الإمام علي (عليه السلام) وتنمية ثقافة أهل الكوفة
التجميع أمير المؤمنين عليه السلام
الکاتب محمد العبادي
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

بسم الله الرّحمن الرّحيم



الإمام علي ( عليه السلام )

وتنمية ثقافة أهل الكوفة

محمد العبادي

المركز العالمي للعلوم الإسلامية

مهرجان الشيخ الطوسي ( رحمه الله )



فهرس الموضوعات

مقدمة المركز  ١١

المقدمة  ١٣

تعريف الثقافة: الثقافة لغة  ١٥

الثقافة اصطلاحاً  ١٦

الفصل الأوّل / التكوين الثقافي للكوفة  ١٨

١. ثقافة قبلية  ١٩

٢. ثقافة دخيلة  ٢٢

٣. ثقافة إسلامية  ٢٧

الفصل الثاني / الإمام علي ( عليه السلام ) والمراحل الثقافية  ٣٠

١. التوجيه  ٣١

٢. التأهيل  ٣٣

٣. التنمية  ٣٤

الفصل الثالث / الإمام علي ( عليه السلام ) والمجالات الثقافية  ٣٦

أوّلاً: في الحرب  ٣٧

ثانياً: في المسجد  ٤٢


ثالثاً: في المحافل العامة  ٤٤

رابعاً: في الكتب والوصايا  ٤٦

خامساً: المناسبات المتنوّعة  ٤٧

الفصل الرابع / الإمام علي ( عليه السلام ) والأهداف الثقافية  ٤٨

١. الاتقاء  ٤٩

٢. الإرساء  ٥١

٣. الارتقاء  ٥٢

الفصل الخامس / الإمام علي ( عليه السلام ) وعناصر البناء الثقافي  ٥٣

١. الكلمة الطيبة  ٥٥

٢. الأُسوة الحسنة  ٥٦

٣. الأُمّة الصّالحة  ٦٢

الفصل السادس / الإمام علي ( عليه السلام ) في مواجهة الثقافات السلبية  ٦٢

١. التمزّق  ٦٥

٢. التشرنق  ٧١

٣. التملّق  ٧٣

٤. التعلّق  ٧٥

الفصل السابع / الإمام علي ( عليه السلام ) والتحصين الثقافي  ٧٥

أ. المنع  ٧٩

ب. التهذيب  ٨١

ج. التحفيز  ٨٣

د. التبادل الإيجابي  ٨٥


الفصل الثامن / الإمام علي ( عليه السلام ) والوظائف الثقافية  ٨٣

١. التشخيص  ٨٧

٢. الاستشارة  ٩٠

٣. التصحيح  ٩٢

٤. الترشيد  ٩٤

الفصل التاسع / الإمام علي ( عليه السلام ) والأساليب الثقافية  ٩٤

١. الأُسلوب الوعظي  ٩٩

٢. الأُسلوب التذكيري  ١٠٠

٣. الأُسلوب التحاوري  ١٠١

٤. الأُسلوب التأمّلي  ١٠٢

٥. الأُسلوب التدريجي  ١٠٤

٦. الأُسلوب الإيحائي  ١٠٦

٧. الأُسلوب الاستدلالي  ١٠٨

٨. الأُسلوب الفلسفي  ١١٠

٩. الأُسلوب النقضي  ١١٢

١٠. الأُسلوب التغايري  ١١٣

١١. الأُسلوب النفسي  ١١٤

١٢. الأُسلوب التربوي  ١١٦

١٣. الأُسلوب العاطفي  ١١٧

١٤. الأُسلوب التوضيحي  ١١٩


١٥. الأُسلوب التبصيري  ١٢١

١٦. الأُسلوب التمويهي  ١٢٢

١٧. الأُسلوب التنبيهي  ١٢٢

١٨. الأُسلوب الإسكاتي  ١٢٤

١٩. الأُسلوب التنبّئي  ١٢٥

٢٠. الأُسلوب التعريفي  ١٢٧

٢١. الأُسلوب التمثيلي  ١٢٩

٢٢. الأُسلوب الوصفي  ١٢٩

٢٣. الأُسلوب التصنيفي  ١٣١

٢٤. الأُسلوب الترتّبي  ١٣٢

٢٥. الأُسلوب التوبيخي  ١٣٣

٢٦. الأُسلوب التقريعي  ١٣٣

٢٧. الأُسلوب التحذيري  ١٣٥

٢٨. الأُسلوب الترهيبي  ١٣٥

٢٩. الأُسلوب الترغيبي  ١٣٧

٣٠. الأُسلوب التعذيري  ١٣٨

الفصل العاشر / الإمام علي ( عليه السلام ) والصفات الثقافية  ١٣٤

١. الصّدق والوضوح  ١٣٩

٢. الشّموليّة والاستيعاب  ١٤٢

٣. القدرة والنفوذ  ١٤٥

٤. الاعتدال والوسطية  ١٤٦


٥. الواقعيّة والمثاليّة  ١٤٩

الفصل الحادي عشر / الإمام علي ( عليه السلام ) والحلول الثقافية  ١٤٦

١. الحلّ الاستئصالي  ١٥١

٢. الحلّ الإبقائي  ١٥٣

٣. الحلّ الانتقائي  ١٥٥

٤. الحلّ التبعي  ١٥٥

٥. الحلّ التأصيلي  ١٥٧

الفصل الثاني عشر / الإمام علي ( عليه السلام ) والنتائج الثقافية  ١٥٤

١. تحديد الحقوق والواجبات  ١٥٩

٢. تنضيج الإيمان والتقوى  ١٦٢

٣. تفعيل الرّقابة والنقد  ١٦٤

٤. إيجاد الجرأة والشجاعة  ١٦٦

٥. تنمية روح التّضحية والشّهادة  ١٦٩

المصادر  ١٧٣



المقدمة المركز

لا شك أنّ القلم يُعتبر من النعم الإلهية الفريدة، وتعدّ الكتابة من أهمّ وسائل توسعة المعرفة وتنمية الفضيلة، كما يُعتبر التدوين من أفضل أساليب تعميق الثقافة الدينية الأصيلة.

لقد اهتمّت الحوزات العلمية منذ البدء بـ ( القلم ) ساعيةً لأن تخطّ أسطراً وضّاءةً في سجل المعرفة البشرية؛ لتكون مصداقاً جلياً لقوله تعالى( وَمَا يَسْطُرُونَ ) .

في ضوء هذا الهدف المقدّس بادر العلماء المتعمّقون إلى التأليف والتصنيف، وتسابقوا في ساحة التربية والتعليم، وقادوا طلائع التحقيق، فأينعت أروع الآثار وأهداها، وتفجّرت ينابيع الحكمة والموعظة وأنهار ( الجدال بالتي هي أحسن ) من القمم العالية لتلك المعارف السامية، وسالت لتروي قلوب المؤمنين العَطشى، فأنبتت أزهار المعنويات العطرة، وزيّنت تاريخ المعرفة البشرية.

في ظلّ التوفيقات الإلهية والألطاف الخاصّة لإمام العصر والزمان ( عج )، ومن أجل تحقيق الأهداف السّامية السابقة الذكر ولتنشيط عملية التأليف و


تعميق روح التحقيق، ولغرض التعرّف على الباحثين والكتّاب المجدّين والموفّقين من طلبة وفضلاء الحوزة غير الإيرانيين، فقد أسّس المركز العالمي للعلوم الإسلامية مهرجان الشيخ الطوسي ( ره ) للتحقيق.

نحن على أبواب الدورة الخامسة للمهرجان في هذه السنة، قام المشرفون على المهرجان وبإشراف واهتمام معاونة التحقيق للمركز بطباعة آثار المتفوّقين في الدورة الرابعة، بعد التقييم الذي أجرته لجان التحكيم في السنة الماضية، ومن بعد تنقيحها وتهذيبها من الناحية الفنية والأدبية، ومن ثَمّ تقديمها للراغبين.

أخيراً نقدّم أسمى التقدير والامتنان للمساعي الكريمة الّتي بذلتها لجان التقييم المحترمة والعاملون على إنتاج هذه المجموعة العلمية بمجلّداتها الستة.

معاونة التحقيق للمركز العالمي للعلوم الإسلامية

مهرجان الشيخ الطوسي ( ره )     


بسم الله الرّحمن الرّحيم

الحمد لله كما يرضى، والصلاة والسلام على النّبيّ المصطفى،

وأخيه المرتضى وآله المجتبين.

المقدمة

تميّزت السنوات الخمس المعدودة، التي تولّى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) الخلافة فيها، بوفرة الإنتاج الثقافي، سواء كان على شكل خطب وكتب ووصايا وعهود، أو على شكل حوادث ووقائع، حيث غطّى هذا الإنتاج حقولاً عديدةً في الفكر والأخلاق والمعارف والحقوق والآداب إلى غير ذلك.

ورغم وفرة هذا الإنتاج الثقافي، ندرت فيه الدراسات التي تبحث الوضع الثقافي الذي أرسى موازينه الإمام ( عليه السلام ) وأقام أعمدته.

لقد كانت إشارات بعض الأجلاّء إلى الوضع الثقافي بمثابة ومضات آنسنا فيها الحقيقة، ووجدنا الهدى إلى ساحة ثقافية رحبة خطها جهاد علي ( عليه السلام ) وعمله الدائب على أرض الكوفة وما حولها.

ومن هنا تأتي أهمية هذا الكتاب، حيث إنّه تعريف بشيء من التطوّرات الثقافية الذي أوجدها الإمام بين أوساط الكوفيين، والتي لخّصها في هذه العبارة:


( فَإِنِ اسْتَقَمْتُمْ هَدَيْتُكُمْ وَإِنِ اعْوَجَجْتُمْ قَوَّمْتُكُمْ وَإِنْ أَبَيْتُمْ تَدَارَكْتُكُمْ )(١) .

يتألف الكتاب من اثني عشر فصلاً، وقد سبقت فصوله هذه المقدمة، وتعريف الثقافة لغةً واصطلاحاً، وقد اخترنا المعنى الذي نريد وبيّنا الأسباب ليكون اتجاه الكتاب واضحاً.

يعتمد سير التحقيق على المنهج التحليلي في عرض النصوص أو ربطها، وربّما نفصّل الكلام في وسط التحليل متوخين بذلك إظهار المعنى بصورة منتظمة.

أمّا مصادر الكتاب التي نرجع إليها فهي في الأغلب من المصادر التاريخية والحديثية، كما لم ننسَ نصيبنا من آيات الذكر الحكيم.

في الختام أقدم جزيل شكري وامتناني لكلّ من سماحة الشيخ جعفر پيشه والأستاذ نعمة الله صفري، فقد أوفوا الكيل في الإرشاد والتوصية، ودعاؤنا لهما بمضاعفة الأجر عند الله تعالى، ومنه سبحانه نطلب التسديد والتوفيق.

____________________

(١) نهج البلاغة: الخطبة ١٢١.


تعريف الثقافة

الثقافة لغةً

تعود كلمة الثقافة في اللغة إلى:

١. ( ثَقِف: الثَّقِف الحِذْق في إدراك الشيء وفعله )(١) و ( ورجلٌ ثَقِفٌ لقفٌ، وذلك أن يصيب علم ما يسمعه على استواء )(٢) و ( وثقِفت العلم أو الصناعة في أَوحَي مُدّةٍ: إذا أَسرعت أَخذه )(٣) .

٢. ( ثقف ) الثاء والقاف والفاء كلمة واحدة إليها يرجع الفروع وهو إقامة درء الشيء، يقال ثقّفت القناة إذا أقمت عِوَجها )(٤) و( ثقفّه تثقيفاً سوّاه ) (٥) .

المعنى المختار لغةً هو الأَوّل أي: سرعة الأخذ والتعلّم.

____________________

(١) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ٩٠.

(٢) معجم مقاييس اللغة: ١/٣٨٢.

(٣) أساس البلاغة: ٤٦.

(٤) معجم مقاييس اللغة: ١/٣٨٢.

(٥) القاموس المحيط: ٣/١٧٨.


الثقافة اصطلاحاً

ذكر أهل الفن والصناعة عدة تعاريف للثقافة نذكرها فيما يلي:

١. الثقافة: هي كل ما يتصل بالمعنويات وهي المحيط الذي يعكس حضارةً معينةً(١) .

٢. الثقافة: أنواع المعرفة التي أنشأها المسلمون إنشاءً أو أدخلوها من الحضارات السابقة(٢) .

٣. الثقافة: بمعنى الفكر الإسلامي، العقيدة الإسلامية والمعارف الإسلامية(٣) .

٤. الثقافة: تعني مجموعة العادات والمعلومات وأساليب المعيشة (٤) .

٥. الثقافة: بمعنى التربية التي تنمو بها أساليب الفكر والعمل بما يلائم الزمان والمكان(٥) .

والتعريف المختار هو الأَوّل، الذي يتطابق معناه مع حقيقة الثقافة وروحها التي أشاعها الإمام ( عليه السلام ).

إنّ الثقافة التي نشرها الإمام ليس بالمعنى المتعارف في هذا الوقت: إنّما

____________________

(١) مقوّمات الحضارة الإنسانية في الإسلام: ١٥.

(٢) تاريخ الحضارة الإسلامية في العصور الوسطى: ١٤٦.

(٣) گفت وگوى فرهنگ وتمدن ها: ٤٤.

(٤) المدخل إلى تاريخ الحضارة: ١٧.

(٥) مجلة التوحيد: ١٣٧، العدد ١٠٥ سنة ١٤٢١ هـ ق.


أقام الإمام حقيقة الثقافة وجوهرها، وقد رجّحنا المعنى الأَوّل؛ لأنّ كل ما له علاقة بالروحيات قد أعطاه الإمام أهميةً كبرى مثل الصلاة والدعاء والعمل الصالح والجهاد والتقوى والإيمان ...، كما أنّ المحيط الخاص بالكوفة في زمن أمير المؤمنين يعكس في طابعه العام الحضارة الإسلامية، ببركة وجود الإمام وأصحابه الذين صدقوا العهد معه ( عليه السلام ).

على الرغم من أنّ أهل الكوفة قد أخفقوا في تحقيق أهداف الإمام ( عليه السلام ) بشكل عام، إلاّ أنّه بالجملة هناك شخصيات مثل كميل بن زياد ورشيد الهجري وعمّار بن ياسر وعمرو بن الحمق وعدد قليل آخر من أصحابه ( عليه السلام ) قد جسّدوا خطبه وأقواله:( أَنْتُمُ الأَنْصَارُ عَلَى الْحَقِّ وَالإِخْوَانُ فِي الدِّينِ وَالْجُنَنُ يَوْمَ الْبَأْسِ وَالْبِطَانَةُ دُونَ النَّاسِ ) (١) ممّا جعل الكوفة تعكس الصورة الإسلامية.

____________________

(١) نهج البلاغة: الخطبة ١١٨.



الفصل الأَوّل: التكوين الثقافي للكوفة

على الرغم من أنّ عمر مدينة الكوفة - من حين تأسيسها سنة ١٧ هـ إلى حين تولّي الخلافة من قِبل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) سنة ٣٥هـ - يُعتبر عمراً فتياً - إلاّ أنّ مجيء زخم كبير من الكتل البشرية المهاجرة على شكل قبائل، ومرور القوات العسكرية إلى الشرق من خلال البصرة والكوفة، ساهم بشكل كبير في أن تكون الكوفة موطناً لثقافات متعددة.

فيما يلي نذكر عرضاً للثقافات التي تكوّنت منها ثقافة مدينة الكوفة.

١. ثقافة قبلية

تمتدّ جذور هذه الثقافة إلى ما قبل البعثة النبوية، لكن ما علاقة الكوفة بهذه الثقافة إذا كان بين تأسيس هذه المدينة وبين الزمن الذي سبق الإسلام هو ثلاثة عقود زمنية؟.

يأتي الجواب واضحاً أنّ الجيل الذي نشأ في الكوفة هو في الواقع حصيلة


الجيل السابق عليه الذي تربّى في حجر الجاهلية وتقاليدها؛ لذا نجد أنّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يُشير إلى أنّ الفاصلة بين الجيل الذي عاصره في الكوفة و بين آبائهم قريبة،( وَلَعَمْرِي مَا تَقَادَمَتْ بِكُمْ وَلا بِهِمُ الْعُهُودُ، وَلا خَلَتْ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمُ الأَحْقَابُ وَالْقُرُونُ، وَمَا أَنْتُمُ الْيَوْمَ مِنْ يَوْمَ كُنْتُمْ فِي أَصْلابِهِمْ بِبَعِيدٍ ) (١) .

لتأكيد هذا الخطاب العلوي نورد حادثتين تفحصان عن الرواسب والثقافة الجاهلية التي كانت حاضرةً في أوساط الناس حتى في زمن أمير المؤمنين ( عليه السلام ).

الحادثة الأُولى: أتت الموالي أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فقالوا: نشكوا إليك هؤلاء العرب، إنّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) كان يعطينا معهم العطايا بالسّوية وزوّج سلمان وبلالاً وصهيباً، وأبوا علينا هؤلاء وقالوا: لا نفعل! فذهب إليهم أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فكلّمهم فيهم، فصاح الأعاريب: أَبينا ذلك يا أبا الحسن، أَبينا ذلك!

فخرج وهو مغضِب يجرّ رداءه وهو يقول:( يا معشر الموالي، إنّ هؤلاء قد صيرّوكم بمنزلة اليهود والنصارى، يتزوّجون إليكم ولا يزوّجونكم، ولا يعطونكم مثل ما يأخذون، فاتجروا بارك الله لكم، فإنّي قد سمعت رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يقول: الرزق عشرة أجزاء، تسعة أجزاء في التجارة وواحدة في غيرها ) (٢) .

____________________

(١) نهج البلاغة: الخطبة ٨٩.

(٢) موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ): ٤/١٦٢.


الحادثة الثانية: التي تدل على رواج الثقافة الجاهلية، أنّ امرأتين أتتا علياً ( عليه السلام ) إحداهما من العرب والأخرى من الموالي فسأَلَتاه، فدفع إليهما دراهم وطعاماً بالسّواء. فقالت إحداهما: إنّي امرأة من العرب وهذه من العجم! فقال:( إنّي والله لا أجد لبني إسماعيل في هذا الفيء فضلاً على بني إسحاق ) (١) .

الإمام علي كان يشاهد هذه الظواهر الجاهلية وتأثيرها السلبي على الإسلام وأحكامه، حيث إنّها تجعل المتقلّد بها نافضاً يد الطاعة،( أَلا وَإِنَّكُمْ قَدْ نَفَضْتُمْ أَيْدِيَكُمْ مِنْ حَبْلِ الطَّاعَةِ، وَثَلَمْتُمْ حِصْنَ اللَّهِ الْمَضْرُوبَ عَلَيْكُمْ بِأَحْكَامِ الْجَاهِلِيَّةِ ) (٢) .

قد يخطر السؤال التالي، كيف لهؤلاء الذين أعلنوا الإسلام أن يكونوا غير مطيعين لأحكامه؟ ألم يكن إسلامهم كافياً في أن يُصبحوا ضمن المسلمين؟.

إنّ هؤلاء أسلموا بعد إذ لم يكن بدّ من التلوّن والميل إلى الإسلام، وقد كانوا مكرهين مقهورين - حيث انعدمت الوسائل وتقطّعت بهم الأسباب - إمّا الموت أو الإسلام، فأُرغموا على القبول،( فَوَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ مَا أَسْلَمُوا وَلَكِنِ اسْتَسْلَمُوا وَأَسَرُّوا الْكُفْرَ فَلَمَّا وَجَدُوا أَعْوَاناً عَلَيْهِ أَظْهَرُوهُ ) (٣) .

نعم، إنّهم عادوا إلى أيامهم الأُولى في الزمن المندثر قبل الإسلام، والإمام

____________________

(١) الغارات: ١/٧٠، بحار الأنوار: ٤١/١٣٧، كنز العمال: ٦/٦١٠.

(٢) نهج البلاغة: الخطبة ١٩٢.

(٣) نفس المصدر.


ذكّرهم بنعمة الإسلام، وبإنذار الرسول لهم وأمانته وصدقه، كما عرّفهم بالمقام الذي كانوا فيه،( إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّداً ( صلّى الله عليه وآله ) نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ وَأَمِيناً عَلَى التَّنْزِيلِ، وَأَنْتُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ عَلَى شَرِّ دِينٍ وَفِي شَرِّ دَارٍ مُنِيخُونَ بَيْنَ حِجَارَةٍ خُشْنٍ وَحَيَّاتٍ صُمٍّ، تَشْرَبُونَ الْكَدِرَ وَتَأْكُلُونَ الْجَشِبَ، وَتَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَتَقْطَعُونَ أَرْحَامَكُمْ، الأَصْنَامُ فِيكُمْ مَنْصُوبَةٌ وَالآثَامُ بِكُمْ مَعْصُوبَةٌ ) (١) .

كتب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) كتاباً بعد منصرفه من النهروان وأمر أن يُقرأ على الناس، وممّا ذكر في الكتاب قوله ( عليه السلام ):( بعث الله محمّداً ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وأنتم معاشر العرب على شرّ حالٍ، يغدو أحدكم كلبه ويقتل وُلده، ويُغير على غيره فيرجع وقد أُغير عليه، تأكلون العلهز والهَبيد والميتة ) (٢) .

إنّ الوضع الثقافي الجاهلي الذي كان سائداً قبل الإسلام لا يمكن تجاوز آثاره بسهولة؛ ولهذا نلاحظ أنّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يذكر في غير موضع الوضع الجاهلي ذاماً له ولتقاليده، وحاثاً الناس إلى التزام تعاليم الإسلام.

٢. ثقافة دخيلة

يمكن تقسيم هذه الثقافة إلى نوعين:

أ. ثقافة دخيلة للديانات المختلفة ، ترجع إلى زمن ما قبل الإسلام حيث ( كان في العرب مَن يميل إلى اليهودية، منهم جماعة من التبابعة وملوك اليمن، ومنهم نصارى كبني تغلب والعِبادييّن رهط عديّ بن زيد ونصارى نجران،

____________________

(١) نفس المصدر: الخطبة ٢٦.

(٢) سفينة البحار: ١/٧١٧.


ومنهم مَن كان يميل إلى الصابئة ويقول بالنجوم والأنواء )(١) .

إنّ هذه الثقافة الدخيلة ليست بغريبة عن ثقافة العرب، بل هي ثقافة دخيلة على الثقافة الإسلامية، لكن ما هي علاقة هذه الثقافة بأهل الكوفة؟ أليس هذه الثقافة قد ولّت واندحرت بعد مجيء الإسلام؟.

أمّا علاقة هذه الثقافة بأهل الكوفة، فالتاريخ ينقل أنّ قسماً من اليهود قد تم إجلائهم سنة ٢٠ هـ إلى الكوفة من قِبَل الخليفة عمر، ( فيها أجلى يهود نجران إلى الكوفة - فيما زعم الواقدي - )(٢) وهذا يعني انتقال هذه الثقافة عن مركز المدينة التي يوجد فيها كثير من المهاجرين والأنصار، وانتقالهم يسمح لهم بممارسة أنشطتهم، لا سيما وأنّ المسلمون في سنة ٢٠ هـ وحتى سنة ٣٢ هـ قد انشغلوا بالفتوحات العسكرية والغنائم، وأنّ عدداً آخر كان قد سكن الكوفة: ( فهاجر هؤلاء التغلبيّون ومَن أطاعهم من النمر وإياد إلى سعد بالمدائن ونزلوا بالمدائن ونزلوا معه بعد بالكوفة ) (٣) .

أمّا مسألة اندحار هذه الثقافة وإدبارها بعد مجيء الإسلام، فالملاحظ على ما يرويه المؤرّخون أنّ اليهود والنصارى كانوا يمارسون أنشطةً مختلفةً تتنافى مع التعاليم الإسلامية في مدينة الكوفة زمن الخليفة عثمان، حيث كان قد أرسل إلى ولاية الكوفة الوليد بن عقبة، والوليد هذا كان ملازماً ورفيقاً

____________________

(١) شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد: ١/١٢٠.

(٢) تاريخ الطبري: ٢/٥١٦.

(٣) الكامل في التاريخ: ٢/١٤٩.


لأحد النصارى من بني تغلب، وقد تعرّف عليه أثناء وجوده بالجزيرة، ويدعى هذا النصراني أبو زبيد الشاعر وهو من المدمنين على احتساء الخمر، حتى أنّ أهل الكوفة كانوا ينهونه عن مرافقة أبو زبيد له، إلاّ أنّه لا يعتني بذلك، ( كان الوليد يُدخل أبا زبيد المسجد وهو نصراني، ويجري عليه وظيفةً مَن خمرٍ وخنازيرٍ تقام له كل شهر، فقيل له قد عظم إنكار الناس لِما تُجري على أبي زبيد، فقوّم ما كان وظّف له دراهم وضمّها إلى رزق كان يجريه عليه )(١) .

أكثر من ذلك قد فعله ( الوليد بن عقبة في مسجد الكوفة، وذلك أنّه بلغه عن رجل من اليهود من ساكني قرية من قرى الكوفة ممّا يلي جسر بابل يقال له زرارة يعمل أنواعاً من الشعبذة والسحر، يُعرف ببطروني فأحضره فأراه في المسجد ضرباً من التخييل، وهو أن أظهر له في الليل فيلاً عظيماً على فرس يركض في صحن المسجد، ثمّ صار اليهودي ناقةً يمشي على حبل، ثمّ أراه صورة حمار دخل من فيه خرج من دبره، ثمّ ضرب عنق رجل ففرّق بين جسده و رأسه، ثمّ أمرّ السيف عليه فقام الرجل وكان جماعة من أهل الكوفة حضوراً )(٢) .

إنّ إدخال رجل يهودي إلى مسجد الكوفة، والسماح له بعمل أنواع من الشعبذة والسحر، يُعتبر ترويجاً للثقافات الغريبة عن الثقافة الإسلامية، و هذا دليل آخر على عدم سكون الثقافات الدخيلة داخل إطار الثقافة الإسلامية.

____________________

(١) تاريخ أبي مِخنَف: ١/٧٣.

(٢) مروج الذهب: ٢/٣٣٨.


قد أصبح - فيما بعد - لدى المنتسبين إلى الثقافات الدخيلة من الديانات الأخرى، نوع انفلات من أحكام الإسلام، وعدم الالتزام بالعهود المفروضة عليهم؛ وذلك بعد توجّه المسلمين إلى أحداث أهم؛ لذا كان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يرتقب الفرصة لعلاج هذه القضية، ( فكان علي ( عليه السلام ) يقول:( لئن تفرّغتُ لبني تغلب ليكونَنّ لي فيهم رأي، لأَقتلنّ مقاتلهم ولأَسبينّ ذرّيتهم، فقد نقضوا العهد وبرئت منهم الذمّة حين نصّروا أولادهم ) (١) .

ثمّ إنّ بعض أفراد هذه الثقافة الدخيلة أخذ يدخل في مناظرات دينية وذلك عند حضور الناس، إلاّ أنّ أمير المؤمنين قطع عليهم الطريق في التأثير على المسلمين عندما ابتدرهم بأسئلة مفحمة عجزوا عن تحديد إجابة واضحة وصحيحة فيها، ( قال سليم بن قيس: إنّي لجالس أنا وعليّ ( عليه السلام ) والناس حوله، إذا أتاه رأس اليهود ورأس النصارى، فأقبل على رأس اليهود فقال:( علي كم تفرّقت اليهود؟ فقال: هو عندي مكتوب في كتاب، فقال عليّ ( عليه السلام ):قاتل الله زعيم قوم يسأل عن مثل هذا عن أمر دينه فيقول: هو عندي في كتاب ، قال: ثمّ قال لرأس النصارى:كمَن تفرّقت النصارى؟ قال: على كذا وكذا، فأخطأ، فقال عليّ ( عليه السلام ):لو قلت كما قال صاحبك كان خيراً من أن تقول وتخطئ ).

ثمّ أقبل عليهما عليّ ( عليه السلام ) وعلى الناس فقال:( أنا والله أعلم بالتوراة من أهل التوراة، وأعلم بالإنجيل من أهل الإنجيل، وأعلم بالقرآن من أهل القرآن، أنا أخبركم ) (٢) .

____________________

(١) البلدان وفتوحها وأحكامها: ٢١٥.

(٢) كتاب سليم بن قيس الهلالي: ٢/٩١٣.


تشير بعض الأحداث الداخلية التي حصلت في داخل حدود الخلافة الإسلامية إلى وجود انعكاسات خطيرة بعد الفتن المتلاحقة - حيث كانت معركة الجمل في جمادي سنة ست وثلاثين، ووقعة صفين في سنة سبع وثلاثين، ووقعة النهروان مع الخوارج في سنة ثمان وثلاثين - فقد ارتدّ عدد من الناس عن الإسلام إلى النصرانية، ( ومضى الحارث بن راشد الناجي في ثلاثمِئة من الناس فارتدوا إلى دين النصرانية، وهم من وُلد سامة بن لؤي بن غالب )(١) .

وهكذا نلاحظ وجود ثقافة دخيلة لأديان من غير الدين الإسلامي.

ب. ثقافة دخيلة لقوميات مختلفة، هذه الثقافة تعود إلى السنين الأُولى من تأسيس الكوفة، ( كان مع رستم يوم القادسية أربعة آلاف يُسمّون جند شاهنشاه، فاستأمنوا على أن ينزلوا حيث أحبوا، ويحالفوا مَن أحبوا، ويُفرض لهم في العطاء، فأعطوا الذي سألوه، وحالفوا زهرة بن حوية السعدي من بني تميم وأنزلهم سعد بحيث اختاروا )(٢) وكان هؤلاء قد ( شهدوا فتح المدائن مع سعد، وشهدوا فتح جلولاء، ثمّ تحوّلوا فنزلوا الكوفة مع المسلمين )(٣) .

إنّ اندماج أربعة آلاف نفر من البلاط الملكي في داخل الكوفة آنذاك يمثل وجود ثقافة أخرى إلى جانب الثقافة الإسلامية.

____________________

(١) مروج الذهب: ٢/٤٠٧.

(٢) البلدان وفتوحها وأحكامها: ٣٢٤.

(٣) نفس المصدر.


يرى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أنّ الخير في عدم التأثر من الثقافات الأخرى؛ لأنّ ذلك دليل على الانسياق والتبعية الثقافية التي تبدأ من أشياء بسيطة إلى أن تنتقل إلى أطوار أكبر في نفوذ الثقافات الأخرى، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال:( كان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يقول: لا تزال هذه الأمّة بخير ما لم يلبسوا لباس العجم، ويطعموا أطعمة العجم، فإذا فعلوا ذلك ضربهم الله بالذّلّ ) (١) .

٣. ثقافة إسلامية

لاشك أنّ الدين الإسلامي دين جامع فهو( حَدِيثاً لِمَنْ رَوَى وَحُكْماً لِمَنْ قَضَى ) (٢) .

وقد أخذ المسلمون من هذا الدين كلٌ بقدره و وسعه؛ لأنّ الإسلام( رَفِيعُ الْغَايَةِ جَامِعُ الْحَلْبَةِ ) (٣) .

يروي لنا التاريخ كثيراً من الظواهر والأحداث التي تنم عن وجود الثقافة الإسلامية، وتركيز مفاهيمها بين المسلمين، ففي واقعة الجمل التي حدثت في جمادي الثاني سنة ٣٦هـ، كان المسلمون ينشدون أشعاراً يذكرون

____________________

(١) بحار الأنوار: ٦٦/٣٢٣.

(٢) نهج البلاغة: الخطبة ١٨.

(٣) نفس المصدر: الخطبة ١٠٦.


فيها مقام الإمام علي ( عليه السلام ) وأنّه الخليفة والوصي، وقال رجل من الأزد يوم الجمل:

هذا عليّ وهو الوصيّ

آخاه يوم النَّجوَةِ النبيّ

وقال هذا بعدى الوليّ

وَعاه واعٍ ونسي الشقيّ

وقال سعيد بن قيس الهمداني يوم الجمل وكان في عسكر علي ( عليه السلام ):

أَيّةُ حربٍ أُضرِمت نيرانُها

وكُسرت يوم الوغى مُرّانُها

قل للوصيّ أقبلت قحطانُها

فادعُ بها تكفيكَها همدانُها

هم بنوها وهُمُ إخوانها

وقال زياد بن لبيد الأنصاريّ يوم الجمل، وكان من أصحاب علي ( عليه السلام ):

كيف ترى الأنصار في يوم الكلَب

إنّا أناس لا نبالي مَن عَطب

ولا نبالي في الوصيّ مَن غضب

وإنّما الأنصار جدّ كعب

هـذا عليّ وابن عبد المطّلب

ننصره اليوم على مَن قد كذب

مَن يكسب البغي فبئسما اكتسب(١)

إنّ معركة الجمل كانت قبل مجيء الإمام إلى الكوفة، فكان المسلمون لديهم صورة، وثقافة عن موقع الإمام في جسم الأمّة، وأنّ محله هو القطب منها.

والمسلمون إلى حفظهم لكثير من الآيات القرآنية، فإنّ لديهم معرفةً بالسنّة وبالأحاديث التي كان النبيّ يلقيها على مسامع الناس؛ ليهديهم إلى

____________________

(١) نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: ١/١٤٤.


التمسّك بالحق ومعرفته ( عن شهر بن حوشب قال: سمعت أبا أمامة الباهليّ يقول: والله لا يمنعني مكان معاوية أن أقول الحقّ في عليّ ( عليه السلام )، سمعت رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يقول:( عليّ أفضلكم، وفي الدّين أفقهكم، وبسنّتي أبصركم، ولكتاب الله أقرؤكم، الّلهمّ إنّي أُحبّ عليّاً فأحبّه، الّلهمّ إنّي أُحِبُ عليّاً فأحبّه ) (١) .

وبعد الانتهاء من قتال الناكثين، وقدوم أمير المؤمنين الكوفة في ١٣ رجب سنة ٣٦ هـ، عمد الإمام إلى إعطاء تعريف لكلّ الأمور التي يلاحظها، أو يسأل عنها، أو تلك التي حصلت على شكل فتن داخلية، وسارع الإمام في كل المواقع في أن يُظهر الإسلام بشكله الصحيح حقيقته للناس.

وسعى الإمام جاهداً في تسريع حركة المسلمين، وتصحيح مقاصدهم، فقديماً عند ما أُسست الكوفة سنة ١٧هـ كانت الأسباب ماديةً، وربّما تتعلق بالحرب ( ولمّا نزلها سعد كتب إلى عمر: ( إنّي نزلت بالكوفة منزلاً فيما بين الحيرة والفرات برّياً وبحريّاً ينبت الحلفاء والنَّصيّ ) (٢) ، ( وكتب إلى سعد في بعثه روّاداً يرتادون منزلاً بريّاً بحريّاً، فإنّ العرب لا يصلحها من البلدان إلاّ ما أصلح البعير والشاة ) (٣) .

أمّا بعد قدوم الإمام فقد اختلفت النظرة إلى مدينة الكوفة حيث إنّها أصبحت مركزاً معنوياً، وكان عليٌّ ( عليه السلام ) يقول:( الكوفة كنز الإيمان،

____________________

(١) الأمالي، الشيخ المفيد: ٩٠.

(٢) الكامل في التاريخ: ٢/١٥٠.

(٣) تاريخ الطبري: ٢/٤٧٨.


وحجة الإسلام، وسيف الله ورمحه، يضعه حيث يشاء ) (١) .

ومن هنا نلاحظ أنّ الإمام ( عليه السلام ) قام بتعزيز الثقافة الإسلامية، وإعادة نصابها إلى واقع المسلمين.

____________________

(١) معجم البلدان: ٤/٥٥٩.


الفصل الثاني: الإمام علي ( عليه السلام ) والمراحل الثقافية

الأعمال الصالحة والخطب والمواعظ الكثيرة التي ألقاها الإمام ( عليه السلام ) بين أهل الكوفة إنّما هي كما عبّر عنها بقوله:( دواء دائكم، ونظم ما بينكم ) (١) .

وقد كانت هناك مرحلية ثقافية في عملية التطوير الثقافي نراها واضحةً من خلال هذه الرواية الشريفة، حيث جاء رجلٌ إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فقال:( أيّها السائل، استمع، ثمّ استفهم، ثمّ استيقن، ثمّ استعمل، واعلم أنّ الناس ثلاثة: زاهدٌ وصابرٌ وراغبٌ ) (٢) .

المراحل الثقافية هي:

١. التوجيه

التوجيه في اللغة من وجه، ( وجّهت الشيء أرسلته في جهةٍ واحدةٍ )(٣) .

مقصودنا من التوجيه هو تسيير النّاس على الجادة الصحيحة غير

____________________

(١) نهج البلاغة: الخطبة ١٥٨.

(٢) الأصول من الكافي: ٢/٤٥٥.

(٣) مفردات ألفاظ القرآن: ٥٨٥.


تعليمهم وتربيتهم وحسب حاجة الناس إليها،( إنّ النّاس إلى صالح الأدب أحوج منهم إلى الفضّة والذهب ) (١) .

قد بدأ توجيه الإمام للناس وصقل آدابهم عبر تعليمهم حدود الإسلام والإيمان الذي به يهتدون إلى صراط الله،( على الإمام أن يعلّم أهل ولايته حدود الإسلام والإيمان ) (٢) .

ممّا شرع به تعليمه للناس التوبة وكيفية العودة إلى الله تعالى،( عجبت لمَن يقنط ومعه الاستغفار ) (٣) .

وحكى عنه الإمام أبو جعفر محمد بن علي الباقر ( عليه السلام ) أنّه قال:( كان في الأرض أمانان من عذاب الله، وقد رُفع أحدهما، فدونكم الأخر فتمسّكوا به، أمّا الأمان الّذي رُفع فهو رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) وأمّا الأمان الباقي فالاستغفار ) (٤) .

كان التوجيه من قِبَل الإمام ليلاً ونهاراً، سراً وجهاراً، لا يصرفه عنه جهاد ولا يقعده عنه سبب، روي أنّه ( عليه السلام ) كان إذا فرغ من الجهاد يتفرّغ لتعليم الناس والقضاء بينهم(٥) .

تجدر الإشارة إلى أنّ التوجيه يقع عبئه الثقيل على الإمام ( عليه السلام ) والنّاس دورهم فيه دور المستمع والمتلقّي، وهو ( استمع ) كما في الرواية عن الكافي

____________________

(١) موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ): ٤/١٥٩.

(٢) نفس المصدر.

