الحقائق في تاريخ الإسلام والفتن والأحداث
تأليف: المحقّق المفسِّر العلاّمة
حسن المصطفوي
إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم الله الرّحمن الرّحيم
فهرس الموضوعات
مقدمة المؤلّف.. ١٣
مقدمة الكتاب.. ١٥
( توصية أهل البيت ) ١٧
( تقديم عليّ بن أبي طالب ( ع ) ) ٢٠
( الولاية تكوينية لا تشريعية ) ٢٢
( الإمام مَن هو؟ ) ٢٣
( شكوى أمير المؤمنين علي (ع) ) ٢٥
( مَن هم أهل البيت؟ ) ٢٧
( أهل البيت وآل محمّد ) ٢٨
( أهل البيت والثقلين ) ٢٩
( أهل البيت وكيفية الصلاة عليهم ) ٣٢
( أهل البيت وآية التطهير ) ٣٣
( بعض ما ورد في أهل البيت ) ٣٨
( أنّهم أمان أهل الأرض ) ٣٨
( حُبُّهم وبُغضُهم ) ٣٩
( أنّهم كسفينة نوح ) ٤٠
( نسبهم لا ينقطع ) ٤١
( أهل البيت والمباهلة ) ٤٢
( ما يستفاد من الروايات ) ٤٤
( رسول الله وعليّ بن أبي طالب ) ٤٦
( تربية عليّ بن أبي طالب (ع) ) ٤٦
( أوّل من آمن وصدّق ) ٤٨
( إنّ علياً من رسول الله (ص) ) ٥٣
( أنّه أخو رسول الله (ص) ) ٥٦
(علي (ع) وكسر الأصنام) ٥٨
(ما يدلّ على شدّة الاختصاص) ٥٩
( مبيته على فراش رسول الله (ص) ) ٦١
( أمر رسول الله (ص) بحبّه ) ٦٣
(حديث الطير) ٦٦
( ردّ الشكوى عن عليّ (ع) ) ٦٧
( الإيذاء والطعن فيه ) ٧٣
( عليّ بمنزلة رسول الله (ص) ) ٧٩
( حديث المنزلة ) ٨٢
( حديث الغدير ) ٨٧
(حديث فتح خيبر) ٩٣
( ضربَ الرقابَ على الدين وحده ) ٩٩
( شجاعته (ع) ) ١٠٢
( حديث البراءة ) ١٠٤
( أعلم الأمّة ) ١٠٧
( إرجاع الأمر إلى عليّ (ع) ) ١١١
( باب عليّ (ع) ) ١١٣
( بعض فضائله ) ١١٦
( أنّه آخر الناس عهداً برسول الله (ص) ) ١٢٤
( ما تلخّص ممّا سبق ) ١٢٧
فتنة: وصية رسول الله (ص) ١٢٩
فتنة: ( بَعْث جيش أُسامة ) ١٣٦
فتنة: ( قول عمر أنّ رسول الله (ص) ما مات ) ١٤٢
فتنة: ( سقيفة بني ساعدة ) ١٤٧
( نتيجة تدبيرات المخالفين ) ١٦٢
( بعض ما ورد في فاطمة (ع) ) ١٦٣
( فاطمة بضعة من رسول الله (ص) ) ١٦٤
( تزويجها من عليّ بن أبي طالب (ع) ) ١٦٥
( فاطمة سيدة نساء الجنّة ) ١٦٧
( إنّها كانت أوّل من يدخل عليه النبيُّ (ص) ) ١٦٨
( أنّها أحبّ الناس إلى رسول الله (ص) ) ١٦٨
( ومن فضائلها (ع) ) ١٧٠
( رسول الله (ص) وفاطمة (ع) ) ١٧٢
فتنة: ( إحراق بيت فاطمة (ع) ) ١٧٦
فتنة: ( أخذ فدك ) ١٨٠
( نتيجة الفتن الخمسة ) ١٩٣
( روايات في فضل أبي بكر ) ١٩٤
( في الصحابة ) ١٩٩
فتنة: ( خلافة أبي بكر ) ٢٠٢
( ممّن خالف بيعته ) ٢٠٨
(أحاديث في أبي بكر) ٢١٢
فتنة: (تنصيص أبي بكر على عمر) ٢١٥
( أن عمر خليفة أو مَلِك ) ٢٢٠
( عمر وعلمه ) ٢٢١
( بعض آرائه وحالاته ) ٢٢٣
( عمر وأُسامة ) ٢٢٣
(عمر والسَحَرة) ٢٢٤
(عمر والخلاف) ٢٢٥
عمر والجاهلية ٢٢٧
عمر والنّبيذ. ٢٢٨
فتنة: ( متعة النساء ) ٢٣٠
فتنة: ( تحريم المتعة في الحجّ ) ٢٣٧
( عمر والعُلوج ) ٢٤٨
فتنة: ( وصية عمر بن الخطاب ) ٢٥٠
فتنة: ( أمر الشورى واختلاف الآراء ) ٢٥٥
(من الوقائع في زمانه) ٢٦٦
(ومن الوقائع في زمانه) ٢٦٧
(ومن الوقائع في زمانه) ٢٦٨
(ومن الوقائع في زمانه) ٢٦٩
( وأما معونة علي (ع) في قتله ) ٢٧١
( مشاورة عثمان مع عماله ) ٢٧٢
فتنة: الأحداث في عهد عثمان. ٢٧٦
(تجري الناس عليه) ٢٨٠
فتنة: قتل عثمان. ٢٨٧
ما قيل في عثمان: ٢٩٢
جريان إمرة أمير المؤمنين: ٢٩٦
القعود والخروج والقتال: ٢٩٩
فتنة: طلحة والزبير. ٣٠٤
إتمام الحجة عليهم: ٣٠٧
ينهى أصحابه عن العدوان: ٣٠٨
(مذاكرة علي (ع) معهما) ٣٠٩
مروان وطلحة ٣١٢
ما تركاه من الأموال. ٣١٣
فتنة: خروج عائشة ٣١٥
نباح الكلاب عليها ٣١٩
فتنة: الجمل في زمان أمير المؤمنين (ع) ٣٢٧
فتنة: حكومة معاوية ٣٣٣
فتنة: (حرب صفين) ٣٤٢
فتنة: (التحكيم) ٣٥٤
جريان أمر الحكمين. ٣٥٨
وأما ما يرجع إلى معاوية: ٣٦٥
وأما ما يرجع إلى عمرو بن العاص: ٣٦٦
وأما ما يرجع إلى أبي موسى: ٣٦٦
(بعض ما ورد في معاوية) ٣٦٩
قتل حُجْر ٣٧٠
بعض ما ورد في عمرو بن العاص: ٣٧٢
ممن استشهد في صِفِّين: ٣٧٦
عمَّار من الثلاثة ٣٧٦
من عادى عمَّاراً ٣٧٧
الاقتداء بعمار: ٣٧٨
فتنة: (الخوارج المارقين) ٣٩٠
فتنة: قتل أمير المؤمنين عليّ (ع) ٤٠٤
فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين. ٤١٢
الأئمّة الاثنا عشر ٤١٤
الحسن والحسين (عليهما السلام) ٤١٧
الإمام الحسن بن عليّ (عليهما السلام) ٤٢٣
الإمام الحسين بن علي (عليهما السلام) ٤٢٦
فتنة: قتل الحسين (ع) ٤٣٠
فتنة: بيعة يزيد. ٤٣٤
الإمام الرابع علي بن الحسين (عليهما السلام) ٤٣٧
الإمام الخامس محمد بن عليّ الباقر (عليهما السلام) ٤٤١
الإمام جعفر بن محمد (عليهما السلام) ٤٤٥
الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام) ٤٤٨
الإمام علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) ٤٤٩
الإمام محمد بن عليّ الرضا (عليهما السلام) ٤٥١
الإمام علي بن محمد الهادي (عليهما السلام) ٤٥٣
الإمام الحسن بن عليّ العسكريّ (عليهما السلام) ٤٥٤
الإمام الثاني عشر المهديّ (عليه السلام) ٤٥٦
المهدي من أهل البيت.. ٤٥٧
فتنة: بني أمية ٤٦٨
فتنة: بني العاص.. ٤٧٢
تتمة: في مسائل من الأصول والفروع. ٤٧٨
روايات هذا الكتاب.. ٤٨٧
الكتب المستندة في هذا الكتاب.. ٤٨٩
بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله الذي مَنَّ علينا بتوفيقه، وأيدنا في تأليف هذه الرسالة بفضله، وقد جاءت محتوية على حقائق من تاريخ الإسلام، وباحثةً عن أحداث حدثت وبِدع ابتُدعت في المسلمين، معتمدةً على أُصول التاريخ والحديث وصِحاحها، ومستخرَجة من الكتب المؤلّفة في القرون الأولى، وها نحن نذكر مزايا ما يختصّ بهذا الكتاب الشريف، ليكون القارئ على بصيرة تامّة.
١ - اعتمدنا في هذه الرسالة على الكتب المعتبرة من أهل السنة، المؤلّفة خلال خمسة قرون من صدر الإسلام، من كتب الأدب والحديث والتاريخ والصحاح والسنن والسير والرجال والتفسير.
٢ - وقد نقلنا عن الكتب المعتمدة المؤلّفة المتأخّرة عند الحاجة ؛ تأييداً وتكميلاً للبحث الوارد المنظور، لا مستنداً عليها.
٣ - ذكرنا في آخر الكتاب فهرساً جامعاً للقسمين من الكتب المنقول عنها مشيراً إلى خصوصيات الطبع والتجزئة.
٤ - اعتمادنا في نقل الروايات على المشاهدة والقراءة في الأصول المستند إليها، من دون أن نتصرّف فيها بشيء، وأحيانا أسقطنا جملة أو جُملات لا ربط لها بموضوع البحث ؛ حذرا من الإطالة، ووضعنا مكانها نقاط مترادفة.
٥ - ذكرنا بعد نقل الروايات ما يستفاد منها على طريق الإجمال والإشارة، من دون قولٍ بالرأي والنظر الشخصي، أو كلام موهن ينشأ من الجهل والعصبية، وما نريد إلاّ
الهداية وإصلاح أنفسنا، والوقاية من الضلالة والغواية.
٦ - اعرضنا عن نقل الأحاديث المكرّرة الواردة بأسانيد(*) مختلفة، ولا سيّما في مسند أحمد ؛ طلبا للاختصار وتركاً للمجادلة، وإنّما نروي الحديث بواحد من طرقه.
٧ - ابتدأنا في الكتاب بفتنة - وصية رسول الله (ص) - وهذه أوّل فتنة حدثت في الإسلام، وأول أُحدوثه ظهرت في المسلمين، شتتت شملهم وفرّقت جمعهم.
٨ - قد ثبتت بصحاح الروايات المرويّة في الكتاب: أنّ الفتن المعنونة فيها بدع وأحداث ظهرت في الإسلام، وهذه البدع أوجبت انحراف المسلمين وميلهم عن الحقائق وعن أهل بيت النبي الأطهار، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً. وقد قال رسول الله (ص): إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله، وعترتي أهل بيتي.
نسأل الله الباري عزّ اسمه التوفيق والسداد.
١٢ / ٥ / ٥٢ - هـ
حسن المصطفوي - طهران
____________________
* في الأصل: بأسناد. وهو غلط لغوي ؛ لأنّ الأسناد جمع سند وهو ما ارتفع من الجبل، أو هو ضرب من البرود اليمانية. والصحيح: أسانيد. وننوّه أنّنا سوف لا نصحح الموارد القادمة إن وجدت ؛ اعتماداً على ما سلف منّا. ( لجنة التقويم / شبكة الإمامين الحسنين للتراث والفكر الإسلامي ).
بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله الذي هدانا إلى اتّباع أوليائه، والصلاة والسلام على أشرف رسله وأفضل أنبيائه، وعلي ابن عمّه وخليفته والمعصومين من آله.
وبعد: فإنّ أكمل الأديان الإلهية هو دين الإسلام الذي جاء به خير الأنام، عليه أفضل التحيّة والسلام. وإنّ اقرب الناس من الحقّ هم المسلمون، الذين يتّبعون الرسول خاتم النبيّين، ويعلمون بما جاء به من عند ربّ العالمين.
( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) [ الجمعة: ٣ ]،( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ ) [ آل عمران: ١١٠ ].
نعم كان المسلمون طول حياة رسول الله ( ص ) أمّة واحدة، يعيشون تحت راية الحقّ، وفي ظلّ كتاب الله الحكيم، يهتدون بهداه، ويقتدون بنوره.
ثمّ بعد ارتحال رسول الله ( ص ) صاحب الدعوة افترقت الملة الإسلامية، وصاروا في ارتياب وحيرة، صاروا بعد الهجرة أعراباً، وبعد المولاة أحزاباً، ما يتعلّقون من الإسلام إلاّ باسمه، ولا يعرفون من القرآن لا رَسمه، وخلطوا الحقّ بالباطل، وأضاعوا ما أوصاهم الرسول، وضلّوا عن سواء الطريق.
إنّهم ارتدّوا عن عترة النبيّ الأكرم، وهم أهل بيت النبوّة، وموضع الرسالة ومختلف الملائكة، ومهبط الوحي، وخزّان العلم، ومعدن الحكمة، وقد قال رسول الله ( ص ): إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعِترتي أهل بيتي. وقال الله تعالى:( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) .
( توصية أهل البيت )
كان رسول الله ( ص ) طول حياته يوصي المسلمين ويعرفهم بأهل بيته، ويقول فيهم:
أذكركم الله في أهل بيتي.
( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) .
اللّهمّ هؤلاء آلي، فصلّ على محمّد وعلى آل محمّد.
كلّ بني أنثى فإنّ عصبتهم لأبيهم ما خلا وُلد فاطمة ؛ فإنّي أنا عصبتهم وأنا أبوهم.
وأهل بيتي أمان لأمّتي فإذا ذهب أهل بيتي أتى أمّتي ما يوعدون.
أنا حربٌ لمن حاربكم وسلمٌ لمن سالمكم.
أحبّوا أهل بيتي بحبّي.
إنّ أوّل من يدخل الجنّة أنت وفاطمة والحسن والحسين.
أنّي وإياك وهذا النائم - يعني: علياً وهما الحسن والحسين - لفي مكان واحدٍ يوم القيامة.
يا عليّ، الناس من شجر شتى وأنا وأنت من شجرة واحدة.
وكان ممّا أنعم الله على عليّ بن أبي طالب أنّه:
كان في حجر
رسول الله ( ص ) قبل الإسلام.
وأنّه أوّل من أسلم.
إنّ أوّل من يشري نفسه ابتغاء رضوان الله عليّ بن أبي طالب.
أمر بسد الأبواب إلاّ باب عليّ.
أنّه كان صاحب لواء رسول الله ( ص ) يوم بدر وفي كلّ مشهد.
اللّهم لا تُمتني حتى تُريني علياً.
لا تَشكوا علياً، فإنّه لأخشن في ذات الله من أن يُشكى.
مَن كنت مولاه فعليّ مولاه.
مَن آذى عليا فقد آذاني.
اللّهم والِ مَن والاه وعاد مَن عاداه، وانصر مَن نصره واخذل مَن خذله.
مَن سبّ علياً فقد سبّني ومن سبّني فقد سبّ الله.
ما دعوت لنفسي بشيءٍ إلاّ دعوت لك بمثله.
وما دعوت بشيء إلاّ استجيبت لي إلاّ إنّه قيل لي لا نبيّ بعدي.
أنت تُبيّن لأُمّتي ما اختلفوا فيه بعدي.
هذا أخي في الدنيا والآخرة.
أنت أخي ترثني وأرثك.
من أطاع علياً فقد أطاعني ومن عصى علياً فقد عصاني.
اللّهمّ أدر الحقّ معه حيث دار.
عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض.
من فارقك - يا علي - فقد فارقني، ومن فارقني فقد فارق الله.
فاختار الله رجلين أحدهما أبوك والآخر بعلك.
أنا سيّد ولد آدم وعلي سيّد العرب.
والويل لمن أبغضك بعدي.
أنّه سيد المسلمين وإمام المتّقين وقائد الغر المحجّلين.
يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله ليس بفرّار.
اللّهمّ اكفه أذى الحرّ والبرد.
لَمبارزة عليّ بن أبي طالب لعمرو بن عبد ودٍّ أفضل من أعمال أُمّتي إلى يوم القيامة.
أمرني بحبّ أربعة وأخبرني أنّه يحبّهم.
لا يحبّ علياً منافق ولا يبغضه مؤمن.
اللّهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي.
إنّ علياً منّي وأنا منه وهو وليّ كلّ مؤمن بعدي.
وهو وليكم بعدي.
أَمَا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيَّ بعدي.
أنت - يا علي - صفيّي وأميني.
لا يؤدّي عنّي إلاّ رجل من أهل بيتي.
من يريد أن يحيى حياتي ويموت موتي ويسكن جنّة الخلد التي وعدني ربّي، فليتولَّ عليّ بن أبي طالب ؛ فإنّه لن يخرجكم من هدى.
لا فتى إلاّ عليّ ولا سيف إلاّ ذو الفقار.
ليبعثنَّ الله عليكم رجلاَ يضرب رقابكم على الدين قد امتحن.
هذا فاروق هذه الأمّة وهذا الصديق الأكبر ويعسوب المؤمنين.
النظر إلى وجه عليّ عبادة.
إنّ علياً أقرب الناس برسول الله ( ص ).
ادفع هذه الأُترُجة إلى ابن عمّك ووصيك عليّ.
أنا دار الحكمة وعليّ بابها.
أنا مدينة العلم وعليّ بابها فمن أراد المدينة فليأتِ الباب.
إنّ الله سيهدي قلبك ويثبّت لسانك.
إنّ الأمّة ستغدر بك بعدي.
هذا أمير البررة وقاتل الفجرة منصور من نصره.
* * *
هذه الأحاديث خلاصة ما قيل في آل النبي الأكرم وفي الإمام عليّ بن أبي طالب، الصادرة عن رسول الله ( ص ) طول حياته، بمسمعٍ من المسلمين ومرأى منهم، وقد روتها صحاح كتب الحديث لأهل السنّة والجماعة.
نعم! هذه الكلمات الإلهية نطق بها لسان الوحي وصدرت عن سيد المرسلين ورسول ربّ العالمين( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى ) ، فعرّف للمسلمين ابن عمّه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، وأشار في مقامات مختلفة وفي موارد مقتضية إلى خلافته ووصايته وعلمه وحكمته وولايته وقربه وطهارته، ولزوم طاعته وحبّه ونصرته، وكونه مع الحقّ، ومع القرآن، ومع الله ومع الرسول، والى أنّه الصدّيق الأكبر، والفاروق، والولي والمختار من الله، وسيد العرب، وإمام المتّقين، وأحبّ الخلق عند الله، وأوّل من أسلم، وأوّل من شرى نفسه، وصاحب اللواء، وأخو رسول الله ( ص )، وبمنزلة هارون من موسى.
إنّ رسول الله ( ص ) قد عرّف للمسلمين مقام عليّ بن أبي طالب ( ع ) في موارد كثيرة، وذكر فضائله ومناقبه في طول حياته، وصرّح بوصايته وولايته وخلافته بعبارات صريحة وإشارات لطيفة وكنايات حسنة، لا يرتاب فيها طالب الحقيقة، ومن جاهد فينا لنهدينّه سبلنا وإن الله لمع المحسنين.
( تقديم عليّ بن أبي طالب ( ع ) )
إنّ رسول الله ( ص ) قدم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ( ع ) على جميع الصحابة، وحتى على أبي بكرٍ وعمر وعثمان، في موارد كثيرة، وأعلم الناس بفضله وتقدّمه وأولويّته وقربه.
منها: في الدعوة لأكل الطير معه.
ومنها: في توليته في فتح خيبر.
ومنها: في أداء البراءة.
ومنها: في غدير خُم.
ومنها: في المؤاخاة لنفسه.
ومنها: في غزوة الخندق. وفي موارد أخر.
كما إنّ رسول الله ( ص ) قدّم أسامة على رؤوس المهاجرين والأنصار وأمّره عليهم، وقال في جواب اعتراضهم: إن طعنتم في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه من قبل، وايمَ الله، إن كان لَخليقاً للإمارة،
وان كان لمن أحبّ الناس إليّ.
إنّ الناس لم يتمكّنوا من الطعن في عليّ ( ع ) زمان حياة رسول الله ( ص ) ؛ لشدّة قربه منه ولعظمة مقامه عنده، وكونه أحبّ الناس إليه، وأنّه أخوه وابن عمّه وصهره، بل وكنفسه، كما في الآية الكريمة:( فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ) ، وقوله ( ص ): إنّ علياً منّي وأنا منه، وأنا وأنت من شجرة واحدة، ما دعوت لنفسي بشيء إلاّ دعوت لك بمثله. وقال ( ص ): لا تشكوا عليً ؛ فإنّه لأخشن في ذات الله من أن يُشكى، ومن عصى علياً فقد عصاني، ومن آذى علياً فقد آذاني. وما يقرب منها.
ثّم إذا ارتحل رسول الله ( ص ) فعلوا ما فعلوا وقالوا ما قالوا وطعنوا ما طعنوا، آذوا عِترة رسول الله، وخالفوا أهل البيت، بل عادوهم وأبغضوهم وفارقوهم، ودعوهم إلى البيعة والطاعة والخضوع، وأخذوا ما في أيديهم، وأمالوا الناس عنهم، حتى قال بعضهم: والله لأحرقنَّ عليكم أو لتخرجنّ إلى البيعة. وقال سلمان: كرداد ونا كرداد، أي: عملتم وما عملتم. لو بايعوا علياً لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم.
في مسند أحمد: قال رسول الله ( ص ): لَيردنَّ عليّ الحوض أقوام فإذا رأيتهم اختلجوا دوني، فأقول: أي ربِّ! أصحابي، أصحابي! فيقال إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك.(١)
والعجب من هؤلاء الرجال كيف نسوا في مدّة قليلة ما قال رسول الله ( ص ):
إنّما فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها أغضبني.
وأنّ الله يغضب لغضب فاطمة.
ويؤذيني ما آذاها. ومن آذى رسول الله فقد حبط عمله.
وإذا دخلت عليه قام إليها واخذ بيدها وقبّلها، وأجلسها في مجلسه.
أنا الشجرة وفاطمة فرعها، وروايات آخر.
فهؤلاء أحدثوا، وأبدعوا ما أبدعوا، وظهرت الفتن، واستترت
____________________
١ - مسند أحمد، ج ٥، ص ٤٠٠، وقريباً منها: ص ٣٩٣.
الحقائق، وانكسفت شموس المعرفة، وشاعت الآراء والأهواء المختلفة، إلى أن قال عليّ ( ع ): أما والله لقد تقمّصها فلان وأنّه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرحى ينحدر عني السيل ولا يرقى إليّ الطير، فسدلت دونها ثوباً وطويت عنها كشحاً، وطفقت ارتئي بين أن أصول بيد جذّاء أو أصبر على طخيّة عمياء.(١)
اللّهمّ إنّا خرجنا نشكوا إليك فقد نبيّنا، وتظاهر الزمان علينا، وكثرة توارد الفتن علينا، وشدّة المحن المستصعبة.
( الولاية تكوينية لا تشريعية )
ومن عقائدهم الواهية السخيفة أنّ النبي والإمام ليسا بممتازين عن سائر الناس، ولا فرق بينهما وبين أفراد أخر إلاّ بتعلّق تكليفٍ به من الله ينصّبه علماً لرسالته وتبليغ أحكامه، أو بتصويب الناس واختيارهم وانتخابهم من يشاءون ولو لم يكن أعلم الأمّة وأفضلها واتقاها، وهم في هذا القول شركاء الكفّار، حيث قالوا:( فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلاّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لأَنزَلَ مَلائِكَةً ) .
نعم لهم أعين لا يُبصرون بها الحقائق والآيات الإلهية، ولهم آذان لا يسمعون بها الأصوات الغيبية والدعوات الربانية، ولا يرون إلاّ ظواهر هذا العالم، ولا يقبلون كرامة ولا فضيلة ومقاما إلاّ بما يشاهدون بنظرهم المادّي المحدود، ثمّ يسوّون بين أفراد الناس، ولا يختارون من اصطفاه الله واختاره.
أخبار أصبهان: عن أبي هريرة، قال: سمعت النبيّ (ص) يقول: إذا خلق الله خلقا للخلافة مسح بيمينه على ناصيته.(٢)
أقول: الناصية عنوان الوجه، وفيها يظهر أثر النور والظلمة والتوجّه إلى الله تعالى. ومن مسحت ناصيته بيد الله تعالى فهو على نور من ربّه. وهذا في مقابل
____________________
١ - نهج البلاغة، خطبة ٤.
٢ - أخبار أصبهان، ج ١، ص ١٣٠.
من أخذت ناصيته، كما قال تعالى:( يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ ) .
وقد قال الله تعالى:( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً ) .
وقال تعالى:( إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ) .
وقال تعالى: ( يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ ) .
وقال تعالى:( إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ ) .
وإنهم لم يفهموا أنّ التكليف والتشريع تابع للتكوين، ولا يكلّف الله نفساً إلاّ وسعها، ولا يُكلف الله نفسا إلا ما آتاها، ولا تُكلف نفس إلاّ وسعها. فكما أنّ الحيوان ليس له وسع التكاليف الإنسانية ؛ فالإنسان العادي ليس له وسع الوحي والإلهام والتكليم، ولا يمكن تعلّق التكليف والتشريع إلاّ بعد أن آتى الله ما به يتحقّق الاستعداد والتحمّل والوسع، وكما أنّ الاستعداد من جهة الصفات النفسانية والأخلاق باطنية مختلفة شدّة وضعفاً، كذلك مراتب النفوس ودرجاتها متفاوتة. بل الصفات والأخلاق النفسانية والقوى الباطنية كلّها من أطوار النفس، والنفس في وحدتها كلّ القوى.
وهذا أمر ثابت في الفلسفة الإلهية، بل أمر مسلّم محسوس مقطوع لمن تدبّر ونظر، ثمّ نظر وتدبّر! ولا ينكره إلاّ من حُرم من البصيرة، وأبعده الله عن الحقيقة، وليس له من الروحانية نصيب، وفي أبصارهم غشاوة.
( الإمام مَن هو؟ )
إنّ النبيّ: هو المبعوث من الله تعالى بالوحي والإلهام ؛ لأداء الأحكام وتشريع الدين وبيان الحقائق وتنظيم القوانين والآداب في الشؤون المختلفة. والإمام: هو المحيط بتلك الأحكام، العالم بتلك الحقائق والعارف بتلك الآداب والقوانين علماً من لدن حكيم خبير، لا بالعلم التحصيلي وبالطرق المتداولة المعمولة بين الناس. فالنبيّ هو المؤسّس والشارع، والإمام هو وارثه وخليفته
وولي أمره وحافظ دينه وشارح معارفه وأحكامه وآدابه.
وكما أنّ علوم النبيّ ومعارفه حضورية ومن الله، كذلك علوم الإمام ومقاماته الروحانية ليس باكتسابية، بل من الله تعالى، ولذا ترى إحاطتهم بالعلوم والمعارف الحقّة وعلمهم بالأحكام والآداب الإسلامية من دون الدرس والتحصيل والبحث والتتلمذ والتجربة، ومن أوّل أوان الإمامة إلى آخرها بل وقبلها، وفي زمان الصبا والشباب وبعدها، ومن دون أن يقولوا خلافاً، ويرتكبوا سهوا وخطاء، أو يخالف قولهم أحكام النبيّ، أو يخالف حكم واحد منهم واحدا آخر، ومن دون أن يحتاجوا إلى الفكر والتدبّر والتأمّل.
وهذا من المحالات في سائر أفراد الناس، وإن بلغوا في تحصيل العلم ما بلغوا، فإنّ الإنسان محلّ السهو والنسيان، وليس كلّ مجتهدٍ مصيب، وكلّ عالم ما جهله أكثر ممّا علمه، وكفى المرء نبلاً أن تُعدّ معايبه.
قال أمير المؤمنين (ع): [ منها يعني آل النبيّ عليه الصلاة والسلام ](*) : هُمْ مَوْضِعُ سِرِّهِ، وَلَجَأُ أَمْرِهِ، وَعَيْبَةُ عِلْمِهِ، وَمَوْئِلُ حُكْمِهِ، وَكُهُوفُ كُتُبِهِ، وَجِبَالُ دِينِه، بِهِمْ أَقَامَ انْحِناءَ ظَهْرِهِ، وَأذْهَبَ ارْتِعَادَ فَرَائِصِهِ لا يُقَاسُ بِآلِ مُحَمَّد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ مِنْ هذِهِ الأُمَّةِ أَحَدٌ، وَلا يُسَوَّى بِهِمْ مَنْ جَرَتْ نِعْمَتُهُمْ عَلَيْهِ أبَداً. هُمْ أَسَاسُ الدِّينِ، وَعِمَادُ اليَقِينِ، إِلَيْهمْ يَفِيءُ الغَالي، وَبِهِمْ يَلْحَقُ التَّالي. وَلَهُمْ خَصَائِصُ حَقِّ الْوِلايَةِ، وَفِيهِمُ الوَصِيَّةُ وَالوِرَاثَةُ، الآنَ إِذْ رَجَعَ الحَقُّ إِلَى أَهْلِهِ، وَنُقِلَ إِلَى مُنْتَقَلِهِ.(١)
فإذا كان في الأمّة بعد ارتحال الرسول (ص) من هذه صفتهم، فكيف يعقل أن يتوجّه إلى آخرين، وكيف يجوّز العقل أن يختار الناس لها من يشاءون، وكيف يرضى الله تعالى ورسوله أن يتقدّم من هو متأخّر، وأن يُنصب للإصلاح والتعليم والتربية وحفظ المعارف من يحتاج إلى إصلاح أمره وتربية نفسه وتحصيل العلوم والمعارف، وكيف يكلَّف الناس من جهة الشرع أو العقل أن يطيعوا ويتّبعوا ممّن هو في مرتبتهم، بل وفيهم من هو أحقّ وأفضل، بل وفيهم من
____________________
(*) هكذا في الأصل. وما بين المعقوفتين ليس من قول الإمام، بل هو عنوان لمقطوعة من الخطبة وضعه جامع النهج، ( لجنة التقويم / شبكة الإمامين الحسنين للتراث والفكر الإسلامي ).
١ - نهج البلاغة، خطبة ٢.
لهم خصائص حقّ الولاية وفيهم الوصية والوراثة.
( شكوى أمير المؤمنين علي (ع) )
يقول علي (ع) في النهج: حتى إذا قبض الله رسوله صلّى الله عليه وآله، رجع قوم على الأعقاب، وغالتهم السبل، واتّكلوا على الولائج، ووصلوا غير الرحم، وهجروا السبب الذي أمروا بمودّته، ونقلوا البناء عن رصّ أساسه، فبنوه في غير موضعه، معادن كلّ خطيئة.(١)
وفي مستدرك الحاكم عن علي (ع) قال: إنّ ممّا عهد إلي النبيّ (ص) أنّ الأمة ستغدر بي بعده.(٢)
ويروي أيضاً عن ابن عبّاس قال، قال النبيّ (ص): أما إنّك ستلقى بعدي جهدا! قال: في سلامة من دِيني؟ قال: في سلامة من دينك.
وعن علي (ع) قال: قال لي رسول الله (ص): إنّ الأمّة ستغدر بك بعدي وأنت تعيش على ملّتي وتُقتل على سنّتي، من أحبّك أحبّني ومن أبغضك ابغضني، وإنّ هذه ستُخضّب من هذا. يعنى لحيته من رأسه.(٣)
أقول: راجع في تحقيق غدر الأمّة مبحث: وصيّة رسول الله (ص) وفتنة السقيفة من هذا الكتاب، ثمّ إلى مباحث أخر، حتى تعلم ما صنعوا بعد نبيّهم، بل غدرهم في آخر ساعات من حياته، ومخالفتهم وصيّة رسول الله (ص).
ويشير علي (ع) إلى خلاصة غدرهم ونتيجة صنيعهم في حقّه:
في تاريخ الطبري: عن علي (ع): أنّ النبي (ص) قبض وما أرى أحداً أحقّ بهذا الأمر منّي، فبايع الناس أبا بكر فبايعت كما بايعوا، ثمّ أنّ أبا بكر هلك وما أرى أحداً أحقّ بهذا الأمر منّي، فبايع الناس عمر بن الخطاب فبايعت كما بايعوا، ثمّ إنّ عمر هلك وما أرى أحداً أحقّ بهذا الأمر منّي فجعلني سهماً من
____________________
١ - نهج البلاغة: ١٥٠.
٢ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ١٠.
٣ - نفس المصدر، ص ١٤٢.
ستة أسهم، فبايع الناس عثمان فبايعت كما بايعوا، ثمّ سار الناس إلى عثمان فقتلوه ثمّ أتوني فبايعوني طائعين غير مكرهين، فأنا مُقاتل من خالفني بمن اتّبعني، حتى يحكم الله بيني وبينهم.(١)
أقول: الولاية الحقيقية بجعل الله تعالى وإعطائه، وهي مرتبة تكوينيّة روحانية ومقام معلوم لا يزيد بإقبال الناس وتوجههم، ولا ينقص بإدبارهم وإعراضهم. كما ورد بأنّ الإمام كالكعبة يُؤتى ولا يأتي. وأمّا الإمارة والخلافة الظاهرية فهي تتحصل بإقبال الناس وتوجّههم واعتبارهم، وتنتفي بأدبارهم ومخالفتهم، فإنّ أساس هذه الخلافة تحقّق السلطنة الظاهرية والنفوذ والحكومة والغلبة للحاكم، بأيّ وسيلة كان وبأي طريق وقع، حقّاً أو باطلاً. ولكل من هاتين الخلافتين آثار وأحكام شرعية وعقلية وعرفية، ولا ربط بأحديهما إلى الأخرى.
ثمّ إنّ الأحقّ بالولاية الظاهرية مَن كانت له ولاية حقيقية باطنية ؛ فإنّه أولى لإجراء الأحكام والقوانين الدينية، وهو أعلم بإصلاح أمور الناس دنيوية وأخروية، وإنّه مأمون عن الانحراف والضلال والإضلال، وهو أحرى بالاتّباع والاهتداء، وهذا معنى قوله (ع): وما أرى أحداً أحقّ بهذا الأمر منّي.
ولمّا كان الإمام له أن يفسّر الحقائق ويبيّن الأحكام ويحفظ معارف الدين ويدفع الشكوك والشبهات، فليس من وظائفه أن يأتي الناس ويدعوهم إليه، ويبلّغ الأحكام ويجاهد في التبليغ والدعوة. بل لهم أن يأتوا الإمام، ويستفيدوا من محضره، ويهتدوا بهديه، ويستنيروا بنوره، ويستكملوا بتعاليمه وتربيته.
ومن الأسف: أنّ أكثر الناس عن طريق السعادة لناكبون، وعن صراط الحقيقة لمعرضون، وعن الله وعن رسوله وعن أوليائه لمعتزلون، يريدون متاعاً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة غافلون.
وما أقبح ما صنعوا ؛ حيث خالفوا أهل بيت رسول الله (ص) وأعرضوا عن طريقة أئمّة الهدى، الذين قال فيهم الرسول: إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله
____________________
١ - تاريخ الطبري، ج ٥، ص ١٧١.
وعترتي، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا أبداً.
بل ولم يقنعوا ولم يكتفوا بتركهم والإعراض عنهم، وشرعوا بالتهمة والسبّ والشتم. وكادوا يظنّون أنّ هذا المنكر من المعروف، وأنّهم يتقرّبون بها إلى الله تعالى، فانظر ماذا يقول الإمام علي بن الحسين (ع) في ديدنهم:
في الطبقات، قال منهال: دخلت على علي بن الحسين فقلت: كيف أصبحت أصلحك الله؟ فقال: ما كنت أرى شيخاً من أهل المصر مثلك لا يدري كيف أصبحنا! فأمّا إذ لم تدرِ فأخبرك: أصبحنا في قومنا بمنزلة بني إسرائيل في آل فرعون ؛ إذ كانوا يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم، وأصبح شيخنا وسيدنا يُتقربُ إلى عدونا بشتمه أو سبّه على المنابر! وأصبحت قريش تعدّ أنّ لها الفضل على العرب لأنّ محمّداً (ص) منها، لا يعدّ لها فضلٌ إلاّ به، وأصبحت العرب مقرَّه لهم بذلك، وأصبحت العرب تعد أنّ لها الفضل على العجم لأنّ محمّداً (ص) منها، لا يعدّ لها فضل إلاّ به، وأصبحت العجم مقرّه لهم بذلك، فلئن كانت العرب صدقت أنّ لها الفضل على العجم، وصدقت قريش أنّ لها الفضل على العرب لأنّ محمّداً (ص) منها، إنّ لنا أهل البيت الفضل على قريش لأنّ محمّداً (ص) منّا، فأصبحوا يأخذون بحقّنا ولا يعرفون لنا حقّا، فهكذا أصبحنا إذ لم تعلم كيف أصبحنا.(١)
( مَن هم أهل البيت؟ )
أهل الرجل وأهل بيته خواصّه، والخواص تختلف مصداقاً باختلاف الموارد والأفراد والحالات.
فأهل النبيّ من خاصة أهله الذين لهم اختصاص بالنبيّ من جهة الإيمان والروحانية والمعرفة.
وأهل النبيّ بعد ارتحاله هم الذين يختصّون به في زمان حياته وبعد رحلته
____________________
١ - الطبقات، ج ٥، ص ٢١٩.
ولا ينقطع اختصاصهم بالموت. فأهل بيت كلّ رجل خواصّه بحسب حاله ومقامه.
وقد يكون الولد خارجاً عن الأهل إذا انقطع الاختصاص وانتفى الارتباط، كما قال الله تعالى:( قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ) .
فاللازم في مفهوم الأهل هو قيد الاختصاص، وإطلاقه على الزوجة والأولاد، من جهة اختصاصهم بالرجل، وإذا فقد الاختصاص انتفت الأهلية.
ويقال: أهل القرية، أهل المدينة، أهل الكتاب، أهل الله، أهل المعرفة، أهل العلم، أهل البيت، أهل التقوى، أهل الذكر.
ولمّا كان هذا المفهوم عنوانا كلّياً غير متعيّن فقد عرّف رسول الله (ص) أهل بيته وعيّن الخواص من عموم أهله وصرّح بأسمائهم وأشخاصهم في الأحاديث الآتية، ثمّ وصّى بهم وذكر مقاماتهم.
( أهل البيت وآل محمّد )
مسند أحمد: عن أم سلمة، قالت: بَيْنَمَا رسولُ اللَّه صَلَّى اللّه عليه وَسَلَّم فِي بَيْتِي يَومًا إِذْ قالتْ الْخَادمُ إِنَّ عَلِيًّا وفاطمةَ بِالسُّدَّةِ. قَالَتْ، فَقَالَ لِي: قُومِي فَتَنَحَّيْ لِي عَنْ أَهْلِ بَيْتِي. قالتْ: فَقُمْتُ فَتَنَحَّيْتُ فِي الْبَيْتِ قَرِيبًا، فدخل عليٌّ وفاطمَةُ وَمَعَهُمَا الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وهمَا صَبِيَّان صغِيرانِ، فَأَخذَ الصَّبِيَّيْنِ فَوَضَعَهُمَا فِي حِجْرِهِ فَقَبَّلَهُمَا، وَاعْتَنَقَ عَلِيًّا بِإِحْدَى يَدَيْهِ وَفَاطِمَةَ بِالْيَدِ الأُخْرَى، فَقَبَّلَ فَاطِمَةَ وَقَبَّلَ عَلِيًّا، فَأَغْدَفَ عَلَيْهِمْ خَمِيصَةً سَوْدَاءَ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِلَيْكَ لا إِلَى النَّارِ، أَنَا وَأَهْلُ بَيْتِي. قَالَتْ، فَقُلْتُ: وَأَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! فَقَالَ: وَأَنْتِ.(١)
وعن أمّ سلمة: أنّ رسول الله (ص) قال لفاطمة: ايتيني بزوجك وابنيك، فجاءت بهم، فألقى عليهم كساء فدكيّاً، ثمّ وضع يده عليهم، ثمّ قال: اللّهمّ إنّ هؤلاء آل محمّد فاجعل صلواتك وبركاتك على محمّد وعلى آل محمّد إنّك حميد
____________________
١ - مسند أحمد، ج ٦، ص ٢٩٦.
مجيد. قالت: فرفعت الكساء لأدخل معهم، فجذبه من يدي، وقال: إنّك إلى خير.(١)
أقول: كلمة وأنت في الحديث الأوّل تصديق بكونها إلى الله لا إلى النار، لا في كونها من أهل البيت، ويؤيّد هذا المعنى قوله (ص) في الحديث الثاني - إنّك إلى خير - حيث استدعت أن تكون معهم وتدخل في الكساء.
( أهل البيت والثقلين )
في صحيح مسلم: بإسناده عن زيد بن أرقم، قال: يا ابن أخي والله لقد كبرت سنّي وقدم عهدي ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله (ص)، فما حدثتكم فاقبلوا وما لا فلا تكلّفونيه، ثمّ قال: قام رسول الله (ص) فينا خطيباً بماء يدعى خمّا بين مكّة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكّر، ثمّ قال أمّا بعد: ألا أيّها الناس فإنّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربّي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين ؛ أوّلهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به - فحثّ على كتاب الله ورغّب فيه، ثمّ قال: - وأهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي! أذكّركم الله في أهل بيتي! أذكّركم الله في أهل بيتي! فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد، أليس نساؤه من أهل بيته؟! قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده. قال: ومَن هم؟ قال: آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس.(٢)
وفي مسند أحمد قريب منها.(٣)
أقول: نقل في حاشية الكتاب، قال القاضي: يعني أنّ نساءه من أهل مسكنه ولسنَ المراد، وإنّما أهل بيته وأهله وعصبته - انتهى.
وفي تعميم الكلمة حتى تشمل آل عقيل وآل جعفر وآل عباس نظر لا يخفى على البصير، وهو تفسير بالرأي.
____________________
١ - مسند أحمد، ج ٦، ص ٣٢٣.
٢ - صحيح المسلم، ج ٧، ص ١٢٢.
٣ - مسند أحمد، ج ٤، ص ٣٦٧.
ويروي أيضاً قريباً منها، وفيها: فقلنا من أهل بيته نساؤه؟ قال: لا، وايم الله أنّ المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثمّ يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده.(١)
سنن الدارمي: عن زيد بن أرقم، قال رسول الله (ص) يوما خطيباً فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: يا أيّها الناس إنّما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربّي فأجيبه، وإنّي تارك فيكم الثقلين أولهما: كتاب الله فيه الهدى والنور فتمسّكوا بكتاب الله وخذوا به، فحثّ عليه ورغّب فيه، ثمّ قال: وأهل بيتي أذكّركم الله في أهل بيتي. ثلاث مرّات.(٢)
ويروي السنن الكبرى للبيهقي مثلها.(٣)
سنن الترمذي: عن جابر رأيت رسول الله (ص): في حجّته يوم عرفة وهو على ناقته القصوى يخطب، فسمعته يقول: أيّها الناس إنّي تركت فيكم من أخذتم به لن تضلّوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي.(٤)
ويروي أيضاً: عن زيد بن أرقم، قال رسول الله (ص): إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعِترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيها.
أقول: هذه الرواية متواترة معنىً بين الفريقين، فلو لم يكن في موضوع الوصية والخلافة إلاّ هذا الحديث المسلّم المروي عن رسول الله (ص) لكفانا، وهذا أعظم حجّة، وأتقن دليل، وأدلّ شاهد قاطع، على أنّ رسول الله (ص) أوصى الأمّة بالكتاب وبأهل بيته، ودلّهم على هذين الثقلين، وصرّح بأنّهم إن تمسّكوا بهما لن يضلّوا أبداً. والعجب من الأمّة كيف تركوا هذه الوصية، واعرضوا عن طريقة
____________________
١ - صحيح مسلم، ج ٧، ص ١٢٣.
٢ - سنن الدارمي، ج ٢، ص ٤٣١.
٣ - السنن الكبرى، للبيهقي، ج ١٠، ص ١١٤.
٤ - سنن الترمذي، ص ٥٤١.
أهل البيت، بل خالفوهم أشدّ خلاف، وخاصموهم ألدّ خصام، ضلّوا وأضلوا، وخسروا خسرانا مبيناً.
وفي مسند أحمد: عن أبي سعيد الخدري عن النبيّ (ص) قال: إنّي أُوشك أن أُدعى فأُجيب، وإنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي. كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي، وإنّ اللطيف الخبير أخبرني أنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروني بمَ تخلفوني فيهما.(١)
وروى قريبا منها،وفيها: تارك فيكم خليفتين.(٢)
مستدرك الحاكم: عن زيد بن أرقم قال: رسول الله (ص): إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض. هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه.(٣)
الفائق: النبيّ (ص) - خلّفت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي -الثَّقل ( بفتحتين ) المتاع المحمول على الدابّة، وإنّما قيل للجنّ والإنس.الثقلان ، لأنّهما قطّان الأرض، فكأنّهما أثقلاها، وقد شبّه بهما الكتاب والعترة في أنّ الدين يستصلح بهما ويعمر كما عمرت الدنيا بالثقلين.(٤)
أقول: وفي جملة ( لن يفترقا ) إشارة إلى بطلان القول بكفاية الكتاب، وقد قلنا بأنّ الإمام هو كاشف حقائق القرآن ومفسّر معارفه، وحافظ أحكامه، ومبيّن مجمله ومتشابهه، فكيف يُستغنى عن الإمام، وكيف يكفينا كتاب الله، بل وكيف يصحّ لنا العمل بخلاف قول رسول الله (ص) ووصيّته، وكيف يجوز لرجل مسلم أن يقول معترضاً: كفانا كتاب الله، وقد قال الله تعالى:( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى ) [ النجم: ٤ ]، و:( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) .
____________________
١ - مسند أحمد، ج ٣، ص ١٧.
٢ - مسند أحمد، ج ٥، ص ١٨٢.
٣ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ١٤٨.
٤ - الفائق، ج ١، ص ١٥١.
ثمّ إنّ المراد من أهل البيت في هذه الأحاديث ليس إلاّ أهل الكساء والأئمّة المعصومون الذين هم خزّان العلم والمطهّرون من الرجس، بدليل قوله (ص): إن تمسكتم بهما لن تضلّوا أبداً. و: لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض.
( أهل البيت وكيفية الصلاة عليهم )
مسند أحمد: عن طلحة قال: قلت يا رسول الله كيف الصلاة عليك؟ قال، قل: اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم إنّك حميد مجيد، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على آل إبراهيم إنّك حميد مجيد.(١)
ويروي عن زيد بن خارجة قال: سألت رسول الله (ص) كيف الصلاة عليك؟ قال: صلّوا واجتهدوا ثمّ قولوا: اللّهمّ بارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على إبراهيم إنّك حميد مجيد.(٢)
ويروي عن كعب، أنّ رجلا قال للنبيّ (ص): يا رسول الله قد علمنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ قال، قولوا: اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم إنّك حميد مجيد، اللّهم بارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على إبراهيم إنّك حميد مجيد.(٣) ويروي بإسناد آخر مثلها.
سنن البيهقي: قال بشير بن سعد: أمرنا الله أن نصلّي عليك يا رسول الله، فيكف نصلّي عليك؟ قال: فسكت رسول الله (ص) حتى تمنّينا أنّه لم يسأله! ثمّ قال رسول الله (ص)، قولوا: اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم، وبارك على محمّد وآل محمّد كما باركت على إبراهيم في العالمين.(٤)
ويروي روايات قريبة منها.
____________________
١ - مسند أحمد، ج ١، ص ١٦٢.
٢ - مسند أحمد، ج ١، ص ١٩٩.
٣ - مسند أحمد، ج ٤، ص ٢٤١.
٤ - سنن البيهقي، ج ٢، ص ١٤٦.
سنن النسائي: قلنا: قد عرفنا كيف السلام عليك، فكيف نصلّي عليك؟ قال، قولوا: اللّهم صلّ على محمّد وآل محمّد كما صلّيت على آل إبراهيم.(١)
أقول: وروي روايات كثيرة بهذا المضمون في الكتاب.
مسند أبي عوانة: روى روايات مثلها.(٢)
مستدرك الحاكم: ثمّ قال رسول الله (ص): اللّهم هؤلاء آلي، فصلّ على محمّد وعلى آل محمّد. وأنزل الله عز وجل:( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) . هذا حديث صحيح الإسناد ولم يُخرجاه. وقد صحّت الرواية على شرط الشيخين، أنّه علّمهم الصلاة على أهل بيته كما علّمهم الصلاة على آله.(٣)
أقول: يكشف هذا عن شدّة محبّته وتعلّقه بآله ؛ حيث قرن الصلاة عليه بالصلاة عليهم، وليس هذا إلاّ من جهة طهارتهم وتنزّههم، وكمال قربهم من الله ومن الرسول، ونهاية ارتباطهم واتصالهم به، وسيجيء التصريح منه (ص) بأنّ حبّهم حبّ الرسول، وحربهم حربه، وبغضهم بغضه، وطاعتهم طاعته، وأنّهم أمان أهل الأرض، والتمسّك بهم نجاة من الضلال.
ولا يخفى أنّ المصداق المسلّم من الآل هنا: هم أهل الكساء والأئمّة الطاهرون المعصومون الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وهم خزنة علوم النبيّ وورثة الأنبياء وحملة الكتاب والحكمة وأولياء الله المقرّبون وعباده المخلصون.
( أهل البيت وآية التطهير )
صحيح مسلم: بإسناده عن عائشة، قالت: خرج النبيّ (ص) غداة وعليه مِرط مرحّل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثمّ جاء الحسين فدخل معه، ثمّ جاءت فاطمة فأدخلها، ثمّ جاء علي فأدخله، ثمّ قال:( إِنَّمَا
____________________
١ - سنن النسائي، ج ٣، ص ٤٨.
٢ - مسند أبي عوانة، ج ٢، ص ٢١١.
٣ - مستدرك الحاكم، ج٣، ص ١٤٨.
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) [الأحزاب: ٣٣ ].(١)
الكُنى للبخاري: قال أبو الحمراء صحبت النبيّ (ص) تسعة أشهر، فكان إذا أصبح كلّ يوم يأتي باب عليٍّ وفاطمة، فيقول: السلام عليكم أهل البيت،إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً. (٢)
أقول: هذا العمل من النبيّ (ص) يدلّ على نهاية الاهتمام وكمال التوجّه والتعمّد في تعريف أهل البيت وتعيينهم ؛ لئلاّ يبقى مورد للشكّ والاشتباه والترديد في مصداق أهل البيت.
سنن الترمذي: عن عمر بن أبي سلمة، ربيب النبيّ (ص)، قال: لما نزلت هذه الآية على النبيّ ( ص): ( إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) في بيت أم سلمة، فدعا فاطمة وحسناً وحسيناً، فجلّلهم بكساء، وعليّ خلف ظهره فجلّله بكساء، ثمّ قال: اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، قالت أمّ سلمة: وأنا معهم يا نبيّ الله؟ قال: أنت على مكانك، وأنت على خير. (٣)
ويروي أيضا عن أنس بن مالك: أنّ رسول الله (ص) كان يمرّ بباب فاطمة ستّة أشهر، إذا خرج لصلاة الفجر يقول: الصلاة يا أهل البيت( إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) . ورواه أيضا مسند أحمد.(٤)
الكُنى للدولابي: عن عطية، عن أبيه، عن أُمّ سلمة، قالت: بينا رسول الله (ص) في بيته يوماً إذ قال لي الخادم إنّ علياً وفاطمة بالسدّة، فقال لي: قومي فتنحّي لي عن أهل بيتي. فقمت فتنحّيت في البيت قريباً، فدخل عليّ وفاطمة ومعهما الحسن والحسين وهما صغيران، فأخذ الصبيّين فوضعهما في حجره واعتنق عليّ
____________________
١ - صحيح مسلم، ج ٧، ص ١٣٠.
٢ - الكُنى، للبخاري، ص ٢٥.
٣ - سنن الترمذي، ص ٤٦٢.
٤ - سنن الترمذي، ص ٤٦٢. ومسند أحمد، ج٣، ص ٢٥٩.
بإحدى يديه وفاطمة بالأخرى، فقبّلهما وأغدف عليهم خميصة سوداء، وقال: اللّهمّ إليك لا إلى النار، أنا وأهل بيتي. قالت: قلت وأنا يا رسول الله، قال: وأنت.(١)
البيان والتعريف: اللّهم هؤلاء أهل بيتي وخاصيّتي فاذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً. أخرجه الإمام أحمد عن أُمّ سلمة رضي الله عنها.(٢)
وسببه: عنها: أنّ النبيّ (ص) كان في بيتها فأتته فاطمة ببرمة فيها حريرة، فدخلت بها عليه، فقال: ادعي زوجك وابنيك، قالت: فجاء عليّ وحسين وحسن فدخلوا عليه فجلسوا يأكلون من تلك الحريرة وهو على منامة له، وكان تحته كساء خيبري، قالت: وأنا أصلي في الحجرة فانزل الله عز وجل هذه الآية:( إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ، قالت فأخذ فضل الكساء فغشّاهم به، ثمّ اخرج يده فألوى بها إلى السماء ثمّ قال: اللّهمّ هؤلاء إلخ.
رواه مسند أحمد: وآخر الحديث: هؤلاء أهل بيتي وخاصّتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي وخاصّتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً. قالت فأدخلت رأسي البيت فقلت: وأنا معكم يا رسول الله؟ قال: إنّك إلى خير، إنّك إلى خير(٣)
مستدرك الحاكم: عن واثلة قال: جئت أريد علياً ( رض ) فلم أجده، فقالت فاطمة ( رض ): انطلقَ إلى رسول الله (ص) يدعوه، فاجلس! فجاء مع رسول الله (ص) فدخل ودخلت معهما، قال فدعا رسول الله (ص) حسناً وحسيناً فأجلس كلّ واحد منهما على فخذه، وأدنى فاطمة من حجره وزوجها، ثمّ لفّ عليهم ثوبه وأنا شاهد، فقال:( إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ، اللّهم هؤلاء أهل بيتي. (٤)
ويروي نظيره، وفيه: اللّهم أهل بيتي أحقّ. هذا حديث صحيح على شرط
____________________
١ - الكُنى، للدولابي، ج ٢، ص ١٢١.
٢ - البيان والتعريف، ج ١، ص ١٥٠.
٣ - مسند أحمد، ج ٦، ص ٢٩٢.
٤ - مستدرك الحاكم، ج ٢، ص ٤١٦.
الشيخين ولم يُخرجاه(١)
وفي مسند أحمد: عن شدّاد قال: دخلت على واثلة وعنده قوم، فذكروا علياً، فلمّا قاموا قال لي: ألا أخبرك بما رأيت من رسول الله (ص)؟ قلت بلى، قال: أتيت فاطمة ( رض ) أسألها عن عليّ، قالت: توجّه إلى رسول الله (ص)، فجلست انتظره حتى جاء رسول الله (ص) ومعه عليّ وحسن وحسين ( رض ) آخذٌ كلّ واحد منها بيده، حتى دخل فأدنى علياً وفاطمة فأجلسهما بين يديه وأجلس حسناً وحسيناً كلّ واحد منهما على فخذه، ثمّ لف عليهم ثوبه - أو قال: كساءا - ثمّ تلا هذه الآية:( إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ، وقال: اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي وأهل بيتي أحقّ.(٢)
الاستيعاب: أبو الحمراء مولى النبيّ (ص) قيل اسمه هلال بن الحارث، حديثه عن النبيّ (ص): أنّه كان يمرّ ببيت فاطمة وعليّ عليهما السلام فيقول: السلام عليكم أهل البيت( إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) .(٣)
أقول: وقد صرّح رسول الله (ص) بقوله: ( وأهل بيتي أحقّ، السلام عليكم أهل البيت، هؤلاء أهل بيتي وخاصّتي، وأنت إلى خير، فتنحّي لي عن أهلي، أنا وأهل بيتي ) بكونهم مصداق أهل البيت في آية التطهير وفي دعاء الرسول مخصوصاً، ولا يعمّ غيرهم في هذا المورد، وان أُطلق على غيرهم في سائر الموارد. وهذا الاختصاص نصّ من رسول الله (ص)، ولا يجوز الاجتهاد في مقابل النصّ.
المحاسن للبيهقي: سُئلت عائشة عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، فقالت: وما عسيت أن أقول فيه وهو أحبّ الناس إلى رسول الله (ص)، لقد رأيت رسول الله (ص) قد جمع شملته على عليّ وفاطمة والحسن والحسين، وقال: هؤلاء أهل بيتي اللّهمّ أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً. قيل لها فكيف
____________________
١ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ١٤٧.
٢ - مسند أحمد، ج ٤، ص ١٠٧.
٣ - الاستيعاب، ج ٤، ص ١٦٣٣.
سرت إليه؟! قالت: أنا نادمة، وكان ذلك قدراً مقدوراً.! (١)
مستدرك الحاكم: عن أم سلمة قالت: في بيتي نزلت:( إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ) ، قالت: فأرسل رسول الله (ص) إلى عليّ وفاطمة والحسن والحسين، فقال: هؤلاء أهل بيتي(٢)
ويروي أيضاً: عن عبد الله بن جعفر، قال: لمّا نظر رسول الله (ص) إلى الرحمة هابطة، قال: ادعوا لي، ادعوا لي. فقالت صفيّة: مَن يا رسول الله؟ قال: أهل بيتي، علياً وفاطمة والحسن والحسين. فجيء بهم، فألقى عليهم النبيّ (ص) كساءه ثمّ رفع يديه، ثمّ قال: اللّهمّ هؤلاء آلي فصلّ على محمّد وعلى آل محمّد، وأنزل الله عزّ وجلّ( إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (٣) . هذا حديث صحيح الإسناد ولم يُخرجاه.
أقول: يستفاد من هذه الروايات أمور:
١ - قد صرّح فيها بأنّ المراد من أهل البيت هو عليّ وفاطمة والحسن والحسين ( عليهم السلام )
٢ - أذهب الله الرجس عنهم وطهّرهم تطهيراً، فقد طهّر قلوبهم ونفوسهم، وأذهب عنهم رجس الشكّ والعصيان، وعصمهم عن الخطأ والخذلان.
٣ - فإذا أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم فلا يجوز نسبة الخطأ والكذب والخلاف والعصيان، فكيف يمكن أن يقولوا خلاف الصدق والحقّ؟! أو أن يدّعوا ما ليسوا له بأهل؟! أو يتملّكوا ما ليس لهم؟! وهل يُعقل أن نتبع ممّن ليس بمعصوم عن الخطأ والرجس مع وجود هؤلاء المطهّرين المعصومين؟!
____________________
١ - المحاسن، للبيهقي، ص ٢٩٨.
٢ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ١٤٦.
٣ - مستدرك، الحاكم، ص ١٤٨.
( بعض ما ورد في أهل البيت )
وقد وردت أحاديث كثيرة عن طرق أهل السنّة، في أنّ أهل البيت: أمان لأهل الأرض.
وأنّ: مَثَلهم كمثل سفينة نوح.
وأنّهم: أوّل من يدخل الجنّة.
وأنّهم: سادة أهل الجنّة.
وأنّ: نسبهم لا ينقطع.
وأنّ: مبغضهم يدخل النار.
وأنّ: رسول الله (ص) حربٌ لمن حاربهم وسلمٌ لمن سالمهم.
وأنّ: صالح الأعمال لا ينفع حتى يُحبوهم. ونحن نورد بعضها بالاختصار.
( أنّهم أمان أهل الأرض )
مستدرك الحاكم: عن ابن عبّاس، قال رسول الله (ص): النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، وأهل بيتي أمان لأمّتي من الاختلاف، فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس. (١)
ويروي أيضا: عن المنكدر، قال رسول الله (ص): النجوم أمانٌ لأهل السماء فإن طمست النجوم أتى السماء ما يوعدون، وأنا أمانٌ لأصحابي فإذا قبضت أتى أصحابي ما يوعدون، وأهل بيتي أمانٌ لأمّتي فإذا ذهب أهل بيتي أتى أمّتي ما يوعدون.(٢)
أقول: قد صرّح رسول الله (ص) بأنّ: اتّباعهم وإطاعتهم يرفع الاختلاف عن الأمّة ويهديهم إلى الحقّ ويمنعهم عن الضلال ويعطيهم الأمان من الانحراف والعقوبات،( أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ ) .
____________________
١ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ١٤٩.
٢ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ٤٥٧.
( حُبُّهم وبُغضُهم )
مستدرك الحاكم: عن عليّ ( ع ): قال رسول الله (ص): إنّ أوّل مَن يدخل الجنّة أنت وفاطمة والحسن والحسين. قلتُ: يا رسول الله، فمحبّونا؟ قال: من ورائكم.(١)
مسند أحمد: أنّ رسول الله (ص) أخذ بيد حسن وحسين رضي الله عنهما، فقال: مَن أحبّني وأحبّ هذين وأباهما وأمّهما، كان معي في درجتي يوم القيامة.(٢)
الكُنى للدولابي: عن زيد بن أرقم، أنّ النبيّ (ص) قال لعليّ وفاطمة وحسن وحسين ( عليهم السلام ): أنا حربٌ لمَن حاربتم، وسِلمٌ لمَن سالمتم.(٣)
سير الأعلام: عن أبي هريرة، نظر النبيّ (ص) إلى عليّ وفاطمة والحسن والحسين فقال: أنا حربٌ لمَن حاربَكم وسِلم لمَن سالمكم(٤). يروي مسند أحمد مثلها(٥) . والحاكم في المستدرك مثلها. (٦)
ويروي الذهبي أيضاً: عنه (ص): فلو أنّ رجلاً صفن بين الركن والمقام، فصلّى وصام، ثمّ لقي الله وهو مبغض لأهل بيت محمّد، دخل النار.
أقول: لمّا كان أهل البيت مظهر العلم والحقيقة ومَجلى الصدق والإيمان والطهارة ؛ فطاعتهم والسلام لهم طاعة لله، وبغضهم والحرب لهم حربٌ لله، ومخالفةٌ للحقٌ وانحراف عن صراط الحقيقة، ومَن خالفهم وأبغضهم فهو بعيد عن الله، وبعيد عن رسوله وعن الحقّ، ولا يفيده العمل ولا ينفعه التعبّد الظاهريّ.
____________________
١ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ١٥١.
٢ - مسند أحمد، ج ١، ص ٧.
٣ - الكُنى، للدولابي، ج ٢، ص ١٦٠.
٤ - سير الأعلام، ج ٢، ص ٩٠.
٥ - مسند أحمد، ج ٢، ص ٤٤٢.
٦ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ١٤٩.
أخبار أصبهان: عن سلمان قال: أنزلوا آل محمّد بمنزلة الرأس من الجسد وبمنزلة العين من الرأس ؛ فإنّ الجسد لا يهتدي إلاّ بالعينين.(١)
ويروي: عن أبي هريرة، قال رسول الله (ص): خيركم خيركم لأهلي من بعدي. (٢)
سنن الترمذي: عن ابن عبّاس، قال رسول الله (ص): أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ مِنْ نِعَمِهِ، وَأَحِبُّونِى بِحُبِّ اللَّهِ، وَأَحِبُّوا أَهْلَ بَيْتِى لِحُبِّى.(٣)
سير الأعلام: عن أبي سعيد قال رسول الله (ص): لا يبغضنا أهل البيت أحدٌ إلاّ أدخله الله النار(٤)، ويروي الحاكم في مستدركه نظيره.(٥)
الفائق: أبو ذر رضي الله عنه: لو صلّيتم حتى تكونوا كالحنايا، ما نفعكم ذلك حتى تُحبّوا آل رسول الله (ص). (٦)
ثمّ قال الزمخشري: حتى تحدبوا وتنحنوا ممّا تجهدون أنفسكم.
أقول: سيأتي في الفصول الآتية أحاديث مروية عن رسول الله (ص) في أنّ من أحبّ علياً فقد أحبّه. ومن أحبّ فاطمة فقد أحبّه. ومن أحبّ الحسنين فقد أحبّه. ومن أبغض واحداً منهم فقد أبغضه. وما يقرب منها.
( أنّهم كسفينة نوح )
العقد الفريد: وروى فيها جعفر بن محمّد رضوان الله عليه: ألاّ إنّ الأبرار عِترتي وأطايب أرومتي، أحلم الناس صغاراً وأعلم الناس كباراً، ألا وإنّا أهل البيت
____________________
١ - أخبار أصبهان، ج ١، ص ٤٤.
٢ - أخبار أصبهان، ج٢، ص ٢٩٤.
٣ - سنن الترمذي، ص ٥٤١.
٤ - سير الأعلام، ج ٢، ص ٩٠.
٥ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ١٥٠.
٦ - الفائق، ج ١، ص ٣٠٢.
من علم الله علمنا، وبحكم الله حُكمنا، ومن قول صادق سمعنا، فإن تتّبعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا، معنا راية الحقّ من يتّبعها لَحِق، ومن تأخّر عنها غرق.(١)
المعارف: قال أبو ذر سمعت رسول الله (ص) يقول: مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا.(٢)
الكُنى للدولابي: عن عامر بن واثلة، سمعت مثلها، وفيها: ومن تركها غرق.(٣)
مستدرك الحاكم: كما في الكُنى(٤)
أقول: كما أنّ الملتجئ إلى السفينة ينجو من الأمواج الهائلة، كذلك المتمسّك بهم والسالك على طريقتهم والتابع لهم ينجو من المهلكات والمضلاّت، ويهتدي بنورهم ويتخلّص من الظلمات والشبهات. وأمّا التارك لهم فهم في ظن، بل وفي ريبٍ ممّا يعلمون، ما لهم به من علم، إن يتّبعون إلاّ الظنّ وإنّ الظن لا يغني من الحقّ شيئاً.
( نسبهم لا ينقطع )
مستدرك الحاكم: في حديث عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: كلّ نسب وسبب ينقطع يوم القيامة إلاّ ما كان من سببي ونسبي.(٥)
البيان والتعريف: كلّ بني أنثى فإنّ عصبتهم لأبيهم ما خلا ولد فاطمة ؛ فإنّي أنا عصبتهم وأنا أبوهم. أخرجه الطبراني في الكبير عن عمر بن الخطّاب(٦)
ويروي أيضا: كلّ سبب ونسب منقطع يوم القيامة ما خلا سببي ونسبي، وكلّ وُلد أب فإنّ عصبتهم لأبيهم ما خلا وُلد فاطمة ؛ فإنّي أنا أبوهم وعَصَبتهم. أخرجه
____________________
١ - العقد الفريد، ج ٤، ص ٦٧.
٢ - المعارف، ص ٢٥٢.
٣ - الكُنى، للدولابي، ج ١، ص ٧٦.
٤ - مستدرك الحاكم، ج ٢، ص ٣٤٣.
٥ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ١٤٢.
٦ - البيان والتعريف، ج ٢، ص ١٤٤.
أبو نعيم في معرفة الصحابة عن عمر بن الخطاب.(١)
أقول: العَصَبُ - محرّكة - والعَصَبة: قوم الرجل الذين يتعصّبون له. يُشير النبيّ (ص) إلى أنّ أهل البيت معصوبون به نسباً وروحاً، وأنّ ولد فاطمة ولده.
مسند أحمد: عن المسور، قال: بعث حسن بن حسن إلى المسوّر يخطب بنتاً له، قال له توافيني في العتمة، فلقيه فحمد الله المسورُ، فقال: ما من سبب ولا نسب ولا صهر أحبّ إليّ من نسبكم وصهركم، ولكنّ رسول الله (ص) قال: فاطمة شجنة منّي يبسطني ما بسطها، ويقبضني ما قبضها، وإنّه تنقطع يوم القيامة الأنساب والأسباب إلاّ نسبي وسببي. وتحتك ابنتها، ولو زوّجتك قبضها ذلك، فذهب عاذرا له.(٢)
( أهل البيت والمباهلة )
مسند أحمد: عن عامر بن سعد عن أبيه، قال سمعت رسول الله (ص) يقول له وخلّفه في بعض مغازيه، فقال علي ( رض ): أتخلّفني مع النساء والصبيان؟! قال: يا عليّ أمّا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ إنّه لا نبوّة بعدي. وسمعته يقول يوم خيبر: لأعطينّ الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله. فتطاولنا لها فقال: ادعوا ليّ علياً (رض)، فأُتي به أرمد فبصق في عينه، ودفع الراية إليه ففتح الله عليه، ولمّا نزلت هذه الآية:( نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ ) ، دعا رسول الله (ص) عليا وفاطمة وحسنا وحسيناً رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، فقال: اللّهمّ هؤلاء أهلي(٣).
دلائل النبوّة: عن جابر، قَدِم على النبيّ (ص) العاقبُ والطيّبُ فدعاهما إلى الإسلام فدعاهما إلى الملاعنة، فواعداه على أن يغادياه بالغداة، فغدا رسول الله (ص) وأخذ بيد عليّ وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم، ثمّ
____________________
١ - البيان والتعريف، ص ١٤٥.
٢ - مسند أحمد، ج ٤، ص ٣٣٢.
٣ - مسند أحمد، ج ١، ص ١٨٥.
أرسل إليهما فأبيا أن يجيباه وأقرّا له، فقال رسول الله (ص): والذي بعثني بالحقّ لو فعلاً، لأمطر الوادي عليهما ناراً، قال جابر: فيهم نزلت:( تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ) ، قال الشعبي: قال جابر: وأنفسنا وأنفسكم رسول الله (ص) وعليّ، وأبناءنا وأبناءكم الحسن والحسين، ونساءنا فاطمة، رضي الله عنهم أجمعين.(١)
أقول: قال تعالى:( تََعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) . (٢)
الكشّاف: فأتوا رسول الله (ص) محتضناً الحسين آخذا بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعليّ خلفها، وهو يقول: إذا أنا دعوت فأمّنوا فقال أسقف نجران: يا معشر النصارى إنّي لأرى وجوهاً لو شاء الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزالها بها، فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة
وعن عايشة أنّ رسول الله (ص) خرج وعليه مرط مرجل من شعر أسود فجاء الحسن فأدخله، ثمّ جاء الحسين فأدخله ثمّ فاطمة ثمّ عليّ، ثمّ قال:( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ) ، فإن قلت: فما معنى ضمّ الأبناء والنساء؟
قلت: ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله واستيقانه بصدقه حيث استجرأ على تعريض أعزّته وأفلاذ كبده وأحبّ الناس إليه وقدّمهم في الذكر على الأنفس لينبّه على لطف مكانهم وقرب منزلتهم، وليؤذن بأنّهم مقدّمون على الأنفس، وفيه دليل لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء عليهم السلام.(٣)
سنن الترمذي: عن سعد لمّا نزلت هذه الآية:( نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ ) الآية، دعا رسول الله (ص) علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: اللّهمّ
____________________
١ - دلائل النبوّة، ج ١، ص ١٢٤.
٢ - آل عمران، آية ٦١.
٣ - الكشّاف، ج ١، ص ٣٠٧.
هؤلاء أهلي.(١)
فتوح البلدان: عن الحسن: ثمّ دعا رسول الله (ص) راهبا نجران إلى المباهلة، واخذ بيد فاطمة والحسن والحسين، فقال أحدهما لصاحبه: أصعد الجبل ولا تباهله فإنّك إن باهلته بُؤت باللعنة.(٢)
أقول: يستفاد من هذه الروايات بأنّ المصداق الحقيقي من أبنائه ونسائه وأنفسه: هو الحسن والحسين وفاطمة وعلي عليهم السلام، وأنّهم أحبّ الناس إليه، وأنّهم أهل بيته المخصوصون المقرّبون.
( ما يستفاد من الروايات )
وقد نقلنا الأحاديث الواردة في أهل البيت (ص) ملخّصاً، واعتمدنا فيها على الكتب المؤلّفة في ستة قرون من صدر الإسلام، من صحاح أهل السنّة، وفيها كفاية للمعتبر ومن تعوّذ من الشيطان والهوى، وتورّع عن العصبيّة، وطلب الحقيقة، فله أن يتدبّر فيها وينظر فيها بالإنصاف والتحقيق، ليجد ما هو الحقّ.
ويستفاد منها أمور:
١ - قد صرّح رسول الله (ص) في الأحاديث المذكورة بأنّ مراده من أهل البيت هو عليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، والتفسير بمعنى آخر مخالف لقوله (ص)، وممّا لا يرضى به صاحبه.
٢ - قد ترك رسول الله (ص) في أمّته الثقلين، وأوصاهم بالتمسك بهما: فللأمّة أن يتمسّكوا بهما، ولا يخالفوهما، ويراقبوا أعمالهم وعقائدهم وسلوكهم حتى لا يتراءى فيها خلاف وانحراف عن طريقتهما.
٣ - قد أكد رسول الله (ص) التمسّك بالثقلين بقوله: ( إن أخذتم بهما لن تضلّوا )، ( إن تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي )، ( لن يفترقا حتى يردا عليّ )، ( فانظروا كيف تخلفوني فيهما )، ( أذكّركم الله في أهل بيتي ) فبئس ما عملت الأمّة بالوصية، وبئس
____________________
١ - سنن الترمذي، ص ٤٢٦.
٢ - فتوح البلدان، ص ٧٥.
ما يصنعون.
٤ - يُخبر رسول الله (ص) بأنّ الله تعالى قد أذهب عن أهل بيته الرجس وطهّرهم تطهيراً، وأنّهم مورد نزول آية التطهير، وهم أهل الكساء، فقولهم وعملهم لنا حجّة، وهم منزّهون عن كلّ عيب وشين.
٥ - حكم رسول الله (ص) بأنّ الصلاة عليه يلزم أن تقترن بالصلاة على آله ؛ والأمّة لم يعملوا بهذا أيضاً.
٦ - أنّهم أمان للأمّة من الاختلاف، وإذا اختلفوا فصاروا حزب إبليس ؛ فمخالفة طريقة أهل البيت تكشف عن انحرافهم وضلالهم واتّباعهم إبليس وقومه.
٧ - أنّهم أوّل من يدخل الجنّة، ومحبّوهم من ورائهم.
٨ - أنّ رسول الله (ص) حرب لمن حاربهم، وسلمٌ لمن سالمهم. ومن المحاربة مخالفتهم والانحراف عن طريقتهم، وتركهم والتوجّه إلى غيرهم وترك العمل بأقوالهم.
٩ - لو أنّ رجلاً صلّى وصام وهو مبغض لهم دخل النار.
١٠ - أنّ حُبّ الرسول (ص) ملازم بحبّ آله.
١١ - أنّهم كسفينة نوح من تركها غرق.
١٢ - أنّ رسول الله (ص) أبوهم وعَصبَتهم.
١٣ - أنّهم أحبّ الناس إلى رسول الله (ص) وأعزّ الأشخاص وأقرب النفوس إليه.
١٤ - أنّهم مورد نزول آية المباهلة، وأنّهم المصداق المسلّم من أبنائه ونسائه وأنفسه في الآية.
أولئك الذين هدى الله فبهُداهم اقتده.
( رسول الله وعليّ بن أبي طالب )
لمّا أدرجنا الأحاديث المروية عن رسول الله (ص) في أهل البيت عليهم اللام وعرفنا مقاماتهم، وتوصية رسول الله (ص) بهم، وإرجاع الأمة إليهم ولزوم اتّباعهم: يناسب هنا أن نذكر شطراً من الروايات الصحيحة المرويّة في صحاح أهل السنّة، ممّا صدر عن رسول الله (ص) في حقّ عليّ (ع) تأييدا للأحاديث السابقة، وتأكيداً لدلالتها، وتحكيماً لمعانيها، وتشريحا لمجملها، وتوضيحا لمبهمها، حتى يكون القارئ طالب الحقيقة على بصيرة، لا يخفى عليه الحقّ.
واللازم لنا أن نذكر تلك الروايات الشريفة المعتبرة على ترتيب حياة أمير المؤمنين علي (ع) ليطلّع الطالب سليم القلب على جريان تاريخ حبّ النبيّ (ص) له، وإرجاع الناس إليه، وتعيينه لمقام الخلافة والولاية.
ولا نريد من هذا جزاءاً ولا أجراً ولا عنواناً، وليس غرضي إلا عرض المحبّة والأدب وإظهار الموالاة والخدمة لأهل بيت الطهارة وعترة خاتم الرسالة، ثمّ التذكرة والتنبيه لأخواني المسلمين، الذين انقطعوا عن آل رسول ربّ العالمين، فإنّ الذكرى تنفع المؤمنين، وإنّ الله تعالى هادي المتّقين.
( تربية عليّ بن أبي طالب (ع) )
المقاتل: وكان رسول الله (ص) أخذ علياً من أبيه وهو صغير في سنةٍ أصابت قريشاً وقحط نالهم، وأخذ حمزة جعفراً وأخذ العبّاس طالباً ؛ ليكفوا أباهم مؤنتهم ويخفّفوا عنه ثقلهم، فقال رسول الله (ص): اخترت مَن اختار الله لي عليكم: علياً.(١)
____________________
١ - المقاتل، ص ٢٦.
مستدرك الحاكم: عن مجاهد قال: كان من نعم الله على عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه ما صنع الله له وأراده به من الخير، أنّ قريشا أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب في عيال كثير، فقال رسول الله (ص) لعمّه العباس: إنّ أخاك أبا طالب كثير العيال فانطلق بنا إليه نُخفف عنه فأخذ رسول الله (ص) علياً فضمّه إليه وأخذ العبّاس جعفراً فضمه إليه، فلم يزل علي مع رسول الله (ص) حتى بعثه الله فاتبعه وصدّقه. (١)
أقول: هذه أوّل مرحلة من حياة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، حيث ربّي في حجر رسول الله (ص)، ولم يزل معه حتى بعثه الله فاتّبعه، وقال رسول الله (ص): اخترت من اختار الله لي عليكم علياً. ولا ريب أنّ التربية الأوّلية لها غاية التأثير في المراحل المتأخّرة من الحياة، ومن آثارها: أن وفّقه الله تعالى حتى آمن به وصدّق رسول الله (ص) قبل أن يؤمن به آخرون.
وما أحسن ما يقول المقريزي في إمتاع الأسماع: وأمّا عليّ بن أبي طالب فلم يشرك بالله قط ؛ وذلك أنّ الله تعالى أراد به الخير فجعله في كفالة ابن عمّه سيد المرسلين محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم، فعندما أتى رسول الله (ص) الوحي وأخبر خديجة رضي الله عنها وصدقت، كانت هي وعليّ بن أبي طالب وزيد بن حارثة - حِبّ رسول الله (ص) - يُصلّون معه، وكان يخرج إلى الكعبة أوّل النهار فيصلّي صلاة الضحى، وكانت صلاة لا تنكرها قريش. فلم يحتجّ عليّ رضي الله عنه أن يُدعى ولا كان مشركاً حتى يوحّد فيقال أسلم، بل كان عندما أوحى الله إلى رسول الله (ص) عمره ثماني سنين، وقيل سبع سنين وقيل إحدى عشرة سنة، وكان مع رسول الله (ص) في منزله بين أهله كأحد أولاده يتّبعه في جميع أحواله، وكان أبو بكر أوّل من أسلم ممّن له أهلية الذّب عن رسول الله (ص) والحماية والمناصرة، هذا هو التحقيق في المسألة.(٢)
____________________
١ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ٥٧٦.
٢ - إمتاع الأسماع، ج ١، ص ١٦.
( أوّل من آمن وصدّق )
الاستيعاب: وروي عن سلمان وأبي ذر والمقداد وخباب وجابر وأبي سعيد لخدري وزيد بن الأرقم: أنّ عليّ بن أبي طالب (رض) أوّل من أسلم، وفضّله هؤلاء على غيره، ويروي عن ابن عبّاس، قال: لعلي أربع خصال ليست لأحدٍ غيره: هو أوّل عربي وعجمي صلّى مع رسول الله (ص)، وهو الذي كان لواؤه معه في كلّ زحف، وهو الذي صبر معه يوم فرّ عنه غيره، وهو الذي غسّله وأدخله قبره.(١)
ويروي: عن سلمان، قال رسول الله (ص): أوّلكم وُرودا عليّ الحوض أوّلكم إسلاما: عليّ بن أبي طالب (رض).(٢)
ويروي: عن عمرو مولى عفرة، سُئل محمّد بن كعب القرظي عن أوّل من أسلم، عليّ أو أبو بكر؟ قال سبحان الله عليّ أوّلهما إسلاما، وإنّما شبه على الناس لأنّ علياً أخفى إسلامه من أبي طالب، وأسلم أبو بكر فأظهر إسلامه، ولا شكّ أنّ علياً أوّلهما إسلاماً.(٣)
أقول: هذا خلاف ما ورد في الأحاديث المعتبرة بأنّ علياً كان يصلّي مع رسول الله (ص) في المسجد، كما في حديث عفيف وغيره، نعم يمكن أن نقول: إنّ علياً كان من أهل بيت رسول الله (ص) كما أنّ زيد بن حارثة كان مولى رسول الله (ص)، وكان يتّبعه في جميع أحواله، فأوّل مسلم من سائر الناس هو أبو بكر.
ويروي: قال رسول الله (ص) لفاطمة (ع): زوجكِ سيدٌ في الدنيا والآخرة، وإنّه أوّل أصحابي إسلاماً وأكثرهم علماً وأعظمهم حلماً.(٤)
____________________
١ - الاستيعاب، ج ٣، ص ١٠٩٠.
٢ - الاستيعاب، ج ٣، ص ١٠٩١.
٣ - نفس المصدر، ج ٣، ص ١٠٩٢.
٤ - الاستيعاب، ج ٣، ص ١٠٩٩.
أخبار أصبهان: عن ابن عبّاس، قال رسول الله (ص): أوّل من صلّى مع رسول الله (ص) خديجة ثمّ عليّ. فأمرهما بخلع الأنداد وترك اللات والعزى.(١)
السيرة النبوية: قال ابن إسحاق: ثمّ كان أوّل ذكر من الناس آمن برسول الله (ص) وصلّى معه وصدّق بما جاءه من الله تعالى عليّ بن أبي طالب بن عبد المطّلب بن هاشم رضوان الله وسلامه عليه، وهو يومئذٍ ابن عشر سنين. وكان ممّا أنعم الله على عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنّه كان في حجر رسول الله ( ص) قبل الإسلام.(٢)
ويقول: فلم يزل عليّ مع رسول الله (ص) حتى بعثه الله تبارك وتعالى نبياً، فاتّبعه عليّ رضي الله عنه وآمن به وصدّقه.(٣)
وذكر بعض أهل العلم: أنّ رسول الله (ص) كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكّة، وخرج معه عليّ بن أبي طالب مستخفياً من أبيه أبي طالب ومن جميع أعمامه وسائر قومه، فيصلّيان الصلوات فيها، فإذا أمسيا رجعا فمكثا كذلك ما شاء الله أن يمكثا.
ويقول: ثمّ أسلم زيد بن حارثة بن شرحبيل، مولى رسول الله (ص)، وكان أوّل ذكر أسلم وصلّى بعد عليّ بن أبي طالب.(٤)
ويقول: ثمّ أسلم أبو بكر بن أبي قحافة.(٥)
أقول: قد صرّح من دون ذكر خلاف بأنّ أوّل من أسلم وصلّى هو: عليّ بن أبي طالب، ثمّ زيد بن حارثة، ثمّ أبو بكر.
المعارف: قال ابن إسحاق: أوّل من اتّبع رسول الله (ص) وآمن به من
____________________
١ - أخبار أصبهان، ج ٢، ص ١٨١.
٢ - السيرة النبوية، ج ١، ص ٢٦٢.
٣ - السيرة النبوية، ص ٢٦٣.
٤ - نفس المصدر ص٢٦٤.
٥ - نفس المصدر ص٢٦٦.
أصحابه عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وهو ابن تسع سنين، ثمّ زيد بن حارثة، ثم أبو بكر بن أبي قحافة.(١)
ويقول: عن معاذة: سمعت عليّ بن أبي طالب على منبر البصرة وهو يقول: أنا الصدّيق الأكبر ؛ آمنت قبل أن يؤمن أبو بكر، وأسلمت قبل أن يسلم أبو بكر. ويقول حبّة العرني: سمعت علياً يقول: أنا أوّل من صلّى مع رسول الله (ص).(٢)
سنن الترمذي: عن ابن عبّاس قال: أول من صلّى، عليّ.(٣)
ويروي أيضاً: عن زيد بن أرقم قال: أوّل من أسلم عليّ.
ويروي أيضاً: عن أنس قال: بُعث النبيّ (ص) يوم الاثنين وصلّى عليّ يوم الثلاثاء.
ويروي الاستيعاب نظيرها.(٤)
الخصائص للنسائي: قال حبّة العُرني: سمعت علياً كرّم الله وجهه يقول: أنا أوّل من صلّى مع رسول الله (ص).
ويروي: عن زيد بن أرقم: أوّل من صلّى مع رسول الله (ص) عليّ (رض).
ويروي: عن عفيف: قال جئت في الجاهلية إلى مكّة وأنا أريد أن أبتاع لأهلي من ثيابها وعطرها، فأتيت العبّاس بن عبد المطلب وكان رجلاً تاجراً، فأنا عنده جالس حيث انظر إلى الكعبة وقد حلّقت الشمس في السماء فارتفعت وذهبت، إذ جاء شاب فرمى ببصره إلى السماء ثمّ قام مستقبل الكعبة ثمّ لم ألبث إلاّ يسيراً حتى جاء غلام فقام على يمينه، ثمّ لم البث إلاّ يسيراً حتى جاءت امرأة فقامت خلفهما، فركع الشاب فركع الغلام والمرأة، فرفع الشاب فرفع الغلام والمرأة، فسجد الشاب فسجد الغلام والمرأة، فقلت: يا عبّاس أمرٌ عظيم، قال العبّاس: أمر عظيم، تدري من هذا الشاب؟ قلت لا. قال: هذا محمّد بن عبد الله
____________________
١ - المعارف، ص ١٦٨.
٢ - المعارف، ص ١٦٩.
٣ - سنن الترمذي، ص ٥٣٥.
٤ - الاستيعاب، ج ٥، ص ١٠٩٥.
ابن أخي، أتدري من هذا الغلام؟ هذا عليّ ابن أخي، أتدري من هذه المرأة؟ هذه خديجة بنت خويلد زوجته، إنّ ابن أخي هذا أخبرني أنّ ربّه ربّ السماء والأرض أمره بهذا الدين الذي هو عليه، ولا والله ما على الأرض كلّها أحد على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة.(١)
الطبقات: يروي نظيرها.(٢)
الاستيعاب: يروي عن عفيف عن جده نظيرها.(٣)
خصائص النسائي: عن خالد بن قثم، قيل له: أعليّ ورث رسول الله (ص) دون جدّك وهو عمّه؟ قال: إنّ علياً أوّلنا لحوقاً وأشدّنا به لزوقا.(٤)
الطبقات: عن زيد بن أرقم، قال: أوّل من أسلم مع رسول الله (ص) عليّ. قال عفّان: أوّل من صلّى.(٥)
ومسند أحمد يروي نظيرها.(٦)
ويروي في الطبقات عن مجاهد: أوّل من صلّى عليّ وهو ابن عشر سنين.
ويروي: عن محمّد بن عبد الرحمن: أسلم عليّ وهو ابن تسع سنين.
الكُنى للدولابي: يروي نظير ما في المعارف.(٧)
أنساب الأشراف: كما في الخصائص عن زيد بن أرقم.(٨)
ويروي أيضاً: عن الواقدي: قال رأى عليّ النبيّ (ص) تُصلي معه خديجة، فقال: ما هذا يا محمّد؟ فقال رسول الله (ص): يا عليّ هذا دين الله الذي اصطفاه واختاره، وأنا أدعوك إلى الله وحده وأن تذر اللات والعزة ؛ فإنّهما لا تنفعان
____________________
١ - الخصائص للنسائي، ص ٢.
٢ - الطبقات، ج ٨، ص ١٧.
٣ - الاستيعاب، ج ٣، ص ١٠٩٦.
٤ - خصائص النسائي، ص ٢٠.
٥ - الطبقات، ج ٣، ص ٢١.
٦ - مسند أحمد، ج ٤، ص ٣٦٨.
٧ - الكُنى، للدولابي، ج ٢، ص ٨١.
٨ - أنساب الأشراف، ج ١، ص ١١٢.
ولا تضران، فقال علي: ما سمعت بهذا الدين إلى اليوم وأنا استأمر أبي فيه. فكره النبيّ (ص) أن يفش ذلك قبل استعلان أمره. فقال: يا عليّ، إن فعلت ما قلت لك وإلاّ فاكتم ما رأيت. فمضى ليلته ثمّ غدا على رسول الله (ص)، فقال له: أعِد عليّ ما قلت. فأعاده، فأسلم، ومكث يأتي رسول الله (ص) فيصلّي معه على خوف من أبي طالب، وكان هو زيد بن حارثة يلزمان رسول الله (ص).. إلخ.
أقول: يظهر من هذه الرواية أنّ عليّ بن أبي طالب (ع) أسلم وصلّى وليس مع النبيّ أحد غير زوجته خديجة، ثمّ أسلم زيد بن حارثة، وهما يلزمان النبيّ (ص) وليس معهما شخص آخر. ويعلم أيضاً أنّ إسلامه (ع) كان قبل استعلان أمره وإفشاء دعوته.
مستدرك الحاكم: عن ابن عبّاس قال: لعليٍّ أربع خصال ليست لأحدٍ: هو أوّل عربي وأعجمي صلّى مع رسول الله (ص)، وهو الذي كان لواؤه معه في كلّ زحف، والذي صبر معه يوم المهراس، وهو الذي غسّله وأدخله قبره.(١)
ويروي: عن جوين عن عليّ (ع)، قال: عبدت الله مع رسول الله (ص) سبع سنين قبل أن يعبده أحد من هذه الأمّة.(٢)
ويروي: عن سلمان قال رسول الله (ص): أوّلكم وارداً عليّ الحوض أوّلكم إسلاماً، علي بن أبي طالب.(٣)
ويروي: عن أبي موسى الأشعري قال: إن عليّا أوّل من أسلم مع رسول الله (ص).(٤)
وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
البدء والتاريخ: روى عن الواقدي كما في أنساب الأشراف، وفيها: فمكث علي تلك الليلة وألقى الله في قلبه الإسلام فغدا على رسول الله فأسلم، ثمّ إنّ أمّه
____________________
١ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ١١١.
٢ - مستدرك الحاكم، ص ١١٢.
٣ - نفس المصدر، ص ١٣٦.
٤ - نفس المصدر، ص ٤٦٥.
فاطمة بنت أسد أنكرت شأنه واختلافه إلى رسول الله فقالت لأبي طالب: إنّي أرى ابنك قد صَبأ!
وكان النبيّ وخديجة وزيد يخرجون إلى شعاب مكّة فيصلّون مستخفين من الناس، فتبعهم أبو طالب حتى عثر عليهم وهو يصلّون، فقال: ما هذا يا ابن أخي؟! فقال دين الله الذي ارتضاه لنفسه وبعث به رُسله، ادعوك إليه. فقال: إنّي أكره أن أفارق دين آبائي! ولكن امض لما أردت، فلا يخلص إليك أحدٌ بما تكره، فقال: لعلي الزمه فإنّه لم يدعك إلاّ إلى خير.(١)
أقول: هذه روايات صحيحة مسلّمة لا ريب فيها، ومخالفها مكابر ومعاند للحقيقة، وقد يستفاد من هذه الروايات أمور، نشير إليها بالإجمال:
١ - أنه أوّل من آمن وصدّق به.
٢ - أنّه كان في حجر رسول الله (ص) حتى آمن.
٣ - أنّه كان يصلي مع رسول الله (ص) مستخفياً.
٤ - أنّ زيدا أسلًم بعده، ثمّ أبو بكر.
٥ - انّه أسلم بعد يوم من بعثة الرسول (ص).
٦ - أنّ صلواته مع رسول الله (ص) وخديجة قد وقعت مدّة، ولم يكن يومئذٍ غيرهما مصلّياً ومؤمناً.
٧ - أنّه الصدّيق الأكبر لأنّه أوّل من صدّق.
٨ - له أربع خصال ليست لأحد غيره.
٩ - أنّه أوّل من يَرِد الحوض.
١٠ - أنّ الله تعالى ألقى في قلبه الإسلام.
١١ - أنّه أكثرهم علماً وأعظمهم حلماً.
( إنّ علياً من رسول الله (ص) )
مستدرك الحاكم: عن جابر قال: سمعت رسول الله (ص) يقول لعلي: يا عليّ!
____________________
١ - البدء والتاريخ، ج ٥، ص ٧٢.
الناس من شجر شتى وأنا وأنت من شجرة واحدة، ثمّ قرأ رسول الله (ص):( وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ ) .(١)
أقول: ليس المراد من الشجر الأصل المادي، فإن تمام قريش من شجرة واحدة وتمام بني هاشم من أصل واحد، ولا اختصاص لهما بأصل معيّن مادّي، بل المراد الأصل الرّوحاني، بمعنى كونهما من نورٍ واحد. وهذا نهاية المقامات وكمال المراتب، فإنّه لا يتصوّر مقام أعلى من أن يتكوّن ويُخلق شخص من النور والأصل الذي خلق منه رسول الله (ص) وأن يشتركا في أصل الشجرة المعنوية.
مسند أحمد: عن يحيى السلولي - وكان قد شهد يوم حجّة الوداع - قال: قال رسول الله (ص): ( عليّ منّي وأنا منه ولا يؤدّي عنّي إلاّ أنا أو عليّ )، وقال ابن أبي بكير: لا يقضي عنّي دَيني إلا أنا أو عليّ (رضي الله عنه).(٢)
ويروي: عن عمران بن حصين، قال: بعث رسول الله (ص) سرية وأمّر عليهم عليّ بن أبي طالب (رض)، فأحدث شيئاً في سفرة فتعاهد أربعة من أصحاب محمد (ص) أن يذكروا أمره لرسول الله (ص)، قال عمران وكنّا إذا قَدِمنا من سفر بدأنا برسول الله (ص) فسلّمنا عليه، فدخلوا عليه فقام رجل منهم، فقال: يا رسول الله، إنّ علياً فعل كذا وكذا، فأعرض عنه، ثمّ قام فأقبل رسول الله (ص) على الرابع وقد تغير وجهه، فقال: دعوا علياً! دعوا علياً ؛ إنّ علياً منّي وأنا منه وهو وليّ كلّ مؤمن بعدي.(٣)
أخبار أصبهان: عن حُبشي السلولي، قال: سمعت النبيّ (ص) يقول: عليّ منّي وأنا منه ولا يُبلّغ عنّي إلاّ أنا أو عليّ. قالها في حجة الوداع(٤) .
البخاري: قال النبيّ (ص) لعليّ: أنت منّي وأنا منك.(٥)
____________________
١ - مستدرك الحاكم، ج ٢، ص ٢٤١.
٢ - مسند أحمد، ج ٤، ص ١٦٤.
٣ - نفس المصدر، ص ٤٣٨.
٤ - أخبار أصبهان، ج١، ص ٣٥٣.
٥ - البخاري، ج ٢، ص ٧٠ و ١٨٤ و ج ٣، ص ٣٦.
ابن ماجة: عن رسول الله (ص) يقول: عليّ منّي وأنا منه ولا يؤدّي عنّي إلاّ عليّ.(١)
سنن الترمذي: بعث رسول الله (ص) جيشاً واستعمل عليهم عليّ بن أبي طالب فمضى في السرية فأصاب جارية، فأنكروا عليه فأقبل رسول الله (ص) والغضب يُعرف في وجهه، فقال: ما تريدون من عليّ؟! ما تريدون من عليّ؟! ما تريدون من عليّ؟! إنّ علياً منّي وأنا منه، وهو وليّ كلّ مؤمن من بعدي.(٢)
ويروي أيضاً: كما في ابن ماجة.(٣)
خصائص النسائي: عن عمران عن النبي (ص) قال: إنّ علياً منّي وأنا منه ووليّ كلّ مؤمن من بعدي.(٤)
ويروي بإسناد آخر: روايات قريبة منها.
ويروي: أيضاً قريباً ممّا في ابن ماجة.(٥)
ويروي أيضاً: عن زيد: قال رسول الله (ص): أمّا أنت يا عليّ فختني وأبو ولدي أنت منّي وأنا منك.(٦)
أقول: يستفاد من هذه الأحاديث أمور:
١ - أنّ رسول الله (ص) وعلياً من شجرة واحدة.
٢ - أنّ رسول الله (ص) منه وهو من رسول الله (ص).
٣ - لا يؤدّي عن جانب رسول الله (ص) حقّاً أو حكماً أو عهداً، إثباتا أو نفياً، إلاّ عليّ (ع) فهو كنفسه.
٤ - أنّه وليّ المؤمنين بعد ارتحال رسول الله (ص).
فهذه كلّها تدلّ على كمال الاختصاص بينهما، وهذا المقام لم يتحقق لأحد سوى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع).
____________________
١ - ابن ماجة، ج ١، ص ٥٧.
٢ - سنن الترمذي، ص ٥٣٣.
٣ - نفس المصدر، ص ٥٣٤.
٤ - خصائص النسائي، ص ١٣.
٥ - نفس المصدر، ص ١٤.
٦ - نفس المصدر، ص ٢٥.
فهو كنفس رسول الله (ص) كما استفيد هذا من آية المباهلة، حيث جعل علياً (ع) مصداقا لكلمة أنفسنا.
( أنّه أخو رسول الله (ص) )
الأخوّة مرتبة ثانوية من الاختصاص، وتكشف عن كمال الاتّفاق والاتّحاد الباطني والتوافق في العقيدة والأخلاق والعمل، حتى لا يوجد تخالف بينهما.
الاستيعاب: لما احتضر عمر جعلها شورى بين عليّ، وعثمان، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد، فقال لهم: أنشدكم الله هل فيكم أحد آخى رسول الله بينه وبينه غيري؟! قالوا اللّهم لا.(١)
ويروي أيضاً: عن ابن عبّاس، قال رسول الله (ص) لعليّ: أنت أخي وصاحبي.
ابن ماجة: بإسناده عن عليّ قال: أنا عبد الله وأخو رسوله، وأنا الصدّيق الأكبر، لا يقولها بعدي إلاّ كذّاب، صلّيت قبل الناس لسبع سنين.(٢)
السيرة النبوية: وآخى رسول الله (ص) بين أصحابه من المهاجرين والأنصار، فقال: تآخوا في الله أخوين، ثمّ أخذ بيد عليّ بن أبي طالب فقال: هذا أخي، فكان أخا لرسول الله (ص) سيّد المرسلين.(٣)
سنن الترمذي: عن ابن عمر قال: آخى رسول الله (ص) بين أصحابه فجاء عليّ تدمع عيناه، فقال: يا رسول الله آخيت بين أصحابك ولم تواخ بيني وبين أحد. فقال له رسول الله (ص): أنت أخي في الدنيا والآخرة.(٤)
ويروي أيضاً: ما أعرف أحداً من هذه الأمّة عَبَدَ الله بعد نبيّنا غيري، عبدت الله
____________________
١ - الاستيعاب، ج ٣، ص ١٠٩٨.
٢ - ابن ماجة، ج ١، ص ٥٧.
٣ - السيرة النبوية، ج ٢، ص ١٥٠.
٤ - سنن الترمذي، ص ٥٣٤.
قبل أن يعبده أحدٌ من هذه الأمة تسع سنين.(١)
الطبقات: بإسناده: أنّ النبيّ (ص) حين آخى بين أصحابه وضع يده على منكب عليّ ثمّ قال: أنت أخي ترثني وأرثك.(٢)
الطبقات: فجاء رسول الله (ص) وقف بالباب وسلّم، فاستأذن فأذن له، فقال: أثمّ أخي؟ فقالت أم أيمن: بأبي أنت وأمّي يا رسول الله مَن أخوك؟ قال: عليّ بن أبي طالب، قالت: وكيف يكون أخاك وقد زوّجته ابنتك؟ قال: هو ذاك يا أمّ أيمن.(٣)
مستدرك الحاكم: عن ابن عمر قال: لمّا ورد رسول الله (ص) المدينة آخى - كما في الترمذي.(٤)
ويروي: أيضاً عنه قال: إنّ رسول الله (ص) آخى بين أصحابه، فآخى بين أبي بكر وعمر، وبين طلحة والزبير، وبين عثمان بن عفّان وعبد الرحمن بن عوف، فقال عليّ: يا رسول الله، إنّك قد آخيت بين أصحابك فمن أخي؟ قال رسول الله (ص): أَمَا ترضى - يا عليّ - أن أكون أخاك؟! قال ابن عمر: وكان عليّ (رض) جَلِداً شجاعاً. فقال عليّ: بلى يا رسول الله، فقال رسول الله (ص): أنت أخي في الدنيا والآخرة.
أقول: يستفاد من هذه الروايات أمور:
١ - قد آخى رسول الله (ص) بينه وبين عليّ (ع).
٢ - أنّه الصدّيق الأكبر لا يدّعيه أحد إلاّ وهو كاذب.
٣ - أنّه أخو رسول الله (ص) في الدنيا والآخرة.
٤ - أنّه آمن قبل الدعوة العامة، وإيمان العموم بسبع سنين أو تسع سنين لا ينافى إيمان بعضٌ قبلها.
____________________
١ - خصائص النسائي، ص ٣.
٢ - الطبقات، ج ٨، ص ٢٢.
٣ - نفس المصدر، ج ٨، ص ٢٤.
٤ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ١٤.
٥ - أنّه أخو رسول الله (ص) وصاحبه.
(علي (ع) وكسر الأصنام)
ومن الأعمال التي تدلّ على الاختصاص الشديد بين رسول الله (ص) وبين ابن عمّه (ع) انطلاقه به إلى جنب الكعبة لكسر الأصنام، وحمله على منكبه، حتى يكسر آلهتهم بيده ويدقّ أصنامهم.
مستمسك الحاكم: عن عليّ بن أبي طالب (رض) قال: انطلق بي رسول الله (ص) حتى أتى بي الكعبة، فقال لي: اجلس فجلست إلى جنب الكعبة فصعد رسول الله (ص) بمنكبي ثمّ قال لي: انهض، فنهضت فلمّا رأى ضعفي تحته قال لي اجلس فنزلت وجلست، ثم قال لي يا علي اصعد على منكبي، فصعدت فوق الكعبة وتنحّى رسول الله (ص) فقال لي: صنمهم الأكبر صنم قريش، وكان من نحاس، موتّداً بأوتاد من حديد إلى الأرض، فقال لي رسول الله (ص): عالجه! ورسول الله يقول لي: أيه أيه جاء الحقّ وزهق الباطل، إنّ الباطل كان زهوقاً، فلم أزل أعالجه حتى استمكنت منه، فقال: اقذفه. فقذفته فتكسّر، وتردّيت من فوق الكعبة، فانطلقت أنا والنبيّ (ص) نسعى وخشينا أن يرانا أحدٌ من قريش وغيرهم.قال عليّ: فما صعد به حتى الساعة.(١)
ويروي ما يقرب منها. وفيها: ثمّ نهض بي رسول الله (ص) وخيّل إليّ أنّي لو شئت نلت السماء، وصعدت إلى الكعبة فقال: دقّه فدققته فكسرته، ونزلت.(٢)
مسند أحمد: يروي ما يقرب منها.(٣)
خصائص النسائي: قال علي رضي الله عنه: انطلقت مع رسول الله (ص) حتى أتينا الكعبة، فصعد رسول الله (ص) على منكبي فنهضت به. فلمّا رأى
____________________
١ - مستمسك الحاكم، ج ٢، ص ٣٦٦.
٢ - نفس المصدر، ج ٣، ص ٥.
٣ - مسند أحمد، ج ١، ص ٨٤.
رسول الله (ص) ضعفي قال لي: اجلس، فجلست. فنزل النبيّ (ص) وجلس لي وقال لي: اصعد على منكبيّ فصعدت على منكبيه فنهض بي فقذفت به فكسرته كما تُكسر القوارير، ثمّ نزلت فانطلقت أنا ورسول الله (ص).(١)
أقول: هذا يدلّ على كمال الصميمية ونهاية المودّة والاختصاص وشدّة المساواة بينهما.
(ما يدلّ على شدّة الاختصاص)
وممّا يدلّ على شدّة الاختصاص وكما الاتّفاق وتمام المحبّة بين رسول الله (ص) وبين عليّ بن أبي طالب: دعاؤه (ص) له بما يدعو لنفسه، وأذنه (ص) لدخوله عليه في أي وقت، وجواب عن سؤاله إذا سأل، وابتداؤه إذا سكت، ودعاؤه لبرئه من مرضه.
مسند أحمد: عن النعمان، استأذن أبو بكر على رسول الله (ص) فسمع صوت عايشة عالياً وهي تقول: والله لقد عرفت أنّ علياً أحبّ إليك من أبي ومنّي مرّتين أو ثلاثا، فاستأذن أبو بكر فدخل فأهوى إليها، فقال يا بنت فلانة ألا أسمعك ترفعين صوتك على رسول الله (ص).(٢)
خصائص النسائي: عن عليّ (رضي الله عنه)، قال: مرضتُ فعادني رسول الله (ص)، فدخل عليّ وأنا مضطجع فاتكأ إلى جنبي ثمّ سجّاني بثوبه، فلما رآني قد برئت قام إلى المسجد يصلّي، فلما قضى صلاته جاء فرفع الثوب، وقال: قم يا علي فقمت وقد برئت كأنّما لم أشْكُ شيئاً قبل ذلك، فقال: ما سألت ربّي شيئاً في صلاتي إلاّ أعطاني، وما سألت لنفسي شيئاً إلاّ سألت لك.(٣)
ويروي أيضاً: عنه (رضي الله عنه) قال: وجعت وجعاً فأتيت، فأقامني في
____________________
١ - خصائص النسائي، ص ٢٢.
٢ - مسند أحمد، ج ٤، ص ٢٧٥.
٣ - خصائص النسائي، ص ٢٧.
مكانه وقام يصلّي وألقى عليّ طرف ثوبه، ثمّ قال: قم يا علي! قد برئت لا بأس عليك، وما دعوت لنفسي بشيءٍ إلاّ دعوت لك بمثله، وما دعوت بشيء إلاّ استجيب لي، إلاّ أنّه قيل لي لا نبيَّ بعدي.
أقول: يدلّ هذا الحديث على أنّ النبيّ (ص) قد دعا لعليّ وسأل الله تعالى له أعلى المقامات وارفع المراتب، كما دعا لنفسه وقد استجيبت دعوته كلّها ما خلا النبوّة، وما سأل لنفسه بشيء إلا سأل له بمثله.
خصائص النسائي: قال عليّ (رضي الله عنه): كان لي من النبيّ (ص) مدخلان ؛ مدخل بالليل ومدخل بالنهار، إذا دخلت بالليل تنحنح لي.(١)
ويروي أيضاً: قال عليّ: كنت أدخل على نبيّ الله (ص) كلّ ليلة، فإن كان يصلّي سبّح فدخلت، وان لم يكن يصلّي أَذِن لي فدخلت.
ويروي أيضاً: قال علي: كان لي ساعة من السحر أدخل فيها على رسول الله (ص)، فإن كان في صلاته سبّح، وإن لم يكن في صلاته أذن لي.
أقول: يظهر من هذه الأحاديث كمال اختصاصه بالنبيّ (ص) وشدّة المحبّة والصميمية بينهما. ويدلّ عليه ما يروي الحاكم في المستدرك عن أم سلمة: أنّ النبي (ص) كان إذا غضب لم يجترئ أحد منّا يكلّمه غير عليّ بن أبي طالب (رض).(٢)
تهذيب ابن عساكر: عن قيس قال: سُئل عليّ عن نفسه؟ قال: كنت إذا سكتُّ أُُبتديت وإذا سألت أُعطيت، فإنّ بين دفتيّ علماً جمّا.(٣)
سنن الترمذي والمستدرك للحاكم: قال عليّ: كنت إذا سألت رسول الله (ص) أعطاني وإذا سكتّ ابتدأني(٤) .
____________________
١ - خصائص النسائي، ص ٢١.
٢ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ١٣٠.
٣ - تهذيب ابن عساكر، ج ٤، ص ٩٧.
٤ - سنن الترمذي، ص ٥٣٤، والمستدرك للحاكم، ج ٣، ص ١٢٥.
أقول: هذه الرواية تدلّ على غاية حبّه (ص) لعليّ وكمال علاقته به، والسؤال والإعطاء والسكوت والابتداء تشمل جميع الموارد من المال والعلم والحكمة وحوائج أخرى.
وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
خصائص النسائي: كما في الترمذي.(١)
الطبقات: قيل لعلي: مالك أكثر أصحاب رسول الله (ص) حديثاً؟ فقال إنّي كنت إذا سألتُه أنبأني، وإذا سكتُ ابتدأني.(٢)
أقول: يريد أنّ النبيَّ (ص) له توجّه مخصوص وتعمّد في تعليمي والمذاكرة معي قبل أن يكون سؤال من جانبي.
* * *
( مبيته على فراش رسول الله (ص) )
هذا أوّل مقام المبارزة في تاريخ الإسلام، وفي هذه المبارزة كان عليّ (ع) وحيداً، وقد ثبت واستقام وشرى نفسه في نجاة رسول الله (ص) وسلامته، وفي نجاته رضوان الله تعالى، وهذا أوّل القدم وآخر القدم.
إمتاع الأسماع: فلما كان العتمة اجتمعوا على باب رسول الله (ص) يرصدونه حتى ينام فيثبون عليه. فلما رآهم (ص) أمر علي بن أبي طالب (رض) أن ينام على فراشه ويتّشح ببرده الحضرمي الأخضر وأن يؤدّي عنه ما عنده من الودائع والأمانات ونحو ذلك، فقام عليّ مقامه وغُطيَ ببرد أخضر، فكان أوّل من شرى نفسه، وفيه نزلت( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ ) . (٣)
مستدرك الحاكم: عن ابن عباس قال: شرى عليّ نفسه ولبس ثوب النبيّ (ص) ثمّ نام مكانه، وكان المشركون يرمون رسول الله (ص) وقد كان رسول الله (ص) ألبسه برده وكانت قريش تريد أن تقتل النبيّ (ص)، فجعلوا
____________________
١ - خصائص النسائي، ص ٢١.
٢ - الطبقات، ج ٢، ص ٣٣٨.
٣ - إمتاع الأسماع،
يرمون علياً ويرمونه النبيّ (ص) وقد لبس برده، وجعل علي (رض) يتضوّر، فإذا هو عليّ، فقالوا: إنّك للئيم إنك لتتضوّر وكان صاحبك لا يتضوّر ولقد استنكرناه منك.(١)
ويروي أيضاً: عن عليّ بن الحسين قال: إنّ أوّل من شرى نفسه ابتغاء رضوان الله عليّ بن أبي طالب، وقال عليّ عند مبيته على فراش رسول الله (ص):
وَقَيتُ بِنَفسي خَيرَ مَن وَطِئَ الحَصى |
وَمَن طافَ بِالبَيتِ العَتيقِ وَبِالحَجَر |
|
رسول إله خافَ أَن يَمكُروا بِهِ |
فنجّاه ذوا الطول الإله مِنَ المَكرِ |
|
وَباتَ رَسولُ اللَهِ في الغارِ آمِناً |
موقّى وَفي حِفظِ الإِلَهِ وَفي سِترِ |
|
وَبِتُّ أُراعيهِم ولم يُتهمونني |
وَقَد وَطَّنتُ نَفسي عَلى القَتلِ وَالأَسرِ |
أقول التضوّر بمعنى التلوّي والانعطاف. والاتّشاح: اللبس بالثوب.
مسند أحمد: عن ابن عبّاس: تشاورت قريش ليلة بمكّة، فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق، وقال بعضهم: بل اقتلوه، وقال بعضهم: بل أخرجوه. فأَطلع الله عزّ وجلّ نبيّه على ذلك، فبات عليّ على فراش رسول الله (ص) تلك الليلة وخرج النبيّ (ص) حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون علياً يحسبونه النبيّ. فلما أصبحوا ثاروا إليه، فلما رأوا علياً ردّ الله مكرهم، فقالوا: أين صاحبك؟ قال: لا أدري. فاقتصَّوا أثره.(٢)
السيرة النبوية: أمّا عليّ فإنّ رسول الله (ص) فيما بلغني أخبره بخروجه، وأمره أن يتخلّف بعده بمكّة حتى يؤدّي عن رسول الله (ص) الودائع التي كانت عنده للناس، وكان رسول الله (ص) ليس بمكّة أحد عنده شيء يخشى عليه إلاّ وضعه عنده لما يعلم من صِدقِه وأمانته (ص).(٣)
أقول: يكشف هذا عن شدّة اعتماد رسول الله (ص) عليه، وكمال اطمينانه
____________________
١ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ٤.
٢ - مسند أحمد، ج ١، ص ٣٨٤.
٣ - السيرة النبوية، ج ٢، ص ١٢٩.
إلى أمانته، ونهاية وثوقه بقوله وعمله، حيث اعتمد عليه في ثلاث موضوعات مهمّة:
- اعتمد عليه في إخفاء سرّه من الهجرة.
- اعتمد عليه في المبيت على فراشه.
- اعتمد عليه في توديع أماناته المخصوصة المهمّة.
وكلّ واحد منها مساوٍ حياة رسول الله (ص).
( أمر رسول الله (ص) بحبّه )
كان رسول الله (ص) يحبّ علياً حبّا شديداً، بحيث كان يأمر الناس بحبّه، ويقول: إن الله أمرني بحبّه. ومَن أحبّه فقد أحبّني. ومن يريد أن يحيى محياي فليتولَّ علياً. ولا يحبّ عليا منافق.
تهذيب ابن عساكر: عن ابن عبّاس، قال رسول الله (ص): حبّ عليّ يأكل الذنوب كما تأكل النار الحطب.(١)
العقد الفريد: عن عايشة، قالت: ما رأيت رجلاً أحبّ إلى الله (ص) من عليّ ولا رأيت امرأة كانت أحبّ إليه من امرأته.(٢)
ابن ماجة قال عليّ: عهد إلي النبيّ الأميّ (ص) أنّه لا يحبّني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلاّ منافق.(٣)
مسند أحمد: ما يقرب عنها.(٤)
سنن الترمذي: عن أبي سعيد الخدري قال: إنّ كنا لنعرف المنافقين - نحن معشر الأنصار - ببغضهم عليّ بن أبي طالب.(٥)
____________________
١ - تهذيب ابن عساكر، ج٤، ص ١٥٩.
٢ - العقد الفريد، ج٤، ص ٣١٢.
٣ - ابن ماجة، ج١، ص ٥٥.
٤ - مسند أحمد، ج١، ص ٨٤.
٥ - سنن الترمذي، ص ٥٣٢.
ويروي أيضاً: عن أمّ سلمة، قالت: كان رسول الله (ص) يقول لا يحبّ علياً منافقٌ ولا يبغضه مؤمنٌ.
خصائص النسائي: يروي روايات قريبة من ابن ماجة.(١)
المحاسن للبيهقي: عن أمّ سلمة، قال رسول الله (ص): لا يحبّ علياً منافق ولا يبغض علياً مؤمن.(٢)
مستدرك الحاكم: عن أبي ذرّ قال: ما كنّا نعرف المنافقين إلاّ بتكذيبهم الله ورسوله والتخلّف عن الصلوات والبغض لعليّ بن أبي طالب (رض).(٣)
أقول: لمّا كان عليّ (ع) مظهر الحقّ والدين، مظهر كلمات الله التامّات، مظهر صفات الله وأسمائه، مظهر صفات خاتم النبييّن ولا يزال، كان مع الحقّ والحقّ معه، وكان مع القرآن والقرآن معه: فلا ريب أنّ المنافقين يخالفونه ويبغضونه. فإنّه حقّ صريح وصدق خالص، لا يوافقه إلا مؤمن.
في الاستيعاب: وروى طائفة من الصحابة أنّ رسول الله (ص) قال لعليّ (رض): لا يحبّك إلا مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق. وكان عليّ (رض) يقول: والله إنّه لعهد النبيّ الأمّيّ إنّه لا يحبّني إلاّ مؤمن ولا يبغضني إلاّ منافق.(٤)
ويروي: عن جابر، قال: ما كنّا نعرف المنافقين إلاّ ببغض عليّ بن أبي طالب (رض)(٥)
مستدرك الحاكم: عن النهدي، قال: قال رجل لسلمان: ما أشدّ حبّك لعليّ؟ قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: من أحب عليا فقد أحبّني ومن أبغض عليا فقد أبغضني.(٦)
____________________
١ - خصائص النسائي، ص ١٩.
٢ - المحاسن للبيهقي، ص ٤١.
٣ - مستدرك الحاكم، ج٣، ص ١٢٩.
٤ - الاستيعاب، ج٣، ص ١١١٠.
٥ - نفس المصدر، ص ١١١٠.
٦ - مستدرك الحاكم، ج٣، ص ١٣٠.
ويروي: عن بريدة قال، قال رسول الله (ص): إنّ الله أمرني بحبّ أربعة من أصحابي وأخبرني أنّه يحبّهم، قال: قلنا: مَن هم يا رسول الله؟ وكنّا نحبّ أن نكون منهم، فقال: ألا أنّ علياً منهم، ثمّ سكت، ثمّ قال: أَما أنّ علياً منهم ثمّ سكت!
أقوّل: يفسّر هذه الرواية ما في الكنى للبخاري وسنن الترمذي ؛ وفيه: أنّ علياً منهم وسلمان الفارسي وأبا ذرٍ والمقداد بن الأسود الكندي.(١)
تهذيب ابن عساكر: عن أنس قال: والله الذي لا اله إلاّ هو لسمعت رسول الله (ص) يقول: عنوان صحيفة المؤمن حبّ عليّ بن أبي طالب.(٢)
ويروي في منتخب كنز العمّال: عن ابن عبّاس ما ثبّت الله حبّ علي في قلب مؤمن فزلت به قدم إلاّ ثبّت الله قدميه يوم القيامة على الصراط.(٣)
مستدرك الحاكم: عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله (ص): من يريد أن يحيى حياتي ويموت موتي ويسكن جنّة الخلد التي وعدني ربّي فليتولّ عليّ بن أبي طالب ؛ فإنّه لن يخرجكم من هدى ولن يدخلكم في ضلالة. هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.(٤)
الكنى للبخاري: عن أمّ عطية، أنّ النبيّ (ص) بعث علياً في سرية، فسمعته يقول: لا تمتني حتى تُريني علياً.(٥)
سنن الترمذي: مثلها، وفيها: فسمعت رسول الله (ص) وهو رافع يديه يقول: اللّهم الرواية.(٦)
أقول: ويستفاد من هذه الأحاديث أمور:
١ - قول رسول الله (ص): من أحبّ علياً فقد أحبّني.
٢ - قوله (ص): من أبغض علياً فقد أبغضني.
____________________
١ - الكُنى للبخاري، ص ٣١ وسنن الترمذي، ص ٥٣٤.
٢ - تهذيب ابن عساكر، ج١، ص ٤٥٤.
٣ - منتخب كنز العمّال، ج ٥، ص ٣٤.
٤ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ١٢٨.
٥ - الكُنى للبخاري، ص ٢٠.
٦ - سنن الترمذي، ص ٥٣٦.
٣ - قوله (ص): إنّ الله أمره بحبّه.
٤ - قوله (ص): لا يحبّه إلاّ مؤمن ولا يبغضه إلاّ منافق.
٥ - قوله (ص): مَن أراد أن يحيى حياتي ويموت موتي فليتولّ علي بن أبي طالب (ع).
٦ - قوله (ص): لن يُخرجكم من هدى ولن يُدخلكم في ضلالة.
٧ - قوله (ص): لا تُمِتني حتى تُريني علياً.
وهذا يدل على نهاية محبّة رسول الله (ص) وعلاقته به.
(حديث الطير)
سنن الترمذي: عن انس قال: كان عند النبيّ (ص) طير، فقال: اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي هذا الطير، فجاء عليّ فأكل معه.(١)
خصائص النسائي: مثلها، وفيها: فجاء أبو بكر فردّه، ثمّ جاء عمر فردّه، ثمّ جاء علي، فأذن له.(٢)
مستدرك الحاكم: عن أنس قال: كنت أخدم رسول الله (ص) فقدّم لرسول الله (ص) فرخ مشويّ، فقال: اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير. قال، فقلت: اللّهم اجعله رجلاً من الأنصار. فجاء عليّ (رض) فقلت: إنّ رسول الله (ص) على حاجة. ثمّ جاء، فقلت: إنّ رسول الله (ص) على حاجة. ثمّ جاء فقال رسول الله (ص): افتح، فدخل، فقال رسول الله (ص): ما حبسك عليّ؟! فقال: إنّ هذه آخر ثلاث كرّات يردّني أنس يزعم أنّك على حاجة. فقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقلت: يا رسول الله سمعت دعاءك فأحببت أن يكون رجلاً من قومي، فقال رسول الله (ص): إنّ الرجل قد يُحبّ قومه.(٣)
____________________
١ - سنن الترمذي، ص ٥٣٤.
٢ - خصائص النسائي، ص ٤.
٣ - مستدر الحاكم، ج٣، ص ١٣٠.
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وقد رواه عن أنس جماعة من أصحابه زيادة على ثلاثين نفساً.
ثمّ يروي عن ثابت: أنّ أنس بن مالك كان شاكياً، فأتاه محمّد بن الحجاج يعوده في أصحاب له، فجرى الحديث حتى ذكروا علياً (رض) فتنقَّصه محمّد بن الحجاج، فقال أنس: مَن هذا؟ أقعدوني! فأقعدوه فقال: يا ابن الحجّاج ألا أراك تنقص عليّ بن أبي طالب، والذي بعث محمّداً (ص) بالحقّ، لقد كنت خادم رسول الله (ص) بين يديه، وكان كلّ يوم يخدم بين يدي رسول الله (ص) غلام من أبناء الأنصار، فكان ذلك اليوم يومي فجاءت أمّ أيمن مولاة رسول الله (ص) بطير فوضعته بين يدي رسول الله (ص)، فقال رسول الله (ص): يا أمّ أيمن ما هذا الطائر؟ قالت: هذا الطائر أصبته فصنعته لك، فقال رسول الله (ص): اللّهم جئني بأحبّ خلقك إليك وإليّ يأكل معي من هذا الطائر. وضُرب الباب، فقال رسول الله (ص): يا أنس انظر مَن على الباب. قلت: اللّهم اجعله رجلاً من الأنصار، فذهبت فإذا عليّ بالباب الحديث(١)
يستفاد من هذه الحديث أمور:
١ - أنّه أحبّ الناس عند الله وعند رسوله (ص).
٢ - ردّ أبي بكر وعمر، والإذن له (ع).
٣ - شدّة محبّة رسول الله (ص) له بحيث لم يهنأ له الطير حتى دعا أن يحضر عنده.
* * *
( ردّ الشكوى عن عليّ (ع) )
إنّ بعض الصحابة لما رأوا شدّة محبّة النبيّ (ص) لعليّ (ع) كَبر ذلك عندهم، وكانوا يطلبون الفرصة لينالوا منه، وكان رسول الله (ص) يغضب من قولهم يردّ كلامهم بخطاب شديد.
____________________
١ - مستدرك الحاكم، ص ١٣١.
مسند أحمد: عن بريدة قال: بَعَثنا رسول الله (ص) في سريّة، فلما قَدِمنا قال: كيف رأيتم صحابة صاحبكم؟ قال: فأمّا شكوته أو شكاه غيري، قال: فرفعت رأسي وكنت رجلاً مكباباً، قال: فإذا النبيّ (ص) قد احمرّ وجهه وهو يقول: من كنت وليّه فعليّ وليه.(١)
ويروي: عن بريدة، أنّه مرّ على مجلس وهم ينالون من عليّ فوقف عليهم فقال: إنّه قد كان في نفسي على عليّ شيء وكان خالد بن الوليد كذلك، فبعثني رسول الله (ص) في سرية عليها عليّ، وأصبنا سبياً، فأخذ عليّ جارية من الخمس لنفسه، فلمّا قدمناه الرواية(٢)
سنن الترمذي، عن البراء: بعث النبيّ (ص) جيشين وأمّر على أحدهما عليّ بن أبي طالب وعلى الآخر خالد بن الوليد، وقال: إذا كان القتال فعليّ، قال: فافتتح عليّ حصنا فأخذ منه جارية، فكتب معي خالد كتاباً إلى النبيّ (ص) يشي به، قال: فقدمت على النبيّ (ص) فقرأ الكتاب فتغيّر لونه، ثمّ قال: ما ترى في رجل يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله؟ قال: قلت أعوذ بالله غضب الله ومن غضب رسوله، وإنّما أنا رسول، فسكت.(٣)
خصائص النسائي: عن عمران قال: جهّز رسول الله (ص) جيشاً واستعمل عليه عليّ بن أبي طالب، فمضى في السرية فأصاب جارية، فأنكروا عليه، وتعاقد أربعة من أصحاب رسول الله (ص) إذا بُعثنا إلى رسول الله (ص) أخبرناه ما صنع، وكان المسلمون إذا رجعوا من سفر بدأوا برسول الله (ص) فسلّموا عليه، فانصرفوا إلى رحالهم، فلمّا قدمت السرية فسلّموا على النبيّ (ص) فقام أحد الأربعة فقال: يا رسول الله ألم ترَ أنّ علي بن أبي طال صنع كذا وكذا؟ فأعرض عنه رسول الله (ص)، ثمّ قام الثاني فأقبل إليهم رسول الله (ص) - والغضب يُبصر في وجهه - فقال: ما تريدون من عليّ؟! إنّ علياً منّي وأنا منه، وهو وليّ كلّ مؤمن
____________________
١ - مسند أحمد، ج ٥، ص ٣٥٠.
٢ - مسند أحمد، ج ٥، ص ٣٥٨.
٣ - سنن الترمذي، ص ٥٣٤.
بعدي.(١)
ويروي أيضاً عن بريدة، قال: بعثنا رسول الله (ص) إلى اليمن مع خالد بن الوليد وبعث علياً رضي الله عنه على جيش آخر، وقال: إن التقيتما فعليّ (كرّم الله وجهه) على الناس، وإن تفرّقتما فكلّ واحد منكما على جُنده. فلقينا بني زبيد من أهل اليمن وظفر المسلمون على المشركين فقاتلنا المقاتلة وسبينا الذرية، فأصطفى عليّ جارية لنفسه من السبي، وكتب بذلك خالد بن الوليد إلى النبيّ (ص) وأمرني أن أنال منه، قال: فدفعت الكتاب إليه ونلت من عليّ رضي الله عنه، فتغيّر وجه رسول الله (ص) وقال: لا تُبغضنَّ - يا بريدة - ليَ علياً ؛ فإنّ علياً منّي وأنا منه، وهو وليّكم بعدي.(٢)
وفي مسند أحمد قريباً منها.(٣)
مسند أحمد وخصائص النسائي: عن عمرو بن ميمون قال: إنّي لجالس إلى ابن عبّاس إذ أتاه تسعة رهط، فقالوا يا ابن عبّاس إمّا أن تقوم معنا وإمّا إن تخلّونا هؤلاء؟ قال: فقال ابن عبّاس: بل أقوم معكم، قال: وهو يومئذٍ صحيح قبل أن يَعمى، قال: فابتدأوا فتحدّثوا فلا ندري ما قالوا، قال: فجاء وهو ينفض ثوبه وهو يقول: أفٍ وتفٍّ! وقعوا في رجل له عشر: وقعوا في رجل قال له رسول الله (ص): لأبعثنّ رجلاً يحبّ الله ورسوله لا يخزيه الله أبداً، قال: فاستشرف لها من استشرف، فقال: أين ابن أبي طالب؟ قيل: هو في الرحى يطحن، قال: ما كان أحدكم ليطحن، قال: فجاء وهو أرمد لا يكاد يُبصر فتفل في عينيه ثمّ هزّ الراية ثلاثاً فدفعها إليه، فجاء بصفية بنت حيي. وبعث أبا بكر بسورة التوبة، وبعث علياً خلفه فأخذها منه، فقال: لا يذهب بها إلاّ رجل منّي وأنا منه. قال: وقال لبني عمّه: أيّكم يواليني في الدنيا والآخرة، قال: وعليّ معه جالس، فقال عليّ: أنا أُواليك في الدنيا والآخرة. قال: وكان أوّل من أسلم
____________________
١ - خصائص النسائي، ص ١٦.
٢ - نفس المصدر، ص ١٧.
٣ - مسند أحمد، ج ٥، ص ٣٥٦.
من الناس بعد خديجة. قال: وأخذ رسول الله (ص) ثوبه فوضعه على علي وفاطمة وحسن وحسين فقال:( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) . وشرى عليّ نفسه، لبس ثوب النبي (ص) ثمّ نام مكانه، قال: وكان المشركون يَرمون رسول الله (ص) فجاء أبو بكر وعليّ نائم، قال: وأبو بكر يحسبه أنّه نبيّ الله، قال: فقال له عليّ: إنّ نبيّ الله (ص) قد انطلق نحو بئر ميمونة فأدركه، قال فانطلق أبو بكر فدخل معه الغار، قال وجعل عليّ يرمي بالحجار كما كان يرمي نبيّ الله وهو يتضوّر، قال: لفّ رأسه في الثوب لا يخرجه حتى أصبح ثمّ كشف عن رأسه، فقالوا: إنّك لَلئيم ؛ كان صاحبك نرميه فلا يتضوّر وأنت تتضوّر وقد استنكرنا ذلك.
قال: وخرج بالناس في غزوة تبوك، قال، فقال له علي: أخرج معك؟ فقال له نبيّ الله: لا. فبكى عليّ، فقال له: أمّا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّك لست بنبيّ، إنّه لا ينبغي أن اذهب إلاّ وأنت خليفتي، قال، وقال له رسول الله (ص): أنت وليّي في كلّ مؤمن بعدي. قال، وسدّ أبواب المسجد غير باب عليّ، قال، فقال: فيدخل المسجد جُنباً وهو طريقه ليس له طريق غيره. قال، وقال: من كنت مولاه فإنّ مولاه عليّ.
قال: وأخبرنا الله عزّ وجلّ في القرآن قد رضيَ عنهم، عن أصحاب الشجرة، فعلم ما في قلوبهم، هل حُدثنا أنّه سخط عليهم بعد؟ قال، وقال نبيّ الله (ص) لعمر حين قال: ائذن لي فلأضرب عنقه! قال: أو كنت فاعلاً، وما يدريك لعلّ الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم.(١)
أقول: يستكشف من هذه الرواية مقامات ثابتة لعليّ (ع):
١ - أنّه يحبّ الله ورسوله ولا يخزيه أبداً.
٢ - أنّه من رسول الله (ص) وهو منه.
٣ - أنّه موالي رسول الله في الدنيا والآخرة.
____________________
١ - مسند أحمد، ج ١، ص ٣٣٠، وخصائص النسائي، ص ٦.
٤ - أنّه أوّل مَن أسلم من الناس بعد خديجة.
٥ - أنّه ممّن أذهبَ الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
٦ - أنّه شرى نفسه من رسول الله (ص) ونام مكانه.
٧ - أنّه بمنزلة هارون من موسى وخليفة رسول الله (ص) ووليّ كلّ مؤمن بعده.
٨ - وسدّ الأبواب إلاّ بابه.
٩ - أنّه مولى الناس كمّا كان الرسول (ص) مولاه.
١٠ - قد رضي الله عنه وهو من أصحاب الشجرة.
مستدرك الحاكم: عن عمرو بن ميمون، قال: إنّي لجالس عند ابن عبّاس إذ أتاه تسعة رهط له بضع عشرة فضائل ليست لأحد غيره، وقعوا في رجل الحديث. وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.(١)
سنن الترمذي: عن جابر، قال: دعا رسول الله (ص) علياً يوم الطائف فانتجاه، فقال الناس: لقد طال نجواه مع ابن عمّه، فقال رسول الله (ص): ما انتجيته ولكنّ الله انتجاه.(٢)
رجال أصبهان: ما يقرب منها.(٣)
مسند أحمد: عن عبد الله الجدلي قال: دخلت على أم سلمة فقالت لي: أيُسبّ رسول الله (ص) فيكم؟ قلت: معاذ الله، قالت: سمعت رسول الله (ص) يقول: من سبّ علياً فقد سبّني.(٤)
أقول: في الأجوبة عن الشكايات هداية إلى مقامه الروحاني وارتباطه الإلهي وولايته التامّة، بحيث يكون حبّه حبّا لله ولرسوله، وبغضه بغضاً لله ولرسوله، وطاعته طاعتهما، وسبّه سبّهما، وإيذاؤه إيذاؤهما، ويشير إلى هذا المقام جملة: مَن
____________________
١ - مستدرك الحاكم، ج٣، ص ١٣٢.
٢ - سنن الترمذي، ص ٥٣٥.
٣ - رجال أصبهان، ج١، ص ١٤١.
٤ - مسند أحمد، ج٦، ص ٣٢٣.
كنت مولاه فعلي مولاه.
و: مَن آذى عليا فقد آذاني ومن سبّه فقد سبّني.
و:إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ.
و:وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ.
و:إنّه بمنزلة هارون.
و: إنّه لأخشن في ذات الله.
و: إنّ الله انتجاه.
مسند احمد وخصائص النسائي: عن بُريدة قال: خرجت مع عليّ (رضي الله عنه) إلى اليمن فرأيت منه جَفوة، فقدّمت على النبيّ (ص) فذكرت علياً، فتنقّصته. فجعل رسول الله (ص) يتغيّر وجهه، فقال: يا بُريدة ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟! قلت بلى يا رسول الله، قال: مَن كنتُ مولاه فعلي مولاه.(١) ويروي روايات أُخر بهذا المضمون.
معجم الشعراء للمرزباني: ومن أصحاب النبيّ (ص) عمرو بن شأس الأسلمي، وهو الذي روى عن النبيّ (ص) أنّه قال: يا عمرو بن شأس قد آذيتني. قال، قلت: أعوذ بالله أن أوذيك، قال: إنّه من آذى علياً فقد آذاني.(٢)
المحاسن للبيهقي: عن مصعب عن أبيه سمعت النبيّ (ص) يقول: ما لكم ولعلي، من آذى عليا فقد آذاني.(٣)
البيان والتعريف: من آذى علياً فقد آذاني. أخرجه الإمام أحمد في التاريخ، والحاكم في فضائل الصحابة. وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.(٤)
مستدرك الحاكم: جاء رجل من أهل الشام فسبّ علياً عند ابن عبّاس، فحصبه ابن عبّاس فقال: يا عدو الله آذيت رسول الله (ص)، ( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً ) ، لو كان رسول الله (ص) حياً لآذيته. (٥)
ويُروى أيضاً كما في مسند أحمد: عن عمرو الأسلمي قال: خرجنا مع عليّ إلى
____________________
١ - مسند أحمد، ج ٥، ص ٣٤٧. وخصائص النسائي، ص ١٦.
٢ - معجم الشعراء للمرزباني، ص ٢٣.
٣ - المحاسن للبيهقي، ص ٤١.
٤ - البيان والتعريف، ج٢، ص ٢٠٣.
٥ - مستدرك الحاكم، ج٣، ص ١٢١.
اليمن فجفاني في سفره ذلك، فلما قدّمت أظهرت شكايته في المسجد حتى بلغ ذلك رسول الله (ص)، قال: فدخلت المسجد ذات غداة ورسول الله في ناس من أصحابه، فلما رآني حدّد إليّ النظر حتى إذا جلست قال: يا عمرو أمّا والله كما في المعجم. (١)
مسند أحمد والسيرة النبوية: اشتكى الناس علياً رضوان الله عليه فقام رسول الله (ص) فينا خطيباً، فسمعته يقول: أيّها الناس لا تشكوا علياً فوالله إنّه لأخشن في ذات الله - أو: في سبيل الله - من أن يُشكى.(٢)
وفي مستدرك الحاكم: يروي مثله، ثمّ يقول: هذا حديث صحيح الإسناد.(٣)
أقول: إنّ رسول الله (ص) ردّ شكاياتهم في هذه الأحاديث بكلمات:
١ - أنّه يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله.
٢ - أنّه: منّي وأنا منه.
٣ - أنّه: وليّ كلّ مؤمن بعدي.
٤ -أنّ الله انتجاه للنجوى.
٥ - مَن كنت مولاه فهو مولاه.
٦ - مَن آذى علياً فقد آذاني.
٧ - أنّه والله لأخشن في ذات الله من أن يُشكى.
هذه الشكايات والاعتراضات كانت جارية طول حياة رسول الله (ص)، وكان رسول الله (ص) يتأذّى ويغضب من كلماتهم وأعمالهم، ويدفع سوء نظرهم.
( الإيذاء والطعن فيه )
لمّا رأى المخالفون والمنافقون شدّة محبّة رسول الله (ص) له، وإدامة تذكرته
____________________
١ - مستدرك الحاكم، ج٣، ص١٢٢. ومسند أحمد، ج٣، ص٤٨٣.
٢ - مسند أحمد، ج٣، ص ٨٦. والسيرة النبوية، ج٤، ص٢٥٠.
٣ - مستدرك الحاكم، ج٣، ص١٣٤.
وتوصيته فيه، وعدم توجّهه إلى اعتراضاتهم، بل ردّهم بكلمات مهيّجة لبغضهم وحسدهم: اشتدّ خلافهم، وكانوا ينتظرون الفرصة، إلى أن مرض رسول الله ثمّ ارتحل عنهم، فشرعوا في إعمال بغضائهم، وآذوا وطعنوا وسبّوا وفعلوا ما فعلوا.
عيون ابن قتيبة: تنقّص ابنٌ لعامر بن عبد الله بن الزبير عليَّ بن أبي طالب عليه السلام، فقال له أبوه: لا تتنقّصه يا بنيّ! فإنّ بني مروان ما زالوا يشتمونه ستين سنة فلم يزده الله رفعة، وإنّ الدين لم يَبنِ شيئاً فهدمته الدنيا، وإنّ الدنيا لم تبنِ شيئا إلاّ عادت ما بنت فهدمته. (١)
الكُنى للبخاري: قال سعد بن مالك: ذكر لي إنّكم تسبّون علياً، فلعلّك قد سببته، قلت: معاذ الله، قال: لا تسبّه، فلو وضع المنشار على مِفرقيَّ على أن أسبّ علياً ما سببته بعدما سمعت من رسول الله ما سمعت. (٢)
خصائص النسائي: عن أبي عبد الله الجدلي، قال: دخلت على أمّ سلمة فقالت لي: أيُسبّ رسول الله (ص) فيكم؟! قلت: سبحان الله أو معاذ الله، قالت: سمعت رسول الله (ص) يقول: من سبَّ عليا فقد سبّني. (٣)
المحاسن للبيهقي: عن الأصمعي: سمع عامر بن عبد الله بن الزبير ابنه ينال من عليّ رضي الله عنه، فقال: يا بنيّ إياك وذكر عليّ رضي الله عنه، فإنّ بني أمية تنقّصته ستّين عاماً فما زاده الله بذلك إلاّ رفعة. (٤)
البيان والتعريف: من سبَّ علياً فقد سبّني ومن سبّني فقد سبّ الله. أخرجه الإمام أحمد والحاكم من حديث الجدلي عن أمّ سلمة. (٥)
أقول: لا يكون تأكيد ونهي أقوى من هذا التعبير، ولا يكون جهل ولا عناد
____________________
١ - عيون ابن قتيبة، ج ٢، ص ١٨.
٢ - الكُنى للبخاري، ص ١١.
٣ - خصائص النسائي، ص ١٧.
٤ - المحاسن للبيهقي، ص ٥٥.
٥ - البيان والتعريف، ج ٢، ص ٢١٨.
ولا نفاق - بل ولا كفرٌ - أشدّ من سبّه، فإنّ سبّه ينتهي إلى سبّ الله، وسبّ الله أعلى درجة الكفر. والعجب ممّن يدّعي الإسلام وهو يسبّه بل ويأمر المسلمين بسبّه.
مسلم: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً فقال: ما منعك أن تسبّ أبا تراب؟ فقال: أمّا ما ذكرت ثلاثاً قالهنَّ له رسول الله (ص) فلن أسبّه، لأن تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من حُمر النِّعم، سمعت رسول الله (ص) يقول له: لما خلّفه في بعض مَغازيه فقال له: يا رسول الله خلّفتني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول الله (ص): أَمَا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبوّة بعدي. وسمعته يقول يوم خيبر: لأُعطينَ الراية رجلاً يحبّ الله، ورسوله ويحبّه الله ورسوله. قال فتطاولنا لها، فقال ادعوا لي علياً فأُتي به أرمد فبصق في عينه ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه، ولمّا نزلت هذه الآية: ( فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ ) ، دعا رسول الله (ص) علياً وفاطمةَ وحسناً وحسيناً، فقال: اللّهمّ هؤلاء أهلي.(١)
ابن ماجة: قَدِم معاوية في بعض حجّاته فدخل عليه سعد، فذكروا علياً فنال منه، فغضب سعد، وقال: تقول هذا الرجل! سمعت رسول الله (ص) يقول: الحديث. (٢)
خصائص النسائي: قريباً من مسلم. (٣)
ويروي أيضاً: بهذا المضمون ملخّصاً، وفيها: وسمعته يقول: مَن كُنت مولاه فعليّ مولاه.(٤)
سنن الترمذي: كما في مسلم. (٥)
____________________
١ - مسلم، ص١٢٠، ج ٧.
٢ - ابن ماجة، ج١، ص ٥٨.
٣ - خصائص النسائي، ص ٣.
٤ - خصائص النسائي، ص ٤.
٥ - سنن الترمذي، ص ٥٣٤.
أقول: يا للعجب من قلّة تدبّر بعض المسلمين وضعف تعقّلهم وشدّة جهلهم وتعصّبهم، حيث قالوا: إنّ سبّ الصحابة والوقل السيّئ فيهم بغيٌ وعنادٌ بل كفرٌ ونفاقٌ، مع أنّ معاوية وأتباعه قد طعنوا وسبّوا علياً، وهو من أفضل الصحابة، وهو بمنزلة هارون من موسى، ومولى المؤمنين، ومن أحبّه الله ورسوله، ومن أهل رسول الله، وأوّل المسلمين، وفي رأس المجاهدين.
وقد قال رسول الله (ص) في حقّه: اللّهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك، قال: اللّهم والِ مَن والاه وعادِ من عاداه، وقال: لا يبغضه مؤمنٌ، وقال: أنت أخي في الدنيا والآخرة.
خصائص النسائي: ذكر عليّ بن أبي طالب، فقال سعد: والله لأن يكون لي واحدة من خِلال ثلاث أحبُّ إليّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس ولأن يكون لي ابنته ولي منها من الولد ما له، أحبّ إليّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس. (١)
مستدرك الحاكم: عن عامر بن سعد يقول قال معاوية لسعد بن أبي وقاص ما يمنعك أن تسبّ ابن أبي طالب؟ قال، فقال: لا أسبّ ما ذكرت ثلاثاً قال: لا أسبّه ما ذكرتً حين نزل عليه الوحي فأخذ علياً وابنيه وفاطمة فأدخلهم تحت ثوبه، ثمّ قال: ربِّ إنّ هؤلاء أهل بيتي، ولا أسبّه ما ذكرت حين خلّفه في غزوة تبوك قال: فلا والله ما ذكره معاوية بحرف حتى خرج من المدينة. (٢)
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة. وقد اتفقا جميعا على إخراج حديث المؤاخاة وحديث الراية.
مستدرك الحاكم: عن أبي صادق قال، قال عليّ (رض): إنّكم ستُعرَضون على سبّي فسبُّوني، فإن عُرضت عليكم البراءة منّي فلا تبرؤوا منّي فإنّي على الإسلام. (٣)
____________________
١ - خصائص النسائي، ص ٢٣.
٢ - مستدرك الحاكم، ج٣، ص ١٠٨.
٣ - نفس المصدر، ج٢، ص ٣٥٨.
ويروي: عن طاووس قال: كان حجر بن قيس المدري من المختصّين بخدمة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (رض) فقال له عليّ يوماً: يا حجر، إنّك تقام بعدي فتؤمر بلعني فالعنّي ولا تبرأ منّي.
قال طاووس فرأيت حجر المدري وقد أقامه أحمد بن إبراهيم خليفة بني أمية في الجامع ووكّل به ليلعن علياً أو يُقتل، فقال حجر: أما أنّ الأمير أحمد بن إبراهيم أمرني أن ألعنَ علياً فالعنوه لعنه الله. فقال طاووس فقد أعمى الله قلوبهم حتى لم يقف أحد منهم على ما قال.
أقول: أيّها المسلم الحرّ، انظر كيف قلّبوا حقائق الإسلام، وحرّفوا ما قال ووصّى به رسول الله (ص) بعد موته، وكيف جهلوا وضلّوا ضلالاً بعيداً، وقد استهوتهم الشياطين وغشيتهم الأهواء وعميت أبصارهم، واظهروا الكفر والنفاق، وعاندوا الله ورسوله وكتابه، وقد وصّى رسول الله (ص) أمّته الإسلامية وقال: إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما، وقال (ص): لا يحبّه إلاّ مؤمن ولا يبغضه إلاّ منافق. وقال (ص): اللّهمّ والِ مَن والاه وعادِ مَن عاداه وانصر مَن نَصره واخذل مَن خذله.
المستدرك: عن الجدلي قال: دخلت على أمّ سلمة فقالت لي: أيُسبُّ رسول الله (ص) فيكم؟ فقلت: معاذ الله، فقالت: سمعت رسول الله (ص) يقول: من سبّ علياً فقد سبّني. (١)
هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
ويروي أيضاً عنه قال: حججت وأنا غلام فمررت بالمدينة وإذا الناس عنق واحد، فاتبعتهم فدخلوا على أمّ سلمة زوج النبيّ (ص) فسمعتها تقول: يُسبّ رسول الله (ص) في ناديكم؟ فأجاب رجل: وأنّى ذلك؟ قالت: فعليّ بن أبي طالب، قال: إنّا لنقول أشياء نريد عَرَض الدنيا، قالت: فإنّي سمعت
____________________
١ - مستدرك الحاكم، ج٣، ص ١٢١.
رسول الله (ص) يقول: مَن سبّ علياً فقد سبّني ومَن سبّني فقد سبّ الله تعالى.
ويروي: عن عليّ بن أبي طلحة قال: حججنا فمررنا على الحسن بن علي بالمدينة، ومعنا معاوية بن حديج، فقيل للحسن: إنّ هذا معاوية بن حديج السابّ لعلي، فقال: عَلَيّ به. فأُتي به، فقال: أنت الساب لعليّ؟ فقال: ما فعلت. فقال: والله إن لقيته وما أحسبك تلقاه يوم القيامة، لتجده قائماً على حوض رسول الله (ص) يذود عنه رايات المنافقين، بيده عصا من عوسج، حدّثنيه الصادق المصدوق (ص) وقد خاب من افترى. (١)
ويروي: عن قيس قال: كنت بالمدينة فبينا أنا أطوف في السوق إذ بلغتُ أحجار الزيت، فرأيت قوما مجتمعين على فارس قد ركب دابّة وهو يشتم عليّ بن أبي طالب والناس وقوف حواليه، إذ أقبل سعد بن أبي وقاص فوقف عليهم، فقال: ما هذا؟ فقالوا رجل يشتم علي بن أبي طالب.فتقدّم سعد فأفرجوا له حتى وقف عليه، فقال: يا هذا على ما تشتم عليّ بن أبي طالب؟! ألم يكن أوّل من أسلم؟! ألم يكن أوّل من صلّى مع رسول الله (ص)؟! ألم يكن أزهد الناس؟! ألم يكن اعلم الناس؟! وذكر حتى قال: ألم يكن ختن رسول الله (ص) على ابنته؟! ألم يكن صاحب راية رسول الله (ص) في غزواته؟! ثمّ استقبل القبلة ورفع يديه وقال: اللّهمّ إنّ هذا يشتم ولياً من أوليائك فلا تفرّق هذا الجمع حتى تريهم قدرتك! قال قيس: فوالله ما تفرّقنا حتى ساخت به دابّته فرمته على هامته في تلك الأحجار فانفلق دماغه ومات.(٢)
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
أقول: يكفي في جواب المخالفين والقائلين قول السوء في عليّ بن أبي طالب (ع) ما قال رسول الله (ص): من سبَّ علياً فقد سبًني ومَن سبّني فقد سبّ الله. وهذا أدلّ دليلٍ وأوضح برهان على أنّ مَن نال في عليّ فقد نال في الله، ومن نال في الله فقد كفر. ولا حاجة لنا إلى كلمة أخرى.
____________________
١ - مستدرك الحاكم، ج٣، ص ١٣٨.
٢ - نفس المصدر، ص ٤٩٩.
( عليّ بمنزلة رسول الله (ص) )
قد رودت روايات كثيرة في أبواب مختلفة وموارد متعدّدة أنّ أمير المؤمنين علياً (ع) بمنزلة رسول الله (ص)، وحكمهما واحد، وما جرى فيه أو له أو عليه كمثل ما جرى في رسول الله (ص) أو له أو عليه. وقد سبق بعض هذه الروايات، ونورد هنا بعضا آخر.
ابن ماجة: قال رسول الله (ص): مَن أطاعني فقد أطاع الله، ومَن عصاني فقد عصى الله، ومَن أطاع الإمام فقد أطاعني، ومَن عصى الإمام فقد عصاني.(١)
سنن النسائي: قال رسول الله (ص): مَن أطاعني فقد أطاع الله، ومَن عصاني فقد عصى الله، ومَن أطاع أميري فقد أطاعني، ومَن عصى أميري فقد عصاني.(٢)
مستدرك الحاكم: عن أبي ذر قال: قال رسول الله (ص): مَن أطاعني فقد أطاع الله، ومَن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع علياً فقد أطاعني، ومَن عصى علياً فقد عصاني.(٣)
هذا حديث صحيح الإسناد ولم يُخرجاه.
أقول: حكم رسول الله (ص) بتساوي طاعته وعصيانه مع طاعة عليّ (ع) وعصيانه، فمن عصى علياً فقد عصى رسول الله (ص)، فهو في هذه الجهة بمنزلة النبيّ (ص).
مستدرك الحاكم: عن عائشة، قال النبيّ (ص): أنا سيّد ولد آدم وعليّ سيد العرب.(٤)
ويروي أيضاً بسندين: قال رسول الله (ص): ادعوا إلي سيّد العرب. فقالت
____________________
١ - ابن ماجة، ج٢، ص ٢٠١.
٢ - سنن النسائي، ج٧، ص ١٥٤.
٣ - مستدرك الحاكم، ج٣، ص ١٢١.
٤ - نفس المصدر، ص ١٢٤.
عائشة: ألستَ سيّد العرب يا رسول الله؟ قال: أنا سيّد ولد آدم وعليّ سيد العرب.
ويروي أيضاًً عن ابن عبّاس قال: نظر النبيّ (ص) إلى عليّ فقال: يا علي أنت سيّدٌ في الدنيا سيّدٌ في الآخرة، حبيبك حبيبي وحبيبي حبيب الله، وعدوّك عدوّي وعدوّي عدوّ الله، والويل لمن أبغضك بعدي..(١)
هذا صحيح على شرط الشيخين.
ويروي أيضاً: عن رسول الله (ص) قال: أوحي إليّ في عليٍّ ثلاث: أنّه سيّد المسلمين، وإمام المتّقين، وقائد الغُر المحجَّلين.(٢)
أقول: حكم رسول الله (ص) في هذه الأحاديث الأربعة، باشتراك عليّ (ع ) معه في السيادة، وإنّ عدوّه وحبيبه عدوّ رسول الله وحبيبه، وعدوّهما عدوّ الله، وأنّه سيّد العرب في الدنيا والآخرة وسيّد المسلمين وإمام المتّقين وقائد الغر المحجَّلين.
مستدرك الحاكم: عن أبي ذر قال ؛ قال النبيّ (ص): يا عليّ من فارقني فقد فارق الله ومن فارقك يا عليّ فقد فارقني.(٣)
هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
أقول: وقد ذكرنا أحاديث في أبواب متفرّقة تدلّ على اشتراكهما وتساويهما في آثار وأحكام وموضوعات، هذه خلاصتها:
١ - أنا أمان لأصحابي، وأهل بيتي أمان لأمّتي.
٢ - أنا حرب لمن حاربكم وسلمٌ لمن سالمكم.
٣ - أحبّوني بحبّ الله وأحبّوا أهل بيتي بحبّي.
٤ - عليٌّ منّي وأنا منه.
٥ - أنت أخي ترثني وأرثك.
____________________
١ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ١٢٨.
٢ - نفس المصدر، ص ١٣٧.
٣ - نفس المصدر، ص ١٢٤.
٦ - ما سألت لنفسي شيئاً إلاّ سألت لك.
٧ - من أحبّ علياً فقد أحبّني.
٨ - من أبغض علياً فقد أبغضني.
٩ - من كنت مولاه فعليّ مولاه.
١٠ - من آذى علياً فقد آذاني.
١١ - من سبّ علياً فقد سبّني.
١٢ - من أطاع علياً فقد أطاعني.
١٣ - من عصى علياً فقد عصاني.
١٤ - حبيبك حبيبي.
١٥ - عدوّك عدوّي.
١٦ - من فارقك فقد فارقني.
( حديث المنزلة )
تاريخ الطبري: قال ابن إسحاق: وخلّف رسول الله (ص) علي بن أبي طالب على أهله وأمره بالإقامة فيهم، واستخلف على المدينة سباع بن عُرفطه أخا بني غفار، فأرجف المنافقون بعليّ بن أبي طالب وقالوا: ما خلّفه إلاّ استثقالا له وتخفّفاً منه، فلمّا قال ذلك المنافقون، أخذ عليّ سلاحه ثمّ خرج حتى أتى رسول الله (ص) وهو بالجُرف، فقال: يا نبي الله زعم المنافقون إنّك إنّما خلّفتني أنّك استثقلتني وتخفّفت منّي، فقال: كذبوا ولكنّي إنّما خلّفتك لما ورائي فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك أفلا ترضى يا علي أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي. فرجع عليّ إلى المدينة ومضى رسول الله (ص) على سفره.(١)
أقول: هنا من الموارد التي وجد المنافقون فرصة مناسبة للنيل من عليّ (ع ) والقول فيه ما يؤذيه، وقد ردّ رسول الله (ص) قولهم بذكر مقام له هو من أعلى منازل البشر، وما لا يصل إليه أحد إلاّ بالله ومن الله، وهي الولاية الكلّية الإلهية الجامعة التامة، ما عدا النبوّة، فإنّه لا نبيّ بعده.
مسند أحمد: عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: قُلْتُ لِسَعْدِ بْنِ مَالِكٍ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ حَدِيثٍ وَأَنَا أَهَابُكَ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْهُ فَقَالَ لا تَفْعَلْ يَا ابْنَ أَخِي إِذَا عَلِمْتَ أَنَّ عِنْدِي عِلْمًا فَسَلْنِي عَنْهُ وَلا تَهَبْنِي قَالَ فَقُلْتُ: قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ (ص) لِعَلِيٍّ (رض) حِينَ خَلَّفَهُ بِالْمَدِينَةِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ. فَقَالَ سَعْدٌ: خَلَّفَ النَّبِيُّ (ص) عَلِيًّا (رض) بِالْمَدِينَةِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُخَلِّفُنِي فِي الْخَالِفَةِ فِي
____________________
١ - تاريخ الطبري، ج ٣، ص ١٤٣.
النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ؟! فَقَالَ: أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى؟! قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَأَدْبَرَ عَلِيٌّ مُسْرِعًا كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى غُبَارِ قَدَمَيْهِ يَسْطَعُ.(١)
ويروي قال سعيد حدثني ابن لسعد بن مالك عن أبيه، قال: دخلت على سعد فقلت حديثاً حدثنيه عنك حين استخلف رسول الله (ص) عليه (رض ) على المدينة، قال فغضب! فقال: مَن حدَّثك به؟ فكرهت أن أخبره أنّ ابنه حدثنيه فيغضب عليه، ثمّ قال: إنّ رسول الله (ص) حين خرج في غزوة الحديث.(٢)
أقول: وقد سبقت في الأبواب السابقة، في المباهلة وغيرها، روايات مربوطة بالباب فراجعها.
ويروي: عن أسماء بنت عميس قالت: سمعت رسول الله (ص) يقول: يا علي أنت بمنزلة هارون من موسى الا أنه ليس من بعدي نبي. (٣)
الاستيعاب: ولم يتخلّف عن مشهد شهده رسول الله (ص) مذ قدم المدينة إلاّ تبوك، فإنّه خَلّفَه رسوله الله (ص) على المدينة وعلى عياله بعده في غزوة تبوك، وقال له: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي. وروى هذا القول جماعة من الصحابة وهو من أثبت الآثار وأصحّها. رواه عن النبيّ (ص) سعد بن أبي وقاص، وطرق حديث سعد فيه كثيرة جداً قد ذكرها ابن أبي خيثمة وغيره. ورواه ابن عبّاس وأبو سعيد الخدري وأمّ سلمة وأسماء بنت عميس وجابر بن عبد الله وجماعة يطول ذكرهم.(٤)
أخبار أصبهان: روى الحديث عن حبشي السلولي.(٥)
البخاري، وابن ماجة: قال النبيّ (ص) لعلي: أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة
____________________
١ - مسند أحمد، ج١، ص ١٧٣.
٢ - نفس المصدر، ص ١٧٧.
٣ - نفس المصدر، ج ٦، ص ٤٣٨.
٤ - الاستيعاب، ج ٣، ص ١٠٩٧.
٥ - أخبار أصبهان، ج ٢، ص ٢٨١.
هارون من موسى.(١)
ويروي البخاري: بإسناده أنّ رسول الله (ص) خرج إلى تبوك واستخلف علياً، فقال أتخلفني في الصبيان والنساء؟ قال: ألا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه ليس نبيّ بعدي.(٢)
مسلم: بإسناده خلّف رسول الله (ص) علي بن أبي طالب في غزوة تبوك فقال كما في البخاري.(٣)
ويروي أيضاً: بإسناده عن سعيد بن المسيّب عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه، قال: قال رسول الله (ص) لعلي: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي. قال سعيد فأحببت أن أشافه بها سعداً، فلقيت سعداً فحدثته بما حدّثني عامر، فقال: أنا سمعته، فقلت: أنت سمعته؟ فوضع أصبعيه على أذنيه فقال: نعم، وإلاّ فاستكّتا.
أقول: يستفاد من هذه الروايات أنّ رسول الله (ص) قد فوّض أمره دنيوية وأخروية ظاهرية ومعنوية إلى عليّ بن أبي طالب (ع )، وخلّفه وصياً وخَلَفاً في عامة الأمور كما أنّ هارون كانت له مقام الوصاية العامة في غيبة موسى (ع )، حيث قال الله تعالى: وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين.(٤) وأيضاً يظهر من مختلف الروايات أنّ رسول الله (ص) قالها في موارد مختلفة.
السيرة النبوية: وخلّف رسول الله (ص) عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليه، على أهله وأمره بالإقامة فيهم، فأرجف به المنافقون، وقالوا: ما خلّفه إلاّ استثقالاً له وتخفّفاً منه، فلما قال ذلك المنافقون، أخذ عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليه سلاحه، ثمّ خرج حتى أتى رسول الله (ص) وهو نازل بالجُرف، فقال:
____________________
١ - البخاري، ج٢، ص ١٨٥. وابن ماجة، ج١، ص ٥٥.
٢ - البخاري، ج٣، ص ٥٤.
٣ - مسلم، ج٧، ص ١٢٠.
٤ - سورة الأعراف، الآية ١٣٩.
يا نبيّ الله، زعم المنافقون أنّك إنّما خلّفتني أنّك استثقلتني وتخفّفت منّي. فقال: كذبوا، ولكنّي خلّفتك لما تركت ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، أفلا ترضى يا عليّ أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي.(١)
خصائص النسائي: عن سعد قال: لمّا غزا رسول الله (ص) غزوة تبوك خلّف علياً كرّم الله وجهه في المدينة، قالوا فيه: ملّه وكره صحبته. فتبع عليّ رضي الله عنه النبيّ (ص) حتى لحقه في الطريق، قال: يا رسول الله (ص) خلّفتني بالمدينة مع الذراري والنساء حتى قالوا ملّه وكره صحبته. فقال النبيّ (ص): يا علي، غنما خلفتك على أهلي، أما ترضى أن تكون منّي - كما في الترمذي.(٣)
ويروي أيضاً: بأسانيده أحاديث قريبة ممّا في مسلم.(٤)
ويروي أيضاً: بأسانيده أحاديث قريبة المضمون ممّا في سنن الترمذي.(٥)
أقول: يظهر من هذه الروايات أنّ رسول الله (ص) حدّث بجملة ( أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي ) وتكلّم بها في غير مورد تبوك أيضاً.
الطبقات: عن البرّاء وزيد قالا: لمّا كان عند غزوة جيش العسرة وهي تبوك قال رسول الله (ص) لعليّ بن أبي طالب: أنّه لا بدّ من أن أقيم أو تقيم، فخلّفه فلمّا فصل رسول الله (ص) غازياً قال ناس: ما خلّف علياً إلاّ لشيء كرهه منه الخ.(٦)
ويروي: روايات قريبة منها.
____________________
١ - السيرة النبوية، ج٤، ص ١٦٣.
٢ - سنن الترمذي، ص ٥٣٥.
٣ - خصائص النسائي، ص ١٠.
٤ - نفس المصدر، ص ١٠ - ١١.
٥ - نفس المصدر، ص ١٢ - ١٣.
٦ - الطبقات، ج٣، ص ٢٤.
سير الأعلام: عن زيد بن أبي أوفى في حديث المؤاخاة فقال علي: يا رسول الله ذهب روحي وانقطع ظهري حتى تركتني. قال (ص): ما أخّرتك إلاّ لنفسي وأنت عندي بمنزلة هارون من موسى ووارثي. قال: ما أرث منك؟ قال: كتاب الله وسنة نبيه، وأنت معي في قصري في الجنّة مع فاطمة، وتلا:( إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ ) .(١)
أقول: في هذه الرواية (حديث المنزلة) دلالة تامّة كافية على الولاية والخلافة حيث نزّل علياً منزلة هارون من موسى، وقد قال الله تعالى في حقّ هارون:( وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ ) ،( وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً ) ،( وَاجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي ) ، ولقد أتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيراً.
فقد ذكرت في هذه الآيات الكريمة مقامات لهارون.
١ - أنّه خليفته في قومه فقد جعل رسول الله (ص) علياً خليفته ( استخلف علياً فقال أتخلّفني ).
٢ - أنّه أخو موسى (ع ) فقد آخى رسول الله (ص) بينه وبين عليّ (ع ) وقد سبقت رواياته.
٣ - أنّه وزيره وقد ورد: ( أنّك خليفتي ووزيري ).
٤ - أنّه المصلح فقد قال رسول الله (ص): أنت تبيّن لأمّتي ما اختلفوا فيه بعدي.
فهذه المقامات الأربعة ثابتة لعلي (ع )، فهو كهارون في جميع الصفات ما خلا النبوّة.
____________________
١ - سير الأعلام، ج١، ص ٩٧.
( حديث الغدير )
هذا الحديث أيضاً من المتواترات بين أهل السنّة والشيعة رواه المحدّثون والمؤرّخون في تأليفاتهم، بتعبيرات مختلفة، وورد في متون الشيعة مفصلاً.
ونحن نذكره على ما في صحاح أهل السنة.
مسند أحمد: عن البراء، قال: كنّا مع رسول الله (ص) في سفر فنزلنا بغدير خُمّ فنودي فينا الصلاة جامعة، وكُسح لرسول الله (ص) تحت شجرتين فصلّى الظهر، وأخذ بيد عليّ (رض) فقال: ألستم تعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟! قالوا: بلى. قال: فأخذ بيد عليّ، فقال: مَن كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ والِ مَن والاه وعاد من عاداه. قال: فلقيه عمر بعد ذلك فقال له هنيئاً يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كلّ مؤمن ومؤمنة. ورواه بسند آخر.(١)
ويروي: عن عطية العوفي قال، سألت زيد بن أرقم فقلت له أنّ ختناً لي حدثني عنك بحديث في شأن عليّ (رض) يوم غدير خمٍّ، فأنا أُحبّ أن أسمعه منك، فقال: أنّكم معشر أهل العراق فيكم ما فيكم، فقلت له: ليس عليك منّي بأس. فقال: نعم كنا بالجحفة فخرج رسول الله (ص) إلينا ظهراً وهو آخذ بعضد عليّ (رض) فقال: يا أيّها الناس، ألستم تعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟! قالوا: بلى. قال: فمن كنت مولاه فعلي مولاه.(٢)
ويروي: عن زيد بن أرقم منها. وفيها: فخطبنا وظُلّل لرسول الله (ص) بثوب على شجرة سمرة من الشمس - الرواية.(٣)
____________________
١ - مسند أحمد، ج٤، ص ٢٨١.
٢ - مسند أحمد، ج٤، ص ٣٦٨.
٣ - نفس المصدر، ص ٣٧٢.
الاستيعاب: وروى بريدة وأبو هريرة وجابر والبرّاء بن عازب وزيد بن أرقم كلّ واحد منهم عن النبيّ (ص) أنّه قال يوم غدير خمًّ: مَن كنت مولاه فعليٌّ مولاه اللّهمّ والِ مَن والاه وعادِ من عاداه.(١)
مسند أحمد: عن زاذان بن عمر قال: سمعت علياً في الرحبة وهو ينشد الناس من شهد رسول الله (ص) يوم غدير خمّ وهو يقول: مَن كنت مولاه فعليٌّ مولاه.(٢)
ويروي: عن أبي الطفيل قريباً منها، وفيها: فقام ثلاثون من الناس. وقال أبو نعيم: فقام ناس كثير فشهدوا حين أخذه بيده، فقال للناس: أتعلمون إنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: مَن كنت مولاه فهذا مولاه اللّهمّ والِ مَن والاه وعادِ من عاداه.(٣)
ويروي:عن زيد بن أرقم قريبا منها. وفيها: فقام ستة عشر رجلاً فشهدوا. (٤)
أقول: وقد وردت روايات تهدينا إلى ما يتفاهم في العرف من معنى كلمة المولى وما فهموا من كلام رسول الله (ص) في قوله: مَن كنت مولاه فعليٌّ مولاه.
ففي مسند أحمد: عن رياح قال: جاء رهط إلى عليّ بالرحبة، فقالوا: السلام عليك يا مولانا. قال: كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب، قالوا سمعنا رسول الله (ص) يوم غدير خم يقول: مَن كنت مولاه فهذا مولاه. قال رياح فلمّا مضوا تبعتهم فسألت مَن هؤلاء؟ قالوا نفر من الأنصار وفيهم أبو أيوب الأنصاري.(٥)
وفي مفردات الراغب: الولاية بالكسر النُّصرة وبالفتح تولّي الأمر، وقيل هم
____________________
١ - الاستيعاب، ج٣، ص ١٠٩٩.
٢ - مسند أحمد، ج١، ص ٨٤.
٣ - نفس المصدر، ج٤، ص ٣٧٠.
٤ - نفس المصدر، ج٥، ص ٣٧٠.
٥ - مسند أحمد، ج٥، ص ٤١٩.
واحدة نحو الدِلالة والدَلالة وحقيقته تولّي الأمر، والولي يستعملان في ذلك: اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ، نِعم المَولى ونعم النصير.
رجال أصبهان: عن عميرة بن سعد قال: شهدت علياً على المنبر يناشد أصحاب رسول الله (ص): مَن سمع رسول الله (ص) يوم غدير خم يقول ما قال فيشهد؟ فقام اثنا عشر رجلا منهم أبو هريرة، وأبو سعيد، وأنس بن مالك، فشهدوا أنّهم سمعوا رسول الله (ص) يقول: مَن كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ والِ مَن والاه وعاد من عاداه.(١)
ويروي: عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: نشد عليّ الناس بالرحبة من سمع رسول الله (ص) يقول: مَن كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ والِ مَن والاه، إلاّ قام. فقام اثنا عشر بدرياً، فشهدوا أنّهم سمعوا رسول الله الحديث.(٢)
ابن ماجه: قال: أقبلنا مع رسول الله (ص) في حجته التي حج، فنزل في بعض الطريق فأمر الصلاة جامعة، فأخذ بيد عليّ فقال: أَلستُ أولى بالمؤمنين مِن أنفسهم؟! قالوا: بلى، قال: أَلستُ أولى بكلّ مؤمن من نفسه؟! قالوا: بلى، قال: فهذا وليُّ مَن أنا مولاه اللّهمّ والِ مَن والاه، اللّهم عادِ من عاداه.(٣)
سنن الترمذي: عن النبيّ (ص) قال: مَن كنت مولاه فعليّ مولاه.(٤)
خصائص النسائي: عن سعد خطب رسول الله (ص) فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: أيّها الناس إنّي وليكم؟! قالوا صدقت يا رسول الله (ص)، ثمّ أخذ بيد عليّ فرفعها فقال: هذا وليّي ويؤدّي عنّي ديني، وأنا موالي مَن والاه ومعادي مَن عاداه.(٥)
ويروي أيضاً: عن زيد بن أرقم، قال: لما رجع النبيّ (ص) من حجّة الوداع
____________________
١ - رجال أصبهان، ج١، ص ١٠٧.
٢ - نفس المصدر، ج٢، ص ٢٢٨.
٣ - ابن ماجة، ج١، ص ٥٥.
٤ - سنن الترمذي، ص ٥٣٣.
٥ - خصائص النسائي، ص ٣.
ونزل غدير خُمّ أمرَ بدوحات فقمّمن، ثمّ قال: كأنّي دعيت فأجبت، وانّي تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ؛ فإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، ثمّ قال: إنّ الله مولاي وأنا وليّ كلّ مؤمن. ثمّ إنّه أخذ بيد عليّ رضي الله عنه، فقال: من كنت مولاه فهذا وليه اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه. فقلت لزيد: سمعته من رسول الله (ص)، وإنّه ما كان في الدوحات أحدٌ إلاّ رآه بعينه وسمعه بأذنيه.(١)
ويروي أيضاً: عن زيد بن أرقم، قام رسول الله (ص) فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: ألستم تعلمون إنّي أولى بكلّ مؤمن من نفسه؟! قالوا: بلى، نشهد لأنت أولى بكلّ مؤمن من نفسه. قال: فإنّي مَن كنت مولاه فهذا مولاه، واخذ بيد عليّ.(٢)
ويروي أيضاً: عن زيد بن يثيغ قال: سمعت عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه يقول على منبر الكوفة أنّي أنشد الله رجلا - ولا يشهد إلاّ أصحاب محمّد - سمع رسول الله (ص) يوم غدير خمّ يقول: مَن كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه؟! فقام ستة من جانب المنبر الآخر فشهدوا أنّهم سمعوا رسول الله (ص) يقول ذلك.(٣)
ويروي: بأسانيده روايات بهذا المضمون.
ويروي أيضاً: عن عامر قال: جمع عليّ الناس في الرحبة فقال: انشد بالله كلّ امرئ سمع من رسول الله (ص) قال يوم غدير خمّ: ألستم تعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟! وهو قائم، ثمّ أخذ بيد عليّ، فقال: من كنت مولاه فعليّ مولاه اللّهمّ والِ من والاه وعاد من عاداه.(٤)
ويروي أيضاً: عن سعد، قال: كنّا مع رسول الله (ص) بطريق مكّة وهو متوجّه
____________________
١ - خصائص النسائي، ص ١٥.
٢ - نفس المصدر، ص ١٦.
٣ - نفس المصدر، ص ١٦.
٤ - نفس المصدر، ص ١٧.
إليها، فلما بلغ غدير خمّ وقف للناس ثمّ رد من تبعه ولحقه من تخلّف، فلما اجتمع الناس إليه، قال: أيّها الناس مَن وليّكم؟ قالوا: الله ورسوله. ثلاثاً، ثمّ أخذ بيد عليّ فأقامه، ثمّ قال: مَن كان الله ورسوله وليّه فهذا وليّه، اللّهمّ والِ من والاه وعاد من عاداه.(١)
ويروي: بأسانيد أخر قريبة منها.
ويروي أيضاً: عن سعد بن وهب، مثل ما في، ص ١٧ عن عامر، وفيها: فقال سعد: قام إلى جنبي ستة.(٢)
ويروي أيضاً: عن سعيد بن وهب: قال عليّ رضي الله عنه في الرُحبة: أنشد بالله من سمع رسول الله (ص) يوم غدير خم يقول: الله وليّي وأنا وليّ المؤمنين، ومَن كنت وليّه فهذا وليّه، اللّهمّ وال مَن والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره؟! فقال سعيد: قام إلى جنبي ستة.(٣)
مسند أحمد: ما يقرب منها.(٤)
الكنى للدولابي: عن زيد بن أرقم، قال: كنّا مع رسول الله (ص) بين مكة والمدينة إذ نزلنا منزلاً يقال له غدير خُمّ، فنودي أنّ الصلاة جامعة، فقام رسول الله كما في الخصائص، ص ١٦.(٥)
ويروي أيضاً: عن أبي قلابة، قال: نشد الناس عليّ في الرحبة، فقام بضعة عشر رجلاً فيهم رجل عليه جبّة عليها إزار حضرميّة، فشهدوا أنّ رسول الله (ص) قال: مَن كنت مولاه فعليّ مولاه.(٦)
مستدرك الحاكم: عن زيد بن أرقم قال: لمّا رجع رسول الله (ص) من حجّة
____________________
١ - خصائص النسائي، ص ١٨.
٢ - نفس المصدر، ص ١٩.
٣ - نفس المصدر، ص ٢٩.
٤ - مسند أحمد، ج ٥، ص ٣٦٦.
٥ - الكنى للدولابي، ج ٢، ص ٦١.
٦ - نفس المصدر، ص ٨٨.
الوداع ونزل غدير خمّ أمر بدوحات كما في الخصائص، ص ١٥.(١) ثمّ يقول الحاكم: هذا حديث صحيح على شرطهما ولم يُخرجاه بطوله، شاهده حديث سملة بن كهيل عن أبي الطفيل أيضاً صحيح على شرطهما.
ثمّ يروي: عن أبي الطفيل عن ابن واثلة أنّه سمع زيد بن أرقم يقول: نزل رسول الله (ص) بين مكّة والمدينة عند شجرات خمس دوحات عظام، فكنس الناس ما تحت الشجرات، ثمّ راح رسول الله (ص) عشية، فصلّى ثمّ قام خطيباً فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ فقال ما شاء الله أن يقول، ثمّ قال: أيّها الناس إنّي تارك فيكم أمرين لن تضلّوا أن اتبعتموهما ؛ وهما كتاب الله وأهل بيتي عِترتي، ثمّ قال: أتعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟! ثلاث مرّات، قالوا: نعم. فقال رسول الله (ص): مَن كنت مولاه فعليّ مولاه.(٢)
وحديث بريدة الأسلمي صحيح على شرط الشيخين.
ثمّ يروي عن بريدة قال: غزوت مع عليّ الى اليمن فرأيت منه جفوة، فقدمت على رسول الله (ص) فذكرت علياً فتنقّصته، فرأيت وجه رسول الله (ص) يتغيّر، فقال: يا بريدة ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟! قلت: بلى يا رسول الله، فقال: مَن كُنت مولاه فعليّ مولاه.
أقول: هذا الكلام قاله رسول الله (ص) في موارد مختلفة، وأثبت لعليّ بن أبي طالب (ع) ما ثبت لنفسه من الأولوية على قاطبة المسلمين والمؤمنين، وهذا ارفع مقام وأعلى درجة لا يُتصوّر فوقها مقام، وهي الحاكمية المطلقة، والولاية التامة، والسلطة الظاهرية والباطنية، والرياسة الكلّية، ويجمعها عنوان الأولوية على الأنفس، قال الله تعالى:( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ) .(٣) أي له تقدّم عليهم وأولوية، وقال تعالى:( وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ ) . (٤) أي إنّ
____________________
١ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ١٠٩.
٢ - نفس المصدر، ص ١١٠.
٣ - سورة الأحزاب الآية ٦.
٤ - سورة الأحزاب الآية ٦.
لبعضٍ منهم حقّ تقدّم على بعض آخر.
فإذا ثبتت لعليّ بن أبي طالب هذه الأولوية الثابتة للنبيّ (ص)، فكيف يمكن أن يُحكم عليه، وأن يكون مولّى عليه، وأن يُجعل تابعاً مطيعاً وتؤخذ منه البيعة لمن هو أولى به من نفسه؟!
ثمّ إنّ النبيّ (ص) دعا على من عاداه، والمعاداة هي التجاوز، وأشد المعاداة وأعظمها التجاوز على حقوق من هو أولى بهم وهو وليّهم ومن يحبّه الله ورسوله ومَن أوصى النبيّ به. وقال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ الْمُجْرِمِينَ - وقد مرّ في الأحاديث السابقة أنّ من عادى علياً فقد عادى رسول الله، ومن أبغض علياً فقد ابغضه، ومن أطاع عليا فقد أطاعه، ومن عصى عليا فقد عصاه.
وهذا الحديث (حديث الغدير) من أدلّ الدلائل وأتقن البراهين على ولاية عليّ أمير المؤمنين، وان لم يكن لنا إلاّ هذا الحديث لكفانا.
ففي رجال أصبهان: عن جابر قال: كنت عند النبيّ (ص) وعنده أبو بكر وعمر، فقال النبيّ (ص) لعليّ: اللّهمّ وال مَن والاه وعادِ مَن عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله. فقال: أبو بكر لعمر هذه والله الفضيلة.(١)
(حديث فتح خيبر)
تاريخ الطبري: عن بُريدة الأسلمي قال: لمّا كان حين نزل رسول الله (ص) بحصن أهل خيبر، أعطى رسول الله (ص) اللواء عمر بن الخطاب ونهض من نهض معه من الناس فلقوا أهل خيبر، فانكشف عمر وأصحابه فرجعوا إلى رسول الله (ص) يجبّنه أصحابه ويجبّنهم، فقال رسول الله (ص): لأعطين اللواء غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله. فلمّا كان من الغد تطاول لها أبو بكر وعمر، فدعا علياً عليه السلام وهو أرمد فتفل في عينيه وأعطاه اللواء
____________________
١ - رجال أصبهان، ج ٢، ص ٣٥٨.
ونهض معه من الناس من نهض، قال فلقى أهل خيبر فإذا مرحب يرتجز يقول:
قد علمت خيبر أنّي مرحب |
شاكي السلاح بطلٌ مجرّب |
فاختلف هو وعلي ضربتين، فضربه عليٌّ على هامته حتى عضّ السيف منها بأضراسه، وسمع أهل العسكر صوت ضربته، فما تتام آخر الناس مع عليّ عليه السلام حتى فتح الله له ولهم.(١)
أقول: هذا دليل قاطع على أنّ الله ورسوله يحبّان علياً وأنّه يحبّ الله ورسوله ويظهر بقرينة المقال والمقام أنّ هذا الوصف كان مخصوصاً له من بينهم.
العقد الفريد: وقال النبيّ (ص) يوم خيبر: لأعطين الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله، لا يمسي حتى يفتح الله له، فدعا علياً وكان أرمد فتفل في عينيه وقال: اللّهمّ قِه داء الحرّ والبرد. فكان يلبس كسوة الصيف في الشتاء وكسوة الشتاء في الصيف ولا يضرّه.(٢)
البخاري: بإسناده: كان عليّ رضي الله عنه تخلّف عن النبيّ (ص) في خيبر وكان به رمد، فقال: أنا أتخلّف عن رسول الله (ص)! فخرج عليّ فلحق بالنبيّ (ص)، فلمّا كان مساء الليلة التي فتحها في صباحها فقال رسول الله (ص): لأعطينّ الراية - أو قال: ليأخذنّ - غداً رجلاً يحبّه الله ورسوله - أو قال: يحبّ الله ورسوله -، يفتح الله عليه، فإذا نحن بعليّ وما نرجوه، فقالوا: هذا عليّ، فأعطاه رسول الله (ص) ففتح الله عليه.(٣)
وفي البخاري أيضاً: بإسناده، قال النبيّ (ص) يوم خيبر: لأعطينّ الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله، فبات الناس ليلتهم أيهم يُعطى، فغدوا كلّهم يرجوه، فقال: أين عليّ؟ فقيل يشتكي عينيه، فبصق في عينيه ودعا له، فبرأ كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية فقال: أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم
____________________
١ - تاريخ الطبري، ج ٣، ص ٩٣.
٢ - العقد الفريد، ج ٤، ص ٣١٢.
٣ - البخاري، ج ٢، ص ١٠٣ و ١٨٤، و ج ٣، ص ٣٣.
ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم.(١)
وفي مسند أحمد: ما يقرب منه.(٢)
مسلم: قال سلمة: ثمّ أرسلني إلى عليّ وهو أرمد فقال: لأعطينَ الراية رجلاً يحبُّ الله ورسوله. أو يحبُّه الله ورسوله، قال فأتيت علياً فجئت به أقوده وهو أرمد، حتى أتيت به رسول الله (ص) فبصق في عينيه فبرأ وأعطاه الراية.
وخرج مرحب فقال:
قد علمت خيبر أنّي مرحب |
شاكي السلاح بطلٌ مجرّب |
إذا الحروب أقبلت تلهب
فقال عليّ:
أنا الذي سمّتني أمّي حيدرة |
كليث غابات كريه المنظرة |
أوفيهم بالصاع كيل السندرة
قال: فضرب رأس مرحب، فقتله! ثمّ كان الفتح على يديه.(٣)
وفي مسند أحمد: ما يقرب منه.(٤)
ويروي: بإسناده: أنّ رسول الله (ص) قال يوم خيبر: لأعطينَ هذه الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله يفتح الله على يديه، قال عمر بن الخطاب: ما أحببت الإمارة إلاّ يومئذٍ، قال فتساورت لها رجاء أنْ أُدعى لها، قال فدعا رسول الله (ص) عليّ بن أبي طالب فأعطاه إياها، وقال: امش ولا تلتفت، فصرخ: يا رسول الله على ماذا أقاتل الناس؟ قال: قاتلهم حتى يشهدون أنْ لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّد رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها، وحسابهم على الله.(٥)
____________________
١ - البخاري، ج ٢، ص ١٠٦ و ج ٣، ص ٣٣.
٢ - مسند أحمد، ج ٥، ص ٣٣٣.
٣ - مسلم، ج ٥، ص ١٩٥.
٤ - مسند أحمد، ج ٤، ص ٥٢.
٥ - مسلم، ج ٧، ص ١٢١.
وفي مسند أحمد: ما يقرب منه.(١)
ويروي البخاري أيضاً: قريباً من الرواية، وفي آخرها: فوالله لإنْ يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حُمر النعم.(٢)
ويروي أيضاً: قريبا من رواية البخاري ( ج ٢، ص ١٠٣ ).(٣)
ابن ماجة: عن رسول الله (ص)، قال: لأبعثن رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله ليس بفرّار، فتشرّف له الناس فبعث إلى عليّ فأعطاها إياه.(٤)
مستدرك الحاكم: يروي روايات قريبة ممّا في مسلم.(٥)
مسند أحمد: عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كان أبي يسمر مع عليّ وكان عليّ يلبس ثياب الصيف في الشتاء وثياب الشتاء في الصيف، فقيل له لو سألته، فسأله؟ فقال: إنّ رسول الله (ص) بعث إليَّ وأنا أرمد العين يوم خيبر، فقلت: يا رسول الله إنّي أرمد العين، قال: فتفل في عيني وقال: اللّهمّ أذهب عنه الحرّ والبرد فما وجدت حرّاً ولا برداً منذ يومئذٍ، وقال: لأعطين الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله، ليس بفرّار، فتشرّف لها أصحاب النبيّ (ص) فأعطانيها.(٦)
ويروي: عن أبي بريدة قال: حاصرنا خيبر فأخذ اللواء أبو بكر فانصرف ولم يفتح له، ثمّ أخذه من الغد فخرج فرجع ولم يفتح له، وأصاب الناس يومئذٍ شدّة وجهد، فقال رسول الله (ص): إنّي دافع اللواء غداً إلى رجل يحبّه الله ورسوله ويحبّ الله ورسوله لا يرجع حتى يفتح له، فبتنا طيبة أنفسنا أنّ الفتح غداً الحديث.(٧)
____________________
١ - مسند أحمد، ج ٢، ص ٣٨٤.
٢ - البخاري، ج ٢، ص ١٠٦.
٣ - مسلم، ج ٧، ص ١٢٢.
٤ - ابن ماجة، ج ١، ص ٥٦.
٥ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ٣٨.
٦ - مسند أحمد، ج ١، ص ٩٩.
٧ - نفس المصدر، ج ٥، ص ٣٥٣.
الاستيعاب: وروى سعد بن أبي وقاص، وسهل بن سعد، وأبو هريرة، وبريدة الأسلمي، وأبو سعيد الخدري، وعبد الله بن عمر، وعمران بن الحصين، وسلمة ابن الأكوع، كلّهم بمعنى واحد، عن النبيّ (ص) أنّه قال يوم خيبر: لأعطينَ الرايةَ غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله ليس بفرّار.(١)
أقول: التعبير بكلمة: (ليس بفرار، لا يرجع أبداً) إشارة إلى فرار آخرين ورجوعهم، بل وتصريح إلى فرار من سبقه وعصيانه.
خصائص النسائي: عن أبي ليلى، قال لعليّ وكان يسير معه: إنّ الناس قد أنكروا منك شيئاً: تخرج في البرد في الملاءتين وتخرج في الحرّ في الخشن والثوب الغليظ! فقال: لم تكن معنا بخيبر؟ قال: بلى، قال: بعث أبا بكر وعقد له لواءً فرجع، وبعث عمر وعقد له لواءً فرجع، فقال رسول الله (ص): لأعطين الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله ليس بفرّار، فأرسل إليَّ وأنا أرمد، فتفل في عيني، فقال: اللّهمّ اكفه أذى الحرّ والبرد، قال: ما وجدت حراً بعد ذلك ولا برداً.
ويروي أيضاً: عن بريدة يقول: حاصرنا خيبراً فأخذ الراية أبو بكر ولم يُفتح له، فأخذ من الغد عمر فانصرف ولم يفتح له، وأصاب الناس شدّة وجهد، فقال رسول الله (ص): إنّي دافع لوائي غداً إلى رجلٍ يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله لا يرجع حتى يفتح له. وبتنا طيبة أنفسنا أنّ الفتح غداً، فلمّا أصبح رسول الله (ص) صلّى الغداة ثمّ جاء قائماً ورمى اللواء والناس على مصافّهم، فما منّا إنسان له منزلة عند الرسول (ص) إلاّ وهو يرجو أن يكون صاحب اللواء، فدعا عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وهو أرمد، فتفل ومسح في عينيه فدفع إليه اللواء وفتح الله عليه، قالوا أخبرنا أنّه ممّن تطاول لها.(٢)
ويروي أيضاً: عن أبي هريرة قريباً من مسلم(٣)
____________________
١ - الاستيعاب، ج ٣، ص ١٠٩٩.
٢ - خصائص النسائي، ص ٤.
٣ - نفس المصدر، ص ٥.
أقول: يظهر من هذه الروايات أنّ لعلي (ع) مقامات مسلّمة:
١ - أنّ الله تعالى يحبّه وهو يحبّ الله تعالى.
٢ - أنّ رسول الله (ص) يحبّه وهو يحبّ رسول الله (ص).
٣ - أنّ فتح خيبر كان على يديه بعد عجز آخرين، وبعد ما أصاب الناس شدّة وجهد.
٤ - أنّه ليس بفرّار كرجال آخرين.
٥ - استجابة دعاء الرسول (ص) له في رفع الرمد ودفع ضرّ الحرّ والبرد.
ويروي أيضاً: عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنّ علياً (رضي الله عنه) خرج علينا في حرّ شديد وعليه ثياب الشتاء، وخرج علينا في الشتاء وعليه ثياب الصيف، ثمّ مسح العَرَق عن جبينه، فلمّا رجع إلى بيته قال: يا أبتاه رأيت ما صنع أمير المؤمنين رضي الله عنه؟! خرج علينا في الشتاء ...؟ فقال أبو ليلى ما فطنت، وأخذ بيد ابنه عبد الرحمن فأتى علياً رضي الله عنه فقال له الذي صنع، فقال له عليّ رضي الله عنه: إنّ النبيّ (ص) كان بعث إلي وأنا أرمد شديد الرمد، فبزق في عيني ثمّ قال: افتح عينيك ففتحتهما فما اشتكيتهما حتى الساعة، ودعا لي فقال: اللّهمّ اذهب عنه الحرّ والبرد فما وجدت حراً وبرداً حتى يومي هذا.(١)
الطبقات: كما في مسلم: ج ٥، وج ٧، وفيها: قال عمر فما أحببت الإمارة قبل يومئذٍ فتطاولت لها واستشرفت رجاء أن يدفعها إليّ، فلما كان الغد دعا علياً فدفعها إليه إلخ.(٢)
أقول: يظهر من هذه الجملات أنّ عمر بن الخطاب كسائر الأصحاب تطاول واستشرف أن يكون مصداق قول رسول الله (ص) ( وهو من يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله ويكون الفتح على يديه ) ثمّ أنّ رسول الله (ص) دعا علياً ودفع الراية إليه وجعله مصداق قوله ووصْفه، دون الآخرين.
____________________
١ - خصائص النسائي، ص ٢٧.
٢ - الطبقات ج ٢، ص ١١٠.
( ضربَ الرقابَ على الدين وحده )
سنن الترمذي: عن رسول الله (ص) قال: يا معشر قريش ليبعثن الله عليكم من يضرب رقابكم بالسيف على الدين، قد امتحن الله قلبه على الإيمان، قالوا: من هو يا رسول الله؟ فقال له أبو بكر: من هو يا رسول الله؟ وقال عمر: من هو يا رسول الله؟ قال: هو خاصف النعل، وكان أعطى علياً نعله يخصفها.(١)
خصائص النسائي: جاء النبيّ (ص) أناس من قريش فقالوا: يا محمّد، إنّا جيرانك وحلفاؤك وأنّ من عبيدنا قد أتوك ليس بهم رغبة في الدين ولا رغبة في الفقه إنّما فروا من ضياعنا وأموالنا فارددهم إلينا فقال لأبي بكر: ما تقول؟ قال: صدقوا إنّهم لجيرانك وحلفاؤك، فتغيّر وجه النبيّ (ص)، ثمّ قال لعمر: ما تقول؟ قال: صدقوا إنّهم لجيرانك وحلفاؤك، فتغير وجه النبيّ (ص)، ثمّ قال: يا معشر قريش والله ليبعثنَّ الله عليكم رجلاً منكم امتحن الله قلبه للإيمان فيضربكم على الدين - أو: يضرب بعضكم - قال أبو بكر: أنا هو يا رسول الله؟ قال: لا. قال عمر: أنا هو يا رسول الله؟ قال: لا. ولكن ذلك الذي يخصف النعل. وقد كان أعطى علياً نعلاً يخصفها.(٢)
ويروي أيضاً: عن أُبي: قال رسول الله (ص): لينتهينَ بنو ربيعة أو لأبعثنّ عليهم رجلاً كنفسي يُنفذ فيهم أمري، فيقتل المقاتلة ويسبي الذرية. فما راعني إلاّ وكفّ عمر في حجزتي من خلفي، مَن يعني؟ قلت: إياك يعني وصاحبك، قال: فمن يعني؟ قلت خاصف النعل، قال، وعلي يخصف النعل.(٣)
ويروي أيضاً: عن أبي سعيد الخدري قال: كنّا جلوسا ننظر رسول الله (ص) فخرج إلينا قد انقطع شِسع نعله فرمى به إلى عليّ رضي الله عنه، فقال: إنّ
____________________
١ - سنن الترمذي، ص ٥٣٣.
٢ - خصائص النسائي، ص ٨.
٣ - نفس المصدر، ص ١٤.
منكم رجلا يقاتل الناس على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله. قال أبو بكر: أنا؟ قال: لا. قال عمر: أنا؟ قال: لا، ولكن خاصف النعل.(١)
المحاسن للبيهقي: عن عليّ قال، قال رسول الله (ص): يا معشر قريش، والله ليبعثنَّ الله عليكم رجلاً منكم قد امتحن الله قلبه للإيمان يضرب رقابكم على الدين. فقال أبو بكر: أنا هو يا رسول الله؟ قال: لا. فقال عمر: أنا هو يا رسول الله؟ قال: لا، ولكنّه خاصف النعل. وأنا أخصف نعل رسول الله (ص).(٢)
مستدرك الحاكم: عن ربعي عن عليّ (ع) مثله.(٣)
وفي المستدرك: كما في الخصائص، ص ٢٩، وفيه: يعني علياً، فأتيناه فبشّرناه فلم يرفع به رأسه، كأنّه قد كان سمعه من رسول الله (ص) هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يُخرجاه.(٤)
أقول: هذه الروايات تشير إلى كمال مجاهدته وسعيه في نفوذ الإسلام واقتدار المسلمين وتوسعة حكومة الحق ودحض شوكة الباطل وأهله، وقد عبر عن مجاهدته بتعبيرين إشارة إلى أنّ مجاهدته تقع في زمان حياة رسول الله (ص)، وبعد حياته.
وعبّر عن الأوّل بجملة - يضرب رقابكم على الدين - فإنّ الجهاد في زمان رسول الله (ص) كان على الدين.
وعبّر الثاني بجملة - يقاتل الناس على تأويل القرآن - فإنّ وظيفة الإمام بيان حقائق الدين وتفسير مصاديق الآيات وتوضيح المقاصد والمطالب ودفع الشكوك والشبهات.
الاستيعاب: عن المطّلب، قال رسول الله (ص) لوفد ثقيف حين جاءه: لتسلمُن
____________________
١ - نفس المصدر السابق، ص ٢٩.
٢ - المحاسن للبيهقي، ص ٤١.
٣ - مستدرك الحاكم، ج ٢، ص ١٣٨.
٤ - نفس المصدر، ج ٣، ص ١٢٣.
أو لأبعثن رجلاً منّي - أو قال مثل نفسي - فليضربن أعناقكم، وليسببن ذراريكم، وليأخذن أموالكم، قال عمر: فوالله ما تمنيت الإمارة إلاّ يومئذ، وجعلت أنصب صدري له رجاء أن يقول: هو هذا. قال فالتفت إلى علي (رض) فأخذ بيده ثم قال: هو هذا.(١)
المستدرك: عن عبد الرحمن بن عوف قال: افتتح رسول الله (ص) مكّة ثمّ انصرف إلى الطائف فحاصرهم ثمانية أو سبعة ثم قال: أيّها الناس إنّي لكم فرط وإنّي أوصيكم بعترتي خيراً موعدكم الحوض، والذي نفسي بيده لتقيمنّ الصلاة، ولتؤتون الزكاة أو لأبعثن عليكم رجلاً منّي - أو كنفسي - فليضربنّ أعناق مقاتليهم وليسبين ذراريهم. قال فرأى الناس إنه يعني أبا بكر وعمر، فأخذ بيد علي فقال: هذا.(٢)
أقول: يستفاد من هذه الروايات الشريفة أمور:
١ - ليبعثن الله من يضرب رقابكم بالسيف على الدين: تدلّ على كمال مجاهدته، وأنّها على الدين الخالص، وقد بعث من الله تعالى.
٢ - قد امتحن الله قلبه على الإيمان: تدلّ على استقرار إيمانه وثبوته ورسوخه في الله ومن الله، بحيث لا يقبل التزلزل.
٣ - قال أبو بكر: أنا هو يا رسول الله؟ قال: لا. تدلّ على استشراف أبي بكر وعمر لهذه المنزلة، وقال: هو خاصف النعل.
٤ - يقاتل الناس على تأويل القرآن: تدل على إمامته وخلافته بعد رسول الله (ص) فإنّ هذه من وظائف الإمام، وهو موظف على أن يجاهد حتى يتبيّن للناس ما اختلفوا فيه، ويتّضح التأويل وترتفع الشكوك. وأمّا النبي (ص): فهو يجاهد على تنزيل القرآن واصله.
٥ - رجلا منّي أو كنفسي: وهذا دليل آخر على علوّ مرتبته وسموّ مقامه.
____________________
١ - الاستيعاب، ج ٣، ص ١١١٠.
٢ - مستدرك الحاكم، ج ٢، ص ١٢٠.
٦ - فليضربن أعناق مقاتليهم: تدلّ على كمال شجاعته ونهاية مجاهدته، ونروي روايات مخصوصة بهذا الموضوع.
( شجاعته (ع) )
السيرة النبوية: نادى مناد يوم أحد: لا سيف إلاّ ذو الفقار، ولا فتى إلاّ علي.(١)
الطبقات: قال محمد بن عمر كان علي ممّن ثبت مع رسول الله (ص) على سريّة إلى بني سعد بفدك في مئة رجل، وكان معه إحدى رايات المهاجرين الثلاث يوم فتح مكة، وبعثه على سريّة إلى الفَلس إلى طيّ، وبعثه إلى اليمن، ولم يتخلّف عن رسول الله (ص) في غزوة غزاها إلاّ غزوة تبوك خلّفه في أهله.(٢)
المحاسن والأضداد: في كلام لعائمة بن عاثم في جواب ثلب معاوية لبني هاشم: ومنّا أبو الحسن علي بن أبي طالب صلوات الله عليه أفرس بني هاشم وأكرم من احتبى وانتعل، وفيه يقول الشاعر
علي ألّف الفرقان صحفا |
ووالى المصطفى طفلاً صبياً(٣) |
وفي محاسن البيهقي: يروي قريبا منه، وفيها: أكرم من احتفى وتنعّل بعد رسول الله (ص)، ومن فضائله ما قصر عنكم أنباؤها، وفيه يقول الشاعر:
وهذا عليّ سيد الناس فاتقوا |
علياً بإسلام تقدّم من قبل(٤) |
ويروي في الطبقات أيضاً: عن قتادة: أنّ عليّ بن أبي طالب كان صاحب لواء رسول الله (ص) يوم بدر وفي كلّ مشهد.(٥)
إمتاع الأسماع: التفت العبّاس يوم حنين وقد أقشع الناس عن بكرة أبيهم،
____________________
١ - السيرة النبوية، ج ٣، ص ١٠٦.
٢ - الطبقات، ج ٣، ص ٢٣.
٣ - المحاسن والأضداد، ص ١٠٣.
٤ - المحاسن للبيهقي، ص ٩٢.
٥ - الطبقات، ج ٣، ص ٢٣.
فلم يرَ علياً فيمن ثبت، فقال: شوهة وبوهة، أَوَفِي مثل هذا الحال يرغب ابن أبي طالب بنفسه من رسول الله (ص) وهو صاحبه فيما هو صاحبه ( يعني المواطن المشهورة له ) فقلت - أي: الفضل بن العبّاس -: بعض قولك لابن أخيك: أما تراه في الرهج؟ قال: أشعره لي يا بنيّ؟ قلت: هو ذو كذا، ذو كذا، ذو البُردة. قال: فما تلك البرقة؟ قلت: سيفه يرفُل به بين الأقران. فقال: برٌ ابن برٍ فداه عمّ وخال. قال: فضرب عليّ يومئذ أربعين مبارزاً كلّهم يقدّه حتى يفدّ أنفه وذكره.(١)
مستدرك الحاكم: قال رسول الله (ص): لَمبارزة عليّ بن أبي طالب لعمرو بن عبدُ ودٍ يوم الخندق ؛ أفضل من أعمال أمّتي إلى يوم القيامة.(٢)
ويروي: عن أحمد بن عبد الجبّار، قال: سمعت يحيى بن آدم، يقول: ما شبهت قتل عليّ عَمَراً إلاّ بقول الله - عزّ وجلّ -:( فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ ) . (٣)
أقول: رويت عن أم سلمة أنّها قالت: شهدت معه مشاهد فيها قتال وخوف ولم يكن من ذلك أتعب لرسول الله (ص) ولا أخوف عندنا من الخندق، وذلك أنّ المسلمين كانوا في مثل الحرجة وأنّ قريظة لا نأمنها على الذراري، فالمدينة تُحرس حتى الصباح نسمع تكبير المسلمين فيها حتى يصبحوا خوفاً.(٤)
ثمّ إنّ عمرو بن عبد ودّ كان أشجع قريش وفي مقدّمتهم، وعبّر من مكان ضيّق من الخندق ومعه جماعة، قد أغفلوا المسلمين، فدعا عمرو إلى البِراز، فخرج عليّ راجلاً وعمرو فارساً، وقال رسول الله (ص): اللّهمّ أعنه عليه. فلم يكن بأسرع من أن قتله عليّ، فولّى أصحابه إدباراً.
فرفع بهذه الضربة أعظم خطر كان يهدد الإسلام والمسلمين، ولولا هذا الدفاع لكاد إنّ يسقط لواء المسلمين، فيصحّ أن يقال: أنّ هذه المبارزة كانت
____________________
١ - إمتاع الأسماع، ج ١، ص ٤٠٨.
٢ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ٣٢.
٣ - نفس المصدر، ص ٣٤.
٤ - إمتاع الأسماع، ص ٢٣١.
مبارزة إسلام وكفر، وبهذه الغلبة قد استقرّ الإسلام وثبت.
( حديث البراءة )
تاريخ الطبري: عن السُدي لمّا نزلت هذه الآيات إلى رأس الأربعين يعني من سورة براءة، فبعث بهن رسول الله (ص) مع أبي بكر وأمّره على الحجّ، فلمّا سار فبلغ الشجرة من ذي الحليفة، اتبعه بعليّ فأخذها منه، فرجع أبو بكر إلى النبيّ (ص) فقال: يا رسول الله! بأبي أنت وأمّي أنَزَل في شأني شيء؟ قال: لا، ولكن لا يبلغ عني غيري أو رجل منّي فسار أبو بكر على الحاجّ وسار علي يؤذن ببراءة، فقام يوم الأضحى فأذّن فقال: لا يقربنَّ المسجد الحرام مشرك بعد عامه هذا، ولا يطوفنّ بالبيت عُريان، ومن كان بينه وبين رسول الله (ص) عهد فله عهده إلى مدّته.(١)
تفسير الكشّاف: كان نزولها سنة تسع من الهجرة، وفتح مكّة سنة ثمان، وكان الأمير فيها عتّاب بن أسيد، فأمر رسول الله (ص) أبا بكر على موسم سنة تسع، ثمّ أتبعه علياً راكباً العضباء ليقرأها على أهل الموسم، فقيل له لو بعثت بها إلى أبي بكر، فقال: لا يؤدّي عنّي إلاّ رجلٌّ منّي إلخ.(٢)
أقول: حديث البراءة يدلّ على كمال اختصاصه بالنبيّ (ص)، بحيث قد خلّفه في أهمّ الموضوعات، وقال لا يُبلغ عنّي غيري أو رجل منّي، ويظهر منه أيضاً اعتماده الكامل واطمئنانه التام عليه وعلى رسالته.
مسند أحمد: عن عليّ (ع) قال: لما نزلت عشر آيات من براءة على النبيّ (ص) دعا أبا بكر فبعثه بها ليقرأها على أهل مكّة ثمّ دعاني النبيّ (ص) فقال لي: أدرك أبا بكر فبعثه بها ليقرأها على أهل مكّة ثمّ دعاني النبيّ (ص) فقال لي: أدرك أبا بكر فحيثما لحقته فخذ الكتاب منه فأذهب به إلى أهل مكّة فاقرأه عليهم، فلحقته بالجحفة فأخذت الكتاب منه ورجع أبو بكر النبيّ (ص) فقال: يا رسول الله! نزل فيّ شيء؟ قال: لا ولكنّ جبرئيل جاءني
____________________
١ - تاريخ الطبري، ج ٣، ص ١٥٤.
٢ - تفسير الكشاف، ج ١، ص ٥٤٣.
فقال لا يؤدي عنك الا أنت أو رجل منك.(١)
السيرة النبوية: لمّا نزلت براءة على رسول الله (ص) وقد كان بعث أبا بكر الصديق ليقيم للناس الحجّ، قيل له يا رسول الله لو بعثت بها إلى أبو بكر، فقال: لا يؤدّي عني إلاّ رجلٌّ مِن أهل بيتي، ثمّ دعا علي بن أبي طالب رضوان الله عليه فقال له: اخرج بهذه القصّة من صدر برائة وأذّن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى، أنّه لا يدخل الجنّة كافر ولا يحجّ بعد العام مشرك الرواية.(٢)
سنن الدارمي: فلمّا استوى ليكبّر سمع الرغوة خلف ظهره فوقَف عن التكبير، فقال: هذه رغوة ناقة رسول الله (ص) الجدعاء، لقد بدا لرسول الله (ص) في الحجّ، فلعلّه أن يكون رسول الله (ص) فنصلّي معه، فإذا عليّ عليها، فقال أبو بكر: أمير أم رسول؟ قال: لا بل رسول أرسلني رسول الله (ص) ببرائة أقرؤها على الناس في مواقف الحجّ(٣)
ويروي أيضاً: سألنا عليّاً بأيّ شيء بُعثت؟ قال: بعثت بأربع: لا يدخل الجنّة إلاّ نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عُريان، ولا يجتمع مسلمٌ وكافر في الحجّ بعد عامهم هذا، ومن كان بينه وبين رسول الله (ص) عهد فعهده إلى مدّته ومن لم يكن له عهد فهي في أربعة أشهر.(٤)
سنن الترمذي: عن أنس قال: بعث النبيّ (ص) ببراءة مع أبي بكر ثمّ دعاه فقال: لا ينبغي لأحدٍ أن يبلّغ هذا إلاّ رجل من أهل، فدعا عليا فأعطاه إياه.(٥)
ويروي أيضاً: عن ابن عبّاس بعث النبيّ (ص) أبا بكر وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات، ثمّ اتبعه عليّاً، فبينا أبو بكر في بعض الطريق إذ سمع رغاء ناقة رسول الله (ص) القصواء، فخرج أبو بكر فَزِعا فظنّ أنّه رسول الله (ص) فإذا
____________________
١ - مسند أحمد، ج ١، ص ١٥١.
٢ - السيرة النبوية، ج ٤، ص ١٩٠.
٣ - سنن الدارمي، ج ٢، ص ٦٦. وسنن النسائي، ج ٥، ص ١٩٨.
٤ - نفس المصدر، ص ٦٨.
٥ - سنن الترمذي، ص ٤٤٠.
عليّ! فدفع إليه كتاب رسول الله (ص) وأمر عليّاً أن ينادي بهؤلاء الكلمات فانطلقا فحجّا، فقام علي أيام التشريق فنادى: ذمّة الله ورسوله بريئة الرواية.
خصائص النسائي: أنّ رسول الله (ص) بعث ببراءة إلى أهل مكّة مع أبي بكر، ثمّ أتبعه بعلي، فقال له: خذ الكتاب فامض به إلى أهل مكّة، قال: فلحقه فأخذ الكتاب منه فانصرف أبو بكر وهو كئيب، فقال لرسول الله (ص): أَنَزل فيّ شيءٌ؟ قال: لا، إنّي أُمرت أن ابلّغه أنا أو رجلٌ من أهل بيتي.(١)
ويروي أيضاً: عن سعد، قال بعث رسول الله (ص) أبا بكر ببراءة حتى إذا كان ببعض الطريق أرسل عليّاً رضي الله عنه فأخذها منه ثمّ سار بها فَوَجَدَ أبو بكر في نفسه، فقال رسول الله (ص): لا يؤدّي عنّي إلاّ أنا أو رجلٌ منّي.(٢)
ويروي أيضاً: قريباً ممّا في سنن الدارمي (ج ٢، ص ٦٦)
الطبقات: استعمل رسول الله (ص) أبا بكرٍ الصدّيق على الحجّ.. فلمّا كان بالعرض لحقه عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه على ناقة رسول الله (ص) القصواء، فقال له أبو بكر: استعملك رسول الله على الحجّ؟ قال: لا، ولكن بعثني أقرأ براءة على النّاس، وأنبذ إلى كلّ ذي عهد عهده. فمضى أبو بكر فحجّ بالناس وقرأ عليّ بن أبي طالب براءة على الناس إلخ.(٣)
أقول: يستفاد من هذه الأحاديث أمور:
الأوّل: أنّه من أهل البيت (ص) دون أبي بكر، فلا يشتمل عنوان أهل النبيّ على أبي بكر.
الثاني: أنّه من خواص أهله بحيث أقامه رسول الله (ص) مقام نفسه وبعثه على ناقته، وما جعل لأبي بكر هذه المنزلة.
الثالث: قد خصّه من بين أصحابه بالتأدية عنه وتبليغ الحكم من جانبه،
____________________
١ - خصائص النسائي، ص ١٤.
٢ - نفس المصدر، ص ١٥.
٣ - الطبقات، ج ٢، ص ١٦٨.
فيدلّ هذا مضافاً إلى اختصاصه بالنبيّ (ص) على علوّ مقامه الروحاني واستحقاقه النيابة والخلافة منه.
أنساب الأشراف: عن ابن عبّاس: أنّ النبيّ (ص) بعث بسورة براءة مع أبي بكر، ثمّ بعث علياً فأخذها من أبي بكر، فجاء أبو بكر فقال: يا رسول الله (ص) هل نزل فيَّ شيء؟ قال: لا، ولكنّه لا يؤدّي عنّي غيري أو رجلٌ من أهل بيتي. فكان أبو بكر على الموسم، وكان عليّ ينادي بهؤلاء الكلمات إلخ.(١)
مستدرك الحاكم: عن جميع، قال: أتيت عبد الله بن عمر فسألته عن عليّ (رض) فانتهرني، ثمّ قال: ألا أحدثك عن عليّ، هذا بيت رسول الله (ص) في المسجد وهذا بيت عليّ (رض)، إنّ رسول الله (ص) بعث أبا بكر وعمر ببراءة إلى أهل مكّة فانطلقا فإذا هما براكب، فقالا: من هذا؟ قال: أنا عليّ يا أبا بكر، هات الكتاب الذي معك! قال: وما لي؟ قال: والله ما علمت إلاّ خيراً، فأخذ عليّ الكتاب فذهب به، ورجع أبو بكر وعمر إلى المدينة، فقالا: ما لنا يا رسول الله؟ قال: ما لكما إلاّ خير، قيل لي: إنّه لا يبلّغ عنك إلاّ أنت أو رجل منك.(٢)
( أعلم الأمّة )
الاستيعاب: عن ضرار: يقول فصلاً، ويحكم عدلاً، يتفجّر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه.(٣)
البخاري: بإسناده قال عمر (رض): أقرؤُنا أُبيّ، وأقضانا عليّ.(٤)
خصائص النسائي: قال عليّ: بعثني رسول الله (ص) إلى اليمن وأنا شابٌ حديث السنّ، قال فقلت: يا رسول الله تبعثني إلى قوم يكون بينهم أحداث وأنا شابّ حديث السنّ، قال: إنّ الله سيهدي قلبك ويثبّت لسانك، قال: فما شككت في
____________________
١ - أنساب الأشراف، ج ١، ص ٣٨٣.
٢ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ٥١.
٣ - الاستيعاب، ج ٣، ص ١١٠٧.
٤ - البخاري، ج ٣، ص ٦٣.
حديث أقضي بين اثنين.(١)
كذا في مسند أحمد.(٢)
ويروي الخصائص: بإسناد آخر، وكذا في المستدرك.(٣)
والطبقات: روايات قريبة ممّا في الخصائص.(٤)
ويروي أيضاً: عن ابن عبّاس قال: إذا حدّثنا ثقةٌ عن عليّ بفتيا لا نعدوها.(٥)
ويروي أيضاً: عن أبي هريرة، قال عمر بن الخطاب علي أقضانا.(٦)
ويروي أيضاً: عن ابن عبّاس قال: خطبنا عمر فقال: عليّ أقضانا وأُبي أقرؤنا.
مسند أحمد يروي روايات قريبة منه.(٧)
الاستيعاب: قلت لعطاء: أكان في أصحاب محمد (ص) أحدٌ أعلم من عليّ؟ قال: لا والله ما أعلمه.(٨)
مسند أحمد: عن عليّ (رض) قال: بعثني رسول الله (ص) إلى اليمن، قال: فقلت: يا رسول الله تبعثني إلى قوم أسنّ منّى وأنا حديث لا أبصر القضاء، قال فوضع يده على صدري وقال: اللّهمّ ثبّت لسانه واهدِ قلبه، يا عليّ إذا جلس إليك الخصمان فلا تقضِ بينهما حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأوّلقال: فما اختلفت عليّ قضاء بعدُ أو ما أشكل.(٩)
الطبقات: قال عليّ: والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيما نزلت، وعلى مَن
____________________
١ - خصائص النسائي، ص ٨.
٢ - مسند أحمد، ج ١، ص ٨٣.
٣ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ١٣٥.
٤ - الطبقات، ج ٢، ص ٣٣٧.
٥ - نفس المصدر، ص ٣٣٨.
٦ - نفس المصدر، ص ٣٣٩.
٧ - مسند أحمد، ج ٥، ص ١١٣.
٨ - الاستيعاب، ج ٣، ص ١١٠٤.
٩ - مسند أحمد، ج ١، ص ١١١.
نزلت، إنّ ربّي وهب لي قلباً عقولاً، ولسانا طلقاً.(١)
ويروي أيضاً: عن أبي الطفيل قال عليّ: سلوني عن كتاب الله فإنه ليس من آية إلاّ وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار، في سهلٍ أم في جبلٍ.
ويروي أيضاً: عن سعيد بن المسيّب، قال: كان عمر يتعوّذ من معضلة ليس فيها أبو حسن.(٢)
الكُنى للدولابي: عن داود بن المسيّب، قال: ما كان أحدٌ بعد رسول الله (ص) أعلم مِن عليّ بن أبي طالب.(٣)
أقول: رجوع الجاهل في المسائل المهمة إلى العالم بل الأعلم أمر عقلي وجدانيّ، وإذا تميّز الأعلم وتشخّص فللأمّة أن ترجع إليه وتستفيد منه وتتعلّم وظائفها وتكاليفها الدينية، ولذا ترى عمر يتعوّذ من معضلة ليس فيها أبو حسن.
الاستيعاب: وقال في المجنونة التي أمر برجمها وفي التي وضعت لستة أشهر، فأراد عمر رجمها - فقال عليّ: إنّ الله تعالى يقول:( وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً ) ، وقال له: إنّ الله رفع القلم عن المجنون - فكان عمر يقول: لولا عليّ لهلك عمر.
وعن أُذينة قال أتيت عمر بن الخطاب فسألته من أين أعتمِر؟ فقال: إيت علياً فسله، فذكر الحديث.
وسأل شريح بن هاني عايشة أم المؤمنين عن المسح على الخفين، فقال: إيت علياً فسله، فذكر الحديث.
وسأل شريح بن هاني عايشة أمّ المؤمنين عن المسح على الخفّين، فقال: إيت علياً فسله.(٤)
سنن الترمذي: قال رسول الله (ص) أنا دار الحكمة وعليّ بابها.(٥)
مستدرك الحاكم: عن ابن عبّاس قال، قال رسول الله (ص): أنا مدينة العلم وعليّ بابها فمن أراد المدينة فليأت الباب.(٦)
____________________
١ - الطبقات، ج ٢، ص ٣٣٨.
٢ - نفس المصدر، ص ٣٣٩.
٣ - الكُنى للدولابي، ج ١، ص ١٩٧.
٤ - الاستيعاب، ج ٣، ص ١١٠٣.
٥ - سنن الترمذي، ص ٥٣٤.
٦ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ١٢٦.
هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
ثمّ يروي هذه الرواية بإسناد آخر.
الفائق: عليّ رضي الله عنه قال: إنّ ها هنا - وأومى بيده إلى صدره - علماً لو أصبت له حملة، بلى أُصيب لَقِناً غير مأمون.(١)
* * *
أقول: يظهر من هذه الروايات الشريفة، أنّ عليّ بن أبي طالب واسطة الفيوضات النبوية، ووسيلة للوصول إلى المعارف الحقّة، وباب للورود إلى شريعة الحقائق الإلهية، وطريق مخصوص يهتدى به إلى مدينة العلم والحكمة وهذا من الأدلّة القاطعة على لزوم المراجعة والتوجه إليه.
الاستيعاب: عن عبد الله بن عبّاس، قال: والله لقد أعطي عليّ بن أبي طالب تسعة أعشار العلم، وايم الله لقد شارككم في العُشر العاشر.(٢)
ويروي: عن عايشة أنّها قالت: عليّ لأعلم الناس بالسنّة.
ويروي: عن ابن عبّاس قال: إذا أتانا الثبت عن عليّ لم نعدل به.
مستدرك الحاكم: عن أبي الطفيل قال: رأيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رض) قال على المنبر، فقال: سلوني قبل أن تسألوني ولن تسألوا بعدي مثلي، قال: فقام ابن الكواء، فقال: يا أمير المؤمنين ما الذاريات ذروا الرواية.(٣)
أقول: يستفاد من هذه الأحاديث أمور:
١ - انه أقضى الأمّة.
٢ - قول رسول الله (ص) إنّ الله سيهدي قلبك ويثبّت لسانك: يكشف عن هداية الله قلبه بأيّ وسيلة كانت.
٣ -قوله: ما شككت في حديث أقضي بين الاثنين.
٤ - أنّه عالم بجميع موارد نزول الآيات وخصوصياتها.
____________________
١ - الفائق، ج ٣، ص ١٨٨.
٢ - الاستيعاب، ج ٣، ص ١١٠٤.
٣ - مستدرك الحاكم، ج ٢، ص ٤٦٦.
٥ - قال: إنّ ربّي وهب لي قلباً عقولاً ولساناً طلقا.
٦ - كان عمر يتعوّذ من معضلة ليس فيها أبو حسن.
٧ - ما كان أحد من الأمّة أعلم منه.
٨ - هو باب الحكمة.
٩ - هو باب العلم.
١٠ - لا يوجد مثله حتى يُسأل عنه.
١١ - في صدره علوم لا يجد لها حَمَلة.
( إرجاع الأمر إلى عليّ (ع) )
كان رسول الله (ص) يُعرّف ابن عمّه علياً (ع)، ويُرجع الناس إليه، ويظهر لهم مقامه، ويعلن لهم قربه منه ومن الله عزّ وجلّ، ويشير إلى إمامته بكنايات وإشارات، وقد يصرّح بها بلطائف البيانات.
مستدرك الحاكم: عن أنس، قال النبيّ (ص) لعليّ: أنت تبين في أمّتي ما اختلفوا بعدي.(١)
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
ويروي أيضاً: عن عليّ (ع) في قوله تعالى -( إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) ، قال عليّ (ع): رسول الله (ص) المنذر، وأنا الهادي.(٢)
المحاسن للبيهقي: عن جابر قال رسول الله (ص): لعلي هذا وليّكم بعدي إذا كانت فتنة.(٣)
خصائص النسائي: قال النبيّ (ص): أما أنتَ يا علي أنت صفيّي وأميني.(٤)
____________________
١ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ١٢٢.
٢ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ١٣٠.
٣ - المحاسن للبيهقي، ص ٤١.
٤ - خصائص النسائي، ص ١٤.
أقول: هذه بيانات لطيفة وكنايات ظريفة عن إمامته وخلافته، فإنّ الإبانة للأمّة بما اختلفوا فيه، وكونه هادياً، وولايته بعد رسول الله (ص)، وكونه صفيّا وأميناً تكشف عن مقام خلافته ومرجعيته الكبرى، حتى يُبين للأمّة ما اختلفوا فيه وأن يهديهم إلى الحقّ وحتى يتولّى أمر الأمّة في موارد الفتن، ومعلوم أنّ إبانة الحقّ وهداية الخلق والمرجعية الحقيقية لا تتحقّق إلاّ بتحقق شرائط الإمامة الإلهية.
الاستيعاب: عن ابن عبّاس: أنّ رسول الله (ص) قال لعليّ بن أبي طالب: أنت ولي كلّ مؤمن بعدي.(١)
ويروي عن حذيفة: قال رسول الله (ص) إنْ ولُّوا علياً، فهادياً مهدياً.(٢)
مستدرك الحاكم: عن أمّ سلمة قالت: سمعت رسول الله (ص) يقول: عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض.(٣)
هذا حديث صحيح الإسناد ولم يُخرجاه.
ويروي أيضاً: عن عليّ (ع) قال رسول الله (ص): رحم الله علياً، اللّهمّ أدر الحقّ معه حيثُ دار.
هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.
أقول: ملازمة الحقّ والقرآن علياً، تكشف عن رفيع مقامه الإلهي وسَني شأنه الروحاني، حتى يصل إلى حدٍّ يقول فيه النبيّ (ص): أنّه مع القرآن والقرآن معه، اللّهم أدر الحقّ معه حديث دار.
وإذا عرّفه رسول الله (ص) بهذه الصفة، وحصل لنا العلم والاطمئنان بأنّه مع القرآن ومع الحقّ ولا يمكن التفرّق والاختلاف لنا العلم والاطمئنان بأنّه مع القرآن ومع الحقّ لا يمكن التفرّق والاختلاف بينهما، فكيف يجوز لنا خلافه وكيف يعقل الانحراف عنه.
____________________
١ - الاستيعاب، ج ٣، ص ١٠٩١.
٢ - نفس المصدر، ص ١١١٤.
٣ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ١٢٤.
( باب عليّ (ع) )
مسند أحمد: قال سعد بن مالك: أمر رسول الله (ص) بسد الأبواب الشارعة في المسجد، وترك باب عليّ (رض).(١)
رجال أصبهان: عن ابن عمر قال: لقد أعطي عليّ ثلاثاً لأن أكون أعطيتهنّ أحبّ إليّ من حُمر النعم: زوجّه رسول الله (ص) فاطمة فولدت له، وأعطي الراية يوم خيبر، وسدّت أبواب المسجد إلاّ بابه.(٢)
خصائص النسائي: عن زيد بن أرقم قال: كان لنفرٍ من أصحاب رسول الله (ص) أبواب شارعة في المسجد، فقال رسول الله (ص): سدّوا الأبواب إلاّ باب عليّ.(٣) فتكلّم بذلك الناس، فقام رسول الله (ص) فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: أمّا بعد فإنّي أُمرت بسدّ هذه الأبواب غير بابِ عليّ، وقال فيه قائلكم، والله ما سددته ولا فتحته ولكنّي أُمرت فاتّبعته.(٤) كذا في مسند أحمد.(٥)
ويروي في المستدرك: نظيره، ثمّ قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.(٦)
ويروي الخصائص أيضاً: عن سعد: قال كنّا مع رسول الله (ص) في المسجد، فنودي فينا لسدّه ليخرج من في المسجد إلاّ آل رسول الله (ص) وآل عليّ، قال: فخرجنا، فلمّا أصبح أتاه عمّه فقال: يا رسول الله أخرجت أصحابك وأعمامك وأسكنت هذا الغلام، فقال رسول الله (ص): ما أنا أمرت بإخراجكم ولا بإسكان
____________________
١ - مسند أحمد، ج ١، ص ١٧٥.
٢ - رجال أصبهان، ج ١، ص ٢٧٦.
٣ - سنن الترمذي، ص ٥٣٥.
٤ - خصائص النسائي، ص ٩.
٥ - مسند أحمد، ج ٤، ص ٣٦٩.
٦ - المستدرك، ج ٣، ص ١٢٥.
هذا الغلام، إنّ الله هو أمر به.(١)
ويروي: بإسناد آخر: أنّ العبّاس أتى النبيّ (ص) فقال: سددت أبوابنا إلاّ باب عليّ فقال: ما أنا فتحتها ولا أنا سددتها.
أقول: يظهر من هذه الروايات أنّ الأبواب كلّها قد سدّت إلاّ باب عليّ، وعلى هذا قال العبّاس: أخرجتَ أصحابك وأعمامك وسددت أبوابنا إلاّ باب عليّ، وقال رسول الله (ص): فإنّي أُمرت بسدّ هذه الأبواب غير باب علي.
مستدرك الحاكم: عن خيثمة، قال رجل لسعد بن مالك: إنّ علياً يقع فيك أنّك تخلّفت عنه! فقال سعد: والله إنّه لرأي رأيته وأخطأ رأيي، إنّ عليّ بن أبي طالب أُعطي ثلاثاً لأن أكون أعطيت إحداهن أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها، لقد قال له رسول الله (ص) يوم غدير خُمّ بعد حمد الله والثناء عليه وأخرج رسول الله (ص) عمّه العبّاس وغيره من المسجد فقال له العبّاس تُخرجنا ونحن عصبتك وعمومتك وتسكن علياً! فقال: ما أنا أخرجتكم وأسكنته! ولكنّ الله أخرجكم وأسكنه.(٢)
ويروي أيضاً: عن عمر بن الخطاب قال: لقد أُعطي عليّ بن أبي طالب ثلاث خصال: لأن تكون لي خصلة منها أحبّ إليّ مِن أن أعطى حُمر النعم، قيل وما هن يا أمير المؤمنين؟ قال تزوّجه فاطمة بنت رسول الله (ص)، وسكناه المسجد مع رسول الله (ص) يحلّ له فيه ما يحل له، والراية يوم خيبر.(٣)
هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
الفائق: سعد قال: لما نودي ليخرج مَن في المسجد إلاّ آل رسول الله وآل عليّ، فخرجنا نجُرّ قلاعنا.(٤)
قال الزمخشري: القلاع جمع قلع وهو الكنف يكون فيه الزاد.
____________________
١ - خصائص النسائي، ص ١٠.
٢ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ١١٦.
٣ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ١٢٥.
٤ - الفائق، ج ٢، ص ٣٧٢.
أقول: هذه الأحاديث تدلّ على نهاية اختصاص عليّ (ع) وكمال اتصاله برسول الله (ص)، بحيث يحلّ لرسول الله (ص) ويقول (ص) في سكناه المسجد:إن الله هو أمر به.
سنن الترمذي: عن أبي سعيد عن رسول الله (ص) قال لعليّ: يا عليّ لا يحلّ لأحدٍ أن يجنب في المسجد غيري وغيرك.(١)
رجال أصبهان: عن أمّ سلمة قالت: خرج النبيّ (ص) إلى صرحة هذا المسجد فقال: ألا لا يحل هذا المسجد لجنب ولا لحائض إلا لرسول الله (ص) وعليّ وفاطمة والحسن والحسين، ألا قد بيّنت لكم الأسماء أن تضلّوا.(٢)
سنن البيهقي: يروي الروايتين.(٣)
ويروي أيضاً: عن أمّ سلمة قالت: قال رسول الله (ص): ألا إنّ مسجدي حرام على كلّ حائض من النساء وكلّ جنب من الرجال إلاّ على محمّد وأهل بيته، عليّ وفاطمة والحسن والحسين (رض).
أقول: هذه الروايات تدلّ على أنّ باب عليّ إلى المسجد لم تسد.
يقول في الدرة الثمينة في تاريخ المدينة ملحقاً إلى شفاء الغرام: ذكر بيت فاطمة بنت رسول الله (ص)، كان خلف بيت النبيّ (ص) عن يسار المصلّى إلى الكعبة، وكان فيه خوخة إلى بيت النبي (ص) كان رسول الله (ص) إذا قام من الليل إلى المخرج اطلع منها يعلم خبرهم، وكان يأتي بابها كلّ صباح فيأخذ بعضادتيه ويقول: الصلاة الصلاة( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) .(٤)
____________________
١ - سنن الترمذي، ص ٥٣٥.
٢ - رجال أصبهان، ج ١، ص ٢٩١.
٣ - سنن البيهقي، ج ٧، ص ٦٥.
٤ - شفاء الغرام، ج ٢، ص ٣٥٩.
( بعض فضائله )
يقول ابن المُعتز ابن المتوكّل العباسي في ديوانه (ط بيروت، ص ١٢٩) في جواب من طعن في عليّ بن أبي طالب (ع):
عَليٌّ يَظِنّونَ بي بُغضَهُ |
فَهَلاّ سِوى الكُفرِ ظَنّوهُ بي |
|
إِذاً لا سَقَتني غَداً كَفُّهُ |
مِنَ الحَوضِ وَالمَشرَبِ الأَعذَبِ |
|
مُجَلّي الكُروبِ وَلَيثُ الحُرو |
بِ في الرَهَجِ الساطِعِ الأَهيَبِ |
|
وَبَحرُ العُلومِ وَغَيظُ الخُصو |
مِ مَتى يَصطَرِع وَهُمُ يَغلِبِ |
|
يُقَلِّبُ في فَمِهِ مِقوَلاً |
كَشِقشِقَةِ الجَمَلِ المُصعَبِ |
|
وَأَوَّلُ مَن ظَلَّ في مَوقِفٍ |
يُصَلّي مَعَ الطاهِرِ الطَيِّبِ |
|
وَكانَ أَخاً لِنَبِيِّ الهُدى |
وَخُصَّ بِذاكَ فَلا تَكذِبِ |
|
وَكُفؤاً لِخَيرِ نِساءِ العِبا |
دِ ما بَينَ شَرقٍ إِلى مَغرِبِ |
|
وَأَقضى القُضاةِ لِفَصلِ الخِطا |
بِ وَالمَنطِقِ الأَعدَلِ الأَصوَبِ |
|
وَفي لَيلَةِ الغارِ وَقّى النَبِيَّ |
عِشاءً إِلى الفَلَقِ الأَشهَبِ |
|
وَباتَ ضَجيعاً بِهِ في الفِرا |
شِ مَوطِنَ نَفسٍ عَلى الأَصعَبِ |
|
وَعَمروُ بنُ عَبدٍ وَأَحزابُهُ |
سَقاهُم حَسا المَوتِ في يَثرِبِ |
|
وَسَل عَنهُ خَيبَرَ ذاتَ الحُصو |
نِ تُخَبِّركَ عَنهُ وَعَن مَرحَبِ |
|
وَسِبطاهُ جَدُّهُما أَحمَدٌ |
فَبَخَّ لِجَدِّهِما وَالأَبِ |
مستدرك الحاكم: عن محمد بن منصور يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما جاء لأحدٍ من أصحاب رسول الله (ص) من الفضائل ما جاء لعليّ بن أبي طالب (رض).(١)
____________________
١ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ١٠٧.
تاريخ الطبري: ثمّ أن قيس بن سعد قام خطيباً فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على محمّد (ص) وقال: الحمد لله الذي جاء بالحقّ، وأمات الباطل، وكبّت الظالمين، أيّها الناس إنّا قد بايعنا خيرَ مَن نَعلم بعد محمّد نبيّنا (ص) فقوموا أيّها الناس فبايعوا على كتاب الله وسنّة رسوله (ص) ؛ فإن نحن لم نعمل لكم بذلك فلا بيعة لنا عليكم. فقام الناس فبايعوا، واستقامت له مصر.(١)
أقول: مرّ في الأحاديث السابقة كونه أقضى وأعلم الأمّة، وأنّه لا يزال مع الحقّ والحقّ يدور معه، وأنّه يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله، وإنّه أحبّ الناس إلى رسول الله (ص)، وإنّه كنفس رسول الله.
الاستيعاب: وسئل الحسن البصري عن عليّ بن أبي طالب (رض) فقال: كان عليّ والله سهماً صائباً من مرامي الله على عدوه، وربَّانيّ هذه الأمّة، وذا فضلها، وذا سابقتها، وذا قرابتها مِن رسول الله (ص)، لم يكن بالنومة عن أمر الله، ولا بالملومة في دين الله، ولا بالسروقة لمال الله، أعطى القرآن عزائمه ففاز منه برياض مونقة، ذلك عليّ بن أبي طالب، يالكع.(٢)
العقد الفريد: دخل رجلٌ على الحسن البصري، فقال: يا أبا سعيد إنّهم يزعمون أنّك تبغض علياً، قال: فبكى الحسن حتى اخضلّت لحيته، ثمّ قال: كان عليّ والله الرواية.(٣)
المحاسن للبيهقي: قام رجل في مجلس محمّد بن عائشة بالبصرة من وسط الحلقة، فقال: يا أبا عبد الرحمن مَن أفضل أصحاب رسول الله (ص)؟ فقال: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وسعيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح.
فقال له: فأين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه؟
قال: يا هذا تستفتي عن أصحابه أم عن نفسه؟
قال: بل عن أصحابه.
____________________
١ - تاريخ الطبري، ج ٥، ص ٢٢٧.
٢ - الاستيعاب، ج ٣، ص ١١١٠.
٣ - العقد الفريد، ج ٤، ص ٣١٣.
قال: إنّ الله تبارك وتعالى يقول:( فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ) . فكيف يكون أصحابه مثل نفسه.(١) .
مستدرك الحاكم: عن أبي هريرة قال: قالت فاطمة (رض): يا رسول الله زوّجتني من عليّ بن أبي طالب وهو فقير لا مال له! فقال: يا فاطمة أما ترضين أنّ الله عزّ وجلّ إطّلع إلى أهل الأرض فاختار رجلين أحدهما أبوك والآخر بعلك.(٢)
الاستيعاب: قال سعيد بن عمرو بن العاص: قلت لعبد الله بن عيّاش يا عمّ، لو كان صغو الناس الى علي! فقال: يا ابن أخي إنّ علياً عليه السلام كان له ما شئت من ضرس قاطع في العلم، وكان له البسطة في العشيرة، والقدم في الإسلام، والصهر لرسول الله (ص)، والفقه في المسألة، والنجدة في الحرب، والجُود في الماعون.(٣)
البيان والتعريف: روى الطبراني والبزّار عن أبي ذر وسلمان، أخذ رسول الله (ص) بيد عليّ فقال: هذا أوّل من آمن بي وأوّل من يصافحني يوم القيامة وهذا الصديق الأكبر وهذا فاروق هذه الأمّة وهذا يعسوب المؤمنين والمال يعسوب الظالمين.(٤)
أقول: يظهر من هذه الرواية أنّ رسول الله (ص) لقّب علياً بالصديق والفاروق، فهو الفارق بين الأمّة، فمن تبعه وأطاعه فهو على هدى من ربّه، ومن خالفه وانحرف عنه فهو على ضلال.
مستدرك الحاكم: عن عمران قال: قال رسول الله (ص): النظر إلى علي عبادة.(٥)
____________________
١ - المحاسن للبيهقي، ص ٤٢.
٢ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ١٢٩.
٣ - الاستيعاب، ج ٣، ص ١١٠٧.
٤ - البيان والتعريف، ج ٢، ص ١١٠.
٥ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ١٤١.
ثمّ يروي: بإسناد أخر عنه (ص): النظر إلى وجه علي عبادة.
الفائق: النظر إلى وجه عليّ عبادة.(١)
قال ابن الأعرابي: إنّ تأويله أنّ علياً كان إذا برز قال الناس: لا إله إلاّ الله ما أشرف هذا الفتى، لا إله إلاّ الله ما أشجع هذا الفتى، لا إله إلاّ الله ما أعلم هذا الفتى، لا إله إلاّ الله ما أكرم هذا الفتى، لا إله إلاّ الله.
مستدرك الحاكم: عن جابر، قال: سمعت رسول الله (ص) وهو آخذ بضبع علي بن أبي طالب (رض) وهو يقول: هذا أمير البررة، وقاتل الفجرة، منصور من نصره، ومخذول من خذله، ثمّ مدّ بها صوته.(٢) ، [ والضبع: العضد ].
هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
المحاسن للبيهقي: عن أبي مالك: أنّ النبيّ (ص) قال: هبط عليّ جبريل عليه السلام يوم حنين، فقال: يا محمّد إنّ ربّك تبارك وتعالى يقرئك السلام، وقال ادفع هذه الأُتُرجّة إلى ابن عمّك ووصيّك عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه. فدفعتها إليه فوضعتها في كفّه، فانفلقت بنصفين، فخرج منها رقّ أبيض مكتوب فيه بالنور: من الطالب الغالب إلى عليّ بن أبي طالب.(٣)
ويروي أيضاً: عن سعيد بن جبير: كان عبد الله بن عبّاس بمكّة يحدّث على شفير زمزم ونحن عنده، فلما قضى حديثه قام إليه رجل فقال: يا ابن عبّاس إنّي امرؤ من أهل الشام من أهل حِمص، إنّهم يتبرَّؤون من عليّ بن أبي طالب (رضوان الله عليه) ويلعنونه! فقال: بل لعنهم الله في الدنيا والآخرة واعدّ لهم عذاباً مهيناً، أَلبُعد قرابته من رسول الله (ص)؟! وأنّه لم يكن أوّل ذُكران العالمين إيماناً بالله ورسوله، وأوّل من صلّى وركع وعمل بأعمال البِّر؟!
قال الشامي: إنّهم والله ما ينكرون قرابته وسابقته غير أنّهم يزعمون أنّه قتل الناس.
____________________
١ - الفائق، ج ٣، ص ١٠٧.
٢ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ١٢٩.
٣ - المحاسن للبيهقي، ص ٤٢.
فقال ابن عبّاس: ثكلتهم أمهاتهم، إنّ علياً اعرف بالله عزّ وجلّ وبرسوله وبحكمهما منهم، فلم يقتل إلا من استحق القتل.
قال: يا ابن عبّاس إنّ قومي جمعوا لي نفقة وأنا رسولهم إليك وأمينهم ولا يسعك أن تردّني بغير حاجتي، فإنّ القوم هالكون في أمره ففرّج عنهم فرّج الله عنك.
فقال ابن عباس: يا أخا أهل الشام إنّما مثل عليٍّ في هذه الأمّة في فضله وعلمه كمثل العبد الصالح الذي لقيه موسى (ع) لما انتهى إلى ساحل البحر فقال له: هل اتّبعك على أن تُعلّمني ممّا علّمت رُشداً؟ قال العالم إنّك لن تستطيع صبراً فَكَبُر على موسى الحقّ وعظم، إذ لم يكن يعرفه هذا، وهو نبيّ مرسل من أُولي العزم، ممّن قد أخذ الله جلّ وعزّ ميثاقه على النبوّة، فكيف أنت يا أخا أهل الشام وأصحابك؟! إنّ علياً رضي الله عنه لم يقتل إلاّ من كان يستحلّ قتله.
وإنّي أخبرك أنّ رسول الله (ص) كان عند أمّ سلمة بنت أبي أميمة إذ أقبل عليّ (ع) يريد الدخول على النبيّ (ص)، فنقر نقراً خفيفاً، فعرف رسول الله (ص) نقره، فقال: يا أمّ سلمة قومي فافتحي الباب، فقالت: يا رسول الله مَن هذا الذي يبلغ خطره أن أستقبله بمحاسني ومعاصمي؟! (النقر: الدق)
فقال: يا أمّ سلمة إنّ طاعتي طاعة الله جلّ وعزّ، قال: ومَن يُطع الرسول فقد أطاع الله، قومي يا أم سلمة فإنّ بالباب رجلاً ليس بالخرق ولا النزِق ولا بالعجل في أمره، يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله، يا أمّ سلمة، إنّه إن تفتحي الباب له فلن يدخل حتى يخفى عليه الوطء. فلم يدخل حتى غابت عنه وخفي عليه الوطء. فلمّا لم يحسّ لها حركةً دفع الباب ودخل، فسلّم على النبيّ (ص) فردّ عليه السلام، وقال: يا أمّ سلمة هل تعرفين هذا؟ قالت: نعم، هذا عليّ بن أبي طالب.
فقال رسول الله (ص): نعم هذا عليّ سيط لحمه بلحمي ودمه بدمي وهو
منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي، يا أمّ سلمة هذا علي سيد مبجّل مؤمّل المسلمين وأمير المؤمنين وموضع سرّي وعلمي وبابي الذي آوي إليه، وهو الوصي على أهل بيتي وعلى الأخيار من أمّتي، هو أخي في الدنيا والآخرة وهو معي في السناء الأعلى، اشهدي يا أمّ سلمة إنّ علياً يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين.
قال ابن عباس: وقتلهم لله رضاً وللأمّة صلاحاً ولإهل الضلالة سخط.
قال الشامي: يا ابن عبّاس من الناكثون؟
قال: الذين بايعوا علياً بالمدينة ثمّ نكثوا فقاتلهم بالبصرة، أصحاب الجمل، والقاسطون معاوية وأصحابه، والمارقون أهل النهروان ومن معهم.
فقال الشامي: يا ابن عبّاس ملأت صدري نوراً وحكمة، وفرّجت عنّي فرّج الله عنك، أشهد أنّ عليا رضي الله عنه مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة.(١)
ويروي أيضاً: قال ابن عبّاس: عقُم النساء أنّ يجئن بمثل عليّ، وعلى رأسه عمامة بيضاء وكأن عينيه سراجا سليط، وهو يقف على شرذمة بعد شرذمة من الناس يعظهم ويحضّهم إلخ.
ويروي أيضاً: عن ابن عبّاس أنه قال: لقد سبق لعليّ رضي الله عنه سوابق لو أنّ سابقة منها قسّمت على الناس لوسعتهم خيراً.
ويروي أيضاً: عنه قال: كان لعليّ رضي الله عنه خصال ضوارس قواطع سِطة في العشرة، وصهر للرسول، وعلم بالتنزيل، وفقه في التأويل، وصبر عند النزال ومقاومة الأبطال، وكان ألدّ إذا أعضل، ذا رأي إذا أشكل.
ويروي أيضاً: دخل ابن عبّاس على معاوية، فقال: يا ابن عبّاس صِف لي عليا، قال: كأنّك لم تَرَه؟
قال: بلى، ولكنّي أحبّ أن أسمع منك فيه مقالاً.
قال: كان أمير المؤمنين رضوان الله عليه غزير الدمعة طويل الفكرة، يعجبه
____________________
١ - المحاسن للبيهقي، ص ٤٣.
من اللباس ما خشن، ومن الطعام ما جشُب، يُدنينا إذا أتيناه ويُجيبنا إذا دعوناه، وكان مع تقرّبه إيانا وقربه منّا لا نبدأه بالكلام حتى يتبسّم فإذا هو تبسّم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، أَمَا والله - يا معاوية - لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه وهو قابض على لحيته يبكي ويتململ السليم، وهو يقول: يا دنيا إيّاي تغرّين أمثلي تشوّقين؟ لا حان حينك، بل زال زوالك، قد طلّقتك ثلاثاً لا رجعة فيها، فعيشك حقير وعمرك قصير وخطرك يسير، آه آه: من بعد السفر ووحشة الطريق وقلة الزاد.
قال: فأجهش معاوية ومن معه بالبكاء.(١)
أقول: جشب الطعام: غلظ. السليم: الجريح اللديغ. التململ: التقلّب على الفراش. أجهش: تهيّأ.
ويروي أيضاً: أنّ عدي بن حاتم دخل على معاوية بن أبي سفيان، فقال: يا عدي أين الطرفات؟ يعني بنيه طريفا وطارفاً وطرفة. قال: قتلوا يوم صفين بين يدي عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه.
فقال: ما أنصفك ابن أبي طالب إذ قدّم بنيك وأخر بنيه.
قال: بل ما أنصفت أنا علياً إذ قُتل وبقيت.
قال: صف لي علياً. فقال: إن رأيت أن تُعفيني.
قال: لا أُعفيك.
قال: كان والله بعيد المدى وشديد القوى، يقول عدلاً ويحكم فصلاً، تتفجّر الحكمة من جوانبه والعلم من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، يستأنس بالليل ووحشته، وكان والله غزير الدمعة طويل الفكرة، يحاسب نفسه إذا خلا، ويقلب كفّيه على ما مضى، يعجبه من اللباس القصير ومن المعاش الخشن، وكان فينا كأحدنا، يُجيبنا إذا سألناه ويُدنينا إذا أتيناه الحديث باختلاف يسير.(٢)
____________________
١ - المحاسن للبيهقي، ص ٤٥.
٢ - نفس المصدر، ص ٤٦.
أقول: يستفاد من هذه الأحاديث أمور:
١ - ما جاء لأحد من الفضائل ما جاء لعلي (ع).
٢ - أنّه خير من يُعلم بعد رسول الله (ص).
٣ - أنّه كنفس رسول الله (ص).
٤ - أنّه أوّل مَن آمن برسول الله (ص).
٥ - هو الصديق الأكبر والفاروق ويعسوب المؤمنين.
٦ - هو أمير البررة منصور من نصره.
٨ - أهدى الله إليه أُثُرُجة.
٩ - أنّه أوّل مَن آمن وصلّى وركع من الذكران.
١١ - أنّه من رسول الله بمنزلة هارون من موسى.
١٢ - أنّه سيّد مبجّل، أمير المؤمنين ومؤمّل المسلمين.
١٣ - موضع سرّ رسول الله (ص) وعلمه وبابه.
١٤ - هو الوصي على أهل البيت وعلى الأخيار.
١٥ - أخوه في الدنيا والآخرة وهو معه.
١٦ - أنّه يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين.
١٧ - لو أنّ سابقة منها قسمت على الناس لوسعتهم.
١٨ - عالم بالتنزيل وفقيه بالتأويل.
١٩ - غزير الدمعة طويل الفكرة.
٢٠ - كان يبكي ويتململ تملمُل السليم.
٢١ - يستوحش من الدنيا ويستأنس بالليل.
٢٢ - كان في الناس كأحدهم يُجيب إذا سُئل.
( أنّه آخر الناس عهداً برسول الله (ص) )
كان أمير المؤمنين عليّ (ع) يصاحب رسول الله (ص) ليلاً ونهاراً، سفراً وحضراً، إن كان يسأله وإلاّ يبتدئُه، يحبّ رسول الله (ص) ويطيعه ولم يزل كان معه، إلى أن ارتحل (ص) إلى دار الخلد.
الطبقات: عن جابر: أنّ كعب الأحبار قام زمن عمر فقال ( ونحن جلوس عند عمر أمير المؤمنين ): ما كان آخر ما تكلّمّ به رسول الله (ص)؟ قال عمر: سل عياً. قال: أين هو؟ قال: هو هنا، فسأله، فقال عليّ: أسندته إلى صدري فوضع رأسه على منكبي، فقال: الصلاة الصلاة! فقال كعب: كذلك آخر عهد الأنبياء وبه أُمروا وعليه يبعثون. قال: فمن غسّله يا أمير المؤمنين؟ قال: سلّ علياً، قال: فسأله؟ فقال: كنت أنا أغسّله وكان العبّاس جالساً وكان أسامة وشقران يختلفان إليّ بالماء.(١)
ويروي أيضاً: عن عليّ: قال رسول الله (ص) في مرضه: أدعوا إليّ أخي، قال: فدُعي له عليّ، فقال: ادنُ منّي، فدنوت منه فاستند إليّ فلم يزل مستندا إليّ وإنّه ليكلّمني، حتى أنّ بعض ريق النبيّ (ص) لَيصيبني.(٢)
ويروي أيضاً: عن علي بن الحسين: قبض رسول الله (ص) ورأسه في حجر عليّ.
ويروي أيضاً: عن الشعبي: قال: توفّي رسول الله (ص) ورأسه في حجر علي وغسّله علي، والفضل محتضنه، وأسامة يناول الفضل الماء.
ويروي أيضاً: عن أبي غطفان: قال: سألت ابن عبّاس أرأيت رسول الله (ص) توفّي ورأسه في حجر أحد؟ قال: توفي وهو مستند إلى صدر عليّ، قلت: فإنّ عروة حدثني عن عائشة أنّها قالت: توفّي رسول الله (ص) بين سحري ونحري. قال ابن عبّاس: أتعقل؟! والله لتوفى رسول الله (ص) وإنّه لمستند إلى صدر عليّ
____________________
١ - الطبقات، ج ٢، ص ٢٦٢.
٢ - الطبقات، ج ٢، ص ٢٦٣.
وهو الذي غسّله وأخي الفضل بن عبّاس.
أقول: يستنبط من هذه الروايات أمور:
الأوّل: أنّ علياً هو آخر من صحب رسول الله (ص).
الثاني: أنّه أحبُّ الناس وأقربهم من رسول الله (ص)، وموضع سرّه، والذي كان يحبّ رسول الله (ص) صُحبته في آخر ساعة من حياته.
الثالث: أنّ رسول الله (ص) قد حُضر ورأسه على صدره.
الرابع: هو الذي تصدّى لتغسيل رسول الله (ص) إذ كان الآخرون مشغولين بمقدّمات الخلافة والحكومة.
الخامس: يظهر من هذه الروايات أنّ الأحاديث الواردة الدالة على أنّ رسول الله (ص) قُبض ورأسه على صدر عائشة، مجعولة غير ثابتة.
الاستيعاب: وقال الفضل بن عباس بن عُتية:
ما كنت أحسب أنّ الأمر منصرفٌ |
عن هاشمٍ ثمّ منها عن أبي الحسنِ |
|
أليس أوّل من صلّى بقبلتكم |
وأعلم الناس بالقرآن والسننِ |
وزاد أبو الفتح:
وآخر الناس عهداً بالنبيّ ومَن |
جبريل عون له في الغسل والكفن |
|
من فيه ما فيهم لا تمترون به |
وليس في القوم ما فيه من الحسن(١) |
رجال أصبهان: عن حذيفة قال: دخلت على النبيّ (ص) في وجعه الذي توفّى فيه وعلي بن أبي طالب مسنده إلى صدره، فقلت لعليّ دعني فقد سهرت منذ الليلة، فقال النبيّ (ص): دعه فهو أحقّ به.(٢)
خصائص النسائي: عن أمّ سلمة: إنّ أقرب الناس عهداً برسول الله (ص) عليّ رضي الله عنه.
ويروي أيضاً عنها: قالت: لمّا كان غدوة قُبض رسول الله (ص)، فأرسل إلى عليّ رضي الله عنه، قالت: وأظنّه كان بعثه في حاجة، فجعل يقول: جاء عليّ،
____________________
١ - الاستيعاب، ج ٣، ص ١١٣٣.
٢ - رجال أصبهان، ج ١، ص ١٣١.
ثلاث مرّات، فجاء قبل طلوع الشمس، فلمّا أن جاء عرفنا أنّ له إليه حاجة، فخرجنا من البيت وكنّا عند رسول الله (ص) يومئذٍ في بيت عائشة، وكنت في آخر مَن خَرج من البيت، ثمّ جلست من وراء الباب فكنت أدناهم إلى الباب، فأكبّ عليه عليّ رضي الله عنه فكان آخر الناس به عهداً فجعل يسارّه ويناجيه.(١)
رجال أصبهان ومستدرك الحاكم: عن أمّ سلمة قالت: والذي أحلف به أنّ كان عليّ لأقرب الناس عهداً لرسول الله (ص)، عدنا رسول الله (ص) غداة وهو يقول: جاء عليّ؟ جاء عليّ؟ مراراً، فقالت فاطمة رضي الله عنها: كأنّك بعثته في حاجة، قالت: فجاء بعد، قالت أم سلمة: فظننت أنّ له إليه حاجة، فخرجنا من البيت فقعدنا عند الباب وكنت مِن أدناهم إلى الباب، فاكبّ عليه رسول الله (ص) وجعل يسارّه ويناجيه، ثمّ قبض رسول الله (ص) من يومه ذلك، فكان علي أقرب الناس عهداً.(٢)
* * *
____________________
١ - خصائص النسائي، ص ٢٨.
٢ - رجال أصبهان، ج ١، ص ٥٠ ومستدرك الحاكم، ج ٣، ص ١٣٨.
( ما تلخّص ممّا سبق )
وقد ذكرنا ما روى من الأحاديث التي وصلت إلينا من رسول الله (ص) في حقّ أمير المؤمنين علي (ع)، وقد صدرت هذه الأحاديث من لسان الوحي، في أحوال مختلفة وأزمنة متفاوتة، وبعبارات متغايرة، وفي موارد كثيرة، في طول حياة رسول الله (ص)
وقد أشرنا في الفصول السابقة إلى نتائج ما يستفاد من الأحاديث، ونشير هنا إجمالاً إلى الموارد التي استفيد منها مقام الإمامة والخلافة لعليّ (ع).
ولا نريد أن نجهد في إثبات هذا المدعى، وإنّما غرضنا إراءة ما وصل إلينا من الحقائق، وأنّها تذكرة للمتّقين( إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً ) .
١ - إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي.
٢ - وأهل بيتي أمان لأمّتي من الاختلاف.
٣ - مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح.
٤ - علي منّي وأنا منه، وهو وليّ كلّ مؤمن بعدي.
٥ - فإنّه لن يخرجكم من هدى ولن يدخلكم في ضلالة.
٦ - اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك.
٧ - من أطاع علياً فقد أطاعني.
٨ - يا علي من فارقك فقد فارقني.
٩ - أفلا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى.
١٠ - ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسهم ....
١١ - يقاتل الناس على تأويل القرآن.
١٢ - أنا مدينة العلم وعليّ بابها.
١٣ - أنت تُبيّن لأمّتي ما اختلفوا فيه بعدي.
١٤ - عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ لن يفترقا.
فهذه أربعة عشر عنوانا، كلّ واحد منها يكفي في الهداية إلى ما هو الحقّ( أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى ) .
وإذا كنت من هذه الأحاديث على خبرة، فنشير بعون الله تعالى وتأييده على أحداث حدثت، وعلى فتن ظهرت، من آخر عهد رسول الله (ص) بين الأمة الإسلامية، فانحرف أكثر القوم، وارتدّوا عن سبيل الهدى، وتركوا أهل بيت المصطفى، وأضلّهم الشيطان وضلّوا ضلالاً مُبيناً - عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم.
فتنة:
وصية رسول الله (ص)
الملل والنحل: فأوّل تنازع في مرضه عليه السلام، فيما رواه محمّد بن إسماعيل البخاري بإسناده عن عبد الله بن عبّاس، قال: لما اشتدّ بالنبيّ (ص) مرضه الذي مات فيه، قال: ائتوني بدواة وقرطاس اكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعدي، فقال عمر: قد غلبه الوجع حسبنا كتاب الله!! وكثر اللغط، فقال النبيّ (ص): قوموا عنّي لا ينبغي عندي التنازع.
قال ابن عبّاس: الرزية كلّ الرزيّة ما حال بيننا وبين كتاب رسول الله.(١)
أقول: قال الله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ ) .
وقال تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ ) .
وقال تعالى:( قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ) .
وقال تعالى: ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) .
ولا يخفى أنّ رسول الله (ص) لما قال: أكتب كتاباً لا تضلوا بعدي، فهموا منه أنّ الوصية راجعة إلى أمرٍ مهمّ يوجب تركه الضلال والانحراف للأمّة، وليس هو إلاّ تعيين الخليفة وتأمير الأمير، وفهموا بالقرائن الماضية والموجودة أنّ وصيّته راجعة إلى أهل بيته الأطهار والى عليّ بن أبي طالب (ع)، وكان هذا خلاف نظرهم، فخالفوا أشدّ خلاف، وقالوا ما لا يناسب مقام الرسالة.
____________________
١ - الملل والنحل، ج ١، ص ١٣.
مسند أحمد: عن جابر، أنّ النبيّ (ص) دعا عنه موته بصحيفة ليكتب فيها كتاباً لا يضلّون بعده، قال: فخالف عليها عمر بن الخطاب حتى رفضها.(١)
وفي إمتاع الأسماع: واشتدّ به (ص) وجعه يوم الخميس، فقال: إيتوني بدواة وصحيفة اكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً. فتنازعوا، فقال بعضهم: ما له، أهجر؟ استعيدوه! وقالت: زينب بنت جحش وصواحبُها: إيتوا رسول الله (ص) بحاجته! فقال عمر: قد غلبه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله، مَن لفلانة وفلانة - يعني مدائن الروم - إنّ النبيّ (ص) ليس بميّت حتى يفتحها، ولو مات لانتظرته كما انتظرت بنو إسرائيل موسى، فلما لغطوا عنده، قال: دعوني فما أنا فيه خير ممّا تسألوني.(٢)
أقول: إن كان اعتذار عمر وتعليله في المنع والخلاف، بقوله أنّ النبيّ (ص) ليس بميّت حتى يفتحها، لا عن غرض سياسي، فهو أقبح من الخلاف والعصيان.
وعلى أيّ حال، فالحقّ ما قال ابن عبّاس: الرزية كلّ الرزية للإسلام والمسلمين ما حال بين رسول الله (ص) وبين أن يكتب وصيته لئلا يضلّوا بعده.
البخاري: بإسناده عن سعيد بن جبير سمع ابن عبّاس رضي الله عنهما يقول: يوم الخميس وما يوم الخميس، ثمّ بكى حتى بلَّ دمعه الحصى، قلت: يا ابن عبّاس ما يوم الخميس؟ قال: اشتد برسول الله (ص) وجعه، فقال: ائتوني بكتف أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا، فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبيٍّ تنازع، فقالوا: ما له أهجر؟ استفهموه! فقال: ذروني فالذي أنا فيه خير ممّا تدعوني إليه.(٣)
وفي البخاري أيضاً: بإسناده مثلها، وفيها: استفهموه فذهبوا يردون عليه، فقال:
____________________
١ - مسند أحمد، ج ٣، ص ١٤٦.
٢ - إمتاع الأسماع، ج ١، ص ٥٤٥.
٣ - البخاري، ج ٢، ص ١٢٦.
دعوني الرواية.(١)
ويروي أيضاً: لمّا حضر رسول الله (ص) وفي البيت رجال، فقال النبيّ (ص): هلمّوا أكتب لكم كتابا لا تضلّوا بعده.
فقال بعضهم: إنّ رسول الله (ص) قد غلبه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول قرّبوا يكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده، ومنهم مَن يقول غير ذلك، فلمّا أكثروا اللغو والاختلاف، قال رسول الله (ص): قوموا. قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: فكان يقول ابن عبّاس إنّ الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول الله (ص) وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب لاختلافهم ولغطهم.
وقريب منها في مسند أحمد: وفيه: فقال عمر: إنّ رسول الله (ص) قد غلب عليه الوجع وعندنا القرآن.(٢)
ويروي: مثلها، وفيها صرّح بأنّ القائل هو عمر بن الخطاب. فقال عمر: إنّ النبيّ (ص) قد غلب عليه الوجع الرواية.(٣)
ويروي أيضاً: وفيها: قال عمر أنّ النبيّ (ص) غلبه الوجع.(٤)
وفي مسلم: عن سعيد بن جبير.(٥) ، كما في البخاري، ج ٢، ص ١٢٦.
ويروي أيضاً: قريبا منها بسند آخر.(٦) وكذ في مسند أحمد.(٧)
ويروي بإسناده(٨) نظير ما في البخاري، ج ٤، ص ٥.
ويقول في زاد المسلم: وعبيد الله الناقل لقول ابن عبّاس هو عبيد الله بن
____________________
١ - البخاري، ج ٣، ص ٥٨.
٢ - مسند أحمد، ج ١، ص ٣٦٦.
٣ - البخاري، ج ٤، ص ٥.
٤ - نفس المصدر، ص ١٦٧.
٥ - مسلم، ج ٥، ص ٥٧.
٦ - نفس المصدر، ص ٧٦.
٧ - مسند أحمد، ج ١، ص ٢٢٢.
٨ - مسلم، ج ٥، ص ٧٦.
عبد الله بن عتبة بن مسعود، أحد فقهاء المدينة السبعة، فهو مذكور في إسناد هذا الحديث في الصحيحين.
واللَّغَط - بفتحتين - هو الصوت والجَلَبة وقوله في الحديث يَهجُر - بضم الجيم - أي: يخلط ويهذي، وهذا القول خطأ من قائله ؛ لأنّ وقوع ذلك من النبيّ (ص) مستحيل ؛ لأنّه معصوم في صحّته ومرضه، لقوله تعالى ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى ) ، ولقول رسول الله (ص): إنّي لا أقول في الرضا والغضب إلاّ حقا.(١)
ويقول: وأمّا قولهم في تفسير: حسبنا كتاب الله. أنّه قال تعالى:( مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ) ، وقال تعالى:( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) ، فكلّ منهما لا يفيد الأمن من الضلالة ودوام الهداية للناس حتى يتّجه ترك السعي في تلك الكتابة، كيف ولو كان كذلك لما وقع الضلال بعد، مع أنّ الضلال والتفرّق في الأمّة قد وقع.(٢)
الطبقات: يقول ابن عبّاس: يوم الخميس وما يوم الخميس؟! اشتدّ بالنبي (ص) وجعه، فقال: ائتوني بدواة وصحيفة اكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده أبداً، قال: فقال بعض من كان عنده أنّ نبي الله ليهجر! قال: فقيل له: ألا نأتيك بما طلبت؟ قال: أَوَبعد ماذا؟! قال: فلم يدع به.(٣)
ويروي أيضاً: عن جابر: لما كان في مرض رسول الله (ص) الذي توفّي فيه دعا بصحيفة ليكتب فيها لأمّته كتاباً لا يضلُّون ولا يُضلّون، قال فكان في البيت لغط وكلام وتكلّم عمر بن الخطاب، قال فرفضه النبيّ (ص).(٤)
ويروي أيضاً: عن عمر بن الخطاب كنّا عند النبيّ (ص) وبيننا وبين الناس حجاب، فقال رسول الله (ص): اغسلوني بسبع قِرب، وأئتوني بصحيفة ودواة أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً، فقال النسوة: ائتوا رسول الله (ص)
____________________
١ - زاد المسلم، ج ٤، ص ١٨.
٢ - نفس المصدر، ص ٢٠.
٣ - الطبقات، ج ٢، ص ٢٤٢.
٤ - نفس المصدر، ج ٢، ص ٢٤٣.
بحاجته قال عمر: فقلت اسكتن فإنّكن صواحبه، إذا مرض عصرتنّ أعينكنَّ وإذا صحّ أخذتنَّ بعنقه، فقال رسول الله (ص): هنّ خيرٌ منكم.
ويروي أيضاً: عن ابن عبّاس لما حضرت رسول الله (ص) الوفاة وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب - كما في البخاري، ج ٤، ص ٥.(١)
أقول: يستفاد من هذه الروايات أمور:
الأوّل: أنّ رسول الله (ص) كان متوجّهاً إلى اختلاف الأمّة بعد رحلته وضلالتهم وانحرافهم عن الحقيقة.
الثاني: أنّهم اختلفوا في محضر رسول الله (ص) وخالفوا كلامه، وخالفوا أن يكتب لهم كتاباً فيه هديهم، مع أنّ الله سبحانه يقول: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، وما آتاكم الرسول فخذوه.
الثالث: إنّهم قالوا ما لا يقوله إلاّ عدوّ خصيم، ونسبوا إلى ساحة قدس رسول الله الأكرم ما لا ينسبه إلاّ جاهل أثيم، وقد قال سبحانه وما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى.
الرابع: أنّ رسول الله (ص) قد انزجر وتألّم بحيث اظهر شدّة الانزجار وقال: ذروني، ودعوني، وقوموا عنّي.
الخامس - أنّ هذه المذاكرة قد وقعت يوم الخميس وقبل أربعة أيام من رحلته (ص)، وهو يومئذٍ في أوّل مرضه، وكان اشتداد مرضه يوم الأحد، وفي هذا اليوم عقد لأسامة لواءا بيده، ثمّ خرجوا ومنهم أبو بكر وعمر إلى معسكر أسامة بالجُرف، فكيف يجوز نسبة الهجر إليه في ذلك اليوم.
السادس - أنّ من المخالفين عمر بن الخطاب وقد صرّح باسمه، والظاهر - بل المصرَّح - أنّه هو القائل بكلمة ( ليهجر ).
السابع: أنّ عمر بن الخطاب هو القائل أيضاً بجملة ( كفانا كتاب الله ) مع أنّ رسول الله (ص) كان يقول كراراً: إنّي تاركٌ فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي ما إنْ
____________________
١ - الطبقات، ج ٢، ص ٢٤٤.
تمسكتم بهما لن تضلّوا أبداً.
الثامن: أنّ الله تعالى يقول:( وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ ) ،( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ) ، ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ) . وأنّهم خالفوا رسول الله ولم يطيعوه في أهمّ الأمور، ثمّ إنّ عمر بن الخطاب قد خالف كتاب الله في موارد كثيرة، منها في المتعتين، ومنها: في ميراث الأنبياء، وغيرهما.
التاسع: إنّ المقصد الأسنى والهدف الأعلى في حياة كل امرئ إنّما يتحقّق بتحقّق الوصية وحفظها والعمل بها بعده، وهذه مُنية كلّ من أسس أساساً ودوّن قانوناً وأوجد نظاماً وتشكيلاً، وإذا فقدت الوصية أو لم يعمل بها بعده فقد بطل جميع عمله وانمحى كلّ آثار وجوده وبقى خاسراً خائباً.
العاشر: يثبت من هذه الروايات أنّ رسول الله (ص) قد توفي وهو منزجر وساخط على عمر بن الخطاب، وقد صرّح به بقوله وعمله قوموا عنّي، إنّهن خير منكم، فرفضه النبيّ، أو بعد ماذا.
ونِعم ما يقول ابن عمر في موضوع الاستخلاف:
في الطبقات: أن ابن عمر قال لعمر بن الخطاب: لو استخلفت! قال: مَن؟ قال: تجتهد، فإنّك لست لهم بربّ تجتهد، أرأيت لو أنّك بعثت إلى قيّم أرضك ألم تكن تحبّ أن يستخلف مكانه حتى يرجع إلى الأرض؟ قال: بلى، قال: أرأيت لو بعثت إلى راعي غنمك ألم تكن تحبّ أن يستخلف رجلاً حتى يرجع.(١)
أقول: هذا الكلام يؤيّد ما ذكرناه آنفا في الأمر التاسع من أنّ الهدف الأعلى في حياة كل امرئ إنّما يتحقّق بالوصاية، وهذا أمر فطري ضروري لكلّ من كانت له جمعية أو رعيّة أو أسس أساساً اجتماعياً، ولا يختصّ هذا بمورد معيّن، بل يجري في جميع موارد الغَيبة والسفر والبعد عنهم، ولهذا ترى رسول الله (ص) يستخلف في مغازيه وفي كلّ موقع يخرج من المدينة ولو بأيام قلائل، فكيف يمكن أن لا يستخلف بعد حياته وفي غيبته الدائمة؟!
____________________
١ - الطبقات، ج ٢، ص ٣٤٣.
وعلى أيّ حال فهذا الخلاف أوّل فتنة ظهرت في الإسلام، وأوّل تدبير من المخالفين على الوصية وعلى استخلاف أهل البيت، ومن هذا الخلاف بدأت الفتن، ومن هنا ظهر الانحراف، فللمسلم الحرّ أن يتوقّف في هذه المرحلة، يحقّق عن الحقّ وعمّا أراد الله عزّ وجلّ ورسوله، ويبحث عن الصراط الذي يعرّفه رسول الله (ص) في طول أيام حياته، ويراجع الأحاديث الواردة في الكتب المعتبرة من أهل السنة، وقد أدرجنا في هذا الكتاب ما فيه كفاية للمعتبر وأنّها لهدى للمتّقين.
* * *
فتنة:
( بَعْث جيش أُسامة )
الملل والنحل: الخلاف الثاني في مرضه، أنّه قال: جهّزوا جيش أسامة، لعن الله من تخلّف عنها. فقال قوم: يجب علينا امتثال أمره، وأسامة قد برز من المدينة، وقال قوم: قد اشتدّ مرض النبيّ عليه السلام فلا تسع قلوبنا لمفارقته والحالة هذه، فنصبر حتى نبصر أيّ شيء يكون من أمره.(١)
أقول: قال الله تعالى:( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى ) . وقال تعالى:( قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ مَا يُوحَى إِلَيَّ ) . فمخالفته قولاً أو عملاً تكشف عن ضعف الإيمان، بل عن النفاق، ولا سيّما مع هذا التأكيد الأكيد واللعن الصريح على المخالفة. ولا يبعد أن يكون هذا التجهيز المأمور به من جانب الله تعالى في هذا الموقع المخصوص لأميرين أو لأمور مهمّة.
منها: أن يتوجّه المهاجرون والأنصار في آخر ساعة من حياة النبيّ (ص) إلاّ أنّ الخلافة والإمارة الإلهية لا ربط لها بالعناوين الظاهرية، من المال والمقام والكهولة، وقد أمّر أسامة بن زيد وهو ابن عشرين سنة على جميع المهاجرين والأنصار، ومنهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة.
ومنها: أن يخرج رؤوس المهاجرين والأنصار من المدينة حين وفاة النبيّ (ص)، حتى يمكن إجراء نظره وأعمال وصيّته في علي أمير المؤمنين، حبيب الله وحبيب رسوله، ولكن تدبير المخالفين في هذه المرتبة الثانية أيضاً قد
____________________
١ - الملل والنحل، ج ١، ص ١٤.
منع عمّا يريده رسول الله (ص) من إجراء نيّته.
تهذيب ابن عساكر: فقال رجال من المهاجرين، وكان أشدّهم في ذلك قولاً عيّاش بن أبي ربيعة: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الأوّلين، فكثرت القالة في ذلك، فسمع عمر بن الخطاب بعض ذلك القول فردّه على من تكلّم به، وجاء إلى رسول الله (ص) فأخبره بقول مَن قال، فغضب رسول الله (ص) غضباً شديداً فخرج وقد عصب رأسه بعصابة وعليه قطيفة، ثمّ صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أمّا بعد، أيّها الناس فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة، فوالله لئن طعنتم في إمارتي أسامة لقد طعنتم في إمارتي أباه من قبله، وايم الله إن كان للإمارة لخليق وأنّ ابنه من بعده لخليق بالإمارة، وإن كان لأحبّ الناس إليّ، وإنّ هذا لمِن أحبّ الناس إليّ، وإنّهما لمُخيلان لكلّ خير، فاستوصوا به خيراً فإنّه من خياركم.
ثمّ نزل رسول الله (ص)، فدخل بيته وذلك يوم السبت وجاء المسلمون الذين سيخرجون مع أسامة يودّعون رسول الله (ص) وفيهم عمر بن الخطاب، ورسول الله (ص) يقول: أنفذوا بعث أسامة.(١)
أقول: اللّهم العن من تخلّف عن جيش أسامة كما لعنهم رسول الله (ص)، اللّهم إنّا نتبرّأ ممّن اعترضوا على رسول الله (ص) وأغضبوه، وطعنوا في تأميره وخالفوا أمره، ولم يطيعوه ولم يسلموا إليه ولم يتجهّزوا ولم يسرعوا السير في حياته.
البخاري ومسلم: بإسناده عن ابن عمر: بعث رسول الله (ص) بعثا وأمّر عليهم أسامة بن زيد، فطعن الناس في إمرته فقام رسول الله (ص) فقال: إن تطعنوا في إمرته فقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه من قبل، وايم الله إن كان لخليقاً للإمرة، وإن كان لمِن أحبّ الناس إليّ، وإنّ هذا لمِن أحبّ الناس إليّ بعده.(٢)
ويروي مسلم أيضاً: قريبا منها بسند آخر، وفيها: فأوصيكم به، فإنّه من صالحيكم.
____________________
١ - تهذيب ابن عساكر، ج١، ص ١٢٠.
٢ - البخاري، ج٢، ص ١٨٧ ومسلم، ج٧، ص ١٣١.
ويروي مسند أحمد: قريباً منها.(١)
الطبقات: فلمّا أصبح يوم الخميس عقد لأسامة لواءً بيده، ثمّ قال: اُغزُ بسم الله وفي سبيل الله فقاتِل من كَفَر بالله! فخرج بلوائه معقودا فدفعه الى بُريدة أبن الحُصيب الأسلمي وعسكر بالجُرف، فلم يبقَ أحدٌ من وجوه المهاجرين الأوّلين والأنصار إلاّ انتُدِب في تلك الغزوة، فيهم أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقّاص فتكلّم قوم وقالوا: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الأوّلين، فغضب رسول الله (ص) غضباً شديداً فخرج وقد عصب على رأسه عصابة وعليه قطيفة، فصعد المنبر ثمّ نزل فدخل بيته، وذلك يوم السبت لعشر خلون من ربيع الأوّل، وجاء المسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودّعون رسول الله (ص) ويمضون إلى العسكر بالجُرف، وثقل رسول الله (ص) فجعل يقول: أنفذوا بعث أسامة.
فلمّا كان يوم الأحد اشتدّ برسول الله (ص) وجعه، فدخل أسامة من معسكره والنبيّ مغمور، وهو اليوم الذي لدّوه فيه، فطأطأ أسامة فقبّله ورسول الله (ص) لا يتكلّم، فجعل يرفع يديه إلى السماء ثمّ يضعهما على أسامة، قال: فعرفت أنّه يدعو لي، ورجع أسامة إلى معسكره، ثمّ دخل يوم الإثنين وأصبح رسول الله (ص) مفيقاً صلوات الله عليه وبركاته، فقال له: اغد على بركة الله فودّعه أسامة وخرج إلى معسكره فأمر الناس بالرحيل، فبينا هو يريد الركوب إذا رسول أمّه - أمّ أيمن - قد جاءه يقول: إنّ رسول الله (ص) يموت! فأقبل واقبل معه أبو عبيدة فانتهوا إلى رسول الله (ص) وهو يموت فتوفّى (ص) حين زاغت الشمس يوم الإثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأوّل، ودخل المسلمون الذين عسكروا بالجُرف إلى المدينة إلخ.(٢)
ويروي أيضاً: أنّ النبيّ (ص) بعث سرية فيهم أبو بكر وعمر واستعمل عليهم
____________________
١ - مسند أحمد، ج٢، ص ١٠٦.
٢ - الطبقات، ج٢، ص ١٩٠.
أسامة بن زيد، فكان الناس طعنوا فيه أي في صغره إلخ.(١)
ويروي أيضاً: ثمّ قال: أيّها الناس أنفذوا بعث أسامة، فلعمري إن قلتم في إمارته لقد قلتم في إمارة أبيه مِن قبله، وإنّه لخليق للإمارة وان كان أبوه لخليقاً لها. قال: فخرج جيش أسامة حتى عسكروا بالجُرف وتتام الناس إليه، فخرجوا إلخ.(٢)
أقول: الجُرف - بالضم - على ثلاثة أميال من المدينة نحو الشام. ولدَّ الدواءَ: صبّه في أحد شقّي الفم.
ويروي أيضاً: فخطب أبو بكر أناس فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: والله لأن تخطّفني الطير أحبّ إليّ مِن أن أبدأ بشيء قبل أمر رسول الله (ص)، قال: فبعثه أبو بكر إلى آبل واستأذن لعمر أن يتركه عنده، قال: فأذن أسامة لعمر إلخ.(٣)
أنساب الأشراف: وكان رسول الله (ص) قد رأى توجيه أسامة بن زيد في سرية إلى الذين حاربهم أبوه يوم مؤتة وأمره أن يوطئهم الخيل، وعقد له لواء وضم إليه أبا بكر وعمر فيمن ضم، فمرض (ص) قبل أن ينفذ الجيش، فأوصى بإنفاذه فقال: أنفذوا جيش أسامة. فلمّا استخلف أبو بكر أنفذه، وكلّمه في عمر لحاجته إليه.(٤)
أقول: إن كان مراده من قوله ( فأوصى بإنفاذه ) الوصية بالإنفاذ بعد رحلته وموته: فهذا خلاف ما ثبت ونقل في الكتب المعتبرة، بل وغير المعتبرة أيضاً، وقد مرّ في الطبقات قوله: وأصبح رسول الله (ص) مفيقاً فقال له: أُغدُ على بركة الله. فودّعه أسامة وخرج إلى معسكره فأمر الناس بالرحيل. وان كان مراده من الوصية: الأمر بالإنفاذ وحركة الجيش بالفور ومن غير تأخير، وهو الصريح من
____________________
١ - الطبقات، ج٢، ص ٢٤٩.
٢ - نفس المصدر، ج٤، ص ٦٨.
٣ - نفس المصدر، ج٤، ص ٦٧.
٤ - أنساب الأشراف، ج١، ص ٣٨٤.
التاريخ والرواية: فكيف يجوز للجيش التهاون والتراخي والتسامح ومخالفة أمر الرسول، مع أنه لا ينطق عن الهوى ولا يجوز مخالفته وعصيانه.
ويروي أيضاً: عن ابن عبّاس: خرج رسول الله (ص) عاصباً رأسه حتى جلس على المنبر، وكان الناس قد تكلّموا في أمره حين أراد توجيههم إلى مُؤتة، فكان أشدّهم قولاً في ذلك عيّاش بن أبي ربيعة، فقال: أيّها الناس أنفذوا بعث أسامة، فلعمري لئن قلتم في إمرته لقد قلتم في إمرة أبيه من قبله ولقد كان أبوه للإمارة خليقا، وإنّه لخليق بها. وكان في جيش أسامة أبو بكرٍ وعمر ووجوه من المهاجرين والأنصار (رض)، وخرج فعسكر بالجُرف. فلمّا قبض رسول الله (ص) واستُخلِف أبو بكر، أتى أسامة فقال له: قد ترى موضعي من خلافة رسول الله (ص) وأنا إلى حضور عمر ورأيه محتاج، فأنا أسألك تخليفه! ففعل.(١)
تهذيب ابن عساكر: فشقّ ذلك على كبار المهاجرين الأوّلين ودخل على أبي بكر عمر وعثمان وأبو عبيدة وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد، فقالوا: يا خليفة رسول الله إنّ العرب قد انتقضت عليك من كلّ جانب وأنّك لا تصنع بتفريق هذا الجيش المنتشر شيئاً، اجعلهم عدّة لأهل الردّة ترمي بهم في نحورهم، وأخرى لا تأمن على أهل المدينة أن يغار عليها وفيها الذراري والنساء، ولو تأخّرت لغزو الروم فقال: والذي نفسي بيده لو ظننت أنّ السباع تأكلني بالمدينة لأنفذت هذا البعث، ولا بدّ أن يؤوب منه، كيف ورسول الله (ص) ينزل عليه الوحي من السماء يقول: أنفذوا جيش أسامة. ولكن خصلة أكلّم بها أسامة، أكلمه في عمر يقيم عندنا ؛ فإنّه لا غنى بنا عنه، والله ما أدري يفعل أسامة أم لا.(٢)
أقول: والعجب من قول أبي بكر حيث يعترف بأنّ رسول الله (ص) ينزل عليه الوحي من السماء، ومع هذا تخلّف عن الجيش في زمان حياة رسول الله (ص) ثمّ يكلّم في عمر أيضاً حتى يقوم عنده ويتخلّف عن الجيش، وقال الله تعالى:( أَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ ) . ويقول:( وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
____________________
١ - نفس السابق، ص ٤٧٤.
٢ - تهذيب ابن عساكر، ج١، ص ١٢٢.
فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ) . ويقول:( وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) . ويقول: ( مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ ) . ويقول: ( إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ) . ويقول:( قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) .
فيا للعجب أنّ رسول الله (ص) يخاف من العذاب الشديد إذا عصى الوحي، فكيف أبو بكر وعمر وأبو عبيدة وآخرون من المهاجرين، لم يخافوا في خلافهم وعصيانهم وتساهلهم في الوظيفة المعيّنة والعمل المتعيّن المأمور به من الله ورسوله! وكيف رضوا بالتألّم الشديد والإيذاء لرسول الله (ص) في آخر أيامٍ من حياته!
يقول في إمتاع الأسماع: وعقد يوم الخميس لأسامة لواءً بيده وقال: يا أسامة، اغزُ بسم الله وفي سبيل الله فقاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تعذروا، ولا تقتلوا وليدا ولا امرأة ولا تمنّوا لقاء العدو فخرج أسامة فدفع لواءه إلى بُريدة بن الحُصيب، فخرج به إلى بيت أسامة وعسكر بالجُرف، وخرج الناس ولم يبقَ أحدٌ من المهاجرين الأولين إلاّ انتُدِب في تلك الغزوة، كعمر بن الخطاب وأبي عبيدة وسعد بن أبي وقّاص وأبي الأعور سعيد بن زيد، في رجال آخرين، ومن الأنصار عدّة مثل قتادة بن النعمان وسلمة بن أسلم، فقال رجال من المهاجرين - وكان أشدّهم في ذلك قولاً عيّاش بن أبي ربيعة -، ثمّ نزل (ص) فدخل بيته، وذلك يوم السبت الرواية.(١)
____________________
١ - إمتاع الأسماع، ج١، ص ٥٣٦.
فتنة:
( قول عمر أنّ رسول الله (ص) ما مات )
الملل والنحل: الخلاف الثالث في موته عليه السلام، قال عمر بن الخطاب: من قال أنّ محمداً مات ؛ قتلته بسيفي هذا، وإنّما رُفع إلى السماء كما رفع عيسى بن مريم عليه السلام، وقال أبو بكر بن قحافة: من كان يعبد محمّداً فإنّ محمّداً قد مات، ومن يعبد إله محمّد فإنّه حيّ لا يموت، وقرأ هذه الآية:( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ) ، ( ٣: ١٤٤ ) فرجع القوم إلى قوله، وقال عمر: كأنّي ما سمعت هذه الآية حتى قرأها أبو بكر.(١)
أقول: هذه فتنة أخرى ثالثة، ظهرت حين رحلة رسول الله (ص)، وهل كان هذا القول تدبيراً آخر حتى يصرف الناس عن التوجّه إلى موته، والإقبال إلى أهل بيته إلى أن يتعيّن الخليفة؟ أو كان منشأه الاشتباه والجهالة بموت النبيّ (ص)؟
والظاهر أنّه مستند إلى علل أخرى، فإنّ الحكم بأنّ عمر كان غافلاً وجاهلاً بهذا الموضوع في غاية البُعد. وأعجب منه قوله: من قال إن محمّداً مات قتلته بسيفي هذا.
مسند أحمد: عن أنس، فقام عمر فقال: إنّ رسول الله لم يمت، ولكن ربّه أرسل إليه كما أرسل إلى موسى، فمكث عن قومه أربعين ليلة، والله إنّي لأرجو أن يعيش رسول الله (ص) حتى يقطع أيدي رجال من المنافقين وألسنتهم يزعمون أنّ رسول الله (ص) قد مات.(٢)
____________________
١ - الملل والنحل، ج١، ص ١٥.
٢ - مسند أحمد، ج٣، ص ١٩٦.
تاريخ الطبري والسيرة النبوية: لمّا توفي رسول الله (ص) قام عمر بن الخطاب فقال: إنّ رجالاً من المنافقين يزعمون أنّ رسول الله (ص) قد توفى، وأنّ رسول الله (ص) ما مات ولكنّه ذهب إلى ربّه كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثمّ رجع إليهم بعد أن قيل قد مات، ووالله ليرجعنَّ رسول الله (ص) كما رجع موسى، فليقطعنَّ أيدي رجال وأرجلهم زعموا أنّ رسول الله (ص) مات، قال وأقبل أبو بكر حتى نزل على باب المسجد حين بلغه الخبر قال عمر: والله ما هو إلاّ أن سمعت أبا بكر تلاها، فعُقرت حتى وقعت إلى الأرض ما تحملني رجلاي وعرفت أنّ رسول الله (ص) قد مات.(١)
ويقول في السيرة: عن ابن عبّاس: والله إنّي لأمشي مع عمر في خلافته فقال يا ابن عبّاس هل تدري ما كان حملني على مقالتي التي قلت حين توفي رسول الله (ص)؟ قال: قلت: لا أدري يا أمير المؤمنين، أنت أعلم! قال: فإنّه والله إن كان الذي حملني على ذلك الاّ أنّي كنت أقرأ هذه الآية:( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) فوالله إن كنت لأظنّ أنّ رسول الله (ص) سيبقى في أمّته حتى يشهد عليها بآخر أعمالها.(٢)
أقول: هذا الاعتذار أسوء وأقبح من الخطأ الأوّل ؛ لأنّه يلزم أيضاً على هذا التفسير: طول بقاء الأمّة حتى يكونوا شهداء على الناس، بل يجب كونهم موجودين من أوّل القرون إلى آخرها، مع أنّ الخطاب في قوله تعالى (عليكم) لا يختص بالمشافهين الموجودين، بل يعم جميع المسلمين إلى يوم القيامة.
والمراد من الشهادة الإحاطة والتوجه الروحاني لا الجسماني.
سنن الدارمي: فقام عمر فقال: إنّ رسول الله (ص) لم يمت ولكن عُرج بروحه، كما عرج بروح موسى، والله لا يموت رسول الله (ص) حتى يقطع أيدي أقوام وألسنتهم، فلم يزل عمر يتكلّم حتى أزبَد شِدقاه بما يوعد ويقول، فقام العبّاس
____________________
١ - تاريخ الطبري، ج٣، ص ١٩٧، والسيرة النبوية، ج٤، ص ٣٠٥.
٢ - السيرة النبوية، ج٤، ص ٣١٢.
فقال: إنّ رسول الله (ص) قد مات، وإنّه لبشر وإنّه يأسن كما يأسن البشر، أيْ قوم فادفنوا صاحبكم فإنّه أكرم على الله من ان يُميته إماتتين! أيُميت أحدكم أماته ويُميته إماتتين! وهو أكرم على الله من ذلك، أيْ قوم فادفنوا صاحبكم، فإن يك كما تقولون فليس بعزيز على الله أن يبحث التراب إلخ.(١)
أقول: يعلم من ذلك أنّ من قام وخطب بعد عمر هو العبّاس لا أبو بكر.
الطبقات: ويروي قريباً من الدارمي.(٢)
ويروي أيضاً: عن عائشة لمّا توفّي رسول الله (ص) استأذن عمر والمغيرة بن شعبة فدخلا عليه فكشفا الثوب عن وجهه، فقال عمر: واغشيا ما أشدّ غشي رسول الله (ص)، ثمّ قاما فلمّا انتهيا إلى الباب قال المغيرة: يا عمر، مات والله رسول الله (ص) فقال عمر: كذبت ما مات رسول الله (ص)، ولكنّك رجل تحوشك فتنة ولن يموت رسول الله (ص) حتى يفني المنافقين، ثمّ جاء أبو بكر وعمر يخطب الناس فقال له أبو بكر: اسكت إلخ.(٣) ( الحوش: الجمع والسَوق )
ويروي أيضاً: عن أبي هريرة: دخل أبو بكر المسجد وعمر بن الخطاب يكلّم الناس، فمضى حتى دخل بيت النبيّ (ص) الذي توفي فيه وهو في بيت عائشة، فكشف عن وجه النبيّ (ص) برد حبرة كان مسجّى به، فنظر إلى وجههِ ثمّ أكبّ عليه فقبّله، فقال: بأبي أنت والله لا يجمع الله عليك الموتتين، لقد مت الموتة التي لا تموت بعدها، ثمّ خرج أبو بكر إلى الناس في المسجد وعمر يكلّمهم فقال أبو بكر: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس، فكلّمه أبو بكر مرّتين أو ثلاثاً، فلمّا أبى عمر أن يجلس، قام أبو بكر فتشهّد، فأقبل الناس إليه وتركوا عمر إلخ.(٤)
____________________
١ - سنن الدارمي، ج١، ص ٣٩.
٢ - الطبقات، ج٢، ص ٢٦٦.
٣ - الطبقات، ج٢، ص ٢٦٧.
٤ - نفس المصدر، ص ٢٦٨.
ويروي أيضاً: عن عائشة أنّ النبي (ص) مات وأبو بكر بالسُنح، فقام عمر فجعل يقول: والله ما مات رسول الله (ص).. إلخ.
أقول: يعلم من ذلك أنّ مَن قام وخطب بعد عمر هو العبّاس لا أبو بكر.
الأوّل: من معارف بعضهم: أنّ النبي (ص) ما مات، وأن من يعتقد موته فهو منافق، ثمّ يرجع النبيّ (ص) ويقطع يديه ورجليه.
الثاني: ومن أحاطته بالقرآن الكريم وآياته: أنّه يقول والله ما هو إلاّ أن سمعت أبا بكر تلاها - أي تلا آية:( أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ) - ويقول - في حديث الطبقات عن أبي هريرة - والله لكأنّ الناس لم يعلموا أنّ هذه الآية أنزلت.
الثالث: ومن علومه في التفسير: أنّه يزعم أنّ مقتضى آية( لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) هو إدامة حياة رسول الله (ص) ليكون شهيداً على الأمّة، شهادة حسّية خارجية.
الرابع: ومن إطلاعاته التأريخية: انه يزعم أنّ موسى بن عمران عُرج بروحه وبقى جسده خالياً عن الروح مدّة أربعين يوماً ثم رجع روحه إلى جسده - وواعدنا موسى ثلاثين ليلة الآية.
الخامس: ومن تشخيصاته الطبية المزاجية: أنّه زعم بعد كشف الثوب عن وجه رسول الله (ص) أنّه ما مات، بل غُشي عليه.
السادس: ومن فتاويه الفقهية: أنّه زعم أنّ رسول الله يرجع ويقطع أرجل وأيدي من يدّعي موته.
السابع: ومن شدّة محبّته وعلاقته لرسول الله (ص): أنّه بعد أن علم موته وأيقن رحلته، أعرض عنه وعن تجهيزاته، وتوجّه مع أبي بكر والجراح إلى سقيفة بني ساعدة لتعيين السلطان.
الثامن: وليعلم أنّ هذه المراتب بعد أربعة أيام من قوله أنّ النبيّ ليهجر وكفانا كتاب الله.
التاسع: يظهر منها أنّه وكذلك أبو بكر ما كانا حاضرين عند
رسول الله (ص) حين ما حُضر ثمّ جاءا بعد رحلته.
وفي ذيل رواية الطبقات عن عائشة: فنشج الناس يبكون (بعد كلام أبي بكر) واجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، فقالوا منّا أمير ومنكم أمير، فذهب إليهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح، فذهب عمر يتكلّم فأسكته أبو بكر، فكان عمر يقول: والله ما أردت بذلك إلا أنّي قد هيأت كلاماً قد أعجبني خشيت أن لا يبلغه أبو بكر إلخ.(١)
ويروي أيضاً: عن أنس أنّه سمع عمر بن الخطاب الغد حين بويع أبو بكر في مسجد رسول الله (ص)، واستوى أبو بكر على منبر رسول الله (ص): تشهد قبل أبي بكر ثمّ قال: أمّا بعد فإنّي قلت لكم أمس مقالة لم تكن كما قلت، وإنّي والله ما وجدتها في كتاب أنزله الله ولا في عهد عهده إليّ رسول الله (ص)، فقال كلمة يريد حتى يكون آخرنا، فاختار الله لرسوله الذي عنده على الذي عندكم، وهذا الكتاب الذي هدى الله به رسولكم فخذوا به تهتدوا لما هُدي له رسول الله (ص).(٢)
أقول: كان رسول الله (ص) يقول كراراً: إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي؟! ولكن عمر بن الخطاب لا يذكر اسماً من العترة.
أَوَلا يتذكر عمر بن الخطاب أنّ كتاب الله يحتاج إلى مبيّن وعالم بحقائقه وظواهره وبواطنه؟ أَوَلا يتذكّر قول رسول الله (ص) لعلي: أنتَ منّي بمنزلة هارون من موسى؟! أَوَلا يتذكّر قوله (ص): مَن كنت أنا وليّه فعليّ وليّه، اللّهم انصر من نصره واخذل من خذله؟! أَوَلا يتذكّر قوله (ص) لعليّ: أنت وليّ كلّ مؤمن بعدي وأنت منّي وأنا منك؟! أَوَلا يتذكّر قوله (ص): مَثَل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجى؟!
وسيجيء تفصيل الكلام في الفتن الآتية.
* * *
____________________
١ - الطبقات، ج٢، ص ٢٦٨.
٢ - نفس المصدر، ص ٢٧١.
فتنة:
( سقيفة بني ساعدة )
الملل والنحل: الخلاف الخامس في الإمامة وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة ؛ إذ ما سُلّ في السيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سلّ على الإمامة في كلّ زمان، وقد سهّل الله تعالى ذلك في صدر الأوّل، فاختلف المهاجرون والأنصار فيها، وقالت الأنصار منّا أمير ومنكم أمير، واتفقوا على رئيسهم سعد بن عبادة الأنصاري فاستدركه أبو بكر وعمر في الحال بأن حضرا سقيفة بني ساعدة، وقال عمر: كنت ازوّر في نفسي كلاماً في الطريق، فلمّا وصلنا إلى السقيفة أردت أن أتكلم، فقال أبو بكر: مه يا عمر! فحمد الله وأثنى عليه وذكر ما كنت اقدّره في نفسي كأنّه يخبر عن غيب، فقبل أن يشتغل الأنصار بالكلام مددت يدي إليه فبايعته وبايعه الناس، وسكنت النائرة، إلاّ أنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرّها ؛ فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه، فأيّما رجل بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين تَغرّة أن يُقتلا، وإنّما سكنت الأنصار عن دعواهم لرواية أبي بكر عن النبيّ عليه السلام (الأئمّة من قريش) وهذه البيعة هي التي جرت في السقيفة، ثمّ لمّا عاد إلى المسجد انثال الناس عليه وبايعوه عن رغبة، سوى جماعة من بني هاشم وأبي سفيان من بني أميّة، وأمير المؤمنين عليّ كرم الله وجهه كان مشغولاً بما أمره النبيّ (ص) من تجهيزه ودفنه وملازمته قبره، من غير منازعة ولا مدافعة.(١)
أقول: في هذا الكلام موارد للنظر والتحقيق:
____________________
١ - الملل والنحل، ج١، ص ١٦.
١ - جريان السقيفة: من اتفاق الأنصار على سعد، واستدراك أبي بكر وعمر في الحال، وتزوير عمر في الكلام، وذكر أبي بكر ما كان يُزوّره، ومدَّ عمر يده للبيعة قبل كلام الأنصار، وكون بيعته فلتة ومَن عاد إلى مثلها فيجب قتله، ولزوم كون البيعة مع مشورة المسلمين.
٢ - استدلال أبي بكر في مقاله ودعواه: بحديث ( الأئمّة من قريش وسكوت الأنصار في مقابل هذا الكلام. ويؤيّده قول أمير المؤمنين (ع): استدلّوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة.
٣ - قوله: وبايعوه عن رغبة. إشارة إلى أنّ بيعة السقيفة كانت لا عن رغبة، بل بالاستدراك والتزوير ومدّ اليد وبالفلتة.
٤ - قوله: سوى جماعة من بني هاشم وأبي سفيان.
٥ - قوله وكان أمير المؤمنين مشغولاً بما أمره النبيّ (ص).
الفائق: الحبّاب رضي الله عنه قال يوم سقيفة بني ساعدة حين اختلف الأنصار في البيعة - أنا جُذيلها (بصيغة التصغير) المحكك، وعُذيقها المرجّب، منّا أمير ومنكم أمير.(١) الجِذل - بالكسر -: عود ينصب للإبل الجَربى تَحتك به فتستشفى. والمُحكك الذي كثر به الاحتكاك حتى صار مُملّسا. والعَذق بالفتح النخلة. والمرجّب: المدعوم بالرجبة، وهي خشبة ذات شعبتين وذلك اذا طال وكثر حمله. والمعنى إنّي ذو رأي يشفي بالاستضاءة به كثيراً في مثل هذه الحادثة وأنا في كثرة التجارب والعلم بموارد الأحوال فيها وفي أمثالها ومصادرها كالنخلة الكثيرة الحمل.
الفائق: قال عمر بن الخطاب لأبي عبيدة: ابسط يدك لأبايعك، فقال: ما رأيت منك، أو ما سمعت منك فهّة في الإسلام قبلها، أتُبايعني وفيكم الصدّيق ثاني اثنين.(٢) قال الزمخشري: فهّ الرجل فهّة، إذا جاءت منه سقطة أو جهلة.
ويروي: قال أبو بكر يوم سقيفة بني ساعدة: منّا الأمراء ومنكم الوزراء،
____________________
١ - الفائق، ج١، ص ١٨١.
٢ - الفائق، ج٢، ص ٣٠٥.
والأمر بيننا وبينكم كقد الأبلمة. فقال حبّاب بن المنذر: أما والله لا نفس أن يكون لكم هذا الأمر، ولكنّنا نكره أن يلينا بعدكم قوم قتلنا آباءهم وأبناءهم. وقال الحبّاب أيضاً:
أنا الذي لا يصطلى بناره ولا ينام الناس من سُعاره.(١)
وقال الزمخشري: القد هو القطع طولا. والأبلمة خوصة المقل، وهي إذا شقّت تساوى شقّاها. ولا يصطلي بناره: مثل فيمن لا يتعرّض لحربه. والسعار حرّ السعير.
أقول: هذا الكلام صريح في رضا أبي بكر بوزارة الأنصار وتقسيم الأمر بين المهاجرين والأنصار على التساوي كقدّ الأبلمة.
تاريخ الطبري: ثم قال أبو بكر: إنّي قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين عمر أو أبا عبيدة، فقام عمر فقال: أيّكم تطيب نفسه أن يخلف قدمين قدّمهما النبيّ (ص)، فبايعه عمر وبايعه الناس. فقالت الأنصار أو بعض الأنصار: لا نبايع إلاّ علياً.(٢)
ويروي: فقال سعد: صدقت، فنحن الوزراء وأنتم الأمراء، فقال عمر: ابسط يدك يا أبا بكر فلأبايعك، فقال أبو بكر: بل أنت يا عمر فأنت أقوى لها منّي، وكان عمر أشدّ الرجلين، قال، وكان كلّ واحد منها يريد صاحبه يفتح يده يضرب عليها، ففتح عمر يد أبي بكر وقال: أن لك قوّتي مع قوّتك، فبايع الناس واستثبتوا للبيعة، وتخلّف عليّ والزبير واخترط الزبير سيفه وقال: لا أغمُدُه حتى يبايع عليّ، فبلغ ذلك أبا بكر وعمر فقال عمر: خذوا سيف الزبير فاضربوا به الحجر! قال: فانطلق إليهم عمر فجاء بهما تعبا وقال: لتُبايعان وأنتما طائعان أو لتبايعان وأنتما كارهان، فبايعا.(٣)
ويروي: قام عمر فحمد الله وأثنى عليه وقال: أمّا بعد ؛ فإنّي أريد أن أقول
____________________
١ - الفائق، ج٢، ص ٣٢١.
٢ - تاريخ الطبري، ج٣، ص ١٩٨.
٣ - نفس المصدر، ص ١٩٩.
مقالة قد قُدّر أن أقولها ثمّ أنّه بلغني أنّ قائلاً يقول: لو قد مات أمير المؤمنين بايعت فلاناً، فلا يغرّن إمرأً أن يقول أنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة، فقد كانت كذلك غير أنّ الله وقى شرّها وليس منكم من تقطّع إليه الأعناق مثل أبي بكر، وأنّه كان من خبرنا حين توفّى الله نبيّه (ص)، أنّ علياً والزبير ومن معهما تخلّفوا عنّا في بيت فاطمة، وتخلّفت عنّا الأنصار بأسرها واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نؤمّهم فلقينا رجلان صالحان قد شهدا بدراً، فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، قالا: فارجعوا فاقضوا أمركم بينكم، فقلنا: والله لنأتينّهم، قال: فأتيناهم وهم مجتمعون في سقيفة بني ساعدة، قال وإذا بين أظهرهم رجل مزّمل، قال قلت: من هذا؟ قالوا سعد بن عبادة، فقلت ما شأنه؟ قالوا: وجع، فقام رجل منهم فحمد الله وقال: أمّا بعد فنحن الأنصار وكتيبة الإسلام وأنتم يا معشر قريش رهط نبيّنا وقد دفّت إلينا من قومكم دافّة، قال: فلمّا رأيتهم يريدون أن يختزلونا من أصلنا ويغصبونا الأمر وقد كنت زوّرت في نفسي مقالة أقدّمها بين يدي أبي بكر، وقد كنت أداري منه بُعد الحد، وكان هو أوقر منّي وأحلم، فلمّا أردت أن أتكلّم قال: على رسلك، فكرهت أن أعصيه، فقام فحمد الله وأثنى عليه، فما ترك شيئا كنت زورت في نفسي أن أتكلّم به لو تكلّمت إلاّ قد جاء به أو بأحسن منه، وقال:
أمّا بعد يا معشر الأنصار، فإنّكم لا تذكرون منكم فضلاً إلاّ وأنتم له أهل، وأنّ العرب لا تعرف هذا الأمر إلا لهذا الحيّ من قريش وهم أوسط داراً ونسباً ولكن قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيّهما شئتم فلمّا قضى أبو بكر كلامه قام منهم رجل فقال: أنا جُذيلها فارتفعت الأصوات وكثر اللغط، فلمّا أشفقت الاختلاف قلت لأبي بكر: أبسط يدك أبايعك.(١)
كذا في مسند أحمد باختلاف.(٢)
____________________
١ - تاريخ الطبري، ج٣، ص ٢٠٠.
٢ - مسند أحمد، ج١، ص ٥٥.
أقول: يظهر من هذا الكلام أنّ الأنصار بأجمعهم ومن بني هاشم من تخلّفوا في بيت فاطمة (ع) كانوا مخالفين لبيعة أبي بكر، أمّا الأنصار فبايعوا بعد أن وقعت الاختلافات الشديدة وارتفعت الأصوات وكثر اللغط، وبنو هاشم فبايعوا بعد مدّة مكرهين.
ويروي: فبدأ أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: إنّ الله بعث محمّداً فخصّ الله المهاجرين الأوّلين من قومه بتصديقه والإيمان به والمواساة له والصبر معه على شدّة أذى قومهم لهم وتكذيبهم إياهم، وكلّ الناس لهم مخالف زار عليهم، فلم يستوحشوا لقلّة عددهم وشنف الناس لهم وإجماع قومهم عليهم، فهم أوّل من عَبَدَ الله في الأرض وآمن بالله وبالرسول، وهم أولياؤه وعشيرته وأحقّ الناس بهذا الأمر من بعده، ولا ينازعهم ذلك إلاّ ظالم، وأنتم يا معشر الأنصار من لا يُنكر فضلهم في الدين ولا سابقتهم العظيمة في الإسلام، رضيكم الله أنصاراً فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، لا تفتأتون بمشورة ولا نقتضي دونكم الأمور، قال: فقام الحبّاب بن المنذر فقال: يا معشر الأنصار املكوا عليكم أمركم فإنّ الناس في فيئكم وفي ظلّكم ولن يجترئ مجترئ على خلافكم ولن يصدر الناس إلاّ عن رأيكم فمنّا أمير ومنهم أمير، فقال عمر: هيهات لا يجتمع اثنان في قرن، والله لا ترضى العرب أن يومّروكم ونبيّها من غيركم ولكن العرب لا تمتنع أن تُولّي أمرها مَن كانت النبوة فيهم ووليّ أمورهم منهم، ولنا بذلك على من أبى من العرب المحجّة الظاهرة والسلطان المبين، من ذا يُنازعنا سلطان محمّد وإمارته ونحن أولياؤه وعشيرته إلاّ مدلٍّ بباطل فقام الحبّاب بن المنذر فقال: يا معشر الأنصار املكوا على أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه ؛ فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر، فإن أبوا عليكم ما سألتموه فأجلوهم عن هذه البلاد وتولّوا عليهم هذه الأمور، فأنتم والله أحقّ بهذا الأمر منهم فإنّه بأسيافكم دان لهذا الدين من دان ممّن لم يكن يدين، أنا جُذيلها فقال عمر: إذاً يقتلك الله، قال: بل إياك يقتل! فقال أبو عبيدة: يا معشر الأنصار إنّكم أوّل من نصر وآزر فلا تكونوا أوّل من بدّل وغيّر، فقام بشير بن سعد فقال: يا معشر الأنصار إنّا والله لئن كنّا
أولى فضيلة في جهاد المشركين وسابقة في هذا الدين ما أردنا به إلاّ رضا ربّنا، وطاعة نبيّنا، والكدح لأنفسنا فما ينبغي لنا أن نستطيل على الناس بذلك ولا ينبغي به من الدنيا عرضا فإنّ الله ولي المنّة علينا بذلك، ألاّ أنّ محمّداً (ص) مِن قريش وقومه أحقّ به وأولى، وايم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر أبداً، فاتّقوا الله ولا تخالفوهم ولا تنازعوهم. فقال أبو بكر: هذا عمر وهذا أبو عبيدة فأيّهما شئتم فبايعوا! فقالا: لا والله لا نتولّى هذا الأمر عليك، فإنّك أفضل المهاجرين وثاني اثنين إذ هما في الغار، وخليفة رسول الله على الصلاة، والصلاة أفضل دين المسلمين، فمَن ذا ينبغي له أن يتقدّمك أو يتولّى هذا الأمر عليك، أبسط يدك نبايعك؟ فلمّا ذهبا ليبايعاه سبقهما إليه بشير بن سعد فبايعه فناداه الحبّاب بن المنذر يا بشير بن سعد عققت عقاق ما أحوجك إلى ما صنعت، أنفست على ابن عمّك الإمارة، فقال: لا والله ولكنّي كرهت أن أنازع قوماً حقّا جعله الله لهم، ولمّا رأت الأوس ما صنع بشير بن سعد وما تدعو إليه قريش وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة: قال بعضهم لبعض وفيهم أسيد بن حضير وكان أحد النقباء: والله لئن وليتها الخزرج عليكم مرّة لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة، ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيباً أبداً، فقوموا فبايعوا أبا بكر! فقاموا إليه فبايعوه. فانكسر على سعد بن عبادة وعلى الخزرج ما كانوا اجمعوا له من أمرهم، فأقبل الناس من كلّ جانب يبايعون أبا بكر وكادوا يطأون سعد بن عبادة، فقال ناس من أصحاب سعد: اتّقوا سعداً لا تطؤه فقال عمر: اقتلوه قتله الله، ثمّ قام على رأسه فقال: لقد هممت أن أطأك حتى تندر عضوك، فأخذ سعد بلحية عمر فقال: والله لو حصصت منه شعرة ما رجعت وفي فيك واضحة، فقال أبو بكر: مهلا يا عمر الرفق ها هنا أبلغ، فأعرض عنه عمر، وقال سعد: أما والله لو أن بي قوّة ما أقوى على النهوض لسمعت منّي في أقطارها وسككها زئيراً يحجرك وأصحابك، أما والله إذا لألحقتك بقوم كنت فيهم تابعاً غير متبوع. احملوني من هذا المكان! فحملوه فأدخلوه في داره، وتُرك أياما ثمّ بُعث إليه أن أقبل فبايع فقد بايع الناس وبايع قومك! فقال أما والله حتى
أرميكم بما في كنانتي من نبلي وأخضب سنان رمحي وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي، وأقاتلكم بأهل بيتي ومن أطاعني من قومي فلما أتي أبو بكر بذلك، قال له عمر: لا تدعه حتى يبايع. فقال له بشير بن سعد: إنّه قد لجّ وأبى وليس بمُبايعكم حتى يُقتل معه ولده وأهل بيته وطائفة من عشيرته، فاتركوه فليس تركه بضارّكم إنّما هو رجل واحد، فتركوه وقبلوا مشورة بشير بن سعد، واستنصحوه لما بدا لهم منه، فكان سعد لا يصلّي بصلاتهم ولا يجمع معهم.(١)
أقول: فيما نقل عن الطبري موارد للدقّة والاعتبار والتدبّر.
١ - قول أبي بكر: قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين. بل أنت يا عمر ؛ فأنت أقوى منّي. وأنّ العرب لا تعرف هذا الأمر إلاّ لهذا الحيّ من قريش. ولكن قد رضيت لكم أحد هذين فبايعوا أيّهما شئتم. فيها دلالة على أنّ الأمر قد تحقّق بالانتخاب والتدبير، لا بالنصّ والوصية.
٢ - قولهم: فنحن الأمراء وأنتم الوزراء. فارجعوا فاقضوا أمركم بينكم. كنت زوّرت في نفسي أن أتكلّم به إلا قد جاء به. لا تُفتأتون بمشورة ولا نقضي دونكم الأمور. فمنّا أمير ومنهم أمير. ولكن العرب لا تمتنع أن تولّي أمرها من كانت النبوّة فيهم. فأنتم والله أحقّ بهذا الأمر منهم. فيها دلالة على أنّ الاختلاف إنّما كان في الحكومة والخلافة الظاهرية للمسلمين. وليس من مقامات العلم والمعرفة والروحانية والحقيقة ذكرٌ فيما بينهم.
٣ - قولهم: فقالت الأنصار أو بعض الأنصار لا نبايع إلاّ علياً. وتخلف عليّ والزبير واخترط الزبير سيفه. وقال: لا أغمده حتى يُبايَع عليّ. إنّ علياً والزبير تخلّفوا عنّا في بيت فاطمة وتخلّفت عنا الأنصار بأسرها. فيها دلالة على أنّ لعليّ (ع) حقّا ثابتاً ومقاماً محرزاً معلوماً عندهم، وليس ذلك إلاّ بوصية رسول الله (ص) وقوله وبالأحاديث الواردة منه.
العقد الفريد: فقال حبّاب بن المنذر: منّا أمير منكم أمير، فإنّ عمل المهاجريّ
____________________
١ - تاريخ الطبري، ج٣، ص ٢٠٨.
في الأنصاري شيئاً ردّ عليه، وإن عمل الأنصاري في المهاجري شيئاً ردّ عليه، وإن لم تفعلوا فأنا جُذيلها المحكّك وعُذيقها المرجب، لنُعيدنّها جذعة. قال عمر: فأردت أن أتكلّم وكنت زوّرت كلاما في نفسي. فقال أبو بكر: على رسلك يا عمر، فما ترك كلمة كنت زوّرتها في نفسي إلاّ تكلّم بها فبايع الناس أبا بكر وأتوا به المسجد يبايعونه، فسمع العبّاس وعليّ التكبير في المسجد ولم يفرغوا من غسل رسول الله (ص)، فقال عليّ: ما هذا؟ قال العبّاس: مارُئي مثل هذا قط، أما قلت لك؟!(١)
البخاري: أنّ رسول الله (ص) مات وأبو بكر بالسُنخ يعني بالعالية، فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله (ص) وقال: والله ما كان يقع في نفسي إلاّ ذاك، وليبعثنه الله فيقطعنّ أيدي رجالٍ وأرجلهم، فجاء أبو بكر فكشف عن رسول الله (ص) فقبّله، فقال: بأبي أنت وأمي طبت حياً وميّتاً والذي نفسي بيده لا يُذيقك الله الموتتين أبداً واجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، فقالوا: منّا أمير ومنكم أمير، فذهب إليهم أبو بكر الصدّيق وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح، فذهب عمر يتكلّم فأسكته أبو بكر، وكان عمر يقول: والله ما أردت بذلك إلاّ إنّي قد هيّأت كلاماً قد أعجبني خشيت أن لا يبلّغه أبو بكر، ثمّ تكلّم أبو بكر فتكلّم أبلغ الناس فقال في كلامه: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، فقال حبّاب بن المنذر: لا والله لا نفعل، منّا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر: لا ولكنّا الأمراء وأنتم الوزراء. هم أوسط العرب داراً وأعربهم أحسابا فبايعوا عمر بن الخطاب أو أبا عبيدة بن الجراح! فقال عمر: بل نبايعك أنت فأنت سيدنا وخيرنا وأحبّنا إلى رسول الله (ص)، فأخذ عمر بيده فبايعه وبايعه الناس، فقال قائل: قتلتم سعد بن عبادة، فقال عمر: قتله الله.(٢)
أقول: يستفاد من صريح هذا الكلام المنقول من الصحيح أمور:
١ - استدل أبو بكر في مقام اختيار الأمير بقوله: أعرب أحساباً
____________________
١ - العقد الفريد، ج٤، ص ٢٥٧.
٢ - البخاري، ج٢، ص ١٧٩.
وأوسطهم داراً. وهذا العنوان موجود في جميع أفراد قريش.
٢ - ولمّا لم يكن له امتياز وتفوّق وليس لنفسه خصوصية، فأشار إلى أبي عبيدة وعمر ودلّهم إليهما. أو أنّ هذا كان تدبيراً منه في المقام.
٣ - فعلى هذا القيل والقال: يلزم أن يكون الوزير في هذه الحكومة من الأنصار، فإنّ لهم نصيباً منها، وهم الذين تبوّءوا الدار والإيمان من قبلهم يُحبون من هاجر إليهم.
٤ - لا معنى صحيح لقول عمر: قتله الله. مع أنّ النبيّ (ص) كان يقول: أوصيكم بالأنصار، فإنّهم كرشي وعيبتي، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم. كما في البخاري، ج٢، ص ١٩٢.
وفي البخاري: بإسناده عن عمر بن الخطاب أنّه قال: بلغني أنّ قائلاً منكم يقول: والله لو مات عمر بايعت فلاناً، فلا يغترنّ امرؤ أن يقول: إنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمّت، ألاَ وإنّها قد كانت كذلك! ولكنّ الله وقى شرّها، وليس منكم من يُقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر، من بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرّة أن يُقتلا، وأنّه قد كان من خيرنا حين توفى الله نبيّه (ص)، إنّ الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة، وخالف عنّا عليّ والزبير ومن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نريدهم، فلمّا دنونا منهم لقينا رجلان منهم صالحان فذكرا ما تمالأ عليه القوم، فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: لا عليكم أن تقربوهم اقضوا أمركم! فقلت: والله لنأتينّهم، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة فإذا رجل مزمّل بين ظهرانيهم، فقلت: مَن هذا؟ قالوا: هذا سعد بن عبادة، فقلت: ما له؟ قالوا: يوعك، فلمّا جلسنا قليلاً تشهد خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله، ثمّ قال: أمّا بعد: فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام وأنتم معشر المهاجرين رهط وقد دفّت دافّة من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا وأن يحضونا من الأمر، فلمّا سكت، أردتُ أن
أتكلّم وكنت زوّرت مقالة أعجبتني أريد أن أقدّمها بين يدي أبي بكر وكنت أداري منه بعض الحدّ، فلمّا أردت أن أتكلّم قال أبو بكر: على رسلك! فكرهت أن أغضبه، فتكلّم أبو بكر فكان هو أحلم منّي وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلاّ قال في بديهته مثلها أو أفضل حتى سكت، فقال: ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا الأمر إلاّ لهذا الحيّ من قريش هم أوسط العرب نسباً وداراً، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيّهما شئتم فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا، فلم أكره ممّا قال غيرها، كان والله أن أقدّم فتُضرب عنقي لا يقرّبني ذلك من أثمٍ، أحبّ إليّ من أن أتأمّر على قوم فيهم أبو بكر، اللّهم إلاّ أن تسوّل إلى نفسي عند الموت شيئاً لا أجده الآن.
فقال قائل من الأنصار: أنا جُذيلها المُحكك وعُذيقها المرجب منّا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش! فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى فرقتُ من الاختلاف، فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر! فبس يده فبايعته وبايعه المهاجرون ثمّ بايعته الأنصار. ونزونا على سعد بن عبادة، فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة، فقلت: قتل الله سعد بن عبادة، قال عمر: وإنّا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلاً منهم بعدنا، فأمّا بايعناهم على ما لا نرضى وأمّا نخالفهم فيكون فساد، فمن بايع رجلاً على غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرّة أن يُقتلا.(١)
أقول: هذا الكلام مضبوط في أقدم كتاب وأصحّه وأتقنه من كتب إخواننا أهل السنّة، وكذا في تاريخ الطبري باختلاف يسير.(٢) فمن تدبر فيه ورجع البصر إليه بعين الإنصاف ونظر إلى الحقيقة اطلع على أسرار هذا الأمر من جهات:
الأوّل: أنّه اقّر وشهد بأنّ إمرة أبي بكر كانت فلتة من دون سابقة، وقى
____________________
١ - البخاري، ج٤، ص ١١١.
٢ - تاريخ الطبري ج٣، ص ٢٠٠.
الله شرّها. وهذا يدلّ على نفي أيّ وصية من رسول الله (ص) في الخلافة.
الثاني: أنّه يقول بلزوم المشورة في هذا الأمر بعد، ولا يجوز لأحد أن يبايع أحداً حتى تقع فلتة، فإنّها في معرض الخطر والشر.
الثالث: أنّه يعترف بخلاف الأنصار وخلافّ عليّ والزبير ومن معهما، ففي هذه الصورة كيف يجوز التعبير عنها بالإجماع والاتّفاق من أهل الحلّ والعقد، وان أرادوا وقوع الاتفاق بعد أشهر فهذا قد يتحقّق في أغلب الحكومات والدول، بل ولا يتحقق استقرار حكومة إلاّ بالغلبة التامة والاستيلاء الكامل والتسلط على جميع الأفراد طوعاً أو كرهاً، ولو بالتدريج.
الرابع: يعلم أنّ غلبة أبي بكر في السقيفة كانت من طريق التزوير(*) ، وكان تزويره في خطابه أحسن وأعجب مما زوّره عمر في نفسه.
الخامس: أنّ قوله: (فلم أكره ممّا قال غيرها) من الكلمات المزوّرة المخالفة للواقع، كيف وقد أمر رسول الله (ص) أسامة عليهم قبل أيام قليلة من رحلته، وكذا في غزوات آخر. فالإمرة مطلوبة إذا كانت عن وظيفة.
فيا إخواننا هذه حقيقة إمرة أبي بكر، فهل يجوز أن يكلّفنا العقل والشرع بوجوب طاعته وقبوله، وهل يمكن أن يحكم الله ورسوله على كفر من تخلّف عن هذه البيعة، وهل يجوز أن نقول: أنّ علياً وفاطمةَ والحسن والحسين ومَن معهم من أهل بيت النبيّ (ص) كانوا على الضلالة ووقعوا في طريق خلاف الشريعة النبوية، وقد قال النبيّ (ص): الحقّ مع عليّ وعليّ مع الحقّ. وقال: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى. وقال: أنتَ منّي وأنا منك. وقال: اللّهمّ والِ مَن والاه وعاد من عاداه.
السيرة النبوية: فأتى آت إلى أبي بكر وعمر، فقال: إنّ هذا الحيّ من الأنصار مع سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة قد انحازوا إليه، فإن كان لكم بأمر الناس حاجة فأدركوا قبل أن يتفاقم أمرهم، ورسول الله (ص) في بيته لم يُفرغ من أمره قد أغلق دونه الباب أهلُه، قال عمر: فقلت لأبي بكر انطلق بنا إلى
____________________
(*) المراد من التزوير في قول عمر غير ما فهمه المصنّف (رحمه الله) وهذا من سهو قلمه، وإن كان هو أحد المعاني للكلمة. قال في لسان العرب: والتزوير: إصلاح الكلام وتهيئته. ( لجنة التقويم / شبكة الإمامين الحسنين للتراث والفكر الإسلامي )
إخواننا هؤلاء من الأنصار حتى ننظر ما هم عليه.(١)
وقال: ثمّ أنّه قد بلغني أنّ فلاناً قال: والله لو قد مات عمر بن الخطاب لقد بايعت فلاناً، فلا يغرنَّ امرأً أن يقول: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة فتمّت، وإنّها قد كانت كذلك إلاّ أنّ الله قد وقى شرّها وليس فيكم من تنقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر، فمن بايع رجلاً عن غير مشورة من المسلمين فإنّه لا بيعة له هو ولا الذي بايعه تغرّة أن يُقتلا، إنّه كان من خيرنا حين توفّى الله نبيّه (ص) إلخ.(٢) - كما في البخاري، ج٤، ص ١١١.
مقالات الإسلاميين: لو بلغ ذلك أبا بكر وعمر فقصدا نحو مجتمع الأنصار في رجال من المهاجرين، فأعلمهم أبو بكر أنّ الإمامة لا تكون إلاّ في قريش واحتجّ عليهم بقول النبي (ص): الإمامة في قريش. فأذعنوا لذلك منقادين ورجعوا إلى الحقّ طائعين، بعد أن قالت الأنصار: منّا أمير ومنكم أمير، وبعد أن جرّد الحبّاب بن المنذر سيفه وقال: أنا جُذَيلها المحكّك وعُذيقها المرجّب من يبارزني، بعد أن قام قيس بن سعد بنصرة أبيه سعد بن عبادة حتى قال عمر بن الخطاب في شأنه ما قال، ثمّ بايعوا أبا بكر.(٣)
أقول: قد صرّح بأن الاتّفاق في هذا المجتمع قد حصل بعد ذلك الاختلاف الشديد والتنازع وتجريد السيف، مع غيبة أهل بيت النبي (ص) وخواص أصحابه، وكان أقوى احتجاجهم في قولهم إنّ الإمامة في قريش، وقد قال عليّ (ع) في ذلك: احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة.
عيون ابن قتيبة: أراد عمر الكلام، فقاله له أبو بكر: على رسلك. نحن المهاجرون أوّل الناس إسلاماً، وأوسطهم داراً وأكرمهم أحسابا وأحسنهم وجوها وأكثر الناس ولادة في العرب، وأمسّهم رَحِما برسول الله (ص)، أسلمنا قبلكم وقُدّمنا في القرآن عليكم، فأنتم إخواننا في الدين وشركاؤنا في الفيء
____________________
١ - السيرة النبوية، ج٤، ص ٣٠٧.
٢ - نفس المصدر، ص ٣٠٨.
٣ - مقالات الإسلاميين، ج١، ص ٤٠.
وأنصارنا على العدو، آويتم وواسيتم فجزاكم الله خيراً، نحن الأمراء وأنتم الوزراء لا تدين العرب إلاّ لهذا الحيّ من قريش، وأنتم محقّوقون إلاّ تنفسوا على إخوانكم من المهاجرين ما ساق الله إليهم.(١)
أقول: العلل المذكورة في الخطبة كلّها راجعة إلى العناوين الظاهرية والتشخّصات الصورية والحسب والنسب والمتاع الدنيوي، وليس فيها ذكر من العلم والإيمان والروحانية والمقام المعنوي، فهذا أوّل كلام بعد النبيّ (ص) دُعي فيه المسلمون إلى أتباع الشخصية الظاهرية وأُسقط العلم والإيمان وحذف من صحيفة الإمامة قيد التقوى والمعرفة.
وفي أثر هذا الكلام ترى أنّ معاوية بن أبي سفيان وسائر أفراد بني أمية ادعوا مقام خلافة رسول الله (ص): مع أنّهم فعلوا ما فعلوا وارتكبوا من الظلم والطغيان ما ارتكبوا وظلموا آل محمد (ص) ما ظلموا! ومع هذا قد أطاع المسلمون لهم وانقادوا لحكومتهم!!
الطبقات: فتكلّم أبو بكر فقال: نحن الأمراء وأنتم الوزراء وهذا الأمر بيننا وبينكم نصفين كقدّ الأبلُمة (يعني الخوصة)، فبايع أوّل الناس بشير بن سعد أبو النعمان، قال: فلمّا اجتمع الناس على أبي بكر قسّم بين الناس قسما فبعث إلى عجوز من بني عديّ بن النجّار بقسمها مع زيد بن ثابت، فقالت: ما هذا؟ قال قسم قسّمه أبو بكر للنساء، فقالت أتُراشوني عن ديني؟ فقالوا: لا، فقالت أتخافون أن أدع ما أنا فيه؟ فقالوا: لا، فقالت: أتخافون أن ادع ما أنا فيه؟ فقالوا: لا، قالت: فوالله لا آخذ منه شيئا أبداً، فرجع زيد إلى أبي بكر فأخبره بما قالت، فقال أبو بكر فأخبره بما قالت، فقال أبو بكر: ونحن لا نأخذ مما أعطيناها شيئا أبداً.(٢)
أقول: هذا التقسيم كان ممّا يُحكّم ويشدّد ويُثبّت إمارة أبي بكر، والغرض منه جلب النفوس الأبيّة وتقريب القلوب المخالفة وتحبيبها ورفع الاختلافات والموانع، وكان هذا لغرض ظاهر بحيث أنّ العجوز قد فهمته.
____________________
١ - عيون ابن قتيبة، ج ٢، ص ٢٣٣.
٢ - الطبقات، ج ٣، ص ١٨٢.
أنساب الأشراف: لمّا قبض رسول الله (ص) أتى عمر بن الخطاب أبا عبيدة بن الجراح فقال له: ابسط يدك نبايعك فإنّك أمين هذه الأمّة على لسان رسول الله (ص) فقال: يا عمر ؛ ما رأيت لك تهمة منذ أسلمت قبلها، أتبايعني وفيكم الصديق وثاني اثنين؟!(١)
أقول: هذا الكلام والاستخلاف من عمر بن الخطاب يكشف عن أنّه كان متحيّراً في تعيين الخليفة، وكان معرضاً عن أهل بيت النبيّ وعترته الذين أوصى بهم رسول الله (ص)، ومع هذا كان لا يعتني برأي الأصحاب ولا يتوجّه إلى المشاورة مع الآخرين والى حصول الإجماع.
ويروي أيضاً: (في، ص ٥٨٠) كما في الطبقات، ج ٣، ص ١٨٢.
ويروي أيضاً ثمّ قال: بلغني أنّ الزبير قال: لو قد مات عمر بايعنا علياً وإنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة، فكذب والله لقد أقامه رسول الله (ص) مقامه واختاره لعماد الدين على غيره، وقال: يأبى الله والمؤمنون إلاّ أبا بكر، فهل منكم من تمدّ إليه الأعناق مثله.(٢)
أقول: هذا القول مخالف لما سبق من قوله لأبي عبيدة: ابسط يدك نبايعك فإنّك أمين هذه الأمّة، وهكذا مخالف لقول أبي بكر: إن تطيعوا أمري تبايعوا أحد هذين الرجلين أبا عبيدة وكان عن يمينه أو عمر بن الخطاب وكان عن شماله.(٣)، وكما مرّ ما يقرب منه من البخاري.
ويروي أيضاً: عن جابر: قال العبّاس لعلي: ما قدّمتك إلى شيء إلاّ تأخّرت عنه، وكان قال له لما قبض رسول الله (ص): اُخرج حتى أُبايعك على أعين الناس فلا يختلف عليك اثنان. فأبى وقال: أو منهم من ينكر حقّنا ويستبد علينا؟ فقال العبّاس: سترى أن ذلك سيكون. فلما بويع أبو بكر، قال له
____________________
١ - أنساب الأشراف، ج ١، ص ٥٧٩.
٢ - أنساب الأشراف، ج ١، ص ٥٨١.
٣ - نفس المصدر ٥٨٢.
العبّاس: ألم أقل لك يا علي؟.(١)
أقول: يظهر من هذه المكالمة أنّ خلافة علي (ع) كانت مسلّمة قطعية في نظرهم ولا سيّما في نظر عليّ (ع)، وكان لا يحتمل خلاف أحد وإنكاره واستبداده عليه.
ويروي أيضاً: قال سلمان الفارسي حين بويع أبو بكر: كرداد ونا كرداد أي: عملتم وما عملتم، لو بايعوا علياً لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم.(٢)
أقول: يريد أنّكم باستخلاف أبي بكر فعلتم ما فعلتم وحرّفتم وصيّة رسول الله (ص) عن موضعها وظلمتم آله وعترته وغصبتم حقّ عليّ (ع) ولكن ما ظلمتم إلا أنفسكم، وما فعلتم إلا على أنفسكم.
يقول في منتخب كنزل العمّال: إنّ أبا بكر حين استُخلف قعد في بيته حزينا، فدخل عليه عمر فأقبل يلومه، وقال: أنت كلّفتني هذا الأمر وشكى إليه الحكم بين الناس! فقال له عمر: أو ما علمت أنّ رسول الله (ص) قال: إنّ الوالي إذا اجتهد فأصاب الحقّ فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ الحقّ فله أجر واحد.(٣)
ويقول: عن رافع قال: لما استخلف الناس أبا بكر قلت: صاحبي الذي أمرني أن لا أتأمّر على رجلين! فارتحلت فانتهيت إلى المدينة فتعرّضت لأبي بكر، فقلت له: يا أبا بكر أتعرفني؟ قال: نعم: قلت: أتذكر شيئا قلته لي لا أتأمّر على رجلين، وقد وليت أمر الأمة؟! فقال: إنّ رسول الله (ص) قبض والناس حديث عهد بكفرٍ، فخفت عليهم أن يرتدّوا وان يختلفوا، فدخلت فيها وأنا كاره، ولم يزل بي صاحبي يعتذر حتى عذرته.(٤)
أقول: فليستنتج المحقّق الحرّ من هذه الكلمات أيّ نتيجة يدرك بفكره الثاقب ونظره الخالص.
____________________
١ - أنساب الأشراف، ج ١، ص ٥٨٣.
٢ - نفس المصدر، ص ٥٩١.
٣ - منتخب كنز العمّال، ج ٢، ص ١٥٨.
٤ - نفس المصدر، ص ١٦٠.
( نتيجة تدبيرات المخالفين )
إنّ المخالفين بذلوا جهدهم واجتهدوا غاية الجهد في تحصيل مقاصدهم والوصول إلى منويّاتهم.
وكان أكبر مانع من إجراء منظورهم: كتابة النبيّ (ص)، وإنفاذ جيش أسامة، وأمر السقيفة.
نعم، هذه الموضوعات الثلاث كانت مانعة عن النيل إلى ما قصدوا، وكنهم رفعوا بجدهم هذه الموضوعات المانعة، وكشفوا بخلافهم الشديد هذه الحصون العائقة، وتيسّر لهم المعسور، واستقيمت لهم الأمور.
منعوا عن أنّ يكتب رسول الله (ص) لهم وصيّته، وامتنعوا عن الحركة في جيش أسامة، وجدّوا واجتهدوا في أن ينتخبوا في السقيفة لأنفسهم.
وقد بدّلوا ما أوصاهم به، وحرّفوا الكلم عن مواضعه، وغيّروا مسير الإسلام، وتركوا بل عادَوا أهل بيت الرسول، ونسوا ما وصّى رسول الله (ص) فيهم.
حتى إذا واروه في قبره ما قال بالأمس وأوصى به وقطّعوا أرحامه بعده وانصرفوا عن دفنه ضيعوا واشتروا الضرّ بما ينفع فسوف يُجزون بما قطّعوا.
كأنّهم ما سمعوا من رسول الله (ص) ما قال في أهل بيته وفي أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع) وفي بنته فاطمة الزهراء، بل ولعلهم أُمروا بالظلم والعدوان والمعادة.
* * *
( بعض ما ورد في فاطمة (ع) )
رجال أصبهان: عن عائشة قالت: قلت يا رسول الله مالك إذا قبّلت فاطمة جعلت لسانك في فيها كأنّك تريد أن تلعقها عسلاً؟ فقال رسول الله (ص): يا عائشة إنّها لمّا كانت ليلة أسري بي إلى السماء أدخلني جبريل الجنّة فناولني تفّاحة فأكلتها فصارت نطفة في صلبي ففاطمة من تلك النطفة فهي حوراءٌ إنسية كلّما اشتقت إلى الجنّة قبّلتها.(١)
مستدرك الحاكم: عن سعد بن مالك، قال رسول الله (ص): أتاني جبريل عليه الصلاة والسلام بسفرجلة من الجنّة فأكلتها ليلة أُسري بي، فَعلقت خديجة بفاطمة، فكنت إذا اشتقت إلى رائحة الجنّة شممت رقبة فاطمة.(٢)
ويروي: عن ميناء قال: خذوا عنّي قبل أن تُشابّ الأحاديث بالأباطيل، سمعت رسول الله (ص) يقول: أنا الشجرة، وفاطمة فرعها، وعليّ لقاحها، والحسن والحسين ثمرتها، وشيعتنا ورقها، وأصل الشجرة في جنّة عدن.(٣)
أقول: قد ذكرنا في فصول أهل البيت ما يتعلّق بها، وقد صرّحت الروايات النبوية بأنّ المراد من أهل بيت الرسول هم: عليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، ولا يشاركهم في هذا العنوان غيرهم، كما أنّه لا يشرك في فضائلها ومقاماتها الواردة غيرها من سائر بنات رسول الله (ص).
____________________
١ - رجال أصبهان، ج ١، ص ٧٨.
٢ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ١٥٦.
٣ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ١٦٠.
( فاطمة بضعة من رسول الله (ص) )
البخاري: بإسناده، أنّ رسول الله (ص) قال: فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها أغضبني.(١)
البيان والتعريف: إنّما فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها فقد أغضبني. أخرجه الشيخان والنسائي وأبو داود والإمام أحمد وغيرهم عن المسور بن مخرمة.(٢)
سير الأعلام: عن المسور قال رسول الله (ص): إنّما فاطمة شِجنة منّي، يبسطني ما يبسطها ويقبضني ما يقبضها.(٣)
مسند أحمد: ما يقرب منها.(٤)
مستدرك الحاكم: عن عليّ (رض) قال: قال رسول الله (ص) لفاطمة: إنّ الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك.(٥)
أقول: فمن أغضب فاطمة فقد أغضب الله ورسوله، فإنّها بضعة من الرسول بدناً وروحاً، ولا أدري أنّ من أغضبها كيف يعتذر من الله عند رسوله، وكيف يلقى الله ورسوله.
ويروي في ذخائر العقبى: عن عليّ (رض) قال: قال رسول الله (ص): اشتدّ غضب الله وغضب رسوله وغضب ملائكته على من هراق دم نبيّ وآذاه في عترته.(٦)
البخاري: بإسناده قال النبيّ (ص): إنّما هي بضعة منّي يُريبني ما أرابها
____________________
١ - البخاري، ج ٢، ص ١٨٥ وص ١٨٩.
٢ - البيان والتصريف، ج ١، ص ٢٧٠.
٣ - سير الأعلام، ج ٢، ص ٩٦.
٤ - مسند أحمد، ج ٤، ص ٣٣٢.
٥ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ١٥٤.
٦ - ذخائر العقبى، ص ٣٩.
ويؤذيني ما آذاها.(١)
مسلم: بإسناده عن المِسور قال: سمعت رسول الله (ص) على المنبر وهو يقول:إن بني هاشم بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم عليّ بن أبي طالب، فلا آذن لهم، ثمّ لا آذن لهم، ثمّ لا آذن لهم، إلاّ أن يحبّ ابن أبي طالب أن يُطلّق ابنتي ويُنكح ابنتهم، فإنّما ابنتي بضعة مني يُريبني ما أرابها ويؤذيني ما آذاها.(٢)
ويروي أيضاً: بسند آخر عنه قال رسول الله (ص): إنّما فاطمة بضعة منّي يؤذيني ما آذاها.
ويروي أيضاً: قال النبيّ (ص): إنّما فاطمة بضعة منّي يؤذيني ما آذاها ويُنصبني ما أنصبها.
مسند أحمد: ما يقرب منها.(٣)
خصائص النسائي: كما في مسلم، وفيها: ومن آذى رسول الله (ص) فقد حبط عمله.(٤)
ويروي أيضاً عن المسور: قال النبي (ص): إنّ فاطمة بضعة منّي من أغضبها أغضبني.
ويروي أيضاً عنه: قال النبي (ص): إنّ فاطمة لمُضغة أو بضعة منّي.
أقول: هذه الروايات الشريفة تدلّ على كمال اختصاصها بالنبيّ (ص) ونهاية محبّة رسول الله (ص) لها كأنّها مثل نفسه
( تزويجها من عليّ بن أبي طالب (ع) )
خصائص النسائي: عن عبد الله بن يزيد عن أبيه قال: خطب أبو بكر وعمر
____________________
١ - البخاري، ج ٣، ص ١٦٤.
٢ - مسلم، ج ٧، ص ١٤١، وابن ماجة، ج ١، ص ٦١٦ وسنن الترمذي، ص ٥٤٩.
٣ - مسند أحمد، ج٤، ص ٥.
٤ - خصائص النسائي، ص ٢٥.
فاطمة، فقال رسول الله (ص) إنّها صغيرة. فخطبها عليّ رضي الله عنه فزوّجها منه.(١)
الطبقات: إنّ أبا بكر خطب فاطمة إلى النبيّ (ص)! فقال: يا أبا بكر انتظر بها القضاء، فذكر ذلك أبو بكر لعمر، فقال له عمر: ردّك يا أبا بكر، ثمّ أنّ أبا بكر قال لعمر: اخطب فاطمة إلى النبيّ (ص)، فخطبها فقال له مثل ما قال لأبي بكر: أنتظر بها القضاء، فجاء عمر إلى أبي بكر فأخبره، فقال له: ردّك يا عمر. ثمّ إنّ أهل عليّ قالوا لعليّ: اخطب فاطمة إلى رسول الله (ص)، فقال: بعد أبي بكر وعمر! فذكروا له قرابته من النبيّ (ص) فخطبها، فزوّجه النبيّ (ص).(٢)
ويروي أيضاً: خطب أبو بكر وعمر فاطمةَ إلى رسول الله (ص)، فقال النبيّ (ص): هي لك يا علي!.
أنساب الأشراف: كان أبو بكر خطب فاطمة فقال له رسول الله (ص): أنا أنتظر بها القضاء. ثمّ خطبها عمر، فقال له مثل ذلك. فقيل لعلي: لو خطبت فاطمة! فقال: منعها أبا بكر وعمر ولا آمن أن يمنعنيها، فحمل على خطبتها، فخطبها الى رسول الله (ص)، فزوّجه إياها.(٣)
البيان والتعريف: إن الله أمرني أن أُزوّج فاطمة من عليّ. أخرجه الخطيب وابن عساكر عن أنس بن مالك. سببه: كما في الجامع الكبير عن أنس، قال: كنت قاعداً عند النبيّ (ص) فغشيه الوحي فلمّا سرى عنه قال لي: يا أنس أتدري ما جاء به جبريل من عند صاحب العرش؟ قلت: بأبي أنت وأمّي، وما جاء به جبريل من عند صاحب العرش؟ قال: إنّ الله أمرني إلخ.(٤)
أقول: تدلّ هذه الروايات الشريفة على أنّ تزويج فاطمة (ع) من عليّ بن أبي طالب (ع) كان بأمر الله عزّ وجلّ، فاختار لها كفواً يحبّه الله ورسوله وهو
____________________
١ - نفس المصدر السابق، ص ٢٢.
٢ - الطبقات، ج ٨، ص ١٩.
٣ - أنساب الأشراف، ج ١، ص ٤٠٢.
٤ - البيان والتعريف، ج ١، ص ١٧٤.
ابن عمّ رسول الله (ص)، وقد مرّ الحديث عن رسول الله (ص): أنّ الله اطلع إلى أهل الأرض فاختار رجلين أحدهما أبوك والآخر بعلك.
( فاطمة سيدة نساء الجنّة )
الاستيعاب: عن ابن عبّاس، قال رسول الله (ص): أفضل نساء أهل الجنّة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمّد ومريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم.(١)
البخاري: قال النبيّ (ص): فاطمة (ع) سيدة نساء أهل الجنّة.(٢)
سنن الترمذي: عن حذيفة قال: أتيت النبيّ (ص) فصلّيت معه قال: هذا ملك لم ينزل الأرض قط قبل هذه الليلة استأذن ربه أن يُسلم عليّ ويبشرني بأنّ فاطمة سيدة نساء أهل الجنّة وأنّ الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة.(٣) .
خصائص النسائي: عن أبي هريرة أبطأ علينا رسول الله (ص) يوماً صبور النهار، فلمّا كان العشي، قال له قائلنا: يا رسول الله قد شقّ علينا لم نرك اليوم! قال: إنّ ملكا لم يكن زارني فاستأذن الله في زيارتي، فأخبرني بأنّ كما في الترمذي.(٤)
مستدرك الحاكم: عن عائشة، أنّ النبيّ (ص) قال في مرضه الذي توفّي فيه: يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين وسيدة نساء هذه الأمّة وسيدة نساء المؤمنين.(٥)
قال: هذا إسناد صحيح ولم يخرجاه هكذا.
أقول: تدلّ هذه الروايات الشريفة على أنّ فاطمة (ع) أفضل نساء هذه الأمّة، بل وأفضل نساء أهل الجنّة من السابقين واللاحقين، كما أنّ ابنيها سيدا شباب أهل الجنّة. فالويل ثمّ الويل لمن آذاهم وأغضبهم.
____________________
١ - الاستيعاب، ج ٤، ص ١٨٩٥.
٢ - البخاري، ج ٢، ص ١٨٥ و، ص ١٨٩.
٣ - سنن الترمذي، ص ٥٤٠.
٤ - خصائص النسائي، ص ٢٤.
٥ - مستدرك الحاكم ج٣، ص ١٥٦.
( إنّها كانت أوّل من يدخل عليه النبيُّ (ص) )
سنن أبى داود: كان رسول الله (ص) إذا سافر كان آخر عهده بإنسان من أهله فاطمة، وأوّل من يدخل عليه إذا قدم فاطمة.(١)
مسند أحمد: يروي مثلها.(٢)
مستدرك الحاكم: عن أبى ثعلبة، قال: كان رسول الله (ص) إذا رجع من غزاة أو سفر أتى المسجد فصلّى فيه ركعتين، ثمّ ثنّى بفاطمة رضي الله عنها، ثمّ يأتي أزواجه.(٣)
ويروي أيضاً: نظير ما في السنن.(٤)
وروى بإسناد آخر نظيره، وفيه: فقال لها رسول الله (ص) فداك أبي وأمّي.
أقول: تدلّ هذه الروايات الشريفة على شدّة حبّ رسول الله (ص) لها، بحيث يقول لها: بأبي وأمّي فداك.(٥)
( أنّها أحبّ الناس إلى رسول الله (ص) )
وقد مرّ في فصول أهل البيت وفي فصول ما ورد في عليّ (ع) ما يتعلّق بالمقام فراجعها.
سنن الترمذي: عن بُريدة: كان أحبّ النساء إلى رسول الله (ص) فاطمة ومن الرجال عليّ.(٦)
ويروي أيضاً: عن جُميع بن عُمير التيمي، قال: دخلت مع عمّتي على عائشة
____________________
١ - سنن أبي داود، ج ٢، ص ٢٢٣.
٢ - مسند أحمد، ج ٥، ص ٢٧٥.
٣ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ١٥٥.
٤ - الاستيعاب، ج ٣، ص ١٨٣٥.
٥ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ١٥٦.
٦ - سنن الترمذي، ص ٥٤٩.
فسألت أيّ الناس كان أحبّ إلى رسول الله (ص)؟ قالت فاطمة، فقيل مِن الرجال؟ قالت: زوجها أنّ كان ما عملت صوّاماً قواماً.(١)
خصائص النسائي: عن جُميع وهو ابن عُمير قال دخلت مع أمّي على عائشة وأنا غلام فذكرت لها علياً رضي الله عنه؟ فقالت: ما رأيت رجلاً أحبّ إلى رسول الله (ص) منه ولا امرأة أحبّ إلى رسول الله (ص) من امرأته.(٢)
الاستيعاب: ويروي مثلها.(٣)
ويروي أيضاً: عن جُميع: قال دخلت مع أبي على عائشة يسألها من وراء الحجاب عن عليّ رضي الله عنه؟ فقالت: تسألني عن رجلٌ ما أعلم أحداً كان أحبّ إلى رسول الله (ص) الحديث.
ويروي الحاكم في المستدرك: نظيره.(٤)
ويروي أيضاً: عن بريدة نظير ما في الترمذي.(٥)
ويروي أيضاً: يقول عليّ، على منبر الكوفة: خطبت إلى رسول الله (ص) فاطمة عليها السلام! فزوّجني، فقلت: يا رسول الله أنا أحبّ إليك أم هي؟ قال: هي أحبّ إليّ منك وأنت أعزّ عليّ منها.(٦)
البيان والتعريف: فاطمة أحبّ إليّ منك وأنت أعزّ عليّ منها.(٧)
أخرجه الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة، قال الهيثميّ: رجاله رجال الصحيح.
مستدرك الحاكم: عن عمر ؛ أنّه دخل على فاطمة بنت رسول الله (ص) فقال: يا فاطمة والله ما رأيت أحداً أحبّ إلى رسول الله (ص) منك، والله ما كان أحد
____________________
١ - نفس المصدر السابق، ص ٥٥٠.
٢ - خصائص النسائي، ص ٢٠.
٣ - الاستيعاب، ج٤، ص ١٨٩٧.
٤ - مستدرك الحاكم، ج٣، ص ١٥٤.
٥ - خصائص النسائي، ص ٢١.
٦ - نفس المصدر، ص ٢٦.
٧ - البيان والتعريف، ج٢، ص ١١٨.
من الناس بعد أبيك (ص) أحبّ إليَّ منك.(١)
قال: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يُخرجاه.
أقول: هذه الأحاديث مصرّحة بأنّ أحبّ الناس إلى رسول الله (ص) من النساء، بل ومن عموم الناس، فاطمة (ع)، ولا ريب أنّ حبّ رسول الله (ص) ينبعث من منشأ روحاني ومن جهة معنوية إلهية، لا ربط لها بالأمور المادية.
( ومن فضائلها (ع) )
الاستيعاب: عن عمران، أنّ النبيّ (ص) عاد فاطمة وهي مريضة، فقال لها: كيف تجدينك يا بنية؟قالت: إنّي لوجعة، وإنّه ليزيدني أنّي ما لي طعام آكله.قال: يا بنية أمّا ترضين أنّك سيدة نساء العالمين؟قالت: يا أبت فأين مريم بنت عمران؟قال: تلك سيدة نساء عالمها، وأنت سيدة نساء عالمك، أَمَا والله لقد زوّجتك سيداً في الدنيا والآخرة.(٢)
دلائل النبوّة: عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: إذا كان يوم القيامة نادى مناد من وراء الحُجب يا أيّها الناس غضّوا أبصاركم ونكسوا ؛ فإنّ فاطمة بنت محمّد (ص) تجوز الصراط إلى الجنة.(٣)
سنن أبي داود: قال عليّ لابن أعبد: ألا أحدّثك عنّي وعن فاطمة بنت رسول الله (ص) وكانت أحبّ أهله إليه وكانت عندي، فجرّت بالرحى حتى أثّرت بيدها واستقت بالقربة حتى أثّرت في نحرها، وقمّت البيت حتى اغبرّت ثيابها، وأوقدت القدر حتى دكنت ثيابها، فأصابها من ذلك ضُر، فسمعنا أنّ رقيقا أُتي بهم النبي (ص)، فقلت: لو أتيت أباك فسألتيه خادماً يكفيك، فأتته فوجدت عنده حدّاثاً، فاستحيت فرجعت إلخ.(٤)
____________________
١ - مستدرك الحاكم، ج٣، ص ١٥٥.
٢ - الاستيعاب، ج٤، ص ١٨٩٥.
٣ - دلائل النبوة، ج٣، ص ٢١٩.
٤ - سنن أبي داود، ج٢، ص ٣٣٤.
سير الأعلام: عن عائشة قالت: ما رأيت أحداً كان أصدق لهجة من فاطمة إلاّ أن يكون الذي ولدها.(١)
مستدرك الحاكم: عن عائشة، أنها كانت إذا ذكرت فاطمة بنت رسول الله (ص) قالت الرواية.(٢)
الاستيعاب: يروي مثلها.(٣)
أقول: إنّها أصدق لهجة، ولكنّ المخالفين حكموا بكذبها وكذّبوها في دعواها فدكاً، وأنّ رسول الله (ص) قد وهبها لها.
مستدرك الحاكم: عن أنس، قال رسول الله (ص): حسبك من نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد.(٤)
ويروي: بسند آخر نظيره.
ويروي: عن عائشة، قالت لفاطمة رضي الله عنها بنت رسول الله (ص): ألا أُبشرك أنّي سمعت رسول الله (ص) يقول: سيدات نساء أهل الجنّة أربع: مريم بنت عمران، وفاطمة بنت رسول الله (ص)، وخديجة بنت خويلد، وآسية.(٥)
الاستيعاب: يروي مثلهما.(٦)
أقول: هذه الأخبار لا تنافي ما سبق من أنّ سيدة نساء أهل الجنّة فاطمة (ع)، فإنّهن سيدات النساء، وفاطمة (ع) سيدة قاطبة النساء كلّها.
مستدرك الحاكم: عن عليّ (ع) قال: سمعت النبيّ (ص) يقول: إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ من وراء الحجاب: يا أهل الجمع غُضوا أبصاركم عن
____________________
١ - سير الأعلام، ج٢، ص ٩٥.
٢ - مستدرك الحاكم، ج٣، ص ١٦٠.
٣ - الاستيعاب، ج٤، ص ١٨٩٦.
٤ - مستدرك الحاكم، ج٣، ص ١٥٧.
٥ - مستدرك الحاكم، ج٣، ص ١٨٥.
٦ - الاستيعاب، ج٤، ص ١٨٩٦.
فاطمة بنت محمد (ص) حتى تمرّ.(١)
( رسول الله (ص) وفاطمة (ع) )
الاستيعاب: عن عائشة أنّها قالت: ما رأيت أحداً كان أشبه كلاماً وحديثاً برسول الله (ص) من فاطمة، وكانت إذاً دخلت عليه قام إليها فقبّلها ورحّب بها، كما كانت تصنع هي به (ص).(٢)
سنن ابي داود: عن عائشة: ما رأيت أحداً كان أشبه سمتاً ودلاًّ وهدياً برسول الله (ص) من فاطمة كرم الله وجهها، كانت إذا دخلت عليه قام إليها فأخذ بيدها فيقبّلها وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها قامت إليه فأخذت بيده فقبّلته وأجلسته في مجلسها.(٣)
ويروي: عن الحسن: مثلها، وفيها - أشبه حديثا وكلاماً.
سنن الترمذي: قريب منها، وفيها: فلمّا مرض النبيّ (ص) دخلت فاطمة فأكّبت عليه فقبّلته ثمّ رفعت رأسها فبكت، ثمّ اكبّت عليه، ثمّ رفعت رأسها فضحكت، فقلت: إن كنتُ لأظنّ أنّ هذه من أعقل نسائنا، فإذا هي من النساء، فلمّا توفّي النبيّ (ص) قلت لها: أرأيت حين أكببت على النبيّ (ص) فرفعت رأسك الرواية.(٤)
مستدرك الحاكم: عن عائشة قالت: ما رأيت أحداً كان أشبه كلاماً وحديثاً من فاطمة برسول الله (ص) كانت إذا دخلت عليه رحّب بها وقام إليها فأخذ بيدها فقبّلها وأجلسها في مجلسه.(٥)
قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
____________________
١ - مستدرك الحاكم، ج٣، ص ١٥٣.
٢ - الاستيعاب، ج٤، ص ١٨٩٦.
٣ - سنن أبي داود، ج٢، ص ٣٥٤.
٤ - سنن الترمذي، ص ٥٥٠.
٥ - مستدرك الحاكم، ج٣، ص ١٥٤.
الاستيعاب ومسند أحمد: عن عائشة قالت: أقبلت فاطمة تمشي كأنّ مشيتها مِشية رسول الله (ص)، فقال: مرحباً بابنتي ثمّ أجلسها عن يمينه أو عن شماله ثمّ أسرّ إليها حديثا فبكت، فقلت لها استخصّك رسول الله (ص) حديثه ثمّ تبكين، ثمّ أنّه أسرّ إليها حديثاً فضحكت، فقلت: ما رأيت كاليوم فرحاً أقرب من حزن فبكيتُ لذلك، ثم قال: ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الأمة أو نساء المؤمنين قالت فضحكتُ لذلك.(١)
البخاري: قالت عائشة: أقبلت فاطمة تمشي كأنّ مشيتها مشيُ النبيّ (ص)، فقال النبيّ (ص): مرحباً يا ابنتي. ثمّ أجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثمّ أسر إليها حديثاً فبكت، فقلت لها: لم تبكين؟! ثمّ أسرّ اليها حديثا فضحكت، فقلت: ما رأيت كاليوم فرحاً أقرب من حزن، فسألتها عمّا قال؟ فقالت: ما كنت لاُ فشي سرّ رسول الله (ص)، حتى قبض النبيّ (ص) فسألتها، فقالت: أسرّ إليّ أن جبريل كان يعارضني القرآن كلّ سنة مرّة، وأنّه عارضني العام مرّتين، ولا أراه إلا حضر أجلي وأنّكِ أوّل أهل بيتي لحاقا بي فبكيت، فقال: أَمَا ترضيين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنّة أو نساء المؤمنين؟ فضحكت لذلك.(٢)
ثمّ: روى بإسناد آخر قريباً منها.
ويروي أيضاً: قريباً منها، وفيها: ولا أرى الأجل إلاّ قد اقترب فاتّقي الله واصبري فإنّي نعم السلف أنا لكِ، قالت: فبكيت بكائي الذي رأيت، فلمّا رأى جزعي سارّني الثانية، قال: يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمّة.(٣)
ويروي مسلم: بإسناده حديثين كما في البخاري (ج ٢، ص ١٧٤) وفيها: فقلت
____________________
١ - الاستيعاب، ج٤، ص ١٨٩٤ ومسند أحمد، ج٦، ص ٢٨٢.
٢ - البخاري، ج٢ ص١٧٤.
٣ - البخاري، ج٤، ص ٦٠.
لها حين بكت: أخصّكِ رسول الله (ص) بحديثه دوننا ثمّ تبكين.(١)
وفي زاد المسلم: وقد روى البزّاز عن عائشة: أنّه عليه الصلاة والسلام قال: فاطمة خير بناتي إنّها أصيبت بي فحقّ لمن كانت هذه حالتها أن تسود نساء أهل الجنّة، وقد سُئل أبو بكر بن داود: مَن أفضل خديجة أم فاطمة؟ فقال: إنّ رسول الله (ص) قال: إنّ فاطمة بضعة منّي. فلا أعدل ببضعة من رسول الله (ص) أحداً. وحسّن هذا القول السهيلي واستشهد لصحته أنّ أبا لبابه حين ربط نفسه وحلف أن لا يحلّه إلاّ رسول الله (ص) جاءت فاطمة لتحلّه فأبى من أجل قسمه، فقال رسول الله (ص): إنّما فاطمة بضعة منّي. فحلّته.(٢)
ابن ماجة: قالت عائشة: اجتمعت نساء النبيّ (ص) فلم تغادر منهنّ امرأة، فجاءت فاطمة كأنّ مشيتها مشية رسول الله (ص) فقال: مرحباً بابنتي. ثمّ أجلسها عن شمالها.(٣) .. كما في مسلم، ج٧، ص ١٤٢.
ويروي أيضاً: حديثا آخر قريباً ممّا في البخاري ( ج ٢)
الطبقات: يروي قريبا ممّا في البخاري.(٤)
يروي أيضاً: ما رأيت فاطمة عليها السلام ضاحكة بعد رسول الله (ص) إلا أنّه قد تمودي بطرف فيها.(٥)
أقول: يستفاد من هذه الأحاديث أمور:
الأوّل: كان سلوكها ومِشيتها في الوقار كمِشية رسول الله (ص)
الثاني: أنّها كانت موضع سرّ رسول الله (ص) والمخصوصة بحديثه.
الثالث: أنّها بضعة رسول الله (ص) فلا يعدل بضعته أحد.
الرابع: أنّها سيدة نساء أهل الجنّة.
____________________
١ - مسلم، ج٧، ص ١٤٢ و١٤٣.
٢ - زاد المسلم، ج٢، ص ٣٩٩.
٣ - ابن ماجة، ج١، ص ٤٩٤.
٤ - الطبقات، ج٢، ص ٢٤٧.
٥ - نفس المصدر، ص ٢٤٨.
الخامس: أنّها سيدة نساء الأمّة والمؤمنين.
السادس: قام رسول الله فأخذ بيدها وكان يقبّلها.
السابع: كانت أشبه سمتاً ودلاًّ وهدياً برسول الله.
فتنة:
( إحراق بيت فاطمة (ع) )
تاريخ الطبري: عن زياد بن كليب قال: أتى عمر بن الخطاب منزل علي وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين، فقال: والله لأحرقنّ عليكم أو لتخرُجُنّ إلى البيعة، فخرج عليه الزبير مُصلّتا بالسيف، فعثر فسقط السيف من يده فوثبوا عليه فأخذوه.(١)
العقد الفريد: الذين تخلّفوا عن بيعة أبي بكر، عليّ والعبّاس والزبير وسعد بن عبادة. فأمّا عليّ والعبّاس والزبير، فقعدوا في بيت فاطمة حتى بعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب ليخرجهم من بيت فاطمة، وقال له: إن أبوا فقاتلهم! فأقبل بقبس من نار على أن يُضرم عليهم الدار، فلقيته فاطمة، فقالت يا ابن الخطّاب أجئت لتُحرق دارنا؟ قال: نعم، أو تدخلوا فيما دخلت فيه الأمّة.(٢)
أقول: هذه أوّل فتنة في الإسلام ظهرت على أهل بيت رسول الله (ص)، وأوّل عدوان من الأمّة عليهم، ولا ينقضي عجبي من قول أبي بكر حيث يقول: فإن أبوا فقاتلهم! أَوَلا يذكر قول رسول الله (ص):
- أذكِّركم في أهل بيتي.
- إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي.
- اللّهمّ اذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
- أنا حربٌ لمن حاربكم وسلمٌ لمن سالمكم.
- اللّهمّ هؤلاء أهلي.
ثمّ أتعجب كثيراً من عمل عمر ومن قوله، حيث أقبل بقبس من نارٍ على أن يُضرم عليهم الدار. كأنّه ما سمع من رسول الله (ص): فاطمة بضعة منّي يؤذيني ما آذاها. ولعله كان قد أمر بإيذائهم ومقاتلتهم وإحراق دارهم. وقد ظلموا أهل
____________________
١ - تاريخ الطبري، ج٣، ص ١٩٨.
٢ - العقد الفريد، ج٤، ص ٢٥٩.
البيت وما راعوا حقوقهم، وما حفظوا وصيّة رسول الله (ص) فيهم، ونسوا ما ذكّروا به، وآذوا عليّاً وفاطمة والحسن والحسين وهم أهل بيت الطهارة، وكان إيذاؤهم ومحاربتهم إيذاءً ومحاربة لله ولرسوله.
ثمّ أنّ بنتَ رسول الله وبضعته فاطمة الزهراء قد انزجرت وتضجّرت تضجراً شديداً، وسأمت منهم سأمة، حتى مرضت واشتدّ مرضها، ولم تُجز آحاد منهم لعيادتها ولا الحضور لجنازتها ولا للصلاة عليها.
الاستيعاب: فقالت أسماء: يا بنتَ رسول الله ألا أُريك شيئاً رأيته بأرض الحبشة: فدعت بجرائد رطبة فحنّتها ثمّ طرحت عليها ثوباً، فقالت فاطمة: ما أحسن هذا وأجمله: تُعرف به المرأة والرجال، فإذا أنا متّ فاغسليني أنت وعليّ، ولا تُدخلي عليّ أحداً. فلما تُوفيت جاءت عائشة تدخل، فقالت أسماء: لا تدخلي. فشكت إلى أبي بكر، فقالت: هذه الخثعمية تحول بيننا وبين بنت رسول الله (ص)، وقد جعلت لها مثل الهودج، فجاء أبو بكر فوقف على الباب فقال: يا أسماء ما حملك على أن منعت أزواج النبيّ (ص) أن يدخلن على بنتِ رسول الله (ص) فقالت: أمرتني أن لا يدخل عليها أحد قال أبو بكر: فاصنعي ما أمرتك، ثمّ انصرف، فغسّلها عليّ وأسماء.(١)
الطبقات: دُفنت فاطمة بنت رسول الله (ص) ليلاً، ودفنها عليّ.(٢)
وروى بإسناد مختلفة ستّة أحاديث بهذا المضمون.
ويروي أيضاً: سألت ابن عبّاس متى دفنتم فاطمة؟ فقال: دفنّاها بليل بعد هدأةٍ، قال قلت: فمن صلّى عليها؟ قال: علي.(٣)
أقول: يظهر من الروايات أنّ ابن عبّاس ممّن حضر تشييع بنت رسول الله (ص) ودفنها والصلاة عليها. ويعلم من دفنها ليلاً أنّ الدفن قد وقع في سرٍّ وخفاءٍ من الناس، وهذا من جهة انزجار بنت رسول الله (ص) ووصيّتها
____________________
١ - الاستيعاب، ج٤، ص ١٨٩٧.
٢ - الطبقات، ج٨، ص ٢٩.
٣ - نفس المصدر، ص ٣٠.
وعدم رضايتها بحضورهم في جنازتها وصلاتها ودفنها.
وهذا جريان تشييع حبيبة رسول الله وبضعته، وهذه كيفية الصلاة عليها ودفنها، فليقض فيها المحقّق الحرّ بما شاء.
ويروي أيضاً: عن عبد الله بن الحسن، قال: وجدت المغيرة بن عبد الرحمن واقفا ينتظرني بالبقيع نصف النهار في حرّ شديد، فقلت: ما يوقفك يا أبا هاشم ها هنا؟ قال: انتظرتك، بلغني أنّ فاطمة دُفنت في هذا البيت في دار عقيل ممّا يلي دار الجحشيّين فأحبّ أن تبتاعه لي بما بلغ، أدفن فيها؟ فقال عبد الله: والله لأفعلنّ، فجهد بالعقيليين فأبوا، قال عبد الله بن جعفر: وما رأيت أحدا يشكّ أنّ قبرها في ذلك الموضع.
ويروي أيضاً: رواية أخرى قريبة منها.
انساب الأشراف: عن عروة أنّ علياً دفن فاطمة عليها السلام ليلاً، وغسّلها عليّ وأسماء، وبذلك أوصت، ولم يُعلم أبو بكر وعمر بموتها.(١)
مستدرك الحاكم: عن عائشة قالت: دُفنت فاطمة بنت رسول الله (ص) ليلاً دفنها عليّ، ولم يُشعر بها أبو بكر حتى دُفنت وصلّى عليها عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه.(٢)
تاريخ الطبري: قال: فهجرت فاطمة أبا بكر فلم تُكلّمه في ذلك حتى ماتت، فدفنها عليّ ليلاً ولم يُؤذن بها أبا بكر.(٣)
أقول: لا ينقضي تأثّري وحزني ما دمت وما دامت السموات والأرض على موت حبيبة رسول الله (ص) وبضعته، وابنته الفريدة المصابة بأبيها، المظلومة من الأمّة، الغريبة بين المسلمين، المدفونة ليلاً، المضطهدة المقهورة.
الله أكبر! ما هذا الحادث الجلل |
لقد تزلزل سهل الأرض والجبل |
وهذه مصيبة ما أعظمها وفتنة بين المسلمين ما أكبرها؟ جعلت رؤوس
____________________
١ - أنساب الأشراف، ج١، ص ٤٠٥.
٢ - مستدرك الحاكم، ج٣، ص ١٦٢.
٣ - تاريخ الطبري، ج٣، ص ٢٠٢.
المسلمين منخفضة عند الله ورسوله، بل وعند الأجانب والكفّار، فإنّهم لم يحفظوا حرمة رسول الله بعد رحلته، ولم يُراعوا حقوق أهل بيته، فتعساً لهم ثمّ تُعساً.
فتنة:
( أخذ فدك )
الملل والنحل: الخلاف السادس في أمر فدك والتوارث عن النبيّ (ص) ودعوى فاطمة عليه السلام وراثة تارة وتمليكاً أخرى، حتى دُفنت عن ذلك بالرواية المشهورة عن النبيّ عليه السلام:نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ما تركناه صدقة. (١)
تاريخ الطبري: فلما نزل أهل خيبر على ذلك سألوا رسول الله (ص) أن يُعاملهم بالأموال على النصف، وقالوا: نحن أعلم بها منكم وأعمر لها؟ فصالحهم رسول الله الله (ص) على النصف على أنّا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم. وصالحه أهل فدك على مثل ذلك، فكانت خيبر فيئاً للمسلمين، وكانت فدك خالصة لرسول الله (ص) لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب.(٢)
أقول: قال الله تعالى في سورة الحشر:( وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ) . أي الأموال التي أعادها الله وأرجعها وأعطاها رسول الله (ص) من الكفار وأنتم ما أجريتم على تحصيله من خيل ولا ركاب، أي لم تحصّلوه بالقتال والغلبة، بل سلّط الله رسوله عليهم وعلى ما في أيديهم، فالأمر فيه مفوّض إليه يضعه حيث يشاء، ولا يقسّم قسمة الغنائم التي قوتل عليها وأخذت عنوة وقهرا وبالحَرب.
السيرة النبوية: فلمّا فرغ رسول الله (ص) من خيبر قذف الله الرعب في قلوب أهل فدك حين بلغهم ما أوقع الله تعالى بأهل خيبر، فبعثوا إلى رسول الله (ص)
____________________
١ - الملل والنحل، ج١، ص ١٧.
٢ - تاريخ الطبري، ج٣، ص ٩٥.
يصالحونه على النصف من فدك، فقدمت عليه رسلهم بخيبر أو بالطائف أو بعد ما قدم المدينة، فقبل ذلك منهم، فكانت فدك لرسول الله (ص) خالصة ؛ لأنّه لم يوجّف عليها بخيل ولا ركاب.(١)
أنساب الأشراف: كان لرسول الله (ص) ثلاث صفايا: مال بني النضير، وخيبر، وفدك. فأمّا أموال بني النضير فكانت حبساً لنوائبه، وأمّا فدك فكانت لأبناء السبيل، وجزّأ خيبر ثلاثة أجزاء فقسّم جزأين منها بين المسلمين وحبس جزءا لنفسه ونفقة أهله.(٢)
أقول: الصفية من الغنيمة، والجمع صفايا: ما اختاره الرئيس لنفسه. فيكون مرادفا للفيء أو أخص منه، كما أنّ الأنفال أعمّ من الفيء حيث أنّه يشمل الأراضي الموات ورؤوس الجبال وبطون الأودية والآجام أيضاً. فالغنيمة شاملة للأنفال وغيرها، والأنفال شاملة للفيء وغيره. والفيء شامل للصفية وغيرها. فالصفية من الفيء: ما اختاره رسول الله (ص) لنفسه وجعله من ماله وملكه. قال ابن الأثير في النهاية: الصفي ما كان يأخذه رئيس الجيش ويختاره لنفسه من الغنيمة قبل القسمة، ويقال له الصفية والجمع الصفايا، ومنه حديث عائشة: كانت صفية من الصفي، يعني صفية بنت حُيّ كانت ممّا اصطفاها النبي (ص) من غنيمة خيبر.
البخاري: بإسناده: أنّ فاطمة ابنة رسول الله (ص) سألت أبا بكر الصدّيق بعد وفاة رسول الله (ص) أن يقسّم لها ميراثها ما ترك رسول الله (ص) ممّا أفاء الله عليه، فقال لها أبا بكر: إنّ رسول الله (ص) قال: لا نورَث، ما تركنا صدقة. فغضبت فاطمة بنت رسول الله (ص) فهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرته حتى تُوفيت، وعاشت بعد رسول الله (ص) ستة أشهر.(٣)
كذلك في مسند أحمد.(٤)
____________________
١ - السيرة النبوية، ج٣، ص ٣٦٨.
٢ - أنساب الأشراف، ج١، ص ٥١٩.
٣ - البخاري، ج٢، ص ١١٥.
٤ - مسند أحمد، ج١، ص ٦.
ويروي بإسناده: أنّ فاطمة أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من النبيّ (ص) فيما أفاء الله على رسوله (ص) تطلب صدقة النبيّ (ص) التي بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر! فقال أبو بكر: إنّ رسول الله (ص) التي بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر! فقال أبو بكر:إنّ رسول الله (ص) قال: لا نورّث ما تركنا فهو صدقة. إنّما يأكل آل محمد من هذا المال، يعني مال الله، ليس لهم أن يزيدوا على المأكل، وإنّي والله لا أغيّر شيئا من صدقات النبيّ (ص) التي كانت عليها في عهد النبيّ (ص) ولأعملنّ فيها بما عمل فيها رسول الله (ص)، فتشهّد عليّ ثمّ قال: إنّا قد عرفنا يا أبا بكر فضيلتك، وذكر قرابتهم من رسول الله (ص) وحقّهم، فتكلّم أبو بكر فقال: والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله (ص) أحبّ إلي أن أصل من قرابتي.(١) وفي مسند أحمد: ما يقرب منها.(٢)
ويروي: قريباً من هذه الرواية، وفيها: فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلّمه حتى تُوفيّت، وعاشت بعد النبيّ (ص) ستة أشهر، فلما توفّيت دفنها زوجها ليلاً ولم يُؤذن بها أبا بكر وصلّى عليها، وكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة، فلما تُوفيت استنكر على وجوه الناس، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته ولم يكن يبايع تلك الأشهر، فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا ولا يأتنا أحدٌ معك ؛ كراهية لمحضر عمر، فقال عمر: لا والله لا تدخل عليهم وحدك، فقال أبو بكر: وما عسيتهم أن يفعلوا بي؟ والله لآتينهم! فدخل عليهم أبو بكر، فتشهد عليّ فقال:إنّا قد عرفنا فضلك وما أعطاك الله، ولم ننفس عليك خيراً ساقه الله إليك ولكنّك استبددت علينا بالأمر، وكنا نرى لقرابتنا من رسول الله (ص) نصيباً. حتى فاضت عينا أبي بكر، فلمّا تكلّم أبو بكر قال: والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله (ص) أحبّ إليّ أن أصل من قرابتي، وأمّا الذي شجر بيني وبينكم من هذه الأموال: فلم آل فيها عن الخير ولم أترك أمرا رأيت رسول الله (ص) يصنعه فيها إلاّ صنعته.
____________________
١ - البخاري، ج٢، ص ١٨٥.
٢ - مسند أحمد، ج١، ص ٩.
فقال عليّ لأبي بكر: موعدك العشية للبيعة، فلمّا صلّى أبو بكر الظهر رقى المنبر فتشهّد وذكر شأن عليّ وتخلّفه عن البيعة وعذره بالذي اعتذر إليه ثمّ استغفر وتشهّد عليّ فعئم حق أبي بكر وحدّث أنّه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبي بكر ولا إنكار للذي فضّله الله به، ولكنّا كنّا نرى لنا في هذا الأمر نصيباً فاستبدّ علينا فوَجَدْنا في أنفسنا. فسرّ بذلك المسلمون قالوا: أصبت.(١)
أقول: يستفاد من هذا الكلام المنقول من الصحيح أمور:
الأوّل: أنّ فاطمة (ع) على قولهم: ما كانت عالمة بحقيقة الفيء والخمس والصدقة والميراث المذكورة في هذه الروايات، مع كونها من أهل بيت الوحي والنبوّة، ومع كونها متصرّفة فيها حياة النبيّ (ص).
الثاني: أنّ فاطمة ما صدّقت قول أبي بكر والحديث الذي رواه، أو ما توجّهت إلى معناه، حتى غضبت وهاجرت ولم تكلّمه.
الثالث: أنّ فاطمة غضبت أشدّ الغضب بحيث هجرته حتى تُوفيت، وقد قال النبيّ (ص): فمن أغضبها فقد أغضبني.
الرابع: أنّ فاطمة وعلياً (ع) قد غضبا وأوذيا بحيث لم يرضيا أن يحضر أبو بكر في تشييع بنت النبيّ وصلاتها ودفنها حتى دفنها عليّ (ع) ليلاً ولم يُخبر أحداً منهم بتجهيزها ودفنها.
الخامس: أنّ مصالحة عليّ (ع) ومبايعته كان بعد وفاة فاطمة (ع).
وفي البخاري: بإسناده: أنّ فاطمة والعبّاس عليهما السلام أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثها من رسول الله (ص) وهما حينئذٍ يطلبان أرضهما من فدك وسهمهما من خيبر، فقال لهما أبو بكر سمعت رسول الله (ص) يقول فهجرته فاطمة فلم تكلّمه حتى ماتت.(٢)
ثمّ يروي أيضاً: أتى حاجب عمر وقال: هل لك في عليّ وعبّاس؟ قال: نعم، قال عبّاس: يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا قال عمر: فإنّي أحدثكم
____________________
١ - البخاري، ج٣، ص ٣٥.
٢ - البخاري، ج٤، ص ١٠١.
عن هذا الأمر: إنّ الله قد كان خصّ رسوله (ص) في هذا الفيء بشيء لم يُعطه أحداً غيره، فقال عزّ وجلّ:( وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ) إلى قوله ( قَدِيرٌ ) ، فكانت خالصة لرسول الله (ص) والله ما احتازها دونكم، ولا استأثر بها عليكم، لقد أعطاكموه وبثّها فيكم حتى بقي منها هذا المال، فكان النبيّ (ص) يُنفق على أهله من هذا المال نفقة سَنَتِه، ثمّ يأخذ ما بقي فيجعله مَجعل مال الله ثمّ جئتماني وكلمتُكما واحدة وأمركما جميع، جئتني تسألني نصيبك من أبن أخيك، وأتاني هذا يسألني نصيب امرأته من أبيها، فقلت: إن شئتما دفعتها إليكما بذلك، فتلتمسان منّي قضاءً غير ذلك، فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي فيها قضاءً غير ذلك حتى تقوم الساعة، فإن عجزتما فادفعاها إليّ فأنا أكفيكماها.
أقول: فيدل هذا الحديث على أنّ عبّاساً وعلياً أيضاً يلتمسان على عقيدتهم أمراً خلاف الحقّ والشريعة، مع أنّ علياً أقضى الأمّة وأنّ الحقّ مع عليّ.
ثمّ العجب من عمر حيث اعترف بأنّ الله خصّ رسوله (ص) في هذا الفيء بشيءٍ لم يعطه أحداً غيره، ثمّ إنّه دفعها إليهما بعد سنتين من خلافته، مع أنّ أبا بكر لم يدفعها إلى فاطمة.
والأعجب أنّ البخاري يروي في أوّل صفحة ١٠٢ حديث( لا نورث ما تركنا صدقة ) ثمّ يروي في آخر الصفحة عن النبيّ (ص): أنّك إن تركت ولدك أغنياء خيرٌ من أن تركتهم عالة يتكفّفون الناس.
مع أنّ هذا الحكم يوجب الظلم على ورثة الأنبياء ومحروميّتهم من حقّهم، والنبيّ إذا مات ليس له حقّ في ماله، والمال للورثة، وهل يجوز لنبيٍّ أن يحكم في أموال الورثة بما شاء ويجعلهم عالة يتكفّفون الناس.
ويقول عمر بن الخطاب حسبنا كتاب الله: مع أنّ الكتاب يقول:( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ) .
ويروي أيضاً: قريباً من الحديث، وفيها: إن شئتما دفعتها إليكم، على أن عليكما عهد الله وميثاقه تعملان فيها بما عمل به رسول الله (ص) وبما عمل فيها أبو بكر
وبما عملت فيها منذ وليّتها، وإلاّ فلا تكلّماني فيها، فقلتما ادفعها إلينا بذلك.. الحديث.(١)
أقول: ردّ هذه الأموال إلى أهل بيت النبيّ (ص) صحيح وواقع في محلّه، وأمّا الشرط الذي اشترطه فباطل ؛ فإنّ عمر بن الخطاب ليس له مقام ولاية دينية حتى يتوقّف التصرّف في بيت المال على إجازته، وقد أثبتنا في بابه أنّ عمر منصوب من جانب أبي بكر كما أنّ أبا بكر أيضاً قد نُصّب من جانب عمر وبتعيينه، ولا تثبت بهذا ولاية حقيقية دينية لهما على عموم المسلمين، حتى على أهل بيت (ص) وعليّ بن أبي طالب (ع).
ويروي مسلم نظير تلك الرواية، وفيها: فقلت إن شئتم دفعتها إليكم، على أنّ عليما عهد الله أن تعملا فيها بالذي كان يعمل رسول الله (ص) فأخذتماها بذلك.(٢)
ويروي أيضاً: نظير رواية البخاري، وفيها: ولم يؤذن بها أبا بكر وصلّى عليها عليّ.(٣)
ويروي: عن عائشة: وكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها ممّا ترك رسول الله (ص) من خيبر وفدك وصدقته بالمدينة، فأبى أبو بكر عليها ذلك، وقال: لست تاركاً شيئاً كان رسول الله (ص) يعمل به إلاّ عملت به، إنّي أخشى أن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ، فأمّا صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى عليّ وعبّاس، فغلبه عليها عليّ، وأمّا خيبر وفدك فأمسكهما عمر وقال: هما صدقة رسول الله (ص) كانتا لحقوقه التي تعروه ونوائبه، وأمرهما إلى من ولّى الأمر، قال: فهما على ذلك إلى اليوم.(٤)
مسند أحمد: يروي في رواية نظيرها.(٥)
____________________
١ - البخاري، ج٤، ص ١٦١.
٢ - مسلم، ج٥، ص ١٥٢.
٣ - نفس المصدر، ص ١٥٣.
٤ - نفس المصدر، ص ١٥٥.
٥ - مسند أحمد، ج١، ص ٦.
سنن النسائي: عن عمر قال: كانت أموال بني النضير ممّا أفاء الله على رسوله ممّا لو يُوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكان ينفق على نفسه منها قوت سنة، وما بقي جعله في الكراع والسلاح عُدة في سبيل الله.(١)
ويروي: وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيلٍ ولا ركاب. قال الزهري: هذه لرسول الله (ص) خاصة قرى عربية فدك كذا وكذا.(٢)
سنن أبي داود: نظير ما في مسلم (ص ١٥٥).(٣)
ويروي أيضاً: عن الزهري، قال: صالح النبي (ص) أهل فدك وقرى ( قد سمّاها لا أحفظها )، وهو محاصر قوماً آخرين، فأرسلوا إليه بالصلح، قال فما أوجفتم عليه من خيلٍ ولا ركاب، يقول بغير قتال. قال الزهري: وكانت بنو النضير للنبيّ خالصاً لم يفتحوها عنوة افتتحوها على صلح قسّمها النبيّ (ص) بين المهاجرين لم يعط الأنصار منها شيئاً إلاّ رجلين كانت بهما حاجة.
ويروي أيضاً: جمع عمر بن عبد العزيز بني مروان حين استخلف، فقال إنّ رسول الله (ص) كانت له فدك فكان ينفق منها ويعود منها على صغير بني هاشم ويزوّج منها أيّهم، وأنّ فاطمة سألته أن يجعلها لها، فأبى. فكانت كذلك في حياة رسول الله (ص) حتى مضى لسبيله، فلمّا أن ولى أبو بكر عمل فيها بما عمل النبيّ (ص) حتى مضى لسبيله، فلمّا أن ولي عمر عمل فيها بمثل ما عملا حتى مضى لسبيله، ثمّ أقطعها مروان ثمّ صارت لعمر بن عبد العزيز، قال عمر يعني ابن عبد العزيز: فرأيت أمراً منعه النبيّ (ص) فاطمة ليس لي بحقّ، وإنّي اُشهدكم أنّي قد رددتها على ما كانت، يعني على عهد رسول الله (ص)
وفي حاشية الكتاب (ص ٥٥) أقطعها مروان أي زمن عثمان، والمعنى جعلها قطعة لنفسه وتوابعه.
____________________
١ - سنن النسائي، ج٧، ص ١٣٢.
٢ - نفس المصدر، ص ١٣٧.
٣ - سنن أبي داود، ج٢، ص ٥٨.
أقول: يظهر من هذا الكلام أنّ مروان بن الحكم كان أولى وأحقّ من فاطمة بنت رسول الله (ص)، حيث أنّ أبا بكر وعمر قد منعا فاطمة منها ثمّ أنّ عثمان أقطعها لمروان وتوابعه. ويظهر أيضاً أنّ عثمان كان قد عمل في هذا الموضوع خلاف أبي بكر وعمر.
سنن الترمذي: عن أبي هريرة: جاءت فاطمة إلى أبي بكر فقالت: من يرثك؟ قال: أهلي وولدي، قالت: فما لي لا أرث أبي؟ فقال أبو بكر: سمعت رسول الله (ص) يقول: لا نورَث، لكن أعول من كان رسول الله (ص) يعوله وأنفق على من كان رسول الله (ص) يُنفق عليه.(١) كذلك في مسند أحمد.(٢)
ويروي أيضاً نظير النسائي : (ج ٧، ص ١٣٢) وفيها: ولا ركاب، فكانت لرسول الله (ص) خالصاً وكان رسول الله (ص) يعزل نفقة أهله سنة ثمّ يجعل ما بقي.(٣)
الطبقات: عن أم هاني: أنّ فاطمة قالت لأبي بكر: من يرثك إذا مُتّ؟ قال: ولدي وأهلي: قالت: فما لك ورثت النبيّ دوننا؟ فقال: يا بنت رسول الله (ص) إنّي والله ما ورثت أباك أرضاً ولا ذهباً ولا فضةً ولا غلاماً ولا مالاً. قالت: فسهم الله الذي جعله لنا وصافيتنا التي بيدك؟ فقال: إنّي سمعت رسول الله (ص) يقول هي طعمة أطعمنيها الله فإذا مُتّ كان بين المسلمين.(٤)
ويروي أيضاً: جاءت فاطمة إلى أبي بكر تطلب ميراثها، وجاء العبّاس بن عبد المطلب يطلب ميراثه، وجاء معهما عليّ، فقال أبو بكر: قال رسول الله (ص) لا نورث ما تركنا صدقة، وما كان النبيّ (ص) يعول فعَلَيَّ، فقال عليّ: ورث سليمان داود، وقال زكريا: يرثني ويرث من آل يعقوب! قال أبو بكر: هو هكذا
____________________
١ - سنن الترمذي، ص ٢٥٠.
٢ - مسند أحمد، ج١، ص ١٠.
٣ - سنن الترمذي، ص ٢٦٣.
٤ - الطبقات، ج٢، ص ٣١٤.
وأنت والله تعلم مثل ما أعلم، فقال عليّ: هذا كتاب الله ينطق، فسكتوا وانصرفوا.(١)
ويروي أيضاً: عن أسلم، قال: سمعت عمر يقول: لما كان اليوم الذي تُوفي فيه رسول الله (ص) بويع لأبي بكر في ذلك اليوم، فلمّا كان من الغد جاءت فاطمة إلى أبي بكر معها عليّ، فقالت: ميراثي مِن رسول الله (ص) أبي؟! فقال: أبو بكر أمن الرِّثة أو من العُقد؟ قالت: فدك وخيبر وصدقاته بالمدينة، أرثها كما ترثك بناتك إذا مِتَ. فقال أبو بكر: أبوك والله خير منّي وأنت والله خيرٌ من بناتي، وقد قال رسول الله (ص): لا نَورت ما تركنا صدقة، يعني هذه الأموال القائمة، فتعلمين: أنّ أباك أعطاكها! فوالله لئن قلت نعم، لأقبلنّ قولك ولأصدّقنّك! قالت: جاءتني أم أيمن فأخبرتني أنّه أعطاني فدك، قال: فسمعته يقول: هي لك؟ فإذا قلت: قد سمعته، فهي لك ؛ فأنا أصدّقك وأقبل قولك، قال: قد أخبرتك ما عندي.
ويروي أيضاً: حدّث جعفر الأنصاري: كانت فدك صفيا لرسول الله (ص) فكانت لابن السبيل، وسألته ابنته فدك أن يهبها لها فأبى رسول الله (ص) ذلك عليها فلم يطمع فيها طامع، ثمّ توفي رسول الله (ص) والأمر على ذلك فلمّا كانت الجماعة على معاوية سنة أربعين ولّي مروان بن الحكم المدينة، فكتب إلى معاوية يطلب إليه فدك، فأعطاه إياها، فكانت بيد مروان يبيع ثمرها بعشرة آلاف دينار كلّ سنة ثمّ أعطى مروان عبد الملك نصفها وعبد العزيز بن مروان نصفها، فوهب عبد العزيز نصفها الذي كان بيده لعمر بن العبد العزيز.(٢)
ويروي أيضاً: فكتب عمر بن العزيز إلى أبي بكر بن محمّد كتابا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى أبي بكر بن محمّد. سلام عليك فإنّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلاّ هو. أمّا بعد: فإنّي نظرت في أمر فدك وفحصت عنه، فإذا هو لا يصلح لي، ورأيت إن أردّها على ما كانت عليه في
____________________
١ - نفس المصدر السابق، ص ٣١٥.
٢ - نفس المصدر، ج٥، ص ٣٨٨.
عهد رسول الله (ص) وأبي بكر وعمر وعثمان، وأترك ما حدث بعدهم، فإذا جاءك كتابي هذا فاقبضها وولّها رجلاً يقوم فيها بالحقّ.(١)
فتوح البلدان: قالوا: بعث رسول الله (ص) إلى أهل فدك منصرّفه من خيبر، محيصة بن مسعود الأنصاري يدعوهم إلى الإسلام، ورئيسهم رجل منهم يقال له يوشع بن نون اليهودي، فصالحوا رسول الله (ص) على نصف الأرض بتربتها فقبل ذلك منهم، فكان نصف فدك خالصاً لرسول الله (ص) ؛ لأنّه لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب.(٢)
ويروي أيضاً: عن عمر قال: كانت لرسول الله (ص) ثلاث صفايا، فكانت أرض بني النضير تحبساً وكانت لنوائبه، وجزأ خيبر على ثلاثة أجزاء، وكانت فدك لأبناء السبيل.(٣)
ويروي أيضاً: عن جعونة: قال: قالت فاطمة لأبي بكر: إنّ رسول الله (ص) جعل لي فدك فأعطني إياها، وشهد لها علي بن أبي طالب، فسألها شاهداً آخر فشهدت لها أمّ أيمن، فقال: قد علمت يا بنت رسول الله أنّه لا تجوز إلاّ شهادة رجلين أو رجل وامرأتين، فانصرفت.(٤)
أقول: الحاجة إلى البينة إذا فقد العلم واليقين، وكيف لا يحصل اليقين لمسلم عند دعوى فاطمة بنت رسول الله وهي سيدة نساء العالمين، والبضعة من رسول الله (ص)، وأحبّ الخلق إليه، أو كيف لا يحصل إذا شهد لأمرٍ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، وهو أخو رسول الله (ص) وولّيه وصفيّه وحبيبه وحبيب الله، بل وأحب الخلق إلى الله وإلى رسوله، وقد قال رسول الله (ص): من أغضب وآذى فاطمة فقد آذاني وأغضبني، وقال: ومن آذى علياً فقد آذاني، وقال أيضاً: عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ، وقال: عليّ منّي وأنا منه وهو وليّ كلّ مؤمن
____________________
١ - نفس المصدر السابق، ص٣٨٩.
٢ - فتوح البلدان، ص٤٢.
٣ - نفس المصدر، ص٤٣.
٤ - نفس المصدر، ص٤٤.
بعدي، فهل يحتمل مسلم أن تدّعي فاطمة وأن يشهد عليّ باطلاً؟! وأمّا أمّ أيمن فهي حاضنة رسول الله (ص)، وقال في حقّها:أنّها من أهل الجنّة.
يناسب هذا المقال ما كتب المأمون إلى عامله بالمدينة، كما فيفتوح البلدان:
أمّا بعد فإنّ أمير المؤمنين بمكانة من دين الله وخلافة رسوله (ص) والقرابة به، أولى مَن استنّ سنّته ونفذ أمره وسلّم لمن منحه منحة وتصدّق عليه بصدقة منحتَه وصدقتَه، وبالله توفيق أمير المؤمنين وعصمته، وإليه في العمل بما يقرّبه إليه رغبته، وقد كان رسول الله (ص) أعطى فاطمة بنت رسول الله (ص) فدكاً وتصدّق بها عليها، وكان ذلك أمراً معروفاً لا اختلاف فيه بين آل الرسول (ص)، ولم تزل تدّعي منه ما هو أولى به من صدق عليه، فرأى أمير المؤمنين أن يردّها إلى ورثتها ويسلّمها إليهم تقرّباً إلى الله تعالى بإقامة حقّه وعدله، وإلى رسول الله (ص) بتنفيذ أمره وصدقته، فأمر بإثبات ذلك في دواوينه والكتّاب به إلى عمّاله، فلئن كان ينادي في كلّ موسم بعد أن قبض الله نبيه (ص) أن يذكر كلّ مَن كانت له صدقة أو هبة أو عدّة ذلك فيقبل قوله وينفذ عدّته، إنّ فاطمة رضي الله عنها لأولى بأن يصدّق قولها فيما جعل رسول الله (ص) لها.
وقد كتب أمير المؤمنين إلى المبارك الطبري، مولى أمير المؤمنين، يأمره بردّ فدكٍ على ورثة فاطمة بنت رسول الله (ص) بحدودها وجميع حقوقها المنسوبة إليها، وما فيها من الرقيق والغلاّت وغير ذلك، وتسليمها إلى محمّد بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علىّ بن الحسين بن عليّ بن أبى طالب، ومحمّد بن عبد الله بن الحسن بن علىّ بن الحسين بن عليّ بن أبى طالب، لتولية أمير المؤمنين إيّاهما القيام بها لأهلها. فأعلم ذلك من رأى أمير المؤمنين إلخ.(١)
العقد الفريد: وفي كتاب إبراهيم بن جعفر في فدكٍ حين أمره بردّها: قد أرضيت خليفة اللهُ فدك كما أرضى الله رسوله فيها.(٢)
فتحصّل من هذه الروايات أمور:
١ - أنّا نقطع بأنّ فاطمة (ع) طالبت فدكاً من أبي بكر، ومن المسلّمات
____________________
١ - فتوح البلدان، ص٤٦.
٢ - العقد الفريد، ج٤، ص٢١٦.
اليقينية. أنّ فاطمة لا تطالب إلاّ عن حقّ ولا تدّعي شيئا إلاّ إذا أيقنت به، ولا تتكلّم إلاّ عن صدقٍ، ولا يمكن في حقّها الانحراف والتعدّي والتمايل الباطل، فإنّها من الذين أذهب الله الرجس عنهم وطهّرهم، وهي سيدة نساء العالمين.
٢ - ونقطع بأنّ علياً (ع) أيّدها ونصرها في هذه الدعوى، بل وشهد لها. ونعلم علماً قطعيّاً بأنّ علياً مع الحقّ والحقّ معه، ومع القرآن، وهو أعلم الأمّة وأتقاها، ويُحبّه الله ورسوله، ولا يمكن في حقّه خلاف الحقّ والصدق.
٣ - ونقطع أيضاً بأنّ أهل البيت قد تأذّوا وغضبوا وتألّموا تألّماً شديداً، وقد وردت روايات صحيحة بأنّ من آذاهم فقد آذى رسول الله، ومن آذى رسول الله (ص) فقد آذى الله.
٤ - ونقطع بأنّ الروايات الواردة في هذا الباب مختلة جداً ومغشوشة ؛ لاختلافها، ومخالفة بعض مضامينها بالأحاديث المقطوعة.
٥ - أنّ حديث:( نحن الأنبياء لا نورث )، إن أريد منه أنّهم لا يورّثون في الجهة المعنوية الإلهية من النبوة والفيوضات الغيبية التي ليسب بمكتسَبة فيصح مضمونها، فإنها لا تقبل التوارث والانتقال، بل وأنّها بيد الله يعطي من يشاء ويمنع. وإن أريد منه - الجهة المادّية الظاهرية من المال والملك، فيكون الحديث ضعيفاً وغير صحيح، فإنّ انتقال المال من الميت إلى ورثته ليس في اختيار الميت وجوداً ولا عدماً، بل وإنّه لا يقدر أن يمنع من الانتقال والإرث، والمال بعد الموت للورثة سواء وافق الميّت أو خالف، فلا يعدّ هذا من محاسن الميّت ولا من مساويه، بل الظاهر أنّ منع الورثة من الإرث يخالف العدل والإنصاف، ويساوق الجور والعدوان ؛ فإنّه يوجب محرومية الورثة من حقّهم الذي جعله الله لهم. فلا يكون هذا الحديث مدحاً للأنبياء بل قدحاً وذمّاً لهم.
٦ - هذا الحديث مردود عند أهل البيت عليهم السلام، كما شاهدت من الروايات، وهم أدرى بما في البيت.
٧ - إنّ الحقّ الصريح الذي لا ريب فيه أنّ رسول الله (ص) قد أعطى فدكاً لفاطمة (ع) في حال حياته، وكانت في تصرفها، ثمّ لمّا توفّي رسول الله (ص)
أخذها أبو بكر وأخرج منها عاملها، في تلو السياسة التي اتّخذت، ونقطع بأنّ هذا العمل مرتبط بالفتن الحادثة التي أسلفناها.
وهذه فتنة منعت أهل البيت عن بسط أيديهم وتوسعة معاشهم، وصرفت وجوه الناس عنهم، وجعلتهم في مضيق من العيش والحياة، وصار أعداؤهم فرحين مستبشرين.
( نتيجة الفتن الخمسة )
ظهرت هذه الفتن الخمسة، وحدثت الأحداث التي أسلفناها، فجعلت مجرى الإسلام منحرفاً، وغيّرت ما أقامه رسول الله (ص)، فصار المسلمون مختلفين، وارتدّوا عن الصراط المستقيم، وأعرضوا عمّا أوصاهم به رسول الله (ص).
فهذه الأحداث قد جعلت جامعة المسلمين منحرفة عن أهل البيت، وموافقة لخلافة أبي بكر وعمر، ومستعدّة لقبول كلمات المخالفين.
ثمّ أنهم قد أحدثوا أحاديث جديدة، وشاعت روايات حديثة ليست لها سابقة في زمان رسول الله (ص) ولا في الأيام الأوّل بعد الإسلام ولا في السقيفة ولا في محاورات أخرى. فغيّروا كلمات رسول الله (ص) عن مواضعها وحرّفوها وبدّلوها، فبئس ما صنعوا، ضلُّوا وأضلّوا، وبئس ما ظلموا، وما ظلموا إلاّ أنفسهم.
* * *
( روايات في فضل أبي بكر )
البخاري: قال رسول الله (ص): أنّ من أمّن عليّ في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متّخذاً خليلاً غير ربّي لاتّخذت أبا بكر خليلاً، ولكن إخوة الإسلام ومودّته، لا يبقينَّ في المسجد باب إلاّ باب أبي بكر.(١)
ويروي: مثلها، وفيها: إلاّ خلّة الإسلام، لا يبقينَّ في المسجد خوخة إلاّ خوخة أبي بكر.(٢)
ويروي مسلم: مثلها، وفيها: ولكن أخوة الإسلام لا تُبقينّ في المسجد خوخة إلاّ خوخة أبي بكر.(٣)
وفي زاد المسلم شرح المسلم: يشير به إلى قطع المنازعة مع أبي بكر في أمر الخلافة على الاستعارة التصريحية، بأنّ شبّه طريق النزاع فيه الأبواب ولم يكن بيت أبي بكر متّصلا به ولا ينافيه قوله في حقّ عليّ كرّم الله وجهه سُدّوا أبواب المسجد كلّها إلاّ بابَ عليّ، لأنّه محمول على حقيقته، لأنّ بيت عليّ ثبت أنّه كان في جنب المسجد النبوي، فلم يقصد به الإشارة إلى خلافته.(٤)
ابن ماجة: عن عائشة قالت: لما قبض رسول الله (ص) وأبو بكر عند امرأته ابنة خارجة بالعوالي الرواية.(٥)
أقول: فيها تصريح بأنّ بيت أبي بكر كانت بالعوالي. وأمّا إخوة الإسلام:
____________________
١ - البخاري، ج٢، ص ١٧٧.
٢ - نفس المصدر، ص ٢٠٣.
٣ - مسلم، ج٧، ص ١٠٨
٤ - زاد المسلم ج١، ص ٨٦.
٥ - ابن ماجة، ج١، ص ٤٩٨.
فهي عامة بالنسبة إلى جميع المسلمين، كما قال تعالى:( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) فلا دلالة فيها على امتياز مخصوص لأبي بكر، مع أنّ رسول الله (ص) قد آخى بينه وبين عليّ بن أبي طالب (ع)، كما في ابن ماجة قال عليّ: أنا عبد الله واخو رسوله وأنا الصدّيق الأكبر لا يقولها بعدي إلاّ كذّاب.(١)
وفي السيرة النبويّة: فقال (ص): تآخوا في الله أخوين، ثمّ أخذ بيد عليّ بن أبي طالب، فقال: هذا أخي.(٢)
أقول: قد سبق فصل مخصوص بهذا الموضوع، فراجعه.
ومن راجع الروايات المنقولة في خصوص بعض الأصحاب المخالفين، ونظر فيها نظر دقّة وتحقيق وجدها مقتبسة ومأخوذة من الأحاديث الواردة في عليّ بن أبي طالب (ع) ومجعولة على مضامين قريبة منها، كالأحاديث المجعولة في محاسن الشام وفضائل أهلها، في مقابل الرايات الواردة في المدينة، وكالتي جعلت في فضائل بني أمية وسلاطينها في قِبال ما وردت في بني هاشم وأهل البيت، ونظائرها.
قال ابن أبي الحديد في شرح النهج: وذكر شيخنا أبو جعفر الإسكافي: أنّ معاوية وضع قوماً من الصحابة وقوماً من التابعين على رواية أخبار قبيحة في عليّ (ع) تقتضي الطعن فيه والبراءة منه، وجعل لهم على ذلك جُعلا يرغب في مثله.(٣)
وفي الموضوعات الكبير للقاري: ومنهم زنادقة وضعوه قصداً إلى إفساد الشريعة وإيقاع الشكّ والتلاعب بالدين، وقد كان بعض الزنادقة يضع الحديث لنصرة مذهبه، ومنهم من يضع حسبة ترغيباً وترهيباً، ومنهم من أجاز وضع الأسانيد لكلام حسن، ومنهم من قصد التقريب إلى السلطان ومنهم القُصّاص.(٤)
____________________
١ - نفس المصدر السابق، ج١، ص ٥٧.
٢ - السيرة النبوية، ج٢، ص ١٥٠.
٣ - شرح النهج لابن أبي الحديد، ج١، ص ٣٥٨.
٤ - الموضوعات الكبير للقاري، ص ١٥٠.
مستدرك الحاكم: قال رسول الله (ص): أن تُولوا أبا بكر تجدوه زاهداً في الدنيا راغباً في الآخرة، وان تُولوا عمرَ تجدوه قوياً أمينا لا تأخذه في الله تعالى لومة لائم، وان تُولوا علياً تجدوه هادياً مهدياً يسلك بكم الطريق.(١)
أقول: المطلوب اللازم في الخليفة كونه مهدياً وهادياً يهدي الأمّة إلى صراطاً مستقيم، وأمّا الزهد والأمانة فمن صفات المؤمنين ولازم لكلّ فردٍ من المسلمين أنّ يتّصف به.
ويروي: ما يقرب منها، وفيه: راغب في الآخرة وفي جسمه ضعف فهادٍ مهتدٍ يقيمكم على صراط مستقيم.(٢)
أقول: توصيف أبي بكر بقوله:( وفي جسمه ضعف ) ، يدل على ضعفه عن مقام الخلافة وبأنّه غير مستعدٍ له.
ثمّ أنّ نظائر هذا الروايات لم تثبت عند أهل البيت، ولم تضبط في كتب الإمامية، وعلى تقدير ورودها وصحّتها لا تدلّ على مطلوبهم، ولا سيّما مع وجود أحاديث صحيحة واردة في كتب الفريقين لعليّ (ع)، وقد أدرجنا أنموذجا منها في الكتاب.
أنساب الأشراف: لما ثقل رسول الله (ص) دعا عبد الرحمن بن أبي بكر فقال: ائتني بكتفٍ حتى أكتب لأبي بكر كتابا لا يُختلف عليه معه، فذهب عبد الرحمن ليقوم، فقال: اجلس أبى الله والمؤمنون أن يُختلف على أبي بكر.(٣)
ويروي: عن رسول الله (ص) قال: اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر.(٤)
المعارف: عن أبي نضرة، قال أبو بكر في الخلافة: ومن أحقّ بها منّي أو لست أوّل من أسلم؟!(٥)
____________________
١ - مستدرك الحاكم، ج٣، ص ٧٠.
٢ - مستدرك الحاكم، ج٣، ص ١٤٢.
٣ - أنساب الأشراف، ج١، ص ٥٤١.
٤ - نفس المصدر، ص ٥٤٠.
٥ - المعارف، ص ١٦٩.
الاستيعاب: عن عمرو بن العاص، قلت يا رسول الله من أحبّ الناس إليك؟ قال عائشة، قلت: من الرجال؟ قال أبوها.(١)
أقول: قلنا إنّ المخالفين لأهل البيت قد وضعوا أحاديث في مقابل ما وردت في أهل البيت وعليّ (ع).
فالرواية الأولى: موضوعة في مقابل أحاديث الوصية وطلبه كتاباً، وقول عمر: إنّ الرجلَ ليهجر!! فراجعها.
والرواية الثانية: موضوعة في مقابل ما وردت: إن تولّوا علياً تجدوه هادياً، وما يقرب منها.
والرواية الثالثة: موضوعة في مقابل ما وردت من الأحاديث المتواترة المسلّمة: إنّ أوّل من أسلم وصلّى عليّ.
والرواية الرابعة: موضوعة في مقابل ما وردت: إنّ أحبّ الناس إلى رسول الله فاطمة وعليّ. فراجعها.
مع ضعف هذه الروايات دلالة وسنداً، لا يخفى على المحقّق الخبير، ونحن نشير إلى بعض موارد الضعف فيها.
١ - أن يُختلف على أبي بكر ولعلّ رسول الله (ص) لم يتوجّه إلى الاختلاف الواقع بعد رحلته ولا سيّما خلاف أهل بيته الأطهار.
٢ - ائتني بكتفٍ: ولا أدري كيف لم يتوجّه الرجل الذي صرّح بقوله: إنّ الرجل ليهجر وقد غلبه الوجع، حتى يمنع عن هذه الوصية أيضاً.
٣ - اقتدوا باللذَين: ولعلّ رسول الله (ص) قد نسي ما قال في عليّ (ع) ولم يتوجّه إلى خلافهما علماً وعملاً.
٤ - أَوَلستُ أوّل من أسلم: هذه الرواية مجعولة، والصحيح ما خطب به أبو بكر في السقيفة، كما في العقد الفريد ثمّ قال: أيّها الناس نحن المهاجرون أوّل الناس إسلاماً، وأكرمهم أحساباً، وأوسطهم داراً، وأحسنهم وجوهاً، وأكثر الناس
____________________
١ - الاستيعاب، ج٣، ص ٩٦٧.
ولادة في العرب، وأمسّهم رحماً برسول الله (ص)، أسلمنا قبلكم إلخ.(١)
وقال عليّ (ع) في خطب النهج: احتجّوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة.
٥ - أحبّ الناس إليك: وقد روينا روايات متواترة في أنّ:أحبّ الناس من الرجال عليّ ومن النساء فاطمة ، وقد روي بعض هذه الروايات عن عائشة فراجعه.
الاستيعاب: عن عبد الله بن زمعة، قال: كنت عند رسول الله (ص) وهو عليل، فدعاه بلال إلى الصلاة، فقال لنا:مُروا من يصلّي بالناس. قال: فخرجت فإذا عمر في الناس وكان أبو بكر غائباً، فقلت: قم يا عمر فصلِّ بالناس، فقام عمر فلمّا كبّر سمع رسول الله (ص) صوته وكان مُجهراً، فقال رسول الله (ص):فأين أبو بكر؟ يأبّى الله ذلك والمسلمون، فبعث إلى أبي بكر فجاءه بعد أن صلّى عمر تلك الصلاة، فصلّى بالناس طول علّته حتى قبض (ص).(٢)
وفي مسند أحمد: عن ابن عبّاس قال: لمّا مرض رسول الله (ص) مرضه الذي مات فيه كان في بيت عائشة، فقال: ادعوا لي علياً! قالت عائشة: ندعو لك أبا بكر، قال: ادعوه، قالت حفصة: يا رسول الله ندعو لك عمر، قال ادعوه. قالت أمّ الفضل: يا رسول الله ندعو لك العبّاس، قال: ادعوه. فلمّا اجتمعوا رفع رأسه فلم يرَ علياً فسكت. فقال عمر: قوموا عن رسول الله (ص)! فجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فقال: مروا أبا بكر يصلّي بالناس إلخ.(٣)
أقول: يفهم من الروايتين أن كلّ واحدة من الأزواج تحبّ تقديم أبيها في مقابل عليّ (ع)، وأمّا جملة ( يأبى الله ذلك والمسلمون): يخالف ما ورد من تقديم عليّ (ع) كما في أكل الطير والتزويج والبراءة وغيرها، مع أنّ أبا بكر وعمر كانا من جيش أسامة فكيف يمكن لهما الصلاة مع تأكيد رسول الله (ص) بقوله جهّزوا جيش أسامة، ولعنِه على من تخلّف.
____________________
١ - العقد الفريد، ج٤، ص ٥٨.
٢ - الاستيعاب، ج٣، ص ٩٦٩.
٣ - مسند أحمد، ج١، ص ٣٥٦.
( في الصحابة )
الطبقات: أتينا علياً قلنا أخبرنا عن سلمان؟ قال: أدرك العلم الأوّل والعلم الآخر، بحر لا ينزح قعره، منّا أهل البيت. ويروي أيضاً عن أبي صالح. عن النبيّ (ص)، قال: ثكلت سلمان أمّه ؛ لقد أشبع من العلم.(١)
ويروي أيضاً: سئل عليّ عن سلمان الفارسي، فقال: ذاك امرؤ منّا وإلينا أهل البيت، مَن لكم بمثل لقمان الحكيم؟! عَلَم العلم الأوّل والعلم الآخِر، وقرأ الكتاب الأوّل وقرأ الكتاب الآخر، وكان بحراً لا يُنزف.(٢)
البيان والتعريف: سلمان منّا أهل البيت. أخرجه الطبراني في الكبير والحاكم عن عمرو بن عوف. سببه: كما في المستدرك: أنّ رسول الله (ص) خطّ الخندق عام الأحزاب حتى بلغ المذاحج فقطع لكلّ عشرة أربعين ذراعاً، فقالت المهاجرون: سلمان منّا، وقالت الأنصار: سلمان منّا. فقال (ص): سلمان منّا أهل البيت.(٣)
سير الأعلام: عن زيد بن أبي أوفى: ثمّ دعا أبا الدرداء وسلمان، فقال: يا سلمان أنت منا أهل البيت، وقد آتاك الله العلم الأوّل والعلم الآخر.(٤)
أخبار أصبهان: يقول أهل العلم: عاش سلمان ثلاثمئة وخمسين سنة فأمّا مائتين وخمسين فلا يشكّون فيه، وكان من المعمّرين، قيل أنّه أدرك وصيّ عيسى بن مريم (ع) وأعطي العلم الأوّل والآخر، وقرأ الكتابين، كان أحد
____________________
١ - الطبقات، ج٢، ص ٣٤٦.
٢ - نفس المصدر، ج٤، ص ٨٦.
٣ - البيان والتعريف، ج٢، ص ٧٠.
٤ - سير الأعلام، ج١، ص ٩٧.
النجباء.(١)
مسند أحمد: عن بريدة، قال رسول (ص): إن الله يحبّ من أصحابي أربعة، أخبرني إنّه يحبّهم وأمرني أن أحبّهم. قالوا من هم يا رسول الله؟ قال: إنّ علياً منهم، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، والمقداد بن الأسود الكندي.(٢)
مسند أحمد: عن أنس، أنّ رسول الله (ص) شاور الناس يوم بدر، فتكلّم أبو بكر فأعرض عنه، ثمّ تكلّم عمر فأعرض عنه، فقالت الأنصار: يا رسول الله إيانا تريد؟ فقال المقداد ابن الأسود: يا رسول الله والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نُخيضها البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغِماد فعلنا، فشأنك يا رسول الله.(٣)
( الإخاضة: الإيراد. وبرك الغِماد: موضعٌ باليمن )
ويروي أيضاً: عن الخدري، أنّ النبي (ص) قال: فأقول أصحابي أصحابي. فقيل: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، قال: فأقول بُعداً بعداً، سحقاً سحقاً، لمن بدّل بعدي.(٤)
ويروي: عن أبي قتادة يقول: سمعت رسول الله (ص) يقول على المنبر للأنصار: ألا إنّ الناس دثاري والأنصار شعاري، لو سلك الناس وادياً وسلكت الأنصار وادياً لاتبعت شعبة الأنصار، ولولا الهجرة لكنت رجلاً من الأنصار، فمن ولي من الأنصار فليُحسن إلى محسنهم وليتجاوز عن مسيئهم، ومن أفزعهم فقد أفزع هذا الذي بين هاتين. وأشار إلى نفسه (ص).(٥)
ويروي: عن عمّار، لكن حذيفة أخبرني عن النبيّ (ص) قال: في أصحابي اثنا عشر منافقاً، منهم ثمانية لا يدخلون الجنّة حتى يلج الجمل في سمّ الخياط.(٦)
____________________
١ - أخبار أصبهان، ج١، ص ٤٨.
٢ - مسند أحمد، ج٥، ص ٣٥١.
٣ - نفس المصدر، ج٣، ص ٢١٩.
٤ - نفس المصدر، ص ٢٨.
٥ - نفس المصدر، ج٥، ص ٣٠٧.
٦ - نفس المصدر، ص ٣٩٠.
الاستيعاب: عن ابن عبّاس، قال رسول الله (ص): إنّكم محشورون إلى الله عزّ وجلّ عُراة غُرلاً، فأقول يا ربّ أصحابي، فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنّ هؤلاء لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم.(١)
( الغُرل: الذين لم يختنوا )
أقول: يستفاد من هذه الأحاديث أمور:
١ - أنّ عدّة من الأصحاب قد وردت في فضائلهم ومقاماتهم أحاديث متواترة، كسلمان وأبي ذرّ والمقداد وعمّار.
٢ - وقد وردت روايات في بعضهم بأنّهم يصيرون مرتدّين ويُحدّثون أحداثا بعد نبيّهم، فسُحقاً لهم ثمّ سُحقاً.
٣ - يستفاد من جملة: ( أن الله يُحبّ من أصحابي أربعة )، أنّ هؤلاء الأربعة هم المنتخبين من الأصحاب والمجتبين المحبوبين عند الله ورسوله، بل وقد أمر الله تعالى بحبّهم وأتباعهم.
٤ - يستفاد من حالات هؤلاء الأربعة: أنّهم كانوا على شريعة أهل البيت وممّن امتنعوا عن بيعة أبي بكر وخالفوها، وقد سبق قول سلمان: ( كريد ونكرديد )، ولو بايعتم علياً لأكلتم إلخ.
____________________
١ - الاستيعاب، ج١، ص١٦٤.
فتنة:
( خلافة أبي بكر )
الفائق: خطب عمر بن الخطاب الناس فقال: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرّها! إنّه لا بيعة إلاّ عن مشورة، وأيّما رجلٌ بايع من غير مشورة فإنّه لا يُؤمّر واحد منها، تغرَّة أن يُقتلا.(١)
قال الزمخشري: الفلتة: أي الفجأة. وقيل هي آخر ليلة من الأشهر الحرم وفيها كانوا يختلفون فيقول قوم: هي من الحلّ، وقوم: من الحرم، فيسارع الموتور إلى درك الثأر غير متلوّم، فيكثر الفساد وتُسفك الدماء. وفي الحديث ؛ قال عمر: كانت إمارة أبي بكر فلتة وقى الله شرّها، قلت: وما الفلتة؟ قال: كان أهل الجاهلية يتحاجزون في الحُرُم فإذا كانت الليلة التي يشكّ فيها أدغلوا فأغاروا. ويجوز أن يريد بالفلتة الخِلسة، يعني: أنّ الإمارة يوم السقيفة مالت إلى تولِّها كل نفس ونيط بها كلّ طمع، ولذلك كثر فيها التشاجر والتجارب، وقاموا فيها بالخُطب ووثب غير واحد يَستصوبها لرجل من عشيرته ويبدي ويعيد، فما قُلّدها أبو بكر إلاّ انتزاعا من الأيدي واختلاسا من المخالب، ومثل هذه البيعة جديرة بأن تكون مهيّجة للشرّ والفتنة، فعصم الله من ذلك ووقى. والتغرّة مصدر غرّر به، أيّ خوف التغرّة في أن يُقتلا وخوف إخطار بهما في القتل.
أقول: فعلى أيّ معنى وتقدير، يعلم أنّ خلافته وقعت من غير سابقة وانتظار، والوثوب والمسارعة في السقيفة، حين اشتغال أهل البيت في تجهيز رسول الله (ص) ثمّ اجتمعوا في المسجد وأخذوا البيعة العامة.
____________________
١ - الفائق، ج٢، ص٢٩٦.
البخاري: بإسناده عن أنس: أنّه سمع خطبة عمر الآخرة حين جلس على المنبر وذلك الغد من يوم تُوفّي النبيّ (ص) فتشهد وأبو بكر صامت لا يتكلّم، قال: كنت أرجو أن يعيش رسول الله (ص) حتى يُدبِرَنا - يريد بذلك أن يكون آخرهم - فإن يكُ محمّد (ص) قد مات فإنّ الله قد جعل بين أظهركم نوراً تهتدون به هدى الله به محمداً (ص)، وأنّ أبا بكر صاحب رسول الله (ص) ثاني اثنين، فإنّه أولى المسلمين بأموركم، قوموا فبايعوه! وكان طائفة منهم قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة، وكانت بيعة العامة على المنبر، قال أنس: سمعت عمر يقول لأبي بكر يومئذٍ اصعد المنبر، فلم يزل به حتى صعد المنبر فبايعه الناس عامّة.(١)
أقول: يستنبط من هذا الكلام أمور:
١ - أنّ الباعث والمحرّك والسبب الفرد لإمرة أبي بكر يوم السقيفة وفي هذا اليوم هو عمر بن الخطّاب.
٢ - فإن كان النور الذي هدى الله به محمّداً وهو القرآن كافياً ووافياً للمسلمين، فلا يكون لهم احتياج إلى نصب خليفة. وإن كانت الحاجة إليه من جهة الحكومة الظاهرية فكيف يجعل هذا الأمر ركنا من أركان الدين، حتى يعدّ منكره من المخالفين بل ومن الكافرين.
٣ - يظهر من هذا الكلام: أنّ الدليل المنحصر والمستند الفرد لإمرة أبي بكر، هو كونه صاحباً لرسول الله (ص) وكونه ثاني اثنين في سفر الهجرة ؛ وغير خفيّ أنّ أصحاب النبي (ص) كانوا ألوفاً، ومنهم من كان أعلم وأتقى وأشجع وأفضل وأحبّ إلى الله والى رسوله من أبي بكر، وأمّا المصاحبة في سفر مخصوص فلا يدلّ على فضيلة خاصة بوجه من الوجوه.
ويقول أيضاً: سمع أنس عمر بن الخطاب حين بايع المسلمون أبا بكر واستوى على منبر رسول الله (ص)، تشهّد قبل أبي بكر، فقال: أمّا بعد، فاختار الله
____________________
١ - البخاري، ج٤، ص١٥٣.
لرسوله (ص) الذي عنده على الذي عندكم، وهذا الكتاب الذي هدى الله به رسولكم، فخذوا به تهتدوا وإنّما هدى الله به رسوله.(١)
أقول: نحن نعتقد بأن كتاب الله بعد أن توفّي رسول الله (ص) كان محتاجاً إلى مبيّن، فإنّ فيه عاماً ومطلقاً ومتشابهاً ومنسوخاً، ولا بدّ من وجود إمام مؤيّد من الله ومتعيّن من جانب رسوله وهو أفضل الأمّة، معصوم من الآثام والخطأ، عالم بالأحكام، ولا نرى هذه المراتب إلاّ في شخص عليّ بن أبي طالب (ع)، وإمّا انتخاب الناس وآرائهم فلا اعتبار لها إلاّ في الحكومات الظاهرية.
السيرة النبوية: لما بويع أبو بكر في السقيفة وكان الغد، جلس أبو بكر على المنبر، فقام عمر فتكلّم قبل أبي بكر، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثمّ قال: أيّها الناس إنّي كنت قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت ممّا وجدتها في كتاب الله ولا كانت عهداً عهده إليّ رسول الله (ص) ولكنّي قد كنت آلي أنّ رسول الله (ص) سيدبر أمرنا - يقول: يكون آخرنا، - وإنّ الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى الله رسوله (ص)، فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه له، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول الله (ص) ثاني اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوه، فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة بعد بيعة السقيفة.(٢)
أقول: أما كون أبي بكر خير الأصحاب: فهو مخالف النصوص الواردة والبرهان. وأمّا الاعتصام بالكتاب: فلا بد من الرجوع في الموارد المشكلة والمتشابهة إلى من هو محيط وعالم بتفسير الكتاب وتأويله كما هو حقّه. وأمّا قول عمر بن الخطاب: فلا حجية فيه بوجه بعدما ثبت الخطأ في قوله في الموارد الكثيرة، ومنها في هذا المورد حيث صرّح بأنّه قال مقالة ما وجدها في الكتاب ولا هي معهودة من الرسول (ص).
ثمّ أنّ عمر اعتذر من قوله بما هو أسوأ، حيث يقول لابن عبّاس:
أنساب الأشراف: قال لي عمر في خلافته: أتدري يا ابن عبّاس ما حملني على
____________________
١ - نفس المصدر السابق، ص١٥٧.
٢ - السيرة النبوية، ج٤، ص٣١١.
ما قلت حين توفّي رسول الله (ص)؟ كنت اقرأ الآية( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ( وكنت أظن أن رسول الله (ص) سيبقى في أمّته حتى يشهد عليها بآخر أعمالها، فذلك حملني على ما قلت.(١)
أقول: فإنّ شهادة الرسول لا يراد بها شهادته على جميع أفراد الأمّة في الخارج بمعنى الحضور الظاهري، كما أنّ شهادة الأمّة على الناس ليست بذلك المعنى.
والعجب من أنّ أبا بكر خطب بعد هذه المقالة، وصرّح في كلامه بأنّه ليس بخير الأصحاب، كما في:
العقد الفريد: ثمّ قال: أيّها الناس إنّي قد وُلّيت عليكم ولست بخيركم! فإن رأيتموني على حقٍّ فأعينوني وإن رأيتموني على باطل فسددوني، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإذا عصيته فلا طاعة لي عليكم.(٢)
السيرة النبوية: فتكلّم أبو بكر إنّي قد وُلّيت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوّموني أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم(٣)
أقول: صرّح في كلامه بأنّه ليس بخيرهم، وأنّ الإساءة والعصيان ممكنة في حقّه عادة.
عيون ابن قتيبة: لمّا بويع أبو بكر الصديق صعد المنبر فنزل مرقاة من مقعد النبيّ (ص) فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال إنّي وَليت أمركم ولست بخيركم ولكنّه نزل القرآن وسنّ رسول الله (ص).. إنّما أنا متّبعٍ ولست بمبتدع، فإن أحسنت فأعينوني وإن زِغت فقوّموني.(٤)
الطبقات: كما في العيون.(٥)
____________________
١ - أنساب الأشراف، ج١، ص٥٦٨.
٢ - العقد الفريد، ج٢، ص٥٩.
٣ - السيرة النبوية، ج٤، ص٣١١.
٤ - عيون ابن قتيبة، ج٢، ص٢٣٤.
٥ - الطبقات، ج٣، ص١٨٣.
ويروي أيضاً عن الحسن: ثمّ قال أبو بكر: فإنّي وليت هذا الأمر وأنا له كاره، والله لوددت أنّ بعضكم كفانيه، ألا وإنّكم إن كلّفتموني أن أعمل فيكم بمثل عمل رسول الله (ص) لم أقم به، كان رسول الله (ص) عبداً أكرمه الله بالوحي وعصمه به، ألا وإنّما أنا بشر ولست بخير من أحد منكم، فراعوني، فإذا رأيتموني استقمت فاتبعوني وإن رأيتموني زغت فقوّموني، واعلموا أنّ لي شيطاناً يعتريني، فإذا رأيتموني غضبت فاجتنبوني لا أؤثر في أشعاركم وأبشاركم.(١)
أقول: لا إشكال ولا اختلاف بين المسلمين قاطبة في أنّ الحكومة الظاهرية والإمارة الصورية في المسلمين بعد النبيّ (ص) إنّما هي متحقّقة لأبي بكر بن أبي قحافة، وبايعه الناس على التدريج طوعاً وكرهاً. وإنّما الاختلاف من جهة الخلافة الحقيقية والإمارة المعنوية من جانب الله تعالى ومن جانب الرسول (ص)، فقالت الشيعة الإمامية: إنّها متعيّنة ومنصوصة من الله ورسوله في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) وهو المنصوص بالمرجعية الروحانية والمرجع في العلم والقضاء والأعلم بالكتاب والسنة من بين جمع الصحابة.
وقد صرّح أبو بكر نفسه في هذه الخطبة بأنّه ليس حائزاً بهذه المرتبة:
١ - أشار بقوله ( وُلّيت، ولّيت عليكم، وَليت أمركم وأنا له كاره ) إنّ هذه الولاية والحكومة من جانب الناس وبتعيينهم.
٢ - أشار بقوله ( لست بخيركم، لست بخير من أحدٍ منكم ) أنّ مقامه المعنوي كمقامات سائر الناس وانّه كأحد من الصحابة.
٣ - أشار بقوله ( فإن أسأت، فإذا عصيت الله ورسوله، وإن زِغت، أنّ لي شيطاناً، غضبت ) أنّه غير مصون من الخطأ والزلل، ولا يجوز اتّباعه في جميع أفعاله وأموره وأقواله.
٤ - قد صرّح في كلامه ( فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، فإذا غضبت فاجتنبوني، فإذا زِغت فقوّموني) بأنّه لا يجوز اتّباعه في هذه الموارد، بل
____________________
١ - نفس المصدر السابق، ص٢١٢.
ويلزم مخالفته.
وقالت الإمامية: أنّ أبا بكر قد عصى رسوله وغضب وزاغ في موارد لا يجوز لنا اتّباعه فيها، وسنذكر تلك الموارد إجمالاً في الفصول الآتية.
أنساب الأشراف: عن الزهري، خطب أبو بكر حين بويع واستُخلف، فقال ألا وإنّي قد وُليتكم ولست بخيركم، ألا وقد كانت بيعتي فلتة وذلك إنّي خشيت فتنة، ولقد قُلدت أمراً عظيماً ما لي به طاقة ولا بدّ أن ....، ولوددت أنّ أقوى الناس عليها مكاني، وإن أحسنت فأعينوني وإن زِغت فقوّموني، أيّها الناس أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم.(١)
سنن البيهقي: يروي قريباً منها.(٢)
تاريخ الطبري: وقام أبو بكر في الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا أيّها الناس إنّما أنا مثلكم وإنّي لا أدري لعلكم ستكلّفوني ما كان رسول الله (ص) يُطيق، إنّ الله اصطفى محمّداً على العالمين وعصمه من الآفات، وإنّما أنا متّبع ولست بمبتدع فإن استقمت فتابعوني وإن زِغت فقوّموني ألا وإنّ لي شيطاناً يعتريني فإذا أتاني فاجتنبوني.(٣)
أقول: أنّ الخليفة بعد رسول الله (ص) لازم أن يكون أعلم الأمة حتى لا يجهل أمراً يحتاج يصحّ اتّباعه، ويكون قوله وعمله حجّة في الله، وأن يكون منصوصاً ومعيّنا من الله ومن جانب رسوله حتى يُطمأن له ويُعتمد عليه ويُؤتمّ به.
فليس بجائز عند العقل أن نتخذ إماماً يعترف بأنّه ليس بخير الأمة، وكانت بيعته فلتة، ولا طاقة له بما قُلده، ويود أنّ مكانه أقوى الناس عليها، ويجوز في حقّه الزيغ والإساءة.
____________________
١ - أنساب الأشراف، ج١، ص٥٩٠.
٢ - سنن البيهقي، ج٨، ص١٥٢.
٣ - تاريخ الطبري، ج٣، ص٢١١.
( ممّن خالف بيعته )
وقد خالف بعض بيعته، وصبر على أذاهم، ولم يخضع لحكومتهم، فمنهم بنو هاشم وغيرهم.
مستدرك الحاكم: أنّ عبد الرحمن بن عوف كان مع عمر بن الخطاب وأنّ محمّد بن مسلمة كسر سيف الزبير، ثمّ قام أبو بكر فخطب الناس واعتذر إليهم، وقال: والله ما كنت حريصاً على الإمارة يوماً ولا ليلة قطّ ولا كنت فيها راغباً ولا سألتها الله عزّ وجلّ في سرٍّ وعلانية ولكنّي أشفقت من الفتنة، وما لي في الإمارة من راحة ولكن قُلدت أمراً عظيما ما لي به طاقة، ولا يد إلا بتقوية الله عزّ وجلّ ولوددت أنّ أقوى الناس عليها مكاني اليوم، فقبل المهاجرون منه ما قال واعتذر به، قال علي (رض) والزبير: ما غضبنا إلاّ لأنّا قد أُخرنا عن المشاورة.. الرواية.(١)
أقول:
١ - قد صرح في هذه الخطبة بموضوع الإمارة وهي الإمارة العرفية والحكومة الظاهرية في المسلمين، وهي التي تقبل الحرص والرغبة والسؤال.
٢ - يعلم من قوله (وكني أشفقت الفتنة): أنّها وقعت فلتة ومن غير سابقة، وتدلّ عليه جملة - ما غضبنا إلاّ لأنّا قد أُخرنا عن المشاورة.
تاريخ الطبري: فقال رجل للزهري: أفلم يبايعه عليّ ستّة أشهر؟ قال: لا، ولا أحدٌ من بني هاشم حتى بايعه عليّ، فلما رأى عليّ انصراف وجوه الناس عنه ضرع إلى مصالحة أبي بكر، فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا ولا يأتنا معك أحد، وكره أن يأتيه عمر لما علم من شدّة عمر، فقال عمر: لا تأتهم وحدك، قال أبو بكر: والله لآتينهم وحدي وما عسى أن يصنعوا بي، قال، فانطلق أبو بكر فدخل على عليّ وقد جمع بني هاشم عنده، فقام عليّ فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثمّ قال: أما بعد. فإنّه لم يمنعنا من أن نبايعك يا أبا بكر إنكارٌ لفضيلتك،
____________________
١ - مستدرك الحاكم، ج٣، ص٦٦.
ولا نفاسة عليك بخير ساقه الله إليك، ولكنّا كنا نرى أنّ لنا في هذا الأمر حقّاً، فاستبددتم به علينا. ثمّ ذكر قرابته من رسول الله (ص) وحقّهم، فلم يزل عليّ يقول ذلك حتى بكى أبو بكر.(١)
أقول: يستكشف من هذه الرواية أمور:
١ - أنّ بني هاشم قاطبة كانوا قد امتنعوا عن البيعة.
٢ - أنّ علياً (ع) كان أشدّ انزجاراً من عمر ومن لقائه.
٣ - لما يئس عليّ من إقبال الناس إليه وعلم أنّهم انصرفوا عنه وتجمّعوا على حكومة أبي بكر، رأى صلاح الأمّة في أن يعاشرهم حتى يستفيضوا منه ويهتدوا به.
٤ - صرّح علي (ع) في مقابل أبي بكر بأنّ لهم حقّاً في الخلافة، وقد ظُلموا، وغُصب حقّهم، ولم يُراع ما لهم.
٥ - أنّ أبا بكر بكى ممّا صنعوا وظلموا في حقّ أهل البيت.
وفي تاريخ أبي الفداء: فبايع عمر أبا بكر وانثال الناس عليه يبايعونه، خلا جماعة من بني هاشم والزبير وعتبة بن أبي لهب وخالد بن سعيد بن العاص والمقداد بن عمرو وسلمان الفارسي وأبي ذرّ وعمار بن ياسر والبراء بن عازب وأبيّ بن كعب، ومالوا مع عليّ بن أبي طالب. وقال في ذلك عتبة:
ما كنت أحسب أنّ الأمر منصرف عن أوّل الناس إيماناً وسابقة عن هاشم ثمّ منهم عن أبي حسن، وأعلم الناس بالقرآن والسنن
وكذلك تخلّف عن بيعة أبي بكر أبو سفيان من بني أمية.(٢)
أنساب الأشراف: أن أبا بكر أرسل إلى عليّ يريد البيعة، فلم يبايع، فجاء عمر ومعه فتيلة فتلقّته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة: يا ابن الخطاب أتُراك محرّقا عليّ بابي؟ قال: نعم، وذلك أقوى فيما جاء به أبوك، وجاء عليّ فبايع.(٣)
____________________
١ - تاريخ الطبري، ج٣، ص٢٠٢.
٢ - تاريخ أبي الفداء، ج١، ص١٥٦.
٣ - أنساب الأشراف، ج١، ص٥٨٦.
أقول: يظهر من هذا أمور:
الأوّل: أنّ تحقّق بيعة أبي بكر كان بتهيئة المقدّمات وتحصيل الوسائل والأسباب والتوسل إلى الجبر والإرهاب.
الثاني: أنّ الإجبار والإرهاب كان في درجة شديدة بحيث تقتضي إرهاب بنت رسول الله (ص) بل التهيّؤ لإحراق بيتها.
الثالث: أنّ عمر لم يتوجّه إلى الروايات الواردة في شأن أهل البيت ولا سيّما في شأن فاطمة (ع).
الرابع: أنّ قوله - وجاء عليّ فبايع - مخالف للروايات الأخرى، كما قال في الكتاب بعد عدّة أسطر: لم يبايع عليّ أبا بكر حتى ماتت فاطمة بعد ستة أشهر.
ويقول في تاريخ أبي الفداء: ثمّ أنّ أبا بكر بعث عمر بن الخطاب إلى عليّ ومن معه ليخرجهم من بيت فاطمة (رض) وقال: إنّ أبَوَا عليك فقاتلهم، فأقبل عمر بشيء من نار على أن يُضرم الدار، فلقيته فاطمة (رض) وقالت: إلى أين يا ابن الخطّاب، أجئت لتحرّق دارنا؟ قال: نعم أو تدخلوا فيما دخلت فيه الأمّة. فخرج عليّ حتى أتى أبا بكر فبايعه، كذا نقله القاضي جمال الدين بن واصل. وروى الزهري عن عائشة قالت: لم يبايع عليّ أبا بكر حتى ماتت فاطمة وذلك بعد ستة أشهر لموت أبيها (ص).(١)
أنساب الأشراف: عن عائشة لم يباع عليّ أبا بكر حتى ماتت فاطمة بعد ستّة أشهر، فلمّا ماتت ضرع إلى صلح أبي بكر، فأرسل إليه أن يأتيه، فقال له عمر: لا تأته وحدك، فقال: وما يصنعون بي؟ فأتاه أبو بكر فقال عليّ: والله ما نفسنا عليك ما ساق الله إليك من فضل وخير، ولكنّا نرى أنّ لنا في الأمر نصيباً استُبدّ به علينا، فقال أبو بكر: والله لَقرابة رسول الله أحبّ إليَّ من قرابتي، فلم يزل عليّ يذكر حقّه وقرابته حتى بكى أبو بكر.(٢)
____________________
١ - تاريخ أبي الفداء، ج١، ص١٥٦.
٢ - أنساب الأشراف، ج١، ص٥٨٦.
ويروي أيضاً: عن ابن عبّاس بعث أبو بكر عمر بن الخطاب إلى عليّ رضي الله عنهم حين قعد عن بيعته، وقال: ائتني به بأعنف العنف، فلما أتاه جرى بينهما كلام، فقال: احلب حلباً لك شطره، والله ما حرصك على إمارته اليوم إلاّ ليؤثرك غداً، وما ننفس على أبي بكر هذا الأمر ولكنّا أنكرنا ترككم مشاورتنا، وقلنا إنّ لنا حقّاً لا يجهلونه، ثمّ أتاه فبايعه.(١)
البدء والتاريخ: ولم يبايع عليّ أبا بكر ما لم يدفن فاطمة، وذكر ابن دأب أنّها ماتت عاتبة على أبي بكر وعمر.(٢)
أقول: هذا جريان أمر أهل البيت بعد رحلة رسول الله (ص)، وقد صنعوا بهم ما صنعوا، وما أكثر الاختلاف بين حالاتهم هذه من مظلوميّتهم ومنع حقوقهم وكونهم مغلوبين مقهورين، وبين ما أوصى لهم رسول الله (ص) وذكر فيهم.
فراجع الفصول السابقة في أهل البيت (ع)
أنساب الأشراف: لم يبايع خالد بن سعيد أبا بكر إلاّ بعد ستة أشهر.(٣)
ويروي أيضاً: أنّ سعد بن عبادة لم يبايع أبا بكر، وخرج إلى الشام فبعث عمر رجلاً وقال ادعُه إلى البيعة واختل له، وان أبى فاستعن بالله عليه. فقدم الرجل الشام فوجد سعداً في حائط بحوارين، فدعاه إلى البيعة، فقال: لا أبايع قرشياً أبداً، قال: فإني أقاتلك، قال: وان قاتلتني، قال: أفخارج أنت ممّا دخلت فيه الأمّة قال: أمّا من البيعة فإنّي خارج، فرماه بسهم فقتله.(٤)
____________________
١ - نفس المصدر، ص ٥٨٧.
٢ - البدء والتاريخ، ج ٥، ص ٢٠.
٣ - انساب الأشراف ج ١، ص ٥٨٨.
٤ - نفس المصدر، ص ٥٨٩.
(أحاديث في أبي بكر)
ليس نظرنا في هذا الكتاب الطعن على مسلم، ولا نريد إيجاد تفرقة بين المسلمين، ولا تجديد خلاف ونفاق، ولا تحريك عاطفة أو بَغضاء.
وإنّما غرضنا الأصيل بيان حقائق الإسلام، وتذكير ما أراده رسول الله (ص) والكشف عن الصراط المستقيم، ورفع الأستار عن الفتن الحادثة.
وقد نورد بعض الأحاديث استطراداً، ولا نريد إلاّ أن يهدينا الله عزّ وجلّ إلى ما يحبّ ويرضى.
البخاري: بإسناده، كاد الخيران أن يهلكا: أبو بكر وعمر، لما قدم وَفد بني تميم أشار أحدهما بالأقرع بن حابس التميمي الحنظلي أخي بني مجاشع، وأشار الآخر بغيره، فقال أبو بكر لعمر: إنّما أردت خلافي، فقال عمر: ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما عند النبيّ (ص)، فنزلت: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ) ، إلى قوله:( عَظِيمٌ ) .(١)
مستدرك الحاكم: عن أبي ليلى عن علي أنّه قال: يا أبا ليلى، أمّا كنت معنا بخيبر؟ قال بلى والله، كنت معكم، قال: فإنّ رسول الله (ص) بعث أبا بكر إلى خيبر فسار بالناس واهزم حتى رجع.(٢)
أقول: هذا صريح في أنّ أبا بكر قد قصّر في العمل بمأموريّته، وخالف التكليف المعيّن له من جانب النبيّ (ص)، وانهزم من الأعداء ولم يستقم في الجهاد.
تهذيب ابن عساكر: كان رسول الله (ص) يصلّي من الليل في ليلة باردة لم نر
____________________
١ - البخاري ج ٤، ص ١٦٠.
٢ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ٣٧.
قبلها ولا بعدها برداً كان أشدّ منه، فقال رسول الله (ص): ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة؟ فسكتنا فلم يُجبه منّا أحد، ثمّ قال: فسكتنا، فقال: قم. وفي رواية ابن شاهين ثمّ قال: قم يا أبا بكر. فقال: استغفر الله ورسوله! ثمّ قال: إنّ شئت ذهبت، فقال: يا عمر. فقال استغفر الله ورسوله! ثمّ قال: يا حذيفة! فلم أجد بدّاً إذ دعاني باسمي أن أقوم، فقال: اذهب وائتنا بخبر القوم.. الخ.(١)
أقول: وفي صدر الرواية - لقد رأيتنا مع رسول الله ليلة الأحزاب وأخذتنا ريح شديدة وقُرّ.
مسند أحمد: عن قيس، خطب أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أيّها الناس ولوددت أنّ هذا كفانيه غيري ولئن اخذتموني سنة نبيكم (ص) ما أطيقها إن كان لمعصوماً من الشيطان، وإن كان لينزل عليه الوحي من السماء.(٢)
أقول: ليت أبا بكر يتذكّر قول رسول الله (ص): وإن تولّوا علياً تجدوه هادياً مهدياً يسلك بكم الطريق. وقال سلمان: ولو بايعتم عليا لأكلتم من فوقكم ومن تحت أرجلكم.
تاريخ الطبري: قال أبو بكر: إنّي لا آسى على شيء من الدنيا إلاّ على ثلاث فعلتهنّ وددت أنّي تركتهنَّ، وثلاث تركتهنّ وددت أنّي فعلتهنَّ، وثلاث وددت أنّي سألت عنهن رسول الله (ص)، فأمّا الثلاث اللائي وددت أنّي تركتهنَّ: وددت أنّي لم أكشف بيت فاطمة عن شيء وإن كانوا قد غلّقوه على الحرب، ووددت أنّي لم أكن حرّقت الفجاءة السُلمى وأنّي كنت قتلته سريحاً أو خلّيته نجيحاً، وودت أنّي يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين - يريد عمر وأبا عبيدة - فكان أحدهما أميراً وكنت وزيراً، وأمّا اللاتي وددت أنّي سألت رسول الله (ص) ووددت أنّي سألت رسول الله (ص) لمن هذا
____________________
١ - تهذيب ابن عساكر، ج ٤، ص ٩٨.
٢ - مسند أحمد، ج ١، ص ١٤.
الأمر! فلا ينازعه أحد؟ ووددت أنّي سألته هل للأنصار في هذا الأمر نصيب؟ وودت أنّي كنت سألته عن ميراث ابنة الأخ والعمّة، فإنّ في نفسي منهما شيئاً.(١)
أقول: هذا الكلام يناسب أن يكون ممّن لم يصاحب رسول الله (ص)، ولم يسمع منه روايات في حقّ أهل بيته وفي عليّ (ع)، ولم ير منه شدّة محبّته وتجليله لهم، ولم يحضر غزوة خيبر ولا تبوك ولا في غدير خمٍّ، ولم يعرف عليّ بن أبي طالب، وفضله وشجاعته ومجاهدته وعمله وتقواه وقربه من النبيّ (ص).
وأمّا ما يستفاد من هذا الكلام: هو الشكّ والتردد والاضطراب من جهة الجهل بمن له هذا الأمر.
وسيأتي نظير هذا التردد عن عمر أيضاً.
وراجع روايات السقيفة واستخلاف أبي بكر.
____________________
١ - تاريخ الطبري، ج ٤، ص ٥٢.
فتنة:
(تنصيص أبي بكر على عمر)
الملل والنحل الخلاف الثامن في تنصيص أبي بكر على عمر بالخلافة وقت الوفاة، فمن الناس من قال: قد وليت علينا فظّاً غليظاً، وارتفع الخلاف بقول أبي بكر: لو سألني ربّي يوم القيامة لقلت ولّيت عليهم خير أهلهم.(١)
البدء والتاريخ: ولما مرض أبو بكر شاور الناس في الأمر، وكانوا لا يشكّون أنّ عمر هو الذي يلي الخلافة بعده، إلاّ أنّ منهم من كان يكره وذلك لشدّته وعُنفه، فدعاه أبو بكر وعهد إليه واستخلفه على الناس، فلمّا خرج من عنده قال: اللّهمّ إنّي ولّيته بغير أمرٍ من نبيّك، ولم أُرد بذلك إلاّ صلاحهم، قال له بعض القوم: فماذا تقول لله عزّ وجلّ إذا لقيته، وقد ولّيت أمر المسلمين فظّاً غليظاً؟ قال: أقول اللّهمّ لم آلهم خيراً.(٢)
أقول: قد صرّح بأن توليته كان بغير أمر من النبيّ (ص).
وأمّا قوله: لم أرد بذلك إلاّ صلاحهم - فكيف يُريد صلاحهم وأنّه ولّى فظّاً غليظاً، ويقول الله تعالى:( وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ) ؟! وكيف يريد بخير وهو يعترف أنّ توليته بغير أمر من النبيّ (ص)؟! وكيف يأتي بخير وهو يعرف أهل بيت الرسول (ص) ويعرف عليّ بن أبي طالب وقد سمع أحاديث النبوية في حقّه. وقد قال رسول الله (ص): من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه، اللّهمّ والِ مَن والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله.
وآلا في الأمر: قصّر وأبطأ
____________________
١ - الملل والنحل، ج ١، ص ٢٨.
٢ - البدء والتاريخ، ج ٥، ص ١٦٧.
الطبقات: إنّ أبا بكر الصديق لما استُعز به دعا عبد الرحمن بن عوف، فقال: أخبرني عن عمر بن الخطاب؟ فقال عبد الرحمن: هو والله أفضل مَن رأيك فيه. ثمّ دعا عثمان بن عفّان فقال: أخبرني عن عمر؟ فقال: أنت أخبرُنا به، فقال: على ذلك يا أبا عبد الله، فقال عثمان اللّهمّ علمي به أنّ سريرته خير من علانيته وأنّه ليس فينا مثله، فقال أبو بكر: يرحمك الله، والله لو تركته ما عدوتُك، وشاور معهما سعيد بن زيد أبا الأعور وأُسيد بن الخضير وغيرهما من المهاجرين والأنصار، فقال أسيد: اللّهمّ أعلمه الخيرة بعدك، يرضى للرضا ويسخط للسخط، الذي يُسرّ خير من الذي يُعلن، ولم يلِ هذا الأمر أحد أقوى عليه منه.
وسمع بعض أصحاب النبيّ (ص) بدخول عبد الرحمن وعثمان على أبي بكر وخلوتهما به، فدخلوا على أبي بكر، فقال له قائل منهم: ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلافك عمر؟ لَعمر علينا وقد ترى غليظته! فقال أبو بكر: أجلسوني، أبالله تخوّفوني؟ خاب من تزود من أمركم بظلم، أقول: اللّهمّ استخلفت عليهم خير أهلك، أبلغ عنّي ما قلت لك من وراءك. ثمّ اضطجع ودعا عثمان بن عفّان، فقال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجاً منها وعند أوّل عهده بالآخرة داخلاً فيها حيث يؤمن الكافر ويوقن الفاجر ويصدق الكاذب، أنّي استخلفتُ عليكم بعدي عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا، وإنّي لم آلُ الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم خيراً، فإن عدل فذلك ظنّي به وعلمي فيه، وإن بدّل فلكلّ امرئ ما اكتسب من الإثم، والخير أردت ولا أعلم الغيب. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ثمّ أمر بالكتاب فختمه. ثمّ قال بعضهم: لمّا أملى أبو بكر صدر هذا الكتاب: بقي ذكر عمر، فذُهب به قبل أن يسمّي أحدا، فكتب عثمان: إنّي قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، ثمّ أفاق أبو بكر، فقال اقرأ عليَّ
ما كتبت! فقرأ عليه ذكر عمر، فكبّر أبو بكر وقال: أراك خفت أن أقبلت نفسي في غشيتي تلك يختلف الناس، فجزاك الله عن الإسلام وأهله خيراً، والله إن كنت لها لأهلاً.
ثمّ أمره فخرج بالكتاب مختوما ومعه عمر بن الخطاب وأسيد بن سعيد القرظي فقال عثمان للناس: أتبايعون لمن في هذا الكتاب؟ فقالوا: نعم.(١)
تاريخ الطبري: دعا أبو بكر عثمان خالياً، فقال له: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة إلى المسلمين، أمّا بعد: قال، ثمّ أُغمي عليه فذهب عنه، فكتب عثمان أمّا بعد فإنّي قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ولم آلكم خيراً، ثمّ أفاق أبو بكر كما في الطبقات.(٢)
أقول: إنّ عمر اجتهد في استخلاف أبي بكر في السقيفة نهاية اجتهاده، وقد أثمر عمله وأنتج سعيه، فاستخلفه أبو بكر من غير أمر من النبيّ (ص)، إيفاءً لحقّ الخدمة والصحبة. ثمّ إنّ عثمان أيضاً أظهر في هذه الوصية كمال محبّته وعمل غاية ما يمكن له أن يعمل في خدمة عمر، وسيجيء أنّ عمر أحسن جزاءه، واستخلفه بصورة مشوّهة.
وهذه كلّها تكشف عن تعاهدهم وتوافقهم على خلاف أهل بيت الرسول (ص) ومنعهم عن مقاماتهم وحقوقهم.
عيون ابن قتيبة: روى أنّ أبا بكر الصديق (رض) لمّا حضرته الوفاة كتب عهداً فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر خليفة رسول الله عند آخر عهده بالدنيا وأول عهده بالآخرة، في الحال التي يؤمن فيها الكافر ويتّقي فيها الفاجر، أنّي استعملت عمر بن الخطاب فإنّ برّ وعدل، فذلك علمي به. وإن جار وبدّل، فلا علم لي بالغيب، والخيرُ أردت، ولكلّ امرئ ما أكتسب، وسيعلم الذين ظلموا
____________________
١ - الطبقات، ج ٣، ص ١٩٩.
٢ - تاريخ الطبري، ج ٤، ص ٥٣.
أيّ منقلبٍ ينقلبون.(١)
أقول: إن أريد من الاستعمال الاستخلاف فذلك مخالف لطريق رسول الله (ص) وسنّته حيث أنّه لم يستخلف ولم يعيّن لمّا بعده خليفة، على ما رأوا. وإن أريد منه العاملية في الأمر الشخصية فقط فلا يكون فيها دلالة على كون عمر بن الخطّاب خليفة.
ثمّ: أنّه يظهر من قوله (فإنّ بر وعدل، وإن جار وبدّل) أنّ استناده في ذلك الاستخلاف إلى علمه الظاهري وتشخيصه ورأيه الصوري، وليس مستنداً إلى الوحي والغيب والتعيين الإلهي، فكيف لهم أن يُثبتوا بأنّ عمر بن الخطاب خليفة إلهيّ ومن خالفه وأنكره فقد أنكر أصلاً من أصول الدين؟! وهل في ذلك فرق بينه وبين سائر الأمراء والسلاطين المستخلفة المستعملة؟!
ونحن لا ننكر بأنّه حاز الرياسة وولي أمور المسلمين في الظاهر، إلاّ أنّه ليس بوليهم من جانب الله ومن الرسول، فإنّ رسول الله قال: من كنت وليّه فهذا عليّ وليّه اللّهم والِ مَن والاه وعادِ مَن عاداه.
الفائق: أبو بكر الصديق: دخل عليه عبد الرحمن بن عوف في علّته التي مات فيها، فقال: أراك بارئا يا خليفة رسول الله؟ فقال: أما إنّي على ذلك لشديد الوجع، لما لقيت منكم يا معشر المهاجرين أشدّ عليّ من وجعي، وليت خيركم في نفسي، فكلّكم ورم أنفه أن يكون له الأمر من دونه، والله لتتخذنّ نضائد الديباج وستور الحرير ولتألمن النوم على الصوف الأذربيّ كما يألم أحدكم النوم على حسك السعدان، والذي نفسي بيده لأن يُقدم أحدكم فتُضرب عنقه في غير حدٍّ خير له من أن يخوض غمرات الدنيا، يا هادي الطريق جرت إنّما هو الفجر أو البجر.
قال له عبد الرحمن: خفض عليك يا خليفة رسول الله ؛ فإنّ هذا يَثيضك إلى مآبك.
ودخل عليه بعض المهاجرين وهو يشتكي في مرضه، فقال له: أتستخلف
____________________
١ - عيون ابن قتيبة، ج ١، ص ١٤.
علينا عمر، وقد عتا علينا ولا سلطان له؟ض ولو ملكنا كان أعتى وأعتى فيكف تقول لله إذا لقيته؟! فقال أبو بكر: أجلسوني فأجلسوه، فقال: أبا لله تُفرقني؟! فإنّي أقول له إذا لقيته: استعملت عليهم خير أهلك.(١)
ثمّ قال الزمخشري: برئ من المرض: بعد وزال مرضه. وورم الأنف: كناية عن إفراط الغيظ. والنضائد: الوسائد والفرش. والأذربي: منسوب إلى آذربيجان. والبجر: الأمر العظيم. وخفّض عليك هون الخطب عليها. والهَيض: كسر العظم.
أقول: في هذا الكلام موارد للنظر والتحقيق:
الأوّل: قوله ولكلكم وَرِم أنفه، وكان أعتى وأعتى: يدلّ عل أنّ أكثر الناس مخالفو هذا التخليف والتأمير.
الثاني: قوله وليت خيركم في نفسي: يدلّ على أنّ التولية والتعيين من جانب أبي بكر، وأنّ كونه خيراً، في عقيدته لا في عقائد الناس، مع أنّ اللازم رعاية نظر الاجتماع، في الأمر الاجتماعي الظاهري.
الثالث: قوله تتخذنّ نضائد الديباج: يشير إلى الآثار المادّية والنتائج الدنيوية من غير تعرّض إلى الجهات المعنوية والإلهية.
الرابع: قوله: استعملت عليهم خير أهلك. يدلّ على أنّ القائل لم يطّلع على قول رسول الله (ص): هذا أمير البررة منصور من نصره مخذول من خذله.
- عليّ سيد العرب.
- أنت يا عليّ سيد في الدنيا وسيد في الآخرة.
- أنّه: سيد المسلمين وإمام المتّقين
- اللّهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك.
- هذا وليّ من أنا مولاه.
- مَن كنت وليّه فهذا وليّه.
- أنت أخي في الدنيا والآخرة.
العقد الفريد وتاريخ الطبري: عن عبد الرحمن بن عوف، أنّه دخل على أبي بكر الصدّيق في مرضه كما في الفائق.(٢)
____________________
١ - الفائق، ج١، ص ٨١.
٢ - العقد الفريد، ج ٤، ص ٢٦٧. وتاريخ الطبري، ج ٤، ص ٥٢.
( أن عمر خليفة أو مَلِك )
الخليفة بمعناه الحقيقي: من يتعيّن ويُنتخب من جانب الله ومن جانب رسوله. والملك هو السلطان الحاكم النافذ في بلد أو بلاد، يملك بالقهر والغلبة أو ينتخبه الناس أو يُعينه سلطان سابق. والخليفة يجب طاعته شرعاً وعقلاً وعرفاً. وأمّا السلطان فلا يجب طاعته إلاّ بالعرف.
الطبقات: عن سلمان: أنّ عمر قال له: أملك أنا أم خليفة؟ فقال له سلمان: إن أنت جبيت من أرض المسلمين درهماً أو أقل أو أكثر ثمّ وضعته في غير حقّه، فأنت ملك غير خليفة. فاستعبر عمر.(١)
ويروي أيضاً: عن سفيان: قال عمر بن الخطّاب: والله ما أدري أخليفة أنا أم ملك؟ فإن كنت مَلكاً فهذا أمر عظيم، قال قائل: يا أمير المؤمنين إنّ بينهما فرقا. قال ما هو؟ قال: الخليفة لا يأخذ إلاّ حقّا ولا يضعه إلاّ في حقّ، فأنت بحمد الله كذلك، والملك يعسف الناس فيأخذ من هذا ويعطي هذا، فسكت عمر.
تاريخ الطبري: عن سلمان: أنّ عمر كما في الطبقات.(٢)
أقول: هذه المعاني المذكورة للملك أو الخليفة لوازم معانيهما الحقيقية، فإن من لم يتعيّن من جانب الله لا يكون قوله حجّة، ويجوز في حقّه الخطأ والعصيان، ولا يؤمن من التعدّي والظلم والعمل بخلاف الحقّ.
ثمّ إنّ الإنسان على نفسه لبصيرة ولو ألقى معاذيره، وكلّ شخص أعلم الناس بنفسه، وهو يعلم أنّه مرتبط بأيّ شيء، بالرحمن أو بالشيطان، بالوحي أو بالنفس، أنّه مبعوث ومتعيّن من جانب الله أو من جانب الناس، أنّه منصوص ومنصوب من جانب رسول الله (ص) أو بالقهر والتسلط والانتخاب والسياسة.
____________________
١ - الطبقات، ج ٣، ص ٣٠٦.
٢ - تاريخ الطبري، ج ٥، ص ٢٤.
( عمر وعلمه )
مستدرك الحاكم: عن علي بن رباح قال: إنّ عمر بن الخطّاب خطب الناس فقال: مَن أراد أن يسأل عن القرآن فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن المال، فليأتني فإنّ الله تعالى جعلني خازناً.(١)
أقول: يعترف بأنّه يمتاز بكونه خازناً، وأمّا العلم والمعرفة فيصرح بأنّ الأعلم والأفضل هو أُبي ومعاذ بن جبل.
ويروي أيضاً: عنه مثله، وفيه: ومَن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت.(٢)
ويروي: عن سعيد بن المسيب: أنّ عمر بن الخطاب أتى على هذه الآية( الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ ) فأتى أُبيّ بن كعب فسأله: أيّنا لم يظلم؟ فقال له: يا أمير المؤمنين: إنّما ذاك الشرك، أما سمعت قول لقمان لابنه:( يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) .(٣)
أقول: فهو يراجع في أصل الآية وفي تفسيرها إلى أُبي بن كعب.
ويروي أيضاً: عن أبي سلمة: مرَّ عمر بن الخطاب برجل وهو يقول:( وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ) الآية. فوقف عليه عمر فقال: انصرف، فلمّا انصرف قال له عمر: من أقرأك هذه الآية؟ قال: أقرأنيها أُبيّ بن كعب، فقال: انطلقوا بنا إليه! فانطلقوا إليه فإذا هو متّكئ على وسادة يرجلُ رأسه، فسلّم عليه فردّ السلام، فقال: يا أبا المنذر! قال: لبيك، قال: أخبرني هذا أنّك أقرأته هذه الآية؟ قال: صدق، تلقّيتها من رسول الله (ص)، قال عمر: أنت تلقّيتها من رسول الله (ص)؟ ثلاث
____________________
١ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ٢٧١.
٢ - نفس المصدر، ص ٢٧٢.
٣ - نفس المصدر، ص ٣٠٥.
مرات، كل ذلك يقوله، وفي الثالثة وهو غضبان: نعم والله، لقد أنزلها الله على جبريل وأنزلها جبريل على محمّد، فلم يستأمر فيها الخطّاب ولا ابنه، فخرج عمر وهو رافع يديه وهو يقول الله أكبر الله أكبر.
ويروي أيضاً: عن ابن عبّاس، قال عمر: عليّ أقضانا، وأبيّ أقرأنا، وإنا لندع بعض ما يقول أُبي، وأُبي يقول: أخذت عن رسول الله (ص) ولا أدَعُه، وقد قال الله تبارك وتعالى: ( مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا ) .
أقول: يظهر من هذه الروايات أنّه كان آبيا عن قبول بعض الآيات الكريمة لقصور الوصول إلى حقيقتها، مستدلاً بقوله تعالى:( مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا ) ، مع أنّ هذا تمسك بالعام في مورد الشبهة المصداقية، وأنّ النسخ لا يوجب محو الآية من الكتاب الكريم.
الفائق: ومنه قول عمر بن الخطاب أعوذ بالله من كلّ مُعضلة ليس لها أبو حسن.(١)
أقول: تكشف هذه الروايات وأمثالها عن أنّ عمر لم يكن قادراً على حلّ معضلات المسائل، ولم يكن مسلّطا على الوصول إلى حقائق آيات القرآن الكريم، فكيف يرضى الله ورسوله أن يكون إماما يقتدي به المسلمون ويستفيد منه المتعلّمون.
مستدرك: عن أبي عبّاس: مُرّ على عليّ بمجنونة بني فلان قد زنت وأمر عمر بن الخطاب برجمها، فردّها علي بن أبي طالب، وقال لعمر: يا أمير المؤمنين أمرت برجم هذه؟ قال: نعم. قال: أما تذكر أنّ رسول الله (ص) قال: رُفع القلم عن ثلاثة عن المجنون المغلوب على عقله، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم. قال: صدقت، فخلّى عنها.(٢)
أقول: من شرائط توجّه التكليف: العقل والبلوغ والاختيار، وإذا فقده
____________________
١ - الفائق، ج ٢، ص ١٦٣.
٢ - مستدرك الحاكم، ج ٢، ص ٥٩.
الإنسان لم يتوجّه التكليف إليه حتى يُعاقب أو يُثاب. ورفعُ القلم كناية عن رفع التكليف.
ومن العجيب ما ورد من أحاديثهم في علم عمر: قال في الاستيعاب قال حذيفة: كان علم الناس كلّهم قد درس في علم عمر. وقال ابن مسعود: لو وضع علم أحياء العرب في كفّة ميزان ووضع علم عمر في كفّة لرجح علم عمر. وقد كانوا يرون أنّه ذهب بتسعة أعشار العلم.(١)
( بعض آرائه وحالاته )
ليس غرضنا الطعن على رجل مضى قبل قرون، فضلا عن صحابيّ من أصحاب رسول الله (ص)، وإنّما نريد بيان حقائق تاريخية، حتى تنكشف متن الإسلام وما جاء به رسول الله (ص)، عن أحداث حادثة وعن فتن نازلة. وحتى تتبيّن حقيقة وصية رسول الله (ص) حيث قال: إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي ما أن تمسّكتم بهما لن تضلّوا أبدا.
( عمر وأُسامة )
تاريخ الطبري: فقال أبو بكر: لو خطفتني الكلاب والذئاب لم أردّ قضاءً قضى به رسول الله (ص). قال: فإنّ الأنصار أمروني أن أُبلّغك وأنّهم يطلبون إليك أن تُولّي أمرهم رجلاً أقدم سنّا من أسامة! فوثب أبو بكر وكان جالساً فأخذ بلحية عمر فقال ثكلتك أمّك وعدمتك يا ابن الخطّاب استعمله رسول الله (ص) وتأمرني أن أنزعه.(٢)
أقول: قد مرّ أنّ رسول الله (ص) قد أمّر أسامة على المهاجرين والأنصار ومنهم أبو بكر وأبو عبيدة وعمر، ولعن مَن تخلّف عنه، وكان يؤكّد تجهيزه، ولكنّ أكثر
____________________
١ - الاستيعاب، ج ٣، ص ١١٤٩.
٢ - تاريخ الطبري، ج ٣، ص ٢١٢.
الناس قد طعنوا في إمارته وتخلّفوا عنه، ولم يبالوا بما قال رسول الله (ص).
وقد اعترف عمر بفضله وقربه من النبيّ (ص) وكونه أحبّ إلى رسول الله (ص) من عبد الله بن عمر، وأنّ أباه كان أحبّ إلى رسول الله من عمر، في جواب اعتراض ابنه، في الحديث الآتي:
الطبقات: قال عبد الله بن عمر: وكلّمتُه ( أي عمر ) فقلت: يا أمير المؤمنين فضّلت عليّ مَن ليس هو بأقدم منّي سنّاً ولا أفضل منّي هجرةً ولا شهد من المَشاهد ما لم أشهد! قال: ومَن هو؟ قلت: أسامة بن زيد، قال: صدقت لعمر الله فعلت ذلك لأنّ زيد بن حارثة كان أحبّ إلى رسول الله (ص) من عمر، وأسامة بن زيد كان أحبّ إلى رسول الله (ص) من عبد الله بن عمر، فلذلك فعلت.(١)
ويروي أيضاً: فقلت: لم فرضت لأسامة أكثر ممّا فرضت لي ولم يشهد مشهداً إلاّ وقد شهدته؟ فقال: إنّه كان أحبّ إلى رسول الله (ص) منك وكان أبوه أحبّ إلى رسول الله (ص) من أبيك.
فتوح البلدان: ما يقرب من الروايتين.(٢)
أقول: يعترف عمر بأنّ مناط القرب والفضيلة هو المحبوبية عند الله تعالى وعند رسوله، والأعمال الآخر مقدمات لحصول هذه النتيجة، فمن كان أحبّ إلى الله والى رسوله فله الفضيلة والتفوّق والفخر والكمال، وإن كان في حداثة السنّ.
وبعبارة أخرى: إنّ الأهم في العبادات والطاعات هو الكيفية ودرجة الإيمان وشدّة اليقين وطمأنينة النفس، لا الكمية وكثرة العمل. قال الله تعالى:( فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ) ، يريد الإخلاص. وهذا هو الموجب لحصول القرب والمحبوبية عند الله تعالى ورسوله الأكرم.
(عمر والسَحَرة)
سير الأعلام: عن بَجالة: كنت كاتباً لجزء بن معاوية عمّ الأحنف بن قيس،
____________________
١ - الطبقات، ج ٤، ص ٧٠.
٢ - فتوح البلدان، ص ٤٤٣.
فأتانا كتاب عمر قبل موته بسنة: أن اقتلوا كلّ ساحر وساحرة، وفرّقوا بين كلّ ذي محرم من المجوس، وانهوهم عن الزمزمة.
فقتلنا ثلاث سواحر، وجعلنا نفرّق بين الرجل وحريمته في كتاب الله، وصنع لهم طعاماً كثيرا ودعا المجوس، وعرض السيف على فخذه وألقى وقر بغل أو بغلين من وَرِق، وأكلوا بغير زمزمة.(١)
أقول: الحكم بقتل كلّ ساحر وساحرة وإن لم يستعملا السحر أو استعملا ولم يوجبا قتلا أو جناية: باطل، فإنّ من السحر ما يكون في أمور عادية كتحريك حجر أو شجر أو إراءة شيء على خلاف ما هو عليه. نعم إذا أفسدا في الأرض ولم يتوبا من عملهما وسعيا في الإفساد بين المسلمين: يحكم عليهما بالقتل بشرائط مخصوصة لا مطلقا.
(عمر والخلاف)
مستدرك الحاكم: عن جابر: أنّ النبيّ (ص) دفع الراية يوم خيبر إلى عمر فانطلق فرجع يُجبن أصحابه ويُجبنونه.(٢)
أقول: قال الله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ ) . وقال تعالى:( الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ) .
السيرة النبوية: ثمّ دعا عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له، فقال: يا رسول الله إني أخاف قريشاً على نفسي، وليس بمكّة من بني عديّ بن كعب أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها، ولكنّي أدلك على رجل أعزّ بها منّي.(٣)
أقول: يدلّ على أنّ عمر بن الخطاب لم يكن ممّن يَشري نفسه ابتغاء مرضاة
____________________
١ - سير الأعلام، ج ١، ص ٤٧.
٢ - مستدرك الحاكم، ج٣، ص ٣٨.
٣ - السيرة النبوية، ج ٣، ص ٣٢٩.
الله ومرضاة الرسول، وكان محبّاً لنفسه، غير مجاهد في الغزوات.
ويروي أيضاً: فلمّا التأم الأمر ولم يبقَ إلاّ الكتاب، وثب عمر بن الخطاب فأتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر أليس برسول الله؟ قال: بلى، قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى، قال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فعلام نُعطي الدنية في ديننا؟ قال أبو بكر: يا عمر ألزم غرزة فإنّي أشهد أنّه رسول الله، قال عمر: وأنا أشهد أنّه رسول الله. ثمّ أتى رسول الله (ص) فقال: يا رسول الله ألست برسول الله؟! قال: بلى، قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى، قال: أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره ولن يُضيّعني، قال: فكان عمر يقول: ما زلت أتصدّق وأصوم وأصلّي واعتق من الذي صنعت يومئذٍ مخافة كلامي الذي تكلّمت به.(١)
أقول: يدل على أنّ إيمانه لم يكن بدرجة التسليم ولم يكن له معرفة تامّة بمقام الرسالة ولم يكن له علم بمصالح الأمور.
مستدرك: عن جابر قال: بعنا أمّهات الأولاد على عهد رسول الله (ص) وأبي بكر، فلما كان عمر نهانا فانتهينا. وهذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.(٢)
وله شاهد صحيح - عن أبي سعيد الخدري قال: كنا نبيع أمّهات الأولاد على عهد رسول الله (ص).
تاريخ الطبري: عن عمران بن سوادة قال: صلّيت الصبح مع عمر قلت عابت أمتك منك أربعاً قال: قلت وأعتقت الأمة إن وضعت ذا بطنها بغير عتاقة سيدها، قال: ألحقت حرمة بحرمة وما أردت إلاّ الخير واستغفر الله.(٣)
أقول: يظهر من هذه الرواية أنّ المراد من الحديثين السابقين هو الإعتاق بمجرد الوضع، وهذا خلاف القواعد الفقهية، وخلاف ما كان في عهد رسول الله (ص).
وسيجيء تتمّة الحديث في متعة النساء ومتعة الحج.
____________________
١ - نفس المصدر السابق، ص ٣٣١.
مستدرك الحكم، ج ٢، ص ١٨.
٣ - تاريخ الطبري، ج ٥، ص ٣٢.
مسند أحمد: عن الحسن، أنّ عمر أراد أن ينهي عن مُتعة الحجّ، فقال له أبيّ: ليس ذلك لك قد تمتّعنا مع رسول الله (ص) ولم ينهنا عن ذلك، فأضرب عن ذلك عمر. وأراد أن ينهي عن حلل الحبرة لأنّها تُصبغ بالبول، فقال له أُبي: ليس ذلك لك قد لبسهن النبي (ص) ولبسنا في عهده.(١)
عمر والجاهلية
السيرة النبوية: فقال عمر: اللهمّ غفرً كنا في الجاهلية شرّ من هذا نعبد الأصنام ونعتنق الأوثان حتى أكرمنا الله.(٢)
وقال: أنّه كان يقول: كنت للإسلام مباعداً، وكنت صاحب خمر في الجاهلية أحبّها وأُسرّ بها.(٣)
وقال: ومرّ أبو بكر بجارية بني مؤمل - حيّ من بني عديّ بن كعب -، وكانت مسلمة وعمر بن الخطاب يُعذّبها لتترك الإسلام، وهو يومئذٍ مشرك وهو يضربها حتى إذا ملّ، قال: إنّي أعتذر إليك، أنّي لم أتركك إلاّ ملالة، فتقول: كذلك فعل الله بك! فابتاعها أبو بكر فاعتقها.(٤)
مسند أحمد ومستدرك الحاكم: لما نزلت تحريم الخمر، قال عمر: اللهم بيّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت:( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ) الذي في سورة البقرة، فدُعي عمر فقُرئت عليه، فقال: اللهم بيّن لنا في الخمر بياناً شافيا، فنزلت التي في المائدة، فدُعيَ عمر فقُرئت عليه، فلما بلغ:( فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ ) ، قال عمر قد انتهينا.(٥)
أقول: يستفاد من هذه الروايات أنّ عمر كان عابد الوثن ومديم شرب الخمر، قبل إسلامه.
____________________
١ - مسند أحمد، ج ٥، ص ١٤٣.
٢ - السيرة النبوية، ج ١، ص ٢٢٣.
٣ - نفس المصدر، ص ٣٧١.
٤ - نفس المصدر، ص ٣٣٩.
٥ - مسند أحمد، ج ١، ص ٥٣. ومستدرك الحاكم، ج ٢، ص ٢٧٨.
مسند أحمد: عن ابن عمر، أنّ رسول الله (ص) قال: اللّهمّ أعِز الإسلام بأحبّ هذين الرجلين إليك، بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب، فكان أحبّهما إلى الله عمر بن الخطاب.(١)
أقول: يستفاد من هذه الرواية أنّ عمر كان قبل الإسلام مخالفاً ومعاندا لرسول الله (ص) اشد عناد كأبي جهل.
عمر والنّبيذ
الطبقات: أنّ عمر بن الخطاب لما طُعن، قال له الناس يا أمير المؤمنين لو شربت شربة؟ فقال أسقوني نبيذاً وكان من أحبّ الشرب إليه، قال فخرج النبيذ من جرحه.(٢)
أقول: قد صرّح بأنّه طلب النبيذ بعنوان الشربة لا بعنوان الدواء، وبأنّ النبيذ كان من أحبّ الشراب إليه.
مستدرك الحاكم: عن أبي وائل قال: غزوت مع عمر الشام فنزلنا منزلاً، فجاء دهقان يستدل على أمير المؤمنين حتى أتاه فلما رأى الدهقان عمر سجد ثمّ قال عمر لغلامه: هل في إدواتك شيءٌ من ذلك النبيذ؟ قال: نعم، قال: فابعث لنا، فأتاه فصبّه في إناء ثمّ شمّه فوجده منكر الريح، فصبّ عليه ماءً ثمّ شمّه فوجده منكر الريح، فصبّ عليه الماء ثلاث مرات ثمّ شربه، ثمّ قال: إذا رابكم من شرابكم فافعلوا به هكذا.(٣)
مستدرك الحاكم: فلمّا انصرف توجه الناس إلى عمر بن الخطّاب قال: فدعا بشراب لينظر ما مدى جرحه، فأتي بنبيذ فشربه قال: فخرج فلم يدر أدمٌ هو أم نبيذ، فدعا بلبن فأُتي به فشربه فخرج من جرحه، فقالوا: لا بأس عليك يا أمير المؤمنين.(٤)
____________________
١ - مسند أحمد، ج ٢، ص ٩٥.
٢ - الطبقات، ج ٣، ص ٢٥٤.
٣ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ٨٢.
٤ - نفس المصدر، ص ٩١.
أقول: الظاهر من إطلاق النبيذ هو النبيذ المطبوخ المسكر، ويدلّ عليه قوله: ثمّ شمّه فوجده منكر الريح، فصبّ عليه ماءً، ويظهر من الميزان للشعراني أنّ أبا حنيفة يقول بنجاسة النبيذ وحرمته إذا أسكر لا مطلقاً.
فتنة:
( متعة النساء )
مستدرك الحاكم: عن أبي نضرة قال: قرأت على ابن عبّاس:( فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ) ، قال ابن عبّاس: فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمّى، قال أبو نضرة: فقلت ما نَقرأها كذلك، فقال ابن عبّاس: والله لأنزلها الله كذلك.(١)
الفائق: أذن في المتعة عام الفتح. قال سبرة الجهيني: فانطلقت أنا ورجل إلى امرأة شابة كأنّها بكرة عَيطاء. وروي: أذن لنا رسول الله (ص) في المتعة عام الفتح، فخرجت أنا وابن عمّ لي ومعي بُرد قد بُسّ منه، فلقينا فتاة مثل البكرة العَنَطنَطَة، فجعل ابن عمي يقول لها: بردي أجود من برده، قالت: برد هذا غير مفنوخ، ثمّ قال: برد كبرد.(٢)
وقال الزمخشري: العَيطاء والعنطنطة الطويلة العنق. وبُسّ منه: نيل منه ونهك بالبلى. المفنوخ: المنهوك، وفنخه إذا ذلّله.
تاريخ الطبري: عن عمران بن سوادة قال: صلّيت الصبح مع عمر قلت: نصيحة، فقال: مرحباً بالناصح غدوّا وعشيّاً، قلت: عابت أمتك منك أربعا! قال: فوضع رأس درّته في ذقنه ووضع أسفلها على فخذه ثمّ قال: هات، قلت: ذكروا أنّك حرّمت العمرة في أشهر الحجّ وذكروا أنّك حرّمت متعة النساء وقد كانت رخصة من الله نستمتع بقُبضة ونفارق عن ثلاث، قال: إنّ رسول الله (ص) أحلّها في زمان ضرورة ثمّ رجع الناس إلى السعة، ثمّ لم أعلم
____________________
١ - مستدرك الحاكم، ج ٢، ص ٣٠٥.
٢ - الفائق، ج ٢، ص ٢٠٢.
أحداً من المسلمين عمل بها ولا عاد إليها، فالآن من شاء نكح بقُبضة وفارق عن ثلاث بطلاق.(١)
أقول: قراءة ابن عبّاس في الآية( فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) وإحلافه بنزولها كذلك صريحة في نكاح المتعة، ولا خلاف بين المسلمين في أنّها كانت مباحة في زمان رسول الله (ص)، ومن يدّعي نسخها فعليه أن يُثبت، وما ورد من الروايات في تحريمها فهي أخبار آحاد. وأمّا نهي عمر: فإن كان مراده نهياً في زمان معيّن أو في مكان أو بقيد مخصوص يلاحظ فيها صلاح المسلمين - فذلك لا يبعد إصلاحه وتصحيحه، وأمّا إذا كان المراد التحريم والنهي في مقابل تجويز الشرع فلا إشكال في كونه بدعة وأحدوثة في الدين وخلافا للكتاب والسنّة الثابتة، فلا يعتنى بها بوجه. قال رسول الله (ص) كما في ابن ماجة: وسترون من بعدي اختلافاً شديداً، فعليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهدّيين، وعضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم والأمور المحدثات فإن كلّ بدعة ضلالة.(٢)
وليعلم أنّ المراد من الخلفاء الراشدين خلفاؤه في العلم والعمل الذين أوصى بهم وجعلهم أئمّة وهم أهل بيت الرسالة ومختلف الملائكة وخزّان العلم، وأنهم يتّبعون الكتاب وسنة رسول الله (ص) ولا يخالفون ما جاء به بأيّ وجه.
مسند أحمد: عن أبي نضرة، قلت لجابر بن عبد الله: إنّ ابن الزبير ينهى عن المتعة، وأنّ ابن عبّاس يأمر بها، قال: فقال لي: على يديّ جرى الحديث، تمتّعنا مع رسول الله (ص) ومع أبي بكر، فلمّا ولي عمر خطب الناس فقال: إنّ القرآن هو القرآن، وإنّ رسول الله (ص) هو الرسول، وإنّهما كانتا متعتان على عهد رسول الله (ص) أحداهما متعة الحجّ والأخرى متعة النساء.(٣)
وفي سنن البيهقي: نظيرها، وفيها: وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما، أحداهما متعة
____________________
١ - تاريخ الطبري، ج ٥، ص ٣٢.
٢ - ابن ماجة، ج ١، ص ٢٠.
٣ - مسند أحمد، ج ١، ص ٥٢.
النساء ولا أقدر على رجل تزوّج امرأة إلى أجل إلاّ غيّبته بالحجارة، والأخرى متعة الحجّ، افصلوا حجّكم من عمرتكم فإنّه أتمّ لحجّكم وأتمّ لعمرتكم.(١)
ويروي: عن أبي سعيد الخدري قال: كنا نتمتّع على عهد رسول الله (ص) بالثوب.(٢)
ويروي: عن جابر قال: تمتعّنا متعتين على عهد النبيّ (ص) الحجّ والنساء، فنهانا عمر عنهما فانتهينا.(٣)
سنن البيهقي: يقول البيهقي بعد نقل روايات مختلفة كما في مسلم وغيره: قال الشيخ - ونحن لا نشك في كونها على عهد رسول الله (ص)، لكنّا وجدناه نهى عن نكاح المتعة عام الفتح بعد الإذن فيه، ثمّ لم نجده إذن فيه بعد النهي حتى مضى لسبيله (ص) فكان نهي عمر بن الخطاب عن نكاح المتعة موافقاً لسنة رسول الله (ص)، فأخذنا به ولم نجده (ص) نهى عن متعة الحجّ في رواية صحيحة عنه، ووجدنا في قول عمر ما دلّ على أنّه أحبّ أن يفصل بين الحجّ والعمرة ليكون أتمّ لهما، فحملنا نهيه عن متعة الحجّ على التنزيه وعلى اختيار الإفراد على غيره لا على التحريم.(٤)
أقول: ينبغي التنبيه على أمور:
١ - أنّ المتعة هي النكاح المنقطع التي أحلّها الله في كتابه المجيد، وأحلّها رسوله (ص) وعمل بها الأصحاب إلى زمان عمر.
٢ - المتعة هي عقد على شرائط لازمة في النكاح الدائم في الزوج والزوجة والمهر وانتفاء الموانع ولزوم العدّة، ويفارق الدائم في تعيين الأجل.
٣ - قد صرّح عمر في كلماته ( كانتا في عهد رسول الله وأنا أحّرمهما ) بأنّ المتعتين كانتا في عهد رسول الله (ص) جائزتين وواقعتين، فكيف يدّعي الشيخ بأنّ رسول الله (ص) لم يأذن فيها بعد.
____________________
١ - سنن البيهقي، ج ٧، ص ٢٠٦.
٢ - مسند أحمد، ج ٣، ص ٢٢.
٣ - نفس المصدر، ص ٣٥٦.
٤ - سنن البيهقي، ج ٣، ص ٢٢.
٤ - أنّ حكم الجواز والنهي في المتعتين على السواء ( متعتان كانتا في عهد رسول الله (ص) وأنا أحرّمهما ) فيكف يجوز للشيخ أن يفصل بينهما بالتحريم في الأوّل والتنزيه في الثاني.
٥ - إذا قال عمر في خطبته: بأنّ القرآن هو القرآن والرسول هو الرسول، لم يتغيّروا، فكيف يصحّ منه القول بالتحريم والنهي.
مسلم: بإسناده عن جابر بن عبد الله، وسلمة بن الأكوع، قالا: خرج علينا منادي رسول الله (ص) فقال: إنّ رسول الله (ص) قد أذن لكم أن تستمتعوا. يعني متعة النساء.(١)
وبإسناد آخر عنهما: أنّ رسول الله (ص) أتانا فأذن لنا في المتعة.
ويروي: قال عطاء: قدم جابر بن عبد الله معتمراً فجئناه في منزله فسأله القوم عن أشياء ثمّ ذكروا المتعة؟ فقال: نعم استمتعنا على عهد رسول الله (ص) وأبي بكر وعمر.(٢)
ويروي أيضاً: عن جابر: كنا نستمتع القبضة من التمر والدقيق الأيامَ. على عهد رسول الله (ص) وأبي بكر، حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث.
ويروي أيضاً: عن أبي نضرة: كنت عند جابر بن عبد الله فأتاه آت فقال: ابن عبّاس وابن الزبير اختلفا في المتعتين! فقال جابر: فعلناهما مع رسول الله (ص) ثمّ نهانا عنهما عمر فلم نُعدلهما.
ويروي أيضاً: عن سبرة، قال: أذن لنا رسول الله (ص) بالمتعة، فانطلقت أنا ورجل إلى امرأة من بني عامر فمكثت معها ثلاثاً، ثمّ إنّ رسول الله (ص) قال: مَن كان عنده شيء من هذه النساء التي يتمتع، فليخل سبيلها.
ويروي أيضاً: عن سبرة، قال: أذن لنا رسول الله (ص) عام أوطاس في المتعة ثلاثاً ثمّ نهى عنها.
أقول: في حاشية الكتاب - عام أوطاس هو عام الفتح وهو وادٍ بديار هوازن،
____________________
١ - مسلم، ج ٤، ص ١٣٠.
٢ - نفس المصدر، ص ١٣١.
وقوله ثلاثاً، أي: ثلاث ليالٍ. انتهى.
فالمراد من النهي عنها بقرينة لحن هذه الرواية وبصراحة روايات أخرى هو النهي عن جهة الزمان وعدم اقتضاء أيام الحرب الترخيص أكثر من ثلاث ليالٍ، فلا دلالة فيها على النهي المطلق وتحريم أصل العمل، كما لا يخفى.
ويروي أيضاً: بإسناده عن قيس، قال: سمعت عبد الله ( هو ابن مسعود ) يقول: كنّا نغزو مع رسول الله (ص) ليس لنا نساء، فقلنا ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثمّ رخّص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثمّ قرأ عبد الله:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) .(١)
سنن البيهقي: يروي روايات قريبة منها.(٢)
ويروي أن عبد الله بن الزبير قام بمكّة فقال: إنّ أناسا أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم يُفتون بالمتعة، يُعرّض برجل، فناداه فقال إنّك لجلف جاف ؛ فلعمري لقد كانت المتعة تُفعل على عهد إمام المتقين ( يريد رسول الله (ص) ) فقال له ابن الزبير: فجرّب بنفسك، فوالله لئن فعلتها لأرجمنّك بأحجارك.(٣)
قال ابن شهاب فأخبرني خالد بن المهاجر بن سيف الله أنّه بينا هو جالس عند رجل، جاءه رجل فاستفتاه في المتعة؟ فأمره بها، فقال له ابن أبي عمرة الأنصاري: مهلا! قال: ما هي والله لقد فعلت في عهد إمام المتّقين، قال ابن أبي عمرة: إنّها كانت رخصة في أوّل الإسلام لمن اضطرّ إليها، كالميتة والدم ولحم الخنزير، ثمّ أحكم الله الدين ونهى عنها.
أقول: لا يخفى على الخبير أنّ الترخيص إنّ كان متوقّفا على الاضطرار فلا يقيّد بزمان ولا معنى لتخصيصه بأوّل الإسلام.
وأيضاً لا معنى للتحريم والنهي عن العمل الاضطراريّ فإنّه يرتفع التكليف في
____________________
١ - نفس المصدر السابق، ص ١٣٠.
٢ - سنن البيهقي، ج ٧، ص ٢٠٠.
٣ - مسلم ج ٤، ص ١٣٣.
حال الاضطرار، ويثبت إذا انتفى الموضوع.
ثمّ إنّه يلزم على هذا الفرض أن يثبت الحكم التحريميّ للموضوع أوّلا وبالذات كما في الميتة والدم، ثمّ يستثنى منه مورد الاضطرار لا بالعكس.
ورابعاً: قد ثبت الجواز في زمان النبيّ (ص) فالتقييد بحال الاضطرار أو التحريم بعده يحتاج إلى دليل قطعيّ، ولم يثبت.
ويروي: بإسناد عن علي بن أبي طالب: أنّ رسول الله (ص) نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحُمر الإنسية.(١)
ويروي: بمثلها بأسانيد أخرى.
أقول: هذا النهي من جهة خصوصية زمان معيّن لا من جهة أصل الموضوع، وقد ثبت التجويز في عام الفتح بعد عام خيبر.
ابن ماجة: عن ابن عمر: قال: لمّا ولي عمر بن الخطّاب خطب الناس فقال: إنّ رسول الله (ص) أذن لنا في المتعة ثلاثاً ثمّ حرّمها، والله لا أعلم أحداً يتمتع وهو مُحصن إلاّ رجمته بالحجارة إلاّ أن يأتيني بأربعة يشهدون أنّ رسول الله (ص) أحلّها بعد إذ حرّمها.(٢)
أقول: يعترف الخطيب بأنّ رسول الله (ص) أحلّها وحكم بحلّيتها ثلاثَ مرّات أو ثلاث ليالٍ، فتثبت الحلّية. وأمّا نفيها والتحريم بعد، فيحتاج إلى الإثبات. ثمّ إنّ غاية ما يمكن أن نقول هنا: إنّ حلّية المتعة تتوقّف على شرائط، وإذا فقدت الشرائط المأخوذة فتلحقها الحرمة والممنوعية، وإلاّ فلا معنى للتحليل ثمّ التحريم مرّة بعد مرّة.
والحاصل من هذه الروايات الشريفة: أنّ المتعة كانت واقعة في زمان رسول الله (ص)، بل إلى زمان عمر، وتدلّ عليه الآية الشريفة:( فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) ولا سيّما على قراءة ابن عبّاس.
ولمّا كانت الأحكام الشرعية تعبّدية وتوقيفيّة صرفة لا يجوز لنا أن ننصرف
____________________
١ - مسلم، ج ٤، ص ١٣٤.
٢ - ابن ماجة، ج ١، ص ٦٠٥.
عنها ونبدلها بوجه من الوجوه، وليس لأحدٍ أن يغيّر حكم الله ويحرّف كلمات الله عن مواضعها بعقله الضعيف وإدراكه المحدود وفهمه الناقص:( وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ) .
ويلزم أن يتوجّه المسلم الغيور المتعبّد بأنّ تحليل المتعة ليس بمعنى التجويز على الإطلاق، بل له شرائط وآداب لازمة أزيد من شرائط النكاح الدائم، من رعاية حقوق المرأة وحفظ حرمتها والتوجّه إلى حياتها الاجتماعية، وعدم إيجاب هذا الأمر مضيقة لها في معاشها وابتلاء في أمورها المستقبلة والتدبير في ما يرتبط بحمل المرأة ووضع الولد وتربيته، وهذا ابتلاء ما أعظمه، فإذا لم تراع هذه الشرائط: تكون حراما بالعنوان الثانويّ.
فتنة:
( تحريم المتعة في الحجّ )
الفائق: قال عمر بن الخطّاب في متعة الحجّ: علمت أنّ رسول الله (ص) فعلها وأصحابه، ولكنّي كرهت أن يظلّوا بهنّ مُعرسين تحت الأراك، ثم يُلبّون بالحج تقطر رؤوسهم.(١)
سنن الدارمي: عن مروان بن الحكم أنّه شهد علياً وعثمان بين مكّة والمدينة، وعثمان ينهي عن المتعة، فلمّا رأى ذلك عليّ، أهلّ بهما جميعاً، فقال: لبيك بحجّة وعمرة معاً، فقال: تراني أنهى عنه وتفعله! فقال لم أكن لأدع سنّة رسول الله (ص) بقول أحدٍ من الناس.(٢)
ويروي: عن أنس أنه سمع النبي (ص)، يقول: لبيك بعمرة وحج.(٣)
ويروي أيضاً: عن أنس: أنّ رسول الله (ص) أهلّ بهما جميعاً، فلقيت ابن عمر فأخبرته بقول أنس، فقال إنّما أهلّ بالحجّ، فرجعت إلى أنس فأخبرته بقول ابن عمر، فقال: ما يَعدّونا إلاّ صبياناً.
أقول: يستفاد من هذه الروايات أمور:
١ - اعترف عمر بأنّ رسول الله (ص) فعل متعة الحجّ وكذا أصحابه.
٢ - صرّح بأنّ علّة تحريم كراهته أن يظلّوا بهنّ مُعرسين ثمّ يُلبون بالحجّ، غفلةً منه بأنّ الإعراس كالأكل والشرب، وقد يجب، واستحبابه مسلّم، وهو من الطاعات، بل من الأمور الضرورية لطبيعة البشر، يصان به عن إفراط الشهوة ويعتدل به المزاج والفكر.
____________________
١ - الفائق، ج ٢، ص ١٣٦.
٢ - سنن الدارمي، ج ٣، ص ٦٩.
٣ - نفس المصدر، ص ٧٠.
مسلم: بإسناده عن جابر: قدم النبيّ (ص) صبح رابعة مضت من ذي الحجّة فأمرنا أن نحلّ، قال: حِلّوا وأصيبوا النساء. قال عطاء: ولم يعزم عليهم ولكن أحلّهنّ لهم، فقلنا لما لم يكن بيننا وبين عرفة إلاّ خمس أمرنا أن نفضي إلى نسائنا فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المنيّ الحديث.(١)
ويروي مسند أحمد: نظيره.(٢)
ويروي أيضاً: بإسناده: أهللنا مع رسول الله (ص) بالحجّ فلمّا قدمنا مكّة أمرنا أن نحلّ ونجعلها عمرة، فكبُر ذلك علينا وضاقت به صدورنا، فبلغ ذلك النبيّ (ص) فما ندري أشيء بلغه من السماء أم شيء من قبل الناس؟ فقال: أيّها الناس أحلّوا، فلولا الهدي الذي معي فعلت كما فعلتم.قال فأحللنا حتى وطأنا النساء ... الحديث.
ويروي أيضاً: بإسناده: كان ابن عبّاس يأمر بالمتعة، وكان ابن الزبير ينهي عنها، قال: فذكرت ذلك لجابر بن عبد الله، فقال: على يديّ دار الحديث، تمتّعنا مع رسول الله (ص)، فلمّا قام عمر قال: إنّ الله كان يُحلّ لرسوله ما شاء بما شاء، وأنّ القرآن قد نزل منازله، فأتمّوا الحجّ والعمرة لله كما أمركم الله، وأبتّوا نكاح هذه النساء ؛ فلن أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلاّ رجمته بالحجارة.(٣)
ويروي أيضاً: عن أبي موسى، إنّه كان يفتي بالمتعة، فقال له رجل: رويدك ببعض فُتياك ؛ فإنّك لا تدري ما أحد أمير المؤمنين في النسك بعد، حتى لقيه بعد، فسأله، فقال عمر: قد علمت أنّ النبي (ص) قد فعله وأصحابه، ولكن كرهت أن يظلّوا مُعرسين بهنّ في الأراك ثمّ يروحون في الحجّ تقطر رؤوسهم.(٤)
وفي النسائي: نظيرها. وكذا في أحمد.(٥)
ويروي أيضاً: بإسناده: كان عثمان ينهي عن المتعة، وكان عليّ يأمر بها،
____________________
١ - مسلم، ج ٤، ص ٣٧.
٢ - مسند أحمد، ج ٣، ص ٣١٧.
٣ - مسلم، ج ٤، ص ٣٨.
٤ - نفس المصدر، ص ٤٥.
٥ - النسائي، ج ٥، ص ١١٩ ومسند أحمد، ج ١، ص ٥٠.
فقال عثمان لعليّ كلمة، ثمّ قال عليّ: لقد علمت إنّا قد تمتّعنا مع رسول الله (ص)؟ فقال: أجل ولكنّا كنّا خائفين.(١)
ويروي أيضاً: اجتمع عليّ وعثمان رضيَ الله عنهما بعُسفان، فكان عثمان ينهى عن المتعة أو العمرة، فقال علي: ما تريد إلى أمر فعله رسول الله (ص) تنهي عنه؟! فقال عثمان: دعنا منك، فقال: إنّي لا أستطيع أن أدعك. فلمّا أن رأى عليّ ذلك أهل بهما جميعاً.
ويروي أيضاً: بإسناده عن أبي ذرّ قال: كانت لنا رخصة يعني المتعة في الحجّ.
أقول: ثبت من هذه الروايات أنّ متعة الحجّ كانت مسلّمة في عهد رسول الله (ص) وقد عملت الصحابة بها وكانوا مرخّصين فيها.
ويروي أيضاً: بإسناده عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذرّ (رض) قال: كانت المتعة في الحجّ لأصحاب محمّد (ص) خاصة.
ويروي أيضاً: لا تصلح المتعتان إلاّ لنا خاصة.
أقول: إنّ كانت المتعة مخصوصة بأصحاب الرسول الله (ص): فكيف كان عمر وعثمان ينهيان الصحابة عنها؟! وإن كانت مخصوصة بهم مقيّدة بزمان الرسول وحياته (ص): فكيف كان عمر وابن عبّاس وعليّ وغيرهم جاهلين بهذا القيد؟! وهل كان التحريم في زمان عمر فرع ثبوت الحليّة في هذا الزمان مع ما في خلاصة التهذيب: أنّ إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي العابد يُرسل ويُدلّس.
ويروي أيضاً: بإسناده، سألت سعد بن أبي وقّاص (رض) عن المتعة؟ فقال: فَعَلْنَاهَا وَهَذَا يَوْمَئِذٍ ( أي: أنّ معاوية في ذلك اليوم ) كَافِرٌ بِالْعُرُشِ. يَعْنِى بُيُوتَ مَكَّةَ.(٢)
ويروي أيضاً: بإسناده عن عمران بن حصين قال: نزلت آية المتعة في كتاب الله ( يعني متعة الحجّ ) وأمرنا بها رسول الله (ص) ثمّ لم تنزل آية تنسخ آية متعة الحجّ ولم ينه عنها رسول الله (ص) حتى مات، قال رجل برأيه بعد ما شاء.(٣)
____________________
١ - مسلم، ج ٤، ص ٤٦.
٢ - مسلم، ج ٤، ص ٤٧.
٣ - نفس المصدر، ص ٤٩.
وفي النسائي: قريب منها.(١)
وروى روايات أخر قبلها قريباً منها، وصرّح فيها بأنّ المراد من الرجل هو عمر بن الخطّاب، وهو الذي ارتأى برأيه، وقال بالتحريم.
ويروي أيضاً: بإسناده، عن مسلم القُريّ قال: سألت ابن عبّاس (رض) عن متعة الحجّ فرخّص فيها، وكان ابن الزبير ينهى عنها، فقال: هذه أمّ ابن الزبير تُحدّث أنّ رسول الله (ص) رخّص فيها، فادخلوا عليها فاسألوها؟ قال: فدخلنا عليها فإذا امرأة ضخمة عمياء، فقالت: قد رخّص رسول الله (ص) فيها.(٢)
ويروي أيضاً: بإسناده عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله (ص): هذه عمرة استمتعنا بها فمن لم يكن عنده الهدي فليُحلّ الحلّ كلّه، فإن العمرة قد دخلت في الحجّ إلى يوم القيامة.(٣)
ويروي أيضاً: عن أبي حمزة الضبعي، قال: تمتّعت فنهاني ناسٌ عن ذلك، فأتيت ابن عبّاس فسألته عن ذلك فأمرني بها، قال: ثمّ انطلقت إلى البيت فنمت فأتاني آت في منامي فقال: عمرة متقبّلة وحجّ مبرور، قال: فأتيت ابن عبّاس فأخبرته بالذي رأيت، فقال: الله أكبر! الله أكبر! سنّة أبي القاسم (ص).
ويروي: بإسناده قال عطاء: كان ابن عبّاس يقول: لا يطوف بالبيت حاجّ ولا غير حاجّ إلاّ حِلّ، قلت لعطاء: من أين يقول ذلك؟ قال: من قول الله تعالى:( ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ ) ، قال: قلت فإن ذلك بعد المعرف، فقال: كان ابن عبّاس يقول: هو بعد المعرّف وقبله، وكان يأخذ ذلك من أمر النبيّ (ص) حين أمرهم أن يُحلّوا في حجّة الوداع.(٤)
أقول: أي بعد الوقوف بعرفة وقبله، والمعرّف موضع التعريف.
ويروي: بإسناده عن أبي نضرة، قال: كنت عند جابر بن عبد الله فأتاه آت
____________________
١ - النسائي، ج ٥، ص ١٢٠.
٢ - مسلم، ج ٤، ص ٥٥.
٣ - نفس المصدر، ص ٥٧.
٤ - نفس المصدر، ص ٥٨.
فقال: إنّ ابن عبّاس وابن الزبير اختلفا في المتعتين فقال جابر: فعلناهما مع رسول الله (ص) ثمّ نهانا عنهما عمر فلم نعُد لهما.(١)
سنن النسائي: حجّ عليّ وعثمان فلمّا كنا ببعض الطريق نهى عثمان عن التمتع، فقال عليّ: إذا رأيتموه ارتحل فارتحلوا، فلبّى عليّ وأصحابه بالعمرة فلم ينههم عثمان، فقال عليّ: ألم أخبر أنّك تنهي عن التمتع؟ قال: بلى، قال له عليّ: ألم تسمع رسول الله (ص) تمتع؟ قال: بلى.(٢)
مسند أحمد: يروي قريبا منها.(٣)
ويروي أيضاً: أن سعد بن أبي وقّاص والضحّاك بن قيس، عام حجّ معاوية بن أبي سفيان وهما يذكران التمتع بالعمرة إلى الحجّ، فقال الضحّاك: لا يصنع ذلك إلاّ من جهلَ أمر الله تعالى، فقال سعد: بئسما قلت يا ابن أخي، قال الضحّاك: فإنّ عمر بن الخطّاب نهى عن ذلك، قال سعد: قد صنعها رسول الله (ص) وصنعناها معه.
مسند أحمد: يروي نظيرها.(٤)
ويروي أيضاً: عن ابن عبّاس قال سمعت عمر يقول: والله إنّي لأنهاكم عن المتعة وإنّها لفي كتاب الله، ولقد فعلها رسول الله (ص)، يعني العمرة في الحجّ.(٥)
ويروي أيضاً: قال معاوية لابن عبّاس: أعلمتَ أنّي قصّرت من رأس رسول الله (ص) عند المروة؟ قال: لا، يقول ابن عبّاس: هذا معاوية ينهى الناس عن المتعة وقد تمتّع النبيّ (ص).
ويروي أيضاً: قال سراقة: تمتّع رسول الله (ص) وتمتّعنا معه فقلنا: ألنا خاصة أم لأبد؟ قال: بل لأبد.(٦)
____________________
١ - نفس المصدر السابق، ص ٥٩.
٢ - النسائي، ج ٥، ص ١١٨.
٣ - مسند أحمد، ج ١، ص ٦٠.
٤ - نفس المصدر، ج ١، ص ١٧٤.
٥ - سنن النسائي، ج ٥، ص ١١٩.
٦ - نفس المصدر، ص ١٤٠.
أقول: قال الله تعالى وتبارك:( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ) . عقيدة الإمامية: إنّ أفضل أقسام الحجّ التمتّع، وهو حجّة الإسلام والفريضة لكلّ من نأى عن مكّة، ويتركّب من عمرة واجبة وحجّ واجب، يُحلّ بعد التقصير من العمرة لله، فمن تمتع بالعمرة إلى الحجّ فما استيسر من الهدي. وقال مالك: الإفراد أفضل، وقال أبو حنيفة: القِران أفضل، وقالا: إنّ العمرة مستحبّة. ومنشأ هذه الأقوال نهي عمر عن المتعة وعن عمرة التمتّع، وقد صرّح بقوله: متعتانِ كانتا في عهد رسول الله (ص) وأنا أحرّمهما وأعاقب عليهما.
مسند أحمد: عن أبي موسى ؛ أنّ عمر قال: هي سنّة رسول الله (ص) - يعني المتعة - ولكنّي أخشى أن يُعرسوا بهنّ تحت الأراك ثمّ يروحوا بهنّ حُجاجاً.(١)
ويروي: عن عبد الله بن الزبير قال: أنا والله لمع عثمان بن عفّان بالجُحفة ومعه رهط من أهل الشام، فيهم حبيب بن مسلمة الفهري، إذ قال عثمان وذُكر له التمتّع بالعمرة إلى الحج: إنّ أتمّ الحجّ والعمرة أن لا يكونا في أشهُر الحجّ، فلو أخّرتم هذه العمرة حتى تزوروا هذا البيت زورتين كان أفضل ؛ فإنّ الله قد وسّع في الخير، وعليّ بن أبي طالب في بطن الوادي يَعلف بعيراً له، قال، فبلغه الذي قال عثمان، فأقبل حتى وقف على عثمان، فقال: لقد عمدت إلى سنّة سنّها رسول الله (ص) ورخصة رخّص بها الله تعالى للعباد في كتابه تَضيق عليهم فيها وتنهي عنها، وقد كانت لذي الحاجة ولنائي الدار، ثمّ أهلّ بحجّة وعمرة معاً. فأقبل عثمان على الناس فقال: وهل نهيت عنها، إنّي لم أنه عنها، إنّما كان رأياً أشرت به، فمن شاء أخذ به ومن شاء تركه.(٢)
ويروي: عن ابن عبّاس قال: تمتّع النبي (ص). فقال عروة بن الزبير: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة. فقال ابن عبّاس: ما يقول عُرّية؟! قال: يقول نهى أبو بكر وعمر عن المتعة. فقال ابن عبّاس: أراهم سيهلكون.
أقول: قال
____________________
١ - مسند أحمد، ج ١، ص ٤٩.
٢ - نفس المصدر، ص ٩٢.
النبيّ (ص)، ويقول: نهى أبو بكر وعمر!(١)
ويروي عن سالم: كان عبد الله بن عمر يُفتي بالذي أنزل الله - عزّ وجلّ - من الرخصة بالتمتّع وسَنّ رسول الله (ص) فيه، فيقول ناس: كيف تُخالف أباك وقد نهى عن ذلك؟! فقال: ويلكم أفرسول الله أحقّ أن تتبعوا سنّته أم سنّة عمر.(٢)
سنن أبي داود: عن جابر: حتى إذا قدمنا طفنا بالكعبة وبالصفا والمروة، فأمّرنا رسول الله (ص): أن يُحلّ منّا مَن لم يكن معه هَدي. قال: فقلنا حلّ ماذا؟ قال: الحلّ كلّه، فواقعنا النساء وتطيّبنا بالطيب ولبسنا ثيابنا وليس بيننا وبين عرفة إلاّ أربع ليال، ثمّ أهللنا يوم التروية.(٣)
ويروي عنه أيضاً: ثمّ أمَرنا رسول الله (ص) أن نُحلّ، وقال: لولا هديي لحللت، ثمّ قام سراقة بن مالك فقال: يا رسول الله أرأيت متعتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد؟ فقال رسول الله (ص): بل هي للأبد.(٤)
مسند أحمد: يروي مثلهما.(٥)
الموطّأ: أنّ سعد بن أبي وقاص والضحّاك بن قيس عام حجّ معاوية بن أبي سفيان يذكران التمتّع بالعمرة إلى الحجّ، فقال الضحّاك: لا يصنع ذلك إلاّ من جهل أمر الله، فقال سعد: بئسَ ما قلت يا ابن أخي؟ فقال الضحّاك: فإنّ عمر بن الخطّاب قد نهى عن ذلك، فقال سعد: صنعها رسول الله (ص) وصنعناها معه.(٦)
سنن البيهقي: يروي نظيرها وروايات أخر.(٧)
____________________
١ - مسند أحمد، ج ١، ص ٣٣٧.
٢ - نفس المصدر، ج ٢، ص ٩٥.
٣ - سنن أبي داود، ج ١، ص ٢٤٨.
٤ - نفس المصدر، ص ٢٤٩.
٥ - مسند أحمد، ج ٣، ص ٢٩٢.
٦ - الموطأ، ص ٣٥٤.
٧ - سنن البيهقي، ج ٥، ص ١٦.
أقول: قال الزرقاني في شرح الموطّأ ما خلاصته: وكان من رأي عمر عدم الترفّه للحاجّ بكلّ طريق، وقول سعد: ( صنعها رسول الله (ص) ) إشارة إلى عمرة التمتّع والحجّة وهي مقدّمة على الاجتهاد والرأي، والآية:( وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ ) دلّت على إتمامهما وذلك صادق بأنواع الإحرام الثلاثة، أي وأتمّوا كما أمركم الله. وقال النووي: الظاهر أنّه كان ترغيباً إلى الإفراد ثمّ انعقد الإجماع على جواز التمتّع بلا كراهة، وبقي الخلاف في الأفضل.(١)
تاريخ الطبري: عن عمران بن سوادة قال صلّيت الصبح مع عمر قلت عابت أمّتك منك أربعاً، قال: فوضع رأس درته في ذقنه ووضع أسفلها على فخذه، ثمّ قال: هات! قلت: ذكروا أنّك حرّمت العمرة في أشهُر الحجّ ولم يفعل ذلك رسول الله (ص) ولا أبو بكر وهي حلال، قال: هي حلال لو أنّهم أعقروا في أشهُر الحجّ رأوها مُجزية من حجّهم فكانت قائبة قوب عامها، فقرع حجهم وهو بهاء من بهاء الله.(٢)
أقول: قد صرّح المعترض بأنّه حرّم العمرة في أشهر الحجّ مع أنّها كانت جائزة في عهد رسول الله (ص).
ولا تدّعي: بأنّ عمر بن الخطاب [ ما ] أراد أن يبدّل أحكام الدين ويغيّر ما جاء به رسول الله (ص) بسوء القصد وفساد النية، بل ما كان مقصده إلاّ الإصلاح، وإجراء ما كان فيه صلاح الأمة، وإنما الإشكال في أنّ أحكام الله وما جاء به رسول الله (ص) توقيفيّة لا يتصرّف فيها وتعبّدية لا يجوز التغيير فيها، ولو بقصد الإصلاح، فإن نظر الإنسان قصر وفكره محدود وعقله ضعيف، ( وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ) .
____________________
١ - شرح الموطأ، ج ٢، ص ١٧٨.
٢ - تاريخ الطبري، ج ٥، ص ٣٢.
( كلماته في آخر عمره )
أنّه كان نادماً على أمور صدرت منه، وكان متحسّراً عليها، ويظهر الأسف الشديد على تلك الأمور، ويقول في آخر أيام من عمره ما يبعد عن ظاهر مقامه.
مستدرك الحاكم، والطبقات: فقال عمر: والله لو أنّ لي ما على الأرض من شيء لافتديت به من هول المطلع.(١)
ويروي في الطبقات أيضاً، ومسند أحمد: أمّا تبشيرك لي بالجنّة: فوالله الذي لا إله إلاّ هو لو أنّ لي الدنيا وما فيها لافتديت به من هول ما أمامي قبل أن أعلم الخبر، وأمّا ما ذكرت في إمرة المؤمنين: فوالله لوددت أنّ ذلك كفاف لا لي ولا عليّ.(٢)
ويروي أيضاً: قال: ثمّ صحبت أبا بكر فسمعت وأطعت، فتُوفّي أبو بكر وأنا سامع مطيع، وما أصبحتُ أخاف على نفسي إلاّ إمارتكم هذه.(٣)
ويروي أيضاً: قال: إنّ مَن غرّه عمره لمغرور، والله لوددت أنّي أخرج منها كما دخلت فيها، والله لو كان لي ما طلعت الخ.
تاريخ الطبري: قال عمر: لا أرب لنا في أموركم، ما حمدتها فأرغب فيها لأحدٍ من أهل بيتي، إن كان خيراً فقد أصبنا منه، وإن كان شراً فشرّ عنّا إلى عمر، بحسب آل عمر أن يحاسب منهم رجلٌ واحد ويُسأل عن أمر أمّة محمّد، أمَا لقد جهدتُ نفسي وحرمتُ أهلي، وإن نجوت كفافاً لا وزر ولا أجر إنّي لسعيد.(٤)
أقول: يستفاد من هذه الروايات أمور:
____________________
١ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ٩٢ والطبقات، ج ٣، ص ٣٥٢.
٢ - الطبقات، ص ٣٥٣ ومسند أحمد، ج ١، ص ٤٦.
٣ - الطبقات، ص ٣٥٥.
٤ - تاريخ الطبري، ج ٥، ص ٣٤.
١ - اضطرابه الشديد من هول الموت وما بعده.
٢ - خوفه من عوارض الإمارة وآثارها وأوزارها.
٣ - انه يودّ أن له كفافاً لا وزر له ولا أجر.
فدلّت هذه الكلمات على أنّ تولّيه الإمارة لم يكن من باب العمل بالوظيفة الإلهية، ولم يكن مستندا إلى أمر ربّاني وحقيقة روحانية مسلّمة، حتى لا يبقى اضطراب وتزلزل وتردّد في باطنه.
الطبقات: آخر كلمة قالها عمر حتى قضى: ويَلي وويل أمّي إن لم يغفر الله لي، ويل وويل أمّي إن لم يغفر الله لي، ويلي وويل أمّي إن لم يغفر الله لي.(١)
ويروي بإسناد آخر: ما يقرب منها.
ويروي أيضاً: رأيت عمر بن الخطاب أخذ تِبنة من الأرض فقال: ليتني كنت هذه التِبنة، ليتني لم أخلق، ليت أمّي لم تَلدني، ليتني لم أكُ شيئا، ليتني كنت نسياً منسياً.
ويروي بأسناد آخر: ما يقرب منها.
أقول: هذه الكلمات تدلّ على غاية الاضطراب ونهاية التحسّر على ما فرّط في جنب الله، ولا يمكن ظهورها والتكلّم بها إلاّ ممّن لم يرتبط قلبه بالملكوت واللاهوت، ولم ترسخ مقامات العبودية والأنوار الإلهية في باطنه، ولو أنّ لكلّ نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به. ويكفي في اضطراب النفس ما وقع بينه وبين أهل بيت الرسول (ص)، من إحراق بيت فاطمة (ع)، والتهيؤ لمقاتلتهم، وإخراج عليّ (ع) للبيعة، وأخذ حقوقهم. وقد سبق أنّ فاطمة (ع) ماتت وهي غَضبى عليه، وأوصت أن لا يحضر في جنازتها.
الطبقات: سمعت رجلاً من الأنصار يقول: دعوت الله أن يُريني عمر في النوم فرأيته بعد عشر سنين وهو يمسح العرق عن جبينه، فقلت يا أمير المؤمنين ما فعلت؟ فقال: الآن فرغتُ ولولا رحمة ربّي لهلكت.(٢)
____________________
١ - الطبقات ج ٣، ص ٣٦٠.
٢ - نفس المصدر، ص ٣٧٦.
ويروي أيضاً: عن ابن عبّاس: دعوت الله أن يُريني عمر في النوم فرأيته بعد سنة وهو يسلت العرق عن وجهه وهو يقول: الآن خرجت من الحِناذ أو مثل الحناذ.
ويروي روايات آخر قريبة منها.
أقول: هذه الروايات تدل على ابتلائه الشديد في هذه المدّة، وقد رفعت الشدّة بدرجة. وما هذه الشدّة إلاّ بمخالفته أهل البيت، وانحرافه عن وصيه رسول الله (ص).
العقد الفريد: قال عمر: المغرور والله من غررتموه، أمَا والله لو أنّ لي ما بين المشرق والمغرب لافتديت به من هول المطلع.(١)
ويروي عن قتادة: لما ثقل عمر، قال لولده عبد الله: ضع خدّي على الأرض فكره أن يفعل ذلك. فوضع عمر خده على الأرض وقال: ويل لعمر ولامّ عمر إن لم يعفُ الله عنه.
أقول: قلنا إنّ مبدأ اضطرابه ما وقع بينه وبين أهل بيت رسول الله (ص)، وقد أشار إليه إجمالا في آخر كلماته، حيث قال: لئن سألت رسول الله (ص) عن الخلافة، أحبّ إليّ من حُمر النعم.
مستدرك الحاكم: عن عمر بن الخطاب قال: لأنّ أكون سألت رسول الله (ص) عن ثلاث أحبّ إليّ من حُمر النعم: من الخليفة بعده، وعن قوم قالوا نُقرّ بالزكاة في أموالنا ولا نُؤديها إليك أيحلّ قِتالهم، وعن الكلالة.(٢)
وعن ابن عبّاس قال: كنت آخر الناس عهدا بعمر فسمعته يقول: القول ما قلتُ. قلتُ: وما قلت؟ قال: قلت: الكلالة من لا ولد له.
ويروي عن عمر بن الخطاب قال: ثلاث لأن يكون النبيّ (ص) بيّنهنّ لنا أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها، الخلافة، والكلالة، والرِّبا.(٣)
____________________
١ - العقد الفريد، ج ٤، ص ٢٧٤.
٢ - مستدرك الحاكم، ج ٢، ص ٣٠٣.
٣ - نفس المصدر، ص ٣٠٤.
سنن البيهقي: ما يقرب منها.(١)
أقول: تدلّ هذه الروايات على أنّه كان في ريب في هذه الموضوعات، وقد اشتدّ اضطرابه من هذه الجهة في الأيام الأخيرة من حياته. وقد كان أبو بكر أيضاً يُظهر الأسف والندامة في موضوع الخلافة، وكان يقول: وددت أنّي سألت رسول الله (ص) لمن هذا الأمر، ووددت أنّي يوم السقيفة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين. وقد قال الله تعالى:( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً ) .
سنن البيهقي: عن الشعبي قال: قال عمر: الكلالة ما عدا الولد. قال أبو بكر: ما عدا الولد والوالد. فلما طُعن عمر قال: إنّي لأستحيي أن أخالف أبا بكر، الكلالة ما عدا الولد والوالد.(٢)
أقول: قال الله تعالى في آخر سورة النساء:( يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ ) الآية. وعلى أيّ حال فأحد القولين مخالف للكتاب. راجع كتاب التحقيق.
( عمر والعُلوج )
الطبقات: في كلام لعمر وأوصيكم بالأعراب ؛ فإنّهم أصلكم ومادّتكم.(٣)
ويروي أيضاً: عنه ثمّ قال لابن عبّاس: لقد كنت أنت وأبوك تُحبان أن تكثر العُلوج بالمدينة، فقال ابن عبّاس: إنّ شئت فعلنا، فقال: أبعدَ ما تكلموا بكلامكم، وصلّوا بصلاتكم، ونسكوا نُسككم؟!.(٤)
ويروي أيضاً: وأوصيه بالأعراب ؛ فإنّهم أصل العرب ومادّة الإسلام وأن يؤخذ
____________________
١ - سنن البيهقي، ج ٦، ص ٢٢٥.
٢ - نفس المصدر، ج ٦، ص ٢٤٤.
٣ - الطبقات، ج ٣، ص ٣٣٧.
٤ - نفس المصدر، ص ٣٣٨.
من حواشي أموالهم فيردّ على فقرائهم.(١)
أقول: قال الله تعالى:( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) ، أي: لا كرامة لأحدٍ ولا فضلَ إلاّ بالتقوى، وليس لعربٍ على عجمٍ فضلٌ، ولا لأهل بلدٍ على أهل بلدٍ آخر كرامة، وليس في الإسلام تعصّب جاهلية، وأنّ أصل الإسلام ومادته هو القرآن المنزّل من الله تعالى، فمن كان ذا نصيب وافر من حقائق الإسلام فهو الكريم:( مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً ) ، وأمّا قوله: أبعد ما تكلّموا بكلامكم وصلّوا بصلاتكم. يدلّ على تعصّبه الشديد مع الاعتراف بإسلامهم وتسليمهم.
____________________
١ - الطبقات، ج ٣، ص ٣٣٩.
فتنة:
( وصية عمر بن الخطاب )
تاريخ الطبري: قال عمر بن الخطّاب: وأنظر فإنّ استخلفتُ فقد استخلفُ من هو خير منّي، وإن أترك فقد تركَ مَن هو خير منّي، ولن يُضيّع الله دينه. فخرجوا ثمّ راحوا فقالوا يا أمير المؤمنين، لو عهدت عهدا؟! فقال قد كنت أجمعت بعد مقالتي لكم أن أنظر فأُوليّ رجلا أمركم هو أحراكم أن يَحملكم على الحقّ، وأشار إلى عليّ، ورهفتني غشية فرأيت رجلاً دخل جنّة قد غرسها فجعل يَقطف كلّ غضّة ويانعة فَيضّمه إليه ويُصيّره تحته، فعلمت أنّ الله غالب أمره ومُتوفٍّ عمر، فما أريد أن أتحمّلها حياً و ميّتاً، عليكم الرهط الذين قال رسول الله أنهم من أهل الجنّة: سعيد بن زيد، وعمرو بن نفيل، منهم ولستُ مدخله، ولكن الستّة.(١)
أقول: المتّبع هو سنّة الرسول (ص)، فكيف يعارض عمل فرد من الرعية وهو أبو بكر سنّته وعمله، حتى يتخيّر فرد آخر في اختيار أيّهما شاء، فعلى تقدير صحّة القول بترك استخلاف الرسول (ص)، فكيف يجوز مخالفته وترك اتّباعه. ثمّ أنّه إذا كان عليّ (ع) أحرى الأمّة والحامل على الحقّ: فكيف يجوز التعدّي عنه والميل إلى غير الأحرى والأفضل؟! وأمّا رؤية رجل يَقطف كلّ غضّة ويانعة ممّا غرسه: فلعلّها إشارة إلى ما نواه من استخلافه غير عليّ (ع)، فإنّه مرادف لقطف ما عمله من خير وصلاح وخدمة، ولا يمكن أن تكون إشارة إلى نظره في تولية علي (ع)، فإنّ كونه أحرى الأمّة والحامل على الحق يُضاد أن يقطف كلّ غضّة
____________________
١ - تاريخ الطبري، ج ٥، ص ٣٤.
ويانعة، ثمّ إنّ تعيينه علياً من عداد الستّة ينافي تأويله هذا.
مستدرك الحاكم: عن ثابت قال: بلغني أنّ عمر بن الخطاب قال: لو أدركت أبا عبيدة بن الجراح لاستخلفته وما شاورت، فإن سُئلت عنه قلت: استخلفت أمين الله وأمين رسول الله (ص).(١)
أقول: هذا اشتباه من عمر، فإنّ اللازم من صفات الخليفة أن يكون عالماً بالأحكام، عارفاً بالحقائق الإلهية، مدبّرا لأمور المسلمين، وأمّا صفة الأمانة المنفردة فقط فلا تكفي في هذا المقام.
العقد الفريد وتاريخ الطبري: قال عمر: لو كان أبو عبيدة بن الجراح حياً استخلفته، فإن سألني ربي قلت سمعت نبيّك يقول: أّنّه أمين هذه الأمّة، ولو كان سالم مولى أبي حُذيفة حياً استخلفته، فإن سألني ربّي قلت: سمعت نبيّك يقول: أنّ سالماً شديد الحبّ لله.(٢)
أقول: كأنّه ما سمع الأحاديث المتواترة في فضل عليّ (ع) عن النبيّ (ص)، أو أنّه كان مخالفاً لخلافته.
وقد قال رسول الله (ص): من أطاع عليّا فقد أطاعني، ومن عصى علياً فقد عصاني.
-وقال: أنا مِن عليّ وعليّ منّي.
-وقال: أنت أخي في الدنيا والآخرة.
-وقال: مَن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه.
-وقال: أفلا ترضى يا عليّ أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى.
وغيرها، وقد سبق مِن قوله في عليّ (ع): هو أحراكم أن يحملكم على الحقّ. وفي الاستيعاب: وقوله في عليّ: إن ولّوها الأجلح سلك بهم الطريق المستقيم. الأجلح: يعني علياً.(٣)
البخاري: بإسناده، قيل لعمر ألا تَستخلف؟ قال: إن أستخلف فقد استخلفَ من هو خير منّي، أبو بكر، وإن أترك فقد ترك من هو خير منّي، رسول الله (ص)، فأثنوا عليه، فقال: راغب وراهب، إنّي وددتُ أنّي نجوت منه
____________________
١ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ٢٦٨
٢ - العقد الفريد، ج ٤، ص ٢٧٤. وتاريخ الطبري، ج ٥، ص ٣٤.
٣ - الاستيعاب، ج ٣، ص ١١٥٤.
كفافاً لا ليَ ولا عليّ، لا أتحمّلها حياً وميّتاً.(١)
مسلم: عن ابن عمر قال: حضرت أبي حين أصيب، فأثنوا عليه وقالوا: جزاك الله خيراً، فقال: راغب وراهب، قالوا: استخلف! فقال: أتحمّل أمركم حيّا وميّتاً! لوددت أن حظّي منها الكفاف، لا عليَّ ولا ليَ، فإن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني يعني أبا بكر وأن أترككم فقد ترككم من هو خير منّي رسول الله (ص). (٢)
أقول: يستفاد من هذه الجملات أمور:
الأوّل: أنّه استبصر في آخر ساعة من حياته بأنّ تحمّله للخلافة قد وقع في غير محلّه وعلى خلاف صلاحه، وأنّ الكفاف والنجاة منها كان أصلح وأوقع له.
الثاني: أنّه مع هذا القول - بأنّ عدم التحمّل حيّاً وميّتاً أوقع له، وأنّ رسول الله (ص)، ما استخلف ويلزم اتّباع الرسول - خالف قوله، وخالف سيرة الرسول، واستخلف بطريق الشورى بين ستّة على شرايط ومقررات معلومة أنتجت خلافة عثمان.
ويروي مسلم أيضاً: عن ابن عمر: قال: دخلت على حفصة، فقالت: أعلمت أنّ أباك غير مستخلف؟ قال: قلت ما كان ليفعل، قالت: إنّه فاعل، قال: فحلفتُ إنّي أكلّمه في ذلك، فسكتّ حتى غدوتُ ولم أكلّمه، قال: فكنت كأنّما أحمل بيميني جَبلاً، حتى رجعت فدخلت عليه، فسألني عن حال الناس وأنا أخبره، قال: ثمّ قلت له: إنّي سمعت الناس يقولون مقالة فآليت أن أقولها لك: زعموا أنّك غير مستخلف وأنّه لو كان لك راعي إبل أو راعي غنم ثمّ جاك وتركها رأيت أن قد ضيّع؟ فرعاية الناس أشدّ، قال: فوافقه قولي فوضع رأسه ساعة ثم رفعه إليّ، فقال: إنّ الله عزّ وجلّ يحفظ دينه، وإنّي لئن لا استخلف فإنّ رسول الله (ص) لم يستخلف، وإن استخلف فإنّ أبا بكر قد استخلف. قال: فوالله ما هو إلاّ أن ذكر رسول الله (ص) وأبا بكر، فعلمت
____________________
١ - البخاري، ج ٤، ص ١٥٢.
٢ - مسلم، ج ٦، ص ٤.
أنّه لم يكن ليعدل برسول الله أحدا وأنّه غير مستخلف.(١)
أقول: قول ابن عمر ( لو كان لك راعي إبل )، كلامٌ فطريّ عقليّ وجدانيّ لا يُنكره من كان له أدنى تدبّر، وعلى هذا ترى أنّ عمر وافقه ولم ينكره، وهذا رأينا في رسول الله (ص) بأنّه قد أوصى واستخلف.
الثاني: أنّ أبا بكر على قولهم خالف عمل الرسول (ص) صريحاً، واعتذاره غير مقبول، ولا سيّما في هذا الأمر المهم.
الثالث: أنّ عمر قد استخلف أيضاً، فإنّ تعيين شخص على نحو التفصيل أو الإجمال لا فرق بينهما من جهة أصل التعيين، مضافا إلى أنّ التعيين الإجمالي يدلّ على تحقّق الضعف والعجز أمّا من ناحية العلم والمعرفة، وإمّا من جانب رعاية التقية وملاحظة الأحوال وعدم التمكّن والاستطاعة من التعيين التفصيلي.
فإذا كان النبيّ (ص) لم يستخلف على اعتقادهم، وجعل الأمة بعد، حيارى وتركهم لا يهتدون سبيلا: فكيف خالفوا هذه الطريقة وحكموا بلزوم تعيين الخليفة.
هل كان رسول الله (ص) لا يدري ما وظيفته؟ أو لم يعمل بما علم وسامح في العمل برسالته؟ أو أن الله تعالى قد أهمل عباده وأظلّهم بعد أن أرسل إليهم رسولا؟
ثمّ إذا كان هذا الإهمال وترك الأمة صلاحاً فكيف لم يعمل به آخرون، ولم يتمكّنوا من اتّباع هذه المصلحة وسلوك هذه الطريقة، حتى أنّ عمر التزم أن يستخلف بهذه الكيفية المخصوصة.
وما هذا إلا لأنّ الاستخلاف أمر طبيعي يحكم به العقل والوجدان، وقد استخلف رسول الله (ص)، وصرّح باستخلافه في موارد كثيرة، وأعلن وصيّتها بألفاظ مختلفة، ويكفي لنا قوله: إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا أبدا.
____________________
١ - مسلم، ج ٦، ص ٥.
فنحن نتمسّك بالقرآن الحكيم وأهل البيت الطاهرين، ونتّبع الثقلين الذين أوصى بهما رسول الله (ص)، وعلم أنّه ما ينطق عن الهوى( إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى ) . وهذه حجّتنا فيما بيننا وبين الله تعالى. فأتوا بكتاب من عنده إن كنتم صادقين.
فتنة:
( أمر الشورى واختلاف الآراء )
الملل والنحل: الخلاف التاسع في أمر الشورى واختلاف الآراء فيها، حتى اتّفقوا كلّهم على بيعة عثمان وانتظم الملك.(١)
البدء والتاريخ: وكان قال لعبد الله بن عبّاس: اذكر لي مَن أعهد إليه؟ فقال: عثمان! فقال: ذاك كلِفٌ بأقاربه، يَحمل بني ابن أبي معيط على رقاب الناس. قال: فعبد الرحمن بن عوف! قال: مسلمٌ ضعيف، وأميرته امرأته! قال: فسعد! قال: ذاك فارس يكون في مقنب من مقانبكم. قال: فالزبير! قال: مؤمن الرضا كافر الغضب. قال: فطلحة! قال: فيه باء وعجب. قال فعليّ! قال: فيه دعابة وأنّه لأخلقهم أن يحملهم على المحجّة. ثمّ جعل الأمر في هؤلاء الستّة باختيارهم، وقال: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرّها، فمن عاد إلى مثلها من غير مشورة فاقتلوه.(٢)
أقول: إذن اعترف بأنّ علياً (ع) لأخلقهم أن يحملهم على المحجّة، فكيف عدل عنه وجعله في عدادهم، مع إقراره بضعف إسلام عبد الرحمن ومقهريته، وبأنّ عثمان كلِف بأقاربه يحملهم على رقاب الناس، وهكذا الآخرون.
ثمّ أنّ بيعة أبي بكر على ما وقعت، إن كانت صحيحة ومشروعة شرعاً وعقلاً: فكيف يحكم بقتل من عاد إلى مثلها. وإن كانت باطلة: فكيف أعان عليها وحكم بقتل من خالفها، وحضر لإحراق باب أهل البيت، ألم يمكن لهم أن يتذكّروا ويذكروا ما وصى لهم رسول الله (ص) في عليّ بن أبي طالب (ع)
____________________
١ - الملل والنحل، ج ١، ص ١٨.
٢ - البدء والتاريخ، ج ٥، ص ١٩٠.
البخاري: فقالوا: أوص يا أمير المؤمنين استخلف! قال ( عمر بن الخطاب ): ما أجد أحقّ بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط الذين تُوفى رسول الله (ص) وهو عنهم راض، فسمّى علياً وعثمان والزبير وطلحة وسعداً وعبد الرحمن، وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر وليس له من الأمر شيء كثيئة التعزية، فإن أصابت الإمرة سعداً فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما أمر، فإنّي لم أعزله عن عجز ولا خيانة ...
فلما فُرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط، فقال عبد الرحمن اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم! فقال الزبير: قد جعلت أمري إلى عليّ، فقال طلحة قد جعلت أمري إلى عثمان، وقال سعد قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف، فقال عبد الرحمن أيكما تبرّأ من هذا الأمر فنجعله إليه، والله عليه والإسلام لينظرنَّ أفضلهم في نفسه! فأُسكت الشيخان، فقال عبد الرحمن: أفتجعلونه إليّ، والله عليّ أن لا آلوا عن أفضلكم! قالا: نعم، فأخذ بيد أحدهما فقال لك قرابة من رسول الله (ص) والقِدم في الإسلام ما قد علمت، فالله عليك لئن أمّرتُك لتعدلنّ، ولئن أمّرت عثمان لتسمعنّ ولتُطيعنّ! ثمّ خلا بالآخر ( عثمان ) فقال له مثل ذلك، فلمّا أخذ الميثاق، قال: أرفع يدك يا عثمان فبايعه.(١)
أقول: يستفاد من صريح هذا الكلام أمور:
١ - أنّ عمر بن الخطاب ما قدر أن يَعرف أفضلهم وأولاهم.
٢ - أنّه جعل مَدار الإمرة كون النبيّ (ص) راضياً عنه، ولم يُراع شرائط أخرى، ولم يتوجّه إلى أحوالهم وأعمالهم بعد الإمرة.
٣ - فإذا كان عمر بن الخطاب لم يتكلّم بالوحي وعن الله وبتعيين الله، ولم يقد أن يُميّز الأفضل والأولى: فكيف يوصي بهذه الوصية المخصوصة.
٤ - فإذا ادّعى عبد الرحمن: أن لا يألو عن أفضلهم، فهل كان عثمان أفضل من عليّ علماً وعملاً وسابقةً ومقاماً؟.
ويقول البخاري: إنّ المِسور بن مَخرمة أخبره أنّ الرهط الذين ولاّهم عمر
____________________
١ - البخاري، ج ٢، ص ١٨٤.
اجتمعوا فتشاوروا، قال لهم عبد الرحمن: لست بالذي أنافسكم على هذا الأمر، ولكنكم إن شئتم اخترت لكم منكم! فجعلوا ذلك إلى عبد الرحمن، فلما ولُّوا عبد الرحمن أمرهم، فمال الناس على عبد الرحمن حتى ما أرى أحداً من الناس يتبع أولئك الرهط ولا يطأ عقبه، ومال الناس على عبد الرحمن يشاورونه تلك الليالي، حتى إذا كانت الليلة التي أصبحنا منها فبايعنا عثمان.
قال المِسور: طَرقني عبد الرحمن بعد هجع من الليل فضرب الباب حتى استيقظت، فقال: أراك نائماً! فوالله ما اكتحلتُ هذه الليلة بكبير نوم، انطلق فادعُ الزبير وسعداً! فدعوتهما له فشاورهما، ثمّ دعاني فقال: ادع ليّ علياً! فدعوته فناجاه حتى إبهار الليل، ثمّ قام عليّ من عنده وهو على طمع، وقد كان عبد الرحمن يخشى من عليّ شيئاً، ثمّ قال: ادع لي عثمان فدعوته، فناجاه حتى فرّق بينهما المؤذّن بالصبح، فلمّا صلّى للناس الصبح واجتمع أولئك الرهط عند المنبر فأرسل إلى من كان حاضراً من المهاجرين والأنصار وأرسل إلى أمراء الأجناد وكانوا وافوا تلك الحجّة مع عمر، فلما اجتمعوا تشهّد عبد الرحمن ثمّ قال: أمّا بعد: يا علي إنّي قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعلن على نفسك سبيلاً، فقال: أبايعك على سنّة الله ورسوله والخليفتين من بعده، فبايعه عبد الرحمن وبايعه الناس، المهاجرون الأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون.(١)
أقول: هذا الكلام ( قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان ) في وجه ترجيح عثمان وانتخابه: يخالف كلامه السابق وعهده بأنّ لا يألو عن أفضلهم، فهل يكون تمايل الناس موجبا للأفضلية؟! مع أنّ أكثر الناس لا يعقلون.
نعم، تشكيل الحكومة الظاهرية يعتبر فيها أكثرية الآراء والأفكار، وهذا غير مقام الحقيقة والخلافة المعنوية والمرجعية للأمور الدنيوية والدينية والوصاية عن رسول الله (ص)
____________________
١ - البخاري، ج ٤، ص ١٥١.
مسلم: بإسناده فإن عجل بي أمر، فالخلافة شورى بين هؤلاء الستة الذين تُوفي رسول الله (ص) وهو عنهم راضٍ، وإنّي قد علمت أنّ أقواما يطعنون في هذا الأمر، أنا ضربتُهم بيدي هذه على الإسلام، فإن فعلوا ذلك فأولئك أعداء الله الكفرة الضُّلال.(١)
أقول: يستفاد من هذا الكلام أمور:
١ - يستفاد من هذا الكلام أنّ جمعاً ممّن أسلموا بعد غلبة الإسلام وفتح مكّة من الذين حملوا السلاح على رسول الله، كانوا يطعنون في الخلافة ويجهدون أن تكون الإمرة فيهم، وقد عبّر عنهم بقوله: فإن فعلوا ذلك فأولئك أعداء الله الكفرة الضلاّل. وهذا الكلام يشمل معاوية بل وينطبق عليه، ولا سيّما بعد خلافة عليّ (ع) ؛ إذ هو من هؤلاء الستة وقد أجمع المهاجرون والأنصار عليه، وقد طعن معاوية في خلافته وحمل السلاح عليه.
٢ - المناط في الإمرة إن كان رضا الرسول (ص) عنه! فأغلب أصحاب الرسول (ص) كانوا بهذه الصفة، وإن كان لهؤلاء الستّة امتياز وخصوصية، فهل كانوا متساوين من جميع الجهات حتى يكون الناس مختارين في اختيار أيّهم شاءوا، أو أنّ لبعض منهم فضيلة وتفوّقا على بعض آخر؟ وعلى كلّ فرض يبقى محذور وإشكال لا يخفى على من له أدنى تدبّر.
الطبقات: عن أبي جعفر قال عمر بن الخطاب لأصحاب الشورى: تشاوروا في أمركم فإن كان اثنان واثنان، فارجعوا في الشورى، وإن كان أربعة واثنان، فخذوا صنف الأكثر.(٢)
ويروي أيضاً: عن ابن عمر قال عمر: وان اجتمع رأي ثلاثة وثلاثة فاتّبعوا صنف عبد الرحمن بن عوف واسمعوا وأطيعوا.
ويروي أيضاً: عن سعيد قال عمر. ليُصل لكم صهيب ثلاثاً وتشاوروا في أمركم، والأمر إلى هؤلاء الستّة، فمن بَعل أمركم فاضربوا عنقه، يعني من خالفكم.
____________________
١ - مسلم، ج ٢، ص ٨١.
٢ - الطبقات، ج ٣، ص ٦١.
ويروي أيضاً: عن أنس قال: أرسل عمر بن الخطاب إلى أبي طلحة قبل أن يموت بساعة، فقال: يا أبا طلحة كن في خمسين من قومك من الأنصار مع هؤلاء النفر أصحاب الشورى، فلا تتركهم يَمضي اليوم الثالث حتى يُؤمّروا أحدهم.
ويروي أيضاً: عن سماك أنّ عمر بن الخطاب لما حُضر قال: ان أستخلف فسنةٌ وإلاّ أستخلف فسنةٌ، تُوفي رسول الله (ص) ولم يستخلف وتوفي أبو بكر فاستخلف وقال للأنصار أدخلوهم بيتاً ثلاثة أيام فإن استقاموا وإلاّ فادخلوا عليهم فاضربوا أعناقهم.(١)
العقد الفريد وتاريخ الطبري: فقال العبّاس لعلي: لا تدخل معهم! قال: أكره الخلاف، قال: إذا ترى ما تكره. فلمّا أصبح عمر دعا عليّاً وعثمان وسعداً وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن عوام، فقال: إنّي نظرت فوجدتكم رؤساء الناس وقادتهم ولا يكون هذا الأمر إلاّ فيكم، وقد قُبِض رسول الله (ص) وهو عنكم راضٍ، إنّي لا أخاف الناس عليكم أن استقمتم، ولكنّي أخاف عليكم اختلافكم فيما بينكم فيختلف الناس، فانهضوا إلى حجرة عائشة - بإذن منها - فتشاوروا واختاروا رجلاً منكم، ثمّ قال: لا تدخلوا حجرة عائشة ولكن كونوا قريباً، ووضع رأسه وقد نزفه الدم، فدخلوا فتناجوا ثمّ ارتفعت أصواتهم، فقال عبد الله بن عمر: سبحان الله إنّ أمير المؤمنين لم يمت بعد، فأسمعه، فانتبه فقال: ألاَ أعرضوا عن هذا أجمعون ؛ فإذا متُّ فتشاوروا ثلاثة أيام وليُصل بالناس صُهيب، ولا يأتينّ اليوم الرابع إلاّ وعليكم أمير عنكم، ويحضر عبد الله بن عمر مشيراً ولا شيء له من الأمر، وطلحة شريككم في الأمر فإن قدم في الأيام الثلاثة فأحضروه أمركم وإن مضت الأيام الثلاثة قبل قدومه فاقضوا أمركم، ومن لي بطلحة! فقال عمر: أرجوا أن لا يخالف إن شاء الله، وما أظن أن يلي إلاّ أحدٌ هذين الرجلين عليّ أو عثمان، فإن ولي عثمان فرجل فيه لين، وإن ولي عليّ ففيه دعابة وأحرى به أن يحملهم على طريق الحقّ فإن اجتمع خمسة
____________________
١ - نفس المصدر السابق، ص ٣٤٢.
ورضوا رجلاً وأبى واحد، فاشدخ رأسه، أو اضرب رأسه بالسيف، وإن اتّفق أربعة فرضوا رجلاً منهم وأبى اثنان فاضرب رؤوسهما، فإن رضي ثلاثة رجلاً منهم وثلاثة رجلاً منه فحكّموا عبد الله بن عمر فأي الفريقين حكم له فليختاروا رجلاً منهم، فإن لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف واقتلوا الباقين إن رغبوا عمّا اجتمع عليه الناس وتلقّاه العبّاس فقال: عدلت عنا، فقال: وما علّمك؟ قال: قرن بي عثمان وقال: كونوا مع الأكثر فإن رضي رجلان رجلا، ورجلان رجلاً فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، فسعد لا يخالف ابن عمه عبد الرحمن، وعبد الرحمن صهر عثمان لا يختلفون، فيولّيها عبد الرحمن عثمان أو يوليها عثمان عبد الرحمن، فول كان الآخران معي لم ينفعاني! بله إنّي لا أرجوا إلاّ أحدهما فقال العبّاس: احفظ عنّي واحدة كلمّا عرض عليك القوم فقل لا، إلاّ أن يُولّوك، واحذر هؤلاء الرهط فإنّهم لا يبرحون يدفعوننا عن هذا الأمر حتى يقوم لنا به غيرنا وأيم الله لا يناله إلاّ بشرّ لا ينفع معه خير، فقال علي: أما لئن بقي عثمان لأذكرنّه ما أتى، ولئن مات ليتداولنّها بينهم ولئن فعلوا ليجدنّي حيث يكرهون.(١)
أقول: في هذا الكلام مواقع للاعتبار:
١ - قال علي (ع) أكره الخلاف: إشارة إلى أهمّية الاتفاق والاتّحاد بين المسلمين والحذر من الخلاف في أيّ مورد كان، وأمّا مقام الولاية والإمامة الحقيقية الثابتة الإلهية فهي غير متوقفة إلى أمر آخر ولا تلازم بينها وبين الحكومة الظاهرية.
٢ - قال عمر: فتشاوروا واختاروا رجلاً. يدلّ على أنّ هذا الأمر مقامٌ اجتماعي ظاهري عرفي متحصّل باختيار الناس، ولا ربط له بالأحكام الإلهية والأصول والفروع الدينية المنزّلة.
٣ - قال عمر: وليُصلّ بالناس صُهيب. يدلّ على أنّ الإمامة في الصلاة
____________________
١ - العقد الفريد، ج ٤، ص ٢٧٧ وتاريخ الطبري، ج ٥، ص ٣.
لا تُلازم الإمامة والولاية المطلقة العامة، فاستدلال بعضهم بصلاة أبي بكر على خلافته ضعيف ناقص.
٤ - قول عمر: وأحرى بعليٍّ أن يحملهم على طريق الحقّ. هذه الصفة والخصيصة تدلّ على أنّ الدعابة وعدم كونه ليّنا، واقعتان في طريق الحقّ والصدق، فكيف يجوز الإعراض وصرف النظر عنه مع الاعتراف بهذا الاتصاف.
٥ - قول عمر: ( وأبى واحد فاشدخ رأسه بالسيف )، ( فاضرب رؤسهما )، ( واقتلوا الباقين ). هذا الحكم المنجز المقطوع من جانبه إن كان له حقيقة فكيف لم يُجرّ في زمان أبي بكر وزمان عليّ، بل وكيف يقولون: إنّ خلاف أهل الجمل وصفّين مستند إلى اجتهادهم. وأيضاً إنّ الإباء المطلق إذا كان عن فكرٍ صائب ورأي خالصٍ كيف يوجب ضرب الرأس والقتل ولا سيّما إذا خلا عن التحريك والتّشتيت.
٦ - قوله أيضاً: فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن. حقيقة هذا الحكم وسرّه ما أشار إليه عليّ (ع) في آخر الكلام من الطبري. وكما قال العبّاس: فإنّهم لا يبرحون يدفعوننا عن هذا الأمر.
العقد الفريد وتاريخ الطبري: فتنافس القوم في الأمر وكثر بينهم الكلام فقال عبد الرحمن: أيكم يُخرج منها نفسه ويتقلّدها على أن يُوليَها أفضلكم، فلم يُجبه أحد، فقال: أنا أنخلع منها، فقال عثمان: أنا أوّل من رضي فإنّي سمعت رسول الله (ص) يقول: أمين في الأرض أمين في السماء، قال القوم: قد رضينا، وعليّ ساكت، فقال: ما تقول يا أبا الحسن؟ قال: أعطني موثقا لتُؤثرن الحقّ ولا تتّبع الهوى ولا تخصّ ذا رحم ولا تألو الأمّة! فقال: أعطوني مواثيقكم على أن تكونوا معي على من بدلّ وغيّر وأن ترضوا من اخترت لكم، على ميثاق الله أن لا أخصّ ذا رحم لرحمه ولا آلو المسلمين، فأخذ منهم ميثاقاً وأعطاهم مثله. فقال لعليّ: إنّك تقول: إنّي أحقّ من حضر بالأمر ؛ لقرابتك وسابقتك وحسن أثرك في الدين، ولم تُبعد، ولكن أرأيت لو صُرف هذا الأمر عنك فلم تحضر، من
كنت ترى من هؤلاء الرهط أحقّ بالأمر؟ قال: عثمان. وخلا بعثمان فقال:
تقول: شيخ من بني عبد مناف، وصهر رسول الله (ص) وابن عمّه، لي سابقة وفضل، فلم تُبعد، فلمَ تُصرف هذا الأمر عنّي، ولكن لو لم تحضر فأيّ هؤلاء الرهط تراه أحقّ به؟ قال عليّ. ثمّ خلا بالزبير فكلّمه بمثل ما كلّم به علياً وعثمان فقال: عثمان. ثمّ خلا بسعد فكلّمه، فقال: عثمان. فلقى عليّ سعداً فقال:( اتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) ، أسألك برحم ابني هذا من رسول الله (ص)، وبرحم عمّي حمزة منك، أن لا تكون مع عبد الرحمن لعثمان ظهيراً عليّ، فإنّي أدلي بما لا يُدلي به عثمان.
ودار عبد الرحمن لياليه يلقى أصحاب رسول الله (ص) ومن وافى المدينة من أمراء الأجناد وأشراف الناس يُشاورهم ولا يخلو برجل إلا أمره بعثمان، حتى إذا كانت الليلة التي يستكمل في صبيحتها الأجل أتى منزل المسور بن مخرمة بعد ابهيرار من الليل فأيقظه، فقال: ألا أراك نائماً ولم أذق في هذه الليلة كثير غُمض، انطلق فادع الزبير وسعداً فدعاهما، فبدأ بالزبير في مؤخّر المسجد في الصفة التي تلى دار مروان، فقال له: خلّ ابني عبد مناف وهذا الأمر، قال: نصيبي لعليّ. وقال لسعد: أنا وأنت كلالة ( وفي العقد: كالآلة ) فاجعل نصيبك لي فأختار؟ قال: إن اخترت نفسك، فنعم! وان اخترت عثمان فعليّ أحبّ إليّ، أيّها الرجل بايع لنفسك وأرحنا وارفع رؤوسنا! قال: يا أبا إسحاق: إنّي قد خلعت نفسي منها على أن أختار، ولو لم أفعل وجُعل الخيار إليّ لم أردّها قال، قال سعد: فإنّي أخاف أن يكون الضعف قد أدركك فامض لرأيك فقد عرفت عهد عمر! وانصرف الزبير وسعد، وأرسل المسور بن مخرمة إلى عليّ فناجاه طويلاً وهو لا يشكّ أنّه صاحب الأمر، ثمّ نهض، وأرسل المسور إلى عثمان فكان في نجيّهما حتى فرّق بينهما أذان الصبح فلما صلّوا الصبح جمع الرهط فقال عمّار: إن أردت أن لا يختلف المسلمون فبايع علياً، فقال المقداد بن الأسود: صدق عمّار ؛ إن بايعت علياً قلنا: سمعنا وأطعنا. قال ابن أبي سرح: إن أردت أن لا تختلف قريش فبايع عثمان، فقال عبد الله بن أبي ربيعة: صدق، إن بايعت عثمان قلنا: سمعنا وأطعنا. فشتم
عمّار ابن أبي سرح وقال: متى كنت تنصح المسلمين؟! فتكلّم بنو هاشم وبنو أميّة، فقال عمّار: أيّها الناس إنّ الله - عزّ وجلّ - أكرمنا بنبيّه وأعزّنا بدينه فأنّى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيّكم! فقال رجل من بني مخزوم: لقد عدوت طورك يا ابن سُمية، وما أنت وتأمير قريش لأنفسها، فقال سعد بن أبي وقاص: يا عبد الرحمن افرغ قبل أن يفتتن الناس!.
فقال عبد الرحمن: إنّي قد نظرت وشاورت، فلا تجعلنّ أيّها الرهط على أنفسكم سبيلاً، ودعا علياً، فقال: عليك عهد الله وميثاقه، لتعملنّ بكتاب الله وسنّة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده! قال: أرجو أن أفعل وأعمل بمبلغ علمي وطاقتي.
ودعا عثمان، فقال له مثل ما قال لعليّ، قال: نعم. فبايعه.
فقال عليّ: حبوته حبو دهر، ليس هذا أوّل يوم تظاهرتم فيه علينا، فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون، والله ما ولّيت عثمان إلاّ ليردّ الأمر إليك، والله كلّ يومٍ هو في شأن. فقال عبد الرحمن: يا عليّ لا تجعل على نفسك سبيلاً، فإنّي قد نظرت وشاورت الناس فإذا هم لا يعدلون بعثمان، فخرج عليّ وهو يقول: سيبلغ الكتاب أجله، فقال المقداد: يا عبد الرحمن، أمَا والله لقد تركته من الذين يقضون بالحقّ وبه يعدلون، فقال: يا مقداد، والله لقد اجتهدتُ للمسلمين! قال: إن كنت أردت بذلك الله، فأثابك الله ثواب المحسنين، فقال المقداد: ما رأيت مثل ما أوتي إلى أهل هذا البيت بعد نبيّهم إنّي لأعجب من قريش أنّهم تركوا رجلاً ما أقول أنّ أحدا أعلم ولا أقضى منه بالعدل، أما والله لو أجد عليه أعواناً.(١)
أقول في هذا الكلام موارد للاعتبار:
١ - فتنافس القوم: هذا كما تنافسوا في السقيفة ثمّ وقعت أخذ الآراء بالتزوير الذي لا يخفى على المحقّق المنصف.
٢ - أيّكم يُخرج نفسه: بعد أن رأى عبد الرحمن أن لا نصيب له في هذا الأمر، استمسك بهذا التزوير الدقيق، لحفظ مقامه ولإعمال غرضه في أمر
____________________
١ - العقد الفريد، ج ٤، ص٢٧٧. وتاريخ الطبري، ج ٥، ص ٣٦.
الخلافة لعثمان.
٣ - أنا أوّل من رضي: هذا القول يدلّ على أنّ الاختيار التام المفوّض لعبد الرحمن إنّما يتمّ لتأييد عثمان، ويدلّ عليه سكوت عليّ (ع).
٤ - أعطني موثقاً: يكشف عن أنّ علياً (ع) ما صحّ عنده الحديث المرويّ ( أمين في الأرض أمين في السماء )، مضافاً إلى أنّ في متن الحديث ضعفاً، حيث أنّ كونه أمينا في السماء لا معنى له، وإن أريد كونه أميناً عند أهل الأرض وأهل السماء ينقضه أنّ من خير أهل الأرض عليّ (ع) وهو يطلب منه موثقاً.
٥ - ولا تتبع الهوى ولا تخصّ ذا رحم: شرط هذه القيود يثبت إتّباع الهوى والعمل بغرض.
٦ - إنّي أحقّ من حضر بالأمر: هذه الدعوى من عليّ (ع) مستمرة من يوم ارتحل النبيّ (ص) إلى آخر عمره الشريف، وقد ثبت أنّه صادق ومع الحقّ ويحبّه الله ورسوله.
٧ - بمبلغ علمي وطاقتي: هذا هو الحقّ الصريح، فإنّ علياً (ع) لا أقل أنّه مجتهد، ولا يجوز له لمجتهد آخر، مع أنّه أعلم الأمّة وأقضاها وأفضلها وأتقاها، بل نعتقد بأنّه خليفة الله ووليّه والمنصوب منه والمعلَّم من لدنه.
٨ - ليس هذا أوّل يوم تظاهرتم: فليعتبر من هذا الكلام كلّ معتبر.
ويروي الطبري: بعد نقل كلمات الأربعة من أهل الشورى وخطبتهم، ثمّ تكلّم عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال: الحمد لله الذي بعث محمّداً منّا نبيّاً، وبعثه إلينا رسولاً، فنحن بيت النبوّة ومعدن الحكمة، وأمان أهل الأرض ونجاة لمن طلب، لنا حقّ إن نُعطه نأخذه، وإن نُمنعه نركب أعجاز الأبل ولو طال السُرى، لو عهد إلينا رسول الله (ص) لأنفذنا عهده، ولو قال لنا قولاً، لجادلنا عليه حتى نموت إلخ.(١)
أقول: في هذه الكلمات العالية من عليّ (ع) إثبات لمقامه وعلوّ منزلته
____________________
١ - الطبري، ج ٥، ص ٣٩.
وحقيقة ولايته وخلافته من رسول الله (ص)، حيث إنّه أظهر في مجلس الشورى بكونه من بيت النبوّة وأنّه معدن الحكمة، وأمان أهل الأرض، ونجاة لمن طلب، ولم ينكر هذه المقامات له أحدٌ من الحاضرين، مع أنّه لا يمكن دعوى هذه المراتب من أحد من سائر الناس.
يروي في العقد الفريد: في كلام لعمر: أمَا والله لولا دُعابة فيه ما شككتُ في ولايته، وإن نزلت على رغم أنف قريش.(١)
الفائق: عليّ رضي الله عنه قال يوم الشورى: لنا حقّ إن نُعطه نأخذه، وإن نُمنَعه نركب أعجاز الإبل وإن طال السُرى.(٢)
قال الزمخشري: هذا مَثَل لركوبه الذلّ والمَشقّة وصبره عليه وان تطاول ذلك، وأراد بركوب أعجاز الإبل كونه ردفاً وتابعاً.
أقول: يقول أنّ الولاية الظاهرية من آثار الولاية الحقيقية، ولمّا كانت حقيقة الولاية لأهل البيت ولأمير المؤمنين عليّ (ع): فتكون الخلافة الظاهرية والولاية والحكومة العرفية أيضاً من حقوقهم وشئونهم.
أمّا الولاية الحقيقية: فهي ثابتة لهم، ومن آثارها النورانية والمعرفة والعلم والإحاطة الملكوتية والارتباط الغيبي، ويشير إليها بقوله: فنحن بيت النبوّة، ومعدن الحكمة، وأمان أهل الأرض، ونجاة لمن طلب.
وأمّا الولاية الظاهرية: فهي متوقّفة على إقبال الرعية وخضوعها وانقيادها، فإن أطاعوا وسلّموا وخضعوا لهم، يَقبلون طاعتهم ويهدونهم إلى مصالحهم ويُرشدونهم إلى سعادتهم ويُجرون قوانين العدل فيما بينهم. ويشير إليها بقوله: إن نعطه نأخذه.
وإذا امتنعوا من الطاعة ولم يخضعوا ولم يستقرّوا تحت لواء ولايتهم فلا يُظهرون من أنفسهم الحرص والميل الشديد إلى حيازتها وتحصيلها وأخذها، بل يجعلون أنفسهم في إثر الحكومة ويعيشون مع الناس ويُفيضون ويُرشدون على
____________________
١ - العقد الفريد، ج٤، ص ٢٨٢
٢ - الفائق، ج ٢، ص ١١٩.
حسب طلب الناس وإقبالهم واقتضاء أحوالهم.
(من الوقائع في زمانه)
تبعيد أبي ذرّ:
الطبقات: عن زيد بن وهب، قال مررت بالربذة فإذا أنا بأبي ذرّ، فقلت: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية:( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ ) ، وقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب. فقلت: نزلت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه في ذلك كلام، فكتب يشكوني إلى عثمان، فكتب إليّ عثمان أن أقدِم المدينة، فقدمت المدينة وكثر الناس عليّ كأنّهم لم يروني قبل ذلك، فذكر ذلك لعثمان، فقال لي: إن شئت تنحّيت فكنت قريباً، فذاك أنزلني هذا المنزل.(١)
البدء والتاريخ: ومنها قوله (ص) لأبي ذر الغفاري وقد تخلّف في بعض مراحل تبوك: تعيش وحدك وتموت وحدك، فكيف بك إذا أخرجت من المدينة لقولك الحقّ. فنُفي في أيام عثمان إلى الربذة ومات بها وحده.(٢)
أقول: نفى أبي ذر من الشام لقوله الحقّ، وعملاً بشكاية معاوية عنه، ونُفي ثانياً من المدينة لصدق لهجته وصراحة بيانه، وقد قال رسول الله (ص) في حقّه:(*)
الاستيعاب: سئل عليّ (رض) عن أبي ذر، فقال: ذلك رجل وعى علماً عجز عنه الناس.
وقال رسول الله (ص): أبو ذرّ في أمّتي شبيه عيسى بن مريم في زهده. وبعضهم يرويه: من سرّه أن ينظر إلى تواضع عيسى بن مريم فلينظر إلى أبي ذرّ.(٣)
ابن ماجة: عن عبد الله بن عمر، قال رسول الله (ص): ما أقلّت الغبراء
____________________
١ - الطبقات، ج ٤، ص ٢٢٦.
٢ - البدء والتاريخ، ج ٥، ص ٤٠.
* هكذا في النسخة المطبوعة.
٣ - الاستيعاب، ج ١، ص ٢٥٥.
ولا أظلت الخَضراء من رجل أصدق لهجة من أبي ذر.(١)
الكنى للبخاري: يروي بعدة إسناد، نظيرها.(٢)
سنن الترمذي: مثلها.(٣)
ويروي أيضاً: قال رسول الله (ص): ما أظلت الخضراءُ ولا أقلّت الغبراء من ذي لهجة أصدق ولا أوفى من أبي ذرّ شبه عيسى بن مريم، فقال عمر بن الخطّاب - كالحاسد - يا رسول الله أفتُعرِّف ذلك له؟ قال: نعم، فاعرفوه. وقد روى بعضهم هذا الحديث فقال:أبو ذر يمشي في الأرض بزهد عيسى بن مريم.
الطبقات: سئل عليّ رضي الله عنه عن أبي ذرّ، فقال: وعى علما عجز فيه وكان شحيحا حريصاً، شحيحاً على دينه، حريصاً على العلم.(٤)
ويروي أيضاً روايات: كما في ابن ماجة والترمذي.(٥)
الكنى للدولابي: كما في ابن ماجة.(٦)
أقول: انظر إلى ما ورد في حقّ هذا الرجل وهو من خواصّ أصحاب رسول الله (ص)، وهو يُنفى من المدينة إلى وادي الرّبذة، ويموت فيها وحده.
(ومن الوقائع في زمانه)
تبرئة عُبيد الله بن عمر بعد ثبوت أنّه قتل نفساً محرمة.
الطبقات: رأيت عبيد الله يومئذٍ وإنّه ليناصي عثمان، وأنّ عثمان ليقول: قاتلك الله! قتلت رجلاً يصلّي وصبية صغيرة وآخر من ذمّة رسول الله (ص)، ما في الحقّ تركُك. قال: فعجبت لعثمان حين وُلّي، كيف تركه؟!(٧)
____________________
١ - ابن ماجة، ج ١، ص ٦٨.
٢ - الكنى للبخاري، ص ٢٣.
٣ - سنن الترمذي، ص ٥٤٣.
٤ - الطبقات، ج ٢، ص ٣٥٤.
٥ - نفس المصدر، ج ٤، ص ٢٢٨.
٦ - الكنى للدولابي، ج ١، ص ١٤٦.
٧ - الطبقات، ج ٥، ص ١٦.
ويروي أيضاً: قال عليّ لعبيد الله بن عمر: ما ذنبُ بنت أبي لؤلؤة حين قتلتها فكان رأي عليّ حين استشاره عثمان ورأيُ الأكابر من أصحاب رسول الله على قتله، لكن عمرو بن العاص كلّم عثمان حتى تركه.
ويروي عن ابن جريح: أنّ عثمان استشار المسلمين فأجمعوا على ديتهما ولا يُقتل بهما عبيد الله بن عمر، وكانا قد أسلما وفرض لهما عمر، وكان عليّ بن أبي طالب لما بويع له أراد قتل عبيد الله بن عمر، فهرب منه إلى معاوية، فلم يزل معه فقتل بصفين.(١)
الاستيعاب: إنّ عبيد الله قتل الهُرمزان بعد أن أسلم، وعفا عنه عثمان، فلمّا وليّ عليّ خشي على نفسه فهرب إلى معاوية فقتل بصفين.(٢)
أقول: قال الله تعالى:( أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ) ، ولا يجوز لحاكم أن يعفو عن قصاص وأن يترك قاتلاً، مع أنّ علياً (ع) حكم بقتله وهو مع الحقّ أين ما دار، وهو أقضى الأمّة.
(ومن الوقائع في زمانه)
صلته لأقربائه وتوانيه في أمورهم وبذل الأموال لهم:
الطبقات: عن الزهري: فلما وليهم عثمان لان لهم ووصلهم، ثمّ توانى في أمرهم واستعمل أقرباءه وأهل بيته في السّت الأواخر، وكتب لمروان بخُمس مصر، وأعطى أقرباءه المال، وتأوّل في ذلك الصلة التي أمر بها، واتّخذ الأموال واستسلف من بيت المال، وقال: إنّ أبا بكر وعمر تركا من ذلك ما هو لهما، وإنّي أخذته فقسّمته في أقربائي، فأنكر الناس عليه ذلك.(٣)
ويروي أيضاً عن المسور: سمعت عثمان يقول: أيّها الناس إنّ أبا بكر وعمر كانا يتأوّلان في هذا المال ظلف أنفسهما وذوي أرحامهما، وإنّي تأولّت فيه صلة رحمي.
____________________
١ - الطبقات، ج ٥، ص ١٧.
٢ - الاستيعاب، ج ٣، ص ١٠١٢.
٣ - الطبقات ج ٣، ص ٦٤.
أقول: الأموال التي تدّخر في بيت المال يجب أن تصرف في الله وفي فقراء المسلمين وفي حفظ نظامهم، وليس للحاكم أن يصرفها كيف يشاء وفيما يشاء!
مسند أحمد: عن سالم قال: دعا عثمان ناسا من أصحاب رسول الله (ص) فيهم عمّار بن ياسر، فقال: إنّي سائلكم وإنّي أحبّ أن تصدقوني، نشدتكم الله أتعلمون أنّ رسول الله (ص) كان يُؤثر قريشاً على سائر الناس، ويُؤثر بني هاشم على سائر قريش؟ فسكت القوم. فقال عثمان: لو أن بيدي مفاتيح الجنّة لأعطيتها بني أميّة حتى يدخلوا من عند آخرهم.(١)
أقول: إنّ لأقرباء الرسول وذريته أحكام وحقوق خاصة في القرآن ليست لغيرهم، ولا يقاس بهم أحد.
(ومن الوقائع في زمانه)
انصراف المهاجرين والأنصار عنه وطعنهم فيه:
الاستيعاب: كان اجتماع بني مخزوم إلى عثمان حين نال من عمّار غلمان عثمان ما نالوا من الضرب، حتى انفتق له فتق في بطنه، ورغموا وكسروا ضلعاً من أضلاعه، فاجتمعت بنو مخزوم وقالوا: والله لئن مات، لا قتلنا به أحداً غير عثمان.(٢)
البدء والتاريخ: فحنق بنو مخزوم لضربه عمّار، وحنق بنو زهرة لحال عبد الله بن مسعود، وحنق بنو غفّار لمكان أبي ذر الغفاري، وكان أشدّ الناس طلحة والزبير ومحمّد بن أبي بكر وعائشة، وخذلته المهاجرون والأنصار، وتكلّمت عائشة في أمره وأطلعت شعرة من شعر رسول الله (ص) ونعله وثيابه وقالت: ما أسرع ما تركتم سنّة نبيّكم؟ فقال عثمان في آل أبي قحافة ما قال، وغضب حتى ما كاد يدري ما يقول، فقال عمرو بن العاص: سبحان الله! وهو يريد أن يحقّق طعن الناس على عثمان، فقال الناس: سبحان الله!(٣)
____________________
١ - مسند أحمد، ج ١، ص ٦٢.
٢ - الاستيعاب، ج ٣ ص١١٣٦.
٣ - البدء والتاريخ، ج ٥، ص ٢٠٥.
أقول: ومن العجب قيام طرحة والزبير وعائشة في البصرة، قيام عمرو بن العاص في الشام، يريدون ثار لعثمان من أمير المؤمنين علي (ع). انظر عدّة روايات في قول عمرو بن العاص فيه:
الاستيعاب: فلما ولّى عثمان عبد الله بن سعد مصر وعزل عنها عمرو بن العاص، جعل عمرو يطعن على عثمان أيضاً ويُؤلّب عليه ويسعى في إفساد أمره، فلمّا بلغه قتل عثمان وكان معتزلاً بفلسطين قال: إنّي إذا نكأتُ قرحة أدميتُها.(١)
الطبقات: عن علقمة قال عمرو بن العاص لعثمان وهو على المنبر: يا عثمان! إنّك قد ركبت بهذه الأمّة نهابير من الأمر فتُب وليتوبوا معك، قال فحوّل وجهه إلى القبلة، فرفع يديه فقال: اللّهمّ إنّي أستغفرك وأتوب إليك، ورفع الناس أيديهم.(٢)
ويروي أيضاً عن سعد قريباً منها.
تاريخ الطبري: فخرج عمرو من عند عثمان وهو محتقد عليه يأتي علياً مرّة فيُؤلبه على عثمان، ويأتي الزبير مرّة فيُؤلبه على عثمان، ويأتي طلحة مرة فيُؤلّبه على عثمان، ويعترض الحاجّ فيُخبرهم بما أحدث عثمان، فلمّا كان حُضر عثمان ؛ الأوّل خرج من المدينة حتى انتهى إلى أرض له بفلسطين حتى مرّ به راكب آخر فناداه عمرو: ما فُعل بالرجل؟ يعني عثمان. قال: قُتل. قال: أنا أبو عبد الله، إذا حككتُ قرحة نكأتها إن كنت لأحرض عليه حتى أنّي لأحرّض الراعي في غنمه في رأس الجبل، فقال له سلامة بن روح: يا معشر قريش: إنّه كان بينكم وبين العرب باب وثيق فكسرتموه، فما حَمَلكم على ذلك؟ فقال: أردنا أن نُخرج الحقّ من حافرة الباطل، وأن يكون الناس في الحقّ شُرعاً سواء.(٣)
____________________
١ - الاستيعاب، ج ٣، ص ٩١٩.
٢ - الطبقات، ج ٣، ص ٦٩.
٣ - تاريخ الطبري، ج ٥، ص ١٠٨.
البدء والتاريخ: وانتقضت الإسكندرية في أيام عثمان فافتتحها عمرو بن العاص وبعث بسبيها إلى المدينة، فردّهم عثمان إلى ذمتهم لأنّهم كانوا صلحاً، ولأنّ الذريّة لم تنقض العهد، فهذا بدو الشر بين عثمان وعمرو، فانتزعه من مصر، وأمّر عليها عبد الله بن سعد بن أبي سرح أخاه لأمّة.(١)
احتقد عليه: أمسك عداوته، يتربّص الفرصة. والتأليب: التجمع والفساد.
( وأما معونة علي (ع) في قتله )
الاستيعاب: عن أبي جعفر الأنصاري قال: دخلت المسجد فإذا رجل جالس في نحو عشرة عليه عمامة سوداء، فقال: ويحك ما وراءك؟ قلت قد والله فُرغ من الرجل ( يريد عثمان )! فقال: تبّاً لكم آخر الدهر! فنظرت فإذا هو عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه.(٢)
العقد الفريد: وقال عليّ لابنيه: كيف قُتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب؟ ورفع يده فلطم الحسين وضرب صدر الحسن وشتم محمّد بن طلحة، ولعن عبد الله بن الزبير، ثمّ خرج عليّ وهو غضبان يرى أنّ طلحة أعان عليه، فلقيه طلحة فقال: مالك يا أبا الحسن ضربت الحسن والحسين؟ فقال:عليك وعليهما لعنة الله، يُقتل أمير المؤمنين ورجل من أصحاب النبيّ (ص) بدريّ، ولم تُقم بيّنة ولا حجّة؟! فقال طلحة: لو دفع مروان لم يُقتل.(٣)
ويروي: قال عليّ بن أبي طالب على المنبر: واللهّ لئن لم يَدْخل الجنة إلاّ مَن قتل عثمان لا دخلتُها أبدَاً، ولئن لم يَدخل النارَ إلاّ مَن قتل عثمان لا دخلتُها أبداً.(٤)
أقول: راجع في تأييد هذا الفصل الفصول الآتية.
الطبقات: عن عمرو بن الأصم قال: كنت فيمن أرسلوا من جيش ذي
____________________
١ - البدء والتاريخ، ج ٥، ص ١٩٨.
٢ - الاستيعاب، ج ٣، ص ١٠٤٧.
٣ - العقد الفريد، ج ٤، ص ٢٩١.
٤ - العقد الفريد، ج ٤، ص ٣٠٢.
خُشب، قال: فقالوا لنا سلوا أصحاب رسول الله (ص) واجعلوا آخر من تسألون علياً، أنُقدم؟ قال فسألناهم فقالوا: أقدِموا، إلاّ علياً قال: لا آمركم، فإن أبيتم، فبيض فليُفرخ.(١)
ويروي أيضاً: بعث عثمان إلى عليّ يدعوه وهو محصور في الدار، فأراد أن يأتيه فتعلّقوا به ومنعوه، قال: فحلّ عمامة سوداء على رأسه وقال: هذا، أو قال: اللّهم لا أرضى قتله ولا آمر به، والله لا أرضى قتله ولا آمر به.(٢)
مستدرك الحاكم: عن قيس بن عباد قال: شهدت علياً (رض) يوم الجمل وأنكرت نفسي، وأرادوني على البيعة فقلت: والله إنّي لأستحيي من الله أن أبايع قوما قتلوا رجلاً الحديث.(٣)
قال الحاكم: قد ذكرت الأخبار المسانيد في هذا الباب في كتاب مقتل عثمان، فلم أستحسن ذكرها عن آخرها في هذا الموضع ؛ فإنّ في هذا القدر كفاية، فأمّا الذي ادعته المبتدعة من معونة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب على قتله فإنّه كذب وزور، فقد تواترت الأخبار بخلافه.
ويروي: عن ميمون بن مهران: أنّ عليّ بن أبي طالب (رض) قال: ما يسرّني أن أخذت سيفي في قتل عثمان وأنّ لي الدنيا ما فيها.(٤)
أقول: ما يستفاد من هذه الروايات ونظائرها - وهو أنّ علياً لم يكن يرضى بقتل عثمان، بل كان مخالفاً ومانعاً ومنكراً.
( مشاورة عثمان مع عماله )
تاريخ الطبري: فأرسل عثمان إلى معاوية بن أبي سفيان والى عبد الله بن
____________________
١ - الطبقات، ج ٣، ص ٦٥.
٢ - الطبقات، ص ٦٨.
٣ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ١٠٣.
٤ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ١٠٥.
سعد بن أبي سرح وإلى سعيد بن العاص بن وائل السهمي والى عبد الله بن عامر ( ولم يزل والياً لعثمان على البصرة وكان ابن عّمته - الاستيعاب )، فجمعهم ليشاورهم في أمره وما طُلب إليه وما بلغه عنهم، فلمّا اجتمعوا عنده قال لهم: إنّ لكلّ امريء وزراء ونصحاء، وإنّكم وزرائي ونصحائي وأهل ثقتي، وقد صنع الناس ما قد رأيتم، وطلبوا إليّ أن أعزل عمّا لي، وأن أرجع عن جميع ما يكرهون إلى ما يحبّون، فاجتهدوا رأيكم وأشيروا عليّ! فقال له عبد الله بن عامر: رأيي لك يا أمير المؤمنين أن تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك، وأن تجمرهم في المغازي حتى يذلّوا لك، فلا تكون همّة أحدهم إلاّ نفسه وما هو في من دبرة دابته وقمل فروه.
ثمّ أقبل عثمان على سعيد بن العاص فقال: ما رأيك؟ قال يا أمير المؤمنين إن كنت تريد رأينا فاحسم عنك الداء وأقطع عنك الذي تخاف واعمل برأيي تُصيب، قال: وما هو؟ قال: إنّ لكلّ قوم قادة متى يهلك يتفرّقوا ولا يجتمع لهم أمر، فقال عثمان: إنّ هذا الرأي لولا ما فيه.
ثمّ أقبل على معاوية فقال: ما رأيك؟ قال: أرى لك يا أمير المؤمنين أن تردّ عمّالك على الكفاية لما قِبلهم، وأنا ضامن لك قِبلي. ثمّ أقبل على عبد الله بن سعد فقال: ما رأيك؟ قال: أرى يا أمير المؤمنين أنّ الناس أهل طمع فأعطهم من هذا المال تعطف عليك قلوبهم.
ثمّ أقبل على عمرو بن العاص فقال له: ما رأيك؟ قال: أرى أنّك قد ركبت الناس بما يكرهون فاعتزم أن تعتدل، فإن أبيت فاعتزم أن تعتزل، فأن أبيت فاعتزم عزماً وامض قُدما. فقال عثمان: ما لك قَمُل فروك، أهذا الجد منك؟! فأسكت عنه دهراً حتى إذا تفرّق القوم، قال عمرو: لا والله يا أمير المؤمنين، لأنت أعز عليّ من ذلك، ولكن قد علمت أن سيبلغ الناس قول كلّ رجل منّا، فأردت أن يبلغهم قولي فيثقوا بي فأقود إليك خيراً أو أدفع عنك شراً.(١)
ويروي: قريباً من هذه الأقوال، وفيه فردّ عثمان عمّاله على أعمالهم وأمرهم
____________________
١ - تاريخ الطبري، ج ٥، ص ٩٤.
بالتضييق على من قِبلهم وأمرهم بتجمير الناس في البعوث وعزم على تحريم أعطياتهم ليطيعوه ويحتاجوا إليه، ورد سعيد بن العاص أميراً على الكوفة، فخرج أهل الكوفة عليه بالسلاح فتلقّوه فردّوه، وقالوا: لا والله لا يلي علينا حكماً ما حملنا سيوفنا.(١) (التجمير = الجمع)
أقول: وفي هذه الكلمات اعتبارات لمن اعتبر.
١ - ينبغي أن يُلفت النظر إلى ولاته وعماله، بل ووزرائه ونصحائه، وأن يُحقّق في سوابقهم ولواحق حالاتهم وأعمالهم.
٢ - إرجاع البصر والنظر إلى هذه الكلمات المتخالفة والأقوال السخيفة والآراء الباطلة المخالفة للحق والبعيدة عن الحقيقة في حق الرعية المسلمين من الصحابة والتابعين.
٣ - اتباع الخليفة من آرائهم الباطلة وأمرهم بالتضييق والتجمير في البعوث وتحريم أعطياتهم حتى يطيعوه ويحتاجوا إليه، فهل ينبغي ممن يدّعي خلافة الرسول (ص) أن يعمل هكذا.
٤ - العجب من هؤلاء النصحاء ووزرائه المسلمين، حيث لم يتكلموا بكلمة تُرضي الله ورسوله، ولم ينصحوا بما هو خير وصلاح له وللمسلمين، ولم يتوجهوا إلى واجب وظيفتهم في مقام النصيحة! ونتعجّب كثيراً من عثمان حيث شاور هؤلاء الخائنين الفسّاق، وترك مشاورة أفاضل الصحابة وأتقيائهم الصالحين المؤتمنين.
الاستصحاب: عبد الله بن سعد بن أبي السرح أسلم قبل الفتح ثم ارتد مشركاً وصار إلى قريش بمكة، فقال لهم: إني كنت أصرف محمداً حيث أريد، فلما كان يوم الفتح أمر رسول الله (ص) بقتله ولو وُجد تحت أستار الكعبة، ففرّ عبد الله إلى عثمان وكان أخاه من الرضاعة، فغيّبه عثمان حتى أتى به رسول الله (ص) بعد ما اطمأنّ أهل مكة فاستأمنه له فصمت رسول الله (ص) طويلاً
____________________
١ - تاريخ الطبري، ج ٥، ص ٩٥.
ثم قال: نعم. فلما انصرف عثمان قال رسول الله (ص) لمن حوله: ما صمتُّ إلاّ ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه. ثم ولاه عثمان بعد ذلك مصر وعزل عنها عمرو بن العاص. وكان ذلك بدء الشر بين عثمان وعمرو بن العاص انتهى ملخصاً.(١)
____________________
١ - الاستيعاب، ج ٣، ص ٩١٨.
فتنة:
الأحداث في عهد عثمان
الملل والنحل: أن أقاربه قد ركبوا نهابرَ فركَبَتْه وجاروا فجير عليه. ووقعت اختلافات كثيرة وأخذوا عليه أحداثاً كلها محالة على بني أمية: منها: ردة الحكم بن أمية إلى المدينة بعد أن طرده النبي (عليه السلام) وكان يسمَّى طريد رسول الله وبعد أن تشفّع إلى أبي بكر وعمر أيام خلافتهما فما أجابا إلى ذلك، ونفاه عمر من مقامه باليمن أربعين فرسخاً. ومنها: نفيه أبا ذرّ إلى الربذة. وتزويجه مروان بن الحكم بنته وتسليمه خُمس غنائم إفريقيَّة له وقد بلغت مئتي ألف دينار. ومنها: إيواؤه عبد الله بن سعد بن أبي سرح بعد أن أهدر النبي (عليه السلام) دمه. وتوليته عبد الله بن عامر البصرة حتى أحدث فيها ما أحدث. إلى غير ذلك مما نقموا عليه. وكان أمراء جنوده معاوية بن أبي سفيان عامل الشام، وسعد بن أبي وقاص عامل الكوفة، وبعده الوليد بن عقبة، وعبد الله بن عامر عامل البصرة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح عامل مصر، وكلهم خذلوه ورفضوه حتى أتى قدره عليه.(١)
الفائق: عثمان أرسلت إليه أم سلمة: يا بُني ما لي أرى رعيتك عنك مزوّرين وعن جنابك نافرين، لا تُعفِّ سبيلاً كان رسول الله (ص) لحَبها، ولا تقدح بزند كان أكباها. توخّ حيث توخّى صاحباك، فإنهما ثكما الأمر ثكماً ولم يظلماه.(٢)
قالالزمخشري : ازورّ عنه: إذا عدل وأعرض. والتعفية: الطمس. ولحَبها: نفى
____________________
١ - الملل والنحل، ج ١، ص ١٨.
٢ - الفائق ج ١، ص ٥٤٩.
عنها كل لبس وكشف كل عماية. وأكباها: عطلها من القدح بها. ثكمتُ الطريق: لزمته. ولم يظلماه: لم ينقصاه ولا زادا عليه.
ويروي أيضاً: أن سعداً وعماراً أرسلا إلى عثمان أن ائتنا فإنا نريد أن نذاكرك أشياء أحدثتها، فأرسل إليهما: ميعادكم يوم كذا حتى أتشزّن ثم اجتمعوا للميعاد، فقالوا: ننقم عليك ضربك عماراً، فقال: تناوله رسولي من غير أمري، فهذه يدي لعمار فليصطبر، وذكروا بعد ذلك أشياء نقموها، فأجابهم وانصرفوا راضين، فأصابوا كتاباً منه إلى عامله أن خذ فلاناً وفلاناً وفلاناً فضرب أعناقهم، فرجعوا فبدءوا بعلي (عليه السلام) فجاءوا به معهم فقالوا: هذا كتابك؟ فقال عثمان: والله ما كتبت ولا أمرت، قالوا: فمن تضنّ؟ قال أظن كاتبي، وأظن به يا فلان.(١)
قالالزمخشري : التشزن هو الاستعداد. فهذه يدي لعمار: يريد الانقياد. والصبر: القصاص.
تاريخ الطبري: فدخل عليّ بن أبي طالب على عثمان، فقال: الناس ورائي وقد كلموني فيك. والله، ما أدري ما أقول لك وما أعرف شيئاً تجهله ولا أدلك على أمر لا تعرفه. إنك لتعلم ما نعلم، ما سبقناك إلى شيء فنُخبرك عنه وإن شر الناس عند الله إمام جائر ضل وضُل به فأمات سنة معلومة وأحيا بدعة متروكة. وإني سمعت رسول الله (ص) يقول: يؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر فيلقى في جهنم فيدور في جهنم كما تدور الرحى ثم يرتطم في غمرة جهنم، وإني أحذّرك الله وأحذّرك سطوته ونقماته فإن عذابه شديد أليم قال علي (ع): سأخبرك أن عمر بن الخطاب كان كل من ولّى فإنما يَطأ على صماخه إن بلغه عنه حرف جلبه ثم بلغ به أقصى الغاية، وأنت لا تفعل ضعفت ورفقت على أقربائك، قال عثمان: هم أقرباؤك أيضاً! فقال عليّ: لعمري أن رحمهم مني لقريبة ولكنّ الفضل في غيرهم. قال عثمان: هل تعلم أن عمر ولى معاوية خلافته كلها فقد وليته! فقال علي: أنشدك الله هل تعلم أنّ
____________________
١ - الفائق، ج ١، ص ٦٥٦.
معاوية كان أخوف من عمر من يرفا غلام عمر منه؟ قال: نعم. قال عليّ: فإن معاوية يقتطع الأمور دونك وأنت تعلمها فيقول للناس: هذا أمر عثمان! فيبلغك ولا تُغير على معاوية!(١)
أقول: يظهر من هذه الكلمات أن أمر عثمان قد شاع بين الناس، وهم بين ناصح وشاتم ومبارز، ولا يُرى من علي (ع) إلا أنه كان من الناصحين له والمدافعين عنه والناهين عن قتاله، ومع هذا ترى جماعة من الشاتمين والمبارزين والمحركين ينسبون إليه القتل ويتّهمونه به، وأكثر المخالفين في الجمل وصفين من هؤلاء الأفراد.
ويروي الطبري: فقالت عائشة: يا بن عباس، أنشدك الله - فإنك قد أُعطيت لساناً إزعيلاً - أن تخذل عن هذا الرجل، وأن تشكك فيه الناس، فقد بانت لهم بصائرهم وأنهجت، ورفعت لهم المنار، و تحلّبوا من البلدان لأمر قد حم.(٢)
البدء والتاريخ: أن الناس نقموا عليه أشياء فمن ذلك كلفه بأقاربه كما قاله عمر، فآوى الحكم بن أبي العاص طريد رسول الله (ص) وكان سيّره إلى بطن وج. ولأنه كان يُفشي سرّ رسول الله ويُطلع الناس عليه. ومنها: أنه أقطع الحارث بن الحكم مهرقته موضع شرقي المدينة، وكان النبي (ص) لما قدم إلى المدينة ووصل إلى ذلك الموضع ضرب برجله وقال: هذا مُصلانا ومُستمطرنا ومخرجنا لأضحانا وفطرنا فلا تنقضوها ولا تأخذوا عليها كِرى، لعن الله من نقض من بعض سوقنا شيئاً. ومنها: أنه أقطع مروان بن الحكم فدك قرية صدقة رسول الله (ص)، وأعطاه خُمس الغنائم من إفريقيّة. ومنها: أنه أعطى عبد الله بن خالد بن أسيد أربعمئة ألف درهم وأعطى الحكم بن أبي العاص مئة ألف درهم. ومنها: أن عبيد الله بن عمر قتل الهرمزان بأبيه عمر وقتل ابنين لأبي لؤلؤة فلم يُقدِه. ومنها: أنه عزل عمال عمر وولى بني أمية وانتزع عمرو بن العاص عن مصر واستعمل عليها عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وانتزع سعد بن أبي وقاص
____________________
١ - تاريخ الطري، ج ٥، ص ٣٣.
٢ - تاريخ الطبري، ج ٥، ص ١٤٠.
عن الكوفة واستعمل الفاسق الوليد بن العقبة بن أبي معيط، وهو أخوه لأمه، فوقع في الخمر فشربها، ويصلي الصلاة لغير وقتها، فصلى بالناس يوماً الفجر أربعاً، وهو ثَمِل!! فلمَّا انصرف قال: أزيدكم فإني نشيط؟! فشغب الناس وحصبوه، فلما شكاه الناس عزله واستعمل عليهم شراً منه: سعيد بن العاص، فقدم رجل عظيم الكبر شديد العجب، وهو أول من وضع العُشور على الجُسور والقناطر. ومنها: أن ابن أبي سرح قتل سبعمئة رجل بدم رجل واحد فأمر بعزله ولم يُنكر عليه. ومنها: أنه جعل الحروف كلها حرفاً واحداً وأكره الناس على مصحفه. ومنها: أنه سيّر عامر بن عبد قيس من البصرة إلى الشام لتنزهه عن أعماله. وسيّر أبا ذر الغفاري إلى الربذة، وذلك أن معاوية شكاه أنه يطعن عليه، فدعاه واستعتبه ولم يُعتب، فسيره إلى الربذة وبها مات. ومنها: أنه تزوج نائلة بنت الفرافصة الكلبية فأعطاها مئة ألف من بيت المال، وأخذ سفطاً فيه حلي فأعطاه بعض نسائه، واستسلف من بيت المال خمسة آلاف درهم، وكان اشترط عليه عند البيعة أن يعمل بكتاب الله وسنة رسوله وبسيرة الشيخين فسار بها ستّ سنين ثم تغيّر كما ذكر فتكلم الناس في ذلك وأظهروا الطعن، فخطب عثمان وقال: هذا مال الله أعطيه من أشاء وأمنعه من أشاء فأرغم الله أنف من رغم أنفه!! فقام عمار بن ياسر فقال: أنا أول من رغم أنفه من ذلك. فقال له عثمان: لقد اجترأت عليّ يا ابن سمية فوثب بنو أمية على عمار فضربوه حتى غُشي عليه، فقال: ما هذا بأول ما أوذيت في الله. وضرب عبد الله بن مسعود في مخالفته قراءته.(١)
أقول: يكفي واحد من هذه الأحداث في انصراف الناس عنه ومخالفتهم له ونقضهم بيعته، فكيف بهذه الأعمال المختلفة والأحداث الكثيرة، التي يتبرّأ منها كل مسلم حرّ.
فإذا كان أمير المسلمين يعمل بهذه الأعمال الجائرة فإلى أين ينتهي جريان
____________________
١ - البدء والتاريخ، ج٥، ص ١٩٩.
أمور الملة وكيف تكون عواقب أمورهم؟ ولا يبعد أن يقال: إن الحكومة الأموية والجنايات الواقعة في تلك الدولة، نتيجة هذه الأحداث.
(تجري الناس عليه)
فأول نتيجة أنتجت هذه الأحداث اختلاف الملة الإسلامية ونقضهم بيعة عثمان وقيامهم على خلافه.
العقد الفريد: لما أنكر الناس على عثمان ما أنكروا من تأمير الأحداث من أهل بيته على الجُلة الأكابر من أصحاب محمد (ص) قالوا لعبد الرحمن بن عوف: هذا عملك واختيارك لأمة محمد! قال: لم أظن هذا به. ودخل على عثمان فقال له: إني إنما قدّمتك على أن تسير فينا بسيرة أبي بكر وعمر وقد خالفتها. فقال: عمر كان يقطع قرابته في الله وأنا أصل قرابتي في الله! فقال له: لله عليّ أن لا أكلمك أبداً. فمات عبد الرحمن وهو لا يكلم عثمان.(١)
أقول : هذا أول من وافق خلافة عثمان وحكم بها، وهو يقول: إنما قدمتك لتسير فينا بسيرة أبي بكر وعمر. وقد سبق في فصل (فتنة أمر الشورى) أن عبد الرحمن قال له: عليك عهد الله وميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده، قال عثمان: نعم. فبايعه. فالتزم عثمان وتعهد في الله أن يعمل بالكتاب والسنة وسيرة الخليفتين، وأنت ترى هذه الأحداث المخالفة التي لا تطابق قرآناً ولا سنة.
والعجب من قوله: (وأنا أصل قرابتي في الله) وهذا الكلام منه في غاية البعد، وإنه نظير من يُنفق من مال مغصوب ويدّعي أنه من المنفقين المحسنين.
العقد الفريد: ثم فك محمد الكتاب بمحضر منهم، فإذا فيه: إذا جاءك محمد وفلان وفلان فاحتل لقتلهم وأبطل كتابهم وقِرّ على عملك حتى يأتيك رأيي،
____________________
١ - العقد الفريد، ج ٤، ص ٣٠٨.
واحتبس من جاء يتظلم منك ليأتيك في ذلك رأيي إن شاء الله. فلما قرءوا الكتاب بخواتيم القوم الذين أرسلوا معه ودفعوا الكتاب إلى رجل منهم، وقدموا المدينة فجمعوا علياً وطلحة والزبير وسعداً ومن كان من أصحاب رسول الله (ص)، ثم فكّوا الكتاب بمحضر منهم وأخبروهم بقصة الغلام، وأقرءوهم الكتاب، فلم يبق أحد في المدينة إلا حنق على عثمان، وازداد من كان منهم غاضباً لابن مسعود وأبي ذر وعمار بن ياسر غضباً وحنقاً، وقام أصحاب النبي (ص) فلحقوا منازلهم، ما منهم أحد إلا وهو مغتم بما قرءوا في الكتاب. وحاصر الناس عثمان، وأجلب عليه محمد بن أبي بكر بني تيم وغيرهم، وأعانه طلحة بن عبيد الله على ذلك وكانت عائشة تُقرّضه كثيراً، فلما رأى ذلك عليّ بعث إلى طلحة والزبير وسعد وعمار ونفر من أصحاب رسول الله (ص) كلهم بدريّ، ثم دخل على عثمان ومعه الكتاب والغلام والبعير وسألوه أن يدفع إليهم مروان، فأبى، وكان مروان عنده في الدار، فخرج أصحاب محمد (ص) من عنده غِضَاباً، وشكوا في أمر عثمان إلخ.(١)
الطبقات: عن جابر أن المصريين لما أقبلوا من مصر يريدون عثمان ونزلوا بذي خُشب، دعا عثمان محمد بن مسلمة فقال: اذهب إليهم فارددهم عني وأعطهم الرضى وأخبرهم إني فاعل بالأمور التي طلبوا ونازع عن كذا بالأمور التي تكلموا فيها فأتاهم محمد بن مسلمة فقال: إن أمير المؤمنين يقول: كذا، ويقول: كذا، وأخبرهم بقوله. فلم يزل بهم حتى رجعوا، فلما كانوا بالبويب رأوا جملاً عليه ميسم الصدقة فأخذوه، فإذا غلام لعثمان فأخذوا متاعه ففتشوه فوجدوا فيه قصبة من رصاص فيها كتاب في جوف الإدارة في الماء إلى عبد الله بن سعد أن افعل بفلان كذا وبفلان كذا من القوم الذين شرعوا في عثمان، فرجع القوم ثانية حتى نزلوا بذي خُشب، فأرسل عثمان إلى محمد بن مسلمة: اخرج فارددهم عنّي، فقال: لا أفعل، قال: فقدموا فحصروا عثمان.(٢)
____________________
١ - العقد الفريد، ج ٤، ص ٢٨٩.
٢ - الطبقات، ج ٣، ص ٦٥.
ويروي أيضاً: عن سفيان، قال: أنكر عثمان أن يكون كَتَبَ الكتاب أو أرسل ذلك الرسول، وقال فعل ذلك دوني.
تاريخ الطبري: ثم رجع الوفد (المصريون) راضين، فبينا هم في الطريق إذا هم براكب يتعرض لهم ثم يفارقهم ثم يرجع إليهم ثم يفارقهم ويتبينهم، قال: قالوا له: ما لك إن لك لأمراً ما شأنك؟ قال: فقال: أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر ففتّشوه فإذا هم بالكتاب على لسان عثمان عليه خاتمه إلى عامله أن يصلّبهم أو يقتّلهم أو يَقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف! قال: فأقبلوا حتى قدموا المدينة، قال: فأتوا علياً فقالوا: ألم تر إلى عدو الله! إنه كتب فينا بكذا وكذا، وإن الله قد أحل دمه، قم معنا إليه، قال: والله لا أقوم معكم.(١)
ويروي: ثم إن علياً جاء عثمان بعد انصراف المصريين فقال له: تكلم كلاماّ يسمعه الناس ويشهدون عليه ويشهد الله على ما في قلبك من النزوع والإنابة، فإن البلاد قد تمخّضت عليك فلا آمن ركباً آخرين يقدمون من الكوفة فتقول: يا عليّ اركب إليهم! ولا أقدر أن أركب إليهم ولا أسمع عذراً، ويقدم ركب آخرون من البصرة فتقول: يا عليّ اركب إليهم، فإنْ لم أفعل رأيتني قد قطعت رحمك واستخففت بحقك! قال: فخرج عثمان فخطب الخطبة التي نزع فيها وأعطى الناس من نفسه التوبة، فقام فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، أيها الناس فوالله ما عاب من عاب منكم شيئاً أجهله وما جئت شيئاً إلا وأنا أعرفه، ولكني منّتني نفسي وكذبتني وضل عني رشدي، ولقد سمعت رسول الله (ص) يقول: من زلّ فليتب ومن أخطأ فليتب ولا يتمادى في الهلكة. إنَّ من تمادى في الجور كان أبعد من الطريق، فأنا أول من اتّعظ. استغفر الله مما فعلت وأتوب إليه، فمثلي نزع وتاب، فإذا نزلت فليأتني أشرافكم وليُروني رأيهم، فوالله لئن ردني الحق عبداً لأستننّ لسنة العبد فلما نزل عثمان وجد في منزله مروان وسعيداً ونفراً من بني أمية ولم يكونوا شهدوا الخطبة،
____________________
١ - تاريخ الطبري، ج ٥، ص ١٠٧.
فلما جلس قال مروان: يا أمير المؤمنين، أتكلم أم أصمت؟ فقالت نائلة ابنة الفرافصة امرأة عثمان الكلبية: لا بل أصمت! فإنهم والله قاتلوه ومؤتّموه، إنه قد قال مقالة لا ينبغي له أن ينزع عنها. فأقبل عليها مروان فقال: ما أنت وذاك! فوالله لقد مات أبوك وما يحسن يتوضأ، فقالت له: مهلاً يا مروان عن ذكر الآباء تخبر عن أبي وهو غائب تكذب عليه وإن أباك لا يستطيع أن يدفع عنه، أما والله لولا أنه عمه وأنه يناله غمّه أخبرتك عنه ما لن أكذب عليه، قال: فأعرض عنها مروان.
ثم قال: يا أمير المؤمنين، أتكلم أم أصمت؟ قال: بل تكلم! فقال مروان: بأبي أنت وأمي، والله لوددت أن مقالتك هذه كانت وأنت ممتنع منيع فكنت أول من رضي بها وأعان عليها، ولكنك قلت ما قلت والله لإقامة على خطيئة تستغفر الله منها أجمل من توبة تخوف عليها، وإنك إن شئت تقرّبت بالتوبة ولم تقرر بالخطيئة، وقد اجتمع إليك على الباب مثل الجبال من الناس، فقال عثمان: فاخرج إليهم فكلمهم فإني استحيي أن أكلمهم، قال: فخرج مروان إلى الباب والناس يركب بعضهم بعضاً، فقال: ما شأنكم قد اجتمعتم كأنكم قد جئتم لنهب، شاهت الوجوه! كل إنسان آخذ بأذن صاحبه إلا من أريد، جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا! اخرجوا عنا، أما والله لئن رمتمونا ليمرن عليكم منا أمر لا يسركم ولا تُحمدوا غِبّ رأيكم، ارجعوا إلى منازلكم فإنا والله ما نحن مغلوبين على ما في أيدينا، قال: فرجع الناس وخرج بعضهم حتى أتى علياً فأخبره الخبر، فجاء علي (عليه السلام) مغضباً حتى دخل على عثمان فقال: أما رضيت من مروان ولا رضي منك إلا بتحرّفك عن دينك وعن عقلك مثل جمل الظعينة يُقاد حيث يُسار به، والله ما مروان بذي رأي في دينه ولا نفسه، وايم الله إني لأراه سيوردك ثم لا يُصدرك، وما أنا بعائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك، أذهبت شرفك وغُلبت على أمرك! فلما خرج عليّ دخلت عليه نائلة ابنة الفرافصة امرأته قالت: أتكلم أو أسكت؟ فقال: تكلمي. فقالت: قد سمعت قول عليّ لك وأنه ليس يعاودك، وقد أطعت مروان يقودك حيث شاء. قال:
فما أصنع؟ قالت: تتقي الله وحده لا شريك له وتتبع سنّة صاحبيك من قبلك، فإنك متى أطعت مروان قتلك، ومروان ليس له عند الناس قدر ولا هيبة ولا محبة، وإنما تركت الناس لمكان مروان، فأرسِل إلى عليّ فاستصلحه فإن له قرابة منك وهو لا يعصى. قال: فأرسل عثمان إلى عليّ فأبى أن يأتيه، وقال: قد أعلمته إني لست بعائد. قال: فبلغ مروان مقالة نائلة فيه، قال: فجاء إلى عثمان فجلس بين يديه فقال: أتكلم أو أسكت؟ فقال: تكلم، فقال: إين بنت الفرافصة؟ فقال عثمان: لا تذكرنّها بحرف فأسوا لك وجهك، فهي والله أنصح لي منك، قال: فكفّ مروان.(١)
ويروي: سمعت عبد الرحمن بن الأسود يذكر مروان بن الحكم قال: قبّح الله مروان، خرج عثمان إلى الناس فأعطاهم الرضا وبكى على المنبر وبكى الناس حتى نظرت إلى لحية عثمان مخضلّة من الدموع وهو يقول: اللَّهُم إني أتوب إليك ودخل بيته ودخل عليه مروان فلم يزل يفتله في الذروة والغارب حتى فتله عن رأيه وأزاله عما كان يريد، فلقد مكث عثمان ثلاثة أيام ما خرج استحياءً من الناس، وخرج مروان إلى الناس فقال: شاهت الوجوه إلا من أريد قال: فأقبل عليٌّ فقال: أحضرت خطبة عثمان؟ قلت: نعم. قال: أفحضرت مقالة مروان للناس؟ قلت: نعم. قال عليّ: عياذ الله، يا للمسلمين! إني إنْ قعدت في بيتي قال لي: تركتني وقرابتي وحقي، وإني إن تكلمت فجاء ما يريد يلعب به مروان فصار سيقة له يسوقه حيث شاء بعد كبر السن وصحبة رسول الله (ص).(٢)
أقول: في هذه الكلمات المنقولة من الطبري موارد للنظر:
١ - (إذا هُم براكب) (فإذا هم بالكتاب) هذا الراكب وهذا الكتاب: إما أن يكونا بأمر الخليفة، أو بدون اطلاع منه، والثاني أشد محذوراً وأكثر إشكالاً، فكيف يليق بالإمارة من كان اختياره في أيدي آخرين، يأمرون وينهون
____________________
! - تاريخ الطبري، ج ٥، ص ١١١.
٢ - تاريخ الطبري، ج ٥، ص ١١٢.
ويصلبون ويقتلون ويكتبون ويفعلون ما يشاءون.
٢ - (ويشهد الله على ما في قلبك من النزوع والإنابة) (أستغفر الله مما فعلت وأتوب إليه): قد أمره علي (ع) بالإنابة والاستغفار من أعماله، وهو أظهر على المنبر التوبة والاستغفار، فيعترف بمعاصيه ويُثبت أنه كان مذنباً خاطئاً.
٣ - (فلا آمن ركباً آخرين يَقدمون من الكوفة) (ركب آخرون من البصرة): يظهر أن المسلمين الساكنين في مصر والكوفة والبصرة وحواليها، وهي من أعظم البلاد الإسلامية يومئذٍ، كانوا غير راضين عن الحكومة وأعمالها وعمّالها.
٤ - (والله ما مروان بذي رأي في دينه ولا نفسه) (وقد أطعت مروان يقودك حيث شاء) (قبّح الله مروان) (يلعب به مروان): هذه الجملات دالة على غاية ضعف مقام مروان عند الناس، ومع ذلك فله تأثير عميق في أفكار عثمان وأعماله، يلعب به ويسوقه حيث يشاء بعد كبر السن وصحبة رسول الله (ص).
٥ - يستكشف من هذه الجملات المنقولة أن عثمان غير مأمون ولا معصوم من الخطأ والزلل والذنب والعصيان، بل هو معترف بها حيث يقول: بل منّتني نفسي وكذبتني وضلّ عني رشدي فأنا أول من اتّعظ. ومع ذلك فهو مغلوب على أمره من مروان وأقرانه، يلعب به مروان وأمثاله من بني أمية، فكيف يصلح من شأنه كذلك أن يكون خليفة لله ولرسوله في دينه، وكيف يجب بل كيف يجوز للمسلمين أن يتبعوه ويسلكو طريقه.
الطبقات: فلم يزل مروان مع ابن عمه عثمان، وكان كاتباً له وأمر له عثمان بأموال وكان يتأوّل في ذلك صلة قرابته، وكان الناس ينقمون على عثمان تقريبه مروان وطاعته له، ويرون أن كثيراً مما ينسب إلى عثمان لم يأمر به وأن ذلك عن رأي مروان دون عثمان.(١)
البدء والتاريخ: ولما أعطى عثمان القوم ما أرادوا، قال مروان بن الحكم لحمران بن أبان كاتب عثمان - فكان خاتم عثمان مع مروان بن الحكم -: إن هذا
____________________
١ - الطبقات، ج ٥، ص ٣٦.
الشيخ قد وهن وخرف، وقم فاكتب إلى ابن أبي سرح أن يضرب أعناق من ألبّ على عثمان، ففعلا وبعث الكتاب مع غلام لعثمان يقال له مدس على ناقة من نوقه، فمر بالقوم.(١)
أقول: يستفاد من الروايتين أمور:
١ - أن مروان كان كاتبه، وكان خاتمه عنده.
٢ - أمر له بأموال وكان يتأول في ذلك صلة قرابته.
٣ - كان الناس ينقمون على عثمان تقريبه مروان وطاعته له.
٤ - كان مروان يقول في غيابه: إنه قد وهن وخرف.
٥ - كان لمروان اختيار تام في التصرف في أمور الحكم في المملكة والنصب والعزل وغيرها.
____________________
١ - البدء والتاريخ، ج ٥، ص ٢٠٤.
فتنة:
قتل عثمان
الفائق: عليّ (رضي الله تعالى عنه): أن قوماً أتوه فاستأمروه في قتل عثمان، فنهاهم وقال: إن تفعلوا فبيضاً فلَتفرخنّه.
قالالزمخشري : أراد أن تقتلوه تُهيّجوا فتنة يتولد منها شر كثير. كما قال بعضهم:
أرى فتنة هاجت وباضت وفرّخت |
ولو تُركتْ طارت إليك فراخها |
ويروي أيضاً: ومنه حديث عليّ (رضي الله تعالى عنه): لوددت أن بني أمية رضوا ونفّلناهم خمسين رجلاً من بني هاشم يحلفون ما قتلنا عثمان ولا نعلم له قاتلاً.(٢)
قالالزمخشري : نفّلته: أي حلفته. يريد نفّلنا لهم.
تاريخ الطبري: كان أول من اجترأ على عثمان بالمنطق السيّء جبلة بن عمرو الساعدي مر به عثمان وهو جالس في نديّ قومه، وفي يد جبلة بن عمرو جامعة، فلما مر عثمان سلّم، فرد القوم، فقال جبلة: لِمَ تردون على رجل فعل كذا وكذا، قال: ثم أقبل على عثمان فقال: والله لأطرحن هذه الجامعة في عنقك أو لتتركن بطانتك هذه! قال عثمان: أيّ بطانة! فوالله إني لأتخير الناس، فقال: مروان تخيّرته ومعاوية تخيّرته وعبد الله بن عامر تخيرته وعبد الله بن سعد تخيرته؟! منهم من نزل القرآن بذمّه وأباح رسول الله (ص) دمه، قال: فانصرف عثمان فما زال الناس مجترئين عليه إلى هذا اليوم.(٣)
____________________
١ - الفائق، ج ٢، ص ٢٦٩.
٢ - نفس المصدر، ج ٣، ص ١١٦.
٣ - تاريخ الطبري، ج ٥، ص ١١٤.
ويروي: لما رأى الناس ما صنع عثمان كتب من بالمدينة من أصحاب النبي (ص) إلى من بالآفاق منهم، وكانوا قد تفرّقوا في الثغور: إنكم خرجتم أن تجاهدوا في سبيل الله عَزَّ وجَلَّ تطلبون دين محمد (ص) فإن دين محمد قد أُفسد من خلفكم وتُرك، فهلمّوا فأقيموا دين محمد (ص)! فأقبلوا من كل أفق حتى قتلوه.(١)
أقول: الشاهد يرى ما لا يراه الغائب، وهؤلاء أصحاب رسول الله (ص) المقيمون بالمدينة يكتبون إلى من بالآفاق: (فهلموا فأقيموا دين محمد (ص) فإنه قد أفسد وترك) وكفى في هذه القضية نفوذ مروان بن الحكم وسلطانه على عثمان، وقد قال رسول الله (ص) فيه: إنه الملعون ابن الملعون، وقال أيضاً: ويل لأمتي من هذا وولد هذا.
ويروي أيضاً: إنما رد أهل مصر إلى عثمان بعد انصرافهم عنه أنه أدركهم غلام لعثمان على جمل له بصحيفة إلى أمير مصر أن يقتل بعضهم وأن يصلّب بعضهم، فلما أتوا عثمان قالوا: هذا غلامك؟ قال: غلامي انطلق بغير علمي. قالوا: جملك؟ قال: أخذه من الدار بغير أمري. قالوا: خاتمك؟ قال: نقش عليه فلما رأى عثمان ما قد نزل وما قد انبعث عليه من الناس، كتب إلى معاوية بن أبي سفيان وهو بالشام: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، فإن أهل المدينة قد كفروا وأخلفوا الطاعة ونكثوا البيعة فابعث إلي من قبلك من مُقاتلة أهل الشام على كل صعب وذلول. فلما جاء معاوية الكتاب: تربص به وكره إظهار مخالفة أصحاب رسول الله (ص) وقد علم اجتماعهم. فلما أبطأ أمره على عثمان: كتب إلى يزيد بن أسد بن كرز - والي أهل الشام - يستنفرهم ويعظم حقه عليهم، ويذكر الخلفاء وما أمر الله عَزَّ وجَلَّ به من طاعتهم ومناصحتهم ووعدهم أن يُنجدهم جندٌ أو بطانة دون الناس، وذكّرهم بلاءه عندهم وصنيعه إليهم فإن كان عندكم غياث فالعجل العجل فإن القوم مُعاجليَّ.
____________________
١ - نفس المصدر السابق، ص ١١٥.
أقول: في هذه العبارات المنقولة موارد للنظر:
١ - من أعجب الأمور نهي علي (ع) ومنعه عن قتل عثمان، بل وبعثه الحسنين لنصرته وحفظه، ورده لوفد المصريين، ومع هذا فقد أظهر وأشاع معاوية في الخارج أن علياً هو قاتل عثمان! وبهذا العنوان تخلّف عن بيعته وادّعى أنه طالب لدم عثمان، وقد رأيت الطبري يروي أن معاوية تربص به وكره إظهار مخالفة الأصحاب! وأبطأ في بعث مقاتلي أهل الشام لنصرة عثمان، حتى كتب عثمان إلى يزيد بن أسد والي الشام يستنصره.
٢ - ومن عجائب أمر عثمان أنّ غلامه على جمله بصحيفة مختومة بخاتمه! ويبعث إلى مصر أن يُقتل بعض، ويُصلّب بعض آخر من المخالفين! وهو يدّعي أن غلامه سار وانطلق بغير علمه، وأخذ جمله من داره بغير أمره، ونُقش خاتمه بغير اطلاعه. ومع هذا يكتب إلى معاوية أن أهل المدينة قد كفروا وأخلفوا الطاعة.
٣ - فهل حكومة عثمان كانت أصلاً من أصول الديانة الإسلامية حتى يكون المتخلف كافراً! ومستوجباً للقتل والصلب!؟ وهل كان عثمان منصوباً من جانب الله ورسوله، حتى يجب اتباعه وطاعته!؟ وهل كانت أعماله وأوامره بإلهام الله وبنظر الحق! فكيف يتخير من نزل القرآن بذمة وأباح رسول الله (ص) دمه!؟
ويروي الطبري: أن المصريين بعد أن لم يُغيِّر عثمان شيئاً مما كرهوا، ولم يعزل عاملاً ولم يعمل بما أعطاهم عهد الله وميثاقه عليه ؛ قالوا: فإنا لا نُعجّل عليك وإن كنا قد اتّهمناك. أعزل عنا عُمالك الفسّاق واستعمل علينا من لا يُتهم على دمائنا وأموالنا وأردد علينا مظالمنا! قال عثمان: ما أراني إذاً في شيء إن كنت أستعمل من هويتم وأعزل من كرهتم، الأمر إذاً أمركم.(١)
أقول: فليقض في هذا الجواب الاستبدادي والكلام الموهون كل قارئ
____________________
١ - تاريخ الطبري، ج ٥، ص ١١٧.
كريم، ويا ليت! أن لو كان هذا الاستبداد والنظر الموهون منبعثاً من إرادة الخليفة نفسه، لا من تدبير مروان وغيره.
كما يرويالطبري: فقال مروان: يا أمير المؤمنين، مقاربتُهم حتى تقوى أمثل من مكاثرتهم على القرب! فأعطهم ما سألوك وطاولهم ما طاولوك فإن هم بغوا عليك فلا عهد لهم.(١)
ولنعم ما قال بعض المصريين لعثمان كما فيالطبري قالوا: فالكتاب كتاب كاتبك؟ قال: أجل ولكنه كتبه بغير أمري. قالوا: فإن الرسول الذي وجدنا معه الكتاب غلام؟ قال: أجل ولكنه خرج بغير أذني. قالوا: فالجمل جملك؟ قال: أجل ولكنه أخذ بغير علمي. قالوا: ما أنت إلا صادق أو كاذب، فإن كنت كاذباً فقد استحققت الخلع لما أمرت به من سفك دمائنا بغير حقها، وإن كنت صادقاً فقد استحققت أن تُخلع لضعفك وغفلتك وخبث بطانتك ؛ لأنه لا ينبغي لنا أن نترك على رقابنا من يُقتطع مثل الأمر دونه لضعفه وغفلته. وقالوا له: إنك ضربت رجالاً من أصحاب النبي (ص) وغيرهم حين يعظونك ويأمرونك بمراجعة الحق عند ما يستنكرون من أعمالك، فأقد من نفسك من ضربته وأنت ظالم له. فقال: الإمام يخطئ ويُصيب فلا أقيد من نفسي ؛ لأني لو أقدت كل من أصبتُه بخطإ آتي على نفسي، قالوا: إنك قد أحدثت أحداثاً عظاماً فاستحققت بها الخلع فإذا كلّمت فيها أعطيت التوبة ثم عُدت إليها وإلى مثلها، ثم قدمنا عليك فأعطيتنا التوبة والرجوع إلى الحق، ولامنا فيك محمد بن مسلمة وضمن لنا ما حدث من أمر، فأخفرته فتبرأ منك وقال: لا أدخل في أمره، فرجعنا أول مرة لنقطع حجتك ونبلغ أقصى الأعذار إليك نستظهر بالله عَزَّ وجَلَّ عليك، فلحقنا كتاب منك إلى عاملك علينا تأمره فينا بالقتل والقطع والصلب، وزعمت أنه كُتب بغير علمك وهو مع غلامك وعلى جملك وبخطّ كاتبك وعليه خاتمك، فقد وقعت عليك بذلك التهمة القبيحة مع ما بلونا منك
____________________
١ - تاريخ الطبري، ج ٥، ص ١١٦.
قبل ذلك من الجور في الحكم والأَثَرة في القسم والعقوبة للأمر بالتبسط من الناس والإظهار للتوبة فقال عثمان: أما قولك تخلع نفسك: فلا أنزع قميصاً قمَّصنيه الله عَزَّ وجَلَّ وأكرمني به وخصّني به على غيري، ولكني أتوب وأنزع ولا أعود بشيء عابه المسلمون فأني والله الفقير إلى الله قالوا: إن هذا لو كان أول حدث أحدثته ثم تبت منه ولم تُقم عليه لكان علينا أن نقبل منك وأن ننصرف عنك.(١)
أقول: وفي هذه المكالمة دقائق تاريخية للمعتبر.
١ - (الإمام يخطئ ويصيب): عقيدتنا أن الإمام إذا كان منصوباً من الله ورسوله فهو خليفة الله وخليفة رسوله ولا يخطئ، فإن قول الإمام وفعله حجتان للناس، وللناس أن يُطيعوا الإمام ويتبعوه، وإذا جاز له الخطأ والعمل بخلاف ما جاء به الرسول فكيف يكون حجة بين الله وبين الناس!؟
٢ - (فلا أقيد من نفسي): فإذا كان عثمان مُخطأ فهو كأحد من الناس، مضافاً إلى أن أحكام الديات والقصاص كسائر الأحكام الدينية غير مخصوصة بجماعة دون آخرين، حتى إن رسول الله (ص) قال في آخر أيامه: من كان له عليّ حق أو قصاص فليأخذه.
٣ - (فلا أنزع قميصاً قمَّصنيه الله): هذه دعوى يدّعيها كل من له مقام أو عنوان دنيوي، فهل يصح هذا القول ممن يُنتخب من جانب الرعية لمقام من أنواع الرئاسات والحكومات؟ أو يُنتخب من جانب هيئة الوكلاء أو الوزراء؟ فهل كان حيازة عثمان لهذا المقام من طريق آخر سماوّي؟!
٤ - (ولكنِّي أتوب وأنزع ولا أعود): هذا ينافي ما ادعاه من أن مقامه قميص قمّصه الله، فكيف يجوز التوبة من آثار ذلك القميص والأعمال اللاحقة به والمنتزعة منه!؟
____________________
١ - نفس المصدر السابق، ص ١٢٠.
ما قيل في عثمان:
مسند أحمد: لقي عبد الرحمن بن عوف الوليدَ بن عقبة، فقال له الوليد: ما لي أراك قد جفوت أمير المؤمنين عثمان؟ فقال له عبد الرحمن: أبلغه أني لم أفرّ يوم أحد ولم أتخلف يوم بدر ولم أترك سنة عمر! قال: فخبر ذلك عثمان قال، فقال: أما قوله: إني لم أفر يوم أحد، فكيف يُعيّرني بذنب وقد عفا الله عنه فقال: ( إِنَّ الَّذينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُم ) . وأما قوله: إني تخلّفت يوم بدر، فإني كنت أمرض رقيّة بنت رسول الله (ص) حين ماتت وقد ضرب لي رسول الله (ص) بسهمي، ومن ضرب له رسول الله (ص) بسهمه فقد شهد. وأما قوله: إني لم أترك سنة عمر، فإني لا أطيقها ولا هو. فحدِّثه.(١)
الاستيعاب: عبد الرحمن بن حنبل أخو كلدة، وهو القائل في عثمان لما أعطى مروان خمسمئة ألف من خُمس إفريقيّة:
وأحلف بالله جهد اليمين |
ما ترك الله امرأ سُدى |
|
ولكن جُعلت لنا فتنة |
لكي نبتلى بك أو تُبتلى |
|
دعوت الطريد فأدنيته |
خلافاً لما سنَّه المصطفى |
|
وولّيت قرباك أمر العباد |
خلافاً لسنة من قد مضى |
|
وأعطيت مروان خمس الغنيمة |
آثرته وحميت الحمى |
|
ومالاً أتاك به الأشعري |
من الفيء أعطيته من دنى(٢) |
العقد الفريد: وفي خطبة لعبد الملك بن مروان: إني والله ما أنا بالخليفة
____________________
١ - مسند أحمد، ج ١، ص ٦٨.
٢ - الاستيعاب، ج ٢، ص ٨٢٨.
المستضعف (يعني عثمان) ولا بالخليفة المُداهن (يعني معاوية) ولا بالخليفة المأفون (يعني يزيد).(١)
ويروي: ومما نقم الناس على عثمان أنه آوى طريد رسول الله (ص) الحكم بن العاص ولم يؤوه أبو بكر ولا عمر وأعطاه مئة ألف، وسيّر أبا ذر إلى الربذة وسيّر عامر بن عبد قيس من البصرة إلى الشام، وطلب منه عبيد الله بن خالد بن أسيد صلة فأعطاه أربعمئة ألف، وتصدّق رسول الله (ص) بمهزور (موضع سوق المدينة) على المسلمين فأقطعها الحارث بن الحكم أخا مروان، وأقطع فدك مروان وهي صدقة رسول الله (ص)، وافتتح إفريقية وأخذ خُمسه فوهبه لمروان، فقال عبد الرحمن بن حنبل الجمحي:
فإني الأمينين قد بيّنا |
مناراً لحق عليه الهدى |
|
فما أخذا درهماً غيلة |
وما تركا درهماً في هوى |
|
وأعطيت مروان خُمس العبا |
د هيهات شأوكَ ممَّنْ شَأَىَ(٢) |
ويروي: واستعمل عبد الملك بن مروان نافع بن علقمة على مكة فخطب ذات يوم وأبان بن عثمان قاعد عن أصل المنبر، فنال من طلحة والزبير، فلما نزل قال لأبان أرضيتُك من المدهنين في أمير المؤمنين؟ قال: لا، ولكنك سُؤتني، حسبي أن يكونا برئين من أمره. وعلى هذا المعنى قال اسحاق بن عيسى: أعيد عليا بالله أن يكون قتل عثمان، وأعيذ عثمان أن يكون قتله عليّ.(٣)
العقد الفريد: فجاء أهل مصر يشكون من ابن أبي سرح، فكتب إليه عثمان كتاباً يهدّده، فأبى ابن أبي سرح أن يقبل، وضرب رجلاً ممن أتى عثمان فقتله، فخرج أهل مصر في سبعمئة رجل إلى المدينة فنزلوا المسجد، وشكوا إلى أصحاب رسول الله (ص) في مواقيت الصلاة ما صنع ابن أبي سرح، فقام طلحة بن عبيد الله فكلّم عثمان بكلام شديد. وأرسلت إليه عائشة: قد تقدّم إليك
____________________
١ - العقد الفريد، ج ٤، ص ٩٠.
٢ - العقد الفريد، ج ٤، ص ٢٨٣.
٣ - نفس المصدر، ص ٣٠٤.
أصحاب رسول الله (ص) وسألوك عزل هذا الرجل فأبيت أن تعزله، فهذا قد قتل منهم رجلاً فأنصفهم من عاملك. ودخل عليه عليّ وكان متكلم القوم فقال: إنما سألوك رجلاً مكان رجل، وقد ادّعوا قبله دماً فاعزله عنهم واقض بينهم.(١)
نهج البلاغة ( الخطبة الشقشقية ): فيالله وللشورى!! متى اعترض الريب فيّ مع الأول منهم حتى صرتُ أقرن إلى هذه النظائر! لكني أَسْفَفْتُ إِذْ أَسَفُّوا وطرت إذا طاروا، فصغا رجل منهم لِضِغْنِهِ ومال الآخر لصهره، مع هَنٍ وهَنٍ، إلى أن قام ثالث القوم نَافِجاً حِضْنَيْهِ بَيْنَ نَثِيلِهِ ومُعْتَلَفِهِ، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خِضْمَة الإبل نبتة الربيع، إلى أن انْتَكَثَ فَتْلُهُ، وأجهز عليه عملُه، وكبَت به بِطْنَتُهُ.
سنن الترمذي : إن رجلاً من أهل مصر حج البيت فرأى قوماً جلوساً فقال: من هؤلاء؟ قالوا: قريش. قال: فمن هذا الشيخ؟ قالوا: ابن عمر. فأتاه فقال: إني سائلك عن شيء فحدثني! أنشدك بحرمة هذا البيت أتعلم أن عثمان فرّ يوم أحد؟ قال: نعم، قال: أتعلم أنه تغيّب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم، قال: أتعلم أنه تغيّب يوم بدر فلم يشهده؟ قال: نعم، فقال: الله أكبر. فقال له ابن عمر: تعال حتى أبين لك ما سألت عنه! أما فراره يوم أحد: فأشهد الله قد عفا عنه وغفر له، وأما تغيّبه يوم بدر: فإنه كانت عنده أو تحته ابنة رسول الله (ص) فقال له رسول الله (ص):لك أجر رجل شهد بدراً وسهمه . أما تغيّبه عن بيعة الرضوان: فلو كان أحد أعزّ ببطن مكة من عثمان لبعثه رسول الله (ص).. إلخ.(٢)
وفي حاشية الكتاب: قوله قد عفا عنه يعني بقوله تعالى:( إِنَّ الَّذينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَليم ) .
خصائص النسائي عن عرار: قال: سألت عبد الله بن عمر قلت: ألا تحدثني
____________________
١ - نفس المصدر السابق، ص ٢٨٨.
٢ - سنن الترمذي، ص ٥٣٢.
عن عليّ وعثمان؟ قال: أما علي فهذا بيته من بيت رسول الله (ص) ولا أحدثك عنه بغيره، وأما عثمان فإنه أذنب يوم أحد ذنباً عظيماً عفى الله عنه، وأذنب فيكم ذنباً صغيراً فقتلتموه.(١)
ويروي روايات قريبة منها.
____________________
١ - خصائص النسائي، ص ٢٠.
جريان إمرة أمير المؤمنين:
يراد إمارته وخلافته الظاهرية الحقة، وأما الإمارة الحقيقية والإمامة والخلافة الإلهية المنصوصة فهي ثابتة له (ع) من أول يوم ارتحل النبي (ص) سواء أقبْلَ الناس إليه أم أدبروا.
المحاسن للبيهقي: عن عبد الله بن معاوية: كان إياس بن معاوية لي صديقاً، فدخلنا على عبد الرحمن بن القاسم بن أبي بكر الصديق، وعنده جماعة من قريش يتذاكرون السلف، ففضّل قوم أبا بكر وقوم عمر وآخرون علياً، فقال إياس: إن علياً (رحمه الله) كان يرى أنه أحق الناس بالأمر! فلما بايع الناس أبا بكر ورأى أنهم قد اجتمعوا عليه وأن ذلك قد أصلح العامة اشترى صلاح العامة بنقض رأي الخاصة، يعني بني هاشم. ثم وُلّي عمر، ففعل مثل ذلك به وبعثمان، فلما قتل عثمان واختلف الناس وفسدت الخاصة والعامة: وجد أعواناً فقام بالحق ودعا إليه.(١)
نهج البلاغة: فنظرتُ فإذا ليس لي معين إلا أهل بيتي، فضننت بهم عن الموت، وأغضيت عن القذى، وشربت على الشجى، وصبرت على أخذ الكظم وعلى أمرّ من طعم العلقم.(٢)
ويقول فيالخطبة الشقشقية: فما راعني إلا والناس كعُرف الضبع إليَّ، ينثالون عليّ من كل جانب، حتى لقد وُطئ الحسنان، وشُقّ عِطفاي، مجتمعين حولي كربيضة الغنم، فلما نهضت بالأمر نكثت طائفة، ومرقت أخلى، وقسط آخرون.
____________________
١ - المحاسن للبيهقي، ص ٤٨.
٢ - نهج البلاغة، خطبة ٢٥.
وفيتاريخ الطبري: فخرج قيس بن سعد في سبعة نفر من أصحابه حتى دخل مصر، فصعد المنبر فجلس عليه وأمر بكتاب معه من أمير المؤمنين فقرئ على أهل مصر: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى من بلغه فلما قضى من ذلك ما عليه قبضه الله عَزَّ وجَلَّ صلوات الله عليه ورحمته وبركاته، ثم إن المسلمين استخلفوا به أميرين صالحين عملا بالكتاب والسنة وأحسنا السيرة ولم يعدوا السنة ثم توفَّاهما الله عَزَّ وجَلَّ رضي الله عنهما، ثم ولى بعدهما والٍ فأحدث أحداثاً فوجدت الأمة عليه مقالاً فقالوا، ثم نقموا عليه فغيّروا، ثم جاءوني فبايعوني، فأستهدي الله عَزَّ وجَلَّ بالهدى وأستعينه على التقوى، ألا وإن لكم علينا العمل بكتاب الله وسنة رسوله (ص) والقيام عليكم بحقه والتنفيذ لسنته.(١)
أقول: إشارة إلى الحكومة الظاهرية والخلافة الدنيوية التي لا تتحصّل إلا بانتخاب الناس وانقيادهم وإطاعتهم، ثم أشار إلى أن الحاكمين الأولين كانا مقيّدين بالعمل بكتاب الله وسنة رسوله (ص) بخلاف الثالث فإنه أحدث أحداثاً، ثم صرّح بأن اللازم للإمام والرعية العمل بالكتاب وسنة رسول الله (ص)، خلافاً لما قال أبو عبيدة في الشورى بأن اللازم العمل بهما وبسنة الخلفاء، فإن الخليفة إذا لم يكن منتخباً من جانب الله تعالى لا يجب العمل بسنته.
العقد الفريد: وفي خطبته بالكوفة: ثم ولي عثمان فنال منكم ونِلتم منه، حتى إذا كان من أمره ما كان، أتيتموه فقتلتموه، ثم أتيتموني فقلتم لي: بايعنا، فقلت لكم: لا أفعل، وقبضتُ يدي فبسطتموها، ونازعتم كفّي فجذبتموها، وقلتم: لا نرضى إلا بك، ولا نجتمع إلا عليك، وتداككتم عليّ تداكّ الإبل الهيم على حياضها يوم وردها، حتى ظننت أنكم قاتليَّ وأن بعضكم قاتل بعض، فبايعتموني وبايعني طلحة والزبير، ثم ما لبثا أن استأذناني للعمرة، فسارا إلى البصرة.(٢)
____________________
١ - تاريخ الطبري، ج ٥، ص ٢٢٧.
٢ - العقد الفريد، ج ٤، ص ٧٢.
الإمامة والسياسة: ثم قام الزبير فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، إن الله قد رضي لكم الشورى فأذهب بها الهوى، وقد تشاورنا فرضينا علياً فبايعوه! وأما قتل عثمان فإنا نقول فيه: إن أمره إلى الله وقد أحدث أحداثاً والله وليه فيما كان. فقام الناس فأتوا علياً في داره فقالوا: نبايعك فمُدّ يدك، لابد من أمير فأنت أحقّ بها. فقال: ليس ذلك إليكم إنما هو لأهل الشورى وأهل بدر فمن رضي به أهل الشورى وأهل بدر فهو الخليفة، فنجتمع وننظر في هذا الأمر، فأبى أن يبايعهم، فانصرفوا عنه وكلّم بعضهم بعضاً، فقالوا: يمضي قتل عثمان في الآفاق والبلاد فيسمعون بقتله ولا يسمعون أنه بويع لأحد بعده، فيثور كل رجل منهم في ناحية فلا نأمن أن يكون في ذلك إفساد، فارجعوا إلى عليّ فلا تتركوه حتى يبايع.(١)
أقول: فظهر أن مبايعة أمير المؤمنين (ع) كانت أقوى من مبايعة أبي بكر وعمر وعثمان، فإنها وقعت من اتفاق أهل المدينة ومن مشاورة أهل الشورى وأهل بدر ومن دون أن يظهر خلاف منهم، فكيف يجوز القيام عليه؟
____________________
١ - الإمامة والسياسة، ج ١، ص ٤١.
القعود والخروج والقتال:
الشريعة: عن أبي هريرة، قال رسول الله (ص): تكون فتنة القاعد فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي، من يستشرف لها تستشرف له، ومن وجد منها ملجأ أو معاذً فَلَيُعذبه.(١)
أقول: القعود لازم في الأمور المشتبهة وموارد الفتن، لا في مقام يجب الطاعة والتسليم، كالطاعة لمن ولِيَ المسلمين، فالتحذير في الحديث يتوجه إلى الماشين والساعين إلى قتال أمير المؤمنين علي (ع) في حرب الجمل وصفين والخوارج، الذين نقضوا عهدهم ونكثوا بيعتهم وخرجوا عليه. وقد صرّح في الحديث بأن هذا الحكم مخصوص بمورد الفتنة وفي وجاهها، أي في مورد يشتبه التكليف وأن تكون الوظيفة الدينية من جهة القعود أو القتال مجهولة. فالتكليف الدينيّ الإلهي للخليفة الحق هو القيام والقتال في مقابل المخالفين ودفع شرهم ورفع فتنتهم، ويجب للمسلمين أن يكونوا مع الإمام وينصروه ويجاهدوا معه على أعدائه. وأما إذا لم يكونوا مع إمام إلهيّ واشتبه الأمر ولم يُعرف الحق فالتكليف يومئذٍ هو القعود والاحتياط.
فالقاعد في زمان الإمام الإلهي كالقاعد في زمان رسول الله (ص) قال تعالى: ( إِنَّكُمْ رَضيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفين ) ( وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدينَ عَلَى الْقاعِدينَ أَجْراً عَظيماً ) .
مستدرك الحاكم: عن أبي أيوب قال: سمعت النبي (ص) يقول لعليّ بن أبي
____________________
١ - الشريعة، ص ٤٢.
طالب: تُقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين بالطرقات والنهروانات والشعفات، قال أبو أيوب: قلت يا رسول الله: مع من نُقاتل هؤلاء الأقوام؟ قال: مع علي بن أبي طالب.(١)
أقول: ففي هذه الرواية الشريفة قد صرح رسول الله (ص) بأن تكليف الإمام الحق هو القتال والمجاهدة في مقابل الناكثين والقاسطين والمارقين، وبأن تكليف الرعية والمسلمين أيضاً هو إطاعته واتّباعه والقتال معه للمخالفين.
فتبيّن أن قعود بعض المتنسّكين والمتورّعين عن نصرة أمير المؤمنين علي (ع) ليس إلا على الباطل، ومن هؤلاء المتنسكين القاعدين أبو موسى الأشعري وأتباعه وأشباهه، الجاهلون بوظائفهم، والقاصرون عن معرفة إمامهم. والمقصّرون في العمل بما يجب عليهم.
وقد يُصرّح رسول الله (ص) أيضاً بهذه الوظائف ويُبيّنها ويوضحها حتى يرتفع الإشكال ويتبيّن الحق.
مسند أحمد: عن أبي سعيد، قال رسول الله (ص): إن منكم من يقاتل على تأويله كما قاتلت على تنزيله، قال: فقام أبو بكر وعمر، فقال: لا، ولكن خاصف النعل، وعليّ يخصف النعل.(٢)
ويروي عنه ، قال: كنا جلوساً ننتظر رسول الله (ص) فخرج علينا من بعض بيوت نسائه، قال: فقمنا معه فانقطعت نعله فتخلف عليها عليّ يخصفها، فمضى رسول الله (ص) ومضينا معه، ثم قام ينتظره وقمنا معه، فقال: إن منكم من يقاتل على تأويل هذا القرآن كما قتلت على تنيله، فاستشرفنا وفينا أبو بكر وعمر، فقال: لا ولكنه خاصف النعل، قال: فجئنا نُبشره، قال: وكأنه قد سمعه.(٣)
____________________
١ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ١٤٠.
٢ - مسند أحمد، ج ٣، ص ٣٣.
٣ - نفس المصدر، ص ٨٢.
أقول: يستفاد من هذه الأحاديث أن مقاتلة رسول الله (ص) ومجاهدته كانت على تنزيل الكتاب وتثبيت أحكام القرآن وتحقيق آياته، وأما مقاتلة أمير المؤمنين علي (ع) فتكون على تأويل الكتاب وتبيين آياته وفي مقام العمل بالأحكام وفي إجرائها وفي مصاديق تلك الأحكام. فالتنزيل مرحلة أولية للإسلام، والمبعوث به هو الرسول. والتأويل مرحلة ثانوية له، والمباشر به هو الإمام المنصوب من جانب الله ومن جانب رسوله. وهذا التعبير إبلغ بيان في مقام تعيين الخليفة الإلهي.
مستدرك الحاكم: عن طارق قال: رأيت علياً (رض) على رحل رث بالربذة وهو يقول للحسن والحسين: ما لكما تحنّان حنين الجارية، والله لقد ضربت هذا الأمر ظهراً لبطن فما وجدت بدّاً من قتال القوم، أو الكفر بما أنزل على محمد (ص).(١)
ويروي: عن عمرة قالت: لما سار علي إلى البصرة دخل على أم سلمة زوج النبي (ص) يودعها، فقالت: سر في حفظ الله وفي كنفه، فوالله إنك لعلى الحق والحق معك، ولولا أني أكره أن أعصي الله ورسوله: فإنه أمّرنا صلّى الله عليه وآله وسلم أن نقرّ في بيوتنا ؛ لسرت معك ؛ ولكن والله لأرسلن معك من هو أفضل عندي وأعز عليّ من نفسي. ابني عمر.(٢)
الفائق: عليّ رضي الله عنه أقبل يريد العراق فأشار عليه الحسن بن علي أن يرجع، فقال: والله لا أكون مثل الضبع تسمع اللدم حتى تخج فتُضاد.(٣)
قالالزمخشري : هو الضرب بحجر ونحوه، يعني لا أخدع كما يُخدع الضبع بأن يُلدم باب جحرها فتحسبه شيئاً تصيده فتخرج فتصاد.
تاريخ الطبري: فخرج يعترض لهما ليردّهما، فبلغه أنهما قد فاتاه، فهو يريد أن يخرج في إثرهما، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، آتي علياً فأقاتل معه هذين
____________________
١ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ١١٥.
٢ - نفس المصدر، ص ١١٩.
٣ - الفائق، ج ٢، ص ٤٥٩.
الرجلين وأم المؤمنين أو أخالفه؟ إن هذا لشديد، فخرجت فأتيته فأقيمت الصلاة بغلس فتقدم فصلى، فلما انصرف أتاه ابنه الحسن فجلس فقال:قد أمرتك فعصيتني فتقتل غداً بمصعبة لا ناصر لك ، فقال علي (ع):إنك لا تزال تحنّ حنين الجارية وما الذي أمرتني فعصيتك؟ قال:أمرتك يوم أحيط بعثمان أن تخرج من المدينة فُيقتل ولست بها، ثم أمرتك يوم قُتل ألا تُبايع حتى يأتيك وفود أهل الأمصار والعرب وبيعة كلّ مصر، ثم أمرتك حين فعل هذان الرجلان ما فعلا أن تجلس في بيتك حتى يصطلحوا فإن كان الفساد كان على يدي غيرك، فعصيتني في ذلك كله. قال:أي بنيّ، أما قولك: لو خرجت من المدينة حين أحيط بعثمان: فوالله لقد أحيط بنا كما أحيط به. وأما قولك: لا تبايع حتى تأتي بيعة الأمصار، فإن الأمر أمر أهل المدينة كرهنا أن يضيع هذا الأمر. وأما قولك حين خرج طلحة والزبير، فإن ذلك كان وهناً على أهل الإسلام ووالله ما زلت مقهوراً مذ وليتُ منقوصاً لا أصل إلى شيء مما ينبغي. وأما قولك: اجلس في بيتك، فكيف لي بما قد لزمني أو من تريدني!؟ أتريد أن أكون مثل الضبع التي يحاط بها ويقال دباب دبات ليست هاهنا حتى يُحل عرقوباها حتى تخرج، وإذا لم أنظر فيما لزمني من هذا الأمر ويعنيني فمن ينظر فيه، فكف عنك أي بنيّ .(١)
أقول: (أحيط بنا) أي من الطرفين ؛ لردّ الفتنة ورفع المشكل وحل الخلاف والبغضاء، فكيف يمكن لنا الخروج في هذا المقام.
وقوله: (فإن الأمر أمر أهل المدينة) أي في عرف الناس ؛ فإن فيها الأكابر من المهاجرين والأنصار، وهي مدينة رسول الله (ص)، وفيها وقع الحل والعقد، وعلى هذا جرت سيرة الخلفاء الماضين، وكانت البلاد تابعة لها. ومع تحقق هذه الشرائط، هل يجوز التواني والتعلل في أخذ الحق لصاحبه.
وقوله: (كان هنا) أي الجلوس في البيت وترك أمور المسلمين فيبقوا حيارى
____________________
١ - تاريخ الطبري، ج ٥، ص ١٧٠.
ويضلوا عن الحق ولو في أيام قليلة، فيجب إجراء الحق وهداية الناس وطرد الباطل مهما أمكن وكيف يمكن.
وأما اعتراض ابنه الإمام الحسن (ع): فإما من جهة أن يتوجه إليه آخرون من المسلمين، وترتفع شبهاتهم. وأما من جهة العلوم والسياسات العرفية الظاهرية، ولا ريب أن الامام يعلم ما لا يعلم غيره، وللإمام تكاليف خاصة يتوجه إليها بقلبه ويعرفها بنور إلهي.
وقد سبق قوله (ع) كما فيالعقد الفريد : ألا وإنا أهل البيت من علم الله علْمُنا وبحُكم الله حكْمُنا ومن قول صادق سمعنا، فإن تتبعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا، معنا راية الحق من يتبعها لحق ومن تأخر عنها غرق.(١)
وفيالاستيعاب: ومن كلام لعلي (ع): وما تبعةُ دم عثمان إلاَّّّّّّ عليهم، وإنهم لهم الفئة الباغية، بايعوني ونكثوا بيعتي، وما استأنوا بي حتى يعرفوا جوري من عدلي، وإني لراضٍ بحجة الله عليهم وعلمه فيهم، وإني مع هذا لداعيهم ومعذر فيهم، فإن قبلوا فالتوبة مقبولة والحق أولى مما أفضوا إليه، وإن أبوا أعطيتُهم حد السيف، وكفى به شافياً من باطل وناصراً.(٢)
____________________
١ - العقد الفريد، ج ٦، ص ٦٧.
٢ - الاستيعاب، ج ٢، ص ٤٩٩.
فتنة:
طلحة والزبير
تاريخ الطبري: دعا عليّ طلحة والزبير فقال: إن الذي كنت أحذركم قد وقع يا قوم، وإن الأمر الذي وقع لا يدرك إلا بإماتته، وإنها فتنة كالنار كلما سُعرت ازدادت واستنارت، فقالا له: فأذن لنا أن نخرج من المدينة فإما أن نكابر وإما أن تدعنا، فقال: سأمسُكُ الأمر ما استمسك فإذا لم أجد بدّاً فآخر الدواء الكيّ.(١)
ويروي: من كلام علي (ع): ألا وإنّ طلحة والزبير وأم المؤمنين قد تمالئوا على سخط إمارتي ودعوا الناس إلى الإصلاح، وسأصبر ما لم أخف على جماعتكم، وأكف إن كفّوا، واقتصر على ما بلغني عنهم، ثم أتاه أنهم يريدون البصرة لمشاهدة الناس والإصلاح، فتعبّأ للخروج إليهم وقال: إن فعلوا هذا فقد انقطع نظام المسلمين وما كان عليهم في المقام فينا مئونة ولا إكرام.(٢)
ويروي أيضاً: أن عبد خير الخيواني قام إلى أبي موسى، فقال: يا أبا موسى، هل كان هذان الرجلان - يعني طلحة والزبير - ممن بايع علياً؟ قال: نعم، قال: هل أحدث حدثاً يحل به نقض بيعته؟ قال: لا أدري. قال: لا دريت! فإنا تاركوك حتى تدري.(٣)
ويروي: فلما تراءى الجمعان خرج الزبير على فرس عليه سلاح، فقيل لعلي: هذا الزبير، قال: أمَا إنه أحرى الرجلين إن ذُكّر بالله أن يذكر، وخرج طلحة، فخرج إليهما عليّ فدنا منهما حتى اختلف أعناق دوابّهم، فقال عليّ: لعمري
____________________
١ - تاريخ الطبري، ج ٥، ص ١٦٢.
٢ - نفس المصدر، ص ١٦٤.
٣ - نفس المصدر، ص ١٨٩.
لقد أعددتما سلاحاً وخيلاً ورجالاً، إن كنتما أعددتما عند الله عذراً فاتقيا الله سبحانه( وَلا تَكُونُوا كَالَّتي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً ) ، ألم أكن أخاكما في دينكما تُحرمان دمي وأحرم دمائكما فهل من حدث أحلّ لكما دمي؟ قال طلحة: ألّبت الناس على عثمان، قال عليّ: ( يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبينُ ) ، يا طلحة، تطلب بدم عثمان! فلعن الله قتلة عثمان! يا زبير أتذكر يوم مررت مع رسول الله (ص) في بني غنم فنظر إليّ فضحك وضحكتُ إليه فقلتَ: لا يدع ابن أبي طالب زَهوه، فقال لك رسول الله (ص): إنه ليس به زهو، ولتُقاتلنّه وأنت له ظالم! فقال: اللَّهُم نعم، ولو ذُكِّرتُ ما سرتُ مسيري هذا، والله لا أقاتلك أبداً، فانصرف عليّ إلي أصحابه، فقال: أما الزبير فقد أعطى الله عهداً ألا يقاتلكم، ورجع الزبير إلى عائشة فقال لها: ما كنت في موطن منذ عقلت إلا وإنا أعرف فيه أمري غير موطني هذا، قالت: فما تريد أن تصنع؟ قال: أريد أن أدعهم وأذهب، فقال له ابنه عبد الله: جمعت بين هذين الغارين حتى إذا حدّد بعضهم لبعض أردت أن تتركهم وتذهب، أحسست رايات ابن أبي طالب وعلمت أنها تحملها فتية أنجاد، قال: إني قد حلفت ألا أقاتله واحفظه ما قال له، فقال: كفّر عن يمينك وقاتله، فدعا بغلام له يقال له مكحول فأعتقه.(١)
أقول: الإعتاق كفارة عن يمينه، فتبقى الإشكالات الماضية في كلام علي (ع) على حالها.
البدء والتاريخ: وسأل طلحة والزبير أن يوليهما البصرة! فأبى وقال: تكونان عندي أتحمّل بكما فإني استوحش لفراقكما، واستأذناه في العمرة! فأذن لهما فقدما على عائشة وعظّما من أمر عثمان، وقالا: ما كنا نرى في التألب عليه أن يُقتل، فأما أن قُتل فلا توبة لنا إلا الطلب بدمه، ونقضا البيعة وأقاما بمكة.(٢)
أقول: تدلّ هذه الرواية على أن طلحة والزبير يريدان ولاية البصرة، ولمّا
____________________
١ - تاريخ الطبري، ج ٥، ص ١٩٩.
٢ - البدء والتاريخ، ج ٥، ص ٢١٠.
يئسا منها وأيقنا أن علياً (ع) لا يولِّيهما البصرة استأذنا العمرة! حتى يخرجا من المدينة وينقضا البيعة.
سنن البيهقي: عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة فيقال: هذه غدرة فلان، وإن من أعظم الغدر بعد الإشراك بالله أن يبايع رجل رجلاً على بيع الله ورسوله ثم ينكث بيعته.(١)
مسند أحمد: عن مطرف قال: قلنا للزبير: يا أبا عبد الله، ما جاء بكم؟ ضيّعتم الخليفة حتى قتل! ثم جئتم تطلبون بدمه! قال الزبير: إنا قرأناها على عهد رسول الله (ص) وأبي بكر وعمر وعثمان: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) لم نكن نحسب إنا أهلها حتى وقعت منا حيث وقعت.(٢)
مستدرك الحاكم: عن علقمة بن وقاص، قلت لطلحة: يا أبا محمد، إني أراك وأحب المجالس إليك أخلاها وأنت ضارب بلحيتك على زورك، إن كنت تكره هذا الأمر فدعه فليس يُكرهك عليه أحد، قال: يا علقمة بن وقّاص، لا تلمني! كنا أمس يداً واحدة على من سوانا فأصبحنا اليوم جبلين من حديد يزحف أحدنا إلى صاحبه.(٣)
أقول: يعترف طلحة بظهور الاختلاف بين المسلمين، الموجب لضعفهم وتفرّقهم واستيلاء الأجانب عليهم. ويظهر أن طلحة كان كارهاً للخلاف ومتردداً ومتزلزلاً في أمر هو متحيراً في نقض بيعته.
ثم أن طلحة والزبير وعائشة علّلوا خلافهم وخروجهم بأنهم يطلبون بدم عثمان من أمير المؤمنين علي (ع)، مع أن هؤلاء كانوا من أشد المخالفين لعثمان، وأن علياً (ع) كان ممن أعانه ودافع عنه.
الإمامة والسياسة: وذكروا أن الزبير دخل على عائشة، فقال: يا أماه! ما شهدتُ موطناً قطّ في الشرك ولا في الإسلام إلا ولي فيه رأي وبصيرة غير هذا الموطن
____________________
١ - سنن البيهقي، ج ٨، ص ١٥٩.
٢ - مسند أحمد، ج ١، ص ١٦٥.
٣ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ١١٨.
فإنه لا رأي لي فيه ولا بصيرة، وإني لعلى باطل. قالت عائشة: يا أبا عبد الله، خفت سيوف بني عبد المطلب. فقال: أما والله أن سيوف بني عبد المطلب طوال حداد يحملها فتية أنجاد. ثم قال لابنه: عليك بحربك، أما أنا فراجع.(١)
مستدرك الحاكم: عن إسرائيل قال: سمعت الحسن يقول: جاء طلحة والزبير إلى البصرة، فقال لهم الناس: ما جاء بكم؟ قالوا: نطلب دم عثمان، قال الحسن: أيا سبحان الله! أفما كان للقوم عقول فيقولون والله ما قتل عثمان غيركم؟
أقول: في هذا الحديث موارد للنظر:
١ - أن عثمان كانت له عائلة وأولاد، وهم أولياء دمه، وإذا فقدوا كان الإمام ولياً له.
٢ - إن طلب الدم لازم أن يكون بالمراجعة إلى الإمام أو القاضي المنصوب من قبله، فهذا بعد ثبوت الإمام وبعد البيعة له.
٣ - نقض البيعة بعد البيعة باطل، وطلب الدم يتوقف على البيعة لا على نقضها.
٤ - إن كان غرضهم طلب الدم من أمير المؤمنين علي (ع) بعنوان أنه من قتلة عثمان! فهو باطل، لأنه كان ممن أعانه ودفع عنه. وإن كان قصدهم طلب أفراد اشتركوا في إثارة الفتنة وتهييج الناس، فهؤلاء الطالبون كانوا من أشدّ المُثيرين وفي رأس المخالفين.
إتمام الحجة عليهم:
كان الأمر واضحاً، والحق بيّناً( أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمْ مَنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى ) . ومع هذا أراد الإمام أن يُتمم الحجة، لئلا يكون للناس على الله حجة.
____________________
١ - الإمامة والسياسة، ج ١، ص ٦٤.
٢ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ١١٨.
تاريخ الطبري: فقال علي لأصحابه: أيكم يُعرض عليهم هذا المصحف وما فيه، فإن قطعت يده أخذه بيده الأخرى، وإن قطعت أخذه بأسنانه؟ قال فتى شاب: أنا، فطاف عليّ على أصحابه يُعرض ذلك عليهم، فلم يقبله إلا ذلك الفتى، فقال له عليّ: أعرض عليهم هذا وقل هو بيننا وبينكم من أوله إلى آخره والله في دمائنا ودمائكم! فحُمل على الفتى وفي يده المصحف فقطعت يداه فأخذه بأسنانه حتى قتل، فقال عليّ: قد طاب لكم الضراب فقاتلوهم! فقتل يومئذٍ سبعون رجلاً كلهم يأخذ بخطام الجمل.(١)
أقول: هذا تمام الحجة، وفيه ينقطع الكلام ويتم الاعتذار، فإن كلام الله فوق كلمات المخلوقين، وفيه يرتفع الخلاف، وهو الحق من ربكم، لا ريب فيه هدى للمتقين. فانظر إلى جوابهم وإلى ما عملوا في قبال هذه الدعوة الحقة، فقتلوا داعيها وأظهروا الخلاف والعدوان، وخالفوا كلام الله الحق، وأعرضوا عن الحقيقة، وضلوا وأضلوا كثيراً من الناس.
ينهى أصحابه عن العدوان:
ثم بعد أن تمّت الحجة البالغة عليهم، وأصرّوا واستكبروا استكباراً، فأقبل عليّ أمير المؤمنين (ع) على أصحابه، يوصيهم ويأمرهم بالتقوى، وينهاهم عن العدوان.
مستدرك الحاكم: لما كان يوم الجمل نادى عليّ في الناس: لا ترموا أحداً بسهم ولا تطعنوا برمح ولا تضربوا بسيف ولا تطلبوا القوم، فإن هذا مقام من أفلح فيه أفلح يوم القيامة، قال: فتوافقنا ثم إن القوم قالوا بأجمع: يا ثارات عثمان! قال: وابن الحنفية أمامنا بربوة معه اللواء، قال: فناداه علي قال: فأقبل علينا يعرض وجهه، فقال: يا أمير المؤمنين، يقولون: يا ثارات عثمان! فمدّ عليّ
____________________
١ - تاريخ الطبري، ج ٥، ص ٢٠٤.
يديه وقال: اللهم أكبّ قتلة عثمان اليوم بوجوههم! ثم إن الزبير قال للأساورة كانوا معه قال: ارموهم برشق، وكأنه أراد أن ينشب القتال، فلما نظر أصحابه إلى الانتشاب لم ينتظروا وحملوا فهزمهم الله، ورمى مروان بن الحكم طلحة بن عبيد الله بسهم فشك ساقه بجنب فرسه فقبض به الفرس حتى لحقه فذبحه، فالتفت مروان إلى أبان بن عثمان وهو معه فقال: لقد كفيتك أحد قتلة أبيك.(١)
العقد الفريد: ومن حديث ابن أبي شيبه قال: كان عليّ يخرج مناديه يوم الجمل يقول: لا يُسلبن قتيل ولا يُتبع مدبر ولا يُجهز على جريح.(٢)
أقول: يستفاد من هذه الرواية أمور:
١ - أنّ علياً (ع) نهى عن الابتداء بالحرب.
٢ - أنّه دعا على قتلة عثمان.
٣ - أنّ الزبير أمر قومه بالرمي وابتدءوا بالحرب.
٤ - أنّ مروان رمى طلحة بسهم فشك ساقه.
٥ - أنّه اعترف بأن طلحة أحد قتلة عثمان.
(مذاكرة علي (ع) معهما)
الكنى للبخاري: عن أبي جروة سمعت علياً والزبير، قال عليّ حين توافقا: هل سمعت النبي (ص) يقول: أنت تقاتلني ظالماً؟ قال: نعم.(٣)
الكنى للدولابي: عن الأسود بن قيس قال: حدثني من رأى الزبير يقعص الخيل قعصاً بالرمح، فناداه عليّ: يا أبا عبد الله، فأقبل حتى التفت أعناق دوابّهما، فقال: أنشدك بالله أتذكر يوم كنت أناجيك فأتانا رسول الله (ص) فقال: تُناجيه فوالله ليُقاتلنّك يوماً وهو لك ظالم، قال: فلم يعد أن يسمع
____________________
١ - مستدرك الحاكم ج ٣، ص ٢٧١.
٢ - العقد الفريد ج ٤، ص ٣٢٤.
٣ - الكنى للدولابي، ص ٢١.
الحديث فضرب وجه دابته وذهب.(١)
سير الأعلام: يروي نظيراً من الروايتين.(٢)
ويروى أيضاً: عن أبن أبي ليلى: انصرف الزبير يوم الجمل عن عليّ فلقيه ابنه عبد الله، فقال: جُبناً جبناً ؛ قال: قد علم الناس إني لست بجبان، ولكن ذكّرني عليّ شيئاً سمعته من رسول الله (ص) فحلفتُ أن لا أُقاتله، ثم قال:
تركُ الأمور التي أخشى عواقبها |
في الله أحسن في الدنيا وفي الدين(٣) |
مستدرك الحاكم: عن أبي حرب قال: شهدت علياً والزبير لما رجع الزبير على دابته يشق الصفوف، فعرض له ابنه عبد الله فقال: ما لك؟ فقال: ذكر لي عليّ حديثاً سمعته من رسول الله (ص) يقول: لتقاتلنّه وأنت ظالم له، فلا أقاتله، قال: وللقتال جئت؟ إنما جئت لتصلح بين الناس ويُصلح الله هذا الأمر بك، قال: وقد حلفت أن لا أقاتل، قال: فأعتق غلامك جرجس وقف حتى تُصلح بين الناس، قال: فأعتق غلامه جرجس ووقف، فاختلف أمر الناس فذهب على فرسه.(٤)
قال الحاكم: وقد روي إقرار الزبير لعليّ بذلك من غير هذه الوجوه والروايات. ثم يروي روايات دالة عليه.
أقول: يستفاد من هذه الأحاديث أمور:
١ - الحديث الوارد الثابت المسلم، وهو قوله (ص): يقاتل الزبير وهو ظالم لعليّ - فلا يبقى ريب في أن عليّاً مظلوم وهو مع الحق، وأن مخالفيه ظالمون له.
٢ - ومن أعجب العجائب قول عبد الله بن الزبير: إنما جئت لتصلح بين الناس - فلا ندري من المراد من الناس؟ هل كان أحد غيره وغير طلحة وعائشة
____________________
١ - الكنى للدولابي، ج ١، ص ٩.
٢ - سير الأعلام، ج ١، ص ٣٧.
٣ - نفس المصدر، ص ٣٨.
٤ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ٣٦٦.
مُثيراً لهذه الفتنة؟ وهل يصح أن نقول: إن الخلاف للخليفة ونقض بيعته والقيام عليه هو الإصلاح بين الناس.
الإمامة والسياسة: قال عليّ لطلحة: إنما كان لكما أن لا ترضيا قبل الرضى وقبل البيعة، وأما الآن فليس لكما غيرُ ما رضيتما به إلا أن تخرجا مما بويعت عليه بحدث، فإن كنتُ أحدثت حدثاً فسموه لي، وأخرجتم أمكم عائشة وتركتم نساءكم فهذا أعظم الحدث منكم. أرضي هذا لرسول الله أن تهتكوا ستراً ضربه عليها وتُخرجوها منه.(١)
مستدرك الحاكم: عن الضبي: كنا مع علي يوم الجمل فبعث إلى طلحة بن عبيد الله، فأتاه طلحة، فقال: نشدتك الله هل سمعت رسول الله (ص) يقول: من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللَّهُم وال من والاه وعاد من عاداه! قال: نعم، قال: فلِمَ تُقاتلني؟ قال: لم أذكر، قال: فانصرف طلحة.(٢)
ويروى أيضاً: عن ثور بن مجزأة قال: مررت بطلحة بن عبيد الله يوم الجمل وهو صريع في آخر رمق، فوقفت عليه فرفع رأسه فقال: أني لأرى وجه رجل كأنه القمر ممن أنت؟ فقلت من أصحاب أمير المؤمنين علي، فقال: أبسط يد أبايعك! فبسطت يدي وبايعني ففاضت نفسه، فأتيت علياً فأخبرته بقول طلحة، فقال:الله أكبر الله أكبر! صدق رسول الله (ص): أبى الله أن يدخل طلحة الجنة إلا وبيعتي في عنقه .(٣)
أقول: فالروايتان تدلان على رجوع طلحة وتوبته.
نعم، لا يمكن تأويل قول رسول الله (ص): وعاد من عاداه، بوجه من الوجوه، ولا يمكن الاعتراف والتصديق بقوله: من كنت مولاه فعليّ مولاه، إلا بأن يولّي علياً على نفسه ويصير مطيعاً وموالياً ومبايعاً له، والحق في هذه المراحل في منتهى البداهة والوضوح.
____________________
١ - الإمامة والسياسة، ج ١، ص ٦٦.
٢ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ٣٧١.
٣ - نفس المصدر، ص ٣٧٣.
مروان وطلحة
ولما تسامح طلحة في إظهار التوبة، وقصّر وكف عن تبيين الحق، فسلّط الله عزَّ وجلَّ عليه واحداً من أصحابه وأصدقائه،، فرماه بسهم وقتله به، وهذا أحد معاني قوله (ص): وعاد من عاداه.
الطبقات: فلما رأى مروان انكشاف الناس نظر إلى طلحة بن عبيد الله واقفاً، فقال: والله إن دم عثمان إلا عند هذا، وهو كان أشد الناس عليه وما أطلب أثرا بعد عين ففوّق له بسهم فرماه به فقتله.(١)
سير الأعلام: عن قيس: رأيت مروان بن الحكم حين رمى طلحة يومئذٍ بسهم فوقع في ركبته، فما زال ينسحّ حتى مات.(٢)
ويروى أيضاً: عن عليّ أنه قال:بشّروا قاتل طلحة بالنار .
ويروى أيضاً: أن مروان رمى طلحة بسهم قتله، ثم التفت إلى أبان فقال: قد كفيناك بعض قتلة أبيك.
مستدرك الحاكم: عن عكراش قال: كنا نقاتل علياً مع طلحة ومعنا مروان، قال: فانهزمنا. قال: فقال مروان: لا أُدرك بثأري بعد اليوم من طلحة، قال: فرماه بسهم فقتله.(٣)
العقد الفريد: قال طلحة يوم الجمل:
ندمت ندامة الكُسعيّ لما |
طلبت رضا بني حزم بزعمي |
اللَّهُم خُذ مني لعثمان حتى يرضى.
ومن حديث أبي بكر بن أبي شيبة لما رأى مروان بن الحكم يوم الجمل طلحة بن عبيد الله قال: لا أنتظر بعد اليوم بثأري في عثمان، فانتزع له سهم
____________________
١ - الطبقات، ج ٥، ص ٣٨.
٢ - سير الأعلام، ج ١، ص ٢٣.
٣ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ٣٧٠.
فقتله.(١)
الاستيعاب: يروي ما يقرب منها.(٢)
أقول: هذا إجمال ما وصل إلينا من جريان أمر طلحة والزبير، في زمان خلافة أمير المؤمنين علي (ع) ومن أعجب العجب ما تركاه من الأموال الكثيرة ومن العقار والأصول والعروض.
ما تركاه من الأموال
سير الأعلام: قُتل طلحة وفي يد خازنه ألف ألف درهم ومئتا إلف درهم، وقّومت أصوله وعقاره ثلاثين ألف درهم. (تعادل ١٢٣٠٠٠٠ - درهم).(٣)
وأعجب ما مرّ بي قول ابن الجوزي في كلام له على حديث قال: وقد خلّف طلحة ثلاثمئة حمل من الذهب.
ويروى: عن هشام عن أبيه: أن الزبير ترك من العروض بخمسين ألف ألف درهم ومن العين خمسين ألف ألف درهم (= ١٠٠٠٠٠٠٠٠ درهم).(٤)
ويروى أيضاً: اقتسم مال الزبير على أربعين ألف ألف.(٥)
أقول: وسيجيء فيفتنة عائشة ، وفيفتنة الجمل، ما يتعلّق بهما وما يرتبط بأمرهما.
العقد الفريد: قال عبد الله بن الزبير: فقتل الزبير ونظرت في دينه فإذا هو ألف ألف ومئة ألف (= ١١٠٠٠٠٠ ) قال: فبعت ضيعة له بالغابة بألف ألف وستمئة ألف (= ١٦٠٠٠٠٠)، ثم ناديت من كان له قِبل الزبير شيء فليأتنا
____________________
١ - العقد الفريد، ج ٤ ص٣٢١.
٢ - الاستيعاب، ج ٢، ص ٧٦٨.
٣ - سير الإعلام، ج ١، ص ٢٥.
٤ - نفس المصدر، ص ٤٢.
٥ - نفس المصدر، ص ٤٣.
نقضه! فلما قضيت دينه أخذت الثلث لولدي، ثم قسّمت الباقي، فصار لكل امرأة من نسائه - وكان له أربع نسوة - في ربع الثمن ألف ألف ومئة ألف (= ١١٠٠٠٠٠) فجميع ما ترك مئة ألف ألف وسبعمئة ألف ( ١٠٠٧٠٠٠٠٠ ).(١)
____________________
١ - العقد الفريد، ج ٤، ص ٣٢٤.
فتنة:
خروج عائشة
الفائق: أم سلمة (رضي الله تعالى عنها) أتت عائشة لما أرادت الخروج إلى البصرة، فقالت لها: إنك سدّة بين رسول الله (ص) وأمته، وحجابك مضروب على حرمته، وقد جمع القرآن ذيلك فلا تندحيه، وسكّن عُقيراك فلا تصحريها، الله من وراء هذه الأمة، لو أراد رسول الله (ص) أن يعهد إليك عهد، عُلتِ عُلتِ، بل قد نهاك رسول الله (ص) عن الفُرطة في البلاد. إن عمود الإسلام لا يثاب بالنساء إن مال، ولا يُرأب بهن إن صُدع، حُماديات النساء غضّ الإطراف وخَفَر الأعراض وقِصَر الوَهازة، ما كنتِ قائلة لو أن رسول الله (ص) عارضك ببعض الفلوات ناصة قلوصاً من منهل إلى آخر، إنّ بعين الله مهواك، وعلى رسوله تردين، قد وجّهت سِدافته، وتركت عُهيّداه، لو سرتُ مسيرك هذا ثم قيل ادخلي الفردوس لاستحييت أن ألقى محمداً هاتكة حجاباً قد ضربه عليّ. اجعلي حصنك بيتك ووقاعة الستر قبرك، حتى تلقينه وأنت على تلك أطوع ما تكونين لله ما لزمته.(١)
قالالزمخشري - السُدة: الباب. ندح الشيء: فتحه ووسعه. عقر: إذا بقي في مكانه وكأنها تصغير العقرى. أصحر: خرج إلى الصحراء. والعول: الميل. والفُرطة: التقدم. وأثابه: إذا قوّمه. وحُماداك: قُصاراك وغاية أمرك. والخَفر: الأمن والاستيجار. الوهازة: الخطوة. ونص الناقة: دفعها في السير. وتوجيه السدافة: هتك الستارة. والعُهيّدي: من العهد. وقاعة السِتر: ساحته وموضعه. والضمير في لزمته للستر. انتهى ملخصاً.
____________________
١ - الفائق، ج ١، ص ٥٨٤.
وقريب منها فيالعقد الفريد .(١)
تاريخ الطبري: خرجت عائشة نحو المدينة من مكة بعد مقتل عثمان واجتمع الناس على عليّ والأمر أمر الغوغاء. فقالت: ما أظن ذلك تاماً! رُدوني. فانصرف راجعة إلى مكة حتى إذا دخلتها أتاها عبد الله بن عامر الحضرميّ وكان أمير عثمان عليها، فقال: ما ردك يا أم المؤمنين؟ قالت: ردّني أن عثمان قتل مظلوماً وأن الأمر لا يستقيم ولهذه الغوغاء أمر، فاطلبوا بدم عثمان تُعزّوا الإسلام!! فكان أول من أجابها عبد الله بن عامر الحضرمي، وذلك أول ما تكلمت بنو أمية بالحجاز ورفعوا رؤوسهم، وقام معهم سعيد بن العاص والوليد بن عقبة وسائر بني أمية، وقد قدم عليهم عبد الله بن عامر من البصرة ويعلي بن أمية من اليمن وطلحة والزبير من المدينة، واجتمع ملأهم بعد نظر طويل في أمرهم على البصرة، وقالت: أيها الناس، إن هذا حدث عظيم وأمر منكر، فانهضوا فيه إلى إخوانكم من أهل البصرة فأنكروه، فقد كفاكم أهل الشام ما عندهم لعل الله عَزَّ وجَلَّ يدرك لعثمان وللمسلمين بثأرهم.(٢)
أقول: قد مرّ أن عائشة كانت ممن يطعن في عثمان ويأمر الناس بطرده وإنكاره وخلافه ونقض بيعته.
ويروى أيضاً: وقد كان أزواج النبي (ص) معها على قصد المدينة فلما تحول رأيها إلى البصرة تركن ذلك وانطلق القوم بعدها إلى حفصة، فقالت: رأيي تبع لرأي عائشة حتى إذا لم يبق إلا الخروج. قالوا: كيف نستقل وليس معنا مال نجهّز به الناس، فقال يعلى بن أمية معي ستمئة ألف وستمئة بعير فاركبوها، وقال ابن عامر، معي كذا وكذا، فتجهزوا به، فنادى المنادي: أن أم المؤمنين وطلحة والزبير شاخصون إلى البصرة فمن كان يريد إعزاز الإسلام وقتال المحلين والطلب بثأر عثمان! ولم يكن عنده مركب ولم يكن له جهاز فهذا جهاز وهذه نفقة، فحملوا ستمئة رجل على ستمئة ناقة سوى من كان له مركب، وكانوا
____________________
١ - العقد الفريد، ج ٤، ص ٣١٦.
٢ - تاريخ الطبري، ج ٥، ص ١٦٦.
جميعا ألفاً وتجهّزوا بالمال ونادوا بالرحيل واستقلوا ذاهبين، وأرادت حفصة الخروج فأتاها عبد الله بن عمر فطلب إليها أن تقعد فقعدت.(١)
أقول: من أعجب العجب نداء المنادي بتلك الكلمات:
١ - قوله: (من كان يريد إعزاز الإسلام) لا أدري بخروجهم على الخليفة الحق يُعز الإسلام أو بإثارة الفتنة؟!
٢ - قوله: (قتال المُحلين) إن كان نظرهم إلى قتال المحلين، فهؤلاء الثلاثة ( طلحة، الزبير، عائشة ) في رأس المحلين والمخالفين.
٣ - قوله: (والطلب بثأر عثمان) هذا الكلام في غاية الضعف، فإن طالب الثأر يلزم أن يكون: وليّ الدم، وإماماً، أو قاضياً منصوباً.
الطبقات: فلما خرج طلحة والزبير وعائشة من مكة يريدون البصرة خرج معهم سعيد بن العاص ومروان بن الحكم وعبد الرحمن بن عتّاب والمغيرة بن شعبة. فلما نزلوا، مر الظهران، ويقال: ذات عرق، قام سعيد بن العاص فحمد الله ...: وقد زعمتم - أيها الناس - أنكم إنما تخرجون تطلبون بدم عثمان، فإن كنتم ذلك تريدون فإن قتلة عثمان على صدور هذه المطيّ وأعجازها فميلوا عليها بأسيافكم وإلا فانصرفوا إلى منازلكم ولا تقتلوا في رضي المخلوقين أنفسكم، فقال مروان: لا بل نضرب بعضهم ببعض فمن قتل كان الظفر فيه ويبقى الباقي فنطلبه وهو واهن، وقام المغيرة وقال: إن الرأي ما رأى سعيد، من كان من هوازن فأحب أن يتّبعني فليفعل! فتبعه منهم أناس وخرج حتى نزل الطائف، ورجع سعيد بن العاص بمن اتبعه حتى نزل مكة فلم يزل بها حتى مضى الجمل وصفّين.(٢)
تاريخ الطبري: لقى سعيد بن العاص مروان بن الحكم وأصحابه بذات عِرق فقال: أين تذهبون وثأركم على أعجاز الإبل! اقتلوهم ثم ارجعوا إلى منازلكم! لا تقتلوا أنفسكم، قالوا: بل نسير فلعلنا نقتل قتلة عثمان جميعاً، فخلا سعيد بطلحة والزبير فقال: إن ظفرتما لمن تجعلان الأمر؟ أصدقاني! قالا: لأحدنا أيّن
____________________
١ - تاريخ الطبري، ج ٥، ص ١٦٧.
٢ - الطبقات، ج ٥، ص ٣٤.
اختاره الناس. قال: بل اجعلوا لولد عثمان فإنكم خرجتم تطلبون بدمه. قالا: ندع شيوخ المهاجرين ونجعلها لأبنائهم!.(١)
أقول: في هذه الكلمات موارد للاعتبار:
١ - قد مر في فصل قتل عثمان: أن أول من نصح عثمان وأعانه وذبّ عنه أمير المؤمنين (ع)، وممن خالفه وعانده وأثار الناس عليه الذين يطلبون بدمه، كما قال سعيد: وثأركم على أعجاز الإبل.
٢ - يستكشف أن مخالفة هؤلاء وخروجهم على أمير المؤمنين (ع) إنما كان لطلب الرئاسة وتحصيل الدنيا ولأغراض شخصية.
٣ - جعلُ الإمارة والسلطنة الدينية باختيار الناس في الزبير أو في طلحة ؛ مخالف لأي قول، فإنهم مجمعون بأن الخلافة إما بالنص والوصية من السابق، أو بإجماع الصحابة والمسلمين على اختيار من هو أصلح وأفضل، وأما اختيار جمع من الناس فغير مستقيم وإلا فيختار الناس في كل بلد إماماً.
ويروى أيضاً: وأقبل غلام من جهينة على محمد بن طلحة، وكان محمد رجلاً عابداً، فقال: أخبرني عن قتلة عثمان؟ فقال: نعم ؛ دم عثمان ثلاثة أثلاث، ثُلث على صاحبة الهودج، يعني عائشة، وثُلث على صاحب الجمل الأحمر، يعني طلحة، وثُلث على علي بن أبي طالب، وضحك الغلام وقال: ألا أراني على ضلال؟! ولحق بعلي وقال في ذلك شعراً:
سألت ابنَ طلحة عن هالك |
بجوف المدينة لم يُقبَر |
|
فقال ثلاثة رَهط هم |
أماتوا ابن عفان واستعبر |
|
فثُلث على تلك في خِدرها |
وثُلث على راكب الأحمر |
|
وثلث على علي ابن أبي طالب |
ونحن بَدوِيّة قَرقَر |
|
فقلت صدقت على الأوَّلين |
وأخطأت في الثالث الأزهر(٢) |
أقول: فإذا اعترف ابن طلحة بأن الثلثين من دم عثمان على طلحة وعائشة،
____________________
١ - تاريخ الطبري، ج ٥، ص ١٦٨.
٢ - تاريخ الطبري، ج ٥ ص١٧٦.
فاعترافه عليهما نافذ ومعتبر، فإنه اعتراف على نفسه. وأما نسبة ثُلث الدم إلى أمير المؤمنين (ع)، فهي محتاجة إلى الإثبات ولا دليل لها، بل الظاهر من كتب التاريخ والحديث خلافها، وقد مرّ ما يدل على أنه كان ممن أعان عثمان ودفع عنه ونصح له.
نباح الكلاب عليها
ومن الحوادث التي أخبر عنها رسول الله (ص) مرور عائشة في مسيرها بالحوأب ونباح كلابها عليها.
مسند أحمد: عن قيس، أن عائشة قالت لما أتت على الحوأب سمعت نباح الكلاب، فقال: ما أظنني إلا راجعة، إن رسول الله (ص) قال: أيّتكنّ تنبح عليها كلاب الحوأب. فقال لها الزبير: ترجعين عسى الله أن يُصلح بكِ بين الناس.(١)
الإمامة والسياسة: فلما انتهوا إلى ماء الحوأب في بعض الطريق ومعهم عائشة نبحها كلاب الحوأب، فقالت لمحمد بن طلحة: أي ماء هذا؟ قال: هذا ماء الحوأب. فقالت: ما أراني إلا راجعة. قال: ولِمَ؟ قالت: سمعت رسول الله (ص) يقول لنسائه: كأني بإحداكنّ قد نبحها كلاب الحوأب وإياك أن تكوني أنت يا حميراء. فقال لها محمد بن طلحة: تقدمي رحمك الله ودعي هذا القول.(٢)
مستدرك الحاكم والمحاسن للبيهقي: عن سالم ذكر النبي (ص) بعض أمهات المؤمنين، فضحكت عائشة، فقال: انظري يا حميراء أن لا تكوني أنت هي! ثم التفت إلى عليّ (رضوان الله عليه)، فقال: انظر يا أبا الحسن إن وليت من أمرها شيئاً فارفق بها.(٣)
____________________
١ - مسند أحمد، ج ٦، ص ٩٧.
٢ - الإمامة والسياسة، ج ١، ص ٥٥.
٣ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ١١٩ والمحاسن للبيهقي، ص ٤٩.
وفيالمحاسن: قال الزهري: لما سارت عائشة ومعها طلحة والزبير في سبعمئة من قريش كانت تنزل كل منزل فتسأل عنه، حتى نبحتها كلاب الحوأب، فقالت: رُدوني لا حاجة لي في مسيري هذا، فقد كان رسول الله (ص) نهاني فقال: كيف أنت يا حميراء لو قد نبحت عليك كلاب الحوأب (أو أهل الحوأب)، في مسيرك تطلبين أمراً أنت عنه بمعزل؟!
فقال عبد الله بن الزبير: ليس هذا بذلك المكان الذي ذكره رسول الله (ص)، ودار على تلك المياه حتى جمع خمسين شيخا قسامة فشهدوا أنه ليس بالماء الذي تزعمه أنه نُهيت عنه.
فلما شهدوا قبلت وسارت حتى وافت البصرة، فلما كان حرب الجمل أقبلت في هودج من حديد، وهي تنظر من منظر قد صُيّر لها في هودجها، فقالت لرجل من ضبّة وهو آخذ بخطام جملها أو بعيرها: أين ترى علي بن أبي طالب رضي الله عنه؟ قال: هو ذا واقف رافع يده إلى السماء، فنظرت فقالت: ما أشبهه بأخيه!
قال الضبيّ: ومن أخوه؟ قالت: رسول الله (ص)، قال: فلا أراني أقاتل رجلاً هو أخو رسول الله (ص)، فنبذ خطام راحلتها من يده ومال إليه.
وفيالمستدرك: عن قيس قال: لما بلغت عائشة بعض ديار بني عامر نبحت عليها الكلاب، فقالت: أي ماء هذا؟ قالوا: الحوأب، قالت: ما أضنني إلا راجعة، فقال الزبير: لا بعدُ! تقدمي ويراك الناس ويُصلح الله ذات بينهم، قالت: ما أظنني إلا راجعة، سمعت رسول الله (ص) يقول: كيف بإحداكن إذا نبحتها كلاب الحوأب.(١)
تاريخ الطبري: حدثني العُرني صاحب الجمل قال: بينما أنا أسير على جمل إذ عرض لي راكب فقال: يا صاحب الجمل، تبيع الجمل؟ قلت: نعم. قال: بكم؟ قالت: بألف درهم. قال: مجنون أنت، جمل يُباع بألف درهم! قال، قلت: نعم
____________________
١ - مستدرك الحكم، ج ٣، ص ١٢٠.
جملي هذا. قال: ومم ذلك؟ قلت: ما طلبت عليه أحد قط إلا أدركته ولا طلبني وأنا عليه أحد قط إلا فُتّه. قال: لو تعلم لمن نُريده لأحسنت بيعنا فرجعت فأعطوني ناقة لها مهرية وزادوني أربعمئة أو ستمئة درهم، فقال لي: يا أخا عُرينه هل لك دلالة بالطريق؟ قال قلت: نعم ؛ أنا من أدرك الناس، قال: فسِر معنا، فسِرت معهم فلا أمرّ على واد ولا ماء إلا سألوني عنه، حتى طرقنا ماء الحوأب فنبحتنا كلابها، قالوا: أيّ ماء هذا؟ قلت: ماء الحوأب، قال: فصرخت عائشة بأعلى صوتها ثم ضربت عضد بعيرها فأناخته ثم قالت: أنا والله صاحبة كلاب الحوأب طُروقاً! رُدوني! تقول ذك ثلاثاً، فأناخت وأناخوا حولها، وهم على ذلك وهي تأبى، حتى كانت الساعة التي أناخوا فيها من الغد، قال: فجاءها ابن الزبير فقال: النجاء النجاء فقد أدرككم والله علي بن أبي طالب، قال: فارتحلوا وشتموني فانصرفت فما سِرت إلا قليلاً وإذا أنا بعليّ وركب معه نحو من ثلاثمئة، فقال لي عليّ: يا أيها الراكب فأتيته، فقال: أين أتيت الظعينة؟ قلت: في مكان كذا وكذا، وهذه ناقتها وبِعتُهم جملي.(١)
أقول: في هذه الكلمات موارد للنظر:
١ - قوله: (أن لا تكوني أنت هي، فقد كان رسول الله (ص) نهاني، كيف بإحداكن إذا نبحتها كلاب الحوأب، أنا والله صاحبة كلاب الحوأب طروقاً، ردوني) تدل هذه الجملات على نهيه الشديد عن هذا المسير وهذه الفتنة.
٢ - قوله: (تطلبين أمراً أنت عنه بمعزل) تدل على مباشرتها أمراً يخرج عن وظيفتها ولا يصلح لها.
٣ - (حتى جمع خمسين شيخاً قسامة فشهدوا أنه ليس بالماء الذي نُهيت عنه) إذا كان من شأن القوم أن لا يُبالوا من خلاف الرسول ومن الاستشهاد فِرية في إنفاذ ما استهووا فكيف يتوقع منهم التولي والاتباع لأمير المؤمنين (ع). ويقول فيالإمامة والسياسة : وأتاها ببينة زور من الأعراب فشهدوا بذلك فزعموا أنها أول
____________________
١ - تاريخ الطبري، ج ٥، ص ١٧٠.
شهادة زور في الإسلام.(١)
٤ - (ما أشبهه بأخيه.. (قالت رسول الله (ص)) اعترفت بأنه أخو رسول الله (ص).
مسيرها وخروجها
قال الله تعالى:( يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذي في قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً * وَقَرْنَ في بُيُوتِكُن ... ) الآية.(٢)
الطبقات: وكان عبد الرحمن بن الحارث قد شهد الجمل مع عائشة وكانت عائشة تقول: لأن أكون قعدت في منزلي عن مسيري إلى البصرة أحب إليّ من أن يكون لي من رسول الله عشرة من الولد كلهم مثل عبد الرحمن بن الحارث.(٣)
ويروي أيضاً: حدثني من سمع عائشة، إذا قرأت هذه الآية( وَقَرْنَ في بُيُوتِكُن ) بكت حتى تبل خمارها.(٤)
أنساب الأشراف: عن أبي يزيد المدني: أن عماراً قال لعائشة يوم الجمل بعد ما فرغ الناس من القتال: سبحان الله يا أم المؤمنين! ما أبعد هذا الأمر من الأمر الذي عهد رسول الله (ص) إليك، فيه أمرك أن تقرّي في بيتك! فقالت: من هذا أبو اليقظان؟ قال: نعم. قالت: والله، إنك ما علمت تقول الحق، فقال: الحمد لله الذي قضى لي على لسانك.(٥)
وفيتاريخ الطبري: ما يقرب منها.(٦)
المحاسن للبيهقي: عن الحسن البصري، أن الأحنف بن قيس قال لعائشة يوم الجمل: يا أم المؤمنين، هل عهد عليك رسول الله (ص) هذا المسير؟ قالت: اللَّهُم
____________________
١ - الإمامة والسياسة، ص ٥٦.
٢ - الأحزاب: ٣٢.
٣ - الطبقات، ج ٥، ص ٦.
٤ - الطبقات، ج ٨، ص ٨١.
٥ - أنساب الأشراف، ج ١، ص ٨١.
٦ - تاريخ الطبري، ج ٥، ص ٢٢٥.
لا. قال: فهل وجدته في شيء من كتاب الله جَلَّ ذكره؟ قالت: ما نقرأ إلا ما تقرءون، قال: فهل رأيت رسول الله (ص) استعان بشيء من نسائه إذا كان في قلة والمشركون في كثرة؟ قالت: اللهم لا. قال الأحنف: فإذاً ما هو ذنبنا؟!(١)
ويروي أيضاً: عن عائشة أنها دخلت على أم سلمة بعد رجوعها من وقعة الجمل وقد كانت أم سلمة حلفت أن لا تُكلمها أبداً من أجل مسيرها إلى محاربة عليّ بن أبي طالب، فقالت عائشة: السلام عليك يا أم المؤمنين! فقالت: يا حائط! ألم أنهكِ؟ ألم أقل لكِ؟ قالت عائشة: فإني استغفر الله وأتوب إليه، كلّميني يا أم المؤمنين! قالت: يا حائط! ألم أقل لك؟ ألم أنهك؟ فلم تكلمها حتى ماتت. وقامت عائشة وهي تبكي وتقول: وا أسفاه على ما فرط منّي.(٢)
ويروي أيضاً عن جميع: قلت لعائشة حدثنينا عن عليّ رضي الله عنه، قالت: تسألني عن رجل سالت نفسُ رسول الله (ص) في يده ووليّ غسله وتغميضه وإدخاله قبره. قلت: فما حملكِ على ما كان منك؟ فأرسلت خمارها على وجهها وبكت وقالت: أمر كان قُضي عليَّ.(٣)
تاريخ الطبري: وأقبل جارية بن قدامة السعدي فقال: يا أم المؤمنين، والله لقتل عثمان بن عفّان أهونُ من خروجكِ من بيتك على هذا الجمل الملعون عُرضة للسلاح، إنه قد كان لك من الله ستر وحرمة فهتكتِ سترك وأبحتِ حرمتك، إنه من رأى قتالك فإنه يرى قتلك، إن كنت أتيتنا طائعة فارجعي إلى منزلك وإن كنتِ أتيتنا مستكرهة فاستعيني بالناس. قال: فخرج غلام شاب من بني سعد إلى طلحة والزبير فقال: أما أنت يا زبير فحواري رسول الله (ص)، وأما أنت يا طلحة فوقيت رسول الله (ص) بيدك، وأرى أمكما معكما، فهل جئتما بنسائكما؟ قالا: لا، قال: فما أنا منكما في شيء واعتزل. وقال السعدي في ذلك:
____________________
١ - المحاسن للبيهقي، ص ٤٩.
٢ - نفس المصدر، ص ٢٩٧.
٣ - نفس المصدر، ص ٢٩٨.
صُنتم حلائلكم وقُدتم أمكم |
هذا لمعمرك قلةُ الإنصاف |
|
أمرت بجر ذيولها في بيتها |
فهوت تشقّ البيد بالإيجاف(١) |
ويروي أيضاً: قال زيد بن صوحان: رحم الله أم المؤمنين أمرت أن تلزم بيتها وأمرنا أن نقاتل، فتركت ما أمرت به وأمرتنا به، وصنعت ما أمرنا به ونهتنا عنه.(٢)
أقول: في هذه الروايات موارد للنظر والتحقيق:
١ - اعترفت عائشة بأن رسول الله (ص) ما استعان بشيء من نسائه، ولا عهد عليها رسول الله هذا المسير، ولا وجدته في شيء من كتاب الله تعالى.
٢ - يدل قولها: (لأن أكون قعدت في منزلي، بكت حتى تبلّ خمارها، وا أسفاه على ما فرط مني) على شدة ندامتها ونهاية تأثرها.
٣ - يستكشف أن رسول الله (ص) عهد عليها أن تقرّ في بيتها، وقد صرّحت الآية الكريمة( وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ ) بلزوم قرارها في البيت وعدم جواز الخروج منها.
٤ - أنها هتكت حرمة رسول الله (ص) بخروجها.
٥ - أنها استغفرت وتابت ومع هذا فلم تكلمها أم سلمة.
ثم أنها تولّت وكانت خطيبة القوم وهم لها تبع، مع أن رسول الله (ص) قد نهى عن تولي النساء واستخلافهن.
الاستيعاب: عن ابن عباس، قال رسول الله (ص): أيتكنّ صاحبة الجمل الأدبب، يقتل حولها قتلى كثير وتنجو بعد ما كادت. وهذا الحديث من أعلام نبوته.(٣)
مستدرك الحاكم: قال علقمة: لما خرج طلحة والزبير وعائشة تطلب دم عثمان، كانت عائشة خطيبة القوم بها وهم لها تبع.(٤)
____________________
١ - تاريخ الطبري، ج ٥، ص ١٧٦.
٢ - تاريخ الطبري، ج ٥، ص ١٨٤.
٣ - الاستيعاب، ج ٤، ص ١٨٨٥.
٤ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ١١٨.
ويروي عن أبي بكرة قال: عصمني الله بشيء من سمعته من رسول الله (ص) لما هلك كسرى، قال: من استخلفوا؟ قالوا: ابنته، قال: فقال: لن يُفلح قوم ولوا امرأة، قال، فلما قدمت عائشة ذكرت قول رسول الله (ص)، فعصمني الله به.
ويروي عن عائشة قالت: وددت أني كنت ثكلت عشرة مثل الحارث بن هشام، وإني لم أسرِ مسيري مع ابن الزبير.(١)
سنن الترمذي: عن أبي بكرة.. كما في المستدرك.(٢)
أقول: في هذه الرواية نهي شديد ومنع أكيد عن تولية النساء، وقد صرّح رسول الله (ص): بأن قوماً ولوا امرأة لن يُفلحوا، ففيها دلالة على خلاف طلحة والزبير وعدم انتهائهم بهذا النهي الصادر من رسول الله (ص)، حيث جعلوا خطيبة القوم وداعية إلى الخلاف، والقوم لها تبع.
الاستيعاب: قالت عائشة: إذا مر ابن عمر فأرونيه! فلما مر ابن عمر قالوا: هذا ابن عمر! قالت: يا أبا عبد الرحمن، ما منعك أن تنهاني عن مسيري؟ قال: رأيت رجلاً قد غلب عليك وظننت أنك لا تخالفينه، يعني ابن الزبير. قالت: أما أنك لو نهيتني ما خرجت.(٣)
أقول: ابن الزبير هو عبد الله بن الزبير، وأمه أسماء بنت أبي بكر، فعائشة تكون خالة ابن الزبير، قال علي (ع): ما زال الزبير يُعدّ منا أهل البيت حتى نشأ عبد الله.(٤)
العقد الفريد: دخل المغيرة بن شعبة على عائشة فقالت: يا أبا عبد الله لو رأيتني يوم الجمل وقد نفذت النصال هودجي حتى وصل بعضها إلى جلدي. قال المغيرة: وددت والله أن بعضها كان قتلك. قالت: يرحمك الله ولم تقول هذا؟
____________________
١ - نفس المصدر، ص ١١٩.
٢ - سنن الترمذي، ص ٣٣٠.
٣ - الاستيعاب ج ٣، ص ٩١٠.
٤ - نفس المصدر، ص ٩٠٦.
قال: لعلها تكون كفارة في سعيك على عثمان. قالت: أما والله لئن قلت ذلك لما علم الله أني أردت قتله، ولكن علم الله أني أردت أن يُقاتل فقوتلت، وأردت أن يُرمى فرُميت، وأردت أن يُعصى فعُصيت، ولو علم أني أردت قتله لقُتلت.(١)
الإمامة والسياسة: وأتى محمد بن أبي بكر فدخل على أخته عائشة قال لها: أما سمعت رسول الله (ص) يقول: عليّ مع الحق والحق مع علي؟ ثم خرجتِ تُقاتلينه بدم عثمان، ثم دخل عليهما عليّ فسلم، وقال: يا صاحبة الهودج قد أمركِ الله أن تقعدي في بيتك ثم خرجتِ تُقاتلين، أترتحلي؟ قالت: أرتحل. فبعث معها علي (رض) أربعين امرأة.(٢)
العقد الفريد: لما كان يوم الجمل ما كان وظفر عليّ بن أبي طالب، دنا من هودج عائشة، فكلمها بكلام. فأجابته: ملكت فأسجع. فجهّزها عليّ بأحسن الجهاز وبعث معها أربعين امرأة، وقال بعضهم سبعين امرأة - حتى قدمت المدينة.(٣)
أقول: يستفاد من هذه الأحاديث أمور:
١ - أنها أرادت أن يُقاتَل عثمان وأن يُعصى وأن يُرمى.
٢ - أنها سمعت من رسول الله (ص): عليّ مع الحق والحقّ مع عليّ.
٣ - قد أمرها الله أن تقعد في بيتها:( وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ ) .
٤ - أنها خرجت تقاتل علياً، وقال رسول الله (ص): اللَّهُم عادِ من عاداه.
____________________
١ - العقد الفريد، ج ٤، ص ٢٩٦.
٢ - الإمامة والسياسة، ج ١، ص ٦٨.
٣ - العقد الفريد، ج ٤، ص ٣٢٨.
فتنة:
الجمل في زمان أمير المؤمنين (ع)
الملل والنحل: الخلاف العاشر في زمان أمير المؤمنين عليّ كرّم الله وجهه بعد الاتفاق عليه وعقد البيعة له، فأول خروج، خروج طلحة والزبير إلى مكة ثم حمل عائشة إلى البصرة، ثم نصب القتال معه، ويعرف ذلك بحرب الجمل، والحق أنهما رجعا وتابا إذ ذكرهما أمرا فتذكرا، فأما الزبير فقتله ابن جرموز وقت الانصراف وهو في النار، لقول النبي (ص):بشِّر قاتل ابن صفية بالنار . وأما طلحة فرماه مروان بن الحكم بسهم وقت الإعراض فخرّ ميتاً. وأما عائشة وكانت محمولة على ما فعلت ثم تابت بعد ذلك ورجعت.(١)
تاريخ الطبري: ولما رجع ابن عباس إلى عليّ بالخبر دعا الحسن بن عليّ فأرسله، فأرسل معه عمار بن ياسر، فقال له: انطلق فأصلح ما أفسدت، فأقبلا حتى دخلا المسجد (في الكوفة) فكان فخرج أبو موسى فلقي الحسن فضمه إليه، وأقبل على عمار فقال: يا أبا اليقظان، أعدوت فيمن عدا على أمير المؤمنين فأحللت نفسك مع الفجار، فقال: لم أفعل ولم تسؤني، وقطع عليهما الحسن فأقبل على أبي موسى فقال: يا أبا موسى، لِمَ تُثبّط الناس عنّا فوالله ما أردنا إلا الإصلاح، ولا مثل أمير المؤمنين يُخاف على شي، فقال: صدقت بأبي أنت وأمي ولكن المستشار مؤتمن، سمعت رسول الله (ص) يقول:أنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم خير من الماشي والماشي خير من الراكب .(٢)
أقول: قلنا إن هذه الرواية ناظرة إلى مورد الاشتباه والفتنة، وأما في هذا المقام فالتكليف فيها واضحة متعين ؛ حيث إن الدعوة صادرة من أمير المؤمنين
____________________
١ - الملل والنحل، ج ١، ص ٢١.
٢ - تاريخ الطبري، ج ٥، ص ١٨٧.
عليّ (ع) وهو خليفة رسول الله (ص) ظاهراً وباطناً والحق معه حيث ما دار، وكما قال الحسن سيد شباب أهل الجنة: ما أردنا إلا الإصلاح، ولا مثل أمير المؤمنين يُخاف على شيء.
ويروي أيضاً: وأقبل زيد على حمار حتى وقف بباب المسجد ومعه الكتابان من عائشة إليه وإلى أهل الكوفة، وقد كان طلب كتاب العامة فضمّة إلى كتابه فأقبل بهما ومعه كتاب الخاصة وكتاب العامة: أما بعد، فثبّطوا أيها الناس واجلسوا في بيوتكم إلا عن قتلة عثمان بن عفان. فلما فرغ من الكتاب قال: أمرتْ بأمر وأمرنا بأمر، أمرت أن تقر في بيتها فأمرنا أن نُقاتل حتى لا تكون فتنة. فأمرتنا بما أُمرت به وركبتْ ما أُمرنا به! فقام إليه شبث بن ربعي فقام القعقاع بن عمرو فقال: إني لكم ناصح وعليكم شفيق أحبّ أن ترشدوا ولأقولن لكم قولاً هو الحق، أما ما قال الأمير ( يريد أبا موسى ) فهو الأمر لو أن إليه سبيلاً، وأما ما قال زيد، فزيد في هذا الأمر فلا تستنصحوه فإنه لا ينتزع أحد من الفتنة طعن فيها وجرى إليها، والقول الذي هو القول إنه لابد من إمارة تنظم الناس وتزع الظالم وتُغزّ الظالم وتُعزّ المظلوم وهذا عليّ يلي بما ولى وقد أنصف في الدعاء وإنما يدعو إلى الإصلاح فانفروا وكونوا من هذا الأمر بمَرأى ومَسمع، وقال سيحان: أيها الناس، إنه لابد لهذا الأمر وهؤلاء الناس من وال يدفع الظالم ويُعز المظلوم، ويجمع الناس، وهذا واليكم يدعوكم لينظر فيما بينه وبين صاحبيه، وهو المأمون على الأمة الفقيه في الدين فمن نهض إليه فإنا سائرون معه وقام الحسن بن علي فقال: يا أيها الناس، أجيبوا دعوة أميركم وسيروا إلى إخوانكم فإنه سيوجد لهذا الأمر من ينفر إليه، والله لأن يليه أولوا النهي أمثل في العاجلة وخير في العاقبة، فأجيبوا دعوتنا وأعينونا على ما ابتلينا به وابتليتم. فسامح الناس وأجابوا ورضوا به.(١)
ويروي أيضاً: عن كُليب الجرمي قال: فانتهينا إلى عليّ فسلمنا عليه ثم
____________________
١ - تاريخ الطبري، ج ٥، ص ١٨٨.
سألناه عن هذا الأمر، فقال: عدا الناس على هذا الرجل وأنا معتزل فقتلوه، ثم ولوني وأنا كاره، ولولا خشيتي على الدين لم أجبهم، ثم طفق هذان في النكث فأخذتُ عليهما وأخذت عهودهما عند ذلك وأذنت لهما في العمرة، فقدما على أمهما حليلة رسول الله (ص) فرضيا لها ما رغبا لنسائهما عنه، وعرضاها لما لا يحل لهما ولا يصلح، فاتبعتُهما لكيلا يفتقوا في الإسلام فتقاً ولا يخرقوا جماعة، ثم قال أصحابه: والله لا نريد قتالهم إلا أن يقاتلوا، وما خرجنا إلا لإصلاح.(١)
ويروي أيضاً: قال الأحنف: فلقيت طلحة والزبير فقلت: من تأمراني به وترضيانه لي فإني لا أرى هذا الرجل إلا مقتولاً؟ قالا: علي. قلت أتأمراني به وترضيانه لي؟ قالا: نعم. فانطلقت حتى قدمت مكة فبينا نحن بها إذا أتانا قتل عثمان، وبها عائشة أم المؤمنين، فلقيتها فقلت: من تأمرين أن أبايع؟ قالت: علي. قلت: تأمريني به وترضينه لي؟ قالت: نعم. فمررت على عليّ بالمدينة فبايعته ثم رجعت إلى أهلي بالبصرة، ولا أرى الأمر إلا قد استقام، قال: فبينا إنا كذلك إذ أتاني آت فقال: هذه عائشة وطلحة والزبير قد نزلوا جانب الخُريبة، فقلت: ما جاء بهم؟ قالوا: أرسلوا إليك يدعونك يستنصرون بك على دم عثمان، فأتاني أفظع أمر لم يأتني قط، فقلت: إنّ خذلاني هؤلاء ومعهم أم المؤمنين وحواري رسول الله (ص) لشديد، وإن قتالي رجلاً ابن عم رسول الله (ص) قد أمروني ببيعته: يا أم المؤمنين، أنشدك بالله أقلت لك من تأمريني به؟ فقلتِ: علي. فقلت: أتأمريني به؟ وترضينه لي. قتل: نعم؟ قالت: نعم ولكنه بدلّ.
فقلت: يا زبير، يا حواري رسول الله، يا طلحة، أنشدكم الله أقلت لكما: من تأمراني؟ فقلتما: علي. فقلت: أتأمراني به وترضيانه لي؟ فقلتما: نعم؟ قالا: نعم ولكنه بدلّ. فقلت والله لا أقاتلكم ومعكم أم المؤمنين وحواري رسول الله (ص)، ولا أقاتل رجلاً ابن عم رسول الله (ص) أمرتموني ببيعته.(٢)
____________________
١ - نفس المصدر السابق، ص ١٩٣.
٢ - نفس المصدر، ص ١٩٧.
العقد الفريد: نظيره.(١)
أقول: في هذه الكلمات موارد للنظر والتدبر:
١ - قوله: (والحق أنهما رجعا وتابا، ثم تابت بعد ورجعت) خلافهم وعصيانهم وإفسادهم في الأرض محقق واقع، وأما توبتهم ورجوعهم وقبول توبتهم أمر محتمل الصدق والكذب، ولابد من إقامة الدليل واثبات المدعى. نعم ؛ يدل على توبة الزبير حديث: (بشر قاتل ابن صفية بالنار) إن صح الحديث. وكذا حديث(أبى الله أن يدخل طلحة الجنة إلا وبيعتي في عنقه) .
٢ - واجلسوا في بيوتكم إلا عن قَتَلة عثمان: هذا القول من عائشة في نهاية الضعف، فإن القعود عن الدفاع ومخالفة الإمام لا يوافق كتاباً ولا سنة. وأما محاربة قتلة عثمان، فإن كان المراد القتلة حقيقة: فهم لا يتجاوزون عن ثلاثة أفراد عادة. وإن أرادت منهم من أعد واستعد لقتاله: فهي والزبير وطلحة على رأسهم.
٣ - ولكنه بدلّ: هذه الكلمة من عائشة والزبير وطلحة بعد اعترافهم على مقام الخلافة والإمامة لعلي (ع) أنما وقعت في زمان خلافهم وتمرّدهم وعصيانهم ولم يأتوا بما يوجب طعناً في ولاية أمير المؤمنين (ع)، وسبق أنهم تابوا ورجعوا إلى عقيدتهم. ثم إن أهلية الإمامة ومقام الخلافة ثابتة له، وأما تبديله: فلم يثبت ويحتاج إلى الإثبات، مع أن رسول الله (ص) قال: علي مع الحق والحق مع عليّ يدور حيث ما دار، وقال: إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي.
العقد الفريد: عن ابن أبزى قال: انتهى عبد الله بن بديل ( كان سيد خزاعة وكان له قدر وجلالة ) إلى عائشة وهي في الهودج، فقال: يا أم المؤمنين، أنشدك بالله أتعلمين أني أتيتك يوم قتل عثمان فقلت لك: إن عثمان قد قتل فما تأمريني به فقلت لي: الزم علياً؟ فوالله ما غيّر وما بدل! فسكتت. ثم أعاد عليها، فسكتت ؛ ثلاث مرات. فقال: أعقروا الجمل، فعقروه.(٢)
ثم يروي عن عكرمة: لما انقضى أمر الجمل دعى عليّ بن أبي طالب ...
____________________
١ - العقد الفريد، ج ٤، ص ٣٢٠.
٢ - العقد الفريد، ج ٤، ص ٣٢٨.
أين ابن عباس؟ قال ابن عباس فدُعيت له من كل ناحية، فأقبلت إليه، فقال: ائتِ هذه المرأة فلترجع إلى بيتها الذي أمرها الله أن تقرّ فيه. قال: فجئت فاستأذنت عليها فلم تأذن لي، فدخلت بلا إذن ومددت يدي إلى وسادة في البيت فجلست عليها، فقالت: تالله يا ابن عباس ما رأيت مثلك تدخل بيتنا بلا إذننا وتجلس على وسادتنا بغير أمرنا. فقلت: والله ما هو بيتك، ولا بيتك إلا الذي أمرك الله أن تقرّي فيه فلم تفعلي، إن أمير المؤمنين يأمرك أن ترجعي إلى بلدك الذي خرجتِ منه.
الاستيعاب: لما خرج طلحة والزبير كتبت أم الفضل بنت الحارث إلى عليّ بخروجهم، فقال عليّ: العجب لطلحة والزبير إن الله عَزَّ وجَلَّ لما قبض رسوله (ص) قلنا: نحن أهله وأولياؤه لا ينازعنا سلطانه أحد، فأبى علينا قومنا فولوا غيرنا! وايم الله لولا مخافة الفرقة وأن يعود الكفر ويبوء الدين لغيرنا، فصبرنا على بعض الألم، ثم لم نر بحمد الله إلا خيراً، ثم وثب الناس على عثمان فقتلوه، ثم بايعوني ولم أستكره أحداً، وبايعني طلحة والزبير ولم يصبرا شهراً كاملاً حتى خرجا إلى العراق ناكثين! اللَّهُم فخذهما بفتنتهما للمسلمين.(١)
الاستيعاب: أن عثمان بن حُنيف لما كتب الكتاب بالصلح بينه وبين الزبير وطلحة وعائشة: أن يكفّوا عن الحرب ويبقى هو في دار الإمارة خليفة لعليّ على حاله حتى يقدم عليّ (رض) فيرون رأيهم. قال عثمان بن حنيف لأصحابه: ارجعوا وضعوا سلاحكم. فلما كان بعد أيام. جاء عبد الله بن الزبير في ليلة ذات ريح وظلمة وبرج شديد، ومعه جماعة من عسكرهم، فطرقوا عثمان بن حُنيف في دار الإمارة فأخذوه ثم انتهوا به إلى بيت المال فوجدوا أناساً من الزُطّ يحرسونه، فقتلوا منهم أربعين رجلاً وأرسلوا بما فعلوه من أخذ عثمان وأخذ ما في بيت المال إلى عائشة يستشيرونها في عثمان، وكان الرسول إليها أبان بن عثمان، فقالت: اقتلوا عثمان بن حُنيف! فقالت لها امرأة: ناشتدك
____________________
١ - الاستيعاب، ج ٢، ص ٤٩٧.
الله يا أم المؤمنين في عثمان بن حُينف وصحبته لرسول الله (ص)؟ فقالت: رُدوا أباناً، فردوه. فقالت: أحبسوه ولا تقتلوه. فقال أبان: لو أعلم أنك رددتني لهذا لم أرجع، وجاء فأخبرهم. فقال لهم مجاشع بن مسعود: اضربوه وانتفوا شعر لحيته ؛ فضربوه أربعين سوطاً ونتفوا شعر لحيته وحاجبه وأشفار عينه.(١)
أقول: انظروا في جنايات هذه الطائفة المضلة، الذين ادعوا بأنهم إنما خرجوا لإصلاح الأمة الإسلامية!
وليعلم: بأن هذه الفتن الثلاثة (خروج طلحة والزبير، خروج عائشة، حرب الجمل) مستندة إلى طلحة والزبير، وقد اتضح من روايات هذه الفتن أن خلافهما ونقض بيعتهما قد أثار هذه الفتن، بل وفتنة حكومة معاوية وحرب صفين أيضاً.
ولا يبعد أن نقول: إن مبدأ الفتن كلها ومنشأ الخلاف في المسلمين إنما تحقق في نقطتين، وهاتان النقطتان:أولاهما المنع عن وصية رسول الله (ص)،وثانيتهما نقض بيعة طلحة والزبير.
وقد قال ابن عباس في الأولى: الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله (ص) وبين وصيته، ويوم الخميس وما يوم الخميس. ونحن نقول في الثانية: وتمام الرزية وكمالها في يوم نقض طلحة والزبير بيعة أمير المؤمنين علي (ع). نعم، هاتان النقطتان منعتا عن بسط الحق والعدل، وأثارتا الفتن والأحداث وأشاعتا الجور والعدوان، وغيّرتا سبيل الهدى، وفي أثر هذا التغيير والتحريف ظهرت الحكومات الأموية والعباسية، فبدلوا وحرفوا وظلموا وضلوا وأضلوا.
وعلى هذا يقول عليّ (ع): إن فعلوا هذا فقد انقطع نظام المسلمين. ويقول: إنها فتنة كالنار كلما سُعّرت ازدادت. ويقول: أتُريد أن أكون مثل الضبع التي يحاط بها! وقد قال رسول الله (ص): إنه يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله! فمن منع عن الوصية فقد منع عن إجراء التنزيل، ومن نقض البيعة لعليّ (ع) فقد منع عن إجراء التأويل.
____________________
١ - الاستيعاب، ج ١، ص ٣٦٨.
فتنة:
حكومة معاوية
أول حكومة أسّست للدنيا خالصة في الإسلام
العقد الفريد: أخبرني الحسن قال: علم معاوية والله إن لم يُبايعه عمرو لم يتمّ له أمر، فقال له: يا عمرو اتبعني. قال: لماذا؟ للآخرة فوالله ما معك آخرة، أم للدنيا. فوالله لا كان حتى أكون شريكك فيها. قال: فأنت شريكي فيها! قال: فاكتب لي مصر وكورها! فكتب له مصر وكورها.
وقالوا لما قدم عمرو بن العاص على معاوية وقام معه في شأن علي، بعد أن جعل له مصر طعمة، قال له: إن بأرضك رجلاً له شرف واسم، والله إن قام معك استهويتَ به قلوب الرجال، وهو عبادة بن الصامت. فأرسل إليه معاوية. فلما أتاه وسّع بينه وبين عمرو بن العاص، فجلس بينهما. فحمد الله معاوية وأثنى عليه وذكر فضل عبادة وسابقته، وذكر فضل عثمان وما ناله، وحضه على القيام معه. فقال عبادة: قد سمعت ما قلت، أتدريان لِمَ جلست بينكما كذلك، وما كنت لأجلس بينكما في مكانكما، ولكن بينما نحن نسير مع رسول الله (ص) في غزاة تبوك، إذ نظر إليكما تسيران وأنتما تتحدثان، فالتفت إلينا فقال: إذا رأيتموهما اجتمعا ففرقوا بينهما إنهما لا يجتمعان على خير أبداً، وأنا أنهاكما عن اجتماعكما.(١)
تاريخ الطبري: عن ابن عباس قدمت المدينة وقد بويع لعليّ فأتيته في داره، فوجدت المغيرة بن شعبة مستخلياً به، فحبسني حتى خرج من عنده، فقلت:
____________________
١ - العقد الفريد، ج ٤، ص ٣٤٥.
ماذا قال لك هذا؟ فقال: قال لي قبل مرّته هذه: أرسل إلى عبد الله بن عامر وإلى معاوية وإلى عمّال عثمان بعهودهم تقرهم على أعمالهم ويبايعون لك الناس فإنهم يهدّئون البلاد ويسكنون الناس! فأبيت ذلك عليه يومئذٍ وقلت: والله، لو كان ساعة من نهار لاجتهدت فيها رأيي ولا ولّيت هؤلاء ولا مثلهم يولّى قال ابن عباس: فقلت لعليّ أما المرة الأولى فقد نصحك، وأما المرة الآخرة فقد غشك، قال له عليّ: ولِمَ نصحني؟ قال ابن عباس: لأنك تعلم أن معاوية وأصحابه أهل دنيا فمتى تُثبتهم لا يبالوا بمن ولى هذا الأمر، ومتى تعزلهم يقولوا: أخذ هذا الأمر بغير شورى وهو قتل صاحبنا ويُؤلّبون عليك أهل الشام وأهل العراق، مع أني لا آمن طلحة والزبير أن يكرّا عليك. فقال عليّ: أما ما ذكرت من إقرارهم، فوالله ما أشك أن ذلك خير في عاجل الدنيا لإصلاحها. وأما الذي يلزمني من الحق والمعرفة بعمّال عثمان! فوالله لا أولّي منهم أحداً أبداً، فإن أقبلوا فذلك خير لهم وإن أدبروا بذلت لهم السيف.(١)
أقول: الحكومة إما لغرض دنيوي من تحصيل المال والعنوان والرئاسة والملك والاختيار التام، وإما لغرض إلهي من جهة إحقاق الحق وإبطال الباطل وترويج الحقيقة وإجراء الأحكام الإلهية: ففي القسم الأول لابد من التشبّث والتوسل بأي وسيلة ممكنة، والسلوك بأيّ طريق موصلة إلى المقصد الدنيويّ المنظور، من تزوير وظلم وجور وإبطال حق ومخالفة صدق وسياسة غير صحيحة وتدبيرات فاسدة وإرعاب الناس وقتلهم وصلبهم وحبسهم بعناوين مختلفة.
وأما القسم الثاني: فليس المقصود الأعلى فيه إلا إحياء الحق وإحقاقه وكسر الباطل وإبطاله، ولو تعارض الحكومة وإحقاق حق: فيختار الحاكم الحقيقة والحق ولا يبالي زوال الملك والحكومة.
ويروي: عن ابن عباس قال: فإن كنت قد أبيت عليّ، فانزع من شئت واترك معاوية، فإن لمعاوية جرأة وهو في أهل الشام يُسمع منه، ولك حجة في
____________________
١ - تاريخ الطبري، ج ٥، ص ١٥٩.
إثباته، كان عمر بن الخطاب قد ولاه الشام كلها! فقلت: لا والله لا استعمل معاوية يومين أبداً.(١)
أقول: الهدف المنحصر لعلي (ع) من الخلافة ليس إلا إحقاق الحق، فلا يرفع قدماً فيها إلا بالحق وللحق ومع الحق، بل كما قال رسول الله (ص): إن الحق مع عليّ يدور معه حيث ما دار، فكيف يمكن له أن يُثبت باطلاً ويُساعده ويُمضيه.
ويروي: كان رسول أمير المؤمنين إلى معاوية سبرة الجهنيّ فقدم عليه، فلم يكتب معاوية بشيء ولم يُجبه، ورد رسوله، وجعل كلما تنجّز جوابه لم يزد على قوله:
أدم إدامة حصن أو جداً |
حرباً ضروساً تشبّ الجزل والضرما |
حتى إذا كان الشهر الثالث من مقتل عثمان في صفر: دعا معاوية برجل من بني عبس، ثم أحد بني رواحة يدعى قبيصة، فدفع إليه طوماراً مختوماً عنوانه من معاوية إلى علي: فقال إذا دخلت المدينة فاقبض على أسفل الطومار، ثم أوصاه بما يقول وسرّح رسول عليّ، وخرجا فقدما المدينة في ربيع الأول لغرّته، فلما دخلا المدينة رفع العبسي الطومار كما أمره، وخرج الناس ينظرون إليه، فتفرقوا إلى منازلهم وقد علموا أن معاوية معترض، ومضى حتى يدخل على عليّ فدفع إليه الطومار ففضّ خاتمه فلم يجد في جوفه كتابة، فقال للرسول: ما وراءك؟ قال: آمن أنا؟ قال: نعم، إن الرسل آمنة لا تقتل. قال: ورائي أني تركت قوماً لا يرضون إلا بالقود. قال: ممن؟ قال: من خيط نفسك. وتركتُ ستين ألف شيخ يبكي تحت قميص عثمان وهو منصوب لهم قد ألبسوه منبر دمشق. فقال: مني يطلبون دم عثمان؟! ألست موتوراً كتِرة عثمان؟ اللَّّهُم إني أبرأ إليك من دم عثمان.(٢)
أقول: ينبغي أن يُتوجه إلى أمور:
____________________
١ - تاريخ الطبري، ج ٥، ص ١٦٠.
٢ - نفس المصدر، ص ١٦٢.
١ - بيعة علي (ع) أقوى وأتم من بيعة أبي بكر.
الأول : أنها وقعت من دون أعمال زور وتزوير وتهيئة مقدمة والتشبّث بوسائل ومخاطبات واحتجاجات.
الثاني : أنها وقعت في المرتبة الأولى باتفاق من المهاجرين والأنصار في المسجد، من دون خلاف من أحد من أصحاب رسول الله (ص).
الثالث : أنها وقعت فيمن وردت الروايات المتواترة والأحاديث الكثيرة في فضائله وأنه أحب الناس إلى الله وإلى رسوله وأنه أعلم الأمة وأقضاها وأتقاها وأشجعها.. فكيف يجوز لمثل معاوية وأتباعه أن يخالفه ويعانده ويقاتله.
٢ - قلنا: إن علياً كان ممن نصر عثمان ورد مخالفيه كراراً، وهو الذي أرسل ابنيه الحسنين (ع) إلى بيته ليذبّا عنه ويدفعا سوء قصد المخالفين. وأما معاوية فهو الذي لم يُجب استغاثته واستنصاره، وكفَّ عن تأييده بجنوده.
٣ - ولا يخفى أن معاوية هو أول من عمل بالكيد والمكر والسياسة الباطلة والتزوير، ولم يكن له هدف إلا الحكومة والسلطنة، وكان متوسلاً بأي عمل منكر وظلم قبيح الموصول إلى مقصده الدنيويّ. ونعم، ما كتب إليه قيس بن سعد بن عبادة أمير مصر: أما بعد، فإن العجب من اغترارك بي وطمعك فيّ واستسقاطك رأيي، أتسومني الخروج من طاعة أولى الناس بالإمرة، وأقولهم للحق وأهداهم سبيلاً وأقربهم من رسول الله (ص) وسيلة، وتأمرني بالدخول في طاعتك! طاعة أبعد الناس من هذا الأمر، وأقولهم للزور وأظلهم سبيلاً وأبعدهم من الله عزَّ وجلَّ ورسوله (ص) وسيلة وله ضالين مُضلين طاغوت من طواغيت إبليس.(١)
ويقول عمار: كما في الطبري أيضاً: وأخذ عمار يقول: يا أهل العراق، أتريدون أن تنظروا إلى من عادى الله ورسوله وجاهدهما وبغى على المسلمين وظاهر المشركين فلما رأى الله عَزَّ وجَلَّ يُعز دينه ويُظهر رسوله أتى النبي (ص) فأسلم
____________________
١ - تاريخ الطبري، ج ٥، ص٢٢٩.
وهو فيما يرى راهب غير راغب، ثم قبض الله عَزَّ وجَلَّ رسوله (ص) فوالله إن زال بعده معروفاً بعداوة المسلم وهوادة المجرم، فاثبتوا له وقاتلوه فإنه يطفئ نور الله ويُظاهر أعداء الله عَزَّ وجَلَّ.(١)
العقد الفريد: قال معاوية لأبي الطفيل: كيف وجدك على عليّ؟ قال: وجد ثمانين مُثكِلاً. قال: فكيف حبك له؟ قال: حب أم موسى، وإلى الله أشكو التقصير. وقال له مرة أخرى: أبا الطفيل! قال: نعم، قال: أنت من قتلة عثمان؟ قال: لا ولكني ممن حضره ولم ينصره. قال: وما منعك من نصره؟ قال: لم ينصره المهاجرون والأنصار فلم أنصره. قال: لقد كان حقه واجباً وكان عليهم أن ينصروه. قال: فما منعك من نصرته يا أمير المؤمنين وأنت ابن عمه؟ قال: أو ما طلبي بدمه نصرة له؟ فضحك أبو الطفيل، وقال: مثلك ومثل عثمان كما قال الشاعر:
لأعرفنّك بعد الموت تندبني |
وفي حياتي ما زوّدتني زادا |
ويروي أيضاً: وكتب عليّ إلى معاوية بعد وقعة الجمل: سلام عليك، أما بعد، فإن بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام، لأنه بايعني الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بويعوا عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار وللغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإذا اجتمعوا على رجل وسمّوه إماماً كان ذلك لله رضاً، وإن خرج عن أمرهم خارج ردوه إلى ما خرج عنه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيراً، ما أعذرت إليهما حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون. فادخل فيما دخل فيه المسلمون، فإن أحب الأمور إليّ قبولك العافية، وقد كثرت في قتلة عثمان، فإن أنت رجعت عن رأيك وخلافك ودخلت فيما دخل فيه المسلمون، ثم حاكمت القوم إليّ حملتك وإياهم على كتاب الله. وأما تلك التي تريدها فهي
____________________
١ - نفس المصدر السابق، ج ٦، ص ٧.
٢ - العقد الفريد، ج ٤، ص ٢٩.
خدعة الصبي عن البن، ولعمري لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدنّي أبرأ قريش من دم عثمان، واعلم أنك من الطُلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة ولا يدخلون الشورى.(١)
ويروي: كتابا آخر منه (عليه السلام) إلى معاوية، فيه: وأما قولك: إن أهل الشام هم حكام أهل الحجاز، فهات رجلاً من أهل الشام يُقبل في الشورى أو تحل له الخلافة، فان سمَّيتَ كذّبك المهاجرون والأنصار، ونحن نأتيك به من أهل الحجاز. وأما قولك ادفع إلي قتلة عثمان فما أنت وذاك، وهاهنا بنو عثمان وهم أولى بذلك منك، فإن زعمت أنك أقوى على طلب دم عثمان منهم فارجع إلى البيعة التي لزمتك وحاكم القوم إلي.(٢)
أقول: في هذه الكلمات موارد للتحقيق:
١ - قول معاوية: (أو ما طلبي بدمه نصرة له) قد اعترف في ضمن هذا الكلام بأنه لم ينصر عثمان ولم يُجب استنصاره، بل هيّج العداوة وبُغضَ الناس عليه بأعماله المخالفة.
٢ - (فإن بيعتي بالمدينة لزمتك) البيعة للخلافة الظاهرية والحكومة الدنيوية نافذة إذا وقعت باتفاق المهاجرين والأنصار، وهم في الطبقة الأولى من المسلمين، فإذا اجتمعوا على أمر مختارين غير مكرهين وفيه صلاح المسلمين كان ذلك لله رضاً، ولا يجوز لأحد من الحاضرين والغائبين أن يخالفهم.
٣ - (إنك من الطلقاء) وهم الذين أسلموا بعد أن فتح رسول الله (ص) مكة، وقال لأهل مكة: اذهبوا فأنتم الطُلقاء.
أخبار إصبهان : عن جرير عن النبي (ص) قال: المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة، والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض.(٣)
____________________
١ - العقد الفريد، ج ٤، ص ٣٣٢.
٢ - نفس المصدر، ص ٣٣٤.
٣ - أخبار أصبهان، ج ١، ص ١٤٦.
ويروي في العقد أيضاً: في جواب سعد بن أبي وقاص عن ما كتب إليه معاوية: أما بعد، فإن عمر لم يُدخل في الشورى إلا من تحل له الخلافة، فلم يكن أحد أولى بها من صاحبه إلا باجتماعنا عليه، غير أن علياً كان فيه ما فينا ولم يكن فينا ما فيه، ولو لم يطلبها ولزم بيته لطلبته العرب ولو بأقصى اليمن، وهذا الأمر قد كرهنا أوله وكرهنا آخره. وأما طلحة والزبير فلو لزما بيوتهما لكان خيراً لهما، والله يغفر لأم المؤمنين ما أتت.(١)
الاستيعاب: عبد الرحمن بن غنم الأشعري، وهو الذي عاتب أبا هريرة وأبا الدرداء بحمص إذ انصرفا من عند عليّ (رض) رسولين لمعاوية، وكان مما قال لهما: عجباً منكما كيف جاز عليكما ما جئتما به، تدعوان علياً أن يجعلها شورى، وقد علمتما أنه قد بايعه المهاجرون والأنصار وأهل الحجاز والعراق، وأن من رضيه خير ممن كرهه، ومن بايعه خير ممن لم يُبايعه. وأيّ مدخل لمعاوية في الشورى وهو من الطلقاء الذين لا تجوز لهم الخلافة، وهو وابوه من رؤوس الأحزاب. فقدما على مسيرهما وتابا منه بين يديه.(٢)
الاستيعاب: لما قتل عثمان وبايع الناس علياً، دخل عليه المغيرة بن شعبة، فقال: يا أمير المؤمنين، إن لك عندي نصيحة. قال: وما هي؟ قال: إن أردت أن يستقيم لك الأمر فاستعمل طلحة بن عبيد الله على الكوفة، والزبير بن العوام على البصرة، وابعث معاوية بعهده على الشام حتى تلزمه طاعتك، فإذا استقرت لك الخلافة فأدرها كيف شئت برأيك! قال علي: أما طلحة والزبير فسأرى رأيي فيهما، وأما معاوية فلا والله لا أراني الله مستعملاً له ولا مستعيناً به ما دام على حاله، ولكني أدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه المسلمون، فإن أبى حاكمته إلى الله. وانصرف عنه المغيرة مغضباً ثم خرج عنه، فلقيه الحسن وهو خارج، فقال لأبيه: ما قال لك هذا الأعور؟ قال: أتاني أمس بكذا وأتاني اليوم بكذا قال له علي: إن أقررتُ معاوية على ما في يده كنت متخذاً المضلين
____________________
١ - العقد الفريد، ج ٤، ص ٣٣٨.
٢ - الاستيعاب، ج ٢، ص ٨٥٠.
عضداً.(١)
البدء والتاريخ: ولما بلغ الخبر معاوية قال: إن خليفتكم قد قُتل مظلوماً، وإن الناس بايعوا علياً، ولست أنكر أنه أفضل مني وأولى بهذا الأمر، ولكن أنا وليّ هذا الأمر ووليّ عثمان وابن عمه والطالب بدمه، وقتلة عثمان معه فليدفعهم إليَّ اقتلهم بعثمان ثم أبايعه! فرأى أهل الشام أنه قد طلب حقاً، وهم قوم فيهم غفلة وقلة فطنة، إما أعرابي جاف، وأما مدنيّ مُغفل.(٢)
أقول: في هذا الكلام موارد للنظر:
١ - قوله: خليفتكم قد قُتل مظلوماً! وقد ادعى أكثر المهاجرين والأنصار أنه ظلم نفسه: بتولية من ليس له أهلية، وتقسيم المال إلى أقاربه، وطرد بعض من كبار الصحابة كأبي ذرّ وعمار وابن مسعود وغيرهم.
٢ - قوله: أنا وليّ هذا الأمر ووليّ عثمان وابن عمه والطالب بدمه. ولايته بالشام كان من جانب الخليفة عثمان لا بالاستقلال، وتنقضي بموته، ولا بد في بقائها ودوامها أن يُجزيها ويُوليه الخليفة اللاحق، وقد صرّح وأكدّ بعزله، فهو غاصب ومن المخالفين الظالمين. وأما كونه ولياً لعثمان: فليس له هذه الولاية، ولعثمان أولاد وأقارب وأرحام قريبة، ولهم أن يتحاكموا عند وليّ الأمر والقاضي المنصوب، كما صرّح به أمير المؤمنين (ع).
٣ - قوله: فليدفعهم إليَّ. هذا الكلام في غاية الوهن، فإن القاتل - على فرض معروفيّته - لا يجوز أن يُدفع إلى من ليس بوليّ الأمر ولا وليّ عثمان. نعم، يقبل هذه الأقوال من له غفلة وقلة فطنة.
ثم إنه يستفاد من روايات هذه الفصل أمور نشير إليها بالترتيب:
١ - قول عمرو بن العاص خطاباً لمعاوية: فوالله ما معك آخرة. وعمرو كان من أعرف الناس به.
٢ - قول معاوية لعمرو: فأنت شريكي فيها، فكتب له مصر وكورها.
____________________
١ - نفس المصدر السابق، ج ٤، ص ١٤٤٧.
٢ - البدء والتاريخ، ج ٥، ص ٢١٠.
فاعترف عملاً بقول عمرو وصدّقه ولم يكذّبه.
٣ - حديث عبادة عن رسول الله (ص) فإنهما لا يجتمعان على خير أبداً. فأخبر رسول الله (ص) عن حالهما وعن اتفاقهما على الشر.
٤ - قول ابن عباس: إن معاوية وأصحابه أهل دنيا. وقد سبق مختصر من أحوال أصحابه وعمّاله، وسيجيء إجمال أحوالهم.
٥ - قول علي (ع): لا والله لا أستعمل معاوية يومين أبداً. يدل على أن علياً (ع) لم يطمئن بحكومته وعمله ولو في يومين.
٦ - قول قيس: وأبعدهم من الله ورسوله وله ضالين مضلين طاغوت من طواغيت إبليس. يدل عليه خلاف معاوية علياً (ع) وهو أحب الناس إلى الله ورسوله، وهو الحق ويهدي إلى الحق.
٧ - قول عمار: إن تنظروا إلى من عادى الله ورسوله وجاهدهما وبغى على المسلمين وظاهر المشركين. يدل عليه خلافه رسول الله (ص) أولاً وعلياً ثانياً وهو ابن عمه وخليفته.
٨ - قول أبو الطفيل: وفي حياة عثمان ما زوّدته زاداً. وقد سبق ما يدل عليه في فصول عثمان.
٩ - قول علي (ع): إنك من الطُلقاء ولا تحل لهم الخلافة.
١٠ - قول سعد: فإن عمر لم يُدخل في الشورى إلا من تحل له الخلافة.
١١ - قول عبد الرحمن بن غنم: إنه وأباه من رءوس الأحزاب.
١٢ - قول علي (ع): إنْ أقررتُ معاوية كنتُ متخذاً المضلين عضداً.
فتنة:
(حرب صفين)
الملل والنحل: والخلاف بينه وبين معاوية وحرب صفين، ومخالفة الخوارج وحمله على التحكيم ومغادرة عمرو بن العاص أبا موسى الأشعري.(١)
تاريخ الطبري: فدخل عمرو على معاوية فقال: والله لعجب لك أني أرفدك بما أرفدك وأنت مُعرض عني! أما والله إن قاتلنا معك نطلب بدم الخليفة إن في النفس من ذلك ما فيها، حيث نقاتل من تعلم سابقته وفضله وقرابته، ولكنا إنما أردنا هذه الدنيا، فصالحه معاوية وعطف عليه.(٢)
ويروي: عن جندب الأزدي أن علياً كان يأمرنا في كل موطن لقينا فيه معه عدواً فيقول: لا تقاتلوا القوم حتى يبدؤوكم ؛ فأنتم بحمد الله عَزَّ وجَلَّ على حجة، وترككم إياهم حتى يبدؤوكم حجة أخرى لكم. فإذا قاتلتموهم فهزمتموهم، فلا تقتلوا مدبراً، ولا تجهزوا على جرح، ولا تكشفوا عورة، ولا تمثِّلوا بقتيل. فإذا وصلتم إلى رجال القوم، فلا تهتكوا سراً ولا تدخلوا داراً إلا بإذن، ولا تأخذوا شيئاً من أموالهم إلا ما وجدتم في عسكرهم، ولا تهيجوا امرأة بأذى وإن شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم وصلحاءكم، فإنهن ضعاف القوى والأنفس.(٣)
أقول: المتحصل من هذا الكلام أن اللازم في هذه الفتنة هو الدفاع والصد عن قتالهم وإشاعة أمرهم وحكمهم وتوسعة حكومتهم ونفوذ قدرتهم المادية الدنيوية.
ويروي أيضاً: عن زيد بن وهب الجهني: أن عمار بن ياسر (رحمه الله) قال
____________________
١ - الملل والنحل، ج ١، ص ٢٢.
٢ - تاريخ الطبري، ج ٥، ص ٢٣٤.
٣ - نفس المصدر، ج ٦، ص ٦.
يومئذٍ: أين من يبتغي رضوان الله عليه ولا يؤوب إلى مال ولا ولد. فأتته عصابة من الناس، فقال: أيها الناس، اقصدوا بنا نحو هؤلاء الذين يبغون دم ابن عفان ويزعمون أنه قتل مظلوماً، والله ما طلبتهم بدمه ولكنَّ القوم ذاقوا الدنيا فاستحبوها واستمرؤوها، وعلموا أن الحق إذا لزمهم حال بينهم وبين ما يتمرّغون فيه من دنياهم، ولم يكن للقوم سابقة في الإسلام يستحقون بها طاعة الناس والولاية عليهم، فخدعوا أتباعهم أن قالوا: إمامنا قتل مظلوماً! ليكونوا بذلك جبابرة ملوكاً، وتلك مكيدة بلغوا بها ما ترون، ولولا هي ما تبعهم من الناس رجلان. اللَّهُم إن تنصرنا فطالما نصرت، ولا تجعل لهم الأمر، فادّخر لهم بما أحدثوا في عبادك العذاب الأليم.(١)
ويروي أيضاً: أن علياً مرَّ على جماعة من أهل الشام فيها الوليد بن عقبة وهم يشتمونه فخبّر بذلك، فوقف فيمن يليهم من أصحابه فقال: انهدُّوا إليهم، عليكم السكينة والوقار وقار الإسلام وسيما الصالحين، فوالله لأقرب قوم من الجهل قائدهم ومؤذنهم معاوية وابن النابغة وأبو الأعور السلمي وابن أبي معيط شارب الخمر المجلود حداً في الإسلام!! وهم أولى من يقومون فينقصونني ويجذبونني، وقبل اليوم قاتلوني، وأنا إذ ذاك أدعوهم إلى الإسلام وهم يدعونني إلى عبادة الأصنام. الحمد لله، قديماً عاداني الفاسقون فعبد هم الله، ألم يُفتَحوا إن هذا لهو الخطب الجليل أن فسَّاقاً كانوا غير مرضيين وعلى الإسلام وأهله متخوِّفين، خدعوا شطر هذه الأمة، وأشربوا قلوبهم حب الفتنة واستمالوا أهواءهم بالآفات والبهتان، قد نصبوا لنا الحرب في إطفاء نور الله عَزَّ وجَلَّ، اللَّهُم فافضض خدمتهم وشتت كلمتهم وأبسلهم بخطاياهم.(٢)
أقول: أبو الأعور هو عمرو بن سفيان السلمي، عليه مدار حروب معاوية في صفين، أدرك الجاهلية وليست له صحبة. ومن العجب ما يروي مرسلاً عن النبي (ص) كما فيالاستيعاب : إنما أخاف على أمتي شحاً مطاعاً وهوى متبعاً،
____________________
١ - نفس المصدر، ج ٦، ص ٢١.
٢ - تاريخ الطبري، ج ٦، ص ٢٥.
إماماً ضالاً. وهذا الحديث حجة تامة عليه، وقد ختم الله على قلبه وعلى بصره غشاوة.(١)
العقد الفريد: اجتمعت قريش ( الشام والحجاز ) عند معاوية وفيهم عبد الله بن عباس، وكان جريئاً على معاوية حقَّاراً له، فبلغه عنه بعض ما غمّه، فقال معاوية وذنوبكم إلينا أكثر من ذنوبنا إليكم: خذلتم عثمان بالمدينة، وقتلتم أنصاره يوم الجمل، وحاربتموني بصفين، ولعمري لبنو تيم وعديّ أعظم ذنوباً منا إليكم، إذ صرفوا عنكم هذا الأمر وسنّوا فيكم هذه السنة فتكلّم ابن عباس وأما استعمال عليّ إيانا فلنفسه دون هواه، وقد استعملت أنت رجالاً لهواك لا لنفسك، منهم ابن الحضرمي على البصرة فقتل، وابن بشر أرطاة على اليمن فخان، وحبيب بن مُرة على الحجاز فرُدّ، والضحاك بن قيس الفهري على الكوفة فحُصب، ولو طلبت ما عندنا وقينا أعراضنا. وليس الذي يبلغك عنا بأعظم من الذي يبلغنا عنك، ولو وضع أصغر ذنوبكم إلينا على مئة حسنة لمحقها، ولو وضع أدنى عذرنا إليكم على مئة سيئة لحسنها. وأما خَذْلُنا عثمان: فلو لزمنا نصره لنصرناه، وأما قتلنا انصراه يوم الجمل: فعلى خروجهم مما دخلوا فيه، وأما حربنا إيّاك بصفين: فعلى تركك الحق وادعائك الباطل، وأما إغراؤك إيَّانا بتيم وعديّ: فلو أدرناها ما غلبونا عليها.(٢)
الإمامة والسياسة: لما انتهى كتاب عمرو إلى ابن عباس، أتى به إلى عليّ فأقرأه إيَّاه، فقال عليّ: قاتل الله ابن العاص! أجبه! فكتب إليه: أما بعد، فإنني لا أعلم رجلاً أقلُّ حياءً منك في العرب، إنك مَالَ بك الهوى إلى معاوية، وبعته دينك بالثمن الأوكس، ثم خطبت الناس في عشواء طمعاً في هذا الملك، فلمّا تراميناه أعظمت الحرب والرماء إعظام أهل الدين، وأظهرت فيها كراهية أهل الورع، لا تريد بذلك إلا تمهيد الحرب وكسر أهل الدين. فإن كنت تريد الله فدع مصر وارجع إلى بيتك، فإن هذه حرب ليس فيها معاوية
____________________
١ - الاستيعاب، ج ٣، ص ١١٧٩.
٢ - العقد الفريد، ج ٤، ص ٧.
كعلي، بدأها عليّ بالحق وانتهى فيها بالعذر، وبدأها معاوية بالبغي وانتهى فيها إلى السرف، وليس أهل الشام فيها كأهل العراق: بايع أهل العراق علياً وهو خير منهم، وبايع أهل الشام معاوية وهم خير منه، ولست أنا وأنت فيها سواء، أردتُ الله وأردتَ مصر.(١)
مستدرك الحاكم: عن الحكم قال: شهد مع علي صفين ثمانون بدرياً وخمسون ومئتان ممن بايع تحت الشجرة.(٢)
الاستيعاب: قال عبد الرحمن بن أبزى: شهدنا مع عليّ (رضي الله عنه) صفين في ثمنمائة ممن بايع بيعة الرضوان، قتل منهم ثلاثة وستون، منهم عمار بن ياسر.(٣)
ويروي أيضاً: عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: شهدنا مع علي (رضي الله عنه) صفين، فرأيت عمار بن ياسر لا يأخذ في ناحية ولا واد من أودية صفين إلا رأيت أصحاب محمد (ص) يتبعونه، كأنه علم لهم، وسمعت عماراً يقول يومئذٍ لهاشم بن عقبة: تقدم! الجنة تحت الأبارقة، اليوم ألقى الأحبة محمداً وحزبه، والله لو هزمونا حتى يبلغوا بنا سعفات هَجَر لعلمنا أنَّا على الحق وأنهم على الباطل.
أقول: في مقدمةالاستيعاب يروي:( السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ) الذين بايعوا بيعة الرضوان، قال الله تعالى:( لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ) والشجرة في الحديبية، وعدّتهم أربع عشرة مئة، وكان عدة أهل بدر ثلاثمئة وثلاث عشرة. ويروي عن رسول الله (ص):لن يلج النار أحد شهد بدراً أو الحديبية.
الإمامة والسياسة: إن عبد الله بن أبي محجن الثقفي قدم على معاوية فقال: يا أمير المؤمنين، إني أتيتك من عند الغبي الجبان البخيل ابن أبي طالب! فقال معاوية: لله أنت! تدري ما قلت، أما قولك الغبيّ: فوالله لو أن ألسُن الناسِ
____________________
١ - الإمامة والسياسة، ج ١، ص ٩٥.
٢ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ١٠٤.
٣ - الاستيعاب، ج ٣، ص ١١٣٨.
جُمعت فجعلت لساناً واحداً لكفاها لسان عليّ. وأما قولك إنه جبان: فثكلتك أمك هل رأيت أحداً بارزه إلا قتله. وأما قولك إنه بخيل: فوالله لو كان بيتان أحدهما من تبر والآخرة من تبن لأنفد تبره قبل تبنه. فقال الثقفي: فعلى مَ تُقاتله إذاً؟! ثم لحق بعليّ.(١)
تاريخ الطبري: فأرسل عليّ إلى الأشتر فقال: يا مالك فإذا قدمت عليهم فأنت عليهم، وإياك أن تبدأ القوم بقتال إلا أن يَبدؤوك حتى تلقاهم فتدعوهم وتُسمع، ولا يجرمنّك شنأنهم على قتالهم قبل دعائهم والإعذار إليهم مرة بعد مرة، واجعل على ميمنتك زياداً.(٢)
ويروي: فدعا عليّ صعصعة بن صوحان فقال له: ائت معاوية وقل له: إنا سرنا مسيرنا هذا إليكم ونحن نكره قتالكم قبل الإعذار إليكم، وإنك قدّمت إلينا خيلك ورجالك فقاتلتنا قبل أن نقاتلك وبدأتنا بالقتال، ونحن من رأينا الكف عنك حتى ندعوك ونحتج عليك، وهذه أخرى قد فعلتموها قد حُلتم بين الناس ومبين الماء، والناس غير منتهين أو يشربوا، فابعث إلى أصحابك فليُخلوا بين الناس وبين الماء، ويكفّوا حتى ننظر فيما بيننا وبينكم وفيما قدمنا وقدمتم له.(٣)
ويروي: ثم إن علياً دعا بشير بن عمرو بن محصن وسعيد بن قيس الهمداني وشبث بن ربعي التميمي، فقال: ائتوا هذا الرجل فادعوه إلى الله والى الطاعة والجماعة فحمد الله، وأثنى عليه أبو عمرة بشير بن عمرو وقال: يا معاوية، إن الدنيا عنك زائلة وإنك راجع إلى الآخرة، وإن الله عَزَّ وجَلَّ مُحاسبك بعملك وجازيك بما قدّمت يداك، وإني أنشدك الله عَزَّ وجَلَّ أن تُفرّق جماعة هذه الأمة وأن تسفك دماءهم بينها! فقطع عليه الكلام وقال: هلا أوصيت بذلك صاحبك؟ فقال أبو عمرة: إن صاحبي ليس مثلك! إن صاحبي أحق البرية كلها
____________________
١ - الإمامة والسياسة، ج ١، ص ١٧.
٢ - تاريخ الطبري، ج ٥، ص ٢٣٨.
٣ - تاريخ الطبري، ج ٥، ص ٢٤١.
بهذا الأمر في الفضل والدين والسابقة في الإسلام والقرابة من الرسول (ص)، قال: فيقول ماذا؟ قال: يأمرك بتقوى الله عَزَّ وجَلَّ وإجابة ابن عمك إلى ما يدعوك إليه من الحق، فإنه أسلمُ لك في دنياك وخير لك في عاقبة أمرك، قال معاوية: ونطّل دم عثمان! لا والله لا أفعل ذلك أبداً. فذهب سعيد بن قيس يتكلم فبادره شبث بن ربعي فتكلم، فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا معاوية، إني قد فهمت ما رددت على ابن محصن، إنه والله لا يخفى علينا ما تغزو وما تطلب، إنك لم تجد شيئاً تستغوي به الناس وتستميل به أهواءهم وتستخلص به طاعتهم إلا قولك: قُتل إمامكم مظلوماً فنحن نطلب بدمه، فاستجاب له سفهاء طغام، وقد علمنا أن قد أبطأت عنه بالنصرة وأحببت له القتل، لهذه المنزلة التي أصبحت تطلب.(١)
ويروي: فبعث عليٌّ عديّ بن حاتم ويزيد بن قيس الأرحبي وشبث بن ربعي وزياد بن حفصة إلى معاوية، فلما دخلوا حمد الله عديُّ بن حاتم ثم قال: أما بعد، فإنا أتيناك ندعوك إلى أمر يجمع الله عَزَّ وجَلَّ به كلمتنا وأمتنا، ويحقن به الدماء ويأمن به السبل ويصلح به ذات البين. إن ابن عمك سيد المسلمين، أفضلها سابقة، وأحسنها في الإسلام أثراً، وقد استجمع له الناس، وقد أرشدهم الله عَزَّ وجَلَّ بالذي رأوا، فلم يبق أحد غيرك وغير من معك، فانته يا معاوية لا يصبك الله وأصحابك بيوم مثل يوم الجمل! فقال معاوية: كأنك إنما جئت متهدداً لم تأت مصلحاً، هيهات يا عديّ، كلا والله إني لابن حرب ما يقعقع لي بالشنان، أما والله إنك لمن المجلبين على ابن عفان وإنك لمن قتلته، وإني لأرجو أن تكون ممن يقتل الله عَزَّ وجَلَّ به.(٢)
أقول: يظهر من هذه الخطابات والكلمات أمور:
١ - أن أمير المؤمنين علياً يدعو إلى الحق ولا يقصد إلا إجراء الحق والعمل بالكتاب والسنة والإصلاح بين المسلمين وجمع كلمتهم. وأما معاوية، فهو لا يريد إلا الرئاسة والحكومة والدنيا، وليس إلى طلبها سبيل إلا الحرب، وليس للحرب
____________________
١ - تاريخ الطبري، ج ٥، ص ٢٤٢.
٢ - نفس المصدر، ج ٦، ص ٢.
مستمسك إلا طلب الدم. وما أحسن ما قال شبث بن ربعي: والله لا يخفى علينا ما تغزو وما تطلب، إنك لم تجد شيئاً تستغوي به الناس وتستميل به أهواءهم وتستخلص به طاعتهم إلا قولك قتل إمامكم مظلوماً فنحن نطلب بدمه.
٢ - إن أمير المؤمنين علياً هو أول من أسلم، وهو أحب الناس إلى الله عَزَّ وجَلَّ وإلى رسوله، وهو أعلم الأمة وأتقاهم وأحسنهم جهاداً وأثراً في سبيل الله، ومن قال له رسول الله (ص): اللَّهُم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله. وأنت مني بمنزلة هارون من موسى، وأنت أخي في الدنيا والآخرة. وغير ذلك. وأما معاوية، فهو ليس من المهاجرين والأنصار، وليست له سابقة فضل ومعرفة وجهاد في سبيل الله، وكان من المخالفين وفي صفوف الأعداء، ومن رؤساء المشركين إلى أن فُتحت مكة، فدخل هو وأبوه في الإسلام فيمن دخل، فهو في زمان رسول الله (ص) كان مخالفاً للإسلام وللمسلمين، ثم أسلم ووافق ظواهر الإسلام واستقرّ تحت لوائه، ولم يدخل نور حقيقة الإيمان وحقائق الإسلام في قلبه، ولم يخرج حبّ الدنيا والرئاسة من باطنه، فهو الآن في رأس صفوف المنافقين الذين قالوا بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، ويحاربون المسلمين على حقائق الإسلام! فانظر إلى كلام أمير المؤمنين (ع) في حقه يرويه الطبري وتدبّر فيه حتى يظهر لك حقيقة حاله وحقيقة المقام.
يروي: أن معاوية بعث إلى عليٍّ حبيبَ بن مسلمة الفهري وشرحبيل بن السمط ومعن بن يزيد بن الأخنس، فدخلوا عليه وأنا عنده، فحمد الله حبيب وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإن عثمان بن عفان كان خليفة مهدياً يعمل بكتاب الله عَزَّ وجَلَّ وينيب إلى أمر الله تعالى، فاستثقلتم حياته واستبطأتم وفاته فعدوتم عليه فقتلتموه، فادفع إلينا قتلة عثمان إن زعمت أنك لم تقتله نقتلهم به، ثم اعتزل أمر الناس فيكون أمرهم شورى بينهم يُولّى الناس أمرهم من أجمع عليه رأيهم. فقال له علي بن أبي طالب: وما أنت لا أم لك! والعزل وهذا الأمر، اسكت، فإنك لست هناك ولا بأهل له. فقام وقال له: والله لترينّي بحيث تكره! فقال عليّ: وما أنت ؛ ولو أجلبت بخيلك ورجلك، لا أبقى الله عليك إن
أبقيت عليّ، أحُقرة وسوءاً، اذهب فصوّب وصعّد ما بدالك! وقال شرحبيل بن السمط: إن كلمّتك فلعمري ما كلامي إلا مثل كلام صاحبي قبل، فهل عندك جواب غير الذي أجبته به؟ فقال عليّ: نعم، لك ولصاحبك جواب غير الذي أجبته به، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإن الله جَلَّ ثناؤه بعث محمداً (ص) بالحق فأنقذ به من الضلالة، وانتاش به من الهلكة، وجمع به من الفرقة. ثم قبضه الله إليه وقد أدّى ما عليه (صلَّى الله عليه وسلَّم)، ثم استخلف الناس أبا بكر، واستخلف أبو بكر عمر، فأحسنا السيرة وعدلا في الأمة. وقد وجدنا عليهما أن تولّيا علينا ونحن آل رسول الله (ص)، فغفرنا ذلك لهما. ووُلّي عثمان فعمل أشياء عابها الناس عليه، فساروا إليه فقتلوه. ثم أتاني الناس وأنا معتزل أمورهم فقالوا لي: بايع. فأبيت عليهم، فقالوا لي: بايع فإن الأمة لا ترضى إلا بك، وإنا نخاف أن لم تفعل أن يفترق الناس. فبايعتهم. فلم يرُعني إلا شقاق رجلين قد بايعاني، وخلاف معاوية الذي لم يجعل الله عَزَّ وجَلَّ له سابقة في الدين ولا سلف صدق في الإسلام، طليق ابن طليق، حزب من هذه الأحزاب، لم يزل لله عَزَّ وجَلَّ ولرسوله (ص) وللمسلمين عدواً هو وأبوه، حتى دخلا في الإسلام كارهين، فلا غَرو إلاّ خلافكم معه وانقيادكم له، وتدعون آل نبيكم (ص) الذين لا ينبغي لكم شقاقهم ولا خلافهم ولا أن تعدلوا بهم من الناس أحداً. ألا إني أدعوكم إلى كتاب الله عَزَّ وجَلَّ وسنة نبيه (ص) وإماتة الباطل وإحياء معالم الدين، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ولكل مؤمن ومؤمنة ومسلم ومسلمة. فقال: أشهدْ أن عثمان قُتل مظلوماً. فقال لهما: لا أقول إنه قتل مظلوماً ولا إنه قتل ظالماً. قالوا: فمن لم يزعم أن عثمان قتل مظلوماً فنحن منه برآء. ثم قاما فانصرفا. فقال عليّ: ( إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ ) .(١)
____________________
١ - تاريخ الطبري، ج ٦، ص ٤.
أقول: في هذه الكلمات موارد للنظر نُشير إلى بعضها:
أولاً - قول حبيب فقلتموه فادفع إلينا قتلته: قد مرّ أن أمير المؤمنين علياً كان من الناصحين المدافعين الناصرين لعثمان. وأما معاوية، فكان ممن تسامح في نصرته والدفاع عنه وإجابة دعوته.
ثانياً - بيعة الإمام وإطاعته واجبة على كل فرد مسلم، والإمام على عقيدتهم من يتعيّن من جانب المهاجرين والأنصار في مدينة رسول الله (ص) ولا يتوقف هذا على حكم آخر، بمعنى أن المبايعة واجبة، وطلب الثأر حكم آخر فرعيّ لابد فيه من المراجعة إلى الحاكم والقاضي، حتى يحكم بعد التحقيق عن القاتل وكيفية القتل والقصد فيه وثبوت الجناية بالطريق الشرعي، بحكم خاص.
ثالثاً - أن معاوية فرد من أفراد المسلمين، وليس بولي عثمان ولا بولي المسلمين، حتى يدّعي أنه يطلب ثأر عثمان أو يطلب قتلته من خليفة المسلمين، وأعجب منه قوله: واعتزل أمر الناس حتى يكون شورى، فراجع ثم راجع كلام علي (ع) في جوابه حتى تعلم حقيقة الأمر.
ويروي أيضاً: أن عمار بن ياسر خرج إلى الناس فقال: اللَّهُم إنك تعلم أني لو أعلم أن رضاك في أن أقذف بنفسي في هذا البحر لفعلته، اللَّهُم إنك تعلم أني لو أعلم أن رضاك في أن أضع ظبّة سيفي في صدري ثم انحني عليها حتى تخرج من ظهري لفعلت، وإني لا أعلم اليوم عملاً هو أرضى لك من جهاد هؤلاء الفاسقين، ولو أعلم أن عملاً من الأعمال هو أرضى لك منه لفعلته.(١)
أقول: هذا ما يعتقد به عمار بن ياسر وهو من خواصّ أصحاب رسول الله (ص)، وقد قال (ص) في حقه: تقتله الفئة الباغية. وقلنا إن معاوية قد حارب المسلمين في زمن رسول الله (ص) خلافاً لله ولرسوله وللإسلام، وفي هذا اليوم يُحارب المسلمين أيضاً طلباً للرئاسة والدنيا وخلافاً لحقائق الإسلام. ونِعم ما قال عمار بن ياسر وهو يقول لعمرو بن العاص بصفِّين: لقد قاتلتُ
____________________
١ - نفس المصدر السابق، ص ٢١.
صاحب هذه الراية ثلاثة مع رسول الله (ص) وهذه الرابعة ما هي بأبرّ ولا أتقى.(١)
وليس ببعيد أن نقول: إن خلاف معاوية اليوم أشد ضرراً للإسلام وللمسلمين وأكثر تأثيراً في قلوب المؤمنين من محاربته رسول الله (ص) زمان كفره. ومن هنا ترى علياً (ع) إذا صلَّى الغداة يقنت ويقول: اللَّهُم العن معاوية وعمراً وأبا لأعور السلمي وحبيباً وعبد الرحمن بن خالد والضحاك بن قيس والوليد كما في الطبري(٢) فراجعه.
وقال عبد الله بن عمر وصحّ عنه من وجوه الاستيعاب: ما آسى على شيء كما آسى أني لم أقاتل الفئة الباغية مع علي (ع).(٣)
ويروي روايات بإسناده قريبة منها.(٤)
ويروي: أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان يقول: ما لي ولقتال المسلمين ولصفين، لوددت أني متّ قبله بعشر سنين. أما والله ما ضربت فيها بسيف ولا طعنت برمح ولا رميت بسهم، ولوددتُ أني لم أحضر شيئاً منها، واستغفر الله من ذلك وأتوب إليه.(٥)
أقول: يستفاد من روايات هذا الفصل أمور:
١ - قول عمرو: حيث نقاتل من تعلم سابقته وفضله وقرابته، ولكنَّا إنما أردنا هذه الدنيا، فصالحه معاوية.
٢ - قول عليّ (ع): فأنتم على حجة وتركُكم إياهم حتى يبدءوكم حجة أخرى لكم فلا تقتلوا مدبراً ولا تأخذوا شيئاً من أموالهم.
٣ - قول عمار: والله ما طلبتم بدمه ولكن القوم ذاقوا الدنيا فاستحبوها واستمرءوها وعلموا أن الحق إذا لزمهم حال بينهم.
____________________
١ - تاريخ الطبري، ج ٦، ص ٢٢.
٢ - نفس المصدر، ص ٤٠.
٣ - الاستيعاب، ج ١، ص ٧٧.
٤ - نفس المصدر، ج ٣، ص ٩٥٣.
٥ - نفس المصدر، ج ٣، ص ٩٥٨.
٤ - قول علي (ع): فوالله لأقرب قوم من الجهل قائدهم ومؤذنهم معاوية وابن النابغة وأبو الأعور السلمي وابن أبي معيط شارب الخمر المجلود في الإسلام وهم أولى من يقومون فينقصونني!!
٥ - قول ابن عباس: وأمَّا قتلنا أنصاره يوم الجمل فعلى خروجهم مما دخلوا فيه، وأما حربنا إيَّاك بصفين فعلى تركك الحق وادعائك الباطل.
٦ - قول ابن عباس وكتابه إلى عمرو: فإني لا أعلم رجلاً أقل حياءً منك في العرب ؛ إنك مال بك الهوى إلى معاوية وبعته دينك بالثمن الأوكس، ثم خطبت الناس في عشواء!.
٧ - قول الحكم: شهد مع علي في صفين ثمانون بدرياً وخمسون ومئتان ممن بايع تحت الشجرة منهم عمار بن ياسر.
٨ - قول عمار: تقدَّم الجنة تحت الأبارقة، والله لو هزمونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أنَّا على الحق وأنهم على الباطل.
٩ - قول معاوية: فوالله لو كان لعليّ بيتان أحدهما من تِبر والآخر من تِبن لأنفذ تِبره قبل تبنه.
١٠ - قول علي (ع) لمالك: ولا يجرمنك شنآنهم على قتالهم قبل دعائهم والإعذار إليهم مرة بعد مرة.
١١ - قول علي (ع) لمعاوية: إنك قدّمت إلينا خيلك ورجالك فقاتلتنا قبل أن نُقاتلك وبدأتنا بالقتال، ونحن من رأينا الكف عنك حتى ندعوك ونحتج عليك.
١٢ - قول أبو عمرة بشير بن عمرو لمعاوية: أن علياً يأمرك بتقوى الله عَزَّ وجَلَّ، وإجابة ابن عمك إلى ما يدعوك إليه من الحق فإنه أسلم لك في دنياك وخير لك في عاقبة أمرك.
١٣ - قول عديّ بن حاتم: إنا أتيناك ندعوك إلى أمر يَجمع الله عَزَّ وجَلَّ به كلمتنا وأمتنا ويَحقن به الدماء، ويأمن به السُبل ويُصلح به ذات البين، إن ابن عمك سيد المسلمين أفضلها سابقة.
١٤ - قول عليّ (ع) في جواب حبيب بن مسلمة: ثم أتاني الناس وأنا معتزل أمورهم، فقالوا لي: بايع فلم يرعني إلا شقاق رجلين قد بايعاني وخلاف معاوية الذي لم يجعل الله عَزَّ وجَلَّ له سابقة في الدين ولا سلف صدق في الإسلام، طليق ابن طليق.
١٥ - قول عمار: اللَّهُم إني لا أعلم اليوم عملاً هو أرضى لك من جهاد هؤلاء الفاسقين.
١٦ - قول عبد الله بن عمرو بن العاص: مالي ولقتال المسلمين وصفين، لوددت أني متُّ قبله بعشر سنين.
١٧ - قول عبد الله بن عمر بن الخطاب: ما آسى على شيء كما آسى أني لم أقاتل الفئة الباغية مع علي.
١٨ - قول عمار: لقد قاتلت معاوية ثلاثاً مع رسول الله (ص) وهذه الرابعة ما هي بأبرّ ولا أتقى.
فتنة:
(التحكيم)
الإمامة والسياسة: فأقبل الأشعث بن قيس في أناس كثير من أهل اليمن فقالوا لعلي: لا نرد ما دعاك القوم إليه ؛ قد أنصفك القوم، والله لئن لم تقبل هذا منهم لا وفاء معك ولا نرمي معك بسهم ولا حجر ولا نقف معك موقفاً.(١)
ويروي: أن معاوية قال لأصحابه حين استقامت المدة ولم يُسم الحكمين: من ترون علياً يختار؟ فأما نحن فصاحبنا عمرو بن العاص. قال عتبة بن أبي سفيان: أنت أعلم بعلي منا. فقال معاوية: أن لعليّ خمسة رجال من ثقاته منهم عدي بن حاتم وعبد الله بن عباس وسعد بن قيس وشريح بن هاني والأحنف بن قيس ومع هذا أن الناس قد ملوا هذه الحرب ولم يرضوا إلا رجلاً له تقية، وكل هؤلاء له تقية لهم، ولكن انظروا أين أنتم من رجل من أصحاب رسول الله (ص) تأمنه أهل الشام وترضى به أهل العراق؟ فقال عتبة: ذلك أبو موسى الأشعري.(٢)
العقد الفريد: لما كان يوم الهرير - وهو أعظم يوم بصفين - زحف أهل العراق على أهل الشام فأزالوهم عن مراكزهم حتى انتهوا إلى سرادق معاوية، فدعا بالفرس وهمّ بالهزيمة، ثم التفت إلى عمرو بن العاص وقال له: ما عندك؟ قال: تأمر بالمصاحف فتُرفع في أطراف الرماح ثم اجمع رأيهم على التحكيم، فهم علي على أن يُقدم أبا الأسود الدّؤلي، فأبى الناس عليه ثم اجتمع أصحاب البرانس وهم وجوه أصحاب عليّ، على أن يُقدموا ابا موسى الأشعري وكان مبرنساً، وقالوا: لا نرضى بغيره. فقدّمه عليّ، وقدّم معاوية عمرو بن العاص. فقال
____________________
١ - الإمامة والسياسة، ج ١، ص ١٠٨.
٢ - نفس المصدر، ص ١٠٩.
معاوية لعمرو: إنك قد رُميت برجل طويل اللسان قصير الرأي فلا ترمه بعقلك كله.(١)
ويروي: لما قدم أبو الأسود الدؤلي على معاوية عام الجماعة، قال له معاوية: بلغني ياأبا الأسود أن علي بن أبي طالب أراد أن يجعلك أحد الحكمين، فما كنت تحكم به؟ قال: لو جعلني أحدهما لجمعت ألفاً من المهاجرين وأبناء المهاجرين وألفاً من الأنصار وأبناء الأنصار ثم ناشدتهم الله: المهاجرون وأبناء المهاجرين أولى بهذا الأمر أما الطلقاء؟ قال له معاوية: لله أبوك أيّ حكم كنت تكون لو حُكّمت.(٢)
تاريخ الطبري: فلما رأى عمرو بن العاص أن أمر أهل العراق قد اشتد وخاف في ذلك الهلاك، قال لمعاوية: هل لك في أمر أعرضه عليك لا يزيدنا إلا اجتماعاً ولا يزيدهم إلا فرقة؟ قال: نعم. قال: نرفع المصاحف ثم نقول ما فيها حكمٌ بيننا وبينكم، فإن أبى بعضهم أن يتقبّلها وجدت فيهم من يقول: بلى ينبغي أن نقبل، فتكون فرقة تقع بينهم، وأن قالوا: بلى نقبل ما فيها، رفعنا هذا القتال عنا، وهذه الحرب إلى أجل أو إلى حين، فرفعوا المصاحف بالرماح إن علياً قال: عباد الله امضوا على حقكم وصدقكم: قتال عدوكم! فإن معاوية وعمرو بن العاص وابن أبي معيط وحبيب بن مسلمة وابن أبي سرح والضحاك بن قيس ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، أنا أعرف بهم منكم: قد صحبتهم أطفالاً وصحبتهم رجالاً فكانوا شر أطفال وشر رجال، ويحكم إنهم ما رفعوها ثم لا يرفعونها ولا يعلمون بما فيها وما رفعوها لكم إلا خديعة ودهنا ومكيدة. فقالوا له: ما يسعنا أن نُدعى إلى كتاب الله عَزَّ وجَلَّ فنأبى أن نقبله. فقال لهم: فإني إنما قاتلتهم ليدينوا بحكم هذا الكتاب، فإنهم قد عصوا الله عَزَّ وجَلَّ فيما أمرهم ونسوا عهده ونبذوا كتابه. فقال له مسعر بن فدّكي التميميّ وزيد بن حصين الطائي ثم السنبسي في عصابة معهما من القراء الذين صاروا
____________________
١ - العقد الفريد، ج ٤، ص ٣٤٦.
٢ - نفس المصدر، ص ٣٤٩.
خوارج بعد ذلك: يا عليّ، أجب إلى كتاب الله عَزَّ وجَلَّ إذا دُعيت إليه وإلا ندفعك برمّتك إلى القوم أو نفعل كما فعلنا بابن عفان. إنه غلبنا أن يعمل بكتاب الله فقتلناه. والله لتفعلنها أو لنفعلنها بك؟ قال: فاحفظوا عني نهيي إياكم واحفظوا مقالتكم فيّ، أما أنا فإن تطيعوني تقاتلوا وإن تعصوني فاصنعوا ما بدا لكم. قالوا له: فأبعث إلى الأشتر فليأتك فقال الأشتر: ليس هذه الساعة التي ينبغي لك أن تُزيلني عن موقفي ؛ إني قد رجوت أن يُفتح لي فلا تُعجلني. فرجع يزيد بن هاني إلى عليّ فأخبره فما هو إلا أن انتهى إلينا، فارتفع الرهج وعلت الأصوات من قبل الأشتر، فقال له القوم: والله ما نراك إلا أمرته أن يُقاتل، قال: من أين ينبغي أن تُروا ذلك! رأيتموني ساررته؟! أليس إنما كلّمته على رؤوسكم علانية وأنتم تسمعوني، قالوا: فابعث إليه فليأتك وإلا والله اعتزلناك. قال له: ويحك يا يزيد! قل له أقبل إليَّ فإن الفتنة قد وقعت.(١)
أقول: بايع المهاجرون والأنصار علياً (ع) على أن يعمل بالكتاب وسنة رسول الله (ص)، وهو أعلم الأمة وأتقاها وأقضاها، وأحب الناس إلى الله وإلى رسوله، وهو مع الحق والحق يدور معه كيفما دار، وهو وليّ كل مؤمن ومؤمنة وأخو رسول الله (ص) وابن عمه وزوج البتول، وأول من أسلم وجاهد في سبيل الله عَزَّ وجَلَّ.
فمن أراد أن يعمل بالكتاب والسنة فلا بد أن يبايع علياً (ع) ويستقر تحت رايته ويهتدي بهداه ويتبع سبيله. ومن خالفه فهو مخالف للكتاب والسنة، والدعوة إلى علي (ع) هي الدعوة إلى كتاب الله، والتابع له على يقين من أمره ودينه، فلا معنى في دعوة معاوية وعمرو العاص له إلى العمل بالكتاب وأن يكون الكتاب حكماً بينهما، وهذا نهاية تنزيل مقام أمير المؤمنين (ع)، ويدل على نهاية جهل أصحابه وقصور معرفتهم وضعف دينهم حيث قالوا: يا علي، أجِب إلى
____________________
١ - تاريخ الطبري، ج ٦، ص ٢٦.
كتاب الله إذا دُعيت إليه وإلا ندفعك برمّتك إلى القوم، أو نفعل كما فعلنا بابن عفان.
وليعلم أن هذه الفتنة أشد من فتنة حرب صفين: فإن نتيجة هذه الفتنة هي تنزيل مقام أمير المؤمنين والتسليم لحكم معاوية والانخداع بخدعته وترك حكومة الحق والخلاف لعلي (ع)، ومن هذا الخلاف نشأت حرب الخوارج.
تاريخ الطبري: فقال أهل الشام: فإنا قد اخترنا عمرو بن العاص. فقال الأشعث وأولئك القوم الذين صاروا خوارج بعدُ: فإنا قد رضينا بأبي موسى الأشعري. قال عليّ: فإنكم قد عصيتموني في أول الأمر فلا تعصوني الآن، إني لا أرى أن أولّي أبا موسى. فقال الأشعث وزيد بن حصين الطائي ومسعر بن فدكي: لا نرى إلا به، فإنه ما كان يُحذّرنا وقعنا فيه.
قال عليّ: فإنه ليس لي بثقة ؛ قد فارقني وخذل الناس عني ثم هرب مني حتى آمنته بعد أشهر، ولكن هذا ابن عباس نُوليه ذلك. قالوا: ما نُبالي أنت كنت أم ابن عباس، لا نريد إلا رجلاً هو منك ومن معاوية سواء، ليس أي واحد منكما بأدنى منه إلى الآخر. فقال عليّ: فإني أجعل الأشتر. قال الأشعث: وهل سعّر الأرض غيرُ الأشتر قال علي: فقد أبيتم إلا أبا موسى؟ قالوا: نعم. قال: فاصنعوا ما أردتم. فبعثوا إليه، وقد اعتزل القتال وهو بُعرض.(١)
أقول: يظهر من جملات: ( فإنه ما كان يُحذّرنا وقعنا فيه) و(خذل الناس عني) (هو منك ومن معاوية سواء) و(هل سعّر الأرضَ) و(قد اعتزل القتال) أنهم ندموا ورجعوا عن الحرب، وقد اختاروا رجلاً معتزلاً عنه، حتى يختار الاعتزال، ويحذّرهم من الحرب وإن كان خلاف رأي عليّ (ع).
تاريخ الطبري: إن علياً قال للناس يوم صفين: لقد فعلتم فعلة ضعضعت قوة وأسقطت مُنّة وأوهنت وأورثت وهناً وذلة. ولما كنتم الأعلين وخاف عدوكم الاجتياح واستحرّ بهم القتل ووجدوا ألم الجراح رفعوا المصاحف ودعوكم إلى
____________________
١ - تاريخ الطبري، ج ٦، ص ٢٨.
ما فيها ليفثؤكم عنهم ويقطعوا الحرب فيما بينكم وبينهم ويتربّصون ريب المنون خديعة ومكيدة، فأعطيتموهم ما سألوا وأبيتم إلا أن تدهنوا وتجوّزوا. وأيم الله، ما أظنكم بعدها توافقون رشداً ولا تصيبوا باب حزم.(١)
أقول: ضعضع: أي وضع. المُنّة: كالقوة لفظاً ومعناً. اجتاح: استأصل وأهلك. فثأ الحر والغضب: سكن غليانها.
جريان أمر الحكمين
خصائص النسائي: عن علقمة قال: قلت لعلي (رضي الله عنه) تجعل بينك وبين ابن آكلة الأكباد؟ قال: إني كنت كاتب رسول الله (ص) يوم الحُديبية فكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله، قالوا: لو نعلم أنه رسول الله ما قاتلناه، أمحها. قلت: هو والله رسول الله (ص) وإن رغم أنفك ولا والله لا أمحوها، فقال لي رسول الله (ص): أرنيه؟ فأريته فمحاها، وقال: أما أن لك مثلها وستأتيها وأنت مضطرّ.(٢)
تاريخ الطبري: فكتبوا هذا ما تقاضى عليه عليّ أمير المؤمنين. فقال عمرو أكتب اسمه واسم أبيه، هو أميركم، وأما أميرنا فلا. وقال الأحنف: لا تمح اسم إمارة المؤمنين فإني أتخوّف إن محوتها ألا ترجع إليك أبداً، لا تمحها وإن قتل الناس بعضهم بعضاً. فأبى ذلك عليّ ملياً من النهار، ثم إن الأشعث بن قيس قال امحُ هذا الاسم برّحه الله فمحى. وقال عليّ: الله أكبر سنة بسنّة ومثل بمثل، والله إني لكاتب بين يدي رسول الله (ص) يوم الحديبية إذ قالوا: لست رسول الله ولا نشهد لك به ولكن أكتب اسمك واسم أبيك. فقال عمرو بن العاص: سبحان الله! ومثل هذا أن نشبّه بالكفار ونحن مؤمنون. فقال عليّ: يا ابن النابغة ومتى لم تكن للفاسقين ولياً وللمسلمين عدواً، وهل تشبه إلا
____________________
١ - نفس المصدر السابق، ص ٣١.
٢ - خصائص النسائي، ص ٣٦.
أمك التي وضعت بك.(١)
الطبقات: فاجتمعا على أمرهما فأداره عمرو على معاوية فأبى، وقال أبو موسى عبد الله بن عمر، فقال عمرو: أخبرني عن رأيك؟ فقال أبو موسى: أرى أن نخلع هذين الرجلين ونجعل هذا الأمر شورى بين المسلمين فيختارون لأنفسهم من أحبوا، فقال عمرو: الرأي ما رأيت! فأقبلا على الناس وهم مجتمعون، فقال له عمرو: يا أبا موسى أعلمهم بأن رأينا قد اجتمع، فتكلم أبو موسى فقال: إن رأينا قد اتفق على أمر نرجو أن يصلح به أمر هذه الأمة. فقال عمرو صدق وبر ونعم الناظر للإسلام وأهله، فتكلم يا أبا موسى! فأتاه ابن عباس فخلا به فقال: أنت في خدعة ألم أقل لك لا تبدأه وتعقّبه فإني أخشى أن يكون أعطاك أمراً خالياً ثم ينزعنه على ملأ من الناس واجتماعهم. فقال الأشعري: لا تخش ذلك قد اجتمعنا واصطلحنا، فقام أبو موسى فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، قد نظرنا في أمر هذه الأمة فلم نر شيئاً هو أصلح لأمرها ولا ألمّ لشعثها من أن تبتزّ أمورها ولا نعصبها حتى يكون ذلك عن رضى منها وتشاور، وقد اجتمعت أنا وصاحبي على أمر واحد، على خلع عليّ ومعاوية وتستقبل هذه الأمة هذا الأمر فيكون شورى بينهم يولون منهم من أحبوا عليهم، وأني قد خلعت علياً ومعاوية فولوا أمركم من رأيتم! ثم تنحّى. فأقبل عمرو بن العاص فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن هذا قد قال ما قد سمعتم وخلع صاحبه وأن أخلع صاحبه كما خلعه وأُثبت صاحبي معاوية فإنه وليّ ابن عفان والطالب بدمه وأحق الناس بمقامه. فقال سعد بن أبي وقاص: ويحك يا أبا موسى ما أضعفك عن عمرو ومكائده! فقال أبو موسى: فما أصنع؟ جامعني على أمر ثم نزع عنه، فقال ابن عباس: لا ذنب لك يا أبا موسى الذنب لغيرك. للذي قدّمك في هذا المقام! فقال أبو موسى رحمك الله غدرني فما أصنع؟ وقال أبو موسى لعمرو: إنما مثلك كالكلب( إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ) ، فقال له عمرو: إنما مثلك مثل( الْحِمارِ
____________________
١ - تاريخ الطبري، ج ٦، ص ٢٩.
يَحْمِلُ أَسْفاراً ) . فقال ابن عمر: إلى مَ صيرت هذه الأمة؟ إلى رجل لا يبالي ما صنع وآخر ضعيف. وقال عبد الرحمن بن أبي بكر: لو مات الأشعري من قبل هذا كان خيراً له.(١)
أقول: يظهر من هذه الكلمات مقام أبي موسى علماً ومعرفة:
١ - وقال أبو موسى: (عبد الله بن عمر هذا خلاف ما رأى أبوه عمر وقال في حقه، ولم يجعله من أفراد الشورى) والعجب أن أبا موسى فضّله على أمير المؤمنين (ع) ورأى خلعه ونصب عبد الله.
٢ - (أرى أن نخلع هذين الرجلين): إن رسول الله (ص) نصب علياً علماً وهادياً وأميراً وخليفة وولياً ومولى لقاطبة المسلمين، فقال: من كنت مولاه فعليّ مولاه. ويريد أبو موسى أن يَخلعه كما يريد أن يخلع معاوية.
٣ - (غَدَرني فما أصنع؟) من كان نظره وعرفانه بهذه الدرجة من الضعف والانحطاط والتزلزل فهو محجوب عن الحق وواقع في معرض الغدر والحيلة.
٤ - (مثل الحمار يحمل أسفاراً): أشار عمرو إلى ضعف معرفته وتدبره وسياسته. راجع وتدبر في مكالمته عمراً في ما يرويه الطبري والعقد الفريد:
العقد الفريد: فأُخلي لهما مكان يجتمعان فيه، فأمهله عمرو بن العاص ثلاثة أيام، ثم أقبل إليه بأنواع من الطعام يُشهّيّه بها، حتى إذا استبطن أبو موسى. ناجاه عمرو فقال له: يا أبا موسى، إنك شيخ أصحاب محمد (ص)، وذو فضلها وذو سابقتها، وقد ترى ما وقعت فيه هذه الأمة من الفتنة العمياء التي لا بقاء معها، فهل لك أن تكون ميمون هذه الأمة فيحقن الله بك دماءها، فإنه يقول في نفس واحدة:( وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَميعاً ) فكيف بمن أحيا أنفس هذا الخلق كله؟ قال له: وكيف ذلك؟ قال: تخلع أنت عليّ بن أبي طالب وأخلع أنا معاوية بن أبي سفيان، ونختار لهذه الأمة رجلاً لم يحضر في شيء من الفتنة ولم يغمّس يده فيها. قال له: ومن يكون ذلك؟ وكان عمرو بن العاص قد فهم
____________________
١ - الطبقات، ج ٤، ص ٢٥٦.
رأي أبي موسى في عبد الله بن عمر، فقال له: عبد الله بن عمر، فقال: إنه لك ما ذكرت، ولكن كيف لي بالوثيقة منك؟ فقال له: يا أبا موسى( أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) ، خذ من العهود والمواثيق حتى ترضى، ثم لم يُبق عمرو بن العاص عهداً ولا موثقاً ولا يميناً مؤكدة حتى حلف بها، حتى بقي الشيخ مبهوتاً، وقال له: قد أجبتُ. فنودي في الناس بالاجتماع إليهما، فاجتمعوا. فقال له عمرو: قم فاخطب الناس يا أبا موسى. فقال: قم أنت أخطبهم. فقال: سبحان الله! أنا أتقدّمك وأنت شيخ أصحاب رسول الله (ص)! والله لا فعلت أبداً، قال: أو عسى في نفسك أمر؟ فزاده أيماناً وتوكيداً، حتى قام الشيخ فخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أيها الناس إني قد اجتمعت أنا وصاحبي إلخ.(١)
تاريخ الطبري: والتقى الحكمان، فقال عمرو بن العاص: يا أبا موسى ألست تعلم أن عثمان قتل مظلوماً؟ قال: أشهد. قال ألست تعلم أن معاوية وآل معاوية أولياؤه؟ قال: بلى. قال: فإن الله عَزَّ وجَلَّ قال:( وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً ) فما يمنعك من معاوية وليّ عثمان يا أبا موسى وبيته في قريش كما قد علمت، فإن تخوّفت أن يقول الناس وُلّي معاوية وليست له سابقة: فإن لك بذلك التدبير، وهو أخو أم حبيبة زوجة النبي (ص) وقد صحبه فهو أحد الصحابة، ثم عرض له بالسلطان، فقال: أن ولي أكرمك كرامة لم يُكرمها خليفة. فقال أبو موسى: يا عمرو، اتَّقِ الله عَزَّ وجَلَّ فأمَّا ما ذكرت من شرف معاوية: فإن هذا ليس على الشرف يُولاه أهله، ولو كان على الشرف لكان هذا الأمر لآل أبرهة بن الصبّاح، إنما هو لأهل الدين والفضل مع أني لو كنت مُعطيه أفضل قريش شرفاً أعطيته عليّ بن أبي طالب. وأما قولك أن معاوية وليّ دم عثمان فولّه هذا الأمر: فإني لم أكن لأولّيه معاوية وأدَع المهاجرين الأولين. وأما تعريضك لي بالسلطان.
____________________
١ - العقد الفريد، ج ٤، ص ٣٤٧.
فوالله لو خرج لي من سلطانه كله ما وليته، وما كنت لأرتشي في حكم الله عَزَّ وجَلَّ، ولكنك إن شئت أحيينا اسم عمر بن الخطاب.(١)
أقول: طلب الثأر دعوى خصوصيّ لا ارتباط له بالخلافة والبيعة ووحدة الكلمة، ثم إن معاوية من أين جُعِل ولياً لعثمان؟، مع أنه خذله وترك نصرته في حياته.
ويروي أيضاً: عن أبي جناب الكلبي أن عمراً وأبا موسى حيث التقيا بدومة الجندل، أخذ عمرو يُقدّم أبا موسى في الكلام يقول: إنك صاحب رسول الله (ص) وأنت أسنّ مني، فتكلم وأتكلّم، فكان عمرو قد عوّد أبا موسى أن يقدمه في كل شيء ؛ اغتزى بذلك كله أن يقدّمه فيبدأ بخلع عليّ، قال: فنظر في أمرهما وما اجتمعا عليه، فأراده عمرو على معاوية فأبى وأراده على ابنه فأبى، وأراد أبو موسى عمراً على عبد الله بن عُمر فأبى عليه. فقال له عمرو: خبّرني ما رأيك؟ قال: رأيي أن نخلع هذين الرجلين ونجعل الأمر شورى بين المسلمين فيختار المسلمون لأنفسهم من أحبّوا، فقال له عمرو: فإن الرأي ما رأيت فأقبلا إلى الناس وهم مجتمعون، فقال: يا أبا موسى، أعلِمهم بأن رأينا قد اجتمع واتفق. فتكلم أبو موسى فقال: إن رأيي ورأي عمرو قد اتفق على أمر نرجوا أن يصلح الله عَزَّ وجَلَّ به أمر هذه الأمة. فقال عمرو: صدق وبرّ، يا أبا موسى تقدّم، فتقدّم أبو موسى ليتكلم، فقال له ابن عباس: ويحك! والله إني لأظنه قد خدعك إن كنتما قد اتفقتما على أمر فقدّمه فليتكلم بذلك الأمر قبلك، ثم تكلم أنت بعده فإن عمراً رجل غادر ولا آمن أن يكون قد أعطاك الرضا فيما بينك وبينه فإذا قمت في الناس خالفك! وكان أبو موسى مغفّلاً، فقال: إنا قد اتفقنا، فتقدم أبو موسى فحمد الله عَزَّ وجَلَّ وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنا قد نظرنا في أمر هذه الأمة فلم نر أصلح لأمرها ولا ألمّ لشعثها من أمر قد أجمع رأيي ورأي عمرو عليه، وهو أن نخلع علياً ومعاوية وتستقبل هذه الأمة هذا الأمر، فيولوا منهم من أحبوا عليهم،
____________________
١ - تاريخ الطبري، ج ٦، ص ٣٨.
وإني قد خلعت علياً ومعاوية، فاستقبلوا أمركم وولوا عليكم من رأيتموه لهذا الأمر أهلاً، ثم تنحّى. وأقبل عمرو بن العاص فقام مقامه فحمد الله وأثنى عليه وقال: إن هذا قد قال ما سمعتم وخلّع صاحبه، وأنا أخلع صاحبه كما خلعه وأثبت صاحبي معاوية فإنه وليّ عثمان بن عفان والطالب بدمه وأحق الناس بمقامه. فقال أبو موسى: ما لك لا وفّقك الله غدرت وفجرت، إنما مثلك( كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ) ، قال عمرو فقنذعه بالسوط فكان أبو موسى يقول: حذّرني ابن عباس غدرة الفاسق ولكني اطمأننت إليه وظننت أنه لن يؤثر شيئاً على نصيحة الأمة.(١)
أقول: التحكيم كان باطلاً من أصله، حيث إن خلافة عليّ (ع) كانت بالحق وللحق وعلى الحق، وكانت واقعة ومحقَّقة بالنص والإجماع، والعجب من جمود فكر أبي موسى وقصور عقله حيث ساوى بين عليّ (ع) وبين رجال آخرين، ثم انخدع بخدعة عمرو ولم يتنبّه ولم يحتط في مثل هذه المسألة مع تحذير ابن عباس وتنبيه.
ونِعم ما قال ابن عباس كما في(البدء والتاريخ) فقال ابن عباس لأبي موسى: إنك قد رُميت بحجر الأرض وداهية العرب، فمهما نسيت فلا تنس أن علياً بايعه الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان، وليست فيه خلصلة واحدة تباعده من الخلافة، وليس في معاوية خصلة واحدة تُدانيه من الخلافة.(٢)
هذا مضافاً إلى أن نصب عليّ (ع) للخلافة كان من جانب الله ومن جانب الرسول (ص)، فهو خليفة إلهيّ وإمام منصوب ووليّ الله في خلقه وحجته على عباده وأفضل الأمة وأعلمها وأتقاها وأحبّ الناس إلى الله وإلى رسوله. كما قال رسول الله (ص): أنت مني بمنزلة هارون من موسى، ومن والاك فقد والاني ومن عاداك فقد عاداني. وإنه أحب الخلق إلى الله والى رسوله
____________________
١ - تاريخ الطبري، ج ٦، ص ٣٩.
٢ - البدء والتاريخ، ج ٥، ص ٢٢٧.
فكيف يجوز أن يقول فيه كل ضعيف محجوب ما يقول، هذا مثل ما قالوا في رسول الله بعقولهم الضعيفة، وكما قالوا في القرآن الكريم، وداؤهم جهلهم وضعف تفطّنهم وقلة معرفتهم. فانظر إلى هذه الروايات في حق أبي موسى:
العقد الفريد: فكتب أبو موسى إلى معاوية في جواب كتابه: سلام عليك، أما بعد: فإني لم يكن مني في عليّ إلا ما كان من عمرو فيك، غير أني أردت بما صنعت ما عند الله، وأراد به عمرو ما عندك. وقد كان بيني وبينه شروط وشورى عن تراضٍ، فلمّا رجع عمرو رجعت. أما قولك إن الحكمين إذا حكما على رجل لم يكن له الخيار عليهما ؛ فإنما ذلك في الشاة والبعير والدينار والدرهم، فأما أمر هذه الأمة فليس لأحد فيما يكره حكم، ولن يُذهب الحق عجز عاجز ولا خدعة فاجر.(١)
ويروي: فبلغ علياً كتاب معاوية إلى أبي موسى الأشعري فكتب إليه: سلام عليك، أما بعد، فإنك امرؤ ظلمك الهوى واستدرجك الغرور، حقق بك حسن الظن لزومك بيت الله الحرام غير حاجّ ولا قاطن، فاستقل الله يُقلك، فإن الله يغفر ولا يغفل، وأحب عباده إليه التوابون.(٢)
ويروي: فبينما عليّ يوماً على المنبر إذ التفت إلى الحسن ابنه فقال: قم يا حسن فقل في هذين الرجلين (عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص). فقام الحسن فقال: أيها الناس أنكم قد أكثرتم في هذين الرجلين، وإنما بُعثا ليحكما بالكتاب على الهوى، فحكما بالهوى على الكتاب، ومن كان هذا لم يُسمّ حكماً ولكنه محكوم عليه، وقد أخطأ عبد الله بن قيس إذ جعلها لعبد الله بن عمر، فأخطأ في ثلاث خصال: واحدة أنه خالف أباه إذ لم يرضه له ولم يجعله من أهل الشورى، وأخرى أنه لم يستأمره في نفسه، وثالثة أنه لم يجتمع عليه المهاجرون والأنصار الذين يقعدون الإمارة ويحكمون بها على النفس.(٣)
____________________
١ - العقد الفريد، ج ٤، ص ٣٤٨.
٢ - نفس المصدر، ص ٣٤٩.
٣ - العقد الفريد، ج ٤، ص ٣٥٠.
أقول: يستفاد من روايات هذه الفتنة أمور راجعة إلى أمير المؤمنين عليّ، وإلى معاوية، وإلى عمرو بن العاص، وإلى أبي موسى:
أمَّا ما يرجع إلى عليّ (ع) ، فنذكرها بالترتيب:
١ - قول أهل اليمن له (ع): لا نرد ما دعاك القوم إليه قد أنصفك القوم والله لئن لم تقبل هذا منهم لا وفاء.
٢ - فهمّ عليّ أن يُقدّم أبا الأسود الدؤلي فأبى الناس عليه.
٣ - إن علياً قال: عباد الله امضوا على حقكم وصدقكم قتال عدوكم.
٤ - قول الخوارج له: يا عليّ، أجِب إلى كتاب الله إذ دُعيت إليه وإلا ندفعك برمّتك إلى القوم أو نفعل كما فعلنا بابن عفان.
٥ - قول عليّ إلى الأشتر: ويحك يا يزيد قل له أقبِل إليَّ فإن الفتنة قد وقعت.
٦ - قال عليّ: فإنكم قد عصيتموني في أول الأمر فلا عصوني الآن.
٧ - قال عليّ: قد فعلتم فعلة ضعضعتْ قوة، وأسقطت مُنّة، وأوهنتْ وأورثتْ وهناً وذلة.
٨ - قال رسول الله (ص) لعليّ: أما أن لك مثلها وستأتيها وأنت مضطرّ.
٩ - قال ابن عباس لأبي موسى: فلا تنس أن علياً بايعه الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان.
١٠ - كتب أبو موسى إلى معاوية: لم يكن منّي في عليّ إلا ما كان من عمرو فيك.
وأما ما يرجع إلى معاوية:
١ - حتى انتهوا إلى سرادق معاوية فدعا بالفرس وهمّ بالهزيمة.
٢ - قول أبي الأسود: المهاجرون أولى بهذا الأمر أما الطلقاء؟
٣ - قول عليّ (ع): فإن معاوية وعمراً وابن أبي معيط وحبيباً وابن أبي سرح والضحاك ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن.
٤ - قال علي: ويحكم إنهم ما رفعوها لكم إلا خديعة ودهناً إنما قاتلتهم ليدينوا بحكم هذا الكتاب.
٥ - قال أبو موسى: أما ما ذكرت من شرف معاوية فإن هذا ليس على الشرف يولاه أهله مع أني لو كنت معطيه أفضل قريش شرفاً أعطيته عليّ بن أبي طالب فإني لم أكن لأولّيه معاوية وأدع المهاجرين الأولين.
٦ - كتب أبو موسى إليه: ولن يُذهب الحق عجز عاجز ولا خدعة فاجر.
وأما ما يرجع إلى عمرو بن العاص:
١ - قال معاوية: وأما نحن فصاحبنا عمرو بن العاص.
٢ - قال عمرو: تأمر بالمصاحف فتُرفع في أطراف الرماح.
٣ - إن معاوية وعمراً ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن.
٤ - قال عليّ: يا ابن النابغة! ومتى لم تكن للفاسقين ولياً وللمسلمين عدواً وهل تشبه إلا أمّك.
٥ - قال أبو موسى: ما أصنع؟ جامَعَني على أمر ثم نزع عنه ثم قال: إنما مثلك( كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ) .
٦ - ثم أقبل عليه بأنواع من الطعام يُشهّيّه بها ثم لم يُبق عهداً ولا موثقاً ولا يميناً مؤكدة حتى حلف بها.
٧ - فكان عمرو قد عوّد أبا موسى أن يقدّمه في كل شيء.
٨ - يقول أبو موسى: حذّرني ابن عباس غدرة الفاسق.
٩ - كتب أبو موسى: لن يُذهب الحق خدعة فاجر.
١٠ - قال الإمام الحسن (ع): فحكما بالهوى على الكتاب.
وأما ما يرجع إلى أبي موسى:
١ - قال معاوية: إن الناس قد ملوا ولم يرضوا إلا رجلاً له تقيّة.
٢ - ثم اجتمع أصحاب البرانس على أن يُقدِّموا أبا موسى.
٣ - قال معاوية لعمرو: إنك قد رُميت برجل طويل اللسان قصير الرأي.
٤ - فقال الأشعث وأولئك القوم الذين صاروا خوارج بعد: فإنا قد رضينا بأبي موسى، قال عليّ: فإنكم قد عصيتموني.
٥ - قال عليّ: فإنه ليس لي بثقة قد فارقني وخذلني.
٦ - قال ابن عباس: أنت في خدعة. ألم أقل لك لا تبدأه.
٧ - قال سعد: ويحك يا أبا موسى ما أضعفك عن عمرو.
٨ - قال عمرو له: مثلك مثل الحمار يحمل أسفاراً.
٩ - قال عبد الرحمن: لو مات الأشعري قبل هذا لكان خيراً له.
١٠ - وكان أبو موسى مغفّلاً، فقال: إنا قد اتفقنا.
١١ - فحمل شريح عليه فقنّعه بالسوط.
١٢ - قال أبو موسى: وكان بيني وبين عمرو شروط فلما رجع رجعت.
ويناسب أن نروي روايات فيه:
سير الأعلام: عن شقيق، كنا مع حذيفة جلوساً، فدخل عبد الله وأبو موسى المسجد، فقال: أحدهما منافق، ثم قال: إن أشبه الناس هدياً ودلاً وسمتاً برسول الله (ص) عبد الله ( وهو ابن مسعود ).(١)
ويروي: وكان النبي (ص) قد أسرّ إلى حذيفة أسماء المنافقين.(٢)
وفيالاستيعاب : كان عمر بن الخطاب يسأله عن المنافقين، وهو معروف في الصحابة بصاحب سر رسول الله.(٣)
ويروي الذهبي أيضاً: فجاء ابن عباس إلى عليّ، فقال: علام تُحكّم أبا موسى؟ لقد عرفت رأيه فينا فوالله ما نصرنا، وهو يرجو ما نحن فيه، فتُدخله الآن في معاقد أمرنا مع أنه ليس بصاحب ذلك، فإذا أبيت أن تجعلني مع عمرو فاجعل الأحنف بن قيس فإنه مجرّب من العرب وهو قِرن لعمرو. فقال: نعم.
____________________
١ - سير الأعلام، ج ٢، ص ٢٨٢.
٢ - نفس المصدر، ص ٢٦٢.
٣ - الاستيعاب، ج ١، ص ٣٣٥.
فأبت اليمانية أيضاً. فلمَّا غُلب جعل أبا موسى.(١)
أقول: قد مرّ في الروايات السابقة جريان تحكيم أبي موسى، وأن علياً أمير المؤمنين (ع) حكّمه إجباراً من الخوارج، فإنهم لم يرضوا إلا به.
____________________
١ - سير الأعلام، ج ٢، ص ٢٨٣.
(بعض ما ورد في معاوية)
نذكر هنا روايات من مساوئ أعمال معاوية بن أبي سفيان، ولما كانت مرتبطة بالمقام أفردناها بالذكر من بين سائر ما ورد في مظالمه ومطاعنه.
ولا يخفى أن معاوية هو ابن أبي سفيان بن حرب، كان أبوه في رأس المحاربين من مشركي قريش في غزوات رسول الله (ص)، وأمه هند بنت عتبة التي أخرجت كبد حمزة عم رسول الله وجعلت تلوك كبده ثم لفظته وجدعت أنفه وقطعت أذنيه. فبكى رسول الله (ص) وشهق.
(ادعاء زياد)
الفائق: عائشة: قدم معاوية المدينة فدخل عليها، فذكرت له شيئاً، فقال: إن ذلك لا يصلح، فقالت: الذي لا يصلح ادعاؤك زياداً، فقال: شهدت الشهود، فقالت: ما شهدت الشهود ولكن ركبت الصليعاء.(١)
قال الزمخشري: أي السوءة أو الفجرة البارزة، تعني ردّه بذلك الحديث المرفوع الذي أطبقت الأمة على قبوله: الولد للفراش وللعاهر الحجر. وسُمّية لم تكن لأبي سفيان فراشاً.
أقول: إن أبا سفيان زنى بسمية ثم ولد زياداً، فادعى معاوية أنه أخوه، وأن أباه أبو سفيان، مع أن للعاهر الحجر والولد يلحق بالفراش. وابن زياد هو عبيد الله الملعون الذي أسرج وتهيّأ لقتال أبي عبد الله الحسين سيد شباب أهل الجنة وابن بنت رسول الله (ص)
____________________
١ - الفائق، ج ٢، ص ٣٧.
الاستيعاب: فقال عمرو بن العاص: أما والله لو كان هذا الغلام قرشياً لساق العرب بعصاه، فقال أبو سفيان بن حرب: والله إني لأعرف الذي وضعه في رحم أمه، فقال علي بن أبي طالب: ومن هو يا أبا سفيان؟ قال: أنا ثم ادعاه معاوية في سنة أربع وأربعين ولحق به زياداً أخاً على ما كان من أبي سفيان في ذلك وقال أبو بكرة أخو زياد لأمه: هذا زنى أمه وانتفى من أبيه. ويله ما يصنع بأم حبيبة زوج النبي (ص) أيريد أن يراها، فإن حجبته فضحته، وإن رآها فيالها مصيبة، يهتك من رسول الله (ص) حرمة عظيمة.(١)
تهذيب ابن عساكر: عن سعيد بن المسيب قال: أول قضية ردّت من قضاء رسول الله (ص) علانيّة، قضاء فلان. يعني معاوية في زياد. وقال ابن يحيى: أول حكم رُدّ من أحكام رسول الله (ص) الحُكُم في زياد. وقال ابن بعجة: أول داء دخل على العرب قتل الحسن يعني سمّه، وادعاء زياد.(٢)
قتل حُجْر
وفيالتهذيب : قال معاوية: ما قتلتُ أحداً إلا وأنا أعرف فيم قتلته، ما خلا حجراً، فإني لا أعرف بأيّ ذنب قتلته.(٣)
الاستيعاب: فبلغ ما صنع بهم زياد إلى عائشة أم المؤمنين، فبعثت إلى معاوية عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: الله الله في حُجر وأصحابه ؛ فوجده عبد الرحمن قد قُتل هو وخمسة من أصحابه، فقال لمعاوية: أين عزب عنك حلم أبي سفيان في حجر وأصحابه؟ ألا حبستهم في السجون وعرّضتهم للطاعون؟ قال: حين غاب عنّي مثلك من قومي. قال: والله لا تَعدّ لك العرب حلماً بعدها أبداً ولا رأياً، قتلت قوماً بُعث بهم إليك أسارى من المسلمين. قال: فما أصنع؟ كتب
____________________
١ - الاستيعاب، ج ١، ص ٥٢٥.
٢ - تهذيب ابن عساكر، ج ٥، ص ٤١٢.
٣ - نفس المصدر، ج ٤، ص ٨٦.
إليَّ فيهم زياد يُشدّد أمرهم ويذكر أنهم سيفتقون عليّ فتقاً لا يُرقع!.(١)
البيان والتعريف: إن معاوية دخل على عائشة فقالت: ما حملك على ما صنعت من قتل أهل عذراء حُجر وأصحابه؟ قال: رأيت قتلهم صلاحاً للأمة وبقاءهم فساداً! فقالت: سمعت رسول الله (ص) يقول: سيُقتل بعذراء أناس يغضب الله لهم وأهل السماء.(٢)
مستدرك الحاكم: عن مروان بن الحكم، قال: دخلت مع معاوية على أم المؤمنين عائشة، فقالت: يا معاوية، قتلت حُجراً وأصحابه وفعلت الذي فعلت، أما تخشى أن أخبأ لك رجلاً فيقتلك! قال: لا، إني في بيت أمان.(٣)
أقول: حُجر بن عديّ وأصحابه المقتولون الشهداء من جانب معاوية بن أبي سفيان: كانوا من الأتقياء الزهاد القائمين بالليل والصائمين بالنهار ومن أهل الحديث والمعرفة ومن محبّي أهل بيت رسول الله (ص)، وهذه المحبة والمعرفة كانت عند بني أمية من الذنوب العظام التي لا تُغفر.
انظر: ما قالت غانمة لمعاوية، وما عمل عمر بسر بن أرطأة:
الاستيعاب: ما خلاصته: وجّه معاوية بسر بن أرطأة لقتل شيعة عليّ، فقتل ابني عبيد الله بن العباس، وفرّ أهل المدينة ودخلوا الحرة، وأغار على همدان وقتل وسبى نساءهم، فكُنّ أول مسلمات سُبين في الإسلام، وقتل أحياء من بني سعد، وفرّ عامل المدينة أبو أيوب الأنصاري ولحق بعلي (ع).(٤)
المحاسن للبيهقي: ثم قالت ( غانمة ): يا معشر قريش، والله ما معاوية بأمير المؤمنين ولا هو كما يزعم، هو والله شانيء رسول الله (ص)، إني آتية معاوية وقائلة له بما يعرق منه جبينه ويكثر منه عويله، فكتب عامل معاوية إليه بذلك، فلما بلغه إنها قد قربت منه أمر بدار ضيافة فنُظّفت وألقي فيها فرش. فلما قربت
____________________
١ - الاستيعاب، ج ١، ص ٣٢٩.
٢ - البيان والتعريف، ج ٢، ص ٧٢.
٣ - مستدرك الحاكم، ج ٤، ص ٣٥٢.
٤ - الاستيعاب، ج ١، ص ١٦٠.
غانمة بنت غانم من الشام استقبلها يزيد في حشمه ومماليكه، فلما دخلت المدينة أتت دار أخيها عمرو بن غانم، فقال لها يزيد: أن أبا عبد الرحمن يأمرك أن تصيري إلى دار ضيافته، وكانت لا تعرفه، فقالت: من أنت كلأك الله؟ قال: يزيد بن معاوية. قالت: فلا رعاك الله يا ناقص لست بزائد.
فتمعّر لَوْنُ يزيد، فأتى أباه فأخبره، فقال: هي أسن قريش وأعظمهم، فلما قال يزيد: كم تعدّ لها يا أمير المؤمنين؟ قال: كانت تعدّ على رسول الله (ص) أربعمئة عام، وهي من بقية الكرام. فلما كان من الغد أتاها معاوية فسلّم عليها.
فقالت: على المؤمنين السلام وعلى الكافرين الهوان. ثم قالت: من منكم ابن العاص وأما أنت يا معاوية فما كنت في خير ولا رُبيّت في خير، فمالك ولبني هاشم؟! أنساء بني أمية كنسائهم أم أُعطي أمية ما أعطي هاشم في الجاهلية والإسلام؟ وكفى فخراً برسول الله (ص).
فقال معاوية: أيتها الكبيرة أنا كافّ عن بني هاشم.
قالت: فإني أكتب عليك عهداً، كان رسول الله (ص) دعا ربه أن يستجيب لي خمس دعوات فأجعل تلك الدعوات كلها فيك، فخاف معاوية وحلف لها أن لا يسبّ بني هاشم أبداً.(١)
بعض ما ورد في عمرو بن العاص:
ويناسب هذه المباحث أن نذكر روايات وردت في عمرو وشأنه، ليكون الناظر على بصيرة:
المحاسن والأضداد: في كلام لعاثمة بنت عاثم.. ثم قالت: أفيكم عمرو بن العاص؟ قال عمرو: ها أنا ذا، قالت: أنت تسبّ قريشاً وبني هاشم! وأنت أهل للسب وفيك السب وإليك يعود السب، يا عمرو، إني والله عارفة بك
____________________
١ - المحاسن للبيهقي، ص ٩٣.
وبعيوبك وعيوب أمك، وإني أذكر ذلك، وُلدت من أمة سوداء مجنونة حمقاء تبول من قيامها ويعلوها اللئام، وإذا لامسها الفحل فكان نطفتها أنفذ من نطفته، ركبها في يوم واحد أربعون رجلاً. وأما أنت، فقد رأيتك غاوياً غير مرشد ومفسداً غير مصلح، والله لقد رأيت فحل زوجتك على فراشك فما غرتَ ولا أنكرتَ.(١)
الفائق: اللَّهُم إن عمرو بن العاص هجاني وهو يعلم أني لستُ بشاعر فاهجُه اللَّهُم والعنه عدد ما هجاني.(٢)
أقول: تباً ثم تباً ثم تباً للأمة المنكوسة المنحطّة الذين يتّبعون من أمثال هذا الرجل المبغوض عند الله ورسوله ويفتخرون به ويسلكون مسلكه، ثم يتركون ما قال لهم رسول الله (ص)، ويُعرضون عن أهل بيت الطهارة، الذين فيهم نزل الوحي، وهم مختلَف الملائكة وأهل بيت النبوة( وَسَيَعْلَمُ الَّذينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) .
ثم إنه - كما في الاستيعاب -: عمرو بن العاص بن وائل، وأمه النابغة بنت حرملة، وأخوه لأمه عمرو بن أثاثة وعقبة بن نافع، وزينب بنت عفيف، وإسلامه كان سنة ثمان، وكان أحد الدهاة في أمور الدنيا المقدّمين في الرأي والمكر والدهاء.
المحاسن للبيهقي: عن الشعبي: أن عمرو بن العاص دخل على معاوية وعنده ناس، فلما رآه مقبلاً استضحك، فقال: يا أمير المؤمنين، أضحك الله سنك وأدام سرورك وأقر عينك، ما كل ما أرى يوجب الضحك! فقال معاوية: خطر ببالي يوم صفين يوم بارزت أهل العراق فحمل عليك علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فلما غشيك طرحت نفسك عن دابّتك وأبديت عورتك، كيف حضرك ذهنك في تلك الحال؟ وأما والله لقد وافقته هاشمياً منافياً، ولو شاء أن يقتلك لقتلك.
____________________
١ - المحاسن والأضداد، ص١٠٣.
٢ - الفائق، ج ٣، ص١٩٤.
فقال عمرو: يا معاوية إن كان أضحكك شأني فمن نفسك فاضحك، أما والله لو بدا لك من صفحتك مثل الذي بدا له من صفحتي لأوجع قَذَالك وأيتم عيالك أمَا إني قد رأيتك يوم دعاك إلى البراز فاحوّلت عيناك وأزبد شدقاك وتنشّر مِنخراك وعرق جبينك وبدا من أسفلك ما أكره ذكره. فقال معاوية: حسبك حيث بلغت لم نرد كل هذا.(١)
أقول: هذا ما يعترف كل منهما على عظمة أمير المؤمنين (ع)، ويظهر من كلامهما نهاية ضعف أنفسهما.
الاستيعاب: قال في مرضه: أصلحتُ من دنياي قليلاً وأفسدت من ديني كثيراً، فلو كان الذي أصلحت هو الذي أفسدت والذي أفسدت هو الذي أصلحت لفُزت، ولو كان ينفعني أن أطلب طلبت، ولو كان يُجيني أن أهرب هربت، فصرت كالمنجنيق بين السماء والأرض، لا أرقى بيدين ولا أهبط برجلين.(٢)
الطبقات: فلما نزل به الموت، قال له ابنه عبدالله بن عمرو: يا أبت إنك كنت تقول: عجباً لمن نزل به الموت وعقله معه كيف لا يصفه، فصف لنا الموت وعقلك معك؟ فقال: يا بنيّ، الموت أجلّ من أن يوصف ولكنّي سأصف لك منه شيئاً، أجدني كأنّ على عنقي جبال رضوى وأجدني كأنّ في جوفي شوك السُلاَّء، وأجدني كأنّ نفسي تخرج من ثَقب إبرة.(٣)
أقول: يناسب هذا المقال ما فيالطبري حدّث شريح بن هاني أن علياً أوصاه بكلمات إلى عمرو بن العاص، قال: قل له إذا أنت لقيته: أن علياً يقول لك: إن أفضل الناس عند الله عَزَّ وجَلَّ من كان العمل بالحق أحب إليه وأن نقصه، وكرثه الباطل وإن حنّ إليه وزاده. يا عمرو، والله إنك لتعلم أين موضع الحق فلِمَ تجاهل؟! إن أوتيت طمعاً يسيراً كنت به لله وأوليائه عدواً، فكان
____________________
١ - المحاسن للبيهقي، ص٥٣.
٢ - الاستيعاب، ج ٣، ص١١٨٩.
٣ - الطبقات، ج ٤، ص٢٦٠.
والله ما أوتيت قد زال عنك. ويحك ؛ فلا تكن للخائنين خصيماً ولا للظالمين ظهيراً. أما إني أعلم بيومك الذي أنت فيه نادم وهو يوم وفاتك تمنّى أنك لم تُظهر لمسلم عداوة ولم تأخذ على حكم رشوة.(١)
وقد سبق كلام عمرو لمعاوية حيث نُقاتل من تعلم سابقته وفضلهوقرابته، ولكنا إنما أردنا هذه الدنيا.
مستدرك الحاكم: عن عوانة قال: كان عمرو بن العاص يقول: عجباً لمن نزل به الموت وعقله معه كيف لا يصفه، فلما نزل به الموت قال له ابنه عبد الله وذكّره بقوله، فقال: يا بنيّ، الموت أجلّ من أن يوصف، سأصف لك منه شيئاً: أجدني كأنَّ على عنقي جبل رضوى، وأجدني كأنَّ في جوفي شوك السلاح، وأجدني كأن نفسي تخرج من ثَقب إبرة.(٢)
أقول: هذا أول الابتلاء والعذاب، وإن أخذ الله لشديد، وإنه لشديد العقاب بما عملت أيديهم، والعجب أنه لم يتنبّه بعد، ولم يتوجه إلى مأخذ عذابه ومنشأ ابتلائه ( خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظيمٌ ) . نعم ؛ قد سمعتَ من قول عاثمة مبدأ حياته، ثم سمعت قول رسول الله (ص): (اللَّهُم فاهجُه والعنه)، ثم قد رأيت قوله السيّء في عثمان وتهييج الناس عليه، ثم رأيت توسّله بأيّ مكيدة وحيلة ممكنة لتقوية معاوية وتحكيم حكومته وتضعيف أمير المؤمنين علي (ع) حتى يصل إلى إمرة مصر.
____________________
١ - تاريخ الطبري، ج ٦، ص٣٩.
٢ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص٤٥٤.
ممن استشهد في صِفِّين:
وفي الصف المقابل لصفوف معاوية وأصحابه رجال لا تلهيهم أيّة مشكلة عن ذكر الله تعالى، ولا تشغلهم الآمال عن المسير إلى الحقيقة، أرواحهم معلّقة بالملأ الأعلى، ويبتغون تجارة لن تبور، فمنهم عمار بن ياسر وأويس القرني وخزيمة ذو الشهادتين وغيرهم، ويكفي في إثبات الحقيقة لهذا الصف التوجه إلى أحوالهم وأقوالهم وكيفية بِرازهم ودفاعهم عن حريم إمامهم.
عمَّار من الثلاثة
الكنى للبخاري: قال رسول الله (ص): إن الله أمرني بحب أربعة من أصحابي وأخبرني أنه يحبهم، فقلنا: يا رسول الله من هم؟ فكلنا نُحب أن يكون منهم، فقال: إن علياً منهم، ثم سكت ساعة ثم قال: إن علياً منهم، وسلمان الفارسي وأبا ذر والمقداد بن الأسود الكندي.(١)
سنن الترمذي: مثلها.(٢)
ويروي أيضاً: عن أنس قال رسول الله (ص): إن الجنة تشتاق إلى ثلاثة: عليّ وعمار وسلمان.(٣)
وفي المستدرك: نظيره.(٤)
أنساب الأشراف: عن أنس قال رسول الله (ص): الجنة تشتاق إلى ثلاثة من
____________________
١ - الكنى للبخاري، ص٣١.
٢ - سنن الترمذي، ص٥٣٤.
٣ - نفس المصدر، ص٥٤٢.
٤ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص١٣٧.
أصحابي: علي وعمار وبلال.(١)
سير الأعلام: قال رسول الله (ص): عليكم بحب أربعة علي وأبي ذر وسلمان والمقداد.(٢)
أقول: إن علياً (ع) من الأربعة الذين أمر الله بحبهم، وإن الجنة تشتاق إلى ثلاثة منهم علي (ع) وعمار. فإذا أمر الله تعالى بحب علي (ع) فماذا يقول أصحاب معاوية حيث تجهّزوا لقتاله. وإذا اشتاقت الجنة إلى عليّ (ع) وعمار فكيف يُجوّزون خلافهما وقتالهما وطعنهما.
ثم انظر إلى الروايات الواردة بأن من عادى عماراً وأبغضه فقد عاداه اللهُ وأبغضه.
من عادى عمَّاراً
سير الأعلام: عن خالد بن الوليد قال: كان بيني وبين عمار كلام، فأغلظت له، فشكاني إلى رسول الله (ص)، فقال: من عادى عماراً عاداه الله، ومن أبغض عماراً أبغضه الله. فخرجت فما شيء أحب إليّ من رضاء عمار، فلقيته فرضى.(٣)
مستدرك الحاكم: عن خالد، قال: دعاني رسول الله (ص) فقال: يا خالد، لا تسبّ عماراً ؛ فإنه من يسبّ عماراً يسبه الله، ومن يبغض عماراً يبغضه الله، ومن يُسفّه عماراً يُسفّهه الله. قال خالد: استغفر لي يا رسول الله، فوالله ما منعني أن أجيبه إلا تسفيهي إياه، قال خالد: وما من شيء أخوف عندي من تسفيهي عمار بن ياسر يومئذٍ.(٤)
____________________
١ - أنساب الأشراف، ج ١، ص١٦٠.
٢ - سير الأعلام، ج ١، ص٢٨٠.
٣ - سير الأعلام، ج ١، ص٢٩٧.
٤ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص٣٩٠.
ويروي روايات بأسناد أُخر قريبة منها.
أقول: فارجع نظرك هل ترى من أصحاب معاوية من لم يُبغض عماراً ولم يُسفّهه ولم يُعاده؟ ثم ارجع نظرك هل ترى فيهم من يحبه ويهتدي بهداه ويقتدي به؟ فماذا بعد الحق إلا الضلال.
الاقتداء بعمار:
ثم إنه وردت روايات من رسول الله (ص) يأمر فيها بالاتباع والاقتداء بعمار والاهتداء بهديه، ونذكر هنا عدة روايات منها وما يقرب من هذا المعنى.
الطبقات: قرأت كتاب عمر بن الخطاب إلى أهل الكوفة: أما بعد، فإني بعثت إليكم عماراً أميراً، وعبد الله معلماً ووزيراً، وهما من النجباء من أصحاب رسول الله (ص) فاسمعوا لهما واقتدوا بهما.(١)
أنساب الأشراف: عن حذيفة قال رسول الله (ص): اهتدوا بهدي عمار وتمسكوا بعهد ابن مسعود.(٢)
ويروي أيضاً: عن حارثة قرأ علينا كتاب عمر بالكوفة: أما بعد، فإني بعثت كما فيالطبقات .(٣)
ويروي أيضاً: عن ابن عباس قال: في قوله( أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ) نزلت في عمار بن ياسر.
أقول: الآية في سورة الزُمر:( أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذينَ لا يَعْلَمُونَ ) أي هل يستوي من هو قانت وقائم بالليل ومن هو عاصٍ ومذنب، وهل القانت بالليل كاللاهي، وهل الاقتداء به كالاقتداء بغيره.
الاستيعاب: عن ابن عباس في قول الله عَزَّ وجَلَّ: ( أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ
____________________
١ - الطبقات، ج ٦، ص٧.
٢ - أنساب الأشراف، ج ١، ص١٦٢.
٣ - نفس المصدر، ص١٦٣.
وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشي بِهِ فِي النَّاسِ ) ، قال: عمار بن ياسر.(١)
العقد الفريد: عن أم سلمة: لما بنى رسول الله (ص) مسجده بالمدينة أمر باللبن يضرب وما يحتاج إليه، ثم قام رسول الله (ص) فوضع رداءه، فلما رأى ذلك المهاجرون والأنصار وضعوا أرديتهم وأكسيتهم يرتجزون ويقولون ويعملون.
لئن قعدنا والنبي يعمل |
ذاك إذاً لعمل مُضلل |
وكان عثمان رجلاً نظيفاً متنظفاً، فكان يحمل اللبنة ويُجافي بها عن ثوبه، فإذا وضعها نفض كفّيه ونظر إلى ثوبه فإذا أصابه شيء من التراب نفضه، فنظر إليه عليّ (ع) فأنشده:
لا يستوي من يَعمر المساجدا |
وقائماً طوراً وطوراً قاعدا |
|
يدأب فيها راكعاً وساجدا |
ومن يُرى عن الترات حائدا |
فسمعها عمار بن ياسر فجعل يرتجزها وهو لا يدري من يعني، فسمعه عثمان فقال: يا ابن سمية ما أعرفني بمن تُعرّض ومعه جريدة، فقال: لتكفّنّ أو لأعترضنّ بها وجهك! فسمعه النبي (ص) وهو جالس في ظلّ حائط، فقال: عمار جلدة ما بين عيني وأنفي، فمن بلغ ذلك منه فقد بلغ مني فأخذ به وطاف به في المسجد وجعل يمسح وجهه من التراب ويقول: يا ابن سمية، لا يقتلك أصحابي، ولكن تقتلك الفئة الباغية. فلما قتل بصفين وروى هذا الحديث عبد الله بن عمرو بن العاص، قال معاوية: هم قتلوه لأنهم أخرجوه إلى القتل، فلما بلغ ذلك علياً قال: ونحن قتلنا أيضاً حمزة لأنا أخرجناه.(٢)
عمار والحق
ابن ماجة: عن عائشة، قال رسول الله (ص): عمار ما عُرض عليه أمران إلا اختار الأرشد منهما.(٣)
____________________
١ - الاستيعاب، ج ٣، ص١١٣٧.
٢ - العقد الفريد، ج ٤، ص٣٤٢.
٣ - ابن ماجة، ج ١، ص٦٦.
سنن الترمذي: عن عائشة، قال رسول الله (ص): ما خيّر عمار بين أمرين إلا اختار أرشدهما.(١)
أنساب الأشراف: عن عبد الله كما في ابن ماجة.(٢)
ويروي أيضاً: عن القاسم: أول من بنى مسجداً يُصلى فيه عمار بن ياسر.(٣)
سير الأعلام: يروي مثلها.(٤)
أقول: فإذا قال رسول الله (ص) في حق عمار: (إنه يختار الأرشد من الأمرين)، و(اهتدوا بهدي عمار)، وقال الله تعالى في حقه:( أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ) ، فهل تبقى للناس حجة على الحق، بل والله الحجة التامة عليهم.
وكان رسول الله (ص) يشاهد اختلاف الأمة بعده، فهداهم إلى طريق الحق والسعادة، وبيّن لهم سبيل النجاة والجنة، وحذّرهم عن الضلالة والغواية بكلمات مختلفة وعبارات متفاوتة، ومنها هذه التعبيرات في حق عمار:
سير الأعلام: عن سالم: جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: إن الله قد آمَنَنا من أن يظلمنا ولم يُؤمننا من أن يفتِننا! أرأيت أن أدركتُ فتنة؟ قال: عليك بكتاب الله، قال: أرأيت أن كان كلهم يدعو إلى كتاب الله؟ قال سمعت رسول الله (ص) يقول: إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق.(٥)
المستدرك: عن حذيفة قلنا يا أبا عبد الله حدّثنا ما سمعت من رسول الله (ص) في الفتنة؟ قال حذيفة: قال رسول الله (ص): دوروا مع كتاب الله حيث ما دار، فقلنا: فإذا اختلف الناس فمع مَن نكون؟ فقال: انظروا الفئة التي فيها ابن سمية فالزموها فإنه يدور مع كتاب الله. قال: قلت ومن ابن سمية؟ قال: أو ما تعرفه؟ قلت: بيّنه لي؟ قال: عمار بن ياسر، سمعت رسول الله (ص) يقول
____________________
١ - سنن الترمذي، ص٥٤٢.
٢ - أنساب الأشراف، ج ١، ص١٦٩.
٣ - أنساب الأشراف، ج ١، ص١٦٢.
٤ - سير الأعلام، ج ١، ص٢٩٥.
٥ - نفس المصدر، ص٢٩٨.
لعمار: يا أبا اليقظان، لن تموت حتى تقتلك الفئة الباغية عن الطريق.(١)
وهذا حديث له طرق بأسانيد صحيحة أخرجا بعضها ولم يُخرجاه بهذا اللفظ.
الكنى للدولابي: عن هند بن عمرو، قال: سمعت عماراً يقول: أمرني رسول الله (ص) أن أقاتل مع عليّ ؛ الناكثين والقاسطين والمقارقين.(٢)
أقول: قد بيّن رسول الله (ص) بأصرح بيان وأبلغ تعبير، طريق هداية المسلمين وهداهم بهذه العلامة الواضحة إلى صراط حق مستقيم، وألزم الأعداء المنافقين حجّته الكاملة، وشاع هذا القول بين العامة والخاصة، كما أشار إليه أمير المؤمنين (ع) في قوله:
أنساب الأشراف: قال علي (ع): إن امرئً من المسلمين لم يعظم عليه قتلُ عمار ولم يدخل عليه بقتله مصيبة موجعة، لغير رشيد. رحم الله عماراً يوم أسلم، ورحم الله عماراً يوم قُتل، ورحم الله عماراً يوم يُبعث حياً. لقد رأيت عماراً ما يُذكر من أصحاب رسول الله (ص) أربعة إلا كان الرابع، ولا خمسة إلا كان الخامس. وما كان أحد من أصحاب محمد يشكّ في أن عماراً قد وجبت له الجنة في غير موطن ولا اثنين، فهنيئاً له الجنة. عمار مع الحق أينما دار. وقاتل عمار في النار.(٣)
أقول: ما أحسن وأتقن ما يُزار به أمير المؤمنين (ع): (السلام عليك يا أمين الله في أرضه وحجته على عباده، السلام عليك يا أمير المؤمنين، أشهد أنك جاهدت في الله حق جهاده، وعملت بكتابه، واتّبعت سُنن نبيه، وألزم أعداءك الحجة مع ما لك من الحجج البالغة على جميع خلقه).
فهذا عمار بن ياسر واحد من حججه البالغة على الخلق
____________________
١ - مستدرك الحاكم، ج ٢، ص١٤٨.
٢ - الكنى للدولابي، ج ١، ص١١٧.
٣ - أنساب الأشراف، ج ١، ص١٧٤.
تقتله الفئة الباغية:
مسند أحمد: عن أبي سعيد الخدري قال: كنا نحمل في بناء المسجد لِبنة لِبنة وعمار بن ياسر يحمل لِبنتين لِبنتين، قال: فرآه رسول الله (ص) فجل يَنفض التراب عنه ويقول: يا عمار ألا تحمل لِبنة كما يحمل أصحابك؟ قال: إني أريد الأجر من الله. قال: فجعل يَنفض التراب عنه ويقول: ويحَ عمار! تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار.(١)
البخاري: وكان عمار ينقل لبنتين لبنتين فمرّ به النبي (ص) ومسح عن رأسه الغبار وقال: ويح عمار! تقتله الفئة الباغية، عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار.(٢)
السيرة النبوية: فدخل عمار بن ياسر وقد أثقلوه باللِبن، فقال: يا رسول الله (ص) قتلوني، يحملون عليّ ما لا يحملون، قالت أم سلمة زوج النبي (ص): فرأيت رسول الله (ص) ينفض وفرته بيده - وكان رجلاً جعداً - وهو يقول: ويحّ ابن سمية، ليسوا بالذين يقتلونك، إنما تقتلك الفئة الباغية.(٣)
ويقول: فغضب رسول الله (ص) ثم قال: ما لهم ولعمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، إن عماراً جلدة ما بين عينيّ وأنفي.(٤)
سنن الترمذي: عن أبي هريرة عن النبي (ص) قال: أبشر يا عمار تقتلك الفئة الباغية.(٥)
خصائص النسائي: بأسناد مختلفة كما في الترمذي.(٦)
____________________
١ - مسند أحمد، ج ٣، ص٩١.
٢ - البخاري، ج ٢، ص٨٧.
٣ - السيرة النبوية، ج ٢، ص١٤٢.
٤ - نفس المصدر، ص١٤٣.
٥ - سنن الترمذي، ص٥٤٢.
٦ - خصائص النسائي، ص٢٩.
ويروي أيضاً: عن حنظلة، قال: كنت عند معاوية فأتاه رجلان يختصمان في رأس عمار يقول كل واحد منهما: أنا قتلته، فقال عبد الله بن عمرو: يطيب أحدكما نفساً لصاحبه، فإني سمعت رسول الله (ص) يقول: تقتلك الفئة الباغية.(١)
ويروي أيضاً عن عبد الله بن الحارث: قال عبد الله بن عمرو بن العاص: يا معاوية، ألا تسمع ما يقولون: تقتله الفئة الباغية! فقال لا تزال داحضاً في قولك، أنحن قتلناه؟! وإنما قتله من جاء به إلينا.
مسلم: إن رسول الله (ص) قال لعمار حين جعل يحفر الخندق وجعل يمسح رأسه ويقول: بُؤس ابن سمية تقتلك فئة باغية.(٢)
ثم روى أربعة أحاديث بطرق أُخر بهذا المضمون: تقتلُ عماراً الفئة الباغية.
وقالالنووي (كما في حاشية الكتاب): قال العلماء: هذا الحديث حجة ظاهرة في أن علياً رضي الله عنه كان محقاً مصيباً، والطائفة الأُخرى بغاة، لكنهم مجتهدون فلا إثم عليهم لذلك.
وقال فيزاد المسلم : (ويح) يقال لمن وقع في مهلكة لا يستحقّها فيرثى له، وويل لمن يستحقها فلا يرثى له، وقال الفرّاء: الويح والويس كناية عن الويل. (يدعونه) أي الفئة الباغية. (إلى النار) أي إلى سببها وإن لم يتعمّدوا الدعاء إلى النار، وإن اتّضح أن الحق مع عليّ كرم الله وجهه وطائفته، لأن معاوية وطائفته كانوا مجتهدين ظانّين أنّهم يدعونه إلى الجنّة وإن كان الواقع في نفس الأمر بخلاف ذلك.(٣)
الطبقات: عن هُنيّ مولى عمر بن الخطّاب كنت أول شيء مع معاوية على عليّ، فكان أصحاب معاوية يقولون: لا والله لا نقتل عماراً أبدا، إن قتلناه فنحن كما يقولون، فلما كان يوم صفّين ذهبت أنظر في القتلى فإذا عمار بن ياسر
____________________
١ - نفس المصدر السابق، ص٣٠.
٢ - مسلم، ج ٨، ص١٨٥.
٣ - زاد المسلم، ج ٤، ص٩٤.
مقتول، فقال هُنيّ: فجئت إلى عمرو بن العاص وهو على سريره، فقلت: أبا عبد الله، قال: ما تشاء؟ قلت: أنظر أكلمك، فقام إليّ، فقلت: عمار بن ياسر ما سمعت فيه؟ فقال: قال رسول الله (ص): تقتله الفئة الباغية. فقلت هو ذا والله مقتول، فقال: هذا باطل، فقلت: بصر به عيني مقتول، قال: فانطلق فأرنيه، فذهبت به فأوقفته عليه فساعة رآه انتُقع لونه، ثم أعرض في شقّ وقال: إنما قتله الذي خرج به.(١)
ويروي أيضاً: سمعت عبد الله بن سلمة يقول: رأيت عمار بن ياسر يوم صفين شيخاً آدم، في يده الحربة وأنها لترعد، فنظر إلى عمرو بن العاص ومعه الراية، فقال: إن هذه راية قد قاتلت بها مع رسول الله (ص) ثلاث مرات وهذه الرابعة، والله لو ضربونا حتى يُبلّغونا سَعفات هجر لعرفت أن مَصلحتنا على الحق وأنهم على الضلالة.(٢)
ويروي روايتين أخريين، وفيهما: وأنهم على الباطل.
وفيمسند أحمد: ما يقرب منها. وفيها: أن مُصلحينا على الحق.(٣)
ويروي فيالطبقات أيضاً: شهد خزيمة بن ثابت الجمل وهو لا يَسلّ سيفاً، وشهد صفين وقال: أنا لا أصل أبداً حتى يقتل عمار فأنظر من يقتله، فإني سمعت رسول الله (ص) يقول: تقتله الفئة الباغية. قال: فلما قتل عمار بن ياسر ؛ قال خزيمة: قد بانت لي الضلالة واقترب فقاتل حتى قتل. وكان الذي قتل عمار بن ياسر أبو غاوية المزني طعنه برمح فسقط، وكان يومئذٍ يقاتل في محفّة فقتل يومئذٍ وهو ابن أربع وتسعين سنة، فلما وقع أكبّ عليه رجل آخر فاحتزّ رأسه، فأقبلا يختصمان فيه كلاهما يقول أنا قتلته. فقال عمرو بن العاص: والله إن يختصمان إلا في النار، فسمعها منه معاوية، فلما انصرف الرجلان قال معاوية لعمرو بن العاص: ما رأيت مثل ما صنعت، قوم بذلوا أنفسهم دوننا تقول لهما: إنكم
____________________
١ - الطبقات، ج ٣، ص٢٥٣.
٢ - نفس المصدر، ص٢٥٦.
٣ - مسند أحمد، ج ٤، ص٣١٩.
تختصمان في النار، فقال عمرو: هو والله ذاك، والله إنك لتعلمه ولوددت أني متّ قبل هذا بعشرين سنة(١) .
أنساب الأشراف: عن حنظلة: بينا أنا عند معاوية إذ أتاه رجلان يختصمان في رأس عمار، فقال عبد الله بن عمرو: لتطلب نفس كل واحد منكما لصاحبه برأس عمار، فإني سمعت رأس الله (ص) يقول: تقتل عماراً الفئة الباغية، فالتفت معاوية إلى عمرو بن العاص، فقال: ألا تُثني عنا مجنونك هذا؟ فلِمَ يقاتل معنا إذاً؟ فقال: إن رسول الله (ص) أمرني بطاعة أبي، فأنا معكم ولست أُقاتل(٢) .
مسند أحمد: نظيرها(٣) .
ويروي أيضاً فيالأنساب: عن عبد الله بن الحارث، قال: إني لأسير مع معاوية من منصرفه من صفين بينه وبين عمرو بن العاص، فقال عبد الله بن عمرو: يا أبتِ، سمعتُ رسول الله (ص) يقول لعمار: ويحك يا ابن سمية تقتلك الفئة الباغية. فقال عمرو لمعاوية: ألا تسمع ما يقول هذا؟ فقال معاوية: ما تزلا تدحض بها في قولك، أنحن قتلناه؟ إنما قتله الذين جاءوا به(٤) .
ويروي أيضاً: عن خزيمة كما فيالطبقات (ص٢٥٩)(٥) .
ويروي أيضاً: روايات قريبة منالطبقات (ص٢٥٦)(٦).
تاريخ الطبري: فقال عبد الله بن عمرو لأبيه: يا أبتِ قتلتم هذا الرجل في يومكم هذا! وقد قال رسول الله (ص) فيه ما قال، قال: وما قال؟ قال: ألم تكن معنا ونحن نبني المسجد الناس ينقلون حجراً حجراً ولبنة لبنة، وعمار ينقل حجرين حجرين ولبنتين لبنتين عليه، فأتاه رسول الله (ص) فجعل يمسح
____________________
١ - الطبقات، ج ٣، ص٢٥٩.
٢ - أنساب الأشراف، ج ١، ص١٦٨.
٣ - مسند أحمد، ج ٢، ص١٦٤.
٤ - أنساب الأشراف، ج ١، ص١٦٩.
٥ - نفس المصدر، ص١٧٠.
٦ - نفس المصدر، ص١٧١.
التراب عن وجهه ويقول: ويحك يا ابن سمية الناس ينقلون حجراً حجراً ولبنة لبنة وأنت تنقل حجرين حجرين ولبنتين لبنتين، رغبة منك في الأجر، وأنت ويحك! مع ذلك تقتلك الفئة الباغية! فدفع عمرو صدر فرسه ثم جذب معاوية إليه فقال: يا معاوية، أما تسمع ما يقول عبد الله؟ قال: وما يقول؟ فأخبره الخبر، فقال معاوية إنك شيخ أخرق ولا تزال تحدّث بالحديث وأنت تدحض في قولك، أوَنحن قتلنا عماراً؟! إنما قتل عماراً من جاء به، فخرج الناس من فساطيطهم وأخبيتهم يقولون: إنما قتل عماراً من جاء به. فلا أدري من كان أعجب هو أو هم.(١)
أقول: هذه نصوص صريحة واردة في تمييز الحق وتشخيص العدل من الباطل والبغي، غير قابلة الطرح ولا التأويل، والعجب من تأويل معاوية بقوله: إنما قتل عماراً من جاء به. فيلزم على تأويله أن يكون رسول الله (ص) قاتل حمزة وسائر الشهداء في غزواته حيث جاء بهم. مع أن عماراً كان على بصيرة من أمره ولم يخرج من بيته متحيراً جاهلاً، وقد سبق قوله: لو ضربونا حتى يبلغونا سعفات هجر لعرفت أن مصلحتنا على الحق وأنهم على الضلالة. والعجب العجاب قول بعض علمائهم المحجوبين عن الحق الذين في أبصارهم غشاوة: إن الطائفة الأخرى بغاة ولكنهم مجتهدون!! فيلزم على قول هؤلاء الجاهلين أعداء أهل البيت أن يكون كل مبطل ومخالف للدبن ومُبدع فيه مجتهداً لا إثم عليه وإن أبدع، خلافاً لصريح الكتاب ونصّ السنة. فإن الاجتهاد الوصول إلى النص ووجدانه، وليس معنى الاجتهاد: أن يتكلّف في تأويل النص الصريح وردّه وتفسيره برأيه ابتغاء الفتنة والفساد، وقد قالوا: إن الاجتهاد في مقابل النص باطل. والدحض: البطلان والزلق.
أحاديث في فضله:
سنن الترمذي: عن عليّ: جاء عمار بن ياسر يستأذن على النبي (ص) فقال:
____________________
١ - تاريخ الطبري، ج ٦، ص٢٢.
ائذنوا له، مرحباً بالطبيب المطيب.(١)
سير الأعلام: عن هاني: قال: كنا جلوساً عند عليّ، فدخل عمار فقال: مرحباً بالطيب المطيب، سمعت رسول الله (ص) يقول: إن عماراً مُليء إيماناً إلى مشاشة.(٢)
الاستيعاب: عن عائشة قالت: ما من أحد من أصحاب رسول الله (ص) أشاء أن أقول فيه إلا قلت، إلا عمار بن ياسر، فإني سمعت رسول الله (ص) يقول: مُليء عمار إيماناً إلى أخمص قدميه. ويروي رواية أخرى، وفيها: حُشي ما بين أخمص قدميه إلى شحمة أُذنيه إيماناً.(٣)
مسند أحمد: عن خالد بن الوليد قال: كان بيني وبين عمار بن ياسر كلام، فأغلظت له في القول، فانطلق عمار يشكوني إلى النبي (ص) فجاء خالد وهو يشكوه إلى النبي (ص)، قال: فجعل يغلظ له ولا يزيد إلا غلظة والنبي (ص) ساكت لا يتكلم، فبكى عمار وقال: يا رسول الله ألا تراه؟ فرفع رسول الله (ص) رأسه وقال: من عادى عماراً عاداه الله ومن أبغض عماراً أبغضه الله.
قال خالد: فخرجت فما كان شيء أحبّ إليّ من رضا عمار.(٤)
البخاري بإسناده: قال شقيق: كنت جالساً مع أبي مسعود وأبي موسى وعمار، فقال أبو مسعود: ما من أصحابك أحد إلا لو شئت لقلت فيه غيرك، وما رأيت منك شيئاً منذ صحبت النبي (ص) أعيب عندي من استسراعك في هذا الأمر، قال عمار: يا أبا مسعود ما رأيت منك ولا من صاحبك هذا شيئاً منذ صحبتما النبي (ص) أعيب عندي من إبطائكما في هذا الأمر.(٥)
أقول: هذه المكالمة وقعت في الكوفة حين بعث عمار يَستنفر أهلها إلى قتال
____________________
١ - سنن الترمذي، ص٥٤٢.
٢ - سير الأعلام، ج ١، ص٢٩٦.
٣ - الاستيعاب، ج ٣، ص١١٣٧.
٤ - مسند أحمد، ج ٤، ص٨٩.
٥ - البخاري، ج ٤، ص١٤١.
أهل البصرة.
تاريخ الطبري: عن العُرني قال: انطلقت أنا وأبو مسعود إلى حذيفة بالمدائن فدخلنا عليه، فقال: مرحباً بكما، ما خلفتما من قبائل العرب أحداً أحبّ إليّ منكما، فأسندته إلى أبي مسعود فقلنا: يا أبا عبد الله، حدّثنا فإنا نخاف الفتن! فقال: عليكما بالفئة التي فيها ابن سمية، إني سمعت رسول الله (ص) يقول: تقتله الفئة الباغية الناكبة عن الطريق، وإن آخر رزقه ضياح من لبن. قال العرني: فشهدته يوم صفّين وهو يقول ائتوني بآخر رزق لي من الدنيا! فأتي بضياح من لبن في قدح أروح، له حلقة حمراء، فما أخطأ حذيفة مقياس شعرة، فقال: اليوم ألقى الأحبّة محمداً وحزبه.(١)
سير الأعلام: قال أبو الدرداء: أليس فيكم الذي أعاذه الله على لسان نبيّه من الشيطان؟ يعني عماراً.(٢)
ويروي عن خثيمة قلت لأبي هريرة حدثني، فقال: تسألني وفيكم علماء أصحاب محمد والمجار من الشيطان عمار بن ياسر.
أقول: والعجب اتفاق كل من الموافق والمخالف على هذه الروايات في فضله ومقامه، وأعجب منه، ما روي فيتهذيب ابن عساكر : من أن أهل الشام طلبوا أن يصلوا عليه بعد موته: إن أهل الشام لما بلغهم قتل عمار بن ياسر يوم صفين بعثوا من يعرفه ليأتيهم بعلمه، فعاد إليهم فأخبرهم أنه قد قتل، فنادى أهل الشام: أصحاب علي إنكم لستم بأولى بالصلاة على عمار منّا، فتوادعوا عن القتال حتى صلّوا عليه جميعاً.(٣)
الكنى للدولابي: عن رياح بن الحارث قال: كنت إلى جنب عمار بن ياسر بصفين وركبتي تمسّ ركبته، فقال له رجل: كفر أهل الشام، فقال عمار: لا تقل ذاك، ديننا ودينهم واحد وقبلتنا وقبلتهم واحدة، ولكنهم قوم مفتونون
____________________
١ - تاريخ الطبري، ج ٦، ص٣١.
٢ - سير الأعلام، ج ١، ص٢٩٩.
٣ - تهذيب ابن عساكر، ج ٣ ض ٢٨٠.
جاوزوا عن الحق، حق علينا أن نقاتلهم حتى يرجعوا.(١)
أويس القرني:
مستدرك الحاكم: عن عبد الرحمن قال: لما كان يوم صفين نادى مناد من أصحاب معاوية أصحاب عليّ: أفيكم أويس القرنيّ؟ قالوا: نعم، فضرب دابّته حتى دخل معهم، ثم قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: خير التابعين أويس القرنيّ.(٢)
أقول: شهد مع أمير المؤمنين عليّ (ع) بصفين جماعة من أصحاب رسول الله (ص) ومن خيار التابعين، ومنهم خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، وهاشم بن عتبة وأبو عمرة الأنصاري وعمار بن ياسر.
حلية الأولياء: فقضى أن أهل الكوفة وفدوا إلى عمر بن الخطاب، فوفد رجل ممن كان يسخر به، فقال عمر: هل هاهنا أحد من القرنيّين؟ قال: فجاء ذاك الرجل فقال: أنا. قال: إن رسول الله (ص) قد قال: أن رجلاً يأتيكم من اليمن يقال له أويس لا يدع باليمن غير أمّ له، وقد كان به بياض فدعا الله تعالى فأذهبه عنه إلا مثل موضع الدينار أو الدرهم، فمن لقيه منكم فمُروه فليستغفر لكم. قال: فقدم علينا، قال: من أين؟ قال: من اليمن. قال: ما أسمك؟ قال: أويس. قال: فمن تركت باليمن؟ قال: أمّاً لي. قال: أكان بك بياض فدعوت الله فأذهب عنك؟ قال: نعم. قال: فاستغفر لي! قال: أو يستغفر مثلي لمثلك يا أمير المؤمنين؟ قال: فاستغفر له. قال: أنت أخي لا تفارقني.(٣)
ويروي: عن أصبغ: كان أويس إذا أمسى يقول: هذه ليلة الركوع فيركع، حتى يُصبح، وكان يقول إذا أمسى: هذه ليلة السجود فيسجد حتى يصبح، وكان إذا أمسى تصدّق بما في بيته من الفضل من الطعام والثياب.(٤)
____________________
١ - الكنى للدولابي، ج ١، ص١٥٥.
٢ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص٤٠٢.
٣ - حلية الأولياء، ج ٣، ص٧٩.
٤ - نفس المصدر، ص٨٧.
فتنة:
(الخوارج المارقين)
الملل والنحل: كذلك الخلاف بينه وبين الشُراة المارقين بالنهروان عقداً وقولاً، ونصب القتال معه فعلاً، ظاهر معروف، وبالجملة كان عليّ مع الحق والحق معه.(١)
الشريعة: قال محمد بن الحسين: لم يختلف العلماء قديماً وحديثاً أن الخوارج قوم سوء عُصاة لله عَزَّ وجَلَّ ولرسوله (ص) وإن صلّوا وصاموا واجتهدوا في العبادة، فليس ذلك بنافع لهم، وإن أظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وليس ذلك بنافع لهم ؛ لأنهم قوم يتأوّلون القرآن على ما يهوون ويُموّهون على المسلمين، وقد حذّرنا الله عَزَّ وجَلَّ منهم وحذّرنا النبيّ (ص) وحذّرناهم الخلفاء الراشدون بعده وحذّرناهم الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان رحمة الله تعالى عليهم. والخوارج هم الشُراة الأنجاس الأرجاس ومن كان على مذهبهم من سائر الخوارج.(٢)
تاريخ الطبري: ثم قال لهم من زعيمكم؟ قالوا: ابن الكّوّاء. قال عليّ: فما أخرجكم علينا؟ قالوا: حكومتكم يوم صفّين. قال: أنشدكم بالله أتعلمون أنهم حيث رفعوا المصاحف فقلتم: نجيبهم إلى كتاب الله، قلت لكم: إني أعلم بالقوم منكم، إنهم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، إني صحبتهم وعرفتهم أطفالاً ورجالاً، فكانوا شرّ أطفال وشرّ رجال، امضوا على حقكم وصدقكم، فإنما رفع القوم هذه المصاحف خديعة ودَهناً ومكيدة، فرددتم عليّ رأيي وقلتم: لا بل نقبل منهم. فقلت لكم: اذكروا قولي لكم ومعصيتكم إيَّايَّ، فلمَّا أبيتم إلا الكتابَ
____________________
١ - الملل والنحل، ج ١، ص٢٣.
٢ - الشريعة، ص٢١.
اشترطت على الحكمين أن يُحييا ما أحيا القرآن وأن يُميتا ما أمات القرآن، فإن حكما بحكم القرآن فليس لنا أن نخالف حكماً يحكم بما في القرآن، وإن أبيا فنحن من حكمهما براء. قالوا له: فخبّرنا أتُراه عدلاً تحكيم الرجال في الدماء؟ فقال: إنا لسنا حكّمنا الرجال إنما حكّمنا القرآن وهذا القرآن إنما هو خطّ مسطور بين دفّتين لا ينطق، إنما يتكلّم به الرجال. قالوا: فخبّرنا عن الأجل لِمَ جعلته فيما بينك وبينهم؟ قال: ليعلم الجاهل ويتثبّت العالم، ولعل الله عَزَّ وجَلَّ يُصلح في هذه الهُدنة هذه الأمة، ادخلوا مصركم رحمكم الله. فدخلوا من عند آخرهم.(١)
ويروي أيضاً: أن علياً قال لأهل النهر: يا هؤلاء، إنّ أنفسكم قد سوّلت لكم فراق هذه الحكومة التي أنتم ابتدأتموها، وسألتموها وأنا لها كاره، وأنبأتكم أن القوم سألوكموها مكيدة ودَهناً، فأبيتم عليّ إباء المخالفين وعدلتم عنّي عدول النكداء العاصين، حتى صرفت رأيي إلى رأيكم، وأنتم والله معاشر أخفّاء الهام سفهاء الأحلام فلم آتِ لكم - لا أباً لكم - حراماً، والله ما خبلتكم عن أموركم ولا أخفيت شيئاً من هذا الأمر عنكم ولا أوطأتكم عُشوة ولا دنيت لكم الضرّاء. وإن كان أمرنا لأمر المسلمين ظاهراً، فأجمع رأي ملئكم على أن اختاروا رجلين، فأخذنا عليهما أن يحكما بما في القرآن ولا يعدواه، فتاها وتركا الحق وهما يُبصرانه، وكان الجور هواهما، وقد سبق استيثاقنا عليهما في الحكم بالعدل، والصدّ للحق بسوء رأيهما وجور حكمهما والثقة في أيدينا لأنفسنا حين خالفا سبيل الحقّ وأتيا بما لا يعرف، فبيّنوا لنا بماذا تستحلّون قتالنا والخروج من جماعتنا، إن اختار الناس رجلين أن تضعوا أسيافكم على عواتقكم ثمّ تستعرضوا الناس تضربون رقابهم وتسفكون دماءهم إن هذا لهو الخسران المبين، والله لو قتلتم على هذا دجاجة لعظم عند الله قتلها، فكيف بالنفس التي قتلها عند الله حرام.(٢)
أقول: الناكد: الشديد وقليل الخير. الأخفّاء: جمع خفيف. الهام: جمع هامة وهي
____________________
١ - تاريخ الطبري، ج ٦، ص٣٧.
٢ - نفس المصدر، ص٤٨.
الرأس. خبله: أفسده. أوطأه الأرض: جعله يطأه ووافقه. والعُشوة: الالتباس والحيرة. والاسيثاق: اخذ الوثيقة.
روايات في الخوارج:
وقد أشار رسول الله (ص) في كلماته إلى هذه الطائفة، وأنهم قوم متعبدون متزهّدون، لم يدخل نور المعرفة وروح الحقيقة في قلوبهم، ولم يعرفوا من الإسلام إلا ظواهر منه، وهم يحسبون أنهم مهتدون، ألا أنهم هم الجاهلون المستكبرون.
مسند أحمد: عن أبي كثير مولى الأنصار قال: كنت مع سيّدي عليّ بن أبي طالب (رض) حيث قُتل أهل النهروان، فكان الناس في أنفسهم من قتلهم. فقال عليّ (رض): يا أيها الناس إن رسول الله (ص) قد حّدثنا بأقوام يَمرقون من الدين كما يَمرق السهم من الرميّة ثم لا يرجعون فيه أبداً حتى يرجع السهم على فوقه، وإن آية ذلك أن فيهم رجلاً أسود مُخدج اليد أحد ثدييه كثدي المرأة إلخ.(١)
مسند أحمد: عن أبي سعيد الخدري قال: إن أبا بكر جاء إلى رسول الله (ص) فقال: يا رسول الله، إني مررت بوادي كذا وكذا، فإذا رجل متخشّع حسن الهيئة يصلي، فقال له النبي (ص): اذهب إليه فاقتله، قال: فذهب إليه أبو بكر، فلما رآه على تلك الحال كره أن يقتله، فرجع إلى رسول الله (ص)، قال: فقال النبي (ص) لعمر: اذهب فأقلته، فذهب عمر فرآه على تلك الحال التي رآه أبو بكر، قال، فكره أن يقتله، قال فرجع فقال: يا رسول الله، إني رأيته يصلي متخشّعاً فكرهت أن أقتله. قال: يا عليّ، اذهب فاقتله، قال فذهب عليّ فلم يره، فرجع فقال: يا رسول الله إنه لم يره، قال، النبي (ص): إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يَمرق السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم في فُوقِه، فاقتلوهم هم شر البرية.(٢)
____________________
١ - مسند أحمد، ج ١، ص٨٨.
٢ - نفس المصدر، ج ٣، ص١٥.
البخاري بإسناده : قال أبو سعيد الخدري: بينما نحن عند رسول الله (ص) وهو يقسم قسماً إذ أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم، فقال: يا رسول الله اعدل! فقال: ويلك!! ومن يعدل إذا لم أعدل، قد خبتُ وخسرتُ إن لم أكن أعدل، فقال عمر: يا رسول الله، ائذن لي فيه فأضرب عنقه، فقال: دعه، فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمّية، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تَدَرْدَرُ ويخرجون على حين فرقة من الناس. قال أبو سعيد: فاشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله (ص) وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل فالتمس فأُتي به حتى نظرت إليه على نعت النبي (ص) الذي نعته.(١)
وفيمسند أحمد: ما يقرب منها.(٢)
ويروي البخاري أيضاً بإسناده : يقول رسول الله (ص): يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم وعملكم مع عملهم، ويقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمّية، ينظر في السهم فلا يرى شيئاً.(٣)
ويروي بإسناده: عن عبد الله بن عمر، ذكر الحروريّة فقال: قال النبي (ص): يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمّية.(٤)
ويروي أيضاً: جاء عبد الله بن ذي الخويصرة التميميّ فقال: اعدل يا رسول الله! فقال: ويلك!! من يعدل إذا لم أعدل الرواية.
ويروي أيضاً بإسناده: قلت لسهل بن حنيف: هل سمعت النبي (ص)
____________________
١ - البخاري، ج ٢، ص١٧٢.
٢ - مسند أحمد، ج ٣، ص٦٥.
٣ - البخاري، ج ٣، ص١٤٧.
٤ - البخراي، ج ٤، ص١٢٢.
يقول في الخوارج شيئاً؟ قال: سمعته يقول وأهوى بيده قِبَل العراق: يخرج منه قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرّمية.
ويروي مسلم: روايات بهذه المضامين، وفيها أنه سيخرج من ضضيء هذا قوم يتلون كتاب الله ليّنا رطبا، لئن ادركتُهم لأقتلنّهم قتل ثمود.(١)
ويروي بإسناده: أنّ رسول الله (ص) قال: تمرق مارقة في فرقة من الناس فيلي قتلهم أولى الطائفتين بالحق.(٢)
ويروي أيضاً بإسناده: سيماهم التحالق، قال: هم شرّ الخلق، يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحقّ.
ويروي أيضاً بإسناده: قال عليّ رضي الله عنه: أيها الناس، إني سمعت رسول الله (ص) يقول: يخرج قوم من أمّتي يقرؤون القرآن ليس قراءتكم إلى قرائتهم بشيء ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يَمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمّية، لو يعلم الجيش الذين يُصيبونهم ما قضى لهم على لسان نبيهم (ص) لاتكلوا عن العمل، وآيةُ ذلك أن فيهم رجلاً له عضد وليس له ذراع على رأس عضده مثل حلمة الثدي عليه شعرات بيض، فتذهبون إلى معاوية وأهل الشام وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم، والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم، فإنهم قد سفكوا الدم الحرام وأغاروا في سرح الناس، فسيروا على اسم الله!
قال سلمة بن كهيل: فنزّلني زيد بن وهب الراسبي منزلاً حتى قال: مررنا على قنطرة فلما التقينا، وعلى الخوارج يومئذٍ عبد الله بن وهب الراسبي، فقال لهم: ألقوا الرماح وسلّوا سيوفكم من جفونها فإني أخاف أن يناشدوكم كما ناشدوكم يوم حروراء، فرجعوا فوحّشوا برماحهم وسلّوا السيوف وشجرهم الناس برماحهم، قال: وقُتل بعضهم على بعض وما أُصيب
____________________
١ - مسلم، ج ٣، ص١١١.
٢ - نفس المصدر، ص١١٣.
من الناس إلا رجلان، فقال عليّ رضي الله عنه: التمسوا فيهم المُخدّج.(١) فالتمسوه فلم يجدوه، فقام علي رضي الله عنه بنفسه حتى أتى ناساً قد قُتل بعضهم على بعض، قال: أخّروهم، فوجدوه مما يلي الأرض، فكبّر ثم قال: صدق الله وبلّغ رسوله، قال: فقام إليه عبيدة السلماني فقال: يا أمير المؤمنين، الله الذي لا إله إلا هو لسمعت هذا الحديث من رسول الله (ص)؟ فقال: أي والله الذي لا إلا هو. حتى استحلفه ثلاثاً وهو يحلف له.(٢)
وفيمسند أحمد: ما يقرب منها.(٣)
ويروي مسلم أيضاً بإسناده: أنّ الحروريّة لما خرجت، وهو مع عليّ بن أبي طالب (رض)، قالوا: لا حكم إلا لله، قال عليّ: كلمة حق أريد بها باطل ؛ إن رسول الله (ص) وصف ناساً إني لأعرف صفتهم في هؤلاء، يقولون الحق بألسنتهم، لا يجوز هذا منهم ( وأشار إلى حلقه ) من أبغض خلق الله إليه، منهم أسود إحدى يديه طُبى شاة أو حَلَمة ثدي. فلما قتلهم علي بن أبي طالب (رض) قال: انظروا، فنظروا فلم يجدوا شيئاً، فقال: ارجعوا، فوالله ما كذبت ولا كُذبت مرتين أو ثلاثاً، ثم وجدوه في خربة فأتوا به حتى وضعوه بين يديه، قال عبيد الله: وأنا حاضر ذلك من أمرهم وقول عليّ فيهم.(٤)
ابن ماجة بإسناده : عن رسول الله (ص) قال: الخوارج كلاب النار.(٥)
ويروي: روايات أخر بمضامين ما روى في البخاري ومسلم.
السيرة النبوية: جاء رجل من بني تميم يقال له ذو الخويصرة، فوقف عليه وهو يعطي الناس قريباً من البخاري ج ٢، ص١٧٢.(٦)
سنن النسائي: فاقبل رجل غائر العينين، ناتيء الوجنتين، كثُّ اللحية، محلوق
____________________
١ - بصيغة المفعول: الناقص الخلق.
٢ - نفس المصدر السابق، ص١١٥.
٣ - مسند أحمد، ج ١، ص٩٢.
٤ - مسلم، ج ٣، ص١١٦.
٥ - ابن ماجة، ج ١، ص٧٤.
٦ - السيرة النبوية، ج ٤، ص١٣٩.
الرأس، فقال: يا محمد، اتق الله. قال: من يطع الله إذا عصيته!! أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني، فسأل رجل من القوم قتله فمنعه، فلما ولّى قال: إن من ضضيء هذا قوماً يخرجون يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرميّة، يقتلون أهل الإسلام ويَدَعون أهل الأوثان، لئن أنا أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد.(١)
ثمّ يروي روايات أخر قريبة من المضامين السابقة.
مقالات الإسلاميين: فأمر معاوية أصحابه برفع المصاحف وبما أشار به عليه عمرو بن العاص، ففعلوا ذلك، فاضطرب أهل العراق على عليّ (رضوان الله عليه) وأبوا عليه إلا التحكيم، وأن يبعث عليّ حكماً ويبعث معاوية حكماً، فأجابهم عليّ إلى ذلك بعد امتناع أهل العراق عليه غلاً يجيبهم إليه، فلما أجاب عليّ إلى ذلك، وبعث معاوية وأهل الشام عمرو بن العاص حكماً، وبعث عليّ وأهل العراق أبا موسى حكماً، وأخذ بعضهم على بعض العهود والمواثيق: اختلف أصحاب عليّ عليه وقالوا: قال الله تعالى( فَقاتِلُوا الَّتي تَبْغي حَتَّى تَفيءَ إِلى أَمْرِ اللَّه ) ، ولم يقل وحاكموهم وهم البُغاة، فإن عدتَ إلى قتالهم وأقررت على نفسك بالكفر إذ أجبتَهم إلى التحكيم، وإلا نابذناك وقاتلناك، فقال عليّ (رضوان الله عليه): قد أبيت عليكم في أول الأمر فأبيتم إلا إجابتهم إلى ما سألوا، فأجبناهم وأعطيناهم العهود والمواثيق، وليس يسوغ لنا الغدر. فأبوا إلا خلعه وإكفاره بالتحكيم وخرجوا عليه، فسُمّوا خوارج.(٢)
سنن أبي داود: قال رسول الله (ص): تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلها ولّى الطائفتين بالحق.(٣)
ويروي: عن رسول الله (ص): سيكون في أمتي اختلاف وفرقة، قوم يُحسنون القيل ويُسيئون الفعل، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين مروق
____________________
١ - سنن النسائي، ج ٧، ص١١٨.
٢ - مقالات الإسلاميين، ج ١، ص٦٣.
٣ - سنن أبي داود، ج ٢، ص٢٨٦.
السهم من الرميّة، لا يرجعون حتى يرتدّ على فوقه، هم شرّ الخلق والخليقة، طوبى لمن قتلهم.(١)
ويروي أيضاً: مثل ما فيمسلم ، ص١١٥.
الاحتجاج معهم:
خصائص النسائي: يروي روايات كما في البخاري ومسلم.(٢)
ويروي أيضاً: عن ابن عباس قال: لما خرجت الحروريّة اعتزلوا في دارهم وكانوا ستة آلاف، فقلت لعليّ رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين، أيرد بالظهر لعلّي آتي هؤلاء القوم فاكلّمهم، قال: إنّي أخاف عليك، قلت: كلا، قال: فقمت وخرجت ودخلت عليهم في نصف النهار وهم قائلون، فسلمت عليهم فقالوا: مرحباً بك يا ابن عباس فما جاء بك؟ قلت لهم: أتيتكم من عند أصحاب النبي (ص) وصهره، عليهم نزل القرآن وهم أعلم بتأويله منكم وليس فيكم منهم أحد، لأبلّغكم ما يقولون وتُخبرون بما تقولون! قلت: أخبروني ماذا نقمتم على أصحاب رسول الله (ص) وابن عمّه؟ قالوا: ثلاث. قلت: ما هنّ؟ قالوا: أما إحداهن فإنه حكّم الرجال في أمر الله وقال الله تعالى: ( إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّه ) ، ما شأن الرجال والحكم؟! فقلت: هذه واحدة، قالوا: وأما الثانية فإنه قاتل ولم يسلب ولم يغنم فإن كانوا كفاراً سلبهم وإن كانوا مؤمنين ما أحلّ قتالهم، قلت: هذه اثنان فما الثالثة؟ قالوا: إنه محى نفسه عن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين.
قلت: هل عندكم شيء غير هذا؟ قالوا: حسبنا هذا، قلت: أرأيتم أن قرأت عليكم من كتاب الله ومن سنّة نبيه (ص) ما يردّ قولكم أترضون؟ قالوا: نعم.
قُلت: أما قولكم:(حكّم الرجال في أمر الله) فأنا أقرأ عليكم في كتاب الله أن قد صيّر الله حكمه إلى الرجال في ثمن ربع درهم فأمر الله الرجال أن يحكموا
____________________
١ - سنن أبي داود، ج ٢، ص٣٠٠.
٢ - خصائص النسائي، ص٣١ - ٣٤.
فيه، قال الله تعالى:( يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ ... ) الآية، فنشدتكم بالله تعالى أحكم الرجال في أرنب ونحوها من الصيد أفضل أم حكمهم في دمائهم وصلاح ذات بينهم، وأنتم تعلمون أن الله لو شاء لحكم ولم يُصيّر ذلك إلى الرجال، قالوا: بل هذا أفضل. وفي المرأة وزوجها: قال الله تعالى:( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُريدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما ... ) الآية، فنشدتكم بالله حكم الرجال في صلاح ذات بينهم وحقن دمائهم أفضل من حكمهم في بضع امرأة؟ أخرجتُ من هذه؟ قالوا: نعم.
قلت وأما قولكم:(قاتلَ ولم يسلب ولم يَغنم): أفتسلبون أمكم عائشة وتستحلون منها ما تستحلون من غيرها وهي أمكم؟ فإن قلتم: إنا نستحل منها ما نستحل من غيرها فقد كفرتم، ولإن قلتم: ليست بأمنا فقد كفرتم، لأنّ الله تعالى يقول:( النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ ) ، فأنتم تدورون بين ضلالتين فأتوا منها بمَخرج! قلت: فخرجتُ من هذه؟ قالوا: نعم.
وأما قولكم:(محى اسمه من أمير المؤمنين)، فأنا آتيكم بمن ترضون، وأراكم قد سمعتم أن النبي (ص) يوم الحُديبية صالح المشركين فقال لعليّ (رضي الله عنه): أكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله (ص). فقال المشركون: لا والله! ما نعلم أنك رسول الله، لو نعلم أنك رسول الله لأطعناك، فاكتب يا محمد بن عبد الله. فقال رسول الله (ص): امحُ يا علي رسول الله، اللَّهُم إنك تعلم أني رسولك، امحُ يا علي واكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله. فوالله رسول الله خير من عليّ وقد محا نفسه ولم يكن محوه ذلك يَمحاه من النبوّة، أخرجتُ من هذه؟ قالوا: نعم. فرجع منهم ألفان، وخرج سائرهم فقُتلوا على ضلالتهم، فقتلهم المهاجرون والأنصار.(١)
المستدرك: قال: لما خرجت الحروريّة فخرجتُ إليهم ولبست أحسن ما يكون من حلل اليمن، قال أبو زميل: كان ابن عباس جميلاً جهيزاً، قال ابن
____________________
١ - خصائص النسائي، ص٣٥.
عباس: فأتيتهم وهم مجتمعون في دارهم قائلون، فسلّمت عليهم، فقالوا: مرحباً بك يا ابن عباس، فما هذه الحلة؟ قال: قلت: ما تعيبون عليّ! لقد رأيت على رسول الله (ص) أحسن ما يكون من الحلل، ونزلت:( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زينَةَ اللَّهِ الَّتي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْق ) ، قالوا: فما جاء بك؟ قلت: أتيتكم من عند صحابة النبي (ص) من المهاجرين والأنصار لأبلّغكم قالوا: وأما الأخرى فإنه قاتل ولم يسلب ولم يغنم، كما فيالخصائص باختلاف يسير.(١)
ويروي: عن عبد الله بن شدّاد قال: قدمت على عائشة قالت: فحدّثني عن قصّتهم؟ قلت: إن علياً لما كاتب معاوية وحكّم الحكمين، خرج عليه ثمانية آلاف من قرّاء الناس، فنزلوا أرضاً من جانب الكوفة يقال لها حروراء، وأنهم أنكروا عليه فلما أن بلغ عليّاً ما عتوا عليه وفارقوه، أمر فأذّن مؤذّن لا يدخلنّ على أمير المؤمنين إلا رجل قد حمل القرآن، فلما أن امتلأ الدار من القرّاء دعا بمصحفٍ عظيم فوضعه عليّ بين يديه، فطفق يصكّه بيده ويقول: أيها المصحف حدِّث الناس، فناداه الناس فقالوا: يا أمير المؤمنين، ما تسأله عنه؟! إنما هو ورق ومداد، ونحن نتكلم بما رأينا منه فماذا تريد، قال: أصحابكم الذين خرجوا بيني وبينهم كتاب الله، يقول الله عَزَّ وجَلَّ في امرأة ورجل: ( كما فيالخصائص )، يقول الله في كتابه:( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) ، فبعثه إليهم عليّ بن أبي طالب، فخرجت معهم حتى إذا توسّطنا عسكرهم قام ابن الكّوّاء فخطب الناس فقال: يا حملة القرآن، إن هذا عبد الله بن عباس فواضعوه على كتاب الله ثلاثة أيام، فرجع منهم أربعة آلاف كلهم تائب بينهم ابن الكّوّاء حتى أدخلهم على عليّ، فبعث عليّ إلى بقيّتهم، فقال: قد كان من أمرنا وأمر الناس ما قد رأيتم فقفوا حيث شئتم حتى يجتمع امة محمد (ص).. فقالت له عائشة: يا ابن شدّاد، فقد قتلهم؟ فقال: والله ما بعث إليهم حتى قطعوا السبيل وسفكوا الدماء بغير حق الله، وقتلوا ابن خباب واستحلّوا أهل الذمة، فقالت:
____________________
١ - مستدرك الحاكم، ج ٢، ص١٥٠.
الله؟ قلت: الله الذي لا إله إلا هو. قالت: فما شيء بلغني عن أهل العراق يتحدّثون به يقولون: ذو الثدي ذو الثدي؟ فقلت: قد رأيته ووقفتُ عليه مع عليّ في القتلى، فدعا الناس فقال: هل تعرفون هذا قالت: فما قول عليّ حين قام عليه كما يزعم أهل العراق؟ قلت سمعته يقول: صدق الله ورسوله، قالت: وهل سمعته أنت منه قال غير ذلك؟ قلت: اللَّهُم لا، قالت: أجل صدق الله ورسوله.(١)
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين.
مسند أحمد: نظيرها.(٢)
الالعقد الفريد: أن علياً لما اختلف عليه أهل النهروان والقرى وأصحاب البرانس، ونزلوا قرية يقال لها: حروراء، وذلك بعد وقعة الجمل، فرجع إليهم عليّ بن أبي طالب فقال لهم: يا هؤلاء، من زعيمكم؟ قالوا: ابن الكوّاء. قال: فليبرز إليَّ! فخرج إليه ابن الكوّاء، فقال له عليّ: يا ابن الكوّاء، ما أخرجكم علينا بعد رضاكم بالحكمين ومُقامكم بالكوفة؟ قال: قاتلتَ بنا عدواً لا نشك في جهاده فزعمت أن قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار، فبينما نحن كذلك إذ أرسلتَ منافقاً وحكّمت كافراً، وكان مما شكّك في أمر الله أن قلت للقوم حين دعوتهم: كتابُ الله بيني وبينكم فإن قضى عليّ بايعتكم وإن قضى عليكم بايعتموني، فلولا شكُّك لم تفعل هذا والحق في يدك. فقال عليّ: يا ابن الكوّاء، إنما الجواب بعد الفراغ: أفرغت فأجيْبُك؟ قال: نعم. قال عليّ: أما قتالك معي عدوّاً لا نشك في جهاده، فصدقتَ ولو شككتُ فيهم لم أقاتلهم. وأما قتلانا وقتلاهم: فقد قال الله في ذلك ما يُستغنى به عن قولي. وأما إرسالي المنافق وتحكيمي الكافر: فأنت أرسلت أبا موسى مبرنساً، ومعاوية حكّم عمراً، أتيت بأبي موسى مبرنساً فقلت: لا نرضى إلا أبا موسى. فهلا قام إليّ رجل منكم، فقال: يا عليّ، لا نعطي هذه الدّنية فإنها ضلالة! وأما قولي لمعاوية: إن جرّني
____________________
١ - مستدرك الحاكم، ج ٢، ص١٥٢.
٢ - مسند أحمد، ج ٤، ص٨٦.
إليك كتاب الله تبعتك وإن جرّك إلي تبعتني: زعمت إني لم أُعط ذلك إلا من شك، فقد علمتُ أن أوثق ما في يدك هذا الأمر فحدّثني ويحك عن اليهودي والنصراني ومشركي العرب أهم أقرب إلى كتاب الله أم معاوية وأهل الشام؟ قال: بل معاوية وأهل الشام أقرب. قال عليّ: أفرسول الله (ص) كان أوثق بما في يديه من كتاب الله أو أنا؟ قال: بل رسول الله. قال: أفرأيت الله تبارك وتعالى حين يقول: ( قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقين ) ، أمَا كان رسول الله يعلم أنه لا يؤتى بكتاب هو أهدى مما في يديه؟ قال: بلى. قال: فلِمَ أعطى رسول الله القوم ما أعطاهم؟ قال: إنصافاً وحجة. قال: فإني أعطيت القوم ما أعطاهم رسول الله. قال ابن الكوّاء: فإني أخطأت، هذه واحدة، زدني! قال عليّ: فما أعظم ما نقمتم عليّ؟ قال: تحكيم الحكمين، نظرنا في أمرنا فوجدنا تحكيمهما شكاً وتبذيراً. قال عليّ: فمتى سُمّي أبو موسى حكماً؟ حين أرسل أو حين حكّم؟ قال: حين أرسل. قال: أليس قد سار وهو مسلم وأنت ترجو أن يحكم بما أنزل الله؟ قال: نعم. قال عليّ: فلا أرى الضلال في إرساله. فقال ابن الكوّاء: سمي حكماً حين حكّم. قال: نعم، إذاً فإرساله كان عدلاً. أرأيت يا ابن الكواء لو أن رسول الله بعثت مؤمناً إلى قوم مشركين يدعوهم إلى كتاب الله، فارتدّ على عقبه كافراً، كان يضرّ نبيّ الله شيئاً؟ قال: لا، قال عليّ: فما كان ذنبي إن كان أبو موسى ضلّ، هل رضيت حكومته حين حكم أو قوله إذ قال؟ قال ابن الكوّاء: لا، ولكنّك جعلت مسلماً وكافراً يحكمان في كتاب الله. قال عليّ: ويلك يا ابن الكوّاء!! هل بعثَ عمراً غيرُ معاوية، وكيف أحكّمه وحُكمه على ضرب عنقي! إنما رضي به صاحبه كما رضيت أنت بصاحبك، وقد يجتمع المؤمن والكفر يحكمان في الله. أرأيت لو أن رجلاً مؤمناً تزوّج يهودية أو نصرانية فخافاً شقاق بينهما، ففزع الناس إلى كتاب الله، وفي كتابه:( فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها ) فجاء رجل من اليهود أو رجل من النصارى ورجل من المسلمين الذين يجوز لهما أن يحكما في كتاب الله، فحكما. قال ابن الكوّاء: وهذه أيضاً، أمهِلنا حتى ننظر. فانصرف
عنهم عليّ.(١)
الإمامة والسياسة: لما خرج جميع الخوارج وتوافوا إلى النهروان، قام عليّ بالكوفة على المنبر: فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإن معصية العالم الناصح تورث الحسرة وتُعقّب الندامة، وقد كنت أمرتكم في هذين الرجلين وفي هذه الحكومة بأمري فأبيتم إلا ما أردتم، فأحييا ما أمات القرآن وأماتا ما أحيى القرآن، واتّبع كلّ واحد منهما هواه يحكم بغير حجة ولا سنة ظاهرة، واختلفا في أمرهما وحكمهما، فكلاهما لم يُرشد الله، فبريء الله منهما ورسوله وصالحو المؤمنين. فاستعدّوا للجهاد.(٢)
أقول: فنشير إلى جملات من أحاديث هذه الفتنة بالترتيب ليعتبر من اعتبر وينكشف الحق.
١ - كان علي مع الحق والحق معه.
٢ - إن الخوارج قوم عُصاة لله ولرسوله. الخوارج هم الشُراة الأنجاس. إن أنفسكم سوّلت لكم فراقَ هذه الحكومة. هم شرّ البرية، هم شرّ الخلق. الخوارج كلاب النار. إنهم يتأوّلون القرآن على ما يَهوون. بماذا تستحلّون قتالنا والخروج من جماعتنا. يمرقون من الدين. يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم. لا تجاوز صلاتهم تراقيهم. فإنهم قد سفكوا الدم الحرام. حتى قطعوا السبيل وسفكوا الدماء بغير حق.
٤ - فرددتم عليّ رأيي وقلتم: لا. أنتم ابتدأتموها وسألتموها وأنا لها كاره. فأبيتم عليّ إباء المخالفين. فقلت: لا نرضى إلا أبا موسى. فإن معصية العالم النّاصح تورث الحسرة. فأبيتم إلا ما أردتم.
٥ - اشترطت على الحَكمين أن يُحييا ما أحيا القرآن. إنا لسنا حكّمنا الرجال إنما حكّمنا القرآن، فأخذنا عليهما أن يحكما بما في القرآن ولا يعدواه فتاه
____________________
١ - العقد الفريد، ج٤، ص٣٥١.
٢ - الإمامة والسياسة، ج١، ص١١٩.
وتركا وإن أبيا فنحن من حكمهما بُرآء.
٦ - فتاها وتركا الحق وهما يَبصرانه وكان الجور هواهما. فأحييا ما أمات القرآن وأماتا ما أحيى القرآن واتبع كل واحد منهما هواه يحكم بغير حجة ولا سنة.
٧ - قال النبي (ص): فاقتلوهم هم شرّ البرية. وقال: يمرقون من الإسلام مروق السهم. وقال: لئن أدركتهم لأقتلنّهم قتل ثمود. وقال: فيلي قتلهم أولى الطائفتين بالحق. وقال: لئن أنا أدركتهم لأقتلنّهم قتل عاد. وقال: طوبى لمن قتلهم.
فتنة:
قتل أمير المؤمنين عليّ (ع)
السيرة النبوية: ثم قال رسول الله (ص): ألا أُحدثكما بأشقى الناس رجلين؟ قال بلى يا رسول الله (ص)، قال: أحيمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك يا عليّ على هذه - ووضع يده على قرنه - حتى يبلّ منها هذه وأخذ بلحيته.(١)
مستدرك الحاكم وخصائص النسائي: عن عمار بن ياسر قال: كنت أنا وعليّ بن أبي طالب رفيقين في غزوة العشيرة فنمنا، فوالله ما أهبنا إلا رسول الله (ص) يُحرّكنا برجله، وقد تربنا من تلك الدفعاء التي نمنا عليها، فيومئذٍ قال رسول الله (ص) لعليّ (رضي الله عنه): ما لك يا أبا تراب ؛ لما يُرى عليه من التراب، ثم قال: ألا أحدّثكما بأشقى كما فيالسيرة .(٢)
الطبقات: أن النبي (ص) قال لعلي: يا عليّ، مَن أشقى الأولين والآخرين؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: أشقى الأولين عاقر الناقة، وأشقى الآخرين الذي يطعنك يا عليّ، وأشار إلى حيث يُطعن.(٣)
ويروي أيضاً: عن أبي الطفيل: دعا عليّ الناس إلى البيعة، فجاء عبد الرحمن بن ملجم المراديّ فردّه مرتين، ثم أتاه فقال: ما يحبس أشقاها لتُخضبنّ أو لتُغبضنّ هذه من هذا، يعني لحيته من رأسه، ثم تمثّل بهذين البيتين.
____________________
١ - السيرة النبوية، ج ٢، ص٢٥٠.
٢ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص١٤١ وج ٤، ص٢٦٣، وخصائص النسائي، ص٢.
٣ - الطبقات، ج ٣، ص٣٥.
اشدد حيازيمك للموت فإن الموت آتيك |
ولا تخرج من القتل اذا حلّ بواديك |
ويروي أيضاً: عن عبيدة قال عليّ: ما يحبس أشقاكم أن يجيء فيقتلني، اللَّهُم قد سئمتهم وسئموني فأرحِهم مني وأرحني منهم.(٢)
الكنى للدولابي: عن أبي حبرة، قال خطبنا عليّ على منبر الكوفة، فقال: ألا أخبركم لتُخضبنّ هذه من هذه - وأومئ إلى لحيته ورأسه - خضاب دم لا عطر ولا عبير.(٣)
ويروي أيضاً: عن أبي سنان الدؤلي، قال: مرض عليّ مرضاً شديداً حتى خفنا عليه، ثم برأ ونَفه، فقلنا: هنيئا لك يا أبا الحسن، الحمد لله الذي عافاك، قد كنّا خفنا عليك، قال: لكنّي لم أخف على نفسي ؛ أخبرني الصادق المصدوق أني لا أموت حتى تضرب على هذه - وأشار إلى مقدّم رأسه الأيسر - فتخضب هذه منها - وأخذ بلحيته - وقال لي: يقتلك أشقى هذه الأمة.(٤)
ويروي أيضاً: عن عمار بن ياسر، فيومئذٍ قال رسول الله (ص) لعليّ: مالك يا أبا تراب - لما يرى عليه من التراب - فقال: ألا أحدّثكما بأشقى الناس رجلين؟ فقلنا: بلى يا رسول الله، فقال: أحيمر ثمود الذي عقر النقاة، والذي يضربك يا عليّ على هذا - فوضع يده على قرنه - حتى يبلّ منها هذه، ثم أخذ بلحيته.(٥)
الاستيعاب: جاء عبد الرحمن بن ملجم يستحمل علياً فحمله، ثم قال:
أريد حياته ويُريد قتلي |
عَذيري من خليلي من مراد |
أما أن هذا قاتلي! قيل: فما يمنعك منه؟ قال: إنه لم يقتلني بعد.(٦)
العقد الفريد: أنّ النبي (ص) قال لعليّ (ع): ألا أخبرك بأشدّ الناس عذاب
____________________
١ - نفس المصدر، ص٣٣.
٢ - نفس المصدر، ص٣٤.
٣ - الكنى للدولابي، ج ١، ص١٤٣.
٤ - نفس المصدر، ص١٩٥.
٥ - الكنى للدولابي، ج ٢، ص١٦٣.
٦ - الاستيعاب، ج ٣، ص١١٢٧.
يوم القيامة؟ قال: أخبرني يا رسول الله (ص) قال: فإن أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة عاقر ناقة ثمود وخاضب لحيتك بدم رأسك.(١)
تهذيب ابن عساكر: أن علياً قال لأهل العراق: إن بسر بن أرطأة قد صعد إلى اليمن ولا أحسب هؤلاء القوم إلا ظاهرين عليكم، يعني أهل الشام، وما ذاك لأنهم أولى بالحق منكم، ولكن ذلك لاجتماعهم على أمرهم وافتراقكم واختلافكم في بلادكم، وأدائهم الأمانة وخيانتكم، والله لقد ائتمنت فلاناً فخان، وفلاناً فخان، وبعثت فلاناً على جمع الصدقات فحمل ما جمع من المال وانطلق به إلى معاوية، ولقد خُيّل لي أني لو ائتمنت أحدكم على قدح لسرق علاقته. اللَّهُم إني مللتهم وملّوني، اللَّهُم اقبضني إلى رحمتك وأبدلهم بي من هو شر لهم منّي.(٢)
العقد الفريد: قال الحسن بن عليّ صبيحة الليلة التي قتل فيها عليّ بن أبي طالب (رض): حدّثني أبي البارحة في هذا المسجد، فقال: يا بنيّ، إني صلّيت البارحة ما رزق الله ثم نمت نومة فرأيت رسول الله (ص)، فشكوت له ما أنا فيه من مخالفة أصحابي وقلة رغبتهم في الجهاد، فقال لي: ادع الله أن يُريحك منهم فدعوت الله.(٣)
المقاتل: اجتمع بمكة نفر من الخوارج فتذاكروا أمر المسلمين فعابوهم وعابوا أعمالهم عليهم، وذكروا أهل النهروان وترحّموا عليهم، وقالوا: فلو أنا شرينا أنفسنا لله فأتينا أئمة الضلال وطلبنا غِرّتهم فأرحنا منهم العباد والبلاد وثأرنا لإخواننا الشهداء بالنهروان، فتعاقدوا على ذلك عند انقضاء الحج، فقال عبد الرحمن بن ملجم (لعنه الله): أنا أكفيكم علياً، وقال أحد الآخرين: أنا أكفيكم معاوية، وقال الثالث: أنا أكفيكم عمرو بن العاص، فتعاقدوا وتواثقو
____________________
١ - العقد الفريد، ج ٤، ص٣٦٠.
٢ - تهذيب ابن عساكر، ج ٣، ص٢٨٠.
٣ - العقد الفريد، ج ٤، ص٣٦٠.
على الوفاء.(١)
الاستيعاب: فدخل الكوفة عازماً على ذلك واشترى لذلك سيفاً بألف، وسقاه السم إلى أن وقعت عينه على قطام، وكانت امرأة رائعة جميلة، فأعجبته ووقعت بنفسه، فخطبها، فقالت: آليت ألا أتزوّج إلا على مهر لا أريد سواه، فقال: وما هو؟ فقالت: ثلاثة آلاف وقتل عليّ بن أبي طالب. فقال: والله، لقد قصدتُ لقتل عليّ بن أبي طالب والفتك به، وما أقدمني هذا المصر غير ذلك.(٢)
ويروي: عن الحسن بن علي (ع) قال: سمع أباه في ذلك السحر يقول له: يا بني، رأيت رسول الله (ص) في هذه الليلة في نومة نمتها، فقلت: يا رسول الله، ماذا لقيتُ من أمتك من الأود واللدد؟ قال: ادع الله عليهم، فقلت: اللَّهُم أبدلني بهم خيراً منهم وأبدلهم بي من هو شرّ مني. ثم أتيته وجاء مؤذنه يُؤذنه بالصلاة، فخرج فاعتوره الرجلان، فأما أحدهما فوقعت ضربته في الطاق، وأما الآخر فضربه في رأسه.(٣)
تاريخ الطبري: قال أبو الأسود الدّؤلي
ألا أبلغ معاويةَ بن حربٍ |
فلا قرّت عيونُ الشامتينا |
|
أفي شهر الصيام فجعتمونا |
بخير الناس طُرّاً أجمعينا |
|
قتلتم خير من ركب المطايا |
ورحّلها ومن ركب السفينا |
|
ومن لبس النعال ومن حذاها |
ومن قرأ المثاني والمُبينا |
|
إذا استقبلت وجه أبي حسين |
رأيت البدر راع الناظرينا(٤) |
الاستيعاب: قال بكر بن حماد:
قل لابن ملجم والأقدار غالبة |
هدمت ويلك للإسلام أركان |
____________________
١ - المقاتل، ص٢٩.
٢ - الاستيعاب، ج ٣، ص١١٢٣.
٣ - نفس المصدر، ص١١٢٧.
٤ - تاريخ الطبري، ج ٦، ص٨٧.
قتلت أفضل من يمشي على قدم |
وأول الناس إسلاماً وإيمانا |
|
وأعلم الناس بالقرآن ثم بما |
سن الرسول لنا شرعاً وتبيانا |
|
صهر النبي ومولاه وناصره |
أضحت مناقبه نوراً وبرهانا |
|
وكان منه على رغم الحسود له |
ما كان هارون من موسى بن عمرانا |
|
ذكرتُ قاتله والدمع منحدر |
فقلت: سبحان ربّ الناس سبحانا(١) |
أقول: السلام عليك يا حجة الله في خلقه، أشهد أنك جاهدت في الله حق جهاده حتى أتاك اليقين، فلعن الله أمة قتلتك، ولعن الله أمة استخفّت بحرمتك. أشهد أنك قُتلت مظلوماً، فصلَّى الله عليك وعلى أهل بيتك الطاهرين المعصومين المظلومين. اللَّهُم العن العصابة التي ظلمت حق أهل بيت نبيك الأطهار، وإني أبرأ إلى الله منهم ومن أتباعهم وأشياعهم إلى يوم القيامة.
وكنا قبل مقتله بخير |
نرى مولى رسول الله فينا |
|
يُقيم الحق لا يرتاب فيه |
ويَعدل في العدا والأقربينا |
|
كأنّ الناس إذ فقدوا علياً |
نعام حار في بلد سنينا |
____________________
١ - الاستيعاب، ج ٣، ص١١٢٨.
أبو طالب والد عليّ (ع)
مستدرك الحاكم: عن النبي (ص) قال: مازالت قريش كاعة ( جبانة ) حتى توفي أبو طالب.
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يُخرجاه.(١)
الفائق: قال (ص): ما زالت قريش كاعة حتى مات أبو طالب.(٢)
قالالزمخشري: أي جبناء عن أذاي، وهو جمع كائع.
التهذيب: عن العباس، قلت: يا رسول الله، إن أبا طالب كان يحوطك وينفعك.. فهل تنفعه؟ قال:نعم، وجدته في غمرات النار فأخرجته إلى ضحضاح .(٣)
أقول: الضحضاح بمعنى الضياء والماء القليل، يشير (ص) إلى هدايته والإنقاذ من الضلالة.
تذكرة الخواص: قال أبو طالب:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم |
حتى أوسّد في التراب رهينا |
|
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة |
وابشر وقرّ بذاك منك عيونا |
|
وعرضتَ ديناً لامحالة إنه |
من خير أديان البرية دينا |
ثم قام أبو طالب يذبّ عن رسول الله (ص) من سنة ثمان من مولده إلى السنة العاشرة من النبوة، وذلك اثنان وأربعون سنة.(٤)
____________________
١ - مستدرك الحاكم، ج ٢، ص٦٢٢.
٢ - الفائق، ج ٢، ص٤٣٩.
٣ - التهذيب، ج ٧، ص٣٤٧.
٤ - تذكرة الخواص، ص٥.
الطبقات: قال العباس: يا رسول الله، أترجو لأبي طالب؟ قال: كل الخير أرجو من ربي.(١)
أقول: ولا يخفى أن رسول الله (ص) لا يرجو من الله إلا ما يحبّه الله، ولا يطلب رحمة وفضلاً لأحد إلا إذا كان فيه خير وصلاح ورضا من الله تعالى، ولا سيَّما إذا رجا كل الخير، فيدلّ على كمال الاقتضاء.
تذكرة الخواص: الواقدي: قال علي (ع): لما توفِّي أبو طالب أخبرت رسول الله (ص) فبكى بكاءً شديداً، ثم قال: اذهب فغسّله وكفّنه وواره (غفر الله له ورحمه)، فقال العباس: يا رسول الله، إنك لترجو له؟ فقال: إي والله، إني لأرجو له، وجعل رسول الله (ص) يستغفر له أياماً لا يخرج من بيته.
وقال علي (ع) يرثيه:
أبا طالب عصمة المستجير |
وغيث المحول ونور الظلم |
|
لقد هدّ فقدك أهل الحفاظ |
فصلى عليك ولي النعم |
|
ولقّاك ربك رضوانه |
فقد كنت للطهر من خير عم(٢) |
أقول: هذه الكلمات من رسول الله (ص) ومن عليّ (ع) في حقه ثابتة مسلمة. وأما الروايات المخالفة، فغير ثابتة سنداً ومضموناً، فلا يعتنى بها.
السيرة النبوية: يذكر من جملة قصيدة لأبي طالب:
لقد علموا أن ابننا لا مكذَّب |
ولا يُعنى بقول الأباطل |
|
فأيّده ربّ العباد بنصره |
وأظهر ديناً حقه غير باطل(٣) |
ويروي: عن أبي طالب أيضاً:
ألم تعلموا أنَّا وجدنا محمداً |
نبياً كموسى خُطّ في أول الكتب(٤) |
ويقول : فتتابعت على رسول الله (ص) المصائب بهلاك خديجة، وكانت له وزير
____________________
١ - الطبقات، ج ١، ص١٢٤.
٢ - تذكرة الخواص، ص٦.
٣ - السيرة النبوية، ج ١، ص٢٩٩.
٤ - نفس المصدر، ص٣٧٧.
صدق على الإسلام يشكو إليها، وبهلاك عمه أبي طالب، وكان له عضداً وحرزاً في أمره، ومنعة وناصراً على قومه، وذلك قبل مهاجرته إلى المدينة بثلاث سنين.(١)
ويقول : فلما تقارب من أبي طالب الموت، قال: نظر العباس إليه يُحرّك شفتيه، قال فأصغى إليه بإذنه، قال: فقال: يا ابن أخي، والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها، قال: فقال رسول الله (ص):لم أسمع. (٢)
أقول: يظهر من الروايات أنّ أبا طالب كان يرى صلاح النبي (ص) وصلاح المسلمين في التقيّة وإخفاء إسلامه عن الناس، حتى يتمكّن من التأييد والنصر والدفاع عن رسول الله (ص).
فاطمة بنت أسد
أم أمير المؤمنين
مقاتل الطالبييّن: عن ابن عباس قال: لما ماتت فاطمة أم عليّ بن أبي طالب ألبسها رسول الله (ص) قميصه، واضطجع معها في قبرها، فقال له أصحابه: يا رسول الله، ما رأيناك صنعت بأحد ما صنعت بهذه المرأة، فقال: إنه لم يكن أحد بعد أبي طالب أبرّ بي منها، إني إنما ألبستها قميصي لتكسى من حلل الجنة واضطجعت معها في قبرها ليهون عليها.(١)
حلية الأولياء: عن أنس قال: لما ماتت فاطمة بنت أسد بن هاشم، أم عليّ بن أبي طالب، دخل عليها رسول الله (ص) فجلس عند رأسها فقال: يرحمك الله ؛ فإنك كنت أمي بعد أمي، تجوعين وتُشبعينني، وتعرين وتُكسينني، وتمنعين نفسك طيّب الطعام وتُطعمينني، تُريدين بذلك وجه الله والدار الآخرة. ثم دعا أسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب وغلاماً أسود يحفرون قبرها، فلما فرغ دخل رسول الله (ص) فاضطجع فيه، ثم قال: الحمد لله الذي يُحيي ويميت وهو حيّ لا يموت، أغفر لأمي فاطمة بنت أسد ولقِّنها حجتها وأوسع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي فإنك أرحم الراحمين.(٢)
تذكرة الخواص: وروي أن فاطمة بنت أسد كانت تطوف بالبيت وهي حامل بعليّ (ع) فضربها الطلق، ففُتِّح لها باب الكعبة، فدخلت فوضعته فيها.(٣)
____________________
١ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص١٠٨.
٢ - تذكرة الخواص، ص٧.
الأئمّة الاثنا عشر
البخاري: بإسناده عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول النبي (ص) يقول: يكون اثنا عشر أميراً، فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: إنه قال: كلهم من قريش.(١)
مسلم: قال جابر بن سمرة، دخلت مع أبي على النبيّ (ص) فسمعته يقول: إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يَمضي فيهم اثنا عشر خليفة، قال: ثم تكلّم بكلام خفيّ عليّ، قال: فقلت لأبي ما قال؟ قال: كلهم من قريش.(٢)
ويروي: بإسناده آخر عنه، سمعت النبي (ص)، يقول: لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً، ثم تكلم الرواية.
ويروي: بإسناد آخر عنه: سمعت رسول الله (ص) يقول: لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة، ثم قال كلمة الرواية.
ويروي: بإسناد آخر عنه، قال النبي (ص): لا يزال هذا الأمر عزيزاً إلى اثني عشر خليفة الرواية.
ويروي: عنه، سمعته يقول: لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاُ إلى اثني عشر خليفة، فقال كلمة صمّنيها الناس الرواية.(٣)
ويروي: عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص قال: كتبت إلى جابر بن سمرة مع غلامي نافع أن أخبرني بشيء سمعته من رسول الله (ص)؟ قال: فكتب إلي: سمعت رسول الله (ص) يوم جمعة عشية رجم الأسلمي يقول: لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش.
____________________
١ - البخاري، ج ٤، ص١٥٣.
٢ - مسلم، ج ٦، ص٣.
٣ - نفس المصدر، ص٤.
سنن أبي داود: عن جابر - مثلها، وفيها: كلهم تجتمع عليه الأمة.(١)
ويروي: أيضاً كما فيمسلم ( ج ٦، ص٤ )، وفيها: فكبّر الناس وضجّوا ثم قال كلمة خفيّة. وبسند آخر مثلها، وفيها: فلما رجع إلى منزله أتته قريش فقالوا: ثم يكون ماذا؟ قال: ثم يكون الهرج.
البيان والتعريف: أن عدة الخفاء من بعدي عدة نقباء بني إسرائيل. أخرجه ابن عديّ فيالكامل وابن عساكر فيالتاريخ عن عبد الله بن مسعود.(٢)
مستدرك الحاكم: سأل رجل عن أبي عبد الرحمن - فقال: هل سألتم رسول الله (ص) كم تملك هذه الأمة من خليفة؟ فقال عبد الله: ما سألني عن هذا أحد منذ قدمت العراق قبلك، قال سألناه فقال: اثنا عشر، عدة نقباء بني إسرائيل.(٣)
ويروي: عن جابر بن سمرة قال: كنت عند رسول الله (ص) فسمعته يقول: لا يزال أمر هذه الأمة ظاهراً حتى يقوم أثنا عشر خليفة وقد روى جابر بن سمرة عن أبيه حديثاً آخر.(٤)
ويروي: عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: كنت مع عمّي عند النبي (ص) فقال: لا يزال أمر أمتي صالحاً حتى يمضي اثنا عشر خليفة، ثم قال كلمة وخفض بها صوته، فقلت لعمّي وهو أمامي: ما قال يا عمّ؟ قال: قال يا بنيّ: كلهم من قريش.(٥)
أخبار أصبهان: مثلها.(٦)
مسند أحمد: عن جابر بن سمرة: قال: سمعت رسول الله (ص) يقول في حجة الوداع: إن هذا الدين لن يزال ظاهراً على من نَاوَأَه، لا يضرّه مخالف
____________________
١ - سنن أبي داود، ج ٢، ص٢٣٢.
٢ - البيان والتعريف، ج ١، ص٢٣٩.
٣ - مستدرك الحاكم، ج ٤، ص٥٠١.
٤ - نفس المصدر، ج ٣، ص٦١٧.
٥ - نفس المصدر، ص٦١٨.
٦ - أخبار أصبهان ج ٢، ص١٧٦.
ولا مفارق، حتى يمضي من أمتي اثنا عشر خليفة، قال، ثم تكلم بشيء لم أفهمه، فقلت لأبي: ما قال؟ قال: قال: كلّهم من قريش.(١)
ويروي: قال رسول الله (ص): لا يزال هذا الأمر ماضياً حتى يقوم اثنا عشر أميراً، ثم تكلم بكلمة خفيت عليَّ، فسألتُ عنها أبي ما قال؟ قال: كلهم من قريش.(٢)
ويروي بأسناد كثيرة ما يقرب منها.
أقول: يستفاد من هذه الأحاديث أمور:
١ - تدلّ هذه الجملات (اثنا عشر أميراً، خليفة، رجلاً) ؛ بقرينة جملات (إن عدّة الخلفاء من بعدي، عدة نقباء بني إسرائيل): على أن المراد خلفاء الله وخلفاء رسول الله.
٢ - تدل هذه الجملات (أن هذا الأمر لا ينقضي، لا يزال أمر الناس ماضياً، لا يزال الإسلام عزيزاً، لا يزال هذا الأمر عزيزاً، لا يزال هذا الدين عزيزاً، لا يزال الدين قائماً، لا يزال أمر هذه الأمة ظاهراً، لا يزال أمر أمتي صالحاً): على أن المراد أمر الناس من جهة الدين والإسلام.
٣ - يستفاد من هذه الأحاديث أن المراد من اثني عشر خليفة: الأئمة الاثنا عشر المعصومون المطهّرون من أهل البيت، ولا تنطبق هذه الصفات على غيرهم من الأمراء والملوك.
____________________
١ - مسند أحمد، ج ٥، ص٨٧.
٢ - نفس المصدر، ص٩٨.
الحسن والحسين
(عليهما السلام)
مستدرك الحاكم: عن أبي هريرة قال: كنا نصلي مع رسول الله (ص) العشاء فكان يُصلّي فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره وإذا رفع رأسه أخذهما فوضعهما وضعا رفيقاً، فإذا عاد عادا، فلما صلى جعل واحداً هاهنا وواحداً هاهنا، فجئته فقلت: يا رسول الله، ألا أذهب بهما إلى أمهما، قال: لا، فبرقت برقةٌ فقال: إلحقا بأمكما، فما زالا يمشيان في ضوئها حتى دخلا.(١)
الاستيعاب: عن عليّ، قال: كان الحسن أشبه الناس برسول الله (ص) ما بين الصدر إلى الرأس، والحسين أشبه الناس بالنبي (ص) ما كان أسفل من ذلك.(٢)
تهذيب ابن عساكر: عن ابن مسعود، قال: كنت مع رسول الله (ص) إذ مر الحسن والحسين وهما صبيان، فقال: هاتوا ابنيّ أعوذهما بما عوّذ به إبراهيم ابنيه إسماعيل وإسحاق، فضمّهما إلى صدره وقال: أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامّة.(٣)
ويروي: أن فاطمة أتت أباها بالحسن والحسين في شكواه التي مات فيها، فقالت: تورثهما يا رسول الله شيئاً؟ فقال: أما الحسن فله هيبتي وسؤددي. وفي لفظ: فقد نحلتُه حلمي وهيبتي. وأما الحسين فقد نحلته نجدتي وجودي. فقالت: رضيت يا رسول الله.(٤)
سنن النسائي: خرج علينا رسول الله (ص) في إحدى صلاتي العشاء وهو
____________________
١ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص١٦٧.
٢ - الاستيعاب، ج ١، ص٣٨٤.
٣ - تهذيب ابن عساكر، ج ٤، ص٢٠٩.
٤ - نفس المصدر، ص٣١٤.
حامل حسناً أو حسيناً، فتقدم رسول الله (ص) فوضعه ثم كبّر للصلاة فصلى، فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها، قال أبي: فرفعت رأسي وإذا الصبيّ على ظهر رسول الله (ص) وهو ساجد، فرجعت إلى سجودي، فلما قضى رسول الله (ص) الصلاة قال الناس: يا رسول الله، إنك سجدت بين ظهراني صلواتك سجدة أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث أمر أو أنه يوحى إليك، قال: كلّ ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجّله حتى يقضي حاجته.(١)
التهذيب: عن شداد أنه قال: خرج علينا رسول الله (ص) في إحدى صلاتي العشاء الظهر أو العصر كما فيالنسائي .(٢)
ويروي: عن جابر قال: دخلت على رسول الله (ص) وهو حامل الحسن والحسين على ظهره وهو يمشي بهما، فقلت نعم الجمل جملكما، فقال: نعم الراكبان هما.
ذخائر العقبى: في حديث الهلالي: يا فاطمة، ونحن أهل بيت فقد أعطانا الله سبع خصال لم تُعطَ أحداً قبلنا ولا تعط أحداً بعدنا، وأنا خاتم النبيين وأنا أبوك، ووصيي خير الأوصياء وأحبهم إلى الله وهو بعلك، وشهيدنا خير الشهداء وأحبهم إلى الله وهو حمزة عم أبيك وعم بعلك، ومنا من له جناحان وهو ابن عم أبيك وأخو بعلك، ومنا سبطا هذه الأمة وهما ابناك الحسن والحسين وهما سيدا شباب أهل الجنة.(٣)
سنن النسائي: عن بريدة قال: بينا رسول الله (ص) على المنبر يخطب إذ أقبل الحسن والحسين (عليهما السلام) عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران فنزل وحملهما، فقال: صدق الله إنما أموالكم وأولادكم فتنة، رأيت هذين يمشيان ويعثران في قميصيهما فلم أصبر حتى نزلتُ فحملتهما.(٤)
____________________
١ - سنن النسائي، ج ٢، ص٢٢٩.
٢ - التهذيب، ج ٤، ص٢٠٧.
٣ - ذخائر العقبى، ص١٣٦.
٤ - سنن النسائي، ج ٣، ص١٩٢.
سنن الترمذي: مثلها.(١)
تهذيب ابن عساكر: عن أبي هريرة: أن رسول الله (ص) قال: اللَّهُم إني أحبهما. واخرج أبو يعلى والحافظ عن أبي هريرة: من أحبّ الحسن والحسين فقد أحبّني ومن أبغضهما فقد أبغضني. ورواه الإمام أحمد وأخرجه الحافظ عن عبد الله بلفظ: هذان إبناي من أحبهما فقد أحبني. وفي لفظ: من أحبني فليحبّ هذين. ورواه أبو يعلى والخطيب والبيهقي، ورواه الحافظ عن أبي بكرة بلفظ: أن ابنيّ هذين ريحانتيّ من الدنيا.(٢)
ذخائر العقبى: عن أنس قال: سئل النبي (ص) أي أهل بيتك أحبّ إليك؟ قال: الحسن والحسين، وكان يقول لفاطمة: ادعي لي ابنيّ فيشمّهما ويضمّهما إليه.(٣)
ابن ماجة: بإسناده أنهم خرجوا مع النبي (ص) إلى طعام دُعوا له، فإذا حسين يلعب في السكة، قال: فتقدم النبي (ص) أمام القوم وبسط يديه، فجعل الصبي يفر هاهنا وهاهنا ويضاحكه النبي (ص) حتى أخذه، فجعل إحدى يديه تحت ذقنه والأخرى في فأس رأسه فقبّله وقال: حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسيناً، حسين سبط من الأسباط.(٤)
مسند أحمد: ما يقرب منها.(٥)
سنن الترمذي: قال رسول الله (ص): حسين مني وأنا من حسين أحب الله الحديث.(٦)
الكنى للدولابي: عن يعلى بن مرّة، قال: خرجنا مع رسول الله (ص) ودُعينا إلى طعام فإذا حسين الحديث.(٧)
____________________
١ - سنن الترمذي، ص٥٤٠.
٢ - تهذيب ابن عساكر، ج ٤، ص٢٠٤.
٣ - ذخائر العقبى، ص١٢٢.
٤ - ابن ماجة، ج ١، ص٦٥.
٥ - مسند أحمد، ج ٤، ص١٧٢.
٦ - سنن الترمذي، ص٥٤٠.
٧ - الكنى للدولابي، ج ١، ص٨٨.
البيان والتعريف: كما مر، وفيه: الحسن والحسين سبطان من الأسباط. أخرجه البخاري في الأدب والترمذي وابن ماجة والحاكم عن يعلى بن مرة، قال الهيثمي إسناده حسن.(١)
مستدرك الحاكم: عن يعلى يروي قريباً من ابن ماجة.
ويروي: عن أبي هريرة قال: رأيت رسول الله (ص) وهو حامل الحسين بن عليّ وهو يقول: اللَّهُم إني أحبه فأحبّه.(٢)
وقالالحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يُخرجاه.
أخبار إصبهان: عن سلمان قال: قال رسول الله (ص) للحسن والحسين: من أحبهما أحببته، ومن أحببته أحبه الله، ومن أحبه الله أدخله جنات النعيم. ومن أبغضهما أو بغى عليهما أبغضته، ومن أبغضته أبغضه الله، ومن أبغضه الله أدخله نار جهنم وله عذاب مقيم.(٣)
مسند أحمد: عن عطاء، أن النبي (ص) يضمّ إليه حسناً وحسيناً يقول: اللَّهُم إني أحبهما فأحبّهما.(٤)
التهذيب: عن يعلى، جاء الحسن والحسين يسعيان إلى رسول الله (ص) فأخذ أحدهما فضمّه إلى إبطه وأخذ الآخر فضمه إلى إبطه الآخر، وقال: هذان ريحانتان من الدنيا من أحبني فليُحبهما.(٥)
ويروي: عن المقدام، أن النبي (ص) قال: الحسن مني والحسين من علي.
ويروي أيضاً: أن مروان قال لأبي هريرة: ما وجدت عليك في شيء منذ اصطحبنا إلا في حبك الحسن والحسين، فتخفّز أبو هريرة فجلس فقال: اشهد لقد خرجنا مع رسول الله (ص) حتى إذا كنا ببعض الطريق، سمع رسول
____________________
١ - البيان والتعريف، ج ٢، ص٢٣.
٢ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص١٧٧.
٣ - أخبار أصبهان، ج ١، ص٥٦.
٤ - مسند أحمد، ج ٥، ص٣٦٩.
٥ - التهذيب، ج ٤، ص٢٠٦.
الله (ص) صوت الحسن والحسين وهما يبكيان وهما مع أمهما، فأسرع السير حتى أتاهما، فسمعته يقول: ما شأن ابنيّ؟ فقالت: العطش فأخذه فضمّه إلى صدره وهو يضغو ما يسكت، فأدلع له لسانه فجعل يمصّه حتى هدأ وسكن، فلم أسمع له بكاء، والآخر يبكي كما هو ما يسكت، فقال: ناوليني الآخر، فناولته إياه ففعل به كذلك فسكت فلم أسمع لهما صوتاً. فقال: سيروا، فصدعنا يميناً وشمالاً عن الظعائن حتى لقيناه على قارعة الطريق، فكيف لا أحب هذين وقد رأيت هذا من رسول الله (ص).(١)
ابن ماجة: عن ابن عمر: قال رسول الله (ص): الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما.(٢)
مستدرك الحاكم: يروي بأسناد مختلفة نظيره.(٣)
ويروي: عن حذيفة عن النبي (ص)، قال: أتاني جبريل فقال: إن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة.(٤)
تهذيب ابن عساكر: عن حذيفة قال: أتيت النبي (ص) وهو يصلّي ثم قال: أما رأيت العارض الذي عرض لي قبيل ذلك؟ فقلت: بلى. قال: هو ملك من الملائكة لم يهبط إلى الأرض قطّ قبل هذه الليلة، استأذن ربه أن يُسلم عليّ وبشّرني أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأن فاطمة سيدة أهل الجنة.
مسند أحمد: عن الخدري، قال رسول الله (ص): الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة.(٦)
ويروي: عن حذيفة كما فيالتهذيب .(٧)
____________________
١ - نفس المصدر السابق، ص٢٠٨.
٢ - ابن ماجة، ج ١، ص٥٦.
٣ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص١٦٧.
٤ - نفس المصدر، ص٣٨١.
٥ - تهذيب ابن عساكر، ج ٤، ص٩٥.
٦ - مسند أحمد، ج ٣، ص٣.
٧ - نفس المصدر، ج ٥، ص٣٩١.
التهذيب: عن جابر مرفوعاً: من سره أن ينظر إلى سيدي شباب أهل الجنة فلينظر إلى الحسن والحسين.(١)
أقول: يستفاد من هذه الأحاديث أنهما كانا يمشيان في ضوء البرق، وكانا أشبه برسول الله، وعوَّذهما رسول الله، وأورثهما الحلم والهيبة والنجدة والجود، وأن رسول الله كان حاملهما، وأنهما سبطا رسول الله وسيدا شباب أهل الجنة، وكان رسول الله يحبهما ويشمّهما ويضمّهما إليه، ويقول: إنهما ريحانتاي ومن أحبهما فقد أحبه الله ورسوله.
____________________
١ - التهذيب، ج ٤، ص٢٠٦.
الإمام الحسن بن عليّ
(عليهما السلام)
الأئمة الاثني عشر لابن طولون: وقد أشار إليهم في ضمن قصيدة، الإمام أبو الفضل يحيى بن سلامة الحصفكي ( الحصكفي ) منها:
أسأل عن قلبي وعن أحبابه |
ومنهم كل مُقر يجحد |
|
هم الحياة أغربوا أم أشأموا |
أم أتهموا أم أيمنوا أم أنجدوا |
|
هيهات ممزوج بلحمي ودمي |
حبهم وهو الهُدى والرشد |
|
حيدرة والحسنان بعده |
ثم علي وابنه محمد |
|
وجعفر الصادق وابن جعفر |
موسى ويتلوه عليّ السيد |
|
اعني الرضا ثم ابنه محمد |
ثم عليّ وابنه المسدد |
|
الحسن التالي ويتلو تلوه |
محمد بن الحسن المعتَقَد |
|
قوم هم أئمتي وسادتي |
وإن لحاني معشر وفنّدوا |
|
هم حجج الله على عباده |
وهم إليه منهج ومقصد |
|
قوم أتى في ( هل أتى ) مديحهم |
هل شك في ذلك إلا مُلحد |
|
ومن يخُن أحمد في أولاده |
فخصمه يوم التلاقي أحمد |
|
والشافعي مذهبي مذهبه |
لأنه في قوله مؤيد(١) |
ويروي: وثانيهم الحسن بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي المدني، أبو محمد سبط رسول الله (ص) وريحانته وابن فاطمة بنت رسول الله (ص) سيدة نساء العالمين، ولد في نصف رمضان سنة ثلاث من الهجرة، روى عن النبي (ص) أحاديث(٢)
____________________
١ - الأئمة الاثني عشر لابن طولون، ص٣٩.
٢ - نفس المصدر، ص٦٣.
سير الأعلام: فأخّر يزيد بن معاوية الحسن بن عليّ، فقال له أبوه: فأخّرت الحسن؟ قال: نعم. قال: لعلك تظن أن أمك مثل أمه، أو جدّك مثل جدّه!، فأما أبوك وأبوه فقد تحاكما إلى الله فحُكم لأبيك على أبيه.(١)
أقول: راجع في موضوع التحاكم إلى "فتنة حرب صفين".
ويروي : سمعت الحسن يخطب ويقول: يا أهل الكوفة، اتقوا الله فينا، فإنا أمراؤكم وإنا أضيافكم، ونحن أهل البيت الذي قال الله فيهم:( إِنَّما يُريدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ) . قال: فما رأيت قطّ باكياً أكثر من يومئذٍ.(٢)
أقول: قد استقصينا حالات الإمام المجتبى (ع) في مجموعة مستقلة، فراجعها.
البدء والتاريخ: وقال آخرون: إن معاوية دسّ إلى جعدة بنت الأشعث بأن تسمّ الحسن ويزوّجها يزيد، فسمّته وقتلته، فقال لها معاوية: إن يزيد منّا بمكان، وكيف يصلح له من لا يصلح لابن رسول الله (ص)، وعوّضها منه مئة ألف درهم.(٣)
الاستيعاب: فلما مات الحسن، أتى الحسينُ عائشة فطلب ذلك إليها، فقالت: نعم وكرامة، فبلغ ذلك مروان، فقال مروان: كذب وكذبت، والله لا يدفن هناك أبداً، منعوا عثمان من دفنه في المقبرة ويريدون دفن الحسن في بيت عائشة فبلغ ذلك أبا هريرة فقال: والله ما هو إلا ظلم، يُمنع الحسن أن يُدفن مع أبيه!! والله، إنه لابن رسول الله (ص). ثم انطلق إلى الحسين فكلّمه وناشده الله، وقال له: أليس قد قال أخوك: إن خفت أن يكون قتال فرُدّوني إلى مقبرة المسلمين، فلم يزل به حتى فعل وحمله إلى البقيع.(٤)
الفصول المهمة لابن صبّاغ: لما صالح معاوية فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على نبيه محمد (ص) وآله، ثم قال: أيها الناس، أكيس الكيْس التقيّ،
____________________
١ - سير الأعلام، ج ٣، ص١٧٢.
٢ - نفس المصدر، ص١٨٠.
٣ - البدء والتاريخ، ج ٦، ص٥.
٤ - الاستيعاب، ج ١، ص٣٩٢.
وأحمق الحُمق الفَجور، ولو أنكم طلبتم ما بين جابرقا وجابرسا من جده رسول الله (ص) ما وجدتموه غيري وغير أخي الحسين، وقد علمتم أن الله تعالى جلَّ ذكره وعزَّ اسمه هداكم بجدي محمد (ص)، وأنقذكم من الضلالة، وخلّصكم من الجهالة، وأعزّكم به بعد الذلة، وكثركم به بعد القلّة. وإن معاوية نازعني حقاً هو لي دونه، فنظرت لصلاح الأمة وقطع الفتنة، وقد كنتم بايعتموني على أن تسالموا من سالمني وتحاربوا من حاربني، فرأيت أن أسالم لمعاوية، وأضع الحرب بيني وبينه، وقد بايعته ورأيت أن حقن دماء المسلمين خير من سفكها، ولا أرِد بذلك إلا صلاحكم وبقاءكم( وَإِنْ أَدْري لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حينٍ ) . (١)
أقول: هذه الخطبة بطرقها وهكذا سائر كلماته (ع) منقولة في رسالة الإمام المجتبى فراجعه.
مقاتل الطالبيين: وانصرف الحسن (رض) إلى المدينة فأقام بها، وأراد معاوية البيعة لابنه يزيد، فلم يكن شيء أثقل من أمر الحسن بن عليّ، وسعد بن أبي وقاص، فدسّ إليهما سماً فماتا منه.(٢)
ويروي: لما مات الحسن بن علي، وأخرجوا جنازته، حمل مروان سريره، فقال له الحسين: أتحمل سريره!! أما والله لقد كنت تجرعه الغيظ! فقال مروان: إني كنت أفعل ذلك بمن يوازن حلمه الجبال.(٣)
____________________
١ - الفصول المهمّة لابن صباغ، ص١٤٥.
٢ - مقاتل الطالبيين، ص٧٣.
٣ - نفس المصدر، ص٧٦.
الإمام الحسين بن علي
(عليهما السلام)
الأئمة الاثني عشر: وثالثهم الحسين بن علي بن أبي طالب القرشيّ الهاشميّ المدنيّ، أبو عبد الله سبط رسول الله (ص) وريحانته، وهو وأخوه الحسن سيدا شباب أهل الجنة وُلد الحسين (رض) لخمس خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة، قاله الزبير بن بكار وغيره.(١)
سير الأعلام: الإمام الشريف الكامل سبط رسول الله (ص) وريحانته من الدنيا ومحبوبه، أبو عبد الله الحسين بن أمير المؤمنين أبي الحسن عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف.(٢)
ويروي: عن يعلى العامريّ قال رسول الله (ص): حسين سبط من الأسباط، من أحبني فليحبّ حسيناً. وفي لفظ: أحبّ الله من أحبّ حسيناً.(٣)
الاستيعاب: علقت فاطمة بالحسين بعد مولد الحسن بخمسين ليلة ولم يكن بين الحسن والحسين إلا طهر واحد وعقّ عنه رسول الله (ص) كما عقّ عن أخيه، وكان الحسين فاضلاً ديّناً كثير الصيام والصلاة والحج.(٤)
كفاية الطالب للگنجي بإسناده عن ربيعة السعدي: لما اختلف الناس في التفضيل رحلت وأخذت زادي وخرجت حتى دخلت المدينة، فدخلت على حذيفة بن اليمان، فقال لي: ممن الرجل؟ قلت: من أهل العراق. فقال لي: من أيّ العراق؟ قلت: رجل من أهل الكوفة، قال مرحباً بكم يا أهل الكوفة.
____________________
١ - الأئمة الاثنى عشر، ص٧١.
٢ - سير الأعلام ج ٣، ص١٨٨.
٣ - نفس المصدر، ص١٩٠.
٤ - الاستيعاب، ج ١، ص٣٩٣.
قلت: اختلف الناس في التفضيل فجئت لأسألك عن ذلك؟ فقال لي: على الخبير سقطت، أما إني لا أحدّثك إلا ما سمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي: خرج علينا رسول الله (ص) كأني أنظر إليه كما أنظر إليك الساعة حامل الحسين بن علي (ع) على عاتقه، كأني انظر إلى كفّه الطيبة واضعها على قدمه يُلصقها صدره، فقال: أيها الناس لأعرّفنّ ما اختلفتم فيه من الخيار بعدي، هذا الحسين بن علي خير الناس جداً وجده، جده محمد رسول الله (ص) سيد النبيين، وجدّته خديجة بنت خويلد سابقة نساء العالمين إلى الإيمان بالله ورسوله. هذا الحسين بن علي خير الناس أباً وخير الناس أمّاً، أبوه عليّ بن أبي طالب أخو رسول الله ووزيره وابن عمه وسابق رجال العالمين. هذا الحسين بن علي خير الناس عماً وخير الناس عمة، عمه جعفر بن أبي طالب المزيّن بالجناحين يطير بهما في الجنة حيث يشاء، وعمّته أم هاني بنت أبي طالب. هذا الحسين بن عليّ خير الناس خالاً وخالة، خاله القاسم بن محمد رسول الله، وخالته زينب بنت محمد. ثم وضعه على عاتقه فدرج بين يديه وجثا. ثم قال: أيها الناس، هذا الحسين بن علي جده وجدته في الجنة، وأبوه وأمه في الجنة، وعمه وعمته في الجنة، وخاله وخالته في الجنة، إنه لم يؤت أحد من ذرية النبيين ما أوتي الحسين بن عليّ، ما خلا يوسف بن يعقوب.(١)
قلت [الگنجي ]: هذا سند اجتمع فيه جماعة من أئمة الأمصار.
تهذيب ابن عساكر: مثله.(٢)
ويروي أيضاً: بإسناده عن أبي المهزم، قال: كنا مع جنازة امرأة ومعنا أبو هريرة، فجيء بجنازة رجل فجعله بينه وبين المرأة، فصلى عليهما، فلما أقبلنا على الحسين (عليه السلام) فقعد في الطريق. فجعل أبو هريرة ينفض التراب عن قدميه بطرف ثوبه، فقال الحسين (ع): يا أبا هريرة وأنت تفعل هذا! فقال
____________________
١ - كفاية الطالب للكنجي، ص٢٧٣.
٢ - تهذيب ابن عساكر، ج ٤، ص٣٢٠.
أبو هريرة: دعني فوالله لو علم الناس منك ما أعلم لحملوك على رقابهم.(١)
قلت: رواه كاتب الواقدي في كتابه، وأخرجه محدث الشام في تاريخه.
الإمامة والسياسة: وكتب إليه الحسين (رض): أما بعد، فقد جاءني كتابك تذكر فيه أنه انتهت إليك عني أمور ما أردت حرباً ولا خلافاً، وإني لأخشى الله في ترك ذلك منك ومن حزبك القاسطين المحلين. حزب الظالم وأعوان الشيطان الرجيم، ألست قاتل حُجر وأصحابه العابدين المُخبتين أوَلست قاتل عمرو بن الحمق الذي أخلقت وأبلت وجهه العبادة، فقتلته بعد ما أعطيته من العهود أوَلست المدعي زياداً في الإسلام فزعمت أنه ابن أبي سفيان، وقد قضى رسول الله (ص) أن (الولد للفراش وللعاهر الحجر)، ثم سلّطته على أهل الإسلام يقتلهم ويقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ويصلّبهم على جذوع النخل. سبحان الله يا معاوية! لكأنك لست من هذه الأمة وليسوا منك وقلت فيما قلت: انظر لنفسك ولدينك ولأمة محمد! وإني والله ما أعرف أفضل من جهادك، فإن أفعل فإنه قربة إلى ربي، وإن لم أفعله فاستغفر الله لديني وأسأله التوفيق لما يحبّ ويرضى وأعلم أن الله ليس بناس لك قتلك بالظنة وأخذك بالتهمة، وإمارتك صبياً يشرب الشراب ويلعب بالكلاب، ما أراك إلا وقد أوثقت نفسك وأهلكت دينك وأضعت الرعية.(٢)
الكامل لابن الأثير: ثم إن الحسين خطبهم: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إن رسول الله (ص) قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنة رسول الله (ص)، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يُغيّر ما عليه بفعل ولا قول، كان حقاً على الله تعالى أن يُدخله مدخله، ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن وأظهروا الفساد وعطّلوا الحدود واستأثروا بالفيء وأحلوا حرام الله وحرّموا حلاله، وأنا أحقّ من غيري، وقد أتيتني كتبتم ورسلكم ببيعتكم، وأنكم لا تُسلموني ولا تخذلوني، فإن أقمتم على
____________________
١ - كفاية الطالب، ص٢٧٨.
٢ - الإمامة والسياسة، ص١٤٨.
بيعتكم تُصيبوا رشدكم، وأنا الحسين بن علي وابن فاطمة بنت رسول الله (ص)، نفسي مع نفسكم وأهلي مع أهلكم، فلكم فيّ أسوة حسنة، وإن لم تفعلوا ونقضتم عهدي وخلعتم بيعتي فلعمري ما هي لكم بنكير، لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمّي مسلم بن عقيل، والمغرور من أغترّ بكم، فحظّكم أخطأتم ونصيبكم ضيّعتم، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه، وسيُغني الله عنكم. والسلام.
سأمضي وما بالموت عار على الفتى |
إذا ما نوى خيراً وجاهد مسلما |
|
و واوسى رجالاً صالحين بنفسه |
وخالف مثبوراً وفارق مُجرما |
|
فإن عشت لم أندم وإن مت لم ألم |
كفي بك ذلاً أن تعيش وتُرغما(١) |
____________________
١ - الكامل لابن الأثير، ج ٤، ص٢٠.
فتنة:
قتل الحسين (ع)
سير الأعلام: عن أنس شهدت ابن زياد حيث أُتي برأس الحسين فجعل ينكث بقضيب معه، فقلت: أما أنه أشبههما بالنبي (ص).(١)
ويروي: عن ابن أبي نعم قال: كنت عند ابن عمر فسأله رجل عن دم البعوض؟ فقال: ممن أنت؟ فقال: من أهل العراق. قال: انظر إلى هذا يسألني عن دم البعوض! وقتلوا ابن رسول الله (ص)!! وقد سمعت رسول الله (ص) يقول: هما ريحانتاي من الدنيا.(٢)
البدء والتاريخ: فذكر أن يزيد أمر بنسائه وبناته فأقمن بدرجة المسجد حيث توقف الأسارى لينظر الناس إليهن، ووضع رأسه بين يديه وجعل ينكث بالقضيب في وجهه وهو يقول:
ليت أشياخي ببدر شهدوا |
جزع الخزرج من وقع الأسل |
|
ولأهلوا واستهلّوا فرحاً |
ولقالوا يا يزيد لا تشل |
فقام أبو برزة الأسلمي فقال: أما والله لقد أخذ قضيبك من ثغره مأخذاً، لربَّما رأيت رسول الله (ص) يرشفه. ثم بعث يزيد (عليه اللعنة) بأهله وبناته إلى المدينة، ورثته ابنة عقيل بن أبي طالب:
ماذا تقولون ان قال المليكُ لكم |
ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم |
|
بعترتي وبأهلي بعد مُفتقدي |
منهم أُسارى وقتلى ضرّجوا بدم(٣) |
____________________
١ - سير الأعلام، ج ٣، ص١٨٨.
٢ - نفس المصدر، ص١٨٩.
٣ - البدء والتاريخ، ج ٦، ص١١.
سير الأعلام: عن سعد بن جمهان: أن النبي (ص) أتاه جبريل بتراب من التربة التي يقتل بها الحسين، وقيل اسمها: كربلاء. فقال النبي (ص): كرب وبلاء.(١)
ويروي أيضاً: قال الحسين (ع): فارجعوا إلى أنفسكم هل يصلح لكم قتلي أو يحل دمي؟ ألست ابن بنت نبيكم وابن ابن عمه؟ أوليس حمزة والعباس وجعفر عمومتي؟ ألم يبلغكم قول رسول الله (ص) فيّ وفي أخي: هذان سيدا شباب أهل الجنة.(٢)
ويروي: عن زيد بن أرقم ؛ كنت عند عبيد الله فأتي برأس الحسين، فأخذ قضيباً فجعل يفترّ به على شفتيه، فلم أرَ ثغراً كان أحسن منه كأنه الدرّ، فلم أملك أن رفعت صوتي بالبكاء، فقال: ما يُبكيك أيها الشيخ؟ قلت: يُبكيني ما رأيت من رسول الله (ص) رأيته يَمصّ موضع هذا القضب ويلثمه، ويقول: اللَّهُم إني أحبه فأحبه.(٣)
ويروي: عن يونس بن حبيب: لما قتل عبيد الله الحسين بعث برؤوسهم إلى يزيد، فسرّ بقتلهم أولاً، ثم لم يلبث حتى ندم على قتلهم، فكان يقول: وما عليّ لو احتملت الأذى وأنزلت الحسين معي وحكّمتهم فيما يريد وإن كان على ذلك وهن، حفظاً لرسول الله (ص) ورعاية لحقه. لعن الله ابن مرجانة! (يعني عبيد الله) فإنه أخرجه واضطرّه، وقد كان سأل أن يُخلي سبيله أن يرجع من حيث أقبل، أو يأتيني فيضع يده في يدي، أو يلحق بثَغر من الثُغور، فأبى ذلك عليه وقتله، فأبغضني بقتله المسلمون وزرع لي في قلوبهم العداوة.(٤)
ويروي: عن شهر بن حوشب. كنت عند أمّ سلمة زوج النبي (ص) حين أتاها قتلُ الحسين (ع) فقالت: قد فعلوها ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً، ووقعت
____________________
١ - سير الأعلام، ج ٣، ص١٩٥.
٢ - نفس المصدر، ص٢٠٣.
٣ - سير الأعلام، ج ٣، ص٢١٢.
٤ - نفس المصدر، ص٢١٤.
مغشيّاً عليها، فقمنا.(١)
الاستيعاب: عن الحسن البصري أصيب مع الحسين بن عليّ ستة عشر رجلاً من أهل بيته ما على وجه الأرض يومئذٍ لهم شبه.(٢)
الكامل لابن الأثير: فأرسل عمر بن سعد بن الحجاج على خمسمئة فارس، فنزلوا على الشريعة وحالوا بين الحسين وبين الماء، وذلك قبل قتل الحسين بثلاثة أيام، ونادى عبيد الله بن الحصين الأزدي: يا حسين، أما تنظر إلى الماء لا تذوق له من قطرة حتى تموت عطشاً. قال، فمرض فيما بعد، فكان يشرب الماء من القلة ثم يقيء، ثم يعود فيشرب حتى يتغرغر ثم يقيء. ثم يشرب فما يروي، فما زال كذلك حتى مات.(٣)
ويروي أيضاً: أما بعد، فانسبوني فانظروا من أنا، ثم راجعوا أنفسكم فعاتبوها، وانظروا هل يصلح ويحلّ لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟ ألست ابن بنت نبيكم؟ وابن وصيّه وابن عمه وأولى المؤمنين بالله والمصدّق لرسوله؟ أوَليس حمزة سيد الشهداء عمّ أبي؟ أوَليس جعفر الشهيد الطيار في الجنة عمي؟ أوَلم يبلغكم قول مستفيض إن رسول الله (ص) قال لي ولأخي: أنتما سيدا شباب أهل الجنة وقرنا عين أهل السنة. فان صدّقتموني بما أقول، وهو الحق، والله ما تعمدت كذباً مذ علمت أن الله يمقت عليه، وإن كذّبتموني فإن فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم. سلوا جابر بن عبد الله وأبا سعيد أو سهل بن سعد أو زيد بن أرقم أو أنساً يُخبروكم أنهم سمعوه من رسول الله (ص). أمَا في هذا حاجز يحجزكم عن سفك دمي؟ لا والله لا أُعطهم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقرّ إقرار العبيد. عباد الله إني عذب بربّي وربّكم أن ترجموني، أعوذ
____________________
١ - نفس المصدر السابق، ص٢١٥.
٢ - الاستيعاب، ج ١، ص٢٩٦.
٣ - الكامل لابن الأثير، ج ٤، ص٢٢.
بربّي وربّكم من كلّ متكبّر لا يؤمن بيوم الحساب.(١)
ويروي أيضاً: فقال الحُرّ: يا أهل الكوفة، لأمكم الهبل والعبر دعوتموه حتى إذا أتاكم سلّمتموه وزعمتم أنك قاتلوا أنفسكم دونه، ثم عدوتم عليه لتقتلوه، أمسكتم بنفسه وأحطتم به، ومنعتموه من التوجه في بلاد الله العريضة حتى يأمن ويأمن أهل بيته، فأصبح كالأسير لا يملك لنفسه نفعاً ولا يدفع عنها ضراً، ومنعتموه ومن معه عن ماء الفرات الجاري، يشربه اليهودي والنصرانيّ والمجوسيّ، يتمرّغ فيه خنازير السواد وكلابه، وها هو وأهله قد صرعهم العطش، بئس ما خلفتم محمداً في ذرّيته، لا سقاكم الله يوم الظمأ إن لم تتوبوا.(٢)
ويروي: وقيل لما وصل رأس الحسين (ع) إلى يزيد حسنت حال ابن زياد عنده وزاده ووصله، وسرّه ما فعل، ثم لم يلبث إلا يسيراً حتى بلغه بُغض الناس له ولعنُهم وسبهم، فندم على قتل الحسين فكان يقول: وما عليَّ لو احتملت الأذى وأنزلت الحسين معي في داري، وحكّمته فيما يريد، وإن كان عليّ في ذلك وهن في سلطاني، حفظا لرسول الله (ص) ورعاية لحقه وقرابته، لعن الله ابن مرجانة، فإنه اضطرّه.(٣)
____________________
١ - نفس المصدر السابق، ص٢٥.
٢ - الكامل لابن الأثير، ج ٤، ص٢٦.
٣ - نفس المصدر، ص٣٦.
فتنة:
بيعة يزيد
البدء والتاريخ: ولما بويع يزيد تلكّأ الحسين وعبد الله بن الزبير عن بيعته، ولحقا بمكة. فأما الحسين فخرج إلى الكوفة حتى استشهد بكربلاء. وأما عبد الله فامتنع بمكة ولاذ بالكعبة ودعا الناس إلى الشورى، وجعل يلعن يزيد وسماه الفاسق المتكبّر، وقال: لا يرضى الله بعهد معاوية إلى يزيد وبلغ الخبر يزيد فبعث مسلم بن عقبة المُرّي في جيش كثيف فجاء مسلم بن عقبة فأوقع بالمدينة، وقتل أربعة آلاف رجل من أفناء الناس، وسبعين رجلاً من الأنصار، وبقر بطون النساء وأباح الحُرم، وأنهب المدينة ثلاثة أيام، وبايعهم على أنه فيء ليزيد وجعل يفعل فيهم ما شاء، وكانت الوقعة بالحرة وهي ضاحي المدينة ثم سار نحو مكة وكان وُلد يزيد بالماطرون ومات بحوارين، وهو ابن ثمان وثلاثين سنة. وفيه يقول الشاعر
يا أيها القبر بحوارينا |
ضممت شر الناس أجمعينا |
ولما مات يزيد، صار الأمر إلى ولده معاوية بن يزيد، وكان قدريّاً فخطب معاوية فقال: إنَّا بُلينا بكم وابتليتم بنا، وإن جدّي معاوية نازع الأمر من كان أولى به وأحقّ، فركب منه ما تعلمون حتى صار مرتهناً بعمله، ثم تقلّده أبي، ولقد كان غير خليق به، فركب رَدعه واستحسن خطأه، ولا أحبّ أن ألقى الله بتباعتكم، فشأنكم وأمركم، ولّوه من شئتم، فوالله لئن كانت الخلافة مغنماً ؛ لقد أصبنا منها حظاً، وإن كانت شراً ؛ فحسبُ آل أبي سفيان ما أصابوا منها. ثم نزل وأغلق الباب في وجهه.(١)
____________________
١ - البدء والتاريخ، ج ٦، ص١٣.
الإمامة والسياسة: فقام الحسين فحمد الله وصلى على الرسول، ثم قال: أما بعد، يا معاوية فلن تؤدّي القائل وإن أطنب في صفة الرسول (ص).. وفهمت ما ذكرته عن يزيد من اكتماله وسياسته لأمة محمد: تريد أن توهم الناس في يزيد، كأنك تصف محجوباً أو تنعت غائباً أو تخبر عما كان مما احتويته بعلم خاص، وقد دلّ يزيد من نفسه على موقع رأيه، فخذ ليزيد فيما أخذ به من استقرائه الكلاب المُهارشة عند التحارش والحمام السبق لأترابهن والقينات ذوات المعارف وضروب الملاهي.(١)
ويروي: وذكروا أنّ مسلماً لما فرغ من قتال أهل المدينة ونهبها، كتب إلى يزيد بن معاوية، وفيها: فما صليت الظهر أصلح الله أمير المؤمنين إلا في مسجدهم بعد القتل الذريع والانتهاب العظيم، وأوقعنا بهم السيوف وقتلنا من أشرف لنا منهم، وأتبعنا مُدبرهم وأجهزنا على جريحهم، وانتهبناها ثلاثاً كما قال أمير المؤمنين أعزّ الله نصره، وجعلت دور بني الشهيد عثمان بن عفان في حرز وأمان، فالحمد لله الذي شفا صدري من قتل أهل الخلاف القديم والنفاق العظيم، فطالما عتوا وقديماً ما طغوا.(٢)
الخلفاء للسيوطي: قال الحسن البصريّ: أفسد أمر الناس اثنان: عمرو بن العاص يوم أشار على معاوية برفع المصاحف، فحُملت، ونال من القرّاء فحكّم الخوارج، فلا يزال هذا التحكيم إلى يوم القيامة. والمغيرةُ بن شعبة فإنه كان عامل معاوية على الكوفة، فكتب إليه معاوية إذا قرأت كتابي فأقبل معزولاً، فأبطأ عنه، فلما ورد عليه. قال: ما أبطأ بك؟ قال: أمر كنت أوطّئه وأهيِّئه، قال: وما هو؟ قال: البيعة ليزيد من بعدك قال: أو قد فعلت؟ قال: نعم. قال: ارجع إلى عملك. فلما خرج قال له أصحابه: ما وراءك؟ قال: وضعت رجل معاوية في غرز غيّ لا يزال فيه إلى يوم القيامة.(٣)
____________________
١ - الإمامة والسياسة، ص١٥٢.
٢ - نفس المصدر، ص١٧٨.
٣ - الخلفاء للسيوطي، ص٧٩.
تاريخ الخلفاء: وكانت وقعة الحرة على باب طيبة، وما أدراك ما وقعة الحرة. ذكرها الحسن مرّة فقال: والله، ما كان ينجو منهم أحد، قتل فيها خلق من الصحابة (رضي الله عنهم) ومن غيرهم، ونُهبت المدينة، وافتض فيها ألف عذراء، فإنا لله وإنا إليه راجعون. قال صلّى الله عليه وسلّم:من أخاف أهل المدينة أخافه الله وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين . وإن عبد الله بن حنظلة بن الغسيل قال: والله، ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نُرمى بالحجارة من السماء، إنه رجل ينكح أمهات الأولاد والبنات والأخوات ويشرب الخمر ويدع الصلاة.(١)
مروج الذهب: وكان يزيد صاحب طرب وجوارح وكلاب وقرود وفهود ومنادمة على الشراب، وجلس ذات يوم على شرابه وعن يمينه ابن زياد، وذلك بعد قتل الحسين، فأقبل على ساقيه
أسقني شربة تَروى مشاشي |
ثم صل فاسق مثلها ابن زياد |
|
صاحبَ السر والأمانة عندي |
ولتسديد مغنمي وسدادي |
ثم أمر المغنّين فغنّوا، وغلب على أصحاب يزيد وعماله ما كان يفعله من الفسوق، وفي أيامه ظهر الغناء بمكة والمدينة، واستعملت الملاهي، وأظهر الناس شرب الشراب، وكان له قرد يكنّى بأبي قيس يحضر مجلس منادمته.(٢)
____________________
١ - تاريخ الخلفاء، ص٨١.
٢ - مروج الذهب، ج ٢، ص٩٤.
الإمام الرابع
علي بن الحسين (عليهما السلام)
الأئمّة الاثني عشر: ورابعهم علي (رض) وهو أبو الحسن عليّ بن الحسين المعروف بزين العابدين، ويقال له: علي الأصغر، وليس للحسين (رض) عقب إلا من ولد زين العابدين هذا، وهو من سادات التابعين.
قالالزهري: ما رأيت قرشيّاً أفضل منه وفضائل زين العابدين ومناقبه أكثر من أن تحصى، وكانت ولادته يوم الجمعة في بعض شهور سنة ثمان وثلاثين من الهجرة.(١)
وفيات الأعيان: كما قلنا في الأئمة كلمة بكلمة.(٢)
الاستيعاب: عن سفيان بن عيينة، قال لي جعفر بن محمد: توفى عليّ بن أبي طالب وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وقتل الحسين بن عليّ وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وتوفِّي علي بن الحسين وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وتوفِّي محمد بن علي بن الحسين وهو ابن ثمان وخمسين سنة. وقال لي جعفر بن محمد: وأنا بهذه السنة في ثمان وخمسين فتوفى فيها.(٣)
كفاية الطالب: مولانا زين العابدين ومنار القانتين أبو محمد علي بن الحسين بن علي (عليه السلام)، كان عابداً وفيّاً وجواداً حفيّاً، وأمه شاه زنان بنت يزدجرد بن شهريار ابن كسرى.(٤)
ويروي: عن عبد الرحمن القرشيّ وكان إذا توضّأ اصفرّ، فيقول له أهله:
____________________
١ - الأئمة الاثنى عشر، ص٧٥.
٢ - وفيات الأعيان، ج ١، ص٣٤٧.
٣ - الاستيعاب، ج ١، ص٣٩٧.
٤ - كفاية الطالب، ص٢٩٨.
ما هذا الذي يعتادك عند الوضوء؟ فيقول: أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم.(١)
ويروي: عن سفيان بن عيينة: حج عليّ بن الحسين، فلما أحرم واستوت به راحلته اصفرّ لونه وانتفض ووقعت عليه الرعدة ولم يستطع أن يُلبّي، فقيل له: ما لك؟ فقال: أخشى أن أقول: لبيك، فيقال: لا لبيك، فقيل له: لا بد من هذا. قال: فلما لبى غشي عليه وسقط من راحلته، فلم يزل يعتريه ذلك حتى قضى حجه.(٢)
قلت: رواه ابن عساكر في تاريخه.
حلية الأولياء: عن ابن عائشة، سمعت أهل المدينة يقولون: ما فقدنا صدقة السر حتى مات علي بن الحسين.(٣)
تذكرة الحفاظ: عليّ بن الحسين بن أمير المؤمنين عليّ، زين العابدين، أبو الحسين الهاشميّ المدنيّ، حضر كربلاء مريضاً، فقال عمر بن سعد: لا تعرضوا لهذا. وكان يومئذٍ ابن نيف وعشرين سنة. وكان من أفضل أهل بيته وأحسنهم طاعة وأحبهم إلى عبد الملك. قال أبو حازم: ما رأيت هاشمياً أفضل منه. وعن ابن المسيّب: ما رأيت أورع منه. وقال مالك: بلغني أنه كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة إلى أن مات، وكان يسمّى (زين العابدين) لعبادته.(٤)
الطبقات الكبرى: عن عبد الله بن أبي سليمان: كان عليّ بن الحسين (ع) إذا مشى لا تجاوز يده فخذه ولا يَخطر بيده، وكان إذا قام إلى الصلا أخذته رِعدة، فيقل له: ما لك؟ فقال: ما تدرون بين يديّ من أقوم وأناجي.(٥)
ويروي أيضاً: أن عليّ بن الحسين يُبخّل، فلما مات وجدوه يقوت مئة أهل بيت بالمدينة في السرّ. قالوا: وكان ثقة مأموناً كثيراً الحديث عالياً رفيعاً ورعاً.(٦)
____________________
١ - نفس المصدر، ص٣٠٠.
٢ - نفس المصدر، ص٣٠١.
٣ - حلية الأولياء، ج ٣، ص١٣٦.
٤ - تذكرة الحفاظ، ج ١، ص٧٤.
٥ - الطبقات، ج ٥، ص٢١٦.
٦ - نفس المصدر، ص٢٢٢.
الفصول المهمة لابن صباغ: لما حج هشام بن عبد الملك في حياة أبيه دخل إلى الطواف وجهد أن يستلم الحجر الأسود، فلم يصل إليه لكثرة زحام الناس إليه، فنصب إليه منبر إلى جانب زمزم في الحطيم، وجلس عليه وحوله جماعة من أهل الشام، فبينما هم كذلك، إذ أقبل علي بن الحسين (ع) يريد الطواف، فلما انتهى إلى الحجر الأسود تنحّى الناس عنه حتى استلم الحجر، فقال رجل من أهل الشام: من هذا الذي قد هابه الناس هذه المهابة فتنحّوا عنه يميناً وشمالاً؟ فقال هشام: لا أعرفه! مخافة أن يرغب فيه أهل الشام! وكان الفرزدق حاضراً، فقال للشامي: أنا أعرفه، فقال الشامي: من هو يا أبا فراس؟ فقال:
هذا الّذي تعرف البطحاء وطأته |
والبيت يعرفه والحل والحرم |
|
هذا ابن خير عباد الله كلهم |
هذا التقى النقي الطاهر العلم |
|
إذا رأته قريش قال قائلها |
إلى مكارم هذا ينتهي الكرم |
|
ينمى إلى ذروة العز التي قصرت |
عن نيلها عربُ الإسلام والعجم |
|
يُغضِي حياء و يُغضَى من مهابته |
فما يُكلَّم إلاَّ حين يبتسم |
|
مشتقة من رسول الله نبعته |
طابت عناصره والجسم والشيم |
|
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله |
بجده أنبياء الله قد خُتموا |
|
من معشر حبهم دين وبغضهم |
كفر وقربهم منجى ومعتصم |
|
إن عُدّ أهل التقى كانوا أئمتهم |
أو قيل: من خير أهل الأرض؟ قيل: هم |
|
مقدم بعد ذكر الله ذكرهم |
في كل بدو ومختموم به الكلم |
فلما سمع هشام هذه القصيدة غضب إلخ.(١)
ويروي أيضاً: وعن طاووس قال: دخلت الحجر في الليل فإذا عليّ بن الحسين (ع) قد دخل يصلي ما شاء الله تعالى، ثم سجد سجدة فأطال فيها، فقلت: رجل صالح من بيت النبوة لأصغينّ إليه، فسمعته يقول: عبدك بفنائك، مسكينك بفنائك، سائلك بفنائك، فقيرك بفنائك. قال طاووس: فوالله ما صليت
____________________
١ - الفصول المهمّة لابن صباغ، ص١٨٩.
ودعوت فيهنّ في كرب إلا فّج عني.(١)
حلية الأولياء: عن عمرو بن ثابت: لما مات عليّ بن الحسين فغسّلوه جعلوا ينظرون إلى آثار سواد بظهره، فقالوا: ما هذا؟ فقيل: كان يحمل جرب الدقيق ليلاً على ظهره يعطيه فقراء أهل المدينة. (٢)
ويروي أيضاً: سئل عليّ بن الحسين (ع) عن كثرة بكائه، فقال: لا تلوموني، فإن يعقوب فقد سبطا من ولده، فبكى حتى ابيضت عيناه ولم يعلم أنه مات. وقد نظرت إلى أربعة عشر رجلاً من أهل بيتي في غداة واحدة، أفترون حزنهم يذهب من قلبي.(٣)
مروج الذهب: ونظر الناس إلى عليّ بن الحسين السجاد وقد لاذ بالقبر وهو يدعو، فأُتي به إلى مسرف وهو مغتاظ عليه، فتبرّأ منه ومن آبائه، فلما رآه وقد أشرف عليه ارتعد وقام له، وأقعده إلى جانبه وقال له: سلني حوائجك فقيل لعليّ رأيناك تحرك شفتيك فما الذي قلت؟ قال: قلت: اللَّهُم رب السماوات السبع وما أظللن، والأرضين السبع وما أقللن، رب العرش العظيم، رب محمد وآله الطاهرين، أعوذ بك من شره، وأدرأ بك في نحره، أسألك أن تُؤتيني خيره، وتكفيني شره. وقيل لمسلم: رأيناك تسبّ هذا الغلام وسلفه، فلما أتي به إليك رفعت منزلته؟! فقال: وما كان ذلك لرأي مني، لقد مُليء قلبي منه رعباً.(٤)
____________________
١ - الفصول المهمة لابن صباغ، ص١٨٣.
٢ - حلية الأولياء ج ٣، ص١٣٦.
٣ - نفس المصدر، ص١٣٨.
٤ - مروج الذهب ج ٢، ص٩٦.
الإمام الخامس
محمد بن عليّ الباقر (عليهما السلام)
الطبقات: عن المعيصي قال: رأيت محمد بن علي على جبهته وأنفه اثر السجود، ليس بالكثير.(١)
ويقول: وكان ثقة كثير العلم والحديث.(٢)
الوفيات: أبو جعفر محمد بن زين العابدين عليّ بن الحسين، الملقّب بالباقر، أحد الأئمة الاثني عشر في اعتقاد الأمامية، وهو والد جعفر الصادق، وكان الباقر عالماً سيداً كبيراً، وإنما قيل له الباقر: لأنه تبقّر في العلم أي توسّع، والتبقّر التوسّع. وفيه يقول الشاعر:
يا باقر العلم لأهل التقى |
وخير من لبى على الأجبل |
ومولده بالمدينة سنة سبع وخمسين، وكان عمره يوم قتل جده الحسين (عليه السلام) ثلاث سنين، وتوفى سنة ثلاث عشرة ومئة، ودفن بالبقيع.(٣)
تذكرة الحفاظ: محمد بن علي الإمام الثبت الهاشمي العلوي المدني أحد الأعلام، مولده سنة ست وخمسين، وكان سيد بني هاشم في زمانه، اشتهر بالباقر، قولهم بقر العلم: يعني شقّه.(٤)
حلية الأولياء: عن عبد الله بن عطاء قال: ما رأيت العلماء عند أحد أصغر علماً منهم عند أبي جعفر، لقد رأيت الحكم عنده كأنه متعلّم.(٥)
____________________
١ - الطبقات ج ٥، ص٣٢١.
٢ - نفس المصدر، ص٣٢٤.
٣ - الوفيات ج ٢، ص٢٣.
٤ - تذكرة الحفاظ ج ١، ص١٢٤.
٥ - حلية الأولياء ج ٣، ص١٨٦.
البيان والتعريف: عن الأوزاعي، قدمت المدينة فسألت محمد بن علي بن الحسين عن قوله عَزَّ وجَلَّ( يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ ) ؟ قال: حدثني أبي عن جدي عليّ بن أبي طالب قال: سألت عنها رسول الله (ص) فقال: لأبشّرنّك بها يا عليّ فبشّر بها أمتي من بعدي: الصدقة على وجهها واصطناع المعروف وبرّ الوالدين وصلة الرحم تُحوّل الشقاء سعادة وتزيد في العمر وتقي مصارع السوء.(١)
حلبة الأولياء: قال محمد بن علي: كان ليّ أخ في عيني عظيم، وكان الذي عظّمه في عيني صغر الدينا في عينه.(٢)
ويروي أيضاً: عن جعفر بن محمد بن علي قال: فقد أبي بغلة له، فقال: لئنن ردّها الله تعالى عليّ لأحمدنه محامد يرضاها، فما لبث أن أتي بها بسرجها ولجامها، فركبها فلما استوى عليها وضمّ إليه ثيابه، رفع رأسه إلى السماء فقال: الحمد لله، لم يزد عليها! فقيل له في ذلك. فقال: وهل تركت شيئاً، جعلت الحمد كله لله عَزَّ وجَلَّ.
ويروي أيضاً: عن جابر، قال لي محمد بن عليّ: يا جابر، أنزل الدنيا كمنزل نزلت به وارتحلت منه، أو كمال أصبته في منامك فاستيقظت وليس معك منه شيء، إنما هي مع أهل اللبّ والعالِمين بالله تعالى كفيء الظِلال. فاحفظ ما استرعاك الله تعالى من دينه وحكمته.(٣)
عيون ابن قتيبة: أخبرنا جابر بن عبد الله أن النبي (ص) قال: يا جابر، إنك ستُعمّر بعدي حتى يولد لي مولود اسمه كاسمي يبقر العلم بقراً، فإذا لقيته فأقرأه منّي السلام. فكان جابر يتردّد في سكك المدينة بعد ذهاب بصره وهو ينادي: يا باقر! حتى قال الناس قد جُنّ جابر. فبينا هو ذات يوم بالبلاط إذ بصر بجارية يتورّكها صبيّ، فقال لها: يا جارية من هذا الصبي؟ قالت: هذا محمد بن علي بن الحسين بن عليّ، فقال أدنيه مني فأدنته منه فقبل بين عينيه، وقال:
____________________
١ - البيان والتعريف، ج ٢، ص٨٧.
٢ - حلية الأولياء، ج ٣، ص١٨٦.
٣ - حلية الأولياء، ج ٣، ص١٨٧.
يا حبيبي، رسول الله (ص) يقرئك السلام، ثم قال: نعيت إليَّ نفسي وربّ الكعبة، ثم انصرف إلى منزله وأوصى فمات من ليلته.(١)
تذكرة الخواصّ: روى أن أبا جعفر دخل على جابر بعد ما أضر ( أي صار ضريراً وأعمى ) فسلّم عليه، فقال: من أنت؟ فقال محمد بن علي بن الحسين. فقال: أدن مني فدنى منه، فقبّل يديه ورجليه ثم قال: له: رسول الله يسلّم عليك. فقيل لجابر: وكيف هذا؟ فقال: كنت جالساً عند رسول الله والحسين في حجره وهو يُداعبه، فقال: يا جابر، يولد مولود اسمه عليّ، إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم سيّد العابدين فيقوم ولده، ثم يولد له ولد اسمه محمد فإن أدركته يا جابر فاقرأه مني السلام.(٢)
أمالي القالي: عن عُفير: دخل أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين على عمر بن عبد العزيز، فقال: يا أبا جعفر، أوصيني. قال: أوصيك أن تتخذ صغير المسلمين ولداً وأوسطهم أخاً، وكبيرهم أباً، فارحم ولدك وصِل أخاك وبرّ أباك، وإذا صنعت معروفاً فرُبّه.(٣)
وقال أبو علي: قوله (فرُبَّه) أي أدمه، يقال: رب بالمكان وأرب أي أقام به ودام.
تذكرة الخواص: روى عنه الأئمة أبو حنيفة وغيره، قال أبو يوسف: قلت لأبي حنيفة لقيت محمد بن عليّ الباقر؟ فقال: نعم. وسألته يوماً فقلت له: أراد الله المعاصي؟ فقال: أفُيعصى قهراً. قال أبو حنيفة: فما رأيت جوابا أفحم منه.
وقال عطاء: ما رأيت العلماء عند أحد أصغر علماً منهم عند أبي جعفر، لقد رأيت الحكم عنده كأنه عصفور مغلوب، ويعني بالحكم: الحكم بن عُيينة، وكان عالماً نبيلاً جليلاً في زمانه.(٤)
____________________
١ - عيون ابن قتيبة، ج ١، ص٢١٢.
٢ - تذكرة الخواص، ص١٩٠.
٣ - أمالي القالي، ج ٢، ص٣٠٩.
٤ - تذكرة الخواص، ص١٩٠.
مطالب السؤول: قال أفلح مولى أبي جعفر: خرجت مع محمد بن علي حاجاً، فلما دخل المسجد نظر إلى البيت فبكى حتى علا صوته. فقلت: بابي وأمي، إنّ الناس ينظرون إليك فلو رفقت بصوتك قليلاً، فقال لي: ويحك يا أفلح، ولمَ لا أبكي؟! لعل الله أن ينظر إليّ منه برحمته فأفوز بها عنده غداً، ثم طاف بالبيت ثم جاء حتى ركع عند المقام فرفع رأسه من سجوده، فإذا موضع السجود مبتلّ من كثرة دموع عينه.(١)
____________________
١ - مطالب السئول ( الباب الخامس - أبو جعفر )
الإمام
جعفر بن محمد (عليهما السلام)
الوفيات: أبو عبد الله جعفر الصادق بن محمد الباقر بن زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، أحد الأئمة الاثني عشر على مذهب الإمامية، كان من سادات أهل البيت، ولقّب بالصادق لصدقه في مقالته، وفضله أشهر من أن يذكر، وله كلام في صنعة الكيمياء والزجر والفال، وكان تلميذه أبو موسى جابر بن حيّان الصوفي الطرطوسيّ، قد ألّف كتاباً يشتمل على ألف ورقة يتضمّن رسائل جعفر الصادق (عليه السلام)، وهي خمسمئة رسالة. وكان المنصور أراد إشخاصه إلى العراق معه عند مسيره إلى المدينة فاستعفاه من ذلك فلم يُعفه وكانت ولادته سنة ثمانين للهجرة وتوفى سنة ثمان وأربعين ومئة بالمدينة ودفن بالبقيع. انتهى ملخَّصاً.(١)
تذكرة الحفاظ: جعفر بن محمد الإمام أبو عبد الله العلوي المدني الصادق، أحد السادة الأعلام.
عن أبي حنيفة قال: ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد. وقال أبو حاتم: ثقة لا يُسأل عن مثله. وعن صالح بن أبي الأسود سمعت جعفر بن محمد يقول: سلوني قبل أن تفقدوني فإنه لا يحدّثكم أحد بعدي بمثل حديثي. وقال هياج بن بسطام: كان جعفر الصادق يُطعم حتى لا يبقى لعياله شيء.(٢)
حلية الأولياء: عن عبد الله بن شبرمة قال: دخلت أنا وأبو حنيفة على جعفر بن محمد، فقال لابن أبي ليلي: من هذا معك؟ قال: هذا رجل له بصر ونفاذ في أمر الدين. قال: لعله يقيس أمر الدين برأيه؟ قال: نعم. فقال جعفر لأبي حنيفة:
____________________
١ - الوفيات، ج ١، ص١١٢.
٢ - تذكرة الحفاظ، ج ١، ص١٦٦.
ما اسمك؟ قال: نعمان. قال: يا نعمان، هل قست رأسك بعد؟ قال: كيف أقيس رأسي؟ قال: ما أراك تُحسن شيئاً، هل علمت ما الملوحة في العينين والمرارة في الأذنين والحرارة في المنخرين والعذوبة في الشفتين؟ قال: لا. قال: ما أراك تُحسن شيئاً. قال: فهل علمت كلمة أوّلها كفر وآخرها إيمان؟ فقال ابن أبي ليلى: يا ابن رسول الله، أخبرنا بهذه الأشياء التي سألته عنها؟ فقال: أخبرني أبي عن جدّي أن رسول الله (ص) قال: إن الله تعالى بمنّه وفضله جعل لابن آدم الملوحة في العينين لأنهما شحمتان ولولا ذلك لذابتاً، وإن الله تعالى بمنّه وفضله ورحمته على ابن آدم جعل المرارة في الأذنين حجاباً من الدوابّ فإن دخلت الرأس دابة والتمست إلى الدماغ فإذا ذاقت المرارة التمست الخروج، وإن الله تعالى بمنه وفضله ورحمته على ابن آدم جعل الحرارة في المنخرين يستنشق بهما الريح ولولا ذلك لأنتن الدماغ، وإن الله تعالى بمنه وكرمه ورحمته لابن آدم جعل العذوبة في الشفتين يجد بهما استطعام كل شيء ويسمع الناس بها حلاوة منطقه. قال: فأخبرني عن الكلمة التي أولها كفر وآخرها إيمان؟ فقال: إذا قال العبد: (لا اله) فقد كفر، فإذا قال: (إلا الله) فهو إيمان. ثم أقبل على أبي حنيفة فقال: يا نعمان، حدثني أبي عن جدي أن رسول الله (ص) قال: أول من قاس أمر الدين برأيه إبليس، قال الله تعالى له اسجد لآدم فقال: ( أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَني مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِيْن ) فمن قاس الدين برأيه قرنه الله يوم القيامة بإبليس لأنه اتبعه بالقياس. وزاد ابن شبرمة في حديثه: ثم قال جعفر: أيهما أعظم: قتل النفس أو الزنا؟ قال: قتل النفس، قال: فإن الله عَزَّ وجَلَّ قبل في قتل النفس شاهدين ولم يقبل في الزنا إلا أربعة. ثم قال: أيهما أعظم: الصلاة أم الصوم؟ قال: الصلاة، قال: فما بال الحائض تقتضي الصوم ولا تقتضي الصلاة. فكيف ويحك يقوم لك قياسك! اتق الله ولا تقس الدين برأيك.(١)
مطالب السؤول: قال مالك بن أنس: قال جعفر يوماً لسفيان الثوري: يا سفيان،
____________________
١ - حلية الأولياء، ج ٣، ص١٩٦.
إذا أنعم الله عليك بنعمة فأحببت بقاءها فأكثر من الحمد والشكر عليها، فإن الله عَزَّ وجَلَّ قال في كتابه العزيز:( لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزيدَنَّكُمْ ) . وإذا استبطأت الرزق فأكثر من الاستغفار، فإن الله عز وعلا قال في كتابه:( اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ ) يعني في الدنيا( وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ ) في الآخرة. يا سفيان، إذا حزنك أمر من سلطان أو غيره فأكثر من: لا حول ولا قوة إلا بالله ؛ فإنها مفتاح الفرج وكنز من كنوز الجنة.(١)
تذكرة الخواص: وقال الثوري بالإسناد المتقدم: قلت لجعفر: يا ابن رسول الله، اعتزلت الناس! فقال: يا سفيان، فسد الزمان وتغيّر الإخوان فرأيت الانفراد اسكن للفؤاد.(٢)
____________________
١ - مطالب السئول (الباب السادس - أبو عبد الله).
٢ - تذكرة الخواص، ص١٩٥.
الإمام
موسى بن جعفر (عليهما السلام)
الوفيات: أبو الحسن موسى الكاظم بن جعفر الصادق، قال الخطيب فيتاريخ بغداد: كان موسى يُدعى العبد الصالح من عبادته واجتهاده، روي أنه دخل مسجد رسول الله (ص) فسجد سجدة في أول الليل وسُمع وهو يقول في سجوده: (عظم الذنب عندي فليَحسن العفو من عندك يا أهل التقوى ويا أهل المغفرة) فجعل يُرددها حتى أصبح. وكان سخيّاً كريماً، وكان يسكن المدينة فأقدمه المهدي بغداد، فحبسه فرأى في النوم علي بن أبي طالب وهو يقول:يا محمد ( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ) . قال الربيع: فأرسل إليّ ليلاً فراعني ذلك، فجئته فإذا هو يقرأ هذه الآية، وقال: علي بموسى بن جعفر! فجئته به فعانقه وأجلسه إلى جانبه وقال: يا أبا الحسن إني رأيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في النوم يقرأ عليّ كذا، فتُؤمنني أن تخرج عليّ؟ فقال: والله لا فعلت ذلك ولا هو من شأني. وأقام بالمدينة إلى أيام هارون الرشيد من عمره سنة تسع وسبعين ومئة فحمل موسى (ع) معه إلى بغداد وحبسه بها إلى أن تُوفِّي في محبسه سنة ثلاث وثمانين ومئة، وكانت ولادته سنة تسع وعشرين ومئة - انتهى ملخصاً.(١)
مطالب السؤول: هذا هو الإمام الكبير القدر، العظيم الشأن، الكثير التهجّد، الجد في الاجتهاد، المشهود له بالكرامات، المشهور العبادة، المواظب على الطاعات، يبيت الليل ساجداً وقائماً، ويقطع النهار متصدقاً وصائماً، ولفرط حمله وتجاوزه عن المعتدين عليه دُعي كاظماً، كان يُجازي المسيء بإحسانه إليه ويُقابل الجاني بعفوه عنه.(٢)
____________________
١ - الوفيات، ج ٢، ص٢٥٦.
٢ - مطالب السئول ( الباب السابع - أبو الحسن )
الإمام
علي بن موسى الرضا (عليهما السلام)
الوفيات: أبو الحسن علي الرضا ابن موسى الكاظم ابن جعفر الصادق، وهو أحد الأئمة الاثني عشر على اعتقاد الإمامية، وكان المأمون جعله وليّ عهده وضرب اسمه على الدينار والدرهم وكانت ولادة عليّ الرضا يوم الجمعة في بعض شهور سنة ثلاث وخمسين ومئة بالمدينة، وتُوفّي في آخر صفر سنة اثنتين ومتين. ويقول أبو نواس:
قيل لي أنت أحسن الناس طراً |
في فنون من المقال النبيه |
|
فعلى ما تركت مدح ابن موسى |
والخصال التي تجمعن فيه |
|
قلت لا أستطيع مدح إمام |
كان جبريل خادماً لأبيه |
انتهى ملخصاً.(١)
تاريخ الطبري: ورد كتاب من الحسن بن سهل أن أمير المؤمنين المأمون قد جعل علي بن موسى بن جعفر وليّ عهده من بعده، وذلك أنه نظر في بين العباس وبين عليّ فلم يجد أحداً هو أفضل ولا أورع ولا أعلم منه، وأنه سماه الرضي من آل محمد.(٢)
تذكرة الخواص: قال الصولى وغيره: كان المأمون يُحبّ عليا (عليه السلام)، كتب إلى الآفاق بأن أفضل الخلق بعد رسول الله (ص) علي بن أبي طالب، وأن لا يُذكر معاوية بخير، ومن ذكره بخير أبيح دمه وماله، ومن أشعار المأمون.
لا تُقبل التوبة من تائب |
إلا بحب ابن أبي طالب |
|
أخو رسول الله خَلَف الهدى |
والأخ فوق الخلّ والصاحب |
____________________
١ - الوفيات، ج ١، ص٣٤٨.
٢ - تاريخ الطبري، ج ١٠، ص٢٤٣.
إن مال ذو النصب إلى جانب |
ملت مع الشيعي إلى جانب(١) |
أخبار أصبهان: عن أبي علي أحمد بن عليّ الأنصاري عن أبي الصلت قال: كنت مع ياسين بن النضر وأحمد بن حرب ويحيى بن يحيى وعدّة من أهل العلم فتعلّقوا بلجامه من المربع فقالوا: بحق آبائك الطاهرين حدّثنا بحديث سمعته من أبيك قال: حدّثني أبي العدل الصالح موسى بن جعفر، قال: حدّثني أبي الصادق جعفر بن محمد، قال: حدثني أبي أبو جعفر باقر العلم علم الأنبياء، قال: حدّثني أبي علي بن الحسين سيد العابدين، قال: حدّثني أبي سيد أهل الجنة الحسين، قال: حدثني أبي سيد العرب عليّ بن أبي طالب (رضوان الله عليهم)، قال: سألت رسول الله (ص) ما الإيمان؟ قال: معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان. وقال أبو علي: قال لي أحمد بن حنبل: إن قرأت هذا الإسناد على مجنون بريء من جنونه.(٢)
مطالب السئول: قال دعبل: لما قلت: مدارس آيات خلت من تلاوة. قصدت بها أبا الحسن علي بن موسى الرضا وهو بخراسان وليّ عهد المأمون في الخلافة وهي هذه:
مدارس آياتٍ خلت من تلاوة |
ومَهبط وحى مُقفر العرصات |
|
منازل كانت للصلاة وللتقى |
وللصوم والتطهير والحسنات |
|
همُ آل ميراث النبيّ اذ انتُمو |
وهم خير سادات وخير حُمات |
|
إذا لم نُناج الله في صلواتنا |
بذكرهم لم تُقبل الصلوات |
وليراجع في شرح هذه الرحلة وتفصيلها إلى الكتاب.(٣)
____________________
١ - تذكرة الخواص، ص٢٠١.
٢ - أخبار أصبهان، ج ١، ص١٣٨.
٣ - مطالب السئول ( الباب الثامن - أبو الحسن )
الإمام
محمد بن عليّ الرضا (عليهما السلام)
الوفيات: أبو جعفر محمد بن علي الرضا ابن موسى الكاظم المعروف بالجواد، أحد الأئمة الاثني عشر، قدم بغداد وافداً على المعتصم ومعه امرأته أم الفضل بنت المأمون، فتُوفي بها سنة عشرين ومئتين، وكانت ولادته سنة خمس وتسعين ومئة ودفن عند جدّه موسى بن جعفر صلوات الله عليهم.(١)
المصايد: لما أراد المأمون أن يزوّج ابنته أم الفضل أبا جعفر محمد بن علي بن موسى (عليه السلام)، اجتمع عليه من أهله من أراد دفعه عن ذلك، فقال لهم: اسكتوا فإني لست أقبل فيه قولاً. قالوا: فتُزوج قرة عينك صبياً لم يتفقّه في دين الله عَزَّ وجَلَّ ولا يعرف فريضة من سنة ولا يُميّز بين حق وباطل - ولأبي جعفر عشر سنين أو إحدى عشرة سنة - فلو صبرت عليه حتى يتأدّب ويقرأ القرآن ويعرف فرضاً من سُنة! فقال: إنه لأفقه منكم وأعلم بالله ورسوله، وسننه وفرائضه، وحرامه وحلاله، وأقرء لكتابه، وأعلم بمحكمه ومتشابهه، وناسخه ومنسوخه، وظاهره وباطنه منكم، وخاصه وعامه، وتأويله وتنزيله. فاسألوه، فإن كان الأمر كما قلتُ علمتم مقداره، فلما اجتمعوا للتزويج وحضر أبو جعفر قالوا: يا أمير المؤمنين، هذا القاضي يحيى بن أكثم إذا أذن له يسأل، قال له: سل أبا جعفر! فقال له: ما تقول في مُحرم قتل صيدا؟ فقال: قتله في حلّ أو حرم، عامداً أو جاهلاً، عمداً أو خطأً، عبداً أو حراً، صغيراً أو كبيراً، مُبدءاً أو معيداً، أمن ذوات الطير أو من غيرها، ومن صغار الطير أو كبارها، مُصراً على ذلك أو نادماً، بالليل في وكرها أو بالنهار عياناً، مُحرما للعمرة أو للحج؟ فانقطع
____________________
١ - الوفيات، ج ٢، ص٢٣.
يحيى. فقال المأمون ( فخطب المأمون ثم زوج ابنته ثم قال: بيّن لنا ما الذي يلزم كل واحد من هذه الأصناف؟ فأجاب أبو جعفر (عليه السلام) عن المسائل كلها )(١) ، فأمر المأمون بكتب ذلك عنده، ثم قرؤوه عليهم. ثم قال: هل فيكم أحد يجيب بمثل هذا الجواب؟ فقالوا: صدقت أنت أعلم به منا. فقال لهم: أما علمتم أن رسول الله (ص) بايع الحسن والحسين (عليهما السلام) وهما صبيان غير بالغين ولم يبايع طفلاً غيرهما، وآمن أبوهما وهو ابن عشر سنين فقبل رسول الله (ص) إيمانه ولم يقبل من طفل غيره، ولا دعا النبي طفلاً غيره إلى الإيمان، أو ما علمتم أنها ذرية بعضها من بعض، يجري لآخرهم ما يجري لأولهم، وأمر أن يُنثر على أبي جعفر إلخ.(٢)
مطالب السؤول: وقدم الخليفة إلى بغداد بعد وفاة الرضا بسنة، اتفق أنه بعد ذلك خرج يوماً يتصيّد فاجتاز في طريقه بطرف البلد، والصبيان يلعبون ومحمد واقف ثم أخذها في يده وعاد إلى داره في الطريق الذي أقبل فيه، فلما وصل إلى ذلك المكان، وجد الصبيان على حالهم وأبو جعفر لم ينصرف، فلما دنا منه الخليفة قال: يا محمد، قال: لبيك، قال: ما في يدي؟ فألهمه الله عَزَّ وجَلَّ أن قال: يا أمير المؤمنين، إن الله خلق بمشيّته في بحر قدرته سمكاً صغاراً تصيدها بزاة الملوك والخلفاء فيختبرون بها سلالة أهل النبوة، فلما سمع المأمون كلامه عجب منه. راجع في تفصيلها إلى الكتاب.(٣)
____________________
١ - المصايد، ص٣٨.
٢ - المصايد، ص٤٠.
٣ - مطالب السئول ( الباب التاسع - أبو جعفر ).
الإمام
علي بن محمد الهادي (عليهما السلام)
الوفيات: أبو الحسن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا (عليهم السلام) ويعرف بالعسكري، وهو أحد الأئمة الاثني عشر عند الإمامية، وكان قد سعي به إلى المتوكل، فهجموا عليه في منزله على غفلة فوجدوه وحده في بيت مغلق وعليه مدرعة من شعر وعلى رأسه ملحفة من صوف وهو مستقبل القبلة يترنّم بآيات من القرآن الكريم في الوعد والوعيد، وليس بينه وبين الأرض بساط إلا الرمل والحصا، فأخذ على الصورة التي وُجد عليها وكانت ولادته سنة ثلاث عشرة ومئتين وتُوفّي سنة أربع وخمسين ومئتين، ودفن في داره. انتهى ملخّصاً.(١)
تاريخ أبي الفداء: يروي مثلها.(٢)
تذكرة الخواص: فلما دخلتُ ( أي يحيى بن هرثمة ) على المتوكل سألني عنه، فأخبرته بحسن سيرته وسلامة طريقه وورعه وزهادته وأني فتشت داره فلم أجد فيها غير المَصاحف وكتب العلم، وأن أهل المدينة خافوا عليه. فأكرمه المتوكل وأحسن جائزته وأجزل بره وأنزله معه (سُرّ من رأى). قال يحيى بن هرثمة: فاتفق مرض المتوكل بعد ذلك بمدة، فنذر إن عُوفي ليتصدّقنّ بدارهم كثيرة فعُوفي، فسأل الفقهاء عن ذلك فلم يجد عندهم فرجاً، فبعث إلى عليّ فسأله؟ فقال: يتصدّق بثلاثة وثمانين ديناراً، فقال المتوكل: من أين لك هذا؟ فقال: من قوله تعالى( لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ كَثيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْن ) والمواطن الكثيرة هي هذه الجملة ؛ وذلك لأن النبي (ص) غزى سبعاً وعشرين غزاة وبعث خمساً وستين سريّة، وآخر غزواته يوم حنين، فعجب المتوكل والفقهاء من هذا الجواب.(٣)
____________________
١ - الوفيات، ج ١، ص٣٤٩.
٢ - تاريخ أبي الفداء، ج ١، ص٤٤.
٣ - تذكرة الخواص، ص٢٠٢.
الإمام
الحسن بن عليّ العسكريّ (عليهما السلام)
الوفيات: أبو محمد الحسن بن علي بن محمد بن علي الرضا (عليهم السلام) أحد الأئمة الاثني عشر على اعتقاد الإمامية، وهو والد المنتظر صاحب السرداب ويعرف بالعسكري، وأبوه عليّ يعرف أيضاً بهذه النسبة، وكانت ولادة الحسن المذكور يوم الخميس في بعض شهور إحدى وثلاثين ومئتين، وتوفّي سنة ستين ومئتين بسُرّ من رأى، ودفن بجنب قبر أبيه، والعسكري نسبة إلى سُرّ من رأى، ولما بناها المعتصم وانتقل إليها بعسكره قيل لها العسكر. وإنما نسب الحسن إليها لأن المتوكل أشخص أباه علياً إليها وأقام بها عشرين سنة وتسعة أشهر. انتهى ملخصاً.(١)
تاريخ أبي الفداء: يروي مثلها.(٢)
الأئمة الاثني عشر: ما يقرب منها.(٣)
تذكرة الخواص: وكان سنّه تسعاً وعشرين سنة، وكان عالماً ثقة، روى الحديث عن أبيه عن جده، ومن جملة مَسانيده حديث في الخمر عزيز، ذكره جدي أبو الفرج في كتابه المسمى بـ(تحرير الخمر) ونقلته من خطّه وسمعته يقول: أشهد بالله لقد سمعت عبد الله بن عطاء الهرويّ يقول أشهد بالله لقد سمعت الحسن بن علي العسكري يقول: أشهد بالله لقد سمعت أبي علي بن محمد يقول أشهد بالله لقد سمعت محمداً رسول الله (ص) يقول: أُشهد بالله لقد سمعت جبرئيل يقول:
____________________
١ - الوفيات، ج ١، ص١٤٧.
٢ - تاريخ أبي الفداء، ج ١، ص٤٥.
٣ - الأئمّة الاثني عشر، ص١١٣.
أشهد بالله لقد سمعت ميكائيل يقول: أشهد بالله لقد سمعت إسرافيل يقول: أشهد بالله على اللوح المحفوظ أنه قال: سمعت الله يقول: شارب الخمر كعابد الوثن.
ولما روى جدي هذا الحديث فيكتاب تحريم الخمر ، قال، قال أبو نعيم الفضل بن دكين: هذا حديث صحيح ثابت روته العترة الطيبة الطاهرة.(١)
الإمام
الثاني عشر المهديّ (عليه السلام)
الوفيات: أبو القاسم محمد بن الحسن العسكري بن علي الهادي، الثاني عشر من الأئمة الاثني عشر على اعتقاد الإمامية، المعروف بالحجة، وهو الذي تزعم الشيعة أنه المنتظر والقائم والمهدي، وهو صاحب السرداب عندهم وأقاويلهم فيه كثيرة، وهم ينتظرون ظهوره في آخر الزمان، كانت ولادته يوم الجمعة منتصف شعبان سنة خمس وخمسين ومئتين، ولما تُوفي أبوه كان عمره خمس سنين، واسم أمه: خمط، وقيل: نرجس.(١)
تاريخ أبي الفداء: يروي مثلها.(٢)
الأئمة الاثني عشر: ما يقرب منها.(٣)
تذكرة الخواص: هو محمد بن الحسن وكنيته أبو عبد الله وأبو القاسم، وهو الخلف الحجة صاحب الزمان القائم والمنتظر والتالي، وهو آخر الأئمة. وعن ابن عمر قال: قال رسول الله (ص): يخرج في آخر الزمان رجل من ولدي اسمه كاسمي وكنيته ككنيتي يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً فذلك هو المهدي. وهذا حديث مشهور. وقد أخرج أبو داود والزهريّ عن علي بمعناه، وفيه: لو لم يبق من الدهر إلا يوم واحد لبعث الله من أهل بيتي من يملأ الأرض عدلاً. وذكره في روايات كثيرة. ويقال له: ذو الاسمين محمد وأبو القاسم. قالوا: إن أمه أم ولد يقال لها: صقيل. وقال السّدّى: يجتمع المهدي وعيسى بن مريم فيجيء وقت الصلاة فيقول المهدي لعيسى: تقدّم، فيقول عيسى: أنت أولى بالصلاة فيُصلي عيسى
____________________
١ - الوفيات، ج ٢، ص٢٤.
٢ - تاريخ أبي الفداء، ج ١، ص٤٥.
٣ - الأئمة الاثني عشر، ص١١٧.
وراءه مأموماً فيصير تبعاً.(١)
المهدي من أهل البيت
ابن ماجة: قال رسول الله (ص): المهدي من ولد فاطمة.(٢)
سنن أبي داود: يقول رسول الله (ص): المهدي من عترتي من ولد فاطمة.(٣)
مستدرك الحاكم: عن أم سلمة: سمعت النبي (ص) يذكر المهدي، فقال: نعم، هو حق، وهو من بني فاطمة.(٤)
ابن ماجة: قال رسول الله (ص): المهدي منا أهل البيت يُصلحه الله في ليلة.(٥)
أخبار أصبهان: عن محمد بن الحنفيّة عن عليّ (ع) قال: قال رسول الله (ص): المهديّ كما في ابن ماجة.(٦)
مسند أحمد: مثلها.(٧)
أقول: يظهر من هذه الروايات أمور:
١ - أنه (ع) من ولد فاطمة (ع).
٢ - أنه من عترة رسول الله (ص).
٣ - انه من أهل بيت رسول الله (ص).
٤ - أن أمره وقيامه يُصلَح في ليلة.
سنن أبي داود: بأسناد متعددة عن النبي (ص): لو لم يبقَ من الدنيا إلا يوم لطوّل الله ذلك اليوم حتى يبعث رجلاً مني أو من أهل بيتي يُواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً. وفي
____________________
١ - تذكرة الخواص، ص٢٠٤.
٢ - ابن ماجة، ج ٢، ص٥١٩
٣ - سنن أبي داود، ج ٢، ص٢٣٢.
٤ - مستدرك الحاكم، ج ٤، ص٥٥٧.
٥ - ابن ماجة، ج ٢، ص٥١٩.
٦ - أخبار أصبهان، ج ١، ص١٧٠.
٧ - مسند أحمد، ج ١، ص٨٤.
حديث سفيان: لا تذهب الدنيا، أو: لا تنقضي حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطيء اسمه اسمي.(١)
ويروي أيضاً: عن أبي الطفيل عن النبي (ص): لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملأها عدلاً كما ملئت جوراً.
مسند أحمد: يروي نظيرها.(٢)
سنن الترمذي: قال رسول الله (ص): لا تذهب كما في حديث سفيان.(٣)
أقول: قال في حاشية الكتاب - قال الشيخ عبد الحق في اللمعات: قد تظاهرت الأحاديث البالغة حد التواتر معنى، في كون المهدي من أهل البيت من وُلد فاطمة.
الكنى للدولابي: قال عبد الله، قال رسول الله (ص): لن تنقضي الدنيا حتى يخرج رجل من أمتي اسمه الحديث.(٤)
مختصر التذكرة: أن رسول الله (ص) قال: ليُصيبنّ هذه الأمة بلاء حتى لا يجد الرجل ملجأ يلجأ إليه من الظلم، فيبعث الله تعالى رجلاً من عترتي أهل بيتي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض لا تدع السماء من قطرها شيئاً إلا صبّته مدراراً، ولا تدع الأرض من نباتها شيئاً إلا أخرجته، حتى يتمنّى الأحياء العيش، يمكث على ذلك سبع سنين أو ثماني أو تسع سنين.(٥)
أخبار أصبهان: عن عبد الله عن النبي (ص) قال: يلي أمر هذه الأمة في آخر زمانها رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي.(٦)
مسند أحمد: عن عبد الله، عن النبي (ص) قال: لا تقوم الساعة حتى يلي رجل
____________________
١ - سنن أبي داود، ج ٢، ص٢٣٢.
٢ - مسند أحمد، ج ١، ص٩٩.
٣ - سنن الترمذي، ص٣٢٤.
٤ - الكنى للدولابي، ج ١، ص١٠٧.
٥ - مختصر التذكرة، ص١٢٧.
٦ - أخبار أصبهان، ج ١، ص٣٢٩.
من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي.(١)
ويروي: أيضاً عن النبي (ص) قال: لا تنقضي الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي.(٢)
أقول: يستكشف من هذه الروايات أمور:
١ - تدل هذه الجملات: (لو لم يبق من الدنيا إلا يوم، لا تذهب الدنيا، لا تنقضي، لن تنقضي، يلي أمر هذه الأمة في آخر زمانها، لا تقوم الساعة) على أهمية الموضوع وضرورته ولزوم هذه الولاية، حتى يصلح الله تعالى من أمور الدين والدنيا للأمة ما فسد.
٢ - أن هذا الوليّ الملك المبعوث القائم له هذه الصفات: فهو يملك ظاهراً، ويلي أمور المسلمين، ويبعث من الله تعالى، ويقوم بأمر الله ولأمر الله.
٣ - فهو من أهل البيت ومن العترة الطاهرة، بل من رسول الله (ص) ويواطئ اسمه اسمه.
٤ - أنه يملأ الأرض عدلاً وقسطاً بعد ما مُلئت جوراً وظلماً، يرضى عنه ساكن الأرض والسماء، وتظهر البركات والرحمة.
٥ - أن هذا القائم يقوم ويظهر في آخر الزمان.
يملأ الأرض قسطاً
سنن أبي داود: قال رسول الله (ص): المهدي مني، أجلى الجبهة أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً ويملك، سبع سنين.(٣)
مستدرك الحاكم: عن أبي سعيد، قال رسول الله (ص): المهدي منا أهل البيت أشمّ الأنف أقنى أجلى يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً
____________________
١ - مسند أحمد، ج ١، ص٣٧٦.
٢ - نفس المصدر، ص٤٣٠.
٣ - سنن أبي داود، ج ٢، ص٢٣٢.
يعيش هكذا وبسط يساره وإصبعين من يمينه المسبّحة والإبهام وعقد ثلاثة.(١)
أخبار أصبهان: عن أبي سعيد الخدري، قال رسول الله (ص): لا تقوم الساعة حتى يستخلف رجل من أهل بيتي أجنأ أقنى، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت قبل ذلك ظلماً يكون سبعين سنين.(٢)
مسند أحمد: ما يقرب منها.(٣)
ذخائر العقبى: في حديث الهلالي: يا فاطمة، والذي بعثني بالحق إن منهما مهديّ هذه الأمة إذا صارت الدنيا هرجاً ومرجاً وتظاهرت الفتن وتقطّعت السُبل وأغار بعضهم على بعض، فلا كبير يرحم صغيراً ولا صغير يوقّر كبيراً، فيبعث الله عند ذلك من يفتح حصون الضلالة وقلوباً غُلفاً، يقوم بالدين في آخر الزمان كما قمت به في أول الزمان، ويملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً.
أخرجه الحافظ أبو العلاء الهمداني فيأربعين حديثاً في المهديّ. (٤)
مستدرك الحاكم: عن الخدري، قال رسول الله (ص): لا تقوم الساعة حتى تُملأ الأرض ظلماً وجوراً وعدواناً، ثم يخرج من أهل بيتي من يملأها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وعدواناً.
قالالحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يُخرجاه.(٥)
الاستيعاب: روى جابر بن عبد الله الصدفي عن النبي (ص) أنه قال: يكون بعدي خلفاء، وبعد الخلفاء أمراء، وبعد الأمراء ملوك، وبعد الملوك جبابرة، وبعد الجبابرة يخرج رجل من أهل بيتي يملأ الأرض عدلاً.(٦)
رجال أصبهان: عن قُرّة، قال رسول الله (ص): لتُملأن الأرض جوراً وظلمان، فإذا ملئت جوراً وظلماً بعث الله رجلاً مني اسمه اسمي فيملأها قسطاً وعدلاً
____________________
١ - مستدرك الحاكم، ج ٤، ص٥٥٧.
٢ - أخبار أصبهان، ج ١، ص٨٤.
٣ - مسند أحمد، ج ٣، ص١٧.
٤ - ذخائر العقبى، ص١٣٦.
٥ - مستدرك الحاكم، ج ٤، ص٥٥٧.
٦ - الاستيعاب، ج ١، ص٢٢١.
كما ملئت جوراً وظلماً.(١)
أقول: وفي هذه الروايات علائم أخر للمهديّ (ع):
١ - أنه يظهر بعد أن صارت الدنيا هرجاً ومرجاً وتظاهرت الفتن وتقطّعت السُبل وأغار بعضهم على بعض.
٢ - أنه يفتح حصون الضلالة ويقوم بالدين كما أقامه رسول الله (ص) في أول الزمان.
٣ - أنه يقوم بعد ملوك جبابرة في الأرض، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت جوراً وظلماً.
فتُنعم فيه أمتي
ابن ماجه: قال رسول الله (ص): يكون في أمتي المهدي أن قصر فسبع وإلا فتسع، فتُنَعم فيه أمتي نعمة لم يُنعموا مثلها قطّ، تُؤتى أكلها ولا تدّخر منهم شيئاً والمال يومئذٍ كدوس، فيقوم الرجل فيقول: يا مهديّ أعطني فيقول: خذ.(٢)
سنن الترمذي: قال رسول الله (ص): إن في أمتي المهدي يخرج، يعيش خمساً أو سبعاً أو تسعاً، قلنا: وما ذاك؟ قال: سنين، قال: فيجيء إليه الرجل فيقول: يا مهديّ أعطني أعطني، قال: فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمله.(٣)
مستدرك الحاكم: عن الخدري، قال رسول الله (ص): ينزل بأمتي في آخر الزمان بلاء شديد من سلطانهم لم يسمع بلاء أشدّ منه حتى تضيق عنهم الأرض الرحبة وحتى يُملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض، ولا تدّخر الأرض من بذرها شيئا إلا أخرجته ولا السماء من قطرها شيئا إلا صبّه الله عليهم مدراراً، يعيش فيهم سبع سنين أو ثمان أو تسع، تتمنّى الأحياء الأموات مما صنع الله عَزَّ وجَلَّ بأهل الأرض من
____________________
١ - رجال إصبهان ج ٢، ص١٦٥.
٢ - ابن ماجة ج ٢، ص٥١٨.
٣ - سنن الترمذي، ص٣٢٤.
خيره.(١)
ويروي: عن الخدري، أن رسول الله (ص) قال: يخرج في آخر أمتي المهديّ يُسقيه الله الغيث وتُخرج الأرض نباتها ويُعطي المال صحاحاً وتكثر الماشية وتعظم الأمة، يعيش سبعاً أو ثمانياً، يحني حججاً.
قالالحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يُخرجاه.(٢)
مسند أحمد: عن أبي سعيد الخدري، قال رسول الله (ص): أبشركم بالمهدي يبعث في أمتي على اختلاف من الناس وزلازل فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض يُقسّم المال صحاحاً، فقال له رجل: ما صحاحاً؟ قال: بالسويّة بين الناس، قال: ويملأ الله قلوب أمة محمد (ص) غنى ويسعهم عدله، حتى يأمر منادياً فينادي فيقول: من له في مال حاجة فما يقوم من الناس إلا رجل فيقول: ائت السدان يعني الخازن فقال له إن المهدي يأمرك أن تُعطيني مالاً، فيقول له: أحث إلخ.(٣)
ويروي أيضاً: عن النبي (ص) قال: يكون من أمتي المهدي، إن طال عمره أو قصر عمره عاش سبع أو ثمان سنين أو تسع سنين، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً وتُخرج الأرض نباتها وتُمطر السماء قطرها.(٤)
أقول: تظهر من هذه الروايات علائم أخر:
١ - فتُنعم الأمة في زمانه لم تُنعَّم بمثلها.
٢ - أن الأرض تؤتي أكلها ويعطى كل نفس بمسؤوله.
٣ - يصيب الأمة من سلطانهم بلاء وشدة لم يُر مثلها.
٤ - يظهر الاختلاف بين الناس والزلازل في الأرض.
٥ - ما يقوم من الناس رجل يحتاج إلى المال.
____________________
١ - مستدرك الحاكم ج ٤، ص٢٦٤.
٢ - نفس المصدر، ص٥٥٨.
٣ - مسند أحمد ج ٣، ص٣٧ و ٥٢.
٤ - نفس المصدر، ص٢٧.
من علائم المهديّ
مستدرك الحاكم: عن محمد بن الحنفية، قال: كنا عند عليّ (رضي الله عنه) فسأله رجل عن المهدي؟ فقال عليّ (رضي الله عنه): هيهات، ثم عقد بيده سبعاً فقال: ذاك يخرج في آخر الزمان، إذا قال الرجل: الله الله قُتل، فيجمع الله تعالى له قوماً قزع كقزع السحاب يؤلف الله بين قلوبهم، لا يستوحشون إلى أحد ولا يفرحون بأحد، يدخل فيهم على عدة أصحاب بدر، لم يسبقهم الأولون ولا يدركهم الآخرون وعلى عدد أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر.(١)
حلية الأولياء: عن أبي جعفر: إن الله يُلقي في قلوب شيعتنا الرعب، فإذا قام قائمنا وظهر مهديّنا كان الرجل أجرأ من ليث وأمضى من سنان.(٢)
الفتوحات المكية: لا بد من خروج المهدي (عليه السلام)، لكن لا يخرج حتى تمتلئ الأرض جوراً وظلماً فيملأها قسطاً وعدلاً، ولو لم يكن من الدنيا إلا يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتى يلي ذلك الخليفة، وهو من عترة رسول الله (ص) من ولد فاطمة (رض) جده الحسين بن علي، ووالده الحسن العسكريّ ابن الإمام عليّ النقيّ بن محمد التقيّ بن الإمام عليّ الرضا، بواطئ اسمه اسم رسول الله (ص)، يبايعه المسلمون بين الركن والمقام، يُشبه رسول الله (ص) في الخَلق وينزل عنه في الخُلق، إذ لا يكون أحد مثل رسول الله (ص) في أخلاقه، يقيم الدين وينفخ الروح في الإسلام، يُعزّ الله به الإسلام بعد ذله ويُحييه بعد موته، يضع الجزية ويدعو بالسيف إلخ.(٣)
ابن ماجة: قال رسول الله (ص): يقتل عند كنزكم ثلاثة كلهم ابن خليفة، ثم لا يصير إلى واحد منهم، ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق فيقتلونكم قتلاً لم يقتله قوم، ثم ذكر شيئاً لا أحفظه، فقال: فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبو
____________________
١ - مستدرك الحاكم ج ٤، ص٥٥٤.
٢ - حلية الأولياء ج ٣، ص١٨٤.
٣ - الفتوحات المكية ج ٣ باب ٣٦٦.
على الثلج، فإنه خليفة الله المهديّ.(١)
ويروي: عن رسول الله (ص): يخرج ناس من المشرق فيوطئون للمهدي يعني سلطانه.(٢)
مستدرك الحاكم: كما في ابن ماجة، وفيه: فيقاتلونكم قتالاً لم يقاتله قوم الحديث. ثم قال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين.(٣)
البيان: يروي بإسناده عن عبد الله قال: بينما نحن عند رسول الله (ص) إذ أقبل فتية من بني هاشم، فلما رأهم النبي (ص) اغرورقت عيناه وتغيّر لونه، قال: ما نزال نرى في وجهك شيئاً نكرهه، قال: إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإن أهل بيتي سيلقون من بعدي بلاءً وتشديداً وتطريداً، حتى يأتي قوم من قبل المشرق ومعهم رايات سود فيسألون الخير ولا يُعطونه فيقاتلون فيُنصرون فيُعطون ما شاءوا ولا يقبلونه حتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي فيملأها عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً، فمن أدرك ذلك فيأتهم ولو جثوا على الثلج.(٤)
ويروي عن ابن أعثم الكوفيّ، عن علي (عليه السلام)، أنه قال: ويحاً للطالقان فإن لله بها كنوزاً ليست من ذهب ولا فضة، ولكن بها رجال مؤمنون عرفوا الله حق معرفته وهم أنصار المهدي (ع) في آخر الزمان.
هو من سادات الجنة:
ابن ماجة: يقول رسول الله (ص): نحن ولد عبد المطلب سادة أهل الجنة أنا وحمزة وعليّ وجعفر والحسن والحسين والمهديّ.(٥)
____________________
١ - ابن ماجة ج ٢، ص٥١٨.
٢ - نفس المصدر، ص٥١٩.
٣ - مستدرك الحاكم ج ٤، ص٤٦٤.
٤ - البيان ( الباب الخامس )
٥ - ابن ماجة ج ٢، ص٥١٩.
رجال إصبهان: عن أنس، قال رسول الله (ص): نحن سبعة بنو عبد المطلب سادات أهل الجنة: أنا وعلي أخي وعمي حمزة وجعفر والحسن والحسين والمهدي.(١)
البيان: أخرجه بسنده مثله. ويقول: قلت هذا حديث صحيح أخرجه ابن ماجة الحافظ في صحيحه كما سقناه ورُزقناه عالياً بحمد الله، وأخرجه الطبراني عن جعفر بن عمر الصباح عن سعد بن عبد الحميد كما أخرجناه، ورواه أبو نعيم الحافظ فيمناقب المهديّ بطرق شتى.(٢)
ويروي أيضاً: بإسناده عن أبي سعيد الخدري، وفيها: قال رسول الله (ص): يا فاطمة، إنا أهل بيت أعطينا ستّ خصال لم يُعطها أحد من الأولين ولا يدركها أحد من الآخرين غيرنا أهل البيت، نبينا خير الأنبياء وهو أبوك، ووصينا خير الأوصياء وهو بعلك، وشهيدنا خير الشهداء وهو حمزة عم أبوك، ووصينا خير الأمة وهما ابناك، ومنا مهديّ الأمة الذي يصلي عيسى خلفه، ثم ضرب على منكب الحسين (ع) فقال: من هذا مهدي الأمة. قلت: هكذا أخرجه الدارقطنى صاحبالجرح والتعديل .(٣)
أقول: وقد أفردنا في علائم ظهور المهدي (ع) كتاباً مفصلاً، مع بيانات بالفارسية، يسمى(پيشگوييها) وطبع مراراً.
____________________
١ - رجال إصبهان ج ٢، ص١٣٠.
٢ - البيان ( الباب الثالث )
٣ - نفس المصدر ( الباب التاسع )
منظومة في الأئمة الاثني عشر:
الأئمة الاثني عشر: فهذا تعليق سميته الشذرات الذهبية في تراجم الأئمة الاثني عشر عند إلامامية، وقد أشار إليهم في قصيدة إلامامُ أبو الفضل يحيى بن سلامة الحصفكي، فقال:
هيهات ممزوج بلحمي ودمي |
حبّهم وهو الهدى والرّشد |
|
حيدرة والحسنان بعده |
ثم علي وابنه محمد |
|
وجعفر الصادق وابن جعفر |
موسى ويتلوه عليّ السيد |
|
أعني الرضا ثم ابنه محمد |
ثم علي وابنه المسدد |
|
الحسن التالي ويتلوه تلوه |
محمد بن الحسن المعتقد |
|
قوم همُ أئمتي وسادتي |
وإن لحاني معشر وفنّدوا |
|
أئمة أكرم بهم أئمة |
أسماؤهم مسرودة لا تُطرد |
|
هم حجج الله على عباده |
وهم إليه منهج ومقصد |
|
هم النهار صُوّم لربهم |
وفي الدياجي رُكّع وسجّد |
|
قوم أتى في (هل أتى) مديحُهم |
هل شكّ في ذلك إلا ملحد |
|
ومن يخُن أحمد في أولاده |
فخصمه يوم التلاقي أحمد |
|
يا أهل بيت المصطفى يا عدّتي |
ومن على حبهم أعتمد |
|
أنتم إلى الله غدا وسيلتي |
فكيف أشقى وبكم أعتضد |
|
وليّكم في الخلد حيّ خالد |
والضدّ في نار اللظى مخلّد |
|
فلا يظن رافضيّ أنني |
وافقته أو خارجيّ مفسد |
|
والشافعيّ مذهبي مذهبه |
لأنه في قوله مؤيّد |
وقد رويناها ملخّصاً.(١)
الأئمة الاثني عشر: وقد نظمتهم على ذلك فقلت:
عليك بالأئمة الاثني عشر |
من آل بيت المصطفى خير البشر |
|
أبو تراب حسن حسين |
وبُغضُ زين العابدين شين |
|
محمد الباقر كم علم درّى |
والصادق ادعُ جعفراً بين الورى |
|
موسى هو الكاظم وابنه علي |
لقّب بالرضا وقدره علي |
|
محمد التقي قلبه معمور |
لقّب بالرضا وقدره علي |
|
والعسكري الحسن المطهر |
محمد المهديّ سوف يظهر(٢) |
____________________
١ - الأئمة الإثنى عشر، ص٣٩.
٢ - نفس المصدر، ص١١٨.
فتنة:
بني أمية
مستدرك الحاكم: عن أبي ذرّ، قال رسول الله (ص): إذا بلغت بنو أمية أربعين اتخذوا عباد الله خولاً ومال الله نحلاً وكتاب الله دغلاً.(١)
أقول: الخَوَل (بفتحتين) العبيد والإماء. والنُحل بالضم بمعنى العطية. والدَغَل كالدخل لفظاً ومعنى.
ويروي: لما بايع معاوية لابنه يزيد، قال مروان: سنة أبي بكر وعمر، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: سنة هِرَقل وقَيصر، فقال: انزل الله فيك:( وَالَّذي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما ) . قال: فبلغ عائشة، فقالت: كذب والله ما هو به، ولكنّ رسول الله (ص) لعن أبا مروان ومروان في صلبه، فمروان فضض من لعنة الله عَزَّ وجَلَّ. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين.(٢)
أقول: معاوية هو ابن أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. فأبو سفيان وعفان والحكم بنو أعمام.
ويروي: عن الخدري، قال رسول الله (ص): إن أهل بيتي سيَلقون من بعدي قتلاً وتشريداً، وأن أشد قومنا لنا بغضاً بنو أمية وبنو المغيرة وبنو مخزوم.(٣)
الفائق: كتب معاوية إلى مروان ليبايع الناس ليزيد بن معاوية، فقال عبد الرحمن: أجئتم بها هِرَقليّة قوقيّة تُبايعون لأبنائكم! فقال مروان: أيها الناس، هذا الذي قال الله عَزَّ وجَلَّ:( وَالَّذي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما ) الآية. فغضبت
____________________
١ - مستدرك الحاكم ج ٤، ص٤٧٩.
٢ - نفس المصدر، ص٤٨١.
٣ - نفس المصدر، ص٤٨٧.
عائشة فقالت: والله ما هو به، ولو شئت أن اسميه لسميته، ولكنّ الله لعن أباك وأنت في صلبه، فأنت فضض من لعنة الله ولعنة رسوله. وروى فضيض وفُظاظة.(١)
قالالزمخشري : هِرَقل بالكسر فالفتح كان من ملوك الروم وكذلك قوق، يريد أن البيعة للأولاد من عادتهم. والفَضَضْ (بفتحين) بمعنى: الكسر، والفضيض: الماء الغريض. والفُظاطة (بالضم): الماء المعتصر.
الاستيعاب: عن الحسن أن أبا سفيان دخل على عثمان حين صارت الخلافة إليه، فقال: قد صارت إليك بعد تيم وعديّ، فأدِرها كالكُرة، واجعل أوتادها بني أمية، فإنما هو الملك، ولا أدري ما جنة ولا نار. فصاح به عثمان: قم عني فعل الله بك وفعل.(٢)
وله أخبار من نحو هذا ردية ذكرها أهل الأخبار لم أذكرها.
العقد الفريد: ولما مات الحسن بن عليّ حج معاوية، فدخل المدينة وأراد أن يلعن علياً على منبر رسول الله (ص)، فقيل له: إن ها هنا سعد بن أبي وقاص ولا نراه يرضى بهذا فابعث إليه وخذ رأيه، فأرسل إليه وذكر له ذلك، فقال: إن فعلت لأخرجنّ من المسجد ثم لا أعود إليه. فأمسك معاوية عن لعنه حتى مات سعد، فلمَّا مات لعنه على المنبر، وكتب إلى عماله أن يلعنوه على المنابر، ففعلوا. فكتبت أم سلمة زوج النبي (ص) إلى معاوية: إنكم تلعنون الله ورسوله على منابركم، وذلك أنكم تلعنون علي بن أبي طالب ومن أحبه، وأنا أشهد أنّ الله أحبّه ورسوله. فلم يلتفت إلى كلامها.(٣)
ويروي أيضاً: وكان جميع من قتل يوم الحَرّة من قريش والأنصار ثلاثمئة رجل وستة رجال، ومن الموالي وغيرهم أضعاف هؤلاء، وبعث مسلم بن عقبة برؤوس أهل المدينة إلى يزيد، فلما ألقيت بين يديه جعل يتمثّل بقول ابن الزبعرّى يوم أحد:
____________________
١ - الفائق ج ٣، ص٢٠٣.
٢ - الاستيعاب ج ٤، ص١٦٧٩.
٣ - العقد الفريد ج ٤، ص٣٦٦.
ليت أشياخي ببدر شهدوا |
جزع الخزرج من وقع الأسل |
|
لأهلوا واستهلّوا فرحاً |
ولقالوا ليزيد لا فشل |
فقال له رجل من أصحاب رسول الله (ص): ارتددت عن الإسلام يا أمير المؤمنين! قال: بلى، استغفر الله. قال: والله لا ساكنتك أرضاً أبداً، وخرج عنه.(١)
تهذيب ابن عساكر: عن جنيد قال: أتيت من حوران إلى دمشق لأخذ عطائي، فصلّيت الجمعة ثم خرجت من باب الدرج، فإذا عليه شيخ يقال له أبو شيبة القاصّ يقصّ على الناس، فرغّب فرغبنا وخوّف فبكينا، فلما انقضى حديثه قال: اختموا مجلسنا بلعن أبي تراب! فلعنوا أبا تراب (عليه السلام)، فالتفتّ إلي من على يميني، فقلت له: فمن أبو تراب؟ فقال: عليّ بن أبي طالب ابن عم رسول الله وزوج ابنته وأول الناس إسلاماً وأبو الحسن والحسين، فقلت: ما أصاب هذا القاصّ؟! فقمت إليه وكان ذا وفرة فأخذت وفرته بيدي وجعلت ألطم وجهه وأبطح برأسه الحائط، فصاح فاجتمع أعوان المسجد فوضعوا ردائي في رقبتي وساقوني حتى أدخلوني على هشام بن عبد الملك، وأبو شيبة يقدمني، فصاح: يا أمير المؤمنين قاصّك وقاصّ آبائك وأجدادك أتى إليه اليوم أمر عظيم، قال: من فعل بك؟ فقال: هذا، فالتفت إلي هشام وعنده أشراف الناس فقال: يا أبا يحيى، متى قدمت؟ فقلت: آمن، وأنا على المصير إلى أمير المؤمنين فأدركتني صلاة الجمعة فصليت وخرجت إلى باب الدرج، فإذا هذا الشيخ قائماً يقصّ فجلست إليه فقرأ فسمعنا فرغّب من رغّب وخوّف من خوّف ودعا فأمنّا. وقال في آخر كلامه: اختموا مجلسنا بلعن أبي تراب، فسألت: من أبو تراب؟ فقيل: عليّ بن أبي طالب أول الناس إسلاماً وابن عمّ رسول الله وأبو الحسن والحسين وزوج بنت رسول الله، فوالله يا أمير المؤمنين لو ذكر هذا قرابة لك بمثل هذا الذكر ولعنه بمثل هذا اللعن لأحللت به الذي أحللت، فكيف لا أغضب لصهر
____________________
١ - نفس المصدر السابق، ص٣٩٠.
رسول الله وزوج ابنته. فقال هشام: بئس ما صنع، ثم عقد لي على السِّند، ثم قال لبعض جلسائه: مثل هذا لا يجاروني هاهنا فيُفسد علينا البلد، فباعدته إلى السِّند، فلم يزل بها إلى أن مات.(١)
أقول: يستفاد من هذه الكلمات أمور:
١ - أخبر رسول الله (ص) بأن بني أمية إذا بلغوا أربعين رجلاً اتخذوا عباد الله عبيداً وكتاب الله دخلاً.
٢ - قالت عائشة: إن رسول الله (ص) لعن أبا مروان ومروان في صلبه فمروان فَضَض من لعنة الله تعالى.
٣ - قال رسول الله (ص): إن أشد قومنا لنا بغضاً بنو أمية.
٤ - قال أبو سفيان لعثمان: واجعل أوتادها بني أمية فإنما هو الملك ولا أدري ما جنة ولا نار.
٥ - كتب معاوية بن أبي سفيان إلى عماله: أن يلعنوا علياً على المنابر، ففعلوا، وكتبت أم سلمة أنا أشهد أن الله أحبّه ورسوله.
٦ - وكان جميع من قتل يوم الحرة من قريش والأنصار ثلاثمئة وستة رجال، ومن الموالي وغيرهم أضعاف ذلك.
٧ - كان يزيد يتمثّل بالشعر:
ليت أشياخي ببدر شهدوا |
................................... |
فقال صحابيّ: ارتددت عن الإسلام.
٨ - كان القاصّ بدمشق يقول: اختموا مجلسنا بلعن أبي تراب، فغضب رجل عليه، فساقوه إلى هشام، فعقد له على السند.
وقد ذكرنا ما يتعلّق بهذه الفتنة في فتنة حكومة يزيد، فراجع.
____________________
١ - تهذيب ابن عساكر ج ٣، ص٤٠٧.
فتنة:
بني العاص
مستدرك الحاكم : عن أبي ذرّ، قال رسول الله (ص): إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلاً اتخذوا مال الله دولاً وعباد الله خولاً ودين الله دغْلاً.(١)
ويروى : نظيره عن أبي سعيد الخدري وغيره.
ويروى: عن عبد الرحمن بن عوف، قال: كان لا يولد لأحد مولود إلا أُتي به النبي (ص) فدعا له، فأدخل عليه مروان بن الحكم، فقال: هو الوزغ ابن الوزغ الملعون ابن الملعون.(٢)
ويروى: عن أبي هريرة، قال رسول الله (ص): إني أريت في منامي كأنّ بني الحكم بن أبي العاص ينزون على منبري كما تنزء القردة.(٣)
أقول: فيحياة الحيوان ، وفيالصحيحين : أن النبي (ص) أمر بقتل الوزغ وسماه فويسقاً، وقال: كان ينفخ النار إلى إبراهيم. ونزأ عليه: وثب.
وأما مروان، فهو ابن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. فهو ابن عم عثمان بن عفان بن أبي العاص.
ويروى : لما بايع معاوية لابنه يزيد، قال مروان: سنّة أبي بكر وعمر، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: سنة هِرَقل وقيصر مرَّ الحديث في (فتنة بني أمية).(٤)
ويروى أيضاً : أن الحكم استأذن على النبي (ص)، فعرف النبي (ص) صوته
____________________
١ - مستدرك الحاكم، ج ٤، ص٤٨٠.
٢ - نفس المصدر، ص٤٧٩.
٣ - نفس المصدر ٤٨٠.
٤ - نفس المصدر، ص٤٨١.
وكلامه، فقال: ائذنوا له عليه لعنة الله وعلى من يخرج من صلبه إلا المؤمن منهم، وقليل ما هم، يشرفون في الدنيا ويضعون في الآخرة، ذوو مكر وخديعة، يُعطَون في الدنيا ومالهم في الآخرة من خلاق.
قالالحاكم :هذا حديث صحيح الإسناد ولم يُخرجاه.
ويروى أيضاً: عن عبد الله بن الزبير: إن النبي (ص) لعن الحَكَم ووُلْدِه.
قالالحاكم: ليعلم طالب العلم أن هذا باب لم أذكر فيه ثُلث ما روى وأن أول الفتن في هذه الأمة فتنتهم ولم يسعني فيما بيني وبين الله تعالى أن أُخلّي من ذكرهم.
الفائق: أبو هريرة: إذا بلغ بنو العاص ثلاثين كان دين الله دخلاً ومال الله نُحلاً وعباد الله خولاً.(١)
قالالزمخشري : الدَّخَل (بفتحين) هو الغش والفساد، وحقيقته أن تدخل في الأمر ما ليس منه، أي يُدخلون في الدين أموراً لم تجر بها السنة. والنُّحل (بالضم) من العطاء ما كان ابتداءً من غير عوض، والمراد: أنهم يُعطون بغير استحقاق. الخَوَل (بفتحتين) الخَدَم: جمع خائل.
أقول: الدغل كالدخل لفظاً ومعنى. ثم إن الحكم بن أبي العاص عم عثمان وابن عم أبي سفيان، وهو من مسلمة الفتح، وأخرجه رسول الله (ص) من المدينة وطرده منها، فنزل الطائف فلم يزل بها إلى أن وُلّي عثمان، فردّه إلى المدينة.
البيان والتعريف: ويل لأمتي من هذا ووُلد هذا. أخرجه ابن عساكر عن ضميره، سببه: أتي رسول الله (ص) بمروان بن الحكم وهو مولود ليُحنّكه فلم يفعل، وقال: ويل لأمتي إلخ. وأخرج عن نافع قال: كنا مع النبي (ص) فمرّ الحكم بن العاص، فقال النبي (ص): ويل لأمتي إلخ. رواه السيوطي فيالجامع الكبير .(٢)
الاستيعاب: فقيل في سبب نفي رسول الله (ص) إياه: إنه كان يتحيّل
____________________
١ - الفائق، ج ١، ص٣٩٣.
٢ - البيان والتعريف، ج ٢، ص٢٦٦.
ويستخفي ويتسمّع ما يسره رسول الله (ص) إلى كبار الصحابة في مشركي قريش وسائر الكفار والمنافقين، فكان يفشي ذلك عليه، وكان يحكيه في مشيته وبعض حركاته.. إلى أمور غيرها كرهتُ ذكرها.(١)
أقول: يستفاد من هذه الروايات أمور:
١ - أن الحكم كان ممن يؤذي رسول الله (ص) ولا يبالي، بل من الجواسيس عليه، ويستخفي الأخبار إلى مشركي قريش.
٢ - أنه كان طريداً لرسول الله وملعوناً على لسانه.
٣ - أعاذ الدين والمسلمين بالله من شره ومن شر ولده.
٤ - أن عثمان ردّه إلى المدينة وقرّبه منه وأعطاه وولده المال الكثير من بيت مال المسلمين، مع علمه بأن رسول الله (ص) لعنه وطرده ولعن وُلده، وهذا غاية العجب من عثمان حيث إنه خالف صريح عمل رسول الله (ص) وأحب من يبغضه.
الطبقات: فلما حُصر عثمان كان مروان يقاتل دونه أشدّ القتال، وأرادت عائشة الحج وعثمان محصور، فأتاها مروان وزيد بن ثابت وعبد الرحمن بن عتّاب فقالوا: يا أم المؤمنين، لو أقمت فإن أمير المؤمنين على ما ترين محصور ومقامك مما يدفع الله به عنه! فقالت: قد حلبت ظهري وعرّيت غرائزي ولست أقدر على المقام فقالت عائشة (في جواب مروان): وددت والله أنك وصاحبك هذا الذي يعْنيك أمره في رِجلِ كل واحد منكما رحا وأنكما في البحر، وخرجت إلى مكة.(٢)
أقول: وهذه عائشة تقول علناً ما تقول في عثمان وفي مروان، ثم تراها بعد أيام قليلة تصاحب مروان وتمشي في البراري طلباً لدم عثمان، كل ذلك خلافاً لأهل البيت وبغضاً لعلي بن أبي طالب.
الاستيعاب: أن عائشة قالت لمروان: أمَّا أنت يا مروان، فأشهد أن
____________________
١ - الاستيعاب، ج ١، ص٣٥٩.
٢ - الطبقات، ج ٥، ص٣٦.
رسول الله (ص) لعن أباك وأنت في صلبه.(١)
تاريخ الخلفاء: والأصح ما قال الذهبي: إن مروان لا يُعد في أمراء المؤمنين بل هو باغ خارج على ابن الزبير، ولا عهده إلى ابنه بصحيح.(٢)
ويروى: أسلم يهوديّ اسمه يوسف وكان قرأ الكتب، فمرّ بدار مروان فقال: ويل لأمة محمد من أهل هذه الدار، فقلت له: إلى متى؟ قال حتى تجيء رايات سود من قبل خراسان، وكان صديقاً لعبد الملك بن مروان، فضرب يوماً على منكبه وقال: اتّق الله في أمة محمد إذا ملكتهم. فقال: دعني ويحك ما شأني وشأن ذلك.(٣)
مستدرك الحاكم: أن رفاعة بن صامت قام قائماً في وسط دار أمير المؤمنين عثمان بن عفان، فقال: إني سمعت رسول الله (ص) يقول: سيلي أموركم من بعدي رجال يعرّفونكم ما تنكرون وينكرون عليكم ما تعرفون، فلا طاعة لمن عصى الله، فلا تعتبوا أنفسكم فوالذي نفسي بيده إن معاوية من أولئك، فما راجعه عثمان حرفاً.(٤)
تاريخ الخلفاء: وجهّز يزيد جيشاً إلى أهل مكة، فقال: أعوذ بالله أيُبعث إلى حرم الله؟ فضرب يوسف (وهو من قرأ الكتب السالفة) منكبه وقال: جيشك إليهم أعظم.(٥)
ويروى: ومن وصية عبد الملك: يا وليد، اتق الله في ما أخلفك فيه، وانظر الحجاج فأكرمه فإنه هو الذي وطّأ لكم المنابر، وهو سيفك يا وليد ويدك على من ناوأك، فلا تسمعنّ فيه قول أحد، وأنت إليه أحوج منه إليك، وادع الناس إذا متّ إلى البيعة فمن قال برأسه هكذا فقل بسيفك هكذا.(٦)
____________________
١ - الاستيعاب، ج ١، ص٣٦٠.
٢ - تاريخ الخلفاء، ص٨٢.
٣ - تاريخ الخلفاء، ص٨٤.
٤ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص٣٥٧.
٥ - تاريخ الخلفاء، ص٨٤.
٦ - نفس المصدر، ص٨٥.
ويقول: قلت: لو لم يكن من مساوئ عبد الملك الا الحجاج وتوليته إياه على المسلمين وعلى الصحابة (رضي الله عنهم) يُهينهم ويُذلهم قتلاً وضرباً وشتماً وحبساً، وقد قتل من الصحابة وأكابر التابعين مالا يُحصى، فضلاً عن غيرهم، وختم في عنق أنس وغيره من الصحابة ختماً يريد بذلك ذلهم، فلا رحمه الله ولا عفا عنه.(١)
ويروى: قال ابن عائشة: أفضي الأمر إلى عبد الملك والمصحف في حجره، فأطبقه وقال: هذا آخر العهد بك.(٢)
مستدرك الحاكم: عن سعيد، عن سعد قال: جاء الحارث بن البرصاء وهو في السوق فقال له: يا أبا إسحاق إني سمعت مروان يزعم أن مال الله ماله! من شاء أعطاه ومن شاء منعه، فقال له: أنت سمعته يقول ذلك؟ قال: نعم، قال سعيد: فأخذ بيدي سعيد وبيد الحارث حتى دخل على مروان فقال: يا مروان، أنت تزعم أن مال الله مالك من شئت أعطيته ومن شئت منعته؟ قال: نعم، قال: فأدعو؟ ورفع سعد يديه، فوثب إليه مروان وقال: أنشدك الله أن لا تدعو! هو مال الله من شاء أعطاه ومن شاء منعه.(٣)
ويروي بسند آخر ما يقرب منه.
البدء والتاريخ: ذكر مروان بن الحكم وأخذ بيعة أهل الشام له: بويع له بالأردن سنة أربع وستين، وهو أول من أخذ الخلافة بالسيف، وكان يلقّب خيط باطل لطوال قامته واضطراب خلقه. وفيه يقول الشاعر:
لحى الله قوماً أمّروا خيط باطل |
على الناس يُعطي من يشاء ويمنع(٤) |
ويروى: ومات الحجاج في ولاية الوليد بن عبد الملك بن مروان، وقد بلغ من السن ثلاثاً وخمسين سنة، وولي الحجاز والعراق عشرين سنة، وكان قتل من
____________________
١ - نفس المصدر السابق، ص٨٦.
٢ - نفس المصدر، ص٨٤.
٣ - مستدرك الحاكم، ج ٣، ص٥٠٠.
٤ - البدء والتاريخ، ج ٦، ص١٩.
الأشراف والرؤساء مئة ألف وعشرين ألفاً سوى عوام الناس ومن قُتل في معارك الحروب، وكان مات في حبسه خمسون ألف رجل وثلاثون ألف امرأة. وقالت امرأة الحجّاج:
ألا يا أيها الجسد المُسجّى |
لقد قرّت بمصرعك العيون |
|
وكنت قرين شيطان رجيم |
فلما مُتّ سلّمك القرين(١) |
____________________
١ - نفس المصدر السابق، ص٤٠.
تتمة:
في مسائل من الأصول والفروع
ولا بأس بالإشارة إلى بعض المسائل المهمة في الأصول والفروع، وهي مخالفة لما رُويت من آثار أهل بيت رسول الله (ص) ورواياتهم. وليُعلم أن الإمامية إنما يطيعون الله ورسوله وأوصياءه المعصومين الذين قال فيهم رسول الله (ص): إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلوا أبداً.
فالإمامية بمقتضى هذه الوصية من رسول الله (ص) قد تمسّكوا بالكتاب وأهل بيت رسول الله (ص) وأخذوا دينهم منهما.
في الرؤية
في مقالات الإسلاميين: ويقولون (أي أصحاب الحديث والسنة) إن الله سبحانه يُرى بالأبصار يوم القيامة كما يُرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون ولا يراه الكافرون ؛ لأنهم عن الله محجوبون. ويُقرّون أن الله سبحانه يجيء يوم القيامة كما قال:( وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ) ، وأنّ الله يقرب من خلقه كيف شاء كما قال: ( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) .(١)
أقول: عقيدة أهل البيت أن الله تعالى ليس بجسم ولا محدود، فلا يمكن أن يُرى بالأبصار أو يجري عليه ما يجري على الأجسام من القرب والبعد والمجيء والإقامة وغيرها، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً.
____________________
١ - مقالات الإسلاميين، ج ١، ص٣٢١.
أنه خالق
مقالات الإسلاميين: وأقرّوا (أي أصحاب الحديث والسنة) أنه لا خالق إلا الله وأن سيئات العباد يخلقها الله وأنّ أعمال العباد يخلقها الله عَزَّ وجَلَّ وأن العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئاً.(١)
أقول: عقيدة أهل البيت أن الله تعالى لا يظلم ولا يفعل القبيح، ولا يعمل عمل سيئة ولو بواسطة، وهو القادر الحكيم المتعالي.
في القياس:
المستدرك: قال رسول الله (ص): ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة أعظمها فرقة قوم يقيسون الأمور برأيهم فيُحرمون الحلال ويحللون الحرام، هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.(٢)
أقول: يوافق عقيدة الإمامية فإن حكم الله تعالى لا يصاب بقياس ولا برأي، وعقول الرجال قاصرة عن دركه. ( وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ) .
في المسح:
ابن ماجه: بإسناده عن الربيع قالت: أتاني ابن عباس فسألني عن هذا الحديث تعني حديثها الذي ذكرت: أن رسول الله (ص) توضّأ وغسل رجليه؟ فقال ابن عباس: إن الناس أبوا إلا الغسل ولا أجد في كتاب الله إلا المسح.(٣)
الاستيعاب: روى عن تميم المازني الأنصاريّ ابنه عباد، قال: رأيت رسول
____________________
١ - نفس المصدر السابق، ج ١، ص٣٢١.
٢ - المستدرك، ج ٤، ص٤٣٠.
٣ - ابن ماجة، ج ١، ص١٧١.
الله (ص) يتوضأ ويمسح الماء على رجليه.(١)
مسند أحمد: عن عليّ (ع) قال:كنت أرى أنّ باطن القدمين أحقّ بالمسح من ظاهرهما، حتى رأيت رسول الله (ص) يمسح ظاهرهما. (٢)
في الأذان
سنن البيقي: عن نافع قال: كان ابن عمر لا يؤذّن في سفره، وكان يقول: حيّ على الفلاح وأحياناً يقول: حيّ على خير العمل.(٣)
ويروى روايات أخر بهذا المضمون.
ويروى: أن عليّ بن الحسين كان يقول في أذانه إذا قال: (حيّ على الفلاح) قال: (حيّ على خير العمل)، ويقول: هو الأذان الأول.
في السورة
سنن البيهقي: عن أبي قتادة عن النبي (ص): أنه كان يقرأ في الركعتين من الظهر في كل ركعة بفاتحة الكتاب وسورة.(٤)
في وضع اليد
تهذيب ابن عساكر: وحكى بكر المعافري أنه لم يَر أبا أمامة، يعني ابن سهل، واضعاً إحدى يديه على الأخرى قطّ ولا أحداً من أهل المدينة، حتى قدم الشام فرأى الأوزاعي وأنا سامعه يضعون أيديهم(٥) . أقول: يشير إلى مذهب أهل المدينة ومن تابعهم كمالك بن أنس فإن مذهبهم إرسال اليدين في الصلاة بخلاف
____________________
١ - الاستيعاب، ج ١، ص١٩٥.
٢ - مسند أحمد، ج ١، ص١١٤.
٣ - سنن البيهقي، ج ١، ص٤٢٤.
٤ - نفس المصدر، ج ٢، ص٥٩.
٥ - تهذيب ابن عساكر، ج ٣، ص٢٨٧.
مذهب الأوزاعي ومن تابعه.
في القنوت
سنن أبي داود: قال أبو هريرة: والله لأقربن بكم صلاة رسول الله (ص)، قال: فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الآخرة من صلاة الظهر وصلاة العشاء الآخرة وصلاة الصبح، فيدعو للمؤمنين ويلعن الكافرين.(١)
ثم يروي روايات أخر في قنوته (ص).
سنن البيهقي: عن أنس: أن النبي (ص) قنت شهراً يدعو عليهم ثم تركه. فأما في الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا.(٢)
ثم: يروي روايات آخر في القنوت.
ويروى: أن رجلاً سأل أنساً عن القنوت: أبعد الركوع أو عند الفراغ من القراءة؟ قال: لا بل عند الفراغ من القراءة.(٣)
مسند أحمد: عن ابن سيرين، سألت أنس: هل قنت عمر قال: نعم ومن هو خير من عمر، رسول الله (ص) بعد الركوع.(٤)
ويروى: عن أنس قال: قنت رسول الله (ص) عشرين يوماً.(٥)
في الجمع بين الصلاتين
أخبار إصبهان: عن ابن عباس قال: جمع رسول الله (ص) بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بالمدينة في غير سفر ولا مطر، فسألنا ابن عباس: ماذا أراد بذلك؟ قال: أراد التوسعة على أمته.(٦)
____________________
١ - سنن أبي داود، ج ١، ص٢٠٣.
٢ - سنن البيهقي، ج ٢، ص٢٠١.
٣ - نفس المصدر، ص٢٠٧.
٤ - مسند أحمد، ج ٣، ص١٦٦.
٥ - نفس المصدر، ص٢٠٧.
٦ - أخبار أصبهان ج ٢، ص١٩٦.
سنن البيهقي: يروي روايات نظيرها.(١)
مسند أحمد: يروي مثلها.(٢)
في الصلاة على النبي (ص)
سنن أبي داود: (باب الصلاة على النبي (ص) بعد التشهد) عن كعب قال: قلنا: يا رسول الله، أمرتنا أن نصلي عليك وأن نسلّم عليك، فأما السلام فقد عرفناه، فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا (اللَّهُم صلّ على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد).(٣)
ويروى: عن شعبة مثلها، وفيها: (صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم).
وأيضاً يروي: عن الحكم وفيها: (وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد).
الموطأ: أتانا رسول الله (ص) في مجلس سعد بن عبادة فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله أن نصلّي عليك يا رسول الله فكيف نصلي عليك.. كما فيالسنن .(٤)
سنن البيهقي: يروي روايات بإسناده نظير ما سبق، ثم يروي عن أبي مسعود قال: لو صلّيت صلاة لا أصلّي فيها على آل محمد (ص) لرأيت أن صلاتي لا تتم.(٥)
أقول: هذه أحاديث في الوضوء والطهارة والصلاة وكيفيتها، وردت على وفق ما رويت عن أهل بيت رسول الله (ص)، والإمامية رووا أحاديث كثيرة عن رسول الله (ص) وعن أهل بيته المعصومين على هذه المضامين.
____________________
١ - سنن البيهقي، ج ٣، ص١٦٦.
٢ - مسند أحمد، ج ١، ص٢٢٣.
٣ - سنن أبي داود، ج ١، ص١٤٠.
٤ - الموطأ، ص١٥٠.
٥ - سنن البيهقي، ج ٢، ص٣٧٩.
في جعل الأحاديث ولزوم الدقة والتحقيق
مسلم: بإسناده عن اليحصبيّ: قال سمعت معاوية يقول: إياكم وأحاديث ؛ إلا حديثاً كان في عهد عمر، فإن عمر كان يُخيف الناس في الله عَزَّ وجَلَّ.(١)
تهذيب ابن عساكر: وقال ابن عديّ: رفع المعمّري أحاديث وهي موقوفة، وزاد في المتون أشياء ليس فيها، وكان كثير الحديث، وهذه العادة موجودة في البغداديين خاصة وفي حديثهم وحديث ثقاتهم فإنهم يرفعون الموقوف ويوصلون المرسل ويزيدون في الأسانيد.(٢)
أقول: وضع الكلام والحديث في مطلق الحكومات حقاً أو باطلاً، جائراً أو قاسطاً، أمر عادّي، ولاسيَّما إذا مسّت الحاجة إليه، فكل من أتباع الحكومة ورجالها ومحبيها ومروّجيها يضع الحديث ويُحرّف الكلم ويزيد ويُغيّر ويحذف ويُفسّر ويُؤوّل، على وفق جريان أمر الحكومة وعلى صلاح الملك والمملكة، خوفاً أو طمعاً أو حباً أو غفلة أو لأغراض أخر.
ونِعم ما يقول في كتاب(الأضواء على السنة المحمدية) : لم يكن وضع الحديث على رسول الله (ص) مقصوراً على أعداء الدين وأصحاب الأهواء فحسب كما بيّنا، وإنما كان الصالحون من المسلمين يضعون كذلك أحاديث على رسول الله (ص) ويجعلون ذلك حِسبة لله بزعمهم: ويحسبون أنهم بعملهم هذا يُحسنون صنعاً! روىمسلم في كتابه عن يحيى القطّان: لم نر الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث. وروىمسلم عن أبي الزناد: أدركت بالمدينة مئة كلهم مأمون ما يؤخذ
____________________
١ - مسلم، ج ٣، ص٩٥.
٢ - تهذيب ابن عساكر، ج ٤، ص١٩٩.
عنهم الحديث.(١)
ويقول: ذكر المحققون أموراً كلية يعرف بها أن الحديث موضوع، منها: مخالفته لظاهر القرآن، أو السنة المتواترة، أو بالإجماع القطعي، أو القواعد المقررة في الشريعة، أو للبرهان العقلي، أو للحس والعيان، وسائر اليقينيات، أو اشتمال الحديث على مجازفات في الوعد والوعيد والثواب والعقاب، أو كان مناقضاً لما جاءت السنة الصريحة به، أو كان باطلاً في نفسه، أو ما تقوم الشواهد الصحيحة على بطلانه.(٢)
أقول: والإمامية يقولون: إن من الأمور القطعيّة التي يعرف بها وضع الحديث مخالفته السنة الثابتة لأهل بيت رسول الله (ص)، فإنا قد أمرنا باتباعهم والتمسك بهم وإطاعتهم والأخذ منهم (راجع فصول أهل البيت في هذا الكتاب) فلا يجوز لنا التمسك بمخالفيهم ومعانديهم وأخذ أحاديثهم وتصحيح أقوالهم وآرائهم إذا كانت مخالفة لأحاديث أهل البيت (ع) ولاسيَّما في زمان كانت الحكومة على خلافهم، بل ويأمرون ببغضهم وسبّهم وقتلهم وقتل محبيهم وطرد شيعتهم وتكفير أتباعهم.
وقد قيل إن الناس على دين ملوكهم، وإنهم كالهَمج الرعاع يتبعون كل ناعق، ويميلون مع كل ريح يميناً وشمالاً، فالناس بعد رحلة رسول الله (ص) مالوا إلى الحكومة، وأعرضوا عن أهل البيت، وأحدثوا ما أحدثوا، ورووا ما رووا، ووضعوا، وقالوا ما قالوا، على ما يقتضيه الجريان الخارجيّ، فبدّلوا الأصول وحرّفوا الفروع. ومن هؤلاء المحدثينأبو هريرة .
مستدرك الحاكم: عن أبي هريرة قال: قال لي عمر: يا عدوّ الله وعدوّ الإسلام! خنت مال الله، قال: قلت: لست عدو الله ولا عدو الإسلام ولكني عدو من عاداهما ولم أخن مال الله، ولكنها أثمان إبلي وسهام اجتمعت، قال: فأعاده
____________________
١ - الأضواء على السنة المحمدية، ص١٠٢.
٢ - نفس المصدر، ص١٠٣.
عليّ وأعدت عليه هذا الكلام، قال فغرمني أثني عشر ألفاً.(١)
يقول فيالأضواء : قال أبو جعفر الاسكافي: إن معاوية حمل قوماً من الصحابة وقوماً من التابعين على رواية أخبار قبيحة على عليّ تقتضي الطعن فيه والبراءة منه، وجعل لهم في ذلك جُعلاً، فاختلقوا له ما أرضاه، منهم: أبو هريرة وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة ومن التابعين: عروة بن الزبير.(٢)
ويقول : علمتَ مما كشفناه لك من تاريخ أبي هريرة أنه لم يصاحب النبي الا على مليء بطنه، كما ذكر هو مراراً عن نفسه، وأنه قد اتخذ الصُفة ملاذاً له لفقره، يأكل فيها كما يأكل سائر أهلها، أو يأكل عند النبي أو عند أحد أصحابه.(٣)
ويقول : أجمع رجال الحديث على: أن أبا هريرة كان أكثر الصحابة حديثاً عن رسول الله (ص) على حين أنه لم يصاحب النبي إلا نحو ثلاث سنين، وقد ذكر أبو محمد بن حزم أن مسند بقى بن مخلّد قد أحتوى من حديث أبي هريرة على ٥٣٤٧ روى البخاري منها ٤٤٦ حديثاً وقد أفزعت كثرة رواية أبي هريرة عمر بن الخطاب فضربه بالدرة وقال له: أكثرت يا أبا هريرة من الرواية، وأحرّ بك أن تكون كاذباً على رسول الله، ثم هدّده وأوعده إن لم يترك الحديث عن رسول الله فإنه ينفيه إلى بلاده.(٤)
____________________
١ - مستدرك الحاكم، ج ٢، ص٣٤٧.
٢ - الأضواء، ص١٩٠.
٣ - نفس المصدر، ص١٨٥.
٤ - نفس المصدر، ص١٦٢.
روايات هذا الكتاب
وأما الأحاديث التي نقلناها في هذا الكتاب فهي معتبرة قطعية، بوجوه:
١ - أنها نقلت من صحاح كتب أهل السنة.
٢ - أن أكثر هذه الروايات متواترة معنى.
٣ - أنها مؤيدة بالروايات المروية عن أهل البيت (ع)
٤ - أنها مؤيدة بقرائن اُخر قطعيّة، تاريخية وغيرها.
٥ - أنها متواترة لفظاً بضميمة ما روى عن أهل البيت (ع).
٦ - أنها رويت باسناد ذهب رواتها إلى خلاف ما رووا، وهذا قرينة تدل على صحة هذه الروايات وثبوتها عندهم، فإن شهادة المخالف وقوله أدل دليل على الفضل والحكم المطلوب.
٧ - أنها مضبوطة ومندرجة في كتب، ذهب مؤلفوها إلى خلاف ماضبطوها، وفيه دلالة على صحتها وثبوتها عندهم، بحيث لم يتمكّنوا من طرحها والأعراض عنها.
٨ - أنها وصلت الينا من أيدي رجال ومن ألسنة رواة كانوا في عهد خلفاء جرى أمرهم على خلاف أهل البيت، وكانوا تحت سلطتهم ونفوذهم، ورووا هذه الروايات على خلاف صلاح الحكومة وعلى خلاف جريان الامور.
الخارجية، ولم يكن لهم دواع أُخر، فإنهم كانوا يعتقدون خلافها ولا يرون في روايتها فائدة دنيوية، إلا أنهم يرون صحتها وثبوتها.
فيمتاز أكثر ما روى في هذا الكتاب بجميع هذه الوجوه، وبعضها ببعضها، فلا يحتمل فيها الجعل، لانتفاء أسباب الجعل وعلله فيه.
الكتب المستندة في هذا الكتاب
وأما الكتب التي اعتمدنا عليها في نقل روايات هذا الكتاب، فهي على قسمين:
القسم الأول:
الكتب المعتبرة لأهل السنة من التاريخ والحديث المؤلفة في القرون الأولى إلى القرن الخامس، واستنادنا في هذا الكتاب إلى هذا القسم من الكتب. وهي هذه:
١ -أخبار أصبهان لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني المتوفَّى سنة ٤٣٠، طبع ليدن سنة ١٩٣١ - م، في مجلدين.
٢ -الاستيعاب في معرفة الأصحاب لأبي عمر يوسف أبي عبد البر المتوفَّى سنة ٤٦٣ - هـ، مطبوعة مصر، مكتبة النهضة، سنة ١٣٨٠ - هـ، في أربعة مجلدات في ٢٠٩٢ صحيفة.
٣ -أمالي القالي أبي علي إسماعيل بن القاسم البغدادي القرطبيّ المتوفَّى سنة ٣٥٦ - هـ.
٤ -الإمامة والسياسة لأبي محمد عبد الله بن قُتيبة المتوفَّى سنة ٢٧٠ - هـ، مطبوعة مصر مطبعة الفتوح سنة ١٣٣١ - هـ، في ٣٦٤ صحيفة.
٥ -انساب الأشراف لأبي الحسن احمد بن يحيى البلاذري المتوفَّى سنة
٢٧٩ - هـ، مطبوعة مصر سنة ١٩٥٩ - م في ٧٢٢ صحيفة، مع مقدمة في ٥٣ صحيفة، مع مقدمة في ٥٣ صحيفة.
٦ -البدء والتاريخ المنسوب إلى أبي زيد احمد بن سهل البلخي المتوفَّى ببغداد سنة ٥٠٧ - هـ، طبع باريس سنة ١٩١٦ - م، في مجلدات.
٧ -تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري سنة ٣١٠ - هـ، طبع مصر، مطبعة الحسينية سنة ١٣٢٦ - هـ، في اثني عشرة مجلداً.
٨ -تفسير الكشاف للزمخشري محمد بن عمر الخوارزمي المعتلي المتوفَّى سنة ٥٣٨ - هـ، طبع مصر المطبعة العامرة سنة ١٣٠٨ - هـ في مجلدين.
٩ -تهذيب التاريخ الكبير لأبي القاسم علي بن الحسن بن عساكر الشافعي المتوفَّى سنة ٥٧١ - هـ بدمشق، هذّبه الشيخ عبد القادر بن بدران، طبع دمشق سنة ١٣٢٩ - هـ، في سبع مجلّدات.
١٠ -جامع الترمذي ( الترمذي ) أحد الصحاح والسنن لأبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي المتوفَّى سنة ٢٧٩ - هـ، طبع كراچي ومحشّى بحواشي سندي وغيره، بضميمةرسالة الشمائل والتقرير وأصول الحديث ، في ٦٦٥ صحيفة بقطع رحليّ، وليس فيه تاريخ للطبع.
١١ -خصائص أمير المؤمنين لأبي عبد الرحمن احمد علي بن شعيب النسائي المتوفَّى سنة ٣٠٣ - هـ، طبع مصر سنة ١٣٠٨ - هـ في ٤٠ صحيفة، بمطبعة الخيرية. وفي آخر الكتاب: مؤلفه الحافظ صاحب الصحيح الإمام النسائي وضعه لما دخل دمشق ووجد كثيرا ممن بها منحرفين عنه.
١٢ -ديوان ابي العباس عبد الله بن المعتزّ المتوكل العباسي المتوفَّى سنة ٢٩٦ - هـ طبع بيروت سنة ١٣٣١ - هـ، في ٣٤٤ صحيفة.
١٣ -دلائل النبوة لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الإصبهاني المتوفَّى سنة ٤٣٠ - هـ طبع حيدر آباد دكن سنة ١٣٢٠ - هـ. في ٢٣٣ صحيفة، بقطع رحلي.
١٤ -سنن ابن ماجة لمحمد بن يزيد بن ماجة القزويني المتوفَّى سنة ٢٧٣ - هـ
طبع مصر سنة ١٣٤٩ - هـ. في مجلدين، أحد الصحاح الستة.
١٥ -سنن أبي داود لسليمان بن الأشعث السجستاني المتوفَّى سنة ٢٧٥ - هـ والمجلد الأول منه طبع كراچي سنة ١٣٦٩ - هـ، في ٣٥٦ صحيفة محشّى بحواشي. والمجلد الثاني طبع دهلي سنة ١٢٨٣ - هـ، في ٣٦٢ صحيفة محشّى.
١٦ -سنن البيهقي ( السنن الكبرى ) لأبي بكر أحمد بن الحسين الشافعي البيهقي المتوفَّى سنة ٤٥٨ - هـ، في عشر مجلدات، طبع حيدر آباد دكن سنة ١٣٤٤ هـ. وفي ذيله، الجوهر التقي للمارديني.
١٧ -سنن الدارمي لعبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي الدارمي المتوفَّى سنة ٢٥٥ - هـ، طبع دمشق مطبعة الحديثة سنة ١٣٤٨ - هـ. في ثمانية أجزاء، وهو أحد الصحاح الستة.
١٩ -السيرة النبوية لعبد الملك بن هشام البصري المتوفَّى سنة ٢١٨ هـ. طبع مصر مطبعة البابيّ الحلبيّ سنة ١٣٥٥ هـ، في أربعة مجلدات.
٢٠ -الشريعة لأبي بكر محمد بن الحسين الآجري المتوفَّى سنة ٣٦٠ هـ، طبع القاهرة مطبعة السنة المحمدية سنة ١٣٦٩ هـ، في ٥٠٤ صحيفة مع مقدمة.
٢١ -صحيح البخاري لمحمد بن إسماعيل البخاري المتوفَّى سنة ٢٥٦ هـ، طبع مصر مطبعة ميمنية سنة ١٣١٢ هـ. في أربعة أجزاء.
٢٢ -صحيح مسلم لأبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوريّ المتوفَّى سنة ٢٦١ هـ طبع إسلامبول مطبعة العامرة سنة ١٣٣٠ - ١٣٣٤ هـ. في ثمانية أجزاء.
٢٣ -الطبقات الكبرى لأبي عبد الله محمد سعد الزهريّ المتوفَّى سنة ٢٣٠ هـ. طبع بيروت سنة ١٣٧٧ هـ، مطبعة دار صاد، في ٨ مجلدات.
٢٤ -طبقات النحويين لأبي بكر، محمد بن الحسن الزبيديّ المتوفَّى سنة ٢٧٩ هـ. طبع مصر سنة ١٣٧٣ هـ. في ٤٠٨ صحيفة.
٢٥ -العقد الفريد لأبي عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي المتوفَّى
سنة ٣٢٨ هـ. طبع مصر مكتبة النهضة سنة ١٩٢٦ م في أجزاء.
٢٦ -عيون الأخبار لعبد الله بن مسلم بن قتيبة الكوفي سنة ٢٧٠ - ٣٢٢ هـ. طبع مصر دار الكتب سنة ١٣٤٣ - ١٣٤٩ هـ. في أربعة مجلدات.
٢٧ -الفائق في غريب الحديث لمحمود بن عمر الزمخشري المتوفَّى سنة ٥٣٨ هـ. طبع القاهرة سنة ١٣٦٤ هـ. في ثلاث مجلدات.
٢٨ -فتوح البلدان لأبي الحسن أحد بن يحيى البلاذريّ المتوفَّى سنة ٢٧٩ هـ. طبع مصر المطبعة المصرية سنة ١٣٥٠ هـ. في ٤٦٠ صحيفة.
٢٩ -الكامل للمبرد أبي العباس المتوفَّى سنة ٢٨٥ هـ، طبع مصر سنة ١٣٥٥ هـ. في ثلاث مجلدات، في ١٢٩٠ صحيفة.
٣٠ -الكنى للبخاري محمد بن إسماعيل البخاري المتوفَّى سنة ٢٥٦ هـ طبع حيدر آباد دكن سنة ١٣٦٠ هـ. في ٩٨ صحيفة.
٣١ -المحاسن والأضداد لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ المتوفَّى سنة ٢٥٥ هـ. ط مصر سنة ١٣٢٤ هـ في ٢٦٢ صحيفة.
٣٢ - المحاسن والمساوي لإبراهيم بن محمد البيهقي من علماء القرن الرابع، طبع بيروت دار صادر سنة ١٣٨٠ هـ، في ٦٠٦ صحيفة.
٣٣ -المستدرك على الصحيحين لأبي عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوريّ المتوفَّى سنة ٤٠٥ هـ، طبع حيدر آباد دكن سنة ١٣٣٥ هـ، وفي ذيله تلخيص المستدرك للذهبي، في أربعة مجلدات رحلية.
٣٤ -مسند أبي عوانة يعقوب بن إسحاق الإسفرايني المتوفَّى سنة ٣١٠ هـ. والمجلد الأول والثاني طبع حيدر آباد دكن سنة ١٣٦٢ هـ.
٣٥ -مسند أحمد لأبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل المروزي المتوفَّى سنة ٢٤١ هـ. وفي حاشيته منتخب كنز العمال، طبع مصر مطبعة الميمنية سنة ١٣١٣ هـ، في ستّ مجلدات.
٣٦ -المصائد والمطارد ، لمحمود بن محمد بن حسين، كشاجم ( كاتب، شاعر، أديب، منجم، متكلم ) المتوفَّى سنة ٣٥٠ هـ.
٣٧ -المعارف لعبد الله بن مسلم بن قتيبة سنة ٢٧٠ - ٣٢٢ هـ. طبع مصر دار الكتب سنة ١٩٦٠ م. بتحقيق ثروت عكاشة.
٣٨ -معجم الشعراء لأبي عبد الله محمد المرزباني المتوفَّى سنة ٣٨٤ هـ، طبع مصر سنة ١٣٧٩ هـ. في ٥٩٠ صحيفة.
٣٩ - مقاتل الطالبيين لأبي الفرج علي بن الحسين الإصبهاني المتوفَّى سنة ٣٥٦ هـ. طبع مصر مطبعة إحياء الكتب سنة ١٣٦٨ هـ.
٤٠ -مقالات الإسلاميين لأبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري المتوفَّى سنة ٣٣٤ هـ. طبع القاهرة سنة ١٣٦٩ هـ.
٤١ -الموطّأ للإمام مالك بن أنس الأصبحي المتوفَّى سنة ١٧٩ هـ، وهو إمام المالكية، طبع كراچي آرام باغ - نور محمد في ٧٤٤ صحيفة محشّى.
القسم الثاني:
من الكتب التي استفدنا ونقلنا عنها في هذا الكتاب ؛ تأييداً للمرام وتوضيحاً للمطلوب، لا استناد إليها في أصل الموضوع، وهي الكتب التي ألّفت في قرون بعد القرن الخامس، أو قبله ولكنّا ما أردنا أن نستند إليها لأنها لم تكن في الاعتبار عندهم في الدرجة العالية:
١ -الأئمة الاثني عشر ( الشذرات الذهبية ) عند الإمامية المؤرخ دمشق شمس الدين محمد بن طولون المتوفَّى سنة ٩٥٣ هـ. طبع بيرون سنة ١٣٧٧ هـ، في ١٤٣ صحيفة.
٢ -الأضواء على السنة المحمدية لمحمود أبو ريّة المعاصر المحقق، طبع مصر مطبعة دار التأليف سنة ١٣٧٧ هـ، في ٣٦٤ صحيفة.
٣ -البيان في أخبار صاحب الزمان للحافظ محمد بن يوسف الگنجي الشافعي المتوفَّى سنة ٦٥٨ هـ، طبع تبريز سنة ١٣٢٤ هـ.
٤ -البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث للسيد إبراهيم بن السيد محمد نقيب مصر والشام الحنفيّ الدمشقيّ المتوفَّى سنة ١١٢٠ هـ، طبع حلب
سنة ١٣٢٩ هـ، في جزأين.
٥ -تاريخ الخلفاء لجلال الدين عبد الرحمن السيوطيّ المتوفَّى سنة ٩١٠ هـ. طبع مصر مطبعة الميمنية سنة ١٣٠٥ هـ.
٦ -تذكرة الحفاظ لأبي عبد الله شمس الدين الذهبيّ المتوفَّى سنة ٧٤٨ هـ. طبع حيدر آباد دكن سنة ١٣٧٥ هـ، في أربعة أجزاء.
٧ -تذكرة الخواص الأمة في معرفة الأئمة لسبط بن الجوزي شمس الدين يوسف الواعظ الحنفي المتوفَّى سنة ٦٥٤ هـ ز بدمشق، طبع طهران سنة ١٢٨٥ هـ، في ٢١٣ صحيفة رحلية.
٨ -حلية الأولياء لأبي نعيم احمد الإصبهاني المتوفَّى سنة ٤٣٠ هـ، طبع مصر مطبعة الخانجي سنة ١٣٥٢ هـ، في عشر مجلدات.
٩ -ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى لمحبّ الدين احمد الطبريّ المتوفَّى سنة ٦٩٤ هـ، كان شيخ الشافعية طبع مصر سنة ١٣٥٦ هـ، بمطبعة القدسي في ٢٧٢ صحيفة.
١٠ -ذمّ الهوى لأبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي المتوفَّى سنة ٥٩٧ هـ، طبع دار الكتب الحديثة بمصر سنة ١٣٨١ هـ.
١١ -زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم، مع شرح من المؤلف سماها فتح المنعم، تأليف محمد حبيب الله الشنقيطي المتوفَّى سنة ١٣٦٣ هـ، طبع القاهرة، مطبعة مصر سنة ١٩٥٤ م. في خمسة مجلدات.
١٢ -سير أعلام النبلاء لشمس الدين محمد الذهبي المتوفَّى سنة ٧٤٨ هـ، طبع القاهرة دار المعارف سنة ١٩٥٦ م، في مجلدين.
١٣ -شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام لأبي الطيب محمد بن أحمد الفاسيّ المكي المالكيّ المتوفَّى سنة ٨٣٢ هـ، طبع مصر سنة ١٩٥٦ م، في مجلدين، وقد ألحق به(الدرة الثمينة في تاريخ المدينة) .
١٤ -الفتوحات المكية لأبي عبد الله محمد بن علي الحاتميّ الطائيّ الأندلسي المتوفَّى سنة ٦٣٨ هـ. طبع مصر بولاق سنة ١٢٩٣ هـ، في ثمانية أجزاء.
١٥ -المختصر في أخبار البشر لعماد الدين إسماعيل أبي الفداء المتوفى سنة ٧٣٢ هـ، طبع مصر مطبعة الحسينية سنة ١٣٢٥ هـ.
١٦ -مختصر التذكرة للشيخ عبد الوهاب الشعراني المتوفى سنة ٩٧٣ هـ، والتذكرة لأبي عبد الله محمد القرطبيّ المتوفى سنة ٦٧١ هـ، طبع مصر سنة ١٣١٠ هـ. في ١٥٢ صحيفة.
١٧ -مطالب السئول في مناقب آل الرسول لمحمد بن طلحة الشافعي المتوفى سنة ة٦٥٤ هـ، طبع طهران سنة ١٢٨٧ هـ. في ٩١ صحيفة رحليّة منضماً إلىتذكرة خواص الأمة ، وعندنا نسخة خطيّة منها، وفي آخرها: به يكصد وشصت ونه ورق بتاريخ هفتم شهر ذي الحج ١١ جلوس اورنك شاهي مطابق سنة ١٠٧٨ هـ.
١٨ -الملل والنحل لأبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني المتوفى سنة ٥٤٨ هـ، طبع القاهرة مطبعة حجازي سنة ١٣٦٨ هـ، في ثلاث مجلدات.
١٩ -نهج البلاغة فيما اختاره الشريف الرضيّ من كلام أمير المؤمنين (ع) شرحه الشيخ محمد عبد ه ، طبع مصر مطبعة الاستقامة، بتحقيق: محمد محيي الدين، وليس فيه تاريخ الطبع.
٢٠ -وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان لأحمد بن محمد بن خلكان الأربليّ الشافعي المتوفى سنة ٦٨١ هـ، طبع طهران سنة ١٢٨٤ هـ، في مجلدين.