الشيعة وفنون الاسلام
التجميع تاريخ التشيع
الکاتب السيد حسن الصدر
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

الشّيعة وفنون الإسلام

تأليف: المرجع الدّيني الأكبر آية الله السيد حسن الصّدر

مؤلّف كتاب تأسيس الشّيعة لعلوم الإسلام

قدّم له

الدكتور سليمان دنيا

أُستاذ الفلسفة بكليّة أُصول الدين

مطبوعات النجاح بالقاهرة


الطبعة الرابعة

١٣٩٦ هـ. - ١٩٧٦ م

حقوق الطبع والنشر محفوظة للناشر

مطبعة دار المعلم للطباعة

٨ شارع جنان الزهرى - المبتديان

السيدة زينب


تقديم الكتاب

للدكتور سليمان دنيا

أُستاذ الفلسفة بكليّة أصول الدين


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين، والصلاة والسلام على رسول اللّه خير الخلق، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته أجمعين.

أمّا بعد فمنذ بضعة أعوام خلت كتبت رسالة صغيرة بعنوان ( بين الشيعة وأهل السنّة ) ضمنتها أملاً كبيراً، ورغبة ملحّة، في أن يتلاقى الشيعة وأهل السنّة، عند مبادئ الأُخوّة والمحبّة، والمودّة، والمصافاة، ونبذ ما غرسه أعداء الفريقين في النفوس من عوامل الفرقة والشقاق.

ودعوت إلى أن ينظر كل فريق إلى وجهه نظر الفريق الآخر، نظرة العالم الذي يبحث عن الحق، ويدرك أنّ الحق أحق أن يُتّبع.

وقلت: إنّه إذا كان الأثر الذي توارثناه عن سلفنا الصالح قد أكّد ضرورة الحرص على الحق أين وُجد، وأعلن أنّ الحكمة ضالّة المؤمن أنّى وجدها التقطها ولو من فم كافر، وأوضح أنّ العاقل لا يُعرف الحق بالرجال، وإنّما يُعرف الحق بالدلائل والبراهين، فإذا عرفه عرف به أهله، فقد أصبح لزاماً علينا - نحن أبناء هذا الجيل - أن نحرص على الحق، وأن نأخذ أنفسنا للدعوة إليه، وأن نجتمع حوله، غير ناظرين إلى مَن دعانا إليه وعرّفنا به، اللّهمّ إلاّ نظرة إكبار وإعظام وإجلال.

ومن المسلّم به لديهم أيضاً ضرورة احترام كل واحد من الباحثين لوجهة نظر الآخرين في المسائل المتحملة لضروب من العراك الفكري، حتى أنّهم ليختلفون ويكونون في ذات الوقت أصدقاء وأحبّاء وأصفياء. ورحم اللّه مَن يقول:( اختلاف الرأي لا يُفسد للودّ قضيّة ) .


ولقد رفع الإسلام راية السماحة عالية، فقال في كتابه الكريم:( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) .

وإذا كان الإنسان يحب لنفسه أن يستمتع بالحرية، فيقول ويعلن ما يهديه إليه بحثه وتفكيره، فلا يليق به أن ينكر على إنسان مثله حقّه في أن يقول ويعلن ما يهديه إليه بحثه وتفكيره كذلك.

وحسب المسلمين فخاراً أنّهم اجتمعوا على أصول دينهم لم يختلفوا فيها: فالإلوهية في أسمى مكان من التقديس في نفوس المسلمين.

وعقيدة البعث، والإقرار بالنبوّة، وحاجة البشر إليها، وختامها بسيد ولد آدم ( محمد بن عبد اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ).

وصدق القرآن الكريم، وما صح منه حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم.

كل أُولئك يحتل من نفوس جميع المسلين مكانة لا تطاولها قداسة أيّ دين آخر في نفوس أتباعه.

قلت ذلك وأكثر من ذلك في رسالتي ( بين الشيعة وأهل السنّة ) رغم أنّي لم أقل في هذه الرسالة كل ما أُحب أن أقوله؛ نظراً لظروف الطبع وقت ذاك.

والآن يسعدني أن تتاح لي فرصة التقديم لكتاب: (الشيعة وفنون الإسلام ) الذي نحا فيه مؤلّفه السيد الشريف (الحسن أبو محمد ) منحى ربّما يبدو غريباً لدى أهل السنّة. وكنت أريد أن أدرس الكتاب دراسة موضوعية؛ لأتبيّن بالدلائل والشواهد مبلغ صدق القضية التي يعالجها الكتاب، ولكنّي رأيت الأمر فوق طاقتي؛ لأنّ المؤلّف - رضي اللّه عنه - واسع الاتباع غزير الاطلاع، يعرض لسائر العلوم الإسلامية والعربية، ويحكم عليها حكم المحيط بها، الواقف على أسرارها، العارف بعوامل نشأتها، ومراحل نموّها. ومتابعة هذه العوامل، وتلكم المراحل تتطلّب حشد


المتخصّصين في هذه العلوم، ليتابع كل متخصص مادّة تخصّصه، ويوافق المؤلّف عن بينة، أو يخالفه عن بينة.

وإذا فاتني أن أخوض في هذا المجال، وإن أعرض لموضوع الكتاب عرضاً تحليلياً اتكالاً على همّة المتخصّصين الذين أطمع في أن يتناولوا الكتاب بكل ما هو جدير به منه عناية واهتمام، فما أحب أن يفوتني أن أقول كلمة ما أراها إلاّ متابعة لما جاء في رسالتي ( بين الشيعة وأهل السنّة ) تلكم هي أنّ المؤلّف - رضي اللّه عنه - يدّعي سبق الشيعة في تأسيس العلوم الدينية والعربية ويقدّم بين يدي دعواه أدلّة تبرّرها، ويدور كتابه حول بسط هذه الدعوى، وإيضاح أدلّتها.

والناس أمام هذه الدعوى فريقان:

فريق المتعلّمين: وهؤلاء لا يهتمّون بواضع العلوم ومؤسّسيها، وإنّما يهتمون بالعلوم نفسها، ويستوي لديهم أن يكون المؤسّسون لهذه العلوم هم الشيعة وحدهم أو هم أهل السنّة وحدهم، أو هؤلاء وهؤلاء.

وفريق العلماء: وهؤلاء كما يهتمون بالعلوم ذاتها، يهتمون بنشأتها ومنشئيها والأطوار التي تواردت عليها، إذ إنّ العلوم لها نشأة كنشأة عظماء الرجال؛ لهذا كان لها تاريخ كتاريخ عظماء الرجال كذلك.

ولهؤلاء أقول: إنّ كتاب ( الشيعة وفنون الإسلام ) جهد مشكور قام به صاحبه رضي الله عنه مساهمة منه في المهمّة المنوطة بأعناق علماء الإسلام تلكم هي التاريخ لعلوم الإسلام، وما تستتبعه من علوم أخرى فلا ينبغي أن يقابل هذا الجهد الجبّار بنظرة سطحيّة تعتمد على عدم المبالاة وعدم الاكتراث. لا ينبغي أن يقال مثلاً ( هذه عصبية ) أو ( هذا تحدٍّ ) أو نحو ذلك من أساليب القول التي يحتمي بها مَن لا يريد أن يجشّم نفسه مشقّة البحث والنظر. نعم، لا ينبغي أن يقال هذا ولا شيء منه؛ لأنّه لا داعي للعصبية، ولا داعي للتحدّي؛ لأنّ الشيعة كأهل السنّة مسلمون،


واختلافهم مع أهل السنّة إنّما هو في مسائل لا ترتقي إلى مستوى الأصول، وإذن فهم إخوة مسلمون، وسبقهم في بعض العلوم إنّما هو كسبق الأخ لأخيه، إن أثار تنافساً، فإنّه لا يثير خصومة، ولا عداء.

وإذن فلا مناص من إحدى اثنتين:

إمّا أن نطأطئ الرأس إجلالاً واحتراماً، لما بذل المؤلّف من جهد، ولما انتهى إليه من نتائج.

وإمّا أن نقابل الجهد بجهد مثله. ونتقدّم بما نظفر به من نتائج مؤيّدة بأدلة سليمة مقبولة.

وإنّي أتوجّه إلى الله جلّت قدرته راجياً أن يطهّر النفوس ممّا علق بها من شوائب، وأن يملأها بمعاني الحب والتعاطف والتآخي، وأن يعيد للمسلمين وحدتهم، وأن يفقّههم في دينهم، ويبصّرهم بعاقبة أمرهم، ويوفّقهم للاهتداء بهدى الإسلام في سلوكهم ومعاملاتهم، ولتبليغ دعوة دينهم إلى خلق الله كافة، مبرهنين على جمالها وكمالها بالتزامهم لها ووقوفهم عند حدودها.

وفي هذا المقام يحلو لي أن أشير إلى مفخرة من مفاخر المسلمين، يحق لنا أن نعتني بها ونفاخر، تلكم هي كتب السيد (محمد باقر الصدر ) التي ما أظن أنّ الزمان قد جاء بمثلها في مثل الظروف التي وجدت فيها، لقد أنتجت عبقريته الفذة الكتب الآتية: (فلسفتنا ) و (اقتصادنا ).

تلكم الكتب التي تعرض عقيدة الإسلام، ونظم معاملاته، عرضاً تبدو إلى جانبه الآراء التي تشمخ بها أنوف الكفرة والملاحدة من الغربيين وأذنابهم ممّن ينتسبون إلى الإسلام وهو منهم براء، وكأنّها فقاقيع قد طفت على سطح الماء، ثم لم تلبث أن اختفت وكأنّها لم توجد.


ألا فليقرأ هذه الكتب أولئكم الذين حشوا رؤوسهم بهراء من القول وزيف من الخيال؛ ليتطهّروا بطهور الحق من رجس الباطل، وليبصروا نور الوجود، بعدما ضلّوا في بيداء العدم، وليجدوا أنفسهم بعد أن فقدوا.

ألا فليقرأ هذه الكتب شباب الإسلام المخدوع ببريق المدينة الكاذبة، وكيف يتيسّر لهم قراءتها، وقد شغلوا بالهزل عن الجد، وبالباطل عن الحق؛ لأنّ الهزل والباطل قد اقتحما عليهم عقولهم وقلوبهم في غفلة من الجد والحق.

ألا فليتعرف على هذه الكتب المربون ليقوّموا بها نفوساً قد اعوجّت، وقلوباً قد أظلت، وعقولاً قد أقفرت وأجدبت حتى هانت الدنيا على أصحابها، فسخروا منها لأنّهم لم يحسّوا لها طعماً، ولم يعرفوا لها قدراً، فساءت أحوالهم، وانحرف بهم سلوكهم وضلّت عنهم آمالهم، وأصبحوا بحالة تستوجب أن يخلقوا خلقاً جديداً.

وأنّه لا يسعني في ختام هذه الكلمة إلاّ أن أشكر الأخ الفاضل السيد ( مرتضى الرضوي ) صاحب مكتبة النجاح، بالنجف الأشرف، بالجمهورية العراقية، على جهوده الموفّقة المشكورة في نشر العلم، والتعريف بكنوزه الدفينة، وعلى ما أتاح لي من فرصة الاطلاع على هذا السِّفْر القيّم (الشيعة وفنون الإسلام ) ويقيني أنّ هذا الكتاب سوف يكون موضوع دراسة هامّة من أهل العلم، حينما تصل إلى أيديهم طبعته الجديدة إن شاء الله.

كتبه

سليمان دنيا

أوّل يناير ١٩٦٧


حياة المؤلّف

بقلم:

صاحب السماحة آية الله الشيخ مرتضى آل يس

رئيس جماعة العلماء في النجف الأشرف



بسم الله الرحمن الرحيم

ترجمة المؤلّف

ولادته:

تولّد - دام ظلّه - في بلد الكاظمية عند الزوال من يوم الجمعة، الموافق ليوم التاسع والعشرين من شهر رمضان المبارك من سنة ١٢٧٢ هجرية.

اسمه ونسبه:

هو الحسن أبو محمد الشهير بالسيد حسن صدر الدين ابن السيد هادي ابن السيد محمد علي ابن السيد صالح ابن السيد محمد ابن السيد زين العابدين ابن السيد نور الدين ابن السيد علي ابن السيد حسين ابن السيد علي ابن السيد محمد أبي الحسن عباس بن محمد بن عبد الله بن أحمد بن حمزة الأصغر بن سعد الله بن حمزة الأكبر بن محمد أبي السعادات ابن أبي الحرث محمد ابن أبي الحسن علي ابن أبي طاهر عبد الله ابن أبي الحسن محمد المحدث ابن أبي الطيب طاهر بن الحسين القطعي ابن موسى أبي سبحة ابن إبراهيم الأصغر ابن الإمام أبي الحسن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه وعليهم الصلاة والسلام.

نشأته:

نشأ - أيّده الله - منشأً راقياً قلّما رقته قدم الاجتهاد، ولو لم يكن ذلك باقتضاء من فطرته السامية فقط؛ إذ إنّ الفطرة بمفردها لا تساعد إلاّ حيث تصادف محيطاً مناسباً وإلاّ فإنّها قد تفسد بالعرض، في حين أنّها صالحة بالذات.

كان ذلك باقتضاء منها، ومساعدة من حجر أبيه السيد العلاّمة معاً، ذلك الحجر المدرسي الذي شذّ ما وجد في الآباء نظيره، وحسبه فضلاً أن نجد مثل السيد


المؤلّف خريجاً لتلك المدرسة الراقية، التي جعلته مثالاً لتربيتها الصحيحة، ونموذجاً لتهذيبها المتين.

وهكذا تتلمذ السيد المؤلّف على السيد العلاّمة أبيه، حتى شبّ وترعرع وبلغ من العمر مبلغ الفتى الصغير، وعند ذاك نزعت نفسه الشريفة إلى طلاّب العلم وتحصيل الفضل، وكذلك النفوس الكبيرة فإنّها تنزع العمل بلا باعث، كما أنّها تنتقي بذاتها أحسن العمل، ومن حينه لبّى دعوتها بالارتياح وأنعمها جواباً بالقول الصراح، ثم أكبّ على العلم مجتهداً في التحصيل والاشتغال، حتى كان من أمره اليوم أنّه أمسى فاقد الندّ وعديم المثال.

اجتهاده في التحصيل:

ليس الاجتهاد ممّا يفهمه الكثيرون، بل لم يكن هو في حين من الدهر مفهوماً واضحاً لكل أحد، بل إنّ ما يزعمه الكثيرون اجتهاداً ليس من الاجتهاد في شيء، وهذا الزعم هو الذي ذهب بفضل المجتهد الصادق، وجعل الأمر ممّا يشكل بينه وبين المجتهد الكاذب، حتى صار لقب المجتهد ممّا يكال كيل المتاع بكل لسان، لكل إنسان.

أجل إنّ الاجتهاد الصحيح ممّا يعسر فهمه على النفوس الصغيرة، فأحرى بها ألاّ تستطيع إلى اتخاذه سبيلاً، فعبثاً أن تنتحل لقب المجتهد لأنفسها باطلاً، ما دامت تنظر إلى ما حولها، فتجد هناك رجال الجد والعمل، كيف يجدون ويجتهدون؟

بل إنّهم كيف يلقون إليها دروساً من العمل الصادق، ما لو أنّها كانت تقتنع، لأقنعتها هي ببطلان ذلك الزعم الفاسد منذ زمن بعيد.

تلك هي النفوس الكبيرة، بل أُولئك هم رجال الجد والاجتهاد، ومن تلك النفوس نفس سيّدنا المؤلّف الكبير، الذي أصبح مصداقاً واضحاً لذلك المفهوم المشكل، لقد كنت أسمع من السيد المؤلّف زمان كان شاباً قويّ العضلات أنّه كان لا يكاد ينام الليل في سبيل تحصيله، كما أنّه لا يعرف القيلولة في النهار.


ولكنّي بدل أن أسمع ذلك عنه في زمن شبيبته، فقد شاهدت ذلك منه بأُمّ عيني في زمن شيخوخته، وإنّ مكتبته التي يأوي إليها الليل والنهار، ويجلس هناك بيمناه القلم وبيسراه القرطاس؛ لهي الشاهد الفذ بأنّ عيني صاحبها المفتوحتين في الليل لا يطبق أجفانها الكرى في النهار، ولئن جاءها الكرى فإنّما يجيئها حثاثاً لا يكاد يلبث حتى يزول.

حقّاً أقول: إنّ السيد المؤلّف قد نام ربعاً من عمره الشريف، وسهر الباقي، ولكنّ الكثير الأكثر من الناس قد سهروا الربع وناموا الباقي.

علومه ومعارفه:

قلّ ما يوجد في علماء الدين رجل متفنّن، يجمع بين علم الأحكام وغيره، وإنّي لا أعرف لذلك سبباً مقبولاً، يصلح لأن يكون عاذراً لجميعهم عند المعترض؛ لأنّ علم الأحكام، وإن كان عميق الغور، بعيداً ما بين طرفيه، بيد أنّ ذلك لا يكاد يعترض طريق الهمام، فإنّ الصعاب مهما كبرت لا تكون إلاّ مسترذلة عند كبار النفوس، ولعلّ المستقبل يكفينا مؤنة الدعوة والاستنهاض، فيضطرّهم يوماً ما إلى التفنّن في معارفهم بالرغم من إرجاف المتساهلين، فتصبح أفواههم عند ذلك تتدفّق عسلاً ولبناً.

على أنّ الواجب الديني اليوم هو الذي يدعوهم إلى التوسّع في المعلومات، فإنّ العلم الواحد لا يصلح أن يكون مروّجاً للديانة أبداً، في حين أنّ الظروف لا تكاد تكون واحدة، فكما تتفاوت الظروف يجب أن تتفاوت رجال العلم في العلوم، وليس علم الأحكام اليوم ممّا يقوم بمفرده في ترويج الديانة ترويجاً معجباً، ما لم يصافح قسماً من الفنون الضرورية، فإنّ الحالة الدينية اليوم غير الحالة الدينية بالأمس، كما قد علم ذلك بسطاء العامّة، فضلاً عن المفكّرين من الخاصة.

فعسى أنّ جماعة العلماء يلفتون إلى ذلك بعض النظر، كما التفت إليه قبل اليوم


شرذمة منهم يسيرة لا تبلغ عدد الآحاد، نهضت بأعباء الدين، وقامت بواجب الإسلام والمسلمين.

وكان من تلك الشرذمة المباركة حضرة سيّدنا المؤلّف الكبير - أيّده الله - فإنّه لم يقصر همّه على تحصيل علم الأحكام فقط، بل قد ضمّ إليه كثيراً من العلوم المتنوّعة، اللاتي يستغربها غيره من العلماء الدينيين، فكان ما حصل عليه من العلوم: النحو، والصرف، والمنطق، والمعاني، والبيان، والبديع، والهيئة، والحساب، والتفسير، والرجال، والتأريخ، والحكمة، والكلام، والأخلاق، والحديث، والفقه، وأُصول الفقه.

أساتذته في القراءة:

أوّل مَن قرأ عليه النحو والصرف هو: الشيخ الثقة الشيخ باقر(١) ابن حجّة الإسلام الشيخ محمد حسن آل يس، ثم قرأهما على السيد الفاضل السيد باقر(٢) ابن السيد حيدر.

وقرا: ( علم المعاني والبيان والبديع ) على الشيخ أحمد العطار(٣) .

( والمنطق ) على الشيخ محمد(٤) ابن الحاج كاظم، وعلى الميرزا باقر(٥) السلماسي.

وفرغ من هذه العلوم وهو في الرابعة عشرة من سني عمره، وبعد أن فرغ منها طفق يقرأ متون الفقه، وعلم ( أصول الفقه )؛ وكان يومئذ بعد لم يرتحل عن مسقط رأسه ( الكاظمية ) فقرأهما على علمائها حتى فرغ من قراءة ( الشرائع )،

____________________

(١) توفّي عام ١٢٩٠ هـ.

(٢) توفّي عام ١٢٩٧ هـ.

(٣) توفّي عام ١٢٩٩ هـ.

(٤) توفّي عام ١٣١٤ هـ.

(٥) توفّي عام ١٣٠١ هـ.


و( الروضة ) في الفقه والمعالم ( والقوانين ) في الأصول، وهو إذ ذاك ابن ثماني عشرة سنة، وعندئذ تاقت نفسه إلى ( النجف الأشرف ) فزمّ إليها ركائبه، وهناك قرأ ( الحكمة والكلام ) على الفاضل الشكي(١) ، والمولى الشيخ محمد تقي الكلبايكاني(٢) ، وقرأ خارج الفقه على فقهاء النجف من تلامذة الشيخ محمد حسن صاحب ( الجواهر )(٣) ، وخارج الأصول على أفاضل تلامذة الشيخ مرتضى الأنصاري(٤) ، وقرأ علم الحديث على جملة من علماء الحديث في النجف.

ثم ما زال في النجف عاكفاً على الاشتغال، ومكبّاً على التحصيل يرتضع ثدي العلم ويستدرّ ضروع الفضل، حتى سنة سبع وتسعين ومئتين بعد الألف هجرية، فهاجر من النجف إلى سامراء حيث يقيم هناك في ربوعها أكبر أساتذته العظام الذي عليهم تتلمذ، ومنه أخذ حجّة الإسلام الشيرازي الميرزا محمد حسن المتوفّى سنة ١٣١٢ هـ.

وما فتئ منذ ألقى لديها عصا السير مجدّاً ومجتهداً، ومدرّساً ومؤلّفاً حتى سنة ١٣١٤ هـ، أي إلى ما بعد وفاة أُستاذه السيد الشيرازي بعامين، وعندها قفل راجعاً إلى ( الكاظمية ) مسقط رأسه، فأقام بها إلى اليوم، غرّة لجبينها، وقرّة لعيونها، ملاذاً للمسلمين، ومفزعاً للمؤمنين في أُمور الدنيا والدين.

مشايخه في الرواية:

مشايخه في الرواية على صنفين: منهم مَن يروي عنهم بطريق السماع والقراءة فقط دون الإجازة، ومنهم مَن يروي عنهم بطريق الإجازة العامّة.

أمّا مشايخه من الصنف الأوّل فمنهم - وهو أجلّ مَن يروي عنه - حجّة

____________________

(١) توفّي عام ١٢٩٠ هـ.

(٢) توفّي عام ١٢٩٣ هـ.

(٣) توفّي عام ١٢٦٦ هـ.

(٤) توفّي عام ١٢٨١ هـ.


الإسلام الميرزا محمد حسن الشيرازي الغروي العسكري المتوفّي سنة ١٣١٢ هـ، ومنهم الشيخ المحقّق المؤسّس الحاج ميرزا حبيب الله الرشتي الغروي صاحب كتاب ( بدائع الأُصول ) المتوفّى ١٣١٣ هـ، ومنهم الشيخ محمد حسين بن هاشم الكاظمي النجفي شارح ( كتاب الشرايع ) المتوفّى سنة ١٣٠٨ هـ، ومنهم الفاضل المتبحّر المولى محمد الأيرواني النجفي المتوفّى بعد المئة الثالثة عشرة، ومنهم شيخ الإسلام الشيخ محمد حسن آل يس الكاظمي صاحب كتاب ( أسرار الفقاهة ) المتوفّى سنة ١٣٠٨ هـ، ومنهم والده السيد الشريف السيد هادي المتوفّى ١٣١٨ هـ.

وأمّا مشايخه من الصنف الثاني فهم جماعة من العلماء منهم: المولى الفقيه علي الميرزا خليل الرازي الغروي - المتوفّى سنة ١٢٩٧ هـ، ومنهم السيد المتبحّر المهدي القزويني الحلّي الغروي - المصنّف المكثر - المتوفّى سنة ثلاثمئة بعد الألف، ومنهم المولى المحقّق المتبحّر الميرزا محمد هاشم بن زين العابدين الأصفهاني المتوفّى في النجف سنة ١٣١٨ هـ.

وقد ذكر تراجمهم على طرز مبسوط في إجازاته المطوّلات، واستقصى فيها جميع مشايخه بما لا مزيد عليه.

مصنّفاته ومؤلّفاته

يندر في العلماء المصنّفون، كما يندر المصنّفون من العلماء، فهم: إمّا عالم غير مصنّف، أو مصنّف غير عالم، أمّا العالم والمصنّف معاً، فقليل ما هو، وليس هو إلاّ مَن جمع بين فضيلتي العلم والقلم، وحيث خسر أحدهما كان واحداً من الاثنين، ولا مراء أنّ خسران أحدهما لا يكون طبيعياً إلاّ في نادر منهم ممّن لا تساعدهم الفطرة، كما لا يستطيعون مقاومتها، بل الحق أنّ جلّ السبب في جلّهم هو التساهل، وعدم الاهتمام بكلتا الفضيلتين معاً، في حين أنّه ليس هناك مانع فطري، أو رادع طبعي، وليس العلم النافع على ما أعتقد إلاّ ما حوته السطور لا ما حفظته الصدور، وما هو في الصدور إلاّ كمعاني مجرّدة بعد لم تفرغ في قوالب الألفاظ.


نعم إنّ العلم المدوّن هو الذي يحفظ لصاحبه ذكره، ويخلّد له بعد موته أمره، فكم من علماء أحياء ظلّوا كأنّهم قوم ميّتون، وكم من علماء أموات ظلّوا كأنّهم أحياء يُرزقون.

على أنّي لا أعرف من أُولئك كثيرين ممّن حازوا الفضيلتين، وبرعوا في الصناعتين، ولكنّهم مع هذا كلّه لم يشئوا أن يعملوا أحديهما بالأُخرى، بل إنّك لتجدنّهم ممّن يفضلون الإهمال على الإعمال، وهم يعتمدون فيما يعتقدون على أوهام لا ظل لها من الصواب، بل هي محض خيالات ليس إلاّ.

ولهذا السبب ولتلك الأسباب قلّ في العلماء المصنّفون، كما قلّ المصنّفون من العلماء، حتى أصبح المصنّف العالم، أو العالم المصنّف - وبالأخص المكثر - واحداً من خوارق العادة أو ما وراء الطبيعة، وما سيّدنا المؤلّف اليوم إلاّ واحد من تلك الخوارق التي أصبحت أعجوبة القرن الرابع عشر، ولاغرو فإنّه ربّ العلم والصناعة، وسلطان القلم واليراعة.

وإليك ما صدر من نفثات قلمه إلى اليوم فإنّك تجدها تناهز الخمسين مصنّفاً ما بين ضخم كبير، وآخر مختصر صغير ودونك هي نصّاً:

في الفقه:

سبيل الرشاد في شرح نجاة العباد، بطريق البسط.

سبيل النجاة في فقه المعاملات، بطريق المتن والتفريع لعمل المقلّدين.

تبيين مدارك السداد للحواشي والمتن من نجاة العباد، خرج منه كتاب الطهارة، والصلاة، والمراد من الحواشي خصوص حواشي الشيخ المرتضى، وأُستاذه السيد الشيرازي.

الدر النظيم في مسألة التتميم. أي تتميم ماء الكر بالماء النجس.

رسالة تبيين الإباحة في مشكوك ما لا يؤكل لحمه للمصلّين.

رسالة إبانة الصدور في موقوفة ابن أُذينة المأثورة في مسألة إرث ذات الولد من الرباع.


رسالة لزوم صوم ما فات في سنة الفوات.

رسالة كشف الالتباس عن قاعدة الناس. يعني قاعدة الناس مسلّطون على أموالهم.

رسالة الغرر في قاعدة نفي الضرر.

رسالة تبيين الرشاد في لبس السواد على الأئمّة الأمجاد ( رسالة فارسية ).

الغالية لأهل الأنظار العالية في تحريم حلق اللحية ( رسالة فارسية ).

رسالة في حكم الشكوك غير المنصوصة.

رسالة في حكم الشك في الأفعال.

ويوجد للسيد المؤلّف غير ذلك من الرسائل ممّا كتبت في أجوبة بعض المسائل.

في أُصول الفقه:

رسالة في تعارض الاستصحابين.

اللباب في شرح رسالة الاستصحاب للشيخ العلاّمة المرتضى رحمه الله.

كتاب الحواشي على فرائد الأُصول للشيخ المرتضى رحمه الله.

حدائق الوصول إلى علم الأُصول. لم يتم بعد.

في الأُصول الدينية:

الدرر الموسوية في شرح العقائد الجعفرية. ضمّنها جميع أُصول الدين.

في التاريخ:

تأسيس الشيعة الكرام لسائر فنون الإسلام.

الشيعة وفنون الإسلام ( مختصر من الأوّل ) وهو هذا الكتاب.

في علم الرجال:

كتاب مختلف الرجال، وهو كتاب جليل، دوّن فيه علم الرجال على نحو سائر العلوم المدوّنة: من ذكر التعريف، والموضوع، والغاية، والمبادئ التصوّرية، والمبادئ التصديقية، والمطالب، والحواشي الرجالية على منتهى المقال في أحوال الرجال.


الحواشي على تلخيص الرجال

الإبانة عن كتاب الخزانة.

الحواشي على أمل الآمل.

نكث الرجال.

حاشية على رجال أبي علي الحايري.

بغية الوعاة في طبقات مشايخ الإجازات.

رسالة في النصوص المأثورة في الحجّة صاحب الزمان عليه السلام.

انتخاب القريب من التقريب لابن حجر.

ذكرى المحسنين.

رسالة في أحوال السيد المحقّق السيد محسن الأعرجي المقدّس البغدادي صاحب ( المحصول وشرح الوافية في الأُصول ).

في علم الأخلاق:

إحياء النفوس بآداب السيد ابن طاووس.

سبيل الصالحين في السلوك وبيان طريق العبودية ( مختصر ).

متفرقات في الحديث:

نهاية الدراية في أُصول علم الحديث وآدابه.

رسالة في إثبات الجمع بين الصلاتين في الحضر من طريق أصحاب الصحاح الستّة.

رسالة في مناقب آل الرسول، من طريق الجمهور.

رسالة أُخرى في المناقب أيضاً على ترتيب الحروف، مستخرجة من الجامع الصغير.

مجالس المؤمنين في وفيات الأئمّة المعصومين عليهم السلام.


تعريف الجنان في حقوق الإخوان.

نزهة أهل الحرمين في تواريخ تعميرات المشهدين - أي النجف وكربلاء.

فصل القضا في الكتاب المشتهر بفقه الرضا. كشف فيه حال هذا الكتاب بما لا مزيد عليه، وأثبت أنّه كتاب التكليف المعروف للشلمغاني، وأوضح في ذلك وجه الاشتباه بما لم يسبقه إليه أحد سواه.

قاطعة اللجاج في إبطال طريقة أهل الاعوجاج - يعني بهم الإخبارية المنكرين للاجتهاد والتقليد في الفروع.

وللسيّد المؤلّف أيضاً كتاب ضخم في بيان ما انفرد به أحمد بن تيمية عن علماء الإسلام.

وآخر اسمه مفتاح السعادة في المهم من أدعية اليوم والليلة والشهر والسنة وعمل المشاهد المشرّفة.

أخلاقه الفاضلة ونعوته الممتازة:

الخلق الفاضل سجيّة كريمة، وهو كما يكون طبيعياً في بعض، يكون اصطناعياً في آخرين، وشتّان بين الخلقين، وما مثل مصطنعه إلاّ كشارب الدواء وهو مريض، يكرهه في حين أنّه يصلحه، وليس ذلك إلاّ لأنّه ليس جبلياً له بالذات، بل إنّه ليتكلّفه بالعرض، والتكلّف على النفس ثقيل عبثه، فربما أجهد به صاحبه فرمى به إلى حيث لا يعود إلى حمله.

لا ضير فإنّه عرض يتخلّف عن الذات، ولكن ما بالذات يتخلّف عن الذات، ولكن ما بالذات يتخلّف عنها.

كلا.. تلك لهي شيمة العظماء والكبار، شيمة الأتقياء والأبرار، تلك هي الشيمة التي نجدها مجسّمة في شخص سيّدنا المؤلّف الكبير، ذلك العظيم الذي ما رأيناه منذ يوم رأيناه إلاّ رجلاً عظيم الخلق، كريم الطبع، طلق المحيّا، باسم الثغر، غضوباً في الله، في حين أنّه حليم في نفسه، رؤوف بالصغير، عطوف على الكبير، سيّان عنده الغني والفقير، وهو مع ذلك صبيح الوجه، مهيب المنظر، قوي الحجّة في مناظراته، شديد اللهجة في محاوراته، امتاز بكثرة الحفظ، واتقاد


الذهن، وعلوّ الفهم حتى أنّه استغنى عن المعلّم في قراءته القرآن بقراءته جزء واحد من أجزائه.

مجالسه رياض مزهرة فيها الورد والريحان، والنرجس والأقحوان، فهي طوراً مباحث علمية، وأُخرى دروس أخلاقية، وآونة قصص تاريخية، بل فيها كل ما يعجب المستفيد، وهي على وجه الإطلاق عميمة الجدوى، لا يشذّ عنها البرهان المقنع.

وللسيد المؤلّف ولوع عجيب باقتناء الكتب والمؤلّفات، حتى أنّه ليفضل ابتياع الكتاب الواحد على أهمّ حاجيات المعاش الضرورية، كما أنّه نقّاد خبير، لا يفوته كتاب مجهول دون أن يستخرج اسم صاحبه المؤلّف، ولقد تضم مكتبته اليوم ما ينيف على ألف مجلّد من نفائس الكتب، وهي من كبرى المكتبات العراقية ويوجد في جملتها جمّ من المخطوطات العزيزة منها ما طُبع ومنها ما لم يطبع بعد.

وهكذا جمع الله في السيد المؤلّف فضيلة العلم والبيان، وطلاقة الوجه واللسان، فهو ثمرة تلك الشجرة التي لا ينتسب إليها إلاّ عالم أو فاضل، فحقّاً لهم أن يصبحوا مصاديق قول القائل:

علماء أئمّة حكماء

يهتدي النجم باتباع هداها

الكاظميّة                  

مرتضى آل يس الكاظمي



بسم الله الرحمن الرحيم

فاتحة الكتاب

الحمد لله على ما فتح لنا من أبواب العلم، بتأسيس العلوم الإسلامية، وخصّنا باسم الشيعة الإمامية، حمداً نسبق به مَن سبق إلى رضاه وحباه بما يتمنّاه، والصلاة والسلام على خير خلقه، وأفضل بريته، محمد سيد رسله، المؤسّس لشريعته والمبعوث بأشرف كتبه، الخاتم لما سبق، والفاتح لما استقبل، وعلى آله الكرام مفاتيح علوم الإسلام.

أمّا بعد: فإنّي لما صنّفت كتاب تأسيس الشيعة الكرام لفنون الإسلام، ورتّبته على فصول تجمع العلوم التي تقدّمت الشيعة في تأسيسها، وعقدت في كل فصل صحائف عديدة، لأوّل مَن وضع ذلك العلم، ولأوّل مَن صنّف فيه، ولأوّل مَن اخترع علماً من فروع ذلك العلم وصنّف فيه، ولأوّل مَن ابتكر معنى اتبع فيه، ولأول مَن أفرد نوعاً من العلم في التصنيف. وأمثال هذه العناوين، وصحيفة في مشاهير ذلك العلم وأئمّته المتقدّمين ذكرتهم على ترتيب الطبقات، الأقدم فالأقدم، لا على ترتيب الحروف، وذلك أداء لحق أُولئك الكرام، الحائزين قصب السبق في هذا المقام، ضرورة فضل المتقدّم على المتأخّر، والمتبوع على التابع، ولم يسبقني أحد إليه، ولا حام طائر فكره عليه، ولا يسبقن إلى بعض الأذهان إنكاره،


فإذا قرأناه فاتبع قرآنه، ثم إنّ علينا بيانه، فجاء كتاباً ضخماً، بسبب تراجم الطبقات، وذكر بعض النادرات، فالتمسني بعض الأفاضل من أهلي أن أختصره ليكون أليق بالمرام الموضوع له الكتاب، وأن أترجمه (كتاب الشيعة وفنون الإسلام ) فاستخرت الله في إجابته، فساعدت الاستخارة فاختصرته، غير أنّي لم أرع ترتيب الأصل، بل رتّبت الفصول فيه على ترتيب شرف العلم، لا على ترتيب ترتّب العلوم.


الفصل الأوّل

في تقدّم الشيعة في علوم القرآن

وفيه صحائف

وقبل الشروع فيها لابدّ من التنبيه على تقدّم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، في تقسيم أنواع علوم القرآن، فإنّه أملى ستّين نوعاً من أنواع علوم القرآن، وذكر لكل نوع مثالاً يخصّه، وذلك في كتاب نرويه عنه من عدّة طرق، موجود بأيدينا إلى اليوم، وهو الأصل لكل مَن كتب في أنواع علوم القرآن.

وأوّل مصحف جُمع فيه القرآن على ترتيب النزول بعد موت النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم هو مصحف أمير المؤمنين علي عليه السلام، والروايات في ذلك من طريق أهل البيت متواترة، ومن طرق أهل السنّة مستفيضة، أشرنا إلى بعضها في الأصل، وباحثنا فيه ابن حجر العسقلاني.

الصحيفة الأُولى

في أوّل مَن صنّف في علم تفسير القرآن

أوّل مَن صنّف في ذلك سعيد بن جبير التابعي رضي الله عنه كان أعلم التابعين بالتفسير، كما حكاه السيوطي في الإتقان، عن قتادة، وذكره ابن النديم في الفهرست، عند ذكره للكتب المصنّفة في التفسير، ولم ينقل تفسيراً لأحد قبله، وكانت شهادته سنة أربع وتسعين من الهجرة وكان ابن جبير من خُلّص الشيعة نصّ على ذلك علماؤنا في كتب الرجال كالعلاّمة جمال الدين


ابن المطهّر في الخلاصة، وأبي عمرو الشكي في كتابه في الرجال، وروى روايات عن الأئمّة في مدحه وتشيّعه واستقامته، قال وما كان سبب قتل الحجّاج له إلاّ على هذا الأمر - يعني التشيّع - قتله سنة ٩٤ ( ثم اعلم ) أنّ جماعة من التابعين من الشيعة صنّفوا في تفسير القرآن بعد سعيد بن جبير.

منهم السدي الكبير إسماعيل بن عبد الرحمن الكوفي أبو محمد القرشي، المتوفّى سنة سبع وعشرين ومئة.

قال السيوطي في ( الإتقان ) أمثل التفاسير تفسير إسماعيل السدي، روى عنه الأئمّة مثل الثوري، وشعبة.

قلت: وقد ذكره وذكر تفسيره النجاشي، والشيخ أبو جعفر الطوسي في فهرست أسماء مصنّفي الشيعة، وقد نصّ على تشيّعه ابن قتيبة في كتاب ( المعارف ) والعسقلاني في ( التقريب وتهذيب التهذيب ) وكان من أصحاب علي بن الحسين، والباقر، والصادق عليهم السلام.

ومنهم محمد بن السائب بن بشر الكلبي صاحب التفسير المشهور، وذكره أبن النديم عند تسمية الكتب المصنّفة في تفسير القرآن، وقال ابن عدي في ( الكامل ): للكلبي أحاديث صالحة، وخاصة عن أبي صالح، وهو معروف بالتفسير، وليس لأحد تفسير أطول منه ولا أشبع. وقال السمعاني محمد بن السائب صاحب ( التفسير ): كان من أهل الكوفة: قائلاً بالرجعة، وابنه هشام ذو نسب عال، وفي التشيّع غال، قلت: كان من الشيعة المخصوصين بالإمام زين العابدين وابنه الباقر، وكانت وفاته سنة ستّ وأربعين بعد المئة من الهجرة المباركة.

ومنهم جابر بن يزيد الجعفي الإمام في التفسير، أخذه عن الإمام الباقر،


وكان من المنقطعين إليه، وصنف تفسير القرآن وغيره، وتوفي سنة سبع وعشرين ومائة بعد الهجرة، وهو غير تفسير الإمام الباقر، الذي ذكره ابن النديم عند تسمية الكتب المصنفة في التفسير.

قال: كتاب الباقر محمد بن علي بن الحسين، رواه عنه أبو الجارود زياد ابن المنذر رئيس الجارودية الزيدية، انتهى.

قلت: وقد رواه عن أبي الجارود أيام استقامته قبل تزيده، جماعة من ثقاة الشيعة، كأبي بصير يحيى بن القاسم الأسدي وغيره.

الصحيفة الثانية

في أوّل مَن صنّف في القراءة ودوّن علمها وأوّل مَن جمع القراءات

فاعلم أن أول من دون علم القراءة أبان بن تغلب الربعي أبو سعيد، ويقال أبو أميمة الكوفي، قال النجاشي في فهرس أسماء مصنفي الشيعة: كان أبان رحمه الله مقدما في كل فن من العلم، في القرآن، والفقه، والحديث، ولأبان قراءة مفردة مشهورة عند القراء، ثم أوصل إسناده عن محمد بن موسى ابن أبي مريم صاحب اللؤلؤ عن أبان في رواية الكتاب، قال وأوله إنما الهمزة رياضة إلى آخره، وقد ذكر ابن النديم في الفهرست تصنيف أبان في القراءة.

قال: وله من الكتب ( معاني القرآن ) لطيف، ( كتاب القراءة )، ( كتاب من الأُصول في الرواية على مذهب الشيعة ) انتهى.

وبعد أبان صنّف حمزة بن حبيب أحد القرّاء السبعة ( كتاب للقراءة )، قال ابن النديم في الفهرست: كتاب القراءة لحمزة بن حبيب، وهو أحد


السبعة من أصحاب الصادق، انتهى.

وقد ذكره الشيخ أبو جعفر الطوسي في كتاب ( الرجال ) في أصحاب الصادق أيضاً، ووجد بخط الشيخ الشهيد محمد بن مكي عن الشيخ جمال الدين أحمد بن محمد بن الحداد الحلّي ما صورته: قرأ الكسائي القرآن على حمزة، وقرأ حمزة على أبي عبد الله الصادق، وقرأ عن أبيه، وقرأ على أبيه، وقرأ على أبيه، وقرأ على أمير المؤمنين علي.

قلت: وحمزة على الأعمش أيضاً، وعلى حمران بن أعين، وهما من شيوخ الشيعة أيضاً، كما ستعرف، ولم يعهد لأحد قبل أبان وحمزة تصنيف في القراءات فإنّ الذهبي وغيره ممّن كتب في طبقات القرّاء نصّوا على أنّ أوّل مَن صنّف في القراءات أبو عبيد القاسم بن سلام المتوفّى سنة ٢٢٤ هـ أربع وعشرين ومئتين، ولا ريب في تقدّم أبان؛ لأنّ الذهبي في ( الميزان ) والسيوطي في ( الطبقات ) نصّا على أنّه توفّي سنة ١٤١ إحدى وأربعين ومئة فهو مقدّم على أبي عبيد بثلاث وثمانين سنة، وكذلك حمزة بن حبيب فإنّهم نصّوا أنّه تولّد سنة ثمانين ومات سنة ١٥٦ هـ، وقيل سنة ١٥٤ هـ، وقيل سنة ١٥٨ هـ، وأنّ الأخير وهم.

وكيف كان فالشيعة أوّل مَن صنّف في القراءة، ولا يخفى هذا على الحافظ الذهبي، وحافظ الشام السيوطي، ولكن إنّما أراد أوّل مَن صنّف في القراءات من أهل السنّة، لا مطلقاً.

وقد تقدّم في التصنيف في القراءة على أبي عبيد من الشيعة جماعة آخرون غير مَن ذكرنا، مثل: ابن سعدان أبي جعفر محمد سعدان الضرير، ذكره ابن النديم في الفهرست في قرّاء الشيعة، قال: كان معلّماً للعامّة، وأحد القرّاء بقراءة حمزة، ثم اختار لنفسه، بغدادي المولد، كوفي المذهب، وتوفّى


سنة ٢٣١ يوم عرفة، وله من الكتب كتاب ( القراءة ) وكتاب ( مختصر النحو ) وله قطعة حدود مثال حدود الفراء، انتهى.

ومثل أبي جعفر، محمد بن الحسن بن أبي سارة الرواسي الكوفي، أُستاذ الكسائي والفرّاء، من خواص الإمام الباقر، ذكره أبو عمرو الداني في ( طبقات القرّاء ) قال: روى الحروف عن أبي عمر، وسمع الأعمش، وهو من جملة الكوفيّين، وله اختيار في القراءة تروى، سمع الحروف منه خلاد ابن خالد المنقري، وعلي بن محمد الكندي، وروى عنه الكسائي والفرّاء، انتهى. وتوفّي بعد المائة بقليل، له كتاب ( الوقف والابتداء ) كبير وصغير، وكتاب ( الهمز ) كما في فهرست أسماء مصنّفي الشيعة للنجاشي وغيره.

ومثل زيد الشهيد له قراءة جدّه أمير المؤمنين، رواها عنه عمر بن موسى الرجهي قال: في أوّل كتاب قراءة زيد هذه القراءة سمعتها من زيد بن علي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، وما رأيت أعلم بكتاب الله وناسخه ومنسوخه ومشكله وإعرابه منه، وكانت شهادة زيد أيام هشام بن عبد الملك الأموي سنة ١٢٢ هـ، وكان عمره يوم قتل اثنتين وأربعين سنة؛ لأنّه كان تولّد سنة ثمانين.

فكل هؤلاء قد تقدّموا في التصنيف في القراءة على أبي عبيد القاسم بن سلام، وبذلك تحقّق تقدّم الشيعة في تدوين علم القراءة.

الصحيفة الثالثة

في أوّل مَن صنّف في أحكام القرآن

فاعلم أنّ أوّل مَن صنّف في ذلك محمد بن السائب الكلبي، من أصحاب الباقر المتقدّم ذكره، قال ابن النديم في ( الفهرست ) عند ذكره للكتب


المؤلّفة في القرآن ما لفظه: كتاب أحكام القرآن للكلبي رواه عن ابن عباس قلت: وقد عرفت أنّ وفاة ابن السائب الكلبي كانت سنة ست وأربعين ومئة، فقول السيوطي: ( أوّل مَن صنّف أحكام القرآن الإمام الشافعي ) محلّ تأمّل؛ لأنّ وفاة الإمام الشافعي سنة أربع ومئتين، وله من العمر أربع وخمسون سنة، وكذا ما ذكره في ( طبقات النحاة ) من أنّ أوّل مَن كتب في أحكام القرآن هو القاسم بن أصبع بن محمد بن يوسف البياني القرطبي الأندلسي الأخباري اللغوي، توفّي سنة أربعين وثلاث مئة، عن ثلاث وتسعين سنة وأيام.

الصحيفة الرابعة

في أوّل مَن صنّف في غريب القرآن

فاعلم أنّ أوّل مَن صنّف في ذلك شيخ الشيعة أبان بن تغلب، وقد نصّ على تصنيفه في ذلك علماؤنا، وكذلك نصّ عليه ياقوت الحموي في ( معجم الأُدباء ) والجلال السيوطي في ( بغية الوعاة )، ونصّوا على وفاته في سنة إحدى وأربعين ومئة.

وقال السيوطي في كتاب ( الأوائل ) أوّل مَن صنّف غريب القرآن أبو عبيدة معمر بن المثنى، ونصّ على تاريخ وفاته - هو وغيره - أنّها كانت سنة تسع، وقيل ثمان، وقيل عشرة، وقيل إحدى عشرة ومئتين، ولا أظن أنّ السيوطي غفل عمّا ذكره هو في ترجمة أبان بن تغلب، أنّ له كتاب ( غريب القرآن ) لكنّه يريد أوّل مَن صنّف في ذلك من أهل البصرة، وليس أبو عبيدة، من أهل السنّة، حتى يقال إنّه أراد أوّل أهل السنّة؛


لأنّه من الخوارج الصفوية بنص الجاحظ في ( كتاب الحيوان ) المطبوع في هذه الأيام بمصر.

ثم اعلم أنّ المصنّفين في غريب القرآن بعد أبان جماعة من الشيعة منهم: أبو جعفر الرواسي، وهو متقدّم أيضاً على أبي عبيدة. ومنهم: أبو عثمان المازني، المتوفّي سنة ثمان وأربعين ومئتين. والفراء المتوفّي سنة سبع ومئتين. وابن دريد الكوفي اللغوي، المتوفّي سنة ٢٢١ هـ. وعلي بن محمد السيمساطي، وسيأتي تراجم هؤلاء في فصل علم النحو، وفصل علم اللغة، والدلالة، على تشيّعهم.

الصحيفة الخامسة

في تقدّم الشيعة في التصنيف في معان شتّى من القرآن

فاعلم أنّ أوّل من صنّف من الشيعة كتاب ( معاني القرآن ) هو أبان بن تغلب، المتوفّي سنة إحدى وأربعين ومئة هـ، ونصّ على كتابه هذا ابن النديم في ( الفهرست ) والنجاشي في ( أسماء مصنّفي الشيعة ) وغيرهما، ولم أعثر على أحد صنّف فيه قبل أبان. نعم صنّف فيه منّا: الرواسي، والفرّاء؛

قال ابن النديم كتاب ( معاني القرآن ) للفرّاء، ألّفه لعمر بن بكر، وهما من الشيعة أيضاً.

وأوّل مَن صنّف كتاباً في الناسخ والمنسوخ عبد الله بن عبد الرحمن الأصم المسمعي البصري، من شيوخ الشيعة، من أصحاب أبي عبد الله الصادق عليه السلام، وبعده دارم بن قمصة بن نهشل بن مجمع أبو الحسن التميمي الدارمي، من شيوخ الصدر الأوّل من الشيعة، عمّر حتى أدرك الإمام الرضا ومات في أواخر المئة الثانية، له كتاب ( الوجوه والنظائر ) وكتاب


( الناسخ والمنسوخ )، وقد ذكرهما النجاشي في ترجمته في فهرست أسماء المصنّفين من الشيعة، وصنّف بعدهما في ذلك الحسن بن علي بن فضال، صاحب الإمام علي بن موسى الرضا، وتوفّي سنة أربع وعشرين ومئتين، والشيخ الأعظم أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري القمّي، صاحب الرضا أيضاً، وعاش حتى أدرك الإمام أبا محمد الحسن العسكري.

ويظهر من الجلال السيوطي أنّ أوّل مَن صنّف في ذلك أبو عبيد القاسم ابن سلام، المتوفّي سنة أربع وعشرين ومئتين، وهو من المعاصرين للحسن بن علي بن فضال المصنّف في ذلك، ومتأخّر عن المسمعي بكثير، بل وعن دارم بن قبيصة.

وعلى كل حال فالشيعة هم المتقدّمون في ذلك، وأوّل مَن صنّف في نوادر القرآن ( علي بن الحسين بن فضال ) أحد شيوخ الشيعة في المئة الثالثة.

قال ابن النديم في الفهرست: كتاب الشيخ علي بن إبراهيم بن هاشم في نوادر القرآن شيعي، كتاب علي بن الحسن بن فضال من الشيعة، كتاب أبو النصر العياشي من الشيعة، انتهى.

قلت: ولأحمد بن محمد السياري الكاتب البصري أيضاً كتاب ( نوادر القرآن ) كان السياري يكتب للطاهر في زمن الإمام العسكري، ولأبي الحسن محمد بن أحمد بن محمد المعروف بالحارثي، كتاب ( نوادر علم القرآن ).

قال النجاشي: كان وجهاً من وجوه أصحابنا، ثقة.

وأوّل مَن صنّف في متشابه القرآن: حمزة بن حبيب الزيات الكوفي، من شيعة أبي عبد الله الصادق وصاحبه، المتوفّي سنة ست وخمسين بعد المئة بحلوان.


قال ابن النديم: وكتاب ( متشابه القرآن ) لحمزة بن حبيب، وهو أحد السبعة من أصحاب الصادق، انتهى بحروفه.

وكذلك الشيخ أبو جعفر الطوسي، عدّه في أصحاب الصادق، وقبلهما ابن عقدة عدّه في أصحاب الصادق في رجاله، وقد صنّف جماعة من أصحابنا المتقدمين في ذلك كمحمد بن أحمد الوزير، المعاصر للشيخ الطوسي، له كتاب ( متشابه القرآن )، وللشيخ رشيد الدين محمد بن علي بن شهرآشوب المازندراني، المتوفّي سنة ٥٨٨ كتاب ( متشابه القرآن ).

وأوّل مَن صنّف في مقطوع القرآن وموصوله هو الشيخ حمزة بن حبيب، وقد ذكر محمد بن إسحاق - المعروف بابن النديم - في ( الفهرست ) كتاب مقطوع القرآن وموصوله لحمزة بن حبيب، أحد السبعة من أصحاب الصادق.

وأوّل مَن وضع نقط المصحف وأعربه وحفظه عن التحريف في أكثر الكتب، هو أبو الأسود، وفي بعضها يحيى بن يعمر العدواني تلميذه، والأول هو الأصح، وأيهما كان: فالفضل للشيعة؛ لأنّهما من الشيعة بالاتفاق، وقد أكثرنا في الأصل نقل النصوص والشواهد على ذلك.

وأوّل مَن صنّف في مجال القرآن - فيما أعلم - الفرّاء يحيى بن زياد، المتوفّي سنة سبع ومئتين، والآتي ذكره في أئمّة علم النحو، وقد نصّ المولى عبد الله أفندي في ( رياض العلماء ) على أنّه من الشيعة الإمامية.

ثم قال: وما قال السيوطي من ميل الفرّاء إلى الاعتزال، لعلّه مبني على خلط أكثر علماء الجمهور بين أصول الشيعة والمعتزلة، وإلاّ فهو شيعي إمامي، انتهى.


وقد كتب في مجازات القرآن جماعة، وأحسن ما صنّف فيه كتاب ( مجازات القرآن ) للسيد الشريف الرضي الموسوي أخي السيد المرتضى.

وأوّل مَن صنّف في ( أمثال القرآن ) هو الشيخ الجليل محمد بن محمد بن الجنيد، وقد ذكر ابن النديم في ( الفهرست ) في آخر تسمية الكتب المؤلّفة في معان شتّى من القرآن، ما لفظه كتاب ( الأمثال ) لابن الجنيد، انتهى. ولم أعثر على أحد صنّف في ذلك قبله.

وأوّل مَن صنّف في فضائل القرآن أُبي بن كعب الأنصاري الصحابي نصّ عليه ابن النديم في ( الفهرست ) وكأن الجلال السيوطي لم يطلع على تقدّم أُبي في ذلك، فقال: أوّل مَن صنّف في فضائل القرآن الإمام محمد بن إدريس الشافعي، المتوفّي سنة أربع ومئتين، انتهى.

ثم إنّ السيد علي بن صدر الدين المدني صاحب السلافة قد نصّ على تشيّع أُبي بن كعب في كتاب ( الطبقات ) أعني الدرجات الرفيعة في ( طبقات الشيعة ) وأكثر من الدلالات والشواهد على تشيّعه، وقد زدت أنا عليه شواهد ودلالات في الأصل.

وقد صنّف منّا أيضاً جماعة في ذلك، منهم: الحسن بن علي ابن أبي حمزة البطائني، ومحمد بن خالد البرقي، وهما في عصر الرضا، وأحمد بن محمد السياري أبو عبد الله الكاتب البصري، كان في زمن الظاهر، والإمام العسكري ومحمد بن مسعود العياشي، وعلي بن إبراهيم بن هاشم شيخ الكليني، وأحمد بن محمد بن عمار أبو علي الكوفي المتوفّي سنة ست وأربعين وثلاثمئة، وغيرهم من شيوخ أصحابنا.

وأوّل مَن صنّف في أسباع القرآن كتاباً وكتاباً في حدود آي القرآن،


حمزة بن حبيب الكوفي الزيات، أحد السبعة من الشيعة، كما تقدّم النص على ذلك من الشيوخ، وقد ذكر كتاب ( أسباع القرآن )، وكتاب ( حدود آي القرآن ) ابن النديم في ( الفهرست ) لحمزة المذكور، ولا أعلم أحداً تقدمه فيها.

الصحيفة السادسة

في أئمّة علم القرآن من الشيعة

منهم عبد الله بن عباس، وهو أوّل مَن أملا في تفسير القرآن من الشيعة وقد نصّ كل علمائنا على تشيّعه وترجمه ترجمة حسنة السيد في كتابه ( الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة ) وذكرت في الأصل ما به الكفاية من ذلك، مات سنة ٦٧ هـ في الطائف، ولمّا حضرته الوفاة قال: اللّهمّ إنّي أتقرّب إليك بولائي لعلي بن أبي طالب عليه السلام.

ومنهم: جابر بن عبد الله الأنصاري الصحابي، وهو في الطبقة الأولى من طبقات المفسّرين لأبي الخير، وقال الفضل بن شاذان النيسابوري صاحب الرضا: جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه من السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وقال ابن عقدة عند ذكره منقطع إلى أهل البيت، وقد ذكرت في الأصل زيادة، مات بالمدينة بعد السبعين من الهجرة، وعمره أربعاً وتسعين.

ومنهم: أُبيّ بن كعب سيّد القرّاء، عدّوه في الطبقة الأولى في المفسّرين من الصحابة، وهو كما عرفت من الشيعة، وترجمته في الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة، وفي الأصل مفصلة وبعد هؤلاء التابعون.

ومنهم: سعيد بن جبير أعلم التابعين بالتفسير - بشهادة قتادة له بذلك -


كما في ( الإتقان ) وقدم تقدّم ذكره وتشيّعه، ومنهم: يحيى بن يعمر التابعي، أحد أعلام الشيعة في علم القرآن، قال ابن خلكان: هو أحد قرّاء البصرة، وعنه أخذ عبد الله بن إسحاق القراءة، وكان عالماً بالقرآن الكريم، والنحو ولغات العرب، وأخذ النحو عن أبي الأسود الدؤلي، وكان شيعيّاً من الشيعة الأولى القائلين بتفضيل أهل البيت، من غير تنقيص لذي فضل من غيرهم، انتهى. وقد ذكرت بعض أحواله في الأصل في أئمّة علم النحو.

ومنهم: أبو صالح، مشهور بكنيته تلميذ ابن عباس في التفسير، اسمه ميزان بصري، تابعي شيعي، نصّ على تشيّعه وثقته الشيخ المفيد محمد بن محمد ابن النعمان، في كتاب ( الكافئة في إبطال توبة الخاطئة ) بعد حديث عنه عن ابن عباس، مات أبو صالح بعد المئة.

ومنهم: طاووس بن كيسان أبو عبد الله اليماني، أخذ التفسير عن ابن عباس، وعدّه الشيخ أحمد بن تيمية من أعلم الناس بالتفسير، كما في ( الإتقان ). ونصّ ابن قتيبة في كتاب ( المعارف ) على تشيّعه، قال في صفحة ٢٠٦ من المطبوع بمصر: الشيعة: الحرث الأعور، وصعصعة بن صوحان، والأصبغ بن نباتة، وعطية العوفي، وطاووس، والأعمش، انتهى. توفّي طاووس بمكة سنة ست ومئة هـ، وكان منقطعاً إلى علي بن الحسين السجّاد عليه السلام.

ومنهم: الأعمش الكوفي سليمان بن مهران أبو محمد الأسدي، وقد تقدّم نص ابن قتيبة على تشيّعه، وكذلك الشهرستاني في ( الملل والنحل ) وغيرهما. ومن علمائنا الشيخ الشهيد الثاني زين الدين في ( حاشيته الخلاصة ) والمحقّق البهبهاني في ( التعليقة )، والميرزا محمد باقر الداماد في ( الرواشح ) وقد أخرجت لفظهم في الأصل، وزدت عليه نصوصاً أُخر، مات سنة ١٤٨ هـ عن ثمان وثمانين سنة.


ومنهم: سعيد بن المسيب أخذ عن أمير المؤمنين وابن عباس، وكان قد ربّاه أمير المؤمنين عليه السلام، وصحبه ولم يفارقه وشهد معه حروبه ونص الإمام الصادق والإمام الرضا على تشيّعه، كما في الجزء الثالث من كتاب ( قرب الإسناد ) للحميري، كان إمام القرّاء بالمدينة وعن ابن المدايني أنّه قال لا أعلم في التابعين أوسع علماً منه، مات بعد التسعين، وقد ناهز الثمانين.

ومنهم: أبو عبد الرحمن السلمي، شيخ قراءة عاصم، قال ابن قتيبه: كان من أصحاب علي عليه السلام وكان مقرئاً، ويحمل عنه الفقه، قلت: وقرأ أبو عبد الرحمن على أمير المؤمنين عليه السلام، كما في ( مجمع البيان ) للطبرسي، وعدّه البرقي في كتاب الرجال في خواص علي من مضر، مات بعد السبعين.

ومنهم: السدّي الكبير صاحب ( التفسير ) المتقدّم ذكره في الصحيفة الأولى.

ومنهم: محمد بن السائب بن بشر الكلبي صاحب ( التفسير الكبير ) المتقدّم ذكره في الصحيفة الأولى.

ومنهم: حمران بن أعين، أخو زرارة بن أعين الكوفي، مولى آل شيبان من أئمّة القرآن، أخذ عن الإمام زين العابدين والباقر، ومات بعد المئة.

ومنهم: أبان بن تغلب المتقدّم ذكره كان المقدّم في كل فن من العلم، أخذ القراءة عن الأعمش، وهو من أصحاب الإمام السجاد علي بن الحسين والباقر عليهما السلام، مات سنة ١٤١ هـ.

ومنهم: عاصم بن بهدله، أحد السبعة، قرأ على أبي عبد الرحمن السلمي القارئ على علي أمير المؤمنين عليه السلام، ولذا كانت قراءة عاصم أحب


القراءات إلى علمائنا، ونصّ على تشيّعه الشيخ الجليل عبد الجليل الرازي المتوفّي سنة ٥٥٦ هـ ست وخمسين وخمسمئة في كتابه ( نقض الفضائح ) وأنّه كان مقتدى الشيعة، مات عاصم سنة ثمان وعشرين بعد المئة بالكوفة، وقيل بالسماوة وهو يريد الشام ودفن بها، وكان لا يبصر كالأعمش، ونص على تشيّعه القاضي نور الله المرعشي في كتابه ( مجالس المؤمنين ) وهو في طبقات الشيعة وبعد هؤلاء أتباع التابعين.

منهم أبو حمزة الثمالي ثابت بن دينار، شيخ الشيعة بالكوفة قال أبو الفرج محمد بن إسحاق، بن أبي يعقوب النديم في ( الفهرست ) كتاب تفسير أبي حمزة الثمالي، وكان من أصحاب علي بن الحسين عليه السلام، من النجباء الثقات، وصحب أبا جعفر، انتهى. ومات أبو حمزة سنة مئة وخمسين هـ.

ومنهم: أبو الجارود زياد بن المنذر، روى كتاب الإمام الباقر في تفسير القرآن، قبل أن يتزيد، رواه عنه أبو بصير الأسدي كما تقدّم، مات أبو الجارود بعد المئة والخمسين من الهجرة.

ومنهم: يحيى بن القاسم أبو بصير الأسدي، كان مقدّماً في الفقه والتفسير، وله فيه مصنف معروف، ذكره النجاشي، أوصل إسناده إلى رواية التفسير مات في حياة أبي عبد الله الصادق عليه السلام المتوفّي سنة ١٤٨ هـ.

ومنهم: البطايني علي بن سالم، المعروف بابن أبي حمزة أبو الحسن الكوفي مولى الأنصار، له كتاب ( تفسير القرآن ) يروي فيه عن أبي عبد الله الصادق، وأبي الحسن موسى الكاظم، وأبي بصير المتقدّم ذكره.

ومنهم: الحصين بن مخارق أبو جنادة السلولي، قال ابن النديم: كان من


الشيعة المتقدّمين، وله من الكتب كتاب ( التفسير )، كتاب ( جامع العلوم ) انتهى. وذكر له النجاشي أيضاً كتاب ( التفسير والقراءات ) وكتاباً كبيراً.

ومنهم: الكسائي أحد السبعة، اجتمع فيه أمور، كان أعلم الناس بالنحو، وأوحدهم في الغريب والقرآن، وهو من أولاد الفرس من سواد العراق، وقد ذكرت نسبه في الأصل، ومَن نصّ على تشيّعه، مات بالري، أو بطوس، وهو في صحبة الرشيد سنة ١٨٩ هـ، وقيل سنة ١٨٣ هـ، وقيل ١٨٥ هـ، وقيل ١٩٣ هـ، والأول هو الأصح، وعاش سبعين سنة.

وبعد هؤلاء طبقة أخرى.

منهم: ابن سعدان الضرير أبو جعفر محمد بن سعدان بن المبارك الكوفي النحوي، إمام كامل، مؤلّف ( الجامع ) و( المشجر ) وغيرهما، له اختيار في القراءة موافق للمشهور، ثقة، عدل، صنّف في العربية والقراءات، وقد تقدّم أنّ ابن النديم في ( الفهرست ) ذكره في قراء الشيعة، وأنّه بغدادي المولد، كوفي المذهب، وأنّه توفّي سنة ٢٣١ هـ يوم عرفة، وذكره ياقوت والسيوطي مفصلاً في ( المعجم ) و ( الطبقات ). وذكر ياقوت أنّه ولد سنة ١٦١ هـ ومات يوم الأضحى سنة ٢٣١ ه، وله ولد هو إبراهيم، قال ياقوت: كتب وصحح ونظر وحقق وروى وصنف كتباً حسنة، منها كتاب ( حروف القرآن ) ومنهم: جماعة صنّفوا ( تفسير القرآن ) كانوا في أصحاب الإمام الكاظم والرضا عليهما السلام.

ومنهم: وهيب بن حفص أبو علي الحريري، من بني أسد، ويونس بن


عبد الرحمن أبو محمد، شيخ الشيعة في وقته، والحسين بن سعيد بن حماد بن مهران مولى علي بن الحسين أبو محمد الأهوازي، وقد ذكرنا تراجمهم في الأصل.

ومنهم أيضاً: عبد الله بن الصلت أبو طالب التيمي، من تيم اللات ابن ثعلبة، كان أحد أئمّة علم التفسير، وله كتاب ( تفسير القرآن ) روى عن الرضا، وأحمد بن صبيح أبو عبد الله الأسدي الكوفي المفسّر، وعلي ابن أسباط بن سالم، بياع الزطي أبو الحسن المقري الكوفي، وعلي بن مهزيار الأهوازي أحد أئمّة العلم بالحديث والتفسير، وصنّف فيهما.

وبعد هؤلاء طبقة أخرى، مثل: البرقي محمد بن خالد البرقي، له كتاب ( التنزيل ) وكتاب ( التفسير ) لقي الإمام الكاظم الرضا، وهو من ثقات أصحابنا، وأخوه الحسن بن خالد البرقي، له كتب منها: ( تفسيره الكبير ) مئة وعشرون مجلّداً إملاء الإمام العسكري، كما في ( معالم العلم ) لابن شهرآشوب المازندراني رشيد الدين. وبعد هؤلاء جماعة صنّفوا التفسير في المئة الثالثة، منهم: علي بن الحسن بن فضال، وإبراهيم بن محمد بن سعيد ابن هلال بن عاصم بن سعيد بن مسعود الثقفي الكوفي، المتوفّي سنة ٣٨٣ هـ، وعلي بن إبراهيم بن هاشم القمّي شيخ الشيعة في عصره، وتفسيره مطبوع، وعلي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّي، صنّف كتاب ( التفسير ) ورواه عنه جماعات من أصحابنا، والشيخ ابن الوليد محمد بن الحسن ابن أحمد بن الوليد أبو جعفر، شيخ الشيخ ابن بابويه، مات سنة ٣٤٣ هـ، الشيخ فرات بن إبراهيم بن فرات الكوفي، له تفسير كبير معروف بيننا، كان في عصر الإمام الجواد ابن الرضا، وابن دول القمّي المتوفّي سنة ٣٥٠ هـ، له كتب منها كتاب ( التفسير ) ذكره


النجاشي، وسلمة ابن الخطاب أبو الفضل القمّي صاحب ( التفسير ) عن أهل البيت، كان في عصر الرضا والجواد.

وبعد هؤلاء من المصنّفين في التفسير: محمد بن إبراهيم بن جعفر أبو عبد الله الكاتب النعماني، ويعرف كتابه بتفسير النعماني، وهو الراوي لما أملاه أمير المؤمنين عليه السلام في أنواع علوم القرآن، نوع فيه القرآن إلى ستين نوعاً، ومثّل لكل نوع مثالاً يخصّه، وعندنا منه نسخة، وهو الراوي للكافي عن الكليني. ومحمد بن العباس بن علي بن مروان، المعروف بابن الحجام، يكنّى أبو عبد الله، له كتب منها: ( تأويل ما نزل في النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم )، وكتاب ( تأويل ما نزل في أهل البيت وما نزل في شيعتهم )، وكتاب ( تأويل ما نزل في أعدائهم )، وكتاب ( التفسير الكبير )، وكتاب ( الناسخ والمنسوخ )، وكتاب ( قراءة أمير المؤمنين )، وكتاب ( قراءة أهل البيت ) سمع منه أبو محمد هارون بن موسى التلعكبري سنة ثمان وعشرين وثلاثمئة، وله منه إجازة.

والذين صنّفوا في أنواع علوم القرآن جماعة، منهم: محمد بن الحسن الشيبان شيخ الشيخ المفيد، صنّف ( نهج البيان عن كشف معاني القرآن )، ونوع علوم القرآن إلى ستين نوعاً صنّفه باسم المستنصر الخليفة العباسي، وينقل عنه السيد المرتضى في كتاب المحكم والمتشابه.

والشيخ المفيد بن محمد بن النعمان المعروف في عصره بابن المعلم، كان شيخ الشيعة، صاحب كرسي، له كتب مذكورة في فهرست مصنّفاته، منها: كتاب ( البيان في أنواع علوم القرآن ) مات في محرم سنة تسع وأربعمئة هـ، ذكره الخطيب في ( تاريخ بغداد ).


ولمحمد بن أحمد بن إبراهيم بن سليم أبي الفضل الصولي الجعفي الكوفي، المعروف بالصابوني، صاحب ( الفاخر في اللغة ) كتاب ( تفسير معاني تفسير القرآن وتسمية أصناف كلامه المجيد ) من شيوخ أصحابنا، سكن بمصر ومات فيها سنة ثلاثمائة هـ.

الصحيفة السابعة

في أوّل التفاسير الجامعة لكل علوم القرآن

فاعلم أنّ أوّل تفسير جمع فيه كل علوم القرآن هو كتاب ( الرغيب في علوم القرآن ) لأبي عبد الله محمد بن عمر الواقدي، ذكره ابن النديم في كتابه ( الفهرست ) ونصّ على تشيّعه، ثم كتاب ( التبيان الجامع لكل علوم القرآن ) في عشر مجلّدات كبار، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي شيخ الشيعة، كان تولّده سنة ٣٨٥ هـ، وتوفّي في الغري سنة ستين وأربعمئة هـ، ذكر في أوّله أنّه أوّل مَن جمع ذلك، وكتاب ( حقائق التنزيل ودقائق التأويل )(١) وهو في كبر ( تفسير التبيان ) للسيد الشريف الرضي، أخي المرتضى، كشف فيه عن غرائب القرآن وعجائبه وخفاياه وغوامضه، وأبان غوامض أسراره، ودقائق أخباره وتكلّم في تحقيق حقائقه، وتدقيق تأويله، بما لم يسبقه أحد إليه، ولا حام فكر أحد عليه، لكنّه ليس بجامع لكل علوم القرآن، وله كتاب ( المتشابه في القرآن )، وكتاب ( مجازات القرآن )، هذا ولم يزد عمره على سبع وأربعين سنة، وله في الأصل ترجمة حسنة، مات سنة ست وأربعمئة هـ و( روض

____________________

(١) قامت بنشر الجزء الخامس منه ( جمعية منتدى النشر ) في النجف الأشرف ( العراق ).


الجنان في تفسير القرآن ) في عشرين جزءاً، للشيخ الإمام القدوة أبي الفتوح الرازي الحسين بن علي بن محمد بن أحمد الخزاعي الرازي النيسابوري، مات بعد المئة الخامسة، جامع متأخّر عن الشيخ الطوسي، وكتاب ( مجمع البيان في علوم القرآن ) في عشرة أجزاء، للشيخ أمين الدين أبي علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي، المتوفّي سنة أربعين وخمسمئة، جامع لكل ذلك، لكنّه صرّح في أوله أنّه عيال فيه على تبيان الشيخ الطوسي قُدّس سرّه.

وخلاصة التفاسير في عشرين مجلّداً، للشيخ قطب الدين الراوندي، وهو مشحون بالحقائق والدقائق، من أحسن التفاسير المتأخّرة، عن الشيخ أبي جعفر الطوسي.


الفصل الثاني

في تقدّم الشيعة في علوم الحديث

وفيه صحائف

وقبل الشروع في الصحائف نشير إلى وجه تقدّم الشيعة في ذلك فنقول:

كان بين السلف من الصحابة والتابعين، اختلاف كثير في كتابة العلم، فكرهها كثيرون منهم، وأباحها طائفة، وفعلوها منهم علي وابنه الحسن، كما في ( تدريب الراوي ) للسيوطي، وأملا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم على علي عليه السلام ما جمعه في كتاب مدرج عظيم.

وقد رآه الحكم بن عيينة عند الإمام الباقر عليه السلام، لمّا اختلفا في شيء، فأخرجه، وأخرج المسألة، وقال للحكم هذا خط علي وإملاء رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وهو أوّل كتاب جمع فيه العلم على عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فعلمت الشيعة حسن تدوين العلم وترتيبه، فبادروا إلى ذلك اقتداء بإمامهم، وزعم غيرهم النهي عن ذلك فتأخّروا.

قال الحافظ السيوطي في ( التدريب ): وكانت الآثار في عصر الصحابة وكبار التابعين غير مدوّنة ولا مرتّبة، لسيلان أذهانهم، وسعة حفظهم، ولأنّهم كانوا نهوا أوّلاًَ عن كتابتها - كما ثبت في صحيح مسلم - خشية اختلاطها بالقرآن، ولأنّ أكثرهم كان لا يحسن الكتابة، قلت: هذا في غير الشيعة من الصحابة وكبار التابعين، فإنّهم دوّنوا ذلك ورتّبوه اقتداءً بأمير المؤمنين عليه السلام، فنقول وبالله التوفيق.


الصحيفة الأولى

في أوّل مَن جمع الحديث ورتّبه بالأبواب

من الصحابة الشيعة هو أبو رافع مولى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)

قال النجاشي في كتاب ( فهرس أسماء المصنّفين من الشيعة ) ما لفظه: ولأبي رافع مولى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كتاب ( السنن والأحكام والقضايا )، ثم ذكر النجاشي إسناده إلى رواية الكتاب باباً باباً، للصلاة، والصيام، والحج، والزكاة، والقضايا، وذكر أنّه أسلم قديماً بمكة، وهاجر إلى المدينة، وشهد مع النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم مشاهده، ولزم أمير المؤمنين عليه السلام من بعده، وكان من خيار الشيعة، وشهد معه حروبه، وكان صاحب بيت ماله بالكوفة، إلى آخر كلامه. ومات أبو رافع سنة خمس وثلاثين بنص ابن حجر في ( التقريب ) حيث صحّح وفاته في أول خلافة علي، فلا أقدم منه في ترتيب الحديث وجمعه بالأبواب بالاتفاق؛ لأنّ المذكورين في أوّل مَن جمع، كلهم في أثناء المائة الثانية، كما في ( التدريب ) للسيوطي.

وحكى فيه عن ابن حجر في ( فتح الباري ) أنّ أوّل مَن دوّنه بأمر عمر بن عبد العزيز: ابن شهاب الزهري، فيكون في ابتداء رأس المئة؛ لأنّ خلافة عمر كانت سنة ثمان أو تسع وتسعين، ومات سنة إحدى ومئة، ولنا فيما أفاده ابن حجر إشكال ذكرناه في الأصل.

الصحيفة الثانية

في أوّل مَن جمع حديثاً إلى مثله في باب واحد وعنوان واحد من الصحابة الشيعة

وهو أبو عبد الله سلمان الفارسي، وأبو ذر الغفاري رضي الله عنه،


وقد نصّ على ذلك رشيد الدين ابن شهرآشوب في كتابه ( معالم علماء الشيعة )، وذكر الشيخ أبو جعفر الطوسي شيخ الشيعة، والشيخ أبو العباس النجاشي في كتابيهما، في ( فهرست أسماء المصنفين من الشيعة ) مصنفاً لأبي عبد الله سلمان الفارسي، ومصنفاً لأبي ذر الغفاري، وأوصلا إسنادهما إلى رواية كتاب سلمان، وكتاب أبي ذر، وكتاب سلمان: كتاب ( حديث الجاثيليق )، وكتاب أبي ذر كتاب كالخطبة، يشرح فيه الأمور بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.

وحكى السيد الخونساري في كتاب ( الروضات في أحوال العلماء والسادات ) عن كتاب الزينة لأبي حاتم في الجزء الثالث منه: إنّ لفظ الشيعة على عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كان لقب أربعة من الصحابة: سلمان الفارسي، وأبي ذر الغفاري، والمقداد بن الأسود الكندي، وعمار بن ياسر، وقد ذكر في ( كشف الظنون ) كتاب ( الزينة ) لأبي حاتم سهل بن محمد السجستاني المتوفّي سنة خمس ومئتين هـ.

الصحيفة الثالثة

في أوّل مَن صنّف الآثار من كبار التابعين من الشيعة

صنّف هؤلاء في عصر واحد، لا ندري أيّهم السابق في ذلك، وهم علي بن أبي رافع صاحب أمير المؤمنين عليه السلام، وخازن بيت ماله، وكاتبه.

قال النجاشي في كتابه في أسماء الطبقة الأولى من المصنّفين من أصحابنا عند ذكره: تابعي من خيار الشيعة، كانت له صحبة من أمير المؤمنين،


وكان كاتباً له، وحفظ كثيراً، وجمع كتاباً في فنون من الفقه: الوضوء والصلاة، وسائر الأبواب، ثم أوصل إسناده إلى روايته.

ولأخيه عبيد الله بن أبي رافع كاتب أمير المؤمنين عليه السلام كتاب ( قضايا أمير المؤمنين عليه السلام )، وكتاب ( تسمية مَن شهد مع أمير المؤمنين عليه السلام الجمل وصفّين والنهروان من الصحابة ) كما في فهرست الشيخ أبي جعفر الطوسي قدّس سرّه.

وفي تقريب ابن حجر، كان كاتب علي وهو ثقة من الثالثة.

وأصبغ بن نباتة المجاشعي من خاصة أمير المؤمنين عليه السلام، وعمّر بعده، روى عنه عهده للأشتر، قال النجاشي: وهو كتاب معروف ووصيّته إلى ابنه محمد ابن الحنفية، وزاد الشيخ أبو جعفر الطوسي في ( الفهرست ): إنّ له كتاب مقتل الحسين بن علي عليهما السلام، رواه عنه الدوري.

وسليم بن قيس الهلالي أبو صادق، صاحب أمير المؤمنين عليه السلام له كتاب جليل عظيم، روى فيه عن علي، وسلمان الفارسي، وأبي ذر الغفاري، والمقداد، وعمار بن ياسر، وجماعة من كبار الصحابة.

قال الشيخ الإمام أبو عبد الله النعماني المتقدّم ذكره في أئمّة التفسير في كتابه في الغيبه، بعد نقل حديث من كتاب سليم بن قيس، ما نصّه: وليس بين جميع الشيعة ممّن حمل العلم ورواه عن الأئمة خلاف في أنّ كتاب سليم بن قيس الهلالي أصل من كتب الأصول التي رواها أهل العلم وحملة حديث أهل البيت وأقدمها - إلى أن قال: وهو من الأصول التي ترجع الشيعة


إليها، وتعوّل عليها، انتهى. ومات سليم بن قيس في أول إمارة الحجّاج ابن يوسف بالكوفة.

وميثم بن يحيى أبو صالح التمّار من خواص أمير المؤمنين عليه السلام، وصاحب سرّه، له كتاب في الحديث جليل، أكثر النقل عنه الشيخ أبو جعفر الطوسي، والشييخ أبو عمرو الكشي، والطبري في ( بشارة المصطفى ) مات ميثم بالكوفة، قتله عبيد الله بن زياد على التشيّع.

ومحمد بن قيس البجلي، له كتاب يرويه عن أمير المؤمنين عليه السلام، ذكره الشيوخ في التابعين من الشيعة، ورووا كتابه، وأستند الشيخ أبو جعفر الطوسي في ( الفهرست ) عن عبيد بن محمد بن قيس، قال: عرضنا هذا الكتاب على أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين عليه السلام فقال: هذا قول علي بن أبي طالب عليه السلام، وأول الكتاب كان يقول: إذا صلّى قال في أول الصلاة إلى آخر الكتاب.

ويعلى بن مرة له نسخة يرويها عن أمير المؤمنين عليه السلام، والنجاشي في الفهرست أوصل إسناده إلى رواية النسخة عنه، وعبيد الله بن الحر، الجعفي، التابعي، الكوفي، الشاعر، الفارس، الفاتك، له نسخة يرويها عن أمير المؤمنين عليه السلام، ومات أيام المختار، ذكره النجاشي في الطبقة الأولى من المصنّفين في الشيعة.

ربيعة بن سميع له كتاب في زكاة النعم، ذكره النجاشي في الطبقة الأولى من الشيعة المصنّفين، وأنّه من كبار التابعين.

والحرث بن عبد الله الأعور الهمداني أبو زهير، صاحب أمير المؤمنين


عليه السلام، له كتاب يروي فيه المسائل التي أخبر بها أمير المؤمنين - عليه السلام - اليهودي، يرويها عمرو بن أبي المقدام عن أبي إسحاق السبيعي، عن الحرث الهمداني، عن أمير المؤمنين عليه السلام، كما في فهرست الشيخ أبي جعفر الطوسي، مات في خلافة ابن الزبير هذا.

ولكن قد ذكر الشيخ رشيد الدين ابن شهرآشوب في أول كتابه ( معالم العلماء ) ترتيباً في جواب ما حكاه عن الغزالي: أول كتاب صنّف في الإسلام كتاب ابن جريج ( في الآثار وحروف التفاسير ) عن مجاهد وعطاء بمكة، ثم كتاب معمر بن راشد الصنعاني باليمن، ثم كتاب ( الموطأ ) لمالك بن أنس، ثم جامع سفيان الثوري، ما لفظه بحروفه.

بل الصحيح أنّ أول مَن صنّف في الإسلام أمير المؤمنين عليه السلام، ثم سلمان الفارسي رضي الله عنه، ثم أبو ذر الغفاري رضي الله عنه، ثم أصبغ ابن نباتة، ثم عبيد الله بن أبي رافع، ثم الصحيفة الكاملة عن زين العابدين عليه السلام، إلى آخر كلامه، والشيخ أبو العباس النجاشي ذكر الطبقة الأولى من المصنفين - كما ذكرنا - ولم يعيّن السابق ولا ذكر ترتيباً بينهم.

وكذلك الشيخ أبو جعفر الطوسي ذكرهم بلا ترتيب، فلعلّ الشيخ ابن شهرآشوب عثر على ما لم يعثرا عليه. والله سبحانه ولي التوفيق.

تنبيه: نصّ الحافظ الذهبي في ترجمة أبان بن تغلب على أنّ التشيّع في التابعين وتابعيهم كثير، مع الدين والورع والصدق، ثم قال: فلو ردّ حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية، وهذا مفسدة بيّنة، انتهى.


قلت: تدبّر هذا الكلام من هذا الحافظ الكبير، واعرف شرف تقدّم الذين ذكرناهم ونذكرهم بعد ذلك من التابعين وتابعيهم من الشيعة.

الصحيفة الرابعة

فيمَن جمع الحديث في أثناء المئة الثانية من الشيعة

وصنّفوا الكتب والأُصول والأجزاء من طريق أهل البيت

كانوا في عصر مَن ذكر في أول من جمع الآثار من أهل السنّة، رووا عن الإمام زين العابدين، وابنه الإمام الباقر عليهما السلام، كأبان بن تغلب، فإنّه روى عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام ثلاثين ألف حديث، وجابر بن يزيد الجعفي، روى عن أبي جعفر الباقر سبعين ألف حديث عنه، عن آبائه، عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.

وعن جابر أنّه قال: عندي خمسون ألف حديث ما حدّثت منها بشيء كلّها عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم من طريق أهل البيت. ومثلهما في كثرة الجمع وكثرة الرواية: أبو حمزة الثمالي، وزرارة بن أعين، ومحمد بن مسلم الطائفي، وأبو بصير يحيى بن القاسم الأسدي، وعبد المؤمن بن القاسم ابن قيس بن محمد الأنصاري، وبسام بن عبد الله الصيرفي، وأبي عبيدة الحذاء، وزياد بن عيسى وأبو الرجاء الكوفي، وزكريا بن عبد الله الفياض أبو يحيى، وثور بن أبي فاختة أبو جهم، روى عن جماعة من الصحابة، وله عن الباقر عليه السلام كتاب مفرد، وجحدر بن المغيرة الطائي، وحجر بن زائدة الحضرمي أبو عبد الله، ومعاوية بن عمار بن أبي معاوية خباب بن عبد الله، والمطلب الزهري القرشي المدني، وعبد الله بن ميمون بن الأسود القداح، وقد ذكرت كتبهم وتواريخهم في الأصل.


الصحيفة الخامسة

فيمَن صنّف الحديث بعد أُولئك من الشيعة

من أصحاب أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق ورووها عنه في أربعمئة كتاب تُسمّى ( الأصول ).

قال الشيخ الإمام أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي في كتابه ( أعلام الورى ) ما نصّه: قد تظافر النقل بأنّ الذين رووا عن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام من مشهوري أهل العلم أربعة آلاف إنسان، وصنّف عنه أربعمئة كتاب معروفة عند الشيعة تُسمّى الأصول، رواها أصحابه وأصحاب ابنه موسى عليه السلام، وقد أفرد أبو العباس أحمد بن عقدة كتاباً في الآخذين عن الصادق عليه السلام، وسمّاه كتاب ( رجال مَن روى عن أبي عبد الله الصادق ) وذكر مصنّفاتهم وأحصاهم أيضاً الشيخ أبو جعفر الطوسي في باب أصحاب أبي عبد الله الصادق من كتابه في الرجال، المبوّب على أصحاب كل إمام من الأئمّة الاثنى عشر.

الصحيفة السادسة

في عدد ما صنّفه الشيعة الإمامية في الحديث من طريق أهل البيت

من عهد أمير المؤمنين عليه السلام إلى عهد أبي محمد الحسن العسكري عليه السلام

فاعلم أنّها تزيد على ستة آلاف وستمئة كتاب، على ما ضبطها الشيخ الحافظ محمد بن الحسن الحر صاحب ( الوسائل ) ونصّ على ذلك في آخر الفائدة الرابعة من كتابه ( الجامع الكبير في الحديث ) المسمّى ( بوسائل


الشيعة إلى أحكام الشريعة ) وقد ذكرت أنا في كتابي ( نهاية الدراية في أصول علم الحديث ) ما يؤيّد هذا العدد.

الصحيفة السابعة

في ذكر بعض المتأخّرين عنهم من أئمّة علم الحديث وأرباب الجوامع

الكبار التي إليها اليوم مرجع الشيعة في أحكام الشريعة

فاعلم أنّ المحمّدين الثلاث الأوائل، هم أرباب الجوامع الأربع، وهم: أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني صاحب ( الكافي ) المتوفّي سنة ثمان وعشرين وثلثمائة هـ، أخرج فيه ستة عشر ألف وتسع وتسعين حديثاً بأسنادها. ومحمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّي، المتوفّي سنة ٣٨١ هـ وهو المعروف بأبي جعفر الصدوق، ألّف أربعمئة كتاب في علم الحديث، أجلّها كتاب مَن لا يحضره الفقيه، وأحاديثه تسعة آلاف وأربعة وأربعون حديثاً في الأحكام والسنن، ومحمد بن الحسن الطوسي شيخ الطائفة صاحب كتاب ( تهذيب الأحكام ) بوّبه على ثلاثمئة وثلاثة وتسعين باباً، وأخرج فيه ثلاثة عشر ألف وخمسمئة وتسعين حديثاً، وكتابه الآخر هو ( الاستبصار ) وأبوابه تسعمئة وعشرون باباً، أخرج في خمسة آلاف وخمسمئة وأحد عشر حديثاً، وهذه هي الكتب الأربعة التي عليها المعوّل، وإليها المرجع للشيعة، ثم المحمّدين الثلاث الأواخر، أرباب الجوامع الكبار، وهم: الإمام محمد الباقر بن محمد التقي المعروف بالمجلسي، مؤلّف ( بحار الأنوار في الأحاديث المروية عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم والأئمّة من آله الأطهار ) في ستة وعشرون مجلداً ضخما، وعليه تدور رحى الشيعة؛ لأنّه لا أجمع منه في جوامع الحديث.


وقد أفرد ثقة الإسلام العلاّمة النوري كتاباً في أحوال هذا العلاّمة سمّاه ( الفيض القدسي في أحوال المجلسي ) وقد طبع مع البحار بإيران.

والشيخ المحدّث العلاّمة المتبحّر في المعقول والمنقول محمد بن مرتضى بن محمود، المدعو بمحسن الكاشاني، الملقّب بالفيض، له ( الوافي في علم الحديث ) في أربعة عشر جزءاً كل جزء كتاب على حدة، يجمع الأحاديث المذكورة في الكتب الأربعة المتقدّم ذكرها، في الأصول والفروع والسنن والأحكام، وله نحو مئتي مصنّف في فنون العلم، عمّر أربعاً وثمانين سنة وتوفى سنة ١٠٩١ هـ.

والشيخ المحدّث شيخ الشيوخ في الحديث محمد بن الحسن الحر الشامي العاملي المشغري، صاحب ( تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل أحاديث الشريعة ) على ترتيب كتب الفقه، من أنفع الجوامع في الحديث، أخرجه من ثمانين كتاباً من الجوامع كانت عنده، وسبعين نقل عنها بالواسطة، وقد طبع مراراً بإيران، وعليه تدور رحى الشيعة اليوم، ولد في رجب سنة ١٠٣٣ هـ، وتوفّي بطوس من بلاد خراسان في السنة الرابعة بعد المائة والألف.

وقد ألف الشيخ العلاّمة ثقة الإسلام الحسين بن العلاّمة النوري ما فات من صاحب ( الوسائل ) وجمعه على أبواب الوسائل، وسمّاه ( مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل ) وهو نحو كتاب ( الوسائل ) فكان أعظم مصنّف في أحاديث المذهب، وفرغ منه سنة ١٣١٩ هـ وتوفّي في الغري ثامن وعشرين جمادى الآخرة سنة عشرين وثلثمئة بعد الألف.

وهناك جوامع كبار الأعلام المحدّثين الأخيار، منها ( العوالم ) وهو مئة مجلّد في الحديث، للشيخ المحدّث المتبحّر البارع المولى عبد الله بن


نور الله البحراني، المعاصر للعلاّمة المجلسي صاحب ( البحار ) المتقدّم ذكره آنفاً.

ومنها كتاب ( شرح الاستبصار في أحاديث الأئمّة الأطهار ) في عدّة مجلّدات كبار، نحو ( البحار ) للشيخ المحقّق الشيخ قاسم بن محمد بن جواد المعروف بابن الوندي، وبالفقيه الكاظمي المعاصر للشيخ محمد بن الحسن الحر صاحب ( الوسائل ) المتقدّم ذكره، كان ممّن تخرّج على جدّنا العلامّة السيد نور الدين أخي السيد محمد صاحب ( المدارك ).

ومنها ( جامع الأخبار في إيضاح الاستبصار ) وهو جامع كبير يشتمل على مجلّدات كثيرة، للشيخ العلاّمة الفقيه عبد الطيف بن علي بن أحمد بن أبي جامع الحارثي الهمداني الشامي العاملي، تخرّج على الشيخ المحقق المؤسّس المتقن الحسن أبي منصور بن الشهيد الشيخ زين الدين العاملي صاحب ( المعالم ) و ( المنتقى ) من علماء المئة العاشرة.

ومنها الجامع الكبير المسمّى بـ ( الشفا في حديث آل المصطفى ) يشتمل على مجلّدات عديدة للشيخ المتضلّع في الحديث محمد الرضا ابن الشيخ الفقيه عبد اللطيف التبريزي فرغ منه سنة ١١٥٨ هـ.

ومنها جامع الأحكام في خمسة وعشرين مجلداً كباراً للسيد العلاّمة عبد الله بن السيد محمد الرضا الشبري الكاظمي، كان شيخ الشيعة في عصره وواحد المصنّفين في دهره، لم يكن أكثر منه تأليفاً في المتأخّرين عن العلاّمة المجلسي، مات سنة ١٢٤٢ هـ، في بلد الكاظمين.


الصحيفة الثامنة

في تقدّم الشيعة في تأسيس علم دراية الحديث

وتنويعه إلى الأنواع المعروفة

فأوّل مَن تصدّى له أبو عبد الله الحاكم النيشابوري، وهو محمد بن عبد الله المشهور، المتوفّي سنة خمس وأربع مئة هـ، صنّف فيه كتاباً سمّاه ( معرفة علوم الحديث ) في خمسة أجزاء، ونوّع فيه الحديث إلى خمسين نوعاً، وقد نصّ على تقدّمه في ذلك في ( كشف الظنون ) قال: أول مَن تصدّى له الحاكم، وتبعه في ذلك ابن الصلاح.

وما ذكره الحافظ السيوطي في ( الوسائل في الأوائل ) أنّ أوّل مَن رتّب أنواعه ونوّع الأنواع المشهورة الآن: ابن الصلاح، المتوفّي سنة ثلاث وأربعين وستمئة في مختصره المشهور، لا ينافي ما ذكرناه؛ لأنّه يريد: أوّل مَن فعل ذلك من أهل السنة - والحاكم من الشيعة - باتفاق الفريقين، فقد نصّ السمعاني في ( الأنساب ) والشيخ أحمد بن تيمية، والحافظ الذهبي في ( تذكرة الحفّاظ ) على تشيّعه، بل حكى الذهبي في ( تذكرة الحفّاظ ) عن ابن طاهر أنّه قال: سألت أبا إسماعيل الأنصاري عن الحاكم فقال: ثقة في الحديث، رافضي خبيث.

قال الذهبي: ثم قال ابن طاهر: كان الحاكم شديد التعصّب للشيعة في الباطن، وكان يظهر التسنّن في التقديم والخلافة، وكان منحرفاً عن معاوية وآله، متظاهراً بذلك ولا يعتذر منه.

قلت: وقد نصّ أصحابنا على تشيّعه، كالشيخ محمد بن الحسن الحر في آخر الوسائل، وحكى عن ابن شهرآشوب، في معالم العلماء في باب الكنى،


أنّه عدّه في مصنّفي الشيعة، وأنّ له ( الأمالي ) وكتاباً في ( مناقب الرضا )، وذكروا له كتاب ( فضائل فاطمة الزهراء عليها السلام ) وقد عقد له المولى عبد الله أفندي في كتابه ( رياض العلماء ) ترجمة مفصّلة في القسم الأوّل من كتابه المختص بذكر الشيعة الإمامية، وذكره في باب الألقاب، وباب الكنى، ونصّ عليه وذكر له كتاب أصول علم الحديث، وكتاب المدخل إلى علم الصحيح، قال: واستدرك على البخاري في صحيحه أحاديث منها في أهل البيت حديث ( الطير المشوي ) وحديث ( مَن كنت مولاه ).

وصنّف بعد أبي عبد الله الحاكم في علم دراية الحديث، جماعة من شيوخ علم الحديث من الشيعة، كالسيد جمال الدين أحمد بن طاوس أبو الفضايل، وهو واضع الاصطلاح الجديد للإمامة، في تقسيم أصل الحديث إلى الأقسام الأربعة: الصحيح، والحسن، والموثّق، والضعيف، كانت وفاته سنة ٦٧٣ هـ.

ثم صنّف السيد العلاّمة علي بن عبد الحميد الحسني شرح أصول دراية الحديث، يروي عن الشيخ العلاّمة الحلّي بن المطهّر وللشيخ زين الدين، المعروف بالشهيد الثاني ( البداية في علم الدراية ) وشرحها المسمّى بالدراية، وللشيخ الحسين بن عبد الصمد الحارثي الهمداني ( وصول الأخيار إلى أصول الأخبار )، وللشيخ أبي منصور الحسن بن زين الدين العاملي مقدّمة المنتقى، ذكر أصول علم الحديث، وللشيخ بهاء الدين العاملي كتاب ( الوجيزة ) في علم دراية الحديث، وقد شرحتها أنا، وسمّيت الشرح ( نهاية الدراية ) وقد طُبعت بالهند ودخلت المدارس.


الصحيفة التاسعة

في أوّل مَن دوّن علم رجال الحديث وأحوال الرواة

فاعلم أنّه أبو عبد الله محمد بن خالد البرقي القمّي، كان من أصحاب الإمام موسى بن جعفر الكاظم، كما في كتاب الرجال للشيخ أبي جعفر الطوسي وذكر تصنيفه في الرجال الرواة أبو الفرج ابن النديم في الفهرست، في أول الفن الخامس في أخبار فقهاء الشيعة من المقالة السادسة.

قال: وله من الكتب كتاب ( العويص )، كتاب ( التبصرة )، كتاب ( الرجال ) فيه ذكر مَن روى عن أمير المؤمنين رضي الله عنه، انتهى.

ثم صنّف بعده أبو محمد عبد الله بن جبلة بن حيان بن أبحر الكناني، صنّف كتاب ( الرجال )، ومات سنة تسع عشرة ومئتين عن عمر طويل.

وقال السيوطي في كتاب الأوائل: أوّل مَن تكلّم في الرجال شعبة وهو متأخّر عن ابن جبلة، فإنّ شعبة مات سنة ستين ومئتين، بل تقدّمه منّا بعد ابن جبلة أبو جعفر اليقطيني صاحب الإمام الجواد محمد بن علي الرضا؛ فإنّه صنّف كتاب ( الرجال ) كما في فهرست النجاشي، وفهرست ابن النديم.

وكذلك الشيخ محمد بن خالد البرقي، كان من أصحاب الإمام موسى بن جعفر والرضا، وبقي حتى أدرك الإمام أبا جعفر محمد بن الرضا عليه السلام وكتابه موجود بأيدينا. فيه ذكر مَن روى عن أمير المؤمنين عليه السلام، ومَن بعده، وفيه الجرح والتعديل كسائر الكتب المذكورة.

ثم صنّف أبو جعفر أحمد بن خالد البرقي كتاب ( الرجال ) وكتاب


( الطبقات ) وتوفّي سنة ٢٧٤ هـ. والشيخ أبو الحسن محمد بن أحمد داود بن علي القمّي المعروف بابن داود شيخ الشيعة، له ( كتاب الممدوحين والمذمومين من الرواة ) مات سنة ثمان وستين وثلاثمئة هـ.

وللشيخ أبي جعفر محمد بن بابويه الصدوق كتاب ( معرفة الرجال ) وكتاب ( الرجال المختارين من أصحاب النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم )، توفّي سنة ٣٨١ هـ، وللشيخ أبي بكر الجعاني - قال ابن النديم: كان من أفاضل الشيعة - كتاب ( الشيعة من أصحاب الحديث وطبقاتهم )، قال النجاشي: وهو كتاب كبير، وللشيخ محمد بن بطة كتاب ( أسماء مصنّفي الشيعة ) وتوفّي سنة أربع وسبعين ومئتين، وللشيخ نصر بن الصباح أبي القاسم البلخي شيخ الشيخ أبي عمرو الكشي، له كتاب ( معرفة الناقلين من أهل المئة الثالثة ) مات فيها، ولعلي بن الحسن بن فضال كتاب ( الرجال ) وهو في طبقة الذي قبله، وللسيد أبي يعلى حمزة بن القاسم بن علي بن حمزة بن الحسن بن عبيد الله بن العباسابن علي بن أبي طالب عليه السلام كتاب ( مَن روى عن جعفر بن محمد من الرجال ) قال النجاشي: وهو كتاب حسن، روى عنه التلعكبري إجازة، فهو من علماء المئة الثالثة، وللشيخ محمد بن الحسن ابن علي أبي عبد الله المحاربي كتاب ( الرجال من علماء الثالثة ) وللمستعطف عيسى بن مهران كتاب ( المحدّثين ) وهو من المتقدّمين، ذكره الطوسي في الفهرست، وقد ذكرت الأصل في مصنّفات الشيخ الطوسي والنجاشي والكشي والعلاّمة أبن المطهّر الحلّي وابن داود وطبقات ممّن صنّفوا في الرجال، وكتبهم عليها المعوّل في الجرح والتعديل إلى اليوم فراجع، ولأبي الفرج القناني الكوفي أُستاذ النجاشي كتاب ( معجم رجال المفضل ) رتّبه على حروف المعجم.


الصحيفة العاشرة

في أوّل مَن صنّف في طبقات الرواة

فاعلم أنّ أوّل مَن صنّف الطبقات أبو عبد الله محمد بن عمر الواقدي، المتولّد سنة ثلاث ومئة، عمّر ٧٨، ونصّ على تصنيفه الطبقات ابن النديم في فهرست كتبه، كما سيأتي تفصيلها في الصحيفة الرابعة من الفصل الثامن في ترجمته، ولابن الجعابي القاضي أبي بكر عمرو بن محمد بن سلام بن البراء المعروف بابن الجعابي كتاب ( الشيعة من أصحاب الحديث وطبقاتهم ) وهو كتاب كبير، وكتاب المولى والأشراف وطبقاتهم، كتاب مَن روى الحديث من بني هاشم ومواليهم، كتاب ( أخبار آل أبي طالب )، كتاب ( أخبار بغداد وطبقاتهم وأصحاب الحديث بها ) قال ابن النديم في الفهرست: وكان من أفاضل الشيعة، وخرج إلى سيف الدولة فقرّبه وخصّ به، قلت، روى عنه الشيوخ كالشيخ المفيد وأمثاله، توفّي بعد المئة الثالثة سنة ٣٥٥ هـ، وللشيخ أبي جعفر البرقي أحمد أبن محمد بن خالد - صاحب المحاسن - كتاب ( الطبقات )، وكتاب ( التاريخ ) وكتاب ( الرجال )، مات سنة أربع وسبعين ومئتين، وقيل سنة ثمانين ومئتين.


الفصل الثالث

في تقدّم الشيعة في علم الفقه

وفيه صحائف

الصحيفة الأولى

في أوّل مَن صنّف فيه ودوّنه ورتّبه على الأبواب

فاعلم أنّ أوّل مَن صنّف في علم الفقه ودوّنه هو علي بن أبي رافع مولى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، قال النجاشي في ذكر الطبقة الأولى من المصنّفين من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام: علي بن أبي رافع مولى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، هو تابعي من خيار الشيعة، كانت له صحبة من أمير المؤمنين عليه السلام، وكان كاتباً له وحفظ كثيراً، وجمع كتاباً في فنون الفقه: الوضوء والصلاة وسائر الأبواب، تفقّه على أمير المؤمنين عليه السلام، وجمعه في أيّامه، أوله ( باب الوضوء ) إذا توضّأ أحدكم فليبدأ باليمين قبل الشمال من جسده، قال: وكانوا يعظّمون هذا الكتاب ( فهو أوّل مَن صنّف فيه من الشيعة ).

وذكر الجلال السيوطي أنّ أوّل مَن صنّف - يعني من أهل السنّة - في الفقه الإمام أبو حنيفة؛ لأنّ تصنيف علي بن أبي رافع في ذلك أيام أمير المؤمنين عليه السلام قبل تولّد الإمام أبي حنيفة بزمان طويل، بل صنّف في الفقه قبل أبي حنيفة جماعة من فقهاء الشيعة، كالقاسم بن محمد بن أبي بكر التابعي، وسعيد بن المسيّب الفقيه القرشي المدني، أحد الفقهاء الستّة المتوفّي سنة أربع وتسعين، وكانت ولادته أيام خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والقاسم بن محمد بن أبي بكر رضي الله عنه، مات سنة


ست ومئة على الصحيح، وكان جد مولانا الصادق لأُمّه أم فروة بنت القاسم، وكان تزوج بنت الإمام زين العابدين علي بن الحسين عليهما السلام.

وذكر عبد الله الحميري في كتابه ( قرب الإسناد ) ما لفظه: ذكر عند الرضا القاسم بن محمد بن أبي بكر وسعيد بن المسيب فقال: كانا على هذا الأمر - يعني التشيّع - وحكى الكليني في ( الكافي ) في باب مولد أبي عبد الله الصادق عن يحيى بن جرير قال: قال أبو عبد الله الصادق: كان سعيد ابن المسيب والقاسم بن محمد بن أبي بكر وأبو خالد الكابلي من ثقات علي بن الحسين، وفي حديث: أنّهما من حواري علي بن الحسين عليه السلام.

الصحيفة الثانية

في مشاهير الفقهاء من الشيعة في الصدر الأول

وقد سمّاهم الشيخ أبو عمرو الكشي في كتابه المعروف بـ ( رجال الكشي ) المعاصر لأبي جعفر الكليني من علماء المئة الثالثة، قال ما نصّه: تسمية الفقهاء من أصحاب أبي جعفر وأبي عبد الله عليهم السلام أجمعت العصابة على تصديق هؤلاء الأوّلين من أصحاب أبي جعفر وأبي عبد الله عليهم السلام وانقادوا لهم بالفقه فقالوا: أفقه الأولين ستة: زرارة، ومعروف بن خربوذ، وبريد، وأبو بصير الأسدي، والفضيل بن يسار، ومحمد بن مسلم الطائفي، قالوا: وأفقه الستة زرارة.

قال بعضهم مكان أبي بصير الأسدي أبو بصير المرادي، وهو ليث بن البختري، ثم قال تسمية الفقهاء من أصحاب أبي عبد الله عليه السلام أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عن هؤلاء وتصديقهم لما يقولون، وأقروا


لهم بالفقه من دون أولئك الستة الذين عددناهم وسميناهم، وهم ستة نفر: جميل بن دراج، وعبد الله بن مسكان، وعبد الله بن بن بكير، وحماد بن عيسى، وحماد بن عثمان، وأبان بن عثمان، قالوا: وزعم أبو إسحاق الفقيه، وهو ثعلبة بن ميمون أنّ أفقه هؤلاء جميل بن دراج، وهم أحدث أصحاب أبي عبد الله عليه السلام.

ثم قال: تسمية الفقهاء من أصحاب أبي إبراهيم وأبي الحسن عليه السلام أجمع أصحابنا على تصحيح ما يصح عن هؤلاء وتصديقهم والإقرار لهم بالفقه والعلم، وهم ستة نفر آخرون دون الستة النفر الذين ذكرناهم في أصحاب أبي عبد الله عليه السلام منهم: يونس عبد الرحمن، وصفوان بن يحيى بياع السابري، ومحمد بن أبي عمير، وعبد الله بن المغيرة، والحسن بن محبوب، وأحمد بن محمد ابن أبي نصر، وقال بعضهم مكان الحسن بن محبوب الحسن بن علي بن فضال، وفضالة بن أيوب. وقال بعضهم مكان فضالة عثمان بن عيسى، وأفقه هؤلاء يونس بن عبد الرحمن وصفوان بن يحيى، انتهى كلام الكشي.

الصحيفة الثالثة

في كثرة الفقهاء المصنّفين في الصدر الأوّل

على مذهب الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام

قال الشيخ أبو القاسم جعفر بن سعيد المعروف بالمحقّق، في أول كتابه المسمّى بالمتعبر عند ذكره للإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام ما نصّه: وبرز بتعليمه من الفقهاء الأفاضل جم غفير من أعيان الفقهاء، كتب من أجوبة مسائله أربعمئة مصنّف، قلت: هذه مصنّفات الأعيان منهم وإلاّ فقد نصّ الشيخ شمس الدين محمد بن مكي الشهيد في أول الذكرى أنّه كتب من


أجوبة مسائل أبي عبد الله الصادق عليه السلام أربعة آلاف رجل من أهل العراق والحجاز وخراسان والشام، وقد ذكرت كتبهم في كتب فهارس كتب الشيعة، كفهرست الشيخ أبي العباس النجاشي، وفهرس الشيخ أبي جعفر الطوسي، وفهرس الشيخ أبي الفرج ابن النديم، وكتاب العقيلي، وكتاب ابن الغضائري.

وقال الشيخ المفيد في الإرشاد عند ذكره للإمام الصادق عليه السلام ونقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر ذكره في البلاد، ولم ينقل العلماء عن أحد من أهل بيته ما نقل عنه، فإنّ أصحاب الحديث نقلوا أسماء الرواة عنه الثقات، على اختلافهم في الآراء والمقالات، وكانوا أربعة آلاف رجل، انتهى.

قلت: وقد أحصاهم وأمرهم في التصنيف الشيخ أبو العباس أحمد بن عقدة الزيدي أربعة آلاف رجل، كما نصّ عليه الشيخ أبو جعفر الطوسي في أول باب أصحاب الصادق من كتابه في الرجال، فراجع.

الصحيفة الرابعة

في بعض الجوامع الكبار في الفقه لأصحاب الأئمّة من أهل البيت من أتباع التابعين

مثل ( جامع الفقه ) لثابت بن هرمز أبي المقدام، عن الإمام زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام وكتاب ( شرائع الإيمان ) لمحمد بن المعافى، لأبي جعفر مولى الإمام الصادق عليه السلام، مات سنة خمس وستين ومئتين، أخذه عن الإمام الكاظم والرضا عليهما السلام، وجامع أبواب الفقه لعلي بن أبي حمزة تلميذ الصادق عليه السلام، ولعبد الله بن المغيرة


ثلاثون كتاباً في أبواب الفقه كما في فهرس النجاشي، وكان من أصحاب الإمام موسى بن جعفر عليه السلام، وكتاب ( الفقه والأحكام ) لإبراهيم بن محمد الثقفي المتوفّي سنة ٢٨٣ هـ، وكتاب ( المبوب في الحلال والحرام ) لإبراهيم ابن محمد أبي يحيى المدني الأسلمي المتوفّي سنة ١٨٤ هـ، وكتاب ( الجامع في أبواب الفقه ) للحسن بن علي أبي محمد الحجال، وكتاب ( الجامع الكبير في الفقه ) لعلي بن محمد بن شيرة القاساني أبي الحسن المصنّف المكثر، ولصفوان بن يحيى البجلي كتاب على ترتيب كتب الفقه مات سنة عشر ومائتين، وكتاب ( المشيخة ) المبوّب على معنى الفقه للحسن بن محبوب شيخ الشيعة أبي علي السراد المتوفّي سنة ٢٢٤ هـ، وهو من أصحاب الإمام الرضا عليه السلام، وكتاب الرحمة، وهو كتاب كبير جامع لكل فنون الفقه من طريق أهل البيت.


الفصل الرابع

في تقدّم الشيعة في علم الكلام

وفيه صحائف

الصحيفة الأُولى

في أوّل مَن صنّف ودوّن في علم الكلام

فاعلم أنّه عيسى بن روضة التابعي الإمامي المصنّف في الإمامة، بقي إلى أيام أبي جعفر المنصور، واختص به لأنّه مولى بني هاشم، وهو الذي فتق بابه وكشف نقابه، وذكر كتابه أحمد بن أبي طاهر في كتاب تاريخ بغداد ووصفه وذكر أنّه رأى الكتاب كما في فهرست كتاب النجاشي.

ثم صنّف أبو هاشم بن محمد بن علي بن أبي طالب عليه السلام كتباً في الكلام، وهو مؤسّس علم الكلام من أعيان الشيعة، ولمّا حضرته الوفاة دفع كتبه إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس الهاشمي التابعي، وصرف الشيعة إليه، كما في معارف ابن قتيبه، وهما مقدّمان على أبي حذيفة واصل بن عطاء المعتزلي، الذي ذكر السيوطي أنّه أول مَن صنّف في الكلام.

الصحيفة الثانية

في أوّل مَن ناظر في التشيّع من الإمامية

قال أبو عثمان الجاحظ: أوّل مَن ناظر في التشيّع الكميت بن زيد الشاعر، أقام فيه الحجج، ولولاه لما عرفوا وجوه الاحتجاج عليه.


قلت: بل تقدّمه في ذلك أبو ذر الغفاري الصحابي رضي الله عنه أقام يبث مدة في دمشق دعوته وينشر مذهبه في العلوية وآراءه الشيعية، فاستجاب له قوم في نفس الشام، ثم خرج إلى صرفند وميس - وهما من أعمال الشام من قرى جبل عامل - فدعاهم إلى التشيّع فأجابوا، بل في كتاب ( أمل الآمل ): لمّا أُخرج أبو ذر إلى الشام بقي أياماً فتشيّع جماعة كثيرة، ثم أخرجه معاوية إلى القرى فوقع في جبل عامل فتشيّعوا من ذلك اليوم.

وقال أبو الفرج ابن النديم في كتاب ( الفهرست ) أول مَن تكلّم في مذهب الإمامية علي بن إسماعيل بن ميثم التمّار، وميثم من أجلّة أصحاب علي رضي الله عنه، انتهى.

ولعلي من الكتب: كتاب الإمامة، وكتاب الاستحقاق.

قلت: قد تقدّم عليه - كما عرفت - عيسى بن روضة بكثير، والكميت بأكثر فإنّه كان معاصراً لهشام بن الحكم، وكان ببغداد أيضاً، وقد ناظر فيها أبا الهذيل في الإمامة، وضرار بن عمرو الضبي، وناظر النظام وغلبهم في مواضع ذكرها المرتضى في ( الفصول المختارة ) فهو من أئمّة علم الكلام من الشيعة، لا أول متكلّم في الإمامة فيهم، فإنّ أبا ذر وشركاءه الأحد عشر، وهم خالد بن سعيد ابن العاص، وسلمان الفارسي، والمقداد بن الأسود الكندي، وبريدة الأسلمي، وعمار بن ياسر، وأبي بن كعب، وخزيمة بن ثابت، وأبو الهيثم ابن التيهان، وسهل بن حنيف، وأبو أيوب الأنصاري رضي الله عنهم، تقدّموا في ذلك، كما في حديث الاحتجاج المروي في كتاب الاحتجاج للطبرسي.


الصحيفة الثالثة

في مشاهير أئمّة علم الكلام من الشيعة

ذكرناهم طبقات في الأصل، مثل كميل بن زياد نزيل الكوفة، تخرّج على علي أمير المؤمنين عليه السلام في العلوم، وأخبره أنّ الحجّاج يقتله، فقتله الحجّاج بالكوفة سنة ثلاث وثمانين تقريباً.

وسليم بالتصغير ابن قيس الهلالي التابعي، طلبه الحجّاج أشدّ الطلب ولم يظفر به، ومات في أيام الحجاج، وقد تقدّم ذكره، كان من خواص علي عليه السلام.

والحارث الأعور الهمداني صاحب ( المناظرات في الأصول ) أخذ من أمير المؤمنين عليه السلام، وتخرّج عليه، ومات سنة ٦٥ هـ، وأطلنا ترجمته في الأصل، وجابر بن يزيد بن الحارث الجعفي أبو عبد الله الكوفي، متبحّر في الأصول وسائر علوم الدين، تخرّج على الباقر عليه السلام.

وبعد هؤلاء طبقة أخرى مثل: قيس الماصر من أعلام علماء علم الكلام في عصره إليه الرحلة من الأطراف في ذلك، تعلّم الكلام من الإمام زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام، وشهد له الإمام أبو عبد الله الصادق بالحذاقة فيه، قال: أنت والأحول قفازان حاذقان، والأحول هو أبو جعفر محمد بن علي بن النعمان ابن أبي طريفة البجلي الأحول، كان دكّانه في طاق المحامل بالكوفة، يرجع إليه بالنقد فيرد ردّاً ويخرج كما يقول، فقيل: شيطان الطاق، تعلم من الإمام زين العابدين عليه السلام، وصنّف كتاب ( افعل لا تفعل ) وكتاب ( الاحتجاج في إمامة أمير المؤمنين عليه السلام )، وكتاب ( الكلام


على الخوارج )، وكتاب ( مجالسة مع الإمام أبي حنيفة والمرجئة )، وكتاب ( المعرفة )، وكتاب ( الرد على المعتزلة ).

وحمران بن أعين أخو زرارة بن أعين، تعلّم الكلام من الإمام زين العابدين عليه السلام، وهشام بن سالم من شيوخ الشيعة في الكلام، ويونس بن يعقوب ماهر في الكلام، قال له الإمام أبو عبد الله الصادق: تجري بالكلام على الأثر فتصيب. وفضال بن الحسن بن فضال الكوفي المتكلّم المشهور، ما ناظر أحداً من الخصوم إلاّ قطعه، وحكى السيد المرتضى في ( الفصول المختارة ) بعض مناظراته مع الخصوم، وكل هؤلاء كانوا في عصر واحد، وماتوا في أثناء المئة الثانية.

وبعد هؤلاء في الطبقة، هشام بن الحكم، قال الصادق فيه: هذا ناصرنا بقلبه ولسانه ويده، ناظر كل أهل الفرق وأفحمهم، وله مجالس مع الخصوم صنّف في الكلام، وحسده الناس لشدّة صولته وعلو درجته، فرموه بالمقالات الفاسدة، وهو بريء منها ومن كل فاسد، وقد فهرست مصنّفاته في الأصل مات سنة ١٧٩ هـ.

ثم السكّاك محمد بن خليل أبو جعفر البغدادي، صاحب هشام بن الحكم وتلميذه، أخذ عنه الكلام، وله كتب في الكلام ذكرناها في الأصل، وأبو مالك الضحّاك الحضرمي إمام في الكلام، أحد أعلام الشيعة، أدرك الصادق والكاظم عليهما السلام.

ومنهم: آل نوبخت، قال ابن النديم في الفهرست: آل نوبخت معروفون بولاية علي وولده، وقال في ( رياض العلماء ) بنو نوبخت طائفة معروفة من متكلّمي علماء الشيعة.


قلت: أمّا نوبخت فهو فارسي فاضل في علوم الأوائل، صحب المنصور لحذاقته باقتران الكواكب، ولمّا ضعف عن الصحبة قام مقامه ابنه أبو سهل، اسمه كنيته، ونشأ لأبي سهل المذكور الفضل بن أبي سهل بن نوبخت، فتقدّم في الفضل والعلم قال بعض الفضلاء من أصحابنا عند ذكره: هو الفيلسوف المتكلّم، والحكيم المتألّه، وحيد في علوم الأوائل، كان من أركان الدهر، نقل كثيراً من كتب البهلوين الأوائل في الحكمة الإشراقية من الفارسية إلى العربية، وصنّف في أنواع الحكمة، وله كتاب في الإمامة كبير، وصنّف في فروع علم النجوم لرغبة أهل عصره بذلك، وهو من علماء عصر الرشيد هارون بن المهدي العبّاسي، وكان على خزانة الحكمة للرشيد، وله أولاد علماء أجلاّء.

وقال القطفي في كتاب ( أخبار الحكماء ) الفضل بن نوبخت أبو سهل الفارسي، مذكور مشهور من أئمّة المتكلّمين، وذكر في كتب المتكلّمين، واستوفى نسبه من ذكره كمحمد بن إسحق النديم، وأبي عبد الله المرزباني، كان في زمن هارون الرشيد، وولاّه القيام بخزانة كتب الحكمة.

قلت: ومن أولاده البارعين في العلوم إسحق بن أبي سهل بن نوبخت، تخرّج على أبيه في العلوم العقلية وسائر علوم الأوائل، وقام مقام أبيه في خزانة كتب الحكمة لهارون، وله أولاد علماء متبحّرون في الكلام كأبي إسحق إسماعيل بن إسحق بن أبي سهل بن نوبخت، صاحب كتاب ( الياقوت في الكلام ) الذي شرحه العلاّمة ابن المطهّر الحلّي، قال في أوله: لشيخنا الأقدم وأمامنا الأعظم أبي إسحاق ابن نوبخت.

وقال في ( رياض العلماء ): ابن نوبخت قد يطلق على الشيخ إسماعيل بن


إسحاق ابن أبي إسماعيل بن نوبخت، الفاضل المتكلّم المعروف، الذي هو من قدماء الإمامية، صاحب ( الياقوت ) في علم الكلام، انتهى.

وقال في موضع آخر: إسماعيل بن نوبخت الذي كان معاصراً لأبي نواس الشاعر إلخ، وأخواه يعقوب وعلي ابنا إسحاق بن أبي سهل بن نوبخت، كانا من رجال آل نوبخت وجهابذة الكلام والنجوم، وأعقب علي بن إسحاق علماء أجلاّء، وهم: أبو جعفر محمد بن علي بن إسحق بن أبي سهل ابن نوبخت، وكان من المتكلّمين الأعلام، وأهل الفضل والكمال، ذكره ابن النديم في المتكلّمين من االشيعة، وأبو سهل إسماعيل بن علي بن إسحاق ابن أبي سهل ابن نوبخت.

قال النجاشي، شيخ المتكلّمين من أصحابنا ببغداد، ووجههم ومتقدّم النوبختيين في زمانه، وقال ابن النديم: كان من كبار الشيعة، فاضلاً عالماً متكلمّاً، وله مجلس يحضره جماعة من المتكلّمين، وهو خال الحسن بن موسى أبي محمد النوبختي المتكلّم المشهور، قال ابن النديم متكلّم فيلسوف، وقال النجاشي شيخنا المتكلّم المبرز على نظرائه في زمانه قبل الثلاثمئة وبعدها.

قلت: ولهؤلاء مصنّفات في الكلام والفلسفة وغيرها، ذكرتها في الأصل مع عدّة كثير من آل نوبخت، ولم يتفق لأحد ممّن كتب جمع ما جمعته من آل نوبخت.

ومن المتكلّمين الأقدمين من هذه الطبقة أبو محمد الحجال، قال الفضل ابن شاذان: كان متكلّماً من أصحابنا، جيّد الكلام، أجدل الناس.

ومنهم: عبد الرحمن بن أحمد بن جبروبه أبو محمد العسكري، قال النجاشي: متكلّم حسن الكلام، جيّد التصنيف، مشهور بالفضل، كلّم عباد بن سليمان


ومَن كان في طبقته، وقع إلينا من كتبه كتاب ( الكامل في الإمامة ) كتاب حسن، انتهى ملخصاً.

ومنهم: محمد بن أبي إسحاق، متكلّم جليل، ذكره ابن بطة في فهرسته وذكر له مصنّفات عدّة، قلت: هو من علماء عصر الرضا المأمون، يروي عنه البرقي.

ومنهم: ابن مملك، محمد بن عبد الله بن مملك الأصفهاني أبو عبد الله، جليل في أصحابنا، عظيم القدر والمنزلة، كان معتزلياً ورجع على يد عبد الرحمن بن أحمد بن جبروية المتقدّم ذكره، له كتب ذكرتها في الأصل، كان معاصراً للجبائي ونقض كتابه.

ومنهم: ابن أبي داجة، هو إبراهيم بن سليمان بن أبي داجة أبو إسحاق البصري كان وجها في الفقه والكلام والادب والشعر، ويروي عنه الجاحظ ويحكي عنه في كتبه.

ومنهم: الشيخ الفضل بن شاذان النيسابوري، أحد شيوخ أصحابنا المتكلّمين الجامعين لفنون الدين، صنف مائة وثمانين كتاباً، وكان من أصحاب الرضا علي السلام، وعمّر حتى مات في أيام العسكري بعد تولّد الحجّة بن الحسن عليه السلام.

ومنهم: أبو الحسن علي بن وصيف الناشئ الصغير، ذكره ابن النديم في متكلّمي الإمامية، وذكر له كتاباً في الإمامة، وقال ابن كثير في ( فوات الوفيات ): كان متكلّماً بارعاً من كبار الشيعة.

قلت أخذ علم الكلام عن أبي سهل إسماعيل بن علي بن نوبخت، وهو


يدخل في طبقات العلماء من أئمة اللغة والشعر والكلام، كان بغدادياً من باب الطاق، قتل شهيداً أحرقوه بالنار كما في معالم العلماء.

وذكر ابن خلكان في ( الوفيات ) إنّ المتنبي كان يحضر مجلس علي بن وصيف ويكتب من إملائه. ولا خفاء بعد هذا في طبقته.

ومنهم: الفضل بن عبد الرحمن البغدادي المتكلّم البارع، صاحب كتاب ( الإمامة ) وهو كتاب كبير جيّد، كان عند أبي عبد الله الحسين بن عبيد الله الغضائري.

ومنهم: علي بن أحمد بن علي الخزاز، نزيل الري، متكلّم جليل، له كتب في الكلام، وله أنس في الفقه، وصنّف ( كفاية الأثر ) في النصوص على الأئمة الاثنى عشر، يكنّى أبا القاسم وأبا الحسن، مات بالري، وكان في عصر ابن بابويه الصدوق، وروى عنه في ( كفاية الأثر ).

ومنهم: ابن قبة أبو جعفر الرازي محمد بن عبد الرحمن، قال ابن النديم: من متكلّمي الشيعة وحذاقهم، وعدد كتبه، وذكره النجاشي وغيره من أهل الرجال، وهو في طبقته الشيخ أبي عبد الله المفيد، والشيخ الصدوق ابن بابويه

ومنهم: السوسنجردي محمد بن بشر الحمدوني، من آل حمدون، يكنّى أبا الحسين، كان من عيون أصحابنا وصالحيهم المتكلّمين، وقد حجّ على قدمه خمسين حجّة، وصنّف في الكلام، لقي أبا جعفر بن قبة، وأبا القاسم البلخي، وجماعات من طبقتهم، وله كتاب ( المقنع في الإمامة ).

ومنهم: علي بن أحمد الكوفي، عدّه ابن النديم من مشاهير المتكلّمين


وأفاضلهم من الإمامية، وذكر له كتاب ( الأوصياء ) وقد ذكرت له ترجمة مفصّلة في الأصل، وذكرت فهرس مصنّفاته في فنون العلم، مات سنة ٣٥٢ هـ.

ومنهم: عبد الله بن محمد البلوي، من ( بلي ) قبيلة من أهل مصر، ذكره ابن النديم في متكلّمي الشيعة وأنّه كان واعظاً فقيهاً عالماً وعدّد كتبه.

ومنهم: الجعفري، وهو عبد الرحمن بن محمد، من أعلام متكلّمي الإمامية وشيوخهم، ذكره ابن النديم في متكلّمي الشيعة، وذكر له كتاب ( الإمامة ) وكتاب ( الفضائل ).

وبعد هؤلاء طبقة مثل: أبي نصر الفارابي، أول حكيم بلغ في الإسلام مبلغ التعليم، وشارك المعلّم الأوّل في ذلك، وقد ذكرت له في الأصل ترجمة حسنة وفهرست مصنّفاته، وأنّه مات سنة ٣٣٩ هـ.

ومنهم: أبو بشر أحمد بن أحمد بن أحمد القمّي، ذكره ابن النديم في متكلّمي الشيعة، وهو ممّن جمع الفقه والكلام وصنّف فيهما، أخذ عن الجلودي، ومن كتبه كتاب ( محن الأنبياء والأوصياء ) مات سنة خمسين وثلاثمئة هـ.

ومنهم: ظاهر، أحد أئمّة الكلام، ذكره ابن النديم وغيره من أهل الفهارس في المتكلّمين من الشيعة وأثنوا عليه، قرأ عليه الشيخ المفيد، وكان ظاهر هذا غلاماً لأبي الجيش المظفّر ابن الخراساني من أهل المئة الثالثة.

ومنهم: الناشئ الصغير علي بن وصيف، معروف في علم الكلام، موصوف بالحذق فيه، وعده ابن النديم في المتكلّمين من الشيعة، وشاعر معروف بالجودة فيه من شعراء أهل البيت، له في الأصل ترجمة مفصّلة.

ومنهم: أبو الصقر الموصلي، أحد متكلّمي الإمامية، ناظر علي بن عيسى


الرمّاني لمّا ورد بغداد وأفحمه، وحكى مجلس مناظرته شيخنا ابن المعلم في كتاب ( العيون والمحاسن ) وأنّه كان حضر تلك المناظرة.

ومنهم: شيخ الشيعة ومحيي الشريعة شيخنا المفيد أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان المعروف بابن المعلم، قال ابن النديم: انتهت رياسة متكلّمي الشيعة إليه، مقدّم في صناعة الكلام على مذهب أصحابه، دقيق الفطنة، ماضي الخاطر شاهدته فرأيته بارعاً، وله كتب، انتهى.

قلت: وهو إمام عصره في كل فنون الإسلام، كان مولده سنة ٣٣٨ هـ توفّي سنة ٤٠٩ هـ.

ومنهم: أبو يعلى الجعفري محمد بن الحسن بن حمزة، خليفة الشيخ المفيد والجالس مجلسه، والساد مسدّه، متكلّم فقيه، قيّم بالأمرين جميعاً، مات سنة ٤٦٣ هـ.

ومنهم: أبو علي ابن سينا، شيخ الحكمة في المشائين، حاله في الفضل أشهر من أن يُذكر، وقد أطال القاضي المرعشي في طبقاته الفارسية في الاستدلال على أمامية الشيخ الرئيس، ولم أتحقّق ذلك، نعم هو ولد على فطرة التشيّع، كان أبوه شيعيّاً إسماعيلياً، مات الشيخ سنة ٤٢٨ هـ وكان عمره ثماني وخمسين سنة.

ومنهم: الشيخ أبو علي بن مسكويه، الرازي الأصل، الأصفهاني المسكن والمدفن، كان جامعاً للعلوم، إماماً في الكل، ومصنّفاً في الكل، ذكرته في الأصل، وفهرس كتبه، صحب الوزير المهلبي، ثم عضد الدولة ابن بويه، ثم ابن العميد، ثم اتصل بابنه، وكل هؤلاء من الشيعة، وقد نصّ على تشيّع ابن مسكويه غير واحد من المحقّقين، كالمير محمد باقر الداماد، والقاضي


في ( الطبقات )، والسيد الخونساري في ( الروضات )، وكانت وفاته سنة ٤٣١ هـ، وقبره معروف بمحلّة خاجو بأصفهان.

ومنهم: السيد الشريف المرتضى علم الهدى، له في علم الكلام كتب، إليها المرجع وعليها المعوّل، وانتهت إليه رئاسة الشيعة في الدين، ولم يتفق لأحد ما اتفق له من طول الباع، والتحقيق في كل العلوم الإسلامية، له في الأصل ترجمة حسنة مع فهرس مصنّفاته، تولّد في رجب سنة ٣٥٥ هـ، توفّى في ربيع الأول سنة ٤٣٦ هـ، ومن غلمان السيد الشريف المرتضى ذوبي بن أعين، العالم المتكلّم المتبحّر، صنّف في الكلام كتاباً سماه ( عيون الأدلة ) في أثني عشر جزءاً، لا أكبر منه في بابه.

ومنهم: الشيخ العلاّمة أبو الفتح الكراجكي، شيخ المتكلّمين والماهر في الحكمة بأقسامها، الوحيد، في الفقه والحديث، صنّف في الكل المطوّلات والمختصرات، وقد أخرجت تمام فهرس مصنّفاته في الأصل، واستقصيت مشايخه في كتاب ( بغية الوعاة في طبقات مشايخ الإجازات ) مات سنة ٤٤٩ هـ.

ومنهم: ابن الفارسي محمد بن أحمد بن علي النيسابوري، متكلّم جليل القدر، فقيه، عالم، زاهد، ورع، قتله أبو المحاسن عبد الرزاق رئيس نيسابور، له مصنّفات شهيرة، منها: ( روضة الواعظين ) أدرك السيد المرتضى وسمع قراءة أبيه علي المرتضى.

وبعد هؤلاء طبقة أخرى، ومنهم: الشيخ السعيد علي بن سليمان البحراني، قدوة الحكماء، وإمام الفضلاء، صاحب ( الإشارات في الكلام ) التي شرحها تلميذه المحقق الربّاني الشيخ ميثم البحراني، الآتي ذكره، ورسالة في العلم شرحها نصير الدين الطوسي.


ومنهم: سديد الدين بن عزيزة سالم بن محفوظ بن عزيز الحلّي، إليه انتهى علم الكلام والفلسفة وعلوم الأوائل، تخرّج عليه المحقّق الحلّي صاحب الشرائع، وسديد الدين ابن المطهّر، وجماعة من الأعاظم، صنّف المنهاج في علم الكلام، وكان هو الكتاب المعوّل عليه في علم الكلام.

ومنهم: الشيخ كمال الدين ميثم بن علي بن ميثم البحراني، كان له التبرز في جميع العلوم الإسلامية والحكمة والكلام والأسرار العرفانية، حتى اتفق الكل على إمامته في الكل، قد ذكرت وصف أعلام العلماء له بذلك في الأصل، ومن مصنّفاته كتاب ( المعراج السماوي )، وشرح نهج البلاغة في ثلاث مراتب، كبير ووسيط وصغير، أودع فيها التحقيقات التي لم تسمح بمثلها الأعصار، تشهد له بالتبرّز في جميع الفنون، وشرح كتاب ( الإشارات ) للمحقّق البحراني، أستاذه المتقدّم ذكره، شرحه على قواعد الحكماء المتأهلين، وله كتاب ( القواعد في علم الكلام ) فرغ من تصنيفه في شهر ربيع الأول من سنة ست وسبعين وستمئة، وكتاب ( البحر الخضم )، و( رسالة في الوحي والإلهام )، و( شرح المئة كلمة ) التي جمعها الجاحظ من قصار كلمات أمير المؤمنين، وكتاب ( النجاة في القيامة في أمر الإمامة )، وكتاب ( استقصاء النظر في إمامة الأئمّة الاثني عشر ) و ( رسالة في آداب البحث )، مات سنة تسع وسبعين وستمئة في قرية هلنان من الماخوز من أعمال البحرين.

ومنهم: نصير الدين محمد بن محمد بن الحسن الطوسي أستاذ الحكماء والمتكلّمين، نصير الملّة والدين، له ترجمة مفصّلة في الأصل، وذكرنا مصنّفاته في العلوم العقلية والشرعية على مذهب الإمامية ومَن تخرّج عليه من


العلماء، وأنّه تولّد سنة ٥٩٧، وتوفّي ببغداد سنة ٦٧٣، وقبره في رواق الحضرة الكاظمية، على مشرّفها السلام والتحيّة.

ومنهم: العلاّمة جمال الدين بن المطهّر الحلّي شيخ الشيعة المعروف بآية الله وبالعلاّمة على الإطلاق، وهو اسم طابق المسمّى، ووصف طابق المعنى، وهو بحر العلوم على التحقيق، والمحقّق في كل معنى دقيق، أستاذ الكل في الكل بلا تأمّل، صنّف في العلوم ما يزيد على أربعمئة مصنّف، وقد أُحصيت مصنّفاته في علمي الحكمة والكلام فكانت أربعين، والكل بالكل تسعين، أخرجت فهرست الموجود بالأيدي من مصنّفاته في الأصل، مات في آخر نصف ليلة السبت لتسع بقين من المحرّم سنة ست وعشرين وسبعمائة عن ثمان وسبعين سنة، وقبره في حجرة إيوان الذهب في الحضرة الحيدرية مزار معروف.

ومنهم: الشريف جمال الدين النيسابوري عبد الله بن محمد بن أحمد الحسيني نزيل حلب، كان الإمام في علم الكلام، ذكره ابن حجر في الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة قال: كان بارعاً في الأصول والعربية، درس بالأسدية بحلب، وكان أحد أئمّة المعقول، حسن الشبيبة، يتشيّع، مات سنة ست وسبعين وسبعمئة، انتهى. نقله عنه السيوطي في بغية الوعاة.


الفصل الخامس

في تقدّم الشيعة في علم أُصول الفقه

فاعلم أنّ أوّل مَن فتح بابه وفتق مسائله هو باقر العلوم الإمام أبو جعفر محمد بن علي الباقر، وبعده ابنه أبو عبد الله الصادق، وقد أمليا فيه على جماعة من تلامذتهما قواعده ومسائله، جمعوا من ذلك مسائل رتّبها المتأخّرون على ترتيب مباحثه ككتاب ( أُصول آل الرسول ) وكتاب ( الفصول المهمّة في أصول الأئمّة ) وكتاب ( الأُصول الأصلية ) كلها بروايات الثقات مسندة متصلة الإسناد إلى أهل البيت عليهم السلام.

وأوّل مَن أفرد بعض مباحثه بالتصنيف هشام بن الحكم شيخ المتكلّمين، تلميذ أبي عبد الله الصادق عليه السلام، صنّف كتاب الألفاظ ومباحثها، هو أهم مباحث هذا العلم، ثم يونس بن عبد الرحمن مولى آل يقطين، تلميذ الأمام الكاظم موسى بن جعفر عليه السلام، صنّف كتاب ( اختلاف الحديث ) وهو مبحث تعارض الدليلين والتعادل والترجيح بينهما.

وقال السيوطي في كتاب ( الأوائل ): أوّل مَن صنّف في أصول الفقه الشافعي بالإجماع - يعني من الأئمّة الأربعة من أهل السنّة - ونظير كتاب الشافعي رضي الله عنه في صغر الحجم وتحرير المباحث كتاب ( أصول الفقه ) للشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان المعروف بابن المعلم شيخ الشيعة، وقد طبع التصنيفان.

نعم أبسط كتاب في أصول الفقه في الصدر الأول كتاب ( الذريعة في علم


أصول الشريعة ) للسيد الشريف المرتضى، تام المباحث في جزأين، وله في علم أصول الفقه كتب عديدة: أحسنها وأبسطها ( الذريعة ) وأحسن من الذريعة كتاب ( العدّة ) للشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي، فإنّه كتاب جليل، لم يصنّف مثله قبله في غاية البسط والتحقيق.

واعلم أنّ الشيعة الأصولية قد بلغوا النهاية في تحقيق هذا العلم وتدقيق مسائله خلفاً عن سلف، حتى صنّفوا في بعض مسائله المبسوطات، فضلاً عن كل مباحثه

وأئمّة هذا الفن لا يمكن ذكرهم في هذا الموضوع، بل ولا طبقة من طبقاتهم لكثرتهم.


الفصل السادس

في تقدّم الشيعة في الإسلام في علم الفِرَق

فأوّل مَن دوّنه وصنّف فيه كتاب ( أديان العرب ) هو هشام بن محمد الكلبي المتوفّى سنة ٢٠٦، كما نصّ عليه ابن النديم في ( الفهرس ) ثم صنّف في كتاب ( الآراء والديانات ) وكتاب ( الفرق ) الفيلسوف المبرّز على نظرائه في زمانه قبل الثلاثمئة الحسن بن موسى النوبختي، وهو مقدّم على كل مَن صنّف في ذلك كأبي منصور عبد القادر بن طاهر البغدادي، المتوفّى سنة ٤٢٩ تسع وعشرين وأربعمائة هـ. وأبي بكر الباقلاني المتوفّى سنة ٤٠٣ ثلاث وأربعمئة هـ، وابن حزم المتوفّى سنة ٤٥٦ ست وخمسين وأربعمئة هـ، وابن فورك الأصفهاني المتوفّى سنة إحدى وخمسين وأربعمئة، وحواليها أبي المظفّر طاهر بن محمد الأسفراني المتأخّر عن هؤلاء، والشهرستاني المتوفّى سنة ٥٤٨ ثمان وأربعين وخمسمئة هـ، ولا أعرف مَن تقدّم على هؤلاء في ذلك غير الكلبي والحسن بن موسى النوبختي.

وقد نصّ ابن النديم والنجاشي وغيرهما على تصنيفهما في ذلك في ترجمتهما عند سرد فهرست مصنّفاتهما، وكتاب الفرق موجود عندنا منه نسخة، هو في فرق الشيعة.

وقد تقدّم على هؤلاء في التصنيف في ذلك من الشيعة نصر بن الصباح شيخ أبي عمرو الكشي الرجالي، صنّف كتاب ( فرق الشيعة ) ولأبي المظفر محمد بن أحمد النعيمي كتاب ( فرق الشيعة )، وأبو الحسن علي بن الحسين المسعودي المتوفّى ٣٤٦ ست وأربعين وثلاثمئة هـ، صنّف كتاب ( المقالات


في أصول الديانات ) وكتاب ( الإبانة في أصول الديانات ) وهو من شيوخ الشيعة المصرّح بهم في كتاب ( الفهرست ) للشيخ أبي جعفر الطوسي، وفي كتاب ( أسماء المصنّفين من الشيعة ) للنجاشي، وعدّوا له كتاب ( البيان في أسماء الأئمّة عليهم السلام ) وكتاب ( إثبات الوصيّة في إمامة الأئمة الاثنى عشر ) وقد وهم التاجي السبكي في ذكره في طبقات الشافعية، كما عدّ فيها أيضاً شيخ الشيعة أبا جعفر محمد بن الحسن الطوسي طاب ثراهما، وقد ذكرت له ترجمة مفصّلة في الأصل.


الفصل السابع

في تقدّم الشيعة في الإسلام في مكارم الأخلاق

فاعلم أنّ أوّل مَن صنّف فيه هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، كتب كتاباً فيه عند منصرفه من صفّين، وأرسله إلى ولده الحسن أو محمد بن الحنفية، وهو كتاب طويل جمع فيه جميع أبواب هذا العلم وطرق سلوكه، ومكارم الملكات، وكل المنجيات والمهلكات، وطرق التخلّص من تلك الهلكات، رواه علماء الفريقين وأثنوا عليه بما هو له أهل، رواه الكليني منّا في كتاب ( الرسائل ) من عدّة طرق، ورواه الإمام أبو محمد الحسن ابن عبد الله بن سعيد العسكري، وأخرجه بتمامه في كتاب ( الزواجر والمواعظ ) قال: ولو كان من الحكمة ما يجب أن يكتب بالذهب لكانت هذه، قال: وحدثني بها جماعة ثم ذكر طرقه في رواية الكتاب.

وأوّل مَن صنّف فيه من الشيعة إسماعيل بن مهران ابن أبي نصر أبو يعقوب السكوني، وسمّاه كتاب ( صفة المؤمن والفاجر ) وله جمع خطب أمير المؤمنين عليه السلام وأمثاله، ذكرهما أبو عمرو الكشي، وأبو العباس النجاشي في فهرست أسماء المصنّفين من الشيعة، وذكروا أنّه روى عن عدّة من أصحاب أبي عبد الله الصادق، وعمّر حتى لقي الإمام الرضا عليه السلام وروى عنه وهو من علماء المئة الثانية.

وقد صنّف فيه من القدماء الشيعة كأبي محمد الحسن بن علي بن الحسن بن شعبة


الحراني من علماء المئة الثالثة، صنّف كتاب ( تحف العقول فيما جاء في الحكم والمواعظ ومكارم الأخلاق عن آل الرسول ) وهو كتاب جليل لم يصنّف مثله، وقد اعتمده شيوخ علماء الشيعة، كالشيخ المفيد ابن المعلم، ينقل عنه وغيره حتى قال بعض علمائنا: هو كتاب لم يسمح الدهر بمثله، وكعلي بن أحمد الكوفي المتوفّى سنة ٣٥٢ هـ صنّف كتاب ( الآداب ) وكتاب ( مكارم الأخلاق )، وكأبي علي بن مسكويه المتقدّم ذكره، صنّف كتاب ( تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق ) يشتمل على ست مقالات، لم يصنّف مثله على التحقيق، وقد تقدّم ذكر ابن مسكويه، وقد ذكرت في الأصل طبقات من أئمّة هذا العلم وما صنّفوا فيه.


الفصل الثامن

في تقدّم الشيعة في علم السِيَر

فأوّل مَن وضعه عبيد الله ابن أبي رافع مولى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، صنّف في ذلك على عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وكان كاتبه المنقطع إليه.

قال الشيخ أبو جعفر الطوسي في كتاب ( فهرست كتب الشيعة ) عبيد الله بن أبي رافع كاتب أمير المؤمنين عليه السلام له كتاب ( قضايا أمير المؤمنين ) وكتاب ( تسمية مَن شهد مع أمير المؤمنين الجمل وصفين والنهروان من الصحابة ) وتصنيفه مقدّم على ما ينسب إلى عروة بن الزبير على كل حال.

وأول مَن كتب سيرة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم على الصحيح هو محمد بن إسحق المطلبي مولاهم المدني، قال في ( كشف الظنون ): أول مَن صنّف في علم السير الإمام المعروف بمحمد بن إسحاق رئيس أهل المغازي المتوفى سنة ١٥١ هـ، فإنّه جمعها وقال في باب حرف الميم علم المغازي والسير، مغازي رسول الله عليه السلام، جمعها محمد بن إسحاق أولاً، ويقال أوّل مَن صنّف فيها عروة ابن الزبير.

قلت: لا يعرف ذلك أهل العلم بالتاريخ، وإنّما عدل السيوطي في كتاب الأوليات عن ابن إسحاق إلى ابن الزبير مع شذوذه؛ لأنّ ابن إسحق من الشيعة كما في تقريب ابن حجر، وقد نصّ أصحابنا على تشيّعه في كتب الرجال


الفصل التاسع

في تقدّم الشيعة في التاريخ الإسلامي

وفيه صحائف

الصحيفة الأُولى

في أوّل مَن صنّف في ذلك

فاعلم أنّ أوّل مَن صنّف في التاريخ الإسلامي هو أبان بن عثمان الأحمر التابعي، المتوفّى سنة أربعين ومئة، صنّف كتاباً كبيراً يجمع المبتدأ والمغازي والوفادة والردّة، كما نصّ عليه النجاشي في كتاب أسماء المصنّفين من الشيعة، وذكر أنّه كان من الناووسية، ثم صار من الشيعة الإمامية، اختصّ بالإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام وهو من أهل البصرة، كان مولى بجيلة وسكن الكوفة وله عدّة تصانيف.

الصحيفة الثانية

في أوّل مَن صنّف في جميع أنواعه

فاعلم أنّ أوّل مَن صنّف في كل أنواعه بالاستقصاء هو هشام بن محمد ابن السائب ابن بشر بن زيد أبو المنذر الكلبي، فإنّه صنّف في أنواع الثمانية الأول في الأحلاف، وصنّف فيه كتاب حلف عبد المطلب وخزاعة، كتاب حلف الفضول وقصّة الغزال، كتاب حلف كلب وتميم، كتاب المعران، كتاب حلف أسلم وقريش.


النوع الثاني

تاريخ المآثر والبيوتات والمنافرات والمودّات

وصنّف فيه كتاب المنافرات، كتاب بيوتات قريش، كتاب فضائل قيس غيلان، كتاب المودات، كتاب بيوتات ربيعة، كتاب الكنى، كتاب أخبار العباس ابن عبد المطلب كتاب خطبة علي عليه السلام، كتاب شرف قصي بن كلاب وولده في الجاهلية والإسلام، كتاب ألقاب ربيعة، كتاب ألقاب اليمن، كتاب المثالث، كتاب النوافل، يحتوي على: نوافل قريش، نوافل كنانة، نوافل أسد، نوافل تيم أياد، نوافل ربيعة. كتاب تسمية مَن قتل من عاد وثمود والعماليق وجرهم وبني إسرائيل من العرب وقصة الهجرس وأسماء قبائلهم، نوافل قضاعة، نوافل اليمن، كتاب ادعاء زياد معاوية، كتاب أخبار زياد ابن أبيه، كتاب صنايع قريش، كتاب المشاجرات، كتاب المناقلات كتاب المعاتبات، كتاب المشاغبات، كتاب ملوك الطوائف، كتاب ملوك كندة، كتاب بيوتات اليمن، كتاب ملوك اليمن من التبابعة، كتاب افتراق ولد نزار، كتاب تفرق أدد وطسم وجديس، كتاب مَن قال بيتاً من شعر فنسب إليه، كتاب المعرفات من النساء في قريش.

النوع الثالث

أخبار الأوائل

وصنّف فيه: كتاب حديث آدم وولده، كتاب عاد الأولى والآخرة، كتاب تفرّق عاد، كتاب أصحاب الكهف، كتاب رفع عيسى عليه السلام، كتاب


المسوخ من بني إسرائيل، كتاب الأوائل، كتاب أمثال حمير، كتاب حي الضحاك، كتاب منطق الطير، كتاب غزية، كتاب لغات القرآن، كتاب المعمرين، كتاب الأصنام، كتاب القداح، كتاب أسنان الجزور، كتاب أديان العرب، كتاب حكام العرب، كتاب وصايا العرب، كتاب الخيل، كتاب الدفائن، كتاب أسماء فحول العرب، كتاب الفدا، كتاب الكهان، كتاب الجن، كتاب أخذ كسرى رهن العرب، كتاب ما كانت الجاهلية تفعله ويوافق حكم الإسلام، كتاب أبي عتاب ربيع حين سأله عن الويص، كتاب عدي بن زيد العبادي، كتاب الدوسي، كتاب حديث بيهس وإخوته، كتاب مروان القرط، كتاب السيوف.

النوع الرابع

تاريخ ما قارب الإسلام من أمر الجاهلية

صنّف فيه: كتاب اليمن وأمر سيف، كتاب مناكح أزواج العرب، كتاب الوفود، كتاب أزواج النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، كتاب زيد بن حارثة حب النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، كتاب الديباج في أخبار الشعراء، كتاب مَن فخر بأخواله من قريش، كتاب مَن هاجر وأبوه، كتاب أخبار الحرب وأشعاره، كتاب دخول جرير على الحجّاج، كتاب أخبار عمرو بن معدي كرب.

النوع الخامس

أخبار الإسلام

صنّف فيه كتاب التاريخ، كتاب تاريخ أخبار الخلفاء، كتاب صفات الخلفاء، كتاب المصلّين.


النوع السادس

تاريخ أخبار البلدان

صنّف فيه كتاب البلدان الكبير، كتاب البلدان الصغير، كتاب تسمية مَن بالحجاز من أحياء العرب، كتاب تسمية الأرضين، كتاب الأنهار، كتاب الحيرة، كتاب الأقاليم، كتاب الحيرة وتسمية البيع والديارات ونسب العبادين.

النوع السابع

تاريخ أخبار الشعر وأيام العرب

صنّف فيه كتاب تسمية ما في شعر امرئ القيس من أسماء الرجال والنساء وأنسابهم وأسماء الأرضين والجبال والمياه، كتاب مَن قال بيتاً من الشعر فنسب إليه، كتاب المنذر ملك العرب، كتاب داحس والغبراء، كتاب أيام فزارة ووقايع بني شيبان، كتاب وقايع الضباب وفزارة، كتاب يوم سنيو، كتاب الكلاب وهو يوم السنابس، كتاب أيام بني حنيفة، كتاب أيام قيس بن ثعلبة، كتاب الأيام، كتاب مسيلمة الكذّاب.

النوع الثامن

في تاريخ الأخبار والسمّار

صنّف فيه كتاب الفتيان الأربعة، كتاب السمر، كتاب الأحاديث، كتاب المقطعات كتاب حبيب العطار، كتاب عجائب البحر.


هذا ما ذكره ابن النديم في الفهرس على ترتيبه، نقله على خط أبي الحسن بن الكوفي، وأمّا تبحر هشام في علم النسب وتصنيفه فيه ما لم يصنّف مثله، فهو أشهر من أن يذكر.

قال ابن خلكان عند ذكره لهشام الكلبي: كان أعلم الناس بعلم الأنساب وكان من الحفّاظ المشاهير.

قال الذهبي: حفظ القرآن في ثلاثة أيام كان إخبارياً علامة، توفّي سنة ست ومئتين هـ.

قال ابن خلكان: وتصانيفه تزيد على مئة وخمسين تصنيفاً، وأحسنها وأنفعها كتابه المعروف بالجمهرة في معرفة الأنساب، ولم يصنّف مثله في بابه، وكتابه الذي سمّاه المنزل في النسب أيضاً هو أكبر من الجمهرة، وكتاب الموجز في النسب، وكتاب الفريد صنّفه للمأمون في الأنساب، وكتابه الملوكي صنّفه لجعفر بن يحيى البرمكي في النسب أيضاً.

قلت: وله جمهرة الجمهرة رواية ابن سعد كما في فهرس ابن النديم.

الصحيفة الثالثة

في تقدّم الشيعة في فن الجغفرافيا في صدر الإسلام

فقد علمت أنّ هشام بن محمد الكلبي من أصحاب الإمام الباقر عليه السلام، صنّف فيه كتاب الأقاليم، وكتاب البلدان، وكتاب البلدان الصغير، وكتاب تسمية الأرضين، وكتاب الأنهار، وكتاب الحيرة، وكتاب منازل اليمن، وكتاب العجائب الأربعة، وكتاب أسواق العرب، وكتاب الحيرة وتسمية البيع والديارات، كما نصّ على ذلك أبو الفرج وابن النديم في الفهرست عند ذكره أنواع ما صنّفه الكلبي - كما عرفت -


والعجب من الحموي في معجم البلدان حيث لم يزد على قوله: وهشام بن محمد الكلبي وقفت له على كتاب سمّاه اشتقاق البلدان، مع أنّه بزعمه أستقصى طبقة الإسلاميين المصنّفين في ذلك، من الذين قصدوا ذكر البلاد والممالك وعيّنوا مسافة الطرق والمسالك، وكلّهم متأخّرون عن هشام بن محمد الكلبي الذين قصدوا ذكر الأماكن العربية والمنازل البدوية من طبقة أهل الأدب، وكلّهم أيضاً متأخّرون عن هشام بن محمد الكلبي، كما لا يخفى على مثله ولا يمكن حمل كلامه على ذكر ما وقف عليه؛ لأنّه ذكر ما صورته.

وأبو سعيد السيرافي بلغني أنّ له كتاباً في جزيرة العرب، بل رأيته يصرّح بالذي وقف عليه من تلك الكتب، وقد أغفل أو تعصّب جملة من مصنّفات علماء الشيعة في ذلك غير ما عرفت لابن الكلبي، مثل كتاب الأرضين، كتاب البلدان لأبي جعفر محمد بن خالد البرقي من أصحاب الإمام الكاظم عليه السلام، وذكر ابن النديم في الفهرست أنّ لابنه أحمد بن محمد بن خالد كتاب البلدان.

قال أكبر من كتاب أبيه، وكتاب البلدان لليعقوبي المتوفّى في حدود سنة ٢٧٨ هـ، وقد طبع في ليدن، وكتاب الخراج لقدامة بن جعفر الكاتب المتوفّى سنة ٣١٠ هـ، طبع في ليدن، وكتاب أسماء الجبال والمياه والأودية لحمدون أستاذ تغلب، وابن الأعرابي من أهل المئة الثانية.

وبعدها كتاب الأديرة والأعمال في البلدان والأقطار، وهو كتاب كبير ذكر فيه بضعة وثلاثين ديراً وعملاً لأبي الحسن السيمساطي النحوي شيخ أصحابنا في الجزيرة، من علماء المئة الثالثة، والمسالك والممالك للمسعودي علي بن الحسين المتوفّى سنة ٣٤٦، وكتاب الديارات كبير لأبي الحسن علي بن محمد السيمساطي أيضاً.


الصحيفة الرابعة

فيمَن يزيد على غيره في علم الأخبار والتواريخ والآثار من الشيعة على ما قاله العلماء

قال ابن النديم: قرأت بخط أحمد بن الحارث الخزاعي:

( قالت العلماء: أبو مخنف بأمر العراق وأخبارها وفتوحها يزيد على غيره، والمدايني بأمر خراسان والهند وفارس، والواقدي بالحجاز والسيرة، وقد اشتركا في فتوح الشام ) انتهى.

قلت: والشيعة من هؤلاء أبو مخنف والواقدي، وقد تقدم نص ابن خلكان أن هشام بن محمد الكلبي أعلم الناس بالأنساب، وقد تقدمت ترجمته، فنذكر ترجمة أبي مخنف والواقدي وأمثالهما ممن فاق أقرانه فنقول:

أبو مخنف الأزدي الغامدي شيخ أصحاب الأخبار بالكوفة من الشيعة ووجوههم، اسمه لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف بن سالم أو سليمان أو سليم وكان أبوه يحيى من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام وجدّه مخنف صحابي روى عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وصحب أمير المؤمنين عليه السلام بعده، وكانت راية الأزد بصفّين معه، واستشهد بعين الوردة سنة ٦٤ هـ كما في التقريب.

وأبو مخنف صاحب الترجمة روى عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام وقيل روى عن الباقر، والشيوخ لا تصحّح ذلك، وقد وهم مَن قال فيه: إنّه من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام فإنّه لم يلقه، وصنّف من الكتب: كتاب الردّة، كتاب فتوح الشام، كتاب فتوح العراق، كتاب الجمل، كتاب صفّين،


كتاب أهل النهروان والخوارج، كتاب الغارات، كتاب الحرث بن راشد وبني ناجية، كتاب مقتل علي عليه السلام، كتاب مقتل حجر بن عدي، كتاب مقتل محمد ابن أبي بكر والأشتر ومحمد ابن أبي حذيفة، كتاب الشورى ومقتل عثمان، كتاب المستورد بن علقمة، كتاب مقتل الحسين عليه السلام، كتاب وفاة معاوية وولاية ابنه يزيد ووقعة الحرّة وحصار ابن الزبير، كتاب المختار ابن أبي عبيدة، كتاب سليمان بن صرد وعين الوردة، كتاب مرج راهط وبيعة مروان ومقتل الضحّاك بن قيس، كتاب مصعب وولاية العراق، كتاب مقتل عبد الله بن الزبير، كتاب مقتل سعيد بن العاص، كتاب حديث باخمرى أو مقتل ابن الأشعث، كتاب بلال الخارجي كتاب نجدة أبي فيل، كتاب حديث الأزارقة، كتاب حديث روستقباد، كتاب شبيب الخارجي وصالح بن مسرح، كتاب مطرف المعيمر، كتاب دير الجماجم وخلع عبد الرحمن بن الأشعث، كتاب يزيد بن المهلب ومقتله بالعقر كتاب خالد بن عبد الله القسري ويوسف بن هشام وولاية الوليد، كتاب يحيى، كتاب الضحاك الخارجي، كتاب الخطبة الزهراء لأمير المؤمنين عليه السلام، كتاب فتوحات الإسلام، كتاب أخبار ابن الحنفية، كتاب أخبار زياد، كتاب مقتل الحسن السبط، كتاب أخبار الحجّاج، كتاب فتوح خراسان، كتاب الحكمين، كتاب آل مخنف بن سليم.

ومنهم: الواقدي وهو أبو عبد الله محمد بن عمر مولى الأسلمين من سهم بن أسلم، كان من أهل المدينة، انتقل إلى بغداد وولي القضاء بها للمأمون بعسكر المهدي، عالماً بالمغازي والسيَر والفتوح واختلاف الناس في الحديث والفقه والأحكام والأخبار.

قال ابن النديم: وكان يتشيّع، حسن المذهب يلزم التقيّة، قال: وهو


الذي روى أنّ عليّاً عليه السلام كان من معجزات النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم كالعصا لموسى عليه السلام، وإحياء الموتى لعيسى بن مريم، وغير ذلك من الأخبار، انتهى.

كان تولّده سنة ثلاث ومئة هـ، ومات عشيّة يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجّة سنة ٢٠٧ سبع ومئتين هـ، وله ثمان وسبعون سنة، وله من الكتب كتاب التاريخ والمغازي والمبعث، كتاب أخبار مكّة، كتاب الطبقات، كتاب فتوح الشام، كتاب فتوح القرآن، كتاب الجمل، كتاب مقتل الحسين عليه السلام، كتاب السيرة، كتاب أزواج النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم كتاب الردّة والدار، كتاب حرب الأوس والخزرج، كتاب صفّين، كتاب وفاة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، كتاب أمر الحبشة والفيل، كتاب المناكح، كتاب السقيفة وبيعة أبي بكر، كتاب ذكر القرآن، كتاب سيرة أبي بكر ووفاته، كتاب مداعي قريش والأنصار في القطائع ووضع عمر الدواوين وتصنيف القبائل ومراتبها وأنسابها، كتاب الرغيب في علوم القرآن وغلط الرجال، كتاب مولد الحسن والحسين ومقتل الحسين، وكتاب ضرب الدنانير والدراهم، كتاب تاريخ الفقهاء، كتاب الآداب، كتاب التاريخ الكبير، كتاب غلط الحديث كتاب السنّة والجماعة وذمّ الهوى وترك الخوارج في الفتن، كتاب الاختلاف ويحتوي على اختلاف أهل المدينة والكوفة في الشفعة والصدقة والعمرى والرقبى والوديعة والعارية والبضاعة والمضاربة والغصب والسرقة والحدود والشهادات على نسق كتب الفقه.

قال ابن النديم، خلّف الواقدي بعد وفاته ستمئة قمطر كتباً، كل قمطر منها حمل رجلين، قال: وكان له مملوكان يكتبان الليل والنهار، وقبل ذلك بيع له كتب بألفي دينار.

ومنهم أحمد بن محمد بن خالد البرقي صاحب كتاب المحاسن، إمام علم الحديث والآثار، له مصنّفات كثيرة، والذي يدخل منها في هذه الصحيفة:


كتاب الطبقات، كتاب التاريخ، كتاب الرجال، كتاب الشعر والشعراء، كتاب الأرضين، كتاب البلدان، كتاب الجمل، كتاب المغازي، كتاب التعازي، كتاب التهاني، وقد استقصى تصانيفه النجاشي في كتاب أسماء المصنّفين من الشيعة، مات سنة أربع وسبعين ومائتين وقيل ثمانين ومئتين هـ.

ومنهم: نصر بن مزاحم المنقري أبو الفضل الكوفي، إمام علماء الأخبار والمغازي، روى عن أبي مخنف لوط بن يحيى وهو في طبقته كما في فهرست ابن النديم، وله من الكتب: كتاب الجمل، كتاب صفّين وقد طبع بإيران، كتاب مقتل الحسين عليه السلام، كتاب عين الوردة، كتاب أخبار المختار ابن أبي عبيدة، كتاب المناقب، كتاب النهروان، كتاب الغارات، كتاب أخبار محمد بن إبراهيم طباطبا وأبي السرايا، كتاب مقتل حجر بن عدي.

ومنهم: إبراهيم بن محمد بن سعد بن هلال بن عاصم بن سعد بن مسعود الثقفي الكوفي، كان في أوّل أمره زيديّاً، ثم انتقل إلينا وقال بالإمامة مات سنة ٢٨٣ ثلاث وثمانين ومئتين، كان إمام الأخبار في عصره، وله مصنّفات كثيرة منها: كتاب المغازي، كتاب السقيفة، كتاب الردّة، كتاب مقتل عثمان، كتاب الشورى، كتاب بيعة أمير المؤمنين علي عليه السلام، كتاب الجمل، كتاب صفّين، كتاب الحكمين، كتاب النهر، كتاب الغازات، كتاب مقتل أمير المؤمنين عليه السلام، كتاب رسائل أمير المؤمنين عليه السلام وأخباره وحروبه غير ما تقدّم، كتاب قيام الحسن بن علي، كتاب مقتل الحسين عليه السلام، كتاب التوّابين وعين الوردة، كتاب أخبار المختار، كتاب فدك، كتاب الحجّة في فعل المكرمين، كتاب السرائر، كتاب المودّة في ذي القربى، كتاب المعرفة، كتاب الحوض والشفاعة، كتاب الجامع الكبير في الفقه، كتاب الجامع الصغير، كتاب ما نزل من القرآن في أمير المؤمنين عليه السلام،


كتاب فضل الكوفة ومَن نزلها من الصحابة، كتاب في الإمامة كبير، كتاب في الإمامة صغير، كتاب الجنائز، كتاب الوصيّة، كتاب المبتدا، كتاب أخبار عمر، كتاب أخبار عثمان، كتاب الدار، كتاب الأحداث، كتاب الحروراء، كتاب الاستنفار والغارات، كتاب السير، أخبار يزيد، كتاب ابن الزبير، كتاب التفسير، كتاب التاريخ، كتاب الرؤية، كتاب الأشربة الكبير والصغير، كتاب محمد وإبراهيم، كتاب مَن قتل من آل محمد، كتاب الخطب المعريات، كتاب معرفة فضل الأفضل، كتاب الحوض والشفاعة، كتاب المتقين.

ومات إبراهيم في أصفهان سنة ٢٨٣ وكان انتقل من الكوفة إلى أصفهان، وسكنها؛ ولذلك سبب ذكرنا له في الأصل في ترجمته؛ فراجع.

وسعد بن مسعود المذكور في أجداد إبراهيم الثقفي صاحب الترجمة هو: أخو أبي عبيدة بن مسعود عمّ المختار بن أبي عبيدة الذي ولاّه أمير المؤمنين عليه السلام المدائن، وهو الذي ألجأ إليه الحسن عليه السلام يوم ساباط المدائن.

ومنهم: عبد العزيز الجلودي أبو أحمد بن يحيى بن أحمد بن عيسى الجلودي البصري.

قال ابن النديم في الفهرست: كان من أكابر الشيعة الإمامية والرواة للآثار والسير.

قلت: كان شيخ البصرة وأخباريها وثقة العلاّمة ابن المطهّر في الخلاصة.

قال أبو أحمد الجلودي: بصري ما ثقة، إمامي المذهب.


قلت: جلود قرية في البحرين، وقد وهم من نسبه إلى جلود ( بطن من الأزد ) فإنّ النسّابين لا يعرفون ذلك.

وعيسى الجلودي: جدّه الأعلى من أصحاب الإمام الباقر عليه السلام والجلودي صاحب الترجمة من أعلام علماء المئة الثالثة وبعدها في طبقة جعفر بن قولويه، وأبي جعفر الكليني.

وقد صنّف كتباً كثيرة منها: كتاب مسند أمير المؤمنين عليه السلام، كتاب الجمل، كتاب صفّين، كتاب الحكمين، كتاب الغارات، كتاب الخوارج، كتاب بني ناجية، كتاب حروب علي عليه السلام، كتاب ما نزل في الخمسة عليهم السلام، كتاب الفضائل، كتاب نسب النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، كتاب تزوج فاطمة، كتاب ذكر علي في حروب النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، كتاب محبّ علي وذكر بحير، كتاب: مَن أحبّ عليّاً وأبغضه، كتاب: حديث ضغائن في صدور قوم، كتاب التفسير عنه، كتاب القراءات، كتاب ما نزل فيه من القرآن، كتاب خطبه، كتاب شعره، كتاب خلافته، كتاب عمّاله وولاته ( كتاب قوله في الشورى ) كتاب ما كان بين علي وعثمان من الكلام، كتاب ذكر الشيعة ومَن ذكرهم أو مَن أحبّ من الصحابة، كتاب قضاء علي عليه السلام، كتاب رسائل علي عليه السلام، كتاب مَن روى عنه من الصحابة كتاب مواعظه عليه السلام، كتاب ذكر كلامه في الملاحم، كتاب ما قيل في من الشعر من مدح، كتاب مقتله عليه السلام، كتاب علمه، كتاب قسمه، كتاب الدعاء عنه، كتاب اللباس عنه، والشراب ووصفه وذكر شرابه، كتاب الأدب عنه، كتاب النكاح عنه، كتاب الطلاق عنه كتاب التجارات عنه، كتاب الجنائز والديات عنه ( كتاب الضحايا والذبائح والصيد


والأيمان والخراج، كتاب الفرائض والعتق والتدبير والمكاتبة عنه، كتاب الحدود عنه، كتاب الطهارة عنه، كتاب الصلاة عنه، كتاب الصيام عنه، كتاب الزكاة عنه، كتاب ذكر خديجة وفضل أهل البيت عليهم السلام، كتاب فاطمة وأبي بكر، كتاب ذكر الحسين عليه السلام، كتاب مقتل الحسين عليه السلام.

الكتب المتعلقة بعبد الله بن عباس مسندة: كتاب التنزيل عنه، كتاب التفسير عنه، كتاب المناسك عنه، كتاب النكاح والطلاق عنه، كتاب الفرائض عنه، كتاب تفسيره عن الصحابة، كتاب القراءات عنه، كتاب البيوع والتجارات عنه، كتاب الناسخ والمنسوخ عنه، كتاب ما نسبه، كتاب ما أسنده عن الصحابة، كتاب ما رواه من رأي الصحابة، كتاب تتمّة قوله في الطهارة، كتاب الذبائح والأطعمة واللباس، كتاب الفتيا والشهادات والأقضية والجهاد والعدد وشرائع الإسلام، كتاب قوله في الدعاء والعوذ وذكر الخير وفضل ثواب الأعمال والطب والنجوم، كتاب قوله في قتال أهل القبلة وإنكار الرجعة والأمر بالمعروف، كتاب في الأدب وذكر الأنبياء وأول كلامه، كتاب بقيّة كلامه في العرب وقريش والصحابة والتابعين ومن ذمّه، كتاب قوله في شيعة علي عليه السلام، كتاب بقيّة رسائله وخطبه وأوّل مناظر له، كتاب بقيّة مناظريه وذكر نسائه وولده - وهو آخر كتب ابن عباس.

أخبار التوّابين وعين الوردة، أخبار المختار بن أبي عبيدة الثقفي، أخبار علي بن الحسين عليه السلام، أخبار أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام، كتاب أخبار المهدي، كتاب أخبار زيد بن علي، كتاب أخبار عمر بن عبد العزيز، كتاب أخبار محمد بن الحنفية، كتاب أخبار العباس، كتاب أخبار جعفر


ابن أبي طالب، كتاب أخبار أُم هاني، كتاب أخبار محمد بن عبد الله، كتاب أخبار إبراهيم بن عبد الله بن الحسن، كتاب أخبار مَن عشق من الشعراء، كتاب أخبار لقمان بن عاد، كتاب أخبار لقمان الحكيم، كتاب شرح الفقهاء، كتاب مَن خطب على منبر بشعر، كتاب أخبار تأبّط شرّاً، كتاب أخبار الأعراب، كتاب أخبار قريش والأصنام، كتاب في الحيوانات، كتاب قبائل نزار وحرب وثقيف، كتاب الطب، كتاب طبقات العرب والشعراء، كتاب النحو، كتاب السحر، كتاب الطير، كتاب زجر الطير، كتاب ما رثي به النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، كتاب أخبار الرؤيا، كتاب أخبار السودان، كتاب العوذ، كتاب الرقي، كتاب المطر، كتاب السحاب والرعد والبرق، كتاب أخبار عمر بن معدي كرب، كتاب أمية بن أبي الصلت، كتاب أخبار أبي الأسود الدؤلي، كتاب أخبار أكثم بن صيفي، كتاب أخبار عبد الرحمن بن حسان، كتاب أخبار خالد بن صفوان، كتاب أخبار أبي نواس، كتاب أخبار المذنبين، كتاب الأطعمة، كتاب الأشربة، كتاب اللباب، كتاب أخبار العجاج، كتاب النكاح، كتاب ما جاء في الحمام، كتاب أخبار رؤبة بن العجاج، كتاب ما روي في الشطرنج، كتاب شعر عباد بن بشار، كتاب أخبار أبي بكر وعمر، كتاب مَن أوصى بشعر جمعه، كتاب مَن قال شعراً في وصيّته، كتاب خطب النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، كتاب خطب أبي بكر، كتاب خطب عمر، كتاب خطب عثمان بن عفان، كتاب كتب النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، كتاب رسائل أبي بكر، كتاب رسائل عمر، كتاب رسائل عثمان، كتب حديث يعقوب


ابن جعفر بن سليمان، كتاب الطب، كتاب الرياحين، كتاب التمثيل بالشعر، كتاب قطايع النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، كتاب قطايع أبي بكر وعمر وعثمان، كتاب الجنايات، كتاب الدنانير والدراهم، كتاب أخبار الأحنف، كتاب أخبار زياد، كتاب الوفود على النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وأبي بكر وعمر وعثمان، كتاب أخبار الفرس، كتاب أخبار أبي داود، كتاب مقتل محمد بن أبي بكر (رض)، كتاب السخاء والكرم، كتاب الاقتضاء، كتاب البخل والشح، كتاب أخبار قنبر، كتاب الألوية والرايات كتاب رايات الأزد، كتاب أخبار شريح، كتاب أخبار حسان، كتاب أخبار دغفل النسّابة، كتاب أخبار سليمان، كتاب أخبار حمزة بن عبد المطلب، كتاب أخبار الحسن، كتاب أخبار صعصعة بن صوحان، كتاب أخبار الحجّاج، كتاب أخبار الفرزدق، كتاب الزهد، كتاب الدعاء، كتاب القصاص، كتاب الذكر، كتاب الوعظ، كتاب أخبار جعفر بن محمد عليهما السلام، كتاب أخبار موسى بن جعفر عليه السلام، كتاب مناظرات علي بن موسى الرضا عليه السلام، كتاب أخبار عقيل بن أبي طالب، كتاب أخبار السيد بن محمد الحميري، كتاب أخبار بني مروان، كتاب أخبار العرب والفرس، كتاب أخبار الترحم، كتاب هدية بن حشرم، كتاب المحدّثين، كتاب أخبار سديف، كتاب مقتل عثمان، كتاب أخبار إياس بن معاوية، كتاب أخبار أبي الطفيل، كتاب أخبار الغار، كتاب القرود.

كان من علماء المئة الثالثـة.

ومنهم: اليعقوبي أحمد بن أبي يعقوب ابن واضح المتوفّى سنة ٢٧٨، له كتاب التاريخ اليعقوبي، طبع في ( ليدن ) في مجلّدين؛ الأول من آدم إلى ظهور الإسلام، والثاني في تاريخ الإسلام إلى سنة مئتين وتسع وخمسين زمن المعتمد على الله. وله كتاب البلدان المتقدّم ذكره في الصحيفة الثالثة من هذا الفصل.


ومنهم: أبو عبد الله بن زكريا بن دينار مولى بني غلاب البصري، إمام أهل السير والآثار والتاريخ والأشعار.

قال النجاشي كان وجهاً من وجوه أصحابنا بالبصرة، وكان أخبارياً واسع العلم، وصنّف كتباً كثيرة منها: الجمل الكبير، والجمل المختصر، وكتاب صفّين الكبير، كتاب صفّين المختصر، كتاب مقتل الحسين عليه السلام، كتاب النهر، كتاب الأجواد، كتاب الوافدين، مقتل أمير المؤمنين عليه السلام، أخبار زيد، أخبار فاطمة ومنشأها ومولدها، كتاب الخيل. ومات سنة ثمان وتسعين ومئتين.

ومنهم: أبو عبد الله الحاكم النيسابوري المعروف بابن البيع المتقدم ذكره

قال الحافظ الذهبي في ( تذكرة الحفّاظ ): الحاكم الحافظ الكبير إمام المحدثين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم الضبي الطهاني النيسابوري المعروف بابن البيع، صاحب التصانيف، ولد سنة إحدى وعشرين وثلاثمئة في ربيع الأول.

طلب الحديث من الصغر باعتناء أبيه وخاله فسمع سنة ثلاثين، ورحل إلى العراق وهو ابن عشرين، وحج، ثم جال في خراسان وما وراء النهر فسمع بالبلاد من ألفى شيخ أو نحو ذلك.

إلى أن قال: قال الخطيب أبو بكر أبو عبد الله الحاكم: كان ثقة يميل إلى التشيّع، إلى أن قال: عبد الغافر بن إسماعيل أبو عبد الله الحاكم هو إمام أهل الحديث في عصره، العارف به حق معرفته.

قال: واتفق له من التصانيف ما لعلّه يبلغ قريباً من ألف جزء من


تخريج الصحيحين، وتاريخ نيسابور، وكتاب مزكّي الأخبار، والمدخل إلى علم الصحيح، وكتاب الأكليل، وفضائل الشافعي، وغير ذلك.

ولقد سمعت مشايخنا يذكرون أيامه ويحكون أنّ مقدمي عصره مثل: الصعلوكي والإمام ابن فورك وسائر الأئمة يقدّمونه على أنفسهم ويراعون فضله ويعرفون له الحرمة الأكيدة ثم أطنب في تعظيمه وقال: هذه جمل يسيرة وهو غيض من فيض سيره وأحواله، ومَن تأمّل كلامه في تصانيفه وتصرّفه في أماليه ونظره في طرق الحديث أذعن بفضله، واعترف له بالمزيد على من تقدّمه، وإتعابه من بعده، وتعجيزه اللاحقين عن بلوغ شأوه عاش حميداً ولم يخلف في وقته فتلة.

ثم روى الذهبي بإسناده عن الحافظ محمد بن طاهر أنه سأل سعد بن علي الزنجاني بمكة عن أحفظ الحفاظ الأربع: الدارقطني وعبد الغني وابن منده والحاكم، فأجابه أنّ الحاكم أحسنهم تصنيفاً.

قال ابن طاهر: سألت أبا إسماعيل الأنصاري عن الحاكم فقال: ثقة في الحديث رافضي خبيث.

ثم قال ابن طاهر: كان شديد التعصّب للشيعة في الباطن، وكان يظهر التسنّن في التقديم والخلافة، وكان منحرفاً عن معاوية وآله متظاهراً بذلك ولا يعتذر منه.

قلت: أمّا انحرافه عن خصوم علي عليه السلام فظاهر، وأمّا أمر الشيخين فمعظم لهما بكل حال، فهو شيعي لا رافضي.

قال الحافظ أبو موسى: كان الحاكم دخل الحمّام واغتسل وخرج، فقال


آه فقبض روحه وهو متزر لم يلبس قميصه بعد، وصلّى عليه القاضي أبو بكر الحيري، توفّي الحاكم في صفر سنة خمس وأربعمئة، انتهى ما في ( تذكرة الحفّاظ ) للذهبي، وذكرنا في الصحيفة الثامنة من الفصل الثاني بعض ما يتعلّق بالحاكم أيضاً ممّا لا يبقى شبهة في تشيّع الحاكم لذي عين.

الصحيفة الخامسة

في أوّل مَن صنّف في الأوائل

فاعلم أنّ أوّل مَن صنّف في ذلك هشام بن محمد بن السائب الكلبي المتوفّى سنة خمس ومئتين.

وقال بعضهم: أوّل مَن ألّف في الأوائل أبو هلال العسكري صاحب ( الصناعتين ) المتوفّى سنة ٣٩٥ الذي اختصره السيوطي وسمّاه ( الوسائل ) تلخيص كتاب الوسائل في الأوائل، وهذا وهم.

وقد ذكر ابن النديم في ( الفهرست ) كتاب ( الأوائل ) في مصنّفات هشام الكلبي؛ فراجع.

على أنّ التقدّم في ذلك للشيعة على كل حال؛ لأنّ أبا هلال العسكري المذكور أيضاً من الشيعة كما حققته في ( حواشي الطبقات ) للسيوطي؛ فراجع.

وقد ذكرت في الأصل جماعة من أئمة علم الآثار والرجال والتاريخ تركت ذكرهم للاختصار.


الفصل العاشر

في تقدّم الشيعة في علم اللغة

وفيه صحائف

الصحيفة الأُولى

في أوّل مَن جمع كلام العرب وحصره وزم جميعه

وبين قيام الأبنية من حروف المعجم وتعاقب الحروف

فاعلم أنّ أوّل مَن أسّس ذلك بنظر صائب لم يتقدّمه أحد فيه هو الحبر العلاّمة شيخ العالم حجّة الأدب ترجمة لسان العرب المولى أبو الصفاء الخليل بن أحمد الأزدي اليحمدي الفراهيدي رضي الله عنه وهذا ممّا لا خلاف فيه بين أهل العلم بالأدب.

قال الأزهري في أول تهذيبه ما نصّه، ولم أر خلافاً بين أهل المعرفة وحملة هذا العلم أنّ التأسيس المجمل في أول كتاب العين أنّه لأبي عبد الرحمن الخليل بن أحمد، وأنّ ابن المظفر أكمل الكتاب عليه بعد تلقينه إيّاه عنه، وعلمت أنّه لا يتقدّم أحد الخليل فيما أسّسه ورسمه.

قلت: لا خلاف في أنّ أول مَن رسم علم اللغة هو الخليل بن أحمد، وأنّه أول مَن صنّف فيه، وإنّما الخلاف في المصنف الذي في أيدي الناس المسمّى بكتاب العين المنسوب إلى الخليل بن أحمد، فبين نافٍ للنسبة وبين مثبتٍ لها.


ثم المثبت بين مثبت لكل الموجود وبين مثبت للبعض الأول وناف لغيره وقد أخرجت عبارات أرباب الأقوال وأدلتهم في الأصل والمحاكمة بين تلك الأقوال وتحقيق الحق منها بما لا مزيد عليه، وعندي كتاب العين نسخة جيّدة تامّة، والخليل من الشيعة بلا خلاف.

قال شيخ الشيعة جمال الدين بن المطهر في ( الخلاصة ): الخليل بن أحمد كان أفضل الناس في الأدب، وقوله حجّة فيه، اخترع العروض، وفضله أشهر من أن يذكر، وكان إمامي المذهب.

وقال المولى عبد الله أفندي في ( رياض العلماء ): والخليل جليل القدر عظيم الشأن أفضل الناس في علم الأدب، كان إمامي المذهب وإليه ينسب علم العروض، وكان في عصر مولانا الصادق بل الباقر عليهما السلام أيضاً انتهى. وقد ذكرت في الأصل ترجمته.

الصحيفة الثانية

في بعض مشاهير أئمّة اللغة من الشيعة ممّن يزيد على غيره

منهم ابن السكيت، قال أبو العباس تعلب: أجمع أصحابنا أنّه لم يكن بعد ابن الأعرابي أعلم باللغة من ابن السكيت.

قلت: قتله المتوكل لأجل التشيّع، وأمره مشهور، عمّر ثماني وخمسين سنة واستشهد ليلة الاثنين لخمس خلون من رجب سنة ٢٤٤ وقيل سنة ٢٤٦، وقيل سنة ٢٤٣ وله من الكتب: ( إصلاح المنطق ) الذي قال المبرد فيه: ما عبر على جسر بغداد كتاب في اللغة مثل إصلاح المنطق. وله: كتاب الألفاظ،


كتاب الزبرج، كتاب الأمثال، كتاب المقصور والممدود، كتاب المذكّر والمؤنّث، كتاب الأجناس - وهو كتاب كبير - كتاب الفرق، كتاب السرج واللجام، كتاب الوحوش، كتاب الإبل، كتاب معاني الشعر الكبير، وآخر صغير، كتاب سرقات الشعراء، كتاب فعل وافعل، كتاب الحشرات، كتاب الأصوات، كتاب الأضداد، كتاب الشجر والغابات، فتأمّل هذه المصنّفات في هذا العمر القصير، هذا مضافاً إلى ما رواه عن الرضا والجواد والهادي (عليهم السلام).

ومنهم: أبو العباس المبرد الأزدي البصري اللغوي المشهور، قال في ( رياض العلماء ) في باب الألقاب: المبرد هو الشيخ الجليل محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الإمامي النحوي اللغوي الفاضل الإمامي الأقدم المعروف، المقبول القول عند الفريقين، صاحب كتاب ( الكامل ) وغيره، وقد رأينا الكامل في القسطنطينية في الخزانة الوقفية حسنة الفوائد، وكانت وفاة المبرد سنة خمس أو ست وثمانين ومئتين ببغداد، انتهى بحروفه، ومثله كلام السيد في ( الروضات ).

وللمبرد حكايات عن بعض أئمّة أهل البيت تشهد بتشيّعه ذكرتها في الأصل.

كان تولّده سنة عشرين ومئتين ومات سنة خمس وثمانين ومئتين، وله من المصنّفات كتاب معاني القرآن، كتاب نسب عدنان وقحطان، كتاب الرد على سيبويه شرح شواهد الكتاب، كتاب ضرورة الشعر، كتاب العروض، كتاب مَن اتفق لفظه واختلف معناه، كتاب طبقات البصريين، وغير ذلك.


ومنهم أبو بكر بن دريد الأزدي إمام اللغة كان صدراً في العلم ستين سنة، ولد بالبصرة سنة ثلاث وعشرين ومئتين ونشأ بها، ولمّا فتحها الزنج هرب إلى عمان وأقام اثنتي عشرة سنة، ثم رجع إلى وطنه ثم رحل إلى فارس إلى بني ميكال، فعلا عندهم قدره وتولّى نظارة الديوان.

ولمّا خلع بنو ميكال جاء إلى بغداد سنة ثمان وثلاثمئة واتصل بابن الفرات وزير المقتدر بالله فقرّبه المقتدر وعيّن له وظيفة نحو خمسين ديناراً في كل شهر، ومازال مكرماً معظماً حتى جاء أجله في شعبان سنة إحدى وعشرين وثلاثمئة، وقد عمّر ثماني وتسعين سنة، وقد صنّف: كتاب السرج واللجام، كتاب المقتبس، كتاب زوار العرب، كتاب اللغات، كتاب السلاح، كتاب غريب القرآن، كتاب الوشاح، كتاب الجمهرة في اللغة في ستة أجزاء كل جزء في مجلّد، يحضرني منها جزآن الثالث والرابع، كتبا في عصر المصنّف، وله مقاطيع محبوكة الطرفين، وقصيدة في المقصور والممدود، وله القصيدة المقصورة ذات الحكم والآداب، أكبّ على شرحها العلماء، وعدّه الشيخ رشيد الدين بن شهرآشوب المازندراني في معالم العلماء في شعراء أهل البيت المجاهدين فيهم، ومن شعره في ولاء أهل البيت عليهم السلام:

أهوى النبي محمّداً ووصيّه

وابنيه وابنته البتول الطاهره

أهل الولاء فإنّني بولائهم

أرجو السلامة والنجا في الآخره

وأرى محبّة مَن يقول بفضلهم

سبباً يجير من السبيل الجائره

أرجو بذاك رضا المهيمن وحده

يوم الوقوف على ظهور الساهره


ونص على تشيعه في ( رياض العلماء ) ( ومعالم العلماء ) ( وأمل الآمل ) ( وطبقات الشيعة ) للقاضي المرعشي وقد ذكرت كلامهم في الأصل.

ومنهم أبو عمرو الزاهد؛ قال التنوخي: لم أر قط أحفظ منه، أملي من حفظه ثلاثين ألف ورقة، ولد سنة إحدى وستين ومئتين، ومات سنة خمس وأربعين وثلاثمئة، وله من الكتب كتاب مناقب أهل البيت، اختصره السيد ابن طاووس، وأخرج في سعد السعود جملة من أحاديث أبي عمرو الزاهد في مناقب أهل البيت، وكذلك صاحب تحفة الأبرار السيد الشريف الحسين بن مساعد الحسيني الحائري، روى عن أبي عمرو الزاهد اللغوي النحوي من كتابه في مناقب أهل البيت ونص على تشيّعه، وله كتاب الشورى كما في كشف الظنون، وكتاب اليواقيت، شرح الفصيح، فائت الفصيح، غريب مسند أحمد، كتاب المرجان الموشّح تفسير أسماء الشعراء، فائت الجمهرة، فائت العين، ما أنكر الأعراب على أبي عبيدة، المدخل.

ونصّ في ( رياض العلماء ) على أنّه من علماء الإمامية وأنّ له كتاب اللباب وينقل عن كتابه ابن طاوس في كتبه كثيراً من الأخبار وكتاب المناقب، وينقل بعض المتأخّرين في كتبهم بعض الأخبار في فضائل أهل البيت عليهم السلام عنه.

قلت: لا ريب في تشيّع أبي عمرو المذكور، وهو طبري، ويقال له صاحب تغلب وغلام تغلب، ولم أتحقّق الحقيقة، وله ترجمة مفصّلة في ( بغية الوعاة ).

ومنهم أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد بن حبيب أبو الحسين اللغوي المعروف، الكوفي المذهب، صاحب المجمل في اللغة وفقه اللغة،


المعروف بالصاحبي، صنّفه للصاحب بن عباد له ترجمة في ( الوفيات )، وفي ( بغية الوعاة ).

وقد وهم السيوطي بقوله: وكان شافعياً فتحوّل مالكياً، فإنّه من الشيعة الإمامية، ذكره الشيخ أبو جعفر الطوسي في فهرست المصنّفين من الإمامية، وذكر مصنّفاته، وكذلك الميرزا الاسترابادي في كتابه الكبير ( منهج المقال ) والسيد العلاّمة البحراني السيد هاشم التوبلي في روضة العارفين بولاية أمير المؤمنين عليه السلام، وذكره صاحب ثاقب المناقب، ويروي عنه حديث رؤية الشيخ الهمداني لمولانا المهدي المنتظر ابن الحسن العسكري، وبالجملة لا ريب في تشيّعه ولعلّه كان يتستّر بالشافعية والمالكية مات سنة ٣٩٥ هـ.

ومنهم الصاحب بن عباد وزير فخر الدولة: كان كافي الكفاة، صنّف في علم اللغة ( المحيط باللغة ) في عشر مجلّدات، رتّبه على حروف المعجم، كثر فيه الألفاظ وقلّل الشواهد، وجوهرة الجمهرة، وهما موجودان في أيدينا، وله في الأدب كتاب الأعياد، كتاب الوزراء، كتاب الكشف عن مساوي المتنبي، ورسائل في فنون الكتابة، رتّبها على خمسة عشر باباً، وله ديوان شعر.

وله في علم الكلام كتاب أسماء الله تعالى وصفاته، وكتاب الأنوار في الإمامة، وكتاب الإبانة عن الإمام، وهو أوّل مَن سمّى الصاحب من الوزراء، مدح بمئة ألف قصيدة عربية وفارسية، واليتيمة في شعرائه.

وحكى الحسن بن علي الطبرسي في كتابه ( الكامل البهائي ) أنّ للصاحب ابن عباد عشرة آلاف بيت شعر في مدح أهل البيت عليهم السلام.

قلت: كانت ولادته في ذي القعدة سنة أربع وعشرين وثلاثمئة، وأخذ


الأدب عن ابن فارس وابن العميد، وولي الوزارة ثماني عشرة سنة وشهراً لمؤيد الدولة ولأخيه فخر الدولة ابن ركن الدين بن بويه، ومات ليلة الجمعة ٢٤ شهر صفر سنة خمس وثمانين وثلاثمئة، ورثاه الشريف الرضي.

ومنهم: ابن خالويه الهمداني أحد أفراد الدهر في كل قسم من أقسام الأدب والعلم، وكانت إليه الرحلة من الآفاق، وهو صاحب كتاب ( ليس بناه ) من أوّله إلى آخره على أنّه ليس في كلام العرب كذا وليس كذا دخل بغداد لطلب العلم سنة أربع عشرة وثلاثمئة فقرأ النحو والأدب على ابن دريد وأبي عمرو الزاهد وغيرهما، وصنّف كتاب الجمل في النحو، وكتاب الاشتقاق، وكتاب أطراغش في اللغة، وكتاب القراءات، وشرح المقصورة لابن دريد، وكتاب المقصود والممدود، وكتاب الألغاز، وكتاب المذكّر والمؤنّث، وكتاب الآل، ذكر فيه إمامة أمير المؤمنين عليه السلام والأحد عشر من أولاده، قاله النجاشي.

وقال اليافعي فيه مرآة الجنان: وله أيضاً كتاب لطيف سمّاه كتاب الآل، وذكر في أوّله تفصيل معاني الآل، ثم ذكر في الأئمّة الاثنى عشر من آل محمد عليهم السلام، وتاريخ مواليدهم ووفياتهم وآبائهم وأُمّهاتهم، انتهى.

قال ابن خلكان: والذي دعاه إلى ذكرهم أنّه قال في جملة أقسام الآل: وآل محمد بنو هاشم.

قلت: وكان ابن خلكان لا يعرفه بالتشيّع، ولعلّه اشتبه عليه الأمر من جهة اشتراك الكنية، قال صاحب رياض العلماء: ابن خالويه يطلق


على جماعة منهم الشيخ أبو عبد الله الحسن السني الشافعي، يروي عن الشافعي بواسطتين، وهو صاحب كتاب الطارقة، ويطلق على أبي عبد الله الحسين بن أحمد بن خالويه الهمذاني النحوي الشيعي الإمامي الساكن بحلب من علماء الإمامية والمعاصر للصاحب ابن عباد ونظرائه، وقد يطلق على الشيخ أبي الحسن علي بن محمد بن يوسف بن مهجور الفارسي المعروف بابن خالويه الشيعي الإمامي أيضاً، انتهى.

قلت: وقد نصّ الشيوخ على تشيّعه وأنّه من الإمامية كأبي العباس النجاشي، والشيخ أبي جعفر الطوسي، وجمال الدين العلاّمة ابن المطهّر الحلّي في الخلاصة، وغيرهم.

الصحيفة الثالثة

في تقدّم الشيعة في علم الإنشاء

فأوّل مَن وضع المقامات وجعلها علماً هو أبو الحسين أحمد بن فارس اللغوي المذكور آنفاً، فإنّه أنشأ رسائل اقتبس علماء الأدب منها نسقه، أوّلهم تلميذه بديع الزمان الهمذاني الآتي ذكره في الصحيفة الرابعة، فإنّه اقتبس نسق أُستاذه ووضع المقامات وله فضل التقدّم في ذلك، وهو من الشيعة أيضاً.

ومن أئمّة هذا العلم من الشيعة: ابن العميد، والصاحب بن عباد، وأبو بكر الخوارزمي، وجماعات نذكرهم في الصحيفة الرابعة.


الصحيفة الرابعة

في تقدّم الشيعة في علم الكتابة في دولة الإسلام

أوّل مَن كتب لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم من كتّابه هم الشيعة؛ فإنّ خالد بن سعيد ابن العاص أوّل مَن كتب له صلّى الله عليه وآله وسلّم، وذكره السيد علي بن صدر الدين المدني في الطبقة الأُولى من الشيعة في كتاب الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة، وذكره السيد الأعرجي في عدّة الرجال في الشيعة من الصحابة، وكذلك القاضي نور الله المرعشي في كتاب طبقات الشيعة.

وقال العلاّمة النوري في ( المستدرك ) عند ذكره نجيب بني أمية من السابقين الأوّلين والمتمسّكين بولاية أمير المؤمنين عليه السلام، إلى أن قال: ولاّه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم صدقات اليمن، فكان في عمله ذلك حتى بلغه وفاة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فترك ما في يده وأتى المدينة ولزم عليّاً عليه السلام، ولم يبايع أبا بكر حتى أكرهه علي على البيعة فبايع مكرهاً.

وهو من الاثني عشر الذين أنكروا على أبي بكر وحاجوه في يوم الجمعة وهو على المنبر في حديث شريف مروي في الخصال والاحتجاج، انتهى.

وذكر ذلك الشيخ أبو علي في كتابه منتهى المقال في أحوال الرجال.

وأوّل مَن كتب لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، قال ابن قتيبة في كتاب المعارف: فلم يزل كاتباً لعلي بن أبي طالب خلافته كلها.

وقال ابن حجر في التقريب: كان كاتب علي ثقة من الثالثة.


وقال النجاشي في ترجمة أبي رافع ما نصّه: وأبناه عبيد الله وعلي كاتبا أمير المؤمنين عليه السلام.

قلت: قد تقدّم ذكرهما تفصيلاً.

واستحق المسمّى بالكاتب قبل دولة بني العباس أن يسمّى فيها وزيراً وكان قبل ذلك يسمّى كاتباً، ونال الوزارة بالكتابة جماعة من الشيعة أوّلهم أبو سلمة الخلاّل حفص بن سلمان الهمداني الكوفي، وهو أوّل وزير وزر لأول خليفة عباسي، كان فصيحاً عالماً بالأخبار والأشعار والسير والجدل والتفسير، حاضر الحجّة، ذا يسار ومروءة ظاهرة، فلمّا بُويع السفّاح استوزره وفوّض الأمور إليه، وسلّم إليه الدواوين، ولقّب وزير آل محمد وفي النفس أشياء، فلمّا سبر أحوال بني العباس عزم على العدول عنهم إلى بني علي عليه السلام فكاتب في ذلك ثلاثة من أعيانهم فقتله السفّاح على التشيّع.

ومنهم أبو عبد الله يعقوب بن داود وزير المهدي العباسي، قال الصولي كان داود أبوه وإخوته كتاباً لنصر بن سيار أمير خراسان، كان يعقوب بن داود يتشيّع، كان في ابتداء أمره مائلاً إلى بني عبد الله بن الحسن وجرت له خطوب في ذلك، وحبسه المهدي في المطبق على التشيّع، وبقي الحسن إلى أن استولى الرشيد فأخرجه، وتوجّه يعقوب إلى مكة وجاور بها، ولم تطل أيامه حتى مات هناك سنة ست وثمانين ومئة.

ومنهم بنو سهل وزراء المأمون، أوّلهم الفضل بن سهل ذو الرياستين لجمعه بين السيف والقلم، ولمّا نقل المأمون الخلافة إلى بني علي كان الفضل بن سهل هو القائم بهذا الأمر والمحسّن له، ولمّا رأى المأمون إنكار


العباسيين ببغداد لذلك حتى خلعوه وبايعوا إبراهيم عمّه، قام وقعد ودسّ جماعة على الفضل بن سهل فقتلوه في الحمّام، ثم قتل الإمام الرضا عليه السلام بالسمّ، وكتب إلى بغداد أنّ الذي أنكرتموه من أمر علي بن موسى قد زال، وكان ذلك سنة ٢٠٤.

ثم استوزر المأمون الحسن بن سهل، ثم عرضت له سوداء كان أصلها جزعه على أخيه فانقطع بداره ليتطبّب واستخلف أحد كتّابه، كأحمد ابن أبي خالد وأحمد بن يوسف وغيرهما، ومات الحسن بن سهل في سنة ست وثلاثين ومئتين في أيام المتوكّل.

ومنهم ابن أبي الأزهر محمد بن مزيد بن محمود ابن أبي الأزهر النوشجي، من كتاب المنتصر، وهو كتاب الهرج والمرج في أخبار المستعين والمعتز، وأخبار عقلاء المجانين، ذكره شيوخنا في أصحاب الرضا والجواد والهادي عليهما السلام، مات سنة ٢٣٥ عن نيّف وتسعين سنة.

ومنهم أبو الفضل جعفر بن محمود الإسكافي وزير المعتز والمهتدي.

ومنهم أبو الحسن علي بن الفرات، تولّى الوزارة ثلاث دفعات للمقتدر.

قال الصولي: وبنو الفرات أجلّ الناس فضلاً وكرماً ونبلاً ووفاء ومروءة، وكانت أيامه مواسم للناس، ومازال ينتقل في الوزارة إلى المرّة الثالثة فقبض عليه وقتل، وذلك في سنة اثنتي عشرة وثلاثمئة.

ووزر أيضاً للمقتدر من بني الفرات أبو الفضل جعفر، وقتل المقتدر وهو وزيره، ثم ابنه أبو الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات، وزر للراضي بالله.

ومنهم أبو شجاع ظهير الدين محمد بن الحسين الهمداني، وزير للمقتدر


وعزل بطلب جلال الدولة ملكشاه من المقتدي، عزله لأنّه كان شيعيّاً، ولمّا عزل تزهّد، وسكن المدينة ومات بها سنة ٥١٣.

ومنهم أبو المعالي هبة الله بن محمد بن المطلب وزير المستظهر، كان من علماء الوزراء وأفاضلهم وأخيارهم، نصّ على تشيّعه في جامع التواريخ.

قال: ولهذا لم يرض بوزارته محمد بن ملكشاه؟ فكتب إلى الخليفة: كيف يكون وزير خليفة الوقت رافضياً؟ وكرّر الكتابة في ذلك فعزله المستظهر، فذهب أبو المعالي إلى السلطان محمد بن ملكشاه وتوسّل إليه بواسطة سعد الملك الأوجي وزيره فاسترضاه، واشترط عليه السلطان أن لا يخرج عن مذهب أهل السنة والجماعة في وزارته، وكتب السلطان إلى المستظهر فأعاده إلى الوزارة، ثم تغيّر عليه الخليفة فذهب إلى أصفهان، وكان في ديوان السلطان محمد ملك شاه حتى مات.

ومنهم: أنو شروان بن خالد بن محمد القاساني، كان وزير المسترشد، قال ابن الطقطقي: كان رجلاً من أفاضل الناس وأعيانهم وأخيارهم، تولّى الوزارة للسلاطين وللخلفاء، نصّ على تشيّعه ابن كثير في تاريخه، قال: وصنّف له ابن الحريري المقامات الحريرية ومدحه بقصائد كثيرة، وذكره في تاريخ الوزراء وقال: إنّه وحيد في أقسام الفضل والأدب، متبحّر به في لغات العرب، يصرف أكثر أوقات عمره في مطالعة العلوم العقلية والنقلية ومات سنة اثنين وثلاثين وخمسمئة.

ومنهم: مؤيد الدين محمد بن محمد بن عبد الكريم القمّي الإمامي من ذرّية المقداد بن الأسود، تولّى الوزارة للناصر، ثم للظاهر، ثم للمستنصر حتى مات في سنة تسع وعشرين وستمئة.


ومنهم: مؤيّد الدين أبو طالب محمد بن أحمد بن العلقمي الأسدي وزير المستعصم، صنّف له الصغاني اللغوي العباب، وهو كتاب جليل في اللغة، وصنّف له عزّ الدين ابن أبي الحديد شرح نهج البلاغة فأثابهما وأحسن جائزتهما، ومدحه الشعراء وانتجعه الفضلاء، وظلمه العامّة حيث نسبوا إليه الغدر والخيانة وهو بريء من كل خيانة.

قال ابن الطقطقي في مقام بيان إهمال المستعصم وعدم التفاته وتفريطه ما لفظه: وكان وزيره مؤيد الدين ابن العلقمي، يعرف حقيقة الحال في ذلك، ويكاتبه بالتحذير والتنبيه، ويشير عليه بالتيقّظ والاحتياط والاستعداد، وهو لا يزداد إلاّ غفولاً، وكان خواصه يوهمونه أنّه ليس في هذا كبير خطر ولا هناك محذور، وأنّ الوزير إنّما يعظم هذا لينفق سوقه ولتبرز إليه الأموال ليجنّد بها العساكر فيقطع منها لنفسه إلى آخر كلامه، وهو من أهل ذلك العصر وأشراف ذلك الزمان.

ومنهم: محمد بن أحمد الوزير بن محمد الوزير أبو سعد العميدي، ولي ديوان الإنشاء بمصر مرّتين، يعد في أئمّة علم اللغة والنحو.

قال ياقوت: نحوي، لغوي، أديب، مصنّف، سكن مصر وتولّى ديوان الإنشاء وعزل عنه، ثم ولي ديوان الإنشاء، وصنّف تنقيح البلاغة، العروض، القوافي، وغير ذلك، مات يوم الجمعة خامس جمادى الآخرة سنة ٤٣٣ هـ.

قلت: ذكره منتجب الدين بن بابويه في فهرس المصنّفين من الشيعة، وفي كشف الظنون أنّه المتوفّى سنة ٤٢٣، ذكره عند ذكره لتنقيح البلاغة.


ومنهم: أبو القاسم الحسين بن علي بن يوسف الوزير المغربي من ولد بلاس بن بهرام كور، وأُمّه فاطمة بنت أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن جعفر النعماني صاحب كتاب الغيبة، كما نصّ عليه النجاشي في كتاب أسماء المصنّفين من الشيعة، وابن خلكان في الوفيات، وذكرا له مصنفات.

كان مولده سنة سبع وثلاثمئة، وزر لمعتمد الدولة بالموصل، ثم لشرف الدولة البويهي ببغداد، ثم لأحمد بن مروان سلطان ديار بكر، وأقام عنده إلى أن توفّي بميافارقين سنة ٤١٨ ثمان عشر وأربعمئة، وحمل نعشه إلى النجف الأشرف بوصيّة منه كما في وفيات الأعيان فقد ترجمه ترجمة حسنة.

ومنهم: الوزير ابن العميد محمد بن الحسين بن العميد أبو الفضل الكاتب المعروف، وزير ركن الدولة البويهي المتوفّى سنة ستين أو تسع وخمسين وثلاثمئة، وترجمته في كتب أصحابنا وغيرها مفصّلة.

ومنهم: ابنه ذو الكفايتين أبو الفتح علي، وزر لركن الدولة حسن بن بويه قام مقام أبيه وترجمته في اليتيمة جيّدة ومنهم الصاحب كافي الكفاة أبو القاسم إسماعيل بن عباد المشهور تقدّم ذكره

ورث الوزارة كابراً عن كابرٍ

موصولة الإسناد بالإسنادِ

يروي عن العباس عباد وزا

رته وإسماعيل عن عباد

ومنهم: أبو العلاء ابن بطة، قال عبد الجليل الرازي: كان أبو العلاء ابن بطة وزير عضد الدولة شيعيّاً صحيح الاعتقاد، وله في مدح أهل البيت قصيدة يقول في آخرها:

سيشفع لإبن بطة يوم تبلي

محاسنه التراب أبو تراب


ومنهم: الحسن بن مفضل بن سهلان أبو محمد الرامهرمزي وزير سلطان الدولة الديلمي، وهو الذي بنى سور حائر الحسين عليه السلام كما في تاريخ ابن كثير الشامي، وأنّه قتل في سنة ٤١٢.

ومنهم: عميد الملك أبو نصر الكندي وزير طغرل بيك، كان من الشيعة الإمامية بنص ابن كثير في تاريخه.

ومنهم: سعد الملك وزير سلطان محمد السلجوقي.

وتاج الملك أبو الغنائم القمّي الإمامي وزير السلطان ملك شاه، وكذلك شرف الدين أبو طاهر بن سعد القمّي استوزره ملك شاه.

ومنهم: أبو الحسن جعفر بن محمد بن فطير الكاتب الوزير المشهور، ذكره ابن كثير وذكر أنّه من الوزراء الكتاب الشيعة بالعراق، قال: ولمّا كان تشيّعه شائعاً جاءه رجل فقال له: إنّي رأيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في المنام، وقال لي: امض إلى ابن فطير وقل له يعطيك عشرة دنانير، فقال له: متى رأيته؟ قال في أول الليل، فقال: صدقت فإنّي رأيته عليه السلام في آخر الليل، وأمرني أن إذا جاءك سائل كذا صفته وسألك شيئاً فأعطه إلى آخر القصة، وقد نقلتها بالواسطة عن تاريخ ابن كثير من كتاب طبقات القاضي المرعشي بالفارسية.

ومنهم: معين الدين أبو نصر أحمد الكاتب الكاشي، من وزراء سلطان محمود بن محمود بن محمد بن ملك شاه، وبعده صار ابنه فخر الدين طاهر بن الوزير معين الدين الكاشي وزير السلطان ألب أرسلان بن طغرل بن محمد بن ملك شاه، وبعده وزر ابنه معين الدين بن فخر الدين الكاشي.


ومنهم: آل جوين، منهم الصاحب الأعظم شمس الدين محمد الجويني الملقّب بصاحب الديوان للسلطان محمد خوارزم شاه، وللسلطان جلال الدين، وكذلك أخوه علاء الدين عطاء الملك الجويني، وكذلك الصاحب المعظم الأمير الرشيد بهاء الدين محمد ابن صاحب الديوان، وقد صنّف المحقّق الشيخ ميثم البحراني شرح نهج البلاغة باسمه وصنّف الحسن بن علي الطبرسي كتاب الكامل في التاريخ باسمه فسمّاه الكامل البهائي، ثم الصاحب شرف الدين هارون أخوه ابن صاحب الديوان الجويني، كان جامعاً لجميع العلوم حتى الموسيقى كما في مجالس المؤمنين للمرعشي، وقام مقام أخيه في الوزارة.

طبقة أُخرى من الكتّاب الأجلاّء الشيعة

كأحمد بن يوسف بن إبراهيم الكاتب، ذكره ابن شهرآشوب في شعراء أهل البيت، وله ترجمة مفصّلة في معجم الأُدباء لياقوت، وكان أبوه أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم من أجلاّء الكتّاب أيضاً، يكتب لإبراهيم بن المهدي العباسي، وكان تخرّج على شيخ الإمامية إسماعيل بن أبي سهل بن نوبخت صاحب الياقوت في الكلام.

وكأحمد بن محمد بن ثوابة بن خالد الكاتب أبي العباس، كان أيام المهدي، ونصّ ياقوت في معجم الأدباء على تشيّعه، مات أبو العباس سنة ٢٧٧ هـ، وقيل سنة ٢٧٣ هـ، وله ترجمة طويلة في المعجم، وكأبي أحمد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر بن الحسين بن مصعب بن زريق بن ماها الخزاعي الأمير البغدادي الإمامي، كان ولي بغداد وخراسان، وكان عالماً فاضلا وشاعراً بارعاً وكاتباً ماهراً ولا عجب فإنّه ابن أبيه وحفيد طاهر.


قال الخطيب عند ذكره لأبي أحمد المذكور: كان فاضلاً أديباً شاعراً فصيحاً وكان أبوه عبد الله شاعراً مجيداً وجواداً سخيّاً، وجدّه طاهر لا يحتاج إلى وصف بالكمال، وهو أحد الثلاثة الذين قال المأمون فيهم: هم أجلّ ملوك الدنيا والدين - قاموا بالدول - وهم: الإسكندر، وأبو مسلم الخراساني، وطاهر، قال: وكان متشيّعاً كحفيده المذكور، إلى أن قال مات أبو أحمد ليلة يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة خلت من شوال سنة ثلاثمئة، حكاه عن الخطيب ضياء الدين في نسمة السحر.

ومثل أبي العباس أحمد بن إبراهيم الضبي، من أجلاّء الكتّاب كما في معالم العلماء لرشيد الدين المازندراني، ومثل علي بن محمد بن زياد الصيمري صهر جعفر بن محمود الوزير على ابنته أُمّ أحمد، كان رجلاً من وجوه الشيعة وثقاتهم ومقدّماً في الكتابة والأدب والعلم والمعرفة كما نصّ عليه المسعودي في كتاب ( إثبات الوصيّة ) من كتاب عصر المستعين الخليفة العباسي.

ومنهم: أحمد بن علوية المعروف بأبي الأسود الكاتب الكراني الأصفهاني، قال ياقوت: كان صاحب لغة يتعاطى التأديب ويقول الشعر الجيد، وكان من أصحاب لفذة ثم صار من ندماء أحمد أبي دلف، إلى أن قال: وله رسائل مختارة، ورسالة في الشيب والخضاب، وقصيدة على ألف قافية شيعية عرضت على أبي حاتم السجستاني فأعجب بها وقال: يا أهل البصرة غلبكم أهل أصفهان، عمّر نيفاً ومائة سنة وتوفّى سنة نيف وعشرين وثلاثمئة.

ومنهم: إبراهيم ابن أبي جعفر أبو جعفر أبو إسحق الكاتب، ذكره


النجاشي في كتاب أسماء المصنّفين من الشيعة، وأنّه شيخ من أصحاب أبي محمد الحسن بن علي محمد بن الرضا عليه السلام فهو من كتاب المئة الثالثة؛ لأنّ وفاة أبي محمد عليه السلام كانت سنة ستين ومئتين.

ومنهم: أحمد بن محمد بن سيار أبو عبد الله الكاتب البصري من كتاب آل طاهر ويعرف بالسياري، تقدّم ذكره في فصل تقدّم الشيعة في علوم القرآن، وأنّه من أصحاب أبي الحسن علي الهادي وابنه أبي محمد الحسن العسكري عليه السلام.

ومنهم إسحاق بن نوبخت الكاتب الذي شاهد المنتظر، وهو ابن إسماعيل صاحب كتاب الياقوت أبن إسحاق بن نوبخت، كان إسحاق المذكور من أصحاب أبي الحسن الهادي عليه السلام في عصر المتوكل وبعده إلى بعد الثلاثمئة.

ومنهم: محمد بن إبراهيم بن جعفر أبو عبد الله الكاتب النعماني المتقدّم ذكره في المفسّرين.

ومنهم: أبو عبد الله محمد بن عبد الله، وقيل محمد بن أحمد الكاتب البصري الشاعر النحوي المعروف بالمفجّع؛ لأنّه أكثر من الشعر في أهل البيت عليهم السلام، ويتفجّع فيه على قتلهم حتى سُمّي المفجّع، ونصّ على تشيّعه ابن النديم في الفهرست، وياقوت في معجم الأُدباء، والسيوطي في الطبقات، والنجاشي في أسماء المصنّفين من الشيعة، صنّف كتاب المرجان في معاني الشعر، كتاب المنقذ في الإيمان، يشبه الملاحن لابن دريد المعاصر له، وقصيدة الأشباه في مدح أمير المؤمنين عليه السلام، شبّهه بالأنبياء،


كتاب سقاة العرب، كتاب غرائب المجالس، كتاب الترجمان، كتاب سعد المديح، كتاب حد البخل، كتاب الهجاء، كتاب المطايا، كتاب الشجر والنباتات، كتاب الإعراب، كتاب اللغة، كتاب أشعار الحراب، كتاب عرائس المجالس، كتاب غريب شعر زيد الخيل، كتاب شرح قصيدة نفطويه في غريب اللغة، وكتاب أشعار الحواري وشعر زيد الخيل الطائي، مات سنة عشرين وثلاثمئة.

ومنهم: الإسكافي محمد بن أبي بكر همام بن سهل المشهور بالكاتب الإسكافي، من شيوخ الشيعة، مقدّم في كل فنون العلم صنف في الكل، له ترجمة طويلة في الكتب الموضوعة في أحوال الرجال لأصحابنا، كان تولّده في يوم الاثنين سابع ذي القعدة من شهور سنة ثمان وخمسين ومئتين، وتوفّي يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين وثلاثمئة.

ومنهم: الخازن أبو محمد عبد الله بن محمد الكاتب الأصفهاني الشاعر المشهور، كان خازناً للصاحب بن عباد وكاتباً له، وفي نسمة السحر في ذكر من تشيّع وشعر له ترجمة حسنة.

ومنهم: أبو بكر الصولي الكاتب المشهور بلعب الشطرنج، نصّ على تشيّعه في رياض العلماء في ترجمته، وله ترجمة حسنة في تاريخ ابن خلكان.

قال: وتوفّي الصولي المذكور سنة خمس، وقيل ست وثلاثين وثلاثمئة بالبصرة مستتراً؛ لأنّه روى خبراً في حق علي بن أبي طالب عليه السلام فطلبه الخاصة والعامة لتقتله فلم تقدر عليه.


قلت: وما هذا يشهد بصحة ما قاله رشيد الدين بن شهرآشوب المازندراني في كتابه معالم العلماء الشيعة أنّ الصولي المذكور كان من المتقين في شعره لأهل البيت.

منهم إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول تكين الصولي، وهو عم والد أبي بكر الصولي محمد بن يحيى بن عبد الله بن العباس المذكور قبله، كان أنعت الناس للزمان وأهله غير مدافع، وأشعر نظرائه الكتاب، ذكره رشيد الدين بن شهرآشوب في معالم العلماء الشيعة في الشعراء المتكلفين في مدح أهل البيت.

وحكى ابن خلكان عن كتاب الورقة أنّه اتصل بذي الرياستين الفضل بن سهل، ثم تنقل في أعمال السلطان ودواوينه إلى أن توفّي وهو يتقلّد ديوان الضياع والنفقات بسر مَن رأى للنصف من شعبان سنة ثلاث وأربعين ومئتين.

قال دعبل بن علي الخزاعي: لو تكسّب إبراهيم بن العباس بالشعر لتركنا في غير شيء، انتهى ما عن كتاب الورقة.

ومنهم: أبو العباس أحمد بن عبيد الله بن محمد بن عمار الثقفي الكاتب كان يتوكل للقاسم بن عبيد الله ولولده، وصحب أبا عبد الله محمد بن الجراح ويروي عنه، وله مجالسات وأخبار.

وذكره الخطيب في تاريخ بغداد ونصّ على تشيّعه وأنّه المعروف بحمار عزير، حكاه ياقوت في ترجمة أبي العباس المذكور، وأطال في حكايته وأخباره ومجالساته، وذكره ابن النديم في الفهرست، وقال توفّي سنة ٣١٩، وقال ياقوت توفّي سنة ٣١٤.


وله من الكتب كتاب المبيضة في أخبار مقاتل آل أبي طالب، وكتاب الأنواء، وكتاب مثالب أبي خراش، وكتاب أخبار سليمان بن أبي شيخ، وكتاب الزيادات في أخبار الوزراء، وكتاب أخبار بن عدي، وكتاب رسالته في بني أمية، وكتاب أخبار أبي نواس، وكتاب أخبار ابن الرومي، والاختيارات من شعره، وكتاب رسالته في تفضيل بني هاشم وأوليائهم وذم بني أمية وأتباعهم، وكتاب رسالته في أمر ابن المحرز المحدث، وكتاب أخبار أبي العتاهية، وكتاب المناقضات، وكتاب أخبار عبد الله بن معاوية بن جعفر.

ومنهم: أبو القاسم جعفر بن قدامة بن زياد الكاتب أحد مشايخ الكتاب وعلمائهم، وكان وافر الأدب حسن المعرفة، مات سنة ٣١٩ تسع عشرة وثلاثمئة.

وسيأتي ذكر ولده قدامة بن جعفر الكاتب في صحيفة علم البديع.

ومنهم: الشيخ أبو بكر الخوازرمي محمد بن العباس شيخ الأدب وعلاّمة عصره في علوم العرب، قال الثعالبي في ( اليتيمة ) عند ذكره: نابغة الدهر، وبحر الأدب، علم النظم والنثر، وعالم الظرف والفضل، كان يجمع بين الفصاحة والبلاغة، ويحاضر بأخبار العرب وأيامها ودواوينها، ويدرّس كتاب اللغة والنحو والشعر، ويتكلّم بكل نادرة ويأتي بكل فقرة ودرة، ويبلغ في محاسن الأدب كل مبلغ، إلى آخر كلامه الحسن.

توفّي أبو بكر في شهر رمضان سنة ٣٨٣ هـ.

ومن شعره المحكي في معجم البلدان في لفظة آمل:


بآمل مولدي وبنو جرير

فأخوالي ويحكي المرء خاله

فها أنا رافضيّ عن تراث

وغيري رافضي عن كلاله

ومنهم: أبو الفضل بديع الزمان أحمد بن الحسين بن يحيى بن سعيد الهمذاني، أحد أركان الدهر، وشهرته تغني عن نقل ما ذكره العلماء في ترجمته نصّ الشيخ أبو علي في منتهى المقال على أنّه من الشيعة الإمامية وأنّه أوّل مَن أسّس وضع المقامات مات سنة ٣٧٨.

ومنهم: القناني أبو الحسن الكاتب، من أئمّة اللغة والنحو والأدب، صنّف كتاب نوادر الأخبار وكتاب طرق خبر الولاية ثلاثة عشر وأربعمئة، وله ترجمة حسنة في كتاب فهرست الشيخ أبي جعفر الطوسي، وفهرست النجاشي، ذكرتها في الأصل.

ومنهم: فخر الكتّاب أبو إسماعيل الحسين بن علي بن محمد بن عبد الصمد الأصفهاني الكاتب المعروف بالطغرائي؛ لأنّه كان يكتب الطغراء في ديباجة الأحكام السلطانية لما كان وزير السلطان مسعود بن محمد السلجوقي بالموصل وقتل مظلوماً، قتله أخو السلطان مسعود المذكور سنة ٥١٥ خمس عشرة وخمسمئة.

وله في كتب أصحابنا ترجمة طويلة كرياض العلماء وطبقات الشيعة للمرعشي وكتاب أمل الآمل للشيخ الحر العاملي، وهو صاحب لامية العجم نظمها ببغداد سنة خمس وخمسمئة، وعمره حينئذ سبع وخمسون سنة، وقد أخرجها ابن خلكان في ترجمته وذكرت شروحها في الأصل.


ومنهم: سعد بن أحمد بن مكي النيلي المؤدّب الكاتب المعروف والشاعر الموصوف، عالم بالأدب والنحو واللغة، ذكره العماد الكاتب قال:

وكان عالياً في التشيّع، حالياً بالتورّع، عالماً بالأدب، معلماً في المكتب، مقدماً في التعصّب، ثم أسنّ حتى جاوز حد الهرم وذهب بصره، وعاد وجوده شبيه العدم وأناف على التسعين، وآخر عهدي به في درب صالح ببغداد سنة ٥٩٢ ثم نقل قطعة من شعره.

ومنهم: ابن زيادة أبو طالب يحيى بن أبي الفرج سعيد بن أبي القاسم هبة الله بن علي بن قزعلي بن زيادة الشيباني الكاتب البغدادي.

قال ابن خلكان: من الأماثل والصدور والأفاضل، انتهت إليه المعرفة بالكتابة والإنشاء والحساب، مع مشاركة في الفقه وعلم الأصول، وغير ذلك، وذكره في نسمة السحر فيمَن تشيّع وشعر، وأثنى عليه غاية الثناء مات سنة أربع وسبعين وخمسمئة، ودُفن عند الإمام أبي الحسن موسى الكاظم كما في كتاب ابن خلكان وكان مولده في صفر سنة ٥٢٢.

ومنهم: علي بن عيسى الإربلي بن أبي الفتح الصاحب بهاء الدين الأمير فخر الدين الإربلي المنشئ الكاتب البارع ذكره ابن شاكر في فوات الوفيات كما ذكرنا، ثم قال له شعر وترسّل، وكان رئيساً، كتب لمتولي إربل ابن صلابا، ثم قدم بغداد وتولّى ديوان الإنشاء أيام علاء الدين صاحب الديوان مات سنة ٦٩٢.

قلت: وهو صاحب كتاب كشف الغمّة في إمامة الأئمّة المطبوع بإيران، وله قبر يزار في الجانب الغربي.


ومنهم: علاء الدين الكندي علي بن المظفر صاحب ( التذكرة ) في خمسين مجلداً، ذكره في نسمة السحر فيمَن تشيّع وشعر، وقال ابن شاكر في فوات الوفيات: الأدب البارع المقري المحدّث الكاتب المنشئ علاء الدين الكندي كاتب ابن وداعة المعروف بالوداعي ولد في سنة ٦٤٠ هجرية.

وتوفّي سنة ست عشرة وسبعمئة ونصّ أيضاً على تشيّعه هو والصفدي في تاريخه.


الفصل الحادي عشر

في تقدّم الشيعة في علم المعاني والبيان والفصاحة والبلاغة

وفيه صحائف

الصحيفة الأُولى

في أوّل مَن وضعه وأسّسه وصنّف فيه

وهو الإمام المرزباني أبو عبد الله محمد بن عمران بن موسى بن سعيد بن عبد الله المرزباني الخراساني البغدادي، صنّف فيه كتابه المسمّى بالمفصّل في علم البيان والفصاحة.

قال ابن النديم في الفهرست: وهو نحو ثلاثمئة ورقة.

وقال الحافظ السيوطي: أوّل مَن صنّف فيه عبد القاهر الجرجاني، وأنت خبير أنّ أبا عبد الله المرزباني توفّي سنة ٣٧٨ ثمان وسبعين وثلاثمئة، ووفاة الشيخ عبد القاهر الجرجاني سنة ٤٤٤ أربع وأربعين وأربعمئة، وقد ذكر اليافعي في تاريخه عند ترجمته للمرزباني المذكور أنّه أخذ عن ابن دريد وابن الأنباري العلوم الأدبية، قال وهو صاحب التصانيف المشهورة والمجاميع الغريبة ورواية الأدب، وصاحب التأليفات الكثيرة، ثقة في الحديث قائل بمذهب التشيّع، وشعره قليل لكنّه من الجيّد، ثم نقل قطعة


من شعره، وذكره ابن خلكان بعين ما ذكره اليافعي حتى النص على تشيّعه، ووصفه في كشف الظنون بالعلاّمة عند ذكره لكتابة أخبار المتكلّمين، وترجمته في الأصل مفصّلة، وأخرجت تمام فهرس مصنّفاته، وذكرت أنّ تولّده كان في جمادى الآخرة سنة ٢٩٧ سبع وتسعين ومئتين ووفاته كانت يوم الجمعة ثاني شوال سنة ٧٨ ثماني وسبعين، وقيل أربع وثمانين وثلاثمئة ببغداد في الجانب الشرقي، وصلّى عليه الشيخ أبو بكر الخوارزمي رضي الله عنهما.

وأيضاً تقدّم على الشيخ عبد القاهر في ذلك من الشيعة محمد بن أحمد الوزير ابن محمد الوزير أبو سعيد العميدي المتوفّى سنة ٤٢٣ ثلاث وعشرين وأربعمئة، صنّف كتابه ( تنقيح البلاغة ) كما في كشف الظنون أيضاً، وذكره منتجب الدين بن بابويه في فهرست أسماء المصنّفين من الشيعة الإمامية.

وذكره ياقوت وقال: نحوي لغوي أديب مصنّف سكن مصر وتولى ديوان الإنشاء وعزل عنه ثم ولي ديوان الإنشاء وصنّف تنقيح البلاغة وكتاب العروض والقوافي وغير ذلك، مات يوم الجمعة خامس جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاثين وأربعمئة، انتهى.

والأصحّ في وفاته ما ذكرنا وقد تقدّم ذكره في الكتاب.

الصحيفة الثانية

في بعض الكتب التي صنّفتها الشيعة

في علم المعاني والبيان بعد المؤسّس

مثل كتاب ( تجريد البلاغة ) للمحقّق البحراني ميثم بن علي بن ميثم


المعاصر للسكاكي صاحب ( المفتاح ) وقد تقدّم ذكره في متكلّمي الإمامية.

وشرح تجريد البلاغة للفاضل السيوري المقداد بن عبد الله من أعلام علماء الشيعة سمّاه ( تجويد البراعة في شرح تجريد البلاغة ).

ومثل ( شرح المفتاح ) للشيخ حسام الدين المؤذني فرغ من الشرح المذكور سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة بجرجانية خوارزم، وقد ذكره في ( كشف الظنون ) لكن لم يعرف عصر مصنّفه لأنّه لم يترجم إلاّ في كتب أصحابنا.

ومثل ( شرح المفتاح ) للشيخ عماد الدين يحيى بن أحمد الكاشي، قال في ( رياض العلماء ) كان من مشايخ أصحابنا، جامعاً لفنون العلم.

قال: وذكره بعض تلامذة الشيخ علي الكركي في رسالته المعمولة في ذكر أسامي مشايخ الشيعة، ولم أعرف تواريخه انتهى بحروفه.

قلت: وذكره صاحب ( تذكرة المجتهدين من الإمامية ) وذكر له الشرح المذكور ولم يذكر تاريخه، وكذلك صاحب ( كشف الظنون ) ذكره ولم يعرف تاريخه.

وشرح المفتاح للشيخ الإمام العلاّمة ملك العلماء المحقّقين، قطب الملّة والدين، محمد بن محمد الرازي أبي جعفر البويهي، من أولاد ابن بابويه القمّي، كما في ( رياض العلماء ) ونصّ على شرحه للمفتاح في ( أمل الآمل ) وله في الأصل ترجمة مفصّلة، مات سنة ٧٦٦ هـ.


الصحيفة الثالثة

في علم البديع

اعلم أنّ أوّل مَن فتق البديع ابن هرم إبراهيم بن علي بن سلمة بن هرمة شاعر أهل البيت، له ترجمة في الأصل، وأوّل مَن صنّف فيه اثنان متعاصران لا يعلم السابق منهما، وهما قدامة بن جعفر الكاتب وعبد الله بن المعتز.

قال صفي الدين الحلّي في صدر شرحه بديعيته ما لفظه وكان جملة ما جمع ابن المعتز منها سبعة عشر نوعاً، ومعاصره قدامه بن جعفر الكاتب فجمع منها عشرين نوعاً، توارد معه على سبعة منها وسلم له ثلاثة عشر فتكامل لهما ثلاثون نوعاً ثم اقتدى بهما الناس في التأليف، انتهى بحروفه.

لقدامة بن جعفر الشيعي نقد الشعر المعروف بنقد قدامة فلم تتحقّق لابن المعتز إلاّ السبق بالتسمية بالبديع وقد تبيّنا في خبره في صدر كتابه بأنّه ما جمع قبلي فنون الأدب أحد، ولا سبقني إلى تأليفه مؤلّف حسبما أمر الله سبحانه بالتبيين في خبر مثله فلم نجد له صحّة.


الفصل الثاني عشر

في تقدّم الشيعة في علم العروض

وفيه صحائف

الصحيفة الأُولى

في أوّل مَن وضع علم العروض

هو الخليل بن أحمد المتقدّم ذكره في فصل علم اللغة، ولا خلاف في أنّه هو أول مَن استخرج العروض، وحصن به أشعار العرب حتى صار يعرف بالعروضي، ولو أردنا ذكر مَن نصّ على ذلك من أهل العلم لطال المقام، وقد أخرجنا شيئاً من ذلك في الأصل.

ودعوى ابن فارس في الصاحبي أنّ علم العروض كان قديماً، ثم أتت عليه الأيام، وقلّ في أيدي الناس ثم جدّده الخليل مستدلاً بقول الوليد بن المغيرة في القرآن، لقد عرضت ما يقرأه محمد على أقراء الشعر هزجه ورجزه وكذا وكذا، فلم أره يشبه شيئاً من ذلك لا يساعد عليها أثر ولا تاريخ ولا استنباط صحيح.

وإنّما هو حدس منه وتخمين تفرّد به لا اعتبار به عند أهل العلم بالأخبار وإنّما كان الوليد يعرف قوافي الشعر بطبعه وغريزته، كما كان يعرف العربية كذلك، وهذا غير العلم الذي حصر أقسامه الخليل في خمس دوائر يستخرج منها خمسة عشر بحراً.


هذا حمزة بن الحسن الأصفهاني في كتاب التنبيه يقول: وبعد، فإنّ دولة الإسلام لم تخرج أبدع للعلوم التي لم يكن لها عند علماء العرب أصول من الخليل، وليس على ذلك برهان أوضح من علم العروض الذي لا عن حكيم أخذه، ولا عن مثال تقدّمه احتذاه، إلى آخر كلامه المنقول في الأصل.

وقال أبو الفرج محمد بن إسحاق ابن أبي يعقوب النديم عند ذكره للخليل: وهو أوّل مَن استخرج العروض وحصن به أشعار العرب.

وقال ابن قتيبة عند ذكره: هو صاحب العروض.

قال أبو بكر الزبيدي في أول كتاب استدراك الغلط: والخليل بن أحمد أوحد العصر، وقريع الدهر، وجهبذ الأُمّة، وأستاذ أهل الفطنة، الذي لم ير نظيره، ولا أعرف في الدنيا عديله، إلى أن قال: ثم ألّف على مذهب الاختراع وسبيل الإبداع كتاب الفرش والمثال في العروض، فحصر بذلك جميع أوزان الشعر وضم كل شيء منه إلى حيّزه، وألحقه بشكله، وأقام ذلك عن دوائر أعجزت الأذهان وبهرت الفطن وغمرت الألباب.

وقال عبد الواحد في مراتب النحويين: وأبدع الخليل بدائع لم يسبق إليها، إلى أن قال: واختراعه العروض وأحدث أنواعاً من الشعر ليست من أوزان العرب.

وقال ابن خلكان في ترجمته: وهو الذي استنبط علم العروض وأخرجه إلى الوجود إلى آخر كلامه.

وقال العلاّمة جمال الدين الحسن بن يوسف ابن المطهر الحلّي في الخلاصة


الخليل بن أحمد كان أفضل الناس في الأدب، وقوله حجّة فيه، اخترع العروض، وفضله أشهر من أن يذكر، وكان إمامي المذهب، انتهى بحروفه.

ولو أردنا نقل كلمات علماء الأدب في النص على ذلك لطال المقام وفيما ذكرنا كفاية للمرام.

الصحيفة الثانية

في أوّل مَن صنّف في علم العروض بعد الخليل

فاعلم أنّ ذلك هو أبو عثمان المازني بكر بن حبيب النحوي (رضي الله عنه) المتوفّى سنة ٢٤٨ هـ، كان من غلمان إسماعيل بن ميثم إمام المتكلّمين في الشيعة، كما نصّ عليه أبو العباس المبرّد.

وقال أبو العباس النجاشي في كتاب أسماء المصنّفين من الشيعة: كان سيد أهل العلم بالنحو والعربية واللغة بالبصرة، وتقدّمه مشهور بذلك.

وذكره جمال الدين ابن المطهّر في الخلاصة بنحو ما ذكره النجاشي وأنّه من العلماء الإمامية.

وقال السيوطي في الطبقات: كان إماماً في العربية، متسعاً في الرواية، يقول بالإرجاء، وكان لا يناظره أحد إلاّ قطعه لقدرته على الكلام، وقد ناظر الأخفش في أشياء فقطعه.

وقال المبرد لم يكن بعد سيبويه أعلم بالنحو من أبي عثمان، وله من التصانيف كتاب في القرآن، وكتاب علل النحو، كتاب تفاسير، كتاب سيبويه، كتاب ما يلحن فيه العامة، كتاب الألف واللام، كتاب التصريف،


كتاب العروض، كتاب القوافي، كتاب الديباج، نصّ على هذه الكتب ابن النديم والسيوطي والحموي وغيرهم وكتاب عروض أبي عثمان المازني، ذكره في كشف الظنون أيضاً.

الصحيفة الثالثة

في الكتب المؤلّفة فيه للشيعة غير ما تقدّم

كتاب الإقناع في العروض لكافي الكفاة الصاحب بن عباد المتقدّم ذكره، كتاب صنعة الشعر في العروض والقوافي للخالع المشهور الحسين بن محمد بن جعفر بن محمد بن الحسين الرافعي المعروف بالخالع، المتوفّى في أثناء المئة الرابعة، له ترجمة مفصّلة في الأصل من الإمامية، وكتاب عيار الشعر، وكتاب تهذيب الطبع، وكتاب العروض، جميعاً للشريف أبي الحسن محمد بن أحمد الطباطبائي الأصفهاني، كما في نسمة السحر في ذكر مَن تشيّع وشعر.

كان تولّده سنة ٣٢٢ هـ، وذكره في معاهد التنصيص وأثنى عليه، وذكر كتاب العروض له وقال: لم يسبق إلى مثله.

وهو صاحب الأبيات المشهورة في حسن التعليل:

يا مَن حكى الماء فرط رقته

وقلبه في قساوة الحجرِ

يا ليت حظّي كحظ ثوبك من

جسمك يا واحداً من البشرِ

لا تعجبوا من بلى غلالته

قد زرّ أزراره على القمرِ

وكتاب العروض والقوافي لمحمد بن أحمد الوزير المتقدّم ذكره في


الكتاب، وكتاب الكافي في علم العروض والقوافي، وكتاب نظم العروض للسيد أبي الرضا فضل الله الراوندي (رضي الله عنه) كان حيّاً سنة ٥٤٨ هـ، له ترجمة حسنة في الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة.

ورسالة العروض والقوافي للحكيم الأنوري الشاعر المتوفّى سنة انقراض الدولة العباسية.

وكتاب العروض لملك النحاة، وهو صاحب العمدة في النحو المذكورة في كشف الظنون، نصّ على تشيّعه عند ذكرها، وسيأتي ذكره في أئمّة علم النحو إن شاء الله.

والإكليل التاجي في العروض، وقرّة عين الخليل في شرح النظم الجليل لابن الحاجب، وشرح قصيدة صدر الدين الساوي في العروض، جميعاً للشيخ تقي الدين الحسن بن علي بن داود الحلّي صاحب كتاب الرجال المعروف بابن داود تلميذ السيد ابن طاووس المتقدّم ذكرهما في صحيفة علماء الجرح والتعديل.


الفصل الثالث عشر

في تقدّم الشيعة في فنون الشعر في الإسلام

فإنّهم سبقوا إلى أشياء فاستحسنها الشعراء واتبعوهم فيها، فأوّل مَن نبغ في صدور الإسلاميين منهم الفرزدق، قال جرير: الفرزدق نبعة الشعر في يده. يعني أشعر الإسلاميين.

وإن تقدّمه من شعراء الشيعة النابغة الجعدي الذي يقول بصفّين:

قد علم المصران والعراق

أنّ عليّاً فحلها العتاق

أبيض جحجاح له رواق

وأُمّه غال بها الصداق

أكرم مَن شدّ به نطاق

أن الأولى جاروك لا أفاقوا

لهم سباق ولكم سباق

قد علمت ذلكم الرفاق

سقتم إلى نهج الهدى وساقوا

إلى التي ليس لها عراق

وكعب بن زهيرة صاحب بانت سعاد الذي يقول:

صهر النبي وخير الناس كلّهم

فكل مَن رامه بالفخر مفخور

صلّى الصلاة مع الأُمّي أولهم

قبل العباد وربّ الناس مكفور

ولبيد بن ربيعة العامري المذكور في رياض العلماء في شعراء الشيعة، وأبو الطفيل عامر بن وائلة الصحابي الشاعر المشهور، قال أبو الفرج


الأصفهاني: كان من وجوه الشيعة وأبو الأسود الدؤلي، قال ابن بطريق في العمدة: هو من بعض الفضلاء الفصحاء من الطبقة الأُولى من شعراء الإسلام وشيعة علي بن أبي طالب عليه السلام وليس في المولدين أشهر أسماً من الحسن أبي نواس ثم أبي تمام حبيب والبحتري فقد أخملا في زمانهما خمس مئة شاعر كلّهم مجيد كما في عمدة ابن رشيق حتى قال الشاعر:

إن تكن فارساً فكن كعليٍّ

أو تكن شاعراً فكن كابن هاني

وأوّل مَن قيل لشعره سلسلة الذهب هو البحتري، وأوّل مَن قيل فيه صيقل المعاني أبو تمام، وهو أوّل مَن بوّب مختاراته من شعر العرب على ثمانية أبواب أوّلها الحماسة ويتبعهما في الاشتهار ابن الرومي والكل من الشيعة تراجمهم في الأصل وفي طبقة أبي نواس من فحول شعراء أصحابنا أبو الشيص والحسين بن الضحاك الخليع ودعبل ونظراء هؤلاء.

وفي طبقة حبيب والبحتري من فحول شعراء أصحابنا ديك الجن وهو شاعر الشام، قصد داره دعبل الخزاعي فكتم نفسه عنه خوفاً من قوارصه ومشارته، فقال دعبل: ماله يستتر وهو أشعر الجن والإنس، أليس هو الذي يقول:

بها غير معلول فداو خمارها

وصل بعشيات الغبوق ابتكارها

ونل من عظيم الردف كل عظيمة

إذا ذكرت خاف الحفيظان نارها

فظهر إليه واعتذر له وأحسن نزوله.

وهما ممّن لم ينتجعا بشعرهما خليفة ولا أميراً ولا غيرهما وتقدّما بهذا الشرف على طبقتهما.


وهم أول الإسلاميين اختراعاً وتوليداً للمعاني.

قال ابن رشيق وأكثر المولدين اختراعاً وتوليداً فيما يقول الحذاق أبو تمام وابن الرومي، قلت: أبو تمام صيقل المعاني ولابن الرومي معان لم يسبق إليها يغوص على المعاني النادرة ويستخرجها من مكانها ويبرزها في أحسن صورة ولا يترك المعنى حتى يستوفيه إلى آخره ولا يبقى فيه بقيّة، اشتهر بالتوليد في الشعر ولد ببغداد سنة ٢٢١ وتوفى سنة ٢٨٣ والكميت بن زيد المضري الأسدي قال ابن عكرمة الضبي لولا شعر الكميت لم يكن للغة ترجمان ولا للبيان لسان وقال أبو مسلم الهرا لما سئل عن الكميت: ذاك أشعر الأوّلين والآخرين، قلت: وفي العيان ما يغني عن الخبر هذه الهاشميات قد طبعت جديداً بمصر.

وأوّل مَن أطال المدح كثير، قال ابن رشيق: وكان ابن أبي أسحق وهو عالم ناقد ومتقدّم مشهور يقول أشعر الجاهلية مرقش وأشعر الإسلاميين كثير، قال ابن رشيق: وهذا غلو مفرط غير أنّهم مجمعون على أنّه أوّل مَن أطال المديح قلت فالتقدّم في ذلك للشيعة.

وأوّل مَن أكثر في معنى واحد هو السيد الحميري، قال ابن المعتز في التذكرة: وكان للسيد الحميري أربع بنات كل واحدة منهن تحفظ أربعمئة قصيدة لأبيها نظم كلما سمعه في فضل علي ومناقبه ما مثله في نظم الحديث وكل قصائده طوال قال: وكان شيعيّاً مجاهراً مع أنّ أبويه لم يكونا على ذلك من حمير الشام قال صبّت عليّ الرحمة صبّاً فكنت كمؤمن آل فرعون، مات سنة ١٧٣ وقيل ١٩٣ وقيل تسع وتسعين ومئة.

واعلم أنّ الذين أنفذوا شعرهم في معنى واحد وهو مديح أهل البيت


ونظم مناقبهم في الشيعة جماعة من قدماء الشعراء والمحدثين ذكرتهم في الأصل.

ومنهم: مَن كان فرد زمانه فيما ابتكر من المجون كابن الحجاج الحسين بن أحمد الكاتب البغدادي فإنّه لم يسبق إلى تلك الطريقة مع عذوبة الألفاظ وسلامة شعره من التكلّف ديوانه عشر مجلدات انتخب منه السيد الشريف الرضي ما سمّاه الحسن من شعر الحسين ورتّبه بديع الأسطرلابي الشاعر هبة الله بن الحسن على أحد وأربعين ومئة باب وجعل كل باب في فن من فنون الشعر وسمّاه درة التاج في شعر ابن الحجاج، مات ابن الحجاج سنة ٣٩١ ودفن بمشهد موسى بن جعفر (ع) ومات الأسطرلابي سنة ٤٣٤.

وأوّل مَن أخترع الموشّح المضمّن صفي الدين الحلّي الشاعر الوحيد المتوفّى سنة ٧٥٠ هـ، لم يسبق إليه جمع ديوانه هو في ثلاث مجلّدات كله من الجيّد وعداده في الكاملين.

وأول مكثر مجيد السيد الشريف الرضي أخو المرتضى وهو أوّل مَن قيل فيه أشعر قريش وأشعر الطالبين لا يذكر معه شاعر لا من المتقدّمين ولا من المتأخّرين.

ومن حسناته (رض) مولاه مهيار الديلمي كان أحد أفراد الدهر ديوانه أربع مجلدات كله من الجيد الذي لا يبارى، وله ابن مثله في الفضل ذكره في دمية القصر وهو صاحب الحائية التي يقول فيها:

يا نسيم الريح من كاظمة

شدّ ما هجت الجوى والبرحا

واسمه أبو عبد الله الحسين بن مهيار بن مرزويه الكسروي وكانت وفاة مهيار سنة ٤٢٨ هـ.


ومنهم: مَن يشهد له المتنبي بالتقدّم والتبرّز ويتحامى جانبه فلا يبرز لمبارزته ولا يجترئ على مجاراته وهو أبو فراس الحرث بن حمدان لم يذكر معه شاعر إلاّ أبا الطيب وحده، وقد سمعت شهادته له حكاها الثعالبي في اليتيمة، وحكى عن الصاحب ابن عباد أنّه قال بدئ الشعر بملك وختم بملك يعني امرؤ القيس وأبا فراس المتوفّى سنة ٣٢٠ هـ.

ومنهم: أشعر أهل المغرب على الإطلاق بالاتفاق وهو أبو القاسم محمد بن هاني الأندلسي المغربي الإمامي المقتول سنة ٣٦٢، قال ابن خلكان: وليس في المغاربة من هو في طبقته لا من متقدّميهم ولا من متأخّريهم بل هو أشعرهم على الإطلاق وهو عندهم كالمتنبي عند المشارقة وكانا متعاصرين.

ومنهم: الملقّب بكشاجم مأخوذة من أربع كلمات الكاتب الشاعر المتكلم المنجم الكامل في الكل كما أنّه مجيد للأوصاف كلها ولا عديل له في عصره وهو أبو الفتح أو أبو الفتوح محمود أو محمد بن الحسن أو الحسين بن السندي بن شاهك بالكاف وقيل بالقاف صاحب كتاب المصائد والمطارد من الشيعة، وعدّه رشيد الدين في معالم العلماء في شعراء أهل البيت عليهم السلام وهو من مصاديق قوله تعالى: يخرج الحي من الميت؛ لأنّ السندي باشر سمّ الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) وكان في حبسه، مات كشاجم سنة خمسين وثلاثمئة.

وأوّل مَن لقّب بالناشئ منهم علي بن عبد الله بن وضيف الشاعر، قال السمعاني ناشئ بفتح النون وآخره شين معجمة يقال لمَن كان نشأ في فن من فنون الشعر واشتهر به قال: المشهور بهذه النسبة علي بن عبد الله الشاعر المشهور كان في زمن المقتدر والقادر والراضي وغيرهم، وهو بغدادي الأصل


سكن مصر وذكره ابن كثير الشامي في تاريخه ونص على أنّه كان من متكلّمي الشيعة وكذلك ابن النديم عدّه في متكلّمي الإمامية وقال ابن خلكان كان من كبار الشيعة وذكره في نسمة السحر وفضله على المتنبي وأنّ المتنبي أخذ من شعره، قال لكن متانة شعر الناشئ وأنّه السابق فضحت المتنبي، قلت: ذكر القصيدة ابن خلكان وقال أنّ المتنبي أخذ منها في مدح سيف الدولة وأوّل القصيدة:

بآل محمّدٍ عُرف الصوابُ

وفي أبياتهم نزل الكتابُ

وهم حجج الإله على البرايا

بهم وبجدّهم لا يسترابُ

ولا سيّما أبو حسن عليٍّ

له في المجد مرتبة تهابُ

طعام حسامه مهج الأعادي

وفيض دم الرقاب له شرابُ

كأنّ سنان ذابله ضمير

فليس عن القلوب له ذهابُ

وصارمه كبيعته نجم

معاقدها من الخلق الرقابُ

هو البكّاء في المحراب ليلاً

هو الضحّاك إن جدّ الضرابُ

هو النبأ العظيم وفلك نوحٍ

وباب الله وانقطع الخطابُ

كان تولّد الناشئ سنة ٢٧١ هـ ومات سنة ٣٦٦ هـ، عمره ٩٥ سنة.

وأوّل مَن زهى في جمع فنون الشعر حتى لُقّب بالزاهي علي بن إسحق بن خلف الشاعر البغدادي أحد أفراد الدهر ترجمه الخطيب وأبو سعيد ابن عبد الرحيم في طبقات الشعر، وابن خلكان في الوفيات، والقاضي في طبقات الشيعة، وابن شهرآشوب في معالم علماء الشيعة قال وهو من المجاهرين في مدح أهل البيت عليهم السلام مات سنة ٣٥٢ وكان تولّده سنة ٣١٨، ودُفن في جوار الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) في مقابر قريش.


وأول أُمّي أُوتي المعجز في شعره نصر بن أحمد الخبز أرزي أبو القاسم الشاعر المشهور بالغزل الذي طبقت الدنيا شهرته، وله في كل كتب التراجم والتواريخ ترجمة وذكره في اليتيمة.

وذكر من شعره جملة قال: وكان شيعيّاً، وذكر ابن خلكان أنّه توفّي سنة ٣١٧ سبع عشرة وثلاثمئة، وأُمّي آخر منهم يُعرف بالخبّاز البلدي يُكنّى أبا بكر محمد بن أحمد بن حمدان الشاعر المشهور عدّه الثعالبي في اليتيمة من حسنات الدنيا.

قال: ومن عجيب أمره أنّه كان أُمّيّاً وشعره كله ملح وتحف وغرر وطرف ولا تخلو مقطوعة من معنى حسن أو مثل سائر، وكان حافظاً للقرآن مقتبساً منه في شعره.

إلى أن قال: وكان يتشيّع ويتمثّل في شعره بمذهبه، وذكر جملاً من شعره في ذلك.

وأوّل الفاتحين باباً للتورية والاستخدام بتلك السهولة والانسجام هو علاء الدين الوداعي الكندي علي بن المظفر بن إبراهيم بن عمر بن زيد صاحب التذكرة الشهيرة بالتذكرة الكندية في خمسين مجلّداً في عدّة فنون كما في نسمة السحر فيمَن تشيّع وشعر، ونقل ما ذكره الشيخ تقي الدين ابن حجّة في كشف اللثام عن التورية والاستخدام، وما أخذه ابن نباتة من شعر الشيخ علاء الدين الوداعي المذكور.

ثم قال: ومحاسن الشيخ علاء الدين تحتمل مجلداً، وبالجملة ابن نباتة المشهور كان عيالاً عليه، وله في فوات الوفيات ترجمة حسنة ذكرتها في الأصل ونصّ فيها على تشيّعه.


وكذلك الحافظ الذهبي مات سنة ست عشرة وسبعمئة والذي لم يوجد قبله بمئتي سنة مَن يضاهيه بنص ابن خلكان هو سبط ابن التعاويذي الشاعر المشهور أبو الفرج محمد بن عبيد الله عبد الله الكاتب.

قال ابن خلكان كان شاعر وقته جمع شعره بين جزالة الألفاظ وعذوبتها ورقّة المعاني ودقّتها، وفيما أعتقد أنّه لم يوجد قبله بمئتي سنة مَن يضاهيه.

قال صاحب ( نسمة السحر ): وقفت على ديوانه وهو حقيق بما أطراه ابن خلكان، وكان من كبار الشيعة.

قال السمعاني: سألته عن مولده فقال سنة ٤٧٦ بالكرخ، وتوفّي في جمادى الأولى سنة ٥٥٣.

ومثله الشريف أبو الحسن على الحماني الكوفي ابن الشريف الشاعر محمد بن جعفر الشاعر ابن محمد الشريف الشاعر ابن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام، ذكره في نسمة السحر وأطراه.

وقال ياقوت: كان في العلوية من الشهرة في الشعر والأدب والطبع كعبد الله بن المعتز في العباسية، وكان يقول أنا شاعر وأبي شاعر وجدي شاعر إلى أبي طالب.

قلت: كان أشعر شعراء عصر المتوكل العباسي بشهادة الإمام أبي الحسن الهادي ابن الرضا عليهم السلام في حديث حكاه البيهقي في باب ( محاسن الافتخار ) بالنبي وآله في كتاب ( المحاسن والمساوي ) وذكرته في الأصل وذكرت قطعة من شعره وهو من شعراء ( اليتيمة والأغاني )، وأورد له أبو تمام في الحماسة، وذكره السيد المرتضى في كتاب المشفي وذكر جملة من شعره.


ومن شعرائهم الهاشميين: الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب، ذكره السيد المدني في الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة وفي نسمة السحر فيمن تشيّع وشعر وترجمه أبو الفرج في الأغاني ترجمة حسنة.

ومن شعراء قريش الشيعة كما في الحصون المنيعة أبو دهبل الجمحي وهب بن ربيعة ذكره ابن قتيبة في كتاب ( الشعر والشعراء ) وذكره المرتضى في أماليه، وذكره الزبير بن بكار وهو ممّن اختاره أبو تمام في ديوان الحماسة وقد ذكرت له في الأصل بعض الشعر في رثاء أبي عبد الله الحسين عليه السلام، ولهؤلاء وجماعات أُخر من شعراء الشيعة تراجم مفصّلة في الأصل.


الفصل الرابع عشر

في تقدّم الشيعة في علم الصرف

وفيه صحائف

الصحيفة الأُولى

في أوّل مَن وضعه للعرب في الإسلام

فاعلم أنّ أوّل مَن وضع علم الصرف هو أبو مسلم معاذ الهراء ابن مسلم ابن أبي سارة الكوفي مولى الأنصار النحوي المشهور، كما نصّ عليه الجلال السيوطي في المزهر في الجزء الثاني وفي ( بغية الوعاة ) عند ترجمة أبي مسلم الهراء، وذكر أنّه كان مؤدّب عبد الملك بن مروان، إلى أن قال: وكان شيعيّاً.

وقال في كتاب ( الوسائل في الأوائل ): أوّل مَن وضع التصريف معاذ الهراء.

وقال العلاّمة البحراني في البلغة معاذ الهراء وهو المخترع لعلم التصريف كما نصّ عليه جماعة من علماء الأدب منهم خالد الأزهري، انتهى.

قلت: أخذ عنه الكسائي وغيره وصنّف كتباً في النحو والحديث وله في كتب فهرست المصنّفين من أصحابنا ترجمة طويلة وترجمه ابن خلكان وذكر له حكاية مع الكميت بن زيد الشاعر تدلّ على أخوتهما وأنّه كان


يتشيّع، وهو من شيوخ أصحاب أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) كما في إرشاد المفيد وغيره، مات سنة ١٨٧ هـ، وكان يشد أسنانه بالذهب من طول عمره.

الصحيفة الثانية

في أوّل مَن صنذف في علم الصرف

فاعلم أنّ أول مَن صنّف فيه أبو عثمان المازني (رضي الله عنه) وهذا معنى قول أبي الخير: أوّل مَن دوّن علم التصريف أبو عثمان المازني وكان قبل ذلك مندرجاً في علم النحو نقله في كشف الظنون قال أبو العباس النجاشي في فهرست مصنّفي الشيعة أبو عثمان المازني بكر بن محمد بن حبيب بن بقية المازني من بني مازن من شيبان ابن ذهل بن ثعلبة بن عكامة بن مصعب بن علي بن بكر بن وائل، كان سيّد أهل العلم بالنحو والعربية واللغة بالبصرة وتقدّمه مشهور بذلك.

وقال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد من علماء الإمامية أبو عثمان بكر بن محمد وكان من غلمان إسماعيل بن ميثم (رضي الله عنه) إمام المتكلّمين في الشيعة قلت، وذكره جمال الدين العلاّمة ابن المطهّر الحلّي في الخلاصة بنحو ما ذكره النجاشي وله من التصانيف ما تقدّم.

الصحيفة الثالثة

في الكتب المصنّفة قديماً في التصريف للشيعة

كتاب الاشتقاق لابن خالويه، كتاب التصريف للطبري، كتاب علم


الصرف للوزير المغربي، كتاب التبيان في التصريف للشيخ أحمد بن علي الماهابادي، كتاب المقتصد في التصريف لملك النحاة، وشرح الشافية في الصرف لنجم الأئمة محمد بن الحسن الاسترابادي، وشرح الشافية في علم الصرف للسيد جمال الدين عبد الله العجمي النقره كار، الذي صرّح المحقّق الكركي في حاشية الذكرى بأنّه من علماء أصحابنا، وشرح الفاضل النسائي كمال الدين محمد بن معين الدين وهو شرح ممزوج لم يصنف مثله في بابه إلى غير ذلك من الكتب الشهيرة المذكورة في فهرست المصنّفين.


الفصل الخامس عشر

في تقدّم الشيعة في النحو العربي

وفيه صحائف

الصحيفة الأُولى

في أوّل مَن وضعه للعرب

فاعلم أنّ أوّل مَن ابتدعه وأنشأه وأملا جوامعه وأُصوله هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وقد حكى على ذلك الإجماع جمال الدين علي بن يوسف القفطي في كتابه تاريخ النحاة، والمرزباني في المقتبس.

وقال ابن جنّي في الخصائص في باب صدق النقلة ما لفظه: أو لا تعلم أنّ أمير المؤمنين عليه السلام هو البادي به المنبّه عليه والمنشيه والمشير إليه.

وقال عبد الحميد بن أبي الحديد قد علم ذلك الناس كافّة، قلت: وقد أرسل ذلك الأئمّة إرسال المسلّمات وقد أخرجت نصوصهم في الأصل الدالة على صحّة دعوى الإجماع عليه، وضعف ما قيل أنّ أول من وضع النحو عبد الرحمن بن هرمز؛ لأنّ عبد الرحمن أخذ عن أبي الأسود، ويقال: عن ميمون الأقرن الآخذ عن أبي الأسود؛ لأنّ الروايات كلها تستند إلى أبي الأسود، وأبو الأسود يسند إلى علي عليه السلام، وأخرجت


في الأصل رواية أبي الأسود بذلك من عدة طرق متواترة، وسيأتي ذكر بعضهما.

الصحيفة الثانية

في أوّل مَن أسّسه وبوّبه

فاعلم أنّ أوّل مَن أسّس ذلك هو أبو الأسود الدؤلي، ويقال الديلي منسوب إلى الدؤل فيقال الديل بن بكر بن عبد مناف بن كنانة قال أبو علي الغيائي في كتاب القارع قال الأصمعي وسيبويه والأخفش وابن السكيت وأبو حاتم والعدوي وغيرهم: هو بضم الدال وكسر الهمزة وإنّما فتحت في النسب كما فتحت ميم نمر في النمري ولام سلم في السلمي، قال الأصمعي وكان عيسى بن عمرو يقولها في النسب بكسر الهمزة أيضاً بتبقيته على الأصل، وحكى أيضاً عن يونس وغيره وقال بتبقيته على الأصل شاذاً في القياس قال أبو علي وكان الكسائي وأبو عبيدة ومحمد بن حبيب يقولون أبو الأسود منسوب إلى الديل بكسر الدال وسكون الياء واسمه ظالم بن ظالم ويقال بالتصغير فيهما ويقال عمرو بن عثمان بن عمرو، ويقال ظالم بن عمر بن ظالم، وقيل ابن سفيان بن عمرو بن خليس بن نفاءة بن عدي بن الدئل بن بكر ابن كنانة والأصح أن دؤلي - بضم الدال وفتح الهمزة - نسبة إلى دئل - بضم الدال وكسر الهمزة وفتحها - في النسبة من تغييرات النسب - واسم أبي الأسود الدؤلي في الأشهر عند الأكثر، ظالم بن عمرو الدؤلي المنسوب إلى الدوئل بن بكر بن عبد مناف بن كنانة من سادات التابعين، ومن أصفياء أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام.

قال أبو الطيب عبد الواحد بن علي اللغوي المتوفّي سنة ٣٥١ في كتابه


مراتب النحويين: كان أوّل مَن رسم للناس النحو أبو الأسود الدؤلي وكان أبو الأسود أخذ ذلك عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) وقال ابن قتيبة في كتاب المعارف: أبو الأسود الدؤلي هو ظالم بن عمرو بن جندل بن سفيان بن كنانة وأُمّه من بني عبد الدار بن قصي وكان عاقلاً حازماً بخيلاً، وهو أوّل مَن وضع العربية وكان شاعراً مجيداً.

وقال في كتاب الشعر والشعراء: ويعد في الشعراء والتابعين والمحدثين والبخلاء والمفاليج والعرج والنحويين؛ لأنّه أول مَن عمل كتاباً في النحو بعد علي ابن أبي طالب عليه السلام، وولي البصرة لابن عباس ومات بها وقد أسنّ، وقال الحافظ ابن حجر في الإصابة في ترجمة أبي الأسود: قال أبو علي القالي حدثنا أبو إسحاق الزجاج، حدثنا أبو العباس المبرد قال: أوّل مَن وضع العربية ونقّط المصحف: أبو الأسود، وقد سُئل أبو الأسود عمّن نهج له الطريق: فقال: تلقّيته من علي بن أبي طالب (ع).

قال: وروى عمرو بن شبة بإسناد له عن عاصم بن بهدلة قال: أوّل مَن وضع النحو أبو الأسود وحكى عن الجاحظ أنّه قال أبو الأسود معدود في التابعين والفقهاء والمحدثين والشعراء والأشراف والفرسان والأمراء والدهاة والنحاة والحاضرين الجواب والشيعة والبخلاء والصلع الأشراف والبخر الأشراف وحكاه عن الجاحظ أبو الفرج في الأغاني والسيوطي في بغية الوعاة أيضاً وقال الراغب في المحاضرات عند ذكره لأبي الأسود وهو أول مَن نقّط المصحف وأسس أساس النحو بإرشاد علي (ع) وكان من أكمل الرجال رأياً وعقلاً وكان شيعياً شاعراً سريع الجواب ثقـة في الحديث إلى آخر كلامه.


وقال اليافعي في مرآة الجنان ظالم بن عمرو أبو الأسود البصري كان من سادات التابعين وأعيانهم وصاحب أمير المؤمنبن علي بن أبي طالب شهد معه حرب صفّين وكان من أكمل رجاله في الرأي والعقل وهو أول مَن دوّن علم النحو بإرشاده. وقال الإمام البيهقي في كتابه المحاسن والمساوي قال يونس بن حبيب النحوي: أوّل مَن أسّس العربية وفتح بابها ونهج سبيلها أبو الأسود الدؤلي واسمه ظالم بن عمرو، انتهى.

وقال أبو البركات عبد الرحمن بن محمد الأنباري في أول كتابه نزهة الألباء قال أبو عبيدة معمر بن المثنى وغيره: أخذ أبو الأسود الدؤلي النحو عن علي بن أبي طالب عليه السلام. وقال أبو حاتم السجستاني: ولد أبو الأسود في الجاهلية وأخذ النحو عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وروى أبو سلمة موسى بن إسماعيل عن أبيه قال كان أبو الأسود أول مَن وضع النحو بالبصرة ثم قال ابن الأنباري إنّ أول مَن وضع علم العربية وأسّس قواعده وحدوده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأخذ عنه أبو الأسود الدؤلي. وقال ابن جنّي في الخصائص في باب صدق النقلة أولا تعلم أنّ أمير المؤمنين هو البادي به والمنبّه عليه والمنشيه والمشير إليه، ثم تحقّق ابن عباس به واكتفاء علي رضي الله عنه أبا الأسود إيّاه.

وقال أبو هلال حسن بن عبد الله العسكري في كتاب الأوائل: أول مَن وضع النحو علي بن أبي طالب عليه السلام، أخرجه الزجاجي في أماليه عن المبرّد.

وقال أبو عبيدة: أوّل مَن وضع العربية أبو الأسود ثم ميمون الأقرن، ثم عنبسة الفيل، ثم عبد الله ابن إسحاق.


قلت: أي بعد أخذ ذلك من علي عليه السلام لنص أبي عبيدة نفسه على ذلك كما تقدّم نقل ابن الأنباري عنه ذلك.

قال ابن أبي الحديد في شرح النهج: ابتكره علي بن أبي طالب وأملا على أبي الأسود جوامعه وأصوله.

وقال أبو الفضل بن أبي الغنائم في شرح المفصل: روى أنّ أبا الأسود أخذ النحو من علي عليه السلام فأمره بوضعه في الكلام.

وقال عبد القادر البغدادي في خزانة الأدب عند ذكره لأبي الأسود: وهو واضع علم النحو بتعليم علي رضي الله عنه، ومثله الدميري في ( حياة الحيوان ) في دئل قال: إنّه أول مَن وضع النحو بتعليم علي بن أبي طالب عليه السلام.

وقال ابن النديم في الفهرست قال أبو جعفر بن رستم الطبري: إنّما سمّي النحو نحواً لأنّ أبا الأسود الدؤلي قال لعلي عليه السلام وقد ألقى عليه شيئاً من أصول النحو.

قال أبو الأسود: واستأذنته أن أضع نحو ما وضع فسمّى ذلك نحواً.

ثم قال ابن النديم: ورأيت ما يدل على أنّ النحو عن أبي الأسود ما هذه حكايته وهي أربعة أوراق أحسبها من ورق الصيني ترجمتها هذه فيها كلام في الفاعل والمفعول من أبي الأسود رضي الله عنه عليه بخط يحيى بن يعمر، وتحت هذا الخط بخط عتيق، وهذا خط النضر بن شميل.

وحكى ابن خلكان، وابن الأنباري عن أبي حرب ابن أبي الأسود الدؤلي: إنّ أول باب رسم أبي: باب التعجّب.


وقال ابن الأنباري: إنّه وضع المختصر المنسوب إليه بعد ما نقّط المصحف أيام زياد.

وقال ابن الأنباري في ( النزه ) والصحيح أنّ أوّل مَن وضع النحو علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ لأنّ الروايات كلها تسند إلى أبي الأسود وأبو الأسود يسند إلى علي فإنّه روى عن أبي الأسود أنّه سُئل فقيل له من أين لك هذا النحو؟ فقال: لفّقت حدوده من علي بن أبي طالب.

وقال الإمام الفخر الرازي في كتاب مناقب الشافعي: وقد قرأ الخليل بن أحمد على عيسى بن عمر عن أبي عمرو ابن العلاء وهو عن عبد الله بن إسحاق الحضرمي عن أبي عبد الله ميمون الأقرن، عن عنبسة الفيل وهو عن أبي الأسود الدؤلي عن علي عليه السلام.

وقال رشيد الدين بن شهر اشوب المازندراني في كتاب ( المناقب ) أن الخليل بن أحمد يروي عن عيسى بن عمرو الثقفي عن عبد الله بن إسحاق الجضرمي، عن عالم النحو أبي عمرو ابن العلاء، عن ميمون الأقرن، عن عنبسة الفيل، عن أبي الأسود، عن علي عليه السلام ومثله قال الأزهري في ( تهذيب اللغة ) وابن مكرم في ( لسان العرب ) وابن سيده في ( المحكم )، وابن خلكان في ( الوفيات ) وجماعات من أئمّة العلم:

قال ركن الدين علي بن أبي بكر الحديثي في كتاب الركنى إنّ أول مَن وضع النحو أبو الأسود الدؤلي أستاذ الحسن والحسين، أخذ النحو عن علي، قال فأخذ النحو عنه خمسة وهم: ابناه عطا وأبو الحارث وعنبسة وميمون ويحيى بن النعمان، وأخذ منهم: أبو إسحاق الحضرمي وعيسى الثقفي وأبو عمرو بن العلاء، وأخذ الخليل بن أحمد عن عيسى الثقفي وفاق


فيه وأخذ عنه سيبويه وبعده الأخفش، ثم صار أهل الأدب كوفياً وبصرياً.

وقال الكفعمي من الإمامية في كتاب مختصر نزهة ابن الأنباري إنّ أبا الأسود الدؤلي أول مَن وضع علم العربية وأخذه أبو الأسود من علي عليه السلام، قلت: وفي هذا كفاية لمَن أراد تحقيق الحقيقة ( تبصرة ).

قال ابن فارس في كتابه الصاحبي المترجم بفقه اللغة ما لفظه، فإن قال قائل فقد تواترت الروايات بأنّ أبا الأسود أول مَن وضع العربية وأنّ الخليل أول مَن تكلّم في العروض، قيل له: نحن لا ننكر ذلك بل نقول إنّ هذين العلمين قد كانا قديماً وأتت عليهما الأيام وقلاّ في أيدي الناس، ثم جدّدهما هذان الإمامان، انتهى. قلت: هذا بظاهره يشبه كلام أهل السوداء ضرورة عدم حاجة عرب الجاهلية إلى علم النحو؛ لأنّهم فطروا على العربية وجبلوا عليها لا يستطيعون خلافها حتى يحتاجون إلى علم ما يقوّم لسانهم.

والروايات التي اعترف بتواترها روت السبب في وضع أمير المؤمنين عليه السلام له وسبب نحو أبي الأسود نحوه، وحاصلها فساد لسان أولاد العرب المتولّدين من الأنباط والموالي في أيام النبوّة وبعدها فحاولوا السراية وفساد اللغة فرسموا النحو لحفظ ما كان محفوظاً بالفطرة الأصلية.

وبالجملة، التاريخ والاعتبار يدلاّن على خلاف ما زعمه هذا الفاضل وهو رأي تفرّد به مرّ فيه على وجهه لم يدر ما يدخل عليه من ذلك فنأخذ ما روى وننبذ مارأى، وأمّا وهمه في قدم العروض فقد قدمنا جوابه فلا نعيد.


الصحيفة الثالثة

في تحقيق السبب الذي دعا أمير المؤمنين عليه السلام إلى اختراع أُصول علم النحو وتحديد حدوده

وتحقيق السبب الذي دعا أبا الأسود إلى ما رسمه من النحو

لأنّ الناس اختلفوا في المقامين وذكروا في المقام الأول وجوهاً، أحدها ما ذكره ابن الأنباري في خطبة شرح سيبويه قال:

إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم سمع يوماً قارئاً يقرأ إنّ الله بريء من المشركين ورسوله بجر لام الرسول فغضب صلّى الله عليه وآله وسلّم وأشار إلى أمير المؤمنين علي عليه السلام: انح النحو واجعل له قاعدة، وامنع من مثل هذا اللحن، فطلب أمير المؤمنين أبا الأسود الدؤلي وعلّمه العوامل والروابط وحصر كلام العرب وحصر الحركات الإعرابية والبنائية، وكان أبو الأسود كيّساً فطناً ذهناً فألّف ذلك وإذا أشكل عليه شيء راجع أمير المؤمنين عليه السلام ورتّب وركّب بعض التراكيب وأتى به إلى خدمة أمير المؤمنين عليه السلام فاستحسنه وقال نعم ما نحوت - أي قصدت - فللتفاؤل بلفظ علي عليه السلام سُمّي هذا العلم نحواً، انتهى.

ولا يخفى أنّ لفظة النحو فيما ذكره من القصّة إنّما صدرت أولاً من قول النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم لا من كلام علي عليه السلام، كما قال ابن الأنباري، والمعلوم عند أهل العلم في وجه تسمية علم النحو هو ما قاله لا ما في هذه القصة الشبيهة بحكايات القصاصين، وأهل العلم بالأخبار لا يرون وقوع هذه القصة في زمن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وإنّما تفرّد بها ابن الأنباري فيما أعلم؛ لأنّي لم أعثر على مَن قصّها قبله.


نعم حكاها عنه بعض المتأخّرين وذكرتهم في الأصل.

ثانيها: ما ذكره رشيد الدين علي بن شهرآشوب المازندراني في كتاب المناقب: أنّ السبب في وضع أمير المؤمنين عليه السلام ذلك أنّ قريشاً كانوا يزوّجون بالأنباط، فوقع فيما بينهم أولاد ففسد لسانهم، حتى أنّ بنتاً لخويلد الأسدي كانت متزوّجة في الأنباط، فقالت: إنّ أبوي مات وترك علي مالاً كثيراً فلمّا رأى علي عليه السلام فساد لسانها أسّس النحو.

وفي كتاب الركني لركن الدين علي ابن أبي بكر الحديثي ما لفظه: وسببه أنّ امرأة دخلت على معاوية في زمن عثمان وقالت أبوي مات وترك مالاً فاستقبح معاوية ذلك فبلغ الخبر عليّاً عليه السلام فرسم لأبي الأسود رقعة فيها أصول النحو الحديث.

قلت: لا منافاة بين الروايتين.

ثالثها: أنّ أعرابياً سمع من سوقي يقرأ إنّ الله بريء من المشركين ورسوله، فشجّ رأسه فخاصمه إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال له في ذلك، فقال: إنّه كفر بالله في قراءته فقال عليه السلام إنّه لم يتعمّد بذلك فأسّس أُصول النحو في رقعة ودفعها لأبي الأسود، الحديث ذكره رشيد الدين.

وقال شمس الدين محمد ابن السيد الشريف الجرجاني في كتابه الموسوم بالرشاد في شرح الإرشاد للعلاّمة التفتازاني في وجه تسمية النحو بالنحو أنّ أبا الأسود الدؤلي سمع قارئاً يقراً إنّ الله بريء من المشركين ورسوله بالجر في المعطوف والواجب فيه الرفع أو النصب، فحكى لأمير المؤمنين علي عليه السلام فقال ذلك لمخالطة العجم.

ثم قال: أقسام الكلمة ثلاثة اسم وفعل وحرف، إلى آخر الصحيفة،


وقال الإمام ميثم البحراني في بداية الأمر إنّ أبا الأسود سمع رجلاً يقرأ: إنّ الله بريء من المشركين ورسوله بالكسر فأنكر ذلك وقال: نعوذ بالله من الخور بعد الكور - أي من نقصان الإيمان بعد زيادته وراجع عليّاً عليه السلام في ذلك فقال: نحوت أن أضع للناس ميزاناً يقوّمون به ألسنتهم.

فقال له مولانا عليه السلام: الكلمات ثلاث: اسم وفعل وحرف، فالاسم إلى آخر الصحيفة وقال عليه السلام: انح يا أبا الأسود نحوه وأرشده إلى كيفية ذلك الوضع وعلّمه إيّاه، قلت وهذا أيضاً لا مخالفة فيه غير الاختلاف فيمَن سمع أنّ الله بريء من المشركين ورسوله.

رابعها: ما ذكره إبراهيم بن علي الكفعمي الشامي قال: وروي أنّ سبب وضع النحو من علي عليه السلام أنّه سمع رجلاً يقرأ لا يأكله إلاّ الخاطئين.

خامسها: ما ذكره رشيد الدين أنّ السبب في ذلك أنّ أبا الأسود كان يمشي خلف جنازة - فقال له رجل: مَن المتوفّى؟ فقال الله أخبر عليّاً عليه السلام فأسّس ذلك ودفعه إلى أبي الأسود في رقعة وقال: ما أحسن هذا النحو، أحش له بالمسائل فسمي نحواً.

سادسها: ما رواه السيد المرتضى علم بن الحسين الموسوي في كتاب الفصول المختارة من كتاب العيون والمحاسن للشيخ أبي عبد الله المفيد محمد بن النعمان المعروف بابن المعلم.

قال أخبرني الشيخ أبو عبد الله أدام الله عِزّه عن محمد بن سلام الجمحي أنّ أبا الأسود الدؤلي دخل على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فرمى إليه رقعة فيها بسم الله الرحمن الرحيم، الكلام كلّه ثلاثة أشياء،


اسم وفعل وحرف جاء لمعنى: فالاسم ما أنبأ عن المسمّى، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمّى، والحرف ما أوجد معنى في غيره، فقال أبو الأسود يا أمير المؤمنين هذا كلام حسن فما تأمرني أن أصنع به فإنّني زدت بإيقافي عليه، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: إنّي سمعت في بلدكم هذا لحناً كثيراً فاحشاً، فأحببت أن أرسم كتاباً مَن نظر فيه ميّز بين كلام العرب وكلام هؤلاء، فابن عليه ذلك.

فقال أبو الأسود وفّقنا الله بك يا أمير المؤمنين للصواب، انتهى.

قال رشيد الدين قال بن سلام الجمحي بعد نقل الرقعة وكتب عليه السلام: كتبه علي بن أبو طالب فعجزوا عن ذلك فقالوا أبو طالب اسمه كنيته وقالوا هذا تركيب مثل دراحنا وحضرموت.

وقال الزمخشري في ( الفائق ) ترك في حال الجر على لفظه في حال الرفع؛ لأنّه أشهر بذلك وعرف فجرى مجرى المثل الذي لا يتغيّر.

وقال أبو القاسم الزجّاج في أماليه عن أبي جعفر الطبري عن أبي حاتم السجستاني، عن يعقوب بن اسحق الحضرمي، عن سعيد بن مسلم الباهلي، عن أبيه، عن جدّه، عن أبي الأسود الدؤلي أنّه قال:

دخلت على علي بن أبي طالب عليه السلام فرأيته مطرقاً مفكّراً فقلت فيم تفكّر يا أمير المؤمنين؟ قال: إنّي سمعت ببلدكم هذا لحناً فأردت أن أضع كتاباً في أصول العربية، فقلنا إن فعلت هذا أحييتنا وبقيت فينا هذه اللغة.

ثم أتيته بعد ثلاث فألقى إليّ صحيفة فيها بسم الله الرحمن الرحيم، الكلام كلّه اسم وفعل وحرف، فالاسم ما أنبأ عن المسمّى، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمّى، والحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل.


ثم قال لي: تتبعه وزد فيه ما وقع لك، واعلم يا أبا الأسود أنّ الأشياء ثلاثة ظاهر ومضمر، وشيء ليس بظاهر ولا مضمر.

قال أبو الأسود فجمعت منه أشياء وعرضتها عليه فكان من ذلك حروف النصب فذكرت فيها أنّ وإن وليت ولعلّ وكأنّ، ولم أذكر لكن، فقال لي لِم تركتها؟ فقلت: لم أحسبها منها، فقال: بل هي منها، فزدتها فيها، انتهى ما في أمالي الزجاج.

قلت وبعد حمل المجمل من هذه الوجوه على مبينها ومطلقها على مقيدها يكون الحاصل منها أنّ سماع اللحن ممّن فسد لسانه بمخالطة العجم سبب وضع أمير المؤمنين له وأمر أبي الأسود باتباعه نحوه، وكل هذه الوجوه تردّ مقالة ابن فارس أيضاً كما قدّمنا.

وأمّا روايات للسبب الذي دعا أبا الأسود إلى ما رسمه من النحو فأيضاً لا تنافي بينها، فقد حكى أبو سعيد أنّه مرّ بأبي الأسود سعد وكان رجلاً فارسياً من أهل زندخان كان قدم البصرة مع جماعة أهله، فدنوا من قدامة بن مظعون وادعوا أنّهم أسلموا على يديه وأنّهم بذلك من مواليه، فمرّ سعد هذا بأبي الأسود وهو يقود فرسه، فقال: مالك يا سعد: لم لا تركب؟ قال إنّ فرسي ضالعاً أراد ضالع، قال فضحك به بعض مَن حضره، فقال أبو الأسود هؤلاء الموالي قد رغبوا في الإسلام ودخلوا فيه فصاروا لنا إخوة، فلو عملنا لهم الكلام فوضع باب الفاعل والمفعول. وإنّ امراة دخلت على معاوية في زمن عثمان وقالت: أبوي مات وترك مالاً، فاستقبح معاوية ذلك، فبلغ الخبر عليّاً فرسم لأبي الأسود فوضع أبو الأسود أولاً باب الياء والإضافة، ثم سمع رجلاً يقرأ إنّ الله بريء من المشركين ورسوله بالجر فصنّف بابي العطف والنعت.


ثم قالت ابنته يوماً: يا أبت ما أحسن السماء بالضم على لفظ الاستفهام: فقال لها: نجومها؟ قالت: إنّما أتعجب من صنعتها فقال لها: قولي ما أحسن السماء وافتحي فاك، فصنّف بابي التعجّب والاستفهام.

وأنت خبير أن لا تنافي في هذه الروايات، فإنّ كلاًّ سبب لتصنيف باب من أبواب النحو.

وأمّا ما ذكره ابن النديم في الفهرست، والشيخ أبو الحسن سلامة بن عيان بن أحمد الشامي النحوي في أول كتاب المصباح في النحو، ولفظ الأول قد اختلف الناس في السبب الذي دعا أبا الأسود إلى ما رسمه من النحو، فقال أبو عبيدة أخذ النحو عن علي بن أبي طالب عليه السلام أبو الأسود، وكان لا يخرج شيئاً أخذه عن علي كرّم الله وجهه إلى أحد حتى بعث إليه زياد أن اعمل شيئاً يكون للناس إماماً ويعرف به كتاب الله فاستعفاه من ذلك حتى سمع أبو الأسود قارئاً يقرأ إنّ الله بريء من المشركين ورسوله بالكسر، فقال: ما ظننت أنّ أمر الناس آل إلى هذا، فرجع إلى زياد فقال: افعل ما أمر به الأمير فليبغني كاتباً لقناً يفعل ما أقول، فأتي بكاتب من عبد القيس فلم يرضه، فأتي بآخر.

قال أبو العباس المبرد: أحسبه منهم، فقال أبو الأسود إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف فانقط نقطة فوقه على أعلاه، وإن ضممت فمي فأنقط نقطة بين يدي الحرف، وإن كسرت فاجعل النقطة من تحت الحرف فهذا نقط أبي الأسود انتهى.

قلت: هذا لا ربط له في موضوع الكلام، فإنّ الكلام في سبب رسم علم النحو لا رسم المصحف، والعجب من هذين الفاضلين حيث ذكراه في سبب رسم النحو؛ فتأمّل.


خاتمة: في معنى النحو والعربية لغة قوله (عليه السلام) انح نحوه، أي اسلك طريقه.

قال البيهقي: النحو الاستقامة وكان النحو المذهب الذي يقوّم لغة العرب.

وقال قوم: النحو الناحية، قال أبو عثمان المازني: النحو ناحية من الكلام، والنحو المثال، كقولك هذا على نحوه أي مثاله.

وقال الخليل: النحو القصد، وذلك لأنّ عليّاً عليه السلام قال - حين سمع قول رجل يلحن في كلامه - لأبي الأسود الدؤلي: ضع ميزاناً لكلام العرب فلقد كثرت الأنباط والمتعربة، فلمّا وضع أبو الأسود هذا الميزان قال أمير المؤمنين عليه السلام: ما أحسن النحو الذي أحدثت فيه - أي الناحية والطريق.

ثم قال (عليه السلام) للمتعربة: انحوا نحوه. أي أقصدوا قصده واسلكوا طريقه.

قلت: النحو ما يقصد له، تقول نحا نحوه أي قصد نحوه، وإنّما أراد (عليه السلام) وأقصد نحو الإعراب والعربية أسم اللغة يقال هي اللغة العربية يراد بها الجيّدة الفصيحة البيّنة، وقيل للعربي عربي لأنّه عرب الألفاظ أي بيّنها.

وقال الأصمعي: قال رجل لبنيه يا بني أصلحوا ألسنتكم فإنّ الرجل تنوبه النائبة فيستعير من أخيه وأبيه أثوابه ولا يجد مَن يعيره لسانه.


الصحيفة الرابعة

في أوّل مَن أخذ النحو من أبي الأسود

فاعلم أنّ أوّل مَن تعلّم منه ابنه عطاء ابن أبي الأسود، ثم يحيى بن يعمر العدواني، كما نصّ عليه أبو حاتم السجستاني وأبو الطيب اللغوي في مراتب النحويين، وكانا إمامين في النحو بعد أبي الأسود.

قال ابن قتيبة في كتاب المعارف: فولد أبو الأسود الدؤلي عطاء وأبا حرب، وكان عطاء ويحيى بن يعمر العدواني بعجا العربية بعد أبي الأسود ولا عقب لعطاء، وأمّا أبو حرب ابن أبي الأسود فكان عاقلاً شاعراً.

انتهى ما في المعارف وفي كون عطاء وأبي حرب اثنين، تأمّل، بل في فهرست مصنّفي الشيعة لأبي العباس النجاشي وهو علامة النسب أبو حرب عطاء بن أبي الاسود الدؤلي وكان أستاذ الأصمعي وابي عبيدة، وقال ابن حجر في التقريب: أبو حرب بن أبي الأسود الدؤلي البصري ثقة، قيل اسمه محجن وقيل عطاء من الثالثة، مات سنة ثمان ومائة وقال ركن الدين علي بن أبي بكر في كتابه الركني في النحو وأخذ النحو عن أبي الاسود خمسة وهم أبناء عطاء وأبو الحارث.

الصحيفة الخامسة

في أوّل مَن بسط النحو ومدّ أطنابه وسبّب علله وفتق معانيه

وأوضح الحجاج فيه في المصرين: البصرة والكوفة

أمّا في البصرة فهو الحبر العلاّمة حجّة الأدب وترجمان لسان العرب


أبو الصفاء الخليل بن أحمد، فإنّه الذي نقّحه حتى بلغ أقصى حدوده وانتهى إلى أبعد غاياته وأوحى إلى سيبويه من دقائق نظره ونتائج فكره ولطائف حكمته ما جمعه سيبويه في كتابه الذي أعجز قبله، كما امتنع على مَن تأخّر بعده ويظهر من بعض العبائر أنّ الخليل لم يصنّف فيه، لكن ابن خلكان وغيره عدّ له كتاب العوامل، والسيوطي عدّ له الجمل والشواهد، وذكروا أنّ سيبويه يروي عن الخليل ألف ورقة من علم الخليل في النحو كما نصّ عليه السيوطي في ترجمة سيبويه في الطبقات.

وأمّا في الكوفة فهو الشيخ العلاّمة المتبحّر أبو الجعفر الرواسي شيخ الكوفيين محمد بن الحسن ابن أبي سارة الكوفي النحوي، قال جلال الدين السيوطي في ترجمته في الطبقات: وهو أول مَن وضع من الكوفيين كتاباً في النحو وهو أستاذ الكسائي والفرّاء.

بعث إليه الخليل يطلب كتابه فبعثه إليه فقرأه فكل ما في كتاب سيبويه، وقال الكوفي كذا فإنّما عنى الرواسي.

هذا وكتابه يقال له الفيصل كما نصّ عليه في المزهر أيضاً، وهو من شيوخ الشيعة له في فهرست مصنّفي الإمامية ترجمة ومصنّفات، كان من أصحاب أبي جعفر الباقر وأبي عبد الله الصادق، وهو من أهل بيت فضل وأدب له في الأصل ترجمة مفصّلة.

الصحيفة السادسة

في مشاهير أئمّة علم النحو الشيعة

منهم: عطاء بن أبي الأسود، وقد تقدّم ذكره في الصحيفة الرابعة.

ومنهم:


يحيى بن يعمر العدواني الوسقي المضري البصري من عدنان بن قيس بن غيلان بن مضر وكان عداده في بني ليث بن كنانة، كان أحد قرّاء البصرة وعنه أخذ عبد الله بن إسحق القراءة.

قال ابن خلكان: وكان عالماً بالقرآن الكريم والنحو واللغات وأخذ النحو عن أبي الأسود الدؤلي، وكان شيعياً من الشيعة الأولى القائلين بتفضيل أهل البيت عليهم السلام من غير تنقيص لذي فضل من غيرهم.

قلت: ذكره الحاكم في تاريخ نيسابور وأثنى عليه ثناءً عظيماً ذكرت بعضه في الأصل وذكرت ما في الروض الزاهر من مناظراته مع الحجّاج وإثباته أنّ الحسن والحسين ابنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من آية:(وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، إلى قولهوَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ) .

قال يحيى بن يعمر للحجّاج فمَن كان أبا عيسى وقد ألحقه الله بذرّية إبراهيم وما بين عيسى وإبراهيم أكثر ممّا بين الحسن والحسين ومحمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقال الحجاج ما أراك إلاّ قد خرجت وأتيت بها مبيّنة واضحة الحديث.

قال في بغية الوعاة توفّى سنة تسع وعشرين ومئة.

وقال في التقريب مات قبل المئة وقيل بعدها.

ومنهم محمد بن الحسن ابن أبي سارة أبو جعفر مولى الأنصار يعرف بالرواسي الكوفي شيخ الكوفيين في العربية وأوّل مَن صنّف فيهم في النحو كما تقدّم في الصحيفة الخامسة مات بعد المئة ذكرت ترجمتة ومصنّفاته في الأصل.

ومنهم: الفرّاء النحوي المشهور يحيى بن زياد الأقطع الكوفي، قطعت


يد أبيه زياد بن عبد الله في وقعة فخ كان مع الحسين بن علي بن الحسن المثلث ابن الحسن المثنّى ابن الحسن السبط.

قال في رياض العلماء وما قال السيوطي من ميل الفرّاء إلى الاعتزال لعلّه مبني على الخلط بين أصول الشيعة والمعتزلة، وإلاّ فهو شيعي إمامي كما سبق آنفاً، انتهى.

حكى عن أبي العباس تغلب أنّه لولا الفرّاء لما كانت عربية؛ لأنّه خلصها وضبطها، قال: لولا الفرّاء لسقطت العربية لأنّها كانت تتنازع ويدّعيها كل مَن أراد ويتكلّم الناس فيها على مقادير عقولهم وقرائحهم فنذهب.

قلت: وذكرت له ترجمة تليق به في الأصل مع تعداد مصنّفاته وأنّه توفّي سنة سبع ومئتين في طريق مكّة عن ثلاث وستين سنة.

ومنهم: أبو عثمان بكر بن محمد بن حبيب بن بقية المازني من بني مازن من شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بكر بن وائل سيد أهل العلم بالنحو والعربية واللغة بالبصرة وتقدّمه مشهور بذلك من علماء الإمامية تقدّم ذكره في علم الصرف مات سنة ٢٤٨ على الأصح.

ومنهم: الإمام ابن حمدون الكاتب النديم النحوي المشهور وهو أحمد ابن إبراهيم بن إسماعيل بن داود بن حمدون، قال ياقوت ذكره أبو جعفر العلوي في مصنّفي الإمامية. وقال هو شيخ أهل اللغة ووجههم وأستاذ أبي العباس تغلب، قرأ عليه قبل ابن الأعرابي وتخرّج من يده. قلت: هو في فهرست مصنّفي الشيعة للشيخ أبي جعفر الطوسي وفهرست أسماء المصنّفين من الإمامية للنجاشي، كما نقل ياقوت، مع زيادات ذكرتها في الأصل.


ومنهم: أبو العباس المبرد محمد بن يزيد بن عبد الأكبر بن عمير الثمالي الأزدي البصري اللغوي النحوي المشهور كان إمام العربية في زمانه أخذ علوم العربية عن الإمام أبي عثمان المازني وتخرج عليه، تقدّم النص على تشيّعه وتواريخه.

ومنهم: ثعلبة بن ميمون أبو إسحق مولى بني أسد ثم مولى بني سلمة، كان إمام العربية بالكوفة وكان حسن العمل كثير العبادة والزهد كما في فهرست أسماء المصنّفين للنجاشي، وذكر له حكاية لمّا دخل الرشيد العباسي هارون بن محمد الكوفة وأنّه روى عن أبي عبد الله الصادق والكاظم عليهما السلام وصنّف في الحديث أيضاً ذكرت كل ما ذكره في الأصل.

ومنهم: أبو القاسم الجرجي الكوفي النحوي المشهور سعيد بن محمد بن سعيد الجرجي قال السمعاني في الأنساب كان أحد أئمّة علم النحو وكان من أهل الصدق، كان غالياً في التشيّع.

ومنهم: يعقوب بن سفيان أحد أركان الأدب فاضل في كل فنون الإسلام خصوصاً العلوم العربية قال ابن الأثير في الكامل كان من علماء الشيعة وفضلائها توفّي سنة ٢٧٧.

ومنهم: قتيبة النحوي الجعفي الكوفي من أئمّة علم النحو واللغة، ووصفه النجاشي في كتاب فهرست أسماء مصنّفي الشيعة بالأعشى المؤدب وكنّاه بأبي محمد المقري مولى الأزد. وذكره السيوطي في الطبقات وحكى عن الزبيدي ذكره في أئمّة نحاة الكوفيين وأنّه قال وقّع كاتب المهدي قرى عربية، فنوّن قرى، فأنكره شبيب بن شيبة، فسأل قتيبة هذا، فقال إن أريد قرى الحجاز فلا تنوّن؛ لأنّها تنصرف أو قرى السودان نوّنت لأنّها تنصرف.


ومنهم: السياري أحمد بن محمد بن سيار أبو عبد الله الكاتب النحوي اللغوي الشاعر الأديب البصري قال النجاشي كان من كتاب الطاهر في زمن أبي محمد العسكري عليه السلام له كتب ذكرتها في الأصل.

ومنهم: أبو بكر الصولي أخذ النحو عن المبرّد تقدّم ذكره في الكتاب.

ومنهم: أبو جعفر محمد بن سلمه بن نبيل اليشكري النحوي، جليل من أصحابنا الكوفيين عظيم القدر فقيه قار لغوي نحوي خرج إلى البادية ولقي العرب وأخذ عنهم وأخذ عنه يعقوب ابن السكيت ومحمد بن عبده النائب قال النجاشي وبيت اليشكري بالكوفة بيت فيهم فضل وتمييز ومنهم: قوم كتاب إلى وقتنا هذا ثم عدد مصنّفاته وقد ذكرتها في الأصل.

ومنهم: أبو جعفر النحوي المعروف بأبي عصيدة وأسمه أحمد بن عبيد بن ناصح بن بلنجر مولى بني هاشم الكوفي الديلمي الأصل كان من أئمّة العربية وأدب المعتز ابن المتوكّل، أخذ عن الأصمعي ومَن في طبقته، وحدث عن الواقدي وعنه القاسم الأنباري وجماعة، روى في مناقب أهل البيت عن الواقدي وغيره وله مع المعتز يوم أراد قتل المتوكل حكاية ذكرها نور الله المرعشي في طبقات الشيعي في ترجمة أبي عصيدة.

ومنهم: شيخ الأدب أبو علي الفارسي اسمه الحسن بن علي بن أحمد ابن عبد الغفار بن محمد بن سليمان بن أبان الفسوي إمام وقته في علم النحو حتى قيل بدأ النحو بفارس، وختم بفارس يعني بدأ بسيبويه وختم بأبي علي الفارسي قدم على سيف الدولة بحلب سنة ٣٣١، وأقام عنده مدّة ثم ارتحل إلى عضد الدولة بن بويه بفارس فأكرمه وتقدّم عنده وهو من الشيعة الإمامية كما في


رياض العلماء وغيره وقد وهم من نسبه إلى الاعتزال، وله في الأصل ترجمة مفصّلة مع تفصيل مصنفاته كان تولّده سنة ٢٨٨، وتوفّي يوم الأحد ٢٧ ربيع الثاني سنة ٣٧٧ هـ.

ومنهم: الأرجاني فارس بن سليمان أبو شجاع الأرجاني قال النجاشي شيخ من أصاحبنا كثير الأدب والحديث صحب يحيى بن زكريا الترماشيري ومحمد بن بحر الرهبي وأخذ عنهما له كتاب مسند أبي نواس وحجر وأشعب وبهلول وجعفران.

ومنهم: ابن الكوفي علي بن محمد بن عبيد بن الزبير الأسدي الإمامي من مشاهير أصحاب تغلب إمام في العربية بالكوفة ذكره النجاشي في كتابه أسماء مصنّفي الشيعة وأثنى عليه، وكذلك السيد بحر العلوم في الفوائد الرجالية وترجمه ياقوت والسيوطي في المعجم والطبقات ذكرت كلامه في الأصل صنّف الفرائد والقلائد في اللغة وكتاب معاني الشعر وكتاب الهمز وكان ولد سنة ٢٥٤ وتوفى في ذي القعدة سنة ٣٤٨ هـ.

ومنهم: الأخفش الأول المتوفّى قبل الخمسين ومئتين واسمه أحمد بن عمران بن سلامة الإلهاني يكنّى أبا عبد الله النحوي، قال ياقوت بعد ترجمته وله أشعار كثيرة في أهل البيت منها:

إنّ بني فاطمة الميمونه

الطيبين الأكرمين الطينه

ربيعنا في السنة الملعونه

كلهم كالروضة المهتونه

وذكره السيد بحر العلوم الطباطبائي في كتاب الرجال وذكر أنّه من شعراء أهل البيت عليهم السلام خالص الود لآل البيت أصله من الشام وهاجر


للعلم بالعراق، ثم رحل إلى مصر ثم إلى طبرية صحب إسحاق بن عبدوس وكان يؤدّب ولده بطبرية.

ومنهم: مرزكه بفتح الميم وسكون الراء وفتح الزاء وتشديد الكاف أسمه زيد من الموصل أحد أئمة النحو من الشيعة وذكره السيوطي في طبقات النحاة، وقال الصفدي كان نحوياً شاعراً أديباً رافضياً وذكره ابن النديم في شعراء الشيعة ومتكلّميهم.

ومنهم: ابن أبي الأزهري النحوي المشهور من أعلام علماء الشيعة له في كتب فهرست مصنّفي الشيعة ترجمة ومصنّفات، وذكره علماء التراجم والخطيب في تاريخ بغداد وغيره مات سنة خمس وعشرين وثلاثمائة عن نيف وتسعين سنة.

ومنهم: أبو عبد الله محمد بن عبد الله الكاتب البصري النحوي الشاعر المعروف بالمفجع المتقدم ذكره قال ياقوت كان من كبار النحاة شاعراً مفلّقاً شيعياً، وقال النجاشي جليل من وجوه أهل اللغة والأدب والحديث قلت له ترجمة طويلة في الأصل وفيها فهرست مصنّفاته وأنّه مات سنة عشرين وثلاثمئة.

ومنهم: ابن خالوية إمام اللغة والعربية وغيرهما من العلوم الأدبية تقدم ذكره وله في الأصل ترجمة مضبوطة مع فهرست مصنّفاته، وأنّه مات بحلب سنة سبعين وثلاثمئة.

ومنهم: الخالع النحوي واسمه حسين بن محمد بن جعفر بن محمد بن الحسين الرافعي، قال الصفدي كان من كبار النحاة أخذ عن الفارسي والسيرافي


وذكره النجاشي في مصنّفي الشيعة، وذكر له كتاب صنعة الشعر كتاب الدرجات وكتاب أمثال العامّة وله تخيّلات العرب، كتاب شرح شعر أبي تمام، كتاب الأودية والجبال والرمال، وكان موجوداً في عشر الثمانين والثلاثمئة.

ومنهم: المرزباني محمد بن عمران الكاتب البغدادي المتقدم ذكره إمام علوم الأدب أخذ عن ابن دريد وابن الأنباري وعنه أبو عبد الله الصيمري وأبوالقاسم التنوخي وأبو محمد الجوهري وغيرهم وقد أخرجت تمام فهرست مصنفاته في الأصل.

ومنهم: أبو الفتح محمد بن جعفر بن محمد الهمذاني المراغي النحوي، قال ياقوت كان حافظاً نحويا بليغاً وقال التوحيدي كان قدوة في النحو والأدب مع حداثة سنه ولم أر مثله وقال النجاشي في كتاب مصنّفي الشيعة عند ذكره كان وجهاً في النحو واللغة ببغداد حسن الحفظ صحيح الرواية فيما ينقله وكان يتعاطى الكلام وكانت وفاته سنة ٢٧١ ذكرت مصنّفاته في الأصل.

ومنهم: الحسين بن محمد بن علي الأزدي أبو عبد الله النحوي الكوفي، قال النجاشي: ثقة من أصحابنا كان الغالب عليه علم السير والأدب والشعر وله كتاب الوفود على النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، كتاب أخبار ابن أبي عقب وشعره مات في آخر المئة الثالثة.

ومنهم: أحمد بن إسماعيل بن عبد الله أبو علي البجلي اللغوي المعروف بسمكة القمّي أستاذ ابن العميد من أئمة علم الأدب والنحو تأدّب على أحمد ابن أبي عبد الله البرقي وغيره قال النجاشي: وله عدّة كتب لم يصنّف مثلها وذكرها وذكرتها في الأصل.


ومنهم: أبو الحسن السمساطي كان واحد عصره في كل فنون الأدب والعربية مصنّفاً في الكل عددت مصنّفاته في الأصل. قال النجاشي كان شيخاً في الجزيرة وفاضل أهل زمانه وأديبهم ثم ذكر مصنّفاته، قلت: له رسائل إلى سيف الدولة فهو من طبقة الكليني.

ومنهم: الشيخ ابن عبدون المعروف في عصره بابن الحاشر واسمه أحمد ابن عبد الواحد بن أحمد البزاز يكنّى أبا عبد الله كان إمام أهل الأدب والفقه والحديث كثير السماع والرواية قال النجاشي شيخنا المعروف بابن عبدون كان قوياً في الأدب قد قرأ كتب الأدب على شيوخ أهل الأدب وكان قد لقي أبا الحسن علي بن محمد القرشي المعروف بابن الزبير وكان علواً في الوقت، له كتب منها: أخبار السيد بن محمد، كتاب التاريخ، كتاب تفسير خطبة فاطمة عليها السلام معربة، كتاب الجمعة، كتاب التاريخ، كتاب الحديثين المختلفين، قلت: وله كتاب آداب الخلفاء مات سنة ٣٢٣ سمع منه الشيخ أبو جعفر الطوسي وأجازه جميع ما رواه.

ومنهم: ابن النجار النحوي الكوفي محمد بن جعفر بن محمد بن هارون بن فوقة أبو الحسين التميمي صاحب المختصر في النحو وكتاب الملح والنوادر قال ياقوت ولد بالكوفة سنة ثلاث وثلاثمئة وقبل سنة إحدى عشرة وثلاثمئة وقدم بغداد وحدث عن ابن دريد ونفطويه، وكان ثقة من مجوّدي القرآن قلت وهو أحد شيوخ النجاشي صاحب الفهرست في مصنّفي الشيعة ذكره وأثنى عليه وذكر مصنّفاته وعدّ منها تاريخ الكوفة ثم لا يخفى أنّ ابن النجار يطلق على مَن ذكرنا وعلى محب الدين محمد بن محمود بن الحسن بن النجار صاحب التحصيل والتذييل على تاريخ الخطيب من علماء السنة والجماعة وهذا من الإمامية توفّي سنة عشرين وأربعمئة، وقيل سنة ستين وأربعمئة.


ومنهم: أبو الفرج القناني النحوي الكوفي الورّاق ذكره النجاشي في فهرست أسماء المصنّفين الشيعة وذكر كتبه وهو أحد مشايخه ذكرته في الأصل في علماء المئة الرابعة.

ومنهم: أبو الفرج محمد ابن أبي عمران موسى بن علي بن عبد ربّه القزويني الكاتب النحوي الكوفي ذكره النجاشي أيضاً وهو من معاصريه ولم يتفق له السماع منه وهو من علماء المئة الرابعة.

ومنهم: أبو الحسن الربعي النحوي علي بن عيسى بن الفرج بن صالح الربعي، قال ابن كثير الشامي في تاريخه قرأ في ابتداء أمره على السيرافي علوم العربية، ثم على أبي علي الفارسي ولازمه ملازمة تامة عشرين سنة حتى برع في العلم وحاز قصب السبق، قال وكان يتمشّى على شاطئ دجلة ذات يوم والشريفان المرتضى والرضي في زورق في دجلة ومعهما عثمان ابن جني أبو الفتح فقال علي بن عيسى لهما: من أعجب الأعاجيب أنّ عثمان معكما وعلي بعيد عنكما يسير في شاطئ دجلة، الحديث، مات سنة عشرين وأربعمئة.

ومنهم: أبو اسحق الرفاعي إبراهيم بن سعد بن الطيب الرفاعي النحوي قال أبو غالب محمد بن محمد بن سهل بن بشران النحوي ما رأيت قط أعلم من أبي إسحاق الرفاعي كان ضريراً أخذ عن السيرافي وقرأ عليه شرحه على الكتاب وسمع منه كتب اللغة والدواوين وخرج من بغداد إلى واسط وكان قبل قدومه إلى بغداد قدم واسط وتلقّى القرآن فيها من عبد الغفار الحصني فجلس بالجامع صدراً يقرأ الناس، قاله ياقوت ثم قال ثم نزل الزيدية وهناك تكون الرافضة والعلوية فنسب إلى مذهبهم ومقت وجفاه الناس ومات سنة إحدى عشرة وأربعمئة.


ومنهم: عبد السلام بن الحسين أبو أحمد البصري النحوي، ذكره النجاشي ووصفه بشيخ الأدب بالبصرة وهو أحد مشايخه بالكوفة.

ومنهم: الشريف يحيى بن محمد بن طباطبا العلوي النحوي يكنّى أبا المعز وأبا محمد أخذ عن الربعي والشماس وعنه ابن الشجري، قال ياقوت وكان يفتخر به ابن الشجري. وقال ابن النديم في الفهرست يحيى العلوي أبو محمد النيسابوري المتكلّم له كتب لقيت جماعة ممّن لقوه وقرأوا عليه وذكره السيوطي في طبقات النحاة وحكى أنّه كان شيعياً. قلت ذكره شيخ الشيعة العلاّمة ابن المطهّر في الخلاصة قال كان فقيها عالماً متكلماً يسكن نيسابور وكذلك قال النجاشي والشيخ ابن داود وغيرهم وقد أخرجت عبائرهم في الأصل.

ومنهم: ثابت بن أسلم بن عبد الوهاب أبو الحسن الحلبي النحوي قال السيوطي في الطبقات قال الذهبي كان من كبار النحاة شيعياً صنّف كتاباً في تعليل قراءة عاصم وتولّى خزانة الكتب بحلب لسيف الدولة فقالت الإسماعيلية هذا يفسد الدعوة؛ لأنّه صنّف كتاباً في كشف عوارهم وابتداء دعوتهم فحمل إلى مصر فصلب في حدود سنة ستين وأربعمئة.

ومنهم: أبو القاسم التنوخي علي بن المحسن بن علي بن محمد ابن أبي الجهم قال في نسمة السحر في ذكر من تشيّع وشعر كان فاضلاً شاعراً أديباً كأبيه وجدّه وأخذ اللغة عن أبي العلاء المعرّي وروى شعراً كثيراً وولي القضاء بعدة بلاد ثم عدّها. قلت وقد أخذ عن السيد المرتضى قال محمد بن شاكر في فوات الوفيات وكان شيعياً معتزلياً؛ وهذا وهم منه إنّما كان شيعياً إمامياً، تولّد يوم الثلاثاء منتصف شعبان سنة خمس وخمسين وثلاثمئة وتوفّي في شهور


سنة ٤٤٧ ونصّ على تشيّعه وتشيّع أبيه المحسن وجدّه القاضي التنوخي القاضي المرعشي في طبقات الشيعة.

ومنهم: علي بن أحمد الفنجكري بفتح الفاء وسكون النون ثم الجيم ثم الكاف ثم الراء المهملة ثم الياء النسبية وهي نسبة إلى فنج كرد قرية من قرى نيسابور الأديب له تاج الأشعار وسلوة الشيعة وهي أشعار أمير المؤمنين ألف الميداني كتاب السامي في الأسامي في اللغة بالفارسية باسمه ووصفه فيه ومدحه بالفضل والعلم والأدب.

قال القاضي المرعشي في طبقات الشيعة كان أديباً فاضلاً لبيباً مؤمناً كاملاً، وله في أهل البيت الأشعار الرائقة وذكر قطعة منها.

وقال السيوطي: قال في السياق الأديب البارع صاحب النظم والنثر الجاريين في سلك السلاسة قرأ اللغة على يعقوب بن أحمد الأديب وأحكامها.

قال في الوشاح عند ذكره هو الملقّب بشيخ الأفاضل أعجوبة زمانه وآية أقرانه مات سنة ٥١٢ عن ثمانين سنة وعن السياق أنّه مات في ١٣ شهر رمضان سنة ٥٠٣ وقد أخرجت في الأصل جملة من أشعاره، وكان معاصراً للزمخشري وله معه حكايات.

ومنهم: ملك النحاة وهو الحسن بن صافي بن نزار ابن أبي الحسن، ويظهر من كشف الظنون أنّه يكنّى أبا نزار قال في باب حرف العين عمدة في النحو لأبي نزار ملك الرافضة والنحاة حسن بن صافي بردون التركي المتوفّي سنة ٧٩٨ ووهم في تاريخ الوفاة كما وهم السيوطي في تاريخ تولّده ووفاته حيث قال مات بدمشق يوم الثلاثاء تاسع شوّال سنة ثمان وستين وخمسمئة ومولده


سنة تسع وثمانين وأربعمئة فإنّه رضي الله عنه توفي سنه ٤٦٣ كما في الحلل السندسية، وصحّحه ابن خلكان.

وكان ملك النحاة قرأ النحو على الفصيحي الأمامي حتى برع فيه، وصنّف فيه الحاوي والعمدة والمقصد في التصريف وكتاب العروض وكتاب التذكرة السنجرية والمقامات والمسائل العشر المعميات وديوان الشعر، كان تولّده ببغداد وسافر إلى إيران خراسان وكرامان وغزنه وفي آخر الأمر قدم الشام وسكنها ومات بها نقلت في الأصل أبياتاً من شعره.

ومنهم: علي بن محمد بن علي بن أبي زيد الفصيحي لتكراره على كتاب الفصيح كان من أهل استرباد من بلاد جرجان قرأ على عبد القادر الجرجاني وقرأ عليه ملك النحاة.

وكان إماماً في كل علوم العربية ودرس النحو بالمدرسة النظامية ببغداد بعد الخطيب التبريزي ثم علموا تشيّعه فقيل له ذلك فقال: لا أجحد أنا متشيّع من القرن إلى القدم فأخرج ورتّب مكانه أبو منصور الجواليقي مات ببغداد يوم الأربعاء ثالث عشر ذي الحجة الحرام سنة ٥١٦ ست عشر وخمسمئة.

ومنهم: ابن الشجري أستاذ ابن الأنباري كان أوحد أهل زمانه وفرد أوانه في علم العربية ومعرفة اللغة وأشعار العرب وأيامها وأحوالها متضلّعا من الأدب كامل الفضل.

قاله السيوطي ونحوه ابن خلكان وياقوت وابن الأنباري، وذكره من أصحابنا الشيخ منتجب الدين في كتابه فهرس أسماء علماء الشيعة المتأخّرين


عن الشيخ الطوسي، وذكره السيد علي بن صدر الدين المدني في الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة.

وقد وهم السيوطي في سرد نسبه الشريف كما وهم ياقوت في تفسير الشجري فإنّه هبة الله بن علي بن محمد بن حمزة بن أحمد بن عبيد الله بن محمد بن عبد الرحمن الشجري ( قرية من أعمال المدينة ) ابن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن السبط ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام توفّي سنة سبع وثلاثين وخمسمئة وذكرت مصنّفاته في الأصل.

ومنهم: يحيى بن أبي طيء أحمد بن ظاهر الطائي الكلبي الحلبي أبو الفضل النحوي.

قال ياقوت: أحد من يتأدّب ويتفقّه على مذهب الإمامية وصاحب التصانيف في أقسام العلوم وكان في حدود الستمئة.

قلت: قال في كشف الظنون أخبار الشعراء السبعة لابن أبي طيء يحيى بن حميدة الحلبي المتوفّى سنة ٣٣٥ خمس وثلاثون وثلاثمئة رتّب على الحروف، انتهى. وأظنّه وهم والصحيح أنّ تولّده في شوال سنة خمس وسبعين وخمسمئة.

ومنهم: أحمد بن علي بن معقل أبو العباس المقري الأديب الأزدي المهلبي الحمصي أحد أفراد الدهر في الأدب والعربية.

قال السيوطي: قال الذهبي ولد سنة سبع وستين وخمسمئة ورحل إلى العراق وأخذ الرفض عن جماعة بالحلّة والنحو ببغداد عن أبي البقاء العكبري


والوجيه الواسطي وبدمشق من أبي اليمن الكندي، وبرع في العربية والعروض وصنّف فيهما.

وقال الشعر الرائق ونظم الإيضاح والتكملة للفارسي فأجاد واتصل بالملك الأمجد فحظي عنده وعاش به رافضة تلك الناحيه وكان وافر العقل قالياً في التشيّع ديّناً متزهّداً، مات في الخامس والعشرين من ربيع الأول سنة ٦٤٤ أربع وأربعين وستمئة.

ومنهم: أحمد بن محمد أبو العباس الاشبيلي الأزدي المعروف بابن الحاج من أئمة النحو واللغة تخرج على الشلوبين وأمثاله حتى صار محقّقاً بالعربية وحافظاً للغات إماماً في العروض قال في البدر السافر برع في لسان العرب حتى لم يبق فيه مَن يفوقه أو يدانيه. وقال مجد الدين في البلغة: كان يقول إذا مت يفعل ابن عصفور في كتاب سيبويه ما شاء. وله على كتاب سيبويه إملاء، وصنّف في الإمامة كتاباً حسناً أثبت فيه إمامة الاثني عشر كما في معالم العلماء وصنّف في علم القرآن.

وله مختصر خصائص ابن جنّي ومصنّف في حكم السماع ومختصر المستصفى للغزالي في أصول الفقه وله حواشي في مشكلاته وعلى سر الصناعة وعلى الإيضاح.

وله كتاب النقود على الصحاح والإيرادات على المغرب مات سنة ٦٤٧ وقال ابن عبد الملك مات سنة ٦٥١ والأول أصح.

ومنهم: نجم الأئمّة الرضي الأسترابادي قال السيوطي: الرضي الإمام المشهور صاحب شرح الكافية لابن الحاجب الذي لم يؤلّف عليها بل ولا في


غالب كتب النحو مثله جمعاً وتحقيقاً وحسن تعليل، وقد أكبّ الناس عليه وتداولوه واعتمده شيوخ العصر، ولقبه نجم الأئمة ولم أقف على اسمه ولا على شيء من ترجمته. انتهى ما في طبقات السيوطي.

وقال الفاضل البغدادي في مقدّمة خزانة الأدب في شرح شواهد شرح الرضي: وقد رأيت في آخر نسخة قديمة من هذه الشروح ما نصّه:

هو المولى الإمام العالم العلاّمة ملك العلماء صدر الفضلاء مفتي الطوائف، الفقيه المعظّم نجم الملّة والدين محمد بن الحسن الاسترابادي، وقد أملا هذا الشرح بالحضرة الشريفة الغروية في ربيع الآخر من سنة ثمان وثمانين وستمئة.

قلت: وقد رأيت خط الفاضل الأصفهاني الشهير بالفاضل الهندي على ظهر شرح الرضي على الشافية في الصرف ما نصّه: شرح الشافية للشيخ الرضي المرضي نجم المِلّة والحق والحقيقة والدين الاسترابادي الذي درر كلامه أسنى من نجوم السماء وتعاطيها السهل من تعاطى لآليء الماء إذا فاء بشيء اهتزت له الطباع، إذا حدّث بحديث قرط الأسماع بالاستماع هو الذي بين الأئمة ملك مطاع للمؤلف والمخالف في جميع الأراضي والبقاع.

قلت: وقد أرخ هو في آخر شرحه على الكافية قبل أحكام هاء السكت قال هذا آخر شرح المقدّمة والحمد لله على أنعامه وأفضاله بتوفيق إكماله وصلواته على محمد وكرم آله وقد تمّ تمامه وختم اختتامه في الحضرة المقدسة الغروية على مشرّفها أفضل تحية ربّ العزّة وسلامه في شوّال سنة ست وثمانين وستمئة.


ومنهم: السيد ركن الدين صاحب المتوسط شرح مقدمة ابن الحاجب بثلاث شروح اشتهر منها المتوسط، قال السيوطي قال ابن رافع في ذيل تاريخ بغداد قدم مراغة واشتغل على مولانا نصير الدين الطوسي وكان يتوقّد ذكاء وفطنة فقدّمه النصر وصار رئيس الأصحاب بمراغة وكان مجيد درس الحكمة وكتب الحواشي على التجريد وغيره وكتب لولد النصير شرحاً على قواعد العقائد للنصير.

ولمّا توجّه النصير إلى بغداد سنة ٦٧٢ لازمه فلمّا مات النصير في هذه السنة صعد إلى الموصل واستوطنها ودرس بالمدرسة النورية وفوّض إليه النظر في أوقافها وشرح مقدّمة ابن الحاجب بثلاث شروح أشهرها المتوسّط وتكلّم في أصول الفقه وأخذ على السيف الآمدي، ثم فوّض إليه درس الشافعية بالسلطانية.

وقال الصفدي كان شديد التواضع يقوم لكل أحد حتى السقّاء، شديد الحلم وافر الجلالة عند التتار، شرح مختصر ابن الحاجب الأصلي والشافية في التصريف وعاش بضعاً وسبعين سنة. وقال صاحب رياض العلماء السيد بن شرف شاه وهو السيد ركن الدين الاسترابادي أعني أبا محمد الحسن بن محمد بن شرفشاه الحسيني له كتاب منهج الشيعة في فضائل وصي خاتم الشريعة ألفه باسم السلطان اويس بهادرخان.

وعندنا من مؤلّفاته شرحه على قواعد العقائد لخواجه نصير الدين أُستاذه انتهى، وقال صاحب الروضات كان من أعلام الشيعة نصّ على تشيّعه جماعة من العلماء وذكر مصنّفاته وعدّ منها منهج الشيعة ومات سنة ٧١٨ وقيل في ١٤ صفر سنة ٧١٥.


تمّ بحمد الله على يد مؤلّفه العبد الراجي فضل ربّه ذي المنن أبي محمد الحسن المشتهر بالسيد حسن صدر الدين ابن السيد العلاّمة السيد الهادي الكاظمي، يوم السبت خامس عشر جمادى الآخرة من شهور سنة الثلاثين والثلاثمئة بعد الألف من الهجرة.


الفهرس

حياة المؤلّف.. ٩

ترجمة المؤلّف.. ١١

ولادته: ١١

اسمه ونسبه: ١١

نشأته: ١١

اجتهاده في التحصيل: ١٢

علومه ومعارفه: ١٣

أساتذته في القراءة: ١٤

مشايخه في الرواية: ١٥

مصنّفاته ومؤلّفاته ١٦

فاتحة الكتاب.. ٢٣

الفصل الأوّل: في تقدّم الشيعة في علوم القرآن  ٢٥

الصحيفة الأُولى: في أوّل مَن صنّف في علم تفسير القرآن. ٢٥

الصحيفة الثانية: في أوّل مَن صنّف في القراءة ودوّن علمها وأوّل مَن جمع القراءات.. ٢٧

الصحيفة الثالثة: في أوّل مَن صنّف في أحكام القرآن. ٢٩

الصحيفة الرابعة: في أوّل مَن صنّف في غريب القرآن. ٣٠

الصحيفة الخامسة: في تقدّم الشيعة في التصنيف في معان شتّى من القرآن. ٣١

الصحيفة السادسة: في أئمّة علم القرآن من الشيعة ٣٥

الصحيفة السابعة: في أوّل التفاسير الجامعة لكل علوم القرآن. ٤٢

الفصل الثاني: في تقدّم الشيعة في علوم الحديث   ٤٤

الصحيفة الأولى: في أوّل مَن جمع الحديث ورتّبه بالأبواب من الصحابة الشيعة هو أبو رافع مولى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ٤٥

الصحيفة الثانية: في أوّل مَن جمع حديثاً إلى مثله في باب واحد وعنوان واحد من الصحابة الشيعة ٤٥


الصحيفة الثالثة: في أوّل مَن صنّف الآثار من كبار التابعين من الشيعة ٤٦

الصحيفة الرابعة: فيمَن جمع الحديث في أثناء المئة الثانية من الشيعة وصنّفوا الكتب والأُصول والأجزاء من طريق أهل البيت   ٥٠

الصحيفة الخامسة: فيمَن صنّف الحديث بعد أُولئك من الشيعة ٥١

الصحيفة السادسة: في عدد ما صنّفه الشيعة الإمامية في الحديث من طريق أهل البيت من عهد أمير المؤمنين عليه السلام إلى عهد أبي محمد الحسن العسكري عليه السلام ٥١

الصحيفة السابعة: في ذكر بعض المتأخّرين عنهم من أئمّة علم الحديث وأرباب الجوامع الكبار التي إليها اليوم مرجع الشيعة في أحكام الشريعة ٥٢

الصحيفة الثامنة: في تقدّم الشيعة في تأسيس علم دراية الحديث وتنويعه إلى الأنواع المعروفة ٥٥

الصحيفة التاسعة: في أوّل مَن دوّن علم رجال الحديث وأحوال الرواة ٥٧

الصحيفة العاشرة: في أوّل مَن صنّف في طبقات الرواة ٥٩

الفصل الثالث: في تقدّم الشيعة في علم الفقه ٦٠

الصحيفة الأولى: في أوّل مَن صنّف فيه ودوّنه ورتّبه على الأبواب.. ٦٠

الصحيفة الثانية: في مشاهير الفقهاء من الشيعة في الصدر الأول. ٦١

الصحيفة الثالثة: في كثرة الفقهاء المصنّفين في الصدر الأوّل على مذهب الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام ٦٢

الصحيفة الرابعة: في بعض الجوامع الكبار في الفقه لأصحاب الأئمّة من أهل البيت من أتباع التابعين   ٦٣

الفصل الرابع: في تقدّم الشيعة في علم الكلام ٦٥

الصحيفة الأُولى: في أوّل مَن صنّف ودوّن في علم الكلام ٦٥

الصحيفة الثانية: في أوّل مَن ناظر في التشيّع من الإمامية ٦٥

الصحيفة الثالثة: في مشاهير أئمّة علم الكلام من الشيعة ٦٧

الفصل الخامس: في تقدّم الشيعة في علم أُصول الفقه ٧٨

الفصل السادس: في تقدّم الشيعة في الإسلام في علم الفِرَق  ٨٠


الفصل السابع: في تقدّم الشيعة في الإسلام في مكارم الأخلاق  ٨٢

الفصل الثامن: في تقدّم الشيعة في علم السِيَر ٨٤

الفصل التاسع: في تقدّم الشيعة في التاريخ الإسلامي  ٨٥

الصحيفة الأُولى: في أوّل مَن صنّف في ذلك.. ٨٥

الصحيفة الثانية: في أوّل مَن صنّف في جميع أنواعه ٨٥

النوع الثاني: تاريخ المآثر والبيوتات والمنافرات والمودّات.. ٨٦

النوع الثالث: أخبار الأوائل. ٨٦

النوع الرابع: تاريخ ما قارب الإسلام من أمر الجاهلية ٨٧

النوع الخامس: أخبار الإسلام ٨٧

النوع السادس: تاريخ أخبار البلدان. ٨٨

النوع السابع: تاريخ أخبار الشعر وأيام العرب.. ٨٨

النوع الثامن: في تاريخ الأخبار والسمّار ٨٨

الصحيفة الثالثة: في تقدّم الشيعة في فن الجغفرافيا في صدر الإسلام ٨٩

الصحيفة الرابعة: فيمَن يزيد على غيره في علم الأخبار والتواريخ والآثار من الشيعة على ما قاله العلماء ٩١

الصحيفة الخامسة: في أوّل مَن صنّف في الأوائل. ١٠٢

الفصل العاشر: في تقدّم الشيعة في علم اللغة ١٠٣

الصحيفة الأُولى: في أوّل مَن جمع كلام العرب وحصره وزم جميعه وبين قيام الأبنية من حروف المعجم وتعاقب الحروف   ١٠٣

الصحيفة الثانية: في بعض مشاهير أئمّة اللغة من الشيعة ممّن يزيد على غيره ١٠٤

الصحيفة الثالثة: في تقدّم الشيعة في علم الإنشاء ١١٠

الصحيفة الرابعة: في تقدّم الشيعة في علم الكتابة في دولة الإسلام طبقة أُخرى من الكتّاب الأجلاّء الشيعة ١١٨


الفصل الحادي عشر: في تقدّم الشيعة في علم المعاني والبيان والفصاحة والبلاغة ١٢٧

الصحيفة الأُولى: في أوّل مَن وضعه وأسّسه وصنّف فيه ١٢٧

الصحيفة الثانية: في بعض الكتب التي صنّفتها الشيعة في علم المعاني والبيان بعد المؤسّس.. ١٢٨

الصحيفة الثالثة: في علم البديع. ١٣٠

الفصل الثاني عشر: في تقدّم الشيعة في علم العروض   ١٣١

الصحيفة الأُولى: في أوّل مَن وضع علم العروض.. ١٣١

الصحيفة الثانية: في أوّل مَن صنّف في علم العروض بعد الخليل. ١٣٣

الصحيفة الثالثة: في الكتب المؤلّفة فيه للشيعة غير ما تقدّم ١٣٤

الفصل الثالث عشر: في تقدّم الشيعة في فنون الشعر في الإسلام ١٣٦

الفصل الرابع عشر: في تقدّم الشيعة في علم الصرف   ١٤٥

الصحيفة الأُولى: في أوّل مَن وضعه للعرب في الإسلام ١٤٥

الصحيفة الثانية: في أوّل مَن صنذف في علم الصرف.. ١٤٦

الصحيفة الثالثة: في الكتب المصنّفة قديماً في التصريف للشيعة ١٤٦

الفصل الخامس عشر: في تقدّم الشيعة في النحو العربي  ١٤٨

الصحيفة الأُولى: في أوّل مَن وضعه للعرب.. ١٤٨

الصحيفة الثانية: في أوّل مَن أسّسه وبوّبه ١٤٩

الصحيفة الثالثة: في تحقيق السبب الذي دعا أمير المؤمنين عليه السلام إلى اختراع أُصول علم النحو وتحديد حدوده وتحقيق السبب الذي دعا أبا الأسود إلى ما رسمه من النحو ١٥٥

الصحيفة الرابعة: في أوّل مَن أخذ النحو من أبي الأسود ١٦٢

الصحيفة الخامسة: في أوّل مَن بسط النحو ومدّ أطنابه وسبّب علله وفتق معانيه وأوضح الحجاج فيه في المصرين: البصرة والكوفة ١٦٢

الصحيفة السادسة: في مشاهير أئمّة علم النحو الشيعة ١٦٣