(٣) نهج البلاغة / الحكمة: ٨٧، العقد الفريد: ٣/١٤٠.

(٤) نفس المصدر / الحكمة: ٨٨.

(٥) موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ): ٤/١٦٠.


٢. التأهيل

التأهيل في كتب اللغة بمعنى ( رآه له أهلاً )(١) مقصودنا من التأهيل هو أن يترشّح الأفراد ويتقدّمون على غيرهم بعد وضوح علامات الفهم والتعلّم عليهم.

هذه المرحلة تكون مشتركة بين الإمام ( عليه السلام )، وأفراد من الرعية ممّن أخذ من التوجيه؛ حيث إنّ التأهيل يعدّ مرحلةً متأخرة عن التوجيه، والأشخاص عندما يتأهلون إلى مرحلة أعلى يلاحظ ذلك عليهم من خلال تفاعلهم، ومن نوع الأسئلة التي تنقدح في أذهانهم والقضايا التي تهمهم، ذلك يختلف حسب أفهام الناس ودرجاتهم، وقد سُئل ( عليه السلام ) عن الخير ما هو؟ فقال:(لَيْسَ الْخَيْرُ أَنْ يَكْثُرَ مَالُكَ وَوَلَدُكَ، وَلَكِنَّ الْخَيْرَ أَنْ يَكْثُرَ عِلْمُكَ، وَأَنْ يَعْظُمَ حِلْمُكَ وَأَنْ تُبَاهِيَ النَّاسَ بِعِبَادَةِ رَبِّكَ، فَإِنْ أَحْسَنْتَ حَمِدْتَ اللَّهَ وَإِنْ أَسَأْتَ اسْتَغْفَرْتَ اللَّهَ ) (٢) .

إنّ نوع بعض الأسئلة التي وجهت إلى الإمام عادية، وربّما كانت هناك أسئلة أهم منها، لكن أليس من وظيفة الإمام ( عليه السلام ) تعليمهم وتوجيهم إلى الأسئلة الضرورية حتى يتأهلوا أو يصلوا إلى درجة أرفع؟ نعم لقد ألقى الإمام على مسامعهم وعرّفهم الأسئلة التي لها علاقة بهم، والتي هي واقعية وحقيقية عن غيرها،(لا تَسْأَلْ عَمَّا لا يَكُونُ فَفِي الَّذِي قَدْ كَانَ لَكَ شُغُلٌ ) (٣) .

____________________

(١) لسان العرب: ١/٢٥٤.

(٢) نهج البلاغة / الحكمة: ٩٤؛ موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ): ٤/١٦١.

(٣) نفس المصدر / الحكمة: ٣٦٤.


لذا كان البعض ممّن تأهل إلى المعرفة والعمل نجده قد استفاد من توجيهات أمير المؤمنين وأخذ يسأله عن قضايا عقائدية ضرورية، سئل عن التوحيد والعدل، فقال ( عليه السلام ):( التَّوْحِيدُ أَلاّ تَتَوَهَّمَهُ وَالْعَدْلُ أَلاّ تَتَّهِمَهُ ) (١) .

هذه المرحلة هي( استفهم ثمّ استيقن ) من رواية الكافي.

٣. التنمية

( نما الشيء نماءً: زاد وكثر )(٢) المقصود من التنمية هي استعمال العلم.

هذه المرحلة تقع مسؤوليتها على عاتق أفراد الأمّة ( أهل الكوفة ) حيث إنّ استعمال العلم يعدّ المرحلة الأخيرة،( ثمّ استعمل ) كما في الرواية.

لقد ظهرت ثمرات جهود الإمام ( عليه السلام ) على جزء من أفراد الأمّة في وقعة صفين؛ ذلك من خلال الأشعار التي أنشدوها في مدح أمير المؤمنين وذمّ معاوية وجنوده.

قال النجاشي يمدح علياً:

إنيّ أخال عليّاً غير مرتدعٍ

حتّى يؤدّى كتابُ اللهِ والذّممُ

حتى ترى النّقع معصوباً بأئمته

نقع القبائل في عرنينه شَممُ

قال حجر بن عديّ الكندي:

____________________

(١) نفس المصدر / الحكمة: ٤٧٠.

(٢) المعجم الوسيط: ٢/١٠٥٢.


يا ربّنا سلّم لنا عليّا

سلِّم لنا المهذّب النقيّا

المؤمن المسترشد المرضيّا

واجعله هادي أمّةٍ مهديّا

لا أَخطلَ الرّأي ولا غيباً

واحفظه ربّي حفظَك النّبيّا

فإنّه كان له وليّا

ثمّ ارتضاه بعده وصيّا(١)

امتدح أبو أسماء العبدي عليّاً ( عليه السلام ) بصفّين فقال:

وجدنا علياً إن بلونا فعالَه

صبوراً على اللأواء صلب المكاسر

هـو الليث إن حاربته وندبته

مشى حاسراً للموت أو غير حاسر

فلمّا أنشدها أبو أسماء عليّاً قال:( رحمك الله يا أبا أسماء، وأسمعك خيراً [ إنّي ] وإن أكن [ كذلك ] فإنّك من قومٍ نجباء، أهل حبّ ووفاء ) ووهب له مملوكاً كان لعلي ( عليه السلام ) (٢) .

كذلك يمكن ملاحظة التنمية الثقافية من خلال المواقف الولائية في نصرة الحق من قِبَل بعض الأصحاب، مثل جندب بن زهير الأزدي والحارث الأعور الهمداني وعمرو بن الحمق وحجر بن عدي.

نذكر من باب الشاهد موقف عمرو بن الحمق الخزاعي حيث إنّه قال لأمير المؤمنين ( عليه السلام ):

( فو الله لو كُلّفت نقل الجبال الرواسي ونزح البحار الطوامي أبداً حتى يأتي عليّ يومي في شيء أوهن به عدوّك، وأقوّي به وليّك، ويعلي الله كعبك،

____________________

(١) وقعة صفين: ٣٧٢، شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد: ١/١٤٥.

(٢) مناقب الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) / الحافظ محمد بن سليمان الكوفي: ٢/٢٨٣.


ويفلج الله عليّ به حجّتك، ما ظننت أنّي أدّيت كلّ الّذي [ يحق ] عليّ من حقّك ) فقال عليّ:( الّلهمّ نوّر قلبه باليقين واهده الصراط المستقيم، ليت في جندي مِئة مثلك ) (١) .

____________________

(١) المعيار والموازنة: ١٢٨.


الفصل الثالث: الإمام علي ( عليه السلام ) والمجالات الثقافية

المواقع الثقافية التي خطى إليها الإمام، كانت مختلفةً باختلاف الأحداث والأماكن والأوقات، وكان لكل مجال ثقافي نوع خطاب يتناسب والمقام الذي عليه الناس.

سوف نتناول المجالات الثقافية التي عمل الإمام ( عليه السلام ) على نشر الثقافة فيها، وهي ما يلي:

أوّلاً: في الحرب

إنّ ما نعنيه بهذا المجال هو الطريقة والخطوات التي اتبعها أمير المؤمنين قبل الدخول في الحرب؛ لأنّ الحرب هي حصول حالة صِدام من تطاعن ودماء، أمّا ما قبل الحرب فهي ثقافة قبل الدخول فيها، والحرب ذُكرت من باب السبب إلى وجود هذا المجال.


قد يُسأل ما علاقة الحرب بأهل الكوفة، إذا كانت أحداثها تقع خارج حدود مدينة الكوفة؟

إنّ من السواد الأعظم الذين شاركوا في الحرب مع أمير المؤمنين من أهل الكوفة وما يقع فيها يعنيهم ويؤثر فيهم.

في الحرب اتبع الإمام أصولاً وتعاليم وخطوات وهي:

أ. التعبئة العامة الاختيار:

قام أمير المؤمنين بإرسال موفدين من قبله؛ لتعبئة الناس في الكوفة، ( وبعث علي من الربذة هاشم بن عتبة بن أبي وقاص الزهري إلى أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري وكان عامله على الكوفة، بكتاب منه يأمره فيه بدعاء الناس واستنفارهم إليه )(١) إلاّ أنّ أبا موسى اخذ يخذّل الناس ولم يوافق على هذه التعبئة العسكرية.

أرسل الإمام مرةً أخرى عبد الله بن عباس ومحمد بن أبي بكر لتعبئة أهل الكوفة؛ إلاّ أنّ جهودهما لن تفلح في ثني أبا موسى عن موقفه وتعبئة الناس، ومرّة ثالثة أرسل الإمام الحسن ( عليه السلام ) وعمّار بن ياسر حيث عزل أبا موسى الأشعري عن الكوفة، وتولّى العمل فيها قرظة بن كعب الأنصاري، وتمّ تعبئة تسعة آلاف وستمِئة وخمسون نفراً.

أمير المؤمنين كان يرى هذه التعبئة ضرورية؛ لأنّ القدرة العسكرية الكبيرة والأعداد الكثيرة، قد تمنع الناكثين وتصدهم عن خوض الحرب على اعتبار أنّ النتيجة محسومة للأقوى.

____________________

(١) أنساب الأشراف: ٣/٣١.


كما أنّ الاحتياط والضرورة يقضيان بأنّ على الإمام ( عليه السلام ) أن يحتاط في تعبئة الناس للاحتمالات المجهولة، بالاستفادة من الإمكانيات والقدرات الموجودة عنده.

ب. الخيار السلمي والتأني:

كان أمير المؤمنين قد أعطى فرصةً كبيرة للمراجعة والحل السلمي سواء في معركة الجمل أو صفّين أو النهروان، فالإمام لا يرى فرصةً إلاّ وقد استغلها في سبيل الإصلاح، ففي معركة الجمل لم يكن ليدخل الحرب بعد وصوله البصرة إلا بعد ثلاثة أيام، بعد ما نفدت الطرق السلمية في إعادة الناكثين إلى الصواب، كذا في معركة صفّين أخذ الإمام يرسل الرسل والكتب والنصائح إلى معاوية وقرينه عمرو بن العاص، أيضاً فعل مع الخوارج المارقين كما فعل بأقرانهم السابقين حيث نصحهم ووعظهم فلم يمتثلوا.

الحل السلمي والتأني كان خياراً حقيقياً لازماً لعلي ( عليه السلام )، ( وقام إلى علي بن أبي طالب أقوامٌ من أهل الكوفة يسألونه إقدامهم، فقام إليه فيمَن قام الأعور بن بنان المِنقريّ، فقال له عليّ:( على الإصلاح وإطفاء النائرة، لعلّ الله يجمع شمل هذه الأمّة بنا ويضع حربهم، وقد أجابوني. قال: فإن لم يجيبونا؟ قال:تركناهم ما تركونا، قال: فإن لم يتركونا؟ قال:دفعناهم عن أنفسنا . قال: فهل لهم مثل ما عليهم من هذا؟قال: نعم ) (١) .

سعى الإمام إلى معالجة وامتصاص الناكثين بالرفق و

____________________

(١) الفتوح: ٢/٣١٠.


الإصلاح.

فعندما قدم أهل الكوفة على الإمام ( عليه السلام ) لملاقاة أصحاب الجمل ركب إليهم مرحّباً وقال:( يا أهل الكوفة، دعوتكم لتشهدوا معنا إخواننا من أهل البصرة فإن يرجعوا فهو الذي نريد، وان يلحوا داويناهم حتى يبدءونا بالظلم، ولا ندع أمراً فيه الصلاح إلاّ آثرناه على ما فيه الفساد إن شاء الله ) (١) .

ج. التنظيم والتثقيف العسكري:

قام أمير المؤمنين بتنظيم الصفوف وحسب العرف المتبع عسكرياً آنذاك، فجعل ( على ميمنته مالك بن الحارث الأشتر النخعي، وعلى ميسرته عمّار بن ياسر العنسي وعلى الرجال أبو قتادة النعمان بن ربعي الأنصاري، وأعطى رايته ابنه محمداً - وهو ابن الحنفية -(٢) ثمّ بعد إجراء التنظيم والترتيب للرايات وتسميتها، قام ( عليه السلام ) بإجراءات فنّية لتنظيم الصفوف وتكميلها وتمتين قوتها وصلابتها وحرّض عليّ أصحابه فقال في كلام له( فسوّوا صفوفَكم كالبنيانِ المرصوصِ، َقَدِّمُوا الدَّارِعَ وَأَخِّرُوا الْحَاسِرَ، وَعَضُّوا عَلَى الأَضْرَاسِ؛ فَإِنَّهُ أَنْبَى لِلسُّيُوفِ عَنِ الْهَامِ، وَالْتَوُوا فِي أَطْرَافِ الرِّمَاحِ؛ فَإِنَّهُ أَمْوَرُ لِلأَسِنَّةِ، وَغُضُّوا الأَبْصَارَ ؛فَإِنَّهُ أَرْبَطُ لِلْجَأْشِ وَأَسْكَنُ لِلْقُلُوبِ، وَأَمِيتُوا الأَصْوَاتَ؛ فَإِنَّهُ أَطْرَدُ لِلْفَشَلِ، وَرَايَتَكُمْ فَلا تُمِيلُوهَا وَلا تُخِلُّوهَا وَلا تَجْعَلُوهَا إِلاّ بِأَيْدِي شُجْعَانِكُمْ، واستعينوا بالصِّدقِ والصَّبرِ ) (٣) .

بعد ذلك ولكون أمير المؤمنين قائداً للقوات الإسلامية المتجحفلة، أجرى

____________________

(١) تاريخ ابن خلدون: ٢/٦١٤.

(٢) أنساب الأشراف: ٣/٣٥.

(٣) البداية والنهاية: ٧/٢٨١.


استعراض لهذه القوات وملاحظتها، ( ونظرت إليه عائشة وهو يجول بين الصفوف، فقالت: انظروا إليه كأنّ فعله فعل رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) يوم بدر، أَما والله! ما ينتظر بكم إلا زوال الشمس )(١) .

إنّ هذه الخطوات العسكرية غير مختصة بحرب دون حرب، وإنّما هي خطوات اتبعها الإمام في جميع حروبه التي واجه بها الفتن الداخلية.

الإمام يراعي الموقع الخاص والزمان والظروف المحيطة بالحرب والطريقة التي يهاجم أو يدافع فيها الأعداء.

ثمّ يقوم ( عليه السلام ) بالتثقيف وبيان أخلاق الحرب، قال أبو مخنف: ( حدّثني عبد الرّحمن بن جندب الأزدي عن أبيه، أنّ علياً كان يأمرنا في كلّ موطن لقينا فيه معه عدوّاً فيقول:( لا تقاتلوا القوم حتى يبتدئوكم، فأنتم بحمد الله عزّ وجلّ على حجة، وترككم إيّاهم حتى يبدؤوكم حجة أخرى لكم، فإذا قاتلتموهم فهزمتموهم فلا تقتلوا مدبراً، ولا تُجهزواً على جريح، ولا تكشفوا عورةً، ولا تمثّلوا بقتيل، فإذا وصلتم إلى رجال القوم فلا تهتكوا ستراً، ولا تدخلوا داراً إلاّ بإذنٍ، وتأخذوا شيئاً من أموالهم إلا ما وجدتم في عسكرهم، ولا تهيّجوا امرأةً بأذىً، وإن شتمنَ أعراضكم، وسببنَ أمراءكم وصلحاءكم، فإنّهنّ ضعاف القُوى والأنفس ) (٢) .

د. الدعاء والتسكين المعنوي:

عند قدوم أمارات الحرب وإدبار بوادر

____________________

(١) الفتوح: ٢/٣١٤.

(٢) تاريخ أبي مخنف: ١/١٦٩، تاريخ الطبري: ٣/٨٢، أنساب الأشراف: ٣/٣٦، نهج البلاغة: ٤٩٤.


السلم، تكون النفوس مشدودةً إلى القتال وما ستؤول إليه الأمور من نتائج.

الإمام ( عليه السلام ) في هذه المواضع أراد أن تكون العودة إلى الله، باللجوء إليه تعالى، وهو الذخيرة الكبرى والمغنم الجسيم الذي على المقاتلين أن يتوجّهوا إليه بنيّاتهم ومقاصدهم.

نعم سلاح المرء الدعاء، ذكر سليم بن قيس: ( أنّ عليّاً ( عليه السلام ) كان إذا لقي عدّواً يوم الجمل ويوم صفين ويوم النهروان، استقبل القبلة على بغلته الشهباء، بغلة رسول الله ( صلّى الله عليه وآله )، ثمّ قال:( اللّهمّ بُسطت إليك الأيدي ورُفعت الأبصار وأفضت القلوب ونُقلت الأقدام، ربّنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين ) ، وهو رافع يديه وأصحابه يؤمّنون.(١) .

ثانياً: في المسجد

يُعتبر مسجد الكوفة المقر المعنوي الذي تهوي إليه الأفئدة وتقام فيه الصلاة.

وهو أيضاً المنبر الثقافي والإعلامي والوعظي الأَوّل الذي تنطلق منه كلمات أمير المؤمنين لتنتقل إلى المواقع والبيوت والأزقة المختلفة: ( كان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) [ بالكوفة ] إذا صلّى بالناس العشاء الآخرة، ينادي بالناس ثلاث مّرات حتى يسمع أهل المسجد:( أيّها الناس تجهّزوا - يرحمكم الله - فقد نودي فيكم بالرّحيل، فما التّعّرج على الدنيا بعد النداء فيها بالرّحيل! ) (٢)

____________________

(١) كتاب سليم بن قيس الهلالي: ٢/٩١٣، نهج البلاغة: ٤٩٤.

(٢) الأمالي / شيخ المفيد: ١٩٨.


خطب كثيرة أشرق بها مسجد الكوفة وغيره مثل: ( التوحيد والهداية والملاحم واللؤلؤة والغرّاء، والقاصعة والافتخار والأشباح والدرة اليتيمة، والأقاليم والوسيلة والطالوتية والقصبية والنخيلة والسليمانية والناطقة والدافعة والفاضعة )(١) .

هذا العدد من الخطب وغيره يكشف عن حجم الثقافة التي نائت بحملها الكوفة.

الإمام يعتبر المسجد المكان الذي يسدي فيه الخدمة إلى الناس، فقد كان يقوم بإطعام الناس في رحبة المسجد(٢) ويقوم أيضاً بحلّ مشاكل الناس وخلافاتهم بعد الانتهاء من أداء الصلاة.

قال عروة بن الزبير: ( سمع بعض التابعين أنس بن مالك يقول: نزلت في عليّ بن أبي طالب:( أَمّن هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً ) [ الزمر: ٩ ] قال الرجل: فأتيت علياً وقت المغرب فوجدته يصلي ويقرأ القرآن إلى أن طلع الفجر، ثمّ جدّد وضوءه وخرج إلى المسجد وصلى بالناس صلاة الفجر، ثمّ قعد في التعقيب إلى أن طلعت الشمس ثمّ قصده الناس، فجعل يقضي بينهم إلى أن قام إلى صلاة الظهر فجدّد الوضوء، ثمّ صلى بأصحابه الظهر، ثمّ قعد في التعقيب إلى أن صلى بهم العصر، ثمّ كان يحكم بين الناس ويفتيهم إلى أن غابت الشمس )(٣) .

____________________

(١) مناقب آل أبي طالب: ٢/٥٨.

(٢) تاريخ سياسي إسلام: ٢/٣٣٧.

(٣) مناقب آل أبي طالب: ٢/١٤٢.


ثالثاً: في المحافل العامة

تعدّ الأسواق وما فيها من باعة ومَحال تجارية وحِرف مختلفة أماكن عامة يرتادها النّاس من كلّ فجٍ عميقٍ، وهي تشهد بالحركة اليومية لأمير المؤمنين ( عليه السلام ).

النّاس في الكوفة آنذاك ينشطون نحو أعمالهم اليومية لتحصيل قوتهم ولإدامة حياتهم المعاشية، وكلٌّ يعمل على شاكلته وقصده، إلاّ أنّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) كان يمشي في الأسواق للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وموعظة الناس.

فالمُلاحظ أنّه ( عليه السلام ) لا يتجاوز شيئاً إلا وأسدى النصح والإرشاد حوله، وأبان فيه الاستقامة والسُنّة، وسنطّلع على يوم واحد دخل فيه أمير المؤمنين إلى الأسواق، ومقدار الدوافع التلقائية عنده لنيل رضا الله تعالى.

عن رجل من أهل البصرة من بني بطر يُكنّى أبا مطر قال: ( خرجت من باب المسجد بالكوفة في زمن عليّ بن أبي طالب، وعليّ إزار طويل ربّما عثرت به! فإذا أنا بشيخ ينادي من خلفي:( أي بنيّ، ارفع ثوبك؛ فإنّه أبقى لثوبك وأتقى لربّك، وخذ شاربك إن كنت مسلماً [ قال ]: فنظرت فإذا هو [ عليّ بن أبي طالب ] ( عليه السلام ) فمشيت خلفه وهو بين يدي وعلى عليّ إزار ورداء فكأنّه بدوي فانطلق وأنا خلفه حتى أتى سوق الإبل فقال:يا معشر أصحاب الإبل، إيّاكم والأَيمان فإنّ اليمين يُنفق [ السلعة ] ثمّ يمحق .

ثمّ انطلق حتى بلغ [ سوق ] أصحاب التمر فإذا هو بخادمة تبكي عند تمّار فقال [ لها ]:ما يبكيك؟


فقالت: باعني هذا تمراً بدرهم فردّه عليّ مولاي فأبى [ البائع ] أن يأخذه منّي، فقال [ ( عليه السلام ) للبائع ]:أَعطِها درهمَها وخذ تمرك فإنّها خادمة ليس لها أمر! فدفعها التمّار؛ فقيل له: أتدري مَن هذا؟: فقال: لا، قالوا: هذا عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين! فصبّ [ البائع ] تمره وأعطاها درهمها ثمّ قال: يا أمير المؤمنين ارضَ عني قال [ عليه السلام ]:أنا راضٍ إن أوفيت المسلمين حقوقهم ثمّ قال: يا أصحاب التمر، أطعموا المساكين يربو كسبكم .

ثمّ مضى حتى رأى السمّاكين فقال:يا أصحاب السمك، لا تبيعوا الجرّي ولا الطافي، ثمّ مرّ حتى أتى القصّابين فقال:يا معشر القصّابين، لا تنفخوا [ في ] اللحم ولا تذبحوا شاةً على شاة .

ثمّ دخل إلى البزّازين فدنا إلى بزّاز منهم فقال:يا شيخ، أَحسن بيعي في قميص بثلاثة دراهم، قال: نعم يا أمير المؤمنين.

فلمّا رأى أن قد عرفه انطلق إلى غيره فقال:أَحسن بيعي في قميص بثلاثة دراهم، قال: نعم يا أمير المؤمنين، فتركه وانطلق إلى غلام قال:يا غلام، أَحسن بيعي في قميص بثلاثة دراهم .

فأعطاه [ الغلام ] قميصاً فلبسه ما بين الرسخين إلى الكعبين فلمّا لبسه قال:الحمد لله الذي كساني من الرياش ما أواري به عورتي وأتجمّل به في الناس، ثمّ قال:سمعت رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) يقوله عند الكسوة ) (١) .

____________________

(١) مناقب الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ): ٣/٦٠، نحو ذلك في أمالي الصدوق: ٤٩٧، ومناقب ابن شهر آشوب: ٢/١٢٩، بحار الأنوار: ٤١/١٠٤، وسفينة البحار: ١/٤٥٠.


الشيء الذي يعرفه الناس من أهل الكوفة، أنّه ( عليه السلام ) كان شديد التواضع ولا يرى فرقاً بينه وبين الناس إلاّ بالتقوى: ( اشترى ( عليه السلام ) تمراً بالكوفة فحمله في طرف ردائه، فتبادر الناس إلى حمله وقالوا: يا أمير المؤمنين نحن نحمله، فقال ( عليه السلام):( ربّ العيال أحق بحمله ) .

ذكر صاحب قوت القلوب عن أبي طالب المكي: كان علي ( عليه السلام ) يحمل التمر والملح بيده ويقول:

لا ينقص الكامل من كمالهِ

ما جرَّ من نفعٍ إلى عيالهِ(١)

ممّا سبق نعرف أنّ الإمام عكس الوجه الإسلامي في هذا المجال الثقافي الذي تحرّك فيه.

رابعاً: في الكتب والوصايا

كان مجموع الكتب التي أرسلها أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إلى ولاته في الأمصار وعماله على الصدقات والخراج (٣٠) كتاباً، ومجموع الوصايا لأهل بيته، وللأمراء والعمال (١١) وصيةً، أمّا مجموع ما أُرسل إلى أمراء الجيوش من كتب فهو (٥) كتب بالإضافة إلى عهدين.

أمّا مجموع الكتب التي أرسلها إلى أهل الأمصار فكانت ثمانية كتب، ثلاثة منها لأهل الكوفة.

والكتب التي بعث بها لأعدائه كانت (٢٠) كتاباً، (١٦) منها إلى

____________________

(١) مناقب آل أبي طالب: ٢/١٢٠.


معاوية، وما بقي إلى طلحة والزبير وعمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري.

إن هذا الكّم الذي وصل إلينا من الكتب والوصايا، والذي يصل إلى ٧٨ كتاباً، يعكس شدة الأحداث التي واجهها أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في مدة أربع سنوات وتسعة أشهر.

الإمام ( عليه السلام ) يشرح في كل كتاب وحسب ما تقتضيه الحكمة مختلف القضايا، ويضع مختلف النصائح والإرشادات والتوصيات والتعليمات التي يحتاجها العمال، وأيضاً يجيب على رسائل وكتب الأعداء راجياً بذلك إعادتهم إلى جادة الصواب، ولقد بالغ لهم في النصيحة وأوقفهم على المحجّة البيضاء.

إنّ هذه الكتب والوصايا لها تأثيرات ثقافية، وتعتبر أحد الأُطر الثقافية التي توضّح ما عند الأطراف من مواقف وتترك أثرها على الناس.

خامساً: المناسبات المتنوّعة

كان الإمام يراقب المناسبات التي تبعث على التقرب من الله تعالى، ( رمضان وشوال سواء يحيي الليل كله )(١) عندما يسمع شيء، يأخذ بأحسنه.

بل إنّه ( عليه السلام ) كان شديد الأخذ، قوي الالتزام،( ما تركت صلاة الليل منذ سمعت قول النبي ( صلّى الله عليه وآله ): صلاة الليل نور ، فقال ابن الكوا: ولا ليلة الهرير؟ قال: ولا ليلة الهرير ) (٢) .

____________________

(١) مناقب آل أبي طالب: ٢/١٤٢.

(٢) مناقب آل أبي طالب: ٢/١٤٢.


إنّ عمل الإمام في هذه المناسبات وغيرها يترك أثراً ايجابياً في دفع الناس نحو الالتزام بهذه المناسبات وإحيائها، وهو ما يؤدّي بالنتيجة إلى إحياء الشعائر والمناسبات الإسلامية الأخرى، ( إنّه كان يمشي في حجّه حافياً، ويعلّق نعليه بيده اليسرى: يوم الفطر والنحر ويوم الجمعة وعند العيادة وتشييع الجنازة ويقول:( إنّها مواضع الله، وأُحب أن أكون فيها حافياً ) (١) .

هذه المناسبات فيها ما قد يتكرّر في اليوم مثل تشييع الجنازة والعيادة، وفيها ما يعود كل أسبوع كيوم الجمعة، وما يكون كلّ سَنة مرّة مثل يوم الفطر، هذا يعني أنّ الإمام ( عليه السلام ) يمارس هذه الأعمال العبادية في المناسبات خلال السَنة برقم كبير؛ كي يعلم الناس أدب العبودية وكيفية التخفّف والدخول إلى الساحات الإلهية بإلقاء كلّ شيء من أحمال الدّنيا، والتوجه بتذلل وتواضع إلى الله تعالى.

ممّا تقدم نعرف أنّ للإمام ( عليه السلام ) في كلّ مجال قدمَ سبق، وفي كلّ مناسبة مقعدَ صدق، في نشر الثقافة الإسلامية وإحيائها.

____________________

(١) نفس المصدر: ٢/١٢٠.


الفصل الرابع: الإمام علي ( عليه السلام ) والأهداف الثقافية

الوصول إلى الأهداف يكون حسب الهمة التي يمتلكها الإنسان( قَدْرُ الرَّجُلِ عَلَى قَدْرِ هِمَّتِهِ ) (١) وتجلّت الهمة العظيمة في أهداف علي ( عليه السلام ) حيث إنّه يريد من الإنسان أن يكون كاملاً في الحظوظ الدنيوية والأخروية، ويريد منه أن يرتقي في الأسباب وأمام كل لحظة تشرف عليها أنفاسه.

إنّ الأهداف الثقافية التي توخّاها الإمام ( عليه السلام ) هي ما يلي:

١. الاتقاء

الاتقاء كما هو في اللغة: ( اتقى الشيء: حَذره وتجنّبه )(٢) .

التجنّب والاتقاء ليس بالمعنى المطلق، أي عن كل شيء، إنّما عن الأشياء التي تردي الإنسان وتورده موارد الذمّ والسّوء. أعطى الإمام

____________________

(١) نهج البلاغة / الحكمة: ٤٧.

(٢) المعجم الوسيط: ٢/١٠٥٢.


قاعدةً كليةً في كيفية التجنّب والابتعاد( مَن حصّن شهوته صانَ قدره ) (١) الاتقاء يحصل على صعيدين:

١. الصعيد الداخلي للإنسان: ذلك عبر تحصين الشهوة عن الاقتراب من لذائذها ومراتعها، عن جعفر الصادق بن محمد الباقر عن أبيه ( عليه السلام ):( إنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) أتي بخبيص (٢) فأبى أن يأكله فقالوا له: أتحّرمه؟ قال: لا، ولكنّي أخشى أن تتوق إليه نفسي فأطلبه ) (٣) .

٢. الصعيد الاجتماعي للإنسان: وذلك يحصل عبر تجنّب كل علاقة تعود عليه بالضرر وأن يحسن انتخاب علاقاته بالأشياء، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال:( كان أمير المؤمنين صلوات الله عليه إذا صعد المنبر قال: ينبغي للمسلم أن يتجنّب مؤاخاة ثلاثة: الماجن والأحمق والكذّاب ) (٤) .

وأيضاً عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال:( قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ): لا ينبغي للمرء المسلم أن يؤاخي الفاجر، فإنّه يزيّن له فعله ويحب أن يكون مثله، ولا يعينه على أمر دنياه ولا أمر معاده، ومدخله إليه ومخرجه من عنده شَين عليه ) (٥) .

إنّ الاتقاء من هؤلاء الأفراد، يعطي زخماً ثقافياً وأخلاقياً للمسلم؛ لأنّ هؤلاء الأفراد عبارة عن عوائق ثقافية تقف حائلاً أمام مسير الإنسان وتكامله.

____________________

(١) نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة: ١/٣٩٤.

(٢) طعام معمول من التمر والزبيب والسمن، الحلواء.

(٣) أمالي المفيد: ١٣٤.

(٤) الأصول من الكافي: ٢/٣٧٦.

(٥) نفس المصدر: ٢/٦٤٠.


٢. الإرساء

أرسى وثبّت الإمام العقائد الحقة بين الناس، مثل التوحيد والصورة الحقيقية لصفات الله تعالى وعدله( الأَوَّلُ لا شَيْ‏ءَ قَبْلَهُ وَالآخِرُ لا غَايَةَ لَهُ، لا تَقَعُ الأَوْهَامُ لَهُ عَلَى صِفَةٍ وَلا تُعْقَدُ الْقُلُوبُ مِنْهُ عَلَى كَيْفِيَّةٍ، وَلا تَنَالُهُ التَّجْزِئَةُ وَالتَّبْعِيضُ وَلا تُحِيطُ بِهِ الأَبْصَارُ وَالْقُلُوبُ ) (١) .

إنّ هذا الإرساء للصفات الإلهية تُعلم أهميته حينما يلاحظ العقائد الحسية والتجّسيمية التي جعلت لله أعضاء وجوارح، تعالى عن ذلك علواً كبيراً.

تطرق الإمام إلى القضايا التي قد يقع فيها الاختلاف - قد وقع التية والاختلاف بالفعل - مثل إيمان آباء الأنبياء والأولياء، فأرسى الرؤية العقائدية الصحيحة والسليمة في كل شك، والتي استقى عذب معينها من كلمات الله تعالى الباقية:( وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) (٢) ( فَاسْتَوْدَعَهُمْ فِي أَفْضَلِ مُسْتَوْدَعٍ، وَأَقَرَّهُمْ فِي خَيْرِ مُسْتَقَرٍّ، تَنَاسَخَتْهُمْ كَرَائِمُ الأَصْلابِ إِلَى مُطَهَّرَاتِ الأَرْحَامِ، كُلَّمَا مَضَى مِنْهُمْ سَلَفٌ قَامَ مِنْهُمْ بِدِينِ اللَّهِ خَلَفٌ ) (٣) .

أعاد الإمام ( عليه السلام ) إلى الأذهان أنفاس القرآن في الخلافة والإمامة بعد النبوة،( وَخَلَّفَ فِيكُمْ مَا خَلَّفَتِ الأَنْبِيَاءُ فِي أُمَمِهَا، إِذْ لَمْ يَتْرُكُوهُمْ هَمَلاً بِغَيْرِ طَرِيقٍ وَاضِحٍ وَلا عَلَمٍ قَائِمٍ ) (٤) .

____________________

(١) نهج البلاغة: الخطبة ٨٥.

(٢) سورة الشعراء: ٢١٩، انظر تفسير مجمع البيان: ٧/٣٢٣، وتفسير القمي: ٢/١٢٥.

(٣) نهج البلاغة: ٩٤/١٧٦.

(٤) نفس المصدر: الخطبة ١.


إنّ بيان الإمام للمسائل العقائدية التي يحتاجها الناس في حياتهم الدنيا يدل على مدى أهمية هذا الهدف الثقافي، الذي بفقدانه تنعدم الرؤية الواضحة للأصول الإسلامية.

يدل كما على ضرورة تعليم الناس وسوقهم نحو الأهداف الأهم، والتي ترتكز عليها باقي المسائل والفروع الإسلامية، فعليه نعرف أنّ الإرساء يعتبر هدف ثقافي يعمل لتحقيقه مَن يطلب الاستقامة والمعرفة.

٣. الارتقاء

هو السّمو إلى درجات أعلى،( أَحْمِلْهُمْ مِنَ الْحَقِّ عَلَى مَحْضِهِ ) (١) هنا سؤال: هذا الهدف العزيز كيف يتم تحقيقه؟ نجد الجواب واضحاً في وصيته لابنه محمد بن الحنيفة حيث إنّ الإمام يريد أن يوصل ابنه محض الحق،( وألجئ نفسك في الأمور كلّها إلى الله الواحد القهّار، فإنّك تلجئها إلى كهفٍ حصينٍ، وحرز حريزٍ، ومانعٍ عزيز، وأخلص المسألة لربّك فإنّ بيده الخير والشرّ والإعطاء والمنع ) (٢) .

من الشواهد المؤيّدة للارتقاء - الذي حصل لأفراد يسهل عدّهم وإحصائهم - أنّه قال علي ( عليه السلام ) لأبي أيّوب الأنصاري:( يا أبا أيّوب، ما بلغ من كرم أخلاقك؟ قال: لا أؤذي جاراً فمَن دونه، ولا أمنعه معروفاً أقدر عليه ) .

____________________

(١) نفس المصدر: الخطبة ١٦٢.

(٢) نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة: ١/٢٤٨.


وعن ابن عبد البرّ قال: ( كان أبو أيوب الأنصاري مع عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) في حروبه كلها )(١) .

يعمّم الإمام ( عليه السلام ) هذا الهدف عند سؤال أبي أيوب، ليستفيد من ذلك مَن كان حاضراً، وهذا الصحابي له سابقة حسنى في الجهاد بحيث إنّ إيمانه كان يدفعه أن يلازم الإمام في حروبه كلها.

إنّ الهدف الأعلى لعلي ( عليه السلام ) هو تقريب الناس من الله تعالى،( وَإِذَا قَوِيتَ فَاقْوَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَإِذَا ضَعُفْتَ فَاضْعُفْ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ ) (٢) .

____________________

(١) سفينة البحار: ١/١٩٦.

(٢) نهج البلاغة: الحكمة ٣٨٣.



الفصل الخامس: الإمام علي ( عليه السلام ) وعناصر البناء الثقافي

لكل عمل ثقافي عناصر يشدّ بعضها بعضاً ويرتبط بعضها ببعض، فالعمل الثقافي بدون أحد هذه العناصر يفقد تكامله ولا يصل إلى تمامه، وهي ما يلي:

١. الكلمة الطيبة

هي الكلمة الحسنة التي ثبتت في وجود الإنسان فأصبحت مِلكه وخرجت على لسانه بأغصانها وفروعها، لتعانق قلوب الناس،( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السّماءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الْأَمْثَالَ لِلنّاسِ لَعَلّهُمْ يَتَذَكّرُونَ ) (١) .

لقد كانت كلمات أمير المؤمنين تحمل الوداعة والطيب الإنساني إلى الناس، فهي سامية بصفائها ومتفرعة بما تحمله من خير إلى الجميع.

____________________

(١) إبراهيم: ٢٤ - ٢٥.


لكن المعيار في معرفة الكلمة الطيبة هو صواب هذه الكلمات وسدادها، بحيث إنّها لو صادفت القلوب الصافية استقرّت، ولو التقت الألباب الحازمة لدلتها على مواطن المعرفة، وتأخذ موضعها على جوارح الإنسان،( َيَا لَهَا أَمْثَالاً صَائِبَةً وَمَوَاعِظَ شَافِيَةً، لَوْ صَادَفَتْ قُلُوباً زَاكِيَةً وَأَسْمَاعاً وَاعِيَةً وَآرَاءً عَازِمَةً وَأَلْبَاباً حَازِمَةً ) (١) .

فالكلمة الطيبة تساهم في البناء الثقافي للإنسان، وتقوده إلى مغانم المعرفة والأخلاق، فهي ذات عطاء ثر على الصعيد الروحي بتأليف القلوب وتطييبها، وعلى الصعيد الاجتماعي تربط الناس بأواصر من المحبة والتراحم والاحترام، ويكون ما يعود منها إلى الإنسان توسيع علاقاته،( مَن لانت كلمته وجبت محبته ) (٢) .

ممّا سبق نعرف أنّ الكلمة الطيبة لها دور في بناء الإنسان المسلم؛ حيث إنّها تحمل الخير للآخرين وتشدّ الناس إلى بعضهم بروح من الودّ والمحبّة.

