العصمة حقيقتها ـ أدلّتها

المؤلف: الشيخ محمد حسين الأنصاري



بسم الله الرحمان الرحيم



مقدمة المركز :

الحمدُ للهرب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين وآله  الطيبين الطاهرين.

وبعد ..

إنّ موضوع العصمة هو واحد من المواضيع التي عنيت بها الكتب  الكلامية لدى سائر الفرق الإسلامية كواحدة من مفردات العقيدة ، ولكل  نظريته في تفسيرها ومنهجه في الاستدلال عليها.

والحديث عن العصمة يقتضي في بادي الأمر تصور من هو  المعصوم الذي يُقال بعصمته أوّلاً ومن ثمّ التحقيق في تلكَ النسبة ثانياً.

أمّا من هو المعصوم حقّاً فلا ريب في أنهم ملائكة الله المقربون  ورسله وأنبياؤه وأوصياؤهمعليهم‌السلام ، ولم تنسب العصمة إلىٰ غير  هؤلاءعليهم‌السلام وأمّا عن عصمة الإجماع علىماينقل عن بعض اصوليي  العامة فليست بشيء من التحقيق لإمكان وقوع الخطأ عقلاً على المجمعين مالم يكن المعصوم فيهم ، نعم عصمة القرآن الكريم مفروغ  عنها ولكنها خارجة عن محل البحث هذا ، وأمّا عن التحقيق في تلكَ  النسبة فلا شك أنه يرتكز علىثلاث شعب :

الاُولى : ويعتمد فيها على استجلاء موقف العقل من مفهوم  


العصمة ، وهذا الموقف لابدّ وأن يكون مقراً ومذعناً بها إذ لا يمكن أن  يأتمن الله علىوحيه إلاّ من يؤتمن جانبه من كل قبيح ومن كلّ ما يتنافى  معَ الغرض الذي لأجله نزل الوحي بالشريعة ، كالخطأ والسهو والنسيان  ونحو ذلكَ مما يتنزه عنه أمناء الله على وحيه ودينه.

الثانية : السمع ، وهو لا شك متحقق بالمقام سواء في آيات القرآن  الكريم أو السنة المتواترة ، وقد تضمن هذا البحث طرفاً من تلكَ الأدلة.

الثالثة : معرفة السيرة الذاتية لمن تثبت له العصمة وهذه الشعبة  بالذات تعد في الواقع دليلاً معتبراً جداً خصوصاً فيما يتصل بأوصياء  النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذ سجل التأريخ سيرتهم بصفحات من نور ولم يعثر  شانؤوهم علىسقطة واحدة قط لأي منهم وإلاّ لطاروا بها زرافات  ووحداناً ، وأقل ماقيل عنهمعليهم‌السلام يوجب القول بعصمتهم.

والكتاب الماثل بين يديكـعزيزي القارئـاعتمد هذه الشعب  الثلاث في إثبات العصمة ، وألمّ بأطراف الموضوع ، عرضاً ونقداً  وتحليلاً ، وأفلح في تنظيم المنتخبات من الأدلة والبراهين على أرجح  الأقوال فيهِ ميسراً على القراء سبيل الوصول إلىٰ مبتغاهم في هذه  المفردة العقيدية المهمة.

واللهمن وراء القصد وهو الهادي إلىٰ سواء السبيل

مركز الرسالة


   

المقدِّمة

الحمدُ للهربِّ العالمين والصلاة والسلام علىٰ محمد وآله  المعصومين.

أما بعد : فإنّ الإمام : هو الإنسان الذي له الرئاسة العامّة في أمور الدين  والدنيا بالاصالة في دار التكليف(1) .

ويُقصد هنا بقيد «الاصالة» ، أي انّ الإمامة من قبل الباري عزّ وجلّ ،  لا من قبل أيّ أحدٍ سواه حتّىٰ وإن كان نبيّاً أو مرسلاً ، إذ سلطنة الباري عزّ  وجلّ علىٰ مخلوقاته تكونُ أولاً وبالذّات ، ثُمَّ تلك تترشح لمن يشاء كيف  يشاء فتكون سلطنة أيّ شخصٍ آخرٍ حينئذٍ بالتّبع لا بالاصالة ، وهذا  واضح.

ولعلّ هذا التعريف من أسدّ التعاريف للإمام وأقومها طرداً وعكساً. وهو مختار بعض علمائنا.

 

__________________

(1) راجع كتاب الألفين / العلاّمة الحليقدس‌سره : 12.


وقد عُرّف الإمام أيضاً بأنّه : هو الذي له الرياسة العامّة في أمور الدين  والدنيا خلافةً عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (1) .

وبملاحظة التعريفين يظهر الفرق بينهما.

وعلىٰ كلِّ حالٍ ، فإنّ الإمامة ليست بيد الاُمّة ولا يكون تعيين الإمام من  قِبَلها أبداً ، وقد أثبت علماؤنا ذلك في كتبهم بما يغني الباحث  عن الحقّ(2) .

ومن الشروط الأساسية لهذا المنصب المهم : العصمة التي هي أمرٌ  خفيٌ غير ظاهر لا يعلمه إلاّ الله سبحانه ، ولذلك فإنه هو الذي يشير إليها ،  ويعيّن المتصف بها.

وقد وضعنا هذه الرسالة للبحث عنها وعن أدلّتها ...

ومن الأسئلة المهمّة التي يمكن لها أن تستقرَّ في الذهن :

هل بالعصمة نعلم الإمام؟! أم بالإمام نعرف العصمة؟!

أي هل من ثبتت لهُ العصمة كان إماماً ؟! أم من ثبتت له الإمامة كان  معصوماً ؟!

وبتعبير آخر : أيُّهما المقدّم؟! فبعضهم أحبَّ تقديم الأول ، وآخرون  أحبوا تقديم الثاني.

__________________

(1) مقتبس من تعريف الإمامة / القوشجي ـ تبعاً لصاحب المواقف.

(2) راجع الإمامة والحكومة في الإسلام : 26. وراجع أيضاً خلافة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بين الشورىٰ والنصّ ،  من اصدارات مركز الرسالة ـ قم.


إلاّ أننا نجد أنّ هناك فرقاً واضحاً بين المقامين.

فالإمام الذي يكون نبيّاً يجب أن نثبت نبوّته أولاً ، ولا تثبت إلاّ بالمعجز  وبادعائه معه النّبوة ، فحينئذٍ تبعاً لذاك نُثبتُ عصمته. هذه هي طريقة  إثبات عصمة الأنبياء والرسل.

ولو كان الإمام مختفياً بحيث انقطع أثره وخبره وذكرهُ من الناس فنسوه  كليّاً ، فحينئذٍ عندما يدّعي الإمامة ، عليه أن يُظهر المُعجِزَ إلىٰ جانب الدعوىٰ ، فتثبت له الإمامة وبها نُثبت عصمته.

وأمّا في حال معرفة الإمام ، فإنّ تعيينه من قبل المُرسَل يكشف عن  كونه معصوماً.

لأنَّ العصمة أمرٌ خفيٌ لا يستطيع الوصول إليه الناس ، فالرسول هو  الذي يشير إليه.

كما أنَّهُ باختلاف الناس في التعيين وعدمه ، أو في قولهم بالتعيين مع  اختلافهم في التشخيص لابدّ من إثبات العصمة حتّىٰ يتعيّن ذلك  الشخص.

وبما أنَّهُ أمرٌ خفي فلابدّ أن تثبت العصمة عن طريق النص ، والنص  منحصرٌ كما هو معلوم بكتاب الله وبسُنّة من ثبتت عصمته ، كأن يكون  الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو معصوماً آخر قد ثبتت عصمته بالدليلـبكتاب الله وسُنّة  نبيِّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ.

فالذي أراد إثبات عصمة الأنبياء والرسل والأئمة بالطريق الأول عليه  


أن يُثبت ذاك عن طريق العقل وحده أولاً ، ثُمَّ بعد ذاك يستأنس ويعمّق  استدلاله بالدليل النقلي كما هو مطلوب.

وأمّا الذي يريد أن يثبتَ العصمة عن الطريق الثاني المنحصر باثبات  العصمة بالإمام فلابدّ أن يتلمّس الدليل عن طريق النص ، ويستأنس  بالدليل العقلي ليؤكد مطلبه ويعززه.

والذي سنعتمده في كتابنا هذا هو تقديم الطريق الأول ؛ لأنَّ أُسَّ  الافتراق كان فيه. إذ إنّ الذين آمنوا بالرسل والأنبياء قد وقع الاختلاف  بينهم في ثبوت العصمة وحدودها وسعتها ، كما سنرىٰ ، لذا علينا تقديم  الدليل العقلي ، ثم الكتاب ، ثم السُنّة بسعتها ومدىٰ دلالتها علىٰ ذلك ، ومدىٰ مطابقة العقل للشرع في هذا المورد بالذات.

محاولين أن نمزج بين الدليلين في مواضع مهمّة اخرىٰ لكي يكون  الدليل أقوىٰ وأوضح ، عندما نجد أن النقل جاء علىٰ طبق العقل ،  فنتشرّف بذكر كلام المقدَّمين في شرع الله تعالىٰ ونجعله مدخلاً لحديثنا.

وسيكون بحثنا في أربعة فصول :

الأول : في تعريف العصمة ، والثاني : في دراسة ومناقشة الأقوال  المختلفة في العصمة ، والثالث : في الأدلة العقلية علىٰ العصمة ، والرابع :  في إثبات العصمة عن طريق الكتاب والسُنّة ، ثم ألحقنا ذلك بتتمة في  إثبات عصمة الزهراءعليها‌السلام .

وبه تعالىٰ نستعين ، وهو الهادي إلىٰ سواء السبيل


  

الفصل الأول

تعريف العصمة

العصمة لغةً :

عَصَمَ ، يعصم من باب ضَرَبَ : حَفَظَ ووقىٰ(1) .

فالعصمة في كلام العرب : معناها المنع(2) .

والعاصم : المانع الحامي(3) .

العصمة اصطلاحاً :

عرّف الشيخ المفيد العصمة في الاصطلاح الشرعي بأنّها : (لطفٌ  يفعلُهُ الله تعالىٰ بالمكلّف ، بحيث تمنع منه وقوع المعصية ، وترك  الطاعة ، مع قدرته عليهما)(4) .

__________________

(1) راجع المصباح المنير : 417 مادة «عَصَمَ».

(2) مختار الصحاح : 437 مادة «عصم».

(3) راجع لسان العرب 12 : 403 مادة «عصم».

(4) النكت الاعتقادية / الشيخ المفيد 10 : 37 مصنّفات الشيخ المفيد ط ـ المؤتمر العالمي.


ومِنْ هنا قالوا بانّهُ : (ليس معنىٰ العصمة انّ الله يجبُرهُ علىٰ ترك  المعصية ، بل يفعل به ألطافاً ، يترك معها المعصية ، باختياره ، مع قدرته  عليها)(1) .

ولذا قال الشيخ المفيدقدس‌سره : (العصمة من الله لحججه هي التوفيق ،  واللّطف ، والاعتصام من الحجج بهما عن الذنوب والغلط في دين الله ).

والعصمة : تفضّل من الله تعالىٰ علىٰ من علم انّه يتمسك بعصمته ،  والاعتصام فعل المعتصم.

وليست العصمة مانعةً من القدرة علىٰ القبيح ، ولا مضطرة للمعصوم إلىٰ الحسن ، ولا مُلجئةً له إليه ؛ بل هي الشيء الذي يعلم الله تعالىٰ إنّه اذا  فَعَلهُ بعبدٍ من عبيده ، لم يُؤثِر معه معصيةً له.

وليس كلُّ الخلق يُعْلَمُ هذا من حاله ، بل المعلوم منهم ذلك هم الصّفوة  والأخيار ، قال الله تعالىٰ :( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَىٰ ) (2) ، وقال :  ( وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ) (3) ، وقال :( وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ  الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ ) (4) .

و «اعلم إنّ العصمة هي : اللّطف الذي يفعله الله تعالىٰ فيختار العبد  عنده الامتناع من فعل القبيح ، فيقال علىٰ هذا انّ الله عصمه بأن فَعَلَ له

__________________

(1) حق اليقين / السيد عبدالله شبر 1 : 91.

(2) سورة الأنبياء : 21 / 101.

(3) سورة الدخان : 44 / 32.

(4) سورة ص : 38 / 47.


ما اختار عنده العدول عن القبيح.

ويُقال : إنّ العبد معصوم لأنّهُ اختار عند هذا الداعي الذي فعل له  الامتناع من القبيح.

وأصل العصمة في موضوع اللغة المنع يقال عصمتُ فلاناً من السوء  إذا منعت من حلوله به ، غير أن المتكلمين أجروا هذه اللّفظة علىٰ من  امتنع باختياره عند اللّطف الذي يفعله الله تعالىٰ به عنده من فعل القبيح ،  فقد منعه من القبيح ، فأجروا عليه لفظة المانع قهراً ، وقسراً.

وأهل اللّغة يتعارفون ذلك أيضاً ، ويستعملونه لأنّهم يقولون فيمن أشار علىٰ غيره برأي فقبلهُ منه مختاراً ، واحتمىٰ بذلك من ضررٍ يلحقه ، وسوء  يناله انّه حماه من ذلك الضرر ، ومنعه وعصمه منه ، وان كان ذلك علىٰ  سبيل الاختيار»(1) .

وقد قال المحقق الطوسيقدس‌سره في «التجريد» : (ولا تنافي  العصمة القدرة).

وقال العلاّمة الحليقدس‌سره في شرحه لهذه العبارة : اختلف القائلون  بالعصمة في انّ المعصوم هل يتمكن من فعل المعصية أم لا؟! فذهب قوم  منهم إلىٰ عدم تمكّنه من ذلك. وذهب آخرون إلىٰ تمكّنه منها.

أمّا الأولون : فمنهم من قال إنّ المعصوم مختص في بدنه ، أو نفسه  بخاصيّة تقتضي امتناع إقدامه علىٰ المعصية.

__________________

(1) الامالي / السيد المرتضى 2 : 347 دار إحياء الكتب العربية ـ مصر ط1.


ومنهم من قال : إنّ العصمة هي القدرة علىٰ الطاعة ، وعدم القدرة علىٰ  المعصية ، وهو قول أبي الحسن البصري.

وأمّا الآخرون الذين لم يسلبوا القدرة : فمنهم من فسّرها : بانّه الأمر  الذي يفعله الله تعالىٰ بالعبد من الألطاف المُقرِّبة إلىٰ الطاعات ، التي يعلم  معها انّه لا يقدم علىٰ المعصية ، بشرط أن لا ينتهي ذلك الأمر إلىٰ الإلجاء.

ومنهم من فسّرها : بأنّها ملكة نفسانية لا يصدر عن صاحبها معها  المعاصي.

وآخرون قالوا : العصمة لطفٌ يفعله الله لصاحبها ، لا يكون معه داعٍ إلىٰ  ترك الطاعات ، وارتكاب المعصية.

وأسباب هذا اللّطف أمور أربعة :

أحدها : أن يكون لنفسه ، أو لبدنه خاصيّة ، تقتضي ملكةً مانعةً من  الفجور ، وهذه الملكة مغايرة للفعل.

الثاني : أن يحصل له علم بمثالب المعاصي ، ومناقب الطاعات.

الثالث : تأكيد هذه العلوم بتتابع الوحي ، أو الالهام من الله تعالى.

الرابع : مؤاخذته علىٰ ترك الأولىٰ ، بحيث يعلم انّه لا يُترك مهملاً ؛ بل  يُضيَّقُ عليه الأمر في غير الواجب من الامور الحسنة.

فإذا اجتمعت هذه الامور كان الإنسان معصوماً )(1) .

__________________

(1) شرح تجريد الاعتقاد / العلاّمة الحلي : 365.


إلىٰ هنا وقفنا علىٰ أربعة تعاريف لمصطلح العصمة ، هي كالآتي :

1ـ(لطفٌ يفعله الله تعالىٰ بمكلّف ، بحيث تمنع منه وقوع المعصية ،  وترك الطاعة ، مع قدرته عليهما).

2ـ(الأمر الذي يفعله الله تعالىٰ بالعبد من الالطاف ، المقرِّبة إلىٰ  الطاعات التي يعلم معها إنّه لا يقدم علىٰ المعصية ، بشرط ألاّ ينتهي ذلك  الأمر إلىٰ الإلجاء).

3ـ (ملكة نفسانية لا يصدر عن صاحبها معها المعاصي).

4ـ(لطفٌ يفعله الله لصاحبها ، لا يكون معه داعٍ إلىٰ ترك الطاعات ،  وارتكاب المعاصي).

ومنه يظهر اتحاد التعاريف الثلاثة : الأول والثاني والرابع ، في المعنىٰ ،  وأنّها تكاد تتحد في اللفظ أيضاً.

وأمّا الثالث : فاذا كان مقصودهم من انّ ذلك لطفٌ يفعله الله بمكلّفٍ  يجعل له ملكة نفسانية حينئذٍ تكون كلُّ التعاريف واحدة.

وأمّا سبب هذا اللطف لو لاحظناه بدقة لرأينا انه في التعريف الثاني هو  «علم» ، وفي الثالث تأكيد هذه العلوم يرجع إلىٰ العلم أيضاً ، والرابع أيضاً  يرجع إلىٰ علمه بانّه سيضيَّقُ عليه ، فعليه كلّها ترجع إلىٰ العلم.

يبقىٰ الأول ، ولعلَّ قوله تقتضي ملكة مانعة أيضاً مرجعها إلىٰ العلم  فنحصل علىٰ انَّ سبب هذا اللّطف علم في علم ، ولعلّ ذلك حدىٰ بالسيد  الطباطبائيقدس‌سره إلىٰ تبني أن قوّة العصمة هي علمٌ خاص.


وأمّا علىٰ تعريف الشيخ محمدرضا المظفرقدس‌سره من أنّ العصمة : «هي  التنزّه عن الذنوب والمعاصي ، صغائرها وكبائرها ، وعن الخطأ والنسيان ،  وإن لم يمتنع عقلاً علىٰ النبي ان يصدر منه ذلك ، بل يجب ان يكون مُنزّهاً عمّا ينافي المروءة ، كالتبذّل بين الناس من أكلٍ في الطريق ، أو ضحك  عالٍ ، وكل عمل يستهجن فعله عند العرف العام»(1) .

فهو أقرب للشرح ، لا للتعريف.

هذا ما اقتضىٰ ذكره حول تعريف العصمة في هذه الرسالة ، ومن أراد  التوسّع فليرجع إلىٰ كتب هذا الشأن ، وسنذكر نصوص عبارات عدّة من  أعلام الطائفة في العصمة إن شاء الله.

لكن من المهم هنا تبيان قول السيد الطباطبائي الذي ارجع هذه الملكة إلىٰ العلم ، إذ قال في تفسيره «الميزان» تحت عنوان (كلامٌ في معنىٰ  العصمة) عند تفسيره للآية المباركة :( وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت  طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ  اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ  عَظِيمًا ) (2) .

(ظاهر الآية انّ الأمر الذي تتحقق به العصمة نوع من العلم يمنع  صاحبه عن التلبّس بالمعصية والخطأ. وبعبارة اخرىٰ علمٌ مانعٌ

 __________________

(1) عقائد الإمامية / الشيخ محمدرضا المظفر ، تحقيق محمدجواد الطريحي : 287 مؤسسة الإمام  عليعليه‌السلام .

(2) سورة النساء : 4 / 113.


عن الضلال.

كما ان سائر الأخلاق كالشجاعة والعفّة والسخاء كلٌّ منها صورة علمية  راسخة ، موجبة لتحقق آثارها ، مانعة عن التلبس باضدادها من آثار الجبن  والتهور والخمود والشره ، والبخل ، والتبذير.

ومن هنا يظهر ان هذه القوّة المسماة بقوّة العصمة سببٌ شعوري  علمي غير مغلوب البتة ، ولو كانت من قبيل ما نتعارفه من أقسام الشعور  والإدراك لتسرّب إليها التخلّف ، وخبطت في أثرها أحياناً.

فهذا العلم من غير سنخ سائر العلوم ، والإدراكات المتعارفة التي  تقبل الاكتساب.

ثم يقولقدس‌سره ـ: فقد بان من جميع ما قدّمناه انّ هذه الموهبة الالهية التي  نسميها قوّة العصمة نوع من العلم والشعور يغاير سائر أنواع العلوم في انه  غير مغلوب لشيء من القوىٰ الشعورية البتة ، بل هي الغالبة القاهرة عليها  المستخدمة إيّاها ولذلك كانت تصون صاحبها من الضلال والخطيئة  مطلقاً )(1) .

فقوله : (إنّ الأمر الذي تتحقق به العصمة نوعٌ من العلم يمنع صاحبه  عن التلبس بالمعصية والخطأ) قول دقيق وصحيح ، فالعلم أمرٌ تتحقق به  العصمة ، أي ان العصمة شيء والعلم أمرٌ آخر.

ويمكن ان يقال حينئذٍ انّ العلم بلا ريب له تأثيره الأكبر في العصمة ،  

__________________

(1) الميزان / السيد الطباطبائي : 5 / 78 ـ 80.


ولذا قال تعالىٰ :( إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ) (1) ، فحتىٰ الخشية  ولعلّها من مراحل العصمة الأولىٰ أيضاً منشؤها العلم ، ولذا حصر الخشية  للهمن عباده بالعلماء كما هو ظاهر الآية ، وهذا تامٌّ لا غبار عليه.

إلاّ أنّ قوله بعد ذلك : (ومن هنا يظهر ان لهذه القوّة المسماة بقوّة  العصمة سببٌ شعوري علمي غير مغلوب ألبتّة) يوجب إرباكاً ، فهو يجعل  قوّة العصمة : قوةً وسبباً شعورياً علمياً غير مغلوب. ثم نراه يقول أخيراً :  (فقد بان من جميع ما قدّمناه ان لهذه الموهبة التي نسميها قوّة العصمة  نوعٌ من العلم والشعور يغاير سائر أنواع العلوم في انّه غير مغلوب لشيء  من القوىٰ الشعورية البتّة).

فيُعرِّف العصمة بالعلم.

بل في استطراد كلام له في موضع آخر يقول بصريح العبارة : (العصمة  الالهية : التي هي صورة علمية نفسانية تحفظ الإنسان من باطل الاعتقاد ،  وسيّء العمل)(2) .

وللتحقيق في هذا مجالٌ آخر ، وإنّما كان قصدنا تذكير القارئ بذلك  ليراجع مظانّه إن شاء.

ولنتبرّك بذكر بعض معاني العصمة من كلام الإمام الرضاعليه‌السلام :« إنّ  الإمامة خصَّ الله عزَّ وجلَّ بها إبراهيم الخليل عليه‌السلام بعد النبوة

__________________

(1) سورة فاطر : 35 / 28.

(2) الميزان / السيد الطباطبائي 16 : 312.


والخلّة ، مرتبة ثالثة وفضيلة شرّفه بها ، وأشاد بها ذكره ، فقال :  ( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ) ..

إنّ الإمامة هي منزلة الأنبياء وإرث الأوصياء... إنّ الإمام  زمام الدين ونظام المسلمين ، وصلاح الدنيا ، وعزّ  المؤمنين ....

الإمام يحلُّ حلال الله ، ويحرّم حرام الله ، ويقيم حدود الله ،  ويذب عن دين الله ، ويدعو إلىٰ سبيل ربه بالحكمة والموعظة  الحسنة والحجة البالغة ...

الإمام الماء العذب علىٰ الظماء ، والدال علىٰ الهدىٰ ،  والمنجي من الردىٰ... والدليل في المهالك من فارقه  فهالك... الإمام المطهّر من الذنوب المبرّأ عن العيوب...  الإمام واحد دهره لا يدانيه أحد ، ولا يعادله عالم ولا يوجد  منه بدل ولا له مثل ولا نظير مخصوص بالفضل كلّه ، من غير  طلب منه له ، ولا اكتساب ، بل اختصاص من المفضِّل  الوهاب. فمن الذي يبلغ معرفة الإمام أو يمكنه اختياره؟!  هيهات هيهات ....

فكيف لهم باختيار الإمام؟ والإمام عالم لا يجهل ، وراعٍ لا  ينكل معدن القدس والطهارة والنسك والزهادة والعلم  والعبادة ...


نامي العلم ، كامل الحلم ، مضطلع بالإمامة ، عالم  بالسياسة ، مفروض الطاعة ، قائم بأمر الله عزَّ وجلَّ ناصح لعباد الله ، حافظ لدين الله (1) .

                 

__________________

(1) اُصول الكافي / الكليني 1 : 198 / 1 باب نادر جامع في فضل الإمام وصفاته ، كتاب الحجّة.


 

الفصل الثاني

الأقوال في العصمة

قد وقع الاختلاف بين العلماء في عصمة الأنبياءعليهم‌السلام ، وقد أرجع  الشيخ المجلسي هذه الاختلافات إلىٰ أربعة محاور :

أحدها : ما يقع في باب العقائد.

وثانيها : ما يقع في التبليغ.

وثالثها : ما يقع في الأحكام والفتيا.

ورابعها : في أفعالهم وسيرهمعليهم‌السلام .

قالرحمه‌الله : فأمّا الكفر والضلال في الاعتقاد :

فقد أجمعت الاُمّة علىٰ عصمتهم عنهما قبل النبوة وبعدها.

غير أنّ الازارقة من الخوارج(1) جوّزوا عليهم الذنب ، وكلُّ ذنبٍ  عندهم كفر ، فلزمهم تجويز الكفر عليهم ، بل حُكي عنهم أنهم قالوا يجوز

 __________________

(1) وهم فرقة متشددة منهم ، تنسب إلىٰ (نافع بن الازرق).


أن يبعث الله نبيّاً عَلِمَ أنّه يكفر بعد نبوته!

وأمّا النوع الثاني ، وهو ما يتعلّق بالتبليغ :

فقد اتّفقت الاُمّة بل جميع أرباب الملل والشرائع علىٰ وجوب  عصمتهم عن الكذب والتحريف فيما يتعلق بالتبليغ عمداً وسهواً إلاّ  القاضي أبو بكر ، محمد بن الطيب الباقلاني البصري المتكلم الأشعري  (ت / 403 ه‍ )(1) ، فإنّه جوّز ما كان من ذلك علىٰ سبيل النسيان ، وفلتات  اللّسان.

وأمّا النوع الثالث : وهو ما يتعلق بالفتيا :

فاجمعوا علىٰ أنّه لا يجوز خطؤهم فيه عمداً وسهواً ، إلاّ شرذمة قليلة  من العامّة.

وأمّا النوع الرابع : وهو الذي يقع في أفعالهم :

فقد اختلفوا فيه علىٰ خمسة أقوال :

الأول : مذهب أصحابنا الإمامية : وهو أنّه لا يصدر عنهم الذنب  لا صغيره ولا كبيره ، لا عمداً ولا نسياناً ، ولا يخطأ في التأويل ،  ولا للاسهاء من الله سبحانه.

