الإمام المهدي المصلح العالمي المنتظر
التجميع الإمامة
الکاتب الشيخ محمد جواد الطبسي
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

الأمام المهدي

المصلح العالم المنتظر

تأليف :

الشيخ محمد جواد الطبسي

نقله إلى العربية :

الشيخ عبد السلام الترابي







المُقدّمةُ

إنّ جميع الأديان السماويّة ، وحتّى النظم الماديّة ، تمتلك اُصولاً وعقائداً خاصّة للوصول إلى الأهداف المطلوبة ، وهذه الاُصول والعقائد من أجل إيصالها إلى النّاس للحصول علي تلك الأهداف والمتطلّبات المرسومة لا بد من اُسلوب وطريقة. وهناك عدّة أساليب في ذلك ، ومنها التبليغ والدعاية ، حيث من خلاله استطاعت الأديان السماويّةـوحتّى الأنظمة السياسيّة الحديثة والقديمةـمن استخدام اُسلوب الدعايةوالتبليغ ، حتّي أصبح لهم أتباع وجيوش واُمم ، وبذلك استطاعوا بسط نفوذهموسيطرتهم ، ووصلوا إلى مايريدون ، ومهما يمرّ التاريخ علي الاُمم والشعوب تجد آثار هذه الاُصول والعقائد موجودة وموروثة إلى يومنا هذا ، فظهر أنّ الذي يبقى هو الفكروالعقيدة ، سواء كانت سماويّة أو من الأنظمة الوضعيّة.

لذا اعتبر اُسلوب الدعاية أو ما يعبّر عنه اليوم عند المتشرّعة ( بالتبليغ ) يعتبر من الأساليب المؤثرة والنافذة في مجتمعاتنا اليوم. ولقد كان هذا الاُسلوب قديماً يقتصر على اُمور بسيطة إن كانت في غاية الأهمّية ، لكن بسبب التطوّر والرقي الحاصل في العالم اليوم ، والذي يسمّى بعصر الكترونيات ، تطوّر اُسلوب التبليغ أيضاً ، وخرج عن اُسلوبه التقليدي القديم ، وأصبح علماً وتكنولوجيا حديثة.

واليوم نرى كثير من الجامعات والمؤسّسات الكبيرة والمعقّدة في العالم ، والتي تمتلك قدرات هائلة تقوم بهذا الدور التبليغي ، سواء كان التبليغ سياسياً أو تجارياً أو عقائدياً ، فقام أصحاب هذه المؤسّسات باستخدام الأجهزة المتطوّرة الحديثة لنشر


ثقافهم ، ومن جملتها المؤسّسات المعادية للإسلام ، والتي تستخدم الأجهزة الحديثة في الدعاية ونشر الثقافة المضادّة للإسلام ، والهجوم على معتقدات المسلمين الموروثة ومحاربتها.

من هنا تصدّي المرابطون على ثغور الإسلام من أجل حماية وحراسة الثقافة الإسلامية ، فاستخدمت أيضاً الأساليب الحديثة في نشر الإسلام وتبليغ قيمه ومبادئه الأصليّة( الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللهَ ) (١) .

وفي هذه الظروف الصعبة التي تمرّ بها الشعوب الإسلامية ، وبالخصوص الشعب الإيراني المسلم ، وما يتوجّه له من هجمات معادية شرسة ، قام هذا الشعب الثوري بتحصين المجتمع الإسلامي على أساس عقائدي وفكر إسلامي ، مستلهماً ذلك من القيم والمبادئ الإلٰهيّة الإسلاميّة ، فاستخدم جميع الأساليب التبليغيّةوالمتطوّرة من أجل الدفاع عن الإسلام ، أو نشر الثقافة الإسلاميّة الأصليّة ، وبذل العلماءوالمفكّرون غاية جهدهم من أجل نشر الدين المحمّدي الأصيل ، والتمهيد لظهور منقذ البشريّة الإمام المهدي المنتظرعليه‌السلام .

هذا وممّا يؤسف له فإنّ كثيراً من الخرافات والمعتقدات الخاطئة ما زالت تعشعش في أذهان كثير من المسلمين ، فكان من الواجب على علماء الدين أن يرفعوا هذه المخلّفات الخاطئة والشبهات التي دخلت إلى مجتمعاتنا حتّى تظهر صورة الإسلام الأصلية المترقيّة في العالم.

وأمّا الفكرة المهدويّة.

فهي إحدي المعتقدات المهمّة لدى المسلمين ، والتي تعتبر فكرة إسلاميّة خالصة مأخوذة من القرآن الكريم ، حيث أخبر في عدة آيات عن ذلك من خلال الوعد الإلٰهي بوراثة الصالحين للأرض ودولتهم العالميّة ، وأنّ ذلكسيكون على يد المنقذ والقائد

_________________________

(١)الأحزاب (٣٣) : ٣٩.


الإلٰهي ، حيث فسّر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمّة المعصومينعليهم‌السلام هذا الأمر وبيّنوه مفصلاً بأنّ ذلك القائد الإلهي هو الإمام المهدي المنتظر ، ودعوا النّاس للاستعداد والتهيئة من أجل تشكيل تلك الدولة الإلهيّة التي تجسّد المدينة الفاضلة ، وأخبروا بأنّ انتظاره من أفضل العبادات. يقول الله تعالى :( وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) (١) .

لا شكّ أنّ دولة الإمام مهديعليه‌السلام سوف تدمّر عروش الظالمين ، وتنشر العدالة في العالم ، وتقوم بتطهير الأذهان من الشبهات والعقائد المنحرفة ، وتمحو الشرك ،وتجعل الإسلام والأمن حاكمان في ربوع العالم.

أمّا المهدي المنتظر الذي هو الهادي والقائد للبشريّة ، فهو مظهر لعبوديّةالله الحقّة ، والمثال الأعلى للإنسان الكامل ، مهدي آل محمّدعليه‌السلام ، قائد طاهر من نسل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومن سلالة الطاهرين الصالحين ، آبائه نسلاً عن نسل هم أئمّة الحقّوالعدل ، الذين بذلوا كلّ ما بوسعهم من أجل الدفاع عن الإسلام والمسلمين ، ولم يقصّروا لحظة في ذلك ، وكانت نتيجة أمرهم أن قُتلوا على يد جلاوزة عصورهم ، ونالوا وسام الشرف والشهادة. فالإمام المهديعليه‌السلام هو وارث تلك الدماء الزاكية المقدّسة ،وأنّه سوف يأتي ليثأر دماء آبائه التي اُريقت ظلماً.

وأمّا هذا الكتاب الذي بين يديك : فهو يحكي عن القضيّة المهدويّةوملابساتها ، فلقد شمّرت ساعد الجدّ قبل عدّة أعوام من أجل معرفة هذا الرجل الإلهي ، حيث ذكرت فيه اُموراً قد تعلمتها في سنّي عمري من أساتذتي العلماء المتّقين ، وبالخصوص والدي آية الله الشيخ محمّدرضا الطبسي ، والذي تبنّى تربيتيورعايتي العلميّة ، فقمت بمراجعتها وملاحظتها ، وأضفت إلهيا مسائل اُخرى ،وجعلت هذا المجود على شكل سؤال وجواب ليسهل مطالعتها.

_________________________

(١)القصص (٢٨) : ٥.


متمنّياً من الله العليّالقدير أن يكون هذا الجهد القليل مقبولاً عند الإمام المهديـ أرواحنا له الفداء ـ.

وختاماً اُقدّم خالص شكري إلى أخي في الله العلاّمة الجليل الشيخ عبدالسلام الترابي ، حيث بذل غاية الجهد في ترجمة هذا الكتاب إلى اللغة العربيّة.

ربّنا تقبّل منه ومنّا بكرمك

قم المقدّسة

محمّد جواد الطبسي

١ / شعبان المعظَم / ١٤٢٦




إنّ من المسلّمات الفطريّه السلمية ، والتي اُشير إليه في الكتب السماويّة المقدّسة ، هو الإعتقاد بظهور مصلح عالمي ، الذي يصل في ظلّ حكوته جميع البشريّة الي السعادة الواقعيّة ، وأنّ جميع أتباع الكتب السماويّة بانتظار رجل يُنهي جميع الظلم ، ويجعل المحبّة والسلام حاكمَين في جميع العالم. فكلّ المستضعفين في العالم بانتظار ظهور ذلك المصلح العالمي ، وأنّ الإعتقاد بذلك لا يختصّ بأهل الأديان السماويّة فسحب ، بل الإنسان بفطرته يطلب ظهور المصلح الذي يمتلك القدرى الغيبيّة الإلهيّة ، والذي يستطيع أن يقيم حكومة عادلة.

فبعض الحكّام الظالمين اليوم يبذلون جهدهم حتّى يعرِّفوا أنفسهم بأنّهم ذلك المصلح ، حتّى يستطيعواـبتصوّرهمـأن يخدعوا النّاس في عقيدتهم الفطريّة هذه ، ولأجل ذلك أرسلوا الجيوش إلي الدول الضعيفة ، وقتلوا الأبرياء العزّل ، زاعمين أنّهم يدافعون عن حقوق البشر.

وسيوافيك في هذا الفصل عدّة أسئلة تتلّق بهذا الإعتقاد.

السؤال الأوّل

هل اُشير في الكتب السماويّة لمسألة ظهور المصلح العالمي ، أم أنّ هذه العقيدة هي من مختصّات المسلمين؟

الجواب : لا تختصّ هذه العقيدة بالمسلمين فقط ، بل أنّ جميع الأديان والكتب


الإلٰهيّةـحتّى بعض النظمـبشّرت بمنجي العالم في آخر الزمان ، والذي سيجعل الدنيا مليئة بالعدل والإنصاف.

كما ورد في القرآن الكريم :( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) (١) .

إختلف المفّسرون للقرآن الكريم في كلمة( الذِّكْرِ ) ، فمنهم من قال : «إنّها تطلق علي جميع الكتب السماويّة النازلة من قِبل الله عزّوجلّ على الأنبياء»(٢) .

وقال آخرون : «بأنّ المراد منها هو التوراة»(٣) .

وعلى كلّ حال ، فإنّ الكتب السماويّة بشّرت بأنّ الصالحين وأولياءالله في نهاية سيحكمون كلّ العالم.

وكتب الاُستاذ محمّدرضا الحكيمي : «بأنّ فكرة ظهور المصلح في آخر الزمان من الاُصول الأساسية منذ العصور القديمة ، وكانوا يذكرونها بشكل دائم ،ونحن اليوم وبعد مرور عدّة قرون نجد ما يدلّ على ذلك من خلال الآثار التي تركها الماضون»(٤) .

وكتب أحد العلماء المعاصرين يقول : «الفتوريسم في الحقيقة تعني الإعتقاد بفترة آخر الزمان وانتظار ظهور المنجي ، عقيدة ثابتة ومسلّمة ومقبولة لدى الأديان السماويّة ، كاليهوديّة والزرادشتيه والمسيحيّة بمذاهبها الأصليّة الثلاثةـالكاثوليك والبروتستانت والارتذوكسـوكلّ الأديان السماويّة بشكل عام ،

_________________________

(١)الأنبياء (٢١) : ١٠٥.

(٢)تفسير الميزان : ١٤ / ٣٣٧.

(٣)المصدر المتقدّم : ٣٢٩.

(٤)خورشيد مغرب : ٦٦.


والدين الإسلامي بشكل خاصّ. وقد تمّ بيانها بشكل كامل ، وبسط البحث بهذا الصدد في أبحاث علم الأديان قسم دراسة الكتب السماويّة»(١) .

ويقول الاُستاذ الحكيمي : « إنّ في الكتب وآثار زرادشت والزرادشتيّة ذكرت مسائل كثيرة حول آخر الزمان وظهور الموعود ، من جملتها : كتاب اوستا ،وكتاب زند ، وكتاب رسالة جاماسب ، وداتستان دينيك ورسالة زردشت.وهكذا ورد في الكتب المحرّفة لليهود والعهد القديم ومثل كتاب النبيّ دانيالعليه‌السلام ،وإنجيل لوقا ، وانجيل مرقس ، وإنجيل برنابا ، ومكاشفات يوحنّا ، فهي مع كونها محرّفة فقد ورد فيها أحاديث حول المنجي الموعود(٢) .

ولا شكّ هذه الكتب لو لم تحرّف لذكر فيها حقائق أوضح وأكثر من ذلك حول المصلح العالمي ، ورغم ذلك نقول : لو لم يذكر في الكتب السماويّة السابقة أي إسم وعلامة عن الموعود ، لقلنا أيضاً : إنّ الله عزّوجلّ تحدّث عن المهدي المنتظر في كلّ الكتب السماويّة؛ لأنّ القرآن الكريم صرّح بأنّ المصلح العالميومنجي البشريّة قد ذكر في الكتب السماويّة السابقة ، كما مرّ عليك.

السؤال الثاني :

هل إنّ القضيّة المهدويّة ورد ذكرها في القرآن الكريم؟

الجواب : في الحقيقة الكلّ يعلم أنّ القرآن الكريم هو أصل لكلّ المعارف والقوانين الإسلاميّة ، وهو بمنزلة الأساس لكلّ القوانين ، فكما أنّ الأهداف والأحكامومسؤوليّات الأنظمة قد ذكرت بصورة مجملة وبدون بيان كامل في القوانين

_________________________

(١)خورشيد مغرب : ٦٦.

(٢)المصدر المتقدّم : ٦٧.


الأساسية لكلّ دولة ، وبقى تفصيل ذلك على عاتق القوى المقنّنة ، فكذلك في القرآن الكريم ، حيث ورد في هذا الدستور العظيم بعض المعارف الإلٰهيّةوالأحكام الإسلاميّة بصورة مجملة وكلّية ، وبقي بيانها وشرحها على عاتق النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كما شرح وبيّن أحكام الصلاة والزكاة والحجّ وغير ذلك من الأحكام ،وقضيّة المهديعليه‌السلام من هذا القبيل ، فإنّ جذر هذه القضيّة مذكورة في القرآن العظيم ، حيث ذكر في عدّة آيات بالقضاء على الظلم ، والبشارة بوراثة الأرض لهم ،وبانتصار المتّقين والصالحين والمستضعفين علي المستكبرين ، وأنّهم سيحكمون العالم في آخر الدهر.

وقد وردت عدّة آيات في القرآن ، وورد عن النبيّ والأئمّة في تفسير ذلك وشرحها بأنّ دولة المهديعليه‌السلام هي التي بشّر بها القرآن الكريم في آخر الزمان ، هي دولة المستضعفين والصالحين. وقد جمعنا هذه الآيات بمعونة ثلّة من المؤلّفين من ثمانين سورة من القرآن في(٣٦٥) آية مباركة.

وقد تحدّثت هذه الآيات بشكل عامّ عن القضيّة المهدويّة ، ووردت أكثر من٥٠٠ رواية عن النبيّ والأئمّة في تفسير هذه الآيات(١) ، وأمّا الآيات كما يلي :

١ ـ قال الله تعالى :( وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) (٢) .

روي سلمان فارسي قال : «قال لي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :إنّ الله لم يبعث نبيّاًولا رسولاً إلاّ جعل له إثني عشر نقيباً ، ثمّ ذكر أسماء هم إلى قوله :ثمّ إبنه محمّد بن

_________________________

(١)راجع معجم أحاديث الإمام المهديعليه‌السلام : الجزء الخامس ، لجمع من المؤلّفين ، ومنهم المؤلّف.

(٢)القصص (٢٨) : ٥.


الحسن المهدي القائم بأمر الله »(١) .

٢ـوقال الله تعالى :( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) (٢) .

فورد في تفسير هذه الآية ، عن محمّد بن عبدالله بن الحسن ، عن الباقرعليه‌السلام أنّه قال :«القائم وأصحابه» (٣) .

٣ـوقال تعالى :( أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ) (٤) .

بيّن الباقرعليه‌السلام ـضمن حديث طويلـتفسير هذه الآية ، وذكر خطبة المهديعليه‌السلام عند ظهوره في مكّة يقول فيه :«فيكون أوّل خلق يبايعه جبرئيل ، ويبايعه الثلاثمائةوالبضعة العشر رجلاً ...» (٥) .

السؤال الثلاث :

هل الإعتقاد بالمهدويّة من مختصّات الشيعة؟

الجواب : لقد مرّ عليك في المقدّمة أنّ الإعتقاد بظهور مصلح عالمي مسألة قرآنيّة ، ولهذا فإنّ جميع المسلمينـسنّة وشيعةـيعتقدون بهذا الأمر ، ويعدّ أيضاً من المعتقدات الأساسيّة للمسلمين ، حيث يعتقد الشيعة نظراً للروايات الكثيرة

_________________________

(١)دلائل الإمامة : ٢٣٧.

(٢)الأنبياء (٢١) : ١٠٥.

(٣)تأويل الآيات : ٣٣٢. معجم أحاديث الإمام المهديعليه‌السلام : ٥ / ٢٦٢.

(٤)النمل (٢٧) : ٦٢.

(٥)تفسير العيّاشي : ٢ / ٥٦.


المرويّة عن النبيّ والأئمّة الطاهرين بأنّ المهدي هو الإمام الثاني عشر ،ويعتقدون أيضاً أنّه من الذريّة الطاهرة لفاطمة الزهراء ، وهو الإبن التاسع للإمام الحسينعليه‌السلام ، ولأجل هذه العقيدة الراسخة فقد بذل الشيعة جهوداً كبيرة لحفظها وتكريمها.

ولقد قام الشيعة علی مدى التاريخ من أجل الحفاظ علی هذا المعتقد ببحثهوتحليله ، سواءً من الجهة العلميّة أو الروائيّة ، وهكذا من الناحية التفسيريّةوالكلاميّة ، وكتبوا كتاباً كثيرة على هذا الصعيد. وقد بذلت هذه الجهود من قبل ولادة الإمام المهديعليه‌السلام ، ولا زالت مستمرّة إلى يومنا هذا. وكتب أيضاً كبار العلماء من العامّة منذ أزمنة بعيدة وذلك لشدّة عنايتهم بهذه العقيدة.

فعقدوا لذلك فصولاً في كتبهم وأشاروا إلى ما ورد عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، حيث نقلوا عنه ما يقارب من٤٠٠ رواية حول المهدي المنتظرعليه‌السلام ، فلو جمعنا ما رواه الشيعةوالسنّة عن النبيّ وسائر المعصومين لوصل إلى٦٠٠٠ رواية(١) .

وإليك قائمة بأسماء مجموعة من الكتب العلميّة والتاريخيّة والروائيّة لدى العامّة ،والتي ذكرت ضمن فصول حول القضيّة المهدويّة ، وهي :

١ ـ مسند أحمد :٣ / ٣٦.

٢ ـ مسند أبي يعلى :٣ / ٢٧٤.

٣ ـ سنن الترمذي :٢ / ٢٧٤.

٤ ـ سنن أبي داود :٤ / ١٠٧.

٥ ـ سنن ابن ماجة :٢ / ١٣٦٨.

_________________________

(١)نور المهدي : ٣٧.


٦ ـ المستدرك علي الصحيحين للحاكم النيسابوري :٤ / ٥٧٧ .

٧ ـ ابن الصباغ المالكي في الفصول المهمّة :٢٧٣ .

٨ ـ القندوزي الحنفي في ينابيع المودّة :٢٤١ .

٩ ـ الشبلنجي في نور الأبصار :١٨٦ .

١٠ ـ ابن الصبان المصري في إسعاف الراغبين :١٤٠ .

١١ ـ دستور العلماء للنگري :٣ / ٢٩١ .

١٢ ـ ابن خلّكان في تاريخه :٢ / ٤٥١ .

١٣ ـ ابن الأثير الجزري في النهاية :١ / ١٧٤ .

١٤ ـ محمّد بن طلحة الشافعي في مطالب السؤل : الباب١٢ .

١٥ ـ سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواصّ :٣٧٨ .

١٦ ـ السيّد أحمد زيني دحلان في الفتوحات :٣٢٢ .

١٧ ـ ابن حجر الهيثمي في الصواعق المحرقة :٢٠٥ .

١٨ ـ محبّ الدين الطبري في ذخائر العقبى :١٣٦ .

وتعرّض أيضاً عشرات من كتّاب العامّة إلى خصوصيّات الإمام المهديعليه‌السلام وكيفيّة ظهوره(١) .

ومنهم من كتب كتاباً مستقلاًّ حول الإمام المهديعليه‌السلام ، وكتب عن خصائصه من ولادته إلى ظهوره ، وإليك أسماءهم بالتفصيل :

١ ـ البرهان للعلاّمة المتّقي الهندي.

_________________________

(١)راجع معجم أحاديث الإمام المهديعليه‌السلام : ١ / ٥.


٢ ـ تحديق النظر لمحمّد بن عبدالعزيز.

٣ ـ تلخيص البيان لابن كمال باشا.

٤ ـ العرف الوردي لجلال الدين السيوطي.

٥ ـ العطر الوردي لمحمّد بن محمّد الحسيني.

٦ ـ عقد الدرر ليوسف بن يحيى الشافعي.

٧ ـ علامات المهدي لجلال الدين السيوطي.

٨ ـ فرائد فوائد الفكر لمرعي بن يوسف الحنبلي.

٩ ـ القطر الشهدي لشهاب الدين الحلواني.

١٠ ـ القول المختصر لأحمد بن عليّ الهيثمي.

١١ ـ المشرب الوردي للملاّ سلطان الحنفي.

١٢ ـ مناقب المهدي لأبي نعيم الأصبهاني.

١٣ ـ نعت المهدي لأبي نعيم الأصبهاني.

١٤ ـ البيان في أخبار صاحب الزمان لمحمّد بن يوسف الكنجي الشافعي.

وبهذا اتّضح أنّ الإعتقاد بخروج رجل من نسل فاطمة في آخر الزمان ،ويكون القضاء على الظلم والجور على يديه لا يختصّ بالشيعة فحسب ، بل هو اعتقاد عامّ يعترف به جميع المسلمين ، بلـكما مرّ عليكـأنّه يعتبر اعتقاد عالمي وعامّ موجود لدى جميع الديانات والمذاهب ، وأنّه ما زال باقياً إلى اليوم.

فكلّ الديانات بشّرت أتباعها بظهور مصلح عظيم في آخر الزمان ، حتّى النظم الإلحاديّة ، فإنها أخبرت بوصول المجتمع إلى مستوي تنعدم فيه الطبقيّةوالتمايز الاجتماعي ، ومع هذا كلّه فإنّ الإسلام الحنيف ، والمذهب الشيعي ،


بالخصوص ذكر القضيّة المهدويّة وبيّن فلسفة ذلك ما لم تبيّن في دين آخر.

السؤال الرابع :

هل إسم الإمام المهدي عليه‌السلام ورد في الصحاح الستّة؟

الجواب : لاشكّ أنّه قد ورد إسم الإمام المهدي في جميع الصحاح ما عدا صحيح البخاري ، فقد ورد في صحيح الترمذي(١) ، وسنن ابن ماجة(٢) ، وسنن أبي داود(٣) إسم المهديعليه‌السلام ، وما ورد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بشأنه.

وأمّا بالنسبة إلى صحيح مسلم وسنن النسائي ، فقد حذف ما فيهما من إسم المهديعليه‌السلام ، والشاهد على ذلك أنّ تلك الأحاديث كانت موجودة سابقاً في صحيح مسلم ، حيث أنّ ابن حجر العسقلاني في الصواعق المحرقة(٤) ، وابن الصبان في إسعاف الراغبين(٥) ، والمتّقي الهندي في كنز العمّال(٦) ، والحمزاوي في مشارق الأنوار(٧) ، نقلوا حديث«المهدي حقّ ، وهو من ولد فاطمة عليهما‌السلام » من كتب صحيح مسلم ، لكنّ هذا الحديث غير موجود حالياً في النسخ التي بأيدينا ،ويشهد بذلك أيضاً وجود حديث النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله حول الإمام المهديعليه‌السلام في سنن النسائي ، ونقل السلّمي في عقد الدرر(٨) عنه حديث«المهدي منّي» ، وهكذا

_________________________

(١)سنن الترمذي : ٢ / ٥٠٥.

(٢)سنن ابن ماجة : ٢ / ١٣٦٨.

(٣)سنن أبي داود : ٢ / ٣٦٧.

(٤)الصواعق المحرقة : ٦٣.

(٥)إسعاف الراغبين : ١٤٥.

(٦)كنز العمّال : ١٤ / ٢٦٤.

(٧)مشارق الأنوار : ١١٢.

(٨)عقد الدرر : ٣٣.


نقل ابن الصبان(١) ، وعبدالمحسن العباد(٢) ، وابن حجر العسقلاني(٣) ،والحمزاوي(٤) ، والشيخ منصور علي ناصف(٥) : حديث«المهدي حقّ ، وهو من ولد فاطمة» عن سنن النسائي ، ولكنّه غير موجود في النسخ التي بأيدينا.

فلا بدّ إمّا أن نّتهم هؤلاء الذين نقلوا هذه الأحاديث من صحيح مسلموسنن النسائي بالكذب ، أو أنّ ذلك حذف من الكتابين المذكور. هذاأوّلاً .

وثانياّ : أنّ في النسخة الموجودة حالياً لصحيح مسلم ، وإن لم يصرّح باسم الإمام المهديعليه‌السلام ، ولكنّه ذكر حديثين حول مجيءخليفة في آخر الزمان(٦) ، ونزول عيسىعليه‌السلام من السماء(٧) ، وصلاته خلف الإمامعليه‌السلام ، حيث يلزمنا أن نسأل صاحب هذا الصحيح بأنّه : من هذا الخليفة الذي يصلّي عيسى خلفه؟ فما هو الجواب؟ فهل هذا الخليفة الذي يصلّي عيسى خلفه غير المهدي الذي بشّر به النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟

وثالثاً : وعلى فرض أنّهما لم يذكرا أحاديث النبيّ حول المهديعليه‌السلام ، ولكن تخلّفا عن شرطهما في نقل الراوية ، فإنّ أحاديث المهدي صحيحة على شرطهماولم يخرجاه.

وقد جمع الحاكم النيسابوري في كتبه المستدرك علي الصحيحين هذه الأحاديث التي لم يذكرها مسلم والبخاري ، وكان من حقّها أن يخرجاه. وذكر في ختام

_________________________

(١)إسعاف الراغبين : ١٤٥.

(٢)عقيدة أهل السنّة والأثر : ١٨.

(٣)الصواعق المحرقة : ١٨.

(٤)مشارق الأنوار : ١١٢.

(٥)التاج الجامع للاُصول : ٥ / ٣٤٣.

(٦)صحيح مسلم : ٢ / ٧٠١.

(٧)المصدر المتقدّم : ٤ / ٢٢٦٦.


كلّ حديث نقله : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، فمن جملة الأحاديث الصحيحة على شرط الشيخين ولم يخرجاه أحاديث المهديعليه‌السلام ، ونشير إلى خمسة روايات ، فمنها :

١ ـ عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال :«المهدي منّا ، رجل من أهل البيت» (١) .

٢ ـ وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله :«نحن ولد عبدالمطّلب ...والمهدي» (٢) .

٣ ـ وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله :«المهدي منّي ، أجلى الجبهة ، أقني الأنف» (٣) .

٤ ـ وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله :« ...ثمّ يخرج رجل من عترتي» (٤) .

٥ ـ وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله :«إذا رأيتم الرايات السود ، فإنّ فيها خليفة الله المهدي» (٥) .

ورابعاً : هل أنصحيح الترمذي وسنن إبن ماجة وسنن أبي داود تعدّ من الصحاح الستّة أم لا؟

فإذا قلنا إنّها من الصحاح ، فلا داعي أنّ كلّ الأحاديث تذكر في كلّ الصحاح بحيث إذا لم تكن صحيحة. وهذا ابن تيميّة الذي ضعّف كثير من الروايات والأحاديث ، ونسب ظلماً اُموراً إلى الشيعة الإماميّة ، فقد صحّح أحاديث المهديعليه‌السلام وقال في كتابه : «إنّ الأحاديث التي يحتجّ بها على خروج المهدي أحاديث صحيحة ، رواه أبو داود والترمذي وأحمد وغيرهم عن طريق ابن مسعود وغيره»(٦) .

_________________________

(١)المستدرك علي الصحيحين : ٤ / ٥٥٧.

(٢)المصدر المتقدّم : ٣ / ٢١١.

(٣)و(٤)المصدر المتقدّم : ٤ / ٥٥٨.

(٥)المصدر المتقدّم : ٤٦٣.

(٦)منهاج السنّة : ٤ / ٢١١.


وأمّا البخاري فهو وإن لم ينقل أحاديث المهديعليه‌السلام في صحيحه ، ولكنّه ذكر في تاريخه إسم الإمام المهدي في عدّة أماكن ، فقد نقل حديث«المهدي من أهل البيت» (١) عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهكذا أشار في تاريخه إلى حديث :«المهدي حقّ ، من ولد فاطمة» (٢) .

السؤال الخامس :

لماذا يجب علينا معرفة الإمام المهدي؟

الجواب : لو فتّشنا الكتب الروائيّة والكلاميّة لعثرنا على روايات كثيرة في كتب الشيعة والسنّة تدلّ على وجوب معرفة الإمام وحجّة الله على الأرض ، ثمّ متابعته والإقتداء به ، وإن فسّر كثير من علماء العامّة هذه الروايات الواردة عن النبيّ بالخلفاء والحكّام.

ولكنّ الشيعة تعتقد بأنّ المقصود من الإمام في هذه الروايات هم الأئمّة المعصومونعليهم‌السلام ، ولهذا يعتقدون بلزوم معرفته ، حيث أنّ معرفتهعليه‌السلام هو جزء من معرفة الأئمّة الإثني عشر ، كما أشار النبيّ إلى عددهم قائلاً لسلمان الفارسي :«الأئمّة بعدي إثنا عشر» ، ثمّ قال :«كلّهم من قريش ، ثمّ يخرج قائمنا فيشفي صدور قوم مؤمنين ، ألا أنّهم أعلم منكم ، فلا تعلّموهم ألا أنّهم عترتي ، من لحميودمي ، ما بال أقوام يؤذوني فيهم ، لا أنالهم الله شفاعتي» (٣) .

وكان الإمام الحسنعليه‌السلام يقول :«الأئمّة بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إثنا عشر ، تسعة

_________________________

(١)تاريخ البخاري : ١ / ٣١٧.

(٢)المصدر المتقدّم : ٣ / ٣٤٦.

(٣)كفاية الأثر : ٤٤.


من صلب أخي الحسين ، ومنه مهدي هذه الاُمّة» (١) .

إذاً فالمراد من الإمام والأئمّة هم المعصومونعليهم‌السلام ، وأمّا علّة وجوب معرفة الإمام في كلّ زمان فكما يلي :

١ ـ الصون من الإنحراف والضلالة

إنّ معرفة الإمام المهديـأرواحنافداهـتأخذ أهمّيتها في الوقت الذي يشعر به النّاس إبتلاءهم بالفساد والضلالة علي إثر الإبتعاد عن إمامهم ، وأنّ الخلاص من هذا المأزق الخطر سوف لن يكون إلاّ عن طريق الإقتداء بالإمامعليه‌السلام .

قال الإمام الكاظمعليه‌السلام :«ما ترك عزّوجلّ الأرض بغير إمام قطّ منذ قبض آدم عليه‌السلام ، يُهتدي به إلى الله عزّوجلّ ، وهو الحجّة على العباد ، من تركه ضلّ ، ومن لزمه نجا ، حقّاً على الله عزّوجلّ» (٢) .

وكتب العمري إلى أبي عليّ بن محمّد بن همام ما يبيّن ضرورة هذه المعرفة ، قائلاً :

«اللّهُمَّ عَرِّفْني نَفْسَكَ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْني نَفْسَكَ لَمْ أَعْرِفْ رَسُولَكَ ، اللّهُمَّعَرِّفْني رَسُولَكَ فَإنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْني رَسُولَكَ لَمْ أَعْرِفْ حُجَّتَكَ ، اللّهُمَّ عَرَّفْني حُجَّتَكَ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْني حُجَّتَكَ ضَلَلْتُ عَنْدِيني» (٣) .

وقد أمر ألإمام الصادقعليه‌السلام زرارة أن يلتزم بهذا الدعاء في زمان الغيبة(٤) .

_________________________

(١)كفاية الأثر : ٢٣.

(٢)معجم أحاديث الإمام المهديعليه‌السلام : ٤ / ١٤٨.

(٣)مصباح الزائر : ٣١٢.

(٤)بحار الأنوار : ٥٢ / ١٤٦.


٢ ـ المنع من بطلان العمل

لا ريب أنّ قبول الأعمال والمنع من بطلانها يكون في قبول ولاية الأئمّة المعصومينعليهم‌السلام . قال الباقرعليه‌السلام لزارة : (بني الإسلام على خمسة أشياء : على الصلاة ، والزكاة ، والحجّ ، والصوم ، والولاية.

قال زرارة : فقلت : وأيّ شيء من ذلك أفضل؟

فقال :الولاية أفضل؛ لأنّها مفتاحهنّ ، والوالي هو الدليل عليهنّ أما لو أنّ رجلاً قام ليله ، وصام نهاره ، وتصدّق بجميع ماله ، وحجّ جميع دهره ، ولم يعرف ولاية وليّ الله فيواليه ، ويكون جميع أعماله بدلالته اليه ، ما كان له على الله جلّ وعزّ حقّ في ثوابه ، ولا كان من أهل الإيمان »(١) .

٣ ـ الوصول إلى السعادة الأبديّة

لا شكّ أنّ حياة النبيّ وموته من الاُمور الهامّة التي لا ينال البشر إلى معرفتها ، فكم ترك النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في أيّام حياته وبعد مماته من الخيرات والبركات للمسلمين ، فطلب منّا إن اردنا أن نصل الى هذه الحياة المعنويّة أن نتولّ الإمام أمير المؤمنينوالأئمّة من بعده.

فكانصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول :«معاشر النّاس ، من أراد أن يحيى حياتي ، ويموت ميتتي ، فليتولّ عليّ بنأبي طالب ، وليقتد بالأئمّة من بعده» (٢) .

٤ ـ النجاة من الميتة الجاهليّة

وجاء التصريح في عدد كثير من الروايات والأحاديث الإسلاميّة عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله

_________________________

(١)الكافي : ٢ / ١٨٢.

(٢)مناقب آل أبي طالب : ١ / ٣٠١.


أنّ كلّ من لا يعرف إمام زمانه سوف يموت ميتة جاهليّة ، ولا ريب أنّ المقصود من الميتة الجاهليّة أن يكون حاله حال من مات قبل الإسلام من أهل الجاهليّة ، حيث كانوا على الشرك والكفر والضلالة.

وقد ورد هذا الحديث في الصحاح والسنن والمسانيد عند السنّة ، ورواه أيضاً علماءنا في كتبهم بألفاظ مختلفة عن النبيّ والعترة الطاهرة ، فنقل الطيالسي(١) ،والبخاري(٢) ، وابن أبي شيبة(٣) ، والهيثمي(٤) ، وابن سعد(٥) ، والطبراني(٦) ،والكليني(٧) ، والبرقي(٨) ، والعيّاشي(٩) ، وغيرهم عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله :«من مات بغير إمام مات ميتة جاهليّة» (١٠) .

وعن الباقرعليه‌السلام ، قال :«من مات وليس له إمام فموته ميتة جاهيّة ، ولا يعذر النّاس حتّى يعرفوا إمامهم» (١١) .

وعن الصادقعليه‌السلام ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال :«من مات وليس عليه إمام فميتته جاهليّة .

_________________________

(١)و(١٠)مسند الطيالسي : ١٢٥٩.

(٢)تاريخ البخاري : ٦ / ٤٤٥.

(٣)مسند ابن أبي شيبة : ١٥ / ٣٨.

(٤)مجمع الزوائد : ٥ / ٢٢٣.

(٥)الطبقات : ٥ / ١٤٤.

(٦)المعجم الكبير : ٧ / ٣٥٠.

(٧)الكافي : ١ / ٣٧٦.

(٨)المحاسن : ١ / ١٥٣.

(٩)تفسير العيّاشي : ١ / ٢٥٢.

(١١)المحاسن : ١٥٥.


فقلت : قال ذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟

فقال :إي والله قد قال.

قلت : فكلّ من مات وليس له إمام فميتته جاهليّة؟!

قال :نعم» (١) .

فاستناداً إلى ماسبق وما روي عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله بأنّه :«من أنكر القائم من ولدي في زمان غيبته فمات ، فقد مات ميتة جاهليّة» (٢) .

نقول : لا نجاة من الميتة الجاهليّة إلاّ بمعرفة الإمام المهديعليه‌السلام .

_________________________

(١)الكافي : ١ / ١٥٣.

(٢)كمال الدين : ٢ / ٤١٢.




ضيّق الخلفاء العبّاسيّين عليى الإمامين الهمامين الهادي والعسكريعليهما‌السلام ،وبذلوا جهوداً كبيرة لمنع ولادة الإمام المهديعليه‌السلام ، فسجنوا الإمام العسكريعليه‌السلام غير مرّة ، حيث قضى أكثر أيّام إمامته في سجن الخلفاء العبّاسيّين.

وقاموا بمؤامرات خطرة ضدّ الإمام ، ولكنّ الظروف الطارئة كانت تمنعهم من قتلهعليه‌السلام ، ولقد أشار الإمام في بعض كلماته إلى هذه المضايقات قائلاً :«زعم الظلمة أنّهم يقتلونني ، ويقطعوا هذا النسل» (١) ، ولكن أبى الله إلاّ أن يتمّ نوره ولو كره المشركون.

حتّي ولد الإمام المهديعليه‌السلام في نصف من شعبان سنة٢٥٥ ه‍.ق(٢) في ظروف صعبة وحسّاسة للغاية.

أخبر النبيّ عن هذا المولود وعن إسمه وكنيته ، فقال :«إسمه إسمي ، وكنيته كنيتي» (٣) .

لقّب الإمام المهديعليه‌السلام بـ: بقيّة الله ، حجّة الله ، وقائم آل محمّدعليهم‌السلام .

_________________________

(١)الغيبة : ١٣٤. حياة الإمام العسكري : ٣١٢.

(٢)الفصول المهمّة : ٢٧٤.

(٣)كمال الدّين : ٢٨٦. بحار الأنوار : ٥١ / ٧٣.كفاية الأثر : ٦٧. وروي عن الإمام الصّادقعليه‌السلام باختلاف يسير وزيادة في الإمامة والتّبصرة : ١١٩ ، وفي كمال الدّين : ٢٨٦.


وقد أخفى الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام ولادة عن أعين الحكّام لأجل الحفاظ على حياة ولدهعليه‌السلام . وكان يحضره أحياناً في بعض لقاءاته ليزيل الشبهة عنه ،وكان الإمام المهديعليه‌السلام يتحدّث بأمر من والده حتّى يتعرّف الشيعة عليه.

يعتقد كلّ علماء الشيعةـوكثير من أعلام السنّةـأنّ الإمام المهديعليه‌السلام قد ولد وهو حيّ وغائب ، وأنّ هذه الغيبة قد بدأت بعد استشهاد أبيه العسكريعليه‌السلام سنة٢٦٠ ه‍ ، وهي مستمرّة إلى الآن.

وإليك بعض الأسئلة حول ولادتهعليه‌السلام :

السؤال السادس :

ما هو رأي السنّة في ولادة المهدي عليه‌السلام ؟

الجواب : يوجد خلاف بين السنّة ، فبعضهم يرى رأي الشيعة ، حيث يقولون : إنّ الإمام المهديعليه‌السلام قد ولد في سامراء سنة٢٥٥ هجريّة ، وليس عددهم بالقليل.

ولا يسعنا أيضاً ذكر أسماءهم وأقوالهم في هذا المختصر ، ولكن نشير إلى كلمات بعضهم :

١ ـ يقول ابن الصباغ المالكي فيالفصول المهمّة :

«ولد أبوالقاسم محمّد بن الحجّة بن الحسن الخالص بسرّ من رأى ، ليلة النصف من شعبان ، سنة٢٥٥ هجريّة»(١) .

وقال أيضاً عن سبب أمر ولادته عن النّاس :

«خلف أبو محمّد الحسن من الوالد إبنه الحجّة القائم المنتظر لدولة الحقّ ، وكان

_________________________

(١)الفصول المهمّة : ٢٧٤.


أخفى مولده ، وستر أمره لصعوبة الوقت ، وخوف السلطان ، وتطلبه الشيعة ،وحبسهم والقبض عليهم»(١) .