٢. الأسوة الحسنة

ورد ذكر الأُسوة في القرآن الكريم،( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللّهَ كَثِيراً ) (٣) و ( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ

____________________

(١) نهج البلاغة: الخطبة ٨٣.

(٢) العقد الفريد: ٢/ ١٢٧.

(٣) سورة الأحزاب / ٢١.


حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالّذِينَ مَعَهُ ) (١) و( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَمَن يَتَوَلّ فَإِنّ اللّهَ هُوَ الْغَنِيّ الْحَمِيدُ ) (٢) .

بعد درج آيات من التنزيل الحكيم، نسأل مَن هو الأُسوة الحسنة؟ ما هي الفائدة المترتبة على وجوده؟.

أمّا بالنسبة للشق الأَوّل من السؤال فيمكن تعريف الأسوة الحسنة تعريفاً بالمثال،( إِنَّمَا مَثَلِي بَيْنَكُمْ كَمَثَلِ السِّرَاجِ فِي الظُّلْمَةِ يَسْتَضِي‏ءُ بِهِ مَنْ وَلَجَهَا ) (٣) .

أمّا الفائدة المترتبة على وجود الأُسوة الحسنة، فهي كما يصوّرها الإمام ( عليه السلام ):( إِنِ اتَّبَعْتُمُ الدَّاعِيَ لَكُمْ سَلَكَ بِكُمْ مِنْهَاجَ الرَّسُولِ، وَكُفِيتُمْ مَئُونَةَ الاعْتِسَافِ، وَنَبَذْتُمُ الثِّقْلَ الْفَادِحَ عَنِ الأَعْنَاقِ ) (٤) .

إنّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يريد أن يأخذ بأيدي الناس إلى أقصر الطرق في الوصول إلى الله؛ وذلك عبر الأبواب العلمية والعملية التي تقدّر بآلاف الأبواب التي فتحها الرسول في عقله وقلبه وعلى جوارحه، ويريد من الناس أن يستفيدوا من هذا العلم النافع، والعمل الصالح عبر التأسي والاقتداء به، والذي هو في الحقيقة تأسي بالنبي ( صلّى الله عليه وآله ) صاحب الخلق العظيم و المقام الكريم،( فَتَأَسَّ بِنَبِيِّكَ الأَطْيَبِ الأَطْهَرِ ( صلى الله عليه وآله ) فَإِنَّ فِيهِ أُسْوَةً لِمَنْ تَأَسَّى

____________________

(١) سورة الممتحنة / ٤.

(٢) سورة الممتحنة / ٦.

(٣) نهج البلاغة: الخطبة ١٨٧.

(٤) نفس المصدر: الخطبة ١٦٦.


وعَزَاءً لِمَنْ تَعَزَّى، وَأَحَبُّ الْعِبَادِ إِلَى اللَّهِ الْمُتَأَسِّي ِنَبِيِّهِ، وَالْمُقْتَصُّ لأَثَرِهِ قَضَمَ الدُّنْيَا قَضْماً وَلَمْ يُعِرْهَا طَرْفاً، أَهْضَمُ أَهْلِ الدُّنْيَا كَشْحاً وَأَخْمَصُهُمْ مِنَ الدُّنْيَا بَطْناً، عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا وَلَقَدْ كَانَ ( صلى الله عليه وآله ) يَأْكُلُ عَلَى الأَرْضِ وَيَجْلِسُ جِلْسَةَ الْعَبْدِ، وَيَخْصِفُ بِيَدِهِ نَعْلَهُ وَيَرْقَعُ بِيَدِهِ ثَوْبَهُ خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا خَمِيصاً وَوَرَدَ الآخِرَةَ سَلِيماً، لَمْ يَضَعْ حَجَراً عَلَى حَجَرٍ حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ وَأَجَابَ دَاعِيَ رَبِّهِ، فَمَا أَعْظَمَ مِنَّةَ اللَّهِ عِنْدَنَا حِينَ أَنْعَمَ عَلَيْنَا بِهِ سَلَفاً نَتَّبِعُهُ وَقَائِداً نَطَأُ عَقِبَهُ، وَاللَّهِ لَقَدْ رَقَّعْتُ مِدْرَعَتِي هَذِهِ حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَاقِعِهَا، وَلَقَدْ قَالَ لِي قَائِلٌ أَلا تَنْبِذُهَا عَنْكَ، فَقُلْتُ اغْرُبْ عَنِّي فَعِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى ) (١) .

فالتأَسّي يكون بالنبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) وبمَن تبعه واقتفى أثره، وهو أمير المؤمنين ( عليه السلام ) هذا الاقتداء يتم عبر الاهتداء يهدي النبي ( صلّى الله عليه وآله ) والاستنان بسنته.

ثمّ إنّ الأُسوة الحسنة يختلف عن باقي أفراد الأمّة، بحيث إنّه يريد أن يشارك في أحزان الناس وجُشوبة وعسر العيش( أأقنع مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلا أُشَارِكُهُمْ فِي مَكَارِهِ الدَّهْرِ أَوْ أَكُونَ أُسْوَةً لَهُمْ فِي جُشُوبَةِ الْعَيْشِ! ) (٢) .

هذه هي الحقيقة التي يعيش عليها أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بين أهل الكوفة، قد بيّنها على ما تقدم من السطور، بيان هذه الحقيقة على ألسن الناس فهي

____________________

(١) نفس المصدر: الخطبة ١٦٠.

(٢) نفس المصدر: كتاب ٤٥.


كثيرة، لكنّنا اقتصرنا على ما يقتضيه المقام، عن سويد بن غفلة قال: ( دخلت على علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) القصر، فوجدته جالساً وبين يديه صَحفة فيها لبن حازر(١) أجد ريحه من شدة حموضته، وفي يده رغيف يُرى قشار الشعير على وجهه، وهو يكسره ويستعين أحياناً بركبته، وإذا جاريته فضة قائمة على رأسه، فقلت يا فضّة أمّا تتقون الله في هذا الشيخ؟ أَلا نخلتم دقيقه؟ فقالت إنّا نكره أن تؤجر ونأثم نحن، قد أخذ علينا أن لا ننخل له دقيقاً فأصلحناه قال: وعليّ ( عليه السلام ) لا يسمع ما تقول، فالتفت إليها فقال:ما تقولين؟ قالت سلَه، فقال لي:ما قلت لها؟ [ قال ] إنّي قلت لها: لو نخلتم دقيقه، فبكى ثمّ قال:( بأبي وأمّي مَن لم يشبع ثلاثاً متوالية من خبز بُرّ حتى فارق الدنيا، ولم ينخل دقيقه ) ، قال: يعني رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) ) (٢) .

لسائل أن يسأل من أين لعلي ( عليه السلام ) هذه القابلية والقدرة على تحمل هذه المشاقّ؟.

لقد كان الإمام ( عليه السلام ) يملك زمام نفسه فهو الذي أكبّ الدنيا على وجهها.

روى معاوية بن عمّار عن جعفر بن محمد ( عليها السلام ) قال:( ما اعتلج على عليّ ( عليه السلام ) أمران في ذات الله تعالى إلاّ أخذ بأشدّهما، ولقد علمتم أنّه كان يأكل يا أهل الكوفة عندكم من ماله بالمدينة، وأن كان ليأخذ السّويق فيجعله في جِراب ويختم عليه مخافة أن يزاد عليه من غيره، ومَن كان أزهد في الدّنيا من

____________________

(١) لبن حامض.

(٢) الغارات: ٢/٧٠٧، كشف الغمة في معرفة الأئمة: ١/٢١٨، بحار الأنوار: ٤١/١٣٨، سفينة ا لبحار: ٣/٥٤١.


عليّ ( عليه السلام )؟ ) (١) .

( اعْزُبِي عَنِّي فَوَاللَّهِ لا أَذِلُّ لَكِ فَتَسْتَذِلِّينِي، وَلا أَسْلَسُ لَكِ فَتَقُودِينِي، وَايْمُ اللَّهِ يَمِيناً أَسْتَثْنِي فِيهَا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، لأَرُوضَنَّ نَفْسِي رِيَاضَةً تَهِشُّ مَعَهَا إِلَى الْقُرْصِ إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهِ مَطْعُوماً، وَتَقْنَعُ بِالْمِلْحِ مَأْدُوماً ) (٢) .

القدرة العالية التي كانت عند علي ( عليه السلام ) هي حصيلة الترويض الجادّ المستمرّ في ذات الله تعالى.

للقدرة الحسنة صفات يتأسّى بها المؤمنون ويركن إليها المتقون، ولقد جرت تلك الصفات على لسان ضرار بن عمرو عند معاوية الذي كان خصماً لدوداً وعنيداً لأمير المؤمنين، قال معاوية ابن أبي سفيان لضرار بن عمرو: صف لي علياً قال: أَوَ تعفيني؟ قال: لا أعفيك، قال:

إمّا إذا لابدّ، فإنّه والله كان بعيد المدى شديد القوى، يقول فصلاً ويحكم عدلاً، يتفجّر العلم من جوانبه وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها ويستأنس بالليل وظلمته، وكان والله غزير العَبرة طويل الفكرة، يقلّب كفّه ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما قصر ومن الطعام ما جشب!

وكان والله كأحدنا يجيبنا إذا سألناه، ويبتدؤنا إذا أتيناه ويلبّينا إذا دعوناه، ونحن والله مع تقريبه لنا وقربه منّا لا نكلمّه هيبةً ولا نبتديه لعظمته! فإن تبسّم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم.

____________________

(١) بحار الأنوار: ٤١/١٣٦.

(٢) نهج البلاغة: الكتاب ٤٥.


[ كان ] يعظّم أهل الدين، ويحبّ المساكين لا يطمع القويّ في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله!

وأشهد بالله أنّي أتيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، وقد مثل في محرابه قابضاً على لحيته يتململ تململَ السليم، ويبكي بكاء الحزين، فكأنّي الآن أسمعه وهو يقول: يا دنيا يا دنيا إليّ تعرّضت أو ليّ تشوّقت؟

هيهات غرّي غيري قد أبنتل (١) ثلاثاً لا رجعة لي فيك! فعمرك قصير وعيشك حقير وخطرك كثير!

آه من قلّة الزاد ووحشة (٢) الطريق وبُعد السفر (٣) .

فالأسوة الحسنة يترك أثراً كبيراً في البناء الروحي والثقافي للأفراد وللمجتمع، وهذا ما جعل صفات الإمام أن تكون في معرض التداول والتلقي من قبل الناس، وشاء الله ان يطلع على خصوصيات وصفات علي خصمُه ويبكي من شدة التأثر بها.

هذه بعض الصفات التي وقف عليها علم ضرار، وصفات أخرى كان أهل الكوفة قد اطّلعوا عليها وشاهدوها عياناً، كانت موضع ترديد وتكرار في الإعجاب بها.

____________________

(١) خ ل طلقتك.

(٢) في نهج البلاغة ( وطول الطريق ).

(٣) مناقب الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ): ٢/٥١، نهج البلاغة / الحكمة: ٧٧.


٣. الأمّة الصّالحة

البناء الثقافي لم يكن كاملاً؛ لعدم وجود الأمّة الصّالحة في زمان أمير المؤمنين، إلاّ أنّه كان هناك أفراد معدودين صالحين وسط ذلك الكم الهائل من الأعداد التي لا تقبل النّصح والطّاعة، ولا ترتضي إلاّ أن تكون ضائعةً في التّيه المضاعف.

أولئك الأفراد الصّالحين هم بقايا صالحة زُحزحت عن تلك الأصناف الضائعة والضّالّة من أهل الكوفة.

قد مجّد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بأفعالهم وحالاتهم، وشاركوا بنصيب من وعظ الأمّة، وولجوا مصير الجهاد في سبيل الله،( وَبَقِيَ رِجَالٌ غَضَّ أَبْصَارَهُمْ ذِكْرُ الْمَرْجِعِ، وَأَرَاقَ دُمُوعَهُمْ خَوْفُ الْمَحْشَرِ، فَهُمْ بَيْنَ شَرِيدٍ نَادٍّ وَخَائِفٍ مَقْمُوعٍ، وَسَاكِتٍ مَكْعُومٍ وَ دَاعٍ مُخْلِصٍ، وَثَكْلانَ مُوجَعٍ، قَدْ أَخْمَلَتْهُمُ التَّقِيَّةُ، وَشَمِلَتْهُمُ الذِّلَّةُ، فَهُمْ فِي بَحْرٍ أُجَاجٍ، أَفْوَاهُهُمْ ضَامِزَةٌ وَقُلُوبُهُمْ قَرِحَةٌ، قَدْ وَعَظُوا حَتَّى مَلُّوا، وَقُهِرُوا حَتَّى ذَلُّوا، وَقُتِلُوا حَتَّى قَلُّوا ) (١) .

أما الثّقل الأكبر من أهل الكوفة، فقد آثروا العصيان والتمرد، وأمير المؤمنين ( عليه السلام ) ورث جيلاً لا يصلح لشيء ولا يصلحه شيء، إلاّ الطّريق الذي يُخرج الإمام عن طبعه وأخلاقه،( يا أهل الكوفة، أَتروني لا أعلم ما يصلحكم؟ بلى ولكنّي أكره أن أصلحكم بفساد نفسي ) (٢) .

____________________

(١) نهج البلاغة: الخطبة ٣٢.

(٢) أمالي المفيد: ٢٠٧، بحار الأنوار: ٤١/١١٠.


لهذا يرى الإمام أنّ هذا الفوز بهذا الكّم الفارغ من الصّلاح، هو فوز بالسهم الأخيب، يقول عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) لأهل الكوفة:

( مَن فاز بكم فقد فاز بالسهم الأخيب ) (١) .

كان أهل الكوفة في زمان الإمام ( عليه السلام ) يرون الحقّ ثقيلاً وبيئاً؛ لهذا أبغضهم الإمام يقول الحق ودفعهم إلى سبيله، وأبغضوا الإمام في ردّ الحق ودفع الطّاعة عنه، وقد ملّ من فرارهم من دعوته ومقتهم له ولمَن معه من صحبه، وملّوا الإمام من كبر النصح والتذكير لهم.

عن أبي صالح الحنفيّ قال: ( رأيت علياً ( عليه السلام ) يخطب وقد وضع المصحف على رأسه حتى رأيت الورق يتقعقع على رأسه قال:( فقال اللّهمّ قد منعوني ما فيه فأعطني ما فيه، اللّهمّ قد أبغضتهم وأبغضوني، وملّلتهم وملّوني، وحملوني على غير خُلقي وطبيعتي ( عليه السلام ) ) (٢) .

عن سعد بن إبراهيم قال: (سمعت أبي رافع قال: رأيت عليّاً (عليه السلام) قد ازدحموا عليه حتى أدموا رجله فقال:( اللّهمّ قد كرهتهم وكرهوني، فأرحني منهم وأرحهم منّي ) (٣) .

إنّ الخطب الكثيرة في ذم أهل الكوفة، تكشف عن أنّ النّاس فيها كانوا متخلّفين عن ركب الإمام ( عليه السلام ) أو اللحاق به، إلاّ القليل منهم.

____________________

(١) العقد الفريد: ١/١٠٩، نهج البلاغة: الخطبة ٢٩.

(٢) الغارات: ٢/٤٥٨.

(٣) نفس المصدر: ٢/٤٥٩.



الفصل السادس: الإمام علي ( عليه السلام ) في مواجهة الثقافات السلبية

كانت لدى أهل الكوفة ثقافات سلبية بمثابة الصّخرة الحائلة أمام مجرى الماء وانسيابه في مليء السواقي العطشى، عمل الإمام ( عليه السلام ) على قلع هذه الصخرة ذات الأضلاع الأربعة، والتي جاءت بها أمواج الجهل والأهواء العاتية.

فإنّ الثقافات السلبية هي التالية:

١. التمزّق

يعتبر التمزّق الذي نشب في جسم الأمّة آنذاك من الصفات التي كانت شائعةً، وهو ناجم من ثقافة سلبية سنشير إليها لاحقاً ( إن شاء الله تعالى ).

عندما تولّى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) الخلافة في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين من الهجرة، دبّ التمزّق في أعضاء الأمّة وأجزائها، وقد جهد أمير المؤمنين في لمّ الشمل ورأب الصّدع الحاصل، إلاّ أنّ سعيه قوبل بالعنف والشدة و


المواجهات الحربيّة، التي قضى فيها الإمام على خصومه أو شارفهم على الانتهاء.

التمزّق الّذي واجهه الإمام علي نحوين:

الأَوّل: التمزّق الخارجي، قد حصل هذا خارج حدود الكوفة وهو أيضاً على مسارين:

أ. التمزّق الخارجي في ردّ عمّال الإمام ومحاربتهم، وهو بدأ منذ الوهلة الأُولى لتولي الإمام الخلافة، حيث تمّ ردّ العمّال المبعوثين من قبل أمير المؤمنين ومحاربتهم في بعض الأمصار الإسلامية، ( وانتقضت البلاد على عليّ فجعل كلّما وجّه عاملاً من عمّاله إلى بلدة من البلدان، حاربوه وتبّروه، إلاّ أهل الكوفة وأهل البصرة وأهل مصر وقليل من أهل الحجاز، فقال علي ( رضي الله عنه ) لأصحابه:( اعلموا أنّه قد وقع الأمر الذي كنت أحذّركم إيّاه، وأنّ الفتنة كالنّار كلّما أسعرت ازدادت، وإنّما سأمسك هذا الأمر ما استمسك، فإذا لم أجد بدّاً فآخر الّدواء الكيّ ) (١) .

ب. التمزّق الخارجي الذي مثّله الناكثون والقاسطون والمارقون، وهؤلاء هم قومٌ من أصحابه، وممّن كان قد بايعه وتولاّه ودان بإمامته، مرقوا عنه ونكثوا عليه وقسطوا فيه، فقاتلهم أجمعين، فهزم الناكثين وقتل المارقين وجاهد القاسطين وقتلهم وتبرّؤوا منه وبرئ منهم )(٢) .

إنّ هؤلاء الانفصاليّون قد أعلنوا الحرب كلّ على حدة في وجه الإمام و

____________________

(١) الفتوح: ٢/٢٧٢.

(٢) دعائم الإسلام: ١/٨٦.


في ثلاث سنوات متوالية، سنة ٣٦هـ طلع قرن الناكثين بزعامة طلحة والزبير، وسنة ٣٧هـ برز الطّلقاء وأبناؤهم القاسطون يقودهم معاوية، وسنة ٣٨هـ ظهر الخوارج يترأسهم عبد الله بن وهب الراسبي.

لم تنتهي هذه الحروب الثلاثة عند هذا الحدّ، بل تبعها تمزّق آخر قاده الخرّيت بن راشد وكان مصيره من الاندحار والهزيمة كمصير الناكثين والمارقين، ( الخرّيت هذا كان مع علي حتى حكم الحكمين، ففارقه إلى بلاد فارس مخالفاً، فأرسل إليه معقل بن قيس وجهّز معه جيشاً، فحشّد الخرّيت مَن قدر عليه من العرب والنّصارى، فأمر العرب بمنع الصدقة، والنصارى بمنع الجزية، وارتدّ كثير ممّن كان أسلم من النّصارى، فقاتلهم معقل ونصب رايةً ونادى: مَن لحق بها فهو آمن، فأنصرف إليها كثير من أصحاب الخرّيت، فانهزم الخرّيت فقتل )(١) .

هذه الأحداث الّتي حصلت خارج حدود الكوفة، كان لها انعكاسات سلبية على الوضع الاجتماعي والثّقافي لأهل الكوفة؛ حيث إنّ الحرب والتمزّق يترك قتلى من كلا الجانبين، ويجعل موضوع التمزّق حديث ساعاتهم بلحاظ الهزيمة والنصر، ومن حالة القيل والقال، ومن حيث ترويج الإشاعات والكذب الرّخيص من قِبَل النّفوس الضّعيفة والمغرضة.

إذا أخذنا بنظر الاعتبار السّابقة التاريخية التي عليها الكوفة، نجد أنّ هذه المدينة هي المموّن للأمصار من جهة الشرق في أثناء الفتوحات العسكرية.

قد كان للكوفة ثغور أربعة: حلوان وما سَبَذان وقرقيسيا والموصل،

____________________

(١) الإصابة في تمييز الصحابة: ٢/٢٣٥.


وعلى هذه الثغور قادة عسكريون.

لقد كانت الكوفة بمثابة قاعدة عسكرية تقوم بإمداد القوّات العسكرية التي تزحف نحو الشرّق، وكتب عمر آنذاك يشكر لأهل الكوفة دورهم،( جزى الله أهل الكوفة خيراً! يكفون حوزتهم ويمدّون أهل الأمصار ) (١) .

استمّر إمداد أهل الكوفة حتى سنة ٣٢هـ حيث تمّ القضاء على آخر الملوك السّاسانيين.

إنّ هذه الخصوصية للكوفة جعلت من المجتمع صاحب الثقافة المدنيّة يتحوّل إلى مجتمع صاحب ثقافة عسكرية.

إنّ السابقة التاريخية الأخرى للكوفة والتي يمكن التدقيق فيها نظراً لمخلفاتها السلبية، هي أنّه منذ تأسيس الكوفة سنة ١٧هـ إلى سنة ٣٦هـ حيث قدم الإمام إليها، تولّى العمل على ولايتها (١١) عامل من ضمنهم اثنين تمّ تجديد ولايتهم في سنين متفرقة، هؤلاء العمّال هم على التوالي ( سعد بن أبي وقاص، عبد الله بن عبد الله، زياد بن حنظلة، عمّار بن ياسر، أبو موسى الأشعري، عمر بن سراقة، المغيرة بن شعبة، الوليد بن عقبة، سعيد بن العاص ).

كذا تولّى بعد سعيد بن العاص ولاية الكوفة أبو موسى الأشعري حتى حرب الجمل.

إنّ هذا التّغيير للولاة والعمال وأيضاً القضاة لأسباب؛ قد تعود للخلفاء،

____________________

(١) تاريخ الطبري: ٢/٤٨٣.


أو للولاة أنفسهم بطلب الاستعفاء، أو لأهل الكوفة عند ما يطلبون من الخليفة تغيير عامله عليهم، هذا التّغيير المتلاحق في مدة قصيرة يخلق نزوعاً عند النّاس نحو تغيير الولاة، كما أنّه ينشئ إحساساً نفسياً بصغر شخصية العامل عليهم؛ حيث إنّ أي اقتراح ضّده بالإمكان أن يزيحه من موقعه ويخرجه من مكانه.

لذا كان عند أهل الكوفة من جرّاء هذه السّوابق التاريخية ميلاً نحو التغيير، حتى الحاكم الصالح أو عدم طاعته، لمجرّد أنّه لا يروق لأهوائهم وهو ما واجهه أمير المؤمنين ( عليه السلام ).

الثاني: التمزّق الداخلي، حصل هذا التمزّق داخل الحدود المحلية للكوفة، ذلك ما يرويه ربيعة السعدي قال: ( أتيت المدينة فإذا حذيفة بن اليمان مستلقٍ في المسجد واضع إحدى رجليه على الأخرى، فقال: مرحباً بشخص لم أرَه قبل اليوم ممّن أنت؟ قلت من أهل الكوفة.

قال: سلْ عن حاجتك قال: [ قلت: ] تركت الناس بالكوفة على أربع طبقات: طبقة تقول أبو بكر الصدّيق خير الناس بعد رسول الله ( صلّى الله عليه وآله )؛ لأنّه صاحب الغار وثاني اثنين، وفرقة تقول: عمر بن الخطاب؛ لأنّ النبي ( صلّى الله عليه وآله ) قال: اللّهمّ أعزّ الإسلام بعمر بن الخطاب، وفرقة يقولون: أبو ذر [ خير الناس ]؛ لأنّ النبي ( صلّى الله عليه وآله ) قال:( ما أظلّت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذرّ )، ثمّ سكت.


قال [ حذيفة: ] مَن الرابع قلت: ذاك [ الذي قال له النبيّ:( هو مني وأنا منه ) ](١) .

لماذا هذه الطّبقات الأربع في تعيين الأصلح بعد النبي؟ ولماذا بعد مضي ما يقارب ثلاثة عقود - من وفاة النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) - جرى هذا الحديث عن تعيين الأصلح؟.

إنّ هذه الطبقية في تحديد الأصلح تعني وجود مجاميع وطوائف، وهو ما ينعكس سلباً على وحدة المجتمع وتركيبته؛ لأنّ وجود الاختلاف آنذاك في موضوع معيّن كان يصاحبه فساد قضية الوّد بين الأطراف، ويرافقه أيضاً فسخ الطاعة، وقد ابتلي أمير المؤمنين طوال فترة خلافته بانفضاض أكثر الناس من حوله أو تردّدهم في نصرته.

لقد وقف أمير المؤمنين ( عليه السلام ) على لبّ الحقيقة حينما وضع أسباب الاختلاف( فَيَا عَجَباً وَمَا لِيَ لا أَعْجَبُ مِنْ خطأ هَذِهِ الْفِرَقِ عَلَى اخْتِلافِ حُجَجِهَا فِي دِينِهَا، لا يَقْتَصُّونَ أَثَرَ نَبِيٍّ وَلا يَقْتَدُونَ بِعَمَلِ وَصِيٍّ، وَلا يُؤْمِنُونَ بِغَيْبٍ وَلا يَعِفُّونَ عَنْ عَيْبٍ، يَعْمَلُونَ فِي الشُّبُهَاتِ وَيَسِيرُونَ فِي الشَّهَوَاتِ، الْمَعْرُوفُ فِيهِمْ مَا عَرَفُوا وَالْمُنْكَرُ عِنْدَهُمْ مَا أَنْكَرُوا، مَفْزَعُهُمْ فِي الْمُعْضِلاتِ إِلَى أَنْفُسِهِمْ، وَتَعْوِيلُهُمْ فِي الْمُهِمَّاتِ عَلَى آرَائِهِمْ، كَأَنَّ كُلَّ امْرِئٍ مِنْهُمْ إِمَامُ نَفْسِهِ، قَدْ أَخَذَ مِنْهَا فِيمَا يَرَى بِعُرىً ثِقَاتٍ وَأَسْبَابٍ مُحْكَمَاتٍ ) (٢) .

إنّ هذا التمزّق الذّي بدأ من أهواء تتبع كان يمثل صفةً ثقافية سلبية خيّمت على أكثر أهل الكوفة.

____________________

(١) مناقب الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ): ٢/٤١٠.

(٢) نهج البلاغة: الخطبة ٨٨.


٢. التشرنق

التشرنق هو الانطواء والاعتزال عن نصرة الحقّ بذريعة الابتعاد عن الفتنة.

كان بداية هذا التشرنق في الأيّام الأُولى للاستعداد لحرب الجمل، عندما بعث أمير المؤمنين كلاً من محمد بن أبي بكر ومحمد بن عوف إلى الكوفة، يستحثان أهلها إلى نصرة الإمام ( عليه السلام )، ويستشيران أبا موسى الأشعري في الخروج، إلاّ أنّ هذا الأخير ونتيجة؛ لانعدام الرؤية الصحيحة سلك سبيلاً جديداً، ولفّ على نفسه غلافاً من الأوهام، ورأى أنّ ذلك فتنةً، ولا ينبغي الخروج حتى تضع الحرب أوزارها أو تجتمع الأمّة بعد شتاتها!

فقال أبو موسى: أمّا سبيل الآخرة فأن تقيموا، وأمّا سبيل الدّنيا فأن تخرجوا(١) ( وتهاوى الناس وأبو موسى يكفّهم ويأمرهم بلزوم البيوت حتى تنجلي الفتنة ويقول: أطيعوني وخلّوا قريشاً إذا أبوا إلاّ الخروج من دار الهجرة وفراق أهل العلم، حتى ينجلي الأمر )(٢) .

أوضح الإمام ( عليه السلام ) لأهل الكوفة دوافع هذا الاعتزال وصورته المصنوعة التي تزيّن بها،( وَمِنْهُمْ مَنْ أَبْعَدَهُ عَنْ طَلَبِ الْمُلْكِ ضُئُولَةُ نَفْسِهِ وَانْقِطَاعُ سَبَبِهِ، فَقَصَرَتْهُ الْحَالُ عَلَى حَالِهِ، فَتَحَلَّى بِاسْمِ الْقَنَاعَةِ وَتَزَيَّنَ بِلِبَاسِ أَهْلِ الزَّهَادَةِ، وَلَيْسَ مِنْ ذَلِكَ فِي مَرَاحٍ وَلا مَغْدىً ) (٣) .

____________________

(١) تاريخ الطبري: ٣/٢٣، تاريخ ابن خلدون: ٢/٦١٣.

(٢) تاريخ ابن خلدون: ٢/٦١٣.

(٣) نهج البلاغة: الخطبة ٣٢.


إنّ سلوك التّشرنق يطلع قرنه عندما تكون هناك محنة تُبتلى بها الأمّة، فعندما أراد الإمام التّوجه لمحاربة معاوية وجنوده، خطب في أهل الكوفة ثمّ عرض عليهم الرأي، فكان من أصحاب الإمام أن أحسنوا القول والنصح، ومنهم من لحقه داء أبي موسى في الاعتزال والقعود مثل حنظلة بن الربيع التميمي الذي قال لأمير المؤمنين:

إنّنا قد مشينا إليك بنصيحة فأقبلها منّا ولا تردها علينا، فإنّنا قد نظرنا لك ولمَن معك من المسلمين، الرأي عندنا أنّك تقيم ولا تعمل بالمسير إلى قتال أهل الشام وأمّا حنظلة فاعتزل الفريقين جميعاً (١) .

حالة الانطواء والاعتزال هذه لا تختصّ بفئة من أهل الكوفة فقط، بل شملت فريقاً من أهل مكة، هذا يجعل التأثير السلبي متبادل بين المِصرينِ، ويعطي سنداً نفسياً في تعزيز سلوك الانطواء، ( خرج المغيرة وسعيد بن العاص معهم مرحلةً من مكة، فقال سعيد للمغيرة: ما الرّأي؟ قال الرّأي والله الاعتزال، فإنّهم ما يفلح أمرهم، فإن أظفره الله أتيناه، فقلنا: كان هوانا وصَغْونا معك، فاعتزلا فجلسا، فجاء سعيدٌ مكة فأقام بها ورجع معهما عبد الله بن خالد بن أسيد )(٢) .

هذه الثقافة قد اعتنقها طائفة من الصّحابة أيضاً: ( وكان من الصحابة

____________________

(١) الفتوح: ٢/٤٤٣.

(٢) تاريخ الطبري: ٣/٨.


فريق لم يدخلوا في شيء من القتال، وظهر بقتل عمّار أنّ الصّواب كان مع علي )(١) .

هكذا نلاحظ أنّ الإمام قد عاصر هذه الثقافة السلبية الثانية.

٣. التملّق

المعنى اللغوي للتملّق هو ( الذي لم يصدق ودّه )(٢) وقد جاء في إحدى حكم أمير المؤمنين ( عليه السلام ) تعريفاً له: الثناء بأكثر من الاستحقاق ملق (٣) .

حاول بعض المتملّقينَ التقرّب من الإمام عبر إظهار المحبة وإخفاء خلافها، إلاّ أنّ الإمام ( عليه السلام ) فضح ذلك السلوك الكاذب، عن الأصبغ بن نباتة قال: كنت مع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فأتاه رجل فسلّم عليه ثمّ قال: يا أمير المؤمنين! إنّي والله لأحبّك في الله وأحبّك في السرّ كما أحبّك في العلانية، وأدين الله بولايتك في السرّ كما أدين بها في العلانية، وبيد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) عود فطأطأ رأسه ثمّ نكت بالعود ساعة في الأرض ثمّ رفع رأسه إليه فقال:( إنّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) حدّثني بألف حديث لكلّ حديث ألف باب، وإنّ أرواح المؤمنين تلتقي في الهواء فتشمّ وتتعارف، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف وبحقّ الله لقد كذبت، فما أَعرف في الوجوه وجهك ولا اسمك في الأسماء ) (٤) .

____________________

(١) الإصابة في تمييز الصحابة: ٤/٤٦٦.

(٢) المعجم الوسيط: ٢/٨٨٥.

(٣) نهج البلاغة / الحكمة: ٣٤٧.

(٤) سفينة البحار: ١/٦١٢.


الإمام فضحه؛ لكذبه، ولأنّ الذي يحب أحداً حقيقةً لا يتملّقه، قال ( عليه السلام ) لرجل أفرط في الثناء عليه وكان له متهماً:( أنا دون ما تقول، وفوق ما في نفسك ) (١) .

نصح الإمام عمّاله في رفض هذا السلوك،( ثُمَّ رُضْهُمْ عَلَى أَلاّ يُطْرُوكَ وَلا يَبْجَحُوكَ بِبَاطِلٍ لَمْ تَفْعَلْهُ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الإِطْرَاءِ تُحْدِثُ الزَّهْوَ وَتُدْنِي مِنَ الْعِزَّةِ ( الغرّة ) ) (٢) .

إنّ رفض التملّق ومحاربته - من قبل الإمام - استمّر حتى في الوقت الذي قلّ فيه الناصر ورحل عنه القريب، حيث يروى أنّ طائفة من أصحاب أمير المؤمنين طلبوا منه أن يعطي من الأموال لبعض أشراف العرب وقريش، وبعض الّذين مالت بهم الدنيا إلى ما عند معاوية من مغانم دنيوية كثيرة؛ لاستمالتهم، إلاّ أنّه رفض بشدة أن يطلب النّصر بالجور.

بعد ذلك سكت الإمام طويلاً ثمّ قال لهم ناصحاً ومدلاًّ إلى سبيل الحق، مَن كان له مال ومأواه فساد( إِنَّ إِعْطَاءَ الْمَالِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ تَبْذِيرٌ وَإِسْرَافٌ، وَهُوَ يَرْفَعُ صَاحِبَهُ فِي الدُّنْيَا وَيَضَعُهُ فِي الآخِرَةِ، وَيُكْرِمُهُ فِي النَّاسِ وَيُهِينُهُ عِنْدَ اللَّهِ، وَلَمْ يَضَعِ امْرُؤٌ مَالَهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ وَلا عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ إِلاّ حَرَمَهُ اللَّهُ شُكْرَهُمْ وَكَانَ لِغَيْرِهِ وُدُّهُمْ، فَإِنْ زَلَّتْ

____________________

(١) نهج البلاغة / الحكمة: ٨٣.

(٢) نفس المصدر / الكتاب: ٥٣.


بِهِ النَّعْلُ يَوْماً فَاحْتَاجَ إِلَى مَعُونَتِهِمْ فَشَرُّ خَلِيلٍ وَأَلأَمُ خَدِينٍ ) (١) .

الإمام يريد أن تكون رابطة النّاس به طبيعيةً نابعة من أصول طيّبة وطبيعية، وهو يرفض التملّق؛ لأنّه يعبّر عن تكلّف وتزلّف كاذب.

٤. التعلّق

التعلّق بالدّنيا يحصل من الشّغف بها والنظر إليها بعين الانبهار( مَنْ رَاقَهُ زِبْرِجُهَا أَعْقَبَتْ نَاظِرَيْهِ كَمَهاً، وَمَنِ اسْتَشْعَرَ الشَّغَفَ بِهَا مَلأَتْ ضَمِيرَهُ أَشْجَاناً ) (٢) .

يعود التعلّق إلى سببين ذكرهما أمير المؤمنين:( إنّما أخاف عليكم اثنين، اتّباع الهوى وطول الأمل، أمّا اتّباع الهوى فإنّه يصدّ عن الحقّ، وأمّا طول الأمل فينسي الآخرة ) (٣) .

احتلّ الحديث عن الدنيا وأوصافها والحذر منها والاعتبار بها وأصناف الناس فيها وحقيقتها، مساحات واسعة من خطب الإمام وكتبه وأقواله؛ نظراً إلى أنّ الإنسان عليه أن يعرف موقعه فيها، وحقيقة الدنيا وتبعاتها وخطورة الحال فيها إن كانت مذمومةً، وأهمية المنزل فيها أن كانت ممدوحةً.

فالذي ذمّه الإمام ( عليه السلام ) من الدنيا شهواتها عندما تتحوّل إلى هدف، و

____________________

(١) أمالي المفيد: ١٩٨، نهج البلاغة: الخطبة ١٢٦، بحار الأنوار: ٤١/١٠٨.

(٢) نهج البلاغة: الحكمة: ٣٦٧.

(٣) الأصول من الكافي: ٢/٣٣٥، نهج البلاغة: الخطبة ٤٢.


آمالها التي لا تنقطع عند حد ولا تنقضي عند طموح.

إنّ أمير المؤمنين كان قد حذّر أهل الكوفة - مراراً وتكراراً - من الافتتان والتعلّق بالدنيا( وَلا تُفْتَنُوا بِأَعْلاقِهَا ( أغلاقها )، فَإِنَّ بَرْقَهَا خَالِبٌ وَنُطْقَهَا كَاذِبٌ، وَأَمْوَالَهَا مَحْرُوبَةٌ وَأَعْلاقَهَا مَسْلُوبَةٌ ) (١) .

مع كثرة التذكير والتحذير في الحديث عن الدنيا في خطب الإمام، إلاّ أنّ هناك مَن لم يوقظه وعظ ولا يجديه اعتبار: بل بقي نظره متوجهاً صوب الدنيا وما قدّره من ريح زائل( إِنْ دُعِيَ إِلَى حَرْثِ الدُّنْيَا عَمِلَ، وَإِنْ دُعِيَ إِلَى حَرْثِ الآخِرَةِ كَسِلَ! ) (٢) .

يروى أنّ قوماً ممّن ساروا بغير دليل وجاروا عن قصد السبيل، أَتَوه لدنياهم( فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ) (٣) عرف في وجوههم سيماء الدنيا، وأنكروا فيه تفرّسه لهم، فردّ ادعائهم وانتسابهم له؛ بأنّهم من شيعته وأقام لهم أوصاف الشيعة.

روي أنّ قوماً أتوا علياً ( عليه السلام ) في أمرٍ من أمور الدنيا يسألونه، فتوسلوا إليه فيه بأن قالوا: نحن من شيعتك يا أمير المؤمنين، فنظر إليهم ( عليه السلام ) طويلاً ثمّ قال:

( ما أعرفكم ولا أرى عليكم أثراً ممّا تقولون، إنّما شيعتنا مَن آمن بالله ورسوله، وعمل بطاعته واجتنب معاصيه، وأطاعنا فيما أمرنا به ودعونا إليه،

____________________

(١) نهج البلاغة: الخطبة ١٩١.

(٢) نفس المصدر: الخطبة ١٠٣.

(٣) يوسف: ٥٨.


شيعتنا رُعاة الشمس والقمر والنجوم، - يعني ( عليه السلام ) للوقوف على مواقيت الصلوات -شيعتنا ذبلٌ شفاههم، خمصٌ (١) بطونهم ،تعرف الرّهبانيّة في وجوههم، ليس من شيعتنا مَن أخذ غير حقه، ولا مَن ظلم النّاس، ولا مَن تناول ما ليس له ) (٢) .

فلو عرف أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في وجوهم آثار التشيع لأراهم خفض جناحه ولين طبعه وطيب وده، مثلما يفعل مع المؤمنين الّذين يعملون الصالحات( كَانَ لِي فِيمَا مَضَى أَخٌ فِي اللَّهِ، وَكَانَ يُعْظِمُهُ فِي عَيْنِي صِغَرُ الدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ ) (٣) .

إنّ الشيعة الذين يريدهم علي ( عليه السلام ) أولئك الذين:( أَرَادَتْهُمُ الدُّنْيَا فَلَمْ يُرِيدُوهَا، وَأَسَرَتْهُمْ فَفَدَوْا أَنْفُسَهُمْ مِنْهَا ) (٤) .

إنّ غشاوة الدّنيا والتعلّق بها، تحجب الإنسان عن المعرفة، وتصدّه عن أن يثقف ما يُلقى إليه من فكر وعبر، ويصبح الإنسان محصوراً ضمن إطار مغلق( وَمَنْ لَهِجَ قَلْبُهُ بِحُبِّ الدُّنْيَا الْتَاطَ قَلْبُهُ مِنْهَا بِثَلاثٍ، هَمٍّ لا يُغِبُّهُ وَحِرْصٍ لا يَتْرُكُهُ وَأَمَلٍ لا يُدْرِكُهُ ) (٥) .

____________________

(١) أي ضامر البطن ذو مجاعة.

(٢) دعائم الإسلام: ١/٩٥.

(٣) نهج البلاغة: الحكمة: ٢٨٩: سفينة البحار: ١/٥٥.

(٤) نفس المصدر: الخطبة: ١٩٣.

(٥) نفس المصدر: الحكمة: ٢٢٨.



الفصل السابع: الإمام علي ( عليه السلام ) والتحصين الثقافي

المجتمع عندما يقع تحت ضغط وتسلّط الثقافات الأخرى، فإنّ ذلك يعني استلاب هويّته الثقافية، من أجل هذا، عمل الإمام ( عليه السلام ) على تحصين أهل الكوفة وأصحابه عبر الوسائل التالية:

أ. المنع

كان الإمام ( عليه السلام ) بالمرصاد لأيّ ثقافة مخالفة للثّقافة الإسلامية، ويمنع من العمل بها، قال ( عليه السلام ) وقد لقيه عند مسيره إلى الشام دهاقين الأنبار، فترجّلوا له واشتدّوا بين يديه( ما هذا الذي صنعتموه؟ فقالوا خُلُق منّا نعظّم به أمراؤنا، فقال:وَاللَّهِ مَا يَنْتَفِعُ بِهَذَا أُمَرَاؤُكُمْ، وَإِنَّكُمْ لَتَشُقُّونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ فِي دُنْيَاكُمْ، وَتَشْقَوْنَ بِهِ فِي آخِرَتِكُمْ، وَمَا أَخْسَرَ الْمَشَقَّةَ وَرَاءَهَا الْعِقَابُ، وَأَرْبَحَ الدَّعَةَ مَعَهَا الأَمَانُ مِنَ النَّارِ ) (١) .

____________________

(١) نهج البلاغة: الحكمة: ٣٧، مناقب آل أبي طالب: ٢/١٢١، موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ): ٤/١٦٣.


يذكر أنّ الإمام عند مسيره إلى الشام كان قد خرج معه من الكوفة ثمانين ألف نفر،(١) وهذا يعني أنّ التحصين عبر المنع من قبل الإمام لدهاقين الأنبار قد شاهده أهل الكوفة أو فريق منهم.

إنّ أمير المؤمنين بهذا المنع، أبعد المشقة عنهم ووضع المنفعة لهم، وليس هو منع يفتقد المعنى أو ليس له بديل، بل إنّ الإمام عندما يمنع أصحابه من ثقافة معينة، يبيّن لهم البديل الأفضل، بالإصغاء إلى نداء العقل والحكمة، إنّه لمّا بلغه أنّ أصحابه أنّهم يكثرون شتم مخالفيهم باللّعن والسّب، أرسل إليهم( أن كفّوا عمّا بلغني [ عنكم ] من الشتم والأذى ) .

فلقوه، فقالوا: يا أمير المؤمنين ألسنا محقّين؟ فقال:بلى .

قالوا: ومَن خالفنا مبطلون؟ قال:بلى ، قالوا: فلِمَ منعتنا شتمهم؟

فقال:كرهت أن تكونوا سبّابين، ولكن لو وصفتم أعمالهم وذكرتم حالهم كان أصوب في القول وأبلغ في العذر، و[ لو ] قلتم مكان سبّكم إيّاهم: اللّهمّ احقن دمائنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، وأهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق مَن جهله، ويرعوي من الغيّ والعدوان مَن لهج به، فهذا من الكلام أحبّ إليّ لكم .

فقالوا: قد أصبت(٢) .

إنّ المنع لابّد من أن يستند إلى أساس وهو رضا الله تعالى وسخط

____________________

(١) الأخبار الطوال: ٢٤٥، دول الإسلام: ٢٠.

(٢) المعيار والموازنة: ١٣٧، الأخبار الطوال: ٢٤٢، نهج البلاغة: الخطبة ١٩٣.


الشيطان ومعاقبة العدو، عن جابر قال: سمع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) رجلاً يشتم قنبراً وقد رام قنبر أن يردّ عليه، فناداه أمير المؤمنين عليّ ( عليه السلام ):( مهلاً يا قنبر، دع شاتمك مُهاناً ترضي الرّحمن وتسخط الشيطان وتعاقب عدوّك، فو الذّي فلق الحبّة وبرأ النّسمة! ما أرضى المؤمن ربّه بمثل الحِلم، ولا أسخط الشيطان بمثل الصمت، ولا عوقب الأحمق بمثل السّكوت عنه ) (١) .

فالمنع وطرح البديل اللائق، كفيلان بتحصين وحفظ الثقافة الإسلامية من الأهواء والثقافات الأخرى، وجدير بالذكر أنّ المنع يعتبر وسيلةً دفاعية محضة.

ب. التهذيب

تهذيب البلاغ الثقافي يبتدئ من تهذيب الإنسان لآلات التوصيل والارتباط الثقافي.

فاللسان يعبّر عن حقيقة الكلام وقوّته، والكلام من دون تدبير وتفكير يُفقد المرء الاتزان والتعادل، ويجنح بصاحبه نحو المزالق؛ لأجله في عملية التحصين وممارسة التهذيب على المؤمن أن يتدبّر كلامه؛( لأَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلامٍ تَدَبَّرَهُ فِي نَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ خَيْراً أَبْدَاهُ وَإِنْ كَانَ شَرّاً وَارَاهُ ) (٢) .

____________________

(١) أمالي المفيد: ١١٨.

(٢) نهج البلاغة: الخطبة ١٧٦.


فالمحلّ الأوّل للكلام في داخل النفس، والمؤمن يتفحص الكلام ويقلّب وجوهه، فإن أصاب الخير أظهره، وان كان فيه الشرّ أنكره؛ لأنّ هذا التهذيب الداخلي هو التأني والتدبّر لنتائج الكلام.

إنّ أمير المؤمنين يعمّق الوعي ويحدّ الرؤية في عملية التهذيب، بحيث إنّها تشمل قنوات وأعضاء أخرى في وجود الإنسان، مثل الخطأ الطفيف لحاسّة البصر الّتي ربّما جلبت مضرّةً، والتي عبّر عنها الإمام بـ ( رمزات الألحاظ ) حيث قد تعني تلك الألحاظ معاني سيئة، ومثل الألفاظ التي ينقلب المعنى فيها إلى غير القصد الصحيح والنافع، والتي ربّما بعثت على سخط الله تعالى أو تحبط الأعمال منها، أو شهوات القلب المترادفة والتي تضع أهداف الإنسان في أسر الأهواء.

قد ورد في الدعاء عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ):( اللّهمّ اغفر لي رمزات الألحاظ، وسقطات الألفاظ، وشهوات الجنان، وهفوات اللسان ) (١) .

وكما أنّ في جسم الإنسان هذه الأعضاء يطلب تهذيبها، كذلك في المجتمع؛ حيث إنّ مشاهدة العين وتدقيقها على ما يخرج أو ما يرد، ينبغي أن يكون عن معرفة وتقوى في قبول الأشياء الداخلة إلى المجتمع والخارجة منه.

أيضاً سقطات الألفاظ فإنّ بعض الألفاظ التي تصدر من بعض الأفراد قد تكون غير مسؤولة وبعيدة عن التروّي والتفكير. هذه الألفاظ قد تجرّ

____________________

(١) نفس المصدر: الخطبة ٧٨.


إلى نتائج غير محمودة؛ لذا نجد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يدعوا إلى إجالة النظر ومعرفة هويّة الزّمان وأهله( يا بني، إنّه لابدّ للعاقل من أن ينظر في شأنه فليحفظ لسانه وليعرف زمانه ) (١) .

عندما تكون دائرة المسؤولية كبيرة، ينبغي على الإنسان أن يتصرف بحكمة( يا بنيّ، لا تقل مالا تعلم، بل لا تقل كلّ ما تعلم ) (٢) .

وليس معنى ذلك أن يبخل المرء في أن يقول ما يعلم، وإنّما على المرء أن يعرف في أيّ وعاء يضع علمه، وفي أيّ محلّ ينفقه، ففيه إشارة إلى مراعاة الحكمة في المواضع التي يرتادها الشخص وينشر علمه.

قد تحصل أنّ التحصين الثقافي، الّذي يتم من خلال التهذيب في تمييز ما يرد عليه من أشياء أو ما يصدر منه، لا بد من أن يكون منسجماً مع ثقافة الإسلام، وهو وسيلة دفاعية أكثر منه هجومية.

ج. التحفيز

هو وسيلة لترغيب الإنسان في أن يكون خلاّقاً ومنتجاً ومفيداً، وهو يعتبر وسيلة هجومية في التحصين الثقافي، وهو بعكس المنع الذي يعتبر وسيلة دفاعية محضة.

حثّ الإمام ( عليه السلام ) على العمل ومعرفة الهدف الذي ينتهي إليه، فكلّما كان العمل ذا هدف سامي، وذا طريقة سليمة من حيث الإحكام والإتقان و

____________________

(١) أمالي الطوسي: ١٤٦.

(٢) نهج البلاغة: الحكمة: ٢٨٣/٧٢٢، نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة: ١/٢٤٠.


النّهج المتبع، فإنّ ذلك ينعكس إيجاباً في التأثير والتأثر به ولابدّ منه، بحيث إنّه يصبح نموذجاً يُحتذى به ومثالاً يُقتدى به( الْعَمَلَ الْعَمَلَ، ثُمَّ النِّهَايَةَ النِّهَايَةَ، وَالاسْتِقَامَةَ الاسْتِقَامَةَ، ثُمَّ الصَّبْرَ الصَّبْرَ، وَالْوَرَعَ الْوَرَعَ، إِنَّ لَكُمْ نِهَايَةً فَانْتَهُوا إِلَى نِهَايَتِكُمْ، وَإِنَّ لَكُمْ عَلَماً فَاهْتَدُوا بِعَلَمِكُمْ، وَإِنَّ لِلإِسْلامِ غَايَةً فَانْتَهُوا إِلَى غَايَتِهِ ) (١) .

فالعمل مهما كان يحتاج إلى الجدّ أو المثابرة؛ لأنّه مع التهاون والغفلة لا يؤتي التحفيز أُكله،( الجدّ الجدّ أيّها الغافل! ) (٢) .

كيف يمكن مواجهة ومعالجة الغفلة والجمود؟ إنّ ذلك يكون بالعزم والتفكير والتشمير عن ساعد الجدّ والتزوّد من الاستقامة( فَعَلَيْكُمْ بِالْجَدِّ وَالاجْتِهَادِ، وَالتَّأَهُّبِ وَالاسْتِعْدَادِ، وَالتَّزَوُّدِ فِي مَنْزِلِ الزَّادِ ) (٣) .

لقائل أن يقول: لا يمكن تحفيز الطاقة وتشغيلها عند الإنسان بالاعتماد على دوافعه الذاتية الخاصّة فقط!

نعم، نحن لا نقول إنّ تنشيط دوافع الإنسان يكون بالاعتماد والاتكاء على الذّات فقط، بل نقول إنّ نفس حث أمير المؤمنين ( عليه السلام ) هو تحفيز من الخارج إلى الناس.

إنّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لم يقتصر في هذا التحفيز على الوعظ والتنبيه والحثّ على العمل فقط، بل مضافاً إلى ذلك فرض محفّزات مالية لزيادة

____________________

(١) نفس المصدر: الخطبة ١٧٦.

(٢) نفس المصدر: الخطبة ١٥٣.

(٣) نفس المصدر: الخطبة ٢٣٠.


النشاط والإنتاج والاستفادة، ( عن سالم بن أبي الجعد: فرض عليّ ( عليه السلام ) لمَن قرأ القرآن ألفين ألفين، قال وكان أبي ممّن قرأ القرآن )(١) .

كما أنّ الدوافع الذاتية منشأ التحريك فيها هو ما أعده الله تعالى للذين يعملون الصالحات أو الذين أحسنوا.

فممّا تقدم نلاحظ أنّ التحفيز وسيلة للإبداع وتشغيل القدرات الكامنة في داخل الإنسان، ممّا يجعله وسيلةً تحصينية للثقافة.

د. التبادل الإيجابي

المقصود من التبادل الإيجابي هو ما عناه الحديث الشريف، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال:( قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ): لا عليك أن تصحب ذا العقل وإن لم تحمد كرمه، ولكن انتفع بعقله واحترس من سيء أخلاقه، ولا تدعنّ صحبة الكريم وإن لم تنتفع بعقله، ولكن انتفع بكرمه بعقلك، وافرر كل الفرار من اللئيم الأحمق ) (٢) .

فالتبادل الإيجابي هو مبادرة يقوم بها الإنسان المسلم لإثراء ثقافته من صاحب العقل أو من صاحب الأخلاق؛ لكي يصل إلى مقصوده ومنشوده.

يعتبر التبادل الإيجابي وسيلةً تحصينية متزنة ومعتدلة؛ لأنّها تدعو إلى صحبة ذي العقل وإن لم يحمد كرمه؛ للانتفاع بعقله أو صحبة ذي الكرم؛ للاستفادة من كرمه وإن لم يحمد عقله، أمّا مَن فقد الكرم المحمود والعقل

____________________

(١) كنز العمال: ٢/٣٣٩.

(٢) الأصول من الكافي: ٢/٦٣٨.


النافع، فيجب الاحتراز والفرار منه وهو اللئيم الأحمق كما في الرواية الشريفة.

هذا التبادل الإيجابي كما أنّه من الممكن للفرد المسلم ممارسته، كذلك للولايات والأمصار أو الدول تطبيقه في علاقاتها وارتباطاتها، وأخذها ما هو نافع، ولفضها ما هو ضار.

فالملاك في هذا التبادل الثقافي الإيجابي هو أخذ النفع أنّى وجد، وتجنّب الضرر حيث وجد.

على صعيد العلاقات بين المؤمنين، أمر الإمام ( عليه السلام ) بالتفاعل والتواصل وتبادل المحبة والنصح، وتجنّب القطيعة والتدابر:

( عليكم يا بنيّ بالتواصل والتباذِل والتَّبار، وإيّاكم والنفاق والتدابر والتقاطع والتفرّق، وتعاونوا على البّر والتقوى ) (١) .

____________________

(١) نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة: ١/٧٥.


الفصل الثامن: الإمام علي ( عليه السلام ) والوظائف الثقافية

الخليفة الذي وُضع للناس معلّماً ومرشداً، له وظائف ثقافية يُمليها عليه طبيعة تكليفه ومسؤوليته.

فالمرشد والزعيم يلاحظ ويراقب الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والثّقافية والسّياسية في دائرة مسؤوليته، أو الحدود الّتي له صلاحية متابعتها وتقويمها للتي هي أحسن.

لذا كان الإمام ( عليه السلام ) قد مارس وظائف ثقافية؛ لتجديد الحياة الثقافية في أوساط الكوفة، ولتعديل المسار الثقافي باتجاه الهداية الإلهية، سنبيّن تلك الوظائف بما يلي:

١. التشخيص

اعتماد الأُسس الصّحيحة في التشخيص، وإعمال النظر الدقيق فيه، من الأمور التي علّم الإمام ( عليه السلام ) الناس عليها.


إنّ إدارة الفحص الحسن وتوطيد الصّحة والسلامة في أفعال الأشخاص وأقوالهم من المسائل المهمة، التي حرّك الإمام عقول وأحاسيس الناس إليها.

فالتشخيص قطبه التقوى ودليله الرؤية القطعية، وهدفه معرفة الحق واتخذ التشخيص طرقاً أربعة:

١. التشخيص عن طريق الرؤية الحسية: هذه الطرّيقة في التشخيص سهلة الممارسة؛ حيث يمارس الإنسان بصره ونظره في رؤية الأشياء ومن ثَمّ يقوم بإصدار الحكم عليها، قد بيّن الإمام ( عليه السلام )، الميزان العدل والموازين القسط في التشخيص السليم وفق هذه الطريقة:

( مَنْ عَرَفَ مِنْ أَخِيهِ وَثِيقَةَ دِينٍ وَسَدَادَ طَرِيقٍ فَلَا يَسْمَعَنَّ فِيهِ أَقَاوِيلَ الرِّجَالِ، أَمَا إِنَّهُ قَدْ يَرْمِي الرَّامِي وَتُخْطِئُ السِّهَامُ، وَيُحِيلُ الْكَلامُ وَبَاطِلُ ذَلِكَ يَبُورُ، وَاللَّهُ سَمِيعٌ وَشَهِيدٌ، أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ إِلاّ أَرْبَعُ أَصَابِعَ ) ، ( فسئل ( عليه السلام ) عن معنى قوله هذا ) فجمع أصابعه ووضعها بين أذنه وعينه ثمّ قال:( الْبَاطِلُ أَنْ تَقُولَ سَمِعْتُ، وَالْحَقُّ أَنْ تَقُولَ رَأَيْتُ ) (١) .

٢. التشخيص عن طريق العلامات الظاهرة: هذه الطريقة تحتاج إلى نوع من المتابعة والوعي، قد وضع الإمام بين يدي النّاس الطريقة العملية في تشخيص أصناف الناس وتحديد هويّاتهم بوضع العلامات المميزّة لهم( ثلاث علامات للمرائي: ينشط إذا رأى الناس، ويكسل إذا كان وحده، ويحبّ أن يُحمد في جميع أموره ) (٢) ( لِلظَّالِمِ مِنَ الرِّجَالِ ثَلاثُ عَلامَاتٍ: يَظْلِمُ مَنْ

____________________

(١) نهج البلاغة: الخطبة ١٤١.

(٢) الأصول من الكافي: ٢/٢٣٦.


فَوْقَهُ بِالْمَعْصِيَةِ، وَمَنْ دُونَهُ بِالْغَلَبَةِ، وَيُظَاهِرُ الْقَوْمَ الظَّلَمَةَ ) (١) .

٣. التشخيص عن طريق الرموز الظاهرية والتغييرات النفسية : هذه الطّريقة أصعب تحديداً من سابقاتها وتكون بمتابعة التغييرات النفسية، وما يظهر منها على صفحات الوجوه، حيث إنّ الرّموز الظّاهرة على صفحات الوجه وتغيّر نظرات الإنسان وإيحائها، أو حركات اليد وتعبيراتها، تعبّر عن نوع الانفعال النّفسي المنبسط داخل وجود الإنسان.

هذه الطريقة تحتاج إلى التركيز والدقة، إضافة للفراسة الّتي يمتلكها الفرد عن طريق المعرفة أو الإيمان في تشخيص هذه الرموز( مَا أَضْمَرَ أَحَدٌ شَيْئاً إِلاّ ظَهَرَ فِي فَلَتَاتِ لِسَانِهِ وَصَفَحَاتِ وَجْهِهِ ) (٢) ( الْمَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ ) (٣) .

٤. التشخيص لِما في باطن الإنسان عن طريق التقوى العالية : هذه القدرة التشخيصية تحتاج إلى مرتبة معنوية رفيعة، وهي لا تتيسّر لكلّ أحد، إلا بالمراقبة القوية والعمل المستمرّ والجادّ في طاعة الله تعالى، الأصبغ بن نباتة قال: أتى رجل إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وقال: إنّي أحبّك في السّر كما أحبك في العلانية، قال: فنَكَت أمير المؤمنين بعود كان في يده في الأرض ساعة ثمّ رفع رأسه فقال:كذبت والله.

ثمّ أتاه رجل آخر فقال: إنّي أحبّك، فنَكَت بعود في الأرض طويلاً ثمّ رفع رأسه فقال:

____________________

(١) نهج البلاغة / الحكمة: ٣.

(٢) نفس المصدر: الحكمة: ٢٦.

(٣) نفس المصدر: الحكمة: ١٤٨.


( صدقت، إنّ طينتا طينة مرحومة، أخذ الله ميثاقها يوم أخذ الميثاق، فلا يشذّ منها شاذّ، ولا يدخل فيها داخل إلى يوم القيامة ) (١) .

نعيد القول والإشارة إلى أنّ هدف الوظيفة التشخيصية هي معرفة الحق وتمييزه عن الباطل، وقد تجلّت هذه الوظيفة التشخيصية في قول أمير المؤمنين للخوارج لمّا سمع قولهم ( لا حكم إلاّ لله ) قال ( عليه السلام ):( كلمة حقٍّ يُراد بها باطل ) (٢) .

٢. الاستشارة

شاور أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أصحابه في أكثر من موطن ومناسبة؛ تأسّياً بالنّبي في سيرته وتجسيداً لقوله تعالى:( وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكّلْ عَلَى‏ اللّهِ ) (٣) الآية الكريمة كانت تأمر النبيّ الأكرم ( صلّى الله عليه وآله ) في مشاورة أصحابه، والقرار والعزم النهائي يبقى بيد النبي الكريم، ويتوكل على الله في تنزيل الأمر والموضوع إلى الواقع.

هذه الاستشارة تعني إشراك الأمّة في القضايا الّتي تتعلّق بها، وتحريك فعالية المسلمين نحو الأمور المختلفة( فَأَعِينُونِي بِمُنَاصَحَةٍ، خَلِيَّةٍ مِنَ الْغِشِّ سَلِيمَةٍ مِنَ الرَّيْبِ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لأَوْلَى النَّاسِ بِالنَّاسِ ) (٤) .

____________________

(١) مناقب آل أبي طالب: ٢.

(٢) نهج البلاغة: الخطبة ٤٠.

(٣) آل عمران: ١٥٩.

(٤) نهج البلاغة: الخطبة ١١٨.


وهي لا تعني قصور القيادة العليا للمسلمين عن نيل الرأي السديد؛ بل هي من أجل وضع المسلمين في دائرة المسؤولية المتبادلة، وتفعيل دورهم باتجاه القضايا المختلفة.

يبقى الاختيار والقرار بعد المشورة بيد مَن يتولّى أمور المسلمين.

( إنّي لأَولى النّاس بالنّاس، أضمم أراء الرّجال بعضها إلى بعضٍ، ثمّ اختر أقربها إلى الصّواب وأبعدها من الارتياب ) (١) .

للاستشارة بُعدين أو ظهيرين يمكن استشفافهما من الحكمة العلوية( وَلا ظَهِيرَ كَالْمُشَاوَرَةِ ) (٢) وهما:

١. الظّهير أو البعد العلمي: أي البعد العلمي بضمّ الآراء إلى بعضها، حيث يعطي ضفر الآراء القوّة والمتانة للرأي المستخلص منها.

٢. الظهير أو البعد الاجتماعي: يتمثل في اجتماع المسلمين بمكان واحد لمداولة أمورهم أو البحث عن رأي سليم، ففي ذلك الاجتماع قوة اجتماعية للمسلمين؛ حيث تشدّ النّفوس بعضها إلى بعض.

مارس أمير المؤمنين الاستشارة عملياً، فالمؤرّخون يذكرون أنّه بعد قتل أشرس بن حسّان البكري وأصحابه في الأنبار، عندما كانوا على مسلحتها على يد كتائب بقيادة سفيان بن عوف، وصل الخبر إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام )، وعندما دعا ( عليه السلام ) الناس وانتدبهم إلى لقاء الأعداء، إلاّ أنّهم لم يحسنوا السمع والإجابة وأكثروا الكلام، ولم يجب دعوته ( عليه السلام ) إلاّ ثلاثمِئة نفر.

____________________

(١) نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة: ١/٢٤٨.

(٢) نهج البلاغة: الحكمة: ٥٤.


حزن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وعلت وجهه الكآبة، وجاءه بعض الأصحاب يواسونه بالموالاة والنصرة، ( فقام حجر بن عديّ الكندي وسعيد بن قيس الهمداني، فقالا: لا يسوءك الله يا أمير المؤمنين، مرنا بأمرك نتبعه، فو الله! ما نعظم جزعاً على أموالنا إن نفدت، ولا على عشائرنا إن قُتلت في طاعتك.

فقال:تجهّزوا للمسير إلى عدوّنا ، فلمّا دخل منزله ودخل عليه وجوه أصحابه، قال لهم:أَشيروا عليّ برجلٍ صليب ناصح، يحشر النّاس من السواد .

فقال له: سعيد بن قيس: يا أمير المؤمنين! أشير عليك بالناصح الأَريب الشجاع الصليب، معقل بن قيس التميمي.

قال:نعم ، ثمّ دعاه فوجّهه، فسار فلم يقدم حتى أصيب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) )(١) .

ذكر ابن أعثم الكوفي أحداث تاريخية شاور فيها الإمام أصحابه، صرفنا القلم عنها خشية الإطالة(٢) .

٣. التصحيح

هو عبارة عن حذف وإقصاء الثّقافة الخاطئة عن مجتمع المسلمين، وإعادة الثقافة الصحيحة إلى مكانها.

الغاية من هذه الوظيفة التصحيحية هي تسريع الحركة الثقافية و

____________________

(١) الغارات: ٢/٤٨٢، شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد: ٢/٩٠.

(٢) الغارات: ٢/٣٥٢ - ٣٧٣ - ٤٤٢.


تنشيطها داخل المجتمع، قد اتخذ التصحيح من جانب الإمام ( عليه السلام ) أشكالاً مختلفة بحسب نوع الخطأ الذي تمّ تحديده، الأشكال التصحيحية كما يلي:

١. تصحيح الدافع الثقافي: إنّ أيّ حركة ثقافية يُراد تصحيحها لابّد من تصحيح جذورها؛ لأنّها النقطة الأُولى التي خرجت منها الحركة، عنه ( عليه السلام ) لسائل سأله عن معضلة:( سَلْ تَفَقُّهاً وَلا تَسْأَلْ تَعَنُّتاً ) (١) .

التصحيح سلّطه الإمام على دافع السؤال والمنطلق الأَوّل الذي خرج منه السؤال، فإذا كان دافع ونية السؤال خاطئةً، فحينئذٍ يكون صبّ العلم وإفراغه على محلّ ونية خاطئةً( وَإِنَّ الْعَالِمَ الْمُتَعَسِّفَ شَبِيهٌ بِالْجَاهِلِ الْمُتَعَنِّتِ ) (٢) .

٢. تصحيح الضابط الثقافي: الإمام بيّن المعيار الصحيح لمعرفة الحق لأحد أصحابه، نهض الحارث بن حَوط الليثي إلى عليّ بن أبي طالب وهو على المنبر، فقال أتظنّ أنّا نظنّ أنّ طلحة والزبير كانا على ضلال؟ قال:( يا حارث، إنّه ملبوس عليك، إنّ الحق لا يُعرف بالرّجال، فاعرف الحق تعرف أهله ) (٣) .

إنّ الإمام ( عليه السلام ) أعطى ضابطاً مهّماً لمعرفة الحق وهو: اعرف الحق تعرف أهله، وشطب على المعيار الخاطئ الذي كان ينظر بن الحارث بن حوط.

٣. تصحيح المفهوم الثقافي: على الإنسان المسلم أن لا يقف عند قالب اللفظ، بل عليه أن يعبر إلى المفهوم الواسع للكلمة؛ للإشراف على حقيقتها، قال ( عليه السلام )، لقائل بحضرته ( أَستغفرُ الله ):( ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، أَتَدْرِي مَا الاسْتِغْفَارُ؟

____________________

(١) نهج البلاغة / الحكمة: ٣٢٠ / ٧٠٦؛ الغارات: ١/١٧٩.

(٢) نفس المصدر.

(٣) نفس المصدر / الحكمة: ٢٦٢.


الاسْتِغْفَارُ دَرَجَةُ الْعِلِّيِّينَ، وَهُوَ اسْمٌ وَاقِعٌ عَلَى سِتَّةِ مَعَانٍ، أَوَّلُهَا النَّدَمُ عَلَى مَا مَضَى، وَالثَّانِي الْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ الْعَوْدِ إِلَيْهِ أَبَداً، وَالثَّالِثُ أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ حُقُوقَهُمْ حَتَّى تَلْقَى اللَّهَ أَمْلَسَ لَيْسَ عَلَيْكَ تَبِعَةٌ، وَالرَّابِعُ أَنْ تَعْمِدَ إِلَى كُلِّ فَرِيضَةٍ عَلَيْكَ ضَيَّعْتَهَا فَتُؤَدِّيَ حَقَّهَا، وَالْخَامِسُ أَنْ تَعْمِدَ إِلَى الَّذِي نَبَتَ عَلَى السُّحْتِ فَتُذِيبَهُ بِالأَحْزَانِ حَتَّى تُلْصِقَ الْجِلْدَ بِالْعَظْمِ وَيَنْشَأَ بَيْنَهُمَا لَحْمٌ جَدِيدٌ، وَالسَّادِسُ أَنْ تُذِيقَ الْجِسْمَ أَلَمَ الطَّاعَةِ كَمَا أَذَقْتَهُ حَلاوَةَ الْمَعْصِيَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَقُولُ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ) (١) .

٤. تصحيح الاستعمال الثقافي: بعض الاستعمالات الثقافية ليس صحيحة، وقد لاحظ الإمام ( عليه السلام ) رجلاً يهنّئ آخر - بمولود وُلد له - باستعمال ثقافي خاطئ، فقال له: ليهنئك الفارس، فقال ( عليه السلام ):(لا تَقُلْ ذَلِكَ وَلَكِنْ قُلْ، شَكَرْتَ الْوَاهِبَ وَبُورِكَ لَكَ فِي الْمَوْهُوبِ وَبَلَغَ أَشُدَّهُ وَرُزِقْتَ بِرَّهُ ) (٢) .

هنّأ الإمام ( عليه السلام ) بعد أن نحّى الاستعمال الخاطئ طرح الاستعمال الصحيح.

٤. الترشيد

الترشيد في اللغة من ( رشد: والرّشد والرّشد خلاف الغيّ، يُستعمل استعمال الهداية )(٣) و( أَرشدَهُ: هداه ودَلَّه )(٤) .

____________________

(١) نفس المصدر: الحكمة: ٤١٧.

(٢) نفس المصدر: الحكمة: ٣٥٤.

(٣) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ٢٢١.

(٤) المعجم الوسيط: ٢/ ٣٤٦.


ورد معنى الرشد في كلمات أمير المؤمنين بمعنى أنّ أداء الطاعة يترشّح منها الأمن والهداية( مَن يُطع الله يأمن ويرشد، ومَن يعصه يخب ويندم ) (١) .

كما أنّ الرّشد والهداية الّتي يعرفها النّاس عن أمير المؤمنين، هي هداية النّاس والأخذ بأيديهم إلى الصراط المستقيم، عن حذيفة بن اليمان أنّه قال: ( إن يولّوها علياً - في كلام وقد مرّ - تجدوه هادياً مهدياً يسلك بكم الطريق المستقيم )(٢) .

في رواية الزبير بن بكار التي ينقلها عن قبيصة بن جابر الأسدي، أنّ رجلاً سأل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) عن الإيمان، فخطب في النّاس وبيّن صفة الإيمان ودعائمه والشُعب التي يقوم عليها، حتى أنّ الرّجل السائل قام شاكراً لأمير المؤمنين ترشيده وهدايته وبيانه.

قام رجل إلى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) فسأله عن الإيمان، فقام ( عليه السلام ) خطيباً فقال:( الحمد الله الذي شرع الإسلام فسهل شرائعه لمَن وردهُ ...

فبالإيمان يُستدل على الصالحات، وبالصالحات يعمر الفقه، وبالفقه يرهب الموت، وبالموت تُختم الدّنيا، وبالقيامة تزلف الجنة للمتقين وتبرز الجحيم للغاوين.

والإيمان على أربع دعائم: الصبر واليقين والعدل والجهاد.

____________________

(١) أمالي المفيد: ٢١٢.

(٢) مناقب الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ): ٢/٥٨٨.


فالصبر على أربع شُعب: الشوق والشفق والزهادة والترقّب، أَلا مَن اشتاق إلى الجنة سلى عن الشهوات، ومَن أشفق من النّار رجع عن المحرّمات، ومَن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات، ومَن ارتقب الموت سارع إلى الخيرات، واليقين على أربع شعب فهذه صفة الإيمان ودعائمه.

فقال له السائل: لقد هديت يا أمير المؤمنين وأرشدت، فجزاك الله عن الدين خيراً(١) .

في بيان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) للإيمان تجلى الطريق العلمي والعملي للترشيد، قد وصل البلاغ العذر - من قبل الإمام - إلى الناس وأدخلهم إلى الطريق الواضح المستقيم،( لقد حملتكم على الطرّيق الواضح، الّتي لا يهلك عليها إلاّ هالكٌ، مَن استقام فإلى الجنّة، ومَن زلّ فإلى النار ) (٢) .

في طريق آخر لمعرفة الرّشد، أوضح الإمام أنّ تلك المعرفة تنبثق من معرفة الذي ترك الرّشد( واعلموا أنّكم لن تعرفوا الرّشد حتى تعرفوا الّذي تركه، ولن تأخذوا بميثاق الكتاب حتى تعرفوا الذّي نقضه ) (٣) .

إنّ طريق الهداية إذا لم يتضّمن معرفة عدوّ هذا الطريق، فسوف لن يكون هناك وصول إلى الرّشد؛ إذ من الممكن أن يُقطع الطريق على سالك طريق الرشد، ولن يكون هناك بلوغ إلى أقصاه إذا لم يطّلع على عدو هذا

____________________

(١) نهج البلاغة: الحكمة: ٣١، الأصول الكافي: ٢/٥٠، أمالي الطوسي: ٣٧.

(٢) نهج البلاغة: الخطبة ١١٩.

(٣) نفس المصدر: الخطبة ١٤٧.


الطريق، ونقاط الضعف التي يستغلها للتسلّل والقعود على الصراط.

فالمسلّم عليه أن لا يكتفي وظيفياً بالاطلاع على الثقافة الإيجابية الّتي هي ثقافة الهداية والترشيد، بل عليه أيضاً أن يطّلع على الثقافة الأخرى التاركة للثقافة الإسلامية حتى يتكامل الترشيد.

قد أمر ( عليه السلام ) بالأخذ بنهج الخير ومعرفته والإعراض عن نهج الشر بمعرفته( فخذوا نهج الخير تهتدوا، واصدفوا عن سمت الشّرِّ تقصدوا ) (١) .

____________________

(١) نفس المصدر: الخطبة ١٦٧.



الفصل التاسع: الإمام علي ( عليه السلام ) والأساليب الثقافية

تعددت الأساليب الثقافية وتنوّعت عناوينها بحسب الشؤون والأحداث الّتي عالجها الإمام، وقد اقتضى كلّ موقف أُسلوباً وغايةً يختصان به، هذه الأساليب هي كما يلي:

١. الأسلوب الوعظي

استخدم الإمام هذا الأسلوب كثيراً والغاية منه هي الوصول إلى ثمرة التقوى.

في هذا الأسلوب نثر الإمام (عليه السلام) لآليء مواعظه، والتي هي جامعة للعِظة والحكمة، حسب رأى ابن أبي الحديد( فإنّ الغاية أمامكم، وإنّ وراءكم الساعة تحدوكم، تخفّفوا تلحقوا، فإنّما ينتظر بأَوّلكم آخركم ) .

قال الرضي رحمه الله: ( أقول إنّ هذا الكلام لو وُزن بعد كلام الله سبحانه


وبعد كلام رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) بكلّ كلام، لمال به راجحاً وبرّز عليه سابقاً )(١) .

إنّ علة جامعية هذه الموعظة المليئة معنىً، هي أنّ الإمام ذكر الغاية والمحرك والمسير والمصير في عبارة واحدة جامعة للعظة.

مرّة أخرى طُلب من أمير المؤمنين موعظة مختصرة، فوعظ بذكر الدار ودقة الإقامة فيها، وذكر السبق في العمل والإعراض عن التأسي بالنبي ( صلّى الله عليه وآله ) إلى الرّغبات؛ قيل لأمير المؤمنين ( عليه السلام ): عظنا وأوجز، فقال:

( الدنيا في حلالها حساب وحرامها عقاب، وأنّى لكم بالرَّوح ولمّا تأسَّوا بسنة نبيكم، تطلبون ما يطغيكم ولا ترضون ما يكفيكم ) (٢) .

هناك خطب كثيرة تضمنت الحكمة والموعظة الحسنة، وقد آثرنا الاختصار وتجنّبنا الإكثار؛ لأنّها فوق التعريف لشهرتها.

٢. الأسلوب التذكيري

الغاية من هذا الأسلوب هي النظر في العواقب واستلهام العبرة، قد ورد في التنزيل الحكيم:( أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ) (٣) و( أَوَلَمْ نُعَمّرْكُم مّا يَتَذَكّرُ فِيهِ مَن تَذَكّرَ ) (٤) جاء في كلام له ( عليه السلام ):( وليكن نظركم عبراً ) (٥) .

____________________

(١) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: ١/٣٠١.

(٢) الأصول من الكافي: ٢/٤٥٩.

(٣) الروم: ٩.

(٤) فاطر: ٣٧.

(٥) نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة: ١/٧٥.


لقد ذكّر أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بسيرة الماضين وكيف كانوا، وكيف مضوا، بعد أن نعموا في أعمارهم، ولهوا في إمهالهم، فصاروا إلى ما رحلوا إليه من المصير( عِبَادَ اللَّهِ أَيْنَ الَّذِينَ عُمِّرُوا فَنَعِمُوا، وَعُلِّمُوا فَفَهِمُوا، وَأُنْظِرُوا فَلَهَوْا، وَسُلِّمُوا فَنَسُوا، أُمْهِلُوا طَوِيلاً، وَ مُنِحُوا جَمِيلاً، وَ حُذِّرُوا أَلِيماً ) (١) .

إنّ أهمية هذا الأسلوب تكمن في التأكيد على التذكير وقبوله، حتى يتسنّى الاعتبار للناس من التذكير( عبادَ الله إنّ الدّهر يجري بالباقين كجريه بالماضين، لا يعود ما قد ولّى منه، ولا يبقى سرمداً ما فيه ) (٢) .

٣. الأسلوب التحاوري

الغاية من هذا الأسلوب هو معرفة آداب الكلام، لقد علّم الإمام الناس كيف يكون الكلام حيّاً وذي سداد، من خلال إلقاء سهام الكلام في المحلّ المقرّر له.

يذكر أهل الحديث أنّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في أثناء نزوله النهروان، التقى جميل - كاتب أنوشيروان - وسأله:كيف ينبغي للإنسان يا جميل أن يكون؟

قال: يجب أن يكون قليل الصديق كثير العدّو، قال:أبدعت يا جميل! فقد أُجمع على أنّ كثرة الأصدقاء أولى، فقال: ليس الأمر على ما ظنّوا، وذكر ما حاصله أنّهم إذا كثروا كلّفوا السعي في حاجة ولا يمكن أن ينهض الإنسان بها كما يجب وينبغي، وجاء في المثل المعروف: ( من كثرة الملاّحين غرقت السفينة ).

قال أمير المؤمنين:فما منفعة كثرة الأعداء؟

____________________

(١) نهج البلاغة: الخطبة ٨٣.

(٢) نفس المصدر: الخطبة ١٥٧.


فقال: إنّ الأعداء إذا كثروا يكون الإنسان أبداً متحرّزاً متحفظاً أن ينطق بما يؤخذ عليه، أو تبدأ منه زلّة يؤخذ عليها، فيكون أبداً على هذه الحالة سليماً من الخطايا والزلل.

فاستحسن ذلك أمير المؤمنين ( عليه السلام )، وكان جميل هذا حواسّه كلها سالمة إلاّ البصر وذهنه صافياً وقريحته تامة(١) .

إنّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) هو الّذي حدّد اتّجاه الكلام من خلال الحوار المفيد المبني على السؤال.

٤. الأسلوب التأمّلي

الغاية من هذا الأسلوب معرفة عظمة الخالق سبحانه وتعالى.

حرّك أمير المؤمنين الأبصار والأسماع والقلوب لهذه الغاية من خلال التأمّل في مخلوقات الله تعالى، وكيف رُكبّت وصُوّرت، وكيف بسط لها رزقها وسبلها.

تحدّث أمير المؤمنين في واحدة من خطبه عن أعظمها خلقاً وتقويماً، وهو الإنسان،( أَمْ هَذَا الَّذِي أَنْشَأَهُ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْحَامِ، وَشُغُفِ الأَسْتَارِ، نُطْفَةً دِهَاقاً وَعَلَقَةً مِحَاقاً، وَجَنِيناً وَرَاضِعاً وَوَلِيداً وَيَافِعاً، ثُمَّ مَنَحَهُ قَلْباً حَافِظاً، وَلِسَاناً لافِظاً وَبَصَراً لاحِظاً ) (٢) .

دعا الإمام ( عليه السلام ) إلى التأمل في الشمس والقمر والنبات والشجر وما

____________________

(١) سفينة البحار: ١/٧١٧.

(٢) نهج البلاغة: ٨٣/١٣٨.


اختلف خَلقه، وتفجّر أمره ...(فَانْظُرْ إِلَى الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنَّبَاتِ، وَالشَّجَرِ وَالْمَاءِ وَالْحَجَرِ، وَاخْتِلافِ هَذَا اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَتَفَجُّرِ هَذِهِ الْبِحَارِ وَكَثْرَةِ هَذِهِ الْجِبَالِ وَطُولِ هَذِهِ الْقِلالِ، وَتَفَرُّقِ هَذِهِ اللُّغَاتِ وَالأَلْسُنِ الْمُخْتَلِفَاتِ ).

دعا الإمام أيضاً إلى التأمل( مَا ذَرَأَ مِنْ مُخْتَلِفِ صُوَرِ الأَطْيَارِ، الَّتِي أَسْكَنَهَا أَخَادِيدَ الأَرْضِ، وَخُرُوقَ فِجَاجِهَا، وَرَوَاسِيَ أَعْلامِهَا، مِنْ ذَاتِ أَجْنِحَةٍ مُخْتَلِفَةٍ وَهَيْئَاتٍ مُتَبَايِنَةٍ، مُصَرَّفَةٍ فِي زِمَامِ التَّسْخِيرِ، وَمُرَفْرِفَةٍ بِأَجْنِحَتِهَا فِي مَخَارِقِ الْجَوِّ الْمُنْفَسِحِ وَالْفَضَاءِ الْمُنْفَرِجِ، كَوَّنَهَا بَعْدَ إِذْ لَمْ تَكُنْ فِي عَجَائِبِ صُوَرٍ ظَاهِرَةٍ، وَرَكَّبَهَا فِي حِقَاقِ مَفَاصِلَ مُحْتَجِبَةٍ، وَمَنَعَ بَعْضَهَا بِعَبَالَةِ خَلْقِهِ أَنْ يَسْمُوَ فِي الْهَوَاءِ خُفُوفاً وَجَعَلَهُ يَدِفُّ دَفِيفاً، وَنَسَقَهَا عَلَى اخْتِلافِهَا فِي الأَصَابِيغِ بِلَطِيفِ قُدْرَتِهِ وَدَقِيقِ صَنْعَتِهِ، فَمِنْهَا مَغْمُوسٌ فِي قَالَبِ لَوْنٍ لا يَشُوبُهُ غَيْرُ لَوْنِ مَا غُمِسَ فِيهِ، وَمِنْهَا مَغْمُوسٌ فِي لَوْنِ صِبْغٍ قَدْ طُوِّقَ بِخِلافِ مَا صُبِغَ بِهِ.

وَمِنْ أَعْجَبِهَا خَلْقاً الطاووسُ الَّذِي أَقَامَهُ فِي أَحْكَمِ تَعْدِيلٍ، وَنَضَّدَ أَلْوَانَهُ فِي أَحْسَنِ تَنْضِيدٍ، بِجَنَاحٍ أَشْرَجَ قَصَبَهُ وَذَنَبٍ أَطَالَ مَسْحَبَهُ ) (١) .

ثمّ فصّل الحديث في خلق الخفاش وعجيب أجزائه، وفيما دبّ في الأرض( انْظُرُوا إِلَى النَّمْلَةِ فِي صِغَرِ جُثَّتِهَا وَلَطَافَةِ هَيْئَتِهَا، لا تَكَادُ تُنَالُ بِلَحْظِ الْبَصَرِ وَلا بِمُسْتَدْرَكِ الْفِكَرِ، كَيْفَ دَبَّتْ عَلَى أَرْضِهَا وَصُبَّتْ عَلَى رِزْقِهَا، تَنْقُلُ

____________________

(١) نفس المصدر: الخطبة ١٦٥.


الْحَبَّةَ إِلَى جُحْرِهَا، وَتُعِدُّهَا فِي مُسْتَقَرِّهَا، تَجْمَعُ فِي حَرِّهَا لِبَرْدِهَا، وَفِي وِرْدِهَا لِصَدَرِهَا وَلَوْ فَكَّرْتَ فِي مَجَارِي أَكْلِهَا فِي عُلْوِهَا وَسُفْلِهَا، وَمَا فِي الْجَوْفِ مِنْ شَرَاسِيفِ بَطْنِهَا، وَمَا فِي الرَّأْسِ مِنْ عَيْنِهَا وَأُذُنِهَا، لَقَضَيْتَ مِنْ خَلْقِهَا عَجَباً ) (١) .

ثمّ دعا أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إلى النّظر في خلق الجرادة، وكيف جعل لها الله السمع الخفي والفم السويّ، وغير ذلك ممّا جعله الله لها من بديع صنعه.

إنّ هذا الأسلوب التامّلي لا يترك شيئاً ممّا خلق الله تعالى إلاّ ودعا إلى التأمل فيه والوقوف عنده، بدءً من الذرّة الصغيرة إلى ما علاها من عظيم الجثة، فـ( سُبْحَانَ مَنْ أَدْمَجَ قَوَائِمَ الذَّرَّةِ وَالْهَمَجَةِ إِلَى مَا فَوْقَهُمَا مِنْ خَلْقِ الْحِيتَانِ وَالْفِيَلَةِ! ) (٢) .

٥. الأسلوب التدريجي

إنّ الغاية منه معرفة تقدير النعم والابتلاء فيها، كتب البحراني في شرحه أنّ الغرض من الاستدراج هو ( الحثّ على فضيلتي الشكر والصبر )(٣) .

الاستدراج الّذي يقوم به النّاس بعضهم لبعض هو؛ لأجل غرض معيّن أو هدف خاص، قد يكون دنيوياً وأخرى أخروياً.

____________________

(١) نفس المصدر: الخطبة ١٨٥.

(٢) نفس المصدر: الخطبة ١٦٥.

(٣) شرح نهج البلاغة: ٥، الحكمة: ٣٣٩.


أمّا الاستدراج الإلهي فهو ليس من قبيل استدراج إنسان لإنسان، بل هو من النوع الذي على الإنسان أن يؤدي فيه حقّ الطّاعة لله، بشكر نعمه أو معرفة النّعمة على الوجه الذي يرضي الله تعالى، وإلاّ فالحذر من هذا الاستدراج(يَا ابْنَ آدَمَ إِذَا رَأَيْتَ رَبَّكَ سُبْحَانَهُ يُتَابِعُ عَلَيْكَ نِعَمَهُ وَأَنْتَ تَعْصِيهِ فَاحْذَرْهُ ) (١) .

إنّ الاستدراج الإلهي بالإحسان والنّعم هو المهم، والذي خصّه أمير المؤمنين في أحاديث مختلفة المناسبة؛ لأنّ الاستدراج الإلهي فيه تبعات تفوق استدراج الناس( كَمْ مِنْ مُسْتَدْرَجٍ بِالإِحْسَانِ إِلَيْهِ، وَمَغْرُورٍ بِالسَّتْرِ عَلَيْهِ، وَمَفْتُونٍ بِحُسْنِ الْقَوْلِ فِيهِ، وَمَا ابْتَلَى اللَّهُ أَحَداً بِمِثْلِ الإِمْلاءِ لَهُ ) (٢) .

أمير المؤمنين ( عليه السلام ) عمل على تثقيف النّاس لهذا الأسلوب الإلهي، وحثّهم على الشكر والحذر ممّا يمليه الله عليهم من نعمة.

وبلّغ النّاس على أن يكون خوفهم من النعمة النازلة(أَيُّهَا النَّاسُ لِيَرَكُمُ اللَّهُ مِنَ النِّعْمَةِ وَجِلِينَ كَمَا يَرَاكُمْ مِنَ النِّقْمَةِ فَرِقِينَ، إِنَّهُ مَنْ وُسِّعَ عَلَيْهِ فِي ذَاتِ يَدِهِ فَلَمْ يَرَ ذَلِكَ اسْتِدْرَاجاً فَقَدْ أَمِنَ مَخُوفاً، وَمَنْ ضُيِّقَ عَلَيْهِ فِي ذَاتِ يَدِهِ فَلَمْ يَرَ ذَلِكَ اخْتِبَاراً فَقَدْ ضَيَّعَ مَأْمُولاً ) (٣) .

____________________

(١) نهج البلاغة: الحكمة ٢٥.

(٢) نفس المصدر: الحكمة: ١٦.

(٣) نفس المصدر: الحكمة: ٣٥٨.


٦. الأسلوب الإيحائي

الغرض منه تلطيف الغرض في نفس السامع أو المقصود به.

كيف يكون الكلام موجباً؟

عندما تكون هناك دلالات لفظية لها معنى ومفهوم آخر يدركه شخص معيّن أو مجموعة معيّنة، أو يكون هناك سلوك له دلالات رمزية يفهمها شخص مقصود بعينه فضلاً عن صائغ ذلك السلوك ومبدعه.

لهذا ينقل أهل الحديث عن كميل بن زياد النخعي، أنّه بعد الانتهاء من صلاة العشاء الآخرة أخذ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بيده حتى خرجا من المسجد، حتى خرج إلى ظهر الكوفة ولا يكلمه بكلمة، فلمّا أصحر تنفّس، ثمّ قال:( يَا كُمَيْلَ بْنَ زِيَادٍ: إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ، فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا، فَاحْفَظْ عَنِّي مَا أَقُولُ لَكَ:

النَّاسُ ثَلاثَةٌ: فَعَالِمٌ رَبَّانِيٌّ، وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ، وَهَمَجٌ رَعَاعٌ، أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ، لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ، وَلَمْ يَلْجَئُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ.

يَا كُمَيْلُ الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَالِ، الْعِلْمُ يَحْرُسُكَ وَأَنْتَ تَحْرُسُ الْمَالَ، وَالْمَالُ تَنْقُصُهُ النَّفَقَةُ وَالْعِلْمُ يَزْكُوا عَلَى الإِنْفَاقِ.

يَا كُمَيْلُ مات خُزَّانُ المال وَالْعُلَمَاءُ بَاقُونَ مَا بَقِيَ الدَّهْرُ، أَعْيَانُهُمْ مَفْقُودَةٌ وَأَمْثَالُهُمْ فِي الْقُلُوبِ مَوْجُودَةٌ، هَاه هاه! إِنَّ هَاهُنَا - وأشار بيده إلى صدره - لَعِلْماً جَمّاً لَوْ أَصَبْتُ لَهُ حَمَلَةً ) (١) .

في هذا الحديث دلالات موحية وهي:

____________________

(١) مناقب الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ): ٢/٩٤، أمالي المفيد: ٢٤٧، أمالي الطوسي: ٢٠، الغارات: ١/١٤٩.


لماذا اختار أمير المؤمنين ( عليه السلام ) كميل النخعي دون غيره؟

اختاره؛ لأنّه من أصحابه الذّين يدركون ما يقوله ( عليه السلام ).

ثمّ ماذا يعني ويوحي صمت أمير المؤمنين عندما خرج مع كميل بن زياد آخذاًَ بيده؟

إنّ الأخذ بيد كميل له معنى نفسي عميق وهو الصّلة والرابطة المتينة بين كميل وأمير المؤمنين (عليه السلام).

إنّ سكوت الإمام حتى خرجا إلى ظهر المسجد له معنى، وهو أنّ هذا الحديث لا يقال لكلّ أحد أو في حضرة الناس، بل لمَن هو أهل له.

ما الّذي يستفيده كميل من تصنيف أمير المؤمنين للناس؟.

الذي يستفيده أن يختار الصنف الأليق والأحسن من بين أصناف الناس.

ثمّ لماذا ذكر أمير المؤمنين الحديث عن أهمية العلم وعلوّه على المال؟.

ذكر ذلك لكميل؛ لبيان المقياس الصّحيح في أنّ العلم مقدّم على أمور الحياة الأخرى، ومنها المال.

ماذا تعني إشارة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إلى صدره وقوله:

إنّ هاهنا لعلماً جمّاً لو أَصبت له حَمَلة؟

إنّ فيها حثاً لكميل على طلب العلم من منبعه وهو الإمام ( عليه السلام )؛ ليكون حاملاً له.

هكذا نجد أنّ في هذا الحديث إيحاءً معنوياً مفيداً لأحد أصحاب أمير المؤمنين، لقد كان بالإمكان أن يحدّث كميل في المسجد دون أن يمشي


معه آخذاً بيده، إلاّ أنّ الدلالات الإيحائية في هذا السلوك لها معنى كبير من الناحية النفسية؛ لدفع كميل بن زياد نحو العمل بفحوى هذا اللّقاء.

٧. الأسلوب الاستدلالي

الغاية منه معرفة وجه الحقيقة، فالإمام ( عليه السلام ) توخّى ضوء الحقيقة ووضوحها؛ لأنّ ما بعد الحقيقة ضلال وأوهام( فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاّ الضَّلالُ ) (١) .

على هذا ذهب الإمام ( عليه السلام ) في حكومةٍ مع يهودي إلى شريح؛ لأقامة الحق، والدليل فيما تحاكما به.

مضى ( عليه السلام ) في حكومةٍ إلى شريح مع يهودي، فقال:يا يهوديّ، الدّرع درعي ولم أبعْ ولم أهبْ.

فقال اليهودي: الدّرع لي وفي يدي، فسأله شريح البيّنة.

فقال:هذا قنبر والحسين يشهدان لي بذلك.

فقال شريح: شهادة الابن لأبيه وشهادة العبد لا تجوز لسيّده، وإنّهما يجرّان إليك!

فقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ):ويلك يا شريح، أخطأت من وجوه ؛أمّا واحدة فأنا إمامك فدين الله بطاعتي، وتعلم أنّي لا أقول باطلاً، فرددت قولي وأبطلت دعواي، ثمّ سألتني البيّنة.

فشهد عبد وأحد سيدَي شباب أهل الجنّة فرددت شهادتهما، ثمّ ادعيت عليهما أنّهما يجرّان إلى أنفسهما.

____________________

(١) يونس: ٣٢.


أَما إنّي لا أرى عقوبتك إلاّ أن تقضي بين اليهود ثلاثة أيّام! ) أخرجوه إلى قبا فقضى بين اليهود ثلاثاً، ثمّ انصرف، فلمّا سمع اليهوديّ ذلك قال: هذا أمير المؤمنين جاء إلى الحاكم وحكم عليه! فأسلم ثمّ قال: الدّرع سقطت يوم صفّين من جمل أورق فأخذتها(١) .

نحو هذه الحكومة إلى شريح أيضاً، بين أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وعبد الله بن قفل التميمي في درع طلحة الذي أخذه غُلُولاً يوم البصرة، نقلها ابن شهر آشوب في مناقبه(٢) .

إنّ أمير المؤمنين لا يقضي بشيء إلاّ وله وجه وبرهان، وبيان نابع من صميم الحقيقة، ويقيم على ذلك الاستدلال والبيّنة على أكمل صورة.

وينقل السيوطي رواية تؤيّد ما ندّعيه أعلاه:

جلس رجلان يتغدّيان، مع أحدهما خمسة أرغفة، ومع الآخر ثلاثة أرغفة، فلمّا وضعا الغداء بين أيديهما مرّ بهما رجل، فسلّم فقالا: اجلس وتغدَّ، فجلس وأكل معهما واستووا في أكلهم الأرغفة الثمانية، فقام الرّجل وطرح إليهما ثمانية دراهم، وقال: خذاها عوضاً ممّا أكلت لكما، ونلته من طعامكما، فتنازعا فقال صاحب الخمسة الأرغفة: لي خمسة دراهم، ولك ثلاثة، وقال صاحب الأرغفة الثلاثة: لا أرضى إلاّ أن تكون الدّراهم بيننا نصفين.

____________________

(١) جواهر المطالب: ٢/١٢٧، تاريخ الخلفاء: ٢١٧، بحار الأنوار: ٤١/٥٦.


فارتفعا إلى أمير المؤمنين عليّ، فقصّا عليه قصّتهما فقال لصاحب الثلاثة،( قد عرض عليك صاحبك ما عرض وخبزُه أكثر من خبزك، فارضَ بالثّلاثة ، فقال: والله لا رضيت عنه إلا بمرّ الحقّ، فقال عليّ:ليس لك في مرّ الحق إلاّ درهم واحد، وله سبعة دراهم.

فقال الرّجل: سبحان الله! قال:هو ذلك، قال: فعرّفني الوجه في مرّ الحق حتى أقبله، فقال عليّ:أَليس للثمانية الأرغفة أربعة وعشرون ثلثاً؟ أكلتموها وأنتم ثلاثة أنفس، ولا يُعلم الأكثر منكم أكلاً ولا الأقلّ.

فتُحملون في أكلكم على السّواء، قال:فأَكلت أنت ثمانية أَثلاث ،وإنّما لك تسعة أثلاث، وأكل صاحبك ثمانية أثلاث، وله خمسة عشر ثلثاً ،أكل منها ثمانية وبقي له سبعة أكلها صاحب الدّراهم، وأكل لك واحداً من تسعة، فلك واحد بواحدك، وله سبعة ) فقال الرّجل: رضيت الآن(١) .

٨. الأسلوب الفلسفي

الغاية منه الوقوف على سرّ الشيء، وحقيقته.

فرض الله تعالى على عباده مجموعة وظائف وتكاليف إلهية؛ ليتقرّب بها إليه سبحانه.

الإسلام دين العلم والبيان، فلم يضع الله حكماً، إلاّ وقد بيّنه

____________________

(١) تاريخ الخلفاء: ٢١٢، الإصابة في تمييز الصحابة: ٣/٤١.


لرسوله الكريم ( صلّى الله عليه وآله ) وبيّنه النّبي لعليّ خاصة وللأمّة على وجه العموم.

علي ( عليه السلام ) بدوره عمل على بيان سرّ هذه الوظائف والتكاليف وحقيقتها، وعن ذلك( مَا حَرَسَ اللَّهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالصَّلَوَاتِ وَالزَّكَوَاتِ، وَمُجَاهَدَةِ الصِّيَامِ فِي الأَيَّامِ الْمَفْرُوضَاتِ؛ تَسْكِيناً لأَطْرَافِهِمْ وَتَخْشِيعاً لأَبْصَارِهِمْ، وَتَذْلِيلاً لِنُفُوسِهِمْ وَتَخْفِيضاً لِقُلُوبِهِمْ، وَإِذْهَاباً لِلْخُيَلاءِ عَنْهُمْ وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَعْفِيرِ عِتَاقِ الْوُجُوهِ بِالتُّرَابِ تَوَاضُعاً، وَالْتِصَاقِ كَرَائِمِ الْجَوَارِحِ بِالأَرْضِ تَصَاغُراً، وَلُحُوقِ الْبُطُونِ بِالْمُتُونِ مِنَ الصِّيَامِ تَذَلُّلاً، مَعَ مَا فِي الزَّكَاةِ مِنْ صَرْفِ ثَمَرَاتِ الأَرْضِ وَغَيْرِ ذَلِكَ إِلَى أَهْلِ الْمَسْكَنَةِ وَالْفَقْرِ، انْظُرُوا إِلَى مَا فِي هَذِهِ الأَفْعَالِ مِنْ قَمْعِ نَوَاجِمِ الْفَخْرِ، وَقَدْعِ طَوَالِعِ الْكِبْرِ ) (١) .

إنّ بيان حقيقة التكاليف والوظائف الإلهية يعطي للمسلمين رصيداً ثقافيّاً عن خلفيات الأوامر والنواهي الإلهية وماهيّاتها، وهذا الرصيد الثقافي والمعرفي يؤدي إلى ترسيخ الإيمان في نفوس المسلمين، وتثبيت هذه الحقائق في أذهانهم، بعد أن حدّد الإمام ( عليه السلام ) حيثيّاتها بشكل تفصيلي.

( أَلا تَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ اخْتَبَرَ الأَوَّلِينَ مِنْ لَدُنْ آدَمَ ( صلوات الله عليه ) إِلَى الآخِرِينَ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ، بِأَحْجَارٍ لا تَضُرُّ وَلا تَنْفَعُ وَلا تُبْصِرُ وَلا تَسْمَعُ، فَجَعَلَهَا بَيْتَهُ الْحَرَامَ( الَّذِي جَعَلَهُ لِلنَّاسِ قِيَاماً ) .

ثُمَّ وَضَعَهُ بِأَوْعَرِ بِقَاعِ الأَرْضِ حَجَراً، وَأَقَلِّ نَتَائِقِ الدُّنْيَا مَدَراً، وَ

____________________

(١) نهج البلاغة / الخطبة ١٩٢.


أَضْيَقِ بُطُونِ الأَوْدِيَةِ قُطْراً، بَيْنَ جِبَالٍ خَشِنَةٍ وَرِمَالٍ دَمِثَةٍ، وَعُيُونٍ وَشِلَةٍ وَقُرىً مُنْقَطِعَةٍ، لا يَزْكُو بِهَا خُفٌّ وَ لا حَافِرٌ وَ لا ظِلْفٌ، ثُمَّ أَمَرَ آدَمَ ( عليه السلام ) وَوَلَدَهُ أَنْ يَثْنُوا أَعْطَافَهُمْ نَحْوَهُ، فَصَارَ مَثَابَةً لِمُنْتَجَعِ أَسْفَارِهِمْ، وَغَايَةً لِمُلْقَى رِحَالِهِمْ، تَهْوِي إِلَيْهِ ثِمَارُ الأَفْئِدَةِ، مِنْ مَفَاوِزِ قِفَارٍ سَحِيقَةٍ، وَمَهَاوِي فِجَاجٍ عَمِيقَةٍ، وَجَزَائِرِ بِحَارٍ مُنْقَطِعَةٍ، حَتَّى يَهُزُّوا مَنَاكِبَهُمْ ذُلُلاً، يُهَلِّلُونَ لِلَّهِ حَوْلَهُ وَيَرْمُلُونَ عَلَى أَقْدَامِهِمْ شُعْثاً غُبْراً لَهُ، قَدْ نَبَذُوا السَّرَابِيلَ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، وَشَوَّهُوا بِإِعْفَاءِ الشُّعُورِ مَحَاسِنَ خَلْقِهِمُ؛ ابْتِلاءً عَظِيماً وَامْتِحَاناً شَدِيداً، وَاخْتِبَاراً مُبِيناً وَتَمْحِيصاً بَلِيغاً، جَعَلَهُ اللَّهُ سَبَباً لِرَحْمَتِهِ وَوُصْلَةً إِلَى جَنَّتِهِ ) (١) .

٩. الأسلوب النقضي

الغاية منه كشف الحيلة والمغالطة، كان الإمام قد عمل على كشف أيّة مغالطة وخدعة ينسجها الأعداء، من خلال توضيح الواقع الصحيح للناس وحجزهم عن الوقوع في شراك الخديعة والتضليل.

الإمام يقوم بفضح المغالطة وتعريتها ونقضها بعد أن ينتزع طريقة ردّها من نفس ذرائعها الواهية، فيجعلها كهشيم تذروه الرّياح ببيان حق وصدق.

هذا الأسلوب موجود في أكثر أجوبة الإمام ( عليه السلام ) على أعدائه ومناوئيه( و

____________________

(١) نفس المصدر: الخطبة ١٩٢.


أمّا طَلَبُكَ إِلَيَّ الشَّامَ فَإِنِّي لَمْ أَكُنْ لأُعْطِيَكَ الْيَوْمَ مَا مَنَعْتُكَ أَمْسِ، وَأَمَّا قَوْلُكَ إِنَّ الْحَرْبَ قَدْ أَكَلَتِ الْعَرَبَ إِلاّ حُشَاشَاتِ أَنْفُسٍ بَقِيَتْ، أَلا وَمَنْ أَكَلَهُ الْحَقُّ فَإِلَى الْجَنَّةِ، وَمَنْ أَكَلَهُ الْبَاطِلُ فَإِلَى النَّارِ.

وَأَمَّا اسْتِوَاؤُنَا فِي الْحَرْبِ وَالرِّجَالِ فَلَسْتَ بِأَمْضَى عَلَى الشَّكِّ مِنِّي عَلَى الْيَقِينِ ) (١) .

(ثُمَّ ذَكَرْتَ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِي وَأَمْرِ عُثْمَانَ، فَلَكَ أَنْ تُجَابَ عَنْ هَذِهِ لِرَحِمِكَ مِنْهُ فَأَيُّنَا كَانَ أَعْدَى لَهُ وَأَهْدَى إِلَى مَقَاتِلِهِ، أَمَنْ بَذَلَ لَهُ نُصْرَتَهُ فَاسْتَقْعَدَهُ وَاسْتَكَفَّهُ، أَمْ مَنِ اسْتَنْصَرَهُ فَتَرَاخَى عَنْهُ وَ بَثَّ الْمَنُونَ إِلَيْهِ حَتَّى أَتَى قَدَرُهُ عَلَيْهِ ) (٢) .

١٠. الأسلوب التغايري

الغاية منه بيان التفاوت في موازين الأعمال، هذا الأسلوب ينطوي على حثّ الناس نحو الاستزادة من الأعمال الصّالحة بعد توفير القناعة بأنّها هي الصحيحة والنافعة، في حالة مجانبة الإنسان للأعمال الصّالحة فإنّ ذلك يعني أنّه يعمل بما لا ينفعه عاجلاً وآجلاً( شَتَّانَ مَا بَيْنَ عَمَلَيْنِ: عَمَلٍ تَذْهَبُ لَذَّتُهُ وَتَبْقَى تَبِعَتُهُ، وَعَمَلٍ تَذْهَبُ مَؤونَتُهُ وَيَبْقَى أَجْرُهُ ) (٣) .

فالعمل الصّالح يرفع صاحبه والطّالح يضع راكبه، وقد بيّن

____________________

(١) نفس المصدر: الكتاب: ١٧/٤٩٦.

(٢) نفس المصدر: الكتاب: ٢٨.

(٣) نفس المصدر: الحكمة: ١٢١.


أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لمعاوية الحدّ الفاصل بين العملين، بعد شيوع صالح الأعمال في بني هاشم، وذيوع طالح الأعمال في بني أمية:

( وأمّا قولك: إنّا بنو عبد منافٍ، فكذلك نحن، ولكن ليس أميّة كهاشم، ولا حربٌ كعبد المطلّب، ولا أبو سفيان كأبي طالبٍ، ولا المهاجر كالطليق، ولا الصريح كالّلصيق، ولا المحقّ كالمبطل، ولا المؤمن كالمُدغِل ) (١) ( ومنّا النبيّ ومنكم المكذّب، ومنّا أسد الله ومنكم أسد الأحلاف، ومنّا سيّدا شباب أهل الجنة ومنكم صبية النار، ومنا خير نساء العالمين، ومنكم حمّالة الحطب ) (٢) .

لو لم يكن هناك حدّ فاصل بين العملين وآثارهما، لصدق قول معاوية نحن بنو عبدٍ مناف، واستوى أميّة وهاشم، وأبو سفيان وأبو طالب، والمهاجر والطليق، لكن وجود فارق بين العملين، رجّح كفة الحقّ إلى جانب بني هاشم.

١١. الأسلوب النفسي

الغاية منه التأثير على الميدان النفسي للآخرين، فهذا الأسلوب يعني استخدام إرادة ضّد إرادة أخرى.

قد عمل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قبل نشوب الحرب مع معاوية في صفّين على توجيه ضربات نفسية إلى معاوية، لتعظيم مقاومته،

____________________

(١) نفس المصدر: الكتاب: ١٧، الأخبار الطوال: ٢٧٨.

(٢) نفس المصدر: الكتاب: ٢٨.


( فَلَبِّثْ قَلِيلاً يَلْحَقِ الْهَيْجَا حَمَلْ، فَسَيَطْلُبُكَ مَنْ تَطْلُبُ، وَيَقْرُبُ مِنْكَ مَا تَسْتَبْعِدُ، وَأَنَا مُرْقِلٌ نَحْوَكَ فِي جَحْفَلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، شَدِيدٍ زِحَامُهُمْ سَاطِعٍ قَتَامُهُمْ، مُتَسَرْبِلِينَ سَرَابِيلَ الْمَوْتِ أَحَبُّ اللِّقَاءِ إِلَيْهِمْ لِقَاءُ رَبِّهِمْ، وَقَدْ صَحِبَتْهُمْ ذُرِّيَّةٌ بَدْرِيَّةٌ وَسُيُوفٌ هَاشِمِيَّةٌ، قَدْ عَرَفْتَ مَوَاقِعَ نِصَالِهَا فِي أَخِيكَ وَخَالِكَ وَجَدِّكَ وَأَهْلِكَ ( وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ) ) (١) .

إنّ هذا الأسلوب النفسي شلّ معنويات معاوية وثبّط عزيمته من خلال إلقاء الرّعب في قلبه.

استخدم الإمام ( عليه السلام ) أسلوب نفسي آخر، بإظهار الصّلابة والقّوة الشّجاعة في مواجهة معاوية، حيث دعاه ( عليه السلام ) للبراز والقتال فيما بينهم على انفراد دون الناس، واستعان بأسلوب الإثارة النفسية لتحريك معاوية في قبول البراز (

( وَقَدْ دَعَوْتَ إِلَى الْحَرْبِ فَدَعِ النَّاسَ جَانِباً وَاخْرُجْ إِلَيَّ وَأَعْفِ الْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْقِتَالِ؛ لِتَعْلَمَ أَيُّنَا الْمَرِينُ عَلَى قَلْبِهِ وَالْمُغَطَّى عَلَى بَصَرِهِ، فَأَنَا أَبُو حَسَنٍ قَاتِلُ جَدِّكَ وَأَخِيكَ وَخَالِكَ شَدْخاً يَوْمَ بَدْرٍ وَذَلِكَ السَّيْفُ مَعِي ) (٢) .

____________________

(١) نفس المصدر: الكتاب: ٢٨/٥١٦.

(٢) نفس المصدر: الكتاب: ١٠؛ الأخبار الطوال: ٢٦٢.


١٢. الأسلوب التربوي

الغاية منه هي التعلّي بالآداب الإسلامية( أَنْ أَبْتَدِئَكَ بِتَعْلِيمِ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَأْوِيلِهِ وَشَرَائِعِ الإِسْلامِ وَأَحْكَامِهِ وَحَلالِهِ وَحَرَامِهِ، لا أُجَاوِزُ ذَلِكَ بِكَ إِلَى غَيْرِهِ ) (١) .

التربية الحقة تأخذ طريقها بسهولة كلّما كان الإنسان قريباً من الصّغر( وَإِنَّمَا قَلْبُ الْحَدَثِ كَالأَرْضِ الْخَالِيَةِ، مَا أُلْقِيَ فِيهَا مِنْ شَيْ‏ءٍ قَبِلَتْهُ، فَبَادَرْتُكَ بِالأَدَبِ قَبْلَ أَنْ يَقْسُوَ قَلْبُكَ وَيَشْتَغِلَ لُبُّكَ ) (٢) .

الإمام ( عليه السلام ) عندما يوصي أحد أبنائه أو أحد أصحابه؛ لأنّه يأمل فيه أن يأخذ ذلك بقوة، ويتبع أحسن الذي قيل له من أبواب الأدب( ولا ميراث كالأدب ) (٣) .

إنّ هذا الأسلوب التّربوي يستهدف عقل الإنسان ونفسه وتكاليفه، يستهدف عقل الإنسان في دفع الجهل عنه وتحريكه نحو الخير، ويستهدف نفس الإنسان في قلع أو علاج الأمراض النفسية كالعجب، ويستهدف تكاليف الإنسان وتقديم الأهمّ فالأهمّ ممّا له تأثير في تأديب الإنسان وتربيته الروحية مثل عبادة التفكر.

أوصى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) إلى الحسن بن عليّ ( عليه السلام ) فقال فيما أوصى به إليه:( يا بُني، لا فقر أشد من الجهل، احتمالاً ( ولا وحدة )

____________________

(١) نفس المصدر: الكتاب: ٣١.

(٢) نفس المصدر: الكتاب: ٣١.

(٣) نفس المصدر: الحكمة: ١١٣.


( صنعة ) ولا عدم أعدم من العقل، ولا حبّ أوحش من العجب، ولا حسب كحسن الخلق، ولا ورع كالكف عن محارم الله، ولا عبادة كالتفكر في صنعة الله عزّ وجل.

يا بني العقل خليل المرء، والحلم وزيره، والرفق ولده، والصبر من خير جنوده ) (١) .

ربّى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أصحابه على مهمات الأخلاق ومكارمها( وفرشتُكم المعروف من قولي وفعلي، وأريتكم كرائم الأخلاق من نفسي ) (٢) .

ومَن أخذ من مكارم أخلاق علي ( عليه السلام ) فقد أخذ بحظٍ وافر.

١٣. الأسلوب العاطفي

الغاية منه إيصال الحق وتوثيق الارتباط به وتذكرّه.

يُستخدم هذا الأسلوب في أغلب الأحيان قبل الورود إلى مطلب معيّن، فهو جسر وطريق إلى هدف أسمى منه، وإن كان نفس الأسلوب العاطفي صحيح وصدق في اللجوء إليه (

( ووجدتُك يا بني بعضي، بل وجدتك كلّي، حتى كأنّ شيئاً لو أصابك أصابني، وكأنّ الموت لو أتاك أتاني، فعناني من أمرك ما يعنيني من أمر نفسي، فكتبت إليك كتابي مستظهراً به إن أنا بقيت

____________________

(١) أمالي الطوسي: ١٤٦.

(٢) نهج البلاغة: الخطبة ٨٧.


لك أو فنيت، فإنيّ أُوصيك بتقوى الله ولزوم أمره، وعمارة قلبك بذكره والاعتصام بحبله ) (١) .

إنّ المقياس عند أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في البعد والقرب منه ليس النسب، بل ما يجده ( عليه السلام ) في المؤمنين من التقوى والاستعداد والقدرة.

عبارة الإمام وجدتك تشير إلى هذا المعنى؛ حيث إنّ أقرب النّاس معنوياً إلى أمير المؤمنين ولداه الحسن والحسين ( عليهم السلام )، قد صرّح الإمام بنوع القرب الحقيقي، وهو قرب المودّة، لا قرب النسب( القريب مَن قرّبته المودّة وإن بَعُد نسبه، والبعيد مَن باعدته العداوة وإن قرب نسبه ) (٢) .

المودة الحقيقية هي المودة والحب في الله؛ حيث إنّ كلّ إنسان يولي الجميل محببٌ، وتهوي إليه قلوب المؤمنين( مَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ ) (٣) .

كذا أوصى أمير المؤمنين لابنه الحسن ( عليه السلام )( ووجدتك بعضي بل وجدتك كلّي ) ليس لأنّه ابنه فحسب؛ بل لأنّه يسرع به العمل أن يكون بعض بل كلّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ).

ممّا يؤيّد وجود الموّدة والمحبّة الحقيقية بين أمير المؤمنين وأصحابه، قوله ( عليه السلام ) في الشهداء من أصحابه:

( أين القوم الذين دعوا إلى الإسلام فقبلوه، وقرءوا القرآن

____________________

(١) نفس المصدر: الكتاب: ٣١؛ العقد الفريد: ٣/١١٤.


فأحكموه على وجوههم غَبَرة الخاشعين، أولئك إخواني الذّاهبون ،فحقّ لنا أن نظمأ إليهم، ونعضَّ الأيدي على فراقهم ) (١) .

كذا قول الإمام عند فقده عمّار بن ياسراً:

أَلا أيّها الموت الذي ليس تاركي

أَرحني وقد أفنيتَ كلَّ خليلِ

أَراك بصيراً بالّذين أُحبهم

كأنّك تسعى نحوهم بدليلِ(٢)

كما ذكرنا فإنّ الأسلوب العاطفي يُستخدم في كثير من الأحيان قبل الدخول إلى مطلب معيّن، ينقل المؤرّخون إنّ أمير المؤمنين لمّا نزل بالنخيلة وأَيَس من الخوارج، جمع إليه رؤوس أهل الكوفة والقبائل ووجوه الناس وأمراء الأجناد،

فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال:( يا أهل الكوفة، أنتم إخواني وأنصاري وأعواني على الحق، ومجيبيّ إلى جهاد المُعلين، بكم أضرب المدبر، وأرجو إتمام طاعة المقبل ) (٣) .

١٤. الأسلوب التوضيحي

الغاية منه بيان المطلب وإزالة الغموض، في هذا الأسلوب تارةً يقوم الإمام ( عليه السلام ) بتوضيح معاني معيّنة يحتاج النّاس معرفتها من دون أن يطلبوا ذلك منه، وأخرى يكون عن طريق استيضاح من قبل فرد عن حدث أو

____________________

(١) نفس المصدر: الخطبة ١٢١.

(٢) الأمثال والحِكم المستخرجة من نهج البلاغة: ٢٩٦.

(٣) الإمامة والسياسة: ١/١٦٥، تاريخ الطبري: ٣/١١٧، تاريخ ابن خلدون: ٢:٦٣٨.


معنى كلام، فيجيب الإمام عن تلك الاستفسارات الّتي يريدها الناس.

أمّا توضيح المعاني التي يحتاج الناس معرفتها، مثل معنى كلمة ( شُبهة ) وسبب تسميتها بذلك، فيوضّح ( عليه السلام ) ذلك:

( إنّما سمّيت الشبهةُ شبهةً؛ لأنّها تشبه الحقّ، فأمّا أولياء الله فضياؤهم فيها اليقين، ودليلهم سمت الهدى، وأمّا أعداء الله فدعاؤهم فيها الضلال ) (١) .

أمّا توضيح المعاني عن طريق الاستيضاح والسؤال، فيُروى أنّ أمير المؤمنين قال في إحدى خطبه:

( أعوذ بالله من الذنوب التي تعجّل الفناء، فقام إليه ابن الكوّاء الشِكري(٢) فقال: يا أمير المؤمنين أَوَ تكون ذنوب تعجّل الفناء؟ فقال:نعم ويلك قطيعة الرّحم، إنّ أهل البيت لَيجتمعون ويتواسون وهم فَجَرة فيرزقهم الله ،وإنّ أهل البيت ليتفرّقون ويقطع بعضهم بعضاً فيحرمهم الله وهم أتقياء ) (٣) .

إنّ هذا الأسلوب يزيل الغموض ويؤسّس الوضوح في ثقافة النّاس للمعاني المختلفة.

____________________

(١) نهج البلاغة: الخطبة ٣٨.

(٢) كان من رؤوس الخوارج.

(٣) الأصول من الكافي: ٢/٣٤٧.


١٥. الأسلوب التبصيري

الغاية منه هداية الناس إلى الحق، فالمعروف أنّ الإمام كان همّه إقامة دعائم الإسلام وأركانه.

في سبيل تحقيق هذا الهدف عمل الإمام جاهداً في كلّ فرصة خير تُقبل؛ لهداية وإصلاح أيّ شخص ضلّ عن قارعة الطّريق.

فقي خلافة أمير المؤمنين أوفد أهل البصرة مبعوثاً منهم؛ لِيَعْلَمَ لَهُمْ مِنْهُ حَقِيقَةَ حَالِهِ مَعَ أَصْحَابِ الْجَمَلِ لِتَزُولَ الشُّبْهَةُ مِنْ نُفُوسِهِمْ، فَبَيَّنَ لَهُ ( عليه السلام ) مِنْ أَمْرِهِ مَعَهُمْ مَا عَلِمَ بِهِ أَنَّهُ عَلَى الْحَقِّ، ثُمَّ قَالَ:لَهُ بَايِعْ ، فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ قَوْمٍ وَ لا أُحْدِثُ حَدَثاً حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ ( عليه السلام ):( أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ الَّذِينَ وَرَاءَكَ بَعَثُوكَ رَائِداً تَبْتَغِي لَهُمْ مَسَاقِطَ الْغَيْثِ، فَرَجَعْتَ إِلَيْهِمْ وَأَخْبَرْتَهُمْ عَنِ الْكَلإِ وَ الْمَاءِ فَخَالَفُوا إِلَى الْمَعَاطِشِ وَالْمَجَادِبِ مَا كُنْتَ صَانِعاً، قَالَ كُنْتُ تَارِكَهُمْ وَ مُخَالِفَهُمْ إِلَى الْكَلإِ وَ الْمَاءِ، فَقَالَ ( عليه السلام )فَامْدُدْ إِذاً يَدَكَ، فَقَالَ الرَّجُلُ فَوَاللَّهِ مَا اسْتَطَعْتُ أَنْ أَمْتَنِعَ عِنْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيَّ فَبَايَعْتُهُ ( عليه السلام ).

( وَالرَّجُلُ يُعْرَفُ بِكُلَيْبٍ الْجَرْمِيِّ )(١) .

إنّ هذا الأسلوب مارسه الإمام أمام الملأ الحاضرين من أهل الكوفة في سبيل هداية الرجل القادم وتبصيره.

____________________

(١) نهج البلاغة: من كلام له ( عليه السلام ): ٣٢٢.


١٦. الأسلوب التمويهي

الغاية منه تضليل الخصوم وإيهامهم، استُخدم هذا الأسلوب أيضاً من قبل النّبي سليمان ( عليه السلام ) في تنكير وتمويه حقيقة عرش بلقيس،( قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا ) (١) .

قد لجأ أمير المؤمنين إلى استخدام هذا الأسلوب؛ لتشبيه الخصوم عن الاهتداء إلى موضع قبره، حيث روي أنّه (عليه السلام ) ( أمر ابنه الحسن ( عليه السلام ) أن يحفر له أربع قبور في أربع مواضع:

في المسجد، وفي الرحبة، وفي الغريّ، وفي دار جعدة بن هبيرة؛ إنّما أراد ( عليه السلام ) بهذا أن لا يعلم أحد من أعدائه موضع قبره )(٢) .

١٧. الأسلوب التنبيهي

الغاية منه توجيه الأنظار وإلفاتها لأهمية قدر الخطاب، هذا الأسلوب رغم أنّه يصدر منه ( عليه السلام ) بشكل تلقائي ودون تكلّف، إلاّ أنّ صورة التّنبيه واضحة للتّوجّه إلى قدر الخطاب.

صعد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بالكوفة المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال:( أيّها الناس، إنّ الذنوب ثلاثة، ثمّ أمسك فقال: له حبة العرني يا أمير المؤمنين! قلت الذنوب ثلاثة ثمّ أمسكت. فقال:ما ذكرتها إلاّ و

____________________

(١) النمل: ٤١.

(٢) سفينة البحار: ١/٥٩١.


أنا أريد أن أفسّرها، ولكن عرض لي بُهر (١) حال بيني وبين الكلام، نعم الذّنوب ثلاثة:

فذنبٌ مغفور، وذنبٌ غير مغفور، وذنب نرجو لصاحبه ونخاف عليه ) (٢) .

فالإمام ( عليه السلام ) بعد أن قال: الذنوب ثلاثة أمسك عن المضي في خطبته، وقد بيّن الإمام أن إمساكه حصل لعروض البُهر الذي حجزه عن الكلام.

على الرغم من أنّ الإمام لم يقصد التنبيه، إلاّ أنّ اختياره كان من اختيار الله تعالى،( عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ )؛ لذا تعلّقت إرادة الله في أن يكون هذا التنبيه لقدر الخطاب العلوي عن طريق عروض حالة البُهر.

هنا رواية أخرى لها دلالة على أسلوب التنبيه.

عن الحسين بن علي ( عليه السلام ) قال:( كنا جلوساً في المسجد إذ صعد المؤذّن المنارة فقال: الله أكبر الله أكبر، فبكى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) وبكينا ببكائه، فلمّا فرغ المؤذّن قال: أتدرون ما يقول المؤذّن؟ قلنا الله ورسوله ووصيّه أعلم، فقال لو تعملون ما يقول، لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، فلقوله ( الله أكبر ) معانٍ كثيرة، ثمّ ذكر عليه السلام معنى الأذان ) (٣) .

____________________

(١) البُهر انقطاع النفس من الإعياء، وما يعتري الإنسان عند السعي الشديد والعّدو من التهييج وتتابع النفس.

(٢) الأصول من الكافي: ٢/٤٤٣.

(٣) سفينة البحار: ١/٦٧.


١٨. الأسلوب الإسكاتي

الغاية منه إجابة شخص ما وإسكاته، ففي زمان أمير المؤمنين طُرحت بعض الأسئلة التي يستعصي البرهان عليها واستيعابها، وأجاب عنها الإمام ( عليه السلام ) إجابةً حقّةً وحكيمةًَ.

من هذه الأسئلة ما يلي: قيل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ): كم بين المشرق والمغرب؟ فقال:مسيرة يوم الشمس ، قيل له: فكم بين السماء والأرض؟ قال:مسيرة ساعة لدعوة مستجابة (١) .

الإمام أجاب بجواب إسكاتي يتضمن الحق والصدق، وهو مسيرة يوم الشمس أي حركة الأرض ودورانها حول الشمس تستوعب الفاصلة بين المشرق والمغرب، هذا الحساب أيسر فهماً وقبولاً فيما لو حسب المسافة بين المشرق والمغرب بوحدة قياسية معيّنة، أو برقم رياضي كبير.

الشق الثاني من السؤال عن مقدار المسافة بين السماء والأرض،

أجاب عنه ( عليه السلام ) بمسيرة ساعة لدعوة مستجابة، هذا الجواب الإسكاتي أيضاً صحيح وصدق؛ حيث حسب الإمام الفاصلة بينهما بالحسابات المعنوية، مسير ساعة حسب المسافة المعنويّة.

هنا سؤال آخر رمى به أحدهم، يحمل روح الاستخفاف والجهل بالحقائق التي يلقيها الإمام على رؤوس الأشهاد،

____________________

(١) نهج البلاغة: الحكمة: ٢٩٤: الغارات: ١/١٨٠: العقد الفريد: ٢/١١٨: مناقب آل أبي طالب: ٢/٤٢٦.


إنّه ( عليه السلام ) خطب فقال في خطبته:( سلوني قبل أن تفقدوني، فوالله ما تسألوني عن فئة تضلّ مِئة أو تهدي مِئة، إلاّ أنبأتكم بناعقها وسائقها إلى يوم القيامة ) .

فقام إليه رجل فقال: أخبرني كم في رأسي ولحيتي من طاقة شعر؟

فقال ( عليه السلام ):( لقد حدّثني خليلي رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) بما سألت عنه، وإنّ على كل طاقة شعر في رأسك مَلَكاً يلعنك، وعلى كل طاقة شعر في لحيتك شيطاناً يستفزّك، وإنّ في بيتك لسخلاً يقتل ابن رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) وآية ذلك مصداق ما خبّرتك به، ولو لا أنّ الّذي سألت عنه يعسر برهانه لأخبرت به ) (١) .

الإمام أجاب السائل جواباً إسكاتياً في أنّ على كل طاقة شعر ملكاً يلعنه وشيطاناً يستفزه، وبيّن الإمام أنّ بإمكانه أن يحصي ما في رأسه من طاقة شعر، إلاّ أنّ الدليل يتعذر ويعسر من الناحية الواقعية.

١٩. الأسلوب التنبّئي

الغاية منه زيادة اليقين والإطلاع على حقائق المستقبل، فقد أوتي الإمام قدرة روحية وعلمية جعلت منه يخبر عن حقائق من الماضي أو الحاضر أو المستقبل، من مثل وضع الناس الأخلاقي، أو صورة الزمان وصفاته وآثاره، أو حال المؤمنين في عصر معين:

( أَلا بأبي وأمّي، هم من عدّةٍ، أسماؤهم في السّماء معروفةٌ وفي

____________________

(١) مناقب آل أبي طالب: ٢/٣٠٤، بحار الأنوار: ٤١/٣٢٨.


الأرض مجهولةٌ، أَلا فتوقّعوا ما يكون من إدبار أموركم وانقطاع وصلكم واستعمال صِغاركم، ذاك حيث تكون ضربة السّيف على المؤمن أهون من الدّرهم من حلّه، ذاك حيث يكون المعطى أعظم أجراً من المعطي ) (١) .

إنّ بعض الأخبار المستقبلية التي تعرّض الإمام لذكرها، موضوع الإمامة ومحاولة حذفها، وإكراه الناس على التنصل منها، والطلب من الناس سبّ الإمام، وتوجيه الافتراءات وإلصاقها به.

عن مالك بن ضمرة قال: سمعت عليّاً أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يقول:( أَلا إنّكم معرضون على لعني ودعايّ كذّاباً، فمَن لعنني كارهاً مكرَهاً، يعلم الله أنّه كان مكرَهاً، وردت أنا وهو على محمد ( صلّى الله عليه وآله )، ومَن أمسك لسانه فلم يلعنّي سبقني كرمية سهم أو لمعة بالبصر، ومَن لعنني منشرحاً صدره بلغني فلا حجاب بينه وبين الله، ولا حجّة له عند محمد ( صلّى الله عليه وآله ) ) (٢) .

بعض آخر من الأخبار المستقبلية أفضاها الإمام لأصحابها، كتلك التي تخص شهادة ميثم التمّار أو رشيد الهجري أو عمرو بن الحمق الخزاعي(٣) .

إنّ الأخبار التي أنبأ بها الناس أو أصحابها، قد وقعت بالفعل وازداد الذين آمنوا إيماناً وصبراً وثباتاً.

____________________

(١) نهج البلاغة: الخطبة ١٨٧.

(٢) أمالي المفيد: ١٢٠.

(٣) الاختصاص: ٧٧.


٢٠. الأسلوب التعريفي

الغاية منه بيان حدود الأشياء ورسومها، في هذا الأسلوب أعطى الإمام تعريفات عديدة، منها:

١. تعريف الإسلام: ( الإسلام هو التسليم، والتسليم هو اليقين، واليقين هو التصديق، والتصديق هو الإقرار، والإقرار هو الأداء، والأداء هو العمل ) (١) .

٢. تعريف القرآن الكريم: ( هو الناصح الذي لا يغشّ، والهادي الّذي لا يضلّ، والمحدِّث الّذي لا يكذب ) (٢) .

٣. تعريف النبّي ( صلّى الله عليه وآله ): ( بعث الله محمداًَ ( صلّى الله عليه وآله )، شهيداً وبشيراً ونذيراً، خير البريّة طفلاً وأنجبها كهلاً، وأطهر المتطهّرين شيمةً، وأجود المستمطَرينَ دِيمةً ) (٣) .

٤. تعريف الإمام (عليه السلام) نفسه: ( أنا حجة الله وأنا خليفة الله، وأنا صراط الله وأنا باب الله، وأنا خازن علم الله وأنا المؤتمن على سرّ الله، وأنا إمام البريّة بعد خير الخليقة محمّد نبي الرّحمة ( صلّى الله عليه وآله ) ) (٤) .

٥. تعريف أهل البيت ( عليها السلام ): ( نحن أهل بيت الرّحمة، وقولنا الحق وفعلنا القسط، ومنّا خاتم النبيين، وفينا قادة الإسلام وأُمناء الكتاب، (٥) ونحن

____________________

(١) نهج البلاغة: الحكمة ١٢٥.

(٢) نفس المصدر: الخطبة ١٧٦.

(٣) نفس المصدر: الخطبة ١٠٥.

(٤) أمالي الصدوق: ٣٥.

(٥) أمالي الطوسي: ١١.


شجرة النبوّة ومحطّ الرّسالة، ومختلف الملائكة ومعادن العلم وينابيع الحِكم ) (١) .

٦. تعريف الأصحاب: قيل لعلي بن أبي طالب ( عليه السلام ): حدّثنا عن أصحاب محمّد؟ قال:عن أَيّهم؟ عن عبد الله بن مسعود، قال:قرأ القرآن وعلم السّنة ثمّ انتهى وكفى بذلك.

قالوا: فحدّثنا عن حذيفة؟ قال:أَعلم أصحاب محمد ( صلّى الله عليه وآله ) بالمنافقينَ .

قالوا: فأبو ذر؟ قال:كُنَيف مليء علماً عجز فيه.

قالوا: فعمّار بن ياسر؟ قال:مؤمن ينسى، إذا ذُكّر ذكر، اختلط الإيمان بلحمه ودمه ليس للنّار فيه نصيب.

قالوا: فسلمان؟ قال:علم [ العلم ] الأوّل والآخر [ وهو ] بحر لا يُنزح [ وهو ] منّا أهل البيت (٢) .

٧. تعريف القبائل: ( أمّا بنو مخزوم فريحانة قريش، تحبّ حديث رجالهم والنّكاح في نسائهم، وأمّا بنو عبد شمس فأبعدها رأياً، وأمنعها لِما وراء ظهورها، وأمّا نحن فأَبذل لِما في أيدينا، وأَسمع عند الموت بنفوسنا، وهم أكثر وأمكر وأفكر، ونحن أفصح وأنصح وأصبح ) (٣) .

هناك تعريفات كثيرة أخرى ذكرها أمير المؤمنين مثل تعريف الإيمان، الفقيه، الإحسان، العدل، الجود، العاقل ...

____________________

(١) نهج البلاغة: الخطبة ١٠٩.

(٢) مناقب الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ): ٢/٤٦.

(٣) نهج البلاغة: الحكمة ١٢٠.


٢١. الأسلوب التمثيلي

عُرّف المَثَل بأنّه: ( عبارةٌ عن قولٍ في شيء يشبه قولاً في شيء آخر، بينهما مشابهةٌ ليبيّن أحدهما الآخر ويصوّره ) (١).

الغاية من الأسلوب التمثيلي بيان المطلوب وأخذ الفائدة منه بعد تشبيهه.

إنّ التمثيل كثير في كلام وكتب وخطب أمير المؤمنين، ونذكر شطراً من بعض ما رسمه تمثيل علي ( عليه السلام )، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال:

( إنّ في كتاب عليّ ( صلوات الله عليه ): إنّما مَثَل الدنيا كمثل الحيّة ما أَلين مسّها وفي وفها السم الناقع، يحذرها الرجل العاقل، ويهوى إليها الصبيّ الجاهل ) (٢) .

( أَلا إنّ مَثَل آل محمد ( صلّى الله عليه وآله ) كمثل نجوم السّماء: إذا خَوى نجمٌ طلع نجم ) (٣) .

( والله ما فَجَأَني من الموت ورادٌ كرهته، ولا طالعٌ أنكرته، وما كنت إلا كقاربٍ وَرَد، وطالبٍ وَجَد ) (٤) .

٢٢. الأسلوب الوصفي

الغاية منه بيان المعاني وتقريبها، فمَن يطالع كلام الإمام يجد امتزاج المعنى باللفظ، واختلاط وصف الأشياء بدرر علي ( عليه السلام ) حتى كأنّ مَن يقرأ

____________________

(١) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ٥١٦.

(٢) الأصول الكافي: ٢/١٣٦، نهج البلاغة: الحكمة: ١١٩.

(٣) نهج البلاغة: الخطبة ١٠٠.

(٤) نفس المصدر: الكتاب ٢٣.


وصف شيء يرسمه بيان علي ( عليه السلام )، أنّه يرى ذلك الشيء بحقيقته بأروع ما يكون الوصف والبيان.

إليك طرفاً قصيراً اقتطعناه من خطبة له ( عليه السلام ) وهو يصف جمال الطبيعة:

( فَلَمَّا أَلْقَتِ السَّحَابُ بَرْكَ بِوَانَيْهَا، وَبَعَاعَ مَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ مِنَ الْعِبْ‏ءِ الْمَحْمُولِ عَلَيْهَا، أَخْرَجَ بِهِ مِنْ هَوَامِدِ الأَرْضِ النَّبَاتَ، وَمِنْ زُعْرِ الْجِبَالِ الأَعْشَابَ، فَهِيَ تَبْهَجُ بِزِينَةِ رِيَاضِهَا، وَتَزْدَهِي بِمَا أُلْبِسَتْهُ مِنْ رَيْطِ أَزَاهِيرِهَا وَحِلْيَةِ مَا سُمِطَتْ بِهِ مِنْ نَاضِرِ أَنْوَارِهَا، وَجَعَلَ ذَلِكَ بَلاغاً لِلأَنَامِ وَرِزْقاً لِلأَنْعَامِ ) (١) .

إنّ المرء ليتحيّر إذا ما أراد الحكم في أيّهما أجمل كلمات علي ( عليه السلام ) في وصف الطبيعة أم الطبيعة نفسها، أم أنّهما تخالطا وامتزاجا فأصبحت الطبيعة الجميلة تنشد كلام علي ( عليه السلام )، وأصبح كلام علي يعزف تقاسيمها التي رسمها بارئها؟

إليك الثانية الأخرى في وصف أصحاب النّبي ( صلّى الله عليه وآله ):

( لَقَدْ كَانُوا يُصْبِحُونَ شُعْثاً غُبْراً، وَقَدْ بَاتُوا سُجَّداً وَ قِيَاماً، يُرَاوِحُونَ بَيْنَ جِبَاهِهِمْ وَ خُدُودِهِمْ، وَيَقِفُونَ عَلَى مِثْلِ الْجَمْرِ مِنْ ذِكْرِ مَعَادِهِمْ، كَأَنَّ بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ رُكَبَ الْمِعْزَى مِنْ طُولِ سُجُودِهِمْ، إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ هَمَلَتْ أَعْيُنُهُمْ حَتَّى تَبُلَّ جُيُوبَهُمْ، وَمَادُوا كَمَا يَمِيدُ الشَّجَرُ يَوْمَ الرِّيحِ الْعَاصِفِ خَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ وَرَجَاءً لِلثَّوَابِ! ) (٢) .

____________________

(١) نفس المصدر: الخطبة ٩١.

(٢) نفس المصدر: الخطبة ٩٧.


٢٣. الأسلوب التصنيفي

الغاية منه تمييز الأشياء وفرزها عن بعضها، في هذا الأسلوب تارةً يصنّف الإمام ( عليه السلام ) القرآن إلى أربعة أرباع، وأخرى يصنّف الناس إلى ثلاثة أصناف، وتارة يصنّف الملائكة إلى عدة أصناف، ومرّة يصنّف الإيمان إلى دعائم وشُعب، أو يصنّف الفسق إلى أربعة دعائم تحت ظلّ كلّ واحدة منها أربع شُعب، ومرّة يصنّف الظلّم إلى ثلاثة، وهكذا يكثر التصنيف في كلام الإمام.

إنّ هذا التصنيف كفيل بتعويد الذّهن على تمييز الأفراد عن بعضها البعض.

فلنأخذ قسطاً من بعض هذه التصنيفات المتعددة، ففي تصنيفه للقرآن، قال ( عليه السلام ):( نزل القرآن أرباعاً، ربع فينا، وربع في عدوّنا، وربع سُنن وأمثال، وربع فرائض وأحكام، ولنا كرائم القرآن ) (١) .

في تصنيفه ( عليه السلام ) للملائكة أخذنا شطراً ممّا ذكره( وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ فِي خَلْقِ الْغَمَامِ الدُّلَّحِ، وَفِي عِظَمِ الْجِبَالِ الشُّمَّخِ، وَفِي قَتْرَةِ الظَّلامِ الأَيْهَمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَدْ خَرَقَتْ أَقْدَامُهُمْ تُخُومَ الأَرْضِ السُّفْلَى ) (٢) .

عند تصنيفه للكفر يكشف دعائمه، ويظهر شعبه:

( بُني الكفر على أربع دعائم: الفسق والغلّو والشك والشبهة.

والفسق على أربع شُعب: على الجفاء والعمى والغفلة والعتو ...

____________________

(١) سفينة البحار: ١/١٢٩.

(٢) نهج البلاغة الخطبة ٩١.


والغلو على أربع شُعب: على التعمّق بالرّأي والتنازع فيه والزّيغ والشِّقاق ...

والشك على أربع شُعب: على المرية والهوى والتردّد والاستسلام والشبهة على أربع شُعب: إعجاب بالزّينة وتسويل النفس وتأويل العوج ولبس الحق بالباطل ) (١) .

هكذا التصنيفات الأخرى والمتعددة تساهم إلى حدٌ كبير في خلق حيوية ثقافية، تعمل على هندسة الأشياء وإدخالها ضمن النوّع الّذي تنتمي إليه.

٢٤. الأسلوب الترتّبي

الغاية منه تقدير ما تنتهي إليه الأمور من نتائج، خبر أمير المؤمنين الأمور ظاهرها وباطنها ومنقلبها الذي تصير إليه، فهو يرى الشيء ويرى عواقبه في آنٍ واحد.

الأسلوب الترتّبي يعمّق الفكر؛ لأنّه يسير بالفكر عمودياً،

( ومَن أكثر مِن شيءٍ عُرف بهِ، وَمَنْ كَثُرَ كَلامُهُ كَثُرَ خَطَؤُهُ، وَمَنْ كَثُرَ خَطَؤُهُ قَلَّ حَيَاؤُهُ، وَمَنْ قَلَّ حَيَاؤُهُ قَلَّ وَرَعُهُ، وَمَنْ قَلَّ وَرَعُهُ مَاتَ قَلْبُهُ، وَمَنْ مَاتَ قَلْبُهُ دَخَلَ النَّارَ ) (٢) .

( مَن تفكّر اعتبر، ومَن اعتبر اعتزل، ومَن اعتزل سلم ) (٣) .

____________________

(١) الأصول من الكافي: ٢/٣٩١.

(٢) نهج البلاغة: الحكمة ٣٤٩: نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة: ١/٤٧٥.

(٣) نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة: ١/٤٧٦.


٢٥. الأسلوب التوبيخي

الغاية منه تأنيب النفوس رجاء العودة إلى الطريق، لقد لامَ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أفعال أهل الكوفة كثيراً؛ راجياً لهم التوقّف والعود إلى ما بدأوا به من الموالاة حين قدومه عليهم.

( أُفٍّ لَكُمْ لَقَدْ سَئِمْتُ عِتَابَكُمْ، أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ عِوَضاً، وَبِالذُّلِّ مِنَ الْعِزِّ خَلَفاً، إِذَا دَعَوْتُكُمْ إِلَى جِهَادِ عَدُوِّكُمْ دَارَتْ أَعْيُنُكُمْ ) (١) .

( أَظْأَرُكُمْ عَلَى الْحَقِّ وَأَنْتُمْ تَنْفِرُونَ عَنْهُ نُفُورَ الْمِعْزَى مِنْ وَعْوَعَةِ الأَسَدِ، هَيْهَاتَ أَنْ أَطْلَعَ بِكُمْ سَرَارَ الْعَدْلِ أَوْ أُقِيمَ اعْوِجَاجَ الْحَقِّ ) (٢) .

٢٦. الأسلوب التقريعي

الغاية منه ردع الناس عن الباطل، أضطرّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) على استخدام هذا الأسلوب بعد أن بسط الباطل كفيه، فقرع أنفه وفرّق مكره. ففي إحدى خطبه ( عليه السلام ) اعترضه الأشعث بن قيس قائلاً: يا أمير المؤمنين! هذه عليك لا لك، فخفض ( عليه السلام ) إليه بصره، ثمّ قال:

( ما يدريك ما عليّ ممّا لي، عليك لعنة الله ولعنة اللاّعنين، حائك ابن حائك منافقٌ ابن كافر، والله لقد أَسَرك الكفر مرّة والإسلام أخرى،

____________________

(١) نهج البلاغة: الخطبة ٣٣.

(٢) نفس المصدر: الخطبة ١٣١.


فما فداك من واحدة منهما مالُك ولا حسبُك، وإنّ امرأً دلّ على قومه السّيفَ، وساق إليهم الحتفَ، لحريٌ أن يمقته الأقرب، ولا يأَمَنه الأبعد ) (١) .

ومرة أخرى اعتصم أهل الأهواء بحبل العصيان، فقام الإمام فيهم خطيباً مقرعاً:

( أحمدُ اللهَ على ما قضى من أمرٍ، وقدّر من فعلٍ، وعلى ابتلائي بكم أيّتها الفرقة الّتي إذا أَمرتُ لم تُطع، وإذا دعوتُ لم تُجب، إن أُمهلتم خُضتم، وإن حُورِبتم خُرتم، وإن اجتمع النّاس على إمامٍ طعنتم، وإن أُجئتم إلى مشاقّةٍ نكصتم ) (٢) .

إنّ هؤلاء الّذين ركبهم الباطل، لا يظهرون إلاّ عندما ينبري الباطل محاولين بذلك طمس معالم الحقّ؛ ولهذا وقف أمير المؤمنين ( عليه السلام ) كالجبل الرّاسخ بوجههم في سبيل صدّهم عن هذا الطريق، ففي كلام له ( عليه السلام ) قاله للبرج بن مسهر الطّاليّ، وقد قال له بحيث يسمعه: ( لا حكم إلاّ لله) وكان من الخوارج.

( اسْكُتْ قَبّحَكَ اللَّهُ يَا أَثْرَمُ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ ظَهَرَ الْحَقُّ فَكُنْتَ فِيهِ ضَئِيلاً شَخْصُكَ، خَفِيّاً صَوْتُكَ، حَتَّى إِذَا نَعَرَ الْبَاطِلُ نَجَمْتَ نُجُومَ قَرْنِ الْمَاعِزِ ) (٣) .

____________________

(١) نفس المصدر: الخطبة ١٩.

(٢) نفس المصدر: الخطبة ١٨٠.

(٣) نفس المصدر: الخطبة ١٨٤.


٢٧. الأسلوب التحذيري

الغاية منه هي الاحتراز عن الوقوع في التهلكة، حذّر أمير المؤمنين النّاس ناصحاً لهم، من أن تستولي عليهم الفترة والغفلة، وكذا حذّر أمير المؤمنين من النفس وإدغالها وغلّها( إيّاكم والمراء والخصومة؛ فإنّهما تمرضان القلوب على الأخوان، وينبت عليهما النفاق ) (١) .

كما حذّر أيضاً من العداوة والبغضاء( إيّاكم ومعاداة الرّجال، فإنّهم لا يخلون من ضربين من عاقلٍ يمكر بكم، أو جاهل يعجل عليكم ) (٢) .

المفهوم من هذا التحذير هو إشاعة المودّة وتكوين روابط طيبة مع الناس.

وأكّد ( عليه السلام ) على التحذير الذي طالما ذكّر به القرآن الكريم، وهو الشيطان ودائه وندائه وخيله ورجله( فَاحْذَرُوا عِبَادَ اللَّهِ عَدُوَّ اللَّهِ أَنْ يُعْدِيَكُمْ بِدَائِهِ، وَأَنْ يَسْتَفِزَّكُمْ بِنِدَائِهِ، وَأَنْ يُجْلِبَ عَلَيْكُمْ بِخَيْلِهِ وَرَجِلِهِ ) (٣) .

هذه التحذيرات المتكررة من قِبل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) تعكس مدى شفقة الإمام وعطفه على الناس، وخوفه من أن يكونوا ضحيةً للشرور المختلفة.

٢٨. الأسلوب الترهيبي

الغاية منه زجر النّفس وصدها عن المعاصي.

سلّط الإمام ( عليه السلام ) الخطاب على تخويف النّاس من المصير الذي سوف

____________________

(١) الأصول من الكافي: ١/ ٣٠٠.

(٢) نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة: ١/ ٨٦.

(٣) نهج البلاغة: الخطبة ١٩٢.


ينتهون إليه، بعد انقضاء مدد الأعمار، ورهّبهم من الموت ونزعاته وغصته، والقبر وحسراته وضغطته، والبرزخ الذي يطول فيه المقام واللّبث، ومن العرض للحساب، ومن النار وضجيجها وأطباقها وخزّانها.

( أفرأيتم جزعَ أحدكم من الشّوكة تُصيبه، والعثرة تُدميه والرّمضاء تُحرقه؟ فكيف إذا كان بين طابقين من نارٍ ضجيع حجرٍ وقرين شيطانٍ.

أَعلمتم أنّ مالكاً إذا غضب على النّار، حطّم بعضها بعضاً لغضبه، وإذا زجرها توثّبت بين أبوابها جزعاً من زجرته ) (١) .

( حَتَّى إِذَا تَصَرَّمَتِ الأُمُورُ، وَتَقَضَّتِ الدُّهُورُ، وَأَزِفَ النُّشُورُ، أَخْرَجَهُمْ مِنْ ضَرَائِحِ الْقُبُورِ، وَأَوْكَارِ الطُّيُورِ، وَأَوْجِرَةِ السِّبَاعِ، وَمَطَارِحِ الْمَهَالِكِ، سِرَاعاً إِلَى أَمْرِهِ، مُهْطِعِينَ إِلَى مَعَادِهِ، رَعِيلاً صُمُوتاً قِيَاماً صُفُوفاً، يَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ وَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، عَلَيْهِمْ لَبُوسُ الاسْتِكَانَةِ وَ ضَرَعُ الاسْتِسْلامِ وَالذِّلَّةِ ) (٢) .

إنّ هذه الصّور الترهيبية الّتي عرضها الإمام على مسامع النّاس، كفيلة بمساعدتهم في العودة من المعصية إلى الطّاعة، وتدارك ما فات من أعمارهم العزيزة.

____________________

(١) نفس المصدر: ١٨٣ / ٣٥٤.

(٢) نفس المصدر: الخطبة ٨٣.


٢٩. الأسلوب الترغيبي

الغاية منه الحثّ على العمل وإيقاظ الشوق نحو الآخرة.

عمل أمير المؤمنين على تحريك وإيقاظ النظر نحو الآخرة، وبالترغيب فيها ووصفها وصفاً دقيقاً.

( فَلَوْ رَمَيْتَ بِبَصَرِ قَلْبِكَ نَحْوَ مَا يُوصَفُ لَكَ مِنْهَا، لَعَزَفَتْ نَفْسُكَ عَنْ بَدَائِعِ مَا أُخْرِجَ إِلَى الدُّنْيَا، مِنْ شَهَوَاتِهَا وَلَذَّاتِهَا، وَزَخَارِفِ مَنَاظِرِهَا، وَلَذَهِلَتْ بِالْفِكْرِ فِي اصْطِفَاقِ أَشْجَارٍ، غُيِّبَتْ عُرُوقُهَا فِي كُثْبَانِ الْمِسْكِ عَلَى سَوَاحِلِ أَنْهَارِهَا، وَفِي تَعْلِيقِ كَبَائِسِ اللُّؤْلُؤِ الرَّطْبِ فِي عَسَالِيجِهَا وَأَفْنَانِهَا، وَطُلُوعِ تِلْكَ الثِّمَارِ مُخْتَلِفَةً فِي غُلُفِ أَكْمَامِهَا، تُجْنَى مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ فَتَأْتِي عَلَى مُنْيَةِ مُجْتَنِيهَا، وَيُطَافُ عَلَى نُزَّالِهَا فِي أَفْنِيَةِ قُصُورِهَا بِالأَعْسَالِ الْمُصَفَّقَةِ وَالْخُمُورِ الْمُرَوَّقَةِ ) (١) .

كذا رغّب أمير المؤمنين أصحابه بالآخرة، وما أعدّه الله لهم من النّعيم المقيم، عن الأصبغ بن نباتة قال: أتيت أمير المؤمنين ( صلوات الله عليه )؛ لأُسلّم عليه، فجلست أنتظره، فخرج إليّ فقمت إليه فسلّمت عليه فضرب على كفّي ثمّ شبّك أصابعه في أصابعي، ثمّ قال:

( يا أصبغ بن نباتة، قلت: لبيك وسعديك أمير المؤمنين! فقال: إنّ وليّنا وليّ الله، فإذا مات وليّ الله كان من الله بالرّفيق الأعلى، وسقاه من النّهر أبرد من الثلج وأحلى من الشهد وألين من الزّبد ) (٢) .

____________________

(١) نفس المصدر: الخطبة ١٦٦.

(٢) الاختصاص: ٦٦.


٣٠. الأسلوب التعذيري

الغاية منه نشر روح التسامح والصفح.

الإمام ( عليه السلام ) يرى أنّ الّذي يقدر ويستطيع أولى من غيره بالعفو والصفح( أولى النّاس بالعفو أقدرهم على العقوبة ) (١) .

فقد تصدر عثرة من أحد النّاس ويمكن سدّها بالإقالة والتجاوز عنها، ومن هنا أمر أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بتجاوز سقطات أهل الخير وعثراتهم( أَقِيلُوا ذَوِي الْمُرُوءَاتِ (٢) عَثَرَاتِهِمْ، فَمَا يَعْثُرُ مِنْهُمْ عَاثِرٌ إِلاّ وَيَدُ اللَّهِ بِيَدِهِ يَرْفَعُهُ ) (٣) .

كذا وسّع أمير المؤمنين في كتابه لابنه الحسن ( عليه السلام ) مفهوم الصّفح والإعذار إلى أوسع معانيه؛ بقبول عذر كلّ مَن اعتذر، وأخذ العفو والميل إليه، وعدم تجاوز الحدود إلى ما هو مكروه( واقبل عذر مَن اعتذر إليك، وخذ العفو من الناس، ولا تبلغ إلى أحدٍ مكروهه ) (٤) .

____________________

(١) نهج البلاغة: الحكمة ٥٣/ ٦٣٤.

(٢) المروءة صفة للنفس تحملها على فعل الخير؛ لأنّه خير.

(٣) نفس المصدر: الحكمة ٢٠.

(٤) تحف العقول عن آل الرسول: ٨٦.


الفصل العاشر: الإمام علي ( عليه السلام ) والصفات الثقافية

اتّصف المناخ الثقافي الّذي أودعه الإمام بين أهل الكوفة بنعوت تحلّى بها، تحكي العمق المعنوي والبعد المعرفي في شخصيّة الإمام ( عليه السلام )، وتعكس مدى العمل والنشّاط الثّقافي الّذي قام به الإمام.

فيما يلي عرضاً للصّفات الثقافية التي جاء بها أمير المؤمنين ( عليه السلام ).

١. الصّدق والوضوح

جاء في التنزيل الحكيم أنّ عليّاً هو عَلَم الصّدق والتّصديق( وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ) .

ففي الروايات أنّ هذه الآية نزلت في حق علي ( عليه السلام ): عن مجاهد: نزلت في عليّ [ بن أبي طالب ] ( عليه السلام ) وعن الباقر ( عليه السلام ):( الّذي جاء بالصّدق محمّد ( صلّى الله عليه وآله )، والّذي صدّق به عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) ) (١) .

____________________

(١) كشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين ( عليه السلام ): ٤٠٠.


قد يُسأل ليكن الإنسان صادقاً فماذا يكون؟

إنّ الّذي يكون هو أن يصبح الإنسان على شرف منجاة وكرامة، وهذا الشّرف الأعلى يحفظ للإنسان قيمته وكرامته ونجاته( الصادق على شُرف منجاة، والكاذب على شُرف مهواة ومهانة ) (١) .

الصدق درع من النّار ووقاية من دخولها( أيّها الناس، إنّ الوفاء توأم الصّدق ولا أُعلم جُنّةً أوقى منه ) (٢) .

إن الصّدق الّذي أراده الإمام لأهل الكوفة هو ما يخرج من سريرة الإنسان حاملاً معه صفة الوضوح والصّفاء، منذ الحركة الأُولى للإرادة في داخل قلب الإنسان وتبلور النية( وإنّ الله سبحانه يدخل بصدق النّية والسريرة الصّالحة مَن يشاء من عباده ) (٣) .

فالصّدق عند عليّ ( عليه السلام ) يمتدّ إلى دخول الإنسان مقعد الصّدق والجنّة، وقد عيّن الإمام مقياس ثقافي لكشف الإيمان بالاستناد على صفة الصّدق والالتزام بها( علامة الإيمان أن تُوثر الصّدق حيث يضرّك على الكذب حيث ينفعك ) (٤) .

إنّ إيثار الصّدق على الكذب في المواطن كلّها من علائم الإيمان، فعلى ما ذكرنا آنفاً، ما هو السّبيل لإبقاء الصّدق ثابتاً، بحيث يكون مَلَكة عند الإنسان؟

____________________

(١) إرشاد القلوب: ١/٢٥٩، نهج البلاغة: الخطبة ٨٦.

(٢) نهج البلاغة: ٤١.

(٣) نفس المصدر: الحكمة: ٤٢/٦٣٢.

(٤) نفس المصدر: الحكمة ٤٥٨.


إن حصول مَلَكة الصّدق تتمّ عبر اتّباع التعاليم التالية:

١. الاتّباع لأئمّة الصّدق والسنة: وهم النبي وأهل بيته ( عليه السلام ) هذا الاتّباع شامل لكلّ حركاتهم وسكناتهم وأقوالهم وأفعالهم، لأنّهم؛

( هُمُ الَّذِينَ يُخْبِرُكُمْ حُكْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ، وَصَمْتُهُمْ عَنْ مَنْطِقِهِمْ، وَظَاهِرُهُمْ عَنْ بَاطِنِهِمْ، لا يُخَالِفُونَ الدِّينَ وَلا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، فَهُوَ بَيْنَهُمْ شَاهِدٌ صَادِقٌ وَصَامِتٌ نَاطِقٌ ) (١) .

فينبغي الاتّباع التّام للأئمة الّذين هم ورثة النبيّ لأنّهم( إن نطقوا صدقوا وإن صمتوا لم يسبقوا ) (٢) .

٢. معرفة القيمة المعنويّة للصدق: والنتائج الّتي تترتّب عليه( ولسان الصّدق يجعله الله للمرء في الناس خيرٌ له من المال يرثه غيره ) (٣) .

٣. أن يفعل الإنسان الخير فهو يؤدّي إلى الصّدق وترسيخه في نفسه: فكلّما كان فعله للخير كثيراً، كان ذلك باعثاً للصّدق وتوطيده( قدر الرّجل على قدر همّته، وصدقه على قدر مروءته ) (٤) .

٤. التقّرب والالتصاق بالصّالحين وأهل التقوى والصّدق ( وأَلصق بأهل الورع والصّدق ) (٥) .

____________________

(١) نفس المصدر: الخطبة ١٤٧.

(٢) نفس المصدر: الخطبة ١٥٤.

(٣) نفس المصدر: الخطبة ٢٣.

(٤) نفس المصدر: الحكمة ٤٣.

(٥) نفس المصدر: الكتاب ٥٣.


٥. الابتعاد عن أهل الكذب: ينبغي للرّجل المسلم أن يتجنّب مؤاخاة الكذّاب، لأنّه( لا يزال يكذب حتى يجيء بالصّدق فلا يُصدّق ) (١) .

أمّا بالنسبة إلى الوضوح فإنّ السّبيل إليه يتسنّى من خلال استعمال العلم والعمل به، حالة الغموض التي تطرأ أو تستولي على الأفراد ناتجة من تخلّف العمل عن العلم، وقد أوضح ( عليه السلام ) إنّ عدم الوضوح لا يوصل إلى هدف وحاجة.

( فإنّ العامل بغير علمٍ كالسّائر ( السّابل - السّابك ) على غير طريق، فلا يزيده بُعده عن الطّريق الواضح إلاّ بُعداً عن حاجته، والعامل بالعلم كالسّائر على الطرّيق الواضح ) (٢) .

٢. الشموليّة والاستيعاب

إنّ الشّموليّة التي أضفاها علي ( عليه السلام ) بين أهل الكوفة هي نفس الشمولية التي نزل بها القرآن؛ لأنّ علياً والقرآن صنوان متلازمان لا يفترقان( وإنّ الكتاب لمعي، ما فارقته مذ صحبته ) (٣) .

لذا عندما نقول: إنّ من الصّفات الثّقافية الّتي نشرها علي ( عليه السلام ) الشّمولية والاستيعاب، فإنّ ذلك يعني أنّ من صفات القرآن الشمولية والاستيعاب؛ لأنّ علياً هو القرآن الناطق، والكتاب الكريم هو القرآن الصادق.

____________________

(١) إرشاد القلوب: ١/٣٣٨.

(٢) نهج البلاغة: الخطبة ١٥٤.

(٣) نفس المصدر: الخطبة ١٢٢.


قد يُستدرك بالسؤال من أين لعلي أن يكون رفيع الغاية وشامل الحَلَبة؟

لقد رضع علي التقوى، وزُقّ العلم من لدن أن كان صبياً( وضعني في حجره وأنا ولد، يضمّني إلى صدره يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه علماً ) (١) .

نعم يُرفع له ( عليه السلام ) كل يومٍ من أخلاق النّبي علماً، وأفصح عن نوع هذه العلوم وتمامها وشمولها بقوله:( تَاللَّهِ لَقَدْ عُلِّمْتُ تَبْلِيغَ الرِّسَالاتِ، وَإِتْمَامَ الْعِدَاتِ وَتَمَامَ الْكَلِمَاتِ، وَعِنْدَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ أَبْوَابُ الْحُكْمِ وَ ضِيَاءُ الأَمْرِ ) (٢) .

تكميلاً لِما تقدّم يظهر رأس العلّة في قول الإمام ( عليه السلام ):

( سَلوني قبل أن تفقدوني، فو الله ما من أرض مخصبة ولا مجدبة، ولا فئة تضلّ مِئة أو تهدي مِئة، إلاّ وأنا أعلم قائدها وسائقها وناعقها إلى يوم القيامة ) (٣) .

هذه الصفة في التسلّط العلمي تفرّد بها الإمام دون غيره، ما أحد قال على المنبر سَلوني غير عليّ(٤) .

الإمام ( عليه السلام ) بقوله: سلوني خلق نوعاً من التحدّي في الإجابة على أي سؤال يخطر في أذهانهم، وحرّضهم على السؤال قبل أن يفقدوه، وقبل فوات الفرصة ومرورها، وحرّك فيهم دواعي الاطّلاع والمعرفة( والله لو شئت أن

____________________

(١) نفس المصدر الخطبة ١٩٢.

(٢) نفس المصدر الخطبة ١١٩.

(٣) أمالي الطوسي: ٥٨.

(٤) مناقب آل أبي طالب: ٢/٤٨.


أخبر كلّ رجلٍ منكم بمخرجه وموْلِجه وجميع شأنه لفعلت، ولكن أخاف أن تكفروا فيّ برسول الله ( صلّى الله عليه وآله )، أَلا وإنّي مفضيه إلى الخاصّة ممّن يُؤمن ذلك منه ) (١) .

( ولو تعلمون ما أعلم ممّا طُوي عنكم غيبُه ) (٢) .

بعد هذا العرض المقتضب لمصدر ومنبع الشّمولية والاستيعاب والتسلّط العلمي عند الإمام، نريد أن نعرف مدى العمل بهذه الصفة.

إنّ الرّوحية الإسلامية الواسعة الّتي تسع حتى غير المسلم وتستوعبه، قد عمل بها الإمام ( عليه السلام ) وأوصى بها( وأحسن إلى جميع النّاس كما تحّبّ أن يُحسن إليك، وارضَ لهم ما ترضاه لنفسك، واستقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك، وحسّن مع جميع النّاس خلقك ) (٣) .

( فإنّهم صنفان: إمّا أخٌ لك في الدّين، أو نظير لك في الخلق ) (٤) .

في هذه الفقرات يوصي الإمام بأن يكون التعامل حسناً وطيباً وشاملاً لجميع الناس، ويأمر بتحسين الأخلاق مع كلّ النّاس، وأن يكون هناك في المحبّة لهم واللّطف بهم، وهذه الأخلاق الّتي يوصي بها الإمام تشمل حتى مَن كان لديه انتماء ديني آخر، عن محمد بن أبي حمزة عن رجل بلغ به أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قال: مرّ شيخ مكفوف كبير يسأل، فقال أمير المؤمنين ( عليه السلام )( ما هذا؟

____________________

(١) نهج البلاغة: الخطبة ١٧٥.

(٢) نفس المصدر: الخطبة ١١٦.

(٣) نفس المصدر: الكتاب: ٣١، نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة: ١/٣١٢.

(٤) نفس المصدر: الكتاب: ٥٣.


فقالوا: يا أمير المؤمنين نصراني قال: فقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ):استعملتموه حتى إذا كبر وعجز منعتموه! أنفقوا عليه من بيت المال ) (١) .

يكرّر الإمام ( عليه السلام ) التذكير لمَن يتصدى المسؤولية، أن يتجاوز الحدود والأُطر الضيّقة في المحبّة والكره من حدود نفسه وأسرته إلى عامّة الرعية( وأحبّ لعامّة رعيتك ما تحبّ لنفسك وأهل بيتك، واكره لهم ما تكره لنفسك وأهل بيتك، فإنّ ذلك أوجب للحجّة وأصلح للرعيّة ) (٢) .

٣. القدرة والنفوذ

القدرة على ماذا والنفوذ في أي شيء؟

إنّ القدرة على التّأثير في الآخرين من الصّفات التي تحلّت بها شخصية أمير المؤمنين، الخطبة المسّماة الغرّاء شاهد على القدرة في التّأثير على النفوس، فبعد أن تناول الإمام فيها صفات الله تعالى، ووصّى الناس بالتّقوى ووصف لهم الدّنيا، الموت والقيامة، وطريق الاتّعاظ وعجائب صنع الله، أنصت النّاس إلى خطبة الإمام بكلّ وجودهم، وهو ما يكشف عن قدرته وتأثيره فيهم، وفي الخبر أنّه لمّا خطب بهذه الخطبة اقشعرّت لها الجلود وبكت العيون ورجفت القلوب(٣) .

قوة كلمات الإمام جعلت من النّاس يتفاعلون معها وينغمسون في بطونها، ممّا جعلهم من شدّة الاستغراق فيها، أن تفيض عيونهم وترجف

____________________

(١) تهذيب الأحكام: ٦/٢٩٢.

(٢) أمالي الطوسي: ٣٠.

(٣) نهج البلاغة: الخطبة ٨٣.


قلوبهم، وهو ما يدلّ على مدى نفوذ كلماته ( عليه السلام ) في مسامع ضمائرهم( ربّ قولٍ أنفذ من صَولٍ ) (١) .

إنّ النّفوذ في الخير وفي نفوس المؤمنين هو النفوذ الحقيقي( أَلا وإنّ أبصر الأبصار ما نفذ في الخير طرفه ) (٢) .

قد نفذ أمير المؤمنين إلى معدن الخير والسّعادة، حيث اليقين المبين( لو كُشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً ) (٣) .

ترتّب عليه أنّ تنفذ كلمات الإمام إلى أعماق الصّدور لإحيائها.

٤. الاعتدال والوسطية

ورد ذكر مفهوم الوسطيّة في القرآن في بعض الآيات الشريفة.

( وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى‏ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مّحْسُوراً ) (٤) .

شبيه هذا المفاد القرآني في مراعاة الاعتدال قول علي ( عليه السلام ):

( وإن جَهَده الجوع قعد به الضّعف، وإن أَفَرط به الشّبع كظّته البِطنة، فكلّ تقصيرٍ به مضرٌّ وكلّ إفراطٍ له مفسد ) (٥) .

____________________

(١) نفس المصدر: الحكمة: ٣٩٤.

(٢) نفس المصدر: الخطبة ١٠٥.

(٣) كشف الغمة في معرفة الأئمة: ١/٢٢٧.

(٤) الإسراء: ٢٩.

(٥) نهج البلاغة: الحكمة ١٠٨.


ذكر أيضاً مفهوم الاعتدال والالتزام به في القرآن زمن القرون الأُولى الّتي سبقت الإسلام.

( قُل يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقّ وَلاَ تَتّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلّوا كَثِيراً وَضَلّوا عَن سَوَاءِ السّبِيلِ ) (١) .

جاء ذكر الوسطية كذلك في الآية الكريمة.

( وَكَذلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) (٢) .

فالآيات الكريمة تأمر بالاعتدال والوسطية والاتزان؛ خروجاً من فكّي الإفراط والتفريط اللّذين يعود سببهما إلى الجهل( لا ترى الجاهل إلاّ مُفرطاً أو مفرّطاً ) (٣) .

أفشى الإمام صفة الاعتدال والوسطية في غير واحد من أقواله.

( الْيَمِينُ وَالشِّمَالُ مَضَلَّةٌ، وَالطَّرِيقُ الْوُسْطَى هِيَ الْجَادَّةُ عَلَيْهَا بَاقِي الْكِتَابِ وَآثَارُ النُّبُوَّةِ، وَمِنْهَا مَنْفَذُ السُّنَّةِ وَإِلَيْهَا مَصِيرُ الْعَاقِبَةِ ) (٤) .

إنّ الإمام ( عليه السلام ) عمّم ثقافة الاعتدال وكرّرها كثيراً.

ليجعل النّاس على بصيرة في اختيار الطرّيق الوسط، وقد حدّد الإمام

____________________

(١) المائدة: ٧٧.

(٢) البقرة: ١٤٣.

(٣) نهج البلاغة: الحكمة: ٧٠/٦٣٨.

(٤) نفس المصدر: الخطبة ١٦.


لشيعته بعض الصّفات؛ تجنيباً لهم من حالتي الإفراط والتّفريط.

( شيعتنا المتباذلون في ولايتنا، المتحابّون في مودّتنا، المتزاورون في إحياء أمرنا، الّذين إن غضبوا لم يظلموا، وإن رضوا لم يسرفوا، بركةٌ على مَن جاوروا، سِلمٌ لمَن خالطوا ) (١) .

بيّن الإمام صفة الوسيطة لأحد أصحابه، دخل الحارث الهمداني على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) في نفرٍ من الشيعة وكنت فيهم، فجعل الحارث يتأوّد(٢) في مشيته ويخبط(٣) الأرض بمِحجَنه،(٤) وكان مريضاً، فأقبل عليه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) - وكان له منه منزلة - فقال:( كيف تجدك يا حارث؟ فقال: نال الدّهر يا أمير المؤمنين منّي، وزادني أواراً وغليلاً اختصام أصحابك ببابك، قال:وفيمَ خصومتهم؟ قال: فيك وفي الثلاثة من قبلك، فمن مفرطٍ منهم غالٍ، ومقتصدٍ تال ومن متردّدٍ مرتاب، لا يدري أَيقدم أَم يحجم؟ فقال:حسبك يا أخا همدان، أَلا إنّ خير شيعتي النمط الأوسط، إليهم يرجع الغالي وبهم يلحق التالي ) (٥) .

كذا حذّر ( عليه السلام ) الناس من المبالغة في حدّي الإفراط والتفريط والوقوع في

____________________

(١) الأصول من الكافي: ٢/٢٣٦.

(٢) يتعوّج ويتثنّى.

(٣) يضرب.

(٤) عصا معقفة.

(٥) أمالي الطوسي: ٦٢٥، كشف الغمة في معرفة الأئمة: ١/٥٤٤، مناقب الإمام علي بن أبي طالب: ٢/٢٧١ - ٢٨٣.


الهلاك والضلال.

( سيهلك فيّ صنفان محبٌّ مفرطٌ يذهب به الحبّ إلى غير الحقّ، ومبغض مفرط يذهب به البغض إلى غير الحقّ، وخير النّاس فيّ حالاً النّمط الأوسط فالزموه ) (١) .

وقد يخامر العقل السؤال عن سبب التعبير بالنّمط الأوسط؟

لأنّ الأطراف يتسارع إليها الخلل والإعوار، والأوساط محميّة محوّطة.

منه قول الطائي:

كانت هي الوسطى المحمّي فاكتنفت

بها الحوادثُ حتى أصبحت طرفاً(٢)

٥. الواقعيّة والمثاليّة

المقصود من الواقعيّة هي أن يكون تفكير الإنسان وأعماله التي ينشدها متناسبةً مع إمكاناته وطاقته وعمره القصير.

إنّ الواقعية قد أوضحها الإمام ببيان بليغ( وَاعْلَمْ يَقِيناً أَنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ أَمَلَكَ، وَلَنْ تَعْدُوَ أَجَلَكَ، وَأَنَّكَ فِي سَبِيلِ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ، فَخَفِّضْ فِي الطَّلَبِ، وَأَجْمِلْ فِي الْمُكْتَسَبِ، فَإِنَّهُ رُبَّ طَلَبٍ قَدْ جَرَّ إِلَى حَرَبٍ، وَلَيْسَ كُلُّ طَالِبٍ بِمَرْزُوقٍ، وَلا كُلُّ مُجْمِلٍ بِمَحْرُومٍ وَإِيَّاكَ وَالاتِّكَالَ

____________________

(١) نهج البلاغة: الخطبة ١٢٧.

(٢) الأمثال والحكم المستخرجة من نهج البلاغة: ٢٤٧.


عَلَى الْمُنَى فَإِنَّهَا بَضَائِعُ النَّوْكَى ) (١) ( ليس كلّ طالبٍ يُصيب ليس كلّ مَن رمى أصاب ) (٢) .

فالطلّب الواقعي يراعى فيه جانب العقل والموضوعية حتى يكون سبيل إلى الحياة الطبيعيّة، والطلب غير الواقعي لا يراعى فيه ذلك، وعندها يجرّ الإنسان إلى دروب الحيرة والاضطراب( ربّ طلبٍ قد جرّ إلى حرب ) .

أمّا المثالية فهي إحياء الحقّ عبر العمل به، وإماتة الباطل من خلال رفضه.

ففي الوقت الّذي يعيش الإنسان بحياةٍ طيبة، يكون همّه أيضاً إقامة دعائم الحقّ وأركانه، وهدم قواعد الباطل وبنيانه( فَلا يَكُنْ أَفْضَلَ مَا نِلْتَ فِي نَفْسِكَ مِنْ دُنْيَاكَ، بُلُوغُ لَذَّةٍ أَوْ شِفَاءُ غَيْظٍ، وَلَكِنْ إِطْفَاءُ بَاطِلٍ أَوْ إِحْيَاءُ حَقٍّ ) (٣) .

إنّ الواقعية والمثالية التي جاء بها علي ( عليه السلام ) تتماشى مع المتطّلبات الصّحيحة والفطرة الإنسانية، وتحدو بالمسلم إلى مسالك الخير والصّلاح.

____________________

(١) الحمقى.

(٢) نهج البلاغة: الكتاب ٣١.

(٣) نفس المصدر: الكتاب ٦٦.


الفصل الحادي عشر: الإمام علي ( عليه السلام ) والحلول الثقافية

هناك بعض الأحداث الّتي وقعت في زمان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وارتضى لها حلاًّ أناخ فيها حكماً.

اختلفت الحلول الثقافية في عصر الإمام ( عليه السلام ) بحسب ما يقتضيه العلاج المناسب والسليم، وربّما كانت هناك بعض الحلول الّتي ارتآها الآخرين في مقابل الحلّ الإسلامي الصّحيح.

والحلول الثقافية هي:

١. الحل الاستئصالي

حينما تنفذ الحلول والحجج في إعادة الحقّ إلى نصابه وموضعه، عند ذلك يختار الإمام ( عليه السلام ) الحلّ الاستئصالي؛ إزهاقاً للباطل، واجتثاثاً لجذوره( فَإِنْ أَبَوْا أَعْطَيْتُهُمْ حَدَّ السَّيْفِ، وَكَفَى بِهِ شَافِياً مِنَ الْبَاطِلِ وَنَاصِراً لِلْحَقِّ ) (١) .

____________________

(١) نهج البلاغة: الخطبة ٢٢.


طبّق الإمام هذا الحلّ بعد أن نفذت الخيارات السلمية بقتال النّاكثين والقاسطين والمارقين، وطبّقه أيضاً مع الغلاة الّذين لم يرجعوا إلى التّوبة، ومع النصارى الّذين أعلنوا الحرب، ووقفوا بوجه الإسلام.

أتاه صلوات الله عليه قومٌ غَلوا فيه، ممّن قدّمنا وصفهم واستزلال الشيطان إيّاهم، فقالوا:

أنت إلهنا وخالقنا ورازقنا، ومنك مبدؤنا وإليك معادنا، فتغيّر وجهه ( عليه السلام ) وارفضّ عرقاً، وارتعد كالسّعفة؛ تعظيماً لجلال الله ( عز جلاله ) وخوفاً منه، وثار مغضباً ونادى بمَن حوله وأمرهم بحفير فحُفر وقال:لأشبعنّكم اليوم لحماً وشحماً ، فلمّا علموا أنّه قاتلهم، قالوا:

لئن قتلتنا فأنت تحيينا، فاستتابهم فأصّروا على ما هم عليه، فأمر بضرب أعناقهم، وأضرم ناراً في ذلك الحفير فأحرقهم فيه، وقال ( عليه السلام ):

لما رأيتُ الأمرَ أمراً منكرا

أَضرمتُ ناري ودعوتُ قنبرا(١)

قريب من هذه الرواية ما نقله ابن شهر آشوب في مناقبه في سبعين من الزط(٢) الذين يدعونه إلهاً(٣) .

الإمام ( عليه السلام ) تبرّأ من الغلاة؛ لأنّهم فئة منحرفة( اللّهمّ إنّي بريء من الغلاة

____________________

(١) دعائم الإسلام: ١/٨٧.

(٢) الزط - جيل أسود من السند إليهم تنسب الثياب الزطية.

(٣) مناقب آل أبي طالب: ١/٣٢٥.


كبراءة عيسى بن مريم من النّصارى، اللّهمّ اخذلهم أبداً ولا تنصر منهم أحداً ) (١) .

كذا نفّذ الإمام الحلّ الاستئصالي في أحد النّصارى ممّن وقفوا بوجه الإسلام، وأمر - علياً - بإحراق نصرانيّ ارتدّ فبذل أولياء النّصرانيّ في جثّته مِئة ألف درهم فأبى عليهم، فأمر به فأُحرق بالنّار، وقال:( ما كنت لأكون عوناً للشيطان عليهم ولا ممّن يبيع جثّة كافرٍ ) (٢) .

ممّا سبق نعرف أنّ الإمام لجأ إلى الحلّ الاستئصالي من أجل؛ قلع جذور الانحراف أو الكفر.

٢. الحلّ الإبقائي

تجلّى هذا الحلّ بعد مجيء الإمام ( عليه السلام ) إلى الكوفة في ١٣ رجب سنة ٣٦هـ، حيث صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ووصّى النّاس بملازمة التقوى، وطاعة الله ورسوله وأهل بيته - الذي هم أولى بالطاعة من المنتحلين المدّعين - ثمّ صوّب الإمام حديثه نحو القوم الذي قعدوا عن نصرته وتخلّفوا عن دعوته، مستعتباً لهم وموضّحاً الحلّ معهم( إنّه قد قعد عن نصرتي رجال منكم فأنا عليهم عاتب زارٍ، فاهجروهم وأَسمعوهم ما يكرهون حتى يعتبوا أو نرى منهم ما نرضى ) .

____________________

(١) نفس المصدر: ١/٣٢٤.

(٢) دعائم الإسلام: ٢/٤٠٥.


فقام إليه مالك بن حبيب التميميّ اليربوعيّ - وكان صاحب شرطته - فقال: والله! إنّي لأرى الهجر وإسماع المكروه لهم قليلاً، والله لئن أمرتنا لنقتلنّهم، فقال له أمير المؤمنين ( عليه السلام ):( يا مالك، جزت المدى وعدوت الحدّ، وأغرقت في النّزع ) (١) .

لقد اختار الإمام الحلّ الإبقائي، بهجرهم وإسماعهم ما يكرهون بهدف إصلاحهم وعودتهم إلى الطّاعة.

رغم أنّ رئيس شرطته اختار حلاًّ حاسماً باستئصالهم، إلاّ أنّ الإمام قد حلّ الأمر حسب المدى الشّرعي المتاح تطبيقه.

مرّة أخرى في وقعة صفين أراد أمير المؤمنين تطبيق الحلّ الإبقائي - بدعوة معاوية إلى الطّاعة والجماعة - قبل اللّجوء إلى الحلّ الاستئصالي، إلاّ أنّ معاوية رفض ذلك، ثمّ إنّ علياً دعا بشير بن عمرو بن مخصن الأنصاريّ وسعيد بن قيس الهمدانيّ وشبث بن ربعيّ التميميّ، فقال:( ائتوا هذا الرّجل فادعوه إلى الله وإلى الطاعة والجماعة، فقال له شبث بن ربعيّ: يا أمير المؤمنين! أَلا تُطمعه في سلطان تولّيه إيّاه، ومنزلة يكون له بها أثرة عندك إن هو بايعك؟ فقال عليّ:ائتوه فالقوه فاحتجّوا عليه وانظروا ما رأيه ) (٢) .

إنّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يختار هذا الحلّ عندما يكون في البين أملاً في الإصلاح ومنفعة تعود للإسلام.

____________________

(١) المعيار والموازنة: ٩٧، الفتوح: ٢/٣٤٨، أمالي المفيد / ١٢٧.

(٢) تاريخ الطبري: ٣/٧٦.


٣. الحلّ الانتقائي

اتخذ الّذين اتّبعوا أهوائهم حلاًّ انتقائياً في علاج ما ينزل بهم من مهمّات ومبهمات، فمالوا بالحقّ إلى آرائهم، وأخذوا من كلٍّ ضِغث.

( فَلَوْ أَنَّ الْبَاطِلَ خَلَصَ مِنْ مِزَاجِ الْحَقِّ لَمْ يَخْفَ عَلَى الْمُرْتَادِينَ، وَلَوْ أَنَّ الْحَقَّ خَلَصَ مِنْ لَبْسِ الْبَاطِلِ انْقَطَعَتْ عَنْهُ أَلْسُنُ الْمُعَانِدِينَ، وَلَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ وَمِنْ هَذَا ضِغْثٌ فَيُمْزَجَانِ، فَهُنَالِكَ يَسْتَوْلِي الشَّيْطَانُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ ) (١) .

قد عمل بهذا الحلّ الانتقائي فريق ممّن نصّبوا أنفسهم للقضاء بين النّاس.

( جَلَسَ بَيْنَ النَّاسِ قَاضِياً ضَامِناً لِتَخْلِيصِ مَا الْتَبَسَ عَلَى غَيْرِهِ، فَإِنْ نَزَلَتْ بِهِ إِحْدَى الْمُبْهَمَاتِ هَيَّأَ لَهَا حَشْواً رَثًّا مِنْ رَأْيِهِ ثُمَّ قَطَعَ بِهِ، فَهُوَ مِنْ لَبْسِ الشُّبُهَاتِ فِي مِثْلِ نَسْجِ الْعَنْكَبُوتِ ) (٢) .

إنّ الحلّ الانتقائي يورد الإنسان موارد الشّبهات؛ لأنّه يعني العمل بفنون الاستدراك،( يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ وَمِنْ هَذَا ضِغْثٌ ) .

٤. الحلّ التبعي

في عصر أمير المؤمنين ( عليه السلام ) كان يوجد نوعان من الحلول التبعيّة:الأوّل: اتّباع الإمام ( عليه السلام ) وما صدع به من الحقّ.

عن أبي جعفر وأبي عبد الله ( عليهما السلام ) إنّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قال للبراء

____________________

(١) نهج البلاغة: الخطبة ٥٠، المعيار والموازنة: ٢٩١.

(٢) نفس المصدر: الخطبة ١٧.


بن عازب:كيف وجدت هذا الدّين؟ قال: كنّا بمنزلة اليهود قبل أن نتّبعك، تخفّ علينا العبادة، فلمّا اتبعناك ووقع حقايق الإيمان في قلوبنا، وجدنا العبادة قد تثاقلت في أجسادنا(١) .

إنّ اتّباع الإمام ( عليه السلام ) يعني اتّباع الله ورسوله، ويترتب عليه أن يقود الإنسان إلى الصّراط المستقيم.

الثاني: اتّباع الشيطان والآباء والأسلاف ،( إِنّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى‏ أُمّةٍ وَإِنّا عَلَى‏ آثَارِهِم مُقْتَدُونَ ) (٢) .

قد زجّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بكثير من المفاهيم في سبيل الحؤول دون اتّباع خطوات الشّيطان، عندما تعرّض لذكر طائفة من النّاس في اتّباعهم الأعمى، راجياً حجزهم عن ذلك.

( اتَّخَذُوا الشَّيْطَانَ لأَمْرِهِمْ مِلاكاً، وَاتَّخَذَهُمْ لَهُ أَشْرَاكاً، فَبَاضَ وَفَرَّخَ فِي صُدُورِهِمْ، وَدَبَّ وَدَرَجَ فِي حُجُورِهِمْ، فَنَظَرَ بِأَعْيُنِهِمْ، وَنَطَقَ بِأَلْسِنَتِهِمْ فَرَكِبَ بِهِمُ الزَّلَلَ، وَ زَيَّنَ لَهُمُ الْخَطَلَ فِعْلَ مَنْ قَدْ شَرِكَهُ الشَّيْطَانُ فِي سُلْطَانِهِ، وَنَطَقَ بِالْبَاطِلِ عَلَى لِسَانِهِ ) (٣) ( أَو َلَسْتُمْ أَبْنَاءَ الْقَوْمِ وَالآبَاءَ وَإِخْوَانَهُمْ وَالأَقْرِبَاءَ، تَحْتَذُونَ أَمْثِلَتَهُمْ وَتَرْكَبُونَ قِدَّتَهُمْ وَتَطَؤونَ جَادَّتَهُمْ؟ ) (٤) .

هذه التّبعيّة أَلهت القوم عن رشدهم وأبعدتهم عن حظّهم.

____________________

(١) سفينة البحار: ١/٢٥٢.

(٢) الزخرف: ٢٣.

(٣) نهج البلاغة: الخطبة ٧.

(٤) نفس المصدر: الخطبة ٨٣.


( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللّهُ قَالُوا بَلْ نَتّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ ) (١) ، قالوا( حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا ) (٢) .

هذا الحلّ قد أنس به معاوية: مستفيداً من تجربة أسلافه في الادّعاء والتّضليل؛ ولذا وعظه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في أن ينتفع بالنّظر الفاحص في شواهد الأمور.

( أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ آنَ لَكَ أَنْ تَنْتَفِعَ بِاللَّمْحِ الْبَاصِرِ مِنْ عِيَانِ الأُمُورِ، فَقَدْ سَلَكْتَ مَدَارِجَ أَسْلافِكَ بِادِّعَائِكَ الأَبَاطِيلَ وَاقْتِحَامِكَ غُرُورَ الْمَيْنِ وَالأَكَاذِيبِ ) (٣) .

نصح الإمام المسلمين من وطئ جادة الآباء، ولم يبخل بالوعظ - كما عرفنا آنفاً - لأعدائه عن امتطاء سبيل الأسلاف.

٥. الحل التّأصيلي

هذا الحلّ يكون بإقامة السنّة، حيث إنّ إرجاع الأحكام - في مختلف القضايا - إلى القرآن والسنّة الّتي عمل بها النّبي وأهل بيته كفيلان بحلّ جميع القضايا المستحدثة.

من هنا كان الإمام يحكم ويعمل بالسنّة، معيداً لها اعتبارها وتأصيلها، لا تجد علياً ( عليه السلام ) يقضي بقضاء إلاّ وجدت له أصلاً في السُنّة. قال: كان

____________________

(١) البقرة: ١٧٠.

(٢) المائدة: ١٠٤.

(٣) نهج البلاغة: الكتاب: ٦٥.


عليّ ( عليه السلام ) يقول:( لو اختصم إليّ رجلان فقضيت بينهما قضاءً واحداً؛ لأنّ القضاء لا يحول ولا يزول ) (١) .

إنّ إعادة تأصيل السُنّة - من قبل الإمام - شملت حتى أبسط الأوضاع والحركات العادية الّتي قد يكرّرها الإنسان في ركوبه أو سيره من دون أن يستند إلى السُنّة، لكن علي ( عليه السلام ) بأفعاله علّمنا بأنّ سنّة النّبي موجودة وقائمة في كلّ وضع يتّخذه الإنسان، حتى في حال ركوبه الدّابة أو وسيلة معيّنة، وهو ما يعني أنّ السّنّة النبويّة الّتي خلّفها النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) وورّثها أهل بيته ( عليهم السلام ) تشمل كلّ مفردات وتفاصيل الحياة اليومية.

عن عليّ بن ربيعة الأسدي، قال: ركب عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) فلمّا وضع رجله في الركاب قال:( بسم الله، فلمّا استوى على الدابّة قال:الحمد لله الّذي أكرمنا وحملنا في البرّ والبحر، ورزقنا من الطيبات وفضّلنا على كثير ممّن خلق تفضيلاً، ( سُبْحَانَ الّذِي سَخّرَ لَنَا هَذا وَمَا كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ ) (٢) ثمّ سبّح الله ثلاثاً، وكبّر الله ثلاثاً ثمّ قال:ربّ اغفر لي، فإنّه لا يغفر الذنوب إلاّ أنت. ثمّ قال:فعل رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) هذا وأنا رديفه ) (٣) .

إنّ الاستناد إلى السُنة يعتبر أفضل حلّ في التعامل مع الأحداث اليومية.

____________________

(١) أمالي الطوسي: ٦٤.

(٢) الزمر: ١٣.

(٣) أمالي الطوسي: ٥١٥.


الفصل الثاني عشر: الإمام علي ( عليه السلام ) والنتائج الثقافية

أفلحت جهود الإمام العظيمة في إحراز عدة نتائج، وعلى أعداد قليلة من النّاس، مضوا من الدّنيا إلى الفوز الأكبر، وانقلبوا إلى رضوان الله ونعيمه، فيما يلي النتائج الثقافية الّتي خلّفها جهاد علي ( عليه السلام ):

١. تحديد الحقوق والواجبات

وضع أمير المؤمنين العلامات الفارقة في تحديد ومعرفة الحقوق، ونصبها أمام أعين النّاس، ممّا سهّل للنّاس معرفة ما لهم وما عليهم، فوزّع الحقوق كالآتي:

أ. حق الله تعالى: هذا هو الحقّ الأوّل الّذي على النّاس أن يعرفوه والّذي بصلاحه، تصلح غيره من الحقوق المترشّحة عنه( جَعَلَ حَقَّهُ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يُطِيعُوهُ، وَجَعَلَ جَزَاءَهُمْ عَلَيْهِ مُضَاعَفَةَ الثَّوَابِ تَفَضُّلاً مِنْهُ وَتَوَسُّعاً بِمَا هُوَ مِنَ الْمَزِيدِ أَهْلُهُ ) (١) .

____________________

(١) نهج البلاغة: الخطبة: ٢١٦.


ب. حق الوالي: يعتبر هذا الحقّ من أعظم ما افترض الله سبحانه لبعض النّاس على بعض( وأمّا حقي عليكم فالوفاء بالبيعة، والنصيحة في المشهد والمغيب، والإجابة حين أدعوكم، والطّاعة حين آمركم ) (١) .

ج. حق الرّعية: أوضح الإمام حق الرّعية عليه( فأمّا حقّكم عليّ فالنصيحة لكم، وتوفير فيئكم عليكم، وتعليمكم كيما تجهلوا، وتأديبكم كيما تعلموا ) (٢) .

إنّ أداء حقّ الرّعية وأداء حقّ الوالي - لكلّ على كلٍّ - هو في حقيقته يعود بالنفع على النّاس.

( فجعلها نظاماً لألفتهم وعزّاً لدينهم، فليست تصلح الرّعيّة إلاّ بصلاح الولاة، فإذا أدّت الرّعية إلى الوالي حقّه وأدّى الوالي إليها حقّها، عزّ الحقّ بينهم، وقامت مناهج الدّين، واعتدلت معالم الدّولة، ويئست مطامع الأعداء ) (٣) .

إنّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أدّى حتى أبسط وأدقّ الحقوق إلى النّاس، خرج أمير المؤمنين ( عليه السلام ) على أصحابه وهو راكب، فمشوا خلفه، فالتفت إليهم، فقال:( لكم حاجة؟ فقالوا: لا يا أمير المؤمنين ولكنّا نحبّ أن نمشي معك. فقال لهم:انصرفوا: فإنّ مشي الماشي مع الرّاكب مفسدة للرّاكب ومذلّة للماشي ) (٤) .

____________________

(١) نفس المصدر: الخطبة: ٣٤، سفينة البحار: ١/١٣٢.

(٢) نفس المصدر: الخطبة: ٣٤.

(٣) نفس المصدر: الخطبة: ٢١٦.

(٤) مناقب آل أبي طالب: ٢/١٢٠.


إنّ تعريف النّاس بحقوقهم من قِبل مَن هو قائم على تولّي أمورهم، يؤثّر إيجاباً في أن يلتفت النّاس إلى حقوقهم وحقوق الآخرين، ويصبحون على بيّنة في علاقاتهم وارتباطاتهم على اختلافها.

( وَلا تُرَوِّعَنَّ مُسْلِماً وَلا تَجْتَازَنَّ عَلَيْهِ كَارِهاً، وَلا تَأْخُذَنَّ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِي مَالِهِ، فَإِذَا قَدِمْتَ عَلَى الْحَيِّ فَانْزِلْ بِمَائِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُخَالِطَ أَبْيَاتَهُمْ، ثُمَّ امْضِ إِلَيْهِمْ بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ حَتَّى تَقُومَ بَيْنَهُمْ فَتُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ، وَلا تُخْدِجْ بِالتَّحِيَّةِ لَهُمْ، ثُمَّ تَقُولَ عِبَادَ اللَّهِ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ وَلِيُّ اللَّهِ وَخَلِيفَتُهُ؛ لآخُذَ مِنْكُمْ حَقَّ اللَّهِ فِي أَمْوَالِكُمْ فَهَلْ لِلَّهِ فِي أَمْوَالِكُمْ مِنْ حَقٍّ فَتُؤَدُّوهُ إِلَى وَلِيِّهِ؟ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ لا فَلا تُرَاجِعْهُ، وَإِنْ أَنْعَمَ لَكَ مُنْعِمٌ فَانْطَلِقْ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُخِيفَهُ أَوْ تُوعِدَهُ أَوْ تَعْسِفَهُ أَوْ تُرْهِقَهُ ) ،(١) هذا الرّفق واللّين واحترام حقوق النّاس هو طبيعة متأصّلة في ذات أمير المؤمنين؛ لذا فهو يوصي عمّاله على الصّدقات بمراعاة ذلك.

د. حق الحيوان: أوصى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) مَن استعمله على الصّدقات في رعاية حقوق الحيوانات، في طريقة أَخذها وقَودها وإطعامها وإمهالها، فطلب من أُمناء العمّال:

( أَلاّ يَحُولَ بَيْنَ نَاقَةٍ وَبَيْنَ فَصِيلِهَا، وَلا يَمْصُرَ لَبَنَهَا فَيَضُرَّ [ فَيُضِرَّ ] ذَلِكَ بِوَلَدِهَا، وَلا يَجْهَدَنَّهَا رُكُوباً، وَلْيَعْدِلْ بَيْنَ صَوَاحِبَاتِهَا فِي ذَلِكَ وَبَيْنَهَا، وَلْيُرَفِّهْ عَلَى اللاّغِبِ، وَ لْيَسْتَأْنِ بِالنَّقِبِ وَالظَّالِعِ، وَلْيُورِدْهَا مَا تَمُرُّ بِهِ

____________________

(١) نهج البلاغة: الكتاب: ٢٥.


مِنَ الْغُدُرِ، وَلا يَعْدِلْ بِهَا عَنْ نَبْتِ الأَرْضِ إِلَى جَوَادِّ الطُّرُقِ، وَلْيُرَوِّحْهَا فِي السَّاعَاتِ، وَلْيُمْهِلْهَا عِنْدَ النِّطَافِ وَالأَعْشَابِ ) (١) .

إنّ توسيع الحقوق إلى غير النّاس يحمل معنىً أخلاقي كبير، وهو أن يكون الإنسان بمنتهى الألفة والرّحمة مع كلّ الأشياء الّتي من حوله.

٢. تنضيج الإيمان والتقوى

عمل الإمام على إدخال النّاس في الطّريق العملي الّذي يحدث في النّفس ثورةً معنويةً.

( واستشعروا التّقوى شعاراً باطناً، واذكروا الله ذكراً خالصاً، تحيوا به أفضل الحياة، وتسلكوا به طريق النّجاة، انظروا في الدّنيا نظر الزّاهد المفارق لها، فإنّها تزيل الثاوي (٢) السّاكن، وتفجع المترف الآمن ) (٣) .

يسلك الإمام ( عليه السلام ) طريق آخر لإحداث التّنضيج المعنوي للإنسان.

( فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ تَقِيَّةَ ذِي لُبٍّ، شَغَلَ التَّفَكُّرُ قَلْبَهُ وَأَنْصَبَ الْخَوْفُ بَدَنَهُ، وَأَسْهَرَ التَّهَجُّدُ غِرَارَ نَوْمِهِ وَأَظْمَأَ الرَّجَاءُ هَوَاجِرَ يَوْمِهِ، وَ ظَلَفَ الزُّهْدُ شَهَوَاتِهِ وَأَوْجَفَ الذِّكْرُ بِلِسَانِهِ، وَ قَدَّمَ الْخَوْفَ لأَمَانِهِ وَ

____________________

(١) نفس المصدر.

(٢) أي المقيم.

(٣) نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة: ١/٥٣.


تَنَكَّبَ الْمَخَالِجَ عَنْ وَضَحِ السَّبِيلِ، وَسَلَكَ أَقْصَدَ الْمَسَالِكِ إِلَى النَّهْجِ الْمَطْلُوبِ ) (١) .

( إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جَعَلَ الذِّكْرَ جِلاءً لِلْقُلُوبِ، تَسْمَعُ بِهِ بَعْدَ الْوَقْرَةِ، وَتُبْصِرُ بِهِ بَعْدَ الْعَشْوَةِ، وَتَنْقَادُ بِهِ بَعْدَ الْمُعَانَدَةِ ) (٢) .

أثّرت هذه الطّرق العملّية وغيرها من التّعليمات العلوية في بعض الأصحاب مثل أُويس القرنيّ - الذي يعد من زهّاد الكوفة -(٣) ، وأبو أيّوب الأنصاري، وهمّام بن شريح، وعدد آخر ممّن آمن به ( عليه السلام ).

همّام بن شريح كان عابداً وأراد الاستزادة وحظاً أوفر ممّا حظي به من التقوى، فتوجه إلى مولى الموحّدين وسيّد المتقين؛ ليصف له المتقين وليعرف ما قصر عنه شوقه، فتثاقل ( عليه السلام ) عن جوابه ثمّ قال:يا همّام، اتقِ الله وأَحسن فـ ( إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ) فلم يقنع همّام بهذا القول حتى عزم عليه(٤) .

شرع أمير المؤمنين بوصف المتقين وصفاً دقيقاً ضاق شوق همّام به، وانحسر وعاؤه عنه، وتقطّعت أنفاسه فيه، فصُعق ميتاً.

خطبة المتقين حافلة بالأوصاف العذبة، الّتي ينهل من معينها المؤمنين إلى يوم الناس هذا، فضلاً عن يومها المشهود.

____________________

(١) نهج البلاغة: الخطبة: ٨٣.

(٢) نفس المصدر: الخطبة: ٢٢٢.

(٣) البيان والتبيين: ٣/١٩٣.

(٤) نهج البلاغة: الخطبة: ١٩٣.


٣. تفعيل الرّقابة والنقد

الرقابة لها دور في رصد العيوب الّتي تقع من قِبل شخص معيّن أو مجموعة من النّاس.

إنّ رصد الأخطاء ونقدها يساعدان على عدم تكرارها أو التقليل من حصولها.

تنقسم الرّقابة إلى نوعين:

أ. رقابة ذاتية: هذه الرقابة مركزها الضمير الإنساني، والذي يقوم بوعظ الإنسان نحو الأفعال الحسنة أو يزجره عن الأفعال السيئة( وَاعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ لَمْ يُعَنْ عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى يَكُونَ لَهُ مِنْهَا وَاعِظٌ وَزَاجِرٌ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ غَيْرِهَا لا زَاجِرٌ وَلا وَاعِظٌ ) (١) .

( مَن نظر في عيبِ نفسه، اشتغل عن عيبِ غيرهِ ) (٢) هذه الرقابة أهم من أختها الرقابة الأخرى.

ب. رقابة خارجية: هذه الرقابة قِوامها أفراد المجتمع، حيث يقومون بدور الرّقيب والمتابع للأخطاء الّتي تصدر من قِبل الولاة أو العمّال أو العناصر الّتي لها دور في المجتمع.

ذكر الإمام هذه الرّقابة آملاً تفعيلها وتشجيع النّاس عليها( ثمّ ليكن آثرهم عندكَ أقولَهم بمُرّ الحقّ لك ) (٣) .

____________________

(١) نفس المصدر: ٩٠/١٥٤.

(٢) نفس المصدر: الحكمة: ٣٤٩.

(٣) نفس المصدر: الكتاب: ٥٣.


كما حثّ ( عليه السلام ) الناس على تفعيل الرقابة والنقد؛ لأنّ بها قِوام حياة المجتمع وحيويته( ولا تتحفّظوا بما يتحفّظ به عند أهل البادرة، ولا تخالطوني بالمصانعة، ولا تظنّوا بي استثقالاً في حقٍّ قيل لي والتماس إعظامٍ لنفسي، فإنّه مَن استثقل الحقّ أن يقال له أو العدل أن يُعرض عليه، كان العمل بهما أثقل عليه، فلا تكفّوا عن مقالةٍ بحقٍ ) (١) .

مارس أمير المؤمنين ( عليه السلام ) النقد لبعض الناس ممّن.

( تَسَمَّى عَالِماً وَ لَيْسَ بِهِ فَاقْتَبَسَ جَهَائِلَ مِنْ جُهَّالٍ وَأَضَالِيلَ مِنْ ضُلاّلٍ، وَنَصَبَ لِلنَّاسِ أَشْرَاكاً مِنْ حَبَائِلِ غُرُورٍ وَقَوْلِ زُورٍ، قَدْ حَمَلَ الْكِتَابَ عَلَى آرَائِهِ وَعَطَفَ الْحَقَّ عَلَى أَهْوَائِهِ، يُؤْمِنُ النَّاسَ مِنَ الْعَظَائِمِ وَيُهَوِّنُ كَبِيرَ الْجَرَائِمِ، يَقُولُ أَقِفُ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ وَفِيهَا وَقَعَ، وَيَقُولُ أَعْتَزِلُ الْبِدَعَ وَبَيْنَهَا اضْطَجَعَ، فَالصُّورَةُ صُورَةُ إِنْسَانٍ وَالْقَلْبُ قَلْبُ حَيَوَانٍ ) (٢) .

في هذا النقد يُلاحظ بعد الاطّلاع على حقيقة أولئك المتشبّهين بأهل العلم، وهو ما يشير إلى دور الرّقابة في رصد ومتابعة التصّرفات المختلفة.

يُلاحظ أيضاً تصعيد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) من شدّة النّقد لهم( فالصّورة صورة إنسانٍ والقلب قلب حيوانٍ ) ؛ لأنّهم يُعتبرون عناصر هدم في المجتمع.

تقييماً لِما تقدّم نعرف أنّ الإمام( عليه السلام ) قام بتفعيل الرقّابة والنقد وإحياء دورهما بين النّاس؛ لأنّ في ذلك إنعاشاً للحق والعدل.

____________________

(١) نفس المصدر: الخطبة: ٢١٦.

(٢) نفس المصدر: الخطبة: ٨٧.


٤. إيجاد الجرأة والشجاعة

غرس الإمام بذور الحقّ في صدور قومٍ مؤمنين، فأنبتت الجرأة والشجاعة، فهو القائل:( والله، لو تظاهرت العرب على قتالي لَما ولّيت عنها ) (١) هذا الكلام يكشف مدى الثّبات والشّجاعة التي يمتلكها أمير المؤمنين ( عليه السلام ).

إنّ هذه القوّة نواتها الإيمان الرّاسخ؛ لأنّ الشجاعة يغلبها الجمع إذا فقدت الأساس الذّي يستند عليه وهو الإيمان.

من أجل ذلك أصدر الإمام توصيته لابنه محمد بن الحنفية أن يولي عنصر الإيمان بالله وبنصره كامل اعتماده( أَعِرِ اللَّهَ جُمْجُمَتَكَ، تِدْ فِي الأَرْضِ قَدَمَكَ، ارْمِ بِبَصَرِكَ أَقْصَى الْقَوْمِ، وَغُضَّ بَصَرَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ ) (٢) .

هذه المفاهيم العلوية في إيجاد الشجاعة أينعت ثمراتها على مواقف النّاس عند صدورها، أو بعد خلافته ( عليه السلام )، فيروى أنّ سودة بنت عمارة الهمدانيّة دخلت على معاوية بعد موت علي ( عليه السلام )، فجعل يؤنّبها على تحريضها عليه أيّام صفّين وآل أمره إلى أن قال: ما حاجتك؟

قالت: إنّ الله سائلك عن أمرنا وما أفترض عليك من حقّنا، ولا يزال يقدم علينا من قبلك مَن يسمو بمكانك ويبطش بقوّة

____________________

(١) المصدر: الكتاب: ٤٥.

(٢) نفس المصدر: الخطبة: ١١.


سلطانك، فيحصدنا حصيد السُنبل، ويدوسنا دوس الحرمل، يسومنا الخسف ويذيقنا الحتف، هذا بسر بن أرطأة قَدِم علينا فقتل رجالنا وأخذ أموالنا، ولولا الطاعة لكان فينا عزّ ومنعةٌ، فإن عزلته شكرناك، وإلاّ كفّرناك.

فقال معاوية: إياي تهدّدين بقومك يا سودة؟ لقد هممت أن أحملك على قتب(١) أشوش(٢) فأردّك إليه فينفذ فيك حكمه، فأطرقت سودة ساعة ثمّ قالت:

صلّى الإله على روحٍ تضمّنها

قبرٌ فأصبح فيه العدلُ مدفوناً

قد حالف الحقّ لا يبغي به بدلاً

فصار بالحقّ والإيمان مقروناً

فقال معاوية: مَن هذا يا سودة؟ قالت: والله هو أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب ( عليه السلام )(٣) .

أيضاً حديث الزرقاء بنت عدي الهمدانية يشهد بالشجاعة لها وبموالاتها لأمير المؤمنين ( عليه السلام )، بعد أن أتى بها معاوية من الكوفة إلى الشّام، قام بعملية استجواب لها.

أتدرين فيماذا بعثت إليك؟

قالت زرقاء: وأنّى لي بعلم الغيب! فقال معاوية: أَلستِ الراكبة الجمل الأحمر، الواقفة بين الصفين في يوم كذا وكذا تحرضّين على

____________________

(١) رحل صغير يُشد على البعير.

(٢) كثير الحركة.

(٣) الفتوح: ٣/٨٩، كشف الغمة في معرفة الأئمة: ١/١٧٤، جواهر المطالب: ٢/٢٥١.


الحرب وتقولين كيت وكيت؟ قالت بلى، قد كان ذاك.

قال معاوية: فما الذي حملك على ذلك؟ قالت حسبك يا أمير المؤمنين! فقد مات الرأس وبقي الذَنَب ولن يعود ما ذهب، والدهور عجب ولا يعتب مَن عتب، ومَن تفكّر أبصر والزمان ذو غِير، والأمر يحدث بعده الأمر.

فقال معاوية: لله أنتِ يا زرقاء، فهل تحفظين كلامك بصفين؟ فقالت: لا والله ما أحفظه، وإنّما كان ذلك تحريضاً نطق به اللسان، فقال معاوية: لكنّي والله أحفظه عليك حتى ما يشذّ عليّ منه شيء، والله يا زرقاء! لقد شاركت علياً في كلّ دم سفكه بصفين، فقالت الزرقاء: أحسن الله بشارتك، وأدام سلامتك فمثلك بشّر بخير.

فقال معاوية: أَوَ يسرّك ذلك يا زرقاء؟

فقالت: نعم والله سرّني وأنّى لي بتصديق ذلك! ثمّ قال: والله يا زرقاء! إنّ وفاءكم لعليّ بعد موته لأعجب من محبّتكم له في حياته(١) .

فهذا عدي بن حاتم الطائي يرد على استجواب معاوية بمنتهى الجُرأة والشجاعة، فيسأله معاوية.

أبا طريف! ما الّذي أبقى لك الدّهر من ذكر علي بن أبي طالب؟ فقال عدي: وهل يتركني الدّهر أن لا أذكره! قال: فما الذي بقي في قلبك من حبّه؟ قال عدي: كلّه وإذا ذكر ازداد، فقال معاوية: ما أريد

____________________

(١) الفتوح: ٣/١٤٤، العقد الفريد: ١/٣٣٧.


بذلك إلاّ إخلاق(١) ذِكره، فقال عدي: قلوبنا ليست بيدك يا معاوية:

فضحك معاوية ثمّ قال يا معشر طي! إنّكم مازلتم تشرفّون الحاجّ ولا تعظّمون الحرم، فقال عدي: إنّا كنا نفعل ذلك ونحن لا نعرف حلالاً ولا ننكر حراماً، فلمّا جاء الله عزّ وجل بالإسلام، غلبناك وأباك على الحلال والحرام، وكنّا للبيت أشدّ تعظيماً له(٢) .

ممّا تقدم يتّضح أنّ الإمام خلّف في نفوس الناس المحبّة له والشجاعة في مواجهة أعدائه.

٥. تنمية روح التّضحية والشّهادة

لا ينكر أحد من الناس شجاعة الإمام ( عليه السلام ) وحبّه للقتال في سبيل الله، والحصول على وسام الشهادة وكرامتها، وهو القائل( والله لابن أبي طالبٍ آنس بالموت من الطّفل بثدي أمّه ) (٣) .

فما هذا الشوق الذي يدفع بعلي ( عليه السلام ) إلى أن يأنس بالموت؟ وأي تأثير عميق تتركه هذه الكلمات على النّاس عندما يرون قائدهم يتقدم ويهتف بهذا الشوق نحو الشهادة؟

أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أثبت حقيقة صدقه بهذا الأنس والشوق إلى الشهادة، فعندما ضربه ابن ملجم المرادي، صدعت كلمات شوقه وانفجرت ينابيع

____________________

(١) إنهاء وإفساد.

(٢) نفس المصدر: ٣/١٣٤.

(٣) نهج البلاغة: الخطبة: ٥.


شغفه( فزتُ وربّ الكعبة ) (١) .

كان الإمام ( عليه السلام ) قد عمل على تنمية روح التضحية، ومحاربة روح الخذلان والخمود، وخطبة الجهاد مفعمة بالحماس والإقدام نحو التضحية.

( فَإِنَّ الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَتَحَهُ اللَّهُ لِخَاصَّةِ أَوْلِيَائِهِ، وَهُوَ لِبَاسُ التَّقْوَى وَدِرْعُ اللَّهِ الْحَصِينَةُ وَجُنَّتُهُ الْوَثِيقَةُ، فَمَنْ تَرَكَهُ رَغْبَةً عَنْهُ أَلْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبَ الذُّلِّ، وَشَمِلَهُ الْبَلاءُ وَدُيِّثَ بِالصَّغَارِ وَالْقَمَاءَةِ، وَضُرِبَ عَلَى قَلْبِهِ بِالإِسْهَابِ، وَأُدِيلَ الْحَقُّ مِنْهُ بِتَضْيِيعِ الْجِهَادِ ) (٢) .

بعد أن أنهى الإمام خطبته، بدا واضحاً تأثيرها في إيقاد روح التضحية؛ حيث قام إليه رجلٌ من الأزد يقال له: حبيب بن عفيف آخذاً بيد ابن أخٍ له يقال له: عبد الرحمن بن عبد الله بن عفيف، فأقبل يمشي حتى استقبل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بباب السّدّة ثمّ جثا على ركبتيه وقال: يا أمير المؤمنين! ها أنا ذا لا أملك إلاّ نفسي وأخي، فمرنا بأمرك، فو الله لننفّذَنّ له، ولو حال دون ذلك شوك الهراس وجمر الغضا حتى ننفّذ أمرك أو نموت دونه، فدعا لهما بخير وقال لهما:أين تبلغان ممّا نريد؟ (٣) .

____________________

(١) أنساب الأشراف: ٣/٢٥٠.

(٢) نهج البلاغة: الخطبة: ٢٧.

(٣) الغارات: ٢/٤٧٧.


إنّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يريد أن يحيي النّفوس من خلال تنمية حبّ الجهاد والشهادة؛ لأنّ ذلك يترك أثراً إيجابياً، وهو خدمة الإسلام والدّفاع عن الحقّ ووجوده بين النّاس.

فسلامٌ على عليّ ( عليه السلام ) يوم وُلد ويوم استشهد ويوم يُبعث حيّاً.

والحمد لله ربّ العالمين



المصادر

١. القرآن الكريم.

٢. إرشاد القلوب: أبو الحسن محمد الديلمي من أعلام القرن الثامن الهجري، تحقيق هاشم الميلاني، دار الأسوة، ط١-١٤١٧هـ.

٣. الأخبار الطوال: أبو حنيفة الدينوري ت ٢٨٢هـ، تقديم وتوثيق عصام الحاج علي، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، ط١-١٤٢١هـ.

٤. أساس البلاغة: جار الله أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري، ت ٥٣٨هـ، تحقيق عبد الرحيم محمود، دار المعرفة، بيروت - لبنان.

٥. الاختصاص: أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي الملقّب بالشيخ المفيد، ت ٤١٣هـ، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين ( قم ).

٦. الإصابة في تمييز الصحابة: الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ت ٨٥٢هـ، تحقيق عادل أحمد عبد الموجود، والشيخ علي محمد معوّض، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، ط١-١٤١٥هـ.

٧. أنساب الأشراف: الإمام أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري، ت ٢٧٩ هـ، تحقيق الدكتور سهيل زكّار، والدكتور رياض زركلي، دار الفكر، بيروت - لبنان، ط١-١٤١٧هـ.


٨. الأصول من الكافي: أبو جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني الرّازي، ت٣٢٩هـ، تحقيق علي أكبر غفاري، دار الكتب الإسلامية، ط٣- ١٣٨٨ هـ.

٩. الإمامة والسياسة: أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدّينوري، ت ٢٧٦هـ، تحقيق علي شيري، الشريف الرضي، قم - إيران، ط١ - ١٤١٣هـ.

١٠. الأمثال والحِكم المستخرجة من نهج البلاغة: الشيخ محمد الغروي، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين ( قم ) سنة الطبع ١٤٠٧هـ.

١١. الأمالي: أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي الملقّب بالشيخ الصدوق، ت٤١٣هـ، ترجمة آية الله كَمَره اى، المكتبة الإسلامية، ط ٤ - ١٣٦٢هـ ش.

١٢. الأمالي: أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي الملقّب بالشيخ المفيد، ت٤١٣هـ، الحسين استاد ولي، وعلي أكبر غفاري، جماعة المدرسين ( قم )، سنة الطبع ١٤٠٣هـ.

١٣. الأمالي: أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي، ت ٤٦٠هـ، تحقيق قسم الدراسات الإسلامية، مؤسسة البعثة، دار الثقافة ( قم )، ط ١ - ١٤١٤هـ.

١٤. بحار الأنوار: العلاّمة محمد باقر المجلسي، ت ١١١ هـ، دار الكتب الإسلامية، ط ٢ - ١٣٦٣ هـ ش.

١٥. البداية والنهاية: أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي، ت ٧٧٤هـ، تحقيق مكتب التراث، مؤسسة التاريخ العربي، بيروت - لبنان.

١٦. البلدان وفتوحها وأحكامها: الإمام أحمد بن يحيى بن جابر


البلاذري، ت ٢٧٩هـ، تحقيق الدكتور سهيل زكّار، دار الفكر، بيروت - لبنان، ط ١- ١٤١٢هـ.

١٧. البيان والتبيين: أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، تحقيق عبد السلام محمد هارون، دار الفكر، بيروت - لبنان.

١٨. تحف العقول عن آل الرسول ( صلّى الله عليه وآله ): أبو محمد الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحرّاني، من أعلام القرن الرابع الهجري، تعليق علي أكبر غفّاري، مؤسسة النشر التابعة لجماعة المدرسين ( قم )، ط ٢ - ١٤٠٤هـ.

١٩. تاريخ أبي مخنف: لوط بن يحيى بن سعيد الغامدي الأزدي الكوفي، ت ١٥٧هـ، تحقيق كامل سلمان الجبوري، دار المحجّة البيضاء، بيروت - لبنان، ط ١ - ١٤١٩ هـ.

٢٠. تاريخ الطبري: أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، ت ٣١٠هـ، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، ط ٢ - ١٤٩٠هـ.

٢١. تاريخ ابن خلدون: عبد الرّحمن بن خلدون، ت ٨٠٨هـ، تحقيق الدكتور سهيل زكّار، دار الفكر، بيروت - لبنان، ط ٣ - ١٤١٧هـ.

٢٢. تاريخ الخلفاء: جلال الدين السيوطي، ت ٩١١هـ، تحقيق إبراهيم صالح، دار صادر، بيروت - لبنان، ط ١ - ١٤١٧ هـ.

٢٣. تفسير القمي: أبو الحسن علي بن إبراهيم القمي، من أعلام القرنين ٣ - ٤ هـ، تعليق طيب الموسوي الجزائري، كتاب فروشي علاّمة ( قم ).

٢٤. تهذيب الأحكام: أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، ت ٤٦٠هـ، تحقق حسن الموسوي الخرسان، دار صعب - دار التعارف للمطبوعات، بيروت - لبنان، سنة الطبع ١٤٠١هـ.


٢٥. تاريخ سياسي إسلام: رسول جعفريان، دفتر نشر الهادي، قم - إيران، چاپ دوم - ١٣٧٨هـ ش.

٢٦. تاريخ الحضارة الإسلامية في العصور الوسطى: الدكتور عبد المنعم ماجد، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، ط ٢ - ١٩٧٢م.

٢٧. جواهر المطالب في مناقب الإمام علي بن أبي طالب: شمس الدين أبي البركات محمد بن أحمد الدمشقي الباعوني الشافعي، ت ٨٧١، تحقيق الشيخ محمد باقر المحمودي، مجمع إحياء الثقافة الإسلامية، ط ١ - ١٤١٦هـ.

٢٨. دعائم الإسلام: القاضي أبو حنيفة بن محمد التميمي المغربي، ت ٣٦٣هـ، تحقيق الدكتور عارف تامر، دار الأضواء، بيروت - لبنان، ط ١ - ١٤١٦هـ.

٢٩. دول الإسلام: الحافظ شمس الدين أبو عبد الله الذّهبي، ت ٧٤٦، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت - لبنان، سَنة الطبع ١٤٠٥هـ.

٣٠. سفينة البحار: الشيخ عباس القمي، دار الأسوة، ط ٢ - ١٤١٦هـ.

٣١. شرح نهج البلاغة: أبو حامد هبة الله بن محمد بن محمد الحسين ابن أبي الحديد المدائني، ت ٦٥٦، تحقيق محمد أبو الفضل، دار إحياء الكتب العربية، ط ١ - ١٣٧٨ هـ.

٣٢. شرح نهج البلاغة: كمال الدين ميثم بن علي بن ميثم البحراني، ت ٦٧٩هـ. مؤسسة فقه الشيعة، بيروت - لبنان.

٣٣. العقد الفريد: أحمد بن عبد ربّه الأندلسي، ت ٣٢٨هـ، دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان، ط ٢ - ١٤١٦هـ.

٣٤. الغارات: أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الثقفي الكوفي، ت ٢٨٣هـ، تحقيق السيد مير جلال الدين الحسيني، سلسلة انتشارات انجمن آثار ملي.


٣٥. الفتوح: أبو محمد أحمد بن أعثم الكوفي، ت ٣١٤ هـ، دار الندوة الجديدة، بيروت - لبنان.

٣٦. القاموس المحيط: مجد الدّين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي، ت ٨١٧ هـ، دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان، ط ١ - ١٤١٢هـ.

٣٧. كتاب سليم بن قيس الهلالي: ت ٧٦هـ، تحقيق الشيخ محمد باقر الأنصاري الزنجاني الخوئيني، دفتر نشر الهادي، إيران، ط ١ - ١٤١٥هـ.

٣٨. الكامل في التاريخ: عز الدّين أبو الحسن علي بن أبي الشيباني المعروف بابن الأثير، ت ٦٣٠هـ، مؤسسة التاريخ العربي، بيروت - لبنان، ط ١ - ١٤٠٨ هـ.

٣٩. كشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين ( عليه السلام ): العلاّمة جمال الدين الحسن بن يوسف بن علي بن المطّهر الحلي، ت ٧٢٦هـ، تحقيق علي آل كوثر، مجمع إحياء الثقافة الإسلامية، ط ١ - ١٤١٣هـ.

٤٠. كنز العمال: العلاّمة علاء الدين المتقي بن حسام الدين الهندي، مؤسسة الرسالة، بيروت - لبنان، ط ١ - ١٤٠٩ هـ.

٤١. كشف الغمة في معرفة الأئمة: العلاّمة أبو الحسن علي بن عيسى بن أبي الفتح الإربلي، كتاب فروشي الإسلامية، ط ٢ - ١٣٦٤ هـ. ش.

٤٢. گفت وگوي فرهنگ وتمدن ها؛ محمد على مهيمن، نشر ثالث، تهران - إيران، چاپ أَوّل - ١٣٧٩ هـ ش.

٤٣. لسان العرب: العلاّمة ابن منظور الأفريقي، ت ٧١١هـ، تنسيق وتعليق علي شيري، دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان، ط ١ - ١٤٠٨ هـ.

٤٤. مجمع البيان في تفسير القرآن: الشيخ أبو علي الفضل بن الحسن


الطبرسي، من أعلام القرن السادس الهجري، تحقيق هاشم الرسول المحلاّتي، والسيد فضل الله اليزدي، الطباطبائي، دار المعرفة، بيروت - لبنان، ط ١ - ١٤٠٦ هـ.

٤٥. المدخل إلى تاريخ الحضارة: الدكتور جورج حدّاد، مكتبة السائح طرابلس.

٤٦. مجلة التوحيد: العدد ١٠٥ سنة ١٤٢١هـ.

٤٧. معجم مفردات ألفاظ القرآن: أبو القاسم الحسين بن محمد بن المفضّل المعروف بالرّاغب الأصفهاني، ت ٥٠٣هـ، ضبط وتصحيح إبراهيم شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، ط ١ - ١٤١٨ هـ.

٤٨. معجم مقاييس اللغة: أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا، ت ٣٩٥ هـ، تحقيق عبد السلام محمد هارون، مكتب الإعلام الإسلامي، سنة الطبع ١٤٠٤هـ.

٤٩. المعجم الوسيط: الدكتور إبراهيم أنيس، والدكتور عبد الحليم منتصر، وعطيّة الصّوالحي، ومحمد خلف الله أحمد، دار احياء التراث العربي، بيروت - لبنان، ط ٢.

٥٠. معجم البلدان: الشيخ شهاب الدين أبي عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي الرومي البغدادي، ت ٦٢٦هـ، ومحمد خلف الله أحمد، دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان.

٥١. مقوّمات الحضارة الإنسانية في الإسلام: حسن رمضان فحلة، دار الهدى، الجزائر، ط ١. ١٤١٠هـ.

٥٢. موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ): محمدي الري شهري،


بمساعدة محمد كاظم الطباطبائي، ومحمود الطباطبائي، دار الحديث، إيران - قم، ط ١ - ١٤٢١ هـ.

٥٣. مروج الذهب ومعادن الجوهر: أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي، ت ٣٤٦ هـ، دار الهجرة، قم - إيران، ط ٢ - ١٤٠٤ هـ.

٥٤. المعيار والموازنة: أبو جعفر الإسكافي محمد بن عبد الله المعتزلي، ت ٢٤٠ هـ، تحقيق الشيخ محمد باقر المحمودي، ط ١ - سنة ١٤٠٢.

٥٥. مفاتيح الجنان: الشيخ عباس القمي، تعريب سيد محمد رضا النوري، مكتبة الفيروز آبادي، ط ٥ - ١٤١٢ هـ.

٥٦. مناقب آل أبي طالب: أبو جعفر محمد بن عليّ شهر آشوب السّروي المازندراني، تحقيق الدكتور يوسف البقاعي، دار الأضواء، بيروت - لبنان، ط ٢ - ١٤١٢ هـ.

٥٧. مناقب الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام )، الحافظ محمد بن سليمان الكوفي القاضي، من أعلام القرن الثالث الهجري، تحقيق الشيخ محمد باقر المحمودي، مجمع إحياء الثقافة الإسلامية ( قم )، ط ١ - ١٤١٢ هـ.

٥٨. نهج البلاغة: الإمام علي ( عليه السلام )، ترجمة محمد دشتي، نسيم حيات، ط ٢ - ١٣٧٩ هـ ش.

٥٩. نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة: الشيخ محمد باقر المحمودي، مطبعة النعمان، النجف الأشرف، ط ١ - ١٣٨٥ هـ.

٦٠. وقعة صفّين: نصر بن مزاحم المنقري، ت ٢١٢ هـ، تحقيق عبد السلام محمد هارون، المؤسسة العربية الحديثة، القاهرة - مصر، ط ٢ - ١٣٨٢هـ.


الفهرس

فهرس الموضوعات.. ٥

المقدمة المركز ١١

المقدمة ١٣

تعريف الثقافة ١٥

الثقافة لغةً ١٥

الثقافة اصطلاحاً ١٦

الفصل الأَوّل: التكوين الثقافي للكوفة ١٩

١. ثقافة قبلية ١٩

٢. ثقافة دخيلة ٢٢

٣. ثقافة إسلامية ٢٧

الفصل الثاني: الإمام علي ( عليه السلام ) والمراحل الثقافية ٣١

١. التوجيه ٣١

٢. التأهيل. ٣٣

٣. التنمية ٣٤

الفصل الثالث: الإمام علي ( عليه السلام ) والمجالات الثقافية ٣٧

أوّلاً: في الحرب.. ٣٧

ثانياً: في المسجد. ٤٢

ثالثاً: في المحافل العامة ٤٤

رابعاً: في الكتب والوصايا ٤٦

خامساً: المناسبات المتنوّعة ٤٧

الفصل الرابع: الإمام علي ( عليه السلام ) والأهداف الثقافية ٤٩

١. الاتقاء ٤٩

٢. الإرساء ٥١

٣. الارتقاء ٥٢


الفصل الخامس: الإمام علي ( عليه السلام ) وعناصر البناء الثقافي  ٥٥

١. الكلمة الطيبة ٥٥

٢. الأسوة الحسنة ٥٦

٣. الأمّة الصّالحة ٦٢

الفصل السادس: الإمام علي ( عليه السلام ) في مواجهة الثقافات السلبية ٦٥

١. التمزّق. ٦٥

٢. التشرنق. ٧١

٣. التملّق. ٧٣

٤. التعلّق. ٧٥

الفصل السابع: الإمام علي ( عليه السلام ) والتحصين الثقافي  ٧٩

أ. المنع. ٧٩

ب. التهذيب.. ٨١

ج. التحفيز ٨٣

د. التبادل الإيجابي. ٨٥

الفصل الثامن: الإمام علي ( عليه السلام ) والوظائف الثقافية ٨٧

١. التشخيص.. ٨٧

٢. الاستشارة ٩٠

٣. التصحيح. ٩٢

٤. الترشيد. ٩٤

الفصل التاسع: الإمام علي ( عليه السلام ) والأساليب الثقافية ٩٩

١. الأسلوب الوعظي. ٩٩

٢. الأسلوب التذكيري. ١٠٠

٣. الأسلوب التحاوري. ١٠١

٤. الأسلوب التأمّلي. ١٠٢

٥. الأسلوب التدريجي. ١٠٤


٦. الأسلوب الإيحائي. ١٠٦

٧. الأسلوب الاستدلالي. ١٠٨

٨. الأسلوب الفلسفي. ١١٠

٩. الأسلوب النقضي. ١١٢

١٠. الأسلوب التغايري. ١١٣

١١. الأسلوب النفسي. ١١٤

١٢. الأسلوب التربوي. ١١٦

١٣. الأسلوب العاطفي. ١١٧

١٤. الأسلوب التوضيحي. ١١٩

١٥. الأسلوب التبصيري. ١٢١

١٦. الأسلوب التمويهي. ١٢٢

١٧. الأسلوب التنبيهي. ١٢٢

١٨. الأسلوب الإسكاتي. ١٢٤

١٩. الأسلوب التنبّئي. ١٢٥

٢٠. الأسلوب التعريفي. ١٢٧

٢١. الأسلوب التمثيلي. ١٢٩

٢٢. الأسلوب الوصفي. ١٢٩

٢٣. الأسلوب التصنيفي. ١٣١

٢٤. الأسلوب الترتّبي. ١٣٢

٢٥. الأسلوب التوبيخي. ١٣٣

٢٦. الأسلوب التقريعي. ١٣٣

٢٧. الأسلوب التحذيري. ١٣٥

٢٨. الأسلوب الترهيبي. ١٣٥

٢٩. الأسلوب الترغيبي. ١٣٧

٣٠. الأسلوب التعذيري. ١٣٨


الفصل العاشر: الإمام علي ( عليه السلام ) والصفات الثقافية ١٣٩

١. الصّدق والوضوح. ١٣٩

٢. الشموليّة والاستيعاب.. ١٤٢

٣. القدرة والنفوذ ١٤٥

٤. الاعتدال والوسطية ١٤٦

٥. الواقعيّة والمثاليّة ١٤٩

الفصل الحادي عشر: الإمام علي ( عليه السلام ) والحلول الثقافية ١٥١

١. الحل الاستئصالي. ١٥١

٢. الحلّ الإبقائي. ١٥٣

٣. الحلّ الانتقائي. ١٥٥

٤. الحلّ التبعي. ١٥٥

٥. الحل التّأصيلي. ١٥٧

الفصل الثاني عشر: الإمام علي ( عليه السلام ) والنتائج الثقافية ١٥٩

١. تحديد الحقوق والواجبات.. ١٥٩

٢. تنضيج الإيمان والتقوى. ١٦٢

٣. تفعيل الرّقابة والنقد. ١٦٤

٤. إيجاد الجرأة والشجاعة ١٦٦

٥. تنمية روح التّضحية والشّهادة ١٦٩

المصادر ١٧٣