ولم يخالف فيه إلاّ الصدوق ، وشيخه محمد بن الحسن بن الوليدقدس‌سرهما ،  فإنّهما جوّزا الاسهاء ، لا السهو الذي يكون من الشيطان.

__________________

(1) ولد في البصرة ومات في بغداد ، له مؤلفات عدّة منها : «اعجاز القرآن» ، «التمهيد».


وكذا القول في الأئمة الطاهرينعليهم‌السلام .

الثاني : قول أكثر المعتزلة : وهو أنّه لا يجوز عليهم الكبائر ، ويجوز  عليهم الصغائر ، إلاّ الصغائر الخسيسة المنفّرة كسرقة حبة ، أو لقمة ، وكل  ما ينسب فاعله إلىٰ الدناءة والضّعة.

الثالث : قول أبي علي الجبائي(1) : وهو أنّه لا يجوز أن يأتوا بصغيرة ،  ولا كبيرة علىٰ جهة العمد ، لكن يجوز علىٰ جهة التأويل ، أو السهو.

الرابع : قول النظام(2) وجعفر بن مبشر ومن تبعهما : وهو أنّه لا يقع  منهم الذنب إلاّ علىٰ جهة السهو والخطأ ، لكنّهم مؤاخذون بما يقع منهم  سهواً ، وإن كان موضوعاً عن أُممهم لقوّة معرفتهم وعلو رتبتهم ، وكثرة  دلائلهم ، وإنّهم يقدرون من التحفظ علىٰ ما لايقدر عليه غيرهم.

الخامس : قول الحشوية(3) ، وكثير من أصحاب الحديث من العامّة :  وهو أنّه يجوز عليهم الكبائر والصغائر ، عمداً وسهوا وخطأً(4) .

ثمّ اختلفوا في وقت العصمة علىٰ ثلاثة أقوال :

__________________

(1) محمد بن عبدالوهاب ، توفي سنة 303 ه‍ ، وينسب إلىٰ (جبّا) وهي منطقة تقع جنوب ايران ، وهو أحد  علماء البصرة والفرقة التي تنسب إليه تسمى ب‍(الجبّائية) وهي فرقة من المعتزلة.

(2) إبراهيم بن سيّار وهو تلميذ أبي الهذيل العلاّف (متكلم معتزلي) ، كان في البصرة ، وبغداد. ويعدُّ أحد  اساتذة الجاحظ ، والفرقة التي تنسب إليه تسمّىٰ ب‍(النظامية).

(3) وهم المحدِّثون من العامّة الذين ينفون تأويل الأحاديث ، والكتاب الكريم ، ويأخذونهما علىٰ  الظواهر.

(4) بحار الأنوار / العلاّمة المجلسي 11 : 89 ـ 90.


الأول : وهو مذهب أصحابنا : وهو أنّه من وقت ولادتهم إلىٰ أن يلقوا الله سبحانه.

الثاني : مذهب كثير من المعتزلة : وهو أنّه من حين بلوغهم ، ولا يجوز  عليهم الكفر والكبيرة قبل النبوة.

الثالث : وهو قول أكثر الأشاعرة ومنهم الفخر الرازي ، وبه قال أبو  هذيل(1) ، وأبو علي الجبائي من المعتزلة : إنّه وقت النبوة ، وأمّا قبله  فيجوز صدور المعصية عنهم.

هذا مجمل القول في الآراء حول العصمة.

أقوال علمائنا في عصمة الأنبياء والأئمةعليهم‌السلام :

ونقتنص بعض أقوال علمائنا ، المفيدة للعصمة المطلقة ، بالاضافة إلىٰ  ما مرَّ علينا في مطاوي البحث :

قال الشيخ المفيد قدس‌سره : (إنّ الذي أذهب إليه في هذا الباب إنّه لا يقع  من الأنبياءعليهم‌السلام ذنب بترك واجب مفترض ولا يجوز عليهم خطأ في ذلك  ولا سهو يوقعهم فيه ، وإن جاز منهم ترك نفل ومندوب إليه علىٰ غير  القصد والتعمد ، ومتىٰ وقع ذلك منهم عوجلوا بالتنبيه عليه فيزولون عنه  في أسرع مدة وأقرب زمان ، فأما نبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خاصة والأئمة من ذريتهعليهم‌السلام فلم يقع منهم صغيرة بعد النبوة والإمامة ، من ترك واجب ، ولا مندوب  إليه ، لفضلهم علىٰ من تقدّمهم من الحججعليهم‌السلام ، وقد نطق القرآن بذلك ،  __________________

(1) محمد العلاّف ولد في البصرة ، وتوفي سنة 235 ه‍ ، وهو أحد علماء المعتزلة.


وقامت الدلائل منه ومن غيره علىٰ ذلك للأئمة من ذريتهعليهم‌السلام )(1) .

السيد المرتضىٰ علم الهدىٰ رضي‌الله‌عنه : وعندما يذكر السيد المرتضىٰ علم الهدىٰ ما يحتج به علىٰ صواب جميع ماانفردت به الإمامية ، أو  شاركت فيه غيرها من الفقهاء ، يذكر اجماعها علىٰ ذلك الامر ، ثمّ يبيّن  سبب حجيّة ذلك الاجماع بقوله : (إنّما قلنا ان اجماعهم حجة لان في  اجماع الامامية قول الإمام الذي دلت العقول علىٰ ان كلّ زمان لا يخلو  منه ، وانه معصوم لا يجوز عليه الخطأ في قولٍ ، ولا فعل)(2) .

الشيخ الطوسي شيخ الطائفة قدس‌سره : قال ردّاً لحديث ذي الشمالين  في سهو النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (وهذا ممّا تمتنع العقول منه)(3) .

وقال في «الاستبصار» : (وذلك مما تمنع منه الأدلة القاطعة في انّه  لا يجوز عليه السهو والغلط)(4) .

الخواجه نصير الدين الطوسي رضي‌الله‌عنه : (ويجب في النبي العصمة  ليحصل الوثوق فيحصل الغرض.

ثم أضافقدس‌سره ـ: وكمال العقل والذكاء والفطنة وقوة الرأي وعدم  السهو ، وكلّما ينفّر عنه ، من دنائة الآباء ، وعهر الامهات ، والفظاظة 

__________________

(1) مصنفات الشيخ المفيد / الشيخ المفيد 2 : 103.

(2) الانتصار / السيد المرتضى : 6.

(3) التهذيب / الطوسي 2 : 180.

(4) الاستبصار / الطوسي 1 : 371.


والغلظة ، والاُبنة وشبهها ، نحو الأكل علىٰ الطريق وشبهه)(1) .

ثم قالقدس‌سره في عصمة الإمام : (وامتناع التسلسل يوجب عصمته ، ولأنّه  حافظ للشرع ، لوجوب الانكار عليه لو أقدم علىٰ المعصية فيضاد امر  الطاعة ، ويفوت الغرض من نصبه ، ولانحطاط درجته عن أقل العوام)(2) .

وقال العلاّمة الحلي قدس‌سره : وقالت الإمامية إنّه يجب عصمتهم من  الذنوب كلها صغيرها وكبيرها(3) ، ثم ساق أدلة حول ذلك.

ثم قالقدس‌سره : ذهبت الإمامية والاسماعيلية إلىٰ ان الإمام يجب ان يكون معصوماً ، وخالف فيه جميع الفرق(4) ، ثمَّ ساق الأدلة علىٰ ذلك.

وقد علّل عصمة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مطلقاً أي عدم جواز السهو والخطأ عليه  بقولهقدس‌سره : (إنّه لو جاز عليه السهو والخطأ ، لجاز ذلك في جميع أقواله  وأفعاله ، فلم يبق وثوق باخباراته عن الله تعالىٰ ، ولا بالشرائع والاديان ،  لجواز ان يزيد فيها وينقص سهواً ، فتنتفي فائدة البعثة.

ومن المعلوم بالضرورة : ان وصف النبي بالعصمة ، أكمل وأحسن من  وصفه بضدها ، فيجب المصير إليه ، لما فيه من دفع الضرر المظنون ؛   

__________________

(1) كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد / الطوسي ، تعليق الشيخ حسن زاده آملي : 349 ، مؤسسة  النشر الإسلامي.

(2) المصدر نفسه : 264.

(3) المصدر نفسه : 349.

(4) المصدر نفسه : 264.


بل المعلوم)(1) .

وقال في «نهج المسترشدين» : (إنّه لا يجوز أن يقع منه الصغائر  والكبائر لا عمداً ولا سهواً ولا غلطاً في التأويل.

ويجب ان يكون منزّها عن ذلك كلّه من أول عمره إلىٰ آخره).

وقال الفاضل المقداد قدس‌سره : (وأصحابنا حكموا بعصمتهم مطلقاً قبل  النبوة وبعدها عن الصغائر والكبائر عمداً وسهواً ، بل وعن السهو مطلقاً ،  ولو في القسم الرابع ، ونقصد به الافعال المتعلّقة بأحوال معاشهم في  الدنيا مما ليس دينياً )(2) .

وقال الشيخ بهاء الدين في جواب «المسائل المدنيات» : (عصمة  الأنبياء والأئمةعليهم‌السلام من السهو والنسيان ، مما انعقد عليه اجماعنا)(3) .

وقال الشهيد الثاني زين الدين بن علي العاملي قدس‌سره : (وأما  علم الحديث فهو من أجلَّ العلوم قدراً وأعلاها رتبة وأعظمها مثوبة بعد  القرآن ، وهو ما أُضيف إلىٰ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإلىٰ الأئمة المعصومين ، قولاً أو  فعلاً أو تقريراً أو صفة حتىٰ الحركات والسكنات واليقظة والنوم)(4) ،  وهذا ظاهر بالشمول التام.

__________________

(1) الرسالة السعدية / العلامة الحلي : 76.

(2) ارشاد الطالبين إلىٰ نهج المسترشدين / الفاضل السيّوري : 304.

(3) نقلاً عن كتاب «التنبيه بالمعلوم» / الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي ، تحقيق محمود البدري : 59  مركز النشر التابع لمكتب الاعلام الاسلامي.

(4) منية المريد في آداب المفيد والمستفيد / الشهيد الثاني : 191.


وقال العلاّمة المجلسي صاحب البحار قدس‌سره : (اعتقادنا في  الأنبياء والرسل والأئمة ، والملائكةعليهم‌السلام أنهم معصومون ، مطهّرون من كلِّ  دنس ، وانّهم لا يذنبون ذنباً صغيراً ولا كبيراً ، ولا يعصون الله ما أمرهم  ويفعلون ما يؤمرون.

ومن نفىٰ عنهم العصمة في شيء من أحوالهم فقد جهلهم ، واعتقادنا  فيهم انّهم موصوفون بالكمال والتمام والعلم من أوائل أمورهمالىٰ  أواخرها ، لا يوصفون في شيء من أحوالهم بنقص ولا جهل)(1) .

وقال في موقع آخر : (العمدة في ما اختاره أصحابنا من تنزيه الأنبياء  والأئمةعليهم‌السلام من كل ذنب ودناءة ومنقصة قبل النبوة وبعدها قول ائمتناعليهم‌السلام بذلك المعلوم لنا قطعنا باجماع أصحابنا رضوان الله عليهم مع تأييده  بالنصوص المتظافرة حتىٰ صار ذلك من قبيل الضروريات في مذهب  الإمامية ، وقد استدل عليه أصحابنا بالدلائل العقلية وقد أوردنا بعضها في  شرح كتاب الحجة ، ومن أراد تفصيل القول في ذلك فليرجع إلىٰ كتاب  (الشافي) و (تنزيه الأنبياء) وغيرهما من كتب أصحابنا.

والجواب ، مجملاً عمّا استدل به المخطؤون من اطلاق لفظ  العصيان والذنب فيما صدر عن آدمعليه‌السلام هو انّه لمّا قام الدليل علىٰ  عصمتهم نحمل هذه الألفاظ علىٰ ترك المستحب والأولىٰ ، أو فعل  المكروه مجازاً ، والنكتة فيه كون ترك الأولىٰ ومخالفة الأمر الندبي __________________

(1) بحار الانوار / المجلسي 11 : 72 باب عصمة الأنبياءعليهم‌السلام .


وارتكاب النهي التنزيهي منهم مما يعظم موقعه لعلو درجتهم وارتفاع  شأنهم)(1) .

وقال الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي : (ذكر السهو في  هذا الحديث وأمثالهـيقصد حديث السهوـمحمول علىٰ التقية في  الرواية ، كما أشار إليه الشيخ وغيره ، لكثرة الادلة العقلية والنقلية علىٰ  استحالة السهو عليه مطلقاً.

ثم انظر في رسالته الموسومة ب‍ «التنبيه بالمعلوم» أو (البرهان علىٰ تنزيه  المعصوم من السهو والنسيان) تجد ما يدحض به الرأي الشاذ في ذلك.

وتحت عنوان (في جملة من عبارات علمائنا وفقهائنا المصرّحين  بنفي السهو عن النبي والأئمةعليهم‌السلام في العبادات وغيرها) كتب الشيخ  محمد بن الحسن الحر العاملي ، صاحب «وسائل الشيعة» : (إنّ علماءنا  وفقهاءنا قد صرّحوا بذلك في أكثر كتبهم في الفروع ، وصرّحوا في جميع  كتب الاصول بنفي السهو عنهمعليهم‌السلام علىٰ وجه العموم والاطلاق الشامل  للعبادة وغيرها ، وأوردوا أدلة كثيرة شاملة للعبادة)(2) .

وأورد أقوال شيخ الطائفة الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي  في كتبه المختلفة ، والشيخ المفيد ، والمحقق الحلي في «المختصر  النافع» ، والعلاّمة الحلي ، والفاضل المقداد ، والشيخ البهائي ، والشيخ

__________________

(1) بحار الأنوار 11 : 91.

(2) التنبيه بالمعلوم (البرهان علىٰ تنزيه المعصوم عن السهو والنسيان) : 47 تحقيق محمود البدري ، اصدار  مركز النشر لمكتب الاعلام الاسلامي ط1.


الشهيد الأول ، والمحقق الطوسي ، وأخيراً قول السيد ابن طاووس(1) .

والحق عندنا معاشر الإمامية وجوب العصمة في الملائكة والأنبياء  والاوصياءعليهم‌السلام ، في تمام العمر مطلقاً سواء كان فيما يتعلق بالاعتقاد ، أو  فيما يتعلق بالتبليغ ، أو فيما يتعلق بالفتوىٰ ، أو فيما يتعلق بالاحوال  والافعال ، صغائر كانت أو كبائر ، ولا يجوز السهو والنسيان عليهم(2) .

وقال الشيخ محمد رضا المظفر قدس‌سره : (ونعتقد ان الأنبياء  معصومون قاطبة ، وكذلك الأئمة عليهم جميعاً التحيات الزاكيات.

وقال بعد ذلك : ونعتقد ان الإمام كالنبي يجب ان يكون معصوماً من  جميع الرذائل والفواحش ، ما ظهر منها وما بطن ، من سنّ الطفولة إلىٰ  الموت ، عمداً وسهواً.

كما يجب ان يكون معصوماً من السهو والخطأ والنسيان ، لأنّ الأئمة  حفظة الشرع ، والقوّامون عليه ، حالهم في ذلك حال النبي ، والدليل الذي  اقتضانا ان نعتقد بعصمة الأنبياء هو نفسه يقتضينا ان نعتقد بعصمة الأئمة  بلا فرق(3) .

وقال الشيخ الآملي : (الحق ان السفير الالهي مؤيّد بروح القدس ،  معصوم في جميع أحواله وأطواره وشؤونه قبل البعثة ، أو بعدها.

__________________

(1) التنبيه بالمعلوم : 47 ـ 65.

(2) شرح الاسماء الحسنى / السبزواري 2 : 37.

(3) عقائد الإمامية : 313 باب عقيدتنا في عصمة الإمام ، ط مؤسسة الإمام عليعليه‌السلام .


فالنبي معصوم في تلقي الوحي وحفظه وابلاغه ، كما انّه معصوم في  أفعاله مطلقاً بالأدلة العقلية والنقلية.

فمن اسند إليه الخطأ فهو مخطئ ، ومن اسند إليه السهو فهو أولىٰ به.

ونقل الروايات والاخبار ، بل الآيات القرآنية في ذلك ، يؤدي إلىٰ  الاسهاب ، وتنزيه الأنبياء لعلم الهدىٰ السيد المرتضى اغنانا عن ورود  البحث عن هذه المسائل)(1) .

             

__________________

(1) كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد / الشيخ حسن زاده آملي : 593.



 

الفصل الثالث

الأدلة العقلية علىٰ العصمة

توطئة خاصة :

قال الإمام أبو عبدالله الصادقعليه‌السلام :« إنّا لمّا أثبتنا أنّ لنا خالقاً صانعاً متعالياً عنّا ، وعن جميع ما خلق ، وكان ذلك الصانع  حكيماً ، لم يجز أن يشاهده خلقه ، لا يلامسهم ولا يلامسوه ،  ولا يباشرهم ولا يباشروه ، ولا يحاجّهم ولا يحاجّوه. فثبتَ  أنّ له سفراء في خلقه وعباده ، يدلّونهم علىٰ مصالحهم  ومنافعهم ، وما به بقاؤهم وفي تركه فناؤهم ، فثبت الآمرون  والناهون عن الحكيم العليم في خلقه. ثبت عند ذلك أنّ له  معبرين ، وهم الأنبياء وصفوته من خلقه ، حكماء ، مؤدّبين  بالحكمة ، مبعوثين بها ، غير مشاركين للناس في أحوالهم ، علىٰ مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب (1) ».

 

__________________

(1) التوحيد / الشيخ الصدوققدس‌سره : 249.


ولعلّه من هنا وممّا علىٰ شاكلته ، استفيدت مقدّمات ما جعلوه بياناً وأسّسوا عليه قاعدة متينة تسمىٰ بقاعدة «اللطف» وخلاصة ذلك :

أنّه تعالىٰ لا يشاهده خلقه ، ولا يلامسهم ، ولا يلامسوه ، ولا يحاجّهم ،  ولا يحاجّوه ، إذن لابدّ من وجود سفراء له في خلقه وعباده.

وهؤلاء هم الذين يدلّونهم علىٰ مصالحهم ومنافعهم وما به بقاؤهم ،  وفي تركه فناؤهم ، فثبت حينئذٍ الآمرون والناهون ، عن الحكيم العليم  في خلقه.

ولذا قد ورد :« إنّ الخلق لمّا وقفوا علىٰ حدٍّ محدود ، وامروا  ان لا يتعدّوا ذلك الحد لما فيه من فسادهم ، لم يكن يثبت  ذلك ولا يقوم إلاّ بأن يجعل عليهم أميناً يأخذهم بالوقف  عندما أُبيح لهم ، ويمنعهم من التّعدّي والدخول فيما حظر  عليهم ، لأنّه لو لم يكن ذلك لكان أحدٌ لا يترك لذَّته ومنفعته  لفساد غيره ، فجعل عليهم قيّما يمنعهم من الفساد ، ويقيم  فيهم الحدود والأحكام.

وـإنّا لا نجد فرقةً من الفرق ولا ملّةً من الملل بقوا وعاشوا  إلاّ بقيّم ورئيس لما لابدّ لهم منه في أمر الدين والدنيا ، فلم  يجز في حكمة الحكيم ان يترك الخلق ممّا يعلم انّه لابدّ لهم  منه ، ولا قوام لهم إلاّ به (1) .

__________________

(1) بحار الأنوار / المجلسي 3 : 19 عن الإمام علي بن موسىٰ الرضاعليه‌السلام .


ومنه يجب ان يكون هؤلاء لكي تتمّ الحكمة من سفارتهم صفوته من  خلقه ، وإلاّ لكان هناك ترجيحٌ بلا مرجّح ، أو تقديمٌ لمفضول علىٰ فاضل ،  وهو منافٍ للحكمة. وهؤلاء حكماء ، قد ادّبهم الباري عزّ وجلّ بآدابه  فبُعثوا بالحكمة كما كانوا هم من أهلها وسادتها. ويجب أن يكونوا بصراء  مطيعين لله تعالىٰ لا يشركون به طرفة عينٍ ولا أقلَّ من ذلك ولا أكثر. ويجب ألاّ يكونوا كاذبين وإلاّ لانتفت الحكمة في بعثهم ، إذ سيتردد الناس  في قبول قولهم ، ولا يصلح أن يكونوا أدلاّء علىٰ طريقه. وهؤلاء يجب أن  يكونوا من جنس البشر وطينتهم حتىٰ يكونوا مثالاً حيّاً للائتمام بهم. واختصارا لكلِّ الصفات الكاملة المجتمعة في ذاته المقدّسة نقول إنّه  يجب أن يكون معصوماً.

وبما انّ العصمة ، ليست من الامور الظاهرة والواضحة ، بل من الامور  غير المدركة للبشر ، إذن لابدّ وان يُشار إليها ، بالطرق الثلاثة الآتية أو  ببعضها :

أ ـ بالعقل.

ب ـ بالنقل بالاضافة إليه.

ج‍ ـأو بالاعجاز لاثبات منصبه ، ومن إثبات المنصب تثبت  له بالملازمة.

ويتأكد العنصر الثالث ، إذ لابدّ من إعجاز يظهر لتأييد صدق مدّعي  السفارة ، وإلاّ لادّعاها كلُّ أحد. ولابدّ ان يفهم أهل عصر السفير أنّ ذلك  


إعجازٌ ، فلذا كانت المعاجز مختلفة باختلاف العصور.

والرعاية شاملةٌ لكلِّ البشرية من أولها إلىٰ آخرها لا يختص ذلك بزمانٍ  دون زمان. ولكن نعلم علم اليقين أنّه لا نبيّ بعد نبيّنا محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأنّ  المنكر لذلك لا يعدّ مسلماً أصلاً ، إذ إنَّ ذلك من ضروريات الدين ،  فمنكره منكر للضروري ، ومنكر الضروري كافر. فاذن لابدّ من وجود سفير  لله ، ولا يكون نبيّاً ، وذلك هو الذي نعبّر عنه «بالإمام».

ونحصر البحث في الإمامة عند المسلمين إذ إنّه « لو لم يجعل لهم إماماً  قيّما أميناً حافظاً مستودعاً لدرست الملّة ، وذهب الدين ، وغُيّرت السُنّة  والأحكام ، ولزاد فيه المبتدعون ، ونقص منه الملحدون ، وشبّهوا ذلك علىٰ  المسلمين ؛ لأنّا وجدنا الخلق منقوصين محتاجين غير كاملين مع اختلافهم  واختلاف أهوائهم ، وتشتّت انحائهم ، فلو لم يجعل لهم قيّما حافظاً لما جاء به  الرسول ، فسدوا علىٰ نحو ما بيّنّا ، وغُيِّرت الشرائع والسنن ، والأحكام ،  والايمان ، وكان ذلك فساد الخلق أجمعين(1) .

ولذا قالوا : (لمّا أمكن وقوع الشرّ والفساد وارتكاب المعاصي من  الخلق ، وجب في الحكمة وجود رئيس قاهر ، آمر بالمعروف ، ناهٍ عن  المنكر ، مُبين لما يخفى علىٰ الاُمّة من غوامض الشرع ، مُنفِّذ لأحكامه ،  ليكونوا إلىٰ الصلاح أقرب ، ومن الفساد أبعد ، ويأمنوا من وقوع  الشر والفساد).

__________________

(1) بحار الأنوار / المجلسي 23 : 19 عن الإمام علي بن موسى الرضاعليه‌السلام .


فوجوده لطف ، وقد ثبت ان اللطف واجب عليه تعالىٰ ، وهذا اللطف  يسمىٰ إمامة ، فتكون الإمامة واجبة ، (ولمّا كان علّة الحاجة إلىٰ الإمام  عدم عصمة الخلق وجب ان يكون الإمام معصوماً )(1) .

ومن ناحية اُخرىٰ فإنّ القرآن حق كلّه وإنّه قطعي الصدور ، إلاّ انّه ظنّي  الدلالة ، فلذا سيقع الاختلاف في تأويله ، وكلُّ متأول يدعي انّه علىٰ الحق  وغيره ليس عليه ، فيكون ذلك سبباً للفرقة والنزاع أكثر من التأليف  والاجتماع ، وهذا منافٍ للحكمة ، إذن لابدّ من وجود مبيّن لكتابه العزيز  ونعبِّر عنه بالحافظ له.

ومن جانب آخر نرىٰ أن السُنّة النبوية كذلك ، بل ملئت كتب نقلها  بأحاديث كاذبة ومُلفقة ، فما أدرانا ما الذي قاله صاحب الشرع وما الذي  لم يقله؟ خاصّةً أنّ هذه الفجوة تكبر وتكبر كلّما ابتعدنا عن مركز الرسالة  الأول ، فبذا لابدّ من وجود مبيّن ومفسّر وكاشف عنها. ومن هنا صرّح  الشيخ الصدوققدس‌سره بهذا الدليل في اول كلامه إذ قال :

«إنّه لمّا كان كلّ كلام ينقل عن قائله يحتمل وجوها من التأويل ، وكان  أكثر القرآن والسُنّة مما اجمعت الفرق علىٰ انّه صحيح لم يغيّر ولم يبدّل ،  ولم يزد فيه ولم ينقص منه ، محتملاً لوجوه كثيرة من التأويل ، وجب أن  يكون مع ذلك مخبر صادق معصوم من تعمد الكذب والغلط ، مُنبيءٌ عمّا  عني الله ورسوله في الكتاب والسُنّة علىٰ حق ذلك وصدقه ، لأنّ الخلق

__________________

(1) تعليقة العلاّمة الاُستاذ الشيخ علي الأنصاري علىٰ فصول العقائد للحكيم الطوسيرضي‌الله‌عنه : 35ـ36  ط 1393 ه‍.


مختلفون في التأويل ، كلّ فرقةٍ تميل مع القرآن والسُنّة إلىٰ مذهبها ، فلو  كان الله تبارك وتعالىٰ تركهم بهذه الصفة من غير مخبر عن كتابه صادق فيه  لكان قد سوّغهم الاختلاف في الدين ودعاهم إليه وفي ذلك إباحة  العمل بالمتناقضات والاعتماد للحق وخلافه.

فلمّا استحال ذلك علىٰ الله عزّ وجلّ ، وجب أن يكون مع القرآن  والسُنّة في كلّ عصر من ينبئ عن المعاني التي عناها الله عزّ وجلّ في  القرآن بكلامه... وينبيء عن المعاني التي عناها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في سنته  وأخباره... واذا وجب انه لابدّ من مخبر صادق وجب ان لا يجوز عليه  الكذب تعمّداً ، ولا الغلط وجب ان يكون معصوماً »(1) .

