بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله الّذي وهب الحياة والقوى، وأفاض العقل ليغلب به الهوى، وبيّن للورى نجدى الضلالة والهدى، ورفع أهل العلم والحجى، وذوى العقل والنّهى، من الثرى إلى الثريّا، ومن دركات الّردى إلى درجات العلى، وأثنى عليهم عدد الرّمل والحصى، وأوضح فضلهم لكلّ من سمع ودرى، فله الحمد على نعمه الّتي لا تحصى، وله الشكر على أياديه الّتي لا تستقصى، ونشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأنّ سيّد الأنبياء وصفوة الأصفياء محمّداًصلىاللهعليهوآله عبده ورسوله وخليله وحبيبه ونجيبه وخيرته من خلقه، وأنّ صهره المجتبى وأخاه المرتضى وخليفته المقتدى: عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه أشرف الأوصياء وإمام الأتقياء، وحجّة الله على أهل الأرض والسماء، وأنّ الأئمّة الراشدين والخلفاء الهادين من ذرّيته حجج الله على الخلق أجمعين، ومعاقل العباد في الدنيا والّدين، وسادات الأوصياء المنتجبين، وآيات الله في العالمين، فصلوات الله عليه وعليهم في الأوّلين والآخرين، ولعنة الله على أعدائهم دهر الداهرين.
أما بعد: فيقول المذنب الخاطى الخاسر القاصر، عن نيل المفاخر والمآثر ابن الغريق في بحار رحمة الله الغافر محمّد تقي قدس الله روحه: محمّد باقر غفر الله لهما وحشرهما مع أئمّتهما: إنّي لما ألفيت أهل دهرنا على آراء متشتّتة وأهواء مختلفة، قد طارت بهم الجهالات إلى أوكارها، وغاصت بهم الفتن في غمارها، وجذبتهم الدواعي المتنوّعة
إلى أقطارها، وحيّرتهم الضلالة في فيافيها وقفارها، فمنهم من سمّى جهالة أخذها من حثالة(١) من أهل الكفر والضلالة، المنكرين لشرايع النبوّة وقواعد الرسالة: حكمة، واتّخذ من سبقه في تلك الحيرة والعمى أئمّة، يوالي من والاهم ويعادي من عاداهم، ويفدي بنفسه من إقتفى آثارهم، ويبذل نفسه في إذلال من أنكر آراءهم وأفكارهم، ويسعى بكلّ جهده في إخفاء أخبار الأئمّة الهادية صلوات الله عليهم وإطفاء أنوارهم( وَيَأْبَى اللَّـهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ المشركون) .
ومنهم عن يسلك مسالك أهل البدع والأهواء المنتمين إلى الفقر والفناء ليس لهم في دنياهم و اُخراهم إلّا الشقاء والعناء فضحهم الله عند أهل الأرض كما خذلهم عند أهل السماء، فهم إتّخذوا الطعن على أهل الشرايع والأديان بضاعتهم وجعلوا تحريف العقائد الحقّة عن جهاتها وصرف النواميس الشرعيّة عن سماتها، بضمّ البدع إليها صناعتهم، ومنهم من تحيّر في جهالته يختطفهم شياطين الجنّ والإنس يميناً وشمالاً فهم في ريبهم يتردّدون، عمياناً وضلاّلاً، فبصّر الله نفسي بحمده تعالى هداها، وألهمها فجورها وتقويها، فاخترت طريق. الحقّ إذ هو حقيق بأن يبتغى، واتّبعت سبيل الهدى إذ هو جدير بأن يقتفى، فنظرت بعين مكحولة بكحل الإنصاف مشفية من رمد العناد والإعتساف، إلى ما نزل في القرآن الكريم من الآيات المتكاثرة، وما ورد في السنة النبوّية من الأخبار المتواترة، بين أهل الدراية والرواية، من جميع الامّة، فعلمت يقيناً أنّ الله تعالى لم يكلنا في شىء من أمورنا إلى آرائنا وأهوائنا بل أمرنا باتّباع نبيّه المصطفى، المبعوث لتكميل كافّة الورى، وتبيين طرق النجاة لمن آمن واهتدى، وأهل بيته الّذين جعلهم مصابيح الدّجى وأعلام سبيل الهدى، وأمرنا في كتابه وعلى لسان نبيّه بالردّ إليهم والتسليم لهم، والكون معهم، فقرنهم بالقرآن الكريم وأودعهم علم الكتاب، وآتاهم الحكمة وفصل الخطاب وجعلهم باب الحطّة وسفينة النجاة وأيّدهم بالبراهين والمعجزات، وبعد ما غيّب الله شمس الإمامة وراء
__________________
(١) بالحاء المهملة والثاء المثلثة: الردى من كلّ شىء وثفالته.
السحاب، أصبح ماء الهداية والعلم غوراً، فمنعنا عن الوصول إلى البحر العباب، واستتر عنّا سلطان الدين خلف الحجاب، أمرنا بالرجوع إلى الزّبر والأسفار، والأخذ ممّن تحمّل عنهم من الثقات الأخيار، المأمونين على الرّوايات والأخبار فدريت بما القيت إليك انّ حقيقة العلم لا توجد إلّا في أخبارهم وانّ سبيل النجاة لا يعثر عليه إلّا بالفحص عن آثارهم، فصرفت الهمّة عن غيرها إليها واتّكلت في أخذ المعارف عليها، فلعمري لقد وجدتها بحوراً مشحونة بجواهر الحقايق ولآليها، وكنوزاً مخزونة عمن لم يأتها موقناً بها، مذعناً بما فيها، فأحييت بحمد الله ما اندرس من آثارها، وأعليت بفضل الله ما انخفض من أعلامها، وجاهدت في ذلك وما باليت بلؤم اللاّئمين، وتوكّلت على العزيز الرحيم، الّذي يراني حين أقوم، تقلّبي في الساجدين، ولقد كنت علّقت على كتب الأخبار حواشي متفرّقة، عند مذاكرة الإخوان، الطالبين للتحقيق والبيان وخفت ضياعها بكرور الدهور واندراسها بمرور الأزمان فشرعت في جمعها مع تشتّت البال وطفقت أن أدوّنها مع تبدّد الأحوال، وابتدأت بكتاب الكافي للشيخ الصدوق ثقة الإسلام، مقبول طوائف الأنام، ممدوح الخاص والعام: محمّد بن يعقوب الكليني حشره الله مع الأئمّة الكرام، لأنّه كان أضبط الأصول وأجمعها، وأحسن مؤلّفات الفرقة النّاجية وأعظمها، وأزمعت على أن أقتصر على ما لا بدّ منه في بيان حال أسانيد الأخبار، الّتي هي لها كالأساس والمباني، وأكتفى في حلّ معضلات الألفاظ وكشف مخيّبات المطالب بما يتفطّن به من يدرك بالإشارات الخفيّة، دقائق المعاني وسأذكر فيها إنشاء الله كلام بعض أفاضل المحشّين وفوائدهم، وما إستفدت من بركات أنفاس مشايخنا المحقّقين وعوايدهم، من غير تعرّض لذكر أسمائهم، أو ما يرد عليهم.
ثمّ إنه كان ممّا دعاني إليه، وحداني عليه، التماس ثمرة فؤادي وأعزّ أولادي ومن كان له أرقي وسهادي: محمّد صادق رزقه الله نيل الدقائق، وأوصله إلى ذرى(١) الحقايق وكان أهلاً للإجابة لبرّه ودقة نظره، ورعايته، وأرجو إن عاجلني الأجل أن
__________________
(١) جمع الذروة - بكسر الذال - المكان المرتفع. أعلى الشىء.
يوفّقه الله سبحانه لإتمامهوسميته بكتاب مرآت العقول في شرح أخبار آل الرسول وأرجو من فضله تعالى وإنعامه أن يوفقني لإتمامه على أبلغ نظامه وأن ينفع به عامّة الطالبين للحق المبين وأن يجعله ذريعة لنجاتي من شدائد أهوال يوم الدين والحمد لله أولاً وآخراً، وصلى الله محمّد وأهل بيته الأكرمين، ولنشرح الخطبة على الاختصار، فإنّ تفصيل شرح الفقرات سيأتي إنشاء الله تعالى متفرّقاً في شرح الأخبار.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله المحمود لنعمته المعبود لقدرته، المطاع في سلطانه، المرهوب لجلاله، المرغوب إليه فيما عنده، النافذ أمره في جميع خلقه، علا فاستعلى، ودنا فتعالى،
________________________________________________________
قوله: لنعمته، في بعض النسخ بنعمته، ويحتمل أن تكون النعمة محموداً بها، ومحموداً عليها، وآلة، فالمعنى على الأوّل انّه يحمد بذكر نعمه، وعلى الثاني أنّه يحمد شكراً على نعمه السابقة استزادة لنعمه اللاحقة، وعلى الثالث انّه يحمد بالآلات والأدوات، والتوفيقات الّتي وهبها، فيستحق بذلك محامد أخرى وهذا بالباء أنسب، وكذا الفقرة التالية تحتمل نظير تلك الوجوه، أي يعبد لقدرته وكماله، فهو بذلك مستحقّ للعبادة، أو لقدرته على الإثابة والانتقام، أو إنّما يعبد بقدرته الّتي أعطانا عليها.
قوله: في سلطانه، أي فيما أراده منّا على وجه القهر والسلطنة لا فيما أراده منا وأمرنا به على وجه الإقدار والاختيار، أو بسبب سلطنته وقدرته على ما يشاء.
قوله: فيما عنده، أي من النعم الظاهرة والباطنة، والبركات الدنيويّة والأخروية.
قوله: فاستعلى، الاستعلاء امّا مبالغة في العلوّ أو بمعنى إظهاره، أو للطلب، فعلى الأول لعلّ المعنى انّه تعالى علا علوّاً ذاتيّاً فصار ذلك سبباً لأنّ يكون مستعلياً عن مشابهة المخلوقات، وعن أن تدركه عقولهم وأوهامهم، وعلى الثاني: المعنى انّه كان عالياً من حيث الذات والصفات، فأظهرها علوّه بايجاد المخلوقات، وعلى الثالث لابدّ من إرتكاب تجوّز أي طلب من العباد أن يعدّوه عالياً، ويعبدوه، وعلى التقادير يحتمل أن تكون الفاء بمعنى الواو.
وارتفع فوق كلّ منظر، الّذي لا بدء لأوّليّته، ولا غاية لأزليّته، القائم قبل الأشياء، والدائم الّذي به قوامها، والقاهر الّذي لا يؤوده حفظها، والقادر الّذي بعظمته تفرّد بالملكوت، وبقدرته توحّد بالجبروت، وبحكمته أظهر حججه على خلقه؛ اخترع الأشياء إنشاءً، وابتدعها ابتداءً، بقدرته وحكمته، لا من شيءٍ فيبطل الإختراع
________________________________________________________
قوله: وارتفع فوق كلّ منظر، المنظر مصدر نظرت إليه وما ينظر إليه، والموضع المرتفع، فالمعنى انّه تعالى إرتفع عن أنظار العباد أو عن كلّ ما يمكن أن ينظر إليه، ويخطر بالبال معنى لطيف وهو: أنّ المعنى انّه تعالى لظهور آثار صنعه في كلّ شيء، ظهر في كلّ شيء، فكأنّه علاه وارتفع عليه، فكلّما نظرت إليه فكأنّك وجدت الله عليه.
قوله: لا بدء لأوّليته، أي لسبقه الذاتي، فإنّه تعالى علة العلل، وليس له ولا لعليته علة، أو الزماني، أي لا يسبقه أحد في زمان ولا زمان.
قوله: القائم، أي الموجود القائم بذاته، أو القائم بتدبير الأشياء وتقديرها قبل خلقها، ويمكن أن يراد بالقبلية القبلية الذاتية.
قوله: والقاهر الذي، قال الوالد العلامة طيب الله رمسه: القاهر هو الّذي قهر العدم وأوجد الأشياء منه وحفظها بقدرته الكاملة، ولا يؤده أي لا يثقل عليه حفظها، ولعل فيه إشارة إلى احتياج الباقي في بقائه إلى المؤثر.
قوله: بالملكوت، هو فعلوت من الملك كالجبروت من الجبر، وقد يطلق عالم الملكوت على عالم المجردات والمفارقات، وعالم الملك على الجسمانيات والمقارنات، وقد يطلق الأول على السماويات، والثاني على الأرضيات، والظاهر ان المراد هنا تفرده تعالى بنهاية الملك والسلطنة.
قوله: حججه، أي آياته الّتي أظهرها في الآفاق والأنفس، أو الأنبياء والأوصياء عليهم السلام أو الأعم.
قوله: لا من شيء، قال بعض الأفاضل: الاختراع والابتداع متقاربان في المعنى
ولا لعلة فلا يصح الابتداع، خلق ما شاء كيف شاء، متوحداً بذلك لإظهار حكمته، وحقيقة ربوبيته، لا تضبطه العقول، ولا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأبصار، ولا يحيط به مقدار، عجزت دونه العبارة، وكلت دونه الأبصار، وضل فيه تصاريف الصفات.
احتجب بغير حجاب محجوب، واستتر بغير ستر مستور، عرف بغير رؤية، و
________________________________________________________
وكثر استعمال الاختراع في الايجاد لا بالأخذ من شيء يماثل الموجد ويشابهه، والابتداع في الايجاد لا لمادة وعلة فقوله: لا من شيء، أي لا بالأخذ من شيء فيبطل الاختراع، ولا لعلة أي لمادة فيبطل الابتداع.
قوله: لإظهار حكمته، علة للخلق أو للتوحيد، والمعنى انه تعالى خلق الأشياء على هذا النظام العجيب والصنع الغريب، متوحداً بذلك بدون مشاركة أحد ليستدلوا بها على علمه وحكمته، وانه الرب حقيقة، أو ليستدلوا على انه تعالى لم يخلق هذا الخلق عبثا، وإن الحكمة في خلقها العبادة والمعرفة، وأن يطيعوه ويعبدوه، فإنه حقيقة الربوبية وما يحق لربوبيته ويلزمها، ولعل الأول أظهر.
قوله: لا تضبطه العقول، أي تبلغ العقول ادراكه بنحو قاصر عن الإحاطة به وضبطه، فهو غير محدود وغير منضبط الحقيقة، ولكنه مصدق بوجوده، منفيّاً عنه جميع ما تحيط به العقول والأفهام، ولا تبلغه الأوهام، حيث يتعالى عن أن يحس بها ولا تدركه الابصار حيث لا صورة له ولا مثال، ولا يتشكل بشكل، ولا يحاد بحد، ولا يتقدر بمقدار فقوله: ولا يحيط به مقدار، كالتأكيد لسابقتها إن أريد بالمقدار المقادير الجسمانية، وإن أريد به الأعم من المقادير العقلية فهي مؤكدة لسوابقها.
قوله: بغير حجاب محجوب، المحجوب أمّا مرفوع أو مجرور، فعلى الأول خبر مبتداء محذوف، أي هو محجوب بغير حجاب، فالجملة مستأنفة لبيان أن احتجابه ليس كإحتجاب المخلوقين، وعلى الثاني يحتمل جره بالإضافة أي بغير حجاب يكون للمحجوبين، أو بالتوصيف بأن يكون المحجوب بمعنى الحاجب، كما قيل في قوله
وصف بغير صورة، ونعت بغير جسم، لا إله إلا الله الكبير المتعال، ضلت الأوهام عن
________________________________________________________
تعالى: « حجاباً مستوراً(١) » أو بمعناه أي ليس حجابه مستوراً، بل حجابه أمر ظاهر على العقول، وهو تجرده وتقدسه وكماله، ونقص الممكنات، أو المعنى انه ليس محجوباً بحجاب محجوب بحجاب آخر(٢) كما هو شأن المخلوقين المحجوبين، أو ليس احتجابه احتجاباً بالكلية، بحيث لا يصل إليه العقل أصلاً، أو المعنى: انه ليس محتجباً بحجاب محجوب فضلاً عن الحجاب الظاهر، فيكون نفياً للفرد الأخفى، ويحتمل أن يكون المراد بالحجاب من يكون واسطة بين الله تعالى وبين خلقه، كما ان الحجاب واسطة بين المحجوب والمحجوب عنه، وكثيراً ما يطلق على من يقف أبواب الملوك ليوصل إليهم خبر الناس حاجباً وحجاباً، فالمراد بالحجاب الأنبياء والأوصياء عليهم السلام وقد أظهرهم الله تعالى للناس، وبين حجيتهم وصدقهم بالآيات البينات، والاحتمالات كلها جارية في الفقرة الثانية، ويحتمل أن تكون الثانية مؤكدة للأولى، وأن يكون المراد بالأولى الاحتجاب عن الحواس، وبالثانية الاحتجاب عن العقول، كلّ ذلك أفاده الوالد العلامة قدس الله روحه.
قوله: بغير رؤية، وربما يقرء روية بتشديد الياء بغير همزة، أي معرفة وجوده بديهي، ولا يخفى بعده.
قوله: بغير جسم، أي بغير أن يكون توصيفه بالجسمية، أو بما يستلزمها، وقيل أي غير جسم نعت له.
___________________
(١) سورة الاسراء: ٤٥.
(٢) في المطبوعة: « ليس محجوباً بالحجاب محجوب بحجاب آخر » وفي نسخة [ ب ] « ليس محجوباً بحجاب يكون محجوباً بحجاب آخر » وما اخترناه في المتن في المتن هو الموافق لنسخة [ ح ] المكتوب بخط الشارح قدس سره الشريف.
بلوغ كنهه، وذهلت العقول أن تبلغ غاية نهايته، لا يبلغه حد وهم، ولا يدركه نفاذ بصر، وهو السميع العليم، احتج على خلقه برسله، وأوضح الأمور بدلائله، وابتعث الرسل مبشرين ومنذرين، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة، وليعقل العباد عن ربهم ما جهلوه، فيعرفوه بربوبيته بعدما أنكروه، ويوحدوه
________________________________________________________
قوله: عن بلوغ كنهه، لأنّه تعالى ليس بمركب وما ليس بمركب لا يمكن إدراك كنهه.
قوله: غاية نهايته، الغاية تطلق على المسافة وعلى نهايتها والأول هنا أظهر، أي لا تبلغ العقول إلى مسافة تنتهي إلى نهاية معرفته فكيف إليها، والحمل على الثاني بالإضافة البيانية بعيد.
قوله: حدوهم، أي حدة الأوهام، أو نهاية معرفة الأوهام.
قوله: نفاذ بصر، قال الجوهري نفذ السهم من الرمية ونفذ الكتاب إلى فلان ورجل نافذ في أمره أي ماض، والكل محتمل.
قوله: بدلائله، أي أوضح كلّ أمر بدليل نصبه عليها كوجوده وكمال ذاته بما أوجد في الآفاق والأنفس من آياته، والرسل والحجج عليهم السلام بالمعجزات والأحكام الشرعية بما بين في الكتاب والسنة.
قوله: وابتعث الرسل، الابتعاث الإرسال كالبعث.
قوله: ليهلك، قال البيضاوي: المعنى ليموت من يموت عن بينة عاينها، ويعيش من يعيش عن حجة شاهدها، لئلا تكون لهم حجة ومعذرة أو ليصدر كفر من كفر وايمان من آمن عن وضوح بينة، على استعارة الهلاك والحياة للكفر والإسلام، والمراد بمن هلك ومن حي: المشارف للهلاك والحياة، أو من هذا حاله في علم الله وقضائه، وقيل: يحتمل أن يكون من باب المجاز المرسل لأنّ الكفر سبب للهلكة الحقيقية الأخروية، والايمان سبب للحياة الحقيقية الأبدية، فأطلق المسبب على السبب مجازا.
قوله: عن ربهم، أي بتوسط الرسل.
بالإلهية بعدما أضدوه، أحمده حمداً يشفي النفوس، ويبلغ رضاه، ويؤدي شكر ما وصل إلينا من سوابغ النعماء، وجزيل الآلاء وجميل البلاء.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلها واحداً أحداً صمداً لم يتخذ صاحبة ولا ولداً وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبد انتجبه، ورسوله ابتعثه، على حين فترة من الرسل، وطول هجعة من الأمم، وانبساط من الجهل، واعتراض من الفتنة وانتقاض من المبرم وعمى عن الحق، واعتساف من الجور وامتحاق من الدين.
________________________________________________________
قوله: أضدوه، أي جعلوا له أضدادا.
قوله: يشفى النفوس، أي من أمراض الكفر والجهل والأخلاق الذميمة وكأنه على سبيل الاستدعاء والرجاء، أي أرجو من فضله تعالى أن يكون حمدي كاملاً مؤثراً تلك التأثيرات وأطلب منه تعالى ذلك أو هي إنشاء لغاية الشكر وإظهار لنهاية التذلل، والجزيل: الكثير العظيم، والآلاء بالمد: النعم، واحدتها الألا، بالفتح، والبلاء: الاختبار بالخير والشر، وهنا الأول أنسب.
قوله: فترة، الفترة الضعف والانكسار، وما بين الرسولين من رسل الله، والهجعة بالفتح: طائفة من الليل، والهجوع: النوع ليلاً، كذا في النهاية، وقال الجوهري: أتيت بعد هجعة من الليل، أي بعد نومة خفيفة، واستعيرت هنا لغفلة الأمم عمّا يصلحهم في الدارين.
قوله: واعتراض من الفتنة، أي انبساط منها، ويحتمل أن يكون مأخوذا من قوله اعترض الفرس: إذا مشى في عرض الطريق، من غير استقامة، تشبيها للفتنة بهذا الفرس واستعارة لفظ الاعتراض لها. والمبرم: المحكم.
قوله: وعمى عن الحق، في بعض النسخ: من الحق، فليست كلمة « من » على سياق ما مر، إذ كانت فيها ابتدائية، وهنا صلة بمعنى عن، إلا أن يكون من قولهم عمى عليه الأمر إذا التبس، ومنه قوله تعالى: «فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنبَاءُ »(١) وفي قوله: وامتحاق من الدين، يحتمل الابتدائية والتبعيضية، والاعتساف: الأخذ على غير
____________________
(١) سورة القصص: ٦٦.
وأنزل إليه الكتاب، فيه البيان والتبيان، قرآنا عربيّاً غير ذي عوج لعلهم يتقون؛ قد بينه للناس ونهجه، يعلم قد فصله، ودين قد أوضحه، وفرائض قد أوجبها، وأمور قد كشفها لخلقه وأعلنها، فيها دلالة إلى النجاة، ومعالم تدعو إلى هداه.
فبلغ صلى الله عليه وآله وسلم ما أرسل به، وصدع بما أمر، وأدى ما حمل من أثقال النبوة، وصبر لربه، وجاهد في سبيله، ونصح لأمته، ودعاهم إلى النجاة، وحثهم على
________________________________________________________
الطريق، والامتحاق: البطلان والإمحاء، والتبيان مبالغة في البيان، أي مع الحجة والبرهان، وقوله: قرآنا، حال بعد حال عن الكتاب، أو بدل منه، أو منصوب على الاختصاص، والعوج: الاختلال والاختلاف والشك.
قوله: ونهجه، بالتخفيف أي أوضحه، وقوله: بعلم، إمّا متعلّق بقوله: قد بينه، أو نهجه، أو بهما على سبيل التنازع، أو حال عن الكتاب، والمستتر في قوله: « وفصله » وقراينه إمّا راجع إلى الله أو الرسول أو الكتاب.
قوله: فيها دلالة، الضمير راجع إلى الأمور المذكورة، وقوله: ومعالم، إمّا مرفوع بالعطف على دلالة، أو مجرور بالعطف على النجاة، والمعالم جمع معلم وهو ما جعل علامة للطريق والحدود، والمراد بها هنا مواضع العلوم، وما يستنبط منه الأحكام وعلى الجر يحتمل النبي والأئمّة عليهم السلام، والضمير في « هداه » راجع إلى الله أو الرسول أو الكتاب، وقيل: الهاء زايدة كما في «كِتَابِيَهْ »(١) ولا يخفى بعده، وربما يقرء هداة بالتاء.
قوله: وصدع، أي أظهره، وتكلم به جهاراً أو فرث به بين الحقّ والباطل، وفسر بكلا الوجهين قوله تعالى «فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ »(٢) والأثقال جمع ثقل بالكسر، ضد الخفة، أو ثقل بالتحريك وهو متاع البيت والمسافر على الاستعارة.
قوله: على الذكر، أي القرآن أو كلّ ما يصير سبباً لذكره تعالى.
____________________
(١) سورة الحاقة: ١٩.
(٢) سورة الحجر: ٩٤.
الذكر ودلهم على سبيل الهدى من بعده بمناهج ودواع أسس للعباد أساسها ومنائر رفع لهم أعلامها، لكيلاً يضلّوا من بعده، وكان بهم رؤوفاً رحيماً.
فلما انقضت مدته، واستكملت أيامه، توفاه الله وقبضه إليه، وهو عند الله مرضي عمله، وافر حظه، عظيم خطره، فمضى صلى الله عليه وآله وسلم وخلف في أمته كتاب الله ووصيه أمير المؤمنين، وإمام المتقين صلوات الله عليه، صاحبين مؤتلفين، يشهد كلّ واحد منهما لصاحبه بالتصديق، ينطق الإمام عن الله في الكتاب، بما أوجب الله فيه
________________________________________________________
قوله: أساسها، الضمير راجع إلى المناهج والدواعي، والمراد بسبيل الهدى منهج الشرع القويم، وبالمناهج والدواعي أوصياؤه عليهم السلام، وبالتأسيس نصب الأدلة على خلافتهم، ويحتمل أن يراد بالمناهج الأئمّة، وبالدواعي الأدلة على حجيتهم، ويحتمل وجوها أخرى لا تخفى، والمناير جمع المنارة، وهي ما يرفع لتوقد النار عليه لهداية الضال عن الطريق، واستعير هنا للأوصياء عليهم السلام لاهتداء الخلق بهم، ورفع الاعلام لنصب الأدلة، إذ رفع الاعلام الّتي يوضع عليها ما يستنار به يصير سبباً لكثرة الاهتداء به في الطرق الظاهرة، فكذا نصب الأدلة وتوضيحها يصير سبباً لكثرة الاهتداء بهم عليهم السلام.
قوله: وكان بهم رؤوفا رحيماً، الرأفة أشد الرحمة، وهذا رد على المخالفين بأنه كيف يدعهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بلاها وأمير وداع، مع شدة رأفته ورحمته بهم في أمور دنياهم وآخرتهم، وقوله: فلما انقضت، تفصيل وبيان لقوله دلهم، والخطر: القدر والمنزلة.
قوله: بالتصديق، أي بسببه أو متلبسا به، والحاصل: انه يشهد كلّ منهما بحقيقة الآخر، ويبين كلّ منهما ما هو المقصود من الآخر، وقوله: ينطق، استيناف لبيان هذه الجملة، وقوله: بما أوجب متعلّق بينطق، والحاصل: ان الإمام يبين من قبل الله تعالى ما أوجب في الكتاب من طاعته في أوامره ونواهيه، وطاعة الإمام وقوله: وواجب حقه، عطف إمّا على الموصول، أو على طاعته، والضمير عائد إليه تعالى، أو على ولايته والضمير راجع إلى الإمام، وفي بعض النسخ: وأوجب حقه، و
على العباد، من طاعته، وطاعة الإمام وولايته، وواجب حقه، الّذي أراد من استكمال دينه، وإظهار أمره، والاحتجاج بحججه، والاستضائة بنوره، في معادن أهل صفوته ومصطفى أهل خيرته.
فأوضح الله بأئمّة الهدى من أهل بيت نبينا صلى الله عليه وآله وسلم عن دينه، وأبلج بهم عن سبيل مناهجه وفتح بهم عن باطن ينابيع علمه، وجعلهم مسالك لمعرفته، ومعالم لدينه، وحجاباً بينه وبين خلقه، والباب المؤدي إلى معرفة حقه، وأطلعهم على المكنون من غيب سره.
________________________________________________________
قوله: في معادن، صفة للنور أو حال منه، وإضافة المعادن إلى الأهل، إمّا بيانية أو لامية، وعلى الثاني المراد بالمعادن إمّا القلوب، فالمراد بالأهل الأئمّة عليهم السلام، أو الأئمّة، فالمراد بالأهل جميع الذرية الطيبة كما سيأتي الاحتمالان في الآية المقتبس منها، وهي قوله تعالى: «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا »(١) انشاء الله تعالى، وقوله: « مصطفى » إمّا مفرد أو جمع، ومعطوف على المعادن أو الأهل، وإضافته إلى الأهل إمّا بيانية أو لامية، والخيرة بكسر الخاء وسكون الياء أو فتحها: الاختيار، وإضافة الأهل إليها لامية.
قوله: عن دينه، تعديته بكلمة عن لتضمين معنى الكشف، كما في الفقرة الآتية، والبلوج: الإضاءة والوضوح، وأبلجه، أوضحه، والمراد بالمناهج كلّ ما يتقرب به إليه سبحانه، وسبيلها: دلائلها وما يوجب الوصول إليها.
قوله: ينابيع علمه، في الكلام استعارة مكنية وتخييلية بتشبيه العلم بالماء وإثبات الينابيع له، أو من قبيل: لجين الماء، وقيل: المراد بالينابيع: الآيات القرآنية.
قوله: وحجابا، هو بالضم والتشديد جمع حاجب، الّذي يكون للسلاطين، وقوله: أطلعهم بتخفيف الطاء أي جعلهم مطلعين على سره، المغيب عن غيرهم، والضمير
____________________
(١) سورة فاطر: ٣٢.
كلما مضى منهم إمام، نصب لخلقه من عقبه إماما بينا، وهادياً نيراً، وإماما قيماً، يهدون بالحق وبه يعدلون، حجج الله ودعته، ورعاته على خلقه، يدين بهديهم العباد، ويستهل بنورهم البلاد، جعلهم الله حياة للأنام، ومصابيح للظلام ومفاتيح للكلام، ودعائم للإسلام، وجعل نظام طاعته وتمام فرضه التسليم لهم فيما علم، والرد إليهم فيما جهل، وحظر على غيرهم التهجم على القول بما يجهلون و
________________________________________________________
المستتر في « نصب » راجع إلى الله تعالى أو إلى الإمام، والأخير بعيد.
قوله: من عقبه: أي بعده أو من ذريته تغليبا، ومنهم من قرأ [ من عقبه ] بالفتح اسم موصول أي من عقب الله الماضي، ولا يخفى بعده.
قوله: قيماً، أي قائما بأمر الأمة، وقيل: مستقيماً، وقوله: يهدون حال عن الأئمّة، أو خبر مبتدأ محذوف، وقوله: بالحق متعلّق بيهدون، أي بكلمة الحقّ أو الباء بمعنى إلى، أو ظرف مستقر أي محقين، و « به » أي بالحق يعدلون بين الناس في الحكم، وقوله: حجج الله، خبر مبتدأ محذوف، والدعاة والرعاة جمع الداعي والراعي، من رعى الأمير رعيته رعاية إذا حفظهم، أو من رعيت الأغنام، وقوله: على خلقه، متعلّق بالرعاة، أو بالثلاثة على التنازع.
قوله: بهديهم، بضم الهاء أي تعبد العباد بهدايتهم، أو بفتحها أي بسيرتهم، وقوله: يستهل أي يستضئ بنورهم أي بعلمهم وهدايتهم البلاد، أي أهلها.
قوله: حياة للأنام، أي سبباً لحياتهم الظاهرية وبقائهم، أو سبباً لحياتهم، بالايمان والعلم والكمالات أو الأعم.
قوله: نظام طاعته، أي ما ينتظم به طاعته، وتمام فرضه أي ما يتم به فرائضه، إذ مع عدم ولايتهم والتسليم لهم كلّ ما أدى من الفرائض تكون ناقصة، أو فرض ذلك بعد سائر الفرائض، لقوله تعالى: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ »(١) وقوله: فيما علم، أمّا على بناء المجهول أي علم صدوره منهم، أو المعلوم أي علم العبد، والأول أظهر، وكذا فيما جهل،
____________________
(١) سورة المائدة: ٣.
منعهم جحد مالا يعلمون، لما أراد تبارك وتعالى من استنقاذ من شاء من خلقه، من ملمات الظلم ومغشيات إليهم، وصلى الله على محمّد وأهل بيته الأخيار الّذين أذهب الله عنهم الرجس [ أهل البيت ] وطرهم تطهيرا.
أما بعد، فقد فهمت يا أخي ما شكوت من اصطلاح أهل دهرنا على الجهالة وتوازرهم وسعيهم في عمارة طرقها، ومباينتهم العلم وأهله، حتّى كاد العلم معهم أن يأزر كله وينقطع مواده، لما قد رضوا أن يستندوا إلى الجهل، ويضيعوا العلم وأهله.
وسألت: هل يسع الناس المقام على الجهالة والتدين بغير علم، إذا كانوا داخلين في الدين، مقرين بجميع أموره على جهة الاستحسان، والنشوء عليه والتقليد
________________________________________________________
وسيأتي تفسير التسليم في بابه، والتهجم: الدخول في الأمر بغتة من غير روية، والحظر والمنع تأكيد للفقرتين الأوليين على خلاف الترتيب.
قوله: لما أراد الله، بالتخفيف تعليل للمذكورات سابقا، والملمات جمع ملمة وهي النازلة، والظلم جمع الظلمة، وهي البدعة والفتنة، وقوله: مغشيات البهم، أي مستورات البهم ومغطياتها، والبهم كصرد جمع بهمة بالضم، وهو الأمر الّذي لا يهتدى لوجهه، أي الأمور المشكلة الّتي خفى على الناس ما هو الحقّ فيها وستر عنهم، أو غشيت عليهم وأحاطت بهم، بأن يقرء على بناء المفعول من التفعيل.
قوله: من اصطلاح أهل دهرنا، أي تصالحهم وتوافقهم، والتوازر: التعاون.
قوله: أن يأزر، في بعض النسخ بتقديم المعجمة على المهملة، وهو جاء بمعنى القوة والضعف، والمراد هنا الثاني، والظاهر أنه بتقديم المهملة كما سيأتي إنشاء الله تعالى في باب الغيبة: فيأرز العلم كما يأرز الحية إلى حجرها، أي ينضم إليها ويجتمع بعضه إلى بعض فيها.
قوله والنشؤ عليه، بفتح النون على فعل أو بالضم على فعول، قال الجوهري: نشأت في بنى فلان نشوءا إذا شببت فيهم، وفي بعض النسخ: « والنشق » بالقاف، قال
للآباء، والأسلاف والكبراء، والاتكال على عقولهم في دقيق الأشياء وجليلها.
فاعلم يا أخي رحمك الله أن الله تبارك وتعالى خلق عباده خلقة منفصلة من البهائم في الفطن والعقول المركبة فيهم، محتملة للأمر والنهي، وجعلهم جل ذكره صنفين صنفا منهم أهل الصحة والسلامة، وصنفا منهم أهل الضرر والزمانة، فخص أهل الصحة والسلامة بالأمر والنهي، بعد ما أكمل لهم آلة التكليف، ووضع التكليف عن أهل الزمانة والضرر، إذ قد خلقهم خلقة غير محتملة للأدب والتعليم وجعل عز وجل سبب بقائهم أهل الصحة والسلامة، وجعل بقاء أهل الصحة والسلامة بالأدب والتعليم، فلو كانت الجهالة جائزة لأهل الصحة والسلامة لجاز وضع التكليف عنهم،
________________________________________________________
الجوهري: نشق الظبي في الحبالة، أي علق فيها، ورجل نشيق إذا كان ممّن يدخل في أمور لا يكاد يتخلص منها، وفي بعضها: والسبق إليه، والأول أصوب.
قوله: على عقولهم، الضمير راجع إلى الأسلاف والكبراء، أو إلى أنفسهم والأول أظهر. قوله: محتملة صفة بعد أخرى لقوله خلقه، أو حال عن العقول، ويحتمل أن يكون العقول مبتداء، ومحتملة خبره.
قوله: صنفا، بدل أو عطف بيان للمفعول الأول، وقوله: أهل الصحة مفعول ثان. ويحتمل تقدير الفعل ثانيا، ثمّ انه يحتمل أن يكون المراد بالصنف الأول المكلفين مطلقا، وبالصنف الثاني غير المكلفين أصلاً من الصبيان والمجانين، ويمكن أن يكون المراد بالأول من كان قابلاً لتحصيل المعارف والعلوم والكمالات، وبالثاني: الضعفاء العقول من المكلفين الّذين ليس لهم قوة تحصيل العلوم والمعارف والتميز التام بين الحقّ والباطل، واستنباط الاحكام من أدلتها، وهذا أظهر، وإن كان بعض الفقرات الآتية يؤيد الأول، فعلى الثاني المراد بالأمر والنهي: الأمر بتحصيل المعارف والأحكام، والنهي عن الاكتفاء بالتقليد كالعوام، وكذا المراد بوضع التكليف رفع التكليف بتحصيل العلم، وإن أمكن حمله في الثاني على رفع التكليف مطلقا، إذ مع رفع
وفي جواز ذلك بطلان الكتب والرسل والآداب، وفي الكتب والرسل والآداب فساد التدبير، والرجوع إلى قول أهل الدهر، فوجب في عدل الله عز وجل وحكمته أن يخص من خلق من خلقه خلقة محتملة للأمر والنهي، بالأمر والنهي، لئلا يكونوا سدى مهملين، وليعظموه ويوحدوه، ويقروا له بالربوبية، وليعلموا أنه خالقهم ورازقهم، إذ شواهد ربوبيته دالّة ظاهرة، وحججه نيرة واضحة، وأعلامه لائحة تدعوهم إلى توحيد الله عز وجل، وتشهد على أنفسها لصانعها بالربوبية والإلهية، لما فيها من آثار صنعه، وعجائب تدبيره، فندبهم إلى معرفته لئلا يبيح لهم أن يجهلوه ويجهلوا دينه وأحكامه، لأنّ الحكيم لا يبيح الجهل به، والانكار لدينه، فقال جل ثناؤه: «أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لَّا يَقُولُوا عَلَى اللَّـهِ إِلَّا الْحَقَّ »(١) وقال: «بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ »(٢) فكانوا محصورين بالأمر والنهي
________________________________________________________
العلم مطلقاً لا يتأتي التكليف أصلاً، وعلى الأول بطلان الكتب والرسل لأنّ الغرض الأصلي من البعثة تكميل النفوس القابلة.
قوله: ان يخص، بالخاء المعجمة والصاد المهملة، وفي بعض النسخ بالحاء المهملة والضاد المعجمة، بمعنى التحريص والترغيب، والأول أظهر، وقوله: بالأمر والنهي، متعلّق بيخص، والسدي بضم السين وقد يفتح وكلاهما للواحد والجمع بمعنى المهمل وقوله: مهملين عطف بيان أو صفة موضحة.
قوله تعالى: « ميثاق الكتاب » أي ميثاق المأخوذ في الكتاب، وهو التوراة وقوله: « أن لا يقولوا » عطف بيان للميثاق أو متعلّق به، أي بأن لا يقولوا، وقيل: المراد بالميثاق قوله في التوراة: من ارتكب ذنباً عظيماً فإنه لا يغفر [ له ] إلا بالتوبة وحينئذ قوله: أن لا يقولوا مفعول له أي لئلا يقولوا.
قوله تعالى: « بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه » أقول: تتمة الآية « ولما
___________________
(١) سورة الأعراف: ١٦٩.
(٢) سورة يونس: ٣٩.
مأمورين بقول الحق، غير مرخص لهم في المقام على الجهل، أمرهم بالسؤال، والتفقه في الدين فقال: «فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ »(١) وقال: «فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ »(٢) . فلو كان يسع أهل الصحة والسلامة، المقام على الجهل، لما أمر هم بالسؤال، ولم يكن يحتاج إلى بعثة الرسل بالكتب والآداب، وكادوا يكونون عند ذلك بمنزلة البهائم، ومنزلة أهل الضرر والزمانة، ولو كانوا كذلك لما بقوا طرفة عين فلما لم يجز بقاؤهم إلا بالأدب والتعليم، وجب أنه لابد لكل صحيح الخلقة، كامل الآلة من مؤدب، ودليل، ومشير، وآمر، وناه، وأدب، وتعليم، وسؤال، ومسألة.
فأحق ما اقتبسه العاقل، والتمسه المتدبّر الفطن، وسعى له الموفق المصيب، العلم بالدين، ومعرفة ما استعبد الله به خلقه من توحيده، وشرائعه وأحكامه، وأمره ونهيه وزواجره وآدابه، إذ كانت الحجة ثابتة، والتكليف لازماً، والعمر يسيراً، والتسويف غير مقبول، والشرط من الله جل ذكره فيما استعبد به خلقه أن يؤدوا
________________________________________________________
يأتهم تأويله » والمعنى كما قيل: بل سارعوا إلى التكذيب بالقرآن أوّل ما سمعوه قبل أن يفقهوا ويتدبّروا آياته، ويقفوا على تأويله ومعانيه.
قوله: أمرهم بالسؤال، لما كان بمنزلة التعليل للسابق ترك العاطف.
قوله تعالى « ليتفقهوا »، الظاهر ان ضمير الجمع فيه وفي « ولينذروا » وفي « رجعوا » راجع إلى الطائفة، فالمراد بالنفور الخروج للتفقه لينذر ويعلم الباقون الساكنون، النافرين بعد رجوع النافرين إليهم فالضمير في « يتفقهوا » و « ينذروا » راجع إلى الفرقة أي بقيتهم، وفي « رجعوا » إلى القوم.
قوله: من توحيده، بيان للدين، وما بعده بيان لما استعبد الله به خلقه.
___________________
(١) سورة التوبة: ١٢٢.
(٢) سورة النحل: ٤٣.
جميع فرائضه بعلم ويقين وبصيرة، ليكون المؤدي لها محموداً عند ربه، مستوجباً لثوابه، وعظيم جزائه، لأنّ الّذي يؤدي بغير علم وبصيرة، لا يدري ما يؤدي، ولا يدري إلى من يؤدي، وإذا كان جاهلاً لم يكن على ثقة مما أدى، ولا مصدقا، لأنّ الشاك لا يكون له من الرغبة والرهبة والخضوع والتقرب مثل ما يكون من العالم المستيقن، وقد قال الله عز وجل: «إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ »(١) فصارت الشهادة مقبولة لعلة العلم بالشهادة، ولو لا العلم بالشهادة لم تكن الشهادة مقبولة، والأمر في الشاك المؤدي بغير علم وبصيرة، إلى الله جل ذكره، إن شاء تطول عليه فقبل عمله، وإن شاء رد عليه، لأنّ الشرط عليه من الله أن يؤدي المفروض بعلم وبصرة ويقين، كيلاً يكونوا ممّن وصفه الله فقال تبارك وتعالى «وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّـهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ »(٢) لأنّه كان داخلاً فيه بغير علم ولا يقين، فلذلك صار خروجه بغير علم ولا يقين، وقد قال العالم عليه السلام:
________________________________________________________
قوله: بعلم ويقين، لقوله تعالى «وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ »(٣) وأمثاله كثيرة.
قوله: بالشهادة، أي الأمر المشهود به.
قوله: والأمر في الشاك، الظاهر أن المراد بالشك هنا مقابل اليقين، فيشمل الظن المستند إلى التقليد وغيره أيضا.
قوله تعالى: «عَلَىٰ حَرْفٍ » أي على وجه واحد كأن يعبده على السراء لا الضراء، أو على شك، أو على غير طمأنينة، والحاصل أنه لا يدخل في الدين متمكنا مستقراً، وقال القاضي: أي على طرف من الدين لاثبات له فيه، كالذي يكون على طرف الجيش، فان أحس بظفر قر وإلا فر.
قوله: وقد قال العالم، أي المعصوم، وتخصيصه بالكاظم عليه السلام غير معلوم.
___________________
(١) سورة الزخرف: ٨٦.
(٢) سورة الحج: ١١.
(٣) سورة الاسراء: ٣٦.
« من دخل في الإيمان بعلم ثبت فيه، ونفعه إيمانه، ومن دخل فيه بغير علم خرج منه كما دخل فيه »، وقال عليه السلام: « من أخذ دينه من كتاب الله وسنة نبيه صلوات الله عليه وآله زالت الجبال قبل أن يزول، ومن أخذ دينه من أفواه الرجال ردته الرجال »، وقال عليه السلام: « من لم يعرف أمرنا من القرآن لم يتنكب الفتن ».
ولهذه العلة انبثقت على أهل دهرنا بثوق هذه الأديان الفاسدة، والمذاهب المستشنعة الّتي قد استوفت شرائط الكفر والشرك كلها، وذلك بتوفيق الله تعالى وخذلانه، فمن أرد الله توفيقه وأن يكون إيمانه ثابتا مستقراً، سبب له الأسباب الّتي تؤديه إلى أن يأخذ دينه من كتاب الله وسنة نبيه صلوات الله عليه وآله بعلم ويقين وبصيرة، فذاك أثبت في دينه من الجبال الرواسي، ومن أراد الله خذلانه وأن يكون دينه معاراً مستودعاً - نعوذ بالله منه - سبب له أسباب الاستحسان والتقليد والتأويل من غير علم وبصيرة، فذاك في المشيئة إن شاء الله تبارك وتعالى أتم إيمانه، وإن شاء سلبه إياه، ولا يؤمن عليه أن يصبح مؤمنا ويمسي كافراً، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافراً، لأنّه كلما رأي كبيراً من الكبراء ما معه، وكلما رأي شيئاً استحسن
________________________________________________________
قوله: قبل أن يزول، الضمير المستتر إمّا راجع إلى الموصول أو إلى الدين.
قوله: لم يتنكب، قال في القاموس: نكب عنه كنصر وفرح نكباً ونكباً ونكوباً: عدل كنكب وتنكب.
قوله: انبثقت، يقال: بثق الماء بثوقا: فتحه بأن خرق الشط، وانبثق هو: إذا جرى بنفسه من غير فجر، والبثق بالفتح والكسر الاسم، كذا في المغرب، والبثوق فاعل ابنثقت، فان كان المراد بالبثوق الشقوق، أي المواضع المنخرقة، فالمراد بالانبثاق التشقق، ولو حمل على الجريان فالاسناد مجازى، وكذا لو حمل البثوق على المعنى المصدري لابد من ارتكاب تجوز في الاسناد، ويحتمل على بعد إرجاع ضمير انبثقت إلى الفتن، فيكون البثوق مفعولاً مطلقاً من غير بابه، وقيل: شبه الأديان الفاسدة بالسيول، وأثبت لها البثوق، ففيه استعارة مكنية وتخييلية، وفيه مالا يخفى على
ظاهره قبله، وقد قال العالم عليه السلام: « إنّ الله عز وجل خلق النبيين على النبوة، فلا يكونون إلا أنبياء، وخلق الأوصياء على الوصية، فلا يكونون إلا أوصياء، وأعار قوماً إيماناً فإن شاء تممه لهم، وأن شاء سلبهم إياه، قال: وفيهم جرى قوله: «فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ »(١) .
وذكرت أن أموراً قد أشكلت عليك، لا تعرف حقائقها لاختلاف الرواية فيها وأنك تعلم أن اختلاف الرواية فيها لاختلاف عللها وأسبابها، وأنك لا تجد بحضرتك من تذاكره وتفاوضه ممّن تثق بعلمه فيها، وقلت: إنك تحب أن يكون عندك كتاب كان يجمع [ فيه ] من جميع فنون علم الدين، ما يكتفي به المتعلم، ويرجع إليه المسترشد، ويأخذ منه من يريد علم الدين والعمل به بالآثار الصحيحة عن الصادقين
________________________________________________________
المتأمل، وسيأتي تحقيق معنى التوفيق والخذلان على وجه يوافق أصول أهل العدل في كتاب الإيمان والكفر إنشاء الله تعالى.
قوله تعالى «فَمُسْتَقَرٌّ »: بفتح القاف وكسرها على اختلاف القراءة جار في النبي والوصي، فبالفتح اسم مفعول يعني مثبت في الإيمان، أو اسم مكان يعنى له موضع استقرار وثبات فيه، وبالكسر اسم فاعل يعنى مستقر ثابت فيه، «وَمُسْتَوْدَعٌ » بفتح الدال اسم مفعول أو اسم مكان جار في المعار، وقال البيضاوي في قوله تعالى: «وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ » أي فلكم استقرار في الأصلاب أو فوق الأرض، واستيداع في الأرحام أو تحت الأرض، وقرء ابن كثير والبصريان بكسر القاف، على أنه فاعل، والمستودع مفعول أي فمنكم قار ومنكم مستودع.
قوله: بالآثار الصحيحة، استدل به الأخباريون على جواز العمل بجميع اخبار الكافي وكون كلها صحيحة وإن الصحة عندهم غير الصحة باصطلاح المتأخرين، وزعموا أن حكمهم بالصحة لا تقصر عن توثيق الشيخ أو النجاشي أو غيرهما رجال السند، بل ادعى بعضهم أن الصحة عندهم بمعنى التواتر، والكلام فيها طويل، و
___________________
(١) سورة الانعام: ٩٨.
عليهم السلام والسنن القائمة الّتي عليها العمل، وبها يؤدي فرض الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وقلت: لو كان ذلك رجوت أن يكون ذلك سبباً يتدارك الله [ تعالى ] بمعونته وتوفيقه إخواننا وأهل ملتنا ويقبل بهم إلى مراشدهم.
فاعلم يا أخي أرشدك الله أنه لا يسع أحداً تمييز شيء مما اختلفت الرواية فيه عن العلماء عليهم السلام برأيه، إلا على ما أطلقه العالم بقوله عليهم السلام: « اعرضوها على كتاب الله فما وافي كتاب الله عز وجل فخذوه، وما خالف كتاب الله فردوه » وقوله عليه السلام: « دعوا ما وافق القوم فإن الرشد في خلافهم » وقوله عليه السلام « خذوا
________________________________________________________
قد فصلنا القول في ذلك في المجلد الآخر من كتاب بحار الأنوار، وخلاصة القول في ذلك والحق عندي فيه: أن وجود الخبر في أمثال تلك الأصول المعتبرة مما يورث جواز العمل به، لكن لابد من الرجوع إلى الأسانيد لترجيح تبعضها على بعض عند التعارض، فان كون جميعها معتبراً لا ينافي كون بعضها أقوى، وأمّا جزم بعض المجازفين بكون جميع الكافي معروضا على القائم عليه السلام لكونه في بلدة السفراء فلا يخفى ما فيه على ذي لب، نعم عدم إنكار القائم وآبائه صلوات الله عليه وعليهم، عليه وعلى أمثاله في تأليفاتهم ورواياتهم مما يورث الظن المتاخم للعلم بكونهم عليهم السلام راضين بفعلهم ومجوزين للعمل بأخبارهم.
قوله: بمعونته وتوفيقه، قيل، الضميران عائدان إلى السبب لا إلى الله تعالى، لخلو الجملة الوصفية عن العائد ويمكن تقدير العائد.
قوله: مما اختلفت الرواية فيه، قيل: المراد بالروايات المختلفة الّتي لا يحتمل الحمل على معنى يرتفع به الاختلاف بملاحظة جميعها، وكون بعضها قرينة على المراد من البعض، لا الّتي يتراءي فيها الاختلاف في بادي الرأي، وطرق العمل في المختلفات الحقيقية كما ذكره بعد شهرتها واعتبارها العرض على كتاب الله والأخذ بموافقه دون مخالفه، ثمّ الأخذ بمخالف القوم، ثمّ الأخذ من باب التسليم بأيها تيسر « انتهى ».
بالمجمع عليه، فإن المجمع عليه لا ريب فيه » ونحن لا نعرف من جميع ذلك إلا أقله ولا نجد شيئاً أحوط ولا أوسع من رد علم ذلك كله إلى العالم عليه السلام وقبول ما وسع من الأمر فيه بقوله عليه السلام: « بأيما أخذتم من باب التسليم وسعكم ».
وقد يسر الله - وله الحمد - تأليف ما سألت، وأرجو أن يكون بحيث توخيت فمهما كان فيه من تقصير فلم تقصر نيتنا في إهداء النصيحة، إذ كان واجبة لإخواننا وأهل ملتنا، مع ما رجونا أن تكون مشاركين لكل من اقتبس منه، وعمل بما فيه في دهرنا هذا، وفي غابره إلى انقضاء الدنيا، إذ الرب جل وعز واحد والرسول محمّد خاتم النبيين - صلوات الله وسلامه عليه وآله - واحد، والشريعة واحدة وحلال محمّد حلال وحرامه حرام إلى يوم القيامة، ووسعنا قليلاً كتاب الحجة وإن لم نكمله على استحقاقه، لأنا كرهنا أن نبخس حظوظه كلها.
________________________________________________________
قوله: إلا أقله، أي أقل ذلك الجميع، والمعنى إنا لا نعرف من أفراد التمييز الحاصل من جهة تلك القوانين المذكورة إلا الأقل، أولاً نعرف من جميع ذلك المذكور من القوانين الثلاثة إلا الأقل، والحاصل أن الاطلاع على تلك الأمور والتوسل بها في رفع الاختلاف بين الاخبار مشكل، إذا لعرض على الكتاب موقوف على معرفته وفهمه، ودونه خرط القتاد، وأيضا أكثر الاحكام لا يستنبط ظاهراً منه، وأمّا أقوال المخالفين فان الاطلاع عليها مشكل لأكثر المحصلين ومع الاطلاع عليها قل ما يوجد مسئلة لم يختلفوا فيها، ومع اختلافهم لا يعرف ما يخالفهم إلا أن يعلم ما كان أشهر وأقوى عند القضاة والحكام في زمان من صدر عنه الخبر عليه السلام وهذا يتوقف على تتبع تام لكتب المخالفين وأقوالهم، ولا يتسر لكل أحد، وأمّا الأخذ بالمجمع عليه فإن كان المراد به ما أجمع على الإفتاء به كما فهمه أكثر المتأخرين، فالاطلاع عليه متعسر بال متعذر، إلا أن يحمل على الشهرة فإنها وإن لم تكن حجة في نفسها يمكن كونها مرجحة لبعض الأخبار المتعارضة، لكن يرد عليه أن الفتوى لم تكن شايعاً في تلك الأزمنة السالفة، بل كان مدارهم على نقل الأخبار، وكانت تصانيفهم
وأرجو أن يسهل الله جل وعز إمضاء ما قدمنا من النية، إن تأخر الأجل صنفا كتاباً أوسع وأكمل منه، نوفيه حقوقه كلها إن شاء الله تعالى وبه الحول والقوة وإليه الرغبة في الزيادة في المعونة والتوفيق. والصلاة على سيدنا محمّد النبي وآله الطاهرين الأخيار.
وأول ما أبدأ به وأفتتح به كتابي هذا: كتاب العقل، وفضائل العلم، وارتفاع درجة أهله، وعلو قدرهم، ونقص الجهل، وخساسة أهله، وسقوط منزلتهم، إذ كان العقل هو القطب الّذي عليه المدار وبه يحتج وله الثواب؛ وعليه العقاب،[ والله الموفق ].
________________________________________________________
مقصورة على جمع الأخبار وروايتها وتدوينها، وإن كان المراد به الإجماع في النقل والرواية، وتكرره في الأصول المعتبرة كما هو الظاهر من دأبهم، فهذا أيضاً مما يعسر الاطلاع عليه، ويتوقف على تتبع كلّ الأصول المعتبرة، فظهر ان ما ذكره (ره) من قلّة ما يعرف من ذلك حق، لكن كلامه يحتمل وجهين:
الأول: انه لما كان الاطلاع عليها عسراً، والانتفاع بها نزراً فينبغي تركها والأخذ بالتخيير، وهذا هو الظاهر من كلامه، فيرد عليه ان ذلك لا يصير سبباً لتركها فيما يمكن الرجوع إليها مع ورودها في الاخبار المعتبرة.
والثاني: أن يكون المراد أن الانتفاع بقاعدة التخيير أكثر، والانتفاع بغيرها أقل، ولا بد من العمل بها جميعاً في مواردها، وهذا صحيح لكنه بعيد من العبارة، ويؤيد الأول ترك المصنف (ره) إيراد الاخبار المتعارضة، واختبار ما هو أقوى عنده وفيه ما فيه، ولذا وجه بعض المعاصرين ذلك بأنه إنما فعل ذلك برخصة الإمام عليه السلام، وقد عرفت ما فيه، وأمّا سند خبر التخيير وطريق الجمع بينه وبين مقبولة عمر بن حنظلة، فسيأتي بعض القول فيهما في باب اختلاف الحديث إنشاء الله تعالى، وتمام القول فيهما موكول إلى كتابنا الكبير.
كتاب العقل والجهل
١ - أخبرنا أبو جعفر محمّد بن يعقوب قال حدثني عدة من أصحابنا منهم محمد
________________________________________________________
كتاب العقل والجهل
كذا في النسخ والأظهر باب العقل أو ذكر الباب بعد الكتاب كما يظهر من فهرست الشيخ (ره).
الحديث الأول صحيح.
والظاهر أن قائل أخبرنا أحد رواة الكافي من النعماني والصفواني وغيرهما، ويحتمل أن يكون القائل هو المصنف (ره) كما هو دأب القدماء، ثمّ اعلم أن فهم أخبار أبواب العقل يتوقف على بيان ماهية العقل واختلاف الآراء والمصطلحات فيه.
فنقول: إنّ العقل هو تعقل الأشياء وفهمها في أصل اللغة، واصطلح إطلاقه على أمور:
الأول: هو قوة إدراك الخير والشر والتميز بينهما، والتمكن من معرفة أسباب الأمور ذوات الأسباب، وما يؤدي إليها وما يمنع منها، والعقل بهذا المعنى مناط التكليف والثواب والعقاب.
الثاني: ملكة وحالة في النفس تدعو إلى اختيار الخيرات والمنافع، واجتناب الشرور والمضار، وبها تقوى النفس على زجر الدواعي الشهوانية والغضبية، والوساوس الشيطانية، وهل هذا هو الكامل من الأول أم هو صفة أخرى وحالة مغايرة للأولى، كلّ منهما محتمل، وما يشاهد في أكثر الناس من حكمهم بخيرية بعض الأمور، مع عدم إتيانهم بها، وبشرية بعض الأمور مع كونهم مولعين بها، يدل على أن هذه الحالة غير العلم بالخير والشر، والذي ظهر لنا من تتبع الأخبار المنتهية إلى الأئمّة الأبرار سلام الله عليهم، هو أن الله خلق في كلّ شخص من أشخاص
بن يحيى العطار عن أحمد بن محمّد عن الحسن بن محبوب عن العلاء بن رزين
________________________________________________________
المكلفين قوة واستعداداً لإدراك الأمور من المضار والمنافع وغيرها على اختلاف كثير بينهم فيها، وأقل درجاتها مناط التكاليف وبها يتميز عن المجانين وباختلاف درجاتها تتفاوت التكاليف، فكلما كانت هذه القوة أكمل، كانت التكاليف أشق وأكثر، وتكمل هذه القوة في كلّ شخص بحسب استعداده بالعلم والعمل، فكلما سعى في تحصيل ما ينفعه من العلوم الحقة، وعمل بها تقوى تلك القوة، ثمّ العلوم تتفاوت في مراتب النقص والكمال، وكلما ازدادت قوة تكثر آثارها، وتحت صاحبها بحسب قوتها على العمل بها، فأكثر الناس علمهم بالمبدء والمعاد وسائر أركان الإيمان علم تصوري يسمونه تصديقا، وفي بعضهم تصديق ظني، وفي بعضهم تصديق اضطراري، فلذا لا يعملون بما يدعون، فإذا كمل العلم وبلغ درجة اليقين تظهر آثاره على صاحبه كلّ حين، وسيأتي تمام تحقيق ذلك في كتاب الإيمان والكفر إن شاء الله تعالى.
الثالث: القوة الّتي يستعملها الناس في نظام أمور معاشهم، فإن وافقت قانون الشرع، واستعملت فيما استحسنه الشارع تسمى بعقل المعاش، وهو ممدوح في الأخبار ومغايرته لما قد مر بنوع من الاعتبار وإذا استعملت في الأمور الباطلة والحيل الفاسدة تسمى بالنكراء والشيطنة في لسان الشرع، ومنهم من ثبتوا لذلك قوة أخرى وهو غير معلوم.
الرابع: مراتب استعداد النفس لتحصيل النظريات وقربها وبعدها من ذلك وأثبتوا لها مراتب أربعاً سموها بالعقل الهيولاني والعقل بالملكة، والعقل بالفعل، والعقل المستفاد، وقد تطلق هذه الأسامي على النفس في تلك المراتب، وتفصيلها مذكور في مظانها ويرجع إلى ما ذكرنا أو لا، فإن الظاهر أنها قوة واحدة، تختلف أسماؤها بحسب متعلّقاتها وما تستعمل فيه.
الخامس: النفس الناطقة الإنسانية الّتي بها يتميز عن سائر البهائم.
عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفرعليهالسلام قال لما خلق الله العقل استنطقه ثمّ قال له
________________________________________________________
السادس: ما ذهب إليه الفلاسفة وأثبتوه بزعمهم من جوهر مجرد قديم لا تعلّق له بالمادة ذاتا ولا فعلا، والقول به كما ذكروه مستلزم لإنكار كثير من ضروريات الدين من حدوث العالم وغيره، مما لا يسع المقام ذكره، وبعض المنتحلين منهم للإسلام أثبتوا عقولاً حادثة وهي أيضاً على ما أثبتوها مستلزمة لإنكار كثير من الأصول المقررة الإسلامية، مع أنه لا يظهر من الأخبار وجود مجرد سوى الله تعالى، وقال بعض محققيهم: إن نسبة العقل العاشر الّذي يسمونه بالعقل الفعال إلى النفس كنسبة النفس إلى البدن، فكما أن النفس صورة للبدن، والبدن مادتها، فكذلك العقل صورة للنفس والنفس مادته، وهو مشرق عليها، وعلومها مقتبسة منه، ويكمل هذا الارتباط إلى حد تطالع العلوم فيه، وتتصل به، وليس لهم على هذه الأمور دليل إلا مموهات شبهات، أو خيالات غريبة، زينوها بلطائف عبارات.
فإذا عرفت ما مهدنا فاعلم أن الأخبار الواردة في هذه الأبواب أكثرها ظاهرة في المعنيين الأولين، الّذي مالهما إلى واحد، وفي الثاني منهما أكثر وأظهر، وبعض الأخبار يحتمل بعض المعاني الأخرى، وفي بعض الأخبار يطلق العقل على نفس العلم النافع المورث للنجاة، المستلزم لحصول السعادات، فأمّا أخبار استنطاق العقل وإقباله وإدباره، فيمكن حملها على أحد المعاني الأربعة المذكورة أولا، أو ما يشملها جميعاً وحينئذ يحتمل أن يكون الخلق بمعنى التقدير كما ورد في اللغة، أو يكون المراد بالخلق الخلق في النفس واتصاف النفس بها، ويكون سائر ما ذكر فيها من الاستنطاق والإقبال والأدبار وغيرها استعارة تمثيلية لبيان أن مدار التكاليف والكمالات والترقيات على العقل، ويحتمل أن يكون المراد بالاستنطاق جعله قابلاً لأنّ يدرك به العلوم، ويكون الأمر بالإقبال والأدبار أمراً تكوينيّاً بجعله قابلاً لكونه وسيلة لتحصيل الدنيا والآخرة والسعادة والشقاوة معا، وآلة للاستعمال في تعرف حقائق الأمور والتفكّر في دقائق الحيل أيضا، وفي بعض الأخبار: بك آمر وبك
أقبل فأقبل ثمّ قال له أدبر فأدبر ثمّ قال وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحب
________________________________________________________
أنهى وبك أعاقب وبك أثيب، وهو منطبق على هذا المعنى لأنّ أقل درجاته مناط صحة أصل التكليف، وكل درجة من درجاته مناط صحة بعض التكاليف وفي بعض الأخبار « إياك » مكان « بك » في كلّ المواضع، وفي بعضها في بعضها، فالمراد المبالغة في اشتراط التكليف به، فكأنه هو المكلف حقيقة، وما في بعض الأخبار: من أنه أوّل خلق من الروحانيين فيحتمل أن يكون المراد أوّل مقدر من الصفات المتعلّقة بالروح، وأول غريزة تطبع عليه النفس، وتودع فيها، أو يكون أوليته باعتبار أولية ما يتعلّق به من النفوس، وأمّا إذا حملت على المعنى الخامس، فيحتمل أن يكون أيضاً على التمثيل كما مر وكونها مخلوقة ظاهر، وكونها أوّل مخلوق إمّا باعتبار أن النفوس خلقت قبل الأجساد كما ورد في الأخبار المستفيضة، فيحتمل أن يكون خلق الأرواح مقدما على خلق جميع المخلوقات غيرها، لكن خبر: « أوّل ما خلق العقل » لم أجده في الأخبار المعتبرة، وإنما هو مأخوذ من أخبار العامة، وظاهر أكثر أخبارنا أن أوّل المخلوقات الماء أو الهواء كما بيناه في كتاب السماء والعالم من كتابنا الكبير.
نعم ورد في أخبارنا أن العقل أوّل خلق من الروحانيين، وهو لا ينافي تقدم خلق بعض الأجسام على خلقه، وحينئذ فالمراد بإقبالها بناء أعلى ما ذهب إليه جماعة من تجرد النفس: إقبالها إلى عالم المجردات، وبإدبارها تعلّقها بالبدن والماديات، أو المراد بإقبالها إقبالها إلى المقامات العالية والدرجات الرفيعة، وبإدبارها هبوطها عن تلك المقامات، وتوجهها إلى تحصيل الأمور الدنية الدنيوية، وتشبهها بالبهائم والحيوانات، فعلى ما ذكرنا من التمثيل يكون الغرض بيان أن لها هذه الاستعدادات المختلفة، وهذه الشؤون المتباعدة، وإن لم نحمل على التمثيل يمكن أن يكون الاستنطاق حقيقيّاً وأن يكون كناية عن جعلها مدركة للكليات، وكذا الأمر بالإقبال والأدبار يمكن أن يكون حقيقيّاً لظهور انقيادها لما يريده تعالى منها، وأن يكون أمراً تكوينيّاً لتكون قابلة للأمرين أي الصعود إلى الكمال و
إلي منك ولا أكملتك إلا فيمن أحب أمّا إني إياك آمر وإياك أنهى وإياك
________________________________________________________
القرب والوصال، والهبوط إلى النفس وما يوجب الوبال أو لتكون في درجة متوسطة من التجرد لتعلّقها بالماديات لكن تجرد النفس لم يثبت لنا من الأخبار، بل الظاهر منها ماديتها كما بيناه في مظانه.
وربما يقال: المراد بالإقبال، الإقبال إلى عالم الملك بتعلّقه بالبدن، لاستكمال القوة النظرية والعملية، وبالإدبار: الأدبار عن هذا العالم، وقطع التعلّق عن البدن، والرجوع إلى عالم الملكوت.
وقيل: يحتمل أن يكون قوله « استنطقه » محمولاً على معناه اللغوي إشارة إلى ما وقع في يوم الميثاق، وإن كان كيفيته غير معلوم لنا، والمراد بالإقبال الإقبال إلى الحقّ من التصديق بالألوهية والتوحيد والعدل وغير ذلك مما يجب تصديقه، وبالإدبار الأدبار عن الباطل بأن يقولوا على الله بغير علم، وأمثاله وحينئذ لا حاجة في الحديث إلى تأويل.
وأما المعنى السادس فلو قال أحد بجوهر مجرد لا يقول بقدمه، ولا بتوقف تأثير الواجب في الممكنات عليه، ولا بتأثيره في خلق الأشياء، ويسميه العقل، ويجعل بعض تلك الأخبار منطبقاً على ما سماه عقلاً، فيمكنه أن يقول: إن إقباله عبارة عن توجهه إلى المبدأ وإدباره عبارة عن توجهه إلى النفوس لإشراقه عليها واستكمالها به.
فإذا عرفت ذلك فاستمع لما يتلى عليك من الحقّ الحقيق بالبيان، وبأن لا يبالي بما يشمئز عنه من نواقص الأذهان، فاعلم أن أكثر ما أثبتوه لهذه العقول قد ثبت لأرواح النبي والأئمّةعليهالسلام في أخبارنا المتواترة على وجه آخر، فإنهم أثبتوا القدم للعقل، وقد ثبت التقدم في الخلق لأرواحهم إمّا على جميع المخلوقات، أو على سائر الروحانيين في أخبار متواترة، وأيضا أثبتوا لها التوسط في الإيجاد أو الاشتراط في التأثير، وقد ثبت في الأخبار كونهم علة غائية لجميع المخلوقات، وأنه لولاهم لما
أعاقب وإياك أثيب.
________________________________________________________
خلق الله الأفلاك وغيرها، وأثبتوا لها كونها وسائط من إفاضة العلوم والمعارف على النفوس والأرواح، وقد ثبت في الأخبار أن جميع العلوم والحقائق في المعارف بتوسطهم يفيض على سائر الخلق حتّى الملائكة والأنبياء، والحاصل أنه قد ثبت بالأخبار المستفيضة: أنهمعليهالسلام الوسائل بين الخلق وبين الحقّ في إفاضة جميع الرحمات والعلوم والكمالات على جميع الخلق، فكلما يكون التوسل بهم والإذعان بفضلهم أكثر كان فيضان الكمالات من الله تعالى أكثر، ولما سلكوا سبيل الرياضات والتفكّرات مستبدين بآرائهم على غير قانون الشريعة المقدسة، ظهرت عليهم حقيقة هذا الأمر ملبسا مشبها فأخطأوا في ذلك وأثبتوا عقولاً وتكلموا في ذلك فضولا، فعلى قياس ما قالوا يمكن أن يكون المراد بالعقل نور النبي صلوات الله عليه وآله الّذي انشعبت منه أنوار الأئمّةعليهالسلام واستنطاقه على الحقيقة، أو بجعله محلاً للمعارف الغير المتناهية، والمراد بالأمر بالإقبال ترقيه على مراتب الكمال وجذبه إلى أعلى مقام القرب والوصال، وبإدباره إمّا إنزاله إلى البدن أو الأمر بتكميل الخلق بعد غاية الكمال، فإنه يلزم التنزل عن غاية مراتب القرب، بسبب معاشرة الخلق ويومئ إليه قوله تعالى( قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولاً ) (١) وقد بسطنا الكلام في ذلك في الفوائد الطريفة.
ويحتمل أن يكون المراد بالإقبال الإقبال إلى الخلق، وبالإدبار الرجوع إلى عالم القدس بعد إتمام التبليغ، ويؤيده ما في بعض الأخبار من تقديم الأدبار على الإقبال.
وعلى التقادير فالمراد بقوله تعالى« ولا أكملتك» يمكن أن يكون المراد ولا أكملت محبتك والارتباط بك، وكونك واسطة بينه وبيني إلا فيمن أحبه أو يكون الخطاب مع روحهم ونورهمعليهمالسلام ، والمراد بالإكمال إكماله في أبدانهم الشريفة،
__________________
(١) سورة الطلاق: ١٠.
________________________________________________________
أي هذا النور بعد تشعبه، بأي بدن تعلّق وكمل فيه يكون ذلك الشخص أحب الخلق إلى الله تعالى، وقوله: « إياك آمر » التخصيص إمّا لكونهم صلوات الله عليهم مكلفين بما لم يكلف به غيرهم، ويتأتى منهم من حق عبادته تعالى ما لا يتأتى من غيرهم، أو لاشتراط صحة أعمال العباد بولايتهم، والإقرار بفضلهم بنحو ما مر من التجوز، وبهذا التحقيق يمكن الجمع بين ما روي عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : أن أوّل ما خلق الله نوري، وبين ما روي: أن أوّل ما خلق الله العقل، وما روي أن أوّل ما خلق الله النور، إن صحت أسانيدها، وتحقيق هذا الكلام على ما ينبغي يحتاج إلى نوع من البسط والإطناب ولو وفينا حقه، لكنا أخلفنا ما وعدناه في صدر الكتاب.
وأما ما رواه الصدوق في كتاب علل الشرائع بإسناده عن أمير المؤمنينعليهالسلام أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم سئل مما خلق الله عز وجل العقل؟ قال: خلقة ملك له رؤوس بعدد الخلائق، من خلق ومن يخلق إلى يوم القيامة، ولكل رأس وجه ولكل آدمي رأس من رؤوس العقل، واسم ذلك الإنسان على وجه ذلك الرأس مكتوب، وعلى كلّ وجه ستر ملقى لا يكشف ذلك الستر من ذلك الوجه حتّى يولد هذا المولود، ويبلغ حد الرجال أو حد النساء، فإذا بلغ كشف ذلك الستر فيقع في قلب هذا الإنسان نور، فيفهم الفريضة والسنة والجيد والرديء، ألا ومثل العقل في القلب كمثل السراج في وسط البيت.
فهو من غوامض الأخبار، والظاهر أن الكلام فيه مسوق على نحو الرموز والأسرار، ويحتمل أن يكون كناية عن تعلّقه بكل مكلف وأن لذلك التعلّق وقتا خاصاً وقبل ذلك الوقت موانع عن تعلّق العقل من الأغشية الظلمانية، والكدورات الهيولانية، كستر مسدول على وجه العقل، ويمكن حمله على ظاهر حقيقته على بعض الاحتمالات السالفة، وقوله: خلقة ملك، لعله بالإضافة أي خلقته كخلقة الملائكة في لطافته وروحانيته، ويحتمل أن يكون خلقه مضافاً إلى الضمير مبتدأ، وملك خبره، أي خلقته خلقة ملك، أو هو ملك حقيقة والله يعلم.
٢ - علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن عمرو بن عثمان، عن مفضل بن صالح، عن سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة، عن عليعليهالسلام قال هبط جبرئيل على آدمعليهالسلام فقال يا آدم إني أمرت أن أخيرك واحدة من ثلاث فاخترها ودع اثنتين فقال له آدم يا جبرئيل وما الثلاث فقال العقل والحياء والدين فقال آدم إني قد اخترت العقل فقال جبرئيل للحياء والدين انصرفا ودعاه فقالا يا جبرئيل إنا أمرنا أن نكون مع العقل حيث كان قال فشأنكما وعرج.
٣ - أحمد بن إدريس، عن محمّد بن عبد الجبار، عن بعض أصحابنا رفعه إلى أبي عبد اللهعليهالسلام قال قلت له ما العقل قال ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان
________________________________________________________
الحديث الثاني: ضعيف.
قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : هبط جبرئيل، الظاهر أن آدمعليهالسلام حين هبوط جبرئيل عليه كان ذا حياء وعقل ودين، والأمر باختيار واحدة لا ينافي حصولها على أنه يحتمل أن يكون المراد كمال تلك الخلال بحسب قابلية آدمعليهالسلام وقول جبريلعليهالسلام للحياء والدين بعد اختيار العقل: انصرفا لإظهار ملازمتها للعقل بقولهما: إنا أمرنا أن نكون مع العقل، ولعل الغرض من ذلك أن ينبه آدمعليهالسلام على عظمة نعمة العقل، ويحثه على شكر الله على إنعامه.
قوله: « فشأنكما » الشأن بالهمزة: الأمر والحال، أي ألزما شأنكما أو شأنكما معكما، ثمّ إنه يحتمل أن يكون ذلك استعارة تمثيلية كما مر أو أن الله تعالى خلق صورة مناسبة لكل واحد منها، وبعثها مع جبرئيلعليهالسلام والحياء صفة تنبعث عنها ترك القبيح عقلاً مخافة الذم، والمراد بالدين التصديق بما يجب التصديق به والعمل بالشرائع، والنواميس الإلهية، والمراد بالعقل، هنا ما يشمل الثلاثة الأول.
الحديث الثالث: مرسل.
قوله عليهالسلام : ما عبد به الرحمن، الظاهر أن المراد بالعقل هنا المعنى الثاني من المعاني الّتي أسلفنا، ويحتمل بعض المعاني الأخر كما لا يخفى، وقيل: يراد به هنا
قال قلت فالذي كان في معاوية فقال تلك النكراء تلك الشيطنة وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل.
٤ - محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن فضال، عن الحسن بن الجهم قال سمعت الرضاعليهالسلام يقول صديق كلّ امرئ عقله وعدوه جهله.
٥ - وعنه، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن الحسن بن الجهم قال قلت لأبي الحسنعليهالسلام إن عندنا قوماً لهم محبة وليست لهم تلك العزيمة يقولون بهذا القول فقال ليس أولئك ممّن عاتب الله إنما قال الله( فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ )
________________________________________________________
ما يعد به المرء عاقلاً عرفا وهو قوة التميز بين الباطل والحق، والضار والنافع الّتي لا تكون منغمرة في جنود الجهل، فعند غلبة جنوده لا يسمى الفطن المميز عاقلاً، حيث لا يعمل بمقتضى التميز والفطانة، ويستعملها في مشتهيات جنود الجهل.
قوله: فالذي كان في معاوية، أي ما هو؟ وفي بعض النسخ فما الذي؟ فلا يحتاج إلى تقدير.
قولهعليهالسلام : تلك النكراء، يعني الدهاء والفطنة، وهي جودة الرأي وحسن الفهم، وإذا استعملت في مشتهيات جنود الجهل يقال لها الشيطنة ونبهعليهالسلام عليه بقوله: تلك الشيطنة بعد قوله: تلك النكراء.
الحديث الرابع: موثق ولا يقصر عن الصحيح.
والمراد بالعقل هنا كماله بأحد المعاني السابقة.
الحديث الخامس: مثل السابق سندا.
قوله: وليست لهم تلك العزيمة، أي الرسوخ في الدين أو الاعتقاد الجازم بالإمامة، اعتقاداً ناشئاً من الحجة والبرهان، وعلى التقديرين المراد بهم المستضعفون الّذين لا يمكنهم التميز التام بين الحقّ والباطل.
قوله: ممّن عاتب الله، أي عاتبه الله على ترك الاستدلال والعمل بالتقليد،
٦ - أحمد بن إدريس، عن محمّد بن حسان، عن أبي محمّد الرازي، عن سيف بن عميرة، عن إسحاق بن عمار قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام من كان عاقلاً كان له دين ومن كان له دين دخل الجنة.
٧ - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن الحسن بن علي بن يقطين، عن محمّد بن سنان، عن أبي الجارود، عن أبي جعفرعليهالسلام قال إنما يداق الله العباد في الحساب - يوم القيامة على قدر ما آتاهم من العقول في الدنيا.
٨ - علي بن محمّد بن عبد الله، عن إبراهيم بن إسحاق الأحمر، عن محمّد بن سليمان الديلمي، عن أبيه قال قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام فلان من عبادته ودينه وفضله فقال كيف عقله قلت لا أدري فقال إنّ الثواب على قدر العقل إن رجلاً من بني إسرائيل كان يعبد الله في جزيرة من جزائر البحر خضراء نضرة كثيرة
________________________________________________________
والمراد بالاعتبار الاستدلال، وبالأبصار هنا العقول كما يظهر من كلامهعليهالسلام .
الحديث السادس: ضعيف.
وأريد بالعقل هنا ما أريد به في الخبر الثالث، والقياس ينتج أن من كان متصفا بالعقل بهذا المعنى يدخل الجنة.
الحديث السابع: ضعيف.
قوله: إنما يداق الله، المداقة مفاعلة من الدقة، يعني أن مناقشتهم في الحساب وأخذهم على جليلة ودقيقة على قدر عقولهم.
الحديث الثامن: ضعيف والظاهر أن علي بن محمّد هو علي بن محمّد بن عبد الله بن أذينة الّذي ذكر العلامة أنه داخل في العدة الّتي تروي عن البرقي.
قوله: من عبادته، بيان لقوله كذا وكذا، خبر لقوله فلان، ويحتمل أن يكون متعلّقاً بمقدر أي فذكرت من عبادته، وأن يكون متعلّقاً بما عبر عنه بكذا كقوله فاضل كامل، فكلمة « من » بمعنى « في » أو للسببية، والنضارة: الحسن، والطهارة هنا بمعناها اللغوي أي الصفا واللطافة، وفي بعض النسخ بالظاء المعجمة أي كان جاريا
الشجر ظاهرة الماء وإنملكاً من الملائكة مر به فقال يا رب أرني ثواب عبدك هذا فأراه الله تعالى ذلك فاستقله الملك فأوحى الله تعالى إليه أن اصحبه فأتاه الملك في صورة إنسي فقال له من أنت قال أنا رجل عابد بلغني مكانك وعبادتك في هذا المكان فأتيتك لأعبد الله معك فكان معه يومه ذلك فلما أصبح قال له الملك إن مكانك لنزه وما يصلح إلا للعبادة فقال له العابد إن لمكاننا هذا عيباً فقال له وما هو قال ليس لربنا بهيمة فلو كان له حمار رعيناه في هذا الموضع فإن هذا الحشيش يضيع فقال له ذلك الملك وما لربك حمار فقال لو كان له حمار ما كان يضيع مثل هذا الحشيش فأوحى الله إلى الملك إنما أثيبه على قدر عقله.
________________________________________________________
على وجه الأرض، وفي الخبر إشكال من أن ظاهره كون العابد قائلاً بالجسم، وهو ينافي استحقاقه للثواب مطلقاً وظاهر الخبر كونه مع هذه العقيدة الفاسدة مستحقاً للثواب لقلة عقله وبلاهته، فيمكن أن يكون اللام فيقوله: لربنا بهيمة للملك لا للانتفاع، ويكون مراده تمنى أن يكون في هذا المكان بهيمة من بهائم الرب لئلا يضيع الحشيش، فيكون نقصان عقله باعتبار عدم معرفته بفوائد مصنوعات الله تعالى، وبأنها غير مقصورة على أكل البهيمة، لكن يأبى عنه جواب الملك إلا أن يكون لدفع ما يوهم كلامه، أو يكون استفهاما إنكاريّاً أي خلق الله تعالى بهائم كثيرة ينتفعون بحشيش الأرض، وهذه إحدى منافع خلق الحشيش، وقد ترتبت بقدر المصلحة، ولا يلزم أن يكون في هذا المكان حمار، بل يكفي وجودك وانتفاعك، ويحتمل أن يكون اللام للاختصاص لا على محض المالكية، بل بأن يكون لهذه البهيمة اختصاص بالرب تعالى كاختصاص بيته به تعالى، مع عدم حاجته إليه، ويكون جواب الملك أنه لا فائدة في مثل هذا الخلق حتّى يخلق الله تعالى حماراً وينسبه إلى مقدس جنابه تعالى كما في البيت، فإن فيه حكما كثيرة، وبالجملة لا بد إمّا من ارتكاب تكلف تام في الكلام، أو التزام فساد بعض الأصول
٩ - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله إذا بلغكم عن رجل حسن حال فانظروا في حسن عقله فإنما يجازى بعقله.
١٠ - محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان قال ذكرت لأبي عبد اللهعليهالسلام رجلاً مبتلى بالوضوء والصلاة وقلت هو رجل عاقل فقال أبو عبد الله وأي عقل له وهو يطيع الشيطان فقلت له وكيف يطيع الشيطان - فقال سله هذا الّذي يأتيه من أي شيء هو فإنه يقول لك من عمل الشيطان.
١١ - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن بعض أصحابه رفعه قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله ما قسم الله للعباد شيئاً أفضل من العقل فنوم العاقل
________________________________________________________
المقررة في الكلام.
الحديث التاسع: ضعيف على المشهور.
قوله عليهالسلام : فإنما يجازى بعقله، أي على أعماله بقدر عقله فكل من كان عقله أكمل كان ثوابه أجزل.
الحديث العاشر: صحيح.
قوله: مبتلى بالوضوء والصلاة، أي بالوسواس في نيتهما أو في فعلهما بالإبطال والتكرير على غير جهة الشرع، أو بالمخاطرات الّتي تشتغل القلب عنهما، وتوجب الشك فيهما، والأوسط أظهر نظراً إلى عادة ذلك الزمان.
قوله: وهو يطيع الشيطان، أي يفعل ما يأمره به من الوسواس، أو يطيعه فيما يصير سبباً لذلك، فسأله السائل عن إبانة أنه يطيع بفعله الشيطان فنبهعليهالسلام بأنه لو سئل عن مستنده لم يكن له بد من أن يسنده إلى الشيطان حيث لا شبهة أنه لا مستند له في الشرع ولا في العقل، وعلى الأخير المراد أنه يعلم أن ما يعرض له من الخواطر والوساوس إنما هو بما أطاع الشيطان في سائر أفعاله.
الحديث الحادي عشر: مرسل.
قوله: فنوم العاقل، إمّا لأنّه لا ينام إلا بقدر الضرورة لتحصيل قوة العبادة
أفضل من سهر الجاهل وإقامة العاقل أفضل من شخوص الجاهل ولا بعث الله نبيّاً ولا رسولاً حتّى يستكمل العقل ويكون عقله أفضل من جميع عقول أمته وما يضمر النبيصلىاللهعليهوآله في نفسه أفضل من اجتهاد المجتهدين وما أدى العبد فرائض الله حتى
________________________________________________________
فيكون نومه عبادة، وسهر الجاهل للعبادة لما لم يكن موافقاً للشرائط المعتبرة ومقرونا بالنيات الصحيحة تكون عبادة باطلة أو ناقصة، فذاك النوم خير منه، أو أن نوم العقلاًء وكمل المؤمنين يوجب ارتباطهم بأرواح الأنبياء والمرسلين والملائكة المقر بين وما يضاهيهم من المقدسين، واطلاعهم على الألواح السماوية ورجوعهم إلى عوالمهم القدسية الّتي كانوا فيها قبل نزولهم إلى الأبدان، فهو معراج لهم وما يرون فيه بمنزلة الوحي، فلذا عدت الرؤيا الصادقة من أجزاء النبوة، وسنبسط القول في ذلك في شرح كتاب الروضة.
قوله عليهالسلام : من شخوص الجاهل، أي خروجه من بلده ومسافرته إلى البلاد طلباً لمرضاته تعالى كالجهاد والحج وغيرهما.
قوله:حتّى يستكمل العقل، أي يسعى في كماله بتوفيقه تعالى فإن أصل العقل موهبي ويكمل بالعلم والعمل وقراءته على بناء المفعول، أو إرجاع الضمير إلى الله تعالى بعيد.
قوله: وما يضمر النبي في نفسه، أي من النيات الصحيحة والتفكّرات الكاملة والعقائد اليقينية.
قوله: وما أدى العبد، أي لا يمكن للعبد أداء الفرائض كما ينبغي إلا بأن يعقل ويعلم من جهة مأخوذة عن الله تعالى بالوحي، أو بأن يلهمه الله معرفته أو بأن يعطيه الله عقلاً به يسلك سبيل النجاة، وفي نسخ محاسن البرقي حتّى عقل منه أي لا يعمل فريضة حتّى يعقل من الله ويعلم أن الله أراد تلك منه، ويعلم آداب إيقاعها ويحتمل أن يكون المراد أعم من ذلك، أي يعقل ويعرف ما يلزمه معرفته، فمن ابتدائية
عقل عنه ولا بلغ جميع العابدين في فضل عبادتهم ما بلغ العاقل والعقلاًء هم أولو الألباب الّذين قال الله تعالى - وما يتذكر( إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ ) (١) .
١٢ - أبو عبد الله الأشعري، عن بعض أصحابنا رفعه، عن هشام بن الحكم قال قال لي أبو الحسن موسى بن جعفرعليهالسلام يا هشام إنّ الله تبارك وتعالى بشر أهل العقل والفهم في كتابه فقال( فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ ) (٢) .
يا هشام إنّ الله تبارك وتعالى أكمل للناس الحجج بالعقول ونصر النبيين
________________________________________________________
على التقديرين، ويحتمل على بعد أن تكون تبعيضية، أي عقل من صفاته وعظمته وجلاله ما يليق بفهمه ويناسب قابليته واستعداده.
الحديث الثاني عشر: مرسل وهو مختصر مما أورده الشيخ الحسن بن علي بن شعبة في كتاب تحف العقول وأوردته بطوله في كتاب بحار الأنوار مشروحا.
قوله تعالى( يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ ) : المراد بالقول إمّا القرآن أو مطلق المواعظ( فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ) أي إذا رد دوابين أمرين منها لا يمكن الجمع بينهما يختارون أحسنهما، وعلى الأول يحتمل أن يكون المراد بالأحسن، المحكمات أو غير المنسوخات ويمكن أن يحمل القول على مطلق الكلام، إذ ما من قول حق إلا وله ضد باطل، فإذا سمعها اختار الحقّ منهما، وعلى تقدير أن يكون المراد بالقول القرآن أو مطلق المواعظ، يمكن إرجاع الضمير إلى المصدر المذكور ضمنا أي يتبعونه أحسن اتباع.
قوله عليهالسلام : الحجج، أي البراهين أو الأنبياء والأوصياءعليهالسلام أو الاحتجاج وقطع العذر أي أكمل حجته على الناس بما آتاهم من العقول، ويمكن أن يكون المراد أن الله تعالى أكمل حجج الناس بعضهم على بعض، بما آتاهم من العقل إذ غايته الانتهاء إلى البديهي ولو لا العقل لأنكره، والأدلة ما بين في كتابه من دلائل الربوبية
__________________
(١) سورة البقرة: ٢٦٩. وفيها « وما يذكر اه ».
(٢) سورة زمر: ١٨.
بالبيان ودلهم على ربوبيته بالأدلة فقال( وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ. إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها
________________________________________________________
والوحدانية أو ما أظهر من آثار صنعته وقدرته في الآفاق وفي أنفسهم، والأول أنسب بالتفريع، والمراد بالبيان أمّا الفصاحة أو المعجزات أو قدرتهم على إتمام كلّ حجة، وجواب كلّ شبهة، وإبانة كلّ حق على كلّ أحد بما يناسب حاله وعلمهم بكل شيء كما قال صلوات الله عليه « وأوتيت الحكمة وفصل الخطاب ».
قوله تعالى: ( وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ ) : أي المستحق لعبادتكم واحد حقيقي لا شريك له في استحقاق العبادة، ولا في وجوب الوجود الذاتي ولا في صفاته ووحدته الحقيقية، وقوله تعالى( لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ ) استئناف لبيان الوحدة أو تأكيد للفقرة السابقة، أو تعميم بعد التخصيص دفعاً لما يتوهم من جواز أن يكون المستحق لعبودية غيركم متعدداً أو الإله في الأولى الخالق، وفي الثانية المستحق للعبادة، فتكون الثانية متفرعة على الأولى، ويحتمل العكس، فيكون من قبيل اتباع المدعى بالدليل( الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ ) خبران لمبتدء محذوف، أو خبران آخران لقوله( إِلهُكُمْ ) ولعل التوصيف بهما لبيان أنه تعالى يستحق العبادة لذاته الكاملة ونعمة الشاملة معاً فتدبّر.
ثم استدل سبحانه على تلك الدعاويبقوله ( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) أي إيجادهما من كتم العدم( وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ ) أي تعاقبهما على هذا النظام المشاهد بأن يذهب أحدهما ويجيء الآخر خلفه، وبه فسر قوله تعالى( هُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً ) أو تفاوتهما في النور والظلمة، أو في الزيادة والنقصان، ودخول أحدهما في الآخر، أو في الطول والقصر، بحسب العروض أو اختلاف كلّ ساعة من ساعاتهما بالنظر إلى الأمكنة المختلفة، فأية ساعة فرضت فهي صبح لموضع وظهر لآخر، وهكذا، والفلك يجيء مفرداً وجمعاً وهو السفينة، وما في قوله تعالى
وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) (١)
________________________________________________________
( بِما يَنْفَعُ النَّاسَ ) إمّا مصدرية أي بنفعهم أو موصولة أي بالذي ينفعهم من المحمولات والمجلوبات،( وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ ) من الأولى للابتداء، والثانية للبيان والسماء يحتمل الفلك والسحاب، وجهة العلو وإحياء الأرض بالنباتات والأزهار والثمرات( وَبَثَّ فِيها ) عطف على « أنزل » أو على « أحيى » فإن الدواب ينمون بالخصب ويعيشون بالمطر، والبث: النشر والتفريق والمراد بتصريف الرياح إمّا تصريفها في مهابها قبولاً ودبوراً، وجنوباً وشمالاً أو في أحوالها حارة وباردة، وعاصفة ولينة، وعقيمة ولواقح، أو جعلها تارة للرحمة وتارة للعذاب( وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ ) أي لا ينزل ولا ينقشع، مع أن الطبع يقتضي أحدهما حتّى يأتي أمر الله، وقيل مسخر للرياح تقلبه في الجو بمشية الله تعالى، أو سخره الله وهيأه لمصالحنا( لَآياتٍ ) أي علامات ودلالات وبراهين تدل لإمكانها على صانع واجب الوجود بالذات، ترفع الحاجة من الممكنات إذ الممكن لا يرفع حاجة الممكن، ولإتقانها وكونها على وفق الحكم والمصالح الّتي تعجز جميع العقول عن الإحاطة بعشر أعشارها، على كون صانعها حكيما عليما قادراً رحيماً بعباده، لا يفوت شيئاً من مصالحهم، وللجهتين جميعاً على كونه مستحقاً للعبادة، إذ العقل يحكم بديهة بأن الكامل من جميع الجهات، العاري من جميع النقائص والآفات، القادر على إيصال جميع الخيرات والمضرات، هو أحق بالمعبودية من غيره لجميع الجهات، وأيضا لما دلت الأحكام والانتظام على وحدة المدبر كما سيأتي بيانه دل على وحدة المستحق للعبادة، وكل ذلك ظاهر لقوم عقلهم في درجة الكمال، وفي الآية دلالة على لزوم النظر في خواص مصنوعاته تعالى، والاستدلال بها على وجوده ووحدته وعمله وقدرته وحكمته وسائر صفاته، وعلى جواز ركوب البحر والتجارات والمسافرات لجلب الأقوات والأمتعة.
__________________
(١) سورة البقرة: ١٦٣.
يا هشام قد جعل الله ذلك دليلاً على معرفته بأن لهم مدبراً فقال( وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) (١) وقال( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) (٢)
________________________________________________________
قولهعليهالسلام : قد جعل الله ذلك دليلاً، أي كلا من الآيات المذكورة سابقاً أو لا حقاً وليس لفظ ذلك في التحف، فالآيات اللاحقة أظهر، وقوله تعالى( وَسَخَّرَ لَكُمُ ) أي هيأها لمنافعكم ومسخرات بالنصب، حال عن الجميع أي نفعكم بها حالكونها مسخرات الله، خلقها ودبرها كيف شاء، وقرأ حفص( وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ ) على الابتداء والخبر، فيكون تعميما للحكم بعد تخصيصه، ورفع ابن عامر « الشمس والقمر » أيضا.
قوله تعالى( خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ) : إذ خلق أوّل أفراد هذا النوع وأباهم منه، أو لأنّ الغذاء الّذي يتكون منه المني يحصل منه، ويمكن أن يكون المراد التراب الّذي يطرحه الملك في المني، كما يشهد به بعض الأخبار وقوله تعالى( ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ) أي أطفالا، والأفراد لإرادة الجنس أو على تأويل يخرج من كلّ واحد منكم، أو لأنّه في الأصل مصدر.
قوله تعالى( ثُمَّ لِتَبْلُغُوا ) اللام فيه متعلّقة لمحذوف تقديره ثمّ يبقيكم لتبلغوا، وكذافي قوله( ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً ) ويجوز عطفه على لتبلغوا.
قوله تعالى( أَشُدَّكُمْ ) : أي كما لكم في القوة والعقل، جمع شدة كأنعم جمع نعمة.
قوله تعالى( مِنْ قَبْلُ ) : أي من الشيخوخة أو بلوغ الأشد.
قوله تعالى( أَجَلاً مُسَمًّى ) : أي يفعل ذلك لتبلغوا أجلاً مسمى هو وقت الموت
__________________
(١) سورة النحل: ١٣.
(٢) سورة غافر: ٦٧.
وقال إن في( اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) (١) وقال -( يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) (٢) وقال -( وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ
________________________________________________________
أو يوم القيمة.
قوله تعالى( إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ ) : هذه الآية في سورة الجاثية( وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ، وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) وقد مر الكلام في مثله والظاهر أن التغيير من النساخ أو الرواة أو نقل بالمعنى أو هكذا قراءتهم.
قوله( مِنْ رِزْقٍ ) : هو الماء لأنّه رزق أو سبب للرزق، وربما يؤول الأرض بالقلب والرزق بالعلم تشبيها له بالماء، لأنّه سبب حياة الروح كما أن الماء سبب حياة البدن.
قوله تعالى( وَجَنَّاتٌ ) : عطف على قوله تعالى « قطع » في قوله( وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ ) وتوحيد الزرع لأنّه مصدر في أصله، وهو عطف على( أَعْنابٍ ) وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وحفص( زَرْعٌ وَنَخِيلٌ ) بالرفع عطفا على جناتوقوله ( صِنْوانٌ ) أي نخلات أصلها واحد( وَغَيْرُ صِنْوانٍ ) أي متفرقات مختلفة الأصول.
قوله تعالى( فِي الْأُكُلِ ) : أي في الثمر شكلاً وقدراً ورائحة وطعماً، ودلالتها على الصانع الحكيم ظاهر، فإن اختلافها مع اتحاد الأصول والأسباب لا يكون إلا بتخصيص قادر مختار.
__________________
(١) سورة الجاثية: ٤. ٠
(٢) سورة الحديد: ١٧.
لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) (١) وقال -( وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) (٢) وقال( قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا
________________________________________________________
قوله تعالى( يُرِيكُمُ الْبَرْقَ ) : الفعل مصدر بتقدير أن أو صفة لمحذوف، أي آية يريكم بها البرق( خَوْفاً ) من الصاعقة أو تخريب المنازل والزروع، أو للمسافر( وَطَمَعاً ) أي في الغيث والنبات وسقي الزروع أو للمقيم ونصبهما على العلة لفعل لازم للفعل المذكور، إذ إراءتهم تستلزم رؤيتهم أو للفعل المذكور بتقدير مضاف أي إراءة خوف وطمع، أو بتأويل الخوف والطمع بالإخافة والإطماع، أو على الحال نحو كلمة: شفاها، ويحتمل أن يكونا مفعولين مطلقين لفعلين محذوفين يكونان حالين، أي تخافون خوفا وتطمعون طمعا.
قوله تعالى( قُلْ تَعالَوْا ) : أمر من التعالي وأصله أن يقوله من كان في علو لمن كان في سفل فاتسع بالتعميم.
قوله تعالى( ما حَرَّمَ ) : كلمة « ما » تحتمل الخبرية والمصدرية والاستفهاميةوقوله ( عَلَيْكُمْ ) متعلّق باتل، أو بحرم أو بهما على سبيل التنازع.
قوله تعالى( أَلاَّ تُشْرِكُوا ) : قال البيضاوي أي لا تشركوا ليصح عطف الأمر عليه، ولا يمنعه تعليق الفعل المفسر بما حرم، فإن التحريم باعتبار الأوامر يرجع إلى أضدادها، ومن جعل أن ناصبة فمحلها النصب بعليكم، على أنه للإغراء أو بالبدل من « ما » أو من عائدة المحذوف، على أن « لا » زائدة أو الجر بتقدير اللام، أو الرفع على تقدير « المتلو أن لا تشركوا » أو المحرم أن تشركوا وقوله: ( شَيْئاً ) يحتمل المصدرية والمفعولية وعلى التقديرين يشمل الشرك الخفي.
قوله تعالى( وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ) : أي وأحسنوا بهما إحسانا وضعه موضع النهي على الإساءة إليهما للمبالغة والدلالة على أن ترك الإساءة في شأنهما غير كاف
__________________
(١) سورة الرعد: ٥.
(٢) سورة الروم: ٢٤.
أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) (١) - وقال( هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) (٢) .
يا هشام ثمّ وعظ أهل العقل ورغبهم في الآخرة فقال
________________________________________________________
بخلاف غيرهما، وقوله( مِنْ إِمْلاقٍ ) أي من أجل فقر ومن خشيته.
قوله تعالى( وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ) : أي الزنا والكبائر أو جميع المعاصي،وقوله ( ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ ) بدل منه أي سرّاً وعلانية والفسوق الظاهرة والباطنة، أو ما ظهر تحريمه من ظهر القرآن وما ظهر تحريمه من بطنه كما ورد في بعض الأخبار.
قوله تعالى( إِلاَّ بِالْحَقِ ) : كالقود وقتل المرتد ورجم المحصن( ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ ) أي بحفظه( لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) أي تتبعون مقتضى عقولكم الكاملة في الاجتناب عن المحارم، وقيل أي ترشدون فإن الرشد كمال العقل.
قوله تعالى( مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ) : صدر الآية هكذا( ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ) أي من مماليككم ومن للتبعيض وفي قوله( مِنْ شُرَكاءَ ) مزيدة لتأكيد الاستفهام الجاري مجرى النفي( فِي ما رَزَقْناكُمْ ) أي من الأموال وغيرها( فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ ) أي فتكونون سواء أنتم وهم فيه شركاء يتصرفون فيه كتصرفكم مع أنهم بشر مثلكم وأنها معارة لكم،و ( تَخافُونَهُمْ ) حال عن « أنتم » أو عن ضمير المخاطبين في « رزقناكم » أي والحال أنكم تخافون من شركة مماليككم في أموالكم واستبدادهم بالتصرف فيها كما يخاف الأحرار بعضهم من بعض، والغرض من التمثيل تنبيه المشركين على أن هؤلاء المشركين إذا لم يرضوا بشركة مماليكهم معهم في التعظيم والتكريم والتصرف والتدبير، كيف يرضون بمشاركة الآلهة مع رب الأرباب
__________________
(١) سورة الأنعام: ١٥٢.
(٢) سورة الروم: ٢٨.
( وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) (١)
يا هشام ثمّ خوف الّذين لا يعقلون عقابه فقال تعالى( ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ. وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ. وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) (٢) . - وقال( إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ
________________________________________________________
مع عدم مشاركتهم إياه في شيء من الكمالات في التعظيم والتكريم والتذلل والعبادة تعالى الله عمّا يقولون علوا كبيراً،( كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ ) أي نبينها فإن التمثيل فيما دل عليه البرهان مما يكشف المعاني، ويدفع المشاغبات والمعارضات الوهمية( لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) أي يستعملون عقولهم الكاملة في تدبّر الأمثال.
قوله تعالى( وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا ) : أي أعمالها( إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ ) لقلة نفعها وانقطاعها أو لأنها تلهي الناس وتشغلهم عمّا يعقب منفعة دائمة( وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ ) لدوامها وخلوص منافعها ولذاتها( لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ) فيه تنبيه على أن ما ليس من أعمال المتقين لعب ولهو( أَفَلا تَعْقِلُونَ ) أو ليس لكم عقل كامل حيث تركتم الأعلى للأدنى مع العلم بالتفاوت بينهما.
قوله: عقابه، إمّا مفعول لقوله خوف أو يعقلون أو لهما على التنازع، والتدمير: الإهلاك، أي بعد ما نجينا لوطا وأهله أهلكنا قومه « وإنكم» يا أهل مكة( لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ ) أي على منازلهم في متاجركم إلى الشام، فإن سدوم في طريقه( مُصْبِحِينَ ) أي داخلين في الصباح( وَبِاللَّيْلِ ) أي ومساء أو نهاراً وليلاً فليس فيكم عقل تعتبرون به.
قوله تعالى( عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ ) أي قرية قوم لوط( رِجْزاً مِنَ السَّماءِ ) أي عذاباً منها، واختلفوا فيه فقيل: إنه كان حجارة من سجيل، وقيل: كان ناراً وقيل هو تقليب الأرض، وقد يوجه هذا بأن المراد إنزال مبدئه والقضاء به من السماء لا عينه وهو تكلف مستغنى عنه( بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ) أي بسبب استمرارهم على الفسق.
__________________
(١) سورة الأنعام: ٣٢.
(٢) سورة الصافات: ١٣٧ - ١٣٩.
وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) (١)
يا هشام إنّ العقل مع العلم فقال( وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ ) (٢) يا هشام ثمّ ذم الّذين لا يعقلون فقال( وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ) (٣) - وقال( وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ
________________________________________________________
قوله تعالى( وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً ) : أي من القرية آية بينة دالّة على سوء حالهم وعاقبتهم، فقيل: هي قصتها الشائعة وقيل: هي آثار الديار الخربة، وقيل: هي الحجارة الممطورة بعد تقليب الأرض، فإنها كانت باقية بعده، وقيل: هي الماء الأسود فإن أنهارها صارت مسودة( لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) أي يستعملون عقولهم في الاستبصار والاعتبار، وهو متعلّق بتركنا أو « آية ».
قولهعليهالسلام : إنّ العقل في التحف ثمّ بين إنّ العقل، والظاهر أن المراد بالعقل هنا التدبّر في خلق الله وصنعه، والاستدلال به على وجوده وصفاته الكاملة، ويمكن إرجاعه إلى بعض ما ذكرنا من المعاني في الحديث الأول.
قوله تعالى( وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ) : أي للناس الّذين سبق ذكرهم( بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا ) أي وجدنا.
قوله تعالى( أَوَلَوْ كانَ ) : الواو للحال أو للعطف، والهمزة للرد أو التعجب، وجواب لو محذوف، أي لو كان آباؤهم جهلة لا يتفكّرون في أمر الدين ولا يهتدون إلى الحقّ لاتبعوهم.
قوله تعالى( وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) للناظرين في هذه الآية اختلاف في حلها، فمنهم من قدر مضافاً ومنهم من حملها على ظاهرها، فأمّا الّذين قدروا مضافا، فمنهم من قدره في جانب المشية، وقال: تقديره ومثل داعي الّذين كفروا وهو الرسول و
__________________
(١) سورة العنكبوت: ٣٥.
(٢) سورة العنكبوت: ٤٣.
(٣) سورة البقرة: ١٧٠.
عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) (١) وقال -( وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ) -( أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ ) (٢) وقال -( أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعامِ
________________________________________________________
من يحذو حذوه في إلقاء الخطاب إليهم، كمثل راعي البهائم الّذي ينعق بها وهي لا تسمع إلا دعاءه ونداءه ولا تقف على شيء آخر فقد شبه الكفرة في عدم فهمهم لما يسمعون بها، ومنهم من قدر المضاف في جانب المشبه به وقال تقديره: كمثل بهائم الّذي ينعق بما لا يسمع في عدم فهم ما ألقي إليهم من الخطاب أو معناه: ومثلهم في اتباعهم آبائهم كمثل البهائم الّتي لا تسمع إلا ظاهر الصوت، ولا تفهم ما تحته، ولا يتفكّرون في أن صلاحهم فيه أم لا، وأمّا الّذين حملوها على ظاهرها فقال بعضهم: معناها مثل الّذين كفروا في دعائهم أصنامهم الّتي لا شعور لها بدعائهم كمثل الناعق، فقد شبه الأصنام بالبهائم في عدم الفهم، وتحققه فيهما وإن لم يكن متوقفا على قوله: إلا دعاء ونداء، لكن الغرض زيادة المبالغة في التوبيخ إذ لا شبهة في أن راعي البهيمة يعد جاهلاً ضعيف العقل، فمن دعا صنما لا يسمع أصلاً كان أولى بالذم، وقال آخرون: معناه أن مثلهم في اتباع آبائهم والتقليد لهم كمثل الراعي الّذي ينعق بالبهائم، فكما أن الكلام مع البهائم عديم الفائدة كذلك التقليد( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ) أي الكفار صم بكم عمي عن الحقّ( فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) ، للإخلال بالنظر الموجب للعلم.
قوله تعالى( وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ) : وفي القرآن ومنهم من يستمعون إليك، أي إذا قرأت القرآن وعلمت الشرائع ولكن لا يطيعونك فيها كالأصم الّذي لا يسمع أصلاً،( أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَ ) وتقدر على إسماعه، ولو انضم على صممه عدم تعقله شيئاً من الحقّ لقساوة قلبه.
قوله تعالى( أَمْ تَحْسَبُ ) : أي بل أتحسب أن أكثرهم يسمعون سماعاً ينتفعون به أو يعقلون، أي يتدبّرون فيما تلوت عليهم( إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعامِ ) لعدم انتفاعهم
__________________
(١) سورة البقرة: ١٧١.
(٢) سورة يونس: ٤١.
بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ) (١) وقال( لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً - إِلاَّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ) (٢) و
________________________________________________________
بما قرع آذانهم( بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ) وجه الأضلية إنّ البهائم معذورة لعدم القابلية والشعور، وكانت لهم تلك القابلية فضيعوها ونزلوا أنفسهم منزلة البهائم أو أن الأنعام ألهمت منافعها ومضارها، وهي لا تفعل ما يضرها، وهؤلاء عرفوا طريق الهلاك والنجاة وسعوا في هلاك أنفسهم، وأيضا تنقاد لمن يتعهدها وتميز من يحسن إليها ممّن يسيء إليها، وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يعرفون إحسانه من إساءة الشيطان ولا يطلبون الثواب الّذي هو أعظم المنافع، ولا يتقون العقاب الّذي هو أشد المضار، ولأنها إن لم تعتقد حقاً ولم تكتسب خيراً لم تعتقد باطلا، ولم تكتسب شراً، بخلاف هؤلاء، ولأن جهالتها لا تضر بأحد وجهالة هؤلاء تؤدي إلى هيج الفتن، وصد الناس عن الحق.
أقول: أو لأنها تعرف ربها ولها تسبيح وتقديس كما ورد به الأخبار، وقيل: المراد إن شئت شبهتهم بالأنعام فلك ذلك، بل لك أن تشبههم بأضل منها كالسباع.
قوله تعالى( لا يُقاتِلُونَكُمْ ) نزلت في بني النضير من اليهود والذين وافقوهم وراسلوهم من منافقي المدينة( جَمِيعاً ) أي مجتمعين( إِلاَّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ ) أي بالدروب والخنادق،( أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ ) أي لفرط رهبتهم( بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ) أي ليس ذلك لضعفهم وجبنهم فإنه يشتد بأسهم إذا حارب بعضهم بعضا بل لقذف الله الرعب في قلوبهم، ولأن الشجاع يجبن والعزيز يذل إذا حارب الله ورسوله( تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً ) أي مجتمعين متفقين [ غير متفرقين ]( وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ) أي متفرقة لافتراق عقائدهم واختلاف مقاصدهم( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ) أي ما فيه صلاحهم وإن تشتت القلوب يوهن قواهم.
__________________
(١) سورة الفرقان: ٤٤.
(٢) سورة الحشر: ١٤.
قال -( وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) (١)
يا هشام ثمّ ذم الله الكثرة فقال( وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) (٢) وقال -( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) (٣) وقال -( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ
________________________________________________________
قوله تعالى( وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ) : صدر الآية( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ) والمراد بالكتاب القرآن على تقدير أن يكون الخطاب لطائفة من المسلمين، فإن فيه الوعيد على ترك البر والصلاح ومخالفة القول العمل، مثل قوله تعالى:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ ) أو التوراة على تقدير أن يكون الخطاب لأحبار اليهود، فإن الوعيد المذكور موجود في التوراة أيضاً كما قيل.
قولهعليهالسلام : ثمّ ذم الله الكثرة، أي الكثير إطلاقاً للمبدء على المشتق، وإنما ذكرعليهالسلام ذلك رداً مما يتوهم أكثر الخلق من أن كثرة من يذهب إلى مذهب من شواهد حقيته، أو لأنّهعليهالسلام لما بين أن العقلاًء الكاملين يتبعون الحقّ فربما يتوهم منه أنه إذا ذهب أكثر الناس إلى مذهب فيكون ذلك المذهب حقا، لوجود العقلاًء فيهم ويلزم من ذلك بطلان ما ذهب إليه الأقل كالفرقة الناجية، فأزالعليهالسلام ذلك التوهم بأنه لا يلزم من الكثرة وجود العقلاًء فيهم، فإن أكثر الناس لا يعقلون.
قوله تعالى( عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) أي عن دينه وشرعه في الأصول والفروع.
قوله تعالى( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ ) : الضمير راجع إلى كفار قريش وهم كانوا قائلين بأن خالق السماوات والأرض هو الله تعالى لكنهم كانوا يشركون الأصنام معه تعالى في العبادة.
قوله تعالى( قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ) : أي على إلزامهم وإلجائهم إلى الاعتراف بما يوجب بطلان معتقدهم، إذ لا يستحق العبادة إلا الموجد المنعم بأصول النعم وفروعها
__________________
(١) سورة البقرة: ٤٤.
(٢) سورة الأنعام: ١١٦.
(٣) سورة لقمان: ٢٥.
الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) (١)
يا هشام ثمّ مدح القلة فقال -( وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ ) (٢) وقال( وَقَلِيلٌ ما هُمْ ) (٣) وقال( وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً
________________________________________________________
قوله تعالى( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) : ليس في قرآننا هكذا إذ هذه الآية في سورة لقمان وفيه مكان( لا يَعْقِلُونَ ) لا يَعْلَمُونَ ولعله كان في مصحفهم هكذا، أو يكون التصحيف من الرواة، ويحتمل أن يكونعليهالسلام نقل بالمعنى(٤) إشارة إلى ما مر من استلزام العقل للعلم، فالمعنى أنهم لا يعلمون أنه يلزمهم من القول بالتوحيد في العبادة، أو لا يعلمون ما اعترفوا به ببرهان عقلي ودليل قطعي، لأنّ كونه تعالى خالق السماوات والأرض نظري لا يعلم إلا ببرهان، وهم معزولون عن إدراكه وإنما اعترفوا به اضطراراً، أو لا علم لهم أصلاً حتّى يقروا بالتوحيد بعد ما أقروا بموجبه، وهذه الوجوه جارية في الآية التالية.
قوله عليهالسلام : ثمّ مدح القلة، أي الموصوفين بها أو وصف الممدوحين بالقلة.
قوله تعالى( وَقَلِيلٌ ما هُمْ ) : الضمير راجع إلى الموصول في قوله تعالى( إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) وما مزيدة للإبهام والتعجب من قلتهم.
قوله تعالى( أَتَقْتُلُونَ ) : الهمزة للإنكار إمّا للتوبيخ، أو للتعجب.
__________________
(١) سورة العنكبوت: ٦١.
(٢) سورة سبأ: ١٣.
(٣) سورة ص: ٢٤.
(٤) الظاهر أنه قد سقط من النسخة الموجودة عند الشارح (ره) من كتاب أصول الكافي شطراً من الحديث يعني ذيل الآية الأولى وصدر الثانية فالجأه ذلك إلى ذكر هذه الاحتمالات، مع أنك ترى أن ههنا آيتان: الأولى في سورة لقمان، الآية: ٢٥. والثانية في سورة عنكبوت الآية: ٦١. وفي الأولى( بل أكثرهم لا يعلمون ) وفي الثانية( بل أكثرهم لا يعقلون ) ، والشاهد على ما ذكرنا أنه ( قده ) لم يذكر توضيحا للآية الثانية مع أنه خلاف دأبه في مثل هذا الموضع من أوائل الكتاب.
أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ ) (١) وقال -( وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ ) (٢) وقال -( وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) وقال( وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) وقال - وأكثرهم لا يشعرون.
يا هشام ثمّ ذكر أولي الألباب بأحسن الذكر وحلاهم بأحسن الحلية فقال( يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ
________________________________________________________
قوله تعالى( أَنْ يَقُولَ ) : أي لأنّ يقول أو وقت أن يقول.
قوله تعالى( وَمَنْ آمَنَ ) : عطف على « أهلك » في قوله تعالى( قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ ) .
قوله تعالى « وأكثرهم لا يشعرون »: ليست هذه الآية في قرآننا، ويحتمل الوجوه السابقة، ثمّ اعلم أنه كان الأنسب ذكر هذه القرائن في سياق آيات ذم الكثرة، كما هو في رواية تحف العقول فهي إمّا رجوع إلى أوّل الكلام، أو ذكرت هيهنا لاستلزام ذم الكثرة مدح القلة، وإنما كرر بعض تلك الفقرات مع ذكرها سابقاً لتكرر ذكرها في القرآن في مواضع عديدة.
قولهعليهالسلام « أولوا الألباب »: هو على الحكاية، وفي التحف: أولي الألباب، واللب: العقل وأريد به هنا ذوي العقول الكاملة.
قوله تعالى( وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ ) : الحكمة تحقيق العلم وإتقان العمل، وروي عن الصادقعليهالسلام : أنها طاعة الله ومعرفة الإمام، وفي رواية أخرى عنهعليهالسلام أنها معرفة الإمام واجتناب الكبائر الّتي أوجب الله تعالى عليها النار، وفي رواية أخرى عنهعليهالسلام : أنها المعرفة والفقه في الدين، فمن فقه منكم فهو حكيم، وعن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم رأس الحكمة مخافة الله، وسيأتي تفسيرها في هذا الخبر بالفهم والعقل، وكل ذلك داخل فيما ذكرنا أولا فلا تنافي بينهما.
وقال في المغرب: الحكمة ما يمنع من الجهل، وقال ابن دريد: كلّ ما يؤدي
__________________
(١) سورة غافر: ٢٨.
(٢) سورة هود: ٤٠ والتاليتين في كثير من السور.
إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ ) (١) وقال -( وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ ) (٢) وقال( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ ) (٣) وقال( أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ ) (٤)
________________________________________________________
إلى مكرمة أو يمنع من قبيح، وقال الشيخ البهائيقدسسره الحكمة ما يتضمن صلاح النشأتين أو صلاح النشأة الأخرى، وأمّا ما تضمن صلاح الحال في الدنيا فقط، فليس من الحكمة في شيء ( فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ) أي يدخر له خير كثير في الدارين( وَما يَذَّكَّرُ ) أي وما يتعظ بما قص من الآيات أو ما يتفكّر، فإن المتفكّر كالمتذكر لما أودع الله في قلبه من العلوم بالقوة، أو ما يتنبه للفرق بين من أوتي الحكمة ومن لم يؤت، إلا أولوا العقول الخالصة عن شوائب الوهم ومتابعة الهوى.
قوله تعالى( وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) : أي الّذين ثبتوا وتمكنوا فيه، من قولهم: رسخ الشيء رسوخا: ثبت والمراد بهم النبي والأئمّةعليهالسلام كما سيأتي في كتاب الحجة، وهم داخلون في الاستثناء،( يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ) استئناف موضح لحال الراسخين أو حال منهم، أي هؤلاء الراسخون العالمون بالتأويل يقولون آمنا بالمتشابه أو بكل القرآن محكمه ومتشابهه على التفصيل لعلمهم بمعانيه، وغيرهم إنما يؤمنون به إجمالا، وفي بعض الروايات أن القائلين هم الشيعة المؤمنون بالأئمّةعليهالسلام المسلمون لهم( كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا ) تأكيد للسابق، أي كلّ من المحكم والمتشابه من عنده تعالى( وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ ) أي وما يعلم المتشابه، أو لا يتدبّر في القرآن إلا الكاملون في العقول، أو ما يعرف الراسخين في العلم يعني النبي والأئمّةعليهالسلام وما يذكر حالهم إلا أولو الألباب يعني شيعتهم، وقد ورد منهمعليهالسلام أن شيعتنا أولوا الألباب، وسيأتي تمام القول فيها في كتاب الحجة إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى( كَمَنْ هُوَ أَعْمى ) : أي أعمى القلب، فاقد البصيرة، لا يهتدي إلى الحق.
__________________
(١) سورة البقرة: ٢٦٩.
(٢) سورة آل عمران: ٧.
(٣) سورة آل عمران: ١٩٠.
(٤) سورة الرعد: ٢٠.
وقال( أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ ) (١) - وقال( كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ ) (٢)
________________________________________________________
قوله تعالى( أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ ) : أي قائم بوظائف الطاعات من القنوت وهو الطاعة( آناءَ اللَّيْلِ ) أي ساعاته، وأم متصلة بمحذوف، تقديره: الكافر خير أمن هو قانت، أو منقطعة والمعنى بل أمن هو قانت كمن هو بضده، وقرأ أمن بالتخفيف بمعنى أمن هو قانت كمن جعل له أنداداً( ساجِداً وَقائِماً ) حالان من ضمير قانت، والواو للجمع بين الصفتين( يَحْذَرُ الْآخِرَةَ ) في موضع الحال أو الاستئناف للتعليل( هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ ) نفي لاستواء الفريقين باعتبار القوة العلمية بعد نفيه باعتبار القوة العملية على وجه أبلغ لمزيد فضل العلم، وقيل: تقرير للأول على سبيل التشبيه، أي كما لا يستوي العالمون والجاهلون لا يستوي القانتون والعاصون.( إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ ) أي إنما يعلم كلّ الشريعة والمعارف الإلهية، ومعارف القرآن كما هي أولوا العقول الكاملة البالغة إلى أعلى درجات الكمال، وهم الأئمّةعليهالسلام أو إنما يتذكر ويعلم الفرق بين العالم المذكور والجاهل ذوو العقول الصافية، وهم شيعتهم كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الأخبار الكثيرة: أن الأئمّةعليهالسلام هم الّذين يعلمون، وأعداءهم الّذين لا يعلمون، وشيعتهم أولوا الألباب.
قوله تعالى( كِتابٌ ) : هو مبتدأ « و( مُبارَكٌ ) » خبره أو هو خبر مبتدإ محذوف، ومبارك خبر بعد خبر( لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ) فيعرفوا معاني المحكمات، ثمّ يعرفوا بدلالتها على أهل الذكرعليهالسلام معاني المتشابهات بوساطتهم بالسماع منهم،( وَلِيَتَذَكَّرَ ) ويعلم جميع معانيه من محكماته ومتشابهاته بتوفيق الله تعالى( أُولُوا الْأَلْبابِ ) وهم أهل البيتعليهالسلام ، أو ليتذكر ويهتدي بأهل الذكر ذوو العقول الصافية وهم علماء الشيعة الّذين أخذوا علوم القرآن عن أئمتهمعليهالسلام .
__________________
(١) سورة زمر: ٩.
(٢) سورة ص: ٢٩.
وقال( وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ هُدىً وَذِكْرى - لِأُولِي الْأَلْبابِ ) (١) وقال( وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ) (٢) .
يا هشام إنّ الله تعالى يقول في كتابه -( إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ ) (٣) يعني عقل وقال( وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ ) (٤) قال الفهم والعقل
________________________________________________________
قوله تعالى( وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى ) أي ما يهتدى به في الدين من المعجزات والتوراة والشرائع،( وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ ) أي وتركنا عليهم بعده التوراة( هُدىً ) [ هو ] إمّا مفعول له لقوله( أَوْرَثْنا ) أو حال عن فاعله أو عن الكتاب، أي هاديّاً و( ذِكْرى ) أي تذكرة أو مذكراً( لِأُولِي الْأَلْبابِ ) أي لذوي العقول السليمة عن اتباع الهوى فإنهم المنتفعون به.
قوله تعالى( تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ) : أي الّذين علم الله إنهم يؤمنون أو يصير سبباً لمزيد هداية من آمن وبانضمام هذه الآية إلى الآيات السابقة يستفاد أن المؤمنين ليسوا إلا أولي الألباب.
قولهعليهالسلام : يعني عقل، اعلم أن القلب يطلق على الجسم الصنوبري الّذي هو في الجوف، وعلى الروح الحيواني المنبعث منه، وعلى النفس الناطقة المتعلّقة به أولا لشدة تعلّقه بالعضو المخصوص، أو لكونه متقلب الأحوال، وعلى قوة إدراك الخير والشر والتميز بينهما القائمة بالنفس المسماة بالعقل، ولعلهعليهالسلام فسره بهذا المعنى.
قوله عليهالسلام : الفهم والعقل، يعني أعطاه الله الفهم والعقل، وعليها مدار الحكمة فكان إعطاؤهما إعطاءها.
__________________
(١) سورة المؤمن: ٥٣.
(٢) سورة الذاريات: ٥٥.
(٣) سورة ق: ٣٧.
(٤) سورة لقمان: ١٢.
يا هشام إن لقمان قال لابنه تواضع للحق تكن أعقل الناس وإن الكيس لدى الحقّ يسير يا بني إنّ الدنيا بحر عميق قد غرق فيها عالم كثير فلتكن سفينتك فيها تقوى الله وحشوها الإيمان وشراعها التوكل وقيمها العقل ودليلها العلم وسكانها الصبر.
________________________________________________________
قوله عليهالسلام : تواضع للحق، أي لله تعالى بالإقرار به والإطاعة والانقياد له، أو للأمر الحقّ بأن تقر به وتذعن له، إذا ظهر لك حقيقته عند المخاصمة وغيرها، وكونهما من دلائل العقل ظاهر.
قولهعليهالسلام : وإن الكيس لدى الحقّ يسير، قال بعض الأفاضل في المصادر: الكيس والكياسة « زيرك شدن » والكيس « به زيركى غلبه كردن » فيحتمل أن يكون اليسير بمعنى القليل والكيس بأول المعنيين، وأن يكون اليسير مقابل العسير، والكيس بأحد المعنيين، والمراد أن إدراك الحقّ ومعرفته لدى موافاته بالكياسة يسير، أو أن الغلبة بالكياسة عند القول بالحق والإقرار به يسير، ويحتمل أن يكون الكيس بالتشديد أي ذو الكياسة عند ظهور الحقّ بأعمال الكياسة، والإقرار بالحق قليل، انتهى كلامه رفع الله مقامه.
أقول: على تقدير أن يكون الكيس بالتشديد يحتمل أن يكون يسير فعلا بل على التقدير الآخر أيضا، وقيل معناه على التقدير الآخر: إن كياسة الإنسان عند الحقّ سهل هين لا قدر له، وإنما الّذي له منزلة عند الله هو التواضع والمسكنة والخضوع، وفي بعض النسخ أسير بدل يسير، أي الكياسة أو صاحبها أسير عند الحق، ولا يمكنه مخالفته، وفي بعض النسخ لذي الحقّ بالذال المعجمة أي للمحق وهو بالنسخة الأخيرة أنسب.
قوله عليهالسلام : عالم كثير، يمكن أن يقرأ بفتح اللام وكسرها.
قوله عليهالسلام : وحشوها، أي ما يحشى فيها وتملأ منها، والشراع ككتاب الملاءة الواسعة فوق خشبة يصفقها الريح فتمضي بالسفينة، والقيم مدبر أمر السفينة، و
يا هشام إن لكل شيء دليلاً ودليل العقل التفكّر ودليل التفكّر الصمت ولكل شيء مطية ومطية العقل التواضع وكفى بك جهلا أن تركب ما نهيت عنه.
يا هشام ما بعث الله أنبياءه ورسله إلى عباده إلا ليعقلوا عن الله فأحسنهم استجابة أحسنهم معرفة وأعلمهم بأمر الله أحسنهم عقلاً وأكملهم عقلاً أرفعهم درجة في الدنيا والآخرة
________________________________________________________
الدليل: المعلم وقال في المغرب السكان ذنب السفينة لأنها به تقوم وتسكن، والمناسبة بين المشبه والمشبه به في جميعها لا يخفى على الفطن اللبيب.
قولهعليهالسلام : ودليل العقل، أي التفكّر في الإنسان يدل على عقله، كما أن صمته يدل على تفكّره، أو أن التفكّر يوصل العقل إلى مطلوبه، وما يحصل له من المعارف والكمالات، وكذا الصمت دليل للتفكّر فإن التفكّر به يتم ويكمل.
قوله عليهالسلام : ومطية العقل التواضع، أي التذلل والانقياد لله تعالى في أوامره ونواهيه أو الأعم من التواضع لله تعالى أو للخلق، فإن من لم يتواضع يبقى عقله بلا مطية، فيصير إلى الجهل أو لا يبلغ عقله إلى درجات الكمال، والمطية: الدابة المركوبة الّتي تمطو في سيرها أي تسرع، وفي تحف العقول مكان العقول في الموضعين العاقل، ولا يخفى توجيهه، والخطاب في قوله: كفى بك، عام كقوله فيما سيأتي كيف يزكو عملك، وأخواتها.
قوله عليهالسلام : إلا ليعقلوا، ضمير الجمع راجع إلى العباد، وإرجاعه إلى الأنبياء بعيد، أي ليعلموا علوم الدين أصولا وفروعاً عنه تعالى بتوسط الأنبياء والأوصياءعليهالسلام فالعقل هنا بمعنى العلم، أو لتصير عقولهم كاملة بحسب الكسب بهداية الله تعالى، والتفريع بالأول أنسب.
قوله عليهالسلام : فأحسنهم استجابة، لما كان غاية البعثة والإرسال حصول المعرفة، فمن كان أحسن معرفة كان أحسن استجابة، ومن كان أحسن عقلاً كان أعلم بأمر الله وأعمل، فالأكمل عقلاً أرفع درجة حيث يتعلّق رفع الدرجة بكمال ما هو الغاية.
يا هشام إن لله على الناس حجتين حجة ظاهرة وحجة باطنة فأمّا الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمّةعليهمالسلام وأمّا الباطنة فالعقول.
يا هشام إنّ العاقل الّذي لا يشغل الحلال شكره ولا يغلب الحرام صبره.
يا هشام من سلط ثلاثاً على ثلاث فكأنما أعان على هدم عقله من أظلم نور تفكّره بطول أمله ومحا طرائف حكمته بفضول كلامه وأطفأ نور عبرته بشهوات نفسه فكأنما أعان هواه على هدم عقله ومن هدم عقله أفسد عليه دينه ودنياه.
يا هشام كيف يزكو عند الله عملك وأنت قد شغلت قلبك عن أمر ربك و
________________________________________________________
قوله عليهالسلام : وأمّا الباطنة فالعقول، لعل المراد بها هيهنا أي الّتي مناط التكليف وبها يميز بين الحقّ والباطل والحسن والقبيح.
قولهعليهالسلام : لا يشغل الحلال شكره، أي لا يمنعه كثرة نعم الله عليه، والاشتغال بها عن شكره لربه تعالى.
قولهعليهالسلام : نور تفكّره، هو فاعل أظلم، لأنّه لازم، وإضافته إلى التفكّر إمّا بيانية أو لامية، والسبب في ذلك أن بطول الأمل يقبل إلى الدنيا ولذاتها، فيشغل عن التفكّر، أو يجعل مقتضى طول الأمل ماحياً بمقتضى فكره الصائب، والطريف: الأمر الجديد المستغرب، الّذي فيه نفاسة ومحو الطرائف بالفضول، إمّا لأنّه إذا اشتغل بالفضول شغل عن الحكمة في زمان التكلم بالفضول، أو لأنّه لما سمع الناس منه الفضول لم يعبأوا بحكمته، أو لأنّه إذا اشتغل به محي الله عن قلبه الحكمة.
قولهعليهالسلام : أفسد عليه، أي أفسد على نفسه دينه ودنياه لما مر من قوله: أكملهم عقلاً أرفعهم درجة في الدنيا والآخرة.
قولهعليهالسلام : كيف يزكو، الزكاة تكون بمعنى النمو وبمعنى الطهارة وهنا يحتملها.
قولهعليهالسلام : عن أمر ربك، الأمر هنا إمّا مقابل النهي، أو بمعنى مطلق
أطعت هواك على غلبة عقلك.
يا هشام الصبر على الوحدة علامة قوة العقل فمن عقل عن الله اعتزل أهل الدنيا والراغبين فيها ورغب فيما عند الله وكان الله أنسه في الوحشة وصاحبه في الوحدة وغناه في العيلة ومعزه من غير عشيرة.
يا هشام نصب الحقّ لطاعة الله ولا نجاة إلا بالطاعة والطاعة بالعلم والعلم بالتعلم والتعلم بالعقل يعتقد ولا علم إلا من عالم رباني ومعرفة العلم بالعقل
________________________________________________________
الشأن، أي الأمور المتعلّقة به تعالى.
قولهعليهالسلام : عقل عن الله، أي حصل له معرفة ذاته وصفاته وأحكامه وشرائعه، أو أعطاه الله العقل، أو علم الأمور بعلم ينتهي إلى الله بأن أخذه عن أنبيائه وحججهعليهالسلام إمّا بلا واسطة أو بواسطة، أو بلغ عقله إلى درجة يفيض الله علومه عليه بغير تعليم بشر.
قولهعليهالسلام : وغناه، أي مغنية، أو كما أن أهل الدنيا غناهم بالمال، هو غناه بالله وقربه ومناجاته،والعيلة: الفقر،والعشيرة: القبيلة والرهط الأدنون.
قوله: نصب الحق، وفي تحف العقول نصب الخلق، والنصب إمّا مصدر أو فعل مجهول، وقراءته على المعلوم بحذف الفاعل أو المفعول كما توهم بعيد، أي إنما نصب الله الحقّ والدين بإرسال الرسل وإنزال الكتب ليطاع في أوامره ونواهيه.
قوله عليهالسلام : والتعلم بالعقل يعتقد، أي يشتد ويستحكم، أو من الاعتقاد بمعنى التصديق والإذعان.
قوله عليهالسلام : ومعرفة العلم، وفي التحف ومعرفة العالم وهو أظهر، والمراد هنا علم العالم، والغرض أن احتياج العلم إلى العقل من جهتين لفهم ما يلقيه العالم، والمعرفة العالم الّذي ينبغي أخذ العلم عنه، ويحتمل أن يكون المعنى أن العقل هو المميز الفارق بين العلم اليقيني، وما يشبهه من الأوهام الفاسدة والدعاوي الكاذبة، أو من الظن والجهل المركب والتقليد.
يا هشام قليل العمل من العالم مقبول مضاعف وكثير العمل من أهل الهوى والجهل مردود.
يا هشام إنّ العاقل رضي بالدون من الدنيا مع الحكمة ولم يرض بالدون من الحكمة مع الدنيا - فلذلك( رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ ) .
يا هشام إنّ العقلاًء تركوا فضول الدنيا فكيف الذنوب وترك الدنيا من الفضل وترك الذنوب من الفرض.
يا هشام إنّ العاقل نظر إلى الدنيا وإلى أهلها فعلم أنها لا تنال إلا بالمشقة ونظر إلى الآخرة فعلم أنها لا تنال إلا بالمشقة فطلب بالمشقة أبقاهما.
يا هشام إنّ العقلاًء زهدوا في الدنيا ورغبوا في الآخرة لأنهم علموا أن الدنيا طالبة مطلوبة والآخرة طالبة ومطلوبة فمن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى
________________________________________________________
قوله عليهالسلام : من العالم، في التحف من العاقل.
قوله عليهالسلام بالدون، أي القليل واليسير منها مع الحكمة الكثيرة، ولم يرض بالقليل من الحكمة مع الدنيا الكثيرة.
قوله عليهالسلام : فضول الدنيا، أي الزائد عمّا يحتاج إليه، وقوله: وترك الدنيا جملة حالية.
قوله عليهالسلام : طالبة مطلوبة، أي الدنيا طالبة للمرء لأنّ يوصل إليه ما عندها من الرزق المقدر، ومطلوبة يطلبها الحريص طلباً للزيادة، والآخرة طالبة تطلبه لتوصل إليه أجله المقدر ومطلوبة يطلبها الطالب للسعادات الأخروية بالأعمال الصالحة، وقال بعض الأفاضل: لا يبعد أن يقال الإتيان بالعاطف في الآخرة بقوله: والآخرة طالبة ومطلوبة، وتركه في قوله: الدنيا طالبة مطلوبة، للتنبيه على أن الدنيا طالبة موصوفة بالمطلوبية، فيكون الطالبة لكونها موصوفة بمنزلة الذات، فدل على أن الدنيا من حقها في ذاتها أن تكون طالبة، وتكون المطلوبة لكونها صفة لا حقة
يستوفي منها رزقه ومن طلب الدنيا طلبته الآخرة فيأتيه الموت فيفسد عليه دنياه وآخرته.
يا هشام من أراد الغنى بلا مال وراحة القلب من الحسد والسلامة في الدين فليتضرع إلى الله عز وجل في مسألته بأن يكمل عقله فمن عقل قنع بما يكفيه ومن قنع بما يكفيه استغنى ومن لم يقنع بما يكفيه لم يدرك الغنى أبدا.
يا هشام إنّ الله حكى عن قوم صالحين أنهم قالوا( رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ) (١) حين علموا أن القلوب تزيغ وتعود إلى عماها ورداها.
إنه لم يخف الله من لم يعقل عن الله ومن لم يعقل عن الله لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة يبصرها ويجد حقيقتها في قلبه ولا يكون أحد كذلك إلا من كان قوله لفعله مصدقاً وسره لعلانيته موافقا
________________________________________________________
بالطالبة من الطواري الّتي ليس من حق الدنيا في ذاتها أن تكون موصوفة بها، فلو أتى بالعاطف لفاتت تلك الدلالة، وأمّا الآخرة فلما كانت الأمران أي الطالبية والمطلوبية كلاهما مما تستحقها وتتصف بها في ذاتها، فأتى بالعاطف، وإن حمل قوله: الدنيا طالبة مطلوبة، على تعدد الخبر ففي ترك العاطف دلالة على عدم ارتباط طالبيتها بمطلوبيتها، وفي الآخرة فالأمران فيها مرتبطان لا يفارق أحدهما الآخر، ولذا أتى بالواو الدالة على المقارنة في أصل الثبوت لها.
قوله تعالى( لا تُزِغْ ) الزيغ: الميل والعدول عن الحق، والردى الهلاك والضلال.
قوله عليهالسلام : من كان قوله لفعله مصدقا، على صيغة اسم الفاعل أي ينبغي أن يأتي أولا بما يأمره، ثمّ يأمر غيره ليكون قوله مصدقاً لما يفعله، وإذا فعل فعلا من أفعال الخير وسئل عن سببه أمكنه أن يبين حقيته بالبراهين العقلية والنقلية،
__________________
(١) سورة آل عمران: ٨.
لأن الله تبارك اسمه لم يدل على الباطن الخفي من العقل إلا بظاهر منه وناطق عنه
________________________________________________________
ويمكن أن يقرأ على صيغة المفعول فيحتمل وجهين: الأول: أن الناس يصدقون قوله لفعله، وموافقته له، الثاني: أن يكون الفعل مصدقاً له.
قوله عليهالسلام : لأنّ الله.خطر بالبال لتوجيهه وجهان « الأول »: أنهعليهالسلام ادعى أولا أن الخوف من الله تعالى خوفا واقعيّاً يصير سبباً لترك الذنوب في جميع الأحوال، لا يكون إلا بأن يرزق العبد من الله تعالى عقلاً موهبيّاً يبصر حقيقة الخير والشر كما هي، ثمّ بينعليهالسلام ذلك بأن من لم يكن بهذه الدرجة من العقل لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة للخير والشر يبصرها ويجد حقيقة تلك المعرفة في قلبه، ثمّ بين أن تلك المعرفة الثابتة يلزمها أن يكون قول العبد موافقاً لفعله، وفعله موافقاً لسره وضميره، لأنّ الله تعالى جعل ما يظهر على الجوارح دليلاً على ما في القلب، ويفضح المتصنع بما يظهر من سوء قوله وفعله، فثبت بتلك المقدمات ما ادعىعليهالسلام من أن الخوف الواقعي لا يكون إلا بالعقل عن الله « الثاني » أن لا يكون قولهعليهالسلام ومن لم يعقل تعليلاً لما سبق بل مقدمة برأسها، وحاصلها: أن المعرفة الثابتة لا تحصل إلا بالعقل، كما أن الخوف لا يحصل إلا به، ثمّ بينعليهالسلام دليلاً يعرف به تلك المعرفة الثابتة الّتي هي من آثار العقل ولوازمها ودلائلها، وهي كون القول موافقاً للفعل والسر أي ما يفعل في الخلوات موافقاً للعلانية، ثمّ علل ذلك بأن الله تعالى جعل تلك الآثار دليلاً على العقل الّذي أخفاه في الإنسان، ولا يمكن معرفته إلا بها.
وقال بعض مشايخنا قدس الله روحه: لعل المراد أنه من لم يكن صالحا لم يخف الله لأنّه من لم يكن صالحا لم يكن قوله مصدقاً لفعله وسره موافقاً لعلانيته ومن لم يكن كذلك لم يكن ذا معرفة ثابتة يجد حقيقتها في قلبه، لأنّ الله تعالى جعل الظاهر دليلاً على الباطن، فالفعل ظاهر يدل على الاعتقاد الّذي هو من الخفايا والسرائر، ويكشف عنه، والقول ظاهر يعبر عنه، فإن دل الفعل على عدم تقرر
يا هشام كان أمير المؤمنينعليهالسلام يقول ما عبد الله بشيء أفضل من العقل وما تم عقل امرئ حتّى يكون فيه خصال شتى الكفر والشر منه مأمونان والرشد والخير منه مأمولان وفضل ماله مبذول وفضل قوله مكفوف ونصيبه من الدنيا القوت لا يشبع من العلم دهره الذل أحب إليه مع الله من العز مع غيره والتواضع أحب إليه من الشرف يستكثر قليل المعروف من غيره ويستقل كثير المعروف من نفسه ويرى الناس كلهم خيراً منه وأنه شرهم في نفسه.
________________________________________________________
الاعتقاد وثبوته ولم يصدقه القول، فالمعتبر دلالة الفعل وأمّا دلالة الفعل على التقرر والثبوت بحقيقة المعرفة مع مخالفة القول فغير متصور، فإن القول إذن فعل دال على عدم ثبوت حقيقة المعرفة وتقررها في قلبه، ومن لم يكن يجد حقيقة المعرفة في قلبه لم يكن ذا معرفة ناشئة عن جانب الله ومن لم يكن عاقلاً عن الله لم يخف الله ولا يخفى ما فيه.
قوله عليهالسلام : ما عبد الله بشيء، أي العقل أفضل العبادات، فالمراد بالعقل معرفة ذات الله تعالى وصفاته، وكلما يجب معرفته من أصول الدين وفروعه، أو المراد به تكميل القوة العقلية، ويحتمل أن يكون المراد ليس شيء من أسباب العبادة ودواعيها مثل العقل.
قوله عليهالسلام الكفر والشر، أي جميع أنواع الكفر كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى.
قوله عليهالسلام : دهره، منصوب بالظرفية أي في تمام عمره.
قوله عليهالسلام : الذل أحب إليه، أي الذل والعز الدنيويان أو ذل النفس وعزها وترفعها، وقوله: مع الله أي مع رضاه تعالى وقربه وطاعته.
قوله عليهالسلام ويرى الناس كلهم، وذلك بأن يحسن ظنه بهم ويتهم نفسه، فكل ما في غيره مما يحتمل وجها حسنا يحمله عليه، وكل ما فيه مما يحتمل وجها
وهو تمام الأمر.
يا هشام إنّ العاقل لا يكذب وإن كان فيه هواه.
يا هشام لا دين لمن لا مروة له ولا مروة لمن لا عقل له وإن أعظم الناس قدراً الّذي لا يرى الدنيا لنفسه خطراً أمّا إن أبدانكم ليس لها ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها بغيرها.
يا هشام إن أمير المؤمنينعليهالسلام كان يقول إن من علامة العاقل أن يكون فيه ثلاث خصال يجيب إذا سئل وينطق إذا عجز القوم عن الكلام ويشير بالرأي الّذي يكون فيه صلاح أهله فمن لم يكن فيه من هذه الخصال الثلاث شيء فهو أحمق
________________________________________________________
قبيحا يجوزه في نفسه، فيظن بغيره خيراً، ولا يظن بنفسه خيراً فيظن بكل منهم أنه خير منه، ويكون هو عند نفسه شرّاً منهم.
قوله عليهالسلام : وهو تمام الأمر، أي كلّ أمر من أمور الدين يتم به أو كأنه جميع أمور الدين مبالغة.
قوله عليهالسلام : لا مروة، المروة: الإنسانية وكمال الرجولية، وهي الصفة الجامعة لمكارم الأخلاق ومحاسن الآداب.
قوله عليهالسلام : خطراً، الخطر الحظ والنصيب والقدر والمنزلة، والسبق: الّذي يتراهن عليه، والكل محتمل.
قوله عليهالسلام : يجيب إذا سئل، قيل: أي يكون قادراً على الجواب عمّا يسأل، والنطق عند عجز القوم عن الكلام، ومشيراً بالرأي الّذي فيه صلاح القوم، وعارفا بصلاحهم وآمراً به، فمن لم يكن فيه شيء من هذه الثلاث فهو أحمق أي عديم الفهم ناقص التميز بين الحسن والقبيح، ولعل قولهعليهالسلام : يجيب إذا سئل، ناظر إلى الفتاوى في النقليات والشرعيات، وقوله: وينطق إذا عجز القوم، ناظر إلى تحقيق المعارف والعقليات، ويشير بالرأي، ناظر إلى معرفة التدبير والسياسات في العمليات فمن جمع فيه الخصال الثلاث دل على كمال عقله النظري والعملي، ومن لم يكن فيه شيء منها كان ناقص العقل بقوتيه.
إن أمير المؤمنينعليهالسلام قال لا يجلس في صدر المجلس إلا رجل فيه هذه الخصال الثلاث أو واحدة منهن فمن لم يكن فيه شيء منهن فجلس فهو أحمق.
وقال الحسن بن عليعليهالسلام إذا طلبتم الحوائج فاطلبوها من أهلها قيل يا ابن رسول الله ومن أهلها قال الّذين قص الله في كتابه وذكرهم فقال -( إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ ) (١) قال هم أولو العقول.
وقال علي بن الحسينعليهالسلام مجالسة الصالحين داعية إلى الصلاح وآداب العلماء زيادة في العقل وطاعة ولاة العدل تمام العز واستثمار المال تمام المروءة وإرشاد المستشير قضاء لحق النعمة وكف الأذى من كمال العقل وفيه راحة البدن عاجلا وآجلا.
يا هشام إنّ العاقل لا يحدث من يخاف تكذيبه ولا يسأل من يخاف منعه ولا يعد ما لا يقدر عليه ولا يرجو ما يعنف برجائه ولا يقدم على ما يخاف فوته
________________________________________________________
قوله عليهالسلام : إذا طلبتم الحوائج، أي الدينية والدنيوية، واختصاص الأولى بأولى العقول ظاهر، وأمّا الثانية فللذل الّذي يكون في رفع الحاجة إلى الناقص في الدين، ولعدم الأمن من حمقه، فربما يمنعه أو يأتي بما ضره أكثر من نفعه.
قوله عليهالسلام : وأدب العلماء، أي مجالستهم وتعلم آدابهم والنظر إلى أفعالهم، والتخلق بأخلاقهم موجبة لزيادة العقل، والحمل على رعاية الآداب في مجالسة العلماء لا يخلو من بعد.
قوله عليهالسلام : واستثمار المال، أي استنمائه بالتجارة والمكاسب دليل تمام الإنسانية وموجب له أيضاً لأنّه لا يحتاج إلى غيره ويتمكن من أن يأتي بما يليق به.
قوله عليهالسلام : قضاء: أي شكر لحق نعمة أخيه عليه، حيث جعله موضع مشورته، أو شكر لنعمة العقل وهي من أعظم النعم، ولعل الأخير أظهر.
قوله عليهالسلام : ما يعنف، التعنيف اللوم والتعيير بعنف، وترك الرفق والغلظة،
__________________
(١) سورة: زمر ٣٩.
بالعجز عنه.
١٣ - علي بن محمد، عن سهل بن زياد رفعه قال قال أمير المؤمنينعليهالسلام العقل غطاء ستير والفضل جمال ظاهر فاستر خلل خلقك بفضلك وقاتل هواك بعقلك تسلم لك المودة وتظهر لك المحبة.
١٤ - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن حديد، عن سماعة بن مهران قال كنت عند أبي عبد اللهعليهالسلام وعنده جماعة من مواليه فجرى ذكر العقل
________________________________________________________
وكلاهما محتمل.
الحديث الثالث عشر ضعيف.
قوله: غطاء، الغطاء ما يستتر به، والستير: إمّا بمعنى الساتر أو بمعنى المستور، والفضل ما يعد من المحاسن والمحامد أو خصوص الإحسان إلى الخلق، والجمال يطلق على حسن الخلق والخلق والفعل، والمعنى: أن العقل يستر مقابح المرء فإن حسن العقل يغلب كلّ قبيح، ولكنه من المستورات الّتي يعسر الاطلاع عليها، والفضل جمال ظاهر، فينبغي أن يستر خلل الخلق بالفضل، وأن يستر مقابح ما يهوي بمدافعة العقل للهوى، فلا تظهر وتبقى مستورة.
قوله عليهالسلام : تسلم لك المودة، أي مودتك للناس، أو مودة الناس لك، أو مودتك لله أو مودة الله لك، أو الأعم منهما، وكذا المحبة تحتمل الوجوه، والأولى تخصيص إحداهما بالله والأخرى بالناس، أو إحداهما بحبه للناس والأخرى بحب الناس له، فإن التأسيس أولى من التأكيد.
الحديث الرابع عشر ضعيف.
قوله: ذكر العقل والجهل، العقل هنا يحتمل المعاني السابقة، والجهل إمّا القوة الداعية إلى الشر، أو البدن إن كان المراد بالعقل النفس، ويحتمل إبليس أيضاً لأنّه المعارض لأرباب العقول الكاملة من الأنبياء والأئمّةعليهالسلام في هداية الخلق، ويؤيده أنه قد ورد مثل هذا في معارضة آدم وإبليس بعد تمرده، وأنه
والجهل فقال أبو عبد اللهعليهالسلام اعرفوا العقل وجنده والجهل وجنده تهتدوا قال سماعة فقلت جعلت فداك لا نعرف إلا ما عرفتنا فقال أبو عبد اللهعليهالسلام إنّ الله عز وجل خلق العقل وهو أوّل خلق من الروحانيين عن يمين العرش من نوره فقال له أدبر فأدبر ثمّ قال له أقبل فأقبل فقال الله تبارك وتعالى خلقتك خلقاً عظيماً وكرمتك على جميع خلقي قال ثمّ خلق الجهل من البحر الأجاج ظلمانيا.
________________________________________________________
أعطاهما مثل تلك الجنود، كما أوردته في كتاب البحار، والحاصل أن هذه جنود للعقل وأصحابه، وتلك عساكر للجهل وأربابه، فلو حملنا العقل على القوة الداعية إلى الخير وأفعال الحسنة والجهل على القوة الداعية إلى خلاف ذلك، فالمقصود أن الله سبحانه أعطى بحكمته الكاملة كلّ مكلف قوتين داعيتين إلى الخير والشر، أحدهما العقل والأخرى الجهل، وخلق صفات حسنة تقوى العقل في دعائه إلى الخير، وخلق ضدها من رذائل تقوى الجهل في دعائه إلى الشر وقس عليه سائر المعاني.
قوله عليهالسلام من الروحانيين: يطلق الروحاني على الأجسام اللطيفة وعلى الجواهر المجردة إن قيل بها، قال في النهاية في الحديث: الملائكة الروحانيون يروى بضم الراء وفتحها، كأنه نسب إلى الروح والروح، وهو نسيم الروح، والألف والنون من زيادات النسب ويريد به أنهم أجسام لطيفة لا يدركهم البصر.
قوله عليهالسلام : عن يمين العرش، قيل أي أشرف جانبيه وأقواهما وجودا.
قوله عليهالسلام : من نوره، أي من نور منسوب إليه تعالى لشرفه أو من ذاته تعالى لا بواسطة شيء أو مادة، أو أنه لما كان سبباً لظهور الأشياء على النفس فهو من أنوار الله سبحانه الّتي جعلها سبباً لظهورها، وقيل: من جنس نوره أي ذاته الأقدس، لكونه مجرداً أو من جنس النور الّذي خلقه وهو العقل المجرد، وهما إنما يتجهان إذا قلنا بوجود مجرد سوى الله، وبوجود العقل وقد عرفت ما فيهما.
قوله عليهالسلام : من البحر الأجاج، أي من المادة الظلمانية الكدرة أو بوساطتها وظلمانيته لكونه خالياً من نور المعرفة، أو غير قابل للهداية أو آلة لضلالة صاحبه،
فقال له أدبر فأدبر ثمّ قال له أقبل فلم يقبل فقال له استكبرت فلعنه ثمّ جعل للعقل خمسة وسبعين جنداً فلما رأى الجهل ما أكرم الله به العقل وما أعطاه أضمر له العداوة فقال الجهل يا رب هذا خلق مثلي خلقته وكرمته وقويته وأنا ضده ولا قوة لي به فأعطني من الجند مثل ما أعطيته فقال نعم فإن عصيت بعد ذلك أخرجتك وجندك من رحمتي قال قد رضيت فأعطاه خمسة وسبعين جنداً فكان مما أعطى العقل من الخمسة والسبعين الجند.
الخير وهو وزير العقل وجعل ضده الشر وهو وزير الجهل والإيمان وضده الكفر -
________________________________________________________
وعدم إقباله إلى الدرجات الرفيعة والمعارف الربانية، لعدم قابليته لذلك، أو المراد عدم إقبال من تبع هذه القوة بالإرادة، وسيأتي تحقيق القول في كتاب الإيمان والكفر إنشاء الله تعالى.
قوله عليهالسلام فقال الجهل: أي بلسان الحال أو حقيقة إن قلنا إنه إبليس.
قوله عليهالسلام فإن عصيت: لا يخفى أن هذا يلائم حمل الجهل على إبليس، وأمّا غيره من المعاني فيحتاج إلى التكلف، بأن يقال: الخطاب إلى أصحاب الجهل أو بأن يقال نسب العصيان والإخراج المتعلّقين بأصحابه إليه مجازا.
قوله عليهالسلام جندا: الجند العسكر والأعوان والأنصار، وإطلاق الجند على كلّ واحد باعتبار الأقسام والشعب والتوابع، فكل واحد لكثرة أقسامه وتوابعه كأنه جند، ثمّ اعلم أن ما ذكر هنا من الجنود يرتقي إلى ثمانية وسبعين جندا، وفي الخصال وغيره زيادات أخر يرتقي معها إلى إحدى وثمانين، وكأنه لتكرار بعض الفقرات إمّا منهعليهالسلام للتأكيد أو من النساخ، بأن يكونوا أضافوا بعض النسخ إلى الأصل، وربما تعد العبادات المذكورة في وسط الخبر أي الصلاة والصوم والجهاد واحداً فلا يزيد العدد.
قولهعليهالسلام الخير: هو كونه مقتضياً للخيرات أو لا لإيصال الخير إمّا إلى نفسه أو إلى غيره، والشر يقابله بالمعنيين وسماهما وزيرين لكونهما منشأين لكل ما يذكر
والتصديق وضده الجحود والرجاء وضده القنوط والعدل وضده الجور والرضا وضده السخط والشكر وضده الكفران والطمع وضده اليأس والتوكل وضده الحرص والرأفة وضدها القسوة.
________________________________________________________
بعد هما من الجنود، فهما أميران عليها مقويان لها، وتصدر جميعها عن رأيهما.
قوله عليهالسلام والتصديق: لعلها من الفقرات المكررة، ويمكن تخصيص الإيمان بما يتعلّق بالأصول، والتصديق بما يتعلّق بالفروع، ويحتمل أن يكون الفرق بالإجمال والتفصيل، بأن يكون الإيمان التصديق الإجمالي بما جاء به النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم والتصديق الإذعان بتفاصيله، أو يقال: الإيمان هو الاعتقاد الثابت الجازم، والتصديق إظهار حقية مدعي الحقّ وقبول قوله.
قوله عليهالسلام والرجاء، هو بالقصر والمد: توقع رحمة الله في الدنيا والآخرة.
قوله عليهالسلام والعدل: أي التوسط في جميع الأمور بين الإفراط والتفريط، أو المعنى المعروف وهو داخل في الأول.
قوله عليهالسلام والرضا: أي بقضاء الله.
قوله عليهالسلام والشكر: أي شكره تعالى على نعمه بالقلب واللسان، والأركان، أو الأعم من شكره وشكر غيره من وسائط النعم.
قوله عليهالسلام : والطمع: لعله تكرار للرجاء، ويمكن أن يخص الرجاء بالأمور الأخروية، والطمع بالفوائد الدنيوية أو الرجاء بما يكون باستحقاق والطمع بغيره، أو يكون المراد بالطمع طمع ما في أيدي الناس بأن يكون من جنود الجهل، أورد على خلاف الترتيب ولا يخفى بعده.
قولهعليهالسلام والتوكل: هو الاعتماد على الله تعالى والإيمان بأن النعم كلها من عنده تعالى، فمن اتصف به يجمل في الطلب، ويكون اعتماده عليه تعالى لا على طلبه وكسبه، فيقابله الحرص، والحرص هنا من فعل الجوارح، وفيما سيأتي مقابل القنوع من فعل القلب وهو الهم والحزن على عدم وجدان الزائد، وفي بعض النسخ
والرحمة وضدها الغضب والعلم وضده الجهل والفهم وضده الحمق والعفة وضدها التهتك والزهد وضده الرغبة والرفق وضده الخرق والرهبة وضده الجرأة والتواضع وضده الكبر والتؤدة وضدها التسرع والحلم وضدها السفه - والصمت وضده الهذر
________________________________________________________
هنا بالضاد المعجمة، ومعناه الهم والحزن فينعكس الأمر.
قوله عليهالسلام والرحمة: لعلها أيضاً من المكررات لقربها من معنى الرأفة ويمكن أن يكون المراد بالرأفة: الحالة، وبالرحمة ثمرتها، قال بعض الأفاضل: الرأفة: هي العطوفة الناشئة عن الرقة، ومقابلها القسوة، والرحمة هي الميل النفساني الموجب للعفو والتجاوز ومقابله الغضب.
قوله عليهالسلام والفهم: إمّا المراد به حالة للنفس تقتضي سرعة إدراك الأمور، والعلم بدقائق المسائل، أو أصل الإدراك فيخص بالحكمة العملية، والعلم بالنظرية، أو الفهم بالأمور الجزئية، والعلم بالكلية.
قوله عليهالسلام والعفة: هي منع البطن والفرج عن المحرمات والشبهات، ومقابلها التهتك وعدم المبالاة بهتك ستره في ارتكاب المحرمات.
قوله عليهالسلام والرفق: هو حسن الصنيعة والملائمة، وضده الخرق، قال في القاموس: الخرق بالضم وبالتحريك ضد الرفق، وأن لا يحسن العمل والتصرف في الأمور.
قوله عليهالسلام والرهبة: أي الخوف من الله ومن عقابه أو من الخلق أو من النفس والشيطان، والأولى التعميم ليشمل الخوف عن كلّ ما يضر بالدين أو الدنيا.
قوله عليهالسلام والتؤدة: هي بضم التاء وفتح الهمزة وسكونها: الرزانة والتأني أي عدم المبادرة إلى الأمور بلا تفكّر، فإنها توجب الوقوع في المهالك.
قوله عليهالسلام والصمت: أي السكوت عمّا لا يحتاج إليه ولا طائل فيه، وضده الهذر، قال في القاموس: هذر كلامه كفرح كثر من الخطإ والباطل، والهذر محركة
والاستسلام وضده الاستكبار والتسليم وضده الشك والصبر وضده الجزع والصفح وضده الانتقام والغنى وضده الفقر والتذكر وضده السهو والحفظ وضده النسيان والتعطف وضده القطيعة والقنوع وضده الحرص والمؤاساة وضدها المنع والمودة وضدها العداوة
________________________________________________________
الكثير الرديء أو سقط الكلام.
قوله عليهالسلام : والاستسلام: أي الانقياد لله تعالى فيما يأمر وينهى، والتسليم انقياد أئمّة الحقّ وإذعان ما يصدر عنهمعليهالسلام ، ويصعب على الأذهان قبوله، وقال بعض الأفاضل: الاستسلام هو الانقياد، ويشتمل على شيئين: الخضوع والتصديق، وكذا التسليم، فباعتبار الأول عبر عنه بالاستسلام، وجعل مقابله الاستكبار، وباعتبار الثاني عبر عنه بالتسليم وجعل مقابله الشك.
قوله عليهالسلام : والغنى: المراد بالغنى غنى النفس والاستغناء عن الخلق، لا الغنى بالمال فإنه غالباً مع أهل الجهل، وضده الفقر إلى الناس والتوصل بهم في الأمور.
قوله عليهالسلام : والتذكر: لما كان السهو عبارة عن زوال الصورة عن المدركة لا الحافظة أطلق في مقابله التذكر الّذي هو الاسترجاع عن الحافظة، ولما كان النسيان عبارة عن زوالها عن الحافظة أيضاً أطلق في مقابله الحفظ.
قوله عليهالسلام والقنوع: هو الرضا بالكفاف وعدم طلب الزيادة، ولما كان الحرص زيادة السعي في الطلب، ويشتمل على شيئين الإفراط في الطلب، والاعتماد على الطلب الّذي يلازمه جعله باعتبار اشتماله على الأول مقابل القنوع، وباعتبار اشتماله على الثاني مقابل التوكل، وقد مر قريب منه.
قوله عليهالسلام والمواساة: هي أن يجعل إخوانه مشاركين ومساهمين له في ماله.
قوله عليهالسلام والمودة: قيل هي الإتيان بمقتضيات المحبة والأمور الدالة عليها ومقابلها العداوة، وهي الإتيان بمقتضيات المباغضة، وفعل ما يتبعها، ولعله إنما ارتكب ذلك للفرق بينه وبين الحب والبغض، ويمكن الفرق بينهما بتخصيص أحدهما بالخالق، والآخر بالخلق، أو أحدهما بالأشخاص والآخر بالأعمال، ويمكن أن يكون
والوفاء وضده الغدر والطاعة وضدها المعصية والخضوع وضده التطاول والسلامة وضدها البلاء والحب وضده البغض والصدق وضده الكذب والحق وضده الباطل والأمانة وضدها الخيانة والإخلاص وضده الشوب والشهامة وضدها البلادة والفهم وضده الغباوة
________________________________________________________
أحدهما من المكررات.
قولهعليهالسلام والوفاء: أي بعهود الله تعالى أو بعهود الخلق أو الأعم.
قولهعليهالسلام والطاعة: هي متابعة من ينبغي متابعته في أوامره ونواهيه.
قولهعليهالسلام والخضوع: هو التذلل لمن يستحق أن يتذلل له، ومقابله التطاول وهو الترفع.
قولهعليهالسلام والسلامة: هي البراءة من البلايا وهي العيوب والآفات، والعاقل يتخلص منها حيث يعرفها، ويعرف طريق التخلص منها، والجاهل يختارها ويقع فيها من حيث لا يعلم، وقال الشيخ البهائي (ره): لعل المراد سلامة الناس منه كما ورد في الحديث: المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه، ويراد بالبلاء ابتلاء الناس به.
قولهعليهالسلام والحب: قيل هو الميل النفساني، والعاقل يميل إلى المحاسن ويريدها، وكذا إلى من يتصف بها، والعاقل يريد الخير لكل أحد، ولا يرضى بالشر والنقيصة لأحد.
قولهعليهالسلام والحق: أي اختياره، وضده اختيار الباطل.
قولهعليهالسلام والإخلاص: أي إخلاص العمل لله تعالى، وضده الشوب بالرياء والأغراض الفاسدة.
قولهعليهالسلام والشهامة: هي ذكاء الفؤاد وتوقده.
قولهعليهالسلام والفهم: وفي علل الشرائع مكانه « الفطنة » ولعله أولى لعدم التكرار، وعلى ما هنا لعلها من المكررات، ويمكن تخصيص أحدهما بفهم مصالح
والمعرفة وضدها الإنكار والمداراة وضدها المكاشفة وسلامة الغيب وضدها المماكرة والكتمان وضده الإفشاء والصلاة وضدها الإضاعة والصوم وضده الإفطار والجهاد وضده النكول والحج وضده نبذ الميثاق وصون الحديث وضده النميمة وبر الوالدين وضده العقوق
________________________________________________________
النشأة الأولى، والآخر بالأخرى أو أحدهما بما يتعلّق بالحكمة النظرية، والآخر بما يتعلّق بالحكمة العملية، أو أحدهما بمرتبة من الفهم والذكاء، والآخر بمرتبة فوقها، والفرق بينه وبين الشهامة أيضاً يحتاج إلى تكلف بأن يقال: الشهامة إدراك الأمور بنفسه، والفهم إدراكها بعد الإلقاء أو يوجه بأحد الوجوه السابقة.
قولهعليهالسلام والمعرفة: هي على ما قيل إدراك الشيء بصفاته وآثاره، بحيث لو وصل إليه عرف أنه هو، ومقابله الإنكار، يعني عدم حصول ذلك الإدراك، فإن الإنكار يطلق عليه أيضاً كما يطلق على الجحود، ويحتمل أن يكون المراد بالمعرفة معرفة حق أئمّة الحقّ وفضلهم.
قولهعليهالسلام وضدها المكاشفة: [ المكاشفة ] هي المنازعة والمجادلة وفي المحاسن المداراة وضدها المخاشنة.
قولهعليهالسلام وسلامة الغيب: أي يكون في غيبة غيره سالما من ضرره، وضدها المماكرة وهو أن يتملق ظاهراً للخديعة والمكر، وفي الغيبة يكون في مقام الضرر، وفي المحاسن سلامة القلب ولعله أنسب.
قولهعليهالسلام والكتمان: أي كتمان عيوب المؤمنين وأسرارهم أو كلما يجب أو ينبغي كتمانه ككتمان الحقّ في مقام التقية، وكتمان العلم عن غير أهله.
قولهعليهالسلام والصلاة: أي المحافظة عليها وعلى آدابها وأوقاتها، وضدها الإخلال بشرائطها وآدابها أو أوقات فضلها.
قولهعليهالسلام وضده نبذ الميثاق: أي طرحه، وإنما جعله ضداً للحج لما سيأتي في أخبار كثيرة أن الله تعالى أودع الحجر مواثيق العباد، وعلة الحج تجديد الميثاق عند الحجر فيشهد يوم القيامة لكل من وافاه.
والحقيقة وضدها الرياء والمعروف وضده المنكر والستر وضده التبرج والتقية وضدها الإذاعة والإنصاف وضده الحمية والتهيئة وضدها البغي والنظافة وضدها القذر والحياء وضدها الجلع والقصد وضده العدوان والراحة
________________________________________________________
قولهعليهالسلام والحقيقة: لعل المراد بها الإخلاص في العبادة إذ بتركه ينتفي حقيقة العبادة، وهذه الفقرة أيضاً قريبة من فقرة الإخلاص والشوب، فإما أن يحمل على التكرار أو يحمل الإخلاص على كماله بأن لا يشوب معه طمع جنة ولا خوف نار ولا جلب نفع ولا دفع ضرر، والحقيقة على عدم مراءاة المخلوقين.
قولهعليهالسلام والمعروف: أي اختياره والإتيان به والأمر به وكذا المنكر.
قولهعليهالسلام وضده التبرج: أي إظهار الزينة ولعل هذه الفقرة مخصوصة بالنساء، ويمكن تعميمها بحيث تشمل ستر الرجال عوراتهم وعيوبهم.
قولهعليهالسلام والتقية: هي الستر في موضع الخوف، وضدها الإذاعة والإفشاء.
قولهعليهالسلام والإنصاف: أي التسوية والعدل بين نفسه وغيره، وبين الأقارب والأباعد، والحمية توجب تقديم نفسه على غيره، وإن كان الغير أحق، وتقديم عشيرته وأقاربه على الأباعد وإن كان الحقّ مع الأباعد.
قولهعليهالسلام والتهيئة: هي الموافقة والمصالحة بين الجماعة وإمامهم، وفي الخصال المهنة وهي الخدمة، والمراد خدمة أئمّة الحقّ وإطاعتهم، والبغي: الخروج عليهم وعدم الانقياد لهم.
قولهعليهالسلام وضدها الجلع: في بعض النسخ بالجيم، وهو قلّة الحياء، وفي بعضها بالخاء المعجمة أي خلع لباس الحياء وهو مجاز شائع.
قولهعليهالسلام والقصد: أي اختيار الوسط في الأمور وملازمة الطريق الوسط الموصل إلى النجاة.
قولهعليهالسلام والراحة: أي اختيار ما يوجبها بحسب النشأتين لا راحة الدنيا فقط.
وضدها التعب والسهولة وضدها الصعوبة والبركة وضدها المحق والعافية وضدها البلاء والقوام وضده المكاثرة والحكمة وضدها الهواء
________________________________________________________
قولهعليهالسلام والسهولة: أي الانقياد بسهولة ولين الجانب.
قولهعليهالسلام والبركة: هي تكون بمعنى الثبات والزيادة والنمو، أي الثبات على الحق، والسعي في زيادة أعمال الخير وتنمية الإيمان واليقين، والترك ما يوجب محق هذه الأمور أي بطلانها ونقصها وفسادها، ويحتمل أن يكون المراد البركة في المال وغيره من الأمور الدنيوية، فإن العاقل يحصل من الوجه الّذي يصلح له ويصرف فيما ينبغي الصرف فيه، فينمو ويزيد ويبقى ويدوم له بخلاف الجاهل.
قولهعليهالسلام والعافية: أي من الذنوب والعيوب أو من المكاره فإن العاقل بالشكر والعفو يعقل النعمة عن النفار، ويستجلب زيادة النعمة وبقائها مدى الأعصار، والجاهل بالكفران وما يورث زوال الإحسان وارتكاب ما يوجب الابتلاء بالغموم والأحزان، على خلاف ذلك، ويمكن أن تكون هذه أيضاً من المكررات ويظهر مما ذكرنا الفرق على بعض الوجوه.
قولهعليهالسلام والقوام: هو كسحاب: العدل، وما يعاش به أي اختيار الوسط في تحصيل ما يحتاج إليه، والاكتفاء بقدر الكفاف، والمكاثرة: المغالبة في الكثرة، أي تحصيل متاع الدنيا زائداً على قدر الحاجة للمباهات والمغالبة، ويحتمل أن يكون المراد التوسط في الإنفاق وترك البخل والتبذير، كما قال تعالى( وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً ) (١) فالمراد بالمكاثرة المغالبة في كثرة الإنفاق، وفي بعض النسخ المكاشرة بالشين، وهي المضاحكة، فالمراد: بالقوام التوسط في المعاشرة وترك كثرة المزاح، وعدم الاسترسال والاستئناس.
قولهعليهالسلام والحكمة: هي العمل بالعلم واختيار النافع والأصلح، وضدها اتباع هوى النفس وشهواتها.
__________________
(١) سورة الفرقان: ٦٧.
والوقار وضده الخفة والسعادة وضدها الشقاوة والتوبة وضدها الإصرار والاستغفار وضده الاغترار والمحافظة وضدها التهاون والدعاء وضده الاستنكاف والنشاط وضده الكسل والفرح وضده الحزن والألفة وضدها الفرقة والسخاء وضده البخل
________________________________________________________
قوله عليهالسلام والوقار: هو الثقل والرزانة والثبات وعدم الانزعاج بالفتن وترك الطيش والمبادرة إلى ما لا يحمد، والحاصل أن العاقل لا يزول عمّا هو عليه بكل ما يرد عليه، ولا يحركه إلا ما يحكم العقل بالحركة له أو إليه لرعاية خير وصلاح، والجاهل يتحرك بالتوهمات والتخيلات واتباع القوي الشهوانية والغضبية، فمحرك العاقل عزيز الوجود، ومحرك الجاهل كثيراً التحقق.
قوله عليهالسلام والسعادة: هي اختيار ما يوجب حسن العاقبة.
قوله عليهالسلام والاستغفار: هو أعم من التوبة، إذ يشترط في التوبة العزم على الترك في المستقبل، ولا يشترط ذلك في الاستغفار، ويحتمل أن تكون مؤكدة للفقرة السابقة، والاغترار: الانخداع عن النفس والشيطان بتسويف التوبة، والغفلة عن الذنوب ومضارها وعقوباتها.
قوله عليهالسلام والمحافظة: أي على أوقات الصلاة، والتهاون: التأخير عن أوقات الفضيلة، أو المراد المحافظة على جميع التكاليف.
قوله عليهالسلام وضده الاستنكاف: أي الاستكبار وقد سمى الله تعالى ترك الدعاء استكباراً فقال:( إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي ) (١) .
قوله عليهالسلام والفرح: أي ترك الحزن على ما فات عنه من الدنيا أو البشاشة مع الإخوان.
قوله عليهالسلام وضدها الفرقة: في بعض النسخ العصبية وكونها ضد الألفة، لأنها توجب المنازعة واللجاج والعناد الموجبة لرفع الألفة.
__________________
(١) سورة غافر: ٦٠.
فلا تجتمع هذه الخصال كلها من أجناد العقل إلا في نبي أو وصي نبي أو مؤمن قد امتحن الله قلبه للإيمان وأمّا سائر ذلك من موالينا فإن أحدهم لا يخلو من أن يكون فيه بعض هذه الجنود حتّى يستكمل وينقى من جنود الجهل فعند ذلك يكون في الدرجة العليا مع الأنبياء والأوصياء وإنما يدرك ذلك بمعرفة العقل وجنوده وبمجانبة الجهل وجنوده وفقنا الله وإياكم لطاعته ومرضاته.
١٥ - جماعة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن علي بن فضال، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال ما كلم رسول اللهصلىاللهعليهوآله العباد بكنه عقله قط وقال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم.
١٦ - علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن النوفلي، عن السكوني، عن جعفر، عن أبيهعليهالسلام قال قال أمير المؤمنينعليهالسلام إن قلوب الجهال تستفزها
________________________________________________________
قوله عليهالسلام قد امتحن الله قلبه: أي اختبره بالشدائد والمحن والفتن، فوجده ثابتا صابراً أو صفاه من الرذائل لقبول كمال الإيمان، من قولهم: امتحن الذهب إذا صفاه، وقال الفيروزآبادي: امتحن الله قلوبهم: شرحها ووسعها.
الحديث الخامس عشر مرسل.
قوله عليهالسلام العباد: أي ممّن عد أهل بيتهعليهالسلام بكنه عقله، أي بنهاية ما يدركه بعقله، بل يخاطب كلا منهم بقدر فهم هذا المخاطب، وربما خاطبهم جميعاً بخطاب يفهم كلّ منهم بحسب قابليته وفهمه كالقرآن المجيد.
الحديث السادس عشر ضعيف على المشهور.
قوله عليهالسلام إن قلوب الجهال: أي ذوي العقول الناقصة تستفزها الأطماع أي تستخفها وتخرجها من مقرها، وترتهنها المني هي إرادة ما لا يتوقع حصوله، أو المراد بها ما يعرض للإنسان من أحاديث النفس وتسويل الشيطان، أي تأخذها وتجعلها مشغولة بها ولا تتركها إلا بحصول ما تتمناه، كما أن الرهن لا ينفك إلا بأداء المال
الأطماع وترتهنها المنى وتستعلّقها الخدائع.
١٧ - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن جعفر بن محمّد الأشعري، عن عبيد الله الدهقان، عن درست، عن إبراهيم بن عبد الحميد قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام أكمل الناس عقلاً أحسنهم خلقا.
١٨ - علي، عن أبيه، عن أبي هاشم الجعفري قال كنا عند الرضاعليهالسلام فتذاكرنا العقل والأدب فقال يا أبا هاشم العقل حباء من الله والأدب كلفة فمن تكلف الأدب قدر عليه ومن تكلف العقل لم يزدد بذلك إلا جهلا
________________________________________________________
و « تستعلّقها » بالعين المهملة ثمّ القاف أي تصيدها وتربطها بالحبال، من قولهم علق الوحش بالحبالة إذا تعوق ونشب فيها، وفي بعض النسخ بالقافين أي تجعلها الخدائع منزعجة منقلعة من مكانها، وفي بعضها بالغين المعجمة ثمّ القاف من قولهم استغلقني في بيعته: أي لم يجعل لي خياراً في رده.
الحديث السابع عشر ضعيف.
قوله: أحسنهم خلقا: الخلق بالضم وبضمتين: الهيئة الحاصلة للنفس بصفاتها، ويقال لها السجية، ويدل عليها الآثار والأفعال الدالة عليها تسمية للدال باسم المدلول، ويطلق غالباً على حسن المعاشرة.
الحديث الثامن عشر صحيح.
قوله عليهالسلام حباء: الحباء بالكسر: العطية، أي العقل عطية من الله تعالى، والأدب الطريقة الحسنة في المحاورات والمكاتبات والمعاشرات وما يتعلّق بمعرفتها وملكتها كلفة، فهي مما يكتسب فيتحمل بمشقة، فمن تكلف الأدب قدر عليه، وما يكون حصوله للشخص بحسب الخلقة والعطاء من الله سبحانه كالعقل، فلا يحصل بتكلف واحتمال مشقة، فمن تكلف العقل لم يقدر عليه ولم يزدد بتكلفه ذلك إلا جهلا(١) وقيل: المراد أنه من أراد أن يظهر التخلق بالأخلاق الحسنة والآداب المستحسنة يمكنه ذلك بخلاف العلم، فإن الجاهل إذا أظهر العلم يصير سبباً لمزيد فضيحته
__________________
(١) تكلفه بأن يتعرض لفهم أمور لا يصل إليها عقله أو لتحقيق مباحث هي فوق طاقته أو لسياسات مدنية لا يمكنه القيام بها ( منه ره ).
١٩ - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن يحيى بن المبارك، عن عبد الله بن جبلة، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قلت له جعلت فداك إن لي جاراً كثير الصلاة كثير الصدقة كثير الحج لا بأس به قال فقال يا إسحاق كيف عقله قال قلت له جعلت فداك ليس له عقل قال فقال لا يرتفع بذلك منه.
٢٠ - الحسين بن محمد، عن أحمد بن محمّد السياري، عن أبي يعقوب البغدادي قال قال ابن السكيت لأبي الحسنعليهالسلام لما ذا بعث الله موسى بن عمرانعليهالسلام بالعصا ويده البيضاء وآلة السحر وبعث عيسى بآلة الطب وبعث محمداًصلىاللهعليهوآله وعلى جميع الأنبياء بالكلام والخطب فقال أبو الحسنعليهالسلام إنّ الله لما بعث موسىعليهالسلام
________________________________________________________
في الجهالة، والأول أظهر.
الحديث التاسع عشر مجهول.
قوله عليهالسلام : لا بأس به: قيل أي لا يظهر منه عداوة لأهل الدين وشدة على المؤمنين أو لا يطلع منه على معصيته.
قوله عليهالسلام كيف عقله؟: أي قوة التميز بين الحقّ والباطل، تميزا يوجب الانقياد للحق والإقرار به.
قوله عليهالسلام لا يرتفع منه بذلك: أي لا يرتفع ما ذكرته من الأعمال منه بسبب قلّة المعرفة، وفي بعض النسخ « لا ينتفع » فيمكن أن يقرأ على بناء المعلوم، أي لا ينتفع ذلك الرجل بسبب قلّة العقل من عمله، أو على بناء المجهول أي لا ينتفع من ذلك الرجل بسبب قلّة العقل، بأن تكون كلمة « من » تعليلية، والضمير راجعاً إلى قلّة العقل أو بذلك السبب من هذا الرجل، فكلمة « من » صلة والضمير راجع إلى الرجل، أو بذلك العمل من هذا الرجل، ثمّ إن بعض الاحتمالات مبني على تعدية الانتفاع بكلمة من وهو نادر فتفطن.
الحديث العشرون ضعيف.
قوله: وآلة السحر: يمكن أن يقدر فيه مضاف أي آلة إبطال السحر، ويمكن أن تكون الآلة بمعنى الحالة كما ذكره الجوهري، أي بما شبه السحر.
كان الغالب على أهل عصره السحر فأتاهم من عند الله بما لم يكن في وسعهم مثله وما أبطل به سحرهم وأثبت به الحجة عليهم وإن الله بعث عيسىعليهالسلام في وقت قد ظهرت فيه الزمانات واحتاج الناس إلى الطب فأتاهم من عند الله بما لم يكن عندهم مثله وبما أحيا لهم الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص بإذن الله وأثبت به الحجة عليهم.
وإن الله بعث محمداًصلىاللهعليهوآله في وقت كان الغالب على أهل عصره الخطب والكلام وأظنه قال الشعر فأتاهم من عند الله من مواعظه وحكمه ما أبطل به قولهم وأثبت به الحجة عليهم قال فقال ابن السكيت تالله ما رأيت مثلك قط فما الحجة على الخلق اليوم قال فقالعليهالسلام العقل يعرف به الصادق على الله فيصدقه والكاذب
________________________________________________________
قولهعليهالسلام : كان الغالب على أهل عصره السحر: الحاصل أن الغالب على أهل العصر مما يستكمل صنعته ويبلغ حد كماله، فالغلبة فيه وفي شبهه أقوى، وأتم في إثبات المقصود، حيث عرفوا نهاية المقدور لهم فيه، فإذا جاوزه حصل لهم العلم بأنه ليس من فعل أشباههم وأمثالهم، بل من فعل خالق القوي والقدر أو من فعل من أقدره عليه بإعطاء قدرة مخصوصة به، وأمّا المتروك في العصر فربما يتوهم أنهم لو تناولوه وسعوا فيه واكتسبوه، بلغوا الحد الّذي يتأتى منهم الإتيان بما أتى به.
قوله: وأظنه، من كلام الراوي أي وأظنه ضم الشعر أيضاً إلى الخطب والكلام
قوله: فما الحجة على الخلق اليوم؟ أي كان الحجة على الخلق في صدق الرسل معجزاتهم فما الحجة عليهم اليوم في صدق من يجب اتباعه حيث لا يعرف بالمعجزة الظاهرة؟ فأجابعليهالسلام بأن بعد نزول الكتاب وانضباط الآثار الثابتة عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يعرف بالعقل، الصادق على الله من الكاذب عليه، فإن الصادق على الله عالم بالكتاب، راع له، متمسك بالسنة، حافظ لها، والكاذب على الله تارك للكتاب غير عالم، به، مخالف للسنة بقوله وفعله، كذا قيل، وهذا لا ينافي صدور المعجزات عن الأئمّةعليهالسلام فإنهم لما كانوا في أزمنة الخوف والتقية لم يمكنهم إظهار المعجزة
على الله فيكذبه قال فقال ابن السكيت هذا والله هو الجواب.
٢١ - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن المثنى الحناط، عن قتيبة الأعشى، عن ابن أبي يعفور، عن مولى لبني شيبان، عن أبي جعفرعليهالسلام قال إذا قام قائمنا وضع الله يده على رءوس العباد فجمع بها عقولهم وكملت به أحلامهم.
٢٢ - علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن سليمان، عن علي بن إبراهيم، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال حجة الله على العباد النبي والحجة فيما بين العباد وبين الله العقل
________________________________________________________
لكل أحد، ولكن وفور علمهم وحسن أفعالهم وآدابهم ظهر بحيث لم يخف على أحد، وبهذا تمت حجتهم على جميع الخلق.
الحديث الحادي والعشرون ضعيف على المشهور.
قوله عليهالسلام وضع الله يده: الضمير في قوله يده إمّا راجع إلى الله أو إلى القائمعليهالسلام ، وعلى التقديرين كناية عن الرحمة والشفقة أو القدرة والاستيلاء، وعلى الأخير يحتمل الحقيقة.
قوله عليهالسلام : فجمع بها عقولهم، يحتمل وجهين « أحدهما » أنه يجعل عقولهم مجتمعة على الإقرار بالحق فلا يقع بينهم اختلاف، ويتفقون على التصديق، و « ثانيهما » أنه يجتمع عقل كلّ واحد منهم ويكون جمعه باعتبار مطاوعة القوي النفسانية للعقل، فلا يتفرق لتفرقها كذا قيل، والأول أظهر، والضمير في « بها » راجع إلى اليد، وفي « به » إلى الموضع، أو إلى القائمعليهالسلام ، والأحلام جمع الحلم بالكسر وهو العقل.
الحديث الثاني والعشرون ضعيف.
قوله عليهالسلام والحجة فيما بين العباد: كان المراد أن الحجة فيما بين العباد وبين الله في معرفة ذاته والتصديق بوجوده العقل ثمّ بعد ذلك يحتج عليهم في سائر التكاليف بالنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أو المراد أن الحجة الظاهرة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم والحجة الباطنة
٢٣ - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد مرسلا قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام دعامة الإنسان العقل والعقل منه الفطنة والفهم والحفظ والعلم وبالعقل يكمل وهو دليله ومبصره ومفتاح أمره فإذا كان تأييد عقله من النور كان عالماً حافظا ذاكرا
________________________________________________________
التي لا يعرفه إلا الله العقل كما مر في الخبر، قيل: ويحتمل أن يكون المراد أن حجة الله على العباد أي ما يقطع به عذرهم، فيبكتهم اللطف بهم بإرسال النبي والمتوسط في الإيصال إلى معرفته تعالى ومعرفة الرسول، والطريق إلى المعرفة بين العباد وبين الله هو العقل ويناسب هذا إيراد لفظة « على » أو لا وتركها ثانيا.
الحديث الثالث والعشرون مرسل.
قولهعليهالسلام دعامة الإنسان: الدعامة بكسر الدال عماد البيت، والمراد أن قيام أمر الإنسان ونظام حاله بالعقل، ويحتمل أن يكون بالنظر إلى النوع، فلو لا العقل لما بقي النوع، لأنّ الغرض من إيجاد الإنسان المعرفة الّتي لا تحصل إلا بالعقل والعقل يحصل أو ينشأ منه الفطنة، وهي سرعة إدراك الأمور على الاستقامة وهذا كالدليل السابق.
قولهعليهالسلام وبالعقل: أي كاملة يكمل أي الإنسان وهو أي العقل الكامل دليله أي دليل الإنسان، يدله على الحق، ومبصره بصيغة اسم الفاعل على بناء الأفعال أو التفعيل، أي جاعله بصيراً وموجب لبصيرته كقوله تعالى( فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً ) (١) أو بكسر الميم وفتح الصاد اسم آلة أي ما به بصيرته، أو بفتح الميم والصاد اسم مكان، أي ما فيه بصيرته وعلمه، وفي القاموس: المبصر والمبصرة: الحجة، ومفتاح أمره أي به يفتح ما أغلق عليه من الأمور الدينية والدنيوية والمسائل الغامضة.
قولهعليهالسلام فإذا كان تأييد عقله من النور: اعلم أن النور لما كان سبباً لظهور المحسوسات يطلق على كلّ ما يصير سبباً لظهور الأشياء على الحس والعقل، فيطلق
__________________
(١) سورة النمل: ١٣.
فطنا فهما فعلم بذلك كيف ولم وحيث وعرف من نصحه ومن غشه فإذا عرف ذلك عرف مجراه وموصوله ومفصوله
________________________________________________________
على العلم وعلى أرواح الأئمّةعليهالسلام ، وعلى رحمة الله سبحانه، وعلى ما يلقيه في قلوب العارفين من صفاء وجلاء، به يظهر عليهم حقائق الحكم ودقائق الأمور، وعلى الرب تبارك وتعالى لأنّه نور الأنوار، ومنه يظهر جميع الأشياء في الوجود العيني، والانكشاف العلمي، وهنا يحتمل الجميع، ومن قال بالعقول المجردة ربما يفسر النور هنا بها، وتأييده بإشراقها عليه كما أومأنا سابقاً إليه، وقد عرفت ما فيه « كان عالماً » ذاكراً لربه بحيث لا يشغله عنه شيء فطنا فهما في غاية الكمال فكان كاملا في القوتين النظرية والعملية وما يذكر بعد ذلك بعضه إشارة إلى الأولى وبعضه إلى الثانية كما سيظهر.
قولهعليهالسلام فعلم بذلك كيف: أي كيفية الأعمال والأخلاق أو كيفية السلوك إلى الآخرة، والوصول إلى الدرجات العالية أو حقائق الأشياء و « لم » أي علقة الأشياء السالفة وغايتها، أو علل وجودها وما يؤدي إليها كعلة الأخلاق الحسنة فإنه إذا عرفها يجتنبها، أو أنه يتفكّر في علقة العلل ومبدء المبادئ وسائر العلل المتوسطة، أو يتفكّر في دلائل جميع الأمور ولا يأخذها بمحض التقليد و « حيث » أي يعلم مواضع الأمور فيضعها فيها، كالإمامة في أهل بيت الرسالة والنصيحة فيمن يقبلها، والحكمة فيمن هو أهل لها، أو حيثيات الأشياء والأحكام واعتباراتها المختلفة الموجبة لاختلاف أحوالها و « عرف من نصحه » أي يقبل النصح منه وإن كان عدوه وعرف غش من غشه وإن كان صديقه، أو عرف صديقه الواقعي من عدوه الواقعي، بما يظهر منهم أو بنور الإيمان كما كان للأئمّةعليهالسلام يعرفون كلا بسيماهم.
قولهعليهالسلام عرف مجراه، اسم مكان أو مصدر، أي سبيله الّذي يجري فيه إلى الحقّ أو يعلم أنه متوجه إلى الآخرة ويعمل بمقتضى هذا العلم ولا يتشبث بالدنيا
وأخلص الوحدانية لله والإقرار بالطاعة فإذا فعل ذلك كان مستدركاً لما فات ووارداً على ما هو آت يعرف ما هو فيه ولأي شيء هو هاهنا ومن أين يأتيه وإلى ما هو صائر وذلك كله من تأييد العقل
________________________________________________________
وشهواتها « وموصولة ومفعوله » كلّ منهما إمّا اسم مفعول أو مصدر أو اسم للمصدر، أي ما ينبغي الوصل معه من الأشخاص والأعمال والأخلاق وما ينبغي أن يفصل عنه من جميع ذلك، أو يعلم ما يبقى له في النشأة الآخرة، ويصل إليه وما ينقطع عنه من أمور الدنيا الفانية، وقيل: أي ما يوصل إلى المقصود الحقيقي وما يفصله عنه وهو بعيد.
وأخلص الوحدانية لله: أي علم أنه الواحد الحقيقي الّذي لا جزء له في الخارج ولا في العقل ولا في الوهم، وصفاته عين ذاته ولا تكثر فيه بوجه من الوجوه ولا شريك له في الإلهية، والإقرار بالطاعة: أي أقر بأنه لا يستحق الطاعة غيره سبحانه « فإذا فعل ذلك » أي إخلاص الوحدانية والطاعة، ويحتمل أن يكون ذلك راجعاً إلى الرجل المؤيد، أي إذا فعل فعلا كان مستدركاً بذلك الفعل لما فات والأول أظهر.
« على ما هو آت » أي من الأعمال الحسنة أو المراتب العالية « يعرف ما هو فيه » أي النشأة الفانية وفناؤها ومعيبها أو من العقائد والأعمال والأخلاق، فإن كانت حقة لزمها وإن كانت باطلة تركها.
قولهعليهالسلام : ولأي شيء هو ههنا، أي يعرف أنه تعالى إنما أنزله إلى الدنيا لمعرفته وعبادته وتحصيل السعادات الأخروية فيبذل همته فيها.
قولهعليهالسلام : ومن أين يأتيه، أي النعم والخيرات ويعلم مولاها فيشكره ويتوكل عليه ولا يتوسل بغيره تعالى في شيء منها، أو الأعم منها ومن البلايا والآفات والشرور والمعاصي فيعلم أن المعاصي من نفسه الأمارة ومن الشيطان، فيحترس منهما وكذا سائر الأمور وعللها.
قولهعليهالسلام وإلى ما هو صائر، أي إلى أي شيء هو صائر، أي الموت وأحوال القبر وأهوال الآخرة ونعيمها وعذابها، أو الأعم منها ومن درجات الكمال، ودركات النقص والوبال، وإضافة التأبيد إلى العقل إمّا إلى الفاعل أو إلى المفعول فتفطن.
٢٤ - علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن إسماعيل بن مهران، عن بعض رجاله، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال العقل دليل المؤمن.
٢٥ - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن حماد بن عثمان، عن السري بن خالد، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله يا علي لا فقر أشد من الجهل ولا مال أعود من العقل.
٢٦ - محمّد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن ابن أبي نجران، عن العلاء بن رزين، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفرعليهالسلام قال لما خلق الله العقل قال له أقبل فأقبل ثمّ قال له أدبر فأدبر فقال وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أحسن منك إياك آمر وإياك أنهى وإياك أثيب وإياك أعاقب.
٢٧ - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الهيثم بن أبي مسروق النهدي، عن الحسين بن خالد، عن إسحاق بن عمار قال قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام الرجل آتيه وأكلمه ببعض كلامي فيعرفه كله ومنهم من آتيه فأكلمه بالكلام فيستوفي كلامي كله ثمّ يرده علي كما كلمته ومنهم من آتيه فأكلمه فيقول أعد علي فقال يا إسحاق وما تدري لم هذا قلت لا قال الّذي تكلمه ببعض كلامك فيعرفه كله
________________________________________________________
الحديث الرابع والعشرون ضعيف.
الحديث الخامس والعشرون ضعيف على المشهور.
قولهعليهالسلام : أعود، أي أنفع.
الحديث السادس والعشرون ضعيف في المشهور وقد مر الكلام فيه.
الحديث السابع والعشرون مجهول وفي بعض النسخ الحسن بن خالد وهو أيضاً مجهول والظاهر الحسين كما في العلل.
قوله: ثمّ يرده علي: أي أصل الكلام كما سمعه أو يجيب على ما كلمته والثاني أظهر.
قولهعليهالسلام : وما تدري لم هذا؟ قيل: إنما قالعليهالسلام ذلك تتمة لسؤاله ولذا
فذاك من عجنت نطفته بعقله وأمّا الّذي تكلمه فيستوفي كلامك ثمّ يجيبك على كلامك فذاك الّذي ركب عقله فيه في بطن أمه وأمّا الّذي تكلمه بالكلام فيقول أعد علي فذاك الّذي ركب عقله فيه بعد ما كبر فهو يقول لك أعد علي.
٢٨ - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن بعض من رفعه، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله إذا رأيتم الرجل كثير الصلاة كثير الصيام فلا تباهوا به حتّى تنظروا كيف عقله.
٢٩ - بعض أصحابنا رفعه، عن مفضل بن عمر، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال يا مفضل لا يفلح من لا يعقل.
________________________________________________________
أتى بالعاطف فصدقه السائل بقوله « لا » أي لا أدري ويحتمل أن يكون قوله: وما تدري استفهاما أي أو ما تدري لكن لا يحسن الواو فإنه لا وجه للعطف حينئذ والأحسن الاستئناف « انتهى » ثمّ اعلم أنه يحتمل أن يكون كلامهعليهالسلام في الجواب جارياً على وجه المجاز، لبيان اختلاف الأنفس في الاستعدادات الذاتية أي كأنه عجنت نطفته بعقله مثلا، وأن يكون المراد أن بعض الناس يستكمل نفسه الناطقة بالعقل واستعداد فهم الأشياء وإدراك الخير والشر، عند كونه نطفة، وبعضهم عند كونه في البطن، وبعضهم بعد كبر الشخص واستعمال الحواس وحصول البديهيات وتجربة الأمور، وأن يكون المراد الإشارة إلى أن اختلاف المواد البدنية له مدخل في اختلاف العقل.
الحديث الثامن والعشرون مرسل.
قولهعليهالسلام فلا تباهوا به: من المباهاة بمعنى المفاخرة، وقال بعض الأفاضل: يحتمل أن يكون من المهموز فخفف، أي لا تؤانسوا به حتّى تنظروا كيف عقله، قال الجوهري بهات بالرجل وبهئت به بالفتح والكسر بهاء وبهوءا: أنست به.
الحديث التاسع والعشرون ضعيف على المشهور.
قولهعليهالسلام : لا يفلح من لا يعقل، الفلاح: الفوز والنجاة، والمراد بمن لا يعقل
ولا يعقل من لا يعلم وسوف ينجب من يفهم ويظفر من يحلم والعلم جنة والصدق عز والجهل ذل والفهم مجد والجود نجح وحسن الخلق مجلبة للمودة
________________________________________________________
من لا يتبع حكم العقل، ولا يكون عقله مستولياً على هوى نفسه، أو من لا يكون عقله كاملا، أو يتعقل ويتفكّر فيما ينفعه ولا يعقل ولا يستولي عقله، أو لا يكون عقله كاملا أو يتعقل من لا يحصل العلم ليصير ذا علم، أو من لا يكون عالماً بما يجب عليه وما ينبغي تعقله والتدبّر فيه.
قولهعليهالسلام : وسوف ينجب، النجيب: الفاضل النفيس في نوعه، والمراد أنه من يكون ذا فهم فهو قريب من أن يصير عالماً، ومن صار عالماً فقريب من أن يستولي عقله على هوى نفسه.
قولهعليهالسلام ويظفر: أي الحلم سبب للظفر على العدو أو الظفر بالمقصود، أو الاستيلاء على النفس والشيطان.
قولهعليهالسلام والعلم جنة: أي وقاية من غلبة القوي الشهوانية والغضبية والدواعي النفسانية ومن أن يلتبس عليه الأمر وتدخل عليه الشبهة أو سبب للاحتراز عن شر الأعادي كالجنة إذ بالعلم يمكن الظفر على الأعادي الظاهرة والباطنة.
قولهعليهالسلام والصدق عز: أي شرف أو قوة وغلبة، وقيل: المراد بالصدق هنا الصدق في الاعتقاد ولذا قابله بالجهل، فإن الاعتقاد الكاذب جهل، كما أن الاعتقاد الصادق علم.
قولهعليهالسلام والفهم مجد: المجد نيل الشرف والكرم.
قولهعليهالسلام والجود نجح، النجح بالضم: الظفر بالحوائج.
قولهعليهالسلام مجلبة: هي إمّا مصدر ميمي حمل مبالغة، أو اسم مكان أو اسم آلة والأول أوفق بنظائره.
والعالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس والحزم مساءة الظن وبين المرء والحكمة نعمة
________________________________________________________
قولهعليهالسلام لا تهجم عليه اللوابس: الهجوم الإتيان بغتة، واللوابس الأمور المشتبهة، والحاصل أن من عرف أهل زمانه وميز بين حقهم وباطلهم، وعالمهم وجاهلهم، ومن يتبع الحقّ ومن يتبع الأهواء منهم، لا يشتبه عليه الأمور، ويتبع المحقين ويترك المبطلين، ولا تعرض له شبهة، بكثرة أهل الباطل وقلة أهل الحقّ وغلبة المبطلين وضعف المحقين.
قوله: والحزم مساءة الظن، الحزم إحكام الأمر وضبطه والأخذ فيه بالثقة، والمساءة مصدر ميمي، والمراد أن إحكام الأمر وضبطه والأخذ فيه بالثقة يوجب سوء الظن، أو يترتب على سوء الظن بأهل الزمان بعدم الاعتماد عليهم في الدين والدنيا وهذا مما يؤكد الفقرة السابقة، « فإن قيل »: قد ورد في الأخبار أنه يجب حسن الظن بالإخوان وحمل أقوالهم وأفعالهم على المحامل الصحيحة وهذا ينافيه؟ « قلت » يحتمل الجمع بينهما بوجهين، الأول: أن تلك الأخبار محمولة على ما إذا ظهر كونهم من المؤمنين، وهذا على عدمه، الثاني: أن يقال حمل أفعالهم وأقوالهم على المحامل الصحيحة لا ينافي عدم الاعتماد عليهم في أمور الدين والدنيا، حتّى يظهر منهم ما يوجب اطمئنان النفس بهم، والوثوق عليهم، وسيأتي بعض القول في ذلك في كتاب الإيمان والكفر.
قولهعليهالسلام بين المرء والحكمة: أقول: يحتمل هذا الكلام وجوها من التأويل إذ يمكن أن يقرأ العالم بكسر اللام وبفتحها، ومجروراً بالإضافة ومرفوعا، وعلى كلّ من التقادير يحتمل وجوها: « الأول »: ما ذكره بعض أفاضل المحشين قد سقى الله روحه، حيث قال: لعل المراد بكون الشيء بين المرء والحكمة كونه موصلا للمرء إليها، وواسطة في حصولها له، كما ورد في رواية جابر عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بين العبد والكفر ترك الصلاة، أي تركها موصل للعبد إلى الكفر، والغرض أن ما أنعم الله به على العالم من العلم والفهم والصدق على الله، واسطة للمرء توصله إلى
العالم والجاهل شقي بينهما.
________________________________________________________
الحكمة، فإن المرء إذا عرف حال العالم أتبعه وأخذ منه، فيحصل له الحكمة ومعرفة الحقّ والإقرار به والعمل على وفقه، وكذا بمعرفة حال الجاهل، وأنه غير عالم فهم صادق على الله يترك متابعته، والأخذ منه ويسعى في طلب العالم، فيطلع عليه ويأخذ منه، فالجاهل باعتبار سوء حاله باعث بعيد لوصول المرء إلى الحكمة، وهو شقي محروم يوصل معرفة حاله المرء إلى سعادة الحكمة، وهذا الكلام كالتفسير والتأكيد لما سبقه، ويحتمل أن يحمل البينية في الأول على التوسط في الإيصال، وفي الثاني على كون الشيء حاجزا مانعاً من الوصول، فالجاهل شقي مانع من الوصول إلى الحكمة، ثمّ قال: ولا يبعد أن يقال: المراد بنعمة العالم، العالم نفسه، والإضافة بيانية أو يكون العالم بدلا من قوله: نعمة، فإن العالم أشرف ما أنعم الله بوجوده على عباده.
الثاني ما ذكره بعض أفاضل الشارحين أيضاً حيث قال: لعل المراد به أن الرجل الحكيم من لدن عقله وتميزه إلى بلوغه حد الحكمة متنعم بنعمة العلم ونعيم العلماء فإنه لا يزال في نعمة من أغذية العلوم وفواكه المعارف، فإن معرفة الحضرة الإلهية لروضة فيها عين جارية وأشجار مثمرة قطوفها دانية، بل جنة عرضها كعرض السماء والأرض، والجاهل بين مبدء أمره ومنتهى عمره في شقاوة عريضة، وطول أمل طويل، ومعيشة ضنك وضيق صدر وظلمة قلب، إلى قيام ساعته، وكشف غطائه، وفي الآخرة عذاب شديد « انتهى كلامه » وهو مبني على الإضافة.
الثالث ما ذكره الوالد العلامة نقلا عن مشايخه العظام قدس الله أرواحهم: وهو أن يقرأ نعمة بالتنوين ويكون العالم مبتدأ والجاهل معطوفا عليه، وشقي خبر كلّ منهما، والضمير في بينهما راجع إلى المرء والحكمة، والحاصل أن الّذي يوصل المرء إلى الحكمة هو توفيق الله تعالى وهو من أعظم نعمه على العباد، والعالم والجاهل يشقيان ويتعبان بينهما، فمع توفيقه تعالى لا يحتاج إلى سعي العالم ولا يضر منع
________________________________________________________
الجاهل، ومع خذلانه تعالى لا ينفع سعي العالم ويؤيد هذا ما في بعض النسخ من قوله يسعى مكان شقي.
الرابع: أن يقرأ العالم بالفتح إمّا مجروراً بالإضافة البيانية أو مرفوعاً بالبدلية أي بين المرء والحكمة نعمة هي العالم، فإن بالتفكّر فيه وفي غرائب صنعه تعالى يصل إلى الحكمة، والجاهل شقي محروم بين الحكمة وتلك النعمة.
الخامس: أن يقرأ العالم بالكسر مرفوعاً على البدلية ويكون الضمير في بينهما راجعاً إلى الجاهل والحكمة، والمعنى أن بين المرء ووصوله إلى الحكمة نعمة هي العالم، فإن بهدايته وإرشاده وتعليمه يصل إلى الحكمة، والجاهل يتوسط بينه وبين الحكمة شقي يمنعه عن الوصول إليها.
السادس: أن يقرأ العالم بالكسر والجر بالإضافة اللامية، وضمير بينهما راجعاً إلى الحكمة، ونعمة العالم أي يتوسط بين المرء والحكمة نعمة العالم، وهي إرشاده وتعليمه، والجاهل محروم بين الحكمة وتلك النعمة أي منهما جميعا.
السابع ما ذكره بعض الشارحين أيضا: وهو أن يكون البين مرفوعاً بالابتدائية ونعمة خبره مضافاً إلى [ العالم بكسر اللام والجاهل أيضاً مرفوعاً بالابتدائية وشقي خبره مضافاً إلى ] بينهما، وضمير بينهما راجعاً إلى المرء والحكمة، وقال: المراد بالعالم إمام الحقّ وبالجاهل إمام الجور، وحاصل المعنى: أن وصل المرء مع الحكمة نعمة للإمام تصير سبباً لسروره، لأنّ بالهداية يفرح الإمام وإمام الجور يتعب ويحزن بالوصل بين المرء والحكمة، ولا يخفى ما فيه.
الثامن: قرأ بعضهم نعمة العالم بفتح النون يعني أن الموصل للمرء إلى الحكمة تنعم العالم بعلمه، فإذا رآه المرء انبعث نفسه إلى تحصيل الحكمة، والجاهل له شقاوة حاصلة من بين المرء والحكمة، أو المتعلم والعالم، وذلك لأنّه لا يزال يتعب نفسه إمّا بالحسد أو الحسرة على الفوت، أو السعي في التحصيل مع عدم القابلية.
والله ولي من عرفه وعدو من تكلفه والعاقل غفور والجاهل ختور وإن شئت أن تكرم فلن وإن شئت أن تهان فاخشن ومن كرم أصله لان قلبه.
________________________________________________________
أقول: والكلام يحتمل وجوها آخر ذكرها يوجب الإطناب، ويمكن فهم بعضها مما أومأنا إليه من المحتملات والله تعالى وحججهعليهالسلام أعلم بحقائق كلامهم.
قولهعليهالسلام ولي من عرفه: أي محبة أو ناصره، أو المتولي لأموره حتّى يبلغ به حد الكمال.
قولهعليهالسلام من تكلفه: أي تكلف معرفته وأظهر من معرفته ما ليس له، أو طلب من معرفته تعالى ما ليس في وسعه وطاقته.
قولهعليهالسلام غفور: أي يعفو عن زلات الناس، أو يستر عيوبهم، أو يصلح نفسه وغيره، من غفر الأمر بمعنى أصلحه.
قولهعليهالسلام ختور: هو من الختر بمعنى المكر والخديعة، وقيل: بمعنى خباثة النفس وفسادها، قال الفيروزآبادي: الختر: الغدر والخديعة، وخترت نفسه خبثت وفسدت.
قولهعليهالسلام تهن: الظاهر تهان كما في بعض النسخ، وعلى ما في أكثر النسخ يمكن أن يقرأ على المعلوم من وهن يهن بمعنى ضعف.
قولهعليهالسلام ومن كرم أصله: لعل المراد بكرم الأصل كون النفس فاضلة شريفة أو كون طينته طيبة كما يدل عليه قوله: خشن عنصره وإنما نسب اللين إلى القلب والغلظة إلى الكبد، لأنهما من صفات النفس ولكل منهما مدخلية في التعطف والغلظة، وسرعة قبول الحقّ وعدمها، فنسب في كلّ من الفرقتين إلى أحدهما ليظهر مدخليتهما في ذلك، ويحتمل أن يكون الأول إشارة إلى سرعة الانقياد للحق وقبوله، والثاني إلى عدم الشفقة والتعطف على العباد، ويمكن أن يكون النكتة في العدول عن القلب إلى الكبد التنبيه على أن الجاهل لا قلب له، فإن القلب يطلق على محل المعرفة
ومن خشن عنصره غلظ كبده ومن فرط تورط ومن خاف العاقبة تثبت عن التوغل فيما لا يعلم ومن هجم على أمر بغير علم جدع أنف نفسه ومن لم يعلم لم يفهم ومن لم يفهم لم يسلم ومن لم يسلم لم يكرم ومن لم يكرم يهضم ومن
________________________________________________________
والإيمان، قال سبحانه:( إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ ) (١) وربما يجعل لين القلب إشارة إلى عدم المبالغة في القهر والغلبة والتسلط، وغلظة الكبد إلى قوة القوي الشهوانية، لأنّ الكبد آله للنفس البهيمية، والقوة الشهوية لأنّه آلة للتغذية وتوزيع بدل ما يتحلل على الأعضاء، فيوجب قوة الرغبة في المشتهيات.
قولهعليهالسلام ومن فرط: بالتشديد أو التخفيف بمعنى قصر، أي من قصر في طلب الحقّ وفعل الطاعات أوقع نفسه في ورطات المهالك، أو بالتخفيف بمعنى سبق أي من استعجل في ارتكاب الأمور وبادر إليها من غير تفكّر للعواقب أوقع نفسه في المهالك، قال الجوهري: فرط في الأمر يفرطه أي قصر فيه، وضيقه حتّى فات، وكذلك التفريط وفرط عليه أي عجل وعداً ومنه قوله تعالى( إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا ) (٢) وفرط إليه مني قول، أي سبق، وقال: الورطة الهلاك، والتورط الوقوع فيها، والتوغل: الدخول في الأمر بالاستعجال من غير روية.
قولهعليهالسلام جدع أنف نفسه: أي جعل نفسه ذليلاً غاية الذل، والجدع قطع الأنف.
قولهعليهالسلام ومن لم يعلم أي من لم يكن عالماً بشيء لم يميز بين الحقّ والباطل فيه، ومن لم يميز بين الحقّ والباطل لم يسلم من ارتكاب الباطل، بل لا يسلم في شيء أصلاً، أمّا في ارتكاب الباطل فظاهر، وأمّا في ارتكاب الحقّ إن اتفق فلأن القول به بلا علم هلاك وضلالة، ومن لم يسلم لم يكرم على البناء للمفعول أي لم يعامل معه معاملة الكرام بل يخذل، أو على النبإ للفاعل أي لم يكن شريفا فاضلا ومن لم يكرم يهضم على البناء للمفعول أي يكسر عزه وبهاؤه، ويهان أو يترك مع نفسه ويوكل أمره إليه، أو يظلم ومن يهضم كان ألوم أي أشد ملامة وأكثر استحقاقا
__________________
(١) سورة ق: ٣٧.
(٢) سورة طه: ٤٥.
يهضم كان ألوم ومن كان كذلك كان أحرى أن يندم.
٣٠ - محمّد بن يحيى رفعه قال قال أمير المؤمنينعليهالسلام من استحكمت لي فيه خصلة من خصال الخير احتملته عليها واغتفرت فقد ما سواها ولا أغتفر فقد عقل ولا دين لأنّ مفارقة الدين مفارقة الأمن فلا يتهنأ بحياة مع مخافة وفقد العقل فقد الحياة ولا يقاس إلا بالأموات.
________________________________________________________
لأن يلام، ومن كان كذلك كان أجدر بالندامة على ما ساقه إلى نفسه من الملامة بسبب التوغل فيما لا يعلم.
الحديث الثلاثون مرسل.
قولهعليهالسلام من استحكمت: الخصلة تستعمل في الصفات فضائلها ورذائلها، ولكن استعمالها في الفضائل أكثر، ويقال: أحكمتها فاستحكمت أي صارت محكمة، والمراد بصيرورتها محكمة صيرورتها ملكة، وقوله: لي، باعتبار تضمين معنى الثبوت أو ما يشابهه، كذا قيل، ويمكن أن يقال: لما كان الإمام راعياً للناس رقيباً عليهم، لكان تحصيل هذه الصفات له ولرضاه، فلذا أضافها إلى نفسه، وتتمة الخبر يؤيده، وقوله: احتملته عليها أي قبلته كائنا على هذه الخصلة، وتجاوزت عن فقد ما سواها من خصال الخير، وارتضيت حاله هذه له، والحاصل تجويز نجاته بسبب الخصلة الواحدة، ثمّ استثنىعليهالسلام من تلك الخصال العقل والدين، فإنه لا يمكن الاكتفاء بأحدهما عن الآخر، ولا بغيرهما عنهما، ثمّ استدلعليهالسلام على ذلك بقوله لأنّ مفارقة الدين مفارقة الأمن، لأنّ من لا يكون له دين لا يأمن في الدنيا من القتل وأخذ الأموال والذل والصغار وفي الآخرة من عذاب النار، ويحتمل أن يكون المراد بالدين كماله وأخذه من أئمّة الدين، فبفقد ذلك لا يؤمن عليه أن يخرج من الدين بوساوس الشياطين، وعلى هذا يحتمل أن يكون المراد بالحياة الحياة المعنوية الحاصلة بالعقل والعلم فإنه مع خوف زوالها لا يتهنأ بها، ثمّ بينعليهالسلام أن فقد العقل فقد الحياة فإن حياة النفس بالعقل والمعرفة، كما أن حياة البدن بالنفس.
٣١ - علي بن إبراهيم بن هاشم، عن موسى بن إبراهيم المحاربي، عن الحسن بن موسى، عن موسى بن عبد الله، عن ميمون بن علي، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال أمير المؤمنينعليهالسلام إعجاب المرء بنفسه دليل على ضعف عقله.
٣٢ - أبو عبد الله العاصمي، عن علي بن الحسن، عن علي بن أسباط، عن الحسن بن الجهم، عن أبي الحسن الرضاعليهالسلام قال ذكر عنده أصحابنا وذكر العقل قال فقالعليهالسلام لا يعبأ بأهل الدين ممّن لا عقل له - قلت جعلت فداك إن ممّن يصف هذا الأمر قوماً لا بأس بهم عندنا وليست لهم تلك العقول فقال ليس هؤلاء ممّن خاطب الله إنّ الله خلق العقل فقال له أقبل فأقبل وقال له أدبر فأدبر
________________________________________________________
الحديث الحادي والثلاثون مجهول.
قولهعليهالسلام إعجاب المرء: الإعجاب مصدر مبني للمفعول، أضيف إلى المفعول يقال: فلان معجب برأيه على بناء المفعول إذا أعجبه رأيه واستحسنه، والعجب أن يظن الإنسان بنفسه منزلة لا يستحقها ويصدق نفسه في هذا الظن، وذلك إنما يحصل من قلّة التميز والمعرفة، وعدم معرفة قبائح النفس ونقائصها، فهو دليل على ضعف العقل.
الحديث الثاني والثلاثون موثق.
قولهعليهالسلام لا يعبأ: أي لا يبالي بمن لا عقل له من أهل الدين، ولم يعد شريفا ولا يلتفت إليه، ولا يثاب على أعماله ثواباً جزيلا.
قولهعليهالسلام ممّن يصف هذا الأمر: أي ممّن يقول بقول الإمامية قوماً لا بأس بهم في الاعتقاد والعمل عندنا أي في بلادنا أو باعتقادنا، وليست لهم تلك العقول دل بإتيان لفظة تلك - وهي للإشارة إلى البعيد - على علو درجة العقول المسلوبة عنهم إشارة إلى أن لهم قدراً من العقل اهتدوا به إلى ما اهتدوا إليه، وغرضه السؤال عن حالهم أيعبأ بهم أم لا؟ فقالعليهالسلام : ليس هؤلاء ممّن خاطب الله وكلفهم بالتكاليف الشاقة، وعرضهم للوصول إلى الدرجات الرفيعة، ولا يعتنى بشأنهم، وفي قوله: بك
فقال وعزتي وجلالي ما خلقت شيئاً أحسن منك أو أحب إلي منك بك آخذ وبك أعطي.
٣٣ - علي بن محمد، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال ليس بين الإيمان والكفر إلا قلّة العقل قيل وكيف ذاك يا ابن رسول الله قال إنّ العبد يرفع رغبته إلى مخلوق فلو أخلص نيته لله لأتاه
________________________________________________________
آخذ وبك أعطي، دلالة على أن المؤاخذة بالمعاصي والإعطاء بالطاعة بالعقل، وهو مناطهما، فكلما كمل كثرت المؤاخذة والإعطاء، وكلما نقص قلت المؤاخذة والإعطاء، فيصل إلى مرتبة لا يبالي بهم ولا يهتم بأمرهم، ولا يشدد ولا يضيق عليهم.
الحديث الثالث والثلاثون مرسل.
قولهعليهالسلام إلا قلّة العقل: أي من لم يكن قليل العقل فهو إمّا مؤمن وإما كافر وأمّا قليل العقل، فهو غير متصف بهما، إمّا أصلاً إذا حمل على عدم حصول العقل الّذي هو مناط التكليف، أو كاملا كما في المرجئين لأمر الله أو المعنى: من كان كاملا في العقل فهو مؤمن كامل، ومن كان عارياً عن العقل فهو كافر، ومن كان قليل العقل فهو متوسط بينهما، ومثلعليهالسلام لقليل العقل مثلا يدل على أن أرباب المعاصي ليست معصيتهم إلا لقلة عقلهم وتدبّرهم، والأظهر أن المراد أنه ليست الواسطة بين الإيمان والكفر، أي ما يخرج من الإيمان ويدخل في الكفر إلا قلّة العقل ومطابقة التمثيل حينئذ ظاهر، فالمراد بالإيمان الإيمان الكامل الّذي يخرج منه الإنسان بالتوسل بغيره تعالى والاعتماد عليه، فإن مقتضى الإيمان الكامل بقدرة الله تعالى وكونه مالكاً لضر العباد ونفعهم، أن لا يتوكل إلا عليه، ولا يرفع مطلوبه إلا إليه، فمن توسل بغيره تعالى في شيء من أموره فقد خرج من هذا الإيمان ودخل في الكفر الّذي يقابله.
قولهعليهالسلام : رغبته، أي مرغوبة ومطلوبه وحاجته.
قولهعليهالسلام لأتاه: إمّا على بناء المجرد فالموصول فاعله، أو على بناء الأفعال ففاعله الضمير الراجع إلى الله والموصول مفعوله.
الذي يريد في أسرع من ذلك.
٣٤ - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن عبيد الله الدهقان، عن أحمد بن عمر الحلبي، عن يحيى بن عمران، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال كان أمير المؤمنينعليهالسلام يقول بالعقل استخرج غور الحكمة وبالحكمة استخرج غور العقل وبحسن السياسة يكون الأدب الصالح قال وكان يقول التفكّر حياة قلب البصير كما يمشي الماشي في الظلمات بالنور بحسن التخلص وقلة التربص
________________________________________________________
قولهعليهالسلام من ذلك: أي من إتيانه ذلك المخلوق أو من وقت الرفع إليه، أو من ذلك الوقت الّذي يتوقع حصول مطلوبه عند المخلوق.
الحديث الرابع والثلاثون ضعيف.
قولهعليهالسلام غور الحكمة: قيل أي قعر الحكمة والبالغ منها نهاية الخفاء والحكمة العلوم الحقة والمعارف اليقينية الّتي يدركها العقل، فالوصول إلى أخفاها وحقيقة بواطنها بالعقل وبالحكمة استخرج غور العقل، أي نهاية ما في قوته من الوصول إلى العلوم والمعارف، فإن بالعلم والمعرفة يعرف نهاية مرتبة العقل، أو يظهر نهاية مرتبته ويبلغ كماله.
أقول: في بعض النسخ « عوز » بالعين المهملة والزاي المعجمة، وعوز كلّ شيء نقصه وقلته، ولعله تصحيف، ويمكن توجيهه بما يرجع إلى الأول.
قولهعليهالسلام : وبحسن السياسة: أي بحسن الأمر والنهي أو بحسن التأديب من الإمام والمعلم والوالد والمالك وأضرابهم، يحصل الآداب الصالحة الحسنة، ويمكن أن يعم بحيث يشمل سياسة النفس، وقيل: المراد بالسياسة المعاشرة مع الخلق.
قولهعليهالسلام : حياة قلب البصير: أي قلب البصير الفهم يصير حياً عالماً عارفا بالتفكّر، وهو الحركة النفسانية في المقدمات الموصلة إلى المطلوب، ومنها إلى المطلوب فالفهم يمشي ويتحرك بتفكّره في حال جهله بالمطلوب إلى المطلوب بحسن
[ ألف(١) عدة من أصحابنا، عن عبد الله البزاز، عن محمّد بن عبد الرحمن بن حماد، عن الحسن بن عمار، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في حديث طويل إن أوّل الأمور ومبدأها وقوتها وعمارتها الّتي لا ينتفع بشيء إلا به العقل الّذي جعله الله زينة لخلقه ونوراً لهم فبالعقل عرف العباد خالقهم وأنهم مخلوقون وأنه المدبر لهم وأنهم المدبرون وأنه الباقي وهم الفانون واستدلوا بعقولهم على ما رأوا من خلقه من سمائه وأرضه وشمسه وقمره وليله ونهاره وبأن له ولهم خالقاً ومدبراً لم يزل ولا يزول وعرفوا به الحسن من القبيح وأن الظلمة في الجهل وأن النور في العلم فهذا ما دلهم عليه العقل.
قيل له فهل يكتفي العباد بالعقل دون غيره قال إنّ العاقل لدلالة عقله الّذي جعله الله قوامه وزينته وهدايته علم أن الله هو الحقّ وأنه هو ربه وعلم أن لخالقه محبة وأن له كراهية وأن له طاعة وأن له معصية فلم يجد عقله يدله على ذلك وعلم أنه لا يوصل إليه إلا بالعلم وطلبه وأنه لا ينتفع بعقله إن لم
________________________________________________________
التخلص والنجاة من الوقوع في الباطل وقلة التربص والانتظار في الوصول إلى الحقّ كذا ذكره بعض الأفاضل ويطلق التفكّر غالباً في الأحاديث على التفكّر والاعتبار بأحوال الدنيا وفنائها ودناءتها وزوال لذاتها، وما يوجب الزهد في الدنيا وترك مشتهياتها والتوجه إلى تحصيل الآخرة وتحصيل سعاداتها، وهذا التفكّر يحيى قلب البصير ويزهده في الدنيا، وينور له طريق الوصول إلى الآخرة، فيتخلص من فتن الدنيا وآفاتها ومضلات الفتن ومشتبهاتها، ويسعى بقدمي الإخلاص واليقين إلى أعلى منازل المقر بين، وقوله: بحسن التخلص يحتمل تعلّقه بيمشي أو بالتفكّر أو بهما، ويحتمل أن يكون حالا عن الماشي أو المتفكّر أو عنهما، وإن كان بعضها بعيداً لفظا وبعضها معنى فلا تغفل.
__________________
(١) من هنا إلى آخر الباب يعني رواية « الف » و « ب » مما لم يوجد في أكثر نسخ الكافي ويظهر من عدم تعرض الشارح لهما أيضاً أنهما غير موجودان في نسخته فلا تغفل.
يصب ذلك بعلمه فوجب على العاقل طلب العلم والأدب الّذي لا قوام له إلا به.
ب - علي بن محمد، عن بعض أصحابه، عن ابن أبي عمير، عن النضر بن سويد، عن حمران وصفوان بن مهران الجمال قالا سمعنا أبا عبد اللهعليهالسلام يقول لا غنى أخصب من العقل ولا فقر أحط من الحمق ولا استظهار في أمر بأكثر من المشورة فيه].
وهذا آخر كتاب العقل [والجهل]
والحمد لله وحده وصلى الله على محمّد وآله وسلم تسليما
كتاب فضل العلم
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(باب فرض العلم ووجوب طلبه والحث عليه)
١ - أخبرنا محمّد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن الحسن بن أبي الحسين الفارسي، عن عبد الرحمن بن زيد، عن أبيه، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله طلب العلم فريضة على كلّ مسلم ألا إنّ الله يحب بغاة العلم.
________________________________________________________
باب فرض العلم ووجوب طلبه والحث عليه
كذا في أكثر النسخ وفي بعضها قبل الباب: كتاب فضل العلم ويؤيد الأول أن الشيخ عد كتاب العقل وفضل العلم كتاباً واحداً من كتب الكافي حيث عدها في الفهرست، ويؤيد الثاني أن النجاشي عد كتاب فضل العلم بعد ما ذكر كتاب العقل من كتب الكافي.
الحديث الأول مجهول.
قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم طلب العلم فريضة: المراد بالعلم العلم المتكفل بمعرفة الله وصفاته وما يتوقف عليه المعرفة والعلم المتعلّق بمعرفة الشريعة القويمة.
والأول له مرتبتان: الأولى: مرتبة يحصل بها الاعتقاد الحقّ الجازم وإن لم يقدر على حل الشكوك والشبهات، وطلب هذه المرتبة فرض عين، والثانية: مرتبة يقدر بها على حل الشكوك ودفع الشبهات وطلب هذه المرتبة فرض كفاية.
والثاني أي العلم المتعلّق بالشريعة القويمة أيضاً له مرتبتان: إحداهما العلم بما يحتاج إلى عمله من العبادات وغيرها ولو تقليدا، وطلبه فرض عين، والثانية: العلم بالأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، واصطلح في هذه الأعصار على التعبير
٢ - محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن عبد الله، عن عيسى بن عبد الله العمري، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال طلب العلم فريضة.
٣ - علي بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمن، عن بعض أصحابه قال سئل أبو الحسنعليهالسلام هل يسع الناس ترك المسألة عمّا يحتاجون إليه فقال لا.
٤ - علي بن محمّد وغيره، عن سهل بن زياد ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى جميعا، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبي حمزة، عن أبي إسحاق السبيعي عمن حدثه قال سمعت أمير المؤمنين يقول أيها الناس اعلموا أن كمال الدين طلب العلم والعمل به ألا وإن طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال إن
________________________________________________________
عنها بالاجتهاد وطلبها فرض كفاية في الأعصار الّتي لا يمكن الوصول فيها إلى الحجة، وأمّا في العصر الّذي كان الحجة ظاهراً، والأخذ منه ميسراً ففيه كفاية عن الاجتهاد، وكذا عن المرتبة الثانية من العلم المتكفل بمعرفة الله وصفاته وتوابعه، ثمّ نقول: مراده ظاهراً فرض العين وبحسب ذلك الزمان فيكون المفترض المرتبتين الأوليين من العلمين، ولما بين فرض العلم رغب في المرتبة الغير المفروضة وهو الاشتغال بتحصيل العلوم وضبطها واتخاذه حرفة بقوله: ألا إنّ الله يحب بغاة العلم أي طلبته، فإن بغاة العلم وطلبة العلم ظاهر عرفا في من يكون اشتغاله به دائماً، وكان شغله الّذي يعرف به، ويعد من أحواله طلب العلم.
الحديث الثاني مجهول.
الحديث الثالث مرسل.
الحديث الرابع مرسل.
قولهعليهالسلام : طلب العلم والعمل به: قيل المراد بهذا العلم العلم المتعلّق بالعمل، ولعله لا ضرورة في تخصيصه به، فإن كلّ علم من العلوم الدينية يقتضي عملا لو لم يأت به كان ذلك العلم ناقصا، كما أن العلم بوجوده تعالى وقدرته ولطفه وإحسانه يقتضي
المال مقسوم مضمون لكم قد قسمه عادل بينكم وضمنه وسيفي لكم والعلم مخزون عند أهله وقد أمرتم بطلبه من أهله فاطلبوه.
٥ - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد البرقي، عن يعقوب بن يزيد، عن أبي عبد الله رجل من أصحابنا رفعه قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله طلب العلم فريضة.
وفي حديث آخر قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله طلب العلم فريضة على كلّ مسلم ألا وإن الله يحب بغاة العلم.
٦ - علي بن محمّد بن عبد الله، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن علي بن أبي حمزة قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول تفقهوا في الدين فإنه
________________________________________________________
إطاعته في أوامره ونواهيه، والعلم بوجود الجنة يقتضي العمل لتحصيلها، والعلم بوجود النار يقتضي العمل بما يوجب النجاة منها، وهكذا قولهعليهالسلام : أوجب عليكم المراد إمّا الوجوب الشرعي الكفائي، أو الوجوب العقلي أي أحسن وأليق بأنفسكم والمراد بالمال: الرزق لا فضوله، قد قسمه عادل بينكم، لقوله سبحانه:( نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) (١) وضمنه لقوله تعالى:( وَما مِنْ دَابَّةٍ ( فِي الْأَرْضِ ) إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُها ) (٢) « عند أهله » أي الأنبياء والأئمّةعليهالسلام والذين أخذوا عنهم، وقد أمرتم بطلبه بقوله تعالى:( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) (٣) .
الحديث الخامس مرسل.
الحديث السادس ضعيف على المشهور.
قولهعليهالسلام تفقهوا في الدين: حمله الأكثر على تعلم فروع الدين إمّا بالاجتهاد أو بالتقليد، ويمكن حمله على الأعم من الأصول والفروع بتحصيل اليقين فيما يمكن تحصيله فيه وبالظن الشرعي في غيره.
__________________
(١) سورة زخرف: ٣٢.
(٢) سورة هود: ٦.
(٣) سورة النحل: ٤٣.
من لم يتفقه منكم في الدين فهو أعرابي إنّ الله يقول في كتابه -( لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) (١) .
٧ - الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ مُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِعليهالسلام يَقُولُ عَلَيْكُمْ بِالتَّفَقُّهِ فِي دِينِ اللهِ وَلَا تَكُونُوا أَعْرَاباً فَإِنَّهُ مَنْ لَمْ يَتَفَقَّهْ فِي دِينِ اللهِ لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَمْ يُزَكِّ لَهُ عَمَلاً.
٨ - مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ، عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِعليهالسلام قَالَ لَوَدِدْتُ أَنَّ أَصْحَابِي ضُرِبَتْ رُءُوسُهُمْ بِالسِّيَاطِ حَتَّى يَتَفَقَّهُوا.
________________________________________________________
قولهعليهالسلام فهو أعرابي: أي كالأعراب في عدم التفقه وقد ذمهم الله تعالى بقوله( الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللهُ ) (٢) وقال الجوهري الأعراب سكان البادية خاصة من العرب، والنسبة إلى الأعراب أعرابي لأنّه لا واحد له.
قولهعليهالسلام إنّ الله يقول لعله استدل بأنه تعالى أوجب الخروج للتفقه ولو لم يكن التفقه واجباً لم يكن الخروج له واجبا.
الحديث السابع ضعيف.
قولهعليهالسلام لم ينظر الله إليه: النظر هيهنا كناية عن الاختيار والرأفة والعطف، لأنّ النظر في الشاهد دليل المحبة وترك النظر دليل البغض والكراهة.
قولهعليهالسلام ولم يترك له عملا: التزكية الثناء والمدح وهنا كناية عن قبول العمل، ويحتمل أن يكون من الزكاة بمعنى النمو.
الحديث الثامن مجهول ولكنه في قوة الصحيح لكون محمّد بن إسماعيل من مشايخ الإجازة ولا تضر جهالته.
قوله بالسياط: هو بكسر السين جمع السوط.
__________________
(١) سورة التوبة: ١٢٢.
(٢) سورة التوبة: ٩٧.
٩ - علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن عيسى عمن رواه، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال له رجل جعلت فداك رجل عرف هذا الأمر لزم بيته ولم يتعرف إلى أحد من إخوانه قال فقال كيف يتفقه هذا في دينه.
باب
صفة العلم وفضله وفضل العلماء
١ - محمّد بن الحسن وعلي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن عيسى، عن عبيد الله بن عبد الله الدهقان، عن درست الواسطي، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي الحسن موسىعليهالسلام قال دخل رسول اللهصلىاللهعليهوآله المسجد فإذا جماعة قد أطافوا برجل فقال ما هذا فقيل علامة فقال وما العلامة فقالوا له أعلم الناس بأنساب العرب ووقائعها وأيام الجاهلية والأشعار العربية قال فقال النبيصلىاللهعليهوآله ذاك علم لا يضر من جهله ولا ينفع من علمه ثمّ قال النبيصلىاللهعليهوآله إنما العلم ثلاثة:
________________________________________________________
الحديث التاسع ضعيف.
قولهعليهالسلام ولم يتعرف، أي اعتزل الناس ولم يخالطهم أو لم يسأل عنهم، قال الجوهري: تعرفت ما عند فلان أي تطلبت حتّى عرفت.
باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء.
الحديث الأول ضعيف.
قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ما هذا؟ لم يقل من هذا تحقيراً أو إهانة وتأديباً له.
قوله: علامة، العلامة صيغة مبالغة أي كثير العلم، والتاء للمبالغة.
قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم وما العلامة؟ أي ما حقيقة علمه الّذي به اتصف بكونه علامة؟
وهو أي نوع من أنواع العلامة، والتنوع باعتبار أنواع صفة العلم، والحاصل ما معنى العلامة الّذي قلتم وأطلقتم عليه؟
قوله صلوات الله عليه: إنما العلم: أي العلم النافع ثلاثة، آية محكمة أي
آية محكمة أو فريضة عادلة أو سنة قائمة وما خلاهن فهو فضل.
٢ - محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن خالد، عن أبي البختري، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال إنّ العلماء ورثة الأنبياء وذاك أن الأنبياء
________________________________________________________
واضحة الدلالة، أو غير منسوخة، فإن المتشابه والمنسوخ لا ينتفع بهما كثيراً من حيث المعنى، أو فريضة عادلة قال في النهاية: أراد العدل في القسمة أي معدلة على السهام المذكورة في الكتاب والسنة من غير جور، ويحتمل أن يريد أنها مستنبطة من الكتاب والسنة، فتكون هذه الفريضة تعدل بما أخذ عنهما « انتهى » والأظهر أن المراد مطلق الفرائض أي الواجبات، أو ما علم وجوبه من القرآن، والأول أظهر لمقابلة الآية المحكمة ووصفها بالعادلة، لأنها متوسطة بين الإفراط والتفريط، أو غير منسوخة، وقيل: المراد بها ما اتفق عليه المسلمون، ولا يخفى بعده، والمراد بالسنة المستحبات أو ما علم بالسنة وإن كان واجبا، وعلى هذا فيمكن أن يخص الآية المحكمة بما يتعلّق بالأصول أو غيرهما من الأحكام، والمراد بالقائمة الباقية غير المنسوخة، وما خلاهن فهو فضل، أي زائد باطل لا ينبغي أن يضيع العمر في تحصيله أو فضيلة وليس بضروري(١) .
الحديث الثاني ضعيف.
قولهعليهالسلام العلماء ورثة الأنبياء: أي يرثون منهم العلوم والمعارف والحكم، إذ هذه عمدة ما يتمتعون به في دنياهم، ولذا علله بقوله: إنّ الأنبياء لم يورثوا درهما ولا ديناراً، أي لم يكن عمدة ما يحصلون في دنياهم وينتفع الناس به منهم في حياتهم
__________________
(١) والحاصل أن المراد بالآية إمّا مطلق ما يسنبط من التنزيل الحكيم أصولا وفروعاً وبالفريضة: الواجبات المستنبطة من غيرها، وبالسنة النوافل كذلك، أو المراد بالآية المحكمة البراهين العقلية المستنبطة من القرآن على أصول الدين فإنها محكمة لا تزول بالشكوك والشبهات وبالفريضة ساير الأحكام الواجبة وبالسنة الأحكام المستحبة سواء أخذنا من القرآن أو من غيرها، أو بالفريضة الأحكام الخمسة المستفادة من السنة المطهرة ( منه ره ).
لم يورثوا درهما ولا ديناراً وإنما أورثوا أحاديث من أحاديثهم فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ حظا وافراً فانظروا علمكم هذا عمن تأخذونه فإن فينا
________________________________________________________
وبعد وفاتهم الدينار والدرهم، ولا ينافي أن يرث وارثهم الجسماني منهم ما يبقى بعدهم من الأموال الدنيوية، أو يقال وارثهم من حيث النبوة المختصة بهم العلماء فلا ينافي ذلك كون وارثهم من جهة الأنساب الجسمانية يرث أموالهم الظاهرة، فأهل البيتعليهالسلام ورثوا النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم من الجهتين معا، على أنه يحتمل أن يكون الأنبياءعليهمالسلام لم يبق منهم خصوص الدينار والدرهم بعد وفاتهم، لكن الظاهر أنه ليس المراد حقيقة هذا الكلام، بل المراد ما أومأنا إليه من أن عمدة أموالهم وما كانوا يعتنون به ويورثونه هو العلم، دون المال وذكر الدينار والدرهم على المثال.
ويخطر بالبال وجه آخر وهو أن يكون المراد بقولهعليهالسلام : أن الأنبياء لم يورثوا بيان الموروث فيه، لأنّهعليهالسلام لما قال إنّ العلماء ورثة الأنبياء فكأن سائلا يسأل أي شيء أورثوا لهم؟ فأجاب بأنه لم يورثوا لهم الدرهم والدينار ولكن أورثوا لهم الأحاديث، ولذا قال أحاديث من أحاديثهم، لأنّ جميع علومهم لم يصل إلى جميع العلماء، بل كلّ عالم أخذ منها بحسب قابليته واستعداده، ففي الكلام تقدير: أي لم يورثوا لهم، فيشعر بأن لهم ورثة يرثون أموالهم ولكن العلماء من حيث العلم لا يرثون إلا أحاديثهم، وهذا وجه وجيه وإن كان قريباً مما مر.
قولهعليهالسلام فقد أخذ حظا وافرا: أي فقد أخذ أمراً عظيماً شريفا على سياق قوله سبحانه( وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ) أو فليأخذ حظا وافراً [ منهم ] لما قد تبين أنه شيء شريف، وينبغي الإكثار من مثل هذا الشيء والمبالغة في طلبه، والتفريع في قوله: فانظروا [ في ] علمكم هذا إمّا لأنّه أمر شريف عظيم فينبغي التفكّر والتدبّر في مأخذه حتّى لا يكون ما يؤخذ منه ناقصاً أو مشوباً بغيره، أو لأنّه لما تبين أنه ميراث الأنبياء فينبغي أن يؤخذ ممّن يكون علمه مأخوذا منهم، ويكون وارثهم وأحق الخلق بهم، وهم أهل بيت النبوة صلوات الله عليهم وقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
أهل البيت في كلّ خلف عدولا ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين
________________________________________________________
فيهم: إني تارك فيكم الثقلين، وغير ذلك مما قال فيهم، ولذا علله بقولهعليهالسلام : فإن فينا أهل البيت في كلّ خلف عدولا أي في كلّ قرن فإن الخلف للمرء من يكون بعده، وكل قرن خلف للقرن السابق، قال في النهاية: فيه: يحمل هذا العلم من كلّ خلف عدول ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأول الجاهلين، الخلف بالتحريك والسكون: كلّ من يجيء بعد من مضى إلا أنه بالتحريك في الخير، وبالتسكين في الشر، يقال: خلف صدق وخلف سوء، ومعناهما جميعاً القرن من الناس، والمراد من الحديث المفتوح، وقال الجوهري: الخلف القرن، وقال: الخلف والخلف ما جاء من بعد، يقال: هو خلف سوء من أبيه وخلف صدق من أبيه بالتحريك إذا قام مقامه، انتهى، ويحتمل أن يكون المراد بالخلف كلّ طبقة من أولاد الأئمّةعليهالسلام وبالعدول الأئمّةعليهالسلام باعتبار الأزمان، فإنهم فسروا الخلف بالقرن، والقرن قد يطلق على أربعين سنة وعلى ثمانين سنة وعلى مائة سنة كما روي أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم مسح رأس غلام، وقال: عش قرنا فعاش مائة سنة كما ذكره في النهاية ومعلوم أن كلّ مائة من الأزمان بعده صلوات الله عليه كان مشتملا على اثنين وأكثر من الأئمّةعليهالسلام إلى الغيبة الكبرى، ويمكن توسيع القرن بحيث يشمل زمان العسكريين إلى انقراض العالم فإنه أيضاً جزء من الزمان فيدل على أن القائمعليهالسلام في غيبته الكبرى يهدي الناس إلى مراشدهم ويسدد الدين ويقومه بما يصل من فيوضه إلى خواص شيعته ورواة أحاديث آبائه الطاهرين وأحاديثه أو يكون المراد بالعدول العدل للمبالغة أو باعتبار بعض القرون، أو يراد بالعدول كلّ إمام مع الصادقين من أصحابه، ويحتمل أن يكون المراد بالعدول الصادقين من رواتهم وحملة علومهم، فتكون كلمة في بمعنى اللام، أي لنا أهل البيت في كلّ خلف عدول، أو يقدر مضاف أي في شيعتنا، والتحريف: صرف الكلام عن وجهه، والغالين المجاوزين الحد والانتحال أن يدعى لنفسه ما لغيره، كان يدعي الآية أو الحديث الوارد في
وتأويل الجاهلين.
٣ - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن حماد بن عثمان، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال إذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين.
٤ - محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن حماد بن عيسى، عن ربعي بن عبد الله، عن رجل، عن أبي جعفرعليهالسلام قال قال الكمال كلّ الكمال التفقه في الدين والصبر على النائبة وتقدير المعيشة.
٥ - محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن سنان، عن إسماعيل
________________________________________________________
غيره أنه فيه أو يدعي العلم ولم يكن عالماً، أو يدعي التقوى ولم يكن متقيا، أو يظهر الصدق وكان كاذبا، والمبطلين: الّذين جاءوا بالباطل، وقرروه وذهبوا بالحق وضيعوه وأخفوه.
« وتأويل الجاهلين » التأويل: تنزيل الكلام على غير الظاهر وتبيين مرجعه، وهذا إنما يجوز ويصح من العالم بل الراسخ في العلم.
الحديث الثالث ضعيف على المشهور.
الحديث الرابع مرسل.
قولهعليهالسلام على النائبة: أي الصبر على نوازل الدهر وحوادثه، وقد يطلق(١) على تحمل ما يلزم القوم من الديات وغيرها، والأول أظهر قال الجزري: النائبة هي ما ينوب الإنسان أي ينزل به من المهمات والحوادث.
قولهعليهالسلام وتقدير المعيشة: أي ترك الإسراف والتقتير ولزوم الوسط أي جعلها بقدر معلوم يوافق الشرع والعقل، وقد يطلق التقدير على التقتير كما قال تعالى( وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ ) (٢) وحمله عليه هيهنا بعيد.
الحديث الخامس ضعيف على المشهور بمحمد بن سنان ومعتبر عندي.
__________________
(١) أي الصبر على النائبة لا نفس النائبة.
(٢) سورة الطلاق: ٧.
ابن جابر، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال العلماء أمناء والأتقياء حصون والأوصياء سادة.
وفي رواية أخرى العلماء منار والأتقياء حصون والأوصياء سادة.
٦ - أحمد بن إدريس، عن محمّد بن حسان، عن إدريس بن الحسن، عن أبي إسحاق الكندي، عن بشير الدهان قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام لا خير فيمن لا يتفقه من أصحابنا يا بشير إنّ الرجل منهم إذا لم يستغن بفقهه احتاج إليهم فإذا احتاج إليهم أدخلوه في باب ضلالتهم وهو لا يعلم.
٧ - علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، عن آبائه قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لا خير في العيش إلا لرجلين
________________________________________________________
قولهعليهالسلام أمناء: أي ائتمنهم الله على ما آتاهم من علومه ومعارفه، وأمرهم بأن يحفظوها عن التضييع ويوصلوها إلى مستحقها.
قولهعليهالسلام والأتقياء حصون: أي بهم يدفع الله العذاب عن الأمة، كما أن بالحصون يدفع البلايا عن أهلها كما سيأتي في الأخبار الكثيرة إنشاء الله تعالى قيل: أي إنهم حصون للشريعة يدفعون عنها الفساد، لأنّ بمشاهدة أحوالهم واستعمال أقوالهم يرتدع أهل المعاصي عنها ويميلون إلى الطاعات والأول أظهر.
قولهعليهالسلام سادة: السيد: الجليل العظيم الّذي له الفضل على غيره، وهو الرئيس الّذي يعظم ويطاع في أمره ونواهيه، ولم يكن لأحد الخروج من طاعته.
قولهعليهالسلام منار: هي موضع النور وعلم الطريق والمراد به المهتدي به.
الحديث السادس ضعيف.
قولهعليهالسلام احتاج إليهم: أي إلى المخالفين.
قوله في باب ضلالتهم: أي في دينهم أو يضلونه في خصوص تلك المسألة فيفتونه بما يوافق مذهبهم، والأول أظهر.
الحديث السابع ضعيف على المشهور.
عالم مطاع أو مستمع واع.
٨ - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي عمير، عن سيف بن عميرة، عن أبي حمزة، عن أبي جعفرعليهالسلام قال عالم ينتفع بعلمه أفضل من سبعين ألف عابد.
٩ - الحسين بن محمد، عن أحمد بن إسحاق، عن سعدان بن مسلم، عن معاوية بن عمار قال قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام رجل راوية لحديثكم يبث ذلك في الناس ويشدده في قلوبهم وقلوب شيعتكم ولعل عابداً من شيعتكم ليست له هذه الرواية أيهما أفضل قال الراوية لحديثنا يشد به قلوب شيعتنا أفضل من ألف عابد.
________________________________________________________
الحديث الثامن صحيح.
الحديث التاسع مجهول على المشهور بسعدان وربما يعد حسنا لأنّ الشيخ قال: له أصل.
قوله راوية الراوية كثير الرواية والتاء للمبالغة والمراد ببث الحديث في الناس نشره بينهم بإيصاله إليهم.
قولهعليهالسلام ويشدده أي يوثقه ويجعله مستحكما في قلوبهم، وفي بعض النسخ بالسين المهملة من السداد وهو الاستقامة وعدم الميل أي يقرره سديداً بتضمين معنى التقرير في قلوب الناس، وقلوب شيعتكم من عطف الخاص على العام لزيادة الاهتمام أو المراد بالناس العامة كما يطلق عليهم كثيراً في الأخبار.
قولهعليهالسلام يشد به: قيل فيه إشعار بأن الفضيلة باعتبار النشر بين الشيعة وإخبارهم به، لا بالنشر بين غيرهم وإن لم يكن فيه الإخلال بالواجب من التقية.
قولهعليهالسلام من ألف عابد: لعل اختلاف مراتب الفضل باعتبار اختلاف العلماء والعباد في مراتبهم ومنازلهم، ويؤيده أنه بينعليهالسلام في هذا الحديث النسبة بين الراوي والعابد، وفي الحديث السابق النسبة بين العالم والعابد، وقد يكون الراوي غير عالم بما يرويه، فرب حامل فقيه غير فقيه، ورب حامل فقيه إلى من هو
( باب أصناف الناس )
١ - علي بن محمد، عن سهل بن زياد ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى جميعا، عن ابن محبوب، عن أبي أسامة، عن هشام بن سالم، عن أبي حمزة، عن أبي إسحاق السبيعي عمن حدثه ممّن يوثق به قال سمعت أمير المؤمنينعليهالسلام يقول إنّ الناس آلوا - بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى ثلاثة آلوا إلى عالم على هدى من الله قد أغناه الله بما علم عن علم غيره وجاهل مدع للعلم لا علم له معجب بما عنده قد
________________________________________________________
أفقه منه، فيفهم منهما أن العالم بعلمه أفضل من سبعين راوية للحديث، يشد به قلوب الشيعة، ويمكن أن يكون المراد بذكر هذه الأعداد بيان البون البعيد بينهما، لا خصوص تلك الأعداد والأول أظهر.
باب أصناف الناس
الحديث الأول مجهول.
قولهعليهالسلام آلوا: أي رجعوا.
قوله على هدى ...تمثيل لتمكنه من الهدى واستقراره عليه بحال من اعتلى الشيء وركبه.
قولهعليهالسلام قد أغناه الله: أي علمه موهبي وليس بكسبي والمراد بهذا القسم الإمامعليهالسلام ، وبالقسم الثاني أعداء الإمام ومخالفوه، ومن استبد برأيه ولم يرجع إليه فيما التبس عليه وبالثالث أتباع الإمام ومن يأخذ العلم منه إمّا بواسطة أو بغير واسطة، والمستضعفون إمّا داخلون في القسم الثاني بنوع تكلف، أو خارجون عن المقسم بأن يكون المراد بالناس من له أهلية الفهم والتميز بين الحقّ والباطل، فقولهعليهالسلام : ثمّ هلك من ادعى، بيان لهلاك القسم الثاني من الأقسام الثلاثة فإنه الّذي ادعى العلم وليس بعالم، أو الإمامة وليس بأهل لها، وخاب بافترائه على الله في بيان علم ما لم يعلم، أو ادعاء الرئاسة والإمامة، ولعل كلّ واحد من أتباع أئمّة الضلال
فتنته الدنيا وفتن غيره ومتعلم من عالم على سبيل هدى من الله ونجاة ثمّ هلك من ادعى و( خابَ مَنِ افْتَرى ) .
٢ - الحسين بن محمّد الأشعري، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن أحمد بن عائذ، عن أبي خديجة سالم بن مكرم، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال الناس ثلاثة عالم ومتعلم وغثاء.
________________________________________________________
داخل في هذا القسم إذ هو أيضاً مدع للعلم بما تعلمه من إمام الضلال ومعجب به، ويدعو الناس أيضاً إلى هذا التقليد الباطل أو يقال: اكتفىعليهالسلام بذكر ضلالتهم من ذكر ضلال أتباعهم، فإن الأئمّة أيضاً إذا كانوا ضالين فأتباعهم كذلك بالطريق الأولى، مع أنهعليهالسلام أومأ إليهم بقوله: وفتن غيره، وربما يوجه الخبر بوجه آخر وهو أن الناس اتبعوا ورجعوا في دينهم بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى ثلاثة أصناف فبعضهم اتبعوا أئمّة الهدىعليهالسلام ، وبعضهم اتبعوا أئمّة الضلال، وبعضهم اتبعوا العلماء المحقة من الفرقة الناجية، فالفرقة الثانية هالكة لهلاك أئمتهم، والفرقتان الباقيتان ناجيتان لانتهاء علمهم إلى إمام الحقّ بواسطة أو بدونها والأول أظهر.
الحديث الثاني ضعيف على المشهور.
قولهعليهالسلام غثاء: الغثاء بضم الغين المعجمة والثاء المثلثة والمد ما يجيء فوق السيل مما يحمله من الزبد والوسخ وغيره، وتشبيه غير العالم والمتعلم به إمّا من جهة عدم الانتفاع به وعدم الاعتناء بشأنه كما أن الغثاء لا ينتفع به ولا يعتنى بشأنه، أو من جهة أنه في أعماله وأفعاله لا يدري إلى ما يؤول أمره، كما أن الغثاء يتحرك فوق الماء ولا يدري مئال أمره أو من جهة أنه يتحرك بتحريك الشهوات النفسانية والتسويلات الشيطانية، كالغثاء الّذي يتحرك بحركة الماء من غير اختيار للامتناع منها، أو من جهة أن وجوده بالعرض والتبع، وليس مقصوداً بالذات في الإيجاد، كما أن الغثاء ليست حركته إلا بتبعية حركة السيل وبالعرض، ويحتمل أن يكون التشبيه من جميع تلك الجهات فيكون أتم وأكمل.
٣ - محمّد بن يحيى، عن عبد الله بن محمد، عن علي بن الحكم، عن العلاء بن رزين، عن محمّد بن مسلم، عن أبي حمزة الثمالي قال قال لي أبو عبد اللهعليهالسلام اغد عالماً أو متعلما أو أحب أهل العلم ولا تكن رابعاً فتهلك ببغضهم.
٤ - علي بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن جميل، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال سمعته يقول يغدو الناس على ثلاثة أصناف عالم ومتعلم وغثاء فنحن العلماء وشيعتنا المتعلمون وسائر الناس غثاء.
( باب ثواب العالم والمتعلم )
١ - محمّد بن الحسن وعلي بن محمد، عن سهل بن زياد ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد جميعا، عن جعفر بن محمّد الأشعري، عن عبد الله بن ميمون القداح
________________________________________________________
الحديث الثالث مجهول.
قولهعليهالسلام اغد عالماً أي كن في كلّ غداة إمّا عالماً أو طالباً للعلم وإن لم تكن كذلك فأحب العلماء فإن حبك لهم سيدعوك إلى التعلم منهم، ولا تبغضهم فإن بغض العلماء سبب للهلاك في نفسه، وأيضا يصير سبباً لترك السؤال عنهم والتعلم منهم، وبذلك تستقر في الجهالة، وتكون من الهالكين، وقوله: فتهلك ببغضهم إضافة إلى المفعول، ويحتمل الإضافة إلى الفاعل أي من لم يحب العلم وأهله يبغضهم العلماء وهو سبب لهلاكك، وقيل: يحتمل أن يكون المراد بالمتعلم من يكون التعلم كالصنعة له، ومن لم يكن عالماً من الله ولا متخذ التعلم صنعة له وأحب أهل العلم يأخذ منهم، ويدخل في المتعلم بالمعنى الأعم ولا يخفى بعده.
الحديث الرابع صحيح على الأظهر.
والمراد بالمتعلم هنا ما هو أعم مما ذكر في الخبر السابق كما لا يخفى.
باب ثواب العالم والمتعلم
الحديث الأول له سندان: الأول مجهول، والثاني حسن أو موثق لا يقصران عن الصحيح.
وعلي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن القداح، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله من سلك طريقاً يطلب فيه علما سلك الله به طريقاً إلى الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا به وإنه يستغفر
________________________________________________________
قوله صلوات الله عليه: من سلك طريقاً أي للوصول إلى العالم والأخذ منه، أو الوصول إلى موضع يتيسر له فيه طلب العلم، وقيل: الطريق إلى الشيء: ما الدخول فيه وطيه يوصل إليه ومن طرق العلم الفكرة ومنها الأخذ من العالم ابتداء أو بواسطة أو وسائط.
قوله صلوات الله عليه: يطلب فيه علماً، الجملة صفة أو حال والضمير فيها للطريق أو السلوك، والباء في قوله: سلك الله به للتعدية أي أسلكه الله في طريق موصل إلى الجنة في الآخرة أو في الدنيا بتوفيق عمل من أعمال الخير يوصله إلى الجنة، وفي طرق العامة سهل الله له طريقاً من طرق الجنة.
قولهعليهالسلام لتضع أجنحتها: أي لتكون وطأ له إذا مشى، وقيل: هو بمعنى التواضع تعظيما لحقه أو التعطف لطفا له، إذ الطائر يبسط جناحيه على أفراخه، وقال تعالى( وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ) (١) وقال سبحانه( وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ) (٢) وقيل: المراد نزولهم عند مجالس العلم وترك الطيران، وقيل: أراد به إظلالهم بها، وقيل: معناه بسط الجناح لتحمله عليها وتبلغه حيث يريد من البلاد، ومعناه المعونة في طلب العلم ويؤيد الأول ما رواه في كتاب غوالي اللئالي عن المقدادرضياللهعنه أنه قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: إنّ الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم حتّى يطأ عليها رضي به، ويؤيد الثالث ما رواه الشيخ في أماليه عن الرضا عن آبائهمعليهالسلام أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: في فضائل طلبة العلم وترغب الملائكة في خلتهم وبأجنحتها تمسحهم، وفي صلاتها تبارك عليهم، الخبر، وما رواه ابن
__________________
(١) سورة الحجر: ٨٨.
(٢) سورة الإسراء: ٢٤.
لطالب العلم من في السماء ومن في الأرض حتّى الحوت في البحر وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر وإن العلماء ورثة الأنبياء إن
________________________________________________________
جمهور في الغوالي عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال: من خرج من بيته ليلتمس باباً من العلم لينتفع به ويعلمه غيره كتب الله له بكل خطوة ألف سنة صيامها وقيامها، وحفته الملائكة بأجنحتها « الخبر ».
قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم رضا به: مفعول لأجله ويحتمل أن يكون حالا بتأويل: أي راضين غير مكرهين، وأمّا ما ذكره بعض الأفاضل حيث قال: لأنّه يرتضيه أو لإرضائه فلا يخفى عدم استقامته إلا بتكلف بعيد.
قوله صلوات الله عليه: من في السماء ومن في الأرض، يحتمل أن يكون المراد بالموصول جميع الحيوانات كما يظهر من بعض الأخبار: أن لسائر الحيوانات تسبيحا وتقديسا ويمكن أن يكون الله تعالى ألهمهم الاستغفار لطالب العلم، ويحتمل أن يكون المراد ما يشمل الجمادات أيضاً بأن يكون لها شعور ضعيف، كما يدل عليه بعض الآيات والأخبار، لكن السيد المرتضىرضياللهعنه ادعى إجماع المسلمين على خلافه فعلى عدم القول بشعورها يمكن أن يوجه بوجوه:
الأول: أن يكون استعارة تمثيلية لبيان رفعة شأنه وعلو أمره وانتشار ذكره في السماء والأرض، فكأنه يستغفر له كلّ شيء كما يقال: بلغ صيته الآفاق ويقال: بكت عليه السماء والأرض، وأمثال ذلك كثيرة.
الثاني: أن يكون كناية عن أنه تعالى يعطيه الثواب بعدد كلّ شيء ويغفر له من السيئات بعددها، إذ له مدخلية في وجودها، لأنّه هو المحصل لغاية الإيجاد وثمرته.
الثالث: أن يكون إسناد ذلك إلى غير ذوي العقول بتبعية ذوي العقول، ويكون المراد بها ذوي العقول فقط.
الرابع، ما ذكره بعض المحققين من المعاصرين، وهو أن الاستغفار طلب ستر
الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهما ولكن ورثوا العلم فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر
________________________________________________________
الذنوب وطالب العلم يطلب ستر ذنب جهله الّذي هو رئيس جنود المعاصي بنور العلم ويشركه في هذا الطلب كلّ من في السماء والأرض وما بينهما، لأنّ عقله وفهمه وإدراكه لا يقوم إلا ببدنه، وبدنه لا يقوم إلا بالغذاء والغذاء لا يقوم إلا بالأرض والسماء والغيم والهواء وغير ذلك، إذ العالم كله كالشخص الواحد يرتبط البعض منه بالبعض، فالكل مستغفر له، ويحتمل وجوها وتعبيرات أخرى، لا نطيل الكلام بذكرها(١) وعلى التقادير التعبير بلفظة « من » لتغليب ذوي العقول، أو لأنّ ما أسند إليها وهو الاستغفار مما يسند إلى ذوي العقول.
__________________
(١) كما قيل إنه يستغفر له الملائكة الموكلة بالسماء والأرض والبحار وحيتانها، أو يقرأ يستغفر على البناء للمفعول ويقدر قبل « من في السماء » « بعدد » أي بعدد من فيها، أو يقال لما كانت غاية وجود الإنس والجن المعرفة أو العبادة المستلزمة لها ولو لم يكن التعليم وو التعلم لما بقوا طرفة عين كما دلت عليه الآيات والأخبار وكان بقاء سائر الحيوانات ببركة بقاء العالمين العابدين كما يظهر من الأخبار وكل ذي شعور سواء كان عاقلاً أم لا، يريد بقائه وصلاح حاله وسقوط ما ينجرّ إلى زواله وسوء حاله وكلما يتوقف عليه ذلك المطلوب يكون مراداً ومطلوباً له سواء كان مشعوراً به له أم لا فطلب ذلك المطلوب ورغبته وإرادته من الجن والإنس وساير الحيوانات متضمن لطلب ما يتوقف عليه حصول ذلك المطلوب لهم من إبقاء طالب العلم وإصلاح حاله وإن كان من حيث لا يشعر فظهر من هذا أن كلّ ذي شعور يطلب المغفرة يعني إصلاح الحال الحاصل من ستر الزلات والتجاوز عن السيئات والتثبت على الصراط المستقيم المفضي إلى البقاء والنجاة لطالب العلم وإن كان طلب بعضهم بل كلهم في بعض الأوقات من حيث لا يدرى ثمّ الملائكة أيضاً يستغفرون له بأمره تعالى ولحبهم العلماء ولإرادتهم بقاء ذلك الأنواع، فكل عاقل كامل من ذوي العقول علويّاً كان أو سفلياً يطلب العلم من حيث يدري، وكل جاهل ناقص العقل من ذوي العقول وكل ما لا يعقل من حيث لا يدري ( منه ره ).
٢ - محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن جميل بن صالح، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفرعليهالسلام قال إنّ الّذي يعلم العلم منكم له أجر مثل أجر المتعلم وله الفضل عليه فتعلموا العلم من حملة العلم وعلموه إخوانكم كما علمكموه العلماء.
٣ - علي بن إبراهيم، عن أحمد بن محمّد البرقي، عن علي بن الحكم، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول من علم خيراً فله مثل أجر من عمل به قلت فإن علمه غيره يجري ذلك له قال إن علمه الناس
________________________________________________________
الحديث الثاني صحيح.
قولهعليهالسلام مثل أجر المتعلم: أي له مثل أجره مع زيادة أو له بسبب التعليم مثل أجره وإن كان له بسبب التعلم أجر آخر والأول أظهر.
قولهعليهالسلام كما علموكم العلماء: العلماء بدل من ضمير الجمع، والكاف إمّا للتعليل أو للتشبيه بأن يكون المراد عدم التغيير في النقل أو في كيفية التعليم وآدابه أو فيهما معا.
الحديث الثالث ضعيف على المشهور وربما يعد موثقا.
قولهعليهالسلام فإن علمه: يحتمل وجوها:
الأول: أن يكون المراد أن التعليم هل يجري فيه ما يجري في العمل فيكون له مثل علمه كما أن له مثل أجر من عمل به، فالجواب أن له مثل أجر تعليم المتعلم كما أن له مثل أجر عمله.
الثاني: أن يكون السؤال عن العمل بتعليم غيره من متعلميه، أي عمل المتعلم بواسطة فأجابعليهالسلام بأنه يجري له ذلك فيه لكونه بتعليمه ولو بواسطة.
الثالث: أن يكون المراد إن علم المعلم ذلك الخير غير من عمل به يجري له ذلك الأجر أي أجر التعلم فقط للمعلم أو مخصوص بالعمل فأجاب بأنه لو علم المعلم ذلك الخير كلّ الناس، وظاهر أن من جملتهم من لا يعمل به جرى باعتبار تعليم كلّ واحد
كلهم جرى له قلت فإن مات قال وإن مات.
٤ - وبهذا الإسناد، عن محمّد بن عبد الحميد، عن العلاء بن رزين، عن أبي عبيدة الحذاء، عن أبي جعفرعليهالسلام قال من علم باب هدى فله مثل أجر من عمل به ولا ينقص أولئك من أجورهم شيئاً ومن علم باب ضلال كان عليه مثل أوزار من عمل به ولا ينقص أولئك من أوزارهم شيئا.
٥ - الحسين بن محمد، عن علي بن محمّد بن سعد رفعه، عن أبي حمزة، عن علي بن الحسينعليهالسلام قال لو يعلم الناس ما في طلب العلم لطلبوه ولو بسفك المهج
________________________________________________________
منهم ذلك الأجر.
الرابع: أن يكون مراد السائل أن الشركة في ثواب العالمين والمعلمين سواء كان بواسطة أو بدونها هل هو مخصوص بأول معلم أو يجري ذلك في الوسائط أيضا، فأجاب بالجريان.
قوله: قلت: فإن مات.
يعني إن مات المعلم وعمل المتعلم أو علمه غيره بعد موته يجري له ذلك الأجر؟ قال: وإن مات يجري له الثواب إلى يوم القيامة.
الحديث الرابع : صحيح.
قولهعليهالسلام باب هدى: لعل المراد بباب الهدى وباب الضلالة نوعان منهما وقبل: المراد بهما تعليم طريق السلوك إلى أحدهما والدخول فيه، ويجري في هذا الحديث ما ذكر في الحديث السابق من الحمل على المعلم ابتداء ويكون له مثل ما لكل عامل ولو لم يكن بتعليمه، والحمل على كلّ معلم ويكون له مثل ما لكل عامل ينتهي عمله إلى تعليمه ولو بواسطة.
الحديث الخامس : مرفوع.
قوله: ولو بسفك المهج ...هو جمع مهجة وهي الدم، أو دم القلب خاصة، أي بما يتضمن إراقة دمائهم.
وخوض اللجج إنّ الله تبارك وتعالى أوحى إلى دانيال أن أمقت عبيدي إلي الجاهل المستخف بحق أهل العلم التارك للاقتداء بهم وأن أحب عبيدي إلي التقي الطالب للثواب الجزيل اللازم للعلماء التابع للحلماء القابل عن الحكماء.
٦ - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمد، عن سليمان بن داود المنقري، عن حفص بن غياث قال قال لي أبو عبد اللهعليهالسلام من تعلم العلم وعمل به وعلم لله دعي في ملكوت السماوات عظيماً فقيل تعلم لله وعمل لله وعلم لله
________________________________________________________
قولهعليهالسلام وخوض اللجج: أي دخولها، واللجة معظم الماء.
قولهعليهالسلام الطالب للثواب الجزيل: يدل على أن العبادة إذا كان المقصود فيها الثواب لا ينافي كمالها، وإن أمكن أن يكون المراد تحصيل أمر يوجب الثواب وإن لم يكن غرضه ذلك لكنه بعيد، ويحتمل أن يعم الثواب بحيث يشتمل ما هو مقصود المقربين من قربه سبحانه وحبه ومعرفته ووصاله والعلوم الحقة النافعة.
قولهعليهالسلام للحلماء: أي العقلاًء ومتابعتهم سلوك طريقتهم الّتي سلكوها، والقابل عن الحكماء هو الأخذ عنهم ولو بواسطة أو وسائط وقيل: أي ينعكس فيه صفاتهم فيقبلها، كأنه مرآة لها، والمراد بالحكماء العدول الآخذون بالحق والصواب قولا وعملا، والظاهر أن المراد بالعلماء والحكماء الأنبياء والأوصياء ومن قرب منهم في الكمال، فإن كمال العقل والحكمة لهم، والعلماء يشمل غيرهم من أهل العلم.
الحديث السادس : ضعيف.
قولهعليهالسلام وعلم لله: الظرف متعلّق بالأفعال الثلاثة بقرينة ما بعده.
قولهعليهالسلام دعي في ملكوت السماوات: أي سمي عظيماً وذكر بالعظمة بين أهل السماوات، وملكوت السماوات ملكها أو الملائكة والأرواح المخلوقون فيها.
باب صفة العلماء
١ - محمّد بن يحيى العطار، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن معاوية بن وهب قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول اطلبوا العلم وتزينوا معه بالحلم والوقار وتواضعوا لمن تعلمونه العلم وتواضعوا لمن طلبتم منه العلم ولا تكونوا علماء جبارين فيذهب باطلكم بحقكم.
٢ - علي بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن حماد بن عثمان، عن الحارث بن المغيرة النصري، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قول الله عز وجل -( إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ ) (١) قال يعني بالعلماء من صدق فعله قوله ومن لم يصدق
________________________________________________________
باب صفة العلماء
الحديث الأول: صحيح.
قولهعليهالسلام لمن تعلمونه العلم: أي في أوان اشتغاله بالطلب كما قيل ويحتمل الأعم.
قولهعليهالسلام لمن طلبتم منه العلم، أي عند الطلب وبعده.
قولهعليهالسلام جبارين.
أي متكبرين.
قولهعليهالسلام فيذهب باطلكم: أي تكبركم بحقكم أي بعلمكم ولا يبقى العلم عندكم أو بفضلكم وشرفكم بالعلم، أو بثوابكم على التعليم والتعلم ولعل الأوسط أظهر
الحديث الثاني: صحيح.
قوله تعالى( إِنَّما يَخْشَى اللهَ ) صريح الآية أن الخشية لا يصدر من غير العالم لكن يدل بحسب السياق أن الخشية من لوازم العلم لا تنفك عنه وعليه بناء الخبر كما تدل عليه الأخبار.
قولهعليهالسلام : من صدق فعله، قيل: المراد بمن صدق فعله قوله من يكون
__________________
(١) سورة فاطر: ٢٨.
فعله قوله فليس بعالم.
٣ - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد البرقي، عن إسماعيل بن مهران، عن أبي سعيد القماط، عن الحلبي، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال أمير المؤمنينعليهالسلام ألا أخبركم بالفقيه حق الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة الله ولم يؤمنهم من عذاب الله ولم يرخص لهم في معاصي الله ولم يترك القرآن رغبة عنه إلى غيره ألا لا خير في علم ليس فيه تفهم ألا لا خير في قراءة ليس فيها تدبّر ألا لا خير في عبادة
________________________________________________________
ذاعلم ومعرفة ثابتة مستقرة، استقراراً لا يغلبه معه هواه والمعرفة الثابتة المستقرة كما تدعو إلى القول والإقرار باللسان تدعو إلى الفعل والعمل بالأركان، والعالم بهذا المعنى له خشية من ربه تؤديه إلى الإطاعة والانقياد قولاً وفعلا.
الحديث الثالث : صحيح.
قولهعليهالسلام حق الفقيه: هو إمّا بدل من الفقيه أو صفة له، وما بعده خبر مبتدإ محذوف أو مبتدأ وما بعده خبره، وقيل: أو منصوب بتقدير أعني.
قولهعليهالسلام : من لم يقنط الناس: أي لا يبالغ في ذكر آيات العذاب وأخبار الوعيد مقتصراً عليها والفقرة الثانية بعكس ذلك وقيل: الفقرة الأولى إشارة إلى إبطال مذهب المعتزلة القائلة بإيجاب الوعيد وتخليد صاحب الكبيرة في النار، ومذهب الخوارج المضيقين في التكاليف الشرعية، والثانية إشارة إلى إبطال مذهب المرجئة ومن يجري مجراهم من المغترين بالشفاعة، وصحة الاعتقاد، والثالثة إلى إبطال مذهب الحنابلة والأشاعرة ومن يشبههم كأكثر المتصوفة، والرابعة إلى إبطال مذهب المتفلسفة الّذين أعرضوا عن القرآن وأهله، وحاولوا اكتساب العلم والعرفان من كتب قدماء الفلاسفة ومذهب الحنفية الّذين عملوا بالقياس وتركوا القرآن.
قولهعليهالسلام ليس فيه تفهم: كالعلم الظني والتقليدي، أو مجرد حفظ الأقوال والروايات.
ليس فيها تفكّر وفي رواية أخرى ألا لا خير في علم ليس فيه تفهم ألا لا خير في قراءة ليس فيها تدبّر ألا لا خير في عبادة لا فقه فيها ألا لا خير في نسك لا ورع فيه.
٤ - محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان النيسابوري جميعا، عن صفوان بن يحيى، عن أبي الحسن الرضاعليهالسلام قال إن من علامات الفقه الحلم والصمت.
٥ - أحمد بن عبد الله، عن أحمد بن محمّد البرقي، عن بعض أصحابه رفعه قال قال أمير المؤمنينعليهالسلام لا يكون السفه والغرة في قلب العالم.
٦ - وبهذا الإسناد، عن محمّد بن خالد، عن محمّد بن سنان رفعه قال قال عيسى ابن مريمعليهالسلام يا معشر الحواريين لي إليكم حاجة اقضوها لي قالوا:
________________________________________________________
قولهعليهالسلام : ليس فيها تفكّر، أي لا يتفكّر في أسرار العبادة وفي معاني ما يتكلم به من الدعاء والتلاوة، وقيل: المراد عدم التفكّر في مأخذ العبادة وما تستنبط من الكتاب والسنة، والأول أظهر والمراد بالنسك مطلق العبادة، وكثيراً ما يطلق على أعمال الحج وعلى الهدى(١) .
الحديث الرابع صحيح.
الحديث الخامس مرفوع.
قولهعليهالسلام لا يكون السفه: السفه قلّة الحلم والغرة بكسر الغين المعجمة: الغفلة أو الاغترار بالأعمال الفاسدة والآراء الباطلة، أو الانخداع من النفس والشيطان وفي بعض النسخ، والعز بالعين المهملة والزاي المعجمة، أي التكبر.
الحديث السادس ضعيف على المشهور.
قولهعليهالسلام يا معشر الحواريين: قال في النهاية: وحواريي من أمتي أي
__________________
(١) يحتمل أن يكون قولهعليهالسلام « ألا لا خير في علم » إشارة إلى الفقرات الثلاثة الأول فإن التقنيط وأخويه إمّا ينشأ من عدم التفهم في العلم، وقوله « ألا لا خير في قراءة » إلى قوله: ولم يترك القرآن فإن عدم التمسك بالقرآن إنما ينشأ من عدم التدبّر فيه وما مرّ كان باعتبار العلم، وقوله « ألا لا خير في عبادة » إشارة إلى صفات الفقيه باعتبار العمل ( منه ره ).
قضيت حاجتك يا روح الله فقام فغسل أقدامهم فقالوا كنا نحن أحق بهذا يا روح الله فقال إن أحق الناس بالخدمة العالم إنما تواضعت هكذا لكيما
________________________________________________________
خاصتي من أصحابي وناصري، ومنه الحواريون: أصحاب عيسىعليهالسلام أي خلصائه وأنصاره وأصله من التحوير: التبييض، قيل: إنهم كانوا قصارين يحورون الثياب أي يبيضونها، قال الأزهري: الحواريون خلصان الأنبياء، وتأويله: الّذين أخلصوا ونقوا من كلّ عيب.
قولهعليهالسلام قضيت: على بناء المجهول رعاية للأدب وقيل: يحتمل الدعاء، ثمّ اعلم أنهعليهالسلام أدى في فعله ذلك أقصى مراتب التواضع، حيث أراد غسل الأقدام أو تقبيلها على اختلاف النسخ، ثمّ جعل ذلك مطلوباً له وسماه حاجة، ثمّ استأذن فيهعليهالسلام ثمّ صنع مثل ذلك بتلامذته وتابعيه، ثمّ قال: إنه أحق بذلك، وقد ذكر لفعله غايتين متعدية ولازمة، ومثل لأحدهما تمثيلا جميلا حيث شبه المتواضع بالسهل والمتكبر بالجبل، وبين فضل السهل على الجبل وكونه أكثر منفعة.
قولهعليهالسلام إن أحق الناس لأنّه أعرف بحسنها وثمرتها، والعمل بالمكارم أوجب على العالم، وقيل: ذلك لشدة استعداده للفيضان من المبدأ ولفضله وشرفه وعزه بالعلم، فبتواضعه وتذلله بالخدمة يفاض عليه ما يليق به، ويتزين عزه وشرفه بالتواضع، ولا يلحقه ذل بذلك، بخلاف الجاهل فإنه لقلة استعداده إنما يفاض عليه ما يليق به، ولذلة ومنقصته بالجهل يكون مناسباً للخدمة، فلا يكون في خدمته تواضعا، فلا يزداد به إلا ذلا وقيل: لأنّ نسبة العالم إلى الناس كنسبة الراعي إلى القطيع، وكما أن الراعي حقيق بخدمة الغنم، وأكمل الرعاة من هو أكثر خدمة لها، كذلك العالم حقيق بخدمة الناس، بأن يصلح أمور معادهم ومعاشهم بتعليمهم وإرشادهم إلى الحقّ فأكمل العلماء أشفقهم بالناس، وكمال الشفقة يفضيه إلى الخدمة العرفية أيضا، فهو أحق الناس بالخدمة، أو لأنّه لما كان العالم يقتدي به الناس في أفعاله الحسنة فكلما فعله يصير عادة مستمرة متبعة بخلاف غيره، و
تتواضعوا بعدي في الناس كتواضعي لكم ثمّ قال عيسىعليهالسلام بالتواضع تعمر الحكمة لا بالتكبر وكذلك في السهل ينبت الزرع لا في الجبل.
٧ - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن علي بن معبد عمن ذكره، عن معاوية بن وهب، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال كان أمير المؤمنينعليهالسلام يقول يا طالب العلم إن للعالم ثلاث علامات العلم والحلم والصمت وللمتكلف ثلاث علامات ينازع من فوقه بالمعصية ويظلم من دونه بالغلبة ويظاهر الظلمة.
________________________________________________________
الخدمة من الأفعال الحسنة فهو أولى وأحق بها من الجاهل، ليتبعه الناس ويؤيده قولهعليهالسلام لكيما تتواضعوا بعدي، وذلك لا ينافي كونه أحق بالمخدومية من جهة أخرى، أو يقال: يجب للعالم زرع بذر الحكمة في قلوب الناس وإرشادهم وهدايتهم إلى الحق، وذلك لا يؤثر حق التأثير غالباً في قلوبهم القاسية، لغلبة قوتي الشهوية والغضبية، فينبغي له أولا أن يرقق قلوبهم بالتواضع والخدمة والملاطفة، ثمّ يرشدهم إلى الحقّ وهذا مجرب.
الحديث السابع مرسل.
قولهعليهالسلام إن للعالم: المراد بالعالم العالم العامل الكامل الّذي استقر العلم في قلبه، ومن جملة علاماته العلم الظاهر والعمل به، والمراد بالمتكلف من يدعي مثل هذا العلم تكلفا، وليس به متصفا، والمراد بمن فوقه كلّ من هو فوقه شرعا، ويجب عليه إطاعته كالواجب تعالى والأنبياء والأئمّة والعلماء والأب والمالك وغيرهم، والمراد بالمعصية إمّا معصية الله تعالى أو معصية من فوقه، والأخير أظهر وإن كان الأول أفيد.
قولهعليهالسلام بالغلبة أي بأن يغلب ويستولي عليه أو بسبب غلبته عليه، وهذا يشمل ما إذا كان المعلم أقوى في المناظرة من المتعلم، فلا يقبل منه الحقّ لاستيلائه عليه في قوة المناظرة، وما إذا كانت غلبته عليه للعزة الدنيوية، والمظاهرة المعاونة أي يعاونهم بالفتاوى الفاسدة، والتوجيهات لأعمالهم الباطلة.
باب حق العالم
١ - علي بن محمّد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد، عن محمّد بن خالد، عن سليمان بن جعفر الجعفري عمن ذكره، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال كان أمير المؤمنينعليهالسلام يقول إن من حق العالم أن لا تكثر عليه السؤال ولا تأخذ بثوبه وإذا دخلت عليه وعنده قوم فسلم عليهم جميعاً وخصه بالتحية دونهم واجلس بين يديه ولا تجلس خلفه ولا تغمز بعينك ولا تشر بيدك ولا تكثر من القول قال فلان وقال فلان خلافا لقوله
________________________________________________________
باب حق العالم
الحديث الأول مرسل.
قولهعليهالسلام وأن لا تكثر عليه السؤال: قال بعض الأفاضل: يحتمل أن يكون المراد بالإكثار عليه، الإكثار المتضمن للضرر بأن يكثر لينفد ما عنده ليظهر خطاءه أو عجزه، ويحتمل أن يكون المراد بالإكثار الزيادة على القدر الّذي يعمل به، أو يحفظه ويضبطه، ويحتمل أن يكون الظرف متعلّقاً بالسؤال، ويكون المراد بالسؤال عليه الإيراد والرد عليه أو لا يراد بعلى مفادها، ويراد به السؤال منه كما في احتمال الثاني « انتهى ».
قولهعليهالسلام ولا تأخذ بثوبه: كأنه كناية عن الإلحاح في الطلب ويحتمل أن يكون المراد عدم النظر إلى ثوبه ولباسه في إكرامه كما قيل، ولا يخفى بعده.
قولهعليهالسلام واجلس بين يديه: أي حيث تواجهه ولا يحتاج في الخطاب والمواجهة إلى انحراف، والمراد بالجلوس خلفه ما يكون بخلاف ذلك، ويحتمل أن يكون المراد بالجلوس بين يديه ما يقابل الجلوس خلفه، فيشمل اليمين واليسار، ويحتمل أن يكون المراد بكل منهما معناه الحقيقي، ولا يكون اليمين واليسار داخلين في المأمور به ولا في المنهي عنه.
قولهعليهالسلام ولا تغمز: الغمز بالعين الإشارة بها، ولعل في حذف المفعول إشارة
ولا تضجر بطول صحبته فإنما مثل العالم مثل النخلة تنتظرها حتّى يسقط عليك منها شيء والعالم أعظم أجراً من الصائم القائم الغازي في سبيل الله.
باب فقد العلماء
١ - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن أبي أيوب الخزاز، عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال ما من أحد يموت من المؤمنين أحب إلى إبليس من موت فقيه.
٢ - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال إذا مات المؤمن الفقيه ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها شيء
________________________________________________________
إلى أن الغمز إلى المعلم وإلى غيره مناف لحقه، وأمّا الإشارة باليد فتحتمل التعميم للعلة المذكورة، والتخصيص بالمعلم بأن يبسط يده إليه عند مناظرته كما هو المتعارف، أو يشير إليه بيده إذا تكلم مع غيره لتعيينه، وكل ذلك من سوء الأدب.
قولهعليهالسلام من الصائم أي في نهاره، القائم أي في ليله بالعبادة طول دهره وإنما كان أفضل منهما لأنّ الصائم إنما يكف نفسه عمّا أمر بالكف عنه في زمان يسير، وكذا القائم إنما ينفع نفسه في بعض الأزمان، والعالم يكف نفسه ونفوس أصحابه ومن اتبعه مدى الأعصار، عن الاعتقادات الباطلة والآراء الفاسدة بالدلائل القاطعة، ويوجب إقدام جم غفير في الأزمان المتطاولة بالصيام والقيام وغيرهما من الطاعات، والمجاهد يدفع غلبة الكفار على أبدان الخلق في زمان قليل والعالم يدفع استيلاء الشياطين وأهل الضلال على أديانهم إلى يوم القيامة فلذا كان العالم الرباني الهادي للخلق إلى الحقّ والصواب أعظم أجراً من الصائم القائم الغازي في سبيل الله.
باب فقد العلماء
الحديث الأول موثق.
الحديث الثاني حسن.
قولهعليهالسلام ثلمة: هي بالضم: فرجة المكسور والمهدوم.
٣ - محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن علي بن أبي حمزة قال سمعت أبا الحسن موسى بن جعفرعليهالسلام يقول إذا مات المؤمن بكت عليه الملائكة وبقاع الأرض الّتي كان يعبد الله عليها وأبواب السماء الّتي كان يصعد فيها بأعماله وثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها شيء لأنّ المؤمنين الفقهاء حصون الإسلام كحصن سور المدينة لها.
________________________________________________________
الحديث الثالث: ضعيف على المشهور وربما يعد موثقا.
قولهعليهالسلام بكت عليه الملائكة أي الموكلون به أو الأعم، وقولهعليهالسلام : يعبد الله على بناء المعلوم وما قيل: من احتمال بناء المجهول بعيد، وبكاء البقاع إمّا على المجاز والتمثيل كما هو الشائع بين العرب والعجم حيث يعبرون عن شدة المصيبة بأنه بكى لها السماء والأرض، أو بحذف المضاف أي بكى عليه أهل البقاع من الملائكة والجن والأرواح والمؤمنون، وكذا بكاء أبواب السماء يحتمل الوجهين ويحتمل أن يكون كناية عن أن يفقده بسوء حال العالم، وحال أجزائه، إذ به نظام العالم، وبفقده تنقص بركات السماء والأرض، لا سيما ما يتعلّق من العالم بالمؤمن نفسه من الملائكة الّتي كانت مسرورة بخدمته وحفظه، والبقاع الّتي كانت معمورة بحركاته وسكناته، وأبواب السماء كانت مفتوحة لصعود أعماله وحسناته، وقيل: لعل المراد بأبواب السماء ما يوصل الأعمال إلى مقرها من العلويات، ويكون وسيلة لوصولها ودخولها وانضباطها فيها،ملكاً كان أو روحا أو نفوسا كاملة شريفة قدسية، أو قوة أو نفسا علوية، وبالجملة يراد بالبكاء الحزن الموجب لجري الدموع فينا، سواء كان هناك مع الحزن جرى الدموع أو لا « انتهى ».
قولهعليهالسلام كحصن: لعل المراد بالحصن أجزاء السور والمراد بالسور سور البلد وبالحصن الموضع الّذي يتحصن فيه أهل البلد، وحمله على المعنى المصدري لا يخلو من بعد لفظا ومعنى.
٤ - وعنه، عن أحمد، عن ابن محبوب، عن أبي أيوب الخزاز، عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال ما من أحد يموت من المؤمنين أحب إلى إبليس من موت فقيه.
٥ - علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن علي بن أسباط، عن عمه يعقوب بن سالم، عن داود بن فرقد قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام إن أبي كان يقول إنّ الله عز وجل لا يقبض العلم بعد ما يهبطه ولكن يموت العالم فيذهب بما يعلم فتليهم الجفاة فيضلون ويضلون ولا خير في شيء ليس له أصل.
٦ - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن محمّد بن علي عمن ذكره، عن جابر، عن أبي جعفرعليهالسلام قال كان علي بن الحسينعليهالسلام يقول إنه يسخي
________________________________________________________
الحديث الرابع: صحيح.
الحديث الخامس: ضعيف على المشهور.
قولهعليهالسلام لا يقبض العلم: أي إذا أفاض الله العلم الحقيقي على العالم الرباني لا يسلبه منه، فلا يكون فقد العلم بذهابه وبقاء محله، بل إنما يذهب بذهاب محله وبذلك ظهر أن ذهاب العالم أعظم المصائب لا هل العالم، إذ به يذهب العلم من بينهم.
قولهعليهالسلام فتليهم الجفاة: أي تتصرف في أمورهم، من الولاية بالكسر وهي الإمارة، والجفاة البعداء عن الآداب الحسنة وأهل النفوس الغليظة، والقلوب القاسية الّتي ليست قابلة لاكتساب العلم والكمال.
قولهعليهالسلام ولا خير: أي لما كان بناء الولاية والسياسة على العلم ولا خير في ولاية لا علم لصاحبها ولم يؤمر الناس بمتابعته وأخذ العلم عنه، أو المراد أن علومهم كلها جهل لا أصل لها أو أعمالهم بغير علم باطلة لا حقيقة لها.
الحديث السادس: مرسل.
قولهعليهالسلام يسخى: في بعض النسخ يسخى من باب التفعيل، وفي بعضها تسخى من المجرد، وعلى النسخة الأولى فاعله: قول الله ومفعوله نفسي، وقوله: فينا متعلّق بسرعة
نفسي في سرعة الموت والقتل فينا قول الله -( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها ) وهو ذهاب العلماء.
باب مجالسة العلماء وصحبتهم
١ - علي بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس رفعه قال قال لقمان لابنه يا بني اختر المجالس على عينك فإن رأيت قوماً يذكرون الله جل وعز فاجلس معهم فإن تكن عالماً نفعك علمك وإن تكن جاهلاً علموك ولعل الله أن يظلهم برحمته فيعمك معهم وإذا رأيت قوماً لا يذكرون الله فلا تجلس معهم فإن تكن
________________________________________________________
الموت والقتل، ويحتمل تعلّقه بالقول، وعلى الثانية فاعله نفسي وقوله « فينا » خبر لقوله قول الله، فعلى الأول كان المراد التهديد والتخويف، بأن الأمة صاروا مستحقين لقبائح أعمالهم لا ذهابنا من بينهم ووقوع العذاب عليهم، وعلى الثاني الظاهر أن المراد إنا لا نخاف من الموت والقتل، لكن لا نطلبه من الله تعالى، لأنّه سبب لعذاب الناس وسلب الرحمة منهم، فيكون تقدير الكلام لكن فينا قول الله، ويحتمل أن يكون على هذا الوجه أيضاً تعليلاً للتسخية.
باب مجالسة العلماء وصحبتهم
الحديث الأول: مرفوع.
قولهعليهالسلام على عينك: أي على بصيرة منك أو بعينك، فإن على قد تأتي بمعنى الباء كما صرح به الجوهري، أو المراد رجحه على عينك، أي ليكن المجالس أعز عندك من عينك.
قولهعليهالسلام نفعك علمك: إمّا بأن تعلمهم أو تستفيد منهم تذكيراً وتأييداً لما تعلم، وما قيل: إن علمك بدل من الضمير البارز في نفعك، أي نفع الجلوس معهم علمك، تكلف مستغنى عنه.
قولهعليهالسلام أن يظلهم: قال الفيروزآبادي: أظلني الشيء أي غشيني، والاسم
عالما لم ينفعك علمك وإن كنت جاهلاً يزيدوك جهلا ولعل الله أن يظلهم بعقوبة فيعمك معهم.
٢ - علي بن إبراهيم، عن أبيه ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى جميعا، عن ابن محبوب، عن درست بن أبي منصور، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي الحسن موسى بن جعفرعليهالسلام قال محادثة العالم على المزابل خير من محادثة الجاهل على الزرابي.
٣ - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد البرقي، عن شريف بن سابق، عن الفضل بن أبي قرة، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله قالت الحواريون لعيسى يا روح الله من نجالس قال من يذكركم الله رؤيته ويزيد في علمكم منطقه ويرغبكم في الآخرة عمله.
٤ - محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن حازم، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله مجالسة أهل الدين شرف الدنيا والآخرة.
٥ - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمّد الأصبهاني، عن سليمان
________________________________________________________
الظل أو دنا مني حتّى ألقى على ظله.
الحديث الثاني: ضعيف.
وقال في القاموس: الزرابي النمارق والبسط، أو كلّ ما بسط واتكأ عليه، الواحد زربي بالكسر ويضم.
الحديث الثالث: ضعيف.
الحديث الرابع: مجهول كالصحيح.
قولهعليهالسلام أهل الدين: أي العلماء العاملين بعلمهم، ويحتمل شموله للعباد والزهاد أيضا.
الحديث الخامس ضعيف.
بن داود المنقري، عن سفيان بن عيينة، عن مسعر بن كدام قال سمعت أبا جعفرعليهالسلام يقول لمجلس أجلسه إلى من أثق به أوثق في نفسي من عمل سنة.
باب سؤال العالم وتذاكره
١ - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال سألته عن مجدور أصابته جنابة فغسلوه فمات قال قتلوه ألا سألوا فإن دواء العي السؤال.
________________________________________________________
ومسعر بكسر الميم وفتح العين بين السين الساكنة والراء غير المعجمات وقد يفتح ميمه تفألا، وكدام بالكاف المكسورة والدال الغير المعجمة الخفيفة، ومسعر شيخ السفيانيين سفيان الثوري وسفيان بن عيينة.
قولهعليهالسلام : لمجلس، وفي بعض النسخ المجلس ويحتمل أن يكون مصدراً ميميا، ويكون المنصوب في أجلسه في موضع المفعول المطلق كما قيل، ويحتمل أن يكون اسم مكان وتقدير الكلام أجلس فيه، وإلى بمعنى مع، أي مع من أثق به أو فيه تضمين والوثوق بعدم التقية، وكونه محلا للإسرار حافظا لها.
باب سؤال العالم وتذاكره
الحديث الأول: حسن.
قولهعليهالسلام عن مجدور ...هو من به الجدري وهو بفتحتين وبضم الجيم داء معروف.
قولهعليهالسلام قتلوه: إذ كان فرضه التيمم فمن أفتى بغسله أو تولى ذلك منه فقد أعان على فتله، وقولهعليهالسلام ألا سئلوا؟ بتشديد اللام حرف تحضيض، وإذا استعمل في الماضي فهو للتوبيخ واللوم، ويحتمل أن يكون بالتخفيف استفهاما إنكاريا، والعي بكسر المهملة وتشديد الياء: الجهل وعدم الاهتداء لوجه المراد والعجز عنه، وفي بعض النسخ بالغين المعجمة ولعله تصحيف.
٢ - محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة ومحمد بن مسلم وبريد العجلي قالوا قال أبو عبد اللهعليهالسلام لحمران بن أعين في شيء سأله إنما يهلك الناس لأنهم لا يسألون.
٣ - علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمّد الأشعري، عن عبد الله بن ميمون القداح، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال إن هذا العلم عليه قفل ومفتاحه المسألة.
علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد اللهعليهالسلام مثله.
٤ - علي بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن يونس بن عبد الرحمن، عن أبي جعفر الأحول، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال لا يسع الناس حتّى يسألوا ويتفقهوا ويعرفوا إمامهم ويسعهم أن يأخذوا بما يقول وإن كان تقية.
٥ - علي، عن محمّد بن عيسى، عن يونس عمن ذكره، عن أبي عبد اللهعليهالسلام
________________________________________________________
الحديث الثاني: صحيح.
الحديث الثالث: ضعيف على المشهور وسنده الثاني أيضاً ضعيف على المشهور.
قولهعليهالسلام : هذا العلم إمّا إشارة إلى مطلق العلم أو إلى العلم الّذي يحتاج الناس إليه من علوم الدين ولعله أظهر.
الحديث الرابع: صحيح.
قولهعليهالسلام : أن يأخذوا، أي قولا واعتقاداً في كلّ زمان بما يقول الإمام في ذلك الزمان وإن كان تقية فإن ما يقوله الإمام تقية يسع السائل أن يعتقده ويقول به، إذا لم يتنبه للتقية وأمّا العمل به والأمر بالعمل به مع التنبه للتقية أيضاً لازم عند التقية، ولا يسعهم ولا يكفيهم أن يأخذوا بما لم يتفقهوا فيه، ولم يعرفوه عن إمامهم وإن وافق الحقّ الصريح الّذي لا تقية فيه.
الحديث الخامس: مرسل.
قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله أف لرجل لا يفرغ نفسه في كلّ جمعة لأمر دينه فيتعاهده ويسأل عن دينه وفي رواية أخرى لكل مسلم.
٦ - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله إنّ الله عز وجل يقول تذاكر العلم بين عبادي مما تحيا عليه القلوب الميتة إذا هم انتهوا فيه إلى أمري.
________________________________________________________
قولهعليهالسلام أف لرجل: أف بضم الهمزة وكسر الفاء المشددة منونا والتنوين للتكثير، وقيل للتنكير، ويجوز حذف التنوين ويجوز أيضاً فتح الفاء مع التنوين وبدونه، ويجوز الضم بالوجهين وهو كلمة تكره وتضجر، وقوله: لا يفرغ إمّا من المجرد ونفسه فاعله، أو على بناء التفعيل ونفسه مفعوله، والمراد بالجمعة أمّا اليوم المعهود، أو الأسبوع بتقدير يوماً، والأول أظهر، والمراد بالتفريغ ترك الشواغل الدنيوية والضمير في قوله فيتعاهده إمّا راجع إلى اليوم أو إلى الدين وعلى الأول المراد بتعاهده الإتيان بالصلاة والوظائف المقررة فيه، ومن جملتها تعلم المسائل واستماع المواعظ من الإمامعليهالسلام أو نائبه الخاص أو نائبه العام.
الحديث السادس: حسن.
قولهعليهالسلام تذاكر العلم أي تذاكر العباد وتشاركهم في ذكر العلم، بأن يذكر كلّ منهم للآخر شيئاً من العلم ويتكلم فيه مما يحيى القلوب الميتة، حالكونها ثابتة عليه وحاصله أنه من الأحوال الّتي تحيي عليها القلوب الميتة ويحتمل أن يكون على بمعنى الباء، وعلى التقديرين تحيي إمّا من المجرد المعلوم أو المزيد فيه المجهول، وقوله تعالى: إذا هم انتهوا فيه إلى أمري، يحتمل أن يكون المراد بالأمر فيه مقابل النهي، أي إذا كان تذاكرهم على الوجه الّذي أمرت به من أخذ العلم من معدنه والاقتباس من مشكاة النبوة، ويحتمل أن يكون المراد بالأمر مطلق الشأن فيكون المراد بالانتهاء إلى أمره الوصول إلى صفاته وأسمائه وأو أمره ونواهيه، بالمعرفة والإطاعة والانقياد، وقيل: يحتمل أن يكون المراد بالأمر الّذي كان مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والأئمّةعليهالسلام
٧ - محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن سنان، عن أبي الجارود قال سمعت أبا جعفرعليهالسلام يقول رحم الله عبداً أحيا العلم قال قلت وما إحياؤه قال أن يذاكر به أهل الدين وأهل الورع.
٨ - محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن عبد الله بن محمّد الحجال، عن بعض أصحابه رفعه قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله تذاكروا وتلاقوا وتحدثوا فإن الحديث جلاء للقلوب إنّ القلوب لترين كما يرين السيف جلاؤها الحديث.
________________________________________________________
كما قال تعالى( وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ) (١) فيكون الانتهاء إليه عبارة عن استناد ما يتذاكرونه من العلوم الدينية إليهمعليهالسلام ولا يخفى بعده.
الحديث السابع: ضعيف.
قولهعليهالسلام أن يذاكر به أهل الدين: لعل التخصيص بأهل الدين وأهل الورع لأنّ غيرهم مظنة أن يغيروه ويفسدوه، فلا يوجب الذكر لهم والنقل عنهم حفظا، ولا يكون فيه إحياء، وقيل: إنما قيد بأهل الورع لأنّ العلم المحيي إنما هو علم الدين وطهارة القلب بالورع والتقوى شرط لحصوله، كما قال سبحانه:( وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ ) (٢) .
الحديث الثامن: مرفوع.
قولهعليهالسلام تذاكروا: قيل أمرعليهالسلام بتذاكر العلم، ولما لم يكن صريحا في المراد وهو التحديث بالعلم عقبه بقوله وتلاقوا وتحدثوا، أي بالعلم بيانا للمراد من التذاكر أقول: ويحتمل أن يكون المعنى تذاكروا العلماء وبعد تحقيق الحقّ تلاقوا سائر الناس وعلموهم، والجلاء بالكسر هو الصقل مصدر، وقد يستعمل لما يجلي به وهو المراد هيهنا، أو حمل على الحديث مبالغة، والرين الدنس والوسخ، وقوله جلاؤه الحديد أي جلاء السيف، وفي بعض النسخ وجلاؤها الحديث وهو أظهر.
__________________
(١) سورة الشورى: ٥٢.
(٢) سورة البقرة: ٢٨٢.
٩ - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عن فضالة بن أيوب، عن عمر بن أبان، عن منصور الصيقل قال سمعت أبا جعفرعليهالسلام يقول تذاكر العلم دراسة والدراسة صلاة حسنة.
باب بذل العلم
١ - محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع، عن منصور بن حازم، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قرأت في كتاب عليعليهالسلام إنّ الله لم يأخذ على الجهال عهداً بطلب العلم حتّى أخذ على العلماء عهداً ببذل العلم للجهال لأنّ العلم كان قبل الجهل.
________________________________________________________
الحديث التاسع: مجهول.
قولهعليهالسلام دراسة: أي تعهد له وحفظ له عن الاندراس، وقال الجزري في الحديث: تدارسوا القرآن أي اقرءوه وتعهدوه لئلا تنسوه « انتهى » وقوله: والدراسة صلاة حسنة، يعني أن ثوابها ثواب صلاة حسنة كاملة، وقيل: المراد بالصلاة الدعاء أي يترتب عليها ما يترتب على أكمل الأدعية، وهو الدعاء الّذي يطلب فيه جميع الخيرات من المطالب الدنيوية والأخروية فيستجاب [ ولا يخفى بعده ].
باب بذل العلم
الحديث الأول: ضعيف كالموثق.
قولهعليهالسلام لأنّ العلم كان قبل الجهل: هذا دليل على سبق أخذ العهد على العالم ببذل العلم على أخذ العهد على الجاهل بطلبه، أو بيان لصحته وإنما كان العلم قبل الجهل مع أن الجاهل إنما يكتسبه بعد جهله بوجوه:
الأول: أن الله سبحانه قبل كلّ شيء، والعلم عين ذاته فطبيعة العلم متقدمة على طبيعة الجهل.
والثاني: أن الملائكة واللوح والقلم وآدم لهم التقدم على الجهال من أولاد آدم.
٢ - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد البرقي، عن أبيه، عن عبد الله بن المغيرة ومحمد بن سنان، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في هذه الآية -( وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ ) (١) قال ليكن الناس عندك في العلم سواء.
________________________________________________________
والثالث: أن العلم غاية الخلق والغاية متقدمة على ذي الغاية لأنها سبب له.
والرابع: أن الجهل عدم العلم والإعدام إنما تعرف بملكاتها وتتبعها، فالعلم متقدم على الجهل بالحقيقة والماهية.
والخامس: أنه أشرف فله التقدم بالشرف والرتبة.
والسادس: أن الجاهل إنما يتعلم بواسطة العالم وتعليمه، يقال علمه فتعلم.
وقال بعض الأفاضل ونعم ما قال: لو حمل القبلية على الزمانية حيث كان خلق الجاهل من العباد بعد وجود العالم كالقلم واللوح والملائكة وآدم بالنسبة إلى أولاده، فيصح كون الأمر بالطلب بعد الأمر ببذل العلم، حيث يأمر الله تعالى بما تقتضيه حكمته البالغة وبما هو الأصلح عند وجود من يستحق أن يخاطب به، ولأن من لم يسبق الجهل على علمه يعلم باطلاع منه سبحانه حسن أن يبذل العلم ومطلوبيته له تعالى، وهذا أخذ العهد ببذل العلم، ولو حمل على القبلية بالرتبة والشرف فيمكن توجيهه بأن يقال: العلم لما كان أشرف من الجهل والعالم أقرب من جنابه سبحانه في الرتبة، ولا يصل العهد منه سبحانه إلى الجاهل إلا بوساطة يعلم العالم من ذلك أن عليه البذل عند الطلب، أو يقال من جملة علمه وجوب البذل عند الطلب.
الحديث الثاني: ضعيف كالموثق.
قوله تعالى( وَلا تُصَعِّرْ ) تصعير الخد إمالته تكبراً، ومعنى الآية لا تعرض بوجهك عن الناس تكبراً، ولعل معنى الحديث أن العالم إذا رجح بعض تلامذته على بعض في النظر وحسن المعاشرة، أو تكبر واستنكف عن تعليم بعضهم أو نصحه، فكأنه مال بوجهه عنه أو تكبر، ويؤيده أن هذا الخطاب كان من لقمانعليهالسلام لابنه
__________________
(١) سورة لقما: ١٨.
٣ - وبهذا الإسناد، عن أبيه، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفرعليهالسلام قال زكاة العلم أن تعلمه عباد الله.
٤ - علي بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن يونس بن عبد الرحمن عمن ذكره، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قام عيسى ابن مريمعليهالسلام خطيباً في بني إسرائيل فقال يا بني إسرائيل لا تحدثوا الجهال بالحكمة فتظلموها ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم
________________________________________________________
وأصحابه لم يكونوا إلا طلاب العلوم، فكأنه نصحه أن يسوي بينهم في الإفادة والإرشاد وقيل: إنما أولها بذلك لأنّ المقصد الأقصى من بعثة الرسل تبليغ الشريعة القويمة، وتعليم الدين المبين، فالظاهر كونه نهياً عمّا يخل بما هو المقصود الأصلي والأول أوجه.
الحديث الثالث: ضعيف.
قولهعليهالسلام زكاة العلم.
التشبيه من وجوه:
الأول: أن الزكاة حق الله تعالى في المال بإزاء الإنعام به فكذا التعلم.
الثاني: أن الزكاة يوجب نمو المال فكذا تعليم العلم يوجب نموه وزيادته لأنّه شكر لنعمة العلم، وقد قال تعالى:( لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ) (١) ولذا سمي زكاة لأنّ أحد معانيها النمو.
الثالث: أن الزكاة توجب طهارة المال عن الشبهات، فكذا تعليم العلم يوجب طهارته عن الشكوك والشبه بفضله سبحانه، مع أن مذاكرة العلم توجب قوته وزيادة اليقين فيه.
الرابع: أن الزكاة توجب حفظ المال عن التلف وكذا التعليم يوجب حفظه عن الزوال، فإن الضنة بالعلم يوجب أن يسلب الله علمه.
الحديث الرابع: مرسل.
قولهعليهالسلام لا تحدثوا الجهال: لعل المراد بالجهال من لا يحب العلم ولا يطلبه ولا يرغب فيه أو المراد بالجهل ما يقابل العقل كما مر.
__________________
(١) سورة سورة إبراهيم: ٧.
باب النهي عن القول بغير علم
١ - محمّد بن يحيى، عن أحمد وعبد الله ابني محمّد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن مفضل بن يزيد قال قال لي أبو عبد اللهعليهالسلام أنهاك عن خصلتين فيهما هلاك الرجال أنهاك أن تدين الله بالباطل وتفتي الناس بما لا تعلم.
٢ - علي بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن يونس بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن الحجاج قال قال لي أبو عبد اللهعليهالسلام إياك وخصلتين ففيهما هلك من هلك إياك أن تفتي الناس برأيك أو تدين بما لا تعلم.
________________________________________________________
باب النهي عن القول بغير علم
الحديث الأول مجهول.
قولهعليهالسلام أن تدين الله بالباطل، أي تتخذ الباطل دينا بينك وبين الله تعبد الله عز وجل به، سواء كان في القول والاعتقاد أو في العمل، والمراد بالباطل ما لم يؤخذ من مأخذه الّذي أمر الله تعالى بالأخذ منه، والمراد بالإفتاء بما لا يعلم، الإفتاء بما لم يؤخذ من الكتاب والسنة على وجه يجوز الأخذ منهما على هذا الوجه، أو إفتاء من لا يكون أهلا لاستنباط ذلك منهما.
الحديث الثاني: صحيح.
قولهعليهالسلام برأيك: أي لا بالأخذ من الكتاب والسنة على منهاجه.
قولهعليهالسلام : أو تدين بما لا تعلم: قال بعض الأفاضل أي أن تعبد الله بما لا تعلمه بثبوته بالبراهين والأدلة العقلية، أو بالكتاب والسنة، والأدلة السمعية، ويحتمل أن يكون من دان به أي اتخذه دينا، يعني إياك أن تتخذ ما لا تعلم دينا، وأن يكون تدين من باب التفعل أي تتخذ الدين متلبسا بالقول فيه بما لا تعلم، والدين اسم لجميع ما يتعبد الله به والملة.
٣ - محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب، عن أبي عبيدة الحذاء، عن أبي جعفرعليهالسلام قال من أفتى الناس بغير علم ولا هدى لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ولحقه وزر من عمل بفتياه.
٤ - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن أبان الأحمر، عن زياد بن أبي رجاء، عن أبي جعفرعليهالسلام قال ما علمتم فقولوا وما لم تعلموا فقولوا الله أعلم إنّ الرجل لينتزع الآية من القرآن يخر فيها أبعد ما بين السماء والأرض.
________________________________________________________
الحديث الثالث صحيح.
قولهعليهالسلام بغير علم: أي من الله كما للنبي والأئمّةعليهالسلام أو هدي من ذي العلم كالعلماء من شيعتهم.
قولهعليهالسلام : لعنته ملائكة الرحمة: لأنّه جعل الناس محرومين عن رحمة الله، وملائكة العذاب لأنّه جعلهم مستحقين لها.
قولهعليهالسلام ولحقه وزر من عمل بفتياه: سواء كان العامل وازراً أو معذوراً، ولا ينقص من وزر الوازر شيء، والفتيا والفتوى ويفتح: ما أفتى به الفقيه.
الحديث الرابع موثق.
قولهعليهالسلام ما علمتم: هذا خطاب مع العلماء من شيعته وأصحابه، وهم العالمون بكثير من المسائل أو أكثرها بالفعل أو بالقوة القريبة منه.
قولهعليهالسلام إنّ الرجل: هو كالتعليل لما تقدم وقولهعليهالسلام لينزع(١) الآية، أي يستخرجها ليستدل بها على مطلوبه، وقولهعليهالسلام يخر إمّا حال من الضمير في ينزع أو خبر بعد خبر، والمعنى أنه يبعد عن رحمة الله أبعد مما بين السماء والأرض، أو يتضرر به أكثر من الضرر الّذي يصل إلى من سقط من السماء إلى الأرض، وقيل: المعنى أنه يقع في الآية أي في تفسيرها ساقطا على ما هو أبعد عن المراد منها مما بين السماء والأرض.
__________________
(١) كذا في النسخ وفي المتن « لينتزع » كما هو بعينك.
٥ - محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن حماد بن عيسى، عن ربعي بن عبد الله، عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال للعالم إذا سئل عن شيء وهو لا يعلمه أن يقول الله أعلم وليس لغير العالم أن يقول ذلك.
٦ - علي بن إبراهيم، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن حماد بن عيسى، عن حريز بن عبد الله، عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال إذا سئل الرجل منكم عمّا لا يعلم فليقل لا أدري ولا يقل الله أعلم فيوقع في قلب صاحبه شكاً وإذا قال المسئول لا أدري فلا يتهمه السائل.
٧ - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن علي بن أسباط، عن جعفر بن سماعة، عن غير واحد، عن أبان، عن زرارة بن أعين قال سألت أبا جعفرعليهالسلام
________________________________________________________
الحديث الخامس: مجهول كالصحيح.
قولهعليهالسلام وليس لغير العالم: وذلك لأنّ مقتضى صيغة التفضيل أن يكون للمفضل عليه شركة فيما فيه الفضل وليس للجاهل ذلك، وأمّا العالم فلما كان له نصيب من جنس العلم صح له هذا القول وإن كان حكمه حكم الجاهل فيما سئل عنه، وهذا لا ينافي الخبر السابق إذ حملناه على العالم، والمراد بالعالم ما فسرناه في ذلك الخبر، ويعبر عنه في هذه الأعصار بالمجتهد.
الحديث السادس صحيح.
قولهعليهالسلام : فليقل لا أدري، يمكن حمله على غير العالم لئلا ينافي الخبر السابق وحينئذ يحتمل أن يكون المراد بالشك الشك في كونه عالماً إذ قول الله أعلم من شأن العلماء كما مر ويمكن أن يعم العالم وغيره ويكون المراد بإيقاع الشك الشك في كونه عالماً بالمسؤول عنه معرضا عن الجواب لضنته ويخص النهي بهذه الصورة، وذلك في العالم نادر، وفي غيره يكون غالبا، فإن العالم همه في نشر العلم وإذا عته، كما أن الجاهل همه في إخفاء ما اطلع عليه وإضاعته.
الحديث السابع ضعيف.
ما حق الله على العباد قال أن يقولوا ما يعلمون ويقفوا عند ما لا يعلمون.
٨ - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن يونس بن عبد الرحمن، عن أبي يعقوب إسحاق بن عبد الله، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال إنّ الله خص عباده بآيتين من كتابه أن لا يقولوا حتّى يعلموا ولا يردوا ما لم يعلموا وقال عز وجل( أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَ ) (١) وقال( بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ) (٢)
________________________________________________________
قولهعليهالسلام : ما حق الله على العباد؟ أي فيما آتاهم من العلم وأخذ عليهم من الميثاق، وإلا فحقوقه تعالى عليهم كثيرة، وقيل: أي الحقّ الواجب الثابت الّذي يطالب به صاحبه، وسؤاله عن الحقيق بهذا الاسم من بين الفرائض والواجبات.
الحديث الثامن حسن على الظاهر.
قولهعليهالسلام إنّ الله خص: في بعض النسخ بالمعجمة بعد المهملة من الحض بمعنى الحث والترغيب، فيقدر كلمة على في أن لا يقولوا أي حث عباده بالآيتين على أن لا يقولوا قبل العلم، ولا يردوا إلا بعد العلم، ويحتمل أن يكون أن لا يقولوا تفسيراً لحثه تعالى و « لا » في الموضعين حينئذ للنهي، وعلى الأول للنفي وفي أكثر النسخ خص بالمهملة بعد المعجمة أي خص هذه الأمة، والتعبير عنهم بوصف العبودية مضافاً إليه سبحانه لتشريفهم وتعظيمهم من بين الأمم بإنزال آيتين من كتابه وإعلامهم بمضمونها، دون سائر الأمم، وقوله: أن لا يقولوا بدل من آيتين وعطف قوله وقال عز وجل على « خص » من عطف أحد التعبيرين عن الشيء على آخر، لمغايرة بينهما على بعض الوجوه، ويحتمل أن يكون الباء في قوله: بآيتين للسببية، وحرف الصلة في أن لا يقولوا مقدراً، وعلى التقديرين لا يخلو من تكلف، ويحتمل تقدير اللام في أن لا يقولوا، ولعله أظهر، ثمّ اعلم أن الظاهر أن المراد بالرد التكذيب والإنكار، لما لم يبلغ علمهم إليه مما وصل إليهم من الله تعالى، أو من النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم والأئمّةعليهالسلام وحمله على رد الجواب بعيد.
__________________
(١) سورة الأعراف: ١٦٩.
(٢) سورة يونس: ٣٠.
٩ - علي بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن داود بن فرقد عمن حدثه، عن ابن شبرمة قال ما ذكرت حديثاً سمعته عن جعفر بن محمّدعليهالسلام إلا كاد أن يتصدع قلبي قال حدثني أبي عن جدي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال ابن شبرمة وأقسم بالله ما كذب أبوه على جده ولا جده على رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله من عمل بالمقاييس فقد هلك وأهلك ومن أفتى الناس بغير علم وهو لا يعلم الناسخ من المنسوخ والمحكم من المتشابه فقد هلك وأهلك.
باب من عمل بغير علم
١ - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عن محمّد بن سنان، عن طلحة بن زيد قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق لا يزيده سرعة السير إلا بعدا.
________________________________________________________
الحديث التاسع ضعيف وابن شبرمة هو عبد الله بن شبرمة الضبي الكوفي بضم المعجمة وسكون الموحدة وضم الراء كان قاضياً لأبي جعفر المنصور على سواد الكوفة، والانصداع: الانشقاق، والتصدع التفرق.
قولهصلىاللهعليهوآله بالمقائيس: قال بعض الأفاضل المقياس ما يقدر به الشيء على مثال والمراد به ما جعلوه معيار إلحاق الفرع بالأصل، من الاشتراك في المظنون عليته للحكم وعدم الفارق، والمراد من العمل به اتخاذه دليلاً شرعياً معولا عليه، واستعماله في استخراج الحكم الشرعي والقول بموجبه ومقتضاه، وقولهعليهالسلام : ومن أفتى الناس. أي بما يأخذه عن الكتاب والسنة.
باب من عمل بغير علم
الحديث الأول ضعيف على المشهور.
قولهعليهالسلام : على غير بصيرة: أي على غير معرفة بما يعلمه بما هو طريق المعرفة في العمليات.
٢ - محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن سنان، عن ابن مسكان، عن حسين الصيقل قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول لا يقبل الله عملا إلا بمعرفة ولا معرفة إلا بعمل فمن عرف دلته المعرفة على العمل ومن لم يعمل فلا معرفة له ألا إنّ الإيمان بعضه من بعض.
٣ - عنه، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال عمن رواه، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله من عمل على غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح.
________________________________________________________
الحديث الثاني ضعيف على المشهور.
قولهعليهالسلام : إلا بمعرفة: أي معرفة أصول العقائد، فلا يقبل أعمال المشركين والمخالفين، ومن لا يؤمن بالمعاد والمجسمة والمجبرة وأشباههم أو الأعم منها ومن معرفة طريق العمل، وكيفيته وشرائطه بالاجتهاد أو التقليد، وقولهعليهالسلام : ولا معرفة إمّا معطوف على عملا و « لا » مؤكدة للنفي أو معطوف على قوله: لا يقبل الله و « لا » لنفي الجنس.
قولهعليهالسلام فمن عرف: أي أصول الدين بالعلم اليقيني، دلته أي حثته على العمل ورغبته فيه أو فروعه، فتدله على كيفية العمل أو الأعم منهما، ومن لم يعمل فلا معرفة له بالأصول، لأنّ العلم اليقيني يبعثه لا محالة على العمل كما عرفت، أو كمال اليقين إنما يكون بالعمل كما ورد: من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم، بل يذهب عنه العلم الحاصل مع ترك العمل كما سيأتي.
قولهعليهالسلام إنّ الإيمان إمّا أن يراد بالإيمان نفس المعرفة، أي كلّ مرتبة من مراتب الإيمان في القوة والكمال يحصل من مرتبة أخرى منه سابقه لأجل العمل بها، أو مجموع العلم والمعرفة والعمل والطاعة كما هو المستفاد من أكثر الأخبار فالمراد أن كلا من جزئية العلمي والعملي يحصل من الآخر ولعله أظهر.
الحديث الثالث مرسل.
قولهعليهالسلام كان ما يفسد: قيل أي كان الفساد في عمله الّذي لم يكن من علم أكثر من الصلاح فيه، وكلما كان كذلك كان قبيحا غير مطلوب للحكيم.
باب استعمال العلم
١ - محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن حماد بن عيسى، عن عمر بن أذينة، عن أبان بن أبي عياش، عن سليم بن قيس الهلالي قال سمعت أمير المؤمنينعليهالسلام يحدث، عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال في كلام له العلماء رجلاًن رجل عالم آخذ بعلمه فهذا ناج وعالم تارك لعلمه فهذا هالك وإن أهل النار ليتأذون من ريح العالم التارك لعلمه وإن أشد أهل النار ندامة وحسرة رجل دعا عبداً إلى الله فاستجاب له وقبل منه فأطاع الله فأدخله الله الجنة وأدخل الداعي النار بتركه علمه واتباعه الهوى وطول الأمل أمّا اتباع الهوى فيصد عن الحقّ وطول الأمل ينسي الآخرة.
٢ - محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمّد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال العلم مقرون إلى العمل فمن علم عمل ومن عمل علم و
________________________________________________________
باب استعمال العلم
الحديث الأول ضعيف على المشهور، معتبر عندي.
الحديث الثاني ضعيف على المشهور.
قولهعليهالسلام : مقرون إلى العمل: أي قرن العلم مع العمل في كتاب الله كقوله تعالى( الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) وعلق المغفرة والنجاة عليهما، فمن علم عمل، ومن عمل علم، أمر في صورة الخبر أي يجب أن يكون العلم مع العمل بعده، والعمل مع العلم، وقوله: والعلم يهتف، بالعمل أي يصيح ويدعو صاحبه بالعمل على طبقه، فإن أجابه وعمل استقر فيه، وتمكن، وإلا ارتحل عنه بدخول الشك والشبهة عليه أو بنسيانه، ويحتمل أن يكون المراد بمقرونية العلم مع العمل عدم افتراق الكامل من العلم عن العمل بحسب مراتب كما له وعدم افتراق بقاء العلم واستكماله عن العمل على وفق العلم، فقوله: فمن علم. أي علما كاملا باقياً عمل، ومن عمل علم
العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل عنه.
٣ - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن علي بن محمّد القاساني عمن ذكره، عن عبد الله بن القاسم الجعفري، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال إنّ العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما يزل المطر عن الصفا.
٤ - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمد، عن المنقري، عن علي بن هاشم بن البريد، عن أبيه قال جاء رجل إلى علي بن الحسينعليهالسلام فسأله عن مسائل فأجاب ثمّ عاد ليسأل عن مثلها فقال علي بن الحسينعليهالسلام مكتوب في الإنجيل لا تطلبوا علم ما لا تعلمون ولما تعملوا بما علمتم فإن العلم إذا لم يعمل به
________________________________________________________
أي أبقى علمه واستكمله، تفصيل لما أجمل قبله، وقوله: والعلم يهتف، أي مطلقاً فإن أجابه وعمل قوي واستقر وتمكن في قلبه وإلا ضعف وزال عن قلبه، ذكرهما بعض الأفاضل والأخير أظهر.
الحديث الثالث ضعيف على المشهور.
قولهعليهالسلام عن الصفا، هو مقصوراً جمع الصفاة وهي الحجر الصلد الّذي لا ينبت، شبه العلم والموعظة بماء المطر وعدم تأثيره وثباته في القلوب بعدم استقرار المطر في الحجر الأملس، ولعله محمول على عدم التأثير التام غالباً لئلا ينافي ما مر من شدة حسرة من دعا إلى خير ولم يعمل به، أو على ما عرف السامع من حاله عدم العمل به، والسابق على عدمه، ويمكن حمل السابق على ما إذا كان عاملا وقت الدعوة فترك بعده والأول أظهر.
الحديث الرابع ضعيف.
قولهعليهالسلام ولما تعلموا: الواو للحال، أي إذا كان من شأن علمكم وعرفتم ذلك من أنفسكم بترك العمل بما علمتم، فالأصلح لكم ترك طلب العلم، فإن ترك العمل مع العلم جحود بما عرفه وكفر به، والجاهل لا يلزمه الإنكار ولا يكون منه الجحود، كذا قيل، ولعلهعليهالسلام إنما قال ذلك للمخالفين الّذين كانوا في زمانهعليهالسلام ، وكانوا
لم يزدد صاحبه إلا كفراً ولم يزدد من الله إلا بعدا.
٥ - محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن سنان، عن المفضل بن عمر، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قلت له بم يعرف الناجي قال من كان فعله لقوله موافقاً فأثبت له الشهادة ومن لم يكن فعله لقوله موافقاً فإنما ذلك مستودع.
٦ - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه رفعه قال قال أمير المؤمنينعليهالسلام في كلام له خطب به على المنبر أيها الناس إذا علمتم فاعملوا
________________________________________________________
لا ينفعهم العلم ولا العمل لكفرهم وضلالهم، وأول العلوم الّتي كانت حصلت لهم العلم بأحقية أهل البيتعليهالسلام للخلافة ولم يعملوا به، ويحتمل أن يكون الغرض الحث على العمل والإخلاص في طلب العلم لا ترك التعلم، فإنه واجب، والعمل واجب آخر مكمل للأول، والله يعمل.
الحديث الخامس ضعيف على المشهور.
قولهعليهالسلام فأبث له الشهادة: في بعض النسخ هكذا بالباء الموحدة والثاء المثلثة من البث بمعنى النشر، ويمكن أن يقرأ بصيغة المضارع المعلوم وبصيغة الأمر وبصيغة الماضي المعلوم، وفي بعضها بالموحدة أولا ثمّ المثناة من البت بمعنى القطع، وفي بعضها فأثبت بالمثلثة ثمّ الموحدة ثمّ المثناة من الإثبات، ويحتمل الوجوه الثلاثة أيضاً كسابقه، وفي بعضها فإنما بث له الشهادة، وسيأتي هذا الحديث في باب المستودع والمعار، وفيه فأتت له الشهادة بالنجاة، وهو أظهر.
قولهعليهالسلام فإنما ذلك مستودع: أي إيمانه غير مستقر وثابت في قلبه، بل يزول بأدنى شبهة، فهو كالوديعة عنده يؤخذ عنه، أو أنه مع عدم العمل بالعلم يحكم بإيمانه ظاهراً بمقتضى إقراره، لكن لا ينفعه في الآخرة كثيراً لأنّه كالمنافق، فكأنه سلب عنه في الآخرة لزوال حكمه عنه.
الحديث السادس مرفوع.
بما علمتم لعلكم تهتدون إنّ العالم العامل بغيره كالجاهل الحائر الّذي لا يستفيق عن جهله بل قد رأيت أن الحجة عليه أعظم والحسرة أدوم على هذا العالم المنسلخ من علمه منها على هذا الجاهل المتحير في جهله وكلاهما حائر بائر لا ترتابوا فتشكوا ولا تشكوا فتكفروا ولا ترخصوا لأنفسكم فتدهنوا ولا تدهنوا في الحق
________________________________________________________
قولهعليهالسلام : العامل بغيره: أي بغير العلم أو بغير ما علم وجوب العمل به من الأعمال، والباء صلة والحائر هو الّذي لا يهتدي لجهة أمره، والاستفاقة الرجوع إلى ما شغل عنه وشاع استعماله في الرجوع عن السقم إلى الصحة، ومنه استفاقة المريض والمجنون والمغمى عليه، وفيه إشعار بأن الجهل كالجنون والسكر والمرض.
قولهعليهالسلام والحسرة أدوم: مبتدأ وخبر ويحتمل أن يكون عطفا على قوله الحجة عليه أعظم، ويكون قوله هذا العالم بدلا من قوله عليه، والضمير في منها راجعاً إلى الحجة والحسرة جميعاً باعتبار كلّ واحدة منهما، والأول أولى، والبائر الهالك.
قولهعليهالسلام لا ترتابوا: أي لا تمكنوا الريب والشك من قلوبكم، بل ادفعوه عن أنفسكم لكيلا تعتادوا به وتصيروا من أهل الشك والوسواس، فتكونوا من الكافرين، والحاصل النهي عن التفكّر في الشكوك والشبهات فإنها توهن اليقين وينتهي إلى حد الشك، قال بعض الأفاضل: الريب مصدر رابني الشيء إذا حصل فيك الريبة وحقيقة الريبة فلق النفس واضطرابها، والارتياب الوصول إلى الريبة والوقوع فيها، وليس الريب في هذا الحديث مستعملا في الشك أو التهمة أو غيرهما من لوازم معناه الأصلي أو ملزوماته الّتي شاع استعماله فيها، والمراد لا توقعوا أنفسكم في القلق والاضطراب بالتوغل في الشبهات، أو بمعارضة العلم في مقتضاه من العمل فينتهي أمركم إلى أن تشكوا في المعلوم، والمتيقن لكم، وقوله: لا تشكوا أي لا توقعوا أنفسكم في الشك واحذروا من طريانه على العلم فيوصلكم إلى الكفر وينتهي إلى الشك فيما يكون الشك فيه كفرا.
قولهعليهالسلام ولا ترخصوا لأنفسكم: أي لا تسهلوا لأنفسكم أمر الإطاعة والعصيان
فتخسروا وإن من الحقّ أن تفقهوا ومن الفقه أن لا تغتروا وإن أنصحكم لنفسه أطوعكم لربه وأغشكم لنفسه أعصاكم لربه ومن يطع الله يأمن ويستبشر ومن يعص الله يخب ويندم.
٧ - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه عمن ذكره، عن محمّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه قال سمعت أبا جعفرعليهالسلام يقول إذا سمعتم العلم فاستعملوه ولتتسع قلوبكم فإن العلم إذا كثر في قلب رجل لا يحتمله قدر
________________________________________________________
ولا تخففوا عليها من الحقوق، فتقعوا في المداهنة في أمر الدين والمساهلة في باب الحقّ واليقين، فتكونوا من الخاسرين، أو لا ترخصوا لأنفسكم في ارتكاب المكروهات وترك المسنونات، والتوسع في المباحات فإنها طرق إلى المحرمات، ويؤيده بعض الروايات وهذا في باب العمل كما أن سابقه كان في باب العلم.
قولهعليهالسلام وإن من الحقّ أن تفقهوا: أي من حقوق الله الواجبة عليكم أن تتفقهوا والتفقه تحصيل المعرفة بجميع ما هو معدود من العلوم الشرعية، أصولها وفروعها.
قولهعليهالسلام أن لا تغتروا: أي بعلمكم وعملكم أو تنخدعوا من النفس والشيطان والنصيحة إرادة الخير للمنصوح له، والغش إظهار خلاف ما أضمر، والاسم منه الغش بالكسر كما ذكره في مصباح اللغة، والخيبة: الحرمان والخسران، وفي بعض النسخ بالجيم من الوجوب بمعنى السقوط أو من الوجيب بمعنى الخوف، والحاصل أن من يطع الله يأمن من العقوبات، ويستبشر بالمثوبات، ومن يعص الله يخب من الدرجات العلى ويندم على تفويت الفريضة وتضييع العمر.
الحديث السابع: ضعيف.
قولهعليهالسلام إذا سمعتم العلم: المراد بالعلم المذعن به لا نفس التصديق، والمقصود أنه بعد حصول العلم ينبغي الاشتغال بأعماله والعمل على وفقه عن طلب علم آخر، وقولهعليهالسلام : ولتتسع قلوبكم، أي يجب أن يكون طلبكم للعلم بقدر تتسعه قلوبكم، ولا تستكثروا منه، ولا تطلبوا ما لا تقدرون على الوصول إلى كنهه، فإنه حينئذ يستولي
الشيطان عليه فإذا خاصمكم الشيطان فأقبلوا عليه بما تعرفون فـ( إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً ) فقلت وما الّذي نعرفه قال خاصموه بما ظهر لكم من قدرة الله عز وجل.
باب المستأكل بعلمه والمباهي به
١ - محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى وعلي بن إبراهيم، عن أبيه جميعا، عن حماد بن عيسى، عن عمر بن أذينة، عن أبان بن أبي عياش، عن سليم بن
________________________________________________________
الشيطان عليكم ويوقعكم في الشبهات، وقيل: يعني ينبغي أن يكون اهتمامكم بالعمل لا بكثرة السماع والحفظ إلى حد يضيق قلوبكم عن احتماله، وذلك إنما يكون بترك العمل، لأنّ العالم إذا عمل بعلمه لا يضيق قلبه عن احتمال العلم، وقولهعليهالسلام فإذا خاصمكم، تنبيه على دفع ما يتوهم من أن القناعة من العلم بما يسعه القلب يؤدي إلى العجز عن مخاصمة الشيطان بأن الإقبال على الشيطان بما تعرفون من العقائد المعتبرة في أصل الإيمان يكفي في رفعه، فإن كيد الشيطان كان ضعيفا، والمراد بقوله: خاصموا(١) بما ظهر لكم من قدرة الله عز وجل: خاصموه بآثار قدرته الظاهرة في الرسول أو على يده الدالة على رسالته وبآثار قدرته الظاهرة في الوصي من فطانته وعلمه وصلاحه بعد تنصيص النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم على عينه أو صفاته وبما ظهر من قدرته تعالى في كلّ شيء، فإنه يدل على قدرته علي إنشاء النشأة الآخرة وأثابه المطيع وتعذيب العاصي، فإن بهذه المعرفة تنبعث النفس على فعل الطاعات وترك السيئات ثمّ كلما ازداد عملا وسيعاً ازداد بصيرة ويقينا.
باب المستأكل بعلمه والمباهي به
أقول: أراد بالمستأكل بعلمه من يجعل العلم(٢) وسيلة لتحصيل الدنيا، والأكل هنا أعم من الأكل بالمعنى اللغوي وهذا مجاز شائع.
الحديث الأول: ضعيف على المشهور، معتمد عندي.
__________________
(١) كذا في النسخ لكن في المتن « خاصموه »، والأمر سهل.
(٢) في نسخة: علمه.
قيس قال سمعت أمير المؤمنينعليهالسلام يقول قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله منهومان لا يشبعان طالب دنيا وطالب علم فمن اقتصر من الدنيا على ما أحل الله له سلم ومن تناولها من غير حلها هلك إلا أن يتوب أو يراجع ومن أخذ العلم من أهله وعمل بعلمه نجا ومن أراد به الدنيا فهي حظه.
٢ - الحسين بن محمّد بن عامر، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن أحمد بن عائذ، عن أبي خديجة، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال من أراد الحديث لمنفعة
________________________________________________________
قولهعليهالسلام منهومان: النهمة بالفتح إفراط الشهوة وبلوغ الهمة في الشيء وقد نهم بكذا فهو منهوم أي مولع به حريص عليه، وقيل: ليس في الحديث دلالة على أن الحرص في تحصيل العلم والإكثار منه مذموم، وأن المراد به غير علم الآخرة كما ظن، بل المراد من صدره أن من خاصية الدنيا والعلم أن من ذاق طعمهما لا يشبع منهما، ثمّ بين الممدوح من ذلك والمذموم منه، وذكر أن من اقتصر على الحلال من الدنيا فهو ناج أكثر منه أو أقل، ومن تناولها من غير حلها فهو هالك أكثر منها أو أقل، وكذلك من أخذ العلم من أهله وعمل به فهو ناج أكثر من تحصيله أو أقل، ومن أراد به الدنيا فليس له في الآخرة نصيب أكثر منه أو أقل، وقيل: المراد بطالب العلم من يكون شهوته في طلب العلم لحصول العلم له، فلذا ذم حرصه، والأول أظهر.
قولهعليهالسلام أو يراجع: في بعض نسخ الحديث ويراجع، فالمعنى إلا أن يتوب إلى الله ويراجع الناس فيؤدي الحقوق إلى أهلها وهنا أيضاً يحتمل أن تكون أو بمعنى الواو وربما يقال الترديد من الراوي، ويحتمل تخصيص التوبة بما إذا لم يقدر على رد المال الحرام إلى صاحبه، والمراجعة بما إذا قدر عليه، وقرأ هنا يراجع على بناء المجهول أي يراجعه الله بفضله أو على بناء الفاعل أي يراجع الله ذلك المتناول من غير الحل في الجملة، كثيراً بالطاعات وترك أكثر الكبائر من المعاصي، فيرجع الله عليه بفضله واستحقاقه له بمراجعته إلى الله والأول أظهر.
الحديث الثاني ضعيف على المشهور لكنه معتبر.
الدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب ومن أراد به خير الآخرة أعطاه الله خير الدنيا والآخرة.
٣ - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمّد الأصبهاني، عن المنقري، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال من أراد الحديث لمنفعة الدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب.
٤ - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم، عن المنقري، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال إذا رأيتم العالم محباً لدنياه فاتهموه على دينكم فإن كلّ محب لشيء يحوط ما أحب وقالصلىاللهعليهوآله أوحى الله إلى داودعليهالسلام لا تجعل بيني وبينك عالماً مفتونا بالدنيا فيصدك عن طريق محبتي فإن أولئك قطاع طريق عبادي المريدين إن أدنى ما أنا صانع بهم أن أنزع حلاوة مناجاتي عن قلوبهم.
٥ - علي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا قيل يا رسول الله
________________________________________________________
الحديث الثالث ضعيف.
الحديث الرابع ضعيف.
قولهعليهالسلام يحوط ما أحب: أي يحفظ ويتعهد من هذا الشيء ومن مقابله ما أحب، ومحبة المقابل للشيء المنافي له لا يجامع حبّ ذلك الشيء فمن أحب الدنيا لم يحب الآخرة.
قولهعليهالسلام لا تجعل بيني وبينك: أي لا تجعل المفتون بالدنيا المعجب بها وسيلة بيني وبينك إلى حصول معرفتي ومعرفة ديني وشريعتي، فيمنعك عن طريق محبتي أي عن الطريق إلى حصول معرفتي ومعرفة ديني وشريعتي، فيمنعك عن طريق محبتي أي عن الطريق إلى ما أحبه أو يمنعك عن الوصول إلى درجة محبتي لك أو محبتك لي.
الحديث الخامس ضعيف على المشهور.
قولهعليهالسلام أمناء الرسل: لأنهم مستودعو علومهم، وقد أمروا بأخذ علومهم
وما دخولهم في الدنيا قال اتباع السلطان فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم.
٦ - محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن حماد بن عيسى، عن ربعي بن عبد الله عمن حدثه، عن أبي جعفرعليهالسلام قال من طلب العلم ليباهي به
________________________________________________________
منهم، واتباع السلطان يشمل قبول(١) الولاية منهم على القضاء ونحوه، والخلطة بهم والمعاشرة معهم اختياراً والرضا بها.
قولهعليهالسلام فاتهموه على دينكم، أي لا تعتمدوا على فتاويهم وقضاياهم في الدين ولا تسألوهم عن شيء من المسائل.
الحديث السادس مرسل.
قولهعليهالسلام ليباهي: المباهاة والمماراة: المجادلة، والمراد أن من طلب العلم لتحصيل الرئاسة ومن وجوهها الّتي يناسب طلب العلم المفاخرة وادعاء الغلبة به وذلك مع العلماء لا يصل إلى النزاع والجدال، حيث لا يمارون لعلمهم بقبحه ومع الجهال المتلبسين بلباسهم يورث النزاع والجدال، ومنها صرف وجوه الناس إليه من العالم الرباني فتحصل له الرئاسة(٢) .
قولهعليهالسلام فليتبوأ مقعده من النار: أي يتخذها منزلاً والأمر للتهكم قال الجزري معناه لينزل منزله في النار، يقال: بوأه الله منزلاً أسكنه إياه وتبوأت منزلا: اتخذته، وقولهعليهالسلام : إنّ الرئاسة لا تصلح إلا لأهلها دليل لما قبله، وأهل الرئاسة من أوجب الله على عباده المراجعة إليهم، والأخذ عنهم والتسليم لهم من أئمّة الحقّ صلوات الله عليهم.
وروى الصدوق في كتاب معاني الأخبار بإسناده عن عبد السلام بن صالح الهروي قال: سمعت أبا الحسن الرضاعليهالسلام يقول: رحم الله عبداً أحيى أمرنا، فقلت له: وكيف يحيي أمركم؟ قال: يتعلم علومنا ويعلمه الناس فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لا تبعونا، قال: فقلت له: يا بن رسول الله فقد روي لنا عن أبي عبد اللهعليهالسلام
__________________
(١) في نسخة: قبوله الولاية.
(٢) وفي نسخة: لتحصل به الرياسة.
العلماء أو يماري به السفهاء أو يصرف به وجوه الناس إليه فليتبوأ مقعده من النار إنّ الرئاسة لا تصلح إلا لأهلها.
باب
لزوم الحجة على العالم وتشديد الأمر عليه
١ - علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن القاسم بن محمد، عن المنقري، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال يا حفص يغفر للجاهل سبعون ذنباً قبل أن يغفر للعالم ذنب واحد
________________________________________________________
أنه قال: من تعلم علما يماري به السفهاء أو يباهي به العلماء أو ليقبل بوجوه الناس إليه فهو في النار! فقالعليهالسلام : صدق جدي أفتدري من السفهاء؟ فقلت: لا يا بن رسول الله قال: هم قصاص مخالفينا، وتدري من العلماء؟ فقلت: لا يا بن رسول الله، قال: هم آل محمد، الّذين فرض الله طاعتهم وأوجب مودتهم، ثمّ قال: وتدري ما معنى قوله أو ليقبل بوجوه الناس إليه؟ قلت: لا، قال: يعني بذلك والله ادعاء الإمامة بغير حقها، ومن فعل ذلك فهو في النار.
وبإسناده عن حمزة بن حمران قال: سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول: من استأكل بعلمه افتقر، فقلت له: جعلت فداك إن في شيعتك ومواليك قوماً يتحملون علومكم ويبثونها في شيعتكم ولا يعدمون على ذلك منهم البر والصلة والإكرام فقالعليهالسلام : ليس أولئك المستأكلين إنما المستأكل بعلمه الّذي يفتي بغير علم ولا هدى من الله عز وجل ليبطل به الحقوق طمعاً في حطام الدنيا.
أقول: يمكن حمل الخبرين على بيان الفرد الكامل منها لكن لا ضرورة تدعو إليه.
باب لزوم الحجة على العالم وتشديد الأمر عليه
الحديث الأول ضعيف.
ولعل للعالم ههنا بحسب ما يعلمه من المسائل كما أو كيفا كاليقيني والظني والاجتهادي والتقليدي مراتب لا يتناهى، وكذا الجاهل يقابله بحسب تلك المراتب،
٢ - وبهذا الإسناد قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام قال عيسى ابن مريم على نبينا وآله وعليهالسلام ويل للعلماء السوء كيف تلظى عليهم النار.
٣ - علي بن إبراهيم، عن أبيه ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان جميعا، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول إذا بلغت النفس هاهنا وأشار بيده إلى حلقه لم يكن للعالم توبة.
________________________________________________________
فلكل عالم شدة تكليف بالنسبة إلى الجاهل الّذي يقابله.
الحديث الثاني ضعيف.
قولهعليهالسلام للعلماء السوء: قال الجوهري: ساءه يسوؤه سوءا بالفتح نقيض سره والاسم السوء بالضم، وتقول: هذا رجل سوء بالإضافة، ثمّ تدخل عليه الألف واللام، فتقول: هذا رجل السوء قال الأخفش: ولا يقال: الرجل السوء، ولا هذا رجل السوء بالضم « انتهى » والظاهر أن السوء هنا بالفتح مجروراً بالإضافة كالضارب الرجل، وليس السوء في مثل هذا الموضع صفة بل مضاف إليه، لكن الإضافة ههنا في معنى التوصيف، أي المضاف موصوف بما أضيف إليه والمشتق منه محمول على المضاف، وقوله: كيف تلظى أي تتلهب وتشتعل.
الحديث الثالث: حسن كالصحيح.
قولهعليهالسلام : إذا بلغت النفس قيل: المراد بالنفس الروح الحيواني فإنه قد يطلق عليه كما يطلق على النفس الناطقة، وقيل: المراد ببلوغ النفس إلى الحلق قطع تعلّقها عن الأعضاء، والانتهاء في قطع التعلّق إلى الحلق والرأس، وهو في آخر ساعة من الحياة الدنيوية، قال بعض المفسرين: من لطف الله بالعباد أن أمر قابض الأرواح بالابتداء في نزعها من أصابع الرجلين، ثمّ يصعد شيئاً فشيئاً إلى أن يصل إلى الصدر، ثمّ ينتهي إلى الحلق ليتمكن في هذه المهلة من الإقبال بالقلب على الله تعالى والوصية والتوبة، ما لم يعاين، والاستحلال من أرباب الحقوق وذكر الله سبحانه، فيخرج روحه وذكر الله على لسانه فيرجى بذلك حسن خاتمته رزقنا الله ذلك بمنه وفضله.
قولهعليهالسلام لم يكن للعالم: أي العالم بأمور الآخرة فيكون المراد بعد ظهور
ثم قرأ( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ) (١) .
٤ - محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن
________________________________________________________
أحوال الآخرة، لأنّه حينئذ عالم بعلم العيان لا ينفعه التوبة، ويحتمل أن يكون المراد قبل ظهور أحوال الآخرة، وبالعالم العالم مطلقاً لا بهذا الأمر المخصوص، ويكون المراد أن الجاهل تقبل توبته في هذه الساعة بخلاف العالم، فإنه لا بد له من تدارك لما فاته في الجملة، وهو خلاف المشهور إلا أن تحمل على التوبة الكاملة.
قولهعليهالسلام « إنما التوبة » أي قبول التوبة الّذي أوجبه الله على نفسه بمقتضى وعده، والتوبة هي الرجوع والإنابة، إذا نسبت إلى الله سبحانه تعدت بعلى، وإذا نسبت إلى العبد تعدت بإلى، ومعنى التوبة من العبد رجوعه إلى الله بالطاعة والانقياد بعد عصيانه، والتوبة من الله رجوعه بالعطف على عبده بإلهامه التوبة أولا ثمّ قبوله إياها منه آخراً، فلله توبتان وللعبد واحدة بينهما، قال الله تعالى( ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ) (٢) فالتوبة في قوله سبحانه( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ ) من تاب عليه إذا قبل توبته، إلا أن « على » هذه ليست هي « على » في قولهم: تاب عليه، وقوله تعالى( بِجَهالَةٍ ) أي متلبسين بها، قيل: المراد بالجهالة هنا هي السفاهة الّتي تلزم المعصية ولذا قيل: من عصى الله فهو جاهل، وأمّا قوله سبحانه( ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ ) فيعني به من قبل أن يشرب في قلوبهم حبه فيتعذر عليهم الرجوع، وأمّا الحصر المدلول بلفظة « إنما » فلا ينافي قبولها ممّن أخرها إلى قبيل المعاينة كما ورد في الأخبار لأنّ وجوب القبول غير التفضل به كذا قيل، ويحتمل أن يكون المراد بقوله( مِنْ قَرِيبٍ ) قبل حضور الموت كما يومئ إليه آخر الرواية.
الحديث الرابع ضعيف.
__________________
(١) سورة النساء: ١٧.
(٢) سورة التوبة: ١١٨.
النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن أبي سعيد المكاري، عن أبي بصير، عن أبي جعفرعليهالسلام في قول الله عز وجل -( فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ ) (١) قال هم قوم وصفوا عدلا بألسنتهم ثمّ خالفوه إلى غيره.
باب النوادر
١ - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حفص بن البختري رفعه قال كان أمير المؤمنينعليهالسلام يقول روحوا أنفسكم ببديع الحكمة فإنها
________________________________________________________
قولهعليهالسلام فكبكبوا: يقال كبه على وجهه أي صرعه فأكب، والكبكبة: تكرير الكب، جعل التكرير في اللفظ دليلاً على التكرير في المعنى، وقولهعليهالسلام : هم قوم، تفسير لضمير « هم » أو للغاوون، والأول أظهر، وذكر أكثر المفسرين أن ضمير « هم » راجع إلى الآلهة، ولا يخفى أن ما ذكرهعليهالسلام أنسب لفظا ومعنى، والعدل كلّ أمر حق يوافق العدل والحكمة من العقائد الحقة والعبادات والأخلاق الحسنة.
باب النوادر
أي أخبار متفرقة مناسبة للأبواب السابقة ولا يمكن إدخالها فيها، ولا عقد باب لها لأنها لا يجمعها باب، ولا يمكن عقد باب لكل منها.
الحديث الأول مرفوع.
قولهعليهالسلام روحوا: من الروح بمعنى الراحة أو بمعنى نسيم الريح ورائحتها الطيبة، والأول أظهر أي صيروا أنفسكم في راحة طيبة ببديع الحكمة، أي ما يكون مبتدعاً غير متكرر من الحكمة بالنسبة إلى أنفسكم فإن النفوس تكل وتعيا بالمتكرر من المعرفة، وتكرار تذكرها، كما تكل الأبدان بالمتكرر من الفعل، ويحتمل أن يكون المراد ببديع الحكمة نفائسها وجلائلها، وبكلال النفوس ما يحصل
__________________
(١) سورة الشعراء: ٩٤.
تكل كما تكل الأبدان.
٢ - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن نوح بن شعيب النيسابوري، عن عبيد الله بن عبد الله الدهقان، عن درست بن أبي منصور، عن عروة ابن أخي شعيب العقرقوفي، عن شعيب، عن أبي بصير قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول كان أمير المؤمنينعليهالسلام يقول يا طالب العلم إنّ العلم ذو فضائل كثيرة فرأسه التواضع وعينه
________________________________________________________
لها من الفتور عن الطاعات وعدم الرغبة إلى الحقّ بسبب الاشتغال بالشهوات، أو الكسل الّذي يحصل لها بكثرة الطاعات، فإن نفائس الحكمة ينبه النفس وينشطها بل يحييها بعد موتها كما هو المجرب.
الحديث الثاني ضعيف.
قولهعليهالسلام إنّ العلم ذو فضائل كثيرة: أقول: لما أرادعليهالسلام التنبيه على فضائل العلم شبهه بشخص كامل روحاني له أعضاء وقوي كلها روحانية بعضها ظاهرة وبعضها باطنة، فالظاهرة كالرأس والعين والأذن واللسان واليد والرجل، والباطنة كالحفظ والقلب والعقل والهمة والحكمة، وله مستقر روحاني ومركب وسلاح وسيف وقوس وجيش ومال وذخيرة وزاد ومأوى ودليل ورفيق كلها معنوية روحانية ثمّ إنهعليهالسلام بين انطباق هذا الشخص الروحاني بجميع أجزائه على هذا الهيكل الجسماني إكمالا للتشبيه، وإيماء إلى أن العلم إذا استقر في قلب إنسان يملك جميع جوارحه، ويظهر آثاره من كلّ منها، فرأس العلم وهو التواضع يملك هذا الرأس الجسداني ويخرج منه التكبر والنخوة الّتي هو مسكنها، ويستعمله فيما يقتضيه التواضع من الانكسار والتخشع وكما أن الرأس البدني بانتفائه ينتفي حياة البدن فكذا بانتفاء التواضع عند الخالق والخلائق تنتفي حياة العلم فهو كجسد بلا روح لا يصير مصدراً لأثر وهاتان الجهتان ملحوظتان في جميع الفقرات، وذكره يوجب الإطناب وما ذكرناه كاف لأولي الألباب.
قولهعليهالسلام وعينه البراءة من الحسد: لأنّ العالم إذا حسد يخفى علمه عن
البراءة من الحسد وأذنه الفهم ولسانه الصدق وحفظه الفحص وقلبه حسن النية وعقله معرفة الأشياء والأمور ويده الرحمة ورجله زيارة العلماء وهمته السلامة
________________________________________________________
غيره، وذلك يوجب عدم تذكره ونقص علمه، وكذا يوجب عدم استعلامه ما لا يعلمه عمن يعلمه لأنّه يبغضه بحسده ولا يريد أن يعلم الناس أنه قابل للتعليم، فالحاسد علمه أعمى، ولما كان الحسد بالعين نسب إليها، « وأذنه الفهم » أي فهم المراد والمقصود، لأنّ الذهن إذا لم يفهم المعنى المقصود كان كالذي يخاطب بما لا يسمع، وأيضا الأذن آلة للفهم فناسبه « ولسانه الصدق » لأنّه إذا لم يكن مع العلم الصدق كان كالأبكم، إذ كما أن الأبكم لا ينتفع الناس بمنطقة فكذا العالم الكاذب لا ينتفع الناس بإفاداته، لعدم اعتمادهم عليه « وحفظه الفحص » هو البحث والكشف عن الشيء والعلم بدون الفحص كالذي لا حفظ له فيغفل عن كثير وينسى كثيرا.
« وقلبه حسن النية » وهو أن لا يكون له مقصود في طلب العلم وبذله إلا رضى الرب سبحانه، حتّى يترتب عليه الحياة الأبدية، فالعلم العاري عن ذلك كمن لا قلب له فلا حياة له، والمناسبة ظاهرة، و « عقله » أي ما هو فيه بمنزلة النفس للبدن، أو بمنزلة القوة المميزة بين الحسن والقبيح، والمراد بمعرفة الأشياء والأمور إمّا معرفة جميع الأمور الّتي لا بد من معرفتها أو معرفة الدنيا وفنائها، وما يوجب الزهد فيها والإعراض عنها والتوجه إلى جناب الحقّ تعالى ومعرفة من يجب متابعته، ويجوز أخذ العلم عنه، فإن معرفة هذه الأشياء يوجب حصول العلم الكامل، وتحصيله من معدنه وإفاضة العلوم الربانية عليه، فهي بالنسبة إلى مجموع العلم كالنفس أو كالقوة المميزة في أن العلم لا يحصل إلا بها، ولها تعلّق تام بالقلب المتقدم ذكره، ويمكن حمله على معرفة مبادئ العلوم الحقة وما يتوقف تحصيلها عليه، والأوسط أظهر.
« ويده الرحمة » أي الرحمة على المحتاجين إليه من العلم أو الأعم منه ومن غيره، والعلم مع عدمها كالذي لا يدله، وكذا زيارة العلماء كالرجل له، إذ لولاها لما انتقل
وحكمته الورع ومستقره النجاة وقائده العافية ومركبه الوفاء وسلاحه لين الكلمة وسيفه الرضا وقوسه المداراة وجيشه محاورة العلماء وماله الأدب
________________________________________________________
العلم من أحد إلى آخر، والمراد بالسلامة إمّا سلامته من المعاصي أو سلامة الناس من شره.
قولهعليهالسلام : وحكمته، أي ما به اختياره للصدق والصواب، والورع اجتناب المحرمات والشبهات، أي ما به يختار الصدق والصواب، وهو التحرز عن ارتكاب ما لا يليق من القول والاعتقاد والفعل والنية ويمكن أن يراد بالحكمة ما تقتضيه حكمته، وربما يقرأ بفتح الحاء والكاف، وهو المحيط من اللجام بحنك الدابة، أي المانع لمركبه من الخروج عن طريقه والتوجه إلى خلاف مقصده « ومستقره » أي محل استقراره ومسكنه الّذي إذا وصل إليه سكن، واستقر فيه النجاة والتخلص عن الشكوك والشبهات، فإن العلم والعالم لا يستقران ولا يطمئنان إلا إذا وصلا إلى حد اليقين، أو لا يترك الحركة والسعي في تحصيل النجاة إلا مع حصولها بعد الموت، فما دام في الدنيا لا يفتر عن السعي، لتحصيل النجاة الأخروية، ويحتمل أن يكون المستقر مصدراً ميميّاً أي استقراره في قلب العالم يوجب النجاة عن الجهل والعقوبات والحمل على المبالغة.
« وقائده » أي ما يقوده ويجره نحو مستقره الّذي هو النجاة: العافية من الآفات والعاهات والأمراض النفسانية « وسيفه الرضا » أي الرضا بالقضاء، أو بما وقع من العدو بالنسبة إليه، وعدم التعرض لدفعه، ولعلهعليهالسلام إنما شبه الرضا بالسيف والمداراة بالقوس لأنّ بالسيف يدفع العدو القريب، وبالقوس يدفع العدو البعيد، والرضا والصبر يدفعان المضرة العاجلة، والمداراة وحسن الخلق يدفعان المضرات المتوقعة، ومحاورة العلماء: مكالمتهم ومجاوبتهم، فإنها تقوية وتعينه كتقوية الأعوان والأنصار، والمراد بالمال البضاعة الّتي يتجر بها، وبالذخيرة ما يحرز لوقت الحاجة، فالأدب كالبضاعة للعلم، واجتناب الذنوب كالذخيرة له لتقوي العلم به
وذخيرته اجتناب الذنوب وزاده المعروف وماؤه الموادعة ودليله الهدى - ورفيقه محبة الأخيار.
٣ - محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن حماد بن عثمان، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله نعم وزير الإيمان العلم ونعم وزير العلم الحلم ونعم وزير الحلم الرفق ونعم وزير الرفق الصبر.
٤ - علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمّد الأشعري، عن عبد الله بن ميمون القداح، عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، عن آبائهعليهمالسلام قال جاء رجل إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقال يا رسول الله ما العلم قال الإنصات قال ثمّ مه قال:
________________________________________________________
يوما فيوماً، وينتفع به عند الحاجة.
« ودليله » أي ما يدله ويرشده إلى الحقّ والنجاة الهدي أي هدى الله تعالى بتوسط الأنبياء والأوصياءعليهالسلام ، وتوفيقه وتسديده، « ورفيقه » أي ما يؤمن بمرافقته من قطع طريقه إلى النجاة « محبة الأخيار » وفي تحف العقول « صحبة الأخيار » ولعله أنسب.
الحديث الثالث صحيح.
قولهعليهالسلام نعم وزير الإيمان: الوزير الّذي يلتجئ الأمير إلى رأيه وتدبيره، ويحمل عنه ما حمله من الأثقال، والمراد بالإيمان التصديق بإلهيته سبحانه ووحدانيته وصفاته الكمالية، وبالرسول وبما جاء به، وبالعلم معرفة المعارف بأدلتها معرفة يوجب مراعاتها اضمحلال الشبه والشكوك وبالحلم الأناة، وأن لا يزعجه هيجان الغضب وهي حالة نفسانية توجب ترك المراء والجدال، وأن لا يستفزه الغضب، والرفق الميل إلى التلطف، وتسهيل الأمر والإعانة، ويحتمل أن يكون المراد بالرفق إعمال الحلم، والعبرة هي العبور العلمي من الأشياء إلى ما يترتب عليها وتنتهي إليه، وتقوية كلّ سابق مما ذكر بلا حقه لا يحتاج إلى البيان.
الحديث الرابع ضعيف على المشهور.
قوله: ما العلم؟ لعل سؤال السائل كان عمّا يوجب العلم أو عن آداب طلبه أو
الاستماع قال ثمّ مه قال الحفظ قال ثمّ مه قال العمل به قال ثمّ مه يا رسول الله قال نشره.
٥ - علي بن إبراهيم رفعه إلى أبي عبد اللهعليهالسلام قال طلبة العلم ثلاثة فاعرفهم بأعيانهم وصفاتهم صنف يطلبه للجهل والمراء وصنف يطلبه للاستطالة والختل
________________________________________________________
عما يدل على حصوله، ويحتمل أن يكون غرضه استعلام حقيقته فأجابهعليهالسلام ببيان ما يوجب حصوله أو يدل على ثبوته، لأنّه الّذي ينفعه، فالحمل على المبالغة، والإنصات السكوت عند الاستماع فإن كثرة المجادلة عند العالم يوجب الحرمان عن علمه.
قوله: ثمّ مه؟ أصلها « ما » قلبت الألف هاء أو حذفت وزيدت الهاء للسكت.
الحديث الخامس مرفوع، وسنده الثاني مجهول، ورواه الصدوق (ره) في الأمالي عن جعفر بن محمّد بن مسرور، عن محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميري عن أبيه عن محمّد بن عبد الجبار عن محمّد بن زياد، عن أبان بن عثمان، عن أبان بن تغلب، عن عكرمة عن ابن عباس، عن أمير المؤمنينعليهالسلام بأدنى تغيير، ورواه أيضاً في الخصال عن محمّد بن موسى بن المتوكل، عن علي بن الحسين السعدآبادي، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي عن أبيه، عن محمّد بن سنان، عن أبي الجارود عن سعيد بن علاقة عنهعليهالسلام مثله.
قولهعليهالسلام بأعيانهم: أي بخواصهم وأفعالهم المخصوصة بهم، أو بالشاهد والحاضر من أفعالهم كما قيل، وقال في القاموس: العين الحاضر من كلّ شيء، فالمراد بصفاتهم ما عداً أفعالهم من صفاتهم المتصفين بها، وقيل: فاعرفهم بأعيانهم أي أقسامهم ومفهومات أصنافهم، وهي ما ذكره بقولهعليهالسلام : صنف، إلى قوله: والعقل وصفاتهم أي علاماتهم الّتي يعرف بها كلّ صنف من غيره، وهو ما ذكره بقوله: فصاحب الجهل إلى آخره، وقيل: المراد بأعيانهم مناظرهم من هيئاتهم وأوضاعهم كالتسربل بالخشوع والتخلي من الورع، قال في القاموس: العين منظر الرجل، وبصفاتهم علاماتهم من أفعالهم وهو قريب من الأول، وقيل: المعنى أعرفهم بسبب الحاضر من أفعالهم وعلاماتهم و
وصنف يطلبه للفقه والعقل فصاحب الجهل والمراء موذ ممار متعرض للمقال في أندية الرجال بتذاكر العلم وصفة الحلم قد تسربل بالخشوع وتخلى من الورع فدق الله من
________________________________________________________
يكون الواو في قوله: وصفاتهم بمعنى مع، أي مع صفاتهم وخواصهم الّتي خصهم الله تعالى بها مما فعله بهم من العقاب على الأولين، والإثابة على الثالث على الوجه الّذي ذكرهعليهالسلام بعد ذكر علامة كلّ واحد من الأصناف الثلاثة، وحينئذ يكون الكلام على سياقة اللف والنشر المرتب أو بالعكس، بأن يكون المراد بأعيانهم خواصهم الّتي خصهم الله تعالى بها من العقاب والثواب، وبصفاتهم علاماتهم، والباء للإلصاق، والواو بمعنى مع أو للعطف، واللف على خلاف ترتيب النشر، والجهل السفاهة وترك الحلم، وقيل: ضد العقل، والمراء المجادلة من غير غرض ديني والاستطالة: العلو والترفع والختل بالمعجمة المفتوحة والمثناة الفوقانية الساكنة: الخداع كما ذكره في النهاية، في شرح هذا الخبر، والفقه: معرفة الأمور الدينية، والمراد بالعقل تعقل الأمور وفهمها، أو المعنى أنه يطلب العلم ليستعمله العقل، ويعمل بمقتضاه أو لتكميل العقل الفطري، والأندية جمع النادي وهو مجتمع القوم ومجلسهم ومتحدثهم ما داموا فيه مجتمعين، فإذا تفرقوا فليس بنادي، وقولهعليهالسلام : بتذاكر العلم متعلّق بالمقال، أي يصف العلم والحلم، ولا يتصف بهما، أو يصف نفسه بهما مع خلوه عنهما، ويذكر المسائل المشكلة ويتكلم فيها، ليظهر علمه وليس بعالم، ويظهر الحلم أحيانا وليس بحليم، والتسربل تفعلل من السربال وهو القميص أي أظهر الخشوع للتشبه بالخاشعين والتزيي بزيهم مع خلوه عنه لخلوه من الورع اللازم له.
قولهعليهالسلام فدق الله من هذا: دعاء عليه أو خبر عمّا سيلحقه، وكذا نظائره وقوله من هذا: أي بسبب كلّ واحدة من تلك الخصال، ويحتمل أن تكون الإشارة إلى الشخص فكلمة « من » تبعيضية، والمراد بدق الخيشوم وهو أعلى الأنف وأقصاه: إذلاله وإبطال أمره، ورفع الانتظام عن أحواله وأفعاله، وبقطع الحيزوم بفتح الحاء المهملة وضم الزاء المعجمة، وهو ما استدار بالظهر والبطن، أو ضلع الفؤاد أو ما اكتنف
هذا خيشومه وقطع منه حيزومه وصاحب الاستطالة والختل ذو خب وملق يستطيل على مثله من أشباهه ويتواضع للأغنياء من دونه فهو لحلوائهم هاضم ولدينه حاطم فأعمى الله على هذا خبره وقطع من آثار العلماء أثره وصاحب الفقه
________________________________________________________
بالحلقوم من جانب الصدر: إفساد ما هو مناط الحياة والتعيش في الدنيا أو في الدارين والخب بالكسر: الخدعة، والخبث والغش، يقال رجل خب وخب بالفتح والكسر أي خداع، والملق بالتحريك: المداهنة والملاينة باللسان والإعطاء باللسان ما ليس في القلب.
قولهعليهالسلام على مثله: أي من يساويه في العز والمرتبة من أشباهه وهم أهل العلم وطلبته، وقوله: من دونه أي من غيره يعني من غير صنفه وجنسه، أو ممّن هو دونه، ومن هو خسيس بالنسبة إليه وهاتان الفقرتان كالتفسير والبيان لخبه وملقه.
قولهعليهالسلام فهو لحلوانهم: في بعض النسخ بالنون وهو بضم الحاء المهملة وسكون اللام: أجرة الدلال والكاهن وما أعطي من نحو رشوة، والمراد به ههنا ما يعطيه الأغنياء فكأنه أجرة لما يفعله بالنسبة إليه أو رشوة على ما يتوقع منه بالنسبة إليهم، وفي بعض النسخ لحلوائهم بالهمزة أي لأطعمتهم اللذيذة، والحطم: الكسر المؤدي إلى الفساد، يعني يأكل من مطعوماتهم ويعطيهم من دينه فوق ما يأخذ من مالهم، فلا جرم يحطم دينه ويهدم إيمانه ويقينه.
قولهعليهالسلام خبره: بضم الخاء أي علمه، أو بالتحريك دعاء عليه بالاستيصال والفناء بحيث لا يبقى له خبر بين الناس، والأثر بالتحريك ما يبقى في الأرض عند المشي وقطع الأثر إمّا دعاء عليه بالزمانة كما ذكره الجزري، أو بالموت فإن أثر المشي من لوازم الحياة، أو المراد به ما يبقى من آثار علمه بين الناس، فلا يذكر به والأوسط أظهر، والكآبة بالتحريك والمد وبالتسكين: سوء الحال والانكسار من شدة الهم
والعقل ذو كآبة وحزن وسهر قد تحنك في برنسه وقام الليل في حندسه يعمل ويخشى وجلا داعياً مشفقاً مقبلا على شأنه عارفا بأهل زمانه مستوحشا من أوثق إخوانه فشد الله من هذا أركانه وأعطاه يوم القيامة أمانه.
وحدثني به محمّد بن محمود أبو عبد الله القزويني، عن عدة من أصحابنا منهم جعفر بن محمّد الصيقل بقزوين، عن أحمد بن عيسى العلوي، عن عباد بن صهيب البصري
________________________________________________________
والحزن، والمراد بها ههنا الحزن على فوت الفائت، أو عدم حصول ما هو متوقع له من الدرجات العالية، والسعادات الأخروية.
قولهعليهالسلام قد تحنك في برنسه: وفي الكتابين قد انحنى في برنسه والبرنس بضم الباء وسكون الراء والنون المضمومة: قلنسوة طويلة كان يلبسها النساك والعباد في صدر الإسلام، وعلى نسخة الكتاب يومئ إلى استحباب التحنك للصلاة، والحندس بالحاء المهملة المكسورة والنون الساكنة والدال المكسورة: الليل المظلم أو ظلمة الليل، وقوله: في حندسه بدل من الليل، ويحتمل أن يكون « في » بمعنى « مع » ويكون حالا من الليل والضمير راجع إلى الليل، وعلى الأول يحتمل إرجاعه إلى العالم.
قولهعليهالسلام ويخشى: أي من لا يقبل منه وجلا أي خائفا من سوء عقابه داعياً إلى الله طالباً منه سبحانه التوفيق للهدي والثبات على الإيمان والتقوى، مشفقاً من الانتهاء إلى الضلال أو مشفقاً على الناس، متعطفا عليهم بهدايتهم والدعاء لهم، « مقبلا على شأنه » أي على إصلاح نفسه، وتهذيب باطنه « عارفا بأهل زمانه » فلا ينخدع منه « مستوحشا من أوثق إخوانه » لما يعرفه من أهل زمانه.
قولهعليهالسلام : فشد الله من هذا أركانه، أي أعضائه وجوارحه أو الأعم منها ومن عقله ودينه وأركان إيمانه، والفرق بين الصنفين الأوّلين إمّا بأن الأول غرضه الجاه والتفوق بالعلم، والثاني غرضه المال والترفع به أو بأن الأول غرضه إظهار الفضل
عن أبي عبد اللهعليهالسلام .
٦ - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمّد بن يحيى، عن طلحة بن زيد قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول إن رواة الكتاب كثير وإن رعاته قليل وكم من مستنصح للحديث مستغش للكتاب فالعلماء يحزنهم ترك الرعاية والجهال يحزنهم
________________________________________________________
على العوام، وإقبالهم إليه، والثاني مقصوده قرب السلاطين والظلمة والتسلط على الناس بالمناصب الدنيوية.
الحديث السادس ضعيف.
قولهعليهالسلام إن رواة الكتاب: يحتمل أن يكون المراد بالكتاب القرآن في الموضعين، فالمعنى أن الحافظين للقرآن بتصحيح ألفاظه وتجويد قراءته وصون حروفه عن اللحن والغلط كثير، ورعاته بتفهمه وتدبّر معانيه واستعلام ما أريد به من أهله، ثمّ استعمال ذلك كله على ما يقتضيه قليل « وكم من مستنصح للحديث » برعاية فهم معانيه، والتدبّر فيه، والعمل بما يقتضيه « مستغش للقرآن » بعدم رعاية موافقة الحديث له، وتطبيقه عليه، ويحتمل أن يكون المراد بالكتاب ما يشمل الحديث أيضا، فالمراد بمستنصح الحديث من يراعي لفظه وبمستغش الكتاب من لا يتدبّر في الحديث ولا يعمل بمقتضاه، فيكون من قبيل وضع المظهر موضع المضمر، والأول أظهر يقال: استنصحه أي عده نصيحا خالصاً عن الغش واستغشه أي عده غاشا غير ناصح، فمن عمل بالحديث وترك القرآن فكأنه عد الحديث ناصحه، والقرآن غاشا له.
قولهعليهالسلام فالعلماء يحزنهم ترك الرعاية: يعني أن العلماء العاملين يحزنهم ترك رعاية الكتاب والحديث، والتفكّر فيهما والعمل بهما، لما يعلمون في تركهما من سوء العقاب عاجلا وآجلا والجهال يهمهم حفظ روايته ويغمهم عدم قدرتهم عليه، لما يزعمونه كمالا وفوزا، ويمكن تقدير مضاف أي يحزنهم ترك حفظ الرواية، وقيل: المراد حفظ الرواية فقط، أي يصير ذلك سبب حزنهم في الآخرة، ومنهم من
حفظ الرواية فراع يرعى حياته وراع يرعى هلكته فعند ذلك اختلف الراعيان
________________________________________________________
قرأها يخزيهم من الخزي أي يصير هذا العلم سبباً لخزيهم في الدارين، وقيل: يحتمل أن يكون المراد بالعلماء أهل بيت النبوة سلام الله عليهم، ومن يحذو حذوهم ممّن تعلم منهم، ويكون المراد أنهمعليهالسلام يحزنهم ترك رعاية القرآن من التاركين لها، الحافظين للحروف فإنهم لو رعوه لاهتدوا به، وأقروا بالحق، والجهال وهم الّذين لم ينتفعوا من القرآن بشيء لا رواية ولا دراية ويحزنهم حفظ الرواية من الحافظين لها التاركين للرعاية لما رأوا أنفسهم قاصرين عن رتبة أولئك، ويحسبون أنهم على شيء وأنهم مهتدون، فتغبطهم نفوسهم، ويؤيد هذا المعنى ما يأتي في الروضة من قول أبي جعفرعليهالسلام في رسالته إلى سعد الخير، وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه وحرفوا حدوده، فهم يروونه ولا يرعونه، والجهال يعجبهم حفظهم للرواية، والعلماء يحزنهم تركهم للرعاية، فإن في قولهعليهالسلام : يعجبهم هناك بدل يحزنهم هنا، دلالة على ما قلنا، ويحتمل أن يكون المراد بالجهال هناك الحافظين للحروف فإنهم جهال في الحقيقة، ولا يجوز إرادته هيهنا لأنّه لا يلائم الحزن « انتهى » والأظهر أن المراد بالعلماء الّذين يستحقون هذا الاسم على الحقيقة، وهم الّذين يتعلمون لوجه الله تعالى ويعملون به، وبالجهال الّذين يطلبون العلم للأغراض الدنية الدنيوية ولا يعملون به، كما مر بيان حالهم، فالعلماء الربانيون يحزنون إذا فاتهم رعاية الكتاب والعمل به لفوت مقصودهم، وغيرهم من علماء السوء لا يحزنون بترك الرعاية، إذ مقصودهم حفظ الرواية فقط، وقد تيسر لهم، لكن ذلك يصير سبباً لحزنهم في الدنيا لأنّ الله تعالى يذلهم ويسلب عنهم علمهم، ويكلهم إلى أنفسهم، وفي الآخرة للحسرات الّتي تلحقهم لفوت ما هو ثمرة العلم والمقصود منه.
والحاصل أن مطلوب العلماء ما هو تركه يوجب حزنهم ومطلوب الجهال ما هو فعله يورث حزنهم وخزيهم، ولا يبعد أن يكون الترك في قوله ترك الرعاية زيد من النساخ، فتكون الفقرتان على نسق واحد، ويؤيده ما رواه ابن إدريس في كتاب
وتغاير الفريقان.
٧ - الحسين بن محمّد الأشعري، عن معلى بن محمد، عن محمّد بن جمهور، عن عبد الرحمن بن أبي نجران عمن ذكره، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال من حفظ من أحاديثنا أربعين حديثاً بعثه الله يوم القيامة عالماً فقيها
________________________________________________________
السرائر مما استطرفه من كتاب أنس العالم للصفواني عن طلحة بن زيد قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام : رواة الكتاب كثير، ورعاته قليل، فكم من مستنصح للحديث مستغش للكتاب، والعلماء يحزنهم الدراية، والجهال يحزنهم الرواية.
قولهعليهالسلام فراع يرعى حياته: أي حياة نفسه أبداً ونجاته من المهالك وهو الّذي يراعي الكتاب ويطلب علمه لله ويعمل به، وراع يرعى هلكته بالتحريك أي هلاك نفسه وعقابه الأخروي، وهو الّذي ليس مقصوده إلا حفظ لفظ القرآن والحديث وروايتهما من غير تدبّر في معانيهما، أو عمل بهما، وأمّا قوله: فعند ذلك أي عند النظر إلى قلوبهم وضمائرهم، والاطلاع على نياتهم وسرائرهم كما قيل، أو عند ظهور الحياة والهلاك في الآخرة اختلف الراعيان أي راع الحياة وراعي الهلكة، أو راعي اللفظ وراعي العمل [ به ] وتغاير الفريقان بعد أن كانا متحدين بحسب الظاهر أو في الدنيا ممدوحين عند جهال الناس.
الحديث السابع ضعيف.
قولهعليهالسلام أربعين حديثا: هذا المضمون مشهور مستفيض بين الخاصة والعامة بل قيل: إنه متواتر، واختلف فيما أريد بالحفظ، فقيل: المراد الحفظ عن ظهر القلب فإنه هو المتعارف المعهود في الصدر السالف، فإن مدارهم كان على النقش على الخواطر لا على الرسم في الدفاتر، حتّى منع بعضهم من الاحتجاج بما لم يحفظه الراوي عن ظهر القلب، وقد قيل: إن تدوين الحديث من المستحدثات في المائة الثانية من الهجرة، وقيل: المراد الحراسة عن الاندراس بما يعم الحفظ عن ظهر القلب والكتابة والنقل بين الناس ولو من كتاب وأمثال ذلك، وقيل: المراد تحمله
________________________________________________________
على أحد الوجوه المقررة الّتي سيأتي ذكرها في باب رواية الكتب، والحق أن للحفظ مراتب يختلف الثواب بحسبها، فأحدها: حفظ لفظها، سواء كان في الخواطر أو في الدفاتر، وتصحيحه واستجازتها وإجازتها وروايتها، وثانيها: حفظ معانيها والتفكّر في دقائقها واستنباط الحكم والمعارف منها، وثالثها: حفظها بالعمل بها والاعتناء بشأنها والاتعاظ بمودعها، ويومئ إليه بعض الأخبار، وفي بعض الروايات هكذا: من حفظ على أمتي أربعين حديثا، فالظاهر أن على بمعنى اللام أي حفظ لأجلهم كما قالوه في قوله تعالى( وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ ) (١) أي لأجل هدايته إياكم، ويحتمل أن يكون بمعنى « من » كما قيل في قوله تعالى( إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ) (٢) ويؤيده روايات، ويحتمل تضمين معنى الاشتقاق أو العطف أو التحنن أو أضرابها.
والحديث في اللغة يرادف الكلام، سمي به لأنّه يحدث شيئاً فشيئاً، وفي اصطلاح عامة المحدثين كلام خاص منقول عن النبي أو الإمام أو الصحابي أو التابعي أو من من يحذو حذوه، يحكى قولهم أو فعلهم أو تقريرهم، وعند أكثر محدثي الإمامية لا يطلق اسم الحديث إلا على ما كان عن المعصومعليهالسلام ، وظاهر أكثر الأخبار تخصيص الأربعين بما يتعلّق بأمور الدين من أصول العقائد والعبادات القلبية والبدنية، لا ما يعمها وسائر المسائل من المعاملات والأحكام، بل يظهر من بعضها كون تلك الأربعين جامعة لأمهات العقائد والعبادات والخصال الكريمة، والأفعال الحسنة، وعلى التقادير فالمراد ببعثه فقيها عالماً أن يوفقه الله لأنّ يصير من الفقهاء العالمين العاملين، أو المراد بعثه في القيامة في زمرتهم لتشبهه بهم، وإن لم يكن منهم، وعلى بعض المحتملات الأول أظهر، وعلى بعضها الثاني كما لا يخفى.
ثم اعلم أن الفقيه يطلق غالباً في الأخبار على العالم العامل الخبير بعيوب النفس وآفاتها، التارك للدنيا، الزاهد فيها، الراغب إلى ما عنده تعالى من نعيمه وقربه ووصاله واستدل بعض الأفاضل بهذا الخبر على حجية خبر الواحد وتوجيهه ظاهر.
__________________
(١) سورة البقرة: ١٨٥.
(٢) سورة المطففين: ٢.
٨ - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه عمن ذكره، عن زيد الشحام، عن أبي جعفرعليهالسلام في قول الله عز وجل -( فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ ) (١) قال قلت ما طعامه قال علمه الّذي يأخذه عمن يأخذه.
________________________________________________________
الحديث الثامن مرسل.
قوله تعالى( إِلى طَعامِهِ ) (٢) بعدها قوله تعالى:( أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا، ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً وَحَدائِقَ غُلْباً، وَفاكِهَةً وَأَبًّا مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ ) (٣) .
قولهعليهالسلام علمه: أقول هذا بطن الآية ولا ينافي كون المراد من ظهرها طعام البدن، فإنه لما كان ظاهراً لم يتعرض له، وكما أن البدن محتاج إلى الطعام والشراب لبقائه وقوامه واستمرار حياته كذلك الروح يحتاج في حياته المعنوي بالإيمان إلى العلم والمعارف والأعمال الصالحة ليحيي حياة طيبة ويكون داخلا في قوله تعالى( أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ ) ولا يكون من الّذين وصفهم الله تعالى في كلامه العزيز في مواضع شتى بأنهم موتي، ثمّ إنّ الغذاء الجسماني لما كان وجوده ونموه بنزول المطر من السماء إلى الأراضي القابلة لتنشق وتنبت منها أنواع الحبوب والثمار، وألوان الأزهار والأنوار والأشجار والحشائش، فيتمتع بها الناس والأنعام فكذلك الغذاء الروحاني يعني العلم الحقيقي إنما يحصل بأن تفيض أمطار العلم والحكمة من سماء الرحمة - وهو الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، حيث سماه الله تعالى سماء وأقسم به في مواضع من القرآن، وبه فسر قوله تعالى( وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ ) وفسر البروج بالأئمّةعليهالسلام على أراضي القلوب القابلة للعلم والحكمة، فينبت الله تعالى فيها أنواع ثمرات العلم والحكمة أو على قلوب الأئمّةعليهالسلام ، فإنهم شجرة النبوة ليثمروا أنواع ثمرات العلم والحكمة
__________________
(١) سورة عبس: ٢٤.
(٢) سورة الأنعام: ١٢٢.
(٣) سورة البروج: ١.
٩ - محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن علي بن النعمان، عن عبد الله بن مسكان، عن داود بن فرقد، عن أبي سعيد الزهري، عن أبي جعفرعليهالسلام قال الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة وتركك حديثاً لم تروه خير من روايتك حديثاً لم تحصه.
________________________________________________________
ليغتذي بها أرواح القابلين للتربية وينتفع بها غيرهم أيضاً من الّذين كالأنعام بل هم أضل سبيلا، فإنهم أيضاً ينتفعون بالعلوم الحقة وإن كان في دنياهم، كما قال تعالى( مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ ) والحاصل على الوجهين أنه ينبغي له أن يأخذ علمه عن أهل بيت النبوة الّذين هم مهابط الوحي، وينابيع الحكمة الآخذين علومهم من رب العزة حتّى يصلح أن يصير غذاء لروحه ويحييه حياة طيبة.
الحديث التاسع ضعيف.
قولهعليهالسلام الوقوف عند الشبهة: أي التثبت عند اشتباه الحكم وعدم وضوحه وترك الحكم والفتوى خير من أن يلقي نفسه فجأه في الهلكة، وهي بالتحريك الهلاك
قولهعليهالسلام لم تروه: صفة لقوله حديثاً كنظيره أو حال وهو إمّا على المجهول من باب الأفعال أو التفعيل أي لم تحمل على روايته، يقال: رويته الشعر أي حملته على روايته، وأرويته أيضا، ويمكن أن يقرأ على المعلوم من أحد البابين أي لم تحمل من تروي له على روايته، أو على بناء المجرد أي تركك حديثاً لم تكن راوياً له على حاله فلا ترويه خير من روايتك حديثاً لم تحصه، والإحصاء لغة العد، ولما كان عد الشيء يلزمه الاطلاع على واحد واحد مما فيه، استعمل في الاطلاع على جميع ما في شيء والإحاطة العلمية التامة بما فيه فإحصاء الحديث عبارة عن العلم بجميع أحواله متنا وسنداً وانتهاء إلى المأخذ الشرعي، وقوله: حديثاً لم تحصه، إظهار في موضع الإضمار، لكثرة الاعتناء بشأنه لأنّه عبارة أخرى عن معنى قوله: حديثاً لم تروه.
١٠ - محمد، عن أحمد، عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن حمزة بن الطيار أنه عرض على أبي عبد اللهعليهالسلام بعض خطب أبيه حتّى إذا بلغ موضعاً منها قال له كف واسكت ثمّ قال أبو عبد اللهعليهالسلام لا يسعكم فيما ينزل بكم مما لا تعلمون إلا الكف عنه والتثبت والرد إلى أئمّة الهدى حتّى يحملوكم فيه على القصد ويجلوا عنكم فيه العمى ويعرفوكم فيه الحقّ قال الله تعالى( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) (١) .
١١ - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمد، عن المنقري، عن سفيان بن عيينة قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول وجدت علم الناس كله في أربع أولها
________________________________________________________
الحديث العاشر: حسن أو موثق.
قولهعليهالسلام كف واسكت: الأمر بالكف عند بلوغ ذلك الموضع إمّا لأنّ من عرض الخطبة فسر هذا الموضع برأيه وأخطأ أو لأنّه كان في هذا الموضع غموض ولم يتثبت عنده القاري، ولم يطلب تفسيره منهعليهالسلام ، أو لأنّهعليهالسلام أراد إنشاء ما أفاد وبيان ما أراد لشدة الاهتمام به، فأمره بالكف، ويحتمل أن يكون شرحا وبيانا لهذا الموضع من الخطبة، والقصد استقامة الطريق أو الوسط بين الطرفين وهو العدل والطريق المستقيم ويحتمل على بعد أن يكون المراد بالقصد مقصود القائل.
قولهعليهالسلام ويجلوا: أي يذهبوا عنكم فيه العمى أي عمى القلب، والجهالة والضلالة.
الحديث الحادي عشر: ضعيف.
قولهعليهالسلام في أربع: أي ما يحتاج الناس إلى معرفته من العلوم منحصر في أربع، وتأنيث الأربع باعتبار المعرفة المفهومة من قولهعليهالسلام : أن تعرف في المواضع الآتية، وتذكير الأول وأخواتها باعتبار العلم، أو المراد أوّل أقسامها. أولها: أن تعرف ربك، بوجوده وصفاته الكمالية الذاتية والفعلية بحسب طاقتك، وثانيها: معرفتك بما صنع بك من إعطاء العقل والحواس والقدرة، واللطف بإرسال الرسل وإنزال الكتب
__________________
(١) سورة الأنبياء: ٧.
أن تعرف ربك والثاني أن تعرف ما صنع بك والثالث أن تعرف ما أراد منك والرابع أن تعرف ما يخرجك من دينك.
١٢ - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم قال قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام ما حق الله على خلقه فقال أن يقولوا ما يعلمون ويكفوا عمّا لا يعلمون فإذا فعلوا ذلك فقد أدوا إلى الله حقه.
١٣ - محمّد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن ابن سنان، عن محمّد بن مروان العجلي، عن علي بن حنظلة قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول اعرفوا منازل الناس على قدر روايتهم عنا.
________________________________________________________
وسائر نعمه العظام، وثالثها: معرفتك بما أراد منك وطلب فعله، أو الكف عنه وبما أراد من طريق معرفته وأخذه من مأخذه المعلومة بالعقل والنقل، ورابعها: أن تعرف ما يخرجك من دينك كاتباع أئمّة الضلال، والأخذ من غير المأخذ، وإنكار ضروري الدين، ويدخل في هذا القسم معرفة سائر أصول الدين سوى معرفة الله تعالى فإنها من ضروريات الدين، والإعدام إنما تعرف بملكاتها، وإن أمكن إدخالها في الأول لأنها من توابع معرفة الله وشرائطه، ولذا وصف تاركها في الآيات والأخبار بالمشرك، فعلى هذا يمكن أن يكون المراد بالرابع المعاصي، ويكون الثالث مقصوراً على الطاعات.
الحديث الثاني عشر حسن.
قولهعليهالسلام أن تقولوا: يمكن تعميم القول بحيث يشمل اللساني والقلبي، « فقد أدوا إلى الله حقه » اللازم عليهم في بيان العلم وتعليمه، ومنهم من عمم وقال: لأنّه إذا قال ما علمه قولا يدل على إقراره ولا يكذبه بفعله وكف عمّا لا يعلمه هداه الله إلى علم ما بعده، وهكذا حتّى يؤدي إلى أداء حقوقه.
الحديث الثالث عشر ضعيف.
قولهعليهالسلام على قدر رواياتهم(١) عنا: أي كيفا أو كما أو الأعم منهما وهو أظهر
__________________
(١) كذا في النسخ وفي المتن « روايتهم ».
١٤ - الحسين بن الحسن، عن محمّد بن زكريا الغلابي، عن ابن عائشة البصري رفعه أن أمير المؤمنينعليهالسلام قال في بعض خطبه أيها الناس اعلموا أنه ليس بعاقل من انزعج من قول الزور فيه ولا بحكيم من رضي بثناء الجاهل عليه الناس
________________________________________________________
وهذا طريق إلى معرفة الرجال غير ما ذكره أرباب الرجال، وهو أقوى وأنفع في هذا الباب فإن بعض الرواة نرى أخبارهم مضبوطة ليس فيها تشويش كزرارة ومحمد بن مسلم وأضرابهما وبعضهم ليسوا كذلك كعمار الساباطي، وكذا نرى بعض الأصحاب أخبارهم خالية عن التقية كعلي بن جعفر، وبعضهم أكثرها محمولة على التقية كالسكوني وأضرابه، وكذا نرى بعض الأصحاب رووا مطالب عالية ومسائل غامضة وأسرار كثيرة كهشام بن الحكم ومفضل بن عمر، ولم نر في أخبار غيرهم ذلك، وبعضهم رووا أخباراً كثيرة، وذلك يدل على شدة اعتنائهم بأمور الدين، وبعضهم ليسوا كذلك وكل ذلك من مرجحات الرواة ويظهر الجميع بالتتبع التام فيها.
الحديث الرابع عشر مرسل والغلابي بالغين المعجمة والباء الموحدة، نسبة إلى غلاب لأنّه كان مولى بني غلاب وهم قبيلة بالبصرة.
قولهعليهالسلام من انزعج: قال الجوهري أزعجه أي أقلعه من مكانه فانزعج « انتهى » أي أن العاقل لا يضطرب ولا ينقلع من مكانه بسبب سماع قول الزور والكذب والبهتان فيه، لأنّه لا يضره بل ينفعه والحكيم لا يرضى بثناء الجاهل بحاله، ومعائبه عليه، لأنّه لا ينفعه بل يضره، وقيل: لأنّ الحكيم عارف بأسباب الأشياء ومسبباتها، وأن التخالف يوجب التنافر، وأن الجاهل لا يميل إلا إلى مشاكلة فلا يثني إلا على الجاهل، أو من يعتقد جهله أو مناسبته له، أو يستهزئ به باعتقاده أو من يريد أن يخدعه، والحكيم لا يرضى بشيء من ذلك، ويمكن تفسيره بوجه آخر وهو أنه لما كان الجاهل عاجزا عن حق إدراك العلم والحكمة والصفات الكمالية الّتي يتصف الحكيم بها بل كلّ ما يتصوره من تلك الكمالات، فإنما يتصوره على وجه هو في الواقع منقصة، فثناؤه عليه إنما هو بالمعاني المذمومة الّتي تصورها من تلك الكمالات، فبالحقيقة مدحه
أبناء ما يحسنون وقدر كلّ امرئ ما يحسن فتكلموا في العلم تبين أقداركم.
١٥ - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن أبان بن عثمان، عن عبد الله بن سليمان قال سمعت أبا جعفرعليهالسلام يقول وعنده رجل من أهل البصرة يقال له عثمان الأعمى وهو يقول إنّ الحسن البصري يزعم أن الّذين يكتمون العلم يؤذي ريح بطونهم أهل النار فقال أبو جعفرعليهالسلام فهلك إذن مؤمن آل فرعون
________________________________________________________
ذم وثناؤه هجاء، فلذا قال العارفون بجنابة سبحانه: لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك فإنهم لا يقصدون من الأسماء الّتي يطلقونه عليه تعالى ما فهموه منها، بل يقصدون المعاني الّتي أراده تعالى وهم عاجزون عن فهمها.
قولهعليهالسلام أبناء ما يحسنون: من الإحسان بمعنى العلم، يقال أحسن الشيء أي تعلمه فعلمه حسنا، وقيل: ما يحسنون أي ما يأتون به حسنا من العلم والعمل والأول أظهر، والمعنى أنه ليس شرف المرء وافتخاره بأبيه وأمه بل بعلمه، أو المراد أنهم إن كانوا يعلمون علم الآخرة فهم أبناء الآخرة، وإن كانوا يعلمون علم الدنيا فهم أبناؤها، أو المراد أنه كما أن نظام حال الابن وصلاحه بالأب كذا نظام حال الناس وصلاحهم بما يعلمونه، وقولهعليهالسلام : وقدر كلّ امرء ما يحسن، أي مرتبته في العز والشرف بقدر ما يعلمه.
الحديث الخامس عشر ضعيف.
قولهعليهالسلام فهلك أذن: أي إن كان الكتمان مذموما يكون مؤمن آل فرعون هالكاً حيث قال تعالى فيه( وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ ) (١) ولما كان غرض الحسن إظهار أن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يكن عنده علم سوى ما في أيدي الناس وتكذيبهمعليهمالسلام فيما يدعون أن عندهم من علوم النبي وإسراره ما ليس في أيدي الناس، وأنهم يظهرون من ذلك ما يشاءون ويكتمون ما يشاءون للتقية وغيرها من المصالح، أبطلعليهالسلام قوله بأن الكتمان عند التقية أو الحكمة المقتضية له طريقة مستمرة من
__________________
(١) سورة غافر: ٢٨.
ما زال العلم مكتوما منذ بعث الله نوحاعليهالسلام فليذهب الحسن يمينا وشمالاً فو الله ما يوجد العلم إلا هاهنا.
باب رواية الكتب والحديث
وفضل الكتابة والتمسك بالكتب
١ - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن يونس، عن أبي بصير قال قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام قول الله جل ثناؤه -( الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ) (١) قال هو الرجل يسمع الحديث فيحدث به كما سمعه لا يزيد فيه ولا ينقص منه.
________________________________________________________
زمن نوحعليهالسلام إلى الآن، فليذهب الحسن الّذي يزعم انحصار العلم فيما في أيدي الناس يمينا وشمالاً أي إلى كلّ جهة وجانب ليطلبه من الناس، فإنه لا يوجد عندهم أكثر المعارف والشرائع.
قولهعليهالسلام إلا هيهنا، لعله أشار إلى صدره الشريف أو إلى مكانه المنيف أو إلى بيت النبوة والخلافة.
باب رواية الكتب والحديث وفضل الكتابة والتمسك بالكتب
الحديث الأول موثق.
قولهعليهالسلام فيحدث به كما سمعه، لعلهعليهالسلام جعل الأحسن مكان المفعول المطلق والضمير راجع إلى الأتباع كما أومأنا إليه في حديث هشام، فالمعنى أن أحسن الاتباع أن يرويه كما سمعه بلا زيادة ونقصان ويومئ إلى جواز النقل بالمعنى بمقتضى صيغة التفضيل، وعلى ما ذكرنا سابقاً من التفسير المشهور يكون تفسير المعنى الاتباع أي اتباع الأحسن لا يكون إلا بأن يتبعه قولا وفعلا من غير زيادة ونقص، ويؤيد الأخير قوله تعالى( وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ) (٢) .
__________________
(١) سورة الزمر: ١٨.
(٢) سورة الزمر: ٥٥.
٢ - محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن محمّد بن مسلم قال قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام أسمع الحديث منك فأزيد وأنقص قال إن كنت تريد معانيه فلا بأس.
________________________________________________________
الحديث الثاني صحيح.
قولهعليهالسلام إن كنت تريد معانيه: أي إن كنت تقصد حفظ معانيه فلا تختل بالزيادة والنقصان، فلا بأس بأن تزيد وتنقص في العبارة، وقيل: إن كنت تقصد وتطلب بالزيادة والنقصان إفادة معانيه فلا بأس، وعلى التقديرين يدل على جواز نقل الحديث بالمعنى، وتفصيل القول في ذلك أنه إذا لم يكن المحدث عالماً بحقائق الألفاظ ومجازاتها ومنطوقها ومفهومها ومقاصدها لم تجز له الرواية، وأمّا إذا كان ألما بذلك فقد قال طائفة من العلماء لا تجوز إلا باللفظ أيضا، وجوز بعضهم في غير حديث النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فقط، قال: لأنّه أفسح من نطق بالضاد، وفي تراكيبه أسرار ودقائق لا يوقف عليها إلا بها كما هي، لأنّ لكل تركيب معنى بحسب الوصل والفصل والتقديم والتأخير وغير ذلك لو لم يراع ذلك لذهبت مقاصدها، بل لكل كلمة مع صاحبتها خاصية مستقلة كالتخصيص والاهتمام وغيرهما، وكذا الألفاظ المشتركة والمترادفة، ولو وضع كلّ موضع الآخر لفات المعنى المقصود، ومن ثمّ قال النبي صلى الله وعليه وآله نصر الله عبداً سمع مقالتي وحفظها ووهاها وأداها كما سمعها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، وكفى هذا الحديث شاهداً بصدق ذلك، وأكثر الأصحاب جوزوا ذلك مطلقاً مع حصول الشرائط المذكورة، وقالوا: كلما ذكرتم خارج عن موضوع البحث لأنا إنما جوزنا لمن يفهم الألفاظ، ويعرف خواصها ومقاصدها، ويعلم عدم اختلال المراد بها فيما أداه، وقد ذهب جمهور السلف والخلف من الطوائف كلها، إلى جواز الرواية بالمعنى إذا قطع بأداء المعنى بعينه، لأنّه من المعلوم أن الصحابة وأصحاب الأئمّةعليهالسلام لم يكونوا يكتبون الأحاديث
٣ - وعنه، عن محمّد بن الحسين، عن ابن سنان، عن داود بن فرقد قال قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام إني أسمع الكلام منك فأريد أن أرويه كما سمعته منك فلا يجيء قال فتعمد ذلك قلت لا فقال تريد المعاني قلت نعم قال فلا بأس.
________________________________________________________
عند سماعها، ويبعد بل يستحيل عادة حفظهم جميع الألفاظ على ما هي عليه، وقد سمعوها مرة واحدة خصوصاً في الأحاديث الطويلة مع تطاول الأزمنة، ولهذا كثيراً ما يروى عنهم المعنى الواحد بألفاظ مختلفة، ولم ينكر ذلك عليهم، ولا يبقى لمن تتبع الأخبار في هذا شبهة، نعم لا مرية في أن روايته بلفظه أولى على كلّ حال، لا سيما في هذه الأزمان لبعد العهد وفوت القرائن وتغير المصطلحات، وبالغ بعضهم فقال: لا يجوز تغيير « قال النبي » إلى « قال رسول الله » ولا عكسه وهو عنت بين بغير ثمرة، وقال بعض الأفاضل: نقل المعنى إنما جوزوه في غير المصنفات، أمّا المصنفات فقد قال أكثر الأصحاب لا يجوز حكايتها ونقلها بالمعنى، ولا تغيير شيء منها على ما هو المتعارف وهو أحوط.
الحديث الثالث ضعيف على المشهور.
قولهعليهالسلام فتعمد ذلك: بالتائين وفي بعض النسخ بحذف إحداهما للتخفيف والتعمد القصد يقال تعمدت الشيء أي قصدته، يعني أتتعمد ترك حفظ الألفاظ وعدم المبالاة بضبطها، أو أنت نسي يقع ذلك منك بغير تقصير، أو المعنى أفتقصد وتريد أن ترويه كيف ما يجيء زائداً على إفادة المعنى المقصود أو ناقصاً عنه « قال: تريد المعاني » أي أتريد رواية المعاني ونقلها بألفاظ غير مسموعة وعبارات مفيدة من غير زيادة ونقصان فيها، ويمكن أن يقال: لما كان قول السائل يحتمل وجهين أحدهما عدم المجيء أصلاً، والآخر عدمه بسهولة استفهمعليهالسلام وقال: أفتقصد عدم المجيء وتريده عمداً وتترك اللفظ المسموع لأجل الصعوبة فأجاب السائل بأن المراد الأمر الأول، وما في بعض النسخ من قوله: فتعمد بالتاء الواحدة قيل: يجوز أن يكون من المجرد يقال: عمدت الشيء فانعمد، أي أقمته بعماد معتمد عليه، أو من باب الأفعال يقال أعمدته أي جعلت تحته عماداً، والمعنى في الصورتين أفتضم إليه شيئاً من عندك تقيمه وتصلحه به، كما يقام الشيء بعماد يعتمد عليه.
٤ - وعنه، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير قال قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام الحديث أسمعه منك أرويه عن أبيك أو أسمعه من أبيك أرويه عنك قال سواء إلا أنك ترويه عن أبي أحب إلي وقال أبو عبد اللهعليهالسلام لجميل ما سمعت مني فاروه عن أبي.
٥ - وعنه، عن أحمد بن محمّد ومحمد بن الحسين، عن ابن محبوب، عن عبد الله
________________________________________________________
الحديث الرابع ضعيف.
قوله: وقال أبو عبد اللهعليهالسلام أمّا كلام أبي بصير أو خبر آخر مرسل.
قولهعليهالسلام : سواء: لأنّ علومهم كلهم من معدن واحد، بل كلهم من نور واحد، كما سيأتي، وأمّا أحبية الرواية عن الأب فلعله للتقية، فإن ذلك أبعد من الشهرة والإنكار، وأيضا فإن قول الماضي أقرب إلى القبول من قول الشاهد عند الجماهير، لأنّه أبعد من أن يحسد ويبغض، وقيل فيه وجه آخر، وهو أن علو السند وقرب الإسناد من الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم مما له رجحان عند الناس في قبول الرواية، خصوصاً فيما يختلف فيه الأحكام، وفيه وجه آخر وهو أن من الواقفية من توقف على الأب فلا يكون قول الابن حجة عليه فيما يناقض رأيه، بخلاف العكس إذ القائل بإمامة الابن قائل بإمامة الأب من دون العكس كليا، ووجه رابع أيضاً وهو التحرز عن إيهام الكذب فيما إذا سمع من الأب من سماعه بخصوصه من الابن، وذلك لأنّ كلّ مقول لأبي عبد اللهعليهالسلام مقول لأبيه لفظا، فهو مسموع من أبيه ولو بالواسطة بخلاف العكس، لأنّه يجوز عدم تلفظه ببعض ما سمعه من أبيه بعد، وإن كان موافقاً لعلمه واعتقاده، قيل: ويحتمل تعلّقه بالأخيرة فقط، أي رواية المسموع من أبي عنه أحب إلى من روايته عني للوجوه المذكورة لا سيما الرابع، وقوله: ترويه مبتدأ بتقدير أن كقولك: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه.
الحديث الخامس صحيح، ويدل على جواز تحمل الحديث بالإجازة وحمل الأصحاب قراءة الأحاديث الثلاثة على الاستحباب، والأحوط العمل به، ولنذكر ما به
ابن سنان قال قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام يجيئني القوم فيستمعون مني حديثكم فأضجر
________________________________________________________
يتحقق تحمل الرواية والطرق الّتي تجوز بها رواية الأخبار.
اعلم أن لأخذ الحديث طرقاً أعلاها سماع الراوي لفظ الشيخ، أو إسماع الراوي لفظه إياه بقراءة الحديث عليه، ويدخل فيه سماعه مع قراءة غيره على الشيخ، ويسمى الأول بالإملاء والثاني بالعرض، وقد يقيد الإملاء بما إذا كتب الراوي ما يسمع من شيخه، وفي ترجيح أحدهما على الآخر والتسوية بينهما أوجه، ومما يستدل به على ترجيح السماع من الشيخ على إسماعه هذا الخبر، فلو لا ترجيح قراءة الشيخ على قراءة الراوي لأمره بترك القراءة عند التضجر، وقراءة الراوي مع سماعه إياه، ولا خلاف في أنه يجوز للسامع أن يقول في الأول حدثنا وأنبأنا، وسمعته يقول، وقال لنا، وذكر لنا، هذا كان في الصدر الأول ثمّ شاع تخصيص أخبرنا بالقراءة على الشيخ، وأنبأنا ونبأنا بالإجازة، وفي الثاني مشهور جواز قول أخبرني وحدثني مقيدين بالقراءة على الشيخ، وما ينقل عن السيد ممّن منعه مقيداً أيضاً بعيد، واختلف في الإطلاق فجوزه بعضهم ومنعه آخرون، وفصل ثالث فجوز أخبرني ومنع حدثني، واستند إلى أن الشائع في استعمال أخبرني هو قراءته على الشيخ، وفي استعمال حدثني هو سماعه عنه، وفي كون الشياع دليلاً على المنع من غير شائع نظر.
ثم إن صيغة حدثني وشبهها فيما يكون الراوي متفرداً في المجلس، وحدثنا وأخبرنا فيما يكون مجتمعاً مع غيره، فهذان قسمان من أقسامها، وبعدهما الإجازة، سواء كان معينا لمعين كإجازة الكافي لشخص معين أو معينا لغير معين كإجازته لكل أحد، أو غير معين لمعين كأجزتك مسموعاتي أو غير معين كأجزت كلّ أحد مسموعاتي، كما حكي عن بعض أصحابنا أنه أجاز على هذا الوجه، وفي إجازة المعدوم نظر إلا مع عطفه على الموجود، وأمّا غير المميز كالأطفال الصغيرة فالمشهور الجواز، وفي جواز إجازة المجاز وجهان للأصحاب، والأصح الجواز وأفضل
ولا أقوى قال فاقرأ عليهم من أوله حديثاً ومن وسطه حديثاً ومن آخره حديثا
________________________________________________________
أقسامها ما كانت على وفق هذه الصحيحة بأن يقرأ عليه من أو له حديثاً ومن وسطه حديثاً ومن آخره حديثا، ثمّ يجيزه، بل الأولى الاقتصار عليه، ويحتمل أن يكون المراد بالأول والأوسط والآخر الحقيقي منها أو الأعم منه ومن الإضافي، والثاني أظهر وإن كان رعاية الأول أحوط وأولى، وبعدها المناولة وهي مقرونة بالإجازة وغير مقرونة، والأولى هي أن يناوله كتاباً ويقول هذا روايتي فاروه عني أو شبهه، والثانية أن يناوله إياه ويقول هذا سماعي ويقتصر عليه، وفي جواز الرواية بالثاني قولان، والأظهر الجواز لما سيأتي من خبر الحلال، وهل يجوز إطلاق حدثنا وأخبرنا في الإجازة والمناولة؟ قولان، وأمّا مع التقييد بمثل قولنا إجازة ومناولة فالأصح جوازه واصطلح بعضهم على قولنا أنبأنا وبعدها المكاتبة وهي أن يكتب مسموعة لغائب بخطه ويقرنه بالإجازة أو يعريه عنها، والكلام فيه كالكلام في المناولة، والظاهر عدم الفرق بين الكتابة التفصيلية والإجمالية كان يكتب الشيخ مشيراً إلى مجموع محدود إشارة يأمن معها اللبس والاشتباه: هذا مسموعي ومرويي فاروه عني.
والحق أنه مع العلم بالخط والمقصود بالقرائن لا فرق يعتد به بينه وبين سائر الأقسام ككتابة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى كسرى وقيصر مع أنها كانت حجة عليهم، وكتابة أئمتناعليهالسلام الأحكام إلى أصحابهم في الأعصار المتطاولة، والظاهر أنه يكفي الظن الغالب أيضاً في ذلك وبعدها الإعلام وهو أن يعلم الشيخ الطالب أن هذا الحديث أو الكتاب سماعه، وفي جواز الرواية به قولان، والأظهر الجواز لما سيأتي في خبر الحلال وابن أبي خالد، ويقرب منه الوصية وهي أن يوصي عند سفره أو موته بكتاب يرويه فلان بعد موته، وقد جوز بعض السلف للموصى له روايته ويدل عليه خبر ابن أبي خالد
والثامن: الوجادة وهي أن يقف الإنسان على أحاديث بخط راويها أو في كتابه المروي له معاصراً كان أو لا، فله أن يقول: وجدت أو قرأت بخط فلان أو في كتابه حدثنا فلان يسوق الإسناد والمتن، وهذا هو الّذي استمر عليه العمل حديثاً وقديماً، وهو من باب
٦ - عنه بإسناده، عن أحمد بن عمر الحلال قال قلت لأبي الحسن الرضاعليهالسلام الرجل من أصحابنا يعطيني الكتاب ولا يقول اروه عني يجوز لي أن أرويه عنه قال فقال إذا علمت أن الكتاب له فاروه عنه.
٧ - علي بن إبراهيم، عن أبيه وعن أحمد بن محمّد بن خالد، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال أمير المؤمنينعليهالسلام إذا حدثتم بحديث فأسندوه إلى الّذي حدثكم فإن كان حقاً فلكم وإن كان كذباً فعليه.
٨ - علي بن محمّد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد، عن أبي أيوب المدني، عن ابن
________________________________________________________
المنقطع، وفيه شوب اتصال ويجوز العمل به وروايته عند كثير من المحققين عند حصول الثقة بأنه خط المذكور أو روايته وإلا قال بلغني عنه أو وجدت في كتاب أخبرني فلان أنه خط فلان أو روايته، أو أظن أنه خطه أو روايته لوجود آثار روايته له بالبلاغ ونحوه، يدل على جواز العمل بها خبر ابن أبي خالد، وربما يلحق بهذا القسم ما إذا وجد كتاباً بتصحيح الشيخ وضبطه، والأظهر جواز العمل بالكتب المشهورة المعروفة الّتي يعلم انتسابها إلى مؤلفيها، كالكتب الأربعة، وسائر الكتب المشهورة، وإن كان الأحوط تصحيح الإجازة والإسناد في جميعها.
الحديث السادس مرسل.
قولهعليهالسلام فاروه عنه: أي إعطاء الكتاب لمن يعلم أنه من مروياته كاف في الرواية أو المراد أن العلم بأن الكتاب له ومن مروياته كاف للرواية عنه، سواء أعطي الكتاب أم لا.
الحديث السابع ضعيف على المشهور ويدل على مطلوبية ترك الإرسال بل لزومه.
وقولهعليهالسلام إذا حدثتم: يحتمل أن يكون على بناء المعلوم أو المجهول، ولا يبعد تعميم الحديث بحيث يشمل أخبار الناس أيضا.
الحديث الثامن مجهول.
أبي عمير، عن حسين الأحمسي، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال القلب يتكل على الكتابة.
٩ - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن عاصم بن حميد، عن أبي بصير قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول اكتبوا فإنكم لا تحفظون حتّى تكتبوا.
١٠ - محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن علي بن فضال، عن ابن بكير، عن عبيد بن زرارة قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام احتفظوا بكتبكم فإنكم سوف تحتاجون إليها.
١١ - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد البرقي، عن بعض أصحابه، عن أبي سعيد الخيبري، عن المفضل بن عمر قال قال لي أبو عبد اللهعليهالسلام اكتب وبث علمك في إخوانك فإن مت فأورث كتبك بنيك فإنه يأتي على الناس زمان هرج لا يأنسون فيه إلا بكتبهم
________________________________________________________
قولهعليهالسلام يتكل على الكتابة: الاتكال الاعتماد، أي إذا كتبتم ما سمعتم اطمأنت نفوسكم لتمكنكم من الرجوع إلى الكتاب إذا نسيتم، وفيه حث على كتابة الحديث، ويحتمل أن يكون المراد الترغيب على الحفظ بدون الكتابة، فإن مع الكتابة يتكل القلب عليه، ولا يسعى في حفظ الحديث والأول أظهر.
الحديث التاسع ضعيف على المشهور ويؤيد المعنى الأول للخبر السابق.
الحديث العاشر موثق كالصحيح.
قولهعليهالسلام فإنكم سوف تحتاجون إليها: أي في زمان غيبة الإمام أو الأعم منه ومن زمان بعض الأئمّة المستورين عن أكثر شيعتهم لخوف المخالفين.
الحديث الحادي عشر ضعيف على المشهور.
قولهعليهالسلام فأورث كتبك: أي اجعلها بحيث يصل إليهم بعدك، ويبقى في أيديهم أو علمهم علمها وحملهم روايتها، والهرج: الفتنة والاختلاف، وهو زمان الغيبة فإنه يكثر فيه الفتنة، واختلاط الحقّ بالباطل، ويدل على جواز الرجوع إلى الكتب في ذلك الزمان.
١٢ - وبهذا الإسناد، عن محمّد بن علي رفعه قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام إياكم والكذب المفترع قيل له وما الكذب المفترع قال أن يحدثك الرجل بالحديث فتتركه وترويه عن الّذي حدثك عنه.
________________________________________________________
الحديث الثاني عشر مرفوع أو ضعيف إذ الظاهر أن محمّد بن علي هو أبو سمينة.
قولهعليهالسلام إياكم والكذب المفترع: قيل أي الكذب الحاجز بين الرجل وبين قبول روايته من فرع فلان بين الشيئين إذا حجز بينهما، أو هو من فرع الشيء ارتفع وعلا، وفرعت الجبل أي صعدته لأنّه يريد أن يرفع حديثه بإسقاط الواسطة، أو المراد به الكذب الّذي يزيل عن الراوي ما يوجب قبول روايته، والعمل بها أي العدالة من افترعت البكر افتضضتها وأزلت بكارتها أو الكذب الّذي أزيل بكارته يعني وقع مثله من السابقين من الرواة، أو الكذب المبتدأ أي المستحدث، وفيه إيماء إلى أنه لم يقع مثله من السابقين أو المتعلّق بذكر أحد ابتداء، ومن قولهم بئس ما افترعت به أي ابتدأت به، والمفترع على الأخيرين اسم مفعول وعلى الثلاثة الأول اسم فاعل، وقيل: المراد أنه كذب هو فرع لكذب رجل آخر، فإن ساندته إليه فإن كان كاذباً أيضاً فلست بكاذب بخلاف ما إذا أسقطته فإنه إن كان كاذباً فأنت أيضاً كاذب، وقيل الافتراع بمعنى التفرع، فإنه فرع قوله على صدق الراوي، فإن قال في نفسه إذا رواه الفرع عن الأصل فقد قاله الأصل، فيجوز لي أن أسنده إلى الأصل، فأسنده إليه فإنما كان كذباً لأنّه غير جازم بصدوره عن الأصل، ولعل الفرع قد كذب عليه أو سها في نسبته إليه، ولا بد له من تجويز ذلك، فلا يحصل له الجزم به فهو كاذب في قوله، وإن قدرنا أن الأصل قد قاله كما أن المنافقين كانوا كاذبين في شهادتهم بالرسالة لأنهم كانوا غير جازمين به، وإنما كان كذباً مفترعاً لأنّه فرع على كذب مقدر، ولعله لم يكن كذباً فهو ليس بكذب صريح بل هو كذب مفترع، كما أنه صدق مفترع، ومنهم من صحف وقرع بالقاف من الاقتراع بمعنى الاختيار.
١٣ - محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن جميل بن دراج قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام أعربوا حديثنا فإنا قوم فصحاء.
١٤ - علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد، عن عمر بن عبد العزيز، عن هشام بن سالم وحماد بن عثمان وغيره قالوا سمعنا أبا عبد اللهعليهالسلام يقول حديثي حديث أبي وحديث أبي حديث جدي وحديث جدي حديث الحسين وحديث الحسين حديث الحسن وحديث الحسن حديث أمير المؤمنينعليهالسلام وحديث أمير المؤمنين حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله وحديث رسول الله قول الله عز وجل.
١٥ - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن محمّد بن الحسن بن أبي خالد شينولة قال قلت لأبي جعفر الثانيعليهالسلام جعلت فداك إن مشايخنا رووا عن أبي جعفر
________________________________________________________
الحديث الثالث عشر صحيح.
قولهعليهالسلام أعربوا حديثنا: الإعراب الإبانة والإفصاح، والمراد إظهار الحروف وإبانتها بحيث لا تشتبه بمقارباتها، وإظهار حركاتها وسكناتها، بحيث لا يوجب اشتباها ويحتمل أن يراد به إعرابه عند الكتابة بأن يكتب الحروف بحيث لا يشتبه بعضها ببعض، أو يجعل عليها ما يسمى اليوم عند الناس إعرابا، كما كان دأب القدماء ورعاية الجمع أحوط.
الحديث الرابع عشر ضعيف على المشهور.
قولهعليهالسلام حديث أبي: أي أحاديث كلّ واحد منهم مأخوذة من الآخر ومنتهية إلى قول الله تعالى، ولا مدخل فيها للآراء والظنون فلا اختلاف في أحاديثهم، ويومئ إلى أنه يجوز رواية ما سمع من أحدهم عن غيرهعليهالسلام كما مر.
الحديث الخامس عشر مجهول.
وقال في الإيضاح: شينولة بفتح الشين المعجمة وإسكان الياء المنقطة تحتها نقطتين وضم النون وإسكان الواو، والخبر يدل على صحة تحمل الحديث بالوجادة، وعلى جواز الرجوع إلى الكتب المؤلفة قبلهعليهالسلام والاعتماد عليها والعمل
وأبي عبد اللهعليهالسلام وكانت التقية شديدة فكتموا كتبهم ولم ترو عنهم فلما ماتوا صارت الكتب إلينا فقال حدثوا بها فإنها حق.
باب التقليد
١ - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن عبد الله بن يحيى، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قلت له -( اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ ) (١) فقال أمّا والله ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم ولو دعوهم
________________________________________________________
بما فيها، ويضم تلك الأخبار بعضها إلى بعض، ورعاية ما كان الشائع بين السلف من الرجوع إليها والعمل بها، وروايتها وإجازتها والاحتجاج بها، يحصل العلم بجواز العمل بأخبار الآحاد الّتي تضمنتها الكتب المعتبرة، وسنحقق ذلك في المجلد الآخر من كتاب بحار الأنوار إنشاء الله تعالى.
باب التقليد
الحديث الأول حسن، إذا الظاهر أن عبد الله هو الكاهلي، أو مجهول لاحتمال غيره، وسيأتي هذا الحديث في باب الشرك راوياً عن العدة عن البرقي عن أبيه عن عبد الله بن يحيى وهو أصوب.
قولهعليهالسلام قلت له اتخذوا أحبارهم: أي سألته عن معنى هذه الآية، والأحبار العلماء والرهبان العباد، ومعنى الحديث أن من أطاع أحداً فيما بأمره به مع أنه خلاف ما أمر الله تعالى به وعلمه بذلك أو تقصيره في التفحص فقد اتخذه رباً وعبده من حيث لا يشعر، كما قال الله تعالى:( أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ ) (٢) وذلك لأنّ العبادة عبارة عن الطاعة والانقياد وأمّا من قلد عالماً أفتى بمحكمات القرآن والحديث، وكان عدلا موثقاً به، فإنه ليس بتقليد له، بل تقليد لمن فرض الله طاعته، وحكم بحكم الله عز وجل، وإنما أنكر الله تعالى تقليد هؤلاء أحبارهم ورهبانهم وذمهم على ذلك،
__________________
(١) سورة التوبة: ٣١.
(٢) سورة يس: ٦٠.
ما أجابوهم ولكن أحلوا لهم حراما وحرموا عليهم حلالا فعبدوهم من حيث لا يشعرون.
٢ - علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن إبراهيم بن محمّد الهمذاني، عن محمّد بن عبيدة قال قال لي أبو الحسنعليهالسلام يا محمّد أنتم أشد تقليداً أم المرجئة قال قلت قلدنا وقلدوا فقال لم أسألك عن هذا فلم يكن عندي جواب أكثر من الجواب الأول فقال أبو الحسنعليهالسلام إنّ المرجئة نصبت رجلاً لم تفرض طاعته وقلدوه
________________________________________________________
لأنهم إنما قلدوهم في الباطل بعد وضوح الحقّ وظهور أمر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فلذا لم يكونوا معذورين في ذلك، وقد يقال أحلوا لهم حراماً، ناظر إلى العلماء والأحبار، وقوله: وحرموا عليهم حلالا، ناظر إلى الرهبان.
الحديث الثاني ضعيف على المشهور.
قولهعليهالسلام أم المرجئة: قد يطلق المرجئة في مقابل الشيعة من الإرجاء بمعنى التأخير لتأخير هم علياًعليهالسلام عن درجته، وكأنه المراد هنا، وقد يطلق في مقابلة الوعيدية إمّا من الإرجاء بمعنى التأخير لأنهم يؤخرون العمل عن النية والقصد وإما بمعنى إعطاء الرجاء لأنهم يعتقدون أنه لا يضر مع الأيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وقيل: كان الشائع في سابق الزمان التعبير بالقدرية والمرجئة عمن يضاهي المعبر عنه في هذه الأعصار بالمعتزلة والأشاعرة في أصول الاعتقادات، كما ورد في رواية ابن عباس أنه قال: أمرني رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن أبرأ من خمسة: من الناكثين وهم أصحاب الجمل، ومن القاسطين وهم أصحاب الشام، ومن الخوارج وهم أهل النهروان، ومن القدرية وهم الّذين ضاهوا النصارى في دينهم، فقالوا لا قدر ومن المرجئة الّذين ضاهوا اليهود في دينهم فقالوا: الله أعلم.
قولهعليهالسلام لم تفرض طاعته: على بناء المجهول أي لم يفرض الله تعالى طاعته، ومع ذلك لا يخالفونهم في شيء أو على بناء المعلوم أي لم يفرضوا على أنفسهم طاعتهم، إمّا لأنهم على الباطل فلم يجب عندهم متابعتهم، أو لأنهم يجوزون الاجتهاد على
وأنتم نصبتم رجلاً وفرضتم طاعته ثمّ لم تقلدوه فهم أشد منكم تقليدا.
٣ - محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن حماد بن عيسى، عن ربعي بن عبد الله، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قول الله جل وعز -( اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ ) فقال والله ما صاموا لهم ولا صلوا لهم ولكن أحلوا لهم حراما وحرموا عليهم حلالا فاتبعوهم.
باب البدع والرأي والمقاييس
١ - الحسين بن محمّد الأشعري، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء وعدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال جميعا، عن عاصم بن حميد، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفرعليهالسلام قال خطب أمير المؤمنينعليهالسلام الناس فقال أيها الناس إنما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع وأحكام تبتدع يخالف فيها كتاب الله يتولى فيها رجال رجالا فلو أن الباطل خلص لم يخف على ذي حجى ولو أن الحق
________________________________________________________
خلافهم، والحاصل أن رسوخهم في التقليد والمتابعة أشد منكم، وهذه شكاية منهعليهالسلام عن بعض الشيعة.
الحديث الثالث: مجهول كالصحيح وقد مر الكلام فيه.
باب البدع والرأي والمقاييس
الحديث الأول موثق كالصحيح.
قولهعليهالسلام إنما بدء وقوع الفتن: والبدء الابتداء أو المبتدأ، والفتنة: الامتحان والاختبار، ثمّ كثر استعماله لما يختبر به من المكروه ثمّ كثر استعماله بمعنى الضلال والكفر والقتال، والأهواء جمع الهواء وهو بالقصر الحب المفرط في الخير والشر وإرادة النفس، والحاصل أن أوّل الفتن أو منشأها وعلتها متابعة المشتهيات النفسانية، وابتداع الأحكام في الدين بسببها، وقولهعليهالسلام يخالف فيها كتاب الله تعالى، توضيح وبيان لقوله: تبتدع، ويقال: تولاه أي اتخذه ولياً أي حبيباً أو ناصرا
خلص لم يكن اختلاف ولكن يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان فيجيئان معاً فهنالك استحوذ الشيطان على أوليائه ونجا الّذين سبقت لهم من الله الحسنى.
٢ - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن محمّد بن جمهور العمي يرفعه قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله إذا ظهرت البدع في أمتي فليظهر العالم علمه فمن لم يفعل فعليه لعنة الله.
٣ - وبهذا الإسناد، عن محمّد بن جمهور رفعه قال من أتى ذا بدعة فعظمه فإنما يسعى في هدم الإسلام.
٤ - وبهذا الإسناد، عن محمّد بن جمهور رفعه قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله أبى الله لصاحب البدعة بالتوبة قيل يا رسول الله وكيف ذلك قال إنه قد أشرب قلبه حبها.
٥ - محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن
________________________________________________________
أو أولى بالتصرف، ويمكن أن يكون المراد بالتولي المتابعة، والحجى بكسر المهملة ثمّ الجيم المفتوحة: العقل، والضغث: القطعة من الحشيش المختلط رطبه باليابس، وقيل: ملأ الكف من الشجر والحشيش أو الشماريخ.
قولهعليهالسلام فهنالك: أي عند امتزاج الحقّ بالباطل واشتباههما، والاستحواذ الغلبة.
الحديث الثاني ضعيف.
قولهعليهالسلام فليظهر: أي مع التمكن وعدم الخوف على نفسه، أو على المؤمنين.
الحديث الثالث ضعيف.
الحديث الرابع ضعيف.
قولهعليهالسلام أشرب، على بناء المجهول أي خالط قلبه حبها، كما قال الله تعالى:( وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ ) (١) ولعل المعنى أنه لا يوفق للتوبة الكاملة أو غالبا.
الحديث الخامس: صحيح.
__________________
(١) سورة البقرة: ٩٣.
معاوية بن وهب قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله إن عند كلّ بدعة تكون من بعدي يكاد بها الإيمان ولياً من أهل بيتي موكلا به يذب عنه ينطق بإلهام من الله ويعلن الحقّ وينوره ويرد كيد الكائدين يعبر عن الضعفاء فاعتبروا يا أولي الأبصار وتوكلوا على الله.
٦ - محمّد بن يحيى، عن بعض أصحابه وعلي بن إبراهيم، عن أبيه، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللهعليهالسلام وعلي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب رفعه، عن أمير المؤمنينعليهالسلام أنه قال إن من أبغض الخلق إلى الله عز وجل لرجلين رجل وكله الله إلى نفسه فهو جائر عن قصد السبيل مشعوف بكلام بدعة
________________________________________________________
قولهعليهالسلام يكاد: على بناء المجهول أي بها يمكر أو يحارب أو يراد بسوء ويمكن أن يقرأ على بناء المعلوم أي يكاد أن يذهب بها الإيمان، والأول أصوب، والولي هنا الناصر أو الأولى بالأمر.
قولهعليهالسلام يعبر عن الضعفاء: أي يتكلم من قبل الضعفاء العاجزين عن إظهار الحقّ وبيان حقيقته بالأدلة ودفع الشبهة عن الدين، ويحتمل أن يكون يعبر عن الضعفاء ابتداء كلام الصادقعليهالسلام أي عبر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بالولي عن الأئمّة الّذين استضعفوا في الأرض والأول أظهر، والظاهر أن قوله: فاعتبروا، من كلام الصادقعليهالسلام .
الحديث السادس: سنده الأول ضعيف والثاني مرفوع، لكنه مذكور في نهج البلاغة وإرشاد المفيد والاحتجاج وغيرها بأدنى اختلاف.
قولهعليهالسلام : فهو حائر بالمهملتين، وفي بعض النسخ بإعجام الأول فقط، وفي بعضها بإعجامهما والمعاني متقاربة، وقصد السبيل: استقامته، أي مائل ومتجاوز أو حيران عن السبيل المستقيم المستوي، وقوله: مشغوف، في بعض النسخ بالغين المعجمة وفي بعضها بالمهملة، وبهما قرأ قوله تعالى( قَدْ شَغَفَها حُبًّا ) (١) وعلى الأول معناه دخل حبّ كلام البدعة شغاف قلبه أي حجابه، وقيل: سويداءه، وعلى الثاني غلبه حبه وأحرقه،
__________________
(١) سورة: يوسف ٣٠.
قد لهج بالصوم والصلاة فهو فتنة لمن افتتن به ضال عن هدي من كان قبله مضل لمن اقتدى به في حياته وبعد موته حمال خطايا غيره رهن بخطيئته.
ورجل قمش جهلا في جهال الناس عان بأغباش الفتنة قد سماه أشباه الناس عالماً ولم يغن فيه يوما سالما.
________________________________________________________
فإن الشعف بالمهملة شدة الحب وإحراقه القلب، واللهج بالشيء محركة: الولوع فيه والحرص عليه، أي هو حريص على الصوم والصلاة وبذلك يفتتن به الناس وقولهعليهالسلام عن هدى من كان قبله، إمّا بفتح الهاء وسكون الدال أو بضم الهاء وفتح الدال، والأول بمعنى السيرة والطريقة.
قولهعليهالسلام رهن: وفي بعض النسخ رهين، قال المطرزي هو رهن بكذا ورهين به أي مأخوذ به، والقمش جمع الشيء من ههنا وههنا، وكذا التقميش، وذلك الشيء القماش، والمراد بالجهل ما أخذ من غير المأخذ الشرعي، بل بالأوهام والاستحسانات والقياسات أو روايات غير ثابتة عن الحجة.
قولهعليهالسلام : عان بأغباش الفتنة: كذا في أكثر النسخ بالعين المهملة والنون من قولهم عني فيهم أسيراً أي أقام فيهم على إساره واحتبس، وعناه غيره حبسه، والعاني الأسير أو من عني بالكسر بمعنى تعب، أو من عني به فهو عان أي اهتم به واشتغل، وفي بعض النسخ بالغين المعجمة من غني بالمكان كرضى أي أقام به، أو من غني بالكسر أيضاً بمعنى عاش، وفي أكثر نسخ النهج والإرشاد وغيرهما غار بالغين المعجمة ولراء المهملة المشددة، وفي بعض نسخ النهج بالعين المهملة والدال المهملة من العدو بمعنى السعي أو من العدوان، والغبش محركة ظلمة آخر الليل، والإضافة من قبيل لجين الماء أو لامية، والمراد بأشباه الناس: الجهال والعوام، لخلوهم عن معنى الإنسانية وحقيقتها.
قولهعليهالسلام ولم يغن فيه: قال في النهاية في حديث عليعليهالسلام ورجل سماه الناس عالماً ولم يغن في العلم يوما تاما من قولك غنيت بالمكان أغنى إذا قمت به « انتهى ».
قولهعليهالسلام سالما: أي من النقص بأن يكون نعتا لليوم كما في روايات المخالفين
بكر فاستكثر ما قل منه خير مما كثر حتّى إذا ارتوى من آجن واكتنز من غير طائل جلس بين الناس قاضياً ضامنا لتخليص ما التبس على غيره وإن خالف قاضياً سبقه لم يأمن أن ينقض حكمه من يأتي بعده كفعله بمن كان قبله وإن نزلت به إحدى المبهمات المعضلات هيأ لها حشوا من رأيه.
________________________________________________________
أو من الجهل بأن يكون حالا عن ضمير الفاعل.
قولهعليهالسلام بكر: أي خرج في طلب العلم بكرة، كناية عن شدة طلبه واهتمامه في كلّ يوم، أو في أوّل العمر وابتداء الطلب، وقال الفاضل التستري (ره): كان المراد أنه بكر في العبادات فاستكثر منها، مع أن ما قل منه خير مما كثر « انتهى » و « ما » في قوله مما قل، موصولة، وهي مع صلتها صفة لمحذوف وتقديره: فاستكثر من جمع شيء قليله خير من كثيره، وكون قليله خيراً بالنسبة إلى كثيره لا في نفسه، ويحتمل أن تكون « ما » مصدرية أي قلته خير من كثرته، وقيل قل مبتدأ بتقدير أن، وخير خبره كقولهم تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، وقيل: الجملة معترضة بين الكلام وفي النهج فاستكثر من جمع ما قل، ويروى بالتنوين بأن يكون المصدر بمعنى المفعول، فلا يحتاج إلى تقدير وبدونه يحتاج كما هنا، والمراد بذلك الشيء الشبهات المضلة والآراء الفاسدة والعقائد الباطلة، أو الأعمال المبتدعة، أو زهرات الدنيا، والأول أظهر بقرينة قوله: حتّى إذا ارتوى من أجن، والآجن الماء المتغير أستعير للآراء الباطلة والأهواء الفاسدة وقيل: في الكلام لف ونشر فالبكور في طلب الدنيا وما قبله للعلم، والارتواء متعلّق بما قبله، والاكتناز بالبكور، ولا يخفى بعده.
قولهعليهالسلام : واكتنز: في بعض النسخ فأكثر، وفي الإرشاد وغيره واستكثر، وهما ظاهران وأمّا الاكتناز فهو بمعنى الاجتماع والامتلاء وهو لازم، فالإسناد إمّا مجازي أو في الكلام تقدير أي اكتنز له العلوم الباطلة، وقال الجوهري: هذا أمر لا طائل فيه إذا لم يكن فيه غناء ومزية، والمعضلات على صيغة الفاعل: المشكلات.
قولهعليهالسلام حشوا: أي كثيراً بلا فائدة.
ثم قطع به فهو من لبس الشبهات في مثل غزل العنكبوت لا يدري أصاب أم أخطأ لا يحسب العلم في شيء مما أنكر ولا يرى أن وراء ما بلغ فيه مذهباً إن قاس شيئاً بشيء لم يكذب نظره وإن أظلم عليه أمر اكتتم به لما يعلم من جهل نفسه لكيلا يقال له لا يعلم ثمّ جسر فقضى فهو مفتاح عشوات ركاب شبهات خباط جهالات لا يعتذر مما لا يعلم
________________________________________________________
قولهعليهالسلام : ثمّ قطع، أي جزم، وفي النهج « به » وفي غيره « عليه ».
قولهعليهالسلام : فهو من لبس الشبهات في مثل غزل العنكبوت: اللبس بفتح اللام وأصله اختلاط الظلام أو بالضم بمعنى الإلباس كذا قيل، وقال ابن ميثم: وجه هذا التمثيل أن الشبيهات الّتي تقع على ذهن مثل هذا الموصوف إذا قصد حل قضية مبهمة تكثر فتلتبس على ذهنه وجه الحقّ منها، فلا يهتدي له لضعف ذهنه فتلك الشبهات في الوهن تشبه نسج العنكبوت وذهنه فيما يشبه الذباب الواقع فيه فكما لا يتمكن الذباب من خلاص نفسه من شباك العنكبوت لضعفه كذلك ذهن هذا الرجل لا يقدر على التخلص من تلك الشبهات.
أقول: ويحتمل أيضاً أن يكون المراد تشبيه ما يلبس على الناس من الشبهات بنسج العنكبوت لضعفها وظهور بطلانها، لكن تقع فيها ضعفاء العقول فلا يقدرون على التخلص منها لجهلهم وضعف يقينهم والأول أنسب بما بعده.
قوله لا يحسب العلم: بكسر السين من الحسبان أي يظن أن العلم منحصر فيما يعلم، أو بضم السين من الحساب أي لا يعد ما ينكر علما.
قوله: لا يرى أن ما وراء ما بلغ مذهبا: أي أنه لوفور جهله يظن أنه بلغ غاية العلم فليس بعد ما بلغ إليه فكره لأحد مذهب، وموضع تفكّر.
قولهعليهالسلام فهو مفتاح عشوات: أي يفتح على الناس ظلمات الشبهات والجهالات، ويركب الشبهات زعما منه أنه توصله إلى الحق.
قولهعليهالسلام خباط جهالات الخبط: المشي على غير استواء، أي خباط في الجهالات أو بسببها.
فيسلم ولا يعض في العلم بضرس قاطع فيغنم يذري الروايات ذرو الريح الهشيم - تبكي منه المواريث وتصرخ منه الدماء يستحل بقضائه الفرج الحرام ويحرم بقضائه الفرج الحلال لا مليء بإصدار ما عليه ورد ولا هو أهل لما منه فرط من ادعائه علم الحق
________________________________________________________
قولهعليهالسلام بضرس قاطع: كناية عن عدم إتقانه للقوانين الشرعية وإحاطته بها يقال لم يعض فلان على الأمر الفلاني بضرس: إذا لم يحكمه.
قولهعليهالسلام يذري الروايات ذرو الريح الهشيم: قال الفيروزآبادي: ذرت الريح الشيء ذروا وأذرته وذرته أطارته وأذهبته، وقال: الهشيم: نبت يابس متكسر، أو يابس كلّ كلاء وكل شجر، ووجه التشبيه صدور فعل بلا روية من غير أن يعود إلى الفاعل نفع وفائدة، فإن هذا الرجل المتصفح للروايات ليس له بصيرة بها ولا شعور بوجه العمل بها، بل هو يمر على رواية بعد أخرى، ويمشي عليها من غير فائدة كما أن الريح الّتي تذري الهشيم لا شعور لها بفعلها، ولا يعود إليها من ذلك نفع، وإنما أتى الذر ومكان الإذراء لاتحاد معنييهما، وفي بعض الروايات يذر الرواية قال الجزري: يقال ذرته الريح وأذرته تذروه وتذريه إذا أطارته ومنه حديث عليعليهالسلام يذروا الرواية ذرو الريح الهشيم، أي يسرد الرواية كما تنسف الريح هشيم النبت، وأمّا بكاء المواريث وصراخ الدماء فالظاهر أنهما على الاستعارة ولطفهما ظاهر، فيحتمل حذف المضاف أي أهل المواريث وأهل الدماء.
قولهعليهالسلام لا مليء: المليء بالهمز: الثقة الغني، والإصدار الإرجاع، أي ليس له من العلم والثقة قدر ما يمكن أن يصدر عنه انحلال ما ورد عليه من الإشكالات والشبهات قال الجزري: المليء بالهمزة الثقة الغني، وقد ملؤ فهو مليء بين الملاءة بالمد، وقد أولع الناس بترك الهمزة وتشديد الياء، ومنه حديث عليعليهالسلام لا مليء والله بإصدار ما عليه ورد.
قولهعليهالسلام ولا هو أهل لما منه فرط: فرط - بالتخفيف - بمعنى سبق وتقدم، أي
٧ - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن أبان بن عثمان، عن أبي شيبة الخراساني قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول إن أصحاب المقاييس طلبوا العلم بالمقاييس فلم تزدهم المقاييس من الحقّ إلا بعداً وإن دين الله لا يصاب بالمقاييس.
________________________________________________________
ليس هو أهل لما ادعاه من علم الحقّ الّذي من أجله سبق الناس، وتقدم عليهم بالرئاسة والحكومة وربما يقرأ بالتشديد أي ليس هو من أهل العلم كما يدعيه لما فرط فيه وقصر عنه، وفي الإرشاد: ولا يندم على ما منه فرط، وليست هذه الفقرة في النهج أصلاً، وقال ابن أبي الحديد: في كتاب ابن قتيبة ولا أهل لما فرط به، أي ليس بمستحق للمدح الّذي مدح به، وقال: فإن قيل: تبينوا الفرق بين الرجلين الّذين أحدهما وكله الله إلى نفسه والآخر رجل قمش جهلا؟ قيل أمّا الرجل الأول فهو الضال في أصول العقائد كالمشبه والمجبر ونحوهما، ألا تراه كيف قال: مشغوف بكلام بدعة ودعاء ضلالة، وهذا يشعر بما قلناه من أن مراده به التكلم في أصول الدين وهو ضال عن الحق، ولهذا قال: إنه ضال عن هدى من كان قبله، وأمّا الرجل الثاني فهو المتفقة في فروع الشرعيات وليس بأهل لذلك، ألا تراه كيف يقول: جلس بين الناس قاضياً « انتهى » أقول: ويمكن الفرق بأن يكون المراد بالأول من نصب نفسه لمناصب الإفادة والإرشاد، وبالثاني من تعرض للقضاء والحكم بين الناس، ولعله أظهر، ويحتمل أيضاً أن يكون المراد بالأول العباد المبتدعين في العمل والعبادة كالمتصوفة والمرتاضين بالرياضات الغير المشروعة، وبالثاني علماء المخالفين ومن يحذو حذوهم حيث يفتون الناس بالقياسات الفاسدة والآراء الواهية، وفي الإرشاد وأن أبغض الخلق عند الله رجل وكله إلى نفسه، إلى قوله رهين بخطيئته قد قمش جهلا فالأكل صفة لصنف واحد.
الحديث السابع: ضعيف على المشهور ويشمل جميع أنواع القياس حتّى منصوص العلة والقياس بطريق الأولى، وأكثر الأصحاب أخرجوهما، والكلام فيه موكول إلى آخر مجلدات كتابنا الكبير إن شاء الله القدير.
٨ - علي بن إبراهيم، عن أبيه ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان رفعه، عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهالسلام قالا كلّ بدعة ضلالة وكل ضلالة سبيلها إلى النار.
٩ - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن محمّد بن حكيم قال قلت لأبي الحسن موسىعليهالسلام جعلت فداك فقهنا في الدين وأغنانا الله بكم عن الناس حتّى إنّ الجماعة منا لتكون في المجلس ما يسأل رجل صاحبه تحضره المسألة ويحضره جوابها فيما من الله علينا بكم فربما ورد علينا الشيء لم يأتنا فيه عنك ولا عن آبائك شيء فنظرنا إلى أحسن ما يحضرنا وأوفق الأشياء لما جاءنا عنكم فنأخذ به فقال
________________________________________________________
الحديث الثامن: مرفوع.
قولهعليهالسلام كلّ بدعة ضلالة: يدل على أن قسمة بعض أصحابنا البدعة إلى أقسام خمسة تبعاً للعامة باطل، فإنها إنما تطلق في الشرع على قول أو فعل أو رأي، قرر في الدين، ولم يرد فيه من الشارع شيء لا خصوصاً ولا عموماً، ومثل هذا لا يكون إلا حراما أو افتراء على الله ورسوله.
الحديث التاسع: حسن.
قولهعليهالسلام فقهنا: على بناء المعلوم من فقه ككرم أي صار فقيها، أو على بناء المجهول من باب التفعيل وهو أظهر.
قوله ما يسأل ما موصولة وهي مع صلتها مبتدأ والعائد إليه محذوف ويحضره خبره، والجملة مستأنفة وقيل: ما موصولة والجملة صفة للمجلس، وقيل:الجملة حال من فاعل تكون، وقيل: « ما » زائدة ويسأل حال من المجلس، ويحضره حال من صاحبه، وقيل: « ما » نافية أي لا حاجة له إلى سؤال، فقوله: يحضره استيناف بياني والضميران لرجل وفي بعض نسخ المحاسن: إلا وتحضره المسألة، فكلمة ما نافية، ويستقيم الكلام بلا تكلف، وكلمة في في قوله فيما من الله ظرفية أو سببية.
قولهعليهالسلام إلى أحسن ما يحضرنا: أي ما يكون أقوى سنداً وأبعد من التقية وأصرح في المطلوب، وما قيل: من أنه إشارة إلى القياس بطريق أولى فلا يخفى بعده
هيهات هيهات في ذلك والله هلك من هلك يا ابن حكيم قال ثمّ قال لعن الله أبا حنيفة كان يقول قال علي وقلت.
قال محمّد بن حكيم لهشام بن الحكم والله ما أردت إلا أن يرخص لي في القياس.
١٠ - محمّد بن أبي عبد الله رفعه، عن يونس بن عبد الرحمن قال قلت لأبي الحسن الأولعليهالسلام بما أوحد الله فقال يا يونس لا تكونن مبتدعاً من نظر
________________________________________________________
وأوفق الأشياء أي أوفق الأجوبة عن تلك المسألة، لما جاءنا عنكم من أحسن أحاديثكم قياسا عليه أو أوفق الأحاديث للعمومات المروية عنكم، هيهات: أي بعد عن الطريق المستقيم وإصابة الحقّ في ذلك، أي في الأخذ بالقياس الّذي تستأذنني فيه.
قولهعليهالسلام قال علي وقلت: أي وقلت خلاف قوله، أراد أنه رأى في المسألة رأياً وأنا رأيت فيها رأياً بخلافه وقيل: أراد أنه قال علي قياسا وقلت أنا أيضاً بالقياس وإن وافقه أو يخالف ما روي عن عليعليهالسلام لأنّ من مذهبه ترجيح القياس على الخبر الواحد، وقيل: كان يقيس حكما على حكم روي عن أمير المؤمنينعليهالسلام والأول أظهر، وليس ببديع منه، قال الزمخشري في ربيع الأبرار: قال يوسف بن أسباط رد أبو حنيفة على رسول اللهصلىاللهعليهوآله أربعمائة حديث وأكثر، قيل: مثل ما إذا قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : للفرس سهمان وللرجل سهم، قال أبو حنيفة: لا أجعل سهم البهيمة أكثر من سهم المؤمن، وأشعر رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأصحابه البدن وقال أبو حنيفة: الإشعار مثلة، وقال: البيعان بالخيار ما لم يفترقا، وقال أبو حنيفة: إذا وجب البيع فلا خيار، وكانعليهالسلام يقرع بين نسائه إذا أراد سفراً وأقرع أصحابه، وقال أبو حنيفة: القرعة قمار.
الحديث العاشر: مرفوع.
قولهعليهالسلام بما أوحد الله: أي بأي طريق أعبد الله بالوحدانية، وقيل: أي بما استدل على التوحيد كأنه يريد الدلائل الكلامية فنهاه عن غير السمع، وقوله: ومن
برأيه هلك ومن ترك أهل بيت نبيهصلىاللهعليهوآله ضل ومن ترك كتاب الله وقول نبيه كفر.
١١ - محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الوشاء، عن مثنى الحناط، عن أبي بصير قال قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام ترد علينا أشياء ليس نعرفها في كتاب الله ولا سنة فننظر فيها فقال لا أمّا إنك إن أصبت لم تؤجر وإن أخطأت كذبت على الله عز وجل.
________________________________________________________
ترك كتاب الله مكن أن يكون تعليلاً وتبيينا للجملة السابقة، فإن من ترك اتباع أهل بيت النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فقد ترك ما ورد بالكتاب والسنة في وجوب متابعتهم، وقيل: قوله: من نظر برأيه هلك، أي من نظر في العلوم الدينية برأيه وبدعته وجعل الرأي والقياس مأخذه فقد ضل لأنّ ذلك مسبب عن ترك أهل البيتعليهالسلام وإنكار إمامتهم وعدم أخذ المعارف والأحكام عنهم، فاحتاج إلى القياس والرأي، فهو تارك لأهل البيتعليهمالسلام ، ومن تركهمعليهالسلام ولم يأخذ العلوم عنهم أولا أو بواسطة ضل، لعدم تمكنه من الوصول إلى الحقّ فيها، فينتج من نظر برأيه ضل، فهذا قياس على هيئة الشكل الأول وصغراه مطوي لظهوره وملخص الدليل أنه من نظر برأيه فقد ترك أهل بيت نبيه، ومن تركهم ضل فمن نظر برأيه ضل، وقولهعليهالسلام : من ترك كتاب الله وقول نبيه كفر، قياس آخر وصغراه مطوي لظهوره وهو أنه من ترك أهل بيت نبيهصلىاللهعليهوآله فقد ترك كتاب الله وقول نبيه، لدلالتهما على إمامتهم ووجوب طاعتهم وأخذ العلوم عنهم، ومن ترك كتاب الله وقول نبيه كفر، فمن ترك أهل بيت نبيه كفر، ومن كلا القياسين يتلخص قياس ثالث ينتج: من نظر برأيه كفر.
الحديث الحادي عشر: حسن.
قولهعليهالسلام فإن أصبت لم توجر: ظاهره أنه مع إصابة الحكم لا يكون آثما وهو خلاف المشهور، ويمكن أن يكون على سبيل التنزيل، وقال بعض الأفاضل: يحتمل أن يكون المراد النظر بالقياس، والمراد بقوله: إن أصبت لم توجر، الإصابة في
١٢ - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن عمر بن أبان الكلبي، عن عبد الرحيم القصير، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله كلّ بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
١٣ - علي بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن يونس بن عبد الرحمن، عن سماعة بن مهران، عن أبي الحسن موسىعليهالسلام قال قلت أصلحك الله إنا نجتمع فنتذاكر ما عندنا فلا يرد علينا شيء إلا وعندنا فيه شيء مسطر وذلك مما أنعم الله به علينا بكم ثمّ يرد علينا الشيء الصغير ليس عندنا فيه شيء فينظر بعضنا إلى بعض وعندنا ما يشبهه فنقيس على أحسنه فقال وما لكم وللقياس إنما هلك من هلك من قبلكم بالقياس ثمّ قال إذا جاءكم ما تعلمون فقولوا به وإن جاءكم ما لا تعلمون فها وأهوى بيده إلى فيه ثمّ قال لعن الله أبا حنيفة كان يقول قال علي وقلت أنا وقالت الصحابة وقلت ثمّ قال أكنت تجلس إليه فقلت لا ولكن هذا كلامه فقلت أصلحك الله أتى رسول اللهصلىاللهعليهوآله الناس بما يكتفون به في عهده قال نعم وما يحتاجون إليه إلى يوم القيامة فقلت فضاع من ذلك شيء فقال لا هو عند أهله.
________________________________________________________
أصل الحكم وعلته، ويحتمل أن يكون المراد النظر في الكتاب والسنة، والاستنباط من العمومات لا بطريق القياس، فربما يكون مصيباً في الحكم والاستنباط كليهما، ولم يكن مأجوراً لتقصيره في تتبع الأدلة، وتحصيل الظن، وعدم دليل آخر والمصنف حملها على الأول فأوردها في هذا الباب « انتهى » وفيه ما لا يخفى.
الحديث الثاني عشر: مجهول.
الحديث الثالث عشر: موثق.
قولهعليهالسلام فها: الظاهر أنه إشارة إلى السكوت، و « ها » حرف تنبيه، وقيل: هو اسم فعل بمعنى خذ، ويحتمل أن يكون فها للمفرد، ويحتمل أن يكون فهاؤا للجمع وقوله: وأهوى على الأول كهوي على الثاني للحال بتقدير « قد » والباء في بيده للتعدية، والمعنى إذا جاءكم ما لا تعلمون فخذوا من أفواهنا، والأول أظهر.
١٤ - عنه، عن محمد، عن يونس، عن أبان، عن أبي شيبة قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول ضل علم ابن شبرمة عند الجامعة إملاء رسول اللهصلىاللهعليهوآله وخط عليعليهالسلام بيده إنّ الجامعة لم تدع لأحد كلاما فيها علم الحلال والحرام إن أصحاب القياس طلبوا العلم بالقياس فلم يزدادوا من الحقّ إلا بعداً إن دين الله لا يصاب بالقياس.
١٥ - محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان بن يحيى، عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال إنّ السنة لا تقاس ألا ترى أن امرأة تقضي صومها ولا تقضي صلاتها يا أبان إنّ السنة إذا قيست
________________________________________________________
الحديث الرابع عشر: مجهول.
قولهعليهالسلام ضل علم ابن شبرمة: قيل: المراد بالعلم أمّا المأخوذ من مأخذه من المسائل، وأمّا ما يظن ويراه بأي طريق كان سواء كان مأخوذا من المأخذ الشرعية أو من الرأي والقياس والضلال إمّا بمعنى الخفاء والغيبوبة حتّى لا يرى، أو بمعنى الضياع والهلاك والفساد، أو مقابل الهدي، فإن حمل العلم على الأول ناسبه الأول من معاني الضلال، لأنّه من قلته بالنسبة إلى ما في الجامعة من جميع المسائل مما لا يرى ولا يكون له قدر بالنسبة إليه وفي جنبه، وإن حمل العلم على الثاني ويشمل جميع ظنونه وآرائه ناسبه أحد الأخيرين من معاني الضلال، فإنه ضائع هالك عند ما أتى به رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لمخالفته له، وضل هذا العلم أي ظهر ضلاله وخروجه عن الطريقة المستقيمة عند ما ثبت من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو منهاج الهدى لمخالفته إياه.
الحديث الخامس عشر: مجهول كالصحيح.
قولهعليهالسلام إنّ السنة لا تقاس: أي لا تعرف بالقياس لما فيها من ضم المختلفات في الصفات الظاهرة وتفريق المتشابهات في الأحكام الواضحة، كما في قضاء صوم الحائض وعدم قضاء صلاتها مع أن مقتضى عقول أكثر الخلق إمّا اشتراكهما فيه أو اختصاص الصلاة به، والحاصل أن ما يقع فيه الخطأ غالباً لا يصلح أن يكون مدركاً للأحكام الشرعية.
محق الدين.
١٦ - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن عثمان بن عيسى قال سألت أبا الحسن موسىعليهالسلام عن القياس فقال ما لكم والقياس إنّ الله لا يسأل كيف أحل وكيف حرم.
١٧ - علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة قال حدثني جعفر، عن أبيهعليهالسلام أن علياًصلىاللهعليهوآله قال من نصب نفسه للقياس لم يزل دهره في التباس ومن دان الله بالرأي لم يزل دهره في ارتماس - قال وقال أبو جعفرعليهالسلام من أفتى الناس برأيه فقد دان الله بما لا يعلم ومن دان الله بما لا يعلم فقد ضاد الله حيث أحل وحرم فيما لا يعلم.
________________________________________________________
قوله: محق الدين: على بناء المجهول أي محي، وأبطل الدين شيئاً فشيئاً بإدخال ما ليس فيه وإخراج ما يكون منه عنه حتّى يؤدي إكثار ذلك إلى تركه بالكلية.
الحديث السادس عشر موثق.
قولهعليهالسلام لا يسأل: أي لم يبين لنا علل كلّ الأحكام وليس لنا أن نسأله عنها حتّى يتبين لنا فكيف يتأتى حقيقة القياس مع خفاء العلة، وقيل: أي لا يأتي في التحليل والتحريم بما يوافق مدارك عامة العباد من المصالح والحكم، حتّى لو سئل عنه أجاب بما هو مرغوب مداركهم ومستحسن طباعهم بل في أحكامه حكم ومصالح لا يصل إليها أفهام أكثر الناس.
الحديث السابع عشر ضعيف.
قولهعليهالسلام دهره: منصوب على الظرفية ورفعه بالإسناد المجازي بعيد، والارتماس الاغتماس في الباطل والدخول فيه، بحيث يحيط به إحاطة تامة.
قوله: برأيه، أي بظنونه المأخوذة لا من الأدلة والمأخذ المنتهية إلى الشارع بل من الاستحسانات العقلية والقياسات الفقهية.
قوله: فقد ضاد الله: أي جعل نفسه شريكاً لله تعالى في وضع الشريعة لعباده.
١٨ - محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن علي بن يقطين، عن الحسين بن مياح، عن أبيه، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال إن إبليس قاس نفسه بآدم
________________________________________________________
الحديث الثامن عشر ضعيف.
قولهعليهالسلام قاس نفسه، يحتمل أن يكون المراد بالقياس هنا ما هو أعم من القياس الفقهي من الاستحسانات العقلية، والآراء الواهية الّتي لم تؤخذ من الكتاب والسنة، ويكون المراد أن طريق العقل مما يقع فيه الخطأ كثيراً فلا يجوز الاتكال عليه في أمور الدين، بل يجب الرجوع في جميع ذلك إلى أوصياء سيد المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين، وهذا هو الظاهر في أكثر أخبار هذا الباب فالمراد بالقياس هنا القياس اللغوي، ويرجع قياس إبليس إلى قياس منطقي مادته مغالطة، لأنّه استدل أولا على خيريته بأنه من نار ومادة آدم من طين، والنار خير من الطين، فاستنتج من ذلك أن مادته خير من مادة آدم، ثمّ جعل ذلك صغرى، ورتب القياس هكذا، مادته خير من مادة آدم، وكل من كان مادته خيراً من مادة غيره يكون خيراً منه، فاستنتج أنه خير من آدم، ويرجع كلامهعليهالسلام إلى منع كبرى القياس الثاني، بأنه لا يلزم من خيرية مادة أحد من غيره كونه خيراً منه، إذ لعله تكون صورة الغير في غاية الشرافة، وبذلك يكون ذلك الغير أشرف، كما أن آدم لشرافة نفسه الناطقة الّتي جعلها الله محل أنواره ومورد إسراره أشد نوراً وضياء من النار، إذ نور النار لا يظهر إلا المحسوسات ومع ذلك ينطفئ بالماء والهواء، ويضمحل بضوء الكواكب ونور آدم نور به يظهر عليه أسرار الملك والملكوت ولا ينطفئ بهذه الأسباب والدواعي، ويحتمل أن يكون المراد بنور آدم عقله الّذي به نور الله نفسه، وبه شرفه على غيره، ويحتمل إرجاع كلامه إلى إبطال كبرى القياس الأول بأن إبليس نظر إلى النور الظاهر في النار، وغفل عن النور الّذي أودعه الله في طين آدم لتواضعه ومذلته، فجعله لذلك محل رحمته ومورد فيضه، وأظهر منه أنواع النباتات والرياحين والثمار والمعادن والحيوان، وجعله قابلاً لإفاضة الروح عليه، وجعله محلا لعلمه وحكمته، فنور
فقال خلقتني من نار وخلقته من طين ولو قاس الجوهر الّذي خلق الله منه آدم بالنار كان ذلك أكثر نوراً وضياء من النار.
١٩ - علي بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن يونس، عن حريز، عن زرارة قال سألت أبا عبد اللهعليهالسلام - عن الحلال والحرام فقال حلال محمّد حلال أبداً إلى يوم القيامة وحرامه حرام أبداً إلى يوم القيامة لا يكون غيره ولا يجيء غيره وقال قال عليعليهالسلام ما أحد ابتدع بدعة إلا ترك بها سنة
________________________________________________________
التراب نور خفي لا يطلع عليه إلا من كان له نور، ونور النار نور ظاهر بلا حقيقة ولا استقرار وثبات، ولا يحصل منها إلا الرماد، وكل شيطان مريد، ويمكن حمل القياس هنا على القياس الفقهي أيضا، لأنّه لعنه الله استنبط أو لا علة إكرام آدم، فجعل علة ذلك كرامة طينته ثمّ قاس بأن تلك العلة فيه أكثر وأقوى، فحكم بذلك أنه بالمسجودية أولى من الساجدية فأخطأ العلة ولم يصب، وصار ذلك سبباً لكفره وشركه، ويدل على بطلان القياس بطريق أولى على بعض معانيه.
الحديث التاسع عشر صحيح.
قولهعليهالسلام ترك بها سنة: لأنّه لما كان في كلّ مسألة بيان من الشارع وحكم فيها، فمن قال بما لم يكن في الشرع وابتدع شيئاً ترك به سنة وحكما من أحكام الله تعالى، والحاصل نفي مذهب المصوبة الّذين يقولون ليس للشارع حكم معين في كلّ فرع بل فوض الأحكام إلى آراء المجتهدين فحكم كلّ مجتهد في كلّ فرع هو حكم الله الواقعي في حقه وفي حق مقلده، وتصويب لمذهب المخطئة القائلين بأن الشارع قد حكم في كلّ فرع بحكم معين والمجتهد بعد استفراغ الوسع قد يصيب وقد يخطئ، والمخطئ مصاب لبذل جهده وخطأه مغتفر، وللمصيب أجران أحدهما لإصابته والآخر لاجتهاده، وربما يقال هذه الأخبار تدل على نفي الاجتهاد مطلقاً وفيه: أن للمحدثين أيضاً نوعاً من الاجتهاد يقع منهم الخطأ والصواب ولا محيص لهم عن ذلك
٢٠ - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن عبد الله العقيلي، عن عيسى بن عبد الله القرشي قال دخل أبو حنيفة على أبي عبد اللهعليهالسلام فقال له يا أبا حنيفة بلغني أنك تقيس قال نعم قال لا تقس فإن أوّل من قاس إبليس حين قال( خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ) فقاس ما بين النار والطين ولو قاس نورية آدم بنورية النار عرف فضل ما بين النورين وصفاء أحدهما على الآخر.
٢١ - علي، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن قتيبة قال سأل رجل أبا عبد اللهعليهالسلام عن مسألة فأجابه فيها فقال الرجل أرأيت إن كان كذا وكذا ما يكون القول فيها فقال له مه ما أجبتك فيه من شيء فهو عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله لسنا من أرأيت في شيء.
٢٢ - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه مرسلا قال قال أبو جعفرعليهالسلام لا تتخذوا من دون الله وليجة فلا تكونوا مؤمنين فإن كلّ سبب ونسب وقرابة ووليجة وبدعة وشبهة منقطع إلا ما أثبته القرآن
________________________________________________________
الحديث العشرون صحيح.
قولهعليهالسلام أرأيت: لما كان مراده أخبرني عن رأيك الّذي تختاره بالظن والاجتهاد، نهاهعليهالسلام عن هذا الشيء من الظن وبين له أنهم لا يقولون شيئاً إلا بالجزم واليقين وبما وصل إليهم من سيد المرسلين صلوات الله عليه وعليهم أجمعين.
الحديث الحادي والعشرون مرسل.
قولهعليهالسلام وليجة وليجة الرجل بطانته وخاصته ومن يعتمد عليه في أموره والمراد هنا المعتمد عليه في أمر الدين، ومن يعتمد في أمر الدين وتقرير الشريعة على غير الله يكون متعبداً لغير الله فلا يكون مؤمنا بالله واليوم الآخر، وذلك لأنّ كلّ ما لم يثبته القرآن من النسب والقرابة والوليجة والبدعة منقطع لا تبقى ولا ينتفع بها في الآخرة فلا يجامع الإيمان بالله واليوم الآخر الاعتماد عليها في أمر الدين.
باب
الرد إلى الكتاب والسنة وأنه ليس شيء من الحلال والحرام
وجميع ما يحتاج الناس إليه إلا وقد جاء فيه كتاب أو سنة
١ - محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن علي بن حديد، عن مرازم، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال إنّ الله تبارك وتعالى أنزل في القرآن تبيان كلّ شيء حتّى والله ما ترك الله شيئاً يحتاج إليه العباد حتّى لا يستطيع عبد يقول لو كان هذا أنزل في القرآن - إلا وقد أنزله الله فيه.
________________________________________________________
باب الرد إلى الكتاب والسنة وأنه ليس شيء من الحلال والحرام
وجميع ما يحتاج الناس إليه إلا وقد جاء فيه كتاب أو سنة
الحديث الأول ضعيف.
قولهعليهالسلام يقول: أي قولا صحيحا، وكلمة « لو » للتمني أو الجزاء محذوف، أو « أنزل » جزاء لو، وكان تامة أو ناقصة، وخبره مقدر أي لو كان هذا الحكم حقاً لأنزله الله في القرآن وقوله: إلا وقد أنزله الله، استثناء من قوله ما ترك الله شيئاً، وتوسيط الغاية بينهما إمّا رعاية لاتصالها بذي الغاية أو بجعله مفسراً لمثله المحذوف قبل الغاية، كذا ذكره بعض الأفاضل، وقيل: جملة حتّى الثانية لتأكيد الأولى أو للتعليل والاستثناء من مقدر، وقيل: الاستثناء من مفعول يقول، وهو الكلام الدال على تمنى إنزال ما احتيج إليه في القرآن، وقيل: ألا بفتح الهمزة وتخفيف اللام حرف تنبيه، والكلام استيناف لتأكيد ما سبق، والأظهر كون الاستثناء متعلّقاً بالكلام الأول كما ذكر أولا، ولا ينافي الفصل بالغاية لأنّه ليس بأجنبي، وحاصل المعنى: ما ترك الله شيئاً على حال إلا حال إنزال القرآن فيه.
٢ - علي بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن حسين بن المنذر، عن عمر بن قيس، عن أبي جعفرعليهالسلام قال سمعته يقول إنّ الله تبارك وتعالى لم يدع شيئاً يحتاج إليه الأمة إلا أنزله في كتابه وبينه لرسولهصلىاللهعليهوآله وجعل لكل شيء حداً وجعل عليه دليلاً يدل عليه وجعل على من تعدى ذلك الحد حدا.
٣ - علي، عن محمد، عن يونس، عن أبان، عن سليمان بن هارون قال سمعت
________________________________________________________
الحديث الثاني ضعيف.
قولهعليهالسلام وجعل لكل شيء حدا: قيل: أي منتهى معينا لا يجاوزه ولا يقصر عنه، والدليل عليه النبي والإمام، وجعل على من تعدى ذلك الحد ولم يقل به ولم يأخذه من دليله حداً من العقاب والنكال، والأظهر أن المراد بالدليل الآية الّتي تدل على الحكم، والمراد بالحد الحكم المترتب على من خالف مدلول ذلك الدليل مثال ذلك في العبادات أنه جعل للصوم حدا، وهو الكف عن الأكل والشرب والمباشرة في النهار، وجعل عليه دليلاً وهو قوله تعالى( فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَ ) إلى قوله( ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ ) (١) ثمّ جعل على من تعدى ذلك الحد بأن أكل أو شرب أو باشر حدا، وهو الكفارة وتعزير الإمام، ومثاله في المعاملات أنه جعل سبحانه لثبوت الزنا حداً وهو الشهود الأربعة، وجعل عليه دليلاً وهو قوله تعالى:( فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ ) (٢) ثمّ جعل على من تعدى ذلك الحد بأن شهد عليها قبل تمام العدد حداً وهو الثمانون جلدة لكن لا يعلم دليل جميع الأحكام من القرآن إلا الإمامعليهالسلام وربما يستدل به على نفي الاجتهاد، وعلى أنه لا يجوز العمل إلا مع اليقين بالحكم الواقعي، وإلا يلزم التعدي عن الحد، وأجيب: بأن المراد بالتعدي عدم أخذ الحكم من دليله ومأخذه، أو بأن أحكام الله تعالى قسمان واقعية وواصلية، فمن تعداهما معاً تعدى حد الله تعالى.
الحديث الثالث: مجهول.
__________________
(١) سورة البقرة: ١٨٧.
(٢) سورة النساء: ١٥.
أبا عبد اللهعليهالسلام يقول ما خلق الله حلالا ولا حراما إلا وله حد كحد الدار فما كان من الطريق فهو من الطريق وما كان من الدار فهو من الدار حتّى أرش الخدش فما سواه والجلدة ونصف الجلدة.
٤ - علي، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن حماد، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال سمعته يقول ما من شيء إلا وفيه كتاب أو سنة.
٥ - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن حماد، عن عبد الله بن سنان، عن أبي الجارود قال قال أبو جعفرعليهالسلام إذا حدثتكم بشيء فاسألوني من كتاب الله ثمّ قال في بعض حديثه إن رسول اللهصلىاللهعليهوآله نهى عن القيل والقال وفساد
________________________________________________________
قولهعليهالسلام حتّى أرش الخدش: الخدش تقشير الجلد بعود ونحوه وأرشه ما يجبر نقصه من الدية، والجلدة: الضربة بالسوط، ونصفها أن يؤخذ من وسط السوط فيضرب.
الحديث الرابع: صحيح.
الحديث الخامس: ضعيف.
قولهعليهالسلام عن القيل والقال: قيل: هما فعلان ماضيان خاليان عن الضمير، جاريان مجرى الأسماء، مستحقان للإعراب وإدخال حرف التعريف عليهما، وقيل هما مصدران، قال الفيروزآبادي: القول في الخير، والقيل والقال والقالة في الشر أو القول مصدر، والقال والقيل اسمان له، ثمّ قال: والقال: الابتداء والقيل بالكسر الجواب، وعلى التقادير: المراد به فضول الكلام وما لا فائدة فيها ولا طائل تحتها، وقيل: نهى عن الأقوال الّتي توجب الخصومة، وقيل: من المناظرات المنتهية إلى المراء، والتعميم كما اخترناه أولى، والمراد بفساد المال صرفه في غير الجهات المشروعة أو ترك ضبطه وحفظه، أو القرض من غير شهود وائتمان الخائن والفاسق، وأمثال ذلك مما يورث إفساده، والمراد بكثرة السؤال كثرته فيما لا فائدة فيه، إذا السؤال عن الأمور اللازمة واجب كما مر، والنجوى: السر بين اثنين أو أكثر، والمعروف كلما
المال وكثرة السؤال فقيل له يا ابن رسول الله أين هذا من كتاب الله قال إنّ الله عز وجل يقول -( لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ) (١) وقال( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِياماً ) (٢) وقال( لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) (٣) .
٦ - محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن ثعلبة بن ميمون عمن حدثه، عن المعلى بن خنيس قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام ما من أمر يختلف فيه اثنان إلا وله أصل في كتاب الله عز وجل ولكن لا تبلغه عقول الرجال.
٧ - محمّد بن يحيى، عن بعض أصحابه، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة
________________________________________________________
يستحسنه الشرع، وقد فسر هنا بالقرض وإعانة الملهوف وصدقة التطوع وغير ذلك، وأمّا قوله تعالى( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ ) فالمشهور أن الخطاب للأولياء، نهوا أن يؤتوا السفهاء الّذين لا رشد لهم أموالهم فيفسدونها، وأضاف الأموال إلى الأولياء لأنها في تصرفهم، وقيل: نهى كلّ أحد أن يعمد إلى ما خوله الله من المال، فيعطي امرأته وأولاده، ثمّ ينظر إلى أيديهم، ويدل بعض الأخبار على أنها تشمل ما إذا ائتمن فاسقاً وشارب خمر على ماله، وقوله تعالى:( قِياماً ) أي ما تقومون وتتعيشون بها، وفي الآية الثالثة الجملة الشرطية صفة للأشياء وقيل: المعنى لا تسألوا عن تكاليف شاقة عليكم، إن كلفكم بها شقت عليكم وندمتم عن السؤال عنها، كما روي في سؤال بني إسرائيل عن البقرة، وقيل: كان أحد يسأل عن أبيه فيجاب: أنه في النار فيسوءه، ويسأل آخر عن نسبه فيجاب أنه لغير أبيه فيفتضح، فنهوا عن أمثال ذلك والتعميم أولى.
الحديث السادس: مرسل.
الحديث السابع: ضعيف.
__________________
(١) سورة النساء: ١١٤.
(٢) سورة النساء: ٥.
(٣) سورة المائدة: ١٠١.
عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال أمير المؤمنينعليهالسلام أيها الناس إنّ الله تبارك وتعالى أرسل إليكم الرسولصلىاللهعليهوآله وأنزل إليه الكتاب بالحق وأنتم أميون عن الكتاب ومن أنزله وعن الرسول ومن أرسله على حين( فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ ) وطول هجعة من الأمم وانبساط من الجهل واعتراض من الفتنة وانتقاض من المبرم وعمى عن الحقّ واعتساف من الجور وامتحاق من الدين وتلظ من الحروب على حين اصفرار من رياض جنات الدنيا ويبس من أغصانها وانتثار من ورقها ويأس من ثمرها واغورار من
________________________________________________________
قولهعليهالسلام وأنتم أميون: قال في النهاية فيه إنا أمه أمية لا نكتب ولا نحسب أراد أنهم على أصل ولادة أمهم لم يتعلموا الكتاب والحساب فهم على جبلتهم الأولى، وقيل الأمي الّذي لا يكتب، ومنه الحديث: بعثت إلى أمة أمية، قيل: للعرب أميون، لأنّ الكتابة كانت فيهم عزيزة أو عديمة « انتهى » والمراد هنا من لا يعرف الكتابة والخط والعلوم والمعارف، وضمن ما يعدى بعن كالنوم والغفلة، والتلظي:اشتعال النار، واغورار الماء: ذهابه في باطن الأرض، والظاهر أن هذه الاستعارات والترشيحات لبيان خلو الدنيا حينئذ عن آثار العلم والهداية، وما يوجب السعادات الأخروية، ويحتمل أن يكون المراد بها بيان خلوها عن الأمن والرفاهية والمنافع الدنيوية ليكون ما يذكر بعيدها تأسيسا، ويحتمل التعميم أيضاً والدروس: الإمحاء والردى الهلاك، وقولهعليهالسلام : متهجمة في بعض النسخ بتقديم الجيم على الهاء وهو الصواب، يقال: فلان يتجهمني أي يلقاني بغلظة ووجه كريه، وفي أكثر النسخ بتقديم الهاء وهو الدخول بغتة وانهدام البيت، ولا يخلوان من مناسبة أيضا، والمكفهر من الوجوه: القليل اللحم، الغليظ الّذي لا يستحيي، والمتعبس، والمراد بالجيفة: الميتة أو مطلق الحرام والشعار ما يلي شعر الجسد من الثياب، والدثار ما فوق الشعار منها ومناسبة الخوف بالشعار والسيف بالدثار غير خفية على ذوي الأنظار، والتمزيق التخريق والتقطيع والتفريق والممزق كمعظم أيضاً مصدر، والمراد به تفرقهم في البلدان للخوف، أو تفرقهم في الأديان والأهواء، والموءودة البنت المدفونة حية، وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية ببناتهم لخوف
مائها قد درست أعلام الهدى فظهرت أعلام الردى فالدنيا متهجمة في وجوه أهلها مكفهرة مدبرة غير مقبلة ثمرتها الفتنة وطعامها الجيفة وشعارها الخوف ودثارها السيف مزقتم كلّ ممزق وقد أعمت عيون أهلها وأظلمت عليها أيامها قد قطعوا أرحامهم وسفكوا دماءهم ودفنوا في التراب الموءودة بينهم من أولادهم يجتاز دونهم طيب العيش ورفاهية خفوض الدنيا لا يرجون من الله ثواباً ولا يخافون والله منه عقاباً حيهم أعمى نجس وميتهم في النار مبلس فجاءهم بنسخة ما في الصحف
________________________________________________________
الإملاق أو العار كما قال تعالى( وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ) (١) وقولهعليهالسلام بينهم متعلّق بالدفن أو بالوأد بتضمين معنى الشيوع.
قولهعليهالسلام يجتاز دونهم: في أكثر النسخ بالجيم والزاء المعجمة من الاجتياز بمعنى المرور، والرفاهية: الخصب والسعة في المعاش، والخفوض جمع الخفض وهو الدعة والراحة أي يمر طيب العيش والرفاهية الّتي هي خفض الدنيا، أو في خفوضها متجاوزا عنهم من غير تلبث عندهم، وفي بعض النسخ بالحاء المهملة والزاء المعجمة من الحيازة أي يجمع ويمسك وراءهم طيب العيش والرفاهية، وفي بعضها: بالخاء المعجمة والراء المهملة أي كان يختار طيب العيش والرفاهية يجتنبهم ولا يجاورهم، وقيل: يعني أرادوا بدفن البنات طيب العيش ولا يخفى أن تذكير الضمير لا يلائمه، وربما يقرأ دونهم بالرفع أي خسيسهم بهذا المعنى، ولا يخفى ما فيه أيضا.
قولهعليهالسلام أعمى نجس، بالنون والجيم، وفي بعض النسخ بالحاء المهملة من النحوسة، وربما يقرأ بالباء الموحدة والخاء المعجمة المكسورة من البخس بمعنى نقص الحظ وهو تصحيف، والإبلاس الغم والانكسار والحزن، والإياس من رحمة الله تعالى.
قولهعليهالسلام : ما في الصحف الأولى: أي التوراة والإنجيل والزبور وغيرهما مما نزل على الأنبياءعليهالسلام وهي المراد بالذي بين يديه وكل أمر تقدم أمراً منتظراً قريباً منه يقال: إنه جاء بين يديه، وقيل: المراد بالصحف الأولى الألواح السماوية، ويحتمل أن يكون المراد بالذي بين يديه ما يكون بعده من أحوال المعاد، والأول
__________________
(١) سورة التكوير: ٨.
الأولى وتصديق الّذي بين يديه وتفصيل الحلال من ريب الحرام.
ذلك القرآن فاستنطقوه ولن ينطق لكم أخبركم عنه إن فيه علم ما مضى وعلم ما يأتي إلى يوم القيامة وحكم ما بينكم وبيان ما أصبحتم فيه تختلفون فلو سألتموني عنه لعلمتكم.
٨ - محمّد بن يحيى، عن محمّد بن عبد الجبار، عن ابن فضال، عن حماد بن عثمان، عن عبد الأعلى بن أعين قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول قد ولدني رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأنا أعلم كتاب الله وفيه بدء الخلق وما هو كائن إلى يوم القيامة وفيه خبر السماء وخبر الأرض وخبر الجنة وخبر النار وخبر ما كان وخبر ما
________________________________________________________
أظهر، ويؤيده قوله تعالى( مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ( وَأَنْزَلَ ) التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ ) وريب الحرام شبهته، أي فضلا عن صريحه وقوله: فاستنطقوه، أمر للتعجيز أي استعلموا أو استنبطوا منه الأخبار والأحكام.
قولهعليهالسلام : أخبركم عنه: استيناف لبيان أنهعليهالسلام هو الّذي يستنطق القرآن وينطق عنه، ويحتمل أن يكون المخبر عنه قوله: إن فيه علم ما مضى، ويؤيد الأول أن في النهج ولكن أخبركم عنه، قيل: وأشارعليهالسلام بإيراد كلمة « لو » دون « إذا » إلى فقد من يسأله عن غوامض مقاصد القرآن وأسرار علومه.
الحديث الثامن: مجهول.
قولهعليهالسلام : قد ولدني: يدل على ما ذهب إليه السيد (ره) من أن ولد البنت والد حقيقة، وقيل: الولادة المشار إليها تشمل الولادة الجسمانية والروحانية فإن علمه ينتهي إليه كما أن نسبه يرجع إليه فهو وارث علمه كما هو وارث ماله.
قولهعليهالسلام وفيه بدء الخلق: أي أوله وكيفية إيجاده وإنشائه وكيفية خلق الملائكة والثقلين وغيرها، وقيل: أي ذكر فيه أوّل خلق بدء الله منه الخلق، والمراد كلّ ما اتصف بالوجود فيما مضى وما هو كائن أي ما يتصف بالوجود في الحال والمستقبل إلى يوم القيامة، وذكر فيه خبر السماء والأرض أي أحوالهما وخبر الجنة وخبر النار
هو كائن أعلم ذلك كما أنظر إلى كفي إنّ الله يقول فيه تبيان كلّ شيء.
٩ - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن علي بن النعمان، عن إسماعيل بن جابر، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وفصل ما بينكم ونحن نعلمه.
١٠ - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن إسماعيل بن مهران، عن سيف بن عميرة، عن أبي المغراء، عن سماعة، عن أبي الحسن موسىعليهالسلام قال قلت له أكل شيء في كتاب الله وسنة نبيهصلىاللهعليهوآله أو تقولون فيه قال بل كلّ شيء في كتاب الله وسنة نبيهصلىاللهعليهوآله
________________________________________________________
وخبر ما كان وما هو كائن أي ذكر أحوالهما وهذا من التعميم بعد ذكر الخاص فذكر أولا اشتمال الكتاب على المخلوقات، ثمّ ذكر اشتماله على أخبارها وذكر أحوالها مبتدأ بالعمدة الظاهر منها في الدنيويات أعني السماء والأرض وفي الأخرويات أعني الجنة والنار ثمّ عمم بقوله: وخبر ما كان وما هو كائن.
الحديث التاسع: صحيح.
قولهعليهالسلام نبأ ما قبلكم: قيل يحتمل أن يكون المراد بنبإ ما قبلكم علم المبدأ من العلم بالله وملائكته وكتبه ورسله، وبخبر ما بعدكم علم المعاد من العالم باليوم الآخر وأحواله وأهواله والجنة والنار، وبفصل ما بينكم: علم الشرائع والأحكام بأن تحمل القبلية والبعدية على الذاتيتين أو ما يعمهما والزمانيتين وضمير نعلمه راجع إلى الكتاب أو الجميع.
الحديث العاشر: موثق.
قولهعليهالسلام أو تقولون فيه: بصيغة الخطاب أي تحكمون فيه بآرائكم، وقرأ بعض الأفاضل بصيغة الغيبة وقال: أي أو يقول الناس كلّ شيء في كتاب الله وليس كلّ شيء فيه.
باب اختلاف الحديث
١ - علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن أبان بن أبي عياش، عن سليم بن قيس الهلالي قال قلت لأمير المؤمنينعليهالسلام إني سمعت من سلمان والمقداد وأبي ذر شيئاً من تفسير القرآن وأحاديث عن نبي اللهصلىاللهعليهوآله غير ما في أيدي الناس ثمّ سمعت منك تصديق ما سمعت منهم ورأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة من تفسير القرآن ومن الأحاديث عن نبي اللهصلىاللهعليهوآله أنتم تخالفونهم فيها وتزعمون أن ذلك كله باطل أفترى الناس يكذبون على رسول اللهصلىاللهعليهوآله متعمدين ويفسرون القرآن بآرائهم قال فأقبل علي فقال قد سألت فافهم الجواب:
إن في أيدي الناس حقاً وباطلا وصدقاً وكذباً وناسخاً ومنسوخاً وعاما وخاصاً ومحكما ومتشابها وحفظا ووهما وقد كذب على رسول اللهصلىاللهعليهوآله على عهده
________________________________________________________
باب اختلاف الحديث
الحديث الأول: ضعيف على المشهور، معتبر عندي، وكتاب سليم عندي موجود، وأرى فيه ما يورث الظن القوي بصحته.
قولهعليهالسلام وصدقاً وكذبا، ذكر الصدق والكذب بعد الحقّ والباطل من قبيل ذكر الخاص بعد العام لأنّ الصدق والكذب من خواص الخبر، والحق والباطل يصدقان على الأفعال أيضا، وقيل: الحقّ والباطل هنا من خواص الرأي والاعتقاد، والصدق والكذب من خواص النقل والرواية.
قولهعليهالسلام ومحكما ومتشابها: المحكم في اللغة هو المضبوط المتقن، ويطلق في الاصطلاح على ما اتضح معناه، وعلى ما كان محفوظا من النسخ أو التخصيص أو منهما معا، وعلى ما كان نظمه مستقيما خالياً عن الخلل، وما لا يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا، ويقابله بكل من هذه المعاني المتشابه.
قولهعليهالسلام وحفظا أي محفوظا عند الراوي ومستيقنا له أنه سمعه كذلك أو
حتى قام خطيباً فقال أيها الناس قد كثرت علي الكذابة فمن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ثمّ كذب عليه من بعده وإنما أتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس رجل منافق يظهر الإيمان متصنع بالإسلام لا يتأثم ولا يتحرج
________________________________________________________
موافقاً لما سمعه واقعاً مع علمه به، ووهما بفتح الهاء مصدر قولك: وهمت بالكسر أي غلطت وسهوت، وقد روي وهما بالتسكين مصدر وهمت بالفتح، إذا ذهب وهمك إلى شيء وأنت تريد غيره، والمعنى متقارب، والمراد ما شك فيه ولم يستيقن أو سها وإن تيقنه عند الرواية.
قولهعليهالسلام قد كثرت على الكذابة: بكسر الكاف وتخفيف الذال مصدر كذب يكذب أي كثرت علي كذبة الكذابين، ويصح أيضاً جعل الكذاب بمعنى المكذوب، والتاء للتأنيث أي الأحاديث المفتراة، أو بفتح الكاف وتشديد الذال بمعنى الواحد الكثير الكذب، والتاء لزيادة المبالغة، والمعنى كثرت على أكاذيب الكذابة أو التاء للتأنيث، والمعنى كثرة الجماعة الكذابة ولعل الأخير أظهر، وعلى التقادير الظاهر أن الجار متعلّق بالكذابة، ويحتمل تعلّقه بكثرت على تضمين أجمعت ونحوه، وهذا الخبر على تقديري صدقه وكذبه يدل على وقوع الكذب عليهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقولهعليهالسلام : فليتبوأ، صيغته الأمر ومعناه الخبر، كقوله تعالى( قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا ) (١) .
قولهعليهالسلام ثمّ كذب عليه: على بناء المجهول و « من بعده » بكسر الميم أو على بناء المعلوم وفتح الميم اسم موصول.
قولهعليهالسلام متصنع بالإسلام: أي متكلف ومتدلس به غير متصف به في نفس الأمر.
قولهعليهالسلام لا يتأثم: أي لا يكف نفسه عن موجب الإثم أو لا يعد نفسه آثما بالكذب على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وكذا قوله: لا يتحرج من الحرج بمعنى الضيق، أي
__________________
(١) سورة مريم: ٧٥.
أن يكذب على رسول اللهصلىاللهعليهوآله متعمداً فلو علم الناس أنه منافق كذاب لم يقبلوا منه ولم يصدقوه ولكنهم قالوا هذا قد صحب رسول اللهصلىاللهعليهوآله ورآه وسمع منه وأخذوا عنه وهم لا يعرفون حاله - وقد أخبره الله عن المنافقين بما أخبره ووصفهم بما وصفهم فقال عز وجل( وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ) (١) ثمّ بقوا بعده فتقربوا إلى أئمّة الضلالة والدعاة إلى النار بالزور والكذب والبهتان فولوهم الأعمال وحملوهم على رقاب الناس وأكلوا بهم الدنيا وإنما الناس مع الملوك
________________________________________________________
لا يضيق صدره بالكذب وأراد بأئمّة الضلالة الثلاثة ومن يحذو حذوهم من بني أمية وأشباههم، وقوله بالزور متعلّق بتقربوا، ونقل العتائقي(٢) في شرح نهج البلاغة أنه قال في كتاب الأحداث إن معاوية لعنه الله كتب إلى عماله أن ادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة ولا تتركوا خبراً يرويه أحد في أبي تراب إلا وأتوني بمناقض له في الصحابة، فرويت أخباراً كثيرة مفتعلة لا حقيقة لها حتّى أشاروا بذكر ذلك على المنابر وروى ابن أبي الحديد أن معاوية لعنه الله أعطى صحابياً مالا كثيراً ليصنع حديثاً في ذم عليعليهالسلام ويحدث به على المنبر ففعل ويروى عن ابن عرفة أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بني أمية تقرباً إليهم بما يظنون أنهم يرغمون بها أنف بني هاشم « انتهى » وقد أشبعنا الكلام في ذلك في كتابنا الكبير.
قولهعليهالسلام وقد أخبر الله عز وجل عن المنافقين: أي كان ظاهرهم ظاهراً حسنا وكلامهم كلاما مزيفا مدلسا يوجب اغترار الناس بهم، وتصديقهم فيما ينقلونه عن النبيصلىاللهعليهوآله ، ويرشد إلى ذلك أنه سبحانه خاطب نبيهصلىاللهعليهوآلهوسلم بقوله:( وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ ) أي بصباحتهم وحسن منظرهم،( وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ) أي تصغي إليه لذلاقة ألسنتهم.
قولهعليهالسلام فولوهما الأعمال: أي أئمّة الضلال بسبب وضع الأخبار أعطوا هؤلاء
__________________
(١) سورة المنافقون: ٤.
(٢) كذا في النسخ، والظاهر « ابن العتايقي » وهو الشيخ كمال الدين عبد الرحمن بن محمّد بن إبراهيم بن محمّد بن يوسف بن العتايقي الحلي وقد توفي في حدود سنة ٧٩٠، وهو تلميذ العلامة الحلي (ره) على ما يظهر من كلمات شيخنا المعظم المبرور في كتاب الذريعة إلى تصانيف الشيعة فراجع ج ١٤ ص ١٣١.
والدنيا إلا من عصم الله فهذا أحد الأربعة.
ورجل سمع من رسول الله شيئاً لم يحمله على وجهه ووهم فيه ولم يتعمد كذباً فهو في يده يقول به ويعمل به ويرويه فيقول أنا سمعته من رسول اللهصلىاللهعليهوآله فلو علم المسلمون أنه وهم لم يقبلوه ولو علم هو أنه وهم لرفضه.
ورجل ثالث سمع من رسول اللهصلىاللهعليهوآله شيئاً أمر به ثمّ نهى عنه وهو لا يعلم أو سمعه ينهى عن شيء ثمّ أمر به وهو لا يعلم فحفظ منسوخه ولم يحفظ الناسخ ولو علم أنه منسوخ لرفضه ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنه منسوخ لرفضوه.
وآخر رابع لم يكذب على رسول اللهصلىاللهعليهوآله مبغض للكذب خوفا من الله وتعظيما لرسول اللهصلىاللهعليهوآله لم ينسه بل حفظ ما سمع على وجهه فجاء به كما سمع - لم يزد فيه ولم ينقص منه وعلم الناسخ من المنسوخ فعمل بالناسخ ورفض المنسوخ فإن أمر النبيصلىاللهعليهوآله مثل القرآن ناسخ ومنسوخ وخاص وعام ومحكم ومتشابه قد كان يكون من رسول اللهصلىاللهعليهوآله الكلام له وجهان كلام عام وكلام خاص مثل القرآن وقال الله عز وجل في كتابه -( ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ
________________________________________________________
المنافقين الولايات وسلطوهم على الناس، ويحتمل العكس أيضاً أي بسبب مفتريات هؤلاء المنافقين صاروا والين على الناس، وصنعوا ما شاءوا وابتدعوا ما أرادوا، ولكنه بعيد.
قولهعليهالسلام ناسخ ومنسوخ: قال الشيخ البهائي (ره) خبر ثان لأنّ أو خبر مبتدإ محذوف أي بعضه ناسخ وبعضه منسوخ، أو بدل من مثل وجره على البدلية من القرآن ممكن، فإن قيام البدل مقام المبدل منه غير لازم عند كثير من المحققين.
قولهعليهالسلام وقد كان يكون: اسم كان ضمير الشأن ويكون تامة وهي مع اسمها الخبر، وله وجهان نعت للكلام لأنّه في حكم النكرة، أو حال منه، وإن جعلت يكون ناقصة فهو خبرها.
قولهعليهالسلام وقال الله: لعل المراد أنهم لما سمعوا هذه الآية علموا وجوب
ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) (١) فيشتبه على من لم يعرف ولم يدر ما عنى الله به ورسولهصلىاللهعليهوآله وليس كلّ أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله كان يسأله عن الشيء فيفهم وكان منهم من يسأله ولا يستفهمه حتّى إن كانوا ليحبون أن يجيء الأعرابي والطارئ فيسأل رسول اللهصلىاللهعليهوآله حتّى يسمعوا.
وقد كنت أدخل على رسول اللهصلىاللهعليهوآله كلّ يوم دخلة وكل ليلة دخلة فيخليني فيها
________________________________________________________
اتباعهعليهالسلام ولما اشتبه عليهم مراده عملوا بما فهموا منه، وأخطأوا فيه، فهذا بيان لسبب خطاء الطائفة الثانية والثالثة، ويحتمل أن يكون ذكر الآية لبيان أن هذه الفرقة الرابعة المحقة إنما تتبعوا جميع ما صدر عنه من الناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، لأنّ الله تعالى أمرهم باتباعه في كلّ ما يصدر عنه.
قولهعليهالسلام فيشتبه: متفرع على ما قبل الآية أي كان يشتبه كلام الرسول على من لا يعرف، ويحتمل أن يكون المراد أن الله تعالى إنما أمرهم بمتابعة الرسول فيما يأمرهم به من اتباع أهل بيته والرجوع إليهم، فإنهم كانوا يعرفون كلامه ويعلمون مرامه فاشتبه ذلك على من لم يعرف مراد الله تعالى وظنوا أنه يجوز لهم العمل بما سمعوا منه بعدهصلىاللهعليهوآلهوسلم من غير رجوع إلى أهل بيته.
قولهعليهالسلام ما عنى الله به: الموصول مفعول لم يدر، ويحتمل أن يكون فاعل يشتبه.
قولهعليهالسلام ولا يستفهمه: أي إعظاما.
قولهعليهالسلام والطاري: أي الغريب الّذي أتاه عن قريب من غير أنس به وبكلامه وإنما كانوا يحبون قدومهما إمّا لاستفهامهم وعدم استعظامهم إياه أو لأنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يتكلم على وفق عقولهم فيوضحه حتّى يفهم غيرهم.
قولهعليهالسلام فيخليني فيها: من الخلوة يقال استخلى الملك فأخلاه أي سأله أن يجتمع به في خلوة ففعل، أو من التخلية أي يتركني أدور معه.
__________________
(١) سورة الحشر: ٧.
أدور معه حيث دار وقد علم أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنه لم يصنع ذلك بأحد من الناس غيري فربما كان في بيتي يأتيني - رسول اللهصلىاللهعليهوآله أكثر ذلك في بيتي وكنت إذا دخلت عليه بعض منازله أخلاني وأقام عني نساءه فلا يبقى عنده غيري وإذا أتاني للخلوة معي في منزلي لم تقم عني فاطمة ولا أحد من بني وكنت إذا سألته أجابني وإذا سكت عنه وفنيت مسائلي ابتدأني فما نزلت على رسول اللهصلىاللهعليهوآله آية من القرآن إلا أقرأنيها وأملاها علي فكتبتها بخطي وعلمني تأويلها وتفسيرها وناسخها ومنسوخها ومحكمها ومتشابهها وخاصها وعامها ودعا الله أن يعطيني فهمها وحفظها فما نسيت آية من كتاب الله ولا علما أملاه علي وكتبته منذ دعا الله لي بما دعا وما ترك شيئاً علمه الله من حلال ولا حرام ولا أمر ولا نهي كان أو يكون ولا كتاب منزل على أحد قبله من طاعة أو معصية إلا علمنيه وحفظته فلم أنس حرفا واحداً ثمّ وضع يده على صدري ودعا الله لي أن يملأ قلبي علما وفهما وحكما ونوراً فقلت يا نبي الله بأبي أنت وأمي منذ دعوت الله لي بما دعوت لم أنس شيئاً ولم يفتني شيء لم أكتبه أفتتخوف علي النسيان فيما بعد فقال لا لست أتخوف عليك النسيان والجهل.
٢ - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن عثمان بن عيسى، عن أبي أيوب الخزاز، عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قلت له ما بال أقوام يروون عن فلان وفلان عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله لا يتهمون بالكذب فيجيء منكم خلافه قال
________________________________________________________
قولهعليهالسلام أدور معه حيث ما دار: أي لا أمنع عن شيء من خلواته أدخل معه أي مدخل يدخله فيه، وأسير معه أينما سار، أو المراد إني كنت محرما لجميع إسراره قابلاً لعلومه أخوض معه في كلّ ما يخوض فيه من العارف، وكنت أوافقه في كلّ ما يتكلم فيه، وأفهم مراده.
قولهعليهالسلام تأويلها وتفسيرها: أي بطنها وظهرها.
الحديث الثاني: موثق.
إن الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن.
٣ - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن منصور بن حازم قال قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام ما بالي أسألك عن المسألة فتجيبني فيها بالجواب ثمّ يجيئك غيري فتجيبه فيها بجواب آخر فقال إنا نجيب الناس على الزيادة والنقصان قال قلت فأخبرني عن أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله صدقوا على محمّدصلىاللهعليهوآله أم كذبوا قال بل صدقوا قال قلت فما بالهم اختلفوا فقال أمّا تعلم أن الرجل كان يأتي رسول اللهصلىاللهعليهوآله فيسأله عن المسألة فيجيبه فيها بالجواب ثمّ يجيبه بعد ذلك ما ينسخ ذلك الجواب فنسخت الأحاديث بعضها بعضا.
٤ - علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن علي بن رئاب، عن أبي عبيدة، عن أبي جعفرعليهالسلام قال قال لي يا زياد ما تقول لو أفتينا رجلاً ممن
________________________________________________________
قولهعليهالسلام إنّ الحديث ينسخ: لما علمعليهالسلام أنه يسأل عن غير المنافقين وغير من وقع منه الخطأ لسوء فهمه أجاب بالنسخ، ويحتمل أن يكون ذلك للتقية من المخالفين في نسبة الصحابة إلى النفاق والكذب والوهم، فإنهم يتحاشون عنها.
الحديث الثالث: حسن.
قولهعليهالسلام على الزيادة، أي على الزيادة والنقصان في الكلام على حسب تفاوت مراتب الأفهام فيقع في وهمكم الاختلاف لذلك، وليس حقيقة بينهما اختلاف أو زيادة حكم عند التقية ونقصانه عند عدمها، أو المعنى إنا نجيب على حسب زيادة الناس ونقصانهم في الاستعداد والإيمان، فيشمل الوجهين.
قولهعليهالسلام بل صدقوا: يحتمل أن يكون مراد السائل السؤال عن أخبار جماعة من الصحابة علمعليهالسلام صدقهم، أو أرادعليهالسلام صدق بعضهم، أي ليس اختلافهم مبنياً على الكذب فقط، بل قد يكون من النسخ، والأظهر حمله على التقية.
الحديث الرابع: ضعيف على المشهور وآخره مرسل.
يتولانا بشيء من التقية قال قلت له أنت أعلم جعلت فداك قال إن أخذ به فهو خير له وأعظم أجراً - وفي رواية أخرى إن أخذ به أوجر وإن تركه والله أثم.
٥ - أحمد بن إدريس، عن محمّد بن عبد الجبار، عن الحسن بن علي، عن ثعلبة بن ميمون، عن زرارة بن أعين، عن أبي جعفرعليهالسلام قال سألته عن مسألة فأجابني ثمّ جاءه رجل فسأله عنها فأجابه بخلاف ما أجابني ثمّ جاء رجل آخر فأجابه بخلاف ما أجابني وأجاب صاحبي فلما خرج الرجلاًن قلت يا ابن رسول الله رجلاًن من أهل العراق من شيعتكم قدما يسألان فأجبت كلّ واحد منهما بغير ما أجبت به صاحبه فقال يا زرارة إن هذا خير لنا وأبقى لنا ولكم ولو اجتمعتم على أمر واحد لصدقكم الناس علينا ولكان أقل لبقائنا وبقائكم.
قال ثمّ قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام - شيعتكم لو حملتموهم على الأسنة أو على النار لمضوا وهم يخرجون من عندكم مختلفين قال فأجابني بمثل جواب أبيه.
٦ - محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن سنان، عن نصر
________________________________________________________
قوله: فهو خير له وأعظم أجرا: أي من العمل بالحكم الواقعي في غير حال التقية على ما هو المشهور من بطلان العمل بالحكم الواقعي في حال التقية إن قلنا بصحته، وعلى هذا يكون الإثم الوارد في الخبر المرسل لترك التقية، لا لعدم الإتيان بما أمر به في أصل الحكم وهو بعيد.
الحديث الخامس: موثق كالصحيح.
قولهعليهالسلام لصدقكم الناس علينا: بالتشديد أي لحكموا بصدقكم في نسبة هذا الحكم إلينا لتوافقكم أو فيما يظنون من أحوالكم وأقوالكم من ولايتنا ومتابعتنا، وفي علل الشرائع لقصدكم الناس ولكان وهو أظهر.
قولهعليهالسلام على الأسنة: هو جمع سنان أي على أن يمضوا مقابل الأسنة أو في النار.
الحديث السادس: ضعيف على المشهور.
الخثعمي قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول من عرف أنا لا نقول إلا حقاً فليكتف بما يعلم منا فإن سمع منا خلاف ما يعلم فليعلم أن ذلك دفاع منا عنه.
٧ - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عثمان بن عيسى والحسن بن محبوب جميعا، عن سماعة، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال سألته عن رجل اختلف عليه رجلاًن من أهل دينه في أمر كلاهما يرويه أحدهما يأمر بأخذه والآخر ينهاه عنه كيف يصنع فقال يرجئه حتّى يلقى من يخبره فهو في سعة حتّى يلقاه.
وفي رواية أخرى بأيهما أخذت من باب التسليم وسعك
________________________________________________________
قولهعليهالسلام : إن ذلك دفاع: أي قولنا بخلاف ما يعلمه منا دفع للضرر والفتنة منا عنه، وليرض بذلك ويعمل به.
الحديث السابع: حسن أو موثق.
قولهعليهالسلام : رجلاًن من أهل دينه: ظاهره أنه يكفي في جواز العمل بروايته كونه من أهل دينه، والظاهر أن المراد بهما الراويين، والحمل على المفتيين كما توهم بعيد.
قولهعليهالسلام يرجئه: أي يؤخر العمل والأخذ بأحدهما، أو يؤخر الترجيح والفتياً حتّى يلقى من يخبره أي من أهل القول والفتياً فيعمل حينئذ بفتياه أو من أهل الرواية فيخبره بما يرجح إحدى الروايتين على الأخرى فيقول ويفتي بالراجح، والظاهر أن المراد بمن يخبره الحجة، وذلك في زمان ظهور الحجة، وقولهعليهالسلام في سعة: أي في العمل حتّى يلقى من يعمل بقوله.
قولهعليهالسلام من باب التسليم: أي الرضا والانقياد، أي بأيتهما أخذت رضا بما ورد من الاختلاف وقبولاً له أو انقياداً للمروي عنه من الحجج، لا من حيث الظن بكون أحدهما حكم الله، أو كونه بخصوصه متعينا للعمل وسعك وجاز لك، ثمّ اعلم أنه يمكن رفع الاختلاف الّذي يتراءى بين الخبرين بوجوه قد أومأنا إلى بعضها:
الأول: أن يكون الإرجاء في الحكم والفتوى، والتخيير في العمل كما يومئ إليه
________________________________________________________
الخبر الأول.
الثاني: أن يكون الإرجاء فيما إذا أمكن الوصول إلى الإمامعليهالسلام والتخيير فيما إذا لم يمكن كهذا الزمان.
الثالث: أن يكون الإرجاء في المعاملات والتخيير في العبادات إذ بعض أخبار التخيير ورد في المعاملات.
الرابع: أن يخص الإرجاء بما يمكن الإرجاء فيه، بأن لا يكون مضطراً إلى العمل بأحدهما، والتخيير بما إذا لم يكن له بد من العمل بأحدهما.
ويؤيده ما رواه الطبرسي في كتاب الاحتجاج عن سماعة بن مهران قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام قلت: يرد علينا حديثان، واحد يأمرنا بالأخذ به، والآخر ينهانا عنه، قال: لا تعمل بواحد منهما حتّى تلقى صاحبك فتسأله، قال: قلت: لا بد من أن نعمل بأحدهما؟ قال: خذ بما فيه خلاف العامة.
الخامس: أن يحمل الإرجاء على الاستحباب والتخيير على الجواز، وروى الصدوق (ره) في كتاب عيون أخبار الرضاعليهالسلام عن أبيه، ومحمد بن الحسن بن الوليد عن سعد بن عبد الله عن محمّد بن عبد الله المسمعي عن أحمد بن الحسن الميثمي عن الرضاعليهالسلام في حديث طويل ذكر في آخره: وإن رسول اللهصلىاللهعليهوآله نهى عن أشياء ليس نهي حرام بل إعافة وكراهة، وأمر بأشياء ليس أمر فرض ولا واجب بل أمر فضل ورجحان في الدين، ثمّ رخص في ذلك للمعلول أو غير المعلول، فما كان عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله نهي إعافة أو أمر فضل، فذلك الّذي يسمع استعمال الرخص فيه إذا ورد عليكم عنا فيه الخبر باتفاق يرويه من يرويه في النهي، ولا ينكره، وكان الخبران صحيحين معروفين باتفاق الناقلة فيهما يجب الأخذ بأحدهما أو بهما جميعا، أو بأيهما شئت وأحببت موسع ذلك لك من باب التسليم لرسول اللهصلىاللهعليهوآله والرد إليه وإلينا وكان تارك ذلك من باب الفساد والإنكار وترك التسليم لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مشركاً بالله العظيم
٨ - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عثمان بن عيسى، عن الحسين بن المختار، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال أرأيتك لو حدثتك بحديث العام ثمّ جئتني من قابل فحدثتك بخلافه بأيهما كنت تأخذ قال قلت كنت آخذ بالأخير فقال لي رحمك الله
________________________________________________________
فما ورد عليكم من خبرين مختلفين فأعرضوهما على كتاب الله، فما كان في كتاب الله موجوداً حلالا أو حراما فاتبعوا ما وافق الكتاب، وما لم يكن في الكتاب فاعرضوه على سنن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فما كان في السنة موجوداً منهياً عنه نهي حرام أو مأموراً به عن عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أمر إلزام فاتبعوا ما وافق نهي رسول الله وأمره، وما كان في السنة نهي إعافة أو كراهة، ثمّ كان الخبر الآخر خلافه، فذلك رخصة فيما عافه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وكرهه، ولم يحرمه فذلك الّذي يسع الأخذ بهما جميعاً أو بأيهما شئت وسعك الاختيار من باب التسليم والاتباع والرد إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله وما لم تجدوه في شيء من هذه الوجوه فردوا إلينا علمه، فنحن أولى بذلك ولا تقولوا فيه بآرائكم وعليكم بالكف والتثبت والوقوف وأنتم طالبون باحثون حتّى يأتيكم البيان من عندنا، ومن هذا الخبر يظهر وجه جمع آخر.
ولنذكر بعض الأخبار الدالة على التخيير:
فمنها: ما رواه الشيخ أحمد بن أبي طالب الطبرسي في كتاب الاحتجاج مرسلا عن الحسن بن الجهم، قال: قلت للرضاعليهالسلام : تجيئنا الأحاديث عنكم مختلفة؟ قال: ما جاءك عنا فقسه على كتاب الله عز وجل وأحاديثنا، فإن كان يشبههما فهو منا، وإن لم يشبههما فليس منا، قلت: يجيئنا الرجلاًن وكلاهما ثقة بحديثين مختلفين فلا نعلم أيهما الحق؟ قال: إذا لم تعلم فموسع عليك بأيهما أخذت.
ومنها: ما رواه أيضاً فيه عن الحارث بن المغيرة عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: إذا سمعت من أصحابك الحديث وكلهم ثقة فموسع عليك حتّى ترى القائم فترده إليه ومن أراد الاطلاع على سائر أخبار هذا الباب فعليه بالرجوع إلى كتاب بحار الأنوار.
الحديث الثامن مرسل ويدل على وجوب العمل بالحكم المتأخر مع التعارض
٩ - وعنه، عن أبيه، عن إسماعيل بن مرار، عن يونس، عن داود بن فرقد، عن المعلى بن خنيس قال قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام إذا جاء حديث عن أولكم وحديث عن آخركم بأيهما نأخذ فقال خذوا به حتّى يبلغكم عن الحي فإن بلغكم عن الحي فخذوا بقوله قال ثمّ قال أبو عبد اللهعليهالسلام إنا والله لا ندخلكم إلا فيما يسعكم وفي حديث آخر خذوا بالأحدث.
١٠ - محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن عيسى، عن صفوان بن يحيى، عن داود بن الحصين، عن عمر بن حنظلة قال سألت أبا عبد اللهعليهالسلام - عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة أيحل
________________________________________________________
الحديث التاسع مجهول ويدل على لزوم العمل بقول الإمام الحي مع تعارض قول الإمام السابق له، بل بقول الإمام المتأخر مطلقاً كما يدل عليه قولهعليهالسلام : خذوا بالأحدث، ووجه الأول ظاهر، لأنّ الإمام الحي إنما يحكم بما يعلمه صلاحا في زمانه، فيجب العمل به، وأمّا الثاني فلأنه بحكم الإمام الثاني علم تغير المصلحة الأولى ولم يعلم بعد تغير المصلحة المتجددة إلا إذا علم تغيرها بزوال التقية مع العلم بكون الحكم الثاني للتقية.
قولهعليهالسلام فيما يسعكم: أي يجوز لكم القول والعمل به تقية أو لمصلحة أخرى.
الحديث العاشر: موثق تلقاه الأصحاب بالقبول.
قولهعليهالسلام في دين أو ميراث، لعل ذكرهما على سبيل التمثيل، ويحتمل التخصيص، والمراد بالمنازعة في الميراث إمّا في الوارثية أو في قدر الإرث أو في ثبوته مع عدم علم المدعي، وفي جميع هذه الصور لا يجوز الأخذ بحكم الجائر، ويكون المأخوذ حراما بخلاف الأعيان ومنافعها، مع علم المدعي فإن المشهور أنه وإن حرم الأخذ بحكم الجائر لكن لا يحرم المأخوذ، وحرمة المأخوذ في تلك الصور لا تنافي صحة المقاصة في الدين المعلوم ثبوته، والمراد بحرمة المأخوذ كونه غير جائز التصرف
ذلك قال من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت وما يحكم له فإنما يأخذ سحتا وإن كان حقاً ثابتا لأنّه أخذه بحكم الطاغوت وقد أمر الله أن يكفر به قال الله تعالى( يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ ) (١)
________________________________________________________
فيه بعد الأخذ، وبحرمة الأخذ عدم جواز إزالة يد المدعي واستقرار اليد عليه، فقولهعليهالسلام في الجواب: من تحاكم إليهم. يحتمل العموم والشمول للأعيان والديون والمواريث وغيرها.
وقولهعليهالسلام : فإنما يأخذ سحتا، إن حمل على أنه يأخذ أخذا سحتا أي حراما فعلى عمومه وإن حمل على أنه يأخذ مالا سحتا فمخصص بما لا يكون المدعى به عينا معلوم الحقية للمدعي، فإن له التصرف في المأخوذ حينئذ بخلاف ما إذا كان ثابت الحقيقة عنده بحكم الحاكم، أو مظنون الحقية أو مشكوكها، أو كان المدعى به دينا، فالاستحقاق في العين والتعين في الدين بحكم الطاغوت لا يوجب جواز التصرف، كما ذكره بعض المحققين.
قوله تعالى( يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ ) الطاغوت مشتق من الطغيان وهو الشيطان أو الأصنام، أو كلّ ما عبد من دون الله أو صد من عبادة الله، والمراد هنا من يحكم بالباطل ويتصدى للحكم، ولا يكون أهلا له، سمي به لفرط طغيانه أو لتشبهه بالشيطان أو لأنّ التحاكم إليه تحاكم إلى الشيطان من حيث أنه الحامل عليه والآية بتأييد الخبر تدل على عدم جواز الترافع إلى حكام الجور مطلقا، وربما قيل بجواز التوسل بهم إلى أخذ الحقّ المعلوم اضطراراً مع عدم إمكان الترافع إلى الفقيه العدل، وبجواز الاستعانة بهم في إجراء حكم الفقيه، وأيد ذلك بقوله تعالى( يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا ) فإن الترافع على وجه الاضطرار ليس تحاكما على الإرادة والاختيار، والمسألة قوية الإشكال.
__________________
(١) سورة النساء: ٦٠.
قلت فكيف يصنعان قال ينظران إلى من كان منكم ممّن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكما فإني قد جعلته
________________________________________________________
قولهعليهالسلام ممّن قد روى حديثنا: أي كلها بحسب الإمكان أو القدر الوافي منها، أو الحديث المتعلّق بتلك الواقعة، وكذا في نظائره، والأحوط أن لا يتصدى لذلك إلا من تتبع ما يمكنه الوصول إليه من أخبارهم ليطلع على المعارضات ويجمع بينها بحسب الإمكان.
قولهعليهالسلام فإني قد جعلته عليكم حاكما: استدل به على أنه نائب الإمام في كلّ أمر إلا ما أحوجه الدليل، ولا يخلو من إشكال، بل الظاهر أنه رخص له في الحكم فيما رفع إليه لا أنه يمكنه جبر الناس على الترافع إليه أيضا، نعم يجب على الناس الترافع إليه والرضا بحكمه، وقال بعض الأفاضل: قولهعليهالسلام : فإني قد جعلته عليكم حاكما يحتمل وجهين: الأول: قد صيرته عليكم حاكماً، والثاني: قد وصفته بكونه حاكما عليكم، وقد حكمت بذلك وسميته بالحاكم، كقوله تعالى( وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً ) (١) فعلى الأول يكون حكومة المجتهد بنصبهعليهالسلام لها، فلا يثبت له حكومة بدون النصب ما لم يدل دليل آخر، وعلى الثاني تكون المجتهد متصفا بالحكومة، ويكون قولهعليهالسلام مبينا لاتصافه بها، والثاني أولى بوجوه: منها أنه لم يكونواعليهالسلام في تلك الأعصار ينصبون الحكام، ومنها أنهم لو نصبوا لأعلموا الناس بذلك ولكان هذا من المعلوم عند الإمامية، ومنها أنه لم يعهد نصب غير المعين. ومنها: أن الضرورة ماسة بحكومة الفقيه أمّا عند الغيبة فظاهر، وأمّا مع ظهور الحجة فلعدم إمكان رجوع الكل في كلّ الأحكام إلى الحجة لا بواسطة، ولو حمل على الأول فإما أن يحمل على نصبهعليهالسلام الفقيه في عصره وفي الأعصار بعده، أو على نصبه في عصره، وعلى الأول فيكون الفقيه منصوباً ما لم ينعزل بعزله أو بعزل من يقوم مقامه، وعلى الثاني ينقضي نصبه بانقضاء أيامه
__________________
(١) سورة زخرف: ١٩.
عليكم حاكما فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنما استخف بحكم الله وعلينا رد والراد علينا الراد على الله وهو على حد الشرك بالله.
قلت فإن كان كلّ رجل اختار رجلاً من أصحابنا فرضياً أن يكونا الناظرين في حقهما واختلفا فيما حكما وكلاهما اختلفا في حديثكم؟
قال الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما ولا
________________________________________________________
عليهالسلام حيث يكون الحكم لغيره بعده، ويحتمل الحكم بنصبه بعده ما لم ينعزل لاتحاد طريقتهمعليهالسلام ، واستحسان اللاحق ما حسنه السابق منهم، وكون المتأخر خليفة للمتقدم، فما لم يظهر منه خلاف ما جاء من المتقدم حكم بإبقائه له، والظاهر من الحاكم القاضي وهو الّذي يحكم في الوقائع الخاصة، وينفذ الحكم لا المفتي وهو المبين الحكم الشرعي عموما « انتهى ما أفاده ره » ولا يخفى متانته، ويمكن المناقشة في كثير منها وسنبين تحقيق هذا المطلب في رسالة مفردة إنشاء الله تعالى.
قولهعليهالسلام : فإنما استخف بحكم الله: لأنّه لم يرض بحكم أمر الله به « وعلينا رد » حيث رد قضاء من وصفناه بالحكومة « وهو على حد الشرك بالله » أي دخل في الشرك بأحد معانيه حيث أشرك في حكمه تعالى غيره، أو المعنى أنه في مرتبة من الضلالة لا مرتبة فيها أشد منها، والمرتبة المتجاوزة منها مرتبة الشرك.
قولهعليهالسلام : فيما حكما: ظاهره أن اختلافهما بحسب اختلاف الرواية لا الفتوى.
قولهعليهالسلام أعدلهما وأفقههما: في الجواب إشعار بأنه لا بد من كونهما عادلين فقيهين صادقين ورعين، والفقه هو العلم بالأحكام الشرعية كما هو الظاهر، وهل يعتبر كونه أفقه في خصوص تلك الواقعة أو في مسائل المرافعة والحكم أو في مطلق المسائل؟ الأوسط أظهر معنى، وإن كان الأخير أظهر لفظا، والظاهر أن مناط الترجيح الفضل في جميع تلك الخصال، ويحتمل أن تكون كلمة الواو بمعنى أو، فعلى الأول لا يظهر الحكم فيما إذا كان الفضل في بعضها، وعلى الثاني فيما إذا كان أحدهما فاضلا في إحداهما
يلتفت إلى ما يحكم به الآخر قال:
قلت فإنهما عدلان مرضيان عند أصحابنا لا يفضل واحد منهما على الآخر قال فقال ينظر إلى ما كان من روايتهم عنا في ذلك الّذي حكما به المجمع عليه من أصحابك فيؤخذ به من حكمنا ويترك الشاذ الّذي ليس بمشهور عند أصحابك فإن المجمع عليه لا ريب فيه وإنما الأمور ثلاثة أمر بين رشده فيتبع وأمر بين غيه فيجتنب وأمر مشكل يرد علمه إلى الله وإلى رسوله قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات ومن أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات وهلك من حيث لا يعلم.
قلت فإن كان الخبران عنكما مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟
قال ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة وخالف العامة فيؤخذ به و
________________________________________________________
والآخر في الأخرى، والرجحان بالترتيب الذكرى ضعيف، وفي سؤال السائل إشعار بفهم المعنى الثاني.
قولهعليهالسلام المجمع عليه: استدل به على حجية الإجماع، وظاهر السياق أن المراد الاتفاق في النقل لا الفتوى ويدل على أن شهرة الخبر بين الأصحاب وتكرره في الأصول من المرجحات وعليه كان عمل قدماء الأصحاب رضوان الله عليهم.
قولهعليهالسلام وشبهات بين ذلك: المراد الأمور الّتي اشتبه الحكم فيها، ويحتمل شموله لما كان فيه احتمال الحرمة وإن كان حلالا بظاهر الشريعة.
قولهعليهالسلام ارتكب المحرمات: أي الحرام واقعا، فيكون محمولا على الأولوية والفضل، ويحتمل أن يكون المراد الحكم في المشتبهات، ويكون الهلاك من حيث الحكم بغير علم، ويدل على رجحان الاحتياط بل وجوبه.
قولهعليهالسلام عنكما: أي الباقر والصادقعليهماالسلام ، وفي الفقيه عنكم وهو أظهر.
قولهعليهالسلام فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة: قيل المراد بالموافقة احتمال
يترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنة ووافق العامة.
قلت جعلت فداك أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنة ووجدنا أحد الخبرين موافقاً للعامة والآخر مخالفا لهم بأي الخبرين يؤخذ؟
قال ما خالف العامة ففيه الرشاد.
فقلت جعلت فداك فإن وافقهما الخبران جميعا.
قال ينظر إلى ما هم إليه أميل حكامهم وقضاتهم فيترك ويؤخذ بالآخر.
قلت فإن وافق حكامهم الخبرين جميعا؟
قال إذا كان ذلك فأرجه حتّى تلقى إمامك فإن الوقوف عند الشبهات خير
________________________________________________________
دخوله في المراد من الكتاب والسنة الثابتة والكون من محاملهما فتأمل.
قوله قد رواهما الثقات عنكم: استدل به على جواز العمل بالخبر الموثق وفيه نظر، لانضمام قيد الشهرة، ولعل تقريرهصلىاللهعليهوآلهوسلم لمجموع القيدين على أنه يمكن أن يقال: الكافر لا يوثق بقوله شرعاً لكفره، وإن كان عادلا بمذهبه.
قوله والسنة: أي السنة المتواترة.
قولهعليهالسلام فأرجه: بكسر الجيم والهاء من أرجيت الأمر بالياء أو من أرجأت الأمر بالهمزة، وكلاهما بمعنى أخرته فعلى الأول حذفت الياء في الأمر وعلى الثاني أبدلت الهمزة ياء، ثمّ حذفت، والهاء ضمير راجع إلى الأخذ بأحد الخبرين أو بسكون الهاء لتشبيه المنفصل بالمتصل، أو من أرجه الأمر أي أخره عن وقته، كما ذكره الفيروزآبادي لكنه تفرد به ولم أجد في كلام غيره.
وورد في خبر آخر في الجمع بين الأخبار، رواه ابن جمهور في كتاب غوالي اللئالي عن العلامة مرفوعاً إلى زرارة بن أعين قال: سألت الباقرعليهالسلام فقلت: جعلت فداك يأتي عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان فبأيهما آخذ؟ فقالعليهالسلام : يا زرارة خذ بما اشتهر [ به ] بين أصحابك، ودع الشاذ النادر، فقلت: يا سيدي إنهما معاً مشهوران مرويان مأثوران عنكم؟ فقالعليهالسلام : خذ بقول أعدلهما عندك وأوثقهما في نفسك، فقلت: إنهما
من الاقتحام في الهلكات.
باب الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب
١ - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله إن على كلّ حق حقيقة وعلى كلّ صواب
________________________________________________________
معاً عدلان مرضيان موثقان؟ فقال: انظر ما وافق منهما مذهب العامة فاتركه، وخذ بما خالفهم، قلت: ربما كانا موافقين لهم أو مخالفين فكيف أصنع؟ فقالعليهالسلام : إذن فخذ بما فيه الحائطة لدينك واترك ما خالف الاحتياط، فقلت: إنهما معاً موافقان للاحتياط أو مخالفان له فكيف أصنع؟ فقالعليهالسلام : إذن فتخير أحدهما فتأخذ به وتدع الآخر، ويدل على أن المراد بالمجمع عليه المشهور في النقل والرواية، وعلى أن موافقة الاحتياط أيضاً من مرجحات الخبر، ويدل على التخيير أيضا.
باب الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب
أي السنة المتواترة المعلومة ودلائل الكتاب والمراد الاستناد إليهما أو إلى أحدهما بواسطة أو بدونها، والعمل بأخبار الأئمّةعليهالسلام متواترة وآحاداً داخلة فيهما، إذ الكتاب والسنة دلا على وجوب الأخذ بقولهم والرجوع إليهم، وعلى جواز العمل بأخبار الآحاد وجواز العمل بها هو المشهور بيننا وبين من خالفنا، ومنعه المرتضى وابن زهرة وابن البراج وابن إدريس وجماعة، والأول أقوى لتواتر العمل بها معنى في أعصار أئمتناعليهمالسلام ، وعدم إنكارهم بل تجويزهمعليهمالسلام ، وهذا مما لا يخفى على المستأنس بالأخبار.
الحديث الأول: ضعيف على المشهور.
قولهعليهالسلام إن على كلّ حق حقيقة: أي على كلّ أمر ثابت في نفس الأمر من الأمور الدينية وغيرها أو الدينية فقط حقيقة، أي ما يكون مصيره إليه، وبه يثبت ويتبين حقيقته « وعلى كلّ صواب » أي كلّ اعتقاد مطابق لما في نفس الأمر « نوراً » أي
نوراً فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فدعوه.
٢ - محمّد بن يحيى، عن عبد الله بن محمد، عن علي بن الحكم، عن أبان بن عثمان، عن عبد الله بن أبي يعفور قال وحدثني حسين بن أبي العلاء أنه حضر ابن أبي يعفور في هذا المجلس قال سألت أبا عبد اللهعليهالسلام - عن اختلاف الحديث يرويه من نثق به ومنهم من لا نثق به قال إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهداً من كتاب
________________________________________________________
موضحا ومبينا يهدى إليه، وما وافق كتاب الله أي ينتهي في البيان والاستدلال إليه أو إلى ما يوافقه فخذوه وما خالف كتاب الله أي ينتهي بيانه إلى ما يخالف كتاب الله ولا ينتهي إليه ولا إلى ما يوافقه فدعوه.
الحديث الثاني: مجهول.
قوله وحدثني حسين بن أبي العلاء: هذا الكلام يحتمل وجوها: « الأول » أن يكون كلام علي بن الحكم يقول حدثني حسين بن أبي العلاء أنه أي الحسين حضر ابن أبي يعفور في المجلس الّذي سمع منه أبان « الثاني » أن يكون كلام أبان، بأن بأن يكون الحسين حدثه أنه كان حاضراً في مجلس سؤال ابن أبي يعفور عنهعليهالسلام
الثالث: أن يكون أيضاً من كلام أبان وحدثه الحسين أن ابن أبي يعفور حضر مجلس السؤال عنهعليهالسلام ، وكان السائل غيره، ولعل الأوسط أظهر.
قوله ومنهم من لا نثق به: ظاهره جواز العمل بخبر من لا يوثق به، إذا كان له شاهد من الكتاب، ويحتمل أن يكون المراد أنه يرد علينا الخبر من جهة من نثق به ومن جهة من لا نثق به، فأمّا الثاني فلا يشكل علينا الأمر فيه لأنا لا نعمل به، وأمّا الأول فكيف نصنع فيه؟ أو المعنى: إذا وقع الاختلاف والتعارض في مضمون حديث بسبب اختلاف نقل الراوي، بأن ينقله أحد الراويين بنحو والآخر بنحو آخر، ويكونا عدلين ويكون من جملة رواة أحد الطرفين غير الثقة أيضاً أيصلح هذا الترجيح أحد الطرفين؟ فأجابعليهالسلام بأن هذا لا يصلح للترجيح، بل الترجيح بموافقة الكتاب والسنة المتواترة وهما بعيدان.
قولهعليهالسلام إذا ورد عليكم: جزاء الشرط محذوف أي فاقبلوه، وقوله: فالذي
الله أو من قول رسول اللهصلىاللهعليهوآله وإلا فالذي جاءكم به أولى به.
٣ - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن أيوب بن الحر قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول كلّ شيء مردود إلى الكتاب والسنة وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف.
٤ - محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن فضال، عن علي بن عقبة، عن أيوب بن راشد، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف.
٥ - محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن الحكم وغيره، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال خطب النبيصلىاللهعليهوآله بمنى فقال أيها الناس ما جاءكم عني يوافق كتاب الله فأنا قلته وما جاءكم يخالف كتاب الله فلم أقله.
٦ - وبهذا الإسناد، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه قال سمعت أبا عبد الله
________________________________________________________
جاءكم أولى به أي ردوه عليه ولا تقبلوا منه، فإنه أولى بروايته، وأن يكون عنده لا يتجاوزه.
الحديث الثالث صحيح.
قولهعليهالسلام كلّ شيء: أي من الأمور الدينية مردود إلى الكتاب والسنة، وأن يكون مأخوذا منهما بواسطة أو بدونها، وكل حديث لا يوافق كتاب الله أي لا بواسطة ولا بدونها، وما وافق السنة فهو موافق للكتاب أيضا، فإنه يدل على حقيقتها مع أن جميع الأحكام مأخوذ من الكتاب كما يدل عليه الأخبار، والزخرف: المموه المزور والكذب المحسن المزين.
الحديث الرابع مجهول.
الحديث الخامس. مجهول كالصحيح.
الحديث السادس: مجهول كالصحيح.
عليهالسلام يقول من خالف كتاب الله وسنة محمّدصلىاللهعليهوآله فقد كفر.
٧ - علي بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن يونس رفعه قال قال علي بن الحسينعليهالسلام إن أفضل الأعمال عند الله ما عمل بالسنة وإن قل.
٨ - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن إسماعيل بن مهران، عن أبي سعيد القماط وصالح بن سعيد، عن أبان بن تغلب، عن أبي جعفرعليهالسلام أنه سئل عن مسألة فأجاب فيها قال فقال الرجل إنّ الفقهاء لا يقولون هذا فقال يا ويحك وهل رأيت فقيها قط إنّ الفقيه حق الفقيه الزاهد في الدنيا الراغب
________________________________________________________
قولهعليهالسلام من خالف: أي في القول والاعتقاد، عالماً عامداً فهو حينئذ كافر، وأمّا إذا خالف في العمل أو في القول والاعتقاد خطأ فليس بكافر، أو هو محمول على مخالفة ما علم من الدين ضرورة، كالصلاة والإمامة والمعاد وأمثالها، ويمكن حمله على ما إذا قصر في تحصيل الحكم أو أخذه من غير المأخذ الشرعي، أو أفتى بخلاف معتقده للأغراض الدنيوية، فيكون الكفر بالمعنى الّذي يطلق على أصحاب الكبائر.
الحديث السابع: مرفوع.
قولهعليهالسلام ما عمل بالسنة: أي العمل بما جاء في السنة عالماً بذلك، لمجيئه فيها بأن تكون كلمة ما مصدرية أو ما عمل فيه بالسنة، والمراد الأعمال الّتي عملت ولعله أظهر.
قولهعليهالسلام وإن قل: أي وإن كان ذلك العمل قليلاً كما ورد: قليل في سنة خير من كثير في بدعة، أو وإن كان العمل بالسنة قليلاً بين الناس.
الحديث الثامن: صحيح.
قوله: ويحك: كلمة ترحم، ونصبه بتقدير أي ألزمك الله ويحا، وقد يطلق ويح مكان ويل في العذاب « وهل رأيت فقيها » أي من العامة أو مطلقا، لندور الفقيه الكامل، وحق الفقيه منصوب على أنه بدل الكل من الفقيه، وحاصل الحديث أن
في الآخرة المتمسك بسنة النبي ص.
٩ - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عن أبي إسماعيل إبراهيم بن إسحاق الأزدي، عن أبي عثمان العبدي، عن جعفر، عن آبائه، عن أمير المؤمنينعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لا قول إلا بعمل ولا قول ولا عمل إلا بنية ولا قول ولا عمل ولا نية إلا بإصابة السنة.
١٠ - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفرعليهالسلام قال قال ما من أحد إلا وله شرة وفترة فمن
________________________________________________________
من استقر العلم في قلبه كان عاملا بمقتضى علمه، والعلم يقتضي الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة، والتمسك بسنة النبيصلىاللهعليهوآله ، سواء كان بلا واسطة أو بها.
الحديث التاسع: مجهول.
قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم لا قول إلا بعمل: أي لا يجدي القول والإقرار والاعتقاد في العمليات أو مطلقاً إلا بعمل ولا يجدي القول والعمل إلا بنية خالصة لله تعالى، غير مشوبة بالرياء وغير ذلك، ولا ينفع القول والعمل والنية جميعاً إلا بإصابة السنة، أي بالأخذ من السنة، والإتيان بما يوافقها.
الحديث العاشر: ضعيف.
قولهعليهالسلام إلا وله شرة، قال في النهاية: فيه أن لهذا القرآن شرة، ثمّ إن للناس عنه فترة، الشره النشاط والرغبة، ومنه الحديث الآخر: أن بكل عابد شرة « انتهى » وقيل فيه وجوه: « الأول » أنه ما من أحد إلا وله نشاط يتحرك بسببه إلى جوانب مختلفة وفترة وسكون إلى ما يستقر عنده ويسكن إليه فبنشاطه يتوجه إلى كلّ جانب، ويتحرك إليه في أخذ دينه وينظر في كلّ ما يجوز كونه مأخذا، ثمّ يستقر عند ما يعتقد صلوحه للمأخذية دون غيره فيفتر به ويسكن إليه فمن كان سكونه إلى السنة وما ينتهي إليها ويجعلها مأخذا ومنتها في الأمور الدينية فقد اهتدى، ومن كان سكونه إلى ما لا يوافق السنة بل يخالفها من البدع فقد غوى « الثاني » أن المراد به
كانت فترته إلى سنة فقد اهتدى ومن كانت فترته إلى بدعة فقد غوى.
١١ - علي بن محمد، عن أحمد بن محمّد البرقي، عن علي بن حسان ومحمد بن يحيى، عن سلمة بن الخطاب، عن علي بن حسان، عن موسى بن بكر، عن زرارة بن أعين، عن أبي جعفرعليهالسلام قال كلّ من تعدى السنة رد إلى السنة.
١٢ - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله، عن آبائهعليهمالسلام قال قال أمير المؤمنينعليهالسلام السنة سنتان سنة في فريضة الأخذ بها هدى وتركها ضلالة وسنة في غير فريضة
________________________________________________________
أن كلّ واحد من أفراد الناس له قوة وصولة وحركة ونشاط وحرص على تحصيل كماله اللائق به في وقت من أوقات عمرة كما يكون للأكثرين في أيام شبابهم، وله فتور وضعف وسكون وتقاعد عن ذلك في وقت آخر كما يكون للأكثرين في أوان مشيهم، فمن كان فتوره وقراره وسكونه وختام أمره في عبادته إلى سنة فقد اهتدى، وهذا وجه ظاهر، وربما يقرأ شره بالتحريك والتخفيف والهاء فيؤول إلى هذا المعنى: « الثالث » أن يكون الشره إشارة إلى زمان التكليف، والفترة إلى ما قبله، والمعنى: من كانت فترته إلى السنة واستعد للتمسك بها عند البلوغ فقد اهتدى « الرابع » أن من كانت فترته وضعفه لأجل تحمل المشاق الدينية والطاعات الشرعية فقد اهتدى، ولا يخفى بعد الوجهين الأخيرين.
الحديث الحادي عشر: ضعيف.
قولهعليهالسلام رد إلى السنة، أي يجب على العلماء إظهار بدعته ونهيه عن تلك البدعة لينتهي عنها، ويعمل بما يوافق السنة أو يعمل به ما ورد في السنة من الحدود والتعزيرات والتأديبات كما قيل.
الحديث الثاني عشر: ضعيف على المشهور.
قولهعليهالسلام سنة في فريضة: السنة الطريقة المنسوبة إلى النبيصلىاللهعليهوآله أو الحديث المروي عنهعليهالسلام وعلى الأول كونها في فريضة كون العام في خاص من خواصها، أي سنة تكون فريضة، وعلى الثاني فكونها فريضة كونها في بيانها، وقوله: الأخذ بها
الأخذ بها فضيلة وتركها إلى غير خطيئة.
تم كتاب فضل العلم والحمد لله رب العالمين
وصلى الله على محمّد وآله الطاهرين
________________________________________________________
أي العمل على وفقها، والقول بوجوبها أو مفادها هدى، وتركها قولا وفعلا ضلالة، وقوله وسنة في غير فريضة، يحتمل المعنيين الأولين، وقوله إلى غير خطيئة أي ينتهي إلى غير خطيئة أو هو من غير خطيئة أو هو غير خطيئة لأنّه ترك ما جوز الشارع تركه، ولم يوجب فعله، وأمّا عدم القول به لعدم الاطلاع عليه فليس بخطيئة، وأمّا عدم القول للإنكار بعد ما اطلع على السنة فهو على حد الشرك بالله، كذا ذكره بعض الأفاضل.
بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب التوحيد
________________________________________________________
كتاب التوحيد
اعلم أن التوحيد يطلق على معان أحدها نفي الشريك في الإلهية أي استحقاق العبادة وهي أقصى غاية التذلل والخضوع ولذلك لا يستعمل إلا في التذلل لله تعالى، لأنّه المولى لأعظم النعم بل جميعها ولو بواسطة ووسائط فهو المستحق لأقصى الخضوع وغايته، وأكثر الآيات والأخبار تدل على ذلك، والمخالف في ذلك مشركو العرب وأضرابهم فإنهم بعد علمهم بأن صانع العالم واحد كانوا يشركون الأصنام في عبادته كما قال تعالى( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ ) (١) . وثانيها: نفي الشريك في صانعية العالم كما قال تعالى( رَبِّ الْعالَمِينَ ) وقال تعالى:( وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ ) (٢) وأمثالها وخالف في ذلك الثنوية وأضرابهم، وثالثها: ما يشمل المعنيين المتقدمين وتنزيهه عمّا لا يليق بذاته وصفاته تعالى، من النقص والعجز والجهل والتركب والاحتياج والمكان وغير ذلك من الصفات السلبية وتوصيفه بالصفات الثبوتية الكمالية، ورابعها: ما يشمل تلك المعاني وتنزيهه سبحانه عمّا يوجب النقص في أفعاله أيضاً من الظلم وترك اللطف وغيرهما، وبالجملة كلّ ما يتعلّق به سبحانه ذاتا وصفاتا وأفعالا إثباتا ونفيا، والظاهر أن المراد هنا هذا المعنى.
__________________
(١) - سورة لقمان: ٢٥.
(٢) - سورة الإسراء: ١١١.
باب
حدوث العالم وإثبات المحدث
١ - أخبرنا أبو جعفر محمّد بن يعقوب قال حدثني علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن الحسن بن إبراهيم، عن يونس بن عبد الرحمن، عن علي بن منصور
________________________________________________________
باب حدوث العالم وإثبات المحدث
أقول: أراد بالعالم ما سوى الله تعالى، والمراد بحدوثه كونه مسبوقاً بالعدم وكون زمان وجوده متناهياً في جانب الأول، وقد اختلف الناس فيه فذهب جميع المليين من المسلمين واليهود والنصارى والمجوس إلى أنها حادثة بذواتها وصفاتها وأشخاصها وأنواعها، وذهب أكثر الفلاسفة إلى قدم العقول والنفوس والأفلاك بموادها وصورها وقدم هيولى العناصر، وإليه ذهبت الدهرية والناسخية ولما لم يكن في صدر الإسلام مذاهب الفلاسفة شايعة بين المسلمين، وكان معارضة المسلمين في ذلك مع الملاحدة المنكرين للصانع كانوا يكتفون غالباً في إثبات هذا المدعى بإثبات الصانع، مع أنه كان مقرراً عندهم أن التأثير لا يعقل في القديم، ويحتمل أن يكون غرضه من عقد هذا الباب حدوث العالم ذاتا، واحتياجه بجميع أجزائه إلى المؤثر لكن هذا لا يدل على عدم قولهم بالحدوث الزماني، بمعنى نفي عدم تناهي وجود العالم من طرف الأزل، ولا على عدم ثبوته بالدلائل، فإن ذلك مما أطبق عليه المليون ودلت عليه الآيات المتكاثرة والأحاديث المتواترة الصريحة في ذلك، وعدم القول بذلك مستلزم لإنكار ما ورد في الآيات والأخبار من فناء الأشياء وخرق السماوات وانتشار الكواكب بل المعاد الجسماني، وقد فصلنا الكلام في ذلك في كتاب السماء والعالم من كتاب بحار الأنوار، وسنشير في ضمن الأخبار الدالة على هذا المطلوب عند شرحها إلى ذلك.
الحديث الأول مجهول.
قال قال لي هشام بن الحكم كان بمصر زنديق تبلغه عن أبي عبد اللهعليهالسلام أشياء فخرج إلى المدينة ليناظره فلم يصادفه بها وقيل له إنه خارج بمكة فخرج إلى مكة ونحن مع أبي عبد الله فصادفنا ونحن مع أبي عبد اللهعليهالسلام في الطواف وكان اسمه عبد الملك وكنيته أبو عبد الله فضرب كتفه كتف أبي عبد اللهعليهالسلام فقال له أبو عبد اللهعليهالسلام ما اسمك فقال اسمي عبد الملك قال فما كنيتك قال كنيتي أبو عبد الله فقال له أبو عبد اللهعليهالسلام فمن هذا الملك الّذي أنت عبده أمن ملوك الأرض أم من ملوك
________________________________________________________
قوله: كان بمصر زنديق: قال في القاموس الزنديق بالكسر من الثنوية القائل بالنور والظلمة أو من لا يؤمن بالآخرة وبالربوبية أو من يبطن الكفر ويظهر الإيمان أو هو معرب زن دين، أي دين المرأة « انتهى » وقيل: إنه معرب زنده لأنهم يقولون بدوام الدهر، وقيل: معرب زندي منسوب إلى زند كتاب زردشت، والظاهر أن المراد به هنا من لا يقر بالصانع تعالى.
قوله: أشياء: أي مما يدل على كمال علمه واحتجاجه على الزنادقة وغيرهم وعجزهم عن مقاومته.
قوله: بمكة: أي مقيما بها، أو الباء بمعنى « إلى » وقولهعليهالسلام كتفه، منصوب بنزع الخافض، أي بكتفه.
قولهعليهالسلام فمن هذا الملك: لعلهعليهالسلام سلك في الاحتجاج عليه أولا مسلك الجدال، لكسر سورة إنكاره، ثمّ نزله عن الإنكار إلى الشك، ثمّ أقام البرهان له عملا بما أمر الله تعالى به نبيهصلىاللهعليهوآلهوسلم في قوله:( وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) (١) فهذا هو الجدال لابتنائه على ما هو المشهور عند الناس من أن الاسم مطابق للمسمى، ويحتمل أن يكون على سبيل المطايبة والمزاح لبيان عجزه عن فهم الواضحات، وقصوره عن رد أو هن الشبهات، ويمكن أن يكون منبها على ما ارتكز في العقول من الإذعان بوجود الصانع وإن أنكروه ظاهراً للمعاندة والأغراض الفاسدة، لأنّ كل
__________________
(١) سورة النحل: ١٢٥.
السماء وأخبرني عن ابنك عبد إله السماء أم عبد إله الأرض قل ما شئت تخصم قال هشام بن الحكم فقلت للزنديق أمّا ترد عليه قال فقبح قولي فقال أبو عبد الله
________________________________________________________
أحد إذا خلى نفسه عن الأغراض الفاسدة والوساوس الشيطانية عرف أن له من يفزع إليه ويتكل عليه في الشدائد والمضايق ويرجو منه النجاة في المحن والمصائب، وذلك إلهه وعلته الأولى، وموجده وصانع السماوات والأرضين وما فيهن، إلا أنه لضعف علمه لا يعلمه إلا بآنيته على سبيل الإجمال، ولا يعرف ما له من صفات الكمال، كما نبه الله سبحانه عباده بذلك حيث قال( إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً ) (١) ونبه الصادقعليهالسلام زنديقاً ثمّ شرععليهالسلام في إزالة إنكار الخصم وإخراجه منه إلى الشك لتستعد نفسه لقبول الحقّ فأزال إنكاره بأنه غير عالم بما في تحت الأرض، وليس له سبيل إلى الجزم بأن ليس تحتها شيء ثمّ زاده بيانا بأن السماء الّتي لم يصعدها كيف تكون له المعرفة بما فيها وما ليس فيها، وكذا المشرق والمغرب، فلما عرف قبح إنكاره وتنزل عنه وأقر بالشك بقوله: ولعل ذلك، أخذعليهالسلام في هدايته وقال: ليس للشاك دليل، ولا للجاهل حجة، فليس لك إلا طلب الدليل فأقام له الدليل والبرهان، وبين الحقّ له بأوضح البيان والمراد بملوك السماء الملائكة أو من كان خارجاً عن السماء والأرض مدبراً لهما، والإتيان بصيغة الجمع لأنّه ليس المقام مقام إثبات التوحيد بل إثبات الصانع، أو الغرض رد الاحتمالات المحتملة في بادئ النظر، ولا يلزم تحقق كلها.
قولهعليهالسلام تخصم: على بناء المفعول أي إن تقل ما شئت تصير مخصوما مغلوباً بقولك وقراءته على بناء الفاعل أي تخصم نفسك لأنّ في نفسك ليس شيء من الشقين كما قيل بعيد.
قوله فقبح قولي: على بناء المجرد أي كان كلامي حضورهعليهالسلام بغير إذنه قبيحا أو على بناء التفعيل أي عد الزنديق قولي قبيحا، ويحتمل حينئذ إرجاع ضمير
__________________
(١) سورة الإسراء: ٦٧.
إذا فرغت من الطواف فأتنا فلما فرغ أبو عبد الله أتاه الزنديق فقعد بين يدي أبي عبد الله ونحن مجتمعون عنده فقال أبو عبد اللهعليهالسلام للزنديق أتعلم أن للأرض تحتا وفوقاً قال نعم قال فدخلت تحتها قال لا قال فما يدريك ما تحتها قال لا أدري إلا أني أظن أن ليس تحتها شيء فقال أبو عبد اللهعليهالسلام فالظن عجز لما لا تستيقن ثمّ قال أبو عبد الله أفصعدت السماء قال لا قال أفتدري ما فيها قال لا قال عجباً لك لم تبلغ المشرق ولم تبلغ المغرب ولم تنزل الأرض ولم تصعد السماء ولم تجز هناك فتعرف ما خلفهن وأنت جاحد بما فيهن وهل يجحد العاقل ما لا يعرف قال الزنديق ما كلمني بهذا أحد غيرك فقال أبو عبد اللهعليهالسلام فأنت من ذلك في شك فلعله هو ولعله ليس هو فقال الزنديق ولعل ذلك فقال أبو عبد اللهعليهالسلام :
________________________________________________________
الفاعل إليهعليهالسلام .
قولهعليهالسلام لما لا تستيقن: كذا في بعض النسخ بصيغة الخطاب وفي بعضها بصيغة الغيبة، وفي بعضها لمن لا يستيقن، وفي توحيد الصدوق ما لم تستيقن بصيغة الخطاب فعلى الأول نسبة العجز إلى الموصول على المجاز، وعلى الثاني إمّا على بناء الفاعل بإرجاع الضمير إلى الظان المعلوم بقرينة المقام والإسناد كما تقدم، أو على بناء المفعول وهو أظهر، وعلى الثالث قيل: يعني من استيقن شيئاً فيقول أظنه لمصلحة تقتضي ذلك فليس بعاجز في معرفته، إنما العجز لغير المتيقن ولا يخفى عدم الحاجة إلى هذا التكلف.
قولهعليهالسلام عجباً لك ...نصبه على المصدر أي عجبت عجباً لك، أو على النداء أي يا عجباً لك.
قولهعليهالسلام ولم تجز هناك: أي لم تجز السماوات فتعرف الّذي خلقهن، وما قيل: من أنه إشارة إلى مكة أي هي غاية سفرك أو المعمور من الأرض فلا يخفى بعدهما.
قولهعليهالسلام لعل ذلك: تصديق للشك على سبيل الشك للمصلحة، أو المراد أنه لعله لا يكون الصانع أي الشك لا ينفعكم توهما منه أنهعليهالسلام يكتفي بذلك
أيها الرجل ليس لمن لا يعلم حجة على من يعلم ولا حجة للجاهل يا أخا أهل مصر تفهم عني فإنا لا نشك في الله أبداً أمّا ترى الشمس والقمر والليل والنهار يلجان
________________________________________________________
لإثبات الصانع تعالى.
قولهعليهالسلام أمّا ترى الشمس والقمر؟: استدلعليهالسلام على إثبات الصانع المجرد المنزه عن مشابهة المصنوعات بوجوه ثلاثة: هذا أو لها، وهو لبيان إبطال ما زعموه من استناد الحوادث السفلية إلى الدورات الفلكية وعدم احتياجها إلى علة أخرى سوى ذواتها.
قولهعليهالسلام والليل والنهار: الظاهر أن الواو في قوله والليل للعطف، والولوج والرجوع متعلّقان بالشمس والقمر والليل والنهار جميعا، إمّا على البدلية أو بأخذ الأوّلين واحداً والثانيين واحدا، ويلجان ثاني مفعولي ترى، أو حال وقد اضطراً مفعول وعلى الأول قد اضطراً حال، ويحتمل الحالية فيهما بأن يكون الرؤية بمعنى النظر، ويحتمل أن يكون الواو في قوله: والليل، للحال فيكون قد اضطراً مفعولاً ثانياً والمراد بولوج الشمس والقمر غروبهما أو دخولهما بالحركات الخاصة في بروجهما، وبولوج الليل والنهار دخول تمام كلّ منهما في الآخر، أو دخول بعض من كلّ منهما في الآخر بحسب الفصول، وقوله فلا يشتبهان أي لا يشتبه قدرهما بالدخول والخلط بل محفوظ على نسق واحد حتّى يعوداً مثل ما كانا عليه، وحاصل الاستدلال أن لهذه الحركات انضباطا واتساقاً واختلافا وتركبا، فالانضباط يدل على عدم كونها إرادية كما هو المشاهد من أحوال ذوي الإرادات من الممكنات، والاختلاف يدل على عدم كونها طبيعية فإن الطبيعة العادمة للشعور لا تختلف مقتضياتها، كما نشاهد من حركات العناصر، كما قالوا إنّ الطبيعة الواحدة لا تقتضي التوجه إلى جهة والانصراف عنها، ويمكن أن يقال حاصل الدليل راجع إلى ما يحكم به الوجدان من أن مثل تلك الأفعال المحكمة المتقنة الجارية على قانون الحكمة لا يمكن صدورها عن الدهر والطبائع العادمة للشعور والإرادة، وهذا أظهر معنى، وإن كان الأول
فلا يشتبهان ويرجعان قد اضطراً ليس لهما مكان إلا مكانهما فإن كانا يقدران على أن يذهباً فلم يرجعان وإن كانا غير مضطرين فلم لا يصير الليل نهاراً والنهار
________________________________________________________
أظهر لفظا، وحاصل الاستدلال على الأول على ما ذكره بعض المحققين أنه لا شك في حركات المتحركات من العلويات حركات ليست طبيعية للمتحرك بها(١) للانصراف عمّا يتحرك إليه، ولا إرادية للمتحرك لانضباطها ودوامها وانخفاضها الدالة على عدم اختلاف أحوال المتحرك بالحركة من النشاط والكلال، وحدوث ميل وغيرها الّتي يتحدس منها بكونها غير إرادية للمتحرك، وكلما وجدت الحركة كان المحرك لها موجوداً لأنّ ما يخرج من العدم إلى الوجود لا يمكن أن يخرج بنفسه، بل يحتاج إلى موجد موجود مباين له، لأنّ ما لا يكون موجوداً فيصير موجوداً لا يمكن أن يحصل له الوجود إلا بمحصل وسبب لاتصافه به ولا يجوز أن يكون ذلك المحصل للوجود ماهيته الخالية عن الوجود، لأنّ إعطاء الوجود لا يتصور من غير الموجود، وإذ ليست طبيعية، أو إرادية للمتحرك فلهما محرك يضطره إلى الحركة، والقاهر الّذي أضطره إلى الحركة أقوى منه وأحكم، لأنّ الضعيف لا يمكنه قهر القوي فلا يكون حالاً في المتحرك محتاجاً إليه وأكبر من أن يحاط بالمتحرك أو يحصر فيه، أو أن يتصف بمثل صفته الاضطرارية ولا بد أن ينتهي إلى محرك لا يكون جسماً، لأنّ الجسم لا يحرك الجسم إلا بالمجاورة والحركة، أو إحداث محرك في المتحرك، وإذ قد عرفت أن المحرك ليس في المتحرك
__________________
(١) توضيحه أنّ للحركة الطبيعية هرب عن حالة منافرة وطلب لحالة ملائمة، وكلّ من الطلب والهرب في الحركة المستديرة محال، أمّا أنّه لا يمكن أن يكون تلك الحركة هرباً فلأنّ ترك كلّ نقطة أو وضع في الحركة المستديرة وهربه عن كلّ منهما عين التوجه إلى تلك النقطة أو إلى مثل ذلك الوضع والهرب عن الشيء بالطبع استحال أن يكون توجها إليه وأمّا أنّه لا يكون طلباً لحالة ملائمة فلأنّ طلب كلّ نقطة أو وضع في الحركة المستديرة والتوجه إلى كلّ منهما عين تركه وهربه عن تلك النقطة أو عن مثل ذلك الوضع والتوجه إلى الشيء بالطبع استحال أن يكون هرباً عنه، ولأن الطبيعة إذا وصلت الجسم بالحركة إلى الحالة المطلوبة سكنته وحينئذ يلزم دوام الليل أو دوام النهار وصيرورة أحدهما ( كذا ) ( منه ره ).
ليلاً اضطراً والله يا أخا أهل مصر إلى دوامهما والذي اضطرهما أحكم منهما وأكبر فقال الزنديق صدقت ثمّ قال أبو عبد اللهعليهالسلام
________________________________________________________
فيكون التحريك بالحركة، والكلام في حركته كالكلام في حركة الأول، وينتهي لضرورة انتهاء الأجسام المتحركة، ولكون جميعها محتاجة إلى خارج، لما تقرر من أن الموجودات الّتي يحتاج كلّ واحد منها إلى موجد مباين له، يحتاج مجموعها إلى الموجد المبائن له، وحكم الواحد والجملة لا يختلف فيه، لأنّ مجموعها مهيات يصح عليها جملة أن تكون خالية عن الوجود، فإنه كما يصح تحليل واحد منها إلى مهية ووجود منتزع منها وامتيازهما عند العقل في ملاحظتهما امتيازا لا يكون معه، وفي مرتبته خلط بينهما، ولذلك يحكم بكونه محتاجاً إلى سبب مباين له موجود كذلك، يصح على الجملة والمجموع منها متناهية ما كان يصح على كلّ واحد، وكذلك يصح على الجملة، والمجموع الغير المؤلفة من تلك الآحاد ما يصح على كلّ واحد منها، فإن العقل لا يفرق في هذا الحكم بين الجملة المتناهية والجملة الغير المتناهية، كما لا يفرق فيه بين الجملة المتناهية وكل واحد، فلا بد من محرك لا يكون جسما قاهر للمتحرك في حركته، فإن لم يكن له مبدء فهو المبدأ الأول، وإن كان له مبدء فلا بد من مبدء أول، لما قررنا آنفا، وإنما استدل من الحركة لضرورة احتياجها إلى المحرك لضرورة خروجها من العدم إلى الوجود دون الأجسام، ولم يستدل من الكائنات الفاسدات لأنّ ما يتوهم أن لا مبدأ له هي العلويات دون السفليات، ولأن الغالب القاهر على العلويات أحق بالغلبة على السفليات الظاهر تأثرها من العلويات، دون العكس « انتهى كلامه » ره.
قولهعليهالسلام أحكم منهما: إمّا من الحكم بمعنى القضاء أي أشد قضاء وأتم حكماً، أو من الأحكام بمعنى الإتقان على خلاف القياس كأفلس من الإفلاس، ولزوم كونه أحكم وأكبر لما يحكم به الوجدان من كون الفاعل أشرف وأرفع من المصنوع ذاتا وصفة، وأيضا القاسر لا بد من أن يكون أقوى من المقسور، وأيضا لا بد من خلو
يا أخا أهل مصر إنّ الّذي تذهبون إليه وتظنون أنه الدهر إن كان الدهر يذهب بهم لم لا يردهم وإن كان يردهم لم لا يذهب بهم القوم مضطرون.
________________________________________________________
الصانع من الصفات الّتي بها احتاج المصنوع إليه من التركب والاحتياج والإمكان وغير ذلك كما سيأتي مفصلا في الأخبار، فالمراد بالأكبر: الأكبر من أن يتصف بصفة المضطر، وقال بعض المحققين: أشار بكونه أحكم إلى عدم جواز احتياجه في وجوده إلى محل وموضوع، فلا يكون من أحوال المضطر وعوارضه بكونه أكبر إلى عدم جواز كونه محاطا بما ألجأه ومحصوراً فيه، فلا يكون قائما بمحل ولا محاطا للمضطر ومحصوراً فيه، أو المراد بالأكبر أكبر من أن يوصف بمثل صفة المضطر.
قولهعليهالسلام يا أخا أهل مصر: هذا هو الوجه الثاني، وهو مشتمل على إبطال مذهب الخصم القائل بمبدئية الدهر للكائنات الفاسدات كقولهم: إن يهلكنا إلا الدهر.
قولهعليهالسلام إن كان الدهر يذهب بهم: يحتمل أن يكون الضمير راجعاً إلى ذوي العقول، إشارة إلى التناسخ الّذي ذهبوا إليه، أو إلى الأعم تغليبا، والمراد بذهابهم وردهم إعدامهم وإيجادهم، والمراد بالدهر الطبيعة كما هو ظاهر كلام أكثر الدهرية أي نسبة الوجود والعدم إلى الطبائع الإمكانية على السواء، فإن كان الشيء يوجد بطبعه، فلم لا يعدم بدله، فترجح أحدهما ترجح بلا مرجح، تحكم بديهة العقل باستحالته أو المراد بذهابهم ورد هم تقلب أحوالهم وشؤونهم وحركاتهم، فالمعنى لم يقتضي طبعه ذهاب شيء ولا يقتضي رده وبالعكس، بناء على أن مقتضيات الطبائع تابعة لتأثير الفاعل القادر القاهر، وعلى احتمال الثاني الّذي أشرنا إليه في صدر الحديث يحتمل أن يكون المراد به أن الدهر العادم للشعور والإرادة والعلم بالمصلحة كيف يصدر عنه الذهاب الموافق للحكمة، ولا يصدر عنه بدله الرجوع المخالف لها وبالعكس وقولهعليهالسلام القوم مضطرون أي الملاحدة والدهرية يلزمهم قبول ذلك بمقتضى عقولهم الّتي منحها الله تعالى لهم، ولا يمكنهم رده، أو المراد بالقوم جميع الممكنات تغليبا، والمراد به اضطرارهم في الوجود وما يتبعه من الصفات ولوازم المهيات، قال بعض المحققين
يا أخا أهل مصر لم السماء مرفوعة والأرض موضوعة - لم لا يسقط السماء على الأرض لم لا تنحدر الأرض فوق طباقها ولا يتماسكان ولا يتماسك من عليها قال الزنديق أمسكهما الله ربهما وسيدهما قال فآمن الزنديق على يدي أبي عبد اللهعليهالسلام فقال له حمران جعلت فداك إن آمنت الزنادقة على
________________________________________________________
هذا استدلال باختلاف الأفعال الدالة باختلافها على كونها اختيارية غير طبيعية لفاعلها على أن الفاعل لها مختار، ونبه على أنه لا يمكن أن الفاعل المختار لها هو الموصوف بالذهاب والرجوع، وبقوله: القوم مضطرون، أي في الذهاب والخروج من الوجود والرجوع والدخول فيه، فيجب أن يكون مستنداً إلى الفاعل القاهر للذاهبين والراجعين على الذهاب والرجوع، والدهر لا شعور له فضلا عن الاختيار.
قولهعليهالسلام : لم السماء مرفوعة والأرض موضوعة؟ هذا هو الوجه الثالث، وهو مبني على الاستدلال بأحوال جميع أجزاء العالم من العلويات والسفليات وارتباط بعضها ببعض وتلازمها، وكون جميعها على غاية الأحكام والإتقان اشتمالها على الحكم الّتي لا تتناهى أي لم صارت السماء مرفوعة فوق الناس والأرض موضوعة تحتهم ولم يكن بالعكس؟ ولم لم تكونا ملتصقين، فلم يمكن تعيش الخلق على التقديرين، ولم لا تسقط السماء على الأرض بأن يتحرك بالحركة المستقيمة حتّى تلتصق بالأرض؟ وأمّا قوله لم لا تنحدر الأرض فوق طباقها؟ فيحتمل إرجاع ضمير طباقها إلى السماء، فالمعنى لم لا تتحرك الأرض من تحتنا بالحركة المستقيمة حتّى تقع على السماء؟ ويحتمل إرجاعه إلى الأرض، فالمراد بالانحدار الحركة المستديرة أي لم لا تتحرك الأرض كالسماء فيغرقنا في الماء فالمراد بطباق الأرض أعلاها أي تنحدر بحيث تصير ما تحتها الآن فوق ما علا منها الآن وقيل فيه احتمالات بعيدة لا طائل في التعرض لها.
قولهعليهالسلام فلا يتماسكان: أي في صورتي السقوط والانحدار، والمراد أنه ظهر أنه لا يمكنهما التماسك بل لا بد من ماسك يمسكهما.
يدك فقد آمن الكفار على يدي أبيك فقال المؤمن الّذي آمن على يدي أبي عبد اللهعليهالسلام اجعلني من تلامذتك فقال أبو عبد الله.يا هشام بن الحكم خذه إليك وعلمه فعلمه هشام فكان معلم أهل الشام وأهل مصر الإيمان وحسنت طهارته حتّى رضي بها أبو عبد الله.
٢ - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن محمّد بن علي، عن عبد الرحمن بن محمّد بن أبي هاشم، عن أحمد بن محسن الميثمي قال كنت عند أبي منصور المتطبب فقال أخبرني رجل من أصحابي قال كنت أنا وابن أبي العوجاء وعبد الله بن المقفع في المسجد الحرام فقال ابن المقفع ترون هذا الخلق وأومأ بيده إلى موضع الطواف ما منهم أحد أوجب له اسم الإنسانية إلا ذلك الشيخ الجالس يعني أبا عبد الله جعفر بن محمّدعليهالسلام فأمّا الباقون فرعاع وبهائم فقال له ابن أبي العوجاء وكيف أوجبت هذا الاسم لهذا الشيخ دون هؤلاء قال لأني رأيت عنده ما لم أره عندهم فقال له ابن أبي العوجاء لا بد من اختبار ما قلت فيه منه قال فقال له ابن المقفع لا تفعل
________________________________________________________
قوله على يدي أبيك: أي الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم أو أمير المؤمنينعليهالسلام فإن الكفار آمنوا بسيفه.
قوله وكان معلم أهل الشام: الظاهر رجوع الضمير إلى هشام، ويحتمل إرجاعه إلى المؤمن، أي صار كاملا بحيث صار بعد ذلك معلم أهل الشام وأهل المصر.
الحديث الثاني: ضعيف.
وميثم قد يصحح بكسر الميم وقد يصحح بفتحها.
قوله أوجب: على صيغة المتكلم أو الماضي المجهول والأول أنسب بما بعده.
قوله فرعاع: قال الجزري: رعاع الناس أي غوغاؤهم وسقاطهم وأخلاطهم الواحد رعاعة.
فإني أخاف أن يفسد عليك ما في يدك فقال ليس ذا رأيك ولكن تخاف أن يضعف رأيك عندي في إحلالك إياه المحل الّذي وصفت فقال ابن المقفع أمّا إذا توهمت علي هذا فقم إليه وتحفظ ما استطعت من الزلل ولا تثني عنانك إلى استرسال فيسلمك إلى عقال وسمه ما لك أو عليك قال فقام ابن أبي العوجاء وبقيت أنا وابن المقفع
________________________________________________________
قولهعليهالسلام إحلالك: بالحاء المهملة، وفي بعض النسخ بالجيم وهو تصحيف.
قوله: أمّا إذا توهمت: إمّا للشرط وفعله محذوف ومجموع الشرط الّذي بعدها مع الجزاء جواب لذلك الشرط، ويمكن أن يقرأ أمّا بالتخفيف حرف تنبيه، ويسمى حرف استفتاح أيضا، وتعدية التوهم بعلى لتضمين معنى الكذب والافتراء.
قولهعليهالسلام ولا تثني: نفي في معنى النهي، وفي التوحيد لا تثن بصيغة النهي، وهو أظهر، وعلى التقديرين مشتق من الثني وهو العطف والميل، أي لا ترخ عنانك إليه بأن يميل إلى الرفق والاسترسال والتساهل فتقبل منه بعض ما يلقي إليك فيسلمك من التسليم أو الإسلام، إلى عقال وهي ككتاب ما يشد به يد البعير أي يعقلك بتلك المقدمات الّتي تسلمت منه بحيث لا يبقى لك مفر كالبعير المعقول.
قولهعليهالسلام وسمه ما لك وعليك: نقل عن الشيخ البهائيقدسسره أنه السوم من سام البائع السلعة يسوم سوما إذا عرضها على المشتري، وسامها المشتري بمعنى استامها، والضمير راجع إلى الشيخ على طريق الحذف والإيصال، والموصول مفعوله، ويروى عن الفاضل التستري نور الله ضريحه، أنه كان يقرأ سمه بضم السين وفتح الميم المشددة، أمراً من سم الأمر يسمه إذا سيره ونظر إلى غوره، والضمير راجع إلى ما يجري بينهما، والموصول بدل عنه، وقيل: هو من سممت سمك أي قصدت قصدك، والهاء للسكت أي قصد ما لك وما عليك، ويروى عن بعض الأفاضل أنه أمر من شم يشم بالشين المعجمة، يقال شاممت فلانا إذا قاربته تعلم ما عنده بالكشف والاختبار، والضمير عائد إلى الشيخ و « ما » استفهامية أي قاربه لتعرف ما لك وما عليك وقد يقال: الواو للعطف على عقال والسمة: العلامة و « ما » في قوله: ما لك، نافية أي يسلمك
جالسين فلما رجع إلينا ابن أبي العوجاء قال ويلك يا ابن المقفع ما هذا ببشر وإن كان في الدنيا روحاني يتجسد إذا شاء ظاهراً ويتروح إذا شاء باطنا فهو هذا فقال له وكيف ذلك قال جلست إليه فلما لم يبق عنده غيري ابتدأني فقال إن يكن الأمر على ما يقول هؤلاء وهو على ما يقولون يعني أهل الطواف فقد سلموا وعطبتم وإن يكن الأمر على ما تقولون وليس كما تقولون فقد استويتم وهم فقلت له يرحمك الله وأي شيء نقول وأي شيء يقولون ما قولي وقولهم إلا واحد فقال وكيف يكون قولك وقولهم واحداً وهم يقولون إن لهم معاداً وثواباً وعقاباً ويدينون بأن في السماء إلها
________________________________________________________
إلى علامة ليست لك بل عليك، أو موصولة والسمة مضافة إليها، أي يسلمك إلى عار شيء هو لك بزعمك وفي الواقع عليك ويضرك، ولا يخفى بعده، والأظهر أنه أمر من وسم يسم سمة بمعنى الكي، والضمير راجع إلى ما يريد أن يتكلم به أي اجعل على ما تريد أن تتكلم به علامة لتعلم أي شيء لك وأي شيء عليك، فالموصول بدل من الضمير أو مفعول فعل محذوف.
قوله: روحاني: قال في النهاية الروحانيون يروي بضم الراء وفتحها كأنه نسب إلى الروح أو الروح وهو نسيم الريح، والألف والنون من زيادات النسب، يريد أنهم أجسام لطيفة لا يدركهم البصر.
قوله يتجسد: أي يصير ذا جسد وبدن يبصر به ويرى إذا شاء أن يظهر، ويتروح أي يصير روحا صرفا ويبطن ويخفى عن الأبصار.
وقوله باطنا إمّا بمعنى المصدر كقولك قمت قائماً، أو تميز من يتروح، أي كونه روحا صرفا، من جهة أنه باطن مخفي، ويحتمل أن يكون مفعول المشية، ويحتمل تقدير الكون أي إذا شاء أن يكون باطنا، ويحتمل الحالية ولعله أظهر، وفي التوحيد يتجسد إذا شاء ظاهراً، وهو أظهر للمقابلة، وتأتي فيه الاحتمالات السابقة.
قولهعليهالسلام وهو على ما يقولون اعترضعليهالسلام الجملة الحالية بين الشرط والجزاء للإشارة إلى ما هو الحق، ولئلا يتوهم أنهعليهالسلام في شك من ذلك، وقوله يعني،
وأنتم تزعمون أن السماء خراب ليس فيها أحد قال فاغتنمتها منه فقلت له ما منعه إن كان الأمر كما يقولون أن يظهر لخلقه ويدعوهم إلى عبادته حتّى لا يختلف منهم اثنان ولم احتجب عنهم وأرسل إليهم الرسل ولو باشرهم بنفسه كان أقرب إلى الإيمان به فقال لي ويلك وكيف احتجب عنك من أراك قدرته في نفسك نشوءك ولم تكن وكبرك بعد صغرك وقوتك بعد ضعفك وضعفك بعد قوتك وسقمك بعد صحتك وصحتك بعد سقمك ورضاك بعد غضبك وغضبك بعد رضاك وحزنك بعد فرحك وفرحك بعد
________________________________________________________
كلام ابن أبي العوجاء والكاف في كما زائدة أو اكتفي فيه بالمغايرة الاعتبارية، والعطب: الهلاك.
قولهعليهالسلام ليس فيها أحد: أي لها أو عليها، أو بالظرفية المجازية لجريان حكمه وحصول تقديره تعالى فيها.
قوله: ما منعه كلامه إمّا مبني على القول بالجسم فأعرضعليهالسلام في الجواب عن التعرض لإبطاله لعدم قابليته لفهم ذلك، وقال: الظهور الّذي يمكن له قد وجد منه لأنّ ظهور المجرد إنما يكون بآثاره أو المعنى ما منعه أن يظهر لخلقه غاية الظهور بنصب الدلائل الواضحة على وجوده قبل إرسال الرسل، ويدعوهم إلى عبادته بعد ظهوره بنفسه، أو بالرسل، وكان هذا لزعمه أن أهل الإسلام إنما استندوا في إثبات الصانع تعالى بقول الرسل، وحاصل الجواب على هذا أنه تعالى لم يحل دليل وجوده على بيان الرسل، بل أظهر للناس قبل بعثة الرسل من آثار صنعه ودلائل وجوده وعمله وقدرته وحكمته واستحقاقه للعبادة ما أغناهم عن بيان الرسل في ذلك، وإنما الاحتياج إلى الرسل لبيان خصوصيات الأمور الشرعية وسائر الأمور العقلية الّتي لا يمكن للعقل الوصول إليها إلا ببيانهمعليهمالسلام .
قولهعليهالسلام نشؤك: هو مصدر نشأ نشأ ونشوءا على فعل وفعول إذا أخرج وابتدأ وهو منصوب على أنه بدل من قدرته أو مرفوع على أنه خبر مبتدإ محذوف يعود إليها.
حزنك وحبك بعد بغضك وبغضك بعد حبك وعزمك بعد أناتك وأناتك بعد عزمك وشهوتك بعد كراهتك وكراهتك بعد شهوتك ورغبتك بعد رهبتك ورهبتك بعد رغبتك ورجاءك بعد يأسك ويأسك بعد رجائك وخاطرك بما لم يكن في وهمك وعزوب ما أنت معتقده عن ذهنك وما زال يعدد علي قدرته الّتي هي في نفسي الّتي لا أدفعها حتى
________________________________________________________
قولهعليهالسلام بعد أناتك: الأناة على وزن القناة اسم من تأنى في الأمر إذا ترفق وتنظر، واتأد فيه، وأصل الهمزة الواو من الونى وهو الضعف والفتور، وضبطه بعض المحققين بالباء الموحدة التحتانية والهمزة بعد الألف، والإباء: الامتناع والاستنكاف كما في توحيد الصدوق، وربما يقرأ بالنون والهمزة بمعنى الفتور والتأخر والإبطاء.
قولهعليهالسلام وخاطرك: الخاطر من الخطور وهو حصول الشيء مشعوراً به في الذهن، والخاطر في الأصل المشعور به الحاصل في الذهن، ثمّ شاع استعماله في المشعر المدرك له من حيث هو شاعر به، واستعمل هاهنا في الإدراك والشعور، أو استعمل بمعنى المصدر كما في قمت قائماً، ويكون المعنى خطورك بما لم يكن في وهمك من باب القلب، كذا قيل، والعزوب بالعين المهملة والزاي المعجمة: الغيبة والذهاب، وحاصل استدلالهعليهالسلام أنك لما وجدت في نفسك آثار القدرة الّتي ليست من مقدوراتك ضرورة علمت أن لها بارئاً قادراً، وكيف يكون غائباً عن الشخص من لا يخلو الشخص ساعة عن آثار كثيرة، يصل منه إليه، وقال بعض الأفاضل: وتقرير الاستدلال أنه لما وجدت في نفسك آثار القدرة الّتي ليست من مقدوراتك ضرورة، علمت أن لها بارئاً قادراً، أمّا كونها من آثار القدرة فلكونها حادثة محكمة متقنة غاية الأحكام والإتقان، فإن حصول الشخص الإنساني بحياته ولوازمها لا بد له من فاعل مباين له، ويدلك على وحدته تلاؤم ما فيه من الأحوال والأفعال وتغير أحواله بعد إتقانها، وعدم ثباته على حال واحدة تدل على كون الفاعل لها قادراً مختاراً يفعل بحكمته ومشيته، وهذه الأحوال المتغيرة كثيرة وقد عدعليهالسلام كثيراً منها لا شبهة في
ظننت أنه سيظهر فيما بيني وبينه.
٣ - عنه عن بعض أصحابنا رفعه وزاد في حديث ابن أبي العوجاء حين سأله أبو عبد اللهعليهالسلام قال عاد ابن أبي العوجاء في اليوم الثاني إلى مجلس أبي عبد اللهعليهالسلام فجلس وهو ساكت لا ينطق فقال أبو عبد اللهعليهالسلام كأنك جئت تعيد بعض ما كنا فيه فقال أردت ذلك يا ابن رسول الله فقال له أبو عبد اللهعليهالسلام ما أعجب هذا تنكر الله وتشهد أني ابن رسول الله فقال العادة تحملني على ذلك فقال له العالمعليهالسلام فما يمنعك من الكلام قال إجلالا لك ومهابة ما ينطلق لساني بين يديك فإني شاهدت العلماء وناظرت المتكلمين فما تداخلني هيبة قط مثل ما تداخلني من هيبتك قال يكون ذلك ولكن أفتح عليك بسؤال وأقبل عليه فقال له أمصنوع أنت أو غير مصنوع فقال عبد الكريم بن أبي العوجاء بل أنا غير مصنوع فقال له العالمعليهالسلام فصف لي لو كنت مصنوعاً كيف كنت تكون فبقي عبد الكريم ملياً لا يحير جواباً وولع بخشبة كانت بين يديه وهو يقول طويل عريض عميق قصير متحرك ساكن كلّ ذلك صفة خلقه فقال
________________________________________________________
أنها ليست من فعل النفس الإنسانية وأنها من فاعل مباين قادر على إحداثها بعد ما لم يكن.
الحديث الثالث مرفوع، وليس هذا الحديث في أكثر النسخ لكنه موجود في توحيد الصدوق ورواه عن الكليني ويدل على أنه كان في نسخته ولذا شرحناه مجملا.
قوله: لا يحير جوابا: بالمهملة أي لا ينطق به ولا يقدر عليه، والولوع بالشيء الحرص عليه والمبالغة في تناوله.
قوله: كلّ ذلك صفة خلقه: أي خلق الخالق والصانع ويمكن أن يقرأ بالتاء أي صفة المخلوقية، والحاصل أنه لما سأله الإمامعليهالسلام عنه أنك لو كنت مصنوعاً هل كنت على غير تلك الأحوال والصفات الّتي أنت عليها الآن أم لا؟ أقبل يتفكّر في ذلك فتنبه أن صفاته كلها صفات المخلوقين، وكانت معاندته مانعة عن الإذعان بالصانع تعالى،
له العالم فإن كنت لم تعلم صفة الصنعة غيرها فاجعل نفسك مصنوعاً لما تجد في نفسك مما يحدث من هذه الأمور فقال له عبد الكريم سألتني عن مسألة لم يسألني عنها أحد قبلك ولا يسألني أحد بعدك عن مثلها فقال أبو عبد اللهعليهالسلام هبك علمت أنك لم تسأل فيما مضى فما علمك أنك لا تسأل فيما بعد على أنك يا عبد الكريم نقضت قولك - لأنك تزعم أن الأشياء من الأول سواء فكيف قدمت وأخرت ثمّ قال يا عبد الكريم أزيدك وضوحا أرأيت لو كان معك كيس فيه جواهر فقال لك قائل هل في الكيس دينار فنفيت كون الدينار في الكيس فقال لك صف لي الدينار وكنت غير عالم بصفته هل كان لك أن تنفي كون الدينار عن الكيس وأنت لا تعلم قال لا فقال أبو عبد اللهعليهالسلام فالعالم أكبر وأطول وأعرض من الكيس فلعل في العالم صنعة
________________________________________________________
فبقي متحيراً فقالعليهالسلام : إذا رجعت إلى نفسك ووجدت في نفسك صفة المخلوقين، فلم لا تذعن بالصانع؟ فاعترف بالعجز عن الجواب وقال: سألتني عن مسألة لم يسألني عنها أحد قبلك، ولا يسألني أحد بعدك.
قوله هبك: أي افرض نفسك أنك علمت ما مضى وسلمنا ذلك لك، قال الفيروزآبادي: هبني فعلت أي احسبني فعلت وأعددني، كلمة للأمر فقط وحاصل جوابهعليهالسلام أولا: أنك بنيت أمورك كلها على الظن والوهم لأنك تقطع بأنك لا تسأل بعد ذلك عن مثلها، مع أنه لا سبيل لك إلى القطع به، وأمّا قولهعليهالسلام على أنك يا عبد الكريم نقضت قولك يحتمل وجوها:
الأول: أن يكون المراد أن نفيك للصانع مبني على أنك تزعم أن لا علية بين الأشياء ونسبة الوجود والعدم إليها على السواء، والاستدلال على الأشياء الغير المحسوسة إنما يكون بالعلية والمعلولية فكيف حكمت بعدم حصول الشيء في المستقبل؟ فيكون المراد بالتقدم والتأخر العلية والمعلولية أو ما يساوقهما.
الثاني: أن يكون مبنياً على ما لعلهم كانوا قائلين به، وربما أمكن إلزامهم بذلك بناء على نفي الصانع من أن الأشياء متساوية غير متفاوتة في الكمال والنقص، فالمراد
من حيث لا تعلم صفة الصنعة من غير الصنعة فانقطع عبد الكريم وأجاب إلى الإسلام بعض أصحابه وبقي معه بعض.
فعاد في اليوم الثالث فقال أقلب السؤال فقال له أبو عبد اللهعليهالسلام سل عمّا شئت فقال ما الدليل على حدث الأجسام فقال إني ما وجدت شيئاً صغيراً ولا كبيراً إلا وإذا ضم إليه مثله صار أكبر وفي ذلك زوال وانتقال عن الحالة الأولى ولو كان قديما ما زال ولا حال لأنّ الّذي يزول ويحول يجوز أن يوجد ويبطل فيكون بوجوده بعد عدمه دخول في الحدث وفي كونه في الأزل دخوله في العدم ولن تجتمع صفة الأزل والعدم والحدوث والقدم في شيء واحد فقال عبد الكريم هبك علمت في جري الحالتين والزمانين على ما ذكرت واستدللت بذلك على حدوثها فلو بقيت الأشياء على صغرها من أين كان لك أن تستدل على حدوثهن فقال العالمعليهالسلام إنما نتكلم على هذا العالم الموضوع فلو رفعناه ووضعنا عالماً آخر كان لا شيء أدل على الحدث من رفعنا إياه ووضعنا غيره ولكن أجيبك من حيث قدرت أن تلزمنا فنقول إنّ الأشياء
________________________________________________________
أنك كيف حكمت بتفضيلي على غيري وهو مناف للمقدمة المذكورة، فالمراد بالتقدم والتأخر ما هو بحسب الشرف.
الثالث: أن يكون مبنياً على ما ينسب إلى أكثر الملاحدة من القول بالكمون والبروز، أي مع قولك بكون كلّ حقيقة حاصلة في كلّ شيء كيف يمكنك الحكم بتقدم بعض الأشياء على بعض في الفضل والشرف.
قولهعليهالسلام وفي ذلك زوال وانتقال: حاصل استدلالهعليهالسلام إمّا راجع إلى دليل المتكلمين من أن عدم الانفكاك عن الحوادث يستلزم الحدوث، أو إلى أنه لا يخلو إمّا أن يكون بعض تلك الأحوال الزائلة المتغيرة قديما أم لا، بل يكون كلها حوادث وكل منهما محال، أمّا الأول فلما تقرر عند الحكماء من أن ما ثبت قدمه امتنع عدمه، وأمّا الثاني فللزوم التسلسل بناء على جريان دلائل إبطاله في الأمور المتعاقبة، ويمكن أن يكون مبنياً على ما يظهر من الأخبار الكثيرة من أن كلّ قديم
لو دامت على صغرها لكان في الوهم أنه متى ضم شيء إلى مثله كان أكبر وفي جواز التغيير عليه خروجه من القدم كما أن في تغييره دخوله في الحدث ليس لك وراءه شيء يا عبد الكريم فانقطع وخزي.
فلما كان من العام القابل التقى معه في الحرم فقال له بعض شيعته إن ابن أبي العوجاء قد أسلم فقال العالمعليهالسلام هو أعمى من ذلك لا يسلم فلما بصر بالعالم قال سيدي ومولاي فقال له العالمعليهالسلام ما جاء بك إلى هذا الموضع فقال عادة الجسد وسنة البلد ولننظر ما الناس فيه من الجنون والحلق ورمي الحجارة فقال له العالمعليهالسلام أنت بعد على عتوك وضلالك يا عبد الكريم فذهب يتكلم فقال لهعليهالسلام ( لا جِدالَ فِي الْحَجِ ) ونفض رداءه من يده وقال إن يكن الأمر كما تقول وليس كما تقول نجونا ونجوت وإن يكن الأمر كما نقول وهو كما نقول نجونا وهلكت فأقبل عبد الكريم على من معه فقال وجدت في قلبي حزازة فردوني فردوه فمات لارحمهالله .
________________________________________________________
يكون واجباً بالذات ولا يكون المعلول إلا حادثا، ووجوب الوجود ينافي التغير ولا يكون الواجب محلا للحوادث كما برهن عليه، ثمّ قال ابن أبي العوجاء: لو فرضنا بقاء الأشياء على صغرها يمكنك الاستدلال على حدوثها بالتغير؟ فأجابعليهالسلام أولا على سبيل الجدل بأن كلامنا كان في هذا العالم الّذي نشاهد فيه التغيرات فلو فرضت رفع هذا العالم ووضع عالم آخر مكانه لا يعتريه التغير، فزوال هذا العالم دل على كونه حادثا، وإلا لما زال، وحدوث العالم الثاني أظهر، ثمّ قال: ولكن أجيبك من حيث قدرت بتشديد الدال، أي فرضت لأنّ تلزمنا، أو بالتخفيف أي زعمت أنك تقدر أن تلزمنا، وهو بأن تفرض في الأول مكان هذا العالم عالماً لا يكون فيه التغير، فنقول يحكم العقل بأن الأجسام يجوز عليها ضم شيء إليها، وقطع شيء منها، وجوار التغير عليه يكفي لحدوثها بنحو ما مر من التقرير.
٤ - حدثني محمّد بن جعفر الأسدي، عن محمّد بن إسماعيل البرمكي الرازي، عن الحسين بن الحسن بن برد الدينوري، عن محمّد بن علي، عن محمّد بن عبد الله الخراساني خادم الرضاعليهالسلام قال دخل رجل من الزنادقة على أبي الحسنعليهالسلام وعنده جماعة فقال أبو الحسنعليهالسلام أيها الرجل أرأيت إن كان القول قولكم وليس هو كما تقولون ألسنا وإياكم شرعاً سواء لا يضرنا ما صلينا وصمنا وزكينا وأقررنا فسكت الرجل ثمّ قال أبو الحسنعليهالسلام وإن كان القول قولنا وهو قولنا ألستم قد هلكتم ونجونا فقال رحمك الله أوجدني كيف هو وأين هو فقال ويلك إنّ الّذي ذهبت إليه غلط هو أين الأين بلا أين وكيف الكيف بلا كيف فلا يعرف بالكيفوفية ولا بأينونية ولا يدرك بحاسة ولا يقاس بشيء.
________________________________________________________
الحديث الرابع: ضعيف.
إذ الظاهر أن محمّد بن علي هو أبو سمينة كما صرح به في التوحيد.
قوله أوجدني: يقال أوجده الله مطلوبه أي أظفره به، أي أفدني كيفيته ومكانه وأظفرني بمطلبي الّذي هو العلم بالكيفية.
قولهعليهالسلام هو أين الأين: أي جعل الأين أينا بناء على مجعولية الماهيات أو أوجد حقيقة الأين فيصدق عليها بعد الإيجاد الأين، وكذا الكيف، والكيفوفية والأينونية: الاتصاف بالكيف والأين، وفي التوحيد بكيفوفية من غير أداة التعريف كنظيرتها، وقيل: المعنى أنه لما أوجد حقيقة الأين وحقيقة الكيف، فكان متقدما على وجودهما، فلا يعرف بالاتصاف بهما، وبكونه ذا كيف وأين، وذلك بأنه هو مبدء قبل وجود الكيف والأين، ولا يعرف المبدأ بكونه ذا كيفية أو أين، ولأن الخالق الموجد لشيء متعال عن الاتصاف به لأنّ الاتصاف خروج من القابلية إلى الفعلية، والقابل خال عن الوصف قبل الاتصاف عادم له، والعادم لشيء وللأكمل والأتم منه لا يكون معطياً له، فالفاعل الخالق لا يكون معطياً نفسه ما يستكمل به، ولأن المبدأ الأول لما لم يجز عليه الخلو من الوجود، فلو كان فيه قابلية الصفة لكان له جهتان، ولا يجوز
فقال الرجل فإذا إنه لا شيء إذا لم يدرك بحاسة من الحواس فقال أبو الحسنعليهالسلام ويلك لما عجزت حواسك عن إدراكه أنكرت ربوبيته ونحن إذا عجزت حواسنا عن إدراكه أيقنا أنه ربنا بخلاف شيء من الأشياء.
قال الرجل فأخبرني متى كان قال أبو الحسنعليهالسلام أخبرني متى لم يكن
________________________________________________________
استنادهما فيه إلى ثالث، إذ لا ثالث في تلك المرتبة، ولا استناد أحدهما إلى الآخر إذ لا يوجب القابلية فعلية الوجود لذاته، ولا فعلية الخلو عن كماله، والاستعداد لما هو نقص له، ولأن الأين لا يكون إلا لمتقدر، ولا يجوز عليه التقدر بالمقدار كما سنبينه، ولا يدرك بحاسة إذ لا كيفية له ولا إحساس إلا بإدراك الكيفية، ولا يقاس بشيء أي لا يعرف قدره بمقياس إذ لا أين ولا مقدار له، فقال الرجل: فإذا أنه لا شيء يعني أردت بيان شأن ربك فإذا الّذي ذكرته يوجب نفيه، لأنّ ما لا يمكن إحساسه لا يكون موجودا، أو المراد أنه فإذا هو ضعيف الوجود ضعفا يستحق أن يقال له لا شيء.
وقولهعليهالسلام لما عجزت حواسك عن إدراكه أي جعلت تعاليه عن أن يدرك بالحواس وعجزها عن إدراكه دليلاً على عدمه أو ضعف وجوده، فأنكرت ربوبيته ونحن إذا عرفناه بتعاليه عن أن يدرك بالحواس أيقنا أنه ربنا، بخلاف شيء من الأشياء، أي ليس شيء من الأشياء المحسوسة ربنا لأنّ كلّ محسوس ذو وضع، وكل ذي وضع بالذات منقسم بالقوة إلى أجزاء مقدارية لا إلى نهاية، لاستحالة الجوهر الفرد، وكل منقسم إلى أجزاء مقدارية يكون له أجزاء متشاركة في المهية، ومشاركة للكل فيها، وكلما يكون كذلك يكون محتاجاً إلى مبدء مغاير له، فلا يكون مبدء أوّل بل يكون مخلوقاً ذا مبدء، فما هو مبدء أوّل لا يصح عليه الإحساس، فالتعالي عن الإحساس الّذي جعلته مانعاً للربوبية وباعثاً على إنكارك مصحح للربوبية ودل على اختصاصه بصحة الربوبية بالنسبة إلى الأشياء الّتي يصح عليها أن يحس.
قوله: فأخبرني متى كان؟ الظاهر أنه سئل عن ابتداء كونه [ وتكونه ] ووجوده
فأخبرك متى كان قال الرجل فما الدليل عليه فقال أبو الحسنعليهالسلام إني لما نظرت إلى جسدي ولم يمكني فيه زيادة ولا نقصان في العرض والطول ودفع المكاره عنه وجر المنفعة إليه علمت أن لهذا البنيان بانياً فأقررت به مع ما أرى من دوران الفلك بقدرته وإنشاء السحاب وتصريف الرياح ومجرى الشمس والقمر والنجوم و
________________________________________________________
فأجابعليهالسلام بأن ابتداء الزمان إنما يكون لحادث كان معدوما ثمّ صار موجودا، وهو سبحانه يستحيل عليه العدم، وجواب هذا السؤال سقط من قلم نساخ الكليني، وفي توحيد الصدوق (ره) هكذا: قال الرجل: فأخبرني متى كان؟ قال أبو الحسنعليهالسلام أخبرني متى لم يكن فأخبرك متى كان، قال الرجل: فما الدليل عليه؟ قال أبو الحسنعليهالسلام : إني لما نظرت « إلى آخر الخبر » ويحتمل أن يكون مراد السائل السؤال عن أصل زمان وجوده تعالى، فعلى هذا يكون حاصل الجواب أن الكائن في الزمان إنما يكون فيه بتغير وتبدل في ذاته أو صفاته الذاتية لأنّ الزمان نسبة المتغير إلى المتغير، فيكون بحال في زمان آخر، والمتعالي عن التغير في الذات والصفات الذاتية لا يصح عليه « لم يكن فكان »، وإنما يصح متى كان لما يصح أن يقال متى لم يكن، لعدم انفكاك الزماني عن التغير في ذاته أو صفاته الذاتية، وقيل: تحقيق الجواب ما تحقق في الحكمة الإلهية أنه لا يكون لوجود شيء متى إلا إذا كان لعدمه متى، وبالجملة لا يدخل الشيء في مقولة متى بوجوده فقط، بل بوجوده وعدمه جميعا، فإذا لم يصح أن يقال لشيء متى لم يكن وجوده لم يصح أن يقال متى كان وجوده.
قولهعليهالسلام إني لما نظرت: هذا استدلال بما يجده في بدنه من أحواله وانتظام تركيبه واشتماله على ما به صلاحه ونظامه، وعدم استنادها إليه بكونها من آثار القدرة وعدم قدرته عليها، وبالعلويات وحركاتها المنسقة المنتظمة المشتملة على اختلاف لا يمكن أن يكون طبيعياً لها، ولا إرادياً لها، وبما يحدث بينها وبين الأرض وانتظام الجميع نظما دالا على وحدة ناظمها ومدبرها وخالقها، على أن لهذا العالم المنتظم
غير ذلك من الآيات العجيبات المبينات علمت أن لهذا مقدراً ومنشئا.
٥ - علي بن إبراهيم، عن محمّد بن إسحاق الخفاف أو، عن أبيه، عن محمّد بن إسحاق قال إن عبد الله الديصاني سأل هشام بن الحكم فقال له ألك رب فقال بلى قال أقادر هو قال نعم قادر قاهر قال يقدر أن يدخل الدنيا كلها البيضة لا تكبر البيضة ولا تصغر الدنيا قال هشام النظرة فقال له قد أنظرتك حولا ثمّ خرج عنه فركب هشام إلى أبي عبد اللهعليهالسلام فاستأذن عليه فأذن له فقال له يا ابن رسول الله أتاني عبد الله الديصاني بمسألة ليس المعول فيها إلا على الله وعليك فقال له أبو عبد اللهعليهالسلام عمّا ذا سألك فقال قال لي كيت وكيت فقال أبو عبد اللهعليهالسلام .يا هشام كم حواسك قال خمس قال أيها أصغر قال الناظر قال وكم قدر الناظر قال مثل العدسة أو أقل منها فقال له. يا هشام فانظر أمامك وفوقك وأخبرني بما ترى فقال أرى سماء وأرضا ودوراً وقصوراً وبراري وجبالا وأنهاراً فقال له أبو عبد اللهعليهالسلام إنّ الّذي قدر أن يدخل الّذي تراه العدسة أو أقل منها قادر أن يدخل الدنيا كلها البيضة لا تصغر الدنيا ولا تكبر
________________________________________________________
المشاهد من السماوات والأرضين وما فيهما وما بينهما مقدراً ينتظم بتقديره ومنشأ يوجد بإنشائه.
الحديث الخامس مجهول، والديصاني بالتحريك من داص يديص ديصانا إذا زاغ ومال، ومعناه الملحد.
النظرة: أي أسألك النظرة، وهي التأخير في المطالبة للجواب، وفي القاموس:كيت وكيت ويكسر آخرها أي كذا وكذا والتاء فيهما هاء في الأصل.
قولهعليهالسلام إنّ الّذي قدر أن يدخل، أي على أن يدخل، وحذف حرف الجر عن أن وأن قياسي، يمكن أن يؤول بوجوه: الأول: أن يكون غرض السائل أنه هل يجوز أن يحصل كبير في صغير بنحو من أنحاء التحقق؟ فأجابعليهالسلام بأن له نحوا من التحقق، وهو دخول الصورة المحسوسة المتقدرة بالمقدار، الكبير بنحو الوجود الظلي في الحاسة أي مادتها الموصوفة بالمقدار الصغير، والقرينة على أنه كان مراده
البيضة فأكب هشام عليه وقبل يديه ورأسه ورجليه وقال حسبي يا ابن رسول الله وانصرف إلى منزله وغداً عليه الديصاني فقال له. يا هشام إني جئتك مسلما ولم أجئك
________________________________________________________
المعنى الأعم أنه قنع بالجواب ولم يراجع فيه باعتراض.
الثاني: أن يكون المعنى أن الّذي يقدر على أن يدخل ما تراه العدسة لا يصح أن ينسب إلى العجز، ولا يتوهم فيه أنه غير قادر على شيء أصلاً، وعدم قدرته على ما ذكرت ليس من تلقاء قدرته لقصور فيها، بل إنما ذلك من نقصان ما فرضته حيث أنه محال ليس له حظ من الشيئية والإمكان، فالغرض من ذكر ذلك بيان كمال قدرته تعالى حتّى لا يتوهم فيه عجز.
الثالث: أن المعنى أن ما ذكرت محال وما يتصور من ذلك إنما هو بحسب الوجود الانطباعي، وقد فعله فما كان من السؤال له محمل ممكن فهو تعالى قادر عليه، وما أردت من ظاهره فهو محال لا يصلح لتعلّق القدرة به.
الرابع: وهو الأظهر أن السائل لما كان قاصراً من فهم ما هو الحق، معانداً فلو أجابعليهالسلام صريحا بعدم تعلّق القدرة به له لتشبث بذلك ولج وعاند فأجابعليهالسلام بجواب متشابه له وجهان، لعلمهعليهالسلام بأنه لا يفرق بين الوجود العيني والانطباعي، ولذا قنع بذلك ورجع.
ولذا أجابواعليهالسلام غيره من السائلين بالحق الصريح، كما رواه الصدوق في التوحيد بسند صحيح عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: إن إبليس قال لعيسى بن مريمعليهالسلام أيقدر ربك على أن يدخل الأرض بيضة لا تصغر الأرض ولا تكبر البيضة؟ فقال عيسىعليهالسلام : ويلك إنّ الله لا يوصف بعجز، ومن أقدر ممّن يلطف الأرض ويعظم البيضة، وروي بسند آخر عنهعليهالسلام أنه قال: قيل لأمير المؤمنينعليهالسلام : هل يقدر ربك أن يدخل الدنيا في بيضة من غير أن تصغر الدنيا أو تكبر البيضة؟ قال: إنّ الله تبارك وتعالى لا ينسب إلى العجز، والذي سألتني لا يكون، وروي أيضاً بسند آخر عنهعليهالسلام أنه قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنينعليهالسلام فقال: أيقدر الله أن يدخل الأرض في بيضة ولا متقاضيا
متقاضياً للجواب فقال له هشام إن كنت جئت متقاضياً فهاك الجواب فخرج الديصاني عنه حتّى أتى باب أبي عبد اللهعليهالسلام فاستأذن عليه فأذن له فلما قعد قال له يا جعفر بن محمّد دلني على معبودي فقال له أبو عبد اللهعليهالسلام ما اسمك فخرج عنه ولم يخبره باسمه فقال له أصحابه كيف لم تخبره باسمك قال لو كنت قلت له عبد الله كان يقول من هذا الّذي أنت له عبد فقالوا له عد إليه وقل له يدلك على معبودك ولا يسألك عن اسمك فرجع إليه فقال له يا جعفر بن محمّد دلني على معبودي ولا تسألني عن اسمي فقال له أبو عبد اللهعليهالسلام اجلس وإذا غلام له صغير في كفه بيضة يلعب بها فقال له أبو عبد اللهعليهالسلام ناولني يا غلام البيضة فناوله إياها فقال له أبو عبد اللهعليهالسلام يا ديصاني هذا حصن مكنون له جلد غليظ وتحت الجلد الغليظ جلد رقيق وتحت الجلد الرقيق ذهبة
________________________________________________________
تصغر الأرض ولا تكبر البيضة؟ فقال له: ويلك إنّ الله لا يوصف بالعجز ومن أقدر ممّن يلطف الأرض ويعظم البيضة، فقولهعليهالسلام : من أقدر ممّن يلطف الأرض، إشارة إلى أن المتصور المحصل المعنى من دخول الكبير في الصغير صيرورة الكبير صغيراً وبالعكس، وهذا المتصور مقدور له سبحانه وهو قادر على كلّ ما لا يستحيل، والحاصل أنه قادر على كلّ شيء يدرك له معنى ومهية، والمستحيل لا مهية ولا معنى له كما قيل.
ثم اعلم أنه على التقادير كلها يدل على أن الإبصار بالانطباع وإن كان فيما سوى الثاني أظهر، وعلى الرابع يحتمل أيضاً أن يكون إقناعياً مبنياً على المقدمة المشهورة لدى الجمهور أن الرؤية بدخول المرئيات في العضو البصري، فلا ينافي كون الإبصار حقيقة بخروج الشعاع.
قوله فهاك الجواب: « ها » بالقصر والمد وهاك كلها اسم فعل بمعنى خذ.
قولهعليهالسلام هذا حصن مكنون: الحصن كلّ موضع حصين محكم، والكن: وقاء كلّ شيء وستره، ولعل المعنى أنه مستور من جميع الجهات ليس له باب أصلاً لئلا يخرج منه شيء ولا يدخل فيه شيء، له جلد غليظ لئلا ينكسر بأدنى شيء ولا ينفذ
مائعة وفضة ذائبة فلا الذهبة المائعة تختلط بالفضة الذائبة ولا الفضة الذائبة تختلط بالذهبة المائعة فهي على حالها لم يخرج منها خارج مصلح فيخبر عن صلاحها ولا دخل
________________________________________________________
فيه الهواء ليفسده، وليست غلظته بحيث لا يتمكن الدجاجة من كسره حين الانفلاق، ولا تؤثر حرارتها المعدة لتكون الفرخ فيه، وتحت الجلد الغليظ جلد رقيق مناسب للملاءمة، لما فيه برزخ بينه وبين الجلد الغليظ لئلا يفسد ما فيه بمماسة الجلد الغليظ الصلب، وتحت الجلد الرقيق ذهبة مائعة أي تحته جسم شبيه بالذهبة المائعة، وجسم شبيه بالفضة الذائبة، والذوب ضد الجمود ويقاربه الميعان، لكن الذوب يستعمل فيما من طبعه الجمود، والميعان يستعمل فيه وفي غيره، ولما كان الجمود في طبع الفضة أكثر، فلذا خص الذوب بها، ولعلهعليهالسلام شبهه بالحصون المعروفة كما يظهر من الترشيحات المذكورة.
وفي كتاب الاحتجاج عن إصلاحها وعن إفسادها على بناء الأفعال فيهما، وحاصل الاستدلال أن ما في البيضة من الأحكام والإتقان والاشتمال على ما به صلاحها وعدم اختلاط ما فيها من الجسمين السيالين، والحال أنه ليس فيها مصلح حافظ لها من الأجسام، فيخرج مخبراً عن صلاحها ولا يدخلها جسماني من خارج فيفسدها فيخبر بعد خروجه عن فسادها، وهي تنفلق عن مثل ألوان الطواويس مع عدم علمنا بكيفية خلق أعضائها وأجزائها وكونها ذكرانا أو إناثا، فهذا كله دليل على أن ذلك ليس من فعل أمثالنا لعدم دخولنا فيها وخروجنا منها، وإصلاحنا لها وإفسادنا إياها وجهلنا بما هي مستعدة له من الصلاح والفساد، وبما هي صالحة له من الذكر والأنثى.
والحاصل أن أمثال هذه الأمور إذا صدرت من أمثالنا فلا بد فيها من مباشرة ومزاولة وعلم وخبر، ولا يجوز أيضاً أن تتأنى بأنفسها أو من طبائعها العديمة للشعور، فلا بد من فاعل حكيم وصانع مدبر عليم، ولا يخفى لطف نسبة الإصلاح إلى ما يخرج منها والإفساد إلى ما يدخل فيها، لأنّ هذا شأن أهل الحصن الحافظين له، وحال الداخل فيه بالقهر والغلبة.
فيها مفسد فيخبر عن فسادها لا يدرى للذكر خلقت أم للأنثى تنفلق عن مثل ألوان الطواويس أترى لها مدبراً قال فأطرق ملياً ثمّ قال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله وأنك إمام وحجة من الله على خلقه وأنا تائب مما كنت فيه.
٦ - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عباس بن عمرو الفقيمي، عن هشام بن الحكم في حديث الزنديق الّذي أتى أبا عبد اللهعليهالسلام وكان من قول أبي عبد اللهعليهالسلام :لايخلوقولك، إنهما اثنان من أن يكونا قديمين قويين أويكونا ضعيفين أويكون أحدهما
________________________________________________________
قولهعليهالسلام تنفلق: لعله ضمن معنى الكشف.
قولهعليهالسلام أترى(١) له مدبرا: استفهام تقرير أو إنكار، أي لا ترى لها مدبراً من أمثالنا، فلا بد لها من مدبر غير مرئي ولا جسم ولا جسماني لا يحتاج علمه بالأشياء إلى الدخول فيها والدنو منه مطلقا.
قولهعليهالسلام فأطرق مليا: أي سكت ناظراً إلى الأرض زمانا طويلا.
الحديث السادس: مجهول.
قولهعليهالسلام لا يخلو قولك: أقول يمكن تقرير الاستدلال المذكور في هذا الخبر بوجوه، ولنشرها هنا إلى بعض براهين التوحيد على وجه الاختصار، ثمّ لنذكر ما يمكن أن يقال في حل هذا الخبر الّذي هو من غوامض الأخبار، فأمّا البراهين.
فالأول: أنه لما ثبت كون الوجود عين حقيقة الواجب فلو تعدد لكان امتياز كلّ منهما عن الآخر بأمر خارج عن الذات فيكونان محتاجين في تشخصهما إلى أمر خارج، وكل محتاج ممكن.
الثاني: أنه لو كان لله سبحانه شريك لكان لمجموع الواجبين وجود غير وجود الآحاد، سواء كان ذلك الوجود عين مجموع الوجودين أو أمراً زائداً عليه، ولكان هذا الوجود محتاجاً إلى وجود الأجزاء، والمحتاج إلى الغير ممكن محتاج إلى المؤثر والمؤثر في الشيء يجب أن يكون مؤثراً في واحد من أجزائه، وإلا لم يكن
__________________
(١) كذا في النسخ لكن في المتن « أترى لها » بتأنيث الضمير.
________________________________________________________
من الأجزاء لكون كلّ من الجزئين واجباً فالشريك يستلزم التأثير فيما لا يمكن التأثير فيه، أو إمكان ما فرض وجوبه إلى غير ذلك من المفاسد.
الثالث: برهان التمانع، وأظهر تقريراته أن وجوب الوجود يستلزم القدرة والقوة على جميع الممكنات قوة كاملة بحيث يقدر على إيجاده ودفع ما يضاده مطلقا، وعدم القدرة على هذا الوجه نقص، والنقص عليه تعالى محال ضرورة، بدليل إجماع العقلاًء عليه، ومن المحال عادة إجماعهم على نظري، ولئن لم يكن ضرورياً فنظري ظاهر متسق الطريق، واضح الدليل واستحالة إجماعهم على نظري لا يكون كذلك أظهر، فنقول حينئذ لو كان في الوجود واجبان لكانا قويين وقوتهما يستلزم عدم قوتهما لأنّ قوة كلّ منهما على هذا الوجه يستلزم قوته على دفع الآخر عن إرادة ضد ما يريده نفسه من الممكنات، والمدفوع غير قوي بهذا المعنى الّذي زعمنا أنه لازم لسلب النقص.
فإن قلت: هذا إنما يتم لو كان إرادة كلّ منهما للممكن بشرط إرادة الآخر لضده ممكنا وبالعكس، وليس كذلك بل إرادة كلّ منهما له بشرط إرادة الآخر لضده ممتنع، ونظير ذلك أن إرادة الواجب للممكن بشرط وجود ضده محال، ولا يلزم منه نقص؟
قلت: امتناع الإرادة بشرط إرادة الآخر هو الامتناع بالغير، وامتناعه بالغير يحقق النقص والعجز، تعالى عن ذلك، وأمّا امتناع إرادة الشيء بشرط وجود ضده فمن باب امتناع إرادة المحال الذاتي وإن كان امتناع الإرادة امتناعاً بالغير، ومثله غير ملزوم للنقص، بخلاف ما نحن فيه، فإن المراد ممتنع بالغير.
فإن قلت: وجود الشيء كما يمتنع بشرط ضده ونقيضه، كذلك يمتنع بشرط ملزوم ضده ونقيضه، والأول امتناع بالذات، والثاني امتناع بالغير، وكما أن إرادة
________________________________________________________
الأول منه تعالى محال ولا نقص فيه، كذلك إرادة الثاني، وظاهر أن إرادة إيجاد الممكن بشرط إرادة الآخر له من قبيل الثاني، فينبغي أن لا يكون فيه نقص؟
قلت: فرق بين الأمرين، فإن وجود الممكن إذا قيد واشترط بملزوم نقيضه كان ممتنعاً ولو بالغير، ولم يتعلّق به إرادة ضرورة، وأمّا إذا لم يقيد الوجود به بل أطلق، فغير ممتنع، فيمكن تعلّق الإرادة به ولو في زمان وجود ملزوم النقيض بأن يدفع الملزوم وإن لم يندفع هو من قبل نفسه أو من دافع آخر، بخلاف إرادة الآخر له، فإنه لو لم يندفع من قبل نفسه ولم يدفعه دافع آخر لم يتعلّق به الإرادة ضرورة، فهو مدفوع، وإلا فالآخر مدفوع، فصار حاصل الفرق حينئذ أن الصانع تعالى قادر على إيجاد أحد الضدين في زمان الضد الآخر بدون حاجة إلى واسطة غير مستندة إليه تعالى وهو أي الحاجة إلى الواسطة المستندة إلى الفاعل لا ينافي الاستقلال والقدرة كما لا ينافي الاحتياج إلى الواسطة المستندة إلى الذات الوجوب الذاتي، بخلاف ما نحن فيه، فإنه احتياج إلى واسطة غير مستندة إلى الذات.
لا يقال: لعل انتفاء إرادة الآخر واجب بنفسه، ولا نسلم منافاة توسط الواجب بالذات بين الفاعل وفعله، لاستقلاله واستلزامه النقص؟
لأنا نقول: الأول بين البطلان فإن تحقق إرادة الآخر وانتفائها ممكن في نفسه لكنه ينتفي فيما نحن فيه من قبل ذي الإرادة لو انتفى، فيكون واسطة ممكنة غير صادرة عن الفاعل ولا مستندة إليه، وأمّا الثاني فربما تدعي البداهة في استلزامه النقص وهو غير بعيد، وبهذا التقرير يندفع كثير من الشكوك والشبه.
الرابع: تقرير آخر لبرهان التمانع ذكره المحقق الدواني وهو أنه لا يخلو أن يكون قدرة كلّ واحد منهما وإرادته كافية في وجود العالم، أو لا شيء منهما كاف أو أحدهما كاف فقط، وعلى الأول يلزم اجتماع المؤثرين التأمين على معلول واحد، وعلى الثاني يلزم عجزهما لأنهما لا يمكن لهما التأثير إلا باشتراك الآخر، وعلى الثالث
لا يخلو قولك إنهما اثنان من أن يكونا قديمين قويين أو يكونا ضعيفين أو يكون أحدهما
________________________________________________________
لا يكون الآخر خالقاً فلا يكون إليها( أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ ) .
لا يقال: إنما يلزم العجز إذا انتفت القدرة على الإيجار بالاستقلال، أمّا إذا كان كلّ منهما قادراً على الإيجاد بالاستقلال، ولكن اتفقاً على الإيجاد بالاشتراك فلا يلزم العجز، كما أن القادرين على حمل خشبة بالانفراد قد يشتركان في حملها، وذلك لا يستلزم عجزهما، لأنّ إرادتهما تعلّقت بالاشتراك، وإنما يلزم العجز لو أراد الاستقلال ولم يحصل.
لأنا نقول: تعلّق إرادة كلّ منهما إن كان كافياً لزم المحذور الأول وإن لم يكن كافياً لزم المحذور الثاني، والملازمتان بينتان لا تقبلان المنع، وما أوردت من المثال في سند المنع لا يصلح للسندية إذ في هذه الصورة ينقص ميل كلّ واحد منهما من الميل الّذي يستقل في الحمل، قدر ما يتم الميل الصادر من الآخر حتّى ينقل الخشبة بمجموع الميلين، وليس كلّ واحد منهما بهذا القدر من الميل فاعلا مستقلا، وفي مبحثنا هذا ليس المؤثر إلا تعلّق القدرة والإرادة ولا يتصور الزيادة والنقصان في شيء منهما.
الخامس: أن كلّ من جاء من الأنبياء وأصحاب الكتب المنزلة إنما ادعى الاستناد إلى واحد استند إليه الآخر، ولو كان في الوجود واجبان لكان يخبر مخبر من قبله بوجوده وحكمه، واحتمال أن يكون في الوجود واجباً لا يرسل إلى هذا العالم أو لا يؤثر ولا يدبر أيضاً فيه مع تدبيره ووجود خيره في عالم آخر أو عدمه مما لا يذهب إليه وهم واهم، فإن الوجوب يقتضي العلم والقدرة وغيرهما من الصفات، ومع هذه الصفات الكمالية يمتنع عدم الإعلام ونشر الآثار بحيث يبلغ إلينا وجوده، وأمّا ما زعمت الثنوية من الإله الثاني فليس بهذه المثابة، ومما يرسل ويحكم فيهم أن قالوا بوجود الواجب الآخر فقد نفوا لازمه، فهو باطل بحكم العقل، وقد أثبتنا في كتاب الروضة من كتاب بحار الأنوار فيما أوصى به أمير المؤمنين ابنه الحسن صلوات الله عليهما ما يومئ إلى هذا الدليل، حيث قالعليهالسلام : واعلم أنه لو كان لربك شريك لأتتك رسله،
قوياً والآخر ضعيفا فإن كانا قويين فلم لا يدفع كلّ واحد منهما صاحبه ويتفرد
________________________________________________________
ولرأيت آثار ملكه وسلطانه، ولعرفت صفته وفعاله، ولكنه إله واحد كما وصف نفسه لإيراده في ذلك أحد، ولا يحاجه، وأنه خالق كلّ شيء.
السادس: الأدلة السمعية من الكتاب والسنة وهي أكثر من أن تحصى وقد مر بعضها ولا محذور في التمسك بالأدلة السمعية في باب التوحيد، وهذه هي المعتمد عليها عندي وبسط الكلام في تلك الأدلة وما سواها مما لم نشر إليها موكول إلى مظانها.
ولنرجع إلى حل الخبر وشرحه وقد قيل فيه وجوه: « الأول » أن المراد بالقوي القوي على فعل الكل بالإرادة مع إرادة استبداده به، والمراد بالضعيف الّذي لا يقوى على فعل الكل ولا يستبد به ولا يقاوم القوي « فإن كانا قويين فلم لا يدفع كلّ منهما صاحبه ويتفرد به » أي يلزم من قوتهما انفراد كلّ بالتدبير ويلزم منه عدم وقوع الفعل، وإن زعمت أن أحدهما قوي والآخر ضعيف، ثبت أنه واحد أي المبدأ للعالم واحد لعجز الضعيف عن المقاومة، وثبت احتياج الضعيف إلى العلة الموجدة، لأنّ القوي أقوى وجوداً من الضعيف، وضعف الوجود لا تتصور إلا بجواز خلو المهية عن الوجود، ويلزم منه الاحتياج إلى المبدأ المبائن الموجد له، وإن قلت إنهما اثنان أي المبدأ اثنان، فهذا هو الشق الثاني، أي كونهما ضعيفين بأن يقدر ويقوى كلّ منهما على بعض أو يفعل بعضا دون بعض بالإرادة، وإن كان يقدر على الكل، وفي هذا الشق لا يخلو من أن يكونا متفقين أي في الحقيقة من كلّ جهة ويلزم من هذا عدم الامتياز بالتعين للزوم المغايرة بين الحقيقة والتعينين المختلفين، واستحالة استنادهما إلى الحقيقة واستحالة استنادهما إلى الغير، فيكون لهما مبدء أو مختلفين مفترقين من كلّ جهة، وذلك معلوم الانتفاء فإنا لما رأينا الخلق منتظما والفلك جارياً والتدبير واحداً والليل والنهار والشمس والقمر، دل صحة الأمر والتدبير وائتلاف الأمر على أن المدبر واحد لا اثنان مختلفان من كلّ جهة، ثمّ ذلك المدبر الواحد لا يجوز أن يكون واحداً بجهة من حيث الحقيقة مختلفا بجهة أخرى، فيكون المدبر
بالتدبير وإن زعمت أن أحدهما قوي والآخر ضعيف ثبت أنه واحد كما نقول
________________________________________________________
اثنين ويلزمك إن ادعيت اثنين فرجة ما بينهما، لأنّ لهما وحدة فلا يتمايزان إلا بمميز فاصل بينهما حتّى يكونا اثنين، لامتناع الاثنينية بلا مميز بينهما، وعبر عن الفاصل المميز بالفرجة، حيث أن الفاصل بين الأجسام يعبر عنه بالفرجة وأولئك الزنادقة لم يكونوا يدركون غير المحسوسات تنبيها على أنكم لا تستحقون أن تخاطبوا إلا بما يليق استعماله في المحسوسات، وذلك المميز لا بد أن يكون وجودياً داخلا، في حقيقة أحدهما إذ لا يجوز التعدد مع الاتفاق في تمام الحقيقة كما ذكرنا، ولا يجوز أن يكون ذلك المميز ذا حقيقة يصح انفكاكها عن الوجود وخلوها عنه ولو عقلاً وإلا لكان معلولا محتاجاً إلى المبدأ فلا يكون مبدء ولا داخلا فيه، فيكون المميز الفاصل بينهما قديما موجوداً بذاته كالمتفق فيه، فيكون الواحد المشتمل على المميز الوجودي اثنين لا واحدا، ويكون الاثنان اللذان ادعيتهما ثلاثة، فإن قلت به وادعيت ثلاثة لزمك ما قلت في الاثنين من تحقق المميز بين الثلاثة، ولا بد من مميزين وجوديين حتّى يكون بين الثلاثة فرجتان، ولا بد من كونها قد يمين كما مر فيكونوا خمسة وهكذا.ثم يتناهى في العدد إلى ما لا نهاية له في الكثرة، أي يتناهى الكلام في التعدد إلى القول بما لا نهاية له في الكثرة، أو يبلغ عدده إلى كثرة غير متناهية، أو المراد أنه يلزمك أن يتناهى المعدود المنتهى ضرورة بمعروض ما ينتهي إليه العدد أي الواحد إلى كثير لا نهاية له في الكثرة فيكون عدداً بلا واحد وكثرة بلا وحدة، وعلى هذا يكون الكلام برهانياً لا يحتاج إلى ضميمة، وعلى الأوّلين يصير بضم ما ذكرناه من ثالث الاحتمالات برهانيا.
الثاني: أن يكون إشارة إلى ثلاثة براهين، وتقرير الأول - بعد ما تقرر أن ما لا يكون قوياً على إيجاد أي ممكن كان، لا يكون واجباً بالذات - أن يقال لا يصح أن يكون الواجب بالذات اثنين، وإلا كان كلّ منهما قوياً على إيجاد أي ممكن كان، وكل ممكن بحيث يكون استناده إلى أي منهما كافياً في تصحيح خروجه من القوة إلى الفعل، وحينئذ لم يكن محيص إمّا من لزوم استناد كلّ معلول شخصي إلى علتين
للعجز الظاهر في الثاني فإن قلت إنهما اثنان لم يخل من أن يكونا متفقين من
________________________________________________________
مستبدتين بالإفاضة، وذلك محال، أو من لزوم الترجيح بلا مرجح وهو فطري الاستحالة أو من كون أحدهما غير واجب بالذات وهو خلاف المفروض، وهذا البرهان يتم عند قولهعليهالسلام للعجز الظاهر في الثاني.
وقولهعليهالسلام : وإن قلت: إلى قوله: على أن المدبر واحد، إشارة إلى برهان ثان وهو أحد الوجوه البرهانية في قوله تعالى( لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا ) (١) .
وتلخيص تقريره أن التلازم بين أجزاء النظام الجملي المنتظم المتسق كما بين السماء والأرض مثلا على ما قد أحقته القوانين الحكمية لا يستتب إلا بالاستناد إلى فاعل واحد يصنع الجميع بحكمته وقدرته، إذ التلازم بين الشيئين لا يتصحح إلا بعلية أحدهما للآخر أو بمعلوليتهما لعلة واحدة موجبة، فلو تعدد اختل الأمر وفسد النظام، وتقرير الثالث هو أنك لو ادعيت اثنين كان لا محالة بينهما انفصال في الوجود، وافتراق في الهوية ويكون هناك موجود ثالث هو المركب من مجموع الاثنين، وهو المراد بالفرجة لأنّه منفصل الذات والهوية، وهذا المركب لتركبه عن الواجبات بالذات المستغنيات عن الجاعل، موجود لا من تلقاء الصانع إذ افتقار المركب إلى الجاعل بحسب افتقار أجزائه فإذا لم تفتقر أجزاؤه لم يفتقر هو بالضرورة فإذا قد لزمك أن يكون هذا الموجود الثالث أيضاً قديما فيلزمك ثلاثة وقد ادعيت اثنين وهكذا، ويرد عليه مع بعد إطلاق الفرجة بهذا المعنى أنه يلزم في الفرق الثاني سبعة لا خمسة.
الثالث: أن يكون إشارة إلى حجتين إحداهما عامية مشهورية، والأخرى خاصية برهانية، أمّا الأولى فقوله: لا يخلو قولك - إلى قوله - في الثاني، ومعناه أنه لو فرض قديمان فلا يخلو أن يكون كلاهما قوياً والآخر ضعيفا والثلاثة بأسرها باطلة، أمّا الأول فلأنه إذا كانا قويين وكل منهما في غاية القوة من غير ضعف وعجز كما هو
__________________
(١) سورة الأنياء: ٢٢.
كل جهة أو مفترقين من كلّ جهة فلما رأينا الخلق منتظما والفلك جارياً والتدبير
________________________________________________________
المفروض، والقوة يقتضي الغلبة والقهر على كلّ شيء سواه، فما السبب المانع لأنّ يدفع كلّ واحد منهما صاحبه حتّى ينفرد بالتدبير والقهر على غيره، إذ اقتضاء الغلبة والاستعلاء مركوزة في كلّ ذي قوة على قدر قوته، والمفروض أن كلا منهما في غاية القوة وأمّا فساد الشق الثاني فهو ظاهر عند جمهور الناس لما حكموا بالفطرة من أن الضعف ينافي الإلهية ولظهوره لم يذكرهعليهالسلام ، وأيضا يعلم فساده بفساد الشق الثالث وهو قوله: وإن زعمت أن أحدهما قوي والآخر ضعيف ثبت أنه أي الإله واحد كما نحن نقول للعجز الظاهر في المفروض ثانيا، لأنّ الضعف منشأ العجز والعاجز لا يكون إلها بل مخلوقاً محتاجاً لأنّه محتاج إلى من يعطيه القوة والكمال والخيرية وأمّا الحجة البرهانية فأشار إليها بقوله: وإن قلت إنهما اثنان، وبيانه: أنه لو فرض موجودان قديمان فإما أن يتفقاً من كلّ جهة أو يختلفا من كلّ جهة، أو يتفقاً بجهة ويختلفا بأخرى، والكل محال أمّا بطلان الأول فلان الاثنينية لا تتحقق إلا بامتياز أحد الاثنين عن صاحبه، ولو بوجه من الوجوه، وأمّا بطلان الثاني فلما نبه عليه بقوله: فلما رأينا الخلق منتظما.
وتقريره أن العالم كله كشخص واحد كثير الأجزاء والأعضاء، مثل الإنسان، فإنا نجد أجزاء العالم مع اختلاف طبائعها الخاصة وتباين صفاتها وأفعالها المخصوصة يرتبط بعضها ببعض ويفتقر بعضها إلى بعض، وكل منهما يعين بطبعه صاحبه، وهكذا نشاهد الأجرام العالية وما ارتكز فيها من الكواكب المنيرة(١) في حركاتها الدورية وأضوائها الواقعة منها نافعة للسفليات محصلة لأمزجة المركبات الّتي يتوقف عليها صور الأنواع ونفوسها، وحياة الكائنات ونشو الحيوان والنبات، فإذا تحقق ما ذكرنا من وحدة العالم لوحدة النظام واتصال التدبير دل أن إلهه واحد، وإليه أشار بقوله: دل صحة الأمر والتدبير وائتلاف الأمر على أن المدبر واحد، وأمّا بطلان الشق
__________________
(١) في نسخة « من الجواهر النيرة ».
واحداً والليل والنهار والشمس والقمر دل صحة الأمر والتدبير وائتلاف الأمر على أن المدبر واحد ثمّ يلزمك إن ادعيت اثنين فرجة ما بينهما حتّى يكونا اثنين فصارت
________________________________________________________
الثالث وهو أنهما متفقان من وجه ومختلفان من وجه آخر، فبأن يقال كما أشار إليهعليهالسلام بقوله: ثمّ يلزمك، أنه لا بد فيهما من شيء يمتاز به أحدهما عن صاحبه وصاحبه عنه، وذلك الشيء يجب أن يكون أمراً وجودياً يوجد في أحدهما ولم يوجد في الآخر، أو أمران وجوديان يختص كلّ منهما بواحد فقط، وأمّا كون الفارق المميز لكل منهما عن صاحبه أمراً عدمياً فهو ممتنع بالضرورة، إذ الأعدام بما هي إعدام لا تمايز بينها، ولا تميز بها فإذا فرض قديمان فلا أقل من وجود أمر ثالث يوجد لأحدهما ويسلب عن الآخر، وهو المراد بالفرجة إذ به يحصل الانفراج أي الافتراق بينهما، لوجوده في أحدهما وعدمه في الآخر وهو أيضاً لا محالة قديم موجود معهما، وإلا لم يكونا اثنين قديمين، فيلزم أن يكون القدماء ثلاثة وقد فرض اثنان وهذا خلف، ثمّ يلزم من كونهم ثلاثة أن يكونوا خمسة وهكذا إلى أن يبلغ عددهم إلى ما لا نهاية له وهو محال.
أقول: الأظهر على هذا التقرير أن يحمل الوحدة في قولهعليهالسلام على أن المدبر واحد، على الأعم من الوحدة النوعية والشخصية، ولو حملت على الشخصية يمكن أن يستخرج منه ثلاث حجج لهذا التقرير ولا يخفى توجيهها.
الرابع: أن يكون إشارة إلى ثلاث حجج لكن على وجه آخر وتقرير الأول: أنه لو كان اثنين فإما أن يكونا قويين أي مستقلين بالقدرة على ممكن في نفسه، سواء كان موافقاً للمصلحة أو مخالفا، وهو إنما يتصور بكونهما قديمين، وإما أن يكونا ضعيفين أي غير مستقلين بالقدرة على ممكن ما في نفسه، وإما أن يكون أحدهما قوياً على دفع الآخر من أن يصدر عنه مراد الأول بعينه أو مثله أو ضده في محله، لأنّ عدم المنافي شرط في صدور كلّ ممكن، وعدم القوة على الشرط ينافي القوة على المشروط، ولا شك أن المدفوع كذلك ضعيف مسخر فقوة كلّ منهما في فعل صدر عنه يستلزم دفعه الآخر فيه، وضعف ذلك الآخر، وفي فعل تركه حتّى فعل الآخر ضده يستلزم
الفرجة ثالثاً بينهما قديما معهما فيلزمك ثلاثة فإن ادعيت ثلاثة لزمك ما قلت في الاثنين حتّى تكون بينهم فرجة فيكونوا خمسة ثمّ يتناهى في العدد إلى ما لا نهاية له
________________________________________________________
تمكينه الآخر في فعله، وهذا تفرد بالتدبير فالاستفهام في لم لا يدفع إنكاري أي معلوم ضرورة أنه يدفع كلّ منهما الآخر ويتفرد بالتدبير، وبطلان الشق الثالث لكونه مستلزما لعجز أحدهما أي ضعفه وعدم كونه ممّن ينتهي إليه شيء من تدبير العالم يستلزم بطلان الشق الثاني بطريق أولى، وتقرير الثاني هو أنه لو كان المدبر اثنين فنسبة معلول معلول إليهما إمّا متساوية من جميع الوجوه بأن لا يكون في واحد منهما ما يختص به ويرجح صدورها عنه على صدورها عن الآخر من الداعي والمصلحة ونحوهما، وإما غير متساوية من جميع الوجوه، وكلاهما باطل، أمّا الأول فلأنه إمّا أن يكون ترك كلّ منهما لذلك المعلول مستلزما لفعل الآخر إياه لحكمة كلّ منهما أم لا، فعلى الأول إحداث أحدهما ذلك المعلول يستلزم الترجيح بلا مرجح لأنّ إحداث كلّ منهما ذلك المعلول ليس أولى بوجه من تركه إياه مع إحداث الآخر إياه، وعلى الثاني إمّا أن يكون ترك التارك له مع تجويزه الترك على الآخر قبيحا وخلاف الحكمة أم لا والأول يستلزم النقص، والثاني يستلزم عدم إمكان رعاية المصالح الّتي لا تحصى في خلق العالم، لأنّه اتفاقي حينئذ ومعلوم بديهة أن الاتفاقي لا يكون منتظما في أمر سهل كصدور مثل قصيدة من قصائد البلغاء المشهورين عمن لم يمارس البلاغة، وإن كان يمكن أن يصدر عنه اتفاقاً مصراع بليغ أو مصراعان، فضلا عمّا نحن فيه، وأمّا بطلان الثاني فلأنه يستلزم أن يكون مختلفة من جميع الوجوه بأن لا يكون أحدهما قادراً عليه أصلاً، لأنّ اختلاف نسبة قادرين إلى معلول واحد شخصي إنما يتصور فيما يمكن أن يكون صدوره عن أحدهما أصلح وأنفع من صدوره عن الآخر، وهذا إنما يتصور فيما كان نفع فعله راجعاً إليه كالعباد، وأمّا إذا كان القادران بريئين من الانتفاع كما فيما نحن فيه فلا يتصور ذلك فيه بديهة، وينبه عليه أن الغني المطلق إنما يفعل ما هو الخير في نفسه من غير أن يكون له فيه نفع، سواء كان لغيره فيه نفع
في الكثرة قال هشام فكان من سؤال الزنديق أن قال
________________________________________________________
كما في ثواب المطيع أو لم يكن، ومثاله عقاب الكافر إن لم يكن للمطيعين فيه نفع، وتقرير الثالث: أنه إن كان المدبر اثنين فنسبة معلول إليهما إمّا متساوية من جميع الوجوه أو لا، وكلاهما باطل، أمّا الأول فلان صدور بعض المعلولات عن أحدهما وبعض آخر منها عن الآخر منهما حينئذ يحتاج إلى ثالث هو الفرجة بينهما، أي ما يميز ويعين كلّ معلول معلول لواحد معين منهما حتّى يكون المدبران اثنين، لامتناع الترجيح من جهة الفاعلين بلا مرجح، أي بلا داع أصلاً كما هو المفروض، فيلزم خلاف الفرض، وهو أن يكون المدبر ثلاثة ثمّ ننقل الكلام إلى الثلاثة وهكذا إلى ما لا نهاية له في الكثرة، ويلزم التسلسل، وإنما لم يكتفعليهالسلام بعد نقل الكلام إلى الثلاثة بالاحتياج إلى فرجة واحدة للتمييزين حتّى يكون المجموع أربعة لا خمسة، وإن كان المطلوب وهو لزوم التسلسل حاصلا به أيضا، لأنّ هناك ثلاثة تميزات وتخصيص واحد منهما بمميز كما هو المفروض، واشتراك اثنين منهما بواحد مع اتحاد النسبة تحكم وأمّا بطلان الثاني فلما مر في بيان بطلان الشق الثاني من الدليل الثاني.
أقول: لا يخفى بعد هذا التقرير عن الأفهام واحتياجه إلى تقدير كثير من المقدمات في الكلام.
الخامس: أن يكون الأول إشارة إلى برهان التمانع بأحد تقريراته المشهورة والثاني إلى التلازم كما مر والثالث يكون إلزاما على المجسمة المشركة القائلين بإلهين مجسمين متباعدين في المكان كما هو الظاهر من كلام المجوس لعنهم الله ويكون الفرجة محمولة على معناها المتبادر من جسم يملأ البعد بينهما لبطلان الخلاء، أو سطح فاصل بينهما لتحقق الاثنينية.
السادس: أن يكون إشارة إلى ثلاثة براهين على وجه قريب من بعض الوجوه السابقة، وتقرير الأول أنه لو كان المبدأ الأول الإله الحقّ الصانع للعالم اثنين فلا يخلو من أن يكون كلّ واحد منهما قديما بالذات قوياً قادراً على إيجاد كلّ ممكن بحيث تكون قدرة كلّ واحد منهما وحكمته وإرادته مع تعلّق إرادته كافية.
________________________________________________________
في وجود جميع العالم على الوجه الأصلح المشتمل على الحكم والمصالح الّتي لا تعد ولا تحصى كما هو واقع كذلك أو لا يكون كلّ واحد منهما كذلك وحينئذ إمّا أن يكون كلّ منهما ضعيفا عن إيجاد جميع العالم بانفراده كذلك أو يكون أحدهما قوياً على ذلك والآخر ضعيفا عنه، فأمّا على الأول فلم لا يدفع كلّ منهما صاحبه عن إيجاد العالم وينفرد بالتدبير والإيجاد، حتّى يلزم منه عدم العالم بالكلية لاستحالة توارد العلتين المستقلتين على معلول واحد شخصي أي على مجموع العالم لأنّه بمنزلة واحد شخصي، بل على كلّ واحد من أجزائه أيضاً وإيجاد هذا مانع عن إيجاد ذلك وبالعكس فيتحقق التمانع بينهما، ويلزم على تقدير إيجادهما العالم عدم إيجادهما له، فيلزم من تعدد الصانع تعالى عدم العالم رأسا كما نزل عليه قوله سبحانه( لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا ) وعلى الثاني وهو أن لا يكون كلّ منهما كافياً في وجود جميع العالم على الوجه الواقع عليه سواء كلي عدم كفايته فيه باعتبار عدم شمول قدرته أو حكمته أو إرادته أو عدم شمول تعلّق إرادته عليه، يلزم أن يكونا ضعيفين ناقصين عاجزين باعتبار أي صفة كانت بالضرورة، وما يكون كذلك لا يكون مبدءا أولا وصانعاً للعالم صالحا للإلهية وهذا خلف، وتوضيح ذلك أن عدم تفرد كلّ منهما بخلق جميع العالم على الوجه الأصلح الّذي لا يمكن أن يكون أصلح منه وشركتهما في خلقه إمّا أن يكون على وجه الاضطرار لعدم تمكن كلّ منهما على الانفراد عن ذلك أو على وجه الإرادة والاختيار، وعلى الأول العجز والضعف والنقص ظاهر، لأنّ جميع العالم على هذا الوجه ممكن، فكل منهما لا يقدر على كلّ ممكن، وعلى الثاني فإما يكون في شركتهما حكمة ومصلحة لا تكون تلك الحكمة والمصلحة في الانفراد أم لا، وعلى الأول يلزم أن يكون كلّ واحد منهما بانفراده فائتا لتلك الحكمة والمصلحة وهذا أيضاً ضعف وعجز ونقص في كلّ واحد منهما بالضرورة، بل هذا القسم أيضاً راجع إلى الشق الأول كما لا يخفى، وعلى الثاني يلزم أن تكون شركتهما سفها وعبثاً فيلزم خلوهما عن الحكمة وهو ضعف وعجز عن رعاية الحكمة
________________________________________________________
وعلى الثالث وهو أن يكون أحدهما قديما بالذات قوياً قادراً على إيجاد جميع العالم كافياً فيه يلزم المطلوب وهو وحدة صانع العالم للعجز الظاهر في الضعيف، وكل عاجز وناقص ممكن لا يصلح أن يكون مبدءا ولا صانعاً للعالم صالحا للألوهية، ولما كان فساد القسم الثاني يظهر من بيان فساد القسم الثالث لم يتعرضعليهالسلام للتصريح به.
وتقرير الثاني أنك إن قلت أن الإله الحقّ الصانع المدبر له اثنان، لم يخل من أن يكونا متفقين من جميع الوجوه أي الذات والصفات بحيث لا تمايز بينهما أصلاً، فيلزم وحدة الاثنين وارتفاع الاثنينية من البين، وهو بديهي البطلان، ولظهور فساده لم يتعرضعليهالسلام له، أو يكونان متفرقين من جهة سواء كان في ذاتهما أو في صفاتهما أو فيهما معا، أي لا يكونا متفقين من جميع الجهات ليكون الحصر حاصراً فهو باطل لأنّه يلزم من تعدده فساد العالم وخروجه عن النظام الّذي هو عليه وبطل الارتباط الّذي بين أجزاء العالم، واختل انتظامها واتساقها فلم يكن بينهما هذا النظام كما تشهد به الفطرة السليمة، ونطق به الآية الكريمة، وإليه أشار بقولهعليهالسلام لأنا لما رأينا الخلق منتظما إلى آخره.
وتقرير الثالث أنه لو كان الواجب بالذات اثنين يلزمك أن يكون بينهما فرجة أي مائز يمتاز به أحدهما عن الآخر بوجوده، والآخر بعدمه، لا أقل من ذلك حتّى يتحقق بينهما الاثنينية لاشتراكهما في حقيقة وجوب الوجود، ولا يجوز أن يكون ذلك المميز ذا حقيقة يصح انفكاكها عن الوجود وخلوها عنه ولو عقلاً وبحسب التصور وإلا لكان معلولا محتاجاً إلى المبدأ، فلا يكون مبدءا أولا ولا داخلا فيه، فيكون المميز أيضاً موجوداً قديما بذاته كما به الاشتراك، فيكون ما فرضت اثنين ثلاثة وننقل الكلام إلى الثلاثة وتحتاج إلى مائزين وجوديين ليمتاز الثالث عنهما بعد مهما، فتكون الثلاثة خمسة، وننقل الكلام إلى المائزين وهكذا إلى آخر ما مر من التقرير في الوجه الأول.
السابع أن يوجه الثالث بأنه لو كان الصانع سبحانه اثنين يلزم منه أن يكون
________________________________________________________
العالم اثنين، لأنّه يجب أن يوجد كلّ واحد منهما عالماً تاما مشتملا على جميع ما في هذا العالم من الحكم والمصالح وإلا فيكون كلاهما أو أحدهما ناقصاً بوجه من الوجوه بالضرورة والنقص فيه محال، ومن ذلك يلزم أن يكون العالم الجسماني اثنين، ومن اثنينيته يلزم اثنينية الفلك الأعلى، ويحيط كلّ واحد منه بجميع أجسام عالمه وهما كرتان، فبالضرورة يتحقق بينهما بعد وفرجة واحدة، لو لم تكن الكرتان متماستين أو فرجتان لو كانتا متماستين بنقطة واحدة، ولاستحالة الخلاء يجب أن يكون الشاغل لتلك الفرجة جسما آخر ولوجوب استناد الجسم إلى مجرد منته إليه يجب أن تكون علته وصانعه واجباً ويجب أن يكون ثالث الصانعين المفروضين، لأنّ ذلك الجسم خارج عن جميع مخلوقات كلّ واحد منهما، لأنّ عالمه عبارة عن جميع مخلوقاته، وعلى هذا فيلزم أن يكون ذلك الجسم المالي لتلك الفرجة عالماً جسمانياً آخر، مثل هذا العالم وإلا يلزم النقص في صانعه الّذي هو واجب بالذات بوجه من الوجوه، والنقص في الواجب محال فمن اثنينية الصانع يلزم الفرجة بين العالمين الجسمانيين وهي مستلزمة لوجود صانع واجب آخر موجد لعالم جسماني آخر شاغل لها، ومن وجود العالم الجسماني الثالث تلزم فرجتان أخريان مستلزمتان لصانعين آخرين وهكذا إلى غير النهاية، وذلك باطل من وجهين أمّا أولا فلاستلزامه وجود البعد الغير المتناهي وهو محال، وأمّا ثانياً فللزوم التسلسل لتحقق اللزوم بين العالمين وبين العالم الثالث، وكذا بينه وبين العالمين الآخرين وهكذا، وذلك كاف في تحقق التسلسل المحال، وعلى هذا فقولهعليهالسلام فرجة ما بينهما أي فرجة ما بين عالميهما الجسمانيين. وقولهعليهالسلام فصارت الفرجة ثالثاً بينهما قديما معهما، أي فصارت علة شاغل الفرجة ثالثاً بين الصانعين قديما بالذات معهما، فيلزمك أن يكون الصانع القديم ثلاثة، وقولهعليهالسلام : حتّى يكون بينهم فرجتان أي حتّى يكون بين مصنوعيهما فرجتان شاغلتان لعالمين جسمانيين آخرين، فيكون الصانع خمسة، وهكذا يزيد عدده بإزاء الفرج الحاصلة بين الكرات ولا يخفى عليك ما فيه من التكلفات.
فما الدليل عليه فقال أبو عبد اللهعليهالسلام وجود الأفاعيل دلت على أن صانعاً صنعها ألا ترى أنك إذا نظرت إلى بناء مشيد مبني علمت أن له بانياً وإن كنت لم تر الباني ولم تشاهده قال فما هو قال شيء بخلاف الأشياء ارجع بقولي
________________________________________________________
قوله: فما الدليل عليه: يعني بما ذكرت قد ثبت وحدة المبدأ الأول للعالم على تقدير وجوده، فما الدليل على وجوده؟ فأجابعليهالسلام بأن الأفاعيل وهي جمع أفعولة وهو الفعل العجيب الّذي روعي فيه الحكمة، كخلق الإنسان وعروقه وأحشائه وعضلاته وآلات القبض والبسط ونحو ذلك، مما لا يتأتى إلا من قادر حكيم، ونبه عليه بأنك إذا نظرت إلى بناء مشيد أي مطول ومستحكم، ولما كان البناء قد يستعمل لغير المبني كالمعنى المقابل للهدم وغيره أردفه بقوله: مبني، أو المعنى مبني لإنسان لا الأبنية الّتي تكون في الجبال، لا يعلم كونه مبينا لإنسان « علمت أن له بانياً » فإذا كنت تحكم في البناء الّتي يتأتى من الإنسان بأن له بانياً البتة من نوع الإنسان، ولا يجوز حصوله بغير بان، فلم لا تحكم في البناء الّذي تعلم أن بانية أرفع وأقدر وأحكم من الإنسان بوجود الباني، وتجوز وجوده من غير بأن وموجد وخالق، وقوله: فما هو؟ إمّا سؤال عن حقيقته بالكنه، ففي الجواب إشارة إلى أنه لا يمكن معرفته بالكنه وإنما يعرف بوجه يمتاز به عن جميع ما عداه، أو سؤال عن حقيقته بالوجه الّذي يمتاز به عن جميع ما عداه، وعلى التقديرين فالجواب بيان الوجه الّذي به يمتاز عمّا عداه، وهو أنه شيء بخلاف الأشياء، أي لا يمكن تعقل ذاته إلا بهذا الوجه، وهو أنه موجود بخلاف سائر الموجودات في الذات والصفات، وفي نحو الاتصاف بها، وقوله: ارجع على صيغة الأمر أو المتكلم وحده بقولي: وهو أنه شيء بخلاف الأشياء إلى إثبات معنى للذات أو إلى إثبات موجود في الخارج، ومقصود باللفظ فيه، وإلى أنه شيء بحقيقة الشيئية أعلم أن الشيء مساو للوجود إذا أخذ الوجود أعم من الذهني والخارجي، والمخلوط بالوجود من حيث الخلط شيء وشيئيته كونه مهية قابلة له، وقيل: إنّ الوجود عين الشيئية فالمراد بقوله بحقيقة الشيئية أي بالشيئية الحقة الثابتة له في حد ذاته لأنه
إلى إثبات معنى وأنه شيء بحقيقة الشيئية غير أنه لا جسم ولا صورة ولا يحس
________________________________________________________
تعالى هو الّذي يحق أن يقال أنه شيء أو موجود، لكون وجوده بذاته ممتنع الانفكاك عنه، وغيره تعالى في معرض الفناء والعدم، وليس وجودهم إلا من غيرهم، أو المراد أنه تجب معرفته بمحض أنه شيء إلا أن يثبت له حقيقة معلومة مفهومة يتصدى لمعرفتها، فإنه يمتنع معرفة كنه ذاته وصفاته تعالى.
وقيل: إشارة إلى أن الشيئية أي الوجود أو ما يساوقه عين ذاته تعالى فهي شيئية قائمة بذاتها كما أن حقيقة الوجود المجهول الكنه المعلوم بالوجه بديهة عينه تعالى، وهو وجود قائم بنفسه، فهو تعالى شيء بحقيقة الشيئية الّتي هي عينه كما أنه موجود بحقيقة الوجود الّذي هو عينه، بخلاف ما عداه من الممكنات المعلولة، فإنه شيء بالانتساب إلى الشيئية الحقيقية كما أنه موجود بالانتساب إلى حضرة الوجود، لا موجود بنفس الوجود، وإن لم يكن حقيقة ذلك الانتساب معلوما لنا، أو معناه أن الشيئية لا يمكن انتزاعها منه تعالى انتزاعاً بتجرد ذاته عن الشيئية ولو في اللحاظ العقلي، بل ذاته بذاته حيثيته انتزاع الشيئية منه، كما أن ذاته بذاته حيثيته انتزاع الوجود منه، فهو كما أنه موجود بذاته شيء بذاته، وهذا معنى عينية الشيئية والوجود لذاته تعالى عند جماعة من المحققين بخلاف المهيات الممكنة فإنها كما تصير في اللحاظ العقلي مجردة عن الوجود وبعقل غير مخلوطة به ولا تكون بذاتها حيثيته انتزاع الوجود، بل إنما جعلها الجاعل بحيث يصح انتزاعه منها كذلك تصير في اللحاظ العقلي مجردة عن الشيئية وتعقل غير مخلوط بها ولا تكون بذاتها حيثيته انتزاع الشيئية بل إنما جعلها الجاعل بحيث يصح انتزاعها منها فهي كما أنها موجود بغيرها شيء بغيرها، ثمّ لما بينعليهالسلام أنه شيء بحقيقة الشيئية نفي عنه جميع ما عداه من ذوات الممكنات المعلولة كالجسم والصورة وأمثالها، وصفاتها كالإحساس والإجساس ونحو ذلك لأنّ الممكن لا يكون شيئاً بحقيقة الشيئية، بل إنما يكون شيئاً بالانتساب إلى الشيئية أو بالاتصاف بها بجعل الجاعل لا بذاته، فظهر أن نفي الجسم والصورة ونفي
ولا يجس ولا يدرك بالحواس الخمس لا تدركه الأوهام ولا تنقصه الدهور ولا تغيره الأزمان.
٧ - محمّد بن يعقوب قال حدثني عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد البرقي، عن أبيه، عن علي بن النعمان، عن ابن مسكان، عن داود بن فرقد، عن أبي سعيد الزهري، عن أبي جعفرعليهالسلام قال كفى لأولي الألباب بخلق الرب المسخر
________________________________________________________
بعض صفات الممكنات عنه تعالى هاهنا على سبيل التمثيل، ولا يحس أي ليس من شأنه أن يدرك بحاسة البصر كما ذكره بعض أهل اللغة، أو أعم منه، ولا يجس أي لا يمكن مسه باليد، قال في القاموس: الجس المس باليد كالإجساس ولا يدرك بالحواس الخمس أي الظاهرة، لتجرده وخلوه عن الكيفيات مطلقاً لا سيما المحسوسة، فهذا من قبيل التعميم بعد التخصيص.
ثم نفي كونه محسوسا بالحواس الباطنة بقوله لا تدركه الأوهام، لأنّ الوهم رئيس الحواس الباطنة، يدرك بعض الجزئيات بواسطة بعض الحواس كالصور الجزئية بوساطة الحس المشترك ويدرك المعاني الجزئية المادية بلا واسطة فنفى كونه مدركاً بالوهم يستلزم كونه غير مدرك بشيء من الحواس الباطنة مع أنه في اللغة يطلق الوهم على جميع الحواس الباطنة، بل على ما يعم العقل أيضاً أحيانا.
ولا تنقصه الدهور: أي بالهرم وضعف القوي، ونحو ذلك، ولا تغيره الأزمان بحصول الأوصاف الخالية عنها فيه أو بزوال الأوصاف الحاصلة فيه عنه، وقيل: المراد نفي الدهر عنه وهو ظرف الثابت بالنسبة إلى المتغير، ونفي الزمان عنه، وهو ظرف نسبة المتغير إلى المتغير.
الحديث السابع مجهول.
« كفى لأولي الألباب » أي لأرباب العقول، والمراد بالخلق أمّا الإنشاء والإبداع أو المخلوق، وقيل: المراد به التقدير من خلقت الأديم إذا قدرته، وعلى الأول والثالث فالمسخر اسم فاعل صفة للخلق أو الرب، وعلى الثاني اسم مفعول صفة للخلق، ويحتمل
وملك الرب القاهر وجلال الرب الظاهر ونور الرب الباهر وبرهان الرب
________________________________________________________
على الأول والثالث أيضاً ذلك بأن يكون مفعولا للخلق لكنه بعيد جداً ولا ريب في أن كلّ مخلوق مقهور مذلل تحت قدرة خالقه وقاهره لا يملك لنفسه ما يخلصه من القهر والغلبة فهو مسخر له، فهذا استدلال بالآثار مطلقاً على المؤثر، ويحتمل أن يكون مرادهعليهالسلام الاستدلال بالخلق المسخر المتحرك بالاضطرار كالشمس والقمر ونحو هما على وجود قاهر يقهره بالغلبة والعز والسلطنة، فهو إله ومستحق لأنّ يعبد، والملك بالضم السلطنة والعز والغلبة، والقاهر صفة للملك أو الرب، وهذا استدلال بملكوت السماوات والأرض، وأنه لا تبدل حكمته الوسائل، ويعجز عن معارضته من سواه، على وجود الرب القادر على كلّ شيء، والجلال: العظمة والرفعة والعلو والظاهر بمعنى البين والغالب، أو بمعنى العالم بالأمور، وعلى الأول صفة للجلال، وعلى الأخيرين صفة للرب فهو استدلال بعظمته في مخلوقاته، أي خلقه أموراً عظيمة على وجوده تعالى.
وقيل: يعني جلاله وعظمته وتعاليه عن أن يشارك غيره في الألوهية يدل على وحدته. والنور ما به يظهر ويبصر الخفيات المحجوبات عن الأبصار، كنور الشمس والقمر ونحوهما، والبهر: الإضاءة أو الغلبة يقال: بهر القمر إذا أضاء حتّى غلب ضوؤه ضوء الكواكب، وبهر فلان أترابه: غلبهم حسنا، فالباهر على الأول صفة النور، وعلى الثاني يحتمل أن يكون صفة الرب أيضا، والنور هنا يحتمل الأنوار الظاهرة المخلوقة له تعالى أو الوجود والكمالات الّتي ظهر آثارها في المخلوقات فإن كلا منهما في ظهور الأشياء على العقل كالنور الظاهر عند الحس بل هي في ذلك أقوى وأشد، والبرهان: الحجة، والصادق صفته، فالمراد بالبرهان الصادق إمّا حججه على خلقه من الأنبياء والأئمّة الصادقينعليهمالسلام في جميع أحكامهم فحينئذ الاستدلال به على وجوده تعالى بوجهين أحدهما إخبارهم بوجوده تعالى مع قطعنا بصدقهم بسبب ظهور خوارق العادات على أيديهم، فإن المعجزة في نفسها يفيد القطع بصدق صاحبها، ولا حاجة إلى الدليل على
________________________________________________________
أنها تجري في يد كاذب، ولا يتوقف تصديق صاحبها على إثبات الواجب كما صرح به جماعة، وثانيهما أن أصل خلقتهم من عظم شأنهم واتصافهم بالكمالات الوهبية الجليلة والأوصاف القدسية العظيمة، وخروج خلقهم عن مجرى أفعال الطبيعة من أعظم الدلائل على صانع العالم البريء من كلّ نقص، والمراد به كلّ مخلوق من المخلوقات عظيمها وحقيرها وكبيرها وصغيرها، فإن كلا منها برهان صادق وحجة ناطقة على وجوده تعالى أو البراهين الّتي أنزلها في كتبه وأجراها على ألسنة أنبيائه ورسله وحججهعليهمالسلام « وما أنطق به ألسن العباد » يحتمل وجوها، الأول: اتفاقهم وتواطؤهم بحكم بداهة عقولهم على وجود صانع العالم المتوحد بالصانعية ولا يجوز العقل اجتماع هذا الخلق من أهل الأديان المختلفة والأديان المتشتة على باطل، فهو إمّا بديهي أو نظري واضح المقدمات لا يتطرق إليه شك ولا شبهة.
قال بعض المحققين: إنّ العلم يحصل بالتواتر وهو إخبار جمع كثير عن أمر محسوس، وما ذلك إلا لأنّ العقل يحيل اجتماعهم على الكذب، أو على غلط الحس فنقول أجمع جميع الأنبياء والأوصياء والعلماء والحكماء بل كافة العقلاًء على وجود الصانع فيحصل العلم الضروري بوجوده، لأنّ العقل يحيل اجتماعهم على الكذب والغلط في هذا المعقول، فكما يعلم أمن الحس الكثير عن الغلط في رؤية بصرية يعلم أمن أمثال تلك العقول على كثرتها من الاجتماع على غلط في البصيرة، وأمّا العلم باجتماعهم على ذلك فإنما يحصل بأخبارهم، والعلم بأخبارهم حاصل بالتواتر، والله يهديك السبيل « انتهى ».
الثاني: دعاؤهم وتضرعهم والتجاؤهم إلى الله تعالى في الشدائد والمحن بمقتضى فطرة عقولهم، وهذا يدل على أن عقولهم بصرافتها تشهد بخالقهم ومفزعهم في شدائدهم، حتّى أنه قد يشاهد ذلك من الحيوانات كما قيل إنها في سني الجدب ترفع رؤوسها إلى
الصادق وما أنطق به ألسن العباد وما أرسل به الرسل
________________________________________________________
السماء، تطلب الغيث، وقال الرازي في المطالب العالية: رأيت في بعض الكتب أن في بعض الأوقات اشتد القحط وعظم حر الصيف، والناس خرجوا للاستسقاء فما أفلحوا قال: فخرجت إلى بعض الجبال فرأيت ظبية جاءت إلى موضع كان في الماضي من الزمان مملوء من الماء، ولعل تلك الظبية كانت تشرب منه، فلما وصلت الظبية إليه ما وجدت فيه شيئاً من الماء، وكان أثر العطش الشديد ظاهراً عليها، فوقفت ورفعت رأسها إلى السماء مراراً فأطبق الغيم ونزلت الأمطار الغزيرة حتّى ملأت الغدير، فشربت الماء وذهبت.
الثالث: أن يكون المراد به اختلاف الأصوات أو اللغات واللهجات المختلفة كما قال سبحانه( وَمِنْ آياتِهِ ) .( اخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ ) (١) .
الرابع: أن يكون المراد به الدلائل والبراهين الّتي يجريها الله تعالى على ألسن العباد.
قولهعليهالسلام وما أرسل به الرسل: هذا يحتمل وجهين: الأول: أن يكون المراد به الشرائع الحقة المشتملة على الحكم والمصالح الّتي لا تحصى، وبها تنتظم أمور الدين والدنيا، فإن من تأمل في خصوصيات الشرع وقوانينه في العبادات والمعاملات والحدود والمواريث والأحكام والآداب والأخلاق، ومعاشرة أصناف الناس بعضهم بعضا وغير ذلك، علم بديهة أن مثل هذا خارج عن طوق البشر، والحكماء السالفة في الأزمنة المتطاولة بذلوا أفكارهم في ذلك بجهدهم، ولم يأتوا بشيء يمكن به سياسة فرية، وإنما ذكروا أحكاما كلية من حسن العدل وقبح الجور والفساد وأمثال ذلك مما يحكم به عقل جميع الناس، والحق أنه كما أن عالم الوجود وانتظامه يدل على وجود الصانع ووحدته فكذا انتظام أحوال النشأتين بتلك الشرائع الحقة والنواميس الإلهية أدل
__________________
(١) سورة الروم: ٢٢، والآية هكذا:( ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم ) .
وما أنزل على العباد دليلاً على الرب.
باب إطلاق القول بأنه شيء
١ - محمّد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي نجران قال سألت أبا جعفرعليهالسلام عن التوحيد فقلت:
________________________________________________________
دليل على وجود الصانع ومدبر العالم ووحدته وحقيقة أنبيائه ورسله، « الثاني » أن يكون المراد به الآيات والمعجزات وخوارق العادات كانفلاق البحر لموسى وانقلاب العصاً حية وسائر آياته، وإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وغيرها لعيسىعليهالسلام وشق القمر وتسبيح الحصى وجريان الماء من بين الأصابع، وسائر المعجزات الّتي لا تحصى لنبيناصلىاللهعليهوآله فإن العقل يحكم بديهة أنها خارجة عن الطاقة البشرية، وليست إلا من مدبر قاهر قادر حكيم عليم.
قولهعليهالسلام : وما أنزل على العباد: أي البلايا والمصائب الّتي أنزلها على العباد عند طغيانهم وعدوانهم من الأمور الخارقة للعادات كالطوفان والريح والصواعق بعد دعاء الأنبياء واستحقاقهم للعذاب فإنه معلوم أنها لم تكن بقدرة الأنبياءعليهمالسلام أو المراد به ما أنزل على العباد من الكتاب والحكمة تأكيداً أو بحمل ما مر على غيرها، فكل هذا دليل على الرب القديم والصانع الحكيم.
باب إطلاق القول بأنه شيء
المراد بالإطلاق هنا التجويز والإباحة كما ورد في الخبر: كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي، وقيل: معناه أنه لا يحتاج إطلاق لفظ شيء فيه إلى قرينة كاحتياج الألفاظ المشتركة والمجازية إليها، فهو مشترك معنوي كالموجود والوجود وما ذكرنا أظهر.
الحديث الأول: صحيح.
قوله عن التوحيد: المراد به هنا ما يتعلّق بمعرفته سبحانه أي مسألة كانت من المسائل الإلهية كما هو الشائع في لسان أهل الشرع وغيرهم، وقيل: أي عن معرفته
أتوهم شيئاً فقال نعم غير معقول ولا محدود فما وقع وهمك عليه من شيء فهو خلافه لا يشبهه شيء ولا تدركه الأوهام كيف تدركه الأوهام وهو خلاف ما يعقل وخلاف ما يتصور في الأوهام إنما يتوهم شيء غير معقول ولا محدود.
________________________________________________________
تعالى متوحداً بحقيقته وصفاته متنزها عن غيره.
قوله أتوهم شيئا: الظاهر أنه استفهام بحذف أداته أي أتصوره شيئاً وأثبت له الشيئية وقيل: الهمزة للاستفهام والفعل ماض مجهول أو مضارع معلوم بصيغة الخطاب بحذف إحدى التائين، وقيل: على صيغة التكلم خبر وما ذكرنا أظهر، وقولهعليهالسلام نعم غير معقول، أي تصوره وتعقله شيئاً غير معقول بالكنه، ولا محدود بالحدود العقلية ولا بالحدود الحسية الظاهرية والباطنية من السطوح والخطوط والنقاط والأشكال والنهايات، وقولهعليهالسلام فما وقع وهمك عليه، تفريع على قوله: ولا محدود، وقولهعليهالسلام : لا يشبهه شيء: استئناف بياني، وجملة القول في ذلك أن من المفهومات مفهومات عامة شاملة لا يخرج منها شيء من الأشياء لا ذهنا ولا عينا كمفهوم الشيء والموجود والمخبر عنه، وهذه معان اعتبارية يعتبرها العقل لكل شيء، إذا تقرر هذا فاعلم أن جماعة من المتكلمين بالغوا في التنزيه حتّى امتنعوا من إطلاق اسم الشيء بل العالم والقادر وغير هما على الله سبحانه، محتجين بأنه لو كان شيئاً شارك الأشياء في مفهوم الشيئية، وكذا الموجود وغيره، وذهب إلى مثل هذا بعض معاصرينا، فحكم بعدم اشتراك مفهوم من المفهومات بين الواجب والممكن، وبأنه لا يمكن تعقل ذاته وصفاته تعالى بوجه من الوجوه، ويكذب جميع الأحكام الإيجابية عليه تعالى، ويرد قولهم هذا الخبر وغيره من الأخبار المستفيضة، وبناء غلطهم على عدم الفرق بين مفهوم الأمر وما صدق عليه، وبين الحمل الذاتي والحمل العرضي وبين المفهومات الاعتبارية والحقائق الموجودة، فأجابعليهالسلام بأن ذاته تعالى وإن لم يكن معقولاً لغيره ولا محدوداً بحد إلا أنه مما يصدق عليه مفهوم شيء، لكن كلّ ما يتصور من الأشياء فهو بخلافه، لأنّ كلّ ما يقع في الأوهام والعقول فصورها الإدراكية كيفيات نفسانية وأعراض
٢ - محمّد بن أبي عبد الله، عن محمّد بن إسماعيل، عن الحسين بن الحسن، عن بكر بن صالح، عن الحسين بن سعيد قال سئل أبو جعفر الثانيعليهالسلام يجوز أن يقال لله إنه شيء قال نعم يخرجه من الحدين حد التعطيل وحد التشبيه.
٣ - علي بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن أبي المغراء رفعه، عن أبي جعفرعليهالسلام قال قال إنّ الله خلو من خلقه وخلقه خلو منه وكل ما وقع عليه
________________________________________________________
قائمة بالذهن، ومعانيها مهيات كلية قابلة للاشتراك والانقسام، فهو بخلاف الأشياء، وقولهعليهالسلام إنما يتعقل(١) شيء إعادة للمدعي بعنوان الحصر، ونتيجة للدليل.
الحديث الثاني: ضعيف.
قوله: حد التعطيل: هو عدم إثبات الوجود والصفات الكمالية والفعلية والإضافية له تعالى، وحد التشبيه الحكم بالاشتراك مع الممكنات في حقيقة الصفات وعوارض الممكنات.
الحديث الثالث: مرفوع.
قولهعليهالسلام : خلو من خلقه، والخلو بكسر الخاء وسكون اللام الخالي، فقوله:خلو من خلقه أي من صفات خلقه، أو من مخلوقاته، فيدل على نفي ما ذهبت إليه الأشاعرة من الصفات الموجودة الزائدة لأنها لا بد أن يكون مخلوقة لله تعالى، بانضمام المقدمتين الأخيرتين المبنيتين على التوحيد، واتصافه بمخلوقه مستحيل، لما تقرر من أن الشيء لا يكون فاعلا وقابلاً لشيء واحد، وأيضا الفاقد للشيء لا يكون معطياً له، وكذا يدل على نفي ما ذهبت إليه الكرامية من اتصافه سبحانه بالصفات الموجودة الحادثة، وعلى نفي ما ذهب إليه بعض الصوفية من عروض المهيات الممكنة للوجود القائم بالذات تعالى عن ذلك علوا كبيرا.
قوله: وخلقه خلو منه: أي من صفاته أو المراد أنه لا يحل في شيء بوجه من الوجوه، فينفى كونه عارضا لشيء أو حالا فيه أو متمكنا فيه، إذ ما من شيء إلا وهو مخلوق له بحكم المقدمتين الأخيرتين، فيدل على نفي قول النصارى القائلين بأنه
__________________
(١) وفي المتن « إنما يتوهم شيء » كما هو بيمينك، ولعله من باب النقل بالمعنى.
اسم شيء فهو مخلوق ما خلا الله
________________________________________________________
سبحانه جوهر واحد ثلاثة أقانيم هي الوجود والعلم والحياة المعبر عنها عندهم بالأب والابن وروح القدس، ويقولون: الجوهر: القائم بنفسه، والأقنوم: الصفة، وجعل الواحد ثلاثة إمّا جهالة محضة، أو ميل إلى أن الصفات عين الذات، لكنه لا يستقيم ذلك مع سائر كلماتهم واقتصارهم على العلم والحياة دون القدرة وغيرها جهالة أخرى وكأنهم يجعلون القدرة راجعة إلى الحياة، والسمع والبصر إلى العلم، ثمّ قالوا: الكلمة وهي أقنوم العلم اتحدت بجسد المسيح وتدرعت بناسوته، بطريق الامتزاج كالخمر بالماء عند الملكائية، وبطريق الإشراق كما تشرق الشمس من كوة على بلور عند النسطورية وبطريق الانقلاب لحما ودما بحيث صار الإله هو المسيح عند اليعقوبية، ومنهم من قال: ظهر اللاهوت بالناسوت كما يظهر الملك في صورة البشر، وقيل: تركبت اللاهوت والناسوت كالنفس مع البدن، وقيل: إنّ الكلمة قد تداخل الجسد فيصدر عنه خوارق العادات، وقد تفارقه فتحله الآلام والآفات إلى غير ذلك من الهذيانات، وينفي أيضاً مذهب بعض الغلات القائلين بأنه لا يمتنع ظهور الروحاني بالجسماني كجبرئيل في صورة دحية الكلبي، وكبعض الجن والشياطين في صورة الأناسي، فلا يبعد أن يظهر الله تعالى في صورة بعض الكاملين، وأولى الناس بذلك أمير المؤمنين وأولاده المخصوصون الّذين هم خير البرية في العلم والكمالات العلمية والعملية فلهذا كان يصدر عنهم من العلوم والأعمال ما هو فوق الطاقة البشرية، وينفى أيضاً مذاهب أكثر الصوفية فإن بعضهم يقال: بأن السالك إذا أمعن في السلوك وخاض لجة الوصول فربما يحل الله - سبحانه وتعالى عمّا يقولون - فيه كالنار في المجمر، بحيث لا تمايز أو يتحد به بحيث لا اثنينية ولا تغاير وصح أن يقول، هو أنا وأنا هو، وحينئذ يرتفع الأمر والنهي، ويظهر منه من الغرائب والعجائب ما لا يتصور من البشر، ويظهر من كلام بعضهم أن الواجب تعالى هو الموجود المطلق، وهو واحد لا كثرة فيه أصلاً، وإنما الكثرة في الإضافات والتعينات الّتي هي بمنزلة الخيال والسراب، إذا لكل في الحقيقة واحد يتكرر على المظاهر، لا بطريق
٤ - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد البرقي، عن أبيه، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن ابن مسكان، عن زرارة بن أعين قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول إنّ الله خلو من خلقه وخلقه خلو منه وكل ما وقع عليه اسم شيء ما خلا الله فهو مخلوق والله خالق كلّ شيء تبارك الّذي( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ - وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) .
٥ - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن علي بن عطية، عن خيثمة، عن أبي جعفرعليهالسلام قال إنّ الله خلو من خلقه وخلقه خلو منه وكل ما وقع عليه اسم شيء ما خلا الله تعالى فهو مخلوق و( اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) .
٦ - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن العباس بن عمرو الفقيمي، عن هشام
________________________________________________________
المخالطة ويتكثر في النواظر لا بطريق الانقسام، فأمره دائر بين القول باتحاد جميع الموجودات مع الواجب تعالى، أو القول بعدم تحقق موجود آخر غير الواجب في الواقع، وكل منهما سفسطة تحكم بديهة العقل ببطلانه، وضرورة الدين بفساده وطغيانه.
الحديث الرابع: صحيح، والبركة: الزيادة من الخير والثبات عليه والطهارة من العيب.
قولهعليهالسلام ليس كمثله: أي ليس له ما يشبه أن يكون مثله فكيف مثله، أو ليس مثل مثله، فيدل على نفي مثله بالكناية الأبلغ لأنّ على تقدير وجود المثل يكون هو مثل مثله، والمشهور أن الكاف زائدة وأردفه بقوله( وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) لئلا يتوهم أن نفي المثل يستلزم نفي الصفات كما توهم.
الحديث الخامس: حسن.
قولهعليهالسلام : وكل ما وقع ...هذا كالتعليل للسابق وتتمة له وبانضمامه يدل على عينية صفاته تعالى وعدم تركبه فتدبّر، وإنما أورد هذا الخبر والذي قبله في هذا الباب لتضمنها استثناؤه سبحانه من قوله: كلما وقع عليه اسم شيء.
الحديث السادس: مجهول، وقد مر صدر الخبر وتكلمنا عليه.
بن الحكم، عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنه قال للزنديق حين سأله ما هو قال هو شيء بخلاف الأشياء ارجع بقولي إلى إثبات معنى وأنه شيء بحقيقة الشيئية غير أنه لا جسم ولا صورة ولا يحس ولا يجس ولا يدرك بالحواس الخمس لا تدركه الأوهام ولا تنقصه الدهور ولا تغيره الأزمان فقال له السائل فتقول إنه سميع بصير قال هو سميع بصير سميع بغير جارحة وبصير بغير آلة بل يسمع بنفسه ويبصر بنفسه ليس قولي إنه سميع يسمع بنفسه وبصير يبصر بنفسه أنه شيء والنفس شيء آخر ولكن
________________________________________________________
قوله: فتقول إنه سميع: إيراد على قولهعليهالسلام لا جسم يعني أن له سمعاً وبصراً فكيف لا يكون جسماً، أو قلت إنه لا بد من العلم به بمحض الشيئية وقلت لا تدركه الأوهام فهل تثبت له من الصفات شيئاً أم لا فأجابعليهالسلام : بأنا نثبت الصفات على وجه لا يشابه بها المخلوقات ولا يوجب له الاشتراك مع غيره لا في حقيقة الصفات، لأنّ غيره سميع بجارحة بصير بآلة وهو تعالى يسمع ويبصر، أي يعلم المسموعات والمبصرات لا بجارحة ولا بآلة ولا بصفة زائدة على ذاته، ليلزم علينا أن يكون له مجانس أو مشابه بل هو سميع بنفسه وبصير بنفسه ثمّ أشارعليهالسلام إلى رفع توهم آخر وهو أن يقال: قولكم يسمع بنفسه يستدعي المغايرة بين الشيء ونفسه، لمكان باء السببية أو الآلية أو يقال حمل شيء على شيء أو صدقه عليه مما يستدعي مغايرة ما بين الموضوع والمحمول، فإذا قلنا إنه سميع بنفسه يتوهم أن المشار إليه بأنه شيء والسميع بنفسه شيء آخر، فقال: ليس قولي سميع بنفسه « إلخ » والمراد أن الضرورة دعت إلى إطلاق مثل هذه العبارات للتعبير عن نفي الكثرة عن ذاته حين كون الإنسان مسئولا يريد إفهام السائل في المعارف الإلهية فإنه يضطر إلى إطلاق الألفاظ الطبيعية والمنطقية الّتي تواطأ عليها الناس وهو المراد بقولهعليهالسلام : ولكني أردت عبارة عن نفسي إذ كنت مسئولا أي أردت التعبير عمّا في نفسي من الاعتقاد في هذه المسألة بهذه العبارة الموهمة للكثرة لضرورة التعبير عمّا في نفسي إذ كنت مسئولا، ولضرورة إفهام
أردت عبارة عن نفسي إذ كنت مسئولا وإفهاما لك إذ كنت سائلا فأقول إنه سميع بكله لا أن الكل منه له بعض ولكني أردت إفهامك والتعبير عن نفسي وليس مرجعي في ذلك إلا إلى أنه السميع البصير العالم الخبير بلا اختلاف الذات ولا اختلاف المعنى قال له السائل فما هو قال أبو عبد اللهعليهالسلام هو الرب وهو المعبود وهو الله
________________________________________________________
الغير الّذي هو السائل ثمّ عبرعليهالسلام بعبارة أخرى لفهم السائل ورفع(١) فقال فأقول إنه سميع بكله، ولما كان هذا موهما أن له سبحانه بعضا وجزءا نفى ذلك الوهم بقوله لا أن الكل منه له بعض وهو مجتمع من الأبعاض، بل المراد كونه سميعاً بحقيقته وذاته، الواحدة البسيطة لا غير المنقسمة والمتكثرة ثمّ أوضحعليهالسلام ذلك بوجه آخر فقال: وليس مرجعي أي في كلامي إلا إلى كونه سميعاً بصيراً، ومرجع السمع والبصر فيه إلى كونه عالماً خبيراً بالمسموع والمبصر كعلم السامع البصير منا لكن لا بآلة وجارحة بل بلا اختلاف الذات بالأجزاء ولا اختلاف المعنى، أي الصفة للذات أو للصفة لما تحقق من امتناع اختلاف جهتي القابلية والفاعلية والإمكان والوجوب في المبدأ الأول جل شأنه.
قال الفارابي: إنه تعالى وجود كله، وجوب كله، علم كله، قدرة كله، حياة كله، إرادة كله، لا أن شيئاً منه علم، وشيئاً آخر قدرة، فيلزم التركيب في ذاته، ولا أن شيئاً فيه علم وشيئاً آخر فيه قدرة، ليلزم التكثير في صفاته.
قوله: فما هو؟ أي إذا تفردت ذاته سبحانه عن سائر الأشياء بحيث لا يشاركه شيء لا في الذات ولا في الصفات فما هو؟ وبأي شيء تعرف ذاته؟ فإن التعريف إنما يكون بالحدود وإما بالرسوم، وإذ ليس بذي أجزاء فلا حد له، وإذ ليست له صفة لازمة ولا خاصية زائدة، فلا رسم، والجواب: أن التعريف غير منحصر في هذين الوجهين، بل قد يعرف الشيء بآثاره وأفعاله كما في القوي، حيث تعرف بأفاعيلها، فقوله: هو الرب « إلخ » إشارة إلى ذلك، فإنا إذا رأينا المربوبات علمنا أن لها ربا، ولما
__________________
(١) كذا في النسخ واستظهر من هامش نسخة « ب » أنّ الأصل « ورفع توهمه ».
وليس قولي الله إثبات هذه الحروف ألف ولام وهاء ولا راء ولا باء ولكن ارجع
________________________________________________________
نظرنا إلى العباد علمنا أن لهم معبودا، ولما أبصرنا وله الأشياء وتضرعها وافتقارها علمنا أن لها إلها، فنعرف أن في الوجود رباً معبوداً وإلها قيوماً، ثمّ إنه لما كان كثير من المتكلمين توهموا أن الاسم عين المسمى كما سيأتي أشارعليهالسلام هنا إلى إزاحة هذا الوهم بأنه ليس المراد بقولي: الله أو الرب إثبات هذه الحروف ليلزم تركبه سبحانه ويقدح في توحيده، فإنه ليس المقصود بقوله هو الله إنه هذه الحروف ألف، ولام، وهاء، ولا بقوله: هو الرب أنه راء وباء، ولكن إثبات معنى أي صفة فعلية هو خالق الأشياء وصانعها، فيعرف أنه موصوف بالصفة الفعلية، وهذه حروف وضعت للموصوف بهذه الصفة، فينتقل منها إليه وليست هو هي فإن نعت هذه الحروف وهو المعنى.فقوله: ونعت، مبتدأ مضاف إلى قوله هذه، وخبره الحروف، والمعنى أن نعت هذه الحروف الّتي في الله ورب، إنها حروف، وأنها ألف، لام، هاء، راء، باء، وهو أي المقصود إثباته المعنى سمي به أي سمي المعنى بالاسم الّذي هو هذه الحروف، فتذكير الضمير باعتبار الاسم، وقوله: الله والرحمن، مبتدأ خبره من أسمائه، هذا أحد الوجوه في حل هذه العبارة، والوجه الآخر أن يقرأ نعت بالجر عطفا على معنى، فيكون المراد: أن المرجع في حمل المعنى الإشارة إلى شيء ومعنى هو خالق الأشياء وصانعها، وإلى نعت هذه الحروف بإزائها، وهو المعنى أي ذلك النعت هو معنى هذه الحروف، سمي بذلك المعنى ذات الله كما سمي بالرحمن والرحيم ونظائر ذلك من أسمائه الحسنى وصفاته العليا، فقوله الله أقيم مقام المفعول الأول لسمي وقوله: الرحمن وما عطف عليه مبتدأ خبره قوله من أسمائه، وهو المعبود أي ذاته المسمى باسم الله، وسائر الأسماء هو المعبود دون الأسماء، وقيل: نعت مجرور معطوف على شيء وهو مضاف إلى الحروف، أي الصفة الّتي وضعت لها هذه الحروف، وهو راجع إلى مرجع ضمير هو في كلام السائل أو هو ضمير شأن، وعلى الأول المعنى خبر المبتدأ وجملة سمي به خبر بعد خبر، وعلى الثاني المعنى مبتدأ وسمي به خبره وعلى التقديرين
إلى معنى وشيء خالق الأشياء وصانعها ونعت هذه الحروف وهو المعنى سمي به الله والرحمن والرحيم والعزيز وأشباه ذلك من أسمائه وهو المعبود جل وعز.
قال له السائل فإنا لم نجد موهوما إلا مخلوقاً قال أبو عبد اللهعليهالسلام لو كان
________________________________________________________
ضمير به راجع إلى النعت، والله مبتدأ ومن أسمائه خبر.
قولهعليهالسلام ونعت هذه الحروف « إلخ »: ومنهم من قرأ نعت بالجر عطف على الأشياء أو ضمير صانعها على مذهب من جوزه بدون إعادة الجار، وحينئذ الإضافة إمّا لامية والمراد بنعتها تركيبها القائم بها، وإما بيانية أي خالق النعت الّذي هو هذه الحروف، فإن أسماءه تعالى مخلوقة ونعوت له، وقال الفاضل الأسترآبادي: الحروف مبتدأ ونعت خبره، مقدم عليه، أي هذه الحروف نعت وصفة دالّة على ذاته، وفي توحيد الصدوق هكذا إلى معنى هو شيء خالق الأشياء وصانعها، وقعت عليه هذه الحروف، وهو المعنى الّذي يسمى به وهو أصوب، أي هو شيء أطلقت عليه هذه الحروف، وضمير به راجع إلى الاسم، والله مع ما بعده جملة أخرى، أو لفظ الجلالة مفعول مقام الفاعل ليسمى، لكونه على المشهور اسم الذات، فالمراد بالمعنى مدلول الحروف ومفهومات الأسماء.
قوله: فإنا لم نجد موهوما « إلخ »: أي فلم نجد المدرك بالوهم إلا مخلوقاً لما ذكرت أنه لا تدركه الأوهام، فما يحصل في الوهم يكون مخلوقاً وما لا يحصل في الوهم لا يكون مدركاً للوهم؟ فأجابعليهالسلام بأن كلّ مدرك للوهم لو كان حاصلا بحقيقته في الوهم لكان التوحيد عنا مرتفعا، لأنا لم نكلف أي بمعرفة غير موهم، وفي التوحيد لم نكلف أن نعتقد غير موهوم، أي لا نكلف ما لا ندركه بالوهم ولكن ليس الإدراك بالوهم مستلزما لحصول حقيقة المدرك في الوهم، ونقول: كلّ موهوم مدرك بالحواس بإحدى الجهتين أو لهما أن تحده الحواس وتحيط به بحقيقته، وثانيتهما أن تمثله بصورته وشبحه فهو مخلوق، أمّا الجهة الأولى فلان حصول الحقيقة بعد النفي ونفيها بعد الحصول في الوهم إبطال وعدم للحقيقة، وكلما يطرء عليه العدم أو يكون معدوما يكون ممكن الوجود محتاجاً إلى الفاعل الصانع له، فلا يكون مبدءا أو لا، وأمّا الجهة الثانية أي الحصول
________________________________________________________
بالشبح والصورة المشابهة يتضمن التشبيه والتشبيه صفة المخلوق الظاهر التركيب والتأليف، لأنّ التشبيه بالمماثلة في الهيئة والصفة ولا يكونان إلا للمخلوق المركب أو المؤلف من الأجزاء، أو من الذات والصفة، ويحتمل أن يكون الجهتان جهتي الاستدلال بالمحدودية بالوهم والتمثيل فيه على المخلوقية، إحداهما جهة النفي، وثانيهما جهة التشبيه كذا ذكره بعض الأفاضل، وقيل: لما أدى كلامهعليهالسلام في تنزيهه تعالى عن المثل والشبه إلى أن ذاته تعالى شيء ينعت بأسماء ونعوت، ألفاظها ومعانيها خارجة عن ذاته إلا أن معانيها مفهومات ذهنية وهمية يعرف بها ذاته تعالى كالمعبود والرحمن والرحيم وغيرها، رجع السائل معترضا مستشكلا فقال: فإنا لم نجد موهوماً، أي كلّ ما نتوهم أو نتصوره فهو مخلوق فكيف يوصف ويعرف به خالق الأشياء؟ فأجابعليهالسلام عن ذلك أولا بوجه النقض بأنه لو لم نتوهم ذاته بهذه المعاني الوهمية ولم نعرفه بمثل هذه المفهومات الذهنية لكان التوحيد عنا مرتفعا، إذ لا نقدر ولا نستطيع في توحيده وتعريفه هذه المعاني الوهمية(١) وثانياً بوجه الحل وهو أنا وإن لم نعرف ذاته إلا على سبيل التوهم وبوسيلة المعاني المشتركة الكلية ولكنا مع ذلك نرجع ونلتفت إلى تلك المعاني الّتي كانت عنوانات ومرائي بها، عرفنا ذاته فنحكم عليها بأن كلّ موهوم بإحدى القوي والحواس ظاهرية كانت أو باطنية وكل مدرك لنا بأحد المشاعر صورة كانت أو معنى، فهو محدود متمثل تحده الحواس وتمثله الأفكار، وكل ما هو كذلك فهو مخلوق مثلنا، مصنوع بفكرنا، وخالق الأشياء منزه عنه وعن معرفتنا أيضاً الّتي تحصل لنا هذه الأمور، فنعرف ذاته بأنا لا نعرف ذاته، وهذه غاية معرفتنا بذاته ما دمنا في هذا العالم، إذ ما لا سبب له لا يمكن العلم به إلا بمشاهدة صريح ذاته، وإما من جهة آثاره وأفعاله، لكن العلم الّذي هو من جهتها لا يعرف بها حقيقة ذاته، بل تعرف كونه مبدءا لتلك الآثار والأفعال، أو صانعاً أو نحو ذلك من المعاني الإضافية الخارجة ومع ذلك يحصل الجزم بكونه موجوداً وكونه على صفة كذا وكذا مما يليق به من
__________________
(١) كذا في النسخ وكأنه سقط شيء.
ذلك كما تقول لكان التوحيد عنا مرتفعاً لأنا لم نكلف غير موهوم ولكنا نقول كلّ موهوم بالحواس مدرك به تحده الحواس وتمثله فهو مخلوق إذ كان النفي هو الإبطال
________________________________________________________
النعوت الكمالية، وقوله: إذ كان النفي هو الإبطال والعدم أراد به إثبات الحكم الكلي الّذي ذكره، وهو أن كلّ موهوم أو مدرك فهو مخلوق أي موجود، لأنّ لا يرد عليه النقض بأنا نتصور أموراً لا وجود لها أصلاً، كاللاموجود واللاشيء ونحوهما، فأشار إلى دفعه بأن هذه الأمور من حيث تمثلها في الوهم موجودة مخلوقة، والنفي المحض بما هو نفي بطلان محض، وعدم صرف لا حصول له أصلاً، وقوله: والجهة الثانية التشبيه، أراد به وجها آخر لكل ما يدرك بالحواس، أو يتمثل في كونه مخلوقاً مصنوعا، هو كونه ذا شبه ومثل، والتشبيه صفة المخلوق المستلزم للتركيب والتأليف، إذ كلّ ما يشبه شيئاً فله شيء به يشارك الآخر، وله شيء آخر يمتاز عنه، فيكون مركباً وكل مركب مخلوق وكل مخلوق فله خالق، فلا بد أن ينتهي المخلوقات إلى خالق لا شبه له، ولذا قال: فلم يكن بد من إثبات الصانع، لوجود المصنوعين، لأنّ كلّ مركب مصنوع، وأن صانعهم غيرهم لضرورة تحقق المغايرة بين الصانع والمصنوع، ثمّ لا تكفي مجرد المغايرة أي بوجه دون وجه لاستلزام التركب في الصانع من ذينك الوجهين، فيحتاج لتركبه إلى صانع آخر، ولذا قال: وليس مثلهم، أي من كلّ وجه إذ كان مثلهم ولو بوجه شبيها بهم في ذلك فيلزم التركيب الموجب للاحتياج إلى الغير، ثمّ زاد في البيان استظهاراً بذكر نقائص المخلوقات من الحدوث والانفعالات والتغير في الأحوال والأعدام والملكات، ليدل دلالة واضحة على أن صانعها ومبدعها متعال عن المثل والشبه فثبت أن للإنسان سبيلا إلى معرفة خالق الأشياء بوسيلة معان إدراكية تثبت بها الصانع وصفاته، ثمّ يعلم أنه وراء ما يدركه ويتصوره وينزهه به « انتهى » وأقول: بناء أكثر التكلفات على سقط وقع من الكليني (ره) أو النساخ.
قوله: ولكنا نقول كلّ موهوم « إلخ » وفي التوحيد والاحتجاج هكذا ولكنا نقول كلّ موهوم بالحواس مدرك مما تحده الحواس وتمثله فهو مخلوق، ولا بد من إثبات
والعدم والجهة الثانية التشبيه إذ كان التشبيه هو صفة المخلوق الظاهر التركيب والتأليف فلم يكن بد من إثبات الصانع لوجود المصنوعين والاضطرار إليهم أنهم مصنوعون وأن صانعهم غيرهم وليس مثلهم إذ كان مثلهم شبيها بهم في ظاهر التركيب والتأليف وفيما يجري عليهم من حدوثهم بعد إذ لم يكونوا وتنقلهم من صغر إلى كبر وسواد إلى بياض وقوة إلى ضعف وأحوال موجودة لا حاجة بنا إلى تفسيرها لبيانها ووجودها.
قال له السائل فقد حددته إذ أثبت وجوده قال أبو عبد اللهعليهالسلام لم أحده
________________________________________________________
صانع للأشياء، خارج من الجهتين المذمومتين، أحدهما النفي إذ كان النفي هو الإبطال والعدم، والجهة الثانية التشبيه إذ كان التشبيه من صفة المخلوق الظاهر التركيب والتأليف، ولعل السقط هنا من الناسخ الأول.
قوله: والاضطرار إليهم، إلى بمعنى اللام أو بمعنى من، وفي التوحيد منهم إليه ثبت أنهم « إلخ ».
قوله: لبيانها: وفي التوحيد لثباتها.
قوله: فقد حددته، إيراد سؤال على كونه موجوداً بأن إثبات الوجود له يوجب التحديد إمّا باعتبار التحدد بصفة هو الوجود، أو باعتبار كونه محكوما عليه فيكون موجوداً في الذهن، محاطا به، والجواب أنه لا يلزم تحديده وكون حقيقته حاصلة في الذهن أو محدودة بصفة، فإن الحكم لا يستدعي حصول الحقيقة في الذهن والوجود ليس من الصفات المغايرة الّتي تحد بها الأشياء، كما قيل، أو أن الوجود بالمعنى العام أمر عقلي متصور في الذهن، مشترك بين الموجودات، زائد في التصور على المهيات، وأمّا حقيقة الوجود الّذي هو ذات الواجب جل اسمه فلا حد له ولا نظير ولا شبه ولا ند، فلا يعرف إلا بتنزيهات وتقديسات وإضافات خارجة عنه، فلا ينحو نحوه الأوهام والتصورات لكن يعرف بالبرهان أن مبدء الموجودات وصانعها موجود بالمعنى العام ثابت، إذ لو لم يكن موجوداً بهذا المعنى لكان معدوماً، إذ لا مخرج عنهما وأشار إليه بقوله لم أحده
ولكني أثبته إذ لم يكن بين النفي والإثبات منزلة.
قال له السائل فله إنية ومائية قال نعم لا يثبت الشيء إلا بإنية ومائية.
قال له السائل فله كيفية قال لا لأنّ الكيفية جهة الصفة والإحاطة ولكن
________________________________________________________
ولكني أثبته إذ لم يكن بين النفي والإثبات منزلة، فلما انتفى النفي ثبت الثبوت.
قوله: فله إنية ومائية: أي وجود منتزع وحقيقة ينتزع منها الوجود؟ فأجاب وقال: نعم لا يثبت الشيء أي لا يكون موجوداً إلا بانية ومائية أي مع وجود حقيقة ينتزع الوجود منها، قال بعض المحققين: وينبغي أن يعلم أن الوجود يطلق على المنتزع المخلوط بالحقيقة العينية عينا، وعلى مصحح الانتزاع والمنتزع غير الحقيقة في كلّ موجود والمصحح في الأول تعالى حقيقة العينية وإن دلنا عليه غيره، والمصحح في غيره تعالى مغاير للحقيقة والمهية، فالمعنى الأول مشترك بين الموجودات كلها، والمعنى الثاني في الواجب عين الحقيقة الواجبة، والمراد هنا المعنى الأول لا شعار السؤال بالمغايرة، وكذا الجواب، لقوله لا يثبت الشيء إلا بانية ومائية حيث جعل الكل مشتركاً فيه، والمشترك فيه إنية مغايرة للمائية، وقال بعضهم: قوله فله إنية ومائية أي إذا ثبت أن هذا المفهوم العام المشترك المتصور في الذهن، خارج عن وجوده الخاص وذاته، فأذن له إنية مخصوصة ومائية غير مطلق الوجود هو بها هو، فقالعليهالسلام : نعم لا يوجد الشيء إلا بنحو خاص من الوجود والمائية لا بمجرد الأمر الأعم، واعلم أن للمهية معنيين: أحدهما ما بإزاء الوجود كما يقال وجود الممكن زائد على مهيته والمهية بهذا المعنى مما يعرضه العموم والاشتراك، فليست له تعالى مهية بهذا المعنى، وثانيهما ما به الشيء هو هو، وهذا يصح له، ثمّ قال له السائل: فله كيفية وإنما سأل ذلك لما رأى في الشاهد، كلّ ما له إنية فله كيفية، فأجاب بنفي الكيفية عنه تعالى بأنها صفة كمالية متقررة زائدة على ذات ما اتصف بها، والباري جل شأنه مستغن بذاته عن كمال زائد ووصف الكيفية بالإحاطة لأنها مما يغشى الذات الموصوفة بها كالبياض للجسم، والنور للأرض، والعلم للنفس، والظاهر أنه سأل عن الكيفيات الجسمانية أو عن
لا بد من الخروج من جهة التعطيل والتشبيه لأنّ من نفاه فقد أنكره ودفع ربوبيته وأبطله ومن شبهه بغيره فقد أثبته بصفة المخلوقين المصنوعين الّذين لا يستحقون الربوبية ولكن لا بد من إثبات أن له كيفية لا يستحقها غيره ولا يشارك فيها ولا يحاط بها ولا يعلمها غيره
________________________________________________________
مطلق الصفات الزائدة، ولما نفىعليهالسلام جهة الكيفية والصفة الزائدة عنه، وعلم أن ههنا مزلة الأقدام، قال: لا بد من الخروج من جهة التعطيل وهو نفي الصفات بالكلية والوقوع في طرف سلوب هذه الأوصاف الإلهية ونقائضها، ومن جهة التشبيه وهو جعل صفاتها كصفات المخلوقين، لأنّ من نفى عنه معاني الصفات فقد أنكر وجود ذاته وعلمه وقدرته وإرادته وسمعه وبصره، ورفع ربوبيته وكونه رباً ومبدعاً صانعاً قيوما إلها خالقاً رازقا، ومن شبهه بغيره بأن زعم أن وجوده كوجود غيره وعلمه كعلمهم، وقدرته كقدرتهم، فقد أثبته بصفة المخلوقين الّذين لا يستحقون الربوبية، ولكن لا بد أن يثبت له علم لا يماثل شيئاً من العلوم، وله قدرة لا يساوي شيئاً من القوي والقدر، وهكذا في سائر الصفات الوجودية وهذا هو المراد بقوله له كيفية لا يستحقها غيره، وإلا فليس شيء من صفاته من مقولة الكيف الّتي هي من الأجناس حتّى يلزم أن تكون صفة الّتي هي عين ذاته مركبة من جنس وفصل، فتكون ذاته مركبة كما قيل، وقال بعض المحققين [ في ] قوله لأنّ الكيفية « إلخ » أي الكيفية حال الشيء باعتبار الاتصاف بالصفة والانخفاض والتحصل بها لأنّ الاتصاف فعلية من القوة فهو بين الفعلية بالصفة الموجودة أو بعدمها، وهو في ذاته بين بين، خال من الفعليتين، ففعلية وجوده وتحصله محفوظة بالكيفية، ولا بد له من مهية أخرى فإذا هو مؤتلف مصنوع تعالى عن ذلك.
قوله أن له كيفية: وفي التوحيد: ذات بلا كيفية، فضمير يستحقها راجعة إلى الذات وهو أصوب.
قوله: ولا يحاط بها: أي لا يكون الصفة محيطة به كإحاطة اللون بالجسم مثلا أو كناية عن عدم زيادتها على الذات أو لا يخرج بها عن قابلية إلى فعلية كما قيل.
قال السائل فيعاني الأشياء بنفسه قال أبو عبد اللهعليهالسلام هو أجل من أن يعاني الأشياء بمباشرة ومعالجة لأنّ ذلك صفة المخلوق الّذي لا تجيء الأشياء له إلا بالمباشرة والمعالجة وهو متعال نافذ الإرادة والمشيئة فعال لما يشاء.
٧ - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن محمّد بن عيسى عمن ذكره قال سئل أبو جعفرعليهالسلام أيجوز أن يقال إنّ الله شيء قال نعم يخرجه من الحدين حد التعطيل وحد التشبيه.
باب أنه لا يعرف إلا به
١ - علي بن محمّد عمن ذكره، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن حمران، عن الفضل بن السكن، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال أمير المؤمنينعليهالسلام اعرفوا الله بالله والرسول بالرسالة وأولي الأمر بالأمر بالمعروف والعدل والإحسان.
________________________________________________________
قوله: فيعاني الأشياء بنفسه: معاناة الشيء ملابسته ومباشرته، وتحمل التعب في فعله، والمراد أنه إذا كان واحداً أحداً لا تركيب فيه ولا تأليف، متفرداً بالربوبية إذ لا يستحقها مصنوع فيباشر خلق الأشياء، وصنعها بنفسه ويعالجها ويتحمل مشقة فعلها بذاته، فأجاب بأنه سبحانه أجل من أن يعاني الأشياء بمباشرة ومعالجة لأنّ ذلك صفة المخلوق الّذي لا يجيء الأشياء له أي لا يحصل ولا يتيسر له فعلها لعجزه وقصوره عن أن يترتب الأشياء على إرادته ومشيته، فلا يتأتى له فعلها إلا بالمباشرة والمعالجة، وهو سبحانه متعال عن ذلك، نافذ الإرادة والمشية فعال لما يريد، فإذا أراد وجود شيء بأسبابه يوجده مترتباً على وجود أسبابه وإذا أراده لا بأسبابه العادية يوجد لا بأسبابه على خلاف العادة.
الحديث السابع: مرسل.
باب أنه لا يعرف الله إلا به
الحديث الأول: مجهول.
ومعنى قولهعليهالسلام اعرفوا الله بالله يعني أن الله خلق الأشخاص والأنوار والجواهر والأعيان فالأعيان الأبدان والجواهر الأرواح وهو جل وعز لا يشبه
________________________________________________________
قوله يعني أن الله خلق الأشخاص: هذا كلام الكليني (ره) وقال الصدوق (ره) في التوحيد بعد نقل هذا الكلام القول الصواب في هذا الباب: هو أن يقال عرفنا الله بالله، لأنا إن عرفناه بعقولنا فهو عز وجل واهبها، وإن عرفناه عز وجل بأنبيائه ورسله وحججهعليهمالسلام فهو عز وجل باعثهم ومرسلهم ومتخذهم حججا، وإن عرفناه بأنفسنا فهو عز وجل محدثنا فبه عرفناه، وقد قال الصادقعليهالسلام : لو لا الله ما عرفنا، ولو لا نحن ما عرف الله حق معرفته ولو لا الله ما عرف الحجج، وقد سمعت بعض أهل الكلام يقولون: لو أن رجلاً ولد في فلاة من الأرض ولم ير أحداً يهديه ويرشده حتّى كبر وعقل ونظر إلى السماء والأرض لدله ذلك على أن لهما صانعاً ومحدثا، فقلت: إن هذا شيء لم يكن وهو إخبار بما لم يكن أن لو كان كيف كان يكون، ولو كان ذلك لكان لا يكون ذلك الرجل إلا حجة الله تعالى ذكره على نفسه كما في الأنبياءعليهمالسلام ، منهم من بعث إلى نفسه ومنهم من بعث إلى أهله وولده، ومنهم م بعث إلى أهل محلته، ومنهم من بعث إلى أهل بلده، ومنهم من بعث إلى الناس كافة، أمّا استدلال إبراهيم الخليلعليهالسلام بنظره إلى الزهرة ثمّ إلى القمر، ثمّ إلى الشمس، وقوله( فَلَمَّا أَفَلَتْ ( قالَ ) يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ) (١) فإنهعليهالسلام كان نبياً ملهما مبعوثاً مرسلا، وكان جميع قوله إلى آخره بإلهام الله عز وجل إياه، وذلك قوله تعالى:( وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ ) (٢) وليس كلّ أحد كإبراهيمعليهالسلام ولو استغنى في معرفة التوحيد بالنظر عن تعليم الله عز وجل وتعريفه لما أنزل الله تعالى ما أنزل من قوله:( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ ) (٣) ومن قوله( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) إلى آخرها، ومن قوله( بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ
__________________
(١) سورة الأنعام: ٨٧.
(٢) سورة الأنعام: ٨٣.
(٣) سورة محمّد: ١٩.
________________________________________________________
لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ ) إلى قوله( وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) (١) وآخر الحشر وغيرها من آيات التوحيد.
تبيين وتحقيق
اعلم أن هذه الأخبار لا سيما هذا الخبر تحتمل وجوها « الأول » أن يكون المراد بالمعرف به ما يعرف الشيء به بأنه هو هو، فمعنى اعرفوا الله بالله، اعرفوه بأنه هو الله مسلوباً عنه جميع ما يعرف به الخلق من الجواهر والأعراض ومشابهة شيء منها، وهذا هو الّذي ذكره الكليني (ره) وعلى هذا فمعنى قوله والرسول بالرسالة « إلخ » معرفة الرسول بأنه أرسل بهذه الشريعة، وهذه الأحكام، وهذا الدين وهذا الكتاب ومعرفة كلّ من أولي الأمر بأنه الآمر بالمعروف والعالم العامل به، وبالعدل أي لزوم الطريقة الوسطى في كلّ شيء والإحسان أي الشفقة على خلق الله والتفضل عليهم، ورفع الظلم عنهم، أو المعنى اعرفوا الله بالله، أي بما يناسب ألوهيته من التنزيه والتقديس، والرسول بما يناسب رسالته من العصمة والفضل والكمال، وأولي الأمر بما يناسب تلك الدرجة القصوى به من العلم والعصمة والفضل والمزية على من سواه، ويحتمل أن يكون الغرض ترك الخوض في معرفته تعالى ورسوله وحججه بالعقول الناقصة فينتهي إلى نسبة ما لا يليق به تعالى إليه وإلى الغلو في أمر الرسول والأئمّة صلوات الله عليهم، وعلى هذا يحتمل وجهين « الأول » أن يكون المراد اعرفوا الله بعقولكم بمحض أنه خالق إله والرسول بأنه رسول أرسله الله إلى الخلق، وأولي الأمر بأنه المحتاج إليه لا قامة المعروف والعدل والإحسان، ثمّ عولوا في صفاته تعالى وصفات حججهعليهمالسلام على ما بينوا ووصفوا لكم من ذلك ولا تخوضوا فيها بعقولكم « والثاني » أن يكون المعنى: اعرفوا الله بما وصف لكم في كتابه وعلى لسان نبيه، والرسول بما أوضح لكم من وصفه في رسالته إليكم، والإمام بما بين لكم من المعروف والعدل والإحسان، كيف اتصف بتلك الأوصاف والأخلاق الحسنة، ويحتمل الأخيران وجها ثالثاً وهو أن يكون المراد
__________________
(١) سورة الأنعام: ١٠١.
________________________________________________________
لا تعرفوا الرسول بما يخرج به عن الرسالة إلى درجة الألوهية، وكذا الإمام.
« الثاني » أن يكون المراد بما يعرف به ما يعرف باستعانته من قوي النفس العاقلة والمدركة وما يكون بمنزلتها، ويقوم مقامها، فمعنى اعرفوا الله بالله، اعرفوه بنور الله المشرق على القلوب بالتوسل إليه والتقرب به، فإن العقول لا تهتدي إليه إلا بأنوار فيضه تعالى، واعرفوا الرسول بتكميله إياكم برسالته، وبمتابعته فيما يؤدي إليكم من طاعة ربكم فإنها توجب الروابط المعنوية بينكم وبينه، وعلى قدر ذلك يتيسر لكم من معرفته، وكذا معرفة أولي الأمر إنما تحصل بمتابعتهم في المعروف والعدل والإحسان، وباستكمال العقل بها، وروى الصدوق في التوحيد بإسناده عن هشام بن سالم قال: حضرت محمّد بن النعمان الأحول وقام إليه رجل فقال له: بما عرفت ربك؟ قال: بتوفيقه وإرشاده وتعريفه وهدايته، قال: فخرجت من عنده فلقيت هشام بن الحكم فقلت له: ما أقول لمن يسألني فيقول لي: بم عرفت ربك؟ فقال: إن سأل سائل فقال: بم عرفت ربك؟ قلت: عرفت الله جل جلاله بنفسي لأنها أقرب الأشياء إلى، وذلك لأني أجدها أبعاضا مجتمعة وأجزاء مؤتلفة ظاهرة التركيب، مبينة الصنعة مبنية على ضروب من التخطيط والتصوير، زائدة من بعد نقصان وناقصة بعد زيادة قد أنشأ لها حواس مختلفة وجوارح متباينة من بصر وسمع وشام وذائق ولامس، محصولة على الضعف والنقص والمهانة، لا تدرك واحدة منها مدرك صاحبتها، ولا تقوى على ذلك، عاجزة عن اجتلاب المنافع إليها، ودفع المضار، واستحال في العقول وجود تأليف لا مؤلف له، وثبات صورة لا مصور لها، فعلمت أن لها خالقاً خلقها ومصوراً صورها مخالفا في جميع جهاتها، قال الله تعالى:( وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ ) (١) .
« الثالث » أن يكون المراد ما يعرف بها من الأدلة والحجج، فمعنى اعرفوا الله بالله أنه إنما تتأتى معرفته لكم بالتفكّر فيما أظهر لكم، من آثار صنعه
__________________
(١) سورة الذاريات: ٢١.
جسما ولا روحا وليس لأحد في خلق الروح الحساس الدراك أمر ولا سبب هو المتفرد بخلق الأرواح والأجسام فإذا نفى عنه الشبهين شبه الأبدان وشبه الأرواح فقد عرف الله بالله وإذا شبهه بالروح أو البدن أو النور فلم يعرف الله بالله
________________________________________________________
وقدرته وحكمته بتوفيقه وهدايته، لا بما أرسل به الرسول من الآيات والمعجزات فإن معرفتها إنما تحصل بعد معرفته تعالى، واعرفوا الرسول بالرسالة، أي بما أرسل به من المعجزات والدلائل أو بالشريعة المستقيمة الّتي بعث بها فإنها لانطباقها على قانون العدل والحكمة يحكم العقل بحقيقة من أرسل بها، واعرفوا أولي الأمر بعلمهم بالمعروف وإقامة العدل والإحسان وإتيانهم بها على وجهها، وهذا أقرب الوجوه، ويؤيده خبر ابن حازم.
ويؤيده ما رواه الصدوق (ره) في التوحيد بإسناده عن سلمان الفارسيرضياللهعنه في حديث طويل يذكر فيه قدوم الجاثليق المدينة مع مائة من النصارى وما سأل عنه أبا بكر فلم يجبه ثمّ أرشد إلى أمير المؤمنينعليهالسلام فسأله عن مسائل فأجاب عنها، وكان فيما سأله أن قال له: أخبرني عرفت الله بمحمد أم عرفت محمداً بالله عز وجل؟ فقال علي بن أبي طالبعليهالسلام : ما عرفت الله عز وجل بمحمدصلىاللهعليهوآله ، ولكن عرفت محمداً بالله عز وجل حين خلقه وأحدث فيه الحدود من طول وعرض، فعرفت أنه مدبر مصنوع باستدلال وإلهام منه وإرادة كما ألهم الملائكة طاعته، وعرفهم نفسه بلا شبه ولا كيف، والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة.
أقول: قال الصدوق (ره) بعد إيراد خبر المتن وهذا الخبر وغيرهما: القول الصواب في هذا الباب، هو أن يقال: عرفنا الله بالله لأنا إن عرفناه بعقولنا فهو عز وجل واهبها وإن عرفناه عز وجل بأنبيائه ورسله وحججهعليهمالسلام فهو عز وجل باعثهم ومرسلهم ومتخذهم حججا، وإن عرفناه بأنفسنا فهو عز وجل محدثها، فبه عرفناه وقد قال الصادقعليهالسلام : لو لا الله ما عرفناه، ولو لا نحن ما عرف الله، ومعناه لو لا الحجج ما عرف الله حق معرفته، ولو لا الله ما عرف الحجج إلى آخر ما ذكره (ره) وحاصل كلامه أن
٢ - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن بعض أصحابنا، عن علي بن عقبة بن قيس بن سمعان بن أبي ربيحة مولى رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال سئل أمير المؤمنينعليهالسلام بم عرفت ربك قال بما عرفني نفسه قيل وكيف عرفك نفسه قال لا يشبهه صورة ولا يحس بالحواس ولا يقاس بالناس قريب في بعده بعيد في قربه فوق كلّ شيء ولا يقال شيء فوقه
________________________________________________________
جميع ما يعرف الله به ينتهي إليه سبحانه، ويرد عليه أنه على هذا تكون معرفة الرسول وأولي الأمر أيضاً بالله فما الفرق بينهما وبين معرفة الله ذلك؟ وأيضا لا يلائمه قوله اعرفوا الله بالله، إلا أن يقال: الفرق باعتبار أصناف المعرفة فالمعرفة بالرسالة صنف من المعرفة بالله، والمعرفة بالمعروف صنف آخر منها، ومعرفة الله فيها أصناف لا اختصاص لها بصنف والمراد باعرفوا الله بالله حصلوا معرفة الله الّتي تحصل بالله، هكذا حققه بعض الأفاضل.
الحديث الثاني: مرسل، وربيحة، في كتب الرجال بالراء المهملة المضمومة والباء الموحدة ثمّ الياء المثناة تحت ثمّ حاء مهملة، وفي بعض النسخ بالزاء والجيم.
قولهعليهالسلام لا يشبهه صورة: أي عرفته بنفي الشبه والمماثلة والمحدودية بالحواس والمقايسة بالناس، أي بأن أثبت له صفات المخلوقين من الناس، أو يقال: ما نسبته إلى خلقه مثلا كنسبة الصورة من المادة أو النفس إلى البدن، أو الأب إلى الابن أو الزوج إلى زوجته تعالى عمّا يشركون.
قولهعليهالسلام قريب: أي من حيث إحاطة علمه وقدرته بالكل « في بعده » أي مع بعده عن الكل من حيث المباينة في الذات والصفات، فظهر أن قربه ليس بالمكان « بعيد » عن إحاطة العقول والأوهام والأفهام به « في قربه » أي مع قربه بالعلية واحتياج الكل إليه، فجهة قربه هي جهة بعده عن مشابهة مخلوقاته، إذا الخالق لا يشابه المخلوق وكذا العكس.
« فوق كلّ شيء » أي بالقدرة والقهر والغلبة أو بالكمال والاتصاف بالصفات الحسنة، وتماميته بالنسبة إلى كلّ شيء ونقص الكل بالنسبة إليه فكل متوجه إلى
أمام كلّ شيء ولا يقال له أمام داخل في الأشياء لا كشيء داخل في شيء وخارج من الأشياء لا كشيء خارج من شيء - سبحان من هو هكذا ولا هكذا غيره ولكل شيء مبتدأ.
٣ - محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان بن يحيى، عن منصور بن حازم قال قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام إني ناظرت قوماً فقلت لهم إنّ الله جل جلاله أجل وأعز وأكرم من أن يعرف بخلقه بل العباد يعرفون بالله فقال رحمك الله
________________________________________________________
فوق ما عليه، متوجه إليه، وكل متنزل صارف عنه ولا يقال شيء فوقه في الأمرين، وفيه إشعار بأنه ليس المراد به الفوقية بحسب المكان، وإلا لأمكن أن يكون شيء فوقه.
« إمام كلّ شيء » أي علة كلّ شيء ومقدم عليها ويحتاج إليها كلّ موجود، أو يتفرع إليه ويعبده كلّ مكلف أو كلّ شيء متوجه نحوه في الاستكمال والتشبه به في صفاته الكمالية.
والكلام في قوله ولا يقال له أمام كما مر « داخل في الأشياء » أي لا يخلو شيء من الأشياء، ولا جزء من أجزائه عن تصرفه وحضوره العلمي، وإفاضة فيضه وجوده عليه، لا كشيء داخل في شيء، أي لا كدخول الجزء في الكل، ولا كدخول العارض، ولا كدخول المتمكن في المكان « خارج عن الأشياء » بتعالي ذاته عن ملابستها ومقارنتها والاتصاف بصفتها والائتلاف منها لا كخروج شيء من شيء بالبعد المكاني أو المحلى وقوله « ولكل شيء مبتدأ » الظاهر أنه مبتدأ وخبر أي هو مبتدأ لوجود كلّ شيء، وسائر كمالاتها، ويمكن أن يكون معطوفا على قوله هكذا، وقيل: الجملة حالية أي كيف يكون هكذا غيره والحال أن كلّ شيء غيره له مبتدأ وموجدا، وهو مبدؤه وموجده، والمبدأ لا يكون مثل ما له ابتداء.
الحديث الثالث: كالصحيح.
قوله: من أن يعرف بخلقه: أي بتعريف خلقه من الأنبياء والحجج، بل هم يعرفون بالله على بناء المجهول، أي يعرف رسالتهم وحجيتهم، وإمامتهم بما أعطاهم من العلم وأيدهم به من المعجزات، أو على بناء المعلوم أي هم يعرفون الله بما قرر لهم من الدلائل
باب أدنى المعرفة
١ - محمّد بن الحسن، عن عبد الله بن الحسن العلوي وعلي بن إبراهيم، عن المختار بن محمّد بن المختار الهمداني جميعا، عن الفتح بن يزيد، عن أبي الحسنعليهالسلام قال سألته عن أدنى المعرفة فقال الإقرار بأنه لا إله غيره ولا شبه له ولا نظير وأنه قديم مثبت موجود غير فقيد وأنه( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) .
________________________________________________________
وبما هداهم إليه من المعرفة، كما قال تعالى:( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ) (١) والحاصل أن وجوده تعالى أظهر الأشياء ولا يحتاج في ظهوره إلى بيان أحد، وقد أظهر الدلائل على وجوده وعلمه وقدرته في الآفاق وفي أنفسهم، وهو مظهر الأنبياء والرسل وفضلهم وكمالهم وهو مفيض العلم والجود عليهم، وعلى جميع الخلق، فهو سبحانه المظهر لنفسه ولغيره وجوداً وكمالا ومعرفة كما قال سيد الشهداءعليهالسلام في دعاء يوم عرفة: كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك، أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتّى يكون هو المظهر لك، متى غبت حتّى تحتاج إلى دليل يدل عليك؟ ومتى بعدت حتّى تكون الآثار هي الّتي توصل إليك؟ عميت عين لا تراك عليها رقيبا. إلى آخر الدعاء.
باب أدنى المعرفة
الحديث الأول: مجهول وأبو الحسنعليهالسلام يحتمل الثاني والثالث.
قولهعليهالسلام لا شبه له، أي في شيء من الصفات، أو في استحقاق العبادة « ولا نظير » له في الإلهية وأنه قديم غير محتاج إلى علة، ولا مخرج من العدم إلى الوجود « مثبت » أي محكوم عليه بالوجود والثبوت لذاته بالبراهين القاطعة « موجود » إمّا من الوجود أو من الوجدان، أي معلوم، وكذا قوله: غير فقيد، أي غير مفقود زائل الوجود أو لا يفقده الطالب، وقيل أي غير مطلوب عنه الغيبة حيث لا غيبة له.
__________________
(١) سورة القصص: ٥٦.
٢ - علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن طاهر بن حاتم في حال استقامته أنه كتب إلى الرجل ما الّذي لا يجتزأ في معرفة الخالق بدونه فكتب إليه لم يزل عالماً وسامعاً وبصيراً وهو الفعال لما يريد وسئل أبو جعفرعليهالسلام - عن الّذي لا يجتزأ بدون ذلك من معرفة الخالق فقال ليس كمثله شيء ولا يشبهه شيء لم يزل عالماً سميعاً بصيرا.
٣ - محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن الحسن بن علي بن يوسف بن بقاح، عن سيف بن عميرة، عن إبراهيم بن عمر قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول إن أمر الله كله عجيب إلا أنه قد احتج عليكم بما قد عرفكم من نفسه.
________________________________________________________
الحديث الثاني: ضعيف وآخره مرسل.
قوله في حال استقامته، نقل أنه كان مستقيما ثمّ تغير وأظهر الغلو وهو من أصحاب الرضاعليهالسلام .
قولهعليهالسلام : وهو الفعال: أي بمجرد الإرادة بلا مزاولة، وفيه رد على من قال إنه واحد لا يصدر عنه إلا الواحد.
قوله: وسئل، يحتمل أن يكون من تتمة مكاتبة طاهر بن حاتم، ويحتمل أن يكون حديثاً آخر مرسلا.
الحديث الثالث: صحيح، والعجيب: الأمر العظيم الغريب المخفي سببه، والمراد أن أمر الله كله من الخفايا الّتي لا يطلع عليها إلا بتعريف وتبيين من الله سبحانه وإعطائه القلوب مبادئ معرفته، إلا أنه احتج على عباده بما عرفهم من نفسه وأعطاهم مبادئ معرفته ولم يحتج عليهم ولم يكلفهم بما سواه، فلا ينبغي لأحد أن يتعرض لمعرفة ما لم يكلفه به من أمره سبحانه ويكلف تحقيق ما لم يعط مبادئ معرفته، وبعض الفضلاء قرأ ألا بالتخفيف حرف تنبيه، فالمراد أنه تعالى أظهر لكم الغرائب من خلقه وصنعه واحتج عليكم بها.
باب المعبود
١ - علي بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن الحسن بن محبوب، عن ابن رئاب وعن غير واحد، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال من عبد الله بالتوهم فقد كفر ومن عبد الاسم دون المعنى فقد كفر ومن عبد الاسم والمعنى فقد أشرك ومن عبد المعنى بإيقاع الأسماء عليه بصفاته الّتي وصف بها نفسه فعقد عليه قلبه ونطق به لسانه في سرائره وعلانيته فأولئك أصحاب أمير المؤمنينعليهالسلام حقا.
وفي حديث آخر( أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ) .
٢ - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النضر بن سويد، عن هشام بن الحكم أنه
________________________________________________________
باب المعبود
الحديث الأول: صحيح وآخره مرسل.
قوله: من عبد الله بالتوهم: أي من غير أن يكون على يقين في وجوده تعالى وصفاته أو بأن يتوهمه محدوداً مدركاً بالوهم « فقد كفر » لأنّ الشك كفر، ولأن كلّ محدود ومدرك بالوهم غيره سبحانه، فمن عبده كان عابداً لغيره فهو كافر.
قوله: ومن عبد الاسم: أي الحروف أو المفهوم الوصفي له دون المعنى، أي المعبر عنه بالإسم « فقد كفر » لأنّ الحروف والمفهوم غير الواجب الخالق للكل تعالى شأنه، وإنما الاسم بلفظه ومفهومه تعبير عن المعنى المقصود، أن يعبر عنه أي ذاته المتعالي عن إحاطة العقول والأذهان والإدراكات.
قوله: ومن عبد الاسم والمعنى أي مجموعهما أو كلّ واحد منهما.
قولهعليهالسلام فعقد عليه قلبه: أي اعتقد المعنى وإلهيته أو أنه يعبده اعتقاداً جازما صادقاً ونطق به لسانه.فإن الاعتقاد بالقلب إذا فارق الإقرار باللسان لم يكن كافياً في الإسلام، والإيمان، ولا بد من النطق به مع التمكن.
الحديث الثاني: حسن.
سأل أبا عبد اللهعليهالسلام عن أسماء الله واشتقاقها الله مما هو مشتق قال فقال لي. يا هشام الله مشتق من إله والإله يقتضي مألوها والاسم غير المسمى فمن عبد الاسم دون المعنى فقد كفر ولم يعبد شيئاً ومن عبد الاسم والمعنى فقد كفر وعبد اثنين ومن عبد المعنى دون الاسم فذاك التوحيد أفهمت. يا هشام قال فقلت زدني قال إن لله تسعة وتسعين اسما فلو كان الاسم هو المسمى لكان كلّ اسم منها إلها ولكن الله معنى يدل عليه بهذه الأسماء
________________________________________________________
قوله: الله مشتق من إله، اعلم أنه اختلف علماء اللسان في لفظ الجلالة هل هو جامد أو مشتق، فذهب الخليل وأتباعه وجماعة من الأصوليين وغيرهم إلى أنه علم للذات ليس بمشتق، وذهب الأكثر إلى أنه مشتق ثمّ غلب على المعبود بالحق، وهذا الخبر يدل على الثاني، وقولهعليهالسلام : من إله إمّا اسم على فعال بمعنى المفعول، أي المعبود أو غيره من المعاني الّتي سيأتي ذكرها، فلما أدخلت عليه الألف واللام حذفت الهمزة تخفيفا لكثرته في الكلام، وقيل: عوض عن المحذوف، أو فعل إمّا بفتح اللام بمعنى عبد لأنّه معبود، أو بالكسر بمعنى سكن، لأنّه يسكن إليه القلوب، أو فزع لأنّ العابد يفزع إليه في النوائب، أو من أله الفصيل إذا ولع بأمه، إذ العباد مولعون بالتضرع إليه في الشدائد، أو تحير لأنّ الأوهام تتحير فيه، وقيل: مشتق من وله إذا تحير وقيل: من لاه بمعنى ارتفع، لأنّه مرتفع عن مشاكلة الممكنات، وقيل: من لاه يلوه إذا احتجب لأنّه محتجب عن العقول، وظاهر الخبر اشتقاقه من الإله بمعنى المعبود.
قولهعليهالسلام : والإله يقتضي مألوها، الظاهر أنه ليس المقصود أولا الاستدلال على المغايرة بين الاسم والمسمى، بل المعنى أن هذا اللفظ بجوهره يدل على وجود معبود يعبد، أو أنه بمعنى المعبود كما قيل، أو يقتضي كونه معبودا، ثمّ بين أنه لا يجوز عبادة اللفظ بوجه، ثمّ استدل على المغايرة بين الاسم والمسمى، ويحتمل أن يكون استدلالا بأن هذا اللفظ يدل على معنى، والدال غير المدلول بديهة، وعلى هذا يحتمل أن يكون ما يذكر بعد ذلك تحقيقاً آخر لبيان ما يجب أن يقصد بالعبادة، وأن يكون تتمة لهذا الدليل تكثيراً للإيراد، وإيضاحا لما يلزمهم من الفساد، بأن
وكلها غيره. يا هشام الخبز اسم للمأكول والماء اسم للمشروب والثوب اسم للملبوس والنار اسم للمحرق أفهمت. يا هشام فهما تدفع به وتناضل به أعداءنا والمتخذين مع الله
________________________________________________________
يكون المعنى أن العقل لما حكم بالمغايرة فمن توهم الاتحاد إن جعل هذه الحروف معبوداً بتوهم أن الذات عينها، فلم يعبد شيئاً أصيلا إذ ليس لهذه الأسماء بقاء واستمرار وجوداً لا بتبعية النقوش في الألواح أو الأذهان، وإن جعل المعبود مجموع الاسم والمسمى فقد أشرك وعبد مع الله غيره، وإن عبد الذات الخالص فهو التوحيد، وبطل الاتحاد بين الاسم والمسمى، والأول أظهر، ويحتمل أن يكون المراد بالمألوه من له إلا له كما يظهر من بعض الأخبار أنه يستعمل بهذا المعنى، كقولهعليهالسلام : كان إلها إذ لا مألوه وعالما إذ لا معلوم فالمعنى أن الإله يقتضي نسبة إلى غيره ولا يتحقق بدون الغير، والمسمى لا حاجة له إلى غيره، فالاسم غير المسمى، ثمّ استدلعليهالسلام على المغايرة بوجهين آخرين: « الأول »: أن لله تعالى أسماء متعددة فلو كان الاسم عين المسمى لزم تعدد الآلهة لبداهة مغايرة تلك الأسماء بعضها لبعض، قوله: ولكن الله أي ذاته تعالى لا هذا الاسم « الثاني »: أن الخبز اسم لشيء يحكم عليه بأنه مأكول، ومعلوم أن هذا اللفظ غير مأكول، وكذا البواقي، وقيل: إنّ المقصود من أوّل الخبر إلى آخره بيان المغايرة بين المفهومات العرضية الّتي هي موضوعات تلك الأسماء وذاته تعالى الّذي هو مصداق تلك المفهومات، فقولهعليهالسلام : والإله يقتضي مألوها معناه أن هذا المعنى المصدري يقتضي أن يكون في الخارج موجود هو ذات المعبود الحقيقي، ليدل على أن مفهوم الاسم غير المسمى والحق تعالى ذاته نفس الوجود الصرف بلا مهية أخرى، فجميع مفهومات الأسماء والصفات خارجة عنه، فصدقها وحملها عليه ليس كصدق الذاتيات على المهية إذ لا مهية له كلية ولا كصدق العرضيات إذ لا قيام لأفرادها بذاته تعالى، ولكن ذاته تعالى بذاته الأحدية البسيطة مما ينتزع منه هذه المفهومات، وتحمل عليه، فالمفهومات كثيرة والجميع غيره، فيلزم من عينية تلك المفهومات تعدد الآلهة.
قوله: الخبز اسم للمأكول، حجة أخرى على ذلك، فإن مفهوم المأكول اسم
جل وعز غيره قلت نعم قال فقال نفعك الله به وثبتك.يا هشام قال هشام فو الله ما قهرني أحد في التوحيد حتّى قمت مقامي هذا.
٣ - علي بن إبراهيم، عن العباس بن معروف، عن عبد الرحمن بن أبي نجران قال كتبت إلى أبي جعفرعليهالسلام أو قلت له جعلني الله فداك نعبد الرحمن الرحيم الواحد الأحد الصمد قال فقال إن من عبد الاسم دون المسمى بالأسماء أشرك وكفر وجحد ولم يعبد شيئاً بل اعبد الله الواحد الأحد الصمد المسمى بهذه الأسماء دون الأسماء إنّ الأسماء صفات وصف بها نفسه.
باب الكون والمكان
١ - محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن أبي حمزة قال:
________________________________________________________
لما يصدق عليه كالخبز، ومفهوم المشروب يصدق على الماء، ومفهوم الملبوس على الثوب والمحرق على النار، ثمّ إذا نظرت إلى كلّ من هذه المعاني في أنفسها وجدتها غير محكوم عليها بأحكامها، فإن معنى المأكول غير مأكول إنما المأكول شيء آخر كالخبز، وكذا البواقي، ولا يخفى ما فيه، ويقال: تناضل فلان عن فلان إذا تكلم بعذره ورمى عنه، وحاج مع أعدائه وذب عنه من نضله نضلا أي غلبه، وانتضلوا وتناضلوا: رموا للسبق، والإلحاد في الأصل: الميل والعدول عن الشيء، ثمّ غلب استعماله في العدول عن الحق.
الحديث الثالث صحيح.
قولهعليهالسلام : إنّ الأسماء صفات، ربما يستدل به على أن المراد بالأسماء في هذه الأخبار المفهومات الكلية لا الحروف، ويمكن أن يقال لدلالتها على الصفات أطلقت عليها مجازا، أو كما أن الصفات تحمل على الذوات فكذا الأسماء تطلق عليها فلذا سميت صفات مجازا.
باب الكون والمكان
الحديث الأول: صحيح.
سأل نافع بن الأزرق أبا جعفرعليهالسلام فقال أخبرني عن الله متى كان فقال متى لم يكن حتّى أخبرك متى كان سبحان من لم يزل ولا يزال فرداً صمداً لم يتخذ( صاحِبَةً وَلا وَلَداً )
________________________________________________________
قوله:عليهالسلام أخبرني عن الله متى لم يكن؟ الظاهر أن السائل كان غرضه السؤال عن ابتداء وجوده تعالى فنفىعليهالسلام الابتداء بأنه يستلزم سبق العدم وهو أزلي يستحيل العدم عليه، وقيل: لما كان « متى » سؤالا عن الزمان المخصوص من بين الأزمنة لوجوده، ولا يصح فيما لا اختصاص لزمان به، أجابهعليهالسلام بقوله: متى لم يكن حتّى أخبرك متى كان، ونبه به على بطلان الاختصاص الّذي أخذ في السؤال، ثمّ صرح بسرمديته بقوله: سبحان من لم يزل ولا يزال، وبعدم مقارنته للمتغيرات واستحالة التغير عليه بدخول شيء فيه واتصافه به، أو خروج شيء منه حتّى يصح الاختصاص بزمان باعتبار من الاعتبارات بقوله فرداً صمداً لم يتخذ صاحبة ولا ولداً
وتفصيله أن متى عند الحكماء نسبة المتغيرات إلى مقدار تغيرها والتغير هو الحركة والزمان مقدارها، فالواقع في الزمان أو لا وبالذات هو نفس الحركة والاستحالة، سواء كان من مكان إلى مكان ويقال له النقلة، أو من وضع إلى وضع كدوران الفلك والفلكة، أو من كم إلى كم يقال له النمو والذيول، أو من كيف إلى كيف يقال له الاستحالة، وغير الحركة كالأجسام وما يتبعها إنما يقع في الزمان بتبعية الحركة لا بحسب المهية والذات، فكل ما لم يكن حركة ولا متحركاً ولوجوده علاقة بالمتحرك فليس بواقع في الزمان فلا يصح السؤال عنه بمتى، ولذا نبهعليهالسلام على فساد السؤال عنه بمتى بقوله: متى لم يكن، فإن من خاصية المنسوب إلى الزمان أنه ما لم ينقطع نسبته عن بعض أجزاء الزمان لم ينسب إلى بعض آخر، فالموجود في هذا اليوم غير موجود في الغد ولا في الأمس، ولكن الباري جل جلاله لا يتصور في حقه تغير وتجدد بوجه من الوجوه، لا في ذاته ولا في إضافته ونسبته.
٢ - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال جاء رجل إلى أبي الحسن الرضاعليهالسلام من وراء نهر بلخ فقال إني أسألك عن مسألة فإن أجبتني فيها بما عندي قلت بإمامتك فقال أبو الحسنعليهالسلام سل عمّا شئت فقال أخبرني عن ربك متى كان وكيف كان وعلى أي شيء كان اعتماده فقال أبو الحسنعليهالسلام إنّ الله تبارك وتعالى أين الأين بلا أين وكيف الكيف بلا كيف وكان اعتماده على قدرته فقام إليه الرجل فقبل رأسه وقال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأن علياً وصي رسول اللهصلىاللهعليهوآله والقيم بعده بما قام به رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأنكم الأئمّة الصادقون وأنك الخلف من بعدهم.
________________________________________________________
الحديث الثاني: صحيح والظاهر « أين كان » بدل « متى كان » كما هو في التوحيد وعيون أخبار الرضاعليهالسلام لينطبق عليه الجواب، وعلى هذه النسخة يمكن أن يتكلف بأن متى كان لا يصح إلا لما في الزمان، والزمان لا يكون إلا لذي مادة جسمانية يلزمه الأين، وليس له تعالى أين لأنّه خالق الأين.
قوله: وعلى أي شيء كان اعتماده؟ أي استمداده في خلق ما خلق، أو يكون هذا سؤالا عن المكان، فإن المكان في عرف الجمهور ما يعتمد الشيء عليه، وقولهعليهالسلام : أين الأين، مما يوهم كون الماهيات مجعولة بالجعل البسيط، ومن لا يقول بذلك يقول لما كانت المهية أيضاً في حال العدم لا تحمل على الشيء، وبعد الوجود تحمل عليه، صح أنه جعل الأين أينا، وقولهعليهالسلام بلا أين: يحتمل وجهين: أحدهما: نفي الأين عنه تعالى، والثاني نفيه عن الأين تنبيها على أن الأين الّذي هو من جملة مخلوقاته لا أين له، وإلا لزم التسلسل في الأيون، فخالق الكل أجل من أن يكون له أين، وكان اعتماده على قدرته أي لا اعتماد له على شيء أصلاً إذ الاعتماد للشيء على الغير إنما نشأ من نقصان وجوده وقصور ذاته كالجواهر الجسمانية وما يتبعها، والله تعالى تام الحقيقة والوجود وهو المبدع للأشياء، فلا اعتماد له على شيء بل كان اعتماد الكل على قدرته الّتي هي عين ذاته.
٣ - محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير قال جاء رجل إلى أبي جعفرعليهالسلام فقال له أخبرني عن ربك متى كان فقال ويلك إنما يقال لشيء لم يكن متى كان إن ربي تبارك وتعالى كان ولم يزل حياً بلا كيف ولم يكن له كان ولا كان لكونه كون كيف ولا كان له أين ولا كان في شيء ولا كان على شيء ولا ابتدع
________________________________________________________
الحديث الثالث: ضعيف.
قوله:عليهالسلام كان ولم يزل: في التوحيد بإسقاط الواو.
قوله حياً بلا كيف: أي بلا حياة له زائدة على ذاته ولا من الكيفيات الّتي تعد من توابع الحياة.
قوله ولم يكن له كان: الظاهر أن كان اسم لم يكن لأنّهعليهالسلام لما قال كان أوهم العبارة زمانا لأنّ كان يدل على الزمان، نفىعليهالسلام ذلك بأنه كان بلا زمان، والتعبير بكان لضيق العبارة، وقيل: أي لم يتحقق له كون شيء من الصفات الزائدة « ولا كان لكونه » أي لوجوده « كون كيف » بالإضافة، أي ثبوت كيف واتصاف بكيفية، وليس في التوحيد لفظ كون في البين وهو الظاهر، ومنهم من فصل « ولم يكن له » عن « كان » أي لم يكن الكيف ثابتا له بأن يكون الواو للعطف التفسيري أو الحال، وكان ابتداء كلام تامة وقوله وكان ثانياً ناقصة حال عن اسم كان، أي كان أزلا والحال أنه ليس له كون كيف بل كونه منزه عن الاتصاف بالكيف، ومنهم من قال: المراد أنه لم يجز أن يقال في حقه تعالى كان ومقابله الّذي هو لا كان، لأنّ مثل هذا الكون الّذي وقع فيه التغير هو كون أمر وجوده عارض زائد كوجود الكيفيات الزائدة، ويمكن فصل كيف عمّا قبله فالمعنى ولا كان له كون أي حدوث، وكيف يكون كذلك وليس له أين ومكان ولا نحو من أنحاء التغير في الصفات أيضا.
قوله ولا كان في شيء: لا كون الجزء في الكل والجزئي في الكلي، والحال في المحل والمتمكن في المكان.
قوله: ولا كان على شيء: نفي مكان العرفي، كما أن الأول نفي ما هو مصطلح
لمكانه مكانا ولا قوي بعد ما كون الأشياء ولا كان ضعيفا قبل أن يكون شيئاً ولا كان مستوحشا قبل أن يبتدع شيئاً ولا يشبه شيئاً مذكوراً ولا كان خلوا من الملك قبل إنشائه ولا يكون منه خلوا بعد ذهابه لم يزل حياً بلا حياة وملكاً قادراً قبل أن ينشيء شيئاً وملكاً جباراً بعد إنشائه للكون فليس لكونه كيف ولا له أين ولا له حد ولا يعرف
________________________________________________________
المتكلمين والحكماء فهوعليهالسلام نفى أولا عنه سبحانه الأين مجملا، ثمّ نفى عنه تفاصيله وجميع معانيه مع نفي أمور يستلزمه التأين.
قوله لمكانه: أي ليكون مكانا أو لمنزلته بأن يكون المراد بالمكان المنزلة أو يكون لمكانة بالتنوين، أي ليس له مكان عرفي كالسرير تتخذه الملك، ليكون مكانا له يرفعه الخدم.
قوله شيئاً مذكورا: أي مكونا له ومذكوراً بين أهل الأرض، ولعل المقصود التعميم أي كلّ شيء يذكر في النطق أو في الذهن فهو منزه عن مشابهته، وفي التوحيد في رواية أخرى ولا يشبهه شيء مكون.
قوله من الملك: بالضم أي السلطنة والعظمة « قبل إنشائه » أي إنشاء شيء لقدرته على إيجاد الأشياء وإبقائها على الوجود وإعدامها بعد الوجود وإبقائها على العدم، وكونه جامعاً في ذاته لما يحتاج إليه فعله وحاجة الماهيات إليه في الوجود مطلقاً لذواتها.
« بعد ذهابه » أي ذهاب ما أنشأ أو إنشائه، وقولهعليهالسلام : « لم يزل حياً بلا حياة » أي مغايرة لذاته، ناظر إلى قوله حياً بلا كيف، وقوله: وملكاً قادراً إلى قوله:ولا كان ضعيفا، وإلى قوله ولا كان خلوا، وقوله « وملكاً جباراً بعد إنشائه الكون » أي قوياً على الإبقاء وإفاضة الوجود واستمرار الإيجاد، وعلى الإفناء بعد إفاضة الوجود واستمرار الإيجاد، وقولهعليهالسلام فليس لكونه كيف، إمّا تأكيد لما سبق، أو المعنى ليس بعد إنشائه للكون بوجوده كيف كما لم يكن قبل الإنشاء لكونه كيف، لعدم إمكان تغيره واتصافه بما يستكمل به « ولا له أين ولا له حد » فينتهى ويحاط
بشيء يشبهه ولا يهرم لطول البقاء ولا يصعق لشيء بل لخوفه تصعق الأشياء كلها كان حياً بلا حياة حادثة ولا كون موصوف ولا كيف محدود ولا أين موقوف عليه ولا مكان جاور شيئاً بل حي يعرف وملك لم يزل له القدرة والملك أنشأ ما شاء حين
________________________________________________________
« ولا يعرف » بعد الكون « بشيء يشبهه » حيث لا شبه له، لا يهرم لطول البقاء كما في المعمرين من البشر لو هن قواهم « ولا يصعق » أي لا يغشى عليه لخوف أو غيره، لأنّ وجوده وكمالاته بذاته، فلا يمكن زواله والتغير فيه « بل لخوفه » لأنّ الكل محتاج إليه مجبور بقدرته مسخر له مضطر إليه « تصعق الأشياء كلها » أي تهلك أو تضعف عند ظهور قدرته وتجليه، كما قال( خَرَّ مُوسى صَعِقاً ) (١) وقال سبحانه( فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ ( مَنْ فِي )الْأَرْضِ ) (٢)
« ولا كون موصوف » النفي راجع إلى القيد، والمراد أنه ليس له وجود موصوف بكونه زائداً عليه، لأنّ وجوده عين ذاته أو بكونه في زمان أو مكان لأنّ وجوده منزه عنهما، أو المراد أنه ليس له وجود موصوف محدود بحد حقيقي يخبر عن ذاتياته أو بحد ونهاية.
وقيل: المراد بالكون الموصوف الوجود المتصف بالتغير أو عدمه عمّا من شأنه التغير المعبر عنهما بالحركة والسكون « ولا كيف محدود » المراد بالكيف إمّا مطلق الصفة فيكون النفي راجعاً إلى القيد، أو الكيفيات الجسمانية فيكون راجعاً إليهما معا، « ولا أين موقوف عليه » أي أين يكون وقوفه وقيامه عليه، أو يتوقف وجوده عليه « ولا مكان جاور شيئاً » بالمهملة أي مكان خاص مجاور المكان آخر، أو بالمعجمة كما في بعض النسخ، أي مجاوز عن مكان آخر بأن يكون فوقه مثلا « بل حي يعرف » على المجهول أي يعرف أنه حي بإدراك آثار يعد من آثار الحي لا باتصافه بمفهوم الحياة الّتي هي صفة قائمة بموصوفها، أو على المعلوم أي يعرف الأشياء بذاته « وملك لم يزل له القدرة » أي له القدرة والعز والسلطنة
__________________
(١) سورة الأعراف: ١٤٣.
(٢) سورة الزمر: ٦٨.
شاء بمشيئته لا يحد ولا يبعض ولا يفنى كان أولا بلا كيف ويكون آخراً بلا أين و( كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ) ويلك أيها السائل إن ربي لا تغشاه الأوهام ولا تنزل به الشبهات.
________________________________________________________
لذاته، لا بكون الأشياء وسلطنته عليها، ثمّ لما أثبتعليهالسلام توحيد ذاته ونفي الزائد من العلم والقدرة وغيرهما أمكن أن يتوهم أن صدور الأشياء عنه يكون على وجه الإيجاب كفعل الطبائع العديمة الشعور، فأزال ذلك التوهم بأن إيجاد كلّ ما شاء في وقته الخاص بمحض مشيته وعلمه الّذي هو عين ذاته، ثمّ رجع إلى نفي المثالب عنه تأكيداً لما سبق وتوضيحا، فقال: « ولا يحد » لأنّ الحد إنما يكون لما له جزء فيحد بأجزائه وليس هو كذلك ولذا قال عقيبه « ولا يبعض » أي لا في الخارج ولا بحسب الذهن « ولا يفنى » لمنافاته وجوب الوجود « كان أولا بلا كيف » أي مبدءا موجداً للكل لا بقدرة وعلم يعدان من الكيف، ولا بغير هما من الكيفيات، بل بذاته وصفاته الذاتية « ويكون آخراً » أي باقياً مع ما عداه من الأواخر وبعد فناء ما يفنى منها « بلا أين » أي بلا كونه كونا مادياً زمانياً فلا يكون آخراً بالحدوث على حال أو بالزمان، بدخوله تحت الزمان، ويحتمل أن يكون المراد بالأول المبدأ الفاعل وبالآخر الغاية، فإنه فاعل الكل بلا كيف، وغاية الكل حتّى الماديات بلا مقارنة مادة والتأين بأين كما قيل،( كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ) أي يفنى جميع الأشياء قبل القيامة إلا ذاته تعالى كما ورد في الأخبار، أو كلّ شيء في معرض الفناء والعدم لا مكانه إلا الواجب الوجود بالذات أو كلّ جهات الأشياء جهات الفناء إلا جهتها الّتي بها ينتسب إليه تعالى، فإنه علتها ووجودها وبقاءها بتلك الجهة( لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ) : قيل المراد بالخلق عالم الأجسام والماديات أو الموجودات العينية، وبالأمر عالم المجردات أو الموجودات العلمية، ويمكن أن يكون المراد بالأول خلق الممكنات مطلقا، وبالثاني الأمر التكليفي أو الأعم منه ومن التكويني، وهذا أنسب بعرف الأخبار « ولا تغشاه الأوهام » أي لا تحيط به ولا تدركه، وليس علمه بالأشياء بالتوهم « ولا تنزل به الشبهات » أي ليس في أمره من وجوده وكمالاته شبهة لوضوح الأمر أو ليس علمه بالشبهات و
ولا يحار ولا يجاوزه شيء(١) ولا تنزل به الأحداث ولا يسأل عن شيء ولا يندم على شيء و( لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى ) .
٤ - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه رفعه قال اجتمعت اليهود إلى رأس الجالوت فقالوا له إن هذا الرجل عالم يعنون أمير المؤمنينعليهالسلام فانطلق بنا إليه نسأله فأتوه فقيل لهم هو في القصر فانتظروه حتّى خرج فقال له رأس الجالوت جئناك نسألك فقال سل يا يهودي عمّا بداً لك فقال أسألك عن ربك متى كان فقال كان بلا كينونية كان بلا كيف كان لم يزل بلا كم
________________________________________________________
الظنون « ولا يحار من شيء » بالمهملة من الحيرة، وبالمعجمة على صيغة المجهول أي لا يجبره من شيء أحد.
قوله ولا يجاوزه: أي لا يخرج من حكمه ومشيته شيء، وفي بعض النسخ بالراء المهملة من المجاورة، وربما يقرأ بالمهملتين من الحور بمعنى النقص، والمفاعلة للتعدية أي لا ينقصه شيء، ولا يخفى ما فيه، وأحداث الدهر: نوائبه « ولا يسأل عن شيء » أي سؤال احتجاج ومؤاخذة لكمال سلطنته وعلمه وحكمته وعطفه ورحمته، والمراد بما تحت الثرى ما تحت التراب الّذي به نداوة وبلة، أي الطبقة الطينية، قيل: ويحتمل أن يكون المراد بما بينهما ما يحصل من امتزاج القوى العلوية والسفلية، وبما تحت الثرى ما يتكون بامتزاج الماء والتراب، وفي الأخبار في تحقيق ذلك غرائب أوردناها في كتابنا الكبير.
الحديث الرابع: مرفوع ورأس الجالوت هو مقدم علماء اليهود، وجالوت أعجمي ولما سئل عن زمانه وكان الزمان مخصوصاً بالموجودات الزمانية الّتي لا تخلو من كون حادث وكيف وكم وغاية، نفى عنه تعالى هذه المعاني للتنبيه على أنه لا يصح فيه متى، فقال: كان بلا كينونة، أي وجود زائد أو حادث، « كان بلا كيف » أي صفة زائدة.
قوله وبلا كيف: أي الكيفيات الجسمانية، قوله: « كان » بعد ذلك يحتمل تعلّقه
__________________
(١) وفي بعض النسخ كنسخة الشارح (ره) « ولا يحار من شيء ولا يجاوزه ».
وبلا كيف كان ليس له قبل هو قبل القبل بلا قبل ولا غاية ولا منتهى انقطعت عنه الغاية وهو غاية كلّ غاية فقال رأس الجالوت امضوا بنا فهو أعلم مما يقال فيه.
٥ - وبهذا الإسناد، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبي الحسن الموصلي، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال جاء حبر من الأحبار إلى أمير المؤمنينعليهالسلام فقال يا أمير المؤمنين متى كان ربك فقال له ثكلتك أمك ومتى لم يكن حتّى يقال متى كان كان ربي قبل القبل بلا قبل وبعد البعد بلا بعد ولا غاية ولا منتهى لغايته انقطعت الغايات عنده فهو منتهى كلّ غاية فقال يا أمير المؤمنين أفنبي أنت فقال ويلك إنما أنا عبد من عبيد محمّدصلىاللهعليهوآله وروي أنه سئلعليهالسلام أين كان
________________________________________________________
بالسابق واللاحق وكذا السابق هو قبل القبل أي قبل كلّ ما تعرض له القبلية « بلا قبل » أي من غير أن يكون شيء قبله، أو ليس له ما يتصف بالذات بالقبلية كالزمان « ولا غاية » أي ليس لوجوده ولا حال من أحواله نهاية، ولا ما ينتهي إليه « انقطعت عنه الغاية » أي طرف الامتداد، فإن الامتداد متأخر عنه بمراتب، أو كلّ غاية ونهاية تفرض فهو موجود بعده « وهو غاية كلّ غاية » أي انتهاء وجود الغايات أو موجود بعد كلّ غاية.
الحديث الخامس: مجهول وآخره مرسل.
قوله ثكلتك أمك: قال في المغرب: ثكلت المرأة ولدها: مات منها « وبعد البعد بلا بعد » أي لا شيء بعده، أو ليس له شيء متصف بالبعدية بالذات كما مر في القبل « انقطعت الغايات عنده » فإنه لا امتداد حيث هو فضلا عن طرفه، أو كلّ غاية تفرض فهو موجود بعده « فهو منتهى كلّ غاية » أي منتهى العلل الغائية أو منتهى طلبات العالمين ورغباتهم، وقد زعم الحكماء أن جميع الطبائع من السفليات والعلويات متوجهة إلى تحصيل كمالاتها الممكنة بحسب قابلياتها واستعداداتها والتشبه بما فوقها إلى أن ينتهي إليه سبحانه، فإنه غاية الغايات، والكامل بالذات، وكلماتهم في ذلك طويلة، والله الهادي إلى الحقّ واليقين.
قولهعليهالسلام إنما أنا عبد: أي مطيع خادم له مقتبس من علمه، وهذا من غاية
ربنا قبل أن يخلق سماء وأرضا فقالعليهالسلام أين سؤال عن مكان وكان الله ولا مكان.
٦ - علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن عمرو بن عثمان، عن محمّد بن يحيى، عن محمّد بن سماعة، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رأس الجالوت لليهود إنّ المسلمين يزعمون أن علياًعليهالسلام من أجدل الناس وأعلمهم اذهبوا بنا إليه لعلي أسأله عن مسألة وأخطئه فيها فأتاه فقال يا أمير المؤمنين إني أريد أن أسألك عن مسألة قال سل عمّا شئت قال يا أمير المؤمنين متى كان ربنا قال له يا يهودي إنما يقال متى كان لمن لم يكن فكان متى كان هو كائن بلا كينونية كائن كان بلا كيف يكون بلى يا يهودي ثمّ بلى يا يهودي كيف يكون له قبل هو قبل القبل بلا غاية ولا منتهى
________________________________________________________
تواضعه وحبه للرسول صلى الله عليهما وآلهما.
الحديث السادس: ضعيف.
قوله: من أجدل الناس: أي أقواهم في المخاصمة والمناظرة وأعرفهم بالمعارف اليقينية.
قوله: متى كان: تأكيد للسؤال الأول، وقيل: متى الأولى استفهامية، والثانية خبرية، أي: متى، كان لاستعلام حال من لم يكن موجوداً حينا من الدهر ثمّ كان في الوقت الّذي كان، وقيل: متى كان ثانياً شرط وقع حالا « بلا كينونة كائن » أي قبل أن يتكون كائن، أو بلا وجود موجود معه من زمان أو مكان أو غيرهما، أو بلا كينونة ككينونة الكائنات « كان بلا كيف يكون » أي بدون كيف يوجد، سواء كان كيفية موجودة أو استعداداً لها، ولما استشعرعليهالسلام من السائل إنكاراً لكون الشيء موجوداً بلا كيف ولا زمان، أو كان مظنة ذلك، رد عليه بقوله بلى يا يهودي ثمّ أكد بقوله: ثمّ بلى، وقولهعليهالسلام : كيف يكون له قبل، أي شيء سابق عليه، وهو قبل كلّ قبل وعلة كلّ شيء بلا غاية، أي امتداد زمان ولا منتهى غاية، أي بلا نهاية لامتداد وجوده وشيء من كمالاته « ولا غاية إليها » قيل: الضمير راجع إلى الغاية، وإلى بمعنى اللام، أي
غاية ولا غاية إليها انقطعت الغايات عنده هو غاية كلّ غاية فقال أشهد أن دينك الحقّ وأن ما خالفه باطل.
٧ - علي بن محمّد رفعه، عن زرارة قال قلت لأبي جعفرعليهالسلام أكان الله ولا شيء قال نعم كان ولا شيء قلت فأين كان يكون قال وكان متكئاً فاستوى جالسا وقال أحلت يا زرارة وسألت عن المكان إذ لا مكان.
٨ - علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن الوليد، عن ابن أبي نصر، عن أبي الحسن الموصلي، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال أتى حبر من الأحبار أمير المؤمنينعليهالسلام فقال يا أمير المؤمنين متى كان ربك قال ويلك إنما يقال متى كان لما لم يكن فأمّا ما كان فلا يقال متى كان كان قبل القبل بلا قبل وبعد البعد بلا بعد ولا منتهى غاية لتنتهي غايته فقال له أنبي أنت فقال لأمك الهبل إنما أنا عبد من عبيد رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
باب النسبة
١ - أحمد بن إدريس، عن محمّد بن عبد الجبار، عن صفوان بن يحيى، عن أبي
________________________________________________________
لا غاية الغايات، وقيل: المراد لا غاية ينتهي هو إليها أو ليس كونه غاية إلى غاية بل هو غاية لما لا ينتهي. وفي التوحيد بسند آخر ولا غاية إليها غاية أي نهاية ينتهي إليها مسافة.
الحديث السابع: مرفوع.
قوله: فأين كان يكون: كان زائدة « أحلت » أي تكلمت بالمحال.
الحديث الثامن: ضعيف، وفي الصحاح: الهبل بالتحريك مصدر قولك: هبلته أمه أي ثكلته.
باب النسبة
الحديث الأول: صحيح.
أيوب، عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال إنّ اليهود سألوا رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقالوا انسب لنا ربك فلبث ثلاثاً لا يجيبهم ثمّ نزلت( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) إلى آخرها.
ورواه محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن أبي أيوب.
٢ - محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ومحمد بن الحسين، عن ابن محبوب، عن حماد بن عمرو النصيبي، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال سألت أبا عبد الله عن( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) فقال نسبة الله إلى خلقه أحداً صمداً أزلياً صمدياً لا ظل له
________________________________________________________
قوله أنسب لنا: أي أذكر نسبه وقرابته، فالجواب بنفي النسب والقرابة، أو نسبته إلى خلقه فالجواب بيان كيفية النسبة.
قوله فلبث ثلاثا: أي ثلاث ليال، والليل قد يؤنث باعتبار ليلاًة فإنها بمعنى الليل، والتأخير لتوقع نزول الوحي فإنه أتم وأكمل وأوفق بالنظام الأعلى.
الحديث الثاني : مجهول.
قوله: وروى، وفي بعض النسخ ورواه، وهذا هو الظاهر بأن يكون هذا سنداً آخر للخبر السابق إلى أبي أيوب، ويكون محمّد بن يحيى ابتداء الخبر اللاحق.
قوله: وعن، زيادة من النساخ.
قوله إلى خلقه أحدا: أي نسبه أو أنسبه أحداً أو هو منصوب على الحالية أو على المدح، والأحد ما لا ينقسم أصلاً لا وجوداً ولا عقلاً لا إلى أجزاء ولا إلى مهية وإنية مغايرة لها، ولا إلى جهة قابلية وجهة فعلية، وكلما كان شيئاً موجوداً بذاته لا بوجود مغاير يكون واجب الوجود ويكون أزلياً فقوله أزلياً ناظر إلى قوله أحدا، منبه على المراد منه و « الصمد » كما سيذكر: السيد الّذي يقصد إليه في الحوائج، فالكل يقصده لكماله فلا يستكمل بشيء من خلقه، وقوله « صمدياً » مبالغة في كونه صمداً كالأحمري، ويمكن أن يكون ما سيذكر بعد ذلك كله متفرعاً على الصمد أو بعضه على الأحد، وبعضه على الصمد، كما لا يخفى على المتأمل.
قوله لا ظل له: المراد بالظل إمّا السبب أو الحافظ أو الصورة أو المثال كما عند
يمسكه وهو يمسك الأشياء بأظلتها عارف بالمجهول معروف عند كلّ جاهل فردانياً لا خلقه فيه ولا هو في خلقه غير محسوس ولا مجسوس( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ )
________________________________________________________
القائلين بعالم المثال فإن لكل شيء عندهم مثالا في تلك العالم وقيل: المراد رب النوع كما نقل عن شيخنا البهائي والأظهر أن المراد الروح كما يقال عالم الأرواح عالم الظلال، أو المراد الأمكنة الّتي يستقرون عليها، والسقوف الّتي يستظلون تحتها، إمّا حقيقة أو كناية عن جميع أسباب الأشياء وما يمسكها عن الزوال والفساد، والباء إمّا بمعنى مع أو السببية، أي يحفظ الأشياء مع ما تستحفظ بها من الأظلة والأسباب، أو يحفظها بواسطة إيجاده لأظلتها وأسبابها، وقيل: الظل من كلّ شيء شخصه أو وقاؤه وستره، أي لا شخص ولا شبح له يمسكه كالبدن للنفس، والفرد المادي للحصة، ولا واقي له يقيه « وهو يمسك الأشياء بأظلتها » أي بأشخاصها وأشباحها، أو بوقاياتها لأنّه إذا كان صمدياً ومقصوداً في حوائج الكل، لم يكن محتاجاً إلى غيره في شيء، ويكون كلّ شيء غيره محتاجاً إليه، وقيل: المراد به الكنف كما يقال: يعيش فلان في ظل فلان أي في كنفه، وقال في القاموس: الظل: الفيء، والخيال من الجن وغيره يرى، ومن كلّ شيء شخصه أو كنه وهو في ظله في كنفه، وقيل: الظل الجسم في حديث ابن عباس: الكافر يسجد لغير الله وظله يسجد لله أي جسمه، وإنما يقال: للجسم الظل، لأنّه عنه الظل ولأنه ظلماني والروح نوراني، وهو تابع له يتحرك بحركته النفسانية « عارف بالمجهول » أي بما هو مجهول للخلق من المغيبات والمعدومات « معروف عند كلّ جاهل » أي ظاهر غاية الظهور حتّى أن كلّ من شأنه أن يخفي عليه الأشياء، ويكون جاهلاً بها هو معروف عنده غير خفي عليه لأنّ مناط معرفته مقدمات ضرورية، فالمراد معرفته بوجه والتصديق بوجوده، ويمكن أن يقال: كلّ عاقل يحكم بأن صانعه لا يشبه المصنوعات وهذا غاية معرفته سبحانه بعد الخوض فيها، إذ لا سبيل إلى معرفة حقيقته إلا بسلب شبه صفات الممكنات عنه، ولا ينافيها الجهل بما هيأت الممكنات وصفاتها المخصوصة بها.
« فردانياً » الألف والنون زائدتان للنسبة، وهي للمبالغة أي لا يقارنه خلقه،
علا فقرب ودنا فبعد وعصي فغفر وأطيع فشكر لا تحويه أرضه ولا تقله سماواته حامل الأشياء بقدرته ديمومي أزلي لا ينسى ولا يلهو ولا يغلط ولا يلعب ولا لإرادته
________________________________________________________
لا مقارنة الحالية فيه أو الدخول فيه، كما قال « لا خلقه فيه » ولا مقارنة المحلية له أو المكانية، كما قال « ولا هو في خلقه » ويشعر هذا إلى ترتب لم يلد ولم يولد على الصمد والمعنى: لا خلقه فيه فيلد خلقه ولا هو في خلقه فيولد من خلقه، غير محسوس بشيء من الحواس الظاهرة وإلا لكان جسما أو جسمانياً « ولا محسوس » أي ملموس تأكيدا، وقيل: أي بشيء من المشاعر الباطنة لكن لم يساعده اللغة، ويمكن أن يكون استعمل فيه مجازا.
قولهعليهالسلام علا فقرب: أي علا كلّ شيء ذاتا وصفة فقرب علما وقدرة، ودنا بالعلية لكل شيء فصار سبباً لعلوه وبعده عن الأبصار والعقول « فشكر » أي أثاب وجازى وهاتان الفقرتان أيضاً لبيان نوع من ارتباطه ونسبته إلى الخلق، « لا تحويه أرضه » أي لا تضمنه وتجمعه الأرض الّتي هي من مخلوقاته « ولا تقله » أي لا تحمله، والغرض أنه ليس الارتباط بينه وبين خلقه باتصاله بالخلق من جهة السفل فتحويه أرضه، ولا من جهة العلو فتحمله سماواته، بل ارتباطه بأنه حامل الأشياء ومعطي وجودها ومبقيها بقدرته ومربيها والمفيض عليها ما هي قابلة لها برحمته « ديمومي » منسوب إلى مصدر دام يدوم دواماً، وديمومة « أزلي » لا ابتداء لوجوده « لا ينسى ولا يلهو » أي لا يغفل عن شيء لعدم جواز التغير عليه لصمديته « ولا يغلط » لكمال علمه « ولا يلعب » لأنّه من نقص الإدراك وعدم العلم بالعواقب، والصمد الّذي جميع كمالاته بالفعل لا يصدر عنه هذه الأمور « ولا لإرادته فصل » الفصل: القطع، أي لا قاطع لإرادته يمنعها عن تعلّقها بالمراد، وقيل: معناه ليست إرادته فاصلة بين شيء وشيء بل يتعلّق بكل شيء، وقيل: ليس لإرادته فصل، أي شيء يداخله فيكون به راضياً أو ساخطا، إنما كونه راضياً وساخطا بالإثابة والعقاب، كما قال « وفصله جزاء » وعلى الأولين: المراد أن فصله بين أفعال العباد وهو جزاء لهم على أفعالهم لا ظلم وجور عليهم، وقيل: أي
فصل وفصله جزاء وأمره واقع( لَمْ يَلِدْ ) فيورث( وَلَمْ يُولَدْ ) فيشارك( وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ) .
٣ - محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن عاصم بن حميد قال قال سئل علي بن الحسينعليهالسلام عن التوحيد فقال إنّ الله عز وجل علم أنه يكون في آخر الزمان أقوام متعمقون فأنزل الله تعالى( قُلْ هُوَ اللهُ
________________________________________________________
ليس إرادته الفعل من العبد إرادة فصل وقطع لا تتخلف بل المقطوع به الجزاء المترتب على الفعل، وفي بعض النسخ: وفضله بالضاد المعجمة، أي سمى فضله على العباد جزاء إذ لا يستحقون بأعمالهم شيئاً وأمره واقع أراد به الأمر التكويني كمال قال سبحانه( إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) (١) ( لَمْ يَلِدْ ) فيورث على بناء الفاعل أي لم ينفصل عنه شيء داخل فيه فينتقل إذن منه شيء إليه، أو على بناء المفعول فيورثه الولد من صفاته إذ معلوم مشاركة الولد للوالد في النوع والصنف وأكثر الصفات المخصوصة( وَلَمْ يُولَدْ ) فيشارك أي لم ينفصل عن شيء كان هو داخلا فيه فإذن يشارك أي ذلك فيما كان من صفاته، أو يشارك أي يشاركه ذلك الشيء فيما هو من صفاته( وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ) أي لا مكافئ له في وجوب الوجود.
الحديث الثالث: صحيح.
قولهعليهالسلام متعمقون: أي ليتعمقوا فيه أو لا يتعمقوا كثيراً بأفكارهم بل يقتصروا في معرفته سبحانه على ما بين لهم، أو يكون لهم معياراً يعرضون أفكارهم عليها، فلا يزلوا ولا يخطأوا، والأوسط أظهر، وآيات الحديد مشتملة على دقائق المعرفة حيث دل بقوله سبحانه( سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) على شهادة الكل بتقدسه وتنزهه ثمّ دل بقوله( وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) على عموم قدرته، وبقوله( هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ ) على أزليته ودوامه وسرمديته، وكونه مبدء كلّ معلوم، وبقوله( وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ ) على ظهور آياته ودلائل وجوده ودوامه وعلمه وقدرته، وعلمه بالظواهر والبواطن وكونه
__________________
(١) سورة يس: ٨٢.
أَحَدٌ ) والآيات من سورة الحديد إلى قوله( وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ) فمن رام وراء ذلك فقد هلك.
٤ - محمّد بن أبي عبد الله رفعه، عن عبد العزيز بن المهتدي قال سألت الرضاعليهالسلام عن التوحيد فقال كلّ من قرأ( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) وآمن بها فقد عرف التوحيد قلت كيف يقرأها قال كما يقرأها الناس وزاد فيه كذلك الله ربي كذلك الله ربي.
باب النهي عن الكلام في الكيفية
١ - محمّد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب
________________________________________________________
غير مدرك بالحواس والعقول، وبقوله( وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) على عموم علمه ثمّ بقوله:( ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ) على استواء نسبته سبحانه إلى المعلولات فلا يختلف بالقرب والبعد، وظهور الشيء وخفائه وبقوله( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ ) على إحاطة علمه بجميع الأشخاص والأمكنة، فلا يعزب عنه سبحانه شيء منها، وبقوله( يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ ) إلخ على أنه يأتي بآيات الظهور والخفاء والكشف والسر، وأنه لا يفوت شيئاً من مصالح العباد، وأن الموجودات بالوجود العلمي ومخزونات النفوس والصدور الّتي هي أخفى الأشياء ظاهرة عليه أعلى مراتب الكشف والظهور.
الحديث الرابع: مرفوع.
قولهعليهالسلام وآمن بها، أي بقدر فهمه وحوصلته وإدراكه، فلكل من العوام والخواص وأخص الخواص حظ من هذه السورة، ويجب عليه الإيمان بها بحسب حاله، فيقول بعد قراءتها قولا وعقداً « كذلك الله ربي » مرتين، وفي سائر الأخبار ثلاثاً في الصلاة وغيرها، إظهاراً للإيمان واستكمالا له.
باب النهي عن الكلام في الكيفية
الحديث الأول: ضعيف وآخره مرسل.
عن أبي بصير قال قال أبو جعفرعليهالسلام تكلموا في خلق الله ولا تتكلموا في الله فإن الكلام في الله لا يزداد صاحبه إلا تحيرا.
وفي رواية أخرى، عن حريز تكلموا في كلّ شيء ولا تتكلموا في ذات الله.
٢ - محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي عمير، عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن سليمان بن خالد قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام إنّ الله عز وجل يقول -( وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى ) (١) فإذا انتهى الكلام إلى الله فأمسكوا.
٣ - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي أيوب، عن محمّد بن مسلم قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام يا محمّد إنّ الناس لا يزال بهم المنطق حتّى يتكلموا في الله فإذا سمعتم ذلك فقولوا لا إله إلا الله الواحد الّذي( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ )
________________________________________________________
قولهعليهالسلام تكلموا في خلق الله: هو أمر إباحة، والنهي في « لا تتكلموا » للتحريم، فإن الكلام في الله أي في كنه ذاته وصفاته وكيفيتهما أو المراد المجادلة في إثبات الواجب لمن لم يكن أهلا له، والأول أظهر، وأمّا الكلام فيه سبحانه لا على الوجهين بل بأن يذكره بما وصف به نفسه فغير منهي عنه لأحد.
الحديث الثاني: صحيح.
قوله تعالى( وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى ) المنتهى مصدر ميمي بمعنى الانتهاء، فالمشهور بين المفسرين أن المعنى أن انتهاء الخلائق ورجوعهم إليه تعالى، وعلى تفسيرهعليهالسلام المراد انتهاء التفكّر والتكلم إليه تعالى.
الحديث الثالث: حسن.
قولهعليهالسلام : بهم المنطق: أي لهم أو معهم، وعلى الأخير الضمير للمخالفين.
قولهعليهالسلام : فقولوا، أي إذا سمعتم الكلام في الله فاقتصروا على التوحيد، ونفي الشريك منبها على أنه لا يجوز الكلام فيه، وتبيين معرفته إلا بسلب التشارك بينه وبين غيره، وأنه إحدى الذات، ليس أجزاء في ذاته، ولا ذا كيفية في صفاته، ولا مثل لذاته ولا شبه لصفاته، فلا يمكن لأحد معرفتهما بشيء من الأشياء.
__________________
(١) سورة النجم: ٥٣.
٤ - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن محمّد بن حمران، عن أبي عبيدة الحذاء قال قال أبو جعفرعليهالسلام يا زياد إياك والخصومات فإنها تورث الشك وتهبط العمل وتردي صاحبها وعسى أن يتكلم بالشيء فلا يغفر له إنه كان فيما مضى قوم تركوا علم ما وكلوا به وطلبوا علم ما كفوه حتّى انتهى كلامهم إلى الله فتحيروا حتّى إن كان الرجل ليدعى من بين يديه فيجيب من خلفه ويدعى من خلفه فيجيب من بين يديه وفي رواية أخرى حتّى تاهوا في الأرض.
________________________________________________________
الحديث الرابع: مجهول كالصحيح.
قولهعليهالسلام : إياك والخصومات، أي المجادلات الكلامية والمناظرات التعصبية قصداً للغلبة، فإنها منبع أكثر الأخلاق الذميمة، قيل: أن نسبتها إلى الفواحش الباطنة كنسبة شرب الخمر إلى الفواحش الظاهرة فإنها تورث الشك لأنها تؤدي إلى ميل النفس إلى أحد الطرفين فيشك فيما لا ينبغي أن يشك فيه، ويلحقه بهذه الخطيئة من لا يسلم معه أجر عمله، أو يكون عمله حينئذ مقارنا للشك فلا يؤجر عليه لاشتراطه بالإيمان، وعسى أن يتكلم بالشيء في أثناء المناظرة لميل نفسه إلى المدافعة فلا يغفر له لكونه كفراً « ما وكلوا به » بالتشديد على المجهول أي أمروا بتحصيله وأقدروا عليه كمعرفة الحلال والحرام، « وطلبوا علم ما كفوه » أي ما أسقط عنهم وكفوا مؤنته، كمعرفة حقائق الأشياء « حتّى انتهى كلامهم إلى الله » فتكلموا في حقيقة ذاته أو حقيقة صفاته الحقيقية « فتحيروا » وذلك لأنّ اشتغال القوة الدراكة بما تعجز عنه يزيدها حيرة وعجزا عن الدرك، كما أن حمل القوة الباصرة على رؤية الشمس يزيدها عجزا عن الرؤية، بل ربما يؤدي إلى العمى « فيجيب من خلفه » بفتح الميم أو كسرها، وكذا الفقرة الثانية.
قولهعليهالسلام حتّى تاهوا في الأرض: أي تحيروا ولم يهتدوا إلى الطريق الواضح في المحسوسات والمبصرات فضلا عن الخفايا من المعقولاًت.
٥ - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن بعض أصحابه، عن الحسين بن المياح، عن أبيه قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول من نظر في الله كيف هو هلك.
٦ - محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن زرارة بن أعين، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال إنملكاً عظيم الشأن كان في مجلس له فتناول الرب تبارك وتعالى ففقد فما يدرى أين هو.
٧ - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن محمّد بن عبد الحميد، عن العلاء بن رزين، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفرعليهالسلام قال إياكم والتفكّر في الله ولكن إذا أردتم أن تنظروا إلى عظمته فانظروا إلى عظيم خلقه.
٨ - محمّد بن أبي عبد الله رفعه قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام يا ابن آدم لو أكل قلبك
________________________________________________________
الحديث الخامس: ضعيف.
قولهعليهالسلام : من نظر في الله كيف هو: أي أثبت له الكيفية الجسمانية ونظر فيها أو رام أن يعرف كنه صفاته الحقيقية وتأمل فيها « هلك » لاعتقاده فيه ما ليس فيه.
الحديث السادس: موثق كالصحيح.
قولهعليهالسلام : إن ملكا: بكسر اللام، والفتح بعيد.
قولهعليهالسلام فتناول الرب: أي تكلم أو تفكّر في كنه الذات والصفات « ففقد » أي من مكانه بغضب الله أو تحير في الأرض وسار فلم يعرف له خبرا. وبالمعلوم أي ففقد ما كان يعرف وكان لا يدري هو في أي مكان من الحيرة.
الحديث السابع: صحيح.
قولهعليهالسلام إلى عظم خلقه: أي لتستدلوا به على عظمته وأن عظمته أجل من أن يشبه عظمة خلقه، وكذا سائر الصفات فذكرها على المثال.
الحديث الثامن: مرفوع، ويمكن أن يكون المراد التنبيه بصغر الأعضاء
طائر لم يشبعه وبصرك لو وضع عليه خرق إبرة لغطاه تريد أن تعرف بهما ملكوت السماوات والأرض إن كنت صادقاً فهذه الشمس خلق من خلق الله فإن قدرت أن تملأ عينيك منها فهو كما تقول.
٩ - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن علي، عن اليعقوبي، عن بعض أصحابنا، عن عبد الأعلى مولى آل سام، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال إن يهودياً يقال له - سبخت جاء إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقال يا رسول الله جئت أسألك عن ربك فإن أنت أجبتني عمّا أسألك عنه وإلا رجعت قال سل عمّا شئت قال أين ربك قال هو في كلّ مكان وليس في شيء من المكان المحدود قال وكيف هو قال وكيف
________________________________________________________
وحقارة القوى الظاهرة على ضعف قوي الباطنة أي كما لا يقدر بصرك الظاهر على تحديق النظر إلى الشمس فكيف يقدر عين قلبك على مطالعة شمس ذاته وأنوار جلاله، أو المراد أن العين يعجز عن رؤية بعض المحسوسات فكيف ما لا يدركه حس ولا يحيط به جهة، فيكون تنبيها على عجز القوي الجسمانية عن إدراكه سبحانه، فالمراد بالملكوت مالك الملكوت أي إذا لم تقدر على رؤية سائر الملكوت فكيف المالك، قال بعض المحققين: نبه بصغر الأعضاء وحقارة القوي الجسمانية وعجزها عن إدراك الإضواء والأنوار على عجزها عن إدراك ملكوت السماوات والأرض، والمراد بملكوت السماوات والأرض آثار عظمة الله سبحانه وملكه وسلطانه، وما يظهر به عزه وعظمته ومعظمها النفوس والأرواح، ولا يحيط بها القوي الجسمانية ولا يقوى على إدراكها.
الحديث التاسع: مرسل.
قولهعليهالسلام من المكان المحدود: أي المعين أو المحدود، مع أنه تعالى غير محدود، والحاصل أن القرب والحضور على قسمين قرب المفارقات والمجردات وحضورها بالإحاطة العلمية بالأشياء، وقرب المقارنات وذوات الأوضاع وحضورها بالحصول الأيني والمقارنة الوضعية في الأمكنة، ومع المتمكنات والمتحيزات، وحضور الحقّ تعالى من الأول دون الثاني.
أصف ربي بالكيف والكيف مخلوق والله لا يوصف بخلقه قال فمن أين يعلم أنك نبي الله قال فما بقي حوله حجر ولا غير ذلك إلا تكلم بلسان عربي مبين يا سبخت إنه رسول اللهصلىاللهعليهوآله - فقال سبخت ما رأيت كاليوم أمراً أبين من هذا ثمّ قال أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.
١٠ - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن محمّد بن يحيى الخثعمي، عن عبد الرحمن بن عتيك القصير قال سألت أبا جعفرعليهالسلام عن شيء من الصفة فرفع يده إلى السماء ثمّ قال تعالى الجبار تعالى الجبار من تعاطى ما ثمّ هلك.
________________________________________________________
قولهعليهالسلام : كيف أصف ربي بالكيف؟ أي بصفة زائدة على ذاته، وكل ما يغاير ذاته مخلوق، والله لا يوصف بخلقه، لأنّه لا يجوز حلول غيره فيه، لأنّه يوجب استكماله بغيره وكونه في مرتبة إيجاده ناقصا، وأيضا لا يتحقق الحلول إلا بقوة في المحل وفعلية الحال، وهو سبحانه لا يصح عليه قوة الوجود، لأنّ قوة الوجود عدم، وهو بريء في ذاته من كلّ وجه من العدم.
قوله: ما رأيت كاليوم، قوله كاليوم ظرف للرؤية وأمراً مفعوله الأول، وأبين مفعوله الثاني أي ما رأيت في يوم مثل هذا اليوم أمراً أوضح من هذا الأمر، وأبين صفة لأمراً أو كاليوم مفعول الرؤية وأمراً بدله، أو أمراً مفعول لمقدر أي أطلب أمراً أوضح من هذا.
الحديث العاشر: مجهول.
قولهعليهالسلام فرفع يده: إمّا على سبيل الامتناع والإباء أو الدعاء أو للإشارة إلى ملكوت السماء فإنها محل ظهور قدرته تعالى.
قولهعليهالسلام تعالى الجبار: أي عن أن يوصف بصفة زائدة على ذاته، وعن أن يكون لصفته الحقيقية بيان حقيقي.
قوله من تعاطى: أي تناول بيان ما ثمّ من صفاته الحقيقية العينية « هلك » وضل ضلالا بعيدا، وفي القاموس: التعاطي: التناول، وتناول ما لا يحق، والتنازع في الأخذ، وركوب الأمر.
باب في إبطال الرؤية
١ - محمّد بن أبي عبد الله، عن علي بن أبي القاسم، عن يعقوب بن إسحاق قال كتبت إلى أبي محمّدعليهالسلام أسأله كيف يعبد العبد ربه وهو لا يراه فوقععليهالسلام يا أبا يوسف جل سيدي ومولاي والمنعم علي وعلى آبائي أن يرى قال وسألته هل رأى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ربه فوقععليهالسلام إنّ الله تبارك وتعالى أرى رسوله بقلبه من نور
________________________________________________________
باب في إبطال الرؤية
الحديث الأول: مجهول أو صحيح.
وظن أصحاب الرجال أن يعقوب بن إسحاق هو ابن سكيت، والظاهر أنه غيره لأنّ ابن سكيت قتله المتوكل في زمان الهاديعليهالسلام ولم يلحق أبا محمّدعليهالسلام .
قولهعليهالسلام والمنعم علي وعلى آبائي: أي بما أنعم عليهم من كمال العلم والمعرفة فهو في أعلى مراتب التجرد، وكل ما يكون في أعلى مراتب التجرد لا يدرك بحاسة البصر، إذ لا صورة مادية له ولا أبصار إلا بحصول صورة مادية للمبصر، فكمال معرفته أن يعرف بأنه لا يمكن أن يدرك بالبصر.
قولهعليهالسلام أرى رسوله بقلبه: أي كان رؤيته بالقلب بأن أراه الله وعرفه من سمات كماله وصفات جلاله وعظمة آياته ما أحب أن يعرفه، والمراد أن رؤيته له معرفته بالقلب لا بحقيقته بل بصفاته وأسمائه وآياته، واعلم أن الأمة اختلفوا في رؤية الله سبحانه على أقوال، فذهبت الإمامية والمعتزلة إلى امتناعها مطلقا، وذهبت المشبهة والكرامية إلى جواز رؤيته تعالى في الجهة والمكان، لكونه تعالى عندهم جسماً، وذهبت الأشاعرة إلى جواز رؤيته تعالى منزها عن المقابلة والجهة والمكان، وقال الآبي في إكمال الإكمال نقلا عن بعض علمائهم: أن رؤية الله تعالى جائزة في الدنيا عقلاً، واختلف في وقوعها وفي أنه هل رآه النبيصلىاللهعليهوآله ليلة الأسرى أم لا
عظمته ما أحب.
٢ - أحمد بن إدريس، عن محمّد بن عبد الجبار، عن صفوان بن يحيى قال سألني أبو قرة المحدث أن أدخله على أبي الحسن الرضاعليهالسلام فاستأذنته في ذلك فأذن لي فدخل عليه فسأله عن الحلال والحرام والأحكام حتّى بلغ سؤاله إلى التوحيد فقال أبو قرة إنا روينا أن الله قسم الرؤية والكلام بين نبيين فقسم الكلام لموسى ولمحمد الرؤية فقال أبو الحسنعليهالسلام فمن المبلغ عن الله إلى الثقلين من الجن والإنس( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ ) و( لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ) و( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) أليس محمّد قال بلى قال كيف يجيء رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم أنه جاء من عند الله وأنه يدعوهم إلى الله بأمر الله فيقول( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ ) و( لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ) و( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) ثم
________________________________________________________
فأنكرته عائشة وجماعة من الصحابة والتابعين والمتكلمين، وأثبت ذلك ابن عباس، وقال: إنّ الله اختصه بالرؤية، وموسى بالكلام، وإبراهيم بالخلة، وأخذ به جماعة من السلف والأشعري في جماعة من أصحابه، وابن حنبل والحسن، وتوقف فيه جماعة، هذا حال رؤيته في الدنيا، وأمّا في الآخرة فجائزة عقلاً، وأجمع على وقوعها أهل السنة وأحالها المعتزلة والمرجئة والخوارج، والفرق بين الدنيا والآخرة أن القوي والإدراكات ضعيفة في الدنيا حتّى إذا كانوا في الآخرة وخلقهم للبقاء قوي إدراكهم فأطاقوا رؤيته « انتهى » وقد دلت الآيات الكريمة والبراهين المتينة وإجماع الشيعة والأخبار المتواترة عن أهل بيت العصمة سلام الله عليهم على امتناعها في الدنيا والآخرة، وستعرف بعضها فيما سيأتي.
الحديث الثاني: صحيح.
قوله: ولا يحيطون: وجه الدلالة أن الإبصار إحاطة علمية، قوله « و( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) » وجه الدلالة أن الإبصار إنما يكون بصورة للمرئي وهو شيء يماثله ويشابهه وإلا لم يكن صورة له، أو أن الرؤية تستلزم الجهة والمكان وكونه جسما أو جسمانياً فيكون مثل الممكنات.
يقول أنا رأيته بعيني وأحطت به علما وهو على صورة البشر أمّا تستحون ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا أن يكون يأتي من عند الله بشيء ثمّ يأتي بخلافه من وجه آخر قال أبو قرة فإنه يقول -( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى ) فقال أبو الحسنعليهالسلام
________________________________________________________
قوله: أن ترميه أي الرسول « بهذا » أي بالنقيضين وتبليغ المتنافيين، وأن يكون « إلخ » بدل لهذا، وإرجاع الضمير إلى الله بعيد جدا، واعلم أن المفسرين اختلفوا في تفسير تلك الآيات. قوله تعالى( ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى ) يحتمل كون ضمير الفاعل في « رأي » راجعاً إلى النبيصلىاللهعليهوآله ، وإلى الفؤاد، قال البيضاوي( ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى ) ببصره من صورة جبرئيل أو الله، أي ما كذب الفؤاد بصره بما حكاه له، فإن الأمور القدسية تدرك أولا بالقلب، ثمّ ينتقل منه إلى البصر، أو ما قال فؤاده لما رأى لم أعرفك ولو قال ذلك كان كاذباً لأنّه عرفه بقلبه كما رآه ببصره، أو ما رآه بقلبه، والمعنى لم يكن تخيلا كاذبا، ويدل عليه أنه سئلعليهالسلام هل رأيت ربك؟ فقال: رأيته بفؤادي وقرئ ما كذب، أي صدقه ولم يشك فيه( أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى ) أفتجادلونه عليه من المراء وهو المجادلة « انتهى ».
قوله تعالى( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى ) (١) قال الرازي يحتمل الكلام وجوها ثلاثة الأول: الرب تعالى، والثاني: جبرئيلعليهالسلام ، والثالث: الآيات العجيبة الإلهية « انتهى » ولقد رءاه نازلا نزلة أخرى، فيحتمل نزولهعليهالسلام ونزول مرئيه، فإذا عرفت محتملات تلك الآية عرفت سخافة استدلالهم بها على جواز الرؤية ووقوعها بوجوه:
« الأول » [ أنه ] يحتمل أن يكون المرئي جبرئيل، إذا المرئي غير مذكور في اللفظ، وقد أشار أمير المؤمنينعليهالسلام إلى هذا الوجه في جواب الزنديق المدعي للتناقض في القرآن على ما رواه الطبرسي (ره) في الاحتجاج، حيث قالعليهالسلام : وأمّا قوله:( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى ) يعني محمداًصلىاللهعليهوآلهوسلم حين كان عند سدرة المنتهى حيث لا يجاوزها خلق من خلق الله عز وجل، وقوله في آخر الآية( ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى، لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى ) رأى جبرئيلعليهالسلام في صورته مرتين
__________________
(١) كذا في النسخ.
إن بعد هذه الآية ما يدل على ما رأى حيث قال( ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى ) يقول ما كذب فؤاد محمّد ما رأت عيناه ثمّ أخبر بما رأى فقال( لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى ) فآيات الله غير الله وقد قال الله( وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ) فإذا رأته الأبصار فقد أحاطت به العلم ووقعت المعرفة فقال أبو قرة فتكذب بالروايات فقال أبو الحسنعليهالسلام إذا كانت الروايات مخالفة للقرآن كذبتها وما أجمع المسلمون عليه أنه لا يحاط به
________________________________________________________
هذه المرة ومرة أخرى، وذلك أن خلق جبرئيل عظيم فهو من الروحانيين الّذين لا يدرك خلقهم وصورتهم، وفي بعض النسخ وصفتهم إلا رب العالمين، وروى مسلم في صحيحه بإسناده عن ذر عن عبد الله:( ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى ) قال: رأى جبرئيلعليهالسلام له ستمائة جناح، وروي أيضاً بإسناده عن أبي هريرة( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى ) قال: رأى جبرئيلعليهالسلام بصورته الّتي له في الخلقة الأصلية.
« الثاني » ما ذكرهعليهالسلام في هذا الخبر وهو قريب من الأول، لكنه أعم منه.
« الثالث » أن يكون ضمير الرؤية راجعاً إلى الفؤاد فعلى تقدير إرجاع الضمير إلى الله تعالى أيضاً لا فساد فيه.
« الرابع » أن يكون على تقدير إرجاع الضمير إليهعليهالسلام ، وكون المرئي هو الله تعالى، المراد بالرؤية غاية مرتبة المعرفة ونهاية الانكشاف.
قوله: حيث قال، أي أو لا قبل هذه الآية، وإنما ذكرعليهالسلام ذلك لبيان أن المرئي قبل هذه الآية غير مفسر أيضا، بل إنما يفسره ما سيأتي بعدها.
قولهعليهالسلام : وما أجمع المسلمون عليه: أي اتفق المسلمون على حقيقة مدلول ما في الكتاب مجملا، والحاصل أن الكتاب قطعي السند متفق عليه بين جميع الفرق فلا يعارضه الأخبار المختلفة المتخالفة الّتي تفردتم بروايتها، ثمّ اعلم أنهعليهالسلام أشار في هذا الخبر إلى دقيقة غفل عنها الأكثر، وهي أن الأشاعرة وافقونا في أن كنهه تعالى يستحيل أن يتمثل في قوة عقلية، حتّى أن المحقق الدواني نسبه إلى الأشاعرة موهما اتفاقهم عليه، وجوزوا ارتسامه وتمثله في قوة جسمانية وتجويز إدراك القوة
علما و( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ ) و( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) .
٣ - أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن علي بن سيف، عن محمّد بن عبيد قال كتبت إلى أبي الحسن الرضاعليهالسلام أسأله عن الرؤية وما ترويه العامة والخاصة - وسألته أن يشرح لي ذلك فكتب بخطه اتفق الجميع لا تمانع بينهم أن المعرفة من جهة الرؤية ضرورة فإذا جاز أن يرى الله بالعين وقعت المعرفة ضرورة - ثم
________________________________________________________
الجسمانية، لها دون العقلية بعيد عن العقل مستغرب وأشارعليهالسلام إلى أن كلّ ما ينفى العلم بكنهه تعالى من السمع ينفى الرؤية أيضا، فإن الكلام ليس في رؤية عرض من إعراضه تعالى بل في رؤية ذاته وهو نوع من العلم بكنهه تعالى.
الحديث الثالث: مجهول.
واعلم أن الناظرين في هذا الخبر قد سلكوا مسالك شتى في حلها ولنذكر بعضها: « الأول » هو الأقرب إلى الأفهام وإن كان أبعد من سياق الكلام، وكان الوالد العلامة قدس الله روحه يرويه عن المشايخ الأعلام وتقريره على ما حرره بعض الأفاضل الكرام هو أن المراد أنه اتفق الجميع أي جميع العقلاًء من مجوزي الرؤية ومحيلها لا تمانع وتنازع بينهم على أن المعرفة من جهة الرؤية ضرورة، أي كلّ ما يرى يعرف بأنه على ما يرى وأنه متصف بالصفات الّتي يرى عليها ضرورة فحصول معرفة المرئي بالصفات الّتي يرى عليها ضروري وهذا الكلام يحتمل وجهين: أحدهما كون قوله من جهة الرؤية خبراً أي إنّ المعرفة بالمراد يحصل من جهة الرؤية ضرورة، وثانيهما: تعلّق الظرف بالمعرفة وكون قوله ضرورة خبراً أي المعرفة الناشئة من جهة الرؤية ضرورة، أي ضرورية، والضرورة على الاحتمالين يحتمل الوجوب والبداهة، وتقرير الدليل: أن حصول المعرفة من جهة الرؤية ضروري، فلو جاز أن يرى الله سبحانه بالعين وقعت المعرفة من جهة الرؤية عند الرؤية ضروري، فلو جاز أن يرى الله سبحانه بالعين وقعت المعرفة من جهة الرؤية عند الرؤية ضرورة، فتلك المعرفة لا تخلو من أن يكون إيمانا أو لا يكون إيمانا وهما باطلان، لأنّه إن كانت إيمانا لم تكن المعرفة الحاصلة في الدنيا من جهة الاكتساب إيمانا لأنهما متضادان فإن المعرفة الحاصلة بالاكتساب أنه ليس بجسم وليس في مكان و
لم تخل تلك المعرفة من أن تكون إيمانا أو ليست بإيمان فإن كانت تلك المعرفة من جهة الرؤية إيمانا فالمعرفة الّتي في دار الدنيا من جهة الاكتساب ليست بإيمان لأنها
________________________________________________________
بمتكمم ولا متكيف، والرؤية بالعين لا يكون إلا بإدراك صورة متحيزة من شأنها الانطباع في مادة جسمانية، والمعرفة الحاصلة من جهتها معرفة بالمرئي بأنه متصف بالصفات المدركة في الصورة، فهما متضادتان لا يجتمعان في المطابقة للواقع، فإن كانت هذه إيمانا لم تكن تلك إيمانا فلا يكون في الدنيا مؤمن، وإن لم تكن تلك المعرفة الّتي من جهة الرؤية إيمانا، أي اعتقاداً مطابقاً للواقع، وكانت المعرفة الاكتسابية إيمانا لم تخل هذه المعرفة الّتي من جهة الاكتساب من أن تزول عند المعرفة من جهة الرؤية لتضادهما، ولا تزول لامتناع زوال الإيمان في الآخرة، وهذه العبارة تحتمل ثلاثة أوجه « أحدها » لم تخل هذه المعرفة من الزوال عند الرؤية والمعرفة من جهتها لتضادهما والزوال مستحيل، لا يقع لامتناع زوال الإيمان في الآخرة « وثانيها » لم تخل هذه المعرفة من الزوال وعدم الزوال، ويكون متصفا بكليهما في المعاد، والمستلزم لاجتماع النقيضين مستحيل « وثالثها » لم تخل هذه المعرفة من الزوال وعدم الزوال ولا بد من أحدهما وكل منهما محال، وأمّا بيان أن الإيمان لا يزول في المعاد بعد الاتفاق والاجتماع عليه أن الاعتقاد الثابت المطابق للواقع الحاصل بالبرهان مع معارضة الوساوس الحاصلة في الدنيا، يمتنع زوالها عند ارتفاع الوساوس والموانع، على أن الرؤية عند مجوزيها إنما تقع للخواص من المؤمنين والكمل منهم في الجنة، فلو زال إيمانهم لزم كون غير المؤمن أعلى درجة من المؤمن، وكون الأحط مرتبة أكمل من الأعلى درجة، وفساده ظاهر.
أقول: الاحتمالات الثلاثة إنما هي على ما في هذه النسخة من الواو، وأمّا على ما في التوحيد من كلمة أو فالأخير متعين.
ثم اعلم أنه يرد على هذا الحل أن من لم يسلم امتناع الرؤية كيف يسلم كون الإيمان المكتسب منافياً لها وإن ادعى الضرورة في كون الرؤية مستلزمة لما اتفقوا
ضده فلا يكون في الدنيا مؤمن لأنهم لم يروا الله عز ذكره وإن لم تكن تلك المعرفة الّتي من جهة الرؤية إيمانا لم تخل هذه المعرفة الّتي من جهة الاكتساب أن تزول
________________________________________________________
على امتناعه فهو كاف في إثبات المطلوب إلا أن يقال: إنما أورد هكذا تكثيراً للفساد وإيضاحا للمراد، أو يقال لعلهعليهالسلام كان بين للسائل امتناع الرؤية بالدلائل، فلما ذكر السائل ما ترويه العامة في ذلك، بين امتناع وقوع ما ثبت لنا بالبراهين امتناعه وآمنا به بهذا الوجه.
الثاني: أن حاصل الدليل أن المعرفة من جهة الرؤية غير متوقفة على الكسب والنظر، والمعرفة في دار الدنيا متوقفة عليه، ضعيفة بالنسبة إلى الأولى فتخالفتا، مثل الحرارة القوية والحرارة الضعيفة، فإن كانت المعرفة من جهة الرؤية إيمانا لم تكن المعرفة من جهة الكسب إيمانا كاملا لأنّ المعرفة من جهة الرؤية أكمل منها، وإن لم يكن إيمانا يلزم سلب الإيمان عن الرائين لامتناع اجتماع المعرفتين في زمان واحد في قلب واحد، يعني قيام تصديقين أحدهما أقوى من الآخر بذهن واحد، وأحدهما حاصل من جهة الرؤية والآخر حاصل من جهة الدليل، كما يمتنع قيام حرارتين بماء واحد في زمان واحد، ويرد عليه النقض بكثير من المعارف الّتي تعرف في الدنيا بالدليل، وتصير في الآخرة بالمعاينة ضرورية ويمكن بيان الفرق بتكلف.
الثالث: ما حققه بعض الأفاضل بعد ما مهد من أن نور العلم والإيمان يشتد حتّى ينتهي إلى المشاهدة والعيان، لكن العلم إذا صار عينا لم يصر عينا محسوسا، والمعرفة إذا انقلبت مشاهدة لم تنقلب مشاهدة بصرية حسية، لأنّ الحس والمحسوس نوع مضاد للعقل والمعقول، ليس نسبة أحدهما إلى الآخر نسبة النقص إلى الكمال والضعف إلى الشدة، بل لكل منهما في حدود نوعه مراتب في الكمال والنقص، لا يمكن لشيء من أفراد أحد النوعين المتضادين أن ينتهي في مراتب استكمالاته واشتداده إلى شيء من أفراد النوع الآخر، فالإبصار إذا اشتد لا يصير تخيلا مثلا، ولا التخيل إذا اشتد يصير تعقلاً ولا بالعكس، نعم إذا اشتد التخيل تصير مشاهدة ورؤية
ولا تزول في المعاد فهذا دليل على أن الله عز وجل لا يرى بالعين إذ العين تؤدي إلى ما وصفناه.
٤ - وعنه، عن أحمد بن إسحاق قال كتبت إلى أبي الحسن الثالثعليهالسلام أسأله
________________________________________________________
بعين الخيال لا بعين الحس، وكثيراً ما يقع الغلط من صاحبه أنه رأى بعين الخيال أم بعين الحس الظاهر كما يقع للمبرسمين والمجانين وكذا التعقل إذا اشتد يصير مشاهدة قلبية ورؤية عقلية لا خيالية ولا حسية، وبالجملة الإحساس والتخيل والتعقل أنواع متقابلة من المدارك كلّ منها في عالم آخر من العوالم الثلاثة ويكون تأكد كلّ منها حجاباً مانعاً عن الوصول إلى الآخر.
فإذا تمهد هذا فنقول: اتفق الجميع على أن المعرفة من جهة الرؤية أمر ضروري، وأن رؤية الشيء متضمنة لمعرفته بالضرورة، بل الرؤية بالحس نوع من المعرفة فإن من رأى شيئاً فقد عرفه بالضرورة، فإن كان الإيمان بعينه هو هذه المعرفة الّتي مرجعها الإدراك البصري والرؤية الحسية فلم تكن المعرفة العلمية الّتي حصلت للإنسان من جهة الاكتساب بطريق الفكر والنظر إيمانا، لأنها ضده، لأنك قد علمت أن الإحساس ضد التخيل، وأن الصورة الحسية ضد الصورة العقلية، فإذا لم يكن الإيمان بالحقيقة مشتركاً بينهما ولا أمراً جامعاً لهما لثبوت التضاد وغاية الخلاف بينهما، ولا جنسا مبهما بينهما غير تام الحقيقة المتحصلة كجنس المتضادين مثل اللونية بين نوعي السواد والبياض، لأنّ الإيمان أمر محصل وحقيقة معينة فهو إمّا هذا وإما ذاك، فإذا كان ذاك لم يكن هذا، وإن كان هذا لم يكن ذاك، ثمّ ساق الدليل إلى آخره كما مر.
ولا يخفى أن شيئاً من الوجوه لا يخلو من تكلفات إمّا لفظية وإما معنوية، ولعلهعليهالسلام بنى ذلك على بعض المقدمات المقررة بين الخصوم في ذلك الزمان إلزاما عليهم كما صدر عنهم كثير من الأخبار كذلك، والله تعالى يعلم.
الحديث الرابع: صحيح.
عن الرؤية وما اختلف فيه الناس فكتب لا تجوز الرؤية ما لم يكن بين الرائي والمرئي هواء لم ينفذه البصر فإذا انقطع الهواء عن الرائي والمرئي لم تصح الرؤية وكان في ذلك الاشتباه لأنّ الرائي متى ساوى المرئي في السبب الموجب
________________________________________________________
قولهعليهالسلام لم ينفذه البصر: كلمة « لم » في بعض النسخ موجودة وليست في بعضها، فعلى الأول يكون قوله لا تجوز للرؤية بيانا للمدعي، وقوله « ما لم يكن » ابتداء الدليل، وعلى الثاني: قوله « لا يجوز » ابتداء الدليل، وعلى التقديرين حاصل الكلام أنهعليهالسلام استدل على عدم جواز الرؤية بأنها تستلزم كون المرئي جسمانياً ذا جهة وحيز، وبين ذلك بأنه لا بد أن يكون بين الرائي والمرئي هواء ينفذه البصر وظاهره كون الرؤية بخروج الشعاع وإن أمكن أن يكون كناية عن تحقق الإبصار بذلك وتوقفه عليه، فإذا لم يكن بينهما هواء وانقطع الهواء وعدم الضياء الّذي هو أيضاً من شرائط الرؤية عن الرائي والمرئي لم تصح الرؤية بالبصر « وكان في ذلك » أي في كون الهواء بين الرائي والمرئي « الاشتباه » يعني شبه كلّ منهما بالآخر، يقال: اشتبها إذا أشبه كلّ منهما الآخر، لأنّ الرائي متى ساوى المرئي وماثله في النسبة إلى السبب الّذي أوجب بينهما في الرؤية، وجب الاشتباه ومشابهة أحدهما الآخر في توسط الهواء بينهما، وكان في ذلك التشبيه أي كون الرائي والمرئي في طرف الهواء الواقع بينهما يستلزم الحكم بمشابهة المرئي بالرائي، من الوقوع في جهة ليصح كون الهواء بينهما فيكون متحيزا ذا صورة وضعية، فإن كون الشيء في طرف مخصوص من طرفي الهواء وتوسط الهواء بينه وبين شيء آخر سبب عقلي للحكم بكونه في جهة، ومتحيزا وذا وضع، وهو المراد بقوله « لأنّ الأسباب لا بد من اتصالها بالمسببات » ويحتمل أن يكون ذلك تعليلاً لجميع ما ذكر من كون الرؤية متوقفة على الهواء إلى آخر ما ذكر وحاصله يرجع إلى ما ادعاه جماعة من أهل الحقّ من العلم الضروري بأن الإدراك المخصوص المعلم بالوجه الممتاز عن غيره لا يمكن أن يتعلّق بما ليس في جهة، وإلا لم يكن للبصر مدخل فيه، ولا كسب لرؤيته، بل المدخل في ذلك للعقل فلا وجه حينئذ
بينهما في الرؤية وجب الاشتباه وكان ذلك التشبيه لأنّ الأسباب لا بد من اتصالها بالمسببات.
٥ - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن علي بن معبد، عن عبد الله بن سنان، عن أبيه قال حضرت أبا جعفرعليهالسلام فدخل عليه رجل من الخوارج فقال له يا أبا جعفر أي شيء تعبد قال الله تعالى قال رأيته قال بل لم تره العيون بمشاهدة الأبصار
________________________________________________________
لتسميته إبصاراً، والحاصل أن الإبصار بهذه الحاسة يستحيل أن يتعلّق بما ليس في جهة بديهة، وإلا لم يكن لها مدخل فيه، وهم قد جوزوا الإدراك بهذه الجارحة الحساسة وأيضا هذا النوع من الإدراك يستحيل ضرورة أن يتعلّق بما ليس في جهة مع قطع النظر عن أن تعلّق هذه الحاسة يستدعي الجهة والمقابلة.
وما ذكره الفخر الرازي: من أن الضروري لا يصير محلا للخلاف، وإن الحكم المذكور مما يقتضيه الوهم ويعين عليه، وهو ليس مأمونا لظهور خطائه في الحكم بتجسم الباري تعالى وتحيزه وما ظهر خطاؤه مرة فلا يؤمن بل يتهم، ففاسد، لأنّ خلاف بعض العقلاًء في الضروريات جائز كالسوفسطائية والمعتزلة في قولهم بانفكاك الشيئية والوجود وثبوت الحال، وأمّا قوله: بأنه حكم الوهم الغير المأمون فطريف جداً لأنّه منقوض بجميع أحكام العقل لأنّه أيضاً مما ظهر خطاؤه مراراً وجميع الهندسيات والحسابيات، وأيضا مدخلية الوهم في الحكم المذكور ممنوع، وإنما هو عقلي صرف عندنا، وكذلك ليس كون الباري تعالى متحيزا مما يحكم به، ويجزم، بل هو تخييل يجري مجرى سائر الأكاذيب، في أن الوهم وإن صوره وخيله إلينا لكن العقل لا يكاد يجوزه بل يحيله ويجزم ببطلانه وكون ظهور الخطإ مرة سبباً لعدم ائتمان المخطئ واتهامه ممنوع أيضا، وإلا قدح في الحسيات وسائر الضروريات وقد تقرر بطلانه في موضعه في رد شبه القادحين في الضروريات.
الحديث الخامس: مجهول.
قولهعليهالسلام : بمشاهدة الأبصار: بالفتح جمعاً أو بالكسر مصدراً، وفي التوحيد و
و لكن رأته القلوب بحقائق الإيمان لا يعرف بالقياس ولا يدرك بالحواس ولا يشبه بالناس موصوف بالآيات معروف بالعلامات لا يجور في حكمه ذلك الله لا إله إلا هو قال فخرج الرجل وهو يقول -( اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ ) .
٦ - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبي الحسن الموصلي، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال جاء حبر إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه فقال يا أمير المؤمنين هل رأيت ربك حين عبدته قال فقال ويلك ما كنت أعبد رباً لم أره قال وكيف رأيته قال ويلك لا تدركه العيون في مشاهدة الأبصار ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان.
٧ - أحمد بن إدريس، عن محمّد بن عبد الجبار، عن صفوان بن يحيى، عن عاصم
________________________________________________________
غيره: العيان بحقائق الإيمان، أي بالعقائد الّتي هي حقائق أي عقائد عقلية ثابتة يقينية لا يتطرق إليها الزوال والتغير هي أركان الإيمان أو بالأنوار والآثار الّتي حصلت في القلب من الإيمان، أو بالتصديقات والإذعانات الّتي تحق أن تسمى إيمانا أو المراد بحقائق الإيمان ما ينتمي إليه تلك العقائد من البراهين العقلية، فإن الحقيقة ما يصير إليه حق الأمر ووجوبه، ذكره المطرزي في الغريبين.
« لا يعرف بالقياس » أي بالمقايسة بغيره، وقولهعليهالسلام : ولا يشبه بالناس: كالتعليل لقوله: لا يدرك بالحواس.
« موصوف بالآيات » أي إذا أريد أن يذكر ويوصف يوصف بأن له الآيات الصادرة عنه، المنتهية إليه، لا بصفة زائدة حاصلة فيه، أو إنما يوصف بالصفات الكمالية بما يشاهد من آيات قدرته وعظمته وينزه عن مشابهتها، لما يرى من العجز والنقص فيها « معروف بالعلامات » أي يعرف وجوده وصفاته العينية الكمالية بالعلامات الدالة عليه لا بالكنه.
الحديث السادس: مجهول.
الحديث السابع: ضعيف.
ابن حميد، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال ذاكرت أبا عبد اللهعليهالسلام فيما يروون من الرؤية فقال الشمس جزء من سبعين جزءا من نور الكرسي والكرسي جزء من سبعين جزءا من نور العرش والعرش جزء من سبعين جزءا من نور الحجاب والحجاب جزء من سبعين جزءا من نور الستر فإن كانوا صادقين فليملئوا أعينهم من الشمس ليس دونها سحاب.
٨ - محمّد بن يحيى وغيره، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن أبي نصر، عن أبي الحسن الرضاعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لما أسري بي إلى السماء بلغ بي جبرئيل مكانا لم يطأه قط جبرئيل فكشف له فأراه الله من نور عظمته ما أحب
________________________________________________________
ولعله تمثيل وتنبيه على عجز القوي الجسمانية وبيان لأنّ لإدراكها حداً لا تتجاوزه، ويحتمل أن يكون تنبيها بضعف القوي الظاهرة على ضعف القوى الباطنة أي كما لا يقدر بصرك في رأسك على تحديق النظر إلى الشمس فكذلك لا تقدر عين قلبك على مطالعة شمس ذاته وأنوار جلاله، والأول أظهر، وقيل: المراد بالأنوار الأربعة النور الخيالي، والعقلي، والنفسي والإلهي، فالعقلي مظهره أبدان الحيوانات الأرضية، وصدر الإنسان الصغير، وأعظم المظاهر لأعظم أفراده هو الكرسي، الّذي هو صدر الإنسان الكبير، ولهذا نسبه إلى الكرسي، والنور النفسي هو الّذي مظاهرة في هذا العالم قلوب بني آدم، لمن كان له قلب، وأعظم المظاهر لأعظم أفراده هو العرش الّذي هو قلب العالم الكبير، ولهذا نسبه إلى العرش وهو مظهر النور العقلي الّذي نسبه إلى الحجاب، لأنّ العقل حجاب للمشاهدة وهو مظهر النور الإلهي الّذي نسبه إلى الستر لأنّه مستور عن العقول.
الحديث الثامن: صحيح.
وقوله في قوله( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ ) كلام محمّد بن يعقوب ذكره عنوانا لما يأتي بعده من الأخبار ولم يفرد لها باباً لأنّه داخل في المقصود من الباب الأول.
في قوله تعالى:
( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ )
٩ - محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن أبي نجران، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قوله( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ ) قال إحاطة الوهم ألا ترى إلى قوله -( قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ ) ليس يعني بصر العيون -( فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ) ليس يعني من البصر بعينه -( وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها ) ليس يعني عمى العيون إنما عنى إحاطة الوهم كما يقال فلان بصير بالشعر وفلان بصير بالفقه وفلان بصير بالدراهم وفلان بصير بالثياب الله أعظم من أن يرى بالعين.
١٠ - محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن أبي هاشم الجعفري، عن أبي الحسن الرضاعليهالسلام قال سألته عن الله هل يوصف فقال أمّا تقرأ القرآن قلت بلى - قال أمّا تقرأ قوله تعالى -( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ ) قلت بلى
________________________________________________________
الحديث التاسع: صحيح.
قولهعليهالسلام بصائر: جمع بصيرة.
قوله: الله أعظم: أي أعظم من أن يشك ويتوهم فيه أنه مدرك بالعين، حتّى يتعرض لنفيه، ويمكن أن يكون بمنزلة النتيجة للسابق، أي إذا لم يكن مدركاً بالأوهام فيكون أعظم من أن يدرك بالعيون.
الحديث العاشر: صحيح.
قوله( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ ) هذه الآية إحدى الدلالات الّتي استدل بها النافون للرؤية، وقرروها بوجهين، « أحدهما » أن إدراك البصر عبارة شائعة في الإدراك بالبصر، إسناداً للفعل إلى الآلة، والإدراك بالبصر هو الرؤية بمعنى اتحاد المفهومين أو تلازمهما، والجمع المعرف باللام عند عدم قرينة العهدية والبعضية للعموم والاستغراق بإجماع أهل العربية والأصول وأئمّة التفسير، وبشهادة استعمال الفصحاء وصحة الاستثناء فالله سبحانه قد أخبر بأنه لا يراه أحد في المستقبل، فلو رآه المؤمنون في الجنة لزم كذبه
قال فتعرفون الأبصار قلت بلى قال ما هي قلت أبصار العيون فقال
________________________________________________________
تعالى وهو محال.
واعترض عليه بأن اللام في الجمع لو كان للعموم والاستغراق كما ذكرتم كان قوله( تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ ) موجبة كلية وقد دخل عليها النفي، فرفعها هو رفع الإيجاب الكلي، ورفع الإيجاب الكلبي سلب جزئي، ولو لم يكن للعموم كان قوله( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ ) سالبة مهملة في قوة الجزئية فكان المعنى لا تدركه بعض الأبصار، ونحن نقول بموجبه حيث لا يراه الكافرون، ولو سلم فلا نسلم عمومه في الأحوال والأوقات فيحمل على نفي الرؤية في الدنيا جمعاً بين الأدلة.
والجواب أنه قد تقرر في موضعه أن الجمع المحلى باللام عام نفياً وإثباتا في المنفي والمثبت كقوله تعالى( وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ ) (١) و( ما على المحسنين من سبيل ) (٢) حتّى إنه لم يرد في سياق النفي في شيء من الكتاب الكريم إلا بمعنى عموم النفي ولم يرد لنفي العموم أصلاً، نعم قد اختلف في النفي الداخل على لفظه كل، لكنه في القرآن المجيد أيضاً بالمعنى الّذي ذكرنا كقوله تعالى( وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ ) (٣) إلى غير ذلك، وقد اعترف بما ذكرنا في شرح المقاصد وبالغ فيه.
وأما منع عموم الأحوال والأوقات فلا يخفى فساده فإن نفي المطلق الغير المقيد لا وجه لتخصيصه ببعض الأوقات إذ لا ترجيح لبعضها على بعض وهو أحد الأدلة على العموم عند علماء الأصول، وأيضا صحة الاستثناء دليل عليه وهل يمنع أحد صحة قولنا ما كلمت زيداً إلا يوم الجمعة ولا أكلمه إلا يوم العيد، وقال تعالى( وَلا تَعْضُلُوهُنَ ) (٤) إلى قوله( إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ ) وقال( لا تُخْرِجُوهُنَ ) إلى قوله( إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ ) (٥) و
__________________
(١) سورة غافر: ٣١.
(٢) سورة التوبة: ٩١.
(٣) سورة الحديد: ٣٣.
(٤) سورة النساء: ١٩.
(٥) سورة الطلاق: ١.
إن أوهام القلوب أكبر من أبصار العيون فهو لا تدركه الأوهام وهو يدرك الأوهام.
١١ - محمّد بن أبي عبد الله عمن ذكره، عن محمّد بن عيسى، عن داود بن القاسم أبي هاشم الجعفري قال قلت لأبي جعفرعليهالسلام -( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ ) فقال يا أبا هاشم أوهام القلوب أدق من أبصار العيون أنت قد تدرك بوهمك السند والهند والبلدان الّتي لم تدخلها ولا تدركها ببصرك وأوهام القلوب لا تدركه فكيف أبصار العيون.
١٢ - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن بعض أصحابه، عن هشام بن الحكم
________________________________________________________
أيضا كلّ نفي ورد في القرآن بالنسبة إلى ذاته تعالى فهو للتأبيد وعموم الأوقات، لا سيما ما قبل هذه الآية، وأيضا عدم إدراك الأبصار جميعاً لشيء لا يختص بشيء من الموجودات خصوصاً مع اعتبار شمول الأحوال والأوقات فلا يختص به تعالى فتعين أن يكون التمدح بعدم إدراك شيء من الأبصار له في شيء من الأوقات.
وثانيهما: أنه تعالى تمدح بكونه لا يرى، فإنه ذكره في أثناء المدائح وما كان من الصفات عد مدحا كان وجوده نقصاً يجب تنزيه الله تعالى عنه، وإنما قلنا من الصفات احترازا عن الأفعال كالعفو والانتقام، فإن الأول تفضل والثاني عدل، وكلاهما كمال.
قوله: أكبر من أبصار العيون، فهو أحق بأن يتعرض لنفيه، والمراد بأوهام القلوب إدراك القلوب بإحاطتها به، ولما كان إدراك القلب بالإحاطة لما لا يمكن أن يحاط به وهما عبر عنه بأوهام القلوب، ولعل المراد بالأكبرية الأعمية أي إدراك القلوب أي النفوس أعم لشمولها لما هو بتوسط الحواس وغيره فتأمل.
الحديث الحادي عشر: مرسل.
الحديث الثاني عشر: مرسل موقوف لم يسنده إلى معصوم وإنما أورد هنا
قال الأشياء كلها لا تدرك إلا بأمرين بالحواس والقلب والحواس إدراكها على ثلاثة معان إدراكاً بالمداخلة وإدراكاً بالمماسة وإدراكاً بلا مداخلة ولا مماسة فأمّا الإدراك الّذي بالمداخلة فالأصوات والمشام والطعوم وأمّا الإدراك بالمماسة فمعرفة الأشكال من التربيع والتثليث ومعرفة اللين والخشن والحر والبرد وأمّا الإدراك بلا مماسة ولا مداخلة فالبصر فإنه يدرك الأشياء بلا مماسة ولا مداخلة في حيز غيره
________________________________________________________
تحقيق هشام لأنّه من أكابر أصحاب المعصومينعليهالسلام ، وكان مظنة لأنّ يكون مأخوذا عنهم، ولعل كلامه مبني على تشبيه المحسوسات بالحواس الباطنة بالمحسوسات بالحواس الظاهرة، والمدركات العقلية بالمدركات الحسية، تقريباً إلى الأفهام، وحاصل كلامه على ما ذكره بعض الأفاضل: أن إدراك الأشياء بالإحاطة بها على قسمين، إدراك بالحواس أي الحواس الظاهرة، وإدراك بالقلب أي بالقوة العاقلة والحواس الباطنة، والأول ينقسم إلى إدراك بالمداخلة وإدراك بالمماسة، وإدراك لا بهما، فأمّا الإدراك بالمداخلة أي بمداخلة حقيقة ما هو مدرك بالحس في الحاس كإدراك الأصوات الّتي هي هيئة تموج الهواء وما في حكمه المدركة بوصول تموج الهواء الداخل في الصماخ إلى حامل قوة إدراكها والمشمومات الّتي هي الروائح المدركة بوصول رائحة المتكيف بها، الداخل في المنخر إلى حامل قوة إدراكها، والطعوم والمذوقات الّتي هي كيفيات مذوقة المدركة بوصولها، عند دخول المتكيف بها في الفم، إلى حامل قوة إدراكها، وأمّا الإدراك بالمماسة أي بمماسة حقيقة المدرك فمعرفة الأشكال وهيئة إحاطة الحدود من التربيع والتثليث وأمثالهما، ومعرفة اللين والخشن أي الخشونة والحر والبرد، وأمّا الإدراك بلا مماسة ولا مداخلة فالبصر، أي الإبصار أو إدراك البصر، فإنه أي البصر مدرك الأشياء بلا مماسة ولا مداخلة بين حقيقة المبصر والبصر، لا في حيز غير البصر، ولا في حيز البصر، ولا ينافي ذلك كون الإبصار بتوسط الشعاع أو انطباع شبح المبصر في محل قوة الأبصار.
وقيل: في حيز غيره متعلّق بيدرك، أي البصر يدرك الغير في حيز ذلك الغير
ولا في حيزه وإدراك البصر له سبيل وسبب فسبيله الهواء وسببه الضياء فإذا كان السبيل متصلا بينه وبين المرئي والسبب قائم أدرك ما يلاقي من الألوان والأشخاص فإذا حمل البصر على ما لا سبيل له فيه رجع راجعاً فحكى ما وراءه كالناظر في المرآة لا ينفذ بصره في المرآة فإذا لم يكن له سبيل رجع راجعاً يحكي ما وراءه وكذلك الناظر في الماء الصافي يرجع راجعاً فيحكي ما وراءه إذ لا سبيل له في إنفاذ بصره فأمّا القلب
________________________________________________________
لا في حيز البصر الّذي هو المدرك، وأمّا القسمان الأولان فلا شبهة في استحالتهما في الرب تعالى، وأمّا الثالث فمستحيل فيه سبحانه أيضاً لأنّ إدراك البصر له سبيل وسبب لا بد منهما، فسبيله الهواء أي الفضاء الخالي عمّا يمنع من نفوذ الغير حتّى الشعاع وسببه الضياء أي شرطه يتحدث باستحالته بدونهما، فإذا كان السبيل متصلا بينهما ولا يكون بينهما حاجب حالكون السبب الّذي هو الضياء الحاصل للمرئي، فإنما أدرك البصر ما يلاقيه بالانطباع أو الشعاع أو بهما من الألوان والأشخاص من الأجسام والأشباح، فإذا حمل البصر على ما لا سبيل فيه وكلف الرؤية رجع راجعاً فلا يحكى ما كلف رؤيته بل يكون حاكياً ما وراءه، على أنه المواجه المتوجهة إليه كالناظر في المرآة لا ينفذ بصره في المرآة، فإنه إذا لم يكن لبصره سبيل رجع راجعاً عمّا كلف رؤيته ولا سبيل إليه فيحكي ما وراءه على أنه المواجه المتوجهة إليه، وكذلك الناظر في الماء الصافي يرجع بصره راجعاً فيحكي ما وراءه، وقوله: إذ لا سبيل له في إنفاذ بصره، يحتمل أن يكون المراد به إذ لا سبيل للناظر إلى إنفاذ بصره، حيث لا سبيل هنا ينفذه البصر، ويحتمل أن يكون المراد إذ لا سبيل للناظر من جهة إنفاذ البصر، أي لا سبيل ينفذ بصره فيه وأمّا الإدراك بالقلب أي الإدراك العقلاًني بعلم زائد على جهة الإحاطة سواء كان على الوجه الجزئي أو الكلي فلا يحوم حول سرادق جلاله ولا يليق بكبرياء كما له، لأنّ القوي النفسانية إنما تقوى على إدراك ما يغايرها من الجزئيات المحسوسة المحصورة في القوي الدراكة وموادها فهي من المتحيزات بالذات أو بالتبع، وعلى إدراك كليات مناسبة لجزئيات مدركة بالقوى الباطنة يصح بها أن تعد هي جزئيات
فإنما سلطانه على الهواء فهو يدرك جميع ما في الهواء ويتوهمه فإذا حمل القلب على ما ليس في الهواء موجوداً رجع راجعاً فحكى ما في الهواء فلا ينبغي للعاقل - أن يحمل قلبه على ما ليس موجوداً في الهواء من أمر التوحيد جل الله وعز فإنه إن فعل ذلك لم يتوهم إلا ما في الهواء موجود كما قلنا في أمر البصر تعالى الله أن يشبهه خلقه.
________________________________________________________
لها وصورها هيئات وصوراً لها، والذي جل بعز جلاله عن أن يكون له مهية صالحة للكلية أو صورة متجزية منقسمة متعال عن إحاطة القلوب به، وإلى ذلك أشار بقوله وأمّا القلب فإنما سلطانه على الهواء، أي البعد الّذي يسمونه حيزا فهو يدرك جميع ما في الهوى من المتحيزات بذواتها أو صورها، فإذا حمل القلب على إدراك ما ليس في الهواء موجوداً وليس يصح عليه التحيز بذاته أو بصورة ذهنية مناسبة له لائقة به رجع راجعاً عمّا لا سبيل له إليه إلى ما يقابله من المتحيزات، ويحتمل أن يكون نظره مقصوراً على نفي إدراكه سبحانه على النحو الجزئي بالحواس والقلب، وأمّا الإدراك على النحو الكلي فمعلوم الانتفاء في حقه سبحانه، حيث أنه يمتنع عليه سبحانه المهية الكلية، ثمّ إدراك النفس ذاتها على النحو الجزئي ليس بعلم زائد وإدراكها ما يباينها إنما يكون بعلم زائد، فلا يجوز مثله في إدراك المبائن لها، وعلمها الزائد بذاتها إنما يكون على قياس ما ذكر، وإذ قد تبين استحالة إدراكه بالحس والقلب فلا ينبغي للعاقل أن يحمل قلبه على إدراك ما ليس موجوداً في الهواء متحيزا بنحو من أنحاء التحيز من أمر التوحيد جل الله وعز من أن يكون له شبه من أحوال المتحيزات فإنه إن تكلف ذلك لم يتوهم إلا ما هو في الهواء موجود، ولم يقع نظره إلا عليه كما قلنا في أمر البصر، تعالى الله سبحانه أن يشبه خلقه.
ثم اعلم أن الأمة اختلفوا في رؤية الله تعالى على أقوال: فذهبت الإمامية والمعتزلة إلى امتناعها مطلقا، وذهبت المشبهة والكرامية إلى جواز رؤيته تعالى في في الجهة والمكان لكونه تعالى عندهم جسما وذهبت الأشاعرة إلى جواز رؤيته تعالى منزها عن المقابلة والجهة والمكان، قال الآبي في كتاب إكمال الإكمال ناقلا عن
باب
النهي عن الصفة بغير ما وصف به نفسه تعالى
١ - علي بن إبراهيم، عن العباس بن معروف، عن ابن أبي نجران، عن حماد بن عثمان، عن عبد الرحيم بن عتيك القصير قال كتبت على يدي عبد الملك بن أعين إلى أبي عبد اللهعليهالسلام أن قوماً بالعراق يصفون الله بالصورة وبالتخطيط فإن رأيت
________________________________________________________
بعض علمائهم: أن رؤية الله تعالى جائزة في الدنيا عقلاً واختلف في وقوعها وفي أنه هل رآه النبيصلىاللهعليهوآله ليلة الأسرى أم لا، فأنكرته عائشة وجماعة من الصحابة والتابعين والمتكلمين، وأثبت ذلك ابن عباس، وقال: إنّ الله اختصه بالرؤية وموسى بالكلام وإبراهيم بالخلة وأخذ به جماعة من السلف والأشعري في جماعة من أصحابه وابن حنبل وكان الحسن يقسم لقد رءاه، وتوقف فيه جماعة، هذا حال رؤيته في الدنيا وأمّا رؤيته في الآخرة فجائزة عقلاً، وأجمع على وقوعها أهل السنة وأحالها المعتزلة والمرجئة والخوارج، والفرق بين الدنيا والآخرة أن القوي والإدراكات ضعيفة في الدنيا حتّى إذا كانوا في الآخرة وخلقهم للبقاء قوي إدراكهم فأطاقوا رؤيته « انتهى كلامه ».
وقد عرفت مما مر أن استحالة ذلك مطلقاً هو المعلوم من مذهب أهل البيتعليهمالسلام وعليه إجماع الشيعة باتفاق المخالف والمؤالف وقد دلت عليه الآيات الكريمة وأقيمت عليه البراهين الجلية وقد أشرنا إلى بعضها، وتمام الكلام في ذلك موكول إلى الكتب الكلامية.
باب النهي عن الصفة بغير ما وصف به نفسه جل وتعالى
الحديث الأول: مجهول.
قوله على يدي عبد الملك: أي كان هو حامل الكتاب ومبلغه.
جعلني الله فداك أن تكتب إلي بالمذهب الصحيح من التوحيد فكتب إلي سألت رحمك الله عن التوحيد وما ذهب إليه من قبلك فتعالى الله الّذي( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) تعالى عمّا يصفه الواصفون المشبهون الله بخلقه المفترون على الله فاعلم رحمك الله أن المذهب الصحيح في التوحيد ما نزل به القرآن من صفات الله جل وعز فانف عن الله تعالى البطلان والتشبيه فلا نفي ولا تشبيه هو الله الثابت الموجود تعالى الله عمّا يصفه الواصفون ولا تعدوا القرآن - فتضلوا بعد البيان.
٢ - محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم
________________________________________________________
قوله من قبلك: بكسر القاف وفتح الباء، أي من هو عندك وفي ناحيتك يعني أهل العراق.
قولهعليهالسلام : فأنف عن الله البطلان والتشبيه، أمر بنفي التعطيل والتشبيه، فإن جماعة أرادوا تنزيه الله عن مشابهة المخلوقات فوقعوا في التعطيل ونفي الصفات رأسا، وجماعة أخرى أرادوا أن يصفوه بصفاته العليا وأسمائه الحسنى فأثبتوا له صفات زائدة على ذاته فشبهوه بخلقه، فأكثر الناس إلا القليل النادر منهم بين المعطل والمشبه.
قوله: فلا نفي ولا تشبيه: أي يجب على المسلم أن لا يقول بنفي الصفات ولا إثباتها على وجه التشبيه، وقوله: هو الله الثابت الموجود إشارة إلى نفي التعطيل والبطلان، وقوله: تعالى الله عمّا يصفه الواصفون، إشارة إلى نفي التشبيه فإن الواصفين هم الّذين يصفون الله بصفات زائدة، وقوله: ولا تعدوا القرآن أي فلا تجاوزوا ما في القرآن، بأن تنفوا عن الله ما ورد في القرآن حتّى تقعوا في ضلالة التعطيل، والله يقول ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، أو تثبتوا لله من الصفات ما يجب التنزيه عنها حتّى تقعوا في ضيق التشبيه، والله يقول:( سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ) (١) ثمّ الظاهر من هذه الأخبار المنع عن التفكّر في كنه الذات والصفات، والخوض فيها، فإن العقل عاجز عنها ولا يزيد إلا حيرة وضلالة.
الحديث الثاني: مجهول كالموثق.
__________________
(١) سورة الصافات: ١٨٠.
ابن عبد الحميد، عن أبي حمزة قال قال لي علي بن الحسينعليهالسلام يا أبا حمزة إنّ الله لا يوصف بمحدودية عظم ربنا عن الصفة فكيف يوصف بمحدودية من لا يحد و( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) .
٣ - محمّد بن أبي عبد الله، عن محمّد بن إسماعيل، عن الحسين بن الحسن، عن بكر بن صالح، عن الحسن بن سعيد، عن إبراهيم بن محمّد الخزاز ومحمد بن الحسين قالا دخلنا على أبي الحسن الرضاعليهالسلام فحكينا له أن محمداًصلىاللهعليهوآله رأى ربه في صورة الشاب الموفق في سن أبناء ثلاثين سنة وقلنا إن هشام بن سالم وصاحب الطاق والميثمي
________________________________________________________
قوله: لا يوصف بمحدودية أي الحدود الجسمانية أو الأعم منها ومن الحدود الّتي تعرض للصورة الذهنية والحدود العقلية المستلزمة للتركيب العقلي « عظم ربنا عن الصفة » أي كلّ خارج عارض لا حق بالحقيقة، وقيل: ولعل نفي وصفه بالمحدودية إشارة إلى نفي دخوله في الحواس والقوي، وكونه محاطا بما يعرض مدركاتها، وقوله: وكيف يوصف بمحدودية من لا يحد، استدلال عقلي على نفي إدراكه بالحواس واتصافه بعوارض المدرك بها، لأنّ ما يستحيل عليه الاتصاف بشيء كيف يتصف به في المدارك وكيف يكون حصول الموصوف به إدراكاً لما يمتنع اتصافه به، وقوله: ولا تدركه الأبصار « إلخ » تمسك بالمستند السمعي من كتابه العزيز.
أقول: ويحتمل أن يكون استدلالا بعدم المحدودية في الخارج بأنه لا يحد بالحدود العقلية، واستدل على عدم المحدودية بالحدود العقلية بالآية.
قوله: وهو اللطيف: أي البعيد عن إدراك الخلق أو البر بعباده، الرفيق بهم، أو العالم الكامل في الفعل والتدبير، أو الخالق للخلق اللطيف أو فاعل اللطف، وهو ما يقرب إلى الطاعة ويبعد عن المعصية، و « الخبير » العالم بحقائق الأشياء وغوامضها ودقائقها.
الحديث الثالث: ضعيف.
قوله في صورة الشاب الموفق: قيل: أي المستوي، من أوفق الإبل إذا اصطفت واستوت، وقيل: هو تصحيف الريق وقيل: هو تصحيف الموقف بتقديم القاف على الفاء أي المزين، فإن الوقف سوار من عاج يقال: وقفه أي ألبسه الوقف، ويقال
يقولون إنه أجوف إلى السرة والبقية صمد فخر ساجداً لله ثمّ قال سبحانك ما عرفوك ولا وحدوك فمن أجل ذلك وصفوك سبحانك لو عرفوك لوصفوك بما وصفت به نفسك سبحانك كيف طاوعتهم أنفسهم أن يشبهوك بغيرك اللهم لا أصفك إلا بما وصفت به نفسك ولا أشبهك بخلقك أنت أهل لكل خير فلا تجعلني من القوم الظالمين ثمّ التفت إلينا فقال ما توهمتم من شيء فتوهموا الله غيره ثمّ قال نحن آل محمّد النمط الأوسط الّذي لا يدركنا الغالي ولا يسبقنا التالي يا محمّد إن رسول الله
________________________________________________________
وقف يديها بالحناء أي نقطها، وبالجملة المراد بالموقف هنا المزين بأي زينة كانت وأمّا نسبة هذا القول إلى هؤلاء الأكابر فسيأتي القول فيه، ولعلهعليهالسلام إنما تعرض لإبطال القول ولم يتعرض لإبطال نسبته إلى القائلين لنوع من المصلحة، وفي التوحيد بعد قوله: من أبناء ثلاثين سنة، رجلاًه في خضرة.
قوله: النمط الأوسط: قال الجزري في حديث عليعليهالسلام : خير هذه الأمة النمط الأوسط، النمط الطريقة من الطرائق والضروب، يقال: ليس هذا من ذلك النمط أي من ذلك الضرب، والنمط الجماعة من الناس أمرهم واحد « انتهى ».
قولهعليهالسلام : لا يدركنا الغالي، في أكثر النسخ بالغين المعجمة، وفي بعضها بالعين المهملة، وعلى التقديرين المراد به من يتجاوز الحد في الأمور، أي لا يدركنا ولا يلحقنا في سلوك طريق النجاة من يغلو فينا أو في كلّ شيء، والتالي أي التابع لنا لا يصل إلى النجاة إلا بالأخذ عنا، فلا يسبقنا بأن يصل إلى المطلوب إلا بالتوصل بنا، ثمّ اعلم أنه يمكن إبقاء الحجب والأنوار على ظواهرها بأن يكون المراد بالحجب أجساما لطيفة مثل العرش والكرسي يسكنها الملائكة الروحانيون كما يظهر من بعض الدعوات والأخبار، أي أفاض عليه شبيه نور الحجب، ليمكن له رؤية الحجب كنور الشمس بالنسبة إلى عالمنا، ويحتمل التأويل أيضاً بأن يكون المراد بها الوجوه الّتي يمكن التأويل أيضاً بأن يكون المراد بها الوجوه الّتي يمكن الوصول إليها في معرفة ذاته تعالى وصفاته، إذ لا سبيل لأحد إلى الكنه وهي تختلف باختلاف درجات العارفين قرباً وبعدا، فالمراد بنور الحجب قابلية تلك المعارف وتسميتها بالحجب إمّا لأنها
صلىاللهعليهوآله حين نظر إلى عظمة ربه كان في هيئة الشاب الموفق - وسن أبناء ثلاثين سنة يا محمّد عظم ربي عز وجل أن يكون في صفة المخلوقين قال قلت جعلت فداك من كانت رجلاًه في خضرة قال ذاك محمّد كان إذا نظر إلى ربه بقلبه جعله في نور مثل
________________________________________________________
وسائط بين العارف والرب تعالى كالحجاب، أو لأنها موانع عن أن يسند إليه تعالى ما لا يليق به، أو لأنها لما لم تكن موصلة إلى الكنه فكأنها حجب إذ الناظر خلف الحجاب لا تتبين له حقيقة الشيء كما هي، وقيل: إنّ المراد بها العقول فإنها حجب نور الأنوار، ووسائط النفوس الكاملة والنفس إذا استكملت ناسبت نوريتها نورية تلك الأنوار، فاستحقت الاتصال بها والاستفادة منها، فالمراد بجعله في نور الحجب جعله في نور العلم والكمال، مثل نور الحجب حتّى يناسب جوهر ذاته جوهر ذاتهم فيستبين لهم ما في ذواتهم، ولا يخفى فساده على أصولنا بوجوه شتى، وأمّا تأويل ألوان الأنوار، فقد قيل فيه وجوه:
الأول: أنها كناية عن تفاوت مراتب تلك الأنوار بحسب القرب والبعد من نور الأنوار، فالأبيض هو الأقرب والأخضر هو الأبعد، فكأنه ممتزج بضرب من الظلمة والأحمر هو المتوسط بينهما، ثمّ ما بين كلّ اثنين ألوان أخرى كألوان الصبح [ والليل ] والشفق المختلفة في الألوان لقربها وبعدها من نور الشمس.
الثاني: أنها كناية عن صفاته المقدسة، فالأخضر قدرته على إيجاد الممكنات وإفاضة الأرواح الّتي هي عيون الحياة ومنابع الخضرة، والأحمر غضبه وقهره على الجميع بالأعدام والتعذيب، والأبيض رحمته ولطفه على عباده كما قال تعالى:( وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللهِ ) (١) .
الثالث: ما استفدته من الوالد العلامة قدس الله روحه، وذكر أنه مما أفيض عليه من أنوار الكشف واليقين وبيانه يتوقف على تمهيد مقدمة: وهي أن لكل شيء مثالا في عالم الرؤيا والمكاشفة، وتظهر تلك الصور والأمثال على النفوس مختلفة
__________________
(١) سورة آل عمران: ١٠٧.
نور الحجب حتّى يستبين له ما في الحجب إن نور الله منه أخضر ومنه أحمر ومنه أبيض ومنه غير ذلك يا محمّد ما شهد له الكتاب والسنة فنحن القائلون به.
٤ - علي بن محمّد ومحمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن بشير البرقي قال حدثني عباس بن عامر القصباني قال أخبرني هارون بن الجهم، عن أبي حمزة، عن علي بن الحسينعليهالسلام قال قال لو اجتمع أهل السماء والأرض أن يصفوا الله بعظمته لم يقدروا.
________________________________________________________
باختلاف مراتبها في النقص والكمال، فبعضها أقرب إلى ذي الصورة وبعضها أبعد، وشأن المعبر أن ينتقل منها إلى ذواتها، فإذا عرفت هذا فالنور الأصفر عبارة عن العبادة ونورها كما هو المجرب في الرؤيا، فإنه كثيراً ما يرى الرائي الصفرة في المنام فتيسر له بعد ذلك عبادة يفرح بها، وكما هو المعاين في جباه المتهجدين، وقد ورد في الخبر في شأنهم أنه ألبسهم الله من نوره لما خلوا به، والنور الأبيض: العلم لأنّه منشأ للظهور وقد جرب في المنام أيضا، والنور الأحمر: المحبة كما هو المشاهد في وجوه المحبين عند طغيان المحبة وقد جرب في الأحلام أيضاً والنور الأخضر المعرفة كما تشهد به الرؤيا ويناسبه هذا الخبر لأنّهعليهالسلام في مقام غاية العرفان كانت رجلاًه في خضرة، ولعلهمعليهالسلام إنما عبروا عن تلك المعاني على تقدير كونها مرادة بهذه التعبيرات لقصور أفهامنا عن محض الحقيقة، كما تعرض على النفوس الناقصة من الرؤيا هذه الصور، ولأنا في منام طويل من الغفلة عن الحقائق كما قالعليهالسلام : الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا، وهذه التأويلات غاية ما يصل إليه أفهامنا القاصرة، والله أعلم بمراد حججه وأوليائهعليهالسلام .
الحديث الرابع: ضعيف، وعدم قدرتهم قد تبين بما مر مراراً من امتناع إدراك كنه ذاته وصفاته المقدسة، وغاية معرفة العارفين إقرارهم بالعجز عنها كما قال سيد العارفين: لا أحصي ثناءا عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، وقال: ما عرفناك حق معرفتك.
٥ - سهل، عن إبراهيم بن محمّد الهمذاني قال كتبت إلى الرجلعليهالسلام أن من قبلنا من مواليك قد اختلفوا في التوحيد فمنهم من يقول جسم ومنهم من يقول صورة فكتبعليهالسلام بخطه سبحان من لا يحد ولا يوصف( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) - أو قال( الْبَصِيرُ ) .
٦ - سهل، عن محمّد بن عيسى، عن إبراهيم، عن محمّد بن حكيم قال كتب أبو الحسن موسى بن جعفرعليهالسلام إلى أبي أن الله أعلى وأجل وأعظم من أن يبلغ كنه صفته فصفوه بما وصف به نفسه وكفوا عمّا سوى ذلك.
٧ - سهل، عن السندي بن الربيع، عن ابن أبي عمير، عن حفص أخي مرازم، عن المفضل قال سألت أبا الحسنعليهالسلام عن شيء من الصفة فقال لا تجاوز ما في القرآن.
٨ - سهل، عن محمّد بن علي القاساني قال كتبت إليهعليهالسلام أن من قبلنا قد اختلفوا في التوحيد قال فكتبعليهالسلام سبحان من لا يحد ولا يوصف( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) .
________________________________________________________
الحديث الخامس: ضعيف.
قوله صورة: أي ذو صورة.
قولهعليهالسلام لا يحد أي ذاته « ولا يوصف » أي لا يبلغ إلى كنه صفاته بل يعرف بأنه ليس كمثله شيء، فيسلب جميع صفات الممكنات ويثبت له السمع والبصر وسائر الصفات الكمالية على وجه لا يستلزم التشبيه، وقوله: أو قال، ترديد من بعض الرواة.
الحديث السادس: ضعيف ويدل على المنع من الخوض في كنه الصفات المقدسة.
الحديث السابع: ضعيف.
الحديث الثامن: ضعيف ومحمد بن علي القاساني لعله علي بن محمد، فصحف وعلي من أصحاب الهاديعليهالسلام .
٩ - سهل، عن بشر بن بشار النيسابوري قال كتبت إلى الرجلعليهالسلام أن من قبلنا قد اختلفوا في التوحيد فمنهم من يقول هو جسم ومنهم من يقول هو صورة فكتب إلي سبحان من لا يحد ولا يوصف ولا يشبهه شيء و( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) .
١٠ - سهل قال كتبت إلى أبي محمّدعليهالسلام سنة خمس وخمسين ومائتين قد اختلف يا سيدي أصحابنا في التوحيد منهم من يقول هو جسم ومنهم من يقول هو صورة فإن رأيت يا سيدي أن تعلمني من ذلك ما أقف عليه ولا أجوزه فعلت متطولا على عبدك فوقع بخطهعليهالسلام سألت عن التوحيد وهذا عنكم معزول الله واحد أحد( لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ) خالق وليس بمخلوق يخلق تبارك وتعالى ما يشاء من الأجسام وغير ذلك وليس بجسم ويصور ما يشاء وليس بصورة جل ثناؤه وتقدست أسماؤه أن يكون له شبه هو لا غيره( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) .
________________________________________________________
الحديث التاسع: ضعيف.
قولهعليهالسلام ولا يوصف: أي بالكنه أو بصفات الممكنات.
الحديث العاشر: ضعيف.
قوله: وهذا عنكم معزول، أي لستم مكلفين بأن تخوضوا فيه بعقولكم، بل اعتقدوا ما نزل الله تعالى إليكم من صفاته، أو ليس لكم السؤال بل بين الله تعالى لكم، والأول أظهر، « الله » مستجمع للصفات الكمالية الثبوتية « واحد » يدل على الصفات السلبية « أحد » أي لا شريك له « يخلق تبارك وتعالى ما يشاء » قيل إشارة إلى نفي كونه تعالى جسما بالبرهان إذ قد ثبت وتحقق في موضعه أن العلة الموجدة ومعلولها لا يجوز أن يكونا من نوع واحد، وإلا لزم أن يكون الشيء علة لنفسه وأيضا وجود العلة الموجدة أقوى وأشد من وجود المجعول، والتفاوت بالشدة والضعف في الوجودات يستلزم الاختلاف في المهيات، فظهر أن خالق الأجسام يمتنع أن يكون
١١ - محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن حماد بن عيسى، عن ربعي بن عبد الله، عن الفضيل بن يسار قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول إنّ الله لا يوصف وكيف يوصف وقد قال في كتابه -( وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ ) فلا يوصف بقدر إلا كان أعظم من ذلك.
١٢ - علي بن محمد، عن سهل بن زياد وعن غيره، عن محمّد بن سليمان، عن علي بن إبراهيم، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال إنّ الله عظيم رفيع لا يقدر العباد على صفته ولا يبلغون كنه عظمته( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) ولا يوصف بكيف ولا أين وحيث وكيف أصفه بالكيف وهو الّذي كيف الكيف حتّى صار كيفا فعرفت الكيف بما كيف لنا من الكيف - أم كيف أصفه بأين وهو الّذي أين الأين حتّى صار أينا فعرفت الأين بما أين لنا من الأين أم كيف أصفه بحيث وهو الّذي حيث الحيث حتّى صار حيثاً فعرفت الحيث
________________________________________________________
جسما من الأجسام، وكذا مصور الصور يستحيل أن يكون صورة من نوعها.
الحديث الحادي عشر: مجهول كالصحيح.
قوله( وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ ) (١) أي ما عظموا الله حق تعظيمه فلا يوصف بقدر ولا يعظم تعظيما إلا وكان أعظم من ذلك.
الحديث الثاني عشر: ضعيف.
قوله « عظيم » أي عظيم الذات « رفيع » من جهة الصفات، لا تبلغ العقول إليهما أو الرفيع بيان لأنّ العظمة من حيث الرفعة المعنوية.
قوله: حتّى صار كيفا أي هو موجد الكيف ومحقق حقيقته في موضوعه حتّى صار كيفا له.
قوله: أم كيف أصفه بأين، المراد به كون الشيء في المكان أو الهيئة الحاصلة للمتمكن باعتبار كونه في المكان، وحيث اسم للمكان للشيء.
__________________
(١) سورة الأنعام: ٩١.
بما حيث لنا من الحيث فالله تبارك وتعالى داخل في كلّ مكان وخارج من كلّ شيء( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ ) لا إله إلا هو العلي العظيم( وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) .
________________________________________________________
قوله: لا تدركه الأبصار، دليل على نفي التمكن في المكان فإن كلّ متمكن في المكان مما يصح عليه الإدراك بالأوهام، وقوله: وهو يدرك الأبصار، على شهوده عقلاً وحضوره علماً، وقوله: لا إله إلا هو العلي العظيم، على عدم كونه داخلا في شيء دخول الجزء العقلي والخارجي فيه، وقوله: وهو اللطيف الخبير، يدل على جميع ذلك.
انتهى الجزء الأول حسب تجزئتنا من هذه الطبعة ويليه الجزء الثاني إنشاء الله تعالى وأو له « باب النهي عن الجسم والصورة ».
وقد تم بحمد الله وتوفيقه تصحيحا وتعليقاً في ٨ رمضان المبارك من سنة ١٣٩٣.
وأنا العبد المذنب الفاني: |
السيد هاشم الرسولي المحلاتي |
الفهرست
رقم الصفحة |
العنوان |
عدد الأحاديث |
٢ |
خطبة الكتاب |
|
٢٥ |
كتاب العقل والجهل |
٣٤ |
كتاب فضل العلم |
||
٩٨ |
فرض العلم ووجوب طلبه والحث عليه |
٩ |
١٠٢ |
صفة العلم وفضله وفضل العلماء |
٩ |
١٠٩ |
أصناف الناس |
٤ |
١١١ |
ثواب العالم والمتعلم |
٦ |
١١٨ |
صفة العلماء |
٧ |
١٢٣ |
حق العالم |
١ |
١٢٤ |
فقد العلماء |
٦ |
١٢٧ |
مجالسة العلماء وصحبتهم |
٥ |
١٢٩ |
سؤال العالم وتذاكره |
٩ |
١٣٣ |
بذل العلم |
٤ |
١٣٦ |
النهي عن القول بغير علم |
٩ |
١٤٠ |
من عمل بغير علم |
٣ |
١٤٢ |
استعمال العلم |
٧ |
١٤٧ |
المستأكل بعلمه والمباهي به |
٦ |
١٥١ |
لزوم الحجة على العالم وتشديد الأمر عليه |
٤ |
١٥٤ |
النوادر |
١٥ |
١٧٣ |
رواية الكتب والحديث وفضل الكتابة والتمسك بالكتب |
١٥ |
رقم الصفحة |
العنوان |
عدد الأحاديث |
١٨٣ |
التقليد |
٣ |
١٨٥ |
البدع والرأي والمقاييس |
٢٢ |
٢٠٢ |
الرد إلى الكتاب والسنة وأنه ليس شيء من الحلال والحرام وجميع ما يحتاج الناس إليه إلا وقد جاء فيه كتاب أو سنة |
١٠ |
٢١٠ |
اختلاف الحديث |
١٠ |
٢٢٧ |
الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب |
١٢ |
كتاب التوحيد |
||
٢٣٥ |
حدوث العالم وإثبات المحدث |
٦ |
٢٨٠ |
إطلاق القول بأنه شيء |
٧ |
٢٩٤ |
أنه لا يعرف إلا به |
٣ |
٣٠١ |
أدنى المعرفة |
٣ |
٣٠٣ |
المعبود |
٣ |
٣٠٦ |
الكون والمكان |
٨ |
٣١٦ |
النسبة |
٣ |
٣٢١ |
النهي عن الكلام في الكيفية |
١٠ |
٣٢٧ |
في إبطال الرؤية |
١٢ |
٣٤٥ |
النهي عن الصفة بغير ما وصف به نفسه تعالى |
١٢ |
الفهرس
كتاب العقل والجهل. ٢٥
كتاب فضل العلم. ٩٨
باب فرض العلم ووجوب طلبه والحث عليه ٩٨
باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء. ١٠٢
باب أصناف الناس. ١٠٩
باب ثواب العالم والمتعلم. ١١١
باب صفة العلماء ١١٨
باب حق العالم. ١٢٣
باب فقد العلماء ١٢٤
باب مجالسة العلماء وصحبتهم. ١٢٧
باب سؤال العالم وتذاكره ١٢٩
باب بذل العلم. ١٣٣
باب النهي عن القول بغير علم. ١٣٦
باب من عمل بغير علم. ١٤٠
باب استعمال العلم. ١٤٢
باب المستأكل بعلمه والمباهي به ١٤٧
باب لزوم الحجة على العالم وتشديد الأمر عليه ١٥١
باب النوادر ١٥٤
باب رواية الكتب والحديث وفضل الكتابة والتمسك بالكتب.. ١٧٣
باب التقليد. ١٨٣
باب البدع والرأي والمقاييس.. ١٨٥
باب الرد إلى الكتاب والسنة وأنه ليس شيء من الحلال والحرام وجميع ما يحتاج الناس إليه إلا وقد جاء فيه كتاب أو سنة ٢٠٢
باب اختلاف الحديث.. ٢١٠
باب الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب.. ٢٢٧
كتاب التوحيد. ٢٣٤
باب حدوث العالم وإثبات المحدث.. ٢٣٥
باب إطلاق القول بأنه شيء ٢٨٠
باب أنه لا يعرف إلا به ٢٩٤
باب أدنى المعرفة ٣٠١
باب المعبود ٣٠٣
باب الكون والمكان. ٣٠٦
باب النسبة ٣١٦
باب النهي عن الكلام في الكيفية ٣٢١
باب في إبطال الرؤية ٣٢٧
باب النهي عن الصفة بغير ما وصف به نفسه جل وتعالى. ٣٤٥
الفهرست.. ٣٥٥