سلسلة في رحاب القرآن
٥
ميراثان في كتاب الله العُجْبُ
بقلم: الأستاذ الشّيخ محمّد مهدي الآصفي
دار القرآن الكريم
بمناسبة المؤتمر الرابع للأبحاث والدراسات
القرآنية في دار القرآن الكريم، قم - ٢٧ / رجب / ١٤١٢هـ
سلسلة في رحاب القرآن ( ٥ )
( ميراثان في كتاب الله - العجب )
المؤلف: سماحة الشيخ محمّد مهدي الآصفي
الناشر: دار القرآن الكريم، قم - ص.ب ١٥١
الصفّ والاخراج الفني الكومبيوتري: دار القرآن الكريم
زينغراف: حميد - قم
تعداد: ٣٠٠٠ نسخة
التاريخ: ٢٧ رجب ١٤١٢هـ.
حقوق الطبع والنشر محفوظة لدار القرآن الكريم - قم
ميراثان في كتاب الله
ميراثان في كتاب الله
في كتاب الله نجد ثلاثة أنواع من المواريث لعباد الله الصالحين: ميراثين في الدنيا، وميراثاً في الآخرة.
أمّا الميراث في الآخرة فهو الجنّة، يورثها عباده الصالحين والمتّقين من عباده بما عملوا. وإنّما يسمّيه القرآن ( إرثاً ) لأنّ الله تعالى خَلَق الجنّة لعباده جميعاً إذا آمنوا وعملوا صالحاً.
ولَمّا حُرم الكفّار والمشركون من الجنّة؛ بكفرهم وإفسادهم في الأرض، فإنّ الله تعالى خصّ المؤمنين فقط بالجنّة، دون الكفّار المشركين، وأورثهم الجنّة التي كان يستحقّها أولئك لو كانوا يؤمنون ويعملون صالحاً.
وقد روي عن رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ):( ما منكم مِن أحدٍ إلاّ وله منزِلان: منزلٌ في الجنّة، ومنزلٌ في النار، فإن مات ودخل النار، ورث أهل الجنّة منزِله )، والإرث هو الجنّة، والوارثون هم المؤمنون الذي يرثون الفِردوس.
والآيات المباركة، في بداية سورة ( المؤمنون )، تعطي صورةً واضحةً للوارثين الذين يرثون الجنّة، يقول تعالى:
( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالّذِينَ هُمْ عَنِ اللّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالّذِينَ هُمْ لِلزّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ) . [ المؤمنون: ١ - ١١ ]
إذن، وِراثة الجنّة لا تتم إلاّ بالخشوع في الصلاة، والإعراض عن اللغو، والزكاة، والصلاة، وحفظ الفروج عن الحرام، وأداء الأمانات والعهود.
وفي سورة ( مريم: ٦٣ ) ورد ذكر التقوى في الأسباب التي تورث الجنّة:( تِلْكَ الجنّة الّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً ) . وفي مواضع أُخرى يقرّر القرآن الكريم أنّ الجنّة يرثها المؤمنون بأعمالهم:( وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الجنّة أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) [ الأعراف: ٤٣ ]،( وَتِلْكَ الجنّة الّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) . [ الزخرف: ٧٢ ]
فلا ينال المؤمنون الجنّة إلاّ بما قدّموا من عملٍ صالحٍ في الدنيا، والعمل الصالح هو الذي يورث المؤمنين الجنّة، وهذا هو ميراث الصالحين في الآخرة، أمّا في الدنيا فقد جعل الله تعالى للصالحينميراثين: ميراثاً من الظالمين والجبابرة الطغاة، وميراثاً من الأنبياء المرسلين، والصالحين من عباد الله.
وفي كتاب الله تعالى إيضاحٌ وتفصيل لهذين الميراثين اللذين يرثهما الصالحون من عباد الله في الدنيا، وفي هذه الرسالة نتحدّث عن هذين الميراثين في كتاب الله.
الميراث الأوّل
الميراث الأوّل: هو ميراث الصالحين من المستكبرين، وهذا الميراث هو السلطان والمال والأرض، يقول تعالى:
( وَنُرِيدُ أَن نّمُنّ عَلَى الّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ ) . [ القصص: ٥ ]
( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزّبُورِ مِن بَعْدِ الذّكْرِ أَنّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصّالِحُونَ ) . [ الأنبياء: ١٠٥ ]
( وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لّمْ تَطَؤُوها ) . [ الأحزاب: ٢٧ ]
( قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُوا إِنّ الأَرْضَ للّهِِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتّقِينَ ) . [ الأعراف: ١٢٨ ]
( وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ ) . [ الأعراف: ١٣٧ ]
دورة التاريخ في القرآن
وهذه الجملة من الآيات الكريمة لها دِلالات عجيبة في ترسيم سنّة الله تعالى في تداول الأيام، والقوّة والسلطان، والسيادة بين الناس، وهي ترسم لنا دورةً كاملة للتاريخ في حركته المستمرة الدائبة، ونلاحظ نحن في هذه الحركة الأصول التالية - التي ترسم لنا سنن الله في التاريخ -:
١- أنّ القوة والمال تتبعان دائماً الصلاح والتقوى، وكلّما حلّ بقوم الصلاح حلّت معه القوة والسلطان والمال، بعكس ما يتصوّر الناس - عادةً - من أنّ الإنسان يكسب القوّة والمال بالعدوان والغش والظلم والفساد، والقرآن يؤكد كثيراً، وفي تعبيرات مختلفة، هذا المعنى:( وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتّقِينَ ) . [ الأعراف: ١٢٨ ]
( وَتَمّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا ) . [ الأعراف: ١٣٧ ]
( لّيَجْزِيَ اللّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنّ اللّهِ كَانَ غَفُوراً رّحِيماً * وَرَدّ اللّهُ الّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً * وَأَنزَلَ الّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الْرّعْبَ فِرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لّمْ تَطَؤُوها وَكَانَ اللّهُ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيراً ) . [ الأحزاب: ٢٤-٢٧ ]
٢ - المال والسلطان يعرّضان الإنسان للفساد والطغيان والعجب:( كَلاّ إِنّ الإنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَآهُ اسْتَغْنَى ) . [ العلق: ٦ ]
وذلك أنّ المال والسلطان يصيبان الإنسان بالعجب والغرور، ويحجبانه عن الله تعالى، وأنّ ما يرزق الله تعالى عباده من مال وسلطان لَحَري أن يدعو الإنسان إلى الشكر والارتباط بالله سبحانه، إلاّ أنّ الإنسان قد يحوّل المال والسلطان في حياته إلى أداة للقطيعة مع الله والسُّكْر؛ ومن ذلك يكون المال والسلطان أداة للفساد والطغيان والعجب والغرور في حياة الإنسان.
يقول أمير المؤمنين ( عليه السّلام ) - في أولئك الذين أفسدتهم النعمة والمال والسلطان -:( ذلك حيث تسكُرون من غير شراب؛ بل من النعمة والنعيم ). (١)
ومن عجبٍ أن يَسكُر الإنسان ولكن من دون شراب، بل من النعمة والنعيم، وإنّها لحريٌّ أن تكون سبباً للوعي واليقظة في حياة الإنسان.
٣- وإذا فسد الإنسان انتزع الله تعالى منه المال والسلطان، بعد أن يمهله ويمدّه في الطغيان:( وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمّرْنَاهَا
____________________
(١) نهج البلاغة، شرح وفهرسة د. صبحي صالح، ١: ٢٧٧، خطبة ١٨٧.
تَدْمِراً * وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ) ، [ الإسراء: ١٦ - ١٧ ].
وهذه هي نهاية الحضارة وسقوطها، وهي نهاية دورة التاريخ، وعندها يأذن الله تعالى بدورة جديدة للتاريخ، فإنّ الأُمم إذا أفسدها المال والسلطان، مدّ الله تعالى لها في المال والسلطان، استدراجاً لها، وإمعاناً في الاستدراج، فتزداد فساداً وطغياناً، وعند ذلك يسلبها الله تعالى ما أتاها من مال وسلطان مرّة واحدة، وينتزع منها ما رزقها من النعمة.
ذلك أنّها توغل في الفساد - حالة الاستدراج - وينخر فيها الفساد من الداخل، دون أن يظهر ذلك على السطح المرئي من حياتها، فتفقد الضمير والعاطفة، والقيم والأخلاق، وتستولي عليها الأهواء والشهوات والنزوات، حتى إذا نخِرت من الداخل بشكل كامل، انهارت مرّة واحدة.
لهذا السبب فإنّ نهاية الدورة الحضارية السقوط والانهيار دائماً، هو الموت الدُّفعي المفاجئ، وليس الموت التدريجي، بعكس الحال في ولادة الحضارات ونموّها؛ فإنّها تتولّد وتنمو بصورة تدريجية.
والتعبير القرآني دقيق في هذا الأمر:
( وَدَمّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ ) ، [ الأعراف: ١٣٧ ].
هكذا، دمرناها مرّة واحدة.
( أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ) ، [ الأعراف: ٩٨ ].
ضحى، وبصورةٍ مفاجئةٍ، حيث يعيش الناس في أمان، لا يتصورون أن يصيبهم من هذا الوباء شرٌ أو سوءٌ، وهم في غيبهم وفي غفلتهم سادرون يلعبون، وفجأةً يأتيهم بأس الله العزيز القهّار فلا ينجو منهم من أحد، ولا يُمهَل أحداً أبداً.
دورة التاريخ في سورة الأعراف
والآيات التالية من سورة الأعراف توضح لنا دورة التاريخ هذه، وسنن الله تعالى
في حركة التاريخ، وميلاد وموت الحضارات:
( وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيّ إِلاّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضّرّاءِ لَعَلّهُمْ يَضّرّعُونَ * ثُمّ بَدّلْنَا مَكَانَ السّيّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسّ آبَاءَنَا الضّرّاءُ وَالسّرّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * وَلَوْ أَنّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السّماءِ وَالأَرْضِ وَلكِن كَذّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوْ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ) ، [ الأعراف: ٩٤-٩٩ ].
في بداية الأمر يبتليهم الله ليتضرَّعوا إليه تعالى؛ وليهتدوا، وليأخذوا بأسباب الهداية والنجاة، وهذه هي مرحلة (الابتلاء) و( التمحيص ):( وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيّ إِلاّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضّرّاءِ لَعَلّهُمْ يَضّرّعُونَ ) .
فإذا اهتدوا، واستقاموا على الطريق، فتح الله عليهم بركات من السماء والأرض:( وَلَوْ أَنّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السّماءِ وَالأَرْضِ ) ، وهذه هي مرحلة الهداية والنعمة.
وإن رفضوا الهداية، وتمرّدوا فإنّ الله تعالى يبدّلهم مكان الشدّة الرخاء، ومكان البأساء والضرّاء النعماء، حتّى يكثروا وحتّى ينسوا الله تعالى:( ثُمّ بَدّلْنَا مَكَانَ السّيّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسّ آبَاءَنَا الضّرّاءُ وَالسّرّاءُ ) .
ويطبع على قلوبهم، ويسلبهم العقل والبصيرة والوعي:( وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذّبُوا مِن قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ ) [ الأعراف: ١٠١ ]،( أَوَلَمْ يَهْدِ لِلّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ
وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَيَسْمَعُونَ ) [ الأعراف: ١٠٠ ]، وهذه مرحلة المكر، والطبع على القلوب، والاستدراج.
ثمّ بعد مرحلة المكر والاستدراج، تأتي مرحلة الهلاك والدمار، وسقوط الحضارة الكامل والمفاجئ:( فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ) ، لاحظوا:( بغتة ) ، مرّةً واحدةً وبصورةٍ مفاجئةٍ وهم لا يشعرون:
( أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوْ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ) ، وهذه مرحلة ( الهلاك ) و( المَحْق ).
دورة التاريخ في نهج البلاغة:
دورة التاريخ في كلمات الإمام ( عليه السّلام ):
وفي خُطبة ( القاصعة ) - من كلام الإمام أمير المؤمنين ( عليه السّلام ) - نجد تصويراً دقيقاً لهذه المراحل الثلاث التي يحدّدها القرآن الكريم لحركة التاريخ:
١- مرحلة ميلاد الحضارات.
٢- مرحلة الفساد والاختلال.
٣- مرحلة سقوط الحضارة.
فيضرب لنا الإمام ( عليه السّلام ) مثلاً بحضارة بني إسرائيل في عصر فرعون، وعند قيام رسول الله وكليمه موسى بن عمران ( عليه السّلام ).
يقول ( عليه السّلام ):
( وتدبّروا أحوال الماضين من المؤمنين قَبلكم، كيف كانوا في حال التمحيص والبلاء، ألَم يكونوا أثقل الخلائق أعباءً، وأجهد العباد بلاءً، وأضيق أهل الدنيا حالاً؟!
اتخذتهم الفراعنة عبيداً، فساموهم سوء العذاب، وجرّعوهم المرارَ، فلم تبرح الحال بهم من ذلّ الهَلَكة، وقهر الغلبة، لا يجدون حِيلة في امتناع، ولا سبيلاً إلى دفاع ) . (١)
وهذه هي مرحلة الابتلاء والتمحيص التي تهيّئ الأمّة للصلاح والاستقامة، ولا بدّ لكل استقامةٍ وصلاحٍ في حياة الأُمم من المرور بمرحلةٍ من الابتلاء والتمحيص، الذي يُعدّ الأمّة للاستقامة والعودة إلى الله تعالى.
ولم نتحدّث نحن عن هذه المرحلة من رسم دورة التاريخ في هذا الحديث، كما لم نتحدّث نحن عن مرحلة الاستدراج بصورة مستقلة.
ثمّ يقول ( عليه السّلام ):
( حتّى إذا رأى الله جِدّ الصبر منهم على الأذى في محبّته، والاحتمال للمكروه من خوفه، جعل لهم من مضائق البلاء فرجاً، فأبدلهم العزّ مكان الذلّ، والأمن مكان الخوف، فصاروا مُلوكاً حكّاماً، أئمّة أعلاماً، قد بلغت الكرامة من الله لهم ما لم تبلغ الآمال بهم.
فانظروا كيف كانوا حيث كانت الأمْلاء مجتمعة، والأهواء متفقة، والقلوب معتدلة، والأيدي مترادفة، والسيوف متناصِرة، والبصائر نافذة، والعزائم واجدة، ألم يكونوا أرباباً في أقطار الأرضين، وملوكاً على رقاب العالمين؟! ) .(٢)
وهذه هي المرحلة الأُولى من الدورة الحضارية للتاريخ، مرحلة ولادة الحضارة الإلهية ونشوئها.
ثمّ يحدثنا الإمامعن المرحلة الثانية : حيث يبدأ الفساد يدبّ في جسم هذه الحضارة وتنخر هذه الحضارة من الداخل، وتتحوّل نِعم الله تعالى من جسور للارتباط بالله تعالى إلى حُجب وحواجز تحجب الإنسان وتحجزه عن الله، فيلهو باللعب واللهو والسُّكْر، وينسى نفسه، وتتحكّم فيهم الأهواء، ويكثر فيهم الخلاف،
____________________
(١) المصدر السابق ١: ١٧٧.
(٢) المصدر السابق ١: ١٧٧.
وتختلف لديهم الآراء والأهواء.
يقول ( عليه السّلام ):
( فانظروا إلى ما صاروا إليه في آخر أمورهم حين وقعت الفتنة، وتشتّت الأُلفة، وتشعّبوا مختلفين، وتفرّقوا متحاربين ). (١)
ثمّ يتحدث الإمام بعد ذلكعن المرحلة الثالثة: مرحلة السقوط والانهيار، حيث يسلبهم الله تعالى نِعمه كلّها، ويفاجئهم بغضبه وبأسه ضُحى وهم يلعبون.
( قد خلع الله عنهم لباس كرامته، وسلبهم غضارة نِعمته، وبقي قصص أخبارهم فيكم عبرة للمعتبرين ) .(٢)
وهذه المحنة الأخيرة، ليست من نوع( ابتلاء التمحيص ) الذي كان يحضّ المؤمنين من عباد الله، والذي كان يعدّ الأمة لميلاد حضاري جديد.
وإنّما هو نوع آخر من المحنة يعبر عنها القرآن الكريم بـ( المَحْق ) في مقابل التمحيص، وهو يخصّ الحضارات( وَلِيُمَحّصَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ) ، [ آل عمران: ١٤١ ].
وكلاهما من المحنة، إلاّ أنّأحدهما: مِحنة للتمحيص والتزكية والتطهير،والآخر: محنة للمَحْق والهلاك والتدمير.
حرِّية القرار:
ولابدّ أن نشير في هذه النقطة من الحديث إلى مسألتين هامّتين، لهما علاقة مباشرة بهذه الدورة الحضارية في التاريخ:
الأُولى: أنّ استتباع المال والقوّة للصلاح والتقوى قضية حتمية في مسير التاريخ.
____________________
(١) المصدر السابق ١: ١٧٧.
(٢) الموافقات، للشاطبي ٢: ١٢١.
كما أنّ سقوط الحضارات وموتها وانهيارها بانتشار الفساد والأخلاق في الأمم قضية حتمية في هذا المسير، ومن سنن الله الثابتة التي لا تتبدّل، وليس للإنسان أن يغيّر هذه الحتميات التاريخية والسنن الإلهية في حركة الحضارة ودون التاريخ.
إنّها تشكّل الشطر الحتمي من دورة التاريخ، وتَفْعَل وتؤثِّر بصورة حتمية ثابتة في حياة الإنسان دون أن تتبدّل أو تتغيّر أو تتحوّل.
فاستمع إليه تعالى في آياته البيّنات حيث يقول:( سُنّةَ اللّهِ فِي الّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ قَدَراً مّقْدُور ) [ الأحزاب: ٣٨ ].
( وَلَن تَجِدَ لِسُنّةِ اللّهِ تَبْدِيلاً ) [ الأحزاب: ٦٢ ].
( وَلَن تَجِدَ لِسُنّتِ اللّهِ تَحْوِيلاً ) [ فاطر: ٤٣ ].
( سُنّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنّتِنَا تَحْوِيلاً ) [ الإسراء: ٧٧ ].
إلاّ أنّ حتمية هذه العوامل في حركة التاريخ لا تعني حتميّة حركة التاريخ، فإنّ حركة التاريخ في النظرية الإسلامية ليست حركة حتمية، وإنّما هي تابعة لتحرّك الإنسان وتوجّهه.
وذلك أنّ شطرين آخرين من الأجزاء المؤثّرة في تحريك التاريخ والحضارة هما من صُنع الإنسان وإرادته، وهما حركة الإنسان نحو الصلاح أو حركته نحو الفساد.
إنّ تحرّك الإنسان بهذين الاتجاهين خاضع لاختيار الإنسان بشكل كامل، وإن كان للابتلاء والتمحيص دورٌ مساعد معروف في توجيه الإنسان إلى الصلاح، وللمال والسلطان دور مساعد معروف في إغراء الإنسان بالفساد.
لكن الإنسان يبقى مع ذلك كلّه، صاحب القرار في الصلاح والفساد والاستقامة والضلال، وتبقى له حريّة اتخاذ القرار والتوجّه في هذا الأمر بشكل كامل.
وحركة الإنسان نحو الصلاح أو الفساد مفتاح لكل الدورة التاريخية والحضارية في حياة الإنسان، وتفسير كلّ التحولات الحضارية التي تحدث للإنسان.
وقد أعطى الله تعالى هذا المفتاح بيد الإنسان يتصرف به باتجاه الهدى أو
الضلال.
( أَلَمْ نَجْعَل لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النّجْدَيْنِ ) [ البلد: ٨-١٠ ].
( إِنّا هَدَيْنَاهُ السّبِيلَ إِمّا شَاكِراً وَإِمّا كَفُور ) [ الإنسان: ٣ ].
وهذه الحرّية في اتخاذ القرار، والتحرّك باتجاه الصلاح أو الفساد، تعطي الإنسان دوراً فاعلاً في صنع التاريخ.
وبهذا التوضيح، نجد أنّ النظرية الإسلامية تختلف اختلافاً جوهرياً عن نظرية ( الحتميّة التاريخية ) التي تتبنّاها المادّية التاريخية؛ إنّ دورة الحضارة، وحركة التاريخ تجري في نظرية المادّية التاريخية بصورة حتميّة، لا يستطيع الإنسان أن يغيّرها.
أمّا في النظرية الإسلامية في حركة التاريخ، فإنّ الإنسان هو العنصر الفاعل المحرِّك للتاريخ، وبيده مفتاح حركة دورة التاريخ، ويتمتّع في هذه الحركة الفاعلة بكامل حريّته في اتخاذ القرار وفي التوجّه والتحرّك.
الدور الفاعل والمسؤول للإنسان في حركة التاريخ:
ليس الإنسان - إذن - خشبةً عائمةً في مجرى التاريخ، مسلوب الإرادة والاختيار، وإنّما يشكّل الإنسان في هذه المسيرة الحضارية عنصراً فاعلاً ومسؤولاً، ومركزه في التاريخ مركز التغيير والقيادة، وإلى هذه الحقيقة يشير القرآن الكريم.
( إِنّ اللّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) [ الرعد: ١١ ].
( ذلِكَ بِأَنّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتّى يُغَيّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) [ الأنفال: ٥٣ ].
إنّ هاتين الآيتين تشيران إلى: المركز والدور التغييري الفاعل للإنسان في حركة التاريخ، وأنّ حركة التاريخ تابعة لإرادة الإنسان واختياره وليس العكس.
ولا يمنع من هذه الحقيقة إطلاقاً الشطر الحتمي من قوانين التاريخ وسننه، إذا
كان هذا الشطر هو المنفعل اتجاه إرادة الإنسان، والآية الكريمة تتألف من حقيقتين:
حقيقة حتمية لا سبيل للإنسان إلى تغييرها وتبديلها: وهي الجزء المتعلِّق بإرادة الله تعالى بتغيير الأوضاع المادّية والمعيشية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية للأمّة.
وحقيقةُ إرادةٍ تابعةٍ لاختيار الإنسان: وهي الجزء المتعلِّق بإرادة الإنسان لتغيير نفسه، والذي يستتبع - بشكل ضروري - التغييرات الحتمية من القسم الأوّل.
العلاقة بين الجانب المادي والمعنوي من حياة الإنسان:
والمسألة الثانية التي لابدّ أن نشير إليها بهذا العلاقة الوثيقة بين الشطرين، المعنوي والمادّي، من حياة الإنسان، فليس هذان الشطران من الحياة أجنبيين عن بعض، كما يتصوّر بعض الناس، بل هما مرتبطان ببعض ارتباطاً وثيقاً، والجانب المعنوي من شخصية الإنسان والأمّة يؤثّر تأثيراً مباشراً وقويّاً في الجانب المادي، ولا يصحّ فصل هذين الجانبين عن بعض، ولا يصح تجزئة شخصية الإنسان والأمّة إلى جزأين منفصلين، لا علاقة بينهما.
يقول تعالى:
( وَلَوْ أَنّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السّماءِ وَالأَرْضِ وَلكِن كَذّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) [ الأعراف: ٩٦ ].
ولكلٍّ منهما تأثير على الطرف الآخر، إلاّ أنّ الجانب المعنوي يبقى هو الأساس لشخصية الإنسان، بعكس النظرية المادية التي تنفي وجود أيَّ تأثيرٍ للجانب المعنوي من شخصية الفرد أو الأمّة على الجانب المادي، إن لم يكن الأمر بالعكس، أي: أن يكون الجانب المادّي هو الذي يؤثِّر على الجانب المعنوي ويكوّنه.
الولادة الجديدة:
تنتهي عند هذا الحدّ دورة التاريخ عبر مراحل: الولادة، والمعاناة، والابتلاء، والاستقامة، والنعمة، والاندراج، والمَحْق، والهلاك.
إلاّ أنّ الله تعالى لا يُبقي حركة التاريخ عاطلة، فيبعث سبحانه وتعالى هذه الحركة في حياة الإنسان على وجه الأرض من جديد بولادة جديدة لأمةٍ من الأُمم، يختارها الله تعالى لاحتضان رسالته وحملها إلى البشرية بين سائر الأمم.
إذن، الولادة الجديدة ليست بمعنى ظهور أمّة على وجه الأرض؛ وإنّما هي بمعنى ظهور الرسالة الإلهية والحركة على خط هذه الرسالة في إحدى الأمم، يختارها الله تعالى لهذه المهمّة فتنهض بها هذه الأمّة دون سائر الأمم.
وهذه سنة من سنن الله تعالى لِئلاّ تتعطل حركة التوحيد على وجه الأرض، ولا تنتهي هذه الحركة بمَحْق الأُمم وهلاكها.
والأمّة الجديدة التي اختارها الله تعالى لاحتضان رسالته وتبنّيها وحملها إلى البشرية تتحرّك على نفس النهج السابق من السنن الإلهية.
وهذا النهج يتلخّص في حركتين: حركة صاعدة، وحركة دائرية:
والحركة الصاعدة: هي الحركة التي ترتفع بالأمّة إلى الله تعالى في مسيرة تصاعدية، ابتداءً بولادة الأمّة واستخلافها، ثمّ التعرض للابتلاء والمعاناة( لَعَلّهُمْ يَضّرّعُونَ ) ، ثمّ الاستقامة والتقوى، والاستقامة والتقوى يستتبعان المال والسلطان، وللمال والسلطان دور مباشر في إثارة الذكر والشُّكر والعرفان، بالحمل في القلوب والنفوس السليمة، وكل ذلك من عوامل التقوى وأسباب الصعود والقرب إلى الله تعالى.
ومن خصائص الشكر أنّه يزيد من نعمة الله تعالى ( المال والسلطان والعافية ):( لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنّكُمْ ) . وزيادة المال والسلطان والعافية تصعّد درجة الشكر والذكر في النفوس والقلوب السليمة، وهكذا يتسلسل الإنسان في حركة تصاعدية
إلى الله.
وهذه هي حركة الإنسان التصاعدية إلى الله تعالى. وإلى جنب هذه الحركة يوجد نوع آخر من الحركةوهي الحركة الدائرية.
وقد شرحنا مراحل هذه الحركة من قبل: ولادة ثمّ ابتلاء، ثمّ استقامة وتقوى، ثمّ ينعم الله على هذه الأمّة بالمال والسلطان فيشيع المال والسلطان الغرور والطغيان ( في النفوس والقلوب المريضة ).
ثمّ استدراج، ثمّ هلاك ومَحْق، ثمّ يبدأ التاريخ دورته من جديد. وهاتان حركتان للأمم وللجماعات، أمّا حركة الأفراد إلى الله فلها شأن آخر وحديث آخر لا يدخل في صلب بحثنا الآن.
ونستطيع أن نلخص هذه الحركة بكلمتين:( الصعود إلى الله، والسقوط ).
وكل من الصعود والسقوط يجري بموجب سنن إلهية حتميّة لا تتخلّف، وللإنسان الخيار في اختيار هذه الحركة أو تلك، وليس من عامل جبري يحتّم على الإنسان اختيار إحدى هاتين الحركتين بالخصوص، وهذا الاختيار هو أساس ( المسؤولية ) في حياة الإنسان، ولولا هذا ( الاختيار ) لم يتحمَّل الإنسان أيّة مسؤولية عن سلوكه ومواقفه.
إلاّ أنّ النتائج المترتبة على هذه الحركة أو تلك، التي يختارها الإنسان، نتائج حتميّة لا تتغيّر ولا تتبدّل:( وَلَن تَجِدَ لِسُنّتِ اللّهِ تَحْوِيلاً ) .
ونعود الآن إلى حديث الولادة الجديدة للتاريخ.