وبما أنّ مهمته كذلك إذن يجب ان يكون صادقاً وأميناً ، لكي يقبل منه  الناس كلّ ما يبينه ويوضحه كما كان الرسول كذلك.

(وثبت عند ذلك أنّ له معبّرين هم الأنبياء وصفوته من خلقه ...).

فالأنبياء قد ذكر ، والأئمة بصفوته من خلقه قد بيّنهم كذلك ، فالأنبياء  والأئمة كلُّهم لابدّ وان يكونوا (مؤدّبين بالحكمة ، مبعوثين بها ، غير  مشاركين للناس في أحوالهم ، علىٰ مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب..). ومن هنا نفهم وندرك جيداً معنىٰ حديث الثقلين :« إنّي مُخَلِّفٌ فيكم  الثقلين كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي » .

وندرك كذلك لِمَ سكت ذلك الشامي عندما ناظره هشام بن الحكمرضي‌الله‌عنه

__________________

(1) معاني الأخبار / الشيخ الصدوق : 133 ـ 134 بتصرف طفيف.


، عندما قال له هشام : يا هذا أربُّك أنظَر لخلقه أم خَلقُهُ لأنفسهم؟

فقال الشامي : بل ربي أنظر لخلقه.

فقال : ففعل بنظره لهم ماذا؟!

قال : أقام لهم حجّةً ودليلاً كيلا يتشتتوا ، أو يختلفوا ، يتألّفُهُم ويقيم  أودهم ويخبرهم بخبر ربهم.

قال : فمن هو؟!

قال : رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

قال هشام : فبعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مَنْ؟!

قال : الكتاب والسُنّة

قال هشام : فهل ينفعنا اليوم الكتاب والسُنّة في رفع الاختلاف عنّا؟!

قال الراويـالذي هو يونس بن يعقوبـفسكت الشامي»(1) .

وأخيرا نقول إنّ الإمامة منصبٌ خاص.

ونستطيع أن نضيف : بانّ منزلة الإمامة تساوي الاُسوة والقدوة.

فالمُقتدى به هو الإمام ، وبما أنّه النموذج الأمثل والأكمل للخلافة  الالهية فعليه يجب أن يكون حاوياً لكلِّ معنىٰ الكمال الذي يمكن أن  يتّصف به المخلوق ، حتّىٰ يكون قدوةً للجميع.

__________________

(1) اُنظر اصول الكافي 1 : 171 ـ 172 / 3. وكذلك وسائل الشيعة / الحر العاملي 27 : 177 / 2 باب 13.


وبالخليفة يُستدلُّ علىٰ المستخلِف ، فلو كان عادلاً لأشعر وأشار إلىٰ  عدله ، ولو كان ظالماً لبيّن ظلمه.

كما أنّ نصب الكامل أبعد للخيانة ، فاللهقادرٌ لا يعجزهُ شيء ، وهو  المُطّلع علىٰ عباده ، فاختياره لمن يحمل رسالته ويكون خليفته لابدّ أن  يكون أتمّ خلقه ، ولا يصح أن يقع بالخيانة مهما صغرت ، إذ الله يقول  وقوله الحقّ :( أَنَّ اللهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ) (1) .

فعليه لابدّ وأن يكون أحسن خلقه وأتمَّهم. وبذا أصبح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اسوةً لنا :( لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) (2) .

فالإمام كما يظهر للمتتبع يمثل الاسوة والقدوة الالهية الكاملة للممكن  سواء كان نبيّاً أم غيره.

وبهذا كلّه ظهر بعض خصائص الإمام المعبّر عنه بالعصمة.

الأدلة العقلية

بعد هذا الاستعراض وهذه المقدّمات نحاول أن نضع أصابعنا علىٰ  الأدلة العقلية التي تثبت العصمة لمن اختاره الله تعالىٰ لهداية خلقه بعد  إنذارهم...

 

__________________

(1) سورة يوسف : 12 / 52.

(2) سورة الأحزاب : 33 / 21.


1ـإنّ من يدّعي منصباً إلهيّاً لابدّ أن يظهر المعجز علىٰ يديه ، فدعوىٰ ذلك المنصب أولاً ، وإظهار المعجز ثانياً ، فيعلم صدقه ووساطته عن الله تعالىٰ إلىٰ الناس.

ومقتضىٰ هذا كلّه يجب أن يكون صادقاً وأميناً ليؤدّي رسالته علىٰ أتمِّ  وجه ، وأكمل صورة ، إذ يقبح عقلاً أن يبعث الله تعالىٰ ، أو يوسِط بينه  وبين خلقه من هو كاذبٌ غير أمين. وهذا واضحٌ لا غبار عليه.

فكأنّ المُعجز قد وقع وأيّد مُدّعي النبوة والرسالة والمقام الالهي. فلابدّ أن يكون مانعاً من الكذب ، لأنّ تصديق الكذّاب قبيح. وهذا المقام  الالهي بتأييده يدلُّ علىٰ الاتّباع والتصديق ، وذلك لأنّ الغرض الامتثال لما  جاء به صاحب هذا المقام.

من هنا نستكشف أنّ كلّ ما يقدحُ في صاحب هذا المقام ، يقدح في  الامتثال ويزحزحه ، فلابدّ أن يكون هذا الصاحب مؤيّداً بالبُعد عن جميع  ما يكون منفّراً عنه مبعّداً ، ولعلّ هذا أقرب للوقوع من إظهار المعجز ، إذ  إظهار المعجز لقبول قوله ، فكلّ ما يؤيِّد هذا القبول ويقوّيه يُرَجّحُ وقوعه ،  وهذا كلُّه ممكن وشرائطه واضحة طبيعية ، فهو أولىٰ للتصديق من اختراق  القوانين الكونية والنواميس الطبيعية لتأييد هذا الوسيط ليكون بذلك كلّه  الامتثال أقرباً. إذ إنّ النفس لا تميل لمرتكب كلّ ما يكون منفراً.

وبعبارة أوضح نقول : إنّ مدّعي الوساطة لابدّ أن يكون خالياً من  السخف ، والجنون ، والخلاعة.. الخ. ونضيف إلىٰ ذلك الذنوب كلّها ،  وبالخصوص الكبائر منها ، فإنّها أوضح للقبول ، ولذا عبّر من عبّر ، وأصاب  


فيما عبّر (انّ حظّ الكبائر في هذا الباب إن لم يزد عن حظّ السخف  والجنون والخلاعة ، لم ينقص منه)(1) .

فإذا تمَّ هذا يظهر أنّ كلّ ما هو منفرٌ يجب أن لا يتّصف به الوسيط ،  رعاية من الله تعالىٰ لنا ، ليقرِّبنا إلىٰ الطاعة أكثر ، ويبعدنا عن المعصية(2) .

فإذا سلّمنا بهذا نقول : إنَّهم اختلفوا في عدد الكبائر ، بل في حدود  الكبيرة ، فبعضٌ قد رواها عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سبعة ، ورووا انّ ابن عمر زادها  اثنين ، وابن مسعود زاد عليها ثلاثة. كما أنّ كثيراً من عظائم الذنوب ليس  في ما ذكروه وسطّروه.

وقد اختلفوا كذلك في تحديد الكبيرة ، فقالوا : هي الذنب الذي واعد الله تعالىٰ عليه النار في القرآن ، وبعضهم قال : إنّ الكبائر من الذنوب هي  التي عُدّت كبائر في الأخبار(3) . بل بعضهم صرَّح أنّه ليس هناك كبيرة  ولا صغيرة بل كلّها كبائر.

وكلّ هذا لا مدخلية له في بحثنا عند التمعّن بشيء ، وذلك لأنّ الذي  يهم ، هو ما كان مُنفّراً للخلق من الوسيط ، وما كان مبعّدا للوسيط من  الخالق ، فاذا رضينا بذلك وقنعنا به ، يكون حينئذٍ حال الذنوب  

__________________

(1) بحار الانوار / المجلسي 11 : 92.

(2) وهذا من أساسيات قاعدة اللطف ، فقد حدَّ القوم اللّطف : بأنّه هبة مقربة إلىٰ الطاعة ، ومبعدة عن  المعصية ، ولم يكن لها حظٌّ في التمكين ، ولم تبلغ به الهبة حدَّ الالجاء. راجع كتاب العقائد من أنوار  الملكوت في شرح الياقوت : 153.

(3) راجع : الكافي في كتاب الايمان والكفر ، باب الكبائر ، والوسائل 11 : 45 من أبواب جهاد النفس.


كلّها واحداً.

ولو دققنا في الأمر أكثر لرأينا أن هناك ذنباً أي معصية ، وعاصياً ، ومن  قد عُصي ، فمن جهة نفس المعصية رأينا الاختلاف في الكبيرة والصغيرة ،  وحدودهما. ومن جهة العاصي رأينا علو مقامه ، وحسّاسيّة ذلك المقام  فعلمنا أنّه من المقربين ، وإذا سلّمنا بأنّ حسنات الأبرار سيئات المقرّبين ،  علمنا ما يُفيده ذنب المقرب سواء كان صغيراً أو كبيراً بما أنّه مقرّب ، إذ  إنّ ما يُعدُّ حسنةً في مقام يُعدُّ له ذنباً وسيئة ، فكيف بالذنب والمعصية.

ومن جهة ثالثة نظرنا إلىٰ الذي عُصِيَ فرأيناهُ عظيما فعظُمت معصيته  أيّاً كانت ، ولذا جاء في الأثر :« لا تنظروا في صغر الذنوب ، ولكن  انظروا علىٰ من اجترأتم » (1) .

من هذه الجهات الثلاث نرىٰ انّ استبعاد بل امتناع صدور المعصية من  صاحب هذا المقام أقرب للقبول ، بل هو عين الواقع ، إذ حاله يختلف عن  حالنا جزماً.

ومن هنا يظهر معنىٰ قول الشيخ المفيدقدس‌سره : (وإنّه ليس في الذنوب  صغيرة في نفسه ، وإنّما يكون فيها بالاضافة إلىٰ غيره)(2) .

كما أننّا لو دقّقنا النظر لرأينا أنّ النفس تسكن للذي لم تصدر منه  المعصية أصلاً أكثر ممن صدرت منه ، سواء تاب عنها أم لا ، والمثل الذي

__________________

(1) كنز العمال 4 : 229 / 10294. ووسائل الشيعة / الحر العاملي 11 : 247 / 13.

(2) أوائل المقالات / الشيخ المفيد 4 : 83.


نضربه يُقرِّبُ هذا المعنىٰ ويجعله أوضح : « التائب من الذنب كمن لا ذنب  له(1) ، إذ لو لم يكن أعلا منه منزلة لما شُبّه به ، فإذا ثبت هذا : (أمكن  التمسّك في إثبات ما ذهب إليه أصحابنا من تنزيههم «صلوات الله عليهم»  عن كلِّ منقصة ، ولو علىٰ سبيل السهو والنسيان من حين الولادة إلىٰ الوفاة  بالاجماع المركب)(2) .

إذ العلماء بين قائل بعصمتهم كذلك مطلقاً. وبين قائل بعصمتهم من  الكبائر ، واختلفوا بالصغائر ، وبين قائل بعصمتهم من الكبائر في حال دون  حال. فإذا ثبتت عصمتهم من الكبائر والصغائر يتعيّن القول الأول. إذ لا  قائل بعصمتهم منهما معا ويشكّك بمقام دون مقام.

2ـلو صدر ذنب منه لزم اجتماع الضدين ، فيجب إطاعته لأنّ مقامه  يقتضي هذا ، ويجب عصيانه لأنّ ما جاء به ذنب. بل يجب منعه ،  والانكار عليه ، بل ردعه وحتىٰ زجره لكي يترك ذلك الذنب ، فلربما يولّد  ذلك الايذاء له ، وإيذاؤه كما نعلم حرام بالاجماع ، ولقوله تعالىٰ :( إِنَّ  الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ) (3) .

3ـكما أنّه لو أذنب كان فاسقاً ، فيجب أن تُردَّ شهادته ، للاجماع ،  ولقوله تعالىٰ :( إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ ) (4) . فيلزم حينئذٍ أن يكون أدون  

__________________

(1) كنز العمال 4 : 207 / 10174 وغيره.

(2) بحار الانوار / المجلسي 11 : 92.

(3) سورة الأحزاب : 33 / 57.

(4) سورة الحجرات : 49 / 6.


من آحاد الاُمّة.

4ـوبعصيانه يكون من حزب الشيطان ، فيلزم منه خسرانه ، إذ قال تعالىٰ :( أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) (1) . وهو باطل بالضرورة.

5ـوكما قدّمنا فإنّ حسنات الأبرار سيئات المقربين ، فعلىٰ هذا يكون  حظُّه أقلّ مرتبة من أقلّ أحد من أفراد الاُمّة. بل قد يلزم منه استحقاقه  للعذاب ، قال تعالىٰ :( وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا  خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ ) (2) . ومن هذه الآية بالذات يظهر لنا جليّاً أنّ  الرسول لا يعصي أصلاً ، فحدوده هي الله ورسوله ، ولا يمكن أن يكون  المُحدَّدُ خارجاً عن الحدّ.

6ـوقد يستحق اللعن ، إذ بتعديه للحدود يكون ظالماً ، والله تعالىٰ  يقول :( أَلَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) (3) وهو باطل بالضرورة ، والاجماع.

7ـويشمله التهوين في قوله تعالىٰ :( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ  أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) (4) .

  

__________________

(1) سورة المجادلة : 58 / 19.

(2) سورة النساء : 4 / 14.

(3) سورة هود : 11 / 18.

(4) سورة البقرة : 2 / 44.


قول وفعل وإقرار المُرسَل والإمامعليهما‌السلام هل هو حجّة أم لا؟!

إن قلنا كون كلّ ذلك حجّة ثبتت العصمة ، (وهذا الدليل من أمتن  ما يمكن أن يُذكر من الأدلّة علىٰ حجيّة السُنّة).

إذ مع إمكان صدور المعصية منه ، أو الخطأ في التبليغ ، أو السهو ، أو  الغفلة ، لا يمكن الوثوق أو القطع بما يدّعي تأديته عن الله عزّ وجلّ ،  لاحتمال العصيان ، أو السهو ، أو الغفلة ، أو الخطأ منه ولا مدفع  لهذا الاحتمال)(1) .

وربما يتوهّم مُتَوهِّم عند استطلاع ما نقلناه من آراء العلماء حول  العصمة واختلافهم في حدودها من أنّ هذا لا يجدي شيئاً ؛ وذلك لأنّهم  اتفقوا علىٰ أنّه معصوم بما يتعلق بالتبليغ والفتيا ، فيكون الدليل أضيق  من المدّعىٰ.

نقول رفعاً لهذا التوهم : إنّ الحجّة كما نعلم هي ما يُحتجّ به ، أي أنّ  للمسلم أن يتّبع مؤدّاها ويكون له الحقّ يوم القيامة ، واللهسبحانه وتعالىٰ يقول :( لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) (2) .

فيكون عملهم حينئذٍ إذا كان مُطابقاً لما صدر من الوسيط بين الله  وخلقه حجة للناس علىٰ الله لو كان ذاك قد أدىٰ وفعل أو قرّر ما ليس  صحيحاً شرعاً ، وهذا لا يمكن. فعليه لابدّ أن يكون فعله وقوله وإقراره  صحيحاً دائماً.

__________________

(1) الاُصول العامّة للفقه المقارن / السيد محمدتقي الحكيم : 128.

(2) سورة النساء : 4 / 165.


حصر العصمة في حال التبليغ والفتيا :

وإذا حصروه في حال التبليغ والفتيا ، نقول لهم : إنّ العلماء كافة قد  اطلقوا وقالوا : (إنّ النبي بشرٌ مثلنا ، له ما لنا ، وعليه ما علينا ، وهو مكلّف  من الله تعالىٰ بما كلّف به الناس ، إلاّ ما قام الدليل الخاصّ علىٰ اختصاصه  ببعض الأحكام : إمّا من جهة شخصه بذاته ، وإما من جهة منصب الولاية ،  فما لم يخرجه الدليل فهو كسائر الناس في التكليف. هذا مقتضىٰ عموم  اشتراكه معنا في التكليف. فإذا أصدر منه فعل ولم يعلم اختصاصه به ،  فالظاهر في فعله أن حكمه فيه حكم سائر الناس. فيكون فعله حجّة علينا  وحجّة لنا ، لا سيما مع ما دلّ علىٰ عموم حسن التأسيّ به)(1) ، فلا مجال  للتقييد هذا أولاً.

وثانيا : أنّىٰ لنا تمييز الفعل والقول والاقرار منه ، بحيث نعلم أنّ هذا  تبليغ أو فتيا وأنّ هذا ليس كذلك؟! أي كيف يتمّ لنا تمييز ما هو تبليغ وفتيا  عمّا هو فعل شخصي؟!

ولو قال قائل : إنّ عليه التنبيه ، فعلىٰ المعصوم أن يقول : إنّ هذا الفعل  فعل تبليغ ، وإنّ هذا الفعل ليس كذلك. عليه أن يقول : إنّ هذا القول  تبليغ ، وإنّ هذا القول ليس تبليغاً ولا فتيا. عليه أن يبين أنّ هذا الاقرار  تبليغ أو فتيا أو ليس كذلك. وهكذا يملأ المعصوم حياته من قول : إنّ هذا

__________________

(1) اُصول الفقه / الشيخ محمدرضا المظفر 2 : 67.


هذا ، وإنّ هذا ليس هذا ، وهو كما ترىٰ.

ولو كان ذاك لبان ، مع أننّا لا نجد لذلك عينا ولا أثراً في حياة الأنبياء  والمرسلين ، وخاصة في حياة نبينا الكريمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، مع أنّ كتب الروايات من  صحيحها إلىٰ سقيمها قد نقلت حتىٰ خصوصياتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، نعم قد نُقلت في  ذلك واقعة أو واقعتان ، بأنّ فلاناً سألهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ هذا الأمر منك أم من  الله؟!! ولا تقوم تلك لقلّتها أمام هذه العويصة أبداً.

بل لم يكن ذلك في أفعالٍ وتصرّفات شخصية أصلاً ، بل كانت في  أمور تهمّ المسلمين كافة ، كما في صلح الحديبية ، أو في تقديم الإمام  عليعليه‌السلام . وهذا يدلُّ علىٰ وقاحة من لفظها أمام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا علىٰ إيمانه ،  هذا والقرآن قد صرّح :( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ...) (1) .

ثالثاً : اننّا نجد أنّ الروايات متضافرة وكثيرة في أنّ للهفي كلِّ واقعة  حكماً ، منها ما ورد عن ابن أبي عمير ، عن حفص بن البختري ، عن أبي عبداللهعليه‌السلام :« ما من شيءٍ إلاّ وله حدٌّ كحدود داري هذه ، فما  كان من الطريق فهو من الطريق ، وما كان من الدار فهو من الدار » (2) .

وعن خيثمة بن عبدالرحمن الجعفي ، قال : حدّثني أبو الوليد  البحراني ، عن أبي جعفرعليه‌السلام انّه أتاه رجل بمكة فقال له : يا محمد بن  علي أنت الذي تزعم انه ليس شيء إلاّ وله حدّ؟!

__________________

(1) سورة النساء : 4 / 59.

(2) بحار الأنوار / المجلسي 2 : 170 / 7 باب 22.


فقال له أبو جعفرعليه‌السلام :« نعم ،أنا أقول إنّه ليس شيء ممّا خلق الله صغيراً أو كبيراً إلاّ وله حدّ ، إذا جوز به ذلك الحدّ فقد  تعدّىٰ حدود الله فيه... » (1) .

وعن سليم بن قيس الهلالي ، عن أمير المؤمنينعليه‌السلام ـفي حديث  طويلـأنّه قال لطلحة :« إنّ كلَّ آية أنزلها الله علىٰ نبيه عندي  باملاء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وخطّ يدي ، وتأويل كلّ آية أنزلها علىٰ  محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكلّ حلال وحرام أو حدّ ، أو حكم ، أو شيء  تحتاج إليه الاُمّة إلىٰ يوم القيامة مكتوب باملاء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وخطّ يدي.

فقال : كل شيء من صغير أو كبير ، أو خاص أو عام ، كان أو يكون إلىٰ  يوم القيامة فهو عندك مكتوب؟!

قال :نعم ، وسوى ذلك أسرّني في مرضه ألف باب يفتح كلُّ باب ألف  باب (2) .

وكذا ورد عن يونس بن عبدالرحمن ، عن حمّاد ، عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال : سمعته يقول :« ما من شيء إلاّ وفيه كتاب وسُنّة » (3) .

واستفاد العلماء من تلك الروايات وأشباهها :« أنّ لكلِّ شيء حداً ، وأنّهُ ليس شيء إلاّ ورد فيه كتابٌ وسُنّة ، وعلم ذلك كلِّه عند

__________________

(1) بحار الأنوار 2 : 170 / 10 باب 22.

(2) بحار الأنوار 26 : 65 / 147 باب 1.

(3) اُصول الكافي 1 : 59 / 4 باب الردّ إلىٰ الكتاب والسُنّة.


الإمام عليه‌السلام » (1) .

وعليه قالوا : (إنّ كلّ مُتشرِّع يعلم أنّه ما من فعل من أفعال الإنسان  الاختيارية ، إلاّ وله حكم في الشريعة الإسلامية ، من وجوب أو حرمة ، أو  نحوهما من الأحكام الخمسة)(2) .

فلو تمّت هذه المقدمةـوهي تامةـيكون حينئذٍ كلُّ تصرّف للمعصوم  له حكمه الخاص ، وبما أنّ له حكمه الخاص ، وهو مبين لذلك الحكم ،  فعليه يقتضي ذلك عصمته ، وإلاّ لاختل التبليغ ، إلاّ إذا قلنا بأنّ عصمته  في الواقعة الأولىٰ واجبة ، وأمّا في الوقائع اللاحقة فلا ، وهو ما لم يقله  أحد لحدِّ الآن ، وحينئذ إذا تجرّأ أحدٌ وقاله فهو خلاف الاجماع المركب  للمسلمين كما هو ظاهر.

بل لعلَّ ما ورد في سبب جعل شهادة خزيمة بن ثابت بشهادتين ،  يوضِّح لنا الأمر أكثر ، فيكون المطلب أجلىٰ وأوضح ، فقد ذكر أهل  التاريخ أنّ : (سبب تسميته بذي الشهادتين هو أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اشترىٰ فرساً من أعرابي ، ثمّ إنّ الأعرابي أنكر البيع. فأقبل خزيمة بن ثابت  الأنصاري ففرَّج الناس بيده حتىٰ انتهىٰ إلىٰ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : أشهد  يا رسول الله لقد اشتريته منه. فقال الأعرابي : أتشهد ولم تحضرنا؟! قال  النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :« أشهدتنا » ؟! قال : لا ، يا رسول الله ، ولكنّي علمتُ أنّك  قد اشتريت ، أفأصدِّقُكَ بما جئت به من عند الله ، ولا أُصدّقك علىٰ هذا

__________________

(1) الاصول الاصلية / العلاّمة السيد عبدالله شبر : 273.

(2) اصول الفقه / العلاّمة الشيخ محمدرضا المظفر 1 : 7.


الأعرابي الخبيث؟!

فعجب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال :« يا خزيمة شهادتك شهادة  رجلين » (1) .

إذ إنّ تلك القضية بلا ريب ولاشكّ لم تكن تبليغا ، ولم تكن فتيا ، بل  كانت أمراً شخصياً متعلِّقاً بمحمدٍصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بما هو شخصٌ ، لا بما هو نبيٌّ  أو مرسل.

وكما يعلم الجميع ادّعىٰ أحد المتنازعين الذي كان من الأعراب ، بأنّ  الفرس فرسه ، وادّعىٰ الشخص الآخر الذي هو محمد بن عبداللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الفرس ذاته ، ووقع النزاع بينهما.

وعندما سأل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الشهادة له ، لم يشهد له أحد من المسلمين  لجهلهم ، لا لشيء آخر ، لأنّهم لم يروه عنده ، ولم يطّلعوا علىٰ ملكيته ،  ولم يشهدوا بيعه ، إلاّ أن شخصاً من العرب أقبل ، وفضَّ النزاع بشهادته انّ  الفرس لمحمدٍصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم !!!

فكيف تمّت شهادته؟! هل شهد ملكيته للفرس؟! هل عَلِمَ بها بما  تعلم به الملكية لشخصٍ علىٰ مالٍ مُعيّن؟! كُلُّ هذا لم يكن...

فلماذا لم يزجره النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن فعله هذا؟! ولماذا لم يقل له لم تشهد  فلم تشهد؟! ولماذا هو لم يقل أصلاً بأنَّ محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الشخص ربما يكون

__________________

(1) رواها الشيخ الكليني بسند صحيح عن أبي عبداللهعليه‌السلام الكافي 7 : 23 / 1 كتاب الشهادات باب  النوادر. كلّه عن معجم رجال الحديث / السيد الخوئي 7 : 49 ط مؤسسة آل البيتعليهم‌السلام . وأوردها  الشيخ المجلسيقدس‌سره في بحاره عن معاوية بن وهب باختلاف في بعض ألفاظ الواقعة عن كتاب  الاختصاص : 64 راجع بحار الانوار / المجلسي 22 : 141 مؤسسة الوفاء 1983 م ط2.


قد اشتبه عليه الأمر؟! أو أن يكون قد أخطأ؟! أو نسي؟! أو إلىٰ آخر  محامل الاشتباه...

هذا الرجل لم يعتنِ بذلك أصلاً ، وشهد بأن الفرس له ، معلِّلاً شهادته  بعد سؤالهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم له كيف شهدت بذلك؟! فقال : انّك اخبرتنا عن السماء  فصدّقناك فكيف لا أُصدِّقك علىٰ فرس؟! وبهذا الايمان المطلق أصبحت  شهادته تعادل شهادتين فسُمي بخُزيمة ذي الشهادتين. ألا يكون ذلك  شاهد صدق علىٰ مدّعانا؟!!

فالقضية كانت شخصية مع هذا جعل من شهِدَ بلا رؤية بصرية ، بل  برؤية بصيرية بهذه القاعدة العقلية المرتكزة في ذهن العقلاء التي لم  يلتفت إليها أغلب الناس آنذاك في ذلك المجتمع الذي لم ينضج بعد  عقائدياً ؛ ولتوضيحها وترسيخها في أذهان الناس جعلت شهادة هذا  الرجل شهادتين. فما لنا كيف نحكم؟!

