ما يحتاجه الشباب
التجميع كتب الأخلاق
الکاتب أحمد الصادقي
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

ما يحتاجهُ الشباب



أحمد الصادقي

ما يحتاجهُ الشباب

ترجمةُ

علي الهاشمي


حقوقُ الطبع محفوظة للناشر

اسم الكتاب: ما يحتاجهُ الشباب

المؤلِّف: الشيخ أحمد الصادقي

المترجِم: السيّد علي الهاشمي

الناشر: ناظرين

تنضيد الحروف والإخراج الفني: إسماعيل الوائلي

تصميم الغلاف: عبد العزيز مصطفى خضير

الطبعة الأولى: عام ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م

المطبعة: نگار

كميّة المطبوع: ٢٠٠٠ نسخة

شابك ٩-٠٢-٨٤٦٥-٩٦٤ISBN ٩٦٤-٨٤٦٥-٠٢-٩


بسم الله الرحمن الرحيم

المقدّمة

إنَّ ما يتمتّع به الشباب من الحيويّة، والنشاط، والكفاءات الواسعة، والقابليات الهائلة، والحماس، والجدّ، والمثابرة، من العناصر التي تجعل من جيل الشباب أعضاءً مؤثّرين في الحياة الاجتماعية.

إلاّ أنّ الإحصائيات والتقارير العلمية - التي نطالعها في الصُحف بشأن طُرق استثمار هذه الثروة الإنسانية - قد قسّمَت الشباب بشكلٍ عام إلى فئتين:لإحداهما سلوكية إيجابية، وللأخرى سلوكية سلبية.

سلوكيةُ الفئتين

نواجه في ملف الحياة الاجتماعية لإحدى هاتين الفئتين ما يلي:

الإخفاقُ في الدراسة، البطالة والإهمال، الهروب من البيت، اللعب بالقمار ومُعاقرة الخمور، التسكّع والانحلال، الإدمان على المخدّرات، السرقة، الانحرافات الجنسية، عمليات التزوير والتزييف، الخيانة والخطف والاعتداء، قطعُ الطرق وجرائم القتل، وغير ذلك ممّا يمكن تلخيصه في المعاصي والتمرّد على الله سبحانه، الذي لا يَعقبه سوى الندم والحسرة والفضيحة والسجن والهوان والخسران.


بينما نجد ملف الفئة الثانية مُفعماً بما يلي:

الجدّ في طلب العلم، الإخلاص في العمل، الشعور بالمسؤولية، احترام الكبار وتوقيرهم، الاستماع إلى النصيحة، الإبداع والمثابرة، مواصلة الدراسات العالية والاشتراك في المسابقات الإقليمية والدولية، وغير ذلك ممّا يؤدّي إلى التقدّم والنجاح والرفعة والسموّ لهم ولمجتمعاتهم.

وطبعاً أنّ سلوكية كلتا الفئتين تكمُن في جذور الأشخاص ومجتمعاتهم، فلابدّ من البحث عنها هناك بُغية علاجها أو دَعمها وتنميتها، إلاّ أنّ الذي يمكن قولهُ بشكلٍ عام هو: أنّ جميع هذه السلوكيات سواء كانت صالحة أم طالحة، تدور حول محور( تلبية الحاجة ) ، فحتّى أولئك الذين سلكوا طريق الانحراف عن قصد أو غير قصد، وعن جهل وغفلة، أو عن إصرار وعناد، إنّما وجدوا أنّ ( تلبية حاجاتهم المادّية والمعنوية ) تكمن في سلوك هذا الطريق، وبذلك سقطوا في الهاوية، وعليه فكلتا الفئتين تسعى في الحقيقة إلى ( تلبية حاجتها في الحياة )، سوى أنّ الفئة الأولى - لأسبابٍ معروفة لها أحياناً - قد تُخطيء الطريق والهدف ويغدو من الصعب عليها الرجوع إلى جادّة الصواب، في حين أنّ الفئة الثانية قد سَلكت طريق الخير والصلاح بفضل ذكائها ومعرفتها، أو بفعل استماعها لنصائح الأهل وتشجيع الأصدقاء الصالحين والمعلّمين المخلصين، فبادرت إلى ( تلبية حاجاتها المعقولة ) وارتقت قِمم التقدّم والنجاح.

الفئةُ السامية

لقد قرأنا في الصُحف الكثير بشأن السلوكيات المريرة والمؤلمة والحوادث الفظيعة للفئة الأولى، إلاّ أنّنا سنغضّ الطرف عنها ونكتفي بذكر كلام للدكتور( الكسيس كاريل ) ، عالِم الأحياء الفرنسي المعروف الحائز على جائزة نوبل في الطب، حيث قال:


( قد يبدو إشباع الشهوة أمراً مهمّاً، إلاّ أنّه ليس هناك ما هو أبعد من المنطق من إهدار الحياة باللهو، إذ ما هي الفائدة التي نرجوها من الحياة إذا كانت مقصورة على الرقص والصخب، وقطع الشوارع بالسيارات )(١) .

وأمّا بالنسبة إلى النجاحات التي حقّقها الشباب المنتسب إلى الفئة الثانية في شتّى المجالات، فهناك أرقام كثيرة نكتفي منها بالإشارة إلى بضعة نماذج حدثت في الأشهر القليلة المنصرمة:

١- في الدورة الحادية والثلاثين للأولمبيّات العلمية الدولية في الكيمياء، التي انعقدت في بانكوك عاصمة تايلند، تمكّن فريق الجمهورية الإسلامية الإيرانية المؤلّف من أربعة طلاب هم:مهدي كهرم، ورضا كلانتري، وبابك غرايلي، وبويا ساجدي، من الحصول على ثلاث مداليات ذهبية نالها الثلاثة المذكورون أوّلاً، ومدالية نُحاسية نالها الأخير، وحازَ الفريق على المرتبة الثالثة من بين مئة وثلاثة وتسعين طالباً من ثلاثة وخمسين بلداً(٢) .

٢ - حازَ فريق الجمهورية الإسلامية الإيرانية المؤلّف من ستّة أشخاص في أولمبيات الرياضيات التي انعقدت في( رومانيا ) ، على مداليتين ذهبيتين وأربع مداليات فضيّة، وارتقى المرتبة السابعة بمئة وتسعة وخمسين نقطة من بين٨٣ بلداً(٣) .

٣ - وفقاً لإعلان ( نادي الطلاّب الشباب ) تمّ اختيار إحسان اردستاني زادة من طهران، وبيام سيفي من تبريز، وبويا قائمي محمّدي من أصفهان، وكاميار راهنما راد من زاهدان، للاشتراك في الدورة الحادية والثلاثين لأولمبيات الفيزياء العالمية التي تقام في انجلترا(٤) .

٤ - في الدورة العالمية السابعة ( الخطوة الأولى نحو جائزة نوبل للفيزياء )، التي تقيمها مؤسّسة الفيزياء لأكاديميّة العلوم في بولندا بمشاركة منظّمة اليونسكو، نالت طالبتان من اعداديات طهران هما: السيدةنازنين آل علي، وزهراء توكّلي شهادة الدبلوم الفخرية؛ إذ استحقّت رسالتهما هذا التقدير من بين إحدى عشرة رسالة أُرسلت من إيران(٥) .

____________________

(١) أسلوب الحياة: ص١٧، الطبعة الخامسة.

(٢) صحيفة همشهري: العدد ١٨٧٥، ص٣.

(٣) الصحيفة نفسها: العدد ١٨٨٥، ص٤.

(٤) الصحيفة نفسها: العدد ٢١٥٩، ص١٥.

(٥) صحيفة همشهري: العدد ١٨٧٥، ص٣.


٥ - نالَ ثلاثة مُنتجين للأفلام السينمائية جوائز قيّمة في المهرجان الثالث والخمسين للأفلام السينمائية، المنعقد في مدينة( كان ) الفرنسية، وهو من أقدم المهرجانات السينمائية وأهمّها في العالَم، وكان من بينهم فتاة إيرانية عمرها عشرون عاماً واسمها( سميرة مخملباف ) ، وقد مُنحت جائزة( النخلة الذهبية ) على إنتاجها فيلماً سينمائياً اسمه( اللوحة ) ، وقد قرّرَت أن تضع جائزتها في المتحف، كما أُعطيت بالإضافة إلى ذلك حجاباً وأربعة كُتب في موضوع تاريخ السينما وبطاقة تهنئة، وتمّ استدعاؤها للتحكيم في مهرجانات: موسكو، وجيفوني، والأرجنتين(١) .

ما هي الحاجات؟

إنَّحاجات الإنسان : هي تلك الأمور التي تساعده على بلوغ حياة سليمة وشريفة، وهي على قسمين:مادّية، ومعنوية ، أمّا المادّية فهي من قبيل: الماء، والطعام، والمسكن، والنوم، والدفء، والغريزة الجنسية، وأمّا المعنوية فهي من قبيل: الإيمان بالله، واللجوء إلى مبدأ منيع، وحبّ الآخرين له، والطمأنينة، والأمن، والرُقي، والتكامل الإنساني.

وقد سعى مؤلِّف هذا الكتاب إلى استعراض حاجة الشباب المادّية في أبواب: البلوغ، وعلاقات البنات والأولاد، والإسلام والرياضة، والعمل، والزواج ومشاكله، والانحرافات الجنسية بأسلوبٍ مُبسّط وجذّاب، كما استعرضَ الحاجات المعنوية للشباب في أبواب: لنتعرّف أنفسنا، ولنفهم كلام بعضنا، وابن العصر، والتأثير والتأثّر، والآفات الأخلاقية، وجذوة الأمل، وبارقة النجاة، وأبطال الإيمان، وعُقدة النقص، ووَضَعَ العلاجات اللازمة لها.

____________________

(١) صحيفة الانتخاب: العدد ٣٢٣ و٣٣٠، ص١٠.


الحاجةُ إلى الإيمان

فيما يرتبط بموضوع الحاجة إلى الإيمان وأثرهُ البنّاء في الحياة، مضافاً إلى ما سنجده في طيّات هذا الكتاب من معارف إسلامية هامّة، سندرك حقيقة لا يمكن إنكارها وهي: أنّ انعدام الإيمان يساوي الموت، وقد ذكر( وليم جيمس ) أستاذ جامعة( هارفارد ) قبل سنوات: ( إنّ الإيمان من القوى التي تساعد الإنسان على الحياة والتي يعدُّ فقدانها بمثابة الموت والفناء )(١) .

كما صرّح رئيس لجنة أمور الشباب في مجلس النوّاب في روسيا - بسبب انعدام الإيمان والمشاكل الثقافية والاقتصادية والمعنوية - بأنَّ: وَضع الشباب في البلاد يعدّ ( كارثة وطنية )، وأبدى مخاوفه تجاه مستقبل جيل الشباب الذي يُنذر بالخطر(٢) !

وقد نَقلت المحطّات التلفزيونية في الغرب إحصائيّات مُخيفة حول تأثير انعدام الأخلاق في العالم، الذي يُهدّد جيل الشباب في أكثر من ٧٢ بلداً(٣) .

فعلينا أن نستفيد من تعاليم الإسلام التي صرّح بها قبل قرون بُغية رفع حاجتنا الحيويّة إلى الإيمان، وقد أفاقت بعض أجزاء العالَم من سُباتها الراهن، إذ نقرأ في بعض الصُحف ما يلي:( لقد ألزمَت ولاية فرجينيا - في مرسومٍ لها - جميع المدارس الحكومية فيها، بالسكوت والدعاء دقيقة واحدة في مستهلّ كلّ يوم!) (٤) .

____________________

(١) كيف نتغلّب على الاضطراب والقلق: ص٢٢٧، الطبعة السادسة عشرة.

(٢) صحيفة همشهري: العدد ١٥٦٨، ص١٦.

(٣) صحيفة القدس: العدد ٣٢٦٥، ص٦.

(٤) مجلّة زن روز ( المرأة العَصرية ): العدد ١٧٤٢، ص٤٢.


ولذا أوصي الشباب الأعزّاء بقراءة هذا الكتاب من البداية إلى النهاية في جوٍّ هادئ، قراءةً متأنية والاطّلاع على مضامينه النفسية التي تنتهي إلى اكتشاف أنفسنا وتعيد لنا هويتنا، وأن يجعلوا من الإرشادات الواردة فيه مشعلاً يضيء لهم طريق الحياة السليمة والشريفة.

قم: أحمد الصادقي الأردستاني

١٥ / خرداد / ١٣٧٩


(١)

لنتعرَّف أنفسَنا

حينما ندخل في خضمّ الاضطراب والقلق الذي يثيره إعصار مرحلة الشباب، تتجلّى لنا أهميّة التعرّف على النفس.

ولكن لماذا نستعرض( معرفة النفس ) في مرحلة تُعرّض سفينة الشباب للعواصف الهائجة حيث الاضطراب والفزع؟ سبب ذلك: أنّ القابليات المُفعمة والمبدعة لدى الشاب تمنحه في ظلّ ( فورة الشباب ) الجرأة على اتخاذ القرار، وعقد العزم بإرادة حديديّة لكبح رَغَباته ونَزَواته الجامحة، وبذلك يقود سفينة وجوده - بعد تعرّضها للعواصف - إلى ( ساحل الأمان )، وأن يغوص - بدراية ووعي كامل - في أعماق وجوده للتعرّف على نفسه.

ولكن ما هو المراد من( معرفة النفس ) ؟ المراد: هو تحديد القابليات والكفاءات الكامنة في وجودنا بُغية استثمارها، وهذه العملية تكون في أوّل أمرها مصحوبة بالصِعاب، إلاّ أنّه كما قلنا: فإنّ ( فَورة الشباب ) وما يتمتّع به الشابّ من جرأة وإرادة راسخة تُعينه على تذليل هذهِ الصعاب، بل إنّها تُمكّنه من صنع المستحيل.


أجل، ليس هناك مَن هو أقرب إلى أنفسنا وأعلم بذواتنا منّا، وعليه يتعيّن علينا أن نبدأ بأنفسنا في كلّ خطوة نخطوها، وعند وضع الدواء لأيّ داء.

قال الإمام أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) في ما يُنسب إليه:

دواؤك فيك وما تشعرُ

وداؤك منك وتستنكرُ

وتَحسبُ أنّك جرم صغيرٌ

وفيكَ انطوى العالَم الأكبرُ

وأنتَ الكتاب المبين الذي

بأحرفه يَظهر المضمرُ(١)

لقد صرّح الإمام ( عليه السلام ) بهذه الحقائق العلمية قبل مئات السنين، ولكن ما هو الداء؟ وما هي طُرق علاجه؟ أو بعبارة أفضل: ما هي الأمراض؟ وما هي العلاجات؟

إنَّ أوّل الأمراض - الذي يبدو صغيراً في البداية - هو: الجهل، والشعور بالعجز، والقلق، وعدم الالتفات إلى القدرات الذاتية، والغفلة عن القوى الفيزيقية، ممّا يؤدّي إلى الانحراف عن جادّة الصواب في مسار الحياة، ويتعيَّن علينا في مجال معرفة النفس تحديد هذه الأمراض، والمبادرة إلى علاجها عن طريق التعلّم، والاعتماد على النفس، ومعرفة القابليات المعنوية والماديّة.

ولكن كما قلنا: فإنّ هذا النوع من ( معرفة النفس ) صعبٌ وسهل في آنٍ واحد، فهو صعب؛ لأنّه يستدعي جهوداً كثيرة، وسهلٌ؛ لأنّ الله تعالى قد منحَ الشاب قلباً طاهراً يتقبّل الحقائق والأفكار السليمة والخيّرة بسهولة، وللشابّ في هذا المجال تأثير حاسم ومصيري.

قال الإمام علي ( عليه السلام ) في كتابٍ أرسله لابنه الإمام الحسن ( عليه السلام ):( وإنّما قلب الحَدَث كالأرض الخالية، ما أُلقي فيها من شيء قَبَلته، فبادرتُك بالأدب قبل أن يقسو قلبك، ويشتغل لُبّك ) (٢) .

____________________

(١) الديوان المنسوب للإمام علي ( عليه السلام ): ص٧٥.

(٢) نهج البلاغة: تحقيق صبحي الصالح، الكتاب رقم ٣١، ص١٣٩٣.


وعليه: فمن اللازم على كلّ شابّ - من خلال الالتفات إلى هذه الأرضية النفسية المساعِدة - أن يتعرّف الجهات العاطفية، والسجايا الأخلاقية، والجذور الوراثية، والقابليات المادّية والمعنوية في نفسه، لكي يستثمرها بالشكل المناسب.

قال الدكتورجون لوك آفيبوري الكاتب الانجليزي الشهير:( سُئل أحد العظماء عن أصعب الأمور وأيسرها، فقال في الجواب: إنّ أصعب الأمور هو أن يتعرّف المرء على نفسه، وأيسرها اقتفاء عيوب غيره ) (١) .

السفرُ إلى الذات

قالهـ. موشيه العالِم الفرنسي: على كلِّ مَن يريد إحراز هويته أن يتعرّف نفسَه بشكل وجداني، وأن يُحدّد مواطن الضعف والقوّة فيها، وأن يسعى إلى ترميم مواطن الضعف والنقص في نفسه، ولا يتأتّى ذلك إلاّ لذوي ( الأرواح الشجاعة )، إذ ينفردون في ساعاتٍ من التفكير والتأمّل، وقد وصفهم( فيكتور هيجو ) بقوله: يغوصون في ظلمات الذات بُغية اكتشافها(٢) .

وقالج. بايو : ما أكثر الذين أعرفهم من الشباب المُبدعين الذين انحرفوا عن المسار الصحيح بسبب عدم معرفتهم لأنفسهم، وتأثّرهم بالإيحاءات الخارجية، فلا يبادرون إلى العمل إلاّ بفعل الضغوط، حيث يرزحون تحت وطأة عذاب روحي سَلَبهم النشاط والحيويّة اللازمة للعمل الخلاّق، واحتواهم يأس لا سبيل لهم إلى التخلّص منه(٣) .

وبعد أن تحدّثنا عن ضرورة( معرفة النفس ) يجدر بنا دراسة موضوعين مهمّين آخرين بهذا الشأن:

____________________

(١) خلاصة الأفكار: السيّد يحيى البرقعي، ٢ / ٢٣٤.

(٢) تنمية الذهن: ترجمة أحمد آرام، ص١٢٢.

(٣) تنمية الذهن: ترجمة أحمد آرام، ص١٨٤.


الموضوع الأوّل:

إنّ الإنسان وإن أمكنهُ من خلال معرفته لوضع أسرته، وعمره، وعمله، والبقعة التي يقطن فيها أن يتعرّف إلى حدّ كبير على نفسه، إلاّ أنَّ هناك أيضاً قاعدة عامّة ومهمّة جدّاً تبيّن حقائق عميقة وكثيرة حول الشخصية، وما إذا كانت صالحة أو طالحة.

قال الإمام الباقر ( عليه السلام ) في بيان الميزان الذي يتمّ على أساسه تمييز الحقّ من الباطل، والخير من الشر:( إذا أردتَ أن تعلم أنّ فيك خيراً فانظر إلى قلبك، فإن كان يحبّ أهل طاعة الله، ويبغض أهل معصيته، ففيك خير والله يُحبّك، وإن كان يبغض أهل طاعة الله ويحبّ أهل معصيته، فليس فيك خير والله يبغضك، والمرء مع مَن أحبَّ ) (١) .

الموضوع الثاني:

إنّ الذي يرتقي المرتبة العالية في معرفة النفس سيحصل على النتائج الآتية:

١ - يربأ بنفسه عن مشاعر الاستعلاء والأنانيّة، ويحبّ أبناء جلدته.

٢ - يتعرّف مواطن الضعف والقوّة في نفسه ويرى لنفسه قيمة وجودية، ويكون خُلقه التواضع كما قال الإمام علي ( عليه السلام ).

٣ - إنّ معرفة النفس تؤدّي إلى معرفة قدرها وحدّها وتستتبع نزول رحمة الله، قال الإمام علي ( عليه السلام ):( رَحمَ الله امرأً عَرفَ قَدره ولم يتعدّ طوره ) (٢) .

٤ - إنّ الذي يجهل قيمة نفسه يتجاهل قيمة مَن سواه(٣) .

٥ - إنّ الذي لا يتعرّف نقاط ضعفه وعيوبه يكون قد ارتكب أعظم الذنوب(٤) .

____________________

(١) أصول الكافي: ٢ / ١٠٣، الحديث رقم ١١.

(٢) أصول الكافي: ١ / ١٧٦.

(٣) أصول الكافي: ١ / ٢٩٠.

(٤) إرشاد المفيد: ص١٥٨.


٦ - إنّ أفضل المعرفة، معرفة الإنسان نفسه(١) .

٧ - قال الإمام علي ( عليه السلام ):( مَن عَرف نفسهُ، فقد انتهى إلى غاية كلّ معرفة وعِلم ) (٢) .

٨ - قال النبيّ الأكرم ( صلّى الله عليه وآله ):( مَن عَرف نفسه، فقد عَرف ربّه ) (٣) .

وعلينا أن نُدرك أنّ هناك ارتباطاً دقيقاً جدّاً بين( معرفة النفس ) و( معرفة الله ) ، حتّى أنّ الله تعالى قد جسّد آثار قدرته وحكمته الهائلة في نفس الإنسان في ثلاثة مواطن من القرآن الكريم، ودعا الناس إلى التدبّر في ذلك، وذمّ أولئك الذين لا يتفكّرون في أسرار أنفسهم(٤) .

تقدّم أن قلنا: إنّ ( معرفة النفس ) في غاية الصعوبة، إلاّ أنّها ليست مستحيلة، ولكي نتغلّب على هذه الصعوبة سنتعرّض إلى ذِكر مانِعَين كبيرين يعترضان طريق معرفة النفس:

١ - الغفلةُ والجهل:

يستغرق البعض أحياناً في النظر إلى الخارج، فينظرون إلى كلّ شيء وكلّ شخص، لكنّهم يغفلون عن أنفسهم وما فيها من قابليات وطاقات صالحة وخيّرة، وبذلك يفقدون ثروات مادّية ومعنوية هائلة، بل أحياناً لا يمكن تدارك الضرر الناجم عن ذلك.

ومن هنا تبدو أهميّة التدقيق في كلام( وليم جيمس ) ، الفيلسوف الشهير والأستاذ في جامعة( هارفارد ) إذ قال: لو قِسنا أنفسنا على ما نحن عليه، لوجدنا أنّنا أهدرنا نصف وجودنا! إذ إنّنا لا نستثمر سوى جزءٍ ضئيل من قوانا الجسدية والعقلية!

____________________

(١) غُرر الحِكَم: ١ / ٣١٩.

(٢) غُرر الحِكم: ص٢٣٢، الحديث ٤٦٣٨.

(٣) بحار الأنوار: ٢ / ١٣٢.

(٤) سورة فصّلت: الآية ٥٣، سورة الروم: الآية ٨، سورة الذاريات: الآية ٢١.


 وبكلمةٍ أوضح: إنّ الإنسان قد حصرَ نفسه في زاوية ضيّقة، بإهماله استثمار الطاقات الهائلة الكامنة في وجوده(١) !

وقد قال العالِم الشهير الدكتورآفيبوري : ( للأسف الشديد علينا أن نعترف بجهلنا أسرار الكائنات والوجود، فإنّنا لا زلنا نجهل حتّى أنفسنا؟ وماهيّةَ علاقتنا بالطبيعة.. أجل، نحن لا نعلم شيئاً، لذا يتحتّم علينا مؤقّتاً أن نضع أمام كلّ شيء علامة استفهام(٢) .

وقال( كاريل ): ( إنّ مسؤوليّتنا الأساسية في الحياة لا تنحصر بمعرفة الأشياء المُبهمة الموجودة في الفواصل البعيدة عنّا، وإنّما الذي يجب علينا بالدرجة الأولى هو اكتشاف الأمور الواقعة بالقرب منّا )(٣) .

وعلى كلّ حال، يتعيّن علينا لكي نرفع غشاوة الجهل والغفلة - مضافاً إلى توظيف الفكر والتعقّل ورفع المستوى العلمي - أن نُكثر من الدعاء وتوثيق الصلة بالله تعالى.

وقد ذَكر العالِم الفرنسي الشهير الدكتور( الكسيس كاريل ) ، مؤلِّف كتاب( الإنسان ذلك المجهول ) ، والحائز على جائزة ( نوبل ) في الطب: ( إنّ للدعاء والعبادة أبلغ الأثر في بعث القوّة في وجود الإنسان، ويمكن تشبيه هذا الأثر بجاذبيّة الأرض فهو حقيقي ومحسوس )(٤) .

٢ - اتّباع الهوى

إنّ اتّباع الهوى وإرخاء حبل الشهوات والميول، يُعدُّ من عوامل جهل النفس ومانعاً في طريق معرفتها، والاستفادة من القابليات والكفاءات التي أودَعها الله فيها، ويندُر مَن يجهل الأضرار الجسيمة الناجمة عن اتّباع الشهوات، ولأجل أن

____________________

(١) كيف نتغلّب على الاضطراب والقلق: ص١٨٦.

(٢) البحث عن السعادة: ص٧٤ و٢٤٩.

(٣) البحث عن السعادة: ص٣٦.

(٤) البحث عن السعادة: ص٥٧ و٢٢٩.


نتعرّف مسؤوليّتنا في معرفة النفس بشكلٍ أكبر بُغية اتّخاذ القرارات اللازمة، لنَصغِ إلى الكلمات العميقة التي قالها أمير المؤمنين ( عليه السلام ):( إنّ الله عزّ وجل ركّب في الملائكة عقلاً بلا شهوة، وركّب في البهائم شهوة بلا عقل، وركّب في بني آدم كليهما، فمَن غَلبَ عقلهُ شهوته فهو خيرٌ من الملائكة، ومَن غَلبت شهوتهُ عقلهُ فهو شرٌّ من البهائم ) (١) .

ومن هنا يجدر بالإنسان حينما يقف على مُفترق طريق العقل والشهوة، أن يكبح جُماح شهوته الجنسية غير المشروعة؛ لأنّها تقف حائلاً دون معرفة النفس والتكامل الإنساني، وعليه أن يرفع من مستواه الفكري والعقلي؛ لأنّ قيمة الإنسان تكمُن في عقله وفكره، إلاّ أنّ اختيار طريق العقل والتديّن باهض الكلفة وهو بحاجة إلى وعي ومراقبة دقيقة وجهدٍ حثيث.

ذَكر الدكتور( جون لوك آفيبوري ) الذي قضى شطراً من حياته في حقل التبشير: ( ما أحرى الشباب أن يقضوا ربيع حياتهم في ظلّ العفاف والفضيلة، ولكن هيهات؛ فطريق الفضيلة صعودي بينما طريق الرذيلة نزولي وانسيابي، فالذي يتّجه نحو الفضيلة يتقدّم بخطوات بطيئة، في حين أنّ الذي يسلك طريق الرذيلة يتقدّم بخطوات رشيقة وخفيفة سرعان ما تقذف به في هوّة الفساد.

فالذي يريد أن يحيا حياة عفيفة وطاهرة لا تشوبها الرذيلة، عليه أن يراقب نفسه وأن لا يرفع عينه عنها، كما يصنع مَن يُحاذرُ لصّاً، وعلى الشباب الذين يرومون النجاح في مُعترك الحياة ونيل السعادة، أن يتجنّبوا هاوية الفساد والانحطاط، وأن لا يقتربوا منها؛ لأنّ النفس تهوى والهوى مَهلكها، وقد يغفل الشابّ لحظة واحدة فتزلّ به القدم ليسقط في أودية الضلالة، ولا يكون نصيبه سوى الحسرة والخسران )(٢) .

____________________

(١) عِلل الشرائع: الشيخ الصدوق ١ / ١٥.

(٢) البحث عن السعادة: ص٢٢٩ - ٢٣٠.


قال الإمام علي ( عليه السلام ):( كم من شهوةٍ ساعة أورثت حُزناً طويلاً ) (١) .

وقد شاهدنا وقرأنا في الصُحف نماذج كثيرة عن هذا النوع من الزلل والندم، فيجدر بنا قبل السقوط في هذهِ المهاوي وعظّ أصابع الندم أن نراقب أنفسنا، ونُدقّق في الأمور التي ذكرناها في هذا الموضوع من هذا الكتاب.

____________________

(١) وسائل الشيعة: ١١ / ١٦٤، دار إحياء التراث العربي.


(٢)

البلوغُ وآثاره

إنّ البلوغ يعني الوصول، بمعنى أنّ الإنسان حينما يجتاز مرحلة الطفولة ويدخل في مرحلة الشباب - التي هي بداية صيرورة الذَكر رجلاً، والأنثى امرأة - يكون بالغاً وواصلاً لهذهِ المرحلة، ولذلك تسمّى هذهِ المرحلة بـ( البلوغ ) .

هناك فارق يسير بين تعريف علماء الأحياء للبلوغ وبين تعريف علماء الدين له؛ وذلك لأنّ علماء الأحياء يأخذون بنظر الاعتبار الخصائص العلمية في هذا المجال، ومن هنا سنتطرّق إلى كِلا التعريفين وبيان علائم البلوغ فيهما.

يرى علماء الأحياء أنّ الفترة الزمنية ما بين ١٢ إلى ١٨ سنة من العمر هي مرحلة اليافِعين، وأنّ الفترة ما بين ١٨ إلى ٢٥ هي مرحلة الشباب، وقد تزيد هذه الفترة أو تنقص نتيجة للعوامل الوراثية والاجتماعية والجغرافية.

وطبعاً لا يخفى أنّ الإنسان يمرّ في حياته بمراحل مختلفة من البلوغ، منها:البلوغ الجنسي، والبلوغ الفكري، والبلوغ الاجتماعي، إلاّ أنَّ ما نتوخّاه على وجه العموم في هذا البحث هو:البلوغ الجنسي ، ولكنّنا أيضاً لا نجد محيصاً من التطرّق إلى الأنواع الأخرى من البلوغ.


وعلى كلّ حال، فإنّ علماء الأحياء يُحدّدون سنّ البلوغ بشكلٍ عام بين سن ١١ إلى ١٤ في الفَتَيات، وبين سن ١٥ إلى ١٦ في الفتيان، وأبرز علامات البلوغ في الفتيات: الطمث والحيض، وفي الأولاد: خروج المَني من الجهاز التناسلي.

إلاّ أنّنا سنتعرّض إلى علائم وخصوصيات البلوغ ومرحلة الشباب وما قبلها، بشيء من التفصيل من خلال القسمين الآتيين:

١ - العلاماتُ الفيزيقيّة

إنّ أهمّ التغيّرات الجسدية والفيزيقيّة التي تَحدث عند البلوغ وتستمرّ بالظهور بعد ذلك، ما يلي:

١- تبدأ غدّة الهيبوفيز الواقعة أسفل المخ وسائر الغُدد الداخلية الأخرى بالعمل تلقائياً، فتقوم بتنشيط الهرمونات الجنسية لدى الفتيان والفَتيات (١).

٢ - تتّخذ الأجهزة التناسلية عند الفتيان والفتيات حجماً أكبر.

٣ - تَخشّن العظام وهيكل الجسد وخاصّةً الأرجل.

٤ - تَبدأ قامة الشباب بالنموّ السريع ويتّخذ قواماً نحيفاً.

٥ - يثقل الوزن خصوصاً لدى الفَتيات.

٦ - يخشُن الصوت ويشتدّ عند الفتيان، وأمّا في الفتيات فلا يحصل مثل هذا التغيير إلاّ بنحوٍ يسير، بل قد يغدو أكثر نعومة(٢) .

٧ - بروز الحنجرة وتضخّمها(٣) .

٨ - يفقد القوام رشاقته ويبدو غير متناسق، إلاّ أنّ هذه الظاهرة لا تدعو إلى القلق؛ لأنّها تزول مع الوقت(٤) .

____________________

(١) فَسلجة الغرائز: ص٢٥.

(٢) موريس دبس، ماذا نعلم؟ البلوغ: ص٤١ إلى ٤٤، نقلاً عن ترجمة إسحاق لالة زاري.

(٣) نفس المصدر.

(٤) نفس المصدر.


٩ - تظهر بُثور سوداء على أطراف الأنف والحنك في الفتيان ما يثير فيهم الخوف والقلق، إلاّ أنّها تزول بمرور الوقت(١) .

١٠ - ينمو الشعر على وجه الفتيان دون الفتيات، إذ يحتفظ وجههنّ بنعومته وطراوته.

١١ - يخشن شعر الجسد على الخصوص حول الأعضاء التناسلية، بفعل نشاط الهرمونات الجنسية في كلّ من الفتيان والفتيات(٢) .

١٢ - يكبر حجم الصدر والكتفين عند الفتيان، بينما يكبر الصدر والحوض عند الفتيات استعداداً للولادة.

١٣ - يزيد مقدار نموّ الطول في مرحلة البلوغ، ويمكن تخمين مستواه النهائي - مع الأخذ بنظر الاعتبار عوامل الوراثة والبيئة - بحوالي ٢٠ إلى ٢٥ سنتيمتراً.

١٤ - وكما تقدّم: فإنَّ الاحتلام - بمعنى خروج المني من الجهاز التناسلي عند الفتيان - يبدأ ما بين سن ١٦ إلى ١٨، ويبدأ الطمث عند الفتيات ما بين سن ١١ إلى ١٤، وقد تَحدث هاتان الظاهرتان بشكلٍ مبكّر في بعض الأفراد، إذا أخذنا بنظر الاعتبار العوامل الوراثية ورَغَد العيش والتغذية، وسُكنى المُدن، أو المناطق الحارّة والاستوائية، ومشاهدة المَناظر المثيرة وما إلى ذلك.

وبالنسبة إلى الطمث، لابدّ للأولياء والفتيات أنفسهنّ من الالتفات إلى هذه المسألة المهمّة التي أشار إليها القرآن الكريم، وأثبتتها التجارب أيضاً، وهي: أنّ الفتيات يتعرّضن في فترة الطمث إلى نوع اعتلال واختلال في المزاج، وقد ذَكر الدكتورابراهام ستون : ( الطمثُ، يصحبهُ ألم في الظهر والمَعدة واضطراب في الأمعاء، ويرى بعض علماء النفس أنّ ذلك يعود إلى عوامل نفسية )(٣) .

____________________

(١) نفس المصدر.

(٢) البلوغ: ص٤٠.

(٣) الدكتور ابراهام ستون: دليل الزواج، ص٤٢.


وعليه: يتعيَّن على الأولياء الالتفات إلى هذه المسألة، كي يحيطوا الفتيات برعايتهم واهتمامهم، وعلى الفتيات أيضاً أن يَعمدنَ إلى مراقبة أنفسهنّ والعمل على رفع مقدرتهنّ الروحية والجسدية.

٢ - الآثارُ النفسية والأخلاقية

وفي فترة الشباب - التي هي بمثابة ربيع الحياة، والمُفعمة بالطاقة والحيويّة والنشاط - تظهر بفعل التغيّرات الحاصلة في الغُدد الداخلية مثل:( غدّة الهيبوفيز )، و( الغدّة الدَرَقية ) سلسلة من الأعراض الروحية والأخلاقية في الشباب، أطلقَ عليها( موريس دبس ) تسمية ( حياة التشنّج والأزَمات النفسية )، وعبّر عنهاأفلاطون بـ ( السُكر الروحي والفكري )(١) .

وقال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ):( الشبابُ شعبة من الجنون ) (٢) .

ويؤدّي هذا الاختلال الأخلاقي والسلوكي إلى اضطرابات تستدعي من الآباء والأمّهات والمعلّمين والشباب أنفسهم، دقّة متناهية ومراقَبة صارمة ليتمّ تجاوز هذه المرحلة بسلام.

وأهمّ الآثار النفسية التي تظهر على سلوكية اليافعين والشباب ما يلي:

١ - بروز المشاعر النابضة والعاطفية، وعليه فإنّ البالِغين حديثاً سيُخلّفون أحلام الصبى وراءهم، ويدخلون في عالَم جديد له متطلّباته وظروفه وإمكانياته المختلفة.

٢ - تخبّط الشباب في أحلام اليقظة، فتجد الواحد منهم يفكّر تارةً في مهنة الطيران، وأخرى في الطب، وثالثة يريد أن يتألّق نجمه كلاعب كرة على الصعيد العالَمي، ورابعة يفكّر في أفضل الطُرق إلى جَمع الثروة، وفي هذا الصدد يقولموريس دبس: ( ليست هناك رابطة بين الشباب والتعقّل؛ إذ هم يرون التعقّل من شؤون الكبار والمُسنّين،

____________________

(١) البلوغ: ص٨ و٩ و٥٢.

(٢) بحار الأنوار: ٢١ / ٢١١، ٧٤ / ١٣٣.


 أمّا هم فيحاولون في عالَم الرؤيا أن يربطوا عَربتهم بواحدة من نجوم السماء، كما صَنع أمرسون )(١) .

٣ - ومن الخصائص الأخرى لفترة الشباب: عدم الانسجام مع واقعية الحياة؛ ذلك أنّ أحلام اليقظة ونبذ التعلّق بالواقع يؤدّي إلى بروز التضادّ بين أفكار الشباب السطحية والساذجة وبين واقعيات الحياة، فيصاب الشباب من جرّاء ذلك بنوعٍ من الإحباط الذي يؤدّي بهم إلى الاقتضاب في الكلام أو السكوت المطلق، وأحياناً اعتزال الناس والانفراد في زاوية من البيت.

٤ - إنّ روح الشباب المعتلّة والمضطربة تفرض عليه حسّاسية خاصّة تجعل منه كتلة من المتطلّبات، حتّى أنّه سيثور لأدنى رفضٍ يُجابه به طلبه، بل قد يَحمّر غضباً وينفجر لأتفه الأسباب، وأحياناً بلا سبب معقول، إلاّ أنّ هذه السلوكية لا تدوم طويلاً وسرعان ما يظهر عليه الندم على ما بدرَ منه!

٥ - إنّ العُجب والاغترار المُخادع الذي يبعث على الغَثيان، من الأعراض الأخلاقية والروحية الأخرى لـ( أزمة الشباب ) التي يُبتلى بها الشابّ بسبب قلّة تجربته؛ ولأنّه يحاول فرض شخصيّته يظهر عليه جنون العظمة الذي هو على حدّ تعبير( موريس دبس ) ، كحبِّ الشباب جزء من أمراض هذه المرحلة من العمر(٢) !

٦ - ومن العوارض الأخرى لمرحلة الشباب: الوسوسة في انتخاب المِهن والأعمال، وللوسواس صور مختلفة أشدّها يتجلّى في عملية تكرار تطهير الثياب والجسد.

٧ - سوء الظنّ حالة طبيعية في هذه المرحلة، إلاّ أنّه في الوقت نفسه مرضٌ خطير قد يتحوّل إلى مرضٍ مزمنٍ وحادّ، فلابدّ من المبادرة إلى علاجه قبل أن يستفحل.

____________________

(١) البلوغ: ص١٩٢.

(٢) البلوغ: ص١٣٧ و١٧٨.


وللأسف الشديد قد تطغى حالة سوء الظنّ على الشباب حتّى تُخرجهم من الاعتدال والاتّزان، فلا يقيمون وزناً لنصائح الكبار مهما كانت صالحة، وأحياناً يُطال سوء الظنّ حتّى الآباء والأمّهات فيتصوّرهما الشابّ عَدوّين له، وقد يُقدّم نصائح الآخرين على نصائحهما.

٨ - وتارةً يستولي الانطواء على الذات، والاعتداد بالنفس، وشعور العَظمة على الشباب حتّى يرون أنفسهم شخصيات ممتازة ومستقلّة، فينجرفون من جرّاء ذلك في طُرق الضلال والمتاهات، وقد يدركون خطأ الطريق أحياناً، إلاّ أنّ كبرياءهم لا يُجيز لهم أن يطلبوا العون من أوليائهم!

٩ - إنّ القلب السالم والطاهر الذي يصل أحياناً إلى مستوى السذاجة ، يدفع الشابّ على حدِّ تعبير( الكسيس كاريل ) إلى تقليد الآخرين تقليداً أعمى(١) ، فإذا لم يَعثر على نموذج صالح يَقتدي به، تورّط في اقتفاء آثار الطالحين، وهو أمرٌ في غاية الخطورة!

١٠ - ومن عوارض مرحلة الشباب الأخرى: عدم اشتهاء الطعام، وهي مسألة ذات صلة بالوضع الجسدي والظروف النفسية لهم، والالتفات إليها يمكن أن يساعدهم على إدراك أنّ هذه المرحلة سريعة الزوال أوّلاً، وثانياً بالإمكان القضاء عليها بمراجعة الطبيب والعلاجات النفسية.

١١ - حاجةُ الشباب إلى المحبّة - مع الأخذ بنظر الاعتبار شفافيّة روحهم ورقّتها - خصوصية أُخرى فيهم، فإذا لم تُلَبَّ بواسطة الصالحين والمخلصين، فسوف يبادر الطالحون إلى اغتنام الفرصة والانقضاض على الشباب ومهاجمة وجودهم، والأخذ بهم نحو مهاوي الانحراف!

١٢ - إنّ التغيّر السلوكي والأخلاقي، واختلال الأعمال، وفوران الغريزة الجنسية ، إذا لم يتمّ توجيهها وتهذيبها بالمراقبة والمداراة، فإنّها - على حدِّ تعبير( موريس دبس ) - سوف تبرز في أوّل الأمر على هيئة التمرّد ومعاداة الوالدين،

____________________

(١) الإنسان ذلك المجهول: ص٨٤.


ثمّ تتحوّل بعد ذلك إلى التسفّل والجنون الأخلاقي وانعدام الحياء والقسوة(١) ، وعشرات الجرائم والمفاسد الأخلاقية الأخرى التي تلّوث البيئة الاجتماعية.

وسنتعرّض في البحوث القادمة من هذا الكتاب أيضاً إلى استعراض سُبل وقائية أو علاجية أخرى، لهذه العوارض التي تصحب فترة الشباب، ولكن في الوقت نفسه - ونظراً إلى الأهمية النفسية والفكرية لجيل الشباب تجاه الأضرار، والتأسّي بالنماذج غير الصالحة - نتعرّض إلى إرشادَين ناظرَين إلى واجب الوالدين والأولياء تجاه أبنائهم، وإرشادَين قيّمين آخرَين موجّهين للشباب أنفسهم:

١ - قال الإمام الصادق ( عليه السلام ):( بادروا أولادكم بالحديث قبل أن يسبقكم إليهم المُرجئة ) (٢) .

٢ - وقال ( عليه السلام ) أيضاً:( احذَروا على شبابكم الغُلاة لا يُفسدوهم؛ فإنّ الغُلاة شرّ خَلق الله، يُصغّرون عظمة الله، ويدَّعون الربوبيّة لعباد الله..) (٣) .

٣ - قال الإمام علي لدى تفسيره قوله تعالى:( وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ) : ( لا تنسى صحّتك، وقوّتك، وفراغك، وشبابك، ونشاطك أن تطلب بها الآخرة )(٤) .

٤ - وقال الإمام الصادق ( عليه السلام ):( لستُ أحبّ أن أرى الشباب منكم إلاّ غادياً في حالَين: إمّا عالماً، أو متعلّماً، فإن لم يفعل فرّط، فإن فرّط ضيّع، فإن ضيّع أثِم، وإن أثِم سَكن النار والذي بعثَ محمّداً بالحقّ ) (٥) .

____________________

(١) البلوغ: ص١٢٨ و ١٩٠.

(٢) فروع الكافي: ٦ / ٤٧.

(٣) بحار الأنوار: ج٢٥، ص٢٦٥، أمالي الطوسي: ص٦٥٠.

(٤) بحار الأنوار: ٦٨ / ١٧٧، معاني الأخبار: ص٣٢٥.

(٥) بحار الأنوار: ١ / ١٧٠.


(٣)

البلوغُ وأحكامه

تنتهي فترة الطفولة مع بداية مرحلة البلوغ في الفتيان والفتيات، ويكونان قد بلغا رُشديهما وعليهما كسائر الرجال والنساء من المسلمين أن يؤدّيا تكاليفهما الدينية من قبيل: تقليد المجتهد، وأداء الصلاة والصيام، وسائر الأحكام الأخرى.

وبعد أن تحدّثنا في الفصل المتقدّم عن أعراض البلوغ العلمية، فسوف نتحدّث في هذا الفصل عن الميزان الشرعي للبلوغ وأحكامه.

البلوغ والتكاليف الدينية

علائمُ البلوغ من الناحية الشرعية:

١ - علامات البلوغ في الغلام تكون بإكماله ١٥ سنة قمريّة، أو نبات الشعر تحت الإبط وفوق العانة، أو خروج المني بالاحتلام وغيره، قال الإمام الباقر ( عليه السلام ):( إذا احتلمَ، أو بَلغ خمس عشرة سنة، أو أشعرَ، أو أنبتَ قبل ذلك، أُقيمت عليه الحدود التامّة، وأخذَ بها، وأُخذت له ) (١) .

____________________

(١) وسائل الشيعة: ١ / ٣٠، ح٢.


٢ - وأمّا بلوغ الفتيات فيكون بإكمالهنَّ تسع سنوات قمرية، أو نبات الشعر تحت الإبطين والعانة، أو الاحتلام ( وأحياناً الطمث )، وقد حدّد الإمام الصادق ( عليه السلام ) البلوغ في الفتيات، بإكمال التسع سنوات والطمث(١) .

وأمّا بشأن أداء التكاليف على البالغين، فينبغي الاهتمام بالتوضيحات الآتية بشكلٍ دقيق:

١ - إنّ أهمّ معيار في بلوغ الغلام هو: إكمال سنّ الخامسة عشرة، والفتاة إكمالها تسع سنوات قمرية، وعليه إذا بَلغا هذه السن، وجبَ عليهما أداء التكاليف وإن لم تظهر عليهما سائر العلامات الأخرى.

٢ - وإذا لم يبلغا هذه السنّ وظهرت عليهما بعض العلامات الأخرى: كالاحتلام، ونبات الشعر الخشن، وأحياناً الطمث، كان ذلك دليلاً على بلوغهما بهذه العلامات، ووجبَ عليهما أداء التكاليف الشرعية لذلك(٢) .

٣ - إذا لم تتمكّن الفتاة بعد إكمالها سنّ التاسعة من الصيام في شهر رمضان بسبب ضعفها، أمكنها أن تصوم قدر إمكانها منه، ويمكنها أيضاً أن لا تصوم الشهر كلّه، ولكن عليها قضاؤه في أشهرٍ أخرى(٣) .

٤ - إنّ السنة القمرية - التي هي الملاك في تحديد سنّ التكليف - تُقدّر بحوالي ٣٥٥ يوماً، وبذلك تكون البنت التي بقي لها حوالي ٩٨ يوماً لكي تبلغ سنّ التاسعة على السنوات الشمسية، قد بلغت تسع سنوات قمرية.

أحكامُ الجنابة وآثارها

هناك بشكلٍ عام خمسة سوائل تخرج من الأفراد قبل البلوغ وبعده، ولكلّ واحد منها علائمه وخصوصياته وأحكامه التي سنوضّحها فيما يأتي:

____________________

(١) وسائل الشيعة: ١ / ٣٠ - ٣١، ٢ / ١٠.

(٢) تحرير الوسيلة: ٢ / ١٦٣، كتاب الحِجر، المسألة ٣.

(٣) استفتاءات الإمام الخميني ( رحمه الله ): ١ / ٣٢١.


١ - الإدرار أو البول: وهو سائل يخرج من جميع الأفراد سواءٌ في ذلك البالغ منهم وغيره، رجلاً كان أو امرأة، وهو يخرج منهم عدّة مرات في اليوم والليلة ولونهُ معروف، وهو نجسٌ فلابدّ من تطهير موضع خروجه بالماء.

٢ - الوَدْي: سائلٌ رطب ولزج شبيه برشح المصاب بالزكام، يخرج من مجرى الإدرار بعد انقطاع البول بلا هياج جنسي، وهذا السائل في ذاته ليس نجساً ولا يحتاج إلى تطهير موضع خروجه أو ملاقاته، ولكن لو أنّ الشخص لم يستبرئ بعد البول، فإنَّ الودي سيكون قد لاقى البول فينجس لذلك، فلابدّ حينئذٍ من تطهير موضع خروجه بالماء.

٣ - المَذْي: وهو سائل يترشّح بعد المداعبة والهياج الجنسي لأجل عملية الجماع، وهو لزج أيضاً ولونهُ أبيض رقيق، وهو طاهرٌ لا يتنجّس الثوب والبدن بملاقاته، وقد ذَكر الدكتور( ابراهام استون ) : تخرج قبل الإنزال ترشّحات قليلة لزجة ليست من المني، وفائدتها: إبطال مفعول الحوامض الأسيدية في البول، والتي تقتل الحيوانات المنويّة لولا وجود هذه الترشّحات(١) .

٤ - الوَذي: سائل رطب ولزج أبيض اللون يخرج من الرجل بعد الجنابة وخروج المني، وهو طاهرٌ في ذاته أيضاً، فإذا لم يُلاقِ المَني، أو كان الرجل قد استبرأ بعد خروج المَني، فلا حاجة إلى تطهيره، قال الإمام الصادق ( عليه السلام ):( وأمّا الوَذي: فهو الذي يخرج من الأدواء ولا شيء فيه ) (٢) .

٥ - المَني: سائلٌ أبيض شبيه ببياض البيضة، وله رائحة العجين الحامض، يَخرج عند الجماع والاحتلام، ومقدارهُ في كلّ مرّة - كما يقول علماء الأحياء - ملعقة اعتيادية، ويكون حاوياً على مئتين إلى خمسمئة مليون حيمن(٣) .

____________________

(١) دليل الزواج: ص٣١.

(٢) وسائل الشيعة: ١ / ١٩٧، ج٦.

(٣) دليل الزواج: ص٣١.


وعلائم المَني الذي يوجب خروجه الجنابة: عبارة عن ثلاث حالات كما هو موجود في الأحاديث وكُتب الفقه:

١ - الخروج بِدفق.

٢ - استشعارُ الإنسان للّذة والنشاط.

٣ - استشعارُ الفتور والارتخاء بعد خروجه.

ويكفي في المرأة والمريض حصول الشهوة فقط وإن لم يخرج المَني بدفق، وعندها تحصل الجنابة بمجرّد اللذّة والشهوة(١) .

وعليه: فمن بين هذه السوائل الخمسة يكون الوذْي، والمذْي، والودي، سوائل طاهرة في نفسها، ولا تحتاج إلى تطهير أو وضوء أو غُسل، وأمّا البول فهو نجسٌ فلابدّ من تطهير موضع ملاقاته، ولابدّ من الوضوء بعده لأجل أداء الصلاة، وأمّا المَني فهو يُبطل الوضوء أيضاً، ولكن لابدّ من الغُسل بعد خروجه.

الطمث

وأمّا الطمث الذي يَحدث للفتيات بعد البلوغ وتراه النساء عدّة أيّام من كلّ شهر، فلابدّ لنا من الالتفات بشأنه إلى عدّة أمور:

١ - إنّ الطمث الطبيعي دليلٌ على الصحّة واعتدال المزاج، إذ به تطهر الأعضاء الداخلية عند المرأة وتكون مستعدّةً للحمل.

٢ - إنّ مدّة الطمث من الناحية الشرعية - سواء كان الدم قليلاً أم كثيراً - لا تقلّ عن ثلاثة أيّام ولا تزيد على العشرة، وعليه: فإنّ الدم الذي تشاهده المرأة إن كان أقلّ من ثلاثة أيّام أو أكثر من عشرة ليس بحيض(٢) .

____________________

(١) تحرير الوسيلة: ١ / ٣٤، توضيح المسائل للسيّد الإمام، ص٤٥.

(٢) تحرير الوسيلة: ١ / ٤٤.


٣ - يختلف مقدار الدم الخارج بالحيض تبعاً للظروف والعوامل الوراثية والمزاجية، والمناخ، ونوع الطعام، والعمل والنشاط، والبيئة، إلاّ أنّه يُقدّر في كلّ دورة شهرية بشكلٍ متوسط بحوالي ٥٠ إلى ١٠٠ غرام(١) ، وعلى الفتيات أن يُجبرنَ هذا النقص بالاستراحة وتناول الأطعمة الغنيّة والمقويّة.

٤ - لون دم الحيض في الغالب أحمر ضاربٌ إلى السواد، ويكون غليظاً وحارّاً يخرج بدفق وحِرقة(٢) .

٥ - على المرأة أثناء الحيض أن تترك العبادات التي تحتاج إلى وضوء من قبيل الصلاة والصيام، ولكن عليها قضاء الصوم دون الصلاة(٣) .

وهناك مسائل فرعية كثيرة حول الطمث ومدّته، وتناول العقاقير التي تَحول دونه ومراعاة الأمور الصحّية، ممّا لابدّ من مراجعته في مظانّه في الرسائل العلمية والكتب المختصّة في هذا المجال.

أنواع البلوغ الأخرى

تقدّم منّا بيان بلوغ الفتيات والفتيان، وحدّدناه على الترتيب بسنّ التاسعة والخامسة عشرة من السنوات القمرية، ولكن لابدّ لنا أيضاً من أن نأخذ بنظر الاعتبار العلاقات الحقوقية والاجتماعية التي تحتاج - مضافاً إلى سنّ البلوغ الشرعي - إلى رُشدٍ وكفاءة فكرية وقابلية كاملة؛ لما تحتويه هذه العلاقات من مسؤولية.

إنّ نماذج العلاقات الحقوقية للفتيان والفتيات التي تحتاج - مضافاً إلى بلوغ سنّ التكليف - إلى الرشد العقلي والفكري، بل والفيزيقي أيضاً، عبارة عن:

____________________

(١) اطلاعات عمومي جسمي وزناشوئي: ص٢١٩.

(٢) العروة الوثقى: دار الكتب الإسلامية، ص٩٩.

(٣) توضيح المسائل: الإمام الخميني، طبع آستان قدس، ص٥٩، المسألة رقم ٤٦٩.


١ - البلوغ الجنسي والزواج

من الواضح أنّ بلوغ الفتيات والفتيان سنّ التكليف الشرعي - الذي حدّدناه ببلوغ التاسعة والخامسة عشرة - لا يعني في الغالب بلوغهما سنّ الزواج والبلوغ الجنسي، ولهذا السبب حينما يتحدّث القرآن الكريم بشأن دَفع أموال اليتامى إليهم يقول:( وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ) (١) .

وجاء في الحديث:( إنّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) دَخل بعائشة وهي بنت عشر سنين، وليس يُدخل بالجارية حتّى تكون امرأة ) (٢) .

وربّما كان هذا النوع من الأحاديث وسائر التجارب العلمية والعرفية، هي التي دَعت السلطة التشريعية إلى سَنّ المادّة رقم ١٠٤١ من القانون المدني، والتي تُحدّد سنّ الزواج في الفتيات ببلوغ الخامسة عشرة، وفي الفتيان ببلوغ الثامنة عشرة، وقد يمكن للفتاة أن تتزوّج في سنّ الثالثة عشرة، والولد في سنّ الخامسة عشرة، في بعض الحالات بإذن وإشراف من المحكمة.

كما عُدّلت هذه المادّة بتاريخ ٨ / ١٠ / ١٣٦١ هجري شمسي، حيث تمّ السماح بزواج الفتاة دون سنّ الثالثة عشرة، ولكن بإذن من ولي أمرها ومراعاة مصلحتها، وفي الوقت الذي يمكن للفتيان أن يتزوّجوا بعد إكمال سنّ الخامسة عشرة، فإنّ الظروف السنّية والرشد العقلي بحاجة إلى كفاءة أكبر، وهو ما يؤيّده العُرف والعقل لتنموا كفاءته الجنسية وسائر الكفاءات الأخرى التي تساعده على إدارة الحياة العائلية.

____________________

(١) سورة النساء: الآية ٦.

(٢) وسائل الشيعة: ١ / ٣١، ح٥.


٢ - البلوغ الاقتصادي

مضافاً إلى ما توصّلنا إليه في البحث المتقدّم، والآية رقم ستّة من سورة النساء: من ضرورة اكتمال عقل اليتامى لدفع أموالهم إليهم، اكتشفنا أنّ هناك - مضافاً إلى سنّ البلوغ - سنّاً تُمكّن الفتيان والفتيات من إدارة أمورهم الاقتصادية، وهناك رواية عن الإمام موسى بن جعفر ( عليه السلام ) قال فيها الراوي:

( سألتهُ عن اليتيم متى ينقطع يُتمه؟ قال ( عليه السلام ): ( إذا احتلمَ وعَرف الأخذ والعطاء ) (١) .

ومن هنا أجاز القانون معاملة الأفراد البالِغين سنّ الثامنة عشرة، وبذلك يتحدّد سنّ ( البلوغ الاقتصادي ) بثمانية عشر عاماً.

٣ - البلوغ الاجتماعي

إنّ سنّ بلوغ الفتيان والفتيات لأداء التكاليف الشرعية وفقاً للموازين الإسلامية، وإن حُدّد بتسعة أعوام وخمسة عشر عاماً، إلاّ أنّ القانون حَدّد سنّ البلوغ الاجتماعي بثمانية عشر عاماً في بعض الحالات التي تحتاج إلى رشد وكفاءةٍ عالية، من قبيل الحصول على إجازة السياقة وأداء الخدمة العسكرية.

٤ - البلوغ السياسي

وأمّا بشأن البلوغ السياسي فمعَ الالتفات إلى ما فيه من الحقوق الاجتماعية، وأنّ الشاب لا يمكنه أن يستقلّ في إبداء رأيه وفكره، وإنّما هو تبع للعقل الجمعي في ذلك، يكون رأيهُ على العموم في الشؤون السياسية مع انضمام آراء الآخرين إليه مصوناً من الأضرار الاحتمالية، ومن هنا فقد مَنَحهم قانون الانتخابات حقّ الانتخاب في سنّ السادسة عشرة.

____________________

(١) وسائل الشيعة: ١ / ٣١، ح٦.


وعليه: فبرغم بلوغ الفتاة من الناحية الشرعية في سنّ التاسعة، والفتى في سنّ الخامسة عشرة، إلاّ أنّهما لا يبلغان من الناحية السياسية، ولا يتسنّى لهما تقرير مصيرهما من هذه الناحية إلاّ ببلوغهما سنّ السادسة عشرة، وعندها يتمكّنان من التواجد في رقعة الحياة السياسية والاجتماعية، بُغية المشاركة في تحديد مصيرهما وتعالي مجتمعهما الإسلامي من الناحية المعنوية والمادّية، ويكونان قدوة للأجيال والمجتمعات القادمة.


(٤)

علاقاتُ الفتيان والفتيات

لو لم يقلأرسطو (٣٨٤ - ٣٢٢ ق م) الملّقب بالمعلِّم الأوّل:( الإنسان مَدني بالطبع ) لابدّ لهُ من العيش ضمن مجتمع(١) ، لأمكننا أن ندرك من كلمة ( الإنسان ) - التي تَحمل معنى الأُنس والأُلفة - ضرورة إقامة العلاقات والارتباط ببعضنا.

ولهذا الارتباط مراحل وشروط يمكن بحثها في ضوء الآراء المختلفة، إلاّ أنّ المُحور المشترك في أغلب الروابط يدور حول محور( تحقيق المنافع ودفع الأضرار ) .

إنّ معنى ( ضرورة هذا الارتباط ) هو: الحاجة الكامنة في وجود كلّ إنسان التي تدفعه إلى معاشره الآخرين، ليبثّهم همومه وأحزانه، ويطلب منهم العون فيحقّق منافعه ويرفع الموانع التي تعترض طريقه في الحياة.

أجل، إنّ هذا الميل نحو الارتباط بالآخرين كامن في جبلّة الإنسان، وهو واضح عليه حتّى في طفولته، إلاّ أنّه يتجلّى في فترة الشباب بشكلٍ أوضح؛ نظراً إلى اتّساع دائرة قابلياته وحاجاته، فيسعى من أجل ذلك بجهدٍ أكبر، وبموازاة ذلك يزداد نشاطه ومعاشراته واكتسابه الأصدقاء ويغدو أكثر حسّاسية.

____________________

(١) سير الحكمة في أوربا: ١ / ٢٨، ٤٨.


ويمكن تقسيم أنواع الارتباط بين الشباب بشكلٍ عام إلى أربعة أقسام، نحاول دراسة مشروعيّتها وصلاحيتها:

١ - ارتباط الفتيان بالفتيان.

٢ - ارتباط الفتيات بالفتيات.

٣ - ارتباط الفتيان بالفتيات.

٤ - ارتباط الفتيات بالفتيان.

أمّا الموردان الأوّل والثاني: فهما مطلوبان وضروريان من الناحية العقليّة والفطرية والدينية والسنّة الإنسانية، فيجوز لهما الارتباط ببعضهما وإقامة العلاقات الإنسانية والتعاون فيما بينهما، بل قد يغدو ذلك واجباً لكونه من الشروط اللازمة في حياتهم الاجتماعية، إذ له أحياناً تأثير حيوي ومصيري في تلبية حاجة الإنسان وحلّ مشاكله النفسية وغيرها من مشاكل الحياة.

وعليه: فإنّ علاقة القسمين الأوّلين ببعضهما - كما سنوضّح ذلك أيضاً - إن كانت قائمة على أساس مصالحهما الأخلاقية والإنسانية والدينية، فهي كما قلنا مفيدة وضرورية، وليس لنا الآن حولها مزيد كلام.

الفتيان والفتيات

أمّا بشأن روابط الفتيان بالفتيات وبالعكس، فلنا كلام في هذا الموضوع؛ لمَا يحتويه هذا النوع من الروابط من حسّاسية ودقّة، وطبعاً - كما تقدّم - فإنّ سنّ بلوغ الفتيان يتمّ في الخامسة عشرة، إلاّ أنّ الغلام البالغ عشرة أعوام يُعدّ مميّزاً، والدين يرى قيمة عالية للشؤون الأخلاقية والإنسانية، فلابدَّ من الحفاظ عليها بشكل كامل، وعليه: يحظر على الفتيان والفتيات النظر إلى بعضهما بشهوة، ولا يحقّ لهما أن يتماسّا جسدياً، ولا يجوز لهما الالتقاء في الخفاء، أو المراسلة، أو الاتصال هاتفياً، وما إلى ذلك من الروابط الخارجة عن إطار الدين والأخلاق والأعراف الإنسانية.


وإنّ الغريزة الجنسية لها خاصية اجتذاب كلّ من الغلام والفتاة إلى بعضهما، فيستمتعان بذلك ويلبيان حاجتهما الغريزية، ولكن علينا أن نعلم بأنّ تلبية الحاجة الجنسية لا تتمّ عبرَ هذا النوع من الطُرق غير المشروعة، هذا أوّلاً، وثانياً: قال الله تعالى في مُحكم كتابه الكريم:( وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ) (١) .

قد يكون هناك مَن لا يدرك خيرهُ وصلاحه وصلاح المجتمع، أو يطّلع على وضع الأخلاق في البلدان الغربية، فيتصوّر أنّ الروابط المحظورة عندنا ما هي إلاّ نوع من الحرّية، فيقع في شباكها الخطيرة، ولكن علينا أن نعي هذه الحقيقة وهي: أنّه ليست كلّ رابطة نافعة، ولا يمكننا أن ندرج كلّ رابطة في خانة الحرّية.

وقد قال العالِم الشهير( فكتور كوزن ) :( ليست الحرّية بأن نفعل ما نحبّ، بل الحرّية أن نفعل ما يحقّ لنا فعله ) (٢) .

الأضرار

إنّ الروابط غير الأخلاقية بين الفتيان والفتيات حتّى وإن سلّمنا جَدلاً عدم منافاتها للعفّة، إلاّ أنّها تُخلّف أضراراً بليغة وكبيرة أهمّها ما يأتي:

أ - خرقُ الموازين الدينية، وتجاوز الحدود الأخلاقية، والاعتداء على حُرمات الآخرين وانتهاك أعراضهم، وإيجاد المشاكل الأخلاقية، والتحلّل والسقوط في هوّة الانحراف والمخاطر الجسيمة التي لا يمكن جبرها.

ب - من خلال الالتفات إلى أنّ هذا النوع من الروابط بين الفتيان والفتيات مخالفٌ لمَا يقرّه العُرف والدين، ويتمّ بعيداً عن أعين الآباء والأمّهات وسائر الأقرباء، إذ يرونه معصية ومخالفاً للأعراف الدينية والتقاليد الأُسرية، وأنّ شيوع هذه الروابط غير السليمة يؤدّي أوّلاً إلى ردود فعل واضطرابات في النظام العائلي، وثانياً إلى الفضيحة والخروج عن دائرة الأخلاق، ونتيجة ذلك كلّه الضياع والندم.

____________________

(١) سورة البقرة: الآية ٢١٦.

(٢) انديشة مردان بزرك: ص٢٥.


 والشيء المهمّ في البين: هو أنّ بعض الشباب نتيجة لتسرّعهم وعدم نضجهم يُطلقون العنان لأنفسهم، فينسون كلّ شيء حتّى أنفسهم وهوّيتهم فيهتكون سترهم بأيديهم، فيكون نصيبهم الفضيحة والعار، بل والعقوبة أيضاً! ولا يمكن قبول أيّ عُذرٍ من هؤلاء الأشخاص، ويجدر بهم أنّ يلوموا أنفسهم قبل كلّ أحد.

ج - يسعى الآباء والأمّهات إلى أن تكون سلوكية أبنائهم قائمة على الأسس والموازين الدينية؛ ليقدّموا إلى المجتمع أفراداً صالحين، فيدقّقون في مراقبتهم، وإذا شاهدوا سلوكية مُنافية للأعراف الأخلاقية والأُسرية صاروا بصدد البحث والتنقيب عنها، وعندها يتعيّن على الفتيان والفتيات أن يجيبوا بصدقٍ ليحضوا بثقة أوليائهم، فإذا كانوا قد ارتكبوا خطيئة فسوف يلجؤون إلى الكذب والاحتيال لتبرير خطيئتهم، ممّا يؤدّي بهم إلى ازدواج الشخصية، وإنّ استقرار هذه الخصلة السيّئة فيهم سيؤدّي بهم بالتدريج نحو الاضطراب والقلق النفسي والتحلّل من القيود الأخلاقية! فيجدر بنا أن لا نأتي بشيء يكون منشأ لهذه الصفات القبيحة، وأن لا نفعل ما نضطرّ معه إلى الاعتذار، وقد قيل قديماً:( حَبلُ الكذب قصير )، هذا مضافاً إلى أنّ هذه الانحرافات تنافي الفطرة الإنسانية الطاهرة.

قصّة جعفر الطيّار

إنّ ما ذهبنا إليه من أنّ المعصية تنافي الفطرة الإنسانية الطاهرة أمرٌ يَذعن به الجميع، ولهذا السبب يسعى الفتيان والفتيات إلى إخفاء علاقاتهم غير السليمة من الناحية الأخلاقية، ويحاولون تبرير عملهم القبيح للتخفيف من حدّة لوم الآخرين لهم!


وهناك في هذا المجال قصّة تُنقل عن جعفر بن أبي طالب المعروف بـ( جعفر الطيّار ) ، وقد قلّده رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) في حرب( مؤتة ) قيادة جيش قوامهُ ثلاثة آلاف رجل من المسلمين، فاستشهدَ في هذه الحرب ولهُ من العمر إحدى وأربعون سنة(١) ، وقد كان له قُبيل بزوغ فجر الإسلام عشرون سنة، حيث كان الناس يتخبّطون في ظلمات الجاهلية، أمّا القصة المذكورة عنه، فقد نُقلت في روايةٍ عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) جاء فيها:( أوصى الله عزّ وجل إلى رسوله: إنّي شكرتُ لجعفر بن أبي طالب أربع خصال، فدعاهُ النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فأخبرهُ، فقال: لولا أنّ الله تبارك وتعالى أخبرك ما أخبرتُك: ما شربتُ خمراً قطّ؛ لأنّي علمتُ أنّي إن شَربتها زالَ عقلي، وما كذبتُ قطّ؛ لأنّ الكذب يُنقص المروّة، وما زنيتُ قطّ؛ لأنّي خفتُ أنّي إذا عملتُ عُمل بي، وما عبدتُ صَنماً قطّ؛ لأنّي علمتُ أنّه لا يضرّ ولا ينفع، قال: فضربَ النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بيده على عاتقه وقال: حقٌّ لله عزّ وجل أن يجعل لك جناحين تطيرُ بهما مع الملائكة في الجنّة ) (٢) .

وعليه: لابدّ للفتيان والفتيات من تجنّب العلاقات غير السليمة؛ لكونها معصية مخالفة للشرع، وقد تنعكس على الإنسان نفسه وعرضه، كما أنّ الأعمال التي تتمّ في الخفاء تنافي السير الطبيعي والفطري للإنسان، ولا ينتج عنها سوى العار والفضيحة.

التذرّعُ بالزواج

يقال أحياناً: لابدّ للفتيان والفتيات من التعرّف على أخلاق وسلوكيات بعضهما قبل الزواج؛ ليتمّ الزواج عن معرفة وبصيرة، فلابدّ لهما من الاختلاط والتزاور والتردّد على بعضهما، للحيلولة دون وقوع المحاذير الناتجة عن عدم معرفة بعضهما!

وللجواب عن ذلك لابدّ من تقديم توضيحات:

١ - ليس من الممكن تجاوز حدود التديّن والعفاف والأعراف الأخلاقية والاجتماعية، ولا يمكن للعوائل المتديّنة والشريفة أن تقبل ذلك.

____________________

(١) أُسد الغابة في معرفة الصحابة: ١ / ٢٨٧.

(٢) بحار الأنوار: ٢٢ / ٢٧٣، الحديث ١٦.


٢ - لا يمكن الوصول إلى هدفٍ حميد من خلال سلوك طريق منحرف، وإنّ هذا التفكير الخاطئ دليلٌ على عدم الاتّزان، وناتج عن عدم التقيُّد بالموازين الدينية وتجاوز الحدود الأخلاقية.

٣ - مع الالتفات إلى العواطف الزائفة والخادعة والأنانية، نجد هذا النوع من الروابط في الغالب لم يؤدِّ إلى نتائج ايجابية يمكن التعويل عليها، بل كثيراً ما جرّنا إلى الندم والبؤس؛ لكونه سلوكية غير مدروسة ولا عقلائية.

٤ - بالنسبة إلى الأقرباء والجيران والموظّفين يمكن عادةً حصول المعرفة اللازمة، بسبب الارتباط الاعتيادي الحاصل بشكل عفوي بحكم طبيعة العلاقة الودّية والثقافية والاقتصادية وحتّى الأخلاقية، وعليه: فإنّ الروابط غير الأخلاقية سوف لا تضيف شيئاً.

٥ - وأمّا بالنسبة إلى غير الأقارب والمعارف، فمعَ الالتفات إلى أنّ مثل هذه الروابط السرّية تنشأ عادة عن الانفعالات العاطفية، يكون المنظور فيها الأطماع الأنانيّة غير المسؤولة، فلا يمكن أن تكون عقلائية يمكن الاطمئنان إليها، وإنّ تقارير المحاكم وإحصائيات الطلاق خيرُ دليل على ذلك، وعلى مَن يريد تعرّف طُرق المعرفة الصحيحة أن يراجع بحث( الزواج عن تدبّر ) من هذا الكتاب.

وخلاصة القول: إنّ الروابط الخفيّة وغير السليمة بذريعة الزواج وحتّى عقد العزم عليه، لا تُعد سلوكية موثوقة، ولا تنسجم مع التعاليم الإسلامية، فإذا عَثر كلّ من الشابّ والشابّة على مورد مناسب للزواج، وتوصّلا إلى نتيجة مطلوبة بعد دراسة الأمر بعيداً عن الأحاسيس والعواطف الزائفة، فعليهما أن يبادرا إلى إخبار أوليائهما، أو أحد أقربائهما ممّن يتوفّر فيه التعقّل والتدبير وكتمان السرّ وحفظ الأمانة؛ لأنّ تجربة هؤلاء وإخلاصهم غالباً ما تكون أدقَّ وأنجح، والمهمّ أن لا يسلك الشباب سُبل الانحراف والمعصية.

زواجُ موسى ( عليه السلام ) من صفّورة

إنّ قصّة زواج موسى ( عليه السلام ) قبل نبوّته من القصص التربوية في هذا المجال، فإنّه حينما وصل إلى بئرٍ خارج ( مدين ) - الواقعة شرقيّ خليج العقبة شمال الحجاز وجنوب الشامات في قبال( تبوك ) -


 رأى رجالاً يسقون أغنامهم ورأى بعيداً عنهم امرأتين تمنعان وتذودان غنمهما من الورود إلى الماء، فسألهما موسى ( عليه السلام ):( ما شأنكما ومالكما لا تسقيان غنمكما؟ فقالتا: لا نسقي حتّى ينصرف الرجال، وأبونا لا يقوى على السقي بنفسه؛ لأنّه شيخ كبير، لذلك احتجنا ونحن نساء أن نسقي الغنم، فسقى موسى غنمهما، ثمّ تولّى إلى ظلِّ شجرة وقال:( رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) (١) .

وعندما ذهبت الفتاتان إلى أبيهما شعيب ( عليه السلام ) وأخبرتاه بما شاهدتاه من خبر موسى الشابّ الأمين الذي أعانهما، أمرَ شعيب ( عليه السلام ) واحدة منهما بالرجوع إلى موسى ( عليه السلام ) واستدعائه، فجاءَته على استحياء وقالت له: إنّ أبي يدعوك ليكافئك على سقيك غنمنا، فتوجّه معها إلى بيت أبيها فتقدّمته لتُدلّه على الطريق، وكانت الريح تضرب ثوبها فتصف محاسنها فناداها موسى ( عليه السلام ):( يا أمَة الله، كوني خلفي وأرني الطريق بقولك، ولمّا دَخل على شعيب وقصّ عليه أمره طمأنَهُ وقال له:نجوتَ من فرعون وقومه إذ لا سلطان لهُ بأرض مدين ) ، ثمّ أشارت إحدى البنتين على شعيب أن يستأجرهُ لقوّته على العمل وأدائه الأمانة، ثمّ زوّجه( صفّورة ) ، واسم الثانية( ليا )، وجَعل مهرها أن يعمل له أجيراً ثماني أو عشر سنوات، فقبلَ موسى بالشرط وحصلَ الزواج بعد أن عَرف موسى فيها العفّة والحياء، وعَرفت فيه الإيمان والتضحية والأمانة.

الاحتياطات اللازمة

إنّ الفتيان والفتيات وإن أمكنهم التحدّث إلى بعضهم في ظلّ الأجواء السليمة، وبين الأقارب وفي الأماكن الدراسية، وأن يتبادلوا المعلومات الدراسية بلا ريبة، وهو أمرٌ يقرّه العلماء والمؤمنون والمتشرّعون، إلاّ أنّه من الضروري تشديد المراقبة الأخلاقية، وتجنّب الاختلاط بغير المحارم في غير هذه الأجواء، على الخصوص في البيئات التي تُخيّم عليها الشهوات والأهواء.

____________________

(١) سورة القصص: الآية ٢٤.


قال الإمام الصادق ( عليه السلام ):( كان الرسول ( صلّى الله عليه وآله ) يُسلّم على النساء ويَرددن عليه، وكان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يُسلّم على النساء، وكان يكره أن يُسلّم على الشابّة منهنّ، ويقول: أتخوّف أن يُعجبني صوتها فيدخل عليّ أكثر ممّا طلبتُ من الأجر ) (١) .

بل إنّ أئمّة الإسلام ( عليهم السلام ) يولون أهمية قصوى لمسألة الرقابة الأخلاقية والاجتماعية؛ بهدف تجنّب الوقوع في موارد التهمة وسوء الظنّ، حتّى قال الإمام الصادق ( عليه السلام ):( اتّقوا مواضع الريَب، ولا يقفنَّ أحدكم مع أُمّهِ في الطريق؛ فإنّه ليس كلّ أحدٍ يعرفها ) (٢) .

وعلى كلّ حال، فإنّ العلاقات غير المشروعة بين الفتيان والفتيات مُضرّة ومحظورة بحكم الشرع والعقل، وقد أثبتَت التجارب العملية للكثير من الأشخاص ما في هذه الروابط من عواقب سيّئة، ومضافاً إلى ما تقدّم من الأضرار المترتّبة على هذه الروابط السيئة التي تُعدّ أحياناً خيانة وانتهاكاً لعفّة العائلة والمجتمع، فهناك محاذير أخرى من الاضطراب والقلق والإخفاق في الدراسة وترك المدرسة والتخلّف في الحياة.

أجل، فبالإضافة إلى ما تطالعنا به الصُحف والمجلاّت ونشاهده بأعيننا من الأضرار المترتّبة على اختلاط الفتيان بالفتيات، فقد أخذت المجتمعات الغربية تعترف حالياً بأضرار هذا النوع من الروابط، بعد أن كانت لا تُعيرها أهمية بل تحثّ عليها وتراها مفيدة!

ذَكرت إحدى الجرائد في إحصائية لها: أنّ المدارس غير المختلطة في انجلترا تحضى بمستوىً دراسي أفضل بالقياس إلى المدارس المختلطة،

____________________

(١) فروع الكافي: ٥ / ٥٣٥.

(٢) بحار الأنوار: ٧٢ / ٩١.


فقد جاء في تقرير لجريدة( ديلي تلغراف ) : تصدّرت خمسون مدرسة قائمة المدارس النموذجية من الناحية العلمية للطلاب، بعد إعلان نتائج امتحانات المرحلة الإعدادية في انجلترا الموسومة بـ (G.C.S.T)، وكانت خمس وأربعون مدرسة منها غير مختلطة(١) .

وعليه: فإنّ الطُهر والعفاف وبلوغ المراتب العلمية والإنسانية العالية، بحاجة إلى وعي ومقاومة ورياضة ومجاهدة، فلابدّ من اغتنام فرصة الشباب قبل الهرَم.

____________________

(١) جريدة جمهوري إسلامي: العدد ٥٥٦٩، ص١١.


(٥)

معرفةُ الحدود وتجاوزها

إنّ سرّ نجاح الإنسان وتقدّمه في حياته الاجتماعية يكمن في معرفته لقدرته وحدوده، واستفادته من طاقاته وكفاءاته المادّية والمعنوية، فلو أقدمَ الإنسان على عملٍ دون أن يَدرك مقدار كفاءته وموقعيته الشخصية أو مع علمه بعجزه، أو تدخّل في مسؤوليات الآخرين، فإنّه في الحقيقة يكون قد تجاوز حدوده، فيورّط نفسه ويسيء للآخرين!

إنّ لمسألة التعرّف على الحدود - في مختلف المجالات، وما يتعقّبها من المآسي الناجمة عن عدم مراعاتها - أهمية مصيرية، حتّى قال الإمام علي ( عليه السلام ) فيها:( رَحمَ الله امرأً عَرف قدرهُ ولم يتعدّ طوره ) (١) .

وحينما نتحدّث في موضوع معرفة الحدود، نريد بذلك أن يتعرّف كلّ شخصٍ على موقعه في المواقف والروابط الاجتماعية، ويُحقّق الأُسس الأربعة الآتية:

١ - أن يعي كلّ شخص حدودهُ فيعمل في نطاقها.

٢ - أن يكون بمستوى المسؤولية التي اضطلع بانجازها.

____________________

(١) دُرر الكلم: ص٢٣٣، الحديث ٤٦٦٦.


٣ - أن لا يهتك حرمة الآخرين وحقوقهم من خلال تجاوز حدودهم، خاصّة الكبار منهم: كأبيه وأمّه، فعليه صيانة حقوقهم وحفظ حيثيّتهم.

٤ - أن يتجنّب تجاوز الحدود، فلا يتدخّل في وظائف الآخرين، وأن يكفّ عن كلّ ما من شأنه أن يؤدّي إلى شلّ حركة الحياة.

إنّ تأكيدنا على( معرفة الحدود ) يعود إلى جهتين:

الأولى: إنّ أساس نظام الخلقة في العالَم والإنسان قائم على الحدود والمقادير الدقيقة، فكلّ عنصر من عناصر الكون يسير في حدوده الخاصّة به، فلا يصطدم بالعناصر الأخرى ولا يتدخّل في مجالها، كما أنّ كلّ عضو في الإنسان يتحرّك في مجاله المخصوص به دون أن يتدخّل في مجال سائر الأعضاء الأخرى.

وقد قال الله تعالى:( الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلاّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ) (١) ، إذاً فالغرض من الدقّة المرسومة لكلّ موجود في هذا الكون: هو أن لا نتجاوز هذا الميزان ولا نتعدّى الحدود المرسومة لنا.

وجاء في آيةٍ أخرى:( وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ.. وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ.. وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ.. لاَ الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلاَ اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ) (٢) .

كما أنّ لكلّ عضو من أعضاء جسمنا من الناحية الفسلجيّة: كالفم، والأسنان، والمريء، والمعدة، والاثني عشري، والكبد، والقلب، والعين، والأُذن وسائر الأعضاء الأخرى، وظيفة لا يتعدّاها ولا يتدخّل في وظيفة الأعضاء الأخرى، وهكذا الأمر بالنسبة إلى ماكنة السيّارة والقطار والطائرة إلى ماكنة الأجهزة الكبيرة التي تُحرّك مصنع السكّر، أو النسيج، أو مصفاة النفط،

____________________

(١) سورة الرحمن: الآية ٥ - ٩.

(٢) سورة يس: الآية ٣٧ - ٤٠.


 فلكلّ جزءٍ من أجزائها وظيفته المخصوصة التي لا يتعدّاها إلى وظائف الأجهزة الأخرى، وبذلك تدور جميع العَجلات للوصول إلى الهدف المنشود، ومنه نصل إلى أنّ تجاوز الحدود يُعدّ تمرّداً ومخالفة لجميع النظم والقوانين العلمية والطبيعية، التي تسيطر على الكون وموازين خلقة الإنسان.

الثانية: إنّ لتجاوز الحدود أضراراً وعواقب خطيرة جدّاً، سواءً من الناحية الأخلاقية والحقوقية، أو من ناحية النظام الإداري في الحياة الاجتماعية وفي المجالات الثقافية، وضمان الاحتياجات الاقتصادية والنفسية، أهمّها: سوء الظنّ، وانعدام الثقة الاجتماعية، والحرمان من التعرّف على النماذج الصالحة التي يمكن التأسّي بها، والعُنف وهتك الستر، وانعدام الأمن والطمأنينة الاجتماعية، والاضطراب والقلق، وانعدام النظم في الحياة الاجتماعية.

التديّن ومعرفة الحدود

والأهمّ ممّا ذكرناه بشأن المسائل الأخلاقية والمواقف الإنسانية لمراعاة الحدود، ما وردَ في هذا المجال من الأحاديث الكثيرة التي تؤكّد على أصل التديّن ورعاية الحدود في الأحكام.

قال الإمام الصادق ( عليه السلام ):( ما خلقَ الله حلالاً ولا حراماً إلاّ ولهُ حدّ كحدود داري هذه، فما كان منها من الطريق فهو من الطريق، وما كان من الدار فهو من الدار ) (١) .

وعن علي ( عليه السلام ):( إنّ الله افترضَ عليكم فرائض فلا تضيّعوها، وحدَّ لكم حدوداً فلا تعتدوها ) (٢) .

____________________

(١) بحار الأنوار: ٢ / ١٧٠، ح٨.

(٢) بحار الأنوار: ٢ / ٢٦٠، نهج البلاغة: تحقيق صبحي الصالح، ص٤٨٧.


وقال الإمام الباقر ( عليه السلام ) لرجلٍ ذهب إلى مكّة ليسأل عن مسائل الحلال والحرام:( إنّه ليس شيء ممّا خَلق الله صغيراً ولا كبيراً إلاّ وقد جعلَ الله لهُ حدّاً، إذا جوِّز به ذلك الحدّ، فقد تعدّى حدّ الله فيه ) (١) .

وحينما نشاهد كلّ هذه التأكيدات من قِبل أئمّتنا ( عليهم السلام ) بشأن أحكام الدين ورعاية حدودها، وعدم تجاوزها ليبقى كلّ شيء في مكانه، ويعمل كلّ شخص في إطار تكليفه الخاص به فلا يتعدّاه، نستنتج من ذلك: أنّ على كلّ شخص أن يراعي الحدود المرسومة له في الروابط الأخلاقية، فلا يتجاوز حدود الآخرين، ولا يُسبّب الإخلال بالنظام العائلي والاجتماعي، فإذا حاولَ الطفل أن يؤدّي وظائف الشابّ، أو أراد الشابّ - مع قلّة تجربته - أن يتكفّل بإدارة العائلة، فسوف يُحمّل نفسه فوق طاقتها مضافاً إلى تجاوزه حدود صلاحيّته.

أجل، إنّ بإمكاننا تطبيق معرفة الحدود والآثار المترتّبة على تجاوزها في جميع الأمور الأخلاقية والحقوقية والاجتماعية، وبالنسبة لكلّ شخص أو جماعة، وأن ننظر في منافعها ومضارّها، وأن نجعلها نموذجاً ومعياراً لأفكارنا وسلوكياتنا، كما نقرأ في حديثٍ عميق عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال:( لا ينبغي للمؤمن أن يذلّ نفسه، قلت: ما يذلّ نفسه؟ قال:لا يدخل فيما ينبغي أن يعتذر منه ) (٢) .

وعليه: فإنّ تجاوز الحدود يؤدّي إلى هتك حرمة الآخرين، ويُعدّ ظلماً للنفس وللآخرين، ويُعرقل سير الأمور وانجاز الوظائف.

وقد قال العالِم الطبيعي المعروف( جان لاباك آفبوري ) : ( ليس من العسير معرفة المسؤولية، فكلّ شخص منّا يمكنه التعرّف على حدود مسؤولياته ووظائفه، إلاّ أنّ العسير هو أداء الوظائف، فلا يمكن لأيّ شخص أن يصل إلى مستوى الكمال في هذا المجال، نعم، بالإمكان من خلال السعي وبذل الجهد الاقتراب من مستوى الكمال،

____________________

(١) بحار الأنوار: ٢ / ١٧١، ح١٠.

(٢) مشكاة الأنوار: ص٢٤٤ - ٢٤٥.


وإن كان أصعب ممّا يمكن تصوّره، ولكن ينبغي ترك الآمال الصبيانية والأهواء الخادعة، والتطلّع نحو الأعالي بُغية الوصول إلى قمّة الكمال الإنساني )(١) .

وقال هذا العالِم ليعرّفنا على المسؤوليّات والاستفادة القصوى من الفُرص المتاحة لنا: ( إنّ الشخص العاقل والنبيه: هو الذي يستفيد من تجارب الآخرين، إلاّ أنّ المتكبّرين يحاولون تجربة كلّ شيءٍ بأنفسهم، في حين أنّ الحياة قصيرة ومتقلّبة، فإذا أردنا أن نجرّب كلّ شيء بأنفسنا فسوف لا يبقى لنا مجال للاستفادة من تلك التجارب.. فعليه لابدّ من الاستفادة من تجارب الآخرين التي حصلوا عليها بمرور الأيّام، بعد أن تحمّلوا ما تحمّلوا من الصعاب، وفي الوقت نفسه لابدّ لنا من الاعتبار بما يعرض لنا من الوقائع والحوادث )(٢) .

منافعُ مراعاة الحدود

ولكي نُدرك منافع ومزايا( مراعاة الحدود ) بُغية استثمار قابلياتنا وطاقاتنا بشكلٍ أكثر، نذكر - مضافاً إلى ما تقدّم - بعض الأحاديث عن الإمام علي ( عليه السلام )، والإمام الصادق ( عليه السلام ) في هذا المجال:

١ -( العارفُ مَن عَرف نفسهُ، فأعتقها ونزّهها عن كلّ ما يُبعّدها ويوبّقها ) (٣) .

٢ -( مَن وقف عند قَدره، أكرمهُ الناس ) (٤) .

٣ -( مَن رضيَ بقسمه، لم يسخطه أحد ) (٥) .

٤ -( على العاقل أن يكون عارفاً بزمانه، مُقبلاً على شأنه ) (٦) .

٥ -( مَن قَنع بقسمه استراح ) (٧) .

____________________

(١) البحث عن السعادة: ص٢٢٣، ٢٢٧ بتصرّف قليل.

(٢) نفس المصدر.

(٣) غُرر الحِكم: ص٢٣٩ و ٢٣٣.

(٤) نفس المصدر.

(٥) غُرر الحِكم: ٢ / ٦٣٠.

(٦) بحار الأنوار: ٦٨ / ٣٠٧.

(٧) غُرر الحِكم: ص٣٩٨، الحديث ٩٢٣٠.


أضرارُ تجاوز الحدود

وبعد أن ذكرنا شطراً من أضرار تجاوز الحدود، والتي كانت تتجلّى على هيئة الاختلالات والاضطرابات الأخلاقية والاجتماعية، نصل إلى هذه النتيجة وهي: إنّ على كلّ شخص أن يدرك الآثار المدمّرة لتجاوز الحدود والاعتداء على حقوق الآخرين ومسؤولياتهم، وعليه: فإنَّ كلاً من التلميذ ومعلّمه، والطالب الجامعي بالنسبة إلى أستاذه، والموظّف تجاه المدير، والعامل تجاه المقاول، والزوجة تجاه زوجها، والأبناء بالنسبة لأوليائهم، والجار إلى جاره، والموظّف إلى الموظف الآخر، حدوداً وحقوقاً متقابلة، يُعدّ تجاوزها وتعدّيها إلى مجال مسؤوليات الآخرين تجاوزاً للحدود وإخلالاً بالعلاقات الاجتماعية، وقد تكون أحياناً انتهاكاً للحدود الاعتقادية والدينية والأوامر الإلهية، هذا مضافاً إلى أنّ هذه الانتهاكات تعود بالدرجة الأولى بالضرر على الشخص المنتهِك نفسه، وفي الختام نذكر بعض الأحاديث المرويّة عن الإمام علي ( عليه السلام ) في هذا المجال:

١ -( لا جهل أعظم من تعدّي القدر ) (١) .

٢ -( مَن سأل فوق قَدره، استحقّ الحرمان ) (٢) .

٣ -( مَن تعدّى الحقّ، ضاقَ مذهبه ) (٣) .

٤ -( مَن بَغى، كُسِر ) (٤) .

____________________

(١) عيون الحِكم: ص٥٣٧.

(٢) غُرر الحِكم: ٢ / ٦٦٥ وص ٧٠، الحديث ١٠٠٧.

(٣) نفس المصدر.

(٤) غُرر الحِكم: ٢ / ٦١٣ دار الكتب الإسلامية.


(٦)

استيعابُ أقوال الآخرين

لو نادينا شخصاً من مكانٍ بعيد، لمَا أمكنهُ أن يسمع صوتنا جيّداً ولمَا استوعبه، فلا نكون قد توصّلنا إلى عملٍ إيجابي يُذكر، وقد رويت بهذا الصدد قصّة عن أربعة أشخاص من جنسيات مختلفة اصطحبوا في طريقٍ، وبعد أن ضمّوا أموالهم إلى بعضها ليشتروا متاعاً لهم، رغم عدم معرفة بعضهم لغة بعض، قال الفارسي: من الأفضل أن نشتري( أنكور ) ، إلاّ أنّ العربي اعترضَ عليه قائلاً: لا، الأفضل أن نشتري( عِنباً ) ، فردّ عليه التركي: لا، الأفضل أن نشتري( أُزُم ) ، فاعترضَ الرومي قائلاً: الأفضل أن نشتري( استافيل ) ، ولو أنّهم دقّقوا جيّداً لاكتشفوا أنّهم لم يريدوا إلاّ شيئاً واحداً، وفي كلتا القضيّتين المتقدّمتين هناك بعض المشتركات، وهي:

١ - إنّ مراد المنادي والسامع، ومراد هؤلاء الأشخاص الأربعة شيءٌ واحد.

٢ - في القضية الأولى كان المانع من وصول صوت المنادي إلى السامع هو بُعد المسافة.

٣ - في القضية الثانية كان سبب الاختلاف بين الأشخاص هو عدم استيعابهم للغة بعضهم، ولكن ما الذي ينبغي لنا فعله لإيصال صوتنا ومرادنا والوصول إلى نتيجة عملية، للحيلولة دون وقوع النزاع والاختلاف والخصومة؟


أوّلاً: في القضية الأولى، لابدّ من تقليل المسافة المكانيّة والتقرّب من بعضنا ليحصل التفاهم.

ثانياً: وفي القضية الثانية، لابدّ من القضاء على الجهل وعدم الوعي، وتقريب مسافة الفهم والتفكير، والتخفيف من حدّة الغضب للوصول إلى المراد الذي ينتهي لصالح الجميع.

ومن جملة المشاكل المعاصرة بين جيل الشباب والجيل المتقدّم عليه، فَهم مرادات بعضهم، فيقف الشباب المعاصرون في جهة، بينما يقف الوالدان والمعلّمون في الجهة الأخرى، مع أنّ عليهم أن يقيموا حياتهم على أساس السعادة والرخاء.

وبعبارة أخرى يمكن القول: إنَّ الوضع القائم بين الجيل المعاصر والجيل المتقدّم، وضعٌ متأزّم من الناحية الفكرية والثقافية، ولكي نتمكّن من اجتياز هذه المرحلة بسلام نحتاج إلى وعي وفهم ودراية وتدبّر؛ لأنّ الحاجز خطير! يقول أحد الخبراء في الاجتماع والسياسة:( إنّ تفكير الشباب يختلف عن تفكير آبائهم ) (١) .

وبوسعنا أن نُشبّه هذه الأزمة بالصراع، ومرادنا بذلك( الصراع الفكري ) ، ولكي نتمكّن من بيان أهمية الموضوع، ويتسنّى لمَن يريد دخول ساحة الصراع هذه ويَعدّ العدّة اللازمة له، لابدّ أن ندرك أنّه لا يمكن حسم هذه المرحلة وإحلال السلام الشامل عن طريق الغضب وممارسات العُنف، وعليه لابدّ لكلّ من الشباب وأوليائهم، وكلّ مَن له تأثير في تنظيم الكيان الأُسري والنظام الاجتماعي، من مراعاة الأمور التالية من أجل استيعاب كلام بعضهم وتقليل الفاصلة الزمانية بين الفكر والإرادة:

____________________

(١) صحيفة همشهري: العدد ١٦٠٧، ص٣.


كظمُ الغيض واحتواء الغضب

إنّ الغضب والعُنف سلوكية غير معتدلة ولا منطقية في كيان الأسرة، فإنّه يؤزِّم الأجواء ويشلّ التفكير المنطقي، ويزيد من الحاجز القائم بين الأفكار والإرادات.

يقول الإمام علي ( عليه السلام ):( شدّة الغضب تُغيّر المنطق، وتقطع مادّة الحجّة، وتُفرّق الفهم ) (١) .

إنّ للغضب والعُنف ردود فعل وآثاراً مُدمّرة في الروابط الأخلاقية، وعلى الخصوص الروابط الأُسرية، ولكي ندرك هذه الأضرار ونسعى إلى الحيلولة دون وقوعها، نُقدّم عرضاً لنماذج أخرى من الأحاديث البليغة الواردة عن أئمّة الهدى ( عليهم السلام ):

١ - قال الإمام الصادق (عليه السلام ):( مَن لم يملك غضبهُ، لم يَملك عقله ) (٢) .

٢ - قال الإمام علي ( عليه السلام ):( الغضبُ يُفسد الألباب، ويُبعّد من الصواب ) (٣) .

٣ - وقال أيضاً:( الحِدَّة ضربٌ من الجنون؛ لأنّ صاحبها يندم، فإن لم يندم فجنونهُ مُستحكَم ) (٤) .

٤ - وقال أيضاً:( من طبائع الجهّال: التسرّع إلى الغضب في كلّ حال ) (٥) .

٥ - وقال النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ):( الغضبُ يُفسد الإيمان كما يُفسد الخلّ العسل ) (٦) .

٦ - وقال علي ( عليه السلام ):( الغضبُ يُردي صاحبه ويُبدي معايبه ) (٧) .

____________________

(١) بحار الأنوار: ٦٨ / ٤٢٨.

(٢) بحار الأنوار: ٧٥ / ٢٥٥.

(٣) غُرر الحِكم: ص٦٥، الحديث ٨٦٢.

(٤) نهج البلاغة: جعفر الحسيني، ص٥٤٣، الحكمة ٢٥٥.

(٥) غُرر الحِكم: ص٣٠١، الحديث ٦٨٧٥.

(٦) أصول الكافي: ٢ / ٣٠٢.

(٧) غُرر الحِكم: ص٣٠٢، الحديث ٦٨٩٢.


ولأجل الأضرار الهدّامة المترتّبة على الغضب، جاء في بعض الأحاديث التي تحاول وصف علاج هذه الصفة الفتّاكة:

( على مَن استولى عليه الغضب أن يتوضّأ بماءٍ بارد، وإن كان واقفاً فليقعد، وإن كان جالساً فلينطرح على الأرض، وإن أمكنهُ فليسجد خاضعاً متذلِّلاً لله، حتّى ينطفئ لهيب غضبه ) (١) .

الشجاعُ الحقيقي

لقد قرأنا كثيراً عن أضرار الغضب، وكثيراً ما شاهدنا الآثار الفظيعة أثناء النزاعات والخلافات، على الخصوص في علاقات الشباب الأخلاقية في الأسرة وأطلقنا الزَفرات والحَسرات عليها.

ولا يخلو التدبّر في القصّة التي رواها الإمام الصادق ( عليه السلام ) من فائدة، حيث قال:( مرّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) بقومٍ يرفعون حَجراً فقال: ما هذا؟ فقالوا: نعرف بذلك أشدَّنا وأقوانا، فقال: ألا أُخبركم بأشدّكم وأقواكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: أشدّكم وأقواكم الذي إذا رضيَ لم يدخلهُ رضاه في إثمٍ ولا باطل، وإذا سخطَ ولم يُخرجه سخطهُ من قول الحقّ، وإذا قدر لم يتعاطَ ما ليس بحقّ ) (٢) .

الفهمُ والإدراك

إذا أمكننا أن نسيطر على غضبنا وأن نخلق جوّاً هادئاً في المحيط الأسري أو غيره، نكون قد توصّلنا إلى إيجاد أرضية مساعدة لفهم مرادات بعضنا، وبذلك يزول الحاجز الفكري بيننا، وعندها يغدو بالإمكان فهم متطلّبات الشباب والآباء.

وكما تقدّم أن قلنا: فإنّ منطق الغضب لا يمكن أن يُعدَّ منطقاً للتفاهم والإصلاح، بل هو يقضي على الهدوء والاستقرار، ويزيد الأجواء تعقيداً، وعندها سيفقد العقل قابليته على التفكير، إذاً لابدّ من كظم الغيظ لنصل إلى فهم كلام بعضنا؛

____________________

(١) المحجّة البيضاء: ٥ / ٣٠٨.

(٢) مشكاة الأنوار: ص٢١٩.


لأنّ الفهم والإدراك بمثابة المصباح الذي يُضيء لنا الطريق، ويجعل العقل قادراً على الإبداع والعطاء.

قال الإمام علي ( عليه السلام ):( ما افتقرَ مَن مَلكَ فَهماً ) (١) .

وقال أيضاً:( مَن أبصرَ فَهمَ، ومَن فهمَ عقل ) (٢) .

وقال الإمام الصادق ( عليه السلام ):( إذا سألتَ عن شيء، ففرِّغ قلبك لفهمه ) (٣) .

وقال الإمام علي ( عليه السلام ):( مَن حَلُم سادَ، ومَن تفهّم ازداد، ولقاء أهل الخير عِمارة القلب ) (٤) .

وفي ختام هذا الفصل نوصي كِلا طرفي النزاع اللذين لا يفهمان أحياناً مراد الطرف الآخر، أو يحول الغضب عندهم دون ذلك، أن يتحلّوا بضبط النفس وسعة الصدر وعدم التسرّع في تخطئة الآخرين.

____________________

(١) غُرر الحِكم: ص٦٠، الحديث ٦٥١.

(٢) بحار الأنوار: ٧٥ / ٢٥٥.

(٣) بحار الأنوار: ٧٩ / ٢٧٣.

(٤) بحار الأنوار: ٧٤ / ٢٠٨.


(٧)

ابنُ العَصر

إنّ الزمان هو مجموع هذه الأيّام والليالي التي تتعاقب علينا، والتي تحتوينا كما يحتوي الظرفُ المظروفَ، وما علينا إلاّ أن نترك المرحلة السابقة منه إلى مرحلته اللاحقة.

والسؤال الذي يستدعي الانتباه بشأننا وشأن الزمان هو: هل نحن الذين نترك الزمان، أم أنّ الزمان هو الذي يمرّ علينا ويتركنا، كما هو الحال بالنسبة إلى ضوء الشمس ونورها؟

إنّ ما نحسّه وثبتَ بالعلم والتجربة هو: أنّ الإنسان لم يتمكّن حتّى الآن من السيطرة على الزمان، فلا يمكنه أن يحول دون طول الليل، أو دون انقضاء الشباب وتحوّله إلى الشيخوخة والعجز!

إذاً، فما عسانا أن نصنع؟ هل لنا من خيار سوى أن نقطف باقة وردٍ من مزرعة الطبيعة الجميلة، وأن نستفيد من متجر العالَم ونرتقي مدارج الحياة نحو الأعالي؛ لنصل إلى قِمم المجد من خلال هذه الطبيعة الضيّقة لبلوغ التكامل الإنساني؟


الفئاتُ الأربع

ينقسم الناس بالنسبة إلى العمود الزماني من الماضي والحاضر والمستقبل إلى أربعة أقسام:

١ - الذين يعيشون في الوقت الحاضر، إلاّ أنّهم لا يدركون مستلزمان وشروط الحياة المعاصرة، ولم يعدّوا العدّة التي تؤهّلهم للانسجام مع واقع هذه الحياة، فيتمّ تصنيفهم في خانة الجيل الماضي! فهم قد تخلّفوا عن قافلة المتقدّمين من الناس!

٢ - الذين يعيشون في العصر الحاضر، ويدركون مستلزمات وشروط الحياة الثقافية والاقتصادية، ويبذلون قصارى جهودهم من أجل الاستفادة القصوى من الإمكانيات المتاحة لتكامل أنفسهم والآخرين، فهؤلاء هم الناجحون الذين يدركون قيمة الوقت، وقد قال الإمام الصادق ( عليه السلام ) بشأن هذه الفئة:( والعالِم بزمانه لا تَهجم عليه اللوابس ) (١) .

٣ - الذين يعيشون في هذا العصر، ولكن يُعدّون من المتقدّمين على زمانهم؛ لعدم استيعاب الوقت الحاضر لأفكارهم وآرائهم، وهذه الفئة تحتوي على القلائل من العباقرة والنوابغ عَبر التاريخ البشري.

٤ - الذين يعيشون في هذا العصر ويدركونه على حقيقته، والذين يحاولون ربط الماضي بالحاضر من خلال الاستفادة من الظروف والإمكانات الموجودة، وهذه الفئة - كما يقول عنها( رومن رولان ) العالِم والكاتب الفرنسي (١٨٦٦ - ١٩٤٤م) - ترى من خلال الاستفادة من تجارب الآخرين ضرورة اقتحام سدود الزمان، وإحياء العباقرة والعظماء من جديد(٢) .

____________________

(١) بحار الأنوار: ٧٥ / ٢٦٩، تُحف العقول: ص٣٥٦ طبع جامعة المدرّسين.

(٢) سرود جهشها: الطبعة الأولى، ص٢٩٢.


الفئةُ الممتازة

الفئةُ الرابعة: هي أفضل الفئات الأربع المتقدّمة وأكثرها اعتدالاً، إذ إنَّ الأشخاص فيها يُعدّون ( أبناء زمانهم )، فهم يدركون زمانهم بشكلٍ صحيح، ويُخطّطون لمستقبلهم ومستقبل مجتمعهم، ويبذلون كامل جهدهم في هذا السبيل.

كما أنّ الحديث المنسوب إلى الإمام علي ( عليه السلام ):( كُن ابن زمانك ) ، لا يريد تأييد العوارض الواهية والناشئة من التقليد الأعمى وانعدام الثقة بالنفس؛ وإنّما هو ناظر إلى الاستيعاب الصحيح لمقتضيات الزمان، والاستفادة من إمكاناته الإيجابية والعقلائية، وعليه يكون معنى( ابن الزمان ) : أن تُربّي في نفسك الخصال والسجايا الإنسانية التي تناسب العصر الذي تعيش فيه.

وجاء في حديثٍ آخر عن الإمام علي ( عليه السلام ) أنّه قال:( لا تُقسروا أولادكم على آدابكم؛ فإنّهم مخلوقون لزمانٍ غير زمانكم ) (١) .

ولتوضيح هذا الحديث الذي يُساء فهمه أحياناً، نضطرّ إلى ذكر عدّة توضيحات بشأنه، وهي:

١ - إنّ الآداب بشكلٍ عام تُطلق على مجموعة التقاليد التي تحتوي على جوانب تشريفية، وإنّ الالتزام بها وعدمه لا يؤثّر في الأُسس الوجدانية والعقلائية والأخلاقية المتسالَم عليها.

٢ - إنّ الإمام علي ( عليه السلام ) لا يريد أن يقول: أدّبوا أبناءكم وفقاً لمقتضيات المستقبل، حتّى إذا سادَ فيه الكذب وعدم الوفاء والتقليد الأعمى والنفاق ونقض العهود والمعصية، وعُدّت هذه الأمور من مقوّمات الذكاء والرقي، ليمكنهم أن ينسجموا مع ذلك الزمان؛ لأنّ هذا ما لا ينسجم مع المباني الاعتقادية والأخلاقية الموجودة في كلمات أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في نهج البلاغة.

____________________

(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ٢٠ / ٢٦٧.


٣ - تقدّم أن ذكرنا: أنّ الآداب عبارة عن سلسلة من التقاليد التي تقوم عليها الحياة الاجتماعية، وينبغي تعلّمها الآن والسعي من أجلها.

 فمثلاً إذا قلنا: لا تُكرهوا أبناءكم على آداب زمانكم؛ لأنّهم ولِدوا لغير زمانكم،فمعنى ذلك: أنّك إذا أردتَ لابنك أن يكون طبيباً، فحاول أن ترشده إلى طبيب معاصر، لا أن ترشده إلى طبيب قديم، وإذا كان النسيج يتمّ عَبر آلات قديمة، فهو الآن يتمّ بواسطة آلات متطوّرة ذات كفاءة عالية، ولو كنتَ تعلم ركوب الخيل وحمل الأثقال والسفر بواسطة الخيل والحمير، فإنّها اليوم غير عقلائية، بل لابدّ من تعلّم السياقة والسفر بوسائط نقلية أكثر سرعة وكفاءة، وإذا كنتَ اليوم تُباشر الزراعة بالأدوات المتداولة، فعليك أن تتدبّر أمرك للمستقبل، وأن تتعلّم أساليب الاستفادة من الأدوات التي سوف تسود فيه.

٤ - إنّ الإمام ( عليه السلام ) أراد بهذا الحديث: أن يلفت الانتباه إلى ضرورة النظر إلى المستقبل وإعداد النفس له، والاستفادة القصوى من إمكانياته، ليحضى الجيل القادم بحياة أفضل، ولا يقيّدوا أنفسهم بزمانهم فيتخلّفوا عن قافلة التقدّم البشري من ناحية العلوم والفنون والصناعات.

نعم، ولأجل ذلك أيضاً نقرأ عنه ( عليه السلام ) أنّه قال:

حرِّض بنيك على الآداب في الصِغر

كيما تقرّ بهم عيناك في الكِبر

وإنّما مَثلُ الآداب تَجمعها

في عنفوانِ الصبا كالنقش في الحجر(١)

____________________

(١) الديوان المنسوب لأمير المؤمنين ( عليه السلام ): ص١٨٢.


الانسجامُ مع الآداب

إنّ لبعض الأقوام والأعراق والأُمم والمجتمعات والقبائل والعشائر في القرى والمُدن المختلفة، أعرافاً وتقاليدَ يحترمونها ويعدّونها من الفضائل.

ومن جهة أخرى: فإنّ مراعاة هذا النوع من التقاليد لا تتنافى مع الأُسس والموازين الإسلامية، بل هي نوع من حُسن الخُلق والتواضع والمعاشرة الحسنة، وعليه: فإنّ اتباع هذه الأعراف والتقاليد بُغية اجتذاب أصحابها نحو الأسس الإسلامية، يُعدُّ أمراً مطلوباً وغاية محمودة.

