ملامح المنهج التربوي عند أهل البيت (عليهم السلام)
التجميع مكتبة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وأهل البيت عليهم السلام
الکاتب السيد شهاب الدين العذاري
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404



بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ



مقدّمة المركز

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على نبيّنا محمّد وآله الطاهرين.. وبعد..

يُثير الحديث عن مقوّمات المنهج التربوي السليم الذي تحتاجه الأُمّة، ودور المبادئ والخلفيّات الفلسفيّة للمناهج التربويّة السائدة في واقعنا أسئلةً شتّى؛ لأنّ ما أفرزته تجارب الفكر المُعاصر في الحقل التربوي مِن مشاكل، وما طرحه التطبيق الفعلي لبرامجه التربويّة من أسئلةٍ عديدة ونقاطِ فراغٍ لم تُملأ إلى الآن، وما قُدِّم على هذا الصعيد من حلول.. أدلّةٌ كافية على مرحليّة تلك المناهج، وعدم صلاحيّتها للامتداد وإثراء المسيرة الإنسانيّة بما ينسجم وفطرة الإنسان وتطلّعه نحو الكمال، وعدم كفاءتها في إكساب الواقع الاجتماعي قدرة على النموّ والتطوّر، ممّا أدّى إلى ظهور أصواتٍ عديدة تدعو إلى ضرورة إعادة النظر في تلك البرامج ولزوم تعديلها.

وللأسف الشديد، إنّ حال المناهج التربويّة السائدة في المجتمعات الإسلاميّة لا سيّما التي تُدرّس على مستوى الجامعات لم تكن بأوفَر حظّاً من تلك المناهج؛ لأنّها ما بين مجرّد تغطيةٍ للفكر العلماني باعتماد أُطُرٍ منهجيّةٍ في ترسيخه على حساب الفكر الإسلامي، وما بين كونها محدّدة بقرارات سياسيّة صارمة لا تتيح لأفراد الأُمّة حُرّية النقد والاختيار؛ خدمة لأهداف أيديولوجيّة معيّنة تسعى السلطة لتحقيقها، حتّى عاد المنهج التربوي في أكثر البلاد الإسلاميّة حارساً للنظام القائم في هذا القطر أو ذاك.

وهكذا أُهملت المقوّمات الحقيقيّة للمنهج التربوي، فطبيعة الإنسان، وفطرته، وميوله، وغرائزه، وحبّه لذاته، وما يعتريه مِن أدوار مختلفة من الطفولة إلى الهرَم، ونوع ارتباطه مع العالم الخارجي، وفلسفته في الوجود، أُمور خطيرة تفرض نفسها على واقع كلّ عمليّةٍ تربويّة، الأمر الذي يُفترض معه امتلاك المُقَنِّن التربوي الصورة الواضحة للنفس البشريّة، وتشخيص مشاكلها بدقّة، مع الإحاطة بسائر العوامل الأساسيّة والثانويّة المؤثّرة في البناء التربوي؛ لتكون برامجه ناجعة ومتينة، وإلاّ صارت مواقع الكيان التربوي ساحة لتخبط العاملين فيها، خصوصاً إذا ما كانت تلك المناهج قائمة على مفاهيم فلسفيّة أجنبيّة مُبتنية على أساس فصل الدين عن الدولة.

والمنهج الذي لا يمتلك مِن سِعة الأهداف الخيّرة ما ينبغي، ولا مِن دقّة التشخيص ما يكفي، ولا مِن وضوح الرؤية لحياة الفرد والمجتمع كما يجب، فكيف ينفذ إلى أعماق النفس البشريّة حتّى يصير لها خُلُقاً ومَلَكة، وهو لم يتفاعل مع وجدانها ولم يتّحد مع وجودها. والمنهج الذي ينطلق من تنمية الإحساس بالقوميّة أو الطائفيّة ولم يرتكز على روحانيّة الإسلام، أو من الاحتفاء بالسلطة تارة، أو المادّة أُخرى مع تهميش دَور القِيم الإنسانيّة النبيلة، ولا يضع في حساباته دَور المنظومة الأخلاقيّة في البناء التربوي، كيف يخلق مِن الأُمّة شخصيّة متّزنة قادرة على تشخيص أخطائها وتصحيح مسيرتها، وتحمّل مسؤوليّتها في حاضرها ومستقبلها؟

وفي ضوء ما تقدّم يتّضح أنّ المنهج التربوي الصحيح هو ما تجاوز حدود الزمان والمكان،


مُستمدّاً نقطة انطلاقه من الخبير العارف بما يصلح الناس جميعاً، منسجماً مع فطرتِهم وتطلعاتهم وغاية وجودهم؛ لكي تتوفّر القناعة الشعبيّة العارمة في تطبيق برامجه بلا حاجة إلى تطبيقها قسراً من سلطةٍ أعلى.

وعلى هذا الأساس فإنّ صياغة المنهج التربوي في مجتمعنا المسلم، يجب أنْ تنطلق من مسلّمات إيمانيّة، وأُسُس عقلانيّة راسخة ليتشكل بمجموعها الإطار الأساسي لذلك المنهج.

وبعبارةٍ أدق.. إنّ اختيار المنهج التربوي لتطبيقه على واقع المجتمع المسلم، يجب أنْ يلحظ مسألة التعبّد بالنص المتجذّرة في أعماق الأُمّة المسلمة، ممّا يعني هذا ضرورة استنطاق النصّ في صياغة كلّ منهج، لا سيّما التربوي الذي يهدف إلى حراسة الأُمّة وحفظها من الانهيار، والقضاء على كلّ ما من شأنه أنْ يُفسِد على الناس فطرتهم، أو يبعث على انحراف سلوكهم، أو يُساعد على التواء سليقتِهم، أو يعكّر نظرتهم وتفكيرهم؛ لكي تُربّى الأُمّة - حينئذٍ - على عقيدةِ التوحيد الخالصة، وتكون حركة المجتمع كلّها باتجاه الحقّ المطلق، وبهذا ينسجم المنهج التربوي مع فطرة الله التي فطر الناس عليها جميعاً.

ولا شكّ أنّ تطبيق مثل هذا المنهج سيحقّق أعلى درجات الموازنة، بين حبّ الذات كغريزة وحبّ الغير كضرورة إنسانيّة، بين حبّ البقاء والتضحية في سبيل العقيدة والمبدأ، وبين حبّ الدنيا والعمل للآخرة، وسيغرس بذور الشعور بالمسؤوليّة في ذهن الأُمّة وتكون أفعالها وأقوالها مستندةٍ على أساسٍ مقبول. وهذا - في الواقع - هو منهج الإسلام بخطوطه العريضة الواسعة، الذي يسلّم بأهميّة الفرد وأسبقيّته الوجوديّة في المجتمع من جهة، ولكنّه من جهةٍ أُخرى يعطي للمجتمع عنايةً خاصّة مركّزة، باعتباره الأساس الذي تجري عليه السُنَن التاريخيّة في نشوء الحضارات وفنائها، وفي بقاء الأُمَم وهلاكها.

وحقيقة كون الإسلام صالحاً لكلّ عصرٍ وجيل هي التي تُبرّر لنا التأكيد على منهج أهل البيت ( عليهم السلام ) في التربية؛ لأنّ ما تعنيه تلك الحقيقة في قيمومة الإسلام وديمومته هو استنطاق القرآن الكريم وتحكيمه في مناحي الحياة ومناهجها، الأمر الذي يلزم تحديد المرجعيّة العلميّة للأُمّة، وقد حصرها النص - والتعبّد به لازم لكلّ مسلم - بثلّةٍ طاهرة، وجعلها قريناً للقرآن وحليفاً له وسمّاهما ثقلين هاديَين إلى الحقّ، عاصمَين من الضلالة، مع بقائهما عمر الدنيا وعدم افتراقهما حتّى يردا على النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) الحوض يوم القيامة.

ومَن يكون قرين القرآن فمنهجه في بناء الإنسان أحقُّ بأنْ يُتَّبع، وأولى بالعناية، وأجدر بالتطبيق، وإلاّ فلن يكون استنطاق القرآن وإهمال نظيره، كافياً في طرح المنهج التربوي البديل عن المناهج المستوردة السائدة في مجتمعنا المسلم!

ومن هنا انطلق الكتاب الماثل بين يدَي القرّاء لتوضيح معالِم هذا المنهج الربّاني الذي لم يبتنِ على أساس مرحلِي مؤقّت ليسدل التاريخ عليه ستاره بعد حين، وإنّما جاء إلينا على أساس كونه الحقيقة الربّانيّة الصالحة لجميع العصور، والامتداد الطبيعي لرسالة السماء. مسلّطاً بذلك الضوء على ملامحه الأساسيّة، مُمهّداً الطريق إلى دراسات علميّة تربويّة أوسع في غمار هذا المنهج.. والله الهادي إلى سَواء السبيل.

مركز الرسالة


المقدّمة

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين محمّد المصطفى وآله الطيّبين الطاهرين.

من الحقائق الثابتة أنّ التربية العشوائيّة أو العفويّة تبدّد الطاقات والجهود، وتخلق الاضطراب والبلبلة في المجال النفسي والسلوكي، وتحرف الأهداف والغايات التربويّة عن مسارها الحقيقي؛ ومن هنا كانت الحاجة إلى منهجٍ تربويٍّ ثابت في أُصوله، واضحٌ في مقوّماته وموازينه ضرورة من ضرورات الحركة التربويّة، فهو الذي يرسم للتربية مسارها السليم المتوازن، ويحدّد لها معالم طريقها، ويوجّه الجهود والنشاطات والبرامج التربويّة لتقرير المفاهيم والقِيم الصالحة والسامية في الواقع الإنساني.

وقد بذل العلماء والباحثون والمتخصّصون في شُؤون التربية جهوداً كبيرة ومتواصلة، للتوصّل إلى منهج تربوي يستندون إليه في انطلاقاتهم نحو تربية الإنسان والمجتمع على أُسُسٍ سليمةٍ وصالحة، ولم تتوقّف هذه الجهود قديماً وحديثاً ولا زالت مستمرّة، إلاّ أنّها لم تتّفق على نقاط مشتركة يمكنها أنْ تكون ميزاناً ومعياراً للجميع؛ لاختلاف العلماء والباحثين في متبنياتهم العقائديّة والفكريّة، ولاختلافهم في معرفة القوى المؤثّرة في حركة الكون والحياة والمجتمع والتاريخ.

وفي واقعنا الإسلامي اختلفت البحوث والدراسات أيضاً، فمنها ما اعتمد على الدراسات الغربيّة النظريّة والميدانيّة، دون بذل جهد للبحث عن منهج يعتمد على الأُسس والمفاهيم والقيم الإسلاميّة. ومنها ما هذّب وشذّب لكي يرتدي مظهراً شرقيّاً وإسلاميّاً، دون الرجوع إلى أهل الاختصاص في العلوم الإسلاميّة، ومنها ما زاوج بين الدراسات الغربيّة والدراسات الشرقيّة النظريّة والميدانية بما يلائم النظرة الشرقيّة للحياة والمجتمع.

واعتمدت بعض الدراسات على خُبُرات أساتذة الجامعات في المجالَين: النظري والتطبيقي، فخرجت بنتائج ايجابيّة؛ لاعتمادها على الواقع الإسلامي ولكنّها ليست بمستوى الطموح.

وهنالك دراسات قام بها متخصّصون في العلوم الإسلاميّة، جمعت بين الدراسات الحديثة الغربيّة والشرقيّة وبين الدراسات الإسلاميّة، ولكنّها لم تبحث المنهج التربوي بشكلٍ مستقلٍ وبمستوى الطموح. وجزى الله الجميع خيراً مادامت نواياهم منصبّة على رفد الساحة التربويّة بدراسات تسهم في البناء التربوي السليم.


وقد فات الكثير من الدراسات الرجوع إلى عدل القرآن وهُم أئمّة الهدى من أهل بيت النبوّة، فانّ أحاديثهم وإرشاداتهم ووصاياهم وسيرتهم العمليّة، كفيلةٌ بتحديد معالم متكاملة وشاملة لمنهجٍ تربويٍّ يصلح أنْ يكون مرجعاً لجميع العلماء والباحثين والمتخصّصين بشؤون التربية، وعلم النفس على اختلاف متبنّياتهم العقائديّة والفكريّة؛ لأنّه المنهج الذي لا يتقيّد بزمانٍ أو مكان، بل يصلح لكلّ زمانٍ ومكان؛ لأنّه صادر عن أئمّة الهُدى وعن رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) الذي لا ينطق عن الهوى، ومرجعه إلى الله تعالى المحيط بسكنَات الإنسان وحرَكاته، فهو مِن وضع خالق الإنسان لا مِن وضع الإنسان المحدود في فكره والمحدود في قواه العقليّة والعلميّة، وهو منهج واقعي يراعي واقع الإنسان فلا يحمّله ما لا يطيق، وهو منهج شمولي لايتحدّد بجانبٍ معيّن، ولا يبحث مجالاً دون آخر.

وفي بحثنا عن ملامح المنهج التربوي عند أهل البيت ( عليهم السلام )، نضع بعض القواعد التأسيسيّة في هذا المجال لتكون عوناً لمَن يرغب أنْ يتوسّع في البحث والكتابة، وقد اعتمدنا على أحاديث أهل البيت ( عليهم السلام ) وسيرتهم في التوصّل إلى معالم المنهج التربوي، مع الاستفادة من الشواهد والدراسات العلميّة الحديثة، ومن التجربة الشخصيّة من خلال متابعة عيّنات من الظواهر التربويّة والنفسيّة.

ووزّعنا البحث على فصول: تناولنا في الفصل الأول: أثَر الوراثة والمحيط في البناء التربوي، ثُمّ عرضنا في الفصل الثاني دور القِيَم المعنويّة والنفسيّة في المجال التربوي، وتناولنا في الفصل الثالث خصائص المربّين وأساليب التربية، وأخيراً تناولنا في الفصل الرابع خصائص ومميّزات المنهج التربوي عند أهل البيت ( عليهم السلام ).

وقد اخترنا الأُسلوب الميسّر في طرح الآراء والمتبنّيات، متجنّبين استخدام المصطلحات الغامضة والعبارات المُبهمة، لتكون الاستفادة عامّة وشاملة لجميع المستويات.

نسأل الله تعالى أنْ يوفّقنا لخدمة دينه ومنهجه ومَن أمرنا بطاعتهم إنّه نِعم المولى ونعم النصير.


الفصل الأوّل: أثر الوراثة والمحيط في البناء التربوي

أثبتت الدراسات التربويّة والاجتماعيّة المستفيضة الأثر الواضح للوراثة والمحيط الاجتماعي في تكوين شخصيّة الإنسان؛ حيثُ تنعكس على جميع جوانبها الجسديّة والنفسيّة والروحيّة؛ فأغلب الصفات تنتقل من الوالدين والأجداد الى الأبناء، إمّا بالوراثة المباشرة،أو بخَلْق الاستعداد والقابليّة للاتّصاف بهذه الصفة أو تلك، ثُمّ يأتي دَور المحيط التربوي ليقرّر النتيجة النهائيّة للشخصيّة.

أوّلاً: دور الوراثة

من الحقائق الثابتة أنّ الأبناء يرثون الوالدين في خصائصهم وصفاتهم الجسميّة والعقليّة والنفسيّة، وكذلك يرثون أجدادهم في بعضها.

وقد دلّت الروايات على أنّ الإنسان يرِث الخصائص والصفات الجسميّة من جميع آبائه وأجداده، ورد ذلك عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق ( عليه السلام ):( إنّ الله تبارك وتعالى إذا أراد أنْ يخلق خلقاً، جمع كلّ صورةٍ بينه وبين أبيه الى آدم، ثُمّ خلقه على صورة أحدهم، فلا يقولنّ أحدٌ هذا لا يشبهني ولا يشبه شيئاً مِن آبائي ) (١) .

____________________

(١) علل الشرايع / الشيخ الصدوق: ص ١٠٣، المكتبة الحيدريّة، النجف ١٣٨٥هـ.


وقد أثبت العلم الحديث هذه الحقيقة من أنّ ( وراثة المولود لا يحدّدها أبَوَاه المباشران فقط، بل هو يرِث من جدوده وآباء جدوده وجدود جدوده وهكذا وبديهيّ أنّ معظم وراثة الإنسان تنحدر إليه من آبائه الأقربين، وأنّ أثر الجدود الأباعد يقلّ كلّما زاد بُعدهم، وعلى هذا نستطيع القول: بأنّ نصف الوراثة من الأبَوين، ورُبعها من الجدود، وثُمنها من آباء الجدود وهكذا )(١) .

والوراثة لها دورٌ أساسيٌّ في نقل بقيّة الصفات، ولهذا أكّد رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) على حُسنِ الاختيار في الزواج فقال:( تخيّروا لنطفكم، فإنّ العِرْقَ دسّاس ) (٢) .

ومصطلح( العِرْق ) يُقابله في الاصطلاح المعاصر مصطلح الجينات genes، والتي تحملها الصبغيّات( الكروموسومات ) chromosomes التي تحتويها نواة الخليّة الناجمة عن البويضة الأُنثويّةovum المخصّبة من الحيوان المنوي الذكريsperm (٣) .

وتحذير رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) من العِرْق الدسّاس ناظر الى الصفات النفسيّة والروحيّة والخلقيّة، التي تنتقل بالوراثة، أو يكون العامل الوراثي خالقاً للاستعداد في نفس الوليد، للاتّصاف بصفة من الصفات التي يحملها الوالدان أو الأجداد.

ويقول( بيرون ) : ( إنّ ابني وهو منسوبٌ إليّ، ولكنّي أرى أجداده الماضين

____________________

(١) علم النفس التربوي / الدكتور فاخر عاقل: ص ٣٩، دار العلم للملايين، بيروت، ١٩٨٥.

(٢) المحجّة البيضاء / الفيض الكاشاني: ٣ / ٩٣، جامعة المدرّسين، قم، ط ٢.

(٣) علم نفس النمو / الدكتور حامد زهران: ص ٣٦، عالم الكتب، القاهرة، ١٩٨٢.


ينازعوني هذا الملك العزيز لدي، فإنّهم يشوّهون طهارة نفسه، ويكدّرون صفاء روحه بما رسب في أعماقهم من نزعات شرّيرة مجهولة انتقلت إليه بالوراثة )(١) .

الخصائص والصفات المنقولة بالوراثة

الوراثة تؤثر في تحديد أغلب خصائص وصفات الشخصية؛ حيث تخلق الاستعداد في النفس، فاذا وجدت البيئة المناسبة نمت وترعرعت بالاتجاه المناسب لها.

والخصائص والصفات التي يمكن توريثها هي باختصار:

١ - الصفات الجسميّة.

٢ - الصفات العقليّ: كحِدّة الذكاء أو البلادة، والطباع النفسيّة والعقليّة، وصِدق النظر في الميول والاهتمامات والاتّجاهات.

٣ - الطباع والسجايا: كالاهتمام أو عدم المبالاة، والرعونة وحدة الطبع، وسرعة الإجابة أو الخمول والجمود، والإحساس أو تعب الأعصاب، والانشراح والاكتئاب.

٤ - الميل في أعضاء الجسد نحو القوّة أو نحو الضعف.

٥ - المزاج العصبي.

٦ - غرابة الطبع وشواذ الحالات العصبيّة (٢) .

____________________

(١) النظام التربوي في الإسلام / باقر شريف القرشي: ص ٥٧، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، ١٤٠٨هـ.

(٢) سيكولوجيّة النمو والارتقاء / الدكتور عبد الفتاح دويدار: ص ٨١، دار النهضة العربيّة، بيروت، ١٩٩٣م.


فالخصائص والصفات المنقولة بالوراثة إذن تنقسم الى نفسيّة وعقليّة وخلقيّة، وهي إمّا أنْ تنتقل بصورة مباشرة أو تخلق الاستعداد للاتّصاف بها.

١ - الخصائص والصفات النفسيّة والعقليّة

الإمراض النفسيّة تنتقل بالوراثة من الوالدين أو أحدهما الى الأبناء، ولهذا حذّر الإمام محمّد الباقر ( عليه السلام ) من الإنجاب من المرأة المجنونة خوفاً من انتقال الجنون منها الى الطفل، فسُئل عن ذلك فقال:

( لا، ولكن إنْ كانت عنده أمة مجنونة، فلا بأس بأنْ يطأها ولا يطلب ولدها ) (١) .

وحذّر أمير المؤمنين ( عليه السلام ) من تزويج الحمقاء لانتقال هذه الصفة الى الأبناء ولعدم قدرتها على تربيتهم تربيةً سويّة فقال:( إيّاكم وتزويج الحمقاء، فانّ صحبتها بَلاء، وولدها ضَياع ) (٢) .

وقد دلّت الدراسات الحديثة على أنّ الوراثة تؤثّر في النموّ العقلي، والصحّة العقليّة والانفعاليّة، وتتوقّف مكانة الإنسان في الحياة الى حدٍ كبير على كفاءاته التي تحدّدها الوراثة الى حدٍّ بعيد، والمواقف والعقائد والقيم تتأثّر بمكانة الإنسان في الحياة، وهكذا فإنّ الوراثة تؤثّر ولو بصورة غير مباشرة في المواقف والعقائد والقيم(٣) .

وقد أثبت كثير من العلماء دور الوراثة في تحديد الصفات النفسيّة والروحيّة والعقليّة للإنسان، كوراثة الجنون، ومرض انفصام الشخصيّة، ويرى( لوسين )

____________________

(١) وسائل الشيعة / الحرّ العاملي: ٢٠ / ٨٥، مؤسّسة آل البيت، قم، ١٤١٢هـ، ط١.

(٢) الكافي: ٥ / ٣٥٤.

(٣) علم النفس التربوي / فاخر عاقل: ص ٦٢، ٦٣.


أنّ الطبع هو مجموعة الاستعدادات الوراثيّة التي تؤلّف الهيكل النفسي للإنسان(١) .

وفي عام ١٩٦٣ ظهرت أوّل دراسة عالميّة، جاء من بعدها ١١١ بحثاً في أرجاء العالم، حتّى عام ١٩٨١ تدلّ هذه الدراسات على أنّ عناصر وراثيّة كثيرة ( جينات أو أجزاء مختلفة من الحموض النوويّة ) تتّحد لتقرّر قوّة الذكاء الموروث(٢) .

وللذكاء والغباء تأثير واقعي على سُلوك وأخلاق الإنسان، وقد دلّت الروايات على ذلك وأيّدتها الدراسات العلميّة والميدانيّة الحديثة(٣) .

قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ):

١ -( مَن لم يكمُل عقلُه لم تُؤمَن بَوائقه ).

٢ -( مَن لم يكن لهُ عقلٌ يزينه لم ينبُل ).

٣ -( السَفه يجلِب الشر ).

٤ -( الجهل معدن الشر ).

٥ -( الجهل أصلُ كل شرّ ) (٤) .

وهنالك خصائص وصفات نفسيّة تتأثّر بالوراثة كالشجاعة، وهذه الصفة

____________________

(١) الشخصيّة وأثر معاملة الوالدين في تكوينها / أنطون رحمة: ص ٤٠، مطبعة الحياة، دمشق.

(٢) الأُسس البيولوجيّة لسلوك الإنسان / الدكتور إبراهيم الدر: ص ١٧١، الدار العربيّة للعلوم، بيروت، ١٩٩٤م.

(٣) علم النفس التربوي / الدكتور علي منصور: ٢ / ٤٥٣.

(٤) تصنيف غُرر الحكم: ص ٥٥، ٧٦.


لها تأثيرها الواضح على شخصيّة الإنسان في أغلب جوانبها، ومن الوقائع اللطيفة حول وراثة الشجاعة ما قاله( زهير بن القين ) للعبّاس بن أمير المؤمنين ( عليه السلام ): ( أحدثّك بحديثٍ وعيته؛ لمّا أراد أبوك أنْ يتزوج طلب من أخيه عقيل - وكان عارفاً بأنساب العرب - أنْ يختار له امرأة ولدتها الفحولة من العرب، ليتزوّجها فتلد غلاماً شجاعاً ينصر الحسين بكربلاء، وقد ادّخرك أبوك لمثل هذا اليوم )(١) .

٢ - الخصائص والصفات الخلقيّة

لا تقتصر الوراثة على الخصائص والصفات النفسيّة والعقليّة، التي تنتقل بصورة مباشرة أو غير مباشرة؛ بل تتعدّاها الى الخصائص والصفات الخلقيّة والسلوكيّة، إمّا بالمباشرة وإمّا بخلق القابليّة والاستعداد للاتّصاف بها، وقد يصعب تشخيص الوراثة عن المحيط في أجواء الأُسرة، فالطفل ينشأ ويترعرع في ظلّ الخصائص والصفات الخلقيّة التي يتّصف بها والداه، أو أحدهما بالتقليد وبالمحاكاة.

وقد حذّر أهل البيت ( عليهم السلام ) من الاقتران بالمنحرفين لتحصين العائلة والأطفال من الانحراف، قال الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ):( لا تتزوّجوا المرأة المستعلِنة بالزنا، ولا تزوّجوا الرجل المستعلِن بالزنا، إلاّ أنْ تعرفوا منهما التوبة ) (٢) .

وحذّر ( عليه السلام ) من تزويج شارب الخمر فقال:( من زوّج كريمتَه مِن شاربِ

____________________

(١) مقتل الحسين / المقرّم: ص ٢٠٩، عن أسرار الشهادة: ص ٣٨٧.

(٢) مكارم الأخلاق / الطبرسي: ص ٣٠٥، منشورات الشريف الرضي، ١٤١٠هـ.


خمر فقد قطع رحمها ) (١) .

وقد دلّت الدراسات الحديثة على هذه الحقائق، وتنسب الى( ديوجن ) هذه الكلمة حين التقى بأبْلَهٍ: ( يا فتى، كان أبوك سكران حين حملت بك أُمّك ).

وكتب الطبيب الفرنسي le grand: ( إنّ أولاد السكّيرين يشكلّون متحفاً للأمراض، من سوء نموّ الجهار العظمي، ومن السل الى الصرع الى الهستيريا، ومن ضعف الملَكَات العقليّة وانحلالها تماماً، الى ميول أخلاقيّة فاسدة واستعداد عجيب للإجرام )(٢) .

ويقول الدكتوركاريل : ( إنّ سكر الزوج أو الزوجة حين الاتّصال الجنسي بينهما يعتبر جريمةً عظيمة؛ لأنّ الأطفال الذين ينشأون في ظروف كهذه يشكون في الغالب من عوارض عصبيّة ونفسيّة غير قابلة للعلاج )(٣) .

ويرى أمير المؤمنين ( عليه السلام )، أنّ الأصل الكريم والعِرق الصالح يؤثّر تأثيراً واضحاً على الإنسان، فمَن كان ينتمي الى نَسبٍ عريق في المكارم والفضائل، ستكون المكارم والفضائل صفةً ملازمةً له في جميع جوانب حياته، فلِلوراثةِ دورها وتأثيرها الواضح في أخلاق وسلوك الإنسان، حيثُ تخلُق في نفسه الاستعداد والقابليّة للاتّصاف بالمكارم والفضائل إذا كان ينحدر من أُصول متّصفة بها، وكذا الحال في مَن ينحدر من أُصول تتّصف بالرذائل والمفاسد، فإنّه يرثُها أو يكون قابلاً للاتّصاف بها.

____________________

(١) الكافي: ٥ / ٣٤٧.

(٢) دراسات معمّقة في الفقه الجنائي المقارن / الدكتور عبد الوهاب حمود: ص٣٤، جامعة الكويت، ١٩٨٣م.

(٣) الطفل بين الوراثة والتربية: ص ٧٨، عن طريق الحياة: ص ٩١.


قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ):

١ -( إذا كرُم أصلُ الرجل كرُم مغيبُه ومحضره ).

٢ -( جميل المقصد يدلّ على طهارة المولد ).

٣ -( من خبث عنصره ساء محضره ).

٤ -( من كرم محتده حسن مشهده ).

٥ -( منزع الكريم أبداً إلى شيم آبائه ) (١) .

ويستدلّ ( عليه السلام ) على كرم الأعراق من خلال حُسن الأخلاق، فحُسن أخلاق الأبناء كاشفٌ عن حُسن عروقه وأُصوله، قال ( عليه السلام ):( حسن الأخلاق برهان كرم الأعراق ) (٢) .

وفي كلام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) دلالات واضحة على وراثة الخلق والشرف من الآباء والأُمّهات والأجداد، وفي كلامه تشجيع على طلب الحوائج من ذوي الأُصول الطيبة حيثُ قال ( عليه السلام ):( عليكم في قضاء حوائجكم بكرام الأنفس والأُصول، تنجح لكم عندهم من غير مطالٍ ولا منٍّ ) .

وقال عليه السلام:( عليكم في طلب الحوائج بشراف النفوس ذوي الأُصول الطيّبة، فإنّها عندهم أقضى، وهي لديهم أزكى ) (٣) .

ويسوق الباحثون في علم النفس والتربية أمثلةً على تأثير الوراثة على الخصائص والصفات الخلقيّة، ومنها دراسة عائلة( كالليكاك ) ، حين كان جنديّاً في عهد الثورة الأمريكيّة حيث اقترن مع فتاة ضعيفة العقل كانت خادمة في خان،

____________________

(١) تصنيف غرر الحكم: ص ٤٠٩.

(٢) المصدر السابق نفسه: ص ٢٥٤.

(٣) تصنيف غرر الحكم: ص ٢١٤.


ثُمّ اقترن عن طريق زواج شرعي بفتاة مدنيّة ذات ذكاء سوِي تزوّجها بعد عودته من الحرب.

ففي السلسلة الناتجة عن زواجه الشرعي لوحظ أنّ السواد الأعظم من نسله كان سويّاً أمّا في السلسلة الثانية التي نشأت عن علاقة( كالليكاك ) بفتاة الخان، فقد لوحظ عدد كبير جدّاً من ضِعاف العقول ومدمني الخمر والمومسات والمجرمين.(١)

ولتأثير الوراثة على الخصائص والصفات الخلقيّة، نسوق مثالاً من تاريخنا الإسلامي نُقارن فيه بين أُسرتين: أُسرة بني هاشم وأُسرة بني أُميّة، ففي الأُسرة الأُولى كان رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وأمير المؤمنين ( عليه السلام ) والأئمّة من ولده، وفي الأسرة الثانية كان أبو سفيان ومعاوية ويزيد ومروان وعبد الملك، والاختلاف بين الأُسرتين واضح المعالم، حيث القمّة في الخلق والسموّ في المثل في قبال الانحراف الكلّي والانحطاط التام في أغلب جوانب الشخصيّة.

ثانياً: دور المحيط التربوي

تشترك الوراثة مع المحيط في البناء التربوي بحيث لا يُمكن فصل بعضهما عن بعض؛ لأنّهما متكاملان متكاتفان؛ حيثُ تخلق الوراثة القابليّة والاستعداد للاتّصاف بهذه الصفة أو تلك إنْ وجَدَت المحيط التربوي المناسب، وتشترك الوراثة مع المحيط في خلق الشخصيّة بما في ذلك المتبنيات العقائديّة والقيم، ومع هذا التكامل والتكاتف يبقى للمحيط التربوي دور متميّز في البناء التربوي،

____________________

(١) علم النفس / الدكتور فاخر عاقل: ص ٢٦٤، دار العلم للملايين، بيروت، ١٩٨٧م، ط ١٠.


وهذا واضح من خلال النظرة الى الواقع، ومن خلال متابعة مسيرة الإنسانيّة التي لا تخلو من نبيٍّ مُرسل أو وصيِّ نبيّ؛ يقومان بمهمّة خلق المحيط التربوي المناسب لإصلاح النفس الإنسانيّة والمجتمع الإنساني.

والمحيط التربوي يشمل جميع مواقع التأثير في الواقع الاجتماعي وأهمّها: الأُسرة، الأصدقاء، حَلَقَات الذكر، المسجد، علماء الدين، المدرسة، الدولة.

١ - الأسرة

الأسرة هي المحيط التربوي الأساسي المسؤول عن إعداد الطفل للدخول في الحياة الاجتماعيّة؛ ليكون عنصراً صالحاً فعّالاً في إدامتها، على أساس الصلاح والخير والبناء الفعّال، والأُسرة نقطة البدء التي تزاول إنشاء وتنشئة العنصر الإنساني؛ وتؤثّر في كلّ مراحل الحياة إيجاباً وسلباً، وهي مسؤولة بالدرجة الأُولى عن النشأة والترعرع، وهي التي تحدّد مسار الإنسان السلوكي إنْ كانت التنشئة الاجتماعيّة خارجها ملائمة ومتشابهة.

ولأهمّيّة الأُسرة في البناء التربوي أبدى أهل البيت ( عليهم السلام ) أهمّيّة خاصّة بها، وكانت إرشاداتهم تؤكّد على اختيار شريك الحياة الصالح والمتديّن؛ ليقوم بالتعاون مع شريكه في إعداد الأطفال إعداداً ينسجم مع المنهج السلوكي في الإسلام، وحثّ أهلُ البيت الوالدين على القيام بمسؤوليّتهما في التربية وخصوصاً الوالد، حيث تقع عليه كامل المسؤوليّة.

قال الإمام زين العابدين ( عليه السلام ):( وأمّا حقّ ولدك، فتعلم أنّه منك ومضافٌ إليك في عاجلِ الدنيا بخيره وشرّه، وأنّك مسؤولٌ عمّا وليته من حُسن الأدَب، والدلالة على ربّه والمعونة له على طاعته فيك وفي نفسه، فمثابٌ


على ذلك ومعاقب، فاعمل في أمره عمل المتزّين بحُسنِ أثره عليه في عاجل الدنيا، المُعذَر الى ربّه فيما بينك وبينه بحُسن القيام عليه، والأخذ له منه ولا حول ولا قوة إلاّ بالله ) (١) .

وقال أيضاً:( وأمّا حقّ الصغير فرحمته وتثقيفه وتعليمه، والعفو عنه والستر عليه والرفق به والمعونة له، والستر على جرائر حداثته فإنّه سببٌ للتوبة، والمداراة له وترك مماحكته فإنّ ذلك أدنى لرُشده ) (٢) .

ودور الأُسرة لا يحدّد سلوك أفرادها فحسب، بل يحدّد جميع مقوّمات الشخصيّة: الفكريّة والعاطفيّة والنفسيّة؛ حيثُ ينعكس التعامل مع الأبناء على اتّزانهم النفسي والانفعالي، ولهذا يختلف الوضع النفسي مِن فردٍ لآخر في أُسرةٍ واحدة أو في أُسَرٍ متعدّدة، تبعاً لنوع المعاملة معه من حيث الرعاية أو الإهمال.

٢ - الأصدقاء والأصحاب

يتأثّر الإنسان وخصوصاً في مراحل حياته الأُولى بأصدقائه وأصحابه؛ حيث تنعكس آراؤهم ومشاعرهم وممارساتهم على مقوّمات شخصيّته، عن طريق الاحتكاك والتلقين والاستهواء، والتي تهيّأ العقول للتلقي والقلوب للاستجابة، والإرادات للممارسة.

ويتأثّر الإنسان بأصدقائه من حيث متبنّياته الفكريّة ونظرته الى الكون والحياة، ومٍِن ثُمّ مواقفه العمليّة وممارساته السلوكيّة؛ ولهذا جاءت روايات أهل البيت ( عليهم السلام ) لتؤكّد اختيار الأصدقاء الصالحين وتجنّب الطالحين.

____________________

(١) تحف العقول / الحرّاني: ص ١٨٩.

(٢) المصدر السابق نفسه: ص ١٩٤.


فمن كتاب لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) كتبه الى الحارث الهمداني جاء فيه:( واحذر صحابة من يفيل رأيه، ويُنكر عملُه، فإنّ الصّاحب معتبرٌ بصاحبه وإيّاك ومصاحبة الفسّاق، فإنّ الشرّ بالشرّ ملحق ) (١) .

وحذّر ( عليه السلام ) من مصادقة المنحرفين فقال:( إيّاك ومصادقة الأحمق فإنّه يُريد أنْ ينفعك فيضرّك، وإيّاك ومصادقة البخيل؛ فإنّه يقعد عنك أحوَج ما تكون إليه، وإيّاك ومصادقة الفاجر؛ فإنّه يبيعك بالتافه، وإيّاك ومصادقة الكذّاب؛ فإنّه كالسّراب يقرّب عليك البعيد، ويبعّد عليك القريب ) (٢) .

ومعاشرة الفسّاق والسفهاء خصوصاً، تؤدّي الى فساد الأخلاق كما ورد في حديث الإمام محمّد الجواد ( عليه السلام ):( فساد الأخلاق بمعاشرة السُفَهاء ) (٣) .

وفي مقابل هذه التحذيرات حثّ أهلُ البيت ( عليهم السلام ) على مصادقة ومجالسة الصالحين والأتقياء؛ لأنّها وسيلة من وسائل إصلاح الفكر وإصلاح السلوك؛ لانّ الإنسان يتأثّر بأفكار وسلوك المحيطين به، وخصوصاً إذا كانوا أكثر علماً أو تجربة منه، أو أكثر وجاهةً منه؛ لأنّ الإنسان يتأثّر بالأعلى منه ويقتدي بمَن فوقه من ذَوِي المواقع الاجتماعيّة المتقدّمة.

قال الإمام زين العابدين ( عليه السلام ):( مُجالسةُ الصالحين داعيةٌ إلى الصلاح ) (٤) .

وقال ( عليه السلام ):( جالسوا أهل الدين والمعرفة، فإنْ لم تقدروا عليهم فالوَحدة

____________________

(١) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد: ١٨ / ٤٢.

(٢) المصدر السابق نفسه: ١٨ / ١٥٧.

(٣) كشف الغمة / الأربلي: ٢ / ٣٤٩.

(٤) تحف العقول / الحرّاني: ص ٢٠٥.


آنس وأسلَم، فإنْ أبيتم إلاّ مجالسةَ الناس، فجالسوا أهل المروّات؛ فإنّهم لا يرفثون في مجالسهم ) (١) .

وحثّ الإمام محمّد الباقر ( عليه السلام ) على مصاحبة واتّباع الناصحين فقال:( اتّبع من يُبكيك وهو لك ناصح، ولا تتّبع من يضحكك وهو لك غاشّ ) (٢) .

٣ - المَجالس وحلقات الذكر

المجالس وحلقات الذكر بيئةٌ اجتماعيّةٌ متكاملة، تترك آثارها الملموسة على الإنسان تأثّراً بالجماعة التي تتألّف منها المجالس وحلقات الذكر؛ حيثُ تخلق أجواءً تربويّةً فكريّةً وسلوكيّة تؤثّر تدريجيّاً على المشاركين فيها، وقد أطلق رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) على مجالس الذكر وحَلَقات الذكر مصطلح( رياض الجنّة ) .

قال ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ):( بادروا إلى رياض الجنّة )، قالوا: يا رسول الله، وما رياض الجنّة؟

قال:( حلَقُ الذكر ) (٣) .

وسُئل ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أين رياض الجنّة؟ فقال:( مجالس الذكر، فاغدوا وروّحوا في ذكر الله ) (٤) .

وتتنوّع مجالس وحلَقَات الذكر بتنوّع الظروف والأوضاع، كمجالس العُلماء، ومجالس الصالحين، وجلَسَات حفظ القرآن الكريم وتلاوته، ومجالس العزاء على الإمام الحسين ( عليه السلام )، ويلحق بها الاحتفالات والمهرجانات التي تُقام

____________________

(١) مستدرك الوسائل / النوري: ٨ / ٣٢٨.

(٢) الكافي / الكليني: ٢ / ٦٣٨.

(٣) من لا يحضره الفقيه / الصدوق: ٤ / ٤٠٩.

(٤) مكارم الأخلاق / الطبرسي: ص ٣١٢.


على مدار السنة في الأعياد ومناسبات ولادة رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) والأئمّة ( عليهم السلام )، ويوم المبعَث، ويوم الغدير وغير ذلك.

ومجالس الصالحين لها أثرٌ كبير في الإصلاح والتغيير، وكما ورد عن الإمام زين العابدين ( عليه السلام ):( مجالس الصالحين داعيةٌ إلى الصلاح ) (١) .

ومن مجالس الصالحين المجالس التي تُعقد أثناء الزيارات المتبادلة في المنازل، قد حثّ أهل البيت ( عليهم السلام ) عليها لدورها في التربية والإصلاح.

قال الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ):( تزاوروا فإنّ في زيارتكم إحياءً لقلوبكم وذكراً لأحاديثنا، وأحاديثنا تعطف بعضكم على بعض؛ فإنْ أخذتم بها رشدتم ونجوتم، وإنْ تركتموها ضللتم وهلكتم، فخذوا بها وأنا بنجاتكم زعيم ) (٢) .

وحذّر أهل البيت ( عليهم السلام ) من الاشتراك في مجالس الانحراف لتأثيرها السلبي على المشاركين، قال الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ):( لا ينبغي للمؤمن أنْ يجلس مجلساً يُعصى الله فيه، ولا يَقدر على تغييره ) (٣) .

وقال أيضاً:( مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يَقعدنّ في مجلسٍ يُغتاب فيه إمام أو يُنتقص فيه مؤمن ) (٤) .

٤ - المساجد

المساجد من أهمّ الأجواء الإيمانيّة والتربويّة، التي تسهم بشكلٍ فعّال في

____________________

(١) مجموعة ورّام: ٢ / ٣٥.

(٢) الكافي / الكليني: ٢ / ١٨٦.

(٣)و(٤) مجموعة ورّام: ٢ / ٢١٠.


تربية الإنسان وإصلاحه وتغييره، والمسجد خيرُ محيطٍ للإنسان للارتباط بالله سبحانه وتعالى وبعالم الغيب، حيثُ يجعل الإنسان يعيش أجواءً معنويّةً وروحيّة، يتعالى فيها على أثقال الحياة ويتسامى فيها فكراً وعاطفةً ثمّ سُلوكاً.

قال الإمام الحسن ( عليه السلام ): ( من أدام الاختلاف إلى المسجد أصاب إحدى ثمان: آيةً مُحكَمَة، وأخاً مستفاداً، وعِلماً مستطرفاً، ورحمةً منتظرة، وكلمةً تدلّه على الهدى أو تردّه عن ردى، وترك الذنوب حياءً أو خشيةً )(١) .

ولأهميّة المسجد في بناء الشخصيّة الرساليّة تضافرت الروايات عن أهل البيت ( عليهم السلام )، على استحباب بناء المساجد، واستحباب الصلاة فيها، ووضعوا برنامجاً متكاملاً في المستحبّات والمكروهات التي ينبغي مراعاتها داخل المساجد؛ وهي الحصن الواقي الذي يدفع الإنسان للحركة نحو السموّ والتكامل.

٥ - العُلماء

للعلماء سلطانٌ على الناس وخصوصاً عُلماء الدين؛ لأنّ لهم قدسيّةً خاصّة يؤثّرون من خلالها على الأفكار والعواطف والإرادات، ولهم دورٌ فعّال في بناء الإنسان والتصدّي لجميع ألوان الانحراف الذي يهدّد فكر المجتمع وسُلوكه ومسيرته التاريخيّة، وهُم ليسوا مجرّد وعّاظ ومعلّمين لطقوسٍ دينيّةٍ أو فروضٍ منطقيّة؛ إنّهم قادةٌ روحيّون يتحملّون مسؤوليّة الهداية والإصلاح والتغيير الشامل.

قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في وصفه للعلم:( يرفعُ الله به أقواماً يجعلهم في

____________________

(١) تحف العقول / الحرّاني: ص ١٦٦.


الخير أئمّة يُقتدى بِهم، تُرمَقُ أعمالَهم، وتُقتَبَس آثارهم ) (١) .

ولِمقام العلماء ودورهم في التأثير أثرٌ واضحٌ في صلاح الناس أو فسادهم، تبعاً لصلاح العلماء أو فسادهم.

قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ):( إنّ كلام الحكماء إذا كان صواباً كانَ دواءً، وإذا كان خطأً كان داءً ) (٢) .

وقال أيضاً:( زَلّةُ العالِم كانكسار السفينة تَغرَق ويَغرق معها خَلْقٌ ) (٣) .

وقال أيضاً:( زَلّة العالِم تُفسِدُ عوالِم ) (٤) .

٦ - الدولة

من الحقائق التاريخيّة أنّ المجتمعات تتأثّر بحكّامها، حيثُ تنعكس أفكار وأخلاق الحاكم وأجهزة الحكم على الناس خيراً أم شرّاً، فالحاكم حريصٌ على تغيير المجتمع طبقاً لمتبنياته الفكريّة والعاطفيّة والسلوكيّة، ويستطيع تحقيق ما يحرص عليه لامتلاكه لمصادر القوّة والتأثير ومنها: المال والإعلام.

قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ):( السلطان الفاضل هو الذي يحرس الفضائل ويجود بها لِمَن دُونه، ويرعاها من خاصّته وعامّته حتّى تكثر في أيّامه، ويتحسّن بها مَن لَم تَكُن فيه ) (٥) .

____________________

(١) بحار الأنوار / المجلسي: ١ / ١٦٦.

(٢) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد: ١٩/ ٢٧١.

(٣) شرح نهج البلاغة: ٢٠ / ٣٤٣.

(٤) تصنيف غرر الحكم: ص ٤٧.

(٥) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد: ٢٠ / ٢٨٢.


وجعل الإمام الصادق ( عليه السلام ) مقدّمات الإصلاح واجبة على السلطان وعلى دولته فقال:( ثلاثةٌ تجِب على السلطان للخاصّةِ والعامّة: مكافأة المُحسِن بالإحسان ليزدادوا رغبةً فيه، وتغمّد ذنوب المُسيء ليتوبَ ويرجع عن غيّه، وتألفهم جميعاً بالإحسان والإنصاف ) (١) .

والرعية تتأثر بحاكمها وكما قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ):( قلوب الرعيّة خزائن راعيها، فما أودعها من عدلٍ أو جورٍ وجده ) (٢) .

ومثّل ( عليه السلام ) الملِك بالنهر والناس بالجداول فقال:( الملِك كالنهر العظيم تستمدّ منه الجداول، فإنْ كان عذباً عذبت، وإنْ كان ملحاً ملحت ) (٣) .

أثر الغرائز في التربية

الغريزة في اللغة هي: الطبيعة والقريحة والسجيّة، وقال اللحيّاني: هي الأصل والطبيعة(٤) .

وفي الاصطلاح هي: استعداد فطريٌّ نفسي جسمي يدفع الفرد الى أنْ يدرك وينتبه الى أشياء من نوع معيّن، وأنْ يشعر بانفعال خاص عند إدراكها، وأنْ يسلك نحوها مسلكاً خاصّاً(٥) .

____________________

(١) تحف العقول / الحرّاني: ص ٢٣٦.

(٢) تصنيف غرر الحكم: ص ٣٤٦.

(٣) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد: ٢٠ / ٢٧٩.

(٤) لسان العرب / ابن منظور: ٥ / ٣٨٦.

(٥) منهج التربية أساسيّاته ومكوّناته / الدكتور علي أحمد مدكور: ص ٥٩، الدار الفنيّة، القاهرة، ١٩٩٣م.


والغريزة كما هو المُستفاد من معناها أمرٌ مغروزٌ في داخل الذات، يتفاعل مع المحيط الخارجي لينطلق نحو الاستجابة والإشباع، وهي قوّة لا نلاحظها مباشرةً، بل نستنتجها من الاتّجاه العام للسُلوك الصادر منها في الواقع.

ومن هنا فلِلغريزة مظاهرٌ ثلاثة:١ - مثيرٌ خارجي. ٢ - سلوكٌ عمليّ. ٣ - هدَفٌ يُراد تَحقيقه.

وبعبارة أُخرى أنّ الغريزة تَتَفاعل مع الشعور بمظاهره الثلاثة: الإدراك والانفعال والرغبة للتحقيق.

فهي تتفاعل مع المثير الخارجي وتنفعل مع مظاهره المتنوّعة، وتنطلق لتحقيق هدفها وهو الإشباع والارتواء، وهذا التفاعل والانطلاق هو أمرٌ فطريٌّ لا يختلف ولا يتخلّف من فردٍ لآخر، وأمّا السلوك الصادر عن الغريزة، فهو أمرٌ تتحكّم به إرادة الإنسان وما يحمله من متبنّيات فكريّة وعاطفيّة وخلقيّة، من حيث نظرته للكون وللحياة والمجتمع، فيكون منسجماً معها مطابقاً للأُسُس والقواعد التي تبنّاها في رسم منهجه في الحياة، ولهذا يختلف سلوك الإنسان وممارساته العمليّة اندفاعاً وانكماشاً من إنسانٍ لآخر تَبَعاً لدرجات إيمانه واعتقاده بمتبنّياته.

وتتنوّع الغرائز بتنوّع تركيبة الإنسان وكينونته، فهو جسدٌ وروح ولكلّ منهما وظائفه الخاصّة المترتّبة على الحاجات الأساسيّة العضويّة والوجدانيّة في آنٍ واحد.

والتقسيم الثنائي للغرائز يُرجعها الى العقل والشهوة، وهُما الأساس الذي تتفرّع وتتنوّع منهما سائر الغرائز والدوافع والحاجات.

قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ):( إنّ الله ركَّب في الملائكة عقلاً بلا شهوة، وركّب في البهائم شهوةً بلا عقل، وركّب في بني آدم كلتيهما، فمَن غلب عقله


شهوتَه فهو خيرٌ من الملائكة، ومَن غَلَبت شهوتُه عقلَه، فهو شرٌّ من البهائم ) (١) .

ومصطلح الشهوة يُطلق على القوّة التي تشتهي، وعلى الأمر المُشتهَى(٢) .

فمن العقل تتفرّع غريزة التديّن وغريزة التكامل أو حبُّ الكمال، وغريزة الأمن والاستقرار، ومن الشهوة تتفرّع غريزة الجوع والغريزة الجنسيّة وبقيّة الغرائز ذات الطابع الجسماني.

عن الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) قال: قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ):( إنّ أوّل ما عُصِيَ الله به ستّةُ أشياء: حُبّ الدنيا، وحُبّ الرئاسة، وحُبّ الطعام، وحُبّ النوم، وحُبّ الراحة، وحُبّ النساء ) (٣) .

وقد أيّد العلم الحديث ما قاله الإمام عليّ ( عليه السلام ) في نظرته للإنسان حيثُ إنّ المفهوم السائد في هذا العصر ( إنّ الإنسان لا هو حيوان ولا هو مِن السماء، ولكنّه بين الاثنين، وتطوّره يعتمد على تمييزه المضبوط لطبيعة إمكاناته المحدودة )(٤) .

فالإنسان في رأي أمير المؤمنين تَتَجاذبه قوّتان: الشهوة والعقل، وهذه القوى تبكّر لديه في الظهور واليقظة، وتسرع عنده في النموّ والتأثير، وهي

____________________

(١) علل الشرايع / الشيخ الصدوق: ١ / ١٠٢، المكتبة الحيدريّة، النجف، ١٣٨٥هـ.

(٢) مفردات ألفاظ القرآن / الراغب: ص ٢٧٠.

(٣) مجموعة ورّام: ٢ / ٢٠٥.

(٤) الشخصيّة بين النجاح والفشل / الدكتور عبّاس مهدي: ص ٩١، عن: colin wilson, beyond the outsider p.١٥٩.


المؤثّرة في بنائه الخَلقي والنفسي، فإذا نمت قوّة الشهوة وتغلّبت على قوّة العقل فإنّ الإنسان سيكون مستسلِماً لهواه وملذّاته، وسيشبعها دون قيود أو شروط في أجواء المثيرات والمغريات الخارجيّة، الى أنْ يصبح كالحيوان همّه بطنه وفرجه، أو يقف الواقع حائلاً دون إشباعها؛ فيؤدّي ذلك الى اختلال التوازن النفسي والانفعالي في كيانه فيُصاب بالاضطراب النفسي والروحي، وإذا غلبت قوّة العقل قوّة الشهوة، فإنّ الإنسان سيشبعها في وجهها الايجابي، فهو لا يوقف الشهوة ولا يعطّلها، بل يوجّهها وجهةً عقلانيّة ويقيّدها بقيود الشريعة أو يؤجّل إشباعها الى ظرفها المناسب المشروع.

ودور العقل هو تعديل الشهوة وتهذيبها واستبدال مثيراتها الطبيعيّة بمثيرات أُخرى تتّجه بها الى السموِّ والكمال، وتدع بها سلوكها الفطريّ إلى سُلوكٍ فيه النضج والقوّة للفرد والصلاح للمجتمع.

والعقل يقدّم التسامي على اللذات الفانية، ويوجّه الإنسان الى طاعة ربّه ويقدّمها على غيرها.

ويصف الإمام محمّد الباقر ( عليه السلام ) أهل التقوى قائلاً:( أخّروا شهواتهم ولذّاتهم خلْفَهم، وقدّموا طاعة ربّهم أمامهم ) (١) .

فالإمام لم يقل: ألغَوا شهواتَهم ولذّاتهم أو عطّلوها، بل قال: أخّروا؛ لأنّ منهج أهل البيت ( عليهم السلام ) هو منهج التوازن، ولهذا نجد أنّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يُعاتب عاصم ابن زياد حينما لبس العباءة وتخلّى عن الدنيا فيقول له:( يا عديَّ نفسه لقد استهام بك الخبيث! أما رحِمت أهلَك وولْدَك! أترى الله أحلَّ لك الطيّبات،

____________________

(١) تحف العقول / الحرّاني: ص ٢٠٩.


وهو يكره أن تأخذها! أنت أهون على الله من ذلك ) (١) .

ومنهج أهل البيت ( عليهم السلام ) يدعو الى أنْ يكون العقل حاكماً على الشهوات؛ لأنّ الانسياق وراء الشهوات يؤدّي إلى وقوع الإنسان في مهاوي الرذيلة، ومِن آثارها ما ورَدَ في أقوال أمير المؤمنين ( عليه السلام ):

١ -( قرينُ الشهوة مريضُ النفس معلولُ العقل ) .

٢ -( غلبة الشهوة تُبطِل العِصمة وتُورد الهُلْك ).

٣ -( من زادت شهوته قلت مروّته ).

٤ -( إنّّكم إنْ ملّكْتُم شهواتكم نَزَتْ بكم الى الأشر والغواية ) (٢) .

وخلاصة القول: إنّ غلبة العقل على الشهوة بمعنى تحكمه فيها، يجعل الإنسان في قمّة السموّ والتكامل، وإنّ غلبة الشهوة على العقل تجعل الإنسان في المستنقع الآسن وفي ركب الطالحين.

قال الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ):( لا تدع النفسَ وهواها، فإنّ هواها [في] رداها، وترك النفس وما تهوى أذاها، وكفّ النفس عمّا تهوى دواها ) (٣) .

* * *

____________________

(١) نهج البلاغة: ص ٣٢٤.

(٢) تصنيف غرر الحكم: ص ٣٠٥.

(٣) الكافي / الكليني: ٢ / ٣٣٦.



الفصل الثاني: دور القيم المعنويّة والنفسيّة في المجال التربوي

قال سبحانه وتعالى:( وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ) (١) .

الإنسان والمجتمع في تدهور واضطراب وخُسران في جميع مقوّمات الحياة وميادينها، باستثناء مَن تكون المفاهيم والقِيَم الدينيّة هي الحاكمة على مسيرته وحركته؛ حيث تُحرّر تلك القِيَم الإنسان والمجتمع معاً من جميع العبوديّات الفكريّة والاجتماعيّة والتربويّة، وتزرع في الضمير وخَلَجَات النفس وفي الواقع الاستقرار والطمأنينة، التي هي أساس الصحّة النفسيّة والخلقيّة، وتدفع الى العمل الايجابي البناء في إصلاح وتغيير النفس والمجتمع، وأساس القِيَم المعنويّة والنفسيّة الإيمان بالله تعالى، وبإحاطته التامّة بالإنسان في حركاته وسَكَناته، وهو الذي يجعل الضمير طامعاً في ثواب الله، وخائفاً من غضبه وعقابه.

وأثبتت حركة التاريخ وسُننه المتتابعة إنّ الابتعاد عن الدين فكراً وسُلوكاً هو أساس جميع ألوان الانحراف والانحطاط الفردي والاجتماعي، ابتداءً بفقدان الصحّة النفسيّة والروحيّة، وانتهاءً بالممارسات المنحرفة، ولهذا نجد أنّ الانحراف يتزايد في المجتمعات غير الدينيّة التي لا تؤمن بمفاهيمه أو لا تتبنّاه منهجاً لها في

____________________

(١) سورة العصر: ١٠٣ / ١ - ٣.


الحياة.

قال تعالى:( فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ) (١) .

والضنَك هو الضيق في كلّ شيء، وهو لازم لِمَن أعرض عن ذكر الله، والإعراض يبعد القلب عن الهدوء، والنفس عن الطمأنينة، ويجعل الإنسان يعيش الانفلات من الرقابة الذاتيّة فلا كابح لشهواته ورَغَبَاته ونَزَوَاته، فيكون همّه إشباعها بأيّ طريق أمكن دون النظر الى الآثار الوخيمة المترتّبة على ذلك.

وبعد هذه المقدمة نوزّع الفصل على مبحثين:

المبحث الأول: دور القيم المعنويّة في التربية من خلال إرشادات أهل البيت ( عليهم السلام )

القِيَم المعنويّة تشمل: الإيمان بالله، والإيمان بالثواب والعقاب، وذكر الله، وذكر الموت، والاعتراف بالذنب، والاستغفار، والتوبة، والرضا بالقضاء. وفيما يلي نستعرضها تِباعاً:

١ - الإيمان بالله تعالى

الإنسان مجبول بفطرته على الإيمان بالله تعالى، حيثُ يبدأ مُنذ الطفولة بالتساؤل عن نشوئه ونشوء الكون، وعن العلّة من وراء ذلك، والإيمان بالله من ( أهمّ القيم التي يجب غرسها في الطفل ممّا سوف يُعطيه الأمل في الحياة

____________________

(١) سورة طَه: ١٢٣ و ١٢٤.


والاعتماد على الخالق ويوجد عنده الوازع الديني الذي يحميه من اقتراف الآثام) (١) .

والإيمان بالله حاجة ضروريّة، وفي هذا الصدد قالباسكال: ( كلّ شيء غير الله لا يشفي لنا غليلاً) (٢) .

ويرى الفيلسوف المعاصرالدوس هكسلي أنّه( لا تستريح البشريّة حتّى يتجرّد الإنسان من عوائقه ونَزَعَاته، ولا يكون متجرّداً، إلاّ إذا ارتبط برباطٍ آخر ألا وهو الله) (٣) .

ويرى عالم النفس السويسريكارل يونج ( أنّ انعدام الشعور الديني يُسبب كثيراً من مشاعر القلق والخوف من المستقبل، والشعور بعدم الأمان، والنزوع نحو النزعات الماديّة البحتة، كما يؤدّي إلى فقدان الشعور بمعنى ومغزى هذه الحياة، ويؤدّي ذلك إلى الشعور بالضياع )، وقد استخدم هذا العالِم الدين في علاج كثير من مرضاه النفسيّين(٤) .

وهذه المشاعر وما يرافقها مِن نزوع نحو النَزَعات الماديّة هي أساس الانحراف الفكري والعاطفي والسلوكي، وأساس الشرور والآثام، ولا وقاية إلاّ بالإيمان بالله تعالى، ولا علاج إلاّ بتعميق الإيمان في النفوس.

____________________

(١) قاموس الطفل الطبي: ص ٢٩٤.

(٢) دائرة معارف القرن العشرين: ١ / ٤٨٢.

(٣) نحو إنسانيّة سعيدة / الدكتور محمّد المبارك: ص ١٣٥، دار الفكر، بيروت، ١٣٨٩هـ.

(٤) دراسات في تفسير السلوك الإنساني / الدكتور عبد الرحمان العيسوي: ص ١٩٣، دار الراتب الجامعيّة، بيروت، ١٤١٩هـ.


والإيمان له آثار إيجابيّة في جميع مقوّمات النفس والحياة، ومنها: الصحّة النفسيّة والعقليّة والخلقيّة، ومن أقوال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في هذا الصدد:

١ -( مَن عَرَف الله سُبحانه لَم يشقَ أبداً ) .

٢ -( التوحيد حياة النفس ) .

٣ -( الإيمان أمَان ) .

٤ -( مِن عدَم الفهم عن الله سُبحانه لم ينتفِع بموعظةِ واعظٍ ).

٥ -( بالإيمان يُستدلّ على الصالحات ) (١) .

والإيمان بالله تعالى باعثٌ للسلوك القويم؛ حيثُ يجعل الخير والصلاح أصيلاً ثابتاً لا عارضاً مزعزعاً، ومِن آثار الإيمان على نفس الفرد هي: التفاؤل، التفتّح، الطمأنينة، التمتّع باللذات المعنويّة، مقاومة الانحراف، الصبر على المصائب، التنافس على عمل الصالحات وغيرها من مقوّمات الاستقامة وحُسن السيرة والسريرة.

ومن آثاره الاجتماعيّة: احترام القوانين والضوابط الاجتماعيّة، تقديس العدالة، الشعور بالإخوّة والمحبّة بين الإفراد، الثقة المتبادلة، الإحساس بالمسؤوليّة الاجتماعيّة، التقوى، الإيثار، نكران الذات، تقبّل النصيحة والنقد البنّاء.

ومن هنا فتعميق الإيمان بالله ضروري جدّاً في تربية الإنسان وخصوصاً في مرحلة الطفولة، وهو وحده الذي يحصنّه من الانحراف ويوجّه ضميره وإرادته وسلوكه نحو الاستقامة والصلاح لإيمانه بوجود قوّة غيبيّة تتابعه في حركاته

____________________

(١) تصنيف غُرَر الحِكَم: ص ٨٢، ٨٤، ٨٨.


وسَكَنَاته.

والإيمان كما جاء في قول الإمام عليّ بن موسى الرضا ( عليه السلام ):( الإيمانُ أداءُ الفرائض واجتناب المحارم، والإيمان هو معرفةٌ بالقلب، وإقرارٌ باللسان، وعملٌ بالأركان ) (١) .

والإيمان التزام واستشعار للرقابة الإلهيّة، قال رجلٌ للإمام الصادق ( عليه السلام ): أوصني، فقال له:( لا يَراك الله حيثُ نَهاك، ولا يفقدك حيثُ أمرك ) (٢) .

فقال الرجل: زِدني، فقال ( عليه السلام ):( ما أجد لك مزيداً ) (٣) .

وقال ( عليه السلام ):( خَف الله كأنّك تراه، وإنْ كنت لا تراه فإنّه يراك ) (٤) .

٢ - الإيمان بالثواب والعقاب

الإيمان بالثواب والعقاب واستشعاره في العقل والضمير هو الزمام الذي يكبح الشهوات والنزوات، وهو أكثر إيقاظاً للعقل والقلب والإرادة؛ حين يوجه الكيان الإنساني الى اليوم الخالد الذي يقف فيه الإنسان أمام من لا تخفى عليه خافية وأمام من يحيط بالإنسان والحياة والكون.

والإيمان بالحياة الأُخرى حافزٌ على إصلاح النفس والضمير، وحافز للتسامي والارتقاء في جميع مقوّمات الشخصيّة الإنسانية، ومقوّمات الحياة الإنسانيّة.

____________________

(١) تحف العقول / الحرّاني: ص ٣١٥.

(٢) مجموعة ورّام: ٢ / ٢٤٦.

(٣) المصدر السابق نفسه.

(٤) بحار الأنوار / المجلسي: ٦٧ / ٢٥٥.


ومن أقوال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في هذا المجال:

١ -( مَن أحبّ الدار الباقية لهِي عن اللّذات ).

٢ -( مَن اشتاق إلى الجنّة سَلا عن الشهَوَات ) .

٣ -( مَن خاف العِقاب انصرف عن السيّئات ) (١) .

وجعل الآخرة همّاً للإنسان يسهم مساهمةً فعّالةً في إصلاح النفس وإصلاح الضمير وإصلاح السلوك، والتفكير المتواصل بالآخرة يحصّن الإنسان من المعصية، وهذه حقيقةٌ ملموسةٌ وواقعيّة.

قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ):

١ -( اجعل همّك لمَعادِك تصلح ) .

٢ -( من أكثر مِن ذِكر الآخرة قلّت معصيته ) (٢) .

والإيمان بالثواب والعقاب في دار الدنيا يحرّك الإنسان نحو عمل الخير ويوجّهه نحو التكامل، ويردعه عن الباطل والانحراف، وقد وردت عدّة روايات حول السُنَن المرتبطة بالثواب والعقاب، نذكر منها على سبيل المثال: قول الإمام محمّد الباقر ( عليه السلام ):( صلة الأرحام تزكّي الأعمال، وتنمّي الأموال، وتدفع البلوى، وتيسّر الحساب، وتنسيء في الأجل ) (٣) .

وقال ( عليه السلام ):( ما من نكبة تصيب العبد إلاّ بذنب ) (٤) .

وقال الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ):( إنّ الذنب يحرم الرزق ) (٥) .

____________________

(١) تصنيف غُرَر الحِكَم: ص ١٤٦.

(٢) المصدر السابق نفسه: ص ١٤٤ و ١٤٥.

(٣) الكافي / الكليني: ٢ / ١٥٠.

(٤) الكافي / الكليني: ٢ / ٢٦٩.

(٥) الكافي / الكليني: ٢ / ٢٧١.


وقال ( عليه السلام ):( مَن عيّر مؤمناً بذنبٍ لم يمُت حتّى يركبه ) (١) .

وقال ( عليه السلام ):( مَن استشار أخاه فلم يمحضه محض الرّأي، سَلَبَه الله عزّ وجلّ رأيه ) (٢) .

وعن الإمام محمّد الباقر ( عليه السلام ) قال:( وجدنا في كتاب رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ): إذا ظهر الزنا مِن بعدي كَثُر موتُ الفُجأة، وإذا طُفّفت المِكيال والمِيزان أخذَهم الله بالسنين والنقص، وإذا مَنَعوا الزكاة مَنَعَت الأرضُ برَكتَهَا من الزّرع والثمار والمعادن كلّها، وإذا جاروا في الأحكام تعاونوا على الظلم والعدوان، وإذا نقَضوا العهد سلّط الله عليهم عدوّهم، وإذا قطعوا الأرحام جعلت الأموال في أيدي الأشرار، وإذا لم يأمروا بالمعروف ولم ينهَوا عن المنكر ولم يتّبعوا الأخيار من أهل بيتي، سلّط الله عليهم شِرارَهم فيدعو خيارُهم فلا يُستجاب لهم ) (٣) .

والإيمان بوجود تقييم موضوعي للناس على أساس الثواب والعقاب يُسهِم في البناء التربوي السليم، وهو تشجيع للمُحسِن وردْعٌ للمسيء.

قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ):( لا يكوننّ المُحسن والمُسيء عندك بمنزلةٍ سَواء، فانّ ذلك تزهيد لأهلِ الإحسان في الإحسان، وتدريب لأهل الإساءة على الإساءة، فألزِم كلاًّ منهم ما ألزَم نفسه أدَباً منك، ينفعك الله بهِ وتنفع بهِ أعوانك ) (٤) .

____________________

(١) الكافي / الكليني: ٢ / ٣٥٧.

(٢) الكافي / الكليني: ٢ / ٣٦٣.

(٣) الكافي / الكليني: ٢ / ٣٧٤.

(٤) تحف العقول / الحرّاني: ص ٨٧.


وقال ( عليه السلام ):( ازجر المُسيء بِثَواب المُحسن ) (١) .

٣ - ذكر الله تعالى

قال تعالى:( أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) (٢) .

اطمئنان القلب يحقّق التوازن النفسي والانفعالي داخل النفس الإنسانيّة، وهو أحد أعمدة الصحّة النفسيّة التي تُسهم مساهمةً فعّالة، في ارتقاء الإنسان سُلّم الكمال والمسيرة الصالحة.

وذكر الله يصدّ عن فعلِ القبيح لاستشعار الرقابة الإلهيّة المطبّقة على حرَكَات الإنسان وسَكَنَاته، فلا يقدِم على أيّ ممارسة مخالِفة للموازين الإلهيّة في السلوك والعلاقات الاجتماعيّة، ولا يقدِم على أيّ عمل لا يحرِز فيه رضا الله تعالى.

وأوّل ثمار ذكر الله تعالى الابتعاد عن الشيطان الذي يوسوس للإنسان ويُزيّن له الانحراف، والابتعاد عن الشيطان أو إبعاده عن التأثير مقدّمة لإصلاح خَلَجَات النفس، ثُمّ المُمارسات العمليّة.

قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ):( ذكر الله مطردةُ الشّيطان ) (٣) .

وقال ( عليه السلام ):( ذكر الله دعامة الإيمان وعصمة من الشيطان ) (٤) .

ولِذِكر الله تعالى تأثيرٌ في علاج الأمراض النفسيّة، وهي عاملٌ مساعد للانحراف، وعلاج النفس يُسهم في تقبّل منهج الاستقامة والصلاح.

قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ):( ذكرُ الله دواءُ أعلالِ النفوس ) (٥) .

____________________

(١) نهج البلاغة: ص ٥٠١.

(٢) سورة الرعد: ١٣ / ٢٨.

(٣) و(٤) تصنيف غُرر الحِكَم: ص ١٨٨.

(٥) تصنيف غُرر الحِكَم: ص ١٨٨.


وذكر الله تعالى يسمو بسلوك الإنسان بعد صلاح قلبِه ومحتواه الداخلي، وهو صلاحٌ له في السرِّ والعلَن.

قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ):( أصلُ صلاحِ القلب اشتغالُه بِذِكر الله ) (١) .

وقال أيضاً:( مَن عمّر قلبه بدوام الذكر حسُنَت أفعالُه في السرّ والجهْر ) (٢) .

والذاكر لله يذكُرُه الله، وهذا الذِكر له تأثيراته العمليّة على الشخصيّة الإنسانيّة في جميع مقوّماتها، قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ):( مَن ذَكَر الله سُبحانه أحيى الله قلبَه ونوّر عقله ولبّه ) (٣) .

ومصاديق الذكر متعدّدة ومتنوّعة لا حدود لها، وقد وردت عدّة روايات تؤكّد على: التسبيح، والتهليل، والتحميد، والتكبير، وقول: لا حول ولا قوّة إلاّ بالله، ولكلّ واقعة أو حدَث أو قضيّة ذِكرٌ معيّن، كالحمد لله، حسبيَ الله، أتوكّل على الله، وغير ذلك.

وهنالك مصاديق عمليّة وواقعيّة لذِكر الله ولتعميق صِلة العبد بربّه، تُسهِم في ردْع الإنسان عن الانحراف والشرور وتدفعه الى الاستقامة والصلاح، ومِن هذه المصاديق:

أولاً: قراءة القرآن الكريم

القرآن الكريم أحد وسائل الارتباط بالله تعالى، وهو نورٌ يستضيء به الإنسان، ففيه منهاج شامل للبشريّة جمعاء يعين الإنسان على الاستقامة

____________________

(١) تصنيف غُرََر الحِكَم: ص ١٨٨.

(٢) و(٣) المصدر السابق: ص ١٨٩.


والتقيّد بالموازين الصالحة والضوابط السلوكيّة السليمة.

قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ):( كفى بالقرآن داعياً ) (١) .

وقال ( عليه السلام ):( القرآن أفضل الهدايتين ).

وقال ( عليه السلام:( ما جالسَ أحدٌ هذا القرآن إلاّ قام بزيادةٍ أو نُقصان؛ زيادةٌ في هدىً، أو نُقصانٍ في عمىً ) (٢) .

والقرآن الكريم شفاءٌ مِن جميع الأمراض والعِلَل النفسيّة التي تؤدّي غالباً الى الانحراف كالوَسوَسة والقلق والحيرة؛ لأنّه يُوصل القلب بمُنعِم الرحمة والرأفة فيسكن ويطمئن ويستشعر الحماية والأمن.

قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ):( أحسنوا تلاوة القرآن فانّه أنفع القصص، واستشفوا به فانّه شفاء الصدور ) (٣) .

وقال الإمام موسى الكاظم ( عليه السلام ):( في القرآن شفاءٌ من كلّ داء ) (٤) .

وقراءة القرآن تجعل أجواء المنزل وأجواء الأُسرة أجواءً روحانيّة، تتسامى فيها النفوس وتتوجّه نحو الاستقامة والصلاح.

قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ):( البيت الذي يُقرأ فيه القرآن ويذكر الله عزّ وجلّ فيه، تكثر بركتُه، وتحضره الملائكة، وتهجره الشياطين، ويضيء لأهل السماء كما تضيء الكواكب لأهل الأرض، وإنّ البيت الذي لا يقرأ فيه القرآن ولا يذكر الله عزّ وجلّ فيه، تقلّ بركته، وتهجره الملائكة، وتحضره

____________________

(١) تصنيف غرر الحكم: ص ١١٠.

(٢) المصدر السابق: ص ١١١.

(٣) المصدر السابق: ص ١١٢.

(٤) مكارم الأخلاق / الطبرسي: ص ٣٦٣.


الشياطين ) (١) .

ثانياً: الدعاء

الدعاء يجعل الإنسان مستشعراً للارتباط بمُنعِم الوجود والرحمة والرعاية، وبه تطمئنّ النفس ويستريح القلب، ويبقى في علاقةٍ متواصلةٍ مع القوّة المهيمنة على الحياة بأسرها، والتي تحيط به وتراقبه باستمرار.

وبالدعاء يرتقي الإنسان في سُلّم الصلاح والاستقامة ويبتعد عن الانحراف، وخصوصاً حينما يتمرّن على طلب العون من الله تعالى لإصلاح نفسه وإنقاذها من الانحراف والرذيلة.

والدعاء بنيّةٍ خالصةٍ كفيلٌ بتسامي الإنسان وتكامله الروحي والخُلُقي، وهذا الأمر لا يحتاج إلى برهان، لأنّ فيه تجتمع جميع العوامل المساهمة في السموّ والتكامل ومنها:

١ - الرغبة في الصلاح والسموّ والتكامل.

٢ - طلب العون من الله تعالى.

٣ - استجابة الله تعالى لطلب عبده، لإخلاصه في الطلب، وانسجام طلبه مع المنهج الإلهي.

قال الإمام محمّد الباقر ( عليه السلام ):( لا والله لا يلحّ عبدٌ مؤمنٌ على الله عزّ وجلّ في حاجته إلاّ قضاها له ) (٢) .

والدعاء شفاءٌ من كلّ داء، وخلوُّ النفس من الداء يُسهم في إصلاحها

____________________

(١) الكافي ٢: ٦١٠.

(٢) الكافي ٢: ٤٧٥.


وتقبّلها للإرشاد والتوجيه الصالحَين.

قال الإمام الصادق ( عليه السلام ):( عليك بالدعاء، فإنّ فيه شِفاءً مِن كلّ داء ) (١) .

وأكّد أهل البيت ( عليهم السلام ) على المداومة على الدعاء، فهو بنفسه إصلاحٌ للنفس والضمير وتهذيبهما، وقد أثبتت التجارب التربويّة أنّ الأحداث الذين ترعرعوا في أجواء مليئة بذكر الله بالدعاء وغيره، أكثر استقامة من غيرهم وأقلّ انحرافاً.

ثالثاً: العبادة

العبادة رابطة رُوحيّة تربط الإنسان بالمطلق وعالم الغيب والمعنويّات، وبها يتّصل القلب بمُنعم الوجود اتّصالات متنوّعة، وهذه الاتّصالات تجعله يستشعر الرقابة الإلهيّة فلا يجرأ على الانحراف، ويتوّجه نحو الاستقامة.

وأبرز مصاديق العبادة الصلاة، وهي حصنُ حصينٍ من الانحراف بعد اندحار الشيطان بواسطتها.

قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ):( الصلاة حصنُ الرحمان، ومّدحرةُ الشيطان ).

وقال ( عليه السلام ):( الصلاة حصنٌ مِن سَطَوَات الشيطان ) (٢) .

والصلاة بأركانها تحرّك الإنسان نحو الصلاح والاستقامة، كما ورد عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ):( والسجود النفساني فراغُ القلبِ من الفانيات، والإقبال بكنه الهِمّة على الباقيات، وخَلْع الكِبَر والحميّة، وقطع العلائق الدنيويّة، والتحلّي بالخلائق النبويّة ) (٣) .

وهي كما قال ( عليه السلام ):( الصلاةُ صابون الخطايا ) (٤) .

____________________

(١) مكارم الأخلاق: ص ٢٧١.

(٢) و(٣) تصنيف غرر الحكم: ص ١٧٦.

(٤) شرح نهج البلاغة / لابن أبي الحديد: ٢٠ / ٣١٣.


وهي تمنح الإنسان فرصة العودة إلى الاستقامة، وخصوصاً صلاة الليل، قال الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ):( صلاة المؤمن بالليل تذهب بما عمل من ذنب بالنهار ) (١) .

والصلاة من أفضل العبادات التي تنهى عن الفحشاء والمنكر كما أكّد الكتاب الكريم والروايات، ثُمّ يأتي دور الصوم ثُمّ الحجّ الى آخره من ألوان العبادات، وجميعها تسهم في التربية الصالحة السليمة، ولهذا حثّ أهل البيت ( عليهم السلام ) على أدائها وخصوصاً العبادات المستحبّة المنصوصة من قِبَل رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ).

٤ - ذكر الموت

ذكر الموت له دورٌ هامٌّ في ضبط النفس والردع عن عمل القبيح، فإنّ ذكره الدائم باللسان بعد استشعاره بالوجدان يوجّه الأنظار الى تلك الحقيقة التي تنهدم فيها الشهَوَات واللذات، ويصبح الإنسان من خلالها رهين القبر بانتظار الثواب والعقاب، فيتوجّه الإنسان بجميع جوارحه نحو المُثُل والقِيَم العُليا ليجسّدها في واقعهِ السلوكي والخُلُقي.

ومن آثار ذكر الموت كما ورَدَت عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ):

١ -( مَن ذكَر الموت رضي مِن الدنيا باليسير ).

٢ -( مَن ذكَر المنيّة نَسي الأُمنِية ) .

٣ -( أبلغ العِظات النظر إلى مصارع الأموات، والاعتبار بمصاير الآباء والأُمّهات ) (٢) .

والترفّع عن أُمورِ الدنيا الماديّة يجعل الإنسان يعيش في أجواء المعنويّات

____________________

(١) من لا يحضره الفقيه / الشيخ الصدوق: ١ / ٢٩٩.

(٢) تصنيف غرر الحكم: ص ١٤٦، ١٦٢.


والمُثُل الصالحة، فلا تنافس على حطام الدنيا ولا صِراع من أجل إشباع الرغَبَات، ولا اعتداء على مُمتلكات الناس، وله دور في إزالة أسباب الحسَد والطمع والأنانيّة والحقد وغير ذلك من الأمراض النفسيّة والخلقيّة.

قال الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ):( ذِكر الموت يُميت الشهَوَات في النفس، ويقطع منابت الغفلة، ويُقوّي القلب بمواعد الله، ويرق الطبع، ويكسِر أعلام الهوى، ويطفي نار الحِرص ويحقّر الدنيا ) (١) .

وحثّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) على الإكثار مِن ذِكر الموت؛ لدوره في إصلاح النفس وسموّها ولِكي تستعدّ لما بعده، فقال:( أكثر ذِكر الموت وما تهجم عليه وتفضي إليه بعد الموت، حتّى يأتيك وقد أخذت له حِذرك، وشدَدت له أزرك، ولا يأتيك بغتةً فيبهرك ) .

وقال ( عليه السلام ):( رحِم الله امرءاً بادر الأجل، واكذب الأمل، وأخلص العمل ) (٢) .

وقد أثبتت الدراسات الميدانيّة أنّ الأجواء الاجتماعيّة، التي يَكثر فيها ذكر الموت وما بعده من أهوالٍ وصِعاب أو ثوابٍ ونعيم، أقرب للصلاح والاستقامة من غيرها مِن الأجواء، ولا غرابة أنْ نجد المجتمعات غير الإسلاميّة مُبتلاة بالكثير مِن الانحرافات والجرائم؛ لابتعادها عن هذه المفاهيم والقِيَم.

٥ - الاعتراف بالذنب

الاعتراف بالذنب له دورٌ كبير في تهذيب النفس وإصلاحها، وفي تشخيص

____________________

(١) المحجّة البيضاء / الفيض الكاشاني: ٨ / ٢٤٢.

(٢) تصنيف غرر الحكم: ص ١٦٢.


أسباب القَلَق والاضطراب النفسي، ولا تبقى تلك الأسباب ضاغطة على العقل والقلب والإرادة، وبه يشكو الإنسان من نفسه الأمّارة بالسوء طلباً لما يلي:

١ - إزالة مشاعر الذنب والإثم.

٢ - التخفيف مِن عذاب تأنيب الضمير.

٣ - إعادة الاطمئنان للنفس المضطربة.

٤ - التصميم على عدم تكرار الذنب.

٥ - التفكير في الاستقامة من جديد.

وقد استخدم العلاج النفسي أُسلوب الاعتراف للوصول الى الصحّة النفسيّة للمريض، بعد الاطّلاع على الأمور المكبوتة والمخزونة في اللاشعور، وفي أثناء جَلَسَات العلاج يسترخي المريض ويطلق العِنان لذكرياته كي تفيض وتطفو فوق سطح الشعور، ومِن طُرُق العلاج طريقة التطهير النفسي أو التفريغ الانفعالي وهي:

( تصريف الشحنة الانفعاليّة الحبيسة داخل صدر الإنسان، أو الإفصاح عمّا يجثم على صدر المرء مِن الهموم والآلام والمشاعر والمشاكل والصراعات والتوتّرات والضغوط، وهذه العمليّة تُسبّب للفرد الشعور بالارتياح وتُؤدّي إلى إزالة أو إضعاف العُقَد النفسيّة أو الى تقليل التوتّرات الانفعاليّة الناجمة من الصراعات ...)(١) .

وإذا كان المُذنب أو المنحرف لا يعترف لإنسانٍ مثله بذنبه أو انحرافه إلاّ بصعوبةٍ بالغة؛ فإنّه يعترف أمام الله تعالى بها دون حرَج أو حياء؛ لأنّه يقف أمام واهب الرحمة والمُحيط بسَكَنَات النفس وخفاياها، وهذا الاعتراف يكون مقدّمة لصلاح النفس ثُمّ صلاح السيرة العمليّة، فلا تلاحقه بعدها الهموم

____________________

(١) فن الإرشاد والعلاج النفسي: ص ١٠٠، ١٠١.


والضغوطات النفسيّة.

ومن الآثار الايجابيّة للاعتراف كما ذكرها أمير المؤمنين ( عليه السلام ) حيث قال:

١ -( شافعُ المُذنب إقراره، وتوبته اعتذاره ) .

٢ -( مَن اعترف بالجريرة استحقّ المغفرة ) .

٣ -( عاصٍ يقرّ بذنوبه خيرٌ مِن مطيع يفتخر بعمله ) .

٤ -( من أحسن الاعتذار استحقّ الاغتفار ) (١) .

٦ - الاستغفار

الاستغفار مفهوم إسلامي ينتقل بالإنسان مِن مرحلة الوقوع في الانحراف، إلى مرحلة تجاوزه والعودة إلى الهداية والاستقامة، وهو نقلة نوعيّة في مسيرته وحركته الفرديّة والاجتماعيّة، فالنفس الإنسانيّة حين ترتكب الخطيئة يختل توازنها وتماسكها، وتصبح عرضة للوساوس والهواجس، فيجد الشيطان طريقه إلى هذه النفس فيقودها الى الانحراف تلوَ الانحراف، ولكن الاستغفار يردّها إلى الاستقامة ويقوّي صلتها بالله تعالى.

والاستغفار علاجٌ واقعي للانحراف ويسهم في اجتثاث آثاره السلبيّة على القلب والإرادة، وهو الدواء كما جاء في عبارات أهل البيت ( عليهم السلام ).

قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ):( الاستغفار دواء الذنوب ) .

وقال ( عليه السلام ):( الذنوب الداء، والدواء الاستغفار، والشفاء أنْ لا تعود ) (٢) .

وقال الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ):( مَن أذنب مِن المؤمنين ذنباً، أجّل من

____________________

(١) تصنيف غرر الحكم: ص ١٩٥.

(٢) تصنيف غرر الحكم: ص ١٩٤، ١٩٥.


غدوة إلى الليل، فإنْ استغفر لم يُكتب له ) .

وقال ( عليه السلام ):( إذا أكثر العبد مِن الاستغفار، رُفعت صحيفته وهي تتلالأ ) (١) .

وقال ( عليه السلام ):( لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار ) (٢) .

والاستغفار الحقيقي هو العمل الايجابي المُتسلسل لاقتلاع جميع جذور وآثار الانحراف، وهو يمرّ بمراحل وخُطوات عمليّة.

سمِع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) رجلاً يقول: استغفر الله، فقال:( ثكلتك أُمّك أوَ تدري ما حدّ الاستغفار؟ الاستغفار درجة العلّيّين، وهو اسمٌ واقعٌ على ستّة معان:

أوّلها: الندم على ما مضى.

والثاني: العزْمُ على ترك العَود إليه أبداً.

والثالث: أنْ تؤدّي إلى المخلوقين حقوقهم حتّى تلقى الله عزّ وجلّ أملس ليس عليك تَبِعة.

والرابع: أنْ تعمد إلى كلّ فريضة ضيّعتها فتؤدّي حقّها.

والخامس: أنْ تعمَد إلى اللحم الذي نبَت على السحت والمعاصي فتُذيبه بالأحزان، حتّى تلصق الجِلد بالعظم وينشأ بينهما لحمٌ جديد.

والسادس: أنْ تذيق الجسم ألَم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية.

فعند ذلك تقول: أستغفر الله ) (٣) .

____________________

(١) مكارم الأخلاق / الطبرسي: ص ٣١٣، ٣١٤.

(٢) المحجّة البيضاء / الفيض الكاشاني: ٧ / ٥٨.

(٣) إرشاد القلوب: ص ٤٧.


والاستغفار عموماً فرصةٌ جديدةٌ لإصلاح النفس والعَودة إلى الاستقامة، بعد التغلّب على اليأس والقنوط من الإصلاح والتهذيب، وبهذه الفرصة يجد الإنسان الأمل والتفاؤل لكي يسمو ويتكامل ضِمن التعاليم والإرشادات الصالحة.

٧ - التوبة

التوبة عودة إلى الاستقامة والنزاهة وحسن السيرة، وهي باب مِن أبواب الهداية والإصلاح؛ فبها يرجع الإنسان سويّاً يستشعر الرحمة والطمأنينة، فلا آلام ولا عُقَد نفسيّة ولا حُجُب ضبابيّة عن الاستقامة والاعتدال، وبدون التوبة يبقى المذنب يعيش القلب والاضطراب والازدواجيّة بين الفكر والسلوك، وقد يتمادى في ذنوبه وانحرافاته إنْ شعر بعدم علاجها إلى أنْ يصل إلى الانحطاط التام، ولهذا جاءت التوبة لمحو الذنوب والعودة إلى الاستقامة باستشعار الرحمة والرأفة الإلهيّة.

قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ):( التوبة تطهّر القلوب، وتغسل الذنوب ) (١) .

وقال ( عليه السلام ):( لا تيأس لذنبك وباب التوبة مفتوح ) (٢) .

وقال ( عليه السلام ):( إنْ الندم على الشر يدعو إلى تركه ) (٣) .

وللتوبة تأثير إيجابي على قلب الإنسان وخَلَجَات نفسه، قال الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ):( إذا أذنب الرجل خرج في قلبه نكتة سوداء، فإنْ تاب انمحت،

____________________

(١) تصنيف غُرَر الحِكَم: ص ١٩٥.

(٢) تُحف العقول / الحرّاني: ص ١٤٩.

(٣) الكافي / الكليني: ٢ / ٤٢٧.


وإنْ زاد زادت حتّى تغلب على قلبه، فلا يفلح بعدها أبداً ) (١) .

والتوبة تغييرٌ حقيقي نحو الأفضل والأصلح، ولذا فهي تتمّ عِبر مقوّمات ودعائم وأركان نابعة مِن جميع خَلَجَات وجوارح الإنسان، قال الإمام محمّد الجواد ( عليه السلام ):( التوبة على أربع دعائم: ندمٌ بالقلب، واستغفار باللسان، وعملٌ بالجوارح، وعزم أنْ لا يعود ) (٢) .

ومِن مظاهر التوبة البكاء مِن خَشية الله تعالى، وهو عاملٌ إيجابي في التخفيف من القلق والاضطراب الناشئَين مِن الذنوب، وله دورٌ في رقّة القلب، وله دورٌ في إعادة الأمل للتسامي والتكامل والفوز بالنعيم الخالد.

قال الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ):( إنّ الرجل ليكون بينه وبين الجنّة أكثر ممّا بين الثرى والعرش لكثرة ذنوبه، فما هو إلاّ أنْ يبكي مِن خَشية الله عزّ وجلّ ندَماً عليها، حتّى يصير بينه وبينها أقرب من جفنته إلى مقلته ) (٣) .

وقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ):( البكاء من خشية الله ينير القلب ويعصم من معاودة الذنب ) (٤) .

ومن أروَع ما في التوبة آثارها الايجابيّة، فكفّارة الذنوب تتجسّد في أعمال وممارسات صالحة ونافعة للمجتمع.

قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ):( مِن كفّارات الذنوب العظام إغاثة الملهوف، والتنفيس عن المكروب ) (٥) .

____________________

(١) الكافي / الكليني: ٢ / ٢٧١.

(٢) كشف الغمّة / للاربلي: ٢ / ٣٤٩.

(٣) عيون أخبار الرضا عليه السلام / الشيخ الصدوق: ٢ / ٣.

(٤) تصنيف غرر الحكم: ص ١٩٢.

(٥) شرح نهج البلاغة / لابن أبي الحديد: ١٨ / ١٣٥.


٨ - الرضا بالقضاء

إنّ الحياة لا تَمضي جُزافاً، بل هنالك سُنن وقوانين تتحكّم بها، فحينما توجد الأسباب تتبعها النتائج، وهذهِ السُنَن حاكمة على الإنسان لا تختلف ولا تتخلّف، وأحياناً تكون خارجة عن إرادة الإنسان واختياره، بمعنى أنّه لا يملك الحول والقوّة في تغييرها وتبديلها مهما بذَل من جهدٍ وطاقة، فقد تطبق عليه الظروف ليبقى فقيراً مستضعفاً محروماً أو لا ينجح في أعماله ومشاريعه، أو لا توافق رغَبَاته رغَبَات الآخرين، وفي جميع ذلك فإنّ الارتباط بالله تعالى والرضا بقضائه كفيلٌ بتهوين الآلام والمآسي، وإبعاد آثارها السلبيّة عن العقل والقلب والضمير، وعن ردود أفعالها السلبيّة تجاه النفس والمجتمع.

قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ):( نعم الطارد للهمّ الرضا بالقضاء ) .

قال ( عليه السلام ):( الرضا بقضاء الله يهوّن عظيم الرزايا ) .

وقال ( عليه السلام ):( من رضي بالقضاء طابت عيشته ) (١) .

وينبغي أنْ يدرك الإنسان أنّ قضاء الله هو خيرٌ للمؤمن بجميع مظاهره وحالاته وألوانه. قال الإمام محمّد الباقر ( عليه السلام ):( في كلّ قضاء الله خير للمؤمن ) (٢) .

وقال الإمام موسى بن جعفر الكاظم ( عليه السلام ):( ينبغي لِمن عقل عن الله أنْ لا يستبطئه في رِزقه، ولا يتّهمه في قضائه ) (٣) .

____________________

(١) تصنيف غرر الحكم: ص ١٠٣، ١٠٤.

(٢) تحف العقول / الحرّاني: ص ٢١٤.

(٣) الكافي / الكليني: ٢ / ٦١.


ومِن ايجابيّات الرضا بالقضاء الاستسلام للأمر الواقع وللحالة المطبقة بالإنسان، وهذا الاستسلام يمنعه من ردود الأفعال المتشنّجة والصاخبة ضدّ الأفراد وضدّ المجتمع كَكُل، فإذا عاش الفقر والحرمان فلا يحسد ولا يحقد ولا يعتدي على أموال الآخرين، وإذا عاش الإهمال والحرمان فلا ينتقم لذاته، وإذا عاش الفشل في مشاريعه فلا يلقي باللائمة على غيره، بل هو في جميع هذه الحالات يَميل إلى السعي والكدْح لأجل تغيير حاله بطُرقٍ سليمةٍ أقرّها الشرع، والرضا بالقضاء يمنعه من الاستسلام للقَلَق والاضطراب وهُما المَرتَع الخصب للخُلُق غير السويّ وغير المستقيم.

المبحث الثاني: طرق تقييم النفس ودورها في التربية

١ - تنمية الحَيَاء

الحياء عبارة عن الشعور بالانفعال والانكسار النفسي نتيجةً للخوف من اللوم والتوبيخ مِن الآخرين، وهو شعورٌ تُراعى فيه المُثُل والقِيَم والضوابط الاجتماعيّة، ويسهم بشكلٍ فعّال في ضَمان تنفيذ القوانين والمنع من الإقدام على التجاوز والاعتداء، وهو الذي يحصن الإنسان مِن جميع ألوان الانحراف والرذيلة.

قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ):( الحياء لباسٌ سابغ، وحِجابٌ مانِع، وسترٌ من المساوئ واقٍ، وحليفٌ للدين، ومُوجبٌ للمحبّة، وعين كالئة تذود عن الفساد، وتنهى عن الفحشاء ) (١) .

____________________

(١) شرح نهج البلاغة / لابن أبي الحديد: ٢٠ / ٢٧٢.


وللحياء آثارٌ تربويّة ايجابيّة جاءت في حديث أمير المؤمنين ( عليه السلام ) حيثُ قال:

١ -( الحياء مفتاح كل خير ).

٢ -( الحياء يصدُّ عن فعل القبيح ).

٣ -( ثمرة الحياء العفّة ).

٤ -( من كساه الحياء ثوبه خفي عن الناس عيبه ) (١) .

وقال الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ):( فلولاه لم يقرَ ضيف، ولم يوف بالعدات، ولم تُقضَ الحوائج، ولم يُتحرّ الجميل، ولم يُتنكّب القبيح في شيء من الأشياء، حتّى أنّ كثيراً مِن الأمور المفترضة أيضاً إنما يفعل للحياء، فانّ مِن الناس من لولا الحياء لم يرع حقّ والديه، ولم يصل ذا رحِم، ولم يؤدّ أمانة، ولم يعف عن فاحشة ) (٢) .

والحياء الايجابي هو الحياء مِن: الله تعالى، والنفس، والمجتمع، والقانون، والذي يحقّق آثاراً صالحة في الفكر والسلوك، قال الإمام موسى الكاظم ( عليه السلام ):( استحيوا مِن الله في سرائركم، كما تستحيون مِن الناس في علانيّتكم ) (٣) .

وقال ( عليه السلام ):( رحِم الله مَن استحيا مِن الله حقّ الحياء؛ فحفظ الرأس وما حوى، والبطن وما وعى، وذكَر الموت والبلَى، وعلِم أنّ الجنّة محفوفةٌ بالمكاره، والنارَ محفوفةٌ بالشهَوَات ) (٤) .

وقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ):( غاية الأدب أنْ يستحي الإنسان مِن نفسه ) (٥) .

____________________

(١) تصنيف غرر الحكم: ص ٢٥٧.

(٢) بحار الأنوار / المجلسي: ٢ / ٢٥.

(٣) تحف العقول / الحرّاني: ص ٢٩٣.

(٤) المصدر السابق نفسه: ص ٢٩١.

(٥) شرح نهج البلاغة / لابن أبي الحديد: ٢٠ / ٢٦٥.


فالحياء مِن الله تعالى ومِن النفس يردع الإنسان عن الانحراف الخفي وغيرِ المُعلن، والحَياء مِن المجتمع والقانون يردعه عن الانحراف العلني والمخفي معاً خوفاً من انكشافه أمام الملأ.

والحياء له دوران: الأوّل الصدّ عن العمل القبيح والشائن، والثاني التخلّق بالأخلاق الحسنة والصالحة وخصوصاً في العلاقات الاجتماعيّة، وبه تُرعى حقوق الآخرين.

٢ - تنمية الضمير

الضمير هو الرادع الداخلي الذي يقدّر ما هو حسن وما هو قبيح، فيُساعد الإنسان على اتّخاذ السلوك والقرار الصالح والسليم، والتخلّي عن السلوك والقرار المُخالف للقواعد الصالحة والضوابط الاجتماعيّة السليمة.

ويرى الباحثون في حقول التربية وعلم النفس أنّه ( لا الفكر ولا المنطق يأمران الإنسان بالتصرّف، هما أداتان تمكّنان الإنسان مِن الوصول الى هدفٍ ما، الضمير هو الآمر، والفكر هو المنفّذ ويرى( نيومن ) أنّ الإنسان يفضّل التصرّف الخاطئ على الصواب إذا رضي ضميره؛ ولو دلّه المنطق إلى خطأ عمله وأرشده إلى الصواب )(١) .

وأنّ الضمير عند( فروم ) هو ( المستودع الرئيسي للميراث الاجتماعي والثقافي في تكوين الشخصيّة، وهو القوّة المحرّكة التي تدفع الإنسان إلى أداء سُلوك معيّن أو عدم أدائه لهذا السلوك حسب متطلّبات المجتمع، ويتكوّن

____________________

(١) الأُسُس البيولوجيّة لسلوك الإنسان: ص ٢٧١، ٢٧٣.


الضمير مِن خلال التأثيرات الاجتماعيّة والثقافيّة وتجارب الطفولة مَع الآخرين، فالضمير يتكوّن على شاكلة ضميرَيّ الأب والأُم، ولا يُوجد ضمير واحد للفرد، فهو يمتلك مجموعة مِن الضمائر تؤلّف الضمير الكلّي للفرد )(١) .

والضمير هو الواعظ الداخلي للإنسان الذي يردعه عن القبيح ويدفعه إلى عمل الحسن والصالح، وهو الرقيب عليه في جميع الأحوال والظروف سرية كانت أم علنيّة.

قال الإمام محمّد الباقر ( عليه السلام ):( مَن لم يجعل الله له مِن نفسه واعظاً فإنّ مواعظ الناس لنْ تغني عنه شيئاً ) (٢) .

وقال الإمام زين العابدين ( عليه السلام ):( ابن آدم إنّك لا تزال بخير ما كان لك واعظ من نفسك، وما كانت المحاسبة لها من همّك ) (٣) .

وقال الإمام محمّد الجواد ( عليه السلام ):( المؤمن يحتاج إلى توفيق من الله وواعظ من نفسه وقبول ممّن ينصحه ) (٤) .

والضمير ينمو باتّجاه الاستقامة من خلال التربية المتواصلة والتوجيه الدائم من قِبل الوالدَين والمعلّمين وعُلماء الدين، ومِن خلال توجيه الأنظار إلى احترام القواعد السلوكيّة للمجتمع، وينمو عن طريق الإيحاء والتلقين، ومِن خلال ملاحظة القدوة الحسنة، فاعتراف الكِبار بالخطأ الذي يرتكبونه يقوّي في أعماق الطفل القدرة على ضبط سُلوكه وسيرته.

____________________

(١) التحليل النفسي للشخصيّة: ص ١٨٠.

(٢) تحف العقول / الحرّاني: ص ٢١٤.

(٣) الأمالي / الشيخ المفيد: ص ١١٠.

(٤) تحف العقول / الحرّاني: ص ٣٤٠.


ومن العوامل المساعدة على تنمية الضمير أنْ يتعامل مع الطفل على أساس أنّه شخصيّة مستقلّة؛ لأنّ ذلك يُنمّي في داخله الإحساس بالمسؤوليّة ومعرفة الخطأ والصواب وتمييز الانحراف عن الاستقامة.

والأهم من جميع ذلك فإنّ الارتباط بالغيب هو الأساس في تنمية الضمير؛ ليؤدّي دوره في التوجيه والتهذيب والردع؛ لأنّه يشعر بالرقابة الغيبيّة التي تراقبه وتتابعه وتحصي عليه سَكَنَاته وحَرَكَاته.

وفي جميع الظروف والأحوال لابدّ من تمكين الإنسان وخصوصاً في مرحلة الطفولة، من تكوين ضميرٍ سليم لا متزمّت ولا مُتساهل، بل ضمير معتدل متوازن.

٣ - إثارة الوجدان

إدراك الفرد لحقائق السُنَن التي تتحكّم في العلاقات والمسيرة الاجتماعيّة وآثارها الايجابيّة والسلبيّة، التي تسهم في تجنّب الموبقات والتوجّه للكمال والسمو.

ومِن السُنن المؤثّرة في الوجدان الإنساني سنّة الصيانة أو التعرّض لأعراض الناس، فمَن صان نفسه عن التعرّض فسيُصان عِرضه من الانحراف والدنَس ومن اعتداء الآخرين، ومَن اعتدى على أعراض الناس اعتُدِيَ على عِرضه، فإذا انغرست هذه السُنَن في وجدان الإنسان فإنّها ستنتقل من مرحلة التأثر الوجداني إلى مرحلة العمل الايجابي، فلا تبقى مجرّد حقيقة وجدانيّة راكدة ومعطّلة، وإنّما ستكون ذات حيويّة متحرّكة في الواقع بعمل وحركة وسلوك يُحصّن الإنسان من الانحراف والاعتداء الذي يعود ضرره عليه وعلى ذَوِيه.


قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ):( من زنى زني به ) (١) .

وقال ( عليه السلام ):( ما زنى غيور قط ) (٢) .

وقال الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ):( برّوا آباءكم يبرّكم أبناؤكم، وعفّوا عن نساء الناس تعفُّ نساؤكم ) (٣) .

وذكر أهل البيت ( عليهم السلام ) كثيراً مِن القصص في إثارة الوجدان وبيان دوره في الاستغفار والتوبة وتجنّب الانحراف، والتسامي نحو الكمال، والآثار المترتّبة على الانحراف تتحقّق بتحقّق أسبابها الطبيعيّة، فالمنحرف أو المعتدي على أعراض الناس يُشارك في تهيئة أجواء الانحراف لذويه، ويكون أقلّ مراقبة لهم، إضافةً إلى تأثّرهم بسلوكه من خلال المحاكاة والمشاهدات الحسّيّة.

٤ - التقييم الذاتي ومحاسبة النفس

التقييم الذاتي للنفس عملٌ هام وضرورةٌ نفسيّة واجتماعيّة، به يتعرّف الإنسان على صِفاته وقُدراته العقليّة والعاطفيّة والخلقيّة، ويرى في نفسه عوامل القوّة والضعف، وفكرة المرء عن نفسه من خلال التقييم الصحيح والواقعي، لها الأثر الأكبر في تعيين سُلوكه ومستوى طُموحه، وفكرة المرء عن نفسه هي ( التي توجّهه في اختيار أعماله وأصدقائه وزوجته ومهنته وملابسه كما تسهم في رسم مستوى طموحه، وهي التي تُبيّن له ضُروب السُلوك التي هو جدير بها، وتكفّه عن فعل ما يمسّ احترامه لنفسه ...)(٤) .

____________________

(١) شرح نهج البلاغة / لابن أبي الحديد ٢٠: ٣٢٣.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة: ٣٠٥.

(٣) تحف العقول / الحرّاني: ص ٢٦٧.

(٤) أُصول علم النفس: ص ١٢٦.


وأكّدت الروايات على أهميّة معرفة النفس ومعرفة قدرها وطاقاتها، ومعرفة درجة قُربها وبعدها من الاستقامة والصلاح. قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ):( الخير كلّه فيمَن عرف قدْر نفسه، وكفى بالمرء جهلاً أنْ لا يعرف قدْر نفسه ) (١) .

وقال ( عليه السلام ):( ما هلك امرؤٌ عرف قدْرَه ) (٢) .

وقال ( عليه السلام ):( رحم الله امرءاً عرف قدره ولم يتعدّ طوره ) (٣) .

ومِن معرفة النفس معرفة عيوبها، وهي ظاهرة إيجابيّة وصحّية، فمِن خلال معرفة عيوب النفس ينشغل الإنسان عن عيوب غيره، ويتوجّه إلى إصلاح عيوبه بالطُرق والأساليب المُتاحة، ويتعاون مع غيره إنْ عجز بمفرده، وقد دلّت الروايات على الآثار الإيجابيّة لذلك.

قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ):( مَن عَرَف عيب نفسه اشتغل عن عيب غيره ) (٤) .

وقال الإمام الصادق ( عليه السلام ):( أنفع الأشياء للمرء سبقه الناس إلى عيب نفسه ) (٥) .

وبعد التقييم الذاتي ومعرفة النفس يأتي دور المحاسبة لها، وهي تسهم في إيقاف الانحراف، والتوجّه إلى الإصلاح والتكامل والبناء التربوي الصالح للفرد نفسه ولذويه وللمجتمع.

____________________

(١) مجموعة ورّام: ٢ / ١١٥.

(٢) عيون أخبار الرضا ( عليه السلام ) / الشيخ الصدوق: ٢ / ٥٤.

(٣) تصنيف غرر الحكم: ص ٢٣٣.

(٤) أعلام الدين / الديلمي: ص ١٨٦.

(٥) تحف العقول / الحرّاني: ص ٢٧٣.


قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ):( مَن حاسَب نفسَه ربِح، ومِن غَفل عنها خسِر ) (١) .

وقال الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ):( حقّ على كلّ مسلم يعرفنا أنْ يعرض عمله في كلّ يومٍ وليلة على نفسه، فيكون محاسبٌ نفسه، فإذا رأى حسنة استزاد منها، وإنْ رأى سيّئة استغفر منها؛ لئلاّ يُخزى يوم القيامة ) (٢) .

وقال الإمام موسى بن جعفر ( عليه السلام ):( ليس منّا مِن لم يُحاسب نفسه في كلّ يوم، فإنْ عمِل حسناً استزاد الله، وإنْ عمِل سيّئاً استغفر الله منه وتاب إليه ) (٣) .

ومحاسبة النفس تتمّ على أساس عرض السيرة والمُمارسة على الموازين والمعايير الثابتة، فهي الميزان والمعيار في التقييم الذاتي ومعرفة النفس ومحاسبتها.

٥ - التقييم الاجتماعي

معرفة النفس وتقييمها تنشأ ذاتيّاً مِن داخلها، ولها مناشئ أُخرى، وهي فكرة المجتمع عنها أو تقييم المجتمع لها، وتنشأ أيضاً من موازنة الإنسان نفسه بغيره مِن أفراد المجتمع سَواء كانوا صالحين أم طالحين.

ومِن خلال التقييم الاجتماعي يتعرّف الإنسان على نواحي القوّة والضعف في نفسه وسلوكه، وعلى إمكانات خافية أو غير معلومة، وعلى الأغراض والدوافع التي تقوم وراء سلوكه.

____________________

(١) نهج البلاغة: ٥٠٦.

(٢) تحف العقول / الحرّاني: ص ٢٢١.

(٣) الكافي / الكليني: ٢ / ٤٥٣.


قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ):( المرآة التي ينظر الإنسان فيها إلى أخلاقه هي الناس؛ لأنّه يرى محاسنَه مِن أوليائه منهم، ومساويه مِن أعدائه فيهم ) (١) .

وقال الإمام محمّد الجواد ( عليه السلام ):( المؤمن يحتاج إلى توفيق من الله وواعظ من نفسه وقبول ممّن ينصحه ) (٢) .

وقال الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ):( أحبّ إخواني إليّ مَن أهدى إليّ عيوبي ) (٣) .

وقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ):( مَن استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ ) (٤) .

والتقييم الاجتماعي قد يكون علنيّاً أو سرّياً، وبما أنّ الإنسان دائماً يعتزّ بنفسه ورأيه، فإنّه لا يتنازل عن رأيه أو موقفه إلاّ إذا اطمأنّ أنّ الناصح له مُخلص في نصيحته ويُريد له الصلاح والخير، وهذا الاطمئنان غالباً ما يتأتّى إذا كان الناصح رفيقاً به ينصحه بأُسلوبٍ شيّقٍ وجذّاب، أو ينصحه سرّاً لا أمام الناس، لأنّ النصح أمام الناس كشفٌ للأخطاء وأحياناً يكون إهانةً وتشهيراً له، وبهذا الأُسلوب لا يحقّق المُصلِح أيّ تقدّم ملحوظ.

قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ):( النصح بين الملأ تقريع ) (٥) .

وقال الإمام الحسن العسكري ( عليه السلام ):( مَن وعظ أخاه سرّاً فقد زانه، ومَن

____________________

(١) شرح نهج البلاغة / لابن أبي الحديد: ٢٠ / ٢٧١.

(٢) تحف العقول / الحرّاني: ص ٣٤٠.

(٣) المصدر السابق نفسه: ص ٢٧٣.

(٤) الكافي / الكليني: ٨ / ٢٢.

(٥) شرح نهج البلاغة / لابن أبي الحديد: ٢٠ / ٣٤١.


وعظه علانيةً فقد شانه ) (١) .

فالتقييم غير العَلَني يحفظ للإنسان كرامته، بل يشعره بأنّ الناصح له مُخلصٌ وصادقٌ في نصحه، لا يُريد خدْش كرامته أو ترذيله أو تقبيحه، وهذا الشعور يسهم في دخول النصيحة إلى العقل والقلب بصورة يتفاعل معها المراد إصلاحه أو تغييره أو تربيته.

وعلى العموم فانّ التقييم الاجتماعي يؤثّر في تقييم الإنسان لذاته، ويؤثّر على ممارساته العمليّة، فمثلاً الطفل الذي يسمع مِن الآخرين ألفاظ جبان أو كذّاب أو سارق قد ينشأ على تقييم نفسه على ضوء هذه الألفاظ، بل قد يصبح بالفعل جباناً أو كذّاباً أو سارقاً كرد فعل للتقييم الخاطئ له، أو التقييم المتسرع الذي اعتمد على ظاهرة واحدة أو ممارسة واحدة قد تكون غير مقصودة.

* * *

____________________

(١) تحف العقول / الحرّاني: ص ٣٦٨.


الفصل الثالث: خصائص المربّين وأساليب التربية

المبحث الأول: خصائص المربّين

مسؤوليّة التربية مِن أهمّ المسؤوليّات المُلقاة على عاتق المربّين في حركتهم التكامليّة التي رسمها لهم الإسلام، والإسلام جاء لإنشاء أُمّة متكاملة تستهدي بنوره وتنطلق لتنظيم شؤونها وإصلاح أوضاعها، لتتربّى الضمائر والأفكار والعواطف والمواقف على أساس القواعد الكليّة التي حدّدها الإسلام؛ لتكون الروابط إسلاميّة والأخلاق إسلاميّة.

والتربية ليس مجرّد أوامر ونواهٍ تُلَقّن أو تصدر للإنسان فيستجيب لها، وإنّما هي عمليّة تغيير للمحتوى الداخلي للإنسان، وصياغة جديدة لأفكاره وعواطفه وممارساته، ولهذا فلابدّ أنْ يتّصف المربّون بصفات وخصائص تؤهّلهم لتحقيق مظاهر المسؤوليّة في الواقع الإنساني والاجتماعي.

ومِن أهمّ مقوّمات نجاح هذه المسؤوليّة أنْ يكون المربّي مُخلصاً في مهمّته، متفائلاً بالنجاح، متعاوناً مع غيره، مندفعاً ذاتيّاً بلا انتظار جزاءٍ أو أجرٍ إلاّ مِن الله تعالى، فهو المُعين له في إنجاح مسؤوليّته.

ويُمكن تصنيف خصائص وصفات المربّين إلى: خصائص ذاتيّة وخصائص عمليّة.


الخصائص الذاتية للمربّين

أوّلاً: العلم والمعرفة

ينبغي أنْ يكون المربّي أو المُرشد أو الموجّه عالماً بقواعد وأُسس المفاهيم والقِيَم والآداب والموازين المراد تربية الآخرين على ضوئها، وأنْ يكون مُطّلعاً على كثير من المعارف المتعلّقة بالتربية، كعلم الأخلاق وعلم النفس وعلم الاجتماع، والتاريخ وغيرها.

وأنْ يكون على معرفة واطّلاع إجمالي أو مفصّل بالأمور التالية:

١ - أحوال وظروف المجتمع الذي يعيش فيه.

٢ - خصائص الأفراد مِن حيث أفكارهم وعواطفهم وممارساتهم العمليّة.

٣ - الأحداث والمواقف والتيّارات الناشطة.

٤ - تشخيص ما ينبغي أنْ يعمله تبعاً للظروف مِن حيث: اللين والشدّة، أو التأنّي والإسراع.

٥ - الفوارق بين بيئة وأُخرى وزمان وآخر وقوم وآخرين.

وهذه المعرفة تسهم في الإسراع بإنجاح العمل التربوي والإصلاحي، وعدم المعرفة في جميع أو بعض المجالات تؤدّي إلى نتائج سلبيّة، ولا تُوصل المربّي أو المُصلِح إلى تحقيق أهدافه أو تحقيق الثمار الإيجابيّة لعمله وحركته التربويّة، بل قد تبعده عن جميع ذلك.

قال الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ):( العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق لا تزيده سرعة السير إلاّ بعداً ) (١) .

____________________

(١) تحف العقول / الحرّاني: ص ٢٦٩.


وعنه ( عليه السلام ) قال: قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ):( مَن عمِل على غير عِلم كان ما يُفسّد أكثر ممّا يُصلح ) (١) .

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كحقلٍ تربويٍّ يُشترط فيه العِلم والمعرفة، وقد سُئل الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أواجبٌ هو على الأُمّة جميعاً؟ فقال: ( لا )، فقيل له: ولِمَ؟ قال:( إنّما هو على القويّ المُطاع، العالِم بالمعروف مِن المنكر، لا على الضعيف الذي لا يهتدي سبيلاً إلى أيّ مِن أيّ، يقول مِن الحق إلى الباطل ) (٢) .

وقال ( عليه السلام ):( إنّما يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر من كانت فيه ثلاث خصال: عالمٌ بما يأمر، عالمٌ بما ينهى ) (٣) .

ومن خلال متابعة سيرة أهل البيت ( عليهم السلام ) نجد أنّهم كانوا يحثّون على طلب العِلم، وعلى معرفة أحوال المجتمع وعلى معرفة أحوال المخاطبين؛ لكي يكون المربّي قادراً على النجاح في تحقيق مسؤوليّته.

ثانياً: القدوة

الإنسان وخصوصاً في مرحلة الحداثة والطفولة يُحاول التشبّه بالأشخاص الأكثر حيويّة، والأشدّ فاعليّة في المجتمع، ويتعمّق التشبّه في خَلَجَات نفسه بالتدريج، حتّى يستحكم في العقل والعاطفة ثمّ الإرادة والسُلوك، والمربّي هو مِن أكثر أفراد المجتمع عُرضة للتشبه به ثمّ تقليده ثمّ الاقتداء به لأنّه على علاقة

____________________

(١) الكافي / الكليني: ١ / ٤٤.

(٢) المصدر السابق نفسه: ٥ / ٦٠.

(٣) تحف العقول / الحرّاني: ص ٢٦٦.


متواصلة مع الناس والأفراد المراد تربيتهم سَواء أكان والداً أم والدةً أم معلّماً أم عالم دين.

وإذا لم يكن المربّي قدوة لغيره فإنّ عمله لا يثمر، ولا يستطيع أنْ ينفذ إلى القلوب ليوجّهها نحو الاستقامة والصلاح ما دام لا يُطابق فعله قوله، وعمله تصوراته، حيث لا يبقى لموعظته أيّ أثر ايجابي على ممارسات وسيرة المراد تربيتهم. قال الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ):( إنّ العالِم إذا لم يعمَل بعلمه، زلّت موعظته عن القلوب كما يزلّ المطر عن الصفا ) (١) .

وإذا لم يكن المربّي قدوة في سُلوكه وسيرته، فإنّ الناس لا ينتفعون بقوله ورأيه بمعنى إنّه لا يؤثّر فيهم عمليّاً. قال الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ):( مَن لم ينسلخ عن هواجسه، ولم يتخلّص مِن آفات نفسه وشهَواتها، ولم يهزم الشيطان، ولم يدخل في كنَف الله وأمان عصمته؛ لا يص لح له الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنّه إذا لم يكن بهذه الصفة، فكلّما أظهر أمراً كان حجّة عليه، ولا ينتفع الناس به ) (٢) .

وقد مثّل ( عليه السلام ) المربّي والموجّه باليقظان، فإنّ غيره لا يستطيع أنْ يُوقظ الناس لأنّه راقد، فقال ( عليه السلام ):( فإنّ مَثل الواعظ والمتّعظ كاليقظان والراقد، فمَِن استيقظ عن رقدته وغفلته ومخالفاته ومعاصيه، صلُح أنْ يوقظ غيره مِن ذلك الرقاد ) (٣) .

وقد دعا ( عليه السلام ) إلى أنْ يكون المربّي والداعية مُجسّداً للسُلوك الصالح في حركته،

____________________

(١) الكافي / الكليني: ١ / ٤٤.

(٢) مستدرك الوسائل / النوري: ١٢ / ٢٠٣.

(٣) المصدر السابق نفسه.


وأنْ يكون مربّياً بسيرته قبل التربية بلسانه، فقال ( عليه السلام ):( كونوا دعاةً للناس بغير ألسنتكم؛ ليروا منكم الورع والاجتهاد والصبر والخير، فإنّ ذلك داعية ) (١) .

ومَن يتغلّب على نفسه فإنّه قادر على تربية الآخرين على التغلّب على نفوسهم الإمّارة بالسوء، ومَن لم يمت الشر في داخله فإنّه لا يستطيع أنْ يميته في صدور الآخرين. قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ):( احصد الشرّ مِن صدر غيرك بقلعه من صدرك ) (٢) .

ودعا ( عليه السلام ) إلى تجسيد المفاهيم والقِيَم الصالحة في النفس والإرادة والسُلوك العملي قَبل دعوة الناس إليها، فقال:( ائتمروا بالمعروف وأمروا به، وتناهَوا عن المنكر وانهوا عنه ) (٣) .

ويرى ( عليه السلام ) أنّ مَن لم يكن قدوةً صالحة فهو غاوٍ لغيره إنْ تبنّى مسؤوليّة التربية، أو الدعوة إلى الدين والسيرة الصالحة، قال ( عليه السلام ):( كفى بالمرء غواية أنْ يأمر الناس بما لا يأتمِر به، وينهاهم عمّا لا ينتهي عنه ) (٤) .

وقد جسّد أهل البيت ( عليهم السلام ) دور القدوة في حركتهم لتربية أبنائهم أو تربية الأُمّة أو تربية الموافقين والمخالفين على حدٍّ سَواء، قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ):( أيّها الناس، إنّي والله ما أحثّكم على طاعةٍ إلاّ وأسبِقُكم إليها، ولا أنهاكم عن معصيةٍ إلاّ وأتناهى قبلكم عنها ) (٥) .

____________________

(١) الكافي / الكليني: ٢ / ٧٨.

(٢) تصنيف غرر الحكم: ص ١٠٦.

(٣) المصدر السابق نفسه: ص ٣٣٢.

(٤) المصدر السابق نفسه: ص ٣٣٣.

(٥) نهج البلاغة: ص ٢٥٠.


وكان أهل البيت ( عليهم السلام ) قدوة في كلّ شيء، وكانوا القمّة في جميع الفضائل والمحاسن والمكارم، ولهذا استطاعوا تربية عدد كبير من المسلمين واعدّوهم ليكونوا مربين بدورهم، فكانوا قمّة في الإخلاص لله تعالى، وقمّة في المعرفة، وفي الشجاعة، وفي العدالة، وفي الصدق والأمانة والوفاء بالعهد، وفي جميع مجالات ومقوّمات الشخصيّة في الفكر والعاطفة والسلوك.

ثالثاً: الإنصاف والإيثار

للإنصاف والإيثار دورٌ كبير في خَلق الأجواء الروحيّة والنفسيّة لنموّ حركة التربية، حيثُ يرتبط الناس روحيّاً وعاطفيّاً بمَن يتّصف بهاتين الصفتين، ويشعرون بأنّ المربّي أو المُصلِح غاية في الكمال والتسامي، وأنّه عادلٌ في تعامله مع الآخرين وفي تقييمهم، وأنّه يتمتّع بالتعالي على الأُطر والمصالح الضيّقة والأنانيّة، وبهذا الشعور وبهذا الانسداد يُمكن التأثير على أفكار وعواطف وممارسات الآخرين، حيثُ يجد المربّي لرأيه ولإرشاده قبولاً، وهو مقدّمة أساسيّة للتربية والإصلاح.

يقول أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في هذا الصدد:

١ -( المُنصِف كثير الأولياء والأودّاء ) .

٢ -( الإنصاف يستديم المحبّة ).

٣ -( الإنصاف يألّف القلوب ).

٤ -( مع الإنصاف تدوم الأُخوّة ).

٥ -( مَن عُدِم إنصافه لم يُصحَب ) (١) .

____________________

(١) تصنيف غرر الحكم: ص ٣٩٤، ٣٩٥.


والمربّي الكثير الأولياء والمحبوب مِن قِبل الآخرين أكثر تأثيراً مِن غيره، حيث تتقبّل القلوب إرشاداته وتوجيهاته وتسعى لتحقيقها في الواقع في ممارساتٍ عمليّة.

وحول صفة الإيثار قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ):

١ -( غاية المكارم الإيثار ).

٢ -( بالإيثار يسترق الأحرار ) .

٣ -( بالإيثار على نفسك تملك الرقاب ) (١) .

والمربّي المتّصف بالإيثار له سلطانٌ روحي وهيمنة عاطفيّة على الآخرين وجميع ذلك يؤثّر في تقرير المفاهيم والقيم الصالحة في عقول وقلوب وإرادة من يراد تربيتهم.

وقد ملك أهل البيت ( عليهم السلام ) قلوب الناس بالإيثار، واستطاعوا إيصالهم إلى شاطئ السعادة في الدنيا والآخرة، بالتزامهم بالنهج القويم الذي أرسى أركانه القرآن الكريم ورسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وأهل بيته ( عليهم السلام ).

رابعاً: الزهد

الزهد في أموال الناس وممتلكاتهم، والزهد الذاتي في الحياة الدنيا بزينتها وملذّاتها يسهم في ازدياد ثقة الناس بالمربّي والمبلّغ والداعية؛ حيثُ يشعرون بأنّه لا يرجو من عمله وحركته دنيا ولا جاهاً، وإنّما يعمل لذات المسؤوليّة تقرباً إلى الله تعالى. وبالزهد يكتسب المربّي محبّة الناس، وبهذه المحبّة يستطيع

____________________

(١) المصدر السابق نفسه: ص ٣٩٦.


التأثير على عقولهم وقلوبهم وإراداتهم.

قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ):( تحبّب إلى الناس بالزهد فيما بأيديهم، تقرّ بالمحبّة منهم ) (١) .

وقال ( عليه السلام ):( الزهد أقلّ ما يوجد، وأجلّ ما يعهد، ويمدحه الكلّ ويتركه الجلّ ) (٢) .

والزهد مفتاح الصلاح للمربّي وللمجتمع أجمع، وهو زين الحكمة، كما جاء في قول أمير المؤمنين ( عليه السلام ):( الزهد مفتاح صلاحٍ ) وقال ( عليه السلام ):( زين الحكمة الزهد في الدنيا ) (٣) .

خامساً: البشاشة وطلاقة الوجه ولين الكلام

البشاشة وطلاقة الوجه ولين الكلام من الممارسات المحبوبة عند جميع الناس، وهي تسهم في جذب الناس وامتلاك عواطفهم ومشاعرهم؛ لأنّ الناس يتأثّرون بالشخص قبل التأثّر بالمفاهيم والأفكار، وهم يقيسون الإنسان على ظاهره قَبل باطنه، فحينما يرونه بشوشاً طليق الوجه ليّن الكلام فإنّهم سيتوجّهون إلى أفكاره ورغباته بشوقٍ وجاذبيّة.

وفي ذلك قال إمامنا أمير المؤمنين ( عليه السلام ):

١ -( طلاقة الوجه بالبشر والعطيّة وفعل البرّ وبذل التحيّة داعٍ إلى محبّة البريّة ) .

____________________

(١) تصنيف غرر الحكم: ص ٤٣٧.

(٢) المصدر السابق نفسه: ص ٢٧٥.

(٣) المصدر السابق نفسه: ص ٢٧٥.


٢ -( عليك بالبشاشة فإنّها حبالة المودّة ) .

٣ -( البِشْر يُطفئ نار المعاندة ).

٤ -( البِشْر يؤنس الرفاق ).

٥ -( عوّد لسانك لين الكلام وبذل السّلام يكثر محبّوك ويقلّ مبغضوك ) .

٦ -( من عذب لسانه كثر إخوانه ) (١) .

٧ -( من لانت كلمته وجبت محبّته ) (٢) .

٨ -( إنّ أحسن ما يُألّف به الناس قلوب أودّائهم، ونفوا به الضغن عن قلوب أعدائهم حسن البِشْر عند لقائهم، والتفقّد في غيبتهم والبشاشة بهم عند حضورهم ) (٣) .

الخصائص العمليّة للمربّين

أوّلاً: المداراة

يجد المربّي أصنافاً مِن الناس يختلفون في أعمارهم وأجناسهم، ويختلفون في طاقاتهم وإمكاناتهم الفكريّة والعاطفيّة والسلوكيّة، ويختلفون في انتماءاتهم وولاءاتهم الطبَقيّة والقبَليّة والقوميّة والطائفيّة، ويختلفون في درجات قُربهم وبعدهم عن الدين، ويختلفون في نظرتهم للمربّي من حيثُ الاحترام والتقدير وعدمهما، ومن حيثُ الثقة به وعدمها، وجميع ذلك بحاجة إلى المداراة.

____________________

(١) تصنيف غرر الحكم: ص ٤٣٤، ٤٣٦.

(٢) تحف العقول / الحرّاني: ص ٦٠.

(٣) المصدر السابق نفسه: ص ١٥٢.


ومداراة أفراد المجتمع المتعدّدين في كلّ جوانب الشخصيّة، من أولويّات العمل والفعّاليّة في أوساطهم لإصلاحهم وتربيتهم، ولهذا جاءت الروايات لتؤكّد على هذه الظاهرة الجميلة.

عن الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) قال:( قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ): أمَرني ربّي بمداراة الناس كما أمرني بأداء الفرائض ) (١) .

وعنه ( عليه السلام ) قال:( قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ): ثلاث مَن لم يكنّ فيه لم يتمّ له عمل: ورعٌ يحجزه عن معاصي الله، وخُلُقٌ يُداري به الناس، وحلمٌ يردُّ به جهل الجاهل ) (٢) .

والمداراة كما وصفها أمير المؤمنين ( عليه السلام ) هي جمال الحكمة، وسلامة الدين والدنيا، وأحمد الخلال، فقال ( عليه السلام ):

١ -( جمال الحكمة الرفق وحسن المداراة ).

٢ -( سلامة الدين والدنيا في مداراة الناس ).

٣ -( المداراة أحمد الخلال ) (٣) .

ومن مصاديق المداراة أنْ يتحدّث المربّي بلغة مبسطة واضحة مفهومة من قبل جميع المستويات الفكريّة والعلميّة، وأنْ يتجنّب المصطلحات الغامضة والعبارات غير الواضحة التي لا تحقّق أي تقدّم في المجال التربوي.

قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ):

١ -( أحسن الكلام ما زانه حُسن النظام، وفهمه الخاص والعام ) .

____________________

(١) الكافي / الكليني: ٢ / ١١٧.

(٢) المصدر السابق نفسه: ص ١١٦.

(٣) تصنيف غرر الحكم: ص ٤٤٥.


٢ -( أبلغ البلاغة ما سهل في الصواب مجازه، وحسن إيجازه ) .

٣ -( أحسن الكلام ما لا تمجّه الآذان، ولا يتعب فهمه الأذهان ) (١) .

ومن المداراة اختصار الكلام وتجنّب الإسهاب المؤدّي إلى الكلل والملل.

قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ):( الكلام كالدواء قليلهُ ينفع وكثيره قاتل ) .

وقال ( عليه السلام ):( أقلّ المقال، وقصّر الآمال، ولا تقل ما يُكسِبك وِزراً ويُنفّر عنك حُرّاً ) (٢) .

ومِن المداراة تجنّب الحديث عن الأمور التي لا يتعقّلها المراد تربيتهم ولا تتحمّلها عقولهم.

قال الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ):( رحم الله عبداً اجتر مودّة الناس إلينا، فحدّثهم بما يعرفون واترك ما يُنكرون ) (٣) .

وعن محمّد بن عبيد قال: دخلت على الرضا ( عليه السلام ) فقال لي:( قل للعبّاسي: يكفّ عن الكلام في التوحيد وغيره، ويكلّم الناس بما يعرفون، ويكفّ عمّا يُنكرون ) (٤) .

ودخل عليه يونس بن عبد الرحمان فشكا إليه ما يلقى من أصحابه من الوقيعة، فقال له الإمام الرضا ( عليه السلام ):( دارهم فإنّ عقولهم لا تبلغ ) (٥) .

وينبغي أنْ لا تكون المداراة في ترك الحقّ كما ورد عن رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ):

____________________

(١) تصنيف غرر الحكم: ص ٢١٠.

(٢) المصدر السابق نفسه: ص ٢١١.

(٣) بحار الأنوار / المجلسي: ٢ / ٦٥.

(٤) التوحيد / الشيخ الصدوق: ص ٩٥.

(٥) رجال الكشي: ص ٤٨٨.


( رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس في غير ترك الحق ) (١) .

ومن مصاديق المداراة مراعاة الدوافع النفسيّة والعاطفيّة للانحراف، وأجواء المنحرف الاجتماعيّة، ولذا كان أهل البيت ( عليهم السلام ) يُراعون الضعف البشري عند أصحابهم وعند مخالفيهم ويُقابلونه بالمداراة؛ لأنّها الكفيلة بتحقيق الأهداف المتوخّاة من التربية.

ثانياً: الرفق

من طبيعة الإنسان أنّه يأنس بآرائه وأفكاره ومواقفه، ويحرص على عدم المساس بها لأنّها جزء من شخصيّته، ويرى فيها كرامته وكبرياءه ووجوده، فينبغي لمن يريد أنْ يتحرّك في وسط المجتمع ليربيه أو يصلحه، أنْ يتعامل برفق مع الناس سَواء في تخطئة آرائهم وأفكارهم ومواقفهم أم تبيان صحّة المفاهيم والقيم المراد تقريرها في نفوسهم وواقعهم.

والرفق صفة محبّبة لدى الناس وبها تتيسّر الصعاب وتُسهّل الأمور، ويتفاعل الناس مع المربّي والمبلّغ والداعية إلى الله، كما ورد عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ):( الرفق يُيسّر الصعاب ويسهّل شديد الأسباب ) .

وقال ( عليه السلام ):( من استعمل الرفق لان له الشديد ) (٢) .

فبالرفق يتنازل الإنسان عن رأيه الخاطئ وعن موقفه الخاطئ، ويتقبل النصح والإرشاد، بل يتفاعل معه ليصلح نفسه على ضوء الأُسس والمفاهيم المراد تقريرها في الواقع.

____________________

(١) تحف العقول / الحرّاني: ص ٢٩.

(٢) تصنيف غرر الحكم: ص ٢٤٤.


وقال الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ):( مَن كان رفيقاً في أمره نال ما يُريد من الناس ) (١) .

والمربّي لا يُريد من الناس أجراً أو شكراً، وإنّما يُريد لهم الخير والسعادة بتربيتهم على أساس الخُلق السامي والسُلوك السليم، فهو يُريد لهم أنْ يكونوا صالحين ومُصلحين، فالمصلحة تعود لهم ولمجتمعهم، فمِن الطبيعي أنْ ينال ما يُريده إذا كان رفيقاً معهم.

وجعل الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) الرفق حقاً من حقوق المستنصح، فقال:( وأمّا حق المُستنصح، فإنّ حقّه أنْ تؤدّي إليه النصيحة على الحقّ الذي ترى له أنّه يحمل ويخرج المخرج الذي يلين على مسامعه، وتكلّمه مِن الكلام بما يطيقه عقله؛ فإنّ لكلّ عقلٍ طبقه من الكلام يعرفه ويجتنبه، وليكن مذهبك الرحمة ) (٢) . وفي رواية أُخرى:( وليكن مذهبك الرحمة والرفق به ) (٣) .

ومن الرفق عدم التكلّف في طرح الأفكار والمفاهيم، قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ):( قولوا ما قيل لكم، وسلّموا لمّا رُوي لكم، ولا تَكَلَّفوا ما لم تُكَلَّفوا، فإنّما تبعته عليكم فيما كسبت أيديكم ولفظت ألسنتكم، أو سبَقت إليه غايتكم ) (٤) .

ومن الرفق كما ورد في أحاديث أهل البيت ( عليهم السلام ) إبداء النصيحة بمرونةٍ ويُسر

____________________

(١) الكافي: ٢ / ١٢٠.

(٢) تحف العقول / الحرّاني: ص ١٩٤.

(٣) مكارم الأخلاق / الطبرسي: ص ٤٢٣.

(٤) تحف العقول / الحرّاني: ص ١٠٤.


وبصورة شيّقة وجذّابة، وأنْ لا يتحدّث المربّي بما يُفزع الناس ويشقّ عليهم في مسائل عذاب الله تعالى وعذاب القبر، ومِن الأفضل تقديم صفات الرحمة والرأفة والغفران على صفات الانتقام، وفي إبداء النصيحة العامّة ينبغي عدم ذكر أسماء المنحرفين أمام الملأ، وأنْ تكون النصيحة سرّاً.

ومِن الرفق مراعاة الأوضاع النفسيّة للإنسان في مجال العبادة الواجبة والمندوبة، قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ):( إنّ للقلوب إقبالاً وإدباراً، فإذا أقبَلت فاحملوها على النوافل، وإذا أدبرت فاقتصروا بها على الفرائض ) (١) .

وذكر الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) قصّة الكافر الذي أسلم فاصطحبه أحدُ المسلمين وأثقله بالصلاة وحمّله ما لا يطيق، فقال له: انصرف عنّي، فإنّ هذا دينٌ شديد لا أطيقه(٢) .

ثالثاً: الإحسان

بالإحسان إلى الآخرين يتمكّن المربّي من التأثير على عواطفهم، ثُمّ عقولهم، ثُمّ ممارساتهم؛ لأنّ النفس الإنسانيّة مجبولة على حبّ من أحسن إليها، والإحسان يؤدّي إلى كسب ودّ الآخرين والسيطرة على كيانهم فيخضعون لإرادة المُحسن ولسلطانه الروحي، كما ورد عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ):

١ -( الإحسان يسترق الإنسان ) .

٢ -( بالإحسان تملك القلوب ).

٣ -( سبب المحبّة الإحسان ).

____________________

(١) نهج البلاغة: ٥٣٠.

(٢) الخصال / الشيخ المفيد: ص ٣٥٤.


٤ -( عليك بالإحسان فإنّه أفضل زراعة وأربح بضاعة ) (١) .

فالإحسان له دَورٌ كبيرٌ في إصلاح النفوس وتوجيهها نحو الاستقامة ومِن ثمّ التكامل والسموّ؛ لأنّها ستتوجّه إلى المُحسن بكلّ جوارحها، فيكون له التأثير عليها بالاستهواء، فتَتسارع النفوس للاستجابة لإرشاداته قناعةً أو حياءً.

وقد استطاع أهل البيت ( عليهم السلام ) إصلاح الكثيرين بعد الإحسان إليهم، والأفضل مِن الإحسان مقابلة الإساءة بالإحسان، وكانت هذه صفةٌ من صفاتهم ( عليهم السلام ).

روى المبرّد وابن عائشة: أنّ شاميّاً رأى الإمام الحسن بن عليّ ( عليه السلام ) راكباً فجعل يلعنه، والحسن لا يرد، فلمّا فرغ أقبل الحسن ( عليه السلام ) فسلّم عليه وضحك، وقال:( أيّها الشيخ أظنّك غريباً، ولعلّك شبّهت، فلو استعتبتنا أعتبناك، ولو سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا أحملناك، وإنْ كنت جائعاً أشبعناك، وإنْ كنت عرياناً كسوناك، وإنْ كنت محتاجاً أغنيناك، وإنْ كنت طريداً آويناك، وإنْ كان لك حاجة قضيناها لك، فلو حرّكت رَحلَك إلينا وكنت ضيفنا إلى وقتِ ارتحالك كان أعوَد عليك؛ لأنّ لنا موضعاً رحِباً وجاهاً عريضاً ومالاً كثيراً ) .

فلمّا سمِع الرجل كلامه بكى ثمّ قال: أشهد أنّك خليفة الله في أرضه، الله أعلم حيثُ يجعل رسالته، وكنت أنت وأبوك أبغض خلق الله إليّ، والآن أنت أحبّ خلق الله إليّ(٢) .

____________________

(١) تصنيف غُرر الحِكَم: ص ٣٨٥، ٣٨٦، ٣٨٨.

(٢) بحار الأنوار / المجلسي: ٤٣ / ٣٤٤.


رابعاً: الاختلاط بالناس

مِن الصفات المهمّة للمربّي وللمصلِح أنْ يختلط مع الناس ولا ينعزل عنهم؛ لأنّ التربية والإصلاح لا تقتصر على إلقاء الخُطَب في المجالس العامّة والخاصّة، وإنّما هي حركةٌ وعملٌ دؤوب في الأوساط الاجتماعيّة تتطلّب مشاركة الناس في آمالهم وآلامهم، وأنْ يعيش المربّي معهم كواحد منهم، يُشاركهم في نشاطاتهم وفعاليّاتهم واحتفالاتهم وأحزانهم، وهكذا كان أهل البيت ( عليهم السلام ) في وسط الأُمّة، وبهذا استطاعوا تربية وإصلاح الكثير مِن أتباعهم ومخالفيهم.

قال صعصعة بن صوحان يصف أمير المؤمنين ( عليه السلام ): كان فينا كأحدنا، ليّن جانب، وشدّة تواضع، وسهولة قياد، وكنّا نهابه مهابة الأسير المربوط للسيّاف الواقف على رأسه(١) .

وقال نافع بن جُبير للإمام زين العابدين ( عليه السلام ): إنّك تُجالس قوماً دوناً، فقال له:( إنّي أُجالس مَن أنتفع بمجالسته في ديني ) (٢) .

وكانت إرشاداتهم لأصحابهم أنْ يتعايشوا مع غيرهم مِن المُخالفين، ومن هذه الإرشادات ما جاء عن الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) أنّه قال:( كونوا لمن انقطعتم إليه زيناً ولا تكونوا عليه شيناً؛ صلّوا في عشائرهم، وعودوا مرضاهم، واشهدوا جنائزهم ) (٣) .

والاختلاط بالمجتمع يسهم مساهمة فعّالة في معرفة أحوال وأوضاع الناس

____________________

(١) شرح نهج البلاغة: ١ / ٢٥.

(٢) مناقب آل أبي طالب: ٤ / ١٧٥.

(٣) الكافي: ٢ / ٢١٩.


المختلفة، وهي مقدّمة للإصلاح والتربية، ومِن تلك الأوضاع والأحوال:

١ - معرفة مستويات الناس المراد تربيتهم.

٢ - معرفة الصالحين من الطالحين.

٣ - معرفة الأسباب والعوامل المساهِمة في الانحراف.

ومن هنا يستطيع المربّي أنْ يمتلك القدرة على تشخيص الانحراف في بدايته، وعلى اختيار الأُسلوب المناسب للإصلاح والتربية، والتعاون مع بقيّة المربّين لوضع البرامج والخُطط التربويّة المناسبة.

خامساً: الصبر والحِلم

إنّ التربية والدعوة إلى الصلاح والاستقامة ( ليست أفكاراً تُطرح أو خطابات تُلقى، بل هي مسؤوليّة كبيرة مليئة بالمصاعب والمشاكل والمعوّقات والعراقيل؛ لأنّها تصطدم بشهَوَات النفس ونَزَوَاتها، وتُواجه اعتزاز الناس بمفاهيمهم وقِيَمهم التي أنَسوا بها، وتُواجه السلطات المنحرفة التي تريد إشغال الناس بالانحراف عن المنهج القويم، وتواجه المنحرفين الذين يكرهون الصلاح والصالحين، ويواجه المربّي ضغوطات نفسه التي تروم إلى الراحة والاسترخاء، والوحشة من طول الطريق وقلة المربّين وكثرة المنحرفين، ويواجه المغريات التي تثنيه عن أداء مسؤوليّته.

قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ):( المؤمن بين خمس شدائد: مؤمن يحسُده، ومنافق يبغضه، وكافرٌ يُقاتله، وشيطانٍ يضلّه، ونفس تُنازعه ) (١) .

____________________

(١) المحجّة البيضاء / الفيض الكاشاني: ٥ / ١١٥.


وأمام هذه الشدائد لابدّ من الصبر والتحمّل، فبالصبر يتغلّب المربّي على جميع المصاعب، وهو عونٌ له للاستمرار في حركته التربويّة بلا تردّد ولا تراجع.

وحول أهميّة الصبر وآثاره الايجابيّة قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ):

١ -( الصبر عونٌ على كلّ أمر ).

٢ -( الصبر كفيلٌ بالظفَر ).

٣ -( بشّر نفسك إذا صبرت بالنجاح والظفَر ) (١) .

وينبغي أنْ يكون المربّي الصابر حليماً حتّى ينال احترام وتقدير الآخرين، ويملك أزمّة قلوبهم ومشاعرهم بحِلمه.

قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ):

١ -( بالحلم تكثر الأنصار ).

٢ -( بالاحتمال والحِلم يكون لك النّاس أنصاراً وأعواناً ).

٣ -( ضادّوا الغضب بالحِلم تحمدوا عواقبكم في كلّ أمر ) (٢) .

سادساً: القدرة على التقييم الموضوعي

التقييم الموضوعي للأفراد والكيانات الاجتماعيّة، يسهم في إنجاح الأعمال والنشاطات المتعلّقة بمسؤوليّة التربية والإصلاح والتغيير، فينبغي لِمَن تحمّل هذه المسؤوليّة أنْ يكون قادراً على التقييم السليم القائم على أُسُس وموازين سليمة، من حيث قُربهم وبعدهم عن الاستقامة الفكريّة والسلوكيّة.

____________________

(١) تصنيف غُرر الحِكَم: ص ٢٨٠، ٢٨٣.

(٢) المصدر السابق نفسه: ص ٢٨٧.


والتقييم الموضوعي يسهم في دفع الجانِحين للعودة إلى الاستقامة، ومِن ثُمّ التوجّه للتكامل والسموّ والوصول إلى القمّة في جميع مقوّمات الشخصيّة؛ لأنّه يستنهض الهِمم ويستجيش العزائم ليتحول الإنسان مِن سيءٍ إلى حسن، ومن حسنٍ إلى أحسن.

قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ):( لا يكوننّ المُحسن والمسيء عندك بمنزلةٍ سَواء، فإنّ ذلك تزهيدٌ لأهل الإحسان في الإحسان، وتدريبٌ لأهل الإساءة على الإساءة، فألزم كلاًّ منهم ما ألزم نفسه أدباً منك ينفعه الله به، وتنفع به أعوانك ) (١) .

والمساواة في التقييم، بمعنى عدم التمييز بين المحسن والمسيء، وبين العامل والمقصّر، تؤدّي إلى تعطيل الطاقات الفعّالة المثمرة، وتميت روح المبادرة، وتؤدّي إلى توقف أو بطء حركة التربية والإصلاح.

ولهذا نجد أهل البيت عليهم السلام يصفون أصحابهم بالوصف المناسب لهم من حيث الإخلاص والاستقامة ومن حيث قُربهم وبُعدهم عن منهجهم ( عليهم السلام ) ومن حيث ما قدّموه من خدمات للدين وللأُمّة.

المبحث الثاني: أساليب التربية

أولاً: أُسلوب الخطاب

أسلوب الخطاب من الأساليب التربوية الشائعة والتي مُورست من قِبل

____________________

(١) تُحف العقول: ص ٨٧.


جميع التيّارات والوجودات والشخصيّات، وقد مارس أهل البيت ( عليهم السلام ) هذا الأُسلوب في تربية أصحابهم وسائر أبناء المجتمع المسلم، وسيرتهم حافلة بالخطابات والبيانات التي تُخاطب جميع مقوّمات الشخصيّة، حيثُ تُخاطب العقل والقلب والإرادة لتستجيش فيها عناصر الخير والصلاح، وتُطارد عناصر الشر والانحراف، موجّهة الأنظار إلى خالق الكون والحياة والإنسان وإلى رقابته على سَكَنَات الإنسان وحرَكَاته، وموجّهة العقول والقلوب إلى يوم الحساب ويوم الثواب والعقاب وإلى عذاب القبر، ومحذّرة مِن مزالِق الشيطان والنفس الأمّارة بالسوء، ومحذّرة من المُغريات التي تستهوي الإنسان ليركن إليها وينشغل باللهث ورائها تاركاً مسؤوليّته في الحياة، وكانت الخطابات توجّه العقول والقلوب إلى سنن الله تعالى المتحكّمة في الحياة والإنسان وإلى آثار بعض الأعمال الصالحة والطالحة.

والخطاب أهمّ وسيلة لتحريك العقل الجمعي وتوجيهه نحو الصلاح والاستقامة، وهو الوسيلة التربويّة الموجّهة لعددٍ كبير من الناس فيها اقتصاد في الوقت وتجميع للطاقات.

وقد سنحت الفرصة للإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لإلقاء خطبه بعد بسط اليد له بالبيعة العامّة وتسلمه الخلافة، وكذلك للإمام الحسن وللإمام الحسين ( عليهما السلام )، وبعض الفُرَص للإمام زين العابدين ( عليه السلام ) وللإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) وللإمام عليّ ابن موسى الرضا ( عليه السلام )، أمّا بقيّة الأئمّة فكانت فُرَص الخطاب محدودة في كمّها ونوعها حيث كانت مقتصرة على الأتباع والأنصار والمقرّبين، حيث إنّ المنابر العامّة كانت بيد أعدائهم ومخالفيهم.

وكان للخطاب الدور الأكبر في كشف حقيقة النظام الأمَوي بعد إقدامه على


قتل الإمام الحسين ( عليه السلام ) وأهل بيته، وبخطاب الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) في الكوفة والشام والمدينة عاد عددٌ كبير من المسلمين إلى وعيِهم ورُشدِهم فتبنّوا منهج أهل البيت ( عليهم السلام ) وعاد الكثير منهم إلى الاستقامة.

وكان المنبر الحسيني وسيلةً واسعة لإلقاء الخُطَب والبيانات وتِبيان الحقائق والحثّ على الطاعة، وتبيان مظلوميّة أهل البيت ( عليهم السلام ) وكراماتهم وسيرتهم ليقتدي بها الآخرون، وقد شجّع أهل البيت ( عليهم السلام ) على إقامة مجالس العزاء على سيّد الشهداء، وهي مجالس تلقى فيها الخطب سَواء أكانت خُطباً لأهل البيت ( عليهم السلام ) أم للعلماء أم للصالحين.

والمتابع لخطابات أهل البيت ( عليهم السلام ) يجدها خطابات موجزة ومفهومة للسامعين ومتنوّعة في مفاهيمها وقِيمها.

ثانياً: القصص

القصص بطبيعتها محبّبة لدى الناس ومؤثّرة فيهم حيثُ يتوجّهون إليها بعقولهم وقلوبهم ووجدانهم، يُتابعون أحداثها وفصولها، ويتأثّرون بإبطالها وشخصيّاتها، والقصص تبقى فاعلة في الذهن أكثر مِن غيرها؛ لسهولة حفظها وتذكّرها ونقلها.

وحول دور القصّة في التربية ورد في وصيّة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) للإمام الحسن ( عليه السلام ):( أحي قلبك بالموعظة وأعرض عليه أخبار الماضين، وذكّره بما أصاب مَن كان قبلَك مِن الأولين إنّي وإنْ لم أكن عمّرت عمرَ مَن كان قبلي، فقد نظَرْت في أعمالِهم، وفكّرت في أخبارهم، وسِرت في آثارهم؛ حتّى عِدت كأحدِهم؛ بل كأنّي بما انتهى إليّ مِن أمورَهم قد عُمِّرت مع


أوّلهم إلى آخرهم ) (١) .

وللقصّة دورٌ في تحريك العقول للتفكّر، والوصول إلى الحقيقة وتجسيدها في ممارسات ومواقف عمليّة، وقد حفلت سيرة أهل البيت ( عليهم السلام ) بتربية أصحابهم عن طريق القصص لما فيها من مفاهيم وقِيَم متنوعة في مجالات النفس الإنسانيّة وفي مجالات المجتمع الإنساني، وقد ذكروا ( عليهم السلام ) قصصاً عديدة عن تاريخ ومسيرة الأنبياء والأولياء والصالحين ودورهم في الحياة الإنسانيّة وخصائصهم الحميدة ومواقفهم مِن الأفراد ومن الوجودات، وقِصصاً عن إيمانهم وعباداتهم وعن أخلاقهم وعلاقاتهم مع الناس، وعن زهدهم وإيثارهم وصبرهم وإحسانهم إلى غير ذلك من الصفات النبيلة.

كما ذكر أهل البيت ( عليهم السلام ) قصصاً عن الصالحين وعن التائبين وعن مواقف شريفة ونبيلة، لكي تؤدّي دورها في تربية النفوس والقلوب، ومن هذه القصص: قصّة نقلها الإمام زين العابدين عن امرأة نجَت من سفينة فواجَهها رجلٌ يقطع الطريق وينتهك الحُرُمات، فلم يكلّمها حتّى جلس منها مجلس الرجل مِن المرأة.

فلمّا أنْ همّ بها اضطربت، فقال لها: ما لك تضطربين، قالت: أفرَق مِن هذا وأومأت بيدها إلى السماء، قال: فصنعتِ مِن هذا شيئاً؟ قالت: لا وعزّته، قال: فأنت تفرقين منه هذا الفَرْق ولم تصنعي مِن هذا شيئاً وإنّما استكرهتك استكراهاً، فأنا والله أولى بهذا الفرْق والخوف وأحقّ منك، فقام ولم يحدِث شيئاً ورجع إلى أهله وليست له همّة إلاّ التوبة والمراجعة.(٢)

وهناك قصص عديدة في جميع أصناف وألوان السُلوك والممارسات ذكرها

____________________

(١) نهج البلاغة: ٣٩٣.

(٢) الكافي / الكليني: ٢ / ٧٠.


أهل البيت ( عليهم السلام ) في أجواء التربية والإصلاح والإرشاد للموالين وللمخالفين.

ثالثاً: الأمثال والتمثيل

استخدم أهل البيت ( عليهم السلام ) ضَرْب الأمثال كوسيلة مِن وسائل التربية في طريق الهداية والاستقامة بالحثّ على الالتزام بمفاهيم وقِيَم الإسلام.

وضرب الأمثال يُقرّب المعنى إلى الأذهان ويجعله متحرّكاً في الضمير والوجدان البشري، وهو سهلُ الحفظ والنقل، وله تأثيرٌ محسوس وواقعي على جميع مقوّمات الشخصيّة، إضافةً إلى أنّه يُضرَب باختصار وإيجاز، فلا يصيب المستمع بسماعه ملَلاً، بل يتوجّه بكلّ جوارحه ليستمع إليه.

وقد مثّل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) الدنيا بالحيّة فقال:( أمّا بعد فإنّ مثل الدنيا مثل الحيّة، ليّنٌ مسّها، قاتلٌ سمّها ) (١) .

ومثّلها الإمام الصادق ( عليه السلام ) بماء البحر فقال:( مثل الدنيا كمثل البحر كلّما شرِب منه العطشان ازداد عطَشَاً حتَى يقتله ) (٢) .

ومثل الإمام محمّد الباقر ( عليه السلام ) من لم يتبع الأئمّة المنصّبين من قبل الله تعالى بالشاة فقال:( كلّ مَن دان الله بعبادةٍ يُجهد فيها نفسَه ولا إمام له مِن الله؛ فسعيُه غيرُ مقبول، وهو ضالٌّ متحيّر، والله شانئٌ لأعماله، ومثلُه كمثلِ شاةٍ ضلّت عن راعيها وقطيعها ) (٣) .

ويلحق بضرب الأمثال التمثيل العملي فأنّه أسرع للانتقال مِن لسان

____________________

(١) شرح نهج البلاغة: ١٨ / ٦٨.

(٢) الكافي / الكليني: ٢ / ١٣٦.

(٣) الكافي / الكليني: ١ / ٣٧٥.


لآخر، ومن محفلٍ لآخر. عن الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) قال:( إنّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) نزل بأرض قرعاء، فقال لأصحابه: ائتوا بحطب، فقالوا: يا رسول الله، نحن بأرض قرعاء ما بها من حطَب، قال: فليأت كلّ إنسان بما قدر عليه، فجاءوا به حتّى رمَوا بين يديه، بعضَه على بعض، فقال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ): هكذا تجتمع الذنوب.

ثمّ قال:إيّاكم والمحقَّرات مِن الذنوب، فإنّ لكلّ شيء طالباً، ألا وإنّ طالبها يكتب ما قدّموا وآثارهم وكلّ شيء أحصيناه في إمامٍ مبين ) (١) .

رابعاً: العبرة والموعظة

يتّخذ أهل البيت ( عليهم السلام ) من العِبرة والموعظة وسيلة تربويّة لتنوير العقل والقلب، واستخلاص المفاهيم والقِيَم الكامنة وراء المواقِف والحوادِث، وبالعِبرة والموعظة يعي الإنسان حركة الحياة مِن حيث الشدّة والرخاء، وأسباب التقدّم والتأخّر للمجتمعات والحضارات، وبالعبرة والموعظة يُقلع الإنسان عن الممارسات المنحرفة، ثمّ يتوجّه لإصلاح نفسه لتسمو وتتكامل.

وقد ورد في ( نهج البلاغة ) الكثير حول الاعتبار بالأنبياء والصالحين، وبالأقوام السالِفة، والاعتبار بما أصاب الأقوام المتمرّدة على طول التاريخ، والتذكير بالموت والهلاك، والنعيم والعذاب الخالد، والتذكير بما أصاب الأُمم المتمرّدة مِن قلقٍ واضطراب ومِن نقص في الثمرات والأنفس، والتذكير بما تنعّمت به الأُمم الصالحة من نِعمٍ وخيرات.

____________________

(١) الكافي / الكليني: ٢ / ٢٨٨.


ومواعظ أهل البيت ( عليهم السلام ) لا تُعَد ولا تُحصى، وكان لها دورٌ ملموس في تربية أصحابهم ومخالفيهم.

خامساً: الاقتداء

الاقتداء وسيلةٌ هامّة من وسائل التربية؛ لأنّ الناس يتأثّرون بمَن يقتدون به، وغالباً ما يكون القدوة من الطبقات العُليا في المجتمع كالرؤساء والقادة وعُلماء الدين أو من السَلَف المتقدّمين، وأهل الكرامة وأهل القدوة يكرمهم الناس وهُم الذين ( يقتدي بهم عامّة الشعب )(١) .

والاقتداء بالأسلاف ( أكثر من الاقتداء بالطبقة العليا )(٢) ؛ لأنّ الناس يتأثّرون بالتراث الفكري والسلوكي لأسلافهم، وخير أُسلوب لتعميق الاقتداء هو التوجيه المستمر والترويج المتزايد لسيرة الأسلاف وممارساتهم العمليّة، وهذا ما أكّد عليه أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) في منهجهم التربوي.

قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ):( اقتدوا بهدى نبيّكم فانّه أصدق الهُدى، واستنّوا بسنّته فإنّها أهدى السُنَن ).

وقال ( عليه السلام ):( طُوبى لِمَن عمل بسنّة الدين، واقتفى آثار النبيّين ) (٣) .

وقال ( عليه السلام ):( انظروا أهل بيت نبيّكم فالزموا سمتهم واتبعوا أثرهم، فلنْ يخرجوكم مِن هدىً، ولنْ يُعيدوكم في ردىً، فإنْ لبدوا فالبدوا، وإنْ نهضوا فانهضوا، ولا تسبقوهم فتضلّوا، ولا تتأخّروا عنهم فتهلَكوا ) (٤) .

____________________

(١) علم الاجتماع / لنقولا الحداد: ص ١٤٠.

(٢) المصدر السابق نفسه: ص ١٤٦.

(٣) تصنيف غرر الحكم: ص ١١٠.

(٤) نهج البلاغة: ص ١٤٣.


وأكّد الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) على الاقتداء برسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) وبأهل البيت ( عليهم السلام ) فقال:( عليكم بآثار رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وسنّته، وآثار الأئمّة الهداة مِن أهل بيت رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) مِن بعده وسنّتهم، فإنّه مَن أخذ بذلك فقد اهتدى، ومَن ترك ذلك ورغب عنه ضلّ ) (١) .

والتربية بالقدوة مقدّمة على التربية بالقول أو الخطاب أو الموعظة، ولهذا أكّد أهل البيت ( عليهم السلام ) على المربّي أنْ يكون قدوة، وأنْ يربّي الناس بالاقتداء به.

قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ):( مَن نصّب نفسه للناس إماماً، فعليه أنْ يبدأ بتعليم نفسه قَبل تعليم غيره وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه ) (٢) .

وقال الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ):( رحِم الله قوماً كانوا سِراجاً ومناراً؛ كانوا دعاةً إلينا بأعمالهم ومجهود طاقاتهم ) (٣) .

سادساً: الحوار

الحِوار مِن الوسائل المعمول بها في التربية والإصلاح، فيه يَطرح الإنسان متبنّياته الفكريّة والعاطفيّة والسلوكيّة ويردّ على شُبهات المُحاوِرين، ويَطرح الأدلّة والبراهين ويُجيب على حُجج المُقابل.

وبالحِوار يتمكّن المُحاور مِن معرفة الآخرين على المستوى الفكري والعاطفي والسلوكي، ويتعرّف على نقاط القوّة والضعف في شخصيّاتهم، ويتفهّم مشكلاتهم بعُمق ويعيش تجربتهم بكلّ جوانبها، ويتعرّف على مستوى التطوّر

____________________

(١) الكافي / الكليني: ٨ / ٨.

(٢) شرح نهج البلاغة / لابن أبي الحديد: ١٨ / ٢٢٠.

(٣) تحف العقول / الحرّاني: ص ٢٢١.


الطارئ أثناء وبَعد الحِوار، وعلى ضوء هذه المعرفة يستطيع أنْ يضع لكلّ فرد الأُسس والقواعد المناسبة لتوجيهه.

وقد استخدم أهل البيت ( عليهم السلام ) الحِوار كوسيلة لإثبات حقّهم في الإمامة ودورهم الريادي في الأُمّة، ولإثبات المفاهيم والقِيَم الصالحة كأُسُس للتعامل وللتقييم، وكانوا يُحاورون مُخالفيهم وأنصارهم حول مختلف القضايا والأُمور وفي جميع مجالات العقيدة والشريعة، فقد احتجّ الإمام أمير المؤمنين على أبي بكر وعمر وعثمان حول إمامته ودوره الرسالي في الأُمّة، وناظر طَلحة والزبير حينما خرجا عليه، وحاوَر الخوارج، وكانت للإمام الحسن ( عليه السلام ) حوارات مع معاوية وعمرو بن العاص، ومع أتباعه وأنصاره، وكذا الحال في سائر الأئمّة ( عليهم السلام )، وكانوا ( عليهم السلام ) يشجّعون أنصارهم وأتباعهم على الحِوار للوصول إلى الحقيقة انطلاقاً مِن نقاط الاشتراك، وكانوا يثنون على من يتمكّن من الحِوار مع الآخرين من أصحابهم.

سابعاً: الأساليب المتداخلة

مِن الأساليب المتداخلة: المُراسلة والشعر، وهُما متداخلان مع بقيّة الأساليب التربويّة، ولأهمّيتهما كان أهل البيت ( عليهم السلام ) يستخدمونهما في لغة التعبير؛ لأنّ الحِكمة والعِبرة والموعظة والنصيحة تحقّق غاياتها كلّما كان الأُسلوب شيّقاً وجذّاباً.

١ - المراسلة

كانت لأهل البيت ( عليهم السلام ) مراسلات مَع مُواليهم ومُخالفيهم، فيها الكثير من الإرشادات والنصائح والأوامر والمواعظ، وقد حقّقت نتائج ملحوظة في حركة


التربية، ونكتفي هنا بذكر بعض المراسلات الموجزة:

كتب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إلى عبد الله بن العبّاس:( أمّا بعد، فإنّك لست بسابقٍ أجلَك، ولا مرزوق ما ليس لك، واعلم بأنّ الدّهر يومان: يومٌ لك ويومٌ عليك، وأنّ الدنيا دار دول، فما كان منها لك أتاك على ضعفِك، وما كان منها عليك لم تدفعه بقوّتك ) (١) .

وكتَب رجلٌ للإمام الحسين ( عليه السلام ): عِظني بحرفين، فكتب إليه:( مَن حاول أمراً بمعصيةِ الله كان أفوَت لِما يرجو وأسرع لِمجيء ما يحذَر ) (٢) .

وعن عليّ بن سُويد، عن أبي الحسن موسى ( عليه السلام ) قال: سألته عن الضعَفَاء، فكتب إليّ:( الضعيف مَن لم تُرفع إليه حجّة ولم يعرِف الاختلاف، فإذا عرف الاختلاف فليس بمستضعف ) (٣) .

٢ - الشعر

الشعر له دورٌ في التربية والتوجيه والتثقيف عند جميع الأُمَم وفي جميع الحضارات، وله دورٌ في تحريك العُقول والقلوب والضمائر، وقد دلّت التجارب والدراسات على ذلك.

وأهل البيت ( عليهم السلام ) كمربّين لم يغفلوا أُسلوب الشعر في الجانب التربوي، فقد تمثّلوا بأشعارٍ كثيرة في الموعظة والإرشاد، ورُويت لهم بعض الأشعار الموجزة المعبّرة عن المفاهيم والقِيم الصالحة، نكتفي بذكر نماذج منها:

فمن الشعر المنسوب إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ):

____________________

(١) نهج البلاغة: ٤٦٢.

(٢) الكافي / الكليني: ٢ / ٢٧٣.

(٣) المصدر السابق نفسه: ص ٤٠٦.


وأفضل قَسْم الله للمرء عقله

فليس من الخيرات شيء يقاربه

إذا أكمل الرحمان للمرء عقله

فقد كملت أخلاقه ومآربه

يعيش الفتى في الناس بالعقل انّه

على العقل يجري علمه وتجاربه(١)

وقال ( عليه السلام ):

ومَن يَصحب الدنيا يكن مثل قابضٍ

على الماءِ خانته فروج الأصابع(٢)

* * *

ومن الشعر المنسوب إلى الإمام زين العابدين ( عليه السلام ):

تخرّب ما يبقى وتعمّر فانياً

فلا ذاك موفورٌ ولا ذاك عامرُ

أترضى بأنْ تَفنى الحياةُ وتنقضي

ودينك منقوصٌ ومالُك وافرُ(٣)

* * *

نُراعُ إذا الجنائز قابَلتنا

ونلهو حين تَمضي ذاهبات

كروعة ثلّة لمغار سبعٍ

فلمّا غاب عادت راتعات(٤)

* * *

ومن الشعر المنسوب للإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ):

يموت  الفتى مِن عثرةٍ بلسانه

وليس يموت المرء مِن عثرة الرّجل

فعثرته مَن فيه تَرمي برأسه

وعثرته  بالرجل تبرأ على مَهل(٥)

* * *

____________________

(١) ديوان الإمام عليّ: ص ٣٧.

(٢) ديوان الإمام عليّ: ص ١٩٤.

(٣)و(٤) مختصر تاريخ دمشق / لابن منظور: ١٧ / ٢٥٤، ٢٥٦.

(٥) العقد الفريد / لابن عبد ربّه: ٢ / ٣٠٣.


ومِن الشعر المنسوب للإمام عليّ الرضا ( عليه السلام ):

إنّي  ليهجرني الصديق تجنّبا

فأريه  أن لهجره أسبابا

وأراه  إن عاتبته أغريته

فأرى له ترك العتاب عتابا

وإذا  بليت بجاهل متحكّم

يجد  المحال من الاُمور صوابا

أوليته  مني السكوت وربما

كان السكوت عن الجواب جوابا(١)

* * *

واُدخل الإمام علي الهادي ( عليه السلام ) على المتوكّل والكأس في يدِه، فلمّا رآه هابه وعظّمه وأجلسه إلى جانبه وقال له: أنشدني شِعراً، فقال الإمام ( عليه السلام ): أنا قليل الرواية للشعر، ثمّ أنشده:

باتوا على قُلَلِ الأجبال تحرسُهم

غُلْب الرجال فما أغنتهم القُلَل

واستنزلوا  بعد عزٍّ عن معاقلهم

واُسكنوا  حفراً يا بئس ما نزلوا

ناداهم صارخٌ من بعد دفنهم

أين الأساور والتيجان والحُلل

أين الوجوه التي كانت منعّمة

من دونها تُضرب الأستار والكِلَل

فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم

تلك الوجوه عليها الدود يقتتل

قد طال ما أكلوا دهراً وما شربوا

فأصبحوا بعد طول الأكل قد أُكلوا

فبكى المتوكّل حتّى بلّت لحيته دموع عينه وبكى الحاضرون(٢) .

* * *

____________________

(١) عيون أخبار الرضا ( عليه السلام ) / الشيخ الصدوق: ٢ / ١٧٥.

(٢) تذكرة الخواص / سبط ابن الجوزي: ص ٣٢٣.


الفصل الرابع: مميّزات المنهج التربوي عند أهل البيت ( عليهم السلام )

اختصّ منهج أهل البيت ( عليهم السلام ) بخصائص امتاز بها عن غيره من المناهج، وهي تعتبر الحَجَر الأساس في بناء الشخصيّة لِمَن يلتزم بها، ومِن أهمّها:

١ - ربانيّة المنهج التربوي

أهل البيت ( عليهم السلام ) عنوانٌ مضيء في حياة الإنسانيّة، وعنوانٌ شامخ في حركة التاريخ والمسيرة الإنسانيّة، وهُم أعلام الهُدى وقدوة المتّقين، عُرفوا بالعِلم والحكمة والإخلاص والوفاء والصدق والحلم وسائر صفات الكمال في الشخصيّة الإسلاميّة؛ فكانوا قدوةً المسلمين وروّاد الحركة الإصلاحية والتغييريّة في المسيرة الإسلاميّة، وكان لهم مقامهم الكريم ودورهم السامي عند الفقهاء والمفسّرين والرواة والمؤرخّين والأُدباء والشعراء، وعند العابدين والزاهدين والأولياء.

وأهل البيت ( عليهم السلام ) عِدل القرآن وهُم القرآن الناطق المتحرّك وقد تضافرت وتواترَت الروايات على إثبات هذا المقام، ففي روايةٍ عن رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أنّه قال:( يا أيّها الناس، إنّي قد تركت فيكم ما إنْ أخذتم به لنْ تضلّوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي ) (١) .

____________________

(١) سُنَن الترمذي: ٥ / ٦٢٢.


وفي روايةٍ أُخرى أنّه ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) قال:( إنّي تاركٌ فيكم خليفتين، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لنْ يتفرقا حتّى يردا عليّ الحوض ) (١) .

ومثّل رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أهل البيت ( عليهم السلام ) بسفينةِ نُوح فقال:( ألا إنّ مَثلُ أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح مَن ركبها نجا ومَن تخلّف عنها غرق ) (٢) .

وقال ( عليه السلام ):( النجوم أمانٌ لأهل الأرض مِن الغرَق، وأهل بيتي أمانٌ لأُمّتي مِن الاختلاف، فإذا خالفتها قبيلةٌ مِن العرَب اختلفوا فصاروا حزب إبليس ) (٣) .

ووصَفَهم أميرُ المؤمنين ( عليه السلام ) قائلاً:( هُم عيش العِلم ومَوت الجهل؛ يُخبركم حِلمهم عن عِلمهم، وظاهرُهم عن باطنهم، وصمتهم عن حِكم منطقهم؛ لا يُخالفون الحقّ ولا يختلفون فيه، وهُم دعائم الإسلام وولائج الاعتصام، بهم عاد الحقّ إلى نِصابه عقلوا الدين عقل وعايةٍ ورعاية لا عقلَ سماعٍ ورواية ) (٤) .

وقال ( عليه السلام ):( نحن النمرقة الوسطى؛ بها يلحق التالي، وإليها يرجع الغالي ) (٥) .

____________________

(١) مسند أحمد بن حنبل: ٦ / ٢٣٢، مجمع الزوائد / الهيثمي: ٩ / ١٦٣.

(٢) المستدرك على الصحيحين / الحاكم: ٣ / ١٥١، مجمع الزوائد / الهيثمي: ٩/١٦٨، الجامع الصغير / السيوطي: ٢ / ٥٣٣.

(٣) المستدرك على الصحيحين / الحاكم: ٣ / ١٤٩، الصواعق المُحرقة / ابن حَجَر: ص ٢٣٤.

(٤) نهج البلاغة: ص ٣٥٧، ٣٥٨.

(٥) نهج البلاغة: ص ٤٨٨.


وهذه الأحاديث تدلّ دلالةً واضحةً على عِصمة أهل البيت ( عليهم السلام ) بمعنى اندكاكهم الكامل بالقرآن فلا افتراق ولا اختلاف عنه، فما يصدر منهم صادر عن رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) عن الله تعالى، وبعبارةٍ أُخرى إنّ منهجهم هو منهج الله تعالى، ولهذا يصحّ القول بأنّ منهجهم ربّانيّ، كما تدلّ أحاديثهم الشريفة على ذلك أيضاً.

قال أمير المؤمنين (عليه السلام ):( إنّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أدّبه الله وهو أدّبني، وأنا أؤدّب المؤمنين، وأُورث الآداب المكرمين ) (١) .

وقال الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ):( والله ما نقول بأهوائنا، ولا نقول برأينا، ولا نقول إلاّ ما قال ربّنا ) (٢) .

وقال ( عليه السلام ):( لو كنّا نحدّث الناس أو حدّثناهم برأينا لكنّا من الهالكين، ولكنّا نحدّثهم بآثار عندنا من رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) (٣) .

وسأله رجلٌ عن مسألة فأجابَه فيها، فقال الرجل: أرأيت إنْ كان كذا وكذا ما يكون القول فيها؟ قال له:( مه، ما أجبتك فيه مِن شيء فهو عن رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) لسنا مِن ( أرأيت ) في شيء ) (٤) .

ووضّح ( عليه السلام ) سلسلة الحديث ومصادرها فأرجعها إلى رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وإلى الله تعالى فقال:( حديثي حديثُ أبي، وحديثُ أبي حديثُ جدّي، وحديثُ جدّي حديثُ الحسين، وحديثُ الحسين حديثُ الحسن، وحديثُ الحسن حديثُ أمير المؤمنين، وحديثُ أمير المؤمنين حديثُ

____________________

(١) تحف العقول / الحرّاني: ص ١١٤.

(٢) و(٣) بحار الأنوار / المجلسي: ٢ / ١٧٣.

(٤) الكافي: ١ / ٥٨.


رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )، وحديثُ رسول الله قول الله عزّ وجلّ ) (١) .

وعن سُماعة عن أبي الحسن موسى ( عليه السلام ) قال: قلت له:أكلُّ شيء في كتاب الله وسنّة نبيّه ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )؟ أو تقولون فيه؟ قال: ( بل كلّ شيء في كتاب الله وسنّة نبيّه ) (٢) .

وعلى ضوء ما تقدّم يُمكن القول: إنّ منهج أهل البيت ( عليهم السلام ) التربوي هو منهج ربّاني، بمعنى أنّه موضوعٌ مِن قِبل ربّ الإنسان وخالقه وليس مِن وضع الإنسان، فقد وضعه مَن له إحاطة تامّة بالعالَم كلّه وبالأرض كلّها وبالناس كلّهم؛ يعلم سكنَات النفس وما تخفي الصدور، وهو سُبحانه وتعالى أودع الغرائز والرغبات في الإنسان، ولذلك فهو أعلم بكيفيّة إشباعها وبكيفيّة التوازن بينها، فيكون المنهج التربوي الموضوع مِن قِبله تعالى كاملاً لا نقص فيه ولا ضَعف، فيستجيب له الإنسان مطمئنّاً بأنّه المنهج الأمثل في التربية، أمّا المناهج الوضعيّة فهي صادرة مِن البشر الذي يتّصف بالضعف وعدم الإحاطة التامّة بالحياة، ويتّصف بمحدوديّة فكره وكثرة أخطائه إضافةً إلى تحكّم الأهواء به، فتكون ناقصة وقابلة للتبدّل والتغيّر لتغيّر آراء وتصورات واضعيها.

والإنسان بانتسابه إلى العقيدة الربانيّة يرى نفسه مرتبطاً بالمطلق العليم الحكيم المُهيمِن، وهذه الرؤية تجعله مرتبطاً بغاية وهدَف، فلا عبَث ولا لهو؛ بل تكون جميع أفكاره وعواطفه وإرادته متّجهة نحو المطلق، ويستتبعها سُلوكه في نفس الاتّجاه، فيبتعد الإنسان عن التخبّط والتغيّر السلبي والمزاجيّة والتمزّق والصراع النفسي، ويستقيم على منهجٍ واحد في عقيدته وعواطفه وسُلوكه.

____________________

(١) الكافي: ١ / ٥٣.

(٢) المصدر السابق نفسه: ١ / ٦٢.


والربانيّة تَزرع في نفس الإنسان حالة التقديس للمنهج التربوي؛ لأنّه يشعر بأنّه موضوع مِن قِبل المُطلق العليم، أو مِن قِبل شخصيّات شهِد القرآن ورسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بعصمتها، وهذا التقديس يُشجّع الإنسان ويدفعه إلى العمل الدؤوب لتطبيق قواعد المنهج في نفسه وأُسرته ومجتمعه.

ثمّ إنّ الارتباط بالله تعالى يدفع الإنسان للارتباط بكلّ ما يُريده ربّه، فيرتبط بالقرآن وما فيه مِن مقوّمات تربويّة، وبالعبادات وما فيها من قِيَمٍ روحيّة والالتقاء بالصالحين، والارتباط بالعلماء. وارتباط العبد بخالقه يُحقّق الاستقامة في السُلوك بعد شفاء الإنسان من الوَسوسَة والقلَق والاضطراب؛ فيَطمئنّ ويستشعر الحماية والأمن، ويكون شفاءً من الأمراض السلوكيّة والاجتماعيّة.

وقد أثبت منهج أهل البيت ( عليهم السلام ) التربوي قدرته على بناء الإنسان بناءً متكاملاً، فقد تخرّج على هذا المنهج مِئات الشخصيّات التي كانت قمّة في السموّ الروحي والتكامل النفسي والسُلوكي، وقدوةً لجميع بني الإنسان لاستشعارها بأنّ المنهج ربّانيّ النشأة وربّانيّ المصدر، وبعد أنْ واكبَت تعاليمه وإرشاداته وقواعده منذ بداية الحياة الزوجيّة باختيار شريك الحياة المتديّن الصالح، ومروراً بمرحلة الحمل والطفولة بجميع مراحلها، وكانت تلك الشخصيّات قدوةً لجميع بني الإنسان.

وعلى الرغم من ابتعاد أغلب المسلمين عن المنهج التربوي لأهل البيت في تصوّراتهم وممارساتهم، إلاّ أنّ آثاره بقِيَت حاكمةً على كثيرٍ من المواقف والممارسات، وكان المسلمون وخصوصاً أتباع أهل البيت ( عليهم السلام ) أقلّ انحرافاً وانحطاطاً مِن غيرهم مِن أصحاب الديانات الإلهيّة المحرّفة أو الوضعيّة، ولا تزال كثير مِن العلاقات الاجتماعيّة قائمة على أُسُس صحيحة تحت تأثير ذلك


المنهج، ولو قُدّر للإسلام أنْ يبقى في دوره الريادي دون إقصائه من قِبل المحتلّين والغُزاة لانتهى الانحراف وانحسر في دائرة ضيّقة.

وفي مقابل ذلك نرى أنّ المناهج الوضعيّة في التربية لم تحقّق إلاّ مزيداً مِن الانحراف النفسي والسُلوكي؛ حيثُ القلَق والاضطراب في النفس والانحراف في السُلوك الفردي والاجتماعي، وكان مِن آثاره كثرة الجرائم وكثرة الفساد وبالتالي فقدان الأمن والاطمئنان، وفيما يلي نذكر بعض الإحصائيات في ذلك.

في( نيويورك ) وحدها يوجد أكثر من ٣٠٠ ألف مُدمِن على المخدّرات، وهؤلاء يحتاجون يومياً إلى (٥٠ - ١٠٠) دولار لكلّ شخص لتأمين الهيروئين لأنفسهم، وإنّ إحصاءات الجرائم في نيويورك تدلّ على أنها بلغت ٣٦٨ ألف جريمة خلال العشرة أشهر الأولى مِن عام ١٩٧٢ مِن أمثال القتل، والاغتصاب، والهجوم المسلّح(١) .

وفي عام ١٩٩١ بلغ عدد جرائم القتل إلى ٢٤٠٠٢٠ جريمة، وقد ازداد العدد في عام ١٩٩٢(٢) .

وتشير الإحصائيّات إلى ٩٦٣ حالة اغتصاب في الولايات المتّحدة في أوائل التسعينات، علماً أنّ الإباحيّة الجنسيّة منتشرة والسُلوك الجنسي سهل الإشباع.

وفي مجال جرائم القتل العائليّة أفادت دراسة لوزارة العدل الأمريكيّة في ١٠ تموز ١٩٩٤ أنّ ٨٠% مِن ضحايا القتل قتلوا بأيدي أفراد من عائلاتهم.

____________________

(١) الأفكار والرغَبَات بين الشيوخ والشباب / محمّد تقي فلسفي: ١ / ١٨٦، مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، ط ١، ١٤١٥هـ.

(٢) مجلّة نور الإسلام: ٤٣ / ٩٦.


وفي عام ١٩٩٥ أعلنت وزارة الداخليّة البريطانيّة أنْ نسبة الجريمة في انجلترا وويلز ارتفعت للمرّة الأولى في عامين، وكانت أكبر زيادة في جرائم العنف والاعتداء والاغتصاب(١) .

وأظهرت دراسة نشرها مركز مراقبة الأمراض والوقاية منها: إنّ نسبة جرائم قتل الأطفال الأمريكيّين في عام ١٩٩٥ بلغت ٢٥٧ طفلاً بين كلّ مِئة ألف، وبلغت نسبة الانتحار بين الأطفال دون الخامسة عشرة ٥٥ بين كلّ مِئة ألف(٢) .

وأكّدت منظمة الصحّة العالميّة أنّ حوالي مِئة مليون مِن أطفال الشوارع حديثي السنّ يتعاطون الخمر والمخدّرات وأنّ وضعهم يدعو إلى القلَق.

ودلّت الإحصائيّات على أنّ عدداً كبيراً من فتيات تحت سنّ الخامسة عشرة تظهر عليهنّ آثار الحمل كلّ شهر، وبما أنّ الأطبّاء يخشون القيام بإسقاط الجنين لصغر سنّهن فإنّهن يُصبحْن أُمّهات، ويزداد طلب إجراء عمليّة الإجهاض يوماً بعد يوم مِن المستوصفات الأمريكيّة(٣) .

وفي إحصائيّة أُقيمت سنة ١٩٨٥ دلّت على أنّ طفلاً واحداً من بين كلّ ستّة أطفال يُولدون بصورة غير شرعيّة في بريطانيا، وقد ارتفع عدد حالات الاغتصاب بنسبة ٢٧% خلال الستّة شهور مِن سنة ١٩٨٥(٤) .

ودلّت الإحصائيّات الأخيرة على قَبول الناس لفكرة الإنجاب غير الشرعي

____________________

(١) العنف والجريمة / د. جليل وديع مشكور: ص ١٣ و ١٨، الدار العربية للعلوم، بيروت، ١٤١٨هـ.

(٢) صحيفة كيهان، العدد ٣٨٧٦.

(٣) الأفكار والرغبات: ١ / ١٨٠.

(٤) الإسلام دين البشريّة: ص ٦٢.


للأطفال، وأكّدت على أنّ ٣٤% مِن الأطفال الذين ولِدوا أحياءً في انگلترا وويلز عام ١٩٩٥ ولدوا سِفاحاً دون زواج(١) .

وأشارت التقارير إلى وجود نصف مليون شابّة يُمارسن الدعارة في مدينة ساوباولو البرازيليّة في عام ١٩٩٦، وأنّ أطفالاً بين سنّ السابعة والثامنة يعيشون مِن ممارسة الدعارة، وأنّ موسكو تُعاني مِن وجود أكثر مِن ألف طفل يُتاجرون ببيع أجسادهم، ودلّت أيضاً على وجود ثماني مِئة ألف من البغايا الأطفال في تايلند، وأربعمِئة ألف في الهند وستّون ألف في الفيليبين، كما ظهرت مراكز دوليّة جديدة لبِغاء الأطفال في فيتنام وكمبوديا ولاوس والصين، وفي تقرير آخر أشار إلى أنّ أكثر من ٥٠% مِن البغايا الأطفال في تايلند مصابات بفيروس الآيدز(٢) .

وفي تمّوز عام ١٩٩٧ تظاهر نحو ٦٠ ألفاً مِن الشواذّ جنسيّاً في شوارع لندن على غرار ما يفعلون سنويّاً للمطالبة بحقوقهم، وجرى لأوّل مرّة في سويسرا حفل زواج لشابّين شاذّين جنسيّاً في كنيسة بروتستانتيّة بمنطقة برن.

وفي شباط ١٩٩٥ دعا البرلمان الأوروبّي في قرار الدول الأعضاء إلى منح الشاذّين جنسيّاً الحقوق والواجبات نفسها التي يتمتّع بها الأزواج العاديّون(٣) .

٢ - شموليّة المنهج التربوي

يمتاز منهج أهل البيت ( عليهم السلام ) التربوي بالشمول، فهو يراعي الإنسان في جميع

____________________

(١) مجلّة نور الإسلام: ٦٥ / ٩٦.

(٢) الطفولة المنحرفة: ص ١٠٦ و ١٠٨.

(٣) مجلّة نور الإسلام: ٥٩ / ٨٦.


مقوّماته، وينظر إليه مِن جميع جوانبه، فهو مخلوق مزدوج الطبيعة روح وعقل وغرائز، وجسد متعدّد الجوارح، وهو موضوع للإنسان ككل فلا انفصال بين حاجات الجسد وحاجات الروح، فهو يدعو إلى إشباع حاجات الإنسان لكي يتقبّل ما يُلقى إليه مِن قواعد وأُسُس تربويّة وتوجيهيّة وإرشاديّة.

والمنهج التربوي لأهل البيت عليهم السلام يواكب حركة الانسان في جميع مراحلها ابتداءً باختيار شريك الحياة المناسب مروراً بمرحلة الاقتران وانعقاد الجنين ومراحل الطفولة الأخرى، ويضع لكل مرحلة تعاليم وتوجيهات منسجمة مع عمر الطفل الزمني والعقلي، ومع حاجاته المادية والروحية، ثم تأتي التكاليف حينما يصل الطفل إلى مرحلة من النضج الجسدي والعقلي؛ لتكون هي الموجهة له في حركته الواقعية في الحياة.

والمنهج لا يقتصر على تعاليم وإرشادات خاصّة في مجال معيّن، بل إنّها شاملة لجميع المجالات، وكلّ ما يسهم في تربية الإنسان بشكلٍ أو بآخر، حيثُ يبدأ المنهج بربط الإنسان وخصوصاً في مرحلة الطفولة بالمفاهيم والتصوّرات الإسلاميّة الأساسيّة، كالإيمان بالله تعالى، وبالثواب والعقاب، وذكر الله عن طريق قراءة القرآن والدعاء والعبادة، وذكر الموت، والرضا بالقضاء.

والمنهج يتدخّل في جميع المؤثّرات التربويّة، فيدعو إلى إصلاح المحيط التربوي المتمثّل بالأسرة والأصدقاء وحلقَات الذكر والمسجد والعُلماء وأجهزة الدولة.

ولا يقتصر المنهج على إلقاء التعاليم والإرشادات، بل يدعو إلى خلق الأجواء السليمة التي تسهم في تطبيق تفاصيل المنهج، وهي تعميق المودّة داخل الأسرة، ومراعاة الحقوق والواجبات، وتجنّب المشاكل والخلافات،


وإشباع حاجات الطفل إلى الحبّ والحنان والتكريم وإشعاره بذاته، وإشباع حاجاته إلى الرفاهيّة وإلى اللعب وإلى الحريّة وإلى السلطة الضاغطة الموجّهة.

والمنهج التربوي شامل في استخدام أساليب اللين والشدّة ومراعاة الحقوق والواجبات، وهو شاملٌ لمعرفة الأفكار وتنميتها، وتنمية العواطف، وتنمية الإرادة، وتربية السُلوك، ويتصاعد المنهج التربوي بتكثيف التربية والتمرين على الطاعات المختلفة حسب القدرة ودرجة التلقّي وتفاوت الأعمار.

وحينما تصطدم حاجات الإنسان بالواقع ويحرم من تحقيق بعضها بسبب الظروف النفسيّة أو الاجتماعيّة، يضع المنهج التربوي برنامجاً لمقاومة حالات التصدّع النفسي في شخصيّة الإنسان، ومعالجة الأمراض النفسيّة والروحيّة وهي في مهدها، ومن مصاديق هذا البرنامج الدعوة إلى الصبر؛ لأنّه سلاح المؤمن في مقاومة العقَبَات والهموم والآلام، وبه يتغلّب على جميع أثقال الحياة مِن جوع ومرَض وفقر وحِرمان ومِن اضطهاد وظُلم، والصبر له تأثيرات ايجابيّة على الصحّة النفسيّة، والإنسان الذي يُقابل الحرمان والهموم والآلام بالصبر والثبات سيكون مطمئنّاً مستقرّاً؛ لإيمانه بأنّ الله معه يحرسه ويرعاه ويتلطّف عليه، ويفرّج عنه الضيق والشدّة.

والصابر يكون في أعلى قِمم الصحة النفسيّة حينما يشعر بأنّ الله يعوضه عن صبره بالحب واللطف، فلا شقاء مع حبّ الله له، ولا قيمة لشيء أمامه وهو داخل في دائرة الحبّ الإلهي، ومِن مصاديقه أيضاً التفكير بالجزاء والثواب الخالد، فإنّ لهذا التفكير تأثيراً إيجابيّاً على مَن يعيش الحرمان والمصائب والآلام؛ لأنّ التفكير بالجزاء والعوَض الإلهي عمّا فقده في الدنيا يجعله يعيش الأمل في نَيل ذلك الجزاء، وهذا الأمل يخفّف مِن معاناته، ويجعله موصولاً


بالسعادة في الدنيا التي يؤمن بزوالها وفنائها.

والمنهج شامل في اختيار المربّين والمصلحين مِن حيثُ خصائصهم الذاتيّة، وخصائصهم العمليّة لكي تكون التربية ناجحة ومنسجمة مع المنهج الإلهي العام.

والمنهج شامل في اختيار الأساليب الناجحة والتي تؤثر على العقول والقلوب بعد أن تستجيب إليها لانسجامها مع ظروف وأحوال الناس.

٣ - واقعية المنهج التربوي

راعى المنهج التربوي لأهل البيت ( عليهم السلام ) واقع الإنسان مِن جميع جوانبه، فهو كائن ذو شطرَين ذكر وأُنثى، ولكلّ منهما خصائصه الفسيولوجيّة والسُلوكيّة، وهو كائن ضعيف محدود القدرة بالقياس إلى خالِقه، وهو كائن ذو قدرات بالقياس لغيره مِن المخلوقات، وهو كائن ذو نجدَين يحمل في جوانحه نوازع الخير والشر معاً، وهو كائن يؤثّر ويتأثّر بالمحيط الذي يعيشه سلباً أو إيجاباً.

وراعى المنهج التربوي لأهل البيت ( عليهم السلام ) واقع الإنسان ناظراً إلى جميع جوانبه داعياً إلى إشباعها بتوازن بحيث لا يطغى جانبٌ على جانب، ولا ناحيةٍ على ناحية، وقد وضع لكلّ جانب مقوّماته وحدوده الواقعيّة فلا تقييد مطبق ولا إطلاق العنان دون تناهٍ.

وهو منهج تتقبّله العقول والنفوس بلا حرَج ولا مشقّة، والإنسان حينما يلتزم بقواعده يشعر بمناغاتها له وانسجامها مع كيانه المزدَوَج، وهي سهلة التطبيق لِمن استعدّ لها وتهيّأت له الأرضيّة المناسبة عن طريق الوراثة والمحيط الاجتماعي في جميع مراحله.

ومِن واقعيّته أنّه راعى دور الوراثة ودور المحيط التربوي في البناء التربوي


للإنسان، وراعى دور التقييم الذاتي والتقييم الاجتماعي في التربية، وراعى دور القدوة في التربية وجميعها أمور واقعيّة.

ومن واقعيّة المنهج التربوي تركيزه على دور القِيَم المعنويّة في التربية ومنها الإيمان بالله تعالى وبالعِقاب والثواب، فهذا الإيمان حاجة فطريّة قبل كلّ شيء يمليها الواقع الإنساني، وفي ذلك قال الفيلسوف الأمريكيويليام جيمس : ( أينما يقِم حديث حول اختيار الاله وعلمه الأبدي أو حول الخير والشر، تجد كل شخص قد أصاخ بسمعه له)(١) .

وقال الفيلسوف اليونانيابيكتيت : ( العقيدة بالله يجب أنْ تكون مستمرة كاستمرار النفس ).

وقالبرودون : ( الله هو الكائن الذي لا يدرك ولا يُوصف، ومع هذا فهو ضروري ).

وقال أيضاً: ( إنّ ضمائرنا قد شهِدَت لنا بوجود الله قَبل أنْ تكشفه لنا عقولنا ).

وقالالمسيو بوشيت : إنّ اعتقاد الأفراد والنوع الإنساني بأسرِه في الخالِق كان اعتقاداً اضطراريّاً قد نشأ قَبل حدوث البراهين الدالّة على وجوده، ومهما صعد الإنسان بذاكرته في تاريخ طفوليّته، فلا يستطيع أنْ يجد الساعة التي حدثت فيها عقيدته بالخالِق، تلك العقيدة التي نشأت صامتة، وصار لها أكبر الآثار في حياته )(٢) .

____________________

(١) علم النفس / جميل صليبا: ١١، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ١٤٠٤هـ.

(٢) دائرة معارف القرن العشرين لمحمّد فريد وجدي: ٤٨٢٠١، ٤٨٣، دار المعرفة، بيروت، ١٩٧١.


والإيمان باليوم الآخر ينسجم مع تطلّعات الإنسان لما وراء الحياة، وهذا الإيمان بالمطلق وبالثواب والنعيم، يمنح الإنسان طاقة روحيّة متسامية، يُحافظ مِن خلالها على سلامته النفسيّة واستقامته السلوكيّة، فلو أصابه الحرمان وحال الواقع دون إشباع حاجاته فإنّ الإيمان سيخفّف مِن معاناة الحرمان.

والإيمان باليوم الآخر أمرٌ واقعيٌّ، كما هو واضح في آراء العُلماء والمفكّرين، وفي ذلك يقولنورمان فنسنت بيل : ( والواقع أنّ الشعور الغريزي بوجود عالَم آخر بعد الموت هو مِن أقوى الأدلّة على هذا الوجود ...وأنّ الشوق إلى خلود الحياة - ولو في عالَم آخر- إحساس شائع في نفوس البشر بحيث لا يُمكن النظر إليه باستخفافٍ عام )(١) .

والاستدلال على وجود الله تعالى لا يحتاج إلى عناية استثنائيّة مثاليّة، بل يعتمد على الواقع، وكما ورد في حديث أمير المؤمنين ( عليه السلام ):

( بصنع الله يُستدل عليه، وبالعقول تعتقد معرفته، وبالفكرة تثبت حجّته، وبآياته احتجّ على خلقه وابتداؤه إيّاهم دليل على الابتداء له؛ لعجز كلّ مبتدءٍ عن إبداء غيره ) (٢) .

وقد دلّت التجارب والدراسات العلميّة الحديثة على دَور الإيمان بالله وباليوم الآخر في إصلاح الفساد الأخلاقي والاجتماعي، وقام بعض عُلماء النفس باستخدام العلاج الديني في علاج الأمراض النفسيّة والخُلُقيّة والاجتماعيّة.

ومِن واقعيّة المنهج التربوي مراعاتهِ لواقع الإنسان مِن حيث استسلامه

____________________

(١) روح الدين الإسلامي: ص ١١٥.

(٢) تحف العقول / الحرّاني: ص ٤٣.


لنَزَوَاته ورغبته في الاستقامة في آنٍ واحد، لذا جعل الاستغفار والتوبة طريقاً للعودة للاستقامة، والتي تنسجم مع الرغبة في إصلاح النفس والندم على الأعمال القبيحة.

ومن واقعيّة منهج أهل البيت ( عليهم السلام ) التربوي أنّه ثابت في أُصوله وأُسسه متطوّر في أساليبه ووسائله كما رُوي عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قوله:( لا تقسروا أولادكم على آدابكم، فإنّهم مخلوقون لزمانٍ غير زمانكم ) (١) .

والمنهج التربوي منهج واقعي في أهدافه وغاياته ومنها:

١ - تعريف الإنسان بنفسه وعالمه.

٢ - تعريف الإنسان بخالقه وبثوابه وعقابه.

٣ - تعريف الإنسان بالأنبياء والأئمّة والأوصياء.

٤ - تعريف الإنسان بأخيه الإنسان وعلاقاته الاجتماعيّة.

٥ - إعداد الشخصيّة المتوازنة فكريّاً وعاطفيّاً وسلوكيّاً.

٦ - توظيف الطاقات في اتّجاه الخير والصلاح، والسموّ والتكامل.

٧ - تنمية روح الإخلاص.

٨ - مراعاة العواطف الإنسانيّة.

٩ - تحكيم المفاهيم والقِيَم الصالحة في الواقع.

١٠ - توعية الإنسان.

ومِن واقعيّته أنّه لا كلفة فيه ولا تكلّف وأنّ أُسُسَه وقواعده منسجمة مع طاقات الإنسان في جميع مراحل حياته، ولهذا راعى واقع الإنسان في تكاليفه وفي إرشاداته وفي أوامره ونواهيه، فلم يطلب منه الانقطاع للعبادة مثلاً، فقد

____________________

(١) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد: ٢٠ / ٢٦٧.


جعل العبادات محدودة توصله بربّه ولا تقطعه عن مجتمعه، وراعى الظروف الطارئة للإنسان فنوّع العبادة، في الحضَر والسفَر والمرَض، وجعَل العبادات المندوبة منسجمة مع اختيار ورغبة الإنسان، فراعى طاقتَه المحدودة وتبدَل الإقبال في نفسه وفي واقعه الخارجي، وفي ذلك قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ):( إنّ للقلوب شهوة واقبالاً وإدباراً، فاتوها من قِبل شهواتها وإقبالها، فإنّ القلب إذا اُكره عمي ) (١) .

وراعى المنهج التربوي واقع الإنسان النفسي والروحي والمعنوي وحاجاته المتنوّعة، فقد راعى فطرة الإنسان في ميلها إلى الترويح عن النفس، فسنّ لها الألعاب المنسجمة مع إنسانيّة الإنسان كالفروسيّة والسباحة والرمي وما شابه ذلك، وأباح له الملكيّة الفرديّة في حدودها المشروعة، ووضع له قواعد موضوعيّة في العلاقات والمعاملات والممارسات، فقد جعل الضرورات تبيح المحظورات، وجعل نظام العقوبات منسجماً مع فطرة الإنسان وواقعه مع مراعاة ظروف الانحراف والجريمة وأسبابها وعواملها.

وقد دلّت الدراسات النفسيّة والاجتماعيّة على حاجة الإنسان للعقاب من أجل إصلاح وتغيير وراحة نفسه، فالمصاب بعقدة ذنب ( لا يستطيع أنْ يُخفّف ممّا يُعانيه مِن شعورٍ خفيٍّ موصول بالذنب، إلاّ إذا ورّط نفسه - عن غير قصد ظاهر منه - في متاعب ومشاكل.. لا يناله منها إلاّ العنَت والتعَب والمشقّة والعذاب، بل قد يستفزّ عدوان الغير عليه أو عدوان المجتمع، فإذا حلّ به العِقاب هدأت نفسه وزال عنه ما يغشاه مِن توتّر، فكأن هذا الفرد في حاجة موصولة إلى عقاب نفسه سَواء كان هذا العقاب ماديّاً أم معنويّاً والواقع أنّ

____________________

(١) نهج البلاغة: ص ٥٠٣.


الحاجة إلى عقاب النفس صورة خاصّة من الحاجة إلى الغفران، فالفرد يرحّب بعقاب نفسه طمعاً في التخفيف مِن مشاعر الذنب التي تفوق هذا العقاب إيلاماً، أي أنّه يختار أهوَن الشرّين )(١) .

ومكارم الأخلاق التي حثّ عليها المنهج التربوي واقعيّة في حدودها وألوانها وطبيعتها، فهي منسجمة مع النفس الإنسانيّة ومحبّبة لديها تتقبّلها وتركن إليها وتستهدي بها، كإقامة العدل وردّ العدوان والتعاون والإحسان والإيثار والكرم والعفو والصبر وما شابه ذلك.

وفي جميع الظروف والأحوال فإنّ المنهج التربوي راعى طبيعة الإنسان مِن حيث ضعفه ومحدوديّته، فهو تركيبٌ من لحمٍ ودمٍ وأعصاب، ومِن عقلٍ ونفس وروح، ومِن غرائز وشهوات، وله رغبات وأوضاع نفسيِة كالحُبّ والبُغض، والرجاء والخوف، والأنا والتنافس وما شابه ذلك، ولهذا راعى الضعف البشري والدوافع البشريّة والحاجات البشريّة؛ فجاء منسجماً مع الإنسان مقبولاً لديه لا كلفة فيه ولا عناء.

٤ - التوازن والاعتدال

يمتاز المنهج التربوي عند أهل البيت ( عليهم السلام ) بالتوازن والاعتدال في جميع جوانبه المرتبطة بالإنسان؛ فيضع لكلّ شيء حدوده وقيوده، فلا يطغى جانبٌ على آخر ولا ناحيةٌ على أخرى، فهو يراعي حاجات الجسَد وحاجات الروح في آنٍ واحد، ويراعي حاجات الإنسان بشطرَيه: الذكر والأنثى، ويراعي حاجات الفرد والمجتمع فلا تطغى حاجةٌ على أخرى ولا جانبٌ على آخر ولا

____________________

(١) أُصول علم النفس: ص ١٤٦.


حقٌّ على آخر.

والمنهج التربوي الموجّه للإنسان والمجتمع نحو الآخرة يوازن بين طلب الدنيا وطلب الآخرة، فلا يمنع من التمتّع بالطيّبات الدنيويّة كالمأكل والمشرب والملبَس والمسكن والإشباع العاطفي والجنسي؛ لأنّ الحرمان منها يولّد القلق والاضطراب، وإنّما يضع القيود على تلك الطيّبات، ويوجّه الإنسان في نفس الوقت إلى الإعداد للدار الآخرة بالالتزام بالأوامر والنواهي الإلهيّة، فلا يطغى طلب الدنيا على طلب الآخرة بالانغماس بالطيّبات والملذّات دون قيود أو حدود، ولا يطغى طلب الآخرة على طلب الدنيا بحرمان الإنسان مِن مُتَعِها المشروعة.

قال الإمام موسى بن جعفر الكاظم ( عليه السلام ):( اجتهدوا في أنْ يكون زمانكم أربَع ساعات: ساعةٌ لمناجاة الله، وساعةٌ لأمرِ المعاش، وساعةٌ لمعاشرة الإخوان والثقات الذين يعرّفونكم عيوبكم ويخلصون لكم في الباطن، وساعةٌ تخلون فيها لِلَذّاتكم في غير محرّم، وبهذه الساعة تقدرون على الثلاث ساعات ) (١) .

وقال العلاء بن زياد لأمير المؤمنين ( عليه السلام ): أشكو إليك أخي عاصم، قال:( وما له؟ ) قال: لبس العباءة وتخلّى عن الدنيا، قال:

( عَلَيّ به ) ، فلمّا جاء قال ( عليه السلام ):( يا عَدِيَّ نفسه! لقد استهان بكَ الخبيث! أما رحِمت أهلَك ووِلْدك! أترى الله أحلّ لك الطيّبات، وهو يكره أنْ تأخذها! أنتَ أهوَن على الله مِن ذلك ).

قال: يا أمير المؤمنين، هذا أنتَ في خشونة ملبسك وجشوبة مأكلك!

قال:( ويحك، إنّي لست كأنت، إنّ الله فرَض على أئمّة العدْل أنْ يُقدّروا

____________________

(١) تحف العقول: ص ٣٠٧.


أنفسهم بضَعَفَة الناس، كَيْلا يتبيّغ بالفقير فقره ) (١) .

والدعوة إلى التوازن والاعتدال شاملة لجميع المرافق والميادين، ومنها الميدان النفسي، فالتوازن مطلوب في مختلف الظروف والأحوال المحيطة بالإنسان.

في وصيّة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) للإمام الحسين ( عليه السلام ) قال:( يا بنيّ، أُوصيك بتقوى الله في الغِنى والفقر، وكلمة الحقّ في الرضى والغضَب، والقصْد في الغِنى والفقر، وبالعدْل على الصديق والعدو، وبالعمل في النشاط والكسَل، والرضى عن الله في الشدّة والرخاء ) (٢) .

والمنهج التربوي متوازن في نظرته للعلاقة العمليّة بين الإنسان وخالقه، فلا يدعو إلى ترك العمل توكّلاً على الله، ولا الانغماس بالعمل بلا توكّل، والتوكّل يمنح الإنسان طاقةً وقوّة حيويّة تجعله مطمئنّاً سَواء تحقّق ما أراده من عمله أم لم يتحقّق، ومعوّقات إنجاز العمل لا تَسلُبه الاطمئنان وهو متوكّل على الله.

ويدعو المنهج التربوي إلى الإيمان المتوازن ابتداءً بأصل الإيمان؛ حيث التوازن بين إيمان أصحاب الخرافة الذين يُسرفون في الاعتقاد ويُؤمنون بكلّ شيءٍ ويصدّقونه وإنْ كان خارجاً عن أُسُس الإيمان، وبين الذين يُنكرون كل ما وراء الحسّ وما وراء الطبيعة، والتربية على الإيمان الواقعي قائمةٌ على أساس العقل والبرهان، وعلى النصوص المتواترة عن رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وعن أهل البيت ( عليهم السلام ) ليستجيب لها الإنسان عن قناعة وقبول دون إكراه أو إجبار أو تزوير للحقائق، وكذا الحال في الإيمان بالأنبياء، فإنّ المنهج التربوي يدعو إلى التأسي

____________________

(١) نهج البلاغة: ٣٢٤.

(٢) تحف العقول: ص ٥٨.


والاقتداء بهم، فينفي عنهم صفة الأُلوهيّة، وينفي عنهم الانحراف الذي تدّعيه بعض الديانات، ويوجّه الإنسان إلى الإيمان الواقعي بهم.

ويُوازن المنهج التربوي بين التكليف والقدرة، فلا يكلّف الإنسان فوق طاقته البدنيّة والروحيّة، ويتدرّج في أُسُس التربية حسب العمر الزمني والعقلي، فلا يأمر بأُسلوبٍ شاق ولا أمرٍ شاق، وهذا التدرّج يولّد في الإنسان أُنساً وشَوقاً لأداء التكليف، فيسعى لأدائه والسير على أساسه دون ضجَرٍ أو كلَل أو ملَل.

ويُوازن المنهج التربوي بين مجالات المسؤوليّة؛ ويجعلها موزّعة على الجميع، فالفرد مسؤولٌ عن نفسه وعن غيره، والمجتمع مسؤولٌ عن نفسه وعن أفراده، فهنالك مسؤولية فرديّة، وهنالك مسؤوليّة اجتماعيّة، والمسؤوليّة موزّعة فالأب مسؤولٌ عن أُسرته والأُمّ كذلك، والكبير مسؤولٌ عن الصغير، والمدرسة والتجمّعات الاجتماعيّة والعلماء والدولة مسؤولةٌ عن الأفراد وعن المجتمع، وتكون المسؤوليّة قائمة على أساس تقسيم الحقوق والواجبات، فلِلفرد حقوقه وواجباته، وللأُسرة حقوقها وواجباتها، وللمجتمع حقوقه وواجباته، فلا يطغى حقٌّ على حق ولا واجبٌ على واجب، ولا حقٌ على واجب، ولا واجبٌ على حق.

ويُوازن المنهج التربوي بين الغاية والوسيلة، فلا يبيح للإنسان استخدام الوسيلة الضعيفة مِن أجلِ غايةٍ ساميةٍ وشريفة، فيُحرّم الكذِب على الغير وإنْ كان إرضاءً لهم أو يُحقّق له أو لهم بعض المصالح، ويحرّم الخِداع والتضليل وإنْ أدّى إلى علاج بعض الأزَمَات النفسيّة والروحيّة.

ويُوازن المنهج التربوي في أساليب ووسائل التربية، حيثُ يُبْتَدأ بالدعوة


لاتفاق الوالدين على تطبيق القواعد الكليّة للمنهج التربوي على مصاديقها بأُسلوبٍ واحدٍ لا اختلاف فيه، سَواء في العلاقات القائمة بينهما أم علاقاتهما مع الأطفال، أم في مفردات الأُسلوب، ويوازن بين اللين والشدّة في التعامل فلا إفراط ولا تفريط، فلا يُحبَّذ اللين الدائم ولا الشدّة الدائمة، ففي الوقت الذي يدعو إلى الإحسان إلى الطفل وتكريمه وإشعاره بذاته، يدعو أيضاً إلى استخدام الشدّة في مواقعها لإشعار الطفل باحترام القوانين الموضوعة، والتمييز بين حقوقه وحقوق الآخرين، وفي الوقت الذي يدعو فيه إلى مَنح الطفل الحرّية في اختيار طريقة اللعب مثلاً، يدعو للتدخّل في منعه مِن بعض الألعاب المُضرّة به وبغيره، كما يؤكّد المنهج التربوي على التوازن في التعامل مع الأطفال، والاعتدال في إظهار المحبّة لهم، والتوازن في النظرة العاطفيّة إلى البنين والبنات.

التداخل بين المنهج التربوي وبقيّة مناهج الحياة

المنهج التربوي لأهل البيت ( عليهم السلام ) متداخلٌ مع بقيّة المناهج التي تُكوّن مجتمعةً منهج الإسلام الشامل والكامل للكون والحياة والمجتمع والإنسان، فلا فصل بين المنهج التربوي وبقيّة المناهج، ولا تصادم ولا تضادّ ولا تناقض؛ لأنّ الهدف الأساسي لأهل البيت ( عليهم السلام ) هو إنجاح مسيرة التربية وإشاعة الأخلاق الفاضلة وتقريرها في واقع الحياة، كما قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ):( إنّما بعثت لأُتمّم مكارم الأخلاق ) (١) .

وبهذا يكون كلّ ما جاء به الإسلام في القرآن والسنّة يُراد به إتمام مكارم الأخلاق، فالعقيدة بجميع إبعادها تخلُق الأجواء الصالحة لتتحرّك فيها خُطوات

____________________

(١) كنز العمّال / المتّقي الهندي: ٣ / ١٦.


إصلاح النفس والمجتمع، والمحافظة على سلامة الإنسان السلوكيّة وصحّته النفسيّة والروحيّة، والإيمان بالله تعالى وباليوم الآخر يُحرّر الإنسان من الانسياق وراء الشَهَوَات بلا قيود ولا حدود، والخوف مِن أهوال يوم القيامة يمنع الإنسان من مُمارسة ألوان الفِسق والانحراف.

ومنهج العبادات يعمل على تعميق الإيمان بالله ويجعل الرقابة الإلهيّة حقيقة تسري في جميع جوانح الإنسان، والعبادات بكلّ ألوانها تغرس في نفسه المُثُل المعنويّة التي يتعالى بها على جميع ألوان الانحراف والانحطاط، فالصلاة تمنح الإنسان الطمأنينة وتنهاه عن الفحشاء والمنكر وتُبعده عن جميع الآثام والانحرافات، والمداومة على الصلاة المندوبة كفيلةٌ بإيصاله إلى السموّ والتكامل الروحي والخلُقي.

والصوم يعمّق التقوى في ذات الإنسان، ويُقيّد الغرائز والشهَوَات، ويهذّب سُلوك الإنسان ويحصّنه من تلويث خُلُقه، قال الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ):( إنّ الصيام ليس مِن الطعام والشراب وحدَه، إنّ مريم ( عليها السلام ) قالت: ( ...إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا .... ) أي صمْتاً، فاحفظوا ألسنَتَكم وغضّوا أبصاركم ولا تحاسدوا ولا تنازعوا ) (١) . وهو أحدُ العبادات التي تُساعد على التكافل والتراحم، والتي تُساعد على تعميق العلاقات الإنسانيّة التي يتحرّك من خلالها الإنسان مطمئنّاً يشعر بالإخاء والتآزر والتعاطف.

والحجّ عبادةٌ لها آثارها الايجابيّة على سلامة الإنسان السلوكيّة والنفسيّة والروحيّة، وهو يمنح الإنسان فرصة جديدة لتجاوز الانحرافات والآثام السابقة، والبِدء بحياة جديدة تغمرها الاستقامة والخلُق الرفيع، قال الإمام

____________________

(١) الكافي: ٤ / ٨٩.


عليّ بن الحسين ( عليه السلام ):( حجّوا واعتمروا تصحّ أبدانكم وتتّسع أرزاقكم، وتكفون مؤونات عيالكم الحاجّ مغفورٌ له وموجَبٌ له الجنّة، ومستأنفٌ له العمل، ومحفوظ في أهلِه وماله ) (١) .

والعبادات الماليّة كالزكاة والخُمس تخلُق التوازن بين الطبَقَات وتعمّق الأواصر الاجتماعيّة كالتآلف والتآزر والتعاون، وتُهيِّء الأجواء التربويّة والنفسيّة المانعة من الانحراف بسبب الفقر والحِرمان، والمانِعة من الأمراض النفسيّة الناجمة مِن عدم إشباع الحاجات الأساسيّة للإنسان.

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجمع الطاقات لتنطلق في الإصلاح والتغيير، وقلع جذور الفساد والانحراف وإشاعة الأخلاق الكريمة والصفات النبيلة، فيتَكَافل الجميع في المسؤوليّة التربويّة، فيكون الفرد رقيباً على ممارسات المجتمع، ويكون المجتمع رقيباً على ممارسات الفرد، وبهذه المسؤوليّة تتحقّق خُطُوات المنهج التربوي في الواقع بأسرع الأوقات، وبأقلّها عناءً وكُلفة.

والمنهج الاجتماعي له الدور الكبير في إنجاح سير وحركة المنهج التربوي، فقد وضع أهل البيت ( عليهم السلام ) برنامجاً واقعيّاً في العلاقات داخل الأُسرة، فلِكلّ فردٍ مِن أفرادها حقوقٌ وواجبات يتربّى مِن خلالها الإنسان على الأخلاق الكريمة ليكون عنصراً فعّالاً في المجتمع، يأمن مِن خلالها المجتمع من ممارسة الانحراف والانحطاط والرذيلة والجريمة.

والمنهج الاقتصادي يُهيِّء الأجواء المناسبة لإنجاح المنهج التربوي، ويمنع مِن الانحراف الأخلاقي الناجم عن الفقر والحرمان والاستغلال والظلم الاقتصادي، ويُوازن بين الطبقات ليحقّق التآلف ويمنع من الفقر ومِن الثراء الفاحش اللذَين

____________________

(١) الكافي: ٤ / ٢٥٢.


يُشكّلان أساس بعض الانحرافات الخلُقيّة.

والمنهج السياسي له دورٌ ملموس في بناء المُحتوى الداخلي للإنسان وتهذيب سلوكه الاجتماعي، والمنع من جميع ألوان الانحراف والانحطاط، والمنهج السياسي القائم على أساس الإمامة الصالحة يُحقّق الغاية الأساسيّة وهي إتمام مكارم الأخلاق، بتهيئة أجوائها المناسبة في الواقع.

قال الإمام عليّ بن موسى الرضا ( عليه السلام ):( إنّ الإمامة زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا، وعزّ المؤمنين بالإمام تمام الصلاة، والزكاة، والصيام، والحجّ، والجهاد، وتوفير الفيء والصدَقات، وإمضاء الحدود والأحكام، ومنْع الثغور والأطراف ويدعو إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة الإمام المطهَّر مِن الذنوب والمبرَّأ من العيوب ) (١) .

وفي حديثٍ آخر قال ( عليه السلام ):( يحقن الله عزّ وجلّ به الدماء، ويُصلح به ذات البين، ويَلمّ به الشعث، ويشعَب به الصدْع، ويكسو به العاري، ويُشبع به الجائع، ويُؤمن به الخائف، ويَرحم به العباد ) (٢) .

واشتراط العصمة في مَن يلي رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )، واشتراط العدالة في الفقيه النائب عن الإمام المهدي ( عج ) ضمان لنجاح حركة التربية وتطبيق قواعد المنهج التربوي وبقيّة المناهج الإسلاميّة.

وآخر دعوانا أنْ الحمد لله ربّ العالمين.

____________________

(١) الكافي: ١ / ٢٠٠.

(٢) الكافي: ١ / ٣١٤.


الفهرس

مقدّمة المركز ٥

المقدّمة ٧

الفصل الأوّل: أثر الوراثة والمحيط في البناء التربوي  ٩

أوّلاً: دور الوراثة ٩

الخصائص والصفات المنقولة بالوراثة ١١

١ - الخصائص والصفات النفسيّة والعقليّة ١٢

٢ - الخصائص والصفات الخلقيّة ١٤

ثانياً: دور المحيط التربوي. ١٧

١ - الأسرة ١٨

٢ - الأصدقاء والأصحاب.. ١٩

٣ - المَجالس وحلقات الذكر ٢١

٤ - المساجد. ٢٢

٥ - العُلماء ٢٣

٦ - الدولة ٢٤

أثر الغرائز في التربية ٢٥

الفصل الثاني: دور القيم المعنويّة والنفسيّة في المجال التربوي  ٣١

المبحث الأول: دور القيم المعنويّة في التربية من خلال إرشادات أهل البيت ( عليهم السلام ) ٣٢

١ - الإيمان بالله تعالى. ٣٢

٢ - الإيمان بالثواب والعقاب.. ٣٥

٣ - ذكر الله تعالى. ٣٨

أولاً: قراءة القرآن الكريم. ٣٩

ثانياً: الدعاء ٤١

ثالثاً: العبادة ٤٢


٤ - ذكر الموت.. ٤٣

٥ - الاعتراف بالذنب.. ٤٤

٦ - الاستغفار ٤٦

٧ - التوبة ٤٨

٨ - الرضا بالقضاء ٥٠

المبحث الثاني: طرق تقييم النفس ودورها في التربية ٥١

١ - تنمية الحَيَاء ٥١

٢ - تنمية الضمير. ٥٣

٣ - إثارة الوجدان. ٥٥

٤ - التقييم الذاتي ومحاسبة النفس.. ٥٦

٥ - التقييم الاجتماعي. ٥٨

الفصل الثالث: خصائص المربّين وأساليب التربية ٦١

المبحث الأول: خصائص المربّين. ٦١

الخصائص الذاتية للمربّين. ٦٢

أوّلاً: العلم والمعرفة ٦٢

ثانياً: القدوة ٦٣

ثالثاً: الإنصاف والإيثار ٦٦

رابعاً: الزهد. ٦٧

خامساً: البشاشة وطلاقة الوجه ولين الكلام ٦٨

الخصائص العمليّة للمربّين. ٦٩

أوّلاً: المداراة ٦٩

ثانياً: الرفق. ٧٢

ثالثاً: الإحسان. ٧٤

رابعاً: الاختلاط بالناس. ٧٦

خامساً: الصبر والحِلم. ٧٧

سادساً: القدرة على التقييم الموضوعي. ٧٨


المبحث الثاني: أساليب التربية ٧٩

أولاً: أُسلوب الخطاب.. ٧٩

ثانياً: القصص.. ٨١

ثالثاً: الأمثال والتمثيل. ٨٣

رابعاً: العبرة والموعظة ٨٤

خامساً: الاقتداء ٨٥

سادساً: الحوار ٨٦

سابعاً: الأساليب المتداخلة ٨٧

الفصل الرابع: مميّزات المنهج التربوي عند أهل البيت ( عليهم السلام ) ٩١

١ - ربانيّة المنهج التربوي. ٩١

٢ - شموليّة المنهج التربوي. ٩٨

٣ - واقعية المنهج التربوي. ١٠١

٤ - التوازن والاعتدال. ١٠٦

التداخل بين المنهج التربوي وبقيّة مناهج الحياة ١١٠