٢ـكتب الكنجي الشافعي فيالبيان في أخبار صاحب الزمان بعد أن اعتقد بولادة المهديعليه‌السلام ، وأجاب على شبهات منكري بقائه هذه المدّة الطويلة ، وردّهم بأدلّة بليغة ، حيث عقد فصلاً تحت عنوان«في الدلالة على كون المهدي حيّاً باقياً مذ غيبته إلى الآن»قائلاً :

«ولا امتناع في بقاءه بدليل بقاء عيسى والياس والخضر من أولياء الله تعالى ، وبقاء الدجّال وإبليس الملعونَين أعداء الله تعالى ، وهؤلاء قد ثبت بقاءهم بالكتاب والسنّة ، وقد اتّفقوا عليه ، ثمّ أنكروا جواز بقاء المهدي.

وها أنا اُبيّن بقاء كلّ واحد منهم ، فلا يسمع بعد هذا لعاقل إنكار جواز بقاء المهديعليه‌السلام »(٢) .

٣ ـ وقال سبط ابن الجوزي الحنفي فيتذكرة الخواصّ :

«هو محمّد بن الحسن بن عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ ابن أبي طالبعليهم‌السلام ، وكنيته أبو عبدالله ، وأبو القاسم ،وخلف الحجّة ، صاحب الزمان ، القائم ، والمنتظر ، والتالي ، وهو آخر الأئمّة»(٣) .

ثمّ إنّ شيخنا الوالد المرحوم آية الشيخ محمّدرضا الطبسيـبعد ما نقل أسماءأربعين شخصاً من كبار السنّة ، اعتماداً على نقل صاحب كشف الأستار للمحدّث

_________________________

(١)الفصول المهمّة : ٢٧٢.

(٢)البيان في أخبار صاحب الزمان : ٥٢١.

(٣)تذكرة الخواصّ : ٣٢٥.


النوريـقال : «ثمّ إنّ الحقير تتبّعت في بعض الكتب المعتبرة عند القوم تتميماً للحجّة ، فعثرت على مقدار عشرين رجلاً ، بل أزيد ، من المعترفين أيضاً ، فأضفتهم ...»(١) ، ثمّ أسماء القائلين بولادتهعليه‌السلام كما يلي :

١ ـ المولى حسين الكاشفي في روضة الأحباب.

٢ ـ إبن خلّكان في تاريخه.

٣ ـ الحافظ البيهقي الشافعي في شعب الإيمان.

٤ ـ السيّد أحمد زيني دحلان في الفتوحات الإسلاميّة.

٥ ـ إبن حجر في الصواعق المحرقة.

٦ ـ إبن الأثير الجزري في الكامل في التاريخ.

٧ ـ أبو الفداء في تاريخه.

٨ ـ أحمد النگري في دستور العلماء.

٩ ـ الياقوت الحموي في معجم البلدان.

١٠ ـ الشبراوي في الإتحاف بحبّ الأشراف.

١١ ـ الحمزاوي في مشارق الأنوار.

١٢ ـ الذهبي في دول الإسلام.

١٣ ـ اليافعي في مرآة الجنان.

١٤ ـ الشيخ عبدالوهاب في كشف الغمّة.

١٥ ـ إبن سعد في الطبقات الكبرى.

_________________________

(١)الشيعة والرجعة : ١ / ١٢٠.


١٦ ـ شمس الدين القاضي المالكي في تاريخ الخميس.

١٧ ـ الملاّ عليّ المتّقي في البرهان.

١٨ ـ جمال الدين في روضة الأحباب.

١٩ ـ القرماني في أخبار الدول.

٢٠ ـ إبن الصبان في إسعاف الراغبين(١) .

وبهذا البيان : إتّضح أنّ ولادة المهدي المنتظرعليه‌السلام من القطعيّات التاريخيّة ،وأن الشيعة والسنّة قد ذكروا تاريخ ولادته.

وخالف جماعة من أعلام السنّة هذا الرأي واعتقدوا بأن المهديعليه‌السلام لم يولد بعد ، وأنّه سيولد في آخر الزمان.

فقال إبن أبي الحديد المعتزلي في شرحه على نهج البلاغة عند بيان خطبة الإمام أمير المؤمنين التي فيها«بأبي خيرة الإماء» :

«أمّا الإماميّة فيزعمون أنّه إمامهم الثاني عشر ، وأنّه إبن أمة إسمها نرجس ،وأمّا أصحابنا فيزعمون أنّه فاطمي ، يولد في مستقبل الزمان لاُمّ ولد ،وليس بموجود الآن وأنّه يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً ، وينتقم من الظالمين ، وينكّل بهم أشدّ النكال»(٢) .

أقول : إنّ إبن أبي الحديد وإن أصاب في بعض بحوثه ، ولكن أخطأ في هذه المسألة ، فماذا يجيب هؤلاء الذين مرّت أسماءهم عليك ، المعترفون بولادتهعليه‌السلام ،وثانياً : كيف يمكن أن نطبّق الروايات الواردة حول الإمام المهديعليه‌السلام المتّفق عليها

_________________________

(١)الشيعة والرجعة : ١ / ١٢٢.

(٢)شرح نهجالبلاغة : ٢ / ١٧٩.


عند الشيعة والسنّة على رجل مجهول لا يعلم إبن من هو؟ وفي أي زمان سيولد؟وعلى قول الكنجي الشافعي : «لماذا أنكرنا أصل ولادته فراراً من طول عمره؟».

السؤال السابع :

هل رؤي الإمام المهدي عليه‌السلام أيّام طفولته؟

الجواب : لقد رأى الإمامعليه‌السلام عدّة لا يستهان بهم منذ ولد ، وهكذا رأوه في حياة أبيه وبعد موته إلى أن غاب في الغيبة الكبرى ، وقد ألّف علمائنا الكبار كتباًورسائلاً فيمن فاز بلقاءهعليه‌السلام ، منهم المحدّث الكبير السيّد هاشم البحراني ،وإليك أسماءبعض من شاهده عليه‌السلام :

١ـحكيمة بنت الإمام الجواد عليه‌السلام ، وعمّة الإمام الحسن العسكري ، التي زارت إبن أخيها في ليلة ميلاد الإمام المهديعليه‌السلام ، وطلب الإمام منها أن تبيت عنده لتحضر ولادة المهديعليه‌السلام ، فباتت تلك الليلة إلى أن ولدعليه‌السلام ، ورأت جماله البهيّ(١) ، وقصّتها معروفة ومشهورة.

ورأته أيضاً في اليوم الثالث من ولادته عليه‌السلام ، كما رواه لنا الشيخ الطوسي عنها ، أنّها قالت : «فلمّا كان في اليوم الثالث إشتدّ شوقي إلى وليّ الله ، فأتيتهم عائدة ، فبدأت بالحجرة التي فيها الجارية ، فإذا أنا بها جالسة في مجلس المرأة النفساء ،وعليها أثواب صفر ، وهي معصبة الرأس ، فسلّمت عليها والتفت إلى جانب البيتوإذا بمهد عليه أثواب خضر ، فعدلت إلى المهد ورفعت عنه الأثواب ، فإذا أنا بوليّ الله نائم على قفاه غير محزوم ولا مقموط ، ففتح عينيه وجعل يضحكويناجيني بإصبعه ، فتناولته وأدنيته إلى فمي لاُقبّله ، فشممت منه رائحة ما شممت

_________________________

(١)بحار الأنوار : ٥١ / ١٧.


قطّ أطيب منها ...»(١) .

٢ـأحمد بن إسحاق الأشعري : «قال دخلت على أبي محمّد الحسن بن عليّعليه‌السلام وأنا اُريد أن أسأله عن الخلف من بعده ، فقال لي مبتدئاً :يا أحمد بن إسحاق ، إنّ الله تبارك وتعالى لم يخل الأرض منذ خلق آدم عليه‌السلام ، ولا يخليها إلى أن تقوم الساعة من حجّة لله على خلقه ، به يدفع البلاء عن أهل الأرض ، وبه ينزّل الغيث ، وبه يخرج بركات الأرض .

قال : فقلت له : يابن رسول الله ، فمن الإمام والخليفة بعدك؟

فنهضعليه‌السلام مسرعاً فدخل البيت ، ثمّ خرج وعلى عاتقه غلام كأنّ وجهه القمر ليلة البدر ، من أبناء الثلاث سنين ،فقال : يا أحمد بن إسحاق ، لولا كرامتك على الله عزّوجلّ وعلى حججه ما عرضت عليك إبني هذا ... »(٢) .

٣ـيعقوب بن منقوش ، يقول : «دخلت على أبي محمّد الحسن بن عليّعليه‌السلام وهو جالس على دكّان في الدار ، وعن يميينه بيت عليه ستر مسبل ، فقلت له : يا سيّدي ، مَن صاحب هذا الأمر؟

فقال :إرفع الستر ، فرفعته ، فخرج إلينا غلام خماسي ، له عشر أو ثمان أو نحوذلك ، واضح الجبين ، أبيض الوجه ، درّي المقلتين ، شثن الكفّين ، معطوف الكريمتين ، في خدّه الأيمن خال ، وفي رأسه ذؤابة ، فجلس على فخذ أبي محمّدعليه‌السلام ، ثمّ قال لي :هذا صاحبكم »(٣) .

_________________________

(١)كتاب الغيبة : ١٤٣.

(٢)كمال الدين : ٢ / ٣٨٤.

(٣)إعلام الورى : ٤١٣.


٤ ـ مارية خادمة الإمام العسكري

وعن الشيخ الطوسي ، قال : «عن نسيم وماريّة قالت : لمّا خرج صاحب الزمان من بطن اُمّه سقط جاثياً على ركبتيه ، رافعاً سبّابته نحو السماء ، ثمّ عطس ، فقال :الحمدلله ربّ العالمين ، وصلّى الله على محمّد وآله عبداً داخراً ، غير مستنكف ، ولا مستكبر ، ثمّ قال :زعمت الظلمة أنّ حجّة الله داحضة ، ولو أذن لنا في الكلام لزال الشكّ» (١) .

٥ـأبو غانم الخادم ، قال : «ولد لأبي محمّدعليه‌السلام ولد فسمّاه محمّداً ، فعرضه على أصحابه يوم الثالث ، وقال :هذا صاحبكم من بعدي ، وخليفتي عليكم ،وهو القائم الذي تمتدّ إليه الإعناق بإنتظار ، فإذا امتلأت الأرض جوراً وظلماً خرج فملأها قسطاً وعدلاً »(٢) .

٦ـكامل بن إبراهيم المدني ، قال : «قلت في نفسي لمّا دخلت عليهـالإمام العسكريـأسأله عن الحديث المروي عنهعليه‌السلام :لا يدخل الجنّة إلاّ من عرف معرفتي ،وكنت جلست إلى باب عليه ستر مرخيً ، فجاءت الريح فكشفت طرفه ، فإذا أنا بفتى كأنّه فلقة قمر ، من أبناء أربع سنين أو مثلها ، فقال لي :ياكامل بن إبراهيم ، فاقشعررت من ذلك ، واُلهمت أن قلت : لبّيك يا سيّدي.

فقال :جئت إلى وليّ الله تسألة لا يدخل الجنّة إلاّ من عرف معرفتك ، وقال بمقالتك؟ قلت : إي والله.

قال :إذن والله يقلّ داخلها ، والله إنّه ليدخلها قوم يقال لهم الحقّيّة .

_________________________

(١)كتاب الغيبة / الطوسي : ١٤٧.

(٢)كمال الدين٢ / ٤٣١.


قلت : ومن هم؟

قال :قوم من حبّهم لعليّ بن أبي طالب يحلفون بحقّه ، وما يدرون ما حقّهوفضله ، أي قوم يعرفون ما يجب عليهم معرفته جملة لا تفصيلاً من معرفة اللهورسوله والأئمّة ونحوها .

ثمّ قال :وجئت تسأل عن مقالة المفوّضة؟ كذبوا ، بل قلوبنا أوعية لمشيئة الله عزّوجلّ فإذا شاء الله تعالى شئنا ، والله يقول : ( وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللهُ ) (١) .

فقال لي أبو محمّدعليه‌السلام : ما جلوسك وقد أنبأك بحاجتك ، قم ، فقمت»(٢) .

٧ ـ أربعون نفراً من الوافدين

روي الشيخ الطوسي عن جعفر بن محمّد بن مالك الفزاري البزّاز ، عن جماعة من الشيعة ، منهم : عليّ بن بلال ، وأحمد بن هلال ، ومحمّد بن معاوية بن حكيم ،والحسن بن أيّوب بن نوح... قالوا جميعاً : «اجتمعنا إلى أبي محمّد الحسن بن عليّعليه‌السلام نسأله عن الحجّة من بعده ، وفي مجلسهعليه‌السلام أربعون رجلاً ، فقام إليه عثمان بن سعيد بن عمرو العمري فقال له : يابن رسول الله ، اُريد أن أسألك عن أمر أنت أعلم به منّي.

فقال: اجلس يا عثمان .

فقام مغضباً ليخرج ، فقال :لا يخرجنّ أحد .

فلم يخرج أحد إلى أن كان بعد ساعة ، فصاحعليه‌السلام بعثمان فقام على قديمه.

_________________________

(١)الإنسان (٧٦) : ٣٠.

(٢)الخرائج والجرائح : ١ / ٤٥٨.


فقال :اُخبركم بما جئتم؟

قالوا : نعم يابن رسول الله.

قال :جئتم تسألوني عن الحجّة من بعدي .

قالو : نعم.

فإذا غلام كأنّه قطعة قمر أشبه النّاس بأبي محمّد.

فقال :هذا إمامكم من بعدي ، وخليفتي عليكم ، أطيعوه ولا تتفرّقوا من بعدي فتهلكوا في أديانكم ، ألا وإنّكم لا ترونه من بعد يومكم هذا حتّى يتمّ له عمر ، فاقبلوا من عثمان ما يقوله ، وانتهوا إلى أمره ، واقبلوا قوله ، فهو خليفة إمامكم ،والأمر إليه ...»(١) .

٨ ـ نسيم الخادم

وعنه أيضاً قال : «وروي محمّد بن يعقوب رفعه عن نسيم الخادم ( خادم أبي محمّدعليه‌السلام ) قال : دخلت على صاحب الزمان بعد مولده بعشر ليالٍ فعطست عنده ، فقال :يرحمك الله ، ففرحت بذلك ، فقال :ألا اُبشّرك في العطاس؟ هو أمانمن الموت ثلاثة أيّام »(٢) .

٩ ـ إسماعيل النوبختي

وعنه أيضاً بسنده عن إسماعيل النوبختي ، قال : «دخلت على أبي محمّد الحسن بن عليّعليه‌السلامفي المرضة التي مات فيهاـوأنا عندهـإذ قال لخادمه عقيد ، وكان أخادم نوبيّاً قد خدم من قبله عليّ بن محمّد عليه‌السلام ، وهو ربّي الحسن عليه‌السلام فقال :

_________________________

(١)كتاب الغيبة : ٢١٧.

(٢)الغيبة / الطوسي : ١٣٩.


يا عقيد ، اغِل لي ماءاً بمصطكي ، فأغلى له ، ثمّ جاءت به صيقل الجارية ، اُمّ الخلفعليه‌السلام ، فلمّا صار القدح في يديه وهمّ بشربه فجعلت يده تر تعد حتّىضرب القدح ثنايا الحسنعليه‌السلام فتركه من يده وقال لعقيد :ادخل البيت فإنّك ترى صبيّاً ساجداً فأتني به.

قال أبو سهل : قال عقيد : فدخلت أتحرّى ، فإذا أنا بصبي ساجد رافع سبّابته نحو السماء ، فسلّمت عليه ، فأوجز في صلاته ، فقلت : إنّ سيّدي يأمرك بالخروج إليه إذ جاءت اُمّه صقيل فأخذت بيده وأخرجته إلى أبيه الحسنعليه‌السلام .

قال أبو سهل : فلمّا مثل الصبي بين يديه سلّم ، وإذا هو درّي اللون ، وفي شعر رأسه قطط ، مفلج الأسنان ، فلمّا رآه الحسن بكى ، وقال :يا سيّد أهل بيته ، إسقني الماء ، فإنّي ذاهب إلى ربّي ، وأخذ الصبي القدح المغلي بالمصطكي بيده ، ثمّ حرّك شفتيه ، ثمّ سقاه فلمّا شربه قال :هيّئوني للصلاة ، فطرح في حجره منديل ، فوضّأه الصبي واحدة واحدة ، ومسح على رأسه وقدميه.

فقال له أبو محمّدعليه‌السلام :أبشر يا بنيّ ، فأنت صاحب الزمان ، وأنت المهدي ، وأنت حجّة الله على أرضه ، وأنت ولدي ، ووصيّي ، وأنا ولدتك ، وأنت محمّد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب ، ولّدك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنت خاتم الأئمّة الطاهرين ، وبشّر بك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وسمّاك وكنّاك بكذلك عهد إليَّ أبي عن آباءك الطاهرين صلّى الله على أهل البيت ربّنا إنّه حميد مجيد .

ومات الحسن بن عليّ من وقته»(١) .

_________________________

(١)كتاب الغيبة : ١٦٥.


١٠ ـ الرجل الفارسي

روى الكليني في الكافي بسنده عن ضوء بن عليّ العجلي ، عن رجل من أهل فارس سمّاه ، قال : «أتيت سر من رأي ولزمت باب أبي محمّدعليه‌السلام فدعاني ، فدخلت عليه وسلّمت ، فقال :ما الذي أقدمك ؟

قال : قلت : رغبة في خدمتك.

قال فقال لي :فألزم الباب .

قال : فكنت في الدار مع الخدم ثمّ صرت اشتري لهم الحوائج من السوق ، وكنت أدخل عليهم من غير إذن إذا كان في الدار رجال.

قال : فدخلت عليه يوماً وهو في دار الرجال ، فسمعت حركة في البيت فناداني :مكانك لا تبرح ، فلم أجسر أدخل ولا أخرج ، فخرجت علَيَّ جاريةومعها شيء مغطّى.

ثم ناداني :ادخل ، فدخلت ، ونادى الجارية فرجعت إليه ، فقال لها :أكشفي عمّا معك ، فكشفت عن غلام أبيض ، حسن الوجه ، وكشفت عن بطنه فإذا شعر نابت من لبته إلى سرته ، أخضر ليس بأسود ، فقال :هذا صاحبكم ، ثمّ أمرها فحملته ، فما رأيته بعد ذلك حتّى مضى أبو محمّدعليه‌السلام »(١) .

السؤال الثامن :

لماذا أخفى الإمام العسكري عليه‌السلام ولده عن أعين الناس؟

الجواب : لقد كان الخلفاء العبّاسيّون في قلق وخوف على دولتهم ، وخصوصاً

_________________________

(١)تبصرة الوليّ فيمن رأى القائم المهدي : ٥١ ، عن الكافي : ١ / ٣٢٩.


المعتزّ والمهتدي والمعتمد من مولود سيحطّم عرش الظلم ، ولذلك شدّدوا الحصار ،وجعلوا الإمام تحت المراقبة الشديدة على نفس المنهج الذي سلكه فرعون لمنع حصول ولادة موسىعليه‌السلام وكانوا يختارون من جلاوزتهم ممّمن يراقب بيوت الهاشميّين ، وعلى الخصوص بيت الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام ، وحاولوا مراراً القضاء على حياة الإمام ، والعثور على الإمام المهدي وقتله ، ولذلك كان يخفيه عنهم. وأمّا محاولاتهم الفاشلة فهي كما يلي :

١ ـ السعي لقتل الإمام العسكريعليه‌السلام

حاول كلٌّ من : المعتزّ والمهتدي والمعتمد العبّاسي مراراً القضاء على حياة الإمام الحسن العسكري في داره أو في السجن لمنع ولادة المهدي المنتظرعليه‌السلام ، فقالعليه‌السلام حينما ولد الحجّة :«زعم الظلمة أنّهم يقتلونني ليقطعوا هذا النسل ، فكيف رأوا قدرة الله» (١) .

٢ ـ تفتيش بيت الإمام لإلقاء القبض على المهدي

لم يمرّ على رحيل الإمام العسكريعليه‌السلام إلاّ لحظات حتّى حوصر بيت الإمام بأمر من المعتمد العبّاسي ، وقام الشرطة بالتفتيش الدقيق في بيت الإماموالبحث عن إبنه.

قال الصدوق : « وجاءوا بنساء يعرفن بالحبل ، فدخلن على جواريه ، فنظرن إليهنّ ، فذكر بعضهنّ أنّ هناك جارية بها حمل ، فأمر بها ، فجعلت في حجرة ووكّل بها نحرير الخادم وأصحابه ونسوة معهم»(٢) .

_________________________

(١)كفاية الأثر : ٢٨٩.

(٢)كمال الدين : ١ / ٤٣.


٣ ـ وشاية جعفر ، وإلقاء القبض على صقيل

لمّا جهّزوا الإمام العسكري للصلاة عليه تقدّم جعفر بن عليّ ليصلّي على أخيه ، فلمّا همّ بالتكبير خرج صبي بوجهه سمرة ، بشعره قطط ، بأسنانه تفليج ، فجذب رداء جعفر وقال :«يا عمّ ، أنا أحقّ بالصلاة على أبي ...» (١) ، ووشى جعفر إلى الخليفة العبّاسي بوجود طفل في بيت الإمام العسكريعليه‌السلام ، فبعث المعتمد إثر وشايته جلاوزته ليبحثوا عن صقيل جارية الإمامعليه‌السلام حتّى تدلّهم على ذلك الطفل ، فأنكرت صقيل ذلك ، وادّعت أنّ بها حمل من الإمام العسكريعليه‌السلام حفظاً على الإمام المهدي من تعرّض الأعداء ، لذلك حبسوها في بيت حتّى تضع حملها ويقتلوا وليدها ، وفي هذه الآونة فوجئوا بموت وزير الخليفة العبّاسي ( عبدالله بن يحيى ) ، وبخروج صاحب الزنج بالبصرة ، واضطراب الأوضاع السياسيّة ،وكثرة الفوضى ، فاستفادت صقيل من هذه الظروف وعادت إلى بيتها(٢) .

٤ ـ إرسال جماعة لقتل الإمام المهديعليه‌السلام

ويشهد علي ذلك من أنّهم كانوا في طلبه ليقتلوهعليه‌السلام ما حدّثه لنا رشيق صاحب المادراي قال : «بعث إلينا المعتضد ونحن ثلاثة نفر ، فأمرنا أن يركب كلّ واحد منّا فرساً ونجنب آخر ونخرج مخفين لا يكون معنا قليل ولا كثير إلاّ على السرج مصلى وقال لنا : إلحقوا بسامرة ، ووصف لنا محلّة وداراً وقال : إذا أتيتموها تجدون على الباب خدماً أسود ، فاكبسوا الدار ، ومن رأيتم فيهافأتوني برأسه.

_________________________

(١)حياة الإمام العسكريعليه‌السلام : ٣١٧.

(٢)حقّ اليقين : ٣٢٠.


فوافينا سامرة فوجدنا الأمر كما وصفه ، وفي الدهليز خادم أسود وفي يده تكّة ينسجها ، فسألناه عن الدار ومن فيها ، فقال : صاحبها ، فوالله ما التفت إلينا وقلّ اكتراثه بنا.

فكسبنا الدار كما أمرنا فوجدناه داراً سرية ومقابل الدار ستر ما نظرت قطّ إلى أنبل منه ، كأنّ الأيدي رفعت عنه في ذلك الوقت ، ولم يكن في الدار أحد ، فرفعنا الستر فإذا بيت كبير كأنّ بحراً فيه ماء ، وفي أقصى البيت حصير قد علمنا أنّه على الماء ، وفوقه رجل من أحسن النّاس هيئة قائم يصلّي ، فلم يلتفت إليناولا إلى شيء من أسبابنا.

فسبق أحمد بن عبدالله ليتخطّى البيت فغرق في الماء ، وما زال يضطرب حتّى مددت يدي إليه فخلّصته وأخرجته وغشي عليه وبقي ساعة ، وعاد صاحبي الثاني إلى فعل ذلك الفعل ، فناله مثل ذلك ، وبقيت مبهوتاً.

فقلت لصاحب البيت : المعذرة إلى الله وإليك ، فوالله ما علمت كيف الخبر ، ولا إلى من اُجيئ ، وأنا تائب إلى الله ، فما التفت إلى شيء ممّا قلنا ، وما انفتل عمّا كان فيه ، فهالنا ذلك وانصرفنا عنه ، وقد كان المعتضد ينتظرنا ، وقد تقدّم إلى الحجّاب إذا وافينا أن ندخل عليه في أي وقت كان ، فوافيناه في بعض الليل ، فأدخلنا عليه ، فسألنا عن الخبر ، فحكينا له ما رأينا ، فقال : ويحكم لقيكم أحد قبلي وجرى منكم إلى أحد سبب أو قول؟

قلنا : لا ، فقال : أنا نفي من جدّي ، وحلف بأشد أيمان له أنّه رجل إن بلغه هذا الخبر ليضربنّ أعناقنا ، فما جسرنا أن نتحدّث به إلاّ بعد موته»(١) .

_________________________

(١)كتاب الغيبة : ١٤٩.


وممّا يدّل أيضاً على أنّ الخلفاء العبّاسيّين قد عزموا على قتله إن عثروا عليه ، ما قاله الإمام الصادقعليه‌السلام لجماعة من شيعته قوله :«بنو اُميّة وبنو العبّاس لمّا أن وقفوا على أنّ زوال مملكة الاُمراء والجبابرة منهم على يدي القائم منّا ، ناصبونا للعداوة ، ووضعوا سيوفهم في قتل أهل بيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإبادة نسله ، طمعاً منهم في الوصول إلى قتل القائم ، فأبى الله أن يكشف أمره لواحد من الظلمة إلاّ أن يتمّ نوره ولو كره المشركون ...» (١) .

السؤال التاسع :

هل يمكن رؤية الإمام المهدي في زمن غيبته؟

الجواب : نعم ، ولماذا لايمكن ، فإنّ الإمام المهدي يعيش على هذه الأرض ، بين النّاس ، والنّاس تراه ويراهم ، ولكن لا يعرفه إلاّ من له حظّ الرؤية.

فهذا عليّ بن مهزيار ، وإسماعيل الهرقلي ، ومحمد بن عيسى البحريني ،والعلاّمة الحلّي ، والمقدّس الأردبيلي ، والسيّد مهدي الطباطبائي الملقّب بـ بحر العلوم ، وعشرات من المتّقين الذين فازوا بلقاء الحجّة ، وصرّحوا بأنّهم شاهدوه ، ونقلوا عنه اُموراً(٢) .

ولو فرضنا أنّنا شككنا في صحّة قسم من هذه اللقاءات ، فإنّه لا يمكننا إنكارها جميعاً. وأمّا ما روي أنّه لمّا دنت وفاة الشيخ أبي الحسن عليّ بن محمّد السمريـآخر النواب الأربعة للإمام المهدي في عصر الغيبة الصغرىـخرج توقيع عن الإمام المهديعليه‌السلام إليه :

_________________________

(١)كتاب الغيبة : ١٠٦.

(٢)انظر كتاب حقّ اليقين : ٣٢٥. منتهي الآمال : ٢ / ٥٠٨.


«بسم الله الرحمن الرحيم

يا عليّ بن محمّد السُّمري ، أعظم الله أجر إخوانك فيك ، فإنّك مّيت ما بينكوبين ستّة أيّام ، فاجمع أمرك ، ولا توصِ إلى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك ، فقد وقعت الغيبة التامّة ، وسيأتي من شيعتي من يدّعي المشاهدة ، ألا فمن ادّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذّاب مفترٍ »(١) ، فيقول العلاّمة المجلسي : «لعلّه محمول على من يدّعي المشاهدة مع النيابة وإيصال الأخبار من جانبهعليه‌السلام إلى الشيعة على مثال السفراء(٢) .

ولعلّ الإمام المهدي أراد بهذه الرسالة إيقاظ الشيعة عن مؤامرات الأعداء ضدّهم ، الذين يريدون بالإسلام كيداً للتلاعب بأحكام الإسلام أو بتغيير ما ثبت بدعوى التشرّف بلقاء الإمام الحجّة الغائبعليه‌السلام ، ولذلك سدّ هذا الباب حتّى لا يدّعي أحدـكائناً من كانـأنّه سفير ، ونائب خاصّ عنهعليه‌السلام .

السؤال العاشر :

هل يمكن رؤية الإمام في عالم الرؤيا؟

الجواب : نعم يمكن ذلك ، بل ثبت ذلك في عصر حضور النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمّةعليهم‌السلام ؛ لأن ّ الشيطان لا يمكنه أن يتمثّل بصورة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أو أحد المعصومين كما دلّت الروايات على ذلك.

ولقد رأى بعض الصاحبة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بعد وفاته كأمير المؤمنينعليه‌السلام وبلال الحبشي ،وهكذا رأى بعض أصحاب الأئمّة أئمّتهم ، وتحدّثوا بذلك ولم ينكروا ذلك عليهم.

_________________________

(١)منتهى الآمال : ٢ / ٥٠٨.

(٢)بحار الأنوار : ٥٢ / ١٥١.


ولقد حدّثنا الصادقعليه‌السلام عن أبيه ، عن جدّه ، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال :«من رآني في منانه فقد رآني ، فإنّ الشيطان لا بتمثّل في صورتي ولا في صورة أحدٍ من أوصيائي ، ولا في صورة أحد من شيعتهم» (١) .

قال العلاّمة المجلسي في تفسير هذا الحديث أنّه : «يدلّ الخبر على عدم تمثّل الشيطان في المنام بصورة النبيّ والأئمّة ، بل بصورة شيعتهم أيضاً ، ولعلّه محمول على خلّص شيعتهم ، كسلمان وأبي ذرّ والمقداد وأضرابهم»(٢) .

وقال الشيخ الصدوق مؤيّداً الأحاديث الرؤية : «وروي في الأخبار الصحيحة عن أئمّتناعليهم‌السلام أنّ من رأى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أو واحداً من الأئمّة صلوات الله عليهم قد دخل مدينة أو قرية في منامه ، فإنّه أمن لأهل تلك المدينة أو القرية ممّا يخافونويحذرون ، وبلوغ لما يألمون ويرجون»(٣) .

فتحصّل ممّا سبق أنّه يمكن رؤية الإمام المهدي في المنام لأنّه أحد الأئمّة الهداة ،والشيطان لا يتمثّل به ، وأنّ رؤيتهعليه‌السلام في المنام خير ويسر إن شاءالله.

_________________________

(١)البحار الأنوار : ٥٨ / ١٧٦.

(٢)المصدر المتقدّم : ٢٣٤.

(٣)كمال الدين : ١ / ٢١٠.




طبق الروايات الصحيحة الواردة ، أنّ الإمام المهديعليه‌السلام ولد في سنة٢٥٥ هجريّة ، وعلى هذا يكون عمره الشريف حالياً(١١٧١) سنة ، فهذا العمر الطويل المبارك أثار تساؤلات وشبهات في أذهان بعض المسلمين بأنّه هل يمكن أن يعمّر الإنسان هذا العمر الطويل ، هل لهذا العمر الطويل سابقة سبق بها الأنبياء أو النّاس العاديّين أو لايمكن؟

وخُصّص هذا الفصل للإجابة على هذه الأسئلة.

السؤال الحادي عشر

هل يمكن أن يعيش الإنسان هذا العمر الطويل؟

الجواب : طول العمر ليس أمراً محالاً ، ولكنّه ليس أمراً عاديّاً في الحقيقة ،وغير العادي يقال للحوادث التي لا يعتبر وقوعها محالاً ، ولكنّها نادرة الوقوع ، فإنّ شفاء الأمراض الصعبة علاجها إثر الدعاء أو التوسّل بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أو بالأئمّة المعصومينعليه‌السلام ، أو سقوط إنسان من مكان مرتفع وبقاءه حيّاً لا يمكن أن نقول إنّه محال ، بل هو أمر عادي.

فكذلك مسألة طول العمر في الإنسان ، ليس أمراً محالاً ، ولكنّه أمراً غير عادي ، ومن هذا الباب أيضاً معجزات الأنبياء ، وكرامات الأئمّة الهداة ، فإنّها اُمور غير عادية.


وأمّا علم الطب الحديث لم يستطع لحدّ الآن أن يكتشف سرّ الموت ، أو أن ينفي إمكان طول العمر ، أو يحدّد ذلك ، بل اعتقد علماء الغرب اليوم أنّ البشر يمكنهم أن يعمّروا مئات السنين.

يقول الدكتور الأميركي كيلورد : «إنّ علم الطب في هذا اليوم بمعونة علم التغذية رفع الموانع والحدود التي تمنع البشر من أن يعمّروا ، ونحن اليوم على خلاف ما كان عليه أجدادنا وآبائنا ، نأمل أن نعيش أعماراً طويلة»(١) .

وكذلك الدكتور جورج رئيس الجامعات في ألمانيا ، حيث قام بالتحقيق على نبات يسمّى باللاتينيّة : «سابرولينا مسكتا» ، وهو يعيش على ظهر الذباب الأزرق ، ولا يعيش أكثر من إسبوعين ، وقام بزرعه بعد ما وفّر له ظروف خاصّة ، فعاش ستّ سنين بدل إسبوعين ، وهذه التجربة تساعدنا في تشبيه عمر الإنسان حالياً إلى١٠٩٢٠ سنة»(٢) .

يعني لو كان بإمكان البشر أن يطوّل عمر النبات من إسبوعين إلى ستّ سنوات ، فكيف لا يمكن أن يعيش الإنسان بهذه النسبة من عمره إلى عشرة آلاف سنة وأكثر.

السؤال الثاني عشر :

هل أشار القرآن الكريم إلى مسألة طول عمر البشر؟

الجواب : نعم ورد في القرآن الكريم آيات تدلّ على طول العمر بين الجنّوالإنس ، فمنها :

_________________________

(١)پاسخ ما : ١٧.

(٢)المصدر المتقدّم : ٢٠.


١ـ قول الله تبارك وتعالى للشيطان :( فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ * إِلَىٰ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ) (١) .

فلو تأمّلنا في هذه الآية الشريفة ، وما جرى بين الشيطان وخالقه من كبره على الله ، وعدم الإئتمار بأمره ، وطرده من رحمته ، طلب من الباري جلّ وعزّ أن يمهله إلى يوم الوقت المعلوم ، الذي فسّر بيوم ظهور المهديعليه‌السلام ، فإنّنا لو فرضنا أنّه حان وقت ظهورهعليه‌السلام لكان عمر الشيطان من بداية خلق آدم حوالي ثمانية آلاف سنة ، فما يكون إذاً لو أضفنا عمره قبل خلق آدم وإلى ظهور المهدي الذي لا يعلم ذلك إلاّ الله.

٢ـ وذكر القرآن الكريم في قصّة نوحعليه‌السلام ، وما جرى بينه وبين قومه في أداء رسالته الإلٰهيّة ، وما تحمّل من الأذى ، فقال عزّ من قائل :( فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا ) (٢) .(٣)

٣ـ وأشار أيضاً إلى قصّة يونس :( فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) (٤) ، أي لبقي في بطن الحوت إلى يوم القيامة ، وبما أنّ يوم القيامة غير معيّن من حيث الزمان ، عرفنا أنّ القرآن الكريم أشار إلى مسألة طول عمر يونس من كونه حيّاً وباقياًفي بطن الحوت إلى يوم القيامة إذا ما كان من المسبّحين.

٤ـ وأشار أيضاً إلى قصّة أصحاب الكهف ، ونومهم أكثر من ثلاثمائة سنة بقوله :

_________________________

(١)الحجر (١٥) : ٣٧ و ٣٨.

(٢)العنكبوت (٢٩) : ١٤.

(٣)نور الثقلين : ٤ / ١٥٤.

(٤)الصافّات (٣٧) : ١٤٣و ١٤٤.


( وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا ) (١) ، فلا شكّ أنّ هذا العمر طويل ، ولا شكّ أيضاً أنّ الذي يعيش ثلاثمائة سنة سيعيش أكثر من ذلك لو قدّر الله له ذلك.

فلو أضفنا سنين حياتهم قبل النوم وبقاءهم بعد اليقظة إلى زمان المهديعليه‌السلام ، كما سنشير إليه في أصحابه ، نستنتج ما أشار إليه القرآن الكريم في مسألة طول العمر بالنسبة إلى الإنسان ، ومنه إمكان هذا العمر الطويل بالنسبة إلى الإمام المهدي المنتظرعليه‌السلام .

السؤال الثالث عشر :

هل سبق المهدي عليه‌السلام أحدٌ من النّاس بطول العمر؟

الجواب : إنّ مسألة طول العمر تعتبر من المسلّمات في تاريخ البشريّة ، ولو راجعنا بعض الكتب لعثرنا على أسماء كثير من النّاس ممّن عمّروا ، وطول العمر أيضاً لا يختصّ بالصالحين فقط؛ لأنّ كثيراً من الكفرة والظلمة كان لهم عمراً طويلاً ، فمثلاً : عاش شدّاد بن عاد٩٠٠ سنة ، وعمر بن عامر٨٠٠ ، وزهير بن عباب٣٠٠ سنة ، وابن هبل بن عبدالله٦٠٠ سنة ، ومستوعر بن ربيعة٣٣٠ سنة ، ودريد بن زيد٤٥٠ سنة ، وقس بن عبادة٦٠٠ سنة(٢) .

وأمّا من بين الصالحين ، فعاش لقمان بن عاد٣٥٠٠ سنة(٣) ، وعاش عليّ بن عثمان المعروف بابن أبي الدنيا٣٠٩ سنة(٤) .

_________________________

(١)كهف (١٨) : ٢٥.

(٢)راجع بحار الأنوار : ٥١ / ٢٥٥ ـ ٢٨٨.

(٣)و(٤)الشيعة والرجعة : ١ / ٢٩٥. فردوس الأخبار : ٣ / ٨٦.


وأمّا مسألة طول العمر بين الأنبياء العظام ، فكانت من الاُمور الطبيعيّةوالعادية فيهم ، وقد اُشير إلى ذلك في كثير من الروايات.

فمن الذين عمّر طويلاً نوح النبيّعليه‌السلام ، فقيل : إنّه عاش١٠٠٠ أو١٤٠٠ أو١٤٥٠ أو١٤٧٠ أو٢٣٠٠ أو٢٥٠٠ سنة ، ولقد مرّ عليك أنّ القرآن صرّح أنّ فترة دعوته في قومه كانت٩٥٠ سنة ، وثبت أيضاً هذا العمر الطويل بالنسبة إلى سائر الأنبياء ، مثلاً : سيّدنا آدمعليه‌السلام عمّر٩٣٠ سنة ، وعمّر سليمانعليه‌السلام ٧١٢ ، أو١٠٠٠ سنة ، وهكذا شيثعليه‌السلام عمّر٩٢٠ سنة ، وهودعليه‌السلام عاش٦٧٠ سنة.

هذا بالنسبة إلى الأنبياء الذين عاشورا وماتوا ، وأمّا بالنسبة إلى الياس النبيّ أو إدريس أو عيسى أو الخضرعليهم‌السلام (١) ، الذين هم أحياء إلى يومنا هذا ، فحدّث ولا حرج من طول عمرهم ، وقد خصّص الشيخ الوالدرحمه‌الله في كتابه الشيعةوالرجعة فصلاً خاصّاً عن هؤلاء المعمّرون من الأنبياء وغيرهم ، فراجع.

_________________________

(١)راجع : الشيعة والرجعة : ٢٩٣ ـ ٣٠٠.





إنّ مسألة غيبة الإمام المهديعليه‌السلام من المسائل المهمّة الغامضة ، ولا يهتدي أحد إلى أسرارها ، فلا شكّ أنّ الله جعل ذلك لأسباب ومصالح ، وأخفاها علينا ،ولا تظهر تلك الأسرار إلاّ بعد ظهورهعليه‌السلام ، وقد يختلج في الأذهان بعض الأسئلة ، فمنها :

ما هي علل هذه الغيبة؟ وهل حصلت الغيبة لنبيّ أو وصيّ قبل الإمام المهدي؟ وما هو معني انتظار الفرج؟ ولماذا يجب علينا أن نهيّأ أنفسنا ليوم ظهورهعليه‌السلام ؟ وما الآثار المترتّبة على انتظار الفرج ، وغير ذلك ممّا سنبحث عنه في هذا الفصل.

السؤال الرابع عشر :

هل وقعت غيبة قبل الإمام المهدي؟

الجواب : إنّ مسألة الغيبة كما قلنا هي من الأسرار الإلٰهيّة ، ولا تختصّ بالحجّة بن الحسنعليه‌السلام فقط ، وقد حصل ما يشابه هذه الغيبة لبعض أنبياء الله العظام ، كآدم ونوح وإدريس وصالح وإبراهيم ويوسف وموسى وشعيب وإسماعيلوإلياس ولوط ودانيال وعزير وعيسى ونبيّ الإسلام محمّد بن عبدالله صلّى الله عليهوعليهم أجمعين.

