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد وفاته ، وكذا توسّل الأعرابي عند قبر النبي ، واستسقاء آخر عند قبرهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ونداؤهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لذلك الرجل الذي رمى بنفسه على قبرهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وطلب منه الاستغفار ، حيث نودي من القبر : إنّه قد غفر لك .


أمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المسلمين بالتوسّل

لقد أمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المسلمين بالتوسّل به وسؤال الله تعالى بجاههصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

استشفاع الدوانيقي برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

ورد أنّ مالك أمر المنصور الدوانيقي بالاستشفاع برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

عائشة تعلّم المسلمين أن يتوسّلوا بقبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

الفصل الثالث : إبطال دعوى أنّ الشيعة الإمامية يجيزون اللعن

اللعن في القرآن والسنّة

الشبهة

إنّ الشيعة يجيزون اللعن

الجواب :

اللعن في اللغة

اللعن : هو الطرد والإبعاد على سبيل السخط ، وذلك من الله تعالى في الآخرة عقوبة ، وفي الدنيا انقطاع من قبول رحمته وتوفيقه ، ومن الإنسان دعاء على غيره ، قال تعالى :( أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) (١) .

قال ابن منظور في لسان العرب : ( واللعن الإبعاد والطرد من الخير ، وقيل : الطرد والإبعاد من الله ولعنه يلعنه لعناً : طرده وأبعده وقوله تعالى :( بَل لعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ ) أي : أبعدهم وقوله تعالى :( وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ ) وقيل : اللاعنون كل مَن آمن بالله من الجن والإنس والملائكة واللعين المطرود ، قال الشماخ :

ذعرت به القطا ونفيت عنه

مقام الذئب كالرجل اللعين

أراد مقام الذئب اللعين الطريد كالرجل وكل مَن لعنه الله فقد أبعده عن رحمته واستحق العذاب فصار هالكاً ، واللعين الشيطان صفة غالبة ؛ لأنّه طرد من السماء ، وقيل : لأنّه أبعد عن رحمة الله قال الجوهري : والرجل اللعين شيء ينصب وسط الزرع تستطرد به الوحوش )(٢) .

ــــــــــــــ

(١) هود : ١٨ .

(٢) لسان العرب ، ابن منظور : ج١٣ ص٣٨٧ ـ ٣٨٩ .


فلسفة اللعن

بالتأمّل في المعنى اللغوي لكلمة اللعن ، نجد أنّ هذا المعنى يكتنز في داخله الكثير من الإيحاءات والمؤثّرات ذات الجنبة الإيجابية التي تضفي في ظلالها على النفس الإنسانية ، ومن أهم أثار اللعن هي :

١ـ يخلق في داخل النفس الإنسانية حالة من النفرة والرفض لأعمال هؤلاء الظلمة ، فإنّه من خلال لعن هؤلاء يستحضر الفرد المؤمن أعمال المجرمين والظالمين ، ومن ثمّ تنفر النفس من أعمال وممارسات هؤلاء

٢ـ إنّ اللعن يساهم في ميل النفس نحو الفضائل والابتعاد عن الشرور والمفاسد ، وذلك من خلال استحضار أعمال الظلمة .

٣ـ إنّ السكوت عن إشاعة أعمال الظلمة ولو في غابر التاريخ يساهم في تشجيع غيرهم من الظالمين في ممارسة ومضاعفة الظلم ، فاللعن يساهم في الحدّ من جرائم الظلمة .

٤ـ إنّ حالة الرفض لأعمال هؤلاء الظلمة ـ من خلال اللعن لهم ـ يعدّ إعلاناً للبراءة والرفض لهم ؛ وذلك لأنّ عدم الإعلان عن حالة الرفض قد يكون في بعض الأحيان رضاً بأعمالهم ، أو على أقل التقادير حالة الحياد بين الحق والباطل ، وهي حالة مرفوضة ؛ لأنّ المؤمن لابد أن يكون موقفه مع الحق دائماً وأبداً دون السكوت ؛ ولذا ذمّ القرآن الكريم اليهود المعاصرين للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لقتلهم الأنبياء مع أنّهم لم يقتلوا الأنبياء ولم يشتركوا بذلك ، وإنّما ذلك لأجل رضاهم بأعمال أجدادهم( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنزَلَ اللهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاء اللهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) (١) .

٥ـ يعتبر اللعن لوناً من المبارزة والمخاصمة للظلمة ، فهو يعد من أبرز أدوات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

ــــــــــــــ

(١) البقرة : ٩١ .


إذن فلسفة اللعن لأولئك المجرمين والظلمة والفاسقين يحمل في طيّاته البراءة والإنكار لأعمالهم وممارساتهم وإنكارها ورفضها وتقبيحها ؛ ولذا يعد الإنكار ، ولو على مستوى القلب ، والبراءة القلبية هي المرتبة الدنيا من مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، التي يتلوها الإنكار اللساني الذي هو المرتبة الوسطى من مراتبه ، وإنكار المنكر لا يختص بالمنكر الحالي وإنّما يشمل ويعم كل منكر ، سواء كان سابقاً أم حالياً ، ومن أوضح مصاديق إنكار المنكر هو اللعن لأعداء الدين المناوئين ، وعلى هذا الأساس يتوجّب علينا البراءة من جميع أعداء الله على مر العصور والدهور قلباً ولساناً .

فتتلخّص فلسفة اللعن لأعداء الله تعالى في إعلان البراءة منهم ، والتنفّر والابتعاد عن جرائمهم وممارساتهم .

اللعن في لغة العصر الحديث

إنّ معنى اللعن في لغة هذا العصر هو التنديد والشجب والاستنكار لكل الأعمال والممارسات التي يقترفها البعض ظلماً وعدواناً ، وهذه سيرة عقلائية لدى كلّ الناس وعلى مختلف المستويات ، فعندما نجد مظلومية ما في أي بقعة من العالم نلحظ أنّ كل ذوي الضمائر الحيّة يشجبون هذه الحالة ويستنكرونها بشدّة ويعلنون إدانتهم لها ، وهذا المعنى هو عين وحقيقة مؤدّى اللعن .

مَن هو الملعون ؟ ولماذا ؟

لا شك ولا ريب أنّ الملعون هو ذلك الظالم والمجرم الذي اقترف الظلامات بحق المستضعفين والأبرياء .

وأمّا لماذا يلعن ؟

نقول : لما تقدّم من أنّ لعنه يُعّد إظهاراً للبراءة من أعماله وجرائمه وتحذير الناس من التقرّب والالتفاف حول كلّ ظالم ، وكذا يعد لعنه ردعاً لكل مَن يريد أن يقتفي أثره في ظلمه وقمعه للمستضعفين

الموقف الشرعي من اللعن

اللعن في نظر القرآن الكريم

ورد اللعن في القرآن المجيد في ( ٣٨ ) مورداً بصورة صريحة وواضحة ، مشفوعة ببيان الأشخاص المشمولين بهذا اللعن و من جملتها :


١ـ الشياطين .

٢ـ الكافرون .

٣ـ الكاتمون للحقائق .

٤ـ الظالمون .

٥ـ المفسدون في الأرض .

٦ـ الكاذبون على الله .

٧ـ مرتكبو الفحشاء كالزنا و نحوه

وهذهِ لمحة إجمالية لما ذكر :

أوّلاً : لعن الشيطان

فقد لعن القرآن الكريم الشيطان ؛ لتمرّده وتكبّره وعصيانه أوامر الله تعالى ، وقد تمثّل لعنه تعالى للشيطان بطرده من رحمته إلى يوم القيامة ، كما في قوله تعالى : ( وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ) (١) .

ثانياً : لعن الكافرين

لقد كانت حصّة الكافرين من اللعن نسبة كبيرة من الآيات القرآنية ، نستعرض جملة منها :

١ – قال تعالى :( إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً ) (٢) حيث لعن الله الكافرين متوعّداً إيّاهم بالعذاب الشديد .

٢ – قال تعالى :( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وكَانُواْ يَعْتَدُونَ ) (٣) وفي هذه الآية صراحة واضحة بتوجيه اللعن للكافرين من بني إسرائيل ، على لسان النبي داود وعيسىعليهما‌السلام .

٣ – قال تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ

ــــــــــــــ

(١) سورة ص : ٧٨ .

(٢) الأحزاب : ٦٤ .

(٣) المائدة : ٧٨ .


والملائكة وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) (١) وفي هذه الآية توجيه اللعن لأولئك الذين ماتوا وهم كفّار ، ويكونون بذلك مرمى للعنة الله والملائكة والناس أجمعين .

٤ – قال تعالى :( فَلَمَّا جَاءهُم ما عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ الله عَلَى الْكَافِرِينَ ) (٢) وهذه الآية توجّه اللعن للذين كفروا بالحق بعدما جاءهم .

٥ – قال تعالى :( وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم من دُونِ اللهِ أَوْثَانًا موَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن ناصِرِينَ ) (٣) وهي دالة على ثبوت لعن الكافرين بعضهم لبعض ؛ إذ إنَّ النبي إبراهيمعليه‌السلام يخاطب الكافرين بأنّكم إذا بقيتم على كفركم وجحودكم فسوف يكون مصيركم النار وفي ذلك اليوم يلعن بعضكم بعضاً .

٦ – قال تعالى :( يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً ) (٤) وفي هذه الآية نجد الضالين يتعذبون في النار ويدعون الله بلعن رؤسائهم وكبرائهم لعناً كبيراً .

٧ – قال تعالى :( وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَاتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * وَأُتْبِعُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ ) (٥) فنصيب عاد هو لعنة الله إلى يوم القيامة لكفرهم وطغيانهم .

ــــــــــــــ

(١) البقرة : ١٦١ .

(٢) البقرة : ٨٩ .

(٣) العنكبوت : ٢٥ .

(٤) الأحزاب : ٦٦ ـ ٦٨ .

(٥) هود : ٥٩ ـ ٦٠ .


ثالثاً : لعن أهل الكتاب

وهذه طائفة من الآيات الخاصة بلعن أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بنبينا محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منها :

١ – قال الله عزّ وجل :( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً منَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَن يَلْعَنِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً ) (١) فقد استحق أهل الكتاب ـ الذين آمنوا بالجبت والطاغوت ، ويقتلون المؤمنين بالله ـ لعنة الله تعالى .

٢ – قال الله تعالى :( فَبِمَا نَقْضِهِم ميثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ ) (٢) فاللعنة الإلهية متوجّهة لبني إسرائيل لتحريفهم الكلم عن مواضعه .

٣ – قال الله سبحانه وتعالى :( وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء ) (٣) فاليهود استحقوا لعنة الله تعالى ؛ لكذبهم على الله تعالى بوصفه أنّ يديه مغلولتان وغير قادر على التغيير في الخلق .

٤ – قال عزّ اسمه :( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ ) (٤) وهذه الآية تشير أيضاً إلى توجّه لعن الله واللاعنين لأهل الكتاب الذين يكتمون الحق من الآيات والأدلة لهداية الناس .

ــــــــــــــ

(١) النساء : ٥١ ـ ٥٢ .

(٢) المائدة : ١٣ .

(٣) المائدة : ٦٤ .

(٤) البقرة : ١٥٩ .


رابعاً : لعن الذين يؤذون الله ورسوله

وهذه طائفة أخرى من الآيات الخاصة بلعن مجموعة من الذين يؤذون الله ورسوله ، منها :

١ – قال تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مهِينًا ) (١) فكل مَن يؤذي الله ورسوله يتوجّه إليه اللعن الإلهي في الدنيا والآخرة .

٢ – قال تعالى :( أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ) (٢) فهذا اللعن للمنافقين الذين آذوا الله ورسوله ، فأصمّهم الله وأعمى أبصارهم .

خامساً : لعن قاتل المؤمن عمداً

١ – قال تعالى :( وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً ) (٣) فالشخص القاتل للمؤمن عمداً يكون جزاؤه جهنم ولعناً من الله تعالى .

سادساً : لعن الظالمين

١ – قال تعالى :( فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) (٤) هذا نداء في يوم القيامة أن لعنة الله على الظالمين .

ــــــــــــــ

(١) الأحزاب : ٥٧ .

(٢) محمد :٢٣ .

(٣) النساء :٩٣ .

(٤) الأعراف :٤٤ .


٢ – قال تعالى :( أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) (١) .

٣ – قال تعالى :( يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ) (٢) .

سابعاً : لعن المفسدين في الأرض

قال تعالى :( وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ) (٣) .

ثامناً : لعن الكاذبين

١ ـ قال تعالى :( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) (٤) .

٢ ـ قال تعالى :( فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (٥) ففي هذه الآية يأمر الله تعالى رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالحلف بالله والدعاء باللعن على الكاذبين ، وهذا تعليم إلهي للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مقام المحاجّة وإثبات الحق .

٣ ـ قال تعالى :( وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ) (٦) فجعل اللعن طريقاً لإثبات الحق ، حيث جعل اللعن على الكاذبين .

ــــــــــــــ

(١) هود : ١٨ .

(٢) غافر : ٥٢ .

(٣) الرعد : ٢٥ .

(٤) هود : ١٨ .

(٥) آل عمران : ٦١ .

(٦) النور : ٧ .


تاسعاً : لعن أئمّة الكفر

١ ـ قال تعالى :( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ * وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ ) (١) .

عاشراً : اللعن على من يتهم المؤمنات

١ ـ قال تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (٢) .

الحادي عشر : الشجرة الملعونة في القرآن

١ ـ قال تعالى :( وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ ) (٣) والمقصود من الشجرة ليست هي الشجرة النباتية ، وإنّما هي مجموعة من الناس ينتسبون إلى قبيلة أو أب واحد ، وهي شجرة بني أمية كما ورد في الروايات :

منها : ما أخرجه السيوطي عن ابن أبي حاتم ، عن ابن عمر ، أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : ( رأيت ولد الحكم بن أبي العاص على المنابر كأنّهم القردة وأنزل الله في ذلك :( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً للنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ ) يعني : الحكم وولده )(٤) .

ــــــــــــــ

(١) القصص : ٤١ ـ ٤٢ .

(٢) النور : ٢٣ .

(٣) الإسراء : ٦٠ .

(٤) الدر المنثور ، السيوطي : ج٤ ص١٩١ .


ومنها : ما أخرجه ابن أبي حاتم أيضاً عن يعلى بن مرة قال : ( قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :أريت بني أمية على منابر الأرض وسيتملكونكم فتجدونهم أرباب سوء واهتم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لذلك ، فأنزل الله :( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ ) )(١) .

ومنها : ما أخرجه أيضاً السيوطي عن ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل ، وابن عساكر عن سعيد بن المسيّب رضي الله عنه ، قال : ( رأى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بني أمية على المنابر فساءه ذلك ، فأوحى الله إليه : إنّما هي دنيا أعطوها ، فقرت عينه وهي قوله :( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً للنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ ) يعني : بلاء للناس وأخرج ابن مردويه عن عائشة أنّها قالت لمروان بن الحكم : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : لأبيك وجدك إنّكم الشجرة الملعونة في القرآن )(٢) .

وعن عمرو بن مرة ، قال : ( جاء الحكم بن أبي العاص يستأذن على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فعرف كلامه ، فقال : ائذنوا له ، حية ، أو ولد حية ، عليه لعنة الله ، وعلى مَن يخرج من صلبه إلاّ المؤمنون ، وقليل ما هم ليشرفون في الدنيا ويوضعون في الآخرة ، وذوو مكر وخديعة ، يعطون في الدنيا وما لهم في الآخرة من خلاق )(٣) .

وعن عبد الله بن الزبير ، أنّه قال وهو على المنبر : ( ورب هذا البيت الحرام والبلد الحرام إنّ الحكم بن أبي العاص وولده ملعونون على لسان محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )(٤) .

ــــــــــــــ

(١) الدر المنثور ، السيوطي : ج٤ ص١٩١ .

(٢) المصدر نفسه : ج٤ ص١٩١ .

(٣) البداية والنهاية ، ابن كثير : ج٦ ص٢٧٢ .

(٤) تاريخ دمشق ، ابن عساكر : ج٥٧ ص٢٧١ .


الثاني عشر : لعن المنافقين

قوله تعالى :( لَئِن لمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً ) (١) .

ومن خلال التأمّل في الآيات الأنفة الذكر ، يتضح أنّ اللعن ـ الذي هو الطرد من رحمة الله تعالى ـ سنّة قرآنية إلهيّة على كل مَن يستحقه ، وهم الظلمة والطواغيت والعصاة لأمر الله تعالى ولو في موارد معينة .

اللعن في السنّة الشريفة

لقد طفحت مصادر المسلمين بالروايات النبوية في صدور اللعن من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لبعض الناس ، سواء من الأمم السابقة أم من المسلمين الذين ارتكبوا بعض الذنوب منها :

١ـ الرسول يلعن اليهود

قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( لعن الله اليهود ، حُرّمت عليهم الشحوم فجمّلوها فباعوها ) (٢) .

٢ـ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يلعن مَن يلعن والديه

قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( لعن الله مَن لعن والديه ) (٣) .

وفي حديث آخر :( لعن الله مَن سبّ والديه ) (٤) .

ــــــــــــــ

(١) الأحزاب : ٦٠ ـ ٦١ .

(٢) صحيح البخاري ، البخاري : ج٤ ص٤٥ ؛ صحيح مسلم ، مسلم النيسابوري : ج٥ ص٤١ ؛ مسند أحمد ، أحمد بن حنبل : ج١ ص٢٥ .

(٣) صحيح مسلم ، مسلم النيسابوري : ج٦ ص٨٥ ؛ مسند أحمد : ج١ص١٠٨ .

(٤) مسند أحمد ، أحمد بن حنبل : ج١ ص١٠٨ ؛ صحيح ابن حبان : ج١٠ ص٢٦٥ ؛ شواهد التنزيل ، الحسكاني : ج٢ ص١٩٧ ؛ المستدرك ، الحاكم النيسابوري : ج٤ ص٣٥٦ ، وغيرها .


٣ـ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يلعن السارق

قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده ) (١) .

٤ـ الرسول يلعن الراشي والمرتشي في الحكم

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( لعن الله الراشي والمرتشي ) (٢) .

٥ـ الرسول يلعن الخمر وشاربها

قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وحاملها والمحمولة إليه ) (٣) .

٦ـ الرسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يلعن بعض الأفراد

وعن أبي هريرة ، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أنّه قال :( لعن الله سبعة من خلقه فرَدَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على كل واحد ثلاث مرات ، ثم قال :ملعون ملعون مَن عمل عمل قوم لوط ، ملعون من جمع بين المرأة وابنتها ، ملعون مَن سبّ شيئاً من والديه ، ملعون من أتى شيئاً من البهائم ، ملعون من غيّر حدود الأرض ) (٤) .

ــــــــــــــ

(١) صحيح البخاري ، البخاري : ج٨ ص١٥ ؛ صحيح مسلم ، مسلم : ج٥ ص١١٣ ؛ مسند أحمد ، أحمد بن حنبل : ج٢ ص٢٥٣ ؛ السنن الكبرى ، البيهقي : ج٨ ص٢٥٣ ؛ صحيح ابن حبان : ج١٣ ص٥٨ ، وغيرها .

(٢) مسند أحمد ، أحمد بن حنبل : ج٢ ص٣٨٨ ؛ صحيح ابن حبان ، ابن حبان : ج١١ ص٤٦٧ ؛ المصنف ، عبد الرزاق الصنعاني : ج٨ ص١٤٨ ؛ المعجم الكبير ، الطبراني : ج٢٣ ص٣٩٨ ، وغيرها .

(٣) سنن أبي داود ، أبو داود السجستاني : ج٢ ص١٨٣ .

(٤) المستدرك ، الحاكم : ج٤ ص٣٥٦ ؛ المعجم الأوسط ، الطبراني : ج٨ ص٢٣٤ ؛ الدر المنثور ، السيوطي : ج٣ ص١٠١ .


٧ـ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعن مَن مثّل بالحيوان

عن ابن عمر قال : ( سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول :لعن الله مَن مثّل بالحيوان )(١) .

٨ـ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يلعن بعض آخر

أخرج أحمد في مسنده عن سالم ، عن أبيه ، قال (سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : اللّهمّ العن فلاناً اللّهمّ العن الحرث بن هشام اللّهمّ العن سهيل بن عمرو اللّهمّ العن صفوان بن أمية )(٢) .

وأخرج أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وابن جرير والبيهقي في الدلائل عن ابن عمير ، قال : ( قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم أُحد :اللّهمّ العن أبا سفيان اللّهم العن الحرث بن هشام اللّهمّ العن سهيل بن عمرو اللّهمّ العن صفوان بن أمية )(٣) .

هذه وغيرها من الأحاديث الشريفة تكشف عن جواز اللعن على الأقل لطائفة أو أفراد معيّنين من مرتكبي الذنوب .

٩ـ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يلعن الكاذب

أخرج المباركفوري عن سعد بن أبي وقاص قوله : ( لمّا نزلت آية المباهلة ، وهي قوله تعالى :( فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللهِ عَلَى

ــــــــــــــ

(١) صحيح البخاري ، البخاري : ج٦ ص٢٢٨ ؛ السنن الكبرى ، النسائي : ج٣ ص٧٢ ؛ صحيح ابن حبان ، ابن حبان : ج١٢ ص٤٣٤ ؛ السنن الكبرى ، البيهقي : ج٩ ص٨٧ ، وغيرها .

(٢) مسند احمد ، أحمد بن حنبل : ج٢ ص٩٣ .

(٣) الدر المنثور ، السيوطي : ج٢ ص٧١ .


الْكَاذِبِينَ ) (١) دعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال : ( اللّهمّ هؤلاء أهلي ، ثم( فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) أي نتضرّع في الدعاء [وإلى الله] فنقول : اللّهمّ العن الكاذب في شأن عيسى )(٢) .

١٠ـ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يلعن عمرو بن العاص

إنّ عمرو بن العاص هجا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بتسعين قافية ، وفي رواية أخرى بسبعين بيتاً ، من الشعر ، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( إنّي لا أحسن الشعر ولكن ألعن عمرو بن العاص بكل قافية لعنة ) (٣) .

١١ـ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يلعن الراكب والقائد والسائق

وأخرج صاحب جواهر المطالب أنّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رأى ذات يومٍ أنّ معاوية يقود أباه وهو على جمل ، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( اللّهمّ العن الراكب والقائد والسائق ) (٤) .

إذن عندما نطالع الآيات القرآنية والسنّة النبوية التي تعرّضت لذكر اللعن والطوائف أو الأشخاص الذين يحملون صفات تجعلهم من عداد المستحقين للّعن ؛ نجد أنّ آيات القرآن الكريم صريحة بهذه الحقيقة ، فهناك ما يقرب من ثمانية وثلاثين مورداً جاء فيه مادة اللعن ، مضافاً إلى أضعاف هذا العدد في السنّة النبوية ، وكلها جاءت مشفوعة بالأسباب التي أدّت إلى توجّه اللعن إليهم .

وعند التأمّل في ما سلف من الآيات والروايات الواردة في اللعن ، نلمس أنّها في صدد تذكيرنا بضرورة التنفّر من أعمال الظلمة والفاسقين والعصاة ، وإدانة أعمالهم واستهجانها ، ومن هنا نجد أنّ القرآن الكريم عندما يستعرض قصص الأقوام السابقة وما جرى عليها نتيجة اقترافهم للذنوب والمعاصي ونحوها من الحوادث التاريخية يؤكّد أخذ العبرة والاعتبار والموعظة ، كما قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ) ، فالقرآن ليس كتاباً قصصياً يستعرض الأحداث التاريخية للتسلية ونحوها

هل يجب لعن أعداء أهل البيتعليهم‌السلام ؟

وفي هذا المقام تحتشد الأدلة الكثيرة لإثبات أنّ أعداء أهل البيت من أبرز المستحقين للّعن ،

ــــــــــــــ

(١) آل عمران : ٦١ .

(٢) انظر : تحفة الأحوذي ، المباركفوري : ج٨ ص٢٧٨ ؛ تفسير الجلالين ، جلال الدين السيوطي : ص٧٤ .

(٣) انظر : تاريخ دمشق ، ابن عساكر : ج٢٥ ص١٧٨ ؛ والمحصول ، للرازي : ج٤ ص٤٨٩ .

(٤) انظر : المحصول ، للرازي : ج٤ ص٤٨٩ ؛ شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : ج٦ ص٢٨٩ ؛ وجواهر المطالب ، ابن الدمشقي : ج٢ ص٢٢٧ .


وسوف نقتصر على بعض الأدلة :

الدليل الأوّل : إيذاء أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إيذاء له ولله تعالى

لا ريب أنّ الإيذاء المتوجّه إلى أهل البيت هو إيذاء لله تعالى ورسوله ، وهذا ما يكشف النقاب عنه القرآن نفسه والنصوص النبوية الشريفة التي جاءت مشفوعة ببيان مقامهم السامي عند الله تعالى ورسوله ، فالقرآن الكريم كشف عن مقام أهل البيت في آيات عديدة كآية التطهير وذوي القربى وآية المباهلة وآية الإطعام وآية الولاية ونحوها .

وهذه الآيات الشريفة تبيّن مقامهم السامي عند الله تعالى وأنّهم العباد الصالحون المعصومون المكرّمون فضلاً عمّا ورد في أنّ إيذاء فاطمةعليها‌السلام يكون إيذاءً لله ورسوله ، وأنّ الله تعالى يرضى لرضا فاطمة ويغضب لغضبها(١) .

وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال :( اشتدّ غضب الله على مَن آذاني في عترتي ) (٢) .

وعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال :( مَن آذى عليّاً فقد آذاني ) (٣) ونحوها ، وليس ذلك إلاّ لأنّهمعليهم‌السلام نفس الرسول وعترته وأهل بيته ، الذين طالما نجد أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يحث الأُمّة على التمسّك(٤) بهم ، وأنّهم أمان للأُمّة(٥) ، وأنّ رَحمهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم موصولة في الدنيا والآخرة بهم ، فضلاً عن بياناتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الحث على حبهم ومودتهم ، وأنها فرض أوجبه الله تعالى على الأمة ، والتحذير من بغضهم وعداوتهم وأنّه لا يبغضهم إلاّ منافق(٦) وغيرها ، فإن كل ذلك يكشف عن أنّ إيذاءهم إيذاءً لهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ــــــــــــــ

(١) المعجم الكبير ، السيوطي : ج١ ص١٠٨ ؛ ذخائر العقبى ، أحمد الطبري : ص٣٩ .

(٢) فيض القدير في شرح الجامع الصغير ، المناوي : ج١ ص٦٥٩ .

(٣) مسند أحمد ، أحمد بن حنبل : ج٣ ص٤٨٤ ؛ فيض القدير في شرح الجامع الصغير ، المناوي : ج٦ ص٢٤ ؛ شواهد التنزيل ، الحاكم الحسكاني : ج٢ ص١٤٧ ؛ التاريخ الكبير ، البخاري : ج٦ ص٣٠٧ ، وغيرها .

(٤) راجع مسند أحمد ، أحمد بن حنبل : ج٣ ص٤٨٣ ؛ ذخائر العقبى ، الطبري : ص٦٥ ؛ مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج٩ ص١٢٩ ؛ المستدرك على الصحيحين ، الحاكم النيسابوري : ج٣ ص١٢٢ ؛ شواهد التنزيل ، الحاكم الحسكاني : ج٢ ص١٤٥ ؛ الإصابة ، ابن حجر : ج٤ ص٥٣٤ ؛ البداية والنهاية ، ابن كثير : ج٥ ص١٢٨ .

(٥) انظر : ذخائر العقبى ، الطبري : ص١٧ ؛ شواهد التنزيل ، الحاكم الحسكاني : ج١ ص٤٢٦ ؛ تاريخ دمشق ، ابن عساكر : ج٤٢ ص٣٩٧ ؛ سبل الهدى والرشاد ، الصالحي الشامي : ج١١ ص٧ ، وغيرها .

(٦) انظر : ذخائر العقبى ، الطبري : ص١٨ وص٤٤ وص٩١ ؛ نيل الأوطار ، الشوكاني : ج٧ ص١١٣ ، وغيرها .


وإذا اتضح أنّ إيذاء أهل البيتعليهم‌السلام هو إيذاء الله ورسوله ، فالنتيجة التي تترتّب على ذلك هو استحقاق مؤذي أهل البيتعليهم‌السلام اللعن بمقتضى قوله تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِيناً ) (١) .

إذن هذا دليل قرآني على جواز ، بل وجوب اللعن ، لمَن آذى أهل البيتعليهم‌السلام .

الدليل الثاني : ضرورة لعن أعداء أهل البيتعليهم‌السلام

ويتشكّل هذا الدليل من مقدّمتين :

المقدّمة الأُولى : إنّ المودة لهمعليهم‌السلام واجبة وفرض أوجبه الله تعالى بمقتضى قوله عزّ وجلّ :( قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (٢) .

ولا شك أنّ المودة والحب لا يتحقق إلاّ ببغض أعدائهم ؛ لأنّ الحب والبغض القائمين على أساس العقيدة والمبدأ متضادان ، لا يمكن اجتماعهما في محل واحد كالحار والبارد ، وكلّما اقتربت من أحدهما يكون ابتعاد عن الآخر ، فلا يمكن أن يتحقق الحب الحقيقي لأهل البيتعليهم‌السلام والمودة لهم إلاّ بالبغض لأعدائهم والابتعاد عنهم ؛ لأنّ المحبة الكاملة والمودة الواجبة لا تتحقق إلاّ بالنفرة والبغض للضد وبنفس الدرجة ، وإلاّ فحب الآخر ولو بدرجة ضئيلة يساوي بغض الأوّل بنفس الدرجة ، كما قال تعالى :( مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ من قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ) .

المقدمة الثانية : تقدم أنّ اللعن يحمل في طيّاته معنى الإنكار والتقبيح لأعمال وأفعال وممارسات الشخص الذي يتوجّه اللعنّ إليه .

النتيجة

يتحصل من هاتين المقدمتين جواز اللعن ، بل وجوب لعن ظالمي أهل البيتعليهم‌السلام من أعدائهم ومبغضيهم ؛ لأنّ المودة الواجبة لا تتحقق إلاّ بالنفرة من أعدائهم وشجب أعمالهم وإدانتها ، وهو معنى اللعن .

وهنا يتبين أنّ اللعن ليس جائزاً مطلقاً لكل أحد ومن دون سبب ، وإنّما هو لأعداء الله الذين لعنهم الله تعالى أولاً ورسوله ثانياً .

ــــــــــــــ

(١) الأحزاب : ٥٧ .

(٢) الشورى : ٢٣ .


الفصل الرابع : إبطال دعوى أنّ الشيعة تقول بتحريف القرآن الكريم

التحريف

الشبهة

إن الشيعة تقول بتحريف القرآن .

الجواب :

التحريف لغةً

التحريف : هو ميل الكلمة عن معناها .

قال ابن منظور : ( وتحريف الكلم عن مواضعه : تغييره ، والتحريف في القرآن والكلمة : تغيير الحرف عن معناه والكلمة عن معناها وهي قريبة الشبه ، كما كانت اليهود تغيّر معاني التوراة بالأشباه ، فوصفهم الله بفعلهم ، فقال تعالى :( يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن موَاضِعِهِ ) ، وقوله في حديث أبي هريرة : ( آمنت بمحرف القلوب ، هو المزيل أي مميلها ومزيغها وهو الله تعالى ) )(١) .

وقال الزبيدي في تاج العروس : ( ( والتحريف التغيير ) والتبديل ومنه قوله تعالى :( ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ ) وقوله تعالى أيضاً :( يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ) وهو في القرآن والكلمة تغيير الحرف عن معناه والكلمة عن معناها وهي قريبة الشبه )(٢) .

أمّا أحمد بن فارس فقد ذكر في مادة ( حرف ) : ( يقال : انحرف عنه ينحرف انحرافاً ، وحرفته أنا عنه ، أي : عدلت به عنه ؛ ولذلك يقال : محارف ، وذلك إذا حورف كسبه ، فيميل به عنه ؛ وذلك كتحريف الكلام وهو عدله عن جهته ، قال الله تعالى :( يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ) )(٣) .

وبهذا يتضح أنّ اللغويين يفسّرون ويعرّفون التحريف بالميل وتغيير الكلمة عن معناها .

ــــــــــــــ

(١) لسان العرب ، ابن منظور : ج٩ ص٤٣ .

(٢) تاج العروس ، الزبيدي : ج٦ ص٦٩ .

(٣) معجم المقابيس في اللغة ، أحمد بن فارس : ص٢٥٥ ، دار الفكر – بيروت .


التحريف اصطلاحاً

ينقسم التحريف اصطلاحاً إلى قسمين رئيسين :

١ـ التحريف المعنوي .

٢ـ التحريف اللفظي .

وأمّا التحريف المعنوي فالمراد منه : هو التحليل والاستنتاج الخاطئ والتبرير لكلام معيّن بما يخالف المقصود الحقيقي للمتكلّم ، وهذا المعنى من التحريف لا يمكن إنكار حصوله في القرآن الكريم ، ولا خلاف بين المسلمين في وقوع مثل هذا التحريف في كتاب الله ، فإنّ أهل البدع والمذاهب الفاسدة خير مثال وشاهد لوقوع مثل هذا النوع من التحريف المعنوي في القرآن الكريم ، لتأويلهم آياته الكريمة على آرائهم وأهوائهم

وقد ذكر القرآن الكريم نفسه هذا اللون من التحريف كما في قوله تعالى :( يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ) (١) وكذا قوله تعالى :( وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ منْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (٢) .

فهو تحريف للمعنى الذي يتناسب مع مصالحهم ومنافعهم بعدما علموا أنّ المعنى الحقيقي على خلاف ما يروق لهم .

ــــــــــــــ

(١) النساء : ٤٦ .

(٢) البقرة : ٧٥ .


وقال الزمخشري : (( يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن موَاضِعِهِ ) يميلونه عنه ؛ لأنّهم إذا أبدلوه ووضعوا مكانه كلماً غيره ، فقد أمالوه عن مواضعه التي وضعها الله فيها وأزالوه عنها )(١) .

وقال محمد عبده : ( من التحريف تأويل القول بحمله على غير معناه الذي وُضع له وهو المتبادر ؛ لأنّه هو الذي حملهم على مجاحدة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإنكار نبوّته ولا يزالون يؤوّلون البشارات إلى اليوم )(٢) .

إذن هذا النوع من التحريف ليس محلاً للنـزاع ولا خلاف بين المسلمين في وقوعه .

وأمّا المراد من التحريف اللفظي : وهو محل النـزاع ، حيث يُتهم الشيعة بالقول بأنّ هذا المصحف الذي بأيدينا ناقص ولا يشتمل على جميع القرآن الذي نزل من السماء على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

أمّا الزيادة فقد أُجمع على بطلانها .

إلاّ أنّه عند التأمّل نجد أنّ هذه التهمة مجرّد كلام لا واقع له وأنّ صيانة القرآن وعدم تحريفه من ضروريات المذهب الشيعي .

أدلة الشيعة على عدم التحريف

هناك عدّة أدلّة تثبت سلامة القرآن من التحريف ، قرآنية وروائية وعقلية .

ــــــــــــــ

(١) تفسير الكشاف ، الزمخشري : ج١ص٥١٦ .

(٢) تفسير المنار ، محمد رشيد رضا : ج٥ ص١٤٠ .


أولاً : الأدلة القرآنية

١ـ قوله تعالى :( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (١) .

وفي هذه الآية دلالة واضحة على ضمان بقاء القرآن وسلامته من التحريف والتغيير وهو ضمان ووعد إلهي بالحفظ لا يتخلّف أبداً ، كما قال تعالى :( إِنَّ اللهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ) (٢) .

ولا ريب أنّ المراد بالذكر هو القرآن الكريم لا الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ كما أوّلها البعض ـ لأنّ آية الحفظ مسبوقة بقوله تعالى :( وَقَالُواْ يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ) (٣) التي لا ينبغي الشك في أنّ المقصود بالذكر هو القرآن الكريم .

إشكال وجواب

الإشكال : قد يرد على الاستدلال بهذه الآية على عدم التحريف ، باعتبار أن مُدّعي التحريف يحتمل وجود التحريف في هذه الآية نفسها .

الجواب : إنّ القائلين بالتحريف يعتمدون على آيات معروفة يدّعون أنّها محرّفة وليس من بينها هذه الآية :( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) ، مضافاً إلى أنّ محل النـزاع في التحريف هو نقص آيات وليست زيادة ، فإنّ الزيادة متفق على بطلانها .

٢ـ قوله تعالى : ( وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ

ــــــــــــــ

(١) الحجر : ٩ .

(٢) الرعد : ٣١ .

(٣) الحجر : ٦ .


منْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) (١) .

وهذه الآية صريحة ، في سلامة القرآن وحفظه ونفي الباطل بجميع أقسامه بما في ذلك التحريف اللفظي ، أي لا يعترضه فساد أو نقص لا في حاضره ولا في مستقبل الأيام

ولا يرد الإشكال باحتمال التحريف في هذه الآية ؛ لأنّه ـ كما تقدم ـ لم تعد هذه الآية بإجماع الفريقين في ضمن الآيات المدّعى وقوع التحريف فيها .

ثانياً : الأدلة الروائية

وهي كثيرة جداً نقتصر على ذكر طائفتين منها :

الطائفة الأُولى : أحاديث الثقلين ، حيث أوصى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أُمّته بالتمسّك بهما وأخبر أنّهما لن يفترقا حتى يردا عليهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الحوض ، وهما الكتاب والعترة ، وهذه الأخبار متضافرة ومتواترة من طرق الفريقين .

حاصل الاستدلال بهذه الطائفة

إنّ هذه الأخبار دلّت على أنّ وجوب التمسّك بالكتاب باقٍ إلى يوم القيامة ، كما هو الحال في العترة ؛ وذلك لأجل حفظ الأُمّة من الضلال ، وهذا بنفسه يستلزم كون القول بالتحريف باطل ؛ لأنّه لو كان القرآن محرّفاً لما صح أن يكون التمسّك به وبالعترة عاصماً من الضلال .

الطائفة الثانية : أحاديث وافرة مأثورة عن أهل البيتعليهم‌السلام تدلُّ على صيانة وسلامة القرآن من التحريف ، وإليك بعضها :

ــــــــــــــ

(١) فصلت : ٤١ ـ ٤٢ .


١ـ ما جاء في رسالة الإمام أبي جعفر الباقرعليه‌السلام إلى سعد الخير ، حيث قال :( وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه وحرفوا حدوده ) (١) وهذا تصريح واضح بأنّ الكتاب العزيز لم ينله التحريف في نصوصه الشريفة ؛ لأنّهم وإن غيّروا أحكامه وحرّفوا حدوده إلاّ أنّ تعبير الإمام الآخر ( أقاموا حروفه ) يعني حفظوا النص من التغيير والتبديل ، بمعنى أنّ أيدي المحرّفين لم تطل تحريف النص ، وإنّما حرّفوا حدوده ومعانيه حسب ما يروق لهم .

٢ـ ما جاء في صحيحة أبي بصير قال : (سألت الإمام الصادقعليه‌السلام في قوله تعالى :( أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ) (٢) فقال :نزلت في علي بن أبي طالب والحسن والحسين عليهم‌السلام ، فقلت له : إنَّ الناس يقولون : فما باله لم يُسمّ عليّاً وأهل بيتهعليه‌السلام في كتاب الله عزَّ وجل ؟ فقال :قولوا لهم : إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نزلت عليه الصلاة ولم يسمّ لهم ثلاثاً ولا أربعاً حتى كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو الذي فسّر لهم ذلك ... )(٣) .

وهذا تصريح واضح من الإمامعليه‌السلام أنّ القرآن الكريم لم يذكر أسماء أهل البيتعليهم‌السلام وإن جاء ذكرهم في كثير من العمومات القرآنية ؛ وذلك من خلال النعوت والأوصاف التي لا تنطبق إلاّ عليهمعليهم‌السلام ، كما أشارت لذلك الروايات النبوية المتضافرة .

إذن هذا الإقرار والتصريح من الإمامعليه‌السلام حاكم على تلك الروايات التي يظهر من بعضها ادّعاء ذكر أسمائهمعليهم‌السلام في الكتاب ، والتي اتخذها البعض ذريعة للنيل من الشيعة واتهامهم بالتحريف ، مع أنّ تلك الروايات جاءت في مقام التفسير كما سوف يتضح .

ــــــــــــــ

(١) أُصول الكافي ، الكليني : ج٢ ص٦٣١ ، ج٨ ص٥٣ .

(٢) النساء : ٥٩ .

(٣) أُصول الكافي ، الكليني : ج١ ص٢٨٦ ؛ شواهد التنزيل ، الحاكم الحسكاني : ج١ ص١٩١ .


٣ـ في ذيل الحديث الوارد عن محمد بن الفضيل عن أبي الحسن الماضيعليه‌السلام : قال سألته عن قوله تعالى : (( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنـزِيلا ) (١) ، قال :بولاية علي عليه‌السلام تنـزيلاً ، قلت : هذا تنـزيل ؟ قال :نعم ، ذا تأويل )(٢) .

وفي هذا الحديث دلالة واضحة على أنّ المراد من التنـزيل هو التفسير ، وهذا الحديث يعتبر ردّاً حاكماً على كل مزاعم أهل التحريف ، كما هو الحال في الحديث السابق .

وغير ذلك من الروايات الواردة عن أهل البيتعليهم‌السلام كروايات العرض على الكتاب ، والرجوع إليه عند تشابه الأمور وغيرها .

ثالثاً : تواتر القرآن

فإنّ القرآن الكريم متواتر بين المسلمين جيلاً بعد جيل ؛ لأنّه مقرّ ومعترف به عند الجميع ، وأصلٌ لجميع الأحكام ، بل لا شك أنّ كل دواعي نقله متوفّرة لدى المسلمين ، كما هو واضح في مسألة تعدّد القراءات وتواتر بعضها ، وقد اشتهرت بين المسلمين قراءة عاصم برواية حفص التي تُعدّ من أبرز ما تواتر من القراءات .

إذن فالقرآن الكريم متواتر في مجموع ألفاظه وسوره وآياته ، لا سيّما إذا أخذنا بنظر الاعتبار أنّ القرآن الكريم معجزة الرسالة الخالدة وسند النبوّة ، فإذا لم يكن متواتراً فإنّه يقدح بالقطع بحصول النبوّة .

ــــــــــــــ

(١) الدهر : ٢٣ .

(٢) أصول الكافي ، الكليني : ج١ص٤٣٥ .


رابعاً : إعجاز القرآن

إنّ احتمال التحريف في كتاب الله تعالى يتنافى مع إعجازه وتحدّيه لكل البشر ؛ وذلك بعد أن تحدّاهم ، ولكن بشكل تدريجي ؛ حيث تحدّاهم أولاً بالإتيان بمثله كما قال تعالى :( قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ) (١) ومن ثمّ تحدّاهم أن يأتوا ببعض السور كقوله تعالى :( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ ) (٢) وبعد ذلك تحدّى البشرية على أن يأتوا ولو بسورة واحدة كما في قوله تعالى :( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ ) (٣) هذا في جانب الزيادة ، أمّا في جانب النقيصة في القرآن ، فلا يمكن احتماله ؛ لأنّ النقص بإسقاط كلمة أو كلمات ضمن جملة واحدة يؤدّي إلى الإخلال في الأسلوب البلاغي الذي هو ممّا تحدّى القرآن به البشرية أيضاً .

خامساً : روايات العرض على كتاب الله

فقد وردت عدّة روايات تبين أن القرآن الكريم ميزان لصحة وحجّيّة الروايات المشكوكة ، وبيان ما هو الصادق والكاذب منها ، فعن الإمام

ــــــــــــــ

(١) الإسراء : ٨٨ .

(٢) هود : ١٣ .

(٣) يونس : ٣٨ .


الصادقعليه‌السلام قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( إنّ على كل حق حقيقة وعلى كلّ صواب نوراً ، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فدعوه ) (١) ونحوها .

فلو عرضنا روايات التحريف على القرآن الكريم نجد أنّها تخالفه كما في قوله تعالى :( لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ) وقوله تعالى :( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) .

أضف إلى ذلك أنّ تحريفه يعني سقوطه عن الحجيّة فكيف يكون هو المقياس والمناط في عرض الروايات عليها لإثبات حجّيّتها وحقّانيّتها!

شواهد أخرى

وهنالك بعض الشواهد العقلية والوجدانية تشهد بعدم تحريف القرآن ، منها :

١ـ إنّ القرآن الكريم أنزله الله تعالى لهداية البشر وإرشادهم إلى كمالهم ، فلو وقع فيه التحريف فإنّه يؤدّي إلى نقض غرضه تعالى من القرآن الكريم وهو إرشاد الناس وهدايتهم .

٢ـ إنّ التحريف في القرآن يؤدّي إلى سقوط حجيّته من الاعتبار وهذا ممّا لا يمكن القول به ؛ لأنّ القرآن لا خلاف في حجّيّته ، فلو كان محرّفاً لم يكن حجّة ، والحال هو خلاف المتسالم عليه في حجّيّته .

ــــــــــــــ

(١) الكافي ، الكليني : ج١ ص٦٩ .


أقوال علماء الشيعة بعدم التحريف

لقد صرّح علماؤنا بعدم التحريف في مواطن عديدة جداً ، وإليك بعضها :

١ـ شيخ المحدّثين ، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين الصدوق (ت ٣٨١ هـ) .

قال في رسالته ( الاعتقادات ) التي وضعها لبيان معتقدات الشيعة الإمامية حسب ما وصل إليه من النظر والتمحيص : ( اعتقادنا أنّ القرآن الذي أنزله الله تعالى على نبيّه محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو ما بين الدفّتين ، وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك ، وعدد سوره على المعروف مائة وأربع عشرة سورة وعندنا تعدّ ( والضحى ) و ( ألم نشرح ) سورة واحدة ، و ( لإيلاف ) و ( ألم تر كيف ) سورة واحدة ثم قال : ( ومَن نسب إلينا أنّا نقول إنّه أكثر من ذلك فهو كاذب )(١) .

٢ـ عميد الطائفة ، محمد بن محمد بن النعمان المفيد (ت ٤١٣) .

قال في كتابه الفذّ ( أوائل المقالات ) وكذا في كتابه ( المسائل السروية ) الذي وضعه لبيان أصول المسائل الإسلامية فيما تفترق فيه الشيعة الإمامية عن غيرهم من أهل العدل : ( وقد قال جماعة من أهل الإمامة : إنّه لم ينقص من كلمة ولا من آية ولا من سورة ، ولكن حذف ما كان مثبتاً في مصحف أمير المؤمنينعليه‌السلام من تأويله وتفسير معانيه على حقيقة تنزيله ، وذلك كان ثابتاً منزلاً وإن لم يكن من جملة كلام الله تعالى الذي هو القرآن المعجز .

ــــــــــــــ

(١) الاعتقادات ، للشيخ الصدوق : ص٨٤ ، دار المفيد للطباعة والنشر .


وقد يسمّى تأويل القرآن قرآناً )(١) .

وقال : ( وعندي أنّ هذا القول أشبه [أي أقرب في النظر] من مقال مَن ادّعى نقصان كلم من نفس القرآن على الحقيقة دون التأويل ، وإليه أميل )(٢) .

وقال أيضاً : ( وأمّا الزيادة فيه فمقطوع على فسادها من وجه ويجوز صحّتها من وجه ، فالوجه الذي أقطع على فساده أن يمكن لأحد من الخلق زيادة مقدار سورة فيه على حد يلتبس به عند أحد من الفصحاء ، وأمّا الوجه المجوز فهو أن يزاد فيه الكلمة والكلمتان والحرف والحرفان وما أشبه ذلك ، ممّا لا يبلغ حد الإعجاز ويكون ملتبساً عند أكثر الفصحاء بكلم القرآن ، غير أنّه لابدَّ متى وقع ذلك من أن يدل الله عليه ، ويوضح لعباده عن الحق فيه ، ولستُ أقطع على كون ذلك بل أميل إلى عدمهِ وسلامة القرآن عنه ، ومعي بذلك حديث عن الصادق جعفر بن محمدعليه‌السلام )(٣) .

وقال في ( أجوبة المسائل السروية ) : ( فإن قال قائل : كيف يصحّ القول بأنّ الذي بين الدفّـتين هو كلام الله تعالى على الحقيقة من غير زيادة فيه ولا نقصان ، وأنتم تروون عن الأئمّةعليهم‌السلام أنّهم قرأوا :( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ) ،( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ) وقرأوا ( يسْأَلُونَكَ الأَنفَالِ ) وهذا بخلاف ما في المصحف الذي في أيدي الناس ؟

قيل له : قد مضى الجواب عن هذا ، وهو : أنّ الأخبار التي جاءت بذلك أخبار آحاد لا يقطع على الله تعالى بصحّتها ؛ فلذلك وقفنا فيها ولم نعدل عمّا

ــــــــــــــ

(١) أوائل المقالات ، الشيخ المفيد : ص٨١ ؛ المسائل السروية ، الشيخ المفيد : ص٨٠ .

(٢) أوائل المقالات ، الشيخ المفيد : ص٨١ .

(٣) أوائل المقالات ، المفيد : ص٨١ ـ ٨٢ .


في المصحف الظاهر ، على ما أمرنا به حسب ما بيّناه مع أنّه لا ينكر أن تأتي القراءة على وجهين منزلين : أحدهما : ما تضمّنه المصحف والثاني : ما جاء به الخبر ، كما يعترف به مخالفونا من نزول القرآن على أوجه شتّى )(١) .

٣ـ الشريف المرتضى ، علي بن الحسين علم الهدى (ت ٤٣٦ هـ) .

قال في رسالته الجوابية الأُولى عن ( المسائل الطرابلسيات ) : ( إنّ العلم بصحّة نقل القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار والوقائع العظام والكتب المشهورة وأشعار العرب المسطورة ، فإنّ العناية اشتدّت والدواعي توفّرت على نقله وحراسته ، وبلغت إلى حدّ لم يبلغه فيما ذكرناه ؛ لأنّ القرآن معجزة النبوّة ومأخذ العلوم الشرعيّة والأحكام الدّينية وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية ، حتى عرفوا كلّ شيء اختلف فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته ، فكيف يجوز أن يكون مغيّراً ومنقوصاً ، مع العناية الصادقة والضبط الشديد )(٢) !

وقال أيضاً : ( إنّ العلم بتفسير القرآن وأبعاضه في صحّة نقله كالعلم بجملته ، وجرى ذلك مجرى ما علم ضرورة من الكتب المصنّفة ، ككتاب سيبويه والمزني ، فإنّ أهل العناية بهذا الشأن يعلمون من تفصيلهما ما يعلمونه من جملتهما ، حتى لو أنّ مدخلاً أدخل في كتاب سيبويه باباً في النحو ليس من الكتاب لعرف وميّز وعلم أنّه ملحق وليس من أصل الكتاب ، وكذلك القول في كتاب المزني ، ومعلوم أنّ العناية بنقل القرآن وضبطه

ــــــــــــــ

(١) المسائل السروية ، المفيد : ص٨٢ ص٨٤ .

(٢) نقلاً عن مجمع البيان ، الطبرسي : ج١ ص١٥ .


أصدق من العناية بضبط كتاب سيبويه ودواوين الشعراء )(١) .

وذكر أخيراً : ( أنّ من خالف في ذلك من الإمامية والحشوية لا يعتدّ بخلافهم ، فإنّ الخلاف في ذلك مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث نقلوا أخباراً ضعيفة ظنّوا صحّتها ، لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحّته )(٢) .

٤ـ شيخ الطائفة ، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ت٤٦٠)

قال في مقدّمة تفسيره ( التبيان ) : ( وأمّا الكلام في زيادته ونقصانه فممّا لا يليق بهذا الكتاب المقصود منه العلم بمعاني القرآن ؛ لأنّ الزيادة منه مجمع على بطلانها والنقصان منه ، فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه ، وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا .

وهو الذي نصره المرتضى ، وهو الظاهر في الروايات ، غير أنّه رويت روايات كثيرة من جهة الخاصّة والعامّة بنقصان كثير من آي القرآن ، ونقل شيء منه من موضع إلى موضع ، طريقها الآحاد التي لا توجب علماً ولا عملاً ، والأولى الإعراض عنها ، وترك التشاغل بها ، لأنّه يمكن تأويلها )(٣) .

٥ـ وهكذا قال أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي (ت ٥٤٨ هـ) في ( مقدّمة التفسير ) وفي كتابه ( الاحتجاج ) قال : ( والكلام في زيادة القرآن ونقصانه ، ممّا لا يليق بالتفسير أمّا الزيادة فيه فمجمع على بطلانه ، وأما

ــــــــــــــ

(١) مجمع البيان ، الطبرسي : ج١ ص١٥ .

(٢) الاحتجاج ، الطبرسي : ج١ ص٣٧٨ .

(٣) التبيان ، الشيخ الطوسي : ج١ ص٣ .


النقصان منه : فقد روى جماعة من أصحابنا ، وقوم من حشوية العامة ، أنّ في القرآن تغييراً ونقصاناً ، والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه ، وهو الذي نصره المرتضى واستوفى الكلام فيه غاية الاستيفاء )(١) .

وقد شهد بعض أعلام السنّة بنـزاهة بعض فرق الشيعة من تهمة التحريف :

منهم أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري (م ٣٢٤ هـ) هو علم من أعلام الأشاعرة ، حيث قال : ( واختلفت الروافض في القرآن ، هل زيد فيه أو نقص منه ؟ وهم فرقتان ، فالفرقة الأولى منهم يزعمون أنّ القرآن قد نقص منه وأمّا الزيادة فذلك غير جائز أن يكون قد كان ، وكذلك لا يجوز أن يكون قد غيّر منه شيء عمّا كان عليه ، فأمّا ذهاب كثير منه فقد ذهب كثير منه ، والإمام يحيط علماً به .

والفرقة الثانية منهم وهم القائلون بالاعتزال ( لقولهم بأصل العدل ) والإمامية يزعمون أنّ القرآن ما نقص منه ولا زيد فيه ، وأنّه على ما أنزله الله تعالى على نبّيه عليه الصلاة والسلام ، لم يغيّر ولم يبدّل ، ولا زال عمّا كان عليه )(٢) .

هذا كلام أكبر زعيم من زعماء الفكر الإسلامي السنّي في مطلع القرن الرابع الهجري (توفّي سنة ٣٣٠ هـ) يشهد بوضوح أنّ الأعلام والمحقّقين من علماء الشيعة الإمامية يرفضون القول بالتحريف في جميع أشكاله ، فمَن ذا يا ترى يمكنه نسبة هذا القول إليهم إلاّ أن يكون تائهاً في الضلال ؟!

ــــــــــــــ

(١) تفسير مجمع البيان ، الطبرسي : ج١ ص٤٣ ؛ الاحتجاج : ج١ ص٣٧٩ .

(٢) مقالات الإسلاميين ، الشيخ أبو الحسن الأشعري : ج١ ص٤٧ .


منشأ الشبهة في التحريف

لعلّ المنشأ في تلك الشبهة هو وجود بعض الروايات المرسلة عن أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام ، حيث إنّ رواة هذه الأحاديث إمّا ضعيف الحديث فاسد المذهب ، أو مضطرب في حديثه أو متهم وأمثال هؤلاء ، ولا يمكن الاعتماد على رواياتهم ، مضافاً إلى أنّ تلك الروايات وخصوصاً المعتبر منها ـ كما سيأتي ـ لا دلالة فيها على شيء من التحريف ، فهي إمّا روايات تفسيرية لتوضيح الآية أو بيان النـزول أو تأويل الآية أو تعيين مصداق من مصاديقها الأجلى ، وقد اعتاد السلف جعل شيء من الشرح مع الأصل لأجل إزالة الإبهام من الآية .

ومن هذه الروايات ما روي عن الإمام الصادقعليه‌السلام في قوله تعالى :( ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً ممَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً ) (١) قال :( ممّا قضيت ( من أمر الوالي ) ويسلّموا ( لله الطاعة ) تسليماً ) (٢) .

وهذا واضح في كون المراد منه تفسير وتبيين لمواضع التقدير في الكلام على ما أراده المتكلّم ، ولا يمكن أن يكون وجهاً معقولاً دالاً على التحريف .

ومنها ما رُوي عن أبي الربيع الشامي قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن قول

ــــــــــــــ

(١) النساء : ٦٥ .

(٢) الكافي : ج٨ ص١٨٤ ح٢١٠ .


الله عزّ وجل :( وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) (١) قال : فقالعليه‌السلام : ( الورقة : السقط ، والحبّة : الولد ، وظلمات الأرض الأرحام ، والرطب ما يحيي الناس به ، واليابس ما يفيض ، وكل ذلك في إمام مبين )(٢) والظاهر أنّ استبدال لفظ الإمام في كلامهعليه‌السلام هو تفسير للكتاب نظراً لقوله تعالى :( وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ) (٣) هذا مضافاً إلى أنّ أبا الربيع الشامي مهمل في الكتب الرجالية ، وممّا يؤيّد ذلك ما رواه السنّة والشيعة من أنّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا نزلت هذه الآية أشار إلى عليعليه‌السلام وقال :( هذا هو الإمام المبين ) (٤) .

ومنها ما روي عن الصادقعليه‌السلام أنّه قال :( اللّهمّ العن الذين كذبوا رسلك وهدموا كعبتك وحرّفوا كتابك ) (٥) ومن الواضح أنّ المراد بقوله( حرّفوا كتابك ) هو تضييع حدود القرآن وعدم العمل بها ، وهو من التحريف المعنوي الذي لا خلاف في وقوعه من قِبل البعض الذين يفسّرون القرآن على حسب أهوائهم ورغباتهم .

وممّا يشهد لذلك أنّ هذه الرواية قرنت تحريف القرآن بهدم الكعبة وتعطيل المساجد ، ولا يعني بذلك المعنى الحقيقي للهدم ، وإنّما يعني ندرة الحجيج الذين يريدون وجه الله تعالى ، وخلو المساجد من أهل اليقين في عبادة الله تعالى .

إذن هذه الروايات لا دلالة فيها على التحريف بشيء فضلاً عن ضعف إسنادها

ــــــــــــــ

(١) الأنعام : ٥٩ .

(٢) الكافي : ج٨ ص٢٤٩ ح٣٤٩ .

(٣) يس : ١٢ .

(٤) انظر : البرهان في تفسير القرآن : ح٤ ص٣٦ .

(٥) كامل الزيارات : باب ٧٩ ص٣٨٧ ؛ انظر : ينابيع المودة : ج١ ص٢٣٠ ، دار الأسوة .


مصحف الإمام عليعليه‌السلام

ومن الشبهات التي تمسّك بها البعض لاتهام الشيعة بتحريف القرآن ، وجود مصحف خاص بعليعليه‌السلام وهو غير المصحف الموجود ، حيث إنّهعليه‌السلام أتى به إلى القوم فلم يقبلوه منه ، وأنّه كان مشتملاً على بعض الزيادات وهي غير موجودة في القرآن الذي بأيدينا ؛ وبذلك يلزم نقص القرآن الموجود عن مصحف أمير المؤمنين عليعليه‌السلام وهو عين التحريف الذي وقع النـزاع فيه

وقد وردت في ذلك بعض الروايات :

منها : ما احتجّ به عليعليه‌السلام على جماعة من المهاجرين والأنصار ، حيث قال :( يا طلحة ، إن كل آية أنزلها الله [تعالى] في كتابه على محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عندي بإملاء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وخطّي بيدي ، وتأويل كل آية أنزلها الله على محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكل حلال أو حرام أو حدّ أو حكم أو أي شيء تحتاج إليه الأُمّة إلى يوم القيامة عندي مكتوب بإملاء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وخط يدي حتى أرش الخدش ) (١) .

ومنها : ما في احتجاجهعليه‌السلام على بعض الزنادقة ، حيث قال :( ولقد

ــــــــــــــ

(١) كتاب سليم بن قيس : ص٢١١ ، تحقيق محمد باقر الأنصاري .


أحضروا الكتاب كملاً مشتملاً على التأويل والتنـزيل والمحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ لم يسقط منه حرف ألف ولا لام ) (١) .

ومنها : ما رواه الكافي عن أبي جعفرعليه‌السلام :( ما يستطيع أحد أن يدّعي أنّ عنده جميع القرآن كلّه ، ظاهره وباطنه غير الأوصياء ) (٢) .

والجواب على هذه الشبهة من وجوه :

١ـ إنّ هذه الزيادات الموجودة في مصحف الإمام عليعليه‌السلام لا دليل على أنّها قرآن ، بل كانت من التفسير والتأويل .

٢ـ بحكم الأدلة السابقة الدالة على بطلان التحريف ، يتضح بطلان هذه الشبهة من أساسها ، وأنّ هذه الزيادات الموجودة في مصحف الإمام عليعليه‌السلام ليست من أصل القرآن .

٣ـ وردت عدّة أقوال عن أهل السنّة تشهد على أنّ الاختلاف بين مصحف عليعليه‌السلام والمصحف الموجود إمّا راجع إلى زيادة الناسخ والمنسوخ ، أو اختلاف الترتيب حسب النـزول ونحوها .

فعن ابن حجر في فتح الباري قال : ( إنّ مصحف علي كان على ترتيب النـزول أوّله اقرأ ، ثم المدثّر ثم ن والقلم ثم المزمّل )(٣) .

٤ـ لو كان مصحف الإمام عليعليه‌السلام يختلف عن المصحف الموجود ، لأخرجه الإمام عليعليه‌السلام للناس بعد أن استلم منصب الخلافة ، لا سيّما الأخذ بنظر الاعتبار اهتمام وحرص الإمام عليعليه‌السلام على حفظ الإسلام والكتاب المنزل .

روايات تحريف القرآن عند أهل السنّة

إنّ بعض أهل السنّة ـ الذين رفعوا شعار التحريف ضد الشيعة ، استناداً إلى بعض الروايات الضعيفة ـ لم تخل مصادرهم المعتبرة من بعض هذه الروايات الدالة على وقوع التحريف في القرآن ، حيث آمن أكثر علماء السنّة بأنّ القرآن الكريم نسخت تلاوته .

ــــــــــــــ

(١) تفسير الصافي ، الفيض الكاشاني : ج١ ص٤٧ ، ط٢ ـ مكتبة الصدر ـ طهران .

(٢) أصول الكافي ، الكليني : ج١ ص٢٢٨ .

(٣) فتح الباري ، ابن حجر : ج٩ ص٣٤ ، ط٤ ، دار إحياء التراث العربي .


وقد حملوا كثيراً من أخبار التحريف المحتشدة والمتضافرة في كتبهم على ما ابتدعوه من اصطلاح نسخ التلاوة ، مع أنّ تغيير الاسم لا يغيّر من الواقع شيئاً ، لاسيّما وأنّ بعض الروايات تنص على أنّ الآية المزعومة كانت ممّا يتلى بعد وفاة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أيضاً .

وإليك نماذج من أحاديث التحريف التي طفحت بها أُمّهات المصادر عندهم :

١ـ آية الرجم

كان عمر بن الخطاب يزعم أن آية الرجم كانت تقرأ في حياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إلاّ أنّها نسيت فيما بعد لسبب غير معروف ، وهذا ما يسجّله البخاري من أن عمر خطب قائلاً : ( إنّ الله بعث محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالحق وأنزل عليه الكتاب ، فكان ممّا أنزل آية الرجم ، فقرأناها وعقلناها ووعيناها ، فلذا رجم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ورجمنا بعده ، فأخشى إن طال بالناس الزمان أن يقول قائل : والله ، ما نجد آية الرجم في كتاب الله ، فيضلّوا بترك فريضة أنزلها الله ، والرجم في كتاب الله حقّ على مَن زنى ، إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البيّنة أو كان الحبل أو الاعتراف )(١) .

ومن الغريب والطريف ما ورد عن ابن سعد ، حيث قال : ( أوّل مَن جمع القرآن أبو بكر ، وكتبه زيد وأنّ عمر أتى بآية الرجم يكتبها ؛ لأنّه كان وحده )(٢) أي وطلب زيد بن ثابت منه شاهدين يشهدان بأنّهما آية من كتاب الله فلم يستطع عمر من إقامتهما .

وقد رُويت آية الرجم بوجه آخر وهو : ( الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة بما قضيا من اللذة )(٣) ومن الواضح أنّ آية الرجم لا تشابه بقيّة الآيات في روعة بلاغتها وفصاحتها .

إذن فعمر يعترف بنقص القرآن لعدم وجود آية الرجم فيه ، وهي دعوى التحريف بعينها .

٢ـ آية الرغبة

وهي آية أخرى زعم عمر أنّها أُسقطت من القرآن الكريم ، حيث قال : ( إنّا كنّا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله ، أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنّه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم )(٤) وهذه الآية المزعومة بعيدة كل البعد عن المضامين العالية للقرآن الكريم .

ــــــــــــــ

(١) صحيح البخاري : ج٨ ص٢٦ ، باب رجم الحبلى .

(٢) الإتقان في علوم القرآن ، السيوطي : ج١ ص١٦٣ ، ط١ ـ تحقيق سعيد المندوب ـ دار الفكر .

(٣) الإتقان في علوم القرآن ، السيوطي : ج٢ ص٦٧ ، ط١ ، دار الفكر تحقيق سيعد المندوب .

(٤) صحيح البخاري : ج٨ ص٢٦ .


إذن يتضح من كلام عمر أنّ هذا المصحف الذي بأيدينا تنقصه آية الرغبة التي يرويها ، وهذا هو عين القول بالتحريف .

٣ـ القرآن (١٠٢٧٠٠٠) حرف !!

ما أخرجه الطبراني عن عمر بن الخطاب أنّه قال : ( القرآن ألف ألف حرف وسبعة وعشرون ألف حرف )(١) مع أنّ القرآن الذي بين أيدينا لا يبلغ ثلث هذا المقدار ، وهذا يعني أنّ عمر يقول : إنّ هذا القرآن الذي بأيدينا ناقص .

٤ـ ذهب من القرآن الكثير

روى نافع عن ابن عمر أنّه قال : ( لا يقولنّ أحدكم قد أخذت القرآن كلّه وما يدريه ما كلّه ؟ قد ذهب منه قرآن كثير ، ولكن ليقل قد أخذت منه ما ظهر )(٢) .

قال الآلوسي : ( وروايات في هذا الباب أكثر من أن تحصى )(٣) .

ومعنى قوله : ( ذهب منه قرآن كثير ) إنّ هذا القرآن الذي بين أيدينا ناقص !!

٥ـ ذهاب كثير من القرآن يوم اليمامة

روى ابن داود عن ابن شهاب ، قال : ( بلغنا أنّه كان أُنزل قرآن كثير ، فقتل علماؤه يوم اليمامة الذين كانوا قد وعوه ولم يعلم بعدهم ولم يكتب )(٤) .

ــــــــــــــ

(١) المعجم الأوسط ، الطبراني : ج٦ ص٣٦١ ، تحقيق طارق الحسيني ، دار الحرمين – القاهرة – ١٤١٥ .

(٢) الدر المنثور ، السيوطي : ج١ ص٢٥٨ .

(٣) روح المعاني ، الآلوسي : ج١ ص٢٥ .

(٤) كنـز العمّال ، المتقي الهندي : ج٢ ص٦٨٥ .


٦ـ زيادة في مصحف عائشة

أخرج السيوطي في الإتقان عن أبي عبيد بإسناده عن حميدة بنت أبي يونس قالت : قرأ عليَّ أبي وهو ابن ثمانين سنة في مصحف عائشة : ( إنّ الله وملائكته يصلّون على النبي يا أيّها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليماً ، وعلى الذين يصلّون الصفوف الأول ، قالت : قبل أن يغيّر عثمان المصاحف )(١) .

ولا ريب أنّ معنى هذا القول أنّ عائشة ترى نقصان المصحف الموجود بين أيدينا من هذا المقطع من الآية وهو ( وعلى الذين يصلّون الصفوف الأول ) .

٧ـ آية الرضعات أكلها داجن البيت

أخرج مسلم عن عائشة قالت : ( كان فيما أنزل الله من القرآن عشر رضعات معلومات يحرّمن ، ثم نسخن بخمس معلومات فتوفّى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهنّ فيما يقرأ من القرآن )(٢) ونقل عنها ابن ماجه قولها : ( ولقد كان في صحيفة تحت سريري ، فلمّا مات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتشاغلنا بموته دخل داجن فأكلها ) !!(٣) ! .

ــــــــــــــ

(١) الإتقان ، السيوطي : ج٢ ص٦٧ .

(٢) صحيح مسلم ، مسلم : ج٤ص١٦٧ .

(٣) سنن ابن ماجه ، محمد بن يزيد القزويني : ج١ ص٦٢٥ .


٨ـ آيات أُخر عند أُبي بن كعب

حيث روى أُبي بن كعب أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال له : إنّ الله أمرني أن أقرأ عليك فقرأ : ( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ) قال : فقرأ فيها إنّ الدين عند الله الحنيفية لا المشتركة ولا اليهودية ولا النصرانية من يعمل خيراً فلن يكفره وقرأ عليه : لو كان لابن آدم وادياً لابتغى إليه ثانياً ، ولو أعطى ثانياً لابتغى ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلاّ التراب ويتوب الله على مَن تاب )(١) .

٩ـ آيتان لم تكتبا في المصحف

روى أبو سفيان الكلاعي ، أنّ مسلمة بن مخلد الأنصاري قال لهم ذات يوم : أخبروني بآيتين في القرآن لم يكتبا في المصحف ، فلم يخبروه وعندهم أبو الكنود سعد بن مالك ، فقال مسلمة : ( إنّ الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ألا أبشروا أنتم المفلحون والذين آووهم ونصروهم وجادلوا عنهم القوم الذين غضب الله عليهم أولئك لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرّة أعيُنٍ جزاءً بما كانوا يعملون )(٢) .

١٠ـ سورة الأحزاب أطول من البقرة

روى أحمد بن حنبل بإسناده عن زر قال : قال لي أبي بن كعب : ( كائن تقرأ سورة الأحزاب أو كائن تعدها قال : ( قلت له : ثلاثاً وسبعين آية ، فقال : قط ! لقد رأيتها وإنّها لتعادل سورة البقرة ولقد قرأنا فيها : ( الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم )(٣) .

ــــــــــــــ

(١) مسند أبي داود الطيالسي ، الطيالسي : ص٧٣ .

(٢) الإتقان ، السيوطي : ج٢ ص٦٨ .

(٣) مسند أحمد ، أحمد بن حنبل : ج٥ ص١٣٢ ؛ الإتقان للسيوطي : ج ٣ص٧٢ .


وفي منتخب كنـز العمّال : ( إن كانت لتضاهي سورة البقرة أو هي أطول من سورة البقرة )(١) .

وفي حديث عروة عن خالته عائشة ، قالت : ( كانت سورة الأحزاب تُقرأ زمن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مائتي آية ، فلمّا كتب عثمان المصاحف ، لم يقدر منها إلاّ على ما هو الآن )(٢) .

١١ـ سورة البراءة كانت تعدل سورة البقرة

فقد روى جلال الدين السيوطي أنّ مالكاً قال في سورة البراءة : ( إنّ أوّلها لمّا سقط سقط معه البسملة ، فقد ثبت أنّها كانت تعدل البقرة لطولها )(٣) .

وأخرج الحاكم بإسناد عن حذيفة بن اليمان أنّه قال : ( ما تقرأون ربعها ، يعني براءة ، وأنّكم تسمّونها سورة التوبة وهي سورة العذاب )(٤) ونحوها من الروايات الواردة من مصادر أهل السنّة المعتبرة التي تصرّح بحذف آية أو آيتين أو أكثر من المصحف الموجود بأيدينا ، وقد وجد البعض مخرجاً لهذا المأزق بابتكار نسخ التلاوة ، متناسين أنّ هذا مجرّد اصطلاح وتعبير لفظي لا يغيّر من الواقع شيئاً .

مضافاً إلى وجود عدد من الروايات في مصادر السنّة المعتبرة تؤكّد على وجود خطأ ولحن أو زيادة كلمة ونحوها(٥) .

ــــــــــــــ

(١) كنز العمال ، المتقي الهندي : ج٢ ص٥٦٧ .

(٢) الإتقان ، السيوطي : ج٢ ص٦٦ .

(٣) الإتقان ، السيوطي : ج١ ص١٧٧ .

(٤) مستدرك الحاكم : ج٢ ص٣٣٠ـ٣٣١ .

(٥) راجع : صحيح البخاري مع فتح الباري : ج٧ ص٥١ ؛ الدر المنثور : ص٦٥ والآية ٥٢ من سورة الحج ؛ صحيح مسلم باب الدليل لمَن قال الصلاة الوسطى هي صلاة العصر ، ج١ ص٤٣٧ـ٤٣٨ ؛ ج١ ص٥٦٥ ؛ مسند أحمد : ج١ ص ٣٩٤ ؛ ج٣ ص١٧٧ ؛ ج٤ ص٨٥ ؛ ج٥ ص٢١٩ ؛ صحيح الترمذي : ج٥ ص١٩١ ؛ ج١٣ ص٢٠٣ـ ٢٠٤ ؛ صحيح البخاري : ج٣ ص٨٢ ؛ ج٢ ص٢١٠ ؛ الإتقان : ج١ ص٨٠ ؛ ج١ ص٦٧ ؛ ج١ ص٧٢ ؛ ج٣ ص٧٢ ؛ ج٢ ص٢٥ ؛ الدر المنثور : ج١ ص٢٠ ؛ ج١ ص٨ ؛ ج١ ص٣ ؛ البرهان في علوم القرآن : ج١ ص٢٤٩ ؛ وغيرها .


من أقوال محقّقي أهل السنّة في إبطال القول بنسخ التلاوة

قال الدكتور صبحي الصالح : ( أمّا الجرأة العجيبة ففي الضربين الثاني والثالث اللذين نسخت فيهما بزعهم آيات معيّنة ، إمّا مع نسخ أحكامها وإمّا من دون نسخ أحكامها ، والناظر في صنيعهم أضرب إنّما يصلح إذا كان لكل ضربٍ شواهد كثيرة أو كافية على الأقل ليتيسّر استنباط قاعدة منها ، وما لعشّاق النسخ إلاّ شاهد أو اثنان على كل من هذين الضربين ، وجميع ما ذكروه منها أخبار آحاد ، ولا يجوز القطع على إنزال القرآن ونسخه بأخبار آحاد لا حجّة فيها )(١) .

ــــــــــــــ

(١) مباحث في علوم القرآن ، صبحي الصالح : ٢٦٥ .


الفصل الخامس : إبطال دعوى أنّ التقية كذب ولا أصل لها

في النصوص الإسلامية

التقيّة

الشبهة

التقيّة كذب لأجل الضرورة ، فكيف يجعلها الشيعة من أصول الدين ؟

الجواب :

تمهيد

اتفق المسلمون بجميع طوائفهم على أنّ مفهوم التقيّة من المبادئ الإسلامية الأصيلة ، التي وردت في القرآن الكريم والسنّة النبوية ، وسنّة المعصومين من أهل البيتعليهم‌السلام ، ولكن وقع الخلاف بين علماء المسلمين في التقيّة من جهتين أساسيتين :

الأُولى : سعة دائرة التقيّة من حيث الزمان والمكان والطرف الذي يتقى منه .

الثانية : حكم التقية ، وهل هي رخصة فقط ؟ أو أنّها تصل إلى حدّ الوجوب والإلزام ؟

ولم يقع الخلاف بين المسلمين في حقيقة التقية ومناشئها ، إلاّ بعض الفرق التي رمت المسلمين كلّهم بالنفاق ، عندما وسمت التقية بأنّها شعبة من شعب النفاق ، وأنّها من السكوت عن الحق ، والساكت عن الحق شيطان أخرس .

وفي الوقت الذي أجمع فيه المسلمون على أن مناشئ التقية هي الحذر والخوف على النفس والعرض والمال ، قال ذلك البعض : ( إنّ مناشئ التقية هي بطلان عقيدة ومذهب صاحب التقية ، وأنّ التقية يتشبّث بها مَن كان باطل العقيدة والمذهب ) .

وجدير بالذكر أنّ الإجماع بين المسلمين قائم على أنّ التقية من الفروع الفقهية ، وإنّما وقع الخلاف في الحكم ، وأنّها رخصة فقط أو أنّها تبلغ درجة الوجوب ، وبعبارة أخرى : ما هي منزلة التقية في الإسلام ؟ ولكن مع ذلك نجد أنّ البعض يتهم الشيعة الإمامية الاثني عشرية بأنّهم يجعلون التقية من أساس الدين وأُصوله ، على حدّ التوحيد والنبوّة ، وفسّروا التراث الشيعي في التقية بما يروق لهم

وبناءً على ما ذكرناه لا بد من الإجابة على الأسئلة التالية :


١ـ ما هي حقيقة التقية ؟ وما هي مناشئها ؟

٢ـ هل التقية من أصول الدين أم فروعه ؟ وما هي منزلتها في الإسلام ؟

٣ـ ما هو حكم التقية في الإسلام ؟

٤ـ إلى كم تتسع دائرة التقية من حيث الزمان والمكان ؟ ومَن هو الطرف الذي يُتّقى منه ؟

هوية التقية

التقية في كلمات أهل اللغة

قال ابن منظور في اللسان : ( تقى يتقي بمعنى استقبل الشيء وتوقّاه ، وفي الحديث : كنّا إذا احمر البأس اتقينا برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أي : جعلناه وقاية لنا من العدو قدامنا واستقبلنا العدو به وقمنا خلفه وفي الحديث : قلت : وهل للسيف من تقية ؟ قال : نعم ، تقية على أقذاء وهدنة على دخن ، التقية والتقاة بمعنى ، يريد أنّهم يتقون بعضهم بعضاً ويظهرون الصلح والاتفاق وباطنهم بخلاف ذلك. ورجل وقي تقي بمعنى واحد .

وفي الحديث : إنّما الإمام جنّة يتقى به ويقاتل من ورائه ، أي أنّه يدفع به العدو ويتقى بقوّته ، والتاء فيها مبدلة من الواو ، لأنّ أصلها من الوقاية وقد توقّيت واتقيت الشيء وتقيته أتقيه تقىً وتقية وتقاء : حذرته )(١) والذي يتضح من هذه العبارات أنّ الوقاية مأخوذة في تعريف وحقيقة التقية ، بل الذي يتضح منها أيضاً أنّ أصل التقية من الوقاية ، ووقي وتقي بمعنى واحد .

والوقاية كما في كلمات اللغويين هي :

( حفظ الشيء ممّا يؤذيه ويضرّه ، يقال : وقيت الشيء أقيه وقاية ووقاء )(٢) .

( وقيت الشيء أقيه إذا صنته وسترته عن الأذى ووقاه : صانه ، ووقاه ما يكره ووقّاه : حماه منه والوَقاء والوِقاء والوَقاية والوُقاية الوِقاية والواقية : كل ما وقيت به شيئاً )(٣) .

ــــــــــــــ

(١) لسان العرب ، ابن منظور : ج ١٥ ص٤٠٢ ـ ٤٠٤ .

(٢) مفردات غريب القرآن ، الراغب الأصفهاني : ص٥٣٠ .

(٣) لسان العرب : ج ١٥ ص ٤٠١ – ٤٠٢ .


 ( والشيء وقياً ووقاية وواقية : صانه عن الأذى وحماه وقّاه توقية : حفظه وصانه والشيء توقّاه : حذره وتجنبه التقاة : الخشية والخوف التقية : الخشية والخوف ، والتقيّة ( عند بعض الفرق الإسلامية ) : إخفاء الحق ومصانعة الناس في غير دولتهم تحرزاً من التلف )(١) .

والمتحصل من كلمات اللغويين : إنّ التقية الحذر في حفظ الشيء وصيانته وستره وحمايته ممّا يؤذيه ويضره ، فنجد أنّ المعنى اللغوي للتقية يتضمن ستر الشيء وإخفاءه بإظهار عدمه للطرف المقابل ؛ خوفاً وحذراً من أجل صيانته ممّا يؤذيه ويضرّه ، وهذا المعنى اللغوي للتقية يقرب جدّاً ، من المعنى الاصطلاحي لها ، بل يلتقي معه ، كما تقدم أنّ المراد من ( تقية على أقذاء ) أنّهم يتقون بعضهم بعضاً ويظهرون الصلح والاتفاق وباطنهم بخلاف ذلك .

المعنى الاصطلاحي للتقيّة

ذكرنا آنفاً أنّ المعنى اللغوي يلتقي مع المعنى الاصطلاحي ولا اصطلاح جديد ومخترع للتقية في الفقه ، ويشهد على ذلك كلمات العلماء من الفريقين في تعريف التقية :

التقيّة في كلمات علماء الشيعة

١ـ ما ذكره الشيخ المفيدرحمه‌الله ، حيث قال : ( التقيّة : كتمان الحق وستر الاعتقاد فيه ، ومكاتمة المخالفين ، وترك مظاهرتهم بما يعقب ضرراً في الدين أو الدنيا ، وفرض ذلك إذا علم بالضرورة ، أو قوي في الظن ، فمتى لم يعلم ضرراً بإظهار الحق ، ولا قوي في الظن ذلك لم يجب فرض التقية ، وقد أمر الصادقونعليهم‌السلام جماعة من أشياعهم بالكفّ والإمساك عن إظهار الحق والمباطنة والستر له عن أعداء الدين والمظاهرة لهم بما يزيل الريب عنهم

ــــــــــــــ

(١) المعجم الوسيط : ج٢ ص ١٠٥٢ .


في خلافهم ، وكان ذلك هو الأصلح لهم ، وأمروا طائفة أخرى من شيعتهم بمكالمة الخصوم ومظاهرتهم ، ودعائهم إلى الحق ؛ لعلمهم بأنّه لا ضرر عليهم في ذلك ، فالتقية تجب بحسب ما ذكرناه ويسقط فرضها في مواضع أخرى على ما قدمناه )(١) .

وقال أيضاً في أوائل المقالات : ( إنّها جائزة في الأقوال كلّها ، عند الضرورة وربّما وجبت فيها لضرب من اللطف والاستصلاح ، وليس يجوز من الأفعال في قتل المؤمنين ولا فيما يعلم أو يغلب إنّه استفساد في الدين )(٢) .

٢ـ قال الشيخ علي بن الحسين الكركي : ( اعلم أنّ التقية جائزة وربّما وجبت ، والمراد بها : إظهار موافقة أهل الخلاف فيما يدينون به خوفاً )(٣) .

٣ـ قال الشهيد الأوّل محمد بن مكي العاملي : ( التقيّة : مجاملة الناس بما يعرفون وترك ما ينكرون ، حذراً من غوائلهم )(٤) .

٤ـ وقال العلاّمة الشهرستاني : ( التقيّة : إخفاء أمر ديني لخوف الضرر من إظهاره )(٥) .

والذي يتحصّل من هذه التعاريف محوران أساسيان :

الأوّل : إنّ التقية إخفاء الحق وإظهار ما هو خلافه ، ولا شك أنّ التقية تمتاز بذلك عن النفاق الذي هو : إبطان الكفر وإظهار الإسلام والإيمان .

الثاني : إنّ سبب التقية هو خوف الضرر المحتمل من الغير .

ــــــــــــــ

(١) اعتقاد الإمامية ، الشيخ المفيد : ص ١٣٧ .

(٢) أوائل المقالات : ص ١١٨ .

(٣) رسائل الكركي : ج٢ ص٥١ .

(٤) القواعد والفوائد ، الشهيد الأوّل : ج٢ ص ١٥٥ .

(٥) أوائل المقالات ، الشيخ المفيد : ص ٢١٥ .


التقية في كلمات أعلام أهل السنّة

١ـ عن الضحاك ، قال : ( التقيّة باللسان من حمل على أمر يتكلّم به وهو لله معصية ، فتكلّم مخافة على نفسه ، وقلبه مطمئن بالإيمان فلا إثم عليه ، إنّما التقيّة باللسان )(١) .

٢ـ قال ابن حجر العسقلاني في فتح الباري : ( ومعنى التقيّة الحذر من إظهار ما في النفس من معتقد وغيره للغير )(٢) .

٣ـ وعرّف السرخسي التقية في المبسوط بقوله : ( والتقيّة أنّ يقي نفسه من العقوبة بما ظهره وإن كان يضمر خلافه )(٣) .

٤ـ وقال الفخر الرازي في تفسيره : ( إنّ التقيّة إنّما تكون إذا كان الرجل في قوم كفّار ويخاف منهم على نفسه وماله فيداريهم باللسان ؛ وذلك بأنّ لا يظهر العداوة باللسان ، بل يجوز أيضاً أن يظهر الكلام الموهم للمحبّة والموالاة ، ولكن بشرط أن يضمر خلافه ـ إلى أن قال : ـ ظاهر الآية يدل أنّ التقية ، إنّما تحل مع الكفّار الغالبين ، إلاّ أنّ مذهب الشافعي أنّ الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والمشركين حلّت التقية محاماة على النفس )(٤) .

ــــــــــــــ

(١) جامع البيان ، الطبري : ج٣ ص ٣١٠ .

(٢) فتح الباري ، ابن حجر : ج ١٢ ص ٢٧٩ .

(٣) المبسوط ، السرخسي : ج ٢٤ ص ٤٥ .

(٤) تفسير الفخر الرازي : ج٨ ص ١٥ـ١٤ .


٥ـ عرّف الحداد في تفسيره التقيّة : ( أن يخاف التلف على نفسه أو على عضو من أن لم يفعل ما أمر به )(١) .

٦ـ وقال الآلوسي في تفسيره تحت ذيل آية التقية الآتية لاحقاً : ( وفي الآية دليل على مشروعية التقية ، وعرّفوها بمحافظة النفس أو العرض أو المال من شر الأعداء ، والعدو قسمان :

الأوّل : مَن كانت عداوته مبنية على اختلاف الدين كالكافر والمسلم .

والثاني : مَن كانت عداوته مبنية على أغراض دنيوية ، كالمال والمتاع والملك والإمارة )(٢) .

٧ـ وقال المراغي في تفسيره : (( إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً ) أي : إنّ ترك موالاة المؤمنين للكافرين حتم لازم في كل حال إلاّ في حال الخوف من شيء تتقونه منهم ، فلكم حينئذٍ أن تتقوهم بقدر ما يتقى ذلك الشيء ؛ إذ القاعدة الشرعية ( أنّ درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح ) وإذا جازت موالاتهم لاتقاء الضرر فأولى أن تجوز لمنفعة المسلمين ، وإذاً فلا مانع من أن تحالف دولة إسلامية دولة غير مسلمة لفائدة تعود إلى الأُولى ، إمّا بدفع ضرر أو جلب منفعة ، وليس لها أن تواليها في شيء يضر بالمسلمين ، ولا تختص هذه الموالاة بحال الضعف ، بل هي جائزة في كل وقت .

وقد استنبط العلماء من هذه الآية جواز التقية ، بأن يقول الإنسان أو يفعل ما يخالف الحق لأجل توقّي ضرر من الأعداء يعود إلى النفس أو العرض أو

ــــــــــــــ

(١) تفسير الحداد : ج٤ ص ١٥٩ .

(٢) روح المعاني : ج٣ ص١٢١ .


المال ويدخل في التقية مداراة الكفرة والظلمة والفسقة ، وإلانة الكلام لهم والتبسّم في وجوههم وبذل المال لهم ؛ لكفّ أذاهم وصيانة العرض منهم ، ولا يعد هذا من الموالاة المنهي عنها ، بل هو مشروع ؛ فقد أخرج الطبراني قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( ما وقى به المؤمن عرضه فهو صدقة ) ، وعن عائشة قالت : استأذن رجل على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنا عنده ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( بئس ابن العشيرة أو أخو العشيرة ) ثم أذن له ، فألان له القول ، فلمّا خرج ، قلت : يا رسول الله ، قلت ما قلت ثم ألنت له القول ؟ فقال :( يا عائشة ، إنّ من شر الناس من يتركه الناس اتقاء فحشه ) رواه البخاري ، وروى قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( إنّا لنكشّر في وجوه قوم وإن قلوبنا لتقليهم ) )(١) .

٨ـ وعرّف التقيّة السيد محمد رشيد رضا في تفسيره بقوله : ( ما يقال أو يفعل مخالفاً للحق لأجل توقّي الضرر )(٢) .

هذه نبذة مختصرة عن تعريف التقية عند أهل السنّة ، والملاحظ في هذه التعاريف أنّها لا تبتعد كثيراً عن المعنى اللغوي والاصطلاحي عند علماء الشيعة ، فقد احتوت تعاريفهم على الكتمان ، بل في بعضها كتمان الحق من أجل الخوف والحذر وتوقّي الضرر ، وإنّما لم يذكر في بعض تعاريفهم كتمان الحق ، بل جعلوه مطلق الكتمان ؛ لأنّ كلامهم كان في مطلق التقيّة ، وإلاّ فإنّ التقيّة في الدين مجمع على أنّ الكتمان فيها كتمان للحق حذراً وخوفاً وتوقّياً من الضرر .

ــــــــــــــ

(١) تفسير المراغي : ج١ ص ٤٨٦ ـ ٤٨٧ .

(٢) تفسير المنار : ج٣ ص ٢٨٠ .


النتيجة

إنّ ماهية التقية في الدين وحقيقتها متفق عليها بين المسلمين ، وهي كتمان الحق توقّياً للضرر من الغير .

ولم يصف التقية بالنفاق أحد من المسلمين إلاّ بعض المتعصّبين ؛ لأجل الطعن على الشيعة ، الذين احتاجوا واضطروا إلى التقية أكثر من غيرهم ؛ لما تعرضوا له من الجور والاضطهاد والقتل والتشريد .

العلاقة بين مفهوم التقية والإكراه

بناءً على ما تقدّم من تعريف التقية يتضح توافق مفهومها مع مفهوم الإكراه ؛ وذلك لأنّه تبيّن أنّ التقية هي كتمان الحق وإظهار خلافه لخوف الضرر من الغير ، ولا شك أنّ الإكراه وإتيان المكرَه بما يُجبره عليه المكرِه إنّما هو لأجل خوف الضرر من الغير أيضاً ، إذ أنّه يأتي بما لا يُحب خوفاً من توعّد الغير له ، قال في اللسان : ( الكره : ما أكرهك غيرك عليه وأكرهته : حملته على أمر هو له كاره )(١) .

وعرّف التفتازاني الإكراه بأنّه : ( حمل الغير على أن يفعل ما لا يرضاه ، ولا يختار مباشرته لو خلي ونفسه )(٢) .

ولذا نجد أنّ الفقهاء والمفسّرين والمحدّثين وحّدوا في بعض الأمثلة بين موارد الإكراه وموارد التقية ، فقد اعتبر المفسّرون آية الإكراه التي نزلت في عمار بن ياسر ، وهي قوله تعالى :( إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ

ــــــــــــــ

(١) لسان العرب ، ابن منظور : ج ١٢ ص ٥٣٤ – ٥٣٥ .

(٢) التلويح : ج٢ ص١٩٦ .


بِالإِيمَانِ ) (١) من التقية ولم يفرقوا بين المقامين في الموارد .

موارد الإكراه وموارد التقيّة

١ـ قال صاحب زاد المسير في تفسير آية الإكراه المتقدّمة : ( الإكراه على كلمة الكفر يبيح النطق بها وإذ ثبت جواز التقية فالأفضل ألاّ يفعل ، نصّ عليه أحمد في أسير خيّر بين القتل وشرب الخمر ، فقال : إن صبر على القتل فله الشرف ، وإن لم يصبر ، فله الرخصة ، فظاهر هذا الجواز ، وروى عنه الأثرم أنّه سئل عن التقية في شرب الخمر ، فقال : إنّما التقية في القول فأمّا إذا أكره على الزنا لم يجز له الفعل ، ولم يصح إكراهه ، نصّ عليه أحمد ، فإن أُكره على الطلاق ، لم يقع طلاقه ، نصّ عليه أحمد وهو قول مالك والشافعي ، وقال أبو حنيفة : يقع )(٢) .

فبغض النظر عن الحكم الذي يذكره للتقية والإكراه ، كلامه صريح في عدم الفرق بين مورد الإكراه والتقية .

٢ـ فهم القرطبي في تفسيره أنّ آيتي الإكراه والتقية من باب واحد حيث قال : ( أجمع أهل العلم على أنّ مَن أُكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل أنّه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان ، ولا تبين منه زوجته ، ولا يحكم عليه بحكم الكفر ، هذا قول مالك والكوفيين والشافعي ، غير محمد بن الحسن ، فإنّه قال : إذا أظهر الشرك كان مرتدّاً في الظاهر وفيما بينه وبين الله تعالى وهذا قول يردّه الكتاب والسنّة ، قال تعالى :( إِلاَّ مَنْ أُكْرِه ) وقال :

ــــــــــــــ

(١) النحل : ١٠٦ .

(٢) زاد المسير ، ابن الجوزي : ج٤ ص٣٦٢ ـ ٣٦٣ .


  ( إلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً ) )(١) .

٣ـ وقال الخازن الشافعي في تفسيره : ( التقية لا تكون إلاّ مع خوف القتل مع سلامة النيّة ، قال تعالى :( إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ) ثم هذه التقية رخصة )(٢) .

٤ـ وقال المراغي في تفسيره : ( فمَن نطق بكلمة الكفر مكرهاً وقاية لنفسه من الهلاك وقلبه مطمئن بالإيمان لا يكون كافراً ، بل يعذر كما فعل عمار بن ياسر حين أكرهته قريش على الكفر فوافقها مكرهاً وقلبه مليء بالإيمان ، وفيه نزلت الآية :( إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ) )(٣) ، وقد ذكر المراغي هذا الكلام تحت ذيل آية التقية :( إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً ) .

وأمّا المحدّثون فقد عقدوا باباً خاصاً للإكراه ، وأدرجوا فيه آيتي الإكراه والتقية ، وجمعوا فيه موارد الإكراه وموارد التقية ولم يفرقوا بينها ، ففي البخاري قال : ( كتاب الإكراه : قول الله تعالى :( إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن من شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) وقال :( إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً ) وهي تقية )(٤) ، وكذا ما في السنن الكبرى للبيهقي(٥) .

وأمّا بالنسبة إلى الفقهاء فكلماتهم في الدمج بين بابي الإكراه والتقية ، وعدم التفريق بين أمثلتها كثيرة جدّاً نقتصر على قولَي مالك والسرخسي :

ــــــــــــــ

(١) تفسير القرطبي : ج١٠ ص ١٨٢ .

(٢) تفسير الخازن : ج١ ص ٧٧ .

(٣) تفسير المراغي : ج١ ص ٤٨٦ .

(٤) صحيح البخاري : ج١٠ ص٥٥ ، كتاب الإكراه .

(٥) السنن الكبرى : ج٨ ص ٢٠٨ .


١ـ قال مالك في المدونة الكبرى : ( وإن قامت بيّنة على أنّه أكره فلا نرى أن يفرّق بينه وبين امرأته ، ولا نرى إن حدث به حدث وهو بتلك المنزلة إلاّ أن يورث وراثة الإسلام ، فإنّ الله تبارك وتعالى قال :( إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ) .

وقال عزّ وجل :( إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً ) )(١) ، وكلامه هذا صريح في التوحيد بين البابين .

٢ـ قال السرخسي في المبسوط : ( وعن الحسن البصري : التقيّة جائزة للمؤمن إلى يوم القيامة ، إلاّ أنّه لا يجعل في القتل تقية ، وبه نأخذ ، والتقيّة أن يقي نفسه من العقوبة بما ظهره وإن كان يضمر خلافه ، وقد كان بعض الناس يأبى ذلك ويقول إنّه من النفاق ، والصحيح أنّ ذلك جائز ؛ لقوله تعالى :( إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً ) وإجراء كلمة الشرك على اللسان مكرهاً مع طمأنينة القلب بالإيمان من باب التقية )(٢) .

هذا على مستوى البحث السنّي وأمّا على المستوى الشيعي فالأمر واضح .

ومن جميع ما تقدّم يتضح توافق الإكراه والتقية في الموارد ، فالتقية موردها الإكراه وخوف الضرر من الغير ، والفعل الذي يأتي به الشخص مكرهاً يسمّى تقيّة ، وإن كانت التقية أوسع مورداً من الإكراه كما سيتضح لاحقاً .

وعليه فكل ما جاء في الكتاب والسنّة وسيرة المسلمين جائز بعنوان الإكراه يصلح دليلاً لإثبات التقية وتحديد حكمها سعةً وضيقاً .

ــــــــــــــ

(١) المدونة الكبرى ، مالك : ج٢ ص ٣١٦ .

(٢) المبسوط ، السرخسي : ج٢٤ ص ٤٥ .


أسباب ومناشئ التقيّة

اتضح ممّا سبق حقيقة التقية ومناشئها وأسبابها ، ولكنّ التركيز على المناشئ والأسباب هنا للإجابة على الشبهة القائلة : إنّ التقية نفاق ، أو أنّها سكوت عن الحق وسرعان ما تزول هذه الشبهة إذا عرفنا ما هو النفاق بعد أن عرفنا حقيقة وماهية التقية .

حقيقة النفاق

ما ذكره اللغويون

قال ابن منصور في اللسان : ( والنفاق : الدخول في الإسلام من وجه والخروج عنه من آخر ، مشتق من نافقاء اليربوع إسلامية ، وقد نافق منافقة ونفاقاً ، وقد تكرّر في الحديث ذكر النفاق وهو اسم إسلامي لم تعرفه العرب بالمعنى المخصوص به ، وهو الذي يستر كفره ويظهر إيمانه ، وإن كان أصله في اللغة معروفاً )(١) .

وفي كتاب العين للفراهيدي : ( كفر النفاق : يؤمن بلسانه والقلب كافر )(٢) .

وفي غريب الحديث لابن قتيبة عرف المنافق بأنّه : ( الذي يدخل في الإسلام بلفظه ويخرج منه بعقده ، كما يدخل اليربوع من باب ويخرج

ــــــــــــــ

(١) لسان العرب ، ابن منظور : ج١٠ ص ٣٥٩ .

(٢) كتاب العين ، الفراهيدي : ج٥ ص ٣٥٦ .


من باب )(١) .

وفي المصباح المنير للفيّومي : ( النفاق اصطلاحاً : إذا أظهر الإسلام لأهله وأضمر غير الإسلام )(٢) .

هذا بالنسبة إلى اللغويين .

ما ذكره الفقهاء

قال النووي في المجموع : ( المنافق : الذي يظهر الإيمان ويستر الكفر )(٣) .

وقال الصنعاني في كتابه الفقهي ( سبل السلام ) : ( والمنافق مَن يظهر الإيمان ويبطن الكفر )(٤) .

ما ذكره المفسّرون

قال الجصاص في ( أحكام القرآن ) : ( والنفاق اسم شرعي جعل سمة لمَن يظهر الإيمان ويسر الكفر )(٥) .

وقال القرطبي في تفسيره : ( قول المؤمن : سمعت وأطعت لا فائدة فيه ما لم يظهر أثر ذلك عليه بامتثال فعله ، فإذا قصّر في الأوامر فلم يأتها واعتمد النواهي فاقتحمها ، فأي سمع عنده وأي طاعة ! وإنّما يكون حينئذٍ بمنزلة المنافق الذي يظهر الإيمان ويسر الكفر )(٦) .

ــــــــــــــ

(١) غريب الحديث : ج١ ص ٥٩ .

(٢) المصباح المنير : ج٢ ص٦١٨ .

(٣) المجموع ، النووي : ج ١٩ ص ٣٤١ .

(٤) سبل السلام ، الصنعاني : ج٤ ص ١٨٧ .

(٥) أحكام القرآن ، الجصاص : ج١ ص ٢٩ .

(٦) تفسير القرطبي : ج٧ ص ٣٨٨ .


ما ذكره المحدّثون

قال المناوي في فيض القدير : ( المنافقين الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ، والمنافق أصله مَن يظهر ما يبطن خلافه ، لكنّه غلب على مَن يظهر الإسلام ويبطن الكفر )(١) .

وقال في موضع آخر : ( المنافق الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر )(٢) .

وجاء في الحديث عن الإمام عليعليه‌السلام :( وإنّما أتاك بالحديث أربعة رجال ليس لهم خامس ، رجل منافق مظهر للإيمان متصنّع بالإسلام ) (٣) .

والأمر واضح لا يحتاج مزيد شواهد ، فالنفاق : ( إخفاء الكفر وإظهار الإيمان ) .

ومن ذلك يظهر التعاكس التام بين التقية والنفاق ؛ وذلك لأنّ التقية في الدين ـ كما اتضح سابقاً ـ هي : كتمان الحق وإظهار خلافه توقّياً من ضرر الغير ، أما النفاق فقد تبين آنفاً أنّه : إخفاء الكفر وإظهار الإيمان ، وهذه الماهية للنفاق ماهية اصطلاحية شرعية حدّد الشارع بها مفهوم النفاق وفرق بذلك بينها وبين التقية ، ومن هنا لا يكون النفاق في مورد الإكراه ؛ إذ( لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) فليس هو إلاّ مرض في النفس من أجل إضعاف شوكة المسلمين .

نعم ، قد يكون في مورد النفاق خوف الضرر على نفسه من القتل إذا أعلن كفره ـ مع كونه محارباً ومبغضاً للإسلام وأهله ـ إلاّ أنّه على الباطل لا على الحق ، كما هو الحال في التقية ، فصاحب التقية مؤمن بالله وكتبه ورسله لكنّه يرى صلاح دينه ودنياه بإظهار خلاف الحق في بعض الظروف الحرجة ، والمنافق كافر بالله وكتبه ورسله يظهر كلمة الإسلام من أجل التربّص بالدين وأهله أمّا كون التقية سكوتاً عن الحق فلا ضير فيه إذا جوّزه الشارع في موارد خوف ضرر الغير

والحاصل : إنّ منشأ النفاق مرض في النفس وجحود وكفر مع إظهار كلمة الإسلام ، ومنشأ التقية إكراه مع حذر وخوف من الغير يوجب كتمان الحق وإظهار ما يريده الغير منه .

وبهذا الفارق أصبح النفاق شريك الكفر ، والتقية من دين المؤمن ، كما سيتضح في حكم التقية .

أسباب ومناشئ موهومة

بمنطق التكفير والتشويه وكيل التهم يحاول البعض تغيير صفحات التاريخ ، وإلقاء ستار أبيض شفّاف على صفحاته السوداء .

ــــــــــــــ

(١) فيض القدير ، المناوي : ج١ ص ٨١ .

(٢) فيض القدير ، المناوي : ج٢ ص ٤٨٨ .

(٣) المعيار والموازنة ، الإسكافي : ص ٣٠٢ .


ففي الوقت الذي يُذعن كافّة المؤرّخين والكتّاب الإسلاميين بأنّ طائفة العلويين والشيعة عموماً واجهوا أشدّ المحن والابتلاءات ، وأقسى ألوان القتل والمطاردة والتشريد من قِبل سلطات بني أمية وبني العباس وعلماء الحكومة وفقهاء السلطة ووعّاظ السلاطين وغيرهم .

وكانت هذه الظروف هي التي أدّت بهم وبوضوح للجنوح إلى مبدأ التقية والكتمان والتخفّي ؛ للمحافظة على النفوس والأعراض والأموال وللثبات على الدين .

وفي خضمّ هذه الأسباب والمناشئ نجد أنّ مَن لا يروقه بقاء التشيّع صامداً نابضاً بالحياة والحيوية يُنكر تلك الأسباب والمناشئ الواضحة ، والتي ينادي بها التاريخ ، تصدح بها أقلام المؤرّخين ، ويحاول خلق أسباب موهومة وواهية تكشف عمّا يحمله كاتبها من حقد وحنق على الشيعة الإمامية الاثني عشرية ونحاول الإشارة إلى بعض تلك الأسباب والمناشئ المفتعلة مع بعض الإجابات المختصرة :

١ـ تعارض وتكاذب الروايات والفتاوى في المذهب الشيعي أدّى إلى اتخاذ التقية شعاراً ودثاراً

الجواب

أوّلاً : إنّ تنافي الروايات وتعارضها واختلاف الفتاوى وتكاذبها لا تكاد تجد طائفة من الطوائف الإسلامية تخلو منه أو تتنـزّه عنه ، خصوصاً الطائفة السنّيّة .

فلو كانت تلك المذكورات سبباً للتقية لكانت الطائفة السنّية أحوج إلى التقية من غيرهم ، وهذا أمر واضح لمَن طالع كتب الحديث والأصول والفقه ، حيث عمدت تلك الكتب جاهدة إلى التوفيق بين التراث المتضارب من الروايات ومَن يراجع الكتب الفقهية يجد المهاترات الكلامية الغفيرة بين الفقهاء ولا نريد الإطالة في هذا الجواب ؛ لأنّنا نرى أنّ ذلك أمر طبيعي يقتضيه الابتعاد عن منبع العصمة وكثرة الكذّابة على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، حتى نقل أبو حنيفة أنّه ما صحّ عنده من الأحاديث عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلاّ بعدد الأصابع من الروايات ، ولذا نحن نترفّع عن اتهام المسلمين من هذه الناحية .

ثانياً : إنّ اتخاذ مبدأ التقية شعاراً في منهج أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام أمر طبيعي جدّاً ، بملاحظة الظروف القاسية التي مرّوا بها من الاعتقالات والسجون والقتل والإقامات الجبرية التي مارستها معهم السلطات الأموية والعباسية ، ذلك كلّه مع مشروعية التقية ، بل بلوغها درجة الوجوب والضرورة


في بعض الأحيان ، وسبق وأن نقلنا تسلّح بعض الصحابة والتابعين وأعلام السنّة بذلك المبدأ الإسلامي الأصيل ، سواء على مستوى السيرة العملية أم الرواية والفتوى ، وتقدّم أيضاً تقية الرسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حفظاً لبعض المصالح الإسلامية وإبقاءً على الرسالة الإسلامية الفتية في بداية أمرها .

٢ـ استخدام التقية من أجل تمهيد الأرض الخصبة للوضع والدس في الروايات

الجواب

أوّلاً : لا أتصوّر أنّ اتهام طائفة بأجمعها بما توفّرت عليه من علماء وأتباع شهدت لهم جميع الطوائف الإسلامية بالورع والتقوى من الأمور المنطقية .

ثانياً : هناك مناهج دقيقة لدى الطائفة الشيعية في الجرح والتعديل تحدّد الرواية الصحيحة من غيرها ، ولو كان منهج الشيعة هو الوضع والدسّ والتزوير لما احتاجوا إلى وضع المناهج والدراسات المعمّقة في دراسة أحوال الرجال والرواية ، مع أنّنا نجدهم يبذلون قصارى جهدهم في تصحيح إسناد الروايات وملاحظة رواتها التي لا يخلو من بعضها الوضع والدس .

ثالثاً : الوضع والدس والتحريف لا يفتقر إلى التقية ، بل يمكن أن يمتهنه كلّ مَن لا يؤمن بالله ورسوله ؛ ولذا نجد أنّ كتب أحاديث السنّة مليئة بالوضع والدس والتحريف ، ومن هنا احتاجوا إلى وضع مناهج مفصّلة من الجرح والتعديل .

رابعاً : لو كان كلّ مَن يتخذ التقية شعاراً متهماً بالوضع والدسّ لتوجّه الاتهام إلى كثير من علماء السنّة الذين تسلّحوا بسلاح التقية عندما مرّوا بظروف حرجة مع السلطات الحاكمة ، كما في محنة خلق القرآن وفتنة الأسود العنسي ، وقد سبق اتهام الذهبي لبعض علماء السنّة بهذه التهمة .

خامساً : إنّ علماء السنّة المنصفين عندما طالعوا التراث الشيعي والفتاوى الشيعية أقرّوا بأنّها على مذهب أهل البيتعليهم‌السلام لم تزل ولم تنحرف عن مناهجم .

وهذا ما اعترف به الشيخ سليم البشري شيخ الجامع الأزهر في مراسلته للسيد شرف الدين ، حيث قال : ( أشهد أنّكم في الفروع والأصول على ما كان علية الأئمّة من آل الرسول فالشك فيه خبال ، والتشكيك تضليل ، وقد استشففتة فراقني إلى الغاية )(١) .

ــــــــــــــ

(١) كتاب المراجعات : ص٤٢٣ المراجعة ١١١ .


٣ـ طرح كل ما جاء عن أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام موافق لما عليه إجماع المسلمين بذريعة التقية.

الجواب

أولاً : هناك الكثير من الأصول الاعتقادية والفروع الفقهية يلتقي بها مذهب أهل البيتعليهم‌السلام مع بقية المذاهب الإسلامية ، والاختلاف في بعض المسائل الاعتقادية والفقهية أمر طبيعي ، وضمن الدائرة المقبولة في كونه مذهباً مغايراً للمذاهب الأخرى ؛ ولذا نجد أنّ الطوائف السنية تختلف فيما بينها في الأمور العقائدية والفقهية بما لا يقل عن اختلاف المذهب الشيعي عن المذاهب الأخرى ، ولا داعي لتفسير هذا الاختلاف بالتقية .

ثانياً : أين هو إجماع المسلمين الذي يطالب الشيعة بالدخول فيه ؟ فإنّ الاختلاف في الرأي والاجتهاد لم يُخلّف لنا إجماعاً في كثير من مسائل الفقه والعقيدة ، وأمّا أصول العقائد الكلّية وأُمّهات الفقه فإنّ الشيعة يلتقون فيها مع جملة من الطوائف السنّيّة المنصفة .

ثالثاً : لقد مرّ التشيع والطائفة الشيعية وأئمّة أهل البيتعليهم‌السلام بمحاربة كاسحة وعلى كافة النواحي ، وكانت السلطات الحاكمة تتعمّد في إيجاد علماء حكوميين يخالفون أئمّة أهل البيت في المعتقد والفتوى ، ويجعلون ذلك خطاً عاماً للدولة لا يمكن تجاوزه أو الإفتاء على خلافه ، ومن هنا كان صدور بعض الفتاوى من أئمّة أهل البيت على وفق المنهج الحكومي عملاً بمبدأ التقية ليس بالأمر المستبعد ، بل هو حقيقة تاريخية سار على نهجها أئمّة الدين والأنبياء والرسل كما تقدّم .

٤ـ تمزيق وحدة المسلمين والانزواء بالطائفة الشيعية عن سائر المسلمين تحت ظل شعار التقية.

الجواب

أولاً : لم يكن الاختلاف في الرأي والفكرة والعقيدة باعثاً في يوم من الأيام إلى التشتّت والتمزيق والفرقة ، بل على العكس من ذلك ، حيث يوجب ثراء الفكر الإسلامي وتطوير وتعميق العقيدة الإسلامية ، وأمّا التشرذم والتفرّق والاختلاف فهو ناتج من الحكومات الظالمة والسلطات الجائرة ، التي حكمت رقاب المسلمين وسخّرت علماء ووظفتهم في السلك الحكومي ؛ من أجل إيجاد التفرقة ومطاردة من يخالف الحكومة والسلطة في رأيها وعقيدتها .


ثانياً : إنّ الشيعة كانوا ولا زلوا من دعاة الوحدة والتقريب بين المذاهب الإسلامية ، والتاريخ شاهد لهم على ذلك في كثير من المحن التي مرّت بها الأمة الإسلامية في قِبال الأعداء من الصليبيين والمستعمرين وغيرهم ، وعقائدهم وفقههم ومواقفهم واضحة لا انزواء فيها ولا مكر ولا خداع .

ثالثاً : إنّ تهمة تمزيق وحدة المسلمين وتفريق صفوفهم إنّما تكون أليق بالطائفة التكفيرية المعروفة ، التي ما فتئت تعمل على تكفير المسلمين وتفريقهم وانتهاك حرماتهم في شتـّى البلاد الإسلامية وباسم الدين .

٥ـ تبرير العلاقات الحميمة التي كانت لأئمّة أهل البيت عليهم‌السلام مع الصحابة والتابعين وغيرهم من عموم المسلمين .

الجواب

أولاً : إنّ ذكر هذا السبب في بحث التقية من خلط الأوراق بينها وبين أبحاث أخرى مفصّلة ، فإنّ تاريخ ما بعد وفاة الرسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأحداث التي وقعت في ذلك الحين والسلطات التي تتابعت بعد ذلك وعلماء السوء الذي ابتلت بهم الأمة الإسلامية ، وكثير من هذه الأبحاث تمّ التعرّض أو الإشارة إليها في مبحث الإمامة ، ولا داعي لتكرارها في مباحث التقية .

ثانياً : لا شك أنّ أهل البيتعليهم‌السلام هم علماء الأمة الإسلامية في ذلك الحين ، وكانوا على علاقات حميمة مع الرعية من المسلمين والعلماء الذين كانوا لهم طلبة ودارسين في جوامع بحوثهم الدينية ، فكان الكثير من علماء المسلمين طلاّباً عند الإمام الباقر والإمام الصادق .

ثالثاً : إنّ علاقات التعايش والمداراة وحفظ الخط الإسلامي العام كان يمارسه بعض الصحابة والتابعين وعلماء المسلمين مع السلطات والآراء الحاكمة آنذاك ، كما سبق ذكر ذلك عن أبي هريرة وحُذيفة بن اليمان مع عثمان وعبد الله بن عمر مع الحجاج ، وسعيد بن جُبير مع جلسائه من المسلمين ، ورجاء بن حيوة مع الوليد بن عبد الملك ، وواصل بن عطاء مع الخوارج ، وأبي حنيفة مع ابن أبي ليلى القاضي في مسألة خلق القرآن وغيرها من الشواهد المتقدّمة ، التي تنص على تعاطي مبدأ التقية مع المسلمين من أجل الملاطفة والمداراة وحسن المعاشرة ، وهذا واقع لا يمكن إنكاره أو اتهام الشيعة به خاصّة .


ما هو حكم التقية في الإسلام ؟

اتفق المسلمون بجميع طوائفهم على جواز ومشروعية التقية ، وقد دلّ على مشروعيتها القرآن الكريم والسنّة النبوية وسيرة الأصحاب والتابعين وعموم سيرة المسلمين وأقوال العلماء :

جواز ومشروعية التقية في القرآن الكريم : ١ـ قوله تعالى :( لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ ) (١) .

فقد شدّد الله تعالى في قرآنه الكريم في موارد كثيرة جدّاً على عدم تولّي الكافرين ، وأنّه على حدّ الكفر والشرك بالله تعالى ؛ ولذا قال عزّ وجل في ذيل هذه الآية الكريمة :( وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ ) ولكن مع ذلك يستثني الله تبارك وتعالى من ذلك الأمر الخطير والعظيم حالات التقية والخوف ، فللمؤمنين حينئذٍ أن يوالوا الكافرين بالمقدار الذي يندفع به خوف الضرر .

وقد تقدّم كلام المراغي في هذا المقام ، حيث قال : (( إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً ) أي : إنّ ترك موالاة المؤمنين للكافرين حتم لازم في كل حال ، إلاّ في حال الخوف من شيء تتقونه منهم ، فلكم حينئذٍ أن تتقوهم بقدر ما يتقى ذلك الشيء ؛ إذ القاعدة الشرعية ( أنّ درء المفاسد مقدّم على جلب

ــــــــــــــ

(١) آل عمران : ٢٨ .


المصالح ) )(١) .

فلا شك أنّ هذه الآية المباركة صريحة في جواز التقية ومشروعيّتها في الإسلام ، وأنّها من الإيمان ولا توجب كفر ونفاق صاحبها ، وقد فهم الجواز من هذه الآية الكريمة أكثر المفسّرين والفقهاء كما سيأتي ذكر ذلك في نقطة لاحقة .

ولا يخفى أنّ الاستثناء في الآية منقطع ؛ إذ التولّي ظاهري فقط من غير عقد القلب على الحب والولاية ، وهو ليس من التولّي الواقعي في شيء ؛ لأنّ الحب والتولّي أمران قلبيّان ، وهما لم يتحققا من المتقي الذي قلبه مطمئن بالإيمان .

٢ـ قوله تعالى :( مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَـكِن من شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (٢) .

تقدّم في استعراض الأقوال السابقة أنّ هذه الآية المباركة من موارد التقية ، وقد استدل بها المفسّرون والفقهاء على جواز التقية ومشروعيتها ، فالآية الكريمة صريحة في جواز إظهار كلمة الكفر كُرهاً ومجاراة للكافرين ، وأنّ مَن نطق بكلمة الكفر مكرهاً وقاية لنفسه من الهلاك وقلبه مطمئن بالإيمان ـ لا شارحاً بالكفر صدراً ـ لا يُعدّ كافراً ، بل يكون معذوراً ، وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعمار بن ياسر ، الذي هو مورد نزول الآية المباركة :( إن عادوا لك فعد لهم بما قلت ) .

ثم إنّ هذه الآية المباركة مكّيّة نزلت قبل الهجرة باتفاق العلماء والمفسّرين ، ممّا يعني أنّ تشريع التقية كان في الصدر الأول للإسلام ، وليس ذلك إلاّ لكونها منسجمة مع مرونة وسماحة الدين الإسلامي الحنيف ، بل التقية كانت موجودة في الشرائع السابقة أيضاً ، كما سوف يتضح في بعض الآيات اللاحقة

ــــــــــــــ

(١) تفسير المراغي : ج١ ص ٤٨٦ .

(٢) النحل : ١٠٦ .


٣ـ قوله تعالى :

( وَقَالَ رَجُلٌ مؤْمِنٌ مِّنْ آل فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ) (١) .

وهذه الآية المباركة صريحة أيضاً في تقية ذلك الرجل المؤمن من آل فرعون ، حيث كان يكتم إيمانه عن فرعون وملئه ، ولم يصرّح لهم ذلك المؤمن ، كما في الآية المباركة بأنّه على دين موسى ، بل أوهم أنّه مع فرعون وعلى دينه ، إلاّ أنّه زعم أنّ المصلحة تقتضي ترك قتل موسى ؛ لأنّه لم يصدر عنه إلاّ الدعوة إلى الله مع إثبات ذلك عن طريق البينات والمعجزات ، وهذا لا يوجب القتل ، فيكون قتله مثلاً من القبائح التي لا تتناسب مع مقام فرعون ، وهذا تظاهر من ذلك المؤمن بمظهر الناصح الشفيق عليهم والحريص على مصالحهم ، وأنّه لا يهمّه أمر موسىعليه‌السلام بمقدار ما يهمّه مصلحة فرعون وقومه ، وأنّه إن كان كاذباً فعليه كذبه ، وإن كان صادقاً فيما يقول ستصيبهم الندامة ويحلّ بهم ما وعدهم من العذاب الأليم ؛ لتكذيبهم الأنبياء وقتلهم .

وقد مدح الله عزّ وجلّ ذلك المؤمن على تقيته ، حيث سمّاه مؤمناً ، مستحسناً منه ما قام به من دور مهم لإنقاذ موسىعليه‌السلام .

ــــــــــــــ

(١) غافر : ٢٨ .


قال القرطبي في تفسير هذه الآية المباركة : ( إنّ الرجل إذا نوى الكفر بقلبه كان كافراً وإن لم يتلفّظ بلسانه ، وأمّا إذا نوى الإيمان بقلبه فلا يكون مؤمناً بحال حتى يتلفّظ بلسانه ، ولا تمنعه التقية والخوف من أن يتلفظ بلسانه فيما بينه وبين الله تعالى ، إنّما تمنعه [ التقية ] من أن يسمعه غيره ، وليس من شرط الإيمان أن يسمعه الغير في صحته من التكليف ، وإنّما يشترط سماع الغير له ليكف عن نفسه وماله )(١) .

وقال تاج الدين الحنفي أيضاً تحت ذيل هذه الآية المباركة : ( وهذا استدراج إلى الاعتراف بالبينات بالدلائل على التوحيد وأبدى ذلك في صورة احتمال ونصيحة ، وبدأ في التقسيم بقوله :( وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ) مداراة منه وسلوكاً لطريق الإنصاف في القول ، وخوفاً إذا أنكر عليهم قتله أنّه ممّن يعاضده وينصره ، فأوهم بهذا التقسيم والبداءة بحالة الكذب حتى يسلم من شره ، ويكون ذلك أدنى إلى تسليمهم )(٢) .

وقال الآلوسي في تفسيره : ( ثم إنّ الرجل احتاط لنفسه خشية أن يعرف اللعين حقيقة أمره فيبطش به ، فتلطّف في الاحتجاج ، فقال :

 ( وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ) لا يتخطّاه وبال كذبه )(٣) .

ــــــــــــــ

(١) تفسير القرطبي : ج ١٥ ص ٢٧٠ .

(٢) الدرّ اللقيط ، تاج الدين الحنفي : ج٧ ص ٤٥٨ .

(٣) روح المعاني ، الآلوسي : ج٢٤ ص ٦٤ .


وقال المراغي أيضاً في تفسيره : ( وقال رجل من آل فرعون يكتم إيمانه منهم خوفاً على نفسه : أينبغي لكم أن تقتلوا رجلاً ما زاد على أن قال : ربّي الله ، قد جاءكم بشواهد دالّة على صدقه ؟ ومثل هذه المقالة لا تستدعي قتلاً ولا تستحق عقوبة فاستمع فرعون لكلامه ، وأصغى لمقاله وتوقّف عن قتله )(١)

والحاصل : إنّ الآية صريحة في انطباق ماهية التقية على مؤمن آل فرعون ؛ لأنّه ابتلي بالكتمان والحذر في مورد الخوف من أكبر جبار على وجه الأرض في زمانه وهو فرعون ، وهذا هو مفهوم التقية ، وهو ما فهمه جملة المفسّرين .

وهذا يكشف عن سبق تشريع التقية عن الإسلام ، خصوصاً وأنّ مؤمن آل فرعون كان مؤمناً بشريعة موسىعليه‌السلام كما نصّ على ذلك المحدّثون والمفسّرون ، فلا يمكن أن تكون تقيته مخالفة لشريعة موسى وقد وصفه الله تعالى بالإيمان .

٤ـ قوله تعالى حكاية عن أصحاب الكهف :( فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ منْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً * إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً ) (٢) .

فقد صرّح المفسّرون بأنّ المراد من التلطّف في الآية الكريمة هو التقية ، والإيصاء بها .

قال القرطبي في تفسيره : ( في هذه الآية نكتة بديعة ، وهي أنّ الوكالة إنّما كانت مع التقية خوف أن يشعر بهم أحد لما كانوا عليه من الخوف على أنفسهم )(٣) .

ــــــــــــــ

(١) تفسير المراغي : ج٨ ص٣٠٩ – ٣١٠ .

(٢) الكهف : ١٩ـ ٢٠ .

(٣) تفسير القرطبي : ج١٠ ص٣٧٦ .


وقال الفخر الرازي : ( وقوله :( وَلْيَتَلَطَّفْ ) أي يكون ذلك في سر وكتمان )(١) .

أضف إلى ذلك تقيّتهم وكتمان إيمانهم عن ملكهم الكافر دقيانوس ، ولهذا ورد عن الإمام جعفر بن محمد الصادقعليه‌السلام قوله :( ما بلغت تقية أحد تقية أصحاب الكهف ، إن كانوا ليشهدون الأعياد ويشدون الزنانير ، فأعطاهم الله أجرهم مرّتين ) (٢) .

وهذه الآية دالة أيضاً على مشروعية التقية في الشرائع السابقة على الإسلام

جواز التقية ومشروعيتها في السنّة النبوية

لقد تواترت الروايات النبوية الدالة على مشروعية التقية ، وإليك نبذة ممّا ورد في الكتب الحديثية السنّيّة :

١ـ أخرج الطبري في تفسيره ، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر ، قال : ( أخذ المشركون عمار بن ياسر ، فعذّبوه حتى باراهم في بعض ما أرادوا ، فشكا ذلك إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :كيف تجد قلبك ؟ قال : مطمئناً بالإيمان ، قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :فإن عادوا فعد )(٣) .

وفي لفظ آخر أنّه قيل بشأن عمّار : ( يا رسول الله ، إنّ عماراً كفر ، فقال :كلاّ ، إنّ عماراً مليء إيماناً من فرقه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه ،

ــــــــــــــ

(١) التفسير الكبير : ج٢١ ص١٠٤ .

(٢) أصول الكافي : ج٢ ص٢١٨ .

(٣) تفسير الطبري ، جامع البيان الطبري : ج ١٤ ص٢٣٧ .


فأتى عمار رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو يبكي ، فجعل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يمسح عينيه ويقول :مالك ! إن عادوا لك فعد لهم لما قلت )(١) .

وهذه الروايات التي هي سبب نزول قوله تعالى :( إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ) صريحة في جواز التقية .

٢ـ أخرج السيوطي وغيره عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال :( بئس القوم قوم يمشي المؤمن فيهم بالتقية والكتمان ) (٢) ، وهذه الرواية أخذت التقية والكتمان وجوازهما مفروغاً عنه ، ثم ذمّت القوم الذين يُلجئون صاحب التقية على الكتمان والتقية معهم .

وقال المناوي في ذيل هذه الرواية في شرحه للجامع الصغير : ( أي يتقي شرّهم ويكتم عنهم حاله ؛ لما علمه منهم أنّهم بالمرصاد للأذى والإضرار ، إذا رأوا سيئة أفشوها وإذا رأوا حسنة كتموها وستروها ، ومن ثمّ استعاذ المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ممّن هذا حاله كما تقدم في أدعيته ، فيظهرون الصلح والأخوة والاتفاق وباطنهم بخلافه )(٣) .

وجاء عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أيضاً :( إنّ الله عزّ وجلّ يقول : ويل للذين يختلون الدنيا بالدين وويل للذين يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس ، وويل للذين يسير المؤمن فيهم بالتقية ، إيّاي يغرون أم عليّ يجترئون ، فإنّي حلفت لأتيحنّهم فتنة تترك الحليم منهم حيران ) (٤) .

ــــــــــــــ

(١) تفسير الرازي : ج٢٠ ص ١٢٤ .

(٢) الجامع الصغير ، السيوطي : ج١ ص ٤٩١ ح٣١٨٦ ؛ لسان الميزان : ج٣ ص ١٢٨ ؛ تفسير القرطبي : ج٤ ص٤٦ .

(٣) فيض القدير شرح الجامع الصغير ، المناوي : ج٣ ص ٢٧٩ .

(٤) تاريخ اليعقوبي : ج٢ ص ١٠١ .


٣ـ عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :( لا إيمانَ لمَن لا تقيّة له ) (١) ، وفي كنز العمال نقل عن عليعليه‌السلام أنّه قال :( لا دين لمَن لا تقية له ) (٢) وسيأتي بيان مضمون هذه الرواية في الأبحاث اللاحقة .

٤ـ كذلك عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا جاءه جبرائيلعليه‌السلام فأخبره بما يكون في أُمّته من الفرقة والاختلاف فشقّ ذلك عليه ، ثم دعا فقال :( اللّهمّ أظهر عليهم أفضلهم تقية ) (٣) ، وهذه الرواية شاملة للتقية من الله تعالى ، بمعنى الخوف والحذر من قهره وبطشه نتيجة عصيان وتمرّد العبد على ربّه ، وكذلك شاملة للتقية باصطلاحها اللغوي والشرعي ، بمعنى اتقاء الغير للخوف من ضرره .

٥ـ ما أخرجه البخاري وغيره ، عن عروة بن الزبير أنّ عائشة أخبرته أنّه استأذن على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رجل ، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( ائذنوا له فبئس ابن العشيرة ، أو بئس أخو العشيرة ، فلمّا دخل ألان له الكلام ، فقلت : يا رسول الله ! قلت : ما قلت ، ثم ألنت له في القول ؟! فقال : أي عائشة إنّ شرّ الناس منزلة عند الله مَن تركه أو ودعه الناس اتقاء فحشه )(٤) . وهذه من التقية الجائزة منهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ إذ ليس فيها إخلال في الوصول إلى الحق ، وإلاّ فإنّه لا تقية فيما يتعلّق بأصل الدعوة والدين والوحي الذي لا يُعلم إلاّ بتبليغ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذ إنّ التقية في هذا المقدار يوجب الإغراء بالقبيح ، وهو لا يمكن صدوره من المعصوم .

والرسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يتقي في هذا الحديث أحد رعيته اتقاء فحشه .

ــــــــــــــ

(١) المصنف ، ابن أبي شيبة الكوفي : ج٧ ص ٦٤٣ ؛ كنز العمال : ج٣ ص ٩٦ ح٥٦٦٥ .

(٢) كنز العمال : ج٣ ص٩٦ ح٥٦٦٥ .

(٣) تفسير الطبري : ج٧ ص ٢٩٣ ح١٠٤٢٠ .

(٤) صحيح البخاري ج٧ ص١٠٢ ، كتاب الأدب ، باب المداراة مع الناس .


٦ـ أخرج البخاري أيضاً ، عن عبد الله بن عمر ، عن عائشة قالت : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لها : ( ألم تري أنّ قومك لمّا بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم ؟ فقلت : يا رسول الله ، ألا تردّها على قواعد إبراهيم ؟ قال : لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت )(١) .

وفي لفظ آخر : ( سألت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن الحجر ، فقال : هو من البيت ، قلت : ما منعهم أن يدخلوه فيه ؟ قال : عجزت بهم النفقة ، قلت : فما شأن بابه مرتفعاً لا يُصعد إليه إلاّ بسلّم ؟ قال : ذلك فعل قومك ، ليدخلوه مَن شاؤوا ويمنعوه مَن شاؤوا ، ولولا أنّ قومك حديث عهد بكفر مخافة أن تنفر قلوبهم ، لنظرت هل أُغيره فأدخل فيه ما انتقص منه وجعلت بابه بالأرض )(٢) .

وفي لفظ ثالث لأحمد بن حنبل أخرجه عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( لولا أنّ قومك حديث عهد بشرك أو بجاهلية لهدّمت الكعبة فألزقتها بالأرض ، وجعلت لها بابين ، باباً شرقياً وباباً غربياً ، وزدت فيها من الحجر ستة أذرع ، فإنّ قريشاً اقتصرتها حين بنت الكعبة )(٣) ، وهذه الرواية على اختلاف ألفاظها تكشف عن تقية الرسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من قريش مخافة أن تنفر قلوبهم لحداثة عهدهم بالكفر والشرك والجاهلية .

٧ـ عن ابن عمر ، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أنّه قال :( المؤمن الذي يخالط الناس ، ويصبر على أذاهم أعظم أجراً من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر

ــــــــــــــ

(١) صحيح البخاري : ج٢ ص١٥٦ ، كتاب الحج ، باب فضل مكة وبنيانها .

(٢) سنن بن ماجة ، محمد يزيد القزويني : ج٢ ص ٩٨٥ .

(٣) مسند أحمد : ج٦ ص ١٧٩ – ١٨٠ .


على أذاهم ) (١) .

٨ـ أخرج الحاكم في المستدرك عن أبي ذر ، قال : ( قال لي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :يا أبا ذر ، كيف أنت إذا كنت في حثالة ، وشبك بين أصابعه ، قلت : يا رسول الله ، ما تأمرني ، قال :اصبر اصبر اصبر ، خالقوا الناس بأخلاقهم وخالفوهم في أعمالهم ) .

قال الحاكم : ( هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه )(٢) .

وهذه الروايات ونظائرها صريحة في التقية ، إذ لا يمكن مخالقة حثالة الناس بأخلاقهم من غير تقية.

٩ـ عن ابن عمر أيضاً ، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أنّه قال : (لا ينبغي لمؤمن أن يُذل نفسه ، قيل : يا رسول الله ، وكيف يذل نفسه ؟ قال :أن يتعرّض من البلاء لما لا يطيق )(٣) ، ولا شك أنّ موارد التقية تشتمل على فنون الإذلال والإهانة التي لا تنبغي للمؤمن ، وسيأتي أنّ ابن عمر فهم من هذه الرواية التقية ؛ ولذا اتقى الحجّاج في بعض خطبه على المنبر .

١٠ـ أخرج أحمد بن حنبل عن عكرمة قوله : ( مكث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمكة خمس عشرة ، منها أربع أو خمس يدعو إلى الإسلام سرّاً وهو خائف )(٤) .

ــــــــــــــ

(١) سنن ابن ماجة : ج٢ ص١٣٣٨ ح٤٠٣٢ .

(٢) المستدرك على الصحيحين ، الحاكم النيسابوري : ج٣ ص٣٤٣ .

(٣) المعجم الكبير ، الطبراني : ج١٢ ص٣١٢ ؛ مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج٧ ص٢٧٤ ـ ٢٧٥ ، وقال فيه : (رواه البزار والطبراني في الأوسط والكبير باختصار ، وإسناد الطبراني في الكبير جيد ، ورجاله رجال الصحيح غير زكريا بن يحيى بن أيوب الضرير ، ذكره الخطيب روى عنه جماعة ولم يتكلم فيه أحد .

(٤) كتاب العلل ، أحمد بن حنبل : ج٢ ص٥٩٠ ح٣٨٠١ ؛ وكذا في الدر المنثور ، السيوطي : ج٤ ص١٠٨ ؛ المصنف ، الصنعاني : ج٥ ص ٣٦١ .


وليس ذلك إلاّ إشفاقاً منهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على الدين الإسلامي وأتباعه ، فالدعوة إلى الدين الإسلامي بدأت من دائرة التقية والسرّ والكتمان خوفاً من ضرر قريش ومكرها ، فدعوة الإصلاح إذاً وتغيير المجتمع تلازمها التقية إذا كانت تلك الدعوة وأتباعها في حالة من الاستضعاف والاضطهاد والقتل والتشريد .

١١ـ الحديث المتواتر عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( إنّ الله تجاوز عن أُمتي الخطأ والنسيان ، وما استكرهوا عليه ) (١) .

وقد صحّح هذا الحديث الحاكم في المستدرك(٢) والنووي في المجموع(٣) وابن حجر في فتح الباري(٤) والهيثمي في مجمع الزوائد ، حيث قال : ( رواه الطبراني في الأوسط وفيه محمد بن مصفى ، وثقه أبو حاتم وغيره وفيه كلام لا يضر ، وبقية رجاله رجال الصحيح )(٥) .

وهذا الحديث الشريف صريح في جواز التقية والإتيان بما أكره عليه الشخص ؛ لأنّه تقدم سابقاً أنّ الإكراه من أوضح موارد التقية .

وبهذا نخلص إلى أنّ الآيات القرآنية والروايات النبوية ناصّة على جواز التقية ومشروعيتها في الإسلام .

وقد تابع العلماء في أقوالهم ، والمسلمون في سيرتهم الجو القرآني والروائي الناصّ على جواز التقية كما سيأتي لاحقاً .

ــــــــــــــ

(١) صحيح ابن حبان : ج١٦ ص ٢٠٢ ؛ سنن ابن ماجة : ج١ ص٦٥٩ ، وأخرجه في حديث ابن عباس إلاّ أنّه بلفظ وضع بدل رفع ؛ سنن البيهقي ج٧ ص٣٥٦ ، باب مَن لا يجوز إقراره ؛ الأم ، الشافعي : ج ٧ ص ٣٤٧ .

(٢) المستدرك : ج٢ ص ١٩٨ .

(٣) المجموع : ج٢ ص ٢٦٧ .

(٤) فتح الباري : ج٥ ص ١١٦ ، وأخرجه بلفظ : ( رفع الله عن أمتي ) وقال : رجاله ثقات وهو حديث جليل قال بعض العلماء : ( ينبغي أن يعد نصف الإسلام ) .

(٥) مجمع الزوائد : ج٦ ص٢٥٠ .


مشروعية التقية في أقوال الصحابة والتابعين وأعلام السنّة

لم يشكك أحد من علماء السنّة وفقهائهم في جواز التقية في الإسلام واستمرار حكمها وجوازها إلى يومنا هذا ، ونقدم على أقوالهم ذكر بعض أقوال الصحابة والتابعين وتابعيهم :

أقوال الصحابة في التقية

١ـ أخرج ابن حزم وغيره عن الحارث بن سويد قال : ( سمعت عبد الله بن مسعود يقول : ما من ذي سلطان يريد أن يكلّفني كلاماً يدرأ عنّي سوطاً أو سوطين إلاّ كنت متكلّماً به ) .

وقال ابن حزم عقيب كلام بن مسعود : ( ولا يعرف له من الصحابة مخالف )(١) ، وقوله هذا صريح في اتفاق جميع الصحابة على جواز التقية ولو في حال الخوف من سوط واحد من سياط السلطان الجائر .

٢ـ أخرج ابن عساكر وغيره عن أبي الدرداء قوله : ( ألا أنبئكم بعلامة العاقل ؟ يتواضع لمَن فوقه ولا يزري بمَن دونه ويمسك الفضل من منطقه ، يخالق الناس بأخلاقهم ويحتجز الإيمان فيما بينه وبين ربّه جلّ وعز وهو يمشي في الدنيا بالتقية والكتمان )(٢) .

ــــــــــــــ

(١) المحلّى ، ابن الحزم : ج٨ ص ٣٣٦ .

(٢) تاريخ مدينة دمشق : ج ٤٧ ص ١٧٥ .


٤ـ أخرج البخاري وغيره عن أبي هريرة قوله : ( حفظت عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعاءين ، فأمّا أحدهما فبثثته ، وأمّا الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم )(١) ، وهذه تقية واضحة من أبي هريرة ، وذلك لأجل الفتن والاختلافات التي وقعت بعد وفات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

٥ـ قال السرخسي في المبسوط : ( وقد كان حذيفة ممّن يستعمل التقية ، على ما روي أنّه يداري رجلاً ، فقيل له : إنّك منافق ! فقال : لا ، ولكنّي أشتري ديني بعضه ببعض مخافة أن يذهب كلّه ، وقد ابتلى ببعض ذلك في زمن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، على ما روي أنّ المشركين أخذوه واستحلفوه على أن لا ينصر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في غزوة ، فلمّا تخلّص منهم جاء إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأخبره بذلك ، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :أوف لهم بعهدهم ونحن نستعين بالله عليهم )(٢) .

٦ـ أخرج الهيثمي وغيره عن مجاهد بن جبر ، عن ابن عمر ، قال : ( سمعت الحجّاج يخطب ، فذكر كلاماً أنكرته ، فأردت أن أغيّر ، فذكرت قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :لا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه ، قيل : يا رسول الله ، وكيف يذل نفسه ؟ قال :أن يتعرض من البلاء لما لا يطيق )(٣) .

٧ـ ما جاء عن ابن عباس قوله : ( التقية باللسان(٤) ، مَن حُمل على أمر يتكلّم

ــــــــــــــ

(١) صحيح البخاري : ج٧ ص١٠٢ ، كتاب الأدبـ باب المدارة مع الناس .

(٢) صحيح البخاري : ج١ ص ٣٨ ، كتاب العلم باب ما يستحب للعالم إذا سئل .

(٣) المبسوط : ج٢٤ ص ٤٦ .

(٤) المعجم الكبير ، الطبراني : ج١٢ ص٣١٢ ؛ مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج٧ ص٢٧٤ ـ ٢٧٥ .


به وهو لله معصية ، فتكلّم مخافة على نفسه ، وقلبه مطمئن بالإيمان فلا إثم عليه )(١) .

٨ـ أخرج أبو حيان الأندلسي في تفسيره عن ابن عباس أيضاً أنّه قال في التقية :

( [إنّها] مداراة ظاهرة ، [أي] يكون [المؤمن] مع الكفّار وبين أظهرهم فيتقيهم بلسانه ، ولا موّدة لهم في قلبه )(٢) .

٩ـ وأخرج الطبري عن ابن عباس أيضاً قوله : ( فأمّا مَن أكره ، فتكلّم به لسانه وخالفه قلبه لينجو بذلك من عدوّه ، فلا حرج عليه ؛ لأنّ الله سبحانه إنّما يأخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم )(٣)

١٠ـ قول ابن عباس : ( التقية باللسان مَن حمل على أمر يتكلم به وهو معصية الله ، فيتكلم به مخافة الناس وقلبه مطمئن بالإيمان ، فإنّ ذلك لا يضره )(٤) .

١١ـ وروى القرّافي المالكي عن أبي موسى الأشعري أنه كان يقول : ( إنّا لنكشّر في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم ) ، ثم علّق عليه قائلاً : ( يريد : الظلمة والفسقة الذين يتقي شرّهم ، ويتبسّم في وجوههم )(٥) .

وأقوال الصحابة في هذا المجال كثيرة جدّاً اقتصرنا على ذلك رعاية للاختصار .

ــــــــــــــ

(١) جامع البيان ، الطبري : ج٣ ص٣١٠ .

(٢) البحر المحيط ، أبو حيان الأندلسي : ج٢ ص ٤٤١ .

(٣) جامع البيان : ج ١٤ ص ٢٣٨ .

(٤) فتح القدير ، الشوكاني : ج١ ص٣٣٢ .

(٥) الفروق : ج٤ ص ٢٣٦ .


أقوال التابعين في التقية

١ـ عن علي بن حوشب ، عن مكحول ، قال : ( ذلّ مَن لا تقيّة له )(١) ، ولعلّه أراد الإشارة إلى قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( لا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه ) .

٢ـ ونقل البخاري في صحيحه عن الحسن [البصري] أنّه قال : ( التقيّة إلى يوم القيامة )(٢) وفي لفظ آخر عن عوف عن الحسن البصري أنّه قال : ( التقية جائزة للمؤمن إلى يوم القيامة )(٣) .

٣ـ عن سوار بن عبد الله ، قال : إنّ ميموناً ـ ميمون بن مهران ـ كان جالساً وعنده رجل من قرّاء الشام ، فقال : ( إنّ الكذب في بعض المواطن خير من الصدق ، فقال الشامي : لا ، الصدق في كل المواطن خير ، فقال ميمون : أرأيت لو رأيت رجلاً يسعى وآخر يتبعه بالسيف ، فدخل الدار فانتهى إليك ، فقال : أرأيت الرجل ؟ ما كنت قائلاً ؟ قال : كنت أقول : لا ! قال : فذاك )(٤) .

٤ـ أخرج الطبري وغيره عن عيسى وابن أبي نجيح ، عن مجاهد :( إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً ) قال : ( إلاّ مصانعة في الدنيا ومخالقة )(٥) .

ــــــــــــــ

(١) طبقات المحدّثين بأصبهان ، عبد الله بن حيان : ج٤ ص ١٧٦ .

(٢) صحيح البخاري : ج٨ ص٥٥ ، كتاب الإكراه .

(٣) المصنف ، ابن أبي شيبة الكوفي : ج٧ ص٦٤٣ ؛ تفسير القرطبي ، القرطبي : ج١٠ ص١٩٠ ؛ فتح الباري ، ابن حجر : ج١٢ ص٢٧٩ ؛ انظر : فتح القدير ، الشوكاني : ج١ ص٣٣٢ ؛ الدر المنثور ، السيوطي : ج٢ ص١٦ ؛ معاني القرآن ، النحاس : ج١ ص٣٨٣ ؛ المبسوط ، السرخسي : ج٢٤ ص٤٥ .

(٤) تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر : ج٦١ ص٣٦٦ ؛ تهذيب الكمال ، المزي : ج٢٩ ص٢٢٣ ؛ كتاب الصمت وأدب اللسان ، ابن أبي الدنيا : ص٢٥١ .

(٥) جامع البيان ، الطبري : ج٣ ص٣١٠ .


أقوال أعلام السنّة في التقيّة

اتفقت كلمة أعلام السنّة على جواز التقية وقد تقدم ذكر بعضها ، ونذكر بعضها الآخر على سبيل المثال :

١ـ قال النووي : ( لا مبالاة بإثبات التقية وجوازها ، وإنّما تكره عامة الناس لفظها ؛ لكونها من معتقدات الشيعة ، وإلاّ فالعالم مجبول على استعمالها ، وبعضهم يسمّيها مداراة ، وبعضهم مصانعة ، وبعضهم عقلاً معاشياً ، ودلّ عليها دليل الشرع ) .

٢ـ استدلّ النووي على جواز التقية بما استدلّ به القرطبي على جوازها ، حيث قال القرطبي في تفسيره مستدلاً على جواز التقية : ( قال تعالى :( إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ ) وقال :( إلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً ) وقال :( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ ) وقال :( إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ ) فعذر الله المستضعفين الذين يمتنعون من ترك ما أمر الله به ، والمكره لا يكون إلاّ مستضعفاً غير ممتنع من فعل ما أمر به ؛ قاله البخاري )(١) ، فعقّب النووي على هذا قائلاً : ( فلمّا سمح الله عزّ وجل بالكفر به لمَن أكره وهو أصل الشريعة ولم يؤاخذ به ، حمل عليه أهل العلم فروع الشريعة كلّها ، فإذا وقع الإكراه عليها لم يؤاخذ به ولم يترتب عليه حكم ، وبه جاء الأثر المشهور عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( رفع عن أُمّتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) )(٢) .

ــــــــــــــ

(١) الجامع لأحكام القرآن ، القرطبي : ج١٠ ص١٨٢ .

(٢) المجموع ، النووي : ج١٨ ص٩ .


٣ـ قول السرخسي في المبسوط واستدلاله على جواز التقية ، وقد تقدّم سابقاً .

٤ـ قال الشوكاني في تفسيره تعقيباً على آية التقية : ( وفي ذلك دليل على جواز المولاة لهم مع الخوف منهم ، ولكنّها تكون ظاهراً لا باطناً )(١) ، وقال أيضاً تعقيباً على آية الإكراه المتقدمة ، بعد نقل قول القرطبي المتقدم وارتضائه : ( وذهب الحسن البصري والأوزاعي والشافعي وسحنون إلى أنّ هذه الرخصة المذكورة في هذه الآية إنما جاءت في القول ، وأمّا في الفعل فلا رخصة مثل أن يكره على السجود لغير الله ، ويدفعه ظاهر الآية ، فإنّها عامة فيمَن أكره من غير فرق بين القول والفعل ، ولا دليل لهؤلاء القاصرين للآية على القول ، وخصوص السبب لا اعتبار به مع عموم اللفظ كما تقرر في علم الأصول )(٢) .

٥ـ قال ابن الجوزي في تفسيره عقيب آية الإكراه : ( الإكراه على كلمة الكفر يبيح النطق بها )(٣) .

٦ـ وقال الزمخشري في تفسيره حول آية التقية : ( رخص لهم في موالاتهم إذا خافوهم ، والمراد بتلك الموالاة مخالقة ومعاشرة ظاهرة ، والقلب مطمئن بالعداوة والبغضاء ، وانتظار زوال المانع من قشر العصا ، كقول عيسى صلوات الله عليه :( كن وسطاً وامش جانباً ) )(٤) .

ــــــــــــــ

(١) فتح القدير ، الشوكاني : ج١ ص٣٣١ .

(٢) فتح القدير ، الشوكاني : ج٣ ص١٩٧ .

(٣) زاد المسير ، ابن الجوزي : ج٤ ص٣٦٢ .

(٤) الكشاف ، الزمخشري : ج١ ص٤٢٢ .


٧ـ وذكر البيضاوي أيضاً كلاماً قريباً من قول الزمخشري ، حيث قال : ( منع في موالاتهم ظاهراً وباطناً في الأوقات كلّها إلاّ وقت المخافة ، فإن إظهار الموالاة حينئذٍ جائز ، كما قال عيسىعليه‌السلام : كن وسطاً وامش جانباً )(١) .

٨ـ وقال ابن كثير في تفسيره : ( وقوله :( إلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً) أي : إلاّ مَن خاف في بعض البلدان أو الأوقات من شرهم ، فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيّته ، كما قال البخاري عن أبي الدرداء أنّه قال : إنّا لنكشّر في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم )(٢) .

٩ـ قول أبي بكر الحداد في تفسيره تحت ذيل آية التقية : ( أي : إلاّ أن يحصل المؤمن في أيدي الكفّار يخاف على نفسه فيداهنهم فيرضيهم بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان ، فهو مرخص له في ذلك ، كما روي أنّ مسيلمة الكذاب لعنه الله أخذ رجلين من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال لأحدهما : أتشهد أنّ محمداً رسول الله ؟ قال : نعم قال : أتشهد أنّي رسول الله ؟ قال : نعم قال للآخر : أتشهد أنّ محمداً رسول الله ؟ قال : نعم قال أتشهد أنّي رسول الله ؟ قال : إنّي أصم فأعاد عليه السؤال ثلاثاً ، فأجاب في كل مرة بهذا الجواب ، فضرب مسيلمة عنقه ، فبلغ ذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال :( أمّا المقتول فمضى على صدقه ويقينه فهنيئاً له ، وأمّا الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه ) )(٣) .

ــــــــــــــ

(١) تفسير البيضاوي ، البيضاوي : ج٢ ص٢٥ .

(٢) تفسير ابن كثير : ج١ ص٣٦٥ .

(٣) تفسير الحداد : ج٢ ص٣٩ .


١٠ـ وأمّا الفخر الرازي فقد ذكر أحكاماً كثيرة حول التقية ، منها قوله : ( الحكم الخامس : التقية جائزة لصون النفس ، وهل هي جائزة لصون المال ؟ يحتمل أن يحكم فيها بالجواز ، لقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( حرمة مال المسلم كحرمة دمه ) ولقوله :صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( مَن قتل دون ماله فهو شهيد ) ولأنّ الحاجة إلى المال شديدة ـ إلى أن قال : ـ الحكم السادس : وروى عوف عن الحسن : أنّه قال : التقية جائزة للمؤمنين إلى يوم القيامة ، وهذا القول أولى ؛ لأنّ دفع الضرر عن النفس واجب بقدر الإمكان )(١) .

١١ـ قال الأندلسي في تفسيره البحر المحيط : (( إلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً ) : هذا استثناء مفرّغ من المفعول له ، والمعنى : لا يتخذوا كافراً وليّاً لشيء من الأشياء إلاّ لسبب التقية ، فيجوز إظهار الموالاة باللفظ والفعل دون ما ينعقد عليه القلب والضمير )(٢) .

١٢ـ وقال ابن حجر العسقلاني حول آية التقية : ( ومعنى الآية : لا يتخذ المؤمن الكافر وليّاً في الباطن ولا في الظاهر ، إلاّ للتقية في الظاهر ويجوز أن يواليه إذا خافه ، ويعاديه باطناً )(٣) .

١٣ـ وقال الجصاص في أحكام القرآن : ( قوله تعالى :( إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ) روى معمر عن عبد الكريم عن أبي عبيد بن محمد بن عمار بن ياسر قال : أخذ المشركون عماراً وجماعة معه ، فعذبوهم حتى قاربوهم في بعض ما أرادوا ، فشكا ذلك إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال : كيف كان قلبك ؟ قال : مطمئن بالإيمان ، قال : فإن عادوا فعد ، قال أبو بكر : هذا أصل في جواز

ــــــــــــــ

(١) تفسير الفخر الرازي ، الرازي : ج٨ ص١٥ .

(٢) تفسير البحر المحيط : ج٢ ص٤٤١ – ٤٤٢ .

(٣) فتح الباري : ج١٢ ص٢٧٨ .


إظهار كلمة الكفر في حال الإكراه ، والإكراه المبيح لذلك هو أن يخاف على نفسه أو بعض أعضائه التلف إن لم يفعل ما أمره به ، فأبيح له في هذه الحال أن يظهر كلمة الكفر ويعارض بها غيره إذا خطر ذلك بباله ، فإن لم يفعل ذلك مع خطوره بباله كان كافراً ، قال محمد بن الحسن : إذا أكرهه الكفار على أن يشتم محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فخطر بباله يشتم محمداً آخر غيره فلم يفعل وقد شتم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان كافراً وقال : ما أكره عليه أو فعل لم يكن كافراً إذا كان قلبه مطمئناً بالإيمان )(١) .

ثم قال : ( وقال أصحابنا فيمن أكره بالقتل وتلف بعض الأعضاء على شرب الخمر أو أكل الميتة لم يسعه أن لا يأكل ولا يشرب ، وإن لم يفعل حتى قتل كان آثم ؛ لأنّ الله تعالى قد أباح ذلك في حال الضرورة عند الخوف على النفس ، فقال : ( ما اضطررتم إليه ) )(٢) .

نكتفي بهذا المقدار من الأقوال ؛ لأنّ هذه المسألة ـ وهي جواز التقية ـ لم تقتصر على أقوال متناثرة من هنا وهناك ، بل صرّح الكثير من العلماء بالإجماع على ذلك ، وإليك أقوال بعض مَن صرّح بالإجماع :

قال الشوكاني : ( أجمع أهل العلم على أنّ مَن أُكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل أنّه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان ، ولا تبين منه زوجته ، ولا يحكم عليه بحكم الكفر )(٣) .

وقال القرطبي : ( أجمع أهل العلم على أنّ مَن أكره على الكفر حتى

ــــــــــــــ

(١) أحكام القرآن : ج٣ ص٢٤٩ .

(٢) أحكام القرآن : ج٣ ص٢٥١ .

(٣) فتح القدير ، الشوكاني : ج٣ ص ١٩٧ .


خشي على نفسه القتل ، أنّه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان )(١) .

وقال ابن كثير في تفسيره : ( اتفق العلماء على أنّ المكره على الكفر يجوز له أن يوالي إبقاءً لمهجته ، ويجوز له أن يأبى )(٢) .

وقال جمال الدين القاسمي الشامي في محاسن التأويل : ( ومن هذه الآية( إلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً ) استنبط الأئمّة مشروعية التقية عند الخوف ، وقد نقل الإجماع على جوازها )(٣) .

وقد تقدّم قول المراغي : ( وقد استنبط العلماء من هذا الآية [ آية التقية ] جواز التقية )(٤) .

وتقدّم أيضاً التصريح بالإجماع في كلمات الجصاص وغيره فراجع .

التقيّة في سيرة المسلمين

لقد تعاطى المسلمون مع مبدأ التقية منذ الصدر الأول في الإسلام ، ومارسوها كأيّ مفردة من المفردات الإسلامية المشرّعة في الدين الإسلامي ، بل الذي يتصفح سيرة المسلمين في التاريخ الإسلامي يجد أنّ التقية من المبادئ المتجذّرة لديهم على جميع مستوياتهم ، فقد مارس التقية الصحابة والتابعين والعلماء وعامة الناس ، ونستعرض فيما يلي بعض تلك المواقف تجاه مبدأ التقية الذي أمضاه القرآن والسنّة النبوية بعد أن كان مشرّعاً في الديانات السابقة :

ــــــــــــــ

(١) تفسير القرطبي : ج١٠ ص١٨٢ .

(٢) تفسير ابن كثير : ج٢ ص ٦٠٩ .

(٣) محاسن التأويل : ج٤ ص ١٩٧ .

(٤) تفسير المراغي : ج١ ص٤٨٦ .


١ـ ما تقدّم من تقية عمار بن ياسر وجماعة مع المشركين وقد أمضاها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال له :( إن عادوا فعد ) .

٢ـ الصحابي الذي شهد بالنبوّة تقية لمسيلمة الكذاب وقد تقدم ، وقال في حقّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه) ، وهذا يكشف عن أنّ الترخيص في التقية كان متعارفاً على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

٣ـ تقية حذيفة بن اليمان وقد تقدمت أيضاً فلاحظ

٤ـ تقية حذيفة أيضاً مع عثمان بن عفان ، قال السرخسي في المبسوط : ( عن النزال بن سيدة ، قال : جعل حذيفة يحلف لعثمان على أشياء بالله ما قالها ، وقد سمعناه يقولها ، فقلنا له : يا أبا عبد الله ، سمعناك تحلف لعثمان على أشياء ما قلتها وقد سمعناك قلتها ، فقال : إنّي أشتري ديني بعضه ببعض مخافة أن يذهب كلّه ) ، ثم قال السرخسي : ( وإنّ حذيفة من كبار الصحابة وكان بينه وبين عثمان بعض المداراة ، فكان يستعمل معاريض الكلام فيما يخبره به )(١) .

و في لفظ آخر : ( دخل ابن مسعود وحذيفة على عثمان ، فقال عثمان لحذيفة : بلغني أنّك قلت كذا وكذا ؟ قال : لا والله ما قلته ، فلمّا خرج قال له عبد الله : مالك فلم تقوله ما سمعتك تقول ؟ قال : إنّي أشتري ديني بعضه ببعض مخافة أن يذهب كلّه )(٢) .

٥ـ تقية أبي هريرة وقد سبق ذكرها أيضاً .

ــــــــــــــ

(١) المبسوط : ج٣٠ ص ٢١٤ ؛ تأويل مختلف الحديث ، ابن قتيبة : ص٢٧ ؛ المحصول ، الرازي : ج٤ ص٣١٠ – ٣١١.

(٢) المصنف ، ابن أبي شيبة الكوفي : ج٧ ص ٦٤٣ .


٦ـ تقية مجموعة من الصحابة من معاوية بن أبي سفيان ، حيث أخرج النسائي في سننه وغيره عن سعيد بن جبير ، قال : ( كنت مع ابن عباس بعرفات ، فقال : مالي لا أسمع الناس يلبّون ؟ قلت : يخافون من معاوية ! ، فخرج ابن عباس من فسطاطه ، فقال : لبّيك اللّهمّ لبّيك لبّيك ، فإنّهم قد تركوا السنّة من بغض عليّ )(١) .

٧ـ تقية سعيد بن جبير ، قال أبو عبيد بن سلام : ( حدثنا مروان بن معاوية عن حسان بن أبي يحيى الكندي ، قال : سألت سعيد بن جبير عن الزكاة ؟ فقال : ادفعها إلى ولاة الأمر ، فلمّا قام سعيد تبعته ، فقلت : إنّك أمرتني أن أدفعها إلى ولاة الأمر وهم يصنعون بها كذا ويصنعون بها كذا ؟ فقال : ضعها حيث أمرك الله ، سألتني على رؤوس الناس فلم أكن لأخبرك )(٢) .

٨ـ تقية رجاء بن حيوة مع الوليد بن عبد الملك ، وهو ما أخرجه القرطبي وغيره عن إدريس بن يحيى قال : ( كان الوليد بن عبد الملك يأمر جواسيس يتجسّسون الخلق يأتونه بالأخبار فجلس رجل منهم في حلقة رجاء بن حيوة ، فسمع بعضهم يقع في الوليد ، فرفع ذلك إليه .

فقال : يا رجاء ، أُذكر بالسوء في مجلسك ولم تُغيّر ؟!

فقال : ما كان ذلك يا أمير المؤمنين .

فقال له الوليد : قل الله الذي لا إله إلاّ هو .

قال : الله الذي لا إله إلاّ الله .

ــــــــــــــ

(١) سنن النسائي : ج٥ ص ٢٥٣ .

(٢) كتاب الأموال ، أبو عبيد القاسم بن سلام : ص ٥٦٧ .


فأمر الوليد بالجاسوس فضربه سبعين سوطاً ، فكان يلقى رجاء فيقول : يا رجاء ، بك يستسقى المطر وسبعون سوطاً في ظهري !!

فيقول رجاء : سبعون سوطاً في ظهرك ، خير لك من أن يقتل رجل مسلم )(١) .

٩ـ تقية واصل بن عطاء مع الخوارج ، حيث أخرج ابن الجوزي وغيره عنه أنّه خرج يريد سفراً في رهط ، فاعترضهم جيش من الخوارج ، فقال واصل : ( لا ينطقنّ أحد ودعوني معهم ، فقصدهم واصل ، فلمّا قربوا بدأ الخوارج ليوقعوا ، فقال : كيف تستحلّون هذا وما تدرون مَن نحن ، ولا لأي شيء جئنا ؟ فقالوا : نعم ، مَن أنتم ؟ قال : قوم من المشركين جئناكم لنسمع كلام الله ، قال : فكفّوا عنهم ، وبدأ رجل منهم يقرأ القرآن ، فلمّا أمسك ، قال واصل : قد سمعت كلام الله ، فأبلغنا مأمننا حتى ننظر فيه وكيف ندخل في الدين ، فقال : هذا واجب ، سيروا ، قال : فسرنا والخوارج ـ والله ـ معنا يحموننا فراسخ ، حتى قربنا إلى بلد لا سلطان لهم عليه ، فانصرفوا )(٢) .

١٠ـ تقية أبي حنيفة مع ابن أبي ليلى ، حيث أخرج الخطيب البغدادي وغيره عن جابر ، قال : ( بعث ابن أبي ليلى إلى أبي حنيفة ، فسأله عن القرآن .

فقال : مخلوق .

فقال : تتوب ، وإلاّ أقدمت عليك !

قال : فتابعه

فقال : القرآن كلام الله .

ــــــــــــــ

(١) تفسير القرطبي : ج١٠ ص١٩٠ .

(٢) كتاب الأذكياء ، ابن الجوزي : ص ١٣٦ .


قال : فدار به في الخلق يخبرهم أنّه قد تاب من قوله : القرآن مخلوق .

فقال أبي : فقلت لأبي حنيفة : كيف صرت إلى هذا وتابعته ؟

قال : يا بني خفت أن يُقدم عليّ فأعطيته التقية )(١) .

١١ـ تقية الحسين بن داود بن سليمان القرشي ، قال : ( كنت أقرئ الناس القرآن بالكوفة ، وكان جماعة القطعية يجتمعون إلى إصطوانة في الجامع قريبة من الحلقة التي أعلّم الناس فيها ، وكانوا يقولون هذا الشيخ يُعلًّم الناس القرآن من كذا وكذا سنة لا يؤجره الله ولا يثيبه ؛ لأنّ هذا القرآن قد غُيّر وبُدّل ، ويخوضون في هذا ، فكان يألم قلبي ، ويمنعني من أذيّتهم التقية ، فطال ذلك عليّ ، فلمّا كان عشية يوم خميس اجتمعوا على العادة وتكلّموا كما كانوا يتكلّمون وأكثروا في ذلك وأسرفوا في القول وانصرفوا ، فرحت عشية ذلك اليوم وأنا مغموم مهموم لكلامهم ، فلمّا أخذت مضجعي ونمت ، رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقلت : إلى الله وإليك المشتكى يا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال : مم ؟ فقلت : من قوم يجيئون فيقولون أنّي ألقّن القرآن من سبعين سنة لا يأجرني الله عليه وأنّ هذا القرآن قد غُيّر وبُدّل ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : عقب ، فعقبت ، وابتدأت ، فقرأت القرآن عليه من الحمد إلى قل أعوذ برب الناس ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : هكذا أنزل علي وهكذا أقرأت القرآن ، فانتبهت والفجر قد اعترض ، فخررت لله ساجداً شكراً له ، وحمدته كثيراً ، وقمت إلى المسجد فصليت الفجر ، وانثنيت فحدثت أصحابي بما رأيت ، وقلت : قد كان يمنعني من هؤلاء القوم التقية وبعد هذا فلا تقية )(٢) .

ــــــــــــــ

(١) تاريخ بغداد : ج١٣ ص٣٧٦ ـ ٣٧٧ .

(٢) تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر : ج١٣ ص٣٦١ ـ ٣٦٢ .


١٢ـ تقية سعدويه ، سعيد بن سليمان حول محنة خلق القرآن ، حيث قال الذهبي عند ترجمته لسعدويه : ( وأمّا أحمد بن حنبل فكان يغض منه ولا يرى الكتابة عنه ، لكونه أجاب في المحنة تقية ـ إلى أن قال ـ قيل لسعدويه بعدما انصرف من المحنة : ما فعلتم ؟ قال كفرنا ورجعنا )(١) .

١٣ـ تقية أبي نصر التمّار ، حيث أجاب في محنة خلق القرآن تقية ، وقال الذهبي في حقّه : ( أجاب تقية وخوفاً من النكال ، وهو ثقة بحاله ولله الحمد )(٢) .

١٤ـ تقية إبراهيم بن المنذر بن عبد الله في تلك المحنة ، حيث قال السبكي في حقّه : ( كان حصل عند الإمام أحمد منه شيء ؛ لأنّه قيل : خلط في مسألة القرآن كأنّه مجمج في الجواب ، قلت : وأرى ذلك منه تقيةً وخوفاً )(٣) .

١٥ـ تقية يحيى بن معين ، أخرج الذهبي عن الحافظ أبي زرعة الرازي قوله : ( كان أحمد بن حنبل لا يرى الكتابة عن أبي نصر التمّار ، ولا عن يحيى بن معين ولا عن أحد ممّن امتحن فأجاب ) ثم يُعلق الذهبي على ذلك قائلاً : ( قلت : هذا أمر ضيق ولا حرج على من أجاب في المحنة ، بل ولا على من أكره على صريح الكفر عملاً بالآية ، وهذا هو الحق ، وكان يحيى رحمه الله من أئمّة السنّة ، فخاف من سطوة الدولة وأجاب تقية )(٤) .

ــــــــــــــ

(١) سير أعلام النبلاء ، الذهبي : ج١٠ ص ٤٨٢ .

(٢) سير أعلام النبلاء ، الذهبي : ج١٠ ص٥٧٣ .

(٣) طبقات الشافعية : ج٢ ص٨٢ ، نقلاً عن حاشية تهذيب الكلام ، للمزي ، بقلم الدكتور بشار عواد معروف : ج٢ ص ٢١١ .

(٤) سير أعلام النبلاء ، الذهبي : ج١١ ص ٨٧ .


١٦ـ تقية إسماعيل بن حمّاد في محنة القرآن ، قال ابن حجر في لسان الميزان : ( قال يوسف في المرآة : وكان إسماعيل بن حمّاد ثقة ، صدوقاً لم يغمزه سوى الخطيب فذكر المقالة في القرآن ، قال السبط : إنّما قاله تقية كغيره )(١) .

١٧ـ يدعي الذهبي أنّ تشيّع علي بن موسى بن الحسين ابن السمسار الدمشقي كان على سبيل التقية وتوخّي الضرر ، حيث قال في هذا المجال : ( ولعلّ تشيّعه كان تقية لا سجية ، فإنّه من بيت الحديث ، ولكن غلت الشام في زمانه بالرفض ، بل ومصر والمغرب بالدولة العبيدية ، بل والعراق وبعض العجم بالدولة البويهية ، واشتدّ البلاء دهراً ، وشمخت الغلاة بأنفها ، وتواخي الرفض والاعتزال حينئذ )(٢) .

١٨ـ وادعى أيضاً ابن حجر في لسان الميزان أنّ علي بن عيسى الرمّاني أظهر التشيّع حذراً وتقية ، ثم ذكر قول ابن النديم : ( إنّ مصنفات علي بن عيسى الرمّاني التي صنّفها في التشيّع لم يكن يقول بها ، وإنّما صنّفها تقية لأجل انتشار مذهب التشيّع في ذلك الوقت ، وذكر له مع البسري الرفّاء حكاية مشهورة في ذلك )(٣) .

١٩ـ تقية الجمّ الغفير من العلماء وعامة الناس في محنة خلق القرآن ، وتقدم بعض شواهدها ، ومن هنا قال الذهبي في تلك المحنة : ( مَن أجاب تقية فلا بأس عليه )(٤) .

ــــــــــــــ

(١) لسان الميزان ، ابن حجر : ج١ ص ٣٩٩ .

(٢) سير أعلام النبلاء ، الذهبي : ج١٧ ص ٥٠٧ .

(٣) لسان الميزان ، ابن حجر : ج٤ ص٢٤٨ .

(٤) سير أعلام النبلاء ، الذهبي : ج١٣ ص ٣٢٢ .


٢٠ـ تقية كثير من العلماء في حكم من الأحكام الشرعية .

حيث ذكر القرطبي في تفسيره ثلاث مسائل في بيان قوله تعالى :( وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ) وقال في المسألة الثالثة : ( قال ابن العربي : ولامتنان البارئ سبحانه ، وتعظيم المنّة في التين ، وأنّه مقتات مدّخر ؛ فلذلك قلنا بوجوب الزكاة فيه ، وإنّما فرّ كثير من العلماء من التصريح بوجوب الزكاة فيه ، تقية جور الولاة ؛ فإنّهم يتحاملون في الأموال الزكاتية فيأخذونها مغرماً )(١) .

هذه نبذة يسيرة حول تعامل المسلمين مع مبدأ التقية ، وأنّ التقية كانت سلاحاً وعلاجاً ناجعاً يتعاطاه الفرد المسلم عندما يشعر بالخوف من ضرر الغير .

التقية في نظر العقل والعقلاء

لا شك أنّ العقل يدرك ويحكم بوجوب دفع الضرر وإن كان محتملاً ، بل العقلاء طبعهم وسيرتهم جارية على دفع الضرر والفرار منه وجلب ما فيه السلامة والأمن والنجاة ، وقد تقدم أنّ موارد التقية هي خوف الضرر ؛ ولذا نجد العقلاء يلجئون في كثير من الأحيان إلى مجاراة الغير ومداراته إذا كانوا يخافون ضرره وعدوانه ، ومن هنا يُعدّ ترك التقية في بعض الأحيان في الأوساط العقلائية خلاف العقل ، فيما إذا كانت المنفعة المتوخّاة في الدين أو الدنيا على خلاف المواجهة والتحدّي .

نعم ، الموارد التي تندرج ضمن مبادئ التضحية والفداء والدفاع عن العقيدة أو الوطن ، أو أي مواجهة تتضمّن مدح العقل والعقلاء وتحسينهم لها ، ففي مثل هذه الحالات يحكمون بحسن تلك المواجهة ويخرجونها عن مواطن حكمهم بوجوب دفع الضرر والحذر منه .

ــــــــــــــ

(١) تفسير القرطبي : ج٢٠ ص١١٢ .


والشريعة الإسلامية لم تخالف حكم العقل ولا سيرة العقلاء ، بل أمضتها قولاً وفعلاً وتقريراً ، وليست التقية إلاّ شعبة من شعب حكم العقل بوجوب دفع الضرر بما يتناسب مع ذلك الضرر المحتمل ، وليست موارد المواجهة الحسنة إلاّ استثناء من حكم العقل وسيرة العقلاء ، وفي غير ذلك لا تكون التقية إلاّ ضرورة عقلية جرى عليها العقلاء في سيرتهم وتعاملهم مع الآخرين ، وخصوصاً ولاة الجور وسفّاكي الدماء ، وهذا ما لوحظ بوضوح في محنة خلق القرآن الكريم كما تقدم بعض أمثلة ذلك ، حيث التجأ المسلمون إلى التقية ؛ حفظاً على دمائهم وأعراضهم وأموالهم .

ويجد الإنسان أمثلة ذلك كثيرة جداً في نفسه ويومياته ، بل يتجلّى ذلك بوضوح لمَن راجع التاريخ ولاحظ كيفية تعايش المستضعفين والمضطهدين مع جبابرة عصرهم وطغاة زمانهم .

ومن هنا نفهم أنّ التقية لم تكن معاصرة للشرائع السماوية فحسب ، بل هي فطرة غرزها الله تبارك وتعالى في البشرية منذ أن كوّنها وخلقها .

والحاصل : أنّ التقية حكم عقلي وعقلائي أمضاه الشارع وعمل بها المسلمون .

الفطرة قاضية بجواز ومشروعية التقية

لم تكن التقية حكماً عقلياً وعقلائياً فحسب ، بل هي حكم فطري ، فكل إنسان فطره الله عزّ وجل على حفظ حياته وكلّ ما يتعلّق به من أموال أو عرض أو معتقد ، ولذا يحاول أن يتستّر بفطرته على بعض تلك الأمور إذا أحس بالخطر في الإعلان عنها والإدلال عليها ، فهو يُخفي بمقتضى تلك الفطرة أي كمال من الكمالات إذا وجد أنّ إخفائه أبقى لوجوده من الإعلان عنه

وهذه الفطرة سلاح زوّده الله تعالى المستضعفين لمواجهة الجبابرة والطغاة الظالمين ، ومن هنا نجد أنّ العقل السليم والعقلاء لم يلغوا هذه الفطرة ، بل أقرّوها وساروا على هديها ، وأقرّهم الشارع على ذلك ؛ لأنّ الدين الإسلامي لم يأت لإلغاء العقول أو التعدّي على مقتضيات الفطرة البشرية أو إلغاء دور العقلاء في السير الاجتماعي ، بل جاء لتهذيب بعض الانحرافات التي قد تحصل بسبب ما تمليه النفس الأمّارة بالسوء على الفرد أو المجتمع .


ترك التقية افتتان في الدين

لو كان الظالم يكتفي من المظلوم بالقتل أو نهب الأموال مع صمود المظلوم وحفاظه على دينه ومعتقده لكان من الممكن النقاش في مشروعية التقية ، ولكنّ الظالم يتوسّل بكافة الأساليب التي تستخدم في مجال التعذيب والاضطهاد والابتزاز ، وذلك عن طريق التجاوز على العرض والأهل والولد ، ممّا يجعل المكره والمضطر عرضة لافتقاد دينه ، كأن يشكّك في حكمة الله تعالى أو عدله أو رحمته ، ممّا قد يؤدّي إلى التشكيك في الله تعالى ورسُله وشرائعه .

إذن ترك التقية قد يكون في بعض الأحيان موجباً للافتتان في الدين ، فيكون إخفاء الدين وكتمانه في مثل هذه الموارد أفضل من فقدانه من الأساس بالإعراض عن التقية ، كما جاءت الإشارة إلى ذلك في بعض الآيات القرآنية ، كقوله تعالى :( وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا ) (١) .

وقوله عزّ وجل :( وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) (٢) .

ولا شك أنّ الظالم قد يفتن المؤمن المضطهد في دينه بما هو مجال للفتنة كالأولاد والأموال .

وهكذا قوله تعالى :( فَمَآ آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ من قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ من فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ ) (٣) ، وهذه الآية صريحة في التقية والخوف والكتمان لأجل عدم الافتتان في الدين .

ولذا كان المسلمون يتّقون الظالمين والمتجبّرين لئلاّ يفتنوهم ويخرجونهم عن دينهم ، ومن تلك المواقف موقف مسروق الأجدع مع معاوية بن أبي سفيان ، حيث رُوي أنّ معاوية بن أبي سفيان كان قد بعث بتماثيل من صفر لكي تباع بأرض الهند ، فمرّ بها على مسروق بن الأجدع ، فقال : ( والله لو أنّي أعلم أنّه يقتلني لغرقتها ، ولكنّي أخاف أن يعذبني فيفتنني ، والله لا أدري أي الرجلين معاوية ، رجل قد زُين له سوء عمله ، أو رجل قد

ــــــــــــــ

(١) النساء : ١٠١ .

(٢) الأنفال : ٢٨ .

(٣) يونس :٨٣ .


يئس من الآخرة ، فهو يتمتّع في الدنيا )(١) .

هل تبلغ التقية مرحلة الضرورة والوجوب ؟

بعد أن ثبت جواز التقية عن طريق القرآن والسنّة النبوية القطعية والصريحة ، وكذا العقل وسيرة العقلاء والمسلمين وأقوال العلماء ، محدّثيهم ومفسّريهم وفقهائهم ، ننتقل إلى بحث جديد وحكم آخر للتقية وهو الوجوب ، فهل يبلغ الحكم الشرعي للتقية إلى درجة الوجوب أم لا ؟

ولأجل الوقوف على حقيقة الأمر لا بد من طرح هذا السؤال بنحو آخر ، وهو :

هل الضرر من الغير يبلغ بملاك التقية إلى حتمية الفعل وضرورته ووجوب الإتيان به ، أو لا ؟

ولكي يتضح الجواب عن هذا التساؤل لا بد من ملاحظة بعض الجوانب التي تؤثر على الاستدلال وإثبات وجوب التقية في بعض مواردها :

الجانب الأول :

تقدم مفصّلاً أنّ الإكراه من موارد التقية ، وأنّ ما يقوم به المكره ـ الذي لا حول له ولا قوّة ـ ليس هو إلاّ التقية والخوف والحذر ممّن أكرهه ، ومن هنا تكون أدلة الإكراه والأقوال فيه نافعة في بيان حكم التقية ، وكذا موارد الاضطرار بنفس البيان ؛ لأنّ التقية إلجاء من الغير يبلغ بالمكره حدّ الضرورة والاضطرار إلى الإتيان بفعل يوجب حفظ النفس والمال والعرض والدين ، كما في أكل الميتة ، فهو فعل يأتي به المضطر من أجل الحفاظ على نفسه من الهلاك ، وإذا كانت التقية من شُعب الاضطرار وأمثلته ، فتكون أدلة وجوب رفع الضرر وأدلة الاضطرار دالّة وناصّة على حكم التقية أيضاً .

الجانب الثاني :

إذا كانت مسألة وجوب التقية وعدم وجوبها في بعض الموارد مسألة خلافية بين العلماء والفقهاء ، فسوف يكون باب إدلاء الرأي فيها مفتوحاً ، وعليه يمكن للباحث أن يدلي برأيه حول وجوب التقية على ضوء ما ثبت لديه صحّته من التراث الإسلامي من حيث الدلالة والسند ، وهذا ما سوف يتضح لاحقاً .

ــــــــــــــ

(١) المبسوط ، السرخسي : ج٢٤ ص٤٦ .


الجانب الثالث :

إنّ خوف الضرر الذي يبلغ بالتقية إلى مرحلة الوجوب لا يشترط أن يكون ضرراً بحسب ما هو الواقع ، بل يكفي احتمال الضرر أو الظن به بحسب درجات قوّة الضرر المحتمل ، وهذا قانون يحكم به العقل في ضمن قاعدة دفع الضرر التي أمضاها الشرع والدين الإسلامي ، فكلّما كان المحتمل أقوى كان الاحتمال كافياً بنحو طردي .

وجوب التقية في القرآن الكريم :

١ـ قوله تعالى : ( وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) (١) ، ولفظ الآية الكريمة عام وشامل لكل مورد تؤدّي عاقبته إلى الهلاك ، إلاّ ما كان مستثنى من هذا العموم بدليله الخاص .

ولذا نقل عن البرّاء بن عازب أنّه قال في تفسير هذه الآية المباركة : ( أي لا تقتحموا في الحرب بحيث لا ترجون النفع ، ولا يكون لكم فيه إلاّ قتل أنفسكم فإنّ ذلك لا يحل ، وإنّما يجب أن يُقتحم إذا طمع في النكاية وإن خاف القتل ، فأمّا إذا كان آيساً من النكاية وكان الأغلب أنّه مقتول فليس له أن يُقدم عليه )(٢) .

وهذا بعينه ما نقوله في التقية ، فلا يجوز للشخص أن يقتحم فيما يؤدّي إلى هلاكه بإظهار عقيدته ودينه من دون أي مطمع ديني راجح .

ولذا ورد عن أبي هريرة في تفسير هذه الآية أيضاً : ( هو الرجل يستقل بين الصفين )(٣) أي : في معركة القتال .

ولا شك أنّ ما ذكره البراء بن عازب وأبو هريرة ، هو من موارد الآية المباركة ، ومن مواردها أيضاً الهلكة التي يتعرّض لها الشخص في حال التقية .

ثم إنّ ابن عربي في تفسيره ذكر أقوالاً في الآية المباركة ، الرابع منها هو : ( لا تدخلوا على العساكر التي لا طاقة لكم بها )(٤) ، ثم نقل قول الطبري :

ــــــــــــــ

(١) التفسير الكبير ، الفخر الرازي : ج٥ ص١٤٩ .

(٢) التفسير الكبير ، الفخر الرازي : ج٥ ص١٤٩ .

(٣) أحكام القرآن ، ابن عربي : ج١ ص١٦٦ .

(٤) أحكام القرآن ، ابن عربي : ج١ ص١٦٦ .


 ( هو عامٌ في جميعها لا تناقض فيه )(١) وقال الطبري في معرض تفسيره للآية المباركة بعد أن ذكر عدّة من المعاني للآية :

(فإذا كانت هذه المعاني كلّها يحتملها قوله :( وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) ولم يكن الله عزّ وجل خصّ منها شيئاً دون شيء ، فالصواب من القول في ذلك أن يقال : إن الله نهى عن الإلقاء بأيدينا لما فيه هلاكنا )(٢) .

وعليه يكون عموم الآية شاملاً لموارد التقية بلا إشكال .

٢ ـ آيات الجهاد

كقوله تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُواْ جَمِيعاً ) (٣) .

قال الطبري في تفسير هذه الآية : ( خذوا جُنتكم وأسلحتكم التي تتقون بها من عدوكم لغزوهم وحربهم )(٤) .

وقال المراغي في تفسيره : ( بين في هذه الآيات بعض الأحكام الحربية والسياسية ، ورسم لنا الطريق التي نسير عليها في حفظ ملتنا وحكومتنا المبنية على تلك الأصول من الأعداء ـ إلى أن قال : ـ أي احترسوا واستعدّوا لاتقاء شر العدوّ واعرفوا الوسائل لمقاومتهم إذا هجموا واعملوا بتلك الوسائل ، ويدخل في ذلك معرفة حال العدو حتى لا يهاجمكم على غرّة أو يهددكم في دياركم ، وحتى لا يعارضكم في إقامة دينكم أو دعوتكم إليه )(٥) .

ولا شك أنّ التقية تعتبر من تلك الأحكام السياسية ، وسلاح من أسلحة الحذر الذي تأمر به هذه الآية المباركة ، وكذا الآيات الآتي ذكرها ، فالآية الكريمة تأمر باتخاذ وسائل الحذر والتوسّل لأجل الحذر من العدو بكل ما هو مشروع ، وقد تقدّم مشروعية التقية ، فإذا كانت أداة نافعة للحذر من العدو تكون حينئذٍ مندرجة تحت إطلاق الأمر بالحذر من الأعداء .

ــــــــــــــ

(١) أحكام القرآن ، ابن عربي : ج١ ص١٦٦ .

(٢) تفسير الطبري : ج٢ ص٢٨٠ .

(٣) النساء : ٧١ .

(٤) تفسير الطبري : ج٥ ص٢٢٧ .

(٥) تفسير المراغي : ج٢ ص٢٥٥ ـ ٢٥٦ .


وآيات الجهاد والحذر من الأعداء كثيرة ، وهي تتطابق مع مضمون الآية المذكورة ؛ ولذا اقتصرنا عليها في مقام الاستدلال .

٣ ـ آيات صلاة الخوف

كقوله تعالى :( وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ منْهُم معَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى من مطَرٍ أَوْ كُنتُم مرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا ) (١) .

وكقوله تعالى :( فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُواْ اللهَ كَمَا عَلَّمَكُم ما لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ ) (٢) .

قال السيوطي : ( أخرج مالك والشافعي وعبد الرزاق والبخاري وابن جرير والبيهقي من طريق نافع قال : كان ابن عمر إذا سُئل عن صلاة الخوف ، قال :

يتقدم الإمام وطائفة من الناس فيصلّي بهم الإمام ركعة ، وتكون طائفة منهم بينهم وبين العدو لم يصلّوا ، فإذا صلّى الذين معه ركعة استأخروا مكان الذين لم يصلّوا ولا يسلّمون ، ويتقدم الذين لم يصلّوا فيصلون معه ركعة ، ثم ينصرف الإمام وقد صلّى ركعتين ، فتقوم كل واحدة من الطائفتين فيصلّون لأنفسهم ركعة بعد أن ينصرف الإمام ، فيكون كل واحد من الطائفتين قد صلّى ركعتين ، وإن كان خوف هو أشد من ذلك صلّوا رجالاً قياماً على أقدامهم أو ركباناً مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها

ــــــــــــــ

(١) النساء : ١٠٢ .

(٢) البقرة : ٢٣٩ .


قال نافع : لا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلاّ عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )(١) .

وقال المراغي في تفسيره : ( أي وإذا سافرتم أيّ سفر فليس عليكم تضييق ولا ميل عن محجّة الدين إذا قصّرتم الصلاة : أي تركتم شيئاً منها فتكون قصيرة ، بشرط أن تخافوا فتنة الكافرين لكم بالقتل أو الأسر أو غيرهما ، وليس هذا خاصاً بزمن الحرب ، بل إذا خاف المصلّي قُطّاع الطريق كان له أن يقصر هذا القصر ، وليس هذا هو قصر الصلاة الرباعية في السفر المبيّن في كتب الفقه ، إذ هذا مأخوذ من السنّة المتواترة ، بل المراد هنا القصر في صلاة الخوف المذكور في الآية )(٢) ، ففي هذه الآية الكريمة أمر وجوبي بتقصير الصلاة والإتيان بها على غير الهيئة والصورة التي يأتي بها المكلّف في حال الاختيار ، كل ذلك خوف فتنة الكافرين وقُطّاع الطرق وغيرهم من الظالمين ، فالحكم الشرعي الإلهي يتغيّر في حال الخوف من الكافرين والظالمين ، وهذا هو بعينه مورد التقية ، فتكون التقية مورداً ومصداقاً من مصاديق عموم الآية المباركة ، وهو تغيير الحكم الشرعي في حال الخوف والحذر .

والأمر في هذه الآية المباركة أوجب التغيير في الصلاة في حال الخوف مع كونها عمود الدين ، فكيف بك فيما دون ذلك ؟!

فتحصّل من الآيات المذكورة أنّ الكتمان والحذر تقية من الكافرين قد يبلغ مرحلة الوجوب .

ــــــــــــــ

(١) الدر المنثور : ج١ ص٣٠٨ .

(٢) تفسير المراغي : ج٢ ص٢٩٩ .


وجوب التقيّة في السنّة النبوية

١ـ ما تقدم من قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( لا إيمان لمَن لا تقيّة له ) (١) ، وفي كنز العمّال نقل المتقي الهندي عن عليعليه‌السلام أنّه قال :( لا دين لمَن لا تقيّة له ) (٢) وهذا المضمون في الرواية صريح في قوّة ملاك التقية كما في قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( لا دين لمَن لا ورع له ) (٣)

وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( لا دين لمَن لا أمانة له ) (٤) وغيرها من المسائل التي استدلّ على وجوبها بمثل هذا اللسان من الروايات .

٢ـ قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعمّار وهو يمسح عينيه :( ما لك ؟ إن عادوا لك فعد لهم لما قلت ) (٥) وهذا أمر من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعمّار باتخاذ التقية ، وقد حقق في علم الأصول أنّ الأمر ظاهر في الوجوب ، خصوصاً وأنّ رسول

ــــــــــــــ

(١) المصنف ، ابن أبي شيبة الكوفي : ج٧ ص٦٤٣ .

(٢) كنز العمال ، المتقي الهندي : ج٣ ص٩٦ ح٥٦٦٥ .

(٣) ينابيع المودة : القندوزي : ص٢٩٧ .

(٤) المصنف ، ابن أبي شيبة الكوفي : ج٧ ص٢١٢ .

(٥) تقدم ذكر المصادر .


اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وصف عمّاراً بأنّه( ما خيّر عمار بين أمرين إلاّ اختار أرشدهما ) (١) .

٣ـ ما تقدّم من تقية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من قريش في مسألة بناء الكعبة ، وكذا تقيّتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل إعلان دعوته بخمس عشرة سنة ، حيث كان يدعو إلى الإسلام سرّاً وهو خائف ، ولا شك أنّ ذلك كان بأمر وإيجاب من الله تبارك وتعالى على رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأن يتخذ ما هو الأصلح للدين والشريعة الإسلامية .

٤ـ ما تقدّم أيضاً عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : (يا أبا ذر كيف أنت إذا كنت في حثالة وشبك بين أصابعه ، قلت : يا رسول الله ، ما تأمرني ، قال :اصبر اصبر اصبر ، خالقوا الناس بأخلاقهم وخالفوهم في أعمالهم )(٢) ، فيجب على المؤمن أن لا يتقصّد فعل القبائح التي يمارسها حثالة الناس ، وإن كان من الواجب عليه أيضاً التسلّح بسلاح التقية في أوساطهم ، إذ لا يمكن مخالقة تلك الحثالة بأخلاقهم من غير تقية ، وهذه الرواية أيضاً جاءت بلسان الأمر الدال على الوجوب .

٥ـ ما نقلناه أيضاً عن ابن عمر عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : (لا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه ، قيل يا رسول الله ، وكيف يذل نفسه ؟قال أن يتعرّض من البلاء لما لا يطيق )(٣) والتعبير بلا ينبغي لا شك في ظهوره في الوجوب .

ــــــــــــــ

(١) تفسير القرطبي : ج١٠ ص١٨١ .

(٢) المستدرك على الصحيحين ، الحاكم النيسابوري : ج٣ ص٣٤٣ .

(٣) المعجم الكبير ، الطبراني : ج١٢ ص٣١٢ ؛ مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج٧ ص٢٧٤ ـ ٢٧٥ .


وجوب التقيّة عند علماء أهل السنّة

لا شك أنّ التعبير عن حكم شيء بـ (الرخصة) لا يعني الإباحة وعدم الوجوب في كلمات أعلام السنّة ، بل قسّموا الرخصة إلى واجبة ومندوبة ومباحة :

١ـ كما ذكر ذلك النووي في كتابه الفقهي المجموع ، حيث قال : ( فرع في بيان أقسام الرخص الشرعية ، هي أقسام ، أحدهما : رخصة واجبة ولها صور ، منها مَن غص بلقمة ولم يجد ما يسيغها به إلاّ خمراً وجبت إساغتها به ، وهي رخصة نصّ الشافعي على وجوبه ، واتفق الأصحاب عليه ، ومنها أكل الميتة للمضطر رخصة واجبة على الصحيح )(١) .

٢ـ وبنفس المضمون ما ذكره الفقيه الحجاوي في الإقناع ، حيث إنّه قال ، وهو في صدد تعداد الموارد التي يجوز فيها شرب الخمر : ( وبالمختار المصبوب في حلقه قهراً ، والمكره على شربه ؛ لحديث :( رُفع عن أُمّتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) وبغير ضرورة ما لو غصّ ، أي شرق بلقمة ولم يجد غير الخمر فأساغها بها فلا حدّ عليه ؛ لوجوب شربها إنقاذاً للنفس من الهلاك والسلامة بذلك قطعية بخلاف الدواء ، وهو رخصة واجبة )(٢) .

٣ـ وبنفس المضمون أيضاً ما ذكره الخطيب الشربيني في كتابه الفقهي مغني المحتاج(٣) .

ــــــــــــــ

(١) المجموع ، النووي : ج٤ ص٣٣٦ .

(٢) الإقناع ، محمد بن أحمد الشربيني : ج٢ ص١٨٧ .

(٣) مغني المحتاج : ج٤ ص١٨٦ .


٤ـ وكذا ما ذكره البكري الدمياطي في كتابه الفقهي إعانة الطالبين(١) .

وهذا يعني أنّ العلماء والفقهاء من أهل السنّة عندما يعبّرون عن التقية بأنّها رخصة لا يعني ذلك أنّها ليست واجبة أو لا تصل إلى مرتبة الوجوب في بعض أمثلتها ومواردها ، بل هي عندهم تنقسم بحسب الأحكام الشرعية ، فقد تكون واجبة في بعض أمثلتها ومواردها وقد تكون مندوبة وراجحة وقد تكون مرجوحة وقد تكون مباحة بلا راجحية أو مرجوحية ؛ ولذا نجدهم عندما وصلوا إلى مبحث الإكراه الذي هو من أوضح مصاديق وموارد التقية قسموا أمثلته إلى واجبة وراجحة من غير وجوب ومرجوحة ، وهكذا الاضطرار ـ الذي تعدّ التقية مثالاً من أمثلته في بعض الموارد ـ حيث ذكروا لوجوب الإتيان بما اضطر إليه أمثلة عديدة وقد سبق ذكر بعضها .

وبناءً على ذلك يكون قول الفقهاء المتقدمين وغيرهم بوجوب شرب المكره للخمر وكذا المضطر ـ لأجل السلامة وحفظ النفس من الهلاك ـ نصّاً منهم على وجوب التقية وبلوغ ملاكها حدّ الإلزام ، وإن لم يُسمّه بعضهم اصطلاحاً بالتقية ولا تشاحّ في الاصطلاح .

٥ ـ وقد نصّ على ذلك الجصاص في ( أحكام القرآن ) ناسباً ذلك إلى كافة الأصحاب ، حيث قال : ( وقال أصحابنا فيمَن أكره بالقتل وتلف بعض الأعضاء على شرب الخمر أو أكل الميتة لم يسعه أن لا يأكل ولا يشرب ، وإن لم يفعل حتى قتل كان آثماً ؛ لأنّ الله تعالى قد أباح ذلك في حال

ــــــــــــــ

(١) إعانة الطالبين : ج٤ ص١٧٦ .


الضرورة عند الخوف على النفس ، فقال :( إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ) (١) والذي يُفهم من كلام الجصاص هو ما أكدناه سابقاً ، من أنّ الإباحة والرخصة في الإكراه قد تكون واجبة ، وهذا ما فهموه أيضاً من آيات رفع الحرج عن المضطر وكذا حديث رفع الإكراه والاضطرار

والحاصل من مجموع كلماتهم : إنّ التقية الواجبة ذات الملاك الملزم هي الناتجة عن دفع الضرر الذي يجب دفعه ، كالقتل أو تلف بعض الأعضاء أو غيرها .

ويمكن فهم ذلك أيضاً من اتفاقهم على القول بوجوب الكذب في بعض الموارد ، كما لو أدى الصدق وعدم الكذب على الظالم إلى سفك دم مسلم من المسلمين ، كما تقدم نقل ذلك عن ميمون بن مهران .

٦ـ وقال الغزالي في إحياء العلوم : ( إنّ عصمة دم المسلم واجبة ، فمهما كان في الصدق سفك دم امرئ مسلم اختفى من ظالم ، فالكذب فيه واجب )(٢) .

٧ـ وقال النووي : ( اتفق الفقهاء على أنّه لو جاء ظالم يطلب إنساناً مختفياً ليقتله أو يطلب وديعة لإنسان ليأخذها غصباً وسأل عن ذلك وجب على مَن علم ذلك إخفاؤه وإنكار العلم به ، وهذا كذب جائز ، بل واجب لكونه في دفع الظالم )(٣) .

وقال في موضع آخر : ( ولا خلاف أنّه لو قصد ظالم قتل رجل هو عنده

ــــــــــــــ

(١) أحكام القرآن : ج٣ ص٢٤٩ .

(٢) إحياء العلوم : ج٣ ص١٣٧ .

(٣) شرح صحيح مسلم : ج١٥ ص١٢٤ .


مختف وجب عليه الكذب في أنّه لا يعلم أين هو )(١) .

٨ـ ونقل الحطّاب الرعيني في المواهب عن ابن ناجي في باب جمل من الفرائض قوله : ( إنّ الكذب الواجب هو الذي لإنقاذ مسلم أو ماله )(٢) .

ولا شك أنّ هذه الأمثلة ونظائرها من أوضح مصاديق التقية ؛ لأنّ الكذب إظهار ما هو خلاف الحق والواقع ، بسبب الخوف من ضرر الغير الظالم ، وهذه هي التقية بعينها كما تقدم ذلك في تعريفها وبيان حقيقتها ومناشئها ، غاية ما في الأمر أنّ ضرر الغير الظالم في المثال المذكور ينصبّ على مال المسلم أو عرضه أو نفسه ، فيخاف صاحب التقية عليه ، فيكذب دفعاً لذلك الضرر ، وحكم هذا الكذب هو الوجوب كما سبق آنفاً دعوى الإجماع والاتفاق عليه ، وبنفس المناط والملاك ومناسبات الحكم والموضوع يشمل ذلك الكذب الواجب ، ما لو كان كذبه يدفع الضرر عن نفسه أو عرضه أو ماله ، والتقية لا تزيد على ذلك في حقيقتها وماهيتها .

فعندما يعبّر بعض العلماء والفقهاء عن التقية بأنّها رخصة لا يريد من ذلك عدم الوجوب ، بل قد تصل في بعض مراتبها إلى الوجوب ، كما في المثال المتقدم عن ميمون بن مهران ، الذي لا شك في كونه من أمثلة التقية ، كما لا شك في اتفاقهم على وجوبه .

ومن هنا يتضح أنّ حكم التقية يختلف باختلاف أمثلته ، فقد تكون التقية في بعض أمثلتها مباحة فقط ، وذلك فيما لو لم يكن ملاكها أرجح من ملاك تركها ، وقد تكون واجبة فيما إذا كان ملاك أرجحيتها على نحو

ــــــــــــــ

(١) شرح صحيح مسلم : ج١٦ ص١٥٨ .

(٢) مواهب الجليل ، الحطاب الرعيني : ج٧ ص٣١٤ .


اللزوم كما سبق ذكره ، وقد تكون محرمة إذا أوجبت مفسدة كبيرة يجب تركها ، ومثاله ما لو أُكره على قتل مؤمن مثلاً ، وهكذا باقي الأحكام الأخرى ، فقد تكون مستحبة فيما لو كانت الرخصة فيها على سبيل الندب والأرجحية ، كما أشار إلى ذلك النووي في المجموع ، حيث قال في معرض ذكره لأقسام الرخصة : ( الثالث : رخصة يندب فعلها )(١) وقد تكون التقية رخصة أيضاً ولكن تركها أفضل من فعلها ، فيما لو كان ملاكها مرجوحاً لا على نحو الإفساد الذي يوجب الحرمة ؛ ولذا قال النووي أيضاً في معرض ذلك التقسيم : ( الثاني : رخصة تركها أفضل )(٢) .

٩ ـ ممّا يكشف أيضاً عن كون الجواز في التقية لا يعني عدم الوجوب في كلمات أعلام السنّة ما ذكره الفخر الرازي ، حيث قال بعد أن صرح بجواز التقية : ( وروى عوف عن الحسن أنّه قال : التقية جائزة للمؤمنين إلى يوم القيامة ، وهذا القول أولى ؛ لأنّ دفع الضرر عن النفس واجب بقدر الإمكان )(٣) ، فاستدلاله على مشروعية التقية بمواردها الواجبة واضح في أنّ ذكره لجواز التقية إنّما هو لبيان أصل مشروعيتها لا نفي وجوبها في بعض الأحيان

أدلة الإكراه ووجوب دفع الضرر شرعاً

ذهب الفقهاء إلى أنّ الإكراه والاضطرار إذا بلغ ضرره على النفس يجب على المكره والمضطر فعل ما أُكره عليه أو اضطرّ إليه ، ولا نريد الدخول في أدلة ذلك ، ولكن نقول تقدّمت الإشارة إلى بعض أقوال العلماء في ذلك ، وذكروا أيضاً أنّ مَن انقطع به الطريق وأشرف على الهلاك ولم يكن بين يديه إلاّ الميتة أو الماء النجس أو البول أو غير ذلك من المحضورات وجب عليه ـ حفظاً لنفسه من الهلاك ـ تناول الميتة أو غيرها ، ولا شك أنّ صاحب التقية قد تصل به الحال إلى أنّه قد يقتل إذا لم يُظهر التقية ، فبنفس ملاك حفظ النفس من الهلاك الذي بلغ بالإكراه والاضطرار إلى مرتبة الوجوب ، قد يبلغ أيضاً بالتقية مبلغ الوجوب والإلزام .

ــــــــــــــ

(١) المجموع ، النووي : ج٤ ص٣٣٦ .

(٢) المجموع ، النووي : ج٤ ص٣٣٦ .

(٣) تفسير الفخر الرازي : ج٨ ص١٥ .


وجوب التقية في نظر العقل والعقلاء

سبق أنّ للعقل والعقلاء دوراً مهمّاً في ترسيخ مبدأ التقية في الأوساط الاجتماعية ؛ لأنّ التقية ودفع الضرر بصورة عامة فطرة بشرية رافقت الإنسان والشرائع السماوية ، وقد أمضت الشرائع تلك الفطرة ولم تصطدم معها ، بل أكّدتها وحكمت بحكمها ، ومن الواضح أنّ الفطرة والعقل والعقلاء يدركون أنّ الضرر قد يبلغ لزوم رفعه مبلغ الوجوب بحسب نوع الضرر المحتمل ؛ ولذا من جملة ما استدلّ به على وجوب البحث عن الخالق والعقائد الدينية بصورة عامة هو وجوب دفع الضرر المحتمل ، وليس ذلك إلاّ لكون الضرر المحتمل عظيماً جداً ، وهو ما أخبر به الأنبياء والرسل من النار والعذاب والحرمان لمَن لم يؤمن بالعقائد السماوية الحقّة ، وهكذا استدل على جملة من الأمور الفرعية في الفقه بما حكم به العقل والعقلاء من وجوب دفع الضرر .

وهكذا العقل وكذا العقلاء يدركون أنّ الضرر في موارد التقية قد يكون دفعه أو رفعه واجباً ، كالتكلّم ببعض الكلمات التي تكون مخالفة للواقع وبها يدفع عن نفسه أو عرضه أو ماله الضرر

وهذا الحكم العقلي والعقلائي قد أقرّه الشارع في القرآن والسنّة النبوية وجاء في أقوال العلماء والفقهاء .

فوجوب التقية شرعاً إنّما هو إمضاء لحكم العقل بوجوب دفع الضرر في الدنيا وما بعد الموت ، حيث إنّ العقل يُلزم الإنسان بالبحث عمّا يحصل بعد الموت ؛ وذلك لأنّ المحتمل ملاكه شديد جدّاً ، وهو الهلاك والعذاب الدائم الأبدي .

وبناءً على ذلك يحكم العقل بوجوب التقية حتى وإن كان الضرر محتملاً مع خطورة وشدّة ذلك الضرر ، خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار أنّ إظهار الحقيقة ـ من دون أن يحتوي ذلك الإظهار على أي مبدأ من المبادئ السامية كالجهاد والتضحية ونحوهما ـ قد يكون موجباً للفتنة والخروج عن تلك الحقيقة وعن الدين ، بسبب ما يلاقيه من عذاب واضطهاد من قِبل الظالمين .


وجوب التقية في سيرة المسلمين

الذي يتصفّح تاريخ المسلمين سواء على المستوى الفردي أو الجماعي ، يجد أنّهم قاموا بتلبية نداء الفطرة والعقل بوجوب التقية ووجوب دفع الضرر ؛ وذلك عندما كانوا يمرون بمنعطفات حادّة وخطيرة ، فنلاحظهم ينسابون مع تلك الفطرة بإخفاء عقيدتهم وإظهار خلافها أمام الظالمين .

وقد وقفنا سابقاً على النزر اليسير من سيرة المسلمين في هذا المضمار ، سواء في المواقف الفردية التي كان يتخذها العلماء أو عامة الناس ، أم في المواقف الاجتماعية والعامة ، التي وقفها المسلمون أمام المحن الشديدة والفتن العارمة ، التي كانوا يمرون بها في التاريخ العصيب الذي مرّت به الأمة الإسلامية ، والطغاة والظالمين الذين حكموا رقاب الناس ، وأمثلة ذلك كثيرة جداً .

منها ما سبقت الإشارة إليه ، وهي محنة خلق القرآن ، حيث أجاب جلّ المسلمين ـ الذين آمنوا بعدم خلق القرآن الكريم ـ بأنّ القرآن مخلوق عندما امتحنوا في تلك المسألة .

ومن تلك المواقف أيضاً فتنة الأسود العنسي ، حيث قال ابن كثير وغيره في تلك الفتنة : ( واستوثقت اليمن بكاملها للأسود العنسي ، وجعل أمره يستطير استطارة الشرارة واشتدّ ملكه واستغلظ أمره ، وارتدّ خلق من أهل اليمن ، وعامله المسلمون الذين هناك بالتقية )(١) .

وليست هذه السيرة وتلك المواقف إلاّ إجابة لنداء الفطرة وإدراك العقل القاضيان بوجوب التقية ولزوم التمسّك بها في مثل هذه الفتن والابتلاءات ، ولو كان هناك ردع نبوي أو قرآني عن مثل تلك التقية لما كانت التقية سلوكاً عامّاً يتبعه الفرد والمجتمع الإسلامي ، خصوصاً وأنّ مثل تلك المحن كانت توجب الافتتان في الدين والارتداد عن الإسلام ، كما حصل ذلك من بعض أهل اليمن عندما افتتنهم الأسود العنسي بشدّته وغلظته .

ــــــــــــــ

(١) البداية والنهاية : ج٦ ص٣٣٩ ؛ تاريخ ابن خلدون : ج٢ ق٢ ص٦٠ .


منزلة التقيّة في الإسلام

لا دين لمَن لا تقيّة له :

من الشبهات التي تُثار حول الشيعة في بحث التقية هي أنّهم يجعلون التقية في مصاف أصول الدين وأركانه ، استناداً إلى بعض مرويّاتهم التي يروونها عن أهل بيت العصمة والطهارة ، كقول الإمام جعفر بن محمد الصادقعليه‌السلام :( التقية ديني ودين آبائي ولا دين لمَن لا تقيّة له ) (١) ؛ حيث استنكر البعض مثل هذه التعابير حول مبدأ التقية ، وقال : كيف تُجعل التقية من الدين وأنّ مَن لا تقية له لا دين له ؟!

وللإجابة عن هذا التساؤل وجوه عديدة نشير إلى بعضها :

١ـ إنّ المضمون السابق الذي ورد حول التقية عن أهل البيتعليهم‌السلام ورد بذاته عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، حيث قال :( لا دين لمَن لا تقية له ) (٢) ، ولم تكن التقية هي المفردة الوحيدة التي عبّر عنها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بذلك التعبير ، بل هناك الكثير من المفردات الدينية التي عبّر عنها الرسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالتعبير ذاته ، وذلك كقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( لا دين لمَن لا ثقة له ) (٣) ، وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( لا دين لمَن لا أمانة له ) (٤) ، و :( لا دين لمَن لا عهد له ) (٥) ، و :( لا دين لمَن لا

ــــــــــــــ

(١) المحاسن ، البرقي : ج١ ص٢٥٥ .

(٢) المصنف ، ابن أبي شيبة الكوفي : ج٧ ص٦٤٣ ؛ كنز العمال ، المتقي الهندي : ج٣ ص٩٦ ؛ ينابيع المودة ، القندوزي : ج٢ ص٨٤ .

(٣) تاريخ جرجان ، السهمسي : ص٢٠٠ .

(٤) السنن الكبرى ، البيهقي : ج٦ ص٢٨٨ ؛ المصنف ، الصنعاني : ج١١ ص١٥٧ ؛ المصنف ، ابن أبي شيبة الكوفي : ج٧ ص٨٢ ؛ المعجم الكبير ، الطبراني : ج٨ ص٢٤٧ .

(٥) مسند أحمد : ج٣ ص١٣٥ ؛ صحيح ابن حبان : ج١ ص٤٢٣ .


ورع له ) (١) ، و :( لا دين إلاّ بمروءة ) (٢) ، فمثل هذه التعابير في التقية وفي غيرها كثيرة جدّاً ومتواترة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلا يسع الباحث إنكارها والتهجّم عليها ، بل لا بد من فهم معانيها والوقوف على المراد منها ، كما سوف يتضح ذلك في الوجوه اللاحقة .

٢– إن تلك المفردات الدينية جعلها الشارع للمحافظة على الفرد المسلم وعلى دينه من خلال التحلّي والتسلّح به ؛ لأنّ ترك التقية ـ مثلاً ـ قد يوجب الافتتان في الدين والردّة عن الإسلام ، فمعنى كون التقية دين ، هو أنّ ديمومة عقيدة الشخص أو المجتمع والمحافظة على استمرارية الدين في تلك الأوساط ، وعدم الخروج عنه جرّاء الفتن والبلاء ، إنّما يكون عن طريق استخدام التقية ونظائرها والتسلح بها كسلاح وقائي ، من أجل الدفاع عن النفس والمال والعرض ، وبالتالي الحفاظ على دين الشخص من كيد الظالمين .

وهكذا الكلام في بقيّة المفردات الأخرى كالورع والأمانة وحفظ العهد والغيرة والمروءة وغيرها ، كل تلك الأمور تعتبر أسلحة مؤثّرة تساعد الفرد على حفظ دينه من خلال التمسّك بها ، وفي غير ذلك يكون دينه في معرض التلف والضياع كما ستأتي الإشارة إلى ذلك لاحقاً .

٣ ـ لا ريب أنّ أي مفردة وأي عقيدة أو حكم شرعي جاءت به الشريعة الإسلامية يوجب إنكاره الكفر والخروج عن الدين الإسلامي ، إذا كان ذلك الفرد عالماً بثبوته في الشريعة الإسلامية ، بمعنى أنّ الله عزّ وجل

ــــــــــــــ

(١) ينابيع المودة ، القندوزي الحنفي : ج٣ ص٢٩٧ .

(٢) شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : ج١٨ ص١٢٨ ؛ البداية والنهاية ، ابن كثير : ج٩ ص٢٩٨ .


لا يقبل من الفرد المسلم أن يؤمن ببعض الشريعة الإسلامية ويكفر ببعضها الآخر ، ولذا ذمّ الله سبحانه الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعضه الآخر ، حيث عدّهم من المنافقين أو الكافرين الخارجين عن الشريعة الإسلامية ، قال تعالى :( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) (١) وغير هذه الآية من الآيات المباركة التي تؤكّد على ضرورة الإيمان بالشريعة الإسلامية بكاملها ، فإذا ثبت أنّ مفردة هي من المفردات الإسلامية ، فإنّ إنكارها مع العلم بثبوتها في الشريعة الإسلامية يوجب الكفر والخروج عن الدين وتكذيب سيّد المرسلينصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فمَن ينكر التقية بعد علمه بكونها من الشريعة الإسلامية الحقّة عن القرآن والسنّة النبوية يكون خارجاً عن الدين ، فيصح أن يقال في حقّه :( لا دين لمَن لا تقية له ) أي مَن أنكر التقية بعد علمه بثبوتها شرعاً يكون خارجاً عن الدين .

ولذا ورد عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوله :( يا أيّها الناس ، إنّه لا دين لمَن دان بجحود آية من كتاب الله ، يا أيّها الناس ، إنّه لا دين لمَن دان بفرية باطل ادعاها على الله تبارك وتعالى ، يا أيّها الناس ، إنّه لا دين لمَن دان بطاعة مَن عصى الله تبارك وتعالى ) (٢)

٤ـ إنّ هذه المضامين التي وردت في التقية وفي غيرها ، تشير إلى

ــــــــــــــ

(١) البقرة : ٨٥ .

(٢) طبقات المحدثين باصبهان ، ابن حبان : ج٣ ص٢٥ ؛ ذكر اخبار اصبهان ، الحافظ الاصبهاني : ج١ ص٢٢٧ .


المضمون الذي ورد في قوله تعالى :( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) (١) ، فحيث ثبت أنّ التقية بدفع الضرر وجلب الكمال من مقتضيات الفطرة التي فطر الله عزّ وجل الناس عليها ، فلا شك حينئذٍ في كون الفطرة من الدين القيّم ، ويصح عندها قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( لا دين لمَن لا تقية له ) ويصح قول الإمام جعفر بن محمد الصادقعليه‌السلام :( التقية ديني ودين آبائي ) ؛ وذلك لأنّ مَن يحافظ على فطرته بصورة سليمة وصافية كالمعصوم يشاهد وبوضوح كيف أنّ التقية فطرية ، وكيف أنّ الفطرة هي دين الله القيّم الذي لا تبديل له .

وهذا لا يعني جعل التقية في عداد أصول الدين وأركانه التي بُني عليها كالتوحيد والنبوّة والإمامة والمعاد والعدل أو كالصلاة والحج والخمس والزكاة وغيره ؛ وذلك لتفاوت الأمور الفطرية في درجاتها سعةً وضيقاً وتأثيراً ، وكم هي الأمور الفطرية التي تُعد فروعاً لفطرة وشجرة التوحيد الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء ، فلتكن التقية من تلك الفروع المباركة لتلك الشجرة الطيبة ، مع الحفاظ على أصالة التوحيد ومحوريته في الدين ، والحفاظ أيضاً على كون التقية فرعاً من الفروع الفطرية وحكماً من الأحكام العقلية والعقلائية والشرعية ؛ ولذا نحن نؤمن بأنّ التقية من الأحكام الشرعية الفرعية ولا تبلغ أصول الدين في الرتبة ، ومع ذلك نؤمن بقول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :(لا دين لمَن لا تقية له ) وذلك قضاء لنداء الفطرة وتلبية لقول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهذا جارٍ أيضاً في المفردات الأخرى التي ذكرت في الروايات ، كقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( لا دين لمَن لا ورع له ) وغيرها ممّا تقدم .

ــــــــــــــ

(١) الروم :٣٠ .


ومن جميع ما سبق يظهر لنا مقام التقية في الإسلام وأنّها من الدين ولا دين لمَن لا تقية له ، وبها يتسلّح المسلم للحفاظ على دينه ونفسه وماله وعرضه ، ومَن ينكرها مع تصريح الآيات القرآنية بها ونص الروايات النبوية عليها يكون منكراً لضروري من ضروريات الدين ورادّاً على الله عزّ وجل في قرآنه وعلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في سنّته .

بل نجد أنّ بعض مَن تركها منكراً لها ارتدّ عن الدين وكفر بالإسلام ، كما تقدّم ذلك في أهل اليمن وفتنة الأسود العنسي .

وبعد ذلك كلّه كيف يشنّع على الشيعة تعظيمهم لمقام التقية وتمسّكهم بها للحفاظ على دينهم ، خصوصاً إذا لاحظنا ما تعرّضت له هذه الطائفة من الظلم والاضطهاد والتشريد والقتل على مرّ التاريخ وإلى يومنا هذا .

ولم يقتصر تعظيم التقية وبيان مقامها في الدين على الشيعة أو أئمّتهمعليهم‌السلام ، بل سبق قول التابعي مكحول الدمشقي في التقية : ( ذلّ مَن لا تقية له ) ، وقد جعلها الصحابي أبو الدرداء من علامات العاقل عندما قال : ( ألا أنبئكم بعلامة العاقل ؟ يتواضع لمَن فوقه ، ولا يزري بمَن دونه ، ويمسك الفضل من منطقه ، يخالق الناس بأخلاقهم ، ويحتجز الإيمان فيما بينه وبين ربّه جلّ وعَزّ ، وهو يمشي في الدنيا بالتقية والكتمان )(١) .

والتقية هي ما اختاره عمار بن ياسر ، والرشد فيما اختاره عمار .

وقد كان حذيفة بن اليمان يعتبر التقية شراء للدين وحفظاً للشخص عن الفتنة والارتداد والخروج عن الدين .

ــــــــــــــ

(١) تقدّم ذكر المصدر .


وقد اعتبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ترك التقية في بعض المواطن ذلاًّ وهواناً للمؤمن ، كما فهم ذلك ابن عمر والتزم به تحت منبر الحجّاج عندما كان يتحدث بالمنكرات على منبر الإسلام(١) .

وغير ذلك ممّا ذكرناه وممّا لم نذكره رعايةً للاختصار .

التقيّة في القول والفعل

من الجدير بالذكر أنّ إطلاق الآيات والروايات المتقدمة كما أنّها تشمل القول تشمل الفعل أيضاً ، دون كبائر المحرمات كالقتل وما هو بمرتبته ، وهذا أيضاً ما تحكم به الفطرة ويؤيّده العقل ، فلا ريب أنّ الأمر لو دار بين القتل وبين بذل مقدار من المال أو الإتيان ببعض الأفعال فإن العقل يحكم بضرورة الإتيان بذلك الفعل ، وأن لا يلقي الإنسان بنفسه إلى التهلكة ، وهذا ما تشهد على صحته الآيات والروايات ، وأقوال العلماء حول مبحث الإكراه والاضطرار ، كأكل الميتة وشرب الخمر وغيرهما .

وكل ذلك يدور مدار تقديم الأهم على المهم ، وهو مبدأ عقلائي لا شك في ضرورته ومشروعيته.

وهذا ما تقدّم وسيأتي أيضاً في كلام النووي من أنّ العلماء عمّموا عدم مؤاخذة المكره لكل ما أُكره على الإتيان به ، بعد أن سمح الله عزّ وجل بالكفر الذي هو أصل الشريعة .

ــــــــــــــ

(١) المعجم الأوسط ، الطبراني : ج٥ ص٢٩٤ ؛ مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج٧ ص٢٧٤ .


وقال الشوكاني فيما سبق من كلامه في هذا المجال في تفسيره : ( وذهب الحسن البصري والأوزاعي والشافعي وسحنون إلى أنّ هذه الرخصة المذكورة في هذه الآية إنّما جاءت في القول ، وأمّا في الفعل فلا رخصة ، مثل أن يكره على السجود لغير الله ، ويدفعه ظاهر الآية ، فإنّها عامة فيمَن أكره من غير فرق بين القول والفعل ، ولا دليل لهؤلاء القاصرين للآية على القول ، وخصوص السبب لا اعتبار به مع عموم اللفظ كما تقرّر في علم الأصول )(١) ، بل نقول إضافة إلى ما ذكره الشوكاني : أنّ جميع أدلة التقية مطلقة وشاملة للفعل ، ولكن فيما لم يبلغ مبلغ القتل مثلاً .

سعة دائرة التقيّة

لماذا يتقي المسلم أخاه المسلم ؟

في المقدمة لا بد أن يعلم أنّ حكم التقية ومشروعيتها باقٍ إلى يوم القيامة لم يُنسخ ولم يُغيّر ، وقد اتفقت كلمة العلماء على ذلك ، وسبق وأن نقلنا قول الحسن البصري : ( التقية جائزة إلى يوم القيامة ) ، وهذا واضح لم ينكره أحد .

ولكن هل يختص حكم التقية بالتقية مع الكافرين ، أو أنّه يشمل المسلمين فيما بينهم ، إذا تشاكلت الحالة في الظلم والجور والاضطهاد ؟

ومن الواضح أنّ روايات أهل البيتعليهم‌السلام وأقوال وفتاوى علماء الشيعة تنصّ على جواز تقيّة المسلم مع المسلم الآخر ، إذا كان ذلك المسلم ظالماً يضطهد كل مَن يخالفه في الرأي والمعتقد ويعتدي عليه بالقتل والفتك وألوان العذاب .

ــــــــــــــ

(١) فتح القدير ، الشوكاني : ج٣ ص١٩٧ .


وهذا هو مذهب الشافعي أيضاً ، حيث يقول : ( إنّ الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والمشركين حلّت التقية محاماة على النفس )(١) .

وكذلك هو مذهب كل مَن يعمّم بحث الإكراه والاضطرار ووجوب الكذب في بعض موارده إلى الإكراه والاضطرار فيما بين المسلمين ، إذا أكره بعضهم البعض الآخر أو اضطره على فعل المحرم أو أجبره على الكذب .

ولا ريب أنّ إجماع الفرق الإسلامية قائم على أنّ المكره يباح له الإتيان بما أكره عليه وإن كان الشخص الذي أكرهه مسلماً ، لكنّه ظالم جائر ، وهكذا المضطر ؛ ولذا أجمعوا على وجوب الكذب لإنقاذ المسلم أو ماله أو عرضه أو بعض أعضائه من الظالم وإن كان مسلماً ، ولم يقيّدوا الظالم بما إذا كان كافراً .

وحيث تقدم أنّ ذلك كلّه من شعب التقية ومواردها ، فيكون عموم التقية ـ ولو في تلك الموارد ـ من المسائل الاتفاقية ، وهذا إجماع على جواز التقية فيما بين المسلمين ، إلاّ أنّ الاختلاف في مواردها وحدودها ، ولا بد أن نرجع في التحديد إلى الأدلة كما سيأتي لاحقاً .

تقية المسلم مع المسلم في القرآن الكريم

إنّ الآيات السابقة التي أثبتنا بها مشروعية التقية شاملة بإطلاقها وعمومها للتقية مع كل ظالم ومتجبّر قاهر ، وإن كان مسلماً في العقيدة ، فالآيات الكريمة وخصوصاً الأولى والثانية ، وإن كان مورد نزولها هو التقية مع الكافرين ، إلاّ أنّ علماء الأصول عموماً يثبتون أنّ مورد النزول لا يخصص الآية الواردة إذا كانت عامة ومطلقة ، ولا شك أنّ قوله تعالى :( إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ) شامل لإكراه مطلق الظالم وإن كان مسلماً بحسب الظاهر ، وكذا قوله تعالى :( إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً ) فهو في مقام بيان أساس مشروعية التقية وموردها وإن كان مع الكافرين ، إلاّ أنّه لا يخصّص الوارد ، وأيضاً قوله تعالى :( يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ) ، فهو في صدد إثبات مشروعية كتمان الإيمان وأرجحيته حفاظاً على النفس وخوفاً من الفتنة ، وكونها واردة في الكتمان مع فرعون الكافر لا يوجب تقييد الآية وتخصيصها .

ــــــــــــــ

(١) نقلاً عن تفسير الفخر الرازي : ج٨ ص١٥ .


وبناءً على ذلك يكون تخصيص التقية عند بعض علماء السنّة بالتقية مع الكافرين استناداً إلى تلك الآيات المباركة في غير محلّه ، ومنافياً لصريح ما أثبته جملة الأصوليين ، من أنّ المورد لا يخصّص الوارد.

وهكذا يمكن الاستدلال على ذلك بإطلاق آيات الاضطرار ، كقوله تعالى :( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) ، وقد تقدّم أنّ مورد التقية نوع من أنواع الاضطرار .

وأيضاً يمكن التدليل على ما ذكرناه بآيات الحذر من المنافقين ، مع أنّهم يجري عليهم حكم الإسلام ظاهراً ، كقوله تعالى :( وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) (١) .

فالآية المباركة تحث المسلمين على الحذر من المنافقين ، الذين هم مسلمون بحسب الظاهر ، ولا شك أنّ التقية نوع من أنواع الحذر ، فتكون الآية شاملة بإطلاقها للتقية .

تقيّة المسلم مع المسلم في السنّة النبوية

الروايات التي تقدم ذكرها عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شاملة وعامة لجميع موارد الحذر والتقية وإن كان الظالم مسلماً ، بل بعضها صريح في الشمول ، كقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( اللّهمّ أظهر عليهم أفضلهم تقية ) ، وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعائشة : ( لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت ) وقوله أيضاً :صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( بئس القوم قوم يمشي المؤمن فيهم بالتقية ) وغيرها من الروايات التي تقدّمت ، وهي ظاهرة بل صريحة في مشروعية تقية المسلمين بين بعضهم البعض ، وتخصيصها بالكافرين بلا موجب ، بل لا وجه له .

وهكذا يدل على الشمول حديث رفع الإكراه الذي تقدّم نقله عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ــــــــــــــ

(١) المنافقون : ٤ .


تقيّة المسلم مع المسلم في سيرة المسلمين وأقوال العلماء

الذي يلاحظ سيرة المسلمين يجد أنّهم مارسوا مبدأ التقية مع الظلمة الذين هم على ظاهر الإسلام ، وهكذا العلماء والفقهاء حكموا بذلك قديماً وحديثاً ، وقد سبق ذكر الكثير من الشواهد الدالة على ذلك ، وإليك الإشارة إلى بعضها مع الاختصار :

١ـ قول عبد الله بن مسعود المتقدم : ( ما من ذي سلطان يريد أن يكلّفني كلاماً يدرأ عنّي سوطاً أو سوطين إلاّ كنت متكلّماً به )(١) ، فلم يخص عبد الله بن مسعود التقية بالتقية مع الكافرين فحسب .

٢ـ تقية أبي هريرة مع المسلمين في الحديث ، حيث بثّ وعاءاً وكتم الآخر .

٣ـ تقية حذيفة بن اليمان مع عثمان بن عفان المتقدمة .

٤ـ تقية عبد الله بن عمر مع الحجاج وقد تقدمت أيضاً ، حيث استفاد ابن عمر عموم التقية مع المسلم الظالم من قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( لا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه ) (٢) .

٥ ـ ما تقدم من فهم عبد الله بن عباس عموم قول الله عزّ وجل :( إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ) ، حيث فهم شمولها لمطلق العدو ، إذ قال : ( فأمّا مَن أُكره فتكلّم به لسانه وخالفه قلبه لينجو بذلك من عدوّه فلا حرج عليه )(٣) وقال أيضاً في موضع آخر : ( التقية باللسان من حمل على أمر يتكلّم به وهو لله معصية ، فتكلّم مخافة على نفسه وقلبه مطمئن بالإيمان فلا إثم عليه )(٤) ، فلم يفهم ابن عباس من آيات التقية اختصاصها بالكافرين ، بل عمّمه للإكراه على كل ما فيه معصية لله تعالى ولكل عدو يُكرهه على ذلك .

٦ـ تعميم ميمون بن مهران التقية مع كل مَن يتبع مسلماً بالسيف وقد تقدّم ذكره .

ــــــــــــــ

(١) المحلى ، ابن حزم : ج٨ ص٣٣٦ .

(٢) المعجم الأوسط ، الطبراني : ج٥ ص٢٩٤ ؛ كشف الأستار ، الهيثمي : ج٤ ص١١٢ ؛ مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج٧ ص٢٧٤ .

(٣) جامع البيان تفسير الطبري ، الطبري : ج١٤ ص٢٣٨ .

(٤) جامع البيان ، الطبري : ج٣ ص٣١٠ .


٧– ما سبق من استدلال النووي على مبحث الإكراه بآيات التقية ، إذ قال بعد ذلك : ( فلمّا سمح الله عزّ وجل بالكفر به لمَن أكره ، وهو أصل الشريعة ولم يؤاخذ به ، حمل عليه أهل العلم فروع الشريعة كلّها ، فإذا وقع الإكراه عليها لم يؤاخذ به ولم يترتّب عليه حكم ، وبه جاء الأثر المشهور عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( رُفع عن أُمّتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه ) )(١)

وكلامه هذا صريح في التعميم ، وكذا التعميم صريح في كل مَن جعل الإكراه مورداً للتقية كالبخاري وغيره ؛ وذلك لإجماعهم على عمومية بحث الإكراه وعدم اختصاص مشروعيته مع الكافرين فقط .

٨ ـ ما سبق عن الشافعي من تعميم التقية فيما بين المسلمين .

٩ـ وشمول التقية فيما بين المسلمين أيضاً ظاهر كل مَن استدل على مشروعية التقية بوجوب دفع الضرر ؛ ولذا قال الجصاص فيما تقدم من كلامه : ( وقال أصحابنا فيمَن أكره بالقتل وتلف بعض الأعضاء على شرب الخمر أو أكل الميتة ، لم يسعه أن لا يأكل ولا يشرب ، وإن لم يفعل حتى قتل كان آثم ؛ لأنّ الله تعالى قد أباح ذلك في حال الضرورة عند الخوف على النفس ، فقال : ( ما اضطررتم إليه ) )(٢) ، فهذا تعميم منه ومن الأصحاب لمبحث التقية .

١٠ـ تقية مجموع من الصحابة مع معاوية وقد سبق نقله ؛ فلاحظ .

١١ـ تقية سعيد بن جبير السابقة مع عامة الناس من جلسائه من المسلمين .

١٢ـ تقية رجاء بن حيوة مع الوليد بن عبد الملك .

١٣ـ تقية واصل بن عطاء مع الخوارج .

١٤ـ تقية أبي حنيفة مع ابن أبي ليلى القاضي في مسألة خلق القرآن .

١٥ـ تقية الحسين بن داود بن سليمان القرشي مع جماعة القطعية من المسلمين .

ــــــــــــــ

(١) المجموع ، النووي : ج١٨ ص٩ .

(٢) أحكام القرآن ، الجصاص : ج٣ ص٢٥١ .


١٦ـ تقية سعدويه بن سليمان وأبي نصر التمار وإبراهيم بن المنذر ويحيى بن معين وإسماعيل بن حماد وغيرهم من المسلمين في محنة خلق القرآن ، مع أنّ المحنة والفتنة كانت بين المسلمين خاصّة ، وقد تقدم قول الذهبي فيها : ( مَن أجاب تقية فلا بأس عليه )(١) .

١٧ـ التقية التي نسبها ابن حجر والذهبي إلى علي بن موسى بن الحسين بن السمسار الدمشقي ، وكذا علي بن عيسى الرمّاني ، حيث ادّعوا أنّهما كانا يتقيان الشيعة في إظهار تشيّعهم ، مع أنّ الشيعة طائفة من طوائف المسلمين .

١٨ـ تقية الكثير من علماء السنّة من التصريح بوجوب الزكاة في الزيتون خوفاً من جور الولاة ، مع أنّ الولاة كانوا من المسلمين بحسب الظاهر .

ــــــــــــــ

(١) سير أعلام النبلاء ، الذهبي : ج١٣ ص٣٢٢ .


١٩ـ أُمّ سلمة تأمر جابر بن عبد الله الأنصاري بالتقية ومبايعة بسر بن أبي أرطأة العامري ، الذي بعثه معاوية إلى المدينة من أجل أخذ البيعة من أهلها ، حيث قالت لجابر عندما استنصحها : ( بايع ) ، وذلك ما أخرجه اليعقوبي في تاريخه ، حيث قال في صدد نقل تلك الفتنة : ( فانطلق جابر بن عبد الله الأنصاري إلى أُمّ سلمة زوج النبي ، فقال : إنّي قد خشيت أن أُقتل ، وهذه بيعة ضلال ، قالت : إذاً فبايع ، فإنّ التقية حملت أصحاب الكهف على أن كانوا يلبسون الصلب ويحضرون الأعياد مع قومهم )(١) .

٢٠ـ ما ذكره القرطبي عن خويز منداد ، أنّه قال في ولاة الجور من المسلمين : ( لا تجوز طاعتهم ولا معاونتهم ولا تعظيمهم ، ويجب الغزو معهم متى غزوا ، والحكم من قبلهم وتولية الإمامة والحسبة ، وإقامة ذلك على وجه الشريعة ، وإن صلّوا بنا وكانوا فسقة من جهة المعاصي جازت الصلاة معهم ، وإن كانوا مبتدعة لم تجز الصلاة معهم ، إلاّ أن يخافوا فيصلّي معهم تقية وتعاد الصلاة )(٢) .

ومن ذلك يتضح أنّ سيرة الصحابة والتابعين وأقوالهم وأقوال العلماء والفقهاء ، وكذا سيرة عامة المسلمين شاملة للتقية بين المسلمين إذا اقتضى الأمر ذلك .

واتضح أيضاً أنّ اللوم إنّما يُلقى على المسلم الظالم ، الذي يجعل المسلم الآخر في موقف التقية والمظلومية والاضطهاد .

ــــــــــــــ

(١) تاريخ اليعقوبي ، اليعقوبي : ج٢ ص١٩٧ ـ ١٩٨ .

(٢) تفسير القرطبي ، القرطبي : ج٥ ص٢٥٩ .


المداراة وحسن المعاشرة وثقافة التعايش

إنّ أكثر الأبحاث التي سبقت كانت في التقية بمعنى خوف الضرر من الغير ، وهي التي قال عنها الإمام محمد بن علي الباقرعليه‌السلام :( إنّما جُعلت التقية ليحقن بها الدماء ، فإذا بلغ الدم فلا تقيّة ) (١) ، وقالعليه‌السلام فيها أيضاً :( التقية في كل شيء يضطر إليه ابن آدم فقد أحلّه الله له ) (٢) و( التقية في كل ضرورة ) (٣) و( التقية في كل ضرورة وصاحبها أعلم بها حين تنزل به ) (٤) ، فقد يبلغ بها الملاك وشدّة المصلحة إلى الوجوب والإلزام ، وقد تكون بنحو الندب والمحبوبية ، وقد يتساوى طرفي فعلها وتركها ، وقد تكون مرجوحة ، وقد تكون محرّمة كما سبق .

أمّا التقيّة بمعنى مداراة الآخرين وحسن معاشرتهم وعدم التجاوز على أعرافهم وتقاليدهم المشروعة لهم فمّما لا إشكال في مشروعيتها ، بل القرآن الكريم والسنّة النبوية والعقل الصريح وسيرة العقلاء والمسلمين جميعها تثبت مشروعية ذلك وكونه راجحاً ومطلوباً ، ولا شك أنّها من الأخلاق التي بعث النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لإتمامها .

التقية المداراتية في القرآن الكريم

قوله تعالى :( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ) (٥) .

ــــــــــــــ

(١) المحاسن ، أحمد بن محمد بن خالد البرقي : ج١ ص٢٥٩ .

(٢) الكافي : ج٢ ص٢٢٠ .

(٣) المحاسن : ج١ ص٢٥٩ .

(٤) الكافي ، الكليني : ج٢ ص٢١٩ .

(٥) الأعراف : ١٩٩ .


وقوله تعالى:( ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) (١) .

وقوله تعالى :( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ) (٢) .

وقوله تعالى :( وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) (٣) .

وقوله تعالى :( وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) (٤) .

وقوله تعالى لموسى وهارونعليهما‌السلام :( اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى* فَقُولا لَهُ قَوْلاً ليِّنًا لعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ) (٥) .

فهذه الآيات الكريمة وغيرها صريحة في ضرورة حسن العشرة والمجادلة والتعامل مع الناس بالتي هي أحسن ، مع الرفق واللين والمداراة مع الشخص المخالف في الرأي والمعتقد ، بل مع عموم الناس ، كما في قوله تعالى :( وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناًً ) ، قال القرطبي في تفسيره : ( وهذا كلّه حض على مكارم الأخلاق ، فينبغي للإنسان أن يكون قوله للناس ليّناً ووجهه منبسطاً طلقاً مع البر والفاجر ، والسنّي والمبتدع ، من غير مداهنة ، ومن غير أن يتكلّم معه بكلام يظن أنّه يرضى مذهبه ؛ لأنّ الله تعالى قال لموسى وهارون :

ــــــــــــــ

(١) النحل : ١٢٥ .

(٢) المؤمنون : ٩٦ .

(٣) العنكبوت : ٤٦ .

(٤) فصلت : ٣٤ .

(٥) طه : ٤٣ – ٤٤ .


  ( فَقُولا لَهُ قَوْلاً ليِّناً ) ، فالقائل ليس بأفضل من موسى وهارون ، والفاجر ليس بأخبث من فرعون ، وقد أمرهما الله تعالى باللين معه ، وقال طلحة بن عمر : قلت لعطاء : إنّك رجل يجتمع عندك ناس ذوو أهواء مختلفة ، وأنا رجل فيّ حدّة فأقول لهم بعض القول الغليظ ، فقال : لا تفعل ! يقول الله تعالى :( وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً ) ، فدخل في هذه الآية اليهود والنصارى ، فكيف بالحنيفي ؟! وروي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال لعائشة :( لا تكوني فحّاشة ، فإنّ الفحش لو كان رجلاً لكان رجل سوء ) )(١) .

وقد حمل أكثر المفسّرين من علماء السنّة الروايات السابقة على مداراة الناس ، كما في قوله تعالى :( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَة ) ، فقد قال ابن الجوزي في كتابه نواسخ القرآن بعد أن نقل قولاً بنسخ تلك الآية المباركة : ( وقال بعض المحققين من العلماء لا حاجة بنا إلى القول بالنسخ ؛ لأنّ المداراة محمودة ما لم تضر بالدين ولم يؤدّ إلى إبطال حق وإثبات باطل )(٢) .

والحاصل : إنّ الآيات المباركة مدحت حسن المعاشرة والأخلاق الحميدة مع الناس ، وأمرت باتقاء السيئة بالحسنة وجدال المخالف في الرأي بالتي هي أحسن ، من أجل رفع العداوات الشخصية التي لا تمتّ إلى الدين بصلة ، فهذه التقية المداراتية من مكارم الأخلاق التي دعى القرآن الكريم المسلمين إلى التخلّق بها .

ــــــــــــــ

(١) تفسير القرطبي : ج٢ ص١٦ .

(٢) نواسخ القرآن ، ابن الجوزي : ص١٩٧ .


التقية المداراتية في السنّة النبوية الشريفة

فقد عقد المحدثون والعلماء عموماً أبواباً خاصة في فضل المداراة مع الناس ، وقد خصّص البخاري في صحيحه باباً في فضل المداراة مع الناس ، وأخرج فيه العديد من الروايات التي تنصّ على فضيلة التقية المداراتية ، حيث قال : ( باب المداراة مع الناس : ويُذكر عن أبي الدرداء : إنّا لنكشّر في وجوه أقوام وإنّ قلوبنا لتلعنهم ـ إلى أن قال : ـ عن ابن المنكدر حدّثه عن عروة ابن الزبير : أنّ عائشة أخبرته أنّه استأذن على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رجل ، فقال : ائذنوا له فبئس بن العشيرة ، أو بئس أخو العشيرة فلمّا دخل ألان له الكلام ، فقلت : يا رسول الله قلت ما قلت ، ثم ألنت له في القول؟ فقال : أي عائشة ! إنّ شر الناس منزلة عند الله مَن تركه أو ودعه الناس اتقاء فحشه )(١) .

وهكذا ما في صحيح مسلم(٢) ، وسنن الترمذي(٣) ، ومجمع الزوائد للهيثمي(٤) وغيرهم .

وقد وردت روايات عديدة جدّاً عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في فضل المداراة مع الناس ، نقتصر على ذكر بعضها :

١ـ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( مداراة الناس صدقة ) (٥) ، قال ابن حجر العسقلاني : ( أخرجه ابن عدي والطبراني في الأوسط وفي سنده يوسف بن

ــــــــــــــ

(١) صحيح البخاري : ج٧ ص١٠٢ ، كتاب الأدب ، باب المداراة مع الناس .

(٢) صحيح مسلم : ج٨ ص٢١ .

(٣) سنن الترمذي : ج٣ ص٢٤٢ .

(٤) مجمع الزوائد : ج٨ ص١٧ .

(٥) صحيح بن حبان : ج٢ ص٢١٦ ؛ المعجم الأوسط ، الطبراني : ج١ ص١٤٦ ؛ الجامع الصغير ، السيوطي : ج٢ ص٥٣٤ ح٨١٧٠ .


محمد بن المنكدر ضعّفوه وقال بن عدي أرجو أنّه لا بأس به ، وأخرجه بن أبي عاصم في آداب الحكماء بسند أحسن منه )(١) .

٢ـ قوله أيضاًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس ) (٢) .

٣ـ وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( رأس العقل بعد الإيمان بالله التودّد إلى الناس ) (٣) .

٤ـ قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( المداراة رأس الحكمة ) (٤) .

٥ـ وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( الرفق رأس الحكمة ) (٥) قال العجلوني : ( إنّه حديث حسن )(٦) .

٦ـ وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( مَن عاش مدارياً مات شهيداً ) (٧) .

٧ـ وأيضاً قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( بُعثت بمداراة الناس ) (٨) .

٨ـ وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( إنّ الله تعالى أمرني بمداراة الناس كما أمرني بإقامة الفرائض ) (٩) .

ــــــــــــــ

(١) فتح الباري : ج١٠ ص٤٣٧ .

(٢) الجامع الصغير : ج٢ ص٣ ح٤٣٧٠ ؛ كشف الخفاء ، العجلوني : ج١ ص٣٩٩ ؛ الدر المنثور : ج٣ ص٢٥٦ .

(٣) المعجم الأوسط : ج٦ ص١٥٦ ؛ سنن البيهقي : ج١٠ ص١٠٩ ؛ الجامع الصغير ، السيوطي : ج١ ص٦٧٠ .

(٤) قضاء الحوائج ، ابن أبي الدنيا : ص٣١ ـ ٣٢ .

(٥) الجامع الصغير : ج٢ ص٢٥ ح٤٥٢٩ .

(٦) كشف الخفاء ، العجلوني : ج١ ص٤٣٤ .

(٧) حاشية رد المحتار ، ابن عابدين : ج٢ ص٢٧٤ ؛ كنز العمال : ج٣ ص٤٠٧ ح٧١٧٣ .

(٨) الجامع الصغير : ج١ ص٤٨٦ ؛ الدر المنثور : ج٣ ص٢٠٩ ؛ كنزل العمال : ج٣ ص٤٠٧ ح٧١٦٩ .

(٩) الجامع الصغير : ج١ ص٢٥٩ ح١٦٩٥ ؛ تفسير ابن كثير : ج١ ص٤٢٩ ؛ الدر المنثور : ج٢ ص٩٠ ؛ كنزل العمال : ج٣ ص٤٠٧ ح٧١٦٨ ؛ .


٩ـ وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجراً من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم ) (١) .

إلى غير ذلك من الروايات الصريحة والمتواترة التي يجزم الباحث بصدورها عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والتي تأمر وتحث على المداراة وحسن معاشرة الناس والصبر على أذاهم بجميع مذاهبهم وطوائفهم ، وهذه هي التقية المداراتية التي يقول بها الشيعة ، وهذا ما فهمه محدّثوا السنّة ومفسّروهم وفقهاؤهم ، وينصّون عليه تحت ذيل تلك الروايات المتقدمة ، وإليك نبذة عن أقوالهم في هذا المجال :

التقية المداراتية في كلمات أعلام السنّة

١ ـ قال المناوي تحت ذيل قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( إنّ الله أمرني بمداراة الناس كما أمرني بإقامة الفرائض ) : ( أي أمرني بملاطفتهم قولاً وفعلاً والرفق بهم وتألّفهم ؛ ليدخل مَن يدخل منهم في الدين ، ويتقي المسلمون شرّ مَن قدّر عليه الشقاء وهذه هي المداراة ، أمّا المداهنة وهي بذل الدين لصلاح الدنيا فمحرمة مذمومة )(٢) .

٢ ـ قال ابن حجر في فتح الباري : ( قال ابن بطال : المداراة من أخلاق المؤمنين وهي خفض الجناح للناس ولين الكلمة وترك الإغلاظ لهم في القول ، وذلك من أقوى أسباب الإلفة ، وظن بعضهم أنّ المداراة هي المداهنة

ــــــــــــــ

(١) مسند أحمد : ج٥ ص٣٦٥ ؛ تفسير ابن كثير : ج٢ ص٧ ؛ سير أعلام النبلاء ، الذهبي : ج٤ ص٥٥٠ وقال : ( سنده قوي ) ؛ سنن ابن ماجة : ج٢ ص١٣٣٨ .

(٢) فيض القدير : ج٢ ص٢٧٢ .


فغلط ؛ لأنّ المداراة مندوب إليها ، والمداهنة محرّمة ، والفرق أنّ المداهنة من الدهان ، وهو الذي يظهر على الشيء ويستر باطنه ، وفسّرها العلماء بأنّها معاشرة الفاسق وإظهار الرضا بما هو فيه من غير إنكار عليه ، والمداراة هي الرفق بالجاهل في التعليم ، وبالفاسق في النهي عن فعله وترك الإغلاظ عليه ، حيث لا يظهر ما هو فيه والإنكار عليه بلطف القول والفعل ، ولاسيما إذا احتيج إلى تألفه ونحو ذلك )(١) .

٣ـ قال القرطبي في تفسيره تحت ذيل قوله تعالى :( لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ) (٢) قال : ( والأظهر أنّه ليس بمنسوخ ، فإنّ الجدال بالأحسن والمداراة أبداً مندوب إليها ، وكانصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع الأمر بالقتال يوادع اليهود ويداريهم ، ويصفح عن المنافقين ، وهذا بيّن )(٣) .

٤ـ وقال المباركفوري في التحفة بعد نقل حديث عائشة المتقدّم عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( ولكنّه لمّا جبل عليه من الكرم وأعطيه من حسن الخلق أظهر له البشاشة ولم يجبه بالمكروه وليقتدي به أمته في اتقاء شرّ مَن هذا سبيله وفي مداراته ليسلموا من شرّه وغائلته ، وقال القرطبي فيه : جواز غيبة المعلن بالفسق أو الفحش ونحو ذلك مع جواز مداراتهم اتقاء شرّهم ما لم يؤدّ ذلك إلى المداهنة ، ثم قال تبعاً للقاضي حسين : والفرق بين المداراة والمداهنة ، أنّ المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معاً وهي

ــــــــــــــ

(١) فتح الباري ، ابن حجر : ج١٠ ص٤٣٨ .

(٢) آل عمران : ١٨٦ .

(٣) تفسير القرطبي : ج٤ ص٣٠٤ .


مباحة ، وربّما استحسنت ، والمداهنة بذل الدين لصلاح الدنيا انتهى ، وهذه فائدة جليلة ينبغي حفظها والمحافظة عليها ، فإنّ أكثر الناس عنها غافلون وبالفرق بينهما جاهلون )(١) .

والأقوال في ذلك كثيرة جداً ، وجميعها تصب في لزوم حسن العشرة ومداراة الناس وخصوصاً مَن يُتقى شرّهم ومَن يرجى استمالتهم إلى الحق وغير ذلك من الموارد ، بل نجد أنّ علماء السنّة يعتبرون الشخص الذي يتصف بصفة المداراة من موجبات مدحه وتقويته إذا وقع في سند الروايات ، وكذلك يستحسنون من الحفّاظ والعلماء سكوتهم عن بعض الأمور مداراةً للدولة والحكومة ، وهذا ما نجده كثيراً في كتب الجرح والتعديل ، قال الذهبي في ميزان الاعتدال ـ في صدد الحديث عن عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن العباس الهاشمي الأمير ، وأنّه نقل عن أبيه حديث ( أكرموا الشهود ) ـ : ( وهذا منكر وما عبد الصمد بحجّة ، ولعلّ الحفّاظ إنّما سكتوا عنه مداراة للدولة )(٢) .

إذن تقية المداراة عبارة عن إنشاء علاقات ودّيّة واجتماعية ودولية ، ومراعاة مشاعر الآخرين وأحاسيسهم ، وترك التنازع والشقاق والتشرذم ، وفتح الحوار وملاحظة الرأي والرأي الآخر ، مع الود والتعايش السلمي ، ولا شك أنّ في ذلك إظهاراً لوحدة المجتمع الإسلامي وتماسكه وتراحمه ووقوفه كالبنيان المرصوص أمام دول الاستكبار التي تتربّص السوء بالمجتمع الإسلامي .

والتقية مبدأ فطري حكم به العقل وسارت عليه العقلاء بصورة عامة ، وهذه هي الأعراف الدولية والاجتماعية والحياتية قائمة على مثل تلك الأخلاق والرسومات .

وقد اتضح من الروايات السابقة أنّ المداراة قد تكون مع خوف الضرر وهذه هي التقية بعينها ، وقد يكون من دون ذلك وهذه هي التقية المداراتية التي ندب إليها العقل والشرع .

لماذا عُرفت الشيعة بالتقية ؟

كان من المفروض أن تقع اللائمة والذم على الظلمة والطغاة ، الذين ما فتئوا على مرّ التاريخ في محاربة الشيعة بشتّى الوسائل ويقتلونهم تحت كل حجر ومدر ، وقد صُودرت حرياتهم في الرأي والعقيدة من قِبل الأمويين والعباسيين والعثمانيين وغيرهم ، حتى أصبح التشيّع ومودة أهل البيتعليهم‌السلام ذنب لا يغتفر .

ــــــــــــــ

(١) تحفة الأحوذي ، المباركفوري : ج٦ ص١١٣ .

(٢) ميزان الاعتدال ، الذهبي : ج٢ ص٦٢٠ ؛ لسان الميزان ، ابن حجر : ج٤ ص٢٢ .


ولكنّ المؤسف أنّ الأقلام توجّهت بالنقد واللائمة نحو الشيعة ، الذين استخدموا التقية وتسلّحوا بها كسلاح مشروع ، شرّعه القرآن والسنّة النبوية إلى مثل الظروف الصعبة والحرجة التي مرّ بها التشيّع عبر التاريخ .

ولذا نجد أنّ أهل البيتعليهم‌السلام رفعوا شعار التقية واتخذوه ديناً وشعاراً ودثاراً ، لما تعرضوا له من الظلم والاضطهاد والجور والسجن والإقامة الجبرية ومحاولات الاغتيال ، ولم يخرجوا من هذه الدنيا إلاّ بالقتل أو السمّ .

وهكذا حثّ أهل البيتعليهم‌السلام شيعتهم بالتمسّك بالتقية وجعلها شعاراً ودثاراً للتحصّن ولحفظهم من القتل والإبادة .

وهذا هو ديدن كل أقلية تكون السلطة الحاكمة قاهرة لها ، تمنعها من إبداء رأيها بحرية ، بل يقتل الشخص إذا تبنّى خلاف ما تتبناه الحكومة ، كما هو الحال في محنة خلق القرآن وغيرها ، فتلجأ تلك الأقلية بفطرتها إلى التقية المشروعة .

ولأجل شدّة الفتن والابتلاءات التي مرّت بها الشيعة جاءت الروايات عن أهل البيتعليهم‌السلام متناسبة مع ذلك ، وذلك يفسّر لنا كثرة الاهتمام بمبدأ التقية ووفرة الأحاديث فيها مع التأكيد عليها ، فقد جاء عنهمعليهم‌السلام أنّ التقية حصن وصون وشعار ودثار وسدّ وردم وحرز وخباء وحزم وضرورة وعزة وكرامة ورفعة وسعة وترس وصبر ووقاية وسلامة وغير ذلك من التعابير ، التي تؤكّد على ضرورة التحصّن بالتقية لحفظ الشيعة من الإبادة والمقابر الجماعية .

بل نجد أنّ أهل البيتعليهم‌السلام استثنوا من مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حالات التقية .

كما ورد ذلك عن الإمام علي بن الحسينعليه‌السلام أنّه قال : ( التارك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كالنابذ كتاب الله وراء ظهره ، إلاّ أن يتقي تقاة ، قيل : وما تقاته ؟ قال : يخاف جبّاراً عنيداً ، يخاف أن يفرّط أو أن يطغى )(١) .

فالذي يؤسف أنّ بعض الأقلام نزّهت ساحة المجرم وأصبح المظلوم والمضطهد هو المجرم الذي لا بد أن يحاكم .

ــــــــــــــ

(١) الطبقات الكبرى ، ابن سعد : ج٥ ص٢١٣ ؛ البداية والنهاية ، ابن كثير : ج٩ ص١٣٤ .


ثم إنّ الشيعة وبتوجيه من أهل البيتعليهم‌السلام حافظوا بتقيّتهم على تماسك الأمّة الإسلامية ، وبقائها بنياناً مرصوصاً أمام المدّ الصليبي واليهودي الذي كان يهدد الأُمّة الإسلامية ويضربها في العمق .

ومع ذلك كلّه لم يتخل الشيعة عن دورهم الجهادي ، بل تاريخهم مليء بالجهاد والتضحية والثورة ومحاربة الظالمين وهزّ عروشهم ، تأسّياً بسيّد الشهداء وسيّد شباب أهل الجنة الحسين بن عليعليه‌السلام .

فكانت حركتهم سواء على مستوى التقية أو الثورة أو غير ذلك كلّها على ضوء ما يتطلّبه منهم الموقف الشرعي ، الذي يوجب إعلاء كلمة الدين وترسيخ قواعده وأركانه .

ومن ذلك كله يتضح أنّ الشيعة لم يختصوا بمبدأ التقية ، بل هو مبدأ إسلامي عام ، شُرع في الدين لحفظ المسلمين ، وإنّما عرفت الشيعة بالتقية للظروف الحرجة التي واجهوها ويواجهونها إلى يومنا الحاضر ، ولا شك أنّ أي فرقة من الفرق الإسلامية لم تكن لتتخط ذلك المبدأ فيما إذا واجهوا ما واجهته الشيعة من ظلم الظالمين وجور الجائرين ، والتاريخ شاهد على ذلك كما في محنة خلق القرآن.

ثم إنّ أكثر موارد التقية لم تمارسها الشيعة مع إخوتهم السنّة المسالمين الذين يتحمّلون الطرف المقابل ويتعايشون مع الرأي الآخر ، وإنّما مُورست التقية في كثير من الأحيان مع حكّام الجور ومَن لا يتحمل مَن يخالفه في الرأي والعقيدة ولا يتعايش معه .


ثمار التقية وفوائدها

لا شك أنّ الشريعة الإسلامية بكافة مبادئها وأحكامها تنطوي على غايات وأهداف سامية ، ومن تلك الأحكام ذات الغايات الرفيعة في الإسلام مبدأ وقانون التقية ؛ إذ أنّ الله عزّ وجل عندما شرّع التقية في الشرائع السابقة ، وفي القرآن الكريم ، وعلى لسان نبيّه الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لابد وأن تكون له تعالى أهداف ذات ثمار وفوائد تعود على البشرية فرداً ومجتمعاً ، وعلى كافّة المستويات الدنيوية والأخروية .

ومن الواضح أنّ الكثير من الأحكام الشرعية الإلهية التعبدية قد تخفى علينا ملاكاتها وحِكَمها وتأثيرها الإيجابي في الفرد والمجتمع ، كما هو الحال في الحركات الصلاتية وبعض مناسك الحج وغيرها ، ومن تلك الأحكام الشرعية حكم التقية ، فلا ضير أن تخفى علينا الكثير من ملاكاتها وفوائدها ، وهذا لا يؤثّر على وجوب التعبّد بها إذا بلغت حدّ الوجوب ، وتعاطيها إذا كانت مستحبة أو مباحة بنحو من الرخصة الراجحة أو المتساوية الأطراف .

ولكن مع ذلك كلّه هنالك الكثير من الفوائد والثمار لقانون التقية يمكن أن نحصي بعضها في هذا المقال ، سواء الثمار العقلية أو العقلائية أو الشرعية الأديانية ؛ وذلك لأنّ مبدأ التقية ـ كما سبق في مقالات أخرى ـ من المبادئ العقلية والعقلائية التي أقرّها الشارع المقدّس قبل الإسلام وبعده .

وفيما يلي بعض تلك الثمار والفوائد ، ندرجها ضمن العناوين التالية :


١ ـ المحافظة على النفس والعرض والمال

لقد اهتمّت الشريعة الإسلامية والشرائع التي سبقتها بمسألة الدماء والأعراض والأموال اهتماماً بالغاً ، وهذا الأمر واضح حيث تطالعنا به مجمل الأبواب الفقهية ، سواء في قسم المسائل العبادية أو قسم القضايا المعاملاتية والحقوقية والجنائية ، وقد احتل حق الحياة مكانة مهمة ومساحة واسعة في القرآن الكريم ، كما في قوله تعالى :( وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً ) (١) وقوله عزّ وجل :( مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْر نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ) (٢) .

وهكذا نجد أنّ الأهمية ذاتها أولاها القرآن الكريم الحصانة الفردية والأسرية والحفاظ على كرامة أعراض الناس وأموالهم ، وعدم انتهاكها من جهة التجسّس أو القذف أو ابتزاز الحقوق وسرقة الأموال ومطلق التجاوز على الأملاك الشخصية والحقوق المالية للآخرين .

قال تعالى : ( يَا َيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً ) (٣) .

وقال عزّ وجل :( قُل للْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ) (٤) .

وقال تعالى أيضاً :( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي

ــــــــــــــ

(١) النساء : ٢٩ .

(٢) المائدة : ٣٢ .

(٣) الحجرات : ١٢ .

(٤) النور : ٣٠ .


الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (١) .

هذا في أعراض الناس وكرامتهم .

وأمّا أموالهم وأملاكهم الشخصية ، فقال تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ) (٢) ، وفي آية أخرى قال تعالى :( وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً ) (٣) ، وقال تعالى أيضاً :( وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً منْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) (٤) .

أمّا الروايات في هذا المجال فهي فوق حدّ الإحصاء ، حيث أكّدت على حرمة أعراض الناس وأنفسهم وأموالهم ، وأوجبت درجة الشهادة والمقامات الرفيعة لمَن يدافع عن نفسه وعرضه وماله ، وحثّت على أن يكون المؤمن غيوراً حريصاً على كرامته ، ففي الحديث عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال :( إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقف بمنىً حتى قضى مناسكها في حجّة الوداع ، فقال : أيّ يوم أعظم حرمة ؟ فقالوا : هذا اليوم ، فقال : فأيّ شهر أعظم حرمة ؟ فقالوا : هذا الشهر ، قال : فأيّ بلد أعظم حرمة ؟ قالوا : هذا البلد .

قال : فإنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقونه ، فيسألكم عن أعمالكم ، ألا هل بلّغت ؟ قالوا : نعم ، قال : اللّهمّ اشهد ، ألا مَن كانت عنده أمانة فليؤدّها إلى مَن ائتمنه

ــــــــــــــ

(١) النور : ٢٣ .

(٢) النساء : ٢٩ .

(٣) النساء : ٢ .

(٤) البقرة : ١٨٨ .


عليها ، فإنّه لا يحلّ دم امرئ مسلم ولا ماله إلاّ بطيبة نفسه ، ولا تظلموا أنفسكم ولا ترجعوا بعدي كفّاراً ) (١) .

كذلك عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : (مَن أريد ماله بغير حق فقاتل فقُتل فهو شهيد ) (٢) .

وأخرج البخاري عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوله :( مَن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله ) (٣) .

وعن أبي مريم عن أبي جعفر الباقرعليه‌السلام قال :( قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : مَن قتل دون مظلمته فهو شهيد ، ثم قال :يا أبا مريم ، هل تدري ما دون مظلمته ؟ قلت : جُعلت فداك الرجل يقتل دون أهله ودون ماله وأشباه ذلك ، فقال :يا أبا مريم إنّ من الفقه عرفان الحق ) (٤) .

وجاء عن الإمام علي بن موسى الرضاعليه‌السلام قوله :( ومَن قاتل فقُتل دون ماله ورحله ونفسه فهو شهيد ) (٥) .

وأخرج الكليني عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال :( قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : كان إبراهيم عليه‌السلام غيوراً وأنا أغير منه ، وجدع الله أنف مَن لا يغار من المؤمنين والمسلمين ) (٦) .

ــــــــــــــ

(١) وسائل الشيعة : ج ٢٩ ص ١٠ .

(٢) مسند أحمد : ج٢ ص١٩٤ ؛ سنن أبي داود ، السجستاني : ج٢ ص٤٣٠ ح٤٧٧١ ؛ سنن النسائي : ج٧ ص١١٥ ؛ السنن الكبرى ، البيهقي : ج٨ ص١٨٧ ؛ المصنف الصنعاني : ج ١٠ ص ١١٤ .

(٣) البخاري : ج ٢ ص ١١٧ ، كتاب الكسوف لا صدقة إلاّ عن ظهر غني .

(٤) الكافي : ج ٥ ص ٥٢ .

(٥) الوسائل : ج ١٥ ص ٤٩ .

(٦) الكافي : ج ٥ ص ٥٣٦ .


كذلك عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال :( إنّ الله تبارك وتعالى غيور يحب كل غيور ، ولغيرته حرّم الفواحش ظاهرها وباطنها ) (١) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أيضاً :( إنّ الله يغار والمؤمن يغار ) (٢) .

كذلك قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( إنّ الغيرة من الإيمان ) (٣) .

وبناءً على عظمة مبدأ الغيرة في الإسلام ، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( مَن قاتل دون عياله فهو شهيد ) (٤) .

وقال أيضاًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( مَن كفّ نفسه عن أعراض الناس أقال الله نفسه يوم القيامة ) (٥) .

والحاصل : إنّ قانون المحافظة على دماء الناس وأعراضهم وكرامتهم وأموالهم من القوانين العليا في الدستور الإسلامي .

ومن هنا جاءت الأحكام الشرعية والمبادئ الإسلامية منسجمة ومتناغمة مع ذلك القانون الدستوري في الإسلام ، فجعلت على هذا الضوء الكثير من الحدود والضوابط التي تحفظ حياة الفرد المسلم والإنسان عموماً ، والتي تحرص على توفير الحصانة والكرامة الاجتماعية .

ولا شك أنّ من تلك الأحكام والضوابط الإسلامية الأصيلة مبدأ التقية ، حيث جاء منسجماً مع الغيرة الإلهية على كرامة الإنسان ، الذي خلقه

ــــــــــــــ

(١) الكافي : ج ٥ ص٥٣٥ – ٥٣٦ ؛ سنن الدارمي : ج ٢ ص٢٠٠ (عن رسول الله - بألفاظ أخرى) .

(٢) سنن الترمذي : ج ٢ ص ٣١٧ ؛ صحيح مسلم : ج٨ ص١٠١ .

(٣) الوسائل : ج ٢٠ ص ١٥٤ .

(٤) الوسائل : ج ١٥ ص ١٢٠ .

(٥) الكافي : ج ٢ ص ٣٠٥ ؛ مسند الشهاب ، ابن سلامة : ج١ ص٢٧٩ .


كريماً وسخر له كل شيء ، قال تعالى :( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم منَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ ممَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) (١) ، وقال تعالى أيضاً :( أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُم ما فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ) (٢) .

وانطلاقاً من هذه الحقيقة الناصعة قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مطلع البعثة لعمّار بن ياسر وهو يمسح عينيه :( ما لك ؟ إن عادوا لك فعد لهم لما قلت ) (٣) .

وذلك عندما أخذه المشركون وعذبوه ، فجاراهم على بعض ما أرادوا ، وجاء إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يبكي وشكا ما جرى عليه .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في هذا المضمار وتحت شعار الكرامة الإنسانية :( لا ينبغي للمؤمن أن يُذل نفسه ، فقال ابن عمر : يا رسول الله ، كيف يذل نفسه ؟ قال :يتعرّض من البلاء ما لا يطيق ) (٤) ولا شك أنّ موارد التقية تشتمل على فنون الإذلال والإهانة التي لا تنبغي للمؤمن ، ولذا قال ابن عمر : ( سمعت الحجاج يخطب فذكر كلاماً أنكرته ، فأردت أن أغيّر ، فذكرت قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه ) (٥) .

ــــــــــــــ

(١) الإسراء : ٧٠ .

(٢) لقمان : ٢٠ .

(٣) التفسير الكبير ، الرازي : ج٢٠ ص ١٢٤ .

(٤) كشف الأستار ، الهيثمي : ج ٤ ص ١١٢ ؛ تفسير ابن كثير : ج٢ ص٧٣ ، وقال : ؛ سير أعلام النبلاء ، الذهبي : ج٨ ص١٧٥ .

(٥) المعجم الأوسط ، الطبراني : ج٥ ص٢٩٤ ؛ كشف الأستار ، الهيثمي : ج٤ ص١١٢ ؛ مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج٧ ص٢٧٤ .


إذن التقية التي هي حكم عقلي عقلائي فطري ، حكم به الشارع قرآناً وسنّة انطلاقاً من قانون ضرورة حفظ أموال الناس وأعراضهم وأنفسهم من اعتداء المعتدين والظالمين والكافرين وولاة الجور وسفّاكي الدماء ؛ ولذا نجد أنّ القرآن الكريم يستثني من النهي عن مولاة الكافرين موارد التقية ، كما في قوله تعالى :( لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ ) (١) .

فقد جوّز الله عزّ وجل في هذه الآية مولاة الكافرين بحسب الظاهر بالمقدار الذي يندفع به خوف الضرر ، وليس ذلك إلاّ للمحافظة على كرامة الفرد المؤمن ، ولكي لا يتعرّض المسلم إلى ألوان الإذلال والإهانة بين يدي الكافرين .

وقد سار المسلمون على هذا المنهج القويم ، وتمسّكوا بحكم التقية في مجمل الفتن والحروب والابتلاءات التي مرّوا بها ، كما في تقية الكثير من علماء المسلمين في محنة خلق القرآن ، والحروب البربرية التي شنّها الأسود العنسي في بلاد اليمن وغيرها .

وقام بالتحصّن بمبدأ التقية كثير من الصحابة والتابعين والعلماء ، كما في تقية عمار بن ياسر ، وأبي هريرة وحذيفة بن اليمان وسعيد بن جبير ورجاء بن حيوة وأبي حنيفة والحسين بن داود بن سليمان القرشي وسعيد بن سليمان وأبي نصر التّمار وإبراهيم بن المنذر بن عبد الله ويحيى بن

ــــــــــــــ

(١) آل عمران : ٢٨ .


معين وإسماعيل بن حمّاد وغيرهم ممّن نصّت على ذكرهم وذكر مواقفهم كتب التاريخ والسِيَر ، كما سبق ذكر ذلك في مقالات سابقة .

ومن هنا يتحصّل : إنّ الملاك الحقيقي والثمرة البارزة للتقية [هو] الحفاظ على حياة الناس وأعراضهم وكرامتهم وأموالهم .

وأمّا تهجّم البعض على تمسّك الطوائف الإسلامية باتخاذ التقية شعاراً ودثاراً وسلاحاً ضد الظلمة والطغاة ، فليس هو إلاّ دعوة للإبادة الشاملة والمقابر الجماعية والتفرقة بين المسلمين وتسليط الظالمين عليهم .

والتقية ديدن كل أقلية تكون السلطات الحاكمة قاهرة لها ، تمنعها من إظهار عقيدتها وإبداء رأيها بحرية ، بل نجد أنّ الشخص إذا تبنّى خلاف ما تتبنّاه الحكومات الجائرة يقتل ويعتدى على عرضه وكرامته ، فتلجأ تلك الأقلية إلى التقية المشروعة والمشرّعة في الإسلام .

٢ ـ المحافظة على الدين ودرء الفتنة

ذكرنا في مقال آخر حول التقية أنّ الظالم لو كان يكتفي من المظلوم بالقتل ونهب الأموال مع صمود المظلوم وثباته على عقيدته لكان من الممكن التشكيك في اتخاذ التقية شعاراً ودثاراً .

ولكن الظالم يستخدم كافّة الأساليب الملتوية وغير الإنسانية في مجال التعذيب والاضطهاد ، والابتزاز عن طريق التجاوز على العرض والأهل والولد ، ممّا يجعل المكره والمضطر عرضة لافتقاد دينه ، كأن يشكك في حكمة الله تعالى أو عدله أو رحمته ، ممّا يؤول إلى التشكيك في ذات الله عزّ وجل ورسله وشرائعه ، كما حاولت قريش ذلك في مطلع البعثة النبوية ،


حيث قامت بتعذيب أتباع النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومارست معهم أقسى أشكال الاضطهاد ، فارتدّ بعض الأصحاب ، وثبت على الدين بعض آخر ، فقتل بعض وبعض آخر اتخذ سلاح التقية لينجو بنفسه ودينه ، كما فعل ذلك عمّار ، الذي قال النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حقّه :( ما خيّر عمار بين أمرين إلاّ اختار أرشدهما ) (١) ، وحرصاً من النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على حفظ دين أتباعه وأنصاره أمرهم باتخاذ التقية والتحصّن بالكتمان ؛ ولذا قال لعمّار :( فإن عادوا فعد ) .

وقد أمر الله تعالى المسلمين بتقصير الصلاة التي هي عمود الدين لئلاّ يفتنهم الكافرون عن دينهم ، قال الله عزّ وجل :( وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مبِيناً ) (٢) .

كذلك نصّ القرآن الكريم على أنّ الذين آمنوا مع موسىعليه‌السلام كانوا قد اتخذوا التقية سلاحاً ، خوفاً من فتنة فرعون وملئهم ، قال تعالى :( فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ من قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ من فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ ) (٣) .

وقد كانت سيرة المسلمين جارية على ممارسة التقية مع الظالمين والمتجبّرين من حكّام الجور ؛ لئلاّ يفتنوهم ويخرجونهم عن دينهم ، ومن تلك المواقف موقف مسروق الأجدع مع معاوية بن أبي سفيان ، حيث روي أنّ معاوية بن أبي سفيان كان قد بعث بتماثيل من صفر لكي تباع

ــــــــــــــ

(١) تفسير القرطبي : ج ١٠ ص١٨١ .

(٢) النساء : ١٠١ .

(٣) يونس : ٨٣ .


بأرض الهند ، فمرّ بها على مسروق ، فقال : ( والله لو أنّي أعلم أنّه يقتلني لغرقتها ، ولكنّي أخاف أن يعذّبني فيفتنني ، والله لا أدري أي الرجلين معاوية : رجل قد زيّن له سوء عمله ، أو رجل قد يئس من الآخرة فهو يتمتع في الدنيا )(١) .

والحاصل : إنّ الفتنة في الدين من الأسباب الأساسية في تشريع التقية ، وحفاظ الفرد على عقيدته ودينه من الثمار المهمّة التي تترتّب عليها .

ومن هذا المنطلق قال النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( لا دين لمن لا تقية له ) (٢) .

فمعنى كون التقية دين : أنّ ديمومة عقيدة الشخص أو المجتمع والمحافظة على استمرارية الدين في تلك الأوساط ، وعدم الخروج عنه جرّاء الفتن إنّما يحصل عن طريق استخدام التقية وغيرها من الأسلحة الوقائية ، التي شرّعها الإسلام ، وفي حال تركها يكون الدين في معرض الضياع .

وعلى هذا الضوء كانت تقية حذيفة بن اليمان ، قال السرخسي في المبسوط : ( وقد كان حذيفة ممّن يستعمل التقية ، على ما رُوي أنّه يداري رجلاً ، فقيل له : إنّك منافق ! فقال : لا ، ولكنّي أشتري ديني بعضه ببعض مخافة أن يذهب كلّه )(٣) .

وقال ابن مسعود في هذا المجال : ( ما من ذي سلطان يريد أن يكلّفني كلاماً يدرأ عنّي سوطاً أو سوطين إلاّ كنت متكلّماً به )(٤) .

ــــــــــــــ

(١) المبسوط ، السرخسي : ج ٢٤ ص ٤٦ .

(٢) كنز العمال ، المتقي الهندي : ج٣ ص٩٦ ؛ ينابيع المودة ، القندوزي : ج٢ ص٨٤ .

(٣) المبسوط : ج ٢٤ ص ٤٦ .

(٤) المحلى ، ابن حزم : ج ٨ ص ٣٣٦ .


٣ ـ المحافظة على حياة الآخرين

لقد أفتى كافّة فقهاء الإسلام بمشروعية الكذب ، بل وجوبه في بعض الموارد ، كما لو أدّى الصدق وعدم الكذب على الظالم إلى سفك دم مسلم من المسلمين .

قال النووي : ( اتفق الفقهاء على أنّه لو جاء ظالم يطلب إنساناً مختفياً ليقتله ، أو يطلب وديعة لإنسان ليأخذها غصباً ، وسُئل عن ذلك وجب على مَن علم ذلك إخفاؤه وإنكار العلم به ، وهذا كذب جائز ، بل واجب لكونه في دفع الظالم )(١) .

وقال في موضع آخر : ( ولا خلاف أنّه لو قصد ظالم قتل رجل هو عنده مختف وجب عليه الكذب في أنّه لا يعلم )(٢) .

وقال الغزالي في إحياء العلوم : ( إنّ عصمة دم المسلم واجبة ، فمهما كان في الصدق سفك دم امرئ مسلم قد اختفى من ظالم ، فالكذب فيه واجب )(٣) .

ونقل الحطّاب الرعيني في المواهب عن ابن ناجي في باب جمل من الفرائض ، قوله : ( إنّ الكذب الواجب هو الذي لإنقاذ مسلم أو ماله )(٤) .

ومن الواضح أنّ هذه الأمثلة المذكورة في جواز ووجوب الكذب من أوضح موارد ومصاديق التقية ؛ وذلك لأنّ الكذب إظهار ما هو خلاف الحق والواقع بسبب الخوف من ضرر الغير ، وهذه هي التقية بعينها كما ذكر في تعريفها ، ولكن مورد التقية وثمرتها هنا هي حفظ حياة الآخرين وأموالهم وأعراضهم .

ــــــــــــــ

(١) شرح صحيح مسلم : ج ١٥ ص ١٢٤ .

(٢) شرح صحيح مسلم : ج ١٦ ص ١٥٨ .

(٣) إحياء علوم الدين ، الغزالي : ج ٣ ص١٣٧ .

(٤) مواهب الجليل ، الرعيني : ج ٧ ص ٣١٤ .


إذن التقية أسلوب من أساليب الدفاع عن الآخرين وتضليل الظالمين عن النيل من كرامتهم ، وقد تمسّك المسلمون بالتقية في كثير من المواقف للتستّر على بعض المسلمين من بطش الحكومات ، حيث خاض المجتمع الإسلامي فتناً مظلمة راح ضحيتها الأبرياء من المسلمين ، ومن أمثلة ذلك تقية رجاء بن حيوة مع الوليد بن عبد الملك ، كما أخرج ذلك القرطبي وغيره عن إدريس بن يحيى قال : ( كان الوليد بن عبد الملك يأمر جواسيس يتجسّسون الخلق ويأتونه بالأخبار فجلس رجل منهم في حلقة رجاء بن حيوة ، فسمع بعضهم يقع في الوليد ، فرفع ذلك إليه .

فقال : يا رجاء ! أُذكر بالسوء في مجلسك ولم تُغيّر ؟!

فقال : ما كان ذلك يا أمير المؤمنين .

فقال له الوليد : قل الله الذي لا إله إلاّ هو .

قال : الله الذي لا إله إلاّ هو .

فأمر الوليد بالجاسوس فضربه سبعين سوطاً ، فكان يلقى رجاء ، فيقول : يا رجاء ، بك يستقى المطر وسبعون سوطاً في ظهري ؟!

فيقول رجاء : سبعون سوطاً في ظهرك خير لك من أن يُقتل رجل مسلم )(١) .

ــــــــــــــ

(١) الجامع لأحكام القرآن ، محمد بن أحمد القرطبي : ج ١٠ ص١٩٠ .


٤ ـ نشر ثقافة التعايش المدني

إنّ التقية قد يستعمل لفظها ويكون المقصود منها المداراة وحسن المعاشرة ، ونشر ثقافة التعايش بين الأديان والمذاهب المختلفة ، بل قد تكون بين التيّارات والتوجّهات والشخصيات المتفاوتة في كيفية التفكير والمستوى العلمي والثقافي .

ومعنى هذا النوع من التقية هو احترام الرأي الآخر وعدم التجاوز على أعرافه وتقاليده المشروعة ، والتعايش معه بالأخلاق الحسنة والطيبة ، وإن كان هناك اختلاف في العقيدة والرأي ووجهة النظر .

وثمار هذا النوع من التقية كثيرة جداً ، وفي وقتنا الحاضر نرى أنّ العالم بأجمعه يدعو إليها ويحثّ على التخلّق بها ويرفض العنف والخشونة والإرهاب في طريقة التعايش بين كل أبناء المجتمع باختلاف أطيافه وقوميّاته .

إذن من أوضح فوائد التقية والمداراة نشر ثقافة التعايش المدني ، والدعوة إلى مبدأ السلام ونبذ البغض والعداوات الشخصيّة التي لا تمتّ إلى الإسلام بصلة .

وقد دعا إلى هذا النحو من التقية القرآن الكريم في آيات عديدة ، كما في قوله تعالى :( ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) (١) ، وقوله تعالى :( وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ

ــــــــــــــ

(١) النحل : ١٢٥ .


كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) (١) ، وكذا قوله عز وجل :( وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) (٢) .

فإنّ هذه الآيات القرآنيّة وغيرها صريحة في ضرورة حسن العشرة والمجادلة والتعامل مع الناس بالتي هي أحسن ، مع الرفق واللين والمداراة مع الشخص المخالف في الرأي والمعتقد ، ولذا قال القرطبي تحت ذيل قوله تعالى :( وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً ) : ( وهذا كلّه حض على مكارم الأخلاق ، فينبغي للإنسان أن يكون قوله للناس ليّناً ، ووجهه منبسطاً ، طلقاً مع البرّ والفاجر ، والسنّي والمبتدع ، من غير مداهنة )(٣) .

ومن هنا نجد أنّ الروايات أكّدت على ذلك ، وقد عقد المحدِّثون والعلماء عموماً أبواباً خاصّة في فضل المداراة مع الناس(٤) .

وقد قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( مداراة الناس صدقة ) (٥) .

وقال أيضاً :( رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس ) (٦) .

وقال :( بُعثت بمداراة الناس ) (٧) و( مَن عاش مدارياً مات شهيداً ) (٨) .

إلى غير ذلك من الروايات التي تؤكّد ما ذكرناه من لزوم المداراة وحسن العشرة ، هذا هو المنهج الذي تدعو إليه الشيعة ، ولا شك أنّه لا ينسجم مع بعض النفوس التكفيريّة التي اتخذت قتال المسلمين وهتك نفوسهم وأعراضهم وكرامتهم شعاراً وعقيدة يدافعون عنها .

ــــــــــــــ

(١) فصلت : ٣٤ .

(٢) العنكبوت : ٤٦ .

(٣) الجامع لأحكام القرآن ، محمد بن أحمد القرطبي : ج ٢ ص ١٦ .

(٤) صحيح البخاري ، محمد بن إسماعيل البخاري : ج٧ ص١٠٢ ؛ وصحيح مسلم بشرح النووي : ج ١٦ ص ١٤٥ ؛ مجمع الزوائد ، نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي : ج٨ ص١٧ .

(٥) صحيح ابن حبّان ، محمد بن حبان بن أحمد البُستي : ج٢ ص٢١٦ .

(٦) الجامع الصغير ، جلال الدين السيوطي : ج ٢ ص ٣ .

(٧) المصدر نفسه : ج ١ ص ٤٨٦ .

(٨) حاشية رد المحتار ، ابن عابدين : ج٢ ص٢٧٤ .


والحاصل : إنّ تقية المداراة عبارة عن إنشاء علاقات ودّية فرديّة واجتماعيّة ودوليّة ، وفتح لغة الحوار وملاحظة الرأي والرأي الآخر ، ودعوة إلى الوحدة الإسلامية وإنشاء مجتمع واحد متماسك كالبنيان المرصوص ، يدعو إلى السلام ويحترم الأعراف الدوليّة والرسومات الاجتماعيّة .

٥ ـ حفظ الأقليّات الدينية

لا شك أنّ مبدأ التقية مع ثبوت مشروعيته يكون سلاحاً فطرياً ناجعاً لكل أقلية دينيّة تكون السلطة الحاكمة قاهرة لها ، تمنعها من إبداء رأيها بطلاقة وحرّية .


الفصل السادس : إبطال دعوى أنّ جواز المتعة عند الشيعة نحو من أنحاء الزنا

لعدم وجود الدليل على شرعيّتها وتحريمها من قِبل علماء السلف

جواز المتعة في الشريعة الإسلامية

الشبهة

إنّ دعوى جواز المتعة عند الشيعة ، نحو من أنحاء الزنا ، ولا يوجد دليل على حلّيّة هذا النوع من المقاربة الذي تسمّيه الشيعة بالزواج المنقطع ، وهو من الأمور التي حرّمها السلف

الجواب :

لا ريب أنّ المتعة من أقسام الزواج التي أثبتتها الشريعة الإسلامية بنص الكتاب والسنّة الشريفة ، بل لم نجد أحداً من المسلمين يختلف في تشريعها في عصر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكل ما حصل بشأنها هو أنّ عمر بن الخطاب قد منعها وعاقب عليها ، ولأجل تصحيح موقف عمر من المتعة ؛ ظهرت عدّة ادعاءات لتبرير موقفه ، منها أنّ التحريم والمنع بدأ من عصر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنّ القرآن قد نسخ آية المتعة ونحوها .

ولأجل بيان الحقيقة وإيضاحها سوف نلج في البحث من الزوايا التالية :

الأُولى : الزواج المؤقّت في الكتاب والسنّة .

الثانية : هل نُسخ حكم الزواج المؤقّت ؟

الثالثة : موقف الصحابة والتابعين من الزواج المؤقّت .


الزواج المؤقّت في القرآن الكريم

لقد أجمع العلماء بالاتفاق على اختلاف طبقاتهم ومشاربهم وتفاوت عصورهم من الصدر الأوّل حتى عصرنا الحاضر على أنّ الله تعالى قد أنزل في كتابه العظيم آية تشريع نكاح المتعة في سورة النساء وهي قوله تعالى :( فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ) (١) فهذه الآية صريحة في الدلالة على تشريع الزواج المؤقّت ، إلاّ أنّ البعض شذّ عن ذلك وأخذ يؤوّلها ويصرف تفسيرها عن الحقيقة التي نزلت من أجلها .

والشيء الملفت في تأويلهم للآية هو اضطرابهم في التأويل ، فتارة يؤوّلونها بأنّها محمولة على الزواج الدائم ، وأخرى يدعون بأنّها في خصوص الزواج المؤقّت ، وهم مع ذلك يدّعون نسخها ، ثم إنّ الذين يدّعون نسخها ينقسمون على أنفسهم ، فمنهم مَن يقول إنّها نسخت قرآنياً ، ومنهم من يقول إنّ السنّة النبوية هي الناسخة لها ، وكل فريق يضطرب في أدلّته التي يستعرضها لإثبات مدّعاه .

ولأجل إيضاح هذه الحقيقة من زاويتها الشرعية وإقامة الدليل الشرعي على إثباتها ، فسوف نسوق عدداً من الحجج الثابتة من نفس كتب المانعين ؛ لأنّه أقوى للبرهان وأبلغ في الحجّة والإقناع .

١ـ أخرج البخاري عن عمران بن حصين الصحابي المشهور ، قال : (عن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه قال : نزلت آية المتعة في كتاب الله ، ففعلناها مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم ينزل قرآن يحرّمها ولم ينه عنها ، حتى مات ، قال رجل برأيه ما شاء ، قال محمد يقال : إنّه عمر )(٢)

٢ـ وأخرج أحمد في مسنده من طريق عمران القصير عن أبي رجاء عن

ــــــــــــــ

(١) النساء : ٢٤ .

(٢) صحيح البخاري : ج ٥ ص ١٥٨ ؛ كتاب تفسير القرآن ، باب قوله : وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة .) .


عمران بن الحصين قال : ( نزلت آية المتعة في كتاب الله تبارك وتعالى وعملنا بها مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلم تنزل آية تنسخها ولم ينه عنها النبي حتى مات )(١) .

٣- قرأ جماعة من الصحابة منهم أُبي بن كعب وعبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود :

( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمبِهِ منْهُنَّ إِلَى أَجَلٍ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ) ، وفي هذه القراءة صراحة واضحة بأنّ المقصود هو المتعة ، وممّا يشهد على ذلك ما ذكره الطبري في تفسيره عن حبيب ابن أبي ثابت ، قال : ( أعطاني ابن عباس مصحفاً ، فقال : هذا على قراءة ( أُبي ) قال أبو كريب ، قال يحيى : فرأيت المصحف عند نصير فيه :( فمَا اسْتَمْتَعْتُم به مِنْهُنَّ إِلَى أَجَلٍ مسَمّىً ) (٢) .

وبإسناده عن أبي نضرة قال : ( سألت ابن عباس عن متعة النساء ، قال : أما تقرأ سورة النساء ، قال : قلت : بلى ، قال : فما تقرأ فيها :( فمَا اسْتَمْتَعْتُم به مِنْهُنَّ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمّىً ) ؟ قلت : لا ، لو قرأتها هكذا ما سألتك ، قال : فإنّها كذا )(٣) .

٤- ذكر ابن حزم الأندلسي إمام أهل الظاهر : ( إنّ نكاح المتعة كان حلالاً في عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثم نسخ على لسان رسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )(٤) ، فقوله : كان حلالاً على عهدهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يدل على وجود نص قرآني بذلك ، وغيرها من الشواهد .

المتعة في عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

عندما نرجع إلى عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لنرى متى شُرّعت المتعة وكيفية تقبّل وتعاطي المسلمين مع هذا النوع من الزواج ، سوف نجد أنّ كبار الصحابة ، بل المسلمين قاطبة آنذاك استقبلوا هذا الحكم والتشريع لهذا الصنف من الزواج من دون أن ينتابهم التردد أو التوقّف أو الاستغراب ، وقد اخترنا طائفة من الروايات التي يرويها أغلب كبار القائلين بحرمة المتعة :

ــــــــــــــ

(١) مسند أحمد ، أحمد بن حنبل : ج٤ ص٤٣٦ .

(٢) جامع البيان ، الطبري : ج٥ ص١٨ .

(٣) جامع البيان ، الطبري : ج٥ ص١٨ .

(٤) انظر : المحلى ، ابن حزم الاندلسي : ج٩ ص ٥١٩ .


ومن هذه الروايات

أوّلاً : أخرج البخاري ومسلم في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال : ( كنّا نغزو مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وليس لنا شيء ، فقلنا : ألا نستخصي ؟ فنهانا عن ذلك ، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب ، ثم قرأ علينا( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) )(١) ولا يخفى أنّ استشهادهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بهذه الآية يتضمّن إنكاره للقول بالتحريم ، مع الالتفات أيضاً إلى أنّ هذه الآية محكمة ومطلقة وشاملة للاستمتاع بكل الطيبات بما في ذلك متعة النساء .

ثانياً : أخرج البخاري أيضا عن عمران بن حصين قال : ( نزلت آية المتعة في كتاب الله ففعلناها مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم ينزل قرآن يحرمه ولم ينه عنها ، حتى ماتصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال رجل برأيه ما شاء )(٢) ، قال الرازي في تفسيره : ( قال رجل برأيه ما شاء يريد أنّ عمر نهى عنها )(٣) ، وأخرج أحمد في مسنده نفس ما

ــــــــــــــ

(١) صحيح البخاري : ج٦ ص١١٩ ، كتاب النكاح ، باب ما يكره من التبتل والخصاء ؛ صحيح مسلم : ج٤ ص١٣٠ .

(٢) صحيح البخاري : ج٥ ص١٥٨ ؛ كتاب تفسير القرآن ، باب وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيدكم ) .

(٣) تفسير الخفر الرازي ، الرازي : ج١٠ ص٥٥ .


أخرجه البخاري عن عمران بن حصين ولكن من طريق عمران القصير(١) .

وهذه الرواية واضحة في أنّ تشريع وحلّيّة المتعة متعارف بين المسلمين إلى أن حرّمها عمر بن الخطاب .

ثالثاً : جاء في مسند أحمد : ( عن عبد الرحمان بن نعم أو نعيم الأعرجي ـ شك أبو الوليد ـ قال : سأل رجل ابن عمر عن المتعة وأنا عنده متعة النساء ، فقال : والله ما كنّا على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم زانين ولا مسافحين )(٢) .

رابعاً : أخرج مسلم في باب نكاح المتعة في صحيحه عن عطاء قال : ( قدم جابر بن عبد الله معتمراً فجئناه في منزله ، فسأله القوم عن أشياء ، ثم ذكروا المتعة ، فقال : نعم ، استمتعنا على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبي بكر وعمر الخ )(٣) .

وكذا أخرج مسلم عن أبي نضرة قال : ( كنت عند جابر بن عبد الله فأتاه فقال ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين ، فقال جابر : فعلناهما مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثم نهانا عنها عمر فلم نعد لهما )(٤) .

وأخرج مسلم أيضاً عن أبي الزبير قال : ( سمعت جابر بن عبد الله يقول : كنّا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبي بكر ، حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث )(٥) .

ــــــــــــــ

(١) مسند أحمد : ج٤ ص٤٣٦ .

(٢) مسند أحمد : ج ٢ ص ٩٥ ؛ مسند أبي يعلى الموصلي : ج١٠ ص٦٨ ؛ مجمع الزوائد : ج٧ ص٣٣٢ ـ ٣٣٣ ، قال فيه : ( رواه أبو يعلى ورجاله رجال ثقات ) .

(٣) صحيح مسلم : ج٤ ص١٣١ .

(٤) صحيح مسلم : ج٤ ص٥٩ ، ج٤ ص١٣١ ؛ وكذا جاء في السنن الكبرى : ج٧ ص٢٠٦ .

(٥) صحيح مسلم : ج٤ ص١٣١ ؛ السنن الكبرى : ج٧ ص٣٣٧ ـ ٣٣٨ ؛ سنن أبي داود ، السجستاني : ج١ ص٤٦٨ ؛ شرح مسلم ، النووي : ج٩ ص١٨٣ ؛ فتح الباري ، ابن حجر : ج٩ ص١٧٣ ؛ عون المعبود : ج٦ ص١٠٠ ـ ١٠١ ؛ ج١٠ ص٣٤٩ ؛ المصنف ، الصنعاني : ج٧ ص٥٠٠ .


خامساً : ما رواه مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير : ( إنّ خولة بنت حكيم دخلت على عمر بن الخطاب فقالت إنّ ربيعة بن أمية استمتع بامرأة فحملت منه فخرج عمر بن الخطاب فزعاً يجر رداءه فقال : هذه المتعة ولو كنت تقدمت فيها لرجمت )(١) ولا يخفى أنّ الظاهر من استمتاع ربيعة بن أمية ، ومن قول عمر يتضح أنّ المتعة كانت حلالاً حتى وقعة عمرو بن حريث ؛ لهذا لم يقم عمر بإقامة الحد على ربيعة بن أمية ، كما يعرب كلام أبي حفصة بعدم وقوعه عنه ؛ ولذا ذكر عمر كلمة الرجم للتشديد في التهديد لأنّه يعلم بعدم جواز إيقاعه بمَن نكح بالعقد المنقطع .

سادساً : ما نقله ابن رشد في كتابه ( بداية المجتهد ونهاية المقتصد ) عن ابن عباس أنّه قال : ( ما كانت المتعة إلاّ رحمة من الله عزّ وجل رحم بها أُمّة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولولا نهي عمر عنها ما اضطرّ إلى الزنا إلاّ شقيّ )(٢) .

وقد وردت هذه الرواية عن ابن جريح وعمرو بن دينار(٣) .

وأخرج الصنعاني عن عطاء قال : ( قدم جابر ابن عبد الله ، فجئناه في منزله ، فسأله القوم عن أشياء ، ثم ذكروا له المتعة ، فقال : نعم ، استمتعنا على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأبي بكر ، وعمر ، حتى إذا كان في آخر خلافة عمر استمتع عمرو بن حريث بامرأة ـ سمّاها جابر فنسيتها ـ فحملت المرأة ، فبلغ ذلك عمر ، فدعاها فسألها ، فقالت : نعم ، قال : مَن أشهد ؟ قال عطاء : لا أدري ،

ــــــــــــــ

(١) الموطأ : ج٢ ص٥٤٢ .

(٢) بداية المجتهد والمقتصد : ج٢ ص٤٧ .

(٣) المصدر نفسه : ج٢ ص٤٧ .


قالت : أمي ، أم وليّها ، قال : فهلا غيرهما ، قال : خشي أن يكون دغلاً الآخر ، قال عطاء : وسمعت ابن عباس يقول : يرحم الله عمر ، ما كانت المتعة إلا رخصة من الله عزّ وجلّ ، رحم بها أمة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلولا نهيه عنها ما احتاج إلى الزنا إلاّ شقي ، قال : كأنّي والله أسمع قوله : إلاّ شقي ـ عطاء القائل ـ قال عطاء : فهي التي في سورة النساء( فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ ) إلى كذا وكذا من الأجل ، على كذا وكذا ، ليس بتشاور ، قال : بدا لهما أن يتراضيا بعد الأجل ، وأن يفرقا فنعم ، وليس بنكاح )(١)

وورد عن عطاء قال : ( سمعت جابر بن عبد الله يقول : تمتعنا على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبي بكر ونصفاً من خلافة عمر ، ثم نهى عنها عمر الناس )(٢) .

سابعاً : ذكر ابن حزم الأندلسي في كتابه المحلى أسماء الأشخاص الذين أصرّوا على تحليل نكاح المتعة بعد وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهم من الصحابة : ( أسماء بنت أبي بكر ، وجابر بن عبد الله وابن مسعود وابن عباس ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن حريث وأبو سعيد الخدري وسلمة ومعبد أبناء أمية بن خلف ورواه جابر بن عبد الله عن جميع الصحابة مدة رسول الله ومدة أبي بكر وعمر إلى قرب آخر خلافة عمر )(٣)

والملاحظة الجديرة بالالتفات أنّ ابن حزم مع نقله ذلك في كتابه المحلى من أسماء الصحابة القائلين بشرعية الزواج المؤقّت ، إلاّ أنّه ذهب إلى حرمتها مستدلاً بإجماع المتأخّرين ، ولعلّه عمل بالتقية ارتكازاً ؛ خشية مخالفة الرأي العام الذي يتمتع بقوّة وسلطان مؤثّر في قلب الحقائق مهما كان حجمها ودورها في الشريعة الإسلامية .

ــــــــــــــ

(١) المصنف ، عبد الرزاق الصنعاني ج ٧ ص ٤٩٧ ، وذكرها مسلم في صحيحه : ج٤ ص١٣١؛ مسند أحمد : ج٣ ص٣٨ ؛ وغيرها .

(٢) بداية المجتهد ونهاية المقتصد ، ابن رشد الحفيد : ج٢ ص٤٧ .

(٣) المحلى ، ابن حزم الأندلسي : ج٩ ص٥١٩ .


ثامناً : من الأخبار المقطوع بها أيضاً ما رواه الراغب الأصفهاني في كتابه ( الموسوم بالمحاضرات ) ، حيث ذكر العبارة التالية : ( إنّ عبد الله بن الزبير عيّر ابن عباس بتحليله المتعة ، فقال له ابن عباس : سل أمّك كيف سطعت المجامر بينها وبين أبيك ، فسألها ، فقالت : ما ولدتك إلاّ بالمتعة )(١) .

هل نُسخت المتعة أم لا ؟

تضاربت آراء الذين تشددوا في حرمة الزواج المؤقّت ، وتباينت في كيفية النسخ وطرقه ، وفي تعيين الناسخ الأصلي للمتعة إلاّ أنّ هذه الآراء لم ترسوا على يقين واطمئنان ، وكل هذه الجهود التي بذلت لأجل تصحيح موقف عمر بن الخطاب ، لم تكن موفّقة ، فالبعض قال : إنّها منسوخة بالقرآن ، وانقسم هؤلاء على أقوال :

القول الأوّل :

إنّها منسوخة بقوله تعالى :

( إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ) (٢) .

القول الثاني :

إنّها منسوخة بقوله تعالى :( فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ) (٣) فإنّ الأمر بالعدّة في هذه الآية ينسخ حكم المتعة التي لا طلاق فيها ولا عدّة .

القول الثالث :

إنّما نسخت بقوله تعالى :( وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ ) (٤) .

ــــــــــــــ

(١) الراغب الأصفهاني : محاضرات الأدباء ج٢ ص٢١٤ ؛ وكذا في العقد الفريد : ج٢ ص١٣٩ .

(٢) المؤمنون : ٦ ـ ٧ .

(٣) الطلاق : ١ .

(٤) النساء : ١٢ .


القول الرابع : إنها منسوخة بقوله تعالى :( فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم منَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ ) حيث قالوا إن الآية اقتصرت في تشريع الزواج على الدائم وملك اليمن.

مناقشة الأقوال

١ـ مناقشة الاستدلال بآية المؤمنين وهي قوله تعالى :( إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ) (١) وحاصل استدلالهم هو أنّ الحلية منحصرة في الزوجات وما ملكت أيمانهم ، فتبقى الزوجة المؤقّتة في دائرة الحرمة .

والمناقشة في ذلك واضحة لأنّه :

أوّلاً : المتعة زواج والمتمتع بها زوجة حقيقة والآية شاملة لها ، فلا تعارض بين هاتين الآيتين وبين آية المتعة .

ثانياً : إنّ هاتين الآيتين مكّيّتان ، أمّا آية المتعة فهي مدنيّة ، ولا يمكن نسخ المتقدّم للمتأخّر .

٢ـ مناقشة الاستدلال بآية الطلاق

حيث استدل القائل بالنسخ بأن آية المتعة نسخت بآية الطلاق ، وهي قوله تعالى :

( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مبَيِّنَةٍ وَتِلْكَحُدُودُ اللهِ وَمَن

ــــــــــــــ

(١) المؤمنون : ٦ـ٧ .


يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ) (١) وإنّ المتعة لا طلاق فيها ولا عدّة ويلاحظ عليه :

أوّلاً * : إنّ الزوجة المؤقّتة ليست مستثناة من العدّة ، غاية الأمر أنّ الاختلاف في مدّة العدة ، ومرد هذا إلى التخصيص لا إلى النسخ كما هو الحال في عدة السرية فإنّ عدتها أقل من عدة المطلقة عند جميع الإمامية وجمهور أهل السنّة عدا أبو داود(٢) ، وأُلغيت العدة تماماً من غير المدخول بها وعن اليائس وإن دخل بها ، وعدة الوفاة وعدة الحامل متماثلة في كلا القسمين من الزواج .

نعم ، اختص الطلاق بالقسم الأول من الزواج وهو الدائم دون المنقطع ، والسبب وراء ؛ ذلك واضح لأنّ العلاقة الدائمة هي التي تحتاج إلى إعلان عن إنهاء العلاقة عند حصول سبب طارئ معيّن ، أمّا الزواج المؤقّت فلا يحتاج إلى ذلك ؛ لأنّه ينقضي بانقضاء وقته .

٣ـ مناقشة الاستدلال بآية المواريث

حيث استدلوا بآية الإرث على نسخ الزواج المؤقّت ، باعتبار أنّ الزواج المؤقّت لا ميراث فيه ويلاحظ عليه :

أوّلاً : إنّ الإرث لا يلازم الزوجية ، فهنالك مواضع لا ترث فيها الزوجة رغم كونها زوجة ، كالزوجة القاتلة والزوجة الكافرة ، بينما هنالك من خرجن عن رابطة الزوجية ومع ذلك يرثن كما هو الحال في المطلقة في حال المرض الذي مات فيه زوجها بعد خروج العدة وقبل انقضاء الحول .

ــــــــــــــ

(١) الطلاق : ١ .

* لا يوجد ( ثانياً ) لسبب فني أو سهو علمي ! [ الشبكة ] .

(٢) أصل الشيعة وأصولها : كاشف الغطاء ص٢٥٥ .


ثانياً : إنّ الزوجة المؤقتة ترث إذا شرطت ذلك .

ثالثاً : من موارد النقض على مدعي النسخ ، إن جمهور أهل السنة يجيزون نكاح الكتابية لكنهم يُجمعون بأن لا توارث بينها وبين زوجها المسلم وهذا تخصيص منهم لحكم الإرث ، فما المانع من تخصيص الزوجة المؤقتة من آية الإرث ولا يثبت لها إلاّ بالشرط .

٤ـ مناقشة الاستدلال بآية العدد

( فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ ) (١) .

ويلاحظ عليه

بأنّها متقدمة زماناً بالنزول على آية المتعة ولا يعقل أن ينسخ المتقدّم المتأخّر عنه زمناً .

وخلاصة القول إنّ الزواج المؤقّت زواج اختارته الشريعة الإسلامية ، واختلافه عن الزواج الدائم في بعض الأحكام نتيجة ورود أدلة مخصصة للعمومات الواردة في أحكام الزوجة الدائمة ، وهذا لا يخرجه من كونه زواجاً شرعياً أحلّه الله في كتابه وسنّة نبيّه

روايات مناهضة لزعم النسخ القرآني

وهنالك ثمّة روايات متضافرة يسطّرها العامة أنفسهم تفنّد وتدحض مزاعم وادعاءات النسخ لآية المتعة ومن هذه الروايات .

ــــــــــــــ

(١) النساء : ٣ .


١ـ ما تقدّم من قول عمران بن حصين الصحابي المشهور ، حيث قال : ( نزلت آية المتعة في كتاب الله ففعلناها مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولم ينزل قرآن يحرمه ولم ينهى عنها ، حتى مات ، قال رجل برأيه ما شاء قال محمد يقال إنّه عمر )(١) .

٢ـ وأخرج الإمام أحمد في مسنده من طريق عمران القصير عن أبي رجاء عن عمران الحصين قال : ( نزلت آية المتعة في كتاب الله تبارك وتعالى وعملنا بها مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلم تنزل آية تنسخها ولم ينه عنها النبي حتى ماتصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )(٢) .

٣ـ روى جماعة من الصحابة الكرام منهم أبي بن كعب وعبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود أنهم قرأوا آية المتعة هكذا : (فما استمتعتم به منهن إلى اجل مسمى فآتوهن أجورهن)(٣) وفي هذه القراءة صراحة واضحة بأنّ المقصود وهو المتعة ، وممّا يشهد على ذلك ما ذكره الثعلبي في تفسيره عن حبيب أبي ثابت قال : ( أعطاني ابن عباس مصحفاً ، فقال : هذا على قراءة ( أبي ) ، قال أبو كريب ، قال يحيى فرأيت المصحف عند نصير فيه : ( فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى الخ )(٤) .

وبإسناده عن أبي نضرة قال : ( سألت ابن عباس عن المتعة ، فقال أما تقرأ

ــــــــــــــ

(١) صحيح البخاري : ج٥ ص١٥٨ ، كتاب تفسير القرآن ، باب وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة .

(٢) مسند أحمد : ج٤ ص٤٣٦ .

(٣) جامع البيان ، الطبري : ج٥ ص١٨ .

(٤) المصدر نفسه : ج٥ ص١٨ .


سورة النساء ؟ قال : قلت : بلى ، قال : فما تقرأ : ( فما استمتعتم منهن إلى أجل مسمّى الخ ) قلت : لا ، لو قرأتها هكذا ما سألتك ! قال : إنّها كذا )(١)

٤ـ ذكر الإمام ابن حزم الأندلسي إمام أهل الظاهر : ( إنّ نكاح المتعة كان حلالاً في عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثم نسخ على لسان الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )(٢) فقوله كان حلالاً على عهدهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ) يدل على وجود نص قرآني بذلك وغيرها من الشواهد .

ومنها ما ورد عن الزمخشري عن ابن عباس قال : ( إنّ آية المتعة هي محكمة ـ أي آية المتعة ـ يعني لم تنسخ )(٣) .

٥ـ وكذا روى القرطبي عن ابن عباس أيضاً إنّ آية المتعة لم تنسخ وكان يقرأ الآية ( إلى أجل مسمى ) وكان يقول : ( ما كانت المتعة إلاّ رحمة من الله تعالى رحم بها عباده ولولا نهي عمر عنها ما زنى إلاّ شقي )(٤) .

٦ـ وفي الدر المنثور قال : ( أخرج عبد الحميد وابن جرير بن الأنباري والحاكم وصحيحة من طرق عن أبي نضرة قال : قرأت على ابن عباس ( فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ) قال ابن عباس : فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى ، فقلت : نقرؤها كذلك فقال ابن عباس : والله ، لأنزلها الله كذلك )(٥) .

ــــــــــــــ

(١) المصدر نفسه : ج٥ ص١٨ .

(٢) انظر : المحلى ، ابن حزم الأندلسي : ج٩ ص٥١٩ .

(٣) الكشاف : الزمخشري : ج ١ ص٢٤٨ .

(٤) الجامع لأحكام القرآن ، القرطبي : ج٥ ص١٣٠ .

(٥) الدر المنثور : ج٢ ص١٤٠ .


٧ـ وروى الثعلبي عن شعبة عن الحاكم قال : ( سألته عن هذه الآية ( فما استمتعتم به منهن ) أمنسوخة هي ؟ قال : لا ، قال : الحاكم : قال علي بن أبي طالب (كرّم الله وجهه) :لو لا أنّ عمر نهى عن المتعة ما زنى إلاّ شقي )(١) ومثله في الدر المنثور(٢) وتفسير الرازي(٣) ، والبحر المحيط لأبي حيان(٤) ، وجامع البيان لابن جرير الطبري(٥) .

ادعاء نسخ آية المتعة بأحاديث السنّة

وذكروا في ذلك عدّة روايات وهي :

١ـ عن علي أنّه قال لابن عباس : ( إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نهى عن المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر )(٦) .

٢ـ عن الياس بن سلمة ، عن أبيه قال : ( خص رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عام أوطاس في المتعة ثلاثاً ، ثم نهى عنها )(٧) .

٣ـ عن الربيع بن سيرة الجهني أنّ أباه حدثه أنه كان مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال : ( يا أيّها الناس ، إنّي قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء وإنّ الله قد حرّم ذلك إلى يوم القيامة ، فمَن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله

ــــــــــــــ

(١) تفسير الثعلبي : ج٣ ص٢٨٦ .

(٢) الدر المنثور : ج ٢ص١٤٠ .

(٣) انظر : تفسير الفخر الرازي ، الفخر الرازي : ج١٠ ص٥٠ .

(٤) البحر المحيط ، أبو حيان الأندلسي : ج ٣ ص٢٦ .

(٥) جامع البيان ، ابن جرير الطبري : ج٥ ص١٩ .

(٦) صحيح البخاري : ج٦ ص١٢٩ ، كتاب النكاح ، باب نهي رسول الله عن نكاح المتعة .

(٧) صحيح مسلم : ج٤ ص١٣١ .


ولا تأخذوا ممّا آتيتموهن شيئاً )(١) .

٤ـ وعن عبد الملك بن الربيع بن سيرة الجهني عن أبيه عن جده قال : ( أمرنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالمتعة عام الفتح حين دخلنا مكة ، ثم لم نخرج منها حتى نهانا عنها )(٢) .

مناقشة هذه الدعوى

الملاحظة الأُولى : إنّ أخبار التحريم آحاد ، والنسخ لا يثبت بأخبار الآحاد في قبال صريح القرآن الكريم .

الملاحظة الثانية : إنّ روايات التحريم معارضة بروايات أخرى مستفيضة ومصحّحة ومعتمدة من قِبل أهل السنّة ، كصحيح البخاري ومسلم وسنن البيهقي ومسند أحمد بن حنبل وغيرها .

الملاحظة الثالثة : غلبة الاضطراب والتناقض في روايات التحريم فبعضها يقول : إنّ التحريم صدر يوم خيبر وأخرى في يوم أوطاس أو يوم الفتح وثالثة في تبوك ، ورابعة في عمرة القضاء ، وخامسة في حجّة الوداع ، بحيث وصل الأمر بمسلم أن يعقد باباً بعنوان : ( باب نكاح المتعة وبيان أنّه أُبيح ثم نسخ ثم أبيح ثم أبيح ثم نسخ ، واستقر تحريمه إلى يوم القيامة )(٣) وهذا يكشف عن التناقض والاضطراب بين القائلين بالنسخ .

ــــــــــــــ

(١) صحيح مسلم : ج٤ ص١٣٢ .

(٢) صحيح مسلم : ج٤ ص١٣٣ .

(٣) صحيح مسلم : ج٢ ص١٠٢١ ، كتاب النكاح ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ، نشر : دار إحياء التراث العربي ـ بيروت .


الملاحظة الرابعة : إنّ روايات التحريم تتنافى وتصطدم بجملة من الروايات الكثيرة المعتبرة عند العامة ، وفي مصادر عديدة في التفسير والحديث والتاريخ ، من أنّ النهي عن المتعة إنّما صدر في عهد خلافة عمر بن الخطاب واليك جملة من الروايات المثبتة لذلك .

١ـ اخرج مسلم في صحيحه بالإسناد إلى أبي نضرة قال : ( كان ابن عباس يأمر بالمتعة وكان ابن الزبير ينهى عنها ، قال : فذكرتُ ذلك لجابر بن عبد الله ، فقال : على يدي دار الحديث تمتعنا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلمّا قام عمر قال : إنّ الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء ، وإنّ القرآن قد نزل منازله فأتمّوا الحج والعمرة كما أمركم الله ، وأبتّوا نكاح هذه النساء ، فلن أُوتي برجل نكح امرأة إلى أجل إلاّ رجمته بالحجارة )(١) .

٢ـ وروى مسلم في صحيحه عن أبي الزبير قال : ( سمعت جابر بن عبد الله يقول : كنّا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبي بكر حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث )(٢) .

ولا يسعنا ذكر جميع الروايات الواردة في هذا المقام ، ولا أظن أحداً يتردد في أنّ النهي عن المتعة حصل في زمن خلافة عمر ، وقد نقلنا لك بعض المصادر في الهامش(٣) .

ــــــــــــــ

(١) صحيح مسلم : ج٤ ص٣٨ .

(٢) صحيح مسلم ج٤ ص١٣١ .

(٣) صحيح مسلم : ج٤ ص١٣١ ؛ التفسير الكبير ، الرازي : ج١٠ ص٥٢ ؛ مسند أحمد بن حنبل : ج٣ ص٣٢٥ ؛ المعجم الأوسط ، الطبراني : ج١ ص١١٢؛ تفسير القرطبي ، القرطبي : ج٢ ص٣٩٢ ؛ الدر المنثور ، السيوطي : ج٢ ص١٤١ ؛ المصنف ، الصنعاني : ج٧ ص٥٠٦ ؛ المحلى ، ابن حزم : ج٧ ص١٠٧ ؛ المبسوط ، السرخسي : ج٤ ص٢٧ ؛ أحكام القرآن ، الجصاص : ج١ ص٣٥٤ ؛ كنز العمال ، المتقي الهندي : ج١٦ ص٥١٩ ؛ مسند الطيالسي : ص٢٤٨ ؛ المغني ، ابن قدامة : ج٧ ص٥٧٢ ؛ زاد المعاد ، ابن القيم : ج٤ ص٣٥٨ ؛ جامع الأحكام ، الطبري : ج٨ ص١٧٨ .


إذن القرائن القطعية تفيد عدم النسخ ، لاسيّما مع ملاحظة أنّ هذه القرائن فيها اضطراب ، مضافاً إلى تعدّد ادعاءات النسخ كما مرّ ذكره سابقاً .

وقد أورد القرطبي في تفسيره ما قاله ابن العربي من أنّ النسخ تناول هذا الحكم مرتين ، ثم علّق عليه بقوله : ( وقال غيره ممّن جمع طرق الأحاديث فيها : إنّها تقتضي التحليل والتحريم سبع مرات ) ثم عدّد ادعاءات النسخ وقال : ( هذه سبعة مواطن أُحلّت فيها المتعة وحرّمت )(١) .

وقال ابن قيم الجوزية : ( وهذا [النسخ] لا عهد بمثله في الشريعة البتّه ولا يقع مثله فيها )(٢) ، ثم إنّ الملفت للنظر هو أنّ ادعاءات النسخ ظهرت بعد انقراض عصر الصحابة ، ولو كان واحدة منها في ذلك العصر لاستشهد بها عمر بن الخطاب نفسه في تحريمه ، مع أنّه كان بأمسّ الحاجة إليه ؛ لأنّ المسلمين وعلى رأسهم الصحابة لم يتلقّوا موقف عمر بالقبول وإنّما ردّوا عليه بأنّهم قد مارسوا هذا العمل في عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعهد أبي بكر ، فلو كان هناك نسخ لظهر وبان .

ادعاءات النسخ معارضة لكلام عمر

إنّ الملاحظة الأخرى التي تسجّل على النسخ ، إنّ ادعاءات النسخ معارضة لكلام عمر نفسه الذي قال : ( متعتان كانتا على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنهى عنهما وأعاقب عليهما ، متعة النساء ومتعة الحج )(٣) فلو كان هناك شيء من النسخ لاحتجّ به ولم ينسب ذلك إلى نفسه .

ــــــــــــــ

(١) تفسير القرطبي : ج٥ ص١٣١

(٢) زاد المعاد : ج٣ ص٤٠٣ .

(٣) شرح معاني الآثار : ج٢ ص١٤٦ .


اعتراف عمر بنفسه

وقد أدلى بهذا الاعتراف أمام مجموعة من الصحابة ، فقد روى الطبري في تاريخه في حوادث سنة (٢٣ هـ) إنّ عمران بن سوادة دخل على عمر بن الخطاب وذكر له ما يتحدث به الناس من الأمور التي أحدثها فيهم ولم يرضوها منه ، منها تحريمه المتعة قال : ( ذكروا أنّك حرّمت متعة النساء وقد كانت رخصة من الله نستمتع بقبضة ونفارق عن ثلاث قال ـ عمر بن الخطاب في جوابه ـ : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحلّها في زمان ضرورة ، ثم رجع الناس إلى السعة ، ثم لم أعلم أحداً من المسلمين عمل بها ولا عاد إليها ، فالآن مَن شاء نكح بقبضة وفارق عن ثلاث بطلاق وقد أصبت )(١) .

وفي هذه المحاورة يؤكّد عمر مرة أخرى إقراره واعترافه بأنّ تحريمه للمتعة موقف شخصي خاص به ، ورأي أرتاه ولم يؤثر عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أي شيء في شأن التحريم ، ثم إنّ اجتهاد عمر في تحريمه في هذه المحاورة واضح البطلان فهو يدعي أنّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد أحلّها في حال الضرورة ، وهذا يعني أنّها مباحة عند الضرورات ، فلماذا حرمها عمر مطلقاً ولم يقيد ذلك بالضرورة مضافاً إلى ما سبق من الأدلة ، نجد أنّ الروايات الصحيحة الواردة من طريق أهل البيتعليهم‌السلام طافحة في مصادر الشيعة ، وكلّها تشهد وتؤكّد على مشروعية المتعة بنص الكتاب والسنّة .

ــــــــــــــ

(١) تاريخ الطبري : ج٣ ص٢٩٠ - ٢٩١ .


الحل الأمثل للمشكلة الجنسيّة

لا زالت المشكلة الجنسية تتصدّر قائمة المشاكل المعقّدة والمؤثّرة في المجتمعات الإنسانية المعاصرة ؛ نتيجة ما تكتنزه من مضاعفات خطيرة في حياة الإنسان ، من أبرزها :

١ـ الانحرافات الأخلاقية : نتيجة توظيف الغريزة بشكل غير مشروع .

٢ـ الانعكاسات النفسية : كالقلق والاكتئاب والانطوائية ، وسائر التوتّرات والاضطرابات التي قد تنتج حالات الجنون أو حالات النزوع إلى الانتحار

٣ـ الأمراض الجنسية الفتّاكة : التي تنتج بسبب استعمال طرق غير مشروعة لإشباع الغريزة الجنسية .

٤ـ تفشّي الجريمة : بنحو يشكّل باباً مغلقاً على كلِّ التربويين والمعنيّين بهذا الجانب .

عوامل تصاعد المشكلة الجنسية

من أبرز العوامل والأسباب التي تقف وراء تصاعد المشكلة الجنسية هي :

(١) الجنس حاجة متأهلة في خلقة وتكوين الإنسان .

(٢) الصيغ الإغرائية المثيرة للحالة الجنسية .

(٣) غياب التربية الأخلاقية الأصيلة التي ترشّد وتهذّب غرائز الإنسان .

الحلول المطروحة في معالجة الحالة الجنسية

الحل الأوّل : كبح الغريزة الجنسية

ويتم ذلك من خلال أُسلوبين :

أ : أسلوب الوعظ والإرشاد المشفوع بالتخويف والتحذير إلاّ أنّ هذه الوسيلة نجدها عاجزة عن معالجة المشكلة من جذورها وأعماقها ؛ وذلك لأنّ نداء الجنس أقوى من كل المحاولات التي تتخذ سلاح الوعظ والتحذير كأداة علاجية فقط .

ب : سلاح القوّة ، وهذا الحل لا يمكن اتخاذه كعلاج لهذه الظاهرة لما ينطوي عليه من أضرار نفسية واجتماعية خطيرة ، وهذا ما يؤكّده علماء النفس والاجتماع القائلين بأنّ مثل هذه الأساليب ربّما تؤدّي بصاحبها إلى الانتحار أو الجنون .


الحل الثاني : الدعوة إلى الإباحية

وذلك من خلال إطلاق العنان للشهوة الجنسية من التحليق في الأجواء الجنسية الحرّة التي يخلّصها من حالات الكبت وفوران الغريزة .

ولا شك أنّ هذا الحل واضح البطلان بعد أن استنكره الإسلام وكافة الشرائع السماوية ، بل يرفضه الجانب الفطري والخلقي في الإنسان .

الحل الثالث : الدعوة إلى الزواج الدائم

وذلك من خلال إزالة أو تذليل المعوّقات التي تشكّل عائقاً أمام الجنسين ؛ وذلك من خال التثقيف على ضرورة الزواج المبكّر وتسهيل كل الإمكانيات التي يتطلبها الزواج ، مضافاً إلى محاربة الفوارق الطبقية والاجتماعية التي تشكّل عوائق وحواجز مانعة في طريق الزواج .

والملاحظة التي يمكن ملاحظتها على هذا الحل أنّه وإن عالج جانباً من المشكلة ، إلاّ أنّه لا يتمكّن من معالجة المشكلة بمختلف مجالاتها ، فالمشاكل ليست كلّها مشاكل مالية أو طبقية بل إنّ هنالك مشاكل أخرى لا زالت تطالب بالحلول ، فمثلاً إنّ الطلاّب الذين يتخصصون لعلومهم وصناعاتهم بعد الثامنة عشرة أو العشرين فإنّهم لابد لهم من فترة زمنية بعد التخرّج لكي يكونوا على استعداد لكسب الرزق ، فلابد من ممارسة أعمال كالتجارة أو أعمال صناعية أو تجارية أخرى ، وبذلك يتسنّى لهم الزواج قبل سن الثلاثين ، فتبقى هذه الفترة الزمنية التي تمتاز بالنمو الجنسي والرغبة الملحّة مع ما يرافقها من مغريات مثيرة للجنس ليس من السهولة مقاومتها .

إذن هذه الفترة الزمنية التي لا يتمكن الزواج الدائم من حلّها ، لا يمكن إسقاطها من الحساب وينتج من ذلك شيوع الفساد والعبث بالنسل بين الشباب والشابات .

الحل الرابع : الدعوة إلى الزواج المؤقّت

وهو الحل الذي طرحه الإسلام قبل أربعة عشر قرناً ، فهو متلائم ومكمّل لكل ما تبقى من المشكلة في الزواج الدائم ، ومن هذا نجد أنّ الفكر البشري المعاصر بدأ يقترب من هذا الحل كعلاج لحل المشكلة الجنسية .


يقول الفيلسوف رسل : ( وإنّما الرأي أن تسمح القوانين في هذا السن بضرب من الزواج بين الشبّان والشابات لا يؤودهم بتكاليف الأسرة ، ولا يتركهم لعبث الشهوات والموبقات وما يعقبه من العلل المحرجات )(١) .

ومن هنا يمكن أن نفهم عمق ودقة المقولة الكبيرة لأمير المؤمنينعليه‌السلام ومقولة عبد الله بن عباس حين قالا : ( لولا أنّ عمر نهى عن المتعة ما زنى إلاّ شقي ) و( ما كانت المتعة ، إلاّ رحمة من الله ، رحم بها أُمّة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولولا نهيه ـ عمر ـ لما احتاج إلى الزنا إلاّ شقي ) .

وهاتان المقولتان تكشفان النقاب عن حقائق هامة منها :

١ـ إنّ المتعة بمثابة السياج الآمن للإنسان من المضاعفات الخطيرة الناتجة جرّاء الحاجة الجنسية الملحّة .

٢ـ إنّ المتعة تحمي الإنسان من التعرّض للعقوبة الإلهية في الدنيا والآخرة .

٣ـ إنّ الإنسان المحتاج إلى الجنس يعتبر إنساناً مريضاً بحاجة إلى علاج ، وقد جعل الله تعالى علاجه في المتعة التي هي رحمة له .

إشكالات تُثار حول المتعة

أُثيرت عدّة إشكالات حول زواج المتعة ، إلاّ أنّها إشكالات واهية غير جديرة بالذكر ، إلاّ أنّنا نقتصر على ذكر الإشكال التالي :

مضمون الإشكال : إنّ المتعة لا تختلف في حقيقتها ومضمونها ونتائجها عن العلاقات الجنسية غير المشروعة كالزنا ، فكل من المتعة والزنا يمثّلان تجسيداً وتطبيقاً عملياً لامتهان المرأة ، مع ما يسبّبانه من اختلاط المياه وضياع الأنساب .

ــــــــــــــ

(١) نقلاً عن الفلسفة القرآنية ، العقاد : ص ٩٣ ؛ ونقلاً أزمة الخلافة والإمامة ، أسعد وحيد القاسم : ص٣٢١ .


مناقشة الإشكال

١– إنّ زواج المتعة زواج شرعاً ، وهو ما أجمع عليه المسلمون ـ كما تقدم ـ ولذا نجد الفخر الرازي يقول في تفسيره ( واتفقوا على أنّها (المتعة) كانت مباحة في ابتداء الإسلام )(١) .

وقال القاضي الباقلاني : ( وأجمعوا على أنّ مَن نكح نكاحاً مطلقاً ونيّته أن لا يمكث معها إلاّ مدّة نواها ، فنكاحه صحيح حلال )(٢) .

فإذا كان اتفاق المسلمين قائماً على مشروعية هذا اللون من النكاح ـ ولو في مرحلة من المراحل ـ فإنّ القول بكونه زنا في مضمونه ونتائجه جرأة واضحة على الله تعالى والشريعة الإسلامية ؛ لتشريع هذا اللون من الزواج ، فالقول بأنّ المتعة زنا يعني أنّ الزنا كان مباحاً في مرحلة من مراحل التشريع الإسلامي .

٢ـ إنّ تحديد المدّة في الزواج المؤقّت لا يعني صيرورته زنا ، وإلاّ كان الزواج الدائم أيضاً شبيهاً بالزنا ، كما هي الحالات التي ينوي فيها الزوج البقاء مع زوجته مدّة معيّنة ثم يفارقها ، وقد أفتى أكثر فقهاء السنّة بصحّة عقد الزواج مع تحديد المدّة إذا لم ينص على ذلك في صيغة العقد .

ــــــــــــــ

(١) التفسير الكبير للفخر الرازي ج١٠ ص٥١ .

(٢) الشرح على صحيح مسلم ، النووي : ج٩ ص١٨٢ .


ومن نماذج أقوالهم في هذا الصدد

١ـ ما قاله ابن قدامة في المغني : ( وإن تزوجها بغير شرط إلاّ أنّ في نيّته طلاقها بعد شهر ، أو إذا انقضت حاجته في هذا البلد ، فالنكاح صحيح في قول عامة أهل العلم إلاّ الأوزاعي قال : هو نكاح متعة والصحيح إنّه لا بأس به ولا تضر نيّته وليس على الرجل أن ينوي حبس امرأته ، وحسبه إن وافقته وإلاّ طلقها )(١) .

٢ـ ما قاله علاء الدين الحصفكي : ( وليس منه [أي نكاح المتعة] ما لو نكحها على أن يطلقها بعد شهر ، أو نوى مكثه معها مدّة معيّنة )(٢) .

٣ـ قال الباجي الأندلسي من فقهاء المالكية في كتابه المنتقى : ( مَن تزوّج امرأة لا يريد إمساكها إلاّ أنّه يريد أن يستمتع بها مدة ثم يفارقها ، فقد روى محمد عن الإمام مالك أنّ ذلك جائز وليس من الجميل ولا من أخلاق الناس )(٣) .

٤ـ وذكر عبد الرحمان الجزيري :

أ ـ إنّ المالكية يجوّزون العقد إذا قصد الزوج في نفسه الأجل ولو فهمت المرأة وليها ذلك .

ب ـ إنّ الأحناف يرون صحّة العقد إذا نوى الزوج معاشرتها مدة ، ولم يصرّح بذلك(٤) .

ــــــــــــــ

(١) المغني ، ابن قدامة : ج٧ ص٥٧٣ .

(٢) الدر المختار ، الحصفكي : ج٣ ص٥٧ .

(٣) المنتقى ، الأندلسي : ج٣ ص٢٣٥ .

(٤) انظر : الفقه على المذهب الأربعة ، الجزيري : ج٤ ص٨٧ ـ ٨٩ .


٥ ـ وقال الدسوقي في حاشيته على الشرح الكبير لأبي البركات : ( قوله : ( ولم يقيّد الأجل ) أي : ولم يعيّن قدره ، بأن قال : أتزوجها بعشرة كلها أو خمسة منها مؤجّلة بأجل وترك تعيين قدره قصداً ، أمّا إذا كان ترك تعيين قدر الأجل لنسيان أو غفلة فالنكاح صحيح ، ويضرب له من الأجل بحسب عرف البلد )(١) .

وبالتأمّل في هذه الأمثلة يتضح عدم الفرق بين هذا اللون من النكاح والنكاح المؤقّت ، فالعقد بنيّة الفراق وخاصة لو كان بعلم الطرفين لا يختلف عن النكاح المؤقّت في الواقع أصلاً ، إلاّ في صيغة التعبير اللفظي ، وهو لا يجدي فرقاً بينهما مع اتفاقهما في المعنى الواقع ، فلماذا يعتبر الزواج المؤقت لوناً من امتهان المرأة ولا يكون في هذه الحالات التي ذكرت ، والتي هي زواج مؤقّت واقعاً من امتهان المرأة ونحوه ؟‍!

وإن قيل : بأنّ النص الشرعي هو الذي منح لهذا التفريق مبرّراته ، نقول : إنّ الزواج المؤقّت يملك من الشواهد سواء من القرآن أو من السنّة ما يكفي لإعطائها طابع المشروعية .

ــــــــــــــ

(١) حاشية الدسوقي ، الدسوقي : ج٢ ص٣٠٣ .


الخاتمة

بعد أن اتضح أنّ الزواج المؤقّت زواج شرعي لنص القرآن والسنّة النبوية المتواترة ، وقد ثبت إجماع واتفاق المسلمين قاطبة على تشريعة وممارسته على مستوى الواقع منذ عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبي بكر وقسطاً من فترة خلافة عمر ، ولم يؤاخذ على مَن مارسه في ذلك الوقت ، لاسيّما وإنّنا نجد أنّ الكثير من كبار الصحابة تزوّج بهذا اللون من الزواج .

وبعد أن اتضح كذلك أنّ نهي عمر هو السبب وراء ذلك ، لاسيّما بعد أن أعلن إقراره واعترافه بذلك ، بعد وضوح أنّ النسخ للقرآن أو السنّة لا يمكن أن يتحقق إلاّ بالقرآن والسنّة القطعية المتواترة ، ولا يسوغ لأي أحد نسخ الحكم الشرعي ، فالنتيجة إذاً مشروعية زواج المتعة في الإسلام بنص الكتاب والسنّة .

ونختم حديثنا حول المتعة بذكر بعض الامتيازات والخصوصيات للمتعة :

١ـ إنّ العلاقة الزوجية في الزواج المؤقّت لها طابعها القدسي الطاهر ؛ لأنّها قائمة على أساس العقد الشرعي ، وإن كان الشعور الذي صاغته التعبئة الفكرية المضادة التي أسندت قروناً طويلة استطاعت أن تفرغ هذه العلاقة من جوهرها وهويتها الأصيلة .

٢ـ خضوع المرأة في هذا اللون من الزواج لعدة ضوابط شرعية ، منها :

أـ الوفاء بالالتزامات الشرعية التي يفرضها العقد .

ب ـ الإحصان الذي تخلقه حالة العلاقة الزوجية .

ج ـ العدّة الشرعية التي تحدّد وظيفة المرأة بعد الفراق .

د ـ الارتباط بعصمة رجل واحد .

هـ ـ العدّة عند انتهاء العلاقة المحدّدة بعينها .

وهذه الضوابط الشرعية لا تختلف عمّا هي عليه من الزواج الدائم ، أمّا الأولاد فهم يحملون الصفة الشرعية ويلحقون بآبائهم وأمهاتهم ، وحكمهم حكم الأولاد في الزواج الدائم من حيث البنوّة والنفقة والتوارث .

وقد وضعت الشريعة عدّة احتياطات تحمي الأنساب من الضياع من خلال جعل فترة العدّة لأجل اكتشاف حالة الحمل وعدمه ومسؤولية الرجل في الولاية والرعاية والنفقة .


٣ـ إنّ لهذا اللون من الزواج أهداف متعددة أخرى ، منها :

١ـ الاستقرار النفسي ، وهو نفس الهدف الذي يتوفّر في الزواج الدائم .

٢ـ تلبية الحاجة الجنسية عند الإنسان ، فالإسلام طرح ثلاث صيغ لإشباع الحاجة الجنسية عند الإنسان ، ووضع لكل صيغة ضوابطها الخاصة وهي : ( الزواج الدائم ، الزواج المؤقّت ، وملك اليمين ) فلأجل استيعاب الإسلام لكل حاجات الإنسان وفي مختلف الحالات ، وضع صيغ متعددة تملأ كل الامتدادات التي تتسع لها هذه الحاجة ؛ وبذلك ساهم الزواج المؤقّت من خلق حصانة للإنسان تحميه من الانزلاقات السائبة في درب الرذيلة ؛ لأنّ الجنس طاقة هائجة إذا لم تحصن بالزواج فإنه سوف تنفلت في مسارات الرذيلة لما تحمله من مثيرات ومغريات صارخة .

وقد يكون الزواج المؤقّت الأصل الأمثل في بناء الأسرة لاسيّما في الحالات الاستثنائية التي تطرأ على حياة الزوج تضعه أمام عدة خيارات صعبة بين الانزلاق في درب الرذيلة ، أو الكبت الذي يحمل مضاعفات خطيرة ، أو التعدد في الزواج الدائم ، وقد لا تتوفّر إمكانياته وظروفه الدائمة .

والحاصل : إنّ الزواج المؤقّت حينما طرحه الإسلام لم يطرحه بديلاً للزواج الدائم ، وإنّما لملأ الفراغات التي تستعصي على الزواج الدائم ، ومعالجة الحالات الاستثنائية في حياة الإنسان .

الخلاصة

إنّ الزواج المؤقت زواج حقيقة بنص الكتاب والسنّة ، وكان متعارفاً في عصر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى أنّ جاء عمر ونهى عن هذا اللون من الزواج الذي شرّعته السماء !!

وقد أجمع العلماء بالاتفاق ، وعلى اختلاف طبقاتهم واتجاهاتهم ، بأنّ الله تعالى أنزل آية بشأن مشروعية المتعة ، وهي قوله تعالى :( فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ) (١) وهي صريحة في الدلالة على تشريع الزواج المؤقّت .

وقد وردت عدّة روايات العامة من المصادر السنّيّة الصحيحة ، تدل بكل وضوح على عدم نسخ هذه الآية ، ولم ينه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن هذا اللون من الزواج ، بحيث نجد أنّ كبار الصحابة ، بل المسلمين قاطبة استقبلوا هذا الحكم برحابة صدر من دون استغراب وتوقّف ، وقد وردت عدّة من الروايات في هذا الصدد .

ــــــــــــــ

(١) النساء : ٢٤ .


٢ـ إنّ الذين ادّعوا تحريم المتعة ، قد تضاربت آراؤهم وتباينت مواقفهم حول نسخ آية تحليل المتعة ، فالبعض قال إنها منسوخة بالقرآن ، وانقسم هذا البعض إلى عدة أقوال قد تصل إلى أكثر من ثلاثة ، كل يدعي إنها نسخت بآية ، غير الآية التي يدّعيها الآخر ، مع أن هذه الادّعاءات لا أساس لها من الصحة ، فضلاً عن وجود عدّة من الروايات الصحيحة من مصادرهم تؤكد على عدم نسخ آية تحليل المتعة بأي ناسخ .

٣ـ لقد ذكروا في هذا المقام مجموعة من الروايات ، إلاّ أنّها أخبار آحاد لا تنهض لإثبات النسخ ، مضافاً لمعارضتها بروايات صحيحة تنص على عدم نسخ الآية ، فضلاً عن اضطراب وتناقض هذه الرواية الدالة على النسخ ، فالبعض يدعي أنّ النسخ صدر في يوم خيبر ، وآخر في أوطاس ، وثالث يوم الفتح وهكذا .

مع أنّ هذه الروايات تتناقض مع جملة من الشواهد والروايات المعتبرة عند العامة ، وكذلك ما تؤكّده مصادر التفسير والتاريخ على أنّ النهي قد صدر من عمر وباعترافه نفسه .

وبذلك يتضح أنّ الزواج المؤقّت هو الحل الأمثل للمشكلة الجنسية التي عجزت بقية الحلول من احتوائها أو القضاء عليها ، ومن هنا نجد أنّه قد ورد عن الإمام علي وابن عباس أنّه : ( لولا نهي عمر عن المتعة ما زنى إلاّ شقي ) .


فهرست المصادر

١ ـ أئمّتنا ، علي دخيل ، نشر دار الإمام الرضاعليه‌السلام ، ودار المرتضى ، ط٦ ، ١٤٠٢هـ .

٢ ـ الإتحاف بحب الأشراف ، عبد الله بن محمد بن عامر الشبراوي الشافعي ، تحقيق : سامي الغريري ، نشر دار الكتاب الإسلامي ، ط١ ، ١٤٢٣هـ .

٣ ـ أحاديث الطوال ، سليمان بن أحمد الطبراني ، تحقيق : مصطفى عبد القادر عطا ، نشر دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ ط١ ، ١٤١٢هـ .

٤ ـ الاحتجاج ، الطبرسي ، تحقيق : محمد باقر الخرسان ، نشر دار النعمان

٥ ـ أحكام القرآن ، الجصاص ، تحقيق : محمد علي شاهين ، نشر دار الكتب العلمية ، ط١ ، ١٤١٥هـ .

٦ ـ إحياء علوم الدين ، أبو حامد محمد بن محمد الغزالي ، نشر دار المعرفة ـ بيروت .

٧ ـ أخبار الدول وآثار الأول في التأريخ ، أحمد بن يوسف القرماني ، تحقيق : فهمي سعد وأحمد حطيط ، نشر عالم الكتب بيروت ، ط١ ، ١٤١٢هـ ق .

٨ ـ الأخوان ، الحافظ ابن أبي الدنيا ، تحقيق : محمد بن عبد الرحمان طوالية ، بإشراق نجم عبد الرحمان خلف ، نشر دار الاعتصام .

٩ ـ الأذكار النووية ، يحيى بن شرف النووي ، نشر دار الفكر ـ بيروت ١٤١٤هـ ق .

١٠ ـ أرجح المطالب ، للعلاّمة أبي عبد الله الرازي .

١١ ـ إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري ، شهاب الدين أحمد القسطلاني ، نشر دار الفكر ـ بيروت ، طبعة عام ١٤٢١هـ .

١٢ ـ إرواء الغليل ، محمد ناصر الألباني ، تحقيق : زهير الشاويش ، نشر المكتب الإسلامي ، ط٢ ، ١٤٠٥هـ .

١٣ ـ أسباب النزول ، علي بن أحمد الواحدي النيسابوري الواحدي ، نشر دار الكتب العربي ـ بيروت ، تحقيق : السيد الجميلي ، ط٧ عام ١٤١٩هـ .

١٤ ـ الاستغاثة ، علي بن أحمد الكوفي .

١٥ ـ أسد الغابة ، عِزّ الدين أبو الحسن علي بن أبي لكرم الشيباني ، المعروف ابن الأثير ،نشر دار الكتب العلمية ـ بيروت ، إسماعيليان ـ طهران .


١٦ ـ الأسرار الفاطمية ، محمد فاضل المسعودي ، تحقيق : السيد عادل العلوي ، نشر مؤسسة الروضة المقدسة لفاطمة المعصومة عليها السلام ، ١٤٢٠هـ ق .

١٧ ـ إسعاف الراغبين ، محمد بن علي الصبان .

١٨ ـ أسنى المطالب عمّا في مناقب سيّدنا علي بن أبي طالب ، شمس الدين محمد بن محمد الجزري الشافعي ، تحقيق : محمد هادي الأميني ، نشر مكتبة الإمام أخير المؤمنينعليه‌السلام ، إيران أصفهان .

الإصابة في تمييز الصحابة ، أحمد بن علي بن حجر ، نشر دار الفكر ـ بيروت .

١٩ ـ الإصابة في تمييز الصحابة ، أحمد بن علي بن حجر ، نشر دار الفكر ـ بيروت .

٢٠ ـ أصل الشيعة وأُصولها ، كاشف الغطاء ، تحقيق : علاء آل جعفر ، نشر مؤسسة الإمام عليعليه‌السلام ، ط١ ، ١٤١٥هـ ق .

٢١ ـ أُصول الكافي ، محمد بن يعقوب الكليني ، نشر دار الكتب الإسلامية آخندي ، ط٤ ـ ١٣١٥هـ .

٢٢ ـ أضواء على السنّة المحمدية ، محمود أبو رية ، نشر : موسسة الأعلمي ، بيروت ، ط ٥ .

٢٣ ـ إعانة الطالبين ، البكري الدمياطي : نشر دار الفكر ـ بيروت ، ط١ ـ ١٤١٨هـ ق .

٢٤ ـ اعتقادات الإمامية ، محمد بن علي الصدوق ، تحقيق : عصام عبد السيد ، نشر دار المفيد ـ بيروت ـ ط٢ ، ١٤١٤هـ .

٢٥ ـ الأعلام ، خير الدين الزركلي ، نشر دار العلم للملايين ـ بيروت ، ط ٥ .

٢٦ ـ الإغاثة بأدلة الاستغاثة ، حسن علي السقاف ، نشر مكتبة الإمام النووي ، عمان ـ الأردن ، ط١ـ١٤١٠هـ .

٢٧ ـ اقتضاء الصراط ، ابن تيمية ، تحقيق : محمد حامد ، نشر مطبعة السنة المحمدية ـ القاهرة ، ط٢ ، ١٩٦٦م .


٢٨ ـ الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع ، محمد بن أحمد الشربيني ، نشر دار المعرفة .

٢٩ ـ الأُم ، أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي ، نشر دار الفكر ـ بيروت ط٢ـ ١٤٠٣هـ .

٣٠ ـ الآمالي ، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي ، تحقيق : قسم الدراسات الإسلامية مؤسسة البعثة ، نشر دار الثقافة للطبع والنشر والتوزيع ـ قم ، ط١ ـ ١٤١٤هـ .

٣١ ـ الإمامة والسياسة ، أبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري ، تحقيق : علي شيري ، نشر الشريف الرضي ، ط١ ، ١٤١٣هـ .

٣٢ ـ الإمامة والتبصرة ، علي بن الحسين ابن بابويه القمّي ، تحقيق : مدرسة الإمام المهدي ، نشر مدرسة الإمام المهدي

٣٣ ـ أنساب الأشراف ، الإمام أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري ، تحقيق : د .سهيل زكار ، د رياض زركلي ، نشر دار الفكر ـ بيروت ، ط١ ، ١٤١٧ هـ .

٣٤ ـ أوائل المقالات ، محمد بن محمد المفيد ، تحقيق : إبراهيم الأنصاري ، نشر دار المعرفة ـ بيروت ، ط٢ ، ١٤١٤هـ .

٣٥ ـ بحار الأنوار ، محمد باقر المجلسي ، نشر دار الوفاء ـ بيروت ، ط٢ ، ١٤٠٣هـ .

٣٦ ـ البحر الرائق ، ابن نجيم المصري ، تحقيق : ، زكريا عميرات ، نشر منشورات دار الكتب العلمية ، بيروت ـ ط١ ، ١٤١٨هـ .

٣٧ ـ بدائع الصنائع ، أبو بكر بن مسعود الكاشاني ، نشر المكتبة الحبيبية باكستان ـ ط١ ، ١٤٠٩هـ .

٣٨ ـ بدائع الصنائع ، علاء الدين أبو بكر بن مسعود الكاساني الحنفي ، نشر المكتبة الحبيبية ـ باكستان ، ط١ ، ١٤٠٩هـ .

٣٩ ـ بداية المجتهد ونهاية المقتصد ، ابن رشد الحفيد ، تحقيق : خالد العطار ، نشر دار الفكر طبعة عام ١٤١٥هـ .

٤٠ ـ البداية والنهاية ، للحافظ أبي الفداء إسماعيل ابن كثير ، تحقيق : علي شيري ، نشر دار إحياء التراث ـ بيروت ، ط١ ، ١٤٠٨هـ .


٤١ ـ البرهان في علوم القرآن ، محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي ، تحقيق : محمد أبو الفضل ، نشر دار إحياء الكتب العربية ، ط١ ، ١٣٧٦هـ .

٤٢ ـ بشارة المصطفى ، محمد بن علي الطبري ، تحقيق : جواد الفيومي الأصفهاني ، نشر جامعة المدرسين ، ط١ ، ١٤٢٠هـ .

٤٣ ـ البشارة والإتحاف ، حسن علي السقاف ، دار الإمام النووي ـ الأردن ـ ط١ ، ١٤١٣هـ .

٤٤ ـ بصائر الدرجات ، محمد بن حسن بن الصفار ، تحقيق : ميرزا محسن سموجه باني ، نشر الأعلمي ـ طهران ، طبعة عام ١٤٠٤هـ .

٤٥ ـ البصائر ، الداجوي الحنفي .

٤٦ ـ بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث ، علي بن أبي بكر الهيثمي ، تحقيق : مسعد عبد الحميد محمد السعدني ، نشر دار الطلائع ـ القاهرة .

٤٧ ـ بلاغات النساء ، أبو الفضل بن أبي طاهر المعروف ابن طيفور البغدادي ، مكتبة بصيرتي ـ قم .

٤٨ ـ البيان في تفسير القرآن ، السيد الخوئي ، نشر دار الزهراء ـ بيروت ، ط٤ ، ١٣٩٥ هـ .

٤٩ ـ تاج العروس ، محمد مرتضى الحسيني الواسطي الزبيدي الحنفي ، تحقيق : علي شيري ، نشر دار الفكر بيروت ، ١٤١٤هـ .

٥٠ ـ تاريخ ابن خلدون ، ابن خلدون ، نشر دار إحياء التراث العربي ـ بيروت .

٥١ ـ تاريخ الإسلام ، محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي ، نشر دار الكتاب العربي ـ بيروت ، ط٣ ، ١٤١٨ هـ .

٥٢ ـ تاريخ الخلفاء ، جلال الدين السيوطي ، تحقيق : أحمد إبراهيم ، نشر دار الكتاب العربي ، ط٢ ، ١٤٢٠هـ .

٥٣ ـ تاريخ الطبري ، محمد بن جرير الطبري ، تحقيق : نخبة من العلماء الأجلاء ، نشر مؤسسة الأعلمي ـ بيروت ط٤ ، ١٤٠٣ هـ .


٥٤ ـ التاريخ الكبير ، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري ، نشر دار الكتب العلمية ـ بيروت ، ط١ ، ١٤٢٢ه .

٥٥ ـ تاريخ اليعقوبي ، أحمد بن أبي يعقوب اليعقوبي ، نشر مؤسسة أهل البيتعليهم‌السلام ـ قم

٥٦ ـ تاريخ بغداد ، أحمد بن علي الخطيب البغدادي ، تحقيق : مصطفى عبد القادر عطا ، نشر دار الكتب العلمية ـ بيروت ، ط١ ، ١٤١٧هـ .

٥٧ ـ تاريخ جرجان ، حمزة بن يوسف السهمي ، نشر عالم الكتب ـ بيروت ، ط٤ ، ١٤٠٧هـ .

٥٨ ـ تاريخ مدينة دمشق ، الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله المعروف بابن عساكر ، تحقيق : علي شيري ، نشر دار الفكر ـ بيروت ، طبعة عام ١٤١٥هـ .

٥٩ ـ تأويل الآيات ، شرف الدين علي الحسيني الأسترآبادي ، تحقيق : مدرسة الإمام المهدي ، نشر مدرسة الإمام المهدي ، ط١ ، ١٤٠٧هـ .

٦٠ ـ تأويل مختلف الحديث ، عبد الله بن مسلم ابن قتيبة ، نشر دار الكتب العلمية ـ بيروت .

٦١ ـ التبيان ، محمد بن الحسن الطوسي ، تحقيق : أحمد حبيب وقيصر العاملي ، نشر مكتب الإعلام الإسلامي ، ط١ ، ١٤٠٩ هـ .

٦٢ ـ تحف العقول ، ابن شعبة الحراني ، تحقيق : علي أكبر غفاري ، نشر جامعة مدرسين ، ط٢ ، ١٤٠٤هـ

٦٣ ـ تحفة الأحوذي في شرح جامع الترمذي ، المباركفوري ، نشر دار الكتب العلمية ، بيروت ، ط١ ، ١٤١٠ هـ .

٦٤ ـ تذكرة الحفّاظ ، محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي ، تحقيق : مكتبة الحرم المكي

٦٥ ـ تذكرة الخواص ، سبط ابن الجوزي ، نشر مؤسسة أهل البيت ـ بيروت ، ١٤٠١هـ .

٦٦ ـ التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة ، شمس الدين محمد بن أحمد القرطبي ، نشر دار الفكر ـ بيروت ، ط١ ، ١٤٢١هـ / ٢٠٠١م .


٦٧ ـ ترجمة الإمام الحسن ، ابن عساكر ، تحقيق : محمد باقر المحمودي ، نشر مؤسسة المحمودي ـ بيروت ، ط١ ، ١٤٠٠هـ .

٦٨ ـ تصحيح اعتقادات الإمامية ، محمد بن محمد بن النعمان المفيد ، تحقيق : حسين درگاهي ، ، نشر دار المفيد ، ط٢ ، ١٤١٤هـ .

٦٩ ـ تطهير الجنان واللسان ، ابن حجر الهيتمي ، نشر دار الكتب العلمية ـ بيروت ، طبعة عام ١٤٢٠هـ .

٧٠ ـ تطهير الفؤاد ، محمد بخيت المطيعي الحنفي ، نشر مكتبة أشيق ـ استانبول ـ تركية ، طبعة عام ١٣٩٦هـ .

٧١ ـ تعليق حسن الأثر ، محمد درويش الحوت البيروتي .

٧٢ ـ تفسير ابن كثير ، إسماعيل بن كثر القرشي ، نشر دار المعرفة ـ بيروت ، طبعة عام ١٤١٢هـ

٧٣ ـ تفسير البحر المحيط ، أبو حيان الأندلسي ، تحقيق : عادل أحمد ، علي محمد عوض ، نشر دار الكتب العلمية ـ بيروت ، ط١٤٢٢هـ .

٧٤ ـ تفسير البحر المحيط ، محمد بن يوسف بن حيان الأندلسي ، تحقيق : عادل أحمد عبد الموجود وعلي حمد عوض ، نشر دار الكتب العلمية ، ط١ ، ١٤٢٢هـ .

٧٥ ـ تفسير البيضاوي ، عبد الله أبو عمر بن محمد الشيرازي البيضاوي ، نشر دار الفكر ـ بيروت ، ١٤١٦هـ .

٧٦ ـ تفسير الثعالبي ، عبد الرحمان محمد الثعالبي ، تحقيق : ، عبد الفتاح وعلي محمد عوض ، نشر دار إحياء التراث العربي ، ط١ ، ١٤١٨هـ .

٧٧ ـ تفسير الثعلبي ، أبو إسحاق أحمد الثعلبي ، نشر إحياء التراث العربي ـ بيروت ، ط١ ، ١٤٢٢ هـ .

٧٨ ـ تفسير الجلالين ، جلال الدين عبد الرحمان بن أبي بكر السيوطي ، مروان سوار ، نشر دار المعرفة ـ بيروت .

٧٩ ـ تفسير الخازن ، علي بن محمد بن إبراهيم البغدادي الشهير بالخان ، نشر دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ ١٤١٥هـ .


٨٠ ـ تفسير الصافي ، محمد محسن الكاشاني ، تحقيق : مركز الأبحاث والدراسات الإسلامية ، ط١ ، ١٤١٨هـ .

٨١ ـ تفسير العيّاشي ، محمد بن مسعود العياشي ، تحقيق : هاشم الرسولي ، نشر المكتبة العلمية الإسلامية ـ طهران

٨٢ ـ تفسير القرآن العظيم ، إسماعيل بن عمر بن كثير ، دار المعرفة ـ بيروت ، ١٤١٢هـ .

٨٣ ـ تفسير القرآن ، عبد الرزاق الصنعاني ، تحقيق : مصطفى مسلم محمد ، ط٢ ـ ١٤١٠ ، نشر مكتبة الرشيد ـ الرياض .

٨٤ ـ تفسير القرطبي ، أبي عبد الله محمد الأنصاري القرطبي ، نشر مؤسسة التاريخ العربي ـ بيروت ، ط ، عام ١٤٠٥ .

٨٥ ـ التفسير الكبير ( مفاتيح الغيب ) ، فخر الدين محمد الرازي ، نشر ، دار الفكر ـ بيروت ، طبعة عام ١٤١٥هـ .

٨٦ ـ تفسير الكشاف ، محمود بن عمر الزمخشري ، نشر مؤسسة البلاغ ـ قم ، ط٢ ، ١٤١٥ .

٨٧ ـ تفسير المراغي ، أحمد مصطفى المراغي ، دار الكتب العلمية ـ بيروت ، ط١ ، ١٤١٨هـ .

٨٨ ـ تفسير المنار ، محمد رشيد رضا المصري ، نشر دار الفكر ـ بيروت ـ ١٤٢٧هـ ق .

٨٩ ـ تفسير النسفي ، عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي ، نشر دار المعرفة ـ بيروت .

٩٠ ـ تفسير روح المعاني ، محمود الآلوسي ، نشر دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ـ ١٤٢٠هـ ق .

٩١ ـ تفسير غريب القرآن ، فخر الدين الطريحي ، تحقيق : محمد كاظم الطريحي ، نشر انتشارات زاهدي ـ قم .

٩٢ ـ تفسير مجمع البيان ، الفضل بن الحسن الطبرسي ، تحقيق : لجنة من العلماء ، نشر مؤسسة الأعلمي ـ بيروت ـ ط١ ، ١٤١٥هـ .

٩٣ ـ تقريب التهذيب ، ابن حجر ، نشر دار الكتب العلمية ـ بيروت ، ط٢ ، ١٤١٥ .


٩٤ ـ تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل ، الباقلاني ، تحقيق : عماد الدين أحمد حيدر ، نشر مؤسسة الكتب الثقافية ـ بيروت ، ط٣ ، ١٤١٤

٩٥ ـ تنزيل الآيات ، محب الدين الأفندي ، نشر شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي .

٩٦ ـ تهذيب التهذيب ، ابن حجر ، نشر دار الفكر ـ بيروت ، ط١ ـ ١٤١٤هـ .

٩٧ ـ تهذيب الكمال ، جمال الدين أبو الحاج يوسف المزي ، تحقيق : بشار عواد معروف ، نشر مؤسسة الرسالة ، ط٤ ، ١٤١٣هـ .

٩٨ ـ التوحيد ، محمد علي بن الحسين بن بابويه القمّي الصدوق ، تحقيق : هاشم الحسيني الطهراني ، نشر جامعة مدرسين ، ط سنة ١٣٨٧هـ .

٩٩ ـ توضيح الدلائل ، شهاب الدين أحمد الشيرازي الشافعي .

١٠٠ ـ الثقات لابن حبان ، محمد بن حبان التميمي ، نشر مؤسسة الكتب العلمية ـ بيروت ، ط١ ، ١٣٩٣هـ

١٠١ ـ ثمار القلوب ، عبد الملك بن إسماعيل الثعالبي ، نشر دار المعارف ـ القاهرة ، ط١ ـ ١٩٦٥م .

١٠٢ ـ جامع البيان ، محمد بن جرير الطبري ، تحقيق : صدقي جميل العطار ، نشر دار الفكر ـ بيروت ، ط عام ١٤١٥هـ .

١٠٣ ـ الجامع الصغير ، جلال الدين السيوطي ، دار الفكر ـ بيروت ، ط١ ، ١٤٠١هـ

١٠٤ ـ جامع كرامات الأولياء ، يوسف بن إسماعيل النبهاني .

١٠٥ ـ جواهر الفقه ، القاضي عبد العزيز بن البراج الطرابلسي ، تحقيق : إبراهيم بهادري ، نشر جامعة مدرسين ، ط١ ـ ١٤١١هـ .

١٠٦ ـ جواهر المطالب في مناقب علي بن أبي طالب ، أحمد بن محمد الدمشقي ، تحقيق : محمد باقر المحمودي ، نشر مجمع إحياء الثقافة ـ قم ، ط١ ١٤١٥هـ .

١٠٧ ـ الحد الفاصل ، القاضي الحسن بن عبد الرحمان الرامهرمزي ، تحقيق : محمد عجاج الخطيب ، نشر دار الفكر ـ بيروت ، ط٣ ـ ١٤٠٤هـ

١٠٨ ـ حلية الأولياء ، للحافظ أبي نعيم الأصفهاني ، دار الكتاب العربي ـ بيروت ، ط٤ ـ ١٤٠٥هـ


١٠٩ ـ حواشي الشرواني ، عبد الحميد الشرواني ، وأحمد بن قاسم العبادي ، نشر دار إحياء التراث العربي ـ بيروت .

١١٠ ـ حياة الإمام الحسن العسكري ، باقر شريف القرشي ، نشر دار الأضواء ـ بيروت ، ط١ ، ١٤٠٩هـ .

١١١ ـ الخرائج والجرائح ، قطب الدين الراوندي ، نشر مؤسسة الإمام المهدي ـ قم ، ط١ ، ١٤٠٩هـ ق

١١٢ ـ خصائص الوحي المبين ، الحافظ ابن البطريق ، نشر دار القرآن الكريم ـ قم ، ط١ ، ١٤١٧هـ .

١١٣ ـ خصائص أمير المؤمنين ، أحمد بن شعيب النسائي ، تحقيق : أبو عبد الله العاملي ، نشر شركة أبناء شريف الأنصاري ، ١٤٣٣هـ

١١٤ ـ الخصال ، محمد بن علي الصدوق ، تحقيق : علي أكبر غفاري ، نشرك جامعة مدرسين ـ قم .

١١٥ ـ خلاصة الأقوال ، الحسن بن يوسف بن المطهّر الأسدي العلاّمة الحلّي ، نشر مطبعة الحيدرية ـ النجف ، ط سنة ١٣٨١هـ .

١١٦ ـ الدر المختار الحصفكي ، تحقيق : مكتب البحوث والدراسات ، نشر دار الفكر ـ بيروت ـ طبعة عام ١٤١٥هـ .

١١٧ ـ الدر المنثور ، جلال الدين السيوطي ، نشر دار الفكر ـ بيروت ، ١٤١٤هـ .

١١٨ ـ الدرر السنية ، أحمد زيني دحلان ، نشر مكتبة أيشيق ، استنبول ـ تركيا ، طبعة عام ١٣٩٦هـ .

١١٩ ـ دستور معالم الحكم ، الفاضل أبي عبد الله محمد بن سلامة ، نشر مكتبة المفيد .

١٢٠ ـ دفع الشبه عن الرسول ، أبو بكر محمد بن عبد المؤمن الدمشقي ، نشر دار إحياء الكتاب العربي ـ القاهرة ، ط٢ ، ١٤١٨هـ .

١٢١ ـ دفع شبهة التشبيه ، ابن الجوزي ، تحقيق : حسن السقاف ، نشر مؤسسة التاريخ العربي ـ بيروت ، ط٣ ـ ١٤١٣هـ .


١٢٢ ـ دلائل الإمامة ، ابن جرير الطبري ( الشيعي ) ، تحقيق : مؤسسة البعثة ، نشر مؤسسة البعثة .

١٢٣ ـ دلائل النبوّة ، أبي بكر أحمد البيهقي ، نشر المكتب الإسلامي ، ط٢ ـ ١٤٢٣هـ

١٢٤ ـ ذخائر العقبى ، أحمد بن عبد الله الطبري ، نشر مكتبة القدس لحسام الدين المقدس ، ط عام ١٣٥٦هـ

١٢٥ ـ ذخائر اليقين ، أحمد بن عبد الله الطبري ، نشر مكتبة القدسي ، ط سنة ١٣٥٦هـ .

١٢٦ ـ الذرية الطاهرة النبوية ، محمد بن أحمد الدولابي ، سعيد المبارك الحسن ، نشر الدار السلفية ـ الكويت ، ط١ ، ١٤٠٧هـ .

١٢٧ ـ ذكر أخبار أصبهان ، أحمد بن عبد الله الحافظ الأصبهاني ،

١٢٨ ـ رأس الحسين ، أبو العباس أحمد بن تيمية ، تحقيق السيد الجميلي ، نشر دار الكتاب العربي ، بيروت ، ط ١٤٠٦هـ .

١٢٩ ـ ربيع الأبرار ، محمد بن عمر الزمخشري تحقيق : عبد الأمير مهنا ، نشر الأعلمي ـ بيروت ـ ط١ ، ١٤١٢هـ ق

١٣٠ ـ رجال الكشي ، محمد بن الحسن الطوسي ، تحقيق : محمد باقر الحسيني ، نشر مؤسسة آل البيت ـ قم ط سنة ١٤٠٤هـ .

١٣١ ـ رسائل الجاحظ ، الجاحظ .

١٣٢ ـ الرسائل العشر ، محمد بن الحسن الطوسي ، تحقيق : واعظ زاده ، نشر جامعة مدرسين ط سنة ١٤٠٤هـ .

١٣٣ ـ رسائل الكركي ، علي بن الحسن ( المحقّق الثاني ) ، تحقيق : محمد الحسون ، نشر مكتبة المرعشي ـ قم ـ ط١ ، ١٤٠٩هـ .

١٣٤ ـ رشفة الصادي من بحر فضائل بني النبي الهادي ، أبو بكر شهاب الدين الحضرمي ، دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ ط١ ، ١٤١٨هـ .

١٣٥ ـ الروض الأنف ، عبد الرحمان السُهيلي ، نشر إحياء التراث العربي ـ بيروت ـ ط ١٤٢١هـ ق ـ


١٣٦ ـ روضة الواعظين ، محمد بن الفتال النيسابوري ، تحقيق : محمد مهدي الخرسان ، نشر منشورات الشريف الرضي .

١٣٧ ـ زاد المسير ، ابن الجوزي ، تحقيق : محمد عبد الرحمان وعبد الله ، نشر دار الفكر ـ بيروت ، ط١ ـ ١٤٠٧هـ .

١٣٨ ـ زاد المعاد ، محمد بن أبي بكر الزرعي الدمشقي المعروف بابن القيم الجوزية ، نشر مؤسسة الهُدى القاهرة ، ط١٤٢٠هـ ق .

١٣٩ ـ سبل السلام ، محمد بن إسماعيل الكحلاني ، تحقيق : محمد عبد العزيز الخولي ، نشر مكتبة ومطبعة مصطفى لبابي الحلبي ـ مصر ـ ط٤ ، ١٣٧٩هـ .

١٤٠ ـ سبل الهدى والرشاد ، محمد بن يوسف الصالحي الشامي ، تحقيق : عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد عوض ، نشر دار الكتب العلمية ـ بيروت ، ط١ ، ١٤١٤هـ .

١٤١ ـ السقيفة وفدك ، أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري ، تحقيق : محمد هادي الأميني ، نشر ، شركة الكتبي ـ بيروت ، ط١ ، ١٤١٣ .

١٤٢ ـ سلسلة الأحاديث الصحيحة ، محمد ناصر الدين الألباني ، نشر مكتبة المعارف ، طبعة عام ١٤١٥هـ

١٤٣ ـ سنن ابن ماجه ، محمد بن يزيد القزويني ، تحقيق : محمد فؤاد عبد الباقي ، نشر دار الفكر ـ بيروت

١٤٤ ـ سنن أبي داود سليمان بن الأشعث ، السجستاني ، تحقيق : عبد الرحمان صمد عثمان ، نشر دار الفكر ـ بيروت ، ط٣ ، ١٤٢٠هـ .

١٤٥ ـ سنن الترمذي ، محمد بن عيسى الترمذي ، تحقيق : عبد الرحمان عثمان ، نشر دار الفكر ـ بيروت ، ط٢ ، ١٤٠٣هـ .

١٤٦ ـ سنن الدارمي ، عبد الله بن بهرام الدارمي ، نشر مطبعة الاعتدال ـ دمشق

١٤٧ ـ السنن الكبرى ، أحمد بن الحسين البيهقي ، نشر دار الفكر ـ بيروت


١٤٨ ـ السنن الكبرى ، أحمد بن شعيب النسائي ، تحقيق : د ـ عبد الغفار البندري ، نشر دار الكتب العلمية ـ بيروت ، ط١ ، ١٤١١هـ ونشر دار الفكر ـ بيروت ، ط١ ١٣٤٨هـ

١٤٩ ـ سير أعلام النبلاء ، أبو عبد الله محمد بن أحمد ، الذهبي ، تحقيق : شعيب الأرنؤوط ، نشر مؤسسة الرسالة ـ بيروت ، ط٩ ، ١٤١٣هـ

١٥٠ ـ السيرة النبوية ، عبد الملك بن هشام الحميري ، تحقيق : محمد محي الدين عبد الحميد ، نشر مكتبة محمد علي صبيح وأولاده ، القاهرة ، ط عام ١٣٨٣هـ .

١٥١ ـ السيرة النبوية ، ابن كثير ، تحقيق : مصطفى عبد الواحد ، نشر دار المعرفة ، بيروت ، ط١ ـ ١٣٩٦هـ .

١٥٢ ـ شذرات الذهب في أخبار مَن ذهب ، شهاب الدين الحنبلي ، نشر دار الكتب العلمية ـ بيروت ، ط١ ـ ١٤١٩هـ .

١٥٣ ـ شرح إحقاق الحق ، السيد المرعشي النجفي ، نشر مكتبة السيد المرعشي ـ قم .

١٥٤ ـ شرح الرضي على الكافية ، رضي الدين الأسترآبادي ، نشر مؤسسة الصادقعليه‌السلام طهران .

١٥٥ ـ شرح السنة ، البغوي ، نشر دار الكتب العلمية ـ بيروت ، ط٢ ـ ١٤٢٤هـ

١٥٦ ـ شرح الشفا ، علي القاري .

١٥٧ ـ الشرح الكبير ، عبد الرحمان بن قدامة ، نشر دار الكتاب العربي ـ بيروت .

١٥٨ ـ شرح سنن النسائي ، جلال الدين السيوطي ، نشر دار إيحاء التراث العربي ـ بيروت .

١٥٩ ـ شرح صحيح الترمذي ، محمد ناصر الألباني ، نشر مكتبة المعارف ـ بيروت ، ط٢ ، ١٤٢٢ شرح صحيح مسلم ، النووي ، نشر دار الكتاب العربي ـ بيروت ، ط٢ ، ١٤٠٧هـ .

١٦٠ ـ شرح معاني الآثار ، أحمد بن محمد بن سلمة ، تحقيق : محمد زهري النجار ، نشر دار الكتب ـ بيروت ، ط٣ ، ١٤١٦هـ .

١٦١ ـ شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد المعتزلي ، نشر دار إحياء التراث العربي ـ بيروت .

١٦٢ ـ الشفا بتعريف حقوق المصطفى ، القاضي عياض ، نشر دار الفكر ـ بيروت ، ط سنة ١٤٠٩هـ .


١٦٣ ـ شفاء السقام في زيارة خير الأنام ، تقي الدين السبكي ، علي بن عبد الكافي ، تحقيق : محمد رضا الجلالي ، ط٤ ، ١٤١٩هـ .

١٦٤ ـ شواهد التنزيل ، الحاكم الحسكاني ، تحقيق : محمد باقر المحمودي ، نشر مجمع إحياء الثقافة الإسلامية ـ إيران ، ط١ ، ١٤١١هـ

١٦٥ ـ الصحاح ، إسماعيل بن حماد الجوهري ، تحقيق : أحمد بن عبد الغفور العطار ، نشر دار العلم للملايين ـ بيروت ، ط٤ ، ١٤٠٧هـ .

١٦٦ ـ صحيح ابن حبان ، محمد بن حبان بن أحمد ، تحقيق : شعيب الأرنؤوط ، نشر مؤسسة الرسالة ـ بيروت ، ط٢ ـ ١٤١٤هـ

١٦٧ ـ صحيح ابن خزيمة ، محمد بن إسحاق بن خزيمة ، تحقيق : محمد مصطفى الأعظمي ، نشر المكتب الإسلامي ، ط٢ ، ١٤١٢هـ .

١٦٨ ـ صحيح البخاري ، البخاري ، تحقيق : طه عبد الرؤوف سعد ، نشر مكتبة المنصورة ـ مصر ، طبعة عام ١٤١٩هـ .

١٦٩ ـ صحيح الجامع الصغير ، محمد ناصر الألباني ، نشر المكتب الإسلامي ، ط٣ ـ ١٤٠٨هـ .

١٧٠ ـ صحيح سنن أبي داود السجستاني ، محمد ناصر الألباني ، نشر مكتبة المعارف ـ الرياض ، ط٢ ـ ١٤٢١هـ

١٧١ ـ صحيح مسلم بشرح النووي ، أبو زكريا يحيى بن شرف النووي ، نشر دار الكتاب العربي ـ بيروت ، ط٢ ـ ١٤٠٧هـ

١٧٢ ـ صحيح مسلم ، مسلم بن الحجاج النيسابوري ، نشر دار الفكر ـ بيروت ، ط١ ، ١٤١٩هـ

١٧٣ ـ الصراط المستقيم ، علي بن يونس العاملي ، تحقيق : محمد باقر البهبودي ، نشر المكتبة المرتضوية لإحياء التراث .

١٧٤ ـ صفة صلاة النبي ، الألباني ، نشر مكتبة المعارف ـ الرياض .

١٧٥ ـ الصواعق المحرقة ، ابن حجر الهيتمي ، نشر دار الكتب العلمية ـ بيروت ، ط ، عام ١٤٢٠هـ .


١٧٦ ـ طبقات الشافعية ، تحقيق : محمود محمد .

١٧٧ ـ الطبقات الكبرى ، محمد ابن سعد ، نشر دار صادر ـ بيروت .

١٧٨ ـ طبقات المحدثين بأصبهان ، عبد الله بن محمد ، تحقيق : عبد الغفور عبد الحق حسين البلوشي ، نشر مؤسسة الرسالة ـ بيروت ، ط٢ ، ١٤١٢هـ .

١٧٩ ـ طرائف المقال ، علي أصغر البروجردي ، تحقيق : مهدي الرجائي ، نشر مكتبة المرعشي ـ قم ، ط١ ـ ١٤١٠هـ .

١٨٠ ـ العبر في أخبار مَن غبر ، شمس الدين الذهبي ، نشر دار الفكر ـ بيروت ، ط١ ـ ١٤١٨هـ .

١٨١ ـ العدد القوية ، علي بن يوسف المطهّر العلاّمة الحلي ، تحقيق : مهدي الرجائي ، نشر مكتبة آية الله المرعشي النجفي ، ط١ ، ١٤٠٨هـ .

١٨٢ ـ عقائد الإمامية ، محمد رضا المظفّر ، نشر أنصاريان ـ قم .

١٨٣ ـ العقد الفريد ، أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي ، نشر دار الكتب العلمية ـ بيروت ، ط١ ، ١٤٠٤هـ .

١٨٤ ـ علل الدار قطني ، أبو الحسن علي بن عمر ، تحقيق : محفوظ الرحمن زين السلفي ، نشر دار طيبة- الرياض ، ط١ ، ١٤٠٥هـ .

١٨٥ ـ علل الشرائع ، محمد بن علي بن بابويه الصدوق ، نشر مكتبة الحيدرية

١٨٦ ـ العلل ومعرفة الرجال ، أحمد بن حنبل ، تحقيق : وصي الله محمود عباس ، نشر دار الخاني ـ الرياض

١٨٧ ـ العلل ، أحمد بن حنبل ، تحقيق : وصي الله بن محمود عباس .

١٨٨ ـ العلل ، الدار قطني ، علي بن عمر الدار قطني ، تحقيق : د ـ محفوظ زين الله السلفي ، نشر دار الرياض ، ط١ ، ١٤٠٥هـ .

١٨٩ ـ عمدة عيون الأخبار ، ابن البطريق ، نشر جامعة المدرسين ـ قم ، ط١ ـ ١٤٠٧هـ .

١٩٠ ـ عون المعبود ، محمد عظيم آبادي ، نشر دار الكتب العلمية ـ بيروت ، ط٢ ـ ١٤١٥هـ .


١٩١ ـ عيون أخبار الرضا ، محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي الصدوق ، تحقيق : حسين الأعلمي ، نشر الأعلمي ـ بيروت ، ط١ ، ١٤٠٤هـ..

١٩٢ ـ الغدير في الكتاب والسنّة والأدب ، عبد الحسين أحمد الأميني ، مركز الغدير للدراسات الإسلامية ـ قم ، ط١ ، ١٤١٦هـ .

١٩٣ ـ غيبة الطوسي ، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي ، نشر المعارف الإسلامية – قم ، ط١ ، ١٤١١هـ

١٩٤ ـ غيبة النعماني ، النعماني ، تحقيق : أكبر الغفاري ، نشر مكتبة الصدوق ـ طهران .

١٩٥ ـ فتح الباري في شرح صحيح البخاري ، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ، نشر دار المعرفة ـ بيروت ، الطبعة الثانية.

١٩٦ ـ فتح العزيز ، عبد الكريم بن محمد ، نشر دار الفكر .

١٩٧ ـ فتح القدير ، محمد بن علي الشوكاني ، نشر عالم الكتب ـ بيروت .

١٩٨ ـ فتح الوهاب ، شيخ الإسلام زكريا بن محمد الأنصاري ، نشر دار الكتب العليمة ـ بيروت ـ ط١ ، ١٤١٨ هـ .

١٩٩ ـ الفتن ، نعيم بن حماد المروزي ، تحقيق : سهيل زكار ، نشر دار الفكر ـ بيروت ـ

٢٠٠ ـ الفتوح ، ابن أعثم الكوفي ، تحقيق : علي شيري ، نشر دار الأضواء ـ بيروت ، ط ٢٠٠٢م .

٢٠١ ـ الفجر الصادق ، جميل صدقي الزهاوي ، نشر مكتبة أشيق ـ استانبول ـ تركيا ، طبعة عام ١٩٨٤م .

٢٠٢ ـ فرائد السمطين ، الحمويني ، تحقيق : الشيخ محمد باقر المحمودي ، نشر مؤسسة المحمودي للطباعة والنشر ـ بيروت ، ط١ ، ١٣٩٨هـ

٢٠٣ ـ الفرج بعد الشدّة ، أبي القاسم النوبتخي ، نشر الشريف الرضي - قم

٢٠٤ ـ الفرق بين الفرق ، عبد القاهر البغدادي ، نشر الأفاق الجديد ـ بيروت ، ط٢ ، ١٩٧٧ .

٢٠٥ ـ الفروق اللغوية ، أبو هلال العسكري ، تحقيق : ونشر مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجامعة المدرسين ، قم ط١ ـ ١٤١٢هـ .


٢٠٦ ـ الفصول المهمّة ، ابن الصباغ المالكي ، انتشارات أعلمي ـ طهران ، ط١- ١٣٧٥هـ .

٢٠٧ ـ فضائل الصحابة ، أحمد بن حنبل ، وصي الله محمد عباس ، نشر مؤسسة الرسالة ، ط١ ،١٤٠٣هـ .

٢٠٨ ـ فضل آل البيت ، تقي أحمد بن علي المقريزي ، تحقيق : علي عاشور.

٢٠٩ ـ الفقه على المذاهب الأربعة ، عبد الرحمان بن محمد عوض الجزيري ، نشر دار إيحاء التراث العربي .

٢١٠ ـ الفوائد الرجالية ، محمد مهدي بحر العلوم ، تحقيق : محمد صادق بحر العلوم ، ط١ ، ١٤١٢هـ ، نشر مكتبة الصادق ـ ١٤١٥هـ .

٢١١ ـ فيض القدير في شرح الجامع الصغير ، محمد عبد الرؤوف المناوي ، تحقيق : أحمد عبد السلام ، نشر دار الكتب العلمية ـ بيروت ، ط١ ـ ١٤١٥هـ .

٢١٢ ـ قادتنا كيف نعرفهم ، آية الله السيد محمد هادي الميلاني ، تحقيق : سيد محمد علي الميلاني ، ط٢ ، ١٤١٣هـ .

٢١٣ ـ القاموس المحيط ، محمد بن يعقوب الفيروز آبادي .

٢١٤ ـ قضاء الحوائج ، عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا ، تحقيق : محمد عبد القادر عط ، نشر مؤسسة الكتاب الثقافية ، ط١ ، ١٤١٣هـ .

٢١٥ ـ القواعد والفوائد ، عبد الله محمد بن مكي العاملي ( الشهيد الأوّل ) ، تحقيق : عبد الهادي الحكيم ، نشر مكتبة المفيد .

٢١٦ ـ الكافي ، الشيخ محمد بن يعقوب الكليني ، تحقيق : علي أكبر الغفاري ، نشر دار الكتب الإسلامية أفندي ، ط٣ ، ١٣٨٨هـ .

٢١٧ ـ الكافي ، الكليني ، تحقيق : علي أكبر غفاري ، نشر دار الكتب الإسلامية آخوندي ط٢ ، ١٣٨٨هـ .

٢١٨ ـ كامل الزيارات ، جعفر بن محمد بن قولويه القمّي ، تحقيق : ونشر الفقاهة ، ط١ ، ١٤١٧هـ .


٢١٩ ـ الكامل في التاريخ ، عز الدين أبي الحسن علي ابن الأثير ، نشر دار صادر ـ بيروت ، طبعة عام ١٣٩٩هـ .

٢٢٠ ـ كتاب الأربعين ، سليمان بن عبد الله الماحوزي البحراني ، تحقيق : مهدي رجائي ، الطبعة الأولى ١٤١٧هـ .

٢٢١ ـ كتاب الأموال ، أبو عبيدة القاسم بن سلام .

٢٢٢ ـ كتاب الدعاء ، سليمان بن أحمد الطبراني ، تحقيق : مصطفى عبد القادر عطا ، نشر دار الكتب العليمة ، بيروت ، ط١ ، ١٤١٣هـ .

٢٢٣ ـ كتاب السنّة ، عمرو بن أبي عاصم ، نشر المكتبة الإسلامية ـ بيروت ، ط٣ ، ١٤١٣هـ .

٢٢٤ ـ كتاب الصمت وأدب اللسان ، عبد الله بن محمد بن أبي دنيا ، تحقيق : أحمد محمد عاشور ، نشر دار الاعتصام ـ ط٢ ، ١٤٠٨هـ .

٢٢٥ ـ كتاب العين ، عبد الرحمان الخليل أحمد الفراهيدي ، تحقيق : مهدي المخزومي ، وإبراهيم السامرائي ، نشر دار الهجرة ، ط٢ سنة ١٤٠٩هـ .

٢٢٦ ـ كتاب المراجعات ، عبد الحسين شرف الدين العاملي ، تحقيق : حسين الراضي ، طبعة بغداد ، ط١ ، ١٤٠٢هـ .

٢٢٧ ـ كتاب المغازي ، محمد بن عمر بن واقد ، الواقدي تحقيق : د ـ مارسدن جونس ، نشر الأعلمي ، ط٣ ، ١٤٠٩ هـ .

٢٢٨ ـ كتاب الولاية ، محمد بن جرير الطبري .

٢٢٩ ـ كتاب سليم ابن قيس ، سليم بن قيس الهلالي ، نشر دار الفنون ، بيروت ، تحقيق : محمد باقر الأنصاري .

٢٣٠ ـ كشف الخفاء ، إسماعيل بن محمد العجلوني ، نشر دار الكتب العلمية ـ بيروت ، ط٢ ، ١٤٠٨هـ ق .

٢٣١ ـ كشف الغمّة ، علي بن عيسى الإربلي ، نشر دار الاضواء – بيروت ، ط ١٤٠٥هـ ق .


٢٣٢ ـ كشف القناع ، منصور بن يونس ، تحقيق : محمد حسن الشافعي ، نشر دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ ط١ ، ١٤١٨هـ .

٢٣٣ ـ الكشف والبيان ، الإمام أبو إسحاق أحمد بن محمد المعروف بالإمام الثعلبي .

٢٣٤ ـ كفاية الأثر ، علي بن محمد بن علي الخزاز القمّي ، تحقيق : السيد عبد اللطيف الحسيني الكوهكري الخوئي ، نشر بيدار ـ قم ، ١٤٠١هـ ق .

٢٣٥ ـ كمال الدين وتمام النعمة ، الصدوق ، نشر جامعة مدرسين ـ قم ، تحقيق : علي أكبر غفاري ، ١٤٠١هـ ق

٢٣٦ ـ كنز العمّال ، علاء الدين المتقي بن حسام الدين الهندي ، تحقيق : بكري حياني ، تصحيح وفهرست : صفوة السقا ، نشر مؤسسة الرسالة بيروت ، ط١٤٠٩ هـ .

٢٣٧ ـ كنز المطالب ، حسن العردي حمزاوي الشافعي .

٢٣٨ ـ كنى البخاري ، إسماعيل بن إبراهيم البخاري ، نشر جمعية دائرة المعارف العثمانية ط ١ ـ ١٣٦٠هـ .

٢٣٩ ـ الكواكب الدريّة ، محمد بن عبد الرؤوف المناوي .

٢٤٠ ـ لباب النقول في أسباب النزول ، جلال الدين السيوطي ، نشر دار الكتب العلمية ـ بيروت .

٢٤١ ـ لسان العرب ، ابن منظور الأفريقي ، نشر دار الكتب العليمة ـ بيروت ، ط١ سنة ١٤٠٥هـ ، ونشر أدب الحوزة ، ط١ ، ١٤٠٥هـ .

٢٤٢ ـ لسان الميزان ، ابن حجر العسقلاني ، نشر مؤسسة الأعلمي ـ بيروت ، ط٢ـ ١٣٩٠هـ .

٢٤٣ ـ الموطأ ، الإمام مالك ، تحقيق : ، محمد فؤاد عبد الباقي ، نشر دار إحياء التراث العربي ، ط١ ـ ١٤٠٦هـ .

٢٤٤ ـ المبسوط ، في فقه الإمامية ، محمد بن الحسن بن علي الطوسي ، تحقيق : محمد تقي الكشفي ، نشر المكتبة الرضوية طبعة عام ١٣٨٧هـ .

٢٤٥ ـ مجمع البيان ، الفضل بن الحسن الطبرسي ، تحقيق : لجنة من العلماء ، نشر مؤسسة الأعلمي ـ بيروت ـ ط١ ، ١٤١٥هـ .


٢٤٦ ـ مجمع الزوائد ، نور الدين الهيثمي ، نشر دار الكتب العلمية ـ بيروت ، طبعة عام ١٤٠٨هـ .

٢٤٧ ـ مجموع الفتاوى ، أحمد بن تيمية ، نشر دار الوفاء ، ط٢ ـ ١٤٢١هـ .

٢٤٨ ـ المجموع ، محيي الدين النووي ، نشر دار الفكر .

٢٤٩ ـ المحاسن ، أحمد بن محمد بن خالد البرقي ، تحقيق : جلال الدين الحسيني ( المحدث ) ، نشر دار الكتب الإسلامية ـ طهران ، طبعة عام ١٣٧٠هـ .

٢٥٠ ـ محاضرات الأُدباء ، الراغب الأصفهاني .

٢٥١ ـ المحجّة على ما في ينابيع المودة ، الشيخ هاشم بن سليمان .

٢٥٢ ـ المحصول ، فخر الدين محمد بن عمر الرازي ، تحقيق : د ـ طه جابر فياض العلواني ، نشر مؤسسة الرسالة ـ بيروت ، ط٢ ـ ١٤١٢هـ .

٢٥٣ ـ المحلّى ، علي بن أحمد بن سعيد بن حزم ، نشر دار الفكر .

٢٥٤ ـ مختار الصحاح ، محمد بن أبي بكر الرازي ، تحقيق : أحمد شمس الدين ، نشر دار الكتب العلمية ـ بيروت ط١ ـ ١٤١٥هـ .

٢٥٥ ـ مختصر الإتحاف ، الإمام شهاب الدين البوصيري ، تحقيق : سيد كسروي حسن ، نشر دار الكتب العلمية ـ بيروت ط١ ، ١٤١٧هـ .

٢٥٦ ـ مختصر التحفة الاثني عشرية ، عبد العزيز الدهلوي .

٢٥٧ ـ المدونة الكبرى ، الإمام مالك : نشر دار إحياء التراث العربي ـ بيروت .

٢٥٨ ـ مرآة الجنان وعبرة اليقظان ، عبد الله بن أسعد اليافعي المكي ، نشر دار الكتب العلمية ـ بيروت ط١ ، ١٤١٧هـ .

٢٥٩ ـ مرقاة المفاتيح ، علي بن سلطان محمد القاري ، نشر دار الفكر ، ط١ ، ١٤٢٢هـ .

٢٦٠ ـ مروج الذهب ، أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي ، تحقيق : عبد الأمير مهنا ، نشر مؤسسة الأعلمي ـ بيروت ، ط١ ، ١٤١١هـ .

٢٦١ ـ المسائل السروية ، محمد بن محمد المفيد ، تحقيق : صائب عبد الحميد ، نشر دار المفيد ـ بيروت ، ط٢ ، ١٤١٤هـ .


٢٦٢ ـ مسائل عشر ، محمد بن محمد المفيد ، تحقيق : فارس حسون ، نشر دار المفيد ـ بيروت .

٢٦٣ ـ المستدرك على الصحيحين ، الحاكم النيسابوري ، تحقيق : يوسف المرعشي ، نشر دار المعرفة ـ بيروت ، ط عام ١٤٠٦هـ .

٢٦٤ ـ المستصفى ، محمد بن محمد بن محمد الغزالي ، نشر دار الكتب العلمية ـ بيروت ، طبعة عام ١٤١٧هـ .

٢٦٥ ـ مسند ابن الجعد ، علي بن الجعد بن عبيد ، تحقيق : عبد الله بن محمد البغوي ، نشر دار الكتب العلمية ، ط٢ ، ١٤١٧هـ .

٢٦٦ ـ مسند ابن راهويه ، المروزي ، تحقيق : عبد الغفور البلوسي ، نشر مكتبة الإيمان ـ المدينة المنورة ، ط١ ، ١٤١٢هـ .

٢٦٧ ـ مسند أبي داود الطيالسي ، أبي داود الطيالسي ، نشر دار الحديث ـ بيروت .

٢٦٨ ـ مسند أبي عوانه ، الإمام أبي عوانة يعقوب بن إسحاق الأسفرائيني ، نشر دار المعرفة ـ بيروت .

٢٦٩ ـ مسند أبي يعلى الموصلي ، أحمد بن علي التميمي ، تحقيق : حسين سليم أسد ، نشر دار المأمون للتراث ، دار الثقافة ، ط١ ١٤٠٤هـ .

٢٧٠ ـ مسند أحمد بن حنبل ، أحمد بن حنبل ، نشر دار صادر ـ بيروت

٢٧١ ـ مسند الشهاب ، محمد بن سلامية القضائي ، تحقيق : عبد المجيد السلفي ، نشر مؤسسة الرسالة ـ بيروت .

٢٧٢ ـ مسند شاهين ، الطبراني ، تحقيق : حمدي عبد المجيد السلفي ، نشر مؤسسة الرسالة ـ بيروت ط٢ ـ ١٤١٧هـ .

٢٧٣ ـ مشكاة المصابيح ، محمد بن عبد الله الخطيب التبريزي ، نشر المكتب الإسلامي ، ط٣ ـ ١٤٠٥هـ .

٢٧٤ ـ المصباح المنير ، أحمد بن محمد الفيومي ، نشر المكتبة العلمية ـ بيروت .

٢٧٥ ـ المصنف في الأحاديث والآثار ، أبو بكر عبد الله محمد بن أبي شيبة الكوفي ، تحقيق : كمال يوسف حوت ، نشر مكتبة الرشيد ـ الرياض ، الطبعة الثانية .


٢٧٦ ـ المصنف ، أبو بكر عبد الرزاق الصنعاني ، تحقيق : حبيب الرحمان الأعظمي ، نشر المجلس العلمي ، ط١ ، ١٤٠٣هـ .

٢٧٧ ـ مطالب السؤول في مناقب آل الرسول ، كمال الدين بن طلحة الشافعي ، تحقيق : ماجد بن أحمد العطية ، نشر أم القرى ـ بيروت ، ط١ ـ ١٤٢٠هـ .

٢٧٨ ـ المطالب العالية ، ابن حجر العسقلاني ، نشر دار الكتب العلمية ـ بيروت ، ط١ ، ١٤٢٠هـ

٢٧٩ ـ معاني القرآن ، النحاس ، تحقيق : محمد علي الصابوني ، نشر جامعة أم القرى ـ السعودية ط١ ، ١٤٠٩هـ .

٢٨٠ ـ المعجم الأوسط ، الطبراني ، تحقيق : إبراهيم الحسيني ، نشر دار الحرمين .

٢٨١ ـ المعجم الصغير ، الطبراني ، نشر دار الكتب العلمية ـ بيروت .

٢٨٢ ـ المعجم الكبير ، الطبراني ، تحقيق : حمدي عبد المجيد السلفي ، نشر مكتبة ابن تيمية ـ القاهرة ، الطبعة الثانية .

٢٨٣ ـ معجم مقاييس اللغة ، ابن فارس ، نشر دار الفكر ـ بيروت .

٢٨٤ ـ معرفة علوم الحديث ، الحاكم النيسابوري ، نشر دار الآفاق الجديدة ـ بيروت ، ط٤ ، ١٤٠٠هـ .

٢٨٥ ـ المعيار والموازنة ، أبو جعفر الأسكافي محمد بن عبد الله المعتزلي ، تحقيق : محمد باقر المحمودي

٢٨٦ ـ مغني المحتاج ، محمد بن أحمد الشربيني ، نشر دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ـ طبعة عام ١٣٧٧هـ .

٢٨٧ ـ مغني المحتاج ، محمد بن أحمد الشرييني ، نشر دار إحياء التراث العربي ، طبعة عام ١٣٧٧هـ .

٢٨٨ ـ مفردات ألفاظ القرآن ، الحسين بن محمد الأصفهاني ، نشر دفتر الكتاب الإسلامي ، ط٢ ، ١٤٠٤هـ .

٢٨٩ ـ المفردات في غريب القرآن ، الراغب الأصفهاني ، نشر دفتر نشر الكتاب ط١ ـ ١٤٠٤هـ .


٢٩٠ ـ مقاتل الطالبين ، أبو فرج الأصفهاني ، تحقيق : كاظم المظفر ، نشر المكتبة الحيدرية ـ النجف ، ط٢ ، ١٣٨٥هـ .

٢٩١ ـ مقالات الإسلاميين ، حسن الأشعري .

٢٩٢ ـ مقتل الحسين ، الموفق الخوارزمي ، تحقيق : محمد السماوي ، نشر أنوار الهدى ـ قم ، ط١ ، ١٤١٨

٢٩٣ ـ الملل والنحل ، عبد الكريم الشهرستاني ، تحقيق : محمد سيد گيلاني ، نشر دار المعرفة ـ بيروت .

٢٩٤ ـ مَن لا يحضره الفقيه ، الصدوق ، تحقيق : علي أكبر غفاري ، نشر ، جامعة مدرسين ـ قم

٢٩٥ ـ مناقب آل أبي طالب ، ابن شهر آشوب ، تحقيق : لجنة من أساتذة النجف الأشرف ، مطبعة الحيدرية ـ النجف ، ط١ ، ١٣٧٦هـ .

٢٩٦ ـ مناقب الإمام علي ، الأصبهاني ، تحقيق : عبد الرزاق محمد ، نشر دار الحديث ـ قم ط سنة ١٤٢٤هـ .

٢٩٧ ـ المناقب المرتضوية ، محمد صالح الترمذي .

٢٩٨ ـ مناقب أمير المؤمنين ، القاضي الكوفي ، تحقيق : محمد باقر المحمودي ، نشر مجمع إحياء الثقافة الإسلامية ـ

٢٩٩ ـ مناقب علي بن أبي طالب ، ابن المغازلي ، تحقيق : البهبودي ، نشر المكتبة الإسلامية ـ طهران ط٢ ـ ١٤٠٢هـ .

٣٠٠ ـ مناقب علي بن أبي طالب ، محمد بن محمد الواسطي المغازلي ، نشر المكتبة الإسلامية ـ طهران ، ط٢ ، ١٤٠٢هـ .

٣٠١ ـ المناقب ، الموفق الخوارزمي ، تحقيق : مالك المحمودي ، نشر مؤسسة النشر الإسلامي جامعة مدرسين ـ قم ، ط٢ ، ١٤١١ هـ .

٣٠٢ ـ المنجد في اللغة ، لويس معلوف ، نشر دار المشرق ـ بيروت ، ط٤ ، ١٣٧٨هـ .

٣٠٣ ـ منهاج السنّة النبوية ، ابن تيمية ، نشر مؤسسة قرطبة ـ بيروت ط١ ـ ١٤٠٦هـ.


٣٠٤ ـ موارد الظمآن ، علي بن أبي بكر الهيثمي ، تحقيق : محمد عبد الرزاق حمزة ، نشر دار الكتب العلمية ـ بيروت .

٣٠٥ ـ المواقف ، القاضي عضد الدين الإيجي ، نشر دار الجبل ـ بيروت ، ط١ ـ ١٩٩٧م .

٣٠٦ ـ مواهب الجليل لشرح مختصر خليل ، محمد بن محمد بن عبد الرحمن المغربي المعروف بالحطاب الرعيني ، تحقيق : زكريا عبرات ، نشر دار الكتب العليمة ـ بيروت ، ط١ ، ١٤١٦هـ .

٣٠٧ ـ شرح المواهب اللدنية ، العلاّمة الزرقاني ، نشر دار الكتب العلمية ، بيروت ، ط١ ، ١٤١٧هـ ـ ١٩٩٦م ـ

٣٠٨ ـ مودة القربى ، السيد علي الهمداني .

٣٠٩ ـ ميزان الاعتدال ، شمس الدين الذهبي ، تحقيق : علي محمد البجاوي ، نشر دار المعرفة ـ بيروت ، ط١ ، ١٣٨٢هـ .

٣١٠ ـ النزاع والتخاصم ، تقي الدين أحمد بن علي المقريزي ، تحقيق : السيد علي عاشور .

٣١١ ـ نزهة الناظر وتنبيه الخاطر ، الحلواني ، تحقيق : مدرسة الإمام المهدي ، نشر مدرسة الإمام المهدي ، ط١ ، ١٤٠٨هـ .

٣١٢ ـ نظم درر السمطين ، الزرندي الحنفي ، من مخطوطات مكتبة أمير المؤمنينعليه‌السلام العامة ، ط١ ، ١٣٧٧هـ .

٣١٣ ـ نظم درر السمطين ، محمد بن يوسف بن الحسن بن محمد .

٣١٤ ـ النكت الاعتقادية ، محمد بن محمد المفيد ، نشر دار المفيد ـ بيروت ، ط٢ ، ١٤١٤هـ .

٣١٥ ـ النهاية في غريب الحديث ، ابن الأثير ، نشر مؤسسة إسماعيليان ـ قم ط٤ ، ١٣٦٤هـ .

٣١٦ ـ نهج الايمان ، زين الدين علي بن يوسف بن جبر ، تحقيق : أحمد الحسيني ، نشر مجتمع الإمام الهاديعليه‌السلام ـ مشهد ، ط١ ، ١٤١٨هـ .


٣١٧ ـ نهج البلاغة ، خطب الإمام علي ، تحقيق : محمد عبده ، نشر دار المعرفة ـ بيروت .

٣١٨ ـ نور الأبصار في مناقب آل بيت النبي المختار ، مؤمن الشبلنجي ، نشر المكتبة العصرية ، ط١ ، ١٤٢٦هـ .

٣١٩ ـ نور العين في مشهد الحسين ، أبو إسحاق الاسفرائيني ، نشر المنار تونس ، ط١ ، ١٤٠٠هـ .

٣٢٠ ـ النور المشتعل ، أبو نعيم الأصبهاني ، تحقيق : محمد باقر المحمودي ، نشر وزارة الإرشاد ـ إيران ، ط١ ، ١٤٠٦ه .

٣٢١ ـ نيل الأوطار ، محمد بن علي الشوكاني ، دار الجيل ـ بيروت ، طبعة عام ١٩٧٣م .

٣٢٢ ـ الهم والحزن ، ابن أبي الدنيا ، تحقيق : ، مجدي فتحي السيد ، نشر دار الإسلام ، ط١ ، ١٤١٢هـ .

٣٢٣ ـ الوافي بالوفيات ، صلاح الدين الصفوي ، ط٢ ، ١٤١١هـ .

٣٢٤ ـ وسائل الشيعة ، الحر العاملي ، نشر مؤسسة آل البيت ـ قم ـ ، ط٢ ، ١٤١٤هـ.

٣٢٥ ـ الوسائل ، الحر العاملي ، تحقيق : عبد الرحيم الرباني ، نشر دار إحياء التراث العربي ـ بيروت .

٣٢٦ ـ وفاء الوفاء ، إبراهيم الحسيني الشافعي السمهودي ، نشر دار الكتاب ـ بيروت .

٣٢٧ ـ وفيات الأعيان ، أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان ، نشر دار الكتب العلمية ـ بيروت ، ط١ ، ١٤١٩هـ .

٣٢٨ ـ وقعة صفين ، نصر بن مزاحم المنقري ، تحقيق : عبد السلام محمد هارون ، نشر المؤسسة العربية الحديثة ، ط٢ ، ١٣٨٢هـ .

٣٢٩ ـ ينابيع المودة ، سليمان القندوزي ، تحقيق : سيد علي جمال أشرف الحسيني ، نشر دار أسوة ، ط١ ، ١٤١٦هـ .


الفهرست

الفصل الأوّل : إبطال دعوى أنّ المآتم والشعائر الحسينية التي تقام ٣

الشعائر الحسينية ٣

الشبهة ٣

الجواب.. ٣

تعريف السنّة ٣

السنّة لغةً : ٣

السنّة في الاصطلاح الشرعي. ٤

البدعة لغةً : ٥

البدعة شرعاً : ٥

الشعيرة لغةً : ٧

هل للشعيرة معنى شرعي ؟ ٨

هل تصرّف الشارع في كيفية تطبيق الشعائر ؟ ٩

إيكال الشعائر إلى العرف هل يستلزم البدعة ؟ ١٤

أدلّة إقامة المآتم والحزن والبكاء ١٦

النوع الأوّل : الأدلة العامة ١٦

النوع الثاني : الأدلة الخاصة ١٩

الدليل الأوّل : الحزن والبكاء سنّة تكوينية ١٩

بكاء السماء دماً حزنا على الحسين عليه‌السلام.... ٢١

بكاء الأرض دماً عبيطاً ٢٤

كسوف الشمس واضطراب الكواكب.. ٢٥

جزور ٢٦

ورس. ٢٦

الحيطان تسيل دماً ٢٧


قلم يكتب من دم ٢٧

اضطرام القصر ناراً ٢٨

نوح الجن. ٢٨

ثياب مصبوغة بدم ٢٩

انقلاب الدنانير خزفاً ٢٩

الدليل الثاني : البكاء والرثاء سنّة قرآنية ٣٠

الجهة الأولى : الندبة والرثاء في القرآن. ٣٠

١ ـ قصة الموءودة ٣٠

٢ ـ قصة يوسف عليه‌السلام.... ٣١

٣ ـ قصة أصحاب الأخدود ٣٢

٤ ـ قصة قتل قابيل هابيل. ٣٤

٥ ـ قصّة فرعون وهامان مع بني إسرائيل. ٣٥

٦ ـ تنديد واستنكار القرآن لقتل الأنبياء ٣٥

٧ ـ قصّة قتل ناقة صالح. ٣٦

ويتحصّل ممّا تقدّم : ٣٨

الجهة الثانية : رثاء أهل البيت ومودتهم. ٣٨

الجهة الثالثة : مدح القرآن للبكاء ٤٥

الدليل الثالث : البكاء وإقامة المآتم على الإمام الحسين من سنن الأنبياء ٥٣

القسم الأوّل : ٥٣

القسم الثاني : بكاء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على الإمام الحسين عليه‌السلام.... ٥٤

الدليل الرابع : بكاء الأوصياء من الأئمّة عليهم‌السلام.... ٥٨

الدليل الخامس : حثّ الرسول وأهل بيته عليه‌السلام على البكاء ٥٩

الدليل السادس : اندراج الشعائر الحسينية تحت عنوان تعظيم الشعائر ٦١

الدليل السابع : إنّ الحزن والبكاء والرثاء ممّا تقتضيه الفطرة البشرية ٦٢

معطيات إقامة المجالس والعزاء على الإمام الحسين عليه‌السلام.... ٦٣


أوّلاً : إبراز الجانب المأساوي في واقعة عاشوراء ٦٣

ثانياً : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ٦٦

ثالثاً : التفاعل الإيجابي بين الفكرة والعاطفة ٦٨

رابعاً : إبراز جانب القدوة في المجتمع. ٧٢

خامساً : الحفاظ على استقلالية المذهب وتعبئة الجماهير. ٧٢

الخلاصة ٧٣

الفصل الثاني : إبطال دعوى أنّ التوسّل بغير الله شرك وعبادة لغير الله. ٧٥

جواز التوسّل في الشريعة الإسلامية ٧٥

الشبهة ٧٥

الجواب.. ٧٥

نظام الخلق نظام الأسباب والوسائط. ٧٦

هل الله تعالى محتاج إلى الوسائط ؟ ٨٠

لا تخلو الأرض من واسطة ٨١

الكلمات والأسماء الإلهية ٨٢

الله تعالى يخطئ الوسائط المخترعة ٨٥

حقيقة العبادة ٨٦

التوسّل وعناوين أُخرى. ٩٠

التوسّل في الكتاب والسنّة وسيرة المسلمين. ٩١

التوسّل في القرآن الكريم. ٩١

التوسّل في السنّة النبوية وسيرة المسلمين. ٩٤

أولاً : التوسّل بعموم الأنبياء والصالحين. ٩٤

ثانياً : التوسّل بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالخصوص.. ٩٦

١ ـ قبل خلقه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم..... ٩٦

٢ ـ التوسّل بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل البعثة ٩٧

٣ـ التوسّل بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد البعثة ١٠٠


ألف) أعرابي يستسقي بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم..... ١٠٠

ب) رجل يطلب الإغاثة من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم..... ١٠١

ج) النبي هو الشفيع عند ربّه في الدنيا ١٠٢

د) توسّل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بحقّه وحق مَن سبقه من الأنبياء ١٠٣

هـ) توسّل الضرير بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم..... ١٠٤

٤ ـ التوسّل بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد وفاته ١٠٥

الأوّل : تعليم عثمان بن حنيف رجلاً التوسّل بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد وفاته ١٠٥

الثاني : توسّل الأعرابي بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم..... ١٠٦

الثالث : رجل يستسقي بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند قبره ١٠٧

الرابع : رجل آخر يأتي إلى قبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم..... ١٠٧

الخامس : مالك يأمر المنصور بالاستشفاع برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم..... ١٠٨

السادس : عائشة علّمت المسلمين أن يتوسّلوا بقبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم..... ١٠٨

السابع : العلماء يحثّون الزائرين على التوسّل بقبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم..... ١٠٨

الثامن : التوسّل بالنبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في زيارته ١١٣

إشكال ابن تيمية ١١٥

١ـ القرآن يشهد على حياة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم..... ١١٦

٢ـ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يسمع الصلاة عليه ١١٧

٣ـ الأعمال تُعرض على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد وفاته ١١٨

أولاً : روايات عرض الأعمال. ١١٩

ثانياً : النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يرد السلام ١٢٠

٤ـ الأنبياء عليهم‌السلام أحياء في قبورهم. ١٢١

٥ـ الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء ١٢٣

٦ـ الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولقاء الأنبياء ١٢٤

٧ـ حياة الشهداء ١٢٥

٨ـ حياة سائر الموتى. ١٢٦


أولاً : نبي الله صالح يخاطب قومه الهالكين. ١٢٦

ثانياً : مخاطبة نبي الله شعيب عليه‌السلام لقومه الهالكين. ١٢٧

ثالثا : الأمر الإلهي للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالتكلّم مع الأنبياء السابقين عليهم‌السلام.... ١٢٧

رابعاً : مخاطبة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قتلى المشركين. ١٢٨

خامساً : في حياة سائر الموتى. ١٢٩

الميت يسمع قرع النعل. ١٣٠

الميت ينادي. ١٣٠

التوسّل بأهل البيت عليهم‌السلام.... ١٣١

أوّلاً : نبي الله آدم عليه‌السلام توسّل بمحمد وآل محمد عليهم‌السلام.... ١٣٢

ثانياً : علي عليه‌السلام أقرب الوسائل إلى الله. ١٣٣

ثالثاً : التوسّل بحق محمد وآل محمد أمان من الخوف.. ١٣٥

رابعاً : أهل البيت عليهم‌السلام مع رسول الله في درجة الوسيلة ١٣٥

أقوال التابعين والعلماء في التوسّل بأهل البيت عليهم‌السلام.... ١٣٦

التوسّل بالأولياء والصالحين. ١٣٧

التوسّل بحق السائلين. ١٣٨

شفاعة الأحياء للأموات.. ١٣٩

التوسّل بالقرآن الكريم. ١٣٩

الخلاصة ١٤٠

وإليك ملخّص لما مرّ من نماذج التوسّل بغير الله. ١٤٠

التوسّل بعموم الأنبياء ١٤٠

التوسّل بنبيّنا الأكرم محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم..... ١٤١

روايات تؤكّد توسل المسلمين بالنبي بعد وفاته ١٤١

الفصل الثالث : إبطال دعوى أنّ الشيعة الإمامية يجيزون اللعن. ١٤٢

اللعن في القرآن والسنّة ١٤٢

الشبهة ١٤٢


الجواب : ١٤٢

فلسفة اللعن. ١٤٣

اللعن في لغة العصر الحديث.. ١٤٤

مَن هو الملعون ؟ ولماذا ؟ ١٤٤

وأمّا لماذا يلعن ؟ ١٤٤

الموقف الشرعي من اللعن. ١٤٤

اللعن في نظر القرآن الكريم. ١٤٤

أوّلاً : لعن الشيطان. ١٤٥

ثانياً : لعن الكافرين. ١٤٥

ثالثاً : لعن أهل الكتاب.. ١٤٧

رابعاً : لعن الذين يؤذون الله ورسوله ١٤٨

خامساً : لعن قاتل المؤمن عمداً ١٤٨

سادساً : لعن الظالمين. ١٤٨

سابعاً : لعن المفسدين في الأرض.. ١٤٩

ثامناً : لعن الكاذبين. ١٤٩

تاسعاً : لعن أئمّة الكفر ١٥٠

عاشراً : اللعن على من يتهم المؤمنات.. ١٥٠

الحادي عشر : الشجرة الملعونة في القرآن. ١٥٠

الثاني عشر : لعن المنافقين. ١٥٢

اللعن في السنّة الشريفة ١٥٢

١ـ الرسول يلعن اليهود ١٥٢

٢ـ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يلعن مَن يلعن والديه ١٥٢

٣ـ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يلعن السارق. ١٥٣

٤ـ الرسول يلعن الراشي والمرتشي في الحكم. ١٥٣

٥ـ الرسول يلعن الخمر وشاربها ١٥٣


٦ـ الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يلعن بعض الأفراد ١٥٣

٧ـ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعن مَن مثّل بالحيوان. ١٥٤

٨ـ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يلعن بعض آخر ١٥٤

٩ـ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يلعن الكاذب.. ١٥٤

١٠ـ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يلعن عمرو بن العاص.. ١٥٥

١١ـ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يلعن الراكب والقائد والسائق. ١٥٥

هل يجب لعن أعداء أهل البيت عليهم‌السلام ؟ ١٥٥

الدليل الأوّل : إيذاء أهل بيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إيذاء له ولله تعالى. ١٥٦

الدليل الثاني : ضرورة لعن أعداء أهل البيت عليهم‌السلام.... ١٥٧

النتيجة ١٥٧

الفصل الرابع : إبطال دعوى أنّ الشيعة تقول بتحريف القرآن الكريم. ١٥٨

التحريف.. ١٥٨

الشبهة ١٥٨

الجواب : ١٥٨

التحريف لغةً ١٥٨

التحريف اصطلاحاً ١٥٩

أدلة الشيعة على عدم التحريف.. ١٦٠

أولاً : الأدلة القرآنية ١٦١

إشكال وجواب.. ١٦١

ثانياً : الأدلة الروائية ١٦٢

حاصل الاستدلال بهذه الطائفة ١٦٢

ثالثاً : تواتر القرآن. ١٦٤

رابعاً : إعجاز القرآن. ١٦٥

خامساً : روايات العرض على كتاب الله. ١٦٥

شواهد أخرى. ١٦٦


أقوال علماء الشيعة بعدم التحريف.. ١٦٧

منشأ الشبهة في التحريف.. ١٧٢

مصحف الإمام علي عليه‌السلام.... ١٧٤

والجواب على هذه الشبهة من وجوه : ١٧٥

روايات تحريف القرآن عند أهل السنّة ١٧٥

١ـ آية الرجم. ١٧٦

٢ـ آية الرغبة ١٧٦

٣ـ القرآن (١٠٢٧٠٠٠) حرف !! ١٧٧

٤ـ ذهب من القرآن الكثير. ١٧٧

٥ـ ذهاب كثير من القرآن يوم اليمامة ١٧٧

٦ـ زيادة في مصحف عائشة ١٧٨

٧ـ آية الرضعات أكلها داجن البيت.. ١٧٨

٨ـ آيات أُخر عند أُبي بن كعب.. ١٧٩

٩ـ آيتان لم تكتبا في المصحف.. ١٧٩

١٠ـ سورة الأحزاب أطول من البقرة ١٧٩

١١ـ سورة البراءة كانت تعدل سورة البقرة ١٨٠

من أقوال محقّقي أهل السنّة في إبطال القول بنسخ التلاوة ١٨١

الفصل الخامس : إبطال دعوى أنّ التقية كذب ولا أصل لها ١٨٢

في النصوص الإسلامية ١٨٢

التقيّة ١٨٢

الشبهة ١٨٢

الجواب : ١٨٢

تمهيد. ١٨٢

هوية التقية ١٨٣

المعنى الاصطلاحي للتقيّة ١٨٤


التقيّة في كلمات علماء الشيعة ١٨٤

التقية في كلمات أعلام أهل السنّة ١٨٦

النتيجة ١٨٩

العلاقة بين مفهوم التقية والإكراه ١٨٩

موارد الإكراه وموارد التقيّة ١٩٠

أسباب ومناشئ التقيّة ١٩٣

حقيقة النفاق. ١٩٣

ما ذكره اللغويون. ١٩٣

ما ذكره الفقهاء ١٩٤

ما ذكره المحدّثون. ١٩٥

أسباب ومناشئ موهومة ١٩٥

ما هو حكم التقية في الإسلام ؟ ٢٠٠

جواز التقية ومشروعيتها في السنّة النبوية ٢٠٥

مشروعية التقية في أقوال الصحابة والتابعين وأعلام السنّة ٢١١

أقوال الصحابة في التقية ٢١١

أقوال التابعين في التقية ٢١٤

أقوال أعلام السنّة في التقيّة ٢١٥

التقيّة في سيرة المسلمين. ٢٢٠

التقية في نظر العقل والعقلاء ٢٢٧

الفطرة قاضية بجواز ومشروعية التقية ٢٢٨

ترك التقية افتتان في الدين. ٢٢٩

هل تبلغ التقية مرحلة الضرورة والوجوب ؟ ٢٣٠

وجوب التقية في القرآن الكريم : ٢٣١

وجوب التقيّة في السنّة النبوية ٢٣٥

وجوب التقيّة عند علماء أهل السنّة ٢٣٧


أدلة الإكراه ووجوب دفع الضرر شرعاً ٢٤١

وجوب التقية في نظر العقل والعقلاء ٢٤٢

وجوب التقية في سيرة المسلمين. ٢٤٣

منزلة التقيّة في الإسلام ٢٤٤

التقيّة في القول والفعل. ٢٤٩

سعة دائرة التقيّة ٢٥٠

تقية المسلم مع المسلم في القرآن الكريم. ٢٥١

تقيّة المسلم مع المسلم في السنّة النبوية ٢٥٢

تقيّة المسلم مع المسلم في سيرة المسلمين وأقوال العلماء ٢٥٣

المداراة وحسن المعاشرة وثقافة التعايش.. ٢٥٧

التقية المداراتية في القرآن الكريم. ٢٥٧

التقية المداراتية في السنّة النبوية الشريفة ٢٦٠

التقية المداراتية في كلمات أعلام السنّة ٢٦٢

لماذا عُرفت الشيعة بالتقية ؟ ٢٦٤

ثمار التقية وفوائدها ٢٦٧

١ ـ المحافظة على النفس والعرض والمال. ٢٦٨

٢ ـ المحافظة على الدين ودرء الفتنة ٢٧٤

٣ ـ المحافظة على حياة الآخرين. ٢٧٧

٤ ـ نشر ثقافة التعايش المدني. ٢٧٩

٥ ـ حفظ الأقليّات الدينية ٢٨١

الفصل السادس : إبطال دعوى أنّ جواز المتعة عند الشيعة نحو من أنحاء الزنا ٢٨٢

لعدم وجود الدليل على شرعيّتها وتحريمها من قِبل علماء السلف.. ٢٨٢

جواز المتعة في الشريعة الإسلامية ٢٨٢

الشبهة ٢٨٢

الجواب : ٢٨٢


الزواج المؤقّت في القرآن الكريم. ٢٨٣

المتعة في عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم..... ٢٨٤

ومن هذه الروايات.. ٢٨٥

هل نُسخت المتعة أم لا ؟ ٢٨٩

مناقشة الأقوال. ٢٩٠

روايات مناهضة لزعم النسخ القرآني. ٢٩٢

ادعاء نسخ آية المتعة بأحاديث السنّة ٢٩٥

مناقشة هذه الدعوى. ٢٩٦

ادعاءات النسخ معارضة لكلام عمر ٢٩٨

اعتراف عمر بنفسه ٢٩٩

الحل الأمثل للمشكلة الجنسيّة ٣٠٠

عوامل تصاعد المشكلة الجنسية ٣٠٠

الحلول المطروحة في معالجة الحالة الجنسية ٣٠٠

الحل الأوّل : كبح الغريزة الجنسية ٣٠٠

الحل الثاني : الدعوة إلى الإباحية ٣٠١

الحل الثالث : الدعوة إلى الزواج الدائم. ٣٠١

الحل الرابع : الدعوة إلى الزواج المؤقّت.. ٣٠١

إشكالات تُثار حول المتعة ٣٠٢

مناقشة الإشكال. ٣٠٣

ومن نماذج أقوالهم في هذا الصدد ٣٠٤

الخاتمة ٣٠٦

الخلاصة ٣٠٧

فهرست المصادر ٣٠٩