يبقى شيء ربّما يقع فيه المتعرِّض لهذه المباحث ، ومؤداه من أنّ  العقاب يرفع عمّن تاب ، فعليه لا عقاب ولا عتاب يبقىٰ. ولكن هذا  لا شيء ، بالنظر إلىٰ حديثنا بالخصوص ، فلا مدخلية لذلك باستحقاق  العقاب أو الثواب ، أو عدم أحدهما ، أو كليهما أصلا ؛ وذلك لأنّ حديثنا  بالمنفّر ووجوده ، لا باستحقاق العقاب الاُخروي ، أو حتىٰ الدنيوي  وعدمه ، إذ قد يأتي الابتلاء من جهة الاختبار ليس إلاّ ، لا من جهة الذنب  كما هو واضح ، فلا فرق.

إلاّ أنّ الزاوية المنظور منها تختلف ، وذلك لأنَّ كثيراً من المباحات مع  أنّها لا توجب عقوبة ولا ذماً ، إلاّ انّها منفرة ، فاننا نقول بعدم جواز ارتكابها  


من قبل من علت درجته بلا ريب ولاشكّ وهو واضح بالتأمل. وكذلك  هناك كثير من الهيئات والحالات التي لا يمكن لمثل هؤلاء ان يكونوا فيها ،  مع أنها خارجة عن مورد العقاب والذمّ. فحديثنا منصبٌّ حول وجود  المنفّر وعدم وجوده.

فنرى من أنّ أي شيء يكون منفّراً عن هؤلاء الأشخاص لا يمكن أن  يرتكبوه أو يكونوا فيه سواء كان مباحاً أم غير مباح ، وسواء كان عملاً أم  غير عمل ، وسواء كان حالة وهيئة أم غيرهما.

ولازم من يقول من أنّ الحديث حول التوبة من ذاك الذنب الصغير  وعدمه ، فإذا تاب كان هذا غير لازم للتنفير عنه ؛ لأنّها قد أزالت الذم  والعقاب ، لازم ذلك القائل جواز ارتكاب الكبائر قبل البعثة إذا تاب ، بل  بعدها مع التوبة ، وهو كما ترىٰ.

كما أنّ ارتكاب الصغيرة لا يمكن قياسه بترك النوافل وأشباهها ، فهما  مختلفان من حيث ان ارتكاب الصغيرة يكون منفّراً ، بينما ترك النافلة  لا يكون كذلك إلاّ في حالات خاصة نلتزم بعدم تركها فيها.

المهم أنّ العرف هو الذي يُحدّد ما هو المنفّر من غيره ، ولا ضابطة  دقيقة في ذلك أصلاً ، ولكن يمكن إعطاء ضابطة كلية وهو أنّ كلّ منفّرٍ  لا يمكن لهؤلاء أن يرتكبوه ، لأنّ اللطف الالهي يقتضي تقريب الناس  منهم. وكل منفر يوجب ابتعاد الناس عنهم ، وهو عكس المطلوب.

ولذا عبّروا : (فرقٌ واضحٌ في العادة بين الانحطاط عن رتبة ثبتت ،  واستحقت وبين فوتها). ويعنون من أنّ الصغيرة لكونها ذنباً توجب  الانحطاط لمرتكبها فهو قبلها كان أعلا رتبة ، ومن أنّ ترك النافلة توجب  


عدم الصعود من رتبة هو فيها إلىٰ أعلى منها كان يستحقها لو أنه فعل تلك  النافلة ، وهذا الكلام يبطل قول من يقول بجواز ارتكاب الصغائر منهم ،  سواء كان عن عمد أم عن تأويل(1) .

تذييلات

الأول : مسألة السهو لنبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالخصوص :

بما أنّ مسألة سهو النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم توجد روايةً وقولاً ، لذا أحببنا أن نمرَّ  عليها من دون إخلال بمطالب الكتاب ، وبدون تعميق للجذور ، بما ينفع  في دفع هذا الوهم والقول الشاذّ بالكلية.

إنّ روايات السهو توجد في كتب الفريقين ، فلذا أحببنا دغدغتها من  كلا الطرفين ، لرؤية الطريق الواضح.

روي عن أبي هريرة أنّهُ قال : (إنّكم تقولون إنّ أبا هريرة يُكثر الحديث  عن رسول الله ، ويقولون : ما بال المهاجرين والأنصار لا يحدّثون عن  رسول الله بمثل حديث أبي هريرة ، إنّ إخوتي من المهاجرين كان يشغلهم  الصفق بالأسواق ، وكنت ألزم رسول الله علىٰ ملىء بطني ، فأشهد إذا  غابوا ، وأحفظ إذا نسوا.

وكان يشغل إخوتي من الأنصار عمل أموالهم ، وكنت امرأً مسكيناً من

__________________

(1) وهو رأي أبي علي الجبائي ومن وافقه.


مساكين الصُّفّة ، أعي حين ينسون. وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حديث  يحدّثه : « إنّه لن يبسط أحد ثوبه حتّىٰ أقضي مقالتي هذه ، ثمّ يجمع إليه ثوبه  إلاّ وعىٰ ما أقول ». فبسطت نمرة عليَّ حتىٰ إذا قضىٰ رسوله الله مقالته  جمعتها إلىٰ صدري ، فما نسيت من مقالة رسول الله من شيء)(1) .

ورويٰ كذلك عنه أنّ رسول الله قال : « ألا تسألني من هذه الغنائم التي  يسألني أصحابك؟! » قلت : أسألك أن تعلمني ممّا علمك الله. فنزع نمرة  كانت علىٰ ظهري ، فبسطها بيني وبينه ، حتىٰ كأنّي أنظر إلىٰ القمل يدبّ  عليها ، فحدّثني حتّىٰ استوعبت حديثه. قال : « اجمعها ، فصُرّها إليك ». فأصبحتُ لا أُسقط حرفاً مما حدثني.

وروي عن أبي هريرة أيضاً ، قال : قلت لرسول الله إنّي سمعت منك  حديثاً كثيراً ، فأنساه. فقال : « ابسط رداءك » فبسطته ، فغرف بيديه فيه ، ثم  قال : « ضُمّه ». فضممته فما نسيت حديثاً بعده(2) .

فهل ينبغي لمن يصحح هذه الأحاديث في أبي هريرة أن ينسب السهو إلىٰ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟(3) .

ولقد تنبّه الشيخ محمود أبو ريّة إلىٰ ذلك في كتابه «شيخ المضيرة أبو  هريرة» فعلّق قائلاً : (ومن عجيب أمر الذين يثقون بأبي هريرة ، ويمنعون

__________________

(1) فتح الباري في شرح البخاري 4 : 231. وسير أعلام النبلاء / الذهبي 2 : 429.

(2) طبقات ابن سعد 4 : 56.

(3) وقد ناقش هذه المرويات التي ما أنزل الله بها من سلطان ، السيد عبدالحسين شرف الدين في كتابه (أبو  هريرة) ، وأثبت بطلانها بوجوه عدّة ، فراجع.


عنه السهو ، والنسيان ، لا يتحرّجون أن ينسبوهما إلىٰ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )(1) .

أما عند الخاصة فقد وردت روايات سهو النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الكتب  الروائية الجليلة ، وهي : كتاب «التهذيب» للشيخ الطوسيقدس‌سره (2) ، وكتاب  «الكافي» للشيخ الكليني(3) ، وكتاب «من لا يحضره الفقيه» للشيخ  الصدوق(4) ..

فقد ورد في «الكافي» مرفوعاً إلىٰ أبي عبداللهعليه‌السلام أنّه قال :« إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صلّىٰ بالناس الظهر ركعتين ، ثمَّ سها فسلّم ،  فقال له ذو الشمالين : يا رسول الله أنزل في الصلاة شيء؟!  قال : وما ذاك؟! قال : إنّما صلّيت ركعتين. فقال : رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أتقولون مثل قوله؟! قالوا : نعم. فقام صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأتمَّ بهم  الصلاة ، وسجد بهم سجدتي السهو... » .

وأمّا أبو جعفر بن بابويه ، فقد روىٰ عن سعيد الأعرج قال : سمعت أبا عبداللهعليه‌السلام

يقول : « إنّ الله تبارك وتعالىٰ أنام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن صلاة الفجر حتّىٰ طلعت الشمس ، ثم قام فبدأ فصلىٰ الركعتين اللتين قبل الفجر ، ثمّ صلّىٰ الفجر ، وأسهاه في صلاته ، فسلّم في الركعتين ، ثم..

__________________

(1) شيخ المضيرة أبو هريرة : 217 ، ط3.

(2) التهذيب 2 : 345 / 1433.

(3) الكافي 3 : 355 / 1.

(4) من لا يحضره الفقيه 1 : 233 / 1031. وروى كلّ ذلك عنهم صاحب الوسائل في وسائله 8 : 198ـ 203 الباب الثالث من أبواب الخلل الواقع في الصلاة ط مؤسسة آل البيتعليهم‌السلام .


وإنّما فعل ذلك به ، رحمةً لهذه الاُمّة ، لئلاّ يعيّر الرجل المسلم اذا هو نام  عن صلاته أو سها فيها.

فيقال : قد أصاب ذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .. »(1) .

وقد علّق الشيخ ابن بابويه علىٰ روايته بما يمكن أن نحصره بنقاط :

1ـإن هناك عبادة مخصوصة بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهناك عبادة عامّة تشمله  وتشمل غيره ، والعبادة المخصوصة به ، هي النبوة ، والتبليغ من  شرائطها ، ولا يجوز في هذه الاُمور النسيان مطلقاً. وأمّا في العبادة  المشتركة فيجوز فيها وقوع السهو منه ، وحاله حال بقية المكلفين.

2ـإنّ باثبات النوم له تُنفىٰ عنه الربوبية ، لأنّ الذي لا تأخذه سنة ولا  نوم هو الباري عزَّ وجل.

3ـإن سهوهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليس كسهونا ، فسهونا من الشيطان وسهوه من  الرحمن ، وأسهاه لفائدتين ؛ أولاً : ليُعلَم من انّه بشر. ثانياً : ليُعلِّمنا  أحكام السهو.

4ـوإنّما قال بأنّ سهوه ليس من الشيطان ؛ لأنّه ليس للشيطان علىٰ  النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأئمةعليه‌السلام سلطان :( إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم  بِهِ مُشْرِكُونَ ) (2) وعلىٰ من تبعه من الغاوين.

__________________

(1) من لا يحضره الفقيه 1 : 358.

(2) سورة النحل : 16 / 100.


5ـوذكر أنّ شيخه محمد بن الحسن بن الوليد يقول : أوّل درجة في  الغلو نفي السهو عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . هذا مقتضىٰ كلامه كلّه هناك(1) .

أما الشيخ محمد بن الحسن الطوسي شيخ الطائفة وزعيمها ، وهو أحد  الأجلاّء الذين ذكروا حديث السهو كما أسلفنا ، فقد قال في «التهذيب»  بعد إيراده لحديث مؤدّاه : (إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما سجد سجدتي السهو  قط ، ولا يسجدهما فقيه.

قالقدس‌سره ـ: الذي أفتي به ما تضمنه هذا الخبر ، فأمّا الأخبار التي قدّمناها  من أنه سها فسجد ، فهي موافقة للعامّة. وإنّما ذكرناها لأنَّ ما تضمَّنته من  الأحكام معمول به علىٰ ما بيناه..)(2) .

وقال تعليقاً علىٰ ما رواه مما تضمّن قصة ذي الشمالين : (علىٰ أنّ في  الحديثين الأولين ما يمنع من التعلق بهما ، وهو حديث ذي الشمالين  وسهو النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهذا ممّا تمتنع العقول منه)(3) .

وقال في «الاستبصار» : (وذلك ممّا تمنع منه الأدلة القاطعة في أنّه  لا يجوز عليه السهو والغلط)(4) .

وقد روىٰ صاحب «الوسائل» روايتين في ذلك(5) قبل أن يُعلِّق بقوله :  

__________________

(1) راجع كلامه كلّه في من لا يحضره الفقيه 1 : 358 ـ 360.

(2) التهذيب 2 : 180.

(3) التهذيب 2 : 180.

(4) الاستبصار 1 : 371.

(5) وسائل الشيعة / الحر العاملي 8 : 198ـ 199 / 2 و 4 بطريقين ، الباب الثالث من أبواب الخلل الواقع


(ذكر السهو في هذا الحديث وأمثاله محمول علىٰ التقية في الرواية كما أشار  إليه الشيخ وغيره ، لكثرة الأدلة العقلية والنقلية علىٰ استحالة السهو عليه  مطلقاً. وقد حقّقنا ذلك في رسالة مفردة وذكرنا لذلك محامل متعددة)(1) .

وهكذا (فإنّ أدلة العصمة التي يقول بها جمهور المسلمين تقتضي  الحكم بنفي السهو عنه في القول والفعل. وقد ذهب إلىٰ ذلك المحققون  من علماء الكلام من الشيعة ، وممن قال بذلك من أهل السنة : أبو اسحاق  الاسفراييني ، وقد فصّل ذكر الخلاف منهم في كتاب «حجيّة السُنّة» للشيخ  عبدالغني عبدالخالق)(2) .

أمّا الشيعة فلم يرد منهم خلاف في عصمتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من السهو في  الأقوال(3) . من كلِّ ذلك نستفيد ما يلي :

أولاً : أنّ الظاهر يجب أن يؤوّل إذا كان مخالفا للدليل العقلي ، فضلاً  عن وجود ادلّة نقلية كثيرة تفيد خلافه ، وهذا ما فعله الأعلام.

إذا عرفنا أن اُصول الاعتقاد يجب أن تكون مبنية علىٰ الجزم ، وأما  الأمر المستند علىٰ الظن فلا يغني عن الحق شيئاً ، والدليل الجازم قد قام

__________________

في الصلاة.

(1) ويقصد بها (التنبيه بالمعلوم) أو (البرهان علىٰ تنزيه المعصوم عن السهو والنسيان) : 199 ، ومن أراد  الاستفادة الاكثر ، والتدقيق في هذا المطب الحساس ، وملاحظة آراء العلماء وما يُساعد عليه الدليل  بصورة موسّعة فعليه بهذه الرسالة المهمة.

(2) حجية السُنّة : 17 ـ 99.

(3) مصنّفات الشيخ المفيد / السيد محمدرضا الجلالي المجلد العاشر رسالة عدم سهو النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم


عقلاً ونقلاً علىٰ عصمة هؤلاء ، فما جاء خلافه لا يؤخذ علىٰ ظاهره بل  يجب أن يؤوّل.

ثانياً : يردُ علىٰ الشيخ ابن بابويه في النقطة الأولىٰ مما حصرنا فيه  رأيه : من أين له هذا التقسيم للعبادة ، وإنّه يجوز في أحدها السهو ، ولا  يجوز في الاُخرىٰ ، مع إطلاق الروايات في العصمة وقيام الدليل عليها مطلقاً كذلك؟ ولو (جاز السهو والنسيان من المعصوم في العبادة ، لجاز  في التبليغ. والفرق ليس عليه دليل قاطع ، ولا يفهمه كلُّ أحد ، بل كل من  وقف علىٰ أحدهما جوّز الآخر قطعاً.

وأقلّهُ أنّ الأكثر الأغلب لا يُفرِّقون بينهما ، فلا يوثَقُ بشيءٍ من أقواله ،  وأفعاله ، وتختلُّ عصمته ، وهو باطل قطعاً )(1) .

ثالثاً : نُعلِّقُ علىٰ نقطته الثانية بأنّ انحصار العبودية هل يتمُّ بهذا فقط حتىٰ نقول به؟! وهل انحصار كونه بشراً يتمّ بيانه بالنوم عن الصلاة ،  لا بالنوم عن غيرها ، حتىٰ نستدل من خلاله بأنّه ليس ربّاً ، إذ الربّ  لا تأخذه سنة ولا نوم؟! ففي بيان هذا يمكن أن ينام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أيّ  مكان وأي وقت لكشف كونه غير رب. وأين نضع الأحاديث الواردة في  أنّه تنام عينه ولا ينام قلبه؟! وسيأتي مزيد بيان حول هذه النقطة بالذات.

رابعاً : وهل انحصر كونه من البشر في إسهائه؟! وهل انحصر التعليم  في اسهائه؟! وإذا تمَّ هذا ، فلماذا لم يرتكب بقيّة المحرمات والموبقات

__________________

(1) التنبيه بالمعلوم / الشيخ الحرّ العاملي : 111.


ليعلّمنا أحكامها ، وحدودها.

ولماذا لم يسرق ، حتّىٰ يعلّمنا كيفية قطع يد السارق ، وكيفية اعترافه  قبل ذلك؟! ما هذا كلّه إلاّ خروج عن طريق الصواب. وقياس لغير  العبادات والمناسك بها ، وهو كما ترى.

خامساً : وقد قسَّم الشيخ ابن بابويه الناس إلىٰ قسمين :

القسم الأول : النبي والأئمةعليهم‌السلام .

القسم الثاني : بقية الناس.

فالأول من القسمين ليس للشيطان عليهم سبيل. وأمّا الثاني منهما فهم  مصاديق للآية المباركة :( إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ  مُشْرِكُونَ ) (1) وعلىٰ من تبعه من الغاوين علىٰ حدِّ تعبيره.

فهو بنفسه الشريفة من أيّ قسمٍ يمكن أن يدخل ، وحاشاه من توليه  للشيطان والغواية والشرك؟!!

سادساً : نقول لماذا يكون ذلك غلواً إذا أخذت بأعناقنا الأدلة العقلية  والنقلية عنهمعليهم‌السلام ؟!!

الثاني : النوم :

حدَّ الفقهاء النوم بذهاب حاسة السمع والبصر ، وغيبة إدراكهما عنهما  تحقيقاً ، أو تقديراً ، وبما أنه من الحالات الطبيعية للانسان ، فليس فيه

__________________

(1) سورة النحل : 16 / 100.


غضاضة علىٰ من يسلبه النوم كلَّ ذلك(1) .

وقد وصف القرآن الكريم هذه الحالة بالوفاة ، وجعل الفرق بينها وبين  الموت هو الرجوع وعدمه ، قال تعالىٰ :( اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا  وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ  مُّسَمًّى إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) (2) .

مع هذا كلّه ، فإنّه قد ورد من طرق الفريقين ، وأطبق عليه  العام والخاص أنّ من خصوصيات رسولنا الكريمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه تنام عينه ،  ولا ينام قلبه.

بل صرَّح بعضهم ب‍ (أنّ منامات الرسل والأنبياء والأئمةعليهم‌السلام صادقة  لا تكذب ، وأن الله عصمهم عن الأحلام ، وبذلك جاءت الأخبار عنهم علىٰ الظهور والانتشار)(3) .

وقد جاء أنّ سبب نزول هذه الآية المباركة :( قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ  فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ) (4) .

ما روي أن صوريا وجماعة من يهود أهل فدك ، لمّا قدم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المدينة سألوه ، فقالوا : يا محمد كيف نومك ، فقد أُخبرنا عن نوم النبي

__________________

(1) مجمع البحرين / الشيخ الطريحي 1 : 180 المطبعة المرتضوية.

(2) سورة الزمر : 39 / 42.

(3) أوائل المقالات / مصنّفات الشيخ المفيد 4 : 70.

(4) سورة البقرة : 2 / 97.


الذي يأتي في آخر الزمان؟!! فقال :« تنام عيني ، وقلبي يقظان » (1) .

فهذا الذي لا ينام قلبه ، حتىٰ في النوم ، كيف ينام قلبه في اليقظة  فيسهو أو يخطأ؟!!

من هنا نرىٰ من أنّه لا مجال للقول بالسهو مطلقاً عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وهذا المعنىٰ بعينه نقوله في الإمام ، إذ ورد عن الإمام الرضاعليه‌السلام أنّه  قال :« للإمام علامات ، يكون أعلم زمانه ، وأحكم الناس ،  وأتقى ٰالناس ، وأحلم الناس ، وأشجع الناس ، وأسخى ٰالناس ، وأعبد الناس ، إلىٰ أن قال عليه‌السلام : وتنام عينه ولا ينام  قلبه (2) » .

وكذا ورد عنهمعليهم‌السلام أنّ« حال الأئمة في المنام حالهم في  اليقظة ، لا يُغيّر النوم منهمشيئاً... » (3) .

الثالث : العصمة في الغضب والرضا :

لو قيل : إنّه بشر يتكلّم في الغضب والرضىٰ ، فكيف يكون في كلِّ  ذلك معصوماً ؟!!

فإنّه يقال : إنّ القرآن قد صرَّح به وبيّن الفرق فقال تعالىٰ آمراً رسوله

 __________________

(1) التبيان في تفسير القرآن 1 : 363 في تفسير هذه الآية المباركة.

(2) من لا يحضره الفقيه 4 : 418. ومعاني الاخبار 2 : 102. والخصال 1 : 527. والاحتجاج / الطبرسي :  436. وعيون أخبار الرضاعليه‌السلام 1 : 212 / 1.

(3) الكافي 1 : 509 / 12.


أن يقول للناس من أنّه بشر مثله :( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ) ، لكن الفارق قد  ذكره تعالىٰ أيضاً بعد أمره بقوله هذا إذ قال تعالىٰ :( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ  يُوحَىٰ إِلَيَّ ) (1) فالوحي الالهي له مكانه الخاص به ، وبهذا افترق هذا  البشر عن غيره ، إذ قال تعالىٰ :( اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ) (2) . وبيّن  طاقة هذا البشر بقوله تعالىٰ :( لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا  مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللهِ ) (3) .

ولذا وردت الرواية علىٰ لسان عبدالله بن عمرو بن العاص أنه قال :  (كنت أكتب كلّ شيء اسمعه من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أريد حفظه ، فنهتني  قريش وقالوا : تكتب كلّ شيء سمعته من رسول الله ، ورسول الله بشر  يتكلّم في الغضب والرضىٰ؟! فأمسكت عن الكتابة.

فذكرت ذلك لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأومأ باصبعه إلىٰ فيه ، وقال :« اكتب  فو الذي نفسي بيده ، ما يخرج منه إلاّ حق » (4) .

  

__________________

(1) سورة الكهف : 18 / 110.

(2) سورة الأنعام : 6 / 124.

(3) سورة الحشر : 59 / 21.

(4) سنن أبي داود 3 : 342. واُنظر أيضاً : مسند أحمد بن حنبل 2 : 215 عن طريقين. المستدرك علىٰ  الصحيحين 3 : 528.


 

الفصل الرابع

أدلة العصمة من الكتاب والسُنّة

المبحث الأول : أدلة العصمة من القرآن :

1 ـ قال تعالىٰ :( وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) (1) .

(دلّت الآيةـكما قال القرطبيـعلىٰ انّ الله عزَّ وجلَّ لا يُخلي الدنيا في  وقت من الاوقات من داع يدعو إلىٰ الحق)(2) .

وقال الجبائي : (هذه الآية تدلُّ علىٰ أنّه لا يخلو زمان ألبتّة عمّن يقوم  بالحق ، ويعمل به ، ويهدي إليه ، وانّهم لا يجتمعون في شيء من الازمنة علىٰ الباطل...)(3) .

فعليه يمكن ان يقال بأنّ هذه الاُمّة آخر الاُمم ، وانّه لابدّ ان يبقىٰ منها  من يقوم بأوامر الله ، حتىٰ يأتي أمر الله.

__________________

(1) سورة الاعراف : 7 / 181.

(2) الجامع لاحكام القرآن / القرطبي 7 : 329.

(3) التفسير الكبير / الفخر الرازي 15 : 76 ـ 77.


وقال السيد الطباطبائي في «ميزانه» : (تدل علىٰ انّ النوع الانساني  يتضمن طائفة قليلة أو كثيرة مهتدية حقيقة ، إذ الكلام في الاهتداء  والضلال الحقيقيين المستندين إلىٰ صنع الله ومن يهد الله فهو المهتدي ،  ومن يضلل فاولئك هم الخاسرون ، والاهتداء الحقيقي لا يكون الا عن  هداية حقيقية ، وهي التي للهسبحانه ، وقد تقدم في قوله تعالىٰ :( فَإِن  يَكْفُرْ بِهَا هَٰؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ ) (1) ، وغيره ، ان  الهداية الحقيقية الالهية لا تتخلف عن مقتضاها بوجه ، وتوجب العصمة  من الضلال ، كما ان الترديد الواقع في قوله تعالىٰ :( أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ  أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَىٰ ) (2) . يدل علىٰ انّ من يهدي إلىٰ  الحقّ يجب ان لا يكون مهتديا بغيره إلاّ بالله.

وعلى هذا فإسناد الهداية إلىٰ هذه الاُمّة لا يخلو عن الدلالة علىٰ  مصونيتهم من الضلال ، واعتصامهم باللهمن الزيغ إمّا بكون جميع هؤلاء  المشار إليهم بقوله :( أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ ) متصفين بهذه العصمة والصيانة  كالانبياء والاوصياء ، وإما تكون بعض هذه الاُمّة كذلك ، وتوصيف الكل  بوصف البعض نظير قوله تعالىٰ :( وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ  وَالنُّبُوَّةَ ) (3) ، وقوله تعالىٰ :( وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا ) (4) ، وقوله :( لِّتَكُونُوا

__________________

(1) سورة الانعام : 4 / 89.

(2) سورة يونس : 10 / 35.

(3) سورة الجاثية : 45 / 16.

(4) سورة المائدة : 5 / 20.


شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ) (1) وانّما المتصف بهذه المزايا بعضهم  دون الجميع)(2) .

وبناءً علىٰ كلِّ ما تقدّم نستخلص وجود من يهدي إلىٰ الحقّ  ولا يجتمع مع الباطل أصلاً في جميع الازمنة ، ولا يمكن بناءً علىٰ هذا ان  يظهر المصداق لهذه الآية المباركة إلاّ علىٰ ما نقول به من وجود الإمام  المعصوم في كلِّ وقت.

فالذي يهدي بالحق وبه يعدل لابدّ ان يكون معصوماً كما تقدم ، إمّا  اشارة إلىٰ امة معصومة بالذات ، أو إلىٰ الاُمّة المرحومة جميعاً بالاضافة إلىٰ وجود المعصوم فيها في كلِّ وقت.

2 ـ( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ *مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ ) (3) .

فالضلال منفي عنه ، والغواية منفية عنه. ومن معاني الضلال التي أشار  إليها القرآن الكريم : النسيان ، قال تعالىٰ :( وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن  رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن  تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ ) (4) . (يريد لئلاّ تنسىٰ إحداهما  فسمّىٰ النسيان ضلالاً ، وذلك معروف في اللغة)(5) .

__________________

(1) سورة البقرة : 2 / 143.

(2) الميزان / الطباطبائي 8 : 345 ـ 346.

(3) سورة النجم : 53 / 1 ـ 2.

(4) سورة البقرة : 2 / 282.

(5) مصنفات الشيخ المفيد (كتاب الجمل) 1 : 104.