بعد كل مَحْق وهلاك ولادةٌ جديدة في التاريخ، وهذه الولادة الجديدة تتلخّص في استخلاف الله تعالى لإحدى الأُمم محلّ الأمّة الهالكة، وإيراثها المال والسلطان الذي خلَّفته الأمّة الهالكة بعد هلاكها وسقوطها، فلا تتعطّل سنن الله تعالى، ولا تتعطّل حركة الإنسان إلى الله تعالى.
وهكذا تستمر هذه الحركة وتتصل حلقاتها عبر العروج والسقوط والتعثّر، إلى أن تلتقي الله تعالى.
( يَا أَيّهَا الإنسان إِنّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ ) .(١)
وعن هذه الولادة الجديدة يعبّر القرآن الكريم بثلاث تعبيرات، وهي تعبيرات دقيقةٌ وبليغةٌ في تفهّم سنن الله تعالى، وهذه التعابير هي:
( الاستبدال ) و( الاستخلاف ) و( الإرث ) .
يقول تعالى:( وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً ) ، [ الإنسان: ٢٨ ].
( إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ) ، [ التوبة: ٣٩ ].
____________________
(١) هذه الآية الكريمة تشير إلى معنى لطيف ودقيق؛ فليس المقصود بالإنسان في هذه الآية ( الفرد )، فليس كل فرد يَلقى الله تعالى، وليس كل فرد يكدح إلى الله، والآية الكريمة صريحة في المعنيين معاً، الكدح ولقاء الله: ( إِنّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ ) .
وتفسير لقاء الله بالموت تفسير غير دقيق؛ فليس كل من يموت يلقى الله تعالى، ففي ( لقاء الله ) من السمو والعلو ما ليس في الموت، وهل يصح أن يكون في موت المجرمين والساقطين ( لقاء الله ) تعالى، بما تحمل هذه الكلمة من رقّة وسمو.
وليس كل من يموت يكدح إلى الله كدحاً، وما أكثر ما يموت الناس وهم لم يعرفوا الله تعالى، ولم يكدحوا إليه عز شأنه طرفة عين، فلا يجوز - إذن - أن يكون المقصود من الإنسان ( الفرد ).
ولا يصح أن يكون المقصود من الإنسان الأمم والجماعات، فما أكثر الأمم والجماعات التي تعثّرت وسقطت وهلكت دون أن تلتقي الله تعالى.
إذن، التفسير الوحيد لهذه الآية الكريمة - والله عز شأنه أعلم بمراده - أنّ مسيرة الإنسان تنتهي إلى الله تعالى بعد كدح طويل وبعد سقوط الكثيرين، وأنّ هذه القافلة بمجموعها ومجملها، ومن خلال تاريخها الطويل عبر الأجيال والأمم، تنتهي في حركة صاعدة إلى الله تعالى، ولن يضر بهذا المعنى سقوط الأفراد والجماعات والأمم خلال المسيرة.
وهو تماماً كما لو كان المعلِّم يخاطب تلاميذه في بدء رحلة التعليم: إنّكم تنتهون في دراستكم إلى الدراسات الجامعية العليا، إذا كانت غاية الطلبة هي الوصول إلى التخصص في الدراسات العالية، ولن يضرّ ذلك تعثر مجموع من الطلاب وسقوطها وتركهم للدراسة.
وكذلك مسيرة البشرية، وإن كانت تتعثّر في حركتها بين العروج والسقوط، ومهما كثر السقوط في حياة الإنسان وتاريخه الطويل، فإنّ عاقبة هذه المسيرة في لقاء الله.
إنّ الفلاّح يزرع أشجار البرتقال لتثمر البرتقال، ويعلم أنّها سوف تثمر، وإن كانت بعض هذه الأشجار يذبل أو يموت أو تثمر أو لا تثمر.
( إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُم مَا يَشَاءُ ) ، [ الأنعام: ١٣٣ ].
( وَيَسْتَخْلِفُ رَبّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرّونَهُ شَيْئاً ) ، [ هود: ٥٧ ].
( وَعَدَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ) ، [ النور: ٥٥ ].
( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزّبُورِ مِن بَعْدِ الذّكْرِ أَنّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصّالِحُونَ ) ، [ الأنبياء: ١٠٥ ].
( وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لّمْ تَطَؤُوها ) ، [ الأحزاب: ٢٧ ].
( وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الّتِي بَارَكْنَا فِيهَ ) ، [ الأعراف: ١٣٧ ].
( وَقَالُوا الْحَمْدُ للّهِِ الّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ ) ، [ الزمر: ٧٤ ].
( كَذلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ) ، [ الشعراء: ٥٩ ].
( كَذلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ ) ، [ الدخان: ٢٨ ].
وهذا هو الميراث الذي ذكرناه في هذا العنوان، ميراث المؤمنين من الطاغين والمستكبرين، وهو المال، والقوّة، والسلطان، والأرض.
والله تعالى يختار - بعد هلاك الظالمين - أُمّة من بين سائر الأمم؛ ليحمّلها مسؤولية النهوض برسالة التوحيد وتبنّيها واحتضانها وحملها إلى سائر الأمم، ويورثها ما خلّفه الظالمون والمستكبرون من بعدهم من مال وسلطان وأرض.
أمّا لماذا يختار الله تعالى لرسالته أمّة دون أخرى من سائر الأمم؟ وتتحمَّل هذه الأمة دون سائر الأمم مسؤولية النهوض واحتضان الرسالة، وتبنيها والدفاع عنها وحملها إلى سائر الأمم، فهو شأن من شأن الله عزّ وجلّ، وبالتأكيد له سبب وحكمة. نسأل الله تعالى أن يشرح صدورنا له، ولعلّنا نجد في هذه الآية المباركة مفتاحاً لفهم هذه الحقيقة.
( هُوَ الّذِي بَعَثَ فِي الأُمّيّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) ، [ الجمعة: ٢ ].
والآية الكريمة هذه تشير إلى ولادة هذه الأمّة، وقد اختار الله تعالى عرب الجزيرة، دون سائر الشعوب، لحمل هذه الرسالة.
ويعبّر عنهم القرآن الكريم بـ( الأُمِّيِّينَ ) .
وقد كان يحكم في الأرض في تلك الفترة( فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ ) حضارتان جاهليتان عريقتان، قد ورثتا المواريث الحضارية للحضارات الجاهلية السابقة عليها: كالهندية، والإغريقية، والبابلية، والأكدية، والسومرية، وغيرها.
وهاتان الأمّتان الجاهليتان ( الفارسية والرومانية )، كانتا بحكم هذا العمق الحضاري قد تشبّعتا بالأفكار والمفاهيم والقيم والأعراف الجاهلية، وتلوثت أفكارهم وقلوبهم به، ولم يكن من السهل تجريدهم وتخليصهم عنها ليحملوا رسالة الله تعالى نخبة صافية إلى البشرية، والعرب في قلب الصحراء، لطبيعة موقعهم الجغرافي، كانوا معزولين عن هذه المؤثرات الحضارية.
والتعبير القرآني دقيق وبليغ:( في الأُمِّيِّينَ ) ، والأمّي مُسند إلى الأُم، وكأنّهم قد ولدوا لتوِّهم من بطون أُمهاتهم لا يعرفون شيئاً:( وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أُمّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً ) ، [ النمل: ٨٨ ].
وليس معنى ذلك أنّ العرب كانوا في الجاهلية على الفِطرة، ولم تتلوّث فطرتهم، وإنّما يقصد أنّ الجاهلية العربية لم تكن ذات عروق ضاربة في عمق الحضارات الجاهلية.
وبتعبير آخر: كانت الجاهلية العربية جاهلية غير متحضّرة، ولا تحمل عمقاً حضارياً كما كانت الجاهلية الرومانية والفارسية، ولهذا السبب كانت البيئة العربية في الصحراء أكثر تهيؤاً لقبول هذه الرسالة واحتضانها، وتبنّيها وحملها إلى البشرية.
قد يكون هذا هو السبب في اختيار الله تعالى الجزيرة العربية منزلاً أوّلاً للوحي دون سائر الأوساط والبيئات. ومهما يكن من أمر، فإنّ حركة التاريخ والتوحيد لا تتعطّل، وإنّما يختار الله لها
من بين الأمم أمّة يورثها ميراث الظالمين، ويبعث فيهم رسولاً ويستخلفهم محلّ الذين ظلموا، وأهلكهم الله بظلمهم.
وهذه الأمّة الفتيّة، التي يبعثها الله تعالى من بين سائر الأُمم، هي التي ترث مواريث الظالمين؛ من مالٍ، وسلطانٍ وقوّةٍ، وأرض، وتحلّ محلّهم وتتولّى السيادة على وجه الأرض: ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزّبُورِ مِن بَعْدِ الذّكْرِ أَنّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصّالِحُونَ ) .
وهذا هو الميراث الأوّل من ميراث المؤمنين، وهو ميراث المؤمنين من الظالمين.
الميراث الثاني
وأمّا ميراث المؤمنين من سلفهم؛ من الأنبياء، والصدّيقين، والصالحين، فهو: العبودية، ومنطلقاتها، وأحكامها، وقيمها، وأخلاقها، وهذا الميراث ينتقل من جيل ليسلّمه إلى الجيل الذي يأتي من بعده، والقرآن الكريم يشير في أكثر من موضع إلى هذا الميراث الحضاري، يقول تعالى:
( ثُمّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) ، [ فاطر: ٣٢ ].
( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ ) ، [ غافر: ٥٣ ].
إنّ هذا الميراث ليس ميراث المال والسلطان، وإنّما هو ميراث الهدى، والبيّنات، والكتاب، والعبودية، والقيم، والأخلاق، ميراثٌ يحفظه قوم ويضيّعه قوم آخرون، وليس بقليل الأقوام الذين ضيّعوا هذا الميراث واستبدلوا بالصلاة الشهوات، يقول تعالى:
( أُولئِكَ الّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِنَ النّبِيّينَ مِن ذُرّيّةِ آدَمَ وَمِمّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرّيّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرّحْمنِ خَرّوا سُجّداً وَبُكِيّاً * فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصّلاَةَ
وَاتّبَعُوا الشّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ) ، [ مريم: ٥٨ - ٥٩ ].
وحدة المسيرة الربّانية على وجه الأرض:
ولا يتكوّن هذا الميراث الحضاري مرّة واحدة، وإنّما يتكوّن ويقوى ويتسع تيارها، ويتأصّل أكثر في الأرض، وفي نفوس المؤمنين، كلّما يمرّ به جيل أو يمتدّ به الزمن.
وهذا الميراث العقائدي والحضاري الكبير يشمل الإيمان بالله، والرسول، والقيم، والولاء لله وللرسول ولأوليائه، والأخلاق، والقيم، والسلوك، والحبّ، والبغض، والأعراف والتقاليد، وحتى المصطلحات، والشعارات... وهي تنتظم في حقول من حياة الإنسان.
وليس من الممكن - إطلاقاً - أن تتكوّن كل هذه الكنوز العقائدية والحضارية في حياة الجيل مرّة واحدة، وإنّما تتحوّل من جيل إلى جيل، يستلّمها كل جيل ليسلّمها إلى الجيل اللاحق، وخلال هذا الانتقال والعبور عبر الأجيال يزداد هذا الميراث عمقاً وأصالةً ورسوخاً ووضوحاً.
ونحن نلاحظ في القرآن هذا التماسك والارتباط بين أجزاء ومراحل هذه المسيرة العقائدية والحضارية الكبرى، ونلاحظ تأكيد القرآن على الارتباط بهذه المسيرة، بشكل عام ومن دون تفرقة، وأنّ هذه المسيرة بمجموعها هي الإسلام، ولن يقبل الله تعالى غيره من الإنسان.
( قُلْ آمَنّا بِاللّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْناَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنّبِيّونَ مِن رَبّهِمْ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) ، [ آل عمران: ٨٤-٨٥ ].
( قُولُوا آمَنّا بِاللّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النّبِيّونَ مِن
رَبّهِمْ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * فَإِن آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهتَدَوا وّإِن تَوَلّوْا فَإِنّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ * صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ ) . [ البقرة: ١٣٦-١٣٨ ]
وليس معنى ذلك أن نأخذ نحن اليوم ديننا من التوراة والإنجيل، وإنّما المقصود أنّ هذه المسيرة مسيرة واحدة، وأنّنا نؤمن بالله والأنبياء جميعاً، لا نفرّق بينهم، وأنّ حلقات هذه المسيرة مترابطة ومتماسكة، وأنّ هذه المسيرة التي تمرّ عبر الأجيال والقرون هي الإسلام الذي لا يرتضي الله للإنسان غيره ديناً.
ومن يرتبط بهذه المسيرة الربّانية على وجه الأرض فقد اهتدى، ومن تولّى عنها فهو في شقاق وحرب، وليس بينهما فاصل وبرزخ، وهذه المسيرة هي الصبغة الإلهية التي يجب أن تصبغ حياة الإنسان وتاريخه، وعقله، وعواطفه، وسلوكه، وتحركه، وسلمه، وحربه، بلونها الخلص، وأنّ للحضارة الربانية التي يتوارثها المؤمنون في الأرض لوناً خاصاً ومتميزاً عن سائر الألوان الجاهلية.
فاقرأ هذه الآيات المباركات من سورة الأنعام:
( وَتِلْكَ حُجّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَن نَشَاءُ إِنّ رَبّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرّيّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلّ مِنَ الصّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاً فَضّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ * وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرّيّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * ذلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَا كانُوا يَعْمَلُونَ * أُولئِكَ الّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنّبُوّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هؤُلاَءِ فَقَدْ وَكّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ * أُولئِكَ الّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ) ، [ الأنعام: ٨٢-٩٠ ].
أرأيت كيف يتماسك أطراف هذا الميراث الإلهي الكبير، وتتجاذب أجزاؤه
وترتبط مراحله ببعض، وكل نبي يرث هذا الميراث من نبي مرسلٍ قبله، وكل أمّة من المؤمنين ترث هذا الميراث من أمّة مؤمنة قبلها. رسالة واحدة، وهدى واحد، وولاء واحد، وشريعة واحدة، وحبّ واحد، وسِلم واحد، وحرب واحدة، وخلق واحد، وصنعة واحدة، وإسلام واحد... وعناءٌ واحد، وابتلاءٌ واحد، ومحنة واحدة من لدن آدم ( عليه السّلام ) إلى إبراهيم ( عليه السّلام ) إلى رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ):( أُولئِكَ الّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ) .
تعميق الإحساس بالوراثة:
يحرص القرآن الكريم على تعميق مفهوم الوراثة بشكلٍ خاصٍ في نفوس المؤمنين، ويصوّر المسيرة الإلهية للحضارة مسيرة واحدة ذات حلقات مترابطة، متماسكة، يشدّ بعضها بعضاً ويخلف اللاحق منها السابق.
والأنبياء (عليهم السّلام) في هذه المسيرة يؤكّدون دائماً على وحدة المسيرة، ووشائج القربى التي تربط القيِّمين على هذه المسيرة الربانية، وكل نبي يأتي يصدّق مَن قبله من الرسل والأنبياء، ويؤكّد أنّ هذه المسيرة الربانية مسيرة واحدة لا تعدد فيها وهي الإسلام، ولن يقبل الله تعالى غيره ديناً.
( إِنّ الدّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيَاً بَيْنَهُمْ ) ، [ آل عمران: ١٩ ].
( قُلْ آمَنّا بِاللّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْناَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنّبِيّونَ مِن رَبّهِمْ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) ، [ آل عمران: ٨٤-٨٥ ].
فليس في هذه المسيرة تعدد ولا اختلاف، وإن اختلفت مراحله، إلاّ أنّ الخطّ
واحد، والمسيرة واحدةٌ، والغاية واحدة.
ويرتبط المؤمنون السائرون على هذه المسيرة الربانية الواحدة، على اختلاف العصور، بصلات قربى وشيجة، فيكون بعضهم من بعض، وهم جميعاً يشكِّلون أسرة توحيدية واحدةً في الأرض، ويرتبط أعضاء هذه الأسرة ببعض بأوثق الصلات والوشائج، تأمّلوا في هذه الآية الكريمة في نهاية سورة الحجّ:
( وَجَاهِدُوا فِي اللّهِ حَقّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ مّلّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هذَا لِيَكُونَ الرّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النّاسِ فَأَقِيمُوا الصّلاَةَ وَآتُوا الزّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللّهِِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النّصِيرُ ) ، [ الحج: ٧٨ ].
وترسم لنا هذه الآية العجيبة المسيرة الحضارية التي تولَّى القيمومة عليها من قبْلنا أبونا إبراهيم ( عليه السّلام )، ثمّ كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم ) على هذا الخط شهيداً وقيماً على الناس فيما بعد، ونحن اليوم شهداء في هذا الخط على الناس.
وقوام هذا الخط إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والاعتصام بحبل الله. والله تعالى هو مولانا ويتولّى أمورنا جميعاً.
وتَستَوقفنا هذه الكلمة القرآنية العجيبة طويلاً:( مّلّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ) ، إنّها ليست بأُبوّة نسب، فأيّة أُبوّة هذه التي يذكرها القرآن؟ إنّها أُبوّة الحضارة الإلهية على وجه الأرض، وأبوّة أسرة التوحيد، ونحن اليوم أبناء إبراهيم ( عليه السّلام ) وورثته، وميراثنا منه هو إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والاعتصام بحبل الله.
وشاهد الصدق على وحدة الخط - ووحدة الميراث، ووحدة الحضارة، ووحدة القيم، ووحدة أسرة التوحيد في التاريخ - التصادق الموجود في مراحل الخطّ المختلفة؛ فكلّ نبي يأتي يصدِّق مَن قبْله من الأنبياء، رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) خاتم الأنبياء يصدّق كل من جاء قبله من الأنبياء والمرسلين من دون استثناء، ومن دون تفريق.
( نَزّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ مُصَدّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْه ِ ) ، [ آل عمران: ٢ ].
( وَقَفّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتّقِينَ * وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ فَأُوْلئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ مُصَدّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ) . [ المائدة: ٤٦-٤٨ ]
إنّ هذا التجاوب والتصادق لأطراف مسيرة طويلة عميقة في التاريخ يكشف عن وحدة المسيرة، ووحدة المنطلق والغاية فيها.
إنّ الإحساس بوحدة المسيرة، ووحدة أسرة التوحيد، يجعل ارتباط الإنسان المؤمن بهذه المسيرة وبهذه الأسرة ارتباطاً وثيقاً قوي، لا يصدر عن العقل فقط، وإنّما يصدر عن العقل والعاطفة.
وكلّما يقوى انشداد الإنسان بهذا الخطّ والتراث والأسرة الإلهية يكون أقدر على حماية نفسه من الانزلاق في مزالق الهوى والشهوات.
إنّ إحساسه بالارتباط بأسرة التوحيد، وأنّه فَرعٌ من هذه الشجرة الباسقة الضاربة في أعماق التاريخ، وليس نبتةً طارئة، مجتثةً من فوق الأرض ما لها من قرار، هذا الإحساس، يعطي الإنسان كثيراً من الحصانة والمناعة تجاه المغريات والشهوات، ويحجبه من مصايد الشيطان وكيده، ومن شراك الشجرة الخبيثة في التاريخ التي تحاول أن تلتف على هذه الشجرة الطيّبة، وتقتلعها من جذورها.
هدى الله، ومعيّته للعاملين:
إنّ طريق الدعوة إلى الله تعالى طريق عسير صعب، وليس في مسالك الإنسان طريق أصعب وأشق منه، والذين تساقطوا على هذا الطريق أو تخلّفوا عنه، أو ضاعوا وتاهوا، كثيرون؛ لم يتمكّنوا من مواصلة السّير على الطريق رغم استقامة الطريق ووضوحه.
والعاملون على هذا الطريق من الدعاة إلى الله يتعرّضون كثيراً لمتاعب الطريق ومخاطره ومزالقه، وأكثر ما يحيط العاملين في سبيل الله والدعاة إلى الله من مخاطر ومتاعب في هذا الطريقاثنان:
* مخاطر الضياع والضلال والتيه.
* ومخاطر التعب، واليأس، والخوف، وإيثار العافية وحب الدنيا، والتقاعس والتخلف.
وهذان النوعان من المخاطر يحفّان طريق الله والدعاة إليه تعالى، وقلّما ينجو أحد ممّن يعمل في سبيل الله، ويدعو إليه، من مثل هذه العوائق النفسية.
ولولا رحمة من الله تعالى:( وَالّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنّ اللّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) ، [ العنكبوت: ٦٩ ].
الذين يجاهدون في سبيل الله، ويعطون من أنفسهم وذويهم وأموالهم لله تعالى، يعينهم الله تعالى فيأمرين:
١- الدلالة والهداية، والبصيرة، والوعي، والفقه، والتمييز بين الحقّ والباطل.
وهذه هي المنحة الإلهية الأُولى، ولولا أنّ الله تعالى يرزق المجاهدين من عباده، بصيرة في دينهم، وهدى، ووعي، وفقهاً في الدين، لتاه من هؤلاء الكثيرون في متاهات الطريق والمسالك.
٢- التثبيت والدعم والتطمين والتأييد، وطريق الدعوة إلى الله تعالى محفوفة بكثير من التثبيط، والإنسان العامل يواجه على طريق ذات الشوكة هذه العوائق التي تعيق تقدمه كثيراً.
ومن هذه العوائق( الخوف ) و( حب الدنيا ) و( إيثار العافية والراحة ) و( اليأس ) و( قصر النظر ) في العمل و( الكسل ) و( ضعف النفس ) و( الشحّ ).
هذه العقبات هي أسباب تخلّف الناس وتساقطهم أثناء الطريق، والشيطانيعمل أوّلاً : لتضليل العاملين وإيقاعهم في الغواية والشك والضلال، فإذا تمّ له تحقيق هذه الغاية فقد حقق كلّ ما يريد، وإن لم يتوفق في ذلك، بدأبالدور الثاني - من مهمّته -: بإلقاء اليأس، والخوف، والضعف، وحبّ الدنيا، وإيثار العافية في نفوس العاملين.
وإذا قدِّر للدعاة إلى الله النجاة من الشَرَك الأوّل للشيطان فإنّ الشيطان يمدّ
لهم الشرك الثاني في هذه المرحلة، وقليل من العاملين من يستطيع أن يجتاز في هذه المرحلة ( عوائق الطريق ) ويمضي مستمراً في سيره، متكلاً على الله القوي العزيز.
وإذا كان الداعية يحتاج في المرحلة الأُولى - لاجتياز التضليل، والتعميه، والتلبيس - إلى هدىً وبصيرة من الله تعالى، فإنّه يحتاج في المرحلة الثانية - لاجتياز العوائق - إلى دعمٍ وتثبيتٍ من الله تعالى، وإلى معيّة الله عزّ وجلّ المستمرّة له عند كلّ منعطف ومَزلق في الطريق، وأَلاّ يَكِله الله تعالى إلى نفسه طَرْفَة عين، فإنّ الله عزّ وجلّ إذا أوكل عبده إلى نفسه طَرفة عين كان من الهالكين والساقطين.
عقبات الطريق:
وتعميق الإحساس بالوراثة يعين الدعاة إلى الله على اجتياز هاتين المرحلتين من عقبات الطريق:
* عقبة التضليل والتيه والضياع.
* وعَقَبة العوائق النفسية والموضوعية المبثوثة على طريق العاملين في سبيل الله.
عقبة الضلال وانعدام الرؤية:
ونبدأ بالعقبة الأُولى:
إنّ الطريق إلى الله صراط مستقيم ليس فيه أَمَت ولا عِوجٌ بالتأكيد، ولكن سلطان الهوى في نفس الإنسان هو الذي يعمي الإنسان عن الحقّ ويدفع الإنسان إلى متاهات الضلال والضياع، ويُلبس الحقّ بالباطل والباطل بالحقّ، ويبعث في نفس الإنسان الشكّ والريب، ويسلبه اليقين والوضوح.
الهدى والهوى:
يقول الشاطبي: ( قد جعل الله اتّباع الهوى مضاداً للحق، وعدّه قسيماً له، كما في قوله تعالى:( يَا دَاوُدُ إِنّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقّ وَلاَ تَتّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلّكَ عَن سَبِيلِ اللّه ) الآية.
وقال في قسيمه:( وَأَمّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ وَنَهَى النّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنّ الْجَنّةَ هِيَ الْمَأْوَى ) .
وقال:( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى ) .
فقد حصر الأمر في شيئين: الوحي - وهو الشريعة - والهوى، فلا ثالث لهما.
وإذا كان الأمر كذلك فهما متضادّان، وحين تعيّن الحقّ في الوحي، توجّه للهوى ضدّه، فاتّباع الهوى مضادّ للحقّ.
وقال تعالى:( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتّخَذَ إِلهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلّهُ اللّهُ عَلَى عِلْمٍ ) .
وقال:( أُولئِكَ الّذِينَ طَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ) .
وقال:( أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيّنَةٍ مِن رَبّهِ كَمَن زُيّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتّبَعُوا أَهْوَاءَهُم ) .
فهذا كلّه واضح في أنّ قصد الشارع الخروج عن اتّباع الهوى.(١)
وعندما يلتبس الأمر على الإنسان بسبب الهوى، فليس أفضل من أن يستهدي الإنسان بهدي من سبقه من الأنبياء والصدّيقين على هذا الطريق الطويل؛ فإنّ الشيطان يتربص بالإنسان الدوائر عند كلّ منعطف من منعطفات الطريق ليضلّله وليدفعه عن الصراط المستقيم إلى متاهات الطريق.
فإذا مشى الإنسان لوحده على هذا الطريق لا يأمن الشيطان والهوى، ولكن عندما يضع خطاه على مواضع خطى الأنبياء والمرسلين، ويربط نفسه بهذه المسيرة الربّانية في التاريخ، ينجو من وساوس الشيطان وإغراء الهوى، فلا ينالان
____________________
(١) سفينة البحار، للشيخ عباس القمّي ٢: ٥٥، ( مادّة قوم )
منه شيء، ولا يصيبانه بسوء.
فقد يلتبس أمر الطريق على الإنسان إذا كان يسير وحده، أمّا حينما يشعر أنّه يقتدي بهدي الأنبياء، ويسير على طريقهم، يضع خطاه بثقةٍ، واطمئنانٍ، على طريق ذات الشوكة.
فقد أُخطئ أنا الطريق لوحدي، ولكن لا يمكن أن يُخطئ الطريق هذا الحشد الهائل، والمسير الطويل من الصفوة الصالحة من عباد الله، من الأنبياء والمرسلين، والصدِّيقين والشهداء؛ فهم المعالم على الطريق، وعندما تحتفّ الطريق بمثل هذه المعالم والإشارات فلا يمكن أن يضيع الإنسان، أو يلتبس عليه الأمر.
ولأمر ما، إذا دعونا الله تعالى في الصلاة أن يرزقنا الهداية إلى الصراط المستقيم:( اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ، نعقّب ذلك مباشرة بتشخيص الصراط المستقيم تشخيصاً عينيّاً خارجاً، فهؤلاء الذين أنعم الله عليهم من عباده الصالحين، ولم يغضب عليهم، ولم يضلّوا:( صِرَاطَ الّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضّآلّينَ ) .
وفي سورة الأنعام بعد ما تستعرض السورة المباركة ذكر عدد من الأنبياء ( عليهم السّلام )، منذ عهد إبراهيم أبي الأنبياء ( سلام الله عليه ) إلى رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )، يخاطب الله تعالى نبيه ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بقوله:( أُولئِكَ الّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ) ، [ الأنعام: ٩٠ ].
العقبة الثانية ( العوائق ):
ولا تَقلّ خطورة العقبة الثانية عن العقبة الأولى، ولا تقلّ ضحاياها عنها.
إنّ قضية هذه العقبة هي العوائق التي تعيق حركة العاملين، وتسبّب لهم التخلّف عن الحركة والتساقط أثناء الطريق، وهذه العوائق على قسمين:منها، عوائق موضوعية مبثوثة على الطريق.
ومنها، عوائق ذاتيّة كامنة في نفوس الناس، وكلتاهما تعيقان حركة العاملين في سبيل الله، وإذا التقتا كان تأثيرهما تأثيراً قوياً بالغاً في نفوس العاملين.
فمن العوائق الموضوعية: طول الطريق، وبعد الشقّة والمتاعب التي يحفل بها هذا الطريق من البأساء والضرّاء، والدعاة إلى الله يعجبهم أن يكون الطريق قصيراً مُريحاً، آمناً من المخاوف والأخطار، ولكن الله تعالى يريد لعباده أن يسلكوا إليه طريق ذات الشوكة:( وَتَوَدّونَ أَنّ غَيْرَ ذَاتِ الشّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقّ الْحَقّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ ) ، [ الأنفال: ٧ ].
فالطريق إلى الله إذا كان قصيراً مُريحاً، آمناً، سهلاً، لن يحقّق الحقّ، ولن يقطع دابر الكافرين، ولن تتمّ السيادة والسلطان لدين الله على وجه الأرض إلاّ حينما يسلك الدعاة طريق ذات الشوكة إلى الله.
وليست هذه البأساء والضراء خاصّة بهذه الأمّة، فهي سنة الله في حياة العاملين جميعاً، لم يشذّ منهم أحدٌ عن هذه السنّة الإلهية الصعبة:( أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ مَسّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضّرّاءُ ) ، [ البقرة: ٢١٤ ].
ولو كان أمر هذا الطريق يسير، والمسافة قريبة، لم يتخلّف عن الطريق أحدٌ من الناس، ولكن طول المسافة، وبُعد الشقّة، جعل الناس يتفرّقون من حول الدعوة، ويتخلّفون عن المسيرة:( لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاتّبَعُوكَ وَلكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشّقّةُ ) ، [ التوبة: ٤٢ ].
وهناك عوائق ذاتية في داخل النفوس، وهي أخطر بكثير وأكثر بكثير من العوائق الموضوعية القائمة على الطريق، ومن خصائص هذه العوائق أنّها تختفي ساعات اليسر وتبرز ساعات العسر والشدّة، ولنقرأ هذه الآيات المباركات من سورة الأحزاب عن العوائق الكامنة في نفوس المؤمنين، والتي تبرز في ساعات الشدّة ولحظات العسر:
( اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً * إِذْ جَآءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ
أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنّونَ بِاللّهِ الظّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً ) ، [ الأحزاب: ٩-١١ ] .
وفي نفس السياق:
( قَدْ يَعْلَمُ اللّهُ الْمُعَوّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمّ إِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاّ قَلِيلاً * أَشِحّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً ) ، [ الأحزاب: ١٨-١٩ ].
ولا تخصّ هذه العوائق ونقاط الضعف نفوس المنافقين والصغار من المؤمنين فقط، وإنّما تشمل المؤمنين الذين امتحن الله قلوبهم للإيمان أحياناً.
فقد أثَّرت نكسة( أُحُد ) في نفوس المؤمنين الأشدّاء الذين امتحن الله قلوبهم ونصرهم الله ببدر، إلاّ القليل منهم، الذين ثبتت نفوسهم في نكسة( أُحد ) ولم يضعفوا ولم يتزلزلوا، وعن هؤلاء يقول تعالى بعد معركة أُحد:
( وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنْتُم مُؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا وَيَتّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللّهُ لاَ يُحِبّ الظّالِمِينَ ) ، [ آل عمران: ١٣٩-١٤٠ ].
وهذه بعض الأمثلة والشواهد من نقاط الضعف والعوائق الكامنة في نفوس الناس، والتي تختفي ساعات اليسر والإقبال، وتبرز بروزاً قوياً ساعات العسر والشدّة.
وإنّ هذه العوائق لتحيط الدعاة إلى الله، تعيق سيرهم، وتدفعهم إلى صفوف المتخلّفين والمنافقين والضعفاء، ولابدّ للدعاة من أن يروّضوا أنفسهم كثيراً لاجتياز هذه العوائق، ما كان منها على الطريق أو في داخل نفوسهم، وأن يدعوا الله تعالى ليمدّهم من عنده بقوّة وصبرٍ وثباتٍ، يستطيعون به أن يواجهوا هذه العقبات والفتن على طريق ذات الشوكة.
( وَلَمّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا
وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) ، [ البقرة: ٢٥٠ ] .
كيف نعالج الخوف والضعف؟
تعميق الإحساس بوراثة الأنبياء والصديقين يمنح الإنسان مثل هذا الثبات والثقة والقوّة لمواجهة التحديات والنكسات التي تحدث أحياناً في صفوف المؤمنين، ويَحول دون أن تتحوّل النكسة إلى هزيمة نفسية. وهذا إجمال لابدّ له من تفصيل، وإشارة لابدّ لها من تحديد وتشخيص، وإليك هذا التفصيل:
١- قد تثير قوّة العدو وضخامة إمكاناته، وكثرة عدده، وضعف إمكانات القلّة المؤمنة إحساسا بالضعف والنقص في نفوس المؤمنين، ولكن الأمر يختلف كثيراً عندما ينظر المؤمنين إلى أنفسهم من خلال موقعهم الحضاري من التاريخ، ويعرفون أنّهم جزء لا يتجزّأ من هذه المسيرة الربانية الممتدّة على امتداد التاريخ كلّه.
فإنّ هذا الخط هو الدين القيّم الذي قوّم مسيرة البشرية وحركة التاريخ منذ اليوم الأوّل إلى اليوم الحاضر، ولم يزل هذا الخط منذ نشأته في عمق الفطرة البشرية - إلى أن تولاه أنبياء الله بالرعاية - قائماً في حياة البشرية، وقيّماً على حياة الإنسان وسلوكه وتاريخه.
وليست المعاناة، والعذاب، والتشريد، والتهجير، والقتل، والضغينة، التي يجدها الداعية في حياته الرسالية من جانب أئمّة الكفر وأتباعهم شيئاً جديداً في حياتهم، بل هي جزء من ميراثهم الضخم الذي يرثونه كابراً عن كابر.
ومن هذا التراث الكبير يجد المؤمن دعماً وسنداً روحياً يخرجه عن الشعور بالوحشة والانفراد والضعف، ويجد في معاناة سلفه الذين سبقوه في الإيمان والدعوة عزاء وسلوة، ويرى فيهم قدوة صالحة لنفسه.
كلّ ذلك يبعث في نفوس المؤمنين العاملين الإحساس بالقوّة والعمق والامتداد، ويشعرهم بالعزاء والسلوى فيما يلقَونه من عذاب، ويشعرهم بتأييد الله تعالى للمسيرة كلِّها.
رحلة الدعوة والمعاناة في سورة هود:
وسورة هود سورة عجيبة ٌفي هذا المضمار، ولقد وددت أن أتلو السورة كلّها على القرّاء؛ ففي هذه السورة ينعكس خط الدعوة إلى الله:( أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ اللّهَ إِنّنِي لَكُم مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ* وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبّكُمْ ) ، ممّا يعكس خط الإعراض والجحود:( أَلاَ إِنّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخفُوا مِنْهُ ) .
ثمّ تبين السورة المباركة استدراج الله تعالى لهؤلاء المعرضين والمشركين وإمهالهم وتماديهم في غيّهم وطغيانهم:( وَلَئِنْ أَخّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنّ مَا يَحْبِسُهُ أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ ) .
ولعل صدر رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) كان يضيق وسط هذا الإعراض والطغيان، وتمادي القوم في غيّهم وضلالهم:( فَلَعَلّكَ تَارِكُ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقُ بِهِ صَدْرُكَ ) .
لولا أن الله تعالى يذكِّر نبيه أنّ هؤلاء على كثرة عددهم وقوّتهم وطغيانهم لم يكونوا ليُعجزوا الله تعالى.، وأنّ الله إن أمهلهم استدراجاً لهم فلن ينساهم، ولن يفلتوا من قبضة قدرته وسلطانه تعالى:( أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ ) .
ثمّ ترسم السورة المباركة صورة حيّة لهذين الامتدادين والمعسكرين: الحضارة الإلهية، والحضارة الجاهلية:( مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمّ وَالْبَصيرِ وَالسّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً ) .
فمهما كَثُر عددهم، وزادت قوّتهم، فلا يزيدون على أن يكونوا كتلةً مهملةً من العمى والصمّ في مسار التاريخ، وأنّ الجبهة الأخرى هي الجبهة الواعية ذات الإحساس والإدراك( السمع والبصر ) ومهما كانت قوّة هذه الكتلة وحجمها فلن
يكون لها شأن ولن يكون لها قيمة في مضمار التاريخ.
ثمّ تبدأ السورة باستعراض المسيرة الإلهية الكبيرة في التاريخ في مقاطع متعدّدة وبشيء من التفصيل، وما لاقاه أنبياء الله ورسله خلال هذه المسيرة من عناءٍ، وعذابٍ، وجحودٍ، وتكذيبٍ واستهزاء من أقوامهم.
فتذكر السورة معاناة نوح ( عليه السّلام ) في دعوة قومه إلى الله، وتذكّر السورة رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ):
بمعاناة هود ( عليه السّلام ) في دعوة ( عاد ).
بمعاناة صالح ( عليه السّلام ) في دعوة ( ثمود ).
بمعاناة إبراهيم ( عليه السّلام ) في دعوة قومه.
ومعاناة لوط ومعاناة شعيب ( عليه السّلام ) في دعوة ( أهل مدين ) إلى الله.
ومعاناة موسى ( عليه السّلام ) في دعوة قومه إلى الله.
وتسترسل الآيات المباركة في شرح هذه المعاناة ورسمها.
ثمّ بعد هذه الجولة في تاريخ الإنسان وحضارته، ومعاناة الأنبياء وعذابهم، وعناد المشركين، ورفضهم وتعنتّهم ولجاجهم، وصبر الأنبياء وجَلَدِهم واستقامتهم، تخاطب السورة رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )، الذي قد كان يضيق صدره بما يراه من تعنّت قومه وعنادهم، قوله تعالى:( فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا إِنّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) .
وتحذر الآية الكريمة المسلمين من أن يمسّهم ضعف في خضم الصراع ومرارته إلى الذين ظلموا، فتقول لهم:
( وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسّكُمْ النّارُ وَمَا لَكُم مِن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمّ لاَ تُنصَرُونَ ) .
يقول ابن عبّاس: ما نُزِّل على رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) آيةٌ كانت أشدّ عليه ولا أشقّ من قوله تعالى:( فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ) ، ولذلك قال لأصحابه حين قالوا له:
( أسرع إليك الشيب يا رسول الله ) ، قال:( شيّبتني هودٌ والواقعة ) (١) .
ثمّ يعلِّم الله تعالى نبيه أمرين يشدّان أزره، ويربطان على قلبه، ويثبِّتان فؤاده في هذه المسيرة الصعبة الشائكة، وهما:
الصلاة، والصبر
وما أدراك ما الصلاة والصبر؟ الصلاة في آناء الليل وأطراف النهار، والدعاء والتضرّع إلى الله، ومواصلة ذكر الله تعالى والصبر في الغرائب وعلى البأساء والضراء:( أَقِمِ الصّلاَةَ طَرَفَيِ النّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللّيْلِ إِنّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السّيّئاتِ ذلِكَ ذِكْرَى لِلذّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فإِنّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) .
وقد ذكّر القرآن الكريم المؤمنين، والدعاء إلى الله، في أكثر من موضع بالاستعانة بالصبر والصلاة، في اجتياز العقبات ومجابهة التحديات:( وَاسْتَعِينُوْا بِالصّبْرِ وَالصّلاَةِ ) ، [ البقرة: ٤٥ ].
( وَكُلاًّ نَقُصّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرّسُلِ مَا نُثَبّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ) ، [ البقرة: ١٥٣ ].
ثمّ تأتي بعد هذه الجولة الرسالية في تاريخ الدعوة، ومسارها الطويل الشاقّ، هذه الآية العجيبة التي تبيّن لنا السرّ في تذكير رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )، في خضم الصراع والمعاناة، بهذا التاريخ الطويل المليء بالمعاناة والعذاب.
إنّ السرّ في هذا الاستعراض الطويل هو تثبيت قلب رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) في معاناته الشاقّة بأطراف من قصص الأنبياء والمرسلين ( عليهم السّلام ):( وَكُلاًّ نَقُصّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرّسُلِ مَا نُثَبّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ) .
وأنّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ليجد في استقامة الأنبياء وصبرهم على
____________________
(١) بحار الأنوار ٥٢: ٣٣٦، ح ٧١.
المحنة قوّةً وثباتاً في فؤاده على المضي في الصراع المصيري، ويجد في معاناة الأنبياء ( عليهم السّلام ) عزاءً وسلوة.
وإذا كان التذكير بالمسيرة التاريخية الواحدة للدعوة إلى الله، وتعميق الإحساس بوحدة الخطّ والميراث، يثبّت فؤاد رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) في خضم معركة الدعوة، وهو الذي شرح الله صدره وثبّت فؤاده، فأحرى بنا نحن الدعاة إلى الله تعالى أن نستوحي من هذه المسيرة الإلهية الثبات والعزم، والثقة بالنصر والطمأنينة، والقدرة على مواجهة التحديات والغرائب والمحن، وأن نتلمس في هذه المسيرة الربانية الضاربة في أعماق التاريخ أعماقنا الحضارية، ومن هذه الصفوة الصالحة المنتجبة من عباد الله، أصولنا وجذورنا وأسرتنا التي ننتمي إليها.
نماذج أخرى من رحلة العذاب والمعاناة:
وإن شئت أن تسترسل في هذا الهدي الإلهي، وترى كيف يثبّت الله تعالى فؤاد نبيّه بمن سبقه من الأنبياء والمرسلين، للمتعبين بعد طول العناء وطول المعاناة، وبما لاقوه من عناءٍ، وعذابٍ، واضطهاد، فاتلُ معي هذه الآيات المباركات:
( وَإِن يُكَذّبُوكَ فَقَدْ كَذّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ) ،[ الحج: ٤٢-٤٥ ].
( وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلّذِينَ كَفَرُوا ثُمّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ) ، [ الرعد: ٣٢ ].
( وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ ) ، [ الأنبياء: ٤١ ].
( وَإِن يُكَذّبُوكَ فَقَدْ كُذّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ) ، [ فاطر: ٤ ].
٢- وتعميق الإحساس بالوراثة في نفس الداعية يمكّن من فهم سنن الله تعالى
وقوانينه في مسيرة الحضارية الإنسانية.
ذلك أنّ الداعية ينظر إلى المسيرة ليس من خلال عناء الساعة وابتلاءات الطريق، وإنّما ينظر إليها من خلال استعراض مسيرة الحضارات الطويل في التاريخ، وتاريخ هذا الصراع بين الخطّ الرباني والخطوط الجاهلية، وما آل إليه هذا الصراع بين الحقّ والباطل.
إنّ الداعية الذي ينظر إلى التاريخ بهذه الرؤية الشاملة العميقة يستطيع أن ينظر إلى مسيرة المعاناة والعمل والدعوة نظرة شموليةً واسعةً، ويكشف السنن والقوانين الإلهية في مسير الحضارة، ويقضي في أمر المسيرة لا من خلال معاناة اللحظة، وإنّما من خلال النتائج والعواقب.
أسلوبان في الرؤية :
والإنسان ينظر إلى المسيرة على نحوين:
فقد ينظر إلى المسيرة من خلال المعاناة والآلام والمتاعب التي تكتنف الطريق، وهذه هي النظرة القصيرة والرؤية المحدودة للطريق، التي لا تتجاوز اللحظة والساعة، وهي رؤية محفوفة الأخطار، ولا يسلم صاحبها كثيراً من السقوط، ولا ينجو من الخوف واليأس والتعب، في أغلب الأحوال.
فإنّ الذي ينظر إلى المسيرة، ويقضي فيها من خلال معاناة العمل ومتاعبه وآلامه، يسرع إلى نفسه اليأس والخوف والتعب، ومن يدخله التعب واليأس والخوف لا يستطيع أن يواصل المسيرة، ويتخلّف أو يسقط أثناء الطريق، إن عاجلاً أو آجلاً.
وقد ينظر إلى المسيرة من خلال النتائج والعواقب، وهذه هي الرؤية الصحيحة للمسيرة، ونحن نلتقي في القرآن هذه الرؤية، التي تمكّننا من تجاوز سلبيات المعاناة والمرور بها في طريق العمل دون أن يصيبنا الخوف، أو اليأس، أو التعب، ودون أن يشقّ علينا بُعد الشقّة.
فإنّ القرآن يحرص على النظر إلى معاناة الطريق وعذابها من خلال العواقب والنتائج، وليس من خلال المعاناة نفسها ساعة المعاناة والمواجهة والعمل.
وفيما يلي نتلو عليكم طرفاً من آيات القرآن التي تحرص أن تعلّمنا أسلوب الرؤية الصحيح إلى المعاناة؛ لاستيعابها وامتصاصها، يقول تعالى:
( فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السّلْمِ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللّهُ مَعَكُمْ وَلَن يتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ) ، [ محمّد: ٣٥ ].
( وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنْتُم مُؤْمِنِينَ ) ، [ آل عمران: ١٣٩ ].
( قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ إنّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ ) ، [ الأنعام: ١٣٥ ].
( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزّبُورِ مِن بَعْدِ الذّكْرِ أَنّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصّالِحُونَ * إِنّ فِي هذَا لَبَلاَغاً لِقَوْمٍ عَابِدِينَ ) ،[ الأنبياء: ١٠٥ ].
( وَعَدَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّنَنّ لَهُمْ دِينَهُمُ الّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدّلَنّهُم مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ) ، [ النور: ٥٥ ].
( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنّ جُنْدَنَا لَهُمْ الْغَالِبُونَ ) ، [ الصافات: ١٧١].
والذين يرزقهم الله هذا النهج من الرؤية البعيدة والنافذة يمكِّنهم الله من النظر إلى الأحداث التاريخية لمسيرة الإنسان نظرة شاملة غير محدودة، ويمكِّنهم من استنباط قوانين وسنن هذه المسيرة، ومعرفة مواضع النصر والهزيمة في هذه المسيرة.
أولئك يطمئنون إلى حتمية النصر، ولا يساورهم في ذلك شكّ لحظةٍ واحدةٍ، وحتى في أحرج الساعات، وأحلك الظروف، وأشدّ الابتلاءات، لا يمسّ الريب نفوسهم ولا ينال من ثقتهم ويقينهم بحتمية النصر الإلهي، وأنّ العاقبة للمتقين. وهؤلاء هم الذين يستطيعون أن يتجاوزوا الحاضر المليء بالمعاناة إلى
المستقبل المليء بالأمل.
إنّ نظرة الداعية إلى المسيرة نظرة ثاقبة نفّاذة، تنفذ من معاناة الحاضر إلى آفاق المستقبل، لا تحجبها معاناة الحال عن رؤية النصر الإلهي للقلّة المؤمنة على وجه الأرض، وكما كانت الرؤية البشرية المحدودة المدى للمسيرة تورث صاحبها الضعف والخوف واليأس والعجز عن مواصلة الطريق فإنّ الرؤية الثاقبة، البعيدة المدى التي يتمتع بها الداعية، تمكِّنه من مواصلة الطريق، وتمنحه الثقة، والطمأنينة، والقوّة، والشجاعة، والأمل، وتنتزِع من نفسه الخوف واليأس، وهذه هي خاصية الرؤية عندما تتجاوز المعاناة إلى السنن والقوانين الإلهية في الحضارة والتاريخ.
إنّ الفلاّح لو كان ينظر إلى عمله من خلال معاناة الحرث والغرس والسقي لترك المزرعة ومضى إلى شأنه، ولكنّه عندما ينظر إلى هذا الجهد الشاقّ الذي يبذله في المزرعة من خلال سنن الله تعالى، يمضي في عمله دون أن يكلّ أو يمسّه تعب أو لغوب.
ولِنَعد إلى القرآن من جديد، فإنّه مَعين لا ينضب للدعاة إلى الله، إنّ القرآن الكريم يرسم هذه المسيرة الشاقّة للدعوة إلى الله، الساحة حامية بالصراع بين الحقّ والباطل، ولكن لا من خلال معاناة العاملين، وإنّما من خلال سنن الله تعالى في التاريخ، في حتمية النصر للفئة المؤمنة، حتمية الهلاك والسقوط لجبهة الشرك.
وإنّ القرآن ليحرص على أن يحوّل نظر الداعية من الحال إلى المستقبل ومن المعاناة إلى سنن الله، وذلك من خلال استعراض مسيرة التوحيد والشرك، واستعراض ساحات الصراع بين هاتين الجبهتين ولنستمع إلى كلام الله تعالى:
( إِنّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ ) ، [ غافر: ٥١ ].
أجل ليس نصراً فقط يوم يقوم الأشهاد وإنّما في الحياة الدنيا أيضاً.
( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدّ قُوّةً وَآثَاراً فِي الأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) .
( فَلَمّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ * فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنّا بِاللّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنّتَ اللّهِ الّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ ) ، [ غافر: ٨٣ - ٨٥ ].
ترى كيف يستعرض القرآن مسيرة الشرك والظلم استعراضاً واسعاً، ويطويها طيّاً سريعاً، ويعلن بأنّ عاقبتهم كان الخسران والهلاك، وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون، وإنّ هذه العاقبة لم تكن عن عجز أو ضعف مادي منهم، فقد كانوا أشدّ من مشركي عصر رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) - قوّة وآثاراً في الأرض - ومع ذلك فلم تغنِ عنهم قوّتهم شيئاً وأدركهم العذاب والهلاك.
ثمّ يعلن القرآن أنّ ذلك لم يكن عن صدفة، ولم يحدث عفواً، وإنّما هو سنّة ثابتة لله تعالى في الذين كفروا وعتوا عن أمر ربهم جميعاً من دون استثناء:( سُنّتَ اللّهِ الّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ ) ، ثمّ استمع إلى هذه الآيات المباركات من سورة فاطر:
( وَأَقْسَمُوا بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لّيَكُونُنّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ فَلَمّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مّا زَادَهُمْ إِلاّ نُفُوراً * اسْتِكْبَاراً فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السّيّئِ وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السّيّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاّ سُنّتَ الأَوّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنّتِ اللّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنّتِ اللّهِ تَحْوِيلاً * أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدّ مِنْهُمْ قُوّةً وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السّماوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ إِنّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً ) ، [ فاطر: ٤٢ - ٤٤ ].
إنّهم نفروا من الأنبياء نفوراً لمّا جاءوهم استكباراً في الأرض ومكر السيّء، ثمّ يبين القرآن بعد ذلك مباشرة السنّة الإلهية القائمة في الذين يمكرون
مكر السوء: ( اسْتِكْبَاراً فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السّيّئِ وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السّيّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ ) ، ثمّ يربط القرآن بعد ذلك هذه المسيرة - التي تبدأ بالاستكبار والمكر وتنتهي بالمحق والهلاك - بسنن الله تعالى، في تكرار وتأكيد حتى لا يتصوّر أحد من الطغاة والمتمرّدين أنّ أولئك لو حاق بهم مكر السوء فمن الممكن أنّه ينفلت هو من دائرة السوء هذه التي تحيط بالظالمين:
( فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاّ سُنّتَ الأَوّلِينَ ) .
( فَلَن تَجِدَ لِسُنّتِ اللّهِ تَبْدِيلاً ) .
( وَلَن تَجِدَ لِسُنّتِ اللّهِ تَحْوِيلاً ) .
ثمّ تأتي بعد هذه التأكيدات الثلاثة المتوالية على حاكمية السنن الإلهية في حياة الإنسان وتاريخه، دعوة أخرى لاستعراض تاريخ ومسيرة الجاهلية المتمردة على حكم الله وشريعته:
( أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدّ مِنْهُمْ قُوّةً وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السّماوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ ) . ثمّ استمع إلى هذه الآيات المباركات من سورة ق:
( وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِن قَرْنٍ هُمْ أَشَدّ مِنْهُم بَطْشاً فَنَقّبوا فِي الْبِلاَدِ هَلْ مِن مَحِيصٍ * إِنّ فِي ذلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ * وَلَقَدْ خَلَقْنَا السّماوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتّةِ أَيّامٍ وَمَا مَسّنَا مِن لُغُوبٍ * فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللّيْلِ فَسَبّحْهُ وَأَدْبَارَ السّجُودِ ) [ ق: ٣٦ - ٤٠ ].
وهو مشهد عجيب تقترن السنن الإلهية في التاريخ والحضارة بالسنن الإلهية في الكون، وتمتزج فيه السنن الإلهية في الكون بسنن الله في المجتمع.
ومن خلال هذه الرؤية الشاملة الحضارية الكونية لسنن الله تعالى يدعو الله
تعالى نبيه لمواصلة الطريق، والاستمرار والثبات، ويعلمه أمرين، سبق أن ذكرناهما من قبل وهما الصبر والصلاة:( فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ) .
ومن عجيب أنّ الأمر بالصبر والصلاة يتكرّر كثيراً عبر ذكر الدعوة إلى الله تعالى وما واجه الدعاة إلى الله من متاعب وعناء في الطريق.
الصبر على تحمّل سنن الله، وعدم استعجال الأمور قبل أوانها، واللجوء والتضرع إلى الله -( الصلاة ) - ليسدّ ما في نفوسنا من عجز ونقص في الصبر والاستقامة.
المعاناة سنة إلهية لكلّ أطراف الصراع:
والقرآن عندما يمدّ نظر الداعية إلى البعيد، لينفذ من الحاضر إلى المستقبل، ومن المعاناة إلى آفاق الأمل، لا يريد أن يفصّله فصلاً كاملاً عن لحظة المعاناة، وإنّما يوجّه تصوّر الداعية وحمله للحظة المعاناة على طريق ذات الشوكة؛ حتى لا تستغرقه المعاناة عن معايشة سنن الله، والنظر إلى مستقبل الدعوة وعاقبتها.
فيوجّه نظره أولاً إلى أنّ هذه المعاناة حقيقة قائمة وأمر واقع في كل من المعسكرين، من دون استثناء، وليست هي من خصائص مسيرة الدعوة إلى الله، وإنّما المعاناة تشمل المعسكرين جميعاً.
فما دام هناك صراع فهناك معاناة، والعناء يتوزّع على طرفي الصراع من دون فرق، وليس لأحدٍ من الطرفين حصانة من المعاناة:
( وَلاَ تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ ) [ النساء: ١٠٤ ].
( وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنْتُم مُؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الّذِينَ
آمَنُوا وَيَتّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللّهُ لاَ يُحِبّ الظّالِمِينَ ) [ آل عمران: ١٣٩ - ١٤٠ ].
فإن تكونوا تألَمون فإنّهم يألَمون كما تألَمون، وإن يكن قد أصابكم قَرْحٌ فقد أصاب القوم مِثلُه، وتلك ضريبة الصراع والحرب، وهذه الضريبة تتوزّع على كل الأطراف من دون استثناء.