فكان لبعضهم غيبة صغرى ، وبعضهم غاب ولا يزال غائباً إلى الآن ،


فنبيّ الله صالحعليه‌السلام غاب عن قومه فترة من الزمن ثمّ رجع إليهم ، فافترق النّاس فيه إلى ثلاثة فِرق : فرقة أنكروا نبوّته ، وفرقة مازالت في الشكّ ، وفرقة بقيت على الوفاء بعدها وإيمانها به.

وأمّا إدريس ، فغاب عن قومه بعد مواجهة طاغوت عصره ما يقارب عشرين سنة. فقال لعشرة من أتباعه قبل غيبته : «لقد دعوت الله عزّ وجلّ أن يحبس قطر السماء عن هذه البلدة فاخرجوها أنتم منها أيضاً. وهكذا إلياسعليه‌السلام الذي خرج إلى الصحاري والقفاز ، وغاب عن قومه سبع سنين. وهكذا موسىعليه‌السلام غاب سبع وعشرون سنة ، ودانيالعليه‌السلام غاب تسعين سنة»(١) .

فتحصّل أنّ المسألة لم تنحصر في الإمام المهدي فقط ، بل سبقه جمع منالأنبياء عليهم صلوات الله الملك العلاّم.

السؤال الخامس عشر :

ما هي علّة غيبة الإمام المهدي عليه‌السلام ؟

الجواب : قلنا إنّ مسألة الغيبة تعتبر من الأسرار الإلهيّة ، ولا يعرف سرّها إلى اليوم غير المعصومينعليهم‌السلام ، ومن هنا لما طرحت مسألة الغيبة قبل ولادة المهديعليه‌السلام كثرت الأسئلة عنها ، ولمّا لم يؤذنوا بإفشاء هذا السرّ ، جهل النّاس علّة ذلك.

يقول عبدالله بن الفضل الهاشمي : «سمعت الإمام الصادقعليه‌السلام يقولـلمّا سألته عن وجه الحكمة في غيبته :ـوجه الحكمة في غيبته وجه الحكمة في غيبات من تقدّمة من حجج الله تعالى ، إنّ وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلاّ بعد ظهوره ،

_________________________

(١)راجع كتاب الشيعة والرجعة : ١ / ٣٢٩.


كما لم ينكشف وجه الحكمة لمّا اَتاه الخضر عليه‌السلام من خرق السفينة ، وقتل الغلام ،واقامة الجدار ، إلاّ بعد افتراقهما. يابن الفضل ، إنّ هذا الأمر أمر من الله ، وسرّ من سرّالله ، وغيب من غيب الله ، ومتى علمنا أنّه عزّوجلّ حكيم صدّقنا بأنّ أفعاله كلّها حكمة وإن كان وجهها غير منكشف لنا »(١) .

فالمعصومونعليه‌السلام وإن سكتوا عن بيان العلّة الأصليّة للغيبة للنّاس ، ولكنّهم أشاروا إلى بعض حكم الغيبة ، فمنها :

١ ـ حتّى تجري عليه سنن الأنبياء الماضين

إنّ الله عزّ وجلّ أجرى بعض سننه في أنبياءه ، ومن المفروض أن يجري شبيه هذه السنن في قائم آل محمّدعليه‌السلام ، ومن جملة هذه السنن مسألة غيبة الأنبياء ، فكان اللازم عليهم طبقاً للمصالح والعلل أن يغيبوا مدّة عن قومهم ، وكانت هذه الغيبات تطول أحياناً وتقصر اُخرى. وفي اُمّة الإسلام اختصّت هذه المسألة بالإمام المهديعليه‌السلام .

يقول سدير الصيرفي : «قال الصادقعليه‌السلام :إنّ للقائم عليه‌السلام منّا غيبة يطول أمدها .

فقلت : ولِمَ ذلك يابن رسول الله؟

قال :إنّ الله عزّجلّ أبي إلاّ أن يُجري منه سنن الأنبياء في غيباتهم ، وأنّه لا بدّلهـيا سديرـمن استيفاء مدد غيباتهم. قال الله تعالى : ( لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ ) (٢) ،أي سنناً على سنن من كان قبلكم »(٣) .

_________________________

(١)بحار الأنوار : ٥٢ / ٩١.

(٢)الانشقاق (٨٤) : ١٩.

(٣)بحار الأنوار : ٥٢ / ٩٠.


٢ ـ اختبار الشيعة وتمييزهم

لعلّ من أهمّ الحكم في غيبة المهديعليه‌السلام هو اختيار الشيعة وإمتحانهم في غيبة إمامهم ، وما أصعب هذا الاختبار حتّى يتميّز فيه الخلّص من غيرهم ،والجيّد من الردئ.

قال الصادقعليه‌السلام : «والله لا يكون الذي تمدّون إليه أعناقكم حتّى تميّزواوتمحّصوا ، ثمّ يذهب من كلّ عشرة شيء ، ولا يبقى منكم إلاّ الأندر ، ثمّ تلا هذه الآية :( أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ) (١) »(٢) .

وروي عن جابر الجعفي ، قال : «قلت لأبي جعفرعليه‌السلام : متى يكون فرجكم؟

فقال :هيهات لا يكون فرجنا حتّى تغربلوا ، ثمّ تغربلوا ، ثم تغربلوا ، يقولها ثلاثاً حتّى يذهب الله تعالى الكدر ويبقى الصفو »(٣) .

وورد أيضاً في عدّة من الروايات تعابير مختلفة عن هذا التمييز والتمحيصوالإختبار بقولهم إلاّ بعد إياس ، أو حتّى يشقى من شقي ، أو إنّما هي محنة من الله ، أو حتّى يذهب ثلثا النّاس ، أو كمخيض الكحل في العين ، أو لتكسرنّ كسر الزجاج ، أو لتكسرنّ كسر الفخار.

فعن الطوسي بسنده عن محمّد بن منصور ، عن أبيه ، قال : «كنّا عند أبي عبدالله جماعة نتحدّث ، فالتفت إلينا فقال :في أي شيء أنتم أيهات أيهات ، لا والله لا يكون

_________________________

(١)آل عمران(٣) : ١٤٢.

(٢)معجم أحاديث الإمام المهديعليه‌السلام : ٥ / ٦٤.

(٣)كتاب الغيبة : ٢٠٦.


ما تمدّون إليه أعينكم حتّى تغربلوا ، لا والله لا يكون ما تمدّون إليه أعينكم حتّىتميّزوا ، لا والله لا يكون ما تمدّون إليه أعينكم إلاّ بعد أياس ، لا والله لا يكون ما تمدّون إليه أعينكم حتّى يشقى من شقي ويسعد سعد »(١) .

وعنه أيضاً عن عليّ بن جعفر ، عن أخيه موسى بن جعفرعليه‌السلام ، قال : «إذا فقد الخامس من ولد السابع من الأئمّة فالله الله في أديانكم ، لا يزيلنّكم عنها أحد .

يا بنيّ ، لا بدّ لصاحب هذا الأمر من غيبة حتّى يرجع عن هذا الأمر من كان يقول به ، إنّما هي محنّة من الله إمتحن الله تعالى بها خلقه »(٢) .

وعنه أيضاً عن الربيع بن محمّد المسلمي ، قال : «قال لي أبو عبداللهعليه‌السلام :والله لتكسرنّ كسر الزجاج ، وأنّ الزجاج يعاد فيعود كما كان ، والله لتكسرنّ كسر الفخاروأنّ الفخار لا يعود كما كان ، والله لتميزنّ ، والله لتمحصنّ ، والله لتغربلنّ كما يغربل الزوان من القمح »(٣) .

٣ ـ تأديب النّاس

ومن سنن الله عزّوجلّ : تأديب النّاس إذا كفروا بالنعم الإلٰهيّة ، ولم يؤدّوا شكره ، ومن أفضل الأساليب النّاس سلب النعمة منهم ممّا يسبّب إنتباههم ، وتغيير ما بأنفسهم ، فيعودوا إلى التضرّع والإبتهال إلى الله تعالى حتّى يعيد عليهم تلك النعم التي سلبت منهم لكفرهم. وأيّ نعمة أعظم وأكثر بركة من وجود النبيّ والمعصومين عليه وعليهم السلام ، فهم الذين عاشوا قرابة

_________________________

(١)كتاب الغيبة : ٢٠٣.

(٢)المصدر المتقدّم : ٢٠٤.

(٣)المصدر المتقدّم : ٢٠٦.


٢٧٣ سنة بين النّاس ، أي من بداية البعثة النبويّة إلى استشهاد الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام ، ولكنّ النّاس لم يعرفوا منزلتهم ، فأخذ الله عزّ وجلّ هذه النعم منهم.

ولقد حاربتهم الحكومات الظالمة ، وزجّتهم في السجون ، واستهانت بهم ،وقتلتهم واحداً تلو الآخر ، فلو عرف النّاس منزلة هذه النعم لما أصابنا اليوم حرقة فراق الإمام المهديعليه‌السلام .

فعلينا أن نبحث عن هذه النعمة ، ونطلب من الباري جلّ وعلا أن يردّه علينا كي نستظلّ بظلّ وجوده في أيّام ظهورهعليه‌السلام .

روي الشيخ الصدوق في علله بسنده عن مروان الأنباري ، قال :«خرج من أبي جعفر عليه‌السلام : إنّ الله إذاكره لنا جوار قوم نزعنا من بين أظهرهم» (١) .

٤ ـ حتّى لا يكون في عنقه بيعة لأحد

ومن الحكم المشار إليها في الروايات والأحاديث الإسلاميّة أن لا تكون لأحد في عنقه بيعة : لأنّ الإمام المهديـكما أشارت الروايات بذلكـتختلف ظروفه تماماً مع سائر المعصومينعليهم‌السلام ، فهو لا يخضع لأي سلطة ، فلو ظهر قبل تحقّق شروط ظهوره كاملة ، فإمّا أن يكون تابعاً لحكومة معيّنة وخاضعاً لها ،وهذا الأمر مخالف لما روي ، فعليه أن يكون غائباً حتّى لا يكون في عنقه بيعة لأحد من الخلق.

روى عليّ بن الحسن الفضّال ، عن أبيه ، عن الرضاعليه‌السلام ، قال :«كأنّي بالشيعة عند فقدانهم الثالث من ولدي يطلبون المرعى فلا يجدونه.

قلت له : ولِمَ ذلك يابن رسول الله؟

_________________________

(١)علل الشرائع : ١ / ٢٣٤. بحارالأنوار : ٢ / ٩٠.


قال :لأنّ إمامهم يغيب عنهم .

فقلت : ولِمَ؟

قال :لئلا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا قام بالسيف »(١) .

٥ ـ الخوف من القتل

ورد في عدّة من الروايات عن الباقر والصادقعليهما‌السلام حكمة اُخرى لغيبة الإمام المهديعليه‌السلام ، وهي الخوف من القتل ، فعن زرارة عن الباقرعليه‌السلام ، قال :«إنّ للغلام غيبة قبل ظهوره.

قلت : لِمَ؟

قال :يخاف ، وأومأ بيده إلى بطنه.

قال زرارة : يعني القتل»(٢) .

فلو قيل : ألم يكن بقيّة المعصومينعليهم‌السلام قد عاشوا بين النّاس رغم أنّهم كانوا عرضة للقتل؟

قلنا : مع علم الجبابرة بأن المعصومين لم يقصدوا الخلافة ، ولكن كانوا بانتظار حكومة تطيح بالجبارة ، وهي حكومة المهديعليه‌السلام ، خلقوا لهم مشاكل من التضييق والتهمة والحبس والقتل ، فكيف بالمهدي الذي يقوم بالسيف ،وينكس المستكبرين من على عروشهم ، فهل يمكنه أن يعيش بكلّ حريّة بين النّاس من دون أي مضايقة وشدّة من قِبل الخلفاء ، فلا شكّ أنّه مهدّد بالقتل أينما وجد ، وإن رأوه معلّقاً بأستار الكعبة.

_________________________

(١)كمال الدين : ٢ / ٤٨٠.

(٢)الغيبة / النعماني : ١٧٦.


ومن جهة اُخرى : قلنا إنّ الشرائط تختلف بينه وبينهم ، فإنّه لو قتل أحدهم كان آخر يقوم مقامه ، فإذا قتل الإمام المهدي فمن الذي يقوم مقامه ويملأ الأرض عدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً ، فخوفاً من قتله قبل ظهوره وجبت غيبته.

وأمّا الخوف المصرّح به في الروايات فلا يكون على نفسه كخوفنا على أنفسنا ؛ لأنّ الشهادة والقتل في سبيل الله هي إحدى الكرامات التي يفتخر بها الأئمّةعليهم‌السلام ، والمهدي أيضاً سوف يستشهد في النهاية على ما قيل ، ولكن علينا أن نعرف ما هو سبب خوفه؟

فنقول : إذا قُتلعليه‌السلام قبل أن يظهر ، فإنّ الأرض ستخلو من الحجّة ، وهذا غير ممكن ، وستبقي أيضاً دولة الحقّ بدون قائدها ، وهو غير ممكن أيضاً.

روى الشيخ الطوسي بسنده عن ضريس الكناسي ، عن أبي خالد الكابلي ، قال : «سألت أبا جعفرعليه‌السلام أن يسمّي القائم حتّى أعرفه ، فقال :يا أبا خالد ، سألتني عن أمر لو أنّ بني فاطمة عرفوه لحرصوا على أن يقطوه بضعة بضعة »(١) .

وقال الصادقعليه‌السلام لبعض أصحابه :«أمّا مولد موسى عليه‌السلام ، فإنّ فرعون لمّا وقف على زوال ملكه على يده أمر إحضار الكهنة فدلّوا على نسبه ، وأنّه يكون من بني إسرائيل ، فلم يزل يأمر أصحابه بشقّ بطن الحوامل من نساء بني إسرائيل حتّى قتل في طلبه نيف وعشرون ألف مولود ، وتعذّر عليه الوصول إلى قتل موسى عليه‌السلام بحفظ الله تعالى إياّه ، كذلك بنو اُميّة وبنو العّباس ، لمّا أن وقفوا على أنّ زوال مملكة الاُمراء والجبابرة منهم على يدي القائم ناصبونا للعداوة ، ووضعوا سيوفهم في قتل أهل بيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإبادة نسله طمعاً منهم في الوصول إلى قتل القائم، _________________________

(١)كتاب الغيبة / الطوسي : ٢٠٢.


فأبى الله أن يكشف أمره لواحد من الظلمة ، إلاّ أن يتمّ نوره ولو كره المشركون» (١) .

٦ ـ حتّى يخرج المؤمنون من صلب الكافرين

لاشكّ أنّ في كثير من أصلاب الكفّار رجال مؤمنون ، ولا يظهر المهدي إلاّبعد تفريغ هذه الأصلاب؛ لأنّه لما يظهر سوف لا يساوم مع أعدائه ، لا يقضي عليهم إن لم يدخلوا في السلم كافّة ، فلو لم تفرغ هذه الأصلاب قبل الظهور ومن كان من حقّه أن يعيش ويستضيئ بنور الإمام الهاديعليه‌السلام ، ومنهنا فإنّ الإرادة الإلٰهيّة قد اقتضت أن تطول غيبة الإمام الغائب حتّى يأتي إلى الدنيا جميع المؤمنين ممّن لا بدّ أن يولدوا.

روى القمّي عن أحمد بن عليّ ، قال : «حدّثنا الحسين بن عبدالله السعدي ، قال : حدّثنا الحسن بن موسى الخشّاب ، عن عبدالله بن الحسين ، عن بعض أصحابه ، عن فلان الكرخي ، قال رجل لأبي عبداللهعليه‌السلام : ألم يكن عليّ قوياً في بدنه ، قويّاً في أمر الله؟

قال له أبو عبداللهعليه‌السلام :بلى.

قال له : فما منعه أن يدفع أو يمتنع؟

قال :قد سألت فافهم الجواب ، منع عليّاً من ذلك آية من كتاب الله.

فقال : وأيّ آية؟

فقرأ :( لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ) (٢) ، إنّه كان لله ودائع مؤمنون في أصلاب قوم كافرين ومنافقين ، فلم يكن عليّ عليه‌السلام ليقتل الآباء حتّى _________________________

(١)كتاب الغيبة / الطوسي : ١٠٦.

(٢)الفتح (٤٨) : ٢٥.


تخرج الودائع ، فلمّا خرج ظهر على من ظهر وقتله ، وكذلك قائمنا أهل البيت ، لم يظهر أبداً حتّى تخرج ودائع الله ، فإذا خرجت يظهر على من يظهر فيقتله »(١) .

السؤال السادس عشر :

ماهو وجه الانتفاع بالمهدي في زمن الغيبة؟

الجواب : إنتفاع النّاس بالمهديعليه‌السلام كالإنتفاع بسائر الأئمّة الهداة في حياتهم ، فلولاهم لما عُبِدَ الله ، ولساختـأو لماجتـالأرض بأهلها ، ولمّا لم يكن فرق بين حضور الإمام وغيبته في هذا التأثير كان مثالهعليه‌السلام مثال الشمس أن جلّلها السحاب ، فكما ينتفع النّاس به ، وتستضيئ بنوره في غيبته.

وهذا ممّا أجاب به النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله والإمام الصادق والإمام المهديعليهما‌السلام لمن سئل ذلك.وإليك ما روي في هذا السؤال :

١ـ روى الصدوق بسنده عن جابر الجعفي ، عن جابر الأنصاري ، أنّه سأل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : «هل ينتفع الشيعة بالقائمعليه‌السلام في غيبته؟

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله :إي والذي بعصني بالنبوّة إنّهم لينتفعون به ، ويستضيئون بنور ولايته في غيبته كانتفاع النّاس بالشمس وإن جلّلها السحاب »(٢) .

٢ـ وروى الصدوق أيضاً عن السنائي ، عن ابن زكريّا ، عن ابن حبيب ، عن الفضل بن الصقر ، عن أبي معاوية ، عن الأعمش ، عن الصادقعليه‌السلام ، قال : «لم تخلو الأرض منذ خلق الله آدم من حجّة لله فيها ، ظاهر مشهور أو غائب

_________________________

(١)تفسير القمّي : ٢ / ٣١٦. علل الشرائع : ١٤٧.

(٢)بحار الأنوار : ٥٢ / ٩٢ ، عن كمال الدين.


مستور ، ولا تخلو إلى أن تقوم الساعة من حجّة لله فيها ، ولولا ذلك لم يعبد الله .

قال سليمان : فقلت للصادقعليه‌السلام : فكيف ينتفع النّاس بالحجّة الغائب المستور؟

قال :كما يتفعون بالشمس إذا سترها السحاب »(١) .

٣ـ وكتب الإمام المهدي إلى إسحاق بن يعقوب في زمن الغيبة الصغرى ،وخرج ذلك على يد محمّد بن عثمان ، وقال فيه :

«وأمّا علّة ما وقع من الغيبة ، فإنّ الله عزّوجلّ يقول : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) (٢) إنّه لم يكن أحد من آبائي إلاّ وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه ، وإنّي أخرج حين أخرج ولا بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي ، وأمّا وجه الأنتفاع بي في غيبتي فكالإنتفاع بالشمس إذا غيّبها عن الأبصار السحاب ، وإنّي لأمان لأهل الأرض كما أنّ النجوم أمان لأهل السماء ، فاغلقوا أبواب السؤال عمّا لا يعنيكم ، ولا تتكلّفوا على ما قد كفيتم ، وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج ، فإنّ ذلك فرجكم ، والسلام عليك يا إسحاق بن يعقوب ، وعلى من اتّبع الهدى» (٣) .

قلت : بيّن العلاّمة المجلسي وجه التشبيه بالشمس ضمن اُمور نذكرها تتميماً للفائدة ، فقال :

«التشبيه بالشمس المجلّلة بالسحاب يؤميإلى اُمور :

الأوّل :أنّ نور الوجود والعلم والهداية يصل إلى الخلق بتوسّطهعليه‌السلام؛ إذ ثبت بالأخبار المستفيضة أنّهم العلل الغائيّة لإيجاد الخلق ، فلولاهم لم يصل

_________________________

(١)أمالي الصدوق : ١٨٦. بحار الأنوار : ٥٢ / ٩٢.

(٢)المائدة(٥) : ١٠١.

(٣)الاحتجاج : ٢ / ٤٦٩. بحار الأنوار : ٥٢ / ٩٢.


نور الوجود إلى غيرهم ، وببركتهم والاستشفاع بهم ، والتوسّل إليهم يظهر العلوم والمعارف على الخلق ، ويكشف البلايا عنهم ، فلولاهم لاستحقّ الخلق بقبائح أعمالهم أنواع العذاب ، كما قال تعالى :( وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ) (١) ، ولقد جرّبنا مراراً لا نحصيها أنّ عند انغلاق الاُمور ، وإعضال المسائل ، والبعد عن جناب الحقّ تعالى ، وانسداد أبواب الفيض ، لما استشفعنا بهم وتوسّلنا بأنوارهم ، فبقدر ما يحصل الإرتباط المعنوي بهم في ذلك الوقت ، فتنكشف تلك الاُمور الصعبة ، وهذا معاين لمن أكحل الله عين قلبه بنور الإيمان ، وقد مضى توضيح ذلك في كتاب الإمامة.

الثاني : كما أنّ الشمس المحجوبة بالسحاب مع إنتفاع النّاس بها ينتظرون في كلّ آن إنكشاف السحاب عنها وظهورها ، ليكون إنتفاعهم بها أكثر ، فكذلك في أيّام غيبتهعليه‌السلام ، ينتظر المخلصون من شيعته خروجه وظهوره في كلّ وقتوزمان ، ولا ييأسون منه.

الثالث : أنّ منكر وجودهعليه‌السلام مع وفور ظهور آثاره كمنكر وجود الشمس إذا غيّبها السحاب عن الأبصار.

الرابع : أنّ الشمس قد تكون غيبتها في السحاب أصلح للعباد من ظهورها لهم بغير حجاب ، فذلك غيبتهعليه‌السلام أصلح لهم في تلك الأزمان ، فلذا غاب عنهم.

الخامس :أنّ الناظر إلى الشمس لا يمكنه النظر إليها بارزة عن السحاب ،وربّما عمي بالنظر إليها لضعف الباصرة عن الإحاطة بها ، فكذلك شمس ذاته المقدّسة ربّما يكون ظهوره أضرّ لبصائرهم ، ويكون سبباً لعماهم عن الحقّ ،وتحتمل بصائرهم الإيمان به في غيبته ، ينظر الإنسان إلى الشمس من

_________________________

(١)الأنفال(٨) : ٣٣.


تحت السحاب ولا يتضرّر بذلك.

السادس : أنّ الشمس قد تخرج من السحاب وينظر إليها واحد دون واحد ، فكذلك يمكن أن يظهرعليه‌السلام في أيّام غيبته لبعض الخلق دون البعض.

السابع : أنّهمعليهم‌السلام كالشمس في عموم النفع ، وإنّما لا ينتفع بهم كان أعمى كما فسّر به في الأخبار قوله تعالى :( وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا ) (١) .

الثامن : أن الشمس كما أنّ شعاعها يدخل البيوت ، بقدر ما فيها من الروازنوالشبابيك ، وبقدر ما يرتفع عنها من الموانع ، فكذلك الخلق أنّما ينتفعون بأنوار هدايتهم بقدر ما يرفعون الموانع عن حواسّهم ومشاعرهم التي هي روازن قلوبهم من الشهوات النفسانيّة ، والعلائق الجسمانيّة ، وبقدر ما يدفعون عن قلوبهم من الغواشي الكثيفة الهيولائيّة إلى أن ينتهي الأمر إلى حيث يكون بمنزلة من هو تحت السماء يحيط به شعاع الشمس من جميع جوانبه بغير حجاب.

فقد فتحت لك من هذه الجنّة الروحانيّة ثمانية أبواب ، ولقد فتح الله علَيَّ بفضله ثمانية اُخرى تضيق العبارة عن ذكرها ، عسى الله أن يفتح علينا وعليك في معرفتهم ألف باب ، يفتح من كلّ باب ألف باب»(٢) .

السؤال السابع عشر :

لماذا اُلزمت الشيعة أن تهيّأنفسها لظهور الإمام المهدي عليه‌السلام ؟

الجواب : لا شكّ أنّ للحصول على أهداف كلّ ثورة بحاجة إلى معرفة الثورة

_________________________

(١)الإسراء ( ١٧ ) : ٧٢.

(٢)بحارالأنوار : ٥٢ / ٩٣.


وقائدها ، وللوصول إلى أهداف ثورة الإمام المهدي المقدّسة علينا أن نعرفهأوّلاً ، ثمّ نتأمّل في نهضته وودولته وأهدافه السامية ، وما يريد منّا قبل ذلك ، فهذه التأمّلات تدفعنا أن نمهّد لأنفسنا ونتهيّأ لذلك ، ومهّد القرآن الكريم والنبيّوالأئمّة الطاهرين وبيّنوا أبعاد نهضة الإمام الغائب بشتّى الطرق ، فكما مرّ عليك أنّ القرآن الكريم ذكر في عدّة آيات وراثة الصالحين للأرض ، فقال :

( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) (١) .

وقال :( وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) (٢) .

وقال :( وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ) (٣)

ومن هنا اُلزم النّاس أن يفكّروا بالصالحين الذين سيرثون الأرض من هم هؤلاء؟ وما هي ميزاتهم؟ ولماذا اختاروا هؤلاء دون الآخرين؟ وكيف يحكمون الأرض؟ وكيف يحكِّمون القرآن والإسلام في العالم؟ وما هي أساليب استخدام ذلك؟ ومن هنا تبدأ التساؤلات حول هذه القضيّة.

ولمّا نزلت هذه الآيات أخبر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله المسلمين منذ البداية بالحكومة العالميّة

_________________________

(١)الأنبياء (٢١) : ١٠٥.

(٢)القصص (٢٨) : ٥.

(٣)النور (٢٤) : ٥٥.


بقيادة قائد عظيم من أبنائه ، والذي إسمه على إسمه ، وكنيته مثل كنيته(١) ،ونقلت عنه روايات كثيرة في ذلك ، حيث عرّفت النّاس بهذا الوجه المقدّس ، وهذه الحكومة الإلٰهيّة ، وما يلزم عليهم قبل ذلك.

ولقد بيّنت العترة الطاهرةعليهم‌السلام إثر ما بيّنه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أكثر ممّا سبق عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ووضّحوا جميع أبعادها بشكل تكون جميع تلك الروايات والأحاديث الإسلاميّة متحدّثه عن مسألة التمهيد والتهيئة لدولة الإمام المهديعليه‌السلام .

وأمّا كيفيّة التمهيد لظهوره فهي كثيرة نشير إلى بعضها :

١ ـ مواجهة البدع والانحرافات

قلنا قبل ذلك إنّ أحد أسباب غيبة الإمام المهديعليه‌السلام هو الذنوب التي تحطّ من قيمة المجتمع ، وأنّ مواجهة هذه الاُمور تعتبر من عوامل التمهيد لظهور الإمامعليه‌السلام ؛ لأن دولة المهدي دولة المواجهة ضدّ الفساد والبدع والإنحراف ،ومن أهدافه السامية ، فقد قال النبيّ في ذلك :«يملأ الله به الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً» (٢) ، فمن أراد أن يهيّأ نفسه لدولة الإمام المهديعليه‌السلام فعليه أن يعمل عمل الإمام ، ويواجه البدع ، ويتعاون معه في هذا السبيل.

فلقائل يقول : إذا أردنا أن نسرع في ظهور المهدي علينا أن ننشر الفساد أو فعلى الأقلّ أن نسكت أمام الفساد والإنحراف حتّى يعمّ الفساد في المجتمع ويظهر المهدي عند ذلك.

قلنا : مع العلم بأنّ هذه النظريّة فاسدة ولا أساس لها ، فإنّ الإمام المهدي

_________________________

(١)تذكرة الخواصّ : ٢٦٣. عقد الدرر : ٣٢.منهاج السنّة : ٤ / ٢١١.

(٢)الغيبة / النعماني : ٨١.


لمّا يظهر يملأ الأرض عدلاً ، لا أنّه لن يظهر حتّى تمتلأ الأرض ظلماً وجوراً.

والدليل على ذلك : أنّ الأرض ملئت ظلماً ، فلماذا لا يظهر الإمام إذن.

٢ ـ بيان أهداف الإمام الحجّةعليه‌السلام

وعلينا تثقيف المجتمع الإسلامي ، بل البشري ، بعد الوصول إلى معرفتهعليه‌السلام بما سيقدّمه تحت ظلّ الدولة الإسلامية إلى النّار بأنّ من أهداف الإمامعليه‌السلام تطبيق القرآن والدين على جميع النّاس في العالم ، وأنّه ينشر الأمن والسلام ، ويؤكّد على ذلك في دولته ، فحكومته إذن لبسط العدالة في الأرض ، وهي حكومة الأخلاق والقيم الإسلاميّة والإنسانيّة ، والإمامعليه‌السلام هو الذي يحقّق في النهاية أهداف الأنبياء العظام التي دعوا إليها ولم تحقّق إلى الآن.

فمعرفة كلّ ذلك ، ثمّ نقله إلى الآخرين للتعرّف عليه وعلى حكومته ، تعدّ من طريق التمهيد لظهورهعليه‌السلام ، وتلخص من جميع ذلك : أنّ الإمام سيقوم بعمل لم يقم أحد في مرّ التاريخ ، لا الأنبياء ولا أيّ حاكم على وجه الأرض ، حيث يحقّق كلّ الأماني.

فالإعتقاد بهذه الاُمور يدعونا إلى العمل من أجل الوصول إلى هذه الحكومة ، ونرفع عن طريقنا ما يمنعنا من الوصول إلى ذلك ، بل نقوم أيضاً بترغيب الآخرين ،وكلّ هذه الأعمال سوف تحقّق الأرضيّة للظهور.

٣ ـ إنتظار الفرج

ومن جملة الاُمور التي تمهّد لظهور الإمام المهديعليه‌السلام انتظار الفرج ، ذاك الإنتظار الذي دعانا إليه الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمّة المعصومين ، والذي عبّرت عنه الرواياتوالأحاديث بانّه أفضل عبادة للمؤمنين. قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :«أفضل أعمال اُمّتي


إنتظار فرج الله عز وجلّ» (١) .

وعن الصادقعليه‌السلام :«من مات منكم على هذا الأمر منتظراً له كان كمن كان في فسطاط القائم» (٢) .

٤ ـ معرفة الوظائف والعمل بها

إنّ علمائنا قد ذكروا وظائفاً وأعمالاً للمؤمنين في أيّام غيبته الكبرى؛وذلك إستناداً إلى الروايات والأحاديث ووصايا الرسول والأئمّة المعصومينعليهم‌السلام ، وكلّ واحد منهم يعتبر تمهيداً لظهور المهديعليه‌السلام ، ولقد أشار المحدّث القمّي إلى بعضها كما يلي :

«١ ـ الإغتمام لهعليه‌السلام بسبب غيبته.

٢ـ الدعاء لحفظ وجوده المقدّس من شياطين الإنس والجنّ ، وهكذا لتعجيل فرجه الشريف ، والدعاء له بالنصر على أعدائه.

٣ ـ التصدّق عنه بقدر الإستطاعة لدفع البلاء عنهعليه‌السلام .

٤ ـ الحجّ عنه نيابة ، كما كان معروفاً بين الشيعة سالفاً.

٥ـ القيام تعظيماً له عند سماع إسمه الشريف ، وعلى الخصوص عند سماع لقب القائم عجّل الله تعالى فرجه شريف.

٦ـ التضرّع والإبتهال إلى الله تعالى لحفظ الدين والإيمان من مكر الشياطين

_________________________

(١)عيون أخبار الرضاعليه‌السلام : ٢ / ٣٦. بحار الأنوار : ٥٢ / ١٢٢.

(٢)المحاسن : ١ / ١٧٣. بحار الأنوار : ٥٢ / ١٢٥ ، كما أنّه اُشير أيضاً إلى مسألة انتظار الفرج في كتب أهل السنّة ، راجع المعجم الكبير / الطبراني : ١٠ / ١٢٤. مسند شهاب : ١ / ٦٢.تاريخ بغداد : ٢ / ١٥٤.


والنجاة من الشبهات.

٧ـ الاستغاثة والاستعانة به في الشدائد ، والأهوال ، والبلايا ، والأمراض ،وحلول الشبهات ، والفتن»(١) .

وقد تحدّث العلاّمة الكبير السيّد محمّد تقي الموسوي الأصفهانيرحمه‌الله عليهفي مؤلّفه حول هذه الوظائف ، وقد أنها إلى خمسين وظيفة ، فمن أراد ذلك فليراجع كتابه وظيفة الأنام(٢) .

السؤال الثامن عشر :

ما المقصود من إنتظار الفرج؟

الجواب : إنّ من الوظائف المسلّمة في عصر الغيبة الكبرى هو إنتظار الفرج ،وعقد العلّامة المجلسي فصلاً خاصّاً في بحار الأنوار حول هذه الوظيفة ، وذكر سبعين رواية عن المعصومين في ذلك ، وعدّ الإنتظار في هذه الأحاديث من دين الأئمّة وأفضل الأعمال ، وأحبّ الأعمال ، وأفضل العبادة.

فالمنتظر هو كالمتشحّط بدمه في سبيل الله ، وهو بمنزلة من كان مع القائم في فسطاطه ، وبمنزلة الضارب بسيفه في سبيل الله ، وكمن استشهد مع رسول الله ،وكالشاهر سيفه بين يدي رسول الله يذبّ عنه ، وكان له مثل أجر من قتل معه ،وعند الله أفضل كثير ممّن شهد بدراً واُحداً.

وورد عن عليّبن الحسينعليه‌السلام أنّه قال :«إنّ أهل زمان غيبته ، القائلون بإمامته ،

_________________________

(١)منتهى الآمال ( المعرّب ) : ٢ / ٨١٥.

(٢)طبع هذا الكتاب أخيراً في مركز الدراسات التخصّصيّة في الإمام المهديعليه‌السلام .


المنتظرون لظهوره ، أفضل أهل كلّ زمان؛ لأنّ الله تعالى ذكره أعطاهم من العقولوالأفهام والمعرفة ما صارت له الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة ، وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بالسيف ، اُولئك المخلصون حقّاً ، وشيعتنا صدقاً ، والدعاة إلى دين الله سرّاًوجهراً» (١) .

ولهذا إهتمّ أهل البيتعليهم‌السلام غاية الإهتمام بمسألة الإنتظار ، وأصبحت هذه المسألة سبباً لهجوم الأعداء ، حتّى عرّفوه تارة بأنّه فكرة وليدة الخوف ، واُخرى بتفاسير ما يناسب ميولهم وآراءهم ، ومالوا إلى اليمين واليسار في مفهوم الإنتظار.

قال الاُستاذ مكارم الشيرازي موضّحاً لمفهوم الإنتظار وآثاره البنّاءه : «إنّ الجيش الذي ينتظر الجهاد من أجل الحريّة سيكون في حالة إستعداد كامل ، فيأتي بالسلاح المناسب ويصلح ما عنده من سلاح ، ويهيّأ المتاريس ، ويعدّ لهم ما استطاع من قوّة ، ويقوّي المعنويات.

فالجيش الذي لا يعيش في هذه الحالة ، ولا يكون بهذا الإستعداد ، لا يعدّ منتظراً للجهاد والدفاع عن الوطن ، فلو قال : أنا منتظر ، فهو كاذب»(٢) .

وقال أيضاً : «إنّ الذين ينتظرون مصلحاً عالميّاً إنّما ينتظرون ثورة وتغييراًوتحوّلاً ، وهي من أوسع الثورات وأهمّها عبر التاريخ البشري على وجه الأرض»(٣) .

فحقيقة الإنتظار إذن تتركّب من عنصرين : نفي وإثبات ، فالنفي يعني القضاء على العوامل والأسباب التي تؤدّي إلى الإختلاف والتفرقة والإثبات ، أي جعل عوامل التطوّر والرقيّ مكان العوامل السلبيّة. فعلينا بإصلاح أنفسنا ،

_________________________

(١)بحار الأنوار : ٥٢ / ١٢٢.

(٢)و(٣)كرّاس لدروس الاُستاذ حول علل ظهور المذاهب : ٤٧ و ٤٨.


وتحرير أذهاننا من الأفكار المنحرفة ، وقلوبنا من الحقد والحسد وسائر الأمراض القلبيّة الاُخرى التي تسبّب الانحطاط حتّى يقال لنا : نحن منتظرون ،وإلاّ فلو بقيت هذه العيوب فينا فكيف يصدق علينا الإنتظار لحكومة أساسها الجهاد ضدّ هذه العيوب. وبالإضافة إلى ما سبق أن نفكّر بإصلاح المجتمع أيضاً ،وأن نكون مجدّين في ذلك حتّى نكون ممّن شملتهم هذه الآية الشريفة :( إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ) (١) .

فتلخّص أنّ الإنتظار الذي يكون دين الأئمّة ، وأفضل العبادة ، وأحبّ الأعمال لا يلائم تفسير بعض النّاس البسطاء عنه ، حيث ظنّوا أنّ ترويج الباطل والفساد والفحشاء بين النّاس من مصاديق الإنتظار ، أو بالسكوت أمام الفتن والضلالات حتّى ينتشر الفساد والفحشاء ليظهر الحجّةعليه‌السلام . فلا ريب أنّ التمسّك بهذه الآراء المنحرفة عن مفهوم الإنتظار ذنب لا يتسامح به.

قالالصادقعليه‌السلام لأبي بصير : «يا أبا محمّد ، إنّ الميّت على هذه الأمر شهيد.

قلت : جعلت فداك ، وإن مات على فراشه؟

قال :وإن مات على فراشه فإنّه حيّ يرزق »(٢) .

فكيف يعدّ شهيداً من نشر الفحشاء والفساد في المجتمع بحجّة الإسراع بظهور المهدي؟! وهل هذا إلاّ الجهل بأهدافهعليه‌السلام ؟ وكيف يمكن لمن يتسامح في المنكرات أن يكون كمن قارع من النبيّ؟! أو يكون أفضل من شهداء بدر واُحد؟! وكيف يمكن لمن نشر الفساد والفحشاء أن يكون مصداقاً لمن قاتل في سبيل الله بسيفه؟!

_________________________

(١)العصر (١٠٣) : ٣.

(٢)الشيعة والرجعة : ١ / ٤٣٢.




إنّ الحديث عن الإمام المنتظر عن لسان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإن فتح الأبواب من النّاس لمعرفة هدا الإمام العظيم ، بحيث كثر السؤال عنه ، وعن صفاتهومناقبه ودولته الكريمة ووقت ظهوره ، ولكن كان فيهم من هيّأ نفسه لإغواء النّاس تحت ستار أنّه المهدي ، فلذلك دعى النبيّ وأهل البيت إلى أن يذكروا علامات ظهور المهديعليه‌السلام كي يسدّوا باب الأدعياء بالمهدويّة الذين كانوا سبباً لإضلال كثير من المسلمين.

وأمّا العلامات لظهور المهدي فكثيرة ، منها ما وردت عن لسان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ،ومنها عن لسان المعصومين ، فما هي هذه العلامات؟ هل تحقّقت هذه العلامات إلى الآن أو لم تحقّق بعد؟ وهل هذه العلامات حتميّة أو غير حتميّة؟ وهل تتحقّق قبل الظهور ، أو مقارناً للظهور ، أو بعد الظهور؟ هذا ما سنجيب عليه في هذا الفصل إن شاء الله.

السؤال التاسع عشر :

هل حصل تنبّوأ عن أوضاع العالم قبل الظهور؟

الجواب : لقد وردت إخبارات غيبيّة كثيرة حول ما يحدث في العالم قبل ظهور المهديعليه‌السلام ، ويستفاد من مجموعها أنّ الدنيا ستتحوّل قبل الظهور إلى قاعدة للرعب والمأساة ، وسيبتلى النّاس بالضياع والحيرة والضلالة ، ولا يمكنهم


الخلاص منها أبداً.

فالعالم قبل الظهور ستحدث فيه حروب شعواء وتدمير ، على شكل حرب دوليّة وعالميّةبعضها مع بعض ، وكما أشارت روايات الفتن والملاحم : يقتل من كلّ سبعة خمسة ، وسيتعادي اليهود والمسيحيّون مع بعضهم ، وسيسعىكلّ واحد منهم لإبادة الآخر بكلّ ما لديه من الوسائل المدمّرة ، وسيملأ الطغيان كلّ المدن والدول ، والثورات المتعاقبة ستزيد من أمواج الرعب والخوف ، سيقتل كثير من العلماء وحرّاس الدين بسبب أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ، وستحدث حروب دامية بين الشرق والغرب(١) ، وسيحصل اختلاف بين العرب والعجم(٢) .