وعلى كلّ حال: فإنّ معرفة الزمان والرضا بالتقاليد العقلائية لكلّ قوم وأمّة، لا يعني بالضرورة التنكّر للأصول والهوية الإنسانية والسقوط في هوّة الضياع والأغلال، بل يعني الوعي بمقتضيات الزمان، وعدم الغفلة عن اكتساب القابليات العلمية والمهارات الفنية والصناعية في إطار التحلّي بالمسؤولية، والرفعة لأنفسنا ومجتمعنا؛ ذلك أنّ شخصية كلّ فرد رَهنٌ بكفاءته وقابلياته الإنسانية.

يقول أحد الشعراء:

كُن ابن مَن شئتَ واكتسِب أدباً

يغنيكَ محموده عن النسبِ

فليس يُغني الحسيبَ نسبته

بلا لسانٍ لهُ ولا أدب

إنّ الفتى مَن قال ها أنا ذا

ليس الفتى مَن قال كان أبي


(٨)

التأثيرُ والتأثّر

إنّ التأثير والتأثّر أحد القوانين الطبيعية في عناصر عالَم الخليقة ومنها الإنسان، إذ هو واحد من أرقى هذه العناصر، ولكن بفارقٍ: أنّ التأثير والتأثّر في الإنسان يتمّ عَبر اختياره وإرادته ممّا يميّزه عن سائر عناصر العالَم، وطبعاً نحن لا نروم الدخول في البحث الفلسفي والعلمي، وإنّما نريد من خلال هذه المقدّمة أن نفتح نافذة على العلاقات الأخلاقية والإنسانية، وأن نعثر على موقعنا وسط ضجيج الحياة.

ولكي نتعرَّف موقعنا بالقياس إلى أحد عناصر عالَم الطبيعة، نذكر قصّة التربة الزكية التي كانت تُستعمل قديماً في غَسل الرأس، والتي ذكرها ( سعدي الشيرازي ) في إحدى قصائده قال فيها ما معناه: ( وصلتني من المحبوب في الحمّام يوماً تربة عطرة، فقلت لها: هل أنتِ مسك أم أنتِ عنبر؟ فقد أسكرني شذاكِ، فأجابتني: لم أكن سوى تربة وضيعة، إلاّ أنّني جاورتُ وردة رَدحاً من الزمن، فأثّرت فيّ واكتسبتُ الكمال منها ).

الطريق الرابع:

ويمكن اختيار واحد من هذه الطُرق الأربعة:

١ - عدم التأثير والتأثّر.

٢ - التأثّر وعدم التأثير.

٣ - التأثير وعدم التأثّر.

٤ - التأثير والتأثّر.


والطريق الأوّل من هذه الطرق: الذي لا يتأثّر فيه الشخص بصفات الآخرين الحسنة، ولا تكون له قدرة على التأثير فيهم، يمثّل مرحلة الجمود والانحطاط الإنساني، التي يكون فيها أدنى من مستوى الجمادات!

وفي الطريق الثاني: نجد أنّ الإنسان الذي لم يحصل على السجايا الفاضلة والصفات الحسنة، لا يمكنه في هذه الحالة أن يؤثّر في غيره، وقد قيل قديماً: إنّ فاقد الشيء لا يعطيه!

وفي الطريق الثالث: حيث إنّه لم يحصل على صلاح ولم يصل إلى مقام رفيع، وقد يكون عنصراً فاسداً، فإنّ تأثيره في غيره سيكون تأثيراً مُخرّباً وذا نتائج سيئة.

وعليه: فإنّ الطريق الرابع، هو أفضل الطُرق المتقدّمة وأنسبها، وهو الطريق الذي يكون فيه الإنسان مؤثّراً ومتأثّراً، ولكن شريطة أن يكون واعياً في كلتا حالَي التأثير والتأثّر، وأن يكون ثاقب البصيرة؛ ليميّز بين الجميل والقبيح، والمعروف والمنكر، والحسن والرديء، والصلاح والفساد، والخير والشر، والحقّ والباطل.

وعندها سيغدو الإنسان مَشعلاً وضّاءً، ويتمتّع بجمال نوراني من ناحية، ومن ناحية أخرى سيضيء الطريق للآخرين، وسيكون كالماءِ الجاري الذي ينبض بالحياة، وفي الوقت نفسه يسقي الضفاف اليابسة ليمدّها بالحياة.

حلاوةُ الإيمان

يُطالعنا القرآن الكريم بقصصٍ جميلة عن التأثير، التأثّر بالنسبة إلى جماعة من النصارى الذين آمنوا بالنبيّ ( صلّى الله عليه وآله )، حيث يقول:( وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ) (١) .

____________________

(١) سورة المائدة: الآية ٨٣.


أجل، إنّ هذا النوع من التأثّر بالمعارف الإنسانية الخالصة، والتأثير من خلالها في الآخرين طوال تاريخ الإسلام - على الخصوص بين جيل الشباب - قد أوجدَ من المعاجز وخلقَ من الأبطال الذين ضحّوا بأنفسهم وتركوا تأثيرهم في المجتمع، نذكر منهم على سبيل المثال النماذج الآتية:

١ - حنظلة غَسيل الملائكة

كان ( أبو عامر ) والد حنظلة راهباً مسيحياً، وكان زعيم الأوس وله طمعٌ في الرئاسة، فلم يستسلم لرسول الله ( صلّى الله عليه وآله )، وهو الذي أمرَ بتأسيس مسجد ضرار، وحاكَ بعض المؤامرات ضدّ الإسلام، فحكمَ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) عليه بالفِسق.

إلاّ أنّ ابنهُ حنظلة قد تأثّر بأخلاق الرسول ( صلّى الله عليه وآله ) وتعاليم الإسلام الخالصة، فأسلمَ على يده وحَسنت صُحبته لرسول الله ( صلّى الله عليه وآله )، وفي ليلة زواجه من ( جميلة ) بنت ( عبد الله بن أُبيّ بن سَلول )، أصدرَ النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) أمراً بالنفير العام والتوجّه إلى ( أُحد )، فاستأذنَ الرسول بالبقاء إلى حين إتمام الزفاف واللحاق بالجيش بعد ذلك، فنزلَ قوله تعالى:( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (١) .

فاغتنمَ حنظلة المؤمن سويعات من تلك الليلة وابتَنى بزوجته، إلاّ أنّ ضيق الوقت لم يسمح لهُ بالاغتسال من الجنابة، فانطلقَ إلى المعركة على تلك الحالة واستشهدَ مع نفرٍ من المسلمين.

فقال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ):( رأيتُ الملائكة تُغسّل حنظلة بين السماء والأرض ) (٢) ، ومن هنا لُقّب حنظلة بغسيل الملائكة.

____________________

(١) سورة النور: الآية ٦٢.

(٢) بحار الأنوار: ٢٠ / ٥٨، ٢٢ / ٩٩.


٢ - حُذيفة بن حسيل

وهو المعروف بـ ( حُذيفة اليماني )، وقد جاء هو أبوه إلى مكّة لرؤية النبيّ ( صلّى الله عليه وآله )، فتأثّرا به وأسلما على يديه واشتركا في كثيرٍ من الحروب دفاعاً عن حياض الإسلام، وبَذَلا في ذلك كثيراً من التضحيات.

وقد أدّى إيمان حُذيفة وإخلاصه ووفاؤه، أن لا يقع في التيه الذي وقعَ فيه كثير من المسلمين بعد وفاة رسول الله ( صلّى الله عليه وآله )، بل أخذَ يدعو المخدوعين إلى إرجاع الحقّ إلى أهله ونصرة الإمام ( عليه السلام )، وفي واحدة من خُطبه البليغة شنّع على الذين زووا حقّ الإمام عنه وتمرّدوا على أوامره، وكان بين الجموع التي تستمع إلى خطابه شاب إيراني يُدعى ( مسلم )، أثّرت فيه كلمات حُذيفة فقامَ شاهراً سيفه وقال: سمعنا كلامك وأدركنا أنّ عليّاً ( عليه السلام ) هو المقصود بقوله تعالى:( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (١) ، ثمّ سَردَ حُذيفة قصّة طويلة بناءً على طلبٍ من هذا الشاب، حول أنّ الرسول ( صلّى الله عليه وآله ) هو الذي لقّب الإمام عليّاً ( عليه السلام ) بـ ( أمير المؤمنين ) دون سواه(٢) .

كما كان مُسلم الشابّ من أنصار الإمام علي ( عليه السلام ) الأوفياء والمؤمنين، وقد بقى على صُحبته إلى حين استشهاده في واقعة الجمل سنة ٣٦ للهجرة، التي فرضها الناكثون على الإمام علي ( عليه السلام )، حيث كان مسلم في عِداد الذين أرسلهم الإمام لموعظة مُثيري الفتن.

وقد ذَكر التاريخ إيمان هذا الشابّ بدينه وإمامه في صَفحات مُشرقة، جاء في بعضها: أنّ الإمام ( عليه السلام ) أراد الحيلولة دون نزف الدماء، فعمدَ مراراً إلى إرسال بعض أصحابه إلى الأعداء بُغية صدّهم عن الحرب، ودعوتهم إلى حِقن الدماء، وكان مسلم في كلّ مرّة يعلن عن تطوّعه لهذه المهمّة، برغم أنّ الإمام كان يُصرّح لأصحابه بأنّ الذي يتولّى القيام بهذه المهمّة سيُعرّض حياته للخطر،

____________________

(١) سورة المائدة: الآية ٥٥.

(٢) بحار الأنوار: ٢٨ / ٩٠، ٣٧ / ٣٢٥.


 إلاّ أنّ مُسلماً أصرَّ على موقفه، وتوجّه نحو جموع الأعداء الذين كانوا يرشقون معسكر الإمام ( عليه السلام ) بوابِل سهامهم، فوقفَ أمامهم رافعاً كتاب الله بيده اليمنى ودعاهم إلى اتّباع القرآن والانصياع لأحكامه، إلاّ أنّهم قَطعوا كلتا يديه ثمّ مزّقوه برماحهم، فاستشهدَ وهو يضمّ القرآن إلى صدره!

فقال الإمام علي ( عليه السلام ) فيه:( إنّ الفتى ( مُسلم ) ممّن حشا الله قلبهُ نوراً وإيماناً ) (١) .

٣ - زكريا بن إبراهيم

والنموذج الآخر للتأثّر بالحقّ والتأثير من خلاله عَبر السلوكية الحسنة، نجدهُ في شخصية زكريا بن إبراهيم، كان زكريا من أهل الكوفة وقد عاشَ وسط عائلة نصرانية، وقد وردَ عنه في أصول الكافي أنّه قال: ( كنتُ نصرانياً فأسلمتُ وحَجَجتُ، فدخلتُ على أبي عبد الله ( عليه السلام ) فقلت: إنّي كنتُ على النصرانية وإنّي أسلمتُ، فقال:( وأيّ شيء رأيتَ في الإسلام؟ قلتُ: قول الله عزّ وجل:( مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإيمَان وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء ) (٢) ، فقال:لقد هداك الله، ثمّ قال:اللهمّ اهدهِ ثلاثاً، ثمّ قال:سَل عمّا شئت يا بُني، فقلت: إنّ أبي وأمي على النصرانية وأهل بيتي، وأمّي مكفوفة البصر، فأكون معهم وآكل في آنيتهم؟ فقال:يأكلون لحم الخنزير؟ فقلت: لا، ولا يمسّونه، فقال:لا بأس، فانظر أمّك فبرّها، فإذا ماتت فلا تكلها إلى غيرك، كُن أنت الذي تقوم بشأنها، ولا تُخبرنَّ أحداً أنّك أتيتني حتّى تأتيني بمِنى إن شاء الله، قال: فأتيتهُ بمنى والناس حولهُ كأنّه معلّم صبيان، هذا يسأله وهذا يسأله، فلمّا قَدمتُ الكوفة ألطفتُ لأمّي وكنت أُطعمها، وأُفلي ثوبها ورأسها وأخدمها، فقالت لي: يا بني، ما كنت تصنع بي هذا وأنت على ديني، فما الذي أرى منك منذ هاجرتَ فدخلت في الحُنيفية؟ فقلت: رجل من وِلد نبيّنا أمرَني بهذا، فقالت: هذا الرجل هو نبيّ؟ فقلت: لا، ولكنّه ابن نبي،

____________________

(١) بحار الأنوار: ٢٨ / ٩٠، ٣٧ / ٣٢٥.

(٢) سورة الشورى: الآية ٥٢.


 فقالت: يا بُني إنّ هذا نبيّ، إنّ هذه وصايا الأنبياء، فقلتُ: يا أُمَّي، إنّه ليس يكون بعد نبيّنا نبي، ولكنّه ابنه، فقالت: يا بُني، دينك خير دين، اعرِضهُ عليّ، فعرَضتهُ عليها فَدَخلت في الإسلام وعلّمتُها، فصلّت الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة، ثمّ عَرضَ لها عارض في الليل، فقالت: يا بُني، أعِد عليَّ ما علّمتَني، فأعدتهُ عليها، فأقرّت به وماتت، فلمّا أصبَحت كان المسلمون الذين غسّلوها، وكنتُ أنا الذي صلّيتُ عليها ونزلتُ في قبرها )(١) .

٤ - الفُضيل بن عيّاض

إنّ الفُضيل بن عيّاض من نماذج التغيير والتحوّل من أودية الضلالة والانحطاط إلى ساحل النجاة والشموخ.

ولِد الفُضيل بن عيّاض بن مسعود التميمي عام ١٠٥ للهجرة في سمرقند، وهو كوفي، وكانت وفاته عام ١٨٧ للهجرة في مكّة المكرّمة، وكانت حياته مليئة بالمنعطفات وخلاصتها كما يلي:

كان الفُضيل في بداية شبابه قاطع طريق وسارقاً، ثمّ تزعّمَ جماعة من قطّاع الطُرق!

وكان الناس - وعلى الخصوص التجّار الذين كانوا ينقلون قوافلهم التجارية وبضائعهم من بلدٍ إلى بلد - قد ضاقوا ذَرعاً من انعدام الأمن، ونهب أموالهم على يد الفُضيل وأصحابه!

وقد كان لجاره في الكوفة فتاة فطمعَ بها، ولمّا رآها ذات يوم قال لها: سنقتحمُ داركم في هذه الليلة ( وطبعاً إنّ مَن كان بهذا المستوى من الوقاحة والاستهتار ويخافهُ الناس، يكون مصداقاً لقول الإمام علي ( عليه السلام) بأنّه أسوأ الناس )(٢) .

____________________

(١) أصول الكافي: ٢ / باب البرّ بالوالدين، ص١٢٨، الحديث ١١.

(٢) غُرر الحِكم: ١ / ٤٤٧.


وعلى أيّ حالٍ، حينما قاربَ الفُضيل ذلك البيت سمعَ شخصاً يقرأ القرآن ويتلو هذه الآية:( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ) (١) .

فأصغى الفُضيل بشكلٍ جيّد وفكّر فيها مليّاً، فقال مُلبياً أمْرَ الله تعالى: ( قد حانَ وقتُ خشوع قلبي )، ثمّ بكى بكاءً عالياً، وتركَ السَرقة، ولدى عودتهُ صادفَ خَربة وقد نَزَلت بها بعض القوافل، وسمعَ شخصاً يقول لآخر: انتبهوا في هذه الليلة جيّداً؛ فإنّ الفُضيل بن عيّاض كامنٌ لنا في الطريق! فتألّم الفُضيل بشدّة وقال في نفسه: كم بَلَغت بك الشقاوة يا فُضيل حتّى أفزَعتَ الناس؟ وأخذَ هنا أيضاً بالتضرّع والابتهال إلى الله والتوبة، وقال لأصحاب القافلة: لقد تابَ الفُضيل، فليس هناك من خطرٍ يعتريكم من جانبه بعد هذا اليوم! ثمّ تركَ الكوفة متوجّهاً إلى مكّة حيث أقام هناك، وانشغل بالعبادة وإصلاح نفسه حتّى صار من مشاهير العُرفاء(٢) .

____________________

(١) سورة الحديد: الآية ١٦٠.

(٢) تفسير منهج الصادقين: ٩ / ١٦٩.


(٩)

الأشجارُ الخضراء

إنّ قافلة الإنسانية في مسيرة دائمة نحو التقدّم والرُقي، وإنّ مصير كلّ مَن تخلّف عن هذه القافلة هو: التخلّف، والضياع، والاغتراب.

ولكي لا نقع في معرض التخلّف عن هذه القافلة، لابدّ لنا من الوعي والبصيرة، وأن نُحسن الاستفادة من وسائل الرُقي والتقدّم بشكلٍ كامل.

وإذا تجاوزنا إرشادات الأنبياء ( عليهم السلام ) والحُكماء والفلاسفة، وجدنا الكثير من الأدوات في رقعة الحياة ومهد الطبيعة، ممّا يُلهمنا العِبر والدروس، ويُخلّصنا من الركود والضياع، ويهدينا نحو الخير والصلاح.

وطبعاً قد تبدو الأمور المطروحة هنا سهلة وسطحية، إذا قورِنت بالظروف الراهنة وبأعمار الشباب، ولكن لو دقّقتم النظر ستُذعنون بخلاف ذلك.

وإضافة لمَا ذُكر، فإنّ القصّة الآتية تُبيّن أهمية تعلّم مسائل الحياة الراهنة والمستقبلية بُغية تحقّقها:


عن الإمام الحسن ( عليه السلام ):( إنّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) دعا بَنيه وبني أخيه فقال: إنّكم صغار قوم، ويوشك أن تكونوا كبار قومٍ آخرين، فتعلّموا العلم، فمَن لم يستطع منكم أن يحفظهُ، فليكتبهُ وليضعهُ في بيته ) (١) .

وعلاوة على ذلك، فإنّ في رقعة الكائنات الحيّة نماذج مختلفة أوصى أئمّة الإسلام بالتدبّر فيها، كما يَحكم العقل والوجدان بالتدبّر فيها أيضاً؛ لنستلهم الدروس ونتعلّم سُبل العِبر والاستقامة والسعي وصولاً إلى النجاح في حياتنا، ومن هذه النماذج:

١ - الديك

رويَ عن النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ):( تعلّموا من الديك خمس خِصال: محافظتهُ على أوقات الصلاة، والغِيرة، والسَخاء، والشجاعة، وكثرةُ الطَروقة ) (٢) .

٢ - الغُراب

إنّ طريقة الغراب في العيش تحتوي على خصال نافعة وتربوية أُوصينا بالتدبّر فيها، إذ إنّ الاستفادة منها تساعدنا على صقل شخصيتنا واستلهام العِبر منها.

رويَ عن النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ):( تعلّموا من الغُراب خصالاً ثلاثاً: استتارهُ بالسِفاد، وبُكوره في طلب الرزق، وحذرهُ ) (٣) .

٣ - النملة

اشتملت سورة النمل على قصّة النملة مع سليمان ( عليه السلام )، ومن هنا اشتهرت هذه السورة باسم سورة النمل.

وقد عدّ الإمام علي ( عليه السلام )، والإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) أسرار حياة النملة، دليلاً على وجود خصوصيات استثنائية لدى هذا الكائن الصغير الذكي، ونموذجاً من حِكمة الخالق وقدرته(٤) .

____________________

(١) بحار الأنوار: ٢ / ١٥٢.

(٢) مكارم الأخلاق: ص٢٩٣، بحار الأنوار: ٦٢ / ٣٧٠.

(٣) بحار الأنوار: ٦٨ / ٣٣٩.

(٤) نهج البلاغة: صبحي الصالح، ص٢٠٧، خطبة ١٨٥، توحيد المفضّل: ١١١.


إنّ أسرار حياة هذا المخلوق العجيب أدّت بعلماء الأحياء من قبيل ( موريس ميتر لينغ )، العالِم البلجيكي الشهير ضمن إقراره بإحصاء ستّة آلاف نوع من النمل، إلى تأليف كتاب حول ( النمل )، وعجائب حياته المُذهلة في ١٦٠ صفحة، وإذا أراد الإمام الصادق ( عليه السلام ) أن يستنهض هِمم المُتقاعسين والكُسالى وأراد حثّهم إلى السعي والجدّ قال لهم:( أيعجزُ أحدَكم أن يكون مثل النملة؛ فإنّ النملة تجرّ إلى جُحرها ) (١) .

أجل، إنّ أشهر خصال ( النمل ) هي: صفة الصبر والمثابرة، قال الأمير ( تيمور كوركان ) القائد المغولي الشهير ( المولود في عام ٧٣٦، والمتوفّى عام ٨٠٧، وحَكَم مدّة ٣٦ سنة ): ( لقد تعلّمت دروس الصبر والنجاح من نملة رأيتُها تحمل حبّة في فَمها، وتحاول الصعود بها من خلال جدارٍ إلى ثقبها، إلاّ أنّها لم تكن لتبلغ منتصف الجدار حتّى تسقط إلى الأرض، إلاّ أنّها كانت تُكرّر العملية حتّى بلغت محاولاتها ٦٤ محاولة، تكلّلت آخرها بالنجاح، فتعلّمتُ منها كيفية الصبر في الحروب والانتصار فيها )(٢) .

٤ - القطّ

يُنقل عن ( بزركهر ) الحكيم والعالِم ووزير أنوشيراوان ( ت: ٦٠٣، أو ٦١٠م )، والمعروف في تدبيره وحكمته أنّه قال: كنتُ أتعلّم الخصال الحسنة في أيّ شيء صادفتهُ، فتعلّمتها حتّى من الكلب، والقطّ، والخنزير، والغراب!

فقيل لهُ: ما هي الخصال الحسنة التي تعلّمتها من هذه الحيوانات؟ فقال: تعلّمت من الكلب الوفاء والأُنس بصاحبه، ومن الغراب الحيطة والحَذر، ومن الخنزير الخروج في الصباح الباكر طلباً للرزق، ومن القطّ نعومة موائه وتواضعه للوصول إلى هدفه ومُبتغاه(٣) .

____________________

(١) فروع الكافي: ٥ / ٧٩.

(٢) مكتب إسلام: ١ / ٢٠١، حسين عماد زادة.

(٣) تتمّة المُنتهى: ص٢٣٠.


٥ - الجُعَل

كان أبو حجّاج الأقصري من كبار العُرفاء والزاهدين، مُحبّاً للصحابة والتابعين، وقد بلغَ في العرفان والزهد مقاماً شامخاً، وتُعدّ أقواله وسلوكياته درساً يَحتذي به الآخرون.

وذات يوم قيل له: مَن شيخك؟

قال: شيخي أبو جَعران، أي: الجِعل.

فظنّوا أنّه يمزح، فقال: لستُ أمزح.

فقيل له: كيف؟

فقال: كنتُ ليلة من ليالي الشتاء سهران، وإذا بأبي جعران يصعد منارة السراج فيزلق لكونها ملساء، ثمّ يرجع، فعددتُ عليه سبعمئة زلقة، يرجع بعدها ولا يكلّ، فتعجّبتُ في نفسي، فخرجتُ إلى صلاة الصبح ثمّ رجعتُ، فإذا هو جالس فوق المنارة بجنب الفتيلة، فأخذتُ من ذلك ما أخذت(١) .

٦ - حوارُ لقمان وعيسى ( عليه السلام )

قيل للقمان: ممّن تعلّمتَ الأدب؟

فقال: تعلّمتهُ من الذين يفتقرون إلى الأدب، إذ كانوا يُجسّدون لي قُبح سلوكياتهم، فكنتُ أعتبِر بهم فأتجنّب القبيح(٢) .

وقيل لعيسى ( عليه السلام ): مَن أدّبك؟

قال:( ما أدّبني أحد، رأيتُ قُبح الجهل فجانبتهُ ) (٣) .

____________________

(١) الكنى والألقاب: ١ / ٤٤.

(٢) كلّيات سعدي: ص٥٨ و ٤٩.

(٣) بحار الأنوار: ١٤ / ٣٢٩.


وصَنعَ عيسى ( عليه السلام ) للحواريين طعاماً، فلمّا أكلوا وضّأهم بنفسه، قالوا: يا روح الله، نحن أولى أن نفعلهُ منك، قال: ( إنّما فعلتُ هذا لتفعلوه بمَن تعلّمون )(١) .

وعلى كلّ حال، فإنّ الاعتبار بما ذُكر من الموارد وعشرات الموارد الأخرى التي يصادفها الإنسان في حياته الاجتماعية، واستلهام الدروس منها، يَفتح أمام الإنسان آفاقاً جديدة لتحديد مسيرة حياته ومصيره، بل يُعدّ له أرضية واسعة لمعرفة الله وتكامله الإنساني.

____________________

(١) بحار الأنوار: ١٤ / ٣٢٩.


(١٠)

آفاتُ الشباب الأخلاقية

يبلغ عدد الشباب واليافعين في بلادنا حاليّاً ٢٥ مليون نسمة من مجموع سكّان البلاد، فلو تمتّع هذا العدد الكبير بالفاعلية المطلوبة فإنّهم سيُبشّروننا بمستقبلٍ مُشرق.

إلاّ أنّ الوصول إلى هذا المستقبل المشرق يتوقّف على شرطين:

١ - التخطيط، التوجيه، الهداية، الرقابة والصيانة التي على الأوصياء والمسؤولين في المجتمع أن يقوموا بها بدقّة.

٢ - معرفة الذات واكتشافها، والشعور بالمسؤولية والالتفات إلى القابليات والكفاءات، والاستفادة من الثروات وإنعاش ( شخصيتنا الذاتية )؛ فإنّ هذه الأمور حسّاسة جدّاً وعلى الشباب واليافعين أنفسهم أن يقوموا بها.

وقد تحدّثنا حول الشرط الأوّل في مواطن مختلفة من هذا الكتاب، وسيأتي الكلام حولهُ أيضاً، كما أنّنا تحدّثنا في بعض الفصول المتقدّمة حول الشرط الثاني، ولكن بما أنّ الشباب طبقة استثنائية وأنّ مرحلة الشباب شديدة الحسّاسيّة والتأثّر، ولأجل العوامل المختلفة من الأعداء في الداخل والخارج الكامنين لهذه الطبقة العظيمة بُغية الهجوم عليها هجوماً غادراً، سنتعرّض لبعض موارد موضوع( الآفات الأخلاقية ) ، الذي هو موضوع واسع يرتبط بالدرجة الأولى بالشباب أنفسهم، ونَعقد بحثاً مستقلاً من خلال الالتفات إلى الأمور الضرورية والاستعانة بتوجيهات أئمّة الدين ( عليهم السلام ):


ألف: الغرورُ والعُجب

إنّ الغرور والعُجب مرضٌ نفسي ينخدع به الإنسان فيقع فريسة التوهّم والتصوّرات غير الواقعية، فلا يعود مُدركاً لحقائق الحياة، والغرور والعُجب ناشئان من الجهل وعدم إدراك الواقعيات وحقائق الحياة ومسائل عالَم الوجود، ولذلك كلّما زادت القدرة الفكرية والعقلية لدى الإنسان، واتّسعت معلوماته وتجاربه وأصبح واعياً وعالِماً، قلّت عنده نسبة الغرور والعُجب والأنانيّة.

يقولأبو حامد الغزالي :( كلّ ما وردَ في فضل العلم وذمّ الجهل، فهو دليلٌ على ذمّ الغرور؛ لأنّ الغرور عبارة عن بعض أنواع الجهل ) (١) .

وبرغم أنّ هذه الصفة القبيحة قد تكون لها جذور وراثية، وتساعد عليها الظروف الخاصّة لمرحلة الشباب، ولكن لكي يسعى الإنسان إلى معالجتها والوقاية من أخطارها، عليه أن يبحث عن جذورها في وجوده بُغية القضاء عليها.

وكما قلنا فإنّ أهمّ ما يدعو إلى الغرور هو:الجهل وعدم الوعي ، وهو كامنٌ في وجود الإنسان ويُخلّف آثاراً مُدمّرة.

قال الإمام علي ( عليه السلام ) بشأن خصلة الجهل القبيحة:( أعظمُ الجهل، جهلُ الإنسان أمرَ نفسه ) (٢) .

ومع الالتفات إلى أنّ المغرور - خاصّةً في مرحة الشباب والمراهقة - يُبتلى بنوعٍ من السذَاجة والأنانية المُفرطة، ويذهب به الخيال إلى درجاته القصوى، فيتصوّر نفسه عظيماً وعالِماً وفاهماً وأنّه أعقل من الجميع، ويرى غيره متخلّفاً وجاهلاً ولا يَعدل شيئاً، وبذلك يَحرُم نفسه من الاستفادة من تجارب غيره، ولا يسعى إلى رفع نواقصه.

____________________

(١) المحجّة البيضاء: ٦ / ١٩٢.

(٢) غُرر الحِكم: ١ / ٢٣٣ ( مكتب الإعلام الإسلامي ).


وقد وصفَ الإمام علي ( عليه السلام ) الغرور بأنّه نوعٌ من السُكر المُزمن وقال:( سُكر الغفلة والغرور، أبعدُ إفاقة من سكر الخمور ) (١) .

وقالموريس دبس : ( إنّ جنون العَظَمة مثل: حُبّ الشباب يُعدُّ من أمراض فترة الشباب، إذ إنّ الإفراط وسوء الاستفادة من الاستدلالات التي تبدو منطقية في ظاهرها - على الخصوص جَدلهم وأقيستهم غير الصحيحة - تجعل أفكار الشباب قبيحة للغاية، فيغترّون بقوّة استدلالهم على إثبات أحقّيتهم، ويتكلّمون بضرسٍ قاطع، بل يُبتلى بعضهم بالانهماك في المقارنة والضدّ والنقيض! )(٢) .

ومع الالتفات إلى هذه المخاطر والأضرار الأخلاقية الناشئة عن الغرور والعُجب، تتجلّى ضرورة البحث في أهمّ عوارضه وأضراره بُغية إيجاد الحلول اللازمة:

١ - الأنا والاعتزال

إنّ المغرورين يقعون في أسر التصوّرات الخاطئة، ويحبسون أنفسهم في بيوتٍ عنكبوتية من الأوهام، حتّى ينكرون كلَّ ما سواهم.

وفي ظلّ هذه الظروف، يرى المغرور نفسه ممتازاً عن الآخرين، ممّا يؤدّي بالآخرين إلى تجنّبه والاستياء منه، وبذلك يبقى وحيداً فريداً، ومن ثمّ تجرّه هذه الوحدة إلى الأمراض النفسية والعُقد الروحية!

٢ - الجهل

إنّ منشأ الغرور وإن كان هو الجهل وانعدام الوعي، إلاّ أنّ التمادي في الغرور وحُبّ الذات يؤدّي بالمغرور - سواءٌ كان شابّاً متعلّماً، أو في أيّ مستوىً آخر - إلى الوقوع في شباك التكبّر والنخوة والاستغناء عن الآخرين، فيمتنع حتّى من

____________________

(١) غُرر الحِكم: ٢٦٦ ( مكتب الإعلام الإسلامي ).

(٢) جوان أز نظر عقل وإحساسات: ١ / ١٣٤، بلوغ: موريس دبس، ترجمة: إسحاق لاله زاري، ص١٧٦.


الاستفهام والاستفسار من الآخرين، برغم جَهله واحتياجاته العملية في الحياة، فيبقى على ما هو عليه من الجهل! فعلى هؤلاء الأشخاص الالتفات إلى أمرين:

١ - يرى الإمام علي ( عليه السلام ) الجهل مساوياً للموت، ويرى الجاهل ميّتاً بين الأحياء، وإن اعتبرَ نفسهُ حيّاً، قال الإمام ( عليه السلام ):( الجهلُ موتٌ ) (١) ، وقال:( الجاهلُ ميّتٌ بين الأحياء ) (٢) ، وقال:( الجهلُ في الإنسان أضرُّ من الآكلة في البدن ) (٣) .

٢ - علينا أن لا نغترّ بما تعلّمناه من دروسٍ ومصطلحات، أو حصلنا عليه من معلومات وتجارب قليلة، وإنّما علينا أن نذعن بأنّنا لا نزال نجهل الكثير من جزئيات مسائل الحياة وكلّياتها، ولا يزال أمامنا طريق طويل وشاق لبلوغ كُنهها.

يقول الدكتور( جان لاباك افيبوري ) ، المُنجّم والعالِم الطبيعي الانجليزي الشهير: ( لو كنّا نعرف العالَم أكثر من معرفتنا الحالية، أو كان بإمكاننا قياس معلوماتنا إلى مجهولاتنا، لكان لنا رأي آخر، إلاّ أنّ الحقيقة هي: أنّ معلوماتنا إذا قيست إلى مجهولاتنا ستكون نسبتها المئوية ضئيلة جدّاً؛ إذ إنّنا نعيش في خضمّ عِلل وقوى مختلفة لا زلنا نجهلها؛ إذ لا زلنا في مدرسة الطبيعة الكبيرة نُعدّ بمنزلة الأطفال المبتدئين، فنرى كثيراً من الأشياء دون أن ندرك أسرارها، وأنّ معلوماتنا بمثابة قُطر الدائرة، وأنّ مجهولاتنا بمثابة مُحيط الدائرة، فكلّما أطلنا قطر الدائرة، نكون قد وسّعنا في محيطها، لماذا نذهب بعيداً؟ فلا زلنا نجهل أنفسنا ولا نعرفها، وما هي علاقتنا بالطبيعة؟ بل إنّنا لا نعلم شيئاً، ويتعيّن علينا أن نضع علامة استفهام أمام كلّ شيء!

____________________

(١) غُرر الحِكم للآمدي: ص٧٥، الحديث ١١٦٢ و ١١٦٥.

(٢) نفس المصدر.

(٣) غُرر الحِكم: ص٧٣، الحديث ١٠٩٩.


٣ - اختلاقُ المعاذير

إنّ من أضرار الغرور الكبيرة جدّاً:اختلاقُ الأعذار التي تحول دون تهذيب النفس والتكامل المادّي والمعنوي؛ وذلك لأنّ الشخص المغرور حينما يرى نفس كبيراً وفاهماً وخالياً من العيوب والنواقص، فإنّه نادراً ما يتقبّل النقد، وقلّما يسعى إلى محاسبة نفسه والتعرّف على عيوبها، والحيلولة دون وقوعه في الأخطاء، وبذلك يظلّ قابعاً في أودية الانحراف والانحطاط والجمود والتخلّف!

قال الإمام الصادق ( عليه السلام ):( فمَن أُعجِب بنفسه وفعله، فقد ضلَّ عن منهج الرشاد وادّعى ما ليس به ) (١) .

وقال الإمام علي ( عليه السلام ):( كفى بالمرء منقصة أن يُعظّم نفسه ) (٢) .

وقال الشاعر:

مَلأى السنابل تنحني بتواضعٍ

والفارغات رؤوسهنّ شوامخٌ

طُرق العلاج

ومن مجموع ما قرأناه إلى الآن حول( الغرور والتكبّر ) ، توصّلنا إلى أنّ التكبّر مرضٌ نفسي وآفة أخلاقية عظيمة على الخصوص بالنسبة إلى الشباب، كما بحثنا في أضرارهِ الفضيعة.

وأمّا معالجة هذا المرض الخطير، فعلى الأفراد في الدرجة الأولى أن يلتفتوا إلى أنّ الإمام الصادق ( عليه السلام )، يرى أنّ المتكبّر شخصٌ مسكين جدير بأن يُرثى له! ولذا فعلى المتكبّر وفقاً لوصية الإمام أن يتوب توبة صادقة، وأن يذعن بعجزه أمام الله، وأن يسعى إلى التعرّف على عيوبه، وأن يزيد من معلوماته وبناء نفسه، بُغية القضاء على( صنم العُجب ) الكامن في سريرته، وأن يفكّر بواقعية ليعتدل من الناحية النفسية.

____________________

(١) سفينة البحار: ٢ / ٤٠٨، مصباح الشريعة: ص٨١.

(٢) غُرر الحِكم: ص٣٠٨.


ب: آفةُ سوء الظنّ

يُعدّ سوء الظنّ من تَبعات مرحلة الشباب، وإذا تجذّر سوء الظنّ وتحوّل إلى صفة مُلازمة، فينبغي عَدّه مَرضاً نفسياً وآفة أخلاقية.

وقد وصفَ الإمام علي ( عليه السلام ) الشخص المبتلى بسوء الظنّ بالآخرين بأنّه: مريضٌ وعليل، وعَدّ سوء الظنّ آفة التديّن(١) ، وقال بشأن واحد من أضرار سوء الظنّ في مجال العلاقات الاجتماعية:( مَن غَلب عليه سوء الظنّ، لم يَترك بينهُ وبين خليل صُلحاً ) (٢) .

وقال الدكتور( جان لاباك آفيبوري ) العالِم الانجليزي الشهير: ( إنّ سوء الظنّ يُعدّ حاجزاً بيننا وبين الآخرين، وحائلاً دون توثيق العلاقات فيما بيننا لننعَم بالوفاء والحُب )(٣) .

كما ذَكر الإمام علي ( عليه السلام ) في مواطن أخرى أنّ:( سوء الظنّ يُفسد العبادة، ويشلّ حركة الحياة، ويؤدّي إلى ظهور الفساد والشرّ، والضياع في العلاقات الاجتماعية ) (٤) .

وعلى كلّ حال، فإنّ سوء الظنّ مشكلة نفسية، وإنّ بوادرهُ كامنة في وجود الأشخاص، ولمعالجة هذه المشكلة وتغيير رؤية الإنسان لأبناء جِلدته، والاستفادة من مواهب الحياة بشكل طبيعي وايجابي، على الإنسان أن يتقدّم بوعي وتفكير وإيمان.

يقول الدكتورآفيبوري: ( علينا أن نعترف بأنَّ منشأ بؤسنا كامن في عالَمِنا الداخلي والنفسي، لا في عالمنا الخارجي المحيط بنا )(٥) .

____________________

(١) فهرست غُرر الحِكم: ص١٤٦.

(٢) غُرر الحِكم: ص٢٦٤، الحديث ٥٦٨٢.

(٣) جكيده انديشه ها: ٢ / ١٣٠.

(٤) فهرست غُرر الحِكم للآمدي: ص٢٢٧.

(٥) درجتجوي خوشبختي: ص١٦.


التهرّبُ من المسؤولية!

نشاهد في هؤلاء الأشخاص - وعلى الخصوص الشباب منهم - أنّ سوء الظنّ يتجلّى فيهم كذريعة للتهرّب من المسؤولية، ولكي يُخفوا نواقصهم الأخلاقية ويتهرّبوا من السعي وراء الأعمال الايجابية، فإنّهم يُلقون باللائمة على غيرهم، ويتّهمون الآخرين بعدم الوفاء، ويتّهمون حتّى أولياء أمورهم بالعداوة وعدم الإخلاص لهم!

ومثل هذه التصوّرات في غاية الخطورة، وإنّ الاستمرار عليها لا يحلّ لهم أيّة مشكلة، بل ستضاعف من مشاكلهم على مرِّ الأيّام.

طُرق العلاج

فعلى هؤلاء الأفراد أن يلتفتواأوّلاً: إلى ما قاله الإمام علي ( عليه السلام )، من أنّهم يُفسدون عبادتهم!(١) ،وثانياً: إلى أنّهم سوف لا يحصلون من المخلِصين لهم إلاّ على خيبة الأمل،وثالثاً: أنّهم مع ابتلائهم بهذا المرض سوف لا يبقى لهم سوى أمل قليل بالنجاة!

ومن هنا تتجلّى ضرورة تحطيم الغرور وبناء النفس من خلال العثور على العيوب والنواقص، والاستفادة من النقاط الايجابية لدى الآخرين.

وأمّا بشأن علاج هذا المرض النفسي، فعلى الإنسان أن يختلي بنفسه في وقتٍ مناسب، وفي جوٍّ هادئ يكون فيه مسيطراً على أعصابه، فيبدأ بطرح الأسئلة التالية على نفسه:

١ - هل أنا بريءٌ من العيوب والنواقص؟

٢ - هل لم يصدر منّي خطأ تجاه الآخرين؟

٣ - هل أنّ جميع أفعال مَن نُسيء الظنّ بهم خاطئة؟

٤ - ألا توجد في الشخص الذي نُسيء الظنّ به نقطة إيجابية؟

____________________

(١) فهرست غُرر الحِكم للآمدي: ص٢٢٧.


وعلنيا أن نعثر على أجوبة تُرضي وجداننا وتُقنعنا، وإنّ قصّة عيسى ( عليه السلام ) بهذا الشأن قابلة للتأمّل؛ إذ يُروى أنّه كان يمشي مع جَمعٍ من أصحابه فصادفوا جثّة كلب ميّت، وأخذوا يتأفّفون من رائحتها الكريهة، وسائر الجهات المقزّزة فيها، إلاّ أنّ عيسى ( عليه السلام ) الذي كان يتمتّع برؤية ربّانية، أخذَ يطيل النظر في نقطة خاصّة من الكلب وهو يقول:( ما أجملَ بياض أسنانه (١) !فهلاّ ذَكرتم هذه الصفة فيه ) ؟

الرؤية الواقعية

تحدّثنا عن أضرار( سوء الظنّ ) بما فيه الكفاية، ونقرأ في رواية أخرى عن الإمام علي ( عليه السلام ):( أسوأُ الناس حالاً مَن لا يثق بأحد لسوء ظنّه، ولا يثق به أحد لسوء أثره ) (٢) .

ولكن من جهةٍ أخرى، نجد أنّ الأحاديث قد ذمّت( حُسن الظنّ ) ، الذي يؤدّي إلى التصديق الساذج والانخداع بمظاهر التزوير والنفاق، الذي يضرّ بالإنسان مادّياً ومعنوياً.

قال الإمام موسى بن جعفر ( عليه السلام ):( إذا كان الجور أغلَب من الحقّ، لم يحل لأحدٍ أن يظنّ بأحدٍ خيراً حتّى يَعرف ذلك منهُ ) (٣) .

وقال الإمام الصادق ( عليه السلام ):( إذا كان الزمانُ زمان جورٍ وأهلهُ أهل غدرٍ، فالطمأنينةُ إلى كلّ أحد عَجز ) (٤) .

فعليه: ماذا ينبغي أن نفعل؟ فإنّ سوء الظنّ يُعدّ معصية ومفسدة للدين والعبادة والعلاقات الأخلاقية والاجتماعية، ويحول دون الرُقي والكمال، وإنّ حُسن الظنّ في الظروف الحسّاسة يؤدّي إلى الانخداع والضياع، بل والسقوط أحياناً.

____________________

(١) بحار الأنوار: ١٤ / ٣٢٧.

(٢) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ٢٠ / ٣٠٨، الحكمة ٥٣١.

(٣) فروع الكافي: ٥ / ٢٩٨، باب نادر، الحديث ٢.

(٤) تُحف العقول: ص٢٦٢، وطبعة بيروت ص١٤٩.


يبقى هنا طريق عقلائي ثالث اشترطَ فيه الإمام علي ( عليه السلام ) الحَزم والاحتياط(١) ، واشترطَ الإمام موسى بن جعفر ( عليه السلام ) أن يكون مصحوباً بالاختبار والمعرفة، وهو ما نُعبّر عنه بـ( الواقعية ) .

إذاً، كلٌ من سوء الظنّ وحُسن الظنّ المُفرط غير مقبول، بل لابدّ من النظر إلى الأمور بواقعية ووعي؛ فإنّ النظرة الواقعية صفة إيجابية مؤثّرة وبنّاءة.

العِناد والخُصومة

إنّ المرض النفسي والأخلاقي الآخر الذي يُبتلى به أكثر الشباب وفقاً لمقتضى سنّهم، هو:مرضُ العناد والخصومة ، ومنشأ العِناد هو الغضب وحدَّة المزاج، وقد عرَّف الإمام علي ( عليه السلام ) الغضب بقوله:( الحِدّة ضربٌ من الجنون؛ لأنّ صاحبها يندم، فإن لم يندم فجنونهُ مُستحكم ) (٢) .

وعليه: إذا تبدّل جنون الغضب إلى جنون العِناد والخصومة والتمرّد، فإنّ الإنسان سيقع تحت وطأة أزمة أخلاقية وروحية قاسية، وتصدر منه أعمال وتصرّفات جنونية.

ولكي نتعرّف عواقب العناد والاستبداد بالرأي بشكلٍ أفضل ليتسنّى لنا علاجه، علينا أن ندرس الكلمات الحكمية التي صرّح بها الإمام علي ( عليه السلام ):

( راكبُ اللجاج متعرّضٌ للبلاء ) (٣) .

( اللجاجُ يُفسد الرأي ) (٤) .

( اللجاجُ يشين النفس ) (٥) .

(اللجاجةُ تسلُّ الرأي ) (٦) .

____________________

(١) نهج البلاغة: صبحي الصالح، الرسالة رقم ٥٣، ص٤٤٢.

(٢) غُرر الحِكم: ص٣٠١، الحديث ٦٨٦١.

(٣) فهرست غُرر الحِكم: ص١٠٢٠ ( مركزُ الأبحاث والدراسات الإسلامية ).

(٤) نفس المصدر والصفحة.

(٥) نفس المصدر والصفحة.

(٦) نفس المصدر والصفحة.


والآن علينا أن نُدرك - من خلال الالتفات إلى أنّ العناد يساوي سلب الإرادة والعقل وتدبّر العواقب، وأنّ الإنسان المُعاند إنّما يركب الصعبة التي لا يعلم الهوّة التي ستسقط فيها - كم هو عدد البائسين الذين أصرّوا بغباء وعناد على الفرع الدراسي، أو اختيار الصديق، أو الوظيفة والحرفة والزواج وسائر أمور الحياة الأخرى، فلم يجنوا سوى الأضرار المادّية والمعنوية الهائلة الموجِعة والمُخجلة والمأساوية التي لا يمكن تلافيها.

أجل، كما يقول الإمام علي ( عليه السلام ):( اللجاجُ أكثر الأشياء مضرّة في العاجل والآجل ) (١) ، وأحياناً تتّسع آثار دائرة العناد إلى ما هو أبعد من الحدود الشخصية والعائلية، وكما يقول الإمام علي ( عليه السلام ):( اللجاجُ يُنتج الحروب ويوغِر القلوب ) (٢) .

العلاجُ القاسي

إنّ تصرّفات المعاندين تتّصف أحياناً بالطيش والجنون حتّى أنّهم قد يُحرقون أنفسهم بلهيب عنادهم، ويمكن حينها أن نشبّههم بذلك الحيوان الذي حاول أن يتهرّب من حَمل متاع صاحبه إلى منزله، فألقى بنفسه في البئر ومات غَرقاً!

وعلى كلّ حال، فإنّ معالجة هذا المرض في غاية الصعوبة؛ إذ إنّ الذي يُبتلى به بحاجة ماسّة إلى الوعي والتجربة وسماع النصيحة ومجاهدة النفس وبنائها.

وقد رويَ عن الإمام علي ( عليه السلام ):( أعسرُ العيوب إصلاحاً: العُجب، واللجاجة ) (٣) .

____________________

(١) فهرست غُرر الحِكم: ص١٠٢٠.

(٢) نفس المصدر السابق.

(٣) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ٢ / ٣٢٢، الحديث رقم ٦٩١.


وعليه: يتعيَّن على الأولياء والمعلّمين، وكذلك الشباب واليافعين فيما لو كانوا قد ابتلوا - لا قدَّر الله - بهذا المرض، أن يسعوا إلى معالجته قبل فوات الأوان؛ فإنّه إذا تجذّر المرض فسيكون الأمر كما قال القائل:( مَن لم يؤدّبهُ الأبوان أدّبهُ الزمان، ومَن لم يؤدّبه الزمان أدّبه سهمٌ مسموم ) .


(١١)

الانحرافاتُ الجنسية والسقوط الأخلاقي

هل من الضروري في ظلّ الظروف الاجتماعية الراهنة أن نبحث في( الانحرافات الجنسية ) ؟

هناك سببان لضرورة بيان المسائل المتعلّقة بناحية الشهوة الجنسية لدى كلّ من الذكر والأنثى:

١ - تتجلّى ضرورة ذلك من الأسئلة والرسائل وتقارير الصُحف والمراكز الاستشارية والتقارير الأخرى.

٢ - من الضروري بيان المسائل المتعلّقة بـ( سنّ تكليف الشباب )، وتبيين الفرق بين ( الحلال والحرام )، والالتفات إلى العواقب السيئة للانحراف الجنسي لطبقة الشباب الكبيرة في الظروف الراهنة وعصر الاتصالات، فلابدّ من رفع مستوى الوعي لدى الشباب والأولياء والمعلّمين بشكلٍ جادّ.

والمراد من( الانحرافات الجنسية ) : هو الاستفادة غير الطبيعية من ( المشاعر ) و( السلوكيات )، التي تَعتبرها الأديان الإلهية، والقوانين العقلائية، والفطرة الطاهرة لدى الناس، ذنباً ومعصية، ولها من الناحية العلمية آثار جسميّة ونفسية سيّئة، ولها من الناحية الدينية تَبَعات حقوقية وجزائية، وأهمّ تلك الانحرافات ما يلي:


١ - النظرُ الحرام

إنّ النظر إلى المحرّم هو نوع من إطفاء الشهوة الجنسية عن طريق ( الحاسّة الباصرة )، يؤدّي إلى اضطراب القلب وتدنيسه، وهو في حدّ ذاته معصية وانحراف، وقد يؤدّي أحياناً إلى انحرافات هدّامة أكبر.

ومن هنا قال بعض الكبار، الذين سعوا في طريق السلوك المعنوي للوصول إلى مستقبلٍ ناصع في هذا المجال، بُغية تنبيه الجميع إلى مخاطر انحراف الباصرة :( الويلُ من أمر العين والقلب، إذ كلّ ما تراه العين احتفظَ به القلب، فلا محيص من أن أشحذ خنجراً فولاذياً لأفقأ به عيني حتّى يتحرّر قلبي ) (١) .

وقال الإمام علي ( عليه السلام ):( إذا أبصَرَت العين الشهوة، عَميَ القلب عن العاقبة ) (٢) .

وقال الإمام الصادق ( عليه السلام ):( النظرةُ سهمٌ من سهام إبليس مسموم، وكم من نظرةٍ أورثت حسرة طويلة ) (٣) .

استقبلَ شابٌ من الأنصار امرأة بالمدينة، وكان النساء يتقنَّعن خلف آذانهن، فنظرَ إليها وهي مقبلة، فلمّا جازت نظر إليها، ودخلَ في زقاق قد سمّاه ببني فلان فجعل ينظر خلفها، واعترضَ وجههُ عظم في الحائط، أو زجاجة فشقّ وجهه، فلمّا مَضت المرأة، نظرَ فإذا الدماء تسيل على ثوبه وصدره فقال: والله، لآتينّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) ولأخبرنّهُ، فلمّا رآهُ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) قال:( ما هذا؟ ) فأخبرهُ، فنزلَ جبرئيل ( عليه السلام ) بهذه الآية:( قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ) (٤) .

____________________

(١) دو ربيتي بابا طاهر العريان: ص٨.

(٢) غُرر الحِكم: ص٣٠٥.

(٣) وسائل الشيعة: ٢٠ / ١٩١ ( مؤسّسة آل البيت، قم ).

(٤) سورة النور: الآية ٣، وسائل الشيعة: ٢٠ / ١٩٢.


  وعلى أيّ حال، فإنّ النظرَ إلى المحارم انحرافٌ جنسي يؤدّي إلى الافتتان والفساد، وقد عدَّه رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) ذنباً ونوعاً من الزنا، وقال في بيان عقوبته الأخروية:( مَن مَلأ عينيه من حرام، مَلأ الله عينيه يوم القيامة من النار، إلاّ أن يتوب ويرجع ) (١) .

٢ - العادةُ السرّية

وهي المعبَّر عنها في الكتب الفقهية والرسائل العملية لعلماء الدين بـ( الاستمناء ) ، ويَعدّها الأطبّاء وعلماء الأحياء في جملة الانحرافات الجنسية، كما يراها الإسلام معصية وانحرافاً أخلاقياً.

والعادة السرّية: عبارة عن أن يتصوّر الإنسان أشياء تُثير شهوتهُ الجنسية، أو يقوم بعمل يؤدّي إلى خروج المَني منه، وبذلك يُطفئ لهيب شهوته ويُشبع غريزته الجنسية.

وطبقاً للروايات المروّية عن الإمام الصادق ( عليه السلام )، فقد عدّ الاستمناء عملاً قبيحاً ومعصية كبيرة، فقد سُئل عن الخضخضة؟ فقال:( إثمٌ عظيم، قد نهى الله عنه في كتابه وفاعله كناكح نفسه، ولو عَلمتَ بما يفعلهُ ما أكلتَ معهُ ، فقال السائل: فبيّن لي يابن رسول الله من كتاب الله فيه؟ فقال:قول الله: ( فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ ) وهو ممّا وراء ذلك ) (٢) .

كما قال الإمام الصادق ( عليه السلام ) في بيان مجازاة مَن يرتكب هذا النوع من الانحراف الجنسي:( إنّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أُتيَ برجل عَبث بذكره، فضربَ يدهُ حتّى احمرّت، ثمّ زوّجه من بيت المال ) (٣) .

ومن جهةٍ أخرى، فقد ذهبَ جميع المجتهدين إلى أنّ ( الاستمناء ) من الأمور المبطلة للصوم(٤) .

____________________

(١) وسائل الشيعة: ٢٠ / ١٩٦، بحار الأنوار: ١٠١ / ٣٢.

(٢) سورة المؤمنون: الآية ٧، وسائل الشيعة: ٢٨ / ٣٦٤، الحديث ٣٤٩٧٨.

(٣) وسائل الشيعة: ٢٨ / ٣٦٣، ٢٠ / ٣٥٢، مؤسّسة آل البيت ( عليهم السلام ).

(٤) تحرير الوسيلة: ١ / ٢٦٦، توضيح المسائل: ص٢١١.


ومع الالتفات إلى أنّ الاستمناء عملية غير طبيعية، وإشباع ناقص للشهوة وكونهُ انحرافاً جنسياً، فقد ذكر الأطبّاء وعلماء النفس لهُ أضراراً جسدية ونفسية متعدّدة، أهمّها ما يأتي:الاضطراب والشعور بالضعة بعد إتمام العملية، إرهاق الجهاز التناسلي والأعصاب، إضعاف الإرادة، الكسل، شدّة الحياء، الأنانية، حدّة المزاج، التكبّر، الاكتئاب، سوء الظنّ (١) .

وقد ذكرَ الدكتورهوجين : ( إنّ أوّل ما يترتّب على هذه العادة الشنيعة هو: زوال قوّة العين وشفافيّتها، وذهاب اللون الطبيعي للبشرة وذُبولها، وقلّة الذكاء، وظهور حالة من الانقباض عليهم، وتعلو أجفانهم زرقة خفيفة، وضُعف الذاكرة، وقلّة الشهوة إلى الطعام، وعُسر الهضم، واختلال التنفّس، وحدّة الأخلاق والمزاج، والحسد، والحُزن والاكتئاب، وحُبّ العزلة والوحدة، وفقر الدم، وآلام الظهر، والصداع، وصفير الإذن، والضُعف والنحول، ورعشة اليد، وانعدام مناعة الجسم، وكلّها من الآثار السيئة للابتلاء بهذا الانحراف الجنسي )(٢) .

للوقاية من هذا المرض ولعلاجه أحياناً، لابّد في الدرجة الأولى من الإقبال على الأطعمة التي تعمل على تقوية الأعصاب والإرادة، اجتناب الاعتزال والنظر إلى المشاهد التي تثير الشهوة، وعدم ارتداء الثياب الضيّقة، وسائر الموارد المثيرة، والتمتّع بإرادة راسخة(٣) ، واللجوء إلى الزواج والاتصال الطبيعي والمشروع؛ فإنّ ذلك خير علاج للشباب، ولابدّ أيضاً من الرجوع إلى الطبيب للحيلولة دون المخاطر الأليمة لذلك.

____________________

(١) مُشكلات جنسي جوانان: ص١٤٠.

(٢) مسائل واختلالات جنسي: الدكتور مير أحمد هاشمي فرد، ص٦٣.

(٣) مسائل واختلالات جنسي: د. مير أحمد هاشمي فرد.


٣ - اشتهاءُ المماثل

إنّ ممارسة الجنس مع المماثل من جملة الانحرافات الجنسية والأخلاقية المشؤومة والمُهلكة.

وإنّ هذه العملية القبيحة عريقة في القِدَم، وقد أوعزها القرآن الكريم إلى( قوم لوط ) في ثلاثة مواطن من القرآن الكريم، وقد صوّر القرآن كيف أنّ لوطاً ( عليه السلام ) شنّع هذه العملية، واصفاً مَن يمارسها بالجهل والانحراف(١) .

وهذه العملية التي تسمّى بالانجليزية ( Homosexuality ) أن حَصلت بين الإناث سميّت في الأحاديث والفقه الإسلامي بـ( المُساحقة ) ، وسواءٌ حَصلت هذه العملية بين الذكور أم الإناث، فهي عملية قبيحة ومنحرفة ومعصية كبيرة توجب انقطاع النسل، وانعدام السعادة، والآثار الجنسية السيئة، وتُخلّف تشويهات جسدية ونفسية، وتُتخذ بحقّ مَن يمارسها أشدّ العقوبات الجزائية(٢) .

ولكن للأسف الشديد، فإنّنا نشاهد في العالَم الغربي المعاصر بعض الجهات المنحرفة والمريضة والمتحلّلة، تدعو إلى إشاعة هذا الانحراف الأخلاقي وإعطائه صبغة قانونية(٣) ، بذريعة الحرّية والحدّ من النسل، وطبعاً أنّ هذه السلوكية مُخالفة للوجدان والشرف الإنساني، وقد ذَهبت جميع الأديان إلى تقبيحها والمنع منها، بل رَدعت عنها حتّى المذاهب غير الإلهية، فقد عُرض فيلم في الهند تحت عنوان( النار ) ، وقد صوّر هذه العملية بين امرأتين، فَشجَبهُ الهندوس وأوقفوا عرض الفيلم بمهاجمة السينما(٤) .

ومضافاً إلى عشرات الآثار السيئة المترتّبة على هذه العملية السيّئة، فإنّ مرض( الايدز ) الخطير من جملة الأمراض المترتّبة عليها، كما يترتّب عليها أثران وضعيان وحقوقيان آخران في الحياة الاجتماعية والأُسرية، كما ذَكرت الروايات الإسلامية:

____________________

(١) راجع سورة الأعراف: الآية ٨١، سورة النمل: الآية ٥٥، سورة العنكبوت: الآية ٢٩.

(٢) تحرير الوسيلة: ج٢، ص٦٠٠.

(٣) صحيفة كيهان: العدد ١٤٦٤٨، ص٧.

(٤) راديو (B.B.C).


١ - فقد ورد في الحديث عن النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) أنّه قال:( مَن ألحّ في وطئ الرجال، لم يمت حتّى يدعو الرجال إلى نفسه ) (١) .

٢ - وقال الإمام الصادق ( عليه السلام ) في رجلٍ عَبث بغلام:( إذا أوقبَ حرُمت عليه ابنتهُ وأخته ) (٢) .

وعلى كلّ حال، فإنّ هذه الفاجعة الأخلاقية( اشتهاء المماثل ) - والتي نَعدّها انحرافاً وانحطاطاً وسقوطاً للقيَم الأخلاقية - أدّت بالمجتمع الغربي إلى أن يعدَّها فضيلة، حتّى خَرجت مجموعة من هؤلاء المنحرفين في ألمانيا برفقة مليون شاب ألماني وغير ألماني، في مسيرة تمثّل عدم التزامهم بالقيَم الأخلاقية(٣) !

ولكن في قبال هذه الكارثة الأخلاقية التي تؤدّي إلى تحطيم الأُسرة، وبمناسبة بحث قضية ( زواج المتماثلين ) في المجلس الفرنسي، فقد نظّمت المنظّمات الدينية المسيحية والإسلامية واليهوديّة - التي قدّرها الشرطة بحوالي ٧٢٠٠ شخص فقط، في حين قدَّر المنظّمون عدد الجماهير التي شاركت من مختلف مُدن فرنسا بين ٦٠ إلى ١٣٠ ألف شخص - تظاهرات تُندّد بهذه العملية، وتدعو إلى حفظ القيَم الأسرية وعدم المصادقة على هذا القانون الذي ينافي القيَم الأخلاقية(٤) .

وطبقاً لأحاديثنا الدينية، فإنّ هذا النوع من الانحرافات والفجائع الأخلاقية في المجتمع سَيَعقبهُ غضبُ الله، فقد وردَ عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) أنّه قال:( لمّا عَمل قوم لوط ما عَملوا، شَكَت السماء والأرض إلى الله عزّ وجل، فأوحى الله إلى السماء أن احصبيهم، وإلى الأرض أن اخسُفي بهم ) (٥) .

وإنّنا نشاهد حالياً هذه العقوبات تَتّخذ صورة الفيضانات والأعاصير والزلازل الفتّاكة، في المجتمعات التي تسودها هذه الانحرافات.

____________________

(١) الفصول المهمّة: الحرّ العاملي ٣ / ٣٩٩، الكافي: ٥ / ٥٤٦.

(٢) وسائل الشيعة: ١٤ / ٣٣٩ ( دار إحياء التراث العربي ).

(٣) صحيفة كيهان: العدد ١٦٢٩٤، ص٧.

(٤) صحيفة جمهوري إسلامي: العدد ٥٦٣٠، ص١٦.

(٥) دعائم الإسلام: ٢ / ٤٥٥.


٤ - الأعمالُ المنافية للعفّة

إنّ العمل المنافي للعفّة، أو الاتصال غير المشروع الوارد في القرآن الكريم والروايات تحت عنوان ( الزنا )، معصية كبيرة وانحراف جنسي خطير، مَنعتهُ جميع الأديان السماوية والقوانين البشرية العقلائية المنبثقة عن الوجدان الطاهر.

وفي مجتمعنا لا يخفى على أحد قُبح هذه العملية والأضرار المترتّبة عليها، ومن خلال الالتفات إلى الملفّات الجنائية الموجودة في الصُحف، فإنّ الأمور الآتية جديرة بالملاحظة:

١ - إنّ القرآن الكريم يرى أنّ هذه العملية من القُبح والخطورة حتّى وردَ فيه:( وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً ) (١) .

٢ - وقد جَعل نبيّ الإسلام ( صلّى الله عليه وآله ) الزنا، مساوياً لقتل النبيّ، والإمام، وتخريب الكعبة(٢) .

٣ - وقال الإمام علي ( عليه السلام ):( ما زَنى غيورٌ قطّ ) (٣) .

٤ - وفي بيان سبب تحريم هذه العملية من وجهة نظر الإسلام، قال الإمام الصادق ( عليه السلام ):( لمَا فيه من: الفساد، وذهاب المواريث، وانقطاع الأنساب، لا تعلم المرأة في الزنا مَن أحبلها، ولا المولود يَعلم مَن أبوه، ولا أرحام موصولة، ولا قرابة معروفة ) (٤) .

____________________

(١) سورة الإسراء : الآية ٣٢.

(٢) بحار الأنوار: ٧٦ / ٢٠.

(٣) نهج البلاغة: صبحي الصالح، ص٥٢٩، الحديث ٣٠٥، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ١٩ / ٢٠٩.

(٤) الاحتجاج للطبرسي: ٢ / ٩٣، بحار الأنوار: ١٠٠ / ٣٦٨.


وقال الإمام الرضا ( عليه السلام ):( حرَّم الزنا لمَا فيه من الفساد من: قَتل الأنفُس، وذهاب الأنساب، وترك التربية للأطفال، وفساد المواريث، وما أشبه ذلك من وجوه الفساد ) (١) .

ردودُ الفعل والعقوبات الإلهية

إنّ الآثار والأعراض الفظيعة والمُهلكة الناجمة عن هذه العملية المنافية للعفّة وغير المشروعة كعقوبة إلهية هي كالآتي:

١ - قال الإمام علي ( عليه السلام ):( إيّاكم والزنا؛ فإنّ فيه ست خصال، ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة، فأمّا اللواتي في الدنيا: فيذهب بالبهاء، ويقطع الرزق الحلال، ويُعجّل الفناء إلى النار ) (٢) .

٢ - وقال أيضاً:( والزنا يورثُ الفقر ) (٣) .

٣ - وقال الإمام الصادق ( عليه السلام ):( أربعٌ لا تدخل بيتاً واحدة منهنّ إلاّ خَربَ ولم يعمُر بالبركة: الخيانة، والسرقة، وشرب الخمر، والزنا ) (٤) .

٤ - إنّ العمل المنافي للعفّة والاعتداء الجنسي وما يترتّب من الآثار المتقدّمة على فاعله، يُحتّم الالتفات إلى مسؤولية الجميع في الحدّ من هذا الانحراف، فإذا لم يقم الجميع بما تُمليه مسؤوليتهم، فإنّ العقوبة الإلهية المترتّبة على هذه المعصية ستعمّ الجميع، وتترتّب عليها آثار وضعية سيّئة.

قال الإمام الباقر ( عليه السلام ):( وجدنا في كتابٍ لعلي ( عليه السلام ) عن الرسول ( صلّى الله عليه وآله ) أنّه قال : إذا ظهرَ الزنا من بعدي ظهَرَت موتة الفجأة ) (٥) .

وقال الإمام الصادق ( عليه السلام ):( إذا فشا الزنا ظهرت الزلازل ) (٦) .

____________________

(١) عِلل الشرائع: ٢ / ٤٧٩، بحار الأنوار: ٧٦ / ٢٤، الحديث رقم ١٩.

(٢) عِلل الشرائع: ص٤٨٠، عقاب الأعمال: ص٣١١.

(٣) الخصال للصدوق: ص٢٣٩، بحار الأنوار: ٧٦ / ١٩، الحديث رقم ٤.

(٤) أمالي الصدوق: ص٢٣٩، بحار الأنوار: ٧٦ / ١٩، الحديث ٤.

(٥) بحار الأنوار: ٧٦ / ٢٣.

(٦) المصدر السابق: ص٢١.


٥ - وبما أنّ نظام هذا العالَم قائم على قاعدة:أنّ لكل فعل ردّ فعل ، وهو ما أثبتتهُ التجارب أيضاً، فقد وردَ عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) أنّه قال:( أوصى الله إلى موسى ( عليه السلام ): لا تزنوا فَتزني نساؤكم، ومَن وَطَئ فراش امرئ مُسلم وطِئ فراشهُ، كما تُدين تُدان ) (١) .

كما يدين المرء يوماً يُدان به

مَن يزرع الشوك لا يحصدهُ ريحاناً

٦ - إنّ عُمق هذه الكارثة الأخلاقية والاعتداء الجنسي عظيم جدّاً، ومُخالف لسير النظام الطبيعي.

يُروى عن الإمام الصادق ( عليه السلام ):( أوصى يعقوب ( عليه السلام ) ابنهُ قائلاً: يا بُني لا تزنِ، لو أنّ الطير زنا لتناثرَ ريشه ) (٢) .

٧ - إنّ إحصائية ( الأمّهات الخليّات )، والفتيات اللاتي تزوّجن بشكلٍ غير قانوني في ٥٣ بلداً في الدول النامية، تُبيّن لنا وضعاً خطيراً ومُخجلاً!

وتحكي نتيجة تحقيق دولي في انجلترا عن ظاهرة ولادات من نساء خليّات، تتراوح أعمارهنّ بين ١٥ إلى ١٩ سنة في: أمريكا، وبولندا، واليابان، وانجلترا، وقد شكّلت أكبر نسبة من ولادة الأطفال غير الشرعيين، حيث بَلَغت ٨٧% من ولادات لأمّهات لم يتزوّجن بشكلٍ شرعي(٣) ، وقد تخبّطت انجلترا بسبب ذلك في وضع أخلاقي فظيع.

وعلى أيّ حال، فإنّ المفاسد الأخلاقية والضغوط الناجمة عن الفراغ المعنوي في العالم الغربي أدّت - كما جاء في تقرير لمجلّة( سكو لاستيك ) الأمريكية - إلى ارتفاع نسبة المسلمين الأمريكان البالغة بين أربعة إلى ستة ملايين نسمة، وإنّ آلاف التلاميذ من الفتيان والفتيات يفضّلون الانتساب إلى المدارس التي تَدرس الإسلام باللغة العربية(٤) .

____________________

(١) المحاسن: ص١٠٧، بحار الأنوار: ٧٦ / ٢٧، الحديث ٣٢.

(٢) المحاسن: ١ / ١٠٦، بحار الأنوار: ٧٦ / ٢٧، الحديث ٣٠.

(٣) صحيفة جمهوري إسلامي: العدد ٥٤٨٤، ص٥.

(٤) الملحق الخاص بصحيفة اطلاعات: ١٥ دي ماه ١٣٧٣، ص١.


كما ذكرت جريدة( أنديبند نت ) الانجليزية تحت عنوان( ارتفاع نسبة المنتسبين إلى الإسلام في أوربا ) : ( إنّ الضغوط النفسية الناتجة عن الفراغ والخواء المعنوي في الغرب، واليأس من المسيحية الجوفاء، من الأسباب الرئيسة في لجوء الأوربيين خلال نصف القرن الأخير إلى الإسلام )(١) .

فإذا كانت أحكام الإسلام المبيّنة قد أوجدت مثل هذا التقدّم في العالم الغربي والأوربي، أفلا يجدر بنا أنّ نتمسّك أكثر بالفضيلة والعيش الطاهر الذي نادى به الإسلام؛ كي لا نتخلّف عن هذا الركب العظيم؟!

____________________

(١) صحيفة جمهوري إسلامي: العدد ٥٦٤٠، ص١٦.


(١٢)

النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) والشباب

إنّ الشباب ثروة عظيمة لا يدركها كافّة الشباب ما دامت في أيديهم، وحينما يفقدونها يكون قد فاتهم الأوان، واستحال الرجوع إلى الوراء!

وقلّما تجد شابّاً يدرك قيمة شبابه ويغتنمها بشكلٍ كامل، وقلّما يندم الكبار على الفُرص التي ضيّعوها في شبابهم!

وهنا تتجلّى أهمية حِكمة الإمام علي ( عليه السلام ) كي لا يغترّ الشباب بمستوى وعيهم، وأن لا يُضيّعوا فرصة الشباب الذهبية، وعلى أولياء الأمور أن يراقبوا بشدّة، وأن يتجاوزوا عن غفلة الشباب وعثراتهم الطفيفة، وأن يغضّوا الطرف عنها.

قال الإمام علي ( عليه السلام ):( جهلُ الشباب معذور، وعلمهُ محقور ).

كما أنّ النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) الذي عاشرَ فئات مختلفة من الناس، يلفت أنظار أصحابه إلى مشاعر الشباب الطاهرة وطاقاتهم الكبيرة، وقد أدّى الصدقُ في العمل والتواضع والعيش البسيط، والهدف المعنوي ورسم صورة وضّاءة للإسلام من قِبَل النبيّ ( صلّى الله عليه وآله )، إلى تأثّر طبقة الشباب بهداية النبيّ ( صلّى الله عليه وآله )، فكانوا من خُلّص أصحابه والمؤثّرين في دعوته، ممّا أدّى إلى استياء المشركين من هذا الأمر، وأحسّوا بالقلق على مستقبلهم، وسعوا جاهدين إلى اتّهام الشباب المؤمن الطاهر بالانحراف والفساد الأخلاقي!


فقد قال( عتبة بن ربيعة ) أحد قادة الشرك في مكّة لـ( سعد بن زرارة ) ، عندما جاءه من المدينة ليتوسّط في حلّ الخلاف القائم بين قبيلة الخزرج وقبيلة الأوس:( بَعُدت دارنا من داركم، ولنا شغلٌ لا نتفرّغ لشيء، خرجَ فينا رجل يدّعي أنّه رسول الله، سفّه أحلامنا، وسبّ آلهتنا، وأفسدَ شبابنا، وفرّق جماعتنا ) (١) .

كما أنّ جماعة أخرى من قادة الكفر والنفاق، أحسّت بالخوف الشديد من التفاف الشباب حول النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) وإطاعتهم له، فذهبت إلى أبي طالب عمّ النبي والمُستميت في الدفاع عنه، فشكوهُ قائلين:( يا أبا طالب، إنّ ابن أخيك محمّداً خالفَ قومه، وسفّه أحلامهم، وعابَ آلهتهم وسبّها، وأفسدَ الشباب من رجالهم، وفرّق جماعتهم ) (٢) .

أجل، فبمقدار ما كان إيمان واعتقاد وتواجد الشباب في صفوف المجتمع، والتديّن ضرورياً ومصيرياً لرسول الله ( صلّى الله عليه وآله )، وكان يسعى إلى المحافظة عليه، كان الأعداء والمشركون يصرّحون بتذمّرهم منه، وبذلوا جميع ما بوسعهم لإبطال هذا الدور الفاعل الذي يقوم به الشباب المؤمن، وإبعادهم عن الرسول ( صلّى الله عليه وآله ) والمجتمع.

وقد ذَكرت كُتب التاريخ: أنّ المشركين لم يكفّوا عن إيذاء المسلمين، حتّى بعد أن هاجر ٨٣ رجلاً و١٨ امرأة سوى الأطفال إلى الحبشة، وتركوا أوطانهم بأمر النبي بُغية الخلاص ومن وطأة الكفّار وعذابهم، ومع ذلك لم يقرّ للمشركين قرار، فأرسلوا رجلين جِلفين هما:عمرو بن العاص، وعمارة بن الوليد إلى النجاشي ( مَلك الحبشة ) بُغية تشويه صورة المهاجرين، فقال ( عمرو بن العاص ) للنجاشي:( خالَفوا ديننا، وسبّوا آلهتنا، وأفسدوا شبابنا، وفرّقوا جماعتنا ) (٣) .

____________________

(١) بحار الأنوار: ١٩ / ٨ - ١٠.

(٢) بحار الأنوار: ٩٠ / ٨٠.

(٣) بحار الأنوار: ١٨ / ٤١٥.


وعى أيّ حال، فهناك قصص كثيرة بشأن سعة أخلاق الرسول ( صلّى الله عليه وآله )، وتمكّنه من استقطاب الشباب وتنمية طاقاتهم وشخصياتهم، والاستفادة منها في مختلف مجالات الحياة السياسية والثقافية والعسكرية والاجتماعية، وإليك نماذج منها:

١ - زيد بن حارثة

زيد بن حارثة: من كبار صحابة النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) وخُلَّص أنصاره، لم يفارق النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) في جميع أسفاره، وقد جَعل من جسده وقاءً للرسول ( صلّى الله عليه وآله ) في سفره إلى الطائف، حيث تعرّض الرسول إلى هجوم شباب المشركين الذين رموهُ بالحجارة، فأخذَ زيد يقي الرسول بجسده ويدافع عنه(١) .

وهو الشخص الوحيد من بين أصحاب النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) الذي ورد ذكره في القرآن الكريم، في قضية تطليق زوجته.

وقد نالَ زيد تحت تأثّره بتعاليم النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) درجة إيمانية مرموقة، على أثرها لم يترك الرسول ( صلّى الله عليه وآله ) المدينة مرّة إلاّ وجَعلهُ فيها خليفة عنه، وتزعّم جيش الإسلام في تسع حروب بأمر الرسول ( صلّى الله عليه وآله )، حتّى استشهد في غزوة مؤتة وكان فيها أيضاً قائداً للمسلمين.

وبملاحظة أنّ هذه الغزوة قد حَدثت في جمادى الأولى من السنة الثامنة للهجرة، وأنّ الرسول قد تبنّاه وهو في الثامنة من عمره، وأقامَ معهُ ثلاث عشرة سنة في مكّة، وثماني سنوات في المدينة، فيمكن القول بأنّ عمره حين استشهاده لم يتجاوز الخامسة والعشرين، إلاّ أنّ الجانب المهمّ الذي يجدر ذكرهُ هنا من حياة زيد بن حارثة - والذي يعكس صفاءه وشخصيته الفريدة التي نالها بفعل تأثّره بالنبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) - هو أنّه حينما كان لهُ من العمر ثماني سنوات ذهبَ بصحبة أمّه لزيارة أقربائه من قبيلة( بني معن ) ، وفي مدّة إقامتهم هناك تعرّضت القبيلة المذكورة لغارة شنّتها عليها قبيلة( بني قين ) ، وقعَ فيها زيد أسيراً فيمَن أُسّر، وكان العُرف السائد في عصر الجاهلية يقوم على بيع الأسرى واسترقاقهم،

____________________

(١) طبقات أبي سعد: ١ / ١٤٢.


 فتوجّهوا بهم إلى سوق عُكاظ بُغية عَرضهم للبيع بوصفهم عبيداً، وهناك اشترى حكيم بن حزام زيداً لعمّته خديجة، فوهبتهُ خديجة إلى النبيّ ( صلّى الله عليه وآله )، فأخذَ زيدٌ يتولّى خدمة النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ).

ومن جهةٍ أخرى، كان( حارثة ) والد زيد، وعمّه( كعب ) يبحثان عنه، ولمّا توصّلا لمعرفة مكانه، توجّها إلى مكّة وراجعا أبا طالب عمّ النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) في أمر شراء زيد وتحريره، فتركَ النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) الأمر إليه، ولكنَّ زيداً آثر البقاء عند النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) برغم شوق أبيه إليه، وكان من أوائل المؤمنين بدعوة النبيّ ( صلّى الله عليه وآله )، بعد علي ( عليه السلام ) وخديجة الكبرى ( عليها السلام )(١) ، فنالَ القسط الأوفر من إرشادات النبيّ التي أوصلتهُ إلى درجة سامية من بين الصحابة.

٢ - مُصعب بن عُمير

والشابّ الآخر الذي أجابَ دعوة النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) في مستهل ظهور الإسلام، وهَبَّ إلى نُصرته:( مُصعب بن عُمير ) ، وكان مصعب قد ترعَرعَ في عائلة ثريّة، إلاّ أنّه تأثّر على يد( عثمان بن طلحة ) بتعاليم الإسلام، فأخذَ يصلّي خِفية بعيداً عن أنظار أهله، وبرغم ما لاقاه من جفاءٍ من أسرته حتّى وقعَ تحت سطوة الفقر والفاقة، إلاّ أنّه ثبتَ على إيمانه ومعتقده.

وهكذا طوى( مُصعب ) حياة عصيبة، حتّى توجّه في شهر رجب من السنة الخامسة للبعثة إلى( الحَبَشة ) ، مع أوّل قافلة تخرج مهاجرة من ظلم الأعداء في مكّة.

ومضت على المسلمين سنوات قاسية، إلاّ أنّ شوكة الإسلام أخذت تقوى في مكّة وامتدّت إلى المدينة.

وفي السنة الثانية عشرة للبعثة، وفدَ على النبي اثنا عشر شخصاً من أهل المدينة، وبايعوا النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) في( العَقَبة الثانية ) الواقعة في آخر( مِنى ) ، وسألوا الرسول أن يرسل إلى المدينة شخصاً ليعلّمهم القرآن والأحكام الإسلامية،

____________________

(١) السيرة النبوية: ١ / ٦٥ و ٢٦٤.


 فأرسل النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) مُصعب بن عُمير لهذا الغرض؛ لكونه شابّاً مؤمناً صَلباً عالِماً بقراءة القرآن(١) .

وقد عبّرت كُتب التواريخ عن مُصعب بن عُمير بأنّه: فتىً حَدَث ممّا يدلّ على صِغر سِنّه(٢) .

وعندما دخلَ المدينة أقامَ في بيت( أسعد بن زرارة ) ، فأخذَ الشباب يختلفون إليه ويُعلنون إسلامهم.

وأخذ مُصعب ينتقل من بيت إلى بيت يرافقهُ المسلمون حديثاً من الشباب، يعلّمهم القرآن، ويدعو الناس إلى الإسلام، حتّى شاعَ الإسلام في المدينة ولم يبقَ بيتٍ فيها سوى القليل إلاّ ودخلهُ الإسلام، أو أخذَ أهله يتحدّثون عن هذا الدين الجديد.

وطبعاً لم تكن مهمّة مُصعب في تبليغ الإسلام في المدينة خالية من الصِعاب، فقد أشاعَ الكفّار أنّ شابّاً قرشياً قد وفدَ من مكّة إلى المدينة؛ ليعمل على إفساد شبابها وإضلالهم!

إلاّ أنّ إخلاص مُصعب وتضحيته، ودَعم كثير من الأصحاب المسلمين له، جَعل الدين يأخذ بالاتّساع بين أهل المدينة، وعزّز من إمامته لجماعة المسلمين، حتّى طلبَ من النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) أن يأذن لهُ بإقامة الجمعة لازدياد عدد المسلمين في المدينة، فأذِن لهُ النبيّ ( صلّى الله عليه وآله )، فأقامها في بيت( سعد بن خُثيمة ) (٣) .

وبذلك أدّى مصعب الشابّ دوراً فعّالاً في تبليغ وإشاعة الأحكام، وتثبيت الأسس الإسلامية في المدينة، وحَضيَ عند الرسول بمكانة مرموقة.

____________________

(١) بحار الأنوار: ١٩ / ١٠.

(٢) المصدر نفسه: ص٢٤.

(٣) السيرة النبوية: ٢ / ٧٧، أُسد الغابة: ٤ / ٣٦٩، بحار الأنوار: ١٩ / ١٥ - ٢٠.


٣ - كاتبُ الوحي والمُترجِم

والنموذج الآخر لقابلية الشباب على التأثّر فيما يرتبط بمسألة النبيّ ( صلّى الله عليه وآله )، والاستفادة المؤثّرة والمفيدة التي جناها النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ):( زيد بن ثابت ) ، وكان أبوهُ( الضحّاك ) من أهل المدينة ومن قبيلة ( الخزرج )، وقُتلَ أبوه في( حرب بُغاث ) حينما كان لهُ من العمر إحدى عشرة سنة.

وقد كان زيد من أوائل الذين هبّوا للقاء النبيّ ( صلّى الله عليه وآله )، حين دخوله المدينة فاعتنقَ الإسلام، وعُدَّ من جملة أصحاب رسول الله ( صلّى الله عليه وآله )، إلاّ أنّه لم يتمكّن من الاشتراك في ( بدر ) و( أحد ) في السنة الثانية والثالثة للهجرة؛ لصغر سنّه آنذاك، إلاّ أنّه عملَ على إعداد المُؤن من تحضير الطعام وما إلى ذلك، ولذلك كان النبيّ يحثّه ويشجّعه قائلاً:( باركَ الله فيك ) (١) .

وقد وفِّق زيد بن ثابت فيما بعد في السنة الخامسة للهجرة للاشتراك في واقعة الخَندق، وحينما كان الأصحاب يحفرون الخَندق كان زيد يعمل بنقل التراب(٢) ، إلاّ أنّ أهمّ منصب قلّدهُ إيّاه رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) هو:( كتابةُ الوحي، والعمل في حقل الترجمة ) ، وبذلك صار زيد من جملة ( كُتّاب الوحي )، فكان يكتب الآيات النازلة على رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) ويحفظها، كما أنّه كان عالِماً بها.

وقد مَنحهُ الله ذكاءً حادّاً حتّى أشار عليه النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) بتعلّم اللغة السريانية، إذ لم يكن يأمن جانب اليهود في مكاتباته مع علماء اليهود، وكان يخشى من تحريف الرسائل(٣) .

وقد تحدّث زيد الشابّ حول مهمّة الترجمة التي أمرهُ النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) بها قائلاً:( لقد تعلّمتُ اللغة السريانية كما كنتُ أقرأ رسائل اليهود لرسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) ) (٤) .

____________________

(١) طبقات ابن سعد: ص١٦٠.

(٢) أُسد الغابة: ٢ / ٢٢٢.

(٣) أُسد الغابة: ٢ / ٢٢٢.

(٤) تاريخ الخميس: ١ / ٤٦٥.


كما كان زيد عارفاً بالحساب والرياضيات، فكلّفه رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) بالإشراف على تقسيم غنائم غزوَتَي:( حُنين )، و( خَيبر ) ، وكانت عبارة عن كثيرٍ من البقر، والضأن، والإبل(١) .

ومضافاً إلى ذلك كلّه، أعطاهُ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) راية قبيلة( بني مالك ) في غزوة ( تبوك )، بعد أن أخذها رسول الله من( عمارة بن حزم ) ، ورفعها زيد بن ثابت، فقال عمارة: هل صدرَ منّي شيء؟ فأجابهُ النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ):( كلاّ، ولكنّ زيداً أحفظُ منك للقرآن ) (٢) .

٤ - أُسامة بن زيد

ولِد أسامة بن زيد بن حارثة - الذي تقدّم الحَديث عن والده - من أمّ اسمها( بَرَكة ) وكُنيتها ( أم أيمن )، وتغذّى بتعاليم النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) في ظلّ المجتمع الإسلامي.

وكان النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) لِمَا يوليه من أهمية لطبقة الشباب، واعتزازه بشخصيتهم والاستفادة من طاقاتهم، يحبُّ أُسامة بن زيد حبّاً جمّاً، وخوّله مهمّتين:ثقافية، وعسكرية، نشير إليهما فيما يأتي:

١ - في السنة السابعة للهجرة حيث رجع النبيّ بجيشه إلى المدينة منتصراً من غزوة ( خيبر )، أرسلَ أُسامة على رأس جماعة إلى قرية من قرى( فدك ) التي يقطنها اليهود، بُغية التبليغ والدعوة إلى الدين الإسلامي، فهربَ جميع سكّان تلك القرية حين سماعهم تكبيرات أصحاب أسامة، ماعدا( مرداس ) الذي كان قد أسلمَ قبل ذلك، وقد خفّ ( مرداس ) إلى استقبال ( أسامة )، وهو يُردّد شهادة( أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً رسول الله ) ، إلاّ أنّ أسامة بادرَ إلى قتله ظنّاً منهُ أنّ ( مرداس ) إنّما نطقَ بالشهادتين خوفاً على نفسه وماله، دون أن يكون مسلماً في حقيقة الأمر، ثمّ أخذَ ماشيته غنيمة.

____________________

(١) طبقات ابن سعد: ٢ / ١١٥.

(٢) أُسد الغابة: ٢ / ٢٢٢.


وحينما وصلَ الخبر إلى رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) تأثّر كثيراً وقال لزيد:( لقد قتلتَ مسلماً! ) ثمّ نزلَ قوله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً ) (١) ، فندمَ أسامة على ما صدرَ منه نَدماً شديداً، وسألَ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) أن يدعو له الله بالمغفرة، وأقسمَ أن لا يقتل مُسلماً أبداً(٢) .

٢ - وبعد أن استشهدَ جمعٌ من المسلمين في السنة الثامنة للهجرة في غزوة( مؤتة ) ، وكان منهم: جعفر بن أبي طالب ( عليه السلام )، وزيد بن حارثة ( والد أسامة )، بادرَ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) إلى تنظيم جيش قوامهُ أربعة آلاف رجل، وأعطى قيادتهُ لأسامة ليتوجّهوا نحو الشام ليجبر الصَدع، ويحِدّ من خطر الروم والنصارى، ويحافظ على حياض الإسلام.

وعلى الرغم من وجود عدد من الكبار والأبطال بين أصحاب رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) من المهاجرين والأنصار، إلاّ أنّ النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) بادرَ - لكي يرفع من قيمة الشباب، ولِمَا كان يعرفهُ من كفاءة لدى أسامة، والمصالح التي كان يفكّر فيها في السنة العاشرة للهجرة - إلى جَعل القيادة العسكرية لجيش المسلمين لأسامة بن زيد، برغم أنّه لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره(٣) .

٥ - عتابُ بن أسيد

بعد أن فتحَ النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) مكّة في السنة الثامنة للهجرة، اختارَ من بين الصحابة - وفيهم الكبار - شابّاً لهُ من العمر عشرون سنة وهو:( عتاب بن أسيد ) ، ونصّبهُ والياً على مكّة، لِمَا كان يتوسّمه فيه من كفاءات وقابليّات.

فقد ذَكرت السِيَر: أنّ النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) أقامَ عتاب بن أسيد والياً على مكّة، وكان أوّل أمير يقيم الصلاة جماعة في مكّة بعد فتحها، قال النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) لابن أسيد:( يا عتاب، تدري على مَن استعملتك؟ استعملتُك على أهل الله عزّ وجل، ولو أعلمُ لهم خيراً منك استعملتهُ عليهم ) (٤) .

____________________

(١) سورة النساء: الآية ٩٤.

(٢) أُسد الغابة: ٢ / ٦٥، بحار الأنوار: ٢١ / ٤٨.

(٣) أُسد الغابة: ٢ / ٦٤.

(٤) أُسد الغابة: ٣ / ٣٥٨.


وطبعاً أنّ اختيار شابّ لهُ من العمر ١٨ أو ٢١ سنة للإمارة والإمامة بعد فتح مكّة، كان له وقعٌ شديد على كبار الصحابة، ورأوا فيه إهانة لهم وقالوا: نحن أكبر سنّاً ونحن في جوار حَرَم الله الآمن، وإنّ هذه المدينة هي أفضل المُدن عند الله، وما أسيد سوى شاب حَدث له من العمر ١٨ سنة(١) !

إلاّ أنّ النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) الذي كان يلاحظ كفاءة ابن أسيد والمصالح الأخرى أجابهم قائلاً:( لقد اعترضَ بعضكم على حداثة ابن أسيد، فليس الأكبر هو الأفضل، بل الأفضل هو الأكبر ) (٢) .

أجل، إنّ النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) من خلال التفاته لكفاءة عتاب بن أسيد - وقابليته لولاية مكّة ذلك البلد العظيم، والمقرّ التوحيدي الكبير - قد استفاد استفادة قصوى، وقد اضطلعَ أسيد إلى آخر عمره بمهام الإدارة والولاية، بقوّة وأمانة وصدق وتواضع.

٦ - عَظمةُ الإيمان والطاعة

تحدّثنا في هذا المقال عن إيمان الشباب وإطاعتهم للنبيّ ( صلّى الله عليه وآله )، وقبل أن نذكر نموذجاً آخر لعظمة الإيمان والطاعة والذوبان والفناء في ذات الله لدى الشباب، نرى من المناسب أن نذكر جانباً من سلوكية النبيّ ( صلّى الله عليه وآله )، وكيف أنّه كان يشمل الجميع بظلّ عَطفه الوارف.

قال أبو ذر الغفاري:( كان رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) يجلس بين ظهراني أصحابه، فيجيء الغريب فلا يدري أيّهم هو حتّى يسأل ) (٣) .

أجل، إنّ مثل هذه السلوكية الإيمانية والإلهية قد تركت آثاراً ملحوظة على أصحاب النبيّ ( صلّى الله عليه وآله )،

____________________

(١) بحار الأنوار: ٢١ / ١٢٢.

(٢) المصدر السابق: ص١٢٣.

(٣) مكارم الأخلاق: ص١٦.


ويمكننا أن نضيف إلى ما تقدّم النموذج الآتي: ( روي أنّه ( صلّى الله عليه وآله ) سلَّم عليه غلام دون البلوغ، وبشَّ له وتبسّم فرحاً بالنبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) فقال له:( أتحبّني يا فتى؟ فقال:إي والله يا رسول الله ، فقال له:مثل عينيك؟ فقال:أكثر ، فقال:مثل أبيك؟ فقال:أكثر ، فقال ( صلّى الله عليه وآله ):مثل أمّك؟ فقال:أكثر، فقال ( صلّى الله عليه وآله):مثل نفسك؟ فقال:أكثر والله يا رسول الله، فقال ( صلّى الله عليه وآله ):مثل ربّك؟ فقال:الله الله يا رسول الله، ليس هذا لك ولا لأحد، فإنّما أحببتُك لحبّ الله، فالتفتَ النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) إلى مَن كان معه وقال:هكذا كونوا أحبّوا الله لإحسانه إليكم وإنعامه عليكم، وأحبّوني لحبّ الله ) (١) .

____________________

(١) إرشاد القلوب: ١ / ١٦١، دار الشريف الرضي للنشر.


(١٣)

جذوةُ الأمل

إنّ حياة معظم البشر، ولا سيّما الشباب، في العالَم المعاصر، معرّضة للكثير من المشاكل والمصاعب، ومن الطبيعي أنّ المشاكل والعوائق التي تقع في طريق التقدّم، تَغمر حياة الإنسان بالغمّ والأحزان المضنية، وتجعلهُ يرى النهار المشرق ليلاً مظلماً.

وينبغي أن نعلم أنّ البشر ليسوا وحدهم في معرض مواجهة مصاعب الحياة، وعوائق تحقيق الأهداف، بل حتّى النباتات تواجه أمثال هذه المعوّقات.

إنّ البذرة التي تحاول أن تَطلع برأسها من أعماق التراب، لتحصل على النور والحياة، تواجه موانع من الطين والحجارة وجذور الأشجار والأعشاب، التي تقف حائلاً دون حركتها، ولكنّ أفنان البذرة الدقيقة، تواصل المقاومة والكدح وبذل الجهود، وكلّما واجهت في طريقها عَقَبة انحرفت إلى جهة أخرى، حتّى تتمكّن في نهاية الأمر أن تطلّ برأسها من بين الوحل والأحجار، لتعانق ضوء الشمس، وتتحوّل إلى نبتة جميلة جذّابة، تَمنح الطراوة للطبيعة، وللناس الفيء والفواكه اللذيذة.


وإنّ حياتنا ليست بمعزلٍ عن هذه القاعدة، وإنّ تحرّكنا لأجل بلوغ حياة نزيهة سامية، والحصول على مكانة ورتبة عالية، من الممكن أن يواجَه بعشرات من الموانع والمعوّقات، ومن نماذج ذلك:

الظروف العائلية غير المساعِدة، الوضعية غير المرغوبة في المدرسة، رفاق السوء، الفشل المؤلِم في الحياة .

ولكن يجب أن نلتفت إلى أنّ الحياة من أجل الحقّ، تتطلّب المقاومة والثبات؛ ذلك أنّ الحياة الواقعية يجب أن تتشكّل على أساس الهدف والعقيدة الصحيحة، ولابدّ لمواصلتها من الكدح والجهاد.

ومضافاً إلى ذلك، فإنّ ما نعرفهُ من عوائق ومشاكل الحياة، ليست أشياء جديدة وحديثة الظهور، ولا تخصّنا وحدنا، بل هي أمور قديمة الحدوث وشائعة في حياة المجتمعات، وإنّ الملايين من الشباب قد تمكّنوا بالأمل والعزم والإرادة الراسخة أن يجتازوا أمواجها ومتاهاتها، وأن يصلوا إلى قمّة الانتصار.

وبطبيعة الحال، فإنّه لابدّ من طرح( الأمل ) بوصفه قوّةً بنّاءَة، وشعلة مضيئة في طريق الحياة، مع الالتفات إلى بيان أقسامه ومفاهيمه المختلفة:

١ - الأملُ بالله تعالى

قليلٌ من الناس أولئك الذين لا ينحرفون في طريق الحياة، ولا يقترفون الذنوب، ولكنّ رمز الموفقيّة يتمثّل في سرعة التفات الإنسان إلى انحرافه، فيتراجع عن خطئه، ولا يعاود تكرار الذنب والخطيئة، بلي يسعى إلى جبران الآثار الضارّة التي تَسبّبَ في وجودها.

يقول نبيّنا محمّد ( صلّى الله عليه وآله ):( كلّ بني آدم خطّاءٌ، وخيرُ الخطّائين التوابون ) (١) .

____________________

(١) نهج الفصاحة: ص٤٥٥ - ٤٥٦.


أجل، إنّه بمقدار الثقة بالله تعالى والأمل برحمته ورأفته، تكون حركة الإنسان وسعيه وجهاده وهجرته، ومن ثَمّ فوزهُ في دنياه وآخرته، وإنّ اليأس والقنوط من عفو الله ورحمته هو: عامل ظلمة روح الإنسان واقترافه الآثام والمعاصي.

يقول الإمام الصادق ( عليه السلام ):( اليأسُ من رَوْحِ الله عزَّ وجلَّ أشدُّ بَرداً من الزَمهرير ) (١) .

وبالالتفات إلى أنّ اليأس من رحمة الله يُعدُّ في نظر الإسلام كفراً بالله سبحانه، لقوله تعالى:( وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ) (٢) ، فإنّه لا ينبغي للإنسان أن ييأس من عطف الله ورحمته بسبب ما اقترفهُ من الذنوب، فيبقى مُقيماً على الآثام غارقاً في مُستنقع الفساد والتلوّث، وإنّما عليه أن يسارع بالتوبة والرجوع إلى الله عسى أن يتوب الله عليه ويشمله برحمته ورضوانه.

يقول النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ):( يَبعثُ الله المُقنطين يوم القيامة مُغلّبة وجوههم ( يعني غَلبة السواد على البياض )فيقال لهم: هؤلاء المقنطون من رحمة الله ) (٣) .

وعليه: فإنّ اليأس من عفو الله ورحمته إثمٌ، وإنّ الأمل برحمة الله يجب أن يُصاحبه انتهاج طريق الحقّ والصلاح، وليستفيد من أسباب الأمل ويجني ثمار إصلاح الذات.

لو كان زادُك أخطاء ومعصية

وجسمك زورقُ أمواج الفناء

فلا يفزعْك إعصارُ الخطايا

فرَبّ هذا البحر يمنحك البقاء

         

____________________

(١) النوادر: الراوندي، ص٦٩، بحار الأنوار: المجلسي ٦٩ / ٣٣٨.

(٢) سورة يوسف: الآية ٨٧.

(٣) معاني الأخبار: الشيخ الصدوق، ص١٧٧.


٢ - الأملُ العقلائي

إنّ الأمل الذي لا يستند إلى أساس، ولا يدعمهُ التدبير والسعي، لا يُعدّ أمَلاً عقلائيّاً.

 ذلك أنّ أئمّة الدين، وكبار الفلاسفة والعلماء، والذين تمكّنوا بالوعي والعلم والتجربة، أن يشقّوا أمواج الصعوبات ويحطّموا صخورها الصَلبة، قد وضعوا بين أيدينا من التوجيهات والنصائح، ما يؤكّد ضرورة اقتران الأمل بالعمل.

ولأجل ذلك، فإنّ الآمال التي لا أساس لها، والتي لا يرافقها السعي والعمل، تُعدّ آمالاً كاذبة.

وقد كتبَ الإمام علي ( عليه السلام ) إلى زياد بن أبيه، وهو خليفة عامله عبد الله بن عبّاس على البصرة، قائلاً:

( أترجو أن يُعطيك الله أجر المتواضعين وأنت عنده من المتكبّرين! وتطمع - وأنت متمرِّغ في النعيم، تَمنعهُ الضعيف والأرمَلة - أن يوجب لك ثواب المتصدّقين، وإنّما المرءُ مجزيٌ بما أسلفَ، وقادمٌ على ما قدَّم ) (١) .

ويقول الإمام الباقر ( عليه السلام ):( إيّاك والرجاء الكاذب، فإنّه يوقِعك في الخوف الصادق ) (٢) .

ويقول اللوردآفيبوري :إنّ أكثر الأشياء أهميةً أن نعرف أوّلاً ما الذي نريده، ثمّ نعمل من أجل الوصول إليه (٣) .

٣ - الأملُ المضيء

حينما يتوجّه الطلاب والجامعيّون إلى مَعاهد العلم، والموظّفون إلى الدوائر، والعمّال إلى المناجم والسهول والصحاري، متحمّلين الحرّ والبرد والمصاعب، وجميع المُزعجات والمنغّصات، فإنّهم إنّما يفعلون ذلك بأمل توفير وسائل عيشهم واحتياجات حياتهم المادّية والمعنوية، بنحوٍ يمكنهم من تحقيق البقاء والتكامل.

____________________

(١) نهج البلاغة: الرسالة ٢١.

(٢) تُحف العقول: ابن شعبة الحرّاني، تحقيق علي أكبر الغفاري، ص٢٨٥.

(٣) ابحث عن السعادة: ص٦٦.


وكما ذكرنا فيما تقدّم، فإنّه إذا لم يكن في الحياة( مصباح الأمل )، فإنّ حياتنا برمّتها سوف تكتنفها الظلمة والخوف والأوهام المُميتة، وتتبدّل ساحتها إلى موقد من النار المُحرقة.

يقول النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ):( الأملُ رحمة لأمّتي، ولولا الأمل ما رَضَعت والدة ولدها، ولا غرسَ غارسٌ شجراً ) (١) .

ويقول ( صلّى الله عليه وآله ) أيضاً:( مَن كان يأمل أن يعيش غداً، فإنّهُ يأمل أن يعيش أبداً ) (٢) .

ويقول الإمام الصادق ( عليه السلام ):( كُن لِمَا لا ترجو أرجى منك لِمَا ترجو؛ فإنّ موسى ( عليه السلام ) ذهب يقتبس لأهله ناراً، فانصرفَ إليهم وهو نبيٌّ مُرسل ) (٣) .

ويقول الدكتورصاموئيل سمايلز : ( الأملُ ضروري للجميع، فبوجود الأمل يتمكّن الإنسان بسهولة من تحمّل المصائب ومتاعب الحياة، ولكن أسوأ الأشخاص، هم أصحاب الآمال الكثيرة، إلاّ أنّهم لا يستخدمون طاقاتهم في السعي والعمل )(٤) .

إنّ فقدان الأمل مرض نفسيّ، يؤدّي إلى اضطراب الإنسان، وعدم قدرته على النشاط والسعي، وهو من الخصال المؤذية المذمومة من وجهة نظر الإسلام، والتي أدانها علماء المسلمين وشعراؤهم، ودَعَونا جميعاً إلى الوقاية منها والنجاة من كابوسها وآثارها الضارّة.

يقولجلال الدين محمد البلخي المولوي (٥) :( قال الأنبياء: إنّ اليأس قبيح، إذ لا نهاية لفضل الله ورحمته، ومهما كان العمل صعباً أوّل وَهلة، فإنّ صعوبتهُ سرعان ما تزول، وإنّ الآمال تُبدّد اليأس كما يُبدّدُ الظلامَ ضياءُ الشمس ) .

____________________

(١) بحار الأنوار: ٧٤ / ١٧٣.

(٢) بحار الأنوار: ٧٠ / ١٦٧.

(٣) بحار الأنوار: ١٣ / ٣٢.

(٤) الاعتماد على النفس: ص١٥٣.

(٥) عارف وشاعر إيراني كبير، ولِد عام ٦٠٤ هجري، وتوفيَ عام ٦٧٢.


ويقول الحكيمالياس بن يوسف المعروف بـ( نظامي كنجوي ) (١) :

( لا تيأس لدى مواجهة الصعاب؛ فإنّ الغيوم السوداء تمطر ماءً عذباً، ولا تُغلق على نفسك أبواب الأمل، فما أكثر فوائد التجارب المُرّة ).

فلنتذكّر أنّ الأمل شعلة مضيئة ودافئة، نطرد بها ظلمة الحياة وصعابها.

____________________

(١) ولِد عام ٥٣٥ هجري، وتوفي عام ٥٩٩ هجري في مدينة كنجه.


(١٤)

التوبةُ والتطهير

قليلاً ما نجد في الأشخاص العاديين مَن لم يقع في الاشتباه أو الانحراف في حياته؛ لأنّ الإنسان من ناحية ينطوي على غرائز وميول نفسيّة خطرة، ومن ناحية أخرى لا يملك من الوعي الكامل والتجارب الضرورية ما يساعده على كبح غرائزه وأهوائه، وتوجيهها إلى طريق الخير والصلاح.

وكما نعلم، فإنّه ليس ثمّة انحراف أو خطيئة، إلاّ ويعقّبه ردّ فعل فرديّ أو اجتماعي، ولأجل ذلك قُسّمت الذنوب وآثارها إلى ثلاثة أقسام:

١ - الذنوب والخطايا التي يتوجّه ضررها إلى الدين خاصّة.

٢ - الذنوب والانحرافات التي يرتدّ ضررها إلى شخص المذنب.

٣ - الذنوب والخطايا التي تعود أضرارها إلى المجتمع.

يقول الشاعر:

جبلٌ عالَمنا وصيحةٌ أفعالنا

وسيرتدّ صدى أعمالِنا نحونا(١)

____________________

(١) مثنوي معنوي: الدفتر الأوّل، ص٧.


إلاّ أنّه لحُسن الحظّ، هناك لكلّ اشتباه وانحراف طريق للتكفير عنه، وترميم ما يسبّبه من أضرار، كما يحكم بذلك العقل والوجدان، وكما يؤمّلنا به الدين، وبهذه الطريقة بوسع كلّ إنسان ابتُلي بالمعصية والذنوب أن يرجع إلى صراط الحياة القويم، وأن يُصلح ما أفسدهُ في ماضيه، ويستعيد ما ضيّعته عليه الآثام.

إنّ الإمام الرابع زين العابدين ( عليه السلام ) في مناجاته لله تعالى، وحَمده وتنزيهه للذات المقدّسة، يجذب حسرة ويقول:

( إلهي أنتَ الذي فتحتَ لعبادك باباً إلى عفوك سمّيتهُ ( التوبة )، فقلتَ: ( تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً ) ) (١) .

فعليه: لا ينبغي أن يستولي علينا اليأس، إذا صَدر منّا الذنب في لحظة ضعف أو غفلة، ولا يحسن بنا أن نفقد الأمل، ونعدّ أنفسنا أشقياء مطرودين من رحمة الله، وإنّ من الحمق أن نقول أحياناً: إذا كان الماء، فلا فرق بعدئذٍ بين أن يكون مقدارهُ كوزاً أو ألف كوز!

والآن، لأجل أن نكون على معرفة أفضل بطريق التراجع عن الذنوب والانحرافات الخطيرة، علينا أن نُقدّم شيئاً من التوضيح لِمَا قدّمناه من الأنواع الثلاثة للذنوب:

١ - الذنوبُ التي تُقترف بحقّ الله والدِين

المجموعة الأولى من الذنوب التي تصدر من الإنسان، تتمثّل فيما يرتكبهُ الشخص من مخالفات يعصي بها الله، ويخرج عن دائرة تعاليم الدين.

إنّ هذا النوع من الذنوب لا ينبغي أن يصدر من الإنسان أبداً، ولكن للأسباب التي ذكرناها آنفاً، إذا حَصلت معصية - لا سامحَ الله - لضعف إرادة العبد، فبما أنّ الله تعالى كريم ورحيم، فإنَّ التوبة والعزم على إصلاح الذات، إذا اقترَنت بالإرادة الجادَّة والعزم القلبي، تكون أيسر وأسهل من التوبة عن بقيّة الذنوب.

____________________

(١) مفاتيح الجنان: عبّاس القمّي، مناجاة التائبين.


إنّ أهمّ الذنوب التي تُعدّ معصية لله، وتُمثّل ضربة شديدة لعقيدة الإنسان ودينه، عبارة عن:الشرك بالله سبحانه، الامتناع عن الصوم والصلاة، شُرب الخمر، وبصورة عامّة عدم الاعتناء بامتثال أوامر الله تعالى ونواهيه.

وإنّ التوبة عن أمثال هذه الذنوب - رغم خطورتها - أمرٌ ميسور وسهل؛ لأنّ الإنسان يتعامل مع ربّ كريم ورحيم، وهو الذي يدعو عبده إلى التوبة إليه، قال تعالى:( وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (١) ، غاية الأمر في حالة اتّخاذ شريك لله - وهو أمرٌ نادر الوقوع في المجتمعات الإسلاميّة - تتيسّر التوبة بالتأمّل الدقيق لأسرار الخلق، وما يكمُن خلفها من إرادة وحكمة.

وبوسع الإنسان أيضاً أن يتدارك ما ضيّعه من صلاة وصوم، وأن يقضي ما فاتهُ منهما بالتدريج وفي حدود الاستطاعة.

وفيما يخصّ تناول الخمر، يتمكّن العبد أيضاً بالعزم الجادّ أن يتحوّل إلى طريق الصلاح وإطاعة الله، ويُنقل عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) قولهُ بهذا الشأن:( التائبُ من الذنب كمَن لا ذنبَ له ) (٢) .

٢ - ظلمُ النفس

إنّ الله تعالى قد خلقنا لكي نحيا حياةً سعيدة ونزيهة وكريمة، وإنّ الاستعدادات والطاقات التي أودَعها فينا، يمكنها أن تمنحنا مواقع متقدّمة على الصعيد المادّي، وعلى مستوى الطموحات الإنسانية المتعالية، وفي نهاية المطاف، تنقلنا من حياة دنيوية مشرّفة، إلى جنّة الخلود في عالَم الآخرة.

____________________

(١) سورة النور: من الآية ٣١.

(٢) أصول الكافي: ٢ / ٤٣٥.


يقول الإمام علي ( عليه السلام ):( إنّه ليس لأنفسكم ثمن إلاّ الجنّة، فلا تبيعوها بغيرها ) (١) .

إنّ أولئك الشباب الذين يمارسون الأعمال الباطلة، ويعطّلون بذلك طاقاتهم الخلاّقة، ويهدرون قابلياتهم، مضيّعين بذلك فرصة الشباب، بالنزاعات والمجادلات القولية والعملية، واتباع الشهوات والبطالة، والأفظع من ذلك كلّه الانزلاق في متاهات الانحراف الأخلاقي والتلوّث بالذنوب، فيكون بذلك قد شوّه شبابه وضيّعه، وهذا أعظم ظلم يرتكبهُ الإنسان بحقّ نفسه ومصيره، وفي هذا المنعطف يجب في الأقلّ أن يلتفت الإنسان إلى مصالحهُ المستقبليّة، وبنظرة ناقدة للذات يَقدِم على خطوة إيجابية حازمة باتّجاه التغيير الكلّي.

قال علي ( عليه السلام ):( مَن أهملَ العمل بطاعة الله، ظلمَ نفسه ) (٢) .

وقال الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ):( كتبَ رجل إلى أبي ذر ( رض ): يا أبا ذرّ، أطرِفني بشيء من العلم، فكتبَ إليه: إنّ العلم كثير، ولكن إذا قدرتَ أن لا تسيءَ إلى مَن تُحبّه فافعل، فقال لهُ الرجل: وهل رأيت أحداً يسيءُ إلى مَن يُحبّه؟ فقال له: نعم، نفسُك أحبُّ الأنفس إليك، فإذا أنتَ عصيتَ الله فقد أسأتَ إليها ) (٣) .

يقول أبو بصير: كنتُ في محضر الإمام الصادق ( عليه السلام )، إذ جاء رجل وقال له:فداك أبي وأمّي، عندما أذهب إلى بيت الخلاء أسمع صوت غناء جواري وفَتيات الجيران، فأُطيل الجلوس لأستمع، فقال الإمام ( عليه السلام ):( لا تفعل هذا أبداً، فقال الرجل:أحلفُ أنّني لا أقصد بذهابي للخلاء سماع الغناء، وإنّما يتّفق سماعي له هناك ، فقال الإمام ( عليه السلام ):ألم تسمع قوله تعالى: ( إنّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ) (٤) ، فقال الرجل:كأنّني لم أسمع هذه الآية قبل الآن، أسألُ الله المغفرة، ولن أُعاود هذا العمل، فقال الإمام ( عليه السلام ):قُم فاغتِسل، وصلِّ ما بَدا لك، فإنّك كنتَ مقيماً على أمرٍ عظيم، ما كان أزرا حالك لو متَّ على ذلك، احمِدَ الله وسلهُ التوبة من كلَّ ما يَكره؛ إنّه لا يَكره إلاّ القبيح ) (٥) .

____________________

(١) بحار الأنوار: المجلسي ٧٥ / ١٣.

(٢) فهرست الغُرر والدُرر: الآمدي، ص١٣.

(٣) أصول الكافي: ٢ / ٤٥٨.

(٤) سورة الإسراء: الآية ٣٦.

(٥) بحار الأنوار: ٦ / ٣٤.


٣ - الذنوبُ التي تُقترف بحقّ الآخرين

المجموعة الثانية من الذنوب والانحرافات التي يمكن صدورها من الإنسان، تلك الذنوب ذات الطابع العام، التي تتعدّى أضرارها الفرد إلى المجتمع، وإنّ التعويض عن أضرار مثل هذه الذنوب في غاية الصعوبة بالنسبة لغيرها من الآثام؛ ذلك أنّ الأمر هنا يرتبط بحقّ الناس.

ولأجل ذلك، فإنّ مَن تجاوز على أرواح وأموال وأعراض الآخرين، وبالتالي عرّض أعصابهم وحقّهم في الحياة الحرّة الآمنة المطمئنّة للخطر والأذى، إنّ من الضروري لمثل هذا الشخص إذا أراد التوبة عمّا اقترفهُ من الذنوب، أن يُسارع بتعويض الآخرين عن الخسائر والأضرار التي ألحقها بهم.

وعليه: فإذا تسبّبَ شخص في انحراف الآخرين فكرياً وأضلّهم عن طريق الحقّ، أن يبادر إلى إصلاح ما أفسدهُ، وأن يردّ مَن أضلّهم إلى جادّة الهدى والاستقامة، فقد روي عن الصادق ( عليه السلام ):( أوحى الله عزَّ وجل إلى نبيّ من الأنبياء، قل لفلان: وعزّتي لو دَعوتني حتّى تنقطع أوصالك، ما استجبتُ لك حتّى تردّ مَن ماتَ إلى ما دعوتهُ إليه، فيرجع عنه ) (١) .

ويقول القرآن الكريم بشأن مَن أقرضَ الآخرين قرضاً ربويّاً، وربحَ من أموالهم ربحاً غير مشروع، أنّ عليه إذا أراد التوبة والتطهّر من ذنبه، أن يأخذ رأس ماله فقط، وأن يُعيد الأرباح إلى أصحابها، وذلك قوله تعالى:

____________________

(١) عقاب الأعمال: ص٣٠٧، بحار الأنوار: ٦٩ / ٢١٩.


 ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِنْ لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ ) (١) .

وقد بلغَ من اهتمام الشارع بأموال الناس، أن حمّلَ وليّ أمر الطفل الذي لم يبلغ سنّ التكليف مسؤولية تعويض الأضرار التي يرتكبها الطفل، وجعلهُ ضامناً لِمَا يتلفهُ الطفل من أموال الآخرين، فقد رويَ عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قوله:( قضى أمير المؤمنين في رجلٍ كان لهُ غلام فاستأجره منه صائغ أو غيره، قال: إن كان ضيّعَ شيئاً أو أبقَ، فمُوالوه ضامنون ) (٢) .

وعلى الرغم من أنّ الطفل غير مكلّف بالصلاة والصوم، إلاّ أنّه إذا ارتكبَ جناية تُسبّب إزهاق روح إنسان، أو قطع عضو من أعضائه، فإنّ الشارع وإن أعفاهُ من عقوبة الإعدام والقصاص، إلاّ أنّه يُعزّر ويُسجن، وعُلّل ذلك في الروايات بقول الإمام ( عليه السلام ):( لكي لا يبطل حقّ امرئ مسلم ) (٣) .

وإذا حصلَ - والعياذ بالله - أن ارتكبَ المكلّف انحرافاً جنسياً وعملاً منافياً للعفّة، فعلى الرغم من أنّه بهذا العمل يكون قد تجاوز على حريم الشارع المقدّس، واعتدى على أعراض الناس، فإنّ طريق التوبة منه يتمّ بكتمان هذا العمل الفاحش، وأن يَعقد العزم الجادّ على عدم ارتكاب هذا العمل مرّةً أخرى؛ ذلك أنّ من غير المُحبّذ في نظر الشارع أن يشيع بين الناس العلم باقتراف شخص للفاحشة؛ لأنّ ذلك يكسر حاجز الخجل والعفّة، وقد يُشجّع الآخرين على ممارسة ذلك العمل القبيح.

ونقرأ في الروايات أنّ أحدهم قد ارتكبَ عملاً منافياً للعفّة، ولم يستطع تحمّل آلام الندامة وتعذيب الضمير، فذهبَ إلى الإمام علي ( عليه السلام ) واعترفَ بذنبه، وطلبَ تطهيرهُ منه بإنزال العقوبة الشرعية به،

____________________

(١) سورة البقرة: الآية ٢٧٨ - ٢٧٩.

(٢) وسائل الشيعة: ١٩ / ١٨٣.

(٣) وسائل الشيعة: ١٩ / ٦٥.


 وقد أمرَ الإمام ( عليه السلام ) بتوقيفه، إلاّ أنّه غَضب وقال:( ما أقبحَ بالرجل منكم أن يأتيَ بعض هذه الفواحش، فيفضح نفسهُ على رؤوس الملأ، ألا تابَ في بيته، فو الله لتَوبتهُ فيما بينه وبين الله أفضل من إقامتي عليه الحدّ ) (١) ، وعلى أيّ حال، فمهما كان الذنب منافياً للعفّة، ومعدوداً من الانحرافات الجنسيّة، والتجاوز على حقوق الآخرين، وموجِباً لطلب إبرائهم ذمّة الفاعل، إلاّ أنّه لأجل الحدّ من العواقب الوخيمة، ودَفناً للقبائح، فإنّ التوبة النصوح بين العبد وبين الله تكفي، و( إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) (٢) .

ورويَ عن رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) قوله:( إنّ الله تعالى يُحبُّ الشابّ التائب ) (٣) ، ومن ناحية أخرى، فإنّ الله تعالى يَعدّ مَن لا يُسارع إلى التوبة إلى الله من ذنوبه ظالماً لنفسه، قال سبحانه:( وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) (٤) ؛ ذلك أنّ التوبة من الذنب واجب فوريّ، وأمّا قول الإمام الباقر ( عليه السلام ):( إنّما أهلكَ الناس العَجلة، ولو أنّ الناسَ تثبّتوا لم يَهلك أحد ) (٥) ، فإنّما ذلك في الأمور الدنيويّة التي تتطلّب التأنّي، لا في التوبة؛ فإنّها تستدعي الإسراع بها، وخيرُ البرّ عاجلهُ.

آثارُ الذنوب

حينما نتحدّث عن الآثار الضارّة للذنوب على الفرد والمجتمع، يجب أن نعلم أنّ هذه الآثار لا ينحصر العقاب عليها في عالَم الآخرة فقط، بل إنّ آثارها تظهر في الحياة الدنيا على ملامح الإنسان، وتؤدّي إلى ظلمة قلب الإنسان وروحهُ، وتَحرمهُ من لذّة الارتباط المعنوي بالله، وتَذوّق لذّة العبادة، وتسلب عنهُ عناية الله عزّ وجل.

____________________

(١) وسائل الشيعة: أبواب مقدّمات الحدود.

(٢) سورة البقرة: الآية ٢٢٢.

(٣) كنز العمّال: ٤ / ٢٠٩.

(٤) سورة الحجرات: من الآية ١١.

(٥) بحار الأنوار: ٦٨ / ٣٤٠.


ومضافاً إلى ذلك، تكون سبباً في سلب النِعم التي سبقَ لله تعالى أن أنعمَ بها على الإنسان، يقول الإمام الصادق ( عليه السلام ):( ما أنعمَ الله على عبدٍ نعمة فسلبها إيّاه، حتّى يَذنب ذنباً يستحقّ به ذلك السلب ) (١) .

ورويَ عن رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) قوله:( إذا غضبَ الله عزَّ وجلَّ على أمّةٍ ولم يُنزل بها العذاب، غَلت أسعارُها، وقصُرت أعمارها، ولم تربح تُجّارها، ولم تَزكُ ثمارها، ولم تغزُر أنهارها، وحُبس عنها أمطارها، وسُلّط عليها شرارها ) (٢) .

____________________

(١) أصول الكافي: ٢ / ١٤٣.

(٢) بحار الأنوار: ٧٠ / ٣٤٩.


(١٥)

بارقةُ النجاة

إنّ الاضطرابات الفكرية والنفسيّة الطاحنة، قد يلتهم أُتونها المُحرق جانباً مهمّاً، بل حتّى سنواتٍ من عُمرنا الغالي، وإنّنا قد نعيش أشهراً من التردّد وتقسُّم الفؤاد من أجل انتخاب الفرع الدراسي أو نوع العمل، ثمّ تكون عاقبة ذلك الحُزن وتجرّع الغُصص وجَذب الحَسَرات.

وقد ننفق أحياناً سنواتٍ من أعمارنا في عملٍ ما أو اختصاص دراسي، إلاّ أنّنا بسبب عدم اكتشافنا لسرّ النجاح الكامل، لا نستطيع أن نحصل على النتيجة المطلوبة، ولا السرور الذي يُكافئ ما بذلناه من تعبٍ ونَصَب.

وبطبيعة الحال، فإنّ عدم الوعي الكامل بهذه الحالات، يوقِعنا في الأخطاء، ويَحرمنا من الفائدة والربح، ولكن - لا سمحَ الله - لو أنّ بعض الأفراد تورّطوا بالانحراف الأخلاقي، وسلكوا جادّة الخطايا، فإنّهم لن يُحرَموا فقط من الحصول على المكاسب، وإنّما يتعرّضون أيضاً لفقد رصيدهم المادّي والإنساني، وتَذهب أعمارهم نَهباً لرياح الضياع.

ما الذي يتعيّن علينا فعلهُ في مثل هذه الحالات، لكي ندرأ عن أنفسنا ما يترتّب عليها من أضرار ومصائب تُهدّد حياتنا؟


يجب علينا أن نتيقّن أوّلاً بأنّ ما نتعرّض لهُ فيما نمارسه من أعمال من خسائر وأخطاء وانكسار، فإنّ ذلك راجع إلى عدم الوعي والتبصّر بجوانب العمل، أو العَجَلة في مُزاولته أو الإقدام عليه.

وفي المرحلة الثانية يتعيّن علينا أن نُعمِل طاقة العقل والمعرفة، بوصفها مِنحة إلهية أنعمَ بها الله على الإنسان لتكون ميزة له على بقيّة الموجودات في هذا العالَم، يقول الإمام علي ( عليه السلام ):( أفضلُ العبادة الفِكر ) (١) ، وقال ( عليه السلام ) أيضاً:( بالفكرُ تنجلي غياهبُ الأمور ) (٢) ، وقال في حديثٍ ثالث:( بتكرار الفِكَر تسلمُ العواقب ) (٣) .

ولأجل ذلك لا ينبغي الغفلة عن الاستفادة من طاقة الفكر والعلم أبداً، ويجب اكتساب الخبرة اللازمة في مجال العمل، والاستفادة من نصائح وآراء ذوي الخبرة من فاعلَي الخير.

ويجب أن نلتفت إلى أنّه قد تمرّ علينا خلال حياتنا، لحَظات تنقدح في أذهاننا بعض الأفكار التي تدفعنا لإحداث تحوّل وتغيير في أعمالنا أو أسلوب حياتنا، وتفتح لنا فجأة آفاقاً بنّاءةً جديدة.

أجل، إنّ اختلاف النظر، والآفاق الجديدة، تحصل لكثيرٍ من الأشخاص، وتؤدّي أحياناً إلى انعطافٍ كامل في حياتهم، أو تؤدّي إلى تحوّلهم من الطريق الخاطئ، والممارسات السلوكية المهلكة، إلى طريق الخير والصلاح والسعادة، ولكنَّ المسألة المهمّة في مثل هذه المراحل هي: أنّه حينما تهبّ عليا نَسائم الرحمة، ويُبدي لنا بعضهم ملاحظات نافعة، فإنّ علينا أن نأخذ بها ونضعها موضع التنفيذ، لكي نَجني ما يترتّب عليها من الفوائد، ولا نُعير أهمية لشخص مَن أبدى تلك الملاحظة، حتّى لو لم يكن إنساناً طيّباً، وإنّ هذه النقطة هي موضع القبول في ثقافتنا الدينية،

____________________

(١) غُرر الحِكم: ١ / ١٧٧.

(٢) المصدر نفسه: ١ / ٢٣٦.

(٣) المصدر نفسه: ١ / ٣٣٧.


 ويقول الإمام ( عليه السلام ) بهذا الشأن:( انظُر إلى ما قال، ولا تنظُر إلى مَن قال ) (١) .

وبالالتفات إلى ما تقدّم، ينبغي أن نتأمّل في الحكايات التالية:

١ - نصيحةُ اللصوص

أبو حامد محمد الغزالي ، المولود عام ٤٥٠ للهجرة، والمتوفّى عام ٥٠٥ للهجرة في مدينة( طابران طوس ) من نواحي مشهد، كان من علماء المسلمين الكبار المشهورين.

قضى ٥٠ عاماً من عُمره في دراسة وتدريس مختلف العلوم الإسلامية، وألّف ما يقارب ٢٠٠ كتاب عميق وخالد، وصَل إلينا منها ٥٨ كتاباً.

ومن أشهر كُتبه:إحياء علوم الدين، كيمياء السعادة، الاقتصاد في الاعتقاد، سرّ العالَمين، علم النفس من وِجهة نظر الغزالي.

وقد طُبعت مؤلّفاته على مدى تسعة قرون بلغات مختلفة مع الشروح في: مصر، وباكستان، وسوريا، والحجاز، والعراق، وبيروت، وباريس، والنمسا، ولندن، وإيران.

بَدأ الغزالي تحصيلهُ الدراسي في وطنه( طوس ) ، ولكنّه سافرَ إلى نيشابور لأجل مواصلة الدرس في حوزتها العلمية الكبيرة، واشتركَ في حَلقة درس أبي المعالي الجويني عدّة سنوات، عادَ بعدها إلى وطنه، وهو مُحمّل بالوفير من المذكّرات والكرّاسات العلمية، ولكنّ القافلة التي كان يسافر فيها تعرّضت لغارة قطّاع الطُرق.

وبدأ اللصوص يستولون على أموال أفراد القافلة، وحينما امتدّت أيديهم إلى الكيس الذي يحتوي أوراق الغزالي ودفاتره، اعتراهُ قلق شديد وأخذ يتوسّل إليهم أن يتركوها لهُ،

____________________

(١) غُرر الحِكم: ١ / ٣٩٤.


 الأمر الذي أدّى إلى اعتقادهم بوجود أشياء ذات قيمة في الكيس، ممّا زادَ في طمعهم في الاستيلاء عليها، لكنّهم فوجئوا عندما فتحوا الكيس، بأن لم يروا داخله سوى أوراق مسوّدة بالكتابة، فسألوهُ:

- ما هذه الأوراق، وما نفعها؟

فأجابهم الغزالي:إنّ هذه ثمرة عدّة سنوات من دراستي وجهدي، لقد سجّلت فيها جميع ما درستهُ لعدّة سنين، وإنّ فَقدي لها معناه ضياع كلّ المعلومات التي درستها.

فقال لهُ أحد اللصوص ساخراً:

- إنّ العلم الذي يُجمع في كيس، ويكون عرضةً للسرقة، لا نفعَ فيه.

ثمّ التفت اللصّ إلى رفاقه قائلاً: أعيدوا لهُ الكيس.

قال: فقلتُ: هذا مُستنطق أنطقهُ الله ليرشدني به أمري(١) .

يقول الغزالي: إنّ تلك الملاحظة البسيطة، كانت كلمة حقّ، أجراها الله تعالى على لسان قاطع الطريق، وكانت بالنسبة لي نقطة تحوّل، فعندما بلغتُ طوس، انصرفتُ إلى البحث والتحقيق الجادّ مدّة ثلاثة سنوات، ونقلتُ جميع معلوماتي ومعرفتي إلى صفحة عقلي، وأودعتها آمنةً هناك من اللصوص، وإنّ أفضل نصيحة وإشارة تلقّيتها وكانت عاملاً في تقدّمي العلمي، هي ما تعلّمتهُ من ذلك اللصّ.

____________________

(١) إحياء علوم الدين: ج١، ص٧.


٢ - حرٌّ أم عَبد؟

كانت أصوات المعازف والغناء تتعالى من بيت( بِشر بن الحارث بن عبد الرحمان المروزي ) ، حيث تحلّقت في الداخل مجموعة من المترَفين والخمّارين.

وكانت إحدى الخادمات قد خَرجت من البيت لتلقي بعض النفايات، إذ مرَّ بها رجلٌ مهيب تبدو على جبهته آثار العبادة والسجود، وبَدا عليه الاستياء ممّا تناهى إلى سمعهُ من الموسيقى والغناء، وسألَ الخادمة:

-( أصاحبُ هذه الدار عبدٌ أم حرّ؟ )

فأجابتهُ:إنّه حرٌّ.

فقال لها:صَدقتِ، لو كان عبداً لأطاعَ مولاه ).

وقد أدّى حديث المرأة الخادمة مع ذلك الرجل المهيب إلى تأخيرها وقتاً ما عن العودة إلى المنزل، ولأجل ذلك سألها مولاها بشرٌ عن سبب تأخيرها، فأخبرتهُ بما جرى من حديثٍ بينها وبين الرجل، وعندما سمعَ بشرٌ بجواب الرجل البالغ الحكمة، اهتزّ لهُ كيانه، وحدسَ مَن يكون ذلك الرجل، وبدون أن يضيّع الوقت، خرج يركض حافياً ليدركهُ، ولم يطل بحثهُ حتّى وصلَ إليه، ولم يكن ذلك الرجل سوى الإمام موسى بن جعفر ( عليه السلام )، وعاهَدهُ أن لا يعصي الله بعد ذلك أبداً.

كان بِشرُ بن الحارث من أبناء الأشراف المترَفين، وكان يُعدّ من العصاة المنحرفين، ومنذ تلك اللحظة التي أومضَ فيها ضوء الهداية في قلبه، تركَ طريق الغواية، واتّخذ جادّة الهدى والصلاح، ولأنّه ركضَ حافياً وراء الإمام ( عليه السلام )، سُمّي بـ( بِشر الحافي ) ، وأصبحَ من الأتقياء المؤمنين العارفين، الذين عملوا على هداية الآخرين وتعليمهم الحكمة، وتأثّر به خلقٌ عظيم.

وقد توفيَ بشر عن ٧٥ عاماً، في بغداد عام ٢٢٧ للهجرة، بعد أن مَنَّ الله عليه بحُسن العاقبة.


٣ - أخافُ منه

قال الإمام زين العابدين ( عليه السلام ): إنّ رجلاً ركب البحرَ بأهله، فكُسِر بهم، فلم ينجُ ممّن كان في السفينة إلاّ امرأة الرجل، فإنّها نَجت على لوح من ألواح السفينة، حتّى ألجأت على جزيرة من جزائر البحر، وكان في تلك الجزيرة رجل يقطع الطريق، ولم يَدَعْ لله حرمة إلاّ انتهكها، فلم يَعلم إلاّ والمرأة قائمة على رأسه، فرفعَ رأسهُ إليها وقال: إنسيّة أم جنّية؟ فقالت: إنسيّة، فلم يكلّمها كلمة حتّى جلسَ منها مجلس الرجل من أهله، فلمّا أن همَّ بها اضطرَبت.

فقال لها: مالَكِ تضطربين؟

فقالت: أفرَقُ من هذا - وأومَأت بيدها إلى السماء -.

قال: فصَنعتِ من هذا شيئاً؟

قالت: لا، وعزّته.

قال: فأنتِ تَفرقين منه هذا الفَرَق، ولم تصنعي من هذا شيئاً، وإنّما استكرهتكِ استكراهاً، فأنا واللهِ أولى بهذا الفرق والخوف وأحقّ منكَ.

قال: فقام ولم يُحدث شيئاً، ورجع إلى أهله، وليست لهُ همّة إلاّ التوبة والمراجعة، فبينما هو يمشي إذ صادفهُ راهب يمشي في الطريق، فَحَميت عليهما الشمسُ، فقال الراهب للشابّ:

- اُدعُ الله يُظلّنا بغمامة، فقد حَميت علينا الشمس.

فقال الشابّ: ما أعلمُ أنّ لي عند ربّي حسنة فأتجاسر على أن أسألهُ شيئاً.

قال: فأدعو أنا، وتؤمِّن أنت.

قال: نعم.

فأقبلَ الراهب يدعو، والشابُّ يؤمِّن، فما كان بأسرع من أن أظلّتهما غمامة، فمشيا تحتها مليّاً من النهار، ثمّ تفرّقت الجادّة جادّتين، فأخذَ الشابّ في واحدةٍ، وأخذ الراهب في واحدة، فإذا السحابة مع الشابّ، فقال الراهب:

- أنت خيرٌ منّي، لك استُجيب ولم يُستجب لي، فأخبِرني ما قصّتك؟


فأخبرهُ بخبر المرأة.

فقال: غُفرَ لك ما مضى حيث دَخَلك الخوف، فانظُر كيف تكون فيما تستقبل(١) .

قال الشاعر سعدي:

لو ذُقتَ لذّةَ تركِ اللذّة

لما عُدْتَ تعتبرُ لذّةَ النفس لذّةً

دعْ طائرَ النفسِ يُحلّق في العُلا

لكي تُحرّرها من معاقل الطمع

فإذا نَما في حديقةِ أُنسك نبتٌ

سيكون نبتُك بستاناً من الوردِ

هذه وصيّتي لك يا أخي الحبيب

فلا تَهدر الوقتَ مهما استطعت

____________________

(١) أصول الكافي: ٢ / ٥٦ - ٥٧، باب الخوف والرجاء.


(١٦)

اجتيازُ العَقبات

إنّ القلق والاضطراب والكآبة، من الأمور المؤلِمة التي تُنغّص حياة مجاميع كثيرة من الشباب.

وهذه الأعراض المرضية النفسية، التي تَتّخذ في البداية شكل خيوط العنكبوت، إذا لم يُسيطَر عليها عن طريق العلاج، فإنّها تتحوّل بمرور الزمان إلى حبالٍ مُحكمةٍ تُقيّد أعصاب الإنسان وروحه، وتَحرمه لذّة النوم والطعام، وتُسلّمه إلى مشاعر الخوف والاضطراب والضياع، وعدم القدرة على اتخاذ القرار، وعدم الإقبال على الدراسة والعمل، وتُنمّي لديه روح التشاؤم وفقدان الأمل، وتنتهي به إلى أمراضٍ نفسيّة متجذّرة، وتُحوّل حياتهُ إلى ظلمة ونار محرقة.

ولأجل أن لا نقع عرضة لهذه الأمراض التي تنتهي بنا إلى مضايق وطُرق مسدودة، لابدّ أن نتوجّه إلى موضوعَين على جانبٍ من الأهمية، وهما:

أوّلاً: إنّنا لسنا وحدنا مُعرّضين للابتلاء بهذا النوع من المعاناة والقلق، بل هناك مَن يُعانون مثلنا في المدينة والقرية، بعيداً وقريباً، في المدارس والأسواق والمعامل، وباختصار: في كثيرٍ من الأمكنة والأزمنة، رأينا شباباً يعانون أكثر ممّا نعاني من مشاعر القلق، لكنّهم ثبتوا أمامها وكافحوها حتّى تغلّبوا عليها وتجاوزوا مهاويها المُظلمة، وساروا في طريق الاستقامة والضياء، وتمكّنوا من تحصيل رزقهم وتحقيق آمالهم.


ثانياً: إنّ تعرّف جذور القلق والاضطراب، ينتهي إلى معرفة الذات، ويجعل العلاج أسهل، وطبعاً لابدّ من الانتباه إلى أنّ البحث عن جذور القلق، تتطلّب همّة عالية وسِعة من الوقت، لنكتشف منشأ ما نعانيه، وهل مردّه إلى وضعنا العائلي، أم لتعرّضنا لهجوم البيئة ورفاق السوء، وإنّ عدم وعينا للأمور راجع إلى توقّعاتنا غير المنطقيّة، أم إلى الأنانية والغرور واستغراقنا في التخيّلات، وبالنتيجة هل أنّ معصيتنا وطغياننا هو الذي أدّى إلى ابتلائنا بهذا الوضع المؤلِم؟ وباختصار: هل أنّ سبب معاناتنا كامنٌ فينا وراجع إلينا؟

وعلى أيّة حال - سواء كان الآخرون هم منشأ تعاسَتنا، أم كان سببها أنّهم لم يسعوا لنجدتنا - فإنّ بوسعنا أن نتعرّف الأرضية التي تجعل نفوسنا قابلة للتحطيم، ونتعرّف أيضاً عواملها الواقعية، ونتمكّن من رَفعها بالشجاعة والإرادة الصلبة.

وجديرٌ بالذكر، أنّنا نُلقي على غيرنا كثيراً من حالات التعاسة والقنوط التي تواجهنا في حياتنا، ونَعدّ الآخرين مقصّرين بحقّنا، ولو أنّنا فكّرنا بدقّةٍ، وحرّرنا عقولنا من مشاعر العصبيّة والخيالات الكاذبة، وطهّرنا نفوسنا من اللجاجة والعُنف، لنحكم في ضوء الوجدان النظيف، فإنّنا سنُدرك حتماً أنّنا نحن الذين هيّأنا أرضية هجوم الآخرين علينا، وإنّه لا يَحسُن بنا الفرار من تحمّل المسؤولية، وإلقاء ذنوبنا على الآخرين.

من دخيلتنا السيّئة يكون العالَم كجهنّم

ولولم يكن باطنُنا مظلماً لكانت الدنيا جنّة

فلأجل معرفة عوامل القلق والاضطراب في الحياة، والتي مردّها بصورة عامّة إلى الإنسان نفسه، ولأجل تشخيص طريقة علاجها، لابدّ أن نبحث ذلك في ضوء آيات القرآن الكريم والأحاديث الشريفة.


ألف - الغفلةُ عن الله تعالى

إنّ من أهمّ عوامل القلق والكآبة في حياة الإنسان:فقدان الإيمان بالله وبالقيَم المعنوية .

يقول تعالى في القرآن الكريم:( وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً ) (١) ، ويقول تعالى أيضاً:( أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) (٢) .

ورويَ عن النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ):( ذِكرُ الله شفاء القلوب ) (٣) .

وفي علم النفس ثبتَ أيضاً أنّ الارتباط بالمبدأ الأعلى لعالَم الوجود، يُقلّل من نسبة القلق والاضطراب(٤) .

إنّ ذكرَ الله سبحانه يمنح الإنسان الأمل والثقة بالنفس، وإنّ الأمل يفتح طريق ارتباط الإنسان بالله سبحانه، والانسجام مع تعاليمه وتوجيهاته، التي تهدي الإنسان وتُنير له الطريق في مختلف مراحل ومجالات الحياة، الشاملة للفكر والعمل والسلوك، بالاستفادة من هذه التوجيهات يتمكّن الإنسان من تفادي بُؤر السقوط، وعدم سلوك الطُرق المسدودة، والاستقامة على طريق الخير والصلاح.

ب - المعصية والتمرّد

إنّ الإنسان يصل إلى الطمأنينة والاستقرار الروحي بمقدار ما يذكر الله ويُطيع أوامره، وإنّ التمرّد ومعصية شريعة الله، نتيجته الأمراض الروحيّة المؤلمة، والانتهاء إلى الطُرق الموصدة، والابتلاء بالغُصص وتحطيم الأعصاب.

وإنّ قصّة أولئك الأشخاص الثلاثة الذين رفضوا الاشتراك في حرب( تبوك ) في العام التاسع للهجرة، هي نموذج واضح لِمَا تؤدّي إليه المعصية من الابتلاء بالأزَمات الروحية والانتهاء إلى الطريق المسدود.

____________________

(١) سورة طه: الآية ١٢٤.

(٢) سورة الرعد: الآية ٢٨.

(٣) نهج الفصاحة: ص٣٣٦.

(٤) الطمأنينة بعد القلق: ص١٤١.


وقصّة أولئك الأشخاص الثلاثة، وهم:كعب بن مالك، ومعهُ شخصان آخران، كما يقصّها القرآن الكريم ويُبيّنها المفسّرون، أنّهم لم يشتركوا مع المسلمين في الحرب، وفضّلوا البقاء في المدينة، الأمر الذي أدّى إلى سَخط المسلمين عليهم وقَطع علاقة الجميع بهم، بحيث ضاقت عليهم الأرض على سعتها، بل ضاقت عليهم أنفسهم أيضاً، إذ أصدرَ النبيّ أمراً بعدم مخالطتهم ومعاملتهم، فالتزمَ جميع المسلمين بهذا الأمر حتّى أبناء أولئك الثلاثة وزوجاتهم، فعاشوا حالة من الضغط الروحي والنفسي، أجبرتهم على اللجوء إلى الصحراء، وقيّدوا أنفسهم هناك وحَبسوها حتّى يتوب الله تعالى عليهم.

قال تعالى:( وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أنْ لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثمّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) (١) .

وعليه: فإنّ المعصية والإثم والسير خلافاً للوجدان ونداء الفطرة الإنسانية، هي أعمال منشؤها الإنسان، وضحيّتها بالدرجة الأولى هو الإنسان نفسه، إذ إنّها ترتد على الإنسان بالألم والعذاب الروحي، وتتركهُ يعيش حياة عصيبة مظلمة.

ويجدر بنا أن نترنّم هنا بأبياتٍ من شعر العارف المشهور في القرن الخامس للهجرة( بابا طاهر عريان ) ، إذ يقول مُصوّراً الآثار الضارّة للذنوب في الدنيا والآخرة؟

لا تفعل ما يُعيقك عن التحرّك

فتضيقُ عليك الأرض على سَعتِها

فحينما يقرؤون غداً صحيفتك

ستكون قراءتها سبباً لمساءَتك

____________________

(١) سورة التوبة: الآية ١١٨.


ج - الوسوسة والتشاؤم

الوسواس من الأمراض النفسية التي تؤدّي إلى سيطرة التصوّرات الكاذبة على تصرّفات الإنسان، وتُفقده الوعي والإحساس بالمسؤولية، وتنتهي إلى تحطيم روح الإنسان، وفقدهُ الثقة بكلّ الأشياء والأشخاص الذين يحيطون به، سيّما المقرّبون إليه.

وإذا لم ينتبه الشباب وأقرباؤهم عاجلاً إلى هذا المرض الخطير، ويسعون لمعالجته مبكّراً، فإنّ ساحة الوسوسة والتشاؤم ستأخذ بالاتّساع، وقد تتحوّل إلى مرضٍ مُزمن، يلازم الإنسان طيلة حياته.

ويلاحَظ أنّ الأشخاص المبتلون بالوساوس، يفكّرون أساساً بتفصيلات الحياة، ويبذلون جهدهم استكناه حقائقها، إلاّ أنّهم يظلّون متخلّفين عن الوصول إلى الأفكار العميقة والممارسة الأصولية للحياة، ولأجل تفكيرهم الساذج وتهرّبهم من المسؤوليات الأساسية، يكونون عرضة لنفور الآخرين وقسوتهم، وهذا ممّا يقوّي لديهم روح التشاؤم وسوء الظنّ، ويُضاعف فيهم الشعور بالوحدة والخواء، وحينما يشعرون بالاغتراب عن ذويهم، فإنّهم يَشرعون في البحث عن ملجأ لدى الأباعد بوصفهم أصدقاء مخلصين، إلاّ أنّهم لا يتمكّنون من تحقيق نجاح يُذكر في هذا المجال أيضاً، بسبب ما يعانونه من وسوسة وتشاؤم.

وعليه، فما العمل؟

كما ذكرنا آنفاً: بما أنّ مرض الوسواس والتشاؤم بدأ من داخل نفوسهم، فعليهم أن يَشرعوا بمعالجة أنفسهم، ليتمكّنوا من التخلّص من القيود التي صنعوها لأرواحهم، ويخرجوا إلى دنيا جديدة واسعة.

أجل، لابدّ للتحرّر من أزمات الكآبة والوسوسة وسوء الظنّ الذي يشمل حتّى الأبوين والأقرباء، لابدّ من التأمّل والتفكير.

وبشأن مرافقة الأصدقاء الطيّبين، الذين يُقدّمون للإنسان عوناً روحيّاً، فإنّ الوعي والحذر، يجب أن لا يبلغ حَدّ الوسوسة،


ويجب إقامة علاقات الصداقة مع أولئك الذين لا يبخلون بتقديم النصيحة الخالصة عند استشارتهم، وهم عادةَ يكونون من المتدينين وذوي الأخلاق الطيّبة، فعن هذا الطريق يتخلّص الإنسان من الإحساس بالوحدة والغربة.

يقول الإمام الصادق ( عليه السلام ):( لا تغشَّ الناس فتبقى بلا صديق ) (١) .

د - التفكير السامي

إنّ التفكير السامي من ضروريات الحياة، ومن الامتيازات العظيمة للشباب، ولذا سنتحدّث بشأنه أيضاً، فلأجل تجاوز العَقَبات والخروج من الطُرق المسدودة، وتحقيق جانب من الطموحات، يُوصى بالاستفادة من الأصدقاء الصالحين، ولكن ينبغي مراعاة الحذر في حدود المعقول؛ إذ قلّما يوجد صديق يخلو من عيب.

يقول الإمام الصادق ( عليه السلام ):( مَن طلبَ في زماننا هذا صديقاً بلا عيب، بَقي بلا صديق ) (٢) .

ويقول الشاعر ميرزا محمّد علي المعروف بـ( صائب التبريزي ) ، المولود عام ١٠١٦ للهجرة، والمتوفّى عام ١٠٨٧ للهجرة في أصفهان:

لا تتعمّق كثيراً في تجربة الأصدقاء

وإلاّ بقيتَ يا صائب بلا صديق

وعليه: فلو تمعّنا بالتفكير المتسامي حول كلِّ هدف، فإنّ هذا عمل ممدوح، ولو أنّنا لم نوفّق في الحصول على الأصدقاء النموذجيين، فلا ينبغي أن يُسلمنا اليأس إلى القلق والعذاب النفسي، وإنّما يجب أن نلتفت إلى أنّ أمور الحياة نسبيّة، وعلينا أن نبذل جهدنا في انتخاب الصديق الأفضل من غيره.

____________________

(١) بحار الأنوار: ٧١ / ٢٨٦.

(٢) بحار الأنوار: ٧١ / ٢٨٢.


ويجب أن لا ننسى أنّ ظاهرة الاضطراب واليأس من الحياة، تنشأ أوّل مرّة من داخل نفوسنا، يقول الإمام علي ( عليه السلام ):( مَن تعدّى الحقّ ضاقَ مذهبهُ ) (١) ، وينبغي أن نتأمّل جيّداً في ما قاله الحكيمناصر خسرو ، المتولّد عام ٣٩٤ للهجرة، والمتوفّى عام ٤٨١ للهجرة، بشأن المنشأ الأصلي لمعاناتنا، التي هي من صُنع أيدينا، وما نُقدّمه من تبريرات وأعذار للتنصّل من ذلك:

لا تذمَنَّ عجلة الفلك

وتحرّر من الغرور والكبرياء

وإذا ما تسبّبتَ بسوء طالعك

فلا تتوقّع أن يرى الكون طالعك حسناً

وعليه: فإنّ جذور القلق والضيق الذي يواجهنا في الحياة، تكمن في داخلنا، ويجب علينا مراجعة ذوي الاختصاص، والاستفادة من الأساليب والنصائح التي ذكرنا بعضها آنفاً، لنتمكّن من إصلاح أنفسنا وعلاجها، ورفع نواقصها، وأن لا ننسى أنّ ما نفعلهُ يرتدّ إلينا، إن خيراً فخير، وإن شرّاً فشرّ.

____________________

(١) ناسخ التواريخ: ج٥، ص٣٨٠.


(١٧)

الإسلامُ والرياضة

أصبحت الرياضة في عصرنا من ضروريات الحياة؛ ذلك أنّ حياة المُدن جَعلت معظم الناس يواجهون ظروفاً تسلبهم فرصة مزاولة النشاط والفعاليّات البدنية في محيط صحّي، ونَجمَ عن ذلك معاناتهم من الضعف البدني والعصبي، وتدنّي القابليات الفكرية والعلمية.

وقد تنامى الشعور في عصرنا الحاضر، بأهمية مزاولة الشباب للرياضة البدنية، إذا مورست حسب القواعد والأصول العلمية، وإنّ الأمراض المختلفة التي يعاني منها الكبار مرجعها إمّا إلى إهمالهم الرياضة، وإمّا إلى عدم مزاولتهم الأعمال التي تتطلّب فعّالية وحركة بدنية.

وعلاوة على الآثار الخطيرة التي يتركها عدم مزاولة الرياضة، هناك الأضرار التي تَنجم عن مزاولة السلوك غير الطبيعي، وتلوّث البيئة، والاختلالات العصبية، وسكنى المُدن، والحياة الميكانيكية، وهي أمور نلمسها جميعاً.

وفي تقريرٍ أصدرهُ أحد مراكز التحقيق بهذا الشأن، طُرحت الآثار الباعثة على القلق على صعيد عالَمي، في هذا المجال.


فنقرأ في بعض التقارير: إنّ أكثر من ٢٠٠ مليون شخص في العالَم، يعانون من مشكلة السمنة، وإنّ ظاهرة السمنة قد ارتفعت في العشرين سنة الأخيرة بنسبة ٢٠٠ % في بريطانيا، وألمانيا، وكندا، والبرازيل وغيرها.

وعلى أساس تقرير آخر، نعلم أنّ ٤٠% من نتائج الإحصاء المتقدّم توجد في البلدان العربية، التي يكثر فيها تناول الأطعمة الغنيّة بالدهون والشحوم.

يقول( محمد شماعة ) وهو من الخبراء في مجال الأغذية في لبنان: إنّ تلوّث البيئة، والقلق الداخلي، وتناول الأقراص المسكّنة الحاوية على الكورتيزون، وأقراص منع الحمل، مضافاً إلى عدم الفعاليّات البدنية، من العوامل المؤدّية إلى الابتلاء بالسمنة.

وتعتقد السيّدة( سلوى مصطفى ) خبيرة مكافحة السمنة: إنّ ١٧% من الطلبة، و٦٠% من الطالبات، و٥٦% من السيّدات، و٢٩% من الرجال، يعانون من مشكلة السمنة(١) .

بدايةُ الحاجة إلى الحركة

المُشاهَد أنّ الحاجة إلى الحركة تبدأ منذ الولادة، فإنّ الطفل بدافع غريزي يحاول أن يحرّك يديه ورجليه، ويحاول تخليصهما من قيد القِماط، وإنّه ليشعُر بمتعة كبيرة وهو يحرّك أعضاءه ويضرب بها.

إنّ الاحتياج إلى الحركة ينبع من كونها غذاءً نفسيّاً، ومن تأثيرها المباشر في نموّ الطفل ونضجه، ممّا يفرض أن نوفّر لهُ أجواء ممارسة الحركة والرياضة؛ لأنّها تشكّل أرضيّة تربيته الروحية والجسميّة.

والملاحَظ أنّ كُلاً من حاجة الأطفال إلى اللعب والفعّاليات البدينة، ومن ضرورة توفير الوالدين لمجال ممارسة ذلك للأطفال، قد وقَعت مورد عناية واهتمام أئمّة المسلمين ( عليهم السلام )، فقد مارسوا ذلك بأنفسهم، وقاموا بتوجيه أتباعهم إليه أيضاً.

____________________

(١) جريدة جمهوري إسلامي: ٩ آذر ١٣٧٧، العدد ٥٦٤٤، ص٥.


قال الإمام الصادق ( عليه السلام ):( الغلامُ يلعب سبع سنين، ويتعلّم الكتاب سبع سنين، ويتعلّم الحلال والحرام سبع سنين ) (١) .

وقال في حديثٍ آخر:( دَع ابنك يلعب سبع سنين ) (٢) .

إنّ التأثير المباشر للرياضة واللعب والنشاط، وباختصار: الحركة وفعّالية البدن على الأطفال واليافعين والشباب، إذا مورسَ بشكل متوازن ومحسوب، لا ينحصر في سلامة البدن وتناسب الأعضاء، وإنّما يمتدُّ إلى تقوية الذهن والحافظة والإرادة وصحّة الأعصاب، وإنّ جميع هذه التأثيرات الإيجابية قد ثَبتت عن طريق العلم والتجربة.

والخلاصة: إنّ ممارسة اللعب والرياضة حقّ طبيعي وقانونيٌ للأطفال واليافعين، كما أنّه ضرورة لا يمكن تجاهلها لأجل الحياة الاجتماعية، ولكن لابدّ في مجال ممارسة هذا الحقّ الطبيعي والضروري، من الملاحظة الدقيقة لأمرَي مهمّين من الناحية الأخلاقية والقانونية، وهما:

١ - لابدّ من اختيار مكان وزمان مناسب لمزاولة اللعب والرياضة، بنحوٍ لا يؤدّي إلى إزعاج الآخرين ومضايقتهم، ولا يكون سبباً في حرمان الآخرين من فرصة الراحة والهدوء، فإنّه طبقاً لتوجيهات النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) وتعليمات الدين، ثبتَ أنّ إيذاء الناس وإزعاجهم من عوامل إضعاف الإيمان بالله ورسوله(٣) ، وأنّ إيذاء الناس وسلب راحتهم بمثابة محاربة الله تعالى(٤) .

هذا مضافاً إلى ما يجرّه من نزاعات ومشاكل اجتماعية مُرّة.

٢ - يجب الحذر من ممارسة الرياضات الخطرة وغير العقلائية، التي تؤدّي إلى أضرار مالية وخسائر في الأرواح، أو بتر عضو من أعضاء الإنسان، وإنّني أكتُب هذه الكلمات وأمامي إحدى الجرائد التي عبّرت عن إحدى الألعاب الرياضية بعنوان( اللعب مع الموت ) .

____________________

(١) فروع الكافي: ٦ / ٤٧.

(٢) المصدر نفسه: ٦ / ٤٦.

(٣) بحار الأنوار: ٧١ / ١٥١.

(٤) المصدر نفسه: ٦٢ / ١٤٦، المحاسن للبرقي: ص١٣٦.


أقسامُ الرياضة:

بعد أن أشرنا إلى ضرورة مزاولة الرياضة في حياتنا المعاصرة، نتساءل:

ما هو الأفضل من أنواع الرياضات المختلفة؟ هذا الأمر يرتبط برغبات الأفراد وشرائط حياتهم ومدى قدراتهم، ولكنَّ ما يبقى ثابتاً أنّه يجب على كلّ شخص أن يمارس نوعاً من الألعاب والرياضة البدنية، يتناسب مع عمره، بنحوٍ يضمن له السلامة في مجالَي الروح والبدن.

وإنّ التذكير بهذا الموضوع يستمدّ أهميته في الوقت الحاضر من تعدّد أنواع الألعاب الرياضية، وحتّى الرياضة التقليدية أخذت تخطو نحو التطوّر، وعليه يجب على مَن يريد ممارسة نوع معيّن من الرياضة، أن لا يغفل عن ضرورة الاتّصال بأهل الاختصاص واستشارتهم، لأجل الاستفادة من معلوماتهم وتوجيهاتهم؛ ذلك أنّ تطوّر العلوم الإنسانية وعلم البيئة، يجعل انتخاب نوع الرياضة ضرورياً، لأجل الوقاية من الأخطار وعدم هَدر الوقت والجهد.

وبما أنّنا قدّمنا أهمية الرياضة في نظر أئمّة المسلمين، وأنّها وقعت مورداً لتوجيهاتهم من حيث التشجيع عليها والتأكيد على ممارسة بعض أنواعها، يتعيّن علينا الآن أن نُقدّم بعض النماذج شواهد على ما ذكرناه:

١ - العمل والسعي

يلاحَظ: أنّ أئمّة المسلمين، لم يقتصروا على أداء مسؤولياتهم في مجالهم الأساسي وهو هداية الناس وإرشادهم، ومساعيهم الحميدة في مجالات العلم والثقافة، وإجاباتهم عن الرسائل أو الأسئلة التي يطرحها المسلمون عليهم مباشرة، وعَقدهم لجلسات الموعظة والإرشاد، بل إنّ اهتمامهم تعدّى ذلك إلى مجالات أخرى، كالنشاطات البدنية الرياضيّة، التي ليست لها جنبة عبادية أو اقتصاديّة.


عن ابن أبي حمزة عن أبيه عن الصادق ( عليه السلام ):( إنّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله )، وأمير المؤمنين، وآبائي ( عليهم السلام ) كلّهم كانوا قد عملوا بأيديهم، وهو من عمل النبيين والمرسلين والأوصياء والصالحين ) (١) .

٢ - المسابقات

مضافاً إلى السعي والعمل، خاصّةً في المزارع والهواء الطلق، الذي هو أفضل وأنفع الفعّاليات لبدن الإنسان، هناك المسابقات التي تُعدّ من أنواع الرياضة المفيدة البنّاءة.

وإنّ بعض المسابقات وقَعت مورداً لتشجيع أئمّة الإسلام، على ممارستها واعتبارها مقدّمة للجهاد والدفاع عن العقيدة والمجتمع الإسلامي.

وقد اعتبر النبيّ الأكرم ( صلّى الله عليه وآله ) تعلّم الرماية من مصاديق قوله تعالى:( وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ) (٢) .

وإنّ قصّة أبناء نبيّ الله يعقوب ( عليه السلام ) الذين قالوا لأبيهم:( يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا ) (٣) ، دليلٌ قرآني على مشروعية المسابقات على الإبل والخيول، ورمي السهام(٤) .

وإنّ نبيّ الإسلام ( صلّى الله عليه وآله ) نفسه اشتركَ في السباق على الجمال والخيول، وكان يقول:( لا سبقَ إلاّ في خُفٍ، أو حافر، أو نصل ) (٥) .

____________________

(١) فروع الكافي: ٥ / ٧٦، وسائل الشيعة: ١٢ / ١٢٣.

(٢) سورة الأنفال: الآية ٦٠.

(٣) سورة يوسف: الآية ١٧.

(٤) وسائل الشيعة: ١٣ / ٣٢٩.

(٥) فروع الكافي: ج٥، ص٤٩.


وقال في حديث آخر:( إنّ الملائكة تحضر الرهان في الخفّ، والحافر، والريش ) (١) .

إنّ الرسول الأكرم ( صلّى الله عليه وآله ) إنّما اشتركَ في أمثال هذه المسابقات، من أجل تشجيع المسلمين على ممارسة الترويح عن النفس في أجواء نظيفة، ومن أجل اكتسابهم الخبرات التي تفيدهم في الدفاع عن أنفسهم وعقيدتهم، وفيما يلي بعض الشواهد في هذا المجال.

أ - لقد اشتهرت ناقة الرسول ( صلّى الله عليه وآله ) العضباء بسرعة الركض، ولأجل ذلك قَدِم أحد الأعراب من البادية، وطلبَ من النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) أن يُسابقه، وقد استجاب النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) لهذا الطلب، وكان الناس يعتقدون بأنّ ناقة رسول الله تَحرز قصب السبق في كلّ مسابقة، فحضروا ميدان السباق خارج المدينة، لكنّهم فوجؤوا بناقة الإعرابي تتقدّم على ناقة الرسول، وتَحرز قصب السبق، فتألّموا لذلك كثيرا، إلاّ أنّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) قال لهم:( إنّكم رَفَعتموها فأحبّ الله أن يَضعها ) (٢) .

ب - قال الإمام زين العابدين ( عليه السلام ):( حينما رجعَ جيش الإسلام إلى المدينة بعد انتهاء معركة تبوك، أعطى الرسول ( صلّى الله عليه وآله ) ناقتهُ العضباء لأسامة بن زيد فسبقت العضباء وعليها أسامة بن زيد، فَجعل الناس يقولون: سبق رسول الله ( صلّى الله عليه وآله )، ورسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) يقول: سبقَ أسامة ) (٣) .

ج - وروى الإمام الصادق ( عليه السلام ) عن أبيه ( عليه السلام ):( إنّ رسول لله ( صلّى الله عليه وآله ) أجرى الخيل التي أضمرت من الحفياء (٤) إلى مسجد بني زريق، وسبقها من ثلاث نخلات، فأعطى السابق عَذقاً، وأعطى المصلي عَذقاً، وأعطى الثالث عَذقاً ) .

وفي مسابقة أخرى عن علي بن الحسين ( عليه السلام ) قال:( إنّ رسول ( صلّى الله عليه وآله ) أجرى الخيل وجعل سبقها أواقي من فضة ) (٥) .

____________________

(١) شرائع الإسلام: ص ١٥٩ الطبعة القديمة، جواهر الكلام: ٢٨/ ٢١٩.

(٢) بحار الأنوار: ١٠٠/ ١٩١.

(٣) قرب الإسناد: ١٢٢، وسائل الشيعة: ١٣/ ٣٥١.

(٤) وفي مصدر: الحصباء.

(٥)الكافي: ٥/ ٤٨ - ٤٩، الوسائل: ١٣/ ٣٥٠.


٣ - رَمي السهام

إنّ رمي السهام من الرياضات التي تحتاج إلى مهارة فكرية وقوّة بدنيّة، وقد أكّد أئمّة الدين ( عليهم السلام ) ضرورة الاهتمام بهذه الرياضة وتعلُّم فنونها والبراعة فيها.

وقد اعتبر نبيّ الإسلام ( صلّى الله عليه وآله ) تعليم الرماية للأبناء من الحقوق الأساسيّة الثابتة لهم، وأنَّ تعليمهم هذه الرياضة تكليف واجب على الأبوين.

فقد قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ):( عَلِّموا أولادكم السباحة والرماية ) (١) ، وقال أيضاً:( مَن ترك الرمي بعد ما عَلِمهُ رغبةً عنه، فإنّها نعمة كفرها ) (٢) .

وإنّ الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال:( الرمي سهمٌ من سهام الإسلام ) (٣) .

وقد مدحَ النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) صانع السهم، وبائعه، وراميه، ووعدهم الجنّة، ومردّ ذلك إلى الاستفادة من السهم في الجهاد، والدفاع عن الإسلام وحفظ أرواح المسلمين.

بل إنّ الأئمّة ( عليهم السلام ) كانوا أنفسهم يمارسون رياضة رمي السهام، إذ يَنقل الإمام الصادق ( عليه السلام ) عن أبيه الإمام الباقر ( عليه السلام ):( إنّهُ حينما استدعاهُ هشام بن عبد الملك بن مروان إلى الشام، أُدخِل على هشام وهو جالس على الأريكة يحيط به قادة جيشه وحاشيته، فأراد هشام أن يوجّه لوالدي ضربة نفسيّة، فدعاهُ إلى الاشتراك في مسابقة رماية السهام.

وقد اعتذر والدي عن ذلك، نظراً لتقدّمه في السنّ، ولكنّ هشام أقسمَ عليه أن يشترك في السباق، وأوعزَ إلى أحد أتباعه أن يُحضر لوالدي قوساً وسهماً، فأخذَهما والدي وسدّد السهم ثمّ أطلقهُ ليقع في مركز الهدف، ثمّ رَمى الثاني فشقّ الأوّل ليقع في مركز الهدف أيضاً، وهكذا فعلَ بتسعة سهام، الأمر الذي أثارَ دهشة وعجب هشام، حتّى أنّه لقّب والدي بأنّه أمهر رُماة العرب والعجم، وسألهُ: من أين تعلّمتَ هذا التسديد المُحكم للسهام، وفي أيّ وقت؟ فأجابهُ والدي: اعلَم أنّ رماية السهم من الفنون المتعارفة في المدينة، وأنّه تعلّمها في مرحلة الشباب ).

____________________

(١) الكافي: ٦ / ٤٧.

(٢) كنز العمّال: ٤ / ٣٥١.

(٣) الكافي: ٥ / ٤٩، الوسائل: ١٣ / ٣٤٨.


٤ - سباقُ الخيل

إنّ سباق الخيل من الألعاب الرياضية والترفيهية، التي وقعت مورداً لتأييد الدين الإسلامي وتشجيعه، وقد عدَّ النبي ( صلّى الله عليه وآله ) تربية الخيول ورمي السهام من الأمور المحمودة.

وقد قال الرسول الأكرم ( صلّى الله عليه وآله ):( كلّ لهو المؤمن باطل إلاّ في ثلاث: في تأديبه الفرس، ورميه من قوسه، وملاعبته امرأته فإنّها حقّ ) (١) .

٥ - الفروسيّة

تُعدّ رياضة الفروسية من المسائل الضرورية في الحياة، وقد حثّ عليها الإسلام ودعا إليها.

فقد ورد عن النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) أنّه قال:( كلّ لهو المؤمن باطل إلاّ في ثلاث: في تأديبه الفرس، ورميه من قوسه، و... ) (٢) .

وفي رواية أخرى عنهُ ( صلّى الله عليه وآله ):( أحبّ اللهو إلى الله تعالى، إجراء الخيل والرمي ).

وعن الإمام الصادق ( عليه السلام ):( أغارَ المشركون على سرح المدينة، فنادى فيها منادٍ: يا سوء صباحاه، فسمعها رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) في الخيل، فركب فرسهُ في طلب العدوّ، وكان أوّل أصحابه، لَحقهُ أبو قتادة على فرسٍ لهُ، وكان تحت رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) سَرج دفّتاه ليف ليس فيه أشر ولا بطر، فطلب العدوّ فلم يلقوا أحداً، وتتابعت الخيل، فقال أبو قتادة: يا رسول الله، إنّ العدوّ قد انصرفَ فإن رأيتَ أن نستبق،

____________________

(١) كنز العمّال: ٤ / ٣٣٨، الكافي: ج٥، ص٥٠.

(٢) فروع الكافي: ٥ / ٥٠.


فقال: نعم، فاستَبقوا فخرج رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) عليهم، فقال: أنا ابن العواتك من قريش، إنّه لهو الجواد البحر - يعني فرسه - ) (١) .

أجل، إنّ الفروسية بوصفها رياضة مفيدة يراد منها الاستعداد للدفاع عن بيضة الإسلام، لها مكانة مرموقة في التاريخ الإسلامي، فقد ذَكرجرجي زيدان : ( ولمّا تحضّروا بعد الإسلام بالَغوا في اتّخاذ الميادين، واستكثروا من الخيول وتفنّنوا في تضميرها، وكان لمعاوية حلبة يخرجون إليها في أيّام معيّنة للسباق فمَن حازَ قصب السبق أجازوه، وقصبَ السبق قصبة يغرسونها في آخر الحلبة، فمَن سبقَ إليها وأطلعها فهو الفائز )(٢) .

٦ - السِباحة

ومن بين الرياضات التي تُعدّ فنّاً في حدِّ ذاتها وتؤثّر في سلامة الإنسان تأثيراً إيجابياً رياضة السباحة.

إنّ السباحة تقوّي في الإنسان دفاعه وحفظه لنفسه، وهي رياضة مسلّية تؤثّر في صحّة الإنسان وسلامته، وقد اعتبر الإسلام أنّ من واجب الآباء أن يُعلّموا أبناءهم هذه الرياضة، فقد وردَ عن النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ):( علِّموا أولادكم السباحة والرماية ) (٣) .

وقد كتبوا في الفوائد الصحّية للسباحة: ( بما أنّ الماء يُعدّ من عوامل التبريد والتطهير، فهو يؤدّي إلى نشاط الجسد وخفّة الروح، ويجعل الجِلد جميلاً وطريّاً، كما أنّ ملامسة الماء للجسم تؤدّي إلى التخفيف من الاضطرابات الناتجة عن التعب اليومي، وتُعيد للإنسان اطمئنانه واسترخاءه، وفوق ذلك فإنّ التحرّك في الماء يقوّي العضلات الدخيلة في الحركة والنشاط حين السباحة )(٤) .

____________________

(١) الكافي: ٥ / ٥١.

(٢) تاريخ التمدّن الإسلامي: ج٥.

(٣) فروع الكافي: ٩ / ٤٧ , ٤٩.

(٤) صحيفة همشهري: العدد ١٧٧٧، ص١٢.


٧ - رفعُ الأثقال

إنّ اختبار القوّة ورفع الأثقال الذي يجري حالياً في مختلف أنحاء العالم، هو رياضة معقولة ونافعة، تَعاملَ الإسلام معها بشكلٍ إيجابي، فقد وردَ في الحديث أنّ النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) مرّ بقومٍ يرفعون حجراً، فقال لهم:( ما يدعوكم إلى هذا؟ فقالا: لنعرف أشدّنا وأقوانا، فلم يعترض النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) على ذلك، لكنّه أراد أن يستفيد من المناسبة، ويرفع من مستوى الوعي لديهم، فقال ( صلّى الله عليه وآله ):ألا أُخبركم بأشدّكم وأقواكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال:أشدّكم وأقواكم الذي إذا رضيَ لم يدخله رضاه في إثم ولا باطل، وإذا سخطَ لم يُخرجه سخطهُ من قول الحقّ، وإذا قَدر لم يتعاطَ ما ليس بحقّ ) (١) .

٨ - تسلّقُ الجبال

كان تسلّق الجبال في السابق جزءاً من حياة الإنسان التقليدية والقروّية، فكان يتعيّن على الناس - وفقاً لظروف الحياة - أن يتسلّقوا الجبال لرعي الأغنام، وجَمع الحطب والعِشب والأدوية، بل ونقل البضائع والسفر، وأمّا في الوقت الراهن حيث اتّسعت رقعة المُدن، فقد حُرِم أغلب الناس من هذه النعمة، فغدا لا يستفيد من هذه الفرصة سوى القليل من الناس، في حين أنّهُ مع الأخذ بنظر الاعتبار ما تستتبعهُ حياة المُدن من التأثير السلبي على حياة الإنسان من جهة، وما في تسلّق الجبال من التأثير الايجابي على صحّة الفرد من جهةٍ أخرى، يتعيّن على الشباب أيضاً أن يستفيدوا من فوائد تسلّق الجبال وإن كان لبضع ساعات في الأسبوع.

فقد جاء في مقالٍ لبعض المنظّرين تحت عنوان( الجبل كفيلٌ بسلامة الإنسان وخير علاج للآلام ) : ( إنّ الجبل خيرُ مكان للقضاء على الأمراض الناشئة من الركود والكسل وقلّة الحركة، وأمّا بالنسبة إلى كبار السنّ فيُعتبر تسلّق الجبال خير وسيلة لعلاج المصابين بداء السكّر، حيث يمكنهم أن يسيطروا على نسبة السكّر في دمائهم عن طريق التسلّق مرّتين في الأسبوع، لمدّة ساعتين أو ساعتين ونصف في كلّ مرّة،

____________________

(١) مشكاة الأنوار: ص٢١٨.


 كما ينفع التسلّق لعلاج المصابين بالكولسترول، والسِمنة، وضغط الدم، والذبحة الصدرية، والسكتة الدماغية، كما يمكن إزالة السموم الراسبة في الرئتين بفعل استنشاق الهواء الملوّث في المُدن، عن طريق الاستنشاق العميق للهواء النقي الموجود في المناطق الجبلية، وبذلك يتمّ القضاء على الكآبة والاسترخاء والترهّل والكسل ليحلّ منها النشاط والجدّ، ممّا يؤدّي إلى حُسن العشرة وطلاقة الوجه في معاملة الآخرين ومعاشرتهم.

أخبارٌ مأساوية!

في الوقت الذي تقوم فيه الفِرَق الرياضية من خلال فوزها بتحقيق الرفعة والاعتزاز لبلدانها، حيث ينبغي أن يقوّي ذلك من الروح الرياضية والإنسانية في هواة الرياضة والمتفرّجين، إلاّ أنّهُ وللأسف الشديد نشاهد بعض المتفرّجين يقومون ببعض الأعمال القبيحة، حيث يبادرون إلى تحطيم وسائط النقل العامّة وبيت مال المسلمين، وفيما يلي نشير إلى نماذج منها:

١ - تزامناً مع إجراء المسابقات بين فريقي( استقلال طهران ) و( صنعة نفط عبادان ) في يوم الجمعة، تمّ توفير مئتي باص لنقل المتفرّجين، فألحقت أضراراً بأكثر من ثمانين باصاً، وقد بلغت قيمة الخسارة المادّية سبعين مليون ريال(١) .

٢ - أقدمَ عدد من المتفرّجين في مسابقتين لكرة القدم أُقيمتا في اليوم ٢٧ من ( شهريور )، والثالث من شهر ( مهر ) في ملعب( آزادي ) على الأضرار بمئة وخمسين باصاً، الأمر الذي اضطرّ معه المسؤولون إلى إرسال أكثرها إلى الورشات بهدف إصلاحها(٢) !

____________________

(١) صحيفة همشهري: العدد ١٦٤٧.

(٢) صحيفة همشهري: العدد ١٦٥٥.


٣ - أقدمَ المتفرّجون في المباراة المُنعقدة بين فريقَي( استقلال طهران ) و( الطيران ) العراقي، إلى الإضرار بمئة وخمسين باصاً، وقد بَلغت قيمة الخسائر أكثر من ٦٤ مليوناً وثلاثة وخمسين ألف ريال(١) .

٤ - قامَ بعض المتفرّجين في المباراة التي أُقيمت بين فريقي( بيروزي ) و( بارس ) ، عصر يوم الجمعة في نادي( آزادي ) بإلحاق الأضرار بسبعة وأربعين باصاً، وقد بلغت قيمة الخسائر أكثر من ١٥ مليون ريال، وكان لبعض المعارِضين للأجواء الرياضية السالمة وأحياناً العناصر المناهِضة للثورة، يد في وقوع مثل هذه الحوادث المريرة(٢) .

٥ - أقدمَ المتفرّجون في العام الجاري إلى الأضرار بـ(١٠٨٩) باصاً، وقد بلغَ مجموع الخسائر المادّية أكثر من(٥٥٧) مليون ريال!(٣) ، وبإضافة الموارد المتقدّمة يكون مجموع الباصات المتضرّرة ١١٣٦.

الأخلاقُ والرياضة

ليست الرياضة سوى استعراض للقابليات والمهارات، والمقاومة والشهامة، وعلى المتفرّجين - مضافاً إلى الاستمتاع بمشاهدة المباراة الرياضية - أن يتحلّوا بخصال الرياضيين التي أهلّتهم للنجاح، لكي يتمكّنوا من السير على طريقهم، ولحُسن الحظّ فإنّ الآثار الفيزيقية والروحية تؤثّران في بعضهما بشكلٍ إيجابي، وكما يقول الإمام الصادق ( عليه السلام ):( ما ضَعُف بَدن عمّا قويت عليه النية ) (٤) .

وكذلك إذا أقدمَ الإنسان على الرياضة والنشاط الجسدي المنتظم، وظهرت عليه آثار الاعتدال والصحّة، فستظهر بتبع ذلك الآثار الروحية والفضائل الأخلاقية والإنسانية على سلوكه، وأمّا إذا كان الأمر بعكس ذلك فسيظهر عليه العجز والانحطاط، فقد قيل قديماً:( العقلُ السليم في الجسم السليم ) .

____________________

(١) المصدر السابق: العدد ١٦٧٦.

(٢) المصدر السابق: العدد ١٧٩١.

(٣) المصدر السابق: العدد ٢١٦٣.

(٤) وسائل الشيعة: ١ / ٥٣، الحديث ١٤.


وعليه: فإذا كان هذا تأثير الرياضة على مَن يمارسها، فينبغي أن تترك نفس التأثير على هواة الرياضة والمتفرّجين فيستشعرون المسؤولية تجاه الشؤون العامّة، وأموال الدولة ويُبادرون إلى المحافظة عليها.

شخصيّاتٌ خالدة

في الوقت الذي عُدَّ فيه اللاعب الأرجنتيني الشهير( دياغو مارادونا ) ، شخصية مكروهة في الأوساط الإيطالية بسبب قيامه ببعض الأعمال المنافية للأخلاق في عام ١٩٩٠م(١) ، فلحُسن الحظّ نجد أنّ الرياضيين الإيرانيين والجمهور الإيراني قد تمّ الثناء عليه بمناسبة كأس العالَم لعام ١٩٩٧، حيث قال( ميلان ارسغان ) رئيس الاتحاد العالَمي للمصارعة: ( تحضى إيران بأكثر وأفضل جمهور للمصارعة في العالَم، وأرى من المناسب هنا أن أغتنم الفرصة وأشكر الجمهور الإيراني أصالةً عن نفسي، ونيابةً عن الأعضاء والعاملين والهيئة الإدارية في منظمة ( فيلا ) للمصارعة في العالم )(٢) .

ولم ننسَ أنّ اتّحاد المصارعة الإيراني، قد قام بإحياء للذكرى السنوية الحادية والثلاثين لبطل المصارعة( غلام رضا تختي ) ، لمَا كان يتحلّى به هذا المصارِع من سجايا أخلاقية، بالقرب من مثواه الأخير في مقبرة( ابن بابويه ) ، حيث اشتركَ في الحفل الأبطال من المتقدّمين والمتأخّرين في المصارعة الوطنية والعالَمية، وتمّ وَضع حجر الأساس لمبنى المصارعة الذي حَمَل اسم ( غلام رضا تختي )، إحياءً لذكراه قريباً من ضريحه(٣) .

____________________

(١) صحيفة رسالت: العدد ١٤٤١.

(٢) صحيفة همشهري: العدد ١٦٣٥.

(٣) صحيفة جمهوري إسلامي: العدد ٥٦٧٦.


كما نعلم أنّ بطل العالَم السابق في الملاكمة الأمريكي المسلم( محمد علي كلاي ) ، لِمَا يتمتّع به من مُعتقد وروح محبّة للخير، قامَ بالوقوف بوجه الحصار الاقتصادي الذي فرضتهُ الإدارة الأمريكية ضدّ كوبا ودامَ ٣٥ سنة، فتبرّع من ماله الخاصّ بما يعادل مليون ومئتي ألف دولار من الأدوية والأجهزة الطبية، وأهداهُ إلى مستشفى في هافانا عاصمة كوبا(١) .

كما طالبَمحمد علي كلاي - في مقابلة لهُ أجرتها قناة تلفاز الشباب الأمريكي - بنبذ العُنف، والتحلّي بالرأفة والسجايا الإنسانية الكريمة، وأضافَ: إنّ جميع الكُتب السماوية دَعت أتباعها للالتزام جانب الرأفة، وأنكرت العُنف بشدّة(٢) .

ومهما كان فينبغي للرياضة أن تترك على الرياضي والمشاهِد - مضافاً إلى البطولة الظاهرية - روح الشهامة والصلاح والأمانة، وأن تُغرس فيه الفضائل الأخلاقية والإنسانية، وقد رويَ عن مولانا أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أنّه قال:( أشجعُ الناس مَن غَلب هواهُ ) (٣) .

____________________

(١) صحيفة خبر: العدد ٤٢٦.

(٢) صحيفة همشهري: العدد ١٨٢٠.

(٣) سفينة البحار: ٢ / ٨١٠، طبع آستان قُدس رضوي.


(١٨)

أبطالُ الإيمان

إنّ النشاط والعُنفوان والحيوّية والسعي والقدرة وصفاء القلب ورقّته، وحُبّ التطلّع والفضيلة والتأسّي، من الصفات التي يتحلّى بها الإنسان في مرحلة الشباب.

وقد استرعت هذه الصفات الروحية والأخلاقية اهتمام أئمّة الإسلام ( عليهم السلام )، بوصفها سلسلة تُمهّد الأرضية لاستجابة الشباب وتلبية حاجاتهم العاطفية والعقلية، ونودّ أن نشير هنا إلى نموذجين لذلك:

الأوّل: قال الإمام الباقر ( عليه السلام ):( إنّ عليّاً ( عليه السلام ) أتى سوق البزّازين، فوقفَ على غلام فأخذَ ثوبين أحدهما بثلاثة دراهم، والآخر بدرهمين، وقال لخادمه: يا قنبر، خذ الذي بثلاث، فقال: أنتَ أولى به، تَصعد المنبر وتَخطب الناس، فقال ( عليه السلام ): وأنت شابٌّ ولك شَرَه الشباب، وأنا أستحي من ربّي أن أتفضّل عليك، سمعتُ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) يقول: ألبِسوهم ممّا تَلبسون، وأطعِموهم ممّا تأكلون ) (١) .

الثاني: كان محمّد بن علي النعمان الكوفي، يُلقّب بـ( مؤمن الطاق ) و( الأحول ) ، وكان كثير العلم حَسن الخاطر، وكان دكّانه في طاق المحامل بالكوفة يُرجع إليه في النقد، وكان برغم ذلك دائباً في طلب العلم،

 ____________________

(١) بحار الأنوار: ٤٠ / ٣٢٤.


فقد رويَ عن أبي خالد الكابلي قال:رأيتُ أبا جعفر صاحب الطاق وهو قاعد في الروضة، قد قطعَ أهل المدينة إزاره وهو دائب يجيبهم ويسألونه .

وذات مرّة كان محمّد عائداً إلى المدينة من سفرة تبليغية قضاها في البصرة، فقال لهُ الإمام الصادق ( عليه السلام ):( كيف رأيتَ مُسارعة الناس في هذا الأمر ودخولهم فيه؟ فقال: والله إنّهم لقليل، فقال ( عليه السلام ):عليك بالأحداث؛ فإنّهم أسرع إلى كلّ خير ) (١) .

أجل، إنّ مثل هذه الأرضية الروحية الملائمة التي تنشأ من الفطرة الطاهرة، توجِد ظروفاً مؤاتية في الشباب، وتَجعلهم على استعداد لتقبّل الأحكام الإلهيّة والإيمان بالعقائد الحقّة.

ومن هنا وردَ عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) أنّهُ قال:( مَن قرأ القرآن وهو شابّ مؤمن، اختلطَ القرآن بلحمه ودَمه ) (٢) .

ولأجل هذه الأرضية المساعِدة وللحيلولة دون الجهل بأحكام الدين الذي يؤدّي إلى الضياع، قال الإمام الباقر ( عليه السلام ):( لو أُتيت بشابٍ من شباب الشيعة لا يتفقّه في الدين، لأوجَعتهُ ) (٣) .

وفي بيان الأثر العميق الذي يتركهُ التعلّم في عهد الشباب قال النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ):( مَن تَعلّم في شبابه كان بمنزلة الرسم في الحَجر، ومَن تَعلّم وهو كبير كان بمنزلة الكتابة على وجه الماء ) (٤) .

أجل، إنّنا إذا التفتنا إلى التعاليم السماوية عَبر التاريخ، وعلى الخصوص الدين الإسلامي الحنيف، لوجدنا ما في الفطرة الطاهرة الموجودة عند الشباب من طاقات جبّارة جَعلت منهم قدوة تُحتذى، وإليك فيما يلي نماذج من هؤلاء الشباب على سبيل المثال دون الحصر:

____________________

(١) بحار الأنوار: ٢٣ / ٢٣٦.

(٢) بحار الأنوار: ٧ / ٣٠٥.

(٣) سفينة البحار: ٢ / ٧٨٨.

(٤) نوادر الراوندي: ص٧٠، سفينة البحار: ٢ / ٢٢٢.


١ - بطلُ العفّة

كلّنا يَعرف قصّة يوسف الصدّيق ( عليه السلام )، بطل العفّة والاحتشام الواردة في القرآن الكريم ضمن سورة معروفة باسمه، حيث ينتقل يوسف ( عليه السلام ) من( كنعان ) إلى( مصر ) ، وبالتحديد إلى قصر( بوتيفار ) عزيز مصر، وقد تحتمّ عليه أن يعيش هناك، إلاّ أنّ شدّة جماله أوقعت( زليخا ) زوجة العزيز في حُبّه حتّى طلَبت منه الفاحشة، إلاّ أنّ يوسف كان مطهّراً وسليلاً للأنبياء فقاومها بشدّة وقال:( مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ) (١) .

وكان جزاء يوسف ( عليه السلام ) - عن عدم استجابته لطلب زليخا صاحبة القصر، وثباتهُ على إيمانه - أن أودِعَ السجنَ وأمضى فيه سنيناً، ولكن ما أن اتّضحت براءتهُ للجميع وأطلقَ سراحه حتّى صار وزيراً وعزيزاً لمصر، في حين تحوّلت زليخا إلى عجوز تفترش تراب المذلّة(٢) !

٢ - جذوةُ الإيمان والإباء

إنّ الذي يميّز الإنسان عن سائر المخلوقات هو ما يمتلكه من قدرة على التفكير والتدبير، وهناك آيات كثيرة في القرآن تحثّ الإنسان على التعقّل والتفكّر، بل يرى الإسلام أنّ التفكير من أفضل أنواع العبادة، قال الإمام الرضا ( عليه السلام ):( أفضلُ العبادة: إدمانُ التفكير في الله وفي قدرته ) (٣) .

وقال الإمام علي ( عليه السلام ):( الفكرُ مرآة صافية ) (٤) .

وقال الإمام الصادق ( عليه السلام ):( تفكّر ساعة خيرٌ من قيام ليلة ) (٥) .

وإنّ قصّة أصحاب الكهف نموذج مهمّ للتفكير والتعقّل، وقد وردت قصّتهم في الآيات من ٩ إلى ٢٧ من سورة الكهف، وطبقاً لِمَا ورد في القرآن والأحاديث،

____________________

(١) سورة يوسف: الآية ٢٣.

(٢) بحار الأنوار: ١٢ / ٢٥٣ و ٢٩٦.

(٣) أصول الكافي: ٢ / ٤٥، بحار الأنوار: ٦٨ / ٣٢٥.

(٤) نهج البلاغة: صُبحي الصالح، الحِكمة رقم ٥.

(٥) أصول الكافي: ٢ / ٤٥، بحار الأنوار: ٤٨ / ٣٢٨.


 فإنّ عددهم كان سبعة(١) ، وكانوا يعيشون في عهد( دقيانوس ) المولود سنة ٢٠١م، والمتوفّى سنة ٢٥١م، والذي حَكمَ الروم لثلاث سنوات سامَ فيها النصارى ويلاً وثُبوراً.

وقد كان أصحاب الكهف من حاشية المَلك ووزرائه، وقد رويَ عن الإمام علي ( عليه السلام ):( إنّ أصحاب الكهف كانوا كهولاً فسمّاهم الله فتية بإيمانهم ) .

وخلاصة قصّة أصحاب الكهف - طبقاً لِمَا هو المنقول عن الإمام علي ( عليه السلام ) - أنّهم كانوا ستّة نفر اتّخذهم دقيانوس وزراءه، فبينما هم ذات يوم في عيد والبطارقة عن يمينه، والهراقلة عن يساره إذ أتاه بطريق فأخبرهُ أنّ عساكر الفرس قد غشيته، فاغتمّ لذلك حتّى سقطَ التاج عن رأسه، فنظرَ إليه تلميخا فقال في نفسه:لو كان دقيانوس إلهاً كما يزعم إذاً ما كان يغتمّ ولا يفزع، ثمّ جَمعَ بعدها الفتية وقال لهم:أطلتُ الفكر في الأرض... فأدركتُ أنّ لها صانعاً ومدبّراً غير دقيانوس المَلك ، فقال له الفتية:بكَ هدانا الله تعالى من الضلالة إلى الهدى فأشِر علينا ، فوثبَ تلميخا فباعَ تمراً من حائط لهُ وركبوا خيولهم وخرجوا من المدينة(٢) .

وطبعاً ليس من السهل ترك المناصب، إلاّ أنّ العقيدة والإيمان كانا من القوّة بحيث تنكّروا لجميع العلائق المادّية، وتوجّهوا نحو الكهف بعد أن قطعوا مسافة طويلة ركوباً ومشياً على الأقدام، وهناك ناموا نومتهم ليستيقظوا بعد ٣٠٩ سنوات بقدرة الله؛ ليجسّدوا عَظمة الإيمان والمَعاد.

٣ - التغلّبُ على هوى النفس

وإنّلمحمّد بن سيرين صاحب كتاب ( تفسير الأحلام ) المعروف، قصّة مشابِهة لقصّة يوسف الصدّيق ( عليه السلام )، وقد عاشَ محمّد بن سيرين في القرن الهجري الأوّل، وكانت وفاتهُ سنة ١١٠ للهجرة(٣) .

____________________

(١) سورة الكهف: الآية ١٢٢.

(٢) سفينة البحار: ٢ / ٣٨٢.

(٣) تتمّة المُنتهى: ص٨٤.


وقد كان محمّد بن سيرين بزّازاً جميل المُحيّا، فَعشقتهُ امرأة وطلبتهُ لتشتري منه بزّاً، فأدخلتهُ دارها وطلبَت منهُ الحرام، قال:معاذ الله، وشَرعَ في ذمّ الزنا، فلم ينفع ذلك، فخرجَ من عندها إلى الكنيف فلطّخَ بَدنهُ بالقذارات، فلمّا رأتهُ المرأة بتلك الهيئة القبيحة تنفّرت منهُ فأخرجتهُ من دارها.

قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ):( مَن قَدَر على امرأة أو جارية حراماً فترَكها مخافة الله، حرّم الله عزّ وجل عليه النار، وآمَنهُ الله تعالى من الفزع الأكبر وأدخلهُ الله الجنّة ) (١) .

أجل، لقد مَنعَ هذا الشاب دينهُ وتقواه من ارتكاب هذا العمل القبيح، ولأجل ذلك ألهمَهُ الله هذا العلم، فَقدّمت مؤلّفاته خَدَمات في مجال تفسير الأحلام والإرشاد، ولا زالت مؤلّفاته من الكتب المعتمَدة.

٤ - اجتنابُ أكل الحرام

إنّ الشريعة الإسلامية تمنع أكل الحرام، وإنّ الذي يأكل الحرام - مضافاً إلى عدم انتفاعه بعبادته - سيعاقَب في الآخرة أيضاً.

قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ):( مَن أكل لقمةً من حرام، لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة ) (٢) .

وقال أيضاً:( إذا وقَعت اللقمة من حرام في جوف العبد، لَعنهُ كلّ مَلَك في السماوات والأرض ) (٣) .

وقال أيضاً:( العبادةُ مع أكل الحرام كالبناء على الرمل ) (٤) .

إنّ مسألة اجتناب أكل الحرام من المسائل التي شَغلت اهتمام المؤمنين طوال التاريخ الإسلامي، على الخصوص إذا كان مصدر هذا الطعام الحاكم الظالم الذي يحاول شراء الذِمم، وإيمان الناس عن هذا الطريق.

____________________

(١) عقابُ الأعمال: ص٣٣٤، وسائل الشيعة: ١١ / ١٩٩.

(٢) كنز العمّال: ٤ / ١٥.

(٣) مشكاة الأنوار: ص٣١٥، بحار الأنوار: ١٠٠ / ١٢.

(٤) بحار الأنوار: ١٠٠ / ص١٦.


يُحدّثنا التاريخ بأنّ معاوية بن أبي سفيان كان يشتري إيمان أصحاب علي ( عليه السلام )، وتفريقهم عنهُ بواسطة ما يبعثهُ إليهم من شهيّ الطعام ولذيذه.

ومن تلك الموارد: قصّة العسل الذي بعثهُ إلى( أبي الأسود الدؤلي ) ، وهو من خُلّص أصحاب الإمام، والذي يُنسب إليه وَضع علم النحو بإشارة من الإمام علي ( عليه السلام )، وقد بيَّن فضائل الإمام ( عليه السلام ) ومناقبهُ في شعره وأدبه.

( يُروى أنّ معاوية أرسل إليه هدية منها حلواء، يريد بذلك استمالتهُ وصرفهُ عن حُبّ علي ( عليه السلام )، فدَخلت ابنة صغيرة لهُ في الخامسة أو السادسة، فأخذَت لقمة من تلك الحلواء وجَعلتها في فمها، فقال لها أبو الأسود:يا بنتي، ألقيهِ فإنّه سمّ، هذه حلواء أرسلها إلينا معاوية ليخدعنا عن أمير المؤمنين ( عليه السلام )، ويردّنا عن محبّة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فقالت الصَبية:قبّحهُ الله يَخدعنا عن السيّد المطهّر بالشهد المزعفَر، تبّاً لمرسله وآكله ، فعالَجت نفسها حتّى قائت ما أكلَت، ثمّ قالت:

أبا الشهد المزعفَر يا بن هند

نبيعُ عليك أحساباً ودينا

معاذَ الله كيف يكون هذا

ومولانا أمير المؤمنينا

وبعد ذلك حَمل أبو الأسود الرسالة التي كان معاوية قد بعثَ بها إليه مع العسل، واصطحبَ ابنته وسارا إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وحدّثاه بالخبر، فابتسمَ الإمام ودَعا لهما، وأباحَ لهما العسل بعد أن ضمّه في بيت المال ليكون حلالاً عليهما )(١) .

ومهما كان، فإنّ استخدام العقل والفكر وقدرة الإيمان عند مواجهة الشهوات والميول النفسية، من الصفات التي يتحلّى بها الشباب، ومن خلال الالتفات إلى هذه الحقيقة قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ):( خيرُ شبابكم مَن تشبّه بكهولكم ) (٢) .

آثارُ الإيمان وأضرار المعاصي

إنّا وإن تعرّضنا في طيّات هذه المقالة للأثر البنّاء الذي يلعبهُ الإيمان في الردع عن الوقوع في المعاصي والضلال، وهذا ما ثبتَ لنا بالتجربة أيضاً، إلاّ أنّه من المناسب أيضاً أن نتعرّض في الختام إلى آراء عددٍ من العلماء في هذا الخصوص:

____________________

(١) الكُنى والألقاب: ١ / ٩، سفينة البحار: ٢ / ٦٦٩.

(٢) مشكاة الأنوار: ص١٧٠.


قال الفيلسوف الغربي الشهير( وليم جيمس ): إنّ الإيمان من القِوى التي تساعد الإنسان على الحياة، وفقدانهُ يعني الموت والفناء (١) !

وقد ذَكر الدكتور( آفيبوري ) العالِم الانجليزي المعروف، أضرار اتّباع الشباب للهوى الناتج عن فقدان الإيمان فقال: إنّ الشابّ الذي لا يسيطر على جماح نفسه، سوف يكون مصيرهُ الندم والحسرة في أيّام الشيخوخة والهَرم، إنّنا إذا تمكّنا من السيطرة على أهوائنا فستغدوا جميع المشاكل سهلة، إلاّ أنّ السيطرة على النفس بحاجة إلى جهدٍ كبير، إنّ المعاصي هي مصدر الأمراض النفسية، يتصوّر الكثير إمكان التخلّص من العواقب السيئة للذنوب عن طريق التوبة، إلاّ أنّ هذا التصوّر ليس صحيحاً، إنّ للّهو والصَخب تَبَعات خطيرة تُحتّم علينا التخلّي عن هذه اللذّة المؤقّتة التي تعود علينا بالأضرار الكبيرة، وعلينا أن نعلم جيّداً أنّ الحياة مقرونة بالآلام والمِحن، وإذا أردنا أحياناً أن نسير في اتجاه معاكس لهذا القانون الثابت - من خلال الانغماس في الملذّات الخادعة - فإنّنا سرعان ما سنجني ثمار ذلك(٢) .

____________________

(١) جكونه تَشويش ونِكراني را دُور كنيم؟ ص٢٢٧.

(٢) در جُست وجوي خوشبَختي: ص١٣، ١٦، ٢٢، ٣٩.


(١٩)

العملُ والبطالة

إنّ البطالة وعوارضها المؤلمة، من الأمور التي تُثير القلق على الخصوص بالنسبة إلى جيل الشباب الذين يتطلّعون إلى مستقبل زاهر.

إنّ شبحَ البطالة القبيح لدى الجميع يُعدُّ حالياً مُعضلة عالَمية، وإنّ أزمة البطالة تُهدّد حالياً سبعة من الدول الصناعية المعروفة بـ( مجموعة السبعة ) وهي:بريطانيا، وكندا، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، واليابان، والولايات المتّحدة الأمريكية ، فإنّ ٣٠% من الأيدي العاملة عاطلة عن العمل أو قليلة العمل(١) .

فما هو سبب هذه البطالة العالمية التي تُخلّف الفقر والاضطرابات الكثيرة؟

لا شكّ أنّ من أهمّ أسباب العمل والسعي هي: الأموال التي يُستهلك الجزء الأعظم منها - مع الأسف في السنوات الأخيرة - في صُنع الطائرات وملايين الألغام والقنابل والصواريخ، على يد القوى الاستعمارية ليتمّ استخدامها في الحروب، وإلقاؤها على المُدن والشعوب المظلومة.

فلابدّ في مثل هذه الظروف من حُلول عالمية جادّة، ولكي نبدأ بأنفسنا ونُبدّل البطالة إلى عملٍ حثيث، ونُقلّل من تَبعاتها الفظيعة، لابدّ لنا من الانتباه بدقّة لنتعرّف أسباب البطالة، لنضع الحلول التي تقضي عليها أو تحدّ منها، وبما أنّ البطالة حالياً تُعدّ من الأسباب الرئيسة التي تحول دون زواج الشباب، فإنّنا نستعرض المطالب والحلول الآتية:

____________________

(١) صحيفة كيهان: العدد ١٤٩٩٦.


ذُلّ البطالة وعزّة العمل

إنّ البطالة وإن كانت من بواعث القلق، ولكن في الوقت نفسه فإنّ النظر إلى البطالة بوصفها أمراً قبيحاً، والعمل بوصفه عزّة وشرفاً، يمكنه أن يوضّح لنا الحلول اللازمة.

قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ):( ملعونٌ مَن ألقى كَلّهُ على الناس ) (١) .

وعن ابن عبّاس قال: ( كان رسول الله إذا نظرَ إلى الرجل فأعجبهُ قال:هل له حِرفة؟ فإن قالوا: لا، قال:سَقطَ من عيني، قيل: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال:لأنّ المؤمن إذا لم يكن لهُ حرفة يعيش بدينه ) (٢) .

وعن زرارة قال: إنّ رجلاً أتى أبا عبد الله ( عليه السلام ) فقال: إنّي لا أُحسن أن أعمل عَملاً بيدي، ولا أُحسن أن أتّجر، وأنا مُحارف محتاج، فقال:( اعمَل فاحمِل على رأسك واستغنِ عن الناس؛ فإنّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) قد حَملَ حَجراً على عاتقه، فوضعهُ في حائطٍ له من حيطانه، وإنّ الحجر لفي مكانه ولا يدري كم عُمقه ) (٣) .

ومن جهةٍ أخرى، فإنّ الإسلام يرى أنّ العمل الذي يوجِب الكسب وتأمين المعاش، واجبٌ شرعاً، فقد وردَ عن النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) أنّه قال:( طلبُ الحلال فريضة على كلّ مسلم ومسلمة ) (٤) .

وفي روايةٍ أخرى عنهُ ( صلّى الله عليه وآله ):( العبادةُ سبعون جزءاً أفضلُها طلبُ الحلال ) (٥) .

____________________

(١) تُحف العقول: ص٣٢، فروع الكافي: ٥ / ٧٢.

(٢) بحار الأنوار: ١٠٠ / ٩، الحديث ٣٨، جامع الأخبار: ص١٣٩.

(٣) فروع الكافي: ٥ / ٧٧، وسائل الشيعة: ١٢ / ١٢.

(٤) جامع الأخبار: ص١٣٩، بحار الأنوار: ١٠٠ / ٩، الحديث ٣٥.

(٥) فروع الكافي: ٥ / ٧٨، الحديث ٦.


وبإسنادٍ عن المعلّى بن خنيس قال: ( رآني أبو عبد الله ( عليه السلام ) وقد تأخّرتُ عن السوق، فقال:( أُغدُ إلى عزّك ) (١) .

أسبابُ البطالة

لا شكّ أنّ الدولة المستعمَرَة هي السبب الرئيسي الكامن وراء البطالة، فإنّها تمكّنت طوال قرنين من تنفيذ مخطّطاتها الاستعمارية على الشعوب بمختلف الأساليب الصناعية والثقافية.

ونحن نرمي من خلال التأكيد على مخطّطات الاستعمار العالَمي إلى أمرين:

 الأوّل: أن لا نغفل المؤامرات التي يحوكها الأعداء،والثاني: رفع مستوى الثقة بالنفس، إلاّ أنّه لا ينبغي لنا إلقاء اللوم في شيوع البطالة على العدوّ الخارجي فقط، ونغفل الأسباب الأخرى التي تنشأ بسبب التقصير أو القصور من جانبنا.

وبما أنّ معرفة أسباب المرض تساعد على معالجته بشكلٍ أفضل، فيمكننا أن نذكر المسائل الاجتماعية التالية مع بيان الحلول:

أ - ازديادُ السكّان

لا شكّ أنّ ارتفاع عدد السكّان قد أوجدَ في مجتمعنا أزمة البطالة وارتفاع نسبة العاطلين عن العمل، وفي كلّ محافظة هناك نقابة التوظيف العالي التي تهدف إلى رفع هذه المُعضلة الاجتماعية.

قال المدير العام للعمل والأمور الاجتماعية في آذربيجان الشرقية: يوجد حالياً مليون ونصف عاطل عن العمل في البلاد، وأنّ عدد الأفراد الذين تفوق أعمارهم العشر سنوات يبلغ ١٥ مليون نسمة، لابدّ أن يدخلوا مجال العمل في السنوات القادمة، ولابدّ من إعداد فُرص العمل لهم(٢) .

____________________

(١) وسائل الشيعة: ١٢ / ٣، الحديث ٢.

(٢) صحيفة همشهري: العدد ١٧٠٨.


ب - عدمُ التخطيط المناسب

تعمل المجتمعات المتقدّمة على البحث والتخطيط الدقيق والمناسب اجتماعياً، فحتّى بعد الحرب العالمية الثانية بادرت دول مثل:ألمانيا، واليابان في زمن الحرب، إلى توظيف القوى والطاقات التي تخرج من سوح القتال وتعود إلى حياة المُدن، لتجعلهم يعملون وفقاً لظروفهم الروحية وقابلياتهم الجسديّة، وبذلك تتمّ الحيلولة دون ضياع الجهود والطاقات.

إلاّ أنّ هذا الشيء لم يحصل في بلادنا بالشكل المطلوب لأسباب مختلفة، وأنّ احتراق الغابات وتدمير المصادر الطبيعية، والأضرار التي لحقت البلاد بفعل الحرب المفروضة من قِبل العراق على إيران الإسلامية، وما خلّفتهُ من نسبة عالية من المعوّقين، وعدم التوازن في تربية الطاقات الإنسانية في المجتمع، من العوامل التي وسّعت حدود البطالة، حتّى بلغت نسبة البطالة ١٤%(١) .

أجل، إنّ عدم الاعتدال وعدم التخطيط، أدّى بالمسؤولين المعنيين إلى الاعتراف بأنَّ هناك أكثر من ٣٠٠ ألف خرّيج جامعي يرزح تحت وطأة البطالة، وفي عم ١٣٧٥ تمكّن ٣٠٢٢ شخصاً فقط من مجموع ١٢٨ ألفاً، من الحصول على عمل ووظيفة(٢) .

ج - قيامُ الآلة مقام اليد العاملة

لا شكّ أنّ الماكنة والآلات الكهربائية برغم الخدمات التي قدّمتها للبشرية، قد زاحمت مساحة عظمى من الطاقات الإنسانية، وكان من نتيجة ذلك أن تَعطّلَ جزء كبير من القوى الإنسانية العاملة!

أي في كلّ موردٍ من الصناعة، والبناء، والمناجم، والحمل والنقل، وتعبيد الطُرق والفلاحة، نجد أنّ ماكنة واحدة قد تحلّ محلّ عشرين شخصاً وتجعلهم عاطلين عن العمل.

____________________

(١) المصدر المتقدّم.

(٢) صحيفة إيران: العدد ٨٦٨.


وطبعاً هذه نتيجة قهرية، ولا نريد بذلك أن ندعو إلى إلغاء الصناعة وتطوير الآلة، ولكن كما تقدّم أن قلنا يمكن التغلّب على هذه المشكلة من خلال التخطيط الصحيح والمدروس لبناء مجتمع سليم، ولكن على كلّ حال فإنّ الماكنة قد شكّلت حاجزاً وعَقَبة أمام اشتغال الأفراد.

د - الهجرة

إنّ الهجرات الواسعة التي تُسبّب البطالة على نوعين:الهجرة من القرى إلى المُدن، والهجرة من الخارج إلى داخل القطر .

لا شكّ أنّ الهجرة من القرى إلى المُدن تؤدّي إلى البطالة، أو اللجوء إلى الحِرف الوهمية، وأحياناً تؤدّي إلى مشاكل أخلاقية واجتماعية، ومن جهةٍ أخرى - كما شاهدنا في مناطق كثيرة - تؤدّي إلى تحطيم العمران وضياع مصادر الإنتاج من الزراعة ورعي الماشية، وهما عنصران مهمّان في الحياة الاقتصادية.

كما أنّ هجرة الأجانب - مضافاً إلى ما فيها من التَبَعات الأخلاقية والاجتماعية - تؤدّي إلى إشغال فُرص العمل وبطالة أفراد المجتمع.

صرّحَ وزير الدولة بأنّه:يُقيم حالياً في إيران حوالي مليون ونصف لاجئ من الأفغان والعراقيين وسائر الدول، وقد شغلوا في العام المنصرم ٨٠٠ ألف فرصة عمل من مجموع ٨٣٥ ألف فرصة (١) .

وقال مدير الدائرة للعمل والأمور الاجتماعية في محافظة أصفهان: إنّ عدد الأجانب العاملين في أصفهان يفوق العاطلين عن العمل بمقدار ضعفٍ ونصف، فإذا تمّ التغلّب على مشكلة الأجانب فستُحلّ مشاكل البطالة في محافظة أصفهان بنسبة ٨٠%(٢) .

____________________

(١) صحيفة همشهري: العدد ١٧٠٧.

(٢) المصدر المتقدّم: العدد ١٧٠٤.


هـ - عدمُ الكفاءة اللازمة

ومن بين المشاكل التي تؤدّي إلى ظهور البطالة في المجتمع ظاهرة الأميّة، أو انعدام الدراسات العُليا، وعدم اكتساب المهارات والكفاءات التخصّصية للعمل النافع، وقد ذَكر المدير العام لوزارة العمل والأمور الاجتماعية بهذا الخصوص: في السنة الماضية تمكّن أربعة آلاف ومئتان وثمانون شخصاً من بين٥٢٧ ألف متطوّع للعمل، من الحصول على وظيفة وكان ٧١% منهم فاقداً للكفاءات العملية(١) .

وقال المدير العام للعمل والأمور الاجتماعية في محافظة آذربيجان الشرقية: إنّ أكثر الذين يُعلنون عن رغبتهم في الحصول على عملٍ، يفتقرون إلى المهارات التخصّصية اللازمة(٢) .

و - المشكلة الثقافية

إنّنا في الوقت الذي يتعيّن علينا أن نَعدّ المشكلة الثقافية جزءاً من عدم التخطيط الدقيق لبُنية المجتمع، لابدّ لنا من أن نُضيف: أنّه ما دامت الفكرة السائدة بشأن التعلّم هي الحصول على الشهادة بهدف الحصول على وظيفة، فإنّ ذلك إن دلَّ على شيءٍ فإنّما يدلّ على عدم الفهم الصحيح لمعنى العمل ومفهوم السعي والمثابرة.

ذلك أنّ هذا النوع من الفهم يؤدّي عموماً إلى شدّ القوى المعنوية للعلم إلى الدعة، ممّا يُقلّل من العطاء المفيد، ويتمّ الإعلان بصراحة:( هناك مليون عامل في الأجهزة الحكومية لا يؤدّون خدمة حقيقية ) (٣) .

أجل، إنّ هذه المشكلة الثقافية حَدت بالرئيس العام للمنظّمة الطبيّة إلى أن يقول: ( هناك حالياً ٢٣١٣ غرفة طبية خالية من الطبيب، بسبب مشكلة إصدار الترخيص في العمل،

____________________

(١) المصدر المتقدّم: العدد ١٥٤٩.

(٢) المصدر المتقدّم: العدد ١٧٠٨.

(٣) صحيفة كيهان: العدد ١٦٢٧٨.


 ولحدّ الآن لم يتمكّن خمسة آلاف طبيب عاطل من الحصول على ترخيص لمباشرة أعمالهم الطبية )(١) .

وممّا لابدّ من إضافته: أنّ البلدان المتقدّمة ترى أنّ الدراسة إنّما يراد منها الحصول على الشهادة واكتساب الكفاءة، لاستثمارها في الأسواق الحرّة، وليست بهدف الحصول على وظيفة حكومية والجلوس خلف الطاولات.

ز - القناعةُ والإبداع

برغم وصايانا المتكرّرة للشباب الأعزاء، بالتحلّي بروح الأمل والسعي والهمّة العالية لنيل الأعمال الكبيرة، ولكن ما الذي ينبغي فعلهُ حينما يصرّح وزير الدولة بأنّ نسبة البطالة في البلاد تبلغ ١١%، وأنّ نسبتها في المحافظات ١٩%، وفي بعض المُدن ٢٨%، وفي إحدى المدن ٤٢%(٢) ؟

في مثل هذه الموارد بل وسائر مراحل الحياة، في الوقت الذي يتعيّن على الدولة أن تسعى إلى إصلاح البُنية الاجتماعية، ينبغي على أفراد المجتمع - على الخصوص جيل الشباب بوصفهم واحداً من طرق العلاج - أن يتحلّوا بروح القناعة مع الإبداع.

ونقصد بالقناعة : أنّه إذا لم يحصل الفرد على الوظيفة التي يطمح إليها، فليقنع بما هو دونها من الوظائف الصغيرة، وأن يسير بخطى بطيئة، وأن يدأب على ذلك ويثابر، وأن يضع لنفسه موطأ قَدم واضح يساعده على الانطلاق إلى ما هو أوسع وأفضل.

كما نقصد بالإبداع: أن لا نكون دائماً بانتظار العمل، بل علينا أن نسعى وراء العمل.

____________________

(١) صحيفة إسلام: العدد ٢٠٦١.

(٢) صحيفة همشهري: العدد ١٧٠٧.


طبعاً مع الالتفات إلى نفسيات الشباب يبدو من الصعب تطبيق ذلك على الواقع العملي، ولكن لابدّ من الالتفات إلى أنّ هذه الصعاب بمثابة العَقَبات التي أمكنَ لكثير من الناس تجاوزها والوصول إلى أهدافهم.

زراعةُ عليّ ( عليه السلام )

وفي هذا الخصوص هناك قصص وشواهد تاريخية كثيرة، منها: أنّ الإمام عليّاً ( عليه السلام ) حينما أُبعدَ عن حقّه في الخلافة كان يخرج ومعهُ أحمال النوى، فيقال له: يا أبا الحسن، ما هذا معك؟ فيقول:( نَخل إن شاء الله ) ، فيَغرسهُ فلم يغادر منه واحدة(١) ، ولم يكن يرى عاراً في ذلك بل يراه واجباً.

وعلى كلّ حال، فإنّ الدَعة وطلب الراحة يُعدّان آفة وذلاً لكلّ كائن حيّ.

وليعلم الشباب المعاصر أنّهم إنّما حصلوا على ما هم عليه حالياً بفضل الجهود التي بذلها الآباء والأمّهات، وما تجرّعوه من مرارة وغُصص، وما تحمّلوه من مشاقٍ، وما سهروهُ من الليالي.

الأمّهات المضحيّات

وقد سمعتُ شخصياً من بعض الآباء والأمّهات قَصصاً تدعو إلى الفخر والمُباهاة.

منها: إنّني شاهدتُ أمّاً في قرية تَجمع حبّات الحنطة المتناثرة والمتروكة على الأرض حبّة حبّة، بعد أن تبحث عنها بين الحجارة، فيجتمع عندها مقدار كيلو أو ثلاثة فتقوم ببيعه، وعن هذا الطريق قامت بإعالة طفلها اليتيم حتّى كبرَ، وبَنت له بيتاً وزوّجتهُ.

كما رأيتُ امرأة أخرى في طهران كانت مُثابِرة ومُجدّة، إذ كانت تذهب إلى سوق الخُضَر فتجمع الخضروات المتروكة، وتحملها على رأسها وتمضي بها عدّة كيلو مترات إلى بيتها مشياً، ثمّ تقوم بتخليل ما جَمعتهُ وتبيعه إلى أصحاب الدكاكين، وحثّت أبناءها على العمل وحَصلت على كثيرٍ من الزبائن،

____________________

(١) فروع الكافي: ٥ / ٧٥.


واجتمعت لديها ثروة كبيرة اشترت بها سيارة لحمل منتجاتها، وأدّت ما عليها من الحقوق الشرعية والخُمس، وجدّدت بناء بيتها ومصنعها، ومضافاً إلى إعالتها نفسها وأبناءها، وفّرَت لعددٍ من النساء فُرصاً للعمل وأمكنها الذهاب إلى حجّ بيت الله.

وقد وردَ عن الإمام الصادق ( عليه السلام ):( أيعجزُ أحدكم أن يكون مثل النملة؛ فإنّ النملة تجرّ إلى جحرها ) (١) .

____________________

(١) فروع الكافي: ٥ / ٧٩.


(٢٠)

عُقَد الحَقارة ومَخاطرها

إنّ أنواع الضُعف والذلّ والنقص والفاقة والعجز والتخلّف في الحياة، من المسائل التي تؤدّي بالفرد إلى الشعور بالحَقارة والضَعة، وإذا وجدَ هذا الشعور أرضية ملائمة يدرك فيها المصاب مخاطر هذه العُقدة، فإنّه سوف يسعى إلى علاجها بشكلٍ أفضل، وعندها يصبح بالإمكان الاقتناع بما قالهُ العالِم النفساني المعروف( مك برايد ) : ( كلّنا يعاني إلى حدّ ما من الشعور بالحقارة دون أن نتمكّن من التغلّب على هذا الشعور، وفي المقابل فقد وهَبَنا الله قابليات وكفاءات أخرى تساعدنا على الوصول إلى أهدافنا النافعة والمشروعة، فلابدّ من استثمار هذه الطاقات، وأن لا نسمح للشعور بالحقارة أن يقف سدّاً منيعاً دون الوصول إلى الهدف، وإلى تحقيق آمالنا من خلال تقوية الشعور بعزّة النفس ).

إنّ الإنسان خُلقَ ضعيفاً ومحتاجاً.

وقد قال تعالى:( وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً ) (١) .

____________________

(١) سورة النساء: الآية ٢٨.


وقال تعالى في بيان مرحلة ما بعد الولادة:( وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً ) (١) .

وهذا الفقر والاحتياج مُلازم للإنسان طوال حياته، ولذا نجد أنّ الإمام الحسين ( عليه السلام ) يلهج بالدعاء لبلوغ المرتبة العُليا عند الله فقال:( إلهي أنا الفقيرُ في غناي فكيف لا أكونُ فقيراً في فقري ) (٢) .

وعلى كلّ حال، فإنّ الشعور بالحاجة يُعدُّ امتيازاً، إلاّ أنّه لو ابتلى الفرد بالشعور بالحقارة ولم يبادر إلى علاج نفسه، فإنّ هذا الداء سوف يستفحل ويتحوّل إلى مرض نفسي، وكما يقول علماء النفس: إنّ هذا المرض سيظهر بالدرجة الأولى على شكل آلام نفسية حادّة وأرَق، وعدم الشهيّة للطعام وانعقاد اللسان واعتزال الناس والهروب منهم، والابتلاء بأزمَات عصبية حادّة(٣) !

أسبابُ عُقدة الحقارة

قلنا: إنّ الشعور بالحقارة والضَعة إذا لم يتحوّل إلى إدراك لهذا المرض، ولم يتمَّ وضعهُ في المسار الصحيح، فسوف يتحوّل إلى عُقدة ويصبح مرضاً مزمناً وخطيراً.

فالإنسان منذ طفولته يحتاج إلى أمّه في الرضاعة والنظافة، وما بعد تلك المرحلة يحتاج إلى دخول المدرسة والمجتمع، ويواجه مَشاهِد تؤدّي إلى تحويل شعوره بالحقارة إلى عُقدة الحقارة، ويرى علماء النفس أنّ مجموع العِلل - التي تكون منشأ لظهور عُقدة الحقارة - يمكن تلخيصها في خمسة موارد:

١ - وجود عاهة جسدية: كالبُثور في الوجه، أو حول العين، وقصر القامة عن المستوى الطبيعي وما إلى ذلك.

____________________

(١) سورة النحل: الآية ٧٨.

(٢) دعاء عرفة المروّي عن الإمام الحسين ( عليه السلام ): مفاتيح الجنان.

(٣) روح بَشر: د. صاحب الزماني، ص٢٤٠.


٢ - الفقرُ المادّي والاقتصادي.

٣ - السلوكية العنيفة والعقوبات القاسية.

٤ - الزللُ الأخلاقي وإعادة تذكّره ِ(١) .

٥ - وجود ذكرى مريرة وحادث مأساوي مثل: فقدان أحد الوالدين، أو الطلاق، أو الفيضان، أو الزلزلة، أو الحريق، أو هجوم سارق، أو حيوان مفترس.

وفيما يخصّ هذه الأسباب المُهلكة والمريرة، لابدّ من ذِكر ثلاثة مواضيع:

أ - إنّ أغلب الناس وأعضاء المجتمع البشري على العموم، يعانون من هذه النواقص والحوادث.

ب - إنّ هذه النواقص والموانع لا تشكّل مانعاً أمام تقدّم الإنسان ورُقّيه فبالإمكان تجاوزها.

ج - هناك آلاف الأشخاص من الذين أمكنهم تجاوز هذه العَقَبات، وأمكنهم الوصول إلى السعادة والنجاح، وذكرنا نماذج لذلك في كتابنا( قصصُ العظماء في مراحل الطفولة ) .

طُرق الوقاية

ولكي نضع الطفل - في فترة احتياجه وعجزه حيث تكون روحه رقيقة وحسّاسة - في مساره التربوي الصحيح ونَصونهُ من الأضرار الروحية والأخلاقية، فلابدّ للوالدين من مراعاة سلسلة من التدابير، أهمّها ما يلي:

١ - مراعاةُ العدل والمساواة

بما أنّه قد يُفرّق بين الأولاد من ناحية الذكورة والأُنوثة، أو الكِبر والصغر، أو الذكاء، أو الجمال، فإنّ هذا التفريق في المرحلة الأولى يزيد من ثقل مسؤولية الوالدين في اتخاذ السلوكية العادلة تجاه الأطفال، وقد أولَت التعاليم الإسلامية هذا الموضوع أهمية قصوى وعَدّتهُ مسؤولية أخلاقية وحقوقية.

____________________

(١) عُقدة حقارت وشكستة نفسي: ص١٢ و ١٨.


فقد جاء في الحديث: ( نظرَ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) إلى رجلٍ لهُ ابنان فقبّل أحدهما وتركَ الآخر، فقال لهُ النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ):فهلاّ ساويتَ بينهما ) (١) .

وطبعاً لا ينبغي التفريق بين الأولاد من ناحية الذكورة والأنوثة، إلاّ أنّ الطفل إذا كان يتمتّع بذكاء وأدب وكان مطيعاً، وكانت سلوكيّته أفضل من سائر أخوته، فإنّ ذلك سيؤدّي قهراً إلى اهتمام الوالدين به بشكلٍ أكبر، فعن سعد بن سعد الأشعري قال: ( سألتُ أبا الحسن الرضا ( عليه السلام ) عن الرجل يكون بعض ولده أحبّ إليه من بعض، ويُقدِّم بعض ولده على بعض؟ فقال:( نعم، قد فعلَ ذلك أبو عبد الله نحل محمّداً، وفعلَ ذلك أبو الحسن ( عليه السلام ) نحل أحمد شيئاً، فقمتُ أنا به حتّى حزتهُ له، فقلت: جُعلت فداك الرجل يكون بناتهُ أحبّ إليه من بنيه فقال:البنات والبنون في ذلك سواء، إنّما هو بقدر ما ينزلهم الله عزّ وجل ) (٢) .

٢ - اجتنابُ الإفراط في حُبّ الأولاد

إنّ إبراز المحبّة للأطفال وإن كان أمراً ضرورياً وطبيعياً من الناحية الدينية والأخلاقية، إلاّ أنّه برغم ذلك ينبغي أن لا يتجاوز حدود الاعتدال؛ لأنّ الحبّ المُفرط مضافاً إلى أنّه يجعل الطفل ذا شخصية اتكالية، من المحتمل أن تستمرّ، أو أن الطفل سوف يواجه في المدرسة أو المجتمع مَشاهد عنيفة، وفي كلتا الحالتين سوف تترك آثاراً سلبية عليه، وتجعلهُ فريسة لعُقد الحقارة، ومن هنا قال الإمام الباقر ( عليه السلام ):( شرُّ الآباء مَن دعاهُ البرّ إلى الإفراط، وشرّ الأبناء مَن دعاهُ التقصير إلى العقوق ) (٣) .

وقال الإمام موسى بن جعفر ( عليه السلام ):( تستحبّ عرامة الغلام في صغره؛ ليكون حليماً في كبره ) (٤) .

____________________

(١) وسائل الشيعة: ١٥ / ٢٠٤.

(٢) فروع الكافي: ٦ / ٥١.

(٣) تاريخ اليعقوبي: ٢ / ٣٢٠.

(٤) فروع الكافي: ٢ / ٥٢، وسائل الشيعة: ١٥ / ١٩٨.


٣ - تجنّبُ العُنف والقسوة

إنّ العقوبة الجسدية وإن كانت لازمة أحياناً في مجال التربية، إلاّ أنّها ينبغي أن لا تكون مصحوبة بالقسوة وعدم الرحمة بحيث تُعدّ جناية، بل ينبغي التعويض عن هذه العقوبة بشكل غير مباشر، حتّى لا يتحوّل الشعور بالحقارة الناتج عن هذه العقوبة إلى( عُقدة الحقارة ) .

٤ - الدعمُ والتشجيع

إنّ الأعمال التي يقوم بها الأطفال واليافعون فيما يتعلّق بمسائل الحياة وتوفير ما تحتاج إليه العائلة، لا ينبغي علينا أن نتوقّع صدورها منهم كاملة كما تصدر من الكبار، فلو أنّهم أدّوا عملاً ولم يبلغ حدَّ الكمال، فلابدّ من تشجيعهم على مقدار طاقتهم، لكي يدفعهم هذا التشجيع إلى رفع النواقص الموجودة في أعمالهم وسلوكياتهم.

قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ):( رَحمَ الله مَن أعانَ ولدهُ على برّه، قال: قلتُ: كيف يُعينهُ على برّه؟ قال:يقبل ميسوره، ويتجاوز عن معسوره، ولا يَرهقه ولا يخرق به ) (١) .

كما أنّهُ إذا ارتكبَ خطأً واستحقّ العقوبة فينبغي أن لا تبلغ العقوبة حدّ الإفراط، وأن لا يُذكّره بغلطته مِراراً.

قال الإمام ( عليه السلام ):( الإفراطُ في الملامة يُشِبّ نار اللجاج ) (٢) .

وطبعاً ممّا لا شكّ فيه أنّ الوالدين يبذلان قصارى الجهد والمحبّة في إصلاح أبنائهم وتربيتهم، وذلك ناتج عن إحساسهما بالمسؤولية تجاه مصيرهم ومستقبلهم، إلاّ أنّ تأثير البيئة قد يبلُغ بالطفل حدَّ الانخداع والعناد، فلا تعود معه نصيحة الآباء مؤثّرة، ومن هنا قال الإمام الصادق ( عليه السلام ):( أمهِل صبيَّك حتّى يأتي لهُ ستّ سنين، ثمّ ضمّهُ إليك سبعَ سنين، فأدّبهُ بأدبك، فإن قبلَ وصلُح وإلاّ فخلِّ عنهُ )، فربّما مَن لم يؤدّبه الأبوان أدّبهُ الزمان.

____________________

(١) فروع الكافي: ٢ / ٥٢، وسائل الشيعة: ١٥ / ١٩٨ و ١٩٩.

(٢) تُحف العقول: ص٦٢.


وطبعاً في الظروف الراهنة حيث تغيّر وجه الحياة، لابدّ من إمهال الطفل وضمّه أكثر من سبع سنوات، حتّى تكتمل تربيته وإعداده وتأديبه.

طُرق الحلّ:

ذكرنا فيما سبقَ أهمّ طُرق الوقاية من الصَدَمات الروحية الناتجة عن( عُقدة الحقارة ) ، والآن إذا كان هناك شخص خُصّ في صِغره بالحرمان دون أخوته أو تعرّض إلى معاملة قاسية، أو لم يتمّ تشجيعهُ بالمقدار الكافي، فأُصيبَ - نتيجة للتحقير والفقر وما إلى ذلك من أنواع الحرمان - باضطرابٍ نفسي و( عقدة الحقارة )، فما الذي ينبغي عليه فعله؟

هناك أمام هؤلاء الأشخاص طريقان:

أ - التأسّف على الماضي والتخبّط في أزمَته النفسية واختلاق الأعذار، والتهرّب من المسؤولية وحَمل الضغائن وإضمار الانتقام!

ب - توظيف المقدرة العقلية وإعمال التفكير وطلب العون من الخبراء واستشارتهم، وعَقد النية بشكل جادّ على التحوّل الإيجابي.

ولكي نعرف الأضرار والفوائد المترتّبة على اختيار أحد هذين الطريقين بشكلٍ أعمق، لابدّ من توضيح أكثر:

ردودُ الفعل السلبيّة

لو أنّ الشباب المصاب بعقدة الحقارة اختاروا في مواجهة مشاكل الحياة مقالة ( لا )، التي تبدو سهلة على اللسان، لكنّها تستتبع عواقب قاسية ومأساوية، وحاولوا التهرّب من المسؤولية وعدم إصلاح أنفسهم بقول: لا أعلم، ولا أريد، ولا أستطيع، واتخذوا ردود فعل سلبية، فإنّهم سيبتلون بمسائل عويصة ومدمِّرة منها:


١ - العِزلةُ والكبت

إنّ التهرّب من المسؤولية واختيار العزلة، مضافاً إلى أنّه يحول دون الانسجام مع ظروف الحياة، والمجتمع والنموّ والسموّ الأخلاقي والمعنوي، فإنّه سيلوِّث الأفكار ويضعِّف الجسد.

قال الإمام علي ( عليه السلام ):( اللجاجُ يُفسد الرأي ) (١) .

وقال أيضاً:( الهمّ يُذيب الجسد ) (٢) .

ولأجل الحيلولة دون الابتلاء بمثل هذه المصيبة قال الإمام علي ( عليه السلام ):( طهّروا قلوبكم من الحقد؛ فإنّهُ داءٌ موبئ ) (٣) .

٢ - إهدارُ الطاقات

إنّ الطاقات الشابّة هي ثروات هائلة يعجز غالبية الأفراد في مرحلة الشباب عن إدراكها بشكلٍ كامل، ولذا يُبادر بعضهم إلى التنفيس عن عُقدهم باتخاذ ردود فعل سلبية بهدف السخريّة بأوليائهم الذين يُبدون اهتمامهم بالطاقات الشابّة، فيهدرون هذه الطاقات بمختلف الأعذار! وبذلك فإنّهم - مضافاً إلى عدم حلّ مشاكلهم بهذه التصرّفات - يُزيدون الطين بلّة، وسوف يُسألون يوم القيامة عن شبابهم، وهذه النعمة الربّانية فيمَ أفنوها!

قال تعالى:( ثُمّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ) (٤) ، والشباب من جملة النِعَم.

وقال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ):( إنّ العبد لا تزول قَدَماه يوم القيامة حتّى يُسأل عن عُمره فيما أفناهُ، وعن شبابه فيما أبلاه... ) (٥) .

____________________

(١) فهرست الغُرر والدرر للآمدي: ص٢٥٦.

(٢) غُرر الحِكم: ١ / ٣٠.

(٣) فهرست الغُرر والدرر للآمدي: ص٧٣.

(٤) سورة التكاثر: الآية ٨.

(٥) تاريخ اليعقوبي: ٢٠ / ٩٠.


ولذا علينا تدارك الأخطاء واجتناب موارد الزَلل قبل فوات الأوان، وقد قال النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ):( ما من شيء أحبّ إلى الله من شابّ تائب ) (١) .

٣ - النزوعُ إلى الانتقام

إنّ من أقبح ردود الفعل التي يلجأ إليها الأشخاص لتسكين عُقدة الحقارة في أنفسهم والتعويض عن ضعفهم وذلّهم:حَمل الضغائن ومشاعر الانتقام ، وهذا ما يُدينه الوجدان السليم والمنطق القويم، وترفضهُ جميع الأديان؛ لِمَا فيه من الأضرار التي لا تُحصى وأهمّها ما يلي:

١ -الظلمُ وتمهيد الأرضية لعذاب الضمير، قال الإمام علي ( عليه السلام ):( مَن أضمرَ الشرَّ لغيره، فقد بَدأ به نفسه ) (٢) .

٢ - إظهارُ عُمق الرذيلة وضِعة النفس، قال الإمام علي ( عليه السلام ):( المُبادرة إلى الانتقام من شيَم اللئام ) (٣) .

٣ -إلحاقُ الأضرار المادّية والمعنوية والفردية والاجتماعية، ويُعدّ موضوع إلقاء ( حامض النتريك ) من قِبل شابّ أخفقَ في خطوبة فتاة من أهلها ونَشرتهُ الإذاعات، خيرُ شاهد بهذا الخصوص، وقد نَشرتهُ إحدى الصُحف تحت عنوان:( المسبّبين لحادث إراقة حامض النتريك يحاكمون في محكمة الثورة، بوصفهم مفسدين في الأرض ) ، ففي الثامن من شهر بهمن من العام المنصرم، وتحديداً في جنوب طهران، بادرَ شابّ يُدعى ( حميد ) رَفضت عائلة البنت تزويجهُ إيّاها، إلى انتقام رهيب، حيث أقدمَ حميد رضا على إعطاء شابّين اسمهما: محمود، وحميد مبلغ مليون تومان؛ ليُلقيا حامض النتريك على وجه الفتاة المدعوّة ( فائزة )، البالغة من العمر ١٧ عاماً،

____________________

(١) مشكاة الأنوار: ص ١١٠، طبع النجف.

(٢) غُرر الحِكم: ٢ / ٦٧٧.

(٣) فهرست الغُرر والدرر للآمدي: ص٣٩٦.


فاستقلاّ درّاجة نارية ووقفا في الساعة السابعة وعشر دقائق صباحاً، في الطريق الذي تسلكهُ فائزة مع أختها ( فتانه )، البالغة من العمر تسع سنوات إلى المدرسة، وهناك ألقى محمود حامض النتريك على وجه الفتاتين!

وعلى أثر ذلك سافرت الفتاتان إلى ألمانيا لإجراء عدّة عمليات جراحية، وقد أصدرَ قاضي المحكمة العامّة في طهران حُكمه على منفّذ الجريمة - يعني محمود -بالقصاص ، ودَفع سُدس الديّة الكاملة وثلاثة ملايين وستمئة ريال كأرش للنقص الحادث، والحَبس لمدّة ١٥ سنة، وسبعين جَلدة، كما حُكمَ على كلّ من: حميد رضا الخطيب الحاقد، وحميد سائق الدرّاجة النارية، باتّهام الضلوع في هذه الجريمة بالسجن مدّة ثلاث سنوات، وسبعين جَلدة أمامَ الملأ العام، ولكنّ هذا الحكم جوبِهَ باعتراض فائزة وفتانه وسائر الناس، ممّا حَدا بالديوان العالي للدولة إلى استئناف الحكم؛ بسبب بثّ الرُعب والخوف والإخلال بالأمن العام، ومحاكمة المدعوّين بوصفهم مُفسدين في الأرض(١) .

وقد نشرَت هذه الصحيفة صوراً للفتاتين توضِّح حالتيهما قبل الحادث وبعده، وقد رَقّ لمظهرهما الجميع.

فهذا النوع من الانتقام للتنفيس عن العُقد بدلاً من أن يحلّ المشكلة، خَلقَ إلى جانبها مئات المشاكل الأخرى.

وللأسف الشديد، فإنّ تَبَعات( عُقدة الحقارة ) للتعويض عن الإخفاق الذي يصيب الأفراد في مراحل الطفولة، تتجلّى على مختلف الصور، وتُعرّض أرواح وأموال العديد إلى الخطر، منها: أنّ بعض المصابين بهذه العُقدة ينتحلون مهنة الطبّ كِذباً، ويرتكبون من الأخطاء ما لا يمكن تلافيه، وطبقاً لتقرير فإنّ هناك ٧،٧٧% من الأطبّاء المزيّفين هم من المصابين بعُقدة الحقارة(٢) !

____________________

(١) صحيفة إيران: العدد ٥ - ٨.

(٢) صحيفة همشهري: العدد ٦٧٣.


(٢١)

عُقدة الحَقارة وطُرق علاجها

عَرفنا في المقال المتقدّم: إنّما يقوم به بعض الأفراد من أعمالٍ للتعويض عن النقص الحاصل لديهم، ومعالجة ما يسمّى بعُقدة الحقارة، لا ينفع في حلّ مشاكلهم، بل يؤدّي إلى ظهور مشاكل أخرى! فما الذي ينبغي فعله؟

من خلال الرجوع إلى:القرآن الكريم، والأحاديث الشريفة، والأُسس العلمية، والتجارب العملية ، سنستعرض فيما يلي الطُرق التي تنفع في رفع النواقص، وحلّ المشاكل الروحية ومعالجة عُقدة الحقارة:

ألف - تقويمُ النفس

ما أكثر الكفاءات والطاقات والقابليات الكامنة في وجودنا والتي يمكن استثمارها؟ فهل تدبّرنا في كلّ هذه القابليات؟

تقدّموليَم جيمس وهو أبرز علماء النفس في أمريكا بدراسةٍ قال فيها:إنّ الإنسان لا يستثمر سوى ١٠% من قابلياته وكفاءاته.

ثمّ جاءت بعدهُ الباحثة الاجتماعية الشهيرة( مارغريت ميد ) ، فقامت بخفض هذه النسبة إلى ٦%، بينما يرى( هربرت أوتو ) أنّ الإنسان لا يستثمر سوى ٤% من كفاءاته حيث قال: ( إنّ هذه النِسب المئوية آخذة بالنقصان؛ لأنّنا نكتشف يومياً طاقات كامنة في الإنسان هي أكثر وأقوى ممّا كنّا نعرفهُ من الطاقات )(١) .

 ____________________

(١) صحيفة همشهري: العدد ١٧٥٧.


فإذا واجهنا مشكلة وأثّرت علينا سلبياً، فلماذا نواصل النظر إلى هذه الجهة؟ ونفكّر فيها على الدوام؟ فلا نستفيد من الطاقات الفاعلة في أنفسنا، ولا نتعرّض لنور الهداية الذي ينقدح أحياناً أمام أعيننا؟

فلنطالع القصّتين الآتيتين اللتين اغتنمَ بطلاهما كفاءاتهما وانتهيا إلى النجاح.

١ - العملُ بالفم والأسنان!

هناك شخص اسمهُ السيّد حسن الحسيني، ولِد وهو مصاب بشللٍ في يديه ورجليه، وقد تمكّن بعد أربع سنوات من الجهد المتواصل، من إصلاح الساعات الرقمية بواسطة فَمه وأسنانه، وقد ذَكر في مقابلةٍ لهُ أجراها قسم الأخبار في الإذاعة: إنّه شاهدَ في عام ١٣٦٠ فيلماً سينمائياً بثّه تلفزيون الجمهورية الإسلامية، وكان عنوانهُ( نوريكو ) ، فعقدَ العزم من حينها على ممارسة النشاطات الاجتماعية، والآن - مضافاً إلى تمكّنه من انجاز كافّة أعماله الشخصية من قبيل الكتابة والسواك - يُمكنه أيضاً انجاز أعمال أصعب مثل: إصلاح الساعات الرقمية والطباعة، كما نجحَ في صنع مروحة ومثقاب بواسطة استخدام أسنانه، والاستفادة من يديه كعَتَلة للإسناد، دون أن يُساعده شخصٍ آخر(٢) !

٢ - شاهدتهُ فحصّلتُ السعادة

بعد مضي سنة على زواجي، أُصبتُ بنكبة أضاعت جميع ثروتي، فأخذتُ أنظر إلى الحياة ولا أرى سوى الظلام، وفي أحد الأيام كنتُ أمشي في الشارع على غير هدىً، ولم يكن عندي سوى مئة تومان، فشاهدتُ رجلاً قد فقدَ كلتا رجليه وهو جالس على كرسيه المتنقّل يدفع عَجلاته بيديه، وبعد أن اجتازَ التقاطع ووصلَ إلى رصيف المارّة،

____________________

(٢) صحيفة كيهان: العدد ١٧٨٤٣.


صادفَ هناك صديقاً له فابتسمَ في وجهه، وقال لهُ والحبور يملأ جوانحه: السلام عليكم، إنّهُ صباح جميل! أليس كذلك؟!

فشعرتُ حينها وأنا أنظر إليه بمقدار ثروتي، إذ كنتُ أمتلك رِجلَين، وكان بإمكاني أن أمشي، فخجلتُ من عدم شكري للنعمة، وقلتُ في نفسي: إذا أمكنَ لهذا الرجل أن يكون سعيداً وفرحاً برغم إصابته، فلماذا لا أكون أنا سعيداً؟

وفجأة أحسستُ بالشجاعة والأمل يملآن وجودي، فاقترضتُ مئة ألف تومان من صديقٍ لي جعلتها رأس مالي، فاشتريتُ بها ماكنة خياطة مستَعمَلة وقطعاً من القماش الزائد وخيوطاً وأشرطة، وقمتُ بمساعدة زوجتي بخياطة ملابس للأطفال، وأنا اليوم أمتلك - بفضل تلك الثروة القليلة - مَعملاً لخياطة ثياب الأطفال واستعدتُ النجاح، وأنا حالياً أشكر الله على الدوام؛ لأنّه وضَعَ ذلك الرجل في طريقي.

ب - لنَفتح النوافذ

إنّ الشعور بالذلّ والعجز إذا غدا بسبب الجهل والعناد شعوراً بالضياع وعُقدة الحقارة، يسدّ على الفرد جميع نوافذ الحياة، حتّى يرى كلّ شيء وكلّ شخص عدوّاً لهُ، ويرى العالَم المضيء مظلماً!

وهنا يجدر بمثل هؤلاء المرضى أن يتحرّروا من حصار هذه الأوهام، ويفتحوا نافذة النور المطلّة على العالَم الفسيح والجميل، وينظروا إلى المَشاهد الخلاّبة للطبيعة، ليعود لهم صفاء القلب والأمل.

قال الإمام علي ( عليه السلام ):( أطلِق عن الناس عُقدة كلّ حِقد، واقطَع عنكَ سبب كُلِّ وتر ) (١) .

وذكر الدكتورب. رامبينسون : ( إذا أيقنَ الإنسان بحقارته وعدم كفاءته، يكون قد حَكمَ على نفسه بالسجن، فيرى نفسه دائماً في منتهى الضَعف، وبما أنّه يرى الآخرين أفضل منه، تراهُ يسير وفقاً لرغبات الآخرين،

____________________

(١) نهج البلاغة: الكتاب ٥٣، وهو المعروف بعهد الأشتر.


وبذلك يفرض على نفسه طوقاً آخر، وكم هو مُحزن أن يعيش الإنسان دون أن يدرك حقيقته وحقيقة الآخرين؟ ولا يمكن مُعالجة هذا المرض إلاّ بواسطة ذهن وقّاد ومنفتح، فلسنا ملزَمين بالسماح لذهننا المنغلق أن يصدّنا عن السموّ والتكامل، يمكننا أن ندرس الحياة ونبحث عن المَواطن التي تُعيق تكاملنا، وكلّما يمرّ يوم يمكننا أن نفتح أذهاننا على تجربة جديدة )(١) ، ومن خلال مشاهدة الجمال والنجاح الموجود في رقعة الحياة، نُبادر إلى بلوغ حياة جديدة ونصرٍ جديد.

ج - نعمةُ النسيان!

إنّ استذكار الحوادث المريرة والمؤلِمة في أيّام الطفولة وما بعدها، بمثابة المرض الفتّاك الذي ينتشر سريعاً، فإنّه يُعمّق الكآبة ويُشدّد عُقدة الحقارة، ويجعل صدر الإنسان يغلي كالأتون، ويسلبهُ القدرة على اتخاذ القرار، ويُفقده الأمل والنشاط.

ولكن علينا أن نُدرك أنّ الله سبحانه وتعالى حيث نظّم جميع مصالحنا، فقد ألهمَنا نعمة النسيان أيضاً، لكي نتمكّن بواسطتها من بلوغ الأمل والسكينة.

قال الإمام الصادق ( عليه السلام ):( وأعظم من النعمة على الإنسان في الحفظ، النعمة في النسيان؛ فإنّه لولا النسيان ما سلا أحد عن مصيبة، ولا انقضت لهُ حسرة، ولا ماتَ له حِقد، ولا استمتعَ بشيء من متاع الدنيا مع تذكّر الآفات ) (٢) .

وعليه: يكون التغافل ونعمة النسيان خطوة مؤثّرة لتسكين الآلام وحلّ العُقد والاضطرابات الروحية، ولكن هل هذا ممكن؟ نعم؛ لأنّ الله قد ألهمَ الإنسان نعمة النسيان،والمهمّ في البين: هو أن يتمكّن الإنسان من الاستفادة من هذه النعمة الكبيرة، وذلك بأن يبذر مزرعة الذهن بالورد والرياحين، ويملأها باللآليء الأفكار السامية والمتعالية، وأن يأخذ بالحسبان ما أشدّ صعوبة في مسار الحياة، وأن يكون على مستوى المسؤولية للاستمرار في الحياة وتحمّل ثقل ذلك، واللجوء إلى قراءة الكتب المناسبة، وتغيير المكان والعمل والحرفة، ومزاولة السفر الترفيهي، للحيلولة دون أن يغدو ذهننا مَسرحاً للأفكار والوساوس الشيطانية؛ لأنّ مثل هذه الأفكار قَمين بأن يُدمّر الحياة ويجعلها حالِكة.

____________________

(١) صحيفة همشهري: ٨ بهمن، العدد ١٧٥٣، ص١٢.

(٢) توحيد المفضّل: ص٧٨، بحار الأنوار: ٣ / ٨١.


د - العلمُ والمعرفة

إنّ ادّخار العلم والمعرفة من الطُرق الأخرى التي تُغيّر رؤية المصابين بعُقدة الحقارة، فإنّ الشباب الذين يَقدِمون على السرقة والأعمال المنافية للأخلاق تنفيساً عن عُقدهم، هم في الغالب من الأميّين، أو الذين أخفقوا في دراستهم الذين يعيشون في ضمن أُسر محرومة من العلم والمعرفة!

إنّ العلم والمعرفة يمنحان الإنسان قدرة الاستفادة من أفكاره للعثور على حلولٍ لمشاكله!

قال الإمام علي ( عليه السلام ):( العلمُ سلطان، مَن وجدهُ صالَ به، ومَن لم يجدهُ صيلَ عليه ) (١) .

وأيّاً كان، فإنّ العلم والمعرفة يُنيران الذهن ويقومان بدعم الإرادة، حتّى إذا احتدمَ الصراع بين النفس والأوهام الواهية والداعية إلى التنفيس عن العُقد، فإنّ الإنسان سوف يسعى إلى إيجاد الحلول وعلاج نفسه، ويقوم بإخراج الأشواك العالقة في رِجله بتعقّل ورويّة.

أجل، في ظلّ مثل هذا العلم والمعرفة التي تُعدّ حالياً من الطُرق المهمّة لبلوغ السعادة والحياة الطيّبة، يمكن للإنسان أن يستعيد ثقتهُ بنفسه ويُبادر إلى معالجتها.

يقول الدكتور( مارتين شيارد ) بشأن هذا النوع من الطبّ النفسي: ( إنّ هذه الطريقة تهدف بشكلٍ عام إلى أمرين:الوقاية من الألم، ومعالجته بواسطة المصاب نفسه، وأساس ذلك يقوم على شيئين: البدء بالنفس بأن يكون الإنسان صادقاً مع نفسه والآخرين، وإنّ أكثر الآلام النفسية بما لها من الآثار الفردية والاجتماعية ناتجة عن إهمال هذين الأمرين، إنّ هذه الطريقة تقول: إنّ منشأ جميع الشرور والخيرات راجع إلى الإنسان نفسه، وحيثما يظهر الشرّ يكون من ورائه عدم الصلاح )(٢) .

____________________

(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ٢٠ / ٣٩١، الحديث ٦٠٠.

(٢) صحيفة همشهري: العدد ١٧٦٨.


هـ - الجِدّ والعمل

لا تندهشوا إذا اعتبرنا بذل الجُهد والعمل الجسدي أفضل وأكثر الطُرق تأثيراً في معالجة الضَعف والنقص وعُقدة الحقارة؛ ذلك أنّ الخصوصية الأولى للعمل والمجهود الجسدي: هي أنّه يُشغل فكر الإنسان ويجعلهُ مُنهمكاً فيه، حتّى لا يترك له فرصة الحقد والتنفيس عن العُقد.

إنّ العمل مضافاً إلى أنّه يدرّ علينا أرباحاً مادّية ويُنشّط جسمنا، فإنّه يبعث الأمل فينا بحيث يسدّ علينا طُرق التفكير في الانتقام واحتقار الآخرين، ولا يدع لنا فرصة حَمل الضغائن والتنفيس عن العُقد تجاه الآخرين.

وقد قال الدكتور( صموئيل سمايلز ) بشأن القيمة العلاجية لبذل الجُهد والعمل: ( إذا اعتاد الشباب على العمل اليدوي، فإنّهم بذلك سوف يُتقنون صنعة ويضمنون سلامتهم الجسدية، ومضافاً إلى ذلك ينمو في أنفسهم حُبّ العمل والنفور من الكسل، ويَظهر عليهم النشاط والخفّة )(١) .

وعلى كلّ حال؛ فإنّ الاحتياج المادّي يُعدّ أرضية مناسِبة لذلّة الإنسان، ويفتح أمامهُ الطريق إلى تحقير الآخرين، وعلاج ذلك يكمن في العمل الذي يدرّ على صاحبه الأرباح المادّية، ويسدّ لهُ باب تحقير الآخرين.

إنّ( كولين ) الكيميائي الشهير، لم تكن عنده الثياب الكافية حينما كان يذهب إلى المدرسة، إلاّ أنّ بوادر الذكاء عليه جَعلت مُعلّمه يُكثر من الثناء عليه، وفيما بعد اشتغلَ في صيدلية فانتبهَ صاحب الصيدلية إلى قوّة ساعدَيه، فأوكلَ إليه عملية سَحق بعض الأدوية، إلاّ أنّ ذلك أدّى به إلى ترك الدراسة، فاضطرّ إلى ترك العمل وانتقل إلى باريس، إلاّ أنّه مرضَ هناك بسبب البطالة والجوع،

____________________

(١) اعتماد بنفس: ترجمة علي، ص١٩٩.


ولكن بعد أن أُرسلَ إلى المستشفى وتمّ علاجه هناك تعرّف على( فوكروي ) الكيميائي المعروف، والذي ما أن رأى كفاءة( كولين ) حتّى أولاهُ احترامه وتكريمه، وفي آخر الأمر اكتسب كولين مهارة عالية في مادّة الكيمياء، جَعلتهُ يحلّ محلّ أُستاذه بعد وفاته(١) .

كان( اندرو جاكسن ) موضعاً لسخريّة الآخرين بسبب عمله في الخياطة، إلاّ أنّه كان من الدقّة والمهارة وحفظ العهد بمكانٍ، أهّله إلى أن يتولّى فيما بعد منصب رئاسة الجمهورية في( اتاروني ) ، وحينما استمرّ مُنافسوه بالسخريّة منه، قال في بعض خطاباته:لم يكن هناك من بأسٍ في عملي، فقد كنتُ حينها معروفاً على ما أنا عليه حالياً من الكفاءة وأداء الأمانة (٢) .

وكان لي زميل في المدرسة، كان بعض المغرورين من الذين يرون أنفسهم من أبناء الذوات، يسخرونَ منهُ بسبب عمل والده البسيط والمتواضع، إلاّ أنّ ذلك الشابّ لم يعبأ بما كانوا يقولون، وواصلَ دراستهُ حتّى صارَ طبيباً حاذقاً يُشار إليه بالبَنان، وله عيادة حالياً في طهران يُراجعه فيها آلاف المرضى بما فيهم أولئك الذي سَخروا منه.

فالذي نريد قوله هو:إنّ العمل يوجِب الرفعة والشرف، ويراهُ الإسلام عبادة وعزّةً وسموّاً .

وأمّا بشأن اختيار نوع العمل فلابدّ من مراعاة أمرين:

١ - اتّخاذ مهنة الأب

إذا أمكنَ لشخصٍ المُضي على ما كان عليه أبوهُ من صناعة، فسيكون عملهُ أكثر فائدة، وذلك من خلال الالتفات إلى الأرضية الممهّدة، والحفاظ على شؤون الأسرة والظروف الاجتماعية، خاصّةً وأنّ الأب قد قطعَ أشواطاً في تلك الصَنعة، وتحمّل الصِعاب حتّى اكتسبَ التجارب فيها،

____________________

(١) المصدر المتقدّم: ص٢٢ - ٢٦.

(٢) المصدر المتقدّم.


وحصلَ من جرّاء ذلك على ثروة مادّية ومعنوية، هذا مضافاً إلى أنّ أصدقاء والده والمرتبطين به - بشكلٍ من الأشكال - سوف لا يُضنون عليه بالإرشاد والمؤازرة.

قال الإمام علي ( عليه السلام ):( مَن عملَ عَمَل أبيه، كُفيَ نصف التَعب ) (١) .

٢ - لابدّ دون الشهد من...

وعلى العموم، فإنّ العمل والجدّ من الأمور التي لا تأتي إلى الإنسان طواعية، خاصّةً إذا لم يكن للشخص مهارة فيه، بل على الإنسان أن يسعى وراء العمل من خلال حصوله على المعلومات الكافية، والمثابرة في المجال الذي يريد أن يعمل فيه، وفي الحركة البركة، ومَن جدَّ وجَد وقيل أيضاً:لابدّ دون الشهد من إبر النَحل .

و - جزاءُ الإساءة

يندر أن لا يتعرّض شخص إلى إساءة من قِبل أقربائه، أو غيرهم عمداً أو سهواً، فما الذي ينبغي فعلهُ في مثل هذه الموارد؟ هل من الصحيح أن نَحمل الحِقد والضغينة لمَن أساء لنا ونردّ على الإساءة بمثلها؟

لا شكّ في أنّ الإساءة لا تُثمر سوى الإساءة، وإذا استمرّ ذلك فسيحتلّ مساحة واسعة، وستغدو الحياة منغّصة، إذاً فليس من المعقول أن نُعالج الإساءة بمثلها، فإنّ إضمار الشرّ وردود الفعل التي يراد منها إظهار الغلبة، لا تحلّ المشكلة، بل تزيد من اتّساع رقعة الشرّ، وتشجّع المعتدي على الاعتداء أكثر من خلال سلوكيته في بثّ الخوف والذعر، ليُثبت أنّه أشدّ قسوة وأكثر من تعرّضه أفعاله للعنة الناس وخالقهم!

قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ):( إنّ شرّ الناس منزلةً عند الله يوم القيامة، مَن يخاف الناس شرّه ) (٢) .

____________________

(١) شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد، ٢٠ / ٣٣٥.

(٢) كنز العمّال: ٣ / ٥٠٢.


وعلى كلّ حال، فلا ينبغي لأحدٍ أن يوجّه إهانةً إلى أخيه، حتّى لا يؤذيه ويُسبّب له عُقدة الحقارة، ولكن إذا وجّه شخص إساءة إلى أخيه، فلا ينبغي للأخير أن يضمر لهُ الحقد ويتربّص به الدوائر ليقابله بمثل إساءته، وإنّما من أنجح طُرق العلاج وأنفعها:مقابلة الإساءة بالإحسان، قال تعالى في محكم كتابه الكريم:( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ ) (١) .

ولذا فمن أجل التقليل من التحقير والتوهين ورفع النواقص والتخلّفات ومعالجة عُقدة الحقارة، لابدّ من العلم بأنَّ أيّاً من إضمار الحقد والجريمة وردود الفعل السلبية سوف لا تجلب نفعاً، بل ستزيد من حجم المشكلة وتعقيدها، بل تسدّ طريق الحياة أحياناً، وإنّما لعلاج ذلك ينبغي اللجوء إلى النظر إلى الأمور بواقعية مصحوبة بالأمل، ونسيان الذكريات المرّة، والتسلّح بسلاح العلم والمعرفة وإشباع الذهن بالأفكار الايجابية السامية، وانجاز الأعمال الجسديّة الممتعة والنافعة، ومقابلة الإساءة بالإحسان بُغية القضاء على عُقدة الحقارة، وإذا كانت المشكلة أعمق بحيث لم يمكن معالجتها بالشكل العادي، واضطربت السلسلة العصبية بشكلٍ وخيم، فلابدّ حينها من مراجعة الطبيب المختصّ، إلاّ أنّ أفضل الطُرق وأقلّها كُلفة وأكثرها تأثيراً لمعالجة عقدة الحقارة، هو ما تقدّم أن ذكرناه في هذا المقال.

____________________

(١) سورة المؤمنون: الآية ٩٦.


(٢٢)

الزواجُ المدروس

إنّ الاقتران العاطفي والمتناغِم بين الرجل والمرأة - الذي يهدف لسدّ الحاجة الجنسية والنفسية، ويحقّق الشعور بالطمأنينة، وينتهي إلى تكثير النسل - هو ما ندعوه بعَقد الزواج.

إنّ الزواج القائم في نظام الخلقة وعالَم الوجود بهدف استمرار الحياة، هو سنّة فطرية وغريزية، يُعدّ التخلّف عنها تخلّفاً عن المسار الطبيعي لنظام الخلقة.

ولا نرى ضرورة للبحث عن أهمية الزواج في المجتمع؛ ذلك أنّ الشباب والمسؤولين في المجتمع والآباء والأمّهات يدركون جميعاً ضرورة الاقتران، وأهميّته في تحقيق الحياة المستقرّة السليمة، ويعتقدون بأنّ الامتناع عن الزواج مُخالَفة لسنّة النبيّ ( صلّى الله عليه وآله )؛ وذلك لأنّه ( صلّى الله عليه وآله ) يقول:( مَن أحبّ أن يتّبع سُنّتي، فإنّ من سنّتي التزويج ) (١) .

وقال الإمام الصادق ( عليه السلام ):( رَكعتان يُصلّيهما المتزوّج أفضل من سبعين ركعة يصلّيها أعزب ) (٢) .

____________________

(١) فروع الكافي: ٥ / ٣٢٩.

(٢) روضة المتقين: ٨ / ٨٦.


وقال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) أيضاً:( مَن تزوّج فقد أحرزَ نصفَ دينه، فليتقِ الله في النصف الآخر ) (١) .

وقال( سيلفانوس استال ) عالِم الأحياء الفرنسي الشهير: ( إنّ الرجل الذي لا يتزوّج لا يُعدّ مخطئاً في حقّ نفسه فحسب، بل هو يَحكم أيضاً على فتاة بأن تعيش على انفرادٍ، هي بحاجة إلى عون الرجل وعطفه وحنانه )(٢) .

ولكن للأسف الشديد، فإنّ الإحصائيات المنشورة في الصُحف تقول: في الأشهر الثلاثة الأولى من عام ١٣٧٤ هجري شمسي، تمّ تسجيل ١٢٥٠٧٥ حالة زواج، ولكن في عام ١٣٧٥ تشير الإحصائيات إلى انخفاض حالات الزواج في المدّة المشابهة، وارتفاع نسبة الطلاق في المدّة نفسها من عام ١٣٧٦، كما سُجّلت حوالي ١٤٢٢٥٥ حالة زواج، و٧٧٢١ حالة طلاق في الأشهر الأربعة الأولى من عام ١٣٧٧ هجري شمسي(٣) .

فإنّ انخفاض حالات الزواج وارتفاع نسبة الطلاق، وارتفاع سنّ الزواج بين الرجال والنساء في المجتمع الإسلامي، أمرٌ يدعو إلى القلق، ولابدّ من التفكير في معالجته بشكلٍ جذري.

هناك عدّة أسباب لانخفاض الزواج وارتفاع حالات الطلاق كالظروف الثقافية والاقتصادية، وهو ما سنبحثهُ في هذا الفصل وما يليه، ولكنّنا نقترح على الذين تجاوزوا العَقبات المادّية - التي تحول دون زواجهم - أن يُحدّدوا غايتهم من الزواج، والخصوصيات التي يتوخّونها في شريك حياتهم، وأن يأخذوا بنظر الاعتبار مطالبهم المشروعة ويفكّروا فيها جيّداً.

وفي المرحلة الثانية، لابدّ لأسرة الزوج والزوجة أن يكونوا على معرفة تامّة؛ وذلك لأنّ عدم المعرفة أو المعرفة السطحية والظاهرية والعابرة لا تُجدي شيئاً، بل هي مضرّة وخطيرة أحياناً.

____________________

(١) فروع الكافي: ٥ / ٣٢٩.

(٢) آنجة يك جوان بايد بداند: ص١٧٠.

(٣) صحيفة إيران: العدد ١٥٥، وهمشهري: العدد ١٠٤٤ و ١٦٢٩.


طُرق المعرفة

قلنا: إنّ المعرفة العابرة والسطحية لا تفي بالزواج السالم الذي يُراد له الدوام، فإذا لم تكن بين الأسرتين قرابة أو جِوار أو شراكة عمل، فلابدّ من التمهّل واجتناب التسرّع - وإن كان خيرُ البرّ عاجلهُ - ليتمَّ التعرّف على شرف العائلة ودينها، وأخلاقها وثقافتها ووضعيتها الاقتصادية، وذلك باتّباع الطُرق الآتية:

١ - إنّ العشيرة والأقرباء الصالحين طريق إلى المعرفة اللازمة.

٢ - يمكن للشركاء في العمل والمدرسة والأساتذة أن يكونوا مصادر مفيدة في المعرفة.

٣ - ويمكن أحياناً للجار أن يكون مفيداً من هذه الناحية إذا كان صاحب تجربة ولم يكن متّهماً.

وفي جميع هذه الموارد التي نسمّيها بالاستفسار أو المشاورة، لابدّ من مراعاة النقاط الآتية بشكلٍ دقيق:

أ - التأكّد من سلامة وأمانة مَن نستشيرهم.

ب - إذا أيقنّا بأمانتهم فلابدّ لنا من مصارحتهم بما نريد الإقدام عليه.

ج - على الذين يقعونَ طرَفاً للاستشارة - على الخصوص في مسألة الزواج - أن يكونوا صادقين حافظين للأسرار، وأن يتجنّبوا هتك الآخرين وإظهار عيوبهم؛ وذلك لأنّ أسرار الآخرين أمانة في أعناقنا وكما وردَ عن رسول الله ( صلّى الله عليه وآله )، فإنّ إظهارها يُعدّ خيانة(١) .

د - علينا أن نلتفت - على الخصوص في الظروف الراهنة من حياة المُدن - إلى أنّ تحصيل المعرفة بالنسبة إلى طرَفي الزواج، يحضى بأهمية قصوى من الناحية العرفية والعقلائية، وعلى الخصوص الدينية، فلابدّ من التحقيق بشأن هذه الأمور بشكلٍ كامل.

____________________

(١) بحار الأنوار: ٧٤ / ١٨٩.


فقد وردَ في الحديث: ( إنّ النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) إذا أراد أن يتزوّج امرأة بعثَ مَن ينظر إليها ويقول للمبعوثة:شمّي ليتها ( أي: صفحة عُنقها )، فإن طابَ ليتها طاب عرفها ) (١) .

مقدّماتُ الخطوبة

بعد أن نحصل على مجموعة من المعلومات النسبية لابدّ من الدخول في مقدّمات الخطوبة، أو الخطوبة عن طريق غير مباشر، وذلك بتوسيط الصالحات من النساء المجرّبات، أو كبار الأسرة من ذوي التجارب، أو غيرهم من المعروفين بالأمانة والعلم والصلاح، من أجل الحوار لحصول على الموافقة المبدئية والتزاور.

وبديهي أنَّ هؤلاء الوسطاء إذا كانوا من ذوي الخبرة والمخلِصين، فهم خير وسيلة لتعريف كلّ من الأسرتين بالأخرى، ويمكنهم أن يبيّنوا أهمّ خصوصيات الأسرتين بشكلٍ صريح، مع تجنّب الإفراط والتفريط، بنحوٍ أفضل من الوالدين.

وفي مثل هذه الصورة إذا حصلَ اتفاق على الخطوبة المباشرة، أو طلَبَت المهلة للتفكير والمشاورة، ستأخذ المسألة مجراها الطبيعي.

وأمّا إذا لم يحصل توافق، فسوف لا تستتبع المسألة ردود فعل سيّئة.

 أثناءُ الخطوبة

وفي أثناء الخطوبة لابدّ من مراعاة التشريفات العقلائية، وعلى ذوي النفوذ من أفراد الأسرتين أن يبيّنوا مطالب وشروط الأسرة بشكل واضح وصريح بلسان العقل والمنطق، حتّى إذا حدثَ خلاف في مسألة أمكنَ حلّه عن طريق التفاهم، وإذا لم يحصل اتفاق تُحسَم مسألة الخطوبة وتُعتبر لاغية؛ للحيلولة دون الوقوع في أضرار أخرى.

____________________

(١) فهرست الغُرر والدرر للآمدي: ص١٨٣.


أجل، من الضروري جدّاً مراعاة الحوار للحصول على معرفة كافية بالنسبة إلى الخصوصيات الأخلاقية والسلوكية، والتناسب السنّي والفكري والمادّي والثقافي لإقرار زواج ناجح ومُحكم، وإن استغرقَ ذلك وقتاً وجُهداً طويلاً.

وعلى كلّ حال، فلأجل أن نحصل على المعرفة والقناعة العقلائية والمدروسة للحيلولة دون بروز المشاكل اللاحقة، لابدّ من مراعاة الأمور الثلاثة الآتية:

أ - الالتزامات الأخلاقية

مع أنّ الشروط والالتزامات تُسجّل في عَقد الزواج، وبذلك يكون كلّ واحد من الطرفين مُلزماً بأدائها، إلاّ أنّه لابدّ أيضاً لكلّ من الطرَفين أن يَذكر شروطه بشأن مكان السكن واختيار المِهنة والاستمرار فيها، والمسائل المتعلّقة بالمهر وسائر الموازين الحقوقية والأخلاقية؛ لأنّ هذه الأمور تؤدّي لوقوع الزواج عن بصيرة، ويكون الطرفان مُلزَمين بأداء ما التزما به، وقد جاء عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قوله:( المسلمون عند شروطهم ممّا وافقَ كتاب الله عزّ وجل ) (١) .

ب - الرؤية والحوار

ولحصول المعرفة أكثر ولكي لا يتمّ الزواج من غير دراسة وتدبّر، لابدّ لكلّ من الفتى والفتاة أن يرى أحدهما الآخر، بعد إعداد جميع مقدّمات الزواج تحت إشراف الوالدين وطبقاً للموازين الدينية، فيتحدّثان مع بعضهما ويذكران شروطهما بشكلٍ مباشر بعيداً عن العواطف السطحية ليحصل التفاهم والتوافق.

وعلينا أن نلتفت إلى أنّ أهمية الزواج تقضي بجواز نظرَ الطرفين كلّ للآخر، دون شهوة وريبة إذا لم يكونا على علم بخصوصيات بعضهما، على الخصوص بالنسبة إلى الشابّ الذي تكون فرصة النظر لديه أقلّ، فيمكنه أن ينظر إلى وجهها وشَعرها ويَدها وسائر ما يظهر منها.

____________________

(١) وسائل الشيعة: ١٢ / ٣٥٢، كتاب التجارة: الباب ٦ من أبواب الخيار.


عن يونس بن يعقوب قال: قلت لأبي عبد الله ( عليه السلام ): الرجل يريد أن يتزوّج المرأة، يجوز لهُ أن ينظر إليها؟ قال:( نعم، وتُرقّق لهُ الثياب؛ لأنّه يريد أن يشتريها بأغلى ثمن ) (١) .

ج - تجنّبُ الإكراه

وممّا يجدر الالتفات إليه جيّداً أنّ على الأولياء أن لا يكرهوا أولادهم على الزواج إن لم تكن لهم رغبة فيه؛ لأنّ مثل هذا الزواج لا ينسجم مع الطريقة المتّبعة للرسول الأكرم ( صلّى الله عليه وآله )؛ فإنّه ( صلّى الله عليه وآله ) بعد أن ردّ الخاطبين غير الأكفّاء، حينما تقدّم الإمام علي ( عليه السلام ) لخطبة فاطمة ( عليها السلام )، فبرغم أنّ هذا الزواج كان مرصوداً من قِبل السماء، إلاّ أنّ الرسول ( صلّى الله عليه وآله ) علّق الأمر على رضا فاطمة ( عليها السلام )(٢) .

وقد وردَ في كُتب التاريخ: أنّ خدام بن خالد الأنصاري أراد أن يزوّج ابنتهُ ( الخنساء ) من رجل، إلاّ أنّ الخنساء لم تكن راضية به، فرفعت شكواها إلى رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) فأعطاها الحقّ في رفضها(٣) .

هذا، مضافاً إلى ما رأيناه من التَبعات المأساوية المترتّبة على الزواج الذي يحصل بفعل ضغط الوالدين، والتي تُحتّم علينا أن نتجنّب الإكراه.

أجل، إنّ الدقّة والتحقيق في مسألة الزواج من وجهة نظر الإسلام؛ لأجل استحكام الزواج وثباته والحيلولة ما أمكن دون الوقوع في الغفلة، والانخداع الناشئ عن الهجرة الواسعة واتّساع حياة المُدن.

ولأجل الوصول إلى زواج وثيق وناجح لابدّ من مراعاة شرطين أساسيين وهما:( المعرفة والصِدق ) ، فإذا راعينا هذين الشرطين فسوف نحول دون وقوع الكثير من عمليات الخداع، والحوادث المأساوية التي لا يمكن تلافيها أحياناً.

____________________

(١) وسائل الشيعة: ١٤ / ٦١.

(٢) بحار الأنوار: ٤٣ / ٩٣ و ١١٢، ذخائر العُقبى: ص٢٩.

(٣) أُسد الغابة: ٥ / ٤٤١، تنقيح المقال: ٣ / ٧٧.


ولكي نلتفت إلى الأضرار المترتّبة على عدم المعرفة والصدق، والخداع وإلحاق الضرر بالآخرين في مسألة الزواج، ولكي يعي الأبناء - وعلى الخصوص البنات - الأضرار التي لا يمكن تداركها، التي تنتج عن عدم المعرفة الكافية وعدم الصدق اللازم، فيتدبّروا ويستفيدوا من تجارب الوالدين والأقرباء نستعرض الحادثَين التاليين:

١ - أضرارُ عدم المعرفة

نقرأ في الأخبار: في النصف الأوّل من عام ١٣٧٥ ارتفعت نسبة الزواج إلى ١٢%، والطلاق إلى ٩، ١٧% بالقياس إلى المدّة المشابهة من السنة الماضية، ويُعزى سبب ارتفاع نسبة الطلاق إلى انعدام الوعي واليقظة والتلاعب بالأحاسيس والعواطف، وعدم التريّث وانعدام المعرفة اللازمة(١) .

وجاء في تقرير آخر:

وافقت عائلة( زيلا ) الجامعية التي تقطن في إحدى المحافظات، على زواجها من( فريدون ) الساكن في طهران، بسبب عدم المعرفة وخداع الأقارب، وحينما اكتشفت فيما بعد أنّ الزوج عاطل عن العمل ولم يُكمل الابتدائية، قاموا بنقل الأثاث الذي جاؤوا به وأرجعوهُ من طهران إلى المحافظة بواسطة الشاحنة، وعلى حدِّ تعبير الزوج: افتضحنا أمام الناس وانهارت مراسم الزواج، واشتكت عائلة العروس وأُرسل الزوج إلى السجن، وحُكمَ عليه بدفع ثلاثة ملايين تومان هي نصف المهر(٢) .

وعلى كلّ حال، فقد قرأنا الكثير من هذه النماذج في الصُحف وشاهدنا بعضها أحياناً، ولكن ماذا يتعيَّن علينا فعله للحيلولة دون حدوث مثل هذه الفضائح والأضرار؟ ليس هناك طريق إلى ذلك سوى الصدق والأمانة وتجنّب الكذب والخديعة، على الخصوص إذا دقّقنا في هذه الحادثة الثانية:

____________________

(١) صحيفة سلام: العدد / ١٦٤٢.

(٢) صحيفة كيهان: العدد ١٥٤٧٥.


٢ - أضرارُ عدم الصدق

يُعدّ عدم الصدق والصلاح واحداً من الأمراض الاجتماعية، ومن الأسباب الخطيرة التي تحول دون تقدّم الحياة، إنّ هذا الأسلوب القبيح ( الكذب والخداع ) لهُ تأثير تخريبي فضيع على الزواج.

يرى الخبراء في ( مسائل الأسرة ) على أساس دراستهم لملفات الاختلافات العائلية، أنّ أهمّ عامل للطلاق في إيران هو:انعدام الصدق قبل الزواج (١) .

وتذكُر الصُحف أحياناً حوادث بشأن عدم الصدق تتجاوز الحدّ العادي، وتتّخذ صبغة الاحتيال والخداع والخيانة والانحطاط الأخلاقي، وتصلح أن تكون مدعاة إلى الاعتبار والتدبّر.

جاء في خبرٍ تحت عنوان( الخطيب الكاذب يُحكم عليه بالسجن مدّة سنتين ) : بعد أن أجرت أسرة الفتاة تحرّيات بشأن الشابّ الذي تقدّم لخطبة البنت مدّعياً أنّه ضابط طيّار، أثبتَت تحرّياتهم أنّه كاذب مُحتال، فحُكمَ عليه بالسجن سنتين بتهمة الاحتيال في الزواج(٢) .

ونقرأ بشأن المدعوّ( سعيد ) الذي انتحلَ صفة مهندس طُرق وعمران، واحتالَ على عوائل خمسة عشرة فتاة: أنّه كان يأخذ مبالغ طائلة بذريعة إقامة مراسم العقد وشراء المستلزمات الضرورية، بعد إبرازه عدداً من الشيكات المزيّفة، وبعد انكشاف أمرهُ شكتهُ العوائل المتضرّرة، وأودِعَ السجن بحكم المحكمة العامّة ( يافت آباد ) في طهران(٣) .

وجاء في تقرير آخر تحت عنوان( ١٦ سنة من الانتظار ) : إنّ المدعوّة( آسية ) التي تَحمل شهادة الماجستير في التمريض، والتي لها من العمر حالياً ٤٦ سنة، قد تقدّم لخطبتها قبل سبع عشرة سنة شخص اسمهُ( عبد الحميد ) ، وبحجّة الاحتياج الشديد إلى مليون تومان طلبَ من عائلة المرأة أن تبيع بيتها وذَهبها،

____________________

(١) صحيفة القدس: العدد ٢٧٣٢.

(٢) المصدر المتقدّم: العدد ٢٩٩٨.

(٣) صحيفة خبر: العدد ٤٦٢.


 وبعد أن أخذَ النقود وحدّد تاريخ إقامة مراسم العَقد اغتنمَ الفرصة يوم العقد، حيث كان مئات الأشخاص حاضرين في مجلس العَقد، وكانت العروس في ثياب زفافها البيضاء وكان الجميع في انتظاره، وتوجّه نحو أوربا! تقول آسية: انتظرتُ سنوات لعلّه يعود، ولم أقنع بما قاله والداي ونصيحتهما لي بقطع الأمل عن هذا الشخص المحتال، واستمرّ هذا الانتظار ستّة عشر سنة، حتّى وصَلني نبأ زواجه من امرأة أوربية، فجئتُ إلى المحكمة لأُطالب بمطاردة هذا المحتال وإنزال العقوبة به(١) !

المدعوّة( فتانة. ص ) لها من العمر ٢٦ سنة، وتحمل شهادة الماجستير في الإدارة التجارية، وقد راجَعت شركة الصنائع الغذائية للحصول على عمل، وهناك وقَعت ضحيّة تخطيط واحتيال مدير الشركة البالغ من العمر ٥٤ سنة، حيث حُكمَ عليها بالسجن بسبب إصدارها عدّة شيكات من غير رصيد وتزوير الوثائق الحكومية، وحينما أُحضرت هذه الشابّة من السجن إلى المحكمة بسبب شكاوى المستثمرين المتضرّرين في هذه الشركة قالت: حينما طلبتُ من هذا الرجل مساعدتي في قضاء ديوني، قال لي: شريطة أن تتزوّجي منّي!

وحينما عَرضتُ اقتراح رئيس الشركة على أُسرتي رَفضت بشدة، إلاّ أنّني أُجبرت على الرضوخ لهذا الزواج، وبعدها استمهلَ الشاكينَ سنة ليدفع لهم الديون المترتّبة عليّ، ولكن بعد مُضي سنة لم يفِ زوجي بوعده، الأمر الذي دعا الدائنين إلى إحضاري إلى المحكمة مرّة ثانية! وحينما طالبتُ زوجي بمدّ يد المساعدة قال لي ضاحكاً: شريطة أن تطلبي الطلاق! وبعد أن تنازلتُ عن جميع حقوقي وحصول الطلاق، علمتُ حينما راجعت المحكمة أنّ هذا الرجل المحتال قد تزوّج قبلي من ثمانية نساء، وقد احتالَ عليهنّ جميعاً بشكلٍ من الأشكال(٢) !

____________________

(١) صحيفة إيران: العدد ١٥٣.

(٢) صحيفة إيران: العدد ١٠٩١.


وطبعاً في مثل هذه الموارد وإن كان يمكن لنا أن نلقي باللائمة على حماقة هؤلاء النسوة، إلاّ أنّنا في الوقت نفسه علينا أن لا نفقد الأمل بسبب هذه الاحباطات، وإنّما علينا أن نكتسب منها الدروس والعِبَر، وأن نستفيد منها في المستقبل بوعي لتعود المياه إلى مجاريها.

ومضافاً إلى ذلك نقول لمثل هؤلاء - الذين يعيشون على الاحتيال والتغرير بالآخرين لإشباع رغباتهم وميولهم، ويوقِعون الظلم بحقّ الآخرين، ويُبدّلون آمال الشابّات من النساء إلى جحيمٍ لا يُطاق - أن يلتفتوا إلى أنّهم سوف لا يأمنون القصاص الإلهي حتّى في هذه الدنيا، فقد وردَ عن النبيّ الأكرم ( صلّى الله عليه وآله ) أنّه قال:( مَن لا يَرحَم لا يُرحَم ) (١) .

____________________

(١) كنز العمّال: ٣ / ١٦٢، الحديث ١٦٢.


(٢٣)

مشاكلُ الزواج

بالقدر الذي تُعاني منه الحياة العامّة في المجتمع المعاصر من المشاكل في البناء والاقتصاد، كذلك هي تُعاني من مشكلة زواج الشباب.

ومن هنا كان ارتفاع سنّ الزواج من الأمور التي تثير قلق العوائل والمجتمع، والتي تستتبع توتّر الأعصاب والأمراض الأخلاقية والاجتماعية!

تحكي الصُحف عن إحصائيات هائلة من الشباب غير المتزوّجين، ونحن إذا التفتنا إليها ستساعدنا في البحث عن سُبل علاج هذه المشكلة.

وإليك التقرير التالي:

أ: هناك أربعة ملايين شاب أعزب يتجاوز عمرهم العشرين سنة.

ب: هناك مليون ومئتا ألف أرمَلة ومطلّقة.

ج: هناك واحد وتسعون ألف عازبة يتجاوز عمرها الخمس وثلاثين سنة.

د: هناك مئة واثنان وأربعون مُعرِضاً عن الزواج يتجاوز عمرهم الخامسة وثلاثين سنة.

وقد كان للعوامل الثقافية والاجتماعية والاقتصادية أثر بالغ في عدم زواج بعض الأفراد، أو الذين أخفَقوا في زواجهم، وفي الوقت الذي تُعدّ كلّ واحدة من هذه الأسباب مشكلة بذاتها، إلاّ أنّه على العموم ليست هناك مشكلة لا يمكن حلّها، لذا فإنّنا سندرس أوّلاً وضع إخفاق غير المتزوّجين من الذين تتجاوز أعمارهم الثلاثين سنة، ليكون فيها عِبرة للآخرين ليفكّروا بشكلٍ جيّد، وأن يُعيدوا النظر في تصرّفاتهم، وأن يستعينوا بالصالحين ليقوى عندهم الأمل لتكوين الأسرة والزواج.


الأفراد البالغون ثلاثين سنة وأكثر

إنّ الاعترافات التي يذكرها غير المتزوّجين من النساء والرجال، الذين تتجاوز أعمارهم الثلاثين والخمسة وثلاثين كالآتي:

السيّدة(ب - س) ماجستير في اللغة الألمانية لها من العمر ثلاثون سنة، وقد رَفضت الكثير من الخاطبين، وهي تقول: إنّ الأمل في الزواج قليل جدّاً، وأنا أُفضِّل أن أبقى عازبة على أن أتزوّج من شخصٍ لا يُعجبني!

(مرجان - ب) لها من العمر ٣٥ سنة ولا زالت عازبة، تقول: ( إذا أرادت المرأة أن لا تواجه مشكلة في زواجها، فلابدّ من أن تكون ثقافتها بمستوى الرجل أو دونه ).

(مهناز - س) لها من العمر ٣٨ سنة، وعندها ماجستير وتعمل موظّفة وهي عازبة، تقول: عندما كنتُ شابّة كنت أُفضِّل العمل على الزواج، لأنّي كنتُ أعتقد بأنّ العمل والدراسة رمزان للنجاح في الحياة الاجتماعية!

(مهين - ج) لها من العمر ٤٠ سنة، موظّفة عازبة تقول: ( كنتُ أرفض كلّ مَن يتقدّم للزواج منّي، إذ كنتُ أريد من زوجي أن يكون ثريّاً يمتلك بيتاً وسيّارة، ويتمتّع بحسبٍ رفيع ونَسَب شريف، وعلى مستوى كبير من الثقافة والعلم، وأن يكون وسيماً بهيّاً ).

(مجيد - ك) لهُ من العمر ٣٧ سنة، يقول: ( أنا من الذين فكّروا في الزواج مبكّراً؛ لأنّني كنتُ أرى أنّ الزوجة والأطفال يضيفون إلى الحياة بهجة ونشاطاً، إلاّ أنّني كنتُ معلِّماً ولم أتقدّم لخطبة امرأة، حتّى تُطالبني بالبحث عن وظيفة تَدفع راتباً كبيراً، وأن يكون لي بيت مستقلّ وسيّارة ).

(عبّاس - ب) عمرهُ ٣٨ سنة أعزب، ويمتلك شركة خصوصية، يقول: ( لم أعثر إلى الآن على زوجة تُلائم ذوقي، ولا أعتقد بأنّي سأحصل على مثل هذه المرأة في المستقبل! )(١) .

____________________

(١) صحيفة همشهري: العدد ١٠٤٤.


وكما ترون فإنّ النماذج المتقدّمة وما شابهها - والتي تؤدّي إلى إخفاق الزواج - كان سببها المطالبة بالشهادات العلمية العالية، وامتلاك البيت المستقلّ والسيّارة، والعمل الذي تكون أرباحهُ طائلة، والنَسب الشريف والجمال، وهناك مَن يريدها بأجمعها مجتمعة في شخصٍ واحد!

وطبعاً إنّ مثل هذه المطالب معقولة ومرادة، إلاّ أنّ على الذين أخفقوا في زواجهم - بالنسبة إلى هذه المطالب - أن يلتفتوا إلى المواضيع الثلاثة المهمّة الآتية، حتّى لا يقعوا في مثل هذه الورطة:

١ - رجّح بعضٌ في شبابه طلب العلم والحصول على وظيفة، وكما يقول كان الزواج عنده قليل الأهمية، وأنّهم إذا حصلوا على العلم والوظيفة فإنّ مسالة الزواج ستكون محلولة بشكلٍ قهري، في حين أنّ هذا النوع من التصوّر غير متكامل، وإنّما على المرء في فترة شبابه أن يفكّر في الزواج بشكلٍ جيّد، وقد اعتبرَ الإمام الصادق ( عليه السلام ) الزواج معاملة غالية الثمن!

وعليه: فالزواج ليس قليل الأهميّة يمكننا أن نغفله لنضيّع الفرصة المناسبة لهُ، وإنّما لابدّ من التفكير فيه والإعداد له في فترة الشباب.

٢ - في العالَم المعاصر لا يمكن للذوق وحده أن يكون مفيداً بل من الضروري إعمال التفكير، والأهمّ منه المشوَرة مع الكبار والعلماء؛ فإنّ إعمال الذوق وحدهُ ضيّق في أُفق التفكير وسذاجة، ولا يمكنهُ إيصال المرء إلى هَدفه.

ومن الضروري لهؤلاء الأشخاص - الذين لم يحصلوا على الفرصة اللازمة - أن يلتفتوا أوّلاً إلى أنّ الإسلام يَعتبر العزوبة ذنباً فظيعاً، ومن الناحية العلمية تترتّب عليها تَبَعات سلبية كثيرة، وثانياً على هؤلاء الأفراد أن يلتفتوا إلى أهميّة الوسطاء الصالحين في أمر الزواج، وعلى الوسطاء الذين يجمعوا بين العازبين أن يلتفتوا إلى قول الإمام الصادق ( عليه السلام ) حيث قال:( مَن زوَّج أعزبَ كان ممّن ينظر الله عزّ وجل إليه يوم القيامة ) (١) .

____________________

(١) فروع الكافي: ٥ / ٣٣١.


٣ - ليست كلّ الآمال والمطالب صحيحة، وعلاوة على ذلك فإنّ نسبة حصولها وتوفّرها في شخصٍ واحد قليلة جدّاً.

وعليه: فبالنسبة إلى الزواج يندر أن يصل الأشخاص إلى كلّ ما يطلبونه، ويحصلون على الزوج الذي تنطبق عليه كلّ المواصفات ١٠٠%، على الخصوص وأنّ الأمور نسبية وليس هناك في هذا العالَم شيء متكامل من جميع الوجوه.

فعلى الذين تجاوزت أعمارهم السنّ الطبيعية للزواج إلاّ أنّهم لا يزالون يرون الخير والسعادة؛ وذلك لأنّهم كما يشعرون هم وحتّى الدول المتقدّمة في العالَم، مثل: ألمانيا التي يعيش ٤٠% من مجموع سكّانها حياة الوحدة، وكما تذعن الصُحف: أنّ عيد رأس السنة الميلادية بالنسبة إلى هؤلاء، مليء بالأحزان والغُصص الناجمة عن الوحدة، فيحبسونَ أنفسهم بين الجدران ليخفوا وحدتهم وعزلتهم.

مشاكلُ الزواج العامّة

يَبرز أمام الشباب والشابّات الذين يرومون الزواج موانع ومشاكل، من آثارها في هذه السنين ارتفاع سنّ الزواج.

وعلى حدّ تعبير رئيس دائرة الإحصاء في إيران: إنّ معدّل سنّ الزواج بين النساء والرجال في المُدن في عام ٧٥، ارتفع إلى ٢/٢٦ سنة للرجال، و ٥/٢٢ سنة للنساء، في حين أنّ معدّل ذلك في عام ٦٥ كان ٢/٢٤ سنة للرجال، و٢٠سنة للنساء(١) .

____________________

(١) صحيفة همشهري: العدد ١٢٧٠.


 لا شكّ في أنّ ارتفاع سنّ الزواج يُعدّ خسارة اجتماعية ناشئة من العِلل الثقافية والاقتصادية في المجتمع، وأهمّها ما يلي:

١ - البطالة

إنّ الحصول على العمل من الحقوق الابتدائية لتكوين الأسرة وضمان الحياة العائلية، ولكن للأسف هناك عِلل وأسباب اقتصادية وثقافية مختلفة أدّت إلى بروز البطالة كظاهرة سيّئة، وترَكت المجتمعات البشرية المعاصرة تتخبّط في مأساتها ومحنتها.

وفقاً لتقرير برامج الإعمار في منظّمة الأمم المتّحدة، فإنَّ عدد العاطلين عن العمل آخذ بالارتفاع، وإنّ عدد العاطلين في العالَم سيصل في عام ٢٠٠٠ إلى مليار شخص(١) !

كما توضّح نتائج البحوث التحقيقية في ألمانيا: أنّ بطالة الشباب من أكبر المشاكل الاجتماعية التي توسّع من رقعة القلق والخوف في صفوف العاطلين، وتؤدّي إلى ازدياد الانحرافات الأخلاقية وتفشّي الفساد فيما بينهم(٢) .

وطبقاً لإحصائيات نقابة العمّال في الجمهورية الإسلامية: هناك حاليّاً مليونان ونصف عاطل عن العمل في المُدن والمحافظات، ممّا قد يؤدّي - مضافاً إلى عدم تفكيرهم في الزواج - إلى ابتلائهم بالأمراض النفسية والسرقة وإدمان المخدّرات، وما إلى ذلك من المفاسد(٣) !

وخلاصةُ القول: إنّ البطالة وعدم الحصول على مورد مادّي يُعدّ في الحقيقة عُقدة أمام الزواج في المجتمع المعاصر، ولابدّ من حلّ لهذه المشكلة، وعلى الشعب والحكومة أن يتعاضدا ويتعاونا لإيجاد حلّ أساسي وثابت لهذه المُعضلة.

____________________

(١) صحيفة كيهان: العدد ١٤٨١٥.

(٢) صحيفة سلام: العدد ١١٨٩.

(٣) صحيفة جمهوري إسلامي: العدد ٥٦٥٠.


٢ - أزمةُ السكن

مع الأخذ بنظر الاعتبار إخلاء حوالي ٢٠% من القرى في البلاد والهجرة إلى المُدن، فقد غدا إعداد السكن - على الخصوص بالنسبة إلى الشباب الذين يَعتزمون الزواج - مشكلة اجتماعية.

وبشأن أزمَة السكن - لكي نتفهّم أكثر ولكي نُخطّط بشكلٍ أفضل - علينا أن نتعرّف أنّ نتائج الإحصاءات العامّة للنفوس والسكن في عام ٧٥ كما يلي:

١ - يبلغ عدد سكّان طهران ١٧٦،٢٣٩، ١١ شخصاً، وهم يُشكّلون ٦١، ١٨% من مجموع سكّان البلاد.

٢ - وهناك في طهران ٢٩٧،٧٨٣،٢ بيتاً تسكنها ٥٨٦،٧٤٣،٢عائلة.

٣ - إنّ ما يقارب ١٣،٦٢% من الأُسر الساكنة في طهران تمتلك بيتاً، وإنّ ٦٨،٢٤% أي حوالي ربع سكّان طهران يعيشون في بيوت مستأجِرة.

٤ - هناك حوالي مليون ونصف عائلة في المُدن، يُقدّر عدد أفرادها بسبعة ملايين نسمة تُعاني من أزمَة السكن.

٥ - يعاني ٠٠٠،٨٤٠ عائلة من العدد المتقدّم، أي حوالي أربعة ملايين نسمة من أزمَة توفير السكن، حيث يُخصّصون أكثر من ٣٠% من دَخلهم لتكاليف السكن.

٦ - وفقاً للإحصائية المتقدّمة فهناك حالياً ٢٠،٩% من مجموع عوائل البلاد، تسكن في بيوت مستأجِرة(١) .

فما هو السُبل في مثل هذه الظروف للشباب الذين يريدون الزواج كي يوفّروا السكن؟

مضافاً إلى سياسة الدولة وما قامَت به من الحدّ من الهجرات الواسعة نحو المُدن، والقيام ببناء الشقق، وإعطاء القروض للسكن والزواج وبناء البيوت الاستئجارية، فمعَ الالتفات إلى ازدياد نسبة الشباب في المجتمع،

____________________

(١) صحيفة همشهري: العدد ١٣٠٣ و ١٦٩٧.


ولأجل الوقاية من الانحرافات الأخلاقية لابدّ للأشخاص قبل الزواج أن لا يصرّوا على أن يمتلكوا بيوتاً مستقلّة، وأن يخضعوا للأمر الواقع ويسيروا على الطريقة التقليدية المتّبعة في السكن مع أوليائهم، أو أن يلزموا الصبر والقناعة والموازين الأخلاقية والحقوقية بالنسبة إلى الوالدين، بل وحتّى الإخوة والأخوات، ويبدأوا حياتهم الزوجية.

وعلى كلّ حال، فإنّ توفير السكن على حدود الوسع أمرٌ ضروري للشروع في الحياة الزوجية.

٣ - المهورُ الغالية

إنّ المهر أو الصداق: هو ما يتوافق عليه الرجل والمرأة من مالٍ، أو عملٍ، أو شيء مشروع يتكفّل الرجل بأدائه عند عَقد النكاح.

وعليه: يتعهّد الرجل حين عَقد الزواج بأن يفعل للمرأة شيئاً، أو يُقدّم لها مالاً مهراً لها، كما تعهّد موسى بن عمران ( عليه السلام ) أن يعمل برعي الغنم لمدّة ثمان سنوات، حينما تزوّج من ابنة شعيب ( عليه السلام )(١) .

وأقلّ ما يمكن دفعهُ كمهر هو:أن يكون ممّا يتموّل ، وأمّا أكثرهُ فهو:أن لا يتجاوز مهر السنّة وهو خمسمئة درهم ، وهو صداق فاطمة الزهراء ( عليها السلام )(٢) .

وفي الأيّام الأولى من تطبيق أحكام الإسلام في المدينة، حيث كانت الأمور تجري على البساطة والإيمان المسؤول، كان الرجل أحياناً يتعهّد بتعليم المرأة عشرين آية من القرآن أو سورة واحدة، وأحياناً جميع القرآن كمهرٍ لها، وبذلك يحصل الزواج ويؤدّي الرجل ما تعهّد به من المهر، كما يُكتفى أحياناً بقبضة من الحنطة أو خاتم كمهر للزواج، ويتمّ الزواج في جوٍّ من البساطة والإيمان، قال النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ):( أفضلُ نساء أمّتي أصبحهنّ وجهاً، وأقلّهنّ مَهراً ) (٣) .

وفي أوائل انتصار الثورة الإسلامية في إيران، شاعَ بين بعض الأشخاص المتدينين في المجتمع الاكتفاء بالمهر القليل، ويُقدّمون للمرأة نسخة من القرآن أو دورة كاملة من تفسير الميزان، ولكنّ تغيير الظروف الاقتصادية والاستغلال

____________________

(١) سورة القصص: الآية ٢٦ و ٢٧.

(٢) تحرير الوسيلة: ٢ / ٤٣٤.

(٣) وسائل الشيعة: ١٥ / ٣.


السيئ الذي حَدثَ في بعض الأحيان من هذه الناحية، ولتحقيق التوازن بين المهر و( الجهيزية )(١) - التي تقع على عاتق أسرة البنت لضمان ثبات الزواج واستحكامه ما أمكنَ - ارتفعت المهور، ولكن مع ذلك إذا حصلَ الزواج على أُسس صحيحة، وفي جوٍّ تسودهُ الثقة المتبادلة ضمن تقليل المهور، أو إجرائها على أساس غير النقد والمادّة، فسوف يكون اللجوء إلى ذلك من المشاكل التي تحول دون الزواج في المجتمع المعاصر.

٤ - توفيرُ الجهاز

إنّ الجهاز: عبارة عن الأثاث الذي يحتاج إليه الرجل للزواج، فتوفيرهُ يقع على عاتق الرجل، كما صَنع الإمام علي ( عليه السلام ) حينما أراد أن يتزوّج من فاطمة الزهراء ( عليها السلام )، حيث جَعل درعهُ صداقاً فباعهُ بأمر الرسول ( صلّى الله عليه وآله )، وأعطى ثمنهُ إلى الرسول ( صلّى الله عليه وآله ) فقام بشراء جهاز مختصر وبسيط بجزء من الثمن(٢) .

وطبقاً للمادّة رقم ١١٠٧ من القانون المدني الإيراني، فقد اعتُبر إعداد أثاث البيت أي الجهاز من النفقة ويكون على عاتق الزوج.

وبالتدريج تحوّل الجهاز بوصفهِ مساعَدة من قِبل أهل الزوجة لبناء كيان الأسرة إلى واجبٍ عليهم، ثمّ صار للأسف الشديد بفعل طبقة جاهلة وأحياناً واعية، إلاّ أنّها متورّطة في المنافسة العصبية إلى عَقَبة كؤود، حتّى عَجزت الأُسر الفقيرة عن توفيره، وفي كثيرٍ من الموارد تُحرم الفتاة من الزواج بسبب عدم امتلاكها للجهاز أو كونهُ بسيطاً!

وإنّ الذي يجري حالياً في المجتمعات البدوية - التي تسكن البوادي حيث الفطرة والطبيعة السليمة - هو أنّ توفير الجهاز يكون على عاتق أُسرة الزوج، ومضافاً على ذلك يتكفّل الزوج بدفع مقدار من المال يدعونه ثمن الرضاع(٣) .

____________________

(١) الجهيزيّة: مصطلح شائع في إيران، حيث على عائلة الفتاة تزويدها بكلّ ما تحتاجه من أثاث لمستقبل حياتها الزوجية، وما يُقدّمه الرجل من مال كمهر يكون خاصّاً لها.

(٢) الاستيعاب: ٤ / ٣٧٧، بحار الأنوار: ٤٣ / ٩٤ و ١٠١ / ٨٨.

(٣) وهو مبلغ من المال يُدفع لأم الزوجة عوضاً عن إرضاعها ابنتها التي تريد تزويجها.


وعلى كلّ حال، فإنّ توفير الجهاز الغالي يُعقّد مسألة الزواج، وقد يؤدّي إلى حوادث مأساوية، نظير ما حَدث لذلك الموظّفَ المتقاعد الذي اضطرّ إلى بيع إحدى كليتيه؛ ليوفّر بثمنها جهازاً لإحدى بناته، الأمر الذي أودى بحياته(١) !

وخلاصةُ القول: إنّ هذه التقاليد إذا لم يتمَّ الحدّ منها ولم تَحلّ القيَم الإنسانية محلّها، فسوف تتجذّر الأمراض الأخلاقية والاجتماعية، ويتحوّل الزواج إلى مجرّد معاملة تجارية ومادّية صِرفة، إذ تقرأ في الصُحف الحادثة التالية:( يُقتل في الهند سنوياً خمسة آلاف فتاة على يد أسرة الزوج ( أمّه أو أخته )، بسبب قلّة ما حَمَلتهُ معها من جهاز ) (٢) .

ويجدر الالتفات إلى حديث الرسول ( صلّى الله عليه وآله ) الموجّه لأسرة الفتاة حيث يقول:( لا تُغالوا في الصداق فتكون عداوة ) (٣) .

وعليه: ففي مورد تحديد المهر الذي لا يُدفع نقداً في الغالب، قد أوصى الإسلام بأن يكون قليلاً ولابدَّ من مراعاة ذلك، سيّما ونحن نعيش في ظروف اقتصادية حرجة، ولأجل الحفاظ على كرامة أسرة الفتاة التي تدفع الجهاز نقداً، فعلى أسرة الفتى أن تقنع منه بالقليل، لكي لا يثقل على عاتق أسرة الفتيات الفقيرة والمحتاجة، ليحصل بذلك التوازن الأخلاقي والاقتصادي الذي يتمخّض عن توثيق الروابط بين الأُسر.

وعليه: إذا أقبلَ الشباب نحو الفتيات اللاتي يمتلكنَ جهازاً ضخماً، فستبقى الفتيات اللاتي لا يمتلكن جهازاً، أو يمتلكن شيئاً قليلاً منه في بيوتهنّ من غير زواج، أو يضطرّ آباؤهنّ وأمّهاتهنّ إلى تحمّل القروض الباهضة من أجل إعداد الجهاز لهنّ.

٥ - تكاليفُ حَفلات العَقد والزواج

إنّ ( الوليمة ) ودعوة الأشخاص لتناول الطعام والحلويات في حفلات العقد والزواج، وإن كانت ممّا يحثّ عليه الإسلام ويقبلهُ كلّ عقل سليم، إلاّ أنّ ما يحدث حالياً - في ظلّ الظروف الاجتماعية الراهنة - هو الإسراف في نَفقات هذه الحفلات الذي يُؤدّي إلى تعقيد الزواج - بل وقد يؤدّي إلى تعطيله أساساً.

____________________

(١) صحيفة همشهري: العدد ١٦٨٧.

(٢) صحيفة اطلاعات ( الملحق ): العدد ٢١١١٢.

(٣) فاطمة الزهراء من المهد إلى اللحد: ص١٧٨.


إذ إنّ اتّساع رقعة المطالب والإسراف المصحوب أحياناً بارتكاب المآثم - من قبيل عدم مراعاة الأخلاق والعفّة، بل وإيذاء الناس - يُعدُّ حالياً من المُعضلات الاجتماعية والموانع من تسهيل عملية الزواج.

وقد واجهنا موارد اضطرّ فيها بعض إلى الاقتراض من أجل إعداد مسكن للإيجار، إلاّ أنّهم لقلّة وعيهم - ولأجل المنافسات التي ليس لها مبرر - أسرَفوا في نفقات العَقد والزواج، ممّا اضطرّهم إلى العيش سنوات وهم يتجرّعون الآلام والغُصص، ويدفعون بسبب ذلك أثماناً مادّية ومعنوية باهضة! وأن يتحمّلوا الآلام الطويلة من أجل لذّة قصيرة وقليلة الفائدة! وما أروع ما جاء في الحديث:( رُبَّ لذّة ساعةٍ أورثت حُزناً طويلاً ).

أجل، في ظلّ ظروف البطالة وارتفاع الأسعار التي جَعلت المجتمع يتخبّط في مشاكله الاقتصادية، تكون مراعاة الاقتصاد في جميع شؤون الحياة - سيّما الزواج منها - أمراً ضرورياً، ليغدو من السهل على الشباب أن يتزوّجوا.

ومن هنا فقد بادرت الحكومة الباكستانية إلى تمديد القانون القاضي بتخفيض نفقات حفلات الزواج، المصادَق عليه سنة ١٩٩٧م مدّة ثلاثة سنوات أخرى، وبموجب هذا القانون يتعيّن إقامة جميع الحفلات في الوقت الواقع بين صلاتي الظهر والعصر وحتّى الغروب؛ بُغية الحيلولة دون الاضطرار إلى تقديم وجبة الغداء أو العشاء، وقد أدّى هذا القانون إلى شعور الطبقات الفقيرة وذات الدخل المحدود بالسرور والفرح، وإن أدّى إلى امتعاض واستياء الطبقات الثريّة والمرفّهة(١) .

____________________

(١) مجلّة ( زن روز ): العدد ١٦٨٤.


(٢٤)

دعوةٌ عامّة للزواج

هناك أربعة ملايين شابّ عازب في مجتمعنا تزيد أعمارهم على العشرين سنة، وهناك مليون ومئتا ألف أرملة ومطلّقة، وواحدة وتسعون ألف امرأة غير متزوّجة تزيد أعمارهنّ على الخمسة والثلاثين عاماً، ومئة واثنان وأربعون ألف عازب تزيد أعمارهم على الخمس والثلاثين سنة(١) ، وهناك مليونان من الشباب يرومون الزواج(٢) .

وإنّما نُدرك أهميّة وضع الشباب العازبين الحرجة إذا أخذنا بنظر الاعتبار التكاليف الباهضة للزواج، على الخصوص بالنسبة إلى الأُسر الفقيرة من جهة، ومن جهةٍ أُخرى الوسائل التي تُثير الغرائز الجنسية التي يُروّجها الأعداء في الداخل والخارج، والأضرار الأخلاقية والنفسية والجسدية التي يتعرّض لها العزّاب!!

____________________

(١) صحيفة همشهري: العدد ١٠٤٤.

(٢) مجلّة ( زن روز ): العدد ١٦٥٨.


ومع الالتفات إلى خطورة المسألة، فإنّ التقصير وعدم الاهتمام والتهاون والغفلة والجهل يزيد وضع الشباب العازب تأزّماً، وقد نبتلي بسبب ذلك بنفس الداء الذي ابتُليت به المجتمعات الغربية!

وللحيلولة دون وقوع هذا الخطر الماحق، لابدّ من الإقدام على عملٍ شامل وعام، بيَّنهُ الله تعالى حيث قال:( وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إنْ يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) (١) .

وبشأن هذا الدستور الإلهي هناك أمران جديران بالاهتمام:

أ - حينما يؤمَر المسلم بتزويج العازبين، فمن الطبيعي أن لا يُكتفى في ذلك بالكلام والتوجيه فقط، وإنّما لابدّ مع ذلك من إعداد مقدّمات الزواج من المهر والجهاز، فقد قال الإمام الصادق ( عليه السلام ):( أبى الله أن يُجري الأشياء إلاّ بالأسباب ) (٢) .

ب - حينما يقول الله تعالى:( وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ )، ويؤكّدهُ النبيّ بقوله:( زوّجوا أيَاماكم ) ؛ فإنّ هذا الخطاب العامّ موجّه لجميع المكلّفين من المسلمين، فيجب عليهم امتثاله بوصفه قانونا فطرياً وتكليفاً واجباً، وعلى هذا الأساس فإنّ المسؤول عن تزويج الشباب العزّاب هم الفئات التالية:

١ - الآباءُ والأمّهات

إنّ المسؤول في الدرجة الأولى عن زواج الشباب والأبناء هم الآباء والأمّهات، وهذا أمر معروف في جميع المجتمعات وعلى الخصوص في مجتمعنا الإسلامي، إذ يهتمّ الآباء به بشكلٍ جادّ، ويأخذون بإعداد العدّة له منذ طفولة أبنائهم، فيفتحون لهم رصيداً في البنك ويخصّصون لهم جزءاً من الأموال والأثاث؛ ليضمنوا بذلك مستقبل حياتهم الزوجية، قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ):( إنّ من حقّ الولد على الوالد ثلاثة: أنّ يُحسّن اسمهُ، ويُعلّمه القرآن، ويزوّجه إذا بَلغ ) (٣) .

____________________

(١) سورة النور: الآية ٣٢.

(٢) بحار الأنوار: ٢ / ٩٠.

(٣) مكارم الأخلاق: ص٢٢٠، طبع النجف، بحار الأنوار: ٧١ / ٨٠.


وطبعاً بالنسبة إلى وظيفة الآباء والأمّهات في تزويج أبنائهم، يجب - مضافاً إلى ما تقدّم في فصل( الزواج المدروس ) - التعرّف على الزوج أو الزوجة المناسِبة وتهيئة المال ومقدّمات الزواج، ولابدّ أيضاً من رعاية المصلحة الواعية والصادقة والعقلائية، ولكن على الوالدين أن لا يتمسّكا بالأذواق الفردية والإشكالات الواهية وغير المنطقية، فيسلبون بذلك حرّية الاختيار من الشابّ ويعرّضون مصيره ومستقبله إلى الخطر؛ لأنّ هذا النوع من الأفكار والسلوكيات غير اللائقة واللئيمة يؤدّي أحياناً إلى الإضرار بالأسرة والمجتمع، والندم بعد فوات الأوان لا يُجدي شيئاً.

إنّ أكثر الآباء والأمّهات يُدركون ثقل مسؤوليتهم عن تزويج أولادهم، بل ويثبتون ذلك على المستوى العملي من خلال تحمّل الصعاب والآلام، ولكن مع ذلك قد نعثر على بعض الأشخاص الجاهلين والأنانيين الذين يقدّمون مصالحهم على مصالح الشباب من أولادهم، وبذلك يظلمونهم ويظلمون أنفسهم!

وفي هذا الصدد نقرأ في صحيفة خبراً بعنوان( رفض الأب لخمسين خطيباً ) : شكت فتاة تُدعى فريدة وتبلغ من العمر ١٩ سنة، أباها إلى المحكمة العامّة في طهران بسبب رفضه لمَن يخطبها، وقد ضاقت ذَرعاً من خشونة أخلاقه، وإدمانه المخدّرات وطلاقه لأمّها في صغرها، والضرب المُبرح الذي تنالهُ من زوجته الثانية وانجاز أعمال البيت، وقالت للقاضي: تقدّم لخطبتي حتّى الآن خمسون شخصاً، إلاّ أنّ أبي رفضهم جميعاً، وحَبسني في البيت لأقضي له ما يحتاجهُ، وقد سئمتُ هذا النمط من الحياة، أنقذوني(١) .

____________________

(١) صحيفة إيران: العدد ١٥٣.


٢ - الدولةُ الإسلامية

طبقاً للمادّة العاشرة من دستور الجمهورية الإسلامية ( يجب تنظيم جميع القوانين والخُطط في إطار تسهيل بناء الأسرة ).

وعليه: تكون الدولة الإسلامية من جملة الفئات التي يتوجّه إليها خطاب( وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ ) ، فعليها أن تهتمّ في مخطّطاتها بمسألة ( تزويج الشباب )، وهي تقوم بذلك فعلاً من خلال إعطاء القروض لأجل الزواج والسكن، ولكن بملاحظة التكاليف الباهضة، فإنّ مثل هذا ليس كافياً، بل على الدولة أن تقوم بمشاريع أكبر من ذلك استناداً للأحاديث الدينية وسيرة الأئمّة ( عليهم السلام )، لتحول دون وقوع الأُسَر في مغبّة الفساد والانحراف وتضمن سلامة الفرد والمجتمع.

قال الإمام الصادق ( عليه السلام ):( إنّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أُتيَ برجلٍ عَبث بذَكَرهِ، فضربَ يدهُ حتّى احمَرّت، ثمّ زوَّجهُ من بيت المال ) (١) .

وعن الحسن بن سالم قال: بَعثني أبو الحسن موسى ( عليه السلام ) إلى عمّته يسألها شيئاً كان لها، تُعيّن محمد بن جعفر في صداقه، فلمّا قَرأت الكتاب أعطتنيه، فإذا فيه:إنّ لله ظلاً يوم القيامة لا يستظلّ تحتهُ إلاّ نبي، أو وصي نبي، أو عبد أعتقَ عَبداً مؤمناً، أو عبد قضى مغرم مؤمن، أو مؤمنٌ كفَّ أيمة مؤمن ) (٢) .

٣ - الجهاتُ المعيَّنة

كما أنّ الجهات التي تأسّست بعد الثورة الإسلامية مثل:( لجنة الإمام الخميني )، ومؤسّسة الشهيد ، من الجهات التي يتوجّه إليها خطاب( وَأَنكِحُوا الأَيَامَى ) ، إذ يتعيّن عليها أن تقوم بخطوات عملية ومدروسة في عملية تزويج الشباب.

____________________

(١) وسائل الشيعة: ١٤ / ٢٦٧، تهذيب الأحكام: ١٠ / ٧٣.

(٢) وسائل الشيعة: ١٤ / ٢٨.


ومضافاً إلى المسؤولية الدينية المُلقاة على عاتق هذه الجهات، فإنَّ ما تمتلكهُ من إمكانيات يُضاعِف مسؤوليتها في تزويج الشباب، ولحُسن الحظّ تشير الإحصائيات الموجودة بين أيدينا إلى: أنّ لجنة الإمام الخميني قامت في العام ١٣٧١ بتوفير الجهاز، ومقدّمات الزواج لخمسة آلاف ولتسعمئة وسبعة وستين زوجاً(١) ، أي أنّها قلّلت من نسبة العازبين وأضافت إلى نسبة المتزوّجين.

٤ - المؤسّسات الخيريّة والمبرّات

إنّ هذه المؤسّسات الموجودة في عدّة محافظات - ولها مشاريع مؤثّرة في مجال تزويج الشباب - من الفئات التي قامت بتلبية هذا الأمر القرآني، وساهَمت في التقليل من عدد العازبين، وخفّفت من عبء الدولة والأُسر الفقيرة، بمساعدة المتمكّنين مادّياً من الخيّرين، ونالت الأجر الجزيل من خلال تزويج الفقراء من الشباب.

وعلى هذه المؤسّسات والأخيار من الناس الذين شاهدت جهودهم المخلصة عن كثبٍ، لكي يواصلوا مساعيهم أن يلتفتوا إلى قول الإمام موسى بن جعفر ( عليه السلام ):( ثلاثة يستظلّون بظلّ عرش الله يوم القيامة يوم لا ظل إلاّ ظلّه: رجل زوّج أخاه المسلم، أو أخدمهُ، أو كتمَ لهُ سرّاً ) (٢) .

٥ - المُحسنون من الناس

عبرَ الالتفات إلى الكمّ الهائل من الشباب العازبين والظروف الاقتصادية الراهنة، وتَعرّض الشباب للمزالق من قِبل جهات مختلفة، ولأجل تقديم العون للمجتمع وصيانة كيان الدين وسلامة الشباب، فمن الضروري - مضافاً إلى الآباء والأمّهات والدولة والجهات المعنيّة - أن يكون للمحسنين والخيّرين في المجتمع دور في هذا المجال.

وذلك من خلال إقامة جمعيات إحسان لتزويج الشباب في كلّ مدينة وناحية ومحلّة، وفي كلّ مسجد وقوم أو عشيرة، لتلبّي كلّ نقابة بدورها نداء القرآن الكريم الدافئ إلى الحدّ من مُعضلة تزويج الشباب في المجتمع، بشكلٍ نافع وواسع مع حفظ كرامة الأفراد.

____________________

(١) صحيفة كيهان: العدد ١٥٠٠٩.

(٢) وسائل الشيعة: ١٤ / ٢٦.


وليعلم هؤلاء المحسنون: أنّ تهيئة مقدّمات الزواج وبناء الأسرة للشباب الفقراء - في ظلّ الظروف الحرجة الراهنة - أفضل من بناء المساجد والحسينيات، وإقامة مراسم العزاء بنفقات باهضة وأنفع وأبقى، وطبعاً ليس في هذا الكلام دعوة إلى تعطيل مثل هذه الأمور الحسنة والقيّمة، وإنّما الذي نريدهُ هو التقليل من بعض النفقات غير الضرورية، وصَرفها في وجوه أخرى أكثر أهميّة كتزويج الشباب.

ولبيان أهميّة هذا الاقتراح نستعرض الأحاديث التالية بدقّة:

١ - قال الإمام علي ( عليه السلام ):( أفضلُ الشفاعات أن تشفع بين اثنين في نكاحٍ حتّى يَجمع الله بينهما ) (١) .

٢ - قال الإمام الصادق ( عليه السلام ):( مَن زوَّجَ أعزباً كان ممّن ينظر الله إليه يوم القيامة ) (٢) .

وعلى كلّ حال، فإنّ تزويج الشباب والعازبين يُعتبر من الأعمال الصالحة ويُعدّ صدقة جارية، ولهُ آثار إنسانية بنّاءة لا يمكن أن تُنسى فيما إذا قيست بالأعمال الصالحة الأخرى.

٦ - الشبابُ أنفسهم

من الطبيعي في هذه الدعوة العامّة التي دعَونا إليها الآباء والأمّهات والدولة والناس والمؤسّسات والمحسنين، وذكرنا ما فيها من الأجر والثواب ليبادروا إلى حلّ مشكلة تزويج الشباب في الظروف الراهنة، أن يكون الشباب أنفسهم - أعمّ من الذكور والإناث - سبّاقين في هذا المضمار وأكثر سعياً من غيرهم في بناء الأسرة.

____________________

(١) فروع الكافي: ٥ / ٣٣١، وسائل الشيعة: ١٤ / ٢٦.

(٢) وسائل الشيعة: ١٤ / ٢٧.


ولذا على الشباب في المرحلة الأولى أن يرفعوا العَقبات والموانع التي تحول دون زواجهم، وأن يعدّوا العدّة في أنفسهم من ناحية الكفاءة الأخلاقية والفكرية والشعور بالمسؤوليّة لبناء الأسرة.

ولتوضيح هذا المعنى من خلال الالتفات إلى أنّ الزواج مسألة مصيرية، وأنّ التهرّب منه ينطوي على أضرار جمّة لا يمكن تلافيها، لابُدّ من الالتفات إلى ما يلي:

١ - يرى القرآن الكريم أنّ إعداد المقدّمات المادّية والمعنوية من وظائف الأولياء وغيرهم، ليكونوا البادئين برفع الموانع المادّية ويفتحوا الطُرق إلى إقامة الزواج، إلاّ أنّ القرآن وعَدَ الشباب أثناء زواجهم بقوله:( إنْ يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) (١) .

وقال الإمام الصادق ( عليه السلام ):( أتى رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) شابّ من الأنصار فشكا إليه الحاجة، فقال له: تزوّج، فلحقهُ رجل من الأنصار فقال: إنّ لي بنتاً وسيمة، فقال الشابّ: إنّي لأستحيي أن أعود إلى رسول الله ( صلّى الله عليه وآله )، فزوَّجها إيّاه، قال: فوسَّع الله عليه، فأتى الشابّ النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) فأخبَرهُ، فقال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ): يا معشرَ الشباب عليكم بالباه ) (٢) .

وهناك أحاديث كثيرة بهذا المضمون، وأنّ الزواج منشأ الخير والبكرة والسعة في الرزق، وأحاديث الأئمّة ( عليهم السلام ) إذا كانت مصحوبة بالتدبّر والسعي وعدم الطمع ستُحلّ العُقد، وهذا ما أثبتتهُ التجارب.

٢ - إنّ الأمر الآخر في خصوص تزويج الشباب الذي يجعل محيط الأسرة بنّاءً ومُثمراً هو: اهتمام الزوجين بالأمور المعنوية والإنسانية، واجتناب الأفكار التافهة والمصحوبة بالتكبّر والغرور.

____________________

(١) سورة النور: الآية ٣٢.

(٢) فروع الكافي: ٥ / ٣٣، وسائل الشيعة: ١٤ / ٢٥.


ومن هنا قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ):( مَن نكحَ امرأة حلالاً بمال حلال، غير أنّه أرادَ به فَخراً ورياءً، لم يزدهُ الله بذلك إلاّ ذلاً وهواناً ) (١) .

كما رويَ عن علي ( عليه السلام ):( لا تنكحوا النساء لحُسنهنّ فعسى حُسنهنّ أن يرديهنّ، ولا لأموالهنّ فعسى أموالهنّ أن تطغيهنّ، وأنكحوهنّ على الدين، ولأمَة سوداء خرماء ذات دين أفضل ) (٢) .

وقال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ):( مَن تزوَّجَ امرأة لمالها وكلَهُ الله إليه، ومَن تزوّجها لجمالها رأى فيها ما يكره، ومَن تزوّجها لدينها جَمع الله له ذلك ) (٣) .

وعلى كلّ حال، فمعَ الأخذ بنظر الاعتبار الإحصائيات التي تشير إلى ارتفاع نسبة الشباب العازبين، فمع ضرورة التعاون الجماعي والمسؤول بين العوائل والدولة والمؤسّسات الخيريّة والمحسنين من الناس، فإنّ للشباب أنفسهم من خلال حصولهم على ثقافة الزواج الصحيحة والقائمة على أساس الرؤية الإسلامية، وأخذ التدابير الاقتصادية المناسِبة أثراً بنّاءً ومصيريّاً في هذا المجال، ليتمّ بذلك القضاء على مشاكل الزواج في رقعة أوسع ومستوىً أفضل.

____________________

(١) وسائل الشيعة: ١٤ / ٣٢.

(٢) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ٢٠ / ٣٣٦، الحديث ٨٤٨.

(٣) وسائل الشيعة: ١٤ / ٣١، الحديث ٥.


الفهرس

المقدّمة ٥

سلوكيةُ الفئتين. ٥

الفئةُ السامية ٦

ما هي الحاجات؟ ٨

الحاجةُ إلى الإيمان. ٩

(١) ١١

لنتعرَّف أنفسَنا ١١

السفرُ إلى الذات.. ١٣

الموضوع الأوّل: ١٤

الموضوع الثاني: ١٤

١ - الغفلةُ والجهل: ١٥

٢ - اتّباع الهوى. ١٦

(٢) ١٩

البلوغُ وآثاره ١٩

١ - العلاماتُ الفيزيقيّة ٢٠

٢ - الآثارُ النفسية والأخلاقية ٢٢

(٣) ٢٦

البلوغُ وأحكامه ٢٦

البلوغ والتكاليف الدينية ٢٦

علائمُ البلوغ من الناحية الشرعية: ٢٦

أحكامُ الجنابة وآثارها ٢٧

الطمث.. ٢٩


أنواع البلوغ الأخرى. ٣٠

١ - البلوغ الجنسي والزواج. ٣١

٢ - البلوغ الاقتصادي. ٣٢

٣ - البلوغ الاجتماعي. ٣٢

٤ - البلوغ السياسي. ٣٢

(٤) ٣٤

علاقاتُ الفتيان والفتيات.. ٣٤

الفتيان والفتيات.. ٣٥

الأضرار ٣٦

قصّة جعفر الطيّار ٣٧

التذرّعُ بالزواج. ٣٨

وللجواب عن ذلك لابدّ من تقديم توضيحات: ٣٨

زواجُ موسى ( عليه السلام ) من صفّورة ٣٩

الاحتياطات اللازمة ٤٠

(٥) ٤٣

معرفةُ الحدود وتجاوزها ٤٣

التديّن ومعرفة الحدود ٤٥

منافعُ مراعاة الحدود ٤٧

أضرارُ تجاوز الحدود ٤٨

(٦) ٤٩

استيعابُ أقوال الآخرين. ٤٩

كظمُ الغيض واحتواء الغضب.. ٥١

الشجاعُ الحقيقي. ٥٢

الفهمُ والإدراك. ٥٢


(٧) ٥٤

ابنُ العَصر ٥٤

الفئاتُ الأربع. ٥٥

الفئةُ الممتازة ٥٦

الانسجامُ مع الآداب.. ٥٨

(٨) ٥٩

التأثيرُ والتأثّر ٥٩

الطريق الرابع: ٥٩

حلاوةُ الإيمان. ٦٠

٢ - حُذيفة بن حسيل. ٦٢

(٩) ٦٦

الأشجارُ الخضراء ٦٦

١ - الديك.. ٦٧

٢ - الغُراب.. ٦٧

٣ - النملة ٦٧

٤ - القطّ. ٦٨

٥ - الجُعَل. ٦٩

٦ - حوارُ لقمان وعيسى ( عليه السلام ) ٦٩

(١٠) ٧١

آفاتُ الشباب الأخلاقية ٧١

ألف: الغرورُ والعُجب.. ٧٢

١ - الأنا والاعتزال. ٧٣

٢ - الجهل. ٧٣

٣ - اختلاقُ المعاذير ٧٥

طُرق العلاج. ٧٥

ب: آفةُ سوء الظنّ. ٧٦


التهرّبُ من المسؤولية! ٧٧

طُرق العلاج. ٧٧

الرؤية الواقعية ٧٨

العِناد والخُصومة ٧٩

العلاجُ القاسي. ٨٠

(١١) ٨٢

الانحرافاتُ الجنسية والسقوط الأخلاقي. ٨٢

١ - النظرُ الحرام ٨٣

٢ - العادةُ السرّية ٨٤

٣ - اشتهاءُ المماثل. ٨٦

٤ - الأعمالُ المنافية للعفّة ٨٨

ردودُ الفعل والعقوبات الإلهية ٨٩

(١٢) ٩٢

النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) والشباب.. ٩٢

١ - زيد بن حارثة ٩٤

٢ - مُصعب بن عُمير. ٩٥

٣ - كاتبُ الوحي والمُترجِم. ٩٧

٤ - أُسامة بن زيد. ٩٨

٥ - عتابُ بن أسيد. ٩٩

٦ - عَظمةُ الإيمان والطاعة ١٠٠

(١٣) ١٠٢

جذوةُ الأمل. ١٠٢

١ - الأملُ بالله تعالى. ١٠٣

٢ - الأملُ العقلائي. ١٠٥

٣ - الأملُ المضيء ١٠٥


(١٤) ١٠٨

التوبةُ والتطهير. ١٠٨

١ - الذنوبُ التي تُقترف بحقّ الله والدِين. ١٠٩

٢ - ظلمُ النفس.. ١١٠

٣ - الذنوبُ التي تُقترف بحقّ الآخرين. ١١٢

آثارُ الذنوب.. ١١٤

(١٥) ١١٦

بارقةُ النجاة ١١٦

١ - نصيحةُ اللصوص.. ١١٨

٢ - حرٌّ أم عَبد؟ ١٢٠

٣ - أخافُ منه ١٢١

(١٦) ١٢٣

اجتيازُ العَقبات.. ١٢٣

ألف - الغفلةُ عن الله تعالى. ١٢٥

ب - المعصية والتمرّد ١٢٥

ج - الوسوسة والتشاؤم ١٢٧

د - التفكير السامي. ١٢٨

(١٧) ١٣٠

الإسلامُ والرياضة ١٣٠

بدايةُ الحاجة إلى الحركة ١٣١


أقسامُ الرياضة: ١٣٣

١ - العمل والسعي. ١٣٣

٢ - المسابقات.. ١٣٤

٣ - رَمي السهام ١٣٦

٤ - سباقُ الخيل. ١٣٧

٥ - الفروسيّة ١٣٧

٦ - السِباحة ١٣٨

٧ - رفعُ الأثقال. ١٣٩

٨ - تسلّقُ الجبال. ١٣٩

أخبارٌ مأساوية! ١٤٠

الأخلاقُ والرياضة ١٤١

شخصيّاتٌ خالدة ١٤٢

(١٨) ١٤٤

أبطالُ الإيمان. ١٤٤

١ - بطلُ العفّة ١٤٦

٢ - جذوةُ الإيمان والإباء ١٤٦

٣ - التغلّبُ على هوى النفس.. ١٤٧

٤ - اجتنابُ أكل الحرام ١٤٨

آثارُ الإيمان وأضرار المعاصي. ١٤٩

(١٩) ١٥١

العملُ والبطالة ١٥١

ذُلّ البطالة وعزّة العمل. ١٥٢


أسبابُ البطالة ١٥٣

أ - ازديادُ السكّان. ١٥٣

ب - عدمُ التخطيط المناسب.. ١٥٤

ج - قيامُ الآلة مقام اليد العاملة ١٥٤

د - الهجرة ١٥٥

هـ - عدمُ الكفاءة اللازمة ١٥٦

و - المشكلة الثقافية ١٥٦

ز - القناعةُ والإبداع. ١٥٧

زراعةُ عليّ ( عليه السلام ) ١٥٨

الأمّهات المضحيّات.. ١٥٨

(٢٠) ١٦٠

عُقَد الحَقارة ومَخاطرها ١٦٠

أسبابُ عُقدة الحقارة ١٦١

١ - وجود عاهة جسدية: كالبُثور في الوجه، أو حول العين، وقصر القامة عن المستوى الطبيعي وما إلى ذلك. ١٦١

٢ - الفقرُ المادّي والاقتصادي. ١٦٢

٣ - السلوكية العنيفة والعقوبات القاسية. ١٦٢

٥ - وجود ذكرى مريرة وحادث مأساوي مثل: فقدان أحد الوالدين، أو الطلاق، أو الفيضان، أو الزلزلة، أو الحريق، أو هجوم سارق، أو حيوان مفترس. ١٦٢

طُرق الوقاية ١٦٢

١ - مراعاةُ العدل والمساواة ١٦٢

٢ - اجتنابُ الإفراط في حُبّ الأولاد ١٦٣

٣ - تجنّبُ العُنف والقسوة ١٦٤

٤ - الدعمُ والتشجيع. ١٦٤


طُرق الحلّ: ١٦٥

ردودُ الفعل السلبيّة ١٦٥

١ - العِزلةُ والكبت.. ١٦٦

٢ - إهدارُ الطاقات.. ١٦٦

٣ - النزوعُ إلى الانتقام ١٦٧

(٢١) ١٦٩

عُقدة الحَقارة وطُرق علاجها ١٦٩

ألف - تقويمُ النفس.. ١٦٩

١ - العملُ بالفم والأسنان! ١٧٠

٢ - شاهدتهُ فحصّلتُ السعادة ١٧٠

ب - لنَفتح النوافذ. ١٧١

ج - نعمةُ النسيان! ١٧٢

د - العلمُ والمعرفة ١٧٣

هـ - الجِدّ والعمل. ١٧٤

١ - اتّخاذ مهنة الأب.. ١٧٥

٢ - لابدّ دون الشهد من... ١٧٦

و - جزاءُ الإساءة ١٧٦

(٢٢) ١٧٨

الزواجُ المدروس. ١٧٨

طُرق المعرفة ١٨٠

مقدّماتُ الخطوبة ١٨١

أثناءُ الخطوبة ١٨١

أ - الالتزامات الأخلاقية ١٨٢

ب - الرؤية والحوار ١٨٢

ج - تجنّبُ الإكراه ١٨٣

١ - أضرارُ عدم المعرفة ١٨٤

٢ - أضرارُ عدم الصدق. ١٨٥


(٢٣) ١٨٨

مشاكلُ الزواج. ١٨٨

الأفراد البالغون ثلاثين سنة وأكثر ١٨٩

مشاكلُ الزواج العامّة ١٩١

١ - البطالة ١٩٢

٢ - أزمةُ السكن. ١٩٣

٣ - المهورُ الغالية ١٩٤

٤ - توفيرُ الجهاز ١٩٥

٥ - تكاليفُ حَفلات العَقد والزواج. ١٩٦

(٢٤) ١٩٨

دعوةٌ عامّة للزواج. ١٩٨

١ - الآباءُ والأمّهات.. ١٩٩

٢ - الدولةُ الإسلامية ٢٠١

٣ - الجهاتُ المعيَّنة ٢٠١

٤ - المؤسّسات الخيريّة والمبرّات.. ٢٠٢

٥ - المُحسنون من الناس. ٢٠٢

٦ - الشبابُ أنفسهم. ٢٠٣