وأولئك ينفقون كما تنفقون أنتم، فلا بدّ في الصراع من إنفاق للأموال والبنين والأنفس، ولا يخصّكم هذا الإنفاق، إلاّ أنّ هذا الإنفاق يعود عليكم بنصر الله في الدنيا وبرحمته الواسعة يوم يقوم الأشهاد، ولا يعود عليهم إلاّ بالحسرة والخيبة.
( إِنّ الّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدّوا عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمّ يُغْلَبُونَ ) [ الأنفال: ٣٦ ].
وهذا أوّلاً.
التمحيص والتكامل بالمعاناة:
ويوجّه القرآن نظرنا - ثانياً - إلى أنّ المعاناة هي الأداة التي تتكامل بها شخصية المؤمنين، ويَصلُب عودهم، وتعلو بها كلمة الله على وجه الأرض وفي حياة الإنسان، وعبر هذه الآلام والمتاعب والأشواك تعود الحاكمية على وجه الأرض لله ولرسوله ولأوليائه.
إنّ مسيرة المحنة هي مسيرة تكامل الإنسان ونموّه، وهي مسيرة تكامل الأمة ونموّها، وإنّ الإنسان ليحبّ - إذا ارجع إليه أمر الاختيار - الطريق غير ذات الشوكة، والعبور من الممرّات والطرق الآمنة المحفوفة بالعافية، في طريقه إلى الله تعالى، ويحب أن ينال الغاية من أيسر الطرق، والنصر بأيسر الأسباب، دون أن تشوكه شوكة أو تنتابه محنة.
ولكنّ الله تعالى، وهو العليم بما يصلح عباده ويفسده، يعلم أنّ تكامل الإنسان أفراداً وجماعات وأُمماً لا يتمّ إلاّ عبر طريق المحنة، وأنّ تحقيق سيادة كلمة الله على وجه الأرض لا يتمّ إلاّ عبر هذه المعاناة الطويلة.
ولقد كان المسلمون، عند الخروج إلى موقعة بدر للغارة على قافلة قريش التجارية، يتمنّون أن يعودوا من بدر بالغنيمة الباردة وبالمال والسلطان والقوّة، دون أن يمسّهم تعبٌ أو يصيبهم قرح، فعلّمهم الله تعالى أنّهم لا ينالون ما يريده الله تعالى لهم من تحقيق السيادة والسلطان لهذا الدين على وجه الأرض، والقضاء على سلطان الباطل دون أن يجتازوا طريق ذات الشوكة إلى الله:
( وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطّائِفَتَيْنِ أَنّهَا لَكُمْ وَتَوَدّونَ أَنّ غَيْرَ ذَاتِ الشّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقّ الْحَقّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقّ الْحَقّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُون َ ) . [ الأنفال: ٧ - ٨ ]
ويذكّر القرآن المسلمين، بعد معركة أُحد، أنّ القرح الذي يصيبهم في طريق الدعوة إلى الله لا بدّ منه في تمحيصهم وتطهيرهم وتزكيتهم، كما لا بدّ منه في مَحْق الآخرين، ومن غير هذه القروح لا يتمّ التمحيص والتزكية في الجماعة المؤمنة، كما لا يتم المَحْق والهلاك والسقوط لمعسكر الكفر:
( إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا وَيَتّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللّهُ لاَ يُحِبّ الظّالِمِينَ * وَلِيُمَحّصَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ) ، [ آل عمران: ١٤٠ - ١٤١ ].
وإنّ التمحيص ليتمّ في صورتين:
في خطٍّ عموديٍّ في تصفية وتمحيص المؤمنين، فإنّ الابتلاءات والمحن والشدائد تصفّي الإنسان وتهذّبه من كل الشوائب، ولا يوجد في حياة الإنسان عامل أفضل من عامل الابتلاء في تصفية وتهذيب الذات، وتخليصها من سلطان الهوى ومن حبّ الدنيا.
وتصفية وتمحيص آخر في الخط العرضي في داخل المجتمع، وذلك بتخليص المجتمع الإسلامي من العناصر الضعيفة والمنافقة التي تواكب مسيرة المجتمع الإسلامية وحركته إلى الله.
فإنّ حالة اليسر والرفاه في المجتمع الإسلامي تجمع حوله الكثير من
العناصر الضعيفة والخائرة والمنافقة والانتهازية، ومن الطبيعي أنّ هذا التورّم يُثقل حركة المجتمع الإسلامي إلى الله، ويعيق تحرّكه، فإذا جاء الابتلاء، واشتدت المحنة، تساقطت هذه العناصر المُعيقة، وتخلّصت المسيرة من هذه العناصر المثبِّطة للحركة والمعيقة لها.
الطريق إلى الجنّة محفوف بالبلاء:
ثمّ يذكِّر القرآن الإنسان أنّ لحظات المعاناة هي الذخيرة التي يدخرها الإنسان للقاء الله، وهي التي تؤهله للقاء الله؛ فليس يدخل الإنسان الجنّة دون أن يجتاز طريق ذات الشوكة، ودون أن يتحمّل في الله الجهد والعناء، ودون أن يُؤذى في الله ويضطهد في الله، يصبر على الأذى والاضطهاد في الله، فالطريق إلى رضوان الله في الجنّة، وإلى لقاء الله، محفوف بالعناء والفتنة والابتلاء.
( أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ مَسّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضّرّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرّسُولُ وَالّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلاَ إِنّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ ) ، [ البقرة: ٢١٤ ].
( أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنّةَ وَلَمّا يَعْلَمِ اللّهُ الّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ ) ، [ آل عمران: ١٤٢ ].
( وَلَنَبْلُوَنّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالّثمَرَاتِ وَبَشّرِ الصّابِرِينَ * الّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنّا للّهِِ وإِنّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ * أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِن رَبّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) ، [ البقرة: ١٥٥ - ١٥٧ ].
وفي سورة الصف يذكِّر القرآن المؤمنين بأنّ الجهاد بالمال والنفس هو الطريق إلى غفران الذنوب، ومرضاة الله تعالى، والدخول إلى الجنّة، ثمّ يذكُر النصر
والفتح بعد ذلك كنتيجة ثانوية للجهاد، أمّا الغاية الأولى والفائدة الأولى، من جهاد النفس والمال، فهو مرضاة الله والدخول إلى الجنّة:
( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بَأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيّبَةً فِى جَنّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبّونَها نَصْرٌ مِنَ اللّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشّرِ الْمُؤْمِنِين َ ) ، [ الصف: ١٠ - ١٣ ].
إنّ النتيجة الأولى للجهاد بالأموال والأنفس هو الجنّة، والجنّة هي الفوز العظيم، أمّا الغاية الثانية، وهي النصر والفتح، فيعبّر القرآن عنه بـ( وَأُخْرَى تُحِبّونَها ) وكأنّه فائدة ونتيجة ثانوية للجهاد.
وانظروا إلى هذه اللوحة الرائعة المتدفّقة بالحياة والحركة - ولا أقول اقرأوا وتأمّلوا - كيف يرسم القرآن مسيرة الإنسان إلى الله تعالى ومرضاته في الجنّة من خلال رحلة المعاناة والعذاب:
( ذلِكَ بِأَنّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوّ نَيْلاً إِلاّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) ، [ التوبة: ١٢٠ - ١٢١ ].
وبهذه الطريقة يرسم القرآن دورة المعاناة في حياة الفرد المؤمن والأمّة المؤمنة، ويعالج مسألة الابتلاء والمعاناة في حياة الإنسان، ويوجّه الإنسان لفهم الابتلاء وطريقة التعامل معه.
ونعود من جديد إلى الحديث عن سنن الله تعالى في المسيرة وضرورة وعي ومعايشة السنن الإلهية في هذه الرحلة.
فلا يجوز أن تستغرقنا لحظات الابتلاءات والمعاناة، وتحجبنا عن سنن الله في المسيرة. والإنسان إذا لم يحسن التصرف ساعة الابتلاء، ولم يعرف كيف يتعامل مع المحن والابتلاء، تحجبه المعاناة عن سنن الله وقوانين الحركة، وإذا نظر الإنسان
إلى المسيرة الكبرى من خلال هذه اللحظات يغلبه التعب واليأس والخوف، ويُؤثِر العافية والحياة الآمنة والوديعة على السير على طريق ذات الشوكة.
ولكن لا تحجب لحظة المحنة والمعاناة الإنسان عن رؤية سنن الله تعالى في المسيرة، وعن رؤية المشيئة الإلهية في حتميّة النصر للقلّة المؤمنة، يحوّل القرآن - كثيراً - نظر المؤمنين من الحاضر إلى الماضي، والمستقبل إلى الماضي، في استعراض أطراف وقصص من هذه المسيرة، وإلى آفاق المستقبل البعيد في إعطاء الأقضية والأحكام الإلهية النهائية في الحضارات والأمم والتاريخ.
وعندما يتزود الداعية بهذه الرؤية النفّاذة الثاقبة، بعيدة المدى، يستطيع أن يعبر معاناة الحاضر إلى سنن الله العامّة، فتطمئن قدماه على الطريق، ويربط الله على قلبه، ويَثبُت للمحنة، ويواجه التحديّات بصبرٍ وثباتٍ من دون خوف وجزع.
انظروا إلى هذه الصورة المستقبلية الرائعة لحتمية النصر، والتي تنزّل على المسلمين ساعة النكسة والمحنة في أُحد:
( وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنْتُم مُؤْمِنِينَ ) ، [ آل عمران: ١٣٩ ].
وقد نقلت المسلمين في أُحد، وهم يعيشون مرارة النكسة والمحنة، إلى الآفاق البعيدة للمستقبل وإلى السنن الإلهية في حتمية النصر للمؤمنين( إن كانوا مؤمنين ) .
فتحوِّل النكسة في نفوسهم إلى شعورٍ قويّ بالاستعلاء والقوّة، والثقة المطلقة بتأييد الله، ويتحوّل هذا الشعور في نفوسهم إلى تحرّك وعمل متصل، وعزم على مواصلة الطريق.
وحدة المسيرة وطول النفس في العمل:
٣- وتعميق الإحساس بالوراثة في نفس الإنسان يفيد في تحسيس الداعية بوحدة المسيرة، وأنّ هذه المسيرة على امتدادها الطويل ومراحلها الكثيرة فهي مسيرة واحدة يتوارثها الأبناء عن الآباء، جيلاً بعد جيل، ويتمتّع فيها الأبناء بما
ورثوا من مجد الآباء وجهدهم وعملهم وتراثهم، كما أنّ عليهم أن يوَرِّثوا أبناءهم هذا التراث والمجد؛ فإنّ هذه المسيرة سلسلة واحدة، مهمّتها واحدة، ومنطلقها واحدٌ، وغايتها واحدةٌ، وخطّها واحدٌ، مهما تعددت حلقاتها، وهي تشكّل في التاريخ الحضاري أسرة واحدة بالدقّة.
وليس من المفروض في الأسرة الواحدة، في مسير التاريخ، أن تتحقق أهدافها مرّة واحدة، وأن يبلغ كل حلقة من حلقاتها كل أهداف السلسلة، وإنّما الذي يجري في مثلها أن يمهِّد كل حلقة من حلقاتها للحلقة التي تأتي من بعدها، وتُعَد هذه الحلقات جميعاً للغاية العليا التي تعمل لها، فيشعر كل عضو في هذه المسيرة أنّه حلقة واحدة من حلقات كثيرة في سلسلة مباركة ممتدة من آدم ( عليه السّلام ) إلى أن يأذن الله تعالى للدنيا بالانتهاء.
فيطول نفس الداعية في العمل، وطُول النفس من أهمّ عوامل الثبات والنصر، فهو لا يعمل ليقتطف ثمار عمله في حياته القصيرة، وإنّما يعمل ضمن سلسلة ممتدة طويلة من العاملين الدعاة إلى الله، ويكفيه أن يجني ثمار عمله الجيل الرابع، أو العاشر، أو أكثر أو أقل من بعده، وأنّ الداعية إلى الله لَيُحقق كل أهدافه إذا كان يحصد أبناؤه أو أبناء أبنائه حصاد عمله، كما أنّه هو يجني ثمار جهود أسلافه وآبائه.
وليس كذلك من يعمل لغير الله، وعلى غير هذه المسيرة؛ فهو يعمل لنفسه وللحظة المتعة وليجني ثمرة عمله في خلال عمره القصير، ومن الطبيعي أن يكون نَفسُه قصيراً في العمل.
ولقد كنّا نقرأ في القصص الحَكَمية القديمة:( أنّ مَلِكاً مرّ على شيخٍ طاعن في السن يغرس فسيلاً للنخل، فوقف عنده متعجباً يسأله: لمن يغرس هذا الفسيل، وهو في هذا الحدّ من العمر؟ فأجابه الفلاّح الطاعن في السن: أيّها الملك غرس آباؤنا فأكلنا، ونغرس نحن ليأكل أبناؤنا. فأعجب الملكَ جوابُه... إلى آخر القصة ).
والأمر لَكذلك في مسيرة الحضارة الإلهية المورُوثة من نوح وإبراهيم
وموسى وعيسى ( عليهم السّلام )؛ فإنّهم غرسوا غرسة التوحيد فجنينا ثمار عملهم وجهودهم، ونغرس نحن للأجيال القادمة ليجنوا ثمار عملنا.
فقد اجتبانا الله تعالى جيلاً بعد جيل لرسالته، وأودع لدينا رسالته نتعاقب عليها جيلاً بعد جيل، فيستلمها كل جيل منّا من الجيل السابق ليسلِّمها إلى الجيل الذي يأتي من بعده، وهذا هو الجانب الإلهي من هذا الميراث، وإلى جانب هذا الميراث الإلهي فإنّ الأجيال المتعاقبة على هذا الميراث تتوارث فيما بينها خبرات العمل والدعوة.
فإنّ محتوى الدعوة إلى الله تعالى واحد، لا يختلف من جيل إلى جيل، ولكن خبرة الدعاة إلى الله في الدعوة تتكامل بالتأكيد، عدا من عصمهم الله بالوحي، وكل جيل من الدعاة يورث الجيل الذي يأتي من بعده إلى جانب هذا الميراث الإلهي خبرته التي اكتسبها من خلال العمل ومعاناة الدعوة إلى الله.
فإنّ الدعوة إلى الله تعالى من أكثر الأمور تعقيداً، والإنسان الداعية يحتاج إلى الكثير من التعقّل، والفهم والنضج السياسي، ومعرفة أساليب التعامل مع الناس، ووعي الظروف الاجتماعية المختلفة وطريقة مواجهة الظالمين، وشجاعة المواجهة والإقدام والقدرة على ضبط النفس والعواطف، ويحتاج إلى المداراة والمرونة، والجدّية، والقوّة واللين.
يحتاج إلى ذلك كلّه وإلى غيره من المؤهلات والخبرات، ولا يمكن أن تكون هذه المؤهلات والخبرات الضرورية للدعوة والجهاد في جيل واحد، وإنّما تتكامل في شخصية الداعية عبر الأجيال وعبر خوض ساحات الصراع والجهاد والمواجهة مع أئمّة الكفر والجاهلية، وتساهم هذه الأحداث، التي تشكّل التاريخ الحضاري والرسالي للإنسان، في تكوين خبرات ومؤهّلات الداعية في ممارسته الدعوة إلى الله والجهاد في سبيل الله.
ومن المهمّ جداً أن ينتبه الدعاة إلى الله إلى الأهمّية الحياتية لهذا الميراث الكبير في مجال الدعوة إلى الله، فلا يغفل أجيال الدعاة قيمة وأهمّية الخبرة التي أورثها أسلافهم إياهم في مجال الدعوة.
وعلى الدعاة إلى الله أن يقرأوا في هذا المجال بإمعان واهتمام قصص الأنبياء في القرآن والحديث، وسيرة رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )، وسيرة الأئمّة ( عليهم السّلام )، ومن والاهم من العلماء والدعاة إلى الله، من عباد الله الصالحين.
الإمام المهدي ( عجّل الله فرجه ) وارث الأنبياء والمرسلين:
والذي يتابع النصوص الإسلامية الواردة في ظهور الإمام المهدي ( عجّل الله فرجه )، وقيام الدولة الإلهية الكبرى في عهده على أنقاض الجاهليات البشرية الواسعة، الذي يتابع هذه النصوص يجد أنّ دولة الإمام المهدي هي الدولة الوارثة لكل القيم والتراث الذي جاء به الأنبياء والمرسلون والأئمة ( عليهم السّلام ).
والحضارة الجديدة التي يقيمها مهدي آل محمّد ( عليه السّلام ) على وجه الأرض ليست سوى امتداد للحضارة الإسلامية التي جاء بها الأنبياء والمرسلون والأئمّة الهداة ( عليهم السّلام )، وعودة لتلك الحضارة إلى صلب الحياة الاجتماعية من جديد، وهي ميراث النبي والصالحين.
وكل ما في الأمر من جديد في هذا الطور الجديد من الحياة الذي يقيمه الإمام المهدي ( عليه السّلام ) هو النضج والرشد العقلي للإنسان في هذه المرحلة من الحياة.
عن أبي خالد الكابلي، عن أبي جعفر الباقر ( عليه السّلام )، قال:( إذا قام قائِمنا وضع يده على رؤوس العباد، فجمع به عقولهم وأكمل به أخلاقهم ) .(١)
وهذا النصّ يكشف لنا عن النضج العقلي والأخلاقي الذي يميّز المجتمع في هذه المرحلة بعد الصراع العنيف والحاسم، بين المعسكر الإسلامي ومعسكر الشرك والنفاق.
ويحتمل أن يكون مرور الإنسان بمراحل التاريخ المختلفة، واختيار الألوان المختلفة من الأنظمة والحضارات، وفشل وسقوط هذه الحضارات والأنظمة
____________________
(١) منتخب الأثر: ٣٠٨، عن الإرشاد للمفيد.
الجاهلية نظاماً بعد نظام وحضارة بعد حضارة من أسباب هذا النضج العقلي والأخلاقي الذي يشير إليه النصف الآنف.
وروي في هذا المعنى:( أن دولتنا آخر الدول، ولم يبقَ أهل بيتٍ لهم دولة إلاّ مَلكوا قبلنا؛ لِئلا يقولوا إذا رأوا سيرتنا: إذا ملكنا سِرنا بمثل سيرة هؤلاء، وهو قول الله تعالى: ( وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتّقِينَ ) ). (١)
فهذه الدولة - إذن - بالإضافة إلى عصمة قيادتها تستجمع خلاصة تجارب ووعي ونضج هذه المسيرة الربانية، والسائرين على هذا الطريق، وَوَرد في نصٍ آخر ما يتضمّن هذا النضج العقلي بصيغ رمزية ومضمون هذا النصّ.
إنّ ما استطاع الإنسان أن يتلقاه من الأنبياء ( عليهم السّلام ) حرفان من العلم فقط، فإذا ظهر قائم آل محمّد ( عليه السّلام ) أَظهر للناس خمساً وعشرين حرفاً فيبثّها في الناس، وضمّ إليه الحرفين، فيكون مجموع ذلك سبعاً وعشرين حرفاً.(٢)
ولا شكّ أنّ النصّ بهذه الصورة من النصوص الرمزية التي يحتاج تفسيره إلى تذوّق النصّ من الناحية الأدبية، وسبعة وعشرون هي العدد الكامل للأحرف العربية، وعليه فإنّ سبعة وعشرين حرفاً يعني كمال المعرفة والعلم، وكمال النضج العقلي.
وما رزق الناس من النضج العقلي قبل هذا الطَّور الجديد من الحياة لا يزيد على جزئين فقط من أحرف العلم والمعرفة، أمّا بقية أجزاء المعرفة والنضج العقلي فلا تتمّ للإنسان إلاّ في هذه المرحلة الجديدة من الحضارة والحياة، في عهد المهدي من آل محمّد ( عليه السّلام ).
وفي مثل هذه المرحلة من النضج العقلي والفكري والأخلاقي يتمّ نقل
____________________
(١) بحار الأنوار ٥٢: ٣٣٦.
(٢) نهج البلاغة ٣: ٢٠٠ شرح محمّد عبده، تحقيق مُحيي الدين عبد الحميد، حكمة رقم: ٢٠٩.
ميراثين إلى المجتمع الإسلامي على يد الإمام المهدي ( عجل الله فرجه ): ميراث القوّة والسلطان من الظالمين والجبابرة، وميراث العلم والحكمة والقيم من الأنبياء والمرسلين والصالحين.
عن الميراث الأوّل يقول أمير المؤمنين ( عليه السّلام ):( لتعطفنَّ الدنيا علينا بعد شماسها عَطفَ الضروسِ على ولدها ) وتلا عقيب ذلك:( وَنُرِيدُ أَن نّمُنّ عَلَى الّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) . (١)
يقول محمّد عبده في شرح هذه الفقرة: ( الشِماس - بالكسر - امتناع ظهر الفرس من الركوب، والضَرُوس - بفتح فضم - الناقة السيئة تعضّ حالبها، أي: إنّ الدنيا ستنقاد لنا بعد جموحها، وتلين بعد خشونتها، كما تنعطف الناقة على ولدها، وإن أبت على الحالب ).
وإقبال الدنيا هو إقبال القوّة والسلطان والمال، وهو ميراث الصالحين من الظالمين، واستشهاد الإمام ( عليه السّلام ) بقوله تعالى:( وَنُرِيدُ أَن نّمُنّ عَلَى الّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) يؤكّد هذا المعنى.
ويقول ( عليه السّلام ):( وتخرج له الأرض من أفاليذ أكبادها، وتلقي إليه سِلماً مقاليدها ) (٢) ، قال الشيخ محمّد عبده في شرح هذه الفقرة: وهذه كناية عمّا يظهر لمن يقوم بالأمر من كنوز الأرض.
والميراث الآخر في هذه الحضارة، التي يقيمها المهدي من آل محمّد، هو ميراث الأنبياء والمرسلين ( عليهم السّلام )، وهو الميراث المعنوي في هذه الدولة فيما كان الميراث الأوّل هو الميراث المادي.
عن أبي خالد الكابُلي عن أبي جعفر الباقر ( عليه السّلام )، قال أبو جعفر:( والله لَكأنّي
____________________
(١) نهج البلاغة: ٢، خطبة ١٣٤.
(٢) بحار الأنوار ٥٢: ٣١٥ و ٣٤١، وراجع تفسير العيّاشي ٢: ٥٦.
أنظر إلى القائم ( عليه السّلام ) وقد أسند ظهره إلى الحَجَر، ثمّ ينشد الله حَقه، ثمّ يقول:
أيّها الناس من يحاجّني في الله فأنا أولى بالله.
أيّها الناس من يحاجّني في آدم فأنا أولى بآدم.
أيّها الناس من يحاجّني في نوح فأنا أولى بنوح.
أيّها الناس من يحاجّني في إبراهيم فأنا أولى بإبراهيم.
أيّها الناس من يحاجّني في موسى فأنا أولى بموسى.
أيّها الناس من يحاجّني في عيسى فأنا أولى بعيسى.
أيّها الناس من يحاجّني في محمّد ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فأنا أولى بمحمّد ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ). (١) أيّها الناس من يحاجّني في كتاب الله فأنا أولى بكتاب الله ).
وروى حريز عن أبي عبد الله ( عليه السّلام ) قال:( لن تذهب الدنيا حتى يخرج رجل منّا أهل البيت يحكم بحكم داود وآل داود، لا يسأل الناس بينة ).
ومن قراءة هذه النصوص وأمثالها، نلمس بصورة دقيقةٍ العلاقة الوثيقة التي تربط الدولة والحضارة التي يقيمها المهدي من آل محمّد ( عليه السّلام ) بالأصول والقيم والمعارف والحكم التي جاء بها الأنبياء ( عليهم السّلام ) من قبل.
وبذلك يكون الإمام المهدي ( عجّل الله فرجه ) بقيّة حجج الله وخليفة أنبياء الله. يقول أمير المؤمنين ( عليه السّلام ) كما ورد في نهج البلاغة في الإمام المهدي ( عليه السّلام ):
( قد لبس للحكمة جنّتها وأخذها بجميع أدبها، من الإقبال عليها، والمعرفة بها، والتفرغ لها... وضرب بعسيب ذنبه وألصق الأرض بِجرانه، بقية من بقايا حجّته، خليفة من خلائف أنبيائه ). (٢)
فالإمام - إذن - بقيّة من بقايا حجج الله وخليفة أنبيائه، ودولته التي يقيمها هي ميراث أنبياء الله.
____________________
(١) بحار الأنوار ٥٢: ٣١٩.
(٢) نهج البلاغة ٢: ١٣٠ شرح محمّد عبده، تحقيق مُحيي الدين عبد الحميد.
العُجب
بِسْمِ اللّهِ الرّحْمنِ الرّحِيمِ
( قُلْ هَلْ نُنَبّئُكُم بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الّذِينَ ضَلّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً * أُولئِكَ الّذِينَ كَفَرُوا بَآيَاتِ رَبّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً ) ، [ الكهف: ١٠٤ ].
المدخل إلى البحث:
من أخطر ما يصنعه الشيطان بالإنسان من مكرٍ هو ( العجب )، وذلك أنّ الشيطان قد يحرف الإنسان من العبادة إلى الشرك، وهذا نوع من المكر ظاهر، يتمكّن الإنسان من مكافحته، وقد يحوِّل الشيطان العبادة نفسها إلى الشرك، وهذا هو أخطر مكر الشيطان.
وقد يقطع الشيطان السبيل على الإنسان فيحوّله من الإقبال على الله إلى الإعراض عن الله، وقد يحوّل الشيطان الإقبال على الله - نفسه - إلى الإعراض عن الله، وهذا أخطر من الأوّل.
كيف يمكر الشيطان هذا المكر؟ وما هي الأداة التي يستخدمها فيحوّل العبادة والإقبال على الله إلى الشرك والإعراض عن الله؟
الجواب على ذلك ينطوي في
كلمتي( العجب ) و( الرياء ) .
في العجب يحجب الشيطان الإنسان عن الله بـ ( الأنا )، ويجعل الأنا حجاباً بين الإنسان وبين الله، فتتحوّل العبادة إلى ضدها: إعراضٌ وشركٌ.
وفي الرياء يحجب الشيطان الإنسان عن الله بالغير، وليس بـ ( الأنا ) فيجعل وِجْهَة عمله، والغاية من عمله، هو ( الغير ) وليس الله، ويستدرج الإنسان من الإخلاص لله تعالى وابتغاء مرضاته إلى ابتغاء مرضاة الآخرين، وإعجابهم، فيتحوّل عمل الإنسان من الطاعة والإقبال على الله إلى الشرك والإعراض عن الله.
إذن، من أخطر مكر الشيطان في حياة الإنسان( العجب ) و( الرياء ) ، ونحن في هذه المقالة نحاول أن نبحث عن ( العجب ) - إن شاء الله - ونتعرف على أسبابه، وأعراضه، وأنواعه، وعلاجه، من خلال القرآن الكريم.
علاقة الإنسان بنفسه:
من طرائف الفكر الإسلامي تحديد نوع علاقة الإنسان بنفسه، وهو أُفقٌ واسعٌ في نفس الإنسان، وقد تتعقد شبكة العلاقة التي تربط الإنسان بنفسه أكثر من تعقيد شبكة العلاقات الاجتماعية التي تربط الإنسان بالآخرين؛ من أفراد أسرته، وزملائه، وأصدقائه، ومنافسيه، وأعدائه.
ولكلّ من هاتين الشبكتين ( في النفس والمجتمع ) أصولها وأحكامها، ومنهاجها التربوي الذي يخصّها، ولعلّ اهتمام الإسلام بالشبكة الأُولى في علاقة الإنسان بنفسه لا تقلّ عن اهتمامه بالشبكة الثانية في علاقة الإنسان بالآخرين.