وقال تعالىٰ :( وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ ) (1) . فسمىٰ سبحانه المعصية  هنا غواية. والغواية تأتي في اللغة بمعنىٰ الخيبة ، وهنا اطلقت لخيبة آدم  من ثواب كان مقدّراً له.

قال الشاعر :

ومن يلق خيراً يحمد الناس أمرهُ

ومن يغو لا يُعدم علىٰ الغي

فحينئذ لو أدركنا انّ من معاني الضلال النسيان وان من معاني الغواية  المعصية والخيبة نرىٰ أنَّ الباري عزَّ وجلّ قد نفىٰ النسيان والمعصية  والخيبة عن نبيه الكريم باطلاق قوله سبحانه :( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ *مَا ضَلَّ  صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ ) .

3ـوآيات الاتّباع والاسوة لابدّ ان تكون دالة علىٰ العصمة وإلاّ لاُمرنا  باتّباعه والتأسي به حتىٰ عند خطئه وسهوه وهو كما ترىٰ.

مثل قوله تعالىٰ :( لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) (2) .

وقوله تعالىٰ :( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ  الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ *الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ ) (3) .

وقوله تعالىٰ :( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ ) (4) .

__________________

(1) سورة طه : 20 / 121.

(2) سورة الاحزاب : 33 / 21.

(3) سورة الاعراف : 7 / 156 ـ 157.

(4) سورة آل عمران : 3 / 31.


وقوله تعالىٰ :( فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ  وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) (1) .

وكذلك آيات الاطاعة الكثيرة سواء كانت مقرونة مع طاعة الله تعالىٰ أو  منفصلة بل انّ لسانها كلها( مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ ) (2) ، فيجب ان  يكون معصوماً مطلقاً كما هو واضحٌ بلا مزيد بيان.

4ـوقوله تعالىٰ :( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ *إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ) (3) .

(دلّت علىٰ ان الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا ينطق إلاّ عن وحي ، فيستحيل ان يُسَلِّم  في الصلاة في غير محلّه ، ثمّ يتكلم قبل تمام صلاته ، ثمّ يُكذِّب ذا  الشمالين ، وهو صادق علىٰ قولكم ، ثمّ يعترف بخطئه ، وكلّ ذلك ينافي  مدلول الآية)(4) .

وقد دلّ السياق للآيات المباركة مع ورود النطق وقد ورد عليه حرف  النفي انّ النطق مطلقاً منفي منه الهوى لا خصوص القرآن الكريم ، فلا  قرينة هناك مخصّصة لا مقامية كما مال إليه بعضهم ، ولا مقالية ، فتأمل.

فدلّ علىٰ نفي الهوى عن نُطقه مطلقاً ، وان مطلق نطقه وحيٌّ يوحىٰ ،  إلاّ إذا قام الدليل علىٰ خلافه ، والأدلة الاُخرىٰ تعضده ، فحينئذٍ توجد  قرائن خارجية كثيرة تفيد ذلك فكيف تصرفها عن الظاهر ونقول من انّها

__________________

(1) سورة الاعراف : 7 / 158.

(2) سورة النساء : 4 / 80.

(3) سورة النجم : 53 / 3 ـ 4.

(4) التنبيه بالمعلوم / الشيخ الحر العاملي : 77.


في مقام بيان انّ القرآن من الوحي؟!!

5ـويمكن ان يستشف من قوله تعالىٰ :( إِنَّ اللهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ  إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ) (1) .

(الاصطفاء والاجتباء والاختيار نظائر ، وهو افتعال من الصفوة ، وهذا  من أحسن البيان الذي يُمثَّل به المعلوم بالمرئي.

وذلك انّ الصافي هو النقي من شوائب الكدر فيما يشاهد ، فمثَّل الله  خلوص هؤلاء القوم من الفساد ظاهراً وباطناً بخلوص الصافي من شوائب  الادناس)(2) .

وبقرينة الآية المباركة :( الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) وتكرارها في مواضع  عدّة من كتابه بهذه الصيغة نستدلُّ علىٰ انّ العالمين جمع عالم ، وهو كل  ما خلقه الله تعالىٰ فيشمل ، عالم الملائكة ، وعالم الجن ، وعالم الإنسان ،  وعالم الحيوان ، وعالم النبات ، وعالم الجماد ، أو أي عوالمأُخرىٰ يمكن  تصورها.

والملائكة كما نعلم من المعصومين علىٰ أصحّ الاقوال( لَّا يَعْصُونَ اللهَ  مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) (3) .

ومن هذه الآية نستدل علىٰ انّ الأنبياء والأئمةعليهم‌السلام أفضل حتىٰ من

__________________

(1) سورة آل عمران : 3 / 33.

(2) مجمع البيان / الطبرسي 3 : 433 في تفسير هذه الآية المباركة.

(3) سورة التحريم : 66 / 6.


الملائكة ؛ (لأنّ العالمين يعم الملائكة وغيرهم من المخلوقات ، والله سميع لما تقوله الذرية ، عليم بما يضمرونه فلذلك فضلّهم علىٰ غيرهم  لما في معلومه من استقامتهم في أفعالهم وأقوالهم)(1) .

بل من هذا السياق نستدل علىٰ ان نبينا محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جاء رحمة ليس  للناس فقط بل حتىٰ للجماد والحيوان والجن والانس بل حتىٰ للملائكة ،  فهو رحمة لكلِّ ما خلق الله ويخلق بدليل قوله تعالىٰ :( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا  رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ) (2) ، ومن كانت هذه صفاته بالخصوص ، ومن كانت تلك  صفاتهم بالعموم مع تفضلهم علىٰ خلق الله تعالىٰ ومن جملتهم  المعصومين الذين هم الملائكة الذين منهم سُجّدٌ لا يركعون ، ورُكّعٌ لا  يسجدون قد مُلئت السموات والأرض منهم وعن العبادة لا يفترون..

كيف يتصوّر ان يكون (الرحمة) لهم غافلاً عن ذكر الله ، أو فاترا عنه ، ولو  للحظة واحدة ، حتىٰ ولو كان سهواً ، وهذا الدليل الاخير بالخصوص  مختصٌ بنبينا وآلهعليهم‌السلام .

ألا نستشف من ذلك عصمتهم بالاضافة إلىٰ نكاتٍ اخرىٰ لا تخفىٰ علىٰ اللبيب؟

6ـقوله تعالىٰ :( سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ ) (3) .

__________________

(1) مجمع البيان 3 : 433.

(2) سورة الأنبياء : 21 / 107.

(3) سورة الأعلى : 87 / 6.


(وهي عامة ، فانّ المفعول لا يتعين تقديره بالقراءة ، ولا قائل بالفرق  بين ماقبل نزول الآية ، وقبل القراءة ، وما بعدها ، فالفارق خارقٌ  بالاجماع)(1) . وهذه «اللاّ» ليست ناهية ، بدليل عدم حذف حرف العلة ،  فهي إذن نافية فيثبت المطلوب.

7 ـ قوله تعالىٰ :( وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) (2) .

روىٰ الطبرسي وغيره من طرق العامّة والخاصّة انّها نزلت في أمير  المؤمنينعليه‌السلام ، وانه قال :« ما سمعتُ شيئاً من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فنسيتُه » (3) .

وهذا عام مطلقٌ في التبليغ وغيره ، فيستحيل النسيان علىٰ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بطريق الأولوية(4) .

8ـقوله تعالىٰ :( مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا  اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) (5) .

قال صاحب الميزان : والآية مع الغضّ عن السياق عامّة تشمل كلَّ  ما آتاه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من حكم فأمر به ، أو نهىٰ عنه. وقوله :( وَاتَّقُوا  اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) تحذير لهم عن مخالفة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تأكيدا لقوله :( وَمَا

__________________

(1) التنبيه بالمعلوم / الشيخ الحر العاملي : 78.

(2) سورة الحاقة : 69 / 12.

(3) مجمع البيان / الطبرسي ، في تفسير هذه الآية المباركة.

(4) التنبيه بالمعلوم / الشيخ الحر العاملي : 77.

(5) سورة الحشر : 59 / 7.


آتَاكُمُ الرَّسُولُ ...) (1) .

بل ورد (في الكافي باسناده عن زرارة انّه سمع أبا جعفر وأبا عبداللهعليهما‌السلام يقولان :« إنّ الله عزَّ وجلَّ فوّض إلىٰ نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمر  خلقه ، لينظر كيف طاعتهم ، ثم تلى ٰهذه الآية ( مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ  فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) » ، والروايات عنهمعليهم‌السلام في هذا المعنىٰ  كثيرة ، والمراد بتفويضه أمر خلقه كما يظهر من الروايات امضاؤه تعالىٰ ما  شرّعه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لهم ، وافتراض طاعته في ذلك ، وولايته أمر الناس)(2) .

9ـقال تعالىٰ :( وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ  لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (3) .

يمكن البحث في دلالة هذه الآية المباركة كما يلي :

المحور الأول : في معنىٰ الظلم والظالمين نجد في القرآن الكريم  إضافة إلىٰ هذه الآية موارد كثيرة : قال تعالىٰ :( وَالْكَافِرُونَ هُمُ  الظَّالِمُونَ ) (4) ، وقال تعالىٰ :( فَمَنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ  فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) (5) ، وقال تعالىٰ :( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُولَٰئِكَ   

__________________

(1) الميزان / الطباطبائي 19 : 204.

(2) الميزان 19 : 210.

(3) سورة البقرة : 2 / 124.

(4) سورة البقرة : 2 / 254.

(5) سورة آل عمران : 3 / 94.


هُمُ الظَّالِمُونَ ) (1) ، وقال تعالىٰ :( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) (2) ، وقال تعالىٰ :( إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ  أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (3) ، ويمكن ان يكون الإنسان ظالماً لنفسه ، قال تعالىٰ :( فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ ) (4) ، وقال تعالىٰ :( وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ  لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ ) (5) ، وقد بيّن كيفية ظلم الإنسان لنفسه بقوله تعالىٰ :( وَمَن  يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ) (6) ، وقال تعالىٰ :( وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ  فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) (7) .

مؤدىٰ الآيتين الكريمتين الاخيرتين يجب ألاّ يراد التعدي لحدود الله مطلقاً ، أي سواء كان التعدي عن عمدٍ أم سهو ، لأنّه اذا تعدىٰ حدود الله تعالىٰ عمداً فواضح ، وإذا تعدى سهواً ، فهو متعدٍ ظالم لنفسه ، إلاّ انه  معذور فالعقوبة ترتفع إلاّ أنّ الظلم يبقىٰ حتىٰ وإن كان معذوراً.

وبه يظهر ان الإمام يجب ألا يكون مخطئا أصلاً ، وإلاّ لكان ظالماً في  ذلك المصداق بالذات ، فيشمله انه من الظالمين ، فلا يمكن ان يناله عهد الله تعالىٰ ، فيجب ان يكون معصوماً مطلقاً.

__________________

(1) سورة المائدة : 5 / 45.

(2) سورة لقمان : 31 / 13.

(3) سورة الشورىٰ : 42 / 42.

(4) سورة فاطر : 35 / 32.

(5) سورة الصافات : 37 / 113.

(6) سورة الطلاق : 65 / 1.

(7) سورة البقرة : 2 / 229.


المحور الثاني : قال تعالىٰ :( يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي  اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ) (1) .

فهذه الآية تُظهر لنا انَّ الظالم في جهة ، وفي الجهة الاُخرىٰ يكون  الرسول ، فعليه لا يمكن ان يكونا في مصداقٍ واحد جزماً. ومنه نستشف  انَّ الرسول يجب الا يكون ظالماً أصلاً ، ولو نوقش في هذا ، فالمحور  الثالث ينجلي فيه الامر أكثر وأنصع.

المحور الثالث : قال إبراهيمعليه‌السلام :( وَمِن ذُرِّيَّتِي ) طلب هذا الأمر  الجليل لبعض ذريته ، ولابدّ وان يكون مقصوده الذي يكون منهم مؤمناً ،  فحاشاه ان يطلب هذا الأمر الجليل لغير المؤمن كما هو واضح ، ولأنّه  خاطب أباه آزر من قبل فقال له :( ..أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي  ضَلَالٍ مُّبِينٍ ) (2) ، فكيف يطلب هذا الامر لضال؟!

وقد قال كذلك عند البيت الحرام :( رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ  أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) (3) فهو يدعو بالرزق  للذين آمنوا خاصة ، فكيف يطلب الإمامة لغيرهم؟!! هذا أولاً.

وثانيا : لابدّ وان يكون ذلك مؤمناً في حال كونه غير فاسق ، لأنّه يعلم  انّ المتلبِّس بالفسق لا يمكن ان يكون إماماً للمؤمنين ، إذ إنّه هوعليه‌السلام لم يحز  هذا المنصب إلاّ بعد التسليم المطلق لله تعالىٰ ، وبعد الرسالة ، والخلّة.

__________________

(1) سورة الفرقان : 25 / 27.

(2) سورة الأنعام : 6 / 74.

(3) سورة البقرة : 2 / 126.


وهذه المعاني لابدّ وان تكون موجودة في ذهنه المنار بالايمان  لدرجة التسليم.

فإذا كان كذلك ، فما معنىٰ قول الباري عزَّ وجلَّ بعد ذلك :( لَا يَنَالُ  عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) إذا استثنينا الكافر والفاسق الفعلي الذي يظهر منه انّه قد  أخبر بذلك ، لرفع ما ليس متبادراً ومتداعياً في ذهن الخليل عليه وعلىٰ  نبينا وآله السلام ، فبيّن له الباري عزّ وجلّ من انّ العهد لا ينال من ليس  مؤمناً فحسب بل حتّىٰ المؤمنين الخواص ، وانّ ذلك المقام لابدّ وان  يكون للذي لم يرتكب ، ولن يرتكب ظلماً أبداً ، سواء كان متلبساً بالظلم ، أم لا ، مستغفراً وتائباً من ذنبه لله تعالىٰ أم لا ، صغيراً كان أو كبيراً ،  كما يُشعر بذلك ، قوله سبحانه :( لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) ويريد ان يبين  نكتة اُخرىٰ ، بإنَّ الظلم لا يفارق طبيعة الذرية ، والذرية مجموع ، فعليه  أتىٰ بالجمع وقال تعالىٰ :( لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) ولم يقل لاينال  عهدي الظالم ، هذا أولاً.

وثانياً : ليبين انّ هناك بعده باشارة لطيفة أئمة وليس إماماً واحداً ، وفي  ذريته بالخصوص وإن كان هذا المعنىٰ أبعد غوراً من ذاك.

10 ـ قال تعالىٰ :( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ) (1) .

نستفيد من هذه الآية المباركة استفادات عديدة ، منها :

الاستفادة الأولىٰ : اطاعة الله سبحانه جاءت في الآية المباركة خالية  

__________________

(1) سورة النساء : 4 / 59.


من أيّ قيدٍ ، وبما انّ طاعة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جاءت كذلك وعطفت علىٰ  اطاعته تعالىٰ ، إذاً يجب ان تكون مطابقة لها كما هو الظاهر.

الاستفادة الثانية : بما انّ الله سبحانه منبعُ العصمة ، إذاً يجب ان  يكون الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم معصوماً ، وإلاّ لاختلّت الاطاعة الثانية ولما عُطِفَت علىٰ الاطاعة الأولىٰ كما هو ظاهر.

الاستفادة الثالثة : قوله تعالىٰ في نهاية هذه الآية المباركة :( فَإِن  تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَٰلِكَ  خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) (1) .

يظهر وجوب كون الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم معصوماً وإلاّ لطلب منهم ان يردّوه إلىٰ  الله فقط ، لئلا يحدث الخطأ بخطأ رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولما قال في نهاية الآية  ( ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) لأنّه ان لم يكن معصوماً لأغرانا الله بالباطل  سبحانه وأدلانا به ، هذا أولاً.

وثانياً : إنّ الارجاع إلىٰ الله غير واضح علىٰ ما هو عليه ، لأنّ الله غير  ملموس ولا محسوس فالارجاع إليه ارجاع إلىٰ حكمه ، وحكمه مستفاد  من قبل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهو الذي يمثله(2) .

__________________

(1) سورة النساء : 4 / 59.

(2) وقد قال الله سبحانه :( فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ ) فردُّوه إلىٰ أن  نحكم بكتابه.. «وقد بيّن الإمام علي سلام الله عليه قبل ذلك في نفس الخطبة ، وهذا القرآن إنّما هو خطٌّ  بين الدفتين لا ينطق بلسانٍ ولابدّ له من ترجمان وانما ينطقُ عنه الرجال...». ومن أولىٰ من  الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في النطق عنه. نهج البلاغة / شرح الشيخ محمد عبده : 258.


فقوله تعالىٰ( فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ ) كافٍ ، أو إلىٰ الرسول كذلك علىٰ هذا ،  إلاّ انّه لم يكتف بذلك بل قال فردّوه إلىٰ الله والرسول ، ليبين لنا ان الردَّ إلىٰ  الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمنزلة الردّ إلىٰ الله ، وما بينه الرسول بمنزلة ما بيّنه الله سواءً  أظهر هذا الرسول وقال هذا حكم الله ، أم لم يظهر ذلك ، حتىٰ وان قال  هذا حكمي كما هو بيّن في أي أمرٍ صدر منه ، وما هذا الامرُ إلاّ العصمة.

ولعلّه لما ذكرنا لم يتكرر حرف الجر ، بل عطف الرسول علىٰ الله  بدونه ، ليدلنا علىٰ عدم الاثنينية في ذلك ، بعد ان كرر لفظ الاطاعة  ليؤكدها وليركزها في أذهان الذين آمنوا.

الاستفادة الرابعة : عطف أولي الأمر علىٰ الرسول واطاعتهما علىٰ  اطاعة الله يقتضي عصمتهم لما قدّمناه في عصمة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

بل نقول أكثر ببركة ورود أمر واحد بالاطاعة للرسول ولاولي الأمر  فاطاعتهما واحدة ، ولذا لم يذكر أولي الأمر مرة اخرىٰ في نهاية الآية  لاندكاكهم في الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وللبيان والتوضيح اتىٰ بهم أولاً ، وللاختصار  ولبيان وحدتهم بعد أن جعل لهما اطاعة واحدة لم يذكر الا الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أخيراً وهو واضحٌ بحمد الله وبركته.

ولو جوّزنا الاّ تكون اطاعة أولي الأمر مطلقة كما كانت اطاعة  الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للزِمَ ان يكون استعمال اللفظ امّا من باب استعمال المشترك  في أكثر من معنىٰ ، وهذا ما لا يجوّزه أكثر أصحاب التحقيق ان لم يكن  كلّهم.


أو من باب المجاز ، وهو خلاف الظاهر ، فضلاً من ان السياق لا يساعد  عليه بعد قوله تعالىٰ :( فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ ..) ولم  يذكر أولي الأمر لما ذكرناه ، وبعد قوله ختاما :( ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ  تَأْوِيلًا ) ، وقد« وصل الله طاعة ولي أمره بطاعة رسوله وطاعة  رسوله بطاعته ، فمن ترك طاعة ولاة الأمر لم يطع الله  ورسوله (1) .

وقد أقرّ الرازي بدلالة هذه الآية علىٰ العصمة(2) ولكنّه لحاجةٍ في  نفسه أوّل أولي الأمر بأهل الاجماع بلا دليل يرتكز عليه. وقد ردّهُ الشيخ  محمد حسن المظفرقدس‌سره في دلائل الصدق(3) ، وفيه انَّ المنصرف من أولي  الأمر من لهُ الزعامة وهذا خلاف أهل الاجماع ، وهذا الرد نوافق عليه.

إنّ ظاهر الآية إفادة عصمة كلّ واحدٍ منهم لا مجموعهم ، لأنّ ظاهرها  ايجاب اطاعة كلّ واحدٍ منهم ، وهذا غير واضح من الآية المباركة ، ولذا  يستطيع ان يدعي خلافه ، علىٰ ان العمل بمقتضىٰ الاجماع ليس من باب  الطاعة لهم ، لأنّ الاجماع من قبيل الخبر الحاكي. وهذا ليس محلّ ذلك  ففيه ما فيه.

فلم يبق إلاّ ان التمسك بانّ تأويله لأولي الأمر بأهل الاجماع خلاف  الظاهر أصلاً ويحتاج إلىٰ دليلٍ واضح ، لا سبيل له ، ولا دلالة للآية المباركة

__________________

(1) الكافي 1 : 182 / 6.

(2) يراجع للاطلاع علىٰ رأيه تفصيلاً كتابه : مفاتيح الغيب 3 : 257.

(3) دلائل الصدق / الشيخ محمد حسن المظفر 2 : 17 ـ 18.


عليهم لا من قريب ولا من بعيد ، مع الانصراف المذكور أولاً فيتعين من له  الزعامة والإمامة ، وهو الإمام بزعمنا لا غير.

وقد أشكل الرازي(1) علىٰ انّ المراد بهم الأئمةعليهم‌السلام بوجوه مشوّهة :

الوجه الأول منها : إنّ الطاعة لهم مشروطة بمعرفتهم وقدرة  الوصول إليهم واذا قلنا انه يجب علينا ذلك ، إذ صرنا عارفين بهم  وبمذاهبهم صار مشروطاً وهو مطلق.

وفيه :

أ ـ النقض : بطاعة الله ورسوله وطاعة أهل الاجماع علىٰ رأيه.

بـالحل : فالطاعة ليست مشروطة بمعرفتهم وبقدرة الوصول إليهم ،  بل مطلقاً كما هي طاعة الله ورسوله... فيجب تحصيل المعرفة بهم ، كما  في معرفة الله والرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإلاّ لو التزمنا بما ذكر في أولي الامر لوجب  ذلك أيضاً في الله والرسول وهو كما ترىٰ.

الوجه الثاني : إنّ أولي الأمر جمعٌ وعندهم لا يكون في الزمان إلاّ  امامٌ واحد ، وحمل الجمع علىٰ الفرد خلاف الظاهر.

وفيه أنّ المراد هو الجمع ولكن بلحاظ التوزيع في الازمنة ، ولا منافاة  فيه للظاهر بل نقول أكثر من ذلك وهو وجوب طاعتهم كلّهم علىٰ حدٍّ  سواء ، وان كان الإمام واحداً في كلِّ عصر ، وهذان مقامان مختلفان وهو

__________________

(1) مفاتيح الغيب / الرازي 3 : 257.


واضحٌ لمن تدبّر.

الوجه الثالث : ( فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ ) (1) ،  ولو كان المراد بأولي الأمر الإمام المعصوم لوجب ان يقول فان تنازعتم في  شيء فردّوه إلىٰ الإمام.

وفيه : إنّ الردّ إلىٰ أولي الأمر أيضاً مأمورٌ به ، لكن اكتفىٰ عن ذكرهم في  آخر الآية بما ذكره في أولها من مساواة طاعتهم بطاعة الله ورسوله)(2) ، بل  نقول أكثر من ذلك من انّ المصدر الرئيس للتشريع هو الله سبحانه ، ولا  يجب اطاعة أي مخلوق ، فهو الاساس في الاطاعة ، واطاعة المخلوقين  تأتي وتترشح من الباري عزَّ وجل ، فذكر تفصيلاً من تجب طاعته ابتداءاً  وفصَّل ، ثم أخيراً بين الطرفين الأساسيين في عملية الاطاعة وهي  المرسِل والمرسَل ، لأنّ الأساس اطاعة الله ثم بواسطة المرسلين تترشح  هذه الاطاعة كما انه بالمعاجز يثبتها.

وثبوت الإمامة وولاية الأمر متوقفة علىٰ الرسول لبيانها وتوضيحها ،  فولاية الأمر مستفادة من الله ورسوله.

فولاية الأمر هي كذلك من الامور التي يمكن ان يقع التنازع فيها كما  وقع ، وهذا الارجاع إرجاع كلي ، ولو أُرجع إليهم أيضاً للزم الدور كما هو  واضح ، فلذا لم يذكر الرد إلاّ إلىٰ الله والرسول. وكما ذكرنا أولاً ولاية الأمر

__________________

(1) سورة النساء : 4 / 59.

(2) دلائل الصدق / الشيخ محمد حسن المظفر 2 : 19.


مندكّة في المرسل لا تفترق عنه فهو المصدر لها ومبينها ، ولهذا وذاك ذكر  الارجاع إليه مكتفياً به كما هو واضح لمن ألقىٰ السمع وهو بصير(1) .

ومن نافلة القول صرف الوجه لاشكالٍ ربّما راود بعضهم هذه الأيام  مفاده : إنّ الاطاعة هنا شأن الاطاعة للعلماء بلا فرق في ذلك أصلاً ،  فكيف أطلقتم هنا ولم تطلقوا هناك؟!

وإذا كانت هناك محدّدة فهنا كذلك. والاطاعة للعلماء لا تدل علىٰ  عصمتهم. فالاطاعة لاولياء الأمر أو للنبي المرسلصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا تدل علىٰ  العصمة ، كذلك.

والجواب : إنّ بين الاطاعتين فرقاً ، وبين الموردين فرقاً آخر. فهل  يقول صاحب هذا الاشكال في العلماء ومنهم الصحابة بأنّ أقوالهم  وأفعالهم وتقريراتهم حجّة ، كما هو الأمر بالنسبة للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟

إن قال بحجيتها خرج عن مسلك العلماء وطريقتهم. وان قال بعدم  حجيتها ظهر الفرق ، وذلك لأنّ الصحابي أو العالم إذا فعل فعلاً مثلاً ،  نحمل فعله علىٰ محمل الصحة ، وانّه لا يخالف الشرع بتصرفه بدواً ، كأي  مسلم ، إلاّ أننا نحتمل فيه :

1 ـ التأويل الخاطئ لقول المعصوم.

__________________

(1) والذي يوجب الاطمئنان أكثر من ذلك كلّه أن هناك روايات جاءت عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في تفسير  هذه الآية المباركة بالأئمة الطاهرينعليهم‌السلام فضلاً عن الروايات التي يعضد بعضها بعضاً من ان خلفائه  اثنا عشر خليفة وهو ما ينطبق كليا علىٰ ما تدعيه الإمامية وهو كافٍ في ابطال ما ذهب إليه الرازي في  توجيهه أو ما أدعاه غيره بغيرهم ولم ترد في ذلك ولا رواية واحدة تؤيد ما ادعوه من التأويل البعيد.


2 ـ النسيان.

3 ـ السهو والغفلة.

4ـعدم وصول الحكم اليه ، فعمل علىٰ ما ارتكز في ذهنه من  اعتقادات سابقة ، الله أعلم بمنشئها.

5ـوالاحتمال الاخير ، وان كان ضعيفا إلاّ انّه يبقىٰ كاحتمال وارد وان  كانت نسبته ضئيلة بالقياس إلىٰ تلك الاحتمالات ، وهو الاحتمال القائل ،  بالمخالفة العمدية للشارع المقدّس ، لكونه غير معصوم فيحتمل فيه  الفسق.

فبناءً علىٰ هذه الاحتمالات لا يُعدُّ فعله حجّة لنا ، ولا علينا ، وان كنّا  نُصحّحُ فعله الذي فعله ، بحمل عمل المسلم علىٰ الصحة ، لكن بما هو  عمل شخصي له لا يمكن استنباط حكم شرعي منه.

فتنفع الاصول العقلائية من اصالة عدم الخطأ ، واصالة عدم السهو أو  الغفلة في ذلك فقط ، لا غير.

فإذا كان كذلك لا يمكن ان يُقاس النبي بهذا أبداً ، وذلك لأنَّ فعله ليس  خاصاً به حتّىٰ نحمله علىٰ تلك المحامل ، هذا أولاً.

وثانياً : إذا أخطأ العالم الحكم الواقعي لا يقدح بالاحكام الالهية أي  شيء. وينتهي هذا الحكم الظاهري بانتهاء عمل هذا العالم.

وأمّا إذا أخطأ المبلِّغ المباشر عن الله تعالىٰ فالحكم الالهي سيتغير ،  


ويتبدّل ، ولا تشفع لنا الاصالات كلها في ردّه لاصله ، فيكون النبي  قد أصدر حكمين أو ثلاثة لواقعة واحدة فتتغير أحكام الله تعالىٰ  ولا تظهر أبداً.

وبتعبير آخر المبلغ المباشر عن الله تعالىٰ مثل النبي يكون مصدراً ومظهراً للحكم الالهي ، فلابدّ ان يكون مظهراً له علىٰ حقيقته وواقعه. وهذه الاصول اجراؤها يكون لمجرد تمشية الامور الظاهرية في وقت  معين ولشخص أو أشخاص معيّنين.

فلا يمكن تطبيقها علىٰ مسلك الرسول أو الإمام وذلك لأنّهما مظهران  لاحكام الله الواقعية والحقيقية ، وإلاّ لانتفت فائدة بعثة الرسول كما هو  ظاهر لكلِّ عين ، فبناءً علىٰ هذا الاطاعة تكون مطلقة بالنسبة للنبي  والإمام كما هي للباري عزّ وجلّ.

أما الاطاعة للصحابي ومثله للعالم فهي مقيدة بقيود كثيرة ، قد يظهر  بعضها في هذه الرواية المباركة :

عن الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام :« قال رجل للإمام الصادق عليه‌السلام فإذا كان هؤلاء القوم من اليهود لا يعرفون الكتاب إلاّ بما  يسمعون من علمائهم ، لا سبيل لهم إلىٰ غيره ، فكيف ذمّهم الله بتقليدهم والقبول من علمائهم وهل عوام اليهود الاّ كعوامنا  يقلدون علماءهم؟!

فقالعليه‌السلام :بين عوامنا وعلمائنا ، وبين عوام اليهود وعلمائهم  


فرق من جهة ، وتسوية من جهة.

أمّا من حيث استووا فإنّ الله قد ذمّ عوامنا بتقليدهم  علمائهم ، كما ذمّ عوامهم بتقليدهم علمائهم.

وأمّا من حيث افترقوا فلا.

قال :بيّن لي يا بن رسول الله.

قالعليه‌السلام : إنّ عوام اليهود كانوا قد عرفوا علماءهم بالكذب  الصراح ، وبأكل الحرام والرشاء ، وتغيير الاحكام عن وجهها ،  بالشفاعات ، والعنايات ، والمصانعات ، وعرفوهم بالتعصّب  الشديد الذي يفارقون به أديانهم ، وانهم اذا تعصّبوا ، أزالوا  حقوق من تعصّبوا عليه ، واعطوا مالا يستحقه من تعصّبوا له  من أموال غيرهم ، وظلموهم من أجلهم ، وعرفوهم مقارفون  المحرمات ، واضطروا بمعارف قلوبهم إلىٰ انّ من فعل ما  يفعلونه فهو فاسق ، لا يجوز ان يصدُق علىٰ الله ، ولا علىٰ  الوسائط بين الخلق وبين الله. فلذلك ذمّهم لما قلدوا من قد  عرفوا ، ومن علموا انّه لا يجوز قبول خبره ، ولا تصديقه في  حكايته ، ولا العمل بما يؤديه اليهم ، عمّن لم يشاهدونه. ووجب عليهم النظر بأنفسهم في أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إذا كانت  دلائله أوضح من ان تخفى ، وأشهر من أن لا تظهر لهم.

وكذلك عوام أمتنا ، إذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر  


والعصبية الشديدة ، والتكالب علىٰ حطام الدنيا ، وحرامها ،  وإهلاك من يتعصبون عليه ، وان كان لاصلاح أمره مستحقاً ،  وبالترفرف بالبر والاحسان علىٰ من تعصّبوا له ، وان كان  للاذلال والاهانة مستحقاً. فمن قلّد من عوامنا مثل هؤلاء  الفقهاء فهم مثل اليهود الذين ذمّهم الله تعالىٰ بالتقليد لفسقة  فقهائهم.

فأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه ، حافظاً لدينه ، مخالفاً علىٰ هواه ، مطيعاً لأمر مولاه ، فللعوام ان يقلدوه ، وذلك لا  يكون الا بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم.

فأنّه من ركب من القبائح والفواحش مراكب فسقة فقهاء  العامّة فلا تقبلوا منهم عنّا شيئاً ، ولا كرامة.

وإنّما كثر التخليط فيما يتحمل عنّا أهل البيت لذلك.

لأنّ الفسقة يتحمّلون عنّا فيحرفونه بأسره لجهلهم ،  ويضعون الاشياء علىٰ غير وجوهها ، لقلة معرفتهم.

وآخرون يتعمّدون الكذب علينا ليجرّوا من عرض الدنيا  ما هو زادهم إلىٰ نار جهنم.

ومنهم قوم نصّاب لا يقدرون علىٰ القدح فينا ، فيتعلمون  بعض علومنا الصحيحة ، فيتوجهون به عند شيعتنا ،  وينتقصون بنا عند نصّابنا ، ثمّ يضيفون اليه اضعافه ، واضعاف  


اضعافه من الأكاذيب علينا التي نحن براء منها ، فيتقبله  المستسلمون من شيعتنا علىٰ انّه من علومنا.

فضلّوا وأضلّوا. وهم أضرّ علىٰ ضعفاء شيعتنا من جيش  يزيد علىٰ الحسين بن عليعليهما‌السلام وأصحابه (1) .

من هذه يتضح الفرق ، فليس كل فقيه يجب اتّباعه ، وليس كلّ عالم ،  فإذا اختلت الكلية ، يكون المصدَّق منهم التّابع لشرع الله تعالىٰ ، فتدور  طاعته مدار اتّباعه للشرع ، بينما في المعصوم يدور الشرع مداره ، فهذا هو  الفرق بين المقامين ، فهنا تجب الطاعة مطلقاً ، بينما في الفقيه أو العالم  لا تجب مطلقاً ، بل ضمن حدود ما رسمه الشارع المقدّس لنا.

وهناك فرقٌ آخر : إنّ العالم العادل لا طريق إلىٰ معرفة عدالته ، إلاّ  الإسلام ، وعدم ظهور الفسق ، وحسن الظاهر. وبذا صرَّح كلٌّ من الشهيد  الأول(2) ، والمحقق الكركي(3) ، وصاحب الجواهر(4) ، والشيخ الاعظم  الانصاري(5) .

فإذا أخلّ بشيء من الواجبات ، أو ارتكب المحرمات تختلُّ عدالته.

__________________

(1) الاحتجاج / الطبرسي 3 : 508ـ512 / 337 انتشارات الاُسوة التابعة لمنظمة الأوقاف والشؤون  الخيريةـقم.

(2) الذكرىٰ : 267. والدروس : 54.

(3) رسائل المحقق الكركي ، الرسالة الجعفرية 1 : 126.

(4) الجواهر 13 : 299.

(5) رسائل فقهية ، رسالة في العدالة : 8 المؤتمر العالمي.


أمّا الإمام : فلا يمكن ان يُقال بحقه ذلك. وذلك لأنّ طريق معرفة عصمته  ليس الإسلام ، وعدم ظهور الفسق ، وحسن الظاهر. بل الطريق إليها إمّا  النصّ كما قلنا ، أو المعجزة ، فإذا كان كذلك : فما يقوم به هو الاسلام  بعينه. فإذا أمر ذاك لا تجب اطاعته إلاّ ضمن حدود الإسلام ، وعدم  ظهور الفسق ، وحسن الظاهر. وإذا أمر هذا تجب اطاعته علىٰ كلّ حال. فظهر الفرق.

فاذن اطاعة الإمامعليه‌السلام ، ليست مثل اطاعة أيّ شخصٍ آخر.

وبتعبير علمي دقيق : إنّ كل حجة لا تنتهي إلىٰ العلم فهي ليست  بحجة ، لأنّ القطع هو الحجة الوحيدة التي لا تحتاج إلىٰ جعل ، وبها  ينقطع التسلسل ويرتفع الدور.

وهذه الاصول العقلائية التي يفزع إليها الناس في سلوكهم مع بعضهم  لا تحدث علماً بمدلولها ، ولا تكشف عنه أصلاً لا كشفاً واقعياً ولا تعبدياً.

أما نفي الكشف الواقعي عنها فواضح لعدم التلازم بين إجراء أصالة  عدم الخطأ في سلوك شخص ما ، وبين اصابة الواقع والعلم به ، ولو كان  بينهما تلازم عقلي لأمكن إجراء هذا الاصل مثلاً في حق أي شخص  واعتبار ما يصدر عنه من السنة ، ولا خصوصية للنبي في ذلك.

وأما نفي الكشف التعبدي عنها فلأنه مما يحتاج إلىٰ جعل من قبل  الشارع ، ومجرد بناء العقلاء لا يعطيه هذه الصفة ما لم يتم امضاؤه  من قبله ، وشأنه في ذلك شأن جميع ما يصدرون عنه من عادات  


وتقاليد وأعراف.

والسر في ذلك ان القطع بصحة الاحتجاج به علىٰ الشارع لا يتم إلاّ اذا  تم تبنيه من قبله وعلم ذلك منه.

وكل حجة لا تنتهي إلىٰ القطع بصحة الاحتجاج بها فهي ليست  بحجة(1) .

11ـوقال تعالىٰ :( وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ  رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا  فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ) (2) .

فهنا لدينا عدَّة من العناوين :

1 ـ الذين يأتيهم الامر ويذيعون به.

2 ـ الذين يردّون الامور إلىٰ الرسول وإلى أولي الأمر.

3 ـ الرسول.

4 ـ أولو الأمر.

وفي قوله تعالىٰ :( لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) عنوان خامس  المستنبطون للحكم.

 

__________________

(1) الاصول العامة للفقه المقارن ، السيد محمد تقي الحكيم : 130.

(2) سورة النساء : 4 / 84.


ومن الآية الكريمة يظهر انّ العنوان الثاني داخل في ظل العنوان الأول  بل هو جزء منه لا بالجزئية الحقيقية ، بل بمعنى انّ هؤلاء المذيعين لو  ردّوا الامور قبل ذلك إلىٰ من ذكر في الآية لعلموا الحق في الأمر ، فهم  منهم من هذه الجهة كما لا يخفىٰ.

أولاً : وقبل كلّ شيء نقول انّ الظاهر من تعدد العنوان تعدد المعنون إلىٰ ان يثبت ان العناوين لواحد ، وخاصة اذا وردت في كلام واحد ،  يساعد ظاهره علىٰ ذلك ، ثم سياق الآية كما نرىٰ يدل علىٰ المغايرة.

ثانياً : نتساءل ما المقصود ب‍ (أولي الأمر منهم) هنا؟

هناك دعويان يطفحان هذه الايام في الخارج ولا ثالث لهما.

1 ـ ان يكونوا هم الحكام.

2 ـ ان يكونوا الأئمة المخصوصين الذين نعتقد امامتهم.

فإن كان الأول لزم منه عدم صدق ذلك ؛ وذلك لأنّ أغلب هؤلاء كما  يعلم المطلعون علىٰ التاريخ الاسلامي من بدايته إلىٰ الآن يعلمون علم  اليقين بانّ أغلبهم إن لم نقل كلهم لا علم لهم باحكام الله ، فكيف يرجع الله تعالىٰ المؤمنين اليهم لمعرفة احكامه منهم ، وهذا ما لا يفعله جاهل فضلاً  عن رب العزة سبحانه ، هذا أولاً وأما ثانياً فنقول بما ان الحكام كذلك إلاّ  نفراً أو نفرين فلا يمكن ان يُصب العموم فيهما ، لانه نادر الوقوع وقليله ،  فلا يفعل ذلك مبتدئ في اللغة فضلاً عمّن أعجز كتابه من هذه الجهة  بالخصوص ومن جهات أخر البشر قاطبة.


ثم نقولثالثاً : إذا تم الرجوع إلىٰ أولي الأمر هؤلاء فما فائدة وجود  الذين يستنبطونه منهم ، بعد ان سمعوا الحكم ورأوا ما يفعله الحاكم ، ولا  تخلو بلاد منهم لأنه اذا قلنا بانها تشمل الرأس الاكبر في الحكم فهي  تشمل كل رأس كذلك في كل منطقة ولو صغيرة ، فما أدخل ذاك أدخل  هذا ، ولا فرق ، فلا تبقى فائدة للمستنبطين ، وإما علىٰ قولنا فالفائدة  مستمرة سواء بحضور الإمام أم بغيبته كما هو ظاهر.

ورابعاً : ان قيل ان الظرف الذي يلي أولي الامر يقتضي ان يكون أولوا الأمر من اولئك الذين أذاعوا ، فنقول : بالاضافة إلىٰ ما قدّمناه ، واستبعاد  ان يكون أولوا الأمر منهم بالخصوص ، إن الظرف راجع إلىٰ الرسول  وإلى أولي الأمر كليهما. ولا يقدح شيء في ذلك بعد قوله تعالىٰ :( كَمَا  أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ ) (1) . وبعد قوله تعالىٰ :( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ  أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ ) (2) . ولم يكن هو منهم بشيء من الضلالة التي  كانوا فيها ، فالظاهر كونه ظرفاً مستقراً أي أولوا الأمر الكائنون منكم ،  هذا أولاً.

وثانياً : إذا كان أولوا الأمر ممّن اذاع ذلك الأمر من الأمن أو الخوف  كيف يُردُّ إليهم ما صدر منهم ليقوَّم ، ولا يمكن ان يكون الرسول كذلك  فعطف اولئك عليه يعلم منه انهم كذلك لا يمكن صدور تلك الاذاعة  منهم لذا يجب ان يكونوا غيرهم.

__________________

(1) سورة البقرة : 2 / 152.

(2) سورة التوبة : 9 / 128.


وأخيراً من حقنا ان نسأل : هل ان الحكام الذين رأينا فضلاً عمّن سمعنا  عنهم وقرأنا ، هل من المعقول ان الله سبحانه يجعل هؤلاء بمنزلة  الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويرجعُ احكامه اليهم؟!! فما اتعسنا وأشقانا.. فكم حلّلوا  حراماً وحرّموا حلالا حتىٰ وصل الجهل ببعضهم بان ضرب كتاب الله  عرض الحائط وتمسكوا بما قاله الناقص!!

ولا يمكن ان يكونوا كما قيل(1) :

أ ـ الخلفاء.

ب ـ اُمراء السرايا.

ج ـ العلماء ، أو حتىٰ غيرهم.

لكلِّ ما قلناه وذكرناه أو لبعضه كما لا يخفى علىٰ من تدبّر وتفكّر في  المقام.

ونقول من جهة اخرىٰ انّه لا يمكن ان يكون المستنبطون هم الرسول  وأولي الأمر ، وذلك :

1ـلأنّ الرسول لا يمكن ان نُثبِتَ في حقّه الاستنباط ، بل انه( وَمَا  يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ *إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ) (2) . والاستنباط للحكم غير  

__________________

(1) نقل بعض الاقوال صاحب مجمع البيان في تفسير هذه الآية المباركة ، كما ونقل في الدر المنثور في  تفسير آية( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ) مع جمع وطرح حوالي تسعة  أقوال 2 : 176.

(2) سورة النجم : 53 / 4 ـ 5.


تلقيه وإلقائه للناس بنفسه.

2ـولا يمكن ان يكون أولو الأمر كذلك لأنّهم قد عُطفوا علىٰ الرسول  في الارجاع إليه وإليهم ، ولو كانوا مستنبطين أيضاً لما أرجع اليهم مع  الرسول.

3ـولمّا كان ثمّة فائدة في ذكرهم معه لأنّ المستنبط أعم مطلقاً من  ولي الأمر علىٰ بعض الآراء ، وبينهما عموم وخصوص مطلق علىٰ الباقي ،  فلا فائدة في الارجاع علىٰ الشق الأول اذا كان أولو الأمر ليس فيهم  مستنبط أصلاً ، فلا علم حينئذٍ.

وكذا علىٰ الشق الثاني في المصاديق المختلفة كما هو ظاهر ، أمّا علىٰ  قول الاختلاف فالارجاع فائدته ظاهرة وبيّنة ، لأنّ من أساس التشريع  الرسول وأولي الأمر ، فالارجاع إليهم في الاستنباط عملية مطلوبة علىٰ  كل حال. خاصة مع اعتضاد ما ذكرنا بورود بيان أولي الأمر  بالمعصومينعليهم‌السلام علىٰ ما روىٰ صاحب مجمع البيان الشيخ الطبرسيقدس‌سره عن أبي جعفرعليه‌السلام كما روىٰ عنه وعن أبي عبداللهعليه‌السلام : « أنّ فضل الله  ورحمته : النبي وعلي ».

وعن جعفر بن محمدعليهما‌السلام في قول الله عزَّ وجلّ :( وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى  الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ ) ، قال :« نحن أولو الأمر الذين أمر الله عزَّ وجلّ بالردِّ إلينا » (1) .

__________________

(1) مستدرك الوسائل / النوري الطبرسي 17 : 271 / 13 الباب السابع.


من هذا يظهر بانّه لا وجه لما قالهقدس‌سره ان ضمير (منهم) في قوله تعالىٰ :( لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) يعود إلىٰ أولي الأمر علىٰ الاظهر(1) .

12ـ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ  تَطْهِيرًا ) (2) .

لعلَّ المراد بأهل البيت في هذه الآية المباركة الذي يجب أن يلتفت  إليه علمياً هو :

1ـنساء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خاصة ، لورود الآية المباركة في جملة خطابات  متعلقة بهن.

2ـنساء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلي وفاطمة والحسن  والحسينعليهم‌السلام .

3 ـ خصوص هؤلاء الخمسةعليهم‌السلام .

وقد قال القرطبي : (والذي يظهر من الآية انّها عامّة في جميع أهل  البيت من الازواج وغيرهم ، وإنّما قال «ويطهركم» لان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلياً وحسناً وحسيناً كانوا فيهم ، وإذا اجتمع المذكر والمؤنث غُلِّبَ  المذكر)(3) ووافقه الفخر الرازي علىٰ ذلك(4) .

__________________

(1) راجع مجمع البيان في تفسير القرآن / الطبرسي في تفسير نفس الآية المباركة 2 : 82 ط دار التراث  العربيـبيروت.

(2) سورة الاحزاب : 33 / 33.

(3) الجامع لاحكام القرآن / القرطبي 13 : 183.

(4) التفسير الكبير / الرازي 25 : 209.


إلاّ إننا الآن نحاول ان نستقرئ الآية المباركة لنشاهد مدىٰ دلالة  ألفاظها ومعانيها علىٰ هذا الذي قالوه ، وهذا الظهور الذي ادّعوه.

إنّما : معنىٰ إنّما اثبات لما يُذكر بعدها ، ونفي لما سواه ، والنفي  والاثبات من أتقن وأشد موارد الكلام ، في دلالته علىٰ المعنىٰ ، ولذا  وردت عليه كلمة التوحيد.

فآية التطهير (تدل علىٰ حصر الارادة في اذهاب الرجس ، والتطهير).

وكلمة أهل البيت سواء كان لمجرّد الاختصاص أو مدحاً ، أو نداءاً ،  يدلُّ علىٰ اختصاص إذهاب الرجس ، والتطهير بالمخاطبين بقوله :  «عنكم».

ففي الآية في الحقيقة قصران : قصر الارادة في اذهاب الرجس ،  والتطهير. وقصر إذهاب الرجس والتطهير في أهل البيت(1) .

التطهير : التنزيه عن الاثم ، وعن كلِّ قبيح(2) .

الرجس : أمّا ان تكون هذه اللاّم للعهد أو ان تكون للجنس ، أمّا كونها  عهدية فليست كذلك ، لأنّهُ ما عُهِدَ رجسٌ في الكلام السابق حتىٰ  ترجع إليه.

فتبقىٰ هذه علامة للجنس ، وبما ان معنىٰ الجملة نفي ، إذ انّ الباري

__________________

(1) الميزان 16 : 309.

(2) المجمل / أحمد بن فارس : مادة طهر.


يريد إذهاب الرجس ونفيه عنهم ، فهو يعمّ لأنّه لو تحقق مصداق ما  للرجس وثبت ، ما صدق الكلام.

الرِّجس : لنتابع هذه الكلمة قرآنيا ، قال تعالىٰ :( وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ  يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى  الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ) (1) . وقال تعالىٰ :( وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ  رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ ) (2) . وقال تعالىٰ :( قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا  أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ  خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ ..) (3) .

من هنا يتبين ان الرجس يطلق ويراد به القذارة المعنوية اذا صحَّ التعبير  بكلِّ أنواعها ، كما هو ظاهر الآيتين الاوليتين.

وأما ظاهر الآية الثالثة فإنّ الرجس يُراد به القذارة المادية ، فبناء علىٰ  ذلك : تكون كلا القذارتين ذاهبتين عن هؤلاء بالخصوص. فيعمّ اذهاب  جميع الآثام وكلّ القبائح المادية والمعنوية عنهم.

ولذا قالوا : (فمن المتعين حمل اذهاب الرجس في الآية علىٰ  العصمة ، ويكون المراد بالتطهير في قوله :( وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) وقد أكّد  بالمصدر ازالة أثر الرجس بايراد ما يقابله ، بعد اذهاب أصله).

__________________

(1) سورة الأنعام : 6 / 125.

(2) سورة التوبة : 9 / 125.

(3) سورة الأنعام : 6 / 145.


والمعنىٰ : (انّ الله سبحانه تستمر ارادته ان يخصكم بموهبة العصمة  باذهاب الاعتقاد الباطل ، وأثر العمل السيء عنكم أهل البيت ، وايراد  ما يزيل أثر ذلك عليكم وهي العصمة).

ولا بأس بنقل تتمة كلام السيد الطباطبائيقدس‌سره فيما لو شملت الآية  المباركة غير هؤلاء الخمسة أيا كان هذا الغير : (ليس المراد بأهل البيت  نساء النبي خاصة لمكان الخطاب الذي في قوله : «عنكم» ، ولم  يقل : عنكنّ.

فإمّا أن يكون الخطاب لهنّ ولغيرهنّ.

أو يكون الخطاب لغيرهنَّ أياً كان هذا الغير.

وعلىٰ أي حال فالمراد باذهاب الرجس والتطهير مجرّد التقوىٰ الديني  بالاجتناب عن النواهي ، وامتثال الاوامر.

فيكون المعنىٰ : إنّ الله لا ينتفع بتوجيه هذه التكاليف اليكم ، إنّما يريد  اذهاب الرجس عنكم وتطهيركم ، علىٰ حدِّ قوله :( مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ  عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ) (1) .

وهذا المعنىٰ لا يلائم شيئاً من معاني أهل البيت لمنافاته البيّنة  للاختصاص المفهوم من أهل البيت ، لعمومه لعامّة المسلمين المكلّفين  باحكام الدين.

__________________

(1) سورة المائدة : 5 / 6.


وان كان المراد باذهاب الرجس والتطهير التقوىٰ الشديدة البالغة ،  ويكون المعنىٰ :

إنّ هذا التشديد في التكاليف المتوجهة اليكن أزواج النبي وتضعيف  الثواب والعقاب ليس لينتفع الله سبحانه به ، بل ليذهب عنكم الرجس  ويطهركم.

ويكون من تعميم الخطاب لهن ولغيرهنّ بعد تخصيصه بهنَّ ، فهذا المعنىٰ لا يلائم كون الخطاب خاصاً بغيرهنّ وهو ظاهر ، ولا عموم  الخطاب لهن ولغيرهنّ ، فانّ الغير لا يشاركهن في تشديد التكليف ،  وتضعيف الثواب والعقاب.

وان كان المراد اذهاب الرجس والتطهير بارادته تعالىٰ ذلك مطلقاً  لا بتوجيه التكليف ، ولا بتوجيه التكليف الشديد ، بل ارادة مطلقة  لاذهاب الرجس والتطهير لاهل البيت خاصة بما هم أهل البيت ، كان هذا المعنىٰ منافياً لتقييد كرامتهن بالتقوىٰ.

وبهذا الذي تقدّم يتأيد ما ورد في أسباب النزول ان الآية نزلت في  النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلي وفاطمة والحسنينعليهم‌السلام خاصّة لا يشاركهم فيها غيرهم.

وهي روايات جمّة تزيد علىٰ سبعين حديثاً ، ما ورد منها من طرق أهل  السُنّة يزيد علىٰ ما ورد فيها من طرق الشيعة.

فقد روتها أهل السنة بطرق كثيرة عن : أم سلمة ، وعائشة ، وأبي سعيد  الخدري ، وسعد ، وواثلة بن الاسقع ، وأبي الحمراء ، وابن عباس ، وثوبان  


مولىٰ النبي ، وعبداللهبن جعفر ، وعلي ، والحسن بن عليعليهما‌السلام ، في قريب  من أربعين طريقاً.

وروتها الشيعة عن علي ، والسجاد ، والباقر ، والصادق ، والرضاعليهم‌السلام ،  وأم سلمة ، وأبي ذر ، وأبي ليلىٰ ، وأبي الاسود الدؤلي ، وعمرو بن ميمون  الاودي ، وسعد بن أبي وقاص ، في بضع وثلاثين طريقاً(1) .

قال تعالىٰ :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ  تَطْهِيرًا ) ، عن شداد بن عبدالله أبي عمار عن واثلة بن الاسقع انّه حدثه  قال : أتيت فاطمة (رض) أسألها عن علي ، قالت : توجّه إلىٰ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،... حتىٰ جاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومعه علي وحسن وحسينعليهم‌السلام آخذ كل واحد منهما بيده ، حتىٰ دخل فأدنىٰ علياً وفاطمة فأجلسهما بين  يديه وأجلس حسناً وحسيناً كل واحد منهما علىٰ فخذه ثم لف عليهم  ثوبه ، ثم تلا :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ  تَطْهِيرًا ) وقال :« اللهمَّ هؤلاء أهل بيتي » (2) .

ورواه عبدالجبار بن العباس الشّبامي عن عمار الدهني عن عمرة بنت  أفعىٰ عن أم سلمة رضي الله عنها قالت : نزلت هذه الآية في بيتي( إِنَّمَا  يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) وفي البيت  سبعة جبرئيل وميكائيلعليهما‌السلام ، ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلي والحسن والحسين

__________________

(1) الميزان / الطباطبائي 16 : 310 ـ 311 بتصرّف قليل.

(2) مسند أحمد 4 : 107 و 135 كتاب الفضائل ، فضائل أمير المؤمنينعليه‌السلام ط1. وتاريخ مدينة دمشق /  ابن عساكر 13 : 76 في ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام .


وفاطمةعليهم‌السلام ، وأنا علىٰ باب البيت ، فقلت : يا رسول الله ألستُ من  أهل البيت؟!

قال :« أنتِ علىٰ خير ، إنّك من أزواج النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » ، وما قال :  انك من أهل البيت(1)(2) .

بناءاً علىٰ هاتين الروايتين وغيرهما الواردة في هذا المقام بالذات  حصر أهل البيت في هؤلاء الخمسة فعملية الاخبار تكفي ، إلاّ انّه لم  يكتف بذلك بل أجلس علياً عن يساره ، وفاطمة عن يمينه ، والحسن  والحسين بين يديه ، ليخبر السامع والناظر بأنّ هؤلاء هم أهل بيته  بالخصوص ، وهم المعنيون بالآية المباركة ، إذ بعد ان اجلسهم قرأ( إِنَّمَا  يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) . وكأنّه يريد أن  يزيد بياناً في انّ هذا العنوان لا يشمل إلاّ هؤلاء بالقول والفعل ليرسخ المعنىٰ أكثر.

وقال : اللهمّ انّ هؤلاء أهلي.

والرواية الثانية الظهور فيها أشد ، فأم سلمة من الازواج ، ودعوىٰ شموليتها لها موجودة ومحققّة ، إلاّ انّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صرَّح بعدم دخولها

__________________

(1) شواهد التنزيل / الحسكاني 2 : 81 ط1 في تفسير هذه الآية المباركة بأسانيد عدة.

(2) وقد روي هذا الحديث بطرق وأسانيد مختلفة في كتب عدّة ، وبألفاظ متقاربة تؤدي هذا المعنىٰ  وتحصر أهل البيتعليهم‌السلام في هؤلاء الخمسة فتاريخ دمشق أيضاً روىٰ مثله في ترجمة الإمام  الحسنعليه‌السلام ص67 ، ويجد كذلك الباحث في مسند أم سلمة من كتاب المسند مثله ، وحتىٰ ان مسلم  قد رواه في باب فضائل أهل البيتعليهم‌السلام 4 : 1883. وله مصادر اُخرىٰ.


في هذا الموطن بالذات بهذا العنوان ، فما بعد ذلك إلاّ العناد.

وإذا صحّ التعبير إنّ هذا وضعٌ شرعي من قبل المشرّع نفسه وليس  وضعاً مُتشرعاً ، فحتىٰ لو كان يشمل غيره فهنا قد خصصه الواضع ، فكيف  ندعي الشمولية؟

وهناك قرائن اُخرىٰ ، تفيد الاختصاص نذكرها تباعاً ، قرائن داخلية ،  وقرائن خارجية ، بالاضافة إلىٰ ما مرَّ.

القرينة الأولىٰ: إنّه بعد النزول والتحديد بالرداء والكساء ، والحصر  بالفعل بعد ان جاء الحصر بالقول كانصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يؤكد هذا الحصر بهؤلاء عند  خروجه للصلاة فيأتي باب الزهراء البتول فاطمةعليها‌السلام وينادي السلام  عليكم ورحمة الله وبركاته أهل البيت( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ  أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) كل يوم خمس مرات لمدة تسعة أشهر أو  سبعة أشهر أو ستة أشهر علىٰ اختلاف الروايات(1) راجع بذلك كل من  الطبري وابن كثير والسيوطي في تفاسيرهم.

وقد قال ابن حجر (وإنّ أكثر المفسرين علىٰ انّها نزلت في علي وفاطمة  والحسن والحسين)(2) .

وتواتر النص بذلك من جماعة من الصحابة والتابعين ، وانهاه ابن جرير

__________________

(1) مسند أبي داود 8 : 274. وأسد الغابة 5 : 521. وطبقات ابن سعد 7 : 306. والبداية والنهاية / ابن  كثير 8 : 205. والمنتخب / الطريحي : 186 ط النجف.

(2) الصواعق المحرقة : 143.


الطبري في تفسيرهـجامع البيانـإلىٰ خمسة عشر طريقا ، والسيوطي في  تفسيرهـالدر المنثورـعند تفسير هذه الآية من سورة الاحزاب إلىٰ  عشرين طريقاً.

القرينة الثانية : إنّ الآل والأهل تدلاّن علىٰ النسب دون السبب(1) ،  بل جاء بالاثر عن زيد بن أرقم عندما سُئل من أهل بيته ، نساؤه؟!

قال : لا ، وأيم الله ، إنّ المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم  يطلّقها ، فترجع إلىٰ أبيها وقومها ، أهل بيته أصله وعصبته الذين حُرموا  الصدقة بعده(2) .

القرينة الثالثة : قال تعالىٰ :( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ  فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ  فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (3) ، وقد أطبق المفسرون ، واتفقت الرواية ،  وأيّده التاريخ : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حضر للمباهلة ، ولم يحضر معه إلاّ علي  وفاطمة والحسنانعليهم‌السلام )(4) .

وقد خصّهم الله تعالىٰ قبل رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم باسم الأنفس والنساء والأبناء  لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . وليس المراد في الآية بلفظ نسائنا فاطمة ، وبلفظ أنفسنا  علي ، بل المراد انّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذ لم يأتِ في مقام الامتثال إلاّ به وبها ، كشف

__________________

(1) راجع لسان العرب 11 : 38. والنهاية / ابن الاثير 1 : 81.

(2) الجامع الصحيح / مسلم بن الحجاج 7 : 123.

(3) سورة آل عمران : 3 / 61.

(4) الميزان 3 : 223.


ذلك انها هي المصداق الفرد لنسائنا ، وإنّه هو المصداق الوحيد لأنفسنا ،  وإنّهما مصداق أبنائنا.

وكان المراد بالأبناء والنساء والأنفس في الآية هو الأهل ، فهم أهل  بيت رسول الله وخاصته ، كما ورد في بعض الروايات بعد ذكر اتيانهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال :« اللهمّ هؤلاء أهل بيتي » (1) ، فإنّ معنىٰ الجملة : إنّي لم  أجد من أدعوه غير هؤلاء(2) .

فإذا كان كذلك عُلِمَ دخولهم في أهل بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بلا ريب  ولاشك ، وقد استقصىٰ صاحب كتاب خصائص الوحي المبين المصادر  والطرق لرواية انّها نزلت في الخمسة من مسند أحمد لغيره ، وأضاف  محقق الكتاب الشيخ محمد باقر المحمودي مصادر كثيرة اخرىٰ في  تعليقته علىٰ هذا الكتاب(3) فيسقط بهذا القول الأول ، كما سيأتي وجه  

__________________

(1) رويت هذه الجملة في صحيح مسلم 7 : 119 في باب مناقب عليعليه‌السلام .

(2) الميزان / الطباطبائي 3 : 338 ط مؤسسة آل البيتعليهم‌السلام .

* والعجيب انّ كلَّ المفسرين عندما يصلون إلىٰ هذه الآية المباركة يأخذون بالحديث حول مقام أهل  البيتعليهم‌السلام ، ويذكرون الخمسة بالخصوص ويثنون عليهم ، بما أثنىٰ الله تعالىٰ ورسوله عليهم ، إلاّ  واحد منهمـوهو سيد قطب / في ظلال القرآن 1 : 405ـأبت نفسه إلاّ نفورا فقال عندما تعرّض لهذه  الآية المباركة : (وقد دعا الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من كانوا يناظرونه في هذه القضيةالىٰ هذا الاجتماع الحاشد  ليبتهل الجميع إلىٰ الله ان ينزّل لعنته علىٰ الكاذب من الفريقين ، فخافوا العاقبة ، وأبوا المباهلة ، وتبيّن  الحق واضحاً ). ومن المضحك المبكي انّه صرف وجهه عن اولئك الأطهار وأخذ في مدح المسيح  والثناء عليه وعلىٰ أُمّه علىٰ نبينا وآله وعليهما السلام ، فهل الآية نزلت فيهما؟!! أم ماذا؟!! إلاّ أنّ غيره  قال : (وفيه دليل ، لاشيء أقوىٰ منه علىٰ فضل أصحاب الكساءعليهم‌السلام ).

راجع : التفسير الكبير / الفخر الرازي. والكشاف / الزمخشري. وتفسير ابن كثير وغيرها.

(3) راجع : خصائص الوحي المبين / يحيى بن الحسن الحلي المعروف بابن البطريق : 67 ـ 78.


آخر لإسقاطه.

القرينة الرابعة : كثرة الروايات في ذلك(1) .

القرينة الخامسة : ونزيد ذلك بياناً بتساؤل مؤدّاه : ما للخطاب  عندما يبدأ بالارشاد والامر يبدأ بالنون ، وبه يختم؟! فإذا وصل إلىٰ هذا  المقطع من الآية المباركة انقلبت النون منكفئة ، وظهر بدلها ميم للجمع  تصرخ بملء فيها انني غير تلك فلاحظوا.

ثم إذا تمّت النعمة واكتمل الامر لكل ذي لب ، رجعت النون تزهو في  محلّها بخطابٍ لطيفٍ لنساء كان قدرهنَّ ان يكنَّ أمهاتٍ للمؤمنين ، بأن  يذكرن ما يُتلىٰ في بيوتهنَّ من آيات الله والحكمة.

ففي الواقع ان الخطاب لهنّ بالاوامر الالهية قدَّ انتهىٰ بقوله تعالىٰ :  ( وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ ) ثم ابتدأ بعد ذلك المقطع ثانياً بتذكيرهنَّ بان  يذكرن ما يُتلىٰ في بيوتهنّ من آيات الله والحكمة ، ومن جملة ذلك ، ذلك  المقطع بعينه بالخصوص.

فيتردد ذو اللب بين أمرين :

فإمّا أن يكون خطاباً لهنَّ مع غيرهنَّ من رجالٍ لم يُذكروا أصلاً ، وأمّا ان  يكون خطاباً لغيرهنَّ.

__________________

(1) ومن أحب ان يلاحظ اختصاصـأهل البيتـبالخمسة المباركة فعليه بكتاب اللؤلؤة البيضاء في  فضائل الزهراء ، للسيد طالب الخرسان : 33ـ45 ذكر في تلك الصفحات روايات جمّة في ذلك مع ذكر  لمصادرها ، فليراجع. وذكر مثله السيد الطباطبائي في ميزانه 16 : 316 ـ 319 روايات عدة في ذلك.


ونقول : هل يصلح الأمر اذا كان الخطاب لمجموعة من النساء أولاً :  ( مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ) ، ثم يقول  المخاطب الحكيم :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ  وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) فأي اذهاب للرجس هذا ، وأي تطهير؟! فلاحظ.

ثم ألم يلاحظ من يدّعي انّ هذا المقطع لنساء النبي خاصة أو بالاضافة  لمجموعة اُخرىٰ ، سينقلب الامرُ عليه وهو مصرٌّ علىٰ ذلك ولا يدري ،  وذلك لانّه قال تعالىٰ :( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ  الْأُولَىٰ ..) .

فالاستقرار في البيت أولاً وعدم التبرّج ثانياً يكون علىٰ مبناه من حيث  يدري أو لا يدري شرطاً في اذهاب الرجس والتطهير ، واذا باحداهنّ قد  خرجت ولم تستقر في بيتها وهيـعائشةـفعلى هذا ما ذهب الرجس  عنها ولم تطهر أصلا ، فإذا وافق بالمقدّم فليوافق في النتيجة واذا رفض  النتيجة فالمقدّم مثله باطل فتكون بهذا خارجة من خطاب التطهير  واذهاب الرجس ، وهو الامر الذي يصرُّ عليه الحكيم.

وقرينة اُخرىٰ : تبقىٰ قضية السياقـوهو مع الأسفـغير قابل للدلالة  لملاحظات عدّة : وذلك لاتفاق الكلّ حتّىٰ القائل باختصاصها بالنساء  وهو القول الشاذ جدّاً ، لا يقول بانّها نزلت سويّة ، بل الكل يعلم بانّ هذا  المقطع من الآية المباركة نزل لوحده ، وهذه الأحاديث الكثيرة تنصّ علىٰ  ذلك ، ولم ترد ولا رواية واحدة وان كانت ضعيفة جدّاً تذكر انها نزلت  بالاضافة إلىٰ بقية الآيات.


القرينة السادسة : بل هذا السياق سيكون مشكلة للذي يتمسّك به ،  فاننا إذا اردنا استيعاب الأمر بصورة جيّدة ، علينا ان نجعل الآيات  المباركات نصب أعيننا للنظر فنرى..

قال تعالىٰ :( قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا  فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا *وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ  الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا *يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ  مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا *وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا  كَرِيمًا *يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ  فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا *وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ  تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ  اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا *وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي  بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا ) (1) ، ثم بعد ذلك  يذكر المسلمين والمسلمات.. ويبيّن ما أعدّ لهم من مغفرة وأجر عظيم  فلاحظ ، واللهقد وصف نفسه باللّطف وبكونه خبيرا.. فهو يعلم خائنة  الأعين وما تخفي الصدور ، وهو يعلم الغيب واسراره ودقائقه... فلاحظ  وركّز علىٰ شيء مهم وهو قوله تعالىٰ :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ  أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) ، فجعلَ الأهل مضافاً للبيت ، الذي هو مفرد  وهو معرفة ، ولاحظ بعد ذلك قوله جلَّ ذكره :( وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ  

__________________

(1) سورة الأحزاب : 33 / 28 ـ 34.


مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ ) ، فهل تشاهد الفرق البيّن ، والكلام اللطيف.. فقد  عبّر في «بيوتكنَّ» وهو جمع ولم يكن مفرداً كما كان في آية التطهير ولم  تكن لهذه معرفة إلاّ بالاضافة لهنّ بالخصوص ، وما اضفن إلىٰ البيت الطاهر  فأين ذهب التعريف والتشخيص؟!!

فهل أصبح البيت بيوتاً أم يريد أن يبيّن ان تلك البيوت ليست  بذلك البيت؟

وإن كان ذاك إشارة إلىٰ بيت النبوة وهذه إلىٰ البيوت الطينية إلاّ أنّ في  الفرق لعبرة.

لذا قال السيد عبدالحسين شرف الدينرحمه‌الله : (وقد أجمعت كلمة أهل  القبلة ، من أهل المذاهب الإسلامية كلّها علىٰ انّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا نزل الوحي بها  ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) عليه ضمَّ  سبطيه وأباهما وأمهما إليه ، ثمّ غشّاهم ونفسه بذلك الكساء ، تمييزاً لهم علىٰ سائر الأبناء والانفس والنساء.

فلمّا انفردوا تحته عن كافّة اسرته ، واحتجبوا به عن بقيّة أُمّته بلّغهم  الآية ، وهم علىٰ تلك الحال ، حرصاً علىٰ ان لا يطمع بمشاركتهم فيها أحد  من الصحابة والآل ، فقال مخاطباً لهم ، وهم في معزل عن كافة الناس :  ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) فازاحصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بحجبهم في كسائه حينئذٍ حُجُبَ الريب ، وهتك سرف  الشبهات ، فبرح الخفاء بحكمته البالغة ، وسطعت أشعة الظهور ببلاغه  


المبين ، والحمد للهرب العالمين)(1) .

فإذا تمَّ هذا ، وهو تام ، فلا يبقىٰ مجال لمغمز غامز ، ولا لاشارة مؤشر  ولا لحركة متحرّك أن يغيّر ما أراد الله تعالىٰ ورسوله ، إلاّ أن يكون قد غيّر الله عقله فطاش سهمه ، فأصاب مقاتل علمه ونفسه ، وبذلك جنت علىٰ  نفسها براقش ، فلا يبقىٰ للسياق ، وكونها في آيات النساءـبعد ان علمنا  سبب نزولها ، بل واختصاصها بهمعليهم‌السلام دون غيرهم من الذكور والاناثـ أي مجال للدلالة علىٰ دخولهنّ فيها ، فتسقط بهذا حجيّة السياق أصلاً ،  فضلاً علىٰ ان السياق بنفسه ليس حجة مطلقاً.

هذا من جهة ، ومن جهة اُخرىٰ لعلّ وجودها في هذا المكان بالذات  لثلاث نكات لطيفة ظهرت لنا وهي :

إنّ هذه الخطابات ، والاعتناء بهذه النسوة بالذات لا لكرامتهنّ عند الله تعالىٰ بما هُنّ نساء مسلمات ، وإلاّ لشمل النداء غيرهنّ من نساء  المهاجرين والانصار والنساء المسلمات قاطبة.

بل اختصّ النداء بهنّ لأجل نكتة مفادها كرامة أهل البيتعليهم‌السلام عنده ،  وعلو مرتبتهم وطهارتهم.

فهذه النسوة بما انهنّ قد حُسبنَ علىٰ هذا البيت الطاهر فعليه تكليفهن  يكون أشد وثوابهنّ يكون أكثر.

__________________

(1) الكلمة الغراء / السيد عبدالحسين شرف الدين : 204 ـ 205.


فيريد أن يقول لهنّ انتنّ قد اصبحتن محسوبات علىٰ هذا البيت الطاهر  فيجب عليكنَّ الالتزام الأشد.

قال الشيخ المظفر في «دلائل الصدق» : (إنّ هذا التمييز انما هو  للاتصال بالنبي وآلهعليهم‌السلام ، لا لذواتهنّ فهنّ في محل ، وأهل البيت في محل  آخر ، فليست الآية الكريمة إلاّ كقول القائل : يا زوجة فلان لست كأزواج  سائر الناس فتعففي ، وتستري ، وأطيعي الله تعالىٰ ، إنّما زوجك من بيت  أطهار يريد الله حفظهم من الادناس ، وصونهم من النقائص)(1) ، هذا أولاً.

وثانياً : إنّ النداء وان كان للنساء المحسوبات علىٰ هذا البيت وهنّ مع  شرفهنّ لكرامة هذا البيت ، إلاّ انّه ربّما يصدر عنهنَّ ما يصدر ، كما صدر  عن بعضهنّ ، إلاّ انّ هذا لا يغير من مقام أهل البيت ، وسموّه فيبقىٰ علىٰ  طهارته ونقائه ، كما في قوله تعالىٰ :( لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) فأنتم يا أهل البيت مطهرون بتطهير الله تعالىٰ ولا يؤثّر عليكم من حُسِب  عليكم بأيّ حالٍ من الاحوال.

وأخيراً يريد أن يبين كرامة أهل البيت عنده ، فعندما تعرَّض للنساء  الملتصقات بذلك البيت الطاهر ، وخاطبهن بذلك الخطاب الذي فيه  تأديب وتهديد ووعد ووعيد ، اراد أن يرفع كلّ ما التصق من الخطاب ،  فيلاطف أهل البيتعليهم‌السلام ويبيّن كرامتهم عنده ، وإلاّ يكون هذا الخطاب  ماسّاً لهم بشيء ، فصرف وجهه عن النساء وخاطبهم بألطف خطاب __________________

(1) دلائل الصدق / الشيخ محمد حسن المظفر 2 : 72.


وأرقّه ، ثمّ رجع تارة اُخرىٰ للنساء فأكمل خطابه معهنّ.

وهذا من ألطف البيان وأخصره فهو بجملة اعتراضية أراد أن يوضّح كلّ  هذا بأتم بيان وأكمله.

فبناءً علىٰ هذا نرىٰ أن ما ذكره بعضهم من أنّ هذا الانتقال لوجهٍ أول  مفاده (تعريفهنّ علىٰ جماعة بلغوا في التورّع والتقىٰ الذروة العليا ، وفي  الطهارة عن الرذائل والمساوئ القمة ، وبذلك استحقوا ان يكونوا اسوة  في الحياة ، وقدوة في مجال العمل فيلزم عليهنّ ان يقتدين بهم ،  ويستضيئن بضوءهم)(1) .

هذا لا تساعد عليه الدقة العربية في التعبير ، لا بلاغة ولا فصاحة ،  فالكلام قد ورد علىٰ وجه الحصر الشديد ، والخطاب لأهل البيتعليهم‌السلام أنفسهم فأين كلُّ ذلك الكلام الذي ورد. نعم نوافقه بالوجه الثاني وقد ذكر  هنا كوجهٍ أول.

وعلىٰ هذا : (قد ثبتت عصمة أهل البيتعليهم‌السلام بالوحي العزيز المُتّفق علىٰ روايته من الخاص والعام ، وما كان كذلك صحّ التمسك به ،  والاستدلال يوضّح ذلك ، ويزيده إيضاحاً وبياناً ما ذكره أحمد بن فارس  اللغوي في كتابـالمجمل في اللغةـقال : الطهر خلاف الدنس ، والتطهير  هو التنزّه عن الإثم وعن كلّ قبيح.

وهذا معنىٰ العصمة ، لأنّ المعصوم هو الذي لا يواقع اثماً ولا قبيحاً ،  

__________________

(1) مفاهيم القرآن / الشيخ جعفر السبحاني 5 : 306 ، سنة 1407 ه‍.


وليس ذلك إلاّ مع تطهير الله عزَّ وجلّ له ، واذهاب الرجس عنه بارادته تعالىٰ ، لا بارادة غيره جلّ وعلا.

ومن ثبت تطهيره بالوحي العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه  ولا من خلفه تنزيلٌ من حكيم حميد ، وبالصحاح من قول الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم علىٰ إجماع الشيعة والسُنّة ، ثبتت عصمته)(1) .

القرينة السابعة والاخيرة : ونرفع أيدينا عن المطلب حامدين  وسائلين القوم ، هل تجدون ياعلماءنا ، ويا أهل الفكر والثقافة تناسبا أصلا  بين قوله تعالىٰ :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ  تَطْهِيرًا ) والآية فيها : إنّما وهي تفيد الحصر ، والتحقيق والاثبات ،  والمحصور هو الارادة الالهية ، وهذا من العجيب فعندما تقول إنّما الشاعر  زيد تريد حصر الشاعرية في زيد دون غيره ، وان كان غيره شاعراً ، وهنا  وان كان للهارادات وارادات إلاّ ان ارادته قد حُصرت في شيء ولا يمكن  ان يخلو ذلك الشيء من هذه الارادة.

والارادة متعلقة باذهاب أمر معيّن عن جماعة مخصوصين وفوق  استعمال الحصر ليؤكد مطلبه جاء بلام التوكيد وادخلها علىٰ الفعل  المضارع ليكون هذا ثابتاً دائماً وفي كل زمن تقرأ فيه الآية الكريمة ، لأنّ  الفعل المضارع يستعمل في الزمن الحاضر والملابس له من جهة  المستقبل ، فتكون هذه الارادة بالاذهاب دائماً مستمرة ، ومؤكدة بلام

__________________

(1) خصائص الوحي المبين / ابن البطريق : 79 ـ 80.


التوكيد وهذا من ألطف البيان وأدقه.

ثم وكأنّه يلامس مشاعر اولئك واحاسيسهم بأرق تعبير فجاء بالاهل  مضافاً للبيت الذي هو معرفة إما لكونه بيت الله الحرام فجعلهم أهله ، أو  بيت محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو بيت الوحي ، وهذا من عجيب التعبير.

ويزداد التعبير دقة بالخطاب المباشر لهم في هذه اللحظات الرومانسية  إذا صحَّ التعبير ، ثمّ يؤكد هذا الاذهاب أكثر من ذلك فيقول : ويطهركم  تطهيراً ، فيعطف التطهير علىٰ الاذهاب ويؤكده بالمصدر ، فهنا توكيد  الحصر ، وتوكيد اللاّم ، والاعتناء ، والاتيان بضمير الجمع لزيادة الاعتناء ،  ثمَّ يكمل ذلك باظهار الاسم دون الضمير ، ويضيفهم إلىٰ البيت الذي  لايخلو ان يكون بيت الله أو رسوله أو الوحي ثُمَّ يؤكد ذلك كلّه بالمصدر.

فأيّ اعتناء من الباري عزَّ وجلَّ بهؤلاء ، وأي مقام لهم وأي علو درجة.

فيا أيُّها العلماء ، والادباء ، والمفكرون ، والمثقفون ويامن درستم لغة  الضاد ، بل يا من لديه إلمام بسيط بكلام العرب ، وبلغة القرآن..

أيتناسب ويجتمع كلُّ هذا مع قوله تعالىٰ :( إِن تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ  قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ  بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ ) ، أو مع الآية الاُخرىٰ :( عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ  أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ ...) ، أو ان يضرب لهن أخيراً مثلاً ويعرِّض بهنّ تعريضاً شديداً :( ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ  عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا  


النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ) ، هذا أولاً.

وثانياً : الا تجدون ذلك متناغما مع آيات اُخرىٰ قالوا بأنّها نزلت في  اولئك المعنيين منها :( يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا *وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا *إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ  لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا *إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا *فَوَقَاهُمُ اللهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا *وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً  وَحَرِيرًا ) (1) .

ومنها : عندما خرج للمباهلة مع النصارىٰ اخرجهم معه ولم يخرج  غيرهم لمقامهم السامي عند الله كما ذكرنا ذلك فيما تقدم :( قُلْ تَعَالَوْا  نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ) (2) .

ومنها : ما أوجب مودتهم علىٰ كل المسلمين اجراً للرسالة( قُل  لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) (3) .

ومنها :( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ  وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (4) ، إلىٰ غير ذلك من الآيات ، بل الروايات  الواردة في علوّ مقام هؤلاء.. فلماذا وضع الرؤوس في الرمال؟!

وهم آل بيت نبينا وحبيبنا محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهم وصيّة نبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

__________________

(1) سورة الإنسان : 79 / 7 ـ 12.

(2) سورة آل عمران : 3 / 61.

(3) سورة الشورىٰ : 42 / 23.

(4) سورة المائدة : 5 / 55.


ولو قال قائل منهم عنادا أو جهلاً كما قيل من انّ الفعل المضارع الذي  هو (يريد) ، و (يذهب) ، و (يطهر) لا ينبئ عن الوقوع ، بل لا يدل علىٰ  المستقبل.

قلنا : أولاً الفعل المضارع يفيد الزمن الحاضر والمستقبل المتصل  بالزمن المقال به الكلام ، لا الزمن المستقبل علىٰ الحقيقة ، وللدلالة علىٰ هذا الأخير يضاف علىٰ الفعل المضارع السين أو سوف حسب بعد  الزمن وقربه.

ولذا قالوا : (ويصلح المضارع لوقتين لما أنتَ فيه ، ولما لم يقع كما  يقول المبرّد أي للحال والاستقبال)(1) .

مع انّ الفعل المضارع كثيراً ما يستعمل حتىٰ في الماضي فضلاً عن  الحال ، قال تعالىٰ :( إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ ) ، وقال تعالىٰ :( يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ) ، وقال تعالىٰ :( يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا  كَلَامَ اللهِ ) (2) .

ومما جعلوا فيه المستقبل في موضع الماضي قول الصلتان العبدي  يرثي المغيرة بن المهلّب :

وانضخ جوانب قبره بدمائها

فلقد تكون أخا دمٍ وذبائحِ

والبيت يستشهد به النحويون علىٰ انّ المضارع ، وهو يكون ، مؤوّل

__________________

(1) معجم القواعد العربية / عبدالغني الدفر : 433 ط1.

(2) سورة المائدة : 5 / 91. وسورة النساء : 4 / 28. وسورة الفتح : 48 / 15 علىٰ التوالي.


بالماضي ، أي ولقد كان ، لأنّه في مرثية ميت ، وهو إخبار عن شيء وقع ،  ومضى ، لا اخبار عمّا سيقع لأنّه غير ممكن.

قال ابن الشجري في أماليه ، قال أبو الفتح عثمان بن جني ، قال لي  أبو علي سألت يوماً أبا بكر بن السراج عن الأفعال ، فقال : يقع بعضها  موقع بعض.

وقال : كان ينبغي للافعال كلها ان تكون مثالاً واحداً ، لأنّها لمعنىً  واحد ، ولكن خولف بين صيغها لاختلاف أحوال الزمان ، فإذا اقترن  بالفعل ما يدل عليه من لفظ ، أو حال ، جاز وقوع بعضها موقع بعض(1) .

وقال ابن عقيل في ألفية ابن مالك عند تعرّضه لتوكيد الفعل بالنون :  (ما يجوز تأكيده أحياناً ، ولا يجوز تأكيده أحياناً اُخرىٰ وهو المضارع ،  والاحيان التي يجوز فيها تأكيده هي : وذكر ثلاثة أحيان ، وسنذكرها إلاّ انّ  المعلّق قد علّق علىٰ هذه العبارة ب‍ (الجامع لهذه المسائل كلها دلالته علىٰ  الاستقبال فيها ، وإنّما يقصد العلماء ببيانها تفصيل مواضع دلالته علىٰ  الاستقبال ، لأنّه لا يستطيع معرفتها كل أحد)(2) .

والأماكن هي :

1ـأن يقع شرطاً بعد «ان» الشرطية المدغمة في «ما» الزائدة المؤكدة ،  

__________________

(1) أمالي السيد المرتضى 4 : 109 الهامش ، صححه وضبط ألفاظه وعلق حواشيه الشيخ أحمد بن الامين  الشنقيطي ـ مصر ط1.

(2) شرح ابن عقيل علىٰ ألفية ابن مالك ، تحقيق محمد محييالدين عبدالحميد 2 : 655.


كقوله تعالىٰ :( إِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ ) (1) .

2ـأن يكون واقعاً بعد اداة طلب ، نحو لتجتهدنَّ ، لاتغفلنَّ ، وكقوله تعالىٰ :( وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ) (2) .

3ـأن يكون منفيّاً بلا ، كقوله تعالىٰ :( وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ  ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ) (3) ، وله حالة رابعة يجب فيها التوكيد اذا كان مثبتاً ،  جواباً لقسم غير مفصول من لامه بفاصل ، ويجب ان يكون دالاً علىٰ  المستقبل أيضاً ، كقوله تعالىٰ :( وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم ) (4) ، فإذا كان  كذلك علمنا انّه اذا خلا الفعل المضارع من هذه أي من أن الشرطية ، ومن  الطلب ، ومن النفي ، أو كما في القسم الرابع فحينئذٍ الفعل المضارع يدلّ علىٰ الحال ، ولعلّه لذا جاء التوكيد في الآية المباركة باداة الحصر وباللام  وبالمصدر دون نون التوكيد بقسميها لرفع هذا الالتباس.

وأخيراً ختاماً لكلِّ ما تقدّم نقول بانَّ :

الجملة الفعلية : هي التي تتألف من فعلٍ وفاعل أو نائبه ، وللفعل  مدلولان : الحدث والزمان.

ولمّا كان الزمان غير ثابتٍ ولا قارٍّ بالحدث لو أخذنا الحدث بما هو  حدث ، اذن يكون الفعل مع دلالته علىٰ الزمان بصيغته الماضوية أو

__________________

(1) سورة الأعراف : 7 / 100. وسورة فصلت : 41 / 36.

(2) سورة إبراهيم : 14 / 42.

(3) سورة الأنفال : 8 / 25.

(4) سورة الأنبياء : 21 / 57.


المضارعية أو المستقبلية علىٰ فردٍ من الأزمنة الثلاثة إلاّ انّه يفيد التجدّد.

ولذا قالوا ان الجملة الفعلية (موضوعة لافادة التجدد والحدوث).

وأما الجملة الاسمية : (فتفيد بأصل وضعها ثبوت شيء لشيء ليس  غير بدون نظر إلىٰ تجدد ولا استمرار)(1) .

وبهذا نعلم السر في مجيء هذه الآية المباركة بالفعل دون الإسم  للدلالة علىٰ تجدد الارادة والاذهاب للرجس والتطهير تطهيراً مؤكداً دائماً ومستمرّاً.

13ـقال الله سبحانه علىٰ لسان نبيه يوسفعليه‌السلام مخاطباً لصاحبيه في  السجن :( وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ  بِاللهِ مِن شَيْءٍ ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا  يَشْكُرُونَ ) (2) .

لو تمعّنا قليلاً في هذه الآية المباركة لرأينا انّه اقرار من قبل نبي من  أنبياء الله سبحانه بصفة معيّنة ، قد نقلها الباري عزَّ وجل واقرّها بكتابه  العظيم المنزل علىٰ أعظم انبيائه ، واقرار هذا النبي المبارك ، مفاده امتناع  صدور الشرك منه بفضل الله تعالىٰ ، وليس هذا فقط بل امتناع صدور  الشرك من آبائه وأجداده.

والشرك بالمصطلح القرآني له عدّة معان حتىٰ ان بعضها قد ذكر في

__________________

(1) شرح ابن عقيل 2 : 75.

(2) سورة يوسف : 12 / 39.


نفس هذه السورة بالذات :( وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ ) (1) .

والايمان باللهوالشرك به وحقيقتهما تعلّق القلب باللهبالخضوع  للحقيقة الواجبة وتعلّق القلب بغيره تعالىٰ ، مما لا يملك شيئاً إلاّ باذنه تعالىٰ يختلفان بحسب النسبة والاضافة ، فانّ من الجائز ان يتعلّق الإنسان  مثلا بالحياة الدنيا الفانية وزينتها الباطلة ، وينسىٰ مع ذلك كلّ حق  وحقيقة ، ومن الجائز ان ينقطع عن كلِّ ما يصدّ النفس ويشغلها عن الله  سبحانه ، ويتوجّه بكلّه اليه ، ويذكره ولا يغفل عنه ، فلا يركن في ذاته  وصفاته إلاّ اليه ، ولا يريد إلاّ ما يريده ، كالمخلصين من أوليائه تعالىٰ.

وبين المنزلتين مراتب مختلفة بالقرب من أحد الجانبين والبعد منه ،  وهي التي يجتمع فيها الطرفان بنحو من الاجتماع(2) .

فإذا كان كذلك علمنا انّه خالص من ذلك كلّه ، وانّه محض اطاعة له  سبحانه ، ولا يمكن له ان يتبع هواه بأي حال من الاحوال.

ومن هذه الآية المباركة بالذات نستطيع ان نستكشف معنىٰ الهمّ الذي  همّ به يوسفعليه‌السلام مقابل هم امرأة العزيز.

فإنّ عدم إشراكه باللهطرفة عين يقتضي عدم تعلقه بشيء سوىٰ الله تعالىٰ ومرضاته ، وهذا هو الذي قد كان من فضل الله عليه بالخصوص وعلىٰ الناس بالعموم ولكنّ أكثر الناس لا يشكرون.

__________________

(1) سورة يوسف : 12 / 106.

(2) الميزان / الطباطبائي 11 : 276.


وكفىٰ به دليلاً علىٰ العصمة له ولابائه ولبقية انبياء الله ورسلهعليهم‌السلام مطلقاً ، لأنّ امكان تعلّقه بشيءٍ منافٍ للتوحيد الخالص ولو طرفة عين  سينقل الأمر إلىٰ التبعيض ولا قائل بالتبعيض ، كما ان منطوق الآية ينفيه.


المبحث الثاني : أدلّة العصمة من السُنّة :

في أحاديث الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأئمة الأطهار من أهل البيتعليهم‌السلام طائفة  كبيرة من النصوص التي تدل دلالة صريحة علىٰ عصمة الأنبياء  والأئمةعليهم‌السلام انتخبنا منها هذه المجموعة :

1ـعن تفسير الصافي عن الصادقينعليهما‌السلام :« إنّ أيوب عليه‌السلام أُبتلي  بغير ذنب سبع سنين ، وانّ الأنبياء معصومون لا يذنبون ، ولا  يزيغون ، ولا يرتكبون ذنباً صغيراً ، ولا كبيراً » (1) .

2ـوقال الإمام الصادقعليه‌السلام :« نحن خزّان علم الله ، نحن  تراجمة أمر الله ، نحن قوم معصومون ، أمر الله تبارك وتعالىٰ  بطاعتنا ، ونهى عن معصيتنا ، نحن الحجة البالغة علىٰ من دون  السماء وفوق الأرض » (2) .

3ـوعن الإمام الرضاعليه‌السلام :« إنّ الله يقول في كتابه ( وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى  الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) يعني  آل محمد عليهم‌السلام وهم الذين يستنبطون منهم القرآن ، ويعرفون  الحلال والحرام ، وهم الحجة لله علىٰ خلقه » (3) .

4ـقال الإمام عليعليه‌السلام :« وقد جعل الله للعلم أهلاً وفرض علىٰ

__________________

(1) تفسير الصافي : 450. ورواه كذلك المجلسي في بحار الانوار 12 : 348 عن جعفر بن محمد عن  أبيهعليهما‌السلام .

(2) اصول الكافي 1 : 269 / 6.

(3) جامع أحاديث الشيعة ، عن الوسائل 3 : 389.


العباد طاعتهم بقوله : ( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ  مِنكُمْ ) ، وبقوله : ( وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ  لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) ، وبقوله : ( اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ  الصَّادِقِينَ ) ،وبقوله : ( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) ،  وبقوله: ( وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ) والبيوت هي بيوت العلم  الذي استودعته الانبياء ، وأبوابها أوصياؤهم ، فكل عمل من  أعمال الخير يجري علىٰ غير أيدي أهل الاصطفاء وعهودهم  وحدودهم وشرايعهم وسننهم ومعالم دينهم مردود غير  مقبول ، وأهله بمحلِّ كفر ، وان شملتهم صفة الإيمان.

إلى أن قالعليه‌السلام : ثم ان الله جلَّ ذكره لسعة رحمته ورأفته بخلقه  وعلمه بما يحدثه المبدّلون من تغيير كتابه قسّم كلامه ثلاثة  أقسام فجعل قسماً منه يعرفه العالم والجاهل ، وقسماً لا  يعرفه إلاّ من صفا ذهنه ولطف حسه ، وصحّ تمييزه ممّن شرح الله صدره للاسلام. وقسماً لا يعرفه إلاّ الله وامناؤه  والراسخون في العلم ، وإنّما فعل الله ذلك لئلاّ يدعي أهل  الباطل من المستولين علىٰ ميراث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من علم  الكتاب ما لم يجعله الله لهم.

وليقودهم الاضطرار إلىٰ الائتمار لمن ولاه الله أمرهم  فاستكبروا عن طاعته »(1) .

__________________

(1) الاحتجاج / الطبرسي 1 : 581 ـ 596 / 137.


5ـحديث صححه أشدُّ نقاد الحديث من أئمة الحديث وهو الذهبي :

روي عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :« من اطاعني فقد اطاع الله ، ومن  عصاني فقد عصى الله ، ومن اطاع عليّاً فقد أطاعني ، ومن  عصى ٰعلياً فقد عصاني » (1) .

ونصوِّر هذا الحديث هكذا : طاعة علي طاعة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وبما ان  طاعة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طاعة الله ، ينتج ان طاعة علي طاعة الله.

ومثل هذا : معصية علي معصية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومعصية  الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم معصية لله تعالىٰ ، ينتج انّ معصية علي معصية للهتعالىٰ.

فإن كانت ارادة عليعليه‌السلام تتخلّف عن ارادة الله ، وكان ما يكرهه علي  يتخلّف عمّا يكرهه الله فانّ القياس الأول باطل ، وهكذا القياس الثاني باطل أيضا.

وإذا كان صحيحاً وحقّاً فانّ انكار عصمة علي بن أبي طالبعليه‌السلام ظلم وباطل.

6ـعن أمير المؤمنينعليه‌السلام : قال :« إنّ الله طهّرنا ، وعصمنا ،  وجعلنا شهداء علىٰ خلقه ، وحجّته في أرضه ، وجعلنا مع  القرآن ، وجعل القرآن معنا ، لا نفارقه ولا يفارقنا » (2) .

 

__________________

(1) انظر المستدرك / الحاكم 3 : 121 ـ 128 ، عن أبي ذر الغفاري ، وقد صححه الذهبي.

(2) الوسائل / الحر العاملي 27 : 178 / 4 الباب 13.


7 ـ حديث الثقلين :

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :« إني تارك فيكم الثقلين أولهما كتاب الله  فيه الهدىٰ والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به وأهل بيتي » (1) .

وفي لفظ آخر :« إني تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من  الآخر ، كتاب الله وعترتي ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما  فانّهما لن يفترقا حتىٰ يردا عليّ الحوض » (2) .

(والصحاح الحاكمة بوجوب التمسك بالثقلين متواترة ، وطرقها عن  بضع وعشرين صحابياً متضافرة)(3) .

(وحديث الثقلين من المتواترات التي أجمع علىٰ روايتها الفريقان ،  وقد انهىٰ بعض علماء الحديث رواته من الصحابة إلىٰ خمس وثلاثين  راويا من الرجال والنساء ، وقد رواه عنهم جمٌّ غفير من الرواة وأهل  الحديث)(4) .

(وقد بلغ هذا الحديث الشريف من الشهرة ما أغنىٰ استطراد مصادره ،  فإنّه قد رواه الفريقان ، واعترفت به الفرقتان ، وعرفه الخاص والعام ، بل  حفظه الصغير والكبير ، والعالم والجاهل فهو فاكهة الاندية ، وفي مذاق

__________________

(1) لفظ صحيح مسلم / باب فضائل علي بن أبي طالب. ومسند أحمد 4 : 366.

(2) مستدرك الصحيحين 3 : 109.

(3) المراجعات / السيد عبدالحسين شرف الدين : 15.

(4) تفسير الميزان / الطباطبائي 3 : 379 بتصرف.


الافواه ، حتىٰ كاد ان يتجاوز حدّ التواتر)(1) .

واختلاف بعض الرواة في زيادة النقل ونقيصته تقتضيه طبيعة تعدد  الواقعة التي صدر فيها ، ونقل بعضهم له بالمعنىٰ ، وموضع الالتقاء بين  الرواة متواتر قطعاً.

ومن حسنات دار التقريب بين المذاهب الإسلامية في مصر انها  أصدرت رسالة ضافية ألّفها بعض أعضائها في هذا الحديث اسمتها  (حديث الثقلين) ، وقد استوفىٰ فيها مؤلفها ما وقف عليه من أسانيد  الحديث في الكتب المعتمدة لدىٰ أهل السُنّة(2) .

وقد أخرج لحديث الثقلين العلاّمة الحجة الكبير السيد هاشم البحراني  في غاية المرام تسعة وثلاثين طريقاً من طرق أهل السُنّة.

كما أخرج له اثنين وثمانين طريقاً من طرق الشيعة عن أهل  البيتعليهم‌السلام (3) .

هذا وقد ذكر هذا الحديث السيد الاجل السيد مير حامد حسين  النيسابوري ، ثمّ الهندي في «عبقات الأنوار». ورواه عن جماعة تقرب من

__________________

(1) لماذا اخترت مذهب أهل البيتعليهم‌السلام / الشيخ الانطاكي : 146.

(2) الاُصول العامة للفقه المقارن / السيد محمد تقي الحكيم : 163. وقد أخرج هذا الحديث : أحمد  ومسلم والترمذي والنسائي والدارمي وأبو داود وابن ماجة من طرق متعددة ، والبغوي في مصابيح  السُنّة ، والحاكم في المستدرك كذلك والذهبي في تلخيص المستدرك ، والفخر الرازي في التفسير ،  وابن كثير أيضاً وغيرهما من المفسرين.

(3) غاية المرام : 211 ـ 217.


المائتين من أكابر علماء المذاهب من المائة الثانية إلىٰ المائة الثالثة عشرة ،  وعن الصحابة والصحابيات أكثر من ثلاثين رجلاً وامرأة كلهم رووا هذا  الحديث الشريف عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (1) .

ومن هذا الحديث الشريف نقف علىٰ فوائد جمة ، منها :

أـتكراره في عدة مواضع ، وأوقات مختلفة يدلّ علىٰ اهتمام  الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمضمونه اهتماماً بالغاً.

بـالرجوع إلىٰ معنىٰ الثقل في اللغة يبين لنا ثقل هذا الحديث  الشريف ويمكن ان نستدلّ منه علىٰ عصمة من ذكروا فيه.

فهذا ابن حجر مثلاً يقول بعد ان ذكر حديث الثقلين في عليّة تسمية  رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم القرآن وعترته بالثقلين :

(لأنّ الثقل كلُّ نفيس خطير مصون ، وهذان كذلك ؛ إذ كلٌّ منهما معدن  للعلوم الدينية والأسرار والحكم العلية ، والأحكام الشرعية ، ولذا  حثّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم علىٰ الاقتداء والتمسك بهم ، والتعلم منهم ، وقال الحمد لله الذي جعل فينا الحكمةـأهل البيتـوقيل سُميّا ثقلين لثقل وجوب  رعاية حقوقهما)(2) .

ويقول آخر : (إنّما سماهما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثقلين لخطرهما ، وعظم

__________________

(1) لماذا اخترت مذهب أهل البيتعليهم‌السلام / الشيخ محمد مرعي أمين الانطاكي : 153ـ154 ، 1962 م  بتصرّف لا يخل.

(2) الصواعق المحرقة / ابن حجر الهيتمي : 131 ط مصر.


قدرهما حيث يعبّر في اللغة لكلِّ خطر عظيم ثقلاً ؛ لأنّ الاخذ عنهما ،  ودوام التمسك بهما ليس بالامر السهل ، أو لأنّ العمل بما أوجب الله تعالىٰ من حقوقهما ثقيل كما ذكر ذلك جماعة من أعاظم علماء السُنّة  منهم ابن حجر في صواعقه في باب وصية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومنهم  السيوطي)(1) .

فلو رجعنا لمعنىٰ الثقل الذي هو : كلُّ نفيس خطير مصون ، لتبين لنا  الامر فالكتاب نفيس وخطير ومصون لأنّه ثقل ، والعترة نفيسة وخطيرة  ومصونة لأنها ثقل.

فالنفاسة والخطر فيهما ، فما وجه الصون لهما لعلّه اشارة طريفة  لعصمتهما ، فهما مصونان عن كلِّ زيف وزيغ وانحراف ، وكذا النفاسة.

ج‍ ـنفي الضلال عن التمسك بهما دلالة علىٰ انهما علىٰ الحق دائماً ،  وإلاّ لما نُفي : فإنَّ «لن» تفيد تأبيد النفي كما هو واضح لمن تتبع  استعمالات هذه الكلمة في كلام العرب ، وكما صرّح به أهل الخبرة  والتتبع منهم(2) .

و « هو مقتضىٰ ما تفيده لن التأبيدية »(3) ومن هنا سلّم العلاّمة  الطباطبائيقدس‌سره بظهورها في التأبيد خلال كلامه حول آية( لَن تَرَانِي ) (4) .

__________________

(1) لماذا اخترت مذهب أهل البيتعليهم‌السلام / الشيخ الانطاكي : 156.

(2) كما صرّح بذلك الزمخشري في انموذجه.

(3) الاصول العامة / السيد محمد تقي الحكيم : 163.

(4) سورة الاعراف : 7 / 143.


وقال : (والتعبير في قوله :( لَن تَرَانِي ) ب‍ «لن» الظاهر في  تأبيد النفي)(1) .

(وقد استدلّ بهذه الآية كثير من العلماء الموحدين علىٰ أنّه تعالىٰ  لا يُرى بالأبصار من حيث نفي الرؤية نفياً عاماً بقوله تعالىٰ :( لَن  تَرَانِي ) )(2) .

ولو تنزلنا وقلنا انّها لا تفيد تأبيداً كما صرّح به صاحب قطر الندىٰ(3) ،  عند كلامه حول ما ينصب به الفعل ، إلاّ انّها تفيده لو كانت ثمة قرينة تفيد  ذلك ، كما في قوله تعالىٰ :( لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا ) (4) ، أو( لَن يُخْلِفَ اللهُ  وَعْدَهُ ) (5) .

فهاتان الآيتان لقرائن خارجية علىٰ رأي بعضهم أفادتا تأبيدا لما دخل  عليه «لن».

ففي هذا المقام نقول عين قولهم ، إذ لو حدث أن ضللنا باتّباعهما ، ولو  بمصداق واحد لما خرج كلامهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صحيحاً وصادقاً ، لاطلاق الكلام  وهو في مقام الهداية والبيان.

فما يكون اتّباعه عدم الضلال ، ومن عدم الضلال يمكن ان نستشف

__________________

(1) تفسير الميزان / الطباطبائي 8 : 243.

(2) أمالي السيد المرتضىٰ 4 : 128.

(3) قطر الندىٰ وبل الصدىٰ / ابن هشام : 79.

(4) سورة الحج : 22 / 73.

(5) سورة الحج : 22 / 47.


عصمته كما هو ظاهر للمتمعّن.

دـإنّ المفهوم من قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « إني تارك فيكم ما ان تمسكتم به  لن تضلوا كتاب الله وعترتي » انّما هو ضلال من لم يتمسك بهما معاً ،  كما لا يخفىٰ.

ويؤيد ذلك قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـفي حديث الثقلين عند الطبرانيـ« فلا تقدموهما فتهلكوا ، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ، ولا  تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم » (1) .

فلابدّ لكلِّ مكلف من ان يتمسك بالثقلين معاً ، لا بالكتاب وحده دون  قرينة العترة ، ولا بالعترة وحدها دون مصدرها الكتاب... ، بل ما هما إلاّ  عروة واحدة لا يمكن التفكيك بين حلقها المتماسكة ، غير ان العترة  اللسان الناطق للكتاب الصامت ، فلا نقدر ان نتمسك بالكتاب من دون  طريقهم(2) .

ه‍ ـكتاب الله ، هذا الكتاب العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه  ولا من خلفه هو معصوم في جميع آياته وسوره ، وهذا ما لا يُخالف فيه  المسلمون قاطبة.

وحسب أئمة العترة الطاهرة ان يكونوا عند الله ورسوله بمنزلة  الكتاب ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وكفىٰ بذلك حجة

__________________

(1) المراجعات / السيد عبدالحسين شرف الدين : 23.

(2) لماذا اخترت مذهب أهل البيتعليهم‌السلام / الشيخ الانطاكي : 154.


تأخذ بالاعناق للتعبّد بمذهبهم.

فإنّ المسلم لا يبتغي بكتاب الله بدلا ، فكيف يبتغي عن اعداله  حولا(1) .

وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في بعض الروايات «ولن يفترقا» كما في سنن الترمذي(2) ،  إذا تمعنّا بهذه ال‍ «لن» فانّها تفيد كما ذكرنا سابقاً التأبيد في نفي المتعلق ، وهنا  هو عدم الافتراق بعد ان نقول لاحقاً اذا وسوست النفس ولم تطمئن  بذلك هناك قرينة لفظية بعدم الافتراق ، وبالاضافة إلىٰ القرينة تلك وهذه علىٰ أقل تقدير إذ حدَّد بمنطوق الكلام فترة عدم الافتراق ، نهايتها ،  بورودهما عليه الحوض ، إذ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :« لن يفترقا حتّىٰ يردا عليّ  الحوض » . وهو المهم في حديثنا الآن ، كما هو واضح.

فعليه نقول : إذا كان أحدهما معصوماً وهو كتاب الله الكريم فيجب أن  يكون الثاني وهو العترة الطاهرة كذلك ، وإلاّ لافترق أحدهما عن الآخر في  موارد عدم عصمة الآخر كما هو واضح ، (ومن البديهي أن صدور آية  مخالفة للشريعة سواءً كانت عن عمد أم سهوٍ أم غفلة تعتبر افتراقاً عن  القرآن في هذا الحال ، وإن لم يتحقق عنوان المعصية عليها أحياناً كما في  الغافل والساهي ، والمدار في صدق عنوان الافتراق عنه عدم مصاحبته  لعدم التقيّد بأحكامه وإن كان معذوراً في ذلك فيقال فلان مثلاً افترق عن

__________________

(1) المراجعات / السيد عبدالحسين شرف الدين : 16 القاهرة 1979 م ط2.

(2) وكما في الدر المنثور ، ومسند أحمد ، والمستدرك وغيرها.


الكتاب وكان معذوراً في افتراقه عنه)(1) .

فهذا يثبت لاخبار الصادق الأمينصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عدم افتراقهما مطلقاً ، وهذا  يثبت عصمة أهل البيتعليهم‌السلام مطلقاً.

ولا يمكن ان يقع منهم ما يخالف الكتاب الذي هو معصوم لا غفلة ولا  سهواً ولا اشتباه ولا نسياناً ، كما هو الظاهر للمتأمل المتمعن في هذا  الكلام المقدس.

إذن مقتضىٰ عصمة أحدهما ، عصمة الآخر بلا شك ولا ريب.

وـوأخيراً لا آخراً يمكن أن نستفيد من هذا الحديث بