عَليٌّ وَمُناوِئُوه

الدكتور نوري جعفر

قدَّم له: الأستاذ عبد الهادي مسعود

بوزارة الثقافة والإرشاد القومي ومدير الفهارس العامة بدار الكتب المصرية

راجعه وعلَّق عليه: السيد مرتضى الرضوي

مؤلف كتاب: (مع رجال الفكر في القاهرة)

مطبوعات النجاح بالقاهرة

١١


الطبعة الرابعة

١٣٩٦ هـ - ١٩٧٦ م

القاهرة

دار المعلّم للطباعة


بسم الله الرحمن الرحيم

( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا )

قرآن كريم


كلمة مجلة "المسلم" وجريدة "المساء" القاهرية حول كتاب: (علي ومناوئوه)

في رحلتي إلى القاهرة عام ١٣٩٤ هـ موافق ١٩٧٤ م لنشر كتابي(مع رجال الفكر في القاهرة) كنت قد راجعت كتاب:(علي ومناوئوه) للدكتور نوري جعفر وعلَّقت عليه في الهامش بعض التعاليق التي كان يجب التنبيه عليها والإشارة إليها وكنت أهملتها في الطبعة الثانية لضيق الوقت آنذاك وهذه الطبعة هي الطبعة الثالثة كما تجدها كاملة والحمد لله.

وقد نشرتمجلة المسلم الغراء في عددها الرابع في السنة الخامسة والعشرين الصادر في ذي القعدة عام ١٣٩٤ هـ الكلمة التالية:

علي ومناوئوه:

أصدر السيد الرضوي في سلسلةمطبوعات النجاح بالقاهرة كتاب:(علي ومناوئوه) للدكتور نوري جعفر بتقديم الأستاذ عبد الهادي مسعود وبتعليق السيد مرتضى الرضوي، وهو حديث مفصل عن الفتنة الكبرى بين علي ومعاوية بتحقيق حديث في نحو مئتي صفحة من القطع الكبير، وطباعة فيها عناية واضحة، واهتمام بالغ.

وقد نشرة جريدة المساء القاهرية في عددها الصادر يوم السبت / ٢٨ ديسمبر / عام ١٩٧٤ م الكلمة التالية:

مكتبة النجاح في طهران أصدرت بحثاً تاريخياً عن الإمام علي (رضي الله تعالى عنه) في تعليق السيد مرتضى الرضوي وتقديم العالم الإسلامي المصري عبد الهادي مسعود. الكتاب في مئتي صفحة ويتناول تاريخ صدور الإسلام، وما كان بين رجال الشورى وأهل الحل والعقد بعد وفاة الرسول (صلَّى الله عليه وسلَّم) ويعرض لنا المؤلف خاصة ما دار من حروب بين علي ومعاوية، وبين أهل العراق وأهل الشام، وما كان من مقتل علي وتولِّي معاوية للخلافة من بعده فانتقل نظام الحكم في الإسلام من الشورى والإجماع إلى حكم السيف والقوة، والاستبداد.

مرتضى الحاج سيد محمد الرضوي


بسم الله الرحمن الرحيم

لقد كان من واجبي أن اعترف على نفسي بالتقصير أو القصور، إذ كتبت ترجمات عديدة عن شخصيات أوربية أو أجنبية ولم أتمكن من الكتابة عن عظماء التاريخ الإسلامي، وعلى رأس هؤلاء الإمام علي (عليه السلام).

ولم يكن بد - كما يحدث غالباً - أن ألقي بظلال هذا العتاب على الظروف والملابسات التي مرت ولا تزال تمر بي لأدفع عن نفسي هذا القصور والتقصير أمام جمهور أحبه كل الحب - بل أحبه إلى حد العشق - وهو جمهور القارئين في الأقطار العربية والإسلامية الشقيقة.

وتقدم إلى الأستاذ مرتضى الرضوي لا كتب مقدمة لكتاب الدكتور نوري جعفر:(علي ومناوئوه)، وكان ذلك في منتصف شهر شعبان ١٣٩٤ هـ الموافق أواخر الشهر الثامن أغسطس ١٩٧٤ م، فقلت مالنا ومناوئيه ولست منهم ولا شك أيها القارئ الكريم، كما وأنني لست منهم على التحقيق، ولقد أقبل الموسم القضائي - أيها الصديق المرتضى - ولنا فيه معارك على ساحة مجلس الدولة، مما قد يشغلنا عن كثير مما يتوجب بذل الجهد والوقت فيه من قضايا الفكر والعقيدة والإيمان.

كنت أتوق إلى الكتابة عن الإمام علي بن أبي طالب منذ أمد بعيد، وهو أول فتى في الإسلام وفارس فرسانه، وكنت ولا زلت أتوق لأن تكون الكتابة عنه تمهيداً لي وتمهيداً للقراء أن أكتب عن الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم).


والكتابة عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كتابة عن الإيمان وكتابة عن الحكم الإسلامي في ظل الإيمان، وكتابة عن الإسلامية الصحيحة، ودفاع عن المسلمين على مر العصور، من حضر منهم في عهد علي (عليه السلام)، ومن حضر بعده أو قبله، منذ نزلت الرسالة على رسول الله محمد بن عبد الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم).

كان عليَّ أن أنتظر سانح فرصة لأسجل بعض ما خطر في ذهني عن هذا الرجل العظيم. وكان علي بن أبي طالب (عليه السلام) كما ورد فيالإصابة: قد اشتهر بالفروسية والشجاعة والإقدام فهل كانت شهرته قاصرة على هذا المجال فحسب؟!

لقد أجمع الرواة - وترى ذلك متواتراً طبقة عن طبقة - أن علي بن أبي طالب هو أول فتى دخل في الإسلام، وسارت الركبان بهذا الحديث يسوقونه على أنه ميزة لعلي، بمعنى أنه لم يعش الجاهلية، وإنما يكاد يكون مسلماً منذ أدرك، فهل كانت هذه هي ميزته فحسب؟!

كان علي ابن عم الرسول الأعظم ومتبناه.

وكان علي أخاً لرسول الله والرسول، أخوه - كما يروي الرواة الثقات - نقلاً عن الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) نفسه، حيثما كان يتحدث عن ابن عمه علي.

وكان بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لم يكن ثَمَّة نبي بعد محمد بن عبد الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم).

وكان هو وزير النبي وخليفته من بعده(١) .

____________________

(١) انظر: المستدرك على الصحيحين: ٣ / ١٠٩. مسند الإمام أحمد: ٤ / ٢٨١ (الطبعة الأولى). خصائص الإمام علي للحافظ النسائي: ٢١ (طبعة مصر). تفسير الفخر الرازي: ١٣ / ٤٨ - ٤٩. أسباب النزول للواحدي: ١٣٥ (طبعة مؤسسة الحلبي). حياة محمد للأستاذ محمد حسين هيكل: ١٠٤ (الطبعة الأولى). جريدة السياسة المصرية: ملحق عدد ٢٧٥١.


وتلك نصوص قاطعة عن الرسول، قاطعة الدلالة على إمامة علي، فهل تكفي هذه الإشارات اللامحة للكشف عن أحقيته في الإمامة عليه الإسلام؟

قال ابن مسعود في شأن الإمام: (كنا نتحدث عن أن أفضل أهل المدينة هو علي)، بل إن عمر نفسه كان يتعوذ من معضلة ليس لها أبو الحسن، وكان يقول: (لولا علي لهلك عمر)، وهناك جوانب أخرى عديدة يجب أن نجليها لأنفسنا وللعالم كله على السواء...

لقد نقض بعض الذين بايعوا علياً، ونقضوا ما عقدوا عليه العزم وكانت الحروب بين المسلمين أن انتهى صراعها بانتصار الأقوياء، ولم تنته المعارك بانتصار الحق، إذ لو انتصر الحق لكان علي (عليه السلام) هو الحقيقة المجسدة، وكان نصره فوق كيد الكائدين، وقوة المال والسلاح، وسطوة البغي والغرض، والدهاء والإغراء.

ولأمر ما أراد الله أن تدخل دولة المسلمين في محنة كبرى، ولما تستقر أصول الإسلام في نفوس الناس، ولا سرت روحه في دمائهم على الوجه الذي كنا نظنه في أول دراسة لنا لقضية صدر الإسلام، ومن المعلوم الذي يجب أن يكون بديهة في نفوس الباحثين أن نعلم أن الإسلام هو صحوة المستقبل للعالم كله، ولم يكن - كما كنا نتخيَّل أحياناً - دعوة الزمن الذي ظهر فيه وحده... لأن إطاره المكاني هو العالم كله، والإطار الذي يتحرك من خلاله - من حيث الأزمنة والعصور - هو كل الأزمنة وكل العصور، منذ ظهر الرسول (صلوات الله عليه) حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

ولقد علمنا من الصراع بين علي (عليه السلام) وبين معاوية أن السلطة قد انتقلت إلى معاوية بن أبي سفيان بن حرب... وأمه هند آكلة الأكباد.. التي نهشت جسد عم الرسول حمزة (عليه السلام)، وفلقت رأسه، وأكلت كبده؛ شفاء لحقدها على الرسالة وأهلها حينذاك. واستبد معاوية بالناس، وأحال


الخلافة ملكاً عضوضاً، واستحصل من الناس، جبراً وقسراً، على عهد لابنه (يزيد).. ونحن نعلم من هو (يزيد)! وما كان عجباً أن يكون هو (يزيد)؛ لأنه وارث القسوة والفجر، ومستمد الفساد من شجرة الفساد.. والعرق دساس... ونحن لا نجري الأبحاث - مع الأسف الشديد - عن شجرة الرجال، وأصول الرجال.

لقد عمل اليهود - من خلال كل الجهود - على تدمير علم الأنساب لتختلط العائلات ويمكن من خلال هذا الاختلاط أن يندس في وسط كل قطر من أقطار الإسلام طبقة من اليهود يدعون الإسلام ليفسدوا فيه، وكانوا يناصرون كل من يدعو للفتنة.

ولكن بنية الإسلام القوية رغم كل ما مر بها لم تتوقف عن النماء ولم يزعزع عقيدة الإسلام ما مارسه بنو أُمية من طغيان.

ولقد أحاط المفسدون بحكام الدولة الإسلامية ليحولوا بينهم وبين كل إصلاح... محاولين إيقاع الفتنة في دولة المسلمين. لقد قيل: إن بناء الجماعة تصدع على عهد علي، ومن قبله كان الثائرون يحاصرون بيت عثمان، فهل قرر هذا أو ذاك: مصير الإسلام والقرآن؟!

إن هذا الدين الخالد مر بهذه المحنة وبغيرها من المحن وخرج منها أقوى مما كان من قبلها؛ ذلك أن بنية العقيدة أقوى من أن تحطمها الرضوض والآلام. أكلت الحروب بين علي وخصومه عدداً كبيراً من المسلمين ولم يكن متوقعاً أن يحدث ذلك على وجه من الوجوه، إلا أن اتساع الملك والسلطان كان يقتضي ذلك، وكان يقتضي غيره من ألوان الصراع... وكانت هذه المحن - في رأيي - هي درجة الغليان التي أحاطت بالدين الجديد فحفظت الشعب أن ينهار أمام الحضارات المجاورة، وأمام الفتوحات الوسيعة المدى، بما تحتويه من أفكار جديدة، واتجاهات متعددة مختلفة الألوان والأحجام.


إن علينا أن ندرس كل أولئك حين ندرس شخصية هذا البطل العظيم في تاريخ الإسلام علي بن أبي طالب (عليه السلام). وعلينا أن نعلم: أن انفصام عرى الوحدة بين المسلمين، وتفرقهم في الآراء والمذاهب والأحزاب؛ كل ينصر رأيه بالقول وبالعمل على رأي خصمه، وكل يصارع في سبيل عقيدته هذه أو تلك، بالفكرة حيناً وبالسلوك أحياناً. وعلينا أن ندرك أن هذا كله وغيره ليس إلا دلائل صحة، لا دلائل وهن أو هزيمة، وأن الصراع دائماً يدل على اليقظة لا على الموت، ما دام لا يفضي إلى انشقاق في صفوف الأمة، أو مواجهة عدائية بين الطوائف.

وقد اكتمل الدين حينما اكتمل نزول القرآن، ولقد كان الإسلام على عهد الرسول دعوة وفكرة أكثر منه دولة وسلطاناً، وإذا كان النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) قد أقام دولة على أساس من التشريع القرآني، فقد كانت دولة صغيرة الحدود على أية حال، ولكنها كانت نواة قوية، قابلة دائما على النمو والازدهار، وبقي أن تكتمل الدولة بعد ذلك فتوسع من آفاقها وتنشر من سلطانها على هذه الأسس السليمة. كانت نواة في مثل صلابة (الجرانيت) يحمل لواءها نفر من المؤمنين الأتقياء لا يبالون أين يكون الموت، إذ هو - عندهم - دور من أدوار الحياة، ومرحلة من مراحل الوجود، فهم لا يخشون شيئاً ولا أحداً ولا دولة من الدول، ولا حكومة من الحكومات، وإنما يذيعون نظريتهم في مجال الفكر وفي مجال التطبيق على السواء، وقد بدأ صفوة المسلمين، وعلى رأسهم علي (عليه السلام)، يتوقون إلى بناء الدولة الوليدة، على أساس من النظرية والعقيدة، واختلفت الآراء بين الصفوة وبين عامة من المسلمين، ممن لم تتدخل العقيدة في مسرى دمائهم...

كانت الدولة وليدة في المهد، وقد تعرَّض الوليد لكل ما يتعرض له الوليد من محن تكبر في عينه هو، وأن صغرت في عين الزمن، الذي اثبت دائماً أن البقاء للأصلح، وأن الخلود للإيمان.


مرت دولة المسلمين في محنة كبرى فآذت المحنة دولتهم، ولم تنل من دينهم، وللنشأة الجديدة ثورات وحركات وصراعات، سنرى جوانب منها حين ندرس الإمام، وما أحاط به، وبالمسلمين من حوادث، وأحداث...

وسنرى جوانب منها حين نطالع صفحات هذا الكتاب.

عبد الهادي مسعود

القاهرة 

١٨ / شعبان / ١٣١٤هـ. ٥ / سبتمبر / ١٩٧٤ م


مقدمة المؤلِّف

خالجتني فكرة البحث في هذا الموضوع منذ زمن بعيد، غير أن أموراً كثيرة قد حالت - مع الأسف الشديد - بيني وبين إخراجها إلى حيز الوجود، وعند ما قررت الحكومة العراقية إعفائي عن الخدمة - بالشكل المعروف - ساورني ألم وامتعاض شديدان، فطفت أبحث عن وسائل تعينني على التعبير عن ذلك الألم وهذا الامتعاض، وما هذه الدراسة في جوهرها إلا أحد الجوانب الايجابية لذلك التعبير، وقد شجعني على ذلك عامل أشار إليه أبو جعفر ابن أبي زيد نقيب البصرة قبل زهاء سبعمئة عام ذكره ابن أبي الحديد حين قال: (قلت لأبي جعفر النقيب ما سبب حب الناس لعلي.. دعني في الجواب من حديث الشجاعة والعلم والفصاحة؟... فضحك وقال:... إن أكثر الناس موتورون في الدنيا. أما المستحقون فلا ريب في أن أكثرهم محرومون! نحو عالم يرى أن لاحظ له في الدنيا، ويرى جاهلاً غيره مرزوقاً وموسعاً عليه. وشجاع قد أبلى في الحرب.. وليس له عطاء يكفيه.. ويرى غيره، وهو جبان، مالكاً لقطر عظيم... وعاقل سديد التدبير قد قدر عليه رزقه، وهو يرى غيره أحمق مائقاً تدر عليه الخيرات.

فإذا عرفت هذه المقدمة فمعلوم أن علياً كان مستحقاً محروماً، بل هو أمير المستحقين المحرومين. ومعلوم أن الذين ينالهم الضيم يتعصب بعضهم لبعض.. وعلي رجل عظيم القدر جليل الخطر كامل الشرف جامع للفضائل.. وهو مع ذلك محروم محدود قد جرعته الدنيا علاقمها.. وعلا عليه من هو دونه.. ثم كان في آخر الأمر أن قُتل هذا الرجل الجليل في محرابه، وقتل بنوه وسبي حريمه ونساؤه، وتُتُبِّع أهله وبنوه بالقتل والطرد والتشريد والسجون، مع فضلهم وزهدهم وعبادتهم وسخائهم وانتفاع الخلق بهم)(١) .

____________________

(١) يدنف: أي يجهز عليه بالقال.


طفقت إذن أبحث في هذا الموضوع المعقد الشائك، وقد أنار أمامي سبيل البحث كبار المؤرخين المسلمين من حيث تدوين الوقائع التاريخية، كما أنار سبيلي كذلك - من حيث تحليل تلك الحوادث وتفسيرها - فريق من الكتاب المصريين المحدثين، فانقسمت هذه الدراسة من حيث وحدة موضوعها إلى ثلاثة أقسام:

* بحثت في القسم الأول منها قصة الخلافة بثلاثة فصول:

- تطرقت فيالفصل الأول إلى:مسألة الوصية .

- وفيالفصل الثاني إلى:حديث السقيفة ، الذي بدأ - على ما أرى - والرسول مسجى على فراش الموت، وانتهى بمقتل عثمان، لا بخلافة أبي بكر كما هو معروف.

- وبحثت فيالفصل الثالث :خلافة الإمام .

* أماالقسم الثاني من الكتاب فيتضمن البحث فيما سميته: (قميص عثمان) ، ويقع في ثلاثة فصول أيضاً:

- تطرقت فيالفصل الأول منها إلى:حركة الناكثين / أصحاب الجمل.

- وفيالفصل الثاني إلى:تمرد القاسطين / أصحاب صفِّين.

- وفيالفصل الثالث إلى:مسألة التحكيم وخروج المارقين ومصرع الإمام .

لقد ساقني البحث، في معرض التحدث عن قميص عثمان، إلى الاعتقاد بأن الصراع بين علي ومناوئيه ما وهو في جوهره إلا صراع بين فلسفتين: فلسفة خلقية مثالية، تستمد أصولها من القرآن وسنة الرسول، سار عليها الإمام في حكمه. وفلسفة ملتوية غادرة، تستمد مقوِّماتها من حياة العرب في جاهليتهم، انغمس فيها مناوئوه إلى الأذقان. ولعل الصراع بين علي ومناوئيه يعيد إلى الذاكرة قصة الصراع الذي حدث بين النبي وكفَّار قريش تحت زعامة الأُمويين. وإذا كان النصر قد كتب للنبي في نزاعه مع مناوئيه لاعتصامهم بالأوثان، فإن النصر لم يكن في متناول الإمام لتقمُّص مناوئيه(١) رداء الإسلام.

____________________

(١) معاوية ومن هم على شاكلته. ومن المحزن حقاً أن يتخذ بعض الناس من هؤلاء إبطالاً يدرسون سيرتهم للناشئة في الوقت الذي يريدون من تلك الناشئة أن تتحلَّى بمكارم الأخلاق التي جاء بها الدين الحنيف، فالاستقامة التي يدعو إليها الدين والغدر الذي سار عليه معاوية ضدان لا يجتمعان.


فكان خصوم الرسول المندحرين من الأمويين ومن هم على شاكلتهم قد حاربوا ابن عمه بعقائد آبائهم الكامنة وراء ستار الإسلام. فمعاوية - مثلاً - هو ابن هند آكلة الأكباد، وأبوه أبو سفيان أول المشركين في كل حرب، ورأسهم في كل فتنة، لم ترفع على الإسلام راية إلا وكان صاحبها. تظاهر بالإسلام غير منطو عليه، وأخفى الكفر غير مقلع عنه، ويلوح لي أن غدر معاوية قد أصاب روح الإسلام قبل أن يصيب أبا تراب(١) . فقد انفسح باغتيال علي المجال واسعاً أمام قوى الشر التي حبسها الإمام في نطاق ضيق من خشية الله، ومبادئ الدين الحنيف؛ فتلاشت من القلوب حرارة الإيمان التي كانت تجمع بين قلب الخليفة الكبير وقلوب رعاياه، واستهان الولاة والحكّام بتطبيق مبادئ الإسلام على شئون الحياة، وعمدوا إلى كسب ولاء الناس بوسائل فاسدة من الرشوة والملاينة أو الإرهاب والتجويع، فذرى روح الإسلام وانطوت مبادئه على نفسها بدلاً من أن تسير في طريق التوسُّع والانتشار. وكانت حصيلة ذلك انتشار التذمر والإلحاد في جسم المجتمع العربي وتدنِّي المستويات الخلقية الرفيعة بين الحكَّام والمحكومين على السواء، فبرز الاستهتار والظلم والخروج على القرآن وتعاليم الرسول من جهة الحاكمين، والانقياد والملق والنفاق من جهة الرعايا. واختفى القائلون بالحق وراء سحب المطاردة والاضطهاد، فأصبح المطالبون بحقوقهم (زنادقة) و(ملحدين) و(رافضة)، وصار الوصوليون والمنافقون أصحاب الحظوة والكلمة النافذة، فجريرة معاوية - إذن - أكبر من مجرد غدره بالإمام؛ لأنها أصابت صرح الإسلام من حيث هو نظام للحكم ومجموعة من المثل العليا ومكارم الأخلاق.

ذلك ما يتصل بالقسمين الأول والثاني من هذه الدراسة.

* أماالقسم الثالث فيروي للقارئ مقتطفات من سيرة الإمام رواها كبار المؤرخين المسلمين، ونماذج من سيرة معاوية أثناء نزاعه مع الخليفة. وبما أني كتبت هذا البحث متأثراً بالمثل العليا التي جاء بها محمد؛ والتي حرص عليٌّ على تطبيقها في الحكم، وبخاصة ما يتصل منها بتوزيع العدالة الاجتماعية بين الناس وبالتحلي بمكارم الأخلاق،

____________________

(١) لا مجال للتفكيك بين الإسلام وعلي (عليه السلام) (الناشر).


فلا عجب إن وجدني القارئ أنتقد الذين خرجوا على تلك المثل في الأقوال وفي الأعمال من الحكام والأمراء والولاة. قال تعالى في سورة آل عمران:( إِنَّ الَّذينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَليم‏ * أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ) (٣: ٢١، ٢٢).

وذكر مسلم بن الحجاج في صحيحه بأسانيد مختلفة عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: (قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم):(أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خلة منهن كانت فيه خلة من نفاق حتى ينزعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر؛ وإذا وعد اخلف، وإذا خاصم فجر) (١) . والمنافقون؛ كما وصفهم الله في سورة المنافقين:( اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (٦٣: ٣)، وسوف نتخذ هاتين الآيتين والحديث الآنف الذكر مقياساً للحكم على علي ومناوئيه أثناء البحث في(قميص عثمان) .

حق وباطل، أبديان سرمديان، لكل زمان حقه وباطله، ولكل زمان علي ومناوئوه.

بغداد في: ١/ ١ / ١٩٥٦

نوري جعفر      

____________________

(١) انظر: صحيح مسلم، ج ١، ص ٤٢.


القسم الأول: [ قصة الخلافة ١١ - ٣٥ هـ ]


قصة الخلافة

١١ - ٣٥ هـ

١ - الفصل الأول: مسألة الوصية.

٢ - الفصل الثاني: حديث السقيفة.

أ - أبو بكر الصديق (١١ - ١٣ هـ).

ب - عمر بن الخطاب (١٣ - ٢٣ هـ).

ج - عثمان بن عفان (٢٣ - ٣٥ هـ).

٣ - الفصل الثالث: خلافة الإمام (٣٥ - ٤٠ هـ).


[الفصل الأول: ] مسألة الوصية

الخلافة - بنظر فريق من المسلمين - مركز ديني ودنيوي في آن واحد. فهيدينية من حيث كونها تستند إلى تعاليم الإسلام في تصريف شئون الناس فيما يتعلق بصلاتهم في جميع مظاهرها من جهة، ومن حيث كون صاحبها معصوماً من الخطأ كعصمة الأنبياء، عالماً بجميع أمور الدين ومن جهة أخرى. وهيدنيوية فيما يتصل بكون الخليفة شخصاً لا ينزل عليه الوحي، وإنما هو مكلَّف، بنص من النبي ووحي من الله، بالمحافظة على تعاليم الدين وتطبيقها على سنن الحياة والنهوض بالرسالة النبوية وبثِّها بين البشر كافة.

فالخلافة على هذا الأساس ظاهرة تأتي بعد مرتبة النبوة مباشرة في القدسية والأهمية؛ فلا غرابة والحالة هذه، على ما يقول حملة هذا الرأي، أن أمر الله نبيه محمداً بالنص على ولاية خليفته من بعده: وهذا الخليفة هو الإمام علي بن أبي طالب. غير أن قسماً من المسلمين - حسب وجهة النظر هذه - قد سلب الإمام علياً حقه في الخلافة حينما نقلها منه إلى غيره من الصحابة، ولكن الإمام علياً - مع هذا بنظر هؤلاء - هو الخليفة الحقيقي للمسلمين بعد الرسول، وإن لم يمارس منصبه هذا بحكم طبيعة الظروف التي عاش فيها.

والأساس الذي يستند إليه هذا الفريق من المسلمين في اعتباره الخلافة منصباً دينياً؛ هو أن الرسول، بعد أن فارق الحياة الدنيا تاركاً تعاليمه الدينية، كان لابد له من تولية شخص يأتي من بعده في الكفاءة والخُلق ليقوم بتصريف أمور الناس، وذلك لأن الغاية من نزول الدين ليست محصورة على تطبيقه في عهد الرسول وبين قريش أو العرب وحدهم، ولابد لتطبيق تعاليمه بعد وفاته من شخص - كما ذكرنا - أقرب الناس إليه من حيث فهمه لأصول الدين واتصافه بمتانة الأخلاق.


وليس من المعقول أن يُترك أمر المسلمين، بعد وفاة الرسول، إلى الصدف والظروف في هذه المسألة الحيوية التي يتوقف عليها مصير الشريعة السمحاء من حيث التطبيق والانتشار. وأنَّ قصة اختيار المسلمين لخليفتهم بعد النبي، أمر على جانب كبير من الخطر والمجازفة؛ فمن هم الذين يوكل إليهم اختيار الخليفة الجديد؟ هل هم جميع المسلمين؟ أم فئة خاصة منهم؟ ما خصائص هذه الفئة؟ هل هي مقصورة على أبي بكر وعمر وأبي عبيدة في بادئ الأمر ونفر من الأنصار اجتمعوا في السقيفة كما سنرى؟ أليس استبعاد علي وبني هاشم وسعد بن عبادة وابنه، وسلمان الفارسي، وأبي ذر الغفاري، والمقداد بن الأسود، وعمار بن ياسر، والزبير بن العوام، وخالد بن سعيد، وحذيفة بن اليمان، وبريدة.. وغيرهم (وهم من خيرة أصحاب النبي) بجعل الخلافة، وفي حالة اقتصارها على رأي فئة خاصة من الصحابة، غير كاملة الشروط؟

هل يمكن أن يتوصل المسلمون إلى اختيار أفضلهم للخلافة مع ما بينهم من أحقاد وعنعنات قبلية جاهلية لم يستأصلها الإسلام كما سنرى؟

هل كان الرسول راغبا في إثارة تلك العصبيات؟

كيف يجري اختيار الخليفة: بالتصويت الشفوي؟ أم بالكتابة؟

كم من المسلمين يستطيعون أن يقرءُوا ويكتبوا آنذاك؟

أين يجري الانتخاب؟ أفي الحواضر والبوادي؟ وكيف يمهد لذلك الانتخاب؟ وكم يستغرق من الوقت؟ وكيف تصرف شئون المسلمين أثناء فترة الانتخاب

تلك أسئلة محيِّرة...؟

لقد مر بنا ذكر رأي فريق من المسلمين في قضية خلافة الرسول. وقد لخَّص أحد الباحثين موضوع الخلافة والوصية من وجهة النظر هذه بقوله(١) :

____________________

(١) عبد الحسين أحمد الأميني النجفي، الغدير في الكتاب والسنة والأدب، الطبعة الأولى، مطبعة الغري في النجف، ١٩٤٥ م، ص ٨ - ١١.


أجمع رسول الله الخروج إلى الحج في سنة عشر من مهاجره، وآذن في الناس بذلك، فقدم المدينة خلق كثير يأتمون به في حجته تلك التي يقال عليها: حجة الوداع... ولم يحج غيرها منذ هاجر إلى أن توفاه الله... ولما قضى مناسكه وانصرف راجعاً إلى المدينة.. ووصل غدير خم من الجحفة التي تتشعب فيها طرق المدنيين والمصريين والعراقيين، نزل عليه جبرائيل عن الله يقول:( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) (١) .. وأمره أن يقيم علياً علماً للناس.. ثم قام الرسول خطيباً.. وأخذ بيد علي فرفعها.. فقال:(إن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين) .. والولاية لعلي،(من كنت مولاه فعلي مولاه) (٢) .. ثم نزلت الآية:( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) (٣) ، فقال رسول الله:[الحمد لله ](٤) على إكمال الدين وإتمام النعمة... والولاية لعلي من بعدي ).

ومن الطريف أن نذكر هنا أن المقريزي(٥) قد أشار إلى احتفال قسم من المسلمين القدامى بذكرى عيد الغدير حين قال:

(اعلم أن عيد الغدير لم يكن عيداً مشروعاً، ولا عمله أحد من سالف الأمة المقتدى بهم، وأول ما عرف في الإسلام بالعراق أيام معز الدولة علي بن بابويه، كان أحدثه في سنه اثنتين وخمسين وثلاثمئة، فاتخذه الشيعة من حينئذٍ عيداً، وأصلهم فيه ما خرجه الإمام أحمد في مسنده الكبير من حديث البراء بن عازب قال: كنا مع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في سفرتنا فنزلنا بغدير خم ونودي:

____________________

(١) المائدة: الآية ٦٧.

(٢) انظر: عبقات الأنوار، مجلد: حديث الولاية.

(٣) المائدة: الآية ٣.

(٤) ما بين المعقوفين سقط من الأصل. (الناشر)

(٥) الخطط: ١/ ٢٨٨ - ٣٨٩.


الصلاة جامعة، وكسح لرسول الله تحت شجرتين فصلى الظهر، وأخذ بيد علي بن أبي طالب فقال:ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى.. قال:من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. قال: فلقيه عمر بن الخطاب فقال: هنيئاً لك يا ابن أبي طالب، أصبحت مولى(١) كل مؤمن ومؤمنة. (وغدير خم) على ثلاثة أميال من الجحفة يسرة الطريق وتصب فيه عين وحوله شجر كثير. ومن سننهم في هذا العيد، وهو أبداً اليوم الثامن عشر من ذي الحجة، أن يحيوا ليله بالصلاة، ويصلوا في صبيحته ركعتين قبل الزوال، ويلبسوا فيه الجديد ويعتقوا الرقاب، ويكثروا من عمل البر ومن الذبائح. ولما عمل الشيعة هذا العيد بالعراق أرادت عوام السنة مضاهاة فعلهم ونكايتهم فاتخذوا في سنة تسع وثمانين وثلاثمئة بعد عيد الغدير بثمانية أيام عيداً أكثروا فيه من السرور واللهو وقالوا: هذا يوم دخول رسول الله الغار هو وأبو بكر. وبالغوا في هذا اليوم في إظهار الزينة.. ولهم في ذلك أعمال مذكورة في أخبار بغداد)(٢) .

والخلافة، بنظر فريق آخر من المسلمين: مركز دنيوي صرف من حيث وجوده، وإن كان مبنياً على الدين من حيث الأسس النظرية التي ينبغي أن يسير وفق مستلزماتها، وعلى هذا الأساس فليس هناك نص صريح من جانب الرسول على توليته خليفة للمسلمين؛ لانتفاء الضرورة الدينية إلى ذلك.

____________________

(١) وفي نسخة:مولاي ومولى.. إلخ. (الناشر)

(٢) يراجع: سيرة ابن هشام، والسيرة الحلبية، والبخاري. وعيد الهجرة: في ربيع الأول.


ولهذا السبب نجد بعض المسلمين يجتمعون، بعد وفاة الرسول في سقيفة بني ساعدة(١) كما سنرى، لاختيار الخليفة لتسلم هذا المنصب الرفيع. فاختير أبو بكر، ثم عمر، فعثمان، فعلي، فهؤلاء إذن هم الخلفاء الراشدون، مرتَّبون حسب تسلسهم الزمني وحسب منزلتهم الدينية، على ما يقول حملة هذا الرأي، والحجة التي يستند إليها هذا الفريق من المسلمين هي: أن التعاليم الدينية قد أصبحت كاملة وواضحة بعد وفاة الرسول، ولم تكن هناك ضرورة سماوية لتعيين المشرف على تطبيقها على شئون الحياة. وقد وضع هذا الرأي - بشكله المعتدل - أحد الكتاب المعاصرين(٢) حين قال: (الخلافة الإسلامية - كنظام من نظم الحكم - هي في حقيقتها وليدة رأي، وليست وليدة نص ديني ثابت لا يحتمل التأويل. ورسول الله، وهو يستقبل ربه، لم يوص لأحد بعده بالحكم وصية صريحة، وإن بدرت منه في أوقات شتى إشارات وتلميحات تاه أصحابه في تفسيرها عقب وفاته، بين الاحتمال والترجيح. وثَمَّة أحاديث فيها من الصراحة ما قد يرسم لنا صورة المستخلف كحديث الغدير(٣) وحديث خاصف النعل.

وهناك فريق ثالث من المسلمين وقف، في نظرية الخلافة، موقفاً وسطاً بين الفريقين المختلفين، فهو يتفق مع الفريق الثاني في اعتبار الخلافة منصباً دنيوياً خالصاً وينكر وجود النص الدال بصراحة على وصية النبي لعلي خليفة للمسلمين من بعده، على الشكل الذي ذكره الفريق الأول من المسلمين، ولكن - مع هذا - يعتبر علياً أولى بالخلافة من أبي بكر؛ لأنه أفضل المسلمين على الإطلاق.

____________________

(١) السقيفة اسم لإيوان كبير كانت تجتمع فيه العرب في الجاهلية للمشورة والمداولة بالأمور الباطلة، ومجازاً يطلق على الكلام التافه، انظر: غياث اللغات، طبعة الهند، مادة: (سقف) (الناشر) .

(٢) عبد الفتاح عبد المقصود، الإمام علي بن أبي طالب، لجنة النشر للجامعين بالقاهرة، ١٩٥٣ م، ج ٥، ص ١٠٤.

(٣) راجع: الغدير، للشيخ الأميني، صدر منه ١١ جزءاً طبع في العراق وإيران ولبنان.


وقد لخص هذا الرأي أحد الباحثين حين قال(١) : (اتفق شيوخنا كافة.. على أن بيعة أبي بكر صحيحة شرعية، وأنها لم تكن عن نص وإنما كانت بالاختيار الذي ثبت بالإجماع وبغير الإجماع كونه طريقة إلى الإمامة، واختلفوا في التفضيل. فقال قدماء البصريين كأبي عثمان وعمرو بن عبيد: أن أبا بكر أفضل من علي.. وهؤلاء يجعلون ترتيب الأربعة في الفضل كترتيبهم في الخلافة. وقال البغداديون قاطبة - قدماؤهم ومتأخروهم: إن علياً.. أفضل من أبي بكر: وإلى هذا المذهب ذهب من البصريين أبو علي محمد بن عبد الوهَّاب الجُبَّائي، والشيخ أبو عبد الله الحسين بن علي البصري.. وقاضي القضاة أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد.. وأبو محمد الحسن بن متوية... وذهب كثير من الشيوخ إلى الوقف فيهما، وهو قول أبي حذيفة واصل بن عطاء، وأبي الهذيل محمد بن الهذيل العلاف. وهما وإن ذهبا إلى التوقّف بينه وبين أبي بكر وعمر.. قاطعان على تفضيله على عثمان. وأما نحن فنذهب إلى ما يذهب إليه شيوخنا البغداديون من تفضيله عليهم).

وقد ذهب الباحث الآنف الذكر، في موضع آخر(٢) ، إلى القول في موضوع الخلافة: أن الذي استقر عليه رأي المعتزلة بعد اختلاف كثير بين قدمائهم في التفضيل وغيره: أن علياً أفضل الجماعة، وأنهم تركوا الأفضل لمصلحة رأوها، وإن لم يكن هناك نص يقطع الغموض، وإنما كانت إشارة وإيماء لا يتضمن شيء منهما صريح النص، وإن علياً نازع ثم بايع. ولو أقام على الامتناع لم نقل بصحة البيعة ولا لزومها. وبالجملة أصحابنا يقولون:

____________________

(١) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ١ / ٣ (الطبعة الأولى - مصر).

(٢) شرح النهج: ٢ / ٥٧٢. (الناشر)


إن الأمر كان له وكان هو المستحق والمتعين، فإن شاء أخذه لنفسه وإن شاء ولاَّه غيره، فلما رأيناه قد وافق على ولاية غيره، اتبعناه ورضينا لما رضى).

أي أن هذا الفريق من المسلمين يقول: بأفضلية علي على أبي بكر وبالتالي بأحقيته بالخلافة دون أن يعترف بالنص على وصية الرسول له، وبذلك تصبح خلافة أبي بكر سابقة لخلافة علي من الناحية الزمنية الواقعية أو (دوفاكتو) كما يقول المشرعون المعاصرون، في حين أن خلافة الإمام سابقة لها من الناحية الشرعية (دوجوري).

كان موضوع الخلافة وما زال محور الخلاف، وأساس الفرقة بين طوائف المسلمين، وقد تفرعت عنه خلافات أخرى كثيرة، نظرية وعملية، وما زالت قائمة بين المسلمين منذ وفاة الرسول (صلَّى الله عليه وسلَّم) إلى اليوم. وتعصب كل فريق لرأيه، واعتبر نظريته في الخلافة هي النظرية السلمية وما عداها فاختلاق وبهتان، وليس أمام الباحث من سبيل لتقريب وجهات النظر المختلفة؛ ذلك لأن التسليم بأحدها يستلزم إهمال النظريتين الأخريين، وإذا أغفل الباحث أمر التحدث عن وصية النبي لعلي في الخلافة من بعده على الشكل الذي يقول فيه فريق من المسلمين ونظر إلى مسألة الخلافة من الناحية الزمنية الصرفة، فليس لديه - على ما نرى - من الأدلة القاطعة ما يدعوه إلى التسليم بأن الرسول (صلَّى الله عليه وسلَّم) كان قد أهمل أمر التفكير فيمن يخلفه من بعده في تصريف شئون المسلمين.

وهنا تتوارد إلى الذهن جملة قضايا تاريخية مهمة، وفي مقدمتها قضية (القرطاس والدواة)، يقول ابن الأثير(١) : (اشتد برسول الله مرضه ووجعه فقال:ائتوني بدواة وبيضاء (٢) أكتب لكم

____________________

(١) الكامل في التاريخ: ٢ / ٢١٧.

(٢) قضية ائتوني بدواة وبيضاء: أن النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) علم، وهو في مرض موته، ما حدث في المجتمع الإسلامي من تطورات، ووقوع أحداث يخشى على الإسلام منها، فقد كثرت القالة حول الخلافة من بعده: من تنفيذ أمره (بغدير خم)، أو يعود الأمير للمجتمع في الأغلبية =


كتاباً لا تضلون بعدي أبداً، فتنازعوا - ولا ينبغي عند نبي تنازع - فقالوا: إن رسول الله يهجر، فجعلوا يعيدون عليه. فقال:دعوني! فما أنا فيه خير مما تدعونني إليه ، فأوصى بثلاث:أن يخرج المشركون من جزيرة العرب، وأن يجازي الوفد بنحو مما كان يجيزهم ، وسكت عن الثالثة عمداً أو قال: نسيتها.

وذكر البخاري(١) فقال: (حدثنا سفيان عن سليمان الأحول عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس: اشتد برسول الله وجعه فقال:ائتوني أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً، فتنازعوا - ولا ينبغي عند نبي تنازع - فقالوا: ما شأنه! أهجر؟ استفهموه، فذهبوا يرددون عليه! فقال:دعوني! فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه، وأوصاهم بثلاث، قال:اخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم ، وسكت عن الثالثة، أو قال: فنسيتها.

وحدَّثنا علي بن عبد الله، حدَّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عبيد الله

____________________

= الساحقة التي تعارض تلك الفكرة؟ وهل هناك مجموعة تسعى لكسب الأكثرية لأخذ الحكم؟ وما هو موقف الأنصار وكبار الصحابة من هذا الأمر... إلخ.

فكان النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) يؤلمه وقوع مثل هذه الأشياء التي تؤول بالأمة إلى الفرقة بعد الاجتماع، والعداوة بعد الإخاء، فأراد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أن يقرر مصير الأمة وأن يجدِّد موقفها؛ ليقطع بذلك كل طريق يوصل للخلاف المؤدي إلى الضلال، فقال:ائتوني بدواة... الحديث، أراد أن يضع للأمة نظاماً يسيرون عليه دوماً في قضية الخلافة وتحديد الشخصية التي تليق بأن تخلفه في منصبه.

ومن البديهي، وما لا يقبل الشك، أن علياً هو تلك الشخصية التي تتجسد فيها آمال الأمة، ولكن حدث ما حدث! فما أعظم من ذلك الموقف على النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) فقال لهم متأثراً:أبعد الذي قلتم ، ومات والألم يحز نفسه، ولكن أراد أن يطوّق الأمة بواجب لا مفر لهم من الالتزام به، ألا وهو العناية بأهل بيته، فقال (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم):(أوصيكم بأهل بيتي خيراً، الله الله في أهل بيتي. واخرجوا اليهود من جزيرة العرب) وهي آخر ما تكلم به (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) كما سيأتي. (الناشر)

(١) صحيح البخاري: ٥ / ١٣٧، ١٣٨ (طبع مصر).


ابن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس قال: لما حضر رسول الله (صلَّى الله عليه وسلَّم) وفي البيت رجال، فقال النبي..:هلمّوا أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده ، فقال بعضهم: إن رسول الله قد غلبه الوجع وعندكم القرآن وحسبنا كتاب الله! فاختلف أهل البيت واختصموا. فلما أكثروا اللغو والاختلاف قال رسول الله:قوموا .

وذكر ابن سعد(١) : (أن الرسول عندما حضرته الوفاة وكان معه في البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال:هلمّوا أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده ، فقال عمر: إن رسول الله قد غلبه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله! فاختلف أهل البيت واختصموا. فلما كثر اللغط والاختلاف... قال النبي:قوموا عني .

فما الذي حمل عمر يا ترى على ذلك؟ وهل تجيز آداب المجاملة أو العرف أو الدين أن يقول عمر: إن الوجع قد غلب النبي وعندنا كتاب الله فهو حسبنا؟ وما قصده بذلك القول؟ وهل يتفق موقف عمر مع قوله تعالى في وصف النبي بأنه: ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) (٢) ؟ وممن يلفت النظر حقاً في هذا الموضوع الخطير: أن أصحاب النبي - على ما يذكر المؤرِّخون - قد سألوه قبيل وفاته عن كثير من الأمور التي تبدو بنظرنا أقل وجاهة من موضوع الخلافة، فقد سألوه على ما يحدِّثنا ابن خلدون(٣) : (عن مغسله؟ فقال:الأدنون من أهلي . وسألوه عن الكفن؟ فقال:في ثيابي، أو ثياب مصر، أو حلة يمانية .... وسألوه عمن يدخل القبر معه؟ فقال:أهلي ). فهل من المعقول أن يغيب عن أذهانهم موضوع الاستفسار عن الخلافة؟ أو أن يغفله النبي نفسه؟ ويستطرد ابن خلدون بعد الذي ذكرنا (المصدر نفسه والصفحة نفسها) فيقول: (ثم قال النبي:ائتوني بدواة وقرطاس، أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده؟ فتنازعوا وقال بعضهم: أهجر؟ ثم ذهبوا يعيدون عليه، فقال:دعوني! فما أنا فيه خير مما تدعونني إليه ).

____________________

(١) الطبقات الكبرى ٤ / ٦٠ - ٦١.

(٢) النجم: ٣، ٤.

(٣) كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر: ٢ / ٢٩٧.


ترى ماذا أراد الرسول أن يكتب؟ ولماذا امتنع القوم عن تلبية الطلب؟ هل أراد أن يثبت النص الشفوي على الخلافة، حسب وجهة نظر بعض المسلمين، بالكتابة زيادة في التأكيد، ودفعاً للالتباس؟ ثم أيجوز أن يقال: بأن الرسول يهجر في واحدة من ثلاث قالها بالتتابع في آن واحد؟ أي أن الرسول كان يهجر(١) بنظرهم في مسألة الدواة والقرطاس فقط على حين أنه لم يكن كذلك بنظرهم في إخراج المشركين من جزيرة العرب ومجازاة الوفد بمثل ما كان يجيزهم فيه؟ لقد نفذ أبو بكر الجزء الخاص من وصية الرسول هذه فيما يتصل بجيش أسامة ومحاربة المشركين في جزيرة العرب، في حين أن الرسول قال ذلك في الوقت الذي طلب فيه الدواة والقرطاس.

ومن الطريف أن نذكر هنا أن ابن عباس قد روى محاورة طريفة جرت بينه وبين عمر بن الخطاب في أوائل عهده بالخلافة، ملخصها: أن عمر قال له: (يا عبد الله، عليك دماء البدن إن كتمتها.. هل بقى في نفس علي شيء من أمر الخلافة؟ قلت: نعم، قال: أيزعم أن رسول الله نص عليه؟ قلت: نعم. فقال عمر: لقد كان في رسول الله من أمره ذروه من قول، لا يثبت حجة ولا يقطع عذراً، ولقد كان يربع في أمره وقتاً ما، ولقد أراد في مرضه أن يصرح باسمه فمنعت من ذلك إشفاقاً وحيطة على الإسلام.. فعلم رسول الله أني علمت ما في نفسه فأمسك(٢) . وإذا صحت هذه الرواية فإن عمر يبدو كأنه أحرص على الإسلام من نبيه! وهو أمر كان المفروض في عمر أن لا يهبط إليه.

وإذا أغفلنا؛ لغرض سهولة البحث بقدر ما يتعلق الأمر بموضوع الخلافة من الناحية الدنيوية، أمرَ الاستشهاد بالنصوص التاريخية التي ينفرد بذكرها الفريق

____________________

(١) قال ابن الأثير في النهاية (٥ / ٢٤٦) في مادة هجر: الهجر (بالضم) هو الخنا والقبيح من القول، ومنه حديث مرض النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: ما شأنه! أهجر؟.. والقائل كان عمر. (الناشر)

(٢) ابن أبي الحديد (شرح نهج البلاغة) ٣ / ٩٧ وذكر هذا الخبر أحمد ابن أبي طاهر صاحب كتاب (تاريخ بغداد) في كتابه مسنداً.


الأول من المسلمين وركزنا اهتمامنا في النصوص التي يذكرها الفريق الثاني من المسلمين، أصبح بمقدورنا أن نجعل دراستنا لهذا الموضوع تسير في هذا المرحلة من مراحلها بالاتجاه التالي:

ترى ما الذي حال بين علي والخلافة بمعناها الزمني بعد وفاة الرسول؟ وقبل أن نتصدى للإجابة على هذا السؤال يجمل بنا أن ننبه القارئ إلى أن ليس لدينا من الأدلة المقنعة ما يحول بيننا وبين الاعتقاد باندثار كثير من النصوص التاريخية المهمة المتعلقة بالنقطة موضوع البحث بطريقة عرضية، أو مقصودة، أو بتحريف بعض آخر، أو وضع نصوص تاريخية معاكسة وبخاصة في صدر الدولة الأموية. ولكننا مع هذا؛ تمشياً مع وحدة البحث وعدم تشتيت موضوعه، قد اعتمدنا قدر المستطاع على النصوص التاريخية التي تذكرها أمهات كتب التاريخ والسير.

أما حوادث الاعتداء على الطالبيين باللسان والسيف والقلم، منذ وفاة الرسول، فتكاد لا تقع تحت حصر، فقد اتخذ الوصوليون من رجال الدين والقضاة والأمراء من انتقاص الطالبيين وأتباعهم وسيلة يتقربون بها من الفئة الحاكمة في العهدين الأموي والعباسي!! وقد شجعتهم الفئة الحاكمة بدورها على ذلك. وفي معرض التحدث عن هذا الجانب من جوانب الموضوع يقول أحد المؤرِّخين(١) : (روى أبو الحسن علي بن محمد بن أبي سيف المدائني في كتاب الأحداث قال: كتب معاوية إلى عماله بعد عام الجماعة: أن برئت الذمة ممن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته، فقامت الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر يلعنون علياً ويبرءون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته.

وكتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق: ألاَّ يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة. وكتب إليهم: أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه، وأهل ولايته والذين يرون مناقبه وفضائله فادنوا مجالسهم وقربوهم وأكرموهم، واكتبوا لي بكل ما يروي كل رجل واسمه واسم أبيه وعشيرته. ففعلوا ذلك حتى أكثروا

____________________

(١) ابن أبي الحديد شرح النهج: ٣ / ١٦ (الطبعة المصرية الأولى).


في فضائل عثمان ومناقبه، لما كان يبعثه إليهم من الصلات.. ثم كتب إلى عماله: أن الحديث عن عثمان قد كثر.. فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأولين، ولا تتركوا خبرا يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلا واتوا بمناقض له في الصحابة.. فقُرأت كتبه على الناس فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها.. ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة).

لقد مر بنا الاستفسار عن العوامل التي حالت بين علي وبين ارتقائه منبر النبي بعد وفاته مباشرة، وللإجابة على ذلك ينبغي لنا أن نستعرض صفات الإمام منذ نشأته إلى وفاة الرسول ومواقفه من الرسول، ومن الإسلام، وموقف الرسول منه في حالتي السلم والحرب، عسانا نعثر على مفتاح قفل الخلافة.

إننا نحاول بعبارة أخرى أن نجيب عن السؤالين التاليين:

- هل كان الإمام كفؤاً للخلافة بعد الرسول؟

- وإذا كان كذلك فما الذي حال بينه وبينها؟

والبحث في الشق الأول من هذا الموضوع ( أهلية الإمام للخلافة بعد وفاة الرسول مباشرة) يستلزم التطرق إلى ظروف ملازمته للدعوة الإسلامية منذ نشوئها. ولابد في هذه المناسبة من الإلمام بموقف أبويه من النبي ومن رسالته قبل ذكر مواقفه هو من الرسول ومن الإسلام في حالتي السلم والحرب. وبما أن مواقف أبي طالب وزوجه فاطمة بنت أسد من النبي معروفة لدى من لهم أدنى إلمام بتاريخ الرسول فإننا سنكتفي بذكر نماذج من ذلك على سبيل التمثيل لا الحصر:

ذكر ابن هشام(١) بصدد التحدث عن صد أبي طالب كفار قريش في صدر الدعوة الإسلامية عن البطش بالرسول أنه: (لما رأت قريش أن رسول الله لا يَعْتِبُهُمْ من شيء أَنْكَرُوهُ علَيه من فِرَاقِهِمْ وعَيْبِ آلهتهم ورأوا أن عمه أبا طالب قد حدب عليه وقام دونه فلم يسلمه لهم، مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب: عتبة، وشيبة ابنا ربيعة ابن عبد شمس، وأبو سفيان بن حرب بن أُمية. فقالوا: يا أبي طالب، إن ابن أخيك قد

____________________

(١) سيرة النبي محمد: ١ / ٢٧٦ - ٢٧٩.


سب آلهتنا وعاب ديننا. فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه فنكفيكه. فقال لهم أبو طالب قولاً رقيقاً وردهم رداً جميلاً، ثم إنهم مشوا له ثانية فردهم، ثم إن قريشاً حين عرفوا أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله، مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن مغيرة فقالوا: يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد: أنهد فتى في قريش وأجمله.... فخذه وأسلم إلينا ابن أخيك فقال: لبئس ما تسومونني! أتعطونني ابنكم أغذوه وأعطيكم ابني تقتلونه؟!).

وقال ابن سعد(١) : (لما توفِّي عبد المطلب قبض أبو طالب رسول الله.. وكان يحبه حباً شديداً لا يحبه ولده. وكان لا ينام إلا إلى جنبه ويخرج فيخرج معه. وصب به أبو طالب صبابة لم يصب مثلها بشيء قط).

ويذكر ابن الأثير(٢) في حديث عن موقف أبي طالب في حماية الرسول ضد قريش: أن قريشاً عندما رأت الإسلام يفشو ويزيد... وعاد إليهم عمرو بن العاص... من النجاشي بما يكرهون من منع المسلمين عنهم وأمنهم عنده، ائتمروا في أن يكتبوا بينهم كتاباً يتعاقدون على أن لا ينكحوا بني هاشم وبني المطلب ولا يبتاعوا منهم شيئاً. فكتبوا بذلك صحيفة ثم علّقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيداً لذلك الأمر على أنفسهم... فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثاً، فاعتزل الناس بني هاشم وبني المطلب، وأقام رسول الله (صلَّى الله عليه وسلَّم) وأبو طالب ومن معهما بالشعب ثلاث سنين) فأكلت الأرضة الصحيفة وأخبر النبي عمه بذلك (وكان أبو طالب لا يشك في قوله، فخرج من الشعب إلى الحرم فاجتمع الملأ من قريش) فأخبرهم أبو طالب أن الأرضة أكلت صحيفتهم... وأنشد:

و قد كان في أمر الصحيفة عبرة

متى ما يخبّر غائب القوم يعجب

محا الله منهم كفرهم و عقوقهم

وما نقموا من ناطق الحقّ معرب

فأصبح ما قالوا من الأمر باطلاً

ومن يختلق ما ليس بالحقّ يكذب

فلا عجب أن اشتد كفار قريش عليه بعد وفاة عمه أبي طالب حتى قال رسول الله

____________________

(١) الطبقات الكبرى: ١ / ١٠١.

(٢) الكامل في التاريخ: ٢ / ٥٩ - ٦٢.


(صلَّى الله عليه وآله وسلَّم):(ما نالت قريش شيئاً مني أكرهه حتى مات أبو طالب) (١) .

والخلاصة كما يقول ابن خلدون(٢) : (أن عبد المطلب جد النبي توفِّي بعد ولادته بثمان سنين، وعهد به إلى ابنه أبي طالب فأحسن ولايته وكفالته. وكان شأنه في رضاعه وشبابه ومرباه عجباً. وتولَّى حفظه وكلاءته من مفارقة أحوال الجاهلية وعصمته * من التلبس بشيء منها). ثم توفِّي (أبو طالب وخديجة، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين، فعظمت المصيبة وأقدم عليه سفهاء قريش بالإذاية والاستهزاء، وإلقاء القاذورة في مصلاه)(٣) .

ذلك ما يتعلق بأبي طالب وموقفه من الرسول ومن دعوته.

أما موقف السيدة فاطمة أم علي، فيتضح بما صنعه الرسول عند وفاتها حزناً عليها لما أبدته من عطف عليه وعلى رسالته. فقد تقدم رسول الله عند موت فاطمة بنت أسد زوج أبي طالب وأم علي وأسبق نساء العالمين إلى الإسلام بعد خديجة فألبسها فوق كفنها قميصه، ثم نزل إلى القبر فسواه بيده الكريمة فاضطجع إلى جوارها فيه)(٤) .

ذلك ما يتعلق بالبيت المشبع بالعطف على النبي والإيمان برسالته حيث نشأ ابن أبي طالب وترعرع متنقلاً بينه وبين بيت الرسول نفسه وفي كنف السيدة خديجة أم المؤمنين.

أما إذا نظر الباحث إلى مواقف الإمام نفسه في حماية الدعوة الإسلامية وصاحبها من مؤامرات كفار قريش، تلك المواقف التي دلت على كفاءته لتسلم خلافة الرسول بعد وفاته من جهة، والتي أهَّلته بدورها لتسنم ذلك المنصب الرفيع

____________________

(*) يذهب الشيعة الإمامية إلى أن عصمة النبي (ص) ذاتية (الناشر)

(١) ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ٢ / ٥٩ - ٦٣.

(٢) كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر: ٢ /١٧١.

(٣) المصدر نفسه: ٢ / ١٧٩، ١٨٠.

(٤) عبد الفتاح عبد المقصود، الإمام علي بن أبي طالب: ١ / ٧٠.


من جهة أخرى، فإنه يجد تلك المواقف المشرِّفة كثيرة العدد (تتزاحم بالمناكب وتتدافع بالراح) بحيث يصبح أمر الموازنة بينها (لاختيار بعضها للاستشهاد به) من أصعب الأمور. وقبل أن نتطرق إلى ذكر أهمها يجمل بنا أن نشير إلى الظروف الخاصة التي ربطت بين علي والإسلام من جهة، وبينه وبين النبي من جهة أخرى، وبقدر ما يتعلق الأمر بصلة الإسلام بعلي، أو صلة علي بالإسلام يمكننا أن نقول مع العقاد: (لقد ملأ الدين الجديد قلباً لم ينازعه فيه منازع من عقيدة سابقة، ولم يخالطه شوب بكدر صفائه ويرجع به إلى عقابيله، فبحق ما يقال: إن علياً كان المسلم الخالص على سجيته المثلى، وإن الدين الجديد لم يعرف قط أصدق إسلاماً منه ولا أعمق نفاذاً فيه)(١) .

فقد بُعث النبي على ما يقول الدكتور طه حسين: (وعلي عنده صبي فأسلم.. وظل بعد إسلامه في حجر النبي يعيش بينه وبين خديجة أم المؤمنين، وهو لم يعبد الأوثان قط.. فامتاز بين السابقين الأولين بأنه نشأ نشأة إسلامية خالصة. وامتاز كذلك بأنه نشأ في منزل الوحي بأدق معاني هذه الكلمة)(٢) .

أما الآثار العميقة التي تركتها هذه البيئة الإسلامية الصافية في الإمام، في عقله وقلبه ولسانه ويده، فتعتبر من أوليات الأمور المسلَّم بها عند الباحثين الحديثين في علم النفس وعلم الاجتماع.

وأما أروع مواقفه في نصرة الإسلام ونبيه وصدى ذلك عند الرسول وموقف الرسول منه، فيتجلى فيما يلي:

١ - في مبيته في فراش النبي يوم أزمع كفار قريش على قتله، الأمر الذي اضطره إلى الهجرة من مكة إلى المدينة. وفي معرض التحدث عن ذلك يقول ابن هشام: إن رسول الله أمر علياً قبل هجرته أن ينام على فراشه ويتسجّى ببرده الحضرمي الأخضر بعد أن أخبره بخروجه من مكة تفادياً لبطش كفار قريش. أي أن قريشاً - بعبارة أخرى - لما علمت (أن رسول الله قد صار له شيعة وأنصار من غيرهم.. وأنه مجمع على اللحاق بهم.. تشاوروا ما يصنعوه في أمره،

____________________

(١) العقاد، عبقرية الإمام: ١٣.

(٢) الفتنة الكبرى، ج ١ (عثمان بن عفان): ١٥١.


واجتمعت لذلك مشيختهم في دار الندوة: عتبة وشيبة وأبو سفيان من بني أُمية.. فتشاوروا في حبسه أو إخراجه عنهم، ثم اتفقوا على أن يتخيَّروا من كل قبيلة منهم فتى شاباً جلداً فيقتلونه جميعاً؛ فيتفرق دمه في القبائل ولا يقدر بنو عبد مناف على حرب جميعهم. واستعدوا لذلك من ليلتهم... فلما رأى أرصادهم على باب منزله، أمر علي بن أبي طالب أن ينام على فراشه ويتوشّح ببرده)(١) .

وقد أمر النبي علياً (أن يتخلَّف بعده بمكة حتى يؤدّي عنه الودائع التي كانت عنده للناس... فأقام علي بمكة ثلاث ليالٍ وأيامها حتى أدَّى عن رسول الله الودائع... حتى إذا فرغ منها لحق برسول الله)(٢) فقطع الإمام المسافة بين مكة والمدينة وحده ماشياً حتى ورمت قدماه(٣) .

٢ - مؤاخاة الرسول له حين آخى بين أصحابه من المهاجرين والأنصار حيث أخذ بيد علي بن أبي طالب وقال:هذا أخي (٤) .

٣ - في دفاعه عن الإسلام ونبيه أثناء حروبه ضد الكفار، وبخاصة في موقعة أُحد حيث تعرض الرسول ورسالته لأعظم محنة عسكرية... وقد ناول علي سيفه لفاطمة عند رجوعه من أحد قائلاً: (فوالله لقد صدقني اليوم.. كما صدق سهل بن حنيف سيفه كذلك على ما ذكر الرسول ، ثم أنشد يقول:

أفاطم هاك السيف غير ذميم

فلست برعديد و لا بمليم

لعمري لقد قاتلت في حب أحمد

و طاعة رب بالعباد رحيم‏

____________________

(١) ابن هشام، سيرة النبي محمد: ٢ / ٩٥.

(٢) ابن خلدون، كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر: ٢ / ١٨٧.

(٣) ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ٢ / ٧٥.

(٤) ابن هشام، سيرة النبي محمد: ٢ / ٩٥، ٩٨، ١١١.


وسيفي بكفي كالشهاب أهزه

أجذ به من عاتق وصميم (١)

٤ - في إرساله من قبل النبي إلى مكة عندما نزلت سورة براءة.. (حدَّثني محمد بن الحسين قال: حدَّثنا أحمد بن المفضَّل قال: حدثنا أسباط عن السدي قال: (لما نزلت هذه الآيات إلى رأس الأربعين، يعني من سورة براءة، فبعث بهن رسول الله مع أبي بكر وأمرّه على الحج، فلما صار فبلغ الشجرة من ذي الحليفة اتبعه بعلي فأخذها منه، فرجع أبو بكر إلى النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) فقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي انزل في شأني شيء؟ قال:لا، ولكن لا يبلِّغ عني غيري أو رجل مني... )(٢) .

٥ - في خروجه إلى اليمن مبعوثاً من قبل النبي (وكان أرسل قبله خالد بن الوليد إليهم يدعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوه، فأرسل النبي علياً وأمره أن يعقل خالداً ومن سار من أصحابه ففعل. وقرأ علي كتاباً من رسول الله على أهل اليمن، فأسلمت همدان كلها في يوم واحد...)(٣) .

٦ - في موقف النبي منه في غزوة تبوك حيث خلفه على أهله في المدينة عندما تخلف فيها عبد الله بن أُبي المنافق فيمن تبعه من أهل النفاق)(٤) . وقد قال الإمام أبو الحسن مسلم بن الحجاج في صحيحه(٥) :

____________________

(١) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ٣ / ١٥٤. المسعودي، مروج الذهب: ٢ / ٢٨٤.

(٢) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ٣ / ١٥٤.

(٣) ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ٢ / ٢٥.

(٤) ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ٢ / ٧٠.

(٥) صحيح مسلم: ٢ / ٣٢٣.


(حدَّثنا يحيى بن يحيى التميمي وأبو جعفر محمد بن الصباح وعبد الله القواريري وسريح بن يونس.. عن سعيد بن المسيب، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: قال رسول الله لعلي:أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي .

وحدثنا أبو بكر بن شيبة، عن سعد بن أبي وقاص قال: خلف رسول الله علياً في غزوة تبوك، فقال:يا رسول الله، تخلفني في النساء والصبيان؟ قال:أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبي بعدي ).

٧ - في موقف النبي منه في غزوة خيبر. قال الإمام مسلم في صحيحه: (حدَّثنا قتيبة بن سعيد... عن أبي هريرة، أن رسول الله (صلَّى الله عليه وسلَّم) قال يوم خيبر:لأعطين هذه الراية رجلاً يحب الله ورسوله ... قال عمر بن الخطاب: ما أحببت الإمارة ألا يومئذٍ. قال: فتساورت لها رجاء أن أدعى لها. قال: فدعا رسول الله (صلَّى الله عليه وسلَّم) علي بن أبي طالب فأعطاه إياها)(١) .

وهناك أمور أخرى تتصل بأهلية الإمام لتولي منصب الخلافة بعد وفاة الرسول مباشرة لا بد من ذكرها في هذه المناسبة:

أ - تفهمه جوهر الدين الإسلامي وإلمامه به من جميع أطرافه وإيمانه به إيماناً صافياً، بيده وقلبه ولسانه. فقد كان علي محظوظاً من دون الصحابة بخلوات كان يخلوها مع رسول الله (ص) لا يطلع أحد من الناس على ما يدور بينهما، وكان كثير السؤال للنبي عن معاني القرآن... وإذا لم يسأل ابتدأه النبي بالتعليم والتثقيف، ولم يكن أحد من أصحاب النبي كذلك، بل كانوا أقساماً، فمنهم من يهابه أن يسأله، وهم الذين يحبون أن يجيء الأعرابي أو الطارئ فيسأله وهم يستمعون.

____________________

(١) صحيح مسلم: ٢ / ٣٢٤.


ومنهم من كان بليداً بعيد الفهم قليل الهمة في النظر والبحث. ومنهم من كان مشغولاً عن طلب العلم وفهم المعاني إما بعبادة أو دنيا. ومنهم المبغض الشانئ الذي ليس للدين عنده من الموقع ما يضيع وقته بالسؤال عن دقائقه وغوامضه(١) .

ب - إشراك الرسول إياه في تنفيذ أوامره المهمة التي تتصل بجوهرة العقيدة الإسلامية، واعتماده عليه في المواقف الحاسمة من تاريخ التبشير بالدعوة الإسلامية، فكأن الرسول أراد بذلك تدريبه وتهئيته لتولي شئون المسلمين من بعده.

يقابل ذلك من الناحية الثانية أن الرسول لم يعهد لكبار الصحابة، وفي مقدمتهم أبو بكر وعمر، بأمثال تلك الأمور الخطيرة. ومما يؤيد وجاهة ما ذهبنا إليه أن أبا بكر قد قام أثناء خلافته بعمل مشابه لما ذكرنا فيما يتصل بعمر بن الخطاب الذي ولي الخلافة من بعده، فقد هيأه إلى تسنم كرسي الخلافة من بعده عن الطريق إيداعه له كثيراً من الأمور المهمة المتصلة بسياسة الدولة العليا.

ج - وهناك أمر ثالث يتصل بترشيح الرسول علياً للخلافة من بعده، ويتعلق هذا الأمر بقضية جيش أسامة. وتفصيل ذلك على ما يقول ابن سعد(٢) :

(ولما كان يوم الاثنين، لأربع ليالٍ بقين من صفر سنة إحدى عشرة من مهاجر رسول الله، أمر رسول الله بالتهيُّؤ لغزو الروم، فلما كان من الغد دعا أسامة بن زيد فقال:(سر إلى موضع مقتل أبيك فأوطئهم الخيل، فقد وليتك هذا الجيش، فأغر صباحاً على أهل ابني (٣) وحرِّق عليهم وأسْرِع السير وتسبق الأخبار، وإن ظفرك الله فأقلل اللبث فيهم وخذ معك الإدلاء وقدم العيون والطلائع أمامك) .

____________________

(١) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ٣ / ١٧ (طبعة مصر الأولى).

(٢) ابن سعد، الطبقات الكبرى: ٤ / ٣، ٤.

(٣) كذا وجدناه في المطبوع. [والصحيح: أُبْنَى (بالضم ثم السكون وفتح النون والقصر) على وزن فُعْلى كحُبْلَى. موضع بالشام من جهة البلقاء بفلسطين بين عسقلان والرملة. قال الحموي في معجم البلدان: وفي كتاب نصر: (أُبْنَى) قرية بمؤتة.شبكة الإمامين الحسنين (ع) ].


فلما كان يوم الأربعاء بدئ برسول الله فحم وصدع، فلما أصبح يوم الخميس عقد لأسامة لواءً بيده، ثم قال:(اغز باسم الله، في سبيل الله، فقاتل من كفر بالله) . فخرج بلوائه معقوداً فدفعه إلى بريدة بن الحصيب الأسلمي وعسكر بالجُرْف(١) مع وجوه المهاجرين والأنصار، فيهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة... فتكلَّم قوم وقالوا: أيستعمل هذا الغلام على المهاجرين الأولين؟ فغضب الرسول غضباً شديداً، فخرج وقد عصب على رأسه عصابة... فصعد المنبر... وقال:(أما بعد، أيها الناس! فما مقالة قد بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة، ولئن طعنتم في إمارة أسامة لقد طعنتم في إمارة أبيه من قبله. وايم الله، إن كان للإمارة لخليقاً، وإن ابنه من بعده لخليق للإمارة، إن كان لمن أحب الناس إلي وإنهما لمحلان لكل خير، فاستوصوا به خيراً فإنه من خياركم) .

ثم نزل فدخل بيته وذلك يوم السبت لعشر خلون من ربيع الأول... وثقل رسول الله وجعل يقول:(انفذوا بعث أسامة) .

فلما كان يوم الأحد اشتد برسول الله وجعه فدخل أسامة معسكره والنبي مغمور مغمى عليه.. فطأطأ أسامة فقبَّله ورسول الله لا يتكلم فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعها على أسامة، قال: فعرفت أنه يدعو لي، ورجع أسامة إلى معسكره فأمر الناس بالرحيل، فبينما هو يريد الركوب... توفِّي رسول الله... أي أن رسول الله قد بعث قبيل وفاته ببضعة أيام بعثاً إلى الشام وأميرهم أسامة بن زيد مولاه... وأوعب مع أسامة

____________________

(١) الجُرف (بالضم ثم السكون): محل بينه وبين المدينة ثلاثة أميال من ناحية الشام، قاله في: مراصد الاطلاع (طبعة عيسى الحلبي - القاهرة): ١ / ٣٢٦. (الناشر)


المهاجرون الأولون منهم أبو بكر وعمر. فبينما الناس على ذلك ابتدأ رسول الله مرضه... فتأخر مسير أسامة... فخرج النبي عاصباً رأسه من الصداع... وأمر بإنفاذ جيش أسامة... وخرج أسامة فضرب بالجُرف العسكر وتمهل الناس وثقل رسول الله... ولم تشغله شدة مرضه عن إنفاذ أمر الله) (١) أي أن الرسول عند رجوعه من حجة الوداع على ما يقول ابن خلدون(٢) : (ضرب على الناس... بعثاً إلى الشام وأمّر عليهم مولاه أسامة بن زيد بن حارثة، أمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم إلى الأردن من أرض فلسطين ومشارف الشام، فتجهَّز الناس وأوعب معه المهاجرون الأولون. فبينما الناس على ذلك ابتدأ رسول الله بشكواه التي قبضه الله فيها... وخرج رسول الله عاصباً رأسه من الصداع وقال:لقد بلغني أن أقواماً تكلموا في إمارة أسامة، إن يطعنوا في إمارته لقد طعنوا في إمارة أبيه من قبله، وإن كان أبوه لحقيقاً بالإمارة وإنه لحقيق بها. انفروا ).

غير أن جيش أسامة لم يصدع بأمر النبي على الرغم من إلحاح الرسول على تنفيذ أمره. وقد ذكر أسامة نفسه أنه: (لما ثقل رسول الله هبطت أنا ومن معي إلى المدينة فدخلنا عليه وقد اصمت(٣) فلا يتكلم، فجعل يرفع يده إلى السماء ثم يضعها عليّ فعلمت أنه يدعو لي)(٤) .

والغريب في الأمر هو: إلحاح الرسول على ضرورة مسير جيش أسامة إلى

____________________

(١) ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ٢ / ٢١٥.

(٢) العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر: ٢ / ٢٦٥.

(٣) هذا مخالف لرأي أكثر العامة والخاصة، لأنهم ذكروا أن النبي (ص) كان يتكلم إلى حين وفاته. (الناشر)

(٤) ابن الأثير، المصدر نفسه.


الوجهة التي وجهها إيّاه على الرغم من مرضه، وأعجب من ذلك هو تلكؤ القوم وتملصهم عن تنفيذ أمر النبي، فكأن هناك أمراً خفياً يتنازع عليه الطرفان. ترى لماذا ألح الرسول على إنفاذ الجيش في تلك اللحظة الحاسمة من حياته؟ لماذا وضع في الجيش كبار الصحابة وفي مقدمتهم أبو بكر وعمر واستثنى علي بن أبي طالب؟ ولماذا جعل أسامة قائداً للجيش رغم احتجاج كبار الصحابة؟ لماذا أحجم القوم عن تنفيذ أوامره؟ هل رغب الرسول في إخلاء الجو لعلي؟ وشعر القوم بذلك فأحجموا؟ تلك أسئلة محيرة دون شك.

ثم هل هناك من صلة بين مسألة جيش أسامة وبين رواية الدواة والقرطاس؟ ومما يجعل هذا الأمر المعقد أكثر تعقيداً، هو: أن الرسول قد فقد قدرته على النطق قبيل وفاته(١) وأثناء الانشغال بجيش أسامة، ولكن إشارته باليد إلى أسامة أبلغ وسيلة للتعبير عن رغبته في إنفاذ ذلك الجيش الذي لو نفذ لتغير مجرى التاريخ الإسلامي تغيراً كبيراً.

____________________

(١) راجع تعليقنا على هامش الصفحة المتقدمة من أن النبي (ص) لم يكن ليفقد قدرته على الكلام. (الناشر)


[ الفصل الثاني: ] حديث السقيفة.

أ - أبو بكر الصديق

وفي ضوء ما ذكرنا نستطيع أن نقول: إن علياً كان مهيئاً للخلافة بعد الرسول - هذا إذا نظرنا للخلافة من جوانبها الزمنية - وإن صلاته بالرسول وبالإسلام، وصلات الإسلام والرسول به، تؤهله لذلك.

ولو احتج المسلمون أثناء السقيفة بعد وفاة النبي: (أن علياً كان أقرب الناس إليه، وكان ربيبه، وكان خليفته على ودائعه، وكان أخاه، بحكم تلك المؤاخاة، وكان ختنه وأبا عقبه، وكان صاحب لوائه، وكان خليفته في أهله، وكانت منزلته منه بمنزلة هارون من موسى بنص الحديث عن النبي (ص) نفسه. لو قال المسلمون هذا كله واختاروا علياً بحكم هذا كله، لما ابعدوا ولا انحرفوا. وكان كل شيء يرشح علياً للخلافة... قرابته من النبي، وسابقته في الإسلام، ومكانته بين المسلمين، وحسن بلائه في سبيل الله، وسيرته التي لم تعرف العوج قط، وشدته في الدين، وفقهه بالكتاب والسنة، واستقامة رأيه)(١) .

وقد لخَّص ابن حجر العسقلاني أهم خصائص الإمام حين قال(٢) : (علي بن أبي طالب.. أول الناس إسلاماً في قول كثير من أهل العلم، ربى في حجر

____________________

(١) الدكتور طه حسين، الفتنة الكبرى، ج ١ (عثمان بن عفان): ١٥٢، ١٥٣.

(٢) الإصابة في تمييز الصحابة: ٢ / ٥٠١، ٥٠٢.


النبي ولم يفارقه، وشهد معه المشاهد إلا غزوة تبوك، فقال له بسبب تأخيره له بالمدينة:ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى... ، وكان لواؤه بيده في أكثر المشاهد. ولما آخى النبي أصحابه قال له:أنت أخي . ومناقبه كثيرة حتى قال الإمام أحمد بن حنبل: لم ينقل لأحد من الصحابة ما نقل لعلي. وقال غيره: كان سبب ذلك بغض بني أُمية له. فكان كل من كان عنده علم من شيء من مناقبه من الصحابة يثبته. وكلما أرادوا إخماده وهدّدوا من حدّث بما فيه لا يزداد إلاّ انتشاراً... ولم يزل بعد النبي متصدياً لنصرة العلم والفتيا... ومن خصائص علي قول الرسول يوم خيبر:لأدفعن الراية غداً إلى رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله... فدفعها لعلي. فقال عمر: ما أحببت الإمارة إلا ذلك اليوم.... وبعثه يقرأ براءة على قريش وقال:لا يذهب إلا رجل مني وأنا منه.. وقال:علي وليي في الدنيا والآخرة. وأخذ رداء فوضعه على علي وفاطمة وحسن وحسين، وقال:( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ... ) (١) . ولبس ثوبه ونام في مكانه، وكان المشركون قصدوا قتل النبي... وقال:أنت ولي كل مؤمن بعدي . وسد الأبواب إلا باب علي(٢) فيدخل المسجد جنباً، وهو طريقه، ليس له طريق غيره. وقال:من كنت مولاه فعلي مولاه.. ولما نزلت هذه الآية:( فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا

____________________

(١) الأحزاب: ٣٣.

(٢) حديث سد الأبواب الا باب علي. ذكره السمهودي في وفاء الوفاء. (الناشر)


وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ... ) (١) دعا رسول الله علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً، فقال:اللَّهُم هؤلاء أهلي... . وأخرج الترمذي بإسناد قوي عن عمران بن حصين في قصة قال فيها رسول الله:ما تريدون من علي؟ إن علياً مني وأنا من علي، وهو ولي كل مؤمن بعدي ).

فما الذي حال إذن دونه ودون ارتقاء منبر النبي بعد وفاته مباشرة؟

إن الإجابة على هذا السؤال تستلزم أن يتطرق الباحث إلى ذكر ظروف وفاة الرسول؛ وانشغال الإمام بتغسيله وتجهيزه ودفنه والصلاة عليه من جهة، وباجتماع الأنصار في سقيفة بني ساعدة وموقف عمر بن الخطاب من ذلك كله من جهة أخرى، وإلى قول ذكره عمر، على ما يظن، وتردد على ألسنة بعض القرشيين يتضمن كرههم أن تجتمع النبوة والخلافة للهاشميين.

وخلاصة الأمر: أن الرسول توفِّي في داره بالمدينة سنة ١١ هـ وانشغل علي بأمر تغسيله وتكفينه والصلاة عليه. وكان الجو السياسي خارج دار النبي آنذاك نشطاً مملوءاً بالمفاجآت والأحداث الجسام، وفي مقدمتها مسألة خليفة الرسول. اجتمع عمر بأبي عبيدة بمسجد المدينة وتشاورا في أمر الخلافة، واجتمع سعد بن عبادة بسقيفة بني ساعدة يشاور الأوس والخزرج في أمر الخلافة أيضاً. واجتمعت في أماكن شتى زمر أخرى تتحدث في هذا الأمر الخطير. على حين أن الإمام علياً قد لازم دار النبي، وكان منهمكاً بإعداد الجثمان لوضعه في مثواه الأخير، يساعده نفر من أهل البيت المفجوعين، ومنهم أبو بكر(٢) .

ومما يلفت النظر أن أبا بكر قد قدم من السُّنْح(٣) بعد أن بلغه خبر وفاة الرسول،

____________________

(١) آل عمران: ٦١.

(٢) أبو بكر لم يكن من المفجوعين بوفاة النبي (ص) ليساعد الإمام علي في إعداد جثمان الرسول في مثواه الأخير، وإنما دخل دار الرسول (ص) ليتطلع الأخبار ويدبر أمر الخلافة. راجع كتابنا: (مع رجال الفكر في القاهرة). (الناشر)

(٣) السُّنْح - بالضم، ثم السكون [وقيل: بضم أوله وثانيه، كما في "معجم ما استعجم"شبكة الإمامين الحسنين (ع) ]، وآخره حاء مهملة: إحدى محال المدينة، كان بها منزل أبي بكر، وهي منازل بني الحارث بن الخزرج، بعوالي المدينة. ابن عبد الحق البغدادي، مراصد الاطلاع: ٢ / ٧٤٥ (طبعة عيسى الحلبي - القاهرة). (الناشر)


فدخل دار النبي في حين أن عمر بن الخطاب قد بقي خارج الدار.

وفي زحمة تلك الظروف طرق باب دار النبي رجل أوفده ابن الخطاب يدعو أبا بكر لمقابلة عمر للتشاور معه في أمر عظيم، فخرج أبو بكر والتقى بصاحبه وسارا معا إلى السقيفة، حيث اجتمع الأوس والخزرج بسعد بن عبادة. استمر الإمام المفجوع منهمكاً في أمر الجثمان والألم يحز نفسه على وفاة الرسول. وساور العباس عم النبي قلق شديد يتصل بإرث النبي، وبالمهمة السرية التي قدم عمر متكتماً من أجلها للتداول مع أبي بكر دون سواه ممن في الدار، فهَمَّ بمبايعة الإمام، غير أن علياً رفض ذلك بشدة احتراماً لجلال الموقف الرهيب.. وتقدم أبو سفيان لمبايعة الإمام بالخلافة أيضاً فنهره... ثلاث مرات...

ويلوح للباحث أن اجتماع الأنصار بابن عبادة في السقيفة لم يكن في ابتدائه رامياً للاستئثار بتراث النبي بقدر ما كان رامياً لتقرير منزلتهم في العهد الجديد. ومهما يكن الأمر، فقد رافق اجتماع السقيفة شيء من التأزم والامتعاض، وبخاصة عندما حضره أبو بكر وأبو عبيدة بن الجرَّاح، غير أنه انتهى بمبايعة أبي بكر على الشكل المعروف.

وخلاصة ذلك(١) : أن الأنصار من الأوس والخزرج - وفيهم سعد بن عبادة الذي كان مريضاً حينذاك - قد اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة بعد وفاة الرسول مباشرة للتداول في تقرير مصيرهم في العهد الجديد، فقال سعد بن عبادة لبعض بنيه:

____________________

(١) هذه الخلاصة موجودة في أُمهات كتب التاريخ الإسلامي، وهي هنا ملخَّصة عن الطبري: "تاريخ الأمم والملوك ".


إنه لا يستطيع أن يُسمع المجتمعين صوته لمرضه، وأمره أن يتلقَّى منه قوله ويردده على مسامع الناس، فكان سعد يتكلم ويستمع إليه ابنه، ويرفع صوته بعد ذلك. قال سعد - يخاطب الحاضرين -: (إن لكم سابقة إلى الدين، وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب... إن رسول الله لبث في قومه بضع عشرة يدعوهم إلى عبادة الرحمن وخلع الأوثان، فما آمن من قومه إلا قليل، حتى أراد بكم خير الفضيلة وساق إليكم الكرامة وخصّكم بدينه، فكنتم أشد الناس على من تخلَّف عنه، وأثقلهم على عدوه من غيركم. ثم توفاه الله وهو عنكم راض.. فشدوا أيديكم بهذا الأمر فإنكم أحق الناس وأولاهم به).

وأتى الخبر عمر فأتى باب منزل النبي واستدعى أبا بكر - كما ذكرنا - وخرجا إلى السقيفة، وخطب أبو بكر في المجتمعين فقال: (إنَّا معاشر المسلمين المهاجرين أول الناس إسلاماً، ونحن عشيرة رسول الله.. وأنتم أنصار الله.. وإخواننا في كتاب الله وشركاؤنا في الدين، وفيما كنا فيه من خير فأنتم أحب الناس إلينا وأكرمهم علينا.. وأنتم المؤثرون على أنفسهم حين الخصاصة، وأحق الناس أن لا يكون انتقاض هذا واختلاطه على أيديكم، وأنا ادعوكم إلى أبي عبيدة أو عمر، فكلاهما قد رضيت لهذا وكلاهما أراه له أهلاً، فقال عمر وأبو عبيدة: ما ينبغي لأحد من الناس أن يكون فوقك.. فأنت أحق الناس بهذا الأمر.. فقام الحباب بن المنذر من الجموع فقال: (يا معاشر الأنصار، املكوا عليكم أيديكم.. والله ما عُبِد الله علانية إلا عندكم، فأنتم أهل الإيواء والنصرة، وإليكم كانت الهجرة.. فإن أبي هؤلاء، فمنا أمير ومنهم أمير).

فقال عمر: هيهات..

فلما رأى بشير بن سعد الخزرجي ما اجتمعت عليه الأنصار من تأمير سعد بن عبادة، وكان حاسداً له، وكان من سادات الخزرج، قام فقال:


(أيها الأنصار إنا وإن كنا ذوي سابقة فإنا لم نرد بجهادنا، وإسلامنا إلا رضا الله وطاعة نبينا.. إن محمداً رجل من قريش وقومه أحق بميراث أمره.. فاتقوا الله ولا تنازعوهم).

فقام أبو بكر وقال: (هذا عمر وأبو عبيدة، بايعوا أيهما شئتم، فقالا: (والله، لا نتولى هذا عليك.. ابسط يدك نبايعك). فلما بسط يده وذهبا يبايعانه.. سبقهما إليه بشير بن سعد فبايعه.. فناداه الحباب بن المنذر: (يا بشير، عُقَق‏ عَقاقِ؟! والله ما اضطرك إلى هذا الأمر إلا الحسد لابن عمك!).

ولما رأت الأوس أن رئيساً من رؤساء الخزرج قد بايع، قام أسيد بن حضير، وهو رئيس الأوس، فبايع حسداً لسعد أيضاً ومنافسة له أن يلي الأمة، فبايعت الأوس كلها لما بايع أسيد. وحمل سعد بن عبادة، وهو مريض، فأدخل إلى منزله فامتنع عن البيعة. ثم خرج إلى الشام فاغتيل في أواخر خلافة أبي بكر، وقد اتهم خالد بن الوليد بتدبير مؤامرة الاغتيال.

وبعد الانتهاء من ذلك قصد البراء بن عازب دار النبي وفيها جثمان الرسول وحوله علي وأهل بيته فخاطبهم قائلاً: (لقد شهدتُ أبا بكر بعد السقيفة بعيني: إلى يمينه عمر، وإلى يساره ابن الجراح، لا يمر بهم أحد ولا يمرون بأحد إلا قدموا يده - شاء أم أبى - فمسحوها على يد أبي بكر)(١) .

تلك قصة السقيفة، وهي قصة لا تخلو من أمور وأحداث تسترعي انتباه الباحثين

____________________

(١) عبد الفتاح عبد المقصود، الإمام علي بن أبي طالب: ١ / ١٤٩.


فمن يتصفح اجتماع السقيفة بدقة وإمعان ويتأمل النتيجة التي أدى إليها ذلك الاجتماع الذي أسفر عن ارتقاء أبي بكر منبر النبي، لا يسعه أن يغفل الدور الحاسم الذي لعبه عمر بن الخطاب في هذا الموضوع الخطير. ولا ندري لماذا أحجم ابن الخطاب عن دخول دار النبي والمساهمة في تهيئة الجثمان ووضعه في مثواه الأخير. ولماذا أحجم ثانية عن دخول الدار، حينما رأى اجتماع الأوس والخزرج في السقيفة، للاتصال مباشرة بأبي بكر؟ لماذا فضَّل عمر أن يمكث بباب دار النبي ويرسل شخصاً غيره يدعو أبا بكر ليقابله خارج الدار؟ ولماذا اقتصرت المشاورة على أبي بكر دون سواه من أهل البيت ومن أصحاب الرسول؟ هل كان وجود أبي بكر داخل دار النبي وبقاء عمر خارجها طليقاً يتصل ويفاوض، من الأمور التي وقعت مصادفة؟ أم كان موضوعاً وفق خطة معينة اتفق عليها الرجلان؟ هل بقي أبو بكر في دار النبي رقيباً على من فيها لضمان عدم مفارقتهم إياها ولمعرفة من يتصل بهم من الأشخاص الموجودين خارجها لتحديد هذا الاتصال في حالة حدوثه، أو لمنع حدوثه بمجرد وجوده هناك؟ هل هناك علاقة بين هذه الحادثة، وبين جيش أسامة وقضية الدواة والقرطاس؟ ما هي الأمور التي تم الاتفاق عليها بين عمر وابن الجراح عندما كانا يتناجيان في مسجد المدينة قبل أن يدعي إليهما أبو بكر؟ لماذا احتج أبو بكر على الأنصار بأفضلية المهاجرين؟ هل كان أبو بكر يعني المهاجرين إطلاقاً، أم الذين حضروا السقيفة - هو وعمر وأبو عبيدة - لكسب معركة الرئاسة؟ وإذا كان المهاجرين أولى بميراث النبي من غيرهم؛ لسابقتهم في الإسلام


ولكونهم عشيرة النبي على حد قول أبي بكر، أفلا يصبح الهاشميون أولى من قريش؟ وعلي أولى من الجميع؛ لأن مقياس الفضل - الذي وضعه أبو بكر في كلمته التي ذكرناها - كان ينحصر في السابقة إلى الإسلام وفي القرابة من النبي؟ لماذا رشَّح أبو بكر صاحبيه للخلافة دون سائر المهاجرين؟ ما حقه في ذلك الترشيح؟ ما أثر رضائه عن عمر وأبي عبيدة من الناحية الشرعية؟ ألم يكن باستطاعته أن يدعو الأنصار إلى مبايعة من يرتضونه من المهاجرين إذا كان لا بد من حصر الخلافة في المهاجرين؟ لماذا اقتصر ترشيحه على عمر وأبي عبيدة؟ ولماذا رفض عمر وأبو عبيدة هذا الترشيح؟ ورشَّحا أبا بكر؟ هل حدث ذلك صدفة أم أنه كان جارياً وفق اتفاق سابق؟ هل لتلك الأحداث علاقة بجيش أسامة وبمناجاة عمر وأبي عبيدة في مسجد المدينة؟ وباجتماعهما بأبي بكر أثناء المسير إلى السقيفة؟ أين كان المهاجرون الآخرون أثناء اجتماع السقيفة؟ هل حصل التنابز بين الأنصار، الأوس والخزرج، عفواً؟ أم كانت هناك أيادٍ خفية أثارته في تلك اللحظة الحاسمة من التاريخ؟ هل كان باستطاعة أبي بكر أو عمر أن يقترحا على الأنصار تأجيل البت في أمر الخلافة إلى ما بعد الانتهاء من دفن جثمان الرسول؟ هل لذلك صلة بحديث الدواة والقرطاس وبجيش أسامة؟... تلك أسئلة تسترعي انتباه الباحثين.

وعندي أن الإجابة عليها ذات صلة وثقى بشخصية عمر بن الخطاب (إن الذي يؤخذ على ابن الخطاب حقاً أنه دعا أبا بكر من دار النبي ولم يدع معه أحداً من آل الرسول.. وإنه وضع أبا بكر في كفة الترجيح دون مشورة رجل واحد غير أبي عبيدة ابن الجراح كأنه وكل بقلوب المسلمين يكشفها، وبألسنتهم يجري عليها الكلام رغم


تخلّفه عن كثيرين منهم وسبقهم عليه بالإسلام.. ولقد كانت في الرجل دفعة لا مراء، عرفت فيه إبان إسلامه وشركه.. استبدت به جاهليته ذات ليلة... فأقسم ليمشين إلى محمد فيقتله.. تلك كانت دفعة عمر عرفت فيه كبعض خُلقه، راضها الإسلام.. ولكنه لم يأت عليها.. حتى في حضرة الرسول كانت تملكه.. وكذلك كان يوم الحديبية.. فإن عمر لم يتحر مشورة رجل واحد من المسلمين قبل أن يبعث رسوله إلى دار النبي يدعوا صاحبه إليه.. لم يتحرَّ مشورة مسلم واحد في ترشيح الرجل الذي ستصير إليه قيادة الإسلام)(١) .

* * *

لقد مر بنا وصف مجمل للظروف التي أحاطت بوفاة الرسول وبيعة أبي بكر، وهناك أمر آخر يتعلق أشد التعلُّق بموضوع تحويل الخلافة عن علي أشار إليه الجاحظ فيما يتصل بموقف زعماء قريش من علي بعد وفاة الرسول لا بد من ذكره في هذه المناسبة.

فالإمام في حروبه مع النبي ضد قريش كان قد وترها كما يقول الجاحظ: (وسفك دماءها وكشف عن منابذها.. وليس الإسلام بمانع من بقاء الأحقاد في النفوس.. هب أنك كنت من سنتين أو ثلاث جاهلياً.. وقد قتل واحدٌ من المسلمين ابنك أو أخاك ثم أسلمت، أكان إسلامك يُذهب عنك ما تجده من بغض ذلك القاتل وشنآنه؟.. هذا إذا كان الإسلام صحيحاً.. لا كإسلام كثير من العرب - فبعضهم تقليداً، وبعضهم للطمع والكسب، وبعضهم خوفاً من السيف، وبعضهم عن طريق الحمية والانتصار لعداوة قوم آخرين من أضداد الإسلام وأعدائه. واعلم أن كل دم أراقه رسول الله بسيف علي وبسيف غيره فإن العرب بعد

____________________

(١) عبد الفتاح عبد المقصود، الإمام علي بن أبي طالب: ١ / ١٨٤.


وفاته عصبت تلك الدماء بعلي وحده، لأنه لم يكن في رهطه من يستحق في شرعتهم وعادتهم أن يعصب به تلك الدماء إلا علي وحده)(١) .

يتضح مما ذكرنا أن الذي حال بين علي والخلافة بعد وفاة الرسول مباشرة، إذا استثنينا النص على وصيته الذي يقول به فريق من المسلمين، ليس هو شيئاً متعلقاً بأهليته لتحمل مسئولية هذا المنصب الخطير، ولكنه كان، كما رأينا، نتاج ظروف اجتماعية خاصة نتجت عن انشغال الإمام بجثمان الرسول، وعن تنازع بعض كبار المهاجرين والأنصار للاستئثار بتراث الراحل العظيم.

ولو أنصف الناس حق الإنصاف لأرجئوا البيعة حتى يتم لهم مواراة جثمان الرسول.. كان ذلك أدنى إلى الصواب - إن لم يكن هو الصواب - أن يترك القوم من المهاجرين والأنصار لا يتنازعون سلطان محمد بينهم ومحمد ما زال مسجى على فراشه لم يغيبه عن عيونهم مثواه(٢) . ومهما يكن من الأمر فقد نحِّي الإمام علي عن الخلافة، ولكنه مع ذلك، تعاون مع أبي بكر بقلبه ولسانه ويده في جميع الأمور التي تتصل بجوهر الإسلام والمحافظة عليه، استمع إليه يقول:(أما بعد، فإن الله بعث محمداً نذيراً للعالمين.. فلما مضى، تنازع المسلمون الأمر بعده، فوالله ما كان يلقى في روعي ولا يخطر ببالي أن العرب تُزْعِجُ هذا الأمر من بعده عن أهل بيته، ولا أنهم منحّوه عني من بعده، فما راعني إلا انثيال الناس على فلان (٣) يبايعونه. فأمسكت بيدي حين رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام... فخشيت إن لم انصر الإسلام وأهله، أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم التي هي متاع أيام قلائل) (٤) .

____________________

(١) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ٣ / ٢٨٣ (طبعة أولى).

(٢) عبد الفتاح عبد المقصود، الإمام علي بن أبي طالب: ١ / ١٨٤.

(٣) كناية عن أبي بكر بن أبي قحافة.

(٤) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ٤ / ١٦٤: ١٦٥ (الطبعة الأولى - مصر).


ولم يختلف الإمام مع أبي بكر أو مع الذين جاءوا من بعده إلا في الأمور التي ساقه اجتهاده الشخصي إليها حرصاً على الإسلام كذلك. ويتجلى كبر نفس الإمام في هذا الباب إذا تذكَّرنا بعض المواقف الغليظة التي وقفها منه أبو بكر في صدر خلافته، ربما بتأثير من عمر، وبخاصة في قضية ميراث فدك: (فقد سبقت الشائعات خطوات ابن الخطاب وهو يسير إلى دار فاطمة... لطلب البيعة لأبي بكر. وهل على ألسنة الناس عقال يمنعها أن تروي قصة حطب أمر به ابن الخطاب فأحاط بدار فاطمة وفيها علي وصحبه!!(١) .

وخلاصة قصة فدك: قرية حجازية قريبة من المدينة، سكنها اليهود منذ زمن بعيد وعمّروها وزرعوها، وفي السنة السابعة للهجرة أعلن سكّانها خضوعهم للرسول - دون حرب - فأصبحت فدك خالصة للنبي من دون المسلمين وفق منطوق الآية الكريمة:( وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ ) (٢) ، وقد وهب الرسول فدك في حياته لابنته فاطمة - بعد أن غرس فيها بيده الكريمة إحدى عشرة نخلة، فكانت السيدة فاطمة هي التي تتصرف بفدك منذ أن وهبها لها أبوها حتى وفاته حيث انتزعها منها أبو بكر بعد توليته الخلافة مباشرة.

وقد أشار إلى ذلك الإمام في إحدى رسائله إلى عثمان بن حنيف حين قال:(بلى، كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء، فشحت بها نفوس قوم وسخت عنها نفوس آخرين...) (٣) .

____________________

(١) عبد الفتاح عبد المقصود، الإمام علي بن أبي طالب: ١ / ٢١٦.

(٢) الحشر: ٦.

(٣) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ٤ / ٧٨ (الطبعة الأولى - مصر).


فالسيدة فاطمة إذن تستحق ميراث فدك من ناحيتين، هما: الميراث، والنحلة. وكان على الخليفة، وقد ارتأى انتزاعها منها، أن يبقيها تحت تصرّفها مجاملة للرسول ولها، ويقترح - في حالة اختلافه معها - إنفاق بعض غلتها في وجوه الخير التي يتفق عليها الطرفان، هذا إذا سلَّمنا جدلاً بأنها لا ترث أباها، وأن النبي لم يهبها إياها في حياته.

كما كان على الخليفة كذلك، من الناحية القانونية العرفية، وقد قرَّر أن ينتزعها من السيدة، أن يستبقيها في يدها إلى أن يثبت له عدم أحقيتها بها. ومن الطريف أن نذكر قبل التصدي للبحث في طبيعة النزاع بين الزهراء وأبي بكر في قضية فدك، أن فدك بقيت بيد الخلفاء الراشدين، فلما استولى معاوية على الملك قسَّمها مثالثة بين: مروان بن الحكم وعمرو بن عثمان بن عفان ويزيد ابنه، وهو أمر على جانب كبير من الغرابة، غير أنها قد أصبحت خالصة لمروان في خلافته فوهبها لابنه عبد العزيز الذي وهبها بدوره لابنه عمر الذي ردها عند توليته الخلافة لأولاد فاطمة. وكان رده إياها، على ما يقول المؤرخون: أول ظلامة ردها، فلما ولى يزيد قبضها منهم فصارت في أيدي بني مروان، وبقيت كذلك إلى سقوط دولتهم. فلما جاء العباسيون ردها السفاح إلى أهلها، ثم قبضها المنصور، وردها ابنه المهدي، وقبضها الهادي والرشيد، وردها المأمون بعد أن ناظره في أمرها شيخ طاعن في السن، ثم قبضها المعتصم.. وبعد ذلك ضاعت معالمها على المؤرِّخين.

ويلوح مما ذكرنا أن فدك كانت وسيلة بيد الخليفة، إن شاء ردها لأهلها وإن شاء قبضها عنهم؛ وفق: مزاجه الخاص وحالته النفسية من جهة، وموقف الطالبيين في زمانه من الأحداث السياسية العامة في الدولة من جهة أخرى.


ولما كان إرجاع فدك إلى ورثة السيدة فاطمة قد حصل في عهد المأمون بشكل يدعو إلى التأمل، ويشير بصراحة، لا لبس فيها ولا غموض، إلى حق السيدة في فدك؛ لذلك نرى هنا إثباته بالشكل الذي ذكره البلاذري(١) : (ولما كانت سنة عشرة ومئتين، أمر المأمون.. برد فدك إلى ولد فاطمة، وكتب بذلك إلى قثم بن جعفر عامله على المدينة: أما بعد، فإن المؤمنين بمكانة من دين الله وخلافة رسوله والقرابة به أولى من استن سنته ونفذ أمره وسلّم لمن منحه منحة وتصدق عليه بصدقة منحته وصدقته. وقد كان رسول الله أعطى فاطمة بنت رسول الله فدكاً وتصدَّق بها عليها. وكان ذلك أمراً ظاهراً معروفاً لا اختلاف فيه.. فرأى أمير المؤمنين أن يردَّها إلى ورثتها ويسلمها إليهم تقرُّباً إلى الله بإقامة حقه وعدله، وإلى رسول الله بتنفيذ أمره وصدقته. فأمر بإثبات ذلك في دواوينه والكتابة به إلى عمّاله. فلئن كان ينادى في كل موسم بعد أن قبض الله رسوله: أن يذكر كل من كانت له صدقة أو عدة ذلك فيقبل قوله وينفذ عدته، أن فاطمة لأولى بأن يصدق قولها فيما جعل رسول الله لها. وقد كتب أمير المؤمنين إلى المبارك الطبري، مولى أمير المؤمنين، يأمره برد فدك على ورثة فاطمة بنت رسول الله بحدودها وجميع حقوقها المنسوبة إليها وما فيها من الرقيق والغلات وغير ذلك إلى: محمد بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ومحمد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب لتولية أمير المؤمنين إياهمها القيام بها لأهلها. فأعلم ذلك من رأى أمير المؤمنين وما ألهمه الله من طاعته ووفَّقه له من التقرُّب إليه وإلى رسوله واعلمه من قبلك.

____________________

(١) فتوح البلدان ص ٤٦، ٤٧.


وعامل محمد بن يحيى ومحمد بن عبد الله بما كنت تعامل به المبارك الطبري، وأعنهما على ما فيه عمارتها ومصلحتها ووفور غلاتها إن شاء الله. والسلام). وقد كتب ذلك في يوم الأربعاء لليلتين خلتا من ذي القعدة سنة ٢١٠ هـ.

وتصدي أبو بكر للرد على السيدة فاطمة(١) في موضوع فدك من (ناحية الميراث) إلى حديث انفرد بذكره على ما يبدو، هو:(نحن معاشر الأنبياء لا نورث. ما تركناه صدقة) . وقد انفرد أبو بكر كذلك بذكر حديث آخر عندما اختلف المسلمون في محل دفن النبي فقال: سمعت رسول الله يقول:(ما قبض نبي إلا ودفن حيث قبض) في حين أن التاريخ - على ما يذكر الطبري - يخبرنا أن الكثيرين من أنبياء بني إسرائيل قد دفنوا في غير الأماكن التي قبضوا فيها.

وقد استغربت السيدة من ذلك أشد الاستغراب، وكانت هي دون شك أولى من غيرها بسماعه؛ لأنه يخصها أكثر مما يخص أبي بكر. كما أن علياً لم يسمعه كذلك؛ بدليل أن فاطمة لم تخرج إلى أبي بكر مطالبة بميراثها من فدك إلا بعلم منه وإذن منه كذلك. ولا ندري لماذا همس الرسول بهذا الحديث إلى أبي بكر دون سائر المسلمين؟! وقبل أن يصبح أبو بكر طرفاً في النزاع على هذا الميراث الذي يتصل بفاطمة وبنيها أشد الاتصال!!

ومما يضعف هذا الحديث - بنظر فاطمة - أنه يتنافى هو وكثير من الآيات القرآنية الصريحة في هذا الباب.

____________________

(١) وقد امتعضت السيدة فاطمة من موقفه، ولم تكلمه إلى أن توفِّيت - بعد وفاة أبيها باثنتين وسبعين ليلة - وذكر البخاري في الصحيح أن النبي (صلَّى الله عليه وسلَّم) قال:فاطمة بضعة مني يغضبني ما يغضبها . (الناشر)


فقد جاء في ذكر الميراث بشكل مطلق، دون أن يُستثنى الأنبياء من ذلك، قوله تعالى في سورة النساء:( يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ) (١) . وجاء في ذكر الميراث الذي وقع بالفعل للأنبياء الذين سبقوا محمداً قوله تعالى في سورة النمل:( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ) (٢) . وخاطب زكريا ربه في سورة مريم( قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً ) (٣) .

لقد أشارت السيدة فاطمة إلى ذلك كله في مناقشتها لأبي بكر بمحضر جماعة من الصحابة، ثم ختمت محاورتها مع الخليفة قائلة:(فدونكها مخطومة مرحولة، تلقاك يوم حشرك... فنِعم الحكم الله... والموعد القيامة، وعند الساعة يخسر المبطلون... يا ابن أبي قحافة! أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي؟ ( لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيّاً ) ، أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء أظهركم؟ ألم تسمع قوله تعالى: ( وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ) ؟ أخصكم الله بآية أخرج أبي منها؟ أم تقولون: أهلي ملتين لا يتوارثان؟ أولستُ أنا وأبي من أهلي ملة واحدة؟ أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي؟

ولما رأت السيدة فاطمة أن الخليفة مصر على رأيه تركت الأمر وأعرضت عنه. ويلوح للباحث أن السيدة فاطمة كانت عارفة منذ البداية أن الخليفة سوف

____________________

(١) النساء ١١.

(٢) النمل ١٦.

(٣) مريم ٥، ٦.


لا يعيد لها فدك، وأنها ذهبت إليه لإلقاء الحجة عليه، ولعل ذلك راجع إلى أنها لم تعرف من حيث الأساس بشرعية خلافته، فالشخص الذي له القدرة والجرأة على سلب الخلافة من صاحبها الشرعي بنظرها لهو أقدر على سلب فدك وأمثالها!

إذا أمعن الباحث في الحديث الذي ذكره أبو بكر في ضوء سيرة الرسول بصورة عامة، أمكنه أن يقول: إن الرسول لم يستثن نفسه من الخضوع للقواعد العامة التي جاء بها الإسلام، فما عُرف عنه أنه قال: (نحن معاشر الأنبياء لا نصلى أو لا نصوم... إلخ) فكيف يعزل عن ميراث فدك وحده! فهل لقضية فدك جانب سياسي؟ هل قصد بذلك إخضاع السيدة فاطمة وزوجها لأوامر الخليفة لإرغامها على الاعتراف بخلافته التي قابلاها بالصدود والامتعاض؟ وهل لهذا الموضوع جانب اقتصادي؟ هل قصد بذلك حرمان علي من التمتع بواردات فدك، وهي مورده الوحيد؛لكيلا يصبح مكتفياً من الناحية الاقتصادية وليصرفه ذلك عن المطالبة بالخلافة؟ هل لموضوع فدك جانب مالي يتصل بوضع الدولة الإسلامية آنذاك وحاجتها إلى المال لمواجهة الذين اتهموا بالارتداد عن دفع الزكاة؟ هل لقضية فدك جانب معنوي يتعلق بمحاولة تضعيف موقف آل النبي عند عامة المسلمين، فيقال: إن النبي قد حرمهم كل شيء حتى ميراثه من فدك، فتضعف حجتهم بالمطالبة بالخلافة؟ هل لموضوع فدك أكثر من عامل واحد؟ ثم لماذا وضع الرسول - إن صح الحديث الذي استشهد به الخليفة - صيغته بهذا الشكل من الإطلاق بحيث جعله يشمل معاشر الأنبياء كافة؟ ما الهدف الذي كان يرمي إليه الرسول من هذا الحديث؟ هل كان يخشى أن تتصرف السيدة فاطمة بعوائد فدك في غير أوجهها السليمة؟! وإذا كان الأمر كذلك فلماذا وضعها تحت تصرفها في حياته؟


ويجمل بنا قبل أن نتصدى لبحث فدك من (ناحية النحلة) أن ننبه القارئ إلى أننا عثرنا على نقاش رائع من حيث الفكرة والأسلوب حصل بين قاضي القضاة والشريف المرتضى ذكره ابن أبي الحديد(١) الأول: ينفي أن يورِّث الأنبياء، والثاني: يثبته. يدلل الأول على رأيه بأن ما ورد في القرآن لا يتضمن إلا وراثة العلم والفضل. ويبرهن الثاني على أن الإرث يتضمن المال والعقار أو لا، ومن ثم العلم والفضل من باب التجوز؛ وأن كلمة ميراث في اللغة وما يتصل بها من المشتقات تعني ميراث الأمور المعنوية من باب التجوز والاتساع، وأن الدلالة إذا دلت في بعض الألفاظ على معنى المجاز فلا يجب أن يقتصر عليه، بل يجب أن نحمل معناها على الحقيقة التي هي الأصل إذا لم يمنع من ذلك مانع. وإذا فرضنا جدلاً أن الميراث يقتصر على العلم والفضل ألا يكون آل النبي، بحكم ذلك الميراث، أولى من غيرهم بالخلافة!

ذلك ما يتصل بموضوع فدك من(ناحية الميراث) .

أما ما يتصل به من(ناحية النحلة) ، فقد ذكرت السيدة فاطمة لأبي بكر أن رسول الله قد وهبها فدك، فطلب الخليفة منها البينة على ذلك، فقدَّمت له علياً، وأم أيمن - مربية الرسول - فلم يلتفت إلى ذلك وبدا كالمتشكك في شهادة سيدة، قمين بأبي بكر أن يسمو بها عن التشكك(٢) ؛ فليس من المتوقع أن تكذب السيدة فاطمة على أبيها بعد موته بعشرة أيام فقط، وفي مسألة تافهة كفدك، أو أن تكذب أم أيمن العجوز الجليلة التي رافقت الرسول من المهد إلى اللحد، أم أيمن التي خرجت مهاجرة إلى رسول الله من مكة إلى المدينة وهي ماشية وليس معها زاد، أم أيمن زوج زيد بن حارثة مولى النبي وأم أسامة بن زيد!! أو أن يكذب ابن أبي طالب!!

____________________

(١) شرح نهج البلاغة: ٤ / ٧٨ - ١٠٣.

(٢) عبد الفتاح عبد المقصود، الإمام علي بن أبي طالب: ١ / ٢١٦.


ولا ندري كيف فات أبا بكر أن يتذكر أن الله قد أنزل قرآناً في علي وفاطمة وأذهب عنهما الرجس(١) .

وقد كان المتوقع أن يكتفي الخليفة برواية فاطمة وحدها كما اكتفى أبوها قبل ذلك حين نازعه أعرابي في ناقة ادعى كل منهما أنها ناقته. فشهد خزيمة بن ثابت للرسول فأجاز شهادته وجعلها شهادتين؛ فسمى: ذا الشهادتين، ولكن موضوع السيدة فاطمة - مع هذا - لا يحتاج إلى شهود ذلك؛ لأنها روت رواية عن أبيها، كما روى أبو بكر رواية أخرى. وأن السيدة فاطمة لم تطلب منه البينة على ما ادعاه على الرغم من شكها في صحته.

أما الشهود فموقعهم في الدعوى:

استمع إلى قوله تعالى في سورة البقرة:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ... وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ ) (٢) . والحجة التي نستند إليها في أهمية شهادة فاطمة أن موقفها عند الرسول - من حيث صدقها - لا يقل، على أسوأ الفروض، عن موقع خزيمة بن ثابت. ويصدق الشيء نفسه على أم أيمن، وابن أبي طالب الذي لم يعرف عنه قط إلا اتباع الحق وقول الصدق. فموقف أبي بكر غريب في بابه: وأغرب منه أنه ترك سيف رسول الله ونعله وعمامته في يد علي على سبيل النحلة، بغير بينة ظهرت ولا شهادة قامت. كما أنه لم ينتزع من علي الخاتم والسيف اللذين وهبهما له النبي أثناء مرضه. ولم يطالب كذلك بثياب الرسول التي مات فيها فأخذتها فاطمة بعد موته، ولا بحجر رسول الله التي بقيت بيد نسائه.

____________________

(١) الأحزاب: ٣٣.

(٢) البقرة: ٢٨٢.


ولم يطلب أبو بكر من جابر - على رواية البخاري(١) - البينة على دعواه حين زعم أن رسول الله وعده بإعطائه مقداراً معيناً من المال، بل سلَّمه إياه عند ما ورده مال من قبل العلاء بن الحضرمي.

كما أن أبا بكر أيضاً لم يطلب البينة - عندما قَدِم عليه مال من البحرين - من أبي بشير المازني حين ادعى أن النبي قال له:إذا جاءنا شيء فائتنا ، وإنما دفع له حفنتين أو ثلاثاً من ذلك المال.

وإذا كان النبي لا يُورِّث، وما تركه صدقة، فكيف يجوز أن يوارى جثمانه في الحجرة التي كانت تسكنها زوجته عائشة بنت الخليفة؟ لأن تلك الحجرة قد أصبحت صدقة بعد وفاة الرسول مباشرة بحكم ذلك الحديث.

ثم كيف نوفِّق بين ذلك الحديث وبين الحديث الآخر الذي انفرد بذكره أبو بكر القائل بأن الأنبياء يدفنون حيث يُقبضون؟ أفي الحديث ناسخ ومنسوخ؟ ثم كيف نفّذ الخليفة محتويات (الحديثين) على تناقضهما؟ وبقدر ما يتعلق الأمر بالحديث الثاني يمكننا أن نقول: إن النبي يموت في أحد موضعين: ما كان يملكه قبل وفاته! وما كان يملكه غيره من الناس. ولا يجوز أن يدفن جثمانه في المحل الأول لأنه أصبح صدقة على رواية أبي بكر عن النبي، كما لا يجوز دفنه في المحل الثاني لأن ملكيته عائدة لغيره. كيف السبيل إلى الخروج من هذا المأزق الحرج؟ ثم كيف جاز لأبي بكر نفسه أن يطلب بدفن جثمانه قرب النبي؟ في أرض لا حق له بها من الناحية الشرعية؟وإذا كان دفن جثمان النبي على الشكل الذي ذكرناه مستنداً إلى الحديث الذي ذكره أبو بكر، فإلى أي حديث يستند أبو بكر في طلب دفنه بجوار النبي؟ هل قال النبي: يدفن الخليفة الأول قريباً مني؟

____________________

(١) صحيح البخاري: ٣ / ١٨٠.


كل ذلك غريب في بابه، وأغرب منه أن كثيراً من المفسرين قد تكلّفوا فيما بعد تفسير آيات الميراث، فزعموا للرد على من طعن بصحة الحديث بأن الوراثة المذكور في القرآن مقصورة على العلم والفضل، دون سائر الأمور. ولسنا نعلم كيف يورث العلم والفضل، وهو أمر يخالف ما ألفه الناس من قديم الزمان، ويتعارض مع أبسط مبادئ علم النفس وعلم الاجتماع؟

وأغرب من ذلك كله أن الخليفة يحرم السيدة فاطمة ميراث فدك ليطبق الحديث الذي انفرد بذكره، في الوقت الذي يخالف فيه حديثاً آخر أجمع الرواة على صحته باعتراف أبي بكر نفسه:(فاطمة بضعة مني، من آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله) (١) . ولا ندري - بالإضافة إلى كل ما ذكرنا - كيف فات أبا بكر أن يتذكر موقف الرسول من أبي العاص بن الربيع زوج زينب بنت خديجة زوج النبي حين أسر في بدر مع المشركين.. وإلى القارئ تلك القصة على رواها ابن الأثير(٢) :

(وكان في الأُسآرى أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس زوج زينب بنت خديجة(٣) .

____________________

(١) أخرجه البخاري في صحيحه. (الناشر)

(٢) الكامل في التاريخ: ٢ / ٩٣ - ٩٥.

(٣) وأمه هالة بنت خويلد أخت خديجة زوج رسول الله، فسألته أن يزوجه زينب ففعل قبل أن يوحى إليه، فلما أوحى إليه آمنت به زينب وبقى أبو العاص مشركاً، ولم يستطع الرسول في بادئ الأمر أن يفعل شيئاً تجاه زينب المسلمة أو زوجها المشرك. فلما هاجر إلى المدينة ووقعت بدر وأسر أبو العاص وأطلق سراحه كما ذكرنا، أخبر النبيَ بأنه سوف يرسل إليه زينب إلى المدينة، فأرسل الرسول زيد بن حارثة مولاه ورجلاً آخر من الأنصار ليصحبا زينب من مكة. فلما قدم أبو العاص أمرها باللحاق بالنبي ففعلت ذلك.


فلما بعثت قريش في فداء الأُسآرى، بعثت زينب بفداء أبي العاص زوجها بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها معها، فلما رآها رسول الله رق لها رقة شديدة، وقال:إن رأيتم أن تطلقوا أسيرها وتردّوا عليها الذي لها فافعلوا ، فأطلقوا لها أسيرها وردوا القلادة... فلما كان قبل الفتح خرج أبو العاص تاجراً إلى الشام بأمواله وأموال رجال قريش. فلما عاد لقيته سرية لرسول الله فأخذوا ما معه وهرب منهم، فلما كان الليل أتى إلى المدينة فدخل على زينب. فلما كان الصبح خرج رسول الله إلى الصلاة فنادت زينب من صفة النساء: (أيها الناس، إني قد أجرت أبا العاص.. فقال رسول الله:إن رأيتم أن تردوا عليه الذي له فإنا نحب ذلك، وإذا أبيتم فهو فيء الله الذي أفاء عليكم وأنتم أحق به. قالوا: يا رسول الله نرده عليه، فردوا ماله كله حتى الشظاظ)(١) .

نقول: ألم يكن باستطاعة أبي بكر - في حالة التسليم معه بأن السيدة فاطمة لا ترث أبيها، وأن النبي لم يهب فدكاً لها - أن يتخذ موقفاً كهذا الذي أشرنا إليه؟ مع وجود الفارق الكبير بين الحالتين، فقد وهب المسلمون حقهم لأبي العاص المشرك، وكانوا - دون شك - على استعداد تام لوهب حقوقهم - في حالة التسليم بصحة الإجراءات التي اتخذها الخليفة - إلى ابنة الرسول. ألم يكن تصرّف الرسول مع أبي العاص - في الحالتين - سنة! فهل يعتبر ترك أبي بكر لها - في هذه الحالة - منسجما مع السنة!!

____________________

(١) شظاظ على وزن كتاب، وهو: خشبة عقفاء تجعل في عروتي الجولقين.


ب - عمر بن الخطاب

(أما والله لقد تقمَّصها (١) ابن أبي قحافة، وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى.. فسدلت دونها ثوباً.. حتى إذا مضى الأول لسبيله فأدلى بها إلى ابن الخطاب بعده.. فصبرت على طول المدة وشدة المحنة.. فواعجباً بينما هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته، لَشَدَّ ما تشَطَّرَا ضرْعَيْها).

وهكذا كان! انتقلت الخلافة التي تسلمها أبو بكر بجهود عمر - كما ذكرنا في حديث السقيفة - إلى عمر نفسه بعد وفاة صاحبه. وقبل أن يوصى أبو بكر بالخلافة من بعده لعمر، استدعى قبل وفاته عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان لاستشارتهما في موضوع تخليفه عمر بن الخطاب، فسألهما رأيهما في عمر:

فكان جواب الأول: أن عمر (أفضل من رأيك فيه)(٢) مع العلم أن عمر كان يحتل المركز الأول

____________________

(١) تقمَّصها: جعلها كالقميص مشتملة عليه، والضمير للخلافة، ولم يذكرها للعلم بها... فسدلتُ: أرخيتُ... ومضى لسبيله: مات... وقوله:(فأدلى بها) من قوله تعالى:( وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ ) (البقرة: ١٨٨) أي تدفعوها إليهم رشوة. وأصلها من أدلت الدلو في البئر أرسلتها... كان علي يرى العدول عنه إلى غيره إخراج لها إلى غير جهة الاستحقاق... من باب الاستعارة. ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ١ / ٥٠ - ٦٧ (الطبعة الأولى).

(٢) عبد الفتاح عبد المقصود، الإمام علي بن أبي طالب: ١ / ٢٣٩.


عند أبي بكر، فكيف به إذا كان أحسن من رأى أبي بكر فيه!؟

وكان جواب الثاني: (أن سريرته خير من علانيته، وأن ليس فينا مثله)(١) .

ولا ندري فيما إذا كان الرجلان يؤمنان حقاً بما قالاه، أم أنهما عرفا اتجاه الخليفة فجاملاه، وعلى أي حال فقد أمر أبو بكر عثمان أن يكتب عهده لعمر كما هو معروف.

ويذكر المؤرخون أن أبا بكر عندما كان يملي عهده لابن الخطاب على عثمان أغمى عليه قبل أن يذكر اسم ابن الخطاب، وأن عثمان وضعه من نفسه! مستدلاً على ذلك من الاتجاه العام لمجرى الأمور. فلما أفاق أبو بكر، قرأ العهد عثمان عليه، فأقره واستحسنه.

ولسنا نعلم كيف أجاز عثمان لنفسه ذلك؟ أينسجم ذلك العمل مع أوليات مبدأ الأمانة؟ ولو فرضنا أن أبا بكر قد توفِّي أثناء تلك الإغماءة، فهل يجوز اعتبار العهد سليماً من الناحية الشرعية؟ ولا ندري لماذا استشار أبو بكر عبدَ الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان دون سائر الصحابة، ولماذا فكّر أبو بكر في أمر الخلافة بعده من الناحية المبدئية العامة - بغض النظر عن تولية عمر بالذات - في حين أن الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، من وجهة نظر أبي بكر، لم يفكِّر في هذا الأمر؟

وإذا كانت مصلحة المسلمين تستلزم ذلك، فهل يكون أبو بكر أحرص من النبي (صلَّى الله عليه وسلَّم) عليها، وإذا كان ترك الرسول أمر الخلافة من بعده للمسلمين أنفسهم - حسب وجهة نظر بعض المسلمين - سنة، فهل إيصاء أبي بكر لعمر يتفق مع السنة؟

ثم لماذا سأل أبو بكر: عبد الرحمن وعثمان عن رأيهما في عمر بالذات دون سواه من المسلمين؟ والشيء الذي لا يرقى إليه الشك هو:

____________________

(١) عبد الفتاح عبد المقصود، الإمام علي بن أبي طالب: ١ / ٢٤٠.


(أن أبا بكر رأى لعمر عليه حقاً حين استخلفه.. ولكن الأسلوب الذي انتهجه عند الاختيار كان أسلوباً يستطاع وسمه بالهنات والأخطاء! فإن الشيخ لم يتناول الأمر بالصراحة الواجبة، بل بدأ كأنه اضمر التثبيت، وشاء تدبيره على غير علم من آل بيت الرسول، ووقع بهذا في الخطأ الذي وقع فيه عمر من قبل عند وفاة الرسول.. اسقط أبو بكر من حسابه (علياً)، الذي كان أولى بالرعاية وبالحساب من سواه)(١) .

ومما يلفت النظر في الأمر حقاً، كما سلف أن ذكرنا، أن أبا بكر الذي كان يذهب مذهب القائلين بأن النبي ترك أمر الخلافة من بعده للمسلمين قد أوصى بالخلافة من بعده لعمر!؟

* * *

(حتى إذا مضى الثاني لسبيله جعلها في جماعة زعم أني أحدهم.. فيا لله وللشورى! متى اعترض الريب فيَّ مع الأول منهم حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر!!) (٢) .

قال عمر بن ميمون الأسدي، على ما يذكر ابن الأثير(٣) : (لما طُعن عمر بن الخطاب(٤) قيل له: يا أمير المؤمنين، لو استخلفت؟ فقال:

____________________

(١) عبد الفتاح عبد المقصود، الإمام علي بن أبي طالب: ١ / ٢٣٨.

(٢) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ١ / ٥٠ - ٦٧ (الطبعة الأولى).

(٣) الكامل في التاريخ: ٣ / ٣٤.

(٤) وإلى القارئ ما ذكره ابن خلدون في مسألة مصرع الخليفة الثاني (كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومَن عاصرهم من ذوى السلطان الأكبر: ٢ / ٣٦٢) (كان للمغيرة بن شعبة مولى من نصارى العجم اسمه أبو لؤلؤة، وكان يشدد عليه في الخراج، فلقى يوماً عمر في السوق فشكا إليه وقال: أعدني على المغيرة؛ فإنه يثقل عليّ في الخراج درهمين في كل يوم، قال: وما صناعتك؟ قال: نجار، حداد، نقاش، فقال: ليس ذلك بالكثير على هذه الصنائع.. وقد بلغني أنك تقول: أصنع رحى =


من استخلف؟ لو كان أبو عبيدة حياً لاستخلفته، وقلت لربي إنْ سألني: سمعت نبيك يقول: إنه أمين هذه الأمة. ولو كان سالم مولى حذيفة حياً لاستخلفته وقلت لربي إنْ سألني: سمعت نبيك يقول: (إن سالماً شديد الحب لله).

وعندي لو أن أبا عبيدة كان حياً لاستخلفه عمر، لا لكونه (أمين هذه الأمة) على حد تعبير ابن الخطاب، ولكن لأنه كان ثالث أصحاب السقيفة، ولتأخَّر بذلك استخلاف عثمان بن عفان، ولأصبح الخلفاء الراشدون خمسة - في حالة وصول الخلافة لعلي - وجريان الأحداث في عهد عثمان (الخليفة الرابع) على الشكل الذي جرت عليه في عهده وهو (الخليفة الثالث).

ولا ندري ما الذي حال بين عمر وبين دفع الخلافة إلى أبي عبيدة بعد وفاة الرسول مادام قد سمع قول النبي الآنف الذكر! وأن يقترح على الأنصار في السقيفة أن يحوِّلوا الخلافة إلى ابن الجرَّاح، أو إلى سالم!! أو أن يقول لأبي بكر آنذاك حين طلب من الأنصار أن يبايعوا عمراً أو أبا عبيدة: إننا نبايع أبا عبيدة أو سالماً لأن الرسول قال فيهما كذا وكذا!! ولماذا بايع ابن الخطاب أبا بكر بالخلافة دون أن يقول فيه الرسول ما قاله في أبي عبيدة أو في سالم؟ ولماذا لم يقترح عمر على أبي بكر أن يسلِّم الخلافة من بعده إلى أبي عبيدة بدلاً من عمر نفسه؟(١)

____________________

= تطحن بالريح، فاصنع لي رحى، قال: أصنع لك رحى يتحدث الناس بها. وانصرف. فقال عمر: توعَّدني العلج!! فلما أصبح الصباح خرج عمر إلى الصلاة... ودخل أبو لؤلؤة وبيده الخنجر، فضرب عمر).

(١) لأن سالماً قتل في أوائل خلافة أبي بكر أثناء حرب الذين اتهموا بالامتناع عن أداء الزكاة.


وإذا كانت شروط الخلافة لا تخرج عن توافر حب الشخص لله أو كونه أمين هذه الأمة بشهادة الرسول فعلي بن أبي طالب أولى من غيره؛ فكيف غاب عن ذهن عمر قول رسول الله يوم خيبر على ما ذكره الإمام مسلم في صحيحه(١) :(لأعطين هذه الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله...) وتسليمه الراية لعلي؟

ومهما يكن من شيء فقد استدعى عمر بن الخطاب قبيل وفاته علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وسعد بن أبي وقَّاص وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام، وقال لهم: (إذا مت تشاوروا ثلاثة أيام، وليصلِّ بالناس صهيب، ولا يأتين اليوم الرابع إلاَّ وعليكم أمير منكم، وليحضر عبد الله بن عمر مشيراً.. وطلحة بن عبيد الله(٢) شريككم في الأمر. فإن قدم الثلاثة فاحضروه أمركم. وقال لأبي طلحة الأنصاري: اختر خمسين رجلاً من الأنصار فاستحث هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلاً منهم. وقال للمقداد بن الأسود: إذا وضعتموني في حفرتي(٣) فاجمع هؤلاء الرهط في بيت حتى يختاروا رجلاً منهم.. فإن اجتمع خمسة وأبى واحد فاشرخ رأسه بالسيف. وإن اتفق أربعة وأبى اثنان فاضرب رءوسهما. وإن رضى ثلاثة رجلاً وثلاثة رجلاً، فحكِّموا عبد الله بن عمر، فإن لم يرضوا فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف(٤) واقتلوا الباقين إن رغبوا عما اجتمع عليه الناس.

فلما مات عمر وأخرجت جنازته صلَّى عليه صهيب، فلما دفن جمع المقداد أصحاب

____________________

(١) صحيح مسلم ٢ / ٢٢٤.

(٢) وكان غائبا عن المدينة آنذاك.

(٣) تذكر ان جثمان الرسول لم يوضع في حفرته وعقد اجتماع السقيفة المشهور.

(٤) تذكر شهادة عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان عند أبي بكر بشأن استخلافه عمر، وما صنعه عثمان عند كتابته عهد أبي بكر لعمر.


الشورى... وطلحة غائب... فقال عبد الرحمن: أيكم يخرج منها نفسه.. على أن يوليها أفضلكم؟ فلم يجبه أحد، فقال: فأنا أنخلع منها، فقال عثمان: أنا أول من رضى، وقال القوم: قد رضينا، وعلي ساكت، فقال: ما تقول يا أبا الحسن؟ قال:أعطني موثقاً لتؤثرن الحق، ولا تتبع الهوى، ولا تخص ذا رحم، ولا تألوا الأمة نصحاً (١) فأعطاه الموثق المطلوب(٢) .

وبعد نقاش طويل بين الحاضرين نظر ابن عوف إلى علي بن أبي طالب وقال: (أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله وسيرة الشيخين أبي بكر وعمر، فقال علي:بل على كتاب الله وسنة رسوله واجتهاد رأيي . فعدل عنه إلى عثمان، فعرض عليه ذلك، فقال: نعم، فعاد على علي. فأعاد قوله... فعل ذلك عبد الرحمن ثلاثاً. فلما رأى علياً غير راجع عما قاله، وأن عثمان ينعم بالإجابة، صفق على يد عثمان وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين.. ويقال: إن علياً قال:والله ما فعلتها إلا لأنك رجوت منه ما رجا صاحبكما من صاحبه (٣) .

____________________

(١) ابن الأثير (الكامل في التاريخ:) ٣ / ٣٥، ٣٦.

(٢) وما أكثر إعطاء المواثيق في أمثال هذه الأمور الخطيرة لغرض الحصول على الغاية المرجوة. ومن ثم يبدأ التسويف والمماطلة والانحراف، وما أكثر الذين يدفعهم إيمانهم الخالص إلى وضع تلك المواثيق ظناً منهم أنهم ما داموا لا يستطيعون أن يخرجوا عليها فإن غيرهم لا يستطيع أيضاً أن يخرج عليها.

(٣) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ١ / ٥٠ - ٦٧ (الطبعة الأولى). ويظهر من كلام الإمام (عليه السلام) أن اتفاقاً سابقاً كان بين أبي بكر وعمر حول تولِّي الخلافة (الناشر)


فهل فعل ذلك عبد الرحمن عفواً أم أنه أمرٌ مبيَّت قبل الاجتماع؟! أليس القصد من وضعه شرط اتّباع سيرة الشيخين يتضمن سلفاً إخراج علي من الموضوع. على أن موضوع الشورى مع هذا يحتاج إلى مناقشة وتدقيق.

وقبل أن نتصدى لمناقشته يجمل بنا أن نشير إلى الأمرين التاليين:

١ - ذكر الطبري(١) رواية تتعلق بتصريح لعمر بن الخطاب أثناء انشغاله في قضية الشورى فحواه: أن عمر لما طُعن ورفض أمر الاستخلاف، وندم على وفاة أبي عبيدة وسالم كما ذكرنا، قال لبعض عائديه من الصحابة وفيهم علي - قبل تعيين رهط الشورى - (إني كنت قد أجمعت قبل مقالتي لكم أن أنظر فأولِّي رجلاً أمركم هو أحراكم أن يحملكم على الحق - وأشار إلى علي -

ورهقتني غشية فرأيت رجلاً دخل جنة ثم غرسها، فجعل يقطف كل غضة ويانعة فيضمه إليه ويصيره تحته، فعلمت أن الله غالب على أمره ومتوفٍ عمر، فما أريد أن أتحملها حياً وميتاً.

عليكم هؤلاء الرهط الذين قال رسول الله: (إنهم من أهل الجنة). سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل منهم، ولست مدخله.. وما أظن أن يلي الأمر إلا أحد هذين الرجلين: علي وعثمان، فإن ولي عثمان فرجل فيه لين. وإن ولي علي ففيه دعابة، وأحرى به أن يحملهم على طريق الحق).

٢ - وكتب مؤرخ آخر(٢) أن عمر كان قد استدعى قبل أن يبت في أمر الشورى كلاً من الزبير وطلحة - قبل سفره من المدينة - وسعد وعبد الرحمن

____________________

(١) تاريخ الأمم والملوك: ٥ / ٣٤، ٣٥.

(٢) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ٣ / ١٧٠ (الطبعة الأولى - مصر).


وعلي وعثمان، وقال: (ما أنت يا زبير!... يوماً إنسان ويوماً شيطان.

وما أنت يا طلحة! فقد مات رسول الله ساخطاً عليك بالكلمة التي قلتها يوم أنزلت آية الحجاب - وفي رواية أخرى: ألست القائل: إن قبض محمد أنكح أزواجه من بعده، فما جعل الله محمداً أحق ببنات أعمامنا منا! فأنزل الله فيك قوله:( وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً ) (١) . قال شيخنا أبو عثمان الجاحظ: لو قال لعمر قائل: أنت قلت (إن رسول الله مات وهو راض عن الستة) فكيف تقول لطلحة: إنه مات ساخط عليك للكلمة التي قلتها، لكان قد رماه بمشاقصة...

ثم أقبل عمر على سعد فقال: أما أنت فصاحب مقنب من هذه المقانب تقاتل به وصاحب قنص وقوس، وما زهرة والخلافة وأمور الناس!

ثم أقبل على عبد الرحمن فقال: ليس يصلح هذا الأمر لمن فيه ضعف كضعفك وما (زهرة) وهذه الأمرة!

ثم أقبل على علي فقال: لله أنت لولا دعابة فيك! أما والله لئن وليتهم لتحملنهم على الحق الواضح.

ثم أقبل على عثمان فقال: هيهاً إليك، كأني بك قد قلدتك قريش هذا الأمر فحملت بني أُمية وبني أبي معيط على رقاب الناس وآثرتهم بالفيء).

وإذا أمعنا النظر في قضية الشورى، على الشكل الذي ذكرناه، اتضح لنا أن عمر قد حددها تحديداً دقيقاً وبيّن رأيه فيها فجعلها شورى مشروطة لا مطلقة. وأول ما يتبادر إلى ذهن المرء في هذا الاشتراط هو رغبة عمر في حصول الإجماع بين رجال الشورى، وهو أمر - دون شك - على جانب كبير من الوجاهة

____________________

(١) الأحزاب: ٥٣.


من الناحية المبدئية، غير أن عمر قد قيَّد الشرط أيضاً - أي أنه جعل الشرط نفسه مشروطاً إن جاز هذا التعبير - فأمر المشرف على شئون الشورى أن يشرخ رأس من يخالف الأكثرية، ورءوس المخالفين - في حالة انقسام المؤتمرين فيما بينهم إلى نصفين - للرأي المخالف للنصف الذي فيه عبد الرحمن أبو عوف.

ولسنا نعرف السر الذي دفع عمر إلى إيثار ابن عوف بذلك سوى علاقات شخصية بين الرجلين ذكر الطبري(١) طرفاً منها! ولم يعر ابن الخطاب على ما يبدو أية أهمية للأسس التي يستند إليها من يخالف رأي أكثرية المجتمعين، أو رأى النصف الذي ينحاز إليه ابن عوف. وهل يجيز القرآن أو سنة الرسول ضرب أعناق رجال من المسلمين لمجرد أنهم يجتهدون برأي يخالف الرهط الذي فيه عبد الرحمن بن عوف؟! فكيف وهؤلاء المسلمين من خيرة أصحاب النبي بشهادة عمر نفسه؟! فقد استباح ابن الخطاب دماءهم بعد ثلاثة أيام فقط من بدء التداول في أمر الشورى الذي يتوقف عليه مصير المسلمين.

ثم ألم يكن تفكير عمر في أمر خلافة المسلمين من بعده، كما فعل أبو بكر، يخالف سنة الرسول الذي مات - من وجهة نظر عمر - ولم يوص بالخلافة لأحد من بعده؟ ثم ألا يجوز لنا أن نسأل عن حق هؤلاء الرهط في تقرير مصير الخلافة دون سائر المسلمين؟ وإذا كان مجرَّد رضا النبي عنهم - إذا فرضنا صحة ذلك، مع العلم أن بعض المؤرخين كما سلف أن ذكرنا قد أشار إلى غضب الرسول على طلحة - كافياً لترشيحهم للشورى، فلماذا لم يدخل عمر آخرين ممن كان الرسول راضياً عنهم من المهاجرين والأنصار؟

____________________

(١) تاريخ الأمم والملوك: ٥ / ٢٠، ٥١. و ٤ / ١٦٢. وكان ابن عوف من أكابر المترفين في الجاهلية والإسلام، وكان مترفاً في طعامه ولباسه وسكنه، وقد سمح له الرسول - على ما يذكره الرواة - أن يلبس الحرير لحكة كانت في جلده.


وإذا كان سعيد بن عمرو بن نفيل حائزاً على شروط الشورى - باعتراف عمر نفسه كما ذكرنا - فلماذا استثناه عمر وحرمه من المساهمة في هذا الأمر العظيم؟ وحرم رجال الشورى من رأيه؟

ومن الغريب أن يصف عمر علياً بالدعابة، ولم نسمع أحداً غير عمر وصفه بذلك، فقد كان علي معروفاً بالرزانة والبعد عن المزاح والدعابة. هذا معلوم ضرورة لمن سمع أخباره.. وقد روى عن ابن عباس أنه قال: كان أمير المؤمنين إذا أتى هبنا أن نبدأه بالكلام. وهذا لا يكون إلا من شدة التزمت والتوقر وما يخالف الدعابة والفكاهة(١) .

ثم ألا يوجد تفاوت كبير بين رجال الشورى من حيث موقعهم من الرسول وأثرهم في الإسلام، فلماذا اعتبرهم عمر على درجة واحدة من الأثر في هذا الباب. ثم أليست هناك روابط عائلية ومصلحية بين رجال الشورى. ألا تؤثر تلك الروابط على سلامة الاختيار. ألم يقل عمر للزبير: إنك يوماً شيطان ويوماً إنسان... ولطلحة ما أنزله الله فيه من قرآن. ولسعد.... فمن ذا يستطيع أن يقول: إن عمر لم يحدد موقفه من الشورى غاية التحديد، ولم يقطع على علي - بالتلميح أو التصريح - الطرق إلى ولاية الناس... لقد ألب عمر على علي أحقاد قريش. فمن لعلي برضى تيم وقد نافس شيخها أبا بكر، وهذا طلحة التيمي!. ومن له بمحو الأحقاد الأموية من بني هاشم، وهذا عثمان! وقد ضمت الشورى أيضاً سعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وكلا الرجلين من زهرة ولكليهما نسب موصول ببني أُمية.

أتى الأول من ناحية أمه حمنة بنت سفيان.

____________________

(١) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ٣ / ١٧٠ (الطبعة الأولى - مصر).


وأتى الثاني من ناحية زوجه أم كلثوم بنت عقبة أخت عثمان(١) .

ولنعد ثانية إلى نص عبارة ابن الخطاب لرجل الشورى. أليست صيغتها توحي بترشيح عمر عثمان لولاية المسلمين. وهل الدعابة المزعومة في علي - على فرض وجودها جدلاً - عامل حاسم في إبعاد علي عن الخلافة على الرغم من أنه يحملهم - بشهادة عمر نفسه - على الحق الواضح. ثم إذا كان عمر - على ما يروي الطبري - قد ارتأى أن يولي أمور المسلمين رجلاً هو أحراهم أن يحملهم على الحق - وأشار إلى علي - فلماذا أقلع عن ذلك لا لشيء وجيه سوى طيف ألم به على ما ذُكر هو حسب رواية الطبري.

والخلاصة: (أن قصة الشورى جديرة بأن يتلكأ عندها برهة ذهن المتدبر؛ لأن فيها... خروجاً على مبدأ الشورى.. وتحكّم الفرد في الجماعة... وفي نفر اختاره وفق تقديره، إن لم يكن وفق هواه... وفيها تعسف التسوية بين ستة تجاهر المزايا والفوارق بأنهم ليسوا سواء... وفيها تكتل القوى العصبية)(٢) .

ذلك ما يتصل بأمر الشورى بشكل عام.

أما ما يتصل بتفاصيل اجتماع رجالها بعد وفاة الخليفة، فإن أول شيء (مكر به عبد الرحمن أنه ابتدأ فأخرج نفسه من الأمر ليتمكن من صرفه إلى من يريد، ليقال: إنه لولا إيثاره للحق، وزهده في الولاية، لما أخرج نفسه منها)(٣) . ولا ندري فيما إذا كان تصرف ابن عوف قد حصل عفواً، ومن وحي الساعة، أم أنه أمر متفق عليه قبل وفاة الخليفة!

____________________

(١) عبد الفتاح عبد المقصود، الإمام علي بن أبي طالب: ١ / ٢٧٥، ٢٧٦.

(٢) المصدر نفسه: ١ / ١٢٣، ١٢٤.

(٣) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ٣ / ١٧٢ (الطبعة الأولى - مصر).


ثم إن عبد الرحمن بإخراجه نفسه من الموضوع قد حصل على امتياز خاص جعل أمر الخلافة منوطاً به، وقد حصل على ذلك الامتياز دون أن يخسر شيئاً في الواقع؛ ذلك لأنه أخرج نفسه من أمرٍ (الخلافة) ما زال إلى وقتٍ خروجه منه غير مبتوت فيه. فلماذا إذن وقف ابن عوف موقفه المعروف فخلع نفسه من الخلافة - وهو أمر لا يملكه قبل عملية الشورى وفي حالة انتخابه للخلافة. ثم ألم تؤثّر صلة نسبه بعثمان في موقفه من علي. ولماذا اشترط عبد الرحمن أن يسير علي على ما سماه (سيرة الشيخين) بالإضافة إلى القرآن وسنة الرسول. هل سار الشيخان على القرآن وسنة النبي وسيرة الشيخين، أم على القرآن والسنة حسب اجتهاد كل منهما.. كما أراد علي أن يسير.

ثم هل هناك شيء محدد اسمه (سيرة الشيخين)؟ ألم يختلف الشيخان اختلافات كثيرة فيما بينهما. وبقدر ما يتعلق الأمر باختلاف سيرة أبي بكر في الخلافة عن سيرة عمر - في كثير من القضايا - يمكننا أن نذكر بعض الأمثلة على سبيل التمثيل لا الحصر:

ويجمل بنا قبل ذلك أن نشير إلى أن عمر نفسه كثيراً ما تختلف سيرته عن سيرة النبي في بعض التصرفات العامة، من ذلك مثلاً طريقته في تقسيم العطاء بين المسلمين، إذ لا بد أنْ حضرته آنذاك عوامل رجَّحت لديه رأيه. ولكن مما لا ريب فيه أن عوامل أخرى أقوى من السالفة قد غابت عنه، وكان أجدى به.. أن يعدل عما حزم عليه أمره.. ولكنه رأى رأياً فالتزمه... وإن رسول الله - صاحب خير الآراء - كان يسير على نقيضه.

وكذلك نحا نحوه الخاص فلم يجعل الناس سواسية عند التقسيم، فبينما نسمع


الصديق يأبى أن يفضّل أهل السابقة إلى الإسلام على غيرهم.. إذ بابن الخطاب من بعده يخالفه(١) . (ولعل آفة عمر كانت دفعته - تلك التي أوقفته دائماً مواقف أنكرها من نفسه كلما فاتت آونتها واتسع أمامه مجال التفكير... وقد طالما أفتى بالحكم ثم عاد فنقضه إذ يتروى. وقد طالما دفعته الرغبة في الإصلاح إلى سن الشرعة.. فإذا بها لا تلبث أن تتقوض أمام شرعة أعلى جرت على لسان غيره)(٢) .

وطالما عمل عملاً بالاستناد إلى قناعته الشخصية ثم عاد فأقلع عنه إذا تغيرت قناعته من ذلك، مثلاً:

أ - أتاه رجل فقال: (يا أمير المؤمنين، إن فلاناً ظلمني فأعدني عليه، فرفع في السماء درته وضرب رأسه، وقال: تدعون عمر وهو معرض لكم، وحتى إذا شغل بأمر المسلمين أتيتموه: أعدني!! فانصرف الرجل يتذمر. فقال عمر: عليّ بالرجل، فجيء به. فألقى إليه المخفقة فقال: اقتص، قال: بل أدعه لله ولك، قال: ليس كذلك، بل تدعه إما لله وإرادة ما عنده، وإما تدعه لي، قال: أدعه لله، قال: انصرف. ثم جاء حتى دخل منزله.. فصلى ركعتين خفيفتين، ثم جلس فقال: يا ابن الخطاب، كنت وضيعاً فرفعك الله، وكنت ضالاً فهداك... ثم حملك على رقاب الناس، فجاء رجل ليستعديك على من ظلمه فضربته، ماذا تقول لربك غداً)(٣) .

____________________

(١) عبد الفتاح عبد المقصود، الإمام علي بن أبي طالب: ٢ / ٩، ١٠.

(٢) المصدر نفسه: ١ / ٢٥٠، ٢٥١.

(٣) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ٣ / ٩٧ (الطبعة الأولى - مصر).


ب - (استعمل عمر: النعمان بن عدي بن نفيلة على ميسان، فبلغه عنه الشعر الذي قال فيه:

ومن مبلغ الحسناء أن حليلها

بميسان يسقى من زجاج و حنتم

إذا شئت غنتني دهاقين قرية

وصناجة تحدو على كل منسم

فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني

ولا تسقني بالأصغر المتثلم

لعل أمير المؤمنين يسوءه

تنادمنا بالجوسق المتهدم

فكتب إليه:

أما بعد.. فقد بلغني قولك.. وايم الله إنه ليسوءني، فأقدم فقد عزلتك.

فلما قدم عليه قال: يا أمير المؤمنين، ما شربتها قط، وإنما هو شعر طفح على لساني، وإني لشاعر! فقال عمر: أظن ذاك، ولكن لا تعمل لي عملاً أبداً)(١) .

ج - استعمل عمر رجلاً من قريش على عمل، فبلغه عنه أنه قال:

اسقني شربة تروي عظامي

واسق بالله مثلها ابن هشام

فأشخصه إليه، وفطن القرشي فضم إليه بيتاً آخر، فلما مثل بين يديه قال: أنت القائل: اسقني...؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، فهلاً أبلغك الواشي ما بعده. قال: ما الذي بعده؟ قال:

عسلاً بارداً بماء غمام

إنني لا أحب شرب المدام

فقال: ارجع إلى عملك)(٢) .

____________________

(١) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ٣ / ٩٨.

(٢) المصدر نفسه: ٣ / ٩٨.


د - سأل عمر أحد أمراء الشام عن سيرته وما يصنعه بالقرآن والأحكام؟ فأجابه بما يرضيه، فاستحسن ذلك منه واقرّه على عمله، وأمره بالالتحاق به، (فلما ولى، رجع فقال: يا أمير المؤمنين، إني رأيت البارحة رؤيا أقصها عليك. رأيت الشمس والقمر يقتتلان ومع كل واحد منهما جنود من الكواكب؟ فقال: فمع أيهما كنت؟ قال: مع القمر. فقال: عزلتك! لأن الله قال:( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً ) (١) .

هـ - لما كتب النبي كتاب الصلح في الحديبية بينه وبين سهيل بن عمرو كان في الكتاب: أن من خرج من المسلمين إلى قريش لا يرد، ومن يخرج من المشركين إلى النبي يرد إليهم، غضب عمر وقال لأبي بكر: ما هذا؟... ثم جاء إلى النبي فجلس بين يديه... وقال: علام نعطي الدنية في ديننا! فقال رسول الله:أفعل ما يأمرني به ربي ... فقام عمر مغضباً (وقال: والله، لو أجد أعواناً لما أعطيت الدنية أبداً)(٢) .

و - (خرج عمر بن الخطاب... وعبد الرحمن بن عوف ليلاً يطوفان في المدينة، فرُفع لهما مصباح، فقال عمر: ألم أنه عن المصابيح بعد النوم؟ فانطلقنا فإذا قوم على شراب لهم، قال: انطلق فقد عرفته، فلما أصبح أرسل إليه. قال: يا فلان كنت وأصحابك البارحة على شراب؟ قال: وما أعلمك يا أمير المؤمنين؟ قال: شيء شهدته: قال أو لم ينهك الله عن التجسس؟ فتجاوز عنه)(٣) .

____________________

(١) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ٣ / ٩٨ الآية: ١٢: الاسراء.

(٢) المصدر نفسه: ٣ / ١٩.

(٣) ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ٣ / ٣٠.


ذلك ما يتعلق باختلاف سيرة عمر نفسه حسب اختلاف وضعه النفسي.

أما ما يتعلق باختلاف سيرته عن الرسول فيمكننا أن نذكر الأمثلة التالية، بالإضافة إلى طريقته في تقسيم الغنائم التي مر بنا ذكرها:

١ - (غزا رسول الله خيبر في سنة سبع، فطاوله أهلها وماكثوه وقتلوا المسلمين، فحاصرهم رسول الله قريباً من شهر، ثم إنهم صالحوه على حقن دمائهم... ثم قالوا لرسول الله: إن لنا بالعمارة والقيام على النخل علماً فأقرَّنا، فأقرّهم رسول الله وعاملهم على الشطر من الثمر... فلمّا كانت خلافة عمر بن الخطاب... أجلاهم وقسم خيبر بين من كان له فيها سهم من المسلمين)(١) .

٢ - (حدّثنا عمر الناقد، حدّثنا يزيد بن هارون، أخبرنا يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار: أن النبي... دفع خيبر إلى اليهود يعملونها على نصف [ ما ] خرج منها، فلم يزل على ذلك حياة رسول الله وأبي بكر. فلما كان عمر وكثر المال في أيدي المسلمين وقووا على عمارة الأرض أجلى اليهود إلى الشام وقسم الأموال بين المسلمين)(٢) .

٣ - (أتى رسول الله وادي القرى، فدعى أهلها إلى الإسلام، فامتنعوا عن ذلك وقاتلوا، ففتحها رسول الله عنوة.. وترك النخيل والأرض في أيدي اليهود، وعاملهم على نحو ما عامل عليه أهل خيبر، فقيل: إن عمر أجلى يهودها وقسّمها بين من قاتل عليها)(٣) .

وأما ما يتعلق باختلاف سيرة عمر عن سيرة أبي بكر فنذكر منها، بالإضافة إلى ما ذكرناه، الحوادث التالية:

____________________

(١) البلاذري، فتوح البلدان: ص ٣٦.

(٢) المصدر نفسه: ص ٣٩.

(٣) المصدر نفسه: ص ٤٧.


أ - (جاء عيينة بن حصين والأقرع بن حابس إلى أبي بكر فقال: يا خليفة رسول الله، إن عندنا أرضاً سبخة ليس فيها كلأ ولا منفعة، فإن رأيت أن تقطعناها لعلنا نحرثها ونزرعها، ولعل الله أن ينفع بها بعد اليوم؟ فقال أبو بكر لمن حوله من المسلمين: ما ترون؟ قالوا: لا بأس، فكتب لهما كتاباً، وأشهد فيه شهوداً، ولم يكن عمر حاضراً... فلما سمع عمر ما في الكتاب أخذه منهما... فمحاه، فتذمَّرا.. فقال: إن رسول الله كان يتألفكما والإسلام يومئذٍ ذليل... وإن الله قد أعز الإسلام فاذهبا... فذهبا إلى أبي بكر يتذمران. وجاء عمر وهو مغضب، حتى وقف على أبي بكر فقال: أخبرني عن هذه الأرض التي أقطعتها هذين، أهي لك خالصة أم بين المسلمين عامة؟ قال: بين المسلمين عامة، قال: من حملك على أن تخص بها هذين دون جماعة المسلمين؟ قال: استشرت الذين حولي، فأشاروا بذلك؟ فقال: أفكل المسلمين أوسعهم مشورة ورضاً؟!)(١) .

ب - ذكر بعض الرواة في حديث فدك: أن أبا بكر حينما قابلته السيدة فاطمة وذكرت له أن فدك لها نحلة من الرسول، اقتنع بذلك بعد تردد، فكتب لها كتاباً بذلك، غير أن عمر - على ما يذكر أولئك الرواة - قد صادفها في الطريق عائدة إلى دارها من عند أبي بكر، فذكرت له الكتاب، فطلبه منها ومزّقه، ولام أبا بكر على ذلك؟

ج - ويبدو اختلاف السيرتين واضحاً في قضية خالد بن الوليد مع مالك بن نويرة، وهي قضية مهمة؛ ونرى وجوب ذكرها بشيء من التفصيل. فقد ارتكب خالد - على ما نرى - سلسلة من الأخطاء الاجتماعية والدينية في هذه القضية:

____________________

(١) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ٣ / ١٠٨ (الطبعة الأولى).


فقد سار إلى مالك وصحبه دون أمر من الخليفة، وقاتلهم دون أن يكون هناك مبرر للقتال من الناحية الدينية، وأمر بقتل مالك بشكل من الغدر لا يجيزه الإسلام. ونكح زوج مالك بشكل يتنافى هو والعفة والشرف وكبر النفس... فاستحق بذلك أكثر من عقوبة، غير أن أبا بكر عفا عنه! فامتعض عمر من ذلك وعزله أثناء خلافته. وإلى القارئ ملخَّص القصة المذكورة:

ذكر ابن الأثير(١) : (سار خالد بعد أن فرغ من فزارة، وأسد، وطيء، يريد البُطَاح(٢) وبها مالك بن نويرة قد تردد عليه أمره. وتخلف الأنصار عن خالد، وقالوا: ما هذا بعهد الخليفة إلينا، إنَّ الخليفة عهد إلينا إنْ نحن فرغنا من بُزاخة(٣) وأسبرنا بلاد القوم أنْ نقيم حتى يكتب إلينا، فقال خالد: أنا الأمير.. هذا مالك بن نويرة بحيالنا، فأنا قاصد إليه ومن معي من المهاجرين.. وكان قد أوصاهم أبو بكر(٤) أن يؤذِّنوا إذا نزلوا منزلاً، فإذا أذَّن القوم، فكفّوا عنهم، وإن لم يؤذِّنوا فقاتلوهم.

____________________

(١) الكامل في التاريخ: ٢ / ٢٤٢، ٢٤٣.

(٢) البُطَاح كغُرَاب: وهو منزل لبني يربوع. وفيمراصد الاطلاع (طبع عيسى الحلبي - القاهرة: ١ / ٢٠٣): (بُطاح (بالضم): ماء في ديار بني أسد بن خزيمة) انظر الهامش، مصحّحه. (الناشر)

(٣) بُزاخة (بالضم، والخاء معجمة): قال الأصمعي: ماء لطيء، بأرض نجد. وقال أبو عمرو: لبني أسد، فيه كانت وقعة المسلمين مع طليحة في الردة. قال القعقاع يذكر يوم بزاخة:

ويوماً على ماء البُزاخة خالد

أثار بها في هبوة الموت عثيرا

انظر هامش مراصد الاطلاع:١ / ١٩٢ (طبعة عيسى الحلبي - القاهرة). (الناشر)

(٤) فيما يتصل بموقفهم من الذين امتنعوا عن أداء الزكاة باليسير إليهم، إلا في قضية مالك بن نويرة التي لم يثبت للخليفة آنذاك امتناعه.


وإن أجابوا إلى داعية الإسلام فسألوهم عن الزكاة، فإن اقروا فاقبلوا منهم. وإن أبوا فقاتلوهم. فجاءت خالداً الخيل بمالك بن نويرة في نفر معه من بني ثعلبة ابن يربوع، فاختلفت السرية فيهم.

وكان فيهم أبو قتادة فكان فيمن شهد أنهم قد أذَّنوا وصلوا. فلما اختلفوا أمر بهم خالد فحبسوا في ليلة باردة لا يقوم لها شيء، فأمر خالد منادياً فنادى ادفئوا أسراكم - وهي في لغة كنانة القتل -... فقتلوهم... فتزوَّج خالد أم تميم، امرأة مالك. فقال عمر لأبي بكر: إن سيف خالد فيه رَهَق، وأكثر عليه في ذلك، فقال: هيه يا عمر!! تأوَّل فأخطأ فارفع لسانك عن خالد. فدخل خالد على أبي بكر فأخبره الخبر واعتذر إليه، فعذره وتجاوز عنه، وعنفه في التزويج. وقَدِم متمم بن نويرة على أبي بكر يطلب بدم أخيه ويسأله أن يرد عليهم سبيهم؟ فأمر أبو بكر برد السبي، وودى مالكاً من بيت المال).

وقد روي - على ما يقول البلاذري(١) - (أن متمم بن نويرة دخل على عمر بن الخطاب(٢) فقال له عمر: ما بلغ وجدك على أخيك مالك؟ قال: بكيته حولاً حتى أسعدتْ عيني الذاهبة(٣) عيني الصحيحة، وما رأيت ناراً

____________________

(١) فتوح البلدان ١٠٧، ١٠٨.

(٢) أثناء خلافته حيث انشده مرثيته المشهورة التي يقول فيها:

وكنا كنَدْمانَيْ جَذِيمة حقبةً

من الدهر حتى قيل: لن يتصدعا

فلما تفرقنا كأني ومالكاً

لطول اجتماع لم نبت ليلة معا

(٣) أسعَدَتْ عيني الذاهبة: الإسعاد لا يكون إلا في البكاء قاله في (المقاييس)، مادة: (سعد) (٣ / ٧٥) (طبعة عيسى الحلبي - القاهرة). (مصححه)


إلا كدت انقطع لها أسفاً عليه، لأنه كان يوقد ناره إلى الصبح، مخافة أن يأتيه ضعيف فلا يعرف مكانه).

لابد أن القارئ قد لاحظ معنا، في رواية ابن الأثير، جملة مخالفات قام بها خالد بن الوليد:

١ - فقد سار، كما ذكرنا، إلى قتال مالك دون أن يتلقّى بذلك أمراً من الخليفة.

٢ - أهمل المبدأ العام الذي وضعه أبو بكر لمعالجة مشكلة المسلمين الذين اتهموا بالامتناع عن دفع الزكاة - ذلك المبدأ الذي يتلخص، كما ذكرنا، بأن يُؤذِّن في وقت الصلاة مؤذن من جيش المسلمين، فإن أذَّن المتهمون بالامتناع عن دفع الزكاة فلا يجوز قتالهم ابتداء. ثم يسألون عن أمر الزكاة. فإن أقرّوا - أي اعترفوا بوجوبها - حرمت على خالد وصحبه دماؤهم وأموالهم. أي أن الخليفة لم يشترط أخذ الزكاة من القوم وإنما اشترط إقرارهم بها. فإذا أقرّوا بذلك، صانوا أرواحهم وأموالهم من عبث العابثين. وقد شهد أبو قتادة - كما ذكرنا - بأن أصحاب مالك بن نويرة قد أذَّنوا وأقاموا وصلوا - أي أنهم ذهبوا إلى أبعد من مجرد الأذان الذي جعله الخليفة كافياً لتحريم قتالهم.

٣ - أن خالداً أمر بقتلهم غدراً بذلك الشكل الشنيع فأدفأهم - على لغة كنانة -(١) وكان باستطاعته، وقد أصبحوا في أسره وتحت رحمته، أن يرسلهم إلى الخليفة بعد أن يتأكد من خروجهم على مبادئ الإسلام، وإصرارهم على ذلك الخروج، ليفعل الخليفة بهم ما يشاء.

٤ - وتزوّج خالد أم تميم، امرأة مالك، في الوقت الذي قتل فيه زوجها - وفي هذا ما فيه من خروج على مبادئ الدين الحنيف وتدن عن المستويات الخلقية الرفيعة.

____________________

(١) مما لا شك فيه أن خالداً قصد بعبارة: (ادفئوا أسراكم) قتلهم، لأنه حبسهم (عند ضرار بن الأزور... وكان كنانياً). ابن خلدون، كتاب العبر: ٢ / ٢٧٨.


على أننا إذا نظرنا إلى مأساة مالك - من زاوية أخرى - أمكننا أن نلاحظ فيها الأمور التالية:

(أ) لقد تردد أمر الزكاة على مالك كما يقول ابن الأثير. والتردد غير الامتناع، لأنه يتضمن التريث والإحجام، وهي فترة وسطى بين الامتناع والانصياع. فإذا حصل الامتناع، فإنه - مع ذلك - لا يجوز قتاله برأينا، إلا إذا كان الامتناع مشروطاً لا مطلقاً - أي أن يكون حصوله نتيجة للانتقاض على العقيدة الإسلامية.

ومما يؤيد وجاهة ما ذهب إليه ابن الأثير: أن مالكاً الذي كان والياً على صدقات قومه بني يربوع من قبل النبي، لما بلغته وفاة الرسول أمسك عن أخذ الصدقة من قومه وقال لهم: تربصوا بها حتى يقوم قائم بعد النبي وننظر ما يكون من أمره، وقد صرح بذلك في شعر:

وقال رجال: سدّد اليوم مالك

وقال رجال: مالك لم يسدّد

فإن قام بالأمر المجدد قائم

أطعنا وقلنا: الدين دين محمد

فصرَّح مالك - إذن - أنه استبقى الصدقة في أيدي قومه رفقاً بهم وتقرباً إليهم إلى أن يقوم بالأمر من يدفع له ذلك)(١) .

(ب) لقد تجاوز أبو بكر عن خالد - رغم إصرار عمر على ضرورة معاقبته - بدافع الرأفة به والشفقة عليه، ولكن ذلك التجاوز قد حصل على حساب إقامة الحدود الدينية على ابن الوليد. فقد أخطأ خالد باعتراف أبي بكر، وأخطأ خالد وأقر بخطئه واعتذر عنه. ولا ندري أيجوز الصفح عن المجرم إذا ندم واعتذر؟

____________________

(١) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ٤ / ١٨٤.


وهل يجوز الاجتهاد في معرض النص؟! ولعل هذه الحادثة وأمثالها هي التي جعلت علياً يمتنع عن إلزام نفسه بالسير وفق سيرة الشيخين حين عرض عليه ذلك عبد الرحمن بن عوف أثناء الشورى.

(ج) ومما يؤيد عدم قناعة أبي بكر ببراءة خالد أنه أمر برد السبي وودى مالكاً من بيت المال عندما قدم عليه متمم بن نويرة يطالبه بدم أخيه ويسأله أن يرد عليهم سبيهم. على أننا لا نعلم فيما إذا جاز لأبي بكر من الناحية الدينية أن يدفع من بيت مال المسلمين تعويضاً عن جريمة شخصية ارتكبها ابن الوليد!!

أما كيفية وقوع مالك وبعض صحبه أسرى بيد خالد بن الوليد، وما جرى لهم بعد الأسر، وموقف عمر من ذلك، فقد لخصه أحد الرواة(١) بقوله:

(إن السرية التي بعث بها خالداً لما غشيت القوم تحت الليل راعوهم، فأخذ القوم السلاح. فقال أصحاب خالد: نحن المسلمون. فقال أصحاب مالك: ونحن المسلمون. فقال أصحاب خالد: ما بال السلاح معكم!! فلما وضعوا السلاح ربطوا أسارى، فأتوا بهم خالداً، فحدث أبو قتادة خالد بن الوليد: أن القوم نادوا بالإسلام، وأن لهم أماناً. فلم يلتفت خالد إلى قوله، وأمر بقتلهم وتقسيم سبيهم. وحلف أبو قتادة أن لا يسير تحت لواء خالد في جيش أبداً. وركب فرسه شاذاً إلى أبي بكر، فأخبره الخبر، وقال: إني نهيت خالداً عن قتل مالك فلم يقبل قولي، وأخذ بشهادة الأعراب الذين غرضهم الغنائم، وإن عمر لما سمع ذلك تكلم فيه عند أبي بكر فأكثر، وقال: إن القصاص وجب عليه.

____________________

(١) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ٤ / ١٨٤ (الطبعة الأولى).


فلما دخل خالد المسجد قام إليه عمر... وقال: يا عدو نفسه! عدوت على امرئ مسلم فقتلته، ونزوت على امرأته... والله لنرجمنك بأحجارك. وقد روي أيضاً: أن عمر لما ولي جمع من عشيرة مالك بن نويرة من وجد منهم، واسترجع ما وجد عند المسلمين من أموالهم وأولادهم ونسائهم، فرد ذلك عليهم جميعاً. وقيل: إنه ارتجع بعض نسائهم من نواحي دمشق وبعضهن حوامل فردهن على أزواجهن، فالأمر ظاهر في خطأ خالد، وخطأ من تجاوز عنه).

وكانت حجة مالك وأصحابه في تأجيل دفع الزكاة على ما يحدثنا بعض الرواة(١) أنهم فسَّروا الآية التي وردت في سورة التوبة:( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ) (٢) بأنها تتضمن ضرورة صلاة النبي عليهم صلاة تكون سكناً لهم، ليأخذ صدقة من أموالهم يزكيهم بها. وتلك الصفات، برأيهم، لا تتحقق في غير النبي؛ لأن غير النبي - بنظرهم - لا يطهِّر الناس ولا يزكيهم بأخذ الصدقة منهم، ولا تكون صلاته سكناً لهم، أي أنهم بعبارة أخرى: تردَّدوا في إعطاء الزكاة إلى غير النبي إلى أن يثبت لهم وجود من يمثِّله، وهو أمر دون شك، لا يعنى عدم اعترافهم بالزكاة كأساس من أسس الدين؛ لأنهم لم يجحدوا وجوبها، ولكنهم قالوا: إنه وجوب مشروط. فتأوَّلوا، وربما اخطئوا، كما تأوَّل خالد فأخطأ.. برأي أبي بكر.

وإذا كان أبو بكر قد تجاوز عن خالد لأنه تأوَّل الخطأ، أفلا يجوز أن يقال عن أولئك، على أسوأ الفروض: إنهم تأوَّلوا فأخطئوا!!

____________________

(١) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ٤ / ١٨٥: الطبعة الأولى بمصر.

(٢) التوبة: ١٠٣.


يتضح من كل ما ذكرنا أن خالد بن الوليد وأصحابه قد غرَّروا بضحاياهم وخدعوهم تحت ستار الدين، فجردوهم عن السلاح أولاً وقتلوهم - بعد ذلك - على الشكل الذي ذكرناه. ويلوح للباحث في شهادة أبي قتادة أن خالداً؛ لمرضٍ في نفسه، ربما كان له صلة بأم تميم زوج مالك، قد أخذ بشهادة الأعراب الذين غرضهم الغنائم والسلب والنهب، وهي أمور أبعد ما تكون عن جوهر الدين. وقد وصفهم الله في كتابه بالغلظة والنفاق.

هذا مع أن المؤرخين - كما سلف أن ذكرناها - لم يؤيِّدوا خروج مالك وصحبه على مبادئ الدين، أو منعهم الزكاة أو جحودهم وجوبها، فهم إذن لا يستحقون القتل إطلاقاً، فكيف به وقد وقع بذلك الشكل من الغدر!! إن الشيء الذي كانوا بحاجة إليه هو التنبيه والإرشاد، هذا إذا كانوا مخطئين في تفسير الآية التي ذكرنا في قضية الزكاة. أما مالك نفسه، فقد كان مسلماً بشهادة عمر بن الخطاب، وإن خالداً - بشهادة عمر كذلك - قد اعتدى عليه ونزى على زوجه.

وهناك أمر آخر لا بد من ذكره في هذه المناسبة لتعلقه بمبدأ عام يتصل بموضوع المتهمين بالامتناع عن دفع الزكاة، لا بموضوع مالك بن نويرة حسب ما ذكره البخاري حين قال(١) : (حدّثنا يحيى بن بكير؛ حدَّثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، أخبرني عبيد الله بن عتبة أن أبا هريرة قال: لما توفِّي النبي واستًخلف أبو بكر، وكفر من كفر من العرب، قال عمر: يا أبا بكر، كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله:(أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: "لا اله إلا الله"، فمن قال ذلك فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله) ؟!

وهناك أمور أخرى اقترفها خالد بن الوليد لا تقل شناعة عما

____________________

(١) صحيح البخاري: ٨ / ٥٠ (طبعة مصر).


ذكرنا:

منها: اغتياله سعد بن عبادة وهو في محل إقامته في الشام في أواخر خلافة أبي بكر، أو مساهمته بذلك الاغتيال.

ومنها: ما رواه الطبري(١) حين قال: (حَّدثنا ابن حميد قال: حدّثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق قال: حدّثني بعض أهل العلم عن رجل من جزيمة قال: لما أمرنا خالد بوضع السلاح، قال رجل منا يقال له جحدم: ويلكم يا بني جذيمة! ما بعد وضع السلاح إلا الإسار ثم ما بعد الإسار إلا ضرب الأعناق. والله لا أضع سلاحي أبداً. قال: فأخذه رجال من قومه، فقالوا: يا جحدم؛ أتريد أن تسفك دماءنا! أن الناس قد اسلموا.. فلم يزالوا به حتى نزعوا سلاحه، ووضع القوم السلاح لقول خالد؛ فلما وضعوه أمر بهم خالد عند ذلك فكتفوا، ثم عرضهم على السيف، فقتل منهم من قتل. فلما انتهى الخبر إلى رسول الله رفع يديه إلى السماء وقال:اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد . ثم دعا علي بن أبي طالب، فقال:يا علي، اخرج إلى هؤلاء القوم فانظر في أمرهم، واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك ، فخرج علي ومعه مال قد بعثه رسول الله به، فودى لهم الدماء وما أصيب من الأموال، حتى إذا لم يبق شيء من دم ولا مال إلا وداه، بقيت معه بقية من المال، فقال لهم على حين فرغ منهم: أبقى لكم دم أو مال لم يرد؟ قالوا: لا، قال: فإني أعطيكم هذا البقية من هذا المال احتياطاً لرسول الله مما لا يعلم ولا تعلمون، ففعل، ثم رجع إلى رسول الله فأخبره الخبر. فقال:أصبت وأحسنت ).

فإذا كان هذا عمل خالد في زمن النبي، فكيف به وقد انتقل الرسول إلى الرفيق الأعلى!

____________________

(١) تاريخ الأمم والملوك: ٣ / ١٢٤.


ومع ذلك كله، فقد تجاوز عنه أبو بكر، لأنه تأوَّل فأخطأ (على حد تعبيره) فاختلفت سيرة أبي بكر، في هذه القضية الخطيرة، عن سيرة عمر الذي عزل خالداً. فقد كان أول كتاب كتبه عمر - على ما يقول ابن الأثير(١) - موجَّها (إلى أبي عبيدة ابن الجراح بتولية جند خالد، وبعزل خالد؛ لأنه كان عليه ساخطاً في خلافة أبي بكر كلها، لوقيعته بابن نويرة... وقال عمر: لا يلي خالد لي عملاً أبداً. وكتب إلى أبي عبيدة..: أن انزع عمامته عن رأسه وقاسمه ماله).

وفي ضوء ما ذكرنا نستطيع أن نقول: أنْ ليس هناك شيء يصح أن يُدعى (سيرة الشيخين) من حيث التوافق التام في جميع التصرفات العامة الدينية والزمنية؛ ولعل ذلك أحد الأسباب التي أدت بالإمام - حين عرض عليه ابن عوف الخلافة وقت الشورى - إلى عدم الموافقة على الشرط الثالث (سيرة الشيخين). وعلي بموقفه هذا، قد استبعد (سيرة الشيخين) من أن تصبح بحد ذاتها سنة تتبع، لعدم وجود ما يبرر اتّباعها من الناحية الدينية ما دام القرآن وسنة الرسول هما دستور الإسلام بنظره.

وهناك أمر آخر لا بد من ذكره في هذه المناسبة، هو أن جواب الإمام، بالصيغة التي ورد فيها، كان يدل - دلالة قاطعة وصريحة - على التهيؤ لتحمل المسئولية، وعدم نثر الوعود التي لا يمكن الالتزام بها أثناء تسلم المنصب الخطير. فعلي لا يريد أن يلزم نفسه مقدماً بشيء يستحيل عليه أن يعمل وفق مستلزماته بعد تسلمه الخلافة للأسباب التي ذكرناها. ولعل الشيء الذي يبدو غريباً في أمر الشورى هو قبول علي الاشتراك فيها مع علمه بِأفضليته وأحقيته بالخلافة. غير أن ذلك الاستغراب يزول عندما نتذكر أن علياً صرّح بأنه يدخل الشورى،

____________________

(١) الكامل في التاريخ: ٣ / ٢٩٣.


لأن ابن الخطاب قد أهله الآن للخلافة (وكان من قبل يقول: إن النبوة والخلافة في بيت واحد لا تجتمعان)(١) .

أما موقفه من شرط ابن عوف، فأمر كان متوقعاً؛ ذلك لأن الإمام كان على يقين من أن كلاً من الشيخين قد سار في حدود اجتهاده الشخصي، وأنه من غير الممكن أن يلتزم هو بالكتاب والسنة وبسيرة الشيخين. وتتجلى روعة موقفه هذا إذا ما تذكرنا موقف زميله عثمان الذي كان ينعم بالإجابة لابن عوف حتى كسب الخلافة، ولكنه لم يسر - كما سنرى - على الكتاب والسنة، بله سيرة الشيخين؟!

____________________

(١) عبد الفتاح عبد المقصود، الإمام علي بن أبي طالب: ١ / ٢٨.


ج - عثمان بن عفان

(فقام ثالث القوم، وقام بنو أُمية يخضمون مال الله خضم الإبل نبتة الربيع.. إلى أن انتكث فتله، وأجهز عليه عمله، وكبت به بطنته... فما راعني إلا والناس كعرف الضبع إليّ، ينثالون علي من جانب حتى لقد وطئ الحسنان، وشق عطفاي مجتمعين حولي كربيضة الغنم، فلما نهضت بالأمر نكثت طائفة، ومرقت أخرى، وقسط آخرون) (١) .

ارتقى عثمان بن عفان منبر النبي بعد وفاة عمر وبالشكل الذي وصفناه في قصة

____________________

( ١) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ١ / ٥٠ - ٦٧.

الخضم: أكل بكل الفم، وضده القضم وهو: أكل بأطراف الأسنان. وقيل: الخضم أكل الشيء الرطب، والقضم أكل الشيء اليابس. والمراد - على التفسيرين - لا يختلف، وهو: أنهم على قدم عظيمة من التهم وشدة الأكل وامتلاء الأفواه. قال أبو ذر عن بني أمية: يخضمون ونقضم. وانتكث قتله: انتقض. وأجهز عليه عمله: ثم قَتَله. وكبت به بطنته، كبا الجواد: إذا سقط بوجهه، والبطنة: الإسراف في الشبع. وثالث القوم عثمان.... والعطفان: الجانبان من المنكب إلى الورك... والمعنى. خدش جانباي لشدة الاحتكاك منهم والازدحام... وعرف الضبع ثخين، ويضرب به المثل في الازدحام. وينثالون: يتتابعون... وكربيضة الغنم: يصف شدة ازدحامهم حوله، وجئومهم بين يديه... فأما طائفة الناكثين، فهم أصحاب الجمل. والقاسطين: أصحاب صفين. والمارقين: أصحاب النهروان.


(الشورى). وأول عمل قام به الخليفة الجديد هو: تعيين ذويه وأقربائه من الأمويين وآل أبي معيط مستشارين، وأمراء على الأمصار، وبخاصة أولئك الذين كانت لهم أو لآبائهم سيرة غليظة معروفة في محاربة الإسلام ونبيه، الأمر الذي أورثهم أحقاداً من الجاهلية على الرسول وأهل بيته وتعاليمه، زرعها أُمية بن عبد شمس ونجله حرب، وتعهدها من بعدهما: أبو سفيان، وزوجه هند بنت عقبة، ونجلهما معاوية الذي حارب النبي في بدر مع أبيه فهرب بعد أن قتل أخ له، وأسر آخر كما سنرى.

وقد أدى اعتماد عثمان على أولئك النفر - وعلى مروان بن الحكم - إلى تقويض دعائم الخلافة الإسلامية، وطوح بحياة عثمان وعلي من بعده، وبالتالي إلى اندحار مبادئ العدالة الاجتماعية التي تبناها الإسلام، وأراد الرسول الكريم بثها بين الناس على اختلاف أجناسهم ومواقعهم الجغرافية.

وقد زرعت تصرفات الأمويين الذين اعتمد عليهم عثمان في تدوير شئون المسلمين - كما سنرى - بذور الفساد والتفسخ في الخلق العربي عند الحكام والمحكومين على السواء، فأصبح الحكام بعد مصرع الخليفة الثالث - كما سنرى - يستعملون شتى أساليب الغدر والمواربة والكذب والدس وأضرابها من الرذائل السياسية والخلقية لكسب ولاء الجماهير لحكمهم الفاسد من جهة، وللإيقاع بخصومهم من جهة أخرى. وأَلِف المحكومون - إلا ما ندر - هذه التصرفات الملتوية، مع توالي الأيام، واستحسنوها وكيفوا سلوكهم وفقاً لها.

وبما أننا لا نؤرِّخ في هذه الدراسة أثر الأمويين(١) في الخلق العربي والإسلامي، وإنما نحن بصدد البحث في الدور الذي لعبوه في خلافة عثمان، فسوف

____________________

(١) ربما ساعدتنا الظروف في المستقبل فقمنا بدراسة ذلك بشيء من التفصيل، راجع: الصراع بين الأمويين ومبادئ الإسلام.


نحصر بحثنا في هذه النقطة المعينة، ولكي نفهم ذلك الأثر على الوجه الأكمل نرى لزاماً علينا أن نستعرض مواقفهم من الإسلام في عهد الرسول.

لقد ألّب الأمويون كفار قريش على حرب النبي (صلَّى الله عليه وسلَّم)، فوقعت (بدر) وقتل منهم حنظلة بن أبي سفيان بن حرب بن أُمية بن عبد شمس، والعاص بن سعيد بن العاص بن أُمية بن عبد شمس، وعبيدة بن سعيد بن العاص بن أُمية بن عبد شمس، والوليد بن عقبة بن ربيعة بن عبد شمس (صهره أخو هند زوج أبي سفيان)، وشيبة بن ربيعة بن عبد شمس، وعقبة بن أبي معيط (والد الوليد أخي عثمان لأمه). وأُسر من الأمويين يوم بدر أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس، والحارث بن وجزة بن أبي عمر بن أُمية بن عبد شمس.

وكان عمرو بن أبي سفيان - زوج بنت عقبة بن أبي معيط - من أسرى بدر كما ذكرنا، فاقترح بعض المقرَّبين إلى أبي سفيان أن يفدي عَمْراً؟ فأجاب: (أُيجمع عليّ مالي ودمي؟ قتلوا حنظلة وأفدى عَمْراً؟! دعوه في أيديهم.. وبينما هو - أي عمرو - كذلك محبوس في المدينة إذ خرج سعد بن النعمان بن أكال أخو بني عمرو بن عوف... معتمراً... وكان شيخاً مسلماً... فعدا(٢) عليه أبو سفيان بمكة فحبسه بابنه عمرو، ثم قال مفتخراً:

أَرَهْطَ ابْنِ أَكّالٍ أَجِيبُوا دُعَاءَهُ

تَعَاقَدْتُمْ لَا تُسْلِمُوا السّيّدَ الْكَهْلَا

فَإِنّ بَنِي عَمْروٍ لِئَامٌ أَذِلّةٌ

لَئِنْ لَمْ يَفُكّوا عَنْ أَسِيرِهِمْ الْكَبْلَا(١)

وقالت هند بنت عتبة - زوج أبي سفيان، وأم معاوية - تبكي أباها يوم بدر:

____________________

(١) على الرغم مما بين الطرفين من عهد بعدم التعرض للحجيج أو المعتمرين إلا بخير.

(٢) ابن هشام، سيرة النبي محمد: ٢ / ٢٩٤.


يَرِيبُ عَلَيْنَا دَهْرُنَا فَيَسُوءُنَا

وَيَأْبَى فَمَا نَأْتِي بِشَيْءِ يُغَالِبُهْ

فَأَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ عَنّي مَأْلُكاً

فَإِنْ أَلْقَهُ يَوْماً فَسَوْفَ أُعَاتِبُهْ

فَقَدْ كَانَ حَرْبٌ يَسْعَرُ الْحَرْبَ إنّهُ

لِكُلّ امْرِئِ فِي النّاسِ مَوْلىً يُطَالِبُهُ (١)

وفي ضوء ما ذكرنا نستطيع أن نقول: إن الأمويين قد أصيبوا بنكسة مريعة في بدر، فتحركت حفائظهم وأثيرت ضغائهم القديمة وأحقادهم الجديدة، فألبوا من جديد كفار قريش وألبهم الكفار، على حرب النبي.

وكان أبو سفيان (رأس المؤلبين والحاقدين) قد هيَّأ كفار قريش - وهيَّئوه - لإعلان حرب جديدة على النبي، وتجهز الناس وأرسلوا أربعة نفر منهم عمرو بن العاص.. فساروا في العرب يستنفرونهم. وكان أبو سفيان قائد الناس، فخرج بزوجه هند.. وخرج غيرهم بنسائهم.. الحارث بن المغيرة بفاطمة بنت الوليد أخت خالد... وعمرو بن العاص بريطة بنت منبه.. وكان مع النساء الدفوف يبكين على قتلى بدر ويحرضن بذلك المشركين)(٢) . فخرجت قريش (بحدها وأحابيشها ومن معها من بني كنانة وأهل تهامة وخروجوا معهم بالظعن التماس الحفيظة، ولئلاَّ يفروا. فخرج أبو سفيان بن حرب قائد الناس ومعه هند.. وكانت هند كلما مرت بوحشي - أو مر بها - قالت: إيه أبا دسمة! اشف واشتف.

وأقبل خالد بن الوليد على خيل المشركين.. وأقبل أبو سفيان يحمل اللات والعزى(٣) ، وقامت هند في النسوة اللاتي معها وأخذن الدفوف يضربن بها خلف الرجال ويحرضنهم، وأنشدت هند:

____________________

(١) ابن هشام: سيرة النبي محمد ٢ / ٤١٤، ٤١٥.

(٢) ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ٢ / ١٠٣.

(٣) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ٣ / ١٠، ١٤.


وَيْهَاً بَنِي عَبْدِ الدّارْ

وَيْهَاً حُمَاةَ الْأَدْبَارْ

ضَرْباً بِكُلّ بَتّارْ

إنْ تُقْبِلُوا نُعَانِقْ

وَنَفْرِشُ النّمَارِقْ

أَوْ تُدْبِرُوا نُفَارِقْ

فِرَاقَ غَيْرَ وَامِقْ(١)

وانشد عمرو بن العاص يوم أحد يصف خروجهم لقتال النبي:

خَرَجْنَا مِنْ الْفَيْفَا عَلَيْهِمْ كَأَنّنَا

مَعَ الصّبْحِ مِنْ رَضْوَى الْحَبِيكِ الْمُنَطّقِ

فَمَا رَاعَهُمْ بِالشّرّ إلّا فُجَاءَةَ

كَرَادِيسُ خَيْلٍ فِي الْأَزِقّةِ تَمْرُقُ(٢)

ووقفت هند والنسوة اللاتي معها يمثِّلن بالقتلى من أصحاب الرسول (يجدعن الآذان والأنف حتى اتخذت هند من آذان الرجال خَدَماً) (جمع خَدَمَة وهي الخلخال) وقلائد. وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها.. ثم علت صخرة مشرفة فصرخت بأعلى صوتها:

نَحْنُ جَزَيْنَاكُمْ بِيَوْمِ بَدْرٍ

وَالْحَرْبُ بَعْدَ الْحَرْبِ ذَاتِ سُعْرِ

مَا كَانَ عَنْ عُتْبَة لِي مِنْ صَبْرِ

وَلَا أَخِي وَعَمّهِ وَبَكْرِ(٣)

وكان الحليس بن زبان (على ما يروى ابن هشام في سيرة النبي محمد: ٢ / ٤٤، ٤٥) قد (مر بأبي سفيان وهو يضرب في شدق حمزة بن عبد المطلب، وهو جثة هامدة، ويقول: ذُقْ عُقَقُ.

ولما انصرف أبو سفيان ومن معه نادى: أنَّ موعدكم بدراً للعام القادم. ثم التفت إلى زوجه هند وأنشد مفتخراً(٤) :

أَبَاكِ وَإِخْوَاناً لَهُ قَدْ تَتَابَعُوا

وَحُقّ لَهُمْ مِنْ عَبْرَةٍ بِنَصِيبِ

____________________

(١) ابن هشام، سيرة النبي محمد: ٣ / ١٢، ١٣.

(٢) المصدر نفسه: ٣ / ١١.

(٣) المصدر نفسه: ٣ / ٤١.

(٤) المصدر نفسه: ٣ / ٢١، ٢٢.


وَسَلّى الّذِي قَدْ كَانَ فِي النّفْسِ أَنّنِي

قَتَلْتُ مِنْ النّجّار كُلّ نَجِيبِ

وَمِنْ هَاشِمٍ قَرْماً كَرِيماً وَمُصْعَباً

وَكَانَ لَدَى الْهَيْجَاءِ غَيْرُ هَيُوبِ

وكانت هند حين انصرف المشركون منتصرين من أُحد تنشد:

رَجَعْتُ وَفِي نَفْسِي بَلَابِلُ جَمّةٌ

وَقَدْ فَاتَنِي بَعْضُ الّذِي كَانَ مَطْلَبِي

وَلَكِنّنِي قَدْ نِلْتُ شَيْئاً وَلَمْ يَكُنْ

كَمَا كُنْتُ أَرْجُو فِي مَسِيرِي وَمَرْكَبِي(٢)

أما إسلام هند - في الظاهر - فقد حصل بالشكل التالي:

(لما فتح النبي مكة حضرت إليه هند مع نساء مكة ليبايعنه. فلما تقدمت هند لمبايعته اشترط شروط الإسلام عليها، فأجابته بأجوبة قوية، فمما قاله لها:تبايعينني على أن لا تقتلي أولادك؟! فقالت هند: أمَا نحن فقد ربيناهم صغاراً وقتلتهم كباراً يوم بدر.. فقال:وعلى ألاَّ تزنين؟! فقالت هند: وهل تزني الحرة؟ قالوا: فالتفت رسول الله إلى العباس وتبسَّم)(٣)

يتضح مما ذكرنا جانب من جوانب تعبير الأمويين عن مقتهم للدين الحنيف ولصاحبه، فقد شنوها - كما رأينا - حرباً شعواء لا هوادة فيها على النبي، غير أنهم اندحروا في بدر - كما رأينا - وكادوا ينالون من النبي في موقعة أحد، فقتلوا عمه حمزة ومثّلوا به على شكل من الوضاعة والبشاعة قلَّ أن يعثر المرء على مثلهما في التاريخ. ولولا أنه خيِّل إليهم أن الرسول قد قتل لما رجعوا من المعركة. غير أنهم سرعان ما اجمعوا أمرهم على الرجوع إلى النبي في أحد حينما بلغهم أنه نجا من سيوفهم الظالمة فلقي (معبد الخزاعي، أبا سفيان بن حرب ومن معه بالروحاء.

____________________

(١) القرم: الفحل الكريم من الإبل. والمصعب: الفحل من الإبل. كناية عن حمزة بن عبد المطلب.

(٢) ابن هشام، سيرة النبي محمد: ٣ / ١٥٩.

(٣) ابن الطقطقي الفخري، الآداب السلطانية: ٧٦، ٧٧. لعل ابتسامة النبي تشير إلى حادثة الزنى التي رمى بها الفاكه بن المغيرة زوجه هند، فطلّقها فتزّوجها أبو سفيان.


وقد اجمعوا الرجعة إلى رسول الله وأصحابه، وقالوا: أصبنا جُلَّ أصحابه وقادتهم وأشرافهم، ثم رجعنا قبل أن نستأصلهم، لنكرّنّ على بقيتهم فلنفرغن منهم. فلما رأى أبو سفيان معبداً قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد قد مرج في أصحاب يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، يتحرَّقون عليكم تحرقاً... قال: فوالله لقد أجمعنا الكر عليهم لنستأصل بقيتهم. قال: فإني أنهاك عن ذلك... قال: فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه)(١) .

ولكن إخفاق أبي سفيان (في مؤامرته المسلحة لوَأدِ الإسلام والمسلمين في أُحد) لم يثنه عن مواصلة الكفاح المرير لإثارة وقائع أخرى ضد النبي. وقد نذر أبو سفيان (أن لا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمداً(٢) في كل فرصة ملائمة للإجهاز عليه، وعلى الدين الحنيف. فألب الأحزاب في حرب الخندق... وما بعدها... ولم يعلن إسلامه - في الظاهر - إلا حين رأى أن ذلك أجدى من السيف لتحطيم الإسلام. وهكذا كان أبو سفيان يثيرها حروباً متصلة الحلقات للإيقاع بالنبي وبدينه وبصحبه، فأثار حرب بدر، وأحد، والأحزاب في الخندق، وتآمر مع اليهود للوصول إلى تحقيق غرضه الدنيء.

لقد مر بنا طرف من حوادث إيذاء قريش - وفي مقدمتهم بنو أُمية من النساء والرجال - للنبي، وللمسلمين، وللعقيدة الإسلامية طوال مكوث النبي في مكة (وقد ظهر ذلك الإيذاء بشكل فردي مبعثر أحياناً، وبشكل جماعي منظم أحياناً أخرى. وتفنن المشركون من الأمويين خاصة في ابتداع الوسائل المختلفة لإيذاء الرسول

____________________

(١) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ٣ / ٢٨، ٢٩.

(٢) ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ٢ / ٩٨.


فبعثوا النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط(١) إلى أحبار اليهود لتأليبهم على النبي وتسفيه رسالته، وأرسلوا عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص(٢) إلى الحبشة لإقناع النجاشي بطرد المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة تخلصاً من إيذاء المشركين.

وقد نزل قرآن في ذم كثير من أولئك الذين بالغوا في الاعتداء على الرسول، كأم جميل بنت حرب بن أُمية حمَّالة الحطب(٣) . وكان ذلك كله يجري بمكة طوال مكوث النبي فيها. فلما هاجر النبي إلى المدينة واصل كفار قريش - تحت زعامة الأمويين من النساء والرجال - إيذاء الرسول، هذه المرة عن طريق الحرب، فامتشق(٤) الأمويون الحسام وألبوا قريشاً، وحاربوا النبي في سلسلة من الحروب الفاشلة التي ذكرناها.

ولما رأى المشركون - من بني أُمية وأتباعهم - فشلهم المتواصل لجئوا إلى اتّباع أسلوب جديد للإيقاع بالإسلام، وكان هذا الأسلوب - في واقعه - أكثر الأساليب إيجاعاً للعقيدة الإسلامية. فتقمَّص قادتهم الإسلام والتزموا ببعض مظاهره ليتمكنوا من إعلانها حرباً شعواء على الدين من داخله، بعد أن أعياهم أمره في حربهم إياه من الخارج.

فأسلم أبو سفيان - قائدهم - في الظاهر يوم فتح مكة بعد أن لجأ إلى العباس عم النبي مضطراً والتمسه أن يأخذه إلى الرسول. فلما أتى به العباس، قال له رسوله الله:ألم يئن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟ فقال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، والله لقد علمت لو كان معه إله غيره أغنى عنا! فقال:

____________________

(١) ابن هشام، سيرة النبي محمد: ١ / ٣٢٠.

(٢) المصدر نفسه: ١ / ٣٥٧ - ٣٦٠.

(٣) المصدر نفسه: ١ / ٣٧٦ - ٣٧٨.

(٤) امتشقته: اقتطعته. صحاح اللغة: مادة (مشق).


ويحك ألم يئن لك أن تعلم أني رسول الله؟ قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! أما هذه ففي النفس منها شيء. فقال العباس: ويحك أسلم قبل أن يضرب عنقك! فأسلم)(١) .

وقد حاول أبو سفيان أن يضبط أعصابه - التي نشأت على الكفر وتشرَّبت ببغض الإسلام - فتظاهر بنبذ عبادة الأوثان والاعتراف بالدين الجديد. ولكن ذلك لم يعصمه في مناسبات كثيرة من غمز الدين الجديد، من ذلك - مثلاً -: ما ذكره ابن هشام(٢) حينما خاطب الحارث بن هشام أبا سفيان بعد فتح مكة بقوله: (أما والله لو أعلم أن محمداً نبي لاتبعته! فقال أبو سفيان: لا أقول شيئاً، لو تكلمت لأخبرتْ عني الحصا!) فلو كان أبو سفيان مسلماً صحيح الإسلام لانبرى لتنفيذ زعم ذلك المشرك البغيض. أما إقراره لرأي الحارث ضمنياً - كما يبدو من عبارته - فدليل قاطع على وثنيته.

ذلك ما يتصل بأبي سفيان، أما ما يتصل بغيره من شيوخ الأمويين - الذين اعتمد عليهم عثمان في تدوير شئون المسلمين - فمعروف لدى من لهم أدنى إلمام بالتاريخ الإسلامي في عهد الرسول، فالحكم - أبو مروان وزير عثمان - قد خاض من فحش القول مع الرسول ما يندى من ذكره جبين المسلم؛ الأمر الذي اضطر النبي إلى نفيه من المدينة إلى الطائف. قال البلاذري(٣) : (حدّثني محمد بن سعد الواقدي، عن محمد بن عبد الله الزهري، وحدّثني عباس بن هشام الكلبي، عن أبيه، عن جده، أن الحكم بن العاص بن أُمية عم عثمان بن عفان كان جاراً للنبي في الجاهلية، وكان أشد جيرانه أذى له في الإسلام. فكان يمر خلف النبي فيغمز به ويحكيه ويخلج بأنفه وفمه، وإذا صلَّى قام خلفه فأشار بأصابعه... واطَّلع على ذلك رسول الله ذات يوم في بعض حجر

____________________

(١) ابن خلدون، كتاب العبر: ٢ / ٢٣٤.

(٢) سيرة النبي محمد: ٤ / ٣٣.

(٣) أنساب الأشراف: ٥ / ٢٧.


نسائه فعرفه وخرج إليه... ثم قال:لا يساكني هو ولا ولده فغرَّبهم جميعاً إلى الطائف. فلما استخلف عثمان أدخلهم المدينة).

وابن أبي سرح الذي اختبره النبي في كتابة الوحي فحرَّف وبدل في التنزيل، فأهدر النبي دمه.

والوليد بن عقبة بن أبي معيط الذي نزل فيه قرآن يصفه بالنفاق في قضية بني المصطلق المعروفة، قال تعالى:( يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ ) (١) .

وكان المسلمون في عهد الرسول (يسمّون أبا سفيان وأمثاله من الذين أسلموا بأخَرة، ومن الذين عفا النبي عنهم يوم الفتح بالطلقاء. ومهما يقال عن معاوية فهو ابن أبي سفيان قائد المشركين... وابن هند التي أغرت بحمزة حتى قتل ثم بقرت بطنه ولاكت كبده)(٢) .

وقد ذكر الزبير بن بكار فيالموفقيات (عن المغيرة بن شعبة قال: قال لي عمر يوماً: يا مغيرة، هل أبصرت بعينك العوراء منذ أصيبت؟ قلت: لا. قال: أما والله ليعورن بنو أُمية الإسلام كما أعورت عينك هذه، ثم ليعمينه حتى لا يدري أين يذهب ولا أين يجيء)(٣) .

وذكر البخاري في صحيحه (٨ / ٤٩) (حدّثنا خلاد بن يحيى، حدّثنا سفيان عن منصور، والأعمش عن أبي وائل، عن ابن مسعود قال: قال رجل: يا رسول الله، أتؤاخذنا بما عملنا في الجاهلية؟ قال:من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية. ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والأخر ).

____________________

(١) الحجرات: ٦.

(٢) الدكتور طه حسين، الفتنة الكبرى، ج ٢ (علي وبنوه): ١٥٥.

(٣) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ٣ / ١١٥.


لقد ظهر من تقريب عثمان للأمويين في خلافته وإيثارهم دون غيرهم على سائر المسلمين أشكالٌ مختلفة، أوضحها: الجانب المالي، والجانب السياسي الإداري.

وبقدر ما يتعلق الأمر بالجانب المالي، يمكننا أن نقول: إن عثمان أغدق العطايا على أقربائه من بيت مال المسلمين دون حساب، من ذلك، مثلاً: أن عثمان قد منح مروان بن الحكم - زوج ابنته أم أبان، كما منح ابنته عائشة التي زوجها من الحارث بن الحكم أخي مروان - يوم العرس (مئتي ألف من بيت المال، سوى ما كان قد أقطعه من قطائع، فلما أصبح الصباح جاءه زيد بن أرقم خازنه حزيناً.. يرجو أن يقيله. على أن هذه الواقعة لم تكن ألا حلقة من حلقات سخاء عثمان.

وذات اليوم الأول لخلافته منح أبا سفيان - شيخ بني أُمية - مئة ألف درهم(١) .

وأعطى عثمان كذلك (رجلاً من ذوى قرابته مقداراً ضخماً من بيت المال. واستكثر عامله على بيت المال هذا المقدار فلم يخرجه، فألح عثمان. فأبى الخازن. فلامه عثمان... وقال: ما أنت وذاك؟ إنما أنت خازن! قال له صاحب بيت المال: ما أراني خازناً لك.. لقد كنت أراني خازناً للمسلمين. ثم أقبل بمفاتيح بيت المال فعلّقها على منبر النبي وجلس في داره)(٢) . وتفصيل ذلك على ما رواه البلاذري (أنساب الأشراف: ٥ / ٥٨، ٥٩) أنه: (كان على بيت مال عثمان عبد الله بن الأرقم.. فاستسلف عثمان من بيت المال مئة ألف درهم، ثم قدم عليه عبد الله بن أسيد بن أبي العاص من مكة، وناس معه غزاة، فأمر لعبد الله بثلاثمئة ألف درهم؛ ولكل رجل من القوم بمئة ألف درهم، وصك بذلك إلى ابن الأرقم فاستكثره ورد الصك له. فقال عثمان: إنما أنت خازن لنا فما حملك على ما فعلت؟ فقال ابن الأرقم: كنت أراني خازناً للمسلمين؛ وإنما خازنك غلامك والله لا إلي لك بيت المال أبداً.

____________________

(١) عبد الفتاح عبد المقصود، الإمام علي بن أبي طالب: ٢ / ٢٠، ٢١.

(٢) الدكتور طه حسين، الفتنة الكبرى، ج ٢ (علي وبنوه): ٩٤.


وجاء بالمفاتيح فعلّقها على المنبر.. وبعث عثمان إلى عبد الله بن الأرقم ثلاثمئة ألف درهم فلم يقبلها).

وقد استمر عثمان على هذا المنوال من إيثار بني عمومته والمقربين إليه من بيت المال على حساب المسلمين، حتى تحدث الناس ذات يوم بأن عثمان أخذ من جوهر كان في بيت المال فخلى به بعض أهله فغضب الناس لذلك، ولاموا عثمان فيه حتى أغضبوه، فخطب، فقال: لنأخذ حاجتنا من هذا الفيء وإن رغمت أنوف أقوام! فقال عمار بن ياسر: أشهد الله أن أنفي أول راغم من ذلك. فقال عثمان: أعلي يا ابن المَتْكاء تجترئ؟! خذوه! فأًخذ. ودخل عثمان فدعا به فضربه حتى غشي عليه، ثم أخرج محمولاً حتى أتي به منزل أم سلمة زوج النبي، وظل مغشياً عليه سائر النهار؛ ففاته الظهر والعصر والمغرب. فلما أفاق توضأ وصلى وقال: الحمد لله، هذه ليست أول مرة أوذينا فيها في الله. ويقال: إن أم سلمة - أو عائشة - أخرجت شيئاً من شعر النبي وثوباً من ثيابه ونعلاً من نعاله وقالت: هذا شعر النبي وثوبه ونعله لم يبل وأنتم تعطلون سنته؟! وضج الناس، وخرج عثمان عن طوره حتى لا يدري ما يقول)(١) .

وإذا صحت الرواية المذكورة فإن عثمان قد ارتكب خطأين في آن واحد: تبذير أموال المسلمين، والاعتداء على رجل من خيرة الصحابة. (ولسنا بحاجة إلى أن نناقش في صحة ما جاءت به الرواية من أن عثمان أعطى مروان بن الحكم خمس الغنيمة التي غنمها المسلمون في إفريقية.. ومن أنه أعطى الحكم عمه، وأعطى ابنه الحارث ثلاثمئة ألف،

____________________

(١) الدكتور طه حسين، الفتنة الكبرى، ج ١ (عثمان بن عفان): ١٦٧. البلاذري، أنساب الأشراف: ٥ / ٤٨.


وأعطى عبد الله بن خالد بن أسيد الأموي ثلاثمئة ألف، وأعطى كل واحد من الذين وفدوا مع عبد الله بن خالد مئة ألف، وأعطى الزبير بن العوام ستمئة ألف، وأعطى طلحة بن عبيد الله مئة ألف، وأعطى سعيد بن العاص مئة ألف، وزوَّج ثلاثاً أو أربعاً من بناته لنفر من قريش، فأعطى كل واحد منهم مئة ألف دينار)(١) .

ويقول البلاذري في هذا الصدد(٢) : (حدّثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن أسامة بن زيد بن أسلم، عن نافع مولى الزبير، عن عبد الله بن الزبير قال: أغزانا عثمان سنة ٢٧ إفريقية، فأصاب عبد الله بن سعيد بن أبي سرح غنائم جليلة. فأعطى عثمان مروان بن الحكم خمس الغنائم....

وحدّثني عباس بن هشان الكلبي عن أبيه.. عمّن حدثه قال:كان عبد الله بن سعد بن أبي سرح أخا عثمان من الرضاعة، وعامله على المغرب، فغزا إفريقية سنة ٢٧ هـ فافتتحها فابتاع خمس الغنيمة بمئة ألف أو مئتي ألف. فكلّم عثمان فوهبها له، فأنكر الناس ذلك على عثمان....

وحدّثني، محمد بن سعد، عن الواقدي، عن عبد الله بن جعفر، عن أم بكر، عن أبيها، قالت: قدمت إبل الصدقة على عثمان فوهبها للحارث بن الحكم بن أبي العاص.

وحدّثني محمد بن حاتم بن ميمون، حدّثنا الحجاج الأعور، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: كان مما أنكروا على عثمان أنه ولَّى الحكم بن أبي العاص صدقات قضاعة فبلغت ثلاثمئة ألف درهم فوهبها له حين أتاه بها..

ولما أعطى عثمان مروان بن الحكم ما أعطاه،

____________________

(١) الدكتور طه حسين، الفتنة الكبرى، ج ١ (عثمان بن عفان): ١٩٣.

(٢) أنساب الأشراف: ٥ / ٢٧ / ٢٨ / ٥٢.


وأعطى الحارث بن الحكم بن أبي العاص ثلاثمئة ألف درهم.. وأعطى زيد بن ثابت الأنصاري مئة ألف درهم، جعل أبو ذر يتلو قول الله:( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ... ) (١) فرفع ذلك مروان بن الحكم إلى عثمان.. فأرسل إلى أبي ذر نائلاً مولاه: أن انته عما بلغني عنك. فقال: أينهاني عثمان عن قراءة كتاب الله وعيب من ترك أمر الله؟! فوالله لسخط عثمان أحب إلي وخير لي من سخط الله).

ولعل تصرُّف عثمان في بيت المال على الشكل الذي وصفناه، وإيقاعه بالصحابة الذين اعترضوا على ذلك، يبدو بشكل أوضح مما ذكرناه إذا قارناه - حسب قاعدة: وبضدها تتميز الأشياء - بتصرف علي أثناء خلافته في بيت المال، وبموقفه ممن لامه على اتباعه الحق، بله الباطل الذي هو أسمى من أن يهبط إليه.

(نزل بالحسين ابنه ضيف، فاستسلف درهماً اشترى به خبزاً، واحتاج إلى الإدام فطلب من قنبر خادمهم أن يفتح لهم زقاً من زقاق عسل جاءتهم من اليمن. فأخذ منها رطلاً، فلما طلبها علي ليقسمها، قال:يا قنبر، أظن أنه حدث بهذا الزق حدث!، فأخبره، فغضب، وقال:عليّ بحسين. فقال له:ما حملك أن أخذت من قبل القسمة؟ قال:إن لنا فيه حقاً فإذا أعطينا رددناه ، قال:

وإن كان لك حق فليس أن تنتفع بحقك قبل أن ينتفع المسلمون بحقوقهم.. ثم دفع إلى قنبر درهماً كان مصروراً في ردائه، وقال:اشتر به خير عسل تقدر عليه )(٢) .

وذكر عقيل بن أبي طالب لمعاوية بن أبي سفيان عندما التحق به فاراً من عدل الإمام (أصابتني مخمصة شديدة، فجمعت صبياني وجئت علياً بهم، والبؤس والضر

____________________

(١) التوبة: ٣٤.

(٢) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ٣ / ٨١ - ٨٣. هذا النص مخالف لما عليه الشيعة الإمامية. (الناشر)


ظاهران عليهم! فقال:ائتني عشية لأدفع إليك شيئاً ، فجئته يقودني أحد ولدي، فأمره بالتنحي، ثم قال:ألا دونك ، فأهويت حريصاً قد غلبني الجشع أظنها صرة فوضعت يدي على حديدة تلتهب ناراً، فلما قبضتها نبذتها وخرت كما يخور الثور تحت يد جزار(١) .

وإلى هذه الحادثة يشير الإمام في إحدى خطبه:(رأيت عقيلاً وقد أملق حتى استماحني من برِّكم صاعاً. ورأيت صبيانه شعث الشعور، غبر الألوان من فقرهم، عاودني مؤكداً وكرَّر عليَّ القول مردداً، فأصغيت إليه سمعي، فظن أني أبيعه ديني وأتبع قياده مفارقاً طريقي، فأحميت له حديدة، ثم أدنيتها من جسمه ليعتبر بها، فضج ضجيج ذي دنف من ألمها.. فقلت له: ثكلتك الثواكل يا عقيل.. أتئن من حديدة أحماها إنسانها للعبه، وتجرّني إلى نار سجرَّها جبَّارها لغضبه؟!) (٢) .

ويتجلَّى أروع مواقف الإمام في ضبط النفس في معاملته للخوارج الذين هم على باطل من وجهة نظره على كل حال.. فلم نشهد له موقفاً معهم على باطلهم، يشبه موقف عثمان مع عمار على حقه. يقول الدكتور طه حسين(٣) : جاء علياً أحد الخوارج (وهو الحريث بن راشد السامي، فقال له: والله لا أطعت أمرك، ولا صليت خلفك.. فلم يغضب علي لذلك، ولم يبطش به، إنما دعاه إلى أن يناظره ويبيِّن له وجه الحق لعله أن يثوب إليه، فقال الحريث: أعود غداً، فقبل منه علي).

ولم يقف تمزيق عثمان لأموال المسلمين عند حد تفريقه إياها على الأصهار وذوي القرابة، إنما تعداه إلى الأصدقاء والمقرَّبين والأتباع.

____________________

(١) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة.

(٢) المصدر نفسه: ٣ / ٨٠.

(٣) الفتنة الكبرى، ج ٢ (علي وبنوه): ١٢٥.


فقد وصل عثمان (الزبير بن العوام بستمئة ألف. ووصل طلحة بمئة ألف ونزل عن دين كان له عنده)(١) .

وبقدر ما يتعلق الأمر بهذا الجانب من جوانب سياسة ابن عفان يمكننا أن نقول بنشوء هوة سحيقة بين المقرَّبين إليه من الأقرباء والأصهار والأصدقاء من جهة، وبين سائر المسلمين من جهة أخرى. فبينما نجد أكثرية المسلمين تعيش على الطوَى، ويحرم القسم الكبير منها حقه في بيت المال، نرى المقرَّبين إلى الخليفة - بالإضافة إلى ذوي قرابته - الذين استأثروا بحصة الأسد من غنيمة أموال المسلمين، يبلغ ترفهم وثراؤهم إلى الأذقان.

ففي أيام عثمان - على ما يروي المسعودي(٢) -: (اقتنى جماعة من أصحابه الضياع والدور، منهم: الزبير بن العوام، بني داره بالبصرة وهي المعروفة في هذا الوقت، وهو سنة ٣٣٢ هـ اثنتين وثلاثين وثلاثمئة، تنزلها التجار وأرباب المال.. وابتنى أيضاً دوراً بمصر والكوفة والإسكندرية، وما ذُكِر من دوره وضياعه فمعلوم.. وبلغ مال الزبير بعد وفاته خمسين ألف دينار، وخلَّف الزبير ألف فرس، وألف أمة...

وكذلك طلحة بن عبيد الله التميمي ابتنى داره المشهورة في الكوفة. وكان غلته من العراق كل يوم ألف دينار - وقيل أكثر من ألف. وبناحية سراة أكثر مما ذكرنا. وشيَّد داره بالمدينة وبناها بالآجر والجص والساج.

وكذلك عبد الرحمن بن عوف الزهري ابتنى داره ووسعها، وكان على مربطه ألف فرس، وله ألف بعير، وعشرة آلاف من الغنم

____________________

(١) الدكتور طه حسين، الفتنة الكبرى، ج ١ (عثمان بن عفان): ٧٧.

(٢) مروج الذهب ومعادن الجوهر: ٢ / ٢٢٢.


وبلغ بعد وفاته ربع ثمن ماله أربعة وثمانين ألفاً).

يتضح مما ذكرنا (أن السياسة المالية التي اصطنعها عثمان منذ أن نهض بالخلافة كانت كلها موضع نقمة وإنكار من أكثر الذين عاصروه ومن أكثر الرواة والمؤرِّخين.

كان عثمان - قبل أن يلي الخلافة - كثير المال. فلما تولى الخلافة شغلته عن التجارة.. ولم يكن له بد من أن ينفق على نفسه وأهله وذوي قرابته بعد الخلافة كما كان ينفق قبلها، فكان يرى فيما يظهر أن الخلافة يجب ألا تغير من سيرته في المال شيئاً، فإذا لم يسعفه ماله الخاص وجب أن تسعفه الأموال العامة)(١) .

وإذا استباح الخليفة لنفسه أن ينتفع ببيت المال لأغراضه الآنفة الذكر، فإن ذلك قد شجّع عمّاله على السير في مال المسلمين سيرة إمامهم، فأعطوا واقرضوا والتوى بعضهم بالدين، فاستقال عبد الله بن مسعود في الكوفة، كما استقال عبد الله بن الأرقم في المدينة. وإذا أطلق الإمام يده وأطلق العمّال أيديهم في الأموال العامة على هذا النحو لم يمكن غريباً أن يحتاج الجند إلى المال فلا يجدون، وأن يضطر الإمام أن يُنفق على الحرب من أموال الصدقة فيعرض نفسه لما تعرَّض إليه من الإنكار... وإذا أطلق يده في الأموال العامة على هذا النحو لم يكن غريباً أن تمتد هذه الأيدي إلى أموال الصدقة للإنفاق على الحرب، بل للعطاء وصلة الرحم، كما يروى أن عثمان أرسل الحارث بن الحكم مصدقاً على قضاعة، فلما جاء بصدقاتهم وهبها له... على أن عثمان لم يقتصر على السائل من المال، بل تجاوز إلى الجامد أيضاً؛ فقد نقم الناس من عثمان أنه كان يقطع القطائع الكثيرة في الأمصار لبني أُمية.

____________________

(١) الدكتور طه حسين، الفتنة الكبرى، ج ١ (عثمان بن عفان): ١٩٠.


وقد دافع أهل السنة والمعتزلة عن هذا الإقطاع بأن عثمان إنما أقدم عليه استصلاحاً لهذه الأرض.. ويرد الشيعة عليهم بأن عثمان نفسه لم يدافع عن نفسه هذا الدفاع، وكان من الممكن أن يرد الشيعة أيضاً بأن بني أُمية لم يكونوا أخصَّائيِّين من دون قريش في استصلاح الأرض)(١) .

وفي ضوء ما ذكرنا نستطيع أن نقول مع الدكتور طه حسين(٢) : (إن السياسة المالية لعثمان كانت تنتهي إلى نتيجتين كلتاهما شر: الأولى إنفاق الأموال العامة في غير حقها.. والأخرى إنشاء هذه الطبقة الغنية المسرفة في الغنى التي تستجيب لطمع لا حد له، فتتوسع في ملك الأرض واستغلال الطبقة العاملة، ثم ترى لنفسها من الامتياز ما ليس لها، ثم تتنافس في التسلط). وقد حدث ذلك بالفعل واستفحل في خلافة الإمام علي كما سنرى.

ذلك ما يتعلق بأسلوب عثمان في صرف المال وبسياسته العامة في هذه الناحية.. أما ما يتعلق بسياسته الإدارية فمن الممكن أن يقال عنه: بأن عثمان كان يعتمد بالدرجة الأولى، من حيث الولاة والمتنفذين، على مروان بن الحكم، مستشاره ووزيره، وعلى ولاة آخرين من أصهاره وذوي قرابته (مر بنا ذكر أسمائهم). وقد أخذ هؤلاء الولاة القساة الفجرة بدورهم - كما سنرى - يعبثون بشئون المسلمين والإسلام بشكل لم يألفه الناس من قبل. وعثمان من ورائهم يسندهم ويختلق لهم المعاذير لتبرير أفعالهم الناشزة.

____________________

(١) الدكتور طه حسين، الفتنة الكبرى، ج ١ (عثمان بن عفان): ١٩٣، ١٩٤.

(٢) المصدر نفسه: ١٩٥.


وأنكى من ذلك أن عثمان نفسه كان - على الرغم مما عُرف فيه من وداعة ولين - على جانب كبير من القسوة في معاملة أجلَّة الصحابة، بله عامة الناس... وموقفه الغليظ من عبد الله بن مسعود، وأبي ذر الغفاري، وعمار بن ياسر، معروف لدى الكثيرين.

والأنكى من ذلك كله أن هؤلاء الرجال الصالحين - بشهادة الرسول - قد امتهنهم الخليفة واعتدى عليهم بالضرب المبرح والنفي والكلام الجارح، دون أن يقوموا بعمل يستحقون عليه العقاب، اللَّهُم إلا إذا اعتبرنا عتابهم لعثمان على بعض تصرُّفاته الناشزة شيئاً يستحقون عليه العقاب. قال البلاذري(١) : (حدّثنا محمد بن عيسى بن سميع، عن محمد بن أبي ذئب، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: ولما ولي عثمان كره ولايته نفر من أصحاب رسول الله.. وكان كثيراً ما يولِّي من بني أُمية من لم يكن له مع النبي صحبة. وكان يُستَعْتَب فيهم فلا يعزلهم، فلما كان في الست الأواخر استأثر ببني عمه فولَّاهم. وولى عبد الله بن سعد بن أبي سرح مصر فمكث فيها سنين، فجاءه أهل مصر يشكونه ويتظلَّمون منه... فكتب إليه كتاباً يتهدَّده فيه، فأبى أن ينزع عما نهاه عثمان عنه. وضرب بعض من كان شكاه إلى عثمان من أهل مصر حتى قتله. فخرج من أهل مصر وفد إلى المدينة فنزلوا المسجد وشكوا ما صنع بهم ابن أبي سرح في مواقيت الصلاة إلى أصحاب محمد، فقام طلحة إلى عثمان فكلمه بكلام شديد. وأرسلت إليه عائشة تسأله أن ينصفهم من عامله).

____________________

(١) أنساب الأشراف: ٥ / ٢٥ - ٢٦.

(٢) المصدر نفسه: ٥ / ٤٩.


وقد كتب إلى عثمان جماعة من الصحابة فيهم: المقداد، وعمار، وطلحة، والزبير، على ما يقول البلاذري(١) : (كتاباً عدُّوا فيه إحداث عثمان، وخوَّفوه ربه واعلموه أنهم مواثبوه إن لم يقلع، فأخذ عمار الكتاب وأتاه به، فقرأ سطراً منه. فقال له عثمان: أعلي تقدم من بينهم؟ فقال عمار: لأني أنصحهم لك. فقال: كذبت يا ابن سمية، فقال: أنا والله ابن سمية وابن ياسر. فأمر غلمانه فمدوا بيديه ورجليه، ثم ضربه عثمان برجليه وهي في الخفين على مذاكيره فأصابه الفتق، وكان ضعيفاً كبيراً، فغشى عليه).

ويلوح للباحث في ضوء ما ذكرناه أن السياسة العامة للدولة كانت مبنية في جوانبها المالية والإدارية على العبث بمقدرات المسلمين، وعلى الخروج على روح الإسلام لكسب ولاء الناس للأمويين من جهة، وللتنكيل بمن يناوئونهم أو ينتصرون للدين الحنيف وحتى لـ (سيرة الشيخين) تلك السيرة التي تسلّم عثمان الخلافة على أساس السير وفق مستلزماتها كما ذكرنا (عند البحث في الشورى) من جهة أخرى. قال الواقدي(٢) : (أنكر الناس على عثمان إعطاءه سعيد بن العاص مئة ألف درهم، فكلَّمه عليّ وآخرون في ذلك، فقال: إن له قرابة ورحماً، قالوا: أفما كان لأبي بكر وعمر قرابة وذو رحم؟ فقال: إن أبا بكر وعمر كانا يحتسبان في منع قرابتهما، وأنا احتسب في إعطاء قرابتي). فهل هذه السياسة تتفق مع (سيرة الشيخين)؟

ويبدو للباحث كذلك.. أن سيرة عثمان في رعيته لم تكن - في كثير من وجوهها - غير منسجمة مع (سيرة الشيخين) فحسب، بل كانت (في كثير من الأحيان) غير متفقة كل الاتفاق مع نصوص القرآن وسنة الرسول. وجملة القول: إن عثمان في كثير من تصرفاته، بالإضافة إلى سياسته المالية التي ذكرناها، وبالإضافة إلى سياسته الإدارية التي سنذكرها، كان مجافياً لروح الإسلام.

____________________

(١) البلاذري، أنساب الأشراف: ٥ / ٤٩.

(٢) المصدر نفسه: ٥ / ٢٧.


ذلك ما يتصل بالسياسة المالية لابن عفان:

أما ما يتصل بالسياسة الإدارية (والسياسية)، فقد اعتمد عثمان في إدارته على ذوي قرابته بالدرجة الأولى. وليس في ذلك ضير، وإن كان الناس - منذ قديم الزمان - ينكرون على حكَّامهم إيثار ذوي قرباهم بشئون الحكم والإدارة وما ينتج عنهما. هذا إذا كان ذوو القرابة من أصحاب الكفاءة والسيرة الحسنة، فكيف بهم إذا كانوا من النوع الذي اعتمد عليه عثمان! فبعضهم نزل بهم قرآن في نفاقهم وكذبهم.

وها نحن نقص على القارئ جانباً من سيرتهم على سبيل التمثيل لا الحصر:

لنبدأ بالوليد بن عقبة بن أبي معيط والي الكوفة، متتبعين تاريخه منذ عهد الرسول. ذكر ابن هشام(١) أن النبي بعث (إلى بني المصطلق، بعد إسلامهم، الوليد بن عقبة بن أبي معيط... يطالبهم بالصدقة.. فرجع إلى الرسول فأخبره أن القوم قد هموا بقتله، ومنعوه ما قبلهم من صدقتهم... فبيناهم على ذلك قدم وفدهم إلى رسول الله، فقالوا: يا رسول الله، سمعنا برسولك فخرجنا إليه لنكرمه ونؤدي ما قبلنا من الصدقة، فانشمر راجعاً، فبلغنا أنه زعم أنا خرجنا لنقتله. فانزل الله فيه:( يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمينَ ) (٢) .

وذكر بعض الرواة(٣) أن امرأة الوليد بن عقبة جاءت إلى النبي تشتكي إليه الوليد لأنه كان يضربها، فأمرها النبي بالرجوع إليه وإخباره بأن الرسول قد أجارها، فانطلقت

____________________

(١) سيرة النبي محمد: ٣ / ٣٤٠، ٣٤١.

(٢) الحجرات: ٦.

(٣) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ٤ / ١٩٥ (طبعة مصر).


ثم رجعت (فقالت: إنه ما أقلع عني، فقطع الرسول هدية من ثوبه، وقال:اذهبي بها إليه وقولي: إن رسول الله قد أجارني ، فانطلقت، فمكثت ساعة ثم رجعت، فقالت: ما زادني إلا ضرباً).

وذكر المسعودي(١) في معرض التحدُّث عن هذا المنافق أثناء توليته (من قبل عثمان) إمرة الكوفة: أن الوليد بن عقبة كان يشرب مع ندمائه ومغنيه من أول الليل إلى الصباح، فلما أذنَّ المؤذِّن للصلاة خرج منفصلاً في غلائله، فتقدم إلى المحراب في صلاة الصبح، فصلى بهم أربعاً، وقال: تريدون أن أزيدكم؟ وقيل: إنه قال في سجوده وقد أطال: اشرب واسقني! فقال له بعض من كان خلفه في الصف الأول: والله، لا أعجب إلا ممن بعثك إلينا والياً وعلينا أميراً.

وخطب الناسَ الوليدُ: فحصبه الناس بحصباء المسجد، فدخل قصره يترَّنح ويتمثَّل بأبيات تأبط شراً:

ولست بعيداً عن مدام و قينة

ولا بصفا صلد عن الخير معزل

ولكنني أروي من الخمر هامتى

وأمشى الملا بالشاحب المتسلسل (٢)

وكان الوليد زانياً يشرب الخمر، فشرب بالكوفة وقام ليصلي.. فتقيأ في المحراب بعد أن قرأ بهم رافعا صوته:

علق القلب الربابا

بعد ما شابت وشابا

فشخص أهل الكوفة إلى عثمان فأخبروه بخبره وشهدوا عليه بشرب الخمر، فأتى به، فأمر رجلاً من المسلمين أن يضربه الحد، فلما دنا منه قال: نشدتك الله وقرابتي... فتركه، فخاف علي أن يعطّل الحد فقام إليه فحده بيده... فخرج رهط من أهل الكوفة إلى عثمان في أمر الوليد، فقال:

____________________

(١) المسعودي، مروج الذهب: ٢ / ٢٢٤، ٢٢٥.

(٢) ويذكر المسعودي (مروج الذهب: ٢ / ٢٢٥) أن أبا الوليد كان يهودياً.


أكلما غضب رجل على أميره رماه بالباطل!!.. فاستجاروا بعائشة، وأصبح عثمان فسمع من حجرتها صوتاً وكلاماً فيه بعض الغلظة. فقال: أمَا يجد فسَّاق العراق ومرّاقها ملجأ إلا بيت عائشة!! فسمعت عائشة، فرفعت نعل رسول الله وقالت: تركت سنة صاحب هذا النعل(١) ).

ويذكر بعض الرواة أن سبب إمارة الوليد بن عقبة الكوفة من قبل عثمان (أنه لم يكن يجلس مع عثمان على سريره إلا العباس بن عبد المطلب، وأبو سفيان بن حرب، والحكم بن أبي العاص، والوليد بن عقبة. ولم يكن سريره يسع إلا عثمان وواحداً منهم، فأقبل الوليد يوماً فجلس، فجاء الحكم بن أبي العاص، فأومأ عثمان إلى الوليد فرحل له عن مجلسه، فلما قام الحكم قال الوليد: لقد تلجلج في صدري بيتان قلتهما حين رأيتك آثرت عمك على ابن عمك. وكان الحكم عم عثمان، والوليد أخاه لامه، فقام عثمان: إن الحكم شيخ قريش، فما البيتان؟ قال الوليد:

رأيت لعم المرء زلفى قرابة

دوين أخيه حادثاً لم يكن قدما

فأمَّلت عمراً أن يشب(٢) وخالداً

لكي يدعواني يوم نائبة عمَّا

فرَّق له عثمان، وقال: قد وليتك الكوفة(٣) .

ذلك ما يتصل بالوليد بن عقبة، كيفية توليته إمارة الكوفة وموقفه من الرسول والإسلام في عهد النبي، وعبثه بالشريعة السمحاء في تصرفاته التي وصفنا طرفاً منها،

____________________

(١) المسعودي، مروج الذهب: ٢ / ٢٢٤.

(٢) يعنى: عمراً وخالداً ابني عثمان بن عفان.

(٣) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ٤ / ١٩٣.


حتى ليقال إن الوليد بن عقبة (... حين دخل الكوفة والياً عليها مكان سعد قال له سعد: أزائراً يا أبا وهب؟ أم أميراً؟ قال الوليد: بل أميراً يا أبا إسحاق، قال سعد: والله ما أدري، أحمقتُ بعدك، أم كستَ بعدي؟ قال الوليد: ما حمقتَ بعدي، ولا كستُ بعدك؟ وإنما ولي القوم الأمر فاستأثروا، قال سعد: ما أراك إلا صادقاً (١) .

أما ما يتصل بالولاة الآخرين فالمعروف نذكر منهم:

عبد الله بن عامر الذي ولاه عثمان البصرة، وكان شاباً حدثاً (لم يتجاوز سنه الخامسة والعشرين بعد، وإنّ في المهاجرين والأنصار وغيرهم من العرب من هم أكبر منه سناً وأكثر تجربة وأقدم منه سابقاً في الدين(٢) .

أما عبد الله بن سعد بن أبي سرح الذي ولاَّه عثمان مصر، فكان عثمان نفسه يعلم أن الله أنزل في دمه قرآناً... وأن النبي كان قد أهدر دمه يوم الفتح(٣) .

تلك جوانب من تصرفات ولاة عثمان.

أما تصرفات عثمان نفسه تجاه بعض كبار الصحابة الذين أنكروا عليه بعض أعماله أو أعمال ولاته لعدم انسجامها مع مبادئ الدين الحنيف، فهي الأخرى كانت على جانب كبير من الغلظة، فقد خالف عبد الله بن مسعود عثمان بن عفان رأيه في جمع القرآن، فلم يعالجه عثمان بالإقناع أو يصرفه بالمعروف، بل أمر به أن يؤدّب لاجترائه، فصر به بعض عبيده وضربوا به الأرض إمعاناً منهم في الشدة عليه حتى كسروا أضلاعه، ثم لم تقر عين الخليفة حتى اتبع هذا التعذيب بقطع العطاء عنه).

____________________

(١) الدكتور طه حسين، الفتنة الكبرى، ج ١ (عثمان بن عفان): ١٨٧.

(٢) المصدر نفسه: ١٨٨.

(٣) عبد الفتاح عبد المقصود، الإمام علي بن أبي طالب: ٢ / ٣٣.


وراع أبا ذر إسراف عثمان وتبديده أموال المسلمين على ذوى قرباه، فأنكر ذلك عليه واستكثره واستشهد بآيات من القرآن (وقد شكا مروان بن الحكم إلى عثمان مقالة أبي ذر هذه، فأرسل عثمان إليه مولاه ينهاه. فقال أبو ذر: لئن أرضي الله بسخط عثمان أحب إلي من أن أرضي عثمان بسخط الله. فنفاه عثمان إلى الربذة فمات هناك)(١) .

وعندما بلغ عثمان موت أبي ذر بالربذة قال: رحمه الله،على ما يحدثنا البلاذري(٢) ، فقال: عمار بن ياسر نعم.. فرحمه الله من كل أنفسنا. فقال له عثمان: يا عاض أير أبيه أتراني ندمت على تسييره! وأمر فدفع في قفاه وقال: الحق بمكانه، فلما تهيأ للخروج جاء بنو مخزوم إلى علي فسألوه أن يكلِّم عثمان فيه. فقال له علي:يا عثمان، اتق الله فإنك سيّرت رجلاً صالحاً من المسلمين فمات في تسييرك. ثم أنت الآن تريد أن تنفى نظيره! وجرى بينهما كلام حتى قال عثمان لعلي: أنت أحق بالنفي منه. فقال علي:رم ذلك إن شئت . واجتمع المهاجرون فقالوا: إن كنت كلما كلّمك رجل سيرته ونفيته فإن هذا شيء لا يسوغ. فكفَّ عن عمار).

وتداول الزبير بن العوام الرأي كما ذكرنا، مع نفر من الصحابة، في سوء الأوضاع العامة فانتهى بهم الأمر إلى كتاب رفعوه إلى عثمان فحمله عمار بن ياسر إليه، فلما دخل عمار على عثمان ومعه مروان، قال مروان لعثمان:

____________________

(١) الدكتور طه حسين، الفتنة الكبرى، ج ١ (عثمان بن عفان): ص ١٦٣.

(٢) أنساب الأشراف: ٥ / ٥٤، ٥٥.


إن هذا العبد الأسود قد جرَّأ عليك الناس، وإنك إن قتلته نكلت به من وراءه.. فما أسرع أن قرَّه عثمان على رأيه العجيب البغيض. وتناول عصاه فضرب بها الشاكي وأعانه على الضرب أهل بيته، ومن حضر مجلسه من بني أُمية. حتى فتقوا بطن الرجل وألقوه على جانب الطريق في ذلك اليوم البارد الممطر(١) .

وفي ضوء ما ذكرنا نستطيع أن نقول مع الدكتور طه حسين: إن عثمان، مهما يكن اعتذار أهل السنة والمعتزلة عنه، فإنه قد أسرف وترك عمّاله يسرفون في العنف بالرعية ضرباً ونفياً وحبساً. وهو نفسه قد ضرب - أو أمر بضرب - رجلين من أعلام صحابة النبي. ضرب عمار بن ياسر حتى أصابه الفتق، وأمر من أخرج عبد الله بن مسعود من مسجد النبي إخراجاً عنيفاً حتى كسر بعض أضلاعه. ومهما يكن من أمر هذين الرجلين الجليلين.. فما نعلم أنه حاكمهما وأقام عليهما الحجة وأباح لأحد منهما الدفاع عن النفس، وإنما سمع فيهما قول عمّاله أو قول حاشيته، ثم عاقبهما دون أن يقيم البينة. وليس له من هذا كله شيء.. وهو نفسه شق على أبي ذر حتى نفاه لا لشيء إلا لأنه أنكر سياسته العامة في الأموال.. ثم هو أذِن لعمّاله أن يُخرجوا الناس من ديارهم كلما آنسوا منهم بعض ما يكرهون. فجعل عمّالُه يتقاذفون فريقاً من أهل الكوفة يرسلهم سعيد إلى معاوية! ثم يردهم معاوية إلى سعيد! ثم يرسلهم سعيد إلى عبد الرحمن بن خالد! دون أن يحاكموا أو تقوم عليهم البينة، ويسمع منهم دفاعهم عن أنفسهم(٢) .

____________________

(١) عبد الفتاح عبد المقصود، الإمام علي بن أبي طالب: ٢ / ٣٤، ٣٥.

(٢) الدكتور طه حسين، الفتنة الكبرى، ج ١ (عثمان بن عفان): ص ١٩٨، ١٩٩.


وقد روى لنا البلاذري(١) قصة عزل عثمان عبد الله بن مسعود عن بيت المال في الكوفة وأسباب ذلك العزل ونتائجه. أما التعليق على ذلك فنتركه للقارئ:

(لما قَدِم الوليد بن عقبة والياً على الكوفة ألفى ابن مسعود على بيت المال، فاستقرضه مالاً... فأقرضه.. ثم إنه اقتضاه إياه، فكتب الوليد في ذلك إلى عثمان فكتب عثمان إلى عبد الله بن مسعود: إنما أنت خازن لنا فلا تعرض للوليد في أخذ المال. فطرح ابن مسعود المفاتيح وقال: كنت أظن أني خازن للمسلمين. فأما إذا كنت خازنا لكم فلا حاجة لي في ذلك. وأقام بالكوفة بعد إلقائه مفاتيح بيت المال) فكتب الوليد بذلك إلى عثمان (فكتب إليه عثمان يأمره بإشخاصه وشيعته أهل الكوفة، فأوصاهم بتقوى الله ولزوم القرآن، فقالوا له: جزيت خيراً؛ فلقد علَّمت جاهلنا، وثبَّت عالمنا، وأقرأتنا القرآن، وفقَّهتنا في الدين... وقدم أبن مسعود المدينة وعثمان يخطب على منبر الرسول. فلما رآه قال: إنه قدمت عليكم دويبة سوء.. فقال ابن مسعود: لست كذلك ولكنني صاحب رسول الله. ثم أمر عثمان به فأخرج من المسجد إخراجاً عنيفاً وضرب به عبد الله بن زمعة الأرض(٢) .

فأقام عبد الله بن مسعود بالمدينة (لا يأذن له عثمان في الخروج منها إلى ناحية من النواحي... حتى توفّي قبل مقتل عثمان بسنتين...

ولما مرض ابن مسعود مرضه الذي مات فيه أتاه عثمان عائداً. فقال: ما تشتكى؟ قال: ذنوبي.

____________________

(١) أنساب الأشراف: ٥ / ٥٤، ٥٥.

(٢) المصدر نفسه: ٥ / ٣٦.


قال فما تشتهي؟ قال: رحمة ربي. قال: أفلا آمر لك بعطائك؟ قال: منعتنيه وأنا محتاج إليه، وتعطنيه وأنا مستغنٍ عنه! قال: يكون لولدك. قال: رزقهم على الله. فقال عثمان: استغفر الله لي يا أبا عبد الرحمن. قال: أسأل أن يأخذ لي منك بحقي. وأوصى أن لا يصلِّي عليه عثمان)(١) .

لقد أنكر المسلمون على عثمان تصرفاته التي ذكرنا جانباً منها، لخروجها على روح الإسلام، وسنة الرسول و(سيرة الشيخين). كما أنكروا تصرفات أخرى كثيرة.. كان بعضها خروجاً سافراً على القرآن وسنة النبي. وقد لخصها الدكتور طه حسين بقوله: (لقد أنكر خصوم عثمان عليه أنه لم يكن يبدأ خلافته حتى عطل حداَ من حدود الله، وخالف نصاً من نصوص القرآن خلافاً خطيراًَ؛ وذلك حين عفا عن عبيد الله بن عمر بن الخطاب ولم يقتص منه للهرمزان وجفينة، وبنت أبي لؤلؤة، فقد كان الهرمزان أميراً فارساً مسلماً، وكان الآخران ذميين. والله قد عصم دماء المسلمين ودماء الذميين، وبيّن الحدود التي تقام حين يعتدي أحد على بعض أولئك أو هؤلاء.. فقال المعارضون: إن إقامة الحد على عبيد الله واجبة بنص القرآن(٢) . وقال عثمان: قتل أبوه أمس وأقتله اليوم(٣) .

والمهم هو أن عثمان عفا عن

____________________

(١) البلاذري، أنساب الأشراف: ٥ / ٣٧.

(٢) البقرة والنساء والمائدة.

(٣) وليس في القرآن ما يشير إلى استثناء الشخص الذي يقتل أبوه من التعرض لإقامة الحدود الدينية بسبب ذلك القتل. وجريرة عبيد الله أنه - بعد أن قتل أبو لؤلؤة أباه - تناول السيف فقتل أبا لؤلؤة، كما قتل الهرمزان، وجفينة، وبنت أبي لؤلؤة دون أن يثبت اشتراكهم في القتل. وكان الواجب على عبيد الله أن يتقدّم بالشكوى إلى الخليفة حسب الأصول المعروفة.


عبيد الله، ثم عاب المسلمون المعاصرون لعثمان عليه بعد هذه القصة مخالفته للسنة المعروفة المستفيضة عن النبي وعن الشيخين وعن عثمان نفسه في صدر من خلافته، وذلك حين أتم الصلاة في منى وقد قصرها النبي، والشيخان وقصرها عثمان نفسه أعواماً.. وقد ينبغي أن تعلم أن مصدر هذا الذي أصاب أصحاب النبي حين رأوا عثمان يتم الصلاة بمنى هو مخالفة السنة الموروثة أولاً. وشيء آخر عظيم الخطر جداً في نفوس المهاجرين، وهو: أن النبي بعد الهجرة قد اتخذ المدينة له ولا صحابه دار إقامة، واتخذ مكة وما حولها دار غربة، وكره لنفسه و أصحابه أن يصلوا الإقامة بمكة حتى لا يظن أنهم يرجعون أو يهمون بالرجوع إليها بعد أن هاجروا منها، وكره أن يموت بعض أصحابه المهاجرين في مكة.

وأنكر خصوم عثمان عليه شيئاً آخر يتصل بركن آخر من أركان الدين، فقالوا: إنه أخذ الزكاة على الخيل، وكان النبي قد أعفى من زكاة الخيل وسار الشيخان سيرته.

وعاب المسلمون على عثمان أنه حمى الحمى، والله ورسوله قد أباحا الماء والهواء والكلأ للناس جميعاً..

وهناك اعتراض آخر وجهه خصوم عثمان إليه وهو أنه أخذ من أموال الصدقة فأنفق منها في الحرب وفي غير الحرب من المرافق العامة(١) . قال المعترضون: إن لأموال الصدقة مصارف معينة بينها الله في قوله: ( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) (٢) .

وعاب خصوم عثمان عليه: أنه حمل الناس على مصحف واحد.. فحرق ما عدا هذا المصحف من الصحف التي كتب فيها القرآن.. فليس على عثمان بأس

____________________

(١) اعتراض غير وجيه لأن الإنفاق من الصدقات سواء كان في الحرب أو في غيره من المرافق العامة. (الناشر)

(٢) التوبة: ٦٠.


في دينه من هذه الناحية.

وقد يمكن أن تعترض عليه في أنه كلف كتابة المصحف نفراً قليلاً من أصحاب النبي وترك جماعة من القرَّاء الذين سمعوا من النبي وحفظوا عنه وعلَّموا الناس في الأمصار.. وهنا نفهم غضب ابن مسعود. فقد كان ابن مسعود من أحفظ الناس للقرآن... أخذ من فم النبي سبعين سورة من القرآن ولم يكن زيد بن ثابت قد بلغ الحلم بعد. فإيثار عثمان لزيد بن ثابت وأصحابه وتركه لابن مسعود وغيره من الذين سبقوا إلى استماع القرآن عن النبي وحفظه عنه قد أثار عليه بعض الاعتراض...

وربما تحرج المسلمون من تحريق ما حرق عثمان من الصحف.. وإذا لم يكن على عثمان جناح فيما فعل من جهة الدين ولا من جهة السياسة، فقد يكون لنا أن نأسف لتحريق تلك الصحف، لأنه إن لم يكن قد أضاع على الإسلام شيئاً من دينهم فقد أضاع على العلماء والباحثين كثيراً من العلم بلغات العرب ولهجاتها. على أن الأمر أعظم خطراً وأرفع شأناً من علم العلماء وبحث الباحثين عن اللغات واللهجات..

وأنكر المنكرون على عثمان خصلة أخرى ما نعرف أن العذر يمكن أن يقوم له فيها؛ ذلك أنه رد عمه الحكم بن أبي العاص وأهله إلى المدينة وكان النبي (صلَّى الله عليه وسلَّم) قد أخرجهم منها إخراجاً عنيفاً. وكان بيت الحكم بن أبي العاص في الجاهلية مجاوراً لبيت النبي، فكان الحكم يؤذي جاره الكريم أشد الأذى وأقبحه.. وقد أقبل الحكم بعد فتح مكة مسلماً ولكن إسلامه لم يكن إلا جُنة يتقي بها الموت؛ وآية ذلك أنه استمر يؤذي النبي بقوله وفعله، فكان يسعى وراءه ويغمزه ويقلِّد حركاته ساخراً منه.. فقد كان أيسر الرعاية لحرمة النبي يقتضي إلا يرده عثمان إلى المدينة، ليساكن النبي فيها ميتاً بعد أن أبى النبي أن يساكنه فيها حياً. وقد دلت سيرة عثمان مع الحكم وبنيه - بعد ذلك - على أنه إنما ردهم إلى المدينة


إيثاراً لهم بالخير وتكاثراً بهم على غيره من المسلمين واستعانة بهم على أمور السياسة.

وقد ولَّى عثمان الحارث بن الحكم شئون المدينة فأسرف على الناس وعلى نفسه وسار سيرة لا تلائم الأمانة ولا التورع... ثم لا يقف عثمان عند هذا الحد، وإنما أعطى الحارث مالاً كثيراً. ثم اختص عثمان بمروان بن الحكم فأعطاه وحباه، واتخذه لنفسه وزيراً ومشيراً.. ولم يكن عثمان ليقف بأحداثه عند هذا الحد وإنما تجاوزه، هو وعماله، إلى أشياء كثيرة تمس حقوق الناس ومصالحهم وحرياتهم)(١) .

ومما زاد الوضع الحرج حراجةً أن قسماً من أهل بيت عثمان ومن المقربين إليه وممن ساعد على جعله خليفة قد بدأ يؤلب الناس عليه (فهذا محمد بن أبي حذيفة.. آذاه أن يؤثر الخليفة عليه سواه من أهله.. فكان يلقى الرجل عائداً من غزوة الروم فيتخابث ويسأل: أمن الجهاد؟ فيجيبه الرجل بنعم، فيشير بإبهامه إلى ناحية الحجاز ويقول: لقد تركنا خلفنا الجهاد.. جهاد عثمان.. حتى مضى وحقده رائده إلى مصر يلوذ بجماعات المخالفين(٢) .

وإلى هذه الحادثة يشير البلاذري(٣) بقوله: (وكانت غزاة ذات الصواري في المحرم سنة ٣٤ وعليها عبد الله بن سعد، فصلى بالناس، فكبّر ابن أبي حذيفة تكبيرة أفزعه بها.. وجعل ابن أبي حذيفة يقول: يا أهل مصر، إنا خلفنا الغزو وراءنا. يعنى غزو عثمان. وبعث عثمان إلى ابن أبي حذيفة بثلاثين ألف درهم ويحمل عليه كسوة.

____________________

(١) الدكتور طه حسين، الفتنة الكبرى، ج ١ (عثمان بن عفان): ١٧٥ - ١٧٦.

(٢) عبد الفتاح عبد المقصود، الإمام علي بن أبي طالب: ٢ / ٤٨.

(٣) أنساب الأشراف: ٥ / ٥٠، ٥١.


فأمر به فوضع في المسجد وقال: يا معشر المسلمين، ألا ترون إلى عثمان يخادعني عن ديني ويرشوني عليه. فازداد أهل مصر عيباً لعثمان وطعناً عليه).

وذاك عبد الرحمن بن عوف يقول للناس: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما ولَّيت عثمان شسع نعلي. وقال: وهو على فراش الموت: عاجلوه.. عاجلوه قبل أن يتمادى في ملكه)(١) .

وذكر البلاذري(٢) :

(حدّثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه‏ قال: لما توفي أبو ذر بالربذة، تذكر علي وعبد الرحمن بن عوف فعل عثمان فقال علي:هذا عملك . فقال عبد الرحمن: إذا شئت فخذ سيفك وآخذ سيفي. إنه قد خالف ما أعطاني.

وحدّثني مصعب بن عبد الله الزبيري، عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه: أن عبد الرحمن أوصى أن لا يصلِّي عليه عثمان)(٣) .

وذلك عمرو بن العاص، الذي وجد على عثمان حين عزله عن مصر.. فكان يؤلِّب الناس ويحرّضهم عليه - ما وسعه ذلك - سراً. على أنه لم يتردد إذ قال لعثمان جهرة في المسجد: إنك ركبت بالناس أموراً وركبناها معك، فتب إلى الله فنتب. وتلقى عثمان ذلك أسوأ لقاء. فلما اشتدت الفتنة، وعرف عمرو أنها منتهية إلى غايتها، آثر أن يعتزلها في طورها ذاك. فخرج إلى أرض كان يملكها بفلسطين فأقام فيها وجعل يتنسم الأخبار.

وكان عمرو وابناه على ما هم عليه بفلسطين حتى جاءهم النبأ بقتل عثمان، فقال

____________________

(١) عبد الفتاح عبد المقصود، الإمام علي بن أبي طالب: ٢ / ٤٧.

(٢) أنساب الأشراف: ٥ / ٧٤.

(٣) فصلَّى عليه الزبير بن العوام على رواية، وسعد بن أبي وقّاص على أخرى، وكان ذلك سنة ٣٢ هـ.


عمرو: أنا أبوك عبد الله ما حككت قرحة إلا أدميتها. يريد أنه مهد للفتنة والثورة لعثمان فأحكم التمهيد وانتهى الأمر إلى غايته)(١) .

ويحدّثنا عمرو نفسه عن بعض ما فعله في التأليب على عثمان وهو في طريقه إلى فلسطين فيقول: والله إني كنت لألقى الراعي فأحرضه على عثمان!)(٢) .

وقد هدَّد عمرو بن العاص عثمان حين حضر الحصار الأول قائلاً: إنك يا عثمان ركبت بالناس النهابير، فاتق الله وتب إليه. فقال: يا ابن النابغة، وإنك ممن يؤلب على الطغام لأني عزلتك عن مصر. فخرج إلى فلسطين فأقام بها في ماله هناك، وجعل يحرّض الناس على عثمان حتى رعاة الغنم. فلما بلغه مقتله قال: أنا أبو عبد الله، إني إذا حككت قرحة نكأتها)(٣) .

وتلك عائشة أم المؤمنين خرجت بقميص النبي، فقالت للناس: (هذا قميص رسول الله لم يبل وعثمان قد أبلى سنته. ثم تقول: اقتلوا نعثلاً، قتل الله نعثلاً)(٤) . ولقد كانت عائشة (أشد نساء النبي إنكاراً على عثمان، ولم تتحرّج أن تصيح به من وراء سترها على المنبر حين عاب عبد الله بن مسعود فأسرف في عيبه. ولم تكن تتحفظ من الاعتراض على كثير من أعمال عثمان ومن سيرة عماله حتى ظن كثير من الناس أنها كانت من المحرضين على الثورة به)(٥) .

وكانت عائشة تؤلب الناس على عثمان (وتدعوا إلى قتله بكل مكان.. ولم تبق بالمدينة لتكف عنه أذى الناس حين حصروه بداره.. وتمضي على الأثر إلى مكة، فلا يمنعها خروجها لأداء واجب ديني مقدس من محاولة التخذيل عن الشيخ، وبث كراهيته في نفوس الحجيج القادمين من كافة الأقطار..

____________________

(١) الدكتور طه حسين، الفتنة الكبرى، ج ٢ (علي وبنوه): ٦٧، ٦٨.

(٢) عباس محمود العقاد، عبقرية الإمام: ٨٣.

(٣) البلاذري، أنساب الأشراف: ٥ / ٧٤.

(٤) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ٤٥٨.

(٥) الدكتور طه حسين، الفتنة الكبرى، ج ٢ (علي وبنوه): ٢٩.


ثم راحت، وهي بموطن الإحرام لا تني تستنبئ كل قادم، وتتنسم أخبار المدينة بلهفة. فلما ألقى إليها ذات يوم بنبأ مكذوب نم عن انتصار الشيخ على خصومه، وقتله المصريين، صاحت بغضب واستنكار: أيقتل قوماً جاءوا يطلبون الحق وينكرون الظلم؟!(١) .

وكانت عائشة قبل خروجها إلى مكة - كما ذكرنا - كثيرة النقد لعثمان، وقد أغلظت له ذات يوم على ما يحدّثنا البلاذري(٢) (وأغلظ لها. وقال: وما أنت وهذا؟ إنما أمرك اللهُ أن تقري في بيتك.. فغضبت وأخرجت شعراً من شعر رسول الله وثوباً من ثيابه ونعلاً من نعاله، ثم قالت: ما أسرع ما تركتم سنة نبيكم! وهذا شعره وثوبه ونعله لم يبلى؟!).

فنشأ عن ذلك كله تذمر عام انتشر في أرجاء بلاد الإسلام وبخاصة في الحجاز ومصر والعراق. والغريب في الأمر هو أن عثمان لم يصغ لنصح الناصحين من أعلام الصحابة.. بل استمر خاضعاً لتوجيهات مروان بن الحكم وتصرّفات عمّاله وأمرائه الذين كانوا - في الواقع - مصدر القلق وموضع الشكوى في بلاد الإسلام.

ولما أخذ الأمر يتفاقم على عثمان، وبدأ الميزان السياسي بالاختلال، جمع عثمان، سنة ٣٤ هـ على ما يقول الرواة، كبار أمرائه: معاوية بن أبي سفيان، وعبد الله بن أبي سرح، وعبد الله بن عامر، وسعيد بن العاص، ليستشيرهم فيما يجب عليه أن يتخذه من الإجراءات لتلطيف حدة التوتر بينه وبين رعيته. (فلما التأمت جماعتهم قال عثمان: إن لكل إمام وزراء، وإنكم وزرائي.. فأمّا معاوية فلم يزد على أن طلب إليه أن يرد العمّال إلى أمصارهم.. وأن يعتمد عليهم في أن يضبط كل واحد مصره ويحزم أمره... وأما سعيد بن العاص، فأشار عليه أن يقتل قادة المعارضة وزعماء الفتنة.

____________________

(١) عبد الفتاح عبد المقصود، الإمام علي بن أبي طالب: ٢ / ٢٧٦ - ٢٧٨.

(٢) أنساب الأشراف: / ٤٨، ٤٩.


وأما عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فأشار عليه أن يترضّى الناس ويعطيهم من بيت المال ويأخذهم عن طريق إطماعهم. وأما عبد الله بن عامر، فأشار عليه بأن يرسل الناس إلى الجهاد ويشغلهم بالحرب ويطيل إقامتهم بالثغور)(١) .

ويلاحظ القارئ أن هذا المؤتمر - بالإضافة إلى أن أعضاءه هم مصدر الشكوى والتذمر - لم ينجح في الاتفاق على حل للمشكلة التي واجهها عثمان؛ وسبب ذلك على ما يبدو هو: أن أعضاءه لم يتفهّموا طبيعة المشكلة التي كانت تهدِّد خلافة عثمان وحياته على السواء، وقد شغل أعضاؤه أنفسهم - كما رأينا - في ابتداع أساليب فاسدة جديدة لإلهاء الناس في أمور خارجية وصرفهم عن التحدث بمشكلات الساعة، أي أن المؤتمرين واجهوا المشكلة بالهروب عنها وعدم التعرض لها.

ومما يلفت النظر أن عثمان نفسه لم يبد رأيه في المشكلة إطلاقاً، ولم يتخذ أي إجراء - وقائي أو علاجي - لمواجهة الموقف المتأزِّم، بله محاولة التغلب عليه. وخطب عثمان في المتذمرين، ولكنه بدلاً من أن يعالج الموقف المتأزم قد ساعد على جعله أكثر تأزماً وحراجة حين قال: (أما بعد: فإن لكل أمة آفة، وإن لكل نعمة عاهة، وإن آفة هذه الأمة وعاهة هذه الملة قوم عيَّابون طعَّانون.. أما والله يا معشر المهاجرين والأنصار لقد عبتم عليَّ أشياء ونقمتم فيّ أموراً قد أقررتم لابن الخطاب بمثلها، ولكنه وقمكم وقماً.. أما والله لأنا أكثر من ابن الخطاب عدداً)...

فعثمان، كما يبدو من خطابه هذا، يشجب الذين انتقدوا سياسته لعدم

____________________

(١) الدكتور طه حسين، الفتنة الكبرى، ج ١ (عثمان بن عفان): ٢٠٦، ٢٠٧.


انسجامها مع القرآن والسنة وسيرة الشيخين - كما رأينا - ويصفهم بأنهم عيّابون طعّانون، دون أن يشير إلى الأمور التي يعيبونها عليه ويطعنون بها على سياسته العامة، ودون أن يناقش تصرّفاته، وتصرفات عمّاله وذوي قرابته في ضوء الأحداث القائمة آنذاك. وأنكى من ذلك أن عثمان حاول تبرير ما أخذه المسلمون عليه بقوله: إن عمر بن الخطاب كان قد فعل مثله دون أن ينقم المسلمون عليه. والأنكى من كل ذلك أنه ختم خطبته بالتهديد والوعيد. وكان الأولى به أن يختمها بذكره وجوه الإصلاح الذي كان الناس يتوقون إليه، والوعد بالابتعاد عما اعتبره المسلمون المعاصرون لعثمان خروجاً على الدين.

ومهما يكن من الأمر، فقد ازداد التذمر، وانتشر بين صفوف الجيش في الثغور، وعاد عبد الله بن سعد ظافراً بقهر أسطول الروم في موقعة ذات الصواري، ولكنه عاد وقد أفسد عليه ابن أبي حذيفة جيشه بما أظهر من النكير عليه وعلى خليفته، وبما كان يقوله للمحاربين: إنكم تسعون إلى الجهاد والجهاد وراءكم في المدينة، حيث يقيم عثمان فيسوس الأمة على غير كتاب الله وسنة رسوله وسياسة صاحبيه، ويعزل أصحاب رسول الله من العمل، ويولي أمور المسلمين جماعة من الفسَّاق وأصحاب المجون. انظروا إلى واليكم وقائدكم إلى الجهاد: إنه نزل القرآن بكفره وأهدر النبي دمه، ولكن عثمان يوليه أمركم على ذلك لأنه أخوه في الرضاعة)(١) .

وقد نتجت عن ذلك كله - بالإضافة إلى ما ذكرنا - معارضة شعبية خفية تجري بها الألسنة ولا يعرف صاحبها، كالذي كان حين وسع عثمان مسجد النبي فقال الناس:

____________________

(١) الدكتور طه حسين، الفتنة الكبرى، ج ١ (عثمان بن عفان): ص ١٢٨.


يوسّع مسجد النبي ويترك سنته. وكالذي كان حين كثر الحمام في المدينة وأقبل الشباب على الرمي، فتقدم عثمان إلى الناس في ذبح الحمام. وولى رجلاً يمنع الرمي بالبندق، فقال الناس: يأمر بذبح الحمام، ويؤوي طريد رسول الله!! يشيرون بذلك إلى إيواء عثمان للحكم بن أبي العاص وبنيه)(١) . قال البلاذري(٢) : (حدّثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: خطب عثمان فأمر بذبح الحمام.. فقال الناس: يأمر بذبح الحمام وقد آوى طرداء رسول الله).

والسؤال الذي لا بد من طرحه وتلمس الإجابة عليه هو: (أين نشأت المعارضة لسياسة عثمان؟ أنشأت في المدينة مستقر الخلافة؟ أم نشأت في الأمصار؟ وبعبارة أدق:.. هل نشأت المعارضة بين أصحاب النبي من المهاجرين والأنصار ثم انتقلت عنهم إلى الجند المرابطين في الأمصار؟ أم نشأت في الجند ثم انتقلت إلى أصحاب النبي في المدينة؟ وواضح جداً أن للإجابة على هذا السؤال خطراً وأي خطر. فإن نشأة المعارضة في المدينة، فمعناها: أن أصحاب النبي قد كانوا أول من أنكر على عثمان بعض سياسته فتبعهم الناس. وإن نشأة المعارضة في الأمصار، فمعناها: أن الجند هم الذين سبقوا إلى الخلاف ثم أقحموا فيه وفي نتائجه أصحابَ النبي.. ونرى أن المعارضة لم تنشأ في المدينة وحدها، وإنما نشأت فيها وفي الأقاليم، بل لعلها نشأت في المدينة ثم في أطراف الأقاليم)(٣) .

____________________

(١) الدكتور طه حسين، الفتنة الكبرى، ج ١ (عثمان بن عفان): ١٦٨.

(١) أنساب الأشراف: ٥ / ٢٧.

(٣) الدكتور طه حسين، الفتنة الكبرى، ج ١ (عثمان بن عفان): ص ١٣٦.


ومن الأدلة على ذلك ما سلف أن ذكرناه من مواقف كبار الصحابة من تصرفات ابن عفان، فقد مر بنا ذكر جانب من موقف أبي ذر، وعبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر.

وفي التاريخ الإسلامي أمثلة كثيرة أخرى من هذا القبيل، ويلوح للباحث أن النقمة على عثمان قد انتقلت - في عاصمة النبي - من طبقات كبار الصحابة إلى من يأتون بعدهم مباشرة في المركز الاجتماعي والديني، وموقف جبلة بن عمرو الساعدي وأمثاله معروف لدى الكثيرين. وقد ذكر البلاذري(١) موقف جبلة هذا حين قال: (مر عثمان بن عفان على جبلة بن عمرو الساعدي وهو على باب داره وقد أنكر الناس عليه ما أنكروه، فقال: يا نعثل، والله لأقتلك ولأحملنك على قلوص جرباء.. أطمعت الحارث بن الحكم السوق وفعلت ما فعلت!! وكان عثمان ولّى الحارث بن الحكم السوق، فكان يشتري الحليب بحكمه ويبيعه بسومه ويجبي مقاعد المتسوقين، ويصنع صنيعاً منكراً. فكُلِّم في إخراج السوق من يده فلم يفعل. وقيل لجبلة في أمر عثمان وسئل الكف عنه فقال: والله، لا ألقى الله غداً فأقول:( إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا ) (٢) .

وقد دفع ذلك الامتعاض والاضطراب الذي حدث في بعض الأقاليم الإسلامية أصحاب الرأي فيها إلى أن يرسلوا بعض وجوههم وفوداً إلى عاصمة الخلافة لمقابلة عثمان والتداول معه في الأمر لإيجاد مخرج من هذه الأزمة الحادة والفتنة الغليظة المظلمة، غير أن تصرُّفات مروان بن الحكم - وزير الخليفة وموضع سره ومصدر توجيهه - قد أفسدت الأمر. ومع ذلك فقد رجعت الوفود إلى أمصارها يحدوها اليأس الذي لا يخلو من أمل في الإصلاح، وتساورها الرهبة من البطش ممزوجة بالرغبة في التريث وانتظار مجريات الأمور.

____________________

(١) أنساب الأشراف: ٥ / ٤٧.

(٢) الأحزاب: ٦٧.


ولكن مؤامرات مروان لم تقف عند حد؛ فاختلق على لسان الخليفة كتابه المعروف للإيقاع بأهل مصر، واطَّلع هؤلاء على المؤامرة قبل أن تطأ أقدامهم أرض الكنانة فانقلبوا راجعين.. فثار الناس على عثمان فقتلوه..(١)

* * *

لقد مر بنا التحدث عن مقتل عثمان، ويجمل بنا - قبل أن نتطرّق إلى ذكر انتقال الخلافة إلى علي بن أبي طالب - أن ننبه القارئ إلى أن مروان بن الحكم ومعاوية بن أبي سفيان قد بدءا - منذ أن سمعا بمقتل عثمان، وبيعة المسلمين لعلي - بالتهيؤ للخروج على إمام زمانهما متذرعين بالمطالبة بدم الخليفة القتيل.

وكانت باكورة أعمالهما إرسال جملة كتب إلى من آنسا فيهم القدرة على مشاركتهما أساليبهما وأهدافهما؛ تمهيداً للقيام بعصيان مسلح ضد الخليفة الجديد. وإلى القارئ نُبذاً من تلك الرسائل:

كتب مروان إلى معاوية.. (إني كتبت إليك هذا الكتاب بعد مقتل عثمان.

____________________

(١) يجد القارئ نص الكتاب وملابسات القضية موجودة في أمهات كتب التاريخ، وقد وجدنا تلخيصاً جميلاً لذلك كله في "الإصابة في تمييز الصحابة " (٢ / ٤٥٥، ٤٥٦) لابن حجر العسقلاني، وفي كتاب "الوزراء والكتاب" (مطبعة مصطفى محمد، الطبعة الأولى - مصر، ١٩٣٨م، ص ٢٢ - ٣٠) للجهشياري. قال الجهشياري: (لما صار المصريون بأيلة راجعين عن عثمان، مر بهم راكب أنكروا شأنه فأخذوه، فإذا هو غلام لعثمان على جَمَل له معروف، وكان عثمان يحج عليه، ففتشوه فوجدوا معه قصبة من رصاص فيها صحيفة عليها خاتم عثمان، ففتحوا الصحيفة فإذا فيها كتاب من عثمان إلى عبد الله بن سعد عامله على مصر فيه: إذا قدم عليك فلان وفلان، وفلان وفلان، فاضرب أعناقهم، وفلان وفلان فاقطع أيديهم وأرجلهم... فكرُّوا راجعين... فأقرءوا الكتاب أصحاب النبي، فعاتب قوم عثمان على ذلك، فقال: أما الخط فخط كاتبي مروان، وأما الخاتم فخاتمي، والله ما أمرت بذلك.... فقال القوم: إن كنت كاذباً فلا إمامة لك، وإن كنت صادقاً فليس يجوز أن يكون إماماً مَن كان بهذه المنزلة من الغفلة).


بعد أن وثبوا عليه وسفكوا دمه وانقشعوا عنه انقشاع سحابة قد أفرغت ماءها، منكفئين قِبَل ابن أبي طالب انكفاء الجراد أبصر المرعى. فأخلق ببني أمية أن يكونوا من هذا الأمر بمجرى العيوق. فإن لم يثأره ثائر، فإن شئت - أبا عبد الرحمن - أن تكونه فكنه).

فلما ورد الكتاب على معاوية أمر بجمع الناس ثم خطبهم خطبة أبكى منها العيون وقلقل القلوب حتى علت الرنة وارتفع الضجيج وهم النساء أن يتسلحن. ثم كتب إلى طلحة بن عبيد الله، والزبير بن والعوام، وسعيد بن العاص، وعبد الله بن عامر، والوليد بن عقبة، ويعلى بن أُمية.

فكان كتاب طلحة: (أما بعد، فإنك أقل قريش في قريش وتراً، مع صباح وجهك، وسماحة كفك، وفصاحة لسانك. فأنت بإزاء من تقدمك في السابقة، وخامس المبشرين بالجنة، ولك يوم أحد وشرفه وفضله، فسارع إلى ما تقلدك الرعية من أمرها مما لا يسعفك التخلف عنه ولا يرضى الله منك إلا بالقيام به. فقد أحكمتُ لك الأمر من قِبَلي، والزبير غير متقدم عليك بفضل. وأيكما قدم صاحبه فالمقدم الإمام وآمرٌ مَن بعده للمقدم له).

وكتب إلى الزبير: أما بعد، فإنك الزبير ابن عمة رسول الله وحواريه وسلفه، وصهر أبي بكر وفارس المسلمين. اعلم إن الرعية أصبحت كالغنم المتفرقة لغيبة الراعي. فسارع إلى حقن الدماء، فقد أحكمتُ لك الأمر من قبلي ولصاحبك، على أنّ الأمر المتقدم ثم لصاحبه من بعده...

ثم كتب معاوية إلى مروان بن الحكم: أما بعد.. فقد وصل إليَّ كتابك بشرح خبر أمير المؤمنين.. فإذا قرأت كتابي هذا فكن كالفهد لا يصطاد إلا غيلة ولا يتشازر إلا عن حيلة، وكالثعلب لا يفلت إلا روغاناً.


واخف نفسك منهم إخفاء القنفذ رأسه عند لمس الأُكف، وامتهن نفسك امتهان من ييأس القوم من نصره وانتصاره... وأنفل الحجاز فإني منفل الشام...

وكتب إلى سعيد بن العاص.. يا بني أُمية، عما قليل تسألون أدنى العيش من أبعد المسافة فينكركم من كان بكم عارفاً، ويصد عنكم من كان لكم واصلاً، متفرقين في الشعاب تتمنون لمظة المعاش. إن أمير المؤمنين عُتب عليه فيكم وقُتل في سبيلكم، ففيم القعود عن نصرته والطلب بدمه؟! وأنتم بنو أبيه ذوو رحمة، وأقربوه وطلّاب ثأره، أصبحتم مستمسكين بشظف معاشٍ زهيد عما قليل ينزع منكم عند التخاذل...

وكتب إلى عبد الله بن عامر.. كأني بكم يا بني أُمية شعار يرك كالأوراك تقودها الحدأة.. فثب الآن قبل أن يستشرى الفساد.. واجعل أكبر عدتك الحذر، وأحدّ سلاحك التحريض. واغضض عن العوراء وسامح اللجوج، واستعطعف الشارد، ولاين الأشوس، وقوِّ عزم المريد...

وكتب إلى الوليد به عقبة.. فلو قد استتب هذا الأمر لمريده أُلفيت كشريد النعام يفزع من ظل الطائر. وعن قليل تشرب الرنق وتستشعر الخوف.

وكتب إلى يعلى بن أُمية.. فكان أعظم ما نقموا على عثمان وعابوه عليه ولايتك على اليمن وطول مدتك عليها.. حتى ذبحوه ذبح النطيحة.. وهو صائم معانق المصحف.. على غير جرم... وأنت تعلم أن بيعته في أعناقنا وطلب ثأره لازم لنا.. فشمر لدخول العراق. فأما الشام فقد كفيتك أهلها، وأحكمت أمرها. وقد كتبت إلى طلحة بن عبيد الله أن يلقاك بمكة حتى يجتمع رأيكما على إظهار الدعوة والطلب بدم عثمان المظلوم.


وكتبت إلى عبد الله بن عامر يمهد لكم العراق... واعلم يا ابن أُمية، أن القوم قاصدوك بادىء بدء لاستنزاف ما حوته يداك من المال.

وكتب إليه مروان جواباً على كتابه:.. زعيم العشيرة وحامي الذمار.. أنا على صحة نيتي، وقوة عزيمتي، وتحريك الرحم لي، وغليان الدم مني. غير سابقك بقول ولا متقدمك بفعل. وأنت ابن حرب طلاب التراث وأبي الضيم. وكتابي إليك وأنا كحرباء السبسب الهجير يرقب عين الغزالة، وكالسبع المفلت من الشرك يفرق من صوت نفسه، منتظراً لما تصح به عزيمتك، ويرد به أمرك فيكون العمل به والمحتذى عليه...

وكتب إليه عبد الله بن عامر:.. فإن أمير المؤمنين كان الجناح الحاضنة تأوي إليها فراخها، فلما أقصده السهم صرنا كالنعام الشارد.. والذي أخبرك به أن الناس في هذا الأمر تسعة لك وواحد عليك. ووالله للموت في طلب العز أحسن من الحياة في الذلة. وأنت ابن حرب فتى الحروب، ونصار بني عبد شمس، والهمم بك منوطة وأنت منهضها.. ولنعم مؤدب العشيرة أنت، وإنا لنرجوك بعد عثمان. وها أنا أتوقع ما يكون منك لأمتثله وأعمل عليه.

وكتب الوليد بن عقبة:.. فإنك أسد قريش عقلاً، وأحسنهم فهماً وأصوبهم رأياً. معك حسن السيرة وأنت موضع الرئاسة، تورد بمعرفة وتصدر عن منهل. وأما اللين فهيهات.. والعار منقصة، والضعف ذل.. قد عقلت نفسي على الموت عقل البعير، واحتسبت أني ثاني عثمان أو أقتل قاتله.


فعملي علي ما يكون من رأيك فإنا مَنوطون بك متبعون عقبك....

وكتب إليه يعلى بن أُمية: إنّا وانتم يا بني أُمية كالحجر لا يبني بغير مدر، وكالسيف لا يقطع إلا بضاربه... ثكلتني من أنا ابنها إن نمت عن طلب وتر عثمان.. أرى العيش بعد قتل عثمان مراً...

أما سعيد بن العاص فإنه كتب بخلاف ما كتب هؤلاء)(١) .

____________________

(١) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ٥٨٠ / ٥٨٣.


[الفصل الثالث:] خلافة الإمام

(لقد كان علي موفقاً كل التوفيق، ناصحاً للإسلام كل النصح.. صبّر نفسه على ما كانت تكره، وطابت نفسه للمسلمين بما كان يراه حقاً.. بايع علي ثاني الخلفاء كما بايع أولهم كراهية للفتنة.. ونصحاً للمسلمين. ولم يظهر مطالبته بما كان يراه حقاً له، ونصح لعمر كما نصح لأبي بكر.. وقد بايع عثمان، كما بايع الشيخين، وهو يرى أنه مغلوب على حقه، ولكنه على ذلك لم يتردد في البيعة، ولم يقصر في النصح للخليفة الثالث، كما لم يقصر في النصح للشيخين من قبله.. فكان طبيعياً - إذن - حين قُتل عثمان أن يفكّر علي في نفسه، وفيم غُلب عليه من حقه. ولكنه مع ذلك لم يطلب الخلافة، ولم ينصب نفسه للبيعة حين استكره على ذلك استكراها، وحين هدده بعض الذين ثاروا بعثمان بأن يبدءوا به فيلحقوه بصاحبه المقتول)(١) .

أما كيفية مبايعة المسلمين لعلي بالخلافة، فيصفها الطبري(٢) بقوله: (حين قتل عثمان واجتمع المهاجرون والأنصار ومنهم طلحة والزبير، فأتوا علياً وقالوا: يا أبا الحسن، هل نبايعك؟ فقال:لا حاجة لي في أمركم، فمن اخترتم فقد رضيت به..

____________________

(١) الدكتور طه حسين، الفتنة الكبرى، ج ٢ (علي وبنوه): ٢٠ - ٢٢.

(٢) تاريخ الأمم والملوك: ٥ / ١٥٢، ١٥٣.


فقالوا: ما نختار غيرك.. فاختلفوا إليه بعد ما قتل عثمان مراراً... وخرج علي إلى السوق في يوم السبت لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجة فاتبعه الناس وبشوا في وجهه، فدخل حائط بني عمرو بن مبذول وقال لأبي عمرة ابن عمر بن محصن:اغلق الباب . فجاء الناس فقرعوا فدخلوا وفيهم طلحة والزبير فقالا: يا علي، ابسط يدك، فبايعه طلحة والزبير. فنظر حبيب بن ذئب إلى طلحة حين بايعه فقال: أول من بدأ بالبيعة يد شلاء).

وقد أوجز الإمام سياسته العامة في أول خطبة خطبها حين استخلف فقال:(إن الله انزل كتاباً هادياً يبين فيه الخير والشر، فخذوا الخير ودعوا الشر، والفرائض أدوها.. اتقوا الله عباد الله في عباده وبلاده.. وإنكم مسئولون حتى عن البقاع والبهائم) (١) .

كلمات قصار ولكنها تتضمن إجراء تغيير واسع المدى، وعميق الغور في علاقات المسلمين ببعضهم وبالخليفة. ومما تجدر الإشارة إليه في هذا الصدد أن الإمام - كما يحدّثنا مؤرخوه - قد اعتذر مراراً عن قبول الخلافة على الرغم من إلحاح المسلمين عليه، وقد مر بنا طرف من ذلك. ولقد أشار الإمام نفسه إلى ذلك في مواطن شتى من(نهج البلاغة) . قال يصف تزاحم المسلمين عليه وإلحاحهم الشديد على مبايعته:(دعوني والتمسوا غيري، فإنا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان، لا تقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول، وإن الآفات قد أغامت، والمحجة قد تنكرت. واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، ولم أصغ إلى قول القائل، وعتب العاتب) (٢) .

فلما أصر القوم على مبايعته، ورأى أن واجبه الديني يدعوه إلى

____________________

(١) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ٣ / ١٥٧ (مصر - الطبعة الأولى).

(٢) المصدر نفسه: ٢ / ١٧٠.


تلبية الدعوة كَشَفَ لهم عن حقيقة نفسه، فراعهم وألب الكثيرين منهم عليه حين قال:(ذمَّتي بما أقول رهينة وأنا به زعيم. إن من صرَّحت له العِبَر عما بين يديه من المَثُلات حَجَزته التقوى عن تقحم الشبهات. ألا وإن بليتكم قد عادت لهيئتها يوم بعث الله نبيكم.. والذي بعثه بالحق، لتبلبلن بلبلة ولتغربلن غربلة، ولتسلطن سوط القدر حتى يعود أسفلكم أعلاكم، وأعلاكم أسفلكم. وليسبقن سباقون كانوا قصروا، وليقصرن قاصرون كانوا سبقوا) (١) .

فالإمام إذن يرى أنهم سوف يضيقون به ذرعاً لعدالته وشدته في التزام الحق فيعصون أمره، ولا يستطيعون أن يثنوه عن خطته.

ثم يصف الإمام في خطبة أخرى إقبال المسلمين على مبايعته فيقول:(وبسطتم يدي فكففتها، ومددتموها فقبضتها. ثم تداككتم عليّ تداك الإبل الهِيم على حياضها يوم وردها، حتى انقطع النعل وسقط الرداء ووطئ الضعيف) (٢) .

وأشار الإمام في خطبة أخرى إلى المعنى نفسه حين قال:(فما راعني إلا والناس كعرف الضبع ينثالون إلي من كل جانب - ولقد وطئ الحسنان وشق عطفاي - مجتمعين حولي كربيضة الغنم.

فلما نهضت بالأمر نكثت طائفة، ومرقت أخرى، وقسط آخرون) (٣) .

____________________

(١) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ١ / ٩٠ (مصر - الطبعة الأولى).

(٢) المصدر نفسه: ٣ / ١٨١ التداك: الازدحام. الهيم: العطاش.

(٣) المصدر نفسه: ١ / ٥٠ - ٦٧ لقد مر بنا شرح كلامه في فصل سابق.


القسم الثاني: [ قميص عثمان ]


قميص عثمان

١ - الفصل الرابع: الناكثون - أصحاب الجمل (٣٦ هـ).

٢ - الفصل الخامس: القاسطون - أصحاب صفين (٣٧ هـ).

٣ - الفصل السادس: التحكيم، المارقون، ومصرع الإمام (٣٨ - ٤٠ هـ).


[ الفصل الرابع: ] الناكثون

اشترك طلحة والزبير وعائشة في تأليب المسلمين على عثمان، كما ساهم كل منهم بقلبه ولسانه في قتل الخليفة على الشكل الذي وصفناه. وكان أشد الثلاثة وطأة على عثمان الزبير بن العوام، وأخفهم طلحة بن عبيد الله. هذا مع العلم بأن عثمان كان يقول عن طلحة، وهو أخفهم وطأة عليه كما ذكرنا: (ويلي من طلحة! أعطيته كذا ذهباً وهو يروم دمي... اللَّهُم لا تمتعه به ولقه عواقب بغيه)(١) .

ويلوح للباحث أن طلحة قد تظاهر بالمطالبة بدم عثمان - في أوائل خلافة الإمام - وهو أدرى من غيره بقتلة الرجل وبالدور الذي لعبه هو - والزبير وعائشة - في هذا الشأن؛ ليغالط الناس ويوهمهم (أنه بريء من دمه. فلقد قال علي لطلحة وعثمان محصور: أنشدك الله إلا رددت الناس عن عثمان؟ قال طلحة: لا والله حتى تعطي بنو أُمية الحق من أنفسها. ويروي الطبري: أن عثمان كان له على طلحة خمسون ألفاً. فخرج عثمان يوماً إلى المسجد فقال له طلحة: قد تهيأ مالك فاقبضه) فقال: هو لك يا أبا محمد معونة لك على مروءتك. قال: فكان عثمان يقول وهو محصور: جزاء سنمار.

وروى المدائني في كتاب(مقتل عثمان): أن طلحة منع من دفنه ثلاثة أيام. وأن حكيم بن حزام... وجبير بن مطعم. استنجدوا بعلي على دفنه، فأقعد طلحة

____________________

(١) الدكتور طه حسين، الفتنة الكبرى، ج ٢ (علي وبنوه): ٨.


لهما في الطريق ناساً بالحجارة)(١) .

ولم يكن طلحة على ما يقول الدكتور طه حسين: (ليخفى ميله مع الثائرين ولا تحريضه لهم، ولا إطماع فريق منهم في نفسه. وكثيراً ما شكا منه عثمان في السر والجهر. والرواة يتحدثون بأنه استعان عليه بعلي نفسه، وبأن علياً استجاب له فذهب إلى طلحة ورأى عنده جماعة ضخمة من الثائرين، وحاول أن يرده عن خطته تلك فلم يستجب له طلحة)(٢) .

وأما عائشة فقد مر بنا ذكر موقفها من عثمان، فقد خرجت مراراً - كما ذكرنا - بقميص النبي مؤلبة على عثمان وقائلة: اقتلوا نعثلاً. وكثيراً ما كانت تصيح به - من وراء سترها - وهو على المنبر، كما ذكرنا، تلومه على بعض فعاله. فقد كانت عائشة - والحق يقال - من أعظم المؤلبين على الخليفة الثالث والمخذلين عن نصرته حتى إنه حين بلغها - وهي في بيت الله الحرام: أن عثمان قد انتصر على أعدائه صرخت بأعلى صوتها. أيقتل قوماً جاءوا يطلبون الحق وينكرون الباطل.

وقد سأل سعيد بن العاص أم المؤمنين، قبل سفرها إلى البصرة: ( أين تريدين يا أم المؤمنين؟ فقالت: أريد البصرة. وماذا تصنعين؟ أطلب بدم عثمان. فأجابها سعيد: إن قتلة عثمان معك يا أم المؤمنين)(٢) .

وفي ضوء ما ذكرنا نستطيع أن نقول: إن أبطال حركة الجمل كانوا قادة الثورة على عثمان ورءوس الفتنة التي انتهت بمصرع ثالث الخلفاء الراشدين.

____________________

(١) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ٢ / ٥٠٥، ٥٠٦ (مصر - الطبعة الأولى).

(٢) الدكتور طه حسين، الفتنة الكبرى، ج ٢ (علي وبنوه): ص ٨.

(٣) عبد الفتاح عبد المقصود، الإمام علي بن أبي طالب: ٣ / ٤٢٧، ٤٢٨.


وقد كان هؤلاء - دون شك - عارفين حق المعرفة، كغيرهم من المسلمين آنذاك، من هم قتلة عثمان؟ ترى لماذا ألبوا الناس على علي؟! وهل هناك عوامل خفية، قريبة وبعيدة، ساقتهم إلى القيام بعصيانهم المسلح ضد النظام القائم، متخذين من قميص عثمان ذريعة لذلك؟ ولماذا بايع طلحة والزبير علياً بالخلافة؟ هل المطالبة بدم عثمان - أن صحت - تستلزم الثورة على النظام القائم، أم تتم على أساس تقديم شكوى من قبل أولياء عثمان الذين عينهم القرآن بصراحة في سورة الإسراء(١) إلى الحكومة لتجري التحقيق في ذلك وتتخذ الإجراءات القانونية بحق الذين تثبت إدانتهم؟ وما حق عائشة وطلحة والزبير - من الناحية الشرعية - بالمطالبة بدم عثمان؟ إن ولى عثمان هو ابنه عمرو؟! وما شأن البصرة الثورة على عثمان؟ لماذا لم يتجهوا إلى مصر المؤلبة؟

وبقدر ما يتعلق الأمر بالسيدة عائشة نستطيع أن نقول: إن جفاء حصل بين عائشة وعلي - منذ عهد الرسول أيام غزوة بني المصطلق التي سنذكرها.. وهناك عامل آخر أشار إليه بعض الباحثين المحدثين(٢) ملخصه: إن السيدة عائشة وجدت على الإمام - من الناحية النفسية - فحسدته لعقمها، ولأن عقب الرسول قد انحصروا في بنيه من فاطمة زوج علي.

ولكي نعرض على

____________________

(١)( وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً ) (الإسراء: ٣٣)، بغض النظر عن شرعية القتل أو عدمها.

(٢) الدكتور طه حسين،الفتنة الكبرى . وعبد الفتاح عبد المقصود، الإمام علي بن أبي طالب .


القارئ عوامل الجفاء بين السيدة عائشة وعلي بن أبي طالب نرى لزاماً علينا أن نترك السيدة عائشة نفسها تقص على القارئ ملابسات الموضوع:

قالت السيدة عائشة(١) : (كان رسول الله إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه فأيَّتهن خرج سهمها خرج بها معه. فلما كانت غزوة بني المصطلق (٦ هـ) أقرع بين نسائه كما كان يصنع فخرج سهمي عليهن. فخرج بي رسول الله.. فلما انتهى من سفره ذلك، وجه قافلاً حتى إذا كان قريباً من المدينة نزل منزلاً فبات فيه بعض الليل ثم أذَّن في الناس بالرحيل. فلما ارتحل الناس خرجت لبعض حاجتي وفي عنقي عقد لي.. فلما فرغت انسلَّ عقدي ولا أدري. فلما رجعت إلى الرحيل ذهبت ألتمسه في عنقي فلم أجده. وقد أخذ الناس في الرحيل فرجعت.. إلى المكان الذي ذهبت إليه، فالتمسته حتى وجدته.. ورجعت إلى المعسكر وما فيه داع ولا مجيب؛ قد انطلق الناس. فلفلفت بجلبابي ثم اضطجعت في مكاني، فوالله إني لمضطجعة إذ مر بي صفوان بن المعطل السلمي - وقد كان تخلف عن المعسكر لبعض حاجته فلم يبت مع الناس في المعسكر - فلما رأى سوادي أقبل حتى وقف علي فعرفني.. ثم قرب البعير فقال: اركبي.. فركبت. فانطلق سريعاً يطلب الناس.. ثم قدمنا المدينة فلم أمكث أن اشتكيت شكاية شديدة.. وقد انتهى الحديث إلى رسول الله وإلى أبوي. فأنكرت من رسول الله بعض لطفه بي، حتى وجدت في نفسي مما رأيت من جفائه عني. فقلت: يا رسول الله، لو أذنت لي فانتقلت إلى أمي فمرضتني، قال:لا عليك ، فانتقلت إلى أمي. وجاء رسول الله فدخل عليَّ: ودعا علي بن أبي طالب.

____________________

(١) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ٣ / ٧٦ - ٧٠.


فقال علي:يا رسول الله إن النساء لكثير، وإنك لقادر على أن تستخلف؛ وسل الجارية فإنها تصدقك . فدعا رسول الله بريرة يسألها.. فقام إليها علي فضربها ضرباً شديداً وهو يقول:اصدقي رسول الله ... فوالله ما برح رسول الله مجلسه حتى تغشاه من الله ما يتغشاه. فسجى بثوبه ووضعت وسادة من أدم تحت رأسه.. ثم جلس فجعل يمسح العرق عن جبينه ويقول:ابشري يا عائشة فقد أنزل الله براءتك . ثم أمر بمسطح بن أثاثة، وحسان بن ثابت، وحمنة بن جحش - وكانوا ممن أفصح بالفاحشة - فضربوا حدهم).

يتضح من رواية السيدة عائشة أنها خرجت مع النبي في مسيرة مع جيشه إلى بني المصطلق، وأنها أثناء رجوع القوم إلى المدينة - شذت عن الركب لبعض حاجتها - دون أن يعلم بها أحد من الناس، ثم عادت إلى الركب. ولكنها تفقدت عقدها - أثناء عودتها - فلم تجده في جيدها. فعادت إلى المكان الذي جاءت من عنده - دون أن يراها أحد من الناس فعثرت على العقد. ثم عادت إلى الركب فلم تجده. فمكثت في مكانها - بعد أن سار الركب دون أن يتفقدها أحد. فمر بها صفوان الذي هو الآخر - كما تحدثنا السيدة عائشة نفسها - قد شذ عن الركب لبعض حاجته، وقد مر صفوان - على رسله - صدفة بالمكان الذي كانت السيدة عائشة جاثمة فيه. فأركبها على ناقته واتجه بها نحو المدينة كي يلحق بالركب. وقد ارتاب بعض القوم، بما فيهم حسان بن ثابت في موضوع عائشة وصفوان فرموهما بالفاحشة... وأشار علي على النبي - عندما استشاره بأمرها في حضورها - أن يطلقها. ومن الجدير بالذكر - في هذه المناسبة - أن البخاري في صحيحه قد نقل رواية السيدة عائشة مفصلة. وإلى القارئ رواية البخاري(١) .

____________________

(١) صحيح البخاري: ٣ / ١٥٤، ١٥٦ و ٥ / ٥٥، ٥٦.


(قالت عائشة: كان رسول الله إذا أراد سفراً أقرع بين أزواجه، فأيَّهنَّ خرج سهمها خرج بها رسول الله معه. قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي. فخرجت مع رسول الله.. فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله من غزوته تلك ودنونا من المدينة قافلين آذن ليلة بالرحيل. فقمت - حين آذنوا بالرحيل - فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فلمست صدري فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه. قالت: وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلونني فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب عليه وهم يحسبون أني فيه. وكان النساء آنذاك خفافاً لم يهبلن ولم يغشهن اللحم، إنما يأكل الملعقة من الطعام فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه. وكنت جارية حديثة السن.. ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش. فجئت منازلهم وليس بها منهم داع ولا مجيب. فتيممت منزلي الذي كنت به. فبينما أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش. فأصبح عند منزلي. فرأى سواد إنسان نائم فعرفني، وكان رآني قبل نزول آية الحجاب. فاستيقظت باسترجاعه.. وهوى حتى أناخ راحلته فوطىء على يدها. فقمت إليها فركبتها. فانطلق يقودها).

أي أن السيدة عائشة - حسب رواية البخاري - شذت عن الجيش لبعض شأنها في اللحظة التي آذنوا بالرحيل ليلاً، دون أن تخبر أحداً منهم بذلك أو تطلب منهم انتظارها. وأن الأشخاص الموكلين بحمل هودجها لم يشعروا بخلوه منها لأن النساء آنذاك - جميعهن لا السيدة عائشة وحدها - كن نحيفات الأجسام؛ لقلة ما يتناولنه من الطعام،


ولأن السيدة عائشة بالذات كانت صغيرة اللسن، بالإضافة إلى خفة وزن جسمها؛ فلم يستنكروا خفة الهودج حين رفعوه وحملوه وهو خلو منها.. ثم إنها نامت بعد أن يئست من القوم، وكان صفوان من وراء الجيش، فأدركها نائمة فعرفها، وهو سائر في الصحراء ليلاً؛ لأنه كان قد رآها قبل الحجاب، أي حينما كانت سافرة قبل أن يأمرها الله بالتحجب من الرجال، فحملها صفوان على بعيره وأوصلها إلى مكان أمنها. ذلك ما يتصل ببعض عوامل الجفوة بين أم المؤمنين وعلي بن أبي طالب.

وهنالك عوامل أخرى، غير مباشرة، تتعلق بالجفاء الذي كان بين السيدة فاطمة (بنت النبي من خديجة) وبين السيدة أم المؤمنين بنت أبي بكر. فقد كانت السيدة عائشة تريد الاستئثار بحب النبي وتحويل ما تبقى من ذلك الحب إلى أبيها بدلاً من علي زوج فاطمة. ويذكر بعض الرواة(١) : أن للسيدة عائشة - والسيدة حفصة بنت عمر زوج النبي - ضلعا في تأخير جيش أسامة في عهد الرسول.

هذا بالإضافة إلى العامل النفسي المتصل بحرمان السيدة عائشة من النسل كما أشار إلى ذلك الدكتور طه حسين، والأستاذ عبد الفتاح عبد المقصود.

أما ما يتصل بموقف الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله تجاه إمام زمانهما، فيمكننا أن نكشف عوامله القريبة والبعيدة بسهولة ويسر. فقد كان كل من طلحة والزبير راغباً في الخلافة منذ زمن ليس بالقصير، وقد مر بنا ترشيح عمر لهما في رهط الشورى. فلما انتقلت الخلافة إلى عثمان، حاول الرجلان - في صدر خلافته - أن ينتفعا به إلى أقصى حدود الانتفاع. وعندما رأى الرجلان تأزم الأحوال العامة على الخليفة ساهما في ذلك إلى حد كبير على الشكل الذي وصفناه؛ ظناً منهما أن الأمر - بعد اندحار عثمان - سوف

____________________

(١) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة.


لا ينتقل لعلي، غير أن انتقال الخلافة للإمام قد راعهما. فبايعاه على مضض. ثم سألاه عن ولايتي الكوفة والبصرة فلم يجبهما.

يضاف إلى ذلك أن موقف الإمام الشديد في تطبيق مبادئ الدين كان هو الآخر من أقوى عوامل انتقاض الرجلين على الخليفة. فلكل منهما مصالح مركزة في جسم الدولة. ويلوح للباحث أن طلحة والزبير كانا قد اعتادا على الاستئثار ببعض الموارد العامة بعد وفاة الرسول، وقد مر بنا ذكر بعض ما وصلهما به عثمان.

أما ما حصلا عليه في عهد الشيخين فنذكر منه المثالين التاليين:

قال البلاذري(١) : (حدّثني الحسين بن علي الأسود العجلي قال: حدّثنا يحيى بن آدم، حدّثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن عروة قال: أقطع أبو بكر الزبيرَ بين الجرف إلى قناة.

وأخبرني المدائني قال: قناة واد يأتي من الطائف ويصب إلى الأرحضية وقرقرة الكدر، ثم يأتي سد معاوية، ثم يمر على طرف القدوم ويصب في أصل قبور الشهداء بأحد.

وحدّثني الحسين بن علي العجلي قال: حدّثنا حفص بن عتاب، عن هشام بن عروة قال: خرج عمر يقطع الناس، وخرج معه الزبير، فجعل عمر يقطع حتى مر بالعقيق. فقال: أين المستقطعون؟.. ما مررت بقطعة أجود منها. فقال الزبير: اقطعنيها. فأقطعه إياها).

فلا عجب أنْ رأى الزبير وطلحة في قميص عثمان ضالتهما المنشودة للانقضاض على الإمام. وقد روى أحد المؤرخين(٢) ملابسات الموقف بين علي من جهة وطلحة والزبير

____________________

(١) فتوح البلدان: ٢٦.

(٢) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ٣ / ٤ - ٩ (الطبعة الأولى).


من جهة أخرى حين قال: (أرسل طلحة والزبير إلى علي - قبل خروجهما إلى مكة - محمد بن طلحة يقولان: إننا أصلحنا لك الأمر ووطدنا لك الإمرة، وأجلبنا على عثمان حتى قُتل. فلما طلبك الناس لأمرهم جئنا وأسرعنا إليك وبايعناك وقدنا إليك أعناق العرب، ووطئ المهاجرون والأنصار أعقابنا في بيعتك. حتى إذا ملكت عنانك استبددت برأيك عنا ورفضتنا رفض التريكة وأذللتنا ذل الإماء. فلما جاء محمد بن طلحة أبلغه ذلك. فقال:اذهب إليهما فقل لهما: فما الذي يرضيكما ، فذهب وجاء فقال: إنهما يقولان:ولِّ أحدنا البصرة، والآخر الكوفة. فقال: لها الله!! إذن يحكم الأديم ويستشرى الفساد، وتنتقض علي البلاد من أقطارها. والله إني لا آمنهما وهما عندي بالمدينة فكيف آمنهما وقد وليتهما العراقين! . فاستأذناه في الخروج إلى مكة للعمرة. فأذن لهما بعد أن أحلفهما ألا ينقضا بيعته ولا يغدرا به، ولا يشّقا عصا المسلمين ولا يوقعا الفرقة بينهم، وأن يعودا بعد العمرة إلى بيوتهما، فحلفا على ذلك كله. ثم خرجا ففعلا ما فعلا.

وكان الإمام قد خاطبهما - قبل خروجهما إلى مكة - فقال:(ألا تخبراني أي شيء كان لكما فيه حق حتى دفعتكما عنه؟ أم أي قسم استأثرت عليكما به؟ أم أي حق رفعه إليَّ أحد من المسلمين ضعفت عنه أم جهلته أم أخطأت بابه؟ والله ما كانت لي في الخلافة رغبة، ولا في الولاية إِرْبَة، ولكنكم دعوتموني وجملتموني عليها. فلما أفضت إلي نظرت إلى كتاب الله وما وضع لنا وأمرنا بالحكم به فاتبعته، وما استن النبي فافتديته. فلم أحتجْ في ذلك إلى رأيكما ولا رأى غيركما. ولو وقع حكم جهلته فأستشيركما).

وقد وصف الإمام فتنة طلحة والزبير وأعوانهما بقوله:


(والله ما أنكروا عليَّ منكراً، ولا جعلوا بيني وبينه نصفاً، وإنهم ليطلبون حقاً هم تركوه... ودماً هم سفكوه) (١) .

* * *

خرج الزبير وطلحة وعائشة يريدون البصرة مدَّعين بأنهم يطالبون بدم عثمان، وقد ارتكبوا بعملهم هذا، كما سلف أن ذكرنا، جملة أخطاء من الناحية الدينية والزمنية، فليس من حقهم أن يطالبوا بدم عثمان لأنهم ليسوا أولياءه الذين أجازت لهم الشريعة الإسلامية أن يطالبوا بذلك. إن وليه - كما ذكرنا - ابنه عمرو. وإنهم اتبعوا أسلوباً فظّاً للتوصل إلى ما زعموا أنهم يسعون إليه بدلاً من أن يرفعوا، إذا جاز لهم ذلك، طلبهم إلى الخليفة الذي له وحده الحق؛ بحكم كونه خليفة المسلمين، في إجراء التحقيق وإنزال العقوبة بالجناة.

وإنهم ارتكبوا من الأفعال البشعة ومن القتل والنهب والاعتداء - كما سنرى - ما يتضاءل دونه بمراحل مصرع الخليفة الذبيح على أهميته، وما لا تجيزه الشريعة السمحاء ومبادىء الشرف والأخلاق. وإنهم قصدوا البصرة - دون مصر - للبحث عن القاتلين، وإن السيدة عائشة بالذات لا يجوز لها أن تساهم في مثل هذه الأمور، وقد أوصاها الله أن تقر في بيتها(٢) .

____________________

(١) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ٢ / ٤٠٣ - ٤٠٥.

(٢) في لقاء لي مع الدكتور طه حسين عام ١٩٦٥م سألته: عن رأيه في عائشة؟ أجاب بقوله: كان أحد الأساتذة يقول: لو أدركت عائشة لأوجعتها ضرباً حتى أقعدتها في بيتها؛ لقوله تعالى:( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ) (الأحزاب: ٣٣). راجع كتابنا:"مع رجال الفكر في القاهرة" ، مطبعة حسان - القاهرة، ط ١، ١٩٧٤م، ص ١٦٠ / ١٧٥. (الناشر)


ثم هل يجوز شرعاً أن تعالج فتنة بإثارة فتنة أغلظ منها؟ وقد حصل ذلك كله مع علم الثائرين أن الإمام نفسه بريء من دم عثمان براءة الذئب من دم ابن يعقوب.(١)

يضاف إلى ذلك أن الإمام - في سياسته العامة - لم يتجه إطلاقاً إلى الاستعانة بالذين ثاروا على عثمان أو تقريبهم أو الاعتماد عليهم في الإدارة أو المال(٢) ؛ فلا غرو أن رأينا أولئك الثوار قد نقموا عليه، كما نقموا على عثمان من قبله (مع فرق كبير في عوامل تلك النقمة في الحالتين). فقد نقموا على عثمان: خروجه في سياسته العامة على مبادئ الدين، ونقموا على علي: تقيده - في سياسته العامة - بمبادئ الدين. لذلك نجد الإمام لم يقربهم إليه أو يعيّن بعضهم في القضاء أو الإمارة أو الإدارة. وقد أصبح الوضع الجديد أشد وطأة عليهم منه في عهد عثمان. أي أن الإمام، بعبارة أخرى: قد ارتقى منبر النبي بعد ثورة لم يساهم فيها. أي أنه اقتطف ثمار ثورة لم يقتطفها الذين قاموا بها. يضاف إلى ذلك أن الثوار أخذوا يشعرون بأن الإمام سوف يقتص من قتلة عثمان بعد حصول البينة عنده. وطلحة والزبير وعائشة يعرفون ذلك حق المعرفة، وعلي نفسه عارف بأنهم عارفون به.

ومهما يكن من شيء فقد خرج الناكثون - وعلى رأسهم طلحة وابن الزبير وبنت أبي بكر - من مكة يريدون البصرة، ومرت إبلهم في طريقها على ماء الحوأب(٣) فنبحتهم كلابه. فنفرت صعاب إبلهم. فقال قائل منهم: لعن الله الحوأب فما أكثر كلابها!! فلما سمعت عائشة قالت: ردوني... إني سمعت رسول الله يقول:كأني بكلاب الحوأب قد نبحت بعض نسائي ثم قال:إياك يا حميراء أن تكونيها ...

____________________

(١) هذا التشبيه غير مؤدب (الناشر).

(٢) وهو ماء لبني عامر بن صعصعة يقع في بادية العراق الجنوبية.

(٣) ويذكر التاريخ أن الإمام استعان على جملة منهم كعمار بن ياسر ومحمد بن أبي بكر ومالك الأشتر وغيرهم (الناشر)


فقال الزبير لعائشة: مهلاً فإنا قد جزنا ماء الحوأب.. فلفَّق لها الزبير وطلحة خمسين أعرابياً شهدوا بذلك. فكانت هذه أول شهادة زور في الإسلام.. وكتب علي إلى عثمان بن حنيف واليه في البصرة:

أما بعد، فإن البغاة عاهدوا الله ثم نكثوا (١) فإذا قدموا عليك فادعهم إلى الطاعة... فإن أجابوا فأحسن جوارهم .

فلما وصل الكتاب أرسل عثمان بن حنيف أبا الأسود الدؤلي وعمران بن الحصين الخزاعي، فانطلقا. فدخلا على عائشة ووعظاها.. فقالت: القيا طلحة والزبير... فقاما من عندها ولقيا: الزبير فكلَّماه، فقال لهما: إنَّنا جئنا للطلب بدم عثمان... فقالا له: إن عثمان لم يُقتل بالبصرة ليطلب بدمه فيها، وأنت تعلم من هم قتلته وأين هم، وإنك وصاحبك وعائشة كنتم أشد الناس عليه وأعظمهم إغراء بدمه... وقد بايعتم علياً طائعين.. فقال لهما.. اذهبا فالقيا طلحة. فقاما إلى طلحة فوجداه خشن الملمس.. في إثارة الفتنة وإضرام نار الحرب. وأتى طلحة والزبير عبد الله بن حكيم التميمي فأتى بكتب كانا كتباها إليه، فقال لطلحة: أمَا هذه كتبك إلينا؟ قال: بلى. قال: فكتبت أمس تدعونا إلى خلع عثمان وقتله، حتى إذا قتلته أتيتنا ثائراً بدمه؟!

وخرج عثمان بن حنيف إلى طلحة والزبير في أصحابه فناشدهما الله والإسلام وذكرهما بيعتها لعلي... فقالا نطلب بدم عثمان، فقال لهما: ما أنتما وذاك؟ أين بنوه... الذين أحق منكم؟ فشتماه شتماً قبيحاً.. ثم كتب الطرفان كتاباً للصلح... إلى أن يقدم الخليفة... فمكثوا كذلك أياماً.

ثم إن طلحة والزبير... اجتمعا على مراسلة القبائل واستمالة العرب... فبايعهم على ذلك الأزد، وضبّة، وقيس بن غيلان... وبنو عمرو بن تميم، وبنو حنظلة... وبنو دارم كلهم إلا نفراً من بني مجاشع ذوي دين وفضل.

____________________

(١) يشير إلى بيعة الزبير وطلحة له، ثم نكوصهما عن ذلك، وإلى عهدهما له حين خرجا للعمرة من المدينة لمكة بالرجوع إلى المدينة وخرقهما لذلك العهد.


فلما استوثق لطلحة والزبير أمرهما، خرجا في ليلة مظلمة ذات ريح ومطر ومعهما أصحابهما قد ألبسوهم الدروع وظاهروا فوقها بالثياب. فانتهوا إلى المسجد وقت صلاة الفجر وقد سبقهم عثمان بن حنيف إليه وأقيمت الصلاة، فتقدم عثمان ليصلي بهم فأخره أصحاب طلحة والزبير، وقدموا الزبير، فجاءت السيابجة(١) . فأخروا الزبير وقدموا عثمان بن حنيف، فغلبهم أصحاب الزبير فقدموا الزبير وأخَّروا عثمان، فلم يزالوا كذلك حتى كادت الشمس تطلع، وصاح بهم: المسجد.. فغلب الزبير فصلى بالناس.

فلما انصرف من صلاته صاح بأصحابه المسلمين: أن خذوا عثمان بن حنيف، فأخذوا وضربوه ضرب الموت، ونُتف حاجباه وأشفار عينيه وشعر رأسه ووجهه وأخذوا السيابجة... فانطلقوا بهم وبعثمان بن حنيف إلى عائشة.. فأمرت بذبح السيابجة، فكان غدر طلحة والزبير بعثمان بن حنيف أول غدر كان في الإسلام)(٢) .

ويجمل بنا - إكمالاً للبحث في هذه النقطة - أن ننقل للقارئ قصة الناكثين كما رواها ابن الأثير(٣) :

(خرجت عائشة إلى مكة وعثمانٌ محصور، ثم خرجت من مكة تريد المدينة، فلما كانت بسرف(٤) لقيها رجل من أخوالها من بني ليث يقال له: عبيد الله بن أبي سلمة - وهو ابن أم كلاب - فقالت له: مهيم؟ قال: قُتل عثمان وبقوا ثمانياً.. قالت: ثم صنعوا ماذا؟ قال: اجتمعوا على بيعة علي، فقالت: ليت هذه انطبقت على هذه..!! ردوني... فانصرفت إلى مكة تقول: قتل عثمان

____________________

(١) وهم: الشرطة حرس بيت المال، وهم قوم من السند كانوا بالبصرة جلاوزة وحرس سجون.

(٢) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ٢ / ٤٩٧ - ٥٠١.

(٣) الكامل في التاريخ:: ٥ / ١٠٥ - ١٣٣.

(٤) موقع بين مكة والمدينة.


مظلوماً(١) ، فقال لها عبيد الله بن أبي سلمة: إن أول من أمال حرفه لأنت، ولقد كنت تقولين: اقتلوا نعثلاً فقد كفر.

فمنك البداء ومنك الغير

ومنك الرياح ومنك المطر

وأنت أمرت بقتل الإمام

وقلت نا: إنه قد كفر

فهبنا أطعناك في قتله

وقاتله عندنا من أمر

فانصرفت إلى مكة فقصدت الحجر فتسترت فيه، فاجتمع الناس حولها، فقالت: أيها الناس، إن الغوغاء من أهل الأمصار.. سفكوا الدم الحرام.. والله لإصبع عثمان خير من طباق الأرض.

وقدم عليهم عبد الله بن عامر من البصرة بمال كثير، ويعلى بن أُمية - بن منية - من اليمن فلقيا عائشة، فاستقام الرأي على البصرة، وكان أزواج النبي مع عائشة على قصد المدينة، فلما تغير رأيها إلى البصرة تركن ذلك. وخرجت عائشة ومن معها من مكة، فلما خرجوا منها أذّن مروان بن الحكم، ثم جاء طلحة والزبير وقال: على أيّكما أسلّم بالإمرة؟ فقال عبد الله بن الزبير: على أبي، وقال محمد بن طلحة: على أبي، فأرسلت عائشة إلى مروان وقالت له: أتريد أن تفرِّق أمرنا؟! ليصل بالناس ابن أختي عبد الله بن الزبير.

وكان معاذ بن عبد الله يقول: والله لو ظفرنا لاقتتلنا، ما كان الزبير يترك طلحة والأمر، ولا كان طلحة يترك الزبير والأمر.. فلما بلغوا ذات عرق لقى سعيد بن العاص مروان بن الحكم وأصحابه بها فقال: أين تذهبون وتتركون ثأركم على أعجاز الإبل وراءكم؟ يعني عائشة وطلحة والزبير، اقتلوهم ثم ارجعوا إلى منازلكم.

____________________

(١) لابد أن القارئ قد لاحظ أن السيدة عائشة لم تعلّق بشيء حين سمعت بمقتل عثمان، ولكنها ثارت لمجرد سماعها بإجماع المسلمين على بيعة علي فطلبت أن يردوها إلى مكة وأصبح عثمان مظلوماً بنظرها.


ثم خلا بطلحة والزبير فقال: إن ظفرتما لمن تجعلان الأمر؟ ومضى القوم، ومروا بماء الحوأب فنبحتهم كلابه، فأتوا الحفير.

ولما بلغ ذلك أهل البصرة دعا عثمان بن حنيف عمران بن الحصين، وأبا الأسود الدؤلي وقال لهما: انطلقا إلى هذه المرأة فاعلما علمها وعلم من معها. فخرجا: فأتيا إليها بالحفير، فأذنت لهما فدخلا وسلّما، وسألاها عن سبب خروجها. فقالت: المطالبة بدم عثمان... فأتيا طلحة... فقال: المطالبة بدم عثمان. فأتيا الزبير وقال لهما: مثل قول طلحة، فرجعا إلى عثمان بن حنيف وأخبراه...

وأقبلت عائشة فيمن معها حتى انتهوا إلى المربد... فتكلم طلحة بالناس وذكر عثمان وفضله... ودعا إلى الطلب بدمه وحثهم على الأخذ به. وكذا فعل الزبير، وعائشة... وأقبل جارية بن قدامة السعدي وقال: يا أم المؤمنين: والله لقتل عثمان أهون من خروجك من بيتك... وقد كان لك من الله ستر وحرمة فهتكت سترك وأبحت حرمتك... وخرج غلام شاب من بني سعد إلى طلحة والزبير وقال: هل جئتما بنسائكما؟!

صنتم حلائلكم وقدتم أمكم

هذا لعمرك قلّةُ الإنصاف

أُمرت بجر ذيولها في بيتها

فهوت تشق البيد بالإيجاف

غرضاً يقاتل دونها أبناؤها

بالنبل والخطّيّ والأسياف

هتكت بطلحة والزبير ستورها

هذا المخبر عنهم والكاف

وجرت بين الطرفين مناوشات باللسان وبالسيف.

ثم كتبا كتاباً للصلح وتهادنا.. وجاء في كتاب الصلح: هذا ما اصطلح عليه طلحة والزبير ومن معهما... وعثمان بن حنيف ومن معه، أن عثمان يقيم حيث أدركه الصلح على ما في يده، وأن طلحة والزبير يقيمان


حيث أدركهما الصلح على ما في أيديهما.. ولا يضار واحد من الفريقين في مسجد ولا سوق ولا طريق.. ولكن طلحة والزبير جمعا رجالهما في ليلة مظلمة ذات رياح ومطر، ثم قصد المسجد فوافقا صلاة العشاء، فقاتلوا أصحاب عثمان بن حنيف في المسجد.. وأخذوا عثمان أسيراً. وضربوه أربعين سوطاً ونتفوا لحيته وحاجبيه وأشفار عينيه وحبسوه.

وكتبت عائشة إلى زيد بن صوحان: من عائشة أم المؤمنين حبيبة رسول الله إلى ابنها الخالص زيد بن صوحان، أما بعد: فإن أتاك كتابي هذا فأقدم فانصرنا. فإن لم تفعل، فخذّل الناس عن علي.

فكتب إليها: أما بعد: فأنا ابنك الخالص إن اعتزلت ورجعت إلى بيتك. وإلا فأنا أول من نابذك. وقال زيد: رحم الله أم المؤمنين أُمرت أن تلزم بيتها وأُمرنا أن نقاتل، فتركت ما أُمرت به وأمرتنا به، وصنعت ما أُمرنا به ونهتنا عنه.

وقام طلحة والزبير خطيبين يطالبان بدم عثمان.. فقال الناس لطلحة: يا أبا محمد، قد كانت كتبك تأتينا بغير هذا.. ثم قام رجل من عبد قيس فقال: يا معشر المهاجرين.. لما توفِّي الرسول بايعتم رجلاً منكم فرضينا وسلمنا.. ثم مات واستخلف عليكم رجلاً فلم تشاورونا في ذلك فرضينا وسلمنا. فلما توفِّي جعل أمركم إلى ستة نفر فاخترتم عثمان وبايعتموه عن غير مشورتنا، ثم أنكرتم منه شيئاً فقتلتموه عن غير مشورة منا. ثم بايعتم علياً عن غير مشورة منا. فما الذي نقمتم عليه فنقاتله؟ هل استأثر بفيء؟ أم عمل بغير الحق؟ أو أتى شيئاً تنكرونه؟ فنكون معكم عليه؟ وإلا فما هذا؟ فهمّوا بقتل ذلك الرجل فمنعته عشيرته. فلما كان الغد وثبوا عليه وعلى من معه فقتلوا منه سبعين.


وبقى طلحة والزبير [ بعد أخذ عثمان بن حنيف ] بالبصرة ومعهم بيت المال والحرس.

وتجهَّز علي إلى الشام، فبينما هو كذلك أتاه الخبر عن طلحة والزبير وعائشة، فتوجّه إلى البصرة ووقعت الحرب وانتصر علي، فدخل البصرة... وراح إلى عائشة وهي في دار عبد الله بن خلف.. وكانت صفية زوجة عبد الله مختمرة... فلما رأته كلمته بكلام غليظ. فلم يرد عليها شيئاً، ودخل على عائشة وسلَّم عليها وقعد عندها. ثم قال:جبهتنا صفية ... فلما خرج أعادت صفية عليه قولها. فكف بغلته وقال:هممت أن أفتح هذا الباب - وأشار إلى باب في الدار -وأقتل من فيه . وكان فيه ناس من الجرحى فأخبر علي بمكانهم فتغافل عنهم. وكان مذهبه ألا يقتل مدبراً ولا يدنف على جريح(١) ، ولا يكشف ستراً ولا يأخذ مالاً.

ولما خرج علي... قال له رجل من أسد: والله لا تغلبنا هذه المرأة. فقال له:لا تهتكن ستراً، ولا تدخلن داراً، ولا تهيجن امرأة بأذى، وإن شتمن أعراضكم وسفهن أمراءكم وصلحاءكم .. ومضى فلحقه رجل فقال يا أمير المؤمنين: قام رجلان على الباب فتناولا من هو امض شتماً لك من صفية. قال:ويلك لعلها عائشة! قال: نعم، فبعث القعقاع بن عمرو إلى الباب فأقبل بمن كان عليه فأحالوا على رجلين من أزد الكوفة وهما: عجلان، وسعد، ابنا عبد الله، فضربهما مئة سوط وأخرجهما من ثيابهما.

ثم جهّز عائشة بكل ما ينبغي لها من مركب وزاد ومتاع وغير ذلك، وبعث معها كل من نجا ممن خرج معها ألا من أحب المقام، واختار لها أربعين امرأة من نساء البصرة والمعروفات، وسيَّر معها أخاها محمد بن أبي بكر.

____________________

(١) يدنف: أي مجهز عليه بالقال. (الناشر)


فلما كان اليوم الذي ارتحلت فيه أتاها علي فوقف لها. وحضر الناس، فخرجت وودعتهم، وقالت: يا بني، لا يعتب بعضنا على بعض، إنه والله ما كان بيني وبين علي في القديم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها... وشيعها علي أميالاً وسرح بنيه معها يوماً. وقال عمار حين ودعها: ما أبعد هذا المسير من العهد الذي عهد إليك؟ قالت: والله إنك - ما علمت - تقول الحق. قال: الحمد لله الذي قضى على لسانك لي).

تلك هي قصة الناكثين، ولا نشك في أن القارئ قد لاحظ معنا الجرائم الكثيرة التي قاموا بها؛ ومدى صلتها بالمطالبة بدم الخليفة الذبيح. فقد لفق الزبير وطلحة خمسين شاهد زور لعائشة في ماء الحوأب، وكانت أول شهادة زور في الإسلام على ما يروي المؤرخون. وفي معرض التحدث عن شهادة الزور بنظر النبي يقول البخاري في صحيحه (ج ٨، ص ٤٨) بأسانيده المختلفة عن أبي بكرة قال: قال النبي:أكبر الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين وشهادة الزور ثلاثاً أقولها ، أوأقول شهادة الزور . فما زال يكررها، قلنا: ليته سكت!!.

على أن أم المؤمنين لو كانت جادة في أمر عودتها إلى المدينة قبل أن تبلغ البصرة، لما ثناها عن ذلك، برأينا، شهود الزور؛ ذلك لأنهم لم ينفوا مرورهم بالحوأب وإنما قالوا: إنهم مروا به قبل فترة.

وقد نكث الزبير وطلحة بيعتهم لعلي، ونقضا عهدهما لعثمان بن حنيف مخالفين بذلك نص الآية الكريمة: ( وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً ) . كما اعتديا على حرمة المسجد وعلى الصلاة وقتلا السيابجة غدراً. وصنعا ما صنعا بعثمان


بن حنيف والي البصرة. ولعل موقف الناكثين في باطلهم من عثمان بن حنيف في حقه يعيد إلى الذاكرة - على قاعدة: وبضدها تتميز الأشياء - موقف النبي على حقه من سهيل بن عمرو، وهو على باطل، حين قال عمر بن الخطاب للنبي على ما يحدثنا الطبري(١) : (انتزع ثنيتي سهيل بن عمرو السفليين، يدلع لسانه فلا يقوم عليك خطيباً في موطن أبداً. فقال رسول الله:لا امثل به فيمثل الله بي وأن كنت نبياً ).

فقد امتنع الرسول الكريم عن التمثيل بأحد شيوخ المشركين، في حين أن عائشة أم المؤمنين وطلحة والزبير قد مثّلوا بأمير البصرة وهو شيخ من أفضل المسلمين دون أن يقترف ذنباً يستحق عليه العقاب، اللَّهُم إلا الوقوف بوجه العصاة على الخليفة ومن ورائه كتاب الله وسنة الرسول.

ولسنا نعلم صلة ذلك بالمطالبة بدم عثمان، وهل الاعتداء على عثمان - بغض النظر عن مسبباته - أكثر فظاعة من الاعتداء على عثمان بن حنيف وأصحابه؟ ولماذا اعتدى طلحة والزبير على مسلمي البصرة؟ هل يجيز الدين الحنيف ذلك الاعتداء من حيث المبدأ العام؟ ومن حيث الشكل الذي وقع فيه؟

ذكر الإمام مسلم(٢) بأسانيده المختلفة عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: (قال رسول الله:أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خلة منهن كانت فيه خلة من نفاق حتى يدعها: إذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر ).

____________________

(١) تاريخ الأمم والملوك: ٢ / ٢٨٩.

(٢) صحيح مسلم: ١ / ٤٢.


والمنافقون، كما وصفهم الله في سورة المنافقين: ( اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (١) .

ونحن نترك للقارىء تقدير الخلال الأخرى (تزيد عن الخلال الأربع) التي اتصف بها الناكثون. ويتجسم ذلك الموقف إذا ما وازنه القارئ بموقف الإمام الكريم، في حربه وسلمه، مع خصومه وأنصاره على السواء.

____________________

(١) المنافقين: ٢.


[ الفصل الثاني: ] القاسطون

لقد مر بنا الحديث - في فصل سابق - عن حركة الناكثين، تلك الحركة التي زرعت بذور التمرد على النظام في جسم المجتمع الإسلامي في عهد الإمام. وحركة الناكثين ما هي في الواقع إلا جانب واحد من جوانب الصراع المسلح بين علي ومناوئيه، وهي صورة من أروع صور الصراع بين الحق والباطل.

وقد شجعت فتنة الجمل القاسطين الحائرين، معاوية وأصحابه، على القيام بعصيان مسلح على نظام الحكم في البلاد، كما أتاحت لهم فرصة التجمع وحشد قوى الشر والإرهاب لمقاومة مبادئ الدين الحنيف الممثلة في خُلق الإمام وفي سياسته العامة. وقد انضوى تحت لواء معاوية كل من كان حاقداً على الإمام لعدالته وسلامة معتقداته في السياسة والدين والأخلاق. من ذلك مثلاً:

أن عبيد الله بن عمر بن الخطاب كان قد التحق بمعاوية (خوفاً من علي أن يقيده بالهرمزان. وذلك أن أبا لؤلؤة - غلام المغيرة بن شعبة - قاتل عمر كان في أرض العجم غلاماً للهرمزان، فلما قُتل عمر شد عبيدُ الله على الهرمزان فقتله... وكان الهرمزان عليلاً في الوقت الذي قتل فيه عمر.. فعفا عثمان عن عبيد الله. فلما صارت الخلافة لعلي، أراد قتل عبيد الله بن عمر بالهرمزان لقتله إياه ظلماً من غير سبب استحقه. فلجأ إلى معاوية)(١) .

____________________

(١) المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجوهر: ٢ / ٢٦١.


ولجأ إلى معاوية كذلك مصقلة بن هبيرة الشيباني، عامل علي في إحدى خطط فارس؛ وسبب ذلك أن مصقلة كان قد اشترى أسرى الخوارج من جماعة الخريت بن راشد السامي ولكنه التوى بما شرطه على نفسه من ثمنهم. (فلما طالبه ابن عباس بأداء الدين قال: لو طلبت أكثر من هذا المال إلى ابن عفان ما منعني إياه. ثم احتال حتى هرب من البصرة ولحق بمعاوية. فتلقاه معاوية أحسن لقاء وأطمعه وأرضاه حتى طمع مصقلة في أن يحمل أخاه نعيم بن هبيرة على أن يلحق به)(١) .

وهكذا نجد ابن هند يحتضن الجناة الفارين من وجه العدالة، ويغدق عليهم العطاء من بيت مال المسلمين فيزرع بتصرفه هذا بذور فساد الأخلاق في المسلمين، ويشجع الناس على الخروج على مبادئ الدين الحنيف.

ولم تقتصر النتائج على ذلك الزمن الذي عاش فيه ابن أبي سفيان، بل تعدته فسارت في سجل الزمن منذ مصرع الإمام حتى يومنا هذا. لقد تمرد معاوية على الخليفة وتنكَّر لمبادئ الدين متظاهراً بالطلب بدم عثمان بن عفان(٢) . ومعاوية - كما ذكرنا هو: ابن هند آكلة الأكباد، وأبوه أبو سفيان: الذي حارب النبي... ولم يسلم إلا متأخراً حين لم ير من الإسلام بداً، وحين لم يكن إلا أن يختار بين الإسلام والموت...

ولم تكن أم معاوية بأقل من أبيه تنكراً للإسلام وبغضاً لأهله وحفيظة عليهم.. حتى فتحت مكة فأسلمت كارهة كما أسلم زوجها كارهاً(٣) .

____________________

(١) الدكتور طه حسين، الفتنة الكبرى، ج ٢ (علي وبنوه): ١٢٧.

(٢) في حين أن ولي عثمان الذي يسوغ له المطالبة بدمه من الناحية الشرعية هو ابنة عمرو كما ذكرنا.

(٣) عبد الفتاح عبد المقصود، الإمام علي بن أبي طالب: ٢ / ٦١.


وكان على معاوية(١) - إذا فرضنا أنه يجوز له أن يطالب بدم عثمان - ولو أنصف وأخلص نفسه للحق أن يبايع كما بايع الناس. ثم يأتي إلى علي - مع أولياء عثمان - فيطالبون بالإقادة ممن قتله. ولكن معاوية لم يكن يريد أن يثأر لعثمان(٢) بمقدار ما كان يريد أن يصرف الأمر عن علي؛ وآية ذلك أن الأمر استقام له - بعد مصرع الإمام - فتناسى ثأر عثمان ولم يتبع قتلته..

فالطلب بدم عثمان إذن لم يكن إلا أقصوصة اشترك في صوغها كل منافس لعلي، حاقد عليه. وقد وَسِعَ كل شيء ووصل إلى كثير من الغايات إلا الثأر للشيخ القتيل).

____________________

(١) عبد الفتاح عبد المقصود، الإمام علي بن أبي طالب: ٢ / ٣٠١.

(٢) ليس لدى الباحث من الأدلة المقنعة ما يمنعه من الاعتقاد باشتراك معاوية - بطريقة غير مباشرة - في التآمر على قتل عثمان، فقد وهن العظم من عثمان وبلغ من الكبر عتياً. وليس من الممكن أو المعقول أن تنتقل الخلافة إلى معاوية دون أن يقتل عثمان. وإن بقاء عثمان سنتين أو ثلاثاً في الحكم - وتعديل سيرته السياسية - لم يكن في صالح معاوية. وإذا لم يكن معاوية قد ألب الناس على الشيخ أو خذلهم عن نصرته، فقد تقاعس عن مساعدته في أحرج الظروف، فقد ساهم في قتله من الناحية السلبية على أسوأ الفروض. ذلك لأن معاوية، بحكم مركزه في الشام الذي استمر زهاء عشرين عاماً كان هو الوالي الوحيد الذي باستطاعته إنقاذ حياة ابن عفان. ويجمل بنا في هذا الصدد، أن نذكِّر القارئ بالمحاورة الطريفة التي جرت بين معاوية وأبي الطفيل حول تقاعس كل منهما عن نصرة عثمان. فقد سأل معاوية أبا الطفيل - متخابثاً - عن تقاعسه عن نصرة الخليفة، فأجاب هذا بأن تقاعسه كان ضمن التقاعس العام الذي أبداه المهاجرون والأنصار. ثم وجه السؤال نفسه إلى معاوية فأجابه بأن طلبه بدمه - في خلافة علي - نصرة له. فضحك أبو الطفيل ثم قال: أنت وعثمان كما قال الشاعر:

لا ألفينك بعد الموت تندبني

وفي حياتي ما زوَّدتني زادي

هذا إلى أن معاوية بإسناده إمارة مصر لابن العاص - الذي عزله عثمان عنها فجعله من المؤلبين عليه - قد برهن بوضوح على أن المطالبة بدم عثمان وسيلة للثورة على علي.


وكان رأي علي في الموضوع كما يذكر ابن حجر العسقلاني(١) (أن يدخل معاوية وأصحابه في الطاعة، ثم يقوم ولي دم عثمان بن عفان فيعمل الإمام معه ما فيه حكم الشريعة).

وقد أشار الإمام علي إلى ذلك في إحدى رسائله إلى أهل الأمصار بعد صفين حين قال(٢) :(وكان بدء أمرنا أن التقينا والقوم من أهل الشام والظاهر أن ربنا واحد ونبينا واحد ودعوتنا في الإسلام واحدة... والأمر واحد إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان ونحن منه براء. فقلنا: تعالوا نداوي ما لا يدرك بإطفاء الثائرة وتسكين العامة حتى يشتد الأمر ويستجمع فنقوى على وضع الحق في مواضعه. فقالوا: بل نداويه بالمكابرة. فأبوا حتى ضجت الحرب.. فلما ضَرَّستنا وإياهم ووضعت مخالبها فينا وفيهم أجابوا عند ذلك إلى الذي دعوناهم إليه) .

ويلوح للباحث أن الخروج على ما توطأ الناس عليه من العرف والخُلق كان هو القاعدة العامة للأسرة الأموية في الجاهلية والإسلام، وكُتب التاريخ العربي زاخرة بالأمثلة على ذلك. وقد مر بنا في فصل سابق ذكر كثير من الشواهد والأمثلة في هذا الباب عندما تظاهر رءُوس الأمويين في الانضواء تحت لواء الإسلام.

أما في الجاهلية فيجد الباحث، على الرغم من قلة الأخبار الموثوقة عن سيرتهم، قصصاً ممتعة في هذا المضمار، من ذلك مثلاً ما ذكره ابن الأثير(١) حين قال: (كان لعبد المطلب جار يهودي يقال له: أُذينة، يتَّجر وله مال كثير. فغاظ ذلك

____________________

(١) الإصابة في تمييز الصحابة: ٢ / ٥٠١، ٥٠٢.

(٢) شرح نهج البلاغة: ٤ / ١٦١، ١٦٢.

(٣) الكامل في التاريخ: ٢ / ٩.


حرب بن أُمية.. فأغرى به فتياناً من قريش ليقتلوه ويأخذوا ماله، فقتله عامر بن عبد مناف بن عبد الدار وصخر بن حرب بن عمرو بن كعب التيمي جد أبي بكر).

وتتلخَّص حركة القاسطين - من حيث وقوع حوادثها من الناحية التاريخية - على الشكل التالي(١) :

(لما عاد علي من البصرة بعد فراغه من الجمل قصد الكوفة... وبعث جرير بن عبد الله البجلي... وكتب معه كتاباً إلى معاوية يدعوه فيه إلى الدخول فيما دخل فيه المهاجرون والأنصار من طاعته، فسار جرير إلى معاوية. فلما قدم عليه ماطله معاوية واستنظره، واستشار عمرو بن العاص فأشار عليه أن يجمع أهل الشام ويلزم علياً دم عثمان ويقاتله بهم. ففعل معاوية ذلك.

وكان أهل الشام لما قدم عليهم النعمان بن بشير بقميص عثمان - الذي قتل فيه - مخضوباً بالدم.. وضع معاوية القميص مدة وهو على المنبر. واقسموا ألاَّ يمسهم الماء للغسيل من الجنابة وألاَّ يناموا على الفراش حتى يقتلوا: قتلة عثمان، ومن قام دونهم قتلوه.

فلما عاد جرير إلى علي وأخبره خبر معاوية واجتماع أهل الشام على قتاله. خرج علي فعسكر بالنخيلة.. وسرح الأشتر ببعض الجند أمامه.. وقال له:إيَّاك أن تبدأ القوم بقتال. ولا تدن منهم دنو من يريد أن يُنشب الحرب، ولا تباعد منهم تباعد من يهاب البأس. حتى أقدم عليك .. وأصبح علي على غدوة الأشتر..

وكان معاوية قد سبق.. فأخذ شريعة الفرات.. فطلب أصحاب علي شريعة غيرها فلم يجدوا. فأتوا علياً فأخبروه بعطشهم.. فدعا صعصعة بن صوحان. فأرسله إلى معاوية يقول له:

____________________

(١) ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ٣ / ١٤١ - ١٦٠.


إنا سرنا سيرنا هذا ونحن نكره قتالكم قبل الاعتذار إليكم. فقدمت لنا خيلك ورجالك فقاتلتنا قبل أن نقاتلك، ونحن من رأينا الكف حتى ندعوك ونحتج عليك. وهذه أخرى قد فعلتموها، منعتم الناس عن الماء.. فأبعث إلى أصحابك فليخلوا بين الناس وبين الماء... لننظر فيما بيننا وبينك، وفيما قدمنا له ..

فأصرَّ معاوية وأصحابه على المنع.. فلما علم علي بذلك قال:قاتلوهم على الماء ... فقاتلوهم حتى خلوا بينهم وبين الماء. وصار الماء في أيدي أصحاب علي، فقالوا: والله لا تسقيه أهل الشام. فأرسل علي إلى أصحابه أن خذوا من الماء حاجتكم وخلوا عنهم...

ثم إن علياً دعا أبا عمر وبشير بن عمرو بن محصن الأنصاري وسعيد بن قيس الهمداني وشبث بن ربعي التميمي، فقال لهم: ائتوا هذا الرجل وادعوه إلى الله وإلى الطاعة والجماعة... فأتوه.. فبتدأ بشير... وقال يا معاوية: أنشدك الله أن تفرق هذه الأمة وتسفك دماءها بينها.. فقطع معاوية عليه الكلام وقال: ونترك دم عثمان؟ والله لا أفعل ذلك أبداً.

فذهب سعيد بن قيس يتكلم فبادره شبث بن ربعي... فقال: يا معاوية، والله لا يخفى علينا ما تطلب! إنك لم تجد شيئاً تستغوى به الناس وتستميل به أهواءهم وتستخلص به طاعتهم إلا قولك قد قتل إمامك مظلوماً، فنحن نطالب بدمه.. وقد علمنا أنك أبطأت عنه بالنصر وأحببت له القتل لهذه المنزلة التي أصبحت تطلب. فاتق الله يا معاوية ولا تنازع الأمر أهله. قال معاوية: إن أول ما عُرفت به سفهك... إن قطعت على هذا الحسيب الشريف سيد قومه منطقه، ثم... كذبت ولؤمت أيها الأعرابي الجلف...


انصرفوا من عندي فليس بيني وبينكم إلا السيف.. فأتوا علياً فأخبروه بذلك.. فجرت مناوشات بالسلاح بين الفريقين بدأها أهل الشام في أواخر عام ٣٦ هـ.

ثم دخلت سنة ٣٧ هـ وفيها جرت موادعة بين علي ومعاوية، توادعاً على ترك الحرب بينهما حتى ينقضى المحرم طمعاً في الصلح. واختلف بينهما الرسل.. فلم يسفر ذلك عن شيء.. فلما انسلخ المحرم.. خرج معاوية وعمرو يكتبان الكتائب ويبعثان الناس.. وعلي يقول لأصحابه:لا تقاتلوهم حتى يقاتلوكم، فأنتم على حجة وترككم قتالهم حجة أخرى. فإذا هزمتموهم: فلا تقتلوا مدبراً، ولا تجهزوا على جريح، ولا تكشفوا عن عورة، ولا تمثلوا بقتيل، ولا تهتكوا ستراً، ولا تدخلوا داراً، ولا تأخذوا شيئاً، ولا تهيجوا امرأة وإن شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم وصلحاءكم . وكان علي يقول بهذا المعنى لأصحابه في كل مكان).

ذلك ما يتصل بالمرحلة التمهيدية لحرب صفين قبل أن ينشب القتال بين الطرفين، ونحسب أن القارئ قد لاحظ معنا جملة أمور:

منها: سعى الإمام إلى دعوة ابن أبي سفيان - بالطرق السليمة المألوفة - إلى عدم شقِّه عصا الطاعة على النظام، وإحداث الفتنة بين المسلمين، ليتسنى للخليفة - بعد ذلك - أن ينظر في الطلب الذي يقدِّمه له عمرو بن عثمان بن عفان - ولى عثمان حسب منطوق الآية التي ذكرناها - بشأن المتَّهمين بقتل عثمان كي يجري التحقيق اللازم ويتخذ الإجراءات القانونية بحق الجناة. ولكن معاوية ألَّب الناس على الإمام واتخذ قميص عثمان ستاراً للخروج على النظام؛ وسار بجيوشه متمرداً باغياً يريد العراق. واستولى على ماء الفرات في موقع تجمع الجيشين ومنع أصحاب الإمام الذين لم يخرجوا لقتاله بل للتفاوض معه عساه يثوب إلى رشده فيحقن دماء المسلمين.


فاضطر الإمام إلى دعوة أصحابه لقتالهم على الماء فقط، بعد أن فشلت مساعي صعصعة بن صوحان كما رأينا، وبعد أن بلغ العطش بأصحابه حداً لا يطاق.

وعندما أصبح الماء بحوزة أصحابه أمرهم بالسماح لخصومه بالاستسقاء. ولم يثنه غدر ابن أبي سفيان وأمشاجه، وخروجهم متمردين من الشام، وابتداؤهم أصحابه بالقتال، وحجزهم الماء عنهم، عن مواصلة مساعيه السلمية. فأرسل بشير الأنصاري، وسعيد الهمداني، وشبث التميمي، لمفاوضة معاوية وإقناعه بالانصياع إلى أوامر الله وسنة الرسول. فأغلظ معاوية لهم القول وشتمهم وطردهم بعد أن حاول أن يوقع بين سعيد وشبث العداوة والبغضاء بإثارة العصبية الجاهلية التي حاربها الإسلام. فأبى معاوية إلا الاستمرار في الطيش والعبث بأرواح الناس ومقدراتهم والاستهانة بمبادئ الدين الحنيف.

فحدث القتال المرير بين الجانبين وانهزمت قوى الشر أمام جيوش الإمام. فلجأ معاوية إلى الحيلة والغدر - كعادته - فرفعت المصاحف وحصل التحكيم وخرج المارقون واغتيل الإمام كما سنرى.

وفي ضوء ما ذكرنا نستطيع أن نقول مرة أخرى: إن الصراع بين القاسطين وبين قوى الإمام ما هو - في جوهره - إلا صراع بين رجلين يختلفان كل الاختلاف في الخلق وفي العقيدة. فمعاوية: (رجل لم يردعه وازع عن التماس أي أسلوب... مشروع أو غير مشروع، للوصول إلى هدفه، وهو: انتزاع الحكم من الإمام. ولم ير حرجاً في الدس، ولا في الغدر ولا في الادعاء الباطل. فقد كان همه أن يغدر وإن وطئت قدمه الملوثة قدس الحق وقيم الأخلاق.

وكانت الخطة التي درج عليها الإمام تغاير ذلك؛ لهذا فقد تباينت الأسلحة: فهي في يد علي معدومة وفي يد خصمه وفيرة، وتعددت ميادينها أمام معاوية وضاقت حلقتها على الإمام إلا ما أقره منها الدين وارتضته المثل


الإنسانية الرفيعة)(١) .

وتباين المقربون كذلك في الخلق والدين والهدف، فهم عند علي من خيرة أصحاب النبي وهدفهم السير وفق مستلزمات الإسلام. وهم - عند معاوية - من الوصوليين الانتهازيين. عمار بن ياسر ومن هم على شاكلته من جهة، وعمرو بن العاص ومن لف لفه من جهة أخرى.

وتباين الأتباع كذلك. فقد كان معاوية يحارب الإمام (بمئة ألف ما فيهم - على حد قوله - من يفرق بين الناقة والجمل)(٢) . وقد بلغت طاعة أهل الشام لمعاوية حداً يفوق الوصف(٣) ؛ فقد صلَّى بهم على ما يذكر المسعودي - عند مسيرهم إلى صفين - الجمعة: يوم الأربعاء، وأعاروه رؤوسهم عند القتال وحملوه بها).

وفي معرض التحدث عن موقف أهل الشام إزاء معاوية يقول المسعودي(٤) إن أحد إخوته من أهل العلم قال له: (كنا نقعد نتناظر في أبي بكر وعمر، وعلي ومعاوية.. فقالت لي ذات يوم بعض أهل الشام - وكان من أعقلهم وأكبرهم لحية -: كم تطنبون في علي ومعاوية؟! فقلت له: من هو علي؟ فقال:... قُتل علي في غزوة حنين مع النبي. ولما خرج عبد الله بن علي في طلب مروان إلى الشام... وجه إلى أبي العباس السفاح أشياخاً من أهل الشام من أرباب النعم والرئاسة، فحلفوا للسفاح أنهم ما علموا لرسول الله قرابة ولا أهل بيت يرثونه غير بني أُمية حتى وليتم الخلافة).

____________________

(١) عبد الفتاح عبد المقصود، الإمام علي بن أبي طالب: ٥ / ٦٦، ٦٧.

(٢) عباس محمود العقاد، عبقرية الإمام: ٥٠.

(٣) المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجوهر: ٢ / ٣٣٤.

(٤) المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجوهر: ٢ / ٥١.


وكان ذلك دون شك من آثار معاوية في تضليل الناس والتغرير بهم. فيكون معاوية - بالإضافة إلى ما ذكرنا - مسئولاً عن تشويه كثير من حقائق التاريخ الإسلامي وتزوير حوادثه.

أما أساليبه في الغدر بمناوئيه وتدبير المؤامرات لاغتيالهم، فمعروفة لدى الكثيرين، فقد دبَّر قضية سم الأشتر والحسن، بعد أن نكث عهده. وتتلخص قضية الأشتر النخعي في أن الإمام علياً قد ولاَّه مصر بعد أن عزل عنها محمد بن أبي بكر، ولكن الأشتر لم يكد يصل إلى القلزم حتى مات. وأكثر المؤرخين يتحدثون بأن معاوية أغوى صاحب الخراج في القلزم... إن هو احتال في موت الأشتر، فدس هذا الرجل للأشتر سُمَّاً في شربة من عسل فقتله ليومه. وكان معاوية وعمرو يتحدثان فيقولان: إن لله جنوداً من عسل)(١) .

وكان غدره يترواح بين الشدة واللين حسب الظروف، فيلجأ إلى القسوة إذا أعيته الحيلة والمراوغة والدس، من ذلك مثلاً: أنه اختار بسر بن أرطأة المعروف بقساوته، وسيره على رأس جيش لتعقُّب خصومه. وقد أوصى معاوية بسر بن أرطأة أن يقسو على البادية من شيعة علي. فمضى بسر ونفذ وصية معاوية وأضاف لها من عنده قسوة وغلظة وإسرافاً في الاستخفاف بالدماء والأموال، والحقوق والحرمات، فكان كثير الفتك في البادية، وجاء المدينة فروَّع أهلها... وأمرهم بالبيعة لمعاوية ففعلوا مرغمين. ومضى إلى اليمن ففر عنها عامل علي وأعوانه. ونشر فيها الروع بالإسراف في القتل، ثم أخذ البيعة لمعاوية.

وبلغ خبره علياً فأرسل جارية بن قدامة ليرده عن اليمن، ففر عنها بسر بن أرطأة ورجع إلى الشام مفسداً في الأرض أثناء رجوعه، ومسرفاً في القتل والنهب، حتى ذبح ابني عبيد الله بن العباس وكانا صبيين.

____________________

(١) الدكتور طه حسين، الفتنة الكبرى، ج ٢ (علي وبنوه): ١٣١.


وردَّ جارية اليمن إلى طاعة الإمام، وعاد إلى مكة فعرف فيها أن علياً قد قُتل)(١) .

يتضح مما ذكرنا أن خلق معاوية كان أقرب إلى الوحشية منه إلى الإنسانية، على أنه كان في - وحشيته الخلقية - كالوحش المفترس تارة، وكالثعلب المراوغ تارة أخرى. أما الإمام، فكان إنساناً كاملاً في دينه، وسياسته وأخلاقه، فقد امتلأت نفسه الكبيرة من خشية الله، وحب الناس، ونشر العدالة والإخاء بين المسلمين.

وكان موقف اتباعه منه على حقه، مغايراً لموقف اتباع معاوية له على باطله كما رأينا. وإلى القارئ طائفة من أقوال الإمام لأتباعه وهو في أحرج ساعات نزاعه مع مناوئيه:

(أما والذي نفسي بيده ليظهرن هؤلاء القوم عليكم؛ ليس لأنهم أولى بالحق منكم، ولكن لإسراعهم إلى باطلهم وإبطائكم عن حقي. ولقد أصبحت الأمم تخاف ظلم رعاتها، وأصبحت أخاف ظلم رعيتي. أيها الشاهدة أبدانهم، الغائبة عنهم عقولهم، المختلفة أهواؤهم، المبتلى بهم أمراؤهم، صاحبكم يطيع الله وأنتم تعصونه، وصاحب أهل الشام يعصى الله وهم يطيعونه. والله، لكأني بكم فيما أخالكم أن لو حمس الوغى وحمى الضرب قد انفرجتم عن ابن أبي طالب انفراج المرأة عن قُبُلِها، وإني لعلى بينة من ربي، ومنهاج من نبيِّي، وإني لعلى الطريق الواضح أَلْقُطُه لقطاً) (٢) .

وقال في مكان آخر:

(ولكنْ بمن؟ وإلى من؟! أريد أن أداوي بكم وأنتم دائي! كناقش الشوكة بالشوكة

____________________

(١) الدكتور طه حسين، الفتنة الكبرى، ج ٢ (علي وبنوه): ١٥٠.

(٢) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ٢ / ١٨٢ - ١٨٥. (حمس الوغى: اشتد وعظم. الوغى في الأصل: الأصوات والجلبة، وسميت الحرب نفسها (وغى) لما فيها من ذلك. وانفراج المرأة عن قبلها: أي وقت الولادة. وقوله (أَلْقُطُه لقطاً): يريد أن الضلال غالب على الهدى وأنه التقط طريقه من ههنا وههنا كما يسلك الإنسان طريقاً دقيقة قد اكتنفها الشوك والعوسج من جانبيها كليهما فهو يلتقط النهج التقاطاً).


وهو يعلم أن ضلعها معها) (١) .

وأشار الإمام - في مناسبة أخرى - إلى العامل الرئيسي في تقاعسهم عن نصرة الحق فقال:(أتأمرونني أن أطلب النصر بالجور فيمَن وليت عليه؟! والله لا أَطُورُ به ما سَمَرَ سَمِيرٌ... ولو كان المال لي لسوَّيتُ بينكم فكيف وإنما المال مال الله؟! وإن إعطاء المال في غير حقه تبذير وإسراف، وهو يرفع صاحبه في الدنيا ويضعه في الآخرة، ويكرمه في الناس ويهينه عند الله) (٢) .

وخاطب أتباعه - في موقع آخر - فقال:(أيتها النفوس المختلفة، الشاهدة أبدانهم والغائبة عنهم عقولهم، أَظْأَرُكُم على الحق وأنتم تنفرون منه. هيهات أن أَطْلَعَ بكم سَرَارَ العدل، أو أقيم اعوجاج الحق! اللهم أنت تعلم انه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان، ولا التماس شيء من فضول الحطام، ولكن لِنَرِدَ المعالم من دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك، فيأمن المظلومون من عبادك، وتقام المُعَطَّلةُ من سننك) (٣) .

____________________

(١) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ٢٦١، ٢٦٢. ولكن بمن كنت أعمل ذلك وإلى من أخلد في فعله.. وأما الحاضرون لنصرتي فأنتم وحالكم معلومة في الخلاف والشقاق والعصيان. وأمَّا الغائبون من شيعتي - كأهل البلاد النائية - فإلى أن يصلوا قد بلغ العدو غرضه مني، ولم يبق من أخلد إليه في إصلاح الأمر وإبرام هذا الرأي... إلا إذا استعين ببعضكم على بعض فأكون كناقش الشوكة بالشوكة. يقول: لا تستخرج الشوكة الناشبة في رجلك بشوكة مثلها فإن أحداهما في القوة والضعف كالأخرى. فكما أن الأولى انكسرت لما وطئتها فدخلت في لحمك فالثانية - إذا حاولت استخراج الأولى بها - تنكسر في لحمك.

(٢) ابن أبي الحديد، شرج نهج البلاغة: ٢ / ٣٠٥.

(٣) المصدر نفسه: ٣٧٨، ٣٧٩. أظأركم: أعطفكم.. والسَرَار: آخر ليلة في الشهر وتكون مظلمة. ويمكن عندي أن يفسر على وجه آخر، وهو: أن يكون السرار ههنا بمعنى السرر، وهي: خطوط مضيئة في الجبهة.. فيكون معنى الكلام: (هيهات أن تلمع بكم لوامع العدل، وتتجلى أوضاعه ويبرق وجهه). وهو يمكن أن يكون فيه أيضاً وجه =


وخاطبهم في موقف آخر فقال:(لم تكن بيعتكم إيَّاي فلتة (١) ؛وليس أمري وأمركم واحداً، إني أريدكم لله وأنتم تريدونني لأنفسكم. أيها الناس، أعينوني على أنفسكم، وايم الله لأنصفن المظلوم من ظالمه، ولأقودن الظالم بخزامته حتى أورده منهل الحق وإن كان كارهاً) (٢) .

____________________

= آخر، وهو: أن يُنصب سَرَار ههنا على الظرفية ويكون التقدير: (هيهات أن أطلع بكم الحق زمان استسرار العدل واستخفائه) فيكون قد حذف المفعول به.

(١) الفلتة: الأمر يقع في غير تدبُّر ولا روية. وفي الكلام تعريض ببيعة أبي بكر لأن المشهور عن عمر أنه قال: (إن بيعة أبي بكر فلتة وقانا الله شرها).

(٢) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ٢ / ٤٠٣.


[ الفصل الثالث: ] التحكيم، المارقون، ومصرع الإمام

لقد حاول علي جهد استطاعته أن يتجنَّب الحرب التي سعى معاوية ما أمكنه إلى إشعال نارها. كما حاول عبثاً إقناع معاوية وصحبه بالكف عن إيذائه وإيذاء رعاياه؛ فأوكل - مضطراً - أمره إلى السيف، فبدأت الحرب بين الجانبين.

(ولما رأى عمرو بن العاص أن أمر العراق قد اشتد وخاف الهلاك قال لمعاوية: هل لك في أمر أعرضه عليك لا يزيدنا إلا اجتماعاً ولا يزيدهم إلا فرقة؟ قال: نعم. قال: نرفع المصاحف ثمّ نقول لما فيها: هذا حكم بيننا وبينكم. فرفعوا المصاحف بالرماح وقالوا: هذا حكم كتاب الله بيننا وبينكم. فلما رآها الناس قالوا: نجيب كتاب الله. فقال لهم علي:عباد الله امضوا على حقكم وصدقكم وقتال عدوكم؛ فإن معاوية وعمرو وابن أبي معيط ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن. أنا أعرف منكم بهم؛ قد صحبتهم أطفالاً ثم رجالاً. ويحكم ما رفعوها إلا خديعة . فقال أصحابه: لا يسعنا أن نُدعى إلى كتاب الله فنأبى أن نقبله. فقال لهم علي:إنما أقاتلهم ليدينوا لحكم كتاب الله. فإنهم قد عصوا الله فيما أمرهم . فأصر أصحابه إلا وقف القتال وقبول التحكيم.

واقترح أصحاب معاوية أن يبعث كل فريق من يمثِّله على أن يعمل الحكمان بما في كتاب الله لا يعدوانه، ثم يتبع الفريقان ما اتفق عليه الحكمان، فاختار أهل الشام عمرو، وبعض أهل العراق أبا موسى الأشعري.

فقال علي لقومه:قد عصيتموني في أول الأمر - فأوقفتم القتال -فلا تعصوني الآن.


إني لا أرى أن أولِّي أبا موسى؛ فإنه ليس بثقة. قد فارقني وخذَّل الناس عني ثم هرب مني . فأبوا إلا أبا موسى. فقال:فاصنعوا ما أردتم ..

فكتب كتاب التحكيم:هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان. أننا ننزل عند حكم الله وكتابه.. فما وجد الحكمان في كتاب الله عملا به، وما لم يجداه.. فالسنة العادلة الجامعة غير المفرقة .

وأخذ الحكمان من علي ومعاوية، ومن الجندين، من العهد والمواثيق أنهما آمنان وأهليهما والأمة)(١) .

وشهد على ما في الكتاب من أصحاب علي: (الحسن والحسين ابنا علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب، والأشعث بن قيس، والأشتر بن الحارث، وسعيد بن قيس، والحسين والطفيل ابنا الحارث بن عبد المطلب، وأبو سعيد بن ربيعة الأنصاري، وعبد الله بن خباب بن أرت، وسهل بن حنيف، وأبو بشر بن عمر الأنصاري، وعون بن الحارث بن عبد المطلب، ويزيد بن عبد الله الأسلمي، وعقبة بن عامر الجهني، ورافع بن خديج الأنصاري، وعمرو بن الحمق الخزاعي، والنعمان بن العجلان الأنصاري، وحجر بن عدي الكندي، ويزيد بن حجية النكري، ومالك بن كعب الهمداني، وربيعة بن شرحبيل، والحارث بن مالك، وحجر بن يزيد، وعلبة بن حجية.

ومن أهل الشام: حبيب بن مسلمة، وأبو الأعور السلمي، وبسر بن أرطأة القرشي، ومعاوية بن خديج الكندي، والمخارق بن الحارث، ومسلم بن السكسكي، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وحمزة بن مالك، وسبيع بن يزيد الحضرمي، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعلقمة بن يزيد الكلبي، وخالد بن الحصين

____________________

(١) ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ٣ / ١٦٠ - ١٦٨.


السكسكي، وعلقمة بن يزيد الحضرمي، ويزيد بن أبجر العبسي، ومسروق بن جبلة العكي، وبسر بن أبي يزيد الحميري، وعبد الله بن عامر القرشي، وعتبة بن أبي سفيان، ومحمد بن أبي سفيان، ومحمد بن عمرو بن العاص، وعمار بن الأحوص الكلبي، ومسعدة بن عمرو العتبي، والصباح بن جهلمة الحميري، وعبد الرحمن بن ذى الكلام، وتمامة بن حوشب، وعلقمة بن حكم)(١) .

ثم اتفق علي ومعاوية على ما يذكر الدينوري(٢) (على أن يكون مجتمع الحكمين بدومة الجندل، وهو المنصف بين العراق والشام. ووجَّه علي مع أبي موسى شريح بن هانئ في أربعة آلاف من خاصته وصيّر عبد الله بن عباس على صلاتهم. وبعث معاوية عمرو بن العاص وأبا الأعور السلمي في مثل ذلك من أهل الشام. فساروا من صفِّين حتى وافوا دومة الجندل. وانصرف علي بأصحابه حتى وافى الكوفة(٣) ، وانصرف معاوية بأصحابه حتى وافى دمشق، ينتظران ما يكون من أمر الحكمين.

وكان علي إذا كتب إلى ابن عباس في أمر اجتمع إليه أصحابه فقالوا: ما كتب إليك أمير المؤمنين؟، وتأتي كتب معاوية إلى عمرو بن العاص فلا يأتيه أحد من أصحابه يسأله عن شيء من أمره..

وعندما اجتمع الحكمان وتداولا في الأمر(٤) ، قال عمرو لأبي موسى: وأين أنت من معاوية؟ قال أبو موسى: ما معاوية موضعاً لها.. قال عمرو: ألست تعلم أن عثمان قتل مظلوماً؟ قال: بلى.

____________________

(١) الدينوري، الأخبار الطوال: ١٩٨، ١٩٩.

(٢) الأخبار الطوال: ٢٠٠ - ٢٠٣.

(٣) فامتنع الذين أصروا على وقف القتال، وقبلوا التحكيم من أصحاب الإمام من دخول الكوفة مع الإمام، فيكون منهم المارقون الذي أرغموا الإمام - بعد ذلك - على حربهم بالنهروان.

(٤) وأوحى عمرو إلى رفيقه: أن موضوع خلع علي من الخلافة قد بات مفروغاً منه، وأن المشكلة هي اتفاقهما على من سيخلفه.


قال: فإن معاوية وليّ عثمان.. قال أبو موسى: إن ولى عثمان ابنه عمرو. ولكن إن طاوعتني أحيينا سنة عمر بن الخطاب وذكْرُه بتوليتنا ابنه عبد الله.. هلَّم نجعلها للطيب ابن الطيب. قال عمرو: ياأبا موسى لا يصلح لهذا الأمر إلا رجل له ضرسان يأكل بأحدهما ويطعم بالآخر. قال أبو موسى: أرى أن نخلع هذين الرجلين - علياً ومعاوية - ثم نجعلها شورى بين المسلمين يختارون لأنفسهم من أحبوا. قال عمرو: فقد رضيت بذلك، وهذا الرأي الذي فيه صلاح الناس).

كان أبو موسى قد عوَّده عمرو أن يتقدم في الكلام عليه. وكثيراً ما كان عمرو يقول له: (أنت صاحب رسول الله وأسن مني فتكلَّم وأتكلم، وتعوَّد ذلك أبو موسى، وأراد عمرو بذلك أن يقدَّمه في خلع علي. فلما اتفقا على خلع علي ومعاوية.. أقبلا إلى الناس وهم مجتمعون. فقال عمرو: ياأبا موسى أعلمهم أن رأينا اتفق، فتكلم أبو موسى فقال: إن رأينا اتفق على أمر نرجو أن يصلح الله به أمر هذه الأمة. فقال عمرو: صدق وبر. تقدم ياأبا موسى فتكلَّم. فتقدَّم أبو موسى ليتكلَّم فقال ابن عباس: ويحك إني والله لأظنه قد خدعك، إن كنتما قد اتفقتما على رأي فقدمه ليتكلم به قبلك، ثم تكلم بعده، فإنه رجل غادر ولا آمن أن يكون قد أعطاك الرضا بينكما، فإذا قدمت في الناس خالفك. وكان أبو موسى مغفلاً فقال: إنَّا قد اتفقنا. وقال: أيها الناس، إنَّا قد نظرنا في أمر هذه الأمة فلم نر أصلح لأمرها ولا ألمَّ لشعثها.. إلا أن نخلع علياً ومعاوية، ويولَّى الناس أمرهم من أحبَّوا.. وإني قد خلعت علياً ومعاوية.. ثم تنحى وأقبل عمرو فقام وقال: إن هذا قد قال ما سمعتموه وخلع صاحبه. وأنا أخلع صاحبه كما خلعه؛ وأثبت صاحبي معاوية فإنه وليّ ابن عفان والطالب بدمه وأحق الناس بمقامه.


قال أبو موسى الأشعري لعمرو: لا وفقَّك الله غدرت وفجرت. إنما مثلك( كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ) ‏، قال عمرو: إن مثلك( كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً ) .. والتمس أهل الشام أبا موسى فهرب إلى مكة. ثم انصرف عمرو وأهل الشام إلى معاوية فسلَّموا عليه بالخلافة)(١) .

يتضح مما ذكرنا: أن رفع المصاحف حيلة دبَّرها عمرو بن العاص للحيلولة بين القاسطين وبين الفرار أمام جيوش الإمام، وقد فطن الإمام إلى ذلك ووصف عمرو ومعاوية وابن أبي معيط بأنهم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن. وقد مر بنا ذكر شيء من سيرة معاوية وابن أبي معيط، ونود في هذه المناسبة أن ننقل إلى القارئ، قبل الاسترسال في موضوع التحكيم، طرفاً من سيرة عمرو بن العاص ليتبين الأسس التي استند إليها علي في وصمه عمْراً وصاحبيه بالبعد عن الدين والقرآن.

وعمرو هو: ابن العاص السهمي الذي كان من المستهزئين بالنبي. وقد أنزل الله فيه قول:( إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ) (٢) .

أما المستهزئون الآخرون فقد ذكرهم ابن خلدون(٣) بقوله: (ولما رأت قريش النبي قد امتنع بعمه وعشيرته، وأنهم لا يسلمونه، طفقوا يرمونه - عند الناس ممن يفد على مكة - بالسحر والكهانة والجنون والشعر؛ يرومون بذلك صدهم عن الدخول في دينه. ثم انتدب جماعة منهم لمجاهرته بالعداوة والإيذاء، منهم: عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وعقبة بن أبي معيط - أحد المستهزئين. وأبو سفيان من المستهزئين، والحكم بن أُمية من المستهزئين أيضاً.

____________________

(١) ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ٣ / ١٦٠ - ١٦٨.

(٢) ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ٢ / ٤٩، ٥٠.

(٣) ابن خلدون، كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر: ٢ / ١٧٧.


والعاص بن وائل السهمي وابنا عمه: نبيه ومنبه. وقاموا يستهزئون بالنبي ويتعرضون له بالاستهزاء والأذية حتى لقد كان بعضهم ينال منه بيده).

أما أم عمرو بن العاص (فثَمَّة صحيفة من صحائف فجور الجاهلية تنتشر عن الباغية أم عمرو كامرأة تلقفتها آونة مضاجع الرجال. فلما خرج ابنها إلى النور تهامست الألسن عن أبيه وتاهت حقيقة نسبه بين بضعة نفر.. منهم العاص ومنهم أبو سفيان. ولكن الأم حزمت أمرها على أن تلصق وليدها بأول الرفيقين؛ إذ كان أوفر النفر ثروة وأسخاهم عليها في الإنفاق، فكأنها بهذا الاختيار قد ضربت لابنها أول مثل في تغليب المادة على أوثق العلاقات وإنه لمبدأ رضعه من ثدييها وظل يدين بناموسه مدى عمره المديد)(١) .

هذا هو البيت الذي نشأ فيه عمرو بن العاص.

أما مواقف عمرو نفسه من الإسلام - في أوائل عهده - فمعروفة لدى الكثيرين؛ فقد كان أشد الكفار خصومة للنبي يوم أحد. ويحضرنا - في هذه المناسبة - بعض شعره:

لمّا رأيت الحرب ينزو

شرّها بالرّضف نزوا

أيقنت أنّ الموت حقّ

والحياة تكون لغوا

حمّلت أثوابي على

عُتَد يبذّ الخيل رهوا (٢)

ولما يئس عمرو من الانتصار على النبي في الحرب لجأ إلى الغدر والدس والتواري عن الأنظار. قال عمرو، على ما يذكر ابن هشام(٣) : (لما انصرفنا من الأحزاب عن الخندق جمعت رجالاً من قريش كانوا يرون رأيي ويسمعون مني. فقلت لهم: إني أرى أمر محمد يعلو الأمور علواً

____________________

(١) عبد الفتاح عبد المقصود، الإمام علي بن أبي طالب: ٢ / ٢٧٥.

(٢) ابن هشام، سيرة النبي محمد: ٣ / ١١٦. ينزو: يرتفع ويثب. وأرضف: الحجارة المحماة بالنار. العُتَدُ: الفرس الشديد. يَبُذُّ: يسبق. والرَّهو: الساكن، اللين.

(٣) سيرة النبي محمد: ٢ / ١٧٧.


منكراً.. فأرى أن نلحق بالنجاشي فنكون عنده. فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي، فإنا أن نكون تحت يديه أحب ألينا أن نكون تحت يدي محمد. وإن ظهر قومنا، فنحن من عرفوا).

وقد كان عمرو - كما رأينا - من أكبر المؤلِّبين على عثمان، وهو الذي صرفه عن تطبيق حد الله في عبيد الله بن عمر بن الخطاب لقتله الهرمزان. (فقد أقبل ابن العاص على عثمان، حين رأى عثمان أن ينظر في الاقتصاص من عبيد الله... فقال له: يا أمير المؤمنين، إن الله قد أعفاك أن يكون هذا الحدث كان ولك على المسلمين سلطان، إنما كان الحدث ولا سلطان لك)(١) .

ولما بلغ عمرو - وهو بفلسطين كما ذكرنا - بأن الناس قد بايعوا علياً وبأنَّ معاوية يأبى البيعة، اتصل عمرو بمعاوية وحبَّذ له فكرة المطالبة بدم عثمان.

ومن الطريف أن نذكر في هذه المناسبة: أن المؤرخين يكادون يجمعون على ذكر قصة استشارة عمرو لولديه عبد الرحمن ومحمد، وهو بفلسطين، في شأن موقفه من النزاع بين علي ومعاوية (فقال له عبد الله: إن كنت لا بد فاعلاً فإلى علي. قال عمرو: إني إن أتيت علياً يقول لي: إنما أنت رجل من المسلمين. وإن أتيت معاوية يخلطني بنفسه ويشركني في الأمر. وكان محمد ابنه الآخر على هذا الرأي. فقال لهما عمرو: أما أنت يا عبد الله فقد اخترت لآخرتي. وأما أنت يا محمد فقد اخترت لدنياي.. وقدم عمرو على معاوية.. وسأله: أترى أننا خالفنا علياً لفضل منا عليه؟.. لا والله إن هي إلا الدنيا نتكالب عليها)(٢) .

____________________

(١) عبد الفتاح عبد المقصود، الإمام علي بن أبي طالب: ٤ / ٨٣. وإذا كان الأمر كذلك فقد قُتل عثمان وليس لعلي سلطان على الناس فلماذا أقام عمرو الدنيا عليه وأقعدها.

(٢) عباس محمود العقاد، معاوية بن أبي سفيان: ٥٣ - ٥٥.


ولا ندري ما صلة ذلك بالمطالبة بدم عثمان!!

هذا هو ممثل معاوية في التحكيم.

أما ممثل علي، فهو أبو موسى الأشعري الذي كان يخذِّل الناس عن نصرة الخليفة حين كان والياً له على الكوفة، الأمر الذي اضطر الخليفة إلى عزله.

ولنعد الآن إلى موضوع التحكيم:

فإذا نظرنا إليه من الناحية المبدئية العامة - أي تحكيم كتاب الله وسيرة نبيه فيما يحصل من اختلاف بين وجهات نظر المسلمين في أمورهم الدينية والدنيوية - فإن الإمام علي لا يرضى بغير ذلك بديلاً، وقد بنى سياسته العامة - في السلم والحرب ومع أنصاره وأعدائه على السواء - وفق مستلزمات القرآن والسنة، وتألَّب عليه خصومه - وهرب منه بعض أنصاره - لتمسكه بذلك في جميع تصرفاته. وقد مر بنا رفضه قبول الخلافة أثناء الشورى لوضعِ شرطٍ ثالثٍ بجانب الكتاب والسنة، كما مر بنا جانب من موقفه مع الناكثين ودعوته إياهم إلى تحكيم الكتاب والسنة فيما خرجوا عليه.

فلم يعترض الإمام - إذن - على التحكيم الذي دعا إليه معاوية وأصحابه من حيث المبدأ، وإنما اعترض على الشكل الذي جاء فيه والظروف التي أحاطت به. فقد رفع خصومه المصاحف على الرماح في الوقت الذي كانت فيه جيوشه سائرة إلى نصرها المبين. ودعوا - كاذبين - إلى تحكيم القرآن الذي حاربوه، وحاربوا من أُنزل عليه في الجاهلية والإسلام، واخترقوا نصوصه (وسنة الرسول) في تصرفاتهم العامة من الناحيتين الدينية والدنيوية. فقد أمر معاوية - باقتراح من ابن العاص كما ذكرنا - أصحابه أن يربطوا المصاحف على أطراف القنا، فرُبطت المصاحف. وأول ما ربط مصحف دمشق الأعظم، ربط على خمسة أرماح يحملها خمسة رجال.


ثم ربطوا سائر المصاحف، جميع ما كان معهم. وأقبلوا في الغلس(١) .

ونظر أهل العراق إلى أهل الشام قد أقبلوا وأمامهم شيبه بالرايات، فلم يدروا ما هو حتى أضاء الصبح، فنظروا فإذا هي المصاحف. وأقبل أبو الأعور السلمي على برذون(٢) أشهب وعلى رأسه مصحف وهو ينادي: يا أهل العراق، هذا كتاب الله حكَماً فيما بيننا وبينكم. فتكلم علي وقال:عباد الله أنا أحرى من أجاب إلى كتاب الله... إن القوم ليسوا يريدون بذلك إلا المكر، وقد عضتهم الحرب، والله لقد رفعوها وما رأيهم العمل بها. وليس يسعني - مع ذلك - أن أدعى إلى كتاب الله فلا أجيب. وكيف! وإنما قاتلتهم ليدينوا بحكمه! )(٣) .

وعندما وقف القتال، وانصاع القاسطون - في الظاهر - إلى رأي الإمام في تحكيم القرآن والسنة لحسم النزاع بين المعسكرين. وافق الإمام على قبول التحكيم، التحكيم الذي هو مبدؤه في تصرفاته كافة. استمع إليه يخاطب ابن أبي سفيان:إن البغي والزور يوقعان بالمرء في دينه ودنياه... ويبديان خلله عند من يعيبه. قد علمت أنك غير مدرك ما قضى فواته. وقد رام أقوام أمراً بغير الحق فتأولوا على الله فأكذبهم... وقد دعوتنا إلى حكم لقرآن ولستَ من أهله. ولسنا إياك أجبنا ولكننا أجبنا القرآن في حكمه )(٤) .

وخاطبه - في موضع آخر - فقال:(لقد ابتلاني الله بك وابتلاك بي. فجعل

____________________

(١) الغلس: بعد العشاء الآخرة وقبل الفجر (الناشر).

(٢) البرذون: صنف من الخيل الغير العربية (الناشر).

(٣) الدينوري، الأخبار الطوال:١٩١، ١٩٢.

(٤) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ٤ / ١١٣، ١١٤.


أحدنا حجة على الآخر. فغدوت على طلب الدنيا بتأويل القرآن وطلبتني بما لم تجن يدي ولا لساني، وعصيته أنت وأهل الشام بي. وألَّب عالمكم جاهلكم وقائمكم قاعدكم) (١) .

فالإمام إذن لم يعترض على مبدأ التحكيم، بل التحكيم بالشكل الذي دعاه إليه معاوية والظروف التي حصل فيها. وبعد أن زالت تلك الظروف ووضعت الحرب أوزارها اختفت عوامل ممانعة الإمام بقوله.

غير أن الإمام اعترض - بعد ذلك - على تعيين بعض أصحابه أبا موسى الأشعري ليمثله في ذلك. وقد كان اعتراض الإمام مبنياً - من حيث الأساس - على القول بأن الممثل يجب أن يتبنى فكرة من يمثِّله - بغض النظر عن سلامتها - ليتسنى له القيام بواجبه على وجهه الأتم، فعمرو بن العاص خير من يمثِّل معاوية في هذه الناحية.

فلما أصر أصحاب الخليفة على رأيهم في تعيين أبي موسى، رجع الإمام إلى نفسه - على ما يبدو - وقلَّب الأمر على وجوهه، فلم ير بأساً من الموافقة على ذلك؛ لأن موضوع التحكيم سوف يسير - حسبما اتفق الجانبان المتعاقدان - على نصوص القرآن وسنة النبي حيث ينكشف لأبي موسى زيفه السابق في التخذيل عن الإمام. وما دام موضوع التحكيم - برأي الإمام - مُنْصَباً على حسم الخلاف بينه وبين معاوية، وهو نزاع يتصل - على ما ادعى معاوية - بالمطالبة بدم الخليفة القتيل، فسوف ينظر الحكمان في القرآن والسنة فيما إذا كان عثمان قد قتل مظلوماً من جهة؟ وفيما إذا كان لمعاوية الحق في المطالبة بدم عثمان من الناحية الشرعية - أي أنه ولي عثمان - من جهة ثانية؟ وفيما إذا كان الأسلوب الذي اتبعه معاوية للمطالبة المذكورة - في حالة شرعيتها - هو الأسلوب السليم من جهة ثالثة؟ وفيما ينبغي للخليفة أن يفعله من جهة رابعة؟

____________________

(١) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ٤ / ١٦٠. والإشارة هنا إلى مقتل عثمان.


فاطمأن علي إلى ذلك كل الاطمئنان.

غير أن اجتماع الحكمين قد جعل الموضوع يسير باتجاه آخر لا صلة له إطلاقاً بموضوع المطالبة بدم عثمان ابن عفان. فأغفل عمرو صاحبه ابتداءً كما رأينا. وألقى في روعه أن موضوع التحكيم ينحصر في تعيين خليفة جديد للمسلمين كأن خلع علي من الخلافة قد بات أمراً مفروغاً معه. فاقترح عمرو اسم معاوية فرفضه أبو موسى كما رأينا. واقترح عمرو - بعد ذلك - اسم ابنه عبد الله فرفضه أبو موسى أيضاً، الأمر الذي حدا بأبي موسى أن يتقدم هو بمرشح جديد، وهو عبد الله بن عمر بن الخطاب.

ولما اطمأن عمرو إلى ثبوت ذلك الرأي في ذهن زميله - أي فكرة خلع الخليفة وتعيين آخر بدله - جعل موضوع البحث ينحصر في الاتفاق على المرشح الجديد. ولما ظهر أنهما لم يتفقا على شخص معين بالذات، طلب من أبي موسى أن يقترح حلاً للخروج من ذلك المأزق الحرج الذي يتوقف عليه مصير الحكم في البلاد، والذي يرقبه المسلمون - بفارق الصبر - في كل مكان. فتقدم أبو موسى باقتراح جديد ظنه كسباً له واندحاراً لعمرو بن العاص. فقد خيل إليه أنه سينتصر إذا ما وافق عمرو على (خلع) معاوية بعد أن بات خلع الإمام أمراً متفقاً عليه. فوافق عمرو - في الظاهر - على الفكرة وأغراه بإعلانها على الناس، ثم عاد فغدر به على الشكل الذي وصفناه.

وقد برز عمرو - في ذلك كله - بأبشع ما يبرز فيه الرجل من الخداع والدس والتدني عن مستويات الأخلاق الرفيعة. فأغفل صاحبه وأغراه على خلع علي ومعاوية على السواء ليترك الأمر للمسلمين يختارون من يشاءون. فلما أعلن أبو موسى رأيه على الناس - كما مر بنا - نهض عمرو فأكد خلع علي


وتثبيت ابن أبي سفيان. ولا ندري علاقة ذلك كله بالمطالبة بدم عثمان!! وهل تنازع علي ومعاوية على الخلافة؟! وهل كان معاوية خليفة حتى يخلعه أبو موسى ويثبته ابن العاص؟!

ومهما يكن من شيء فقد حصل خلع الإمام وتثبيت معاوية، فارتاع دعاة التحكيم في عسكر الإمام. فظهر المارقون من الخوارج.. وقالوا: (لا حكم إلا لله)، وهي كلمة حق يراد بها باطل على ما ذكر الخليفة. وأراد أصحاب علي قتال الخوارج في بادئ الأمر، ولكنه أبى عليهم ذلك وأنكره - كشأنه في مواقفه الأخرى ضد مناوئيه - وقال:(إن سكتوا تركناهم وإن تكلموا حاججناهم وإن أفسدوا قاتلناهم) (١) .

بدأ المارقون نشر الفساد في المناطق التي كانوا يسكنون فيها، فنهبوا واغتالوا وتعاطوا كثيراً من الموبقات (فقتلوا عبد الله بن الخباب بن الأرت - وخباب من خيرة الصحابة - وقتلوا نسوة كن مع عبد الله. وجعلوا يتعرضون الناس ويذيعون الذعر. فأرسل إليهم علي رجلاً من أصحابه يسألهم عن هذا الفساد، فلم يكد هذا الرسول يدنو منهم حتى قتلوه)(٢) ؛ فلم يجد علي بداً من مقاتلتهم في النهروان.

وقد وجد الإمام نفسه مع ذلك كله، وأمام هذه الأمور العظام، وفي قلب هذه الفتنة الغليظة المظلمة.. كأحسن ما يجد الرجل نفسه: صدق إيمان، ونصحاً للدين، وقياماً بالحق، واستقامة على الطريق المستقيمة، لا ينحرف ولا يميل ولا يداهن من أمر الإسلام في قليل ولا كثير. وإنما يرى الحق فيمضي إليه لا يلوي على شيء ولا يحفل بالعاقبة، ولا يعنيه

____________________

(١) الدكتور طه حسين، الفتنة الكبرى، ج ٢ (علي وبنوه): ١١٣.

(٢) المصدر نفسه: ١١٣.


أن يجد في آخر طريقه نجحاً أو إخفاقاً، ولا أن يجد في آخر طريقه حياة أو موتاً. وإنما يعنيه كل العناية أن يجد أثناء طريقه - وفي آخرها - رضا ضميره ورضا الله(١) .

فلا عجب أن رأينا حياته بعد النهروان خاصة، على ما يقول الدكتور طه حسين(٢) : (محنة شاقة إلى أقصى حدود المشقة، كان يرى الحق واضحاً صريحاً.. وقد ظل الخوارج معه بعد ذلك يعايشونه في الكوفة، ويعايشون عامله في البصرة، وينبثون في أطراف السواد بين المِصْرَيين.. وكانوا يكيدون للإمام. يشهدون صلاته ويسمعون خطبه وأحاديثه، وربما عارضه منهم المعارض فقطع عليه الخطبة والحديث، وهم على ذلك مطمئنون إلى عدله. ويأخذون تعيينهم من الفيء وحظوظهم من المال!! فأطمعهم عدله وإسماحه، وأغراهم لينه وبِرُّه.

جاء أحدهم ذات يوم، وهو الحريث بن راشد السامي، فقال له: والله لا أطعتُ أمرك ولا صلَّيت خلفك.. فلم يغضب علي ذلك ولم يبطش به، وإنما دعاه إلى أن يناظره ويبيِّن له وجه الحق لعله أن يثوب إليه. فقال له الحريث: أعود إليك غداً. فقبل منه علي فانصرف الرجل إلى قومه. ثم خرج بهم في ظلمة الليل من الكوفة يريد الحرب. ولقي الحريث وأصحابه في طريقهم رجلين سألوهما عن دينهما، وكان أحدهما يهودياً، فلمَّا أنبأهم بدينه خلّوا سبيله. وأما الآخر فكان مسلماً من الموالي، فلما أنبأهم بدينه سألوه عن رأيه في علي

____________________

(١) الدكتور طه حسين، الفتنة الكبرى، ج ٢ (علي وبنوه): ١٢٢.

(٢) المصدر نفسه ١٢٢ - ١٢٦.

(٣) المصدر نفسه ١٣٣.


فقال خيراً، فوثبوا عليه فقتلوه)(١) .

واستمر الحريث وأصحابه على عبثهم وفسادهم بأرواح الناس وممتلكاتهم مما اضطر الإمام إلى تجهيز حملة لتأديبهم وإنقاذ الناس من اعتدائهم.

ولم يقف امتحان الإمام عند الحد الذي وصفناه من خروج الناكثين فالقاسطين فالمارقين، وإنما تعداه إلى ابن عباس عامله على البصرة أقرب الناس إليه. (وكان لابن عباس من العلم بأمور الدين والدنيا، ومن المكانة في بني هاشم وفي قريش عامة، وفي نفوس المسلمين جميعاً ما كان خليقاً أن يعصمه من الانحراف)(٢) .

ويلوح للباحث أن ابن عباس (آثر نفسه بشيء من الخير وسار في بيت المال سيرة تخالف المألوف من أمر علي ومن أمره هو. وكأنه أنس من صاحب بيت المال - وهو أبو الأسود الدؤلي - شيئاً من النكير فأغلظ له في القول ذات يوم. وضاق أبو الأسود بما رأى وسمع فكتب إلى علي... فروَّعه... ولكن علياً صبّر نفسه على ما تكره، كما تعود أن يفعل دائماً.. فكتب إلى ابن عباس:(... بلغني عنك أمر إن كنت فعلته فقد أسخطت ربك وخنت أمانتك وعصيت إمامك وخنت المسلمين. فارفع إليَّ حسابك، واعلم أن حساب الله أشد من حساب الناس.. ) وليس غريباً أن يكتب علي إلى ابن عباس ما كتب، فهو لم يتعود الرفق في أمر المال، ولا الادهان في أمر من أمور المسلمين.. ولكن ابن عباس أعرض عن هذا كله، فاعتزل عمله ولكنه مع ذلك لم يستعف

____________________

(١) الدكتور طه حسين (الفتنة الكبرى. علي وبنوه) ص ١٣٣.

(٢) المصدر نفسه ص ١٣٠، ١٣٨.


إمامه ولم ينتظر أن يعفيه، وإنما أعفى نفسه وترك البصرة، ولحق بمكة حيث لا يبلغه سلطان الإمام).

غير أن ابن عباس (لم يكتف بما بلغ من هذه المغاضبة، ولا بما انتهى إليه من هذا التصرف الغريب، بل أضاف إليه شراً عظيماً لم يسوء به الإمام وحده، وإنما أساء به الرعية كلها وعامة أهل البصرة خاصة. فهو قد أزمع الخروج إلى مكة ولكنه لم يخرج منها فارغ اليدين من المال كما دخلها حين ولي عليها. وإنما خرج منها وقد ملأ يديه بما كان في بيت المال مما ينقل. وهو يعلم أن ليس له في هذا المال حق إلا مثل ما لأهل البصرة جميعاً فيه)(١) .

فمضى امتحان علي (على هذا النحو المر: خيانة من الوالي، وكيداً من العدو. وهو بَيْن ذلك كله مصمِّم على خطته الواضحة، لا يرضى الدنية من الأمر، ولا يداهن في دينه ولا يتحول عن سياسته الصريحة قليلاً ولا كثيراً. والمحن تتابع عليه ويقفو بعضها أثر بعض، وهو ماض في طريقه لا ينحرف عنه إلى يمين أو شمال)(٢) .

وفي غمرة النضال وزحمة الصراع مع الباطل تصدى له ابن ملجم فأصاب منه مقتلاً (ويروى المؤرّخون: أن علياً أمر من حوله أن يحسنوا إطعام ابن ملجم ويكرموا مثواه. فإن برىء من ضربته نظر، فإما عفا وإما اقتص. وأمرهم: إن مات أن يلحقوه به ولا يعتدوا: إن الله لا يحب المعتدين).

____________________

(١) الفتنة الكبرى، ج ٢ (علي وبنوه): ١٢٩.

(٢) المصدر نفسه: ١٨٣.


القسم الثالث: بين علي، ومعاوية.

١ - الفصل السابع: مقتطفات من سيرة الإمام

٢ - الفصل الثامن: نماذج من تصرفات معاوية


[ الفصل السابع: ] مقتطفات من سيرة الإمام

أشرنا في الفصول السابقة إلى كثير من الحوادث التي دلت على تمسك الإمام بكتاب الله وسنة رسوله فيما يتعلق بتصرفاته العامة والخاصة، في زمن الحرب وفي وقت السلم، مع أنصاره وخصومه على السواء. وها نحن ننقل إلى القارئ بعض آثاره التي رواها كبار المؤرخين المسلمين.


(١)

فلسفة الحكم

تتلخص فلسفة الحكم عند الإمام في عهده للأشتر الذي ولَّاه مصر فدَسَّ له السم في الطريق أحد الأشخاص بتحريض من معاوية وعمرو بن العاص كما يحدِّثنا الرواة. وإلى القارئ ملخَّص العهد(١) :

(هذا ما أمر به عبد الله أمير المؤمنين مالكَ بن الحارث الأشتر في عهده إليه حين ولَّاه مصر.. أمره بتقوى الله وإيثار طاعته واتِّباع ما أمر به في كتابه..

ثم اعلم يا مالك إني قد وجهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك من عدل وجور، وإن الناس ينظرون من أمورك في مثل ما كنت تنظر فيه إلى أمور الولاة قبلك، ويقولون فيك ما كنت تقوله فيهم.. فليكن أحب الذخائر إليك: خيرة العمل الصالح.

أشعر قلبك الرحمة للرعية.. فإنك فوقهم..

أنصف الله وأنصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك ومن لك فيه هوى من رعيتك.. وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق، وأعمُّها في العدل، وأجمعها لرضى الرعية؛ فإن سخط العامة يجحف برضاء الخاصة، وإن سخط الخاصة يُغتفر مع رضى العامة..

وليكن أبعد رعيتك منك.. أطلبهم لمعايب الناس.. إن شرَّ وزرائك من كان قبلك للأشرار وزيراً، ومن شركهم في الآثام فلا يكونن لك بطانة.. ثم ليكن آثرهم عندك أقولهم بالحق لك.. الْصَقْ بأهل الورع والصدق، ثم حثهم على أن لا يطروك ولا يَبْجَحُوك بباطل لم تفعله..

____________________

(١) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ٤ / ١١٩، ١٥٢.


ولا يكونن المحسن والمسيء عندك سواء؛ فإن في ذلك تزهيداً لأهل الإحسان في الإحسان، وتدريباً لأهل الإساءة على الإساءة. والزم كلاً منهم ما ألزم نفسه، واعلم أنه ليس شيء أدعى إلى حسن ظنِ والٍ برعيته من إحسانه إليهم وتخفيفه المؤنات عليهم..

لا تنقض سنة صالحة عمل بها صدور هذه الأمة.. وصلحت عليها الرعية. ولا تحدثن سنة تضر بشيء من ماضي تلك السنن.. وأكثر مدارسة العلماء ومناقشة الحكماء..

واعلم أن الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلا ببعض، ولا غنى لبعضها عن بعض؛ فمنها: الجنود، ومنها: كتاب العامة والخاصة، ومنها: قضاة العدل وعمّال الإنصاف وأهل الجزية والخراج من أهل الذمة، ومسلمة الناس، ومنها: التجار وأهل الصناعات، ومنها: الطبقة السفلى من ذوى الحاجات والمسكنة. وكلٌّ قد سمَّى الله له سهمه، ووضع على حده وفرضه في كتابه أو سنة نبيه..

إن أفضل قرة عين الولاة استقامة العدل في البلاد وظهور مودة الرعية..

اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك، ممن لا تضيق به الأمور ولا تمحكه الخصوم.. ثم انظر أمور عمّالك فاستعملهم اختباراً ولا تولِّهم محاباة وأَثَرَة.. أسبغ عليهم الأرزاق، فإن ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم، وغنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم، وحجة عليهم إن خالفوك أمرك.. ثم تفقَّد أعمالهم وابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم.. وتفقَّد أمر الخراج بما يصلح أهله؛ فإن في إصلاحهم صلاحاً لمن سواهم.. لأن الناس كلهم عيال على الخراج..

ثم استوص بالتجار وذوي الصناعات وأوص بهم خيراً.. واعلم مع ذلك أن في كثير منهم ضيقاً فاحشاً وشحاً قبيحاً واحتكاراً للمنافع وتحكماً في البِيَاعات، وذلك باب مضر للعامة وعيب على الولاة؛


فامنع من الاحتكار. فمن قارف حكرة بعد نهيك إيَّاه فنكِّل به وعاقبه من غير إسراف.

ثم الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم من المساكين والمحتاجين.. اجعل لهم قسماً من بيت المال.. ولا تشخص همَّك عنهم، ولا تصعِّر خدك لهم. وتفقَّد أمور من لا يصل إليك منهم. ففرغ لأولئك ثقتك من أهل الخشية والتواضع فلْيَرْفَعْ إليك أمورهم.. واجعل لذوى الحاجات وقتاً تفرغ لهم فيه شخصك وتجلس لهم مجلساً عاماً فتتواضع فيه.. وتعقد عنهم جندك وأعوانك من حراسك وشرطك حتى يكلمك مكلمهم غير متعتع.. ثم احتمل الخرق منهم والعيّ ونح عنهم الضيق.. ولا تُطَوِّلَنَّ احتجاجك عن رعيتك.. فالاحتجاب منهم يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه.. فيشاب الحق بالباطل. وإنما الوالي بشر لا يعرف ما توارى عنه الناس من الأمور. وليست على الحق سمات تعرف بها ضروب الصدق من الكذب..

ثم إن للوالي خاصة وبطانة فيهم استئثار وتطاول وقلة إنصاف في المعاملة، فاحسم مادة أولئك بقطع أسباب تلك الأحوال.. والزم الحق من لزمه من القريب والبعيد.. وحط عهدك بالوفاء وارع ذمتك بالأمانة.. فإنه ليس من فرائض الله شيء الناس أشد عليه اجتماعاً - مع تفرق أهوائهم وتشتت آرائهم - من تعظيم الوفاء بالعهود.. ولا تغدرن بذمتك.. وإياك والدماء وسفكها بغير حلها.. ولا عذر لك عند الله ولا عندي في قتل العمد.. وإياك والإعجاب بنفسك والثقة بما يعجبك منها وحب الإطراء..


وإياك والمن على رعيتك بإحسانك.. أو أن تَعِدَهم فَتُتْبِعَ مَوْعِدك بِخُلْفك.. وإياك والعجلة بالأمور قبل أوانها أو التساقط فيها عند إمكانها... فضع كل أمر موضعه..

أملك حمية أنفك وسَوْرة حدِّك وسطوة يدك وغرب لسانك. واحترس من كل ذلك بكف البادرة وتأخير السطوة حتى يسكن غضبك فتملك الاختيار) .

 (٢)

حرصه على بيت المال

لقد مر بنا جانب من ذكر حرص الإمام على أموال المسلمين عندما تحدّثنا عن موقفه من ولده الحسين في قضية العسل، ومن أخيه عقيل حين قدم عليه طالباً زيادة حصته من الدقيق. وإلى القارئ طائفة من الأمثلة الأخرى في هذا الباب:

قال هارون بن عنترة عن أبيه: دخلت على علي بالخورنق - وهو فصل شتاء - وعليه خلق قطيفة وهو يرعد فيه فقلت: يا أمير المؤمنين، إن الله جعل لك ولأهلك في هذا المال نصيباً؛ وأنت تفعل هذا بنفسك؟ فقال:والله ما أرزأكم شيئاً. وما هي إلا قطيفتي التي أخرجتها من المدينة )(١) .

ولم ينزل الإمام - على ما يحدّثنا الرواة - (القصر الأبيض بالكوفة إيثاراً للخصاص التي كان يسكنها الفقراء. وربما باع سيفه ليشتري بثمنه الكساء والطعام. وروى النضر بن منصور، عن عقبة بن علقمة قال: دخلت على علي فإذا بين يديه لبن حامض آذتني حموضته وكسرة يابسة. فقلت: يا أمير المؤمنين، أتأكل مثل هذا؟

____________________

(١) العقاد، عبقرية الإمام علي: ١٣. ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ٣ / ٢٠٠.


فقال لي:يا أبا الجنوب، كان رسول الله يأكل أيبس من هذا، ويلبس أخشن من هذا - وأشار إلى ثيابه -فإن لم آخذ بما أخذ به خفت ألاَّ الحق به )(١) .

وكتب ابن الأثير: أن عاصم بن كليب روى عن أبيه أنه قال: (قدم على علي مال من إصبهان فقسَّمه على سبعة أسهم، فوجد فيه رغيفاً فقسَّمه على سبعة، ودعا أمراء الأسباع فأقرع بينهم لينظر أيهم يُعطى أولاً.

وذكر يحيى بن مسلمة: أن علياً استعمل عمرو بن مسلمة على إصبهان (فقدم ومعه مال كثير وزِقاق فيها عسل وسمن. فأرسلت أم كلثوم بنت علي إلى عمرو تطلب منه سمناً وعسلاً. فأرسل إليها ظرف عسل وظرف سمن. فلما كان الغد خرج علي واحضر المال والسمن والعسل ليُقَسَّم. فعد الزِّقاق فنقصت زِقَّين. فسأله عنهما. فكتمه وقال: نحن نحضرهما. فعزم عليه إلا ذكرهما له. فأخبره. فأرسل إلى أم كلثوم فأخذ الزِّقين منها فرآهما قد نقصا، فأمر التجار بتقويم ما نقص منهما، فكان ثلاثة دراهم. فأرسل إليها فأخذها منها!، ثم قسَّم الجميع...

وقال سفيان: إن علياً لم يبن آجرة على آجرة، ولا لبنة على لبنة، ولا قصبة على قصبة.

وقيل: إنه أخرج سيفاً إلى السوق فباعه وقال:لو كان عندي أربعة دراهم ثمن إزار لم أبعه ، وكان لا يشتري ممن يعرفه، وإذا اشترى قميصاً قدر كمه على طول يده وقطع الباقي، وكان يختم على الجراب الذي فيه دقيق الشعير الذي يأكل منه ويقول:لا أحب أن يدخل بطني إلا ما أعلم )(٢) .

____________________

(١) عباس محمود العقاد، عبقرية الإمام علي: ٢٥.

(٢) الكامل في التاريخ: ٣ / ٢٠٠ - ٢٠٢.


(٣)

تواضعه وعدله

ذكر الشعبي - على ما يقول ابن الأثير(١) -: أن علياً وجد درعاً عند نصراني (فأقبل إلى شريح قاضيه وجلس إلى جانبه يخاصم النصراني مخاصمة رجل من رعاياه، وقال:إنها درعي ولم أبع ولم أهب ، قال شريح للنصراني: ما تقول فيما يقول أمير المؤمنين؟ قال النصراني: ما الدرع إلا درعي وما أمير المؤمنين بكاذب؟! فالتفت شريح إلى علي يسأله: يا أمير المؤمنين، هل من بينة؟ فضحك علي.. وقال:أصاب شريح، ما لي من بينة؟ فقضى بالدرع للنصراني فأخذها ومشى.. وأمير المؤمنين ينظر إليه.. إلا أن النصراني لم يخط خطوات حتى عاد يقول: أمَّا أنا فأشهد أن هذه أحكام أنبياء.. أمير المؤمنين يدينني إلى قاضيه.. وقاضيه يقضى عليه، الدرع والله درعك يا أمير المؤمنين).

وكان الإمام لشدة تواضعه وحرصه على إقامة العدل بين رعيته، إذا أراد أن يشتري شيئاً بنفسه، على ما يذكر الدكتور طه حسين (تحرّى بين السوقة رجلاً لا يعرفه فاشترى منه ما يريد. وكان يكره أن يحابيه البائع إن عرف أنه أمير المؤمنين، ثم كان لا يرضى عن نفسه إلا إذا أدَّى للناس حقهم عليه في دينه فأقام لهم صلاتهم وعلَّمهم بالقول والعمل وقام على إطعام فقرائهم طعام العشاء وتحرَّى ذوى الحاجة منهم فأغناهم عن المسألة. وكان يخلو لنفسه إذا كان الليل فينصرف عن الناس إلى عبادته الخاصة مصلِّياً مجتهداً حتى يتقدم الليل، فإذا أخذ بحظه من النوم غلس بالخروج إلى المسجد)(٢) .

____________________

(١) الكامل في التاريخ: ٢ / ٢٠١، ٢٠٢.

(٢) الدكتور طه حسين، الفتنة الكبرى، ج ٢ (علي وبنوه): ١٥٩.


(٤)

تحليل لسياسته العامة

 (اعلم أن قوماً ممن لم يعرفوا حقيقة فضل علي بن أبي طالب، زعموا: أن عمر ابن الخطاب كان أسوس منه، وإن كان هو أعلم من عمر، وصرَّح بذلك أبو علي ابن سينا: وعلي بن أبي طالب كان مقيَّداً بقيود الشريعة مدفوعاً إلى اتِّباعها، ورفض ما يصلح اعتماده من آراء الحرب والكيد والتدبير إذا لم يكن للشرع موافقاً؛ فلم تكن قاعدته في خلافته قاعدة غيره ممن يلتزم بذلك، ولسنا - بهذا القول - زارين على عمر.. ولكن عمر كان مجتهداً يعمل بالقياس.. ويرى تخصيص عمومات النص بالآراء والاستنباط من أصول تقضى خلاف ما يقتضيه عموم النص، ويكيد خصمَه ويأمر أمراءه بالكيد والحيلة، ويؤدِّب بالدرة والسوط من يغلب على ظنه أنه يستوجب ذلك، ويصفح عن آخرين قد اجترموا ما يستحقون به التأديب. ولم يكن علي يرى ذلك، وكان يقف مع النصوص لا يتعداها إلى الاجتهاد والأقيسة، ويطبِّق أمور الدنيا على أمور الدين ويسوق الكل مساقاً واحداً. ولا يرفع ولا يضع إلا بالكتاب والنص.. ولم يكن يرى مخالفة الشرع لأجل السياسة، سواء أكانت سياسته دينية أم دنيوية. أما الدنيوية: فنحو أن يتوهم الإمام في إنسان أنه يروم فساد خلافته من غير أن يثبت ذلك عليه يقيناً. فإن علياً لم يكن يستحل قتله ولا حبسه ولا يعمل بالتوهم وبالقول غير المحقق. وأما الدينية: فنحو ضرب المتهم بالسرقة فإنه لم يكن يعمل به، بل يقول: إن يثبت عليه بإقرار أو بينة أقمت عليه الحد وإلا لم اعترضه.


... وإذا كان مذهبه ما قلناه، وكان معاوية عنده فاسقاً، وقد سبق عنده مقدمة أخرى ويقينية هي: إن استعمال الفاسق لا يجوز، ولم يكن ممن يرى تمهيد قاعدة الخلافة بمخالفة الشريعة؛ فقد تعيَّن مجاهرته بالعزل وإن أفضى ذلك إلى الحرب...

و[هناك] جواب آخر (على الاعتراض على عزله معاوية).. وهو: أنا علمنا أن الأحداث التي نقمت على عثمان.. توليته معاوية الشام مع ما ظهر من جوره وعدوانه ومخالفته أحكام الدين.. وقد خوطب عثمان في ذلك فاعتذر.. فلو أن علياً فتح عقد الخلافة له بتوليته معاوية الشام وإقراره فيه أليس كان يبتدئ أول أمره بما انتهى إليه عثمان في آخره؟.. ولو كان إقراره معاوية في حكم الشريعة سائغاً، والوزر فيه مأموناً؛ لكان غلطاً قبيحاً في السياسة وسبباً قوياً للعصيان والمخالفة، ولم يكن يمكنه (عليه السلام) أن يقول للمسلمين: إن حقيقة رأيي هي عزل معاوية عند استقرار الأمر وطاعة الجمهور، وإن قصدي - بإقراره على الولاية - مخادعته وتعجيل طاعته.. لأن إظهاره لهذا العزم كان يتصل خبره بمعاوية فيفسد التدبير الذي شرع فيه...

(ومما اعترض على علي به:) أنه ترك طلحة والزبير حتى خرجا إلى مكة وأذن لهما في العمرة، وذهب عنه الرأي في ارتباطهما قبله، ومنعهما من البعد عنه (في عهد عمر). وقد روى عن عليّ أنه قال لهما:(والله ما تريدان العمرة وإنما تريدان الغدرة) وخوَّفهما بالله من التسرُّع إلى الفتنة. وأخذ عليهما عهد الله وميثاقه في الرجوع إلى المدينة. وما كان يجوز له في الشرع أن يحبسهما ولا في السياسة؛ لأنه لو أظهر التهمة لهما، وهما من أفضل السابقين وجلة المهاجرين، لكان في ذلك من التنفير عنه ما لا يخفى ومن الطعن عليه ما هو معلوم..


لا سيما وأن طلحة كان أول من بايعه، والزبير لم يزل مشتهراً بنصرته)(١) .

 (٥)

بعض أقواله المأثورة

١ -الدنيا منتهى بصر الأعمى لا يبصر مما وراءها، والبصير يَنْفُذُها بصرُه ويعلم أن الدار وراءها، فالبصير منها شاخص والأعمى إليها شاخص، والبصير منها متزود والأعمى لها متزود (٢) .

٢ -ليس لواضع المعروف في غير حقه وعند غير أهله إلا محمدة اللئام وثناء الأشرار ومقالة الجهَّال ما دام منعماً عليهم .

٣ -إنه سيأتي عليكم من بعدي زمان ليس فيه شيء أخفى من الحق ولا أظهر من الباطل ولا أكثر من الكذب على الله.. ولا في البلاد شيء أنكر من المعروف ولا أعرف من المنكر .

٤ -إذا أقبلت الدنيا على قوم أعارتهم محاسن غيرهم، وإذا أدبرت عنهم سلبتهم محاسن أنفسهم.

٥ -خالِطوا الناس مخالطة إن متُّم معها بكوا عليكم، وإن عشتم حنُّوا إليكم .

٦ -احذروا صولة الكريم إذا جاع، واللئيم إذا شبع.

٧ -هلك فيّ رجلان: محبٌ غال ومبغضٌ قال.

٨ -احذروا أهل النفاق فإنهم الضالون المضِلُّون.. يمشون الخفاء ويَدِبُّون الضرَّاء.. لهم بكل طريق صريع.

____________________

(١) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ٢ / ٥٧٣ - ٥٨٣.

(٢) هذا القول وما بعده من الأقوال مأخوذة من (شرح نهج البلاغة) لابن أبي الحديد.


وإلى كل قلب شفيع، ولكل شجوٍ دموع، يتقارضون الثناء ويتراقبون الجزاء. إن سألوا ألحفوا، وإن عَذَلُوا كشفوا، وإن حكموا أسرفوا. وقد أعدُّوا لكل حق باطلاً، ولكل قائم مائلاً، ولكل حي قاتلاً، ولكل باب مفتاحاً، ولكل ليل مصباحاً .

٩ -احذر كل عمل يرضاه صاحبه لنفسه ويَكْرَهُ لعامة المسلمين. واحذر كل عمل يُعمل به في السر ويُستحى منه في العلانية. واحذر كل عمل إذا سئل صاحبه أنكره أو اعتذر منه.

١٠ -فاعل الخير خير منه، وفاعل الشر شر منه.

١١ -الصبر صبران: صبر على ما تكره، وصبر عمَّا تُحب .

١٢ -مَن نصب نفسه للناس إماماً فعليه أن يبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه .

١٣ -إن الدنيا والآخرة عدوان متفاوتان، وسبيلان مختلفان، فمن أحب الدنيا وتولَّاها أبغض الآخرة وعاداها. وهما بمنزلة المشرق والمغرب ومَاشٍ بينهما كلَّما قرب من واحد بَعُدَ من الآخر .

١٤ -صاحب السلطان كراكب الأسد يُغبط بموقعه وهو أعلم بموضعه .

١٥ -من كرمت عليه نفسه هانت عليه شهواته .

١٦ -العدل صورة واحدة والجور صور كثيرة؛ ولهذا سهل ارتكاب الجور وصعب تحرِّي العدل، وهما يشبهان الإصابة في الرماية والخطأ فيها. وإن الإصابة تحتاج إلى ارتياض وتعهد، والخطأ لا يحتاج إلى شيء من ذلك .

١٧ -أما بعد، فإن الدنيا مشْغَلة عن غيرها، ولم يصب صاحبها منها شيئاً إلا فَتَحَتْ له حرصاً عليها ولَهَجاً بها .


١٨ -لقد أصبحتم في زمن لا يزداد الخير فيه إلا إدباراً والشر فيه إلا إقبالاً... اضرب بصرك حيث شئت من الناس، فهل تبصر إلا فقيراً يكابد فقراً، أو غنياً بدَّل نعمة الله كفراً، أو بخيلاً اتخذ البخل بحق الله وفراً.. أو متمرداً كأن بأذنه عن سمع المواعظ وقراً.. لعن الله الآمرين بالمعروف التاركين له، والناهين عن المنكر العاملين به .

١٩ -يا أبا ذر: غضبت لله فَارْجُ من غضبت له. إن القوم خافوك على دنياهم وخفتهم على دينك، فاترك في أيدهم ما خافوك عليه، واهرب منهم بما خفتهم عليه، فما أحوجهم إلى ما منعتهم، وما أغناك عمَّا منعوك!

٢٠ -إن لسان المؤمن من وراء قلبه، وإن قلب المنافق من وراء لسانه؛ لأن المؤمن إذا أراد أن يتكلم بكلامٍ تدبَّره في نفسه، فإن كان خيراً أبداه، وإن كان شراً واراه. وإن المنافق يتكلم بما أتى على لسانه، لا يدري ماذا له وماذا عليه .

٢١ -والله ما معاوية بأدهى مني، ولكنَّه يغدر ويفجر .

٢٢ - ومن وصية له للحسن كتبها إليه بحاضرين من صفين:

من الوالد الْفَانِ.. المستسلم للدهر... إلى المولود المؤمِّل ما لا يُدرك، السالك سبيل من قد هلك.. تاجر الغرور، وغريم المنايا.. وصريع الشهوات. أوصيك بتقوى الله أي بُني ولزوم أمره. وأمُرْ بالمعروف تكن من أهله، وأنْكِر المنكر بيدك ولسانك.. ولا تأخذك في الله لومة لائم.. وخض الغمرات للحق حيث كان. وتفقه في الدين. وعوِّد نفسك التصبّر على المكروه. وأخلص في المسألة لربك... واعلم: أنه لا خير في علم لا ينفع، ولا ينتفع بعلم لا يحق تعلمه..


أي بُني: إني وإن لم أكنُ عمرَّت عمر من كان قبلي، فقد نظرتُ في أعمالهم، وفكرَّتُ في أخبارهم، وسرتُ في آثارهم حتى عدت كأحدهم، بل كأني بما انتهى إلى من أمورهم قد عمَّرتُ مع أوَّلهم إلى آخرهم، فعرفت صفو ذلك من كدره، ونفعه من ضرره. اعلم يا بني أن أحب ما أنت آخذ به وصيتي تقوى الله والاقتصار على ما فرضه الله عليك.

يا بني، اجعل من نفسك ميزاناً فيما بينك وبين غيرك، فأحبب لغيرك ما تحب لنفسك، أو اكره له ما تكره لها. ولا تظلم كما لا تحب أن تُظلَم. وأحسن كما تحب أن يحسن إليك. واستقبح من نفسك ما تستقبحه من غيرك. وارضَ من الناس بما ترضاه لهم من نفسك، ولا تقل ما لا تعلم وإن قَّل ما تعلم.

واعلم أنك إنما خلقت للآخرة لا للدنيا.. وأنت طريد الموت الذي لا ينجو منه هارب.. فكن منه على حذر أن يدركك وأنت على حالة سيئة. وإياك أن تغتر بما ترى من إخلاد أهل الدنيا إليها وتكالبهم عليها.. فإنما أهلها كلاب عاوية وسباع ضارية يهر بعضها على بعض ويأكل عزيزها ذليلها.. سلكت بهم الدنيا طريق العمى، فتاهوا في حيرتها.. ونسوا ما وراءها.

واعلم يا بني أن من كانت مطيته الليل والنهار فإنه يسار به وإن كان واقفاً.. وأكرم نفسك عن كل دنية وإن ساقتك إليه الرغائب... وما خيرُ خيرٍ لا ينال إلا بشر؟! ويُسرٍ لا ينال إلا بعسر؟!.. وتلافيك ما فرط من صمتك أيسر من إدراكك ما فات من منطقك.. والحرفة مع العفة خير من الغنى مع الفجور.

احْمِل نفسك من أخيك عند صَرْمِه على الصلة، وعند صدوده على اللطف والمقاربة.. وعند جُرْمِه على العُذْر، حتى كأنك له عبد.. وإيَّاك أن تضع ذلك في غير موضعه..

لا تتخذ من عدو صديقك صديقاً، فتعادي صديقك، وامْحَضْ أخاك النصيحة حسنة كانت أم قبيحة. ولِنْ لمَن غالظك فإنه يوشك أن يلين لك.


إن أردت قطيعة أخيك فاستبق له من نفسك بقية يرجع إليها إن بدا له ذلك يوماً ما..

ما أقبح الخضوع عند الحاجة والجفاء عند الغنى..

استدل على ما لم يكن بما قد كان، فإن الأمور أشباه، ولا تكوننَّ ممن لا تنفعه العظة إلا إذا بالغت في إيلامه، فإن العاقل يتَّعظ بالآداب، والبهائم لا تتعظ إلا بالضرب.

 (٦)

ما ينطبق عليه من آي الذكر الحكيم

سورة النساء:( وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً ) .

سورة فُصِّلت:( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ) .

سورة المنازعات:( وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ) .


[ الفصل الثامن: ]

نماذج من تصرفات الخليفة الجديد

لقد مر بنا نماذج من تصرفات معاوية تجاه خصومه وأتباعه معاً، وكان طابع تلك التصرفات - كما لاحظ القارئ - الغدر والإيقاع بالخصوم، وبذل المال وتوزيع المناصب على الأتباع، أي أن سياسة معاوية كانت سياسة وصولية انتهازية تسير على المبدأ القائل: بأن الوسائل تبررها الغايات، ولو كانت الغايات نبيلة عادلة تهدف إلى توزيع العدل الاجتماعي بين الناس لكان هناك مجال أمام الباحث للدفاع عنها، ولكنها - كما رأينا - أهداف شخصية نفعية غرضها الظاهرُ التوصُّل إلى الحكم بمختلف الأساليب والوسائل. وهدفها البعيد تحطيم روح الإسلام والقضاء على مُثُله العليا في السياسة والأخلاق.

وقد نجح معاوية - مع الأسف الشديد - فيما كان يتوق إلى التوصُّل إليه، فاستولى على خلافة المسلمين، وسار بها وفق أهوائه ومصالحه، وخلَّف للمسلمين والعرب هذا التراث الاجتماعي البغيض وهذه العصبية الطائفية والقبلية المجرمة التي نكتوي بنارها في الوقت الحاضر.

وإلى القارئ نماذج أخرى من تصرُّفات ابن أبي سفيان؛ سقناها لغرض موازنتها بتصرفات ابن أبي طالب، ليرى القارئ الفرق الكبير بين الرجلين، ومدى التدهور الذي أصاب نظام الحكم في الإسلام، وقديماً قيل: وبضدها تتميز الأشياء.


(١)

مأساة حجر بن عدي

ذكر ابن الأثير(١) قصة حجر وأتباعه فقال: (دخلت سنة إحدى وخمسين وفيها قُتل حجر بن عدي وأصحابه؛ وسبب ذلك: أن معاوية استعمل المغيرة بن شعبة على الكوفة سنة إحدى وأربعين. فلما أمَّره عليها دعاه وقال: قد أردت إيصاءك بأشياء كثيرة أنا تاركها اعتماداً على بصرك، ولست تاركاً إيصاءك بخصلة: لا تترك شتم علي وذمه، والترحم على عثمان، والعيب لأصحاب علي والإقصاء لهم، والإطراء بشيعة عثمان والإدناء لهم.

فأخذ المغيرة يشتم علياً.. فإذا سمع ذلك حجر بن عدي قال: بل إياكم ذم الله ولعن. أنا أشهد أن من تذمون أحق بالفضل. وقد حبس المغيرة أرزاق حجر وأصحابه. فكان حجر يناديه بقوله: مُرْ لنا أيها الإنسان بأرزاقنا فقد حبستها عنا وليس ذلك لك. ثم تُوفِّي المغيرة وولي زياد فاستمر على الفعل نفسه. وجمع زياد من أصحاب عدي اثنا عشر رجلاً في السجن وأحضر شهوداً وقال: إني لأحب أن يكون الشهود أكثر من أربعة، فدعا الناس ليشهدوا فشهد جمع كبير، منهم: إسحاق وموسى ابنا طلحة بن عبيد الله، والمنذر بن الزبير، وعمار بن عقبة بن أبي معيط. ثم دفع زياد حجر بن عدي وأصحابه إلى وائل بن حجر الحضرمي وكثير بن شهاب وأمرهما أن يسيرا بهم إلى الشام، فخرجوا عشية، فلما بلغوا الغريَّين لحقهم شريح بن هاني وأعطى وائلاً كتاباً فقال: ابلغه أمير المؤمنين. فأخَذَه. وساروا حتى انتهوا بهم إلى مرج عذراء عند دمشق، وكانوا:

____________________

(١) الكامل في التاريخ: ٣ / ٢٣٣ - ٢٣٩.


حجر بن عدي الكندي، والأرقم بن عبد الله الكندي، وشريك بن شداد الحضرمي، وصيفي بن فسيل الشيباني، وقبيصة بن ضبيع العبسي، وكريم بن عفيف الخثعمي، وعاصم بن عوف البجلي، وورقاء بن سمي البجلي، وكدام بن حسان، وعبد الرحمن العنزيَّين، ومحرز بن شهاب التميمي، وعبد الله بن حويَّة السعدي.. وأتبعهم برجلين هما: عتبة بن الأخنس من سعد بن بكر، وسعد بن نمران الهمداني. فتموا أربعة عشر رجلاً.

ودفع وائل إلى معاوية كتاب شريح بن هاني. فإذا فيه: بلغني أن زياداً كتب شهادتي وأن شهادتي على حجر أنه ممن يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويديم الحج والعمرة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، حرام الدم والمال).

وروى الطبري(١) مأساة ابن عدي وصحبه على الشكل التالي:

(جاء قيس بن عباد الشيباني إلى زياد فقال له: إن شخصاً منا من بني همام يقال له: صيفي بن فسيل، من رءوس أصحاب حجر وهو أشد الناس عليك، فبعث إليه زياد فأُتي به، فقال له زياد: يا عدو الله، ما تقول في أبي تراب؟ قال: ما أعرف أبا تراب. قال: أما تعرف علي بن أبي طالب؟ قال: بلى. قال: فذاك أبو تراب. قال: كان ذاك أبو الحسن والحسين. فقال له صاحب الشرطة: يقول لك الأمير: هو أبو تراب، وتقول أنت: لا؟! قال: وإن كذب الأمير! أتريد أن أكذب؟! وأشهد له على باطل كما شهد؟! قال له زياد: وهذا أيضاً مع ذنبك؟!! عليَّ بالعصا. فأُتي بها، فقال: ما قولك؟ قال: أحسن قول أنا قائله في عبد من عباد الله المؤمنين.

____________________

(١) تاريخ الأمم والملوك: ٦ / ١٤٩ - ١٥٥.


قال: اضربوا عاتقه بالعصا حتى يلتصق بالأرض. فضرب حتى لزم الأرض. ثم قال: اقلعوا عنه. فسأله: إيه ما قولك في علي. قال: والله لو شرحتني بالمواسي والمُدى ما قلت إلا ما سمعت مني. قال: لتلعننه أو لأضربن عنقك. قال: إذاً تضربها والله قبل ذلك! فإن أبيت إلا أن تضربها رضيت بالله وشقيت أنت. قال: ادفعوا في رقبته. ثم قال: أوقروه حديداً والقوه في السجن.

ويستمر الطبري على سرد تلك المأساة فيروي لنا قصة شهادة الزور الكبرى التي لفقها حكّام المسلمين آنذاك على هؤلاء النفر من المسلمين: (هذا ما شهد عليه أبو بردة بن أبي موسى لله رب العالمين: شهد أن حجر بن عدي خلع الطاعة وفارق الجماعة. وجمع إليه الجموع يدعوهم إلى نكث البيعة وخلع أمير المؤمنين معاوية، وكفر بالله عَزَّ وجَلَّ كفرة صلعاء. فقال زياد: على مثل هذه الشهادة فاشهدوا. أما والله لأجهدن على قطع خيط عنق الخائن الأحمق. فشهد رءوس الأرباع على مثل شهادته.. وكانوا أربعة.

ثم إن زياداً دعا الناس فقال: اشهدوا على مثل شهادة رءوس الأرباع، فقرأ عليهم الكتاب. فقام أول الناس عناق بن شرحبيل‏ بن أبي دهم التيمي.. فقال: زياد: أبدءوا بأسامي قريش ثم اكتبوا اسم (عناق) في الشهود ومن نعرفه ويعرفه أمير المؤمنين. فشهد: إسحاق بن طلحة بن عبيد الله، وموسى بن طلحة، وإسماعيل بن طلحة، والمنذر بن الزبير، وعمارة بن عقبة بن أبي معيط، وعبد الرحمن بن هناد، وعمر بن سعد بن أبي وقَّاص، وعامر بن مسعود بن أُمية، ومحرز بن ربيعة بن عبد العزى


بن عبد شمس، وعبيد الله بن مسلم بن شعبة الحضرمي، وعناق بن شرحبيل‏ بن أبي دهم، ووائل بن حجر الحضرمي، وكثير بن شهاب بن حصين الحارثي، وقطن بن عبد الله بن حصين، والسرى بن وقاص الحارثي - وكتبت شهادته وهو غائب في عمله - والسائب بن الأقرع الثقفي، وشبث بن ربعي، وعبد الله بن أبي عقيل الثقفي، ومصقلة بن هبيرة الشيباني، والقعقاع بن شور الدهلي، وشداد بن المنذر بن الحارث بن وغلة الذهلي.. وحجار بن أبجر العجلي، وعمرو بن الحجاج الزبيدي، ولبيد بن عطارد التميمي، ومحمد بن عمير بن عطارد التميمي، وسويد بن عبد الرحمن التميمي، وأسماء بن خارجة الفزاري، وشمر بن ذي الجوشن العامري، وشداد ومروان ابنا الهيثم الهلاليان، ومحصن بن ثعلبة من عائدة قريش، والهيثم بن الأسود النخعي - وكان يعتذر إليهم - وعبد الرحمن بن قيس الأسدي، والحارث وشداد ابنا الأزمع الهمدانيان، وكريب بن سلمة بن يزيد الجعفي، وعبد الرحمن بن أبي سبرة الجعفي، وزحر بن قيس الجعفي، وقدامة بن العجلان الأزدي، وعزرة بن عزرة الأحمسي.

وكُتبت شهادة هؤلاء الشهود في صحيفة ثم دفعها زياد إلى وائل بن حجر الحضرمي وكثير بن شهاب الحارثي، وبعثهما عليهم، وأمرهما أن يخرجا بهم. وكتب في الشهود شريح بن الحارث القاضي وشريح بن هاني الحارثي. فأما شريح القاضي فقال: سألني عن حجر فأخبرته أنه كان صوَّاماً قواماً. وأما شريح بن هاني الحارثي فكان يقول: ما شهدت، ولقد بلغني أن قد كتبت شهادتي فأكذبته ولمته.. فمضوا بهم حتى انتهوا إلى الغريَّين فلحقهم شريح بن هاني معه كتاب. فقال لكثير: بلغ كتابي هذا أمير المؤمنين.


ودفع وائل بن حجر كتاب شريح بن هاني فقرأه فإذا به: أما بعد، فإنه بلغني أن زياداً كتب إليك بشهادتي على حجر بن عدي، وإن شهادتي على حجر أنه ممن يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويديم الحج والعمرة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، حرام الدم والمال).

وأما من قُتل من أصحاب حجر فهم كما يقول الطبري: (حجر بن عدي وشريك بن شداد الحضرمي، وصيفي بن فسيل الشيباني، وقبيصة بن ضبيعة العبسي، ومحرز بن شهاب السعدي ثم المنقري، وكدام بن حيان العنزي، وعبد الرحمن بن حسان العنزي الذي رُدَّ إلى زياد فدُفِن حياً)(١) .

وقد رثت هند بنت زيد بن مخرمة الأنصارية حجراً:

ترفع أيُّها القمر المنير

تبصَّر هل ترى حجراً يسير

يسير إلى معاوية بن حرب

ليقتله كما زعم الأمير

ألا يا حجر، حجر بن عدي

توقَّتك السلامة والسرور

أخاف عليك ما أرضى عدياً

وشيخاً في دمشق له زئير

يرى قتل الخيار عليه حقاً

له من شر أمته وزير

وهكذا انتهت، على ما يقول الدكتور طه حسين(٢) : (هذه المأساة المنكرة التي استباح فيها أمير من أمراء المسلمين أن يعاقب الناس على معارضة لا إثم فيها، وأن يكره وجوه الناس وأشرافهم على أن يشهدوا عليهم زوراً وبهتاناً، وأن يكتب شهادة القاضي على غير علم منه ولا رضاً... استباح أمير من أمراء المسلمين لنفسه هذا الإثم، واستحل هذه البدع واستباح إمام من أئمة المسلمين أن يقضى بالموت على نفر من الذين عصم الله دماءهم، دون أن يراهم أو يسمع لهم أو يأذن لهم في الدفاع عن أنفسهم).

____________________

(١) تاريخ الأمم والملوك: ٦ / ١٥٥.

(٢) الفتنة الكبرى، ج ٢ (علي وبنوه): ٢٤٣.


(٢)

نماذج أخرى من غدر معاوية

لقد مر بنا الإلماع إلى بعض حوادث غدر معاوية بخصومه، وبخاصة تدبيره مؤامرة قتل الأشتر في طريقه إلى مصر. ولعل أبرز تلك الحوادث غدره بالحسن بن علي بعد الصلح المعروف الذي عقد بين الطرفين. ولم يكتف معاوية بالنكث بذلك العهد، وإنما ذهب إلى تدبير مؤامرة قتل الحسن.

قال المسعودي(١) : (وذُكر أن امرأة الحسن جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي سقته السم، وقد كان معاوية دسَّ لها).

وذكر المسعودي كذلك(٢) : (أن عبد الله بن العباس وفد على معاوية فقال: والله، إني لفي المسجد إذ كبّر معاوية في الخضراء فكبّر أهل الخضراء.. فخرجت فاختة بنت قرظة بن عمرو بن نوفل بن عبد المناف - وهي زوج معاوية بن أبي سفيان - من خوخة لها فقالت: سرَّك الله يا أمير المؤمنين، ما هذا الذي بلغك فسُررتَ به؟ قال: موت الحسن) وفعْل معاوية شيء مشابه لما ذكرناه في قضية تدبيره مؤامرة قتل عبد الرحمن بن خالد بن الوليد.

____________________

(١) مروج الذهب ومعادن الجوهر: ٢ / ٣٠٣.

(٢) المصدر نفسه: ٢ / ٣٠٧.


(٣)

إلحاقه زياد بن أبية بأبي سفيان

ذكر المسعودي(١) : (ولما همَّ معاوية بإلحاق زياد بأبي سفيان - أبيه - وذلك في سنة أربعين، شهد عنده زياد بن أسماء الحرمازي، ومالك بن ربيعة السلوي، والمنذر بن الزبير بن العوام أن أبا سفيان أخبر أنه ابنه... ثم زاده يقيناً إلى ذلك شهادة أبي مريم السلولي. وكان أخبر الناس ببدء الأمر، وذلك أنه جمع بين أبي سفيان وسمية أم زياد في الجاهلية على زنا، وكانت سمية من ذوات الرايات بالطائف، تؤدى الضريبة إلى الحارث بن كلدة، وكانت تنزل في الموضع الذي تنزل فيه البغايا بالطائف وخارجاً عن الحضر في محلة يقال لها حارة البغايا...).

ثم ذكر المسعودي نص شهادة الاستلحاق: (قال أبو مريم السلولي: أشهد أن أبا سفيان قدم علينا بالطائف وأنا خمَّار في الجاهلية، فقال: أبغني بغيَّاً، فأتيته وقلت: لم أجد إلا جارية الحارث بن كلدة: سمية. فقال: ائتني بها على ذفرها وقذرها. فقام يونس بن عبيد أخو صفية مولاة سمية فقال: يا معاوية، قضى الله ورسوله: أن الولد للفراش وللعاهر الحجر، وقضيت: أن الولد للعاهر.. مخالفة لكتاب الله).

ويستطرد المسعودي في ذكر هذه القصة الطريفة فيروى ما قاله عبد الرحمن بن أم الحكم في ذلك من شعر:

ألا أبلغ معاوية بن حرب

مغلغَلةً عن الرجل اليماني

أتغضب أن يقال: أبوك عفٌّ

وترضى أن يقال: أبوك زاني؟

____________________

(١) مروج الذهب ومعادن الجوهر ٢ / ٣١٠ - ٣١٢.


فاشهد أن رحِمكَ من زياد

كَرَحْم الفيل من ولد الأتان

وفي زياد وإخوته يقول خالد النجاري:

إن زياداً و نافعاً وأبا

بَكْرَةَ عندي من أعجبِ العجبِ

إن رجالاً ثلاثة خلقوا

من رِحْمِ أنثى مخالفي النسب

ذا قرشي فيما يقول، و ذا

مَوْلىً، و هذا ابن عمه عربي

ويروى ابن أبي الحديد(١) ظروف قصة الاستلحاق على الوجه التالي: (فلما ورد الكتاب على زياد قام فخطب الناس وقال: العجب من ابن آكلة الأكباد ورأس النفاق يهدِّدني، ثم كتب إلى علي وبعث بكتاب معاوية في كتابه.. وكتب له الإمام:إن معاوية كالشيطان الرجيم يأتي المرء من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله فاحذره ثم احذره... . فلما قتل علي، بقى زياد في عمله وخاف معاوية جانبه وعلم صعوبة ناحيته وأشفق من ممالأته الحسن... فكتب إليه:... أما بعد: فإنك عبد قد كفرت النعمة واستدعيت النقمة... لا أم لك، بل لا أب لك. يا ابن سمية! إذا أتاك كتابي هذا فخذ الناس بالطاعة والبيعة وأسرع الإجابة.. وإلا اختطفتك بأضعف ريش ونلتك بأهون سعي. وأقسم قسماً مبروراً أن لا أوتي بك إلا في زمارة، تمشي حافياً من أرض فارس إلى الشام، حتى أقيمك في السوق، وأبيعك عبداً، وأردك إلى حيث كنت فيه وخرجت منه....

فلما ورد الكتاب على زياد غضب غضباً شديداً وجمع الناس وصعد المنبر، وقال: إن ابن آكلة الأكباد وقاتلة أسد الله، ومظهر الخلاف، وسر النفاق، ورئيس الأحزاب. ومن أنفق ماله في إطفاء نور الله، كتب إلى يرعد ويبرق عن سحابة جَفْلٍ لا ماء فيها.

____________________

(١) شرح نهج البلاغة: ٤ / ٦٨ - ٧٢.


ثم نزل، وكتب إلى معاوية:

.. لقد وصل إليَّ كتابك.. فوجدتك كالغريق يغطِّيه الموج فيتشبث بالطحلب ويتعلق بأرجل الضفادع.. ولولا حلم ينهاني عنك.. لأثرت لك مخازي لا يغسلها الماء.. وإن كنت ابن سمية فأنت ابن جماعة. أما زعمك أنك تخطفني بأضعف ريش، فهل سمعت بذئب أكله خروف.

فلما ورد كتاب زياد على معاوية غمَّه وأحزنه وبعث إلى المغيرة بن شعبه فخلا به. قال المغيرة:.. إن زياداً رجل يحب الشرف والذكر وصعود المنابر، فلو لاطفته المسألة، وألنت له الكتاب، لكان لك أميل وبك أوثق، فاكتب إليه وأنا الرسول. فكتب معاوية:

.. إلى زياد بن أبي سفيان.. حملك سوء ظنك بي وبغضك لي على أن عققت قرابتي وقطعت رحمي.. حتى كأنك لست أخي وليس صخر بن حرب أباك وأبي. وشتان ما بيني وبينك. أطلب بدم ابن العاص وأنت تقاتلني.

فرحل المغيرة بالكتاب حتى قدم فارس، فلما رآه زياد قدّمه وأدناه ولطف به، فرفع إليه الكتاب. فجعل يتأمله ويضحك. ثم جمع الناس.. وصعد المنبر.. وقال: لقد نظرت في أمور الناس منذ قتل عثمان.. فوجدتهم كالأضاحي في كل عيد يذبحون.

وكتب كتاب الجواب إلى معاوية:

الحمد لله الذي عرفك الحق وردك إلى الصلة. ولست ممن يجهل معروفاً ولا يغفل حسباً..

وروى المدائني قال: لم أراد معاوية استلحاق زياد وقد قدم عليه من الشام جمعٌ من الناس وصعد المنبر واصعد زياداً معه، ثم قال: إني قد عرفت نسبنا أهل البيت في زياد، فمن كان عنده شهادة فليقم بها.. فقام أبو مريم السلولي وكان خمَّاراً في الجاهلية فقال: إن أبا سفيان قدم علينا بالطائف، فأتاني فاشتريت له لحماً وخمراً وطعاماً،


فلما أكل قال: يا أبا مريم، اصب لي بغيَّاً. فخرجت فأتيت بسمية.. تجر ذيلها فدخلت معه.

وروى شيخنا أبو عثمان: أن زياداً مر، وهو والي البصرة، بأبى العريان العدوي، وكان شيخاً مكفوفاً ذا لسان وعارضة شديدة، فقال أبو العريان: ما هذه الجلبة؟ قالوا: زياد بن أبي سفيان. قال: والله ما ترك أبو سفيان إلاّ يزيد ومعاوية وعتبة وعنبسة وحنظلة ومحمداً، فمن أين جاء زياد: فبلغ الكلام زياداً، وقال قائل له: لو سددت عنك فم هذا الكلب، فأرسل إليه بمئتي دينار! فقال له رسول زياد: إن ابن عمك زياداً الأمير قد أرسل إليك مئتي دينار.. ثم مر به زياد من الغد في موكبه. فوقف عليه وسلَّم. وبكى أبو العريان. فقال: ما يبكيك؟ قال: عرفت صوت أبي سفيان في صوت زياد. فبلغ ذلك معاوية فكتب إلى أبي العريان:

ما ألبثتك الدّنانير الّتي بعثت

أن لوّنتك أبا العريان ألوانا

أمسى إليك زياد في أرومته

نكراً فأصبح ما أنكرت عرفانا

للَّه درّ زياد لو تعجّلها

كانت له دون ما يخشاه قربانا

فلما قُرئ كتاب معاوية على أبي العريان قال: أكتب جوابه يا غلام:

أحدث لنا صلة تحيا النّفوس بها

قد كدت يا ابن أبي سفيان تنسانا

أمّا زياد فقد صحّت مناسبه

عندي فلا أبتغي في الحقّ بهتانا

من يسد خيرا يصبه حين يفعله

أو يسد شرّاً يصبه حيثما كانا(١)

وقد تم ذلك سنة ٥٦ هـ، أي قبل أن ينتصف القرن [ الأول ] على وفاة النبي، ورحم الله الحسن البصري فقد كان يقول فيما يروى الطبري: (أربع خصال كن في معاوية لو لم يكن فيه منهن إلَّا واحدة لكانت موبقة: انتزاؤه على هذه الأمة بالسفهاء حتى ابتزها أمرها بغير مشورة منهم وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة؛

____________________

(١) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ٤ / ٦٨ - ٧٠.


واستخلافه ابنه بعده سكيّراً وخمّيراً يلبس الحرير ويضرب بالطنابير، وادعاؤه زياداً، وقد قال رسول الله:الولد للفراش وللعاهر الحجر ؛ وقتله حجر بن عدي)(١) .

 (٤)

أقواله المأثورة

١ - ذكر أبن الأثير(٢) : لما مرض معاوية مرضه الذي مات فيه دعا ابنه يزيد فقال: يا بني، إني كفيتك الشد والترحال، ووطّأت لك الأمور، وذلَّلت لك الأعداء، وأخضعت لك رقاب العرب، وجمعت لك ما لم يجمعه أحد. وإني لست أخاف عليك أن ينازعك في هذا الأمر إلا أربعة نفر من قريش: الحسين بن علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر. فأما ابن عمر، فإنه رجل قد وقدته العبادة. فإذا لم يبق أحد غيره بايعك. وأما الحسين بن علي، فإنه رجل خفيف ولن يتركه أهل العراق حتى يخرجوه... وأما ابن أبي بكر، فإن رأى أصحابه صنعوا شيئاً صنع مثله، وليس همه إلا في النساء واللهو. وأما الذي يجثم لك جثوم الأسد ويراوغك مراوغة الثعلب فإن أمكنته فرصة وثب، فذاك ابن الزبير. فإن هو فعلها بك فظفرت به فقطِّعه إرباً إرباً)(٣) .

____________________

(١) الدكتور طه حسين، الفتنة الكبرى، ج ٢ (علي وبنوه): ٢٤٨.

(٢) الكامل في التاريخ: ٣ / ٢٥٩، ٢٦٠.

(٣) يذكر بعض الرواة - ومنهم ابن الأثير نفسه - أن عبد الرحمن بن أبي بكر كان قد مات قبل معاوية. وقيل: إن يزيد كان غائباً من مرض أبيه وموته، وإن معاوية أحضر الضحّاك بن قيس، ومسلم بن عقبة المري، فأمرهما أن يؤديا عنه رسالته التي ذكرناها في المتن إلى يزيد ابنه.


٢ - قال معاوية لما حضرته الوفاة: إن رسول الله كساني قميصاً فحفظته، وقلَّم أظفاره فأخذت قلامته فجعلتها في قارورة. فإذا مت فألبسوني ذلك القميص واسحقوا تلك القلامة وذروها في عيني وفمي فعسى الله أن يرحمني ببركتها(١) .

٣ - ذكر الطبري بأسانيده المختلفة عن أبي مسعدة الفزاري قال: قال لي معاوية: يا ابن مسعدة، رحم الله أبا بكر لم يرد الدنيا ولم ترده. وأما ابن حنتمة - أي عمر - فأرادته الدنيا ولم يردها. وأما عثمان فأصاب من الدنيا وأصابت منه، وأما نحن فتمرغنا فيها(٢) .

٤ - أغلظ رجل لمعاوية فأكثر، فقيل له: أتحلم عن هذا؟ فقال: إني لا أحول بين الناس وألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين ملكنا(٣) .

٥ - لام معاوية(٤) عبد الله بن جعفر على الغناء(٥) . فدخل يوماً ومعه بديحٌ، ومعاويةُ واضعٌ رجلاً على رجل، فقال عبد الله لبديح: إيهاً! فتغنَّى فحرَّك معاوية رجليه وقال: إن الكريم طروب.

٦ - قام معاوية خطيباً - بعد أن دسَّ السُّم للأشتر - فقال:

____________________

(١) الكامل في التاريخ: ٣ / ٢٦٠. ومما يلفت النظر حقا أن يحتفظ معاوية بقلامة ظفر النبي ولا يحافظ على سنته!!

(٢) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ٦ / ١٨٦. وفي رواية أخرى: (أما أنا، فقد تضجعتها ظهراً لبطن وانقطعت إليها فانقطعت لي).

(٣) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ٦ / ١٨٧.

(٤) المصدر نفسه: ٦ / ١٨٧، ١٨٨.

(٥) هذا الحديث مخالف لما عليه المؤرخون من قداسة عبد الله بن جعفر لِمَا ذكروه من جلالة قدره وتوثيقه. راجع: تاريخ الطبري، والاستيعاب لابن عبد البر، وأسد الغابة لابن الأثير.. وغيرها. (الناشر)


أما بعد، فإنه كانت لعلي يمينان فقطعت إحداهما بصفين وقطعت الأخرى اليوم(١) .

٧ - سأل معاوية عمرو بن العاص: ما بلغ من عقلك؟ قال: ما دخلت في شيء قط إلا خرجت منه، قال معاوية: لكنني ما دخلت في شيء قط وأردت الخروج منه(٢) .

٨ - لو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت! إذا شدوها أرخيتها وإذا أرخوها شددتها(٣) .

٩ - جاء في الطبري: أن معاوية كان يأكل في اليوم سبع مرات ويقول: والله ما أشبع وإنما أعيأ(٤) .

١٠ - روى الواقدي: أن عمرو بن العاص دخل يوماً على معاوية بعد ما كبر. فقال له: ما بقى مما تستلذه؟ فقال: أما النساء فلا إرب لي فيهن. وأما الثياب فقد لبست من لينها وجيدها حتى وهى بها جلدي، فما أدري أيها الين. وأما الطعام فقد أكلت من لذيذه وطيبه حتى ما أدري أيُّه ألذُّ وأطيب. فما شيء ألذ عندي من شراب بارد في يوم صائف ومن أن انظر إلى بنيِّ وبني بنيِّ يدورن حولي(٥) .

____________________

(١) العقاد، معاوية بن أبي سفيان: ٧٤. ويقصد بذلك عمار بن ياسر والأشتر.

(٢) المصدر نفسه: ٧٧.

(٣) المصدر نفسه: ٨٢.

(٤) المصدر نفسه: ١٢٦.

(٥) المصدر نفسه: ١٣٢.


(٥)

معاوية في الميزان

كل شيء في الحياة الإنسانية هين إذا هان الخلل في موازين الإنسانية. وإنها لأهون من ذلك إذا جاوز الأمر الخلل إلى انعكاس الأحكام وانقلابها من النقيض إلى النقيض. فمن الناس من يحب أن تتغلب المنفعة على الحقيقة أو على الفضيلة... لأنه يرجع إلى طبيعته فيشعر بحقارتها إذا غلبت مقاييس الفضائل المنزهة والحقائق الصريحة، ولأنه يكره أن يدان الناس أو تقاس الأعمال بمقاييس المثل العليا فيلوم نفسه ولا يقدر على التماس المعذرة لها في نقيصتها أو في طبيعتها التي لا فكاك منها.

وليس أبغض إلى الإنسان من احتقاره لنفسه، وليس أحب إليه من اعتذاره لها عن حقيقتها. إنه يتعصب في كل شعور يدفع به النقص ويمهد به العذر وينفى به الاضطرار إلى الإقرار بسبق السابقين له، وارتفاع المرتفعين عليه. وإنه ليعترف بالجهل إذا استطاع أن يدعي لنفسه تعلة يسمو بها على أهل المعرفة. وإنه ليعترف بالعجز إذا استطاع أن ينزل بالقادرين إلى (مستواه) بخديعة من خداع النفس. وإنه ليعترف بالرذيلة إذا استطاع أن يلوث الفضيلة التي يمتاز بها عليه ذوو الفضائل البينة... ويكفى أن ينسب إلى العظيم المثالي عمل من الأعمال التي لا يقدر عليها النهاز ولا يسعى إليها ليشعر النهاز بالاختلاف والجفوة بينه وبين ذلك العمل العظيم المثالي... ويضطره إلى ذلك وقوفه بين طريقين: أحدهما غريب يصغره في نظر نفسه، والآخر مألوف يطرقه كل يوم. وإذا لم يرجح من أخبار فترة النزاع بين علي ومعاوية بعد مقتل عثمان إلا الخبر الراجح


عن لعن علي على المنابر بأمر معاوية، لكان فيه الكفاية لإثبات ما عداه مما يتم به الترجيح بين كفتي الميزان.

فإن الذي يعلن لعن خصمه على منابر المساجد لا يكف عن كسب الحمد لنفسه في كل مكان وبكل لسان، ولو لم يرد من أخبار تلك الفترة إلا أن معاوية كان يغدق الأموال على الأعوان ومن يرجى منهم العون، لكان لعن خصمه على المنابر كافياً للإبانة عما صنعه لكسب الثناء عليه وإسكات القادحين فيه.

ولكن أخبار الأموال المبذولة لتغيير الحقائق في هذه الفترة تفيض بها كتب المادحين والقادحين ومن لا يمدحون ولا يقدحون. جاء في"تاريخ الخلفاء" للسيوطي عن الإمام أحمد بن حنبل أنه سأل أباه عن علي ومعاوية؟ فقال: اعلم أن علياً كان كثير الأعداء، ففتش له أعداؤه عيباً فلم يجدوا، فجاءوا إلى رجل قد حاربه وقاتله فأطروه كياداً منهم له(١) .

وقتل عثمان فانقسمت الرقعة الإسلامية قسمين: أحدهما لا خلاف فيه، وهو الشام حصة معاوية، والآخر لا وفاق فيه، وهو حصة عليّ من الحجاز والعراق، وقد تدخل مصر فيها حيناً وتخرج منها أكثر الأحايين.. فكانت أعباء الخلافة كلها على علي، وكانت أحوال الملك كلها مع معاوية، مواتية له، محيطة به فيما يريد.. وفيما لا يريد.

كان الناس مع علي ينظرون إلى سنة الرسول. وكان الناس مع معاوية ينظرون إلى هرقل وكسرى...

____________________

(١) هذه الفقرة وما يليها مقتطفات من كتاب العقاد، معاوية بن أبي سفيان في الميزان: ٩، ١١، ١٢، ١٤، ١٦، ١٧، ٣٥، ٣٨، ٤٨، ٤٩، ٧٠، ٧١، ١١٢ - ١١٥، ١٨١، ١٨٢، ١٨٥ - ١٩١، ٢٠٣ - ٢٠٥.


فكان المجتمع الإسلامي مجتمعين.. افترقا غاية افتراقهما في النزاع بين علي ومعاوية. فكان علي يكبح تياراً جارفاً لا حيلة في السير معه ولا في دفعه. وكان معاوية يركب ذلك التيار رخاء سخائهم بغير مدافعة وبغير حيرة... وسبب آخر من أسباب الولع بالحديث عن الدهاء أنه أصبح كفؤاً للشجاعة أو راجحاً عليها في موازين الصفات الاجتماعية. فإذا عيب رجل من رجالهم بقلة الشجاعة وجد العزاء - وفوق العزاء - بشهرة الدهاء. فالدهاء عندهم مزية وضرورة وعزاء وغطاء للخوف والجبن.. لقد كانوا يطلقون الدهاء على كل وسيلة غير صريحة يبلغ بها صاحبها مأربه.

وأبرع ما برع فيه معاوية من ألوان الدهاء إلقاء الشبهة بين خصومه. وقد احتال بمثل هذه الحيلة على قيس بن سعد حتى أوقع الريبة منه في نفس الإمام. وحيلة أخرى لا نجزم بها ولكننا نشير إليها في مكانها مما رواه الرواة عن الوسائل الخفية التي توسل بها معاوية للغلبة على خصومه ومنافسيه.. ومات الحسن، ومات مالك بن الأشتر.. ومات عبد الرحمن بن خالد بن الوليد وعوجلوا جميعاً بغير علة ظاهرة فسبق إلى الناس ظن كاليقين أنها غيلة مدبرة، وأن صاحبها من كان له نفع عاجل بتدبيرها، وهو: معاوية.

لقد علم المراقبون لطبائع الحيوان أن المطاردة عنده تقوم على حركات متتابعة ولا تقوم على حركة واحدة. فإذا لمح الحيوان من خصمه أنه يجفل منه أخذ في الهجوم. وإذا عدا خصمه أمامه أخذ في العدو وراءه. وإذا أدركه ولم يجد منه مقاومة تمادى في صرعه وافتراسه. وقد دخل حجر بن عدي على معاوية ومعاوية ينتظر منه صدمة يتبعها حذر


لواجب الحلم والأناة، فلما دخل حجر محيياً له بالإمارة وزال الحاجز الأول زالت معه الحواجز الأخريات، ولم يعلم الرجل أين يكون الوقوف. ونظن أن هذه الخليقة قد أوشكت أن تبرز في طوية معاوية من وعيه الباطن إلى وعيه الظاهر.

وقد صبر معاوية على ألوان من الخضوع في طلب وجاهته السياسية لا يصبر عليها كثير من عامة الناس... واحتاج أن يقول مرة - كما جاء في الطبري مستنداً إلى سعيد بن سويد -: ما قاتلتكم لتصوموا ولا لتصلوا ولا لتحجوا ولا لتزكوا... ولكن إنما قاتلتكم لأتأمر عليكم.

ثم نشبت الفتنة الوبيلة في خلافة عثمان، ومعاوية بمعزل منها. وقُتل عثمان فاتخذ مقتله ذريعة للخروج على الإمام وإنكار بيعته. وأسرف كل الإسراف في التذرع بهذه الذريعة قبل استقلاله بالخلافة. فما كان له من مسوِّغ يتعلَّل به غير مقتل عثمان يردده في كل حديث وفي كل خطاب وفي كل جواب. وعلى قدر اللهج بهذه الفاجعة قبل استقلاله بالخلافة سكت عنها وأغفلها بعد ذلك فلم يعد إليها قط لا ليعتذر إلى قرابة الخليفة المقتول من سكوته وإغفاله.

وكان معاوية عظيم العناية بأطايب الخوان، كثير الزهو بالثياب الفاخرة والحلية الغالية، وكان يأكل ويشرب في آنية الذهب والصحاف المرصعة بالجوهر ويأنس للسماع واللهو ولا يكتم طربه بين خاصة صحبه. وقد ألجأته الحاجة إلى إنفاق المال في أبهة الملك والإغداق على الأعوان والخدم إلى إرهاق الرعية بالضرائب ومخالفة العهود مع أصحاب الجزية. فكان من الولاة من يطيعه ومنهم من يجيبه معترضاً.

ومن الولاة الذين أنكروا أن تستصفى الأموال لبيت مال الخليفة: والى خراسان الذي كتب إليه زياد يأمره ألا يقسم في الناس ذهباً ولا فضة، فكتب الوالي إلى زياد: بلغني ما ذكرت من كتاب أمير المؤمنين وإني وجدت كتاب الله تعالى قبل كتاب


أمير المؤمنين..

وليس أضل ضلالة ولا أاجهل جهلاً من المؤرخين الذين سَمُّوا سنة إحدى وأربعين هجرية بعام الجماعة لأنها السنة التي استأثر فيها معاوية بالخلافة، فلم يشاركه أحد فيها؛ لأن صدر الإسلام لم يعرف سنة تفرقت فيها الأمة كما تفرقت في تلك السنة، ووقع فيها الشتات بين كل فئة من فئاتها كما وقع فيها؛ إذ كانت خطة معاوية في الأمن والتأمين قائمة على فكرة واحدة، وهي التفرقة بين الجميع.

ولم يقصر هذه الخطة على ضرب خصومه ببعضهم.. كضرب الشيعة بالخوارج، والعرب بالموالي.. واليمانية بالقيسية.. بل كان يفعل ذلك في صميم البيت الأموي من غير السفيانيين. وواضح من هذه التفرقة أنه كان يكف يده عن البطش والنكاية في معاملتهم جميعاً.. لأنه كان يغري بعضهم ببعض فيستغنى بالوقيعة بينهم عن الإيقاع بهم، ولكنه - على هذا كله - كان يؤيد سياسة الإيقاع مهما يكن من قسوتها. وكان يختار لها من الولاة من يعلم أنه يفرط فيها ولا يقتصد في شرورها وبقائها. ولا يبالى أن يأخذ البريء بذنب الأثيم، ولا أن ينكل بالقريب قصاصاً من البعيد.

وخرج معاوية من الملك بالأيام التي قضاها في نعمته وثرائه ولا نقول في صولته وعزه فقد كان يذل لكل ذي بيعة منشودة ذلاً لم يصبر من بايعوه على مثله. أما تبعته العامة في أمر الملك فأمر جسيم لا تعادله جسامة عمل في عصره؛ لأنه نكص بالملك خطوات... ولو أنه أنشأ هذا الملك والناس لا يعرفون غيره لخف نصيبه من اللوم... غير أن الناس عرفوا في زمانه فارقاً شاسعاً بين ولي الأمر الذي يتخذ الحكم خدمة للرعية... وبين الحكم الذي يجري على سنة المساومة ويملى لصاحبه في البذخ والمتعة ويجعله قدوة لمن يقتدون به في السرف والمغالاة بصغائر الحياة.


(٦)

ما ينطبق على تصرفاته من القرآن

-( إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ) (آل عمران: ٢١، ٢٢).

-( إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آَيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) (يونس: ٧، ٨).


الفهرس

مقدمة المؤلِّف.. ١١

القسم الأول: قصة الخلافة ١١ - ٣٥ هـ ١٥

الفصل الأول: مسألة الوصية ١٧

الفصل الثاني: حديث السقيفة. ٣٩

أ - أبو بكر الصديق. ٣٩

ب - عمر بن الخطاب.. ٦٠

ج - عثمان بن عفان. ٨٧

الفصل الثالث: خلافة الإمام ١٣٠

القسم الثاني: قميص عثمان. ١٣٣

قميص عثمان. ١٣٤

الفصل الرابع: الناكثون. ١٣٥

الفصل الثاني: القاسطون. ١٥٥

الفصل الثالث: التحكيم، المارقون، ومصرع الإمام ١٦٨

القسم الثالث: بين علي، ومعاوية. ١٨٣

الفصل السابع: مقتطفات من سيرة الإمام ١٨٤

(١) فلسفة الحكم. ١٨٥

(٢) حرصه على بيت المال. ١٨٨

(٣) تواضعه وعدله ١٩٠

(٤) تحليل لسياسته العامة ١٩١

(٥) بعض أقواله المأثورة ١٩٣

(٦) ما ينطبق عليه من آي الذكر الحكيم. ١٩٧


الفصل الثامن: نماذج من تصرفات الخليفة الجديد. ١٩٨

(١) مأساة حجر بن عدي. ١٩٩

(٢) نماذج أخرى من غدر معاوية ٢٠٤

(٣) إلحاقه زياد بن أبية بأبي سفيان. ٢٠٥

(٤) أقواله المأثورة ٢٠٩

(٥) معاوية في الميزان. ٢١٢

(٦) ما ينطبق على تصرفاته من القرآن. ٢١٧