وللناس في العلاقة بأنفسهم أطوار مختلفة، فقد تكون علاقة الإنسان بنفسه قائمة على ( السلام مع النفس ) - كما قال المسيح بن مريم ( عليهما السّلام ):( وَالسّلاَمُ عَلَيّ يَوْمَ وُلِدتّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً ) ، [ مريم: ٣٣ ].
فهذا طَور من العلاقة بالنفس قائمة على السلام مع النفس، وقد تكون علاقة الإنسان بنفسه قائمة على أساس من الظلم والاعتداء، يقول تعالى:( وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ
وَلكِن ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ) ، [ هود: ١٠١ ].
وقد تكون علاقة الإنسان بنفسه قائمة على أساس ( التفكير الذاتي بالنفس )، يقول تعالى:( أَوَلَمْ يَتَفَكّرُوا فِي أَنفُسِهِم ) ، [ الروم: ٨ ]. وقد تكون العلاقة بالنفس قائمة على أساس مراقبة النفس، وإخضاعها للمراقبة والحساب، يقول تعالى:( عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرّكُم مَن ضَلّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) ، [ المائدة: ١٠٥ ].
وقد تكون هذه العلاقة بالعكس؛ قائمة على أساس نسيان النفس وإهمال مراقبتها، يقول تعالى:( أَتَأْمُرُونَ الْنّاسَ بِالْبِرّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ) . [ البقرة: ٤٤ ]
وقد تكون علاقة الإنسان بنفسه قائمة على أساس الصراع الداخلي بين الخير والشر:( إِنّ النّفْسَ لأَمّارَةُ بِالسّوءِ ) .
وقد تكون هذه العلاقة قائمة على أساس استقرار النفس على الهدى والاستقامة على خط الفطرة، يقول تعالى:( يَا أَيّتُهَا النّفْسُ الْمُطْمَئِنّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيّةً ) ، [ الفجر: ٢٧ - ٢٨ ]. ويقول تعالى:( الّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ ) . [ الرعد: ٢٨].
وهناك نماذج أخرى كثيرة لعلاقة الإنسان بنفسه قد أولاها القرآن الكريم اهتماماً كبيراً، والذي يقرأ القرآن بإمعان يجد أنّ علاقة الإنسان بنفسه، وتنظيم هذه العلاقة وتصحيحها، يأخذ من كتاب الله اهتماماً كبيراً ومساحة واسعة.
ولا نريد نحن أن ندخل هذا الأُفق من البحث في هذا المقال، وإنّما نريد فقط أن نشير إلى أنّ من النماذج الخطرة لعلاقة الإنسان بنفسه هو ( العُجب )، وهو حالة انشداد الإنسان بنفسه وإعجابه الشديد بها وبأعمالها، بحيث يستأثر ( الأنا ) بكل اهتمامه وإعجابه، ويستأثر بكل رؤيته، فلا يرى غير نفسه وغير أعماله.
وعنما يبلغ الإنسان هذه الدرجة من الانشداد بالأنا يحجبه ( الأنا ) عن الله تعالى، فيملأ الضئيل الذي يقدِّمه لله تعالى من عمل وجهد وطاعة كلّ قلبه وإحساسه، دون أن يرى عظيم رحمة الله تعالى وفضله وجميله به.
ولو كان الإنسان ينظر إلى الأشياء نظرة سويّة، ويراها بحجمها الحقيقي، لاستهان بجهده وعمله وطاعته لله تعالى، وأكبَرَ فضل الله تعالى ورحمته في حقّه، واستحى
من الله تعالى أن يقابل عظيم رحمته وفضله بمثل هذا الجهد الضئيل.
ولكن عندما يستأثر الأنا بكل رؤيته واهتمامه وإعجابه لا يرى إلاّ جهده وفعله، دون أن يرى رحمة الله تعالى وفضله، فيتحول إقباله على الله وطاعته لله بهذه الطريقة النفسية الملتوية إلى إعراض عن الله وشرك، أو كفر بالله تعالى، فإنّ الكافر هو الذي يحجبه حاجب عن الله تعالى حَجْباً كاملاً.
والعُجب إذا دخل النفس وتمكّن منها يحجب الإنسان عن الله حجباً كاملاً، وفي ذلك هلاك الإنسان وسقوطه التام، عن الإمام الصادق ( عليه السّلام ):( من دخله العُجب هَلك ) .
وأمّا في الحالات السويّة، عندما يقترن عمل الإنسان وجهده في طاعة الله تعالى بإحساسٍ حقيقيٍّ وواضح بعجزه عن شكر الله تعالى، ومقابلة إحسانه وفضله، فإنّ عمله عند ذلك على ضآلة حجمه يكون جسراً يوصله إلى الله تعالى، وقد روي عن أبي الحسن موسى بن جعفر ( عليهما السّلام ) أنّه قال لبعض وُلده:( يابُني عليك بالجدّ، ولا تخرجنّ نفسك عن حدّ التقصير في عبادة الله عزّ وجل وطاعته؛ فإنّ الله لا يُعبد حقّ عبادته ) .
وعن جابر قال، قال لي أبو جعفر ( عليه السّلام ):( يا جابر، لا أخرجك الله من النقص ولا التقصير ).
فالعمل الواحد - إذن - قد يؤدّي بالإنسان إلى طريق الله تعالى ويقرِّبه من الله، وقد يحجبه ويقطعه عن الله تعالى، والفارق الرؤية، وهو أمرٌ عظيم يستحقُّ من الإنسان كل اهتمام. فقد لا يختلف عمل عن عمل من حيث الحجم والوزن، ولكن أحدهما يقرِّب العبد إلى الله تعالى والآخر يبعّده عنه تعالى.
( العجب ) و( الاعتداد بالنفس ) و( الأنانية )
العجب حالة واحدة من ثلاث حالات ناتجة عن انشداد الإنسان بمحور الأنا، وهذه الحالات الثلاثة هي:
( العُجب ) و( الاعتداد بالنفس ) و( الأنانية ).
و(العجب) هو أن يستأثر الأنا بإعجاب الإنسان ويحجبه عن رؤية فضله تعالى ورحمته به، وفي مقابل ( العُجب ) الشعور بالتقصير والعجز عن أداء شكره، ومقابلة فضله ورحمته بالطاعة والعبادة.
و( الاعتداد بالنفس ) هي حالة أخرى من حالات الانشداد للنفس، تتلخّص في اعتماد النفس وطرح الثقة بالنفس في مقابل التوكّل على الله، ووضع الثقة المطلقة في الله تعالى، وهما حالتان من الاعتماد والثقة في مقام العمل.
وفي الحالة الأولى يضع الإنسان ثقته في نفسه ويعتمدها، وهي الحالة الانحرافية في التعامل مع النفس، وفي الحالة الثانية يضع الإنسان ثقته في الله تعالى ويعتمده في شؤونه وحياته وأعماله كلّها، وهي الحالة السوية في التعامل.
والحالة الثالثة من حالات الانحراف النفسي في انشداد الإنسان بنفسه هي حالة( الأنانية )، وهي حالةٌ يكون فيها ( الأنا ) هو المحور الذي يدور حوله كل حركة الإنسان ونشاطه، ويستأثر بكل فعالية الإنسان وتحرّكه، وفي مقابل هذه الحالة ( الإخلاص لله ) الذي يجعل من مرضاة الله تعالى محوراً لكل سعي الإنسان وحركته ونشاطه.
إذن، هناك ثلاث حالات من الانشداد بالذات هي( العجب، الاعتداد بالنفس، الأنانية )، وهي حالات انحرافية في نفس الإنسان، نابعة من انشداد الإنسان لنفسه وحبّه لها، وفي مقابلها حالات ثلاثة سوية؛ من الانشداد بالله تعالى، والتعلق به، وإيثار مرضاته على كل شيء، وهي:( الإحساس بالتقصير والعجز من أداء شكر الله تعالى، والتوكل على الله، والإخلاص لله ) .
أقسام العجب:
قد يعجب الإنسان بنفسه ومَلَكَاته وخِصاله، وقد يعجب الإنسان بأعماله، وقد تكون خصاله ومَلَكاته التي تعجبه خصالاً وملكات صالحة، وقد تكون خصالاً وملكات سيئة.
فقد يعجب الإنسان بما في نفسه من رأفة ورحمة، وقد يعجب
الإنسان بما في نفسه من قسوة وغِلظة.
وقد تكون أعماله التي تعجبه أعمالاً صالحة وحسنات، وقد تكون أعمالاً فاسدة وسيّئات، فقد يعجب الظالم بظلمه وإجحافه وتعسّفه بالناس، ويحسب أنّ ذلك من متطلبات الحزم والقوّة، وهو أقبح أنواع العجب، ويصف الله تعالى في كتابه أصحاب هذه الحالة بالأخسرين أعمالاً. يقول تعالى:
( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الّذِينَ ضَلّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً * أُولئِكَ الّذِينَ كَفَرُوا بَآيَاتِ رَبّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً ) . [ الكهف: ١٠٤ - ١٠٦ ]
مراحل العجب:
للعجب مراحل في نفس الإنسان؛ فقد يعجب الإنسان بنفسه وخصاله وأعماله، وتمتلئ نفسه زهوّاً بما عنده من خصال وأعمال، فيحجبه هذا الشعور عن رؤية فضل الله تعالى عليه ورحمته به. وإنّما يحجبه خصاله ومواهبه عن الله إذا فَصَلها عن الله تعالى وربطها بنفسه، كأنها أشياء تخصّه وهو صاحبها، وليس لله تعالى فيها عليه فضل، فيحجبه هذا الشعور عن الله تعالى، ويكون الأنا حجاباً للإنسان.
أمّا إذا كان إحساسه بنفسه وخصاله وأعماله في امتداد إحساسه بفضل الله تعالى ورحمته فهذا الإحساس لا يحجبه عن الله تعالى، بل يعمّق ارتباطه بالله، ويكرس ذكر الله تعالى في نفسه.
والمرحلة الأخرى من العجب أن يتجاوز الإنسان مرحلة العجب بالنفس وخصالها وأعمالها إلى مرحلة الإدلال على الله سبحانه، فيتصوّر الإنسان أنّ له بأعماله دالّة على الله تعالى وهذهمرحلة ( الإدلال ) .
ويأتي بعد هذه المرحلةمرحلة ( التوقّع ) من الله، فيتوقّع الإنسان من الله ألا يردّ له دعاءً مثلاً، أو أن لا يصيبه بسوء ومكروه، ولا يقوم هذا التوقّع على أساس من حسن الظن بالله تعالى ورحمته ومنّه على عباده، وإنّما يقوم على أساس الإحساس باستحقاق من الله تعالى بإزاء عمله وجهده، وهذه المرحلة من العجب أقبح من
سابقتها.
ويأتي بعد هذه المرحلة مرحلة ( العتاب ) و( الاعتراض ) المكتوم على الله إذا لم تتحقّق توقّعات الإنسان كما يريد، وكما يرى أنّه يستحقها من الله تعالى، عندئذ يضمر العتاب والاعتراض في نفسه على الله تعالى، وهو على حدّ الكفر بالله تعالى وهو أقبح من سابقه.
ويأتي بعد هذه المرحلة مرحلة ( المَنّ ) على الله، فإنّ الإنسان إذا تمادى في شعوره هذا يستدرجه الشيطان إلى الإحساس بالمَنِّ على الله، فيتصوّر أنّه قد أفاد دين الله، ونفع رسالة الله، وأدّى خدمة إلى الله تعالى، وهو من أقبح أنواع العجب، وهو على حدّ الكفر بالله تعالى كما ذكرنا، أو من الكفر بالله، أعاذنا الله تعالي منه.
أسباب العجب:
العجب يتكوّن من عنصرين: الانبهار بـ (الأنا)، والغفلة عن الله تعالى. وهما مرتبطان ومتداخلان؛ فإنّ الانبهار بـ ( الأنا ) إذا فصله الإنسان عن الله تعالى يحجب الإنسان ويغفله عن الله، والعكس كذلك صحيح. فإنّ الانصراف والغفلة عن ذكر الله يعطي الفرصة للأنا ليستأثر بمشاعر صاحبه، ويبهره.
إلاّ أنّ جذور حالة العجب تكمن في ( الغَفلة ) عن ذكر الله، فإنّ الإنسان إذا كان ذاكراً لله تعالى، مستحضراً لعظمته وجلاله ورحمته ونعمائه، لا يمكن أن يكبر عنده ( الأنا )، ولا يمكن أن يستأثر الأنا باهتمامه وإعجابه وذكره، وإنّما يبرز ( الأنا ) في حياة الإنسان بقدر ما يغيب ذكر الله عن قلب الإنسان. وعلى ذلك فإنّ علاج ( العجب ) أيضاً هو من نفس سنخ السبب، وهو استعادة ذكر الله وتمكينه من العقل والقلب، وتكريس ( الذكر ) من النفس.
وليس الذكر من مقولة القول واللفظ في شيء، وإنّما القول واللفظ تعبير وإبراز للذكر، وحقيقة الذكر هو استحضار صفات الله وأسمائه الحسنى ونعمائه في
النفس.
أعرَاضُ العُجب:
من أخطر الأمراض التي تصيب الإنسان ( العجب )؛ وخطورة هذا المرض تنشأ من خطورة الأعراض والنتائج المترتّبة عليه، ونحن نشير فيما يلي إلى بعض أعراض حالة العجب:
الاستكبار:
إنّ حالة العجب تكرس ( الأنا ) في نفس الإنسان وتدفع الإنسان إلى تضخيم حجم ( الأنا ) في نفسه، وفي نفس الوقت تؤدّي إلى ضمور ذكر الله في قلب الإنسان.
وهذا التورّم في ( الأنا ) عندما يقترن بضمور ذكر الله في النفس يصبح أساساً لحالة انحرافية مَرَضِيةٍ خطيرةٍ في النفس يبتغي فيها الإنسان التمييز والكبر على الآخرين، ويتصنّع فيها الكبر والتمييز، وهي الحالة التي يسمّيها القرآن بالاستكبار والتكبر.
وقد يكون التكبّر على الحقّ وحتى على آيات الله وأحكامه، فيرفض المتكبّر أن يخضع للحقّ، ويرفض أن يقبل بآيات الله وأن يخضع لأحكامه وأمره ونهيه، وهذا الرفض واللُجاج من أبرز خصائص التكبّر.
وحالة التكبّر والعناد هي الأساس لأعظم مصائب الإنسان وبؤسه وشقائه، وهي التي حجبت أعداء الله تعالى من أمثال: فرعون، ونمرود، وهامان، وأبي سفيان، وأبي جهل وعتاة قريش، عن رؤية آيات الله وعن الخضوع لأحكامه تعالى، ومن قبل مَنعت إبليس عن السجود لآدم:
( وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمّ صَوّرْنَاكُمْ ثُمّ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكِةِ اسْجُدُوا لآِدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِنَ السّاجِدِينَ * قَالَ مَامَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ * قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ ) ، [ الأعراف: ١٠ - ١٣ ].
وما أضر بالإنسان شيءٌ أعظم من ( التكبّر )، وما يهلك الناس ويدفعهم إلى جهنّم شيءٌ أعظم من ( التكبّر ).
والذي يمعن النظر في كتاب الله يرى أن التكبّر هو أساس( الإعراض عن الايمان بالله تعالى )، والإعراض عن ( لا إله إلاّ الله ):( إِنّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلهَ إِلاّ اللّهُ يَسْتَكْبِرُون َ ) ، [ الصافات: ٣٥ ].
وأساس الإعراض عن دعوة الأنبياء:( أَفَكُلّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ ) ، [ البقرة: ٨٧ ].
وأساس الكفر بالله ورسوله:( قَالَ الّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنّا بِالّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ) ، [ الأعراف: ٧٦ ].
وأساس العناد واللُجاج والصدّ عن سبيل الله:( ... لَوّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدّونَ وَهُم مُسْتَكْبِرُونَ ) [ المنافقون:٥].( ... وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً ) [ نوح: ٧ ].( قَالَ الْمَلأُ الّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنّكَ يَا شُعَيْبُ ) .
والاستكبار يؤدّي إلى الاستنكاف عن عبادة الله تعالى:( وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً ) ، [ النساء: ١٧٢ ].
وهؤلاء المتكبّرون إذا تمادوا في الكِبر يطبع الله على قلوبهم وأبصارهم:( كَذلِكَ يَطْبَعُ اللّهُ عَلَى كُلّ قَلْبِ مُتَكَبّرٍ جَبّارٍ ) ، [ غافر: ٣٥ ].( وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلّى مُسْتَكْبِراً كَأَن لّمْ يَسْمَعْهَا ) [ لقمان: ٧ ].
وهؤلاء تغلق عليهم أبواب السماء ( أبواب الرحمة ):( إِنّ الّذِينَ كَذّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لاَ تُفَتّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السّمَاءِ ) ، [ الأعراف: ٤٠ ].
وتتفتح عليهم أبواب جهنّم:( قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبّرِينَ ) ، [ الزمر: ٧٢ ]،( ... أَلَيْسَ فِي جَهَنّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبّرِينَ ) ، [ الزمر: ٦٠ ].
الانحراف المركب:
والانحراف على شكلين: بسيطٌ، ومركّبٌ.أمّا البسيط: فهو أن ينحرف الإنسان عن صراط الله تعالى عالماً بانحرافه، وأمر هذا الانحراف أهون من غيره، فإنّ فُرص الاستقامة تبقى قائمة للإنسان عندما يكون انحرافه بسيطاً. أمّا إذا كان صاحب الانحراف يؤمن بأنّه يحسن صنعاً، ويسير على الصراط المستقيم، فذلك من الانحراف
المركّب ( تركيب من الانحراف والجهل )، وهذا أخطر من الانحراف الأوّل؛ فإنّ الإنسان المنحرف يعتقد في هذه الحالة أنّه ليس بمنحرف، وهذا التصوّر يفوّت عليه فرص العودة والاستقامة.
و( العُجب ) من أهمّ مصادر هذه الحالة من الانحراف المركب، فإنّ الإنسان عندما يأخذه العجب بنفسه يرى القبيح الذي يصدر منه حسناً، والسيئة التي يرتكبها حسنة، ولا يسمح لأحد أن يراجعه في شيء من ذلك، ولا يسمح لنفسه الشكّ والترديد في سلامة شيء من مواقفه وأعماله، ويرى لنفسه ما يشبه العصمة، وهذه الحالة كما ذكرنا أخطر حالات الانحراف، وإلى هذه الحالة من الانحراف المركّب تشير الآية الكريمة:
( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الّذِينَ ضَلّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً * أُولئِكَ الّذِينَ كَفَرُوا بَآيَاتِ رَبّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً ) .
عندما يبلغ الإنسان هذه الدرجة من الانحراف تنحرف عنده الرؤية بشكلٍ كاملٍ فيتصوّر قبائح أعماله وسيئاته حسنات:( وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ) ، وهذه حالة من حالات عمى العقل، والقلب، والبصيرة، يفقد فيها الإنسان القدرة على التمييز بين الحق والباطل، كما يفقد المصابون بعمى الألوان القدرة على تمييز بعض الألوان.
بل ( العمى ) في حالة العجب أخطر، حيث لا يفقد فيها الإنسان الرؤية فقط، وإنّما تنعكس فيها الرؤية فيرى القبيح منه حسناً، ويرى الحسن من غيره قبيحاً. وتسبّب هذه الحالة من العمى، وفقدان القدرة على التمييز، انقلاب المقاييس عند الإنسان في حالة ( العُجب ).
فإنّ الإنسان في حالة الرشد والاستواء يجعل من الحقّ مقياساً لنفسه وأعماله ومواقفه، ويطبّق نفسه وأخلاقه وسلوكه ومواقفه دائماً على هذا المقياس، فيستقيم ويصحح أعماله ومواقفه كلّما تعرّض لخطأ أو انحراف.
وكلّما يتقدم الإنسان في ( العُجب ) أكثر تتعمّق في نفسه هذه الحالة من
انقلاب المقاييس أكثر من ذي قبل، حتّى ينقلب الإنسان فيكون هو مقياساً كاملاً للحق، فما يعمله هو الحق وما يتركه هو الباطل، وما يريده هو الحق وما يعارضه ويرفضه هو الباطل، ويكون ( الأنا ) هو المقياس للحقّ وليس ( الحقّ ) هو المقياس للأنا.
والقرآن يصف هؤلاء بأوصاف عجيبة تستوقف الإنسان، وتدعو إلى كثير من التأمّل والتفكير.
فهو يقول لهم أوّلاً:( الّذِينَ ضَلّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا ) ، وهذه حالة تخصّ الحياة الدنيا، فيضيع سعيهم، وضياع السعي بانتفاء الأثر والفائدة المترتبة على السعي، فإنّ السعي كالحرث يؤتي ثماره طيّبة شهيّة إذا أراد الله تعالى لها الخير وبارك فيه، ويكون مبتوراً عقيماً إذا سلب الله تعالى منه الخير والبركة، كذلك ( السعي ) و( الحركة ) إذا سلب الله تعالى منه الخير والبركة كان جهداً ضائعاً وسعياً ضالاً.
ويعبّر القرآن عنهم ثانياً بـ:( الأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً ) وهذه أيضاً حالة تخصّ الدنيا، والخسارة هي أن يفقد الإنسان جهده وحياته وحركته دون أن يأتي له ذلك بنتيجة أو ثمرة، وجهد الإنسان وحركته وعمره هو ( رأس ماله ) الذي يتاجر به ويحوّله إلى( مرضاة الله ) و( قرب الله ) و( ثواب الآخرة ).
وكل جهد وحركة وساعة من عمر الإنسان لا يتحوّل إلى هذه النتائج فهو خسارة للعمر والجهد، وكأنَّ مَثَل هذا الإنسان مَثل التاجر الذي ينفق رأس ماله دون أن يعود عليه بأيّ شيء، وهذه هي الخسارة الكبيرة التي تشير إليها سورة العصر:( وَالْعَصْرِ * إِنّ الإنسان لَفِي خُسْرٍ ) .
ولكنّ القرآن الكريم لا يقتصر هنا - في تصوير مأساة الإنسان - على هذا الحدّ، وإنّما يتجاوز ذلك ويصف مأساة الإنسان في هذه الحالة بـ:( الأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً ) ، بصيغة أفعل التفضيل. وسبب تكريس حالة الخسارة هذه أنّ جهد الإنسان وسعيه وحركته ليس فقط يضيع، وإنّما يتحوّل إلى ضدّه، فيتحوّل جهد الإنسان إلى عذاب الله وعقابه وغضبه عوض أن يتحوّل إلى رحمة الله وقربه ورضوانه وجنّته.
كمن ينفق
ماله في ارتكاب جريمة فيعاقب ويغرم، فإنّ هذا الإنسان ليس فقط يخسر رأس ماله، وإنّما ينقلب رأس ماله إلى وبال عليه.
ثمّ يقول القرآن الكريم عنهم ثالثاً:( فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً ) ، وهذه الحالة تخصّ يوم القيامة، وهي حالة ( الحَبْط ) الكامل في الآخرة وحالة ( انعدام الوزن ):( فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً ) .
وحالة ( الحَبط ) في مقابل أصلٍ لله:( البقاء ) و( الثبات ) للأعمال في يوم القيامة، والذي يشير إليه القرآن في كثير من آياته:( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرّةٍ شَرّاً يَرَهُ ) ،( وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلاَ يِظْلِمُ رَبّكَ أَحَداً ) ، [ الكهف: ٤٨ ].
وبموجب هذه الحالة لا ينعدم شيءٌ من العمل من خيرٍ أو شرٍ يصدر عن الإنسان يوم القيامة، وهذا أصلٌ كونيٌّ من الأصول الكونيّة التي يشرحها القرآن في تبيان سنن الله تعالى.
إلاّ أنّ ( الكفر ) و( الانحراف المركب ) النابع من العُجب يؤدّي إلى حبط الأعمال يوم القيامة:( فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ) ، وأصل ( الحَبط ) في مقابل أصل الثبات.
كما يؤدّي الكفر والانحراف المركب إلى حالة ( انعدام الوزن ) يوم القيامة:( فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً ) . وبالوزن يوم القيامة يستقر الإنسان في رحمة الله ورضوانه، وإذا فقد الإنسان الوزن يوم القيامة فلا يستطيع أن يستقر في رحمة الله.
أرأيت لو أنّ الإنسان فقد ( الوزن الفيزياوي ) في الدنيا على وجه الأرض هل يستطيع أن يستقر فيها أو يبني لنفسه حياة فيها، كذلك انعدام الوزن يوم القيامة.
علاج العجب
في حياة الإنسان مصدران للابتلاء: ( الهوى ) و( الأنا ) وكلٌّ منهما سبب لسقوط الإنسان وهلاكه.
فقد يسقط الإنسان على مزلق الاستجابة للهوى فيملك الهوى أمره، ويحكِّمه في حياته فيجرّه إلى الهلاك والسقوط. وهو باب واسع من أبواب الفساد والهلاك والسقوط في حياة الإنسان، وقد حذّر الإسلام منه كثيراً واعتبره من أخطر المزالق التي تواجه الإنسان.
وهذه الآية الكريمة تجمع طائفة من أمّهات الأهواء في حياة الإنسان:( زُيّنَ لِلنّاسِ حُبّ الشّهَوَاتِ مِنَ النّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذّهَبِ وَالْفِضّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَاللّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ) .
والمصدر الآخر للسقوط والهلاك والفساد في حياة الإنسان هو ( الأنا )، وكما كانت الاستجابة غير المحدودة للهوى سبباً في السقوط والهلاك في حياة الإنسان، كذلك الاستجابة غير المحدودة للأنا تعتبر المصدر الثاني للسقوط في حياة الإنسان.
فإنّ الأنا عندما يستعلي ويستكبر، ويتحوّل إلى محور يستقطب كل اهتمامات ومشاعر وجهد الإنسان، يتحوّل إلى صنم يتّخذه الإنسان إلهاً في حياته من دون الله، وهذا باب واسع آخر للسقوط والفساد والهلاك في حياة الإنسان، وقد أعطى الإسلام في منهاجه التربوي اهتماماً لهذا وذاك معاً.
والطريقة الصحيحة في معالجة كل من( الهوى ) و( الأنا ) ليس في استئصاله أو كبته ومحاربته، وإنّما في تعديله وتلطيفه والتحكّم فيه.
ومن الوسائل التربوية الصحيحة في تعديل كل من( الهوى ) و( الأنا ) وضبطه والتحكّم فيه العبادات؛ ففي العبادات ما يتّخذه الإسلام وسيلة لتعديل الهوى وكفّه وضبطه وتحديده كالصوم.
ومن العبادات ما يتّخذه الإسلام أداة لتعديل الأنا وتحجيمها كالصلاة؛ فإنّ الصلاة وسيلة فعّالة وقوية لإذلال الأنا وتركيعها بين يدي الله تعالى في الأذكار والأفعال معاً. فالتكبير والتهليل، والحمد، والتعبيد، والاستعانة بالله والتوحيد والدعاء في الأذكار يذلّل الأنا ويخضعها لله، ويشعرها بهذا الذلّ والخضوع
بإيحاءات متعددة.
والحجّ عبادة فريدة في الإسلام يجمع بين هذا وذاك، ففي الحجّ منهاج تربوي واسع لتدريب الإنسان على ضبط الهوى وتحديده، ويمكن الإنسان من أهوائه وشهواته.
ففي محرمات الإحرام منهج عملي لضبط مجموعة من الأهواء القويّة والمؤثرة في النفس كالغريزة الجنسية والنزوع إلى جملة من الطيبات والنزوع إلى الرفاه والراحة.
وفي محرّمات الحرام ما يضبط الأنا ويحدّده ويتحكّم فيه؛ كتحريم لبس المخيط على الحجاج الرجال، واللباس من أبرز سمات شخصية الإنسان في انتمائه الطبقي والقومي. وفي الميقات يتجرّد الحجّاج من كل ملابسهم وأزيائهم الشخصية والقومية ويظهرون بمظهر واحد، دون امتيازات شخصية، أو طبقية، أو قومية، أو فئوية.
ومن محرّمات الإحرام ( الجِدال )، وهو من الميول الأنانية العميقة في نفس الإنسان بالظهور والاستعلاء على خصمه. والطواف يرمز إلى تكريس التوحيد ومحوريّة ( الله ) تعالى في حياة الإنسان، في مقابل تكريس محورية الذات.
ولوقوف المسلمين جميعاً في عرفات في وقتٍ واحدٍ، في وادٍ غير ذي زرع، من دون امتيازات وفوارق للبعض على بعض، للتذلّل والتضرّع بين يدي الله تعالى دور كبير في إذلال الأنا وتعبيدها لله تعالى، وتحويلها من طَور الألوهية والأنانية إلى طور العبودية لله تعالى.
والذي يمعن النظر في فريضة الحجّ يجد أنّ هذه الفريضة العِبادية تتضمّن منهاجاً تربوياً دقيقاً وعملياً في ضبط ( الهوى ) و( الأنا ) وتعديلهما وتعبيدهما لله تعالى.
ونحن في هذا الحديث لا نريد أن نبحث عن الهوى وأخطاره وأعراضه وعلاجه في حياة الإنسان، فليس في هذا المقال موضع للدخول في هذا البحث، وإنّما أشرنا إليه إشارة لنعرف موضع ( الأنا ) من الأخطار التي تهدّد حياة الإنسان، وليكتمل عندنا
منهج البحث وإطاره.
فإنّ ( الأنا ) هو مصدر ( العجب ) في حياة الإنسان، ولا محالة بكون علاج العجب بعلاج الأنا، و( الأنا ) - كما ذكرنا - أحد مصدري الخطر والسقوط والفساد في حياة الإنسان.
فلنتأمل إذن في ( الأنا ) ونترك البحث عن الهوى إلى الموضع المناسب إن شاء الله.
العجب و( الأنا ):
مصدر العُجب ( الأنا )، ولا محالة يكون علاج العُجب في علاج ( الأنا ). إذن، المسألة الأساسية في المرض والعلاج هو ( الأنا ).
فلنتأمّل إذن في ( الأنا ).
للأنا حالتان:
فيالحالة الأولى: يتمحور الأنا حول نفسه، ويستقطب كل جهد صاحبه وحركته، وكل حبّه وبغضه، وكل مشاعره واهتماماته.
وفي الحالة الثانية : تكون مرضاة الله هي المحور لكلّ حركة الإنسان ونشاطه واهتمامه،( قُلْ إِنّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للّهِِ رَبّ الْعَالَمِينَ ) ، في الحالة الأولى يسقط الإنسان، وفي الحالة الثانية يعرج الإنسان.
ومرض العُجب بعض أعراض الحالة الأولى، وعلاج هذا المرض وسائر الأمراض الناشئة من مركزية ( الأنا ) في الحالة الثانية، فإذا فك الإنسان ارتباطه من ( الأنا ) وربط نفسه بمحور الله تعالى وذكْره، ورضاه، يخلص من العُجب كما يتخلّص من كل الأعراض والأمراض الكثيرة الأخرى التي تنشأ من حالة محورية الأنا.
وهذه الحالة من الاستكبار ومحورية ( الأنا ) هو الذي منع إبليس - لعنه الله - من الاستجابة لأمر الله تعالى في السجود لآدم:( قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ) .
وفي الخطاب الإلهي لإبليس من العناية بخلق آدم:( لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ ) . ومن الإنكار الساخر على إبليس:( أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ ) ما لا يخفى على الذي يمعن النظر في هذا الخطاب.
وصياغة الآية دقيقة ومعبّرة، فهي تبرز ( الأنا ) بشكل صارخ في جواب إبليس عن السبب الذي منعه من السجود( ما منعك أن تسجد؟ قال أنا ) .
وينحدر اللعين من ( الأنا ) إلى الحسد؛ فلا يطيق أن يرى هذه الميزة لآدم ( عليه السّلام ) من دونه فيحسده، وهذا هو الانحدار الأوّل.
ويشقّ عليه أن يستجيب لأمر الله تعالى في السجود لآدم، فيتمرّد على أمر الله تعالى ويمتنع عن الاستجابة له، وهذا هو الانحدار الثاني، وهو نهاية السقوط في حياة هذا اللعين.
وابتلاء قارون أيضاً في هذه الأنانية الطاغية:( قَالَ إِنّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي ) ، [ القصص: ٧٨ ]. فلا يرى قارون لله تعالى فضلاً عليه فيما عنده من الكنوز حتى يحاسبه عليه، ويطلب منه الإنفاق منها، وإنّما هي له خاصة، تجمعت عنده على علم عنده وجهد له.
إذن، نقطة الضعف في شخصية قارون هي ( الأنا )، ومن خلال هذه النقطة اندسّ الشيطان إليه، ودعاه إلى التمرّد على الله تعالى ورسوله.
ويبرز الأنا بصورة صارخة في حياة فرعون:( فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبّكُمُ الأَعْلَى ) ، [ النازعات: ٢٣ - ٢٤ ]، وهذه واحدة من أقبح حالات الاستعلاء للأنا.
وهذه الحالة من الأنانية الطاغية تؤدّي بصاحبها إلى استضعاف الآخرين واستخفافهم وإذلالهم للتمكّن منهم وفرض نفوذه وسيطرته عليهم:( فَاسْتَخَفّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ) ، [ الزخرف: ٥٤ ].
وهذا هو الوجه الممقوت والقبيح من الأنا، وإلى هذا الوجه تعود طائفة كبيرة من المشاكل والمتاعب، والمصائب والابتلاءات في حياة الإنسان.
والوجه الآخر للأنا هو وجه العبودية والارتباط والانشداد بالله تعالى، والأنا - في هذا الوجه الآخر - لا يكون محوراً لحركة الإنسان وجهده ونشاطه وحبّه
وبغضه، وإنّما يتحوّل الإنسان من ( الأنا ) إلى محور مرضاة الله تعالى وقربه، ويكون مرضاة الله هو غاية الإنسان في حركته ونشاطه وهو الأساس والمحور في حبّه وبغضه.
يقول تعالى فيما يوجّه به عبده ورسوله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ):( قُلْ إِنّنِي هَدَانِي رَبّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للّهِِ رَبّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وِبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوّلُ الْمُسْلِمِينَ ) ، [ الأنعام: ١٦١ - ١٦٣ ]. وهذا هو الوجه المقبل على الله تعالى من ( الأنا )، فيما كان الوجه الأوّل هو الوجه المعرض عن الله تعالى من الأنا.
الدوائر الأربعة للأنا:
وكما ينشئ الإنسان علاقة مع الآخرين تتّصف بالحبّ والبغض، والانسجام والتناقض، والتعاون والتواكل. كذلك للإنسان دوائر أُخر من العلاقات على نفس الترتيب مع الله تعالى ومع نفسه ومع الدنيا.
وهذه أربعة دوائر للعلاقات يدخل فيها الأنا بالصورة التالية:
١- علاقة الأنا بالله تعالى.
٢- علاقة الأنا بالآخرين.
٣- علاقة الأنا بالدنيا (الأشياء).
٤- علاقة الأنا بنفسه.
ونِمط علاقة الأنا في كل من هذه الدوائر الأربعة يختلف اختلافاً جوهرياً وعميقاً، في الحالة الأولى ( حالة محورية الأنا ) عن الحالة الثانية ( محورية الله تعالى ).
وطائفة واسعة من مصائب الإنسان وابتلاءاته ومشاكله هي من إفرازات (الأنا) عندما يتحوّل (الأنا) في حياة الإنسان إلى محور من دون الله تعالى، فيكون من إفراز ( الأنا ) في هذه الحالة في علاقة الإنسان بالله تعالى التكبّر على الله، والتمرّد على
الله والشرك والكفر.
ومن إفراز ( الأنا ) في علاقة الإنسان بالآخرين: نظام الاستكبار والاستضعاف في العلاقات الاجتماعية، والحسد، والعدوان، والبغضاء، والكراهية فيما بين الناس.
ومن إفراز ( الأنا ) في هذه الحالة في علاقات الإنسان بالدنيا: الحرص، والطمع، والجشع. ومن إفراز الأنا في علاقته بنفسه: العُجب، الغرور والاعتداد بالنفس، وتزكية النفس وتبرئتها عن الخطأ والتقصير.
بينما نجد أنّ إفراز الأنا ونتائجه عندما يجعل الإنسان مرضاة الله تعالى في حياته هي المحور، ويجعل الأنا تابعاً لهذا المحور أمر يختلف تماماً في النقاط التي ذكرناها في هذه الشبكة الواسعة من العلاقات.
وهذا إجمال لابدّ له من تفصيل، وهذا التفصيل يرتبط بموضوع بحثنا ارتباطاً وثيقاً، لابدّ من الدخول فيه.
وإليك هذا التفصيل:
عندما يتحوّل ( الأنا ) في حياة الإنسان إلى محور يستقطب كل مشاعره واهتماماته يصدق على هذا الإنسان أنّه اتخذ ( الأنا ) إلهاً. ويتحوّل ( الأنا ) إلى صنم في حياته يعبده الإنسان من دون الله. وبقدر ما يبرز ( الأنا ) إلهاً في حياة الإنسان يضمر إحساس الإنسان بإلوهية الله تعالى في حياته.
وبين هذا وذاك نسبة عكسية دائماً، فكلّما تبرز إلوهية الأنا أو الهوى في حياة الإنسان أكثر يختفي التوحيد أكثر؛ فإنّ التوحيد يقع في النقطة المقابلة لمحورية الأنا تماماً، وكلَّما تتكرّس حالة محورية الأنا في حياة الإنسان تختفي حالة ( التوحيد ).
والمرحلة الأولى لهذا البروز والاختفاء ( الشرك ) حيث يشرك الإنسان بالله تعالى، والشريك الذي يشركه الإنسان في الألوهية هو ( الأنا )، والمرحلة الأخيرة لهذا البروز والاختفاء هو ( الكفر ) حيث يغطّي ( الأنا ) ذكر الله تعالى في قلب الإنسان بشكل كامل، و( الكفر ) بمعنى التغطية، فتبرز محورية ( الأنا ) في حياة الإنسان بصورة طاغية ويختفي ( التوحيد ) تماماً من نفس الإنسان، وهذه هي التي ينتهي إليها الإنسان غالباً عندما يستدرجه حب الذات.
وهذا ( الكفر ) من الكفر في مقام العمل، وليس من الكفر في ( العقيدة ). وقد يختلفان فيبقى الإنسان في العقيدة مؤمناً بالله تعالى خالقاً ورازقاً ورباً، ولكنّه في مرحلة العمل ينسى الله تعالى ويُنْكره تماماً في اهتماماته وجهده، وحركته ومشاعره، ويتحرّك حول نفسه، ويتحوّل من محور ( الله ) إلى محور ( الأنا )، وينفك تماماً عن المحور الأوّل، ويرتبط تماماً بالمحور الثاني.
وهذا الكفر في التعامل قد يستتبع الكفر في العقيدة وقد يفارق الكفر في العقيدة، ولكنّ القرآن يحكم عليه بالكفر، كما يحكم على الحالة الأولى منها بالشرك.
قصّة صاحب الجنّتين:
وفي قصّة صاحب الجنّتين، في سورة الكهف نلتقي - نحن - هذه الحالة من الكفر المستبطن في التعامل.
ولنقرأ هذه القصّة في سورة الكهف:
( وَاضْرِبْ لَهُم مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً * كِلْتَا الجنّتين آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِنْهُ شَيئاً وَفَجّرْنَا خِلاَلَهُمَا نَهْراً * وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزّ نَفَراً * وَدَخَلَ جَنّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنّ أَن تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً * وَمَا أَظُنّ السّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رّدِدتّ إِلَى رَبّي لأَجِدَنّ خَيْراً مِنْهَا مُنقَلَباً * قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمّ مِن نُطْفَةٍ ثُمّ سَوّاكَ رَجُلاً * لكِنّ هُوَ اللّهُ رَبّي وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبّي أَحَداً * وَلَوْلاَ إِذْ دَخَلْتَ جَنّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللّهُ لاَ قُوّةَ إِلاّ بِاللّهِ إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً * فَعَسَى رَبّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِن جَنّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِنَ السّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً * أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْراً فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً * وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلّبُ كَفّيْهِ عَلَى ما أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبّي أَحَداً * وَلَمْ تَكُن لّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَمَا كَانَ مَنتَصِراً * هُنَالِكَ الْوَلاَيَةُ للّهِِ الْحَقّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً ) ، [ الكهف: ٣٢ - ٤٤ ].
ولنتأمل في هذه الآيات فإنّها غنية بالمفاهيم والأفكار، وأوّل ما يلفت نظرنا في هذه الآيات تأكيد القرآن على ربط هذه النعم بالله تعالى:( جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنّتَيْنِ ) ،( وَفَجّرْنَا خِلاَلَهُمَا نَهْراً ) .
ولا شكّ أنّها عناية مقصودة في بداية القصّة، وهو أحد الاتجاهين المختلفين في الحوار الذي يجري في جوّ هذه القصّة في سورة الكهف.
وهذا الاتّجاه هو ربط كلّ نعمةٍ وموهبةٍ وخيرٍ ورزقٍ في حياة الإنسان بالله تعالى والتأكيد على هذا الربط، في مقابل الاتجاه الآخر الذي نقرأه في هذه القصّة؛ وهو فكّ ارتباط النعم عن الله تعالى وربطها بالإنسان واعتبار الإنسان هو صاحب هذه النعم ووليّها.
ويبرز هذا الاتجاه في الحوار الذي يجري في القصة في كلمة صاحب الجنّتين لصاحبه، وهو يحاوره:( أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزّ نَفَراً ) ، فالمال والنفر العزيز للأنا، وليس لارتباطهما بالله تعالى ذكر أو إشارة.
ومن عجبٍ أنّ هذه النعم الموصولة بالله تعالى بدل أن تتحوّل في نفس صاحب الجنّتين إلى إحساس بالشكر والتواضع لله تعالى تتحوّل في نفسه إلى طغيان للأنانية وبروز صارخ للأنا أولاً، ثمّ إلى تكاثر وتفاخر ومباهاة:( فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزّ نَفَراً ) .
وسبب بروز ( الأنا ) وطغيانه عند صاحب الجنّتين ليس هو ( النعمة ) وإنّما طريقة فهمه للنعمة وعلاقة النعمة به؛ أنّ النعمة عنده له، وهو وليّها، وليس لأحدٍ فضل عليه فيها. بعكس التصوّر الذي يقدّمه القرآن لعلاقة الإنسان بالنعمة والتي أشرنا إليها قريباً، فإنّ النعمة، بناء على التصوّر القرآني لله وهو وليها، وليس لصاحب النعمة فيها شأن أو فضل، إلاّ أنّ الله تعالى أودعها عنده وجعله خليفة عليها.
وهذان التصوّران مفتاحان لنمطين من الشخصيّة يشير إليهما الحوار الذي يجري في سورة الكهف في قصّة صاحب الجنّتين، ولكلّ من هاتين الشخصيتين
طريقته وأسلوبه في فهم النعمة والتعامل معها في النمط الأوّل من الشخصية، وهو النمط القرآني، يتكرّس ارتباط النعمة بالله تعالى وهو بمعنى فقر الإنسان إلى الله تعالى وليّ النعمة، ولذلك فإنّ السمة البارزة في هذه الشخصية هي ( الفقر ) إلى الله تعالى، يقول الله تعالى:( يَا أَيّهَا النّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللّهِ وَاللّهُ هُوَ الْغَنِيّ الْحَمِيدُ ) ، [ فاطر: ١٥ ].
وأروع تصوير لهذه الحالة من ( الأنا ) ورد في القرآن في قصّة موسى بن عمران ( عليه السّلام ) عندما وقف في الظل يستريح بعدما سقى لابنتي شعيب:( رَبّ إِنّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) ، [ القصص: ٢٤ ].
والأنا في هذه الآية الكريمة تقع بين نعمة نازلة من الله:( لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيّ ) ، وفقرٍ صاعد إلى الله:( فَقِيرٌ ) . أحدهما ينتهي إلى الإنسان من الله تعالى وهو النعمة والرحمة، والآخر ينطلق من الإنسان إلى الله وهو الفقر.
و( الأنا ) بين هذا الخطّ الصاعد والخطّ النازل، وهذا هو الوضع الصحيح للأنا في الارتباط بالنعمة، والنمط القرآني للشخصية.
وهذا النموذج من الشخصية بارز كل البروز في الحوار الوارد في قصة صاحب الجنّتين، كما سيتضح أكثر فيما بعد إن شاء الله.
والنمط الآخر من الشخصية هو النمط الأناني، وفيها يتكرّس ارتباط النعمة بالأنا، وتختفي علاقة النعمة بالله تعالى، فتكون النعمة في حياة الإنسان من علامات ( الغنى ) وليس ( الفقر )، وكلّما يزداد حظّ الإنسان من النعمة يشعر بالاستغناء أكثر من ذي قبل
والإحساس بالغنى سبب الانفصال عن الله، كما أنّ الإحساس بالفقر سبب الارتباط بالله تعالى، وفي حالة الإحساس بالغنى والانفصال عن الله يبرز الأنا ويطغى، كما أنّ الأنا في حالة الإحساس بالفقر والارتباط بالله يختفي ويضمر.
وصدق الله تعالى حيث يقول:( كَلاّ إِنّ الإنسان لَيَطْغَى * أَن رَآهُ
اسْتَغْنَى ) . [ العلق: ٦ ]. وهذه الآية تصوّر، بصورةٍ واضحةٍ ودقيقةٍ، كيف تتحوّل النعمة في حياة الإنسان إلى إحساس بالغنى، وشعور بالانفصال عن الله، وبالتالي الطغيان.
وهذه الحالة من الأنانية، وبروز الأنا، وما يستتبعه من التباهي والتفاخر والتكاثر، ظاهرٌ في هذه الفقرة من الحوار الوارد في القصّة:( أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزّ نَفَراً ) . ومكافحة هذه الحالة من الطغيان: بتكريس الفقر إلى الله، وتحجيم الأنا وتحديده، والمنع من بروزه.
وفي التصوّر الذي يقدِّمه إلينا القرآن عن ( الأنا ) وطريقة التعامل معه يعتبر إطلاق العنان للأنا من الظلم الذي يمارسه الإنسان على نفسه، حيث يقطع الإنسان نفسه عن الله، وهو من أقبح أنواع الظلم الذي يمارسه الإنسان على نفسه.
ولذلك، فإنّ القرآن يقول عن صاحب الجنتين:( وَدَخَلَ جَنّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ ) .
ولهذا الظلم وجهان اثنان:
الوجه الأوّل: الانشداد إلى متاع الحياة الدنيا، وطول الأمل فيه، حتى كأنّه لا يبيد ولا يفنى:( قَالَ مَا أَظُنّ أَن تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً ) . وهو أمر طبيعي، فإنّ الإنسان إذا شدّ كل حبال نفسه بالدنيا ودّ لو لم ينقطع عن الدنيا، وتبقى له ولا تبيد، وهو بمعنى طول الأمل.
والوجه الثاني: قطع الرجاء والأمل عن الله في مقابل طول الأمل بالدنيا، حتى كأنّ الساعة لا تقوم، وإلى هذا الإحساس الباطني المكتوم تشير الآية الكريمة:( وَمَا أَظُنّ السّاعَةَ قَائِمَةً ) . وهذان وجهان لحقيقةٍ واحدةٍ، لا يمكن التفكيك بينهما.
والفصل الأخير من مأساة ( الأنا ) في هذا الحوار أنّ الإنسان عندما يسترسل في الطغيان يتحوّل عنده - بالتدريج - الشعور بالفقر إلى الله إلى إحساس بالاستحقاق على الله.
( وَلَئِن رّدِدتّ إِلَى رَبّي لأَجِدَنّ خَيْراً مِنْهَا مُنقَلَباً ) فهو يفترض أنّه في الآخرة - لو قامت الساعة - لا يقلّ مالاً وولداً عنه في الدنيا، بل يجد فيها خيراً ممّا يملك في الدنيا منقلباً.
وليس يطلب ذلك من الله تعالى، ولا يرجوه، ولا يسعى لتحصيله سعياً في الدنيا، وإنّما يفترض أنّه يستحقّ ذلك على الله استحقاقاً!
ولا يُخفى في نفس الوقت شكّه في أن تقوم الساعة:( وَلَئِن رّدِدتّ إِلَى رَبّي ) ، وينتهي هذا الطرف من الحوار هنا، ويبدأ ذكر الطرف الآخر من الحوار، وهو نموذج آخر من الشخصية يختلف عن النموذج الأوّل في مكوّناته ومنطلقاته.
فلنتأمّل في هذا الشطر الآخر من الحوار:( قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمّ مِن نُطْفَةٍ ثُمّ سَوّاكَ رَجُلاً ) .
وهذه أبرز نقطة تلفت النظر في هذا الحوار: فلم يسبق من صاحب الجنتين إنكار لله تعالى بالصراحة، عدا ما سبق منه من التشكيك في أن تقوم الساعة، فما مصدر هذه النسبة التي ينسبها إليه صاحبه المؤمن الذي يحاوره؟ إنّ هذا الكفر هو كفر بالله تعالى في مقام التعامل، يستبطنه الموقف العملي لصاحب الجنّتين وطريقة تعامله مع نعم الله تعالى.
إلاّ أنّ صاحب الجنّتين يحاول أن يتكتّم عليه ويخفيه ويحاول صاحبه المؤمن الذي يحاوره أن يجابهه به علانية، ويقرَّعه به ليردعه عنه.
وهذه هي الحقيقة التي أكّدناها من قَبل، فإنّ في كل بروز للأنا اختفاء للتوحيد في علاقة الإنسان بالله، والمرحلة الأولى منه الشرك، والمرحلة الأخيرة الكفر.
ولنتأمّل في البقية من هذا الحوار:( لكِنّا هُوَ اللّهُ رَبّي وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبّي أَحَداً * وَلَوْلاَ إِذْ دَخَلْتَ جَنّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللّهُ لاَ قُوّةَ إِلاّ بِاللّهِ إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً * فَعَسَى رَبّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِن جَنّتِكَ ) . وهذا شطرٌ آخر من الخلاف في طريقة التعامل مع الأنا من هذين النموذجين من الشخصية فإذا كان ( الأنا ) أبرز شيء في كلام المحاور الأوّل، فإنّ ( الأنا ) هنا يختفي، ويبرز التوحيد بشكل بارز:( لكِنّا هُوَ اللّهُ رَبّي ) .
والفرق بين ( الأنا ) في كلام هذا وذاك هو مفتاح فهم كل من هاتين الشخصيتين وأساس الفرق بينهما:( أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزّ نَفَراً ) ، ( لكِنّا هُوَ اللّهُ رَبّي ) . وإذا كان
المحاور الأوّل ربط النعمة مباشرة بنفسه، وكأنّه وليّها ومالكها الحقيقي، نجد أنّ المحاور المؤمن يربط هذه النعمة بمشيئة الله تعالى وقوته:( وَلَوْلاَ إِذْ دَخَلْتَ جَنّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللّهُ لاَ قُوّةَ إِلاّ بِاللّهِ ) .
وإذا كان أمل المحاور الأوّل وثقته فيما يفنى ويبيد من متاع الدنيا، فإنّ ثقة المحاور المؤمن فيما يبقى ولا يزول من الأمل برحمة الله:( فَعَسَى رَبّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِن جَنّتِكَ ) .
علاقة ( الأنا ) بالآخرين
هذا في علاقة ( الأنا ) بالله تعالى، وأمّا في علاقة ( الأنا ) بالآخرين فإنّ أكثر مآسي الإنسان وشقائه في علاقته بالآخرين يعود إلى ( الأنا ) و( الهوى )، كما أنّ أكثر شقاء الإنسان في علاقته بالله تعالى هو كذلك في ( الأنا ) و( الهوى ).
نحن نتحدّث هنا عن بؤس الإنسان في علاقته بالآخرين بقدر ما يتعلق الأمر بـ ( الأنا )، كما تحدّثنا قبل هذا عن بؤسه في علاقته بالله تعالى في نفس الحقل.
إنّ حالة التكريس والاستعلاء للأنا تؤدّي في شبكة العلاقات الاجتماعية إلى حالتي الاستكبار والاستضعاف في علاقة الناس بعضهم ببعض في المجتمع. وضمن هذه العلاقة يحاول كل فرد أن يفرض نفوذه وهيمنته على الآخرين، ولكي يحقّق هذه الغاية يستضعف الآخرين ويستخفّهم ليتمكّن من فرض نفوذه عليهم، يقول تعالى عن علاقة فرعون بقومه:( فَاسْتَخَفّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ) .
وبهذه الطريقة يتكوّن في المجتمع نظام من العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية يقوم على أساس الاستكبار والاستضعاف، وهو أساس لكثير من الفساد على وجه الأرض.
كما أنّ حالة التكريس والاستئثار والمحورية للأنا تؤدّي إلى طائفة من المتاعب الاجتماعية والأخلاقية في حياة الإنسان في علاقاته بالآخرين؛ كالعدوان والحسد ( تمنّي إزالة النعمة عن الآخرين )، والكراهية والبغضاء، والاستئثار وسوء الظن
والارتياب وفقدان الثقة فيما بين الناس، وحبّ البروز والاشتهار واستراق الأضواء عن الآخرين.
وهذه المفاسد وغيرها في العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية هي حصيلة حالة الاستعلاء والتكريس والاستئثار للأنا.
علاقة الإنسان بنفسه
وأمّا علاقة الإنسان بنفسه فهي علاقة معقّدة شديدة التعقيد، أشرنا إليها سابقاً إشارة سريعة، وهذه العلاقة قد تقوم على أساس من انبهار الإنسان بنفسه فيما آتاه الله من ملكات ومواهب، وفيما يفعله ويقوله، وهو جانب من العجب.
وقد تقوم على أساس من الترفع عن النقد، ورفض الاعتراف بتقصير أو خطأ في قول أو فعل، و( تزكية النفس ) وتبرأتها، وهو الجانب الآخر من العجب.
علاقة الإنسان بالدنيا
وفي دائرة علاقة الإنسان بالدنيا ومغرياتها تؤدّي هذه الحالة إلى الحرص والجشع و( جوعة الدنيا ) والنهم الذي لا يشبعه شيء. وقد روي عن رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ):( لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلاّ التراب ) .(١)
النهاية
والنتيجة والعاقبة التي ينتهي إليها جميع أولئك الذين يتخذون ( الأنا ) إلهاً ومحوراً في حياتهم من دون الله تعالى هي الانغلاق الكامل عن آيات الله تعالى
____________________
(١) إحياء العلوم للغزالي ٣: ٢٣٨.
والطبع والرَّيْن على القلوب.
يقول تعالى:( سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الّذِينَ يَتَكَبّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ ) .
ويقول تعالى:( كَذلِكَ يَطْبَعُ اللّهُ عَلَى كُلّ قَلْبِ مُتَكَبّرٍ جَبّارٍ ) .
تعديل الأنا:
وبعد هذه الجولة في أعراض ( الأنا ) عندما يتّخذ الإنسان ( الأنا ) محوراً وإلهاً في حياته من دون الله، نبحث عن الوسائل التي يقدّمها الإسلام في منهاجه التربوي لتعديل ( الأنا ) في حياة الإنسان؛ فإنّ الإسلام لا يؤمن بمبدأ إلغاء ( الأنا ) كما لا يؤمن بمشروع إلغاء ( الهوى ).
والمنهج الذي يقرّه الإسلام في ( الأنا ) و( الهوى ) هو التعديل وليس الإلغاء. ولابدّ أن نبحث عن الوسائل التي يقدّمها الإسلام في منهجه التربوي لتعديل ( الأنا )، أمّا تعديل الهوى فهو أمر خارجٌ عن اختصاص هذه المقالة نُحيلة إلى مواضعه من الدراسات الأخلاقية والنفسية في الإسلام.
وتعديل ( الأنا ) هو علاج العجب بشكل دقيق، فإنّ مشكلة ( العجب ) تكمن في ( الأنا ) وبالضرورة يكون علاج هذه المشكلة في تعديل الأنا وتلطيفه.
ويتمُّ تعديل الأنا بصورةٍ كاملةٍ في التربية الإسلامية ضمن تحديد وتنظيم علاقة الأنا بالله تعالى، وعلاقته بالآخرين، وعلاقته بنفسه.
وقد أولى الإسلام هذه الدوائر الثلاثة من العلاقات في حياة الإنسان اهتماماً كبيراً، وإذا قدِّر للإنسان أن ينظّم علاقاته مع الله، ومع الآخرين، ومع نفسه، ومع الدنيا بالطريقة التي يشرحها ويوضحها الإسلام، يسلم من كل الأعراض التي تصيب الإنسان من ناحية ( الأنا )، والعجب من أهم هذه الأمراض.
ونحن فيما يلي نحاول - إن شاء الله - أن نطرح النظرية الإسلامية في علاقة الأنا بالله تعالى وبالآخرين وبنفسه.
علاقة ( الأنا ) بالله تعالى
الأنماط الثلاثة للعلاقة بالله:
علاقة ( الأنا ) بالله تعالى من الأمور الدقيقة التي تعطيها النصوص الإسلامية اهتماماً كبيراً. فهناك أنماطاً من العلاقة بالله تعالى تقوم على أساس الطغيان على الله وتجاوز حدود العبودية، والقرآن يسمِّي هذه العلاقة بالطغيان، يقول تعالى:
( كَلاّ إِنّ الإنسان لَيَطْغَى * أَن رَآهُ اسْتَغْنَى ) ، [ العلق: ٦ ].
( فَأَمّا مَن طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدّنْيَا * فَإِنّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى ) ، [ النازعات: ٣٧ - ٣٩ ].
( فَنَذَرُ الّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) ، [ يونس: ١١ ].
وللطغيان في حياة الإنسان صور ومصاديق كثيرة،منها: الخصومة مع الله تعالى( أَوَلَمْ يَرَ الإنسان أَنّا خَلَقْنَاهُ مِن نّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مّبِينٌ ) ، [ يس: ٧٧ ].
ومنه: الصد عن سبيل الله:( إِنّ الّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدّوا عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمّ يُغْلَبُون َ ... ) ، [ الأنفال: ٣٦ ].
ومنه: محاربة الله:( وَالّذِينَ اتّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ ) ، [ التوبة: ١٠٧ ].
ومنه: محادّة الله:( إِنّ الّذِينَ يُحَادّونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الأَذَلّينَ ) ، [ المجادلة: ٢٠ ].
ومنه: مشاقّة الله:( ذلِكَ بِأَنّهُمْ شَاقّوا اللّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) ، [ الأنفال: ١٣ ].
وهناك نوع آخر من العلاقة بالله قائمة على أساس الإدلال والمنّ على الله ورسوله:( يَمُنّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لاَ تَمُنّوا عَلَيّ إِسْلاَمَكُم بَلِ اللّهُ يَمُنّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ للإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) ، [ الحجرات: ١٧ ].
والنوع الثالث من العلاقة بالله تعالى قائمة على أساس العبودية لله، والحبّ، والذكر، والخوف، والرجاء، والطاعة، والخشوع والخضوع، والإخبات لله. وموقع الأنا في
هذه العلاقة من الله تعالى هو موقع التذلّل والعبودية والخشوع وليس موقع الطغيان والخلاف ولا موقع الإدلال والمنّ.
وهذه هي العلاقة الصحيحة للأنا مع الله تعالى، وهذه العلاقة تحمي الإنسان من العجب، وتمنع من حالة تورّم للأنا، وتحدد الموضع الصحيح للأنا من الله تعالى والحجم الحقيقي للأنا.
عناصر العلاقة بالله:
والنصوص الإسلامية تعطي للعلاقة بالله تعالى اهتماماً كبيراً، وتعتبر هذه العلاقة هي الأساس والمحور للشخصية الإسلامية، وتحدّد الأبعاد الأخرى للشخصية الإسلامية على ضوء هذه العلاقة، والعناصر التي تتألّف منها علاقة العبد بالله تعالى مجموعة متناسقة من النقاط يتألّف منها طيف منسجم ومتناسب ومتعادل في العلاقة بالله تعالى.
ودراسة هذا الطيف وتحليله يحتاج إلى فرصة ودراسة أوسع من هذا المقال، إلاّ أنّنا سوف نحاول أن نشير إلى مجموعة من النقاط التي تتألّف منها العلاقة بالله تعالى، من خلال النصوص الإسلامية في القرآن والحديث، وإليكم هذه الإضمامة من عناصر العلاقة بالله تعالى:
١ - الخوف والخشية من الله:
يقول تعالى:( وَأَمّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ وَنَهَى النّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنّ الْجَنّةَ هِيَ الْمَأْوَى ) [ النازعات: ٤٠ ]،( فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي ) ، [ البقرة: ١٥٠ ].
٢ - التضرّع:
( تَدْعُونَهُ تَضَرّعاً وَخُفْيَةً ) [ الأنعام: ٦٣ ]،( وَاذْكُر رَبّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرّعاً وَخِيفَةً ) [ الأعراف: ٢٠٥ ].
٣ - الإنابة:
( وَأَنِيبُوا إِلَى رَبّكُمْ ) [ الزمر: ٥٤ ]، ( خَرّ رَاكِعاً وَأَنَابَ ) [ ص: ٢٤ ].
٤ - الإخبات: ( التواضع والخشوع )
( إِنّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبّهِمْ أُولئِكَ أَصْحَابُ الْجَنّةِ ... ) [ هود: ٢٣ ]، ( وَبَشّرِ الْمُخْبِتِينَ ) [ الحجّ: ٣٤].
٥ - الحبّ:
( قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبّ إِلَيْكُم مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَيَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِين َ ) [ التوبة: ٢٤ ]،( وَالّذِينَ آمَنُوا أَشَدّ حُبّاً للّهِ ) [ البقرة: ١٦٥ ].
٦ - التقوى:
( اتّقِ اللّهَ وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ ... ) [ الأحزاب: ١ ].
٧ - الاستغفار:
( ... وَاسْتَغْفِرُوا اللّهَ إِنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) [ البقرة: ١٩٩ ].
٨ - التوبة:
( فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ ) [ البقرة: ٥٤ ]،( وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبّكُمْ ثُمّ تُوبُوا إِلَيْهِ ) [ هود: ٥٢ ].
٩ - الاعتذار والندم:
( اللّهمّ عظم بلائي، وأفرط بي سوء حالي، وقَصُرَت بي أعمالي، وقَعُدَت بي
أغلالي وحبسني عن نفعي بُعد أملي، وخدعتني الدنيا بغُرورها، ونفسي بجنايتها ومِطالي، يا سيدي،. ..) [ دعاء كميل ].
١٠، ١١، ١٢ - ( الانكسار )، ( الاستقالة )، ( الإقرار والإذعان والاعتراف ):
( أتيتك - يا إلهي - بعد تقصيري وإسرافي على نفسي؛ معتذراً، نادماً، منكسراً، مستقيلاً، مستغفراً، منيباً، مقرَّاً، مذعناً، معترفاً، لا أجد مفراً ممّا كان مني، ولا مفزعاً أتوجه إليه في أمري، غير قبولك عذري... اللّهمّ، فأقبل عذري، وارحم شدّة ضري. ..) [ دعاء كميل ].
( أنت الساتر عورتي، والمؤمن روعتي، والمقيل عثرتي. ..) . [ دعاء الأسحار ]
١٥، ١٦ - ( البكاء )، ( الاستغاثة والتوسّل إلى الله ):
( فبعزتك - يا سيدي - أقسم صادقاً، لَئن تركتني ناطقاً لأَضُجنَّ إليك بين أهلها ضجيج الآملين، ولأصرخنَّ إليك صراخ المستصرخين، ولأبكينَّ عليك بُكاء الفاقدين، ولاُنادينّك: أين كنت يا ولي المؤمنين، يا غاية آمال العارفين، يا غياث المستغيثين،... أفتراك - سبحانك - تسمع صوت عبدٍ مسلمٍ سجن فيها بمخالفته، وذاق طعم عذابها بمعصيته، وهو يضجّ إليك ضجيج مؤمّل لرحمتك، ويناديك بلسان أهل توحيدك، ويتوسل إليك بربوبيتك ) ، [ دعاء كميل ].
١٧ - ( الفقر إلى الله ):
( يا إلهي، وسيدي ومولاي، ومالك رقّي، يا من بيده ناصيتي، يا عليماً بضرّي ومسكنتي، يا خبيراً بفقري وفاقتي )، ( أنا الصغير الذي ربيته، وأنا الجاهل الذي علمته، وأنا الضال الذي هديته، وأنا الوضيع الذي رفعته، وأنا الخائف الذي آمنته ).
( فإليك - يا ربِّ - نصبت وجهي، وإليك - يا ربِّ - مددت يدي ) .
١٨ - الاستجارة بالله واللواذ بالله:
( أجرنا من النار يا مجير ) [ دعاء المجير ]،( هذا مقام المستجير بك من النار )، ( وأنت جار من لاذ بك ) [ دعاء يستشير ]،( وقد خضعت بالإنابة إليك، ودعوت بالاستكانة لديك، فإن طردتني من بابك فبمن ألوذ، وإن رَدَدَتني عن جنابك فبمن أعوذ ) [ مناجاة التائبين ].
١٩ - الفرار إلى الله:
( فَفِرّوْا إِلَى اللّهِ إِنّي لَكُم مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ) [ الذاريات: ٥٠ ].
٢٠ - الاضطرار إلى الله:
( أَمّن يُجِيبُ الْمُضْطَرّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السّوءَ ) [ النمل: ٦٢ ].
( أنا - يا ربِّ - الذي لم أستحيك في الخلاء، ولم أراقبك في المُلأ، أنا صاحب الدواهي العظمى، أنا الذي على سيده اجترى، أنا الذي عصيت جبّار السماء... أنا الذي أمهلتني فما ارعويت، وسترت عليّ فما استحييت ) [ دعاء أبو حمزة ].
٢٢ - التملُّق إلى الله:
( إلهي، أتراك بعد الإيمان بك تعذّبني، أم بعد حبّي إياك تُبعدني، أم مع رجائي لرحمتك وصفحك تحرمني، أم مع استجارتي بعفوك تُسلِمني، حاشا لوجهك الكريم أن تخيبني... إلهي، هل تَسوِّد وجوهاً خرّت لعظمتك ساجدة، أو تُخرس ألسناً نطقت بالثناء على مجدك وجلالك، أو تطبع على قلوب انطوت على محبّتك، أو تصمّ أسماعاً تلذذت بسماع ذكرك، أو تغل أكفاً رفعتها الآمال إليك رجاء رأفتك.
إلهي، لا تغلق على موحّديك أبواب رحمتك، ولا تحجب مُشتاقيك عن النظر إلى جميل رؤيتك ) [ مناجاة الخائفين ]،( يا الله، لا تحرق وجهي بالنار بعد سجودي وتعفيري بغير مَنٍّ عليك، بل لك الحمد والمنُّ والفضل ) [ دعاء الأسحار ].
٢٣ - الالتِماس والترجّي:
( إلهي، من الذي نزل بك ملتمساً قِراك فما قريته، ومن الذي أناخ ببابك مرتجياً نداك فما أوليته ) [ مناجاة الراجين ].
٢٤ - تحسيس النفس بالتقصير:
( وهذا مقام من اعترف بسبوغ النعماء وقابَلها بالتقصير، وشهد على نفسه بالإهمال والتضييع. إلهي، تصاغر عند تعاظم آلائك شكري، وتضاءَل في جنب إكرامك إياي ثنائي ونشري ) [ مناجاة الشاكرين ].
( يا من يقبل اليسير، ويعفو عن الكثير، اقبل منّي اليسير، واعفُ عنّي الكثير ) [ دعاء الأسحار ]،( أفبِلِساني هذا الكال أشكرك، أم بغاية جهدي في عملي أرضيك، وما قدر لساني - يا ربّ - في جنب شكرك، وما قدر عملي في جنب نعمك وإحسانك ) [ دعاء أبو حمزة ].
هذه طائفة من العناصر التي تولّف العلاقة بالله تعالى استخرجناها من نصوص القرآن، والحديث، والدعاء. وهذه بمجموعها تؤلّف طيفاً زاهياً منسجماً ومتوازناً للعلاقة بالله تعالى.
٢٥ - الذكر:
( الّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنّ الْقُلُوبُ ) ، [ الرعد: ٢٨ ].
( لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) ، [ المنافقون: ٩ ].
٢٦ - الأُنس بالله:
( وهب لي الأنس بك وبأوليائك وبأهل طاعتك، اجعل سکون قلبي، وأنس نفسي، واستغنائي وکفايتي بك وبخيار خلقك ) [الدعاء (٢١) من الصحيفة الكاملة للإمام زين العابدين ].
٢٧ - الشوق إلى الله:
( وامنن عليّ بشوقي إليك، والعمل لك ما تجب ) الدعاء (٢١) من الصحيفة الكامِلة.
( وامنن عليّ بشوق إليك ) الدعاء (٢١) من الصحيفة الكامِلة.
وفيما يلي نحاول أن نشرح بعض مفردات هذه العناصر:
العبودية:
والعبودية لله هي الأساس في علاقة الإنسان بالله تعالى وبالکون والمجتمع، وهي التي تحدّد مرکز الإنسان في الكون والمجتمع، وقد أعطى الإسلام العبودية موقعاً مرکزياً في حياة الإنسان وتفکيره ومواقفه.
فهي تنعکس انعكاساً مباشراً وواضحاً وتتحکّم في سلوك الإنسان وعلاقاته ومواقفه وتصوّراته، کما تنعکس على مشاعره وعواطفه، وحالة ( العجب ) في الإنسان من الحالات التي تتأثّر بالعبودية سلباً وإيجاباً بصورة مباشرة.
فإذا استقرّت علاقة الإنسان بالله على أساس العبودية وما تستتبع من الانكسار والتضرّع والتذلّل بين يدي الله، فسوف لا يملكه العجب ولا يكبر لديه ( الأنا )، وتغلب عليه صفة العبودية حتى تكون الصفة البارزة في كل تحرّكاته وتصرفاته.
ولقد كانت صفة العبودية بارزة في رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) حتّى في طريقة جلوسه وكلامه، وكان يكره أن يتميّز عن الآخرين في مجلس أو حركة، فعابت عليه ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) امرأة - كانت مشهورة بسوء الأدب - هذه الخصلة، وقالت له ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ):
كل شيء فيك حسن إلاّ إنّك تجلس مجلس العبيد، فقال لها (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعفوية وبساطة: ( ومن أعبد منّي؟ )، يقول أمير المؤمنين ( عليه السّلام ) في صفة رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ):
( ولقد كان - صلّى الله عليه وآله وسلّم - يأكل على الأرض، ويجلس جلسة العبد، ويخصف بيده نعله، ويرقّع بيده ثوبه، ويركب الحمار العاري، ويردف خلفه، ويكون الستر على باب بيته، فيكون فيه التصاوير، فيقول:
يا فلان، غيبيه عنّي؛ فإنّي إذا نظرت إليه ذكرت الدنيا وزخارفها. فأعرضَ عن الدنيا بقلبه، وأمات ذكرها من نفسه، وأحب أن تَغِيب زينتها عن عينه؛ لكيلا يتخذ منها رَياشاً، ولا يعتقدها قراراً، ولا يرجو فيها مقاماً، فأخرجها من النفس، وأشخصها عن القلب، وغيّبها عن النظر. وكذلك من أبغض شيئاً أبغض أن ينظر إليه، وأن يُذكر عنده... ). (١)
ويحضرني من الشعر في صفة بعض المقاتلين:
سمة العبيد من الخشوع عليهم |
لـلـه إن ضـمتهم الأسـحار |
|
فإذا ترجّلت الضحى شهدت لهم |
بـيض الـنواصي أنّهم أحرار |
وواضح أن للعبيد سِمة متميزة واضحة في حركتهم وسكونهم، ومأكلهم ومشربهم وملبسهم، وكلامهم وسكوتهم.
يحكى عن بعض العارفين الزهاد المشهورين أنّه كان قبل أن يتوب من أهل
____________________
(١) نهج البلاغة، الخطبة رقم: ١٦٠.
الترف والبذخ، وكانت له ليالٍ حمراء عامرة بالشُّرب والطرب، فمرَّ الإمام موسى بن جعفر ( عليه السّلام ) على داره ذات يوم ولفت نظره ضجّة الغناء والطرب والسكر، فسأل عن صاحب البيت، فأجابته أَمَةٌ من خادمات البيت، فسألها الإمام موسى بن جعفر ( عليه السّلام ):هو حرّ أم عبد؟ فلم تفهم الخادمة مغزى كلام الإمام (عليه السّلام )، وقالت:كيف يكون عبداً وهو يملك المئات من العبيد والإماء؟!
فقال لها الإمام: أجل لو كان ( عبداً ) لم يفعل هكذا. وذهب لشأنه، فسمع الرجل الحوار الذي جرى بين الإمام والخادمة، وفهم مغزى كلام الإمام، فأسرع في طلب الإمام، فخشي أن لا يدرك الإمام فخرج حافياً حتى لحق الإمام وتاب على يديه، فَعُرف بالحافي بعد ذلك، واشتهر أمره وذِكره في العارفين والزاهدين.
والذي يقرأ سمات الشخصية الإسلامية في النصوص الإسلامية يجد أنّ صِفة العبودية هي الصفة المحورية في الشخصية الإسلامية، يقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السّلام ) في صفة المتقين:
( عَظُم الخالق في أنفسهم فَصَغُر ما دونه في أعينهم، فهم والجنّة كمن قد رآها فهم فيها منعَّمون، وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذَّبون. قلوبهم محزونة، وشرورهم مأمونة، وأجسادهم نحيفة، وحاجاتهم خفيفة، وأنفسهم عفيفة.
... أمّا الليل فصافون أقدامهم تالين لأجزاء القرآن يرتلونها ترتيلاً، يُحزنون به أنفسهم، ويستثيرون به دواء دائهم، وأمّا النهار فَحُلَماء علماء أبرار أتقياء، قد براهم الخوف بري القداح، ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى، وما بالقوم من مرض، ويقول لقد خولطوا ولقد خالطهم أمرٌ عظيم.
فمن علامة أحدهم أنّك ترى له قوّة في دين، وحزماً في لين، وإيماناً في يقين، وحرصاً في علم، وقَصْداً في غنى، وخشوعاً في عبادة، وتحمّلاً في فاقة، وصبراً في شدّة، وطلباً في حلال، ونشاطاً في هُدى وتحرجاً عن طمع. ..). (١)
____________________
(١) نهج البلاغة، خطبة المتقين، الخطبة رقم: ١٩٣.
الذكر:
والذكر هو استشعار علاقة العبودية وذلك باستحضار صفات الله وأسمائه تعالى الحسنى، فعندما يستحضر الإنسان صفات الله وأسمائه الحسنى يحدّد بشكلٍ دقيق - في قلبه وعقله - موضعه الدقيق من الله تعالى، وهو موقع العبودية.
وفي كل ذكر استحضار لصفة من صفات الله وأسمائه الحسنى، وفي كل استحضار لصفات الله وأسمائه الحسنى وعي وتشخيص لموقع الإنسان من الله تعالى.
ولهذا السبب فإنّ في( الذكر ) تكريساً لعلاقة العبودية بالله تعالى، وهذه العلاقة تحدّد الأنا وتضعه في موضعه الصحيح من العلاقة بالله تعالى.
فللذكر - إذن - دورٌ تربويٌّ مؤثّر في مكافحة العجب، وفي مقابل ذلك( الغفلة ) عن ذكر الله؛ فإنّها من مصادر العجب، وبقدر ما يغفل الإنسان عن ذكر الله يصيبه العُجب، ولا شيء يؤدّي إلى طيش الأنا وحجبه عن الله وطغيانه وتمرّده على الله كالغفلة عن ذكر الله.
الشكر:
الشكر من الوسائل المؤثّرة في كسر شَوكَة ( الأنا )، وتكريس حالة العبودية وتعبيد الأنا لله تعالى؛ ذلك أنّ الشكر ينطوي على إحساس مزدوج بفقر الإنسان إلى الله تعالى، وفضل الله عزّ شأنه على الإنسان.
وهذا الإحساس المزدوج يتكوّن من خطٍّ صاعد من الإنسان إلى الله وهو خطّ الفقر، وخطٍّ نازل من عند الله على عبده وهو خطّ الفضل والرحمة والرزق.
ويصوِّر القرآن على لسان موسى بن عمران ( عليه السّلام ) هذا الإحساس المزدوج أروع تصوير:( رَبّ إِنّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) ، والخطُّ النازل من عند الله في هذه الآية هو ( الخير )، والصاعد من العبد إلى الله هو الفقر، ويقع الإنسان بين هذا الفقر الصاعد من العبد إلى الله، والخير النازل من الله على عباده.
وهذا الفقر الصاعد والخير النازل حالةٌ دائمةٌ مستمرّة في حياة كل الناس، وإذا أمعن الإنسان النظر في هذا الكون عامّة، وفي حياة الأحياء خاصة يجد هناك دائماً فقراً صاعداً من العبد إلى الله، ورحمة هابطة من الله على العباد، الشاكرين منهم وغير الشاكرين، والشكر عملية توعية وتسليط للضوء والوعي على هذا الفقر الصاعد والخير النازل؛ يحسس الإنسان ويشعره بهذا الفقر الصاعد والخير النازل.
رُوي:
أن داود سأل الله تعالى عن قرينه، فأوحى الله إليه: أنّه متّى أبو يونس، فجاء مع سليمان لزيارته. فرآه إذ أقبل وعلى رأسه وفرٌ من حطب، فباعه واشترى طعامه، ثمّ طحنه وعجنه وخبزه، فأخذ لقمةً وقال: بسم الله، فلمّا ازدردها قال: الحمد لله، ثمّ فعل ذلك بأخرى، وأخرى.
ثمّ شرب الماء فذكر اسم الله، فلمّا وضعه قال: الحمد لله يا ربّ، من ذا الذي أنعمت عليه وأوليته مثل ما أوليتني، قد صححت بصري، وسمعي، وبدني، وقويتني؛ حتى ذهبت إلى شجر لم أغرسه ولم أهتم لحفظه جعلته لي رزقاً، وسقت إليّ من اشتراه منّي، فاشتريت بثمنه طعاماً لم أزرعه، وسخّرت لي النار فأنضجته، وجعلتني آكله بشهوة أقوى بها على طاعتك فلك الحمد، قال: ثمّ بكى.
قال داود:( يا بني، قم فانصرف بنا؛ فإنّي لم أرَ عبداً قط أشكر لله من هذا. ..) .(١)
ولهذا الوعي والإحساس دور كبير ومؤثر في كسر شوكة ( الأنا ) وتعبيد الأنا لله تعالى، وتكريس حالة عبودية الأنا لله.
الشُّكر والسُّكر:
وبعكس ذلك، عندما ينتفي هذا الوعي عند الإنسان يكبر الأنا ويبرز ويحتل مساحة واسعة من حياته وشعوره ونفسه وتختفي حالة العبودية، وهي حالة( السُّكر ) في مقابل( الشُّكر )، فإنّ الشكر هو الإحساس الواعي بفقر الإنسان إلى الله وحاجته إلى الله.
____________________
(١) سفينة البحار ١: ٤٨٦.
أمّا( السُّكر ) فهو حالة معاكسة من طغيان الأنا وغناه عن الله، وبروز الأنا والبطر والرثاء في حياة الإنسان، و( الشكر ) و( السُّكر ) ينطلقان من رؤيتين مختلفتين تمام الاختلاف؛ فالشكر ينشأ من الإحساس بالفقر إلى الله، والسكر ينشأ من الإحساس الكاذب بالاستغناء عن الله.
والشكر حالة نابعة من التعلق والارتباط بالله، والسكر حالة ناشئة من الانقطاع والانفصال عن الله.
ومن عجبٍ أن( الشكر ) و( السُّكر ) كلاهما ينشآن من النعمة؛ فإنّ النعمة إذا حلّت في النفوس الواعية والمؤمنة تمخّض عنها الشكر، وإذا حلّت في النفوس الجاهلة والغافلة تمخض عنها السكر:( وَالْبَلَدُ الطّيّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبّهِ وَالّذِي خَبُثَ لاَيَخْرُجُ إِلاّ نَكِداً ) .
وأوّل ما نجد التنبيه إلى علاقة السكر بالنعمة في النصوص الإسلامية في كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السّلام )، حيث يخاطب المسلمين العرب - بعد أن فتح الله تعالى عليهم البلاد، وأغدق عليهم النعمة، وانتعشت حياتهم الاقتصادية - فيقول ( عليه السّلام ):( ثمّ إنّكم معشر العرب أغراض بلايا قد اقتربت، فاتقوا سكرات النعمة، واحذروا بوائق النقمة. ..) .(١)
ويقول ( عليه السّلام ) أيضاً:( ذاك حيث تسكرون من غير شراب من النعمة والنعيم. ..). (٢)
الشُّكر والدعاء:
والشكر مفتاح الدعاء ومن دون الشكر لا يتيسّر للإنسان أن يدعو الله تعالى
____________________
(١) نهج البلاغة، الخطبة رقم: ١٥١.
(٢) نهج البلاغة، الخطبة رقم: ١٨٧.
كما ينبغي الدعاء، فإنّ حقيقة الدعاء هو الشعور بفقر الإنسان إلى فضل الله تعالى، وهذا الوعي لحاجة الإنسان وفقره إلى فضل الله تعالى ورحمته هو أساس الطلب والسؤال من الله تعالى في الدعاء.
فالدعاء - إذن - بشكله الصحيح والواعي يتطلّب إحساساً واعياً وعميقاً بالفقر والحاجة إلى فضل الله ورحمته، والشكر يمكّن الإنسان من وعي هذين الأمرين معاً: وعي الفقر الصاعد، ووعي الرحمة النازلة. ولذلك نجد أنّ الأدعية تبتدئ غالباً بالحمد والشكر، والتذكير لنعم الله تعالى وفضله ورحمته على عباده.
المقارنة بين النسق الصاعد والنازل في العلاقة بالله تعالى
ومن الوسائل النافعة في الكف من غلواء ( الأنا ) وتعبيده لله تعالى هو المقارنة بين العمل الصاعد من العبد إلى الله تعالى والرحمة النازلة من لدن الله تعالى على عبده.
فإذا أنعم الإنسان النظر في هذه المقارنة امتلأت نفسه بإحساس عميق بالحياء من الله تعالى لما صدر منه، ويختفي الأنا في نفسه ويضمر، ويبرز في نفسه الإحساس بالحياء من الله والشعور بعظم فضل الله تعالى ورحمته عليه، وهو من أهم العوامل النفسية في كف غلواء الأنا في العلاقة بالله تعالى.
وقد كان أحد الصالحين يعبّر عن هذا المعنى في هذه الكلمة المؤثرة:( اللّهم نستغفرك ممّا نرفعه إليك ونحمدك على ما تنزله علينا ) .
وقد ورد ذكر هذا المعنى في النصوص الإسلامية كثيراً. ففي دعاء ( الافتتاح ) المروي عن الإمام المهدي ( عجّل الله تعالى فرجه )، والذي يألَف المؤمنون قراءته في ليالي شهر رمضان:
( الحمد لله الذي يجيبني حين أناديه، ويستر علي كل عورة وأنا أعصيه،
ويعظّم النعمة عليّ فلا أجازيه... ). (١)
وأيضاً ورد في نفس الدعاء:( فلم أرَ مولىً كريماً أصبرَ على عبدٍ لئيمٍ منك عليّ يا ربّ، إنّك تدعوني فأولّي عنك، وتتحبّب إليّ فأتبغّض إليك، وتتودّد إليّ فلا أقبل منك، كأنّ ليّ التطوّل عليك، فلم يمنعك ذلك من الرحمة بي والإحسان إليّ، والتفضل عليّ بجودك وكرمك... ). (٢)
وتأملوا في هذه الفقرات من دعاء أبي حمزة:( الحمد لله الذي أدعوه فيجيبني وإن كنتُ بطيئاً حين يدعوني، والحمد لله الذي أسأله فيعطيني وإن كنتُ بخيلاً حين يستقرضني، والحمد لله أناديه كلّما شئت لحاجتي، وأخلو به حيث شئت لسرّي بغير شفيع فيقضي لي حاجتي.
أنت المحسن ونحن المسيئون، فتجاوز - يا ربّ - عن قبيح ما عندنا بجميل ما عندك، يا غفّار بنورك اهتدينا، وبفضلك استغنينا، وبنعمتك أصبحنا وأمسينا، ذنوبنا بين يديك نستغفرك - اللّهم - منها ونتوب إليك، تتحبّب إلينا بالنعم ونعارضك بالذنوب، خيرك إلينا نازل وشرنا إليك صاعد، ولم يزل - ولا يزال - ملك كريم يأتيك عنا بعمل قبيح، فلا يمنعك ذلك من أن تحوطنا بنعمك، وتتفضل علينا بآلائك، فسبحانك، ما أحلمك! وأعظمك! وأكرمك!
سيدي أنا الصغير الذي ربيته، وأنا الجاهل الذي علّمته، وأنا الضّال الذي هديته، وأنا الوضيع الذي رفعته، وأنا الخائف الذي آمنته، والجائع الذي أشبعته، والعطشان الذي أرويته، والعاري الذي كسوته، والفقير الذي أغنيته، والضعيف الذي قوّيته، والذليل الذي أعززته، والسقيم الذي شفيته، والسائل الذي أعطيته، والمذنب الذي سترته، والخاطئ الذي أقلته، وأنا القليل الذي كثّرته، والمستضعف الذي نصرته، وأنا الطريد الذي آويته ) .
وهذا هو النسق النازل من الله.
____________________
(١) دعاء الافتتاح.
(٢) دعاء الافتتاح.
وأمّا النسق الصاعد من العبد إلى الله:
( أنا - يا رب - الذي لم أستحيك في الخلاء، ولم أراقبك في الملاء، أنا صاحب الدواهي العظمى، أنا الذي على سيّده اجترى، أنا الذي عصيت جبار السماء، أنا الذي أعطيت على معاصي الجليل الرشا، أنا الذي حين بشِّرت بها خرجت إليها أسعى... لا أدري! أعجب من جرأتي وعدم حيائي، أم من حلمك ورأفتك... ).
والنسق الصاعد النازل:( أنا الذي أمهلتَني فما ارعويت، وسترتَ عليّ فما استحييت، وعَمِلتُ بالمعاصي فتعديت، وأسقطتني من عينيك فما باليت... ). وروى المفيد عن عمر بن محمّد، المعروف بابن الزيّات، عن علي بن مهرويه القزويني، عن داود بن سليمان، عن الرضا ( عليه السّلام )، عن آبائه ( عليهم السّلام )، قال، قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ):
( يقول الله عزّ وجلّ: يا بن آدم ما تنصفني، أتحبب إليك بالنعم وتتبغّض إليّ بالمعاصي، خيري إليك نازل، وشرّك إليّ صاعد، أفي كل يوم يأتيني عنك ملك كريم بعمل غير صالح، يا بن آدم لو سمعت وصفك من غيرك، وأنت لا تدري من الموصوف، لسارعت إلى مقته ). (١)
في علاقة الأنا بنفسه
ازدراء الأنانية:
كلّما يطلق الإنسان لنفسه العنان، ويعطيه حاجته من البروز والظهور والنفوذ والتميز على الآخرين، يزداد أنانية وشرهاً وحرصاً، وقد روي عن رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ):( حسب امرئ من الشر أن يشير الناس إليه بالأصابع في دينه ودنياه إلاّ من عصمه الله ). (٢)
وقد كان رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يحرص أن يؤدِّب أصحابه على أن لا
____________________
(١) آمالي الطوسي ١: ١٢٦، عن بحار الأنوار ٧٣: ٣٦٥.
(٢) إحياء العلوم ٣: ٢٧٥.
يطلقوا لأنفسهم العنان في حب الهيمنة والظهور والبروز. روي عن جابر بن عبد الله الأنصاري ( رحمه الله ). قال: استأذنت على النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ). فقال:( من هذا؟ )، فقلت: أنا. فقال النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ):( أنا أنا. ..) .(١)
وفي النصوص الإسلامية يرد كثيراً إبراز وجه البشاعة في الأنا، وازدراء حالة الأنانية في الإنسان. عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السّلام ):( ما لابن آدم وللعجب؛ أوّله نطفة مذرة، وآخره جيفة قذرة، وهو بين ذلك يحمل عذرة ). (٢)
ترويض النفس:
ولكبح جماح ( الأنا ) و( الهوى ) ورد في النصوص الإسلامية تأكيد كثير على التضييق على النفس ( الهوى والأنا ) والتشدّد في التعامل معها وترويضها.
فإنّ النفس جموحة، وكلّما أرسل الإنسان لها العنان يزداد جِماحها، وكلّما يضيّق الإنسان عليها ويتشدِّد في التعامل معها تتعدّل، وتنقاد وتنضبط.
والنصوص الإسلامية في ترويض النفس وتطويعها كثيرة. وهذه النصوص إذا جمعت ونظِّمت تتكوّن منها مدرسة كاملة في تهذيب النفس وتربيتها، يقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السّلام ):( وإنّما هي نفس أروضها بالتقوى؛ لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر، وتثبت على جوانب المزالق. ..). (٣)
وترويض النفس في الحلال يمكِّن الإنسان منها في الحرام، وإرسال العنان لها في الحلال يعجِّز صاحبها عنها في الحرام. يقول أمير المؤمنين ( عليه السّلام ):( وايم الله يميناً، أستثني فيها بمشيئة الله، أروض نفسي رياضةً تهشُّ معها إلى القرص إذا قدرت
____________________
(١) صحيح مسلم ٣: ١٦٩٧.
(٢) غرر الحكم للآمدي.
(٣) نهج البلاغة، الخُطبة رقم: ٤٥.
عليه مطعوماً، وتقنع بالملح مأدوماً... أتمتلئ السائمة من رعيها فتبرك، وتشبع الربيضة من عشبها فتربض، ويأكل عليٌّ من زاده فيهجع، قرّت إذاً عينه إذا اقتدى بعد السنين المتطاولة بالبهيمة الهامِلة، والسائمة المرعية ) . (١)
إنّ السائمة تمتلئ من عشبها فتشبع ويشبع الإنسان من طعامه كما يحبّ ويشتهي فيشبع، فماذا يكون الفرق بين هذا وذاك؟ وترسل السائمة لنفسها العنان فيما تشتهي، ويرسل الإنسان لنفسه العنان فيما يُحب، فبماذا يفترق هذا عن ذاك؟ إنّ الفرق - في مدرسة عليّ ( عليه السّلام ) - بين هذا وذاك:أنّ الإنسان يملك أزمّة نفسه فيما يحبُّ ويشتهي، ويكفّها عمّا تحبّ وترغب، ويتمكّن من نفسه، وتنقاد له دون البهيمة.
ولكي تنقاد للإنسان نفسه وتطيعه لابدّ أن يروضها ويضيّق عليها، ويتعبها فيما تحبُّ من الحلال؛ حتى يتمكّن منها فيما يزجرها عنه من الحرام.
ولكي تنقاد له نفسه فيما يأمرها ممّا تكرهه نفسه، وتشقّ عليها؛ كالجهاد، والصيام، يمنعها سؤلَها فيما تحبُّ كالطيبات المباحة. يقول أمير المؤمنين ( عليه السّلام ) عن ذلك، في خُطبة المتّقين لهمام:( إنّ استصعبت عليه نفسه فيما تكره لم يعطها سؤلها فيما تحب ). (٢)
وهذا المنهج التربوي الذي يشرح الإمام أصوله وقوانينه لا يدخل في الحلال والحرام، فليس يجب على الإنسان أن يمنع نفسه ممّا تحبّ من الحلال، ولا يحرم على الإنسان أن يتمتع بما أحلّ الله من الحلال، وهذا واضح ومؤكّد، ولا نقاش فيه، ولكن من يريد أن يمسك أزمّة نفسه، ويلجمها في الحرام، عليه أن يروّض نفسه ويقهرها؛ ليتمكّن منها في الحرام.
يقول أمير المؤمنين ( عليه السّلام ):( امرؤ لجم نفسه بلجامها، وزمّها بزمامها، فأمسكها
____________________
(١) نهج البلاغة، الخُطبة رقم: ٤٥.
(٢) نهج البلاغة، خُطبة المتّقين ( خطبة همام ).
بلجامها عن معاصي الله، وقادها بزمامها إلى طاعة الله ). (١)
و( اللجام ) و( الزمام ) هو الذي يمكّن راكب الفرس من أن يقودها ويوجهها.
والإنسان يتمكّن من نفسه بأمرين اثنين معاً، تقوية الإرادة وقهر النفس. أمّا إذا ضعفت إرادته وجمحت نفسه فسوف لا يستطيع أن يضبطها وشهواتها عند حدود الله.
وهذا الترويض والتضييق والتشدّد وإن كان في الغالب للهوى، إلاّ أنّه ينعكس على ( الأنا ) انعكاسا إيجابياً، فيخفّف من غلوائه، ويضبطه ويكبح جماحه، ويكفكف من طغيانه وتطرفه.
محاسبة النفس ونقدها:
وهي حالة نافعة في كسر شوكة الأنا وتحجيمه وتحديده، فإنّ الإنسان إذا وضع نفسه ( الهوى والأنا ) تحت مجهر النقد الدقيق، وأخضعها للحساب، سرعان ما يكشف نقاط الضعف فيها، فتضمر عنده حالة الأنانية وينشغل الإنسان بعيوبه، ونقاط الضعف في نفسه، عن ( الأنا ) وحبّ البروز والشهرة، كما ينشغل بنفسه عن الاهتمام بعيوب الآخرين.
عن أبي عبد الله الصادق قال:( إذا رأيتم العبد متفقّداً لذنوب الناس، ناسياً لذنوبه، فاعلموا أنّه قد مُكر به ). (٢)
عن أبي جعفر ( عليه السّلام ) قال:( قال رسول الله - صلّى الله عليه وآله وسلّم -: إنّ أسرع الخير ثواباً البر، وأسرع الشر عقاباً البغي، وكفى بالمرء عيباً أن يبصر من الناس ما يعمى عنه من نفسه، وأن يعيّر الناس بما لا يستطيع تركه، وأن يؤذي جليسه بما لا يعنيه ). (٣)
____________________
(١) نهج البلاغة، الخطبة رقم: ٢٣٥.
(٢) البحار ٧٥: ٢١٥.
(٣) البحار ٧٥: ٢١٥.
وفي مقابل ذلك ينهى القرآن عن تزكية النفس وتبرأتها من نقاط الضعف، يقول تعالى:( فَلاَ تُزَكّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتّقَى ) . [ النجم: ٣٢ ]
ويقول تعالى:( أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ يُزَكّونَ أَنْفُسَهُم بَلِ اللّهُ يُزَكّيْ مَن يَشَاءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً * انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُبِيناً ) . [ النساء: ٤٩ - ٥٠ ]
ومن المزالق التي تواجه الإنسان تزكية الآخرين له، فإنّها تَغرّ الإنسان وتخدعه، وتوحي إليه بالبراءة والنزاهة. ومن هذه الثغرة يدخل الشيطان في نفسه، ويدخل العجب إلى نفسه.
ولذلك فإنّ الواعين من المؤمنين يتحسّسون من التزكية والمدح، ويتخوفون منه، ويشعرون بالخطر من ناحيته. يقول أمير المؤمنين ( عليه السّلام ) في وصف المتّقين:
( ولا يرضون من أعمالهم بالقليل، ولا يستكثرون الكثير، فهم لأنفسهم متّهمون، ومن أعمالهم مشفقون، وإذا زكى أحدهم خاف ممّا يقال له، ويقول: أنا أعلم بنفسي من غيري، وربي أعلم منّي بنفسي. اللّهم، لا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني أحسن ممّا يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون ). (١)
وفي مقابل تزكية النفس وتبرأتها وَرَدَ التأكيد في النصوص الإسلامية على التدقيق في ملاحقة النفس وأعمالها ونقدها نقداً موضوعياً دقيقاً وصارماً، فإنّ الإنسان لو عرّض أعماله لنقدٍ موضوعي دقيق وصارم لا يجد أنّ شيئاً من عمله قد سَلُم له إلاّ القليل، فتضعف ثقته بنفسه وأعماله، وتَعْظُم في مقابل ذلك ثقته برحمة الله تعالى وفضله.
رُوي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السّلام ):( الدنيا كلّها جهل إلاّ مواضع العِلم، والعِلم كلّه حجّة إلاّ ما عُمل به، والعمل كلّه رياء إلاّ ما كان مخلَصاً، والإخلاص على خطر عظيم حتى ينظر العبد ما يختم له ). (٢)
____________________
(١) نهج البلاغة، خُطبة المتقين.
(٢) بحار الأنوار ٢: ٢٩.
وتوضيح الرواية: أنّ قِيمة العمل بالعلم والوعي والمعرفة، فلا قِيمة لعمل يأتي به الإنسان عن جهل، وكل علم حجّة ضد الإنسان يحتجّ به الله تعالى على عبده إلاّ إذا عمل الإنسان بالعلم، فلا قيمة للعمل من غير علم، والعلم حجّة ضد الإنسان إلاّ إذا عمل بموجبه الإنسان، وكل عمل لا قيمة له إذا كان غير مُخلَص لله؛ فإنّ قيمة العمل بالإخلاص، كما أنّ قيمته بالعلم والمعرفة.
والإخلاص على خطر عظيم؛ فلا يعلم الإنسان كيف يختم حياته وأين يتربّص به الشيطان، والإنسان ضعيف والحياة منزلق خطر إذا لم يعصم الله تعالى الإنسان، والله العاصم.
والمؤمن الواعي ظنون بنفسه، يضع نفسه دائماً موضع الاتهام، ويحرج نفسه كثيراً في المحاسبة والتدقيق، وهو في الوقت الذي يحسن الظن بالناس يسيء الظن بنفسه.
يقول أمير المؤمنين ( عليه السّلام ):( واعلموا - عباد الله - أنّ المؤمن لا يصبح ولا يمسي إلاّ ونفسه ظنون عنده، فلا يزال زارياً عليها ومستزيداً بها ). (١)
عدم الخروج من حدود التقصير:
من ثغرات الضعف التي يدخل منها ( العجب ) إلى نفس الإنسان هو استكثار العمل واستقلال الذنوب، والإنسان إذا لم يوجّه نفسه توجيهاً صحيحاً يميل إلى استكثار ما يفعله من عمل صالح قليل، وإلى استقلال ما ارتكبه من سيئات وذنوب.
____________________
(١) نهج البلاغة، الخُطبة رقم: ٢١١.
وهذا الاستكثار والاستقلال هو مدخل من أعظم مداخل الشيطان إلى نفس الإنسان، ونقطة ضعف يدخل منها العجب إلى نفس الإنسان، ووردت إشارات وتنبيهات كثيرة في النصوص الإسلامية إلى خطورة هذا التصوّر؛ روي عن رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ):
( أربعةٌ في الذنب شرٌّ من الذنب: الاستحقار، والافتخار، والاستبشار، والإصرار ).
وعن علي ( عليه السّلام ):( من الذنوب التي لا تغفر قول الرجل ليتني لم أؤاخذ إلاّ بهذا ).
وعن أبي جعفر الباقر ( عليه السّلام ):( إياكم ومحقَّرات الذنوب! فإنّ لها من الله طلباً، وإنّها لتجتمع على المرء حتى يهلكه ).
وعن أبي عبد الله الصادق ( عليه السّلام ):( اتقوا المحقَّرات من الذنوب فإنّها لا تُغفر. قال الراوي: وما المحقَّرات من الذنوب؟ قال ( عليه السّلام ):الرجل يذنب الذنب فيقول: طوبى لو لم يكن لي غير ذلك ).
وعن الصادق ( عليه السّلام ):( إنّ الله يحبّ العبد أن يطلب إليه في الجُرم العظيم، ويبغض العبد أن يستخف بالجُرم اليسير ). (١)
في مناهي رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أنّه قال:( لا تُحقِّروا شيئاً من الشرّ وإن صَغُر في أعينِكم، ولا تستكثروا الخير وإن كَثُر في أعينكم؛ فإنّه لا كبير مع الاستغفار ولا صغير مع الإصرار ). (٢)
وعن أبي محمّد ( عليه السّلام ) قال:( من الذنوب التي لا تغفر قول الرجل: ليتني لم أؤاخذ إلاّ بهذا . ثمّ قال ( عليه السّلام ):الإشراك في الناس أخفى من دبيب النمل على المسح الأسود في الليل المظلمة ). (٣)
وعن أبي هاشم الجعفري، قال سمعت أبا محمّد ( عليه السّلام ) يقول:( من الذنوب التي لا تغفر قول الرجل: ليتني لم أؤاخذ إلاّ بهذا. فقلت في نفسي: إنّ هذا لهو
____________________
(١) المحاسن: ٢٩٣، بحار الأنوار ٧٣:٣٥٩.
(٢) آمال الصدوق:٢٦٠.
(٣) تحف العقول: ٤٨٧.
الدقيق، ينبغي للرجل أن يتفقد من أمره ومن نفسه كل شيء، فاقبل عليّ أبو محمّد ( عليه السّلام ). قال:( يا أبا هاشم صدقت، فالزم ما حدّثت به نفسك، فإنّ الإشراك في الناس أخفى من دبيب الذر على الصفا في الليلة الظلماء، ومن دبيب الذر على المسح الأسود ). (١)
وعن الإمام الباقر ( عليه السّلام ):( ثلاث قاصمات الظهر: رجل استكثر عمله، ونسى ذنوبه، وأعجب برأيه ).
وفي رواية:( يقول إبليس - إذا استمكن من بني آدم في ثلاث -: لم أبال ما عمل فإنّه غير مقبول منه، إذا استكثر عمله، ونسي ذنوبه، وأعجب برأيه ).
تحسيس النفس بالتقصير:
وفي النصوص الإسلامية تأكيدات كثيرة على ضرورة تحسيس النفس بالتقصير في العمل، وتعميق الإحساس بالتقصير في طاعة الله تعالى وعبادته، ومهما كان عمل الإنسان أكثر، ينبغي أن يكون إحساسه بالتقصير أكثر، فعن فضل بن يونس قال، قال لي أبو الحسن ( عليه السّلام ):
( أكثر من أن تقول: اللّهمّ لا تجعلني من المعارين، ولا تخرجني من التقصير ) قال، قلت: أمّا المعارون فقد عرفت أنّ الرجل يعار الدين ثمّ يخرج منه، فما معنى لا تُخرجني عن التقصير؟ فقال ( عليه السّلام ):( كل عمل تريد به الله عزّ وجلّ فكن فيه مقصراً عند نفسك، فإنّ الناس كلهم في أعمالهم فيما بينهم وبين لله مقصرون إلاّ من عصمه الله ). (٢)
وعن موسى بن جعفر لأحد أولاده:( يا بنيَ عليك بالجدّ، لا تخرجن نفسك من حد التقصير في عبادة الله وطاعته، فإنّ الله لا يُعبد حقَّ عبادته ). (٣)
____________________
(١) البحار ٧٣: ٣٥٩.
(٢) أصول الكافي، كتاب الإنسان والكفر.
(٣) أصول الكافي، كتاب الإنسان والكفر.
وعن الباقر ( عليه السّلام ):( يا جابر، لا أخرجك الله من النقص والتقصير ). (١)
وعن أبي الحسن الرضا ( عليه السّلام ) قال:( إنّ رجلاً في بني إسرائيل عَبَدَ الله أربعين، ثمّ قرَّب قرباناً فلم يقبل منه! فقال لنفسه: ما أتيت إلاّ منك ولا أكديت إلاّ لك. قال ( عليه السّلام ):فأوحى الله تبارك وتعالى إليه: ذمَّك لِنفسك أفضل من عبادتك أربعين سنة ). (٢)
والخروج عن دائرة التقصير يُدخل الإنسان في مهالك عظيمة، فإنّ الإنسان إذا خرج عن دائرة الإحساس بالتقصير يدخل في دائرة المنِّ على الله تعالى.
وقيمة العبادة أنّها تُكسب الإنسان الذلَّ بين يدي الله تعالى. فإذا تحوَّلت إلى أداة لتحسيس الإنسان بالمنِّ على الله فقدت قيمتها وانقلبت إلى ضدها، فليس بين الإحساس بالتقصير والإحساس بالمنّ فاصلة.
والإحساس بالمنِّ من الكفر؛ لأنّه من الاستعلاء على الله والاستكبار على الله، يقول تعالى:( يَمُنّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لاَ تَمُنّوا عَلَيّ إِسْلاَمَكُم بَلِ اللّهُ يَمُنّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) ، [ البقرة: ٢٦٤ ].( وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ ) ، [ المدثر: ١٧ ].
وقد ورد التأكيد على أهمية الإحساس بالتقصير حتى لو كان هذا التقصير نابعاً عن الذنب، أوحى الله إلى داود:( بشّر المذنبين، وأنذر الصدِّيقين. قال كيف أبشّر المذنبين وأنذر الصديقين؟! قال تعالى: يا داود، بشّر المذنبين أنّي أقبل التوبة، وأنذر الصديقين أنَّ لا يعجبوا بأعمالهم؛ فليس عبد أنصبه الله للحساب إلاّ هلك ). (٣)
وعن الصادق ( عليه السّلام ):( إن كان الممر على الصراط حقاً، فالعجب لماذا؟! ). (٤)
وإذا أحب الله عبداً يسلبه أحياناً توفيق العبادة؛ حتى يسلم له شعوره بالتقصير، ولا يغزوه الشيطان من ثغره العجب والغرور.
____________________
(١) أصول الكافي، كتاب الإنسان والكفر.
(٢) البحار ٧١:٢٢٨.
(٣) البحار ٧٢:٣١٣.
(٤) البحار ٧٢:٣١٤.
عن رسول الله، عن الله تعالى:
( أنا أعلم بما يَصْلُح به أمر عبادي، وأنّ من عبادي المؤمنين لمن يجتهد في عبادته، فيقوم من رقاده ولذيذ وساده، فيجتهد ويتعب نفسه في عبادتي، فأضربه بالنعاس الليلة والليلتين نظراً مني له، وإبقاء عليه، فينام حتى يصبح فيقوم ماقتاً لنفسه، زارياً عليها، ولو أخلّي بينه وبين ما يريد من عبادتي لدخله من ذلك العجب بأعماله، فيأتيه ما فيه هلاك؛ لِعُجُبِه بأعماله ورضاه عن نفسه، حتى يظن أنّه قد فاق العابدين، وجاز في عبادته حدّ التقصير، فيتباعد منّي وهو يظن أنّه تقرب إليّ ). (١)
وعن الباقرين ( عليهما السّلام ): أنّ الله تبارك وتعالى يقول:( إنّ من عبادي من يسألني الشيء من طاعتي لأُحبّه، فأصرف ذلك عنه؛ لكيلا يعجبه عمله ). (٢)
سيئة تسوؤك خير من حسنة تعجبك
قد يرتكب الإنسان سيئة فتسوؤه، ويملكه الندم ويحاسب نفسه بها، ويضع نفسه بسبب ذلك موضع المحاسبة والنقد والتجريح، ويرتكب حسنة فتسرّه، ويعجب بها وتمتلئ نفسه زهواً وإعجاباً، فتكون تلك السيئة التي ساءته خيراً له من تلك الحسنة التي أعجبته.
فإنّ تلك السيئة وضعته موضع التقصير، وحسَّسته بالندم، وأشعرته بذلّ التقصير بين يدي الله، وهذه الحسنة ملأت نفسه بالعجب والزهو.
عن الصادق ( عليه السّلام ):( أنّ الرجل ليذنب الذنب فيندم عليه، ويعمل العمل فيسرُّه ذلك فيتراخى عن حاله تلك، فلأَن يكون على حاله تلك خيرٌ له مما دخل فيه ). (٣)
____________________
(١) البحار ٧٢: ٣٢١.
(٢) البحار ٧١: ٢٣١.
(٣) الكافي ٢: ٣١٣، البحار ٧٢: ٣١١.
عن عبد الرحمن بن الحجّاج قال، قلت لأبي عبد الله: الرجل يعمل العمل وهو خائف مُشفق، ثمّ يعمل شيئاً من البر فيدخله شبه العجب، فقال:( هو في حاله الأولى وهو خائف أحسن منه حالاً في حال عجبه ) .(١)
عن الصادق ( عليه السّلام ):( يدخل رجلان أحدهما عابد والآخر فاسق، فيخرجان من المسجد والفاسق صدِّيق والعابد فاسق! وذلك أنّه يدخل العابدُ المسجد وهو مُدِل بعبادته ويكون فكره في ذلك، ويكون فكرة الفاسق في التندُّم على فِسقه فيستغفر الله من ذنوبه ). (٢)
عن علي ( عليه السّلام ):( سيئة تَسُؤك خير عند الله من حسنة تُعجِبك ). (٣)
عن علي ( عليه السّلام ):( ضاحك معترف بذنبه خير من باكٍ مدلٌّ على ربه ). (٤)
مكّة المكرَّمة في: ١٩ ذي الحجّة
١٤١١ هـ
محمّد مهدي الآصفي
____________________
(١) البحار ٧٢: ٣١٢.
(٢) البحار ٧٢: ٣١٦.
(٣) نهج البلاغة، الحكمة رقم: ٤٦.
(٤) البحار ٧٧: ٤٢١.
الفهرس
ميراثان في كتاب الله. ٥
الميراث الأوّل. ٧
دورة التاريخ في سورة الأعراف.. ٩
الميراث الثاني. ٢٢
العُجب.. ٥٧
( العجب ) و( الاعتداد بالنفس ) و( الأنانية ) ٦٢