ومن جهة ثانية ، فإنّ تأثير هذه الخلافات والحروب المدمّرة سوف تجرّ البشر إلى المسكنة والفقر والشقاء ، بالإضافة إلى هجوم الجراد على المزارع ،وحدوث الصواعق ، والطوفان الذي يدمّر المدن والقرى ، وحصول الأمراض الصعبة التي لا علاج لها ، كالطاعون وغيرها من الأمراض المسرية وغير المعروفة التي تسبّب موت كثير من النّاس في كلّ يوم ، وهكذا إبتعاد النّاس عن المعارف الإسلاميّة والقيم الأخلاقيّة وثقافة أهل البيتعليهم‌السلام كلّ البعد.

فعلى أساس الروايات ، فإنّ سوق الدين سوف يصاب بالكساد ، ويتخلّى النّاس عن الصلاة ، ويخونوا في الأمانات ، ويستحلّوا المحرّمات ، ويستولي مال الربا على كثير من النّاس ، إلى غير ذلك ، كبيع النّاس دينهم بدنياهم ، وافتخارهم

_________________________

(١)راجع بشارة الإسلام : ٢٨.

(٢)إلزام الناصب : ٢٨٨.


بالظلم والتعدّي على الآخرين(١) .

أمّا الحكّام فسيكونون فجرة ، والوزراء ظلمة ، والوجهاء خونة ، وقرّاء القرآن فسقة ، وفي ذلك اليوم يصدّق الكاذب ، ويحسب الخائن أميناً ، وتتشبّه النساء بالرجال ، والرجال بالنساء(٢) .

السؤال العشرون :

مع العلم بانتشار الظلم والجور في كلّ أنحاء العالم ، فلماذا لا يظهر المهدي المنتظر عليه‌السلام ؟

الجواب : أخبر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ضمن عشرات من الأحاديث حول المهديعليه‌السلام بأنّه :«يملأ الله به الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً» (٣) ، فبالنظر إلى هذا الحديث إذا ظهر المهديعليه‌السلام فإنّه سيملأ الأرض عدلاً وقسطاً ، لا أنّالدنيا إذا امتلأت ظلماً وجوراً فإنّه سوف يظهر.

فإنّك لا تجد ولو في حديث واحد ممّا يعتقده بعض الجهّال بأنّه إذا انتشر الظلم والجور فسيظهر المهديعليه‌السلام ، وممّا يشهد بأنّ ظهور المهدي غير مرهون بانتشار الظلم والفساد هو : إنّنا نرى أنّ الظلم والجور قد انتشر في كلّ مكان ، فإذا كان كذلك فلماذت لم يظهرعليه‌السلام ؟

وذكر شيخنا الاُستاذ مكارم الشيرازي في حديثه حول علل ظهور المذاهب ، الذي كان يلقيه علينا في ليالي الخميس بقوله : « ليس الفساد هدفاً ، وإنّما

_________________________

(١)بشارة الإسلام : ٢٨.

(٢)بحار الأنوار : ٥٢ / ١٩٣.

(٣)مصدر المتقدّم : ٥١ / ٧٣.


التهيّؤ هدفاً ، وهذا على خلاف ما يتصوّره البعض ، فإنّ الذي يسرع بظهور المهديعليه‌السلام ليس هو وجود الظلم والفساد في كلّ العالم ، بل الإستعداد والتعطّش( لوجود المصلح العالمي ) يسرع في الظهور ، ولكن مع ذلك لا يمكننا أن ننكر أنّ انتشار الظلم والفساد سيكون إحدي العوامل للتهيّؤ والتعطّش؛ لأنّ النّاس في العالم إذا ذاقوا الثمرة المرّة للعنصريّة والظلم سوف يتألّمون ، ويقومون بالبحث عن طريق الإصلاح والمصلح العالمي.

وفي النهاية نقول : إنّ النواة الأصليّة ، والأرضيّة للظهور هو الإستعدادوالوعي من عواقب الأوضاع المتردّية في العالم ، لا أن يكون وجود الظلموالفساد هدفاً أصليّاً.

السؤال الحادي والعشرون :

ما هي علامات الظهور؟

لقد امتلأت الكتب ، قديماً وحديثاً ، بالحديث عن علامات الظهور ، وهي على قسمين :

القسم الأوّل : علائم حتميّة ، والمقصود بتلك العلائم هي علائم حتميّة يجب وقوعها قبل ظهور المهديعليه‌السلام ، فهي خمسة :

١ ـ خروج السفياني

السفياني رجل من نسل خالد بن يزيد بن أبي سفيان ، وإسمه عثمان بن عنبسة(١) ، ويخرج من دمشق من مكان يسميّ بالوادي اليابس ، وهو الذي

_________________________

(١)بحار الأنوار : ٥٢ / ٢٠٥.


يسبّب الخوف والرعب في قلوب النّاس ، فكلّ من يرى رايته فسوف يهربوإن كان بعيداً عنه(١) .

السفياني سوف يهجم على كثير من المدن ، من جملتها الكوفة والبصرة ،ويهجم على المدينة أيضاً ، ويكثر القتل فيها ، وأنّه سيهتك رمات الإسلام واحدة تلو الاُخرى ، ثمّ يقتل العلماء ، ويحرق المصاحف ، ويهدم المساجد ،ويحلّل الحرام ، ويزداد فسقه وفجوره وطغيانه وعتوّه يوماً بعد يوم ، ويقتل كلّ من كان إسمه محمّد أو أحمد أو عليّ أو جعفر أو حمزة أو حسن أو حسين أو فاطمة أو زينب أو رقية أو اُمّ كلثوم أو خديجة(٢) حقداً منه لأهل البيتعليهم‌السلام .وهذه الحالة تستمرّ إلى ظهور الإمام المهدي المنتظرعليه‌السلام .

٢ ـ قتل النفس الزكيّة

ومن العلائم الحتميّة أيضاً غلام من آل محمّد إسمه محمّد بن الحسن ، معروف بالنفس الزكيّة ، يُقتل في المسجد الحرام بين الركن والمقام(٣) ، كما أشار إليه الإمام الباقرعليه‌السلام .

٣ ـ النداء من السماء

ومن العلائم الحتميّة أيضاً النداء من السماء باسم الإمام المهديعليه‌السلام وإسم أبيه ، حتّى يسمعه أهل الشرق والغرب.

فعن شرحبيل ، قال : «قال أبو جعفرعليه‌السلام ـوقد سألته عن القائمعليه‌السلام فقال : ـ

_________________________

(١)عقد الدرر : ٧٢.

(٢)المصدر المتقدّم : ٩٠.

(٣)بحار الأنوار : ٥٢ / ١٩٢.


إنّه لا يكون حتّى ينادي منادٍ من السماء يسمع أهل المشرق والمغرب ، حتّى تسمعه الفتاة في خدرها »(١) .

وفسّر لنا الإمام الصادق هذا النداء باسم الإمام المهدي وإسم أبيه ، فقال لزياد القندي حينما سأله عن النداء الذي من المحتوم ، فقال :منادٍ ينادي باسم القائم وإسم أبيه عليهما‌السلام »(٢) .

وعلى ما روى الإمام الباقر لنا أنّ هذا النداء يكون من قِبل جبرئيل ،وذلك في الثلاث والعشرين من شهر رمضان المبارك ، في ليلة الجمعة ، قالعليه‌السلام :«الصيحة لا تكون إلاّ في شهر رمضان ؛ لأنّ شهر رمضان شهر الله ، الصيحة فيه هي صيحة جبرئيل عليه‌السلام إلى هذا الخلق .

ثمّ ينادي منادٍ من السماء باسم القائم عليه‌السلام ، فيسمع مَن بالمشرق ومَن بالمغرب ، لا يبقى راقد إلاّ استيقظ ، ولا قائم إلاّ قعد ، ولا قاعد إلاّ قام على رجليه فزعاً من ذلك الصوت ، فرحم الله من اعتبر بذلك الصوت فأجاب ، فإنّ الصوت الأوّل هو صوت جبرئيل الروح الأمين عليه‌السلام .

ثمّ قالعليه‌السلام :يكون الصوت في شهر رمضان ، في ليلة الجمعة ليلة ثلاثوعشرين ، فلا تشكّوا في ذلك ، واسمعوا وأطيعوا ، وفي آخر النهار صوت الملعون إبليس ينادي : ألا أنّ فلاناً قُتل مظلوماً ليشكّك النّاس ويفتنهم ، فكم في ذلك اليوم من شاكّ متحيّر قد هوى في النّار ، فإذا سمعتم الصوت في شهر رمضان فلا تشكّوا فيه ، إنّه صوت جبرئيل ...» (٣) .

_________________________

(١)و(٢)الغيبة / النعماني : ٢٥٧.

(٣)معجم أحاديث الإمام المهديعليه‌السلام : ٣ / ٢٥٣.


٤ ـ خسف بالبيداء

ومن العلائم الحتميّة أيضاً : الخسف بالبيداء ، والبيداء موضع بين مكّة والمدينة ، فإنّ السفياني عندما يسمع بخروج المهدي يرسل جيشاً إلى المدينة ، ولمّا يصلون إلى البيداء تخسف بهم الأرض.

قال الباقرعليه‌السلام في حديث طويل :«ويبعث السفياني بعثاً إلى المدينة ، فينفر المهدي منها إلى مكّة ، فيبلغ أمير جيش السفياني أنّ المهدي عليه‌السلام قد خرج إلى مكّة ، فيبعث جيشاً على أثره فلا يدركه حتّى يدخل مكّة خائفاً يترقّب سنّة موسى بن عمران .

قال :وينزل أمير جيش السفياني البيداء ، فينادي منادٍ من السماء : يا بيداء ، أبيدي القوم ، فيخسف بهم ، فلا يفلت منهم إلاّ ثلاثة نفر يحوّل الله وجوههم إلى أقفيتهم ، وهم من كلب ، وفيهم نزلت هذه الآية : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَا ) (١) » (٢) .

٥ ـ ظهور يد في السماء

وأمّا الخامس من العلائم الحتميّة : كفّ من السماء ، كما أشار الإمام الصادقعليه‌السلام إلى ذلك حيث قال :«وكفّ تطلع من السماء من المحتوم» (٣) .

وقفة قصيرة : إختلفت الروايات في ذكر هذه العلامات الحتميّة ، ففي بعضها

_________________________

(١)النساء(٤) : ٤٧.

(٢)بحار الأنوار : ٥٢ / ٢٣٨.

(٣)الغيبة / النعماني : ٢٥٢ ، الباب١٤.


ذكرت خمس علامات ، وفي بعضها أربعة ، وفي بعضها ستّة من دون ذكر العدد ، وفي بعضها ذكرت عدد الخمس.

فرواية الخمسة من دون ذكر العدد ما رواه النعماني بسنده عن الصادق ، قال :«النداء من المحتوم ، والسفياني من المحتوم ، واليماني من المحتوم ،وقتل النفس الزكيّة من المحتوم ، وكفّ يطلع من السماء من المحتوم» (١) .

وأمّا رواية العلائم الأربع ، فعنه أيضاً أنّه قال :«من المحتوم خروج السفياني ، وخسف بالبيداء ، وقتل النفس الزكيّة ، والمنادي من السماء» (٢) .

وأمّا روايات العلائم الحتميّة المصرّحة فيها عدد الخمس ، فأكثر ممّ سبق ، كما صرّح به الصادقعليه‌السلام قائلاً :«خمس قبل قيام القائم من العلامات : الصيحة ،والسفياني ، والخسف بالبيداء ، وخروج اليماني ، وقتل النفس الزكيّة» (٣) .

وروى الصدوق نفس هذه الرواية بتقديم وتأخير في العلامات ، ولكن أضاف الصادق فيها كلمة محتويات ، فقال :«قبل قيام القائم خمس علامات محتومات ...» (٤) .

ويمكن أن نجمع بين روايات الأربع والخمس بما يلي : أنّ الإمام الصادق لم يكن بصدد ذكر جميع العلامات في رواية الأربع ، فقال : «من المحتوم كذا ...» ،وأمّا في رواية العلائم الخمس فالإمام أنهى العلائم إلى خمس وذكر العدد ،وهكذا أشار إلى المحتومات الخمس.

_________________________

(١)الغيبة / النعماني : ٢٥٢ ، الباب١٤.

(٢)المصدر المتقدّم : ٢٦٤.

(٣)بحار الأنوار : ٥٢ / ٢٠٩.

(٤)كمال الدين : ٢ / ٦٥٠. بحار الأنوار : ٥٢ / ٢٠٤.


بقي شيء واحد ، وهو أنّه اُشير في بعض هذه الروايات إلى حتميّات اُخر ، كخروج اليماني(١) ، وكاختلاف أولاد بني العبّاس(٢) ، وفي بعضها إضافة : القائم من المحتوم.

أمّا حتميّة خروج القائم وإن كان لا ريب فيه ، ولكن ليس من العلائم المبحوث عنها.

القسم الثاني : العلائم غير الحتميّة

وأمّا العلائم غير الحتميّة فكثيرة ، ووردت في عشرات من الرواياتوالأحاديث الإسلاميّة عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمّة المعصومينعليهم‌السلام .

يقول المحدّث القمّي عن هذه العلامات : « وأمّا العلامات الغير حتميّة فهي كثيرة ، بعضها وقع وبعضها لم يقع بعد ، ونحن نشير إليها هنا على نحو الإجمال :

١ ـ تخريب حائط مسجد الكوفة.

٢ ـ جريان نهر من شطّ الفرات في أزقّة الكوفة.

٣ ـ بناء مدينة الكوفة بعد خرابها.

٤ ـ ظهور الماء من بحر النجف.

٥ ـ جريان نهر من الفرات إلى الغريّ.

٦ ـ ظهور مذنّب بالقرب من نجمة الجدي.

٧ ـ حصول قحط شديد قبل الظهور.

٨ ـ وقوع الزلزلة والطاعون الشديدَين في كثير المدن.

_________________________

(١)الغيبة / النعماني : ٢٥٦.

(٢)المصدر المتقدّم : ٢٠٦.


٩ ـ القتل البيوح ، أي القتل الكثير الذي لا ينقطع.

١٠ ـ هدم مسجد براثا.

١١ـ ظهور نار بين الأرض والسماء من الشرق إلى ثلاثة أو سبعة أيّام ،وتكون سبباً لخوف النّاس ودهشتهم.

١٢ ـ ظهور حمرة شديدة تنتشر في السماء حتّى تملأه.

١٣ ـ هطول أمطار غزيرة في شهر جمادي الثانية وشهر رجب لم يرَمثلها.

١٤ـ طلوع نجم من الشرق تزهر كالقمر ، وهيأتها كغرّة القمر ، ولطرفيها إنحنا يوشك أن يتّصلا ، ولها نور شديد يدهش الأبصار.

١٥ـ امتلاء العالم بالظلم والكفر والفسوق والمعاصي.

السؤال الثاني والعشرون :

هل حدّدت الفترة الزمنيّة بين العلامات الحتميّة وظهور المهدي عليه‌السلام ؟

الجواب : ذكرت أربع فواصل بين بعض العلامات ، حتميّة وغير حتميّة ، وبين ظهور الإمام الغائبعليه‌السلام .

١ ـ أقلّ من سنة

لا توجد فاصلة زمنيّة بين خروج السفياني وظهور الإمام المهدي إلاّ سنة واحدة ، بل كلاهما يخرجان في سنة واحدة. وهذا ممّا حدّثنابه الإمام الباقرعليه‌السلام ، حيث قال :«السفياني والقائم في سنة واحدة» (١) .

وورد عنه أيضاً ، قال :«إذا استولى السفياني على الكور الخمس فعدّواله تسعة

_________________________

(١)الغيبة / النعماني : ٢٦٧.


أشهر ، يعني ثمّ يظهر المهدي» (١) .

قال السلمي : « وزعم هشام أنّ الكور الخمس : دمشق وفلسطين والأردنوحمص وحلب»(٢) .

٢ ـ خمسة عشر ليلة

وهذه الفاصلةالزمنيّة تكون بين قتل النفس الزكيّة في المسجد الحرام بين الركن والمقام ، وظهور الحجّة القائم المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف.

قال الصادقعليه‌السلام :«ليس بين قيام قائم آل محمّد وبين قتل النفس الزكيّة إلاّ خمسة عشر ليلة» (٣) .

٣ ـ ليلتين قبل الظهور

روى العيّاشي عن عبد الأعلى الجبلي ، قال : «قال أبو جعفرعليه‌السلام :يكون لصاحب هذا الأمر غيبة في بعض هذه الشعاب .

ثمّ أومأ بيده إلى ناحية ذي طوى ، حتّى إذا كان قبل خروجه بليلتين انتهى المولى الذي يكون بين يديه حتّى يلقى بعض أصحابه ، فيقول : كم أنتم هاهنا؟ فيقولون : نحو من أربعين رجلاً ، فيقول : كيف أنتم لو قد رأيتم صاحبكم؟

فيقولون : والله لو يأوى بنا الجبال لآويناها معه ، ثمّ يأتيهم من القابلة فيقول لهم : أشيروا إلى ذوي أسنانكم وأخياركم عشيرة ، فيشيرون له إليهم ، فينطلق بهم حتّى يأتون صاحبهم ويعدهم إلى الليلة التي تليها»(٤) .

_________________________

(١)و(٢)عقد الدرر : ٨٦.

(٣)بحار الأنوار : ٥٢ / ١٩٢.

(٤)تفسير العيّاشي : ٢ / ٥٦.


٤ ـ الفاصلة قليلة جدّاً

وعن النعماني عن ابن عقدة ، عن أحمد بن يوسف ، عن إسماعيل بن مهران ، عن إبنالبطائني ، عن أبيه ووهيب ، عن أبي بصير ، عن أبي عبداللهعليه‌السلام أنّه قال :«بينا النّاس وقوفاً بعرفات إذ أتاهم راكب على ناقة ذعلبة يخبرهم بموت خليفة ، عند موته فرج آل محمّد عليهم‌السلام ، وفرج النّاس جميعاً .

وقال عليه‌السلام :إذا رأيتم علامة في السماء : ناراً عظيمة من قِبل المشرق تطلع ليالٍ فعندها فرج النّاس ، وهي قدّام القائم بقليل» (١) .

السؤال الثالث والعشرون :

من هم أهل المشرق؟ وما هو دورهم في زمن غيبة المهدي وحضوره؟

الجواب : لقد صدرت روايات كثيرة عن النبيّ وأهل البيت في أهل المشرق ، وما يقدّمون من خدمات عظيمة إلى الإسلام والمسلمين في غيبة المهديعليه‌السلام وأيّام حضوره ، حتّى قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في شأنهم بأنّهم يوطّئون للمهدي سلطانه ، وقال الباقرعليه‌السلام حينما ذكر أهل المشرق وخروجهم لطلب الحقّ :«أما إنّي لو أدركت ذلك لأبقيت لصاحب هذا الأمر» .

وقبل الحديث عن جهاهم المقدّس ، علينا أوّلاً أن نعرف من هم أهل المشرق ، وفي أي بلاد يسكنون ، وما تقول الروايات والأحاديث الإسلاميّة عنهم ، فنقول :

لا شكّ أنّ أهل المشرق الذي تخرج الرايات السود من بينهم ، والذين يؤدّون الطاعة للمهدي هم أهل خراسان لما ورد عن الباقرعليه‌السلام ، قال : تنزل الرايات السود

_________________________

(١)بحار الأنوار : ٥٢ / ٢٤٠.


التي تخرج من خرسان إلى الكوفة ، فإذا ظهر المهدي عليه‌السلام بعث إليه البيعة »(١) .

وبما أنّ خراسان قديماً وحديثاً ، وخصوصاً في وقت صدور الروايات كانت تعدّ من بلاد فارس ، فلا ريب أنّ المقصود من أهل المشرق هم الإيرانيّون ،وهكذا بملاحظة ما ورد في قم وأهل قم ، والطالقان وكنوزها ، نستنتج أنّ الفرس لهم دور عظيم في حركة الإمام المهديعليه‌السلام ، بل لهم دور عظيم في أيّام غيبته ، فكان النبيّ والأئمّة الطاهرين يفتخرون بهم ، وبتعاطفهم مع العترةعليهم‌السلام ، رغم كراهة بعض المنافقين ، كلأشعثبن قيس وغيره ، من حضور هؤلاء بجانب الإمام أمير المؤمنين ، وتعظيم الإمام لهم ، وأمّا دورهم فكما يلي :

١ ـ الدفاع عن الإسلام والقرآن

لقد ورد في بعض ما روي عن العترة الطاهرة أنّ الإيرانيّين هم الفئة الوحيدة التي تدافع عن الدين والقرآن في زمن غربة الإسلام ، كما صرّح الإمام عليّعليه‌السلام في خطبته في مسجد الكوفة.

قال ابن أبي الحديد في شرح النهج : «جاء الأشعث إليهـإلى الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ـ فجعل يتخطّى حتّى قرب منه ، ثمّ قال له :

يا أميرالمؤمنين ، غلبتنا هذه الحمراء على قربك ، يعني العجم ، فركض المنبر برجله حتّى قال صعصعة بن صوحان : ما لنا وللأشعث ليقولنّ أمير المؤمنين اليوم في العرب قولاً لا يزال يذكر.

فقالعليه‌السلام :مَن عذيري من هؤلاء الضياطِرة ، يتمرّغ أحدهم على فراشه تمرّغ الحمار ، ويهجر قوماً للذكر! أفتأمرني أن أطردهم؟! ما كنت لأطردهم فأكون

_________________________

(١)بحار الأنوار : ٥٢ / ٢١٧.


من الجاهلين ، أما والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة ليضربنّكم على الدين عوداً كما ضربتموهم عليه بدءاً »(١) .

وفسّر الإمام الصادقعليه‌السلام قول الله تعالى :( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا ) (٢) ، قال :«قوم يبعثهم الله قبل خروج القائم فلايدعون وتِراً لآل محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله إلاّ قتلوه» (٣) .

وعنهعليه‌السلام : «أنّه قرأ هذه الآية فقلنا : جعلنا فداك ، من هؤلاء؟

فقال ثلاثاً : هم والله أهل قم ، هم والله أهل قم ، هم والله أهل قم»(٤) .

ويستمرّ هذا الدفاع المقدّس بشتّى أساليبه في طول الغيبة إلى ظهورهعليه‌السلام .

٢ ـ التمهيد لدولة الإمام المهديعليه‌السلام

ومن أهمّ نشاطاتهم في عصر الغيبة هو الجهاد والقتال ضدّ أعداء الإسلام وفتح حصونهم وستبدأ هذه الحرب والجهاد من قم المقدّسة ، وتنتهي بثورةأهل خراسان براياتهم السود ، وحربهم الدامية ضدّ السفياني ، وخروجهم إلى الكوفة ، وببيعتهم للمهدي المنتظرعليه‌السلام .

وقد أسفر الإمام الصادق عن هذه الحقيقة بقوله :«سيأتي زمان تكون قم وأهلها حجّة على الخلائق ، وذلك في زمان غيبة قائمنا إلى ظهوره» (٥) .

_________________________

(١)شرح نهج البلاغة : ٢٠ / ٢٨٤.

(٢)الإسراء (١٧) : ٥.

(٣)نور الثقلين : ٣ / ١٣٨.

(٤)عصر الظهور : ١٩٩.

(٥)بحار الأنوار : ٦٠ / ٢١٣.


وعلى أساس هذه الروايات ، فإنّ هذه النهضة العلميّة ، والجهاد الثقافي الكبير سيكون عند الغيبة ، ويستمرّ ذلك إلى ظهور القائم المهديعليه‌السلام ، فإنّ صوت الإسلام الأصيل الذي يكون حجر بناء الدولة الكريمة للمهدي ، سينطلق من قم ، ويقرع أسماع العالم حتّى ينتشر الإسلام في كلّ أنحاء العالم ، ولا نشكّ في يومنا هذا أنّ هذا الجهاد بدأ من المطالبة بالحقّ ، ثمّ حمل السيوف على العواتق ،وتأسيس الدولة الكريمة بقيادة الإمام الخمينيقدس‌سره تمهيداً لدولة الإمام المهديعليه‌السلام .

قال الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام :«رجل من قم يدعو النّاس إلى الحقّ ، يجتمع معه قوم قلوبهم كزبر الحديد ، لا تزلّهم الرياح العواصف ، لا يملّون من الحرب ، ولا يجبنون ، وعلى الله يتوكّلون ، والعاقبة للمتّقين» (١) .

وأخبر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله عن هذه الدولة الممهّدة كما عن الحاكم في المستدرك على الصحيحين ، عن عبدالله بن مسعود ، قال : «أتينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فخرج إلينا مستبشراً يُعرف السرور في وجهه ، فما سألناه عن شيء إلاّ أخبرنا به حتّى مرّت فتية من بني هاشم فيهم الحسن والحسين ، فلمّا رآهم إلتزمهموانهملت عيناه ...

فقلنا يا رسول الله ، ما نزال نرى في وجهك شيئاً نكرهه! فقال :إنّا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا ، وأنّه سيلقى أهل بيتي من بعدي تطريداً وتشريداً في البلاد حتّى ترتفع رايات سود في المشرق فيسألون الحقّ فلا يعطونه ، ثمّ يسألونه فلا يعطونه ، ثمّ يسألونه فلا يعطونه ، فيقاتلون فينصرون فمن أدركه منكم ومن أعقابكم فليأت إمام أهل بيتي ولو حبواً على الثلج ، فإنّها رايات هدى يدفعونها إلى رجل من أهل بيتي يواطئ إسمه اسمي ، وإسم أبيه إسم أبي ، _________________________

(١)بحار الأنوار : ٦٠ / ٢١٦.


فيملك الأرض فيملؤها وعدلاً كما ملئت جوراًوظلماً» (١) .

ولا شكّ أنّ هذا الجهاد العظيم لا ينتج إلاّ في ظلّ دولة كريمة يؤسّسها أهل المشرق ، يقول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله :«يخرج ناس من المشرق ، فيوطّؤن للمهدي سلطانه» (٢) .

وتنبئنا هذه الروايات أيضاً عن أصحاب هذه الرايات السود من شجاعتهم وقوّتهم وعدم خوفهم وغلبتهم على اليهود ، كما جاء النصّ بذلك من أنّه :«تخرج من خراسان رايات سود فلايردّها شيء حتّى تنصب بإيلياء» (٣) ،والمقصود من إيليا هم بيت المقدس(٤) .

٣ ـ أصحاب الإمام المهدي

ومن أعظم منن الله على هذه الفئة المسلمة أن جعل أكثر أصحاب المهديعليه‌السلام من بلدانهم ، فقد ذكرت بعض البلدان الإيرانيّة حينما أشارت الروايات إلى البلدان التي فيها أصحاب المهديعليه‌السلام ، كمرورود ، ومرو ، وطوس ، ومغان ، وجابروان ،وقرمس ، واصطخر ، وفارياب ، وطالقان ، وسجستان ، ونيسابور ، وطبرستان ،وقم ، وجرجان ، وأهواز ، وسيراف ، وري ، وكرمان(٥) .

قال عليّعليه‌السلام حول أصحاب المهدي الذين هم من الطالقان : «بخ بخ للطالقان ، فإنّ لله عزّوجلّ بها كنوزاً ليست من ذهب ولا فضّة ، ولكنّ بها رجالاً عرفوا الله حقّ

_________________________

(١)عصر الظهور : ٢١٩.

(٢)سنن ابن ماجة : ٢ / ٢٤. التذكرة في أحوال الموتى والآخرة : ٥٣. فرائد السمطين : ٢ / ٩١.

(٣)عصر الظهور : ٢٢٧.

(٤)المصدر المتقدّم : ٢٢٨.

(٥)دلائل الإمامة : ٣١٤.


معرفته ، وهم أنصار المهدي آخر الزمان» (١) .

ووصفهم الإمام الصادقعليه‌السلام ، وقال :«له كنز بالطالقان ، ما هو بذهب ولا فضّة ، وراية لم تنشر منذ طويت ، ورجال كأن قلوبهم زبر الحديد ، لا يشوبها شكّ في ذات الله ، أشدّ من الحجر ، لو حملوا على الجبال لأزالوها ، لا يقصدون براياتهم بلدة إلاّ خرّبوها ، كأنّ على خيولهم العقبان ، يتمسّحون بسرج الإمام عليه‌السلام يطلبون بذلك البركة ، ويحفّون به يقونه بأنفسهم في الحرب ، ويكفونه ما يريد ، فيهم رجال لا ينامون الليل ، لهم دويّ في صلاتهم كدويّ النحل ، يبيتون قياماً على أطرافهم ، ويصبحون على خيولهم ، رهبان بالليل ، ليوث بالنهار ، هم أطوع له من الأمة لسيّدها ، كالمصابيح كأنّ قلوبهم القناديل ، وهم من خشية الله مشفقون ، يدعون بالشهادة ، ويتمنّون أن يقتلوا في سبيل الله ، شعارهم يا لثارات الحسين ، إذا ساروا يسير الرعب أمامهم مسيرة شهر ، يمشون إلى المولى إرسالاً ، بهم ينصر الله إمام الحقّ» (٢) .

وقد مرّ عليك أنّ الإمام الصادقعليه‌السلام فسّر قوله تعالى :( بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ) (٣) ، وقال :«هم والله أهل قم ، هم والله أهل قم ، هم والله أهل قم» (٤) .

وممّا يدلّ أيضاً إنّ كثيراً منهم من أنصار القائم المهديعليه‌السلام وأصحابه ما أشار إليه الباقرعليه‌السلام ، قال :«أصحاب القائم عليه‌السلام ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً أولاد العجم

_________________________

(١)ينابيع المودّة : ٤٤٩.

(٢)بحار الأنوار : ٥٢ / ٣٠٧.

(٣)الإسراء (١٧) : ٥.

(٤)المصدر المتقدّم : ٦٠ / ٢١٦.


بعضهم يحمل في السحاب نهاراً يعرف باسمه وإسم أبيه ونسبه وحليته ، وبعضهم نائم على فراشه ، فيرى في مكّة على غير ميعاد» (١) .

ذكر الإمام الصادقعليه‌السلام أهل قم وقال لعفّان البصري : «أتدري لِمَ سمّي قم؟

قلت : الله ورسوله أعلم.

قال :إنّما سُمّي قم لأنّ أهله يجتمعون مع قائم آل محمّد صلوات الله عليه ،ويقومون معه ، ويستقيمون عليه وينصرونه »(٢) .

٤ ـ تعليم القرآن في عاصمة الدولة

فعن اصبغ بن نباتة ، قال : «سمعت عليّاً يقول :كأنّي بالعجم فساطيطهم في مسجد الكوفة يعلّمون النّاس كما اُنزل »(٣) .

فطوبى لهم ، ثمّ طوبى لهم من هذه الهمّة العالية ، والخدمات السامية ، فأي مكانة أعلى من هذه بأنّهم سيكونون في دولة الإمام المهدي ، وخصوصاً في عاصمتهعليه‌السلام من المعلّمين لكتاب الله تعالى.

_________________________

(١)و(٣)سفينة البحار : ٢ / ١٦٥.

(٢)بحار الأنوار : ٦٠ / ٢١٦.




لا ريب أنّ الإمام المهدي المنتظرعليه‌السلام غنيّ عن تعريفنا أو تعريف أحد من الخلق غير المعصومين ، حيث وصفوه بأحسن ما يكون ، فالذي يكون أكثر إشراقاً من الشمس ، وأضوءَ من السماء المظلمة لا يحتاج إلى توصيفه بعد أن وصفه الله بأنّه بقيّة الله ، وحجّته على الأرض ، وخليفته على خلقه ،وذخيرته على عباده.

فهذه الشخصيّة العظيمة لها مميّزاتها الذاتيّة الخاصّة بها ، والتي قد لا توجد في غيرة من المعصومينعليهم‌السلام ، ويختصّ هذا الفصل بذكر هذه المميّزات.

السؤال الرابع والعشرون :

لماذا يقوم النّاس حينما يسمعون باسم قائم آل محمّد(عج)؟

الجواب : لا شكّ أنّ هذه السيرة الحسنة الموجودة والمتداولة بين الشيعة الإماميّة وما زالت مستمرّة إلى الآن متّخذة عن المعصومينعليهم‌السلام ، فإنّهم عملوا ذلك تعظيماً لبقيّة الله وحجّته ، وإن لم يولد بعد ، وطلبوا منّا كذلك تعظيماً واحتراماً له ، وعلى رأي الميرزا النوريرحمه‌الله ، هذا يكشف عن وجود مأخذ لذلك ،وإن لم نعثر عليه.

ثمّ قال : لقد ذكر بعض العلماء نقلاً عن العالم المتبحّر السيّد عبدالله سبط المحدّث الجزائري ، حيث سئل عنه ، وقد أجاب عن ذلك في بعض تصانيفه قائلاً :


ففي خبر ورد عن الصادقعليه‌السلام أنّه ذكر إسم المهدي في مجلس كان فيه ، فقام الإمامعليه‌السلام إحتراماً وتعظيماً له(١) .

وأيضاً ورد في بعض الروايات : «أنّ دعبل بن عليّ الخزاعي لما دخل على الإمام الرضاعليه‌السلام وقرأ عليه التائيّة المعروفة ، ووصل إلى أبياته التي قالها في المهديعليه‌السلام (٢) ، وسمع ذلك منه قام الرضاعليه‌السلام قائماً على قدميه ، وطأطأ رأسه منحنياً به إلى الأرض بعد أن وضع كفّه اليمنى على هامته»(٣) .

وأضاف الميرزا النوري : «وروي أنّه لما ذكر إسم الحجّة بن الحسن عند الرضاعليه‌السلام قام ووضع كلتا يديه على رأسه ، وقال :اللّهمّ عجّل فرجه ، وسهّل مخرجه »(٤) .

وسئل الإمام الصادقعليه‌السلام عن سبب القيام عند ذكر لفظ القائم من ألقاب الحجّةعليه‌السلام ، قال :«لأنّ له غيبة طويلة ، ومن شدّة الرأفة بأحبّته ينظر إلى كلّ من يذكره بهذا اللقب ، فعلى العبد الخاضع لصاحبه أن يقوم عندما ينظر المولى الجليل إليه ، فليقم وليطلب من الله جلّ ذكره وتعجيل فرجه» (٥) .

ألّف بعض الأعلام كتباً في هذا الموضوع ، واعتبروه من الاُمور المستحبّة ، ومن جملتهم والدنا المرحوم آية الله الشيخ محمّد رضا الطبسيرحمه‌الله في رسالته( السيف المشتهر في استحباب القيام عند سماع القائم المنتظر ).

_________________________

(١)النجم الثاقب : ٤٤٤.

(٢)قال دعبل :

خروج إمام لا محالة خارج

يقوم على إسم الله والبركات

يميّز فينا كلّ حقّ وباطل

ويجزي على النعماء والنقمات

(٣ ـ ٥) منتخب الأثر : ٥٠٥.


السؤال الخامس والعشرون :

هل يحرم التصريح باسم الإمام المهدي عليه‌السلام ؟

الجواب : ذكر العلاّمة المجلسيرحمه‌الله في باب خصّه بالنهي عن التسمية ثلاثة عشر رواية عن تسعة من الأئمّة المعصومين في النهي عن تسمية الإمام المهدي باسمه الشريف.

وفي هذه الروايات تصريح لا ينكر على هذا النهي ، حيث قال عليّعليه‌السلام لعمر بن الخطّاب :«لا اُحدّث باسمه» ، وقال الصادقعليه‌السلام :«لا يحلّ لكم تسميته» ، وقال الكاظمعليه‌السلام :«يحلّ لهم تسميته» ، وقال الرضاعليه‌السلام :«لا يسمّى باسمه» ، وقال الجوادعليه‌السلام :« ويحرم عليهم تسميته» ، وقال الهاديعليه‌السلام :«لا يحلّ ذكره باسمه» ، وقال العسكريعليه‌السلام :«ولا يحلّ لكم ذكره» ، وقال الحجّة القائمعليه‌السلام :«من سمّاني في مجمع من النّاس باسمي فعليه لعنة الله» .

وكما ترى أنّ أكثر هذه الروايات منعت الشيعة من التصريح باسم الإمام المهديعليه‌السلام ، ففي بعضها لا يحلّ ، وفي بعضها يحرم ، وخصوصاً بملاحظة ما ورد عن الصادقعليه‌السلام حيث قال :«لا يسمّيه با سمه إلا كافر» ، لا نشكّ في عدم جواز ذكر إسمه الصريح ، إن صحّ الإسناد.

ولكن بملاحظة روايات اُخرى التي تصرّح باسم الإمام المهدي المذكور عن لسان المعصومينعليهم‌السلام علينا التأمّل في ذلك.

وأمّا ما روي في النهي عن ذكر إسمه فإليك بعضها :

روي الصدوق عن أبيه وابن الوليد معاً ، عن سعد ، عن اليقطيني ، عن إسماعيل بن أبان ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن أبي جعفر ، قال :«سأل عمر


أمير المؤمنين عليه‌السلام عن المهدي ، فقال : يابن أبي طالب ، أخبرني عن المهدي ما اسمه؟ قال : أمّا اسمه فلا إن حبيبي وخليلي عهد إليَّ أن لا اُحدّث باسمه حتّى يبعثه الله عزوجلّ ، وهو ممّا استودع الله عزّوجلّ رسوله في علمه» (١) .

وعن النعماني بسنه عن أبي خالد الكابلي ، قال : «لما مضي عليّ بن الحسين دخلت على محمّد بن عليّ الباقرعليه‌السلام ، فقلت : جعلت فداك ، قد عرفت إنقطاعي إلى أبيك ، واُنسي به ، ووحشتي من النّاس.

قال :صدقت يا أبا خالد ، تريد ماذا؟

قلت : جعلت فداك ، قد وصف لي أبوك صاحب هذا الأمر بصفة لو رأيته في بعض الطرق لأخذت بيده.

قال :فتريد ماذا يا أبا خالد؟

قال : اُريد أن تسمّيه لي حتّى أعرفه باسمه.

فقال :سألتني والله يا أبا خالد عن سؤال مجهد ، ولقد سألتني عن أمر ما لو كنت محدّثاً به أحداً لحدّثتك ، ولقد سألتني عن أمر لو أنّ بني فاطمة عرفوه حرصوا على أن يقطعوه بضعة بضعة »(٢) .

وعن الصادق جعفر بن محمّدعليه‌السلام أنّه قال :«المهدي من ولدي ، الخامس من ولد السابع ، يغيب عنكم شخصه ، ولا يحلّ لكم تسميته» (٣) .

وقال الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام :«يخفى على النّاس ولادته ، ولا يحلّ لهم

_________________________

(١)بحارالأنوار : ٥١ / ٣٣.

(٢)المصدر المتقدّم : ٣١.

(٣)المصدر المتقدّم : ٣٢.


تسميته حتّى يظهره الله عزّوجلّ ، فيملأ به الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراًوظلماً» (١) .

وعن المهديعليه‌السلام كما في توقيع خرج عنه :«ملعون ملعون من سمّاني في محفل من النّاس» (٢) .

فعلى أساس ما مرّ عليك ، علينا أن نعرف ما هو هدف المعصومينعليهم‌السلام من النهي عن ذكر إسم المهديعليه‌السلام ، فهل كان نظر هم يختصّ بزمان معيّن وضمن شروط خاصّة؟

فبعض الأعلام مثل الشيخ الصدوق والعلاّمة المجلسيرحمه‌الله قد نهوا عن التصريح باسم الإمامعليه‌السلام إعتماداً على ما سبق من الأحاديث ، من دون إختصاصهم بزمان دون زمان.

فقال الصدوق عند ذكر أخبار اللوح المصرّح باسم المهدي : «جاء هذا الحديث هكذا بتسمية القائمعليه‌السلام ، والذي أذهب إليه النهي عن تسميتهعليه‌السلام »(٣) .

وقال مجلسيرحمه‌الله في شرحه لرواية الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام : «هذه التحديدات مصرّحة في قول من خصّ ذلك بزمان الغيبة الصغرى تعويلاً على بعض العلل المستنبطة والاستبعادات الوهميّة(٤) .

ولعلّ منع الأئمّة من ذكر إسم المهديعليه‌السلام يرجع إلى زمان خاصّ ، حيث أرادوا من ستر إسم المهدي أن يحفظوا شيعتهم من خطر الحوادث ، وعلى الأقلّ حفظ النوّاب الأربعة من تعرّض الأعداء ، ويستشهد بالتوقيع الذي خرج عنهعليه‌السلام بقوله :

_________________________

(١)بحار الأنوار : ٥١ / ٣٢

(٢ ـ ٤) المصدر المتقدّم : ٣٣.


«ملعون ملعون من سمّاني في محفل من النّاس» (١) ، فمن الممكن أنّ كلمة النّاس في هذا التوقيع الصادر عنهعليه‌السلام هو أعداء أهل البيت.

نعم ، لو كانت هذه المكاتبة صدرت عنه في الغيبة الكبرى ، كالتوقيع الذي صدر من الناحية المقدّسة إلى المفيدرحمه‌الله لقلنا بمقالة الشيخ الصدوق والمجلسي في النهي عن التصريح بذكر اسمه المبارك ، ولكن كما تعلم أنّ هذه المكاتبة صدرت في الغيبة الصغرى. فمع غضّ النظر عن كلّ هذه الاحتمالات نقول : إنّ هذه الرواياتوإن صدرت قبل ولادة الإمام المهديعليه‌السلام ، ولكن هي ناظرة إلى زمان خاصّ وهي الغيبة الصغرى.

فإن كان الأمر غير ذلك ، فلماذا جاء التصريح باسم الإمام المهدي في روايات الأئمّة الإثني عشر ، وعلى الخصوص الحديث الذي يرويه جابر بن عبدالله الأنصاري عن فاطمة بنت رسول الله ، المعروف بحديث اللوح(٢) ، حيث ذكر في هذا الحديث أسماء الأئمّة الاثني عشر ، ومن جملتهم ذكر إسم الإمام المهديعليه‌السلام ، منها : ما قاله النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لسلمان الفارسي ، فقال :«ثمّ ابنه محمّد بن الحسن المهدي القائم بأمر الله» (٣) .

وهكذا صرّح بعض أئمّة أهل البيت باسم الإمام المهدي ، ومنهم الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام ، حيث قال لجاريته :«ستحملين ذكراً ، واسمه محمّد ، وهو القائم من بعدي» (٤) ، أو لمّا سئل عنهعليه‌السلام : فمن الحجّة والإمام بعدك؟ فقال :«ابني

_________________________

(١)بحارالأنوار : ٥١ / ٣٣.

(٢)كمال الدين : ١ / ٤٢٣.

(٣)دلائل الإمامة : ٢٣٧.

(٤)بحار الأنوار : ٥١ / ٢.


محمّد ، وهو الإمام والحجّة بعدي» (١) .

ممّا يقوّي الظنّ أنّ هذا النهي ورد في إفشاء السرّ بولادته في زمان خاصّ ، فلو كان هذا التصريح غير جائز فلماذا صرّح النبيّ في عدد كثير من الروايات كما سبق ، ولماذا قال :«اسمه اسمي» ، ولعلّ الهدف كان من ذلك أن نستخدم ألقاب الإمام فقط ، كالمهدي وحجّة والقائم وبقيّة الله وغير ذلك ، كما صرّح به الإمام الحسن العسكري لأبي هاشم الجعفري لمّا قال له : فكيف نذكره؟

فقال :«قولوا : الحجّة من آل محمّد صلوات الله عليهم» (٢) .

السؤال السادس والعشرون :

لماذا لقّب الإمام المهدي بالمنتقم؟

الجواب : لقد اشتهر كلّ واحد من المعصومينعليهم‌السلام بلقب خاصّ ، مثلاً : لقّب الإمام عليّ بن أبي طالب بأمير المؤمنين ، اشتهر الإمام الحسينعليه‌السلام بسيّد الشهداء ، ولهذه الألقاب أصل روائي ، وأطلق الأئمّة في بعض الأحاديث لقب المنتقم على المهدي المنتظرعليه‌السلام ، بل الله عزّوجلّ لقّب وليّه بهذا اللقب ، كما ورد في حديث المعراج عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله :«قال عزّوجلّ : إرفع رأسك ، فرفعت رأسي ، فإذا بأنوار عليّ وفاطمة والحسن والحسين ، وعليّ بن حسين ، ومحمّد بن عليّ ، وجعفر بن محمّد ، وموسى بن جعفر ، وعليّ بن موسى ، ومحمّد بن عليّ ، وعليّ بن محمّد ،والحسن بن عليّ ، ومحمّد بن الحسن القائم في وسطهم كأنّه كوكب درّيّ.

_________________________

(١)كمال الدين : ٢ / ٤٠٩.

(٢)مستدرك الوسائل : ١٢ / ٢٨٤.


فقلت : يا ربّ ، من هؤلاء؟

قال : هؤلاء الأئمّة ، وهذا القائم الذي يحلّ حلالي ، ويحرّم حرامي ، وبه أنتقم من أعدائي ، وهو راحة لأوليائي ، وهو الذي يشفي قلوب شيعتك من الظالمينوالجاحدين والكافرين»(١) .

قالت عائشة : «كانت لنا مشربة ، وكان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا أراد لقاء جبرئيلعليه‌السلام لقيه فيها ، فلقيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مرّة فيها ، وأمرني أن لا يصعد إليه أحد ، فدخل عليه الحسين بن عليّعليهما‌السلام ، فقال جبرئيل : من هذا؟

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :ابني ، فأخذه النبيّ فأجلسه على فخذه.

فقال له جبرئيل : أما إنّه سيُقتل.

فقال رسول الله :ومن يقتله؟ قال : اُمّتك تقتله.

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :تقتله؟!

قال : نعم ، وإن شئت أخبرتك بالأرض التي يُقتل فيها ، وأشار إلى الطفّ بالعراق ، وأخذ منه تربة حمراء فأراه إيّاها ، وقال : هذه من مصرعه ، فبكى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال له جبرئيل : يا رسول الله ، لا تبك ، فسوف ينتقم الله منهم بقائمكم أهل البيت.

فقال رسول الله :حبيبي جبرئيل ، ومن قائمنا أهل البيت؟

قال : هو التاسع من ولد الحسين»(٢) .

وقال الباقرعليه‌السلام في قوله تعالى :( وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا

_________________________

(١)كفاية الأثر : ١٥٣. كمال الدين : ١ / ٢٥٣. عيون أخبار الرضاعليه‌السلام : ١ / ٥٨.إثبات الهداة : ١ / ٦٤٨.

(٢)كفاية الأثر : ١٨٧.


فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا ) (١) ، قال : «هو الحسين بن عليّعليه‌السلامقتل مظلوماً ، ونحن أولياؤه ، والقائم منّا قام منّا طلب بثار الحسين ، فيقتل حتّى يقال : قد أسرف في القتل والقرآن يقول : ( فلا يسرف في القتل ) » (٢) .

فتلخّص أنّ الإمام إنّما سمّي منتقماً لأنّه ينتقم منأعداء الله ورسوله والأئمّة ،وخصوصاً من قاتلي الإمام الحسينعليه‌السلام .

قال الصادق في تفسير الآية المشار إليها :«إنّما نزلت في الحسين عليه‌السلام لو قتل وليّه أهل الأرض به ما كان سرفاً» (٣) .

السؤال السابع والعشرون :

ممّن سينتقم الإمام المهدي عليه‌السلام حينما يظهر؟

الجواب : لقد اتّضح ممّا سبق أنّ الإمام الحجّةعليه‌السلام سوف ينتقم من أعداء اللهوالرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمّةعليهم‌السلام ، وعلى الخصوص من قتلة الإمام الحسين بن عليّعليهما‌السلام ، أمّا كيف يمكن أن نتصوّر هكذا انتقام ، مع العلم أنّ قتلة جدّة الحسين قد مرّ على موتهم مئات من السنين.

ومن الممكن ان نتصوّر هذا الإنتقام بالبيان الآتي :

١ ـ إنّ الله تعالى سوف يحييهم ثمّ ينتقم منهم.

٢ـ إنّ الإمام المهدي سينتقم من أحفاد قتلة الإمام الحسينعليه‌السلام ، وإن كان بينهم وبين أجدادهم الذين قتلوا الحسين عشرات الأظهر ، ولكن ذلك الإنتقام

_________________________

(١)الإسراء (١٧) : ٣٣.

(٢)تفسير العيّاشي : ٢ / ٢٩٠.

(٣)الكافي : ٨ / ٢٥٥.تأول الآيات : ١ / ٢٨٠.كامل الزيارات : ٦٣.


سيكون بدليل : أنّ هؤلاء راضون بأفعال أجدادهم ، فلهذه العلّة سيشملهم إنتقام الحجّةعليه‌السلام ، وإن مضى على واقعة كربلاء أكثر من ألف سنة مثلاً.

قال الصادقعليه‌السلام في تفسير قوله تعالى :( وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ ) ، قال :«ذلك قائم آل محمّد يخرج فيقتل بدم الحسين بن عليّ ، ثمّ قال أبو عبداللهعليه‌السلام :يقتل والله ذراري قتلة الحسين بفعال آباءهم» (١) .

وعن الصدوق في العلل والعيون ، عن عليّ ، عن أبيه ، عن الهروي ، قال : «قلت لأبي الحسن الرضاعليه‌السلام : يابن رسول الله ، ما تقول في حديث روي عن الصادق أنّه قال :إذا خرج القائم قتل ذراري قتلة الحسين عليه‌السلام بفعال آبائها؟

فقال : هو كذلك.

فقلت : وقول الله عزّوجلّ :( وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ) (٢) ؟!

قال :صدق الله في جميع أقواله ، ولكن ذراري قتلة الحسين يرضون بفعال آبائهم ، ويفتخرون بها ، ومن رضي شيئاً كان كمن أتاه ، ولو أنّ رجلاً قتل بالمشرق فرضى بقتله رجل في المغرب ، لكان الراضي عند الله عزّوجلّ شريك القاتل ،وإنّما يقتلهم القائم عليه‌السلام إذا خرج لرضاهم بفعل آباءهم .

قال : قلت له : بأي شيء يبدأ القائم منكم إذا قام؟

قال :يبده ببني شيبة ، فيقطع أيديهم؛ لأنّهم سرّاق بيت الله عزّوجلّ» (٣) .

وممّا يشهد بأنّهعليه‌السلام ينتقم من الجبّارين ما روي عن الصادقعليه‌السلام في ذيل

_________________________

(١)كامل الزيارة : ٦٣. بحار الأنوار : ٤٥ / ٢٩٨.

(٢)الأنعام(٦) : ١٦٤. الإسراء (١٧) : ١٥ ، فاطر (٣٥) : ١٨. الزمر (٣٩) : ٧.

(٣)بحار الأنوار : ٥٢ / ٣١٢.عيون أخبار الرضاعليه‌السلام : ٢ / ٣٤٧.


قوله تعالى :( إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا ) (١) ، قال : «ما له قوّة يقوى بها على خالقه ، ولا ناصر من الله ينصره إن أراد سوءاً .

قلت : إنّهم يكيدون كيداً؟

قال :كادوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكادوا عليه‌السلام ، وكادوا فاطمة عليها‌السلام ، فقال الله : يا محمّد ، إنّهم يكيدون كيداً ، وأكيداً كيداً ، فمهّل الكافرينـيامحمّدـأمهلهم رويداً لوقت بعث القائم عليه‌السلام ، فينتقم لي من الجبّارين والطواغيت من قريشوبني اُميّة وسائر النّاس» (٢) .

السؤال الثامن والعشرون :

لماذا لقّب الإمام المهدي عليه‌السلام بقائم آل محمّد عليهم‌السلام ؟

الجواب : لا شكّ أنّ كلّ الأئمّةعليهم‌السلام هم القائمون بالحقّ وبأمر الله تعالى ، كما أشارت به عدّة روايات ، ولكنّ هذا اللقب يختصّ بالمهدي عجّل الله فرجه الشريف.

وأمّا أنّهم قائمون بالحقّ ، فهو ممّا أجاب به الإمام موسى بن جعفر ليونس بن عبدالرحمن ، قال : «دخلت على موسى بن جعفرعليهما‌السلام فقلت : يابن رسول الله ، أنت القائم بالحقّ؟

قال :أنا القائم بالحقّ ، ولكنّ القائم الذي يطهّر الأرض من أعداء الله ، ويملأها عدلاً كما ملئت جوراً ، هو الخامس من ولدي ، له غيبة يطول أمدها خوفاً على

_________________________

(١)الطارق (٨٦) : ١٥ ـ ١٧.

(٢)تفسير القمّي : ٢ / ٤١٦.


نفسه ، يرتدّ فيها أقوام ، ويثبت فيها آخرون» (١) .

وقال عبد العظيم بن عبدالله الحسني : «قلت لمحمّد بن عليّ بن موسى : إنّي لأرجوك أن تكون القائم من أهل بيت محمّد الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً.

فقالعليه‌السلام :يا أبا القاسم ، ما منّا إلاّ قائم بأمر الله ، وهادي إلى دين الله ، ولكنّالقائم الذي يطهّر الله عزّوجلّ به الأرض من أهل الكفر والجحود ، ويملأها عدلاًوقسطاً ، هو الذي يخفى على النّاس ولادته ، ويغيب عنهم شخصه ، ويحرم عليهم تسميته ، وهو سميّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وكنيّه ...» (٢) .

وأمّا لماذا لقّب الإمام بهذا اللقب ، فذكر في ذلك عدّة أقوال ، نذكر بعضها على نحو الإختصار :

١ ـ لقد خصّه الله بذلك اللقب

روي الصدوق بسنده عن أبي حمزة ثابت بن دينار ، قال : «سألت أبا جعفر محمّد بن عليّ الباقرعليه‌السلام : يابن رسول الله ، لِمَ سمّي عليّعليه‌السلام أمير المؤمنين ، وهو إسم ما سمّي به أحد قبله ولا يحلّ لأحد من بعده؟

قال :لأنّه ميرة العلم ، يمتار منه ولا يمتار من أحد غيره .

قال : فقلت : يابن رسول الله ، فلِمَ سُمّي سيفه ذا الفقار؟

فقالعليه‌السلام :لأنّه ما ضرب به أحد من خلق الله إلّا أفقره من هذه الدنيا من أهله وولده ، وأفقره في الآخرة من الجنّة .

_________________________

(١)كفاية الأثر : ٢٦٥.

(٢)المصدر المتقدّم : ٢٧٨.


قال : فقلت : يابن رسول الله ، فلستم كلّكم قائمين بالحقّ؟

قال : بلى.

قلت : فلِمَ سمّي القائم قائماً؟

قال :لمّا قتل جدّي الحسين عليه‌السلام ضجّت الملائكة إلى الله تعالى بالبكاءوالنحيب وقالوا : إلٰهنا وسيّدنا ، أتغفل عمّن قتلصفوتك وابن صفوتك وخيرتك من خلقك ؟

فأوحى الله عزّوجلّ إليهم : قِرّوا ملائكتي ، فو عزّتي وجلالي لأنتقمنّ منهم ولو بعد حين .

ثمّ كشف الله عزّوجلّ عن الأئمّة من ولد الحسين عليه‌السلام للملائكة ، فسُرّت الملائكة بذلك ، فإذا أحدهم قائم يصلّي ، فقال الله عزّوجلّ : بذلك القائم أنتقم منهم »(١) .

٢ ـ يقوم لحماية الدين

عن الحسين بن عليّعليهما‌السلام ، قال : «دخل أعرابي على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يريد الإسلام ، ومعه ضبّ قد اصطاده في البريّة وجعله في كمّه ، فجعل النبيّ يعرض عليه الإسلام.

فقال : لا اُؤمن بك يا محمّد ، أو يؤمن بك هذا الضبّ ، ورمي الضبّ من كمّه ، فخرج الضبّ من المسجد يهرب ، فقال النبيّ : يا ضبّ ، من أنا؟

قال : أنت محمّد بن عبدالله بن عبدالمطّلب بن هاشم بن عبد مناف.

قال يا ضبّ من تعبد؟

_________________________

(١)علل الشرائع : ١٦٠.


قال : أعبد الذي فلق الحبّة ، وبرأ النسمة ، واتّخذ إبراهيم خليلاً ، وناجى موسى كليماً ، واصطفاك يا محمّد.

فقال الأعرابي : أشهد أن لاإله إلاّ الله ، وأنّك رسول الله حقّاً ، فأخبرني يا رسول الله هل يكون بعدك نبيّ؟

قال : لا أنا خاتم النبيّين ، ولكن يكون بعدي أئمّة من ذرّيّتي ، قوّامون بالقسط ، كعدد نقباء بني إسرائيل ، أوّلهم عليّ بن أبي طالب ، فهو الإمام والخليفة بعدي ،وتسعة من الأئمّة من صلب هذاـووضع يده على صدريـوالقائم تاسعهم ، يقوم بالدين في آخر الزمان كما قمت في أوّله ...»(١) .

٣ ـ يقوم بالسيف

وعن علقمة بن محمّد الحضرمي ، عن الصادقعليه‌السلام ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن عليّ ، قال :«قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : يا عليّ ، إنّ قائمناإذا خرج يجتمع إليه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً عدد رجال بدر ، فإذا كان وقت خروجه يكون له سيف مغمود ، ناداه السيف : قم يا وليّ الله فاقتل أعداء الله» (٢) .

٤ ـ لأنّه يقوم بعد موت ذكره

وعن الصقر بن أبي دلف ، قال : «سمعت أبا جعفر محمّد بن عليّ بن موسى الرضاعليه‌السلام يقول :الإمام بعدي إبني عليّ ، أمره أمري ، وقوله قولي ، وطاعته طاعتي ، والإمام بعده إبنه الحسن ، أمره أمر أبيه ، وقوله قول أبيه ، وطاعته طاعة أبيه ، ثمّ سكت .

_________________________

(١)كفاية الأثر : ١٧٢.

(٢)المصدر المتقدّم : ٢٦٢.


فقلت له : يابن رسول الله ، فمن الإمام بعد الحسن؟

فبكىعليه‌السلام بكاءً شديداً ، ثمّ قال :إنّ بعد الحسن ابنه القائم بالحقّ المنتظر .

فقلت له : يابن رسول الله ، ولِمَ سمّي القائم؟

قال :لأنّه يقوم بعد موت ذكره ، وارتداد أكثر القائلين بإمامته .

فقلت له : ولِمَ سمّي المنتظر؟

قال :لأنّ له غيبة يكثر أيّامها ، ويطول أمدها ، فينتظر خروجه المخلصون ، وينكره المرتابون ، ويستهزئ به الجاحدون ، ويكذب فيها الوقّاتون ، ويهلك فيها المستعجلون ، وينجو فيها المسلّمون »(١) .

ونجد في روايات اُخرى تعابير اُخرى يشبه بعضها بعضاً ، كالقائم بأمر الله ، القائم بالقسط ، القائم بالحقّ ، وغيره(٢) .

السؤال التاسع والعشرون :

ما هي صفات الأنبياء التي تتواجد في الإمام المهدي عليه‌السلام ؟

الجواب : لقد ورد في كثير من الروايات عن وجود صفات الأنبياء في المهدي المنتظرعليه‌السلام ، فهوعليه‌السلام وارث النبيّ وعليّ؛ لأنّ عليّاً قد ورث ألف سنةٍ من سنن الأنبياء والمرسلين(٣) .

وأمّا الصفات الموجودة في المهدي من الأنبياء فكثيرة ، منها :

_________________________

(١)كفاية الأثر : ٢٧٩.

(٢)المصدر المتقدّم : ١٤٥.

(٣)بصائر الدرجات : ١١٤.


١ ـ العمر الطويل

لقج عاش سيّدنا آدمعليه‌السلام ١٠٠٠ سنة(١) ، ونوحعليه‌السلام ٢٥٠٠ سنة(٢) .

وورث الإمام المهديعليه‌السلام هذا العمر الطويل منهما ، ولا يعلم كم يعمّر إلى وقت ظهوره ، والعلم عند الله.

٢ ـ خفاء الولادة

كانت ولادة سيّدنا إبراهيم وموسىعليهما‌السلام سرّاً ، فعلى ما روي : «أنّ اُمّ إبراهيمعليها‌السلام وضعت ولدها في غار خوفاً من نمرود ، وأنّ اُمّ موسىعليها‌السلام كذلك وضعت ولدها في النيل خوفاً من فرعون ، فالصفة التي يحملها قائم آل محمّدعليه‌السلام من هذين الرسولَين من اُولي العزم هي الخفاء في الولادة؛ لأنّ خلفاء بني العبّاس كانوا يترقّبون ولادته لكي يقتلوه.

فالإمام الحسن العسكريعليه‌السلام خوفاً من معرفة أجهزة النظام بذلك أخفى حمل زوجته حتّى عن الخواصّ وأقربائه من أهل بيته ، ولم يطلع على هذا السرّ إلاّ السيّدة حكيمة بنت الإمام الجواد عمّة الإمام العسكريعليه‌السلام ، وذلك في ليلة ولادة المهديعليه‌السلام ، فإنّه أخبرها ، وأراد منها أن تبقى لتحضر وقت الولادة.

تقول حكيمة : «بعث إليَّ أبو محمّدعليه‌السلام سنة خمس وخمسين ومائتين ، في النصف من شعبان ، وقال :ياعمّة ، إجعليالليلة إفطارك عندي ، فإنّ الله عزّوجلّ سيسرّك بوليّه ، وحجّة على خلقه ، خليفتي من بعدي .

قالت حكيمة : فتداخلني لذلك سرور شديد ، وأخذت ثيابي عليَّ وخرجت

_________________________

(١)المستدرك على الصحيحين : ٤ / ٥٨٨.

(٢)الشيعة والرجعة : ١ / ٢٩٥.


من ساعتي حتّى انتهيت إلى أبي محمّدعليه‌السلام وهو جالس في صحن داره وجواريه حوله ، فقلت : جعلت فداك ياسيّدي ، الخلف ممّن هو؟

قال :من سوسن ، فأدرت طرفي فيهنّ فلم أرَ جارية عليها أثر غير سوسن ...»(١) .

وممّا يدلّ على خفاء ولادة الإمام المهدي ما رواه الشيخ الطوسيرحمه‌الله في كتاب الغيبة عن أحمد بن عليّ الرازي ، عن محمّد بن عليّ ، عن حنظلة بن زكريّا ، قال : «حدّثني أحمد بن بلال بن داود الكاتب ، وكان عاميّاً بمحلّ من النصب لأهل البيتعليهم‌السلام ، يظهر ذلك ولا يكتمه ، وكان صديقاً لي يظهر مودّة بما فيه من طبع أهل العراق ، فيقولـكلّما لقينيـلك خبر تفرح به ، ولا اُخبرك به ، فأتغافل عنه ، إلى أن جمعني وإيّاه موضع خلوة ، فاستقصيت عنه وسألته أن يخبرني به ، فقال : كانت دورنا بسر من رأى مقابل دار ابن الرضاـيعني أبا محمّد الحسن بن عليّعليهما‌السلام ـفغبت عنها دهراً طويلاً إلى قزوين وغيرها ، ثمّ قضى لي الرجوع إليها ، فلمّا وافيتها ، وقد كنت فقدت جميع من خلّفته من أهلي وقراباتي ، إلاّ عجوزاً كانت ربّتني ، ولها بنت معها ، وكانت مع طبع الاُول مستورة صائنة ، لا تحسن الكذب ، وكذلك مواليات لنا بقين في الدار ، فأقمت عندهنّ أيّاماً ، ثمّ عزمت الخروج ، فقالت العجوزة : كيف تستعجل الإنصراف وقد غبت زماناً؟ فأقم عندنا لنفرح بمكانك.

فقلت لها على جهة الهزؤ : اُريد أن أصير إلى كربلاء ، وكان النّاس للخروج في النصف من شعبان أو ليوم عرفة.

_________________________

(١)كتاب الغيبة : ١٤١.


فقالت : يا بنيّ ، اُعيذك بالله أن تستهين ما ذكرت أو تقوله على وجه الهزؤ ، فإنّي اُحدّثك بما رأيتهـيعني بعد خروجك من عندنا بسنتينـكنت في هذا البيت نائمة بالقرب من الدهليز ، ومعي إبنتي ، وأنا بين النائمة واليقظانة ، إذ دخل رجل حسن الوجه ، نظيف الثياب ، طيّب الرائحة ، فقال : يا فلانة ، يجيئك الساعة من يدعوك في الجيران ، فلا تمتنعي من الذهاب معه ، ولا تخافي ، ففزعت.

فناديت إبنتي وقلت لها : هل شعرت بأحد دخل البيت ، فقالت : لا ، فذكرت الله ، وقرأت ونمت ، فجاء الرجل بعينه وقال لي مثل قوله ، ففزعت وصحت يإبنتي ، فقالت : لم يدخل البيت ، فاذكري الله ولا تفزعي ، فقرأت ونمت ، فلمّا كان في الثلاثة جاء الرجل وقال : يا فلانة ، قد جاءك من يدعوك ويقرع الباب ، فاذهبي معه ، وسمعت دقّ الباب ، فقمت وراء الباب وقلت : من هذا؟

فقال : إفتحي ولا تخافي ، فعرفت كلامه ، وفتحت الباب ، فإذا خادم معه إزار ، فقال : يحتاج إليك بعض الجيران لحاجة مهمّة فادخلي ، ولفّ رأسي بالملاءةوأدخلني الدار ، وأنا أعرفها ، فإذا بشقاق مشدودة وسط الدار ، ورجل قاعد بجنب الشقاق ، فرفع الخادم طرفه فدخلت ، وإذا امرأة قد أخذها الطلق وامرأة قاعدة خلفها كأنّها تقبّلها.

فقالت المرأة : تعيننا فيما نحن فيه ، فعالجتها بما يعالج به مثلها ، فما كانت إلاّ قليلاً حتّى سقط غلام ، فأخذته على كفّي وصحت غلام غلام ، وأخرجت رأسي من طرف الشقاق اُبشّر الرجل القاعد ، فقيل لي : لا تصيحي ، فلمّا رددت وجهي إلى الغلام قد كنت فقدته من كفّي ، فقالت لي المرأة القاعدة : لا تصيحي ،وأخذ الخادم بيدي ولفّ رأسي بالملاءة وأخرجني من الدار ، وردّني إلى داري ، وناولني صرّة ، وقال : لا تخبري بما رأيت أحداً ، فدخلت الدار ورجعت إلى


فراشي في هذا البيت ، وابنتي نائمة فأنبهتها ، وسألتها هل علمت بخروجيورجوعي؟

فقالت : لا ، وفتحت الصّرة في ذلك الوقت وإذا فيها عشرة دنانير عدداً ،وما أخبرت بهذا أحداً إلاّ في هذا الوقت لما تكلّمت بهذا الكلام على حدّ الهزؤ ، فحدّثتك إشفاقاً عليك ، فإنّ لهؤلاء القوم عند الله عزّوجلّ شأناً ومنزلة ، وكلّ ما يدّعونه حقّ.

قال : فعجبت من قولها وصرفته إلى السخرية والهزؤ ، ولم أسألها عن الوقت غير أنّي أعلم يقيناً أنّي غبت عنهم في سنة نيف وخمسين ومائتين ، ورجعت إلى سرّ من رأى في وقت أخبرتني العجوزة بهذا الخبر في سنة إحدى وثمانين ومائتين في وزارة عبدالله بن سليمان لمّا قصدته.

قال حنظلة : فدعوت بأبي الفرج المظفّر بن أحمد حتّى سمع معي هذا الخبر»(١) .

وأضاف الباقرعليه‌السلام إلى شبه آخر من موسىعليه‌السلام وقال :« وأمّا شبهه من موسى ، فدوام خوفه ، وطول غيبته ، وخفاء ولادته ، وتعب شيعته من بعده بما لقوا من الأذى والهوان» (٢) .

٣ ـ مجهوليّة يوسف

لقد غاب يوسفعليه‌السلام مدّة من الزمن لبعض العلل والأسباب ، فقد ألقاه إخوته في البئر ، وكان طفلاً صغيراً ، ولمّا نجا من البئر بقى غائباً عن الأنظار ، حيث كان يعيش بين النّاس ولا يعرفه أحد ، فكان النّاس يرونه ولكن لا يعرفونه شخصيّاً ،

_________________________

(١)كتاب الغيبة : ١٤٥.

(٢)بحار الأنوار : ٥١ / ٢١٨.


وكذلك شأن الإمام المهديعليه‌السلام ، فالنّاس يرونه ولكنّهم لا يعرفونه شخصيّاً.

قال الصادقعليه‌السلام :« وأمّا سنّة من يوسف فالستر ، جعل الله بينه وبين الخلق حجاباً يرونه ولا يعرفونه» (١) .

٤ ـ الامتحان الصعب لأيّوبعليه‌السلام

إبتلى أيّوبعليه‌السلام ابتلاءً شديداً ، وخرج منها مرفوع الرأس ، وغمرته الرحمة الإلهيّة الواسعة ، وارتفعت عنه الهموم ، وكذلك الإمام المهديعليه‌السلام ، فإنّه سوف يحصل له الفرج ، ويظهر بعد ذلك الإمتحان الكبير.

قال الإمام السجّادعليه‌السلام :« وأمّا من أيّوب ، فالفرج بعد البلوى» (٢) .

٥ ـ الشباب ليونس بن متيعليه‌السلام

رجع يونس بن متيعليه‌السلام إلى قومه بعدما غاب عنهم سنين طويلة ، وهو ما زال في سنّ الشباب ، وكان يظنّ النّاس أنّه أصبح شيخاً كبيراً ، والحجّة القائمعليه‌السلام أيضاً سيظهر بعد غيبة طويلة لا يعرف مقدارها ، على صفة شاب في الأربعين.

قال الإمام الباقرعليه‌السلام لمحمّد بن مسلم :«فأمّا شبهه من يونس ، فرجوعه من غيبتهوهو شاب بعد كبر السنّ» (٣) .

٦ ـ صفة من عيسىعليه‌السلام

اختلف النّاس في نبيّ الله عيسى ، فقال قوم : إنّه لم يولد ، وقال الآخرون :إنّه مات ، وهكذا قيل أيضاً في الإمام المهديعليه‌السلام .

_________________________

(١)بحار الأنوار : ٥١ / ٢٢٤.

(٢)كمال الدين : ١ / ٣٢٢.

(٣)بحار الأنوار : ٥١ / ٢١٨.


قال الباقرعليه‌السلام لمحمّد بن مسلم :« وأمًا شبهه من عيسى ، فاختلاف من اختلف فيه ، حتّى قالت طائفة منهم : ما ولد ، وقالت طائفة : مات ، وقالت طائفة : قُتلوصُلب» (١) .

٧ ـ صفة من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله

وذكرت الروايات عن المهديعليه‌السلام :«أنّه يهتدي بهداه ، ويسير بسيرته» (٢) ، أي يسير بسيرة رسول الله ، ويهدي النّاس بطريقة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله .

قال الإمام الباقرعليه‌السلام :« وأمّا شبهه من جدّه المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فخر وجه بالسيف ،وقتله أعداء الله وأعداء رسوله ، والجبّارين والطواغيت ، وأنّه ينصر بالسيفوالرعب ...» (٣) .

وقال أيضاً : « وسمع منه أبو بصير :وأمّا من محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله فالقيام بسيرته ، وتبيين آثاره» (٤) .

السؤال الثلاثون :

لماذا يقوم المهدي عليه‌السلام بالسيف؟

لا شكّ أنّ الإمام المهدي هو الذي يقوم بالسيف ، وقد مرّ عليك أنّ فيهعليه‌السلام شبهاً من جدّه المصطفى ، حيث يقوم بالسيف ، وأنّه سوف ينتصر على أعداء الله بالسيف. فإن قيل : لماذا بالسيف وقد ملأ العالم بالأسلحة الحديثة؟

_________________________

(١)بحار الأنوار : ٥١ / ٢١٨.

(٢)كمال الدين : ٢ / ٣٥٠.

(٣)و(٤)بحار الأنوار : ٥١ / ٢١٨.


قلنا : من المحتمل أن تقع حروب ذرّيّة قبل الظهور ، ممّا يسبّب زوال التكنولوجيا الحديثة ، ومنهنا لا تجد سلاحاً غير السيف في عصر الظهور.

ومن المحتمل أيضاً أن يكون السيف هو رمز القدرة ، بمعنى أنّه يحارب الأعداء لا أنّه يحارب أعدائه حقيقة بالسيف.

السؤال الحادي الثلاثون :

ما هي مواريث الأنبياء الموجودة عند الإمام المهدي عليه‌السلام ؟

الجواب : إنّ حكومة المهديعليه‌السلام هي مظهر القدرة الإلٰهيّة اللامتناهية ، فإنّ الإرادة الإلهيّة اقتضت أن يعطي عبده الصالح بما أعطى أنبياءه من الصفات العالية ، حتّى يحيي ذكرى جميع الأنبياء والمرسلين من الأوّلين والآخرين ، وورث أيضاً ما بقى عنهم من المواريث ، وإليك المواريث الموجودة عند الإمام المهديعليه‌السلام :

١ ـ عمامة رسول الله وقميصه

روي :«أنّ الإمام المهدي عندما يظهر يكون على رأسه عمامة جدّه صلى‌الله‌عليه‌وآله البيضاء» (١) ، وهكذا يرتدي قميص جدّه الملطّخ بالدماء في معركة اُحد.

كما أشار الإمام الصادقعليه‌السلام إلى ذلك وقال ليعقوب بن شعيب :«ألا اُريك قميص القائم الذي يقوم به؟

فقلت : بلى.

قال : فدعا بقَمطر ففتحه ، وأخرج منه قميص كرابيس ، فنشره فإذا في كمّه الأيسر دمٌ.

_________________________

(١)عقد الدرر : ٢٧٧.


فقال :هذا قميص رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله الذي عليه يوم ضربت رباعيته ، وفيه يقوم القائم.

فقبّلت الدم ووضعته على وجهي ، ثمّ طواه أبو عبداللهعليه‌السلام ورفعه»(١) .

٢ ـ درع الرسول وذو فقاره

وأشار الصادقعليه‌السلام إلى أنّ وراثة سلاح الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله من علامات الإمامة. قال الحارث بن المغيرة النصري : «قلت لأبي عبداللهعليه‌السلام : بأي شيء يُعرف الإمام؟

قال :بالسكينة والوقار.

قلت : وبأيّ شيء؟

قال :وتعرفه بالحلال والحرام ، وبحاجة النّاس إليه ، ولا يحتاج إلى أحد ،ويكون عنده سلاح رسول الله ...» (٢) .

٣ ـ راية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله

وعنده أيضاً راية النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله التي جاء بها جبرئيل إليه في يوم بدر ، ولمّا رفعت إنتصر المسلمون ، ولقد حمل الإمام أمير المؤمنين ونشرها يوم الجمل ، وقفأ عين الفتنة ، وأصرّ جماعة من الصحابة على رفع تلك الراية يوم صفّين ،ـفلم يقبل ذلك ، فقال للحسن :

«يا بنيّ ، إنّ للقوم مدّة يبلغونها ، وإنّ هذه الراية لا ينشرها بعدي إلاّ القائم صلوات الله عليه» (٣) .

_________________________

(١)الغيبة : ٢٤٣.

(٢)الغيبة : ٢٤٢.

(٣)معجم أحاديث الإمام المهديعليه‌السلام : ٣ / ٣٨٦.


قال أبو خالد الكابلي : «قال لي عليّ بن الحسينكأنّي بصاحبكم قد علا فوق نجفكم بظهر كوفان في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً ، جبرئيل عن يمينه ، وميكائيل عن شماله ، وإسرافيل أمامه ، معه راية رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قد نشرها ، لا يهوى بها إلى قوم إلاّ أهلكم الله عزّوجلّ »(١) .

٤ ـ عصى موسىعليه‌السلام

روى الصفّار بسنده عن أبي جعفر الباقرعليه‌السلام ، قال :«كانت عصى موسى لآدم ، فصارت إلى شعيب ، ثمّ صارت إلى موسى بن عمران ، وإنّها لعندنا ، وإنّ عهدي بها آنفاً ، وهي خضراء كهيئتها حين انتزعت من شجرها ، وإنّها لتنطق إذا استُنطقت ، اُعدّت لقائمنا ليصنع كما كان موسى يصنع بها ، وإنّها لتروّع وتلقف ، قال : إنّ رسول الله لما أراد الله أن يقبضه أورث عليّاً علمه وسلاحه ، وما هناك ، ثمّ صار إلى الحسن والحسين ، ثمّ حين قتل الحسين استودعه اُمّ سلمة ، ثمّ قبض بعد ذلك منها.

قال : فقلت : ثمّ صار إلى عليّ بن الحسين ، ثمّ انتهى إليك؟

قال :نعم» (٢) .

٥ ـ حَجر موسىعليه‌السلام

أمّا الصخرة التي ضرب عليها موسى وخرج منها ماءً معيناً ، فهي عند الإمام المهديعليه‌السلام .

قال الباقرعليه‌السلام :«إذا قام القائم بمكّة وأراد أن يتوجّه إلى الكوفة نادى مناديه : _________________________

(١)أمالي المفيد : ٤٥. معجم أحاديث الإمام المهديعليه‌السلام : ٣ / ٢٠١.

(٢)بصائر الدرجات : ١٨٣.


ألا لا يحمل أحد منكم طعاماً ولا شراباً ، ويجمل حجر موسى بن عمران ،وهو وقر بعير ، ولا ينزل منزلاً إلاّ انبعث عين منه ، فمن كان جائعاً شبع ، ومن كان ظمآن روي ، فهو زادهم حتّى ينزلوا النجف من ظهر الكوفة» (١) .

٦ ـ تابوت السكينة

وهذا هو ذلك الصندوق الذي أرسله اللهتعالى إلى اُمّ موسى ، فوضعت فيه رضيعها وأقته في البحر ، وفي هذا الصندوق وضع فيه موسىعليه‌السلام في آخر أيّام حياته الألواح والسلاح ، وكلّ آثار نبوّته(٢) .

فعلى قول بعض الأعلام : «كان في ذلك الصندوق صور أنبياء الله ، وكان يحمله بنو إسرائيل في حروبهم ، وكانوا يرزقون الشهادة ببركته»(٣) .

والحجّة القائمعليه‌السلام عندما يظهر يذهب إلى بيت المقدس ، يخرج ذلك التابوتوخاتم سليمان وألواح موسىعليه‌السلام (٤) .

٧ ـ مجموعة اُخرى من آثار الأنبياء

روى الصفّار القمّي عن أحمد بن محمّد ، عن عليّ بن الحكم ، عن معاوية بن وهب ، عن سعيد السماك ، قال : «كنت عند أبي عبداللهعليه‌السلام ؛ إذ دخل عليه رجلان من الزيديّة ، فقالا : أفيكم إمام مفترض طاعته؟

فقال : لا.

_________________________

(١)بصائر الدرجات : ١٨٨.

(٢)الشيعة والرجعة : ١ / ١٦٤.

(٣)المصدر المتقدّم : ١٦٣.

(٤)بصائر الدرجات : ١٧٥.


فقالا له : فأخبرنا عنك الثقات إنّك تعرفه ، ونسمّيهم لك ، وهم فلان وفلان ،وهم أصحاب ورع وتشمير ، وهم ممّن لا يكذّبون.

فغضب أبو عبداللهعليه‌السلام وقال :ما أمرتهم بهذا ، فلمّا رأيا الغضب في وجهه خرجا.

فقال لي :أتعرف هذين؟

قلت : نعم ، هما من أهل سوقنا من الزيديّة ، وهما يزعمان أنّ سيف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عند عبدالله بن الحسن.

فقال :كذبا لعنهما الله ، ولا والله ما رآه عبدالله بعينه ، ولا بواحد من عينيه ،ولا رآه أبوه ، إلاّ أن راه عند عليّ بن الحسين بن عليّ ، وإن كانا صادقَين فما علامة في مقبضه ، وما لا ترى في موضع مضربه ، وإنّ عندي لسيف رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ودرعه ولامته ومغفره ، فإن كانا صادقَين فما علامة في درعة ، وإنّ عندي لراية رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله المغلبة ، وإنّ عندي ألواح موسى وعصاه ، وإنّ عندي لخاتم سليمان بن داود ، وإنّ عندي الطست الذي كان يقرّب بها موسى القربان ، وإنّ عندي الإسم الذي كان إذا أراد رسول الله أن يضعه بين المسلمين والمشركين لم يصل من المشركين إلى المسلمين نشّابة ، وإنّ عندي التابوت التي جاءت به الملائكة تحمله ، ومثل السلاح فينا مثل التابوت في بني إسرائيل أهل بيت وقف التابوت على باب دارهم اُوتوا النبوّة كذلك ، ومن صار إليه السلاح منّا اُوتي الإمامة ، ولقد لبس أبي درع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فخطّت على أرض خطيطاً ، ولبستها أنا فكانت ، وقائمنا ممّن إذا لبسها ملأها إن شاء الله »(١) .

واُشير أيضاً في بعض الأحاديث إلى آثار اُخرى ، كما عن الصادق وغيره من

_________________________

(١)بصائر الدرجات : ١٧٤.


المعصومين ، مثل : درع رسول الله ولواه(١) ، وقميص آدم(٢) ، وكتب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (٣) ، ونعل رسول الله(٤) ، وخاتم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (٥) ، والجفنة التي اُهديت إلى رسول الله ملأ لحم وثريد(٦) ، وقميص إبراهيم ويوسف(٧) ، وإن كلّ ذلك موجود ومذخور عند قائم آل محمّدعليهم‌السلام .

٨ ـ الكتب السماويّة

لقد وصلت جميع الكتب السماويّة إلى يد العترة الطاهرة عن طريق الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وجميعها موجودة الآن عند آخر الذخائر الإلهيّة ، أي الحجّة القائم المهديعليه‌السلام .

وسيأتي بكلّ ذلك عندما يخرج من وراء ستار الغيبة.

قال الصادقعليه‌السلام لأبي بصير :«يا أبا محمّد ، إنّ الله لم يعط الأنبياء شيئاً إلاّ وقد أعطى محمّداً صلى‌الله‌عليه‌وآله جميع ما أعطى الأنبياء ، وعندنا الصحف التي قال الله : ( صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ ) (٨) .

قلت : جعلت فداك ، وهي الألواح؟

قال:نعم »(٩) .

_________________________

(١)و(٢)بصائر الدرجات : ١٧٨.

(٣)المصدر المتقدّم : ١٨٠.

(٤)و(٥)المصدر المتقدّم : ١٨٢.

(٦)المصدر المتقدّم : ١٨٥.

(٧)المصدر المتقدّم : ١٨٩.

(٨)الأعلى (٨٧) : ١٩.

(٩)بصائر الدرجات : ١٣٦.


٩ ـ القرآن الذي جمعه عليّعليه‌السلام

لمّا ارتحل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بقي عليّعليه‌السلام حليف البيت يجمع القرآن بأمر منه ، ولمّا فرغ من جمعه حمل القرآن إلى المسجد وعرضه على أبي بكر ، فقال له عمر : يا عليّ ، اردده فلا حاجة لنا به ، فأخذهعليه‌السلام وانصرف ...

فلمّا استخلف عمر سأل عليّاً أن يدفع إليهم القرآن فقال : يا أبا الحسن ، إن جئت بالقرآن الذي كنت قد جئت به إلى أبي بكر حتّى نجتمع عليه.

فقالعليه‌السلام :هيهات ، ليس إلى ذلك سبيل ، إنّما جئت به ليقوم الحجّة عليكم ،ولا تقولوا يوم القيامة : إنّا كنّا عن هذا غافلين ، أو تقولوا : ما جئتنا به ، إنّ القرآن الذي عنده لا يمسّه إلاّ المطهّرون والأوصياء من ولدي .

قال عمر : فهل لإظهاره وقت معلوم؟

فقال :نعم ، إذا قام القائم من ولدي يظهر ويحمل النّاس عليه فتجري السنّة ...» (١) .

وعنده أيضاً جميع آثار المعصومين وكتبهم ، كالصحيفة الجامعة(٢) التي هي بإملاء رسول الله ، وخطّ الإمام أمير المؤمنين ، وكتاب عليّ(٣) ، ومصحف فاطمة(٤) ،والجفر الأبيض(٥) ، والجفر الأحمر(٦) ، والصحيفة التي فيها أسماء جميع الأنبياء

_________________________

(١)الشيعة والرجعة : ١ / ٤١٨.

(٢)بصائر الدرجات : ١٤٢.

(٣)المصدر المتقدّم : ١٤٧.

(٤)و(٦)المصدر المتقدّم : ١٥١.

(٥)معجم أحاديث الإمام المهديعليه‌السلام :


والملوك(١) ، وأتباع أهل البيت ، وغير ذلك(٢) ، وقد تصدّى الصفّار القمّيرحمه‌الله لجمع هذه الروايات والأحاديث عن النبيّ وأهل البيت في كتابه بصائر الدرجات ، فراجع.

وقفة قصيرة : فإن قيل : فما فائدة هذه المواريث التي عند الإمام المهديعليه‌السلام ؟

قلنا : لقد مرّ عليك أنّ بعض هذه المواريث يستخدمه القائمعليه‌السلام عندما يظهر للغلبة والنصر على الأعداء كما استخدمه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله والإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام للغلبة على الأعداء في بدر ، ولإطفاء نار الحرب في الجمل ، وهي الراية التي جاء بها جبرئيل إلى رسول الله في غزوة بدر. وهكذا شأن تابوت السكينة الذي كان مع بني إسرائيل للغلبة على الأعداء ، وحجر موسىعليه‌السلام .

وتدلّ هذه المواريث أيضاً على إمامته ، حيث كانت كلّها بيد من تقدّمه من الأئمّة الهداة ، تدلّ أيضاً تقدّمه على سائر النّاس في زمانه. فلو علم اليهودـمثلاًـأنّ عنده عصا موسى وألواحه وتابوت السكينة وغيرها من آثار الأنبياء ، وخصوصاً آثار موسىعليه‌السلام لآمنوا به ، وتركوا الحرب والتخاصم معه.

وهكذا لو علمت النصارى بنزول عيسى إلى الأرض ، وكسره الصليب ،وصلاته خلف المهديعليه‌السلام لآمن به أكثرهم إلاّ ما شذّ وندر.

ولو قيل : إنّه مرّ علينا أنّ عصا موسى عند الإمام المهديعليه‌السلام ، وهي خضراء كهيئتها ، فكيف يمكن أن تبقى هذه العصا خضراء وقد مرّ عليها آلاف من السنينولم تتغيّر.

_________________________

(١)معجم أحاديث الإمام المهديعليه‌السلام : ١٦٩.

(٢)المصدر المتقدّم : ١٧١.


قلنا : إنّ الله لمّا أمات الذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها ، فقال : أنّى يحيي هذه الله بعد موتها ، وأحياه الله بعد مائة عام ، قال له : فانظر إلى طعامكوشرابك لم يتسنّه ، أي لقد مرّ على طعامك وشرابك هذه الأعوام ولم يتغيّر طعمهولا لونه ولا رائحته.

فما هو جوابك في هذا المقام ، فكان الجواب هو الجواب.




تتميّز حكومة الإمام المهدي الكريمة بمميّزات خاصّة كما صرّحت بذلك الروايات ، وأنّه لا توجد دولة إلى الآن ، سواء كانت على حقّ أو باطل ، فيها هذه المميّزات ، وأنّ لله عزّوجلّ قد جعل كلّ مظاهر الجمال في حكومة ذخيرته في آخر الزمان.

وسنبحث في هذا الفصل حول التغييرات العظيمة في ذلك اليوم ، وما يحصل في ذلك اليوم من أحداث غريبة ، ومعاجز عجيبة على يد المهديعليه‌السلام ، من نزول عيسى من السماء وكشفه عن خزائن الدنيا ، ورجوع الأنبياء ، وإحياء بعض الأموات إلى الدنيا.

السؤال الثاني والثلاثون :

هل إنّ حكومة المهدي عليه‌السلام عالميّة؟

الجواب : تحدّث القرآن الكريم عن عالميّة الدين الإسلامي بقوله :( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) (١) .

والجدير بالذكر أنّ الإسلام إلى اليوم لم يظهر على كلّ الأديان ، وأنّ الوعد الإلهي لمّا لم يتخلّف سوف يأتي ذلك اليوم الذي يعم هذا الدين على كلّ العالم.

_________________________

(١)التوبة(٩) : ٣٣.


ولا يتحقّق هذا الوعد إلاّ بظهور المنتظر(عج)عندما يؤسّس الحكومة العالميّة ،ويطبّق الدين الإسلامي في أنحاء العالم ، كما وعد الله عزّوجلّ.

وورد أيضاً في القرآن الكريم حول وراثة الصالحين من عباده للأرض فقال :( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) (١) .

فمع العلمم أنّ هذا الوعد لم يتحقّق بعد ، ستكون هذه الوراثة على يد الإمام المهدي كما نبّهت بذلك الأحاديث الإسلاميّة(٢) .

قال الصادقعليه‌السلام في تفسير قوله تعالى :( وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا ) (٣) :«إذا قام القائم لا تبقى أرض إلاّ نودي فيها شهادة أن لا إلٰه إلاّ الله» (٤) .

تظافرت الروايات عن النبيّ والأئمّة على أنّ المهديعليه‌السلام سيملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً ، حيث أكّد على كلمة الأرض لا غير.

فبالنتيجة : أنّ الآيات تؤكّد على حكومته العالميّة من خلال تطبيق الدين ووراثة الصالحين على جميع الأرض ، وروايات الخاصّة والعامّة تؤكّد على هذا المعنى.

قال الباقرعليه‌السلام مؤكّداً هذا المعنى :«يفتح الله له شرق الأرض وغربها» (٥) ، ويشهد بذلك أيضاً ما ورد من شمول دولتهعليه‌السلام بلاد الحجاز ، وايران ، والعراق ، والشام ،والروم ، وقسطنطينيّة ، وأرمينية والصين وغيرها من دول العالم ، فلا شكّ أنّ هذه

_________________________

(١)الأنبياء (٢١) : ١٠٥.

(٢)تفسير القمّي : ٢ / ٧٧.

(٣)آل عمران(٣) : ٨٣.

(٤)تفسير العيّاشي : ١ / ١٨٣. بحار الأنوار : ٥٣ / ٣٤٠.

(٥)بحار الأنوار : ٥٢ / ٢٩١.


الدول الكبرى كانت تشكّل ثلاثة أرباع العالم في عصر الروايات.

السؤال الثالث والثلاثون :

ما هو اليوم الذي سيظهر فيه الإمام المهدي عليه‌السلام ؟

الجواب : فيه ثلاثة أقوال ، وإن كان من المعروف أنّه سيظهر في يوم الجمعة.

القول الأوّل : يوم الجمعة ، فروى الصدوق في الخصال عن الصادقعليه‌السلام ، قال :«يخرج قائمنا أهل البيت يوم الجمعة» (١) .

القول الثاني : يوم السبت ، روى الصدوق في كمال الدين عن الباقرعليه‌السلام ، قال :«يخرج القائم يوم السبت ، يوم عاشوراء ، اليوم الذي قُتل فيه الحسين» (٢) .

القول الثالث : يوم عاشوراء ، روى الطوسي بسنده عن الصادقعليه‌السلام :«إنّالقائم صلوات الله عليه ينادي باسمه ليلة ثلاث وعشرين ، ويقوم يوم عاشوراء ، يوم قُتل فيه الحسين بن عليّ عليهما‌السلام » (٣) .

فيمكن الجمع بين ما تقدم من الروايات بأنّ الإمام المهديعليه‌السلام سيظهر في يوم الجمعة ، ويقوم في يوم السبت ، ويشهد بذلك ما روي من أنّ الإمام بعد ما يظهر بمكّة يذهب إلى المدينة ، فلمّا يسمع السفياني بخروج الإمام يرسل جيشاً لمحاربة الإمام ، فيخرج منها خائفاً قاصداً إلى مكّة ، ثمّ تبدأ نهضتهعليه‌السلام وإن لم يصرّح بأنّه متى يخرج للمرّة الثانية ، وفي أي يوم يكون.

هذا إذا لم نرجّح ظهور الإمام في يوم عاشوراء ، وإلاّ فعلينا أن نعرف في أيّ

_________________________

(١)الخصال : ٢ / ٣٩٤.

(٢)كمال الدين : ٢ / ٦٥٣. تهذيب الأحكام : ٤ / ٣٣٣.

(٣)بحار الأنوار : ٥٢ / ٢٩٠ ، عن الطوسي في الغيبة.


يوم استشهد الإمام الحسينعليه‌السلام ، وعلى أساس ذلك يمكن التعيين في أنّه يوم الجمعة أو يوم السبت ، ويبدو في نظري القاصر أنّ ظهور الإمام سيكون يوم السبت؛ لأنّ الإمامعليه‌السلام قُتل في يوم السبت.

وثانياً إنّ الذين صرّحوا على أنّه يكون في يوم السبت ، والذين قالوا بيوم عاشوراء يعتقدون أنّ خروجه سيكون في يوم السبت.

ويشهد بذلك تطبيق الإمام يوم عاشوراء وهو يوم خروج الإمام المهديعليه‌السلام على يوم السبت.

قال الباقرعليه‌السلام :«كأنّي بالقائم يوم عاشوراء يوم السبت قائماً بين الركنوالمقام ، بين يديه جبرئيل وينادي البيعة لله ، فيملأها عدلاً كما ملئت ظلماًوجوراً» (١) .

وقال الصادقعليه‌السلام :« ويقوميوم عاشوراء ، وهو اليوم الذي قُتل فيه الحسين بن عليّ ، لكأنّي في يوم السبت العاشر من المحرّم» (٢) .

السؤال الرابع والثلاثون :

كم يعيش المهدي عليه‌السلام عندما يظهر؟

الجواب : إختلف الروايات في مدّة بقاء المهدي بعد الظهور ، فهذه المدّة غير معلومة بالضبط ، فقيل أربعين يوماً(٣) ، وقيل : سبع سنوات(٤) ، وقيل :

 _________________________

(١)كتاب الغيبة : ٤٥٣.

(٢)الإرشاد : ٢٤١. إعلام الورى : ٤٣١.

(٣)الفتوحات المكّيّة : ٣ / ٣١.

(٤)ينابيع المودّة : ٣٣١.


ثماني سنوات(١) ، وقيل : تسع سنوات(٢) ، وقيل : عشر سنوات(٣) ، وقيل : إحدى عشر سنة(٤) ، وقيل : تسعة عشر سنة(٥) ، وقيل : عشرون سنة(٦) ، وقيل : ثلاثمائةوتسع سنين(٧) .

قال بعض الأعلام : « وهذه الأقوال بظاهرها متناقضة لا يعتمد على شيء منها»(٨) .

وربّما ترجّح رواية السبع على بقيّة الأقوال لكونها مكرّرة في روايات السنّةوالشيعة ، ومطابقة لما ورد عن الباقر والصادق من التأكيد على قول السبع سنوات ، وتأييد بعض الأعلام ، كالمفيد في الإرشاد ، على أظهريّة رواية السبع على بقيّة الروايات.

قال الصادقعليه‌السلام :«يملك القائم سبع سنين تكون سبعين سنة من سنيّكم هذه» (٩) .

ربّما يستغرب القارئ من إطالة السبع سنين إلى سبعين سنة ، ولكم لا غرابة بعد أن عرفنا بأن هذه الأمر غيبي.

وقد ذكر ذلك الإمام الباقرعليه‌السلام لأبي بصير حينما استغرب أبو بصير وتعجّب

_________________________

(١ ـ ٣) الشيعة والرجعة : ١ / ٢٢٤.

(٤)الغيبة : ٣٣١.

(٥)الإرشاد : ٣٤٥.

(٦)الغيبة : ١٨١.

(٧)بحار الأنوار : ٥٢ / ٢٩١.

(٨)الشيعة والرجعة : ١ / ٢٢٥.

(٩)منتخب الأنوار المضيئة : ١٩٥.


لما قالعليه‌السلام : «إنّ كلّ سنة يمكث مقدار عشر سنوات ، وقال : كيف تطول السنون؟

قالعليه‌السلام :يأمر الله تعالى الفلك باللبوث وقلّة الحركة .

قال : قالت له : إنّهم يقولون : إنّ الفلك إن تغيّر فسد؟

قالعليه‌السلام :ذاك قول الزنادقة ، وأمّا المسلمون فلا سبيل لهم إلى ذلك ، وقد شقّ الله القمر لنبيّه ، وردّ الشمس ليوشع بن نون ، وأخبر بطول القيامة ، وأنّه كألف سنة ممّا تعدوّن »(١) .

وأجاب الشيخ المفيد على بعض الشبهات بعد تأييده لرواية السبع قائلاً : لقد روي أنّ مدّة حكومة القائمعليه‌السلام تسعة عشر سنة ، ولكنّها سنين طويلة أيّامهاوأشهرها ، وهذا أمرٌ غيبي لا يمكننا الإحاطة به ، ولكم كذا وردت الروايات عندنا ، ولهذا لا يمكننا أن نجزم ونقطع شيء واحد ، وإن كانت رواية السبع سنين أظهر(٢) .

السؤال الخامس والثلاثون :

أين يسكن الإمام المهدي عليه‌السلام ؟

الجواب : سكن الإمامعليه‌السلام من حين ولد إلى اليوم وحين الظهور في أماكن خاصّة ، وإليك ما وصل إلينا حول سكنه بحسب الفترات الزمنيّه التي عاش فيها :

١ ـ الفترة التي قبل غيبته

لا شكّ أنّ الحجّة القائم المهديعليه‌السلامولد في مدينة سامراء ، ولقد بقي هناك إلى

_________________________

(١)الشيعة والرجعة : ١ / ٢٢٥.

(٢)الإرشاد : ٣٤٥.


يوم استشهاد والده الكريم الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام . وقد رأته حكيمة عمّة الإمام العسكري في نفس الدار التي ولد فيها ، ورآه أحمد بن إسحاق(١) وغيره(٢) هناك ، ورآه أيضاً أبو الأديان وجعفر الكذّاب في نفس الدار بعد استشهاد الإمام العسكريعليه‌السلام ، حيث صلّى على والده الكريم.

وإنّ طلب الإمامعليه‌السلام من والدته المعروفة بالجدّة أن تذهب به إلى المدينة بسنة قبل وفاتهعليه‌السلام (٣) .

٢ ـ فترة الغيبة الصغرى

لم نعثر في رواياتنا على سكن معروف بعينه للإمام المهديعليه‌السلام في هذه الفترة ، أي الغيبة الصغرى ، التي استمرّت حوالي٧٤ سنة ، رغم وجود بيت والده الكريم الإمام العسكريعليه‌السلام في سامراء.

فالإمام المهدي وإن شوهد في الدار ولكن لم يدلّ أي دليل على أنّه كان ساكناً بها. روى الشيخ الطوسي عن جماعة ، عن جعفر بن محمّد بن قولويه وغيره ، عن محمّد بن يعقوب الكليني ، عن عليّ بن قيس ، عن بعض جلاوزة السواد ، قال : «شهدت نسيماً آنفاً بسرّ من رأى وقد كسر باب الدار ، فخرج إليه وبيده طبرزين ، فقال : ما تصنع في داري؟

قال نسيم : إنّ جعفراً زعم أنّ أباك مضى ولا ولد له ، فإن كانت دارك فقد انصرفت عنك ، فخرج عن الدار»(٤) ، ويبدو أنّه كان يسكن في العراق وإن

_________________________

(١)بشارة الإسلام : ١٦٧.

(٢)كتال الغيبة : ١٦٥.

(٣)راجع : حياة الإمام العسكريعليه‌السلام : ٢٤٢.

(٤)كتاب الغيبة : ١٦١.


لم يثبت ذلك أيضاً : لأنّ نوّابه الأربعة كانوا على اتّصال دائم معه ، وحيث أنّهم كانوا يسكنون في العراق ، وعلى الخصوص مدينة بغداد ، ومن استلامهم لرسائل النّاسوحملها إلى الإمام ، والحصول على أجوبتها يمكن الحدس بأنّ سكنه كان في مكان بحيث يسهل على نوّابه اللقاء به ، فلهذا كان مكانه معروفاً لدى النوّاب الأربعة فقط لا غير.

فعن إسحاق بن عمّار ، قال : «سمعت أبا عبدالله جعفر بن محمّدعليهما‌السلام يقول :للقائم غيبتان ، احداهما طويلة والإخرى قصيرة ، فالاُولى يعلم بمكانه فيها خاصّة من شيعته ، والاُخرى لا يعلم بمكانه فيها إلاّ خاصّة مواليه في دينه »(١) .

ويشهد أيضاً أنّه لم يختار سكناً معيّناً في الغيبة الصغرى ، ما رواه الكليني مرفوعاً عن الزهري ، قال : «طلبت هذا الأمر طلباً شاقّاً حتّى ذهب لي فيه مال صالح ، فرفعت إلى العمري وخدمته ولزمته وسألته بعد ذلك عن صاحب الزمان ، فقال لي : ليس إلى ذلك وصول ، فخضعت فقال لي : بكّر بالغداة ، فوافيت فاستقبلني معه شاب من أحسن النّاس وجهاً ، وأطيبهم رائحة بهيئة التجّار ، وفي كمّه شيء كهيئة التجّار ، فلمّا نظرت إليه دنوت من العمري فأومأ إليَّ فعدلت إليهوسألته ، فأجابني عن كلّ ما أردت ، ثمّ مرّ ليدخل الدارـوكانت من الدور التي لا يكترث لهاـفقال العمري : إن أردت أن تسأل سل ، فإنّك لا تراه بعد ذا ، فذهبت لأسأل فلم يسمع ، ودخل الدار ، وما كلّمني بأكثر من أن قال :ملعون ملعون من أخّر العشاء إلى أنتشتبك النجوم ، ملعون من أخّر الغداة إلى أن تنقضي النجوم ودخل الدار »(٢) ، وعدم الاكتراث ، أي عدم الاعتناء بها.

_________________________

(١)بحار الأنوار : ٥٢ / ١٥٥.

(٢)كتاب الغيبة : ١٦٤.


ويستفاد من هذا اللقاء أنّه لم يقابله في داره المعروفة بسرّ من رأى ولا في دار العمري ولا غيره ، بل في خارج دار غير معروفة ولا معتناً به.

٣ ـ فترة الغيبة الكبرى

وأمّا سكن الإمامعليه‌السلام في فترة الغيبة فغير معلوم أيضاً؛ لأنّ الاهتداء إلى مكانه ينافي الغيبة ، وقد قال الصادقعليه‌السلام :«للقائم غيبتان إحداهما طويلة ، والاُخرى قصيرة ، فالاُولى يعلم بمكانه فيها خاصّة من شيعته ، والاُخرى لا يعلم بمكانه فيها ، إلاّ خاصّة مواليه في دينه» (١) .

وأشار الإمام المهدي إلى علّة خفاء سكناه لإبراهيم بن مهزيار في لقاء كان معه :«إنّ أبي عهد إليَّ أن لا اُوطّن من الأرض إلّا أخفاها وأقصاها ، إسراراً لأمري ،وتحصيناً لمحلّي ، لمكائد أهل الضلال والمردة من أحداث الاُمم الضوالّ ، فنبذني إلى عالية الرمال ، وجبت صرائم الأرض» (٢) .

فالإمامعليه‌السلام وإن كان سكناه على هذه الكرة الأرضيّة ، ولكن لا يعرف أحد مكانه ولا يهتدي إليها إلاّ الذي يلي خدمته ، كما يقال الصادقعليه‌السلام أنّه :«لا يطلع على موضعه أحد من ولده ولا غيره إلاّ المولى الذي يلي أمره» (٣) .

نعم ، اُشير في بعض الروايات المرويّة عن الباقر والصادق إلى بعض الأمكنة داخل المدينة وخارجها ، كطيبة أو جبل رضوى أو جبل طوى وغير ذلك ،ولكن لم يثبت ذلك فهي كما يلي :

_________________________

(١)بحار الأنوار : ٥٢ / ١٥٥.

(٢)كمال الدين : ٢ / ٤٤٥.

(٣)بحار الأنوار : ٥٢ / ١٥٣.


١ ـ طيبة ( المدينة المنوّره )

روي عن الباقرعليه‌السلام أنه قال لأبي بصير :«لا بدّ لصاحب هذا الأمر من عزلة ،ولا بدّ في عزلته من قوّة ، وما بثلاثين من وحشة ، ونِعم المنزل طيبة» (١) .

ويستفاد من هذا الحديث أنّ الإمام المهدي يتواجد في أغلب الأوقات في المدينة المنّوره لكن في أيّ نقطة فهو غير معلوم أبداً ، فمن الممكن أنّه يدور في البلدانومن جملتها طيبة من دون اختيار مكان ثابت له لئلا يهتدوا إلى مكانه.

٢ ـ جبل رضوى

وقيل : إنّه يسكن في رضوى ، وهو جبل مطلّ على الروحاء(٢) ، كما أشار إليه الإمام الصادقعليه‌السلام ، فعن الطوسي عن ابن أبي جيد ، عن ابن الوليد ، عن الصفّار ، عن ابن معروف ، عن عبدالله بن حمدويه بن البراء ، عن ثابت ، عن إسماعيل ، عن عبدالأعلى مولى آل سام ، قال :

«خرجت مع أبي عبداللهعليه‌السلام ، فلمّا نزل الروحاء نظر إلى جبلها مطلاًّ عليها ، فقال لي :ترى هذا الجبل؟ هذا جبل يدعى رضوى من جبال فارس أحبّنا فنقله الله إلينا ، أما إنّفيه كلّ شجر مطعم ، ونعم أمانَ للخائف ( مرّتين )أما إنّ لصاحب هذا الأمر فيه غيبتين واحدة قصيرة ، والاُخرى طويلة »(٣) .

_________________________

(١)بحار الأنوار : ٥٢ / ١٥٣.

(٢)بين مكّة والمدينة على نحو أربعين ميلاً من المدينة ، وهو الموضع الذي نزل به تبع حين رجع من قتال أهل المدينة يريد مكّة ، فأقام بها وأراح فسمّاها الروحاءـمعجم البلدان : ٤ / ٢٣٦.

(٣)كتاب الغيبة : ١٠٣.


٣ ـ ذي طوى

وقيل أيضاً : يسكن المهدي المنتظرعليه‌السلام أيّام غيبته في ذي طوى ، وهذا ممّا أشار إليه الباقرعليه‌السلام ، وقال :«يكون لصاحب هذا الأمر غيبة في بعض هذه الشعاب ، ثمّ أومأ بيده إلى ناحية ذي طوى حتّى إذا كان قبل خروجه بليلتين إنتهىالمولى الذي يكون بين يديه حتّى يلقى بعض أصحابه ، فيقول : كم أنتم هاهنا؟

فيقولون : نحو من أربعين رجلاً.

فيقول : كيف أنتم لو قد رأيتم صاحبكم.

فيقولون : والله لو يأوي بنا الجبال لأويناها معه ...» (١) .

٤ ـ الجزيرة الخضراء

واعتقد البعض بأنّ سكنى الإمام المهديعليه‌السلام في جزيرة تسمّى الخضراء ،وهذا القول والإعتقاد لم يرجع إلى أصل روائي ، وإنّما دخل في كتبنا من القرن الثاني عشر في بعض كتب العلاّمة المجلسيرحمه‌الله ، حيث نقل قصّة طويلة عن دخول رجل يسمّى بعليّ بن فاضل المازندراني إلى هذه الجزيرة ، وما جرى له فيها ،وإنّما ذكره لما فيه من الغرائب وإن لم يظفر به في الاُصول المعتبرة ، فقال في أوّله : «وجدت رسالة مشتهرة بقصّة الجزيرة الخضراء في البحر الأبيض أحببت إيرادها لاشتمالها على ذلك من رآه ، ولما فيه من الغرائب ، وإنّما أفردت لها باباً لأنّي لم أظفر به في الاُصول المعتبرة»(٢) .

فاعتقد البعضـاعتماداً على هذه القضيّة المشكوكةـبأنّ سكنى الإمام المهدي

_________________________

(١)تفسير العيّاشي : ٢ / ٥٦.

(٢)بحار الأنوار : ٥٢ / ١٥٩.


في هذه الجزيرة ، وجزم بعضهم على أنّ مثلث برمودا هو المكان الذي يسكن فيه الإمام المهدي ، حيث طبّقوا الجزيرة على هذا المثلث من دون أي دليلوبرهان.

واستدلّ أحدهم على ما يعتقده بأنّه ما استطاعت الدول العظمى الوصول إلى هذا المكان رغم محاولاتهم في الوصول إليه وذهبت أتعابهم أدراج الرياح(١) .

ولكن كما عرفت أنّ هذه النظريّة غير صحيحة؛ لأنّهـكما قلنا سابقاًـلا يعرف أحد سكن الإمام ، ولا التقى به عليّ بن فاضل في هذا المكان حتّى يستنتج أحدهم بأن هذا المكان هو سكن الإمامعليه‌السلام .

وثانياً : أنّ أصل القصّة مشكوكة وليس لها أصل معتبر بسبب التناقضات الموجودة فيها ، فكيف تصل النوبة إلى تطبيق هذه الجزيرة على مثلث برموداً(٢) .

وثالثاً : فلو كان ملاك السكني عند هؤلاء هو اللقاء والمشاهدة لزم عليهم أن يعينّوا مئات الدور في عشرات من الأمكنة والبقاع في شرق الأرض وغربها للإمامعليه‌السلام ، حيث رآه كثير من النّاس في هذه الفترة في أماكن مختلفة ،ولا أراهم يلتزمون بهذا المعنى.

أماكن الحضور مع الإستتار

ومع ذلك فيحضر الإمام المهديعليه‌السلام في كثير من الأماكن ، كما عن الصادقعليه‌السلام حيث شبّه القائمعليه‌السلام بيوسفعليه‌السلام فقال في حديث له :«فما تنكر هذه الاُمّة أن يكون

_________________________

(١)راجع الجزيرة الخضراء واقع أم خيال؟ : ٤٧ ، نقلاً عن ناجي النجّار.

(٢)مزيد الاطّلاع راجع : الجزيرة الخضراء واقع أم خيال؟ تحقيق وترجمة : أبوالفضل طريقه دار.


الله يفعل بحجّته ما فعل بيوسف أن يكون صاحبكم المظلوم المجحود حقّه ، صاحب هذا الأمر يتردّد بينهم ويمشي في أسواقهم ويطأ فرشهم ، ولا يعرفونه حتّى يأذن الله له أن يعرّفهم نفسه ، كما أذن ليوسف حتّى قال له إخوته : إنّك لأنت يوسف ، قال : أنا يوسف» (١) .

ويحضرعليه‌السلام موسم الحجّ في كلّ سنة ، قال الصادقعليه‌السلام :«يفقد النّاس إمامهم فيشهدهم الموسم فيراهم ولا يرونه» (٢) .

أقسم العمري بالله على أنّهعليه‌السلام يحضر الموسم كلّ سنة ، فيرى النّاس ويعرفهم ويرونه ولا يعرفونه(٣) .

فتلخّص ممّا تقدّم : أنّ الإمام المهدي يتواجد في كلّ مكان من دون أن يهتدي أحد لمكانه وسكناه في فترة الغيبة الكبرى.

٤ ـ فترة الظهور

أمّا في زمن الظهور سيقيم في مسجد بالقرب من الكوفة يسمّى بمسجد السهلة ،وهذا هو المسجد الذي صلّى فيه عشرات الآلاف من الأنبياء.

فعن أبي بصير ، عن أبي عبدالله صلوات الله عليه أنّه قال : «يا أبا محمّد ، كأنّي أرى نزول القائم في السهلة بأهله وعياله .

قلت : يكون منزله؟

قال :نعم ، هو منزل إدريس عليه‌السلام ، وما بعث الله نبيّاً إلّا وقد صلّى فيه ، والمقيم فيه

_________________________

(١)الغيبة : ١٦٣.

(٢)بحار الأنوار : ٥٢ / ١٥١.

(٣)المصدر المتقدّم : ١٥٢.


كالمقيم في فسطاط رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وما من مؤمن ولا مؤمنة إلاّ وقلبه يحنّ إليه ،وما من يوم ولا ليلة إلاّ والملائكة يأوون إلى هذا المسجد ، يعبدون الله فيه .

يا أبا محمّد ، أما إنّي لو كنت بالقرب منكم ما صلّيت صلاة إلاّ فيه ، ثمّ إذا قام قائمنا إنتقم الله لرسوله ولنا أجمعين »(١) .

السؤال السادس والثلاثون :

ماهي الرجعة ، وما هي أدلّتها؟

الجواب : لقد تحدّثت روايات الأئمّةعليهم‌السلام من رجوع مجموعة من الأموات عند ظهور المهديعليه‌السلام إلى هذه الدنيا منّة على المؤمنين ، وكرامة على المهديعليه‌السلام ، فيحيي الله بعض المؤمنين ليتمتّعوا في ظلّ دولة الإمام المهديعليه‌السلام ، ويحيي بعض الكافرين والظالمين لينتقم الله منهم على يدي المهدي ، حيث عدّ هذا اليوم من أيّام الله(٢) .

فالسؤال الذي يطرح نفسه هو : هل إحياء الموتى أمر ممكن أم لا؟ وهل رجع ميّتاً إلى الدنيا قبل القيامة؟ وما هي علّة إحياء هؤلاء؟

فنقول : إنّ إحياء الموتى ليس من المستحيلات العقليّة ، بل محال عادة ،وقد حدث ذلك في الاُمم السالفة ، كما أخبر بذلك القرآن الكريم في عدّة آيات من جملتها :

١ـ ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ _________________________

(١)بحار الأنوار : ٥٢ / ٣١٧.

(٢)بحار الأنوار : ٥٣ / ٦٣.


اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ) (١) .

قال في المجمع : «قيل هم قوم من بني إسرائيل فرّوا من طاعون وقع بأرضهم ،وقيل : فرّوا من الجهاد وقد كتب عليهم»(٢) .

وقال السيوطي في ذيل الآية الشريفة : «مقتهم الله على فرارهم من الموت ، فأماتهم الله عقوبة لهم ، ثمّ بعثهم إلى بقيّة آجالهم ليستوفها ...»(٣) .

٢ـ ( أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (٤) .

قال عليّعليه‌السلام :«خرج عزير نبيّ الله من مدينته وهو شاب ، فمرّ على قرية خربةوهي خاوية على عروشها ، فقال : أنّى يحيي هذه الله بعد موتها ، فأماته الله مائة عام ثمّ بعثه ، فأوّل ما خلق منه عيناه ، فجعل ينظر إلى عظامه ، وينظم بعضها إلى بعض ، ثمّ كسيت لحماً ، ثمّ نفخ فيه الروح ، فقيل له : كم لبثت؟ قال : لبثت يوماً أو بعض يوم ، قال : بل لبثت مأة عام ، فأتى مدينته وقد ترك جاراً له إسكافاً شاباً فجاءوهو شيخ كبير» (٥) .

٣ـ وقوله تعالى :( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ _________________________

(١)و(٤)البقرة(٢) : ٢٤٣.

(٢)مجمع البيان : ٢ / ٣٤٦.

(٣)الدرّ المنثور : ١ / ١٣١.

(٥)الشيعة والرجعة : ٢ / ٧٦.


تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (١) .

فعن الصادقعليه‌السلام :«أنّه رأى جيفة تمزّقها السباع فيأكل منها سباع البرّ والبحر ، فسأل الله إبراهيم فقال : يا ربّ ، قد علمت أنكّ تجمعها من بطون السباع ودواب البحر ، فأرني كيف تحييها لاُعاين ذلك» (٢) .

٤ـ وقوله تعالى :( فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) (٣) .

وهذه الآية الشريفة تدلّ دلالة واضحة على إحياء الميّت قبل القيامة ،والقصّة معروفة ومذكورة في التفاسير ذيل هذه الآية.

فعن ابن عبّاس : أنّه كان القتيل شيخاً مثرياً قتله بنو أخيه وألقوه على باب بعض الأسباط ثمّ ادّعوا عليهم القتل ، فاحتكموا إلى موسى ، فسأل من عنده في ذلك عنهم ، فقالوا : أنت نبيّ الله وأنت أعلم منّا ، فأوحى الله تعالى إليه أن يأمرهم بذبح بقرة ، فأمرهم موسى أن يذبحوا بقرة ويضرب القتيل ببعضها ، فيحيي الله القتيل فيبين من قتله»(٤) .

٥ـ وقوله تعالى :( وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ * ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم

_________________________

(١)البقرة(٢) : ٢٥٩.

(٢)مجمع البيان : ٢ / ٣٧.

(٣)البقرة(٢) : ٧٣.

(٤)الشيعة والرجعة : ٢ / ٥٨.


مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ) (١) .

وهذه الآية الشريفة تدلّ على إحياء جمع من النّاس بعد الموت ، وهم أبناء أيّوب النبيّعليه‌السلام .

قال في المجمع : «وروي عن أبي عبداللهعليه‌السلام :إنّ الله تعالى أحيا له أهله الذين كانوا معه قبل البليّة ، وأحيّا له أهله الذين ماتوا وهو في البليّة »(٢) .

فهذه خمس آيات قدّمناها لك ، وهي صريحة في إحياء جمع من الأموات ، أحياهم الله قبل القيامة لعلل مذكورة في التفاسير ، فثبت ذلك أنّه لو كان هذا الأمر محالاً لما تطرّق إليه القرآن الكريم ، ولو كان محالاً عقليّاً لما أخبر الله تعالى نبيّه في القرآن الكريم بوقوع ذلك في الاُمم السالفة.

الرجعة من معتقدات الشيعة

فعلى أساس ما ذكر من الآيات ، وما ورد من الروايات ، حول الرجعة ، صارت الرجعة من جملة معتقدات الشيعة ، وأشار إليها الأعلام قديماً وحديثناً في كتبهم ، كالشيخ الصدوق والسيّد المرتضى والشيخ المفيد والطبرسيوالحرّ العاملي ، ومن المعاصرين : والدنا المرحوم آية الله الشيخ محمّد رضا الطبسي وغيرهم.

كلام الشيخ الصدوق :

قال الصدوق عليه الرحمة في كتاب الإعتقادات حول الرجعة : «اعتقادنا

_________________________

(١)ص (٣٨) : ٤١ ـ ٤٣.

(٢)مجمع البيان : ٨ / ٤٧٨.


بالرجعة أنّها حقّ»(١) .

ونقل السيّد المرتضى إجماع الإماميّة على رجعة عدّة من المؤمنين يحييهم الله عند ظهور المهديعليه‌السلام قائلاً : «إنّ الذي تعتقد به الشيعة الإماميّة ، ولا يشكّ به عاقل ، إنّ هذا الفعل مقدور لله تعالى وليس من المستحيلات»(٢) .

كلام الشيخ المفيد :

وقال الشيخ المفيدرحمه‌الله : «إنّ الله تعالى قوماً من الأموات إلى الدنيا في صورهم التي كانو عليها ، فيعزّ منهم فريقاً ويذلّ فريقاً ، ويديل المحقّين من المبطلينوالمظلومين ، منهم من الظالمين ، وذلك عند قيام مهدي آل محمّدعليه‌السلام وقد جاء القرآن بصحّة ذلك ، وتظاهرت به الأخبار والإماميّة لأجمعها عليه إلاّ شذاذ منهم تأوّلوا ما ورد فيه ممّا ذكرناه على وجه يخالف ما وصفناه»(٣) .

كلام الشيخ الطبرسي :

وقال الطبرسي في مجمع البيان في ذيل قوله تعالى :( وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ ) (٤) .

«واستدلّ بهذه الآية على صحّة الرجعة من ذهب إلى ذلك من الإماميّة بأن قال : إنّ دخولمن في الكلام يوجب التبعيض ، فدلّ ذلك على أنّ اليوم المشار إليه في الآية يحشر فيه قوم دون قوم ، وليس ذلك صفة يوم القيامة الذي يقول

_________________________

(١)عقائد الصدوق : ٨٢ ، المطبوع مع الباب الحادي عشر.

(٢)الشيعة والرجعة : ٢ / ٢٥٨.

(٣)أوائل المقالات : ٨٩.

(٤)النمل (٢٧) : ٢٧ / ٨٣.


فيه سبحانه :( وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا ) (١) ، وقد تظاهرت الأخبار عن أئمّة الهدى من آل محمّدعليهم‌السلام في أنّ الله تعالى سيعيد عند قيام المهدي قوماً ممّن تقدّم موتهم من أوليائه وشيعتته ليفوزوا بثواب نصرته ومعونته ، ويبتهجوا بظهور دولته ، ويعيد أيضاً قوماً من أعدائه لينتقم منهم ، وينالوا بعض ما يستحقّونه من العذاب في القتل على أيدي شيعته ، والذلّ والخزي بما يشاهدون من علوّ كلمته ،ولا يشكّ عاقل أنّ هذا مقدور لله تعالى غير مستحيل في نفسه ، وقد فعل الله ذلك في الاُمم الخالية ، ونطق القرآن بذلك في عدّة مواضع ، مثل قصّة عزير وغيره على ما فسّرناه في موضعه ، وصحّ عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قوله : «سيكون في اُمّتي كلّ ما كان في بني إسرائيل حذو النعل بالنعل ، والقذة بالقذة ، حتّى لو أنّ أحدهم دخل جحر ضبّ لدخلتموه ، على أنّ جماعة من الإماميّة تأوّلوا ما ورد من الأخبار في الرجعة على رجوع الدولة والأمر والنهي دون رجوع الأشخاص وإحياء الأموات ،وأوّلوا الأخبار الواردة في ذلك لمّا ظنّوا أنّ الرجعة تنافي التكليف وليس كذلك؛ لأنّه ليس فيها ما يلجئ إلى فعل الواجب والامتناع من القبيح والتكليف يصحّ معها كما يصّح مع ظهور المعجزات الباهرة والآيات القاهرة ، كفلق البحر وقلب العصا ثعباناً وما أشبه ذلك؛ ولأنّ الرجعة لم تثبت بظواهر الأخبار المنقولة فيتطرّق التأويل عليها ، وإنّما المعول في ذلك على إجماع الشيعة الإماميّة ، وإن كانت الأخبار تعضده ويؤيّده»(٢) .

كلام العلاّمة المجلسي :

وتحدّث العلاّمة المجلسيرحمه‌الله عن الرجعة وقال : «اعلم يا أخي أني لأظنّك ترتاب

_________________________

(١)الكهف (١٨) : ٤٧.

(٢)مجمع البيان : ٧ / ٣٦٦.


بعد ما مهّدت وأوضحت في القول بالرجعة التي أجمعت الشيعة عليها في جميع الأعصار ، واشتهرت بينهم كالشمس في رابعة النهار ، حتّى نظموها في أشعارهم ،واحتجّوا بها على المخالفين في جميع أمصارهم ، وشنّع المخالفون عليهم في ذلكوأثبتوه في كتبهم وأسفارهم منهم : الرازي ، والنيسابوري وغيرهما ...

وكيف يشكّ مؤمن بحقيقة الأئمّة الأطهار فيما ورد عنهم في قريب من مأتي حديث صريح رواها نيف وأربعون من الثقات العظام والعلماء الأعلام في أزيد من خمسين من مؤلّفاتهم ، كثقة الإسلام الكليني ، والصدوق ، ومحمّد بن بابويه ، والشيخ أبو جعفر الطوسي ، والسيّد المرتضى ، والنجاشي ، والكشّي ، والعيّاشي ، وعليّ بن إبراهيم ، وسليم بن قيس الهلالي ، والشيخ المفيد ، والكراجكي ، والنعماني ،والصفّار ، وسعد بن عبدالله ، وابن قولويه ، وعليّ بن عبدالحميد ، والسيّد ابن طاووس ، وولده صاحب زوائد الفوائد ، ومحمّد بن عليّ بن إبراهيم ، ومؤلّف كتاب التنزيل والتحريف ، وأبي الفضل الطبرسي ، وإبراهيم بن محمّد الثقفي ، ومحمّد بن العبّاس بن مروان ، والبرقي ، وابن شهر آشوب ، والحسن بن سليمان ،والقطب الراوندي ، والعلاّمة الحلّي ، والسيّد بهاءالدين بن عليّ بن عبدالكريم ،وأحمد بن داود بن سعيد ، والحسن بن عليّ بن أبي حمزة ، والفضل بن شاذان ،والشيخ الشهيد محمّد بن مكّي ، والحسين بن مهران ، والحسن بن محمّد بن جمهور القمّي ، والحسن بن محبوب ، وجعفر بن محمّد بن مالك ، وطهر بن عبدالله ،وشاذان بن جبرئيل وغيره.

وإذا لم يكن مثل هذا متواتراً ففي أي شيء يمكن دعوى التواتر مع ما روته كافّة الشيعة خلفاً عن سلف ، وظنّي أنّ من يشكّ في أمثالها فهو شاكّ في أئمّة الدين ...(١) .

_________________________

(١)الشيعة والرجعة : ٢ / ٣٩٥ ، نقلاً عن بحارالأنوار.


فإن قيل : فما فائدة هذا الرجوع.

قلنا : لقد عرفت في مطاوي البحث عن الرجعة من أنّها تكريم لبقيّة الله ،وتعظيم لدولته من قِبل الله جلّ وعلا ، ووفاءٌ بالعهد لمن كان على العهد ، ومشاركة المؤمن في ثواب نصرتهعليه‌السلام ، والفرح بدولته صلوات الله عليه ، فيرجع المؤمن حتّى يستظلّ تحت أعلامه ويحشر في زمرته ، وتقرّ عينه ، وليبلغ من طاعة المهدي مراده ، ويشفي من أعدائه فؤاده.

السؤال السابع الثلاثون :

من الذي يرجع عند ظهور الإمام المهدي عليه‌السلام ؟

الجواب : إنّ الذين يرجعون من أجل نيل السعادة في ظلّ الحكومة الإلٰهيّة بقيادة الإمام المهديعليه‌السلام ومن أجل نصرته ، على قسمين :

المجموعة الاُولى : هم الذين وردت أسماءهم في الأحاديث الإسلاميّة ، كأصحاب موسى ، وأصحاب الكهف ، ويوشع بن نون ، وسلمان الفارسي ،وأبي دجانة الأنصاري ، والمقداد بن الأسود ، ومالك الأشتر ، والمفضّل بن عمر ،وداود الرقّي ، وشهدا الطفّ ، وقنواء بنت رشيد الهجري ، واُمّ أيمن ، وحبابة الوالبيّة ، وسميّة اُم عمّار بن ياسر ، وزبيدة ، واُمّ خالد الأحمسيّة ، واُمّ سعيد الحنفيّة ، وصيانة الماشطة ، واُمّ خالد الجهنية ، وغيرهم.

وإليك ما روي عن مجيء هؤلاء عند ظهور الإمام المهديعليه‌السلام :

١ـقال الصادقعليه‌السلام لمفضّل بن عمر :«يخرج مع القائم عليه‌السلام من ظهر الكوفة سبعةوعشرون رجلاً؛ خمسة عشر من قوم موسى عليه‌السلام الذين كانوا يهدون بالحقّ وبه يعدلون ، وسبعة من أهل الكهف ، ويوشع بن نون ، وسلمان ، وأبو دجانة


الأنصاري ، والمقداد ، ومالك الأشتر ، فيكونون بين يديه أنصاراًوحكّاماً» (١) .

٢ـ وقال أيضاً لمفضّل :«يا مفضّل ، أنت وأربعون رجلاً تحشرون مع القائم ، أنت على يمين القائم تأمر وتنهى النّاس إذ ذاك أطوع لك منهم اليوم» (٢) .

نظر الصادقعليه‌السلام إلى داود الرقّي وقد ولّى ، فقال :«من سرّه أن ينظر إلى رجل من أصحاب القائم عليه‌السلام فلينظر إلى هذا» (٣) .

٣ـ وتحدّث أيضاً عن رجوع الحسن مع سبعين من أصحابه ، فقال :«يخرج في سبعين من أصحابه عليهم البيض المذهّبة ، لكلّ بيضة وجهان ، يؤذّن المؤذّنون إلى النّاس : إنّ هذا الحسين عليه‌السلام قد خرج» (٤) .

٤ـ روى الطبري بسنده عن المفضّل بن عمر ، قال : «سمعت أبا عبدالله يقول :يكن مع القائم ثلاثة عشر امرأة.

قلت وما يصنع بهنّ؟

قال :يداوين الجرحى ، ويقمن على المرضى ، كما كان مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله .

قلت : فسمّهنّ لي؟

قال :القنواء بنت رشيد ، واُمّ أيمن ، وحبّابة الوالبيّة ، وسميّة اُمّ عمّار بن ياسر ،وزبيدة ، واُم خالد الأحمسيّة ، واُمّ سعيد الحنفيّة ، وصيانة الماشطة ، واُمّ خالد الجهنيّة »(٥) .

_________________________

(١)الإرشاد : ٣٤٤.

(٢)دلائل الإمامة : ٢٤٨.

(٣)رجال الكشّي : ٤٠٢.

(٤)مختصر بصائر الدرجات : ٤٨.

(٥)دلائل الإمامة : ٢٦٠.


٥ـ روى الحسن بن سليمان بسنده عن ابن بكير ، عن أبي عبداللهعليه‌السلام ، قال :«كأنّي بحمران بن أعين وميسّر بن عبدالعزيز يخبطان النّاس بأسيافهما بين الصفاوالمروة» (١) .

٦ـ وفي الكشّي عن أبي صالح خلف بن حمّاد ، عن سهل بن زياد ، عن عليّ بن المغيرة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام ، قال :«كأنّي بعبدالله بن شريك العامري عليه عمامة سوداء ، وذؤابتان بين كتفيه ، مصعداً في لحف الجبل بين قائمنا أهل البيت في أربعة آلاف مكبّرون ومكرون» (٢) .

المجموعة الثانية : هم الذين لم ترد أسماءهم في الروايات ، ولكن ذكرت أوصافهم ، وهم :

١ ـ من كان مثل سلمان الفارسي

جاء في حديث النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله مع سلمان الفارسي ، فقال له بعد ما ذكر له أسماء الأئمّةعليهم‌السلام :«يا سلمان ، إنّك مدركه ، ومن كان مثلك ، ومن تولاّه على هذه المعرفة» (٣) .

٢ ـ من قرأ دعاء العهد أربعين صباحاً

وفي الاستبصار عن جعفر بن محمّد الصادقعليه‌السلام أنّه قال :«من دعا إلى الله أربعين صباحاً بهذا العهد كان من أنصار قائمنا ، فإن مات قبله أخرجه الله تعالى من قبره ، _________________________

(١)بحار الأنوار : ٥٣ / ٤٠.

(٢)رجال الكشّي : ٢١٧.

(٣)دلائل الإمامة : ٢٣٧.


وأعطاه بكلّ كلمة ألف حسنة ، ومحا عنه ألف سيّئة ، وهو هذا :اللَّهمَّ ربَّ النُّورِالْعَظِيمِ ، وَرَبَّ الْكُرْسِيِّ الرَّفِيعِ ، وَرَبَّ الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ، وَمُنْزِلَ التَّوْراةِوَالإِنْجِيلِ والزَّبُورِ ، وَربَّ الظِّلِّ وَالْحَرُورِ ، وَمُنْزِلَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ ... »(١) .

٣ ـ من قرأ سورة الأسراء كلّ ليلة جمعة

وفي العيّاشي عن الصادقعليه‌السلام ، قال :«من قرأ سورة بني إسرائيل في كلّ ليلة جمعة لم يمت حتّى يدرك القائم ، ويكون من أصحابه» (٢) .

٤ ـ الشهداء

ومن الذين يرجعون إلى الدنيا في أيّام ظهور المهديعليه‌السلام هم الشهداء الذين جعلوا أجسادهم هدفاً لسهام أعداء الله ، ولاقوا المعبود بأجساد مضرّجة بالدماء ، فهؤلاء سوف يرجعون حتّى يدركوا عصر الإمام المهديعليه‌السلام ثمّ يموتوا بعد ذلك موتاً طبيعيّاً.

وفي حديث الإمام الباقرعليه‌السلام مع زرارةـبعد ما ذكر الفرق بين الموت الطبيعيوالقتل في سبيل اللهـقال له :«ليس من قتل بالسيف كمن مات على فراشه ، إنّ من قتل لا بدّ أن يرجع إلى الدنيا يذوق الموت» (٣) .

٥ ـ المؤمنون

لمّا سمع سلمان الفارسي من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه مدرك القائمعليه‌السلام قال :

_________________________

(١)بحارالأنوار : ٥٣ / ٩٥.

(٢)تفسير العيّاشي : ٢ / ٢٧٦.

(٣)المصدر المتقدّم : ١١٢.


«فاشتدّ بكائي وشوقي وقلت : يا رسول الله ، أبعهد منك؟

فقال :إي والله الذي أرسلني بالحق منّي ومن عليّ وفاطمة والحسن والحسينوالتسعة ، وكلّ من هو منّا ومعنا ومضام فينا ، إي والله وليحضرنّ إبليس له جنوده ،وكلّ من محض الإيمان محضاً ، حتّى يؤخذ له بالقصاص والأوتار ولا يظلم ربّك أحداً ، وذلك تأويل هذه الآية : ( وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ ) (١) .

قال : فقمت من بين يديه وما اُبالي لقيت الموت أو لقيني»(٢) .

وعن الصادقعليه‌السلام ، قال :«إنّما يرجع إلى الدنيا عند قيام القائم عليه‌السلام من محض الإيمان محضاً ، أو محض الكفر محضاً ، فأمّا سوى هذين فلا رجوع لهم إلى يوم المآب» (٣) .

السؤال الثامن والثلاثون :

هل للأنبياء دور في دولة الإمام المهدي عليه‌السلام ؟

الجواب : من الوعود الإلٰهيّة الكبيرة للأنبياء هي نصرتهم على أعدائهم ،ولمّا ثبت أنّ كثيراً منهم قتلوا ظلماً وعدواناً على يد طواغيت عصرهم ، فلابدّمن مجيء يوم لنصرة الأنبياء والرسل ، فلا شكّ أنّ ذلك اليوم هو الرجعة ، أيرجعة أنبياء الله في دولة المهديعليه‌السلام ، حيث يرجعون وينتقمون من أعداءهم ،

_________________________

(١)القصص (٢٨) : ٥ و ٦.

(٢)دلائل الإمامة : ٢٣٨.

(٣)معجم أحاديث الإمام المهدي : ٤ / ٨٣.


وينتصرون على أعدائهم. وهذا هو تفسير قول الله تعالى :( إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ) (١) .

فعن القمّي في تفسيره بسنده عن جميل ، عن أبي عبداللهعليه‌السلام ، قال:«قلت : قول الله تبارك وتعالى :( إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ) ، قال :ذلك والله في الرجعة ، أما علمت أنّ أنبياء كثيرة لم ينصروا في الدنيا وقتلوا ، والأئمّة بعدهم قتلوا ولم ينصروا ، ذلك في الرجعة »(٢) .

وفي رواية عنهعليه‌السلام قال :« ويقبل الحسين في أصحابه الذين قتلوا معه ،ومعه سبعون نبيّاً كما بعثوا مع موسى بن عمران ...» (٣) .

يستفاد من رواية الإمام الباقر عن أمير المؤمنينعليهما‌السلام في تفسير قوله تعالى :( وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ) (٤) أنً جميع الأنبياء سوف يحييهم الله حتّى يجاهدوا ويقاتلوا بين يدي الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، حيث قال :«إي ،ولتنصرون وصيّه ، وسينصرونه جميعاً ، وأنّ الله أخذ ميثاقي وميثاق محمّد بنصرة بعضنا لبعض ، لقد نصرت محمّداً ، وجاهدت بين يديه ، وقتلت عدوّه ، ووفيت لله بما أخذ علَيَّ من الميثاق والعهد والنصرة لمحمّد ولم ينصرني أحد من أنبياء اللهورسله ، وذلك لمّا قبضهم إليه ، وسوف ينصرونني ويكون لي ما بين مشرقها إلى مغربها ، ليبعثهم الله أحياء من آدم إلى محمّد ، كلّ نبيّ مرسل يضربون بين يدي

_________________________

(١)غافر (٤٠) : ٥١.

(٢)تفسير القمّي : ٢ / ٢٥٨.

(٣)معجم الإمام المهديعليه‌السلام : ٤ / ٨٩.

(٤)آل عمران(٣) : ٨١.


بالسيف هام الأموات والأحياء والثقلين جميعاً» (١) .

والظاهر أنّ الأنبياء يرجعون شيئاًفشيئاً ، فقسم منهم يرجع مع الحسين ،وقسم ينزل من السماء وبعضهم يرجع مع أمير المؤمنينعليه‌السلام .

ذكرت الروايات أسماء بعض الأنبياء الذين يرجعون في دولة القائم ، منهم :

١ ـ عيسى بن مريمعليهما‌السلام

لقد صرّحت الروايات الكثيرة من الشيعة والسنّة بنزول عيسى من السماء بعد ما عرج به إلى السماء فإنّهعليه‌السلام ، من أكبر أنصار المهديعليه‌السلام ، وأعزّهم عليه ،وهو الذي يقتدي بالإمام ، ويكون وزيراً لهعليه‌السلام ، وهو الذي ينزل إلى الدنيا مع ثمانمائة رجل وأربعمائة امرأة(٣) ، وهو الذي يكسر الصليب ، ويقتل الدجّال ،ويأخذ أموال القائم ويقسّمها بين النّاس.

٢ ـ النبي إلياسعليه‌السلام

من الأنبياء الذين سوف يرجعون هو إلياس النبيّ ، فقد إنّه جعل اليسع خليفته في بين إسرائيل ، ثمّ رفعه الله إلى السماء ، وأنّه يحضر في كل عام في يوم عرفة مع الخضرعليه‌السلام ويكونا معاً في عرفات(٢) .

ويستفاد من كلام الإمام الصادق ومن لقاءه بإلياس عند الكعبة ، أنّهعليه‌السلام من جملة الأنبياء الذين سوف يرجعون ويكونون مع المهديعليه‌السلام ، حيث أظهر في ضمن حديثه مع الصادقعليه‌السلام سيفه ، ثمّ رفع القناع عن وجهه ، وقال : أنا إلياس(٣) .

_________________________

(١)و(٣)الشيعة والرجعة : ٢ / ٩٣.

(٢)مجمع البحرين : ٢١٦.

(٣)الكافي : ١ / ٢٤٢.


٣ و ٤ ـ دانيال ويونسعليهما‌السلام

قال الحسين بن عليّعليهما‌السلام لأصحابه قبل أن يُقتل حول رجعة الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام مع عدّة من الأنبياء ، منهم نبيّ الله دانيال ويونسعليهما‌السلام ، قائلاً :« وإنّ دانيال ويونس يخرجان إلى أمير المؤمنين عليه‌السلام يقولان : صدق الله ورسوله ،ويبعث معهما إلى البصرة سبعين رجلاً فيقتلون مقاتلهم ، ويبعث بعثاً إلى الروم فيفتح الله لهم» (١) .

السؤال التاسع والثلاثون :

ما هي التغييرات التي ستحصل في عصر الإمام المهدي عليه‌السلام ؟

الجواب : لقد أخبر المعصومونعليهم‌السلام ضمن روايات كثيرة عن التطوّراتوالتغييرات العظيمة في زمن المهديعليه‌السلام ، فإنّه بعد ما يقوم بعملين أساسيّين يعتبران أساس لإصلاحاته ، وهما :

١ـسيحطّم دولة الكفر ، كما قال الصادقعليه‌السلام :«إذا قام القائم ذهبت دولة الباطل» (٢) .

٢ـيملأ العالم بالقسط والعدل ، ويقضي على الظلم ، فلن يتجرّء أحد أن يظلم الآخرين في دولتهعليه‌السلام . وتصل عقول البشر إلى أعلى مستوياتها ، ويذهب المرض والعاهات ، والحيرة والضياع ، في دولتهعليه‌السلام ، ويستفاد النّاس من كلّ الخيرات ، وتظهر كنوز الأرض على يديه ، ويتنعّم النّاس بنعمة الرفاهوالراحة ، والأمن والعدالة ، والصلح والصفاء ، وتظهر الحريّة ولذّة العيش ،

_________________________

(١)الخرائج والجرائح : ٢ / ٨٤٩.

(٢)الكافي : ٨ / ٢٨٧.


والوحدة والاخوّة والمساواة في ظلّ هذه الدولة العالميّة بقيادة الإمام المهديعليه‌السلام .

ولا بأس بالإشارة إلى بعض المنجزات التي يحقّقها الإمامعليه‌السلام في زمن حكومته :

١ ـ يقطع أيدي سرّاق أموال الكعبة ، وهم من بني شيبة.

٢ ـ يقتل أعداء أمير المؤمنين إذا لم يقبلوا الإسلام المحمّدي الأصيل.

٣ ـ ينتقم من أعداء الله وأنبياءه.

٤ ـ يقضي على جميع القوانين والعادات الجاهليّة.

٥ ـ يحطّم الصليب.

٦ ـ يجعل الرفاه والأمن والعدل والتساوي في أعلى مستوياتها.

٧ ـ يقسّم بيت المال على النّاس في العام مرّتين ، ويعطي الراتب في الشهر مرّتين.

٨ ـ يقضي على الظلم والجور نهائياً.

٩ ـ يقسّم الأموال بين النّاس بالسويّة(١) .

١٠ ـ يمسح بيده على رؤوس النّاس فتكمل عقولهم.

١١ ـ يظهر العلوم التي خفيت على البشر.

١٢ ـ ينشر التعاليم القرآنيّة والعلوم المودعة فيه في كلّ مكان.

١٣ ـ يُخرج جميع كنوز الأرض ويستخدمها.

١٤ ـ يبني مسجداً في النجف له ألف باب.

١٥ ـ يوسّع الطرق العامّة فيصير ذراعاً.

_________________________

(١)راجع بحاد الأنوار : ٥٢ / ٣١٣.


١٦ ـ يحفر من خلف قبر الحسين نهراً يجري إلى الغريّين(١) .

١٧ـ وأوّل ما يظهر من العدل أن ينادي مناديه : أن يسلّم صاحب النافلة لصاحب الفريضة الحجر الأسود والطواف(٢) .

قال الإمام الباقرعليه‌السلام :«إنّ قائمنا إذا قام دعا النّاس إلى أمر جديد كما دعا إليه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ،وأنّ الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ ، فطوبى للغرباء» (٣) .

السؤال الأربعون :

هل يأتي الإمام المهدي عليه‌السلام بدين جديد؟

الجواب : ورد في بعض الروايات أنّ الإمام المهديعليه‌السلام عندما يظهر يأتي بأمر جديد ، كما أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله حينما بعث جاء بأمر جديد.

فلا شكّ أنّه لا يراد بالأمر الجديد الأحكام الخارجة عن الإسلام والقرآن؛ لأنّ أحكام الإسلام كانت موجودة منذ زمن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإن كان بعضها لم تبيّن لمصالح لحدّ الآن ، أو لم تصل بعد إلى مرحلة التطبيق ، فلعلّ المراد بالأمر الجديد ما كان جديداً بنظر النّاس في ذلك اليوم ، فإنّه قد ورد في بعض الروايات أنّ الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً(٤) ، وأنّ إبتعاد النّاس عن الإسلام والقرآن سيجعلهما في غربة ، وعلى هذا فإنّ النّاس في عصر الظهور سيكونون بعيدين عن القرآنوالإسلام ، فمع مجيء بقية الله سوف يظنّون أنّه جاء بأحكام جديدة.

_________________________

(١)راجع بحار الأنوار : ٥٢ / ٣١٣.

(٢)الكافي : ٤ / ٤٢٧.

(٣)المصدر المتقدّم : ٣٦٦.

(٤)الغيبة : ٣٢١.


وعن النعماني بسنده عن أبي بصير ، عن أبي عبداللهعليه‌السلام أنّه قال :«الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ ، فطوبى للغرباء .

فقلت : اشرح لي هذا أصلحك الله؟

فقال :يستأنف الداعي منّا دعاء جديداً كما دعا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله » (١) .

ويستفاد من قول الإمام الصادقعليه‌السلام حيث يقول :«وهداهم إلى أمر قد دثر» (٢) ، أنّهم لما كانوا بعيدين عن القرآن وأحكام الإسلام سيخفى عليهم كلّ شيء فيهديهم الحجّةعليه‌السلام إلى ما قد خفي عليهم.

السؤال الحادي والأربعون :

في أي بلدة ستكون عاصمة الدولة الإسلاميّة في زمن الإمام المهدي عليه‌السلام ؟

الجواب : لا ريب أنّ عاصمة الإمامعليه‌السلام في قلب كلّ البشر في ذلك اليوم ، حيث لا يبقى الإمام في مكان واحد ولا بلدة معيّنة ، وإن أشرنا قبل ذلك أنّه يسكن في أيّام ظهوره مع أهله وأولاده في مسجد السهلة التي هي بقرب من مسجد الكوفة ، ولكن بملاحظة القرائن والشواهد الموجودة من أنّه لا يبقى لا بمكّةولا بالمدينة ، بل سيخرج مع أنصاره وأعوانه إلى مدينة الكوفة من المظنون قوياً أنّ عاصمته ستكون في الكوفة أو حواليها ، وممّا يدلّ على ذلك ترغيب المعصومين على أنّه من كان عنده دار بالكوفة فليتمسّك بها أو يبني مسجداً له ألف باب.

وأمّا ما روي في ترغيب المؤمنين : ما في كتاب الفضل بن شاذان رفعه عن سعد ، عن أبي محمّد الحسن بن عليّعليهما‌السلام ، قال :«لموضع في الكوفة أحبُّ إليَّ من

_________________________

(١)الغيبة : ٣٢١.

(٢)إعلام الورى : ٤٣١.


دار في المدينة» (١) .

وعنه : عن سعد بن الأصبغ ، قال : «سمعت أبا عبداللهعليه‌السلام يقول :من كانت له دار بالكوفة فليتمسّك بها »(٢) .

روى الشيخ المفيد في الإرشاد أنّه جاء في الأثر بأنّه عليه وعلى آبائه السلام : يسير من مكّة حتّى يأتي الكوفة ، فينزل على نجفها ، ثمّ يفرّق الجنود منها في الأمصار(٣) .

وقال : روى الجمّال عن ثعلبة ، عن أبي بكر الحضرمي ، عن ابي جعفر ، قال :«كأنّي بالقائم عليه‌السلام على نجف الكوفة قد سار إليها من مكّة في خمسة آلاف من الملائكة ، جبرئيل عن يمينه ، وميكائيل عن شماله ، والمؤمنون بين يديه ،وهو يفرق الجنود في البلاد» (٤) .

وعن المفضّل بن عمر ، قال : «سمعت أبا عبداللهعليه‌السلام يقول :إذا قام قائم آل محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله بنى في ظهر الكوفة مسجداً له ألف باب »(٥) .

وعن أبي جعفرعليه‌السلام أنّه ذكر المهدي فقال :«يدخل الكوفة وبها ثلاث رايات قد اضطربت ، فتصفو له ، ويدخل حتّى يأتي المنبر ، فلا يدري النّاس ما يقول من البكاء ، فإذا كانت الجمعة الثانية سأله النّاس أن يصلّي بهم الجمعة ، فيأمر أن يخطّ له مسجد على الغري ويصلّي بهم هناك» (٦) .

_________________________

(١)و(٢)بحار الأنوار : ٥٢ / ٣٨٦.

(٣)و(٤)الإرشاد / المفيد : ٣٤١.

(٥)الإرشاد / المفيد : ٣٤٢.

(٦)المصدر المتقدّم : ٣٤١.


السؤال الثاني والأربعون :

ما هو تعامل المهدي مع اليهود والنصارى؟

الجواب : إنّ من أحد الوعود الإلهيّة التي سوف تتحقّق في ظلّ حكومة قائم آل محمّدعليه‌السلام هو زوال الكفر والشرك ، بل طبقاً للآية الكريمة :( لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ) (١) ، فإنّ صوت التوحيد سوف يغطّي العالم كلّه ، وعلى حدّ قول الباقرعليه‌السلام :«لا يبقى أحد إلاّ أقرّ بمحمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله » (٢) .

وهكذا مفاد قوله تعالى :( وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ) (٣) أنّه لم يبقَ أهل دين حتّى يظهروا الإسلام ، فعن الصادقعليه‌السلام :«إذاقام القائم عليه‌السلام لا تبقى أرض إلاّ نودي فيها بشهادة أن لا إلٰه إلاّ الله ، وأنّ محمّداً رسول الله» (٤) .

ومع ذلك فالروايات في هذه المسألة على طائفتين ، وإن كانت الطائفة الثانية أكثر وأصرح وأقرب إلى الآيتين ، وخصوصاً الآية الثانية المتقدّم ذكرها.

الطائفة الاُلى : ويستفاد منها أنّ الإمام المهديعليه‌السلام يصالحهم على إعطاء الجزية عن يد وهم صاغرون ، فقد سأل أبو بصير عن الإمام الصادقعليه‌السلام عن ذلك فقال :

«قلت : فنا يكون من أهل الذمّة عنده؟

_________________________

(١)التوبة(٩) : ٣٣.الفتح (٤٨) : ٢٨. (٦١) : ٩.

(٢)تفسير العيّاشي : ٢ / ٨٧.

(٣)آل عمران(٣) : ٨٣.

(٤)تفسير الصافي : ١ / ١٨٣.


قال :يسالمهم كما سالمهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويؤدّون الجزيّة عن يد وهم صاغرون »(١) .

الطائفة الثانية : روايات تدلّ على أنّه لا يقبل من أحد إلاّ الإسلام ، فإنّهعليه‌السلام سيقضي عليهم بعد إتمام الحجّة وعدم قبولهم الحقّ؛ لأنّ بعد نزول عيسى من السماء وحضوره في الصلاة خلف الإمام المهديعليه‌السلام وتبليغه للإسلام وكسره للصليب فهو إبطال للنصرانيّة ، فلا يبقى مجال للاعتذار أو لمخالفة عيسىعليه‌السلام .

قال الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام عند قوله تعالى :( وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا ) :«نزلت في القائم إذا خرج باليهود والنصارى والصابئينوالزنادقة وأهل الردّة والكفّار في شرق الأرض وغربها فعرض عليهم الإسلام ، فمن أسلم طوعاً أمره بالصلاة والزكاة وما يؤمر به المسلم ويجب لله عليه ، ومن لم يسلم ضرب عنقه حتّى لا يبقى في المشارق والمغارب أحد إلاّ وحّد الله .

قلت له : جعلت فداك ، إنّ الخلق أكثر من ذلك؟

فقال :إنّ الله إذا أراد أمراً قلّل الكثير وكثّر القليل» (٢) .

وروى المفيد عن عليّ بن عقبة بأنّه :«لم يبقى أهل دين حتّى يظهروا الإسلامويعترفوا بالإيمان» (٣) .

وفي سنن أبي داود عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في حديث له ، قال :«فيقاتل النّاس على الإسلام فيدقّ الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويضع الجزية ، ويهلك الله في زمانه

_________________________

(١)بحار الأنوار : ٥٢ / ٣٧٦.

(٢)معجم أحاديث الإمام المهديعليه‌السلام : ٥ / ٦٠.

(٣)الإرشاد : ٣٤٤.


الملل كلّها إلاّالإسلام ...» (١) .

تلخّص أنّه لا يقبل في زمن المهديعليه‌السلام من أحد غير الإسلام ، ويؤيّد ذلك أيضاً ما عن الباقرعليه‌السلام في تفسير قوله تعالى :( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ ) (٢) ، قال :«لم يجئ تأويل هذه الآية بعد ، إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله رخّص لهم لحاجته وحاجة أصحابه ، فلو قد جاء تأويلها لم يقبل منهم ، ولكنّهم يقتلون حتّى يوحّد الله عزّوجلّ وحتّى لا يكون شرك» (٣) .

_________________________

(١)سنن أبي داود : ٢ / ٣٤٢.

(٢)البقرة(٢) : ١٩٣.

(٣)بحار الأنوار : ٥٢ / ٣٧٨.





لقد تحدّثت كثير من الروايات عن أنصار المهدي المنتظر عجّل الله فرجه الشريف وعن منزلتهم.

ولا بدّ أن تسأل من هم هؤلاء؟ وكم عددهم؟ ومن أي بلد؟ ومن أي طائفة؟وفي أيّ مدينة يعيشون؟ فهل ولدوا أم سيولدوا قرب ظهوره؟ وما يصنعون في عهد الغيبة؟ وما هو دورهم في ظلّ حكومة الإمام المهديعليه‌السلام ؟ وسنبحث في هذا الفصل عن هذه الأسئلة.

السؤال الثالث والأربعون :

من هو الخضر عليه‌السلام ؟ وما هو دوره في زمن غيبة الإمام المهدي عليه‌السلام ؟

الجواب : الخضر هو عبد من عباد الله الصالحين ، أو نبيّ من أنبياء الله الكرام ، آتاه الله العلم والحكمة ، وقد صاحب سيّدنا موسى بن عمرانعليه‌السلام في سفره البحري المشار إليه في القرآن الكريم.

كان من أكبر أنصار«ذو القرنين» ، ولقد أعطاه الله عمراً طويلاً حتّى يكون دليلاً قويّاً على طول عمر الحجّة القائم المنتظرعليه‌السلام ، ويكون مونساً للمهدي في زمن غيبته.

وذكر بعض مميزّاته في بعض الكتب الروائيّة أو التفسيريّة ، فنشير إلى بعضها :

١ـ قال الرضاعليه‌السلام :«إنّ الخضر شرب من ماء الحياة ، فهو حيّ لا يموت حتّى


ينفخ في الصور» (١) .

٢ـ وفي تفسير القمّي : «أعطاه الله من القدرة على أن يتصوّر كيف شاء ،وكان على مقدّمة جيش ذي القرنين»(٢) .

٣ـ عبّر القرآن الكريم عنه بالعالم ، فقال في سورة الكهف :( فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا ) (٣) .

٤ـ متى ما ذكر اسمه في مكان فإنّه يحضر في الحال ، كما قال الرضاعليه‌السلام :« وإنّه ليحضر حيث ما ذكر ، فمن ذكره منكم فليسلّم عليه» (٤) .

٥ـ يحضر كلّ عام في موسم الحجّ ، يقول الرضاعليه‌السلام :« وإنّه ليحضر الموسم كلّ سنة ، فيقضي جميع المناسك ويقف بعرفة فيؤمّن على دعاء المؤمنين» (٥) .

ولقد كان له دور مهمّ أيّام حياة المعصومينعليهم‌السلام ، وإن لم تصل أكثر أخباره إلينا ،وله أيضاً دور مهمّ في أيّام غيبة المهدي المنتظر(عج) ، كما حدّث الرضاعليه‌السلام بذلك ، فقال :«وسيؤنس الله به وحشة قائمنا في غيبته ، ويصِلَ به وحدته» (٦) .

٦ـ مضافاً إلى الأعمال التي أوكلت إليه من قبيل إغاثة الملهوفين في الصحارى ،وإعانة المفقودين.

روى سدير الصيرفي عن أبي عبدالله في حديث طويل ، قال :«أمّا العبد الصالح ، أعني الخضر ، فإنّ الله عزّوجلّ طوّل عمره لا لنبوّةٍ قدّرها له ، ولا لكتاب

_________________________

(١)سفينة البحار : ١ / ٣٨٩.

(٢)مجمع البحرين : ٢٤٦.

(٣)الكهف(١٨) : ٦٥.

(٤ ـ ٦)كمال الدين : ٢ / ٣٩٠.


ينزل فيه ، ولا لشريعة ينسخ بها شريعة من كان قبله من الأنبياء ، ولا لإمامة يلزم عباده الإقتداء بها ، ولا لطاعة فرضها له ، بل إنّ الله تعالى لمّا كان في سابق علمه أن يُقدّر من عمر القائم في أيّام غيبة ما يُقدِّر ، وعلم ما يكون من إنكار الاُمّة له ، أراد أن يطول عمره ذلك الطول طول عمر عبده الصالح من غير سبب أوجب ذلك ، إلاّ لأجل الإستدلال به على القائم وليقطع بذلك حجّة المعاندين لئلا يكون للنّاس حجّة» (١) .

السؤال الرابع والأربعون :

هل حُدِّدَ أصحاب الإمام المهدي عليه‌السلام في الأحاديث الإسلاميّة؟

الجواب : لقد اُشير في عدّة من الروايات إلى أصحابهعليه‌السلام ، وأنّ عدد هم٣١٣ نفراً ، ويمكن تصنيف أنصاره إلى عدّة أصناف :

١ ـ الأنصار الذين يبدأ الإمام معهم نهضته.

٢ ـ الأنصار الذين يقومون من قبورهم ببركة ظهورهعليه‌السلام .

٣ ـ الأنصار الذين ينزلون من السماء مع عيسىعليه‌السلام .

فالصنف الأوّل عددهمـكما قيلـ٣١٣ شخصاً ، ولقد شخّصت الروايات محلّ سكناهم ، وعددهم من كلّ بلد ، ووضّح الصادقعليه‌السلام بطلب من أبي بصير بما يلي :

قالعليه‌السلام :«إذا كان يوم الجمعة بعد الصلاة فائتني ، قال : فلمّا كان يوم الجمعة أتيته.

فقال :يا أبا بصير ، أتيتنا لمّا سألتنا عنه.

_________________________

(١)إعلام الورى : ٤٠٦.


قلت : نعم ، جعلت فداك.

قال :إنّك لا تحفظ ، فأين صاحبك الذي يكتب لك ؟

فقلت أظنّ شَغَلَهُ شاغِل ، وكرهت أن أتأخّر عن وقت حاجتي.

فقال للرجل في مجلسه :اكتب له : هذا ما أملاه رسول الله على أمير المؤمنينوأودعه إيّاه من تسمية أصحاب المهدي وعدّة من يوافيه من المفقودين عن فرشهموقبائلهم والسائرين في ليلهم ونهارهم إلى مكّة ، وذلك عند استماع الصوت في السنة التي يظهر فيها أمر الله عزّوجلّ ، وهم النجباء والقضاة والحكّام على النّاس »(١) .

فهم :

ـ رجل من أسوان

ـ رجل من باغه

ـ رجل من بافاد

ـ رجل من بدا

ـ رجل من بدو

ـ رجل من بلبيس

ـ رجل من بيرم

ـ رجل من جوقان

ـ رجل من حار

ـ رجل من حران

ـ رجل من حيوان

ـ رجل من خلاط

ـ رجل من خيبر

ـ رجل من دبيلة

ـ رجل من دمياط

ـ رجل من الريّ

ـ رجل من سيمسياط

ـ رجل من سيراف ( شيراز )

_________________________

(١)دلائل الإمامة : ٣٠٧.


ـ رجل من صيدائيل

ـ رجل من طازبند الشرقي

ـ رجل من طالقان

ـ رجل من طبرية

ـ رجل من طهر

ـ رجل من عبثة

ـ رجل من عكبرا

ـ رجل من فرغانة

ـ رجل من قابس

ـ رجل من قارب

ـ رجل من كوثا

ـ رجل من نسوى

ـ رجل من نصيبين

ـ رجل من وادي القرى

ـ رجل مفقود في السلاهط

ـ رجل وهو المتخلى بصقيلية

ـ رجل وهو الطواف الحقّ من يخشب

ـ رجل وهو الهارب من عشيرته

ـ والمحتجّ بكتاب الله على النصاب من سرخس

ـ رجلان من إصطخر

ـ رجلان من الأهواز

ـ رجلان من بريد

ـ رجلان من حلوان

ـ رجلان من الرافقة

ـ رجلان من صامغان

ـ رجلان من طرابلس

ـ رجلان من صنعاء

ـ رجلان من قريات

ـ رجلان من قرمس

ـ رجلان من قزوين

ـ رجلان من قلزم

ـ رجلان من القيروان

ـ رجلان من المدينة

ـ رجلان : النازلان بسرانديب

ـ رجلان من مروالروذ

ـ رجلان من موليان

ـ رجلان هما الهاربان إلى السروانيّة من الشعب


ـ ثلاثة من البصرة.

ـ ثلاثة من جابروان

ـ ثلاثة من حلب

ـ ثلاثة من الرقّة

ـ ثلاثة من سجستان

ـ ثلاثة من كوركرمان

ثلاثة ، وهم التاجران الخارجان من عانة إلى أنطاكية وغلامهما

ـ أربعة من الديلم

ـ أربعة من سمند

ـ أربعة من سنجار

ـ أربعة من فسطاط

ـ أربعة من بوشنج

ـ أربعة من همدان

ـ أربعة من سلمية

ـ خمسة من طوس

ـ سبعة ، وهم أصحاب الكهف

ـ سبعة من الريّ

ـ ثمانية من جبل غرر

ـ ثمانية من المدائن

ـ تسعة من بيروت

ـ تسعة من طبرستان

إحدى عشر ، وهم المستأمنون إلى الروم

ـ اثنا عشر من جرجان

ـ اثنا عشر من مرو

ـ اثنا عشر من الهرات

ـ أربعة عشر من الكوفة

ـ ثمانية عشر من قم

ـ ثمانية عشر من نيسابور

أربعون وعشرون ممن طالقان» (١) .

وقفة للتأمّل

ولنا على ما مرّ من أصحابهعليه‌السلام وبلدانهم ملاحظات لا بأس بالتنبيه عليها :

_________________________

(١)راجع الملاحم والفتن : ٢٠٢.دلائل الإمامة : ٣٠٧.المهدي الموعود المنتظر : ٢ / ٢٠١.


١ـ من المحتمل سقوط بعض البلدان والأماكن من هذا الحديث ، حيث لم يصل عدد هؤلاء إلى٣١٣ رجلاً ، فما ذكر لا يبلغ الثلاثمائة.

٢ـ ويشهد بذلك وجود أسماء اُخرى من هذه المناطق في روايات اُخرى ، كالصاغان وقرغانه والشام وترمذ وموعود وترقعة ودمشق وفلسطين وبعلبكونوغان والحائر ونور وقاليقا وبروجرد ورها ومراغه وفالس وقبّة وتربدهوخبوان وطهى وارم وسردانه وقرية صويقان والصانعان وسكنة ودانشاه وبارودوالواد وفارياب ويافا وقومس وتيس وبالسين وملزن وأيلة والجيزة وريدار والربذة والحيرة(١) .

فيحتمل تكميل هذا العدد من هذه المدن.

٣ـ واُشير في بعض الروايات(٢) إلى اسماء أنصار الإمام المهديعليه‌السلام ، ولم يُشر إلى أسماءهم في هذه الرواية.

٤ـ وأشارت إلى بعض المدن ، وأنّه سيكون منها سبعة ، وفي بعضها الآخر تشير إلى رجل واحد ، كالريّ مثلاً(٣) .

٥ـ تكرّرت في هذه الروايات بعض المدن ، مثل : الريّ والطالقان(٤) .

٦ـ وهكذا ذكرت أسماء مشابهة لأسماء بعض المدن ، ويحتمل كونها مدينة واحدة ، مثل : قرغانه وفرغانه(٥) ، وصامغان وصاغان(٦) .

٧ـ إنّ أسماء المدن التي وردت هي محلّ سكنى أنصار المهدي قبل الظهور ،

_________________________

(١)دلائل الإمامة : ٣٠٨و٣٠٩.

(٢)و(٥)بشارة الإسلام : ٢٠٩.

(٣)و(٦)دلائل الإمامة : ٣٠٧.

(٤)المصدر المتقدّم : ٣٠٩.


فمن الممكن أن لا يكونوا من سكّانها الأصليّين؛ إذ لعلّهم يكونون فيها فقط في زمان ظهورهعليه‌السلام .

٨ـ لقد ورد في ضمن أسماء المدن المذكورة حوالي ثلاثون مدينة أو أكثر من المدن الإيرانيّة.

٩ـ إذا قسّمنا أسماء المدن المذكورة مع عدد الأشخاص الذين يأتون لنصرة المهدي المنتظرعليه‌السلام ، نجد أنّ أكثر أنصاره هم من الفرس.

١٠ـ واُشير في بعض الروايات إلى حضور عدد من النساء ، فقيل : عددهنّ خمسون امرأة ، ولكن لم يأت ذكر هنّ في هذه الرواية ولا في الحديث الذي ذكر أسماءهم ، حيث نرى الأغلب ذكر بعنوان رجل ورجلان وغير ذلك ممّا يطلق على الرجال ، فقد قال الباقرعليه‌السلام :«يجيئ والله ثلاث مأة وبضعة عشر رجلاً فيهم خمسون امرأة» (١) .

وأمّا الصنف الثاني والثلاث ، فقد مرّ ذكرهما في الرجعة والكلام فيها ، فراجع ولانعيد.

السؤال الخامس والأربعون :

ما هو المقصود من قول الإمام الصادق عليه‌السلام لأبي بصير : «فذلك ثلاثمائةوثلاثة عشر رجلاً بعدد أهل بدر ، يجمعهم الله إلى مكّة في ليلة واحدة» ، فهل ينحصر أصحاب المهدي وأعوانه في العدد المذكور أم يتجاوزه؟

الجواب : لا ريب في أنّ عدد أنصاره لا ينحصر بهذا العدد ، فلقد ورد في روايات اُخرى بأعداد اُخر ، مثلاً : قيل إنّ عدد أنصاره خمسة آلاف ، أو عشرة

_________________________

(١)معجم أحاديث الإمام المهديعليه‌السلام : ١ / ٥٠٠.


آلاف ، إثني عشر ألف ، خمسة عشر ألف رجل(١) ، بالإضافة إلى ذلك ، فإنّه سينزل مع عيسىعليه‌السلام من السماء ثمانمائة رجل وأربعمائة امرأة(٢) .

بالإضافة إلى سبعين ألف صدِّيق يرجعون إلى الدنيا ، وينضمّون إلى الإمام المهدي أرواحنا فداه في الكوفة ، وهذا يعتبر أفضل دليل على أنّ أنصار المهديعليه‌السلام هم أكثر من٣١٣ .

ويوجد احتمالان لتوجيه العدد الوارد في الأخبار :

١ـ قال العلاّمة المجلسي : «إنّ عدد أنصار المهدي عند ظهوره هو ثلاثمائة عشر رجل ، وهذا لا ينافي أنّ جماعة آخرين سوف يلتحقون به بعد ظهوره»(٣) .

٢ـ ومن الممكن أنّ هذا العدد (٣١٣ ) هم قادة الجيش وأصحاب الرُّتب العالية في حكومة المهديعليه‌السلام ، قال الصادقعليه‌السلام لمفضّل بن عمر :«كأنّي أنظر إلى القائم على منبر الكوفة وحوله أصحابه ثلاثة مائة وثلاثة عشر رجلاً ، عدّة أهل بدر ، وهم أصحاب الألوية ، وهم حكّام الله في أرضه على خلقه» (٤) .

السؤال السادس والأربعون :

ما هو دور العلماء في ظلّ الحكومة الإلهيّة بقيادة المهدي عليه‌السلام ؟

الجواب : لأجل توضيح هذا السؤال علينا في البداية أن نبحث عن دور العلماء في زمن حضور الأئمّة المعصومينعليهم‌السلام ، ثمّ في عصر الغيبة ، ثمّ في زمن ظهور

_________________________

(١)الغيبة / النعماني : ٣٠٧.بحار الأنوار : ٥٢ / ٣٢٣.جوانان ياران مهدي : ١٦.

(٢)معجم أحاديث الإمام المهديعليه‌السلام : ١ / ٥٣٤.زنان در حكومت امام زمان : ٢٠.

(٣)حقّ اليقين : ٣٥٢.

(٤)بحارالأنوار : ٥٢ / ٣٢٦.


الحجّة القائم المهديعليه‌السلام ، فنقول : لقد استمرّ عصر المعصومين حوالي٢٦٠ سنة ، ثمّ جاء من بعدهم العلماء ، حيث قاموا بدورهم الرسالي في العالم الإسلامي ، فكانو حرّاس القيم الدينيّة بالنيابة عن المعصومينعليهم‌السلام ، وكانوا في الحقيقة يقومون بدور الرابط بين المعصومين والنّاس.

ومن جهة اُخرى ، قام الأئمّةعليهم‌السلام بتأييدهم وحمايتهم وإرجاع النّاس إليهم ، كإرجاع النّاس إلى عثمان بن سعيد وغيره في عهد الحضور وفترة الغيبة الصغرى ،وبتأييد الأعلام في الغيبة الكبرى كما قال الإمام الهاديعليه‌السلام :«لولا من يبقى بعد غيبة قائمكم من العلماء الداعين إليه ، والدالّين عليه ، والذابّين عن دينه بحجج الله ،والمنقذين لضعفاء عبادالله من شِباك إبليس ومردته ، ومن فخاج النواصب ، لما بقي أحد إلاّ ارتدّ عن دين الله ، ولكنّهم الذين يمسكون أزمّة قلوب ضعفاء الشيعة كما يمسك صاحب السفينة سكّانها ، اُولئك هم الأفضلون عند الله عزّوجلّ» (١) .

فهذا الحديث يشمل كلّ أعلام الشيعة من الكليني إلى الخميني وما بعده ، حيث قاموا بدور عظيم في نشر مذهب العترة الطاهرةعليهم‌السلام ، وهيّئوا الأرضيّة لظهور الإمام المهديعليه‌السلام .

ولا ريب أنّ أنصاره هم العلماء والقضاة والفقهاء ، كما صرّح الصادقعليه‌السلام بذلك قائلاً :«وهم النجباء والقضاة والحكّام والفقهاء في الدين» (٢) ، وهؤلاء سوف ينتشرون في أنحاء العالم بأمر الإمامعليه‌السلام ، ويقومون بتطبيق حكومتهعليه‌السلام في المجتمعات.

وعلى هذا فإنً العلماء الأعلام لهم السهم الأوفر في تشكيل حكومة الإمام

_________________________

(١)الإحتجاج : ٢ / ٢٦٠.

(٢)دلائل الإمامة : ٣٦٠.


المهديعليه‌السلام ، وإن كان من بينهم من يدّعي العلم لكنّه غير ملتزم أو منحرفٌ أو محبُّ للدنيا أو من الفرقة البتريّة(١) التي تدّعي العلم ، وتعلن الحرب على الإمام المهدي عند الظهور ، ويكون عددهم ستّة عشر ألف ، ويخرجون لمحاربته يظهر الكوفة ، فيمهلهم الإمامعليه‌السلام ثلاثة أيّام حتّى يتوبوا ويرجعوا ، فلا يقبلون ذلك ، ثمّ يضع السيف فيهم ويقتلهم جميعاً(٢) .

فإنّنا لم نتحدّث عن هؤلاء المنحرفون ، ولم ندافع عنهم ، فهو خارجون عن نطاق البحث.

السؤال السابع والأربعون :

من هم الأبدال؟ وكم عددهم؟ وما هي ميزاتهم؟ وأين يعيشون؟

الجواب : لقد تحدّثت الروايات الواردة من طرق الشيعة والسنّة بكثرة عن الأبدال ، ولقد سئل المعصومون عن هؤلاء ، ولبيان هذا الأمر نشير إلى هذه المحادثات ، وما قيل في ذلك.

المقصود بالأبدال؟

قال العلّامة الطريحي : ( الأبدال قوم من الصالحين لا تخلو الدنيا منهم ، إذا مات واحد بدّل الله مكانه آخر )(٣) .

وقال أيضاً : ( لا يموت أحدهم إلّاقام مقامه آخر من سائر النّاس )(٤) .

___________________

(١)فرقة من الزيديّة ، ينسبون إلى المغيرة بن سعد الملقّب بالأبتر ، وذكر الحسن بن سليمان : إنّ عددهم أربعون ألف شخص ـ راجع مختصر بصائر الدرجات : ١٩٠.

(٢)دلائل الإمامة : ٢٤٢.

(٣)و(٤)مجمع البحرين : ٤٢٥.


وفيه احتمالات اُخر من أنّ المقصود بالأبدال هم العترة الطاهرة المعصومون الإثني عشرعليهم‌السلام ، كما روى الخالد بن الهيثم الفارسي ، قال : «قلت لأبي الحسن الرضاعليه‌السلام : إنّ النّاس يزعمون أنّ في الأرض أبدالاً ، فمن هؤلاء الأبدال؟

قال :صدقوا ، الأبدال الأوصياء ، جعلهم عزّوجلّ بدل الأنبياء ، إذ رفع الأنبياء وختمهم بمحمّد ...»(١) .

ومن المحتمل أنّهم الأنصار الخواصّ للأئمّةعليهم‌السلام ، كما احتمله الشيخ القمّي في السفينة ، وقال : « ويحتمل أن يكون المراد به في الدعاء خواصّ أصحاب الأئمّة»(٢) ،والدعاء كما يلي :

«اللّهُمَّ صَلِّ عَلَى الأَبْدالِ وَالأَوْتادِ وَالسُّيّاحِ وَالعُبّادِ وَالمُخْلِصينَ وَالزُّهّادِوَأَهْلِ الجِدِّ والإِجْتِهادِ وَاخْصُصْ مُحَمَّداً وَأهْلَ بَيْتِهِ بِأفْضَلِ صَلَواتِكَ ،وَأجْزَلِ كَراماتِكَ» (٣) .

وضعّف المحدّث القمّي أيضاً أن يكون المراد من الأبدال هم المعصومون ، فقال : «ظاهر الدعاء المرويّ عن اُمّ دواد عن الصادقعليه‌السلام في النصف من رجب يدلّ على مغايرة الأبدال للأئمّةعليهم‌السلام ، ولكن ليس بصريح فيها ، فيمكن حمله على التأكيد»(٤) .

والذي يؤيّد رأي المرحوم المحدّث القمّي على أنّ المراد من الأبدال غير المعصومين ما ورد في بعض الروايات من عدّ بعض النساء من الأبدال(٥) ، أو كما قيل : «كلّ من كان فيه هذه المميزات فهو من الأبدال»(٦) .

_________________________

(١)و(٢)و(٤)سفينة البحار : ١ / ٦٤.

(٣)مفاتيح الجنان : ٢٦٤.

(٥)فردوس الأخبار : ١ / ١١٩.

(٦)المصدر المتقدّم : ٢ / ٨٤.


ومن المحتمل أيضاً أن ينطبق ذلك في الوقت الحاضر على خدم الإمام الحجّةعليه‌السلام ، وهم الثلاثون شخصاً من الملازمين للمهديعليه‌السلام ، فكلّما مات منهم واحد اُبدل بآخر مكانه ، كما جاء في البحار عن الإمام الباقرعليه‌السلام :«لا بدّ لصاحب هذا الأمر من عزلة ، ولا بدّ في عزلته من قوّة ، وما بثلاثين من وحشة» (١) .

كم هو عددهم؟

لا بدّ من القول بأنّه يوجد إختلاف في الروايات حول عدد الأبدال ، وأنّه بين الثلاثين إلى الثمانين ، ونشير إليهم آنفاً :

١ ـ ثلاثون شخصاً

فروى أحمد بن حنبل في مسنده عن عبادة بن الصامت ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال :« الأبدال في هذه الاُمّة ثلاثون ، مثل : إبراهيم خليل الرحمن ، كلّما مات رجل أبدل الله تبارك وتعالى مكانه رجلاً» (٢) .

٢ ـ أربعون شخصاً

روى الطبراني في المعجم الكبير عن ابن مسعود ، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال :«لا يزال أربعون رجلاً من اُمّتي ، قلوبهم على قلب إبراهيم ، يدفع الله بهم عن أهل الأرض ، يقال لهم الأبدال» (٣) .

٣ ـ ستّون شخصاً

روى المحدّث القمّي عن الثعلبي ، عن رجل من أهل عسقلان : ( أنّه كان يمشي

_________________________

(١)بحار الأنوار : ٥٢ / ١٥٣.

(٢)مسند أحمد بن حنبل : ٥ / ٣٢٢.

(٣)المعجم الكبير : ١٠ / ٢٢٤.


بالأردن عند نصف النهار فرأى إلياس النبيّ ، فسأله : كم من الأنبياء أحياء اليوم؟

قال : أربعة : إثنان في الأرض ، وإثنان في السماء ، ففي السماء عيسى وإدريس ،وفي الأرض إلياس وخضر.

قلت : كم الأبدال؟

قال : ستّون رجلاً ...»(١) .

٤ ـ سبعون شخصاً

ونقل العلاّمة فخر الدين الطريحي : «بأنّ الأبدال قوم يقيم الله بهم الأرض ،وهم سبعون»(٢) .

٥ ـ ثمانون شخصاً

وورد في فرودس الأخبار مرسلاً عن أنس بن مالك :«الأبدال أربعون رجلاًوأربعون امرأة ، كلّما مات رجل منهم أبدل الله مكانه رجلاً ، وكلّما ماتت إمرأة أبدل الله مكانها امرأة» (٣) .

ما هي المميّزات التي يتميّز بها الأبدال؟

وصف النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله الأبدال ببعض الصفات ، منها ما يلي :

١ـ أنّ قلوب الأبدال كقلب إبراهيم الخليلعليه‌السلام : فروى عبادة بن الصامت عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قوله :«الأبدال ثلاثون رجلاً ، قلوبهم على قلب إبراهيم عليه‌السلام » (٤) .

_________________________

(١)سفينة البحار : ١ / ٢٨.

(٢)مجمع البحرين : ٤٢٥.

(٣)فردوس الأخبار : ١ / ١١٩.

(٤)فرائد السمطين : ٦٩.


ولعلّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أراد بهذا التشبيه أنّ هؤلاء لشدّتهم وصلابتهم وصبرهمومقاومتهم ضدّ الباطل ، كإبراهيمعليه‌السلام ، حيث أنّه قد وقف ضدّ الباطل وأظهر الصلابة.

٢ـ جُنّة البلاء : روى ابن مسعود عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قوله :«يدفع الله بهم عن أهل الأرض» (١) .

٣ـ الرضا بالقضاء : ومن المميّزات أيضاً ما قاله النبيّ في شأنهم :«الرضا بالقضاء ، والصبر عن محارم الله ، والغضب في ذات الله» (٢) .

٤ـ المواساة والإحسان والعفو : من جملة الاُمور التي يتحلّى بها الأبدال ما ذكرها النبيّ أيضاً بأنّهم :«يعفون عمّن ظلمهم ، ويحسنون إلى من أساء إليهم ،ويتواسون فيما آتاهم الله عزّوجلّ» (٣) .

٥ـ الجود والسخاء وحبّ الخير : وروى ابن مسعود عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله :«لا يزال أربعون رجلاً من اُمّتي قلوبهم على قلب إبراهيم ، يدفع الله بهم عن أهل الأرض ، يقال لهم : الأبدال .

قال رسول الله :إنّهم لم يدركوها بصلاة ولا بصوم ولا صدقة .

قالوا : يا رسول الله ، فيم أدركوها؟

قال :بالسخاء والنصيحة للمسلمين» (٤) .

_________________________

(١)المعجم الكبير : ١ / ٢٢٤.

(٢)فردوس الأخبار : ٢ / ٨٤.

(٣)حلية الأولياء : ١ / ٨.

(٤)المعجم الكبير : ١٠ / ٢٢٤.


أين يسكن الأبدال؟

ليس الأبدال من طائفة واُمّة خاصّة ، وليسوا أيضاً من مدينة معيّنة ، بل يحتمل أن يكون بعضهم من بلد واحد ، ويمكن أيضاً أن يكون كلّ واحد منهم من منطقة أو مدينة ، فعلى نقل الطريحي في مجمع البحرين أنّ أكثرهم من أهل الشام ، حيث قال : «إنّ الأبدال قوم يُقيم الله بهم الأرض ، وهم سبعون : أربعون بالشام وثلاثون بغيرها»(١) .

هل يمكن أن نكون من الأبدال؟

نقول : فمع التسليم بأنّ الأبدال موجودون في كلّ الأزمنة والأماكن ، فلا ريبولا شبهة أنّه يمكن أن نكون من جملتهم ، كما أشار النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى هذه المسألة بأنّ هؤلاء :«لم يدركوها بصلاة ولا صوم ولا صدقة ، بل أدركوها بالسخاء والنصيحة للمسلمين» ، وهكذا أجاب جماعة اُخرى عندما سألوه عن الأبدال وعن صفاتهم فقال :«يعفون عمّن ظلمهم ، ويحسنون إلى من أساء إليهم ، ويتواسون فيما آتاهم الله عزّوجلّ» .

وهناك صفات اُخرى إذا وجدت في شخص فإنّه سوف يكون واحداً منهم ، كما قرأت ذلك عنهم ، فكلّ ذلك دليل أنّ من يحمل هذه الصفات فإنّه يكون من الأبدال ، ولكن أين الوصول إلى هذه الصفات العالية ، وقلّ ما يجد ذلك إلاّ الأوحديّ من النّاس ، وخصوصاً إذا قلنا إنّ الأبدال هم خدم الإمام المهدي ، فالأمر أشكل وأصعب.

اللّهمّ اجعلنا من أنصاره ، وأعوانه ، والذابّين عنه

_________________________

(١)مجمع البحرين : ٤٢٥.




إنّ جميع الأنبياء والأوصياء عندما دعوا النّاس إلى عبادة الخالق وترك الأوثان ، واجهوا الجهلة والأعداء ، فبلغ قمّة هذا العداء بالنسبة إلى الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كما قال :«ما اُوذي نبيّ مثل ما اُوذيت» .

وكذلك فإنّ الإمام المهديعليه‌السلام كان له أعداءً كثيرون ، وسيكون له أيضاً أعداء عند ظهوره؛ لأنّهعليه‌السلام سوف تواجهه بالحرب جميع القوى المعادية والظالمة ، ومن هنا فإنّ جميع القوى والطوائف والقبائل والشعوب والجماعات والديانات المنحرفة سوف تعلن الحرب عليه ، ولكنّهعليه‌السلام بعد ما يتمّ الحجّة على هؤلاء سوف يطهّر الأرض منهم.

وخصّصنا هذا الفصل بأعداءه ، والأسئلة الموجودة حوله :

السؤال الثامن والأربعون :

من هم أعداء الإمام المهدي عليه‌السلام ؟

الجواب : يعادي الإمامعليه‌السلام كثير من الفِرق الضالّة ، فمنهم :

١ ـ المنحرفون فكريّاً

وهؤلاء إحدى الفرق التي تقاتل الإمامعليه‌السلام ، وهم جماعة ممّن يفسّر القرآن برأية الباطل ، ويحتجّ عليه بكتاب الله ، فعن النعماني عن إبن عقدة ، عن محمّد بن


المفضل ، عن محمّد بن عبدالله بن زرارة ، عن محمّد بن مروان ، عن الفضيل ، قال : «سمعت أبا عبداللهعليه‌السلام يقول :«إنّ قائمنا إذا قام إستقبل من جهلة النّاس أشدّ ممّا استقبله رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله من جهّال الجاهليّة .

فقلت : وكيف ذلك؟

قال :إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أتى النّاس وهم يعبدون الحجارة والصخور والعيدانوالخشب المنحوتة ، وإنّ قائمنا إذا قام أتى النّاس وكلّهم يتأوّل عليه كتاب الله ،ويحتجّ عليه به.

ثمّ قال :أما والله ليدخلنّ عليهم عدله جوف بيوتهم كما يدخل الحرُّوالقرّ» (١) .

٢ ـ البتريّة

فرقة من الزيديّة ، ينسبون إلى المغيرة بن سعد.

وقال آخرون : إنّ البتريّة هم أصحاب كثير النوى ، وهم الحسن بن أبي صالح ،وسالم بن أي حفصة ، والحكم بن عيينة ، وسلمة بن كهيل ، وأبو المقدام ثابت بن حداد ، وهم الذين دعوا إلى ولاية عليّ فخلطوها بولاية أبي بكر وعمر ،ويثبتون لهم الإمامة ، ويبغضون عثمان وطلحة والزبير وعائشة ، ويرون الخروج مع ولد عليّعليه‌السلام (٢) .

روى الحسن بن سليمان ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام :«إنّ عدّتهم أربعة آلاف» (٣) .

وذكر الشيخ المفيد : «أنّ عددهم بضعة عشر آلاف أنفس يدعون البتريّة ، عليهم السلاح ، فيقولون له : إرجع من حيث جئت فلا حاجة لنا في بني فاطمة ، فيضع

_________________________

(١)و(٢)بحار الأنوار : ٥٢ / ٢٦٣.

(٣)مختصر بصائر الدرجات : ١٩٠.


فيهم السيف حتّى يأتي على آخرهم»(١) .

ويستفاد من عبارة المفيد أنّهم أكثر من عشرين ألف نفراً.

وقال إبن رستم الطبري : «إنّ عددهم ستّة عشر ألف شخص»(٢) .

قال الصادقعليه‌السلام في حديث طويل لمفضّل :«فيقول الحسين عليه‌السلام : الله أكبر يابن رسول الله ، مدّ يدك حتّى اُبايعك ، فيبايعه الحسين عليه‌السلام وسائر عسكره ، إلاّ أربعة آلاف أصحاب المصاحف والمسوح الشعر ، المعروفون بالزيديّة ، فإنّهم يقولون : ما هذا إلاّ سحر عظيم ، فيختلط العسكران ، ويقبل المهدي عليه‌السلام على الطائفة المنحرفة فيعظهم ويؤخّرهم إلى ثلاثة أيّام ، فلا يزدادون إلاّ طغياناً وكفراً ، فيأمر المهدي عليه‌السلام بقتلهم ، فكأنّي أنظر إليهم قد ذبحوا على مصاحفهم كلّهم يتمرّغون في دمائهم ، وتتمرّغ المصاحف ، فيقبل بعض أصحاب المهدي عليه‌السلام فيأخذ تلك المصاحف فيقول المهدي عليه‌السلام : دعوها تكون عليهم حسرة ، كما بدّلوها وغيّروهاوحرّفوها ولك يعملوا بما حكم الله فيها...» (٣) .

وقال الباقر في حديث طويل لأبي الجارود :« ويسير ( المهدي عليه‌السلام ) إلى الكوفة ، فيخرج منها ستّة عشر ألفاً من البتريّة شاكّين في السلاح ، قرّاء القرآن ، فقهاء في الدين ، قد قرّحوا جباههم ، وسمروا ساماتهم ، وعمّهم النفاق ، وكلّهم يقولون : يابن فاطمة ، إرجع لا حاجة لنا فيك ، فيضع السيف فيهم على ظهر النجف عشيّة الإثنين من العصر إلى العشاء ، فيقتلهم أسرع من جزر جزور ، فلا يفوت منهم رجل ، ولا يصاب من أصحابه أحد...» (٤) .

_________________________

(١)الإرشاد : ٣٤٣. بحارالأنوار : ٥٢ / ٣٣٨.

(٢)و(٤)دلائل الإمامة : ٢٤٢.

(٣)مختصر بصائر الدرجات : ١٩٠.


٣ ـ المرجئة

وهم من الفرق التي سيحاربها المهديعليه‌السلام عند ظهوره ، الذين ابتعدوا عن الإسلام غاية البعد بسببعقائدهم المنحرفة ، وارتكبوا الذنوب الكبيرة بلا خوف أو حذر.

كتب العلاّمة الطريحيرحمه‌الله عن هذه الفرقة الضالّة : « وقد اختلف في المرجئة ، فقيل : هم فرقة من فِرق الإسلام يعتقدون أنّه لا يضرّ مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة ، سمّوا مرجئة لإعتقادهم أنّ الله تعالى أرجئ تعذيبهم عن المعاصي ، أي أخّره عنهم»(١) .

وعن إبن قتيبة أنّه قال : «هم الذين يقولون الإيمان قول بلا عمل؛ لأنّهم يقدّمون القول ويؤخّرون العمل»(٢) .

وقال بعض أهل المعرفة بالملل : «إنّ المرجئة هم الفرقة الجبريّة الذين يقولون : إنّ العبد لا فعل له ...»(٣) .

وعن الكليني بسنده عن عبدالحميد الواسطي ، عن أبي جعفرعليه‌السلام ، قال : «قلت له : أصلحك الله ، لقد تركنا أسواقنا إنتظار لهذا الأمر حتّى ليوشك الرجل منّا أن يسأل في يده؟

فقال :يا أبا عبدالحميد ، أترى من حبس نفسه على الله لا يجعل الله له مخرجاً؟ بلى والله ليجعلنّ الله له مخرجاً ، رحم الله عبداً أحيا أمرنا .

قلت : أصلحك الله ، إنّ هؤلاء المرجئة يقولون : ما علينا أن نكون على الذي نحن عليه حتّى إذا جاء ما تقولون كنّا نحن وأنتم سواء.

_________________________

(١ ـ ٣) مجمع البحرين : ٣٥.


فقال :يا عبدالحميد ، صدقوا ، من تاب الله عليه ، ومن أسرّنفاقاً فلايرغم الله إلاّ أنفه ، ومن أظهر أمرنا أهرق الله دمه يذبحهم الله على الإسلام كما يذبح القصّاب شاته ...»(١) .

حرب المهدي مع بقيّة الطوائف

ويحارب الإمام المهدي كثير من الطوائف وأهل المدن المعادية له ، كأهل كلاب(٢) ، والعرب(٣) ، وبني اُميّة(٤) ، وبني ضبّة(٥) ، وغنى ، وباهلة ، والأزد(٦) ،وأرمينيّة(٧) ، والكوفة(٨) ، وأهل المكّة ، وأهل المدينة ، والبصرة ، ودميسان ،والشام ، والريّ(٩) ، وقريش(١٠) .

السؤال التاسع والأربعون :

هل الإمام المهدي يموت أو يُقتل؟

الجواب : يبدو في النظر أنّهعليه‌السلام يموت؛ لأنّ كثيراً من الروايات تصرّح بأنّه يسلّم الأمر إلى جدّه الحسين بن عليّ ثمّ يموت.

وهذا ممّا قال به الصادقعليه‌السلام بأنّه :«يقبل الحسين في أصحابه الذين قتلوا معه ،

_________________________

(١)الكافي : ٨ / ٨٠.

(٢)الشيعة والرجعة : ١ / ١٦٠.

(٣)بحار الأنوار : ٥٢ / ٣٥٥.

(٤ ـ ٦)المصدر المتقدّم : ٣٦٣.

(٧)الشيعة والرجعة : ١ / ١٦٢.

(٨)بحارالأنوار : ٥٢ / ٣٨٧.

(٩)المصدر المتقدّم : ٣٦٣.

(١٠)المصدر المتقدّم : ٣٣٨.


ومعه سبعون نبيّاً ، كما بقوا مع موسى بن عمران ، فيدفع إليه القائم ، فيكون الحسين هو الذي يلي غسله وكفنه وحنوطه ويوارى به في حفرته» (١) .

فلو قيل : من الذي يغسّل الحسينعليه‌السلام إذا مات؟

قلنا : قد أجاب العلاّمة المجلسي على هذا السؤال بقوله : «إذا سأل شخص : من الذي يغسّل الإمام الحسين؟ لقلنا في جوابه : إنّ الإمام الحسين قتل شهيداً ، لذلك لا يحتاج إلى غسل ، أو لعلّ الأئمّةعليهم‌السلام من بعد الحسين سيرجعون إلى الدنياويقومون بتغسيله والصلاة عليه»(٢) .

وهناك قول آخر : بأنهعليه‌السلام يقتل كما قتل آباءهعليهم‌السلام من قبله ، وهذا القول لم يرد في الكتب المعتبرة.

نعم ، علّق الشيخ أحمد الأحسائي في كتابه شرح الزيارة ذيل قول الإمامعليه‌السلام :«مُؤْمِنٌ بِإِيابِكُمْ مُصَدِّقٌ بِرَجْعَتِكُمْ» : «لقد وردت بعض الروايات في منتخب البصائر : إنّ الإمام يقتل على يد امرأة من تميم ، واسمها سعيدة ، وهي تشبه الرجال ، حيث ترمي صخرة على رأس الإمام عندما يكون مارّاً من أحد الأزقّة»(٣) .

ويؤيّد هذا النقل ما روي عن الإمام الحسن والإمام الصادق والإمام الرضاعليهم‌السلام أنّهم قالوا :«ما منّا إلاّ مسموم أو مقتول» (٤) .

على أنّ الإمام المهديعليه‌السلام يكون منهم ، وإن لك يثبت هذا القول بالنسبة إليهعليه‌السلام .

*تمّ بعون الله*

_________________________

(١)منتخب بصائر الدرجات : ٤٨.

(٢)حق اليقين : ٣٥٢.

(٣)راجع : شرح الزيارة : ٣ / ٥٣.

(٤)حياة الإمام العسكريعليه‌السلام : ٢٤٢.



المصادر

١ ـ إثبات الوصيّة

عليّ بن الحسين المسعودي

٢ ـ إثبات الهداة

محمّد بن الحسن الحرّ العاملي

٣ ـ الإحتجاج

الطبرسي

٤ ـ الإرشاد

محمّد بن محمّد بن النعمان

٥ ـ إسعاف الراغبين

إبن الصبان

٦ ـ إعلام الورى

الفضل بن الحسن الطبرسي

٧ ـ إلزام الناصب

الشيخ علي اليزدي

٨ ـ أمالي الصدوق

محمّد بن عليّ بن بابويه

٩ ـ أمالي المفيد

محمّد بن محمّد بن النعمان

١٠ ـ الإمامة والتبصرة

عليبن بابويه القمّي

١١ ـ أوائل المقالات

محمّد بن محمّد بن النعمان

١٢ ـ بحارالأنوار

محمّدباقر المجلسي

١٣ ـ بشارة الإسلام

السيّد مصطفى الكاظمي

١٤ ـ بصائر الدرجات

محمّد بن الحسن الصفّار القمّي

١٥ ـ البيان في أخبار صاحب الزمان

محمّد بن يوسف الكنجي الشافعي

١٦ ـ التاج الجامع للاُصول

منصور علي ناصف

١٧ ـ تاريخ البخاري

محمّد بن إسماعيل البخاري

١٨ ـ تأويل الآيات

شرف الدين النجفي


١٩ ـ تبصرة الوليّ فيمن رأى القائم المهدي

السيّد هاشم البحراني

٢٠ ـ تذكرة الخواصّ

سبط إبن الجوزي

٢١ ـ التذكرة في أحوال الموتى والآخرة

محمّد أحمد بن القرطبي

٢٢ ـ تفسير الصافي

الفيض الكاشاني

٢٣ ـ تفسير العيّاشي

محمّد بن مسعود العيّاشي

٢٤ ـ تفسير القمّي

عليّ بن إبراهيم

٢٥ ـ تقريب المعارف

أبو الصلاح الحلبي

٢٦ ـ تهذيب الأحكام

محمّد بن الحسن الطوسي

٢٧ ـ الثقات

إبن حبّان

٢٨ ـ الجامع الصحيح

محمّد بن عيسى الترمذي

٢٩ ـ الجزيرة الخضراء حقيقة أم خيال؟

أبوالفضل طريقه دار

٣٠ ـ حقّ اليقين

محمّدباقر المجلسي

٣١ ـ حلية الأبرار

السيّد هاشم البحراني

٣٢ ـ حياة الإمام العسكريعليه‌السلام

محمّدجواد الطبسي

٣٣ ـ الخرائج والجرائح

القطب الراوندي

٣٤ ـ الخصال

محمّد بن عليّ بن بابويه

٣٥ ـ الدرّ المنثور

جلال الدين السيوطي

٣٦ ـ دلائل الإمامة

محمّد بن جرير بن رستم الطبري

٣٧ ـ الذريعة إلى تصانيف الشيعة

آقا بزرك الطهراني

٣٨ ـ رجال الكشّي

أبو عمر الكشّي

٣٩ ـ سفينة البحار

الشيخ عبّاس القمّي

٤٠ ـ سنن إبن ماجة

إبن ماجة القزويني

٤١ ـ سنن أبي داود

سليمان بن أشعث السجستاني

٤٢ ـ شرح نهج البلاغة

إبن أبي الحديد


٤٣ ـ الشيعة والرجعة

محمّدرضا الطبسي

٤٤ ـ صحيح مسلم

الحجّاج بن مسلم القشيري

٤٥ ـ الصواعق المحرقة

إبن حجر العسقلاني

٤٦ ـ الطبقات الكبرى

إبن سعد الواقدي

٤٧ ـ عصر الظهور

علي الكوراني

٤٨ ـ عقائد الصدوق

محمّد بن عليّ بن بابويه

٤٩ ـ عقد الدرر

السلمي

٥٠ ـ عقيدة أهل السنّة والأثر

عبدالمحسن العباد

٥١ ـ علل الشرائع

الشيخ الصدوق

٥٢ ـ عيون أخبار الرضاعليه‌السلام

الشيخ الصدوق

٥٣ ـ غاية المرام

السيّد هاشم البحراني

٥٤ ـ الغيبة

محمّد بن إبراهيم النعماني

٥٥ ـ الفتوحات المكّيّة

ابن العربي

٥٦ ـ فرائد السمطين

إبراهيم بن محمّد الحمويني

٥٧ ـ فردوس الأخبار

الديلمي

٥٨ ـ الفصول المهمّة

إبن الصباغ المالكي

٥٩ ـ قصص الأنبياء

إبن كثير الدمشقي

٦٠ ـ الكافي

محمّد بن يعقوب الكليني

٦١ ـ كمال الزيارات

جعفر بن محمّد بن قولويه

٦٢ ـ كتاب الغيبة

محمّد بن الحسن الطوسي

٦٣ ـ كفاية الأثر

محمّد بن عليّ الخزاز

٦٤ ـ كمال الدين

الشيخ الصدوق

٦٥ ـ كنز العمّال

المتّقي الهندي

٦٦ ـ مجمع البحرين

فخر الدين الطريحي


٦٧ ـ مجمع البيان

الشيخ الطبرسي

٦٨ ـ مجمع الزوائد

الهيثمي

٦٩ ـ المحاسن

أبو عبدالله البرقي

٧٠ ـ مختصر بصائر الدرجات

محمّد بن سليمان الحلّي

٧١ ـ المستدرك على الصحيحين

الحاكم النيسابوري

٧٢ ـ مستدرك الوسائل

الميرزا حسين النوري

٧٣ ـ مسند إبن أبي شيبة

إبن أبي شيبة

٧٤ ـ مسند أحمد

أحمد بن حنبل

٧٥ ـ مسند الطيالسي

الطيالسي

٧٦ ـ مشارق الأنوار

الحمزاوي

٧٧ ـ مشكاة الأنوار

الطبرسي

٧٨ ـ مصباح الزائر

إبراهيم بن عليّ الكفعمي

٧٩ ـ معجم أحاديث الإمام المهديعليه‌السلام

محمّدجواد الطبسي وجمع من المؤلّفين

٨٠ ـ معجم البلدان

ياقوت الحموي

٨١ ـ المعجم الكبير

سليمان بن أحمد الطبراني

٨٢ ـ مفاتيح الجنان

الشيخ عبّاس القمّي

٨٣ ـ الملاحم والفتن

إبن طاووس الحلّي

٨٤ ـ مناقب آل أبي طالب

إبن شهر آشوب

٨٥ ـ منتخب الأثر

لطف الله الصافي

٨٦ ـ منتخب الأنوار المضيئة

السيّد علي بن عبد الحميد

٨٧ ـ منتهى الآمال

الشيخ عبّاس القمّي

٨٨ ـ منهاج السنّة

إبن تيميّة

٨٩ ـ المهدي الموعود المنتظر

نجم الدين العسكري

٩٠ ـ الميزان في تفسير القرآن

محمّد حسين الطباطبائي


٩١ ـ النجم الثاقب

الميرزا حسين الطبرسي

٩٢ ـ نور الثقلين

الشيخ جمعة العروسي

٩٣ ـ وظيفة الأنام

السيّد محمّدتقي الموسوي

٩٤ ـ ينابيع المودّة

محمّد بن سليمان القندوزي

المصادر الفارسيّة

٩٥ ـ پاسخ ما

جمع من المؤلّفين

٩٦ ـ جوانان ياور مهدي

محمّدباقر الأميني

٩٧ ـ خورشيد مغرب

محمّدرضا الحكيمي

٩٨ ـ دادگستر جهان

إبراهيم الأميني

٩٩ ـ نقش زنان در حكومت امام زمان

محمّدجواد الطبسي

١٠٠ ـ نور مهدي

جماعة من المؤلّفين



المحتويات

الأمام المهدي  المصلح العالم المنتظر ١

المُقدّمةُ ٧

السؤال الأوّل. ١٣

السؤال الثاني : ١٥

السؤال الثلاث : ١٧

السؤال الرابع : ٢١

السؤال الخامس : ٢٤

السؤال السابع : ٣٦

السؤال الثامن : ٤٢

السؤال التاسع : ٤٦

السؤال العاشر : ٤٧

السؤال الحادي عشر ٥١

السؤال الثاني عشر : ٥٢

السؤال الثالث عشر : ٥٤

السؤال الرابع عشر : ٥٩

السؤال الخامس عشر : ٦٠

السؤال السادس عشر : ٦٨

السؤال السابع عشر : ٧١

السؤال الثامن عشر : ٧٦

السؤال التاسع عشر : ٨١

السؤال العشرون : ٨٣

السؤال الحادي والعشرون : ٨٤

السؤال الثاني والعشرون : ٩٠


السؤال الثالث والعشرون : ٩٢

السؤال الرابع والعشرون : ١٠١

السؤال الخامس والعشرون : ١٠٣

السؤال السادس والعشرون : ١٠٧

السؤال السابع والعشرون : ١٠٩

السؤال الثامن والعشرون : ١١١

السؤال التاسع والعشرون : ١١٥

السؤال الثلاثون : ١٢١

السؤال الحادي الثلاثون : ١٢٢

السؤال الثاني والثلاثون : ١٣٣

السؤال الثالث والثلاثون : ١٣٥

السؤال الرابع والثلاثون : ١٣٦

السؤال الخامس والثلاثون : ١٣٨

السؤال السادس والثلاثون : ١٤٦

السؤال السابع الثلاثون : ١٥٣

السؤال الثامن والثلاثون : ١٥٧

السؤال التاسع والثلاثون : ١٦٠

السؤال الأربعون : ١٦٢

السؤال الحادي والأربعون : ١٦٣

السؤال الثاني والأربعون : ١٦٥

السؤال الثالث والأربعون : ١٧١

السؤال الرابع والأربعون : ١٧٣

السؤال الخامس والأربعون : ١٧٨

السؤال السادس والأربعون : ١٧٩

السؤال السابع والأربعون : ١٨١


السؤال الثامن والأربعون : ١٨٩

السؤال التاسع والأربعون : ١٩٣

المصادر ١٩٦

المصادر الفارسيّة ٢٠٠