الإنسان المعاصر والمشكلة الاجتماعيّة
السيد محمد باقر الصدر
الإنسان المعاصر والمشكلة الاجتماعيّة
* كلمة المؤلّف .
* الإنسان المعاصر وقدرته على حلّ المشكلة الاجتماعيّة .
* الديمقراطيّة الرأسماليّة
* الاشتراكيّة والشيوعيّة .
* الإسلام والمشكلة الاجتماعيّة .
* موقف الإسلام مِن الحرّية والضمان
كلمة المؤلّف
بسم الله الرحمن الرحيم
قبل ثلاث سنوات قُمنا بمحاولة متواضعة : لدراسة أعمَق الأُسُس ، التي تقوم عليها الماركسية والإسلام ، وكان كتاب فلسفتنا تعبيراً عن هذه المحاولة ، ونقطة انطلاق لتفكيرٍ متسلسِل يحاول أنْ يدرس الإسلام مِن القاعدة إلى القِمّة.
وهكذا صدر ( فلسفتنا ) ، وتلاه بعد سنتين تقريباً ( اقتصادنا ) ، ولا يزال الشقيقان الفِكريّان بانتظار أشقّاء آخَرين ؛ لتكتمل المجموعة الفِكرية ، التي نأمل تقديمها إلى المسلمين.
وقد لاحظنا منذ البَدء - بالرغم مِن الإقبال المنقطِع النظير الذي قوبلَت به هذه المجموعة ، حتّى نفَدَ كتاب فلسفتنا خلال عِدّة أسابيع تقريباً - أقول لاحظنا مدى التفاوت بين الفِكر الإسلامي في مستواه العالي ، وواقِع الفِكر الذي نعيشه في بلادنا بوَجهٍ عامّ ، حتّى صَعُب على كثير مواكبة ذلك المستوى العالي ، إلاّ بشيءٍ كثير مِن الجُهد ، فكان لا بدّ مِن حلَقات متوسّطة يتدرّج خلالها القارئ إلى المستوى الأعلى ، ويستعين بها على تَفهّم ذلك المستوى .
وهنا نشأت فِكرة : ( المدرسة الإسلامية ) ، أي محاولة إعطاء الفِكر الإسلاميّ في مستوىً مدرسيّ ، ضمن حلَقات متسلْسِلة تسير في اتّجاهٍ موازي للسلسلة الرئيسية : ( فلسفتنا ، واقتصادنا ) ، وتشترك معها في حَمْل الرسالة الفِكرية للإسلام ، وتتّفق وإيّاها في الطريقة والأهداف الرئيسية ، وإنْ اختلفت في الدرجة والمستوى .
وحدّدنا خلال التفكير في إصدار (المدرسة الإسلامية )خصائص الفِكر المدرسيّ ، التي يتكوّن منها الطابع العامّ ، والمِزاج الفِكري للمدرسة الإسلامية ، التي نحاول إصدارها .
وتتلخّص هذه الخصائص فيما يلي :
١ _ إنّ الغرَض المباشر مِن ( المدرسة الإسلامية ) : الإقناع أكثر مِن الإبداع ؛ ولهذا فهي قد تستمدّ موادّها الفِكرية مِن ( فلسفتنا ) و( اقتصادنا ) وأشقّائهما الفِكرِيَّين ، وتُعرِضُها في مستواها المدرسيّ الخاصّ ، ولا تلتزم في أفكارها أنْ تكون معروضة لأوّل مرّة .
٢ _ لا تتقيّد ( المدرسة الإسلامية ) بالصيغة البُرهانية للفِكرة دائماً ، فالطابع البرهانيّ فيها أقلّ بروزاً منه في أفكار ( فلسفتنا ) وأشقّائها ، وِفقاً لدرجة السهولة والتبسيط ، المتوَخّاة في الحلَقات المدرسية .
٣ _ تُعالج ( المدرسة الإسلامية ) نطاقاً فِكريّاً أوسع مِن المجال الفِكري ، الذي تباشره ( فلسفتنا ) وأشقاؤها ؛ لأنّها لا تقتصر على الجوانب الرئيسية في الهيكل الإسلامي العامّ ، وإنّما تتناول أيضاً النواحي الجانبية مِن التفكير الإسلامي .
وتُعالج شتّى الموضوعات الفلسفية أو الاجتماعية أو التاريخية أو القرآنية ، التي تؤثّر في تنمية الوَعي الإسلامي ، وبناء وتكميل الشخصية الإسلامية ، مِن الناحية الفِكرية والروحية .
وقد قدّر الله تعالى أنْ تلتقي فِكرة ( المدرسة الإسلامية ) بفِكرةٍ أخرى عن تمهيد فلسفتنا ، فتمتزج الفِكرتان ، وتخرجان إلى النور في هذا الكتاب .
وكانت الفِكرة الأخرى مِن وحي الإلحاح المتزايد ، مِن قُرّائنا الأعزّاء على إعادة طبْع كتاب فلسفتنا ، وكنت استميحهم فرصةً لإنجاز الحلَقة الثالثة : (اقتصادنا )، والقيام بمحاولة توسعة وتبسيط البحوث ، التي عالجناها في (فلسفتنا )قبل أنْ نستأنف طبْعَه للمرّة الثانية ، الأمر الذي يتطلّب فراغاً لا أمْلِكُه الآن .
وعلى هذا الأساس أخذَتْ رغبة القُرّاء الأعزّاء تتّجه نحو تمهيد كتاب ( فلسفتنا ) بالذات ؛ لأنّ إعادة طَبعِه لا تكلّف الجُهد الذي يتطلّبه استئناف طَبْع الكتاب كلّه وكانت الطلَبات التي ترِد ، لا تدَع مجالاً للشكّ في ضرورة استجابة الطلَب .
وهنا التقَتْ الفِكرتان ، فلماذا لا يكون تمهيد كتاب فلسفتنا ، هو الحلَقة الأُولى مِن سِلسلة المدرسة الإسلامية ؟.
وهكذا كان .
ولكنّا لم نكتفِ بطبع التمهيد فحَسْب ، بل أدخلنا عليه بعض التعديلات الضرورية ، وأعطينا بعض مفاهيمه شرحاً أوسع ، كمفهومه عن غريزة حبّ الذات ، وأضَفنا إليه فَصْلَين مهمَّين :
أحدهما : ( الإنسان المعاصر ، وقُدرته على حلِّ المشكلة الاجتماعية ) ، وهو الفصل الأوّل في الكتاب ، يتناول مدى إمكانات الإنسانية لوَضع النظام الاجتماعي الكفيل بسعادتها وكمالها .
والآخر : مَوقف الإسلام مِن الحرّية والضمان ، وهو الفصل الأخير مِن الكتاب ، قُمنا فيه بدراسةٍ مقارنة لموقف الإسلام والرأسمالية مِن الحرّية ، ومَوقف الإسلام والماركسية مِن الضمان .
وبهذا تضاعف التمهيد ، واكتسب اسمه الجديد ، ( الإنسان المعاصر ، والمشكلة الاجتماعية ) ، بوَصفه ( الحلَقة الأُولى ) مِن ( المدرسة الإسلامية ) والله وليّ التوفيق.
محمّد باقر الصدر
الإنسان المعاصِر وَقُدرته عَلى حَلّ المشكلة الاجتماعيّة
* مشكلة الإنسانيّة اليوم .
* الإنسانيّة ومعالجتها للمشكلة .
* أهمّ المذاهب الاجتماعيّة .
بسِم اللهِ الرحمَن الرحّيم
إنّ مشكلة العالَم التي تملأ فِكر الإنسانيّة اليوم ، وتمسّ واقعها بالصميم ، هي مشكلة النظام الاجتماعي ، التي تتلخّص في إعطاء أصدَق إجابة عن السؤال الآتي :
ما هو النظام الذي يصلح للإنسانية ، وتسعَد به في حياتها الاجتماعية ؟ .
ومِن الطبيعي أنْ تحتلّ هذه المشكلة مقامها الخطير ، وأنْ تكون في تعقيدها ، وتنوّع ألوان الاجتهاد في حلّها مصدراً للخطر على الإنسانية ذاتها ؛ لأنّ النظام داخل في حساب الحياة الإنسانية ، ومؤثّر في كيانها الاجتماعي بالصميم .
وهذه المشكلة عميقة الجذور في الأغوار البعيدة مِن تاريخ البشرية ، وقد واجهها الإنسان منذ نشأتْ في واقعة الحياة الاجتماعية ، وانبثقت الإنسانية الجماعية تتمثّل في عدّة أفراد تجمَعُهم علاقات وروابط مشتركة .
فانّ هذه العلاقات في حاجة - بطبيعة الحال - إلى توجيه وتنظيم شامل ، وعلى مدى انسجام هذا التنظيم مع الواقع الإنساني ومصالحه ، يتوقّف استقرار المجتمع وسعادته .
وقد دفعت هذه المشكلة بالإنسانية في ميادينها الفِكرية والسياسية.. إلى خوض جهادٍ طويل ، وكفاحٍ حافل بمختلف ألوان الصراع ، وبشتّى مذاهب العقل البشري ، التي ترمي إلى إقامة الصرح الاجتماعي وهندسته ، ورسم خُطَطه ووَضع ركائزه .
وكان جهاداً مرهقاً يضجّ بالمآسي والمظالم ، ويزخر بالضِحكات والدموع ، وتقترن فيه السعادة بالشقاء كلّ ذلك لِما كان يتمثّل في تلك الألوان الاجتماعية ، مِن مظاهر الشذوذ والانحراف عن الوضع الاجتماعي الصحيح ولولا ومضات شعَّت في لحظات مِن تاريخ هذا الكوكب ، لكان المجتمع الإنساني يعيش في مأساة مستمرّة ، وسَبْحٍ دائمٍ في الأمواج الزاخرة .
ولا نريد أنْ نستعرض الآن أشواط الجهاد الإنساني في الميدان الاجتماعي ؛ لأنّنا لا نقصد بهذه الدراسة أنْ نؤرِّخ للإنسانية المعذّبة ، وأجوائها التي تقلَّبتْ فيها منذ الآماد البعيدة ، وإنّما نريد أنْ نواكِب الإنسانية في واقعها الحاضر ، وفي أشواطها التي انتهت إليها ، لنعرف الغاية التي يجب أنْ ينتهي إليها الشوط والساحل الطبيعي ، الذي لا بدّ للسفينة أنْ تشقّ طريقها إليه وتَرسو عنده ؛ لتصل إلى السلام والخير وتؤوب إلى حياة مستقرّة ، يعمرها العَدْل والسعادة.. بعد جُهدٍ وعناءٍ طويلَين ، وبعد تطوافٍ عريض في شتّى النواحي ، ومختلَف الاتّجاهات .
والواقع أنّ إحساس الإنسان المعاصر بالمشكلة الاجتماعية ، أشدّ مِن إحساسه بها في أيّ وقتٍ مضى ، مِن أدوار التاريخ القديم فهو الآن أكثر وعياً لِمَوقفه مِن المشكلة ، وأقوى تحسّساً بتعقيداتها ؛ لأنّ الإنسان الحديث أصبح يَعِي أنّ المشلكة مِن صُنعِه ، وأنّ النظام الاجتماعي لا يُفرَض عليه مِن أعلى ، بالشِكل الذي تُفرَض عليه القوانين الطبيعية ، التي تتحكّم في علاقات الإنسان بالطبيعة .
على العكس مِن الإنسان القديم ، الذي كان ينظر في كثير مِن الأحايين إلى النظام الاجتماعي وكأنّه قانون طبيعيّ ، لا يملك في مقابله اختياراً ولا قُدرة فكما لا يستطيع أنْ يُطوِّر مِن قانون جاذبيّة الأرض ، كذلك لا يستطيع أنْ يُغيِّر العلاقات الاجتماعية القائمة .
ومِن الطبيعي أنّ الإنسان حين بدأ يؤمِن بأنّ هذه العلاقات مظهَر مِن مظاهر السلوك ، التي يختارها الإنسان نفْسه، ولا يفْقِد إرادته في مجالها.. أصبحتْ المشكلة الاجتماعية ، تعكس فيه - في الإنسان الذي يعيشها فِكرياً - مرارةً ثوريّةً ، بدَلاً مِن مرارة الاستسلام .
والإنسان الحديث مِن ناحيةٍ أخرى أخَذ يعاصر تطوّراً هائلاً ، في سيطرة الإنسانية على الطبيعة لمْ يسبِقْ له نظير وهذه السيطرة المُتنامية بشكلٍ مرعِب وبقفزات العمالقة ، تُزيد في المشكلة الاجتماعية تعقيداً ، وتضاعف مِن أخطارها ؛ لأنّها تفتح بين يدي الإنسان مجالات جديدة وهائلة للاستغلال ، وتُضاعِف مِن أهمّية النظام الاجتماعي ، الذي يتوقّف عليه تحديد نصيب كلّ فَرد مِن تلك المكاسب الهائلة ، التي تُقدِّمها الطبيعة اليوم بسَخاءٍ للإنسان .
وهو بعد هذا يمْلِك مِن تجارب سلَفِه - على مَرّ الزمن - خِبرةً أوسع وأكثر شمولاً وعُمقاً ، مِن الخِبرات الاجتماعيّة ، التي كان الإنسان القديم يمتلِكُها ، ويدرس المشكلة الاجتماعيّة في ضَوئها ومِن الطبيعي أنْ يكون لهذه الخِبرة الجديدة أثَرُها الكبير في تعقيد المشكلة ، وتنوّع الآراء في حلِّها والجواب عليها .
نريد الآن - وقد عرفنا المشكلة ، أو السؤال الأساسي الذي واجَهته الإنسانيّة ، منذ مارسَتْ وجودها الاجتماعي الواعـي ، وتفنّنت في المحاولات التي قدّمتها للجواب عليه ، عِبر تاريخها المديد - نريد وقد عرفنا ذلك.. أنْ نُلقي نظرة على ما تملِكه الإنسانيّة اليوم ، وفي كلّ زمان ، مِن الإمكانات والشروط الضرورية ؛ لإعطاء الجواب الصحيح على ذلك السؤال الأساسيّ السالِف الذِكر : ما هو النظام الذي يصلح للإنسانية ، وتسعَد به في حياتها الاجتماعيّة ؟ .
فهل في مقدور الإنسانية أنْ تقدّم هذا الجواب ؟ .
وما هو القَدَر الذي يتوفّر - في تركيبها الفِكريّ والروحيّ - مِن الشروط اللازمة ، للنجاح في ذلك ؟ .
وما هي نوعية الضمانات التي تَكفُل للإنسانيّة نجاحها في الامتحان ، وتوفيقها في الجواب ، الذي تُعطيه على السؤال ، وفي الطريقة التي تختارها لحلّ المشكلة الاجتماعيّة ، والتوصّل إلى النظام الأصلح ، الكفيل بسعادة الإنسانيّة وتصعيدها إلى أرفع المستويات ؟ .
وبتعبيرٍ أكثر وضوحاً : كيف تستطيع الإنسانيّة المعاصرة أنْ تُدرك مثلاً : أنّ النظام الديمقراطي الرأسمالي ، أو دكتاتوريّة البروليتاريا الاشتراكيّة ، أو غيرهما.. هو النظام الأصلـح ، وإذا أدركَتْ هذا أو ذاك ، فما هي الضمانات التي تضمن لها أنّها على حقّ وصواب في إدراكها ؟
ولو ضمنتْ هذا أيضاً ، فهل يكفي إدراك النظام الأصلَح ، ومعرفة الإنسان به ؛ لتطبيقه وحلّ المشكلة الاجتماعيّة على أساسه ، أو يتوقّف تطبيق النظام على عوامل أخرى ، قد لا تتوفّر بالرغم مِن معرفة صلاحه وجَدارته ؟.
وترتبط هذه النقاط التي أثَرناها الآن إلى حدٍّ كبير بالمفهوم العامّ عن المجتمع والكَون ؛ ولذلك تختلف طريقة معالجتها مِن قِبَل الباحثين ، تَبَعاً لاختلاف مفاهيمهم العامّة عن ذلك ، ولنبدأ بالماركسيّة .
ترى الماركسية : أنّ الإنسان يتكيّف روحيّاً وفِكريّاً وِفقاً لطريقة الإنتاج ، ونوعية القوى المُنتِجة فهو بصورة مستقلّة عنها لا يُمكِنه أنْ يُفكّر تفكيراً اجتماعيّاً ، أو أنْ يعرف ما هو النظام الأصلح ؟ وإنّما القوى المُنتجة هي التي تُملي عليه هذه المعرفة ، وتُتيح له الجواب على السؤال الأساسي ، الذي طرحناه في فاتحة الحديث ، وهو بدَوره يُردِّد صَداها بدقّةٍ وأمانة .
فالطاحونة الهوائية مثلاً ، تبعَث في الإنسانيّة الشعور بأنّ النظام الإقطاعيّ هو النظام الأصلح ، والطاحونة البخارية التي خَلَفَتْها تُلقِّن الإنسان : أنّ النظام الرأسماليّ هو الأجْدَر بالتطبيق ، ووسائل الإنتاج الكهربائية والذرّية اليوم ، تُعطي المجتمع مضموناً فِكرياً جديداً ، يؤمِن بأنّ الأصلح هو النظام الاشتراكي .
فقُدرة الإنسانيّة على إدراك النظام الأصلح ، هي تماماً قُدرتها على ترجمة المدلول الاجتماعي للقوى المنتِجة ، وترديد صداها .
وأمّا الضمانات التي تكفُل للإنسانيّة صوابها ، وصحّة إدراكها ، ونجاحها في تصوّرها للنظام الأصلح.. فهي تتمثّل في حركة التاريخ السائرة إلى الأمام دَوماً فما دام التاريخ في رأي الماركسيّة يتسلّق الهرَم ، ويزحف بصورة تصاعديّة دائـماً ، فلابدّ أنْ يكون الإدراك الاجتماعي الجديد للنظام الأصلح ، هو الإدراك الصحيح .
وأمّا الإدراك التقليدي القديم فهو خاطئ ، ما دام قد تكوّن إدراكٌ اجتماعيّ أحدَث منه فالذي يضمَن للإنسان السوفياتي اليوم صحّة رأيه الاجتماعي ، هو أنّ هذا الرأي يُمثِّل الجانب الجديد مِن الوعي الاجتماعيّ ، ويُعبِّر عن مرحلة جديدة مِن التاريخ ، فيجب أنْ يكون صحيحاً ، دون غيره مِن الآراء القديمة .
صحيحٌ أنّ بعض الأفكار الاجتماعيّة قد تبدو جديدة - بالرغم مِن زَيفها - كالفِكر النازيّ في النِصف الأوّل مِن هذا القَرْن ، حيث بَدا وكأنّه تعبيرٌ عن تطوّر تاريخيّ جديد ولكن سُرعان ما تنكشِف أمثال هذه الأفكار المقنَّعة .
ويظهر خلال التجربة أنّها ليست إلاّ رجْعاً للأفكار القديمة ، وتعبيراً عن مراحل تاريخيّة بالِية ، وليست أفكاراً جديدة بمعنى الكلمة .
وهكذا تؤكّد الماركسية : على أنّ جِدَة الفِكر الاجتماعيّ ( بمعنى انبثاقه عن ظروف تاريخيّة جديدةِ التكوّن ) ، هي الكفيلة بصحّته ، ما دام التاريخ في تجدّدٍ ارتقائيّ.
وهناك شيءٌ آخَر وهو : إدراك الإنسانيّة اليوم ، مثلاً للنظام الاشتراكي - بوَصفه النظام الأصلح - لا يكفي في رأي الماركسيّة ، لإمكان تطبيقه ، مالَمْ تخُضْ الطبَقة التي تنتفع بهذا النظام أكثر مِن سواها - وهي الطَبقة العامِلة في مثالنا - صراعاً طبَقيّاً عنيفاً ، ضدّ الطبَقة التي مِن مصلَحتِها الاحتفاظ بالنظام السابق .
وهذا الصراع الطبَقي المسعور يتفاعل مع إدراك النظام الأصلح ، فيشتدّ الصراع كلّما نَما هذا الإدراك وازداد وضوحاً ، وهو بدوره يُعمِّق الإدراك ويُنمِّيه كلّما اشتدّ واستفحل .
ووُجهة النظر الماركسيّة هذه تقوم على أساس مفاهيم المادّية التاريخية ، التي نقدْناها في دراستنا الموَسّعة للماركسية الاقتصادية(١) .
وما نضيفه الآن تعلِيَةً على ذلك هو : أنّ التاريخ نفسه يُبرهن على أنّ الأفكار الاجتماعيّة ، بشأن تحديد نوعية النظام الأصلح.. ليست مِن خَلْق القوى المُنتِجة ، بل للإنسان أصالته وإبداعه في هذا المجال ، بصورة مستقلّة عن وسـائل الإنتاج ، وإلاّ فكيف تفسِّر لنا الماركسيّة ظهور فِكرة التأميم ، والاشتراكيّة ومِلكيّة الدولة في فترات زمنيّة متباعِدة مِن التاريخ ؟!.
فلو كان الإيمان بفِكرة التأميم - بوَصفِه النظام الأصلح ، كما يؤمِن الإنسان السوفياتي اليوم - نتيجةً لنوعيّة القوى المنتِجة السائدة اليوم ، فما معنى ظهور الفِكرة نفْسها في أزمنةٍ سحيقة ، لم تكن تملك مِن هذه القوى المنتِجة شيئاً .
أفلَمْ يكن أفلاطون يؤمِن بالشيوعيّة ، ويتصوّر مدينته الفاضلة على أساسٍ شيوعيّ ؟! فهل كان إدراكه هذا مِن معطيات الوسائل الحديثة في الإنتاج ، التي لم يكن الإغريق يملك منها شيئاً ؟! .
ماذا أقول؟! بل إنّ الأفكار الاشتراكية بلغَت قبل ألفَين مِن السنين ، مِن النُضج والعُمق في ذِهنيّة بعض كُبّار المفكِّرين السياسيّين درجةً أتاحتْ لها مجالاً للتطبيق ، كما يطبّقها الإنسان السوفياتي اليوم ، مع بعض الفروق .
_________________
(١) راجع اقتصادنا ص ٣ - ١٩٦.
فهذا ( وو - دي ) أعظم الأباطرة ، الذين حكَموا الصين مِن أُسرة ( هان ) ، كان يؤمِن في ضوء خِبرته وتجارِبِه بالاشتراكيّة ، باعتبارها النظام الأصلح فقام بتطبيقها عام (١٤٠ - ١٨٧ ق.م ) : فجعل موارد الثروة الطبيعية مِلكاً للأُمّـة ، وأَمَّمَ صناعات استخراج المِلح والحديد وعَصْر الخَمْر.
وأراد أنْ يقضي على سُلطان الوُسَطاء ، والمُضاربين في جهاز التجارة : فأنشأ نظاماً خاصّاً للنَقْل والتبادل ، تُشرِف عليه الدولة ، وسَعى بذلك للسيطرة على التجارة ، حتّى يستطيع مَنْع تقلّب الأسعار الفُجائي ، فكان عمّال الدولة هُم الذين يتولّون شؤون نَقْل البضائع ، وتوصيلها إلى أصحابها في جميع أنحاء البلاد .
وكانت الدولة نفسها تخزن ما زاد مِن السلَع على حاجة الأهلين ، وتبيعها إذا أخذَت أثمانها في الارتفاع فوق ما يجـب ، كما تشتريها إذا انخفضت الأسعار وشَرع يُقيم المنشآت العامّة العظيمة ؛ لِيوجِد بذلك عمَلاً لملايين الناس ، الذين عجزت الصناعات الخاصّة عن استيعابهم .
وكذلك اعتلى العَرش في بداية التاريخ المسيحي ( وانج مانج ) ، فتحمّس بإيمان لفِكرة إلغاء الرقّ ، والقضاء على العبودية ، ونظام الإقطاع ، كما آمَن الأوروبيّون في بداية العصْر الرأسمالي ..
وألغى الرقّ ، وانتزع الأراضي مِن الطبَقة الإقطاعيّة ، وأمَّمَ الأرض الزراعية ، وقسَّمها قسماً متساوية ، ووزّعها على الزُرّاع ، وحرّم بَيع الأراضي وشراءها ؛ ليمنع بذلك مِن عَودة الأملاك الواسعة إلى ما كانت عليه مِن قَبْل ، وأمَّمَ المناجم وبعض الصناعات الكبرى .
فهل يمكن أنْ يكون ( وو - دي ) ، أو ( وانج مانج ).. قد استَوحَيا إدراكهما الاجتماعيّ ، ونهجهما السياسيّ هذا مِن قِوى البخار ، أو قوى الكهرباء أو الذرّة ، التي تعتبرها الماركسيّة أساساً للتفكير الاشتراكي .
وهكذا نستنتج : أنّ إدراك هذا النظام ، أو ذاك - بوصفه النظام الأصلح - ليس صنيعة لهذه الوسيلة ، من وسائل الإنتاج أو تلك .
كما أنّ الحركة التقدّمية للتاريخ ، التي تُبرهن الماركسيّة عن طريقها على : أنّ جِدَة الفِكر تضمن صحّته.. ليست إلاّ أسطورة أخرى مِن أساطير التاريخ ، فإنّ حركات الانتكاس ، وذَوَبان الحضارة كثيرة جدّاً .
وأمّا المفكّرون غير الماركسيّين ، فهُم يقرّرون عادةً : أنّ قُدرة الإنسان على إدراك النظام الأصلح.. تنمو عنده مِن خلال التجارب الاجتماعيّة التي يعيشها فحينما يُطبِّق الإنسان الاجتماعي نظاماً معيّناً ، ويجسّده في حياته.. يستطيع أنْ يُلاحظ - مِن خلال تجربته لذلك النظام - الأخطاء ونقاط الضَعف المُستترة فيها ، والتي تتكشَّف له على مَرّ الزمن ، فتمكّنه مِن تفكيرٍ اجتماعيٍّ ، أكثر بصيرة وخِبرة..
وهكذا يكون بإمكان الإنسان أنْ يُفكِّر في النظام الأصلح ، ويضع جوابه على السؤال الأساسي ، في ضَوء تجاربه وخِبرته وكلّما تكاملت وكَثُرت تجاربه ، أو الأنظمة التي جرّبها ، ازداد معرفةً وبصيرةً ، وصار أكثر قُدرة على تحديد النظام الأصلح ، وتصوّر معالِمه .
فسؤالنا الأساسي : ما هو النظام الأصلح ؟.. ليس إلاّ كسؤال : ما هي أصلح طريقة لتدفئة السكَن ؟.. هذا السؤال الذي واجَهَه الإنسان منذ أحسّ بالبَرْد ، وهو في كَهفِه أو مغارته ، فأخَذ يفكِّر في الجواب عليه ، حتّى اهتدى في ضَوء ملاحظاته ، أو تجاربه العديدة إلى طريقةٍ إيجاد النار وظلّ يُثابر ويجاهد في سبيل الحصول على جوابٍ أفضل ، عِبْر تجاربه المديدة ، حتّى انتهى أخيراً إلى اكتشاف الكهرباء ، واستخدامها في التدفئة .
وكذلك آلاف المشاكل التي كانت تعترض حياته ، فأدرَك طريقة حلِّها خلال التجربة ، وازداد إدراكه دقّةً كلّما كَثُرت التجربة : كمشكلة الحصول على أصلح دواء للسِلّ ، أو أسهل وسيلة لاستخراج النفط ، أو أسرع واسطة للنَقْل والسفر ، أو أفضل طريقة لحياكة الصوف... وما إلى ذلك مِن مشاكل وحلول .
فكما استطاع الإنسان أنْ يحلّ هذه المشاكل ، ويضع الجواب عن تلك الأسئلة ، مِن خلال تجاربه.. كذلك يستطيع أنْ يُجيب على سؤال : ما هو النظام الأصلح ؟! مِن خلال تجاربه الاجتماعيّة ، التي تكشِف له عن سيّئات ومحاسن النظام المجرَّب ، وتبرز ردود الفِعل له على الصعيد الاجتماعي .
وهذا صحيح إلى درجةٍ ما : فإنّ التجربة الاجتماعيّة تُتيح للإنسان ، أنْ يُقدِّم جوابه على سؤال : ما هو النظام الأصلـح ؟ كما أتاحتْ له تجارب الطبيعة ، أنْ يجيب على الأسئلة الأخرى العديدة ، التي اكتنفت حياته منذ البداية .
ولكنّنا يجب أنْ نفرِّق - إذا أردنا أنْ ندرس المسألة على مستوىً أعمَق - بين التجارب الاجتماعيّة ، التي يكون الإنسان خلالها إدراكه للنظام الأصلح ، وبين التجارب الطبيعيّة ، التي يكتسب الإنسان خلالها معرفته بأسرار الطبيعة وقوانينها ، وطريقة الاستفادة منها : كأنجح دواء ، أو أسرع واسطة للسَفر ، أو أفضل طريقه للحياكة ، أو أسهل وسيلة لاستخراج النفط ، أو أنجع طريقة لفَلْق الذرّة مثلاً .
فإنّ التجارب الاجتماعية ( أي تجارب الإنسان الاجتماعي ، للأنظمة الاجتماعية المختلفة ) لا تصِل في عطائها الفكريّ إلى درجة التجارب الطبيعية ( وهي تجارب الإنسان لظواهر الطبيعة ) ؛ لأنّها تختلف عنها في عدّة نقاط .
وهذا الاختلاف يؤدّي إلى تفاوت قُدرة الإنسان ، على الاستفادة مِن التجارب الطبيعيّة والاجتماعيّة فبينما يستطيع الإنسان أنْ يدرك أسرار الظواهر الطبيعيّة ، ويرتقي في إدراكه هذا إلى ذَروَة الكمال على مَرّ الزمن ، بفضْل التجارب الطبيعيّة والعِلميّة.. لا يسير في مجال إدراكه الاجتماعي للنظام الأصلح ، إلاّ سَيراً بطيئاً ، ولا يتَأتّى له بشكْلٍ قاطع أنْ يبلغ الكمال في إدراكه الاجتماعي هذا ، مهما توافرَت تجاربه الاجتماعية وتكاثَرت.
ويجب علينا - لمعرفة هذا - أنْ ندرس تلك الفروق المهمّة ، بين طبيعة التجربة الاجتماعيّة ، والتجربة الطبيعيّة ؛ لنصل إلى الحقيقة التي قرّرناها ، وهي :
أنّ التجربة الطبيعية : قد تكون قادرة على مَنْح الإنسان ، عِبر الزمن فِكرة كاملة عن الطبيعة ، يستخدمها في سبيل الاستفادة مِن ظواهر الطبيعة وقوانينها .
وأمّا التجربة الاجتماعيّة : فهي لا تستطيع أنْ تضمن للإنسان إيجاد هذه الفِكرة الكاملة ، عن المسألة الاجتماعية .
وتتلخّص أهمّ تلك الفروق فيما يلي :
أوّلاً : إنّ التجربة الطبيعيّة يمكن أنْ يباشرها ويمارسها فرد واحد ، فيستوعبها بالملاحظة والنظرة ، ويدرس بصورة مباشرة كلّ ما ينكشِف خلالها مِن حقائق وأخطاء ، فينتهي مِن ذلك إلى فِكرة معيّنة ترتكز على تلك التجربة .
وأمّا التجربة الاجتماعيّة : فهي عبارة عن تجسيد النظام المجرّب في مجتمع وتطبيقه عليه ، فتجربة النظام الإقطاعيّ أو الرأسماليّ مثلاً تعني : ممارسة المجتمع لهذا النظام فترة مِن تاريخه ، وهي لأجْل ذلك لا يمكن أنْ يقوم بها فردٌ واحد ويستوعبهـا ، وإنّما يقوم بالتجربة الاجتماعية المجتمع كلّه ، وتستوعب مرحلة تاريخية مِن حياة المجتمع أوسع كثيراً مِن هذا الفرد أو ذاك فالإنسان حين يريد أنْ يستفيد مِن تجربةٍ اجتماعيّة ، لا يستطيع أنْ يُعاصرها بكلّ أحداثها ، كما كان يعاصر التجربة الطبيعيّة حين يقوم بها ، إنّما يعاصر جانباً مِن أحداثها ، ويتحتّم عليه أنْ يعتمد في الاطّلاع على سائر ظواهر التجربة ومضاعفاتها.. على الحدَس والاستنتاج والتاريخ .
ثانياً : إنّ التفكير الذي تُبلْوِره التجربة الطبيعيّة ، أكثر موضوعيّة ونزاهة ، مِن التفكير الذي يستمدّه الإنسان مِن التجربة الاجتماعيّة .
وهذه النقطة مِن أهمّ النقاط الجوهريّة ، التي تمنع التجربة الاجتماعيّة مِن الارتفاع إلى مستوى التجربة الطبيعيّة والعلميّة ، فلا بدّ مِن جلائها بشِكلٍ كامل .
ففي التجربة الطبيعيّة ، ترتبط مصلحة الإنسان - الذي يصنع تلك التجربة - باكتشاف الحقيقة ، الحقيقة كاملة صريحة دون مُوارَبة ، وليس له - في الغالب - أدنى مصلحة بتزوير الحقيقة ، أو طَمْس معالِمها ، التي تتكشّف خلال التجربة .
فإذا أراد - مثلاً - أنْ يُجرِّب درجة تأثّر جراثيم السلّ بمادّة كيماويّة معيّنة ، حين إلقائها في محيط تلك الجراثيم ، فسوف لا يهمّه إلاّ معرفة درجة تأثّرها ، مهما كانت عالِية أو منخفضة ، ولن ينفعَه في علاج السلّ ومكافحته أنْ يزوِّر الحقيقة ، فيبالِغ في درجة تأثّرها ، أو يهوّن منها وعلى هذا الأساس يتّجه تفكير المجرِّب - في العادة - اتّجاهاً موضوعيّاً نزيهاً .
وأمّا في التجربة الاجتماعيّة ، فلا تتوقّف مصلحة المجرِّب دائماً على تجلِيَة الحقيقة ، واكتشاف النظام الاجتماعي الأصلح لمجموع الإنسانيّة ، بل قد يكون مِن مصلحته الخاصّة أنْ يستُر الحقيقة عن الأنظار :
فالشخص الذي ترتكز مصالحُه على نظام الرأسماليّة والاحتكار ، أو على النظام الربَويّ للمصارف مثلاً ، سوف يكون مِن مصلحته جدّاً أنْ تجيء الحقيقة ، مؤكّدة لنظام الرأسماليّة والاحتكار والربا المصرفيّ ، بوَصفه النظام الأصلح حتّى تستمرّ منافعه التي يدرّها عليه ذلك النظام .
فهو إذن ليس موضوعيّاً بطبيعته ، ما دام الدافع الذاتيّ يحثُّه على اكتشاف الحقيقة ، باللون الذي يتّفق مع مصالحه الخاصّة .
وكذلك الشخص الآخَر ، الذي تتعارض مصلحته الخاصّة مع الرِبا أو الاحتكار ، لا يهمّه شيءٌ ، كما يهمّه أنْ تثبُت الحقيقة بشِكلٍ يُدين الأنظمة الربَوِيّة والاحتكاريّة فهو حينما يريد أنْ يستنتج الجواب على المسألة الاجتماعيّة : ( ما هو النظام الأصلح ؟ ) مِن خلال دراسته الاجتماعيّة ، يقترن دائماً بقوّة داخلية تُحبِّذ له وجهة نظر معيّنة ، وليس شخصاً محايِداً بمعنى الكلمة .
وهكذا نعرف : أنّ تفكير الإنسان في المسألة الاجتماعيّة لا يمكن - عادةً - أنْ تضمن له الموضوعيّة ، والتجرّد عن الذاتيّة بالدرجة ، التي يمكن ضمانها في تفكير الإنسان حين يعالج تجربةً طبيعيّة ، ومسألة مِن مسائل الكَون .
ثالثاً : وهَب أنّ الإنسان استطاع أنْ يتحرّر فِكريّاً مِن دَوافعه الذاتيّة ، ويفكّر تفكيراً موضوعيّاً ، ويكشِف الحقيقـة وهي :
إنّ هذا النظام أو ذاك هو النظام الأصلح لمجموع الإنسانيّة ، ولكن مَن الذي يضمن اهتمامه بمصلحة مجموع الإنسانية ، إذا لم تلتقِ بمصلحته الخاصّة ؟! ومَن الذي يكفُل سعْيَه في سبيل تطبيق ذلك النظام الأصلح للإنسانيّة ، إذا تعارض مع مصالحه الخاصّة ؟! فهل يكفي - مثلاً - إيمان الرأسماليّين ، بأنّ النظام الاشتراكي أصلح سبباً لتطبيقهم للاشتراكيّة ورضاهم عنها ، بالرغم مِن تناقضها مع مصالحهم ؟! أو هل يكفي إيمان الإنسان المعاصر ( إنسان الحضارة الغربيّة ) - في ضَوء تجاربه التي عاشها - بالخطر الكامِن في نظام العلاقات بين الرجُل والمرأة ، القائم على أساس الخلاعة والإباحية.
هل يكفي إيمانه بما تشتمل عليه هذه العلاقات ، مِن خطر الميوعة والذَوَبان على مستقبل الإنسان وغَدِه ؛ لاندفاعه إلى تطوير تلك العلاقات بالشكل الذي يضمن للإنسانيّة مستقبلها ، ويحميها مِن الذَوَبان الجِنسيّ والشهَويّ ، ما دام لا يشعر بخطرٍ معاصر على واقِعه الذي يعيشه ، وما دامت تلك العلاقات توَفِّر له كثيراً مِن ألوان المُتعة واللذّة ؟؟!!
نحن إذن وفي هذا الضَوء ، نشعر بحاجة لا إلى اكتشاف النظام الأصلح لمجموع الإنسانيّة فحَسب ، بل إلى دافع يجعلنا نعنى بمصالح الإنسانية ككلّ ، ونسعى إلى تحقيقها ، وإنْ اختلفت مع مصالح الجزء الذي نمثّله مِن ذلك الكلّ .
رابعاً : إنّ النظام الذي يُنشِئُه الإنسان الاجتماعيّ ، ويؤمِن بصلاحه وكفاءته ، لا يمكن أنْ يكون جديراً بتربية هذا الإنسان ، وتصعيده في المجال الإنسانيّ إلى آفاقٍ أرحَب ؛ لأنّ النظام الذي يصنعه الإنسان الاجتماعيّ ، يعكس دائماً واقع الإنسان الذي صنعه ، ودرجته الروحيّة والنفسيّة .
فإذا كان المجتمع يتمتّع بدرجة منخفضة مِن قوّة الإرادة وصلابتها مثلاً ، لم يكن ميسوراً له أنْ يُربّي إرادته ويُنمّيها ، بإيجاد نظامٍ اجتماعيٍّ صارم ، يغذّي الإرادة ويزيد مِن صلابتها ؛ لأنّه ما دام لا يملِك إرادةً صلبة ، فهو لا يملك القدرة على إيجاد هذا النظام ، ووَضْعه موضع التنفيذ ، وإنّما يضع النظام الذي يعكس ميوعة إرادته وذَوَبانها .
وإلاّ فهل ننتظر مِن مجتمعٍ لا يملك إرادته إزاء إغواء الخمورة - مثلاً - وإغراءها ، ولا يتمتّع بقدرة الترفّع عن شهوةٍ رخيصةٍِ كهذه ، هل ننتظر مِن هذا المجتمع : أنْ يضع مَوضع التنفيذ نظاماً صارماً ، يحرِّم أمثال تلك الشهوات الرخيصة ، ويُربّي في الإنسان إرادته ، ويردّ إليه حرّيته ويُحرّره مِن عبودية الشهوة وإغرائها ؟!! كلاّ طبعاً فنحن لا نترقّب الصلابة مِن المجتمع الذائب ، وإنْ أدرك أضرار هذا الذَوبان ومضاعفاته ، ولا نأمل مِن المجتمع الذي تستعبده شهوة الخَمرة أنْ يحرّر نفسه بإرادته ، مهما أحسّ بشرور الخَمرة وآثارها ؛ لأنّ الإحساس إنّما يتعمّق ويتركّز لدى المجتمع ، إذا استرسل في ذَوبانه وعبوديّته للشهوة وإشباعها ، وهو كلّما استرسل في ذلك أصبح أشدّ عجْزاً عن معالجة المَوقف ، والقفز بإنسانيّته إلى درجاتٍ أعلى .
وهذا هو السبب الذي جعل الحضارات البشَريّة التي صنعها الإنسان ، تعجَز عادةً عن وَضع نظام يقاوِم في الإنسان عبوديّته لشهوته ، ويرتفع به إلى مستوىً إنسانيٍّ أعلى ، حتّى لقد أخفقت الولايات المتّحدة - وهي أعظم تعبير عن أضخم الحضارات التي صنعها الإنسان - في وَضع قانون تحريم الخَمرة موضع التنفيذ ؛ لأنّ مِن التناقض أنْ نترقّب مِن المجتمع الذي استسلم لشهوة الخمرة وعبوديّتها ، أنْ يسنّ القوانين التي ترتفع به مِن الحضيض الذي اختاره لنفسه .
بينما نجد أنّ النظام الاجتماعيّ الإسلاميّ الذي جاء به الوحي ، قد استطاع - بطريقته الخاصّة في تربية الإنسانيّة ، ورَفْعها إلى أعلى - أنْ يُحرِّم الخَمرة ، وغيرها مِن الشهَوات الشرّيرة ، ويخلق في الإنسان الإرادة الواعية الصلبة .
ولم يبقَ علينا - بعد أنْ أَوضحنا جانباً مِن الفروق الجَوهريّة بين التجربة الاجتماعيّة ، التي يمارسها المجتمع بأسْره ، والتجربة الطبيعيّة التي يمارسها المجرِّب نفسه - إلاّ أنْ نُثير السؤال الأخير ، في مجال المسألة التي ندرسها : ( مسألة مدى قدرة الإنسان في حقل التنظيم الاجتماعيّ ، واختيار النظام الأصلح ) .
وهذا هو السؤال : ما هي قيمة المعرفة العِلميّة في تنظيم حياة الجماعة ، وإرساء الحياة الاجتماعيّة ، والنظام الاجتماعيّ على أساسٍ عِلميٍّ مِن التجارب الطبيعيّة ، التي تملِك مِن الدقّة ما تتّسم به التجارب في مجال الفيزياء والكيمياء ، ونتخلّص بذلك مِن نقاط الضَعف ، التي درسناها في طبيعة التجربة الاجتماعيّة ؟؟ .
وبكلمةٍ أخرى : هل في الإمكان الاستغناء - لدى تنظيم الحياة الاجتماعيّة ، والتعرّف على النظام الأصلح - عن دراسة تاريخ البشَريّة ، والتجارب التي مارسَتْها المجتمعات الإنسانيّة عِبْر الزمن ، والتي لا نملِك تجاهها سوى الملاحظة عن بُعد ، ومِن وراء ستائر الزمن التي تفصلنا عنها..
هل في الإمكان الاستغناء عن ذلك كلِّه ، بإقامة حياتنا الاجتماعيّة في ضوء تجاربٍ عِلميّةٍ نعيشها، ونمارسها بأنفسنا على هذا أو ذاك مِن الأفراد ، حتّى نصل إلى معرفة النظام الأصلح ؟؟ .
وقد يتّجه بعض المتفائلين إلى الجواب على هذا السؤال بالإيجاب ؛ نظراً إلى ما يتمتّع به إنسان الغَرْب اليوم مِن إمكانات عِلميّة هائلة :
أوَ ليس النظام الاجتماعيّ : هو النظام الذي يكفُل إشباع حاجات الإنسانيّة ، بأفضل طريقةٍ ممكنة ؟؟ أوَ لَيست حاجات الإنسان أشياء واقعيّة قابلة للقياس العِلميّ والتجربة ، كسائر ظواهر الكون ؟! .
أوَ ليست أساليب إشباع هذه الحاجات تعني أعمالاً محدودة ، يمكن للمنطق العلميّ أنْ يقيسها ويُخضعها للتجربة ، ويدرس مدى تأثيرها في إشباع الحاجات ، وما ينجم عنها مِن آثار ؟! .
فلماذا لا يمكن إرساء النظام الاجتماعيّ على أساس مِن هذه التجارب ؟! لماذا لا يمكن أنْ نكتشف بالتجربة على شخصٍ أو عدّة أشخاص ، مجموع العوامل الطبيعيّة والفسيولوجيّة والسيكولوجيّة ، التي تلعب دَوراً في تنشيط المواهب الفِكريّة وتنميـة الذكاء ؛ حتّى إذا أرَدنا أنْ نُنظّم حياتنا الاجتماعيّة ، بشكلٍ يكفُل تنمية المواهب العقليّة والفِكريّة للأفراد ، حرصْنا على أنْ تتوفّر في النظام تلك العوامل لجميع الأفراد ؟!! .
وقد يذهب بعض الناشئة في التصوّر إلى أكثر مِن هذا ، فيُخيَّل له : أنّ هذا ليس ممكناً فحَسْب ، بل هو ما قامت به أوروبا الحديثة في حضارتها الغربيّة ، منذ رفضَتْ الدِين والأخلاق ، وجميع المقولات الفِكريّة والاجتماعيّة ، التي مارسَتْها الإنسانيّة في تجاربها الاجتماعيّة عِبر التاريخ ، واتّجهت في بناء حياتها على أساس العِلم ، فقفزَتْ في مجراها التاريخيّ الحديث ، وفتحت أبواب السماء ، وملكَتْ كنوز الأرض....
وقبل أنْ نجيب على السؤال الذي أثَرناه : ( السؤال عن مدى إمكان إرساء الحياة الاجتماعيّة ، على أساس التجارب العِلميّة ) ، يجب أنْ نناقش هذا التصوّر الأخير للحضارة الغربيّة ، وهذا الاتّجاه السطحيّ إلى الاعتقاد : بأنّ النظام الاجتماعيّ ، الذي يُمثِّل الوجه الأساسيّ لهذه الحضارة ، نتيجةً للعنصر العِلميّ فيها .
فإنّ الحقيقة هي : أنّ النظام الاجتماعيّ الذي آمنَت به أوروبا ، والمبادئ الاجتماعيّة التي نادت بها وطبّقتْها ، لم تكن نتيجةً لدراسةٍ عِلميّةٍ تجريبيّة ، بل كانت نظريّة أكثر منها تجريبيّة ، ومبادئ فلسفيّة مجرّدة أكثر منها آراء عِلميّة مجرّبة ، ونتيجةً لفَهْمٍ عقليٍّ وإيمانٍ بقِيَم عقليّة محدودة ، أكثر مِن كَونها نتيجةً لفَهمٍ استنتاجيٍّ ، وبحثٍ تجريبيٍّ في حاجات الإنسان وخصائصه السيكولوجيّة والفسيولوجيّة والطبيعيّة .
فإنّ مَن يدرس النهضة الأوروبيّة الحديثة - كما يسمّيها التاريخ الأوروبيّ - بفَهْمٍ ، يستطيع أنْ يدرك : أنّ اتّجاهها العام في ميادين المادّة ، كان يختلف عن اتّجاهها العام في الحَقل الاجتماعيّ والمجال التنظيميّ للحياة فهي في ميادين المادّة كانت عِلميّـة ، إذ أقامت أفكارها عن دُنيا المادّة على أساس الملاحظة والتجربة ، فأفكارها عن تركيب الماء والهواء ، أو عن قانون الجذب ، أو فَلْق الذرّة ، أفكار عِلميّة مستمدّة مِن الملاحظة والتجربة .
وأمّا في الميدان الاجتماعيّ : فقد تكوّن العقل الغربيّ الحديث على أساس المذاهب النظريّة ، لا الأفكار العِلميّة ، فهو ينادي مثلاً : بحقوق الإنسان العامّة ، التي أعلنَها في ثورته الاجتماعيّة ، ومِن الواضح أنّ فِكرة الحقّ نفسها ليست فِكرةً عِلميّة ؛ لأنّ حقّ الإنسان في الحرّية - مثلاً - ليس شيئاً مادّياً قابلاً للقياس والتجربة ، فهو خارج عن نطاق البحث العلميّ ، وإنّما الحاجة هي الظاهرة المادّيـة ، التي يمكن أنْ تُدرس علميّاً .
وإذا لاحظنا مبدأ المساواة بين أفراد المجتمع ، الذي يعتبَر - مِن الوجهة النظريّة - أحد المبادئ الأساسيّة للحياة الاجتماعيّة الحديثة.. فإنّنا نجد أنّ هذا المبدأ لمْ يُستنتَج بشكلٍ علميٍّ مِن التجربة والملاحظة الدقيقة ؛ لأنّ الناس في مقاييس العِلم ليسوا متساوين ، إلاّ في صِفة الإنسانيّة العامّة ، ثمّ هم مختلفون بعد ذلك في مزاياهم الطبيعيّة والفسيولوجيّة والنفسيّة والعقليّة ، وإنّما يعبِّر مبدأ المساواة عن قيمةٍ خُلُقيّة هي مِن مدلولات العقل ، لا مِن مدلولات التجربة .
وهكذا نستطيع بوضوح : أنْ نميِّز بين طابع النظام الاجتماعيّ في الحضارة الغربيّة الحديثة ، وبين الطابع العِلميّ وندرك أنّ الاتّجاه العلميّ في التفكير الذي برعت فيه أوروبا الحديثة.. لم يشمل حقْل التنظيم الاجتماعيّ ، وليس هو الأساس الذي استنبطت منه أوروبا أنظمتها ، ومبادئها الاجتماعيّة ، في مجالات السياسة والاقتصاد والاجتماع .
ونحن بهذا إنّما نقرّر الحقيقة ، ولسنا نريد أنْ نعيب على الحضارة الغربيّة إهمالها لقيمة المعرفة العلميّة ، في مجال التنظيم الاجتماعيّ ، أو نؤاخذها على عدم إقامة هذا النظام على أساس التجارب العلميّة الطبيعيّة ، فإنّ هذه التجارب العلميّة لا تصلح لأنْ تكون أساساً للتنظيم الاجتماعيّ .
صحيح أنّ حاجات الإنسان يمكن إخضاعها للتجربة في كثير مِن الأحايين ، وكذلك أساليب إشباعها.. ولكن المسألة الأساسيّة في النظام الاجتماعيّ ، ليست هي إشباع حاجات هذا الفرد أو ذاك ، وإنّما هي إيجاد التوازن العادل بين حاجات الأفراد كافّة ، وتحديد علاقاتهم ضمن الإطار الذي يتيح لهم إشباع تلك الحاجات .
ومِن الواضح أنّ التجربة العلميّة على هذا الفرد أو ذاك ، لا تسمح باكتشاف ذلك الإطار ، ونوعيّة تلك العلاقات ، وطريقة إيجاد ذلك التوازن.. وإنّما يكتشف ذلك خلال ممارسة المجتمع كلّه لنظامٍ اجتماعيٍّ ، إذ تتكشّف خلال التجربة الاجتماعيّة مَواطن الضَعف والقوّة في النظام ، وبالتالي ما يجب اتّباعه ؛ لإيجاد التوازن العادل المطلوب ، الكفيل بسعادة المجموع .
أضف إلى ذلك : أنّ بعض الحاجات أو المضاعفات لا يمكن اكتشافها في تجربة عِلميّة واحدة ، فخُذْ إليك مثلاً هذا الشخص الذي يعتاد الزنا ، فقد لا تجد في كيانه - بوَصفه إنساناً سعيداً - ما ينقصه أو يُكدّره ، ولكنّك قد تجد المجتمع الذي عاش - كما يعيش هذا الفرد - مرحلة كبيرة مِن عُمره ، وأباح لنفسه الانسياق مع شهَوات الجِنس .
قد تجده بعد فترةٍ مِن تجربته الاجتماعيّة منهاراً قد تصدّع كيانه الروحيّ ، وفقَدَ شجاعته الأدبيّة ، وإرادته الحرّة ، وجَذوَته الفكريّة .
فليست كلّ النتائج - التي لا بدّ مِن معرفتها لدى وضع النظام الاجتماعيّ الأصلح - يمكن اكتشافها بتجربةٍ علميّة ، نمارسها في المختبرات الطبيعيّة والفسلجيّة ، أو في المختبرات النفسيّة.. على هذا الفرد أو ذاك ، وإنّما يتوقّف اكتشافها على تجارب اجتماعيّة طويلة الأمَد .
وبعد هذا استخدام التجربة العلميّة الطبيعيّة ، في مجال التنظيم الاجتماعيّ ، يُمنى بنفس النزعة الذاتية التي تهدّد استخدامنا للتجارب الاجتماعيّة فما دام للفرد مصالحه ومنافعه الخاصّة ، التي قد تتّفق مع الحقيقة التي تقرّرها التجربة ، وقد تختلف.. يظل ممكناً دائماً أنْ يتّجـه تفكيره اتّجاهاً ذاتيّـاً ، ويفقِد الموضوعيّة التي تتميّز بها الأفكار العِلميّة ، في سائر المجالات الأخرى .
والآن وقد عرفنا مدى قدرة الإنسان على حلّ المشكلة الاجتماعيّة ، والجواب على السؤال الأساسيّ فيها.. نستعرض أهمّ المذاهب الاجتماعيّة التي تسود الذهنيّة الإنسانيّة العامّة اليوم ، ويقوم بينها الصراع الفِكري أو السياسي ، على اختلاف مدى وجودها الاجتماعيّ في حياة الإنسان وهي مذاهب أربعة :
١ - النظام الديمقراطيّ الرأسماليّ .
٢ - النظام الاشتراكيّ .
٣ - النظام الشيوعيّ .
٤ - النظام الإسلاميّ .
والثلاثة الأُولى مِن هذه المذاهب تمثّل ثلاث وجْهات نظَرٍ بشَريّة ، في الجواب على السؤال الأساسيّ : ما هو النظام الأصلـح ؟ فهي أجوبة وضَعها الإنسان على هذا السؤال ، وفقاً لإمكاناته وقدرته المحدودة ، التي تبيّنّا مداها قبل لحظة .
وأمّا النظام الإسلاميّ : فهو يعرض نفسه على الصعيد الاجتماعيّ ، بوَصفه دِيناً قائماً على أساس الوحي ومعطىً إلهيّاً ، لا فِكراً تجريبيّاً منبثقاً عن قدرة الإنسان وإمكاناته .
ويتقاسم العالَم اليوم اثنان مِن هذه الأنظمة الأربعة : فالنظام الديمقراطيّ الرأسماليّ هو أساس الحُكم في بقعةٍ كبيرةٍ مِن الأرض ، والنظام الاشتراكيّ هو السائد في بقعةٍ كبيرةٍ أخرى .
وكلٌّ مِن النظامَين يملك كياناً سياسيّاً عظيماً ، يحميه في صراعه مع الآخر ، ويُسلِّحه في معركته الجبّارة التي يخوضها أبطالها ، في سبيل الحصول على قيادة العالَم ، وتوحيد النظام الاجتماعيّ فيه .
وأمّا النظام الشيوعيّ والإسلاميّ ، فوجودهما بالفِعل فكريّ خالص .
غير أنّ النظام الإسلاميّ ، مَرّ بتجربةٍ مِن أروع تجارب النظُم الاجتماعيّة وأنجحها ، ثمّ عصفت به العواصف بعد أنْ خلا الميدان مِن القادة المبدئيّين أو كاد ، وبقِيَت التجربة في رحمة أُناس لمْ ينضج الإسلام في نفوسهم ، ولم يملأ أرواحهم بروحه وجَوهره ، فعجزَتْ عن الصمود والبقاء ، فتقوّض الكيان الإسلاميّ ، وبقِيَ نظام الإسلام فِكرةً في ذهن الأمّة الإسلاميّة ، وعقيدةً في قلوب المسلمين ، وأمَلاً يسعى إلى تحقيقه أبناؤه المجاهدون .
وأمّا النظام الشيوعيّ فهو فِكرة غير مجرّبة حتّى الآن تجربةً كاملة ، وإنّما تتّجه قيادة المعسكر الاشتراكيّ اليوم إلى تهيئة جوٍّ اجتماعيٍّ له ، بعد أنْ عجزَتْ عن تطبيقه حين ملكَتْ زمام الحُكم ، فأعلنت النظام الاشتراكيّ ، وطبّقته كخطوة إلى الشيوعيّة الحقيقيّة .
فما هو موضعنا مِن هذه الأنظمة ؟
وما هي قضيّتنا التي يجب أنْ ننذر حياتنا لها ، ونقود السفينة إلى شاطئها ؟ .
الديمقراطيّة الرأسماليّة
* الحرّيات الأربع في النظام الرأسماليّ .
* الاتّجاه المادّي في الرأسماليّة .
* موضع الأخلاق مِن الرأسماليّة
* مآسي النظام الرأسماليّ .
ولنبدأ بالنظام الديمقراطيّ الرأسماليّ : هذا النظام الذي أطاح بلون مِن الظلم في الحياة الاقتصاديّة ، وبالحُكم الدكتاتوريّ في الحياة السياسيّة ، وبجمود الكنيسة ، وما إليها في الحياة الفكريّة ، وهيّأ مقاليد الحُكم والنفوذ لفئةٍ حاكمة جديدة حلّت محلّ السابقيـن ، وقامت بنفس دَورهم الاجتماعيّ في أسلوبٍ جديد .
وقد قامت الديمقراطيّة الرأسماليّة : على الإيمان بالفرد إيماناً لا حدّ له ، وبأنّ مصالحه الخاصّة بنفسها تكفُل - بصورة طبيعيّة - مصلحة المجتمع في مختلف الميادين ، وأنّ فكرة الدولة إنّما تستهدف حماية الأفراد ومصالحهم الخاصّة ، فلا يجوز لها أنْ تتعدّى حدود هذا الهدف في نشاطها ومجالات عمَلِها .
ويتلخّص النظام الديمقراطيّ الرأسماليّ : في إعلان الحرّيّات الأربع : السياسيّة ، والاقتصاديّة ، والفكريّة ، والشخصيّة .
فالحرّية السياسيّة : تجعل لكلّ فرد كلاماً مسموعاً ، ورأياً محترماً في تقرير الحياة العامّة للأمّة ، ووَضع خططها ورسم قوانينها ، وتعيين السلطات القائمة لحمايتها ؛ وذلك لأنّ النظام الاجتماعيّ للأمّة ، والجهاز الحاكم فيها ، مسألة تتّصل اتّصالاً مباشراً بحياة كلّ فردٍ مِن أفرادها ، وتؤثّر تأثيراً حاسماً ، سعادته أو شقائه ، فمِن الطبيعي حينئذٍ أنْ يكون لكلٍّ حقّ المشاركة في بناء النظام والحُكم .
وإذا كانت المسألة الاجتماعيّة - كما قلنا - مسألة حياة أو موت ، ومسألة سعادة أو شقاء للمواطنين ، الذين تسري عليهم القوانين والأنظمة العامّة فمِن الطبيعيّ ، أيضاً أنْ لا يُباح الاضطلاع بمسؤوليّتها لفردٍ ، أو لمجموعة مِن الأفراد - مهما كانت الظروف - ما دام لم يوجد الفرد ، الذي يرتفع في نزاهة قصده ورجاحة عقله ، على الأهواء والأخطاء .
فلا بدّ إذن مِن إعلان المساواة التامّة في الحقوق السياسيّة للمواطنين كافّة ؛ لأنّهم يتساوون في تحمّل نتائج المسألة الاجتماعيّـة ، والخضوع لمقتضيات السلطات التشريعيّة والتنفيذيّة .
وعلى هذا الأساس قام حقّ التصويت ومبدأ الانتخاب العام ، الذي يضمن انبثاق الجهاز الحاكم - بكلّ سُلُطاته وشُعَبِه - عن أكثريّة المواطنين .
والحرّية الاقتصاديّة : ترتكز على الإيمان بالاقتصاد ، الذي قامت عليه سياسة الباب المفتوح ، وتُقرّر فتْح جميع الأبواب وتهيئة كلّ الميادين ، أمام المواطن في المجال الاقتصادي ، فيُباح التملّك للاستهلاك وللإنتاج معاً ، وتُباح هذه الملكيّة الإنتاجيّة ، التي يتكوَّن منها رأس المال مِن غير حدٍّ وتقييد ، وللجميع على حدٍّ سَواء .
فلكلّ فرد مطلق الحرّية في إنتاج أيّ أسلوب ، وسلوك أيّ طريق ، لكسْب الثروة وتضخيمها ومضاعفتها ، على ضوء مصالحه ومنافعه الشخصيّة .
وفي زعْم بعض المدافعين عن هذه الحرّية الاقتصاديّة : أنّ قوانين الاقتصاد السياسي ، التي تجري على أصولٍ عامّة بصورة طبيعيّة ، كفيلة بسعادة المجتمع وحفظ التوازن الاقتصادي فيه .
وأنّ المصلحة الشخصيّة ، التي هي الحافز القويّ ، والهدف الحقيقيّ للفرد في عمله ونشاطه ، هي خير ضمان للمصلحة الاجتماعيّة العامّة
وأنّ التنافس الذي يقوم في السوق الحرّة ، نتيجة لتساوي المُنتجين والمتّجرين في حقّهم مِن الحرّية الاقتصاديّة ، يكفي وحده لتحقيق روح العدْل والإنصاف ، في شتّى الاتّفاقات والمعاملات .
فالقوانين الطبيعيّة للاقتصاد ، تتدخّل - مثلاً - في حِفظ المستوى الطبيعيّ للثمن ، بصورة تكاد أنْ تكون آليّة ؛ وذلك : أنّ الثمن إذا ارتفع عن حدوده الطبيعيّة العادلة ، انخفض الطلب بحُكم القانون الطبيعي الذي يحكم : ( بأنّ ارتفاع الثمن يؤثّر في انخفاض الطلب ) ، وانخفاض الطلب بدَوره يقوم بتخفيض الثمن ، تحقيقاً لقانون طبيعيٍّ آخر ، ولا يتركه حتّى ينخفض به إلى مستواه السابق ، ويزول الشذوذ بذلك .
والمصلحة الشخصيّة تفرض على الفرد دائماً التفكير في كيفيّة زيادة الإنتاج وتحسينه ، مع تقليل مصارفه ونفقاته ؛ وذلك يحقّق مصلحة المجتمع ، في نفس الوقت الذي يُعتبَر مسألة خاصّة بالفرد أيضاً.
والتنافس يقضي - بصورة طبيعيّة - تحديد أثمان البضائع ، وأجور العمّال والمستخدمين بشكلٍ عادل ، لا ظُلم فيه ولا إجحاف ؛ لأنّ كلّ بائع أو منتج يخشى مِن رفْع أثمان بضائعه ، أو تخفيض أجور عمّاله ، بسبب منافسة الآخرين له مِن البائعين والمُنتجين .
والحرّية الفكريّة : تعني أنْ يعيش الناس أحراراً في عقائدهم وأفكارهم ، يفكّرون حسب ما يتراءى لهم ويحلو لعقولهم ، ويعتقدون ما يصل إليه اجتهادُهم ، أو ما تُوحِيه إليهم مشتهياتهم وأهواؤهم ، بدون عائقٍ مِن السلطة .
فالدولة لا تسلب هذه الحرّية عن فردٍ ، ولا تمنعه عن ممارسة حقّه فيها ، والإعلان عن أفكاره ومعتقداته ، والدفاع عن وِجهات نظَره واجتهاده .
والحرّية الشخصيّة : تعبّر عن تحرّر الإنسان في سلوكه الخاصّ مِن مختلف ألوان الضغط والتحديد، فهو يملك إرادته وتطويرها وِفقاً لرغباته الخاصّة ، مهما نجَم عن استعماله لسيطرته هذه على سلوكه الخاصّ مِن مضاعفات ونتائج ، ما لم تصطدم بسيطرة الآخَرين على سلوكه
فالحدّ النهائي الذي تقف عنده الحرّية الشخصيّة لكلّ فرد : حرّية الآخَرين ، فما لم يمسّها الفرد بسوء ، فلا جُناح عليه أنْ يُكيِّف حياته باللون الذي يحلو له ويتّبع مختلف العادات والتقاليد والشعائر والطقوس التي يستذْوِقها ؛ لأنّ ذلك مسألة خاصّة تتّصل بكيانه وحاضره ومستقبله وما دام يملك هذا الكيان ، فهو قادر على التصرّف فيه كما يشاء .
وليست الحرّية الدينيّة - في رأي الرأسماليّة التي تنادي بها - إلاّ تعبيراً عن الحرّية الفكريّة في جانبها العقائدي ، وعن الحرّية الشخصيّة في الجانب العِلمي ، الذي يتّصل بالشعائر والسلوك .
إنّ الخطّ الفِكري العريض لهذا النظام - كما ألمَحنا إليه - هو : أنّ مصالح المجتمع مرتبطة بمصالح الأفراد ، فالفرد هو القاعدة التي يجب أنْ يرتكِز عليها النظام الاجتماعيّ ، والدولة الصالحة : هي الجهاز الذي يُسخَّر لخدمة الفرد وحسابه ، والأداة القويّة لحفظ مصالحه وحمايتها .
هذه هي الديمقراطيّة الرأسماليّة في ركائزها الأساسيّة ، التي قامت مِن أجلها جملة مِن الثورات ، وجاهد في سبيلها كثير مِن الشعوب والأُمم ، في ظلّ قادةٍ كانوا حين يُعبّرون عن هذا النظام الجديد - ويعدّونهم بمحاسنه - يصفون الجنّة في نعيمها وسعادتـها ، وما تحفل به مِن انطلاقٍ وهناءٍ وكرامةٍ وثراء ، وقد أُجريت عليها بعد ذلك عدّة مِن التعديلات ، غير أنّها لم تمسّ جَوهرها بالصميم، بل بقِيَت محتفظة بأهمّ ركائزها وأُسُسها .
ومِن الواضح : أنّ هذا النظام الاجتماعيّ نظام مادّي خالص ، أُخذ فيه الإنسان منفصلاً عن مبدئه ، وآخرته ، محدوداً بالجانب النفعيّ مِن حياته المادّية ، وافترض على هذا الشكل .
ولكن هذا النظام في نفس الوقت ، الذي كان مشبعاً بالروح المادّية الطاغية.. لم يُبنَ على فلسفةٍ مادّية للحياة ، وعلى دراسةٍ مفصّلة لها .
فالحياة في الجوّ الاجتماعي لهذا النظام ، فُصِلت عن كلّ علاقةٍ خارجةٍ عن حدود المادّية والمنفعة ، ولكن لم يُهيّأ لإقامة هذا النظام فَهْم فلسفيّ كامل لعملية الفصل هذه ، ولا أعني بذلك أنّ العالَم لم يكن فيه مدارس للفلسفة المادّية وأنصار لها ، بل كان فيه إقبال على النزعة المادّية ، تأثّراً بالعقليّة التجريبيّة التي شاعت منذ بداية الانقلاب الصناعي(١) ، وبروح الشكّ والتبَلبُل الفكريّ
_________________
(١) فإنّ التجربة اكتسبت أهمّية كبرى في الميدان العِلمي ، ووُفّقتْ توفيقاً لم يكن في الحسبان إلى الكشف عن حقائقٍ كثيرة، وإزاحة السِتار عن أسرارٍ مدهشة ، أتاحت للإنسانيّة أنْ تستثمر تلك الأسرار والحقائق في حياتها العمَليّة وهذا التوفيق الذي حصلت عليه التجربة ، أشاد لها قُدسيّة في العقليّة العامّة ، وجعل الناس ينصرفون عن الأفكار العقليّة ، وعن كلّ الحقائق التي لا تظهر في ميدان الحسّ والتجربة ، حتّى صار الحسّ التجريبي - في عقيدة كثيرٍ مِن التجريبيّين - الأساس الوحيد لجميع المعارف والعلوم وقد أوضحنا في ( فلسفتنا ) : أنّ التجربة بنفسها تعتمد على الفِكر العقليّ ، وأنّ الأساس الأوّل للعلوم والمعارف هو العقل ، الذي يُدرك حقائق لا يقع عليها الحسّ ، كما يُدرك الحقائق المحسوسة .
الذي أحدَثه انقلاب الرأي ، في طائفةٍ مِن الأفكار كانت تُعَدُّ مِن أوضح الحقائق وأكثرها صحّة (١) ، وبروح التمرّد والسخط على الدِين المزعوم ، الذي كان يُجمّد الأفكار والعقول ، ويتملّق للظُلم والجبروت ، وينتصر للفساد الاجتماعيّ ، في كلّ معركة يخوضها مع الضعفاء والمضطهدين (٢) .
فهذه العوامل الثلاثة ساعدت على بعث المادّية في كثير مِن العقليّات الغربيّة...
كلّ هذا صحيح ، ولكن النظام الرأسماليّ لم يُركّز على فَهْمٍ فلسفيٍّ مادّيٍّ للحياة ، وهذا هو التناقض والعجْز ، فإنّ المسألة الاجتماعيّة للحياة ، تتّصل بواقع الحياة ، ولا تتبلوَر في شكلٍ صحيحٍ ، إلاّ إذا أُقيمت على قاعدةٍ مركزيّة تشرح الحياة وواقعها وحدودها .
_________________
(١) فإنّ جملةً مِن العقائد العامّة ، كانت في درجةٍ عالية مِن الوضوح والبداهة في النظَر العامّ ، مع أنّها لم تكن قائمة على أساسٍ مِن منطقٍ عقليّ أو دليلٍ فلسفيّ ، كالإيمان بأنّ الأرض مركز العالم فلمّا انهارت هذه العقائد في ظِلّ التجارب الصحيحـة ، تزعزَعَ الإيمان العامّ ، وسيطرت موجة مِن الشكّ على كثيرٍ مِن الأذهان ، فبعثت السلطة اليونانيّة مِن جديد متأثّرة بروح الشكّ ، كما تأثّرت في العهد اليوناني بروح الشكّ ، الذي تولّد مِن تناقض المذاهب الفلسفيّة ، وشدّة الجدَل بينها .
(٢) فإنّ الكنيسة لعبت دَوراً هامّاً في استغلال الدِين استغلالاً شنيعاً ، وجَعْل اسمه أداة لمآربها وأغراضها ، وخنْق الأنفاس العِلمية والاجتماعيّة ، وأقامت محاكم التفتيش ، وأعطت لها الصلاحيّات الواسعة للتصرّف في المُقدَّرات ، حتّى تولّد عن ذلك كلّه التبرّم بالدِين والسخط عليه ؛ لأنّ الجريمة ارتُكِبت باسمه ، مع أنّه في واقعه المصَفّى ، وجَوهره الصحيح لا يقلّ عن أولئك الساخطين والمتبرّمين ضِيقاً بتلك الجريمة ، واستفظاعاً لدوافعها ونتائجها .
والنظام الرأسماليّ يفْقِد هذه القاعدة ، فهو ينطوي على خداعٍ وتظليل ، أو على عجلَةٍ وقلّةِ أناة ، حين تُجمَّد المسألة الواقعيّة للحياة ، وتُدرس المسألة الاجتماعيّة منفصلة عنها ، مع أنّ قِوام الميزان الفكريّ للنظام بتحديد نظرته منذ البداية إلى واقع الحيـاة ، التي تموّن المجتمع بالمادّة الاجتماعيّة - وهي العلاقات المتبادلة بين الناس - وطريقة فَهْمه لها ، واكتشاف أسرارها وقِيَمها .
فالإنسان في هذا الكوكب : إنْ كان مِن صُنع قوّة مدبّرة مُهيمنة عالِمة بأسراره وخفاياه ، بظواهره ودقائقه ، قائمة على تنظيمه وتوجيهه.. فمِن الطبيعي أنْ يخضع في توجيهه ، وتكييف حياته لتلك القوّة الخالقة ؛ لأنّها أبصر بأمرِه ، وأعلم بواقعه ، وأنزه قصداً ، وأشدّ اعتدالاً منه .
وأيضاً ، فإنّ هذه الحياة المحدودة : إنْ كانت بداية الشوط لحياةٍ خالدةٍ تنبثق عنها ، وتتلوّن بطابعها ، وتتوقّف موازينها على مدى اعتدال الحياة الأُولى ونزاهتها.. فمِن الطبيعي أنْ تنظّم الحياة الحاضرة ، بما هي بداية الشوط لحياةٍ لا فناء فيها ، وتقام على أُسُسِ القِيَم المعنويّة والمادّية معاً .
وإذن فمسألة الإيمان بالله وانبثاق الحياة عنه ، ليست مسألةً فكريّةً خالصةً لا علاقة لها بالحياة ؛ لتُفصَل عن مجالات الحياة ، ويشرّع لها طرائقها ودساتيرها ، مع إغفال تلك المسألة وفصْلِها ، بل هي مسألة تتّصل بالعقل والقلب والحياة جميعاً .
والدليل على مدى اتّصالها بالحياة مِن الديمقراطيّة الرأسماليّة نفسها : أنّ الفِكرة فيها ، تقوم على أساس الإيمان بعدم وجود شخصيّة أو مجموعة مِن الأفراد ، بلَغَت مِن العِصمة في قصدها ومَيْلها ، وفي رأيها واجتهادها ، إلى الدرجة التي تُبيح إيكال المسألة الاجتماعيّة إليها ، والتعويل في إقامة حياة صالحة للأمّة عليها .
وهذا الأساس بنفسه لا موضع ولا معنى له ، إلاّ إذا أُقيم على فلسفةٍ مادّيةٍ خالصة ، لا تعترف بإمكان انبثاق النظام ، إلاّ عن عقلٍ بشَريٍّ محدود .
فالنظام الرأسماليّ مادّيّ بكلّ ما للّفظ مِن معنى ، فهو إمّا أنْ يكون قد استبطن المادّية ، ولم يجرؤ على الإعلان عن ربْطه بها وارتكازه عليها وإمّا أنْ يكون جاهلاً بمدى الربط الطبيعي ، بين المسألة الواقعيّة للحياة ، ومسألتها الاجتماعيّة .
وعلى هذا فهو يفقِد الفلسفة ، التي لا بدّ لكلّ نظامٍ اجتماعيٍّ أنْ يرتكز عليها .
وهو - بكلمة - : نظامٌ مادّيٌّ ، وإنْ لم يكن مُقاماً على فلسفةٍ مادّيّةٍ واضحةِ الخطوط .
وكان مِن جرّاء هذه المادّية ، التي زخر النظام بروحها : أنْ أُقصيَت الأخلاق مِن الحساب ، ولم يُلحَظ لها وجود في ذلك النظام ، أو بالأحرى تبدّلت مفاهيمها ومقاييسها ، وأعلنت المصلحة الشخصيّة كهدفٍ أعلى ، والحرّيّات جميعاً كوسيلة لتحقيق تلك المصلحة فنشأ عن ذلك أكثر ما ضجّ به العالَم الحديث مِن مِحنٍ وكوارث ، ومآسي ومصائب .
وقد يُدافع أنصار الديمقراطيّة الرأسماليّة ، عن وِجهة نظرها في الفرد ومصالحه الشخصيّة ، قائلين : إنّ الهدف الشخصي بنفسه يحقّق المصلحة الاجتماعيّة ، وإنّ النتائج التي تحقّقها الأخلاق بقِيَمها الروحيّة ، تحقّق في المجتمع الديمقراطيّ الرأسماليّ ، لكن لا عن طريق الأخلاق ، بل عن طريق الدوافع الخاصّة وخدمتها .
فإنّ الإنسان حين يقوم بخدمة اجتماعيّة يحقّق بذلك مصلحةً شخصيّة أيضاً ، باعتباره جزءاً للمجتمع الذي سعى في سبيله ، وحين ينقذ حياة شخصٍ تعرّضت للخطر ، فقد أفاد نفسه أيضاً ؛ لأنّ حياة الشخص سوف تقوم بخدمة للهيئة الاجتماعيّة ، فيعود عليه نصيب منها ، وإذن فالدافع الشخصيّ والحسّ النفعي يكفيان لتأمين المصالح الاجتماعيّة وضمانها ، ما دامت ترجع بالتحليل إلى مصالح خاصّة ، ومنافع فرديّة .
وهذا الدفاع أقرب إلى الخيال الواسع منه إلى الاستدلال فتصوّر بنفسك : أنّ المقياس العمَلي في الحياة لكلّ فردٍ في الأمّة ، إذا كان هو تحقيق منافعه ومصالحه الخاصّة ، على أوسع نطاق وأبعد مدى ، وكانت الدولة توفّر للفرد حرّيّاته ، وتقدّسه بغير تحفّظ ولا تحديد فما هو وَضع العمل الاجتماعيّ مِن قاموس هؤلاء الأفراد ؟! وكيف يمكن أنْ يكون اتّصال المصلحة الاجتماعيّة بالفرد ، كافياً لتوجيه الأفراد نحو الأعمال ، التي تدعو إليها القِيَم الخُلُقيّة ؟! .
مع أنّ كثيراً مِن تلك الأعمال لا تعود على الفرد بشيءٍ مِن النفْع ، وإذا اتّفق أنْ كان فيها شيءٌ مِن النفْع باعتباره فرداً مِن المجتمع ، فكثيراً ما يزاحم هذا النفع الضئيل ، الذي لا يُدركه الإنسان ، إلاّ في نظرة تحليليّة ، بفوات منافع عاجلة أو مصالح فرديّة ، تجد في الحرّيّات ضماناً لتحقيقها ، فيُطيح الفرد في سبيلها بكلّ برنامج الخُلُق والضمير الروحي .
وإذا أردنا أنْ نستعرض الحلقات المتسلسلة مِن المآسي الاجتماعيّة ، التي انبثقت عن هذا النظام المرتجل ، لا على أساس فلسفيّ مدروس.. فسوف يضيق بذلك المجال المحدود لهذا البحث ، ولذا نلمح إليها :
فأوّل تلك الحلَقات : تحكّم الأكثريّة في الأقلّيّة ، ومصالحها ومسائلها الحيوية .
فإنّ الحرّية السياسيّة كانت تعني : أنّ وَضع النظام والقوانين ، وتمشِيَتها مِن حقّ الأكثريّة ، ولنتصوّر أنّ الفئة التي تمثّل الأكثريّة في الأمّة ملَكَت زمام الحُكم والتشريع ، وهي تحمل العقليّة الديمقراطيّة الرأسماليّة ، وهي عقليّة مادّية خالصةفي اتّجاهها ، ونزعاتها وأهدافها ، فماذا يكون مصير الفئة الأخرى ؟ أو ماذا ترتقب للأقلّيّة مِن حياةٍ في ظِلّ قوانين تُشرَّع لحساب الأكثريّة ، ولحِفظ مصالحها ؟! وهل يكون مِن الغريب حينئذٍ إذا شرّعت الأكثريّة القوانين ، على ضوء مصالحها الخاصـّة ، وأهملت مصالح الأقلّيّة ، واتّجهت إلى تحقيق رغباتها اتّجاهاً مُجحفاً بحقوق الآخرين ؟ .
فمَن الذي يحفظ لهذه الأقلّيّة كيانها الحيَوي ، ويذبّ عن وجهها الظُلم ، ما دامت المصلحة الشخصيّة هي مسألة كلّ فرد ، وما دامت الأكثريّة لا تعرف للقِيَم الروحيّة والمعنويّة مفهوماً في عقليّتها الاجتماعيّة ؟؟.
وبطبيعة الحال : أنّ التحكّم سوف يبقى في ظِلّ النظام ، كما كان في السابق ، وأنّ مظاهر الاستغلال والاستهتار بحقوق الآخَرين ومصالحهم.. ستحفظ في الجوّ الاجتماعيّ لهذا النظام ، كحالها في الأجواء الاجتماعيّة القديمة ، وغاية ما في الموضوع مِن فَرْقٍ : أنّ الاستهتار بالكرامة الإنسانيّة كان مِن قِبَل أفرادٍ بأُمّة ، وأصبح في هذا النظام مِن الفئات التي تمثّل الأكثريّات بالنسبة إلى الأقلّيّات ، التي تُشكّل بمجموعها عدداً هائلاً مِن البشَر .
ولَيت الأمْر وَقْف عند هذا الحدّ ، إذاً لكانت المأساة هيّنة ، ولكان المسرح يحتفل بالضحكات أكثر ممّا يعرض مِن دموع ، بل إنّ الأمْر تفاقَم واشتدّ حين برزَت المسألة الاقتصاديّة مِن هذا النظام بعد ذلك ، فقرّرت الحرّية الاقتصاديّة على هذا النحو الذي عرضناه سابقاً ، وأجازت مختلف أساليب الثراء وألوانه مهما كان فاحشاً ، ومهما كان شاذّاً في طريقته وأسبابه ، وضمِنَتْ تحقيق ما أعلنت عنه .
في الوقت الذي كان العالَم يحتفل بانقلابٍ صناعيٍّ كبير، والعِلم يتمخّض عن ولادة الآلة التي قلَبَتْ وجْه الصناعة ، وكسحتْ الصناعات اليدوِيّة ونحوها ، فانكشف الميدان عن ثراءٍ فاحش مِن جانب الأقلّيّة مِن أفراد الأمّة ، ممّن أتاحت لهم الفُرَص وسائل الإنتاج الحديث ، وزوّدتهم الحرّيات الرأسماليّة غير المحدودة بضمانات كافية ؛ لاستثمارها واستغلالها إلى أبعد حدّ ، والقضاء بها على كثيرٍ مِن فئات الأمّة ، التي اكتسحت الآلة البخارية صناعتها ، وزعزعت حياتها ، ولم تجد سبيلاً للصمود في وجه التيّار ، ما دام أرباب الصناعات الحديثة مسلّحين بالحرّية الاقتصاديّة ، وبحقوق الحرّيات المقدّسة كلّها .
وهكذا خلا الميدان إلاّ مِن تلك الصفوة مِن أرباب الصناعات والإنتاج ، وتضاءلت الفئة الوسطى ، واقتربت إلى المستوى العامّ المنخفض ، وصارت هذه الأكثريّة المحطّمة تحت رحمة تلك الصفوة ، التي لا تفكّر ولا تحسب ، إلاّ على الطريقة الديمقراطيّة الرأسماليّة .
ومِن الطبيعي حينئذٍ أنْ لا تُمدّ يَدُ العطف والمعونة إلى هؤلاء ، لتنتشِلَهم مِن الهُوّة ، وتُشرِكهم في مغانمها الضخمة ولماذا تفعل ذلك ؟! ما دام المقياس الخُلُقي هو المنفعة واللذّة ، وما دامت الدولة تضمن لها مطلق الحرّية فيما تعمل ، وما دام النظام الديمقراطيّ الرأسماليّ يضيق بالفلسفة المعنويّة للحياة ، ومفاهيمها الخاصّة ؟! .
فالمسألة إذاً يجب أنْ تُدرس بالطريقة التي يوحي بها هذا النظام ، وهي : أنْ يستغِل هؤلاء الكُبراء حاجة الأكثريّة إليهم ومقوّماتهم المعيشيّة ، فيفرض على القادرين العمل في ميادينهم ومصانعهم ، في مدّةٍ لا يمكن الزيادة عليها ، وبأثمانٍ لا تفي إلاّ بالحياة الضروريّة لهم .
هذا هو منطق المنفعة الخالص ، الذي كان مِن الطبيعي أنْ يسلكوه ، وتنقسم الأمّة بسبب ذلك إلى : فئةٍ في قمّة الثراء ، وأكثريّةٍ في المهوى السحيق .
وهنا يتبلوَر الحقّ السياسي للأمّة مِن جديد بشكلٍ آخر ، فالمساواة في الحقوق السياسيّة بين أفراد المواطنين ، وإنْ لم تُمحَ مِن سِجِلّ النظام ، غير أنّها لمْ تُعَد بعد هذه الزعازع ، إلاّ خيالاً وتفكيراً خالصاً : فإنّ الحرّية الاقتصاديّة حين تُسجّل ما عرضناه مِن نتائج ، تنتهي إلى الانقسام الفظيع الذي مَرّ في العرض ، وتكون هي المسيطرة على الموقف ، والماسكة بالزمام ، وتقهر الحرّية السياسيّة أمامها.
فإنّ الفئة الرأسماليّة بحُكم مركزها الاقتصاديّ مِن المجتمع ، وقُدرتها على استعمال جميع وسائل الدعاية ، وتمكّنها مِن شراء الأنصار والأعوان.. تُهيمن على مقاليد الحُكم في الأمّة ، وتتسلّم السلطة ؛ لتسخيرها في مصالحها والسهر على مآربها ، ويصبح التشريع والنظام الاجتماعيّ خاضعاً لسيطرة رأس المال ، بعد أنْ كان المفروض في المفاهيم الديمقراطيّة أنّه مِن حقّ الأمّة جمعاء .
هكذا تعود الديمقراطيّة الرأسماليّة في نهاية المطاف حُكماً تستأثر به الأقلّيّة ، وسُلطاناً يحمي به عدّةٌ مِن الأفراد كيانَهم على حساب الآخَرين ، بالعقليّة النفعيّة التي يستوحونها مِن الثقافة الديمقراطيّة الرأسماليّة .
ونصل هنا إلى أفظع حلَقات المأساة التي يمثّلها هذا النظام ، فإنّ هؤلاء السادة الذين وضَع النظام الديمقراطيّ الرأسماليّ في أيديهم كلَّ نفوذ ، وزوّدهم بكلّ قوّة وطاقة.. سوف يمدّون أنظارهم - بوحيٍ مِن عقليّة هذا النظام - إلى الآفاق ، ويشعرون - بوحيٍ مِن مصالحهم وأغراضهم - أنّهم في حاجة إلى مناطق نفوذ جديدة ؛ وذلك لسببَين :
الأوّل : إنّ وُفرة الإنتاج تتوقّف على مدى توفّر الموادّ الأوّلية وكثرتها ، فكلّ مَن يكون حظّه مِن تلك الموادّ أعظم تكون طاقاته الإنتاجية أقوى وأكثر .
وهذه الموادّ منتشرة في بلاد الله العريضة وإذا كان مِن الواجب الحصول عليها ، فاللازم السيطرة على البلاد التي تملِك الموادّ ؛ لامتصاصها واستغلالها .
الثاني : إنّ شدّة حركة الإنتاج وقوّتها بدافعٍ مِن الحرص على كَثرة الربح مِن ناحية ، وانخفاض المستوى المعيشي لكثير مِن المواطنين ، بدافع مِن الشَرَه المادّي للفئة الرأسماليّة ، ومغالبتها للعامّة على حقوقها بأساليبها النفعيّة ، التي تجعل المواطنين عاجزين عن شراء المنتجات واستهلاكها...
كلّ ذلك يجعل كِبار المنتجين في حاجةٍ ماسّة إلى أسواق جديدة ؛ لبَيع المنتجات الفائضة فيها ، وإيجاد تلك الأسواق يعني : التفكير في بلادٍ جديدة .
وهكذا تُدرَس المسألة بذهنيّة مادّية خالصة ومِن الطبيعي لمِثل هذه الذهنيّة - التي لم يرتكز نظامها على القيَم الروحيّة والخُلُقيّة ، ولمْ يعترف مذهبها الاجتماعيّ بغايةٍ إلاّ إسعاد هذه الحياة المحدودة ، بمختلف المُتع والشهوات - أنْ ترى في هذين السببَين مبرّراً ومسوّغاً منطقيّاً للاعتداء على البلاد الآمنة ، وانتهاك كرامتها والسيطرة على مقدّراتها ومواردها الطبيعيّة الكبـرى ، واستغلال ثرواتها ؛ لترويج البضائع الفائضة .
فكل ذلك أمْرٌ معقول وجائز في عُرف المصالح الفرديّة ، التي يقوم على أساسها النظام الرأسماليّ ، والاقتصاد الحرّ .
وينطلق مِن هنا عملاقٌ يغزو ويحارب ، ويُقيِّد ويكبِّل ، ويستعمر ويستثمر ، إرضاءً للشهوات ، وإشباعاً للرغبات .
فانظُر ماذا قاست الإنسانيّة مِن وَيلات هذا النظام ، باعتباره مادّياً في روحه وصياغته وأساليبه وأهدافه ، وإنْ لم يكن مركّزاً على فلسفة محدودة تتّفق مع تلك الروح والصياغة ، وتنسجم مع هذه الأساليب والأهداف ، كما ألمعنا إليه ؟!! .
وقدِّر بنفسك نصيب المجتمع الذي يقوم على ركائز هذا النظام ومفاهيمه مِن السعادة والاستقرار ، هذا المجتمع الذي ينعدم فيه الإيثار والثقة المتبادلة ، والتراحم والتعاطف الحقيقي ، وجميع الاتّجاهات الروحيّة الخيِّرة ، فيعيش الفرد فيه وهو يشعر بأنّه المسؤول عن نفسه وحده ، وأنّه في خطرٍ مِن قِبَل كلّ مصلحة مِن مصالح الآخَرين ، التي قد تصطدم به فكأنّه يحيا في صراعٍ دائم ومغالبة مستمرّة ، لا سلاح له فيها إلاّ قواه الخاصّة ، ولا هدف له منها إلاّ مصالحه الخاصّة .
الاشتراكيّة والشيُوعيّة
* النظريّة الماركسيّة .
* الانحراف عن العمليّة الشيوعيّة .
* المؤاخذات على الشيوعيّة .
في الاشتراكيّة مذاهب متعدّدة ، وأشهرها المذهب الاشتراكي القائم على النظريّة الماركسيّة والمادّية الجَدَليّة ، التي هي عبارة عن : فلسفة خاصّة للحياة ، وفَهْمٍ مادّيٍّ لها على طريقةٍ ديالكتيكيّة.
وقد طبّق المادّيّون الديالكتيكيّون هذه المادّيّة الديالكتيكيّة على التاريخ والاجتماع والاقتصاد ، فصارت عقيدةً فلسفيّة في شأن العالَم ، وطريقةً لدرس التاريخ والاجتماع ، ومذهباً في الاقتصاد ، وخطّةً في السياسة .
وبعبارةٍ أخرى : أنّها تصوغ الإنسان كلّه في قالَبٍ خاصّ ، مِن حيث لون تفكيره ووِجهة نظَره إلى الحياة ، وطريقته العِلميّة فيها .
ولا رَيب في أنّ الفلسفة المادّية ، وكذلك الطريقة الديالكتيكيّة.. ليسَتا مِن بِدَع المذهب الماركسيّ وابتكاراته ، فقد كانت النزعة المادّية تعيش منذ آلاف السنين في الميدان الفلسفي ، سافرةً تارةً ، ومتوارِيةً أخرى وراء السفسطة والإنكار المطلق .
كما أنّ الطريقة الديالكتيكيّة في التفكير عميقةُ الجذور ، ببعض خطوطها في التفكير الإنسانيّ ، وقد استكملت كلّ خطوطها على يد (هيجل) الفيلسوف المثالي المعروف. وإنّما جاء (كارل ماركس) إلى هذا المنطق وتلك الفلسفة فتبنّاها ، وحاول تطبيقها على جميع ميادين الحياة ، فقام بتحقيقَين :
أحدهما : أنْ فسَّر التاريخ تفسيراً مادّيّاً خالصاً بطريقة ديالكتيكيّة .
والآخر : زعَم فيه أنّه اكتشف تناقضات رأس المال والقيمة الفائضة ، التي يسرقها صاحب المال في عقيدته مِن العامل(١) .
وأشاد على أساس هذَين التحقيقَين إيمانه بضرورة فناء المجتمع الرأسماليّ ، وإقامة المجتمع الشيوعيّ والمجتمع الاشتراكيّ ، الذي اعتبره خطوةً للإنسانيّة ، إلى تطبيق الشيوعيّة تطبيقاً كاملاً .
فالميدان الاجتماعيّ في هذه الفلسفة ميدان صراع بين المتناقضات ، وكلّ وَضْعٍ اجتماعيٍّ يسود ذلك الميدان ، فهو ظاهرة مادّيّة خالصة ، منسجمة مع سائر الظواهر والأحوال المادّيّة ، ومتأثّرة بها ، غير أنّه في نفس الوقت يحمل نقيضه في صميمه ، وينشب حينئذٍ الصراع بين النقائض في محتواه ؛ حتّى تتجمّع المتناقضات ، وتُحدِث تبدّلاً في ذلك الوضع ، وإنشاءاً لوضعٍ جديـد .
وهكذا يبقى العراك قائماً حتّى تكون الإنسانية كلّها طبقةً واحدةً ، وتتمثّل مصالح كلّ فردٍ في مصالح تلك الطبقة الموحّدة ، في تلك اللحظة يسود الوئام ، ويتحقّق السلام وتزول نهائيّاً جميع الآثار السيّئة للنظام الديمقراطيّ الرأسماليّ ؛ لأنّها إنّما كانت تتولّد مِن تعدّد الطبقة في المجتمع ، وهذا التعدّد إنّما نشأ مِن انقسام المجتمع إلى مُنتِجٍ وأجير.
_________________
(١) شرحنا هذه النظريّات مع دراسةٍ عِلميّةٍ مفصّلة في كتاب ( اقتصادنا ) .
وإذاً فلابدّ مِن وضْع حدٍّ فاصل لهذا الانقسام ، وذلك بإلغاء المِلكيّة ، وتختلف هنا الشيوعيّة عن الاشتراكيّة في الخطوط الاقتصاديّة الرئيسيّة ؛ وذلك لأنّ الاقتصاد الشيوعي يرتكز :
أوّلاً : على إلغاء المِلكيّة الخاصّة ، ومحْوها محواً تامّاً مِن المجتمع ، وتمليك الثروة كلّها للمجموع ، وتسليمها إلى الدولة ، باعتبارها الوكيل الشرعيّ عن المجتمع في إدارتها ، واستثمارها لخير المجموع .
واعتقاد المذهب الشيوعيّ بضرورة هذا التأميم المطلَق ، إنّما كان ردّ الفِعل الطبيعيّ لمضاعفات المِلكيّة الخاصّة في النظام الديمقراطيّ الرأسماليّ وقد برّر هذا التأميم : بأنّ المقصود منه إلغاء الطبقة الرأسماليّة ، وتوحيد الشعب في طبقةٍ واحدةٍ ؛ ليختم بذلك الصراع ، ويسدّ على الفرد الطريق إلى استغلال شتّى الوسائل والأساليب ؛ لتضخيم ثروته ، إشباعاً لجَشَعِه ، واندفاعاً بدافع الإثرة وراء المصلحة الشخصيّة .
ثانياً : على توزيع السِلَع المنتَجة على حسَب الحاجات الاستهلاكيّة للأفراد ، ويتلخّص في النصّ الآتي : ( مِن كلٍّ حسَب قدرته ، ولكلٍّ حسب حاجته ) ؛ وذلك أنّ كلَّ فردٍ له حاجات طبيعيّة لا يُمكنه الحياة بدون توفيرها ، فهو يدفع للمجتمع كلّ جُهده ، فيدفع له المجتمع متطلّبات حياته ، ويقوم بمعيشته .
ثالثاً : على منهاجٍ اقتصاديٍّ ترسمه الدولة ، وتوفّق فيه بين حاجة المجموع ، والإنتاج في كمّيّته وتنويعه وتحديده ؛ لئلاّ يُمنى المجتمع بنفس الأدواء والأزَمات ، التي حصلت في المجتمع الرأسماليّ حينما أطلَق الحرّيّات بغير تحديد .
ولكن أقطاب الشيوعيّة الذين نادَوا بهذا النظام ، لم يستطيعوا أنْ يُطبّقوه بخطوطه كلّها حين قبضوا على مقاليد الحُكم ، واعتقدوا أنّه لابدّ لتطبيقه مِن تطوير الإنسانيّة في أفكارها ودوافعها ونزعاتها ، زاعمين : أنّ الإنسان سوف يجيء عليه اليوم ، الذي تموت في نفسه الدوافع الشخصيّة والعقليّة والفرديّة ، وتحيا فيه العقليّة الجماعيّة والنوازع الجماعيّة ، فلا يفكّر إلاّ في المصلحة الاجتماعيّة ، ولا يندفع إلاّ في سبيلها .
ولأجل ذلك كان مِن الضروريّ - في عُرف هذا المذهب الاجتماعيّ - إقامة نظامٍ اشتراكيٍّ قبل ذلك ؛ ليتخلّص فيه الإنسان مِن طبيعته الحاضـرة ، ويكتسب الطبيعة المستعدّة للنظام الشيوعيّ وهذا النظام الاشتراكيّ أُجريَت فيه تعديلات مهمّة ، على الجانب الاقتصاديّ مِن الشيوعيّة فالخطّ الأوّل مِن خطوط الاقتصاد الشيوعيّ - وهو إلغاء المِلكيّة الفرديّة - قد بُدِّل إلى حلٍّ وسط ، وهو: تأميم الصناعات الثقيلة والتجارة الخارجيّة والتجارات الداخليّـة ، ووَضْعها جميعاً تحت الانحصار الحكوميّ .
وبكلمةٍ أخرى : إلغاء رأس المال الكبير ، مع إطلاق الصناعات والتجارات البسيطة وترْكها للأفراد ؛ وذلك لأنّ الخطّ العريض في الاقتصاد الشيوعيّ اصطدم بواقع الطبيعة الإنسانيّة ، الذي أشرنا إليه ، حيث أخذ الأفراد يتقاعسون عن القيام بوظائفهم والنشاط في عملهم ، ويتهرّبون مِن واجباتهم الاجتماعيّة ؛ لأنّ المفروض تأمين النظام لمعيشتهم وسدّ حاجاتهم .
كما أنّ المفروض فيه عدم تحقيق العمل والجُهد ، مهما كان شديداً لأكثر مِن ذلك ؟ فعلامَ إذن يجهد الفرد ويكدح ويجِـدّ ، ما دامت النتيجة في حسابه ، هي النتيجة في حالَيْ الخمول والنشاط ؟! ولماذا يندفع إلى توفير السعادة لغيره ، وشراء راحة الآخَرين بعَرَقِه ودموعه وعصارة حياته وطاقاته ، ما دام لا يؤمن بقيمةٍ مِن قِيَم الحياة إلاّ القيمة المادّيّة الخالصة؟؟! .
فاضطرّ زعماء هذا المذهب إلى تجميد التأميم المطلَق ، كما اضطرّوا أيضاً إلى تعديل الخطّ الثاني مِن خطوط الاقتصاد الشيوعيّ أيضاً : وذلك بجَعْل فوارق بين الأجور ؛ لدفْع العمّال إلى النشاط والتكامل في العمل ، معتذرين بأنّها فوارق موقّتة ، سوف تزول حينما يقضي على العقليّة الرأسماليّة ، وينشأ الإنسان إنشاءً جديداً وهُم لأجل ذلك يُجرون التغييرات المستمرّة على طرائقهم الاقتصاديّة وأساليبهم الاشتراكيّة ، لتدارك فشَل كلّ طريقةٍ بطريقةٍ جديـدة .
ولم يُوَفّقوا حتّى الآن للتخلّص مِن جميع الركائز الأساسيّة في الاقتصاد الرأسماليّ ، فلمْ تُلغَ مثلاً القروض الربَوِيّة نهائيّاً ، مع أنّها في الواقع أساس الفساد الاجتماعيّ في الاقتصاد الرأسماليّ .
ولا يعني هذا كلّه : أنّ أولئك الزعماء مقصّرون ، أو أنّهم غير جادّين في مذهبهم ، وغير مخلصين لعقيدتهم.. وإنّما يعني : أنّهم اصطدموا بالواقع حين أرادوا التطبيق ، فوجدوا الطريق مليئاً بالمعاكسات والمناقضات ، التي تضعها الطبيعة الإنسانيّة أمام الطريقة الانقلابيّة للإصلاح الاجتماعي ، الذي كانوا يبشّرون به ، ففرض عليهم الواقع التراجع آملين أنْ تتحقّق المعجزة ، في وقتٍ قريبٍ أو بعيد .
وأمّا مِن الناحية السياسيّة : فالشيوعيّة تستهدف في نهاية شَوطها الطويل إلى مَحْو الدولة مِن المجتمع ، حين تتحقّق المعجزة وتعمّ العقليّة الجماعيّة كلّ البشَر ، فلا يفكّر الجميع إلاّ في المصلحة المادّية للمجموع ، وأمّا قبل ذلك مادامت المعجزة غير محقّقـة ، وما دام البشَر غير موحَّدين في طبقة ، والمجتمع ينقسم إلى قوى رأسماليّة وعمّاليّة ، فاللازم أنْ يكون الحُكم عمّاليّاً خالصاً ، فهو حُكمٌ ديمقراطيٌّ في حدود دائرة العمّال ، ودكتاتوريٌّ بالنسبة إلى العموم .
وقد علّلوا ذلك : بأنّ الدكتاتوريّة العمّاليّة في الحُكم ضروريّة في كلّ المراحل ، التي تَطْويها الإنسانيّة بالعقليّة الفرديّة ؛ وذلك حمايةً لمصالح الطبقة العاملة ، وخنقاً لأنفاس الرأسماليّة ، ومنعاً لها عن البروز إلى الميدان مِن جديد .
والواقع أنّ هذا المذهب ، الذي يتمثّل في الاشتراكيّة الماركسيّة ، ثمّ في الشيوعيّة الماركسيّة ، يمتاز عن النظام الديمقراطيّ الرأسماليّ : بأنّه يرتكز على فلسفة مادّيّة معيّنة ، تتبنّى فَهْماً خاصّاً للحياة ، لا يعترف لها بجميع المُثُل والقِيَم المعنويّة ، ويعلّلها تعليلاً لا موضع فيه لخالقٍ فوق حدود الطبيعة ، ولا لجزاءٍ مرتقب وراء حدود الحياة المادّية المحدودة ، وهذا على عكس الديمقراطيّة الرأسماليّة ، فإنّها وإنْ كانت نظاماً مادّياً ، ولكنّها لمْ تُبنَ على أساسٍ فلسفيٍّ محدّد ، فالربط الصحيح بين المسألة الواقعيّة للحياة والمسألة الاجتماعيّة ، آمنت به الشيوعيّة المادّية ، ولمْ تؤمن به الديمقراطيّة الرأسماليّة ، أو لمْ تحاول إيضاحه .
وبهذا كان المذهب الشيوعيّ حقيقاً بالدرس الفلسفيّ ، وامتحانه عن طريق اختبار الفلسفة ، التي ركّز عليها وانبثق عنها ، فإنّ الحُكم على كلّ نظام يتوقّف على مدى نجاح مفاهيمه الفلسفيّة ، في تصوير الحياة وإدراكها .
ومِن السهل أنْ ندرك في أوّل نظرة نُلقيها على النظام الشيوعيّ المخفّف ، أو الكامل : أنّ طابعه العامّ هو إفناء الفرد في المجتمع ، وجعله آلة مسخّرة ؛ لتحقيق الموازين العامّة التي يفترضها فهو على النقيض تماماً مِن النظام الرأسماليّ الحُرّ ، الذي يجعل المجتمع للفرد ، ويسخّره لمصالحه فكأنّه قـد قدّر للشخصيّة الفرديّة ، والشخصيّة الاجتماعيّة - في عُرف هذين النظامَين - أنْ تتصادما وتتصارعا.
فكانت الشخصيّة الفرديّة هي الفائزة في أحد النظامين ، الذي أقام تشريعه على أساس الفرد ومنافعه الذاتيّة ، فمُنيَ المجتمع بالمآسي الاقتصاديّة التي تُزعزِع كيانه ، وتشوّه الحياة في جميع شُعَبِها .
وكانت الشخصيّة الاجتماعيّة هي الفائزة في النظام الآخَر ، الذي جاء يتدارك أخطاء النظام السابق ، فساند المجتمع ، وحَكَم على الشخصيّة الفرديّة بالاضمحلال والفناء ، فأُصيب الأفراد بمِحَنٍ قاسيةٍ قضتْ على حرّيتهم ، ووجودهم الخاصّ ، وحقوقهم الطبيعيّة في الاختيار والتفكير .
والواقع أنّ النظام الشيوعيّ وإنْ عالَج جملةً مِن أدواء الرأسماليّة الحرّة ، بمَحوِه للمِلكيّة الفرديّة ، غير أنّ هذا العلاج له مضاعفات طبيعيّة تجعل ثمن العلاج باهظاً ، وطريقة تنفيذه شاقّة على النفْس ، لا يمكن سلوكها إلاّ إذا فشلت سائر الطُرُق والأساليب هذا مِن ناحية ، ومِن ناحيةٍ أخرى هو علاج ناقص ، لا يضمن القضاء على الفساد الاجتماعيّ كلّه ؛ لأنّه لمْ يحالفه الصواب في تشخيص الداء ، وتعيين النقطة التي انطلق منها الشرّ حتّى اكتسح العالَم في ظلّ الأنظمة الرأسماليّة ، فبقيَت تلك النقطة محافظة على موضعها مِن الحياة الاجتماعيّة في المذهب الشيوعيّ .
وبهذا لمْ تظفر الإنسانيّة بالحلّ الحاسم لمشكلتها الكبرى ، ولمْ تحصل على الدواء الذي يُطبِّب أدواءها ، ويستأصل أعراضها الخبيثة .
أمّا مضاعفات هذا العلاج فهي جسيمة جدّاً : فإنّ مِن شأنه القضاء على حرّيّات الأفراد ، لإقامة المِلكيّة الشيوعيّة مقام المِلكيّات الخاصّة ؛ وذلك لانّ هذا التحويل الاجتماعيّ الهائل على خلاف الطبيعة الإنسانيّة العامّة ، إلى حدّ الآن على الأقلّ ، كما يعترف بذلك زعماؤه ، باعتبار أنّ الإنسان المادّي لا يزال يفكّر تفكيراً ذاتيّاً ، ويحسب مصالحه مِن منظاره الفرديّ المحدود .
ووَضع تصميمٍ جديدٍ للمجتمع ، يذوب فيه الأفراد نهائيّاً ، ويقضي على الدوافع الذاتيّة قضاءً تامّاً.. موضع التنفيذ ، يتطلّب قوّةً حازمةً تُمسِك زمام المجتمع بيدٍ حديديّةٍ ، وتحبس كلّ صَوت يعلو فيه ، وتخنق كلَّ نَفَسٍ يتردّد في أوساطه ، وتحتكر جميع وسائل الدعاية والنشْر ، وتضرب على الأمّة نطاقاً لا يجوز أنْ تتعدّاه بحالٍ ، وتعاقب على التُهمة والظِنّة ؛ لئلاّ يفلت الزمام مِن يدها فجأةً .
وهذا أمْرٌ طبيعيٌّ في كلّ نظامٍ ، يُراد فرضه على الأمّة ، قبل أنْ تنضُج فيها عقليّة ذلك النظام ، وتعمّ روحيّته .
نعَمْ ، لو أخَذ الإنسان المادّي يفكّر تفكيراً اجتماعيّاً ، ويعقل مصالحه بعقليّةٍ جماعيّةٍ ، وذابتْ مِن نفْسه جميع العواطف الخاصّة ، والأهواء الذاتيّة والانبعاثات النفسيّة.. لأمكن أنْ يقوم نظام يذوب فيه الأفراد ، ولا يبقى في الميدان إلاّ العملاق الاجتماعيّ الكبير .
ولكن تحقيق ذلك في الإنسان المادّي ، الذي لا يؤمن إلاّ بحياةٍ محدودةٍ ، ولا يعرف معنىً لها إلاّ اللذّة المادّية ، يحتاج إلى معجزةٍ تخلُق الجنّة في الدنيا ، وتنزل بها مِن السماء إلى الأرض .
والشيوعيّون يَعِدوننا بهذه الجنّة ، وينتظرون ذلك اليوم الذي يقضي فيه المعمل على طبيعة الإنسان ، ويخلُقُه مِن جديد إنساناً مثاليّاً في أفكاره وأعماله ، وإنْ لم يكن يؤمِن بذرَّةٍ مِن القِيَم المثاليّة والأخلاقيّة ولو تحقّقت هذه المعجزة ، فلنا معهم حينئذٍ كـلامٌ .
وأمّا الآن ، فوضْع التصميم الاجتماعيّ الذي يرومونه ، يستدعي حبْس الأفراد في حدودِ فِكرة هذا التصميم ، وتأمين تنفيذه بقيام الفئة المؤمنة به على حمايته ، والاحتياط له بكَبْت الطبيعة الإنسانيّة والعواطف النفسيّة ، ومنعها عن الانطلاق بكلّ أسلوبٍ مِن الأساليب .
والفرد في ظِلِّ هذا النظام ، وإنْ كسَب تأميناً كاملاً ، وضماناً اجتماعيّاً لحياته وحاجاته ؛ لأنّ الثروة الجماعيّة تمدّه بكلّ ذلك في وقت الحاجة ، ولكن أليس مِن الأحسن بحال هذا الفرد : أنْ يظفر بهذا التأمين دون أنْ يخسر استنشاق نسيم الحرّية المهذّبة ، ويضطرّ إلى إذابة شخصه في النار ، وإغراق نفْسه في البحر الاجتماعيّ المتلاطم ؟! .
وكيف يمكن أنْ يطمع بالحرّية - في ميدان مِن الميادين - إنسانٌ حُرِم مِن الحرّية في معيشته ورُبطتْ حياته الغذائية ربطاً كاملاً بهيئة معيّنة ، مع أنّ الحرّية الاقتصاديّة والمعيشيّة هي أساس الحرّيات جميعاً .
ويعتذر عن ذلك المعتذرون ، فيتساءلون : ماذا يصنع الإنسان بالحرّية والاستمتاع بحقّ النقْد ، والإعلان عن آرائه ، وهو يرزح تحت عِبءٍ اجتماعيٍّ فظيع ؟! وماذا يُجديه أنْ يناقش ويعترض ، وهو أحوَج إلى التغذية الصحيحة والحياة المكفولة منه إلى الاحتجاج والضجيج ، الذي تُنتجُه له الحرّية ؟!.
وهؤلاء المتسائلون لم يكونوا ينظرون إلاّ إلى الديمقراطيّة الرأسماليّة ، كأنّها القضية الاجتماعيّة الوحيدة ، التي تنافس قضيّتهم في الميدان ، فانتقصوا مِن قِيمة الكرامة الفرديّة وحقوقها ؛ لأنّهم رأَوا فيها خطراً على التيّار الاجتماعيّ العامّ .
ولكن مِن حقّ الإنسانيّة أنْ لا تُضحّي بشيءٍ مِن مقوّماتها وحقوقها ، ما دامت غير مضطرّة إلى ذلك ، وأنّها إنّما تقف موقف التخيير : بين كرامةٍ هي مِن الحقّ المعنويّ للإنسانيّة ، وبين حاجةٍ هي مِن الحقّ المادّي لها ، إذا أعْوَزها النظام الذي يجمع بين الناحيتَين ، ويوفّق إلى حلّ المشكلتَين .
إنّ إنساناً يعتصر الآخَرون طاقاته ، ولا يطمئن إلى حياةٍ طيّبة ، وأجْرٍ عادلٍ ، وتأمينٍ في أوقات الحاجة.. لَهُوَ إنسانٌ قد حُرِم مِن التمتّع بالحياة ، وحِيل بينه وبين الحياة الهادئة المستقرّة .
كما أنّ إنساناً يعيش مهدّداً في كلِّ لحظةٍ ، محاسَباً على كلِّ حركةٍ ، معرّضاً للاعتقال بدون محاكمة ، وللسجن والنفي والقتْل لأدنى بادرة.. لَهُوَ إنسان مروّع مرعوب ، يسلُبْه الخوف حلاوة العَيش ، ويُنغِّص الرعبُ عليه مَلاذّ الحياة .
والإنسان الثالث المطمئنّ إلى معيشته ، الواثق بكرامته وسلامته ، هو حُلُم الإنسانيّة العذِب ، فكيـف يتحقّق هذا الحلُم ؟ ومتى يصبح حقيـقـةً واقعـة ؟ .
وقد قلنا : إنّ العلاج الشيوعيّ للمشكلة الاجتماعيّة ناقصٌ ، مضافاً إلى ما أشرنا إليه مِن مضاعفات فهو : وإنْ كان تتمثّل فيه عواطف ومشاعر إنسانيّة ، آثارها الطغيان الاجتماعيّ العامّ ، فأهاب بجملةٍ مِن المفكّرين إلى الحلّ الجديد ، غير أنّهم لمْ يضعوا أيديهم على سببِ الفساد ؛ ليقضوا عليه ، وإنّما قضَوا على شيءٍ آخَر ، فلمْ يُوفّقوا في العلاج ، ولم ينجحوا في التطبيب .
إنّ مبدأ المِلكيّة الخاصّة ليس هو الذي نشأت عنه آثام الرأسماليّة المطلَقة ، التي زعزعت سعادة العالَم وهناءه ، فلا هو الذي يفرض تعطيل الملايين مِن العمّال ، في سبيل استثمار آلةٍ جديدةٍ تقضي على صناعاتهم ، كما حدَث في فجْر الانقلاب الصناعيّ ، ولا هو الذي يفرض التحكّم في أجور الأجير وجهوده بلا حساب ، ولا هو الذي يفرض على الرأسماليّ أنْ يُتلف كمّيات كبيرة مِن منتوجاته ، تحفّظاً على ثمن السِلعة ، وتفضيلاً للتبذير على توفير حاجات الفقراء بها ، ولا هو الذي يدعوه إلى جعْل ثروته رأس مالِ كاسبٍ يضاعفه بالربا ، وامتصاص جهود المَدِينين بلا إنتاج ولا عمل .
ولا هو الذي يدفعه إلى شراء جميع البضائع الاستهلاكيّة مِن الأسواق ؛ ليحتكرها ويرفع بذلك مِن أثمانها ، ولا هو الذي يفرض عليه فتح أسواقٍ جديدة ، وإنْ اُنتهكت بذلك حرّيات الأُمم وحقوقها ، وضاعت كرامتها وحرّيتها...
كلّ هذه المآسي المروّعة لمْ تنشأ مِن المِلكيّة الخاصّة ، وإنّما هي وليدةِ المصلحة المادّية الشخصيّة ، التي جُعِلت مقياساً للحياة في النظام الرأسماليّ ، والمبرّر المطلَق لجميع التصرّفات والمعاملات .
فالمجتمع حين تُقام أُسُسه على هذا المقياس الفرديّ ، والمبرّر الذاتيّ لا يمكن أنْ يُنتظَر منه غير ما وقع فإنّ مِن طبيعة هذا المقياس تنبثق تلك اللعَنات والوَيلات على الإنسانيّة كلّها ، لا مِن مبدأ المِلكيّة الخاصّة ، فلو أُبدل المقياس ووُضِعت للحياة غايةٌ جديدة مهذّبة ، تنسجم مع طبيعة الإنسـان ؛ لتحقّق بذلك العلاج الحقيقيّ للمشكلة الإنسانيّة الكبرى .
الإسلام والمشكلة الاجتماعيّة
* التعليل الصحيح للمشكلة
* كيف تُعالَج المشكلة ؟
* رسالة الدِين
ولأجل أنْ نصل إلى الحلَقة الأُولى في تعليل المشكلة الاجتماعيّة ، علينا أنْ نتساءل عن تلك المصلحة المادّية الخاصّة - التي أقامها النظام الرأسماليّ ، مقياساً ومبرّراً وهدفاً وغاية - نتساءل : ما هي الفكرة التي صحّحت هذا المقياس في الذهنيّة الديمقراطيّة الرأسماليّة ، وأَوحَت به ؟ فإنّ تلك الفكرة هي الأساس الحقيقيّ للبلاء الاجتماعيّ ، وفَشَل الديمقراطيّة الرأسماليّة في تحقيق سعادة الإنسان وتوفير كرامته ، وإذا استطعنا أنْ نقضي على تلك الفكرة ، فقد وضعنا حدّاً فاصلاً لكلّ المؤامرات على الرفاه الاجتماعيّ ، والالتواءات على حقوق المجتمع وحرّيته الصحيحة ، ووُفِّقنا إلى استثمار المِلكيّة الخاصّة لخير الإنسانيّة ورُقِيّها ، وتقدّمها في المجالات الصناعيّة ، وميادين الإنتاج .
فما هي تلك الفكرة ؟.
إنّ تلك الفكرة تتلخّص في التفسير المادّي المحدود للحياة ، الذي أشاد عليه الغَرْب صَرْحَ الرأسماليّة الجبّار فإنّ كلّ فردٍ في المجتمع ، إذا آمَن بأنّ ميدانه الوحيد في هذا الوجود العظيم : هو حياته المادّية الخاصّة ، وآمن أيضاً بحرّيته في التصرّف بهذه الحياة واستثمارها ، وإنّه لا يمكن أنْ يكسب مِن هذه الحياة غايةً ، إلاّ اللذّة التي توَفّرها له المادّة .
وأضاف هذه العقائد المادّية إلى حبّ الذات ، الذي هو مِن صميم طبيعته ، فسوف يسلك السبيل الذي سلَكَه الرأسماليّون ، ويُنفّذ أساليبهم كاملة ، ما لم تحرِمْه قوّةٌ قاهرة مِن حرّيته ، وتسدّ عليه السبيل .
وحبّ الذات : هو الغريزة التي لا نعرف غريزةً أعمّ منها وأقْدَم ، فكلّ الغرائز فروعُ هذه الغريزة وشُعَبِها ، بما فيها غريزة المعيشة فإنّ حبّ الإنسان ذاته - الذي يعني حبّه للّذّة والسعادة لنفسه ، وبُغضه للألم والشقاء لذاته - هو الذي يدفع الإنسان إلى كسْب معيشته ، وتوفير حاجيّاته الغذائيّة والمادّية ؛ ولذا قد يضع حدّاً لحياته بالانتحار ، إذا وجَدَ أنّ تحمّل ألَم الموت أسهل عليه مِن تحمّل الآلام التي تزخر بها حياته .
فالواقع الطبيعيّ الحقيقيّ إذن ، الذي يكمُن وراء الحياة الإنسانيّة كلّها ، ويوجّهها بأصابعه هو : حبّ الذات ، الذي نُعبّر عنه بحبّ اللذّة وبُغض الألم ، ولا يمكن تكليف الإنسان أنْ يتحمّل مختاراً مَرارة الألَم ، دون شيءٍ مِن اللذّة ، في سبيل أنْ يلتذّ الآخَرون ويتنعّموا ، إلاّ إذا سُلبت منه إنسانيّتـه ، وأُعطِيَ طبيعةً جديدةً ، لا تتعشّق اللذّة ، ولا تكره الألَم .
وحتّى الألوان الرائعة مِن الإيثار ، التي نشاهدها في الإنسان ، ونسمع بها عن تاريخه.. تخضع في الحقيقة أيضاً لتلك القوّة المحرّكة الرئيسيّة : ( غريزة حبّ الذات ).
فالإنسان قد يؤثّر ولَدُه أو صديقُه على نفسه ، وقد يُضحّي في سبيل بعض المُثُل والقِيَم ، ولكنّه لن يقدِم على شيءٍ مِن هذه البطولات ما لمْ يحسّ فيها بلذّةٍ خاصّة ، ومنفعة تفوق الخسارة ، التي تنجم عن إيثاره لولَدِه وصديقه ، أو تضحيَته في سبيل مَثَل مِن المُثُل التي يؤمن بها .
وهكذا يمكننا أنْ نفسّر سلوك الإنسان بصورة عامّة ، في مجالات الأنانيّة والإيثار على حدٍّ سواء ففي الإنسان استعدادات كثيرة للالتذاذ بأشياءٍ متنوّعة : مادّية كالالتذاذ بالطعام والشراب ، وألوان المُتعة الجنسيّة ، وما إليها مِن اللذائذ المادّية أو معنويّة كالالتذاذ الخُلُقيّ والعاطفيّ ، بقِيَمٍ خُلُقيّة أو أليفٍ روحيٍّ أو عقيدةٍ معيّنة ، حين يجد الإنسان أنّ تلك القِيَم أو ذلك الأليف أو هذه العقيدة جزء مِن كيانه الخاصّ .
وهذه الاستعدادات التي تهيّئ الإنسان للالتذاذ بتلك المُتَع المتنوّعة ، تختلف في درجاتها عند الأشخاص ، وتتفاوت في مدى فِعليّتها.. باختلاف ظروف الإنسان ، وعوامل الطبيعة والتربية التي تؤثّر فيه فبينما نجد أنّ بعض تلك الاستعدادات تنضج عند الإنسان بصورة طبيعيّة ، كاستعداده للالتذاذ الجنسيّ مثلاً ، نجد أنّ ألواناً أخرى منها قد لا تظهر في حياة الإنسان ، وتظلّ تنتظر عوامل التربية التي تساعد على نُضجها وتفتّحها .
وغريزة حبّ الذات مِن وراء هذه الاستعدادات جميعاً تحدّد سلوك الإنسان ، وِفقاً لمدى نُضج تلك الاستعدادات ، فهي تدفع إنساناً إلى الاستئثار بطعامٍ على آخَر وهو جائع ، وهي بنفسها تدفع إنساناً آخَر لإيثار الغير بالطعام على نفسه ؛ لأنّ استعداد الإنسان الأوّل للالتذاذ بالقِيَم الخُلُقيّة والعاطفيّة الذي يدفعه إلى الإيثار كان كامناً ، ولمْ تتحْ له عوامل التربية المساعدة على تركيزه وتنميَته ، بينما ظفر الآخَر بهذا اللون مِن التربية ، فأصبح يلتذّ بالقيَم الخلُقيّة والعاطفيّة ، ويُضحّي بسائر لذّاته في سبيلهـا .
فمتى أردنا أنْ نُغيِّر مِن سلوك الإنسان شيئاً ، يجب أنْ نغيّر مِن مفهوم اللذّة والمنفعة عنده ، وندخل السلوك المقترح ضمن الإطار العام لغريزة حبّ الذات .
فإذا كانت غريزة حبّ الذات بهذه المكانة مِن دنيا الإنسان ، وكانت الذات في نظر الإنسان عبارة عن : طاقـة مادّية محدودة ، وكانت اللذّة عبارة : عمّا تهيّئه المادّة مِن مُتَعٍ ومسرّات ، فمِن الطبيعيّ أنْ يشعر الإنسان بأنّ مجال كسْبه محدود ، وأنّ شَوطه قصير ، وأنّ غايته في هذا الشوط أنْ يحصل على مقدارٍ مِن اللذّة المادّية وطريق ذلك ينحصر بطبيعة الحال في عصَب الحياة المادّية وهو المال ، الذي يفتح أمام الإنسان السبيل إلى تحقيق كلّ أغراضه وشهَواته .
هذا هو التسلسل الطبيعيّ في المفاهيم المادّية ، الذي يؤدّي إلى عقليّةٍ رأسماليّة كاملة .
أفترى أنّ المشكلة تُحلّ حلاًّ حاسماً ، إذا رفضنا مبدأ المِلكيّة الخاصّة ، وأبقينا تلك المفاهيم المادّية عن الحياة ، كما حاول أولئك المفكّرون ؟! وهل يمكن أنْ ينجو المجتمع مِن مأساة تلك المفاهيم ، بالقضاء على المِلكيّة الخاصّة فقط ، ويحصل على ضمان لسعادته واستقراره ؟! مع أنّ ضمان سعادته واستقراره يتوقّف - إلى حدٍّ بعيد - على ضمان عدم انحراف المسؤولين عن مناهجهم وأهدافهم الإصلاحية ، في ميدان العمل والتنفيذ .
والمفروض في هؤلاء المسؤولين ، أنّهم يعتنقون نفْس المفاهيم المادّية الخالصة ، عن الحياة التي قامت عليها الرأسماليّة ، وإنّما الفرْق : أنّ هذه المفاهيم أفرغوها في قوالِب فلسفيّة جديدة ، ومِن الفرْض المعقول الذي يتّفق في كثيرٍ مِن الأحايين ، أنْ تقف المصلحة الخاصّة في وجه مصلحة المجموع ، وأنْ يكون الفرد ، بين خسارةٍ وألَمٍ يتحمّلهما لحساب الآخَرين ، وبين ربْحٍ ولذّةٍ يتمتّع بهما على حسابهم ، فماذا تقدّر للأمّة وحقوقها ، وللمذهب وأهدافه ، مِن ضمان في مِثل هذه اللحظات الخطيرة ، التي تمُرُّ على الحاكمين ؟!.
والمصلحة الذاتيّة لا تتمثّل فقط في المِلكيّة الفرديّة ؛ ليقضى على هذا الفرض الذي افترضناه ، بإلغاء مبدأ المِلكيّة الخاصّة ، بل هي تتمثّل في أساليب وتتلوّن بألوان شتّى ودليل ذلك ما أخَذ يكشف عنه زعماء الشيوعيّة اليوم ، مِن خيانات الحاكمين السابقيـن ، والتوائهم على ما يتبنَّون مِن أهداف .
إنّ الثروة التي تسيطر عليها الفئة الرأسماليّة في ظِلّ الاقتصاد المطلق ، والحرّيات الفرديّة ، وتتصرّف فيها بعقليّتها المادّية.. تُسلّم - عند تأميم الدولة لجميع الثروات ، وإلغاء المِلكيّة الخاصّة - إلى نفْس جهاز الدولة ، المكوَّن مِن جماعةٍ تسيطر عليهم نفْس المفاهيم المادّية عن الحياة ، والتي تفرض عليهم تقديم المصالح الشخصيّة بحُكم غريزة حبّ الذات ، وهي تأبى أنْ يتنازل الإنسان عن لذّةٍ ومصلحة بلا عِوَض .
وما دامت المصلحة المادّية هي القوّة المسيطرة ، بحُكم مفاهيم الحياة المادّية ، فسوف تُستأنَف مِن جديد ميادين للصراع والتنافس ، وسوف يعرض المجتمع لأشكال مِن الخطر والاستغلال .
فالخطر على الإنسانيّة يكمُن كلّه في تلك المفاهيم المادّية ، وما ينبثق عنها مِن مقاييس للأهداف والأعمال .
وتوحيد الثروات الرأسماليّة - الصغيرة أو الكبيرة - في ثروةٍ كبرى يُسلّم أمرها للدولة ، مِن دون تطويرٍ جديدٍ للذهنيّة الإنسانيّة.. لا يدفع ذلك الخطر ، بل يجعل مِن الأمّة جميعاً عمّال شركةٍ واحدة ، ويربط حياتهم وكرامتهم بأقطاب تلك الشركة وأصحابها .
نعَمْ إنّ هذه الشرِكة تختلف عن الشرِكة الرأسماليّة ، في أنّ أصحاب تلك الشرِكة الرأسماليّة هُم الذين يملكون أرباحها ، ويصرفونها في أهوائهم الخاصّة .
وأمّا أصحاب هذه الشرِكة فهُم لا يملكون شيئاً مِن ذلك ، في مفروض النظام ، غير أنّ ميادين المصلحة الشخصيّة لا تزال مفتوحة ، والفَهْم المادّي للحياة - الذي يجعل مِن تلك المصلحة هدفاً ومبرّراً - لا يزال قائماً .
والعالَم أمامه سبيلان إلى دفْع الخطر ، وإقامة دعائم المجتمع المستقرّ :
أحدهما : أنْ يُبدّل الإنسان غير الإنسان ، أو تُخلَق فيه طبيعة جديدة تجعله يُضحّي بمصالحه الخاصّة ، ومكاسب حياته المادّية المحدودة.. في سبيل المجتمع ومصالحه ، مع إيمانه بأنّه لا قِيَم إلاّ قِيَم تلك المصالح المادّية ، ولا مكاسب إلاّ مكاسب هذه الحياة المحدودة .
وهذا إنّما يتمّ إذا انتزع مِن صميم طبيعته حبّ الذات ، وأُبدل بحبّ الجماعة ، فيولَد الإنسان وهو لا يحبّ ذاتـه ، إلاّ باعتبار كَونه جزءاً مِن المجتمع ، ولا يلتذّ لسعادته ومصالحه ، إلاّ بما أنّها تمثّل جانباً مِن السعادة العامّة ومصلحة المجموع فإنّ غريزة حبّ الجماعة تكون ضامنةً حينئذٍ للسعيِ وراء مصالحها ، وتحقيق متطلّباتها ، بطريقةٍ ميكانيكيّة وأسلوبٍ آليٍّ .
والسبيل الآخر الذي يمكن للعالَم سلوكه ؛ لدرْء الخطر عن حاضر الإنسانيّة ومستقبلها هو : أنْ يُطوَّر المفهوم المادّي للإنسان عن الحياة ، وبتطويره تتطوّر طبيعيّاً أهدافها ومقاييسها ، وتتحقّق المعجزة حينئذٍ مِن أيسر طريق .
والسبيل الأوّل هو الذي يحلُم أقطاب الشيوعيّين بتحقيقه للإنسانيّة في مستقبلها ، ويَعِدون العالَم بأنّهم سوف يُنشئونها إنشاءً جديداً ، يجعلها تتحرّك ميكانيكيّاً إلى خدمة الجماعة ومصالحها .
ولأجْل أنْ يتمّ هذا العمل الجبّار ، يجب أنْ نوكِل قيادة العالَم إليهم ، كما يوكَل أمْر المريض إلى الجرّاح ، ويُفوّض إليه تطبيقه وقطْع الأجزاء الفاسدة منه ، وتعديل المُعوَج منها ولا يعلم أحدٌ كمْ تطول هذه العمليّة الجراحيّة ، التي تجعل الإنسانيّة تحت مبضع جرّاح .
وإنّ استسلام الإنسانيّة لذلك لهُوَ أكبر دليل على مدى الظلم ، الذي قاستْه في النظام الديمقراطيّ الرأسماليّ ، الذي خدعها بالحرّيات المزعومة ، وسلَب منها أخيراً كرامتها وامتصّ دماءها ؛ ليقدّمها شراباً سائغاً للفئة المدلّلة التي يمثّلها الحاكمون .
والفِكرة في هذا الرأي ، القائل : بمعالجة المشكلة عن طريق تطوير الإنسانيّة ، وإنشائها مِن جديد.. ترتكز على مفهوم الماركسيّة عن حبّ الذات فإنّ الماركسيّة تعتقد : أنّ حبّ الذات ليس مَيلاً طبيعيّاً ، وظاهرة غريزة في كيان الإنسان ، وإنّما هو نتيجة للوضْع الاجتماعيّ القائم على أساس المِلكيّة الفرديّة ، فإنّ الحالة الاجتماعيّة للمِلكيّة الخاصّة هي التي تُكوّن المحتوى الروحي والداخلي للإنسان ، وتخلُق في الفرد حبّه لمصالحه الخاصّة ومنافعه الفردية .
فإذا حدَثت ثورة في الأُسُس التي يقوم عليها الكيان الاجتماعيّ ، وحَلّت المِلكيّة الجماعيّة والاشتراكيّة محلّ المِلكيّة الخاصّة ، فسوف تنعكس الثورة في كلّ أرجاء المجتمع ، وفي المحتوى الداخلي للإنسان ، فتنقلب مشاعره الفرديّة إلى مشاعر جماعيّة ، ويتحوّل حبّه لمصالحه ومنافعه الخاصّة إلى حبٍّ لمنافع الجماعة ومصالحها ؛ وِفقاً لقانون التوافق : بين حالة المِلكيّة الأساسيّة ، ومجموع الظواهر الفَوقيّة التي تتكيّف بموجِبها .
والواقع أنّ هذا المفهوم الماركسيّ لحبّ الذات ، يُقدّر العلاقة بين الواقع الذاتيّ ( غريزة حبّ الذات ) ، وبين الأوضاع الاجتماعية بشكلٍ مقلوب وإلاّ فكيف نستطيع أنْ نؤمن : بأنّ الدافع الذاتيّ وليد المِلكيّة الخاصّة ، والتناقضات الطبَقيّة التي تنجم عنها ؟! فإنّ الإنسان لو لمْ يكن يملِك سلَفاً الدافع الذاتيّ لَما أَوجد هذه التناقضات ، ولا فكّر في المِلكيّة الخاصّة والاستئثـار الفرديّ .
ولماذا يستأثر الإنسان بمكاسب النظام ، ويضعه بالشكل الذي يحفظ مصالحه على حساب الآخَرين ، ما دام لا يحسّ بالدافع الذاتيّ في أعماق نفْسه ؟! .
فالحقيقة أنّ المظاهر الاجتماعيّة للأنانيّة في الحقل الاقتصاديّ والسياسيّ.. لم تكن إلاّ نتيجة للدافع الذاتيّ ، لغريزة حبّ الذات فهذا الدافع أعمق منها في كيان الإنسان ، فلا يمكن أنْ يزول وتُقتلَع جذوره بإزالة تلك الآثار ، فإنّ عمليّةً كهذه لا تعدو أنْ تكون استبدالاً لآثار بأخرى ، قد تختلف في الشكل والصورة ، لكنّها معها في الجوهر والحقيقة .
أضِف إلى ذلك : أنّا لو فسّرنا الدافع الذاتيّ ( غريزة حبّ الذات ) تفسيراً موضوعيّاً ، بوَصفه انعكاساً لظواهر الفرديّة في النظام الاجتماعيّ ، كظاهرة المِلكيّة الخاصّة - كما صنعت الماركسيّة - فلا يعني هذا أنّ الدافع الذاتيّ سوف يفقِد رصيده الموضوعيّ ، وسببه مِن النظام الاجتماعيّ ، بإزالة المِلكيّة الخاصّة ؛ لأنّها وإنْ كانت ظاهرة ذات طابع فرديّ ، ولكنّها ليست هي الوحيدة مِن نَوعها .
فهناك - مثلاً - ظاهرة الإدارة الخاصّة ، التي يحتفظ بها حتّى النظام الاشتراكيّ فإنّ النظام الاشتراكيّ وإنْ كان يلغي المِلكيّة الخاصّة لوسائل الإنتاج ، غير أنّه لا يلغي إدارتها الخاصّة مِن قِبَل هيئات الجهاز الحاكم ، الذي يمارس دكتاتوريّة البروليتاريا ، ويحتكر الإشراف على جميع وسائل الإنتاج وإدارتها ، إذ ليس مِن المعقول أنْ تُدار وسائل الإنتاج ، في لحظة تأميمها إدارةً جماعيّةً اشتراكيةً ، مِن قِبَل أفراد المجتمع كافّة.
فالنظام الاشتراكيّ يحتفظ إذن بظواهر فرديّة بارزة ، ومِن الطبيعيّ لهذه الظواهر الفرديّة أنْ تُحافظ على الدافع الذاتيّ ، وتعكسه في المحتوى الداخلي للإنسان باستمرار ، كما كانت تصنع ظاهرة المِلكيّة الخاصّة.
وهكذا نعرف قِيمة السبيل الأوّل لحلّ المشكلة : السبيل الشيوعيّ الذي يَعتبِر إلغاء تشريع المِلكيّة الخاصّة ، ومَحْوِها مِن سِجلّ القانون.. كفيلاً وحده بحلّ المشكلة وتطوير الإنسان .
وأمّا السبيل الثاني - الذي مَرّ بنا - فهو الذي سلَكَه الإسلام ، إيماناً منه بأنّ الحلّ الوحيد للمشكلة : تطوير المفهوم المادّي للإنسان عن الحياة فلم يبتدر إلى مبدأ المِلكيّة الخاصّة ليُبطلَه ، وإنّما غزا المفهوم المادّي عن الحياة ، ووضَع للحياة مفهوماً جديداً ، وأقام على أساس ذلك المفهـوم نظاماً ، لمْ يجعل فيه الفرد آلةً ميكانيكيّةً في الجهاز الاجتماعيّ ، ولا المجتمع هيئةً قائمةً لحساب الفرد ، بل وضَع لكلِّ منهما حقوقه ، وكفَل للفرد كرامته المعنويّة والمادّية معاً .
فالإسلام وضع يدَه على نقطة الداء الحقيقيّة في النظام الاجتماعيّ للديمقراطيّة ، وما إليه مِن أنظمة.. فمحاها محْواً ينسجم مع الطبيعة الإنسانيّة فإنّ نقطة الارتكاز الأساسيّة لِما ضجّت به الحياة البشَريّة ، مِن أنواع الشقاء وألوان المآسي.. هي النظرة المادّية إلى الحياة ، التي نختصرها بعبارةٍ مقتضبةٍ في : افتراض حياة الإنسان في هذه الدنيا ، هي كلّ ما في الحساب مِن شيء ، وإقامة المصلحة الشخصيّة مقياساً لكلّ فعّاليّةٍ ونشاط .
إنّ الديمقراطيّة الرأسماليّة نظامٌ محكومٌ عليه بالانهيار والفشل المحقَّق في نظر الإسلام ، ولكن لا باعتبار ما يزعمُه الاقتصاد الشيوعيّ مِن تناقضات رأس المال بطبيعته ، وعوامل الفناء التي تحْمِلها المِلكيّة الخاصّة في ذاتها ؛ لأنّ الإسلام يختلف في طريقته المنطقيّة ، واقتصاده السياسيّ ، وفلسفته الاجتماعيّة عن مفاهيم هذا الزَعْم ، وطريقته الجدَليّة - كما أوضحنا ذلك في كتابَي : ( فلسفتنا ) و( اقتصادنا ) - ويضمن وضْع المِلكيّة الفرديّة في تصميمٍ اجتماعيٍّ ، خالٍ مِن تلك التناقضات المزعومة .
بل إنّ مَردّ الفشَل والوضْع الفاجع ، الذي مُنيَت به الديمقراطيّة الرأسماليّة في عقيدة الإسلام.. إلى مفاهيمها المادّية الخالصة ، التي لا يُمكن أنْ يسعَدَ البشَر بنظامٍ يستوحي جوهره منها ، ويستمدّ خطوطه العامّة مِن روحها وتوجيهها .
فلابدّ إذن مِن معينٍ آخَر - غير المفاهيم المادّية عن الكَون - يُستقى منه النظام الاجتماعيّ ، ولا بدّ مِن وعْيٍ سياسيٍّ صحيح ، ينبثق عن مفاهيم حقيقيّة للحياة ، ويتبنّى القضيّة الإنسانيّة الكبرى ، ويسعى إلى تحقيقها على قاعدة تلك المفاهيم ، ويدرس مسائل العالَم مِن هذه الزاوية .
وعند اكتمال هذا الوعي السياسيّ في العالَم ، واكتساحه لكلّ وعيٍ سياسيٍّ آخَر ، وغَزْوِه لكلّ مفهومٍ للحياة لا يندمج بقاعدته الرئيسيّة.. يمكن أنْ يدخل العالَم في حياةٍ جديدةٍ ، مشرقةٍ بالنور عامرةٍ بالسعادة .
إنّ هذا الوعي السياسيّ العميق ، هو رسالة السلام الحقيقيّ في العالَم ، وإنّ هذه الرسالة المُنقِذة لهيَ رسالة الإسلام الخالدة ، التي استمدّت نظامها الاجتماعيّ - المختلف عن كلّ ما عرضناه مِن أنظمة - مِن قاعدةٍ فكريّةٍ جديدةٍ للحياة والكَون.
وقد أَوْجد الإسلام بتلك القاعدة الفِكريّة النظرة الصحيحة للإنسان إلى حياته ، فجعَله يؤمِن : بأنّ حياته منبثقة عن مبدأ مطلَق الكمال ، وأنّها إعدادٌ للإنسان إلى عالَم لا عناء فيه ولا شقاء ، ونصَب له مقياساً خُلُقيّاً جديداً في كلّ خطواته وأدواره ، وهو : رضا الله تعالى .
فليس كلّ ما تفرضه المصلحة الشخصيّة ، فهو جائز ، وكلّ ما يؤدّي إلى خسارة شخصيّة ، فهو محرّم غير مُستساغ ، بل الهدف الذي رسَمَه الإسلام للإنسان في حياته هو الرضا الإلهيّ ، والمقياس الخُلُقيّ الذي تُوزَن به جميع الأعمال ، إنّما هو مقدار ما يحصل بها مِن هذا الهدف المقدّس .
والإنسان المستقيم : هو الإنسان الذي يحقّق هذا الهدف والشخصيّة الإسلاميّة الكاملة : هي الشخصيّة التي سارت في شتّى أشواطها على هدى هذا الهدف ، وضوء هذا المقياس ، وضمن إطاره العام .
وليس هذا التحويل في مفاهيم الإنسان الخُلُقيّة ، وموازينه وأغراضه يعني تغيير الطبيعة الإنسانيّة ، وإنشاءها إنشاءً جديداً ، كما كانت تعني الفكرة الشيوعيّة .
فحبّ الذات - أي حبّ الإنسان لذاته ، وتحقيق مشتهياتها الخاصّة - طبيعيّ في الإنسان ، ولا نعرف استقراءً في ميدانٍ تجريبيٍّ ، أوضح مِن استقراء الإنسانيّة في تاريخها الطويل ، الذي يبرهن على ذاتيّة حبّ الذات ، بل لو لمْ يكن حبّ الذات طبيعيّاً وذاتيّاً للإنسان ؛ لَما اندفع الإنسان الأوّل قبل كلّ تكوينةٍ اجتماعيّةٍ إلى تحقيق حاجاته ، ودفْع الأخطار عن ذاته ، والسعي وراء مشتهياته بالأساليب البدائية ، التي حفظ بها حياته وأبقى وجـوده ، وبالتالي خَوض الحياة الاجتماعيّة والاندماج في علاقات مع الآخَرين ؛ تحقيقاً لتلك الحاجات ، ودفعاً لتلك الأخطار .
ولمّا كان حبّ الذات يحتلّ هذا الموضع مِن طبيعة الإنسان ، فأيّ علاجٍ حاسمٍ للمشكلة الإنسانيّة الكبرى يجب أنْ يقوم على أساس الإيمان بهذه الحقيقة وإذا قام على فِكرةِ تطويرها أو التغلّب عليها ، فهو علاجٌ مثاليٌّ لا ميدان له في واقع الحياة العمليّة ، التي يعيشها الإنسان .
ويقوم الدين هنا برسالته الكبرى ، التي لا يمكن أنْ يضطلع بأعبائها غيره ، ولا أنْ تحقّق أهدافها البنّاءة ، وأغراضها الرشيدة إلاّ على أُسُسه وقواعده ، فيربط بين المقياس الخُلُقيّ الذي يضعه للإنسان ، وحبّ الذات المرتكزة في فطرته .
وفي تعبيرٍ آخَر : أنّ الدِين يوحِّد بين المقياس الفطريّ للعمل والحياة - وهو حبّ الذات - والمقياس الذي ينبغي أنْ يقام للعمل والحياة ؛ ليضمن السعادة والرفاه والعدالة. إنّ المقياس الفطريّ يتطلّب مِن الإنسان : أنْ يقدّم مصالحه الذاتيّة على مصالح المجتمع ، ومقوّمات التماسك فيه والمقياس الذي ينبغي أنْ يحكم ويسود : هو المقياس الذي تتعادل في حسابه المصالح كلّها ، وتتوازن في مفاهيمـه القِيَم الفرديّة والاجتماعيّة .
فكيف يتمّ التوفيق بين المقياسَين وتوحيد الميزانَين ؛ لتعود الطبيعة الإنسانيّة في الفرد عاملاً مِن عوامل الخير والسعادة للمجموع ، بعد أنْ كانت مَثار المأساة والنزعة ، التي تتفنّن في الأنانيّة وأشكالها ؟ .
إنّ التوفيق والتوحيد يحصل بعمليّةٍ يضمنها الدِين للبشَريّة التائهة ، وتتّخذ العمليّة أسلوبَين :
الأسلوب الأوّل : هو تركيز التفسير الواقعيّ للحياة ، وإشاعة فَهْمها في لَونها الصحيح ، كمقدّمةٍ تمهيديّةٍ إلى حياةٍ أُخرويّة ، يكسب الإنسان فيها مِن السعادة على مقدار ما يسعى في حياته المحدودة هذه ، في سبيل تحصيل رضا الله .
فالمقياس الخُلُقيّ - أو رضا الله تعالى - : يضمن المصلحة الشخصيّة ، في نفس الوقت الذي يحقّق فيه أهدافه الاجتماعيّة الكبرى فالدِين يأخذ بيد الإنسان إلى المشاركة في إقامة المجتمع السعيد ، والمحافظة على قضايا العدالة فيه ، التي تحقّق رضا الله تعالى ؛ لأنّ ذلك يدخل في حساب رِبحه الشخصيّ ، ما دام كلّ عمَلٍ ونشاطٍ في هذا الميدان يعوّض عنه بأعظم العِوَض وأجلّه .
فمسألة المجتمع هي مسألة الفرد أيضاً ، في مفاهيم الدِين عن الحياة وتفسيرها ، ولا يمكن أنْ يحصل هذا الأسلوب مِن التوفيق في ظِلّ فَهْمٍ مادّيٍّ للحياة ، فإنّ الفَهم المادّي للحياة يجعل الإنسان - بطبيعته - لا ينظر إلاّ إلى ميدانه الحاضر وحياته المحدودة ، على عكس التفسير الواقعيّ للحياة الذي يُقدّمه الإسلام ، فإنّه يوَسّع مِن ميدان الإنسان ، ويفرض عليه نظرةً أعمق إلى مصالحه ومنافعه ، ويجعل مِن الخسارة العاجلة رِبحاً حقيقيّاً في هذه النظرة العميقة ، ومِن الأرباح العاجلة خسارةً حقيقيّةً في نهاية المطاف :
( مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ) (١) .
( وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ) (٢) .
( يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ) (٣) .
( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (٤) .
_________________
(١) فصِّلت : ٤٦ ، والجاثية : ١٥
(٢) غافر : ٤٠ .
(٣) الزلزلة : ٦ - ٨
(٤) التوبة : ١٢٠ - ١٢١
هذه بعض الصوَر الرائعة التي يقدّمها الدِين مثالاً على الأسلوب الأوّل ، الذي يتّبعه للتوفيق بين المقياسَين ، وتوحيد الميزانَين ، فيربط بين الدوافع الذاتيّة وسُبُل الخير في الحياة ، ويطوّر مِن مصلحة الفرد تطويراً ، يجعله يؤمن : بأنّ مصالحه الخاصّة والمصالح الحقيقيّة العامّة للإنسانيّة - التي يحدّدها الإسلام - مترابطتان(١) .
وأمّا الأسلوب الثاني : الذي يتّخذه الدِين ، للتوفيق بين الدافع الذاتيّ ، والقِيَم أو المصالح الاجتماعيّة : فهو التعهّد بتربيةٍ أخلاقيّةٍ خاصّة ، تعني بتغذية الإنسان روحيّاً ، وتنمية العواطف الإنسانيّة والمشاعر الخُلُقيّة فيه ، فإنّ في طبيعة الإنسان - كما ألمعنا سابقاً - طاقات واستعدادات لميول متنوّعة ، بعضها ميول مادّية تتفتّح شهَواتها بصورة طبيعيّة ، كشهَوات الطعام والشراب والجنس ، وبعضها ميول معنويّة تتفتّح وتنمو بالتربية والتعاهد ؛ ولأجل ذلك كان مِن الطبيعي للإنسان - إذا تُرك لنفْسه - أنْ تسيطر عليه الميول المادّية ؛ لأنّها تتفتّح بصورة طبيعيّة ، وتظلّ الميول المعنويّة واستعداداتها الكامنة في النفْس مستترة .
والدِين باعتباره يؤمن بقيادةٍ معصومةٍ مسدّدة مِن الله ، فهو يوكِل أمْرَ تربية الإنسانيّة ، وتنمية الميول المعنويّة فيها إلى هذه القيادة وفروعها ، فتنشأ بسبب ذلك مجموعة مِن العواطف والمشاعر النبيلة ، ويصبح الإنسان يحبّ القِيَم الخُلُقيّة والمُثُل التي يُربّيه الدِين على احترامها ويستبسل في سبيلها ، ويُزيح عن طريقها ما يقف أمامها مِن مصالحه ومنافعه .
_________________
(١) انظر اقتصادنا ص ٣٠٧ .
وليس معنى ذلك أنّ حبّ الذات يُمحى مِن الطبيعة الإنسانيّة ، بل إنّ العمل في سبيل تلك القِيَم والمُثُل تنفيذٌ كاملٌ لإرادة حبّ الذات ، فإنّ القِيَم بسبب التربية الدينيّة تصبح محبوبةً للإنسان ، ويكون تحقيق المحبوب بنفسه معبّراً عن لذّةٍ شخصيّةٍ خاصّة ، فتفرض طبيعة حبّ الذات بذاتها السعي لأجل القِيَم الخُلُقيّة المحبوبة ، تحقيقاً للّذّةِ الخاصّة بذلك .
فهذان هما الطريقان اللذان ينتج عنهما ربْط المسألة الخُلُقيّة بالمسألة الفرديّة ، ويتلخّص أحدهما في : إعطاء التفسير الواقعيّ لحياةٍ أبديّةٍ ، لا لأجل أنْ يزهد الإنسان في هذه الحياة ، ولا لأجل أنْ يخنع للظُلم ويقرّ على غير العدل ، بل لأجل ضبط الإنسان بالمقياس الخُلُقيّ الصحيح ، الذي يمدّه ذلك التفسير بالضمان الكافيّ .
ويتلخّص الآخر في : التربية الخُلُقيّة التي ينشأ عنها في نفْس الإنسان مختلف المشاعر والعواطف ، التي تضمن إجراء المقياس الخُلُقيّ بوحيٍ مِن الذات .
فالفَهْم المعنويّ للحياة والتربية الخُلُقيّة للنفْس في رسالة الإسلام ، هما السببان المجتمعان على معالجة السبب الأعمق للمأساة الإنسانيّة .
ولنعبّر دائماً عن فَهْم الحياة على أنّها تمهيد لحياةٍ أبديّةٍ : بالفَهْم المعنويّ للحياة ، ولنعبّر أيضاً عن المشاعر والأحاسيس ، التي تُغذّيها التربية الخُلُقيّة : بالإحساس الخُلُقيّ بالحياة .
فالفَهم المعنويّ للحياة والإحساس الخُلُقيّ بها ، هما الركيزتان اللتان يقوم على أساسهما المقياس الخُلُقيّ الجديد ، الذي يضعه الإسلام للإنسانيّة وهو : رضا الله تعالى ورضا الله - هذا الذي يقيمه الإسلام مقياساً عامّاً في الحياة - هو الذي يقود السفينة البشَريّة إلى ساحل الحقّ والخير والعدالة .
فالمِيزة الأساسيّة للنظام الإسلاميّ تتمثّل : فيما يرتكز عليه مِن فَهْمٍ معنويٍّ للحياة ، وإحساسٍ خُلُقيٍّ بها ، والخطّ العريض في هذا النظام هو : اعتبار الفرد والمجتمع معاً ، وتأمين الحياة الفرديّة والاجتماعيّة بشكلٍ متوازن فليس الفرد هو القاعدة المركزيّة في التشريع والحُكم ، وليس الكائن الاجتماعيّ الكبير هو الشيء الوحيد الذي تنظر إليه الدولة ، وتُشرِّع لحسابه .
وكلّ نظامٍ اجتماعيٍّ لا ينبثق عن ذلك الفَهْم والإحساس ، فهو :
إمّا نظامٌ يجري مع الفرد في نزعته الذاتيّة ، فتتعرّض الحياة الاجتماعيّة لأقسى المضاعفات وأشدّ الأخطار .
وإمّا نظامٌ يحبس في الفرد نزعته ، ويشلّ فيه طبيعته لوقاية المجتمع ومصالحه فينشأ الكفاح المرير الدائم بين النظام وتشريعاته والأفراد ونزعاتهم ، بل يتعرّض الوجود الاجتماعيّ للنظام دائماً للانتكاس على يد مُنشئيه ، ما دام هؤلاء يحملون نزعات فرديّة أيضاً ، وما دامت هذه النزعات تجد لها - بكَبْت النزعات الفرديّة الأخرى ، وتسلّم القيادة الحاسمة - مجالاً واسعاً ، وميداناً لا نظير له للانطلاق والاستغلال .
وكلّ فَهْمٍ معنويٍّ للحياة وإحساسٍ خُلُقيٍّ بها لا ينبثق عنهما نظام كامل للحياة ، يُحسَب فيه لكلِّ جزءٍ مِن المجتمع حسابه ، وتُعطى لكلّ فردٍ حرّيّته التي هذّبها ذلك الفَهْم والإحساس ، والتي تقوم الدولة بتحديدها في ظروف الشذوذ عنهما .
أقول : إنّ كلّ عقيدةٍ لا تلِد للإنسانيّة هذا النظام ، فهي لا تخرج عن كَونها تلطيفاً للجوّ وتخفيفاً مِن الوَيلات ، وليست علاجاً محدوداً وقضاءً حاسماً على أمراض المجتمع ومساوِئه ، وإنّما يُشاد البناء الاجتماعيّ المتماسك على فَهْمٍ معنويٍّ للحياة ، وإحساسٍ خُلُقيٍّ بها ، ينبثق عنهما نظام يملأ الحياة بروحِ هذا الإحساس ، وجوهر ذلك الفَهْم .
وهذا هو الإسلام في أخصر عبارةٍ وأروَعها : فهو عقيدةٌ معنويّةٌ وخُلُقيّةٌ ، ينبثق عنها نظام كامل للإنسانيّة ، يرسم لها شوطها الواضح المحدّد ، ويضع لها هدفاً أعلى في ذلك الشوط ، ويعرِّفها على مكاسبها منه .
وأمّا أنْ يقضي على الفَهْم المعنويّ للحياة ، ويُجرّد الإنسان عن إحساسه الخُلُقيّ بها ، وتعتبر المفاهيم الخُلُقيّة أوهاماً خالصة خلقَتها المصالح المادّية ، والعامل الاقتصاديّ هو الخلاّق لكلِّ القِيَم والمعنويات ، وتُرجى بعد ذلك سعادة للإنسانيّة ، واستقرار اجتماعيّ لها ، فهذا الرجاء الذي لا يتحقّق إلاّ إذا تبدّل البشَر إلى أجهزةٍ ميكانيكيّةٍ ، يقوم على تنظيمها عدّة مِن المهندسين الفنيّين .
وليست إقامة الإنسان على قاعدة ذلك الفَهْم المعنويّ للحياة ، والإحساس الخُلُقيّ بها عملاً شاقّاً وعسيراً ، فإنّ الأديان في تاريخ البشَريّة قد قامت بأداء رسالتها الكبيرة في هذا المضمار ، وليس لجميع ما يحفل به العالَم اليوم مِن مفاهيم معنويّةٍ ، وأحاسيس خُلُقيّةٍ ، ومشاعر وعواطف نبيلة.. تعليل أَوضح وأكثر منطقيّة مِن تعليل ركائزها ، وأُسُسها بالجهود الجبّارة ، التي قامت بها الأديان ؛ لتهذيب الإنسانيّة والدافع الطبيعي في الإنسان ، وما ينبغي له مِن حياة وعمل .
وقد حمل الإسلام المشعل المتفجّر بالنور ، بعد أنْ بلَغ البشَر درجةً خاصّةً مِن الوعي ، فبشَّر بالقاعدة المعنويّة والخُلُقيّة على أوسع نطاقٍ وأبعد مدى ، ورفع على أساسها رايةً إنسانيّةً ، وأقام دولةً فِكريّةً ، أخذت بزِمام العالَم رُبع قرْن ، واستهدفت إلى توحيد البشَر كلّه ، وجمْعه على قاعدةٍ فكريّةٍ واحدةٍ ترسم أسلوب الحياة ونظامها .
إحداهما : تربية الإنسان على القاعدة الفكريّة ، وطَبْعه في اتّجاهه وأحاسيسه بطابعها .
والأخرى : مراقبته مِن خارج وإرجاعه إلى القاعدة الفكريّة ، إذا انحرف عنها عمليّاً .
ولذلك فليس الوعي السياسيّ للإسلام وعْياً للناحية الشكليّةمِن الحياة الاجتماعيّة فحسب ، بل هو وعيٌ سياسيٌّ عميق مردّه إلى نظرةٍ كلّيةٍ كاملةٍ نحو : الحياة ، والكون ، والاجتماع ، والسياسة ، والاقتصاد ، والأخلاق ، فهذه النظرة الشاملة هي الوعي الإسلاميّ الكامل .
وكلّ وعيٍ سياسيٍّ آخَر ، فهو : إمّا أنْ يكون وعياً سياسيّاً سطحيّاً ، لا ينظر إلى العالَم إلاّ مِن زاويةٍ معيّنة ، ولا يُقيم مفاهيمه على نقطة ارتكازٍ خاصّة أو يكون وعياً سياسيّاً يدرس العالَم مِن زاوية المادّة البحتة ، التي تموّن البشَريّة بالصراع والشقاء ، في مختلف أشكاله وألوانه .
مَوقفُ الإسلام مِنَ الحُرّية وَالضمان
* الحرّية في الرأسماليّة والإسلام .
* الضمان في الإسلام والماركسيّة .
عرفنا - فيما سبق - أنّ الحرّية هي النقطة المركزيّة في التفكير الرأسماليّ ، كما أنّ فِكرة الضمان هي المحور الرئيس في النظام الاشتراكيّ والشيوعيّ .
ولأجْل ذلك سندرس - بصورةٍ مقارنة - موقف الإسلام والرأسماليّة مِن الحرّية ، ونقارن بعد ذلك بين الضمان في الإسلام والضمان في المذهب الماركسيّ .
ونحن حين نُطلِق كلمة ( الحرّية ) ، نقصد بها معناها العامّ وهو : نفي سيطرة الغير ، فإنّ هذا المفهوم هو الذي نستطيع أنْ نجده في كلّ مِن الحضارتَين ، وإنْ اختلف إطاره وقاعدته الفكريّة في كلٍّ منهما(١) .
ومنذ نبدأ بالمقارنة بين الحرّية في الإسلام ، والحرّية في الديمقراطيّة الرأسماليّة.. تبدو لدينا بوضوح الفروق الجوهريّة بين الحرّية ، التي عاشها المجتمع الرأسماليّ ونادت بها الرأسماليّة ، وبين الحرّية التي حمَل لواءها الإسلام ، وكفلها للمجتمع الذي صنعه ، وقدّم فيه تجربته على مسرح التاريخ .
_________________
(١) ولأجْل ذلك ورَدت كلمة ( الحرّية ) بمفهومها العامّ في نصوصٍ إسلاميّةٍ أصيلة ، لا يمكن أنْ تتّهم بالتأثّر بمفاهيم الحضارة الغربيّة فقد جاء عن أمير المؤمنين عليّعليهالسلام : ( لا تكنْ عبداً لغيرك وقد خلقك الله حرّاً ) وورد عن الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام أنّه قال : ( خمس خِصال مَن لمْ يكن فيه شيءٌ منها ، لمْ يكن فيه كثير مستمتَع : أُولاها الوفاء، والثانية التدبير ، والثالثة الحياء ، والرابعة حُسن الخُلُق ، والخامسة وهي تجمع هذه الخصال (الحرّية)) .
فكلٌّ مِن الحرّيتَين تحمل طابع الحضارة التي تنتمي إليها ، وتلتقي مع مفاهيمها عن الكون والحياة ، وتعبّر عن الحالة العقليّة والنفسيّة ، التي خلَقتها تلك الحضارة في التاريخ .
فالحرّية في الحضارة الرأسماليّة : بدأت شكّاً مريراً طاغياً ، واستحال هذا الشكّ في امتداده الثوريّ إلى إيمانٍ مذهبيٍّ بالحرّيـة ، وعلى العكس مِن ذلك الحرّية في الحضارة الإسلاميّة : فإنّها تعبيرٌ عن يقينٍ مركزيٍّ ثابت ( الإيمان بالله ) ، تستمدّ منه الحرّية ثوريّتها ، وبقدر ارتكاز هذا اليقيـن ، وعُمق مدلوله في حياة الإنسان ، تتضاعف الطاقات الثوريّة في تلك الحرّية .
والحرّية الرأسماليّة ذات مدلولٍ ايجابيِّ ، فهي تعتبِر : أنّ كلّ إنسانٍ هو الذي يملك بحقّ نفْسه ، ويستطيع أنْ يتصرّف فيها كما يحلو له ، دون أنْ يخضع في ذلك لأيِّ سلطةٍ خارجيّة ؛ ولأجْل ذلك كانت جميع المؤسّسات الاجتماعيّة - ذات النفوذ في حياة الإنسان - تستمدّ حقّها المشروع في السيطرة على كلّ فردٍ مِن الأفراد أنفسهم .
وأمّا الحرّية في الإسلام ، فهي : تحتفظ بالجانب الثوريّ مِن الحرّية ، وتعمل لتحرير الإنسان مِن سيطرة الأصنام ، كلّ الأصنام التي رزحتْ الإنسانيّة في قيودها عِبر التاريخ ، ولكنّها تُقيم عمليّة التحرير الكبرى هذه على أساس الإيمان بالعبوديّة المخلصة لله وحده .
فعبوديّة الإنسان لله في الإسلام - بدلاً عن امتلاكه لنفسه في الرأسماليّة - هي الأداة التي يُحطِّم بها الإنسان كلّ سيطرةٍ ، وكلّ عبوديّةٍ أخرى ؛ لأنّ هذه العبوديّة في معناها الرفيع ، تُشعِره بأنّه يقف وسائر القوى الأخرى ، التي يعايشها على صعيدٍ واحد ، أمامَ ربٍّ واحدٍ ، فليس مِن حقّ أيّ قوّةٍ في الكَون أنْ تتصرّف في مصيره ، وتتحكّم في وجوده وحياته .
والحرّية في مفاهيم الحضارة الرأسماليّة حقٌّ طبيعيٌّ للإنسان ، وللإنسان أنْ يتنازل عن حقِّه متى شاء ، وليست كذلك في مفهومها الإسلاميّ ؛ لأنّ الحرّية في الإسلام ترتبط ارتباطاً أساسيّاً بالعبوديّة لله ، فلا يَسمح الإسلام للإنسان أنْ يستذلّ ويستكين ويتنازل عن حرّيته :( لا تكن عبداً لغيرك ، وقد خلقك الله حرّاً ) فالإنسان مسؤولٌ عن حرّيته في الإسلام ، وليست الحرّية حالة مِن حالات انعدام المسؤوليّة .
هذا هو الفَرْق بين الحرّيتَين في ملامحهما العامّة ، وسنبدأ الآن بشيءٍ مِن التوضيح:
نشأت الحرّية في الحضارة الرأسماليّة تحت ظلال الشكّ الجارف المرير ، الذي سيطر على تيّارات التفكير الأوروبيّ كافّة ؛ نتيجةً للثورات الفكريّة التي تعاقبت في فجْر تاريخ أوروبا الحديثة ، وزلزلت دعائم العقليّة الغربيّة كلّها .
فقد بدأت أصنام التفكير الأوروبيّ تتهاوى الواحد تلْوِ الآخَر ؛ بسبب الفتوحات الثوريّة في دنيا العِلم ، التي طلعت على الإنسان الغربي بمفاهيم جديدةٍ عن الكَون والحياة ، ونظريّات تناقض كلّ المناقضة بديهيّاته بالأمس ، التي كانت تشكّل حجَر الزاوية في كيانه الفِكريّ ، وحياته العقليّة والدينيّة .
وأخذ الإنسان الغربي عِبر تلك الثورات الفِكريّة المتعاقبة ينظر إلى الكون بمنظارٍ جديد ، وإلى التراث الفِكريّ - الذي خلّفتْه له الإنسانيّة منذ فجْر التاريخ - نظرات شكٍّ وارتياب ؛ لأنّه بدأ يحسّ أنّ عالَم ( كوبرنيكوس ) ، الذي برهن على أنّ الأرض ليست إلاّ أحد توابع الشمس ، يختلف كلّ الاختلاف عن العالَم التقليدي الذي كان يحدّثنا عنه ( بطليموس ) ، وأنّ الطبيعة التي بدأت تكشف عن أسرارها لجاليليو وأمثاله مِن العلماء ، شيءٌ جديدٌ بالنسبة إلى الصورة التي ورِثها عن القدّيسين والمفكّرين السابقين أمثال القدّيس ( توماس الاكويني ) و ( دانتي ) وغيرهما وهكذا ألقى فجأةً وبيَدٍ مرعوبةٍ كلّ بديهيّاته بالأمس ، وأخَذ يحاول الخلاص مِن الإطار الذي عاش فيه آلاف السنين .
ولم يقف الشكّ في مَوجه الثوريّ الصاعد عند حدٍّ ، بل اكتسح في ثورته كلَّ القِيَم والمفاهيم التي تواضعت عليها الإنسانيّة ، وكانت تعتمد عليها في ضبْط السلوك وتنظيم الصِلات .
فما دام الكَون الجديد يناقض المفهوم القديم عن العالَم ، وما دام الإنسان ينظر إلى واقعه ومحيطه مِن زاوية العِلم لا الأساطير ، فلا بدّ أنْ يُعاد النظر مِن جديد في المفهوم الدِينيّ ، الذي يحدّد صِلة الإنسان والكون بما وراء الغيب ، وبالتالي في كلّ الأهداف والمُثُل التي عاشها الإنسان ، قبل أنْ تتبلوَر نظرته الجديدة إلى نفْسه وكَونه .
وعلى هذا الأساس واجَه دِين الإنسان الغربي مِحنة الشكّ الحديث ، وهو لا يرتكز إلاّ على رصيدٍ عاطفيٍّ ، بدأ ينضُب ؛ بسببٍ مِن طُغيان الكنيسة وجبروتها ، فكان مِن الطبيعيّ أيضاً أنْ تذوب في أعقاب هذه الهزيمة كلّ القواعد الخُلُقيّة ، والقِيَم والمُثُل التي كانت تحدِّد مِن سلـوك الإنسـان ، وتخفِّف مِن غلوائه ؛ لأنّ الأخلاق مرتبطةٌ بالدِين في حياة الإنسانيّة كلّها ، فإذا فقدَت رصيدها الدينيّ الذي يمدّها بالقِيمة الحقيقيّة ، ويربطها بعالَم الغَيب وعالَم الجزاء ، أصبحت خواءً وضريبةً لا مبرّر لها .
والتاريخ يبرز هذه الحقيقة دائماً ، فقد كفَر السفسطائيّون الإغريق بالآلهة على أساسٍ مِن الشكّ السفسطيّ ، فرفضوا القيود الخُلُقيّة وتمرّدوا عليهـا ، وأعاد الإنسان الغربي القصّة مِن جديد ، حين التَهمَ الشكّ الحديث عقيدتَه الدينيّة ، فثار على كلّ مقرّرات السلوك والاعتبارات الخُلُقيّة ، وأصبحت هذه المقرّرات والسلوك مرتبطة في نظره بمرحلةٍ غابرةٍ مِن تاريخ الإنسانيّة .
وانطلق الإنسان الغربي كما يحلو له يتصرّف وِفقاً لهواه ، ويملأ رئتَيه بالهواء الطلْق ، الذي احتلّ الشكّ الحديث فيه موضع القِيَم والقواعد ، حين كانت تقيِّد الإنسان في سلوكه الداخليّ وتصرّفاته .
ومِن هنا وُلِدت فِكرة الحرّية الفِكريّة والحرّية الشخصيّة ، فقد جاءت فِكرة الحرّية الفكريّة ؛ نتيجةً للشكّ الثوريّ والقلـق العقليّ ، الذي عصَف بكلّ المسلّمات الفكريّة ، فلمْ تعُد هناك حقائق عُليا لا يُباح إنكارها ، ما دام الشكّ يمتدّ إلى كلّ المجالات .
وجاءت فِكرة الحرّية الشخصيّة تعبيراً عن النتائج السلبيّة ، التي انتهى إليها الشكّ الحديث في معركته الفكريّة مع الإيمان والأخلاق ، فقد كان طبيعيّاً للإنسان ، الذي انتصر على إيمانه وأخلاقه ، أنْ يؤمن بحرّيته الشخصيّة ، ويرفض أيّ قوّة تحدّد سلوكه وتملك إرادته .
بهذا التسلسل انتقل الإنسان الحديث مِن الشكّ ، إلى الحرّية الفكريّة ، وبالتالي إلى الحرّية الشخصيّة .
وهنا جاء دَور الحرّية الاقتصاديّة ؛ لتشكّل حلقةً جديدةً مِن هذا التسلسل الحضاري ، فإنّ الإنسان الحديث بعد أنْ آمَن بحرّيته الشخصيّة ، وبدأ يضع أهدافه وقِيَمه على هذا الأساس ، وبعد أنْ كفَر عمليّاً بالنظرة الدينيّة إلى الحياة والكون ، وصِلتها الروحيّة بالخالق ، وما ينتظر الإنسان مِن ثوابٍ وعقاب.. عادت الحياة في نظره فرصةً للظفر بأكبر نصيبٍ ممكن ، مِن اللذّة والمُتعة المادّية ، التي لا يمكن أنْ تحصل إلاّ عن طريق المال .
وهكذا عاد المال المفتاح السحريّ والهدف ، الذي يعمل لأجله الإنسان الحديث ، الذي يتمتّع بالحرّية الكاملة في سلوكه .
وكان ضروريّاً لأجْل ذلك أنْ تُوَطّد دعائم الحرّية الاقتصاديّة ، وتُفتح كلّ المجالات بين يدَي هذا الكائن الحرّ ؛ للعمل في سبيل هذا الهدف الجديد ( المال ) ، الذي أقامته الحضارة الغربيّة صنَماً جديداً للإنسانيّة ، وأصبحت كلُّ تضحيَةٍ يقدّمها الإنسان في هذا المضمار عملاً شريفاً وقُرباناً مقبولاً .
وطغى الدافع الاقتصاديّ ، كلّما ابتعد ركْب الحضارة الحديثة عن المقولات الروحيّة والفكريّة ، التي رفضها في بداية الطريـق ، واستفحلتْ شهوة المال ، فأصبح سيّد الموقف ، واختفتْ مفاهيم الخير والفضيلة والدِين ، حتّى خُيِّل للماركسيّة في أزمةٍ مِن أزَمات الحضارة الغربيّة : أنّ الدافع الاقتصاديّ هو المحرِّك ، الذي يوجّه تاريخ الإنسان في كلّ العصور .
ولمْ يكن مِن الممكن أنْ تنفصل فِكرة الحرّية الاقتصاديّة عن فِكرةٍ أخرى ، وهي فِكرة الحرّية السياسيّة ؛ لأنّ الشرط الضروريّ لممارسة النشاط الحُرّ على المسرح الاقتصاديّ : إزاحة العقَبات السياسيّة ، والتغلّب على الصعاب التي تضعها السلطة الحاكمة أمامه ؛ وذلك بامتلاك أداة الحُكم وتأميمها ، ليطمئنّ الفرد إلى عدم وجود قوّةً تَحول بينه وبين مكاسبه وأهدافه ، التي يسعى إليها .
وبذلك اكتملت المعالِم الرئيسيّة أو الحلقات الأساسيّة ، التي ألّف الإنسان الغربي منها حضارته ، وعمل مخلِصاً لإقامة حياته على أساسها ، وتبنّى دعوة العالَم إليها .
وعلى هذا الضوء نتبيّن الحرّية في هذه الحضارة بملامحها ، التي ألمعنا إليها في مستهلّ هذا الفصل ، فهي ظاهرةٌ حضاريّة بدأت شكّاً مُرّاً قلِقـاً ، وانتهت إلى إيمانٍ مذهبيٍّ بالحرّية ، وهي تعبيرٌ عن : إيمان الإنسان الغربي بسيطرته على نفْسه ، وامتلاكه لإرادته ، بعد أنْ رفض خضوعه لكلِّ قوّة .
فلا تعني الحرّية في الديمقراطيّة الرأسماليّة : رفْض سيطرة الآخَرين فحَسْب ، بل تعني أكثر مِن هذا ، سيطرة الإنسان على نفْسه ، وانقطاع صِلته عمليّاً بخالقِه وآخرته .
وأمّا الإسلام ، فموقفه مِن الحرّية يختلف بصورةٍ أساسيّة عن موقف الحضارة الغربيّة ، فهو يعني بالحرّية بمدلولها السَلبيّ ، أو بالأحرى معطاها الثوريّ ، الذي يحرّر الإنسان مِن سيطرة الآخَرين ، ويكسر القيود والأغلال التي تكبّل يدَيه .
ويعتبَر تحقيق هذا المدلول السلبيّ للحرّية ، هدَفاً مِن الأهداف الكبرى للرسالة السماويّة بالذات :( وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ) (١) .
ولكنّه لا يربط بين هذا ، وبين مدلولها الايجابيّ في مفاهيم الحضارة الغربيّة ؛ لأنّه لا يعتبِر حقّ الإنسان في التحرّر مِن سيطرة الآخَرين ، والوقوف معهم على صعيدٍ واحد ؛ نتيجةً لسيطرة الإنسان على نفْسه ، وحقّه في تقرير سلوكه ومنهجه في الحياة - الأمر الذي نُطلِق عليه : المدلول الايجابيّ للحرّية في مفهوم الحضارة الغربيّة - وإنّما يربط بين الحرّية والتحرّر مِن كلّ الأصنام والقيود المصطنعة ، وبين العبوديّة المخلِصة لله .
فالإنسان عبدٌ لله قبل كلّ شيءٍ ، وهو بوَصفه عبداً لله ، لا يمكن أنْ يقرّ سيطرةً لسواه عليه ، أو يخضع لعلاقةٍ صنميّةٍ مهما كان لَونها وشكلهـا ، بل إنّه يقف على صعيد العبوديّة المخلِصة لله ، مع المجموعة الكَونية كلّها على قدَم المساواة .
فالقاعدة الأساسيّة للحرّية في الإسلام هي : التوحيد والإيمان بالعبوديّة المخلِصة لله ، الذي تتحطّم بين يدَيه كلّ القوى الوَثنيّة، التي هدَرَت كرامة الإنسان على مَرّ التاريخ .
_________________
(١) الأعراف : ١٥٧ .
( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْأَلاّ نَعْبُدَ إِلاّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ ) (١) .
( أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) (٢) .
( إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ) (٣) .
( أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) (٤) .
وهكذا يُقيم الإسلام التحرّر مِن كلّ العبوديّات ، على أساس الإقرار بالعبوديّة المخلِصة لله تعالى ، ويجعل مِن علاقة الإنسان بربِّه الأساس المتين الثابت ، لتحرّره في علاقاته مع سائر الناس ، ومع كلّ أشياء الكون الطبيعيّة .
فالإسلام والحضارة الغربيّة ، وإنْ مارَسا معاً عمليّة تحرير الإنسان ، ولكنّهما يختلفان في القاعدة الفكريّة ، التي يقوم عليها هذا التحرير ، فالإسلام يُقيمها على أساس العبوديّة لله والإيمان به ، والحضارة الغربيّة تُقيمها على أساس الإيمان بالإنسان وحـدَه ، وسيطرته على نفْسه ، بعد أنْ شكَّت في كلِّ القِيَم والحقائق ، وراء الأبعاد المادّية لوجود الإنسان .
_________________
(١) آل عمران : ٦٤ .
(٢) الصافّات : ٩٥ - ٩٦
(٣) الأعراف : ١٩٤
(٤) يوسف : ٣٩ .
ولأجْل ذلك كان مرَدّ فِكرة الحرّية في الإسلام إلى عقيدةٍ إيمانيّةٍ موحّدة بالله ، ويقينٍ ثابتٍ بسيطرته على الكون ، وكلّما تأصّل هذا اليقين في نفْس المسلم ، وتركّزت نظرته التوحيديّة إلى الله تسامَت نفْسه ، وتعمّق إحساسه بكرامته وحرّيته ، وتصلّبت إرادته في وَجه الطغيان والبغي واستعباد الآخَرين :( وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ) (١) .
وعلى العكس مِن ذلك فِكرة الحرّية في الحضارة الغربيّة : فإنّها كانت وليدة الشكّ لا اليقين ، ونتيجة القلَق والثورة لا اليقين والاستقرار ، كما عرفنا سابقاً .
ويمكننا أنْ نُقسِّم الحرّيات الديمقراطيّة الرأسماليّة ، للمقارنة بينها وبين الإسلام إلى قسمَين :
أحدهما : الحرّية في المجال الشخصيّ للإنسان ، وهي : ما تُطلِق عليه الديمقراطيّة اسم : الحرّية الشخصيّة .
والآخَر : الحرّية في المجال الاجتماعيّ ، وهي تشمل الحرّيات : الفكريّة والسياسيّة والاقتصاديّة .
فإنّ الحرّية الشخصيّة تعالج سلوك الإنسان بوَصفه فرداً ، سواءً كان يعيش بصورةٍ مستقلّةٍ ، أو جزءاً مِن مجتمع .
وأمّا الحرّيات الثلاث الأخرى ، فهي تعالج الإنسان بوَصفه فرداً يعيش في ضمن جماعة ، فتسمح له بالإعلان عن أفكاره للآخَرين كما يحلـو له ، وتمنحه الحقّ في تقرير نوع السلطة الحاكمة ، وتفتح أمامه السبيل لمختلف ألوان النشاط الاقتصاديّ ، تبَعاً لقُدرته وهَواه .
_________________
(١) الشورى : ٣٩
حرصت الحضارة الغربيّة الحديثة على توفير أكبر نصيبٍ ممكن مِن الحرّية لكلّ فردٍ ، في سلوكه الخاصّ ، وهو القدَر الذي لا يتعارض مع حرّيّات الآخَرين ، فلا تنتهي حرّية كلّ فردٍ إلاّ حيث تبدأ حرّيات الأفراد الآخَرين .
وليس مِن المهمّ لدَيها - بعد توفير هذه الحرّية لجميع الأفراد - طريقة استعمالهم لها ، والنتائج التي تتمخّض عنها ، وردود الفعل النفسيّة والفكريّة لها ، ما دام كلّ فردٍ حرّاً في تصرّفاته وسلوكه ، وقادراً على تنفيذ إرادته في مجالاته الخاصّة فالمخمور مثلاً لا حرَج عليه أنْ يشرب ما شاء مِن الخمر ، ويُضحّي بآخِر ذرّة مِن وَعيِه وإدراكه ؛ لأنّ مِن حقّه أنْ يتمتّع بهذه الحرّية في سلوكه الخاصّ ، ما لم يعترِض هذا المخمور طريق الآخَرين ، أو يصبح خطراً على حياتهم بوَجهٍ مِن الوجوه .
وقد سكرَت الإنسانيّة على أنغام هذه الحرّية ، وأغفتْ في ظلالها برهةً مِن الزمن ، وهي تشعر لأوّل مرّة أنّها حطّمت كلّ القيود ، وأنّ هذا العملاق المكبوت في أعماقها آلاف السِنين قد انطلق لأوّل مرّة ، وأُتيح له أنْ يعمل كما يشاء في النور ، دون خوفٍ أو قلق .
ولكن لمْ يدُم هذا الحُلم اللذيذ طويلاً ، فقد بدأت الإنسانيّة تستيقظ ببطءٍ ، وتُدرِك بصورةٍ تدريجيّة ، ولكنّها مُرعبة : أنّ هذه الحرّية ربطتها بقيودٍ هائلة ، وقضَت على آمالها في الانطلاق الإنسانيّ الحرّ ؛ لأنّها وجدَت نفْسها مدفوعةً في عَرَبةٍ تسير باتّجاهٍ محدّد ، لا تملك له تغييراً ولا تطويراً ، وإنّما كلّ سلْوَتها وعزائها - وهي تطالِع مصيرها في طريقها المحدّد - أنّ هناك مَن قال لها : إنّ هذه العرَبة هي عرَبة الحرّية ، بالرغم مِن هذه الأغلال ، وهذه القيود التي وُضعت في يدَيها .
أمّا كيف عادت الحرّية قيداً ؟! وكيف أدّى الانطلاق إلى تلك الأغلال ، التي تجرّ العرَبة في اتّجاهٍ محتوم ، وأفاقَت الإنسانيّة على هذا الواقع المُرّ في نهاية المطاف ؟! .
فهذا كلّه ما قدّره الإسلام قبل أربعة عشَر قَرناً ، حين لمْ يكتفِ بتوفير هذا المعنى السطحيّ مِن الحرّية للإنسان ، الذي مُنيَ بكلّ هذه التناقضات في التجربة الحياتيّة الحديثة للإنسان الغربيّ ، وإنّما ذهَب إلى أبعَد حدٍّ مِن ذلك ، وجاء بمفهومٍ أعمق للحرّيـة ، وأعلنها ثورة ، لا على الأغلال والقيود بشكلها الظاهريّ فحَسب ، بل على جذورها النفسيّة والفكريّة ، وبهذا كفَل للإنسان أرقى وأنزه أشكال الحرّية ، التي ذاقها الناس على مَرّ التاريخ .
ولئن كانت الحرّية في الحضارات الغربيّة تبدأ مِن التحرّر ؛ لتنتهي إلى ألوانٍ مِن العبوديّة والأغلال - كما سنوَضّح – فإنّ الحرّية الرَحيبة في الإسلام على العكس ؛ لأنّها تبدأ مِن العبوديّة المخلصة لله تعالى ؛ لتنتهي إلى التحرّر مِن كلّ أشكال العبوديّة المُهينة .
يبدأ الإسلام عمليّته في تحرير الإنسانيّة مِن المحتوى الداخليّ للإنسان نفْسه ؛ لأنّه يرى أنّ منْح الإنسان الحرّية ليس أنْ يُقال له : هذا هو الطريق قد أخْلَيناه لك فسِرْ بسلام ، وإنّما يصبح الإنسان حرّاً حقيقةً ، حين يستطيع أنْ يتحَكّم في طريقه ، ويحتفظ لإنسانيّته بالرأي في تحديد الطريق ، ورَسم معالِمه واتّجاهاته .
وهذا يتوقّف على تحرير الإنسان قبل كلّ شيءٍ مِن عبوديّة الشهَوات التي تعتلج في نفْسه ؛ لتصبح الشهَوات أداةَ تنبيهٍ للإنسان إلى ما يشتهيه ، لا قوّةً دافعةً تُسخِّر إرادة الإنسان دون أنْ يملِك بإزائها حَولاً أو طَولاً ؛ لأنّها إذا أصبحت كذلك خسر الإنسان حرّيّته منذ بداية الطريق .
ولا يُغيّر مِن الواقع شيئاً أنْ تكون يداه طليقتَين ، ما دام عقله وكلّ معانيه الإنسانيّة ، التي تميّزه عن مملكة الحيوان معتقلَةً ومجمّدةً عن العمل .
ونحن نعلم أنّ الشيء الأساسيّ الذي يُميّز حرّية الإنسان عن حرّية الحيوان بشكلٍ عامّ ، أنّهما وإنْ كانا يتصرّفان بإرادتهما ، غير أنّ إرادة الحيوان مسخّرة دائماً لشهَواته وإيحاءاتها الغريزيّة ، وأمّا الإنسان فقدْ زُوِّد بالقُدرة التي تمكّنه مِن السيطرة على شهَواته ، وتحكيم منطقِه العقليّ فيها .
فسِرّ حرّيّته - بوَصفه إنساناً إذَن - يكمُن في هذه القدرة فنحن إذا جمّدناها فيه ، واكتفَينا بمَنحِه الحرّية الظاهريّة في سلوكه العِلميّ ، ووفّرنا له بذلك كلّ إمكانات ومُغرَيات الاستجابة لشهَواته - كما صنعت الحضارات الغربيّة الحديثة - فقد قضَينا بالتدريج على حرّيّته الإنسانيّة ، في مقابل شهَوات الحيوان الكامِن في أعماقه ، وجعلنا منه أداةَ تنفيذٍ لتلك الشهَوات ، حتّى إذا التفَتَ إلى نفْسه في أثناء الطريق وجَد نفْسه محكوماً لا حاكماً ، ومغلوباً على أمْرِه وإرادته .
وعلى العكس مِن ذلك : إذا بدأنا بتلك القدرة التي يكمُن فيها سِرّ الحرّية الإنسانيّة ، فأنمَيناها وغذَّيناها ، وأنشأنا الإنسان إنشاءً إنسانيّاً لا حيوانيّاً ، وجعلناه يعي أنّ رسالته في الحياة أرفع مِن هذا المصير الحيوانيّ المبتذَل ، الذي تسوقُه إليه تلك الشهَوات ، وأنّ مَثَله الأعلى الذي خُلِق للسعي في سبيله أسمى مِن هذه الغايات التافهة والمكاسب الرخيصة ، التي يحصل عليها في لذائذه الماديّة .
أقول : إذا صنعنا ذلك كلّه حتّى جعلنا الإنسان يتحرّر مِن عبوديّة شهَواته ، وينعتق مِن سلطانها الآسِر ، ويمتلك إرادته ، فسوف يُخلَق الإنسان الحرّ القادر على أنْ يقول : لا أو نعم ، دون أنْ تُكمِّم فاه ، أو تغلّ يدَيه هذه الشهْوة الموقوتة ، أو تلك اللذّة المبتذَلة.
وهذا ما صنَعه القرآن حين وضع للفرد المسلم طابعه الروحيّ الخاصّ ، وطوّر مِن مقاييسه ومُثُلِه ، وانتزعه مِن الأرض وأهدافها المحدودة ، إلى آفاقٍ أرحب ، وأهدافٍ أسمى :
( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ) (١) .
هذه هي معركة التحرير في المحتوى الداخليّ للإنسان ، وهي في نفْس الوقت الأساس الأوّل والرئيس ؛ لتحرير الإنسانيّة في نظَر الإسلام ، وبدونها تصبح كلّ حرّية زَيفاً وخِداعاً ، وبالتالي أسْراً وقيداً .
ونحن نجد في هذا الضوء القرآنيّ ، أنّ الطريقة التي استعان بها القرآن على انتشال الإنسانيّة مِن رِبقة الشهَوات ، وعبوديّات اللذّة ، هي الطريقة العامّة التي يستعملها الإسلام دائماً ، في تربية الإنسانيّة في كلّ المجالات : طريقة التوحيد .
فالإسلام حين يحرّر الإنسان مِن عبوديّة الأرض ولذائذها الخاطفة ، يربطه بالسماء وجنانها ومُثُلِها ورضوان مِن الله ؛ لأنّ التوحيد عند الإسلام هو سَنَد الإنسانيّة في تحرّرها الداخليّ مِن كلّ العبوديّات ، كما أنّه سنَد التحرّر الإنسانيّ في كلّ المجالات .
ويكفينا مَثل واحد - مَرّ بنا في فصلٍ سابق - لنعرف النتائج الباهرة التي تَمخّض عنها هذا التحرير ، ومدى الفَرْق بين حرّية الإنسان القرآنيّ الحقيقيّة ، وتلك الحرّيات المصطنعة التي تزعمها شعوب الحضارات الغربيّة الحديثة .
فقد استطاعت الأمّة التي حرّرها القرآن - حين دعاها في كلمةٍ واحدةٍ إلى اجتناب الخمْر - أنْ تقول لا ، وتمحو الخمْر مِن قاموس حياتها ، بعد أن كان جزءاً مِن كيانها وضرورةً مِن ضروراتها ؛ لأنّها كانت مالكة لإراداتها ، حرّةً في مقابل شهَواتها ودوافعها الحيوانيّة .
وبكلمةٍ مختصرة : كانت تتمتّع بحرّيةٍ حقيقيّةٍ تسمح لها بالتحكّم في سلوكها .
_________________
(١) آل عمران ١٤ ، ١٥ .
وأمّا تلك الأمّة التي أنشأتْها الحضارة الحديثة ، ومنحتْها الحرّية الشخصيّة بطريقتها الخاصّة ، فهي بالرغم مِن هذا القناع الظاهريّ للحرّية ، لا تملِك شيئاً مِن إرادتها ، ولا تستطيع أن تتحكّم في وجودها ؛ لأنّها لمْ تحرّر المحتوى الداخليّ لها ، وإنّما استسلمتْ إلى شهَواتها ولذائذها تحت ستارٍ مِن الحرّية الشخصيّة ، حتّى فقدَت حرّيّتها إزاء تلك الشهَوات واللذائذ ، فلمْ تستطع أكبر حملةٍ للدعاية ضدّ الخمْر جنّدتْها حكومة الولايات المتّحدة الأمريكيّة ، أنْ تُحرّر الأمّة الأمريكيّة مِن الخمْر ، بالرغم مِن الطاقات المادّية والمعنويّة الهائلة التي جنّدتْها السلطة الحاكمة ، ومختلَف المؤسّسات الاجتماعيّة في هذا السبيل .
وليس هذا الفشل المريع إلاّ نتيجة فقدان الإنسان الغربيّ للحرّية الحقيقيّة فهو لا يستطيع أنْ يقول : لا ، كلّما اقتنع عقليّاً بذلك كالإنسان القرآنيّ ، وإنّما يقول الكلمة حين تَفرض عليه شهْوته أنْ يقولها .
ولهذا لمْ يستطع أنْ يعتق نفْسه مِن أسْر الخمْر ؛ لأنّه لمْ يكن قد ظفَر في ظلّ الحضارة الغربيّة بتحريـرٍ حقيقيٍّ ، في محتـواه الروحيّ والفكريّ(١) .
وهذا التحرير الداخليّ أو البناء الداخليّ لكِيان الإنسان ، هو في رأي الإسلام حَجَر الزاوية في عمليّة إقامة المجتمع الحرّ السعيد فما لمْ يملك الإنسان إرادته ، ويُسيطر على مَوقفه الداخليّ ، ويحتفظ لإنسانيّته المهذّبة بالكلمة العُليا في تقرير سلوكه ، لا يستطيع أنْ يحرّر نفْسه في المجال الاجتماعيّ ، تحريراً حقيقيّاً يصمد في وَجه الإغراء ، ولا أنْ يخوض معركةَ التحرير الخارجيّ بجدارةٍ وبسالة :( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) (٢) ( وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً ) (٣) .
_________________
(١) لاحظ مقالنا : ( الحرّية في القرآن ) الأضواء العدد الأوّل : س ٢ .
(٢) الرعد : ١١.
(٣) الإسراء : ١٦.
كما يخوض الإسلام معركةَ التحرير الداخليّ للإنسانيّة ، كذلك يخوض معركةً أخرى ؛ لتحرير الإنسان في النطاق الاجتماعيّ ، فهو يُحطّم في المحتوى الداخليّ للإنسان أصنامَ الشهْوة التي تسلُبُه حرّيّته الإنسانيّة ، ويُحطّم في نطاق العلاقات المتبادلة بين الأفراد الأصنامَ الاجتماعيّة ، ويُحرّر الإنسان مِن عبوديّتها ، ويقضي على عبادة الإنسان للإنسان :
( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ ) (١) .
فعبوديّة الإنسان لله تجعل الناس كلّهم يقِفون على صعيدٍ واحد بين يدَي المعبود الخالق ، فلا توجد أمّة لها الحقّ في استعمار أمّةٍ أخرى واستعبادها ، ولا فئة مِن المجتمع يُباح لها اغتصاب فئةٍ أخرى ولا انتهاك حرّيّتها ، ولا إنسان يحقّ له أنْ ينصب نفْسه صنماً للآخَرين .
ومرّةً أخرى نجِد أنّ المعركة القرآنيّة الثانية مِن معارك التحرير ، قد استُعين فيها بنفْس الطريقة التي استُعملت في المعركة الأُولى : ( معركة الإنسانيّة داخليّاً مِن الشهَوات ) ، وتستعمل دائماً في كلّ ملاحم الإسلام ، وهي : التوحيد
فما دام الإنسان يُقرّ بالعبوديّة لله وحْده ، فهو يرفض بطبيعة الحال كلّ صنمٍ ، وكلَّ تأليهٍ مزوّرٍ لأيّ إنسانٍ وكائن ، ويرفع رأسه حرّاً أبيّاً ، ولا يستشعر ذُلّ العبوديّة والهَوان أمام أيّ قوّةٍ مِن قوى الأرض أو صنمٍ مِن أصنامها ؛ لأنّ ظاهرة الصنميّة في حياة الإنسان نشأت عن سببَين :
احدهما : عبوديّته للشهْوة التي تجعله يتنازل عن حرّيّته إلى الصنم الإنسانيّ ، الذي يقْدر على إشباع تلك الشهْوة وضمانها له .
والآخر: جَهْله بما وراء تلك الأقنعة الصنميّة المتألّهة مِن نقاط الضعف والعجز .
_________________
(١) آل عمران : ٦٤ .
والإسلام حرّر الإنسان مِن عبوديّة الشهْوة - كما عرفنا آنفاً - وزيّف تلك الأقنعة الصنميّة الخادعة :( إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ) (١) ، فكان طبيعيّاً أنْ ينتصر على الصنميّة ، ويمحو مِن عقول المسلمين عبوديّة الأصنام بمختلف أشكالها وألوانها .
وعلى ضوء الأُسُس التي يقوم عليها تحرير الإنسان مِن عبوديّات الشهْوة في النطاق الشخصيّ ، وتحريره مِن عبوديّة الأصنام في النطاق الاجتماعيّ - سواءً كان الصنم أمّةً ، أمْ فئةً ، أمْ فرداً - نستطيع أنْ نعرف مجال السلوك العمليّ للفرد في الإسلام ، فإنّ الإسلام يختلف عن الحضارات الغربيّة الحديثة ، التي لا تضع لهذه الحرّية العمليّة للفرد حدّاً إلاّ حرّيات الأفراد الآخَرين ؛ لأنّ الإسلام يهتمّ قبل كلّ شيءٍ - كما عرفنا - بتحرير الفرد مِن عبوديّة الشهَوات والأصنام ، ويسمح له بالتصرّف كما يشاء ، على أنْ لا يخرج عن حدود الله ، فالقرآن يقول :
( خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ) (٢) ( وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ) (٣) .
وبذلك يضع الكَون بأسْره تحت تصرّف الإنسان وحرّيّته ، ولكنّها حرّية محدودة بالحدود التي تجعلها تتّفق مع تحرّره الداخليّ مِن عبوديّة الشهْوة وتحرّره الخارجيّ مِن عبوديّة الأصنام
_________________
(١) الأعراف : ١٩٤ .
(٢) البقرة : ٢٩
(٣) الجاثية : ١٣ .
وأمّا الحرّية العمليّة في عبادة الشهْوة والالتصاق بالأرض ومعانيها ، والتخلّي عن الحرّية الإنسانيّة بمعناها الحقيقيّ ، وأمّا الحرّية العمليّة في السكوت عن الظلم والتنازل عن الحقّ ، وعبادة الأصنام البشريّة والتقرّب إليها ، والانسياق وراء مصالحها ، والتخلّي عن الرسالة الحقيقيّة الكبرى للإنسان في الحياة ، فهذا ما لا يأذن به الإسلام ؛ لأنّه تحطيم لأعمق معاني الحرّية في الإنسان ؛ ولأنّ الإسلام لا يفهم مِن الحرّية إيجاد منطلق للمعاني الحيوانيّة في الإنسان ، وإنّما يفهمها بوَصفها جزءاً مِن برنامجٍ فكريٍّ وروحيٍّ كامل ، يجب أن تقوم على أساسه الإنسانيّة .
ونحن حين نبرز هذا الوجه التحريريّ الثوريّ للإسلام في النطاق الاجتماعيّ ، لا نعني بذلك أنّه على وِفاق مع الحرّيّات الاجتماعيّة الديمقراطيّة في إطارها الغربيّ الخاصّ فإنّ الإسلام كما يختلف عن الحضارة الغربيّة في مفهومه عن الحرّية الشخصيّة - كما عرفنا قبل لحظة - كذلك يختلف عنها في مفهومه عن الحرّية السياسيّة والاقتصاديّة والفكريّة .
فالمدلول الغربيّ للحرّية السياسيّة : يُعبّر عن الفكرة الأساسيّة في الحضارة الغربيّة القائلة : إنّ الإنسان يملك نفْسه ، وليس لأحدٍ التحكّم فيه ، فإنّ الحرّية السياسيّة كانت نتيجةً لتطبيق تلك الفكرة الأساسيّة على الحقل السياسيّ ، فما دام شكل الحياة الاجتماعيّة ولَونها وقوانينها يمسّ جميع أفراد المجتمع مباشرةً ، فلابدّ للجميع أن يشتركوا في عمليّة البناء الاجتماعيّ ، بالشكل الذي يحلو لهم ، وليس لفردٍ أن يفرض على آخَر ما لا يرتضيه ، ويُخضعه بالقوّة لنظامٍ لا يقبله .
وتبدأ الحرّية السياسيّة تتناقض مع الفكرة الأساسيّة منذ تواجه واقع الحياة ؛ لأنّ مِن طبيعة المجتمع أن تتعدّد فيه وجْهات النظر وتختلف ، والأخْذ بوجْهة نظر البعض يعني سَلْب الآخَرين حقّهم في امتلاك إرادتهم ، والسيطرة على مصيرهم .
ومِن هنا جاء مبدأ الأخْذ برأي الأكثريّة ، بوَصفه توفيقاً بين الفكرة الأساسيّة والحرّية السياسيّة ، ولكنّه توفيق ناقص ؛ لأنّ الأقليّة تتمتّع بحقّها في الحرّية ، وامتلاك إرادتها كالأكثريّة تماماً ، ومبدأ الأكثريّة يحرّمها مِن استعمال هذا الحقّ ، فلا يعدو مبدأ الأكثريّة أن يكون نظاماً تستبدّ فيه فئةٌ بمقدّرات فئةٍ أخرى ، مع فارقٍ كمّيٍّ بين الفئتَين.
ولا ننكر أنّ مبدأ الأكثريّة قد يكون بنفْسه مِن المبادئ التي يتّفق عليها الجميع ، فتحرص الأقليّة على تنفيذ رأي الأكثريّة ، باعتباره الرأي الأكثر أنصاراً ، وإن كانت في نفْس الوقت تؤمِن بوجْهة رأيٍ أخرى ، وتعمل لكسْب الأكثريّة إلى جانبه ولكن هذا فرضٌ لا يمكن الاعتراف بصحّته في كلّ المجتمعات ، فهناك توجد كثيراً الأقليّات التي لا ترضى عن رأيها بديلاً ، ولو تعارَض ذلك مع رأي الأكثريّة .
ونستخلص مِن ذلك : أنّ الفكرة الأساسيّة في الحضارة الغربيّة ، لا تأخذ مجراها في الحقل السياسيّ ، حتّى تبدأ تتناقض وتصطدم بالواقع ، وتتّجه إلى لَونٍ مِن ألوان الاستبداد والفرديّة في الحُكم ، يتمثّل على أفضل تقديرٍ في حُكم الأكثريّة للأقليّة .
والإسلام لا يؤمِن بهذه الفكرة الأساسيّة في الحضارة الغربيّة ؛ لأنّه يقوم على العقيدة بعبوديّة الإنسان لله ، وأنّ الله وحْده هو ربّ الإنسـان ومُربّيـه ، وصاحب الحقّ في تنظيم منهاج حياته :( أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * إِن الْحُكْمُ إِلاّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيَّاهُ .. ) (١) .
وينعى على الأفراد الذين يسلّمون زمام قيادهم للآخَرين ، ويمنحونهم حقّ الإمامة في الحياة والتربية والربوبيّة :( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ ) (٢)
فليس لفردٍ ولا لجموعٍ أنْ يستأثر مِن دون الله بالحُكم ، وتوجيه الحياة الاجتماعيّة ووضْع مناهجها ودساتيرها .
_________________
(١) يوسف : ٣٩ ، ٤٠ .
(٢) التوبة : ٣١
وفي هذا الضوء نعرف أنّ تحرير الإسلام للإنسان في المجال السياسيّ ، إنّما يقوم على أساس الإيمان بمساواة أفراد المجتمـع ، في تحمّل أعباء الأمانة الإلهيّة ، وتضامنهم في تطبيق أحكام الله تعالى :( كلُّكُم راعٍ وكلُّكُم مسؤولٌ عن رعيّته ) (١) فالمساواة السياسيّة في الإسلام تتّخذ شكلاً يختلف عن شكلها الغربيّ ، فهي مساواة في تحمّل الأمانة ، وليست مساواة في الحُكم .
ومِن نتائج هذه المساواة : تحرير الإنسان في الحقل السياسيّ مِن سيطرة الآخَرين ، والقضاء على ألوان الاستغلال السياسيّ وأشكال الحُكم الفرديّ والطَبَقيّ .
ولذلك نجد أنّ القرآن الكريم شجَب حُكم فرعون والمجتمع الذي كان يحكمه ؛ لأنّه يُمثّل سيطرة الفرد في الحُكم ، وسيطرة طبَقة على سائر الطَبَقات :( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ ... ) (٢) فكلّ تركيب سياسيّ يسمح لفردٍ أو لطبَقةٍ باستضعاف الأفراد ، أو الطبَقات الأخرى والتحكّم فيها ، لا يقرّه الإسلام ؛ لأنّه ينافي المساواة بين أفراد المجتمع في تحمّل الأمانة ، على صعيد العبوديّة المخلصة لله تعالى .
وأمّا الحرّية الاقتصاديّة فهي بمفهومها الرأسماليّ ، حرّية شكليّة تتلخّص في : فسْح المجال أمام كلّ فردٍ ؛ ليتصرّف في الحقل الاقتصاديّ كما يريد ، دون أن يجد مِن الجهاز الحاكم أيّ لَونٍ مِن ألوان الإكراه والتدخّل ولا يهمّ الرأسماليّة بعد أن تسمح للفرد بالتصرّف كما يريد ، أن تضمَن له شيئاً ممّا يريد ، وبتعبيرٍ آخَر لا يهمّها أن تُتيح له أن يريد شيئاً ؛ ولهذا نجد أنّ الحرّية الاقتصاديّة في مفهومها الرأسماليّ خاوية ، لا تحمل معنىً بالنسبة إلى مَن لمْ تسمح له الفُرَص بالعَيش ، ولمْ تهيّئ له ظروف التنافس والسباق الاقتصاديّ مجالاً للعمل والإنتاج .
_________________
(١) بحار الأنوار : ج ٧٥ ، ص٣٨ .
(٢) القصص : ٤ .
وهكذا تعود الحرّية الرأسماليّة شكلاً ظاهريّاً فحَسْب ، لا تُحقّق لهؤلاء شيئاً مِن معناها إلاّ بقدَر الحرّية ، التي تمنحها للأفراد الذين يعجزون عن السباحة إذا قلنا لهم : أنتم أحرار فاسبحوا كما يحلو لكم ، أينما تريدون
ولو كنّا نريد حقّاً أن نوفّر لهؤلاء حرّية السباحة ، ونعطيهم فرصةَ التمتّع بهذه الرياضة ، كما يتمتّع القادرون على السباحة ؛ لكفلْنا لهم حياتهم خلالها ، وطلبنا مِن الماهرين فيها الحفاظ عليهم ، ومراقبتهم وعدم الابتعاد عنهم في مجال السباحة ؛ لئلاّ يغرقوا ، فنكون بذلك قد وفّرنا الحرّية الحقيقيّة ، والقدرة على السباحة للجميع ، وإن حدّدنا شيئاً مِن نشاط الماهرين ؛ لضمان حياة الآخَرين .
وهذا تماماً ما فعله الإسلام في الحقل الاقتصاديّ ، فنادى بالحرّية الاقتصاديّة وبالضمان معاً ، ومزَج بينهما في تصميمٍ مـوحّدٍ ، فالكلّ أحرار في المجال الاقتصاديّ ، ولكن في حدودٍ خاصّة فليس الفرد حرّاً حين يتطلّب ضمان الأفراد الآخَرين والحفاظ على الرفاه العامّ ، التنازل عن شيءٍ مِن حرّيّته .
وهكذا تآلفتْ فكرتا الحرّية والضمان في الإسلام(١) .
_________________
(١) لأجل التوسّع لاحظ دراستنا للحرّية الرأسماليّة في كتاب اقتصادنا : ص ٢٤٧ - ٢٦٩ .
وأمّا الحرّية الفكرية ، فهي تعني في الحضارة الغربية : السماح لأيّ فردٍ أن يفكّر ، ويعلن أفكاره ويدعو إليها كما يشاء ، على أن لا يمسّ فكرة الحرّية والأسس التي ترتكز عليها بالذات ، ولهذا تسعى المجتمعات الديمقراطية إلى مناوأة الأفكار الفاشستية ، والتحديد مِن حرّيتها أو القضاء عليها بالذات ؛ لأنّ هذه الأفكار تحارب نفْس الأفكار الأساسية والقاعدة الفكرية ، التي تقوم عليها فكرة الحرّية والأسس الديمقراطية .
والإسلام يختلف عن الديمقراطية الرأسمالية في هذا الموقف ؛ نتيجةً لاختلافه عنها في طبيعة القاعدة الفكرية التي يتبنّاها وهي : التوحيد وربط الكون بربٍّ واحد .
فهو يسمح للفكر الإنساني أن ينطلق ويعلن عن نفْسه ، ما لمْ يتمرّد على قاعدته الفكرية التي هي الأساس الحقيقي لتوفير الحرّية للإنسان في نظر الإسلام ، ومنحه شخصيّته الحرّة الكريمة التي لا تذوب أمام الشهَوات ، ولا تركع بين يدي الأصنام فكلٌّ مِن الحضارة الغربية والإسلام يسمح بالحرّية الفكرية ، بالدرجة التي لا ينجم عنها خطر على القاعدة الأساسية ، وبالتالي على الحرّية نفْسها .
ومِن المعطَيات الثورية للحرّية الفكرية في الإسلام : الحرب التي شنّها على التقليد وجمود الفكر ، والاستسلام العقلي للأساطير أو لآراء الآخَريـن ، دون وعيٍ وتمحيص ، والهدف الذي يرمي إليه الإسلام مِن ذلك : تكوين العقل الاستدلالي أو البرهاني عند الإنسان ، فلا يكفي لتكوين التفكير الحرّ لدى الإنسان أن يُقال له : فكّر كما يحلو لك ، كما صنعَت الحضارة الغربية ؛ لأنّ هذا التوسّع في الحرّية سوف يكون على حسابها ، ويؤدّي في كثير مِن الأحايين إلى ألوان مِن العبودية الفكرية ، تتمثّل في التقليد والتعصّب وتقديس الخرافات ، بل لا بدّ في رأي الإسلام لإنشاء الفكر الحرّ أن يُنشئ في الإنسان العقل الاستدلالي أو البرهاني ، الذي لا يتقبّل فكرةً دون تمحيص ، ولا يؤمِن بعقيدةٍ ما لم تحصل على برهان ؛ ليكون هذا العقل الواعي ضماناً للحرّية الفكرية ، وعاصماً للإنسان مِن التفريط بها ، بدافعٍ مِن تقليد أو تعصّب أو خرافة .
وفي الواقع أنّ هذا جزءٌ مِن معركة الإسلام ؛ لتحرير المحتوى الداخلي للإنسان ، فهو كما حرّر الإرادة الإنسانية مِن عبودية الشهَوات كما - عرفنا سابقاً - كذلك حرّر الوعي الإنساني مِن عبودية التقليد والتعصّب والخرافة وبهذا وذاك فقط أصبح الإنسان حرّاً في تفكيره ، وحرّاً في إرادته .
( .. فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ ) (١) ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) (٢) .( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ) (٣) .( تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) البقرة : ١١١
الضمان في الإسلام والماركسية
يختلف الضمان في الإسلام عن الضمان الاشتراكي القائم على الأُسس الماركسية في ملامح عديدة ، مردّها إلى اختلاف الضمانَين في الأسس والإطارات والأهداف .
ولا يمكننا في هذا المجال إلاّ استعراض بعض جوانب الاختلاف اكتفاءاً بدراستنا الموسّعة لذلك في كتاب ( اقتصادنا ) .
١ - الضمان الاجتماعي في الإسلام : حقّ مِن حقوق الإنسان التي فرضها الله تعالى ، وهو بوَصفه حقّاً إنسانياً لا يتفاوت باختلاف الظروف والمستويات المدَنية .
_________________
(١) الزمر : ١٧ - ١٨ .
(٢) النحل : ٤٤ .
(٣) البقرة : ١٧٠ .
وأمّا الضمان لدى الماركسية فهو حقّ الآلة ، وليس حقّاً إنسانياً فالآلة ( وسائل الإنتاج ) متى وصلَت إلى درجةٍ معيّنة ، يصبح الضمان الاشتراكي شرطاً ضرورياً في نموّها واطراد إنتاجها ، فما لم تبلغ وسائل الإنتاج هذه المرحلة ، لا معنى لفكرة الضمان ؛ ولأجل ذلك تعتبر الماركسية الضمان خاصّاً بمجتمعات معيّنة ، في دورة محدّدة مِن التاريخ .
٢ - مفهوم الإسلام عن تطبيق الضمان الاجتماعي : أنّه نتيجة للتعاطف الأخَويّ الذي يسود أفراد المجتمع الإسلامي ، فالأخوّة الإسلامية هي الإطار الذي تؤدّى فريضة الضمان ضِمنه وقد جاء في الحديث :( المسلم أخُ المسلم ، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحرِمه ) ، فيحقّ على المسلمين الاجتهاد والتواصل والتعاون والمواساة لأهل الحاجة .
وأمّا الماركسية فهي : ترى أنّ إيجاد الضمان الاشتراكي ليس إلاّ ثمرة لصراعٍ هائل مَرير ، يجب إيقاده وتعميقه ، حتّى إذا قامت المعركة الطبَقية ، وأُفنيت إحدى الطبَقتين ، وتم الانتصار للطبَقة الأخرى سادَ الضمان الاشتراكي المجتمع فالضمان عند الماركسية ليس تعبيراً عن وحدة مرصوصة وأخوّة شاملة ، وإنّما يرتكز على تناقض مستقطَب وصراعٍ مدمّر .
٣ - إنّ الضمان في الإسلام - بوَصفه حقّاً إنسانياً - لا يختصّ بفئةٍ دون فئة ، فهو يشمل حتّى أولئك الذين يعجزون عن المساهمة في الإنتاج العامّ بشيء ، فهم مكفولون في المجتمع الإسلامي ، ويجب على الدولة توفير وسائل الحياة لهم .
وأمّا الضمان الماركسي ، فهو يستمدّ وجوده مِن الصراع الطبَقي بين الطبَقة العاملة والطبَقة الرأسمالية ، الذي يكلّل بظفَر الطبَقة العاملة ، وتضامنها واشتراكها في تلك الثورة ؛ لأجل ذلك لا يوجد مبرّر ماركسي لضمان حياة أولئك العاجزين ، الذين يعيشون بعيدِين عن الصراع الطبَقي ، ولا يساهمون في الإنتاج العامّ ؛ لأنّهم لمْ يشتركوا في المعركة لعدم انتمائهم إلى الطبَقة العاملة ، ولا إلى الطبَقة الرأسمالية ، فليس لهم حقّ في مكاسب المعركة وغنائمها .
٤ - إنّ الضمان في الماركسية مِن وظيفة الدولة وحْدها ، وأمّا في الإسلام ، فهو مِن وظيفة الأفراد والدولة معاً ؛ وبذلك وضع الإسلام المبدأين :
أحدهما : مبدأ التكافل العامّ ،والآخر : مبدأ الضمان الاجتماعي .
فمبدأ التكافل يعني : أنّ كلّ فردٍ مسلم مسؤول عن ضمان معيشة الآخَرين وحياتهم في حدود معيّنة ، وِفقاً لقدرته ، وهذا المبدأ يجب على المسلمين تطبيقه حتّى في الحالات التي يفقدون فيها الدولة ، التي تطبّق أحكام الشرع فقد جاء في الحديث :( أيّما مؤمن منع مؤمناً شيئاً ممّا يحتاج إليه ، وهو يقدر عليه مِن عنده أو مِن عند غيره.. أقامَه الله يوم القيامة مسودّاً وَجهه مزرقّةً عيناه ، مغلولةً يداه إلى عُنقه ، فيقال : هذا الخائن الذي خان الله ورسوله ، ثمّ يؤمر به إلى النار ) .
ومبدأ الضمان الاجتماعي يقرّر مسؤولية الدولة في هذا المجال ، ويحتّم عليها ضمان مستوى مِن العَيش المرفّه الكريم للجميـع ، مِن موارد ملكية الدولة والملكية العامّة وموارد الميزانية(١) .
وقد جاء في الحديث لاستعراض هذا المبدأ :( إنّ الوالي يأخذ المال ، فيوجّهه الوجه الذي وجّهه الله له على ثمانية أسهم : للفقراء ، والمساكين ، والعاملين عليها ، والمؤلّفة ، وفي الرقاب والغارمين ، وفي سبيل الله ، وابن السبيل ثمانية أسهم يقسّمها بينهم بقدَر ما يستغنون في سنَتهم ، بلا ضيقٍ ولا تقيّة ، فإن فَضُل مِن ذلك شيء رُدّ إلى الوالي ، وإن نقُص مِن ذلك شيء ، ولمْ يكتفوا به ، كان على الوالي أن يموّنهم مِن عنده بقدَر سِعَتهم حتّى يستغنون ) .
النجف الأشرف
محمّد باقر الصدر
_________________
(١) لأجل التفصيل راجع اقتصادنا ( المشكلة الاقتصادية في نظر الإسلام وحلولها ) ، ص ٣٢٨ .
ماذا تعرف عن الاقتصاد الإسلامي ؟
بسِم اللّهِ الرحمَنِ الرحيم
منذ مدّة ، وأنا أواجه طلباً متزايداً على المدرسة الإسلامية ، وإلحاحاً مِن القرّاء الأعزّاء على إصدار حلَقات جديدة منها .
وكنت أتماهل في تلبية هذا الطلَب ، رغبةً في إنجاز الكتاب الثاني مِن اقتصادنا ، والتوفّر على إكماله ، وكان صدور هذا الكتاب سبباً جديداً لازدياد الطلب على إصدار حلقات صغيرة ، تتناول بحوثه بالتوضيح والتبسيط بقدَر الإمكان ؛ لكي تكون متيسّرةً ، ومفهومةً لعددٍ أكبر .
وعلى هذا الأساس كتبتُ هذه الحلَقة ، متوخّياً فيها التبسيط ومتجنّباً ذلك المستوى الذي التزمتُه ، مِن الدقّة والتعمّق في بحوث اقتصادنا فقد آثرت في عدّة مواضع توضيح الفكرة ، على إعطائها صيغتها الدقيقة التي حصلت عليه في كتبنا الموسّعة .
وسوف أحاول هنا ، وأنا أعرّف هذه الحلَقة للقرّاء ، أن أُلخّص لهم أفكارها ، وأُفهرس بحوثها ؛ ليساعدهم ذلك على فهْمها ومتابعة فصولها .
إنّ هذه الحلَقة تشتمل على إثارة سؤالٍ واحدٍ ، ومحاولة الإجابة عليه .
والسؤال هو : هل يوجد في الإسلام مذهب اقتصادي ؟
ونجيب في هذه الحلَقة ، على هذا السؤال بالإيجاب ، نعم يوجد في الإسلام مذهب اقتصادي .
ونسير مِن السؤال إلى الجواب ، بتدرّج ، فبَعد أن نطرح السؤال نشغل بإيضاحه ، وتوضيح ما يتّصل به ثمّ ندرس الجـواب ، في ضوء مفهومنا عن الإسلام وندعم الجواب بالشواهد ، ونناقش ما يُثار عادةً مِن اعتراضات .
نقصد بالمذهب الاقتصادي ، إيجاد طريقة لتنظيم الحياة الاقتصادية ، وِفقاً للعدالة فنحن حين نتساءل عن المذهب الاقتصادي في الإسلام ، نريد أن نعرف هل جاء الإسلام بطريقةٍ لتنظيم الحياة الاقتصادية ، كما جاءت الرأسمالية مثلاً ، بمبدأ الحرّية الاقتصادية ، واتّخذت منه طريقتها العامّة ، في تنظيم الحياة الاقتصادية .
وحاجتنا إلى هذا السؤال ، نابعة مِن أسبابٍ عديدةٍ ، قد يكون مِن أهمّها سلبية الإسلام تجاه الرأسمالية والماركسية - النظامَين الحاكمَين في العالم اليوم - فإنّ رفْض الإسلام لهما ، يجعل الإنسان المسلم ينتظر مِن الإسلام الإتيان بطريقةٍ أخرى في تنظيم الحياة الاقتصادية ؛ لأنّ المجتمع الإسلامي لا يستغني عن طريقة في التنظيم ، مهما كان شكلها .
وبعد أنْ نطرح السؤال ، ونوضّحه ، ونشرح أهمّيته ، نستعرض الخطأ الذي قد يقع فيه بعض الناس في فَهْم السؤال ، إذ لا يميّزون بين المذهب الاقتصادي وعِلم الاقتصاد في الإسلام ، مع أنّنا نريد المذهب الاقتصادي لا عِلم الاقتصاد .
ولأجل تصحيح هذا الخطأ في فَهْم السؤال ، توسّعنا في توضيح الفرْق بين المذهب الاقتصادي ، وعِلم الاقتصاد والحقيقة أنّ الفرْق بينهما كبير ، فإنّ المذهب الاقتصادي - كما عرفنا - يتكفّل إيجاد طريقةٍ لتنظيم الحياة الاقتصادية ، وفقاً للعدالة .
وأما عِلم الاقتصاد ، فهو لا يوجد طريقة للتنظيم ، وإنّما يأخذ طريقةً مِن الطُرُق المتّبعة في المجتمعات ، فيدرس نتائجها وآثارها ، كما يدرس العالِم الطبيعي نتائج الحرارة وآثارها .
وقد استعملنا الأمثلة العديدة ؛ لتوضيح الفرْق بين المذهب الاقتصادي ، وعِلم الاقتصاد فالمذهب الرأسمالي مثلاً يُنظّم الحياة الاقتصادية ، على أساس مبدأ الحرّية الاقتصادية ؛ ولذلك فهو يُنظّم السوق ، على أساس حرّية البائعين في تعيين أثمان السلع وعِلم الاقتصاد لا يحاول الإتيان بطريقةٍ أخرى ؛ لتنظيم السوق ، وإنّما مهمّته أنْ يدرس وضْع السوق في ظِلّ الطريقة الرأسمالية ، ويبحث عن حركة الثمن ، وكيف يتحدّد ، ويرتفع وينخفض ، في السوق الحرّة ، التي نُظّمت بالطريقة الرأسمالية .
فالمذهب يوجِد طريقةً للتنظيم ، وِفقاً لتصوّره للعدالة ، والعِلم يدرس نتائج هذه الطريقة ، حين تطبّق على المجتمع .
وبعد أنْ سردنا الأمثلة العديدة ؛ لتوضيح الفرْق بين المذهب والعِلم ، أكّدنا على أنّ المذهب الاقتصادي الذي نتساءل عن وجوده في الإسلام ، ونجيب بالإيجاب ، لا نعني به عِلم الاقتصاد ؛ لأنّ الإسلام بوَصفه دِيناً ليس مِن وظيفته أن يتكلّم في عِلم الاقتصاد ، أو عِلم الفلَك والرياضيات وإنّما هو عن إيجاد الإسلام ، طريقة لتنظيم الحياة الاقتصادية ، لا عن قيام الإسلام بدراسة عِلمية للطُرُق الموجودة ، في عصره ، ولِما ينجم عنها مِن نتائج ، كما يفعل علماء الاقتصاد .
وتصل الحلَقة ، بعد ذلك ، إلى شرح وجْهة النظر في الجواب ، فتعطي المفهوم الصحيح عن الشريعة ، واستيعابها وشمولها لشتّى الميادين وتستدلّ على ذلك ، مِن طبيعة الشريعة ونصوصها ثمّ نستعرض بعد ذلك ، بعض الشبُهات التي تُثار في وجه الإيمان بالاقتصاد الإسلامي ، ونجيب عليها .
وأخصّ بالذِكر ، الشُبهة التي تقول : إنّ الإسلام جاء بتعاليم أخلاقية ، ولمْ يجئ باقتصادٍ ينظّم الحياة ، فهو واعظ وليس منظّماً وقد أوضحنا ، كيف أنّ هذه الشُبهة استغلّت الجانب الأخلاقي في الإسلام ؛ لطمْس معالم التنظيم الاجتماعي ، مع أنّ الشريعة عالجت كِلا المجالَين فقد مارست الجانب الأخلاقي ، بوَصفها دِيناً ؛ لتربية الفرد ، ومارست التنظيم الاجتماعي ، باعتبارها النظام المختار مِن السماء للمجتمع البشري .
هذه صورة عن بحوث الرسالة وموضوعاتها ، وإليكم الآن تفصيلات تلك البحوث والموضوعات.
هَل يُوجَد في الإسلام اقتِصَاد
قد يكون مِن أكثر الأسئلة ، التي تتردّد في كلّ فكرٍ ، وعلى كلّ لسان ، ومع كلّ مشكلة تمرّ بها الأمّة في حياتها ، ويزداد إلحاحاً باستمرار ، هو السؤال عن المذهب الاقتصادي في الإسلام .
فهل يوجد في الإسلام اقتصاد ؟ .
وهل يمكننا أنْ نجد حلاًّ لهذا التناقض المستقطب ، بين الرأسمالية والماركسية ، الذي يسود العالَم اليوم ، في بديلٍ جديدٍ مستمدٍّ مِن الإسلام ، ومأخوذ مِن طريقته في التشريع وتنظيم الحياة ؟ .
وما هو مدى قُدرة هذا البديل الجديد الإسلامي ، على توفير الحياة الكريمة ، وأداء رسالته للأمّة ، التي تعاني اليوم محنةً عقائديةً قاسية ، في خِضَمّ ذلك التناقض الشديد ، بين الرأسمالية والماركسية .
وليس التفكير في هذا البديل الجديد ، أو التساؤل عن حقيقته ومحتواه الإسلامي ، مجرّد ترَف فكري ، يمارسه الإنسان المسلم للمتعة ، وإنّما هو تعبير عن يأس الإنسان المسلم ، مِن النقيضَين المتصارعَين ، وإحساسه مِن خلال مختلَف التجارب التي عاشها ، بفشلهما - أي فشَل النقيضين المتصارعين ، وهما الرأسمالية والماركسية - في مِلء الفراغ العقائدي والمبدئي للأمّة .
والتفكير في البديل الإسلامي ، أو التساؤل عنه ، إضافةً إلى تعبيره عن يأس الإنسان المسلم ، مِن النقيضين المتصارعين يعبّر كذلك أيضاً ، عن بوادر اتّجاهٍ جديدٍ إلى الإسلام ، ويعكس وعْياً إسلامياً بدأ يتبلور ، ويتّخذ مختلف المستوَيات الفكرية في الأذهان ، تبَعاً لمدى استعدادها ، ونوع تجاوبها مع الإسلام .
فبذور الوعي الإسلامي ، تعبّر عن وجودها في بعض الأذهان على مستوى تساؤلٍ عن الإسلام ، وفي نفوس آخرين على مستوى مَيلٍ إليه ، وعاطفةٍ نحوه وفي عقولٍ أخرى ، على مستوى الإيمان به ، وبقيادته الرشيدة ، في كلّ المجالات ، إيمانها بالحياة.
فالوعي الإسلامي ، الذي يتحرّك الآن في عقول الأمّة ، ويتّخذ مختلف المستويات ، هو الذي يطرح الأسئلة تارةً ، ويوحي بالجواب في صالح الإسلام أخرى ، ويتجسّد حيناً آخَر ، صرْحاً إيمانياً واعياً شامخاً ، في التربة الصالحة مِن عقول الأمّة ، التي تمثّل الإسلام بين المسلمين .
ومِن ناحية أخرى ، فإنّ الإسلام بنفْسه ، يضطرّ المسلمين إلى إلقاء هذا السؤال على الإسلام ، أو على عُلَمائه الممثّلين له ، ومطالبتهم بتقديم البديل الأفضل ، للنقيضين المتخاصمين - الرأسمالية والماركسية - لأنّ الإسلام ، إذ يُعلن في قرآنه ، ونصوصه التشريعية ، ومختلف وسائل الإعلان التي يملكها ، وبشكلٍ صريح ، عدم رضاه عن الرأسمالية والماركسية معاً ، فهو مسؤول بطبيعة الحال ، أن يحدّد للأمّة موقفاً إيجابياً ، إلى صفِّ ذلك الموقف السلبي ، وأنْ يأخذ بيدها في طريقٍ آخَر يتّفق مع وجْهة نظره ، وإطاره العامّ ؛ لأنّ الموقـف السلبي ، إذا فصل عن إيجابية بنّاءة ، ترسم الأهداف ، وتحدّد معالم الطريق يعني الانسحاب مِن معترك الحياة ، والتميّع الاجتماعي نهائياً ، لا المساهمة مِن وجْهة نظرٍ جديدة .
فلابدّ للإسلام إذن ، ما دام لا يقرّ الاندماج في إطارات رأسمالية واشتراكية وماركسية ، أن يوفّر البديل أو يرشد إليه ، ويصبح مِن الطبيعي ، أن يتساءل المسلمون الذين عرفوا موقف الإسلام السلبي مِن الرأسمالية والماركسية ، وعدم رضاه عنهما أن يتساءلوا عن مدى قوّة الإسلام ، وقدرته على إعطاء هذا البديل ، ومدى النجاح الذي يحالفنا ، إذا أردنا أن نكتفي بالإسلام ذاتياً ، ونستوحي منه نظاماً اقتصادياً .
وجوابنا على كلّ ذلك ، أنّ الإسلام قادر على إمدادنا بموقفٍ إيجابيٍّ غنيٍّ بمعالمه التشريعية ، وخطوطه العامّة ، وأحكامه التفصيلية التي يمكن أن يصاغ منها اقتصاد كامل ، يمتاز عن سائر المذاهب الاقتصادية ، بإطاره الإسلامي ، ونسَبه السماوي وانسجامه مع الإنسانية ، كلّ الإنسانية ، بأشواطها الروحية والمادّية ، وأبعادها المكانية والزمانية
وهذا ما سوف نراه في البحوث الآتية .
مَا هُوَ نوع الاقتصاد الإسلامي ؟
ماذا نعني بوجود اقتصادٍ في الإسلام ؟ .
وما هي طبيعة هذا الاقتصاد الإسلامي ، الذي تساءلنا في البدء عنه ، ثمّ أكّدنا وجوده وإيماننا به ؟ .
إنّ هذا هو ما يجب أن نبدأ بتوضيحه قبل كلّ شيء ؛ لأنّنا حين ندّعي وجود اقتصادٍ في الإسلام ، لا يمكننا البحث عن إثبات الدعوى ، ما لمْ تكن محدّدة ومفهومة ، وما لمْ نشرح للقارئ ، المعنى الذي نريده مِن الاقتصاد الإسلامي .
إنّنا نريد بالاقتصاد الإسلامي ، المذهب الاقتصادي لا عِلم الاقتصاد .
والمذهب الاقتصادي ، هو عبارة عن : إيجاد طريقةٍ لتنظيم الحياة الاقتصادية ، تتّفق مع وجْهة نظرٍ معيّنة عن العدالة .
فنحن حين نتحدّث عن اقتصاد الإسلام ، إنّما نعني طريقته في تنظيم الحياة الاقتصادية ، وفْقاً لتصوّراته عن العدالة .
ولا نريد بالاقتصاد الإسلامي ، أيّ لَون مِن ألوان البحث العلمي في الاقتصاد .
وهذا النوع مِن التحديد للاقتصاد الإسلامي ، يجعلنا نواجه مسألة التمييز بين المذهب الاقتصادي وعِلم الاقتصاد فما دام الاقتصاد الإسلامي مذهباً اقتصادياً ، وليس عِلماً للاقتصاد ، فيجب أن نعرف بوضوحٍ أكبر ، ما معنى المذهب الاقتصادي ، وما معنى عِلم الاقتصاد ، وما هي معالم التمييز بينهما ؟ وما لمْ يتّضح ذلك وضوحاً كافياً ، مدعماً بالأمثلة ، فسوف تظَلّ هوية الاقتصاد الإسلامي ، مكتنفة بالغموض .
إنّنا حين نصف شخصاً بأنّه مهندس ، وليس طبيباً ، يجب أن نعرف معنى المهندس ، وما هي وظيفته ، وثقافته ، وما هو نوع عمله ، وبماذا يفترق عن الطبيب ، لكي نتأكّد مِن صدق الوَصف ، على ذلك الشخص ، وكونه مهندساً حقّاً لا طبيباً .
وكذلك حين يقال : إنّ الاقتصاد الإسلامي ، مذهب اقتصادي ، وليس عِلماً للاقتصاد ، يجب أن نفهم معنى المذهب الاقتصادي بصورةٍ عامّة ، والوظيفة التي تمارسها المذاهب الاقتصادية وطبيعة تكوّنها ، والفوارق بين المذهب الاقتصادي ، وعِلم الاقتصاد لكي نستطيع أن نعرف في ضوء ذلك ، هوية الاقتصاد الإسلامي ، وكونه مذهباً اقتصادياً ، لا عِلماً للاقتصاد .
وفي عقيدتي ، أنّ إيضاح هوية الاقتصاد الإسلامي - على أساس التمييز الكامل ، بين المذهب الاقتصادي وعِلم الاقتصاد ، وإدراك أنّ الاقتصاد الإسلامي مذهب ، وليس عِلماً - أنّ هذا الإيضاح ، سوف يساعدنا كثيراً ، على إثبات الدعوى - أي إثبات وجود اقتصادٍ في الإسلام - وينقض المبرّرات التي يستند إليها جماعة ممّن يُنكرون وجود الاقتصاد في الإسلام ، ويستغربون مِن القول بوجوده .
وعلى هذا الأساس ، سوف نقوم بدراسةٍ للمذهب الاقتصادي وعِلم الاقتصاد ، بصورةٍ عامّة ، وللفوارق بينهما .
كلّ إنسانٍ منّا يواجه لَونين مِن السؤال في حياته الاعتيادية ، ويدرك الفرْق بينهما فحين نريد أن نسأل الأب عن سلوك ابنه مثلاً ، قد نسأله : كيف ينبغي أن يسلك ابنك في الحياة ؟ وقد نسأله كيف يسلك ابنك فعلاً في حياته ؟ .
وحين نوجّه السؤال الأوّل إلي الأب ، ونقول له كيف ينبغي أنْ يسلك ابنك في الحياة ؟ يستوحي الأب جوابه ، مِن القيَم والمُثُل والأهداف ، التي يقدّسها ، ويتبنّاها في الحياة ، فيقول مثلاً : ينبغي أن يكون ولَدي شجاعاً جريئاً طموحاً ، أو يقول ينبغي أن يكون مؤمناً بربِّه ، واثقاً مِن نفْسه ، مضحّياً في سبيل الخير والعقيدة .
وأمّا حين نوجّه السؤال الثاني للأب ، ونقول له : كيف يسلك ابنك فعلاً في حياته ؟ فهو لا يرجع إلى قيَمه ومُثُله ؛ ليستوحي منها الجواب ، وإنّما يجيب على هذا السؤال ، في ضوء اطّلاعاته عن سلوك ابنه ، وملاحظاته المتعاقبة له ، فقد يقول : هو فعلاً مؤمن واثق شجاع وقد يقول : إنّه يسلك سلوكاً متميّعاً ، ويتاجر بإيمانه ، ويجبُن عن مواجهة مشاكل الحياة .
فالأب يستمدّ جوابه على السؤال الأوّل مِن قيَمه ومُثُله ، التي يؤمن بها ، ويستمدّ جوابه على السؤال الثاني ، مِن ملاحظاته وتجربته لابنه في معترك الحياة .
ويمكننا أنْ نستخدم هذا المثال ؛ لتوضيح الفرْق بين المذهب الاقتصادي ، وعِلم الاقتصاد فإنّنا في الحياة الاقتصادية ، نواجه سؤالين متميّزَين ، كالسؤالين اللذين واجههما الأب عن سلوك ابنه ، فتارة نسأل : كيف ينبغي أن تجري الأحداث في الحياة الاقتصادية ؟ وأخرى نسأل : كيف تجري الأحداث فعلاً في الحياة الاقتصادية .
والمذهب الاقتصادي ، يعالج السؤال الأوّل ، ويجيب عليه ويستلهم جوابه مِن القيَم والمُثُل التي يؤمن بها ، وتصوّراته عن العدالة ، كما استلهم الأب جوابه على السؤال الأوّل ، مِن قيَمه ومُثُله .
وعِلم الاقتصاد يعالج السؤال الثاني ، ويجيب عليه ، ويستلهم جوابه مِن الملاحظة والتجربة فكما كان الأب يجيب على السؤال الثاني ، على أساس ملاحظته لسلوك ابنه ، وتجربته له ، كذلك عِلم الاقتصاد ، يشرح حركة الأحداث في الحياة الاقتصادية ، على ضوء الملاحظة والخبرة .
وهكذا نعرف ، أنّ عِلم الاقتصاد ، يمارس عملية الاكتشاف لِما يقع في الحياة الاقتصادية مِن ظواهر اجتماعية وطبيعية ، ويتحدّث عن أسبابها وروابطها ، والمذهب الاقتصادي يقيم الحياة الاقتصادية ، ويحدّد كيف ينبغي أن تكون ، وفْقاً لتصوّراته عن العدالة ، وما هي الطريقة العادلة في تنظيمها ؟ .
العِلم يكتشف ، والمذهب يقيِّم .
العِلم يتحدّث عمّا هو كائن ، وأسباب تكوّنه ، والمذهب يتحدّث عمّا ينبغي أن يكون ، وما لا ينبغي أن يكون .
ولنبدأ بالأمثلة ، للتمييز بين وظيفة العِلم ، ومهمّة المذهب بين الاكتشاف والتقييم .
المثال الأوّل : ولنأخذ هذا المثال : مِن ارتباط الثمن في السوق ، بكمّية الطلَب ، فكلّنا نعلم مِن حياتنا الاعتيادية ، أنّ السلعة إذا كثُر عليها الطلَب ، وازدادت الرغبة في شرائها لدى الجمهور ، ارتفع ثمنها فكتاب نؤلّفه في الرياضيات ، قد يباع بربُع دينار ، فإذا قرّرت المعارف تدريسه ، وأدّى ذلك إلى كثرة الطلب عليه مِن التلاميذ ، ارتفع ثمنه في السوق ، تبَعاً لزيادة الطلب وهكذا سائر السلع ، فإنّ ثمنها ، يرتبط بكمّية الطلب عليها في السوق ، فكلّما زاد الطلب ارتفع الثمن .
وارتباط الثمن هذا بالطلب ، يتناوله العِلم والمذهب معاً ، ولكن كلاًّ منهما يعالجه مِن زاويته الخاصّة .
فعِلم الاقتصاد يَدرسه ، بوَصفه ظاهرة تتكوّن وتوجد في السوق الحرّة ، التي لمْ يفرض عليها أثمان السلع مِن جهةٍ عُليا كالحكومة ويشرح كيفية تكوّن هذه الظاهرة ، نتيجةً لحرّية السوق ، ويكتشف مدى الارتباط بين الثمن ، وكمّية الطلب .
ويقارن بين الزيادة النسبية في الثمن ، والزيادة النسبية في الطلب ، فهل يتضاعف الثمن ، إذا تضاعف الطلب ، أو يزداد بدرجةٍ أقلّ .
ويشرح ما إذا كان ارتباط الثمن بكمّية الطلب ، بدرجةٍ واحدةٍ في جميع السلع ، أو أنّ بعض السلع ، يؤثّر عليها ازدياد طلبها ، على ارتفاع ثمنها أكثر ، ممّا يؤثّره في سلَعٍ أخرى .
كلّ هذا يَدْرسه العِلم ؛ لاكتشاف جميع الحقائق التي تتّصل بظاهرة ارتباط الثمن بالطلب ، وشرح ما يجري في السوق الحرّة ، وما ينجم عن حرّيته ، شرحاً عِلمياً ، قائماً على أساليب البحث العِلمي والملاحظة المنظّمة .
والعِلم في ذلك كلّه ، لا يضيف منه شيئاً إلى الواقع ، وإنّما هدفه الأساسي ، تكوّن فكرة دقيقة عمّا يجري في الواقع ، وما ينجم عن السوق الحرّة مِن ظواهر ، وما بين تلك الظواهر مِن روابط ، وصياغة القوانين التي تعبّر عن تلك الروابط وتعكس الواقع الخارجي ، بمنتهى الدقّة الممكنة .
وأمّا المذهب الاقتصادي : فهو لا يدرس السوق الحرّة ؛ ليكتشف نتائج هذه الحرّية ، وأثَرها على الثمن ، وكيف يرتبط الثمن بكمّية الطلب في السوق الحرّة ، ولا يلقي على نفْسه سؤال : لماذا يرتفع ثمن السلعة في السوق الحرّة ، إذا زاد الطلب عليها ؟ .
إنّ المذهب لا يصنع شيئاً مِن ذلك ، وليس مِن حقّه هذا ؛ لأنّ اكتشاف النتائج والأسباب ، وصياغة الواقع في قوانين عامّةٍ تعكسه وتصوّره ، مِن حقّ العِلم ، بما يملك مِن وسائل الملاحظة والتجربة والاستنتاج .
وإنّما يتناول المذهب ، حرّية السوق ، ليُقيِّم هذه الحرّية ، ويقيِّم ما تُسفر عنه مِن نتائج ، وما تؤدّي إليه مِن ربْط الثمن بكمّية الطلب الذي يغزو السوق .
ونعني بتقييم الحرّية ، وتقييم نتائجها ، الحُكم عليها مِن وجْهة نظر المذهب إلى العدالة فإنّ كلّ مذهبٍ اقتصاديٍّ ، له تصوّراته العامّة عن العدالة ويرتكز تقييمه لأيّ منهجٍ مِن مناهج الحياة الاقتصادية ، على أساس القدَر الذي يجسّده ذلك المنهج مِن العدالة ، وفْقاً لتصوّر المذهب لها .
فحرّية السوق ، إذا بُحثت على الصعيد المذهبي ، فلا تُبحث باعتبارها ظاهرة موجودة في الواقع ، لها نتائجها ، وقوانينها العِلمية ، بل بوَصفها منهجاً اقتصادياً ، يراد اختبار مدى توفّر العدالة فيه .
فالسؤال القائل : ما هي نتائج السوق الحرّة ، وكيف يرتبط الثمن بكمّية الطلب فيها ، ولماذا يرتبط أحدهما بالآخَر يجيب عليه عِلم الاقتصاد .
والسؤال القائل : كيف ينبغي أن تكون السوق ، وهل أنّ حرّيتها كفيلة بتوزيع السلَع توزيعاً عادلاً ، وإشباع الحاجات بالصورة التي تفرضها العدالة الاجتماعية ؟ إنّ هذا السؤال ، هو الذي يجيب عليه المذهب الاقتصادي .
وعلى هذا الأساس ، فمِن الخطأ أن نترقّب مِن أيّ مذهبٍ اقتصاديٍّ ، أن يشرح لنا ، مدى ارتباط الثمن ، بكمّية الطلب في السوق الحرّة ، وقوانين العَرْض والطلب ، التي يتحدّث عنها علماء الاقتصاد ، في دراستهم لطبيعة السوق الحرّة .
المثال الثاني : مِن رأي ريكاردو ، أنّ أُجور العمّال ، إذا كانت حرّة وغير محدودة مِن جهةٍ عُليا - كالحكومة - تحديداً رسمياً ، فلا تزيد عن القدَر الذي يُتيح للعامل معيشة الكفاف ولو زادت أحياناً عن هذا القدَر ، كان ذلك شيئاً موقّتاً ، وسرعان ما ترجع إلى مستوى الكفاف مرّةً أخرى .
ويقول ريكاردو في تفسير ذلك : إنّ أُجور العمّال ، إذا زادت عن الحدّ الأدنى مِن المعيشة ، أدّى ذلك إلى ازديادهم ؛ نتيجةً لتحسّن أوضاعهم ، وإقبالهم على الزواج والإنجاب وما دام عمل العامل سلعةً في سوقٍ حرّة ، لمْ تحدّد فيها الأُجور والأثمان ، فهو يخضع لقانون العَرْض والطلب ، فإذا ازداد العمّال ، وكثُر عَرْض العمل في السوق انخفضت الأجور .
وهكذا ، كلّما ارتفعت الأجور عن مستوى الكفاف ، وجدت العوامل التي تحتّم انخفاضها مِن جديد ، ورجوعها إلى حدّها المحتوم كما أنّها إذا نقصت عن هذا الحدّ ؛ نتج عن ذلك ازدياد بؤس العمّال ، وشيوع المرض والموت فيهم ، حتّى ينقص عددهم ، وإذا نقص عددهم ارتفعت الأجور ، ورجعت إلى مستوى الكفاف ؛ لأنّ كلّ سلعةٍ إذا نقصت كمّيتها وقلَّت ، ارتفع ثمنها في السوق الحرّة .
وهذا ما يطلق عليه ريكاردو اسم ( القانون الحديدي للأجور ) .
وريكاردو في هذا القانون ، إنّما يتحدّث عمّا يجري في الواقع ، إذا توفّرت السوق الحرّة للإجراء ويكتشف المستوى الثابت للأجور ، في كنَف هذه السوق ، والعوامل الطبيعية والاجتماعية التي تتدخّل في تثبيت هذا المستوى ، والحفاظ عليه ، كلّما تعرّض الأجر لارتفاعٍ أو هبوط استثنائيّين .
فريكاردو ، إنّما يجيب في هذا القانون على سؤال : ماذا يجري في الواقع ؟ لا عمّا ينبغي أنْ يجري ، ولأجل هذا كان بحثه في نطاق عِلم الاقتصاد ؛ لأنّه بحثٌ يستهدف اكتشاف ما يجري مِن أحداث ، وما تتحكّم فيها مِن قوانين .
والمذهب الاقتصادي ، حين يتناول أجور العمّال ، لا يريد أن يكتشف ما يقع في السوق الحرّة وإنّما يوجِد طريقةً لتنظيمها ، تتّفق مع مفاهيم العدالة عنده فهو يتحدّث عن الأساس الذي ينبغي أنْ تنظّم بموجبه الأجور ، ويبحث عمّا إذا كان مبدأ الحرّية الاقتصادية ، يصلح أن يكون أساساً لتنظيم الأجور ، مِن وجْهة نظَره عن العدالة أوّلاً .
وهكذا لا نرى ، أنّ المذهب الإقتصادي يحدّد كيف ينبغي أن تنظّم السوق ، مِن وجْهة نظَره إلى العدالة هل تنظّم على أساس مبدأ الحرّية الاقتصادية ، أو على أساسٍ آخَر ؟ وعِلم الاقتصاد يدرس السوق المنظّمة ، على أساس مبدأ الحرّية الاقتصادية - مثلاً - ليتعرّف على ما يحدث في السوق المنظّمة ، وفقاً لهذا المبدأ مِن أحداث ، وكيف تحدّد فيها أثمان السلَع وأجور العمّال ، وكيف ترتفع وتنخفض .
وهذا معنى قولنا : إنّ العِلم يكتشف ، والمذهب يُقيِّم ويقدّر .
المثال الثالث : ولنأخذ المثال الثالث مِن الإنتاج ، ولنحدّد الزاوية التي منها يدرس عِلم الاقتصاد الإنتاج ، والزاوية التي منها يدرس الإنتاج في المذهب الاقتصادي ونتبيّن الفارق بين الزاويتين .
فعِلم الاقتصاد ، يدرس مِن الإنتاج الوسائل العامّة ، التي تؤدّي إلى تنمية الإنتاج ، كتقسيم العمل ، والتخصّص ، فيقارن مثلاً ، بين مشروعين لإنتاج الساعات ، يشتمل كلّ منهما على عشرة عمّال ، يكلّف كلّ عامل في أحد المشروعين ، بإنتاج ساعةٍ كاملة.
وأمّا في المشروع الآخَر ، فيقسّم العمل ، ويوكَل إلى كلّ عاملٍ نوعٌ واحدٌ مِن العمليات ، التي يتطلّبها إنتاج الساعة فهو يكرّر هذا النوع الواحد مِن العملية باستمرارٍ ، دون أنْ يمارس العمليات الأخرى ، التي تمرّ بها الساعة خلال إنتاجها .
إنّ البحث العِلمي في الاقتصاد ، يدرس هذين المشروعين وطريقتيهما المختلفتين ، وأثَر كلٍّ منهما على الإنتاج ، وعلى العامـل .
وهكذا يدرس عِلم الاقتصاد أيضاً ، كلّ ما يرتبط بالإنتاج الاقتصادي مِن قوانينَ طبيعية ، كقانون تناقص العِلّة في الإنتاج الزراعي القائل : إنّ نسبة زيادة الإنتاج الزراعي مِن الأرض تقلّ عن نسبة زيادة النفقات(١) .
_________________
(١) بمعني أنّ الشخص الذي يُنفق مئة دينار ، على استثمار أرضه ، ويحصل منها على عشرين أردباً مِن القمح لو أراد أنْ يضاعف النفَقـات ، فأنفَق على الأرض مئتين ، بدلاً مِن مئة دينار ، لمْ يحصل على ضِعف الناتج السابق أي أنّه لا يظفر بأربعين أردباً مِن القمح ، بل يحصل على أقلّ مِن الضِعف ولو أنفق ثلاثمئة ، لمْ يحصل على ثلاثة أضعاف مِن القمح ، بل على زيادةٍ أقلّ نسبياً مِن الزيادة التي يحصل عليـها ، بإنفاق مئتين وهكذا تظَلّ الزيادة الناتجة عن مضاعفة النفقات ، تتناقض نسبياً ، حتّى تنعدم نهائياً ، ويعود الإنفاق عبَثاً باطلاً.
وسبب هذا : أنّ الأرض نفْسها ، هي عامل أساسي في الإنتاج ، فمضاعفة النفَقات ، لا تكفي لمضاعفة الإنتاج ، ما دامت كمّية العامل الأساسي في الإنتاج - أي الأرض - ثابتة لمْ تضاعَف .
كلّ هذا يدرسه عِلم الاقتصاد ؛ لأنّه يعبّر عن اكتشاف الحقائق على الصعيد الاقتصادي ، كما تجري ، ويحدّد العوامل التي تؤثّر بطبيعتها على الإنتاج ، تأثيراً موافقاً أو معاكساً .
وأمّا المذهب ، فهو يبحث الأمور التالية :
هل ينبغي أنْ يبقى الإنتاج حرّاً ، أو يجب إخضاعه لتخطيطٍ مركزيٍّ مِن قِبَل الدولة ؟
هل ينبغي اعتبار تنمية الإنتاج هدفاً أصيلاً ، أو وسيلةً لهدفٍ أعلى ؟
وإذا كانت تنمية الإنتاج وسيلةً لهدفٍ أعلى ، فما هي الحدود والإطارات التي تفرضها طبيعة ذلك الهدف الأعلى ، على هذه الوسيلة ؟ .
وهل يجب أنْ تكون سياسة الإنتاج أساساً لتنظيم التوزيع ، أو العكس ؟ بمعنى : أنّ أيّهما يجب أن ينظّم لمصلحة الآخَر ؟ فهل ننظّم توزيع الثروة بالشكل الذي يوفّر الإنتاج ، ويساعد على تنميته ، فتكون مصلحة الإنتاج ، أساساً للتوزيع (فإذا اقتضت مصلحة الإنتاج ، تشريع الفائدة على القروض التجارية ، لجذب رؤوس الأموال ، إلى مجال الإنتاج اتُّخذت الإجراءات بهذا الشأن ، ونُظّم التوزيع على أساس الاعتراف بحقّ رأس المال في الفائدة ).
أو تنظّم توزيع الثروة ، وِفقاً لمقتضيات العدالة التوزيعية ، ونحدّد تنمية الإنتاج ، بالمناهج والوسائل التي تتّفق مع مقتضيات العدالة التوزيعية ؟ .
كلّ هذا يدخل في نطاق المذهب الاقتصادي ، لا عِلم الاقتصاد ؛ لأنّه يرتبط بتنظيم الإنتاج ، وكيف ينبغي أن تصمّم سياسته العامّة .
يمكننا أن نستخلص مِن الأمثلة السابقة ، الخطّين المتميّزَين للعِلم والمذهب : خطّ الاكتشاف والتعرّف على أسرار الحياة الاقتصادية ، وظواهرها المختلفة ، وخطّ التقييم ، وإيجاد طريقة لتنظيم الحياة الاقتصادية ، وفْقاً لتصوّرات معيّنة عن العدالة .
وعلى هذا الأساس ، يمكننا أنْ نميّز بين الأفكار العِلمية والأفكار المذهبية فالفكرة العِلمية تدور حول اكتشاف الواقع - كما يجري - والتعرّف على أسبابه ونتائجه ، وروابطه فهي بمثابة منظارٍ عِلميٍّ للحياة الاقتصادية ، فكما أنّ الشخص حين يضع منظاراً على عينيه ، يستهدف رؤية الواقع ، دون أن يضيف إليه ، أو يغيّر فيه شيئاً ، وكذلك التفكير العِلمي يقوم بدَور منظارٍ للحياة الاقتصادية ، فيعكس قوانينها وروابطها فالطابع العامّ للفكرة العِلمية هو الاكتشاف .
وأمّا الفكرة المذهبية ، فهي ليست منظاراً للواقع ، بل هي تقدير خاصّ للموقف ، على ضوء تصوّرات عامّة للعدالة فالعِلم يقول : هذا هو الذي يجري في الواقع والمذهب يقول : هذا هو الذي ينبغي أنْ يجري في الواقع .
وهذا الفرْق الذي تبيّنّاه ، بين عِلم الاقتصاد والمذهب الاقتصادي - بين البحث عمّا هو كائن ، والبحث عمّا ينبغي أن يكون - يمكننا أن نجد نظيره بين عِلم التاريخ والبحوث الأخلاقية فإنّ عِلم التاريخ ، يتّفق مع عِلم الاقتصاد في خطّه العِلمي العامّ ، والبحوث الأخلاقية : كالمذهب الاقتصادي في التقييم والتقدير .
والناس يتّفقون عادةً ، على التفرقة بين عِلم التاريخ ، والبحوث الأخلاقية فهم يعرفون أنّ علماء التاريخ ، يحدّثونهم - مثلاً - عن الأسباب التي أدّت إلى سقوط الإمبراطورية الرومانية ، في أيدي الجرمان ، والعوامل التي دعت إلى شنّ الحمَلات الصليبية على فلسطين وفشلها جميعاً والظروف التي ساعدت على اغتيال قيصر ، وهو في قمّة انتصاره ومجده ، أو على قتْل عثمان ابن عفّان والثورة عليه .
كلّ هذه الأحداث ، يدرسها عِلم التاريخ ، ويكتشف أسبابها وروابطها ، مع سائر الأحداث الأخرى ، وما تمخّضت عنه مِن نتائج وتطوّرات ، في مختلف الميادين وهو بوَصفه عِلماً ، يقتصر على اكتشاف تلك الأسباب ، والروابط ، والنتائج ، بالوسائل العِلمية ولا يقيِّم تلك الأحداث مِن الناحية الخُلُقية .
فعِلم التاريخ ، لا يحكُم في نطاقه العِلمي ، بأنّ اغتيال قيصر أو قتْل عثمان ، كان عملاً صحيحاً خُلُقياً ، أو منحرفاً عن المقاييس التي تحتّم القيَم العُليا إتّباعها في السلوك وليس مِن شأنه ، أن يقيِّم الحمْلات الصليبية ، أو غزو البرابرة الجرمان للرومان ، ويحكُم بأنّها حملات عادلة أو ظالمة
وإنّما يرتبط تقييم تلك الأحداث - جميعاً - بالبحوث الأخلاقية ، فعلى ضوء ما تتبنّى مِن مقاييس للعمل في البحث الأخلاقي ، نحكُم بأنّ هذا عدْلٌ أو ظلمٌ ، وأنّ هذه استقامةٌ أو انحراف .
فكما أنّ عِلم التاريخ يصف السلوك والحادثة ، كما وقعَت ، ويأتي البحث الخُلُقي بمقاييسه العامّة ، فيقيِّمها كذلك عِلم الاقتصاد ، يصف أحداث الحياة الاقتصادية ، والمذهب يقيّم تلك الأحداث ، ويحدّد الطريقة التي ينبغي تنظيم الحياة الاقتصادية على أساسها ، وِفقاً لتصوّراته العامّة عن العدالة .
وهذا الفرْق الذي تبيّنّاه ، بين عِلم الاقتصاد والمذهب الاقتصادي - بين البحث عمّا هو كائن ، والبحث عمّا ينبغي أن يكون - يمكننا أن نجد نظيره بين عِلم التاريخ والبحوث الأخلاقية فإنّ عِلم التاريخ ، يتّفق مع عِلم الاقتصاد في خطّه العِلمي العامّ ، والبحوث الأخلاقية : كالمذهب الاقتصادي في التقييم والتقدير .
والناس يتّفقون عادةً ، على التفرقة بين عِلم التاريخ ، والبحوث الأخلاقية فهم يعرفون أنّ علماء التاريخ ، يحدّثونهم - مثلاً - عن الأسباب التي أدّت إلى سقوط الإمبراطورية الرومانية ، في أيدي الجرمان ، والعوامل التي دعت إلى شنّ الحمَلات الصليبية على فلسطين وفشلها جميعاً والظروف التي ساعدت على اغتيال قيصر ، وهو في قمّة انتصاره ومجده ، أو على قتْل عثمان ابن عفّان والثورة عليه .
كلّ هذه الأحداث ، يدرسها عِلم التاريخ ، ويكتشف أسبابها وروابطها ، مع سائر الأحداث الأخرى ، وما تمخّضت عنه مِن نتائج وتطوّرات ، في مختلف الميادين وهو بوَصفه عِلماً ، يقتصر على اكتشاف تلك الأسباب ، والروابط ، والنتائج ، بالوسائل العِلمية ولا يقيِّم تلك الأحداث مِن الناحية الخُلُقية .
فعِلم التاريخ ، لا يحكُم في نطاقه العِلمي ، بأنّ اغتيال قيصر أو قتْل عثمان ، كان عملاً صحيحاً خُلُقياً ، أو منحرفاً عن المقاييس التي تحتّم القيَم العُليا إتّباعها في السلوك وليس مِن شأنه ، أن يقيِّم الحمْلات الصليبية ، أو غزو البرابرة الجرمان للرومان ، ويحكُم بأنّها حملات عادلة أو ظالمة
وإنّما يرتبط تقييم تلك الأحداث - جميعاً - بالبحوث الأخلاقية ، فعلى ضوء ما تتبنّى مِن مقاييس للعمل في البحث الأخلاقي ، نحكُم بأنّ هذا عدْلٌ أو ظلمٌ ، وأنّ هذه استقامةٌ أو انحراف .
فكما أنّ عِلم التاريخ يصف السلوك والحادثة ، كما وقعَت ، ويأتي البحث الخُلُقي بمقاييسه العامّة ، فيقيِّمها كذلك عِلم الاقتصاد ، يصف أحداث الحياة الاقتصادية ، والمذهب يقيّم تلك الأحداث ، ويحدّد الطريقة التي ينبغي تنظيم الحياة الاقتصادية على أساسها ، وِفقاً لتصوّراته العامّة عن العدالة .
وما قلناه ، في تحديد وظيفة عِلم الاقتصاد ، وأنّها مقتصرة على الاكتشاف ، دون التقدير والتقييم لا يخصّ عِلم الاقتصاد فحسب ، فإنّ الوظيفة الأساسية لجميع العلوم ، هي الاكتشاف خاصّة ولا فرْق بين العالِم الاقتصادي ، وعلماء الفيزياء والذرّة والفلَك والنفْس ، سوى أنّه يمارس وظيفته في الحقل الاقتصادي مِن حياة الإنسان ، وأولئك يمارسون نفْس الوظيفة ، وهي اكتشاف الحقائق ، وروابطها وقوانينها ، في حقولٍ أخرى متنوّعة طبيعية أو بشَرية .
فالعالِم في الفيزياء الاعتيادية ، يدرس مثلاً السرعات المختلفة للنور والصوت وغيرهما ، ويكتشف المعادلات الدقيقة لها .
والعالِم الذرّي ، يدرس تركيب الذرّة ، وعدد كهاربها ، ونوع شحناتها المخبوءة فيها ، والقوانين التي تتحكّم في حركتها .
والعالِم الفلَكي ، يدرس الأجرام الكبيرة في الفضاء ، والقوانين التي تنظّم حركتها .
والعالِم النفْسي ، يدرس مثلاً عملية الإبصار ، ومحتواها السيكولوجي والعوامل المؤثّرة فيها .
والعالِم الاقتصادي ، يكتشف مِن ناحيته - أيضاً - قوانين الظواهر الاقتصادية : سواء كانت طبيعية ، كظاهرة تناقص الغَلّة أو اجتماعية ، كظاهرة انخفاض الثمن وارتفاعه ، في السوق الحرّة ، وِفقاً لكمّية الطلَب .
فكلّ هؤلاء بوَصفهم العِلمي ، يكتشفون ولا يُقيِّمون .
في ضوء ما تقدّم ، تعرف أنّ الفارق بين عِلم الاقتصاد والمذهب الاقتصادي ، ينبع مِن اختلافهما في المهمّة ، نظراً إلى أنّ مهمّة عِلم الاقتصاد : اكتشاف ظواهر الحياة الاقتصادية وروابطها ومهمّة المذهب : إيجاد طريقة لتنظيم الحياة الاقتصادية ، كما ينبغي أن تنظّم ، وِفقاً لتصوّراته عن العدالة .
وعلى هذا الأساس ، نُدرك الخطأ في المحاولات التي ترمي إلى التمييز بين عِلم الاقتصاد ، والمذهب الاقتصادي ، مِن ناحية الموضوع ، عن طريق القول بأنّ عِلم الاقتصاد : يبحث في الإنتاج وقوانينه ، والعوامل التي تساعد في تنميته والمذهب الاقتصادي يبحث في التوزيع ، وأحكامه ، والروابط التي تنشأ بين أفراد المجتمع على أساسه .
إنّ هذه المحاولات خاطئة ؛ لأنّنا رأينا في الأمثلة السابقة التي قدّمناها للتفرقة بين العِلم والمذهب ، أنّ المذهب الاقتصادي يتناول الإنتاج ، كما يتناول التوزيع ، ( راجع المثال الثالث ) وعِلم الاقتصاد يتناول التوزيع ، كما يتناول الإنتاج ، ( راجع المثال الأوّل والثاني ) فقانون الأجور الحديدي ، الذي سبق في المثال الثاني ، قانون عِلمي ، بالرغم مِن أنّه يتّصل بالتوزيع وتنظيم الإنتاج ، على أساس مبدأ الحرّية الاقتصادية ، أو على أساس التوجيه المركزي مِن الدولة ، يعتبر قضيةً مِن قضايا المذهب ، بالرغم مِن كَونه بحثاً في الإنتاج .
فمِن الخطأ أن نحكُم على أيّ بحثٍ ، بأنّه عِلمي ، إذا كان يتناول الإنتاج ، وأنّه مذهبي ، إذا كان يتناول التوزيع .
بل العلامة الفارقة للبحث العِلمي ، عن البحث المذهبي ، هي علاقة البحث بالواقع ، أو العدالة فإن كان بحثاً عن الواقع في الحياة الاقتصادية ، وكيف هو ، فالبحث علميٌّ وإن كان بحثاً عن العدالة ، وكيف ينبغي أن تُحقّق ، فالبحث مذهبيٌّ أي ارتباط الفكرة بالعدالة هو العلامة الفارقة للمذهب بشكلٍ عامّ ، عن البحوث العِلمية التي يضمّها عِلم الاقتصاد .
عرفنا أنّ عِلم الاقتصاد ، كما يبحث في الإنتاج ويكتشف قانون الغَلّة المتناقصة - مثلاً - كذلك يبحث في التوزيع ويكتشف قانوناً ، كالقانون الحديدي للأجور .
ولكن بالرغم مِن ذلك ، يوجد أحياناً فرْق بين البحث العِلمي في الإنتاج ، والبحث العِلمي في التوزيع ولنأخذ قانون الغلّة المتناقصة ، والقانون الحديدي للأجور مثالين على ذلك .
فالقانون الأوّل ، يمثّل البحث العِلمي في الإنتاج والقانون الثاني ، يمثّل البحث العِلمي في التوزيع.
ونحن ، إذا لاحظنا قانون الغلّة المتناقصة ، نجد أنّه يشتمل على حقيقةٍ عن الإنتاج الزراعي ، تصدق على الأرض في كلّ مجتمعٍ بشَريٍّ ، مهما كان نوع المذهب الاقتصادي الذي يتبنّاه ، فالأرض في المجتمع الرأسمالي ، تتناقص غلّتها وِفقاً لذلك القانون ، كما تتناقص في المجتمع الاشتراكي أو الإسلامي وهذا يعني : أنّ قانون الغلّة المتناقصة ، ليس متوقّفاً على وضْعٍ مذهبيٍّ معيّن ، بل يعبّر عن حقيقةٍ عِلميةٍ مطلقة .
وأمّا القانون الحديدي للأجور ، الذي مَرّ شرحه في المثال الثاني ، فهو يكتشف ، كما رأينا المستوى الثابت لأجور العمل في مجتمع تسوده الحرّية الاقتصادية ، ويقرّر أنّ المجتمع الذي تسوده الحرّية ، تظلّ فيه أجور العمّال على مستوى الكفاءة ، وإذا ارتفعت أو انخفضت ، لسببٍ طارئ عادت مرّةً أخرى ، وبصورةٍ طبيعية إلى ذلك المستوى .
وهذا القانون عِلميٍّ بطبيعته ومضمونه وهدفه ؛ لأنّه يحاول اكتشاف الواقع ، والتعرّف على حركة الأجور واتّجاهها ، كما يحدث في المجتمع ولكنّه يقرّر في نفْس الوقت ، أنّ هذه الحقيقة التي يتحدّث عنها ، إنّما تصدق على مجتمعٍ تسوده الحرّية الاقتصادية الرأسمالية ، ولا تنطبق على مجتمعٍ موجّه اقتصادياً ، تفرض الدولة فيه تحديداً عالياً للأجور .
فالحرّية الرأسمالية ، شرط لصدق القانون العِلمي عن الأجور ، أو هي الإطار العامّ ، الذي يتحقّق القانون الحديدي ضِمنه وهذا معنى أنّ القانون مضمونه عِلميٌّ ، وإطاره العامّ - شرط صدقه - مذهبيٌّ .
وأكبر الظنّ ، أنّ عدم التمييز بين المضمون والإطار ، أو بين القانون العلمي وشروطه ، هو الذي أدّى إلى القول : بأنّ بحوث التوزيع كلّها مذهبية ، وليس للعِلم ، أن يبحث في حقل التوزيع فإنّ إشراط القوانين العِلمية في التوزيع ، بإطارٍ مذهبيٍّ معيّن ، جعل أصحاب هذا القول يتخيّلون أنّ تلك القوانين مذهبية بطبيعتها .
نستخلص ممّا سبق ، النتائج التالية :
أوّلاً : أنّ عِلم الاقتصاد والمذهب الاقتصادي ، يختلفان في مهمّتهما الأساسية ؛ لأنّ مهمّة العِلم : اكتشاف الحياة الاقتصادية وظواهرها ، كما توجد في الواقع ومهمّة المذهب : إيجاد طريقة لتنظيم الحياة الاقتصادية ، كما ينبغي أن توجد ، وفْقاً لتصوّراته العامّة عن العدالة فالعِلم يعمل لتجسيد الواقع ، والمذهب يعمل لتجسيد العدالة .
ثانياً : أنّ عِلم الاقتصاد ، يبحث في الإنتاج والتوزيع معاً ، كما أنّ المذهب الاقتصادي ، يبحث في الإنتاج والتوزيع أيضاً ، ولا أساس للتفرقة بينهما - على أساس الموضوع - يجعل الإنتاج موضوعاً للعلم ، والتوزيع موضوعاً للمذهب ؛ لأنّ العِلم والمذهب يختلفان في مهمّة البحث وطريقتـه ، لا في موضوعه .
وثالثاً : أنّ قوانين عِلم الاقتصاد ، في الإنتاج ، تعبّر عن حقائق ثابتة في مختلف المجتمعات ، مهما كان نوع المذهب الاقتصادي المطبّق عليها وأمّا قوانين عِلم الاقتصاد في التوزيع ، فهي تشرط عادةً بإطارٍ مذهبيٍّ معيّن ، بمعنى أنّ العالِم الاقتصادي يفترض مجتمعاً يطبّق مذهباً - كالرأسمالية والحرّية الاقتصادية - ثمّ يحاول أن يكتشف قوانينه ، وحركة الحياة الاقتصادية فيه .
عرفنا مِن التحليلات السابقة للمذهب والعِلم ، أنّ مهمّة المذهب التعبير عن مقتضيات العدالة ، بينما يكون على العِلم مهمّة اكتشاف الأحداث الاقتصادية كما تقع ، بأسبابها وروابطها .
وهذا الاختلاف في المهمّة الأساسية بينهما ، يفرض اختلافهما في وسائل البحث حتماً بمعنى : أنّ عِلم الاقتصاد بوَصفه عِلماً - يكتشف ما يقع في الكون والمجتمع ، ممّا يتّصل بالحياة الاقتصادية - يستعمل الوسائل العلمية ، مِن الملاحظة أو التجربة وتتبّع الأحداث التي تزخز بها الحياة الاقتصادية ؛ لكي يستنبط - على ضوء ذلك - روابطها وقوانينها العامّة .
ومتى كانت قضية مِن القضايا موضعاً للشكّ ، ولمْ يعلم مدى صدقها وتصويرها للواقع ، أمكن للعالِم الاقتصادي ، أن يرجع إلى المقاييس العلمية وملاحظاته المنظّمة للأحداث المتعاقبة ؛ لكي يكتشف مدى صحّة تلك القضية وصدقها في تصوير الواقع .
إنّ العالِم الاقتصادي كالعالِم الطبيعي ، مِن هذه الناحية(١) ، فالعالِم الطبيعي ، إذا أراد أن يكتشف درجة الغليان في الماء أمكنه أن يقيس حرارة الماء قياساً علمياً ، بوَصفها ظاهرةً طبيعيةً ، ويلاحظ درجة الحرارة ، التي تبدأ عندها الغليان .
والعالِم الاقتصادي ، إذا أراد أن يكتشف دَورية الأزمات الاقتصادية المشهورة ، التي تنتاب المجتمع الرأسمالي بين حينٍ وآخَر ، فعليه أن يرجع إلى أحداث الحياة الاقتصادية ، كما تسلسلت ووقعت ؛ ليحدّد الفاصل التاريخي بين كلّ أزَمة وأخرى ،
_________________
(١) لا نعني بذلك ، أنّ الوسائل العلمية التي يستعملها العالِم الطبيعي ، هي نفْس الوسائل التي يستعملها العالِم الاقتصادي ، وإنّما نعني : أنّ الوسائل التي يستعملها العالِمان ، موضوعية وليست ذاتية .
فإذا وجد أنّ الفاصل التاريخي بين كلّ أزَمة وسابقتها واحدٌ ، استطاع أن يحدّد دَورة تلك الأزَمات ، وبالتالي يبحث عن أسبابها ، والعوامل المؤثّرة فيها .
وعلى العكس مِن ذلك ، المذهب الاقتصادي ، فإنّه لا يمكنه أن يقيس الموضوعات التي يعالجها قياساً علمياً ؛ لأنّه يدرس تلك الموضوعات مِن زاوية العدالة ، ويحاول إيجاد طريقة للتنظيم ، وِفقاً لمقتضيات العدالة .
ومِن الواضح ، أنّ العدالة تختلف عن حرارة الماء وغليانه ، وعن الأزَمات الاقتصادية ودَورتها ؛ لأنّها ليست مِن الظواهر الكونية ، أو الاجتماعية التي تقبل الملاحظة الموضوعية ، والقياس العِلمي ، وأساليب التجربة المتعارفة في العِلم ففي المذهب الاقتصادي لا يكفي أن نطلّ برأسنا على الواقع ، ونلاحظ الأحداث ملاحظةً عِلمية ؛ لنعرف ما هي العدالة في التنظيم ، كما يطلّ العالِم الاقتصادي ويدرس الأزمات الاقتصادية ؛ ليعرف دَورتها وقانونها .
ولنأخذ العدالة في التوزيع - مثلاً على ذلك - فهناك مَن يقول : إنّ العدالة في التوزيع ، تتحقّق في نظامٍ يكفُل المساواة بين أفراد المجتمع في الرزق والثروة .
وهناك مَن يعتبر المساواة بين أفراد المجتمع في الحرّية ، بدلاً عن الرزق ، هي الأساس العادل للتوزيع ، وإن أدّت ممارسة الأفراد لحقّهم في الحرّية إلى اختلافهم في الرزق ، وزيادة ثروة بعضهم على ثروة الآخَرين ما دام الآخرون يتمتّعون بنفْس الحرّية الممنوحة للجميع بدرجةٍ واحدةٍ .
وهناك مَن يرى عدالة التوزيع تتحقّق في ضمان مستوىً عامّ مِن الرزق للجميع ، ومنْح الحرّية لهم خارج حدود ذلك المستوى ، كما يصنع الإسلام :
فإذا أردنا أن نعرف ، ما هو طريق تحقيق العدالة في التوزيع ، هل هو التسوية في الرزق والثروة ، أو إعطاء كلّ فردٍ الحرّية في ممارسة مختلَف ألوان النشاط الاقتصادي ، وتحديد نصيبه مِن الرزق ، وفْقاً لطريقة ممارسته للحرّية أو أسلوب ثالث بين هذا وذاك .
إذا أردنا أن نعرف ، ما هو طريق العدالة مِن هذه الأساليب ، فلا يمكننا أن نقيس ونستعمل وسائل البحث العِلمي ؛ لأنّ العدالة ليست ظاهرة طبيعية ، كالحرارة والغليان ؛ لكي نحسّ بها ، ببصرنا أو لمْسنا أو سائر حواسنا ، وليست ظاهرة اجتماعية كالأزمات الاقتصادية في المجتمع الرأسمالي ؛ لتُقاس وتلاحظ وتجرّب .
إنّ العِلم يمكنه أن يقيس الناس أنفسهم ، فيعرض مدى تساويهم أو اختلافهم في صفاتهم الجسَدية والنفْسية ، ولكنّه لا يستطيع أن يقيس حقّهم في الرزق ؛ ليعرف ما إذا كان مِن العدْل أن يتساوَوا في الرزق ، أوْ لا ؛ لأنّ العدالة والحقّ ليس مِن الصفات الموضوعية ، الخاضعة للقياس العِلمي والحسّ كصفات الجسد وظواهر الحياة .
خُذ إليك رأسمالياً ، يؤمِن بأنّ الناس سواسية في حقّ الحرّية وإن اختلفت أرزاقهم واشتراكياً ، يؤمِن بأنّ الناس سواسية في حقّ الرزق ، واسألهما : هل يوجد مقياس زئبقي للعدالة كالمقياس الزئبقي للحرارة ؛ لكي أعرف درجة العدالة ، في مجتمعٍ تتساوى أرزاق أفراده ، ومجتمعٍ تتساوى حرّيات أفراده ، وإن اختلفت أرزاقهم ؟ وهل أنّ الحقّ الذي يتمتّع به أفراد المجتمع ظاهرة مِن الظواهر ، التي يمكن الإحساس بها ، كما نحسّ بألوانهم وطول قامتهم ، ومدى نباهتهم ، ونوع أصواتهم ؛ لكي ندرس الحقّ ، بأساليب البحث العِلمي القائمة على أساس الحسّ والتجربة .
إنّ الجواب على كلّ هذا ، بالنفي طبعاً فليس للعدالة مقياس زئبقي ؛ لأنّها ليست مِن الظواهر ، التي يمكن إدراكها بالحسّ والمشاهدة وليس حقّ الناس في الرزق ، أو حقّ الناس في حرّية اكتسابه ظاهرة مِن ظواهرهم ، كطول قامَتهم أو سرعة بديهتهم ؛ لنحكِّم العِلم في تحديد ذلك الحقّ .
ونخرج مِن ذلك كلّه ، بأنّ المذهب لا يمكنه - ما دام يدرس القضايا مِن زاوية العدالة والحقّ - أن يكتفي بأساليب البحث العلمي ، بل لا بدّ له أن يستلهم الطريقة التي يفضّلها في تنظيم الحياة الاقتصادية ، مِن تصوّراته الذاتية للعدالة وقيَمه ومُثُله ، التي يؤمن بها ، ونظرته العامّة إلى الحياة .
الاقتصاد الإسلامي كما نؤمِن به
أحسب أنّ البحث السابق ، يكفي لتكوين فكرةٍ محدّدةٍ عن المذهب الاقتصادي وعِلم الاقتصاد ، ووظيفة كلٍّ منهما ووسائله في البحث ؛ ولأجل هذا ، فسوف نستطيع الآن أن نوَضّح طبيعة فَهْمنا للاقتصاد الإسلامي ، وما نعنيه بتأكيدنا على وجود اقتصادٍ ، أو نظامٍ اقتصاديٍّ في الإسلام .
إنّ الاقتصاد الإسلامي كما مَرّ بنا ، في مستهلّ هذه الدراسة عبارة عن مذهبٍ اقتصاديٍّ ، وليس عِلماً للاقتصاد فنحن حين نقول : إنّ الإسلام جاء بمذهبٍ اقتصاديٍّ ، لا نحاول أن نزعم أنّ الإسلام جاء بعِلمِ الاقتصاد ؛ وذلك أنّ الإسلام لمْ يجئ ليكتشف أحداث الحياة الاقتصادية وروابطها وأسبابها ، وليس مِن مسؤوليّاته ذلك .
كما ليس مِن مسؤوليته أن يكشف للناس قوانين الطبيعة ، أو الظواهر الفلَكية وروابطها وأسبابها فكما لا يجب أن يشتمل الدِين على عِلم الفلَك وعلوم الطبيعة ، كذلك لا يجب أن يشتمل على عِلم الاقتصاد .
وإنّما جاء الإسلام ؛ لينظّم الحياة الاقتصادية بدلاً عن كشْفها ، ويضع التصميم الذي ينبغي أن تنظّم به ، وِفقاً لتصوّراته عن العدالة .
فالاقتصاد الإسلامي ، يصوّر وجْهة نظر الإسلام عن العدالة وطريقته في تنظيم الحياة الاقتصادية ، ولا يعبّر عن كشوف عِلمية لروابط الحياة الاقتصادية وعلاقاتها - كما تجري في الواقع - وهذا معنى كون الاقتصاد الإسلامي مذهباً لا عِلماً .
وبتعبيرٍ آخَر : لو أنّ الإسلام جاء ليحدّثنا عن الحياة الاقتصادية في الحجاز ، وما هي الأسباب التي تؤدّي في المجتمع الحجازي - مثلاً - إلى ارتفاع سعر الفائدة الربَوِيّة ، التي يتقاضاها المُرابون ؟ لكان حديثه عِلمياً ، ومِن عِلم الاقتصاد ولكنّه بدلاً عن ذلك ، جاء ليقيِّم نفْس الفائـدة الربَوية ، فحرّمها ، ونظّم العلاقة بين رأس المال وصاحب المشروع ، على أساس المضاربة بدلاً عن الربا والفائدة وبذلك كان الإسلام يتّخذ في اقتصاده الموقف المذهبي ، لا العِلمي .
ونحن إذا عرفنا بوضوح طبيعة الاقتصاد الإسلامي ، وكونه مذهباً اقتصادياً لا عِلماً للاقتصاد ، أمكننا أن ندحض أكبر العقبات ، التي تحول دون الاعتقاد بوجود اقتصادٍ في الإسلام .
وهذه العقَبة الكبيرة ، التي يستند إليها كثير مِن الناس لرفض الاقتصاد الإسلامي ، نشأت مِن عدم التمييز بين عِلم الاقتصاد والمذهب الاقتصادي فإنّ هؤلاء الذين لمْ يُتَح لهم التمييز بين العِلم والمذهب ، إذا سمعوا شخصاً يقول : إنّ في الإسلام اقتصاداً ، يبادرون قائلين : وكيف يمكن أن يكون في الإسلام اقتصاد ؟ ونحن لا نجد فيه بحوثاً ، كالبحوث التي نجدها عند علماء الاقتصـاد ، كآدم سميث ، وريكاردو ، وغيرهما .
فالإسلام لمْ يحدّثنا عن قانون الغَلّة المتناقصة ، ولا عن قوانين العَرض والطلَب ، ولمْ يأت بقانونٍ يناظر القانون الحديدي للأجور ، ولمْ تؤثَر عنه فكرة ، عن تحليل القيمة ودرسها عِلمياً كما درَسها علماء الاقتصاد وكيف يطلب منّا أن نصدّق بالاقتصاد الإسلامي ، ونحن جميعاً نعلم بأنّ بحوث عِلم الاقتصاد إنّما نشأت وتكاملت خلال القرون الأربعة الأخيرة ، على يد روّاد الفكر الاقتصادي الأوائل كآدم سميث ، ومَن سبَقه مِن التجاريين والطبيعيين .
يقول المنكرون للاقتصاد الإسلامي كلّ هذا ظناً منهم بأنّا ندّعي قيام الإسلام ، بالبحث العِلمي في الاقتصاد .
وأمّا بعد أن نعرف الفرْق ، بين عِلم الاقتصاد والمذهب الاقتصادي ، وأنّ الاقتصاد الإسلامي مذهبٌ وليس عِلماً فلا يبقى موضع لكلّ ذلك القول ؛ لأنّ وجود المذهب الاقتصادي في الإسلام ، لا يعني تحدّث الإسلام إلى الناس عن قوانين العَرض والطلَب ، بل يعني أنّ الإسلام دعا إلى تنظيم متميّز للحياة الاقتصادية ، وحدّد ما ينبغي أن تقام عليه تلك الحياة مِن أُسس ودعائم .
ويبدو الإيمان بوجود الاقتصاد الإسلامي ، على هذا الضوء أمراً معقولاً ، ولا غرابة فيه .
وسوف لن نبدأ في هذه الحلَقة بدراسة تفاصيل الاقتصاد الإسلامي ، وحين نأخذ التفاصيل بالبحث والدرس في الحلَقات المقبلة ، سوف نقدّم لك مِن الكتاب والسنّة الدليل المادّي المحسوس ، على وجود المذهب الاقتصادي في الإسلام فإنّه لا أدلّ على وجود الشيء مِن إبرازه للحسّ وهذا ما تقوم به الحلَقات المقبلة ، بإذن الله تعالى .
والآن وقبل أن نستدلّ على وجود المذهب الاقتصادي في الإسلام بإبرازه ، والتعرّف على مَواطِن استخلاصه مِن الكتاب والسنّة ، نريد أن نُقيم الدليل على وجوده ، مِن طبيعة الشريعة الإسلامية ، ومفاهيمنا المسبَقة عنها ، كما سنرى .
إنّ شمول الشريعة واستيعابها لجميع مجالات الحياة ، مِن الخصائص الثابتة لها ، لا عن طريق تتبّع أحكامها ، في كلّ تلك المجالات فحسب ، بل عن طريق التأكيد على ذلك ، في مصادرها العامّة أيضاً فنحن نستطيع أن نجد في هذه المصادر نصوصاً تؤكّد بوضوحٍ على استيعاب الشريعـة ، وامتدادها إلى جميع الحقول ، التي يعيشها الإنسان ، واغتنائها بالحلول لجميع المشاكل التي تعترضه في شتّى المجالات .
لاحظوا على سبيل المثال ، النصوص التالية :
١ - روى أبو بصير ، عن الإمام الصادقعليهالسلام ، أنّه تحدّث عن الشريعة الإسلامية واستيعابها وإحاطة أئمّة أهل البيت بكلّ تفاصيلها فقال: فيها كلّ حلالٍ وحرامٍ ، وكلّ شيءٍ يحتاج الناس إليه ، حتّى الأرش في الخدْش ، وضرَب بيده إلى أبي بصير ، فقال: أتأذن لي يا أبا محمّد ؟ فقال له أبو بصير : جعلت فداك ، إنّما أنا لك ، فاصنع ما شئت ، فغمَزه الإمام بيده وقال: حتّى أرش هذا !
٢ - وعن الإمام الصادقعليهالسلام ، في نصٍّ آخَر ، أنّه قال: فيها كلّ ما يحتاج الناس إليه ، وليس مِن قضية ، إلاّ وهي فيها ، حتّى أرش الخدْش . ( أي الغرامة التي يدفعها الشخص إلى آخر إذا خدَشه ) .
٣ - وفي نهج البلاغة ، أنّ أمير المؤمنين عليّاًعليهالسلام قال يصف الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والقرآن الكريم :
أرسله على حين فترةٍ مِن الرُسُل ، وطول هجْعةٍ مِن الأمم ، وانتقاضٍ مِن المبرم فجاءهم بتصديق الذي بين يديه ، والنور المقتدى به ، ذلك القرآن ، فاستنطقوه ، ولن ينطق ، ولكن أُخبركم عنه ، ألا إنّ فيه ما يأتي ، والحديث عن الماضي ، ودواء دائكم ، ونَظم ما بينكم .
إنّ هذه النصوص ، تؤكّد بوضوحٍ ، استيعاب الشريعة لمختلف مجالات الحياة .
وإذا كانت الشريعة تضمن الحلول حتّى لأتفَه المشاكل ، وحتّى لأرش الخدْش - أي الغرامة التي يجب على الإنسان دفْعها إلى الآخَر ، إذا خدَشه - فمِن الضروري حتماً ، بمنطق تلك النصوص ، أن تكون في الشريعة حلول للمشاكل الاقتصادية ، وطريقة لتنظيم الحياة في الحقل الاقتصادي وإلاّ فأيّ معنىً لاستيعاب الشريعة وشمولها ، إذا كانت تغفل جانباً مِن أهمّ جوانب الحياة ، وأوسعها وأكثرها أهمّيةً وتعقيداً.
هل تتصوّر أنّ الشريعة تحدّد الغرامة التي مِن حقّك الحصول عليها ، إذا خدَشك شخصٌ خدْشاً بسيطاً ، ولا تحدّد حقّك في الثروة المنتجة ، ولا تنظّم طريقة اتّفاقك مع عمّالك ، أو مع الرأسماليين في مختلف ألوان العمل ، التي تحتاج فيها إلى عاملٍ ، أو رأسمالي .
وهل مِن المعقول ، أن تحدّد الشريعة حقّك حين تُخدَش ، ولا تحدّد حقّك حين تُحيي أرضاً ، أو تستخرج معدناً ، أو تستنبط عين ماءٍ ، أو تستولي على غابة .
وهكذا نعرف أنّ مَن يؤمن بالشريعة ومصادرها ونصوصها ، يستنتج مِن تلك النصوص علاج الشريعة للمشاكل الاقتصادية ، وتنظيمها للحقل الاقتصادي ، وبالتالي وجود اقتصادٍ إسلاميٍّ يمكن استخلاصه مِن الكتاب والسُنّة .
وفي ضوء تلك النصوص ، يعرف القارئ خطأ القول الشائع عند البعض ، بأنّ الشريعة تنظّم سلوك الفرد لا المجتمع ، والمذهب الاقتصادي تنظيم اجتماعي ، فهو خارج عن نطاق الشريعة ، التي تقتصر في تشريعها على تنظيم سلوك الفرد فحسـب.
إنّ النصوص السابقة ، تبرهن على خطأ هذا القول ؛ لأنّها تكشف عن امتداد الشريعة إلى كلّ ميادين الحياة ، وتنظيمها للمجتمع والفرد على السواء .
والحقيقة ، أنّ القول بأنّ الشريعة تنظّم سلوك الفرد لا المجتمع ، يتناقض مع نفْسه ، إضافةً إلى اصطدامه بتلك النصوص ؛ لأنّه حين يفصل سلوك الفرد وتنظيمه عن تنظيم المجتمع ، يقع في خطأ كبير مِن ناحية أنّ النظام الاجتماعي لأيّ جانبٍ مِن الجوانب العامّة في المجتمع ، سواء كان اقتصادياً ، أمْ سياسياً ، أمْ غير ذلك ، يتجسّد في سلوك الفرد ، فلا يمكن تنظيم سلوك الفرد بصورةٍ منعزلةٍ عن تنظيم المجتمع .
خذْ إليك النظام الرأسمالي ، بوَصفه تنظيماً اجتماعياً ، فإنّه ينظّم الحياة الاقتصادية ، على أساس مبدأ الحرّية الاقتصادية ، وهذا المبدأ يتجسّد في سلوك الرأسمالي مع العامل ، وطريقة إبرامه معه عقْد العمل ، وفي سلوك المُرابي مع زبائنه ، الذين يقرضهم بفائدة ، وطريقة إبرامه معهم عقْد القرض وهكذا كلّ تنظيمٍ اجتماعيٍّ ، فإنّه يتّصل بسلوك الفرد ، وينعكس عليه ويتجسّد فيه .
فإذا كانت الشريعة تنظّم سلوك الفرد ، فلها طريقتها إذن في تنظيم سلوكه ، حين يقترض مالاً ، أو حين يستأجر عاملاً ، أو حين يؤجّر نفْسه ، وهذا يرتبط حتماً بالتنظيم الاجتماعي .
فكلّ فصْلٍ بين سلوك الفرد والمجتمع في التنظيم ، يحتوي على تناقض .
فما دُمنا نعترف ، بأنّ الشريعة تنظّم سلوك الفرد ، وأنّ كلّ فعْلٍ مِن أفعال الإنسان له حُكمه الخاصّ في الشريعة - ما دُمنا نعترف بذلك - فلا بدّ أن ننساق مع اعترافنا إلى النهاية ، ونؤمن بوجود التنظيم الاجتماعي في الشريعة .
ولا أدري ماذا يقول هؤلاء الذين يشكّون في وجود اقتصادٍ إسلاميٍّ ، أو علاجٍ للمشاكل الاقتصادية في الإسلام ؟ ماذا يقولون عن عصْر التطبيق في صدْر الإسلام ؟
أفلمْ يكن المسلمون يعيشون في صدْر الإسلام ، بوَصفهم مجتمعاً له حياته الاقتصادية ، وحياته في كلّ الميادين الاجتماعية ؟ .
أفلمْ تكن قيادة هذا المجتمع الإسلامي بيد النبيّ والإسلام ؟ .
أفلمْ تكن هناك حلول محدّدة لدى هذه القيادة يعالج بها المجتمع ، قضايا الإنتاج والتوزيع ، ومختلف مشاكله الاقتصادية ؟ .
فماذا لو ادّعَينا : أنّ هذه الحلول تعبّر عن طريقة الإسلام في تنظيم الحياة الاقتصادية ، وبالتالي عن مذهبٍ اقتصاديٍّ في الإسلام ؟ .
نحن إذا تصوّرنا المجتمع الإسلامي على عهد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فلا يمكن أن نتصوّره بدون نظامٍ اقتصاديٍّ ، إذ لا يمكن أن يوجد مجتمع بدون طريقةٍ يتبنّاها ، في تنظيم حياته الاقتصادية ، وتوزيع الثروة بين أفراده .
ولا يمكن أن نتصوّر النظام الاقتصادي في مجتمعِ عصْر النبوّة منفصلاً عن الإسلام ، وعن النبيّ بوَصفه صاحب الرسالة الذي يتولّى تطبيقها فلا بدّ أن يكون النظام الاقتصادي مأخوذاً منه قولاً أو فعلاً أو تقريراً ، أي مأخوذاً مِن نصوصه وأقواله ، أو مِن أفعاله ، وطريقته للعمل الاجتماعي بوَصفه رئيساً للدولة ، أو مِن تقريره لعُرْفٍ سائدٍ وقبوله به وكلّ ذلك يسبغ على النظام الطابع الإسلامي.
ونحن حين نقول بوجود اقتصادٍ إسلاميٍّ ، أو مذهبٍ اقتصاديٍّ في الإسلام ، لا نريد بذلك أنّنا سوف نجد في النصوص بصورةٍ مباشرةٍ نفْس النظريات الأساسية ، في المذهب الاقتصادي الإسلامي بصيَغها العامّة ، بل إنّ النصوص ومصادر التشريع تُتحفنا بمجموعةٍ كبيرةٍ مِن التشريعات ، التي تنظّم الحياة الاقتصادية وعلاقات الإنسان بأخيه الإنسان ، في مجالات إنتاج الثروة وتوزيعها وتداولها ، كأحكام الإسلام في إحياء الأراضي والمعادن ، وأحكامه في الإجارة والمضاربة والربا ، وأحكامه في الزكاة والخمس ، والخراج وبيت المال .
وهذه المجموعة مِن الأحكام والتشريعات ، إذا نُسقت ودُرست دراسةً مقارنةً بعضها ببعض ، أمكن الوصول إلى أصولها والنظريات العامّة التي تعبّر عنها ، ومِن تلك النظريات نستخلص المذهب الاقتصادي في الإسلام .
فليس مِن الضروري - مثلاً - أن نجد في النصوص ومصادر الشريعة صيغةً عامّةً ؛ لتحديد مبدأ يقابل مبدأ الحرّية الاقتصادية في المذهب الرأسمالي أو يماثله .
ولكنّنا نجد في تلك النصوص والمصادر ، عدداً مِن التشريعات ، التي يستنتج منها موقف الإسلام مِن مبدأ الحرّية الاقتصادية ، ويعرف عن طريقها : ما هو المبدأ البديل له ، مِن وجْهة النظر الإسلامية.
فتحريم الإسلام للاستثمار الرأسمالي الربَوي ، وتحريمه تمَلّك الأرض بدون إحياءٍ وعمل ، وإعطاء وليِّ الأمْر صلاحية الإشراف على أثمان السِلَع - مثلاً - كلّ ذلك يكون فِكْرتنا عن موقف الإسلام ، مِن الحرّية الاقتصادية ، ويعكس المبدأ الإسلامي العامّ .
قد يقال : إنّ الاقتصاد الذي تزعمون وجوده في الإسلام ليس مذهباً اقتصادياً ، وإنّما هو في الحقيقة تعاليم أخلاقية مِن شأن الدِين أن يتقدّم بها إلى الناس ، ويرغّبهم في اتّباعها فالإسلام كما أمَر بالصِدق والأمانة ، وحثّ على الصبر وحُسن الخُلُق ، ونهى عن الغشّ والنميمة ، كذلك أمَر بمعونة الفقراء ونهى عن الظلم ، ورغّب الأغنياء في مواساة البائسين ، ونهاهم عن سلْب حقوق الآخَرين ، وحذّرهم مِن اكتساب الثروة بطُرُقٍ غير مشروعة ، وفرَض عبادةً ماليةً في جُملة ما فرض مِن عبادات وهي الزكاة ، إذ شرّعها إلى صفّ الصلاة والحجّ والصيام ؛ تنويعاً لأساليب العبادة ، وتأكيداً على ضرورة إعانة الفقير والإحسان إليه .
كلّ ذلك قام به الإسلام ، وفْقاً لمنهجٍ أخلاقيٍّ عامّ ، ولا تعدو تلك الأوامر والنصائح والإرشادات عن كَونها تعاليم أخلاقية ، تستهدف تنمية الطاقات الخيِّرة في نفْس الفرد المسلم ، والمزيد مِن شدِّه إلى ربِّه ، وإلى أخيه الإنسان ، ولا يعني ذلك مذهباً اقتصادياً ، على مستوى تنظيمٍ شاملٍ للمجتمع .
وبكلمةٍ أخرى ، أنّ التعاليم السابقة ذات طابعٍ فرديٍّ أخلاقيٍّ ، هدفها إصلاح الفرد وتنمية الخير فيه ، وليست ذات طابعٍ اجتماعيٍّ تنظيميٍّ ، فالفرْق بين تلك التعاليم والمذهب الاقتصادي ، هو الفرْق بين واعظٍ يعتلي المنبر ، فينصح الناس بالتراحم والتعاطف ، ويحذّرهم مِن الظلم والإساءة ، والاعتداء على حقوق الآخَرين ، وبين مصلحٍ اجتماعيٍّ يضع تخطيطاً لنوع العلاقات ، التي يجب أن تقام بين الناس ، ويحدّد الحقوق والواجبات .
وجوابنا على هذا كلّه : أنّ واقع الإسلام ، وواقع الاقتصاد الإسلامي لا يتّفق إطلاقاً مع هذا التفسير ، الذي ينزل بالاقتصاد الإسلامي عن مستوى مذهبٍ إلى مستوى نصائح وأوامر أخلاقية .
صحيح أنّ الاتّجاه الأخلاقي واضح ، في كلّ التعاليم الإسلامية .
وصحيح أنّ الإسلام يحتوي على مجموعةٍ ضخمةٍ مِن التعاليم والأوامر الأخلاقية ، في كلّ مجالات الحياة والسلوك البشـري ، وفي المجال الاقتصادي خاصّة .
وصحيح أنّ الإسلام حشّد أروع الأساليب ؛ لتنشئة الفرد المسلم على القيَم الخُلُقية ، وتنمية طاقاته الخيِّرة ، وتحقيق المثل الكامل فيه .
ولكن هذا لا يعني : أنّ الإسلام اقتصر على تربية الفرد خُلُقياً ، وترك تنظيم المجتمع ولا أنّ الإسلام كان واعظاً للفرد فحسب ، ولم يكن إلى جانب ذلك مذهباً ونظاماً للمجتمع في مختلف مجالات حياته ، بما فيها حياته الاقتصادية .
إنّ الإسلام لمْ ينهَ عن الظلم ، ولمْ ينصح الناس بالعدْل ، ولم يحذّرهم مِن التجاوز على حقوق الآخَرين ، بدون أن يحدّد مفاهيم الظلم والعدْل مِن وجْهة نظره ، ويحدّد تلك الحقوق التي نهى عن تجاوزها .
إنّ الإسلام لمْ يترك تلك المفاهيم - مفاهيم العدل والظلم والحقّ - غائمةً غامضةً ، ولمْ يدَع تفسيرها لغيره ، كما يصنع الوعّاظ الأخلاقيون ، بل إنّه جاء بصورةٍ محدّدةٍ للعدالة ، وقواعد عامّة للتعايش بين الناس في مجالات إنتاج الثروة وتوزيعها وتداولها ، واعتبر كلّ شذوذ وانحراف عن هذه القواعد ، وتلك الصورة التي حدّدها للعدالة ظلماً وتجاوزاً على حقوق الآخَرين .
وهذا هو الفارق بين موقف الواعظ ، وموقف المذهب الاقتصادي فإنّ الواعظ ينصح بالعدل ، ويحذّر مِن الظلم ، ولكنّه لا يضع مقاييس العدل والظلم ، وإنّما يدَع هذه المقاييس إلى العُرف العامّ المتّبع لدى الواعظ وسامعيه وأمّا المذهب الاقتصادي ، فهو يحاول أن يضع هذه المقاييس ، ويجسّدها في نظامٍ اقتصاديٍّ مخطّط ، ينظّم مختلف الحقول الاقتصادية .
فلو أنّ الإسلام جاء ليقول للناس : اتركوا الظلم ، وطبّقوا العدْل ، ولا تعتدوا على الآخَرين وترَك للناس أن يحدّدوا معنى الظلم ، ويضعوا الصورة التي تُجسّد العدْل ، ويتّفقوا على نوع الحقوق التي يتطلّبها العدل ، وفْقاً لظروفهم وثقافتهم وما يؤمنون به مِن قيَم ، وما يدركونه مِن مصالح وحاجات .
لو أنّ الإسلام ترَك كلّ هذا للناس ، واقتصر على الأمْر بالعدْل والترغيب فيه ، والنهي عن الظلم والتحذير منه ، بالأساليب التي يملكها الدِين للإغراء والتخويف ، لكان واعظاً فحسب .
ولكن الإسلام حين قال للناس ، اتركوا الظلم ، وطبّقوا العدل ، قدّم لهم في نفْس الوقت مفاهيمه عن العدل والظلم ، ومَيّز بنفْسه الطريقة العادلة ، في التوزيع والتداول والإنتاج عن الطريقة الظالمة فذكَر - مثلاً - أنّ تملّك الأرض بالقوّة ، وبدون إحياء ، ظلمٌ وأنّ الاختصاص بها على أساس العمل والإحياء ، حقٌّ وأنّ حصول رأس المال على نصيبٍ مِن الثروة المنتجة باسم فائدةٍ ، ظلمٌ وحصوله على ربحٍ ، عدلٌ إلى كثيرٍ مِن ألوان العلاقات والسلوك ، التي ميّز فيها الإسلام بين الظلم والعدل .
وأمّا حثّ الإسلام للأغنياء على مساعدة إخوانهم وجيرانهم مِن الفقراء ، فهو صحيح ، ولكنّ الإسلام لمْ يكتفِ بهذا الحثّ وهذه التربية الخُلُقية للأغنياء ، بل فرَض على الدولة ضمان المعوزين ، وتوفير الحياة الكريمة لهم ، فرضاً يدخل في صُلب النظام ، الذي ينظّم العلاقات بين الراعي والرعية .
ففي الحديث عن الإمام موسى بن جعفرعليهالسلام أنّه ذكَر ، وهو يحدّد مسؤولية الوالي في أموال الزكاة: أنّ الوالي يأخذ المال ، فيوجّهه الوجْه الذي وجّه الله على ثمانية أسهم : للفقراء والمساكين... يقسّمها بينهم بقدَر ما يستغنون في سنَتِهم ، بلا ضيقٍ ولا تقيّة فإن فضُل مِن ذلك شيء رُدّ إلى الوالي ، وإن نقُصَ مِن ذلك شيء ، ولمْ يكتفوا به ، كان على الوالي أن يموّنهم مِن عنده بقدَر سعَتِهم ، حتّى يستغنوا .
وواضحٌ في هذا النصّ ، أنّ فكرة الضمان وضرورة توفير الحياة الكريمة للجميع ، ليست هنا فكرةً وعْظيّة ، وإنّما هي مِن مسؤوليات الوالي في الإسلام وبذلك ، تدخل في صُلب تنظيم المجتمع ، وتعبّر عن جانبٍ مِن جوانب التصميم الإسلامي للحياة الاقتصادية .
إنّ هناك فرْقاً كبيراً بين النصّ المأثور القائل: ما آمَن بالله واليوم الآخِر مَن بات شبعاناً وجاره جائع . وهذا النصّ الذي يقول: كان على الوالي أن يموّنهم مِن عنده ، بقدَر سِعَتهم حتّى يستغنوا فالأوّل ذو طابعٍ وعظيٍّ ، وهو يُبرز الجانب الأخلاقي مِن التعاليم الإسلامية وأمّا الثاني ، فطابعه تنظيميّ ، ويعكس لأجل ذلك جانباً مِن النظام الإسلامي ، ولا يمكن أن يفسّر ، إلاّ بوَصفه جزءاً مِن منهجٍ إسلاميٍّ عامٍّ للمجتمع .
والزكاة هي عبادة مِن أهمّ العبادات ، إلى صفّ الصلاة والصيام ، لا شكّ في ذلك ولكن إطارها العبادي لا يكفي للبرهنة على أنّها ليست ذات مضمونٍ اقتصاديٍّ ، وأنّها لا تعبّر عن وجود تنظيمٍ اجتماعيٍّ للحياة الاقتصادية في الإسلام .
إنّ ربْط الزكاة بوليّ الأمر ، واعتبارها أداةً يستعين بها على تحقيق الضمان الاجتماعي ، في المجتمع الإسلامي - كما رأينا في النصّ السابق - هو وحده يكفي لتمييز الزكاة عن سائر العبادات الشخصية ، والتدليل على أنّها ليست مجرّد عبادةٍ فردية ، وتمرينٍ خُلُقيٍّ للغنيِّ على الإحسان إلى الفقير ، وإنّما هي على مستوى تنظيمٍ اجتماعيٍّ لحياة الناس .
أضف إلى ذلك ، أنّ نفْس التصميم التشريعي لفريضة الزكاة ، يعبّر عن وجْهةٍ مذهبيةٍ عامّةٍ للإسلام فإنّ نصوص الزكاة دلّت على أنّها تُعطى للمعوزين ، حتّى يلتحقوا بالمستوى العامّ للمعيشة وهذا يدلّ على أنّ الزكاة جزءٌ مِن مخطّطٍ إسلاميٍّ عامٍّ ؛ لإيجاد التوازن ، وتحقيق مستوىً عامٍّ موحّدٍ مِن المعيشة في المجتمع الإسلامي ومِن الواضح أنّ التخطيط المتوازن ليس وعظاً ، وإنّما هو فكر تنظيميّ على مستوى مذهبٍ اقتصادي .
وأنا لا أدري لماذا يسخوا المنكِرون للاقتصاد الإسلامي بلقب المذهب الاقتصادي ، على الرأسمالية والاشتراكية ، ثمّ لا يمنحون هذا اللقب للاقتصاد الإسلامي ، بل يجعلونه مجموعةً مِن التعاليم الأخلاقية .
فمِن حقّنا أن نتساءل : بمَ استحقّت الرأسمالية أو الاشتراكية أن تكون مذهباً اقتصادياً ، دون الاقتصاد الإسلامي ؟ .
إنّنا نلاحظ أنّ الإسلام ، عالَج نفْس الموضوعات التي عالجتها الرأسمالية - مثلاً - وعلى نفْس المستوى ، وأعطى فيها أحكاماً مِن وجْهة نظره الخاصّة ، تختلف عن وجْهة النظر الرأسمالية ، فلا مبرّر للتفرقة بينهما ، أو للقول : بأنّ الرأسمالية مذهبٌ ، وليس في الإسلام إلاّ المواعظ والأخلاق .
ولنوضّح ذلك في مثالين ؛ لنبرهن على أنّ الإسلام أعطى آراءه على نفْس المستوى الذي عالجته المذاهب الاقتصادية .
والمثال الأوّل : يتعلّق بالمِلكية ، وهي المحور الرئيسي للاختلاف بين المذاهب الاقتصادية فإنّ الرأسمالية ترى أنّ الملكية الخاصّة هي المبدأ ، وليست الملكية العامّة إلاّ استثناء ، بمعنى أنّ كلّ نوعٍ مِن أنواع الثروة ، ومرافق الطبيعة يسمح بتملّكه مِلكيةً خاصّةً ، ما لمْ تحتّم ضرورة معيّنة تأميمه وإخراجه عن حقل الملكية الخاصّة .
والماركسية ترى أنّ الملكية العامّة هي الأصل والمبدأ ، ولا يسمح بالملكية الخاصّة لأيّ نوعٍ مِن أنواع الثروة الطبيعية ، والمصادر المنتجة ، ما لمْ توجد ضرورة معيّنة تفرض ذلك ، فيسمح بالملكية الخاصّة عندئذٍ في حدود تلك الضرورة ، وما دامت قائمة .
والإسلام يختلف عن كلٍّ مِن المذهبين ، في طريقة علاجه للموضوع ، فهو ينادي بمبدأ الملكية المزدوجة ، أي ذات الأشكال المتنوّعة ويرى أنّ الملكية العامّة والملكية الخاصّة ، شكلان أصيلان للملكية في مستوىً واحد ، ولكلٍّ مِن الشكلين حقْله الخاصّ .
أفليس هذا الموقف الإسلامي يعبّر عن وجْهة نظَرٍ إسلاميةٍ ، على مستوى المدلول المذهبي للموقف الرأسمالي والموقف الاشتراكي ؟ فلماذا يكون مبدأ الملكية الخاصّة ركناً مِن أركان المذهب الرأسمالي ، ويكون مبدأ الملكية العامّة ركناً في المذهب الاشتراكي الماركسي ، ولا يكون مبدأ المِلكية المزدوجة - أي ذات الشكل العامّ والخاصّ - ركناً في مذهبٍ اقتصاديٍّ إسلامي ؟ .
والمثال الثاني : يتعلّق بالكسْب القائم على أساس مِلكية مصادر الإنتاج ، فإنّ الرأسمالية تُجيز هذا الكسْب بمختلف ألوانه ، فكلّ مَن يملك مصدراً مِن مصادر الإنتاج له أن يؤجره ويحصل على كسْب ، عن طريق الأجور التي يتقاضاها بدون عمل والاشتراكية الماركسية ، تحرّم كلّ لونٍ مِن ألوان الكسْب القائم على أساس ملكية مصادر الإنتاج ؛ لأنّه كسْبٌ بدون عمل .
فالأجرة التي يتقاضاها صاحب الطاحونة ، ممّن يستأجر طاحونته ، والأجرة التي يتقاضاها الرأسمالي باسم فائدةٍ ممّن يقترض منه ، غير مشروعة في الاشتراكية الماركسية ، بينما هي مشروعة في الرأسمالية .
والإسلام يعالج نفْس الموضوع مِن وجْهة نظَرٍ ثالثةٍ ، فيميّز بين بعض ألوان الكسْب القائم على أساس ملكية مصادر الإنتاج ، وبعضها الآخر فيحرّم الفائدة - مثلاً - ويسمح بأجرة الطاحونة .
فالرأسمالية - إذن - تسمح بالفائدة ، وبأجرة الطاحونة معاً ؛ تجاوباً مع مبدأ الحرّية الاقتصادية .
والاشتراكية الماركسية لا تسمح للرأسمالي بأخْذ الفائدة على القرْض ، ولا لصاحب الطاحونة بالحصول على أجور ؛ لأنّ العمل هو المبرّر الوحيد للكسْب ، والرأسمالي حين يُقرض مالاً ، وصاحب الطاحونة حين يؤجر طاحونته لا يعمل شيئاً .
والإسلام لا يأذن للرأسمالي بتقاضي الفائدة ، ويسمح لصاحب الطاحونة بالاكتساب عن إيجارها ؛ وفقاً لنظريته العامّة في التوزيع ، التي سوف نشرحها في الأعداد المقبلة ، بإذن الله تعالى .
مواقف ثلاثة مختلفة ؛ تبَعاً لاختلاف وجْهات النظر العامّة في التوزيع .
فلماذا يوصَف الموقف الرأسمالي والماركسي بالطابع المذهبي ، ولا يقال ذلك عن الموقف الإسلامي ؟! مع أنّه يعبّر عن وجْهة نظر مذهبٍ اقتصاديٍّ ثالثٍ ، يختلف عن كلٍّ مِن المذهبَين .
الفهرست
كلمة المؤلّف.. ٣
مشكلة الإنسانيّة اليوم : ٧
الإنسانيّة ومعالجتها للمشكلة ٩
رأي الماركسيّة ١٠
رأي المفكّرين غير الماركسيّين : ١٤
الفَرق بين التجربة الطبيعيّة والاجتماعيّة : ١٥
أهمّ المذاهب الاجتماعية : ٢٤
الحرّيات الأربع في النظام الرأسماليّ : ٢٧
ويُستخلَص مِن هذا العَرض : ٣٠
الاتّجاه المادّي في الرأسماليّة ٣١
موضع الأخلاق مِن الرأسماليّة ٣٤
مآسي النظام الرأسماليّ : ٣٥
النظريّة الماركسيّة : ٤١
الانحراف عن العمليّة الشيوعيّة : ٤٤
المؤاخذات على الشيوعيّة : ٤٧
التعليل الصحيح للمشكلة : ٥٢
كيف تعالَج المشكلة ؟ ٥٦
رسالة الدِين. ٦٢
فالدولة الإسلاميّة لها وظيفتان : ٦٨
الحرّية في الرأسماليّة والإسلام : ٧٠
الحرّية في الحضارة الرأسماليّة : ٧٢
[موقف الإسلام مِن الحرّية :] ٧٦
[أقسام الحرّية :] ٧٨
الحرّية في المجال الشخصيّ : ٧٩
الحرّية في المجال الاجتماعيّ. ٨٤
[ المدلول الغربيّ للحرّيّة السياسيّة : ] ٨٦
[ الحرّيّة الاقتصاديّة بمفهومها الرأسماليّ : ] ٨٨
الضمان في الإسلام والماركسية ٩١
ماذا تعرف عن الاقتصاد الإسلامي ؟ ٩٤
[ مقدّمة ] ٩٤
توضيح السؤال : ٩٥
حاجتنا إلى هذا السؤال : ٩٥
الخطأ في فَهْم السؤال : ٩٥
تصحيح الخطأ بالتمييز بين المذهب والعِلم : ٩٥
مثال على الفرْق بين المذهب والعِلم : ٩٦
التأكيد على أنّ الاقتصاد الإسلامي مذهب : ٩٦
وجْهة النظَر في الجواب : ٩٦
هَل يُوجَد في الإسلام اقتِصَاد ٩٧
مَا هُوَ نوع الاقتصاد الإسلامي ؟ ١٠٠
المذهب الاقتصادي وعِلم الاقتصاد : ١٠١
استخلاص مِن الأمثلة السابقة : ١٠٩
عِلم الاقتصاد والمذهب كالتاريخ والأخلاق : ١٠٩
عِلم الاقتصاد والمذهب كالتاريخ والأخلاق : ١١٠
عِلم الاقتصاد كسائر العلوم : ١١٢
الفارق في المهمّة لا الموضوع : ١١٣
المذهب قد يكون إطاراً للعِلم : ١١٤
النتائج المستخلَصة : ١١٥
المذهب لا يستعمل الوسائل العلمية : ١١٦
الاقتصاد الإسلامي كما نؤمِن به ١١٩
ما هي أكبر العقَبات : ١٢٠
شمول الشريعة واستيعابها : ١٢١
التطبيق دليلٌ آخَر : ١٢٤
المذهب يحتاج إلى صياغة : ١٢٥
أخلاقية الاقتصاد الإسلامي : ١٢٦
ماذا ينقص الاقتصاد الإسلامي عن غيره ؟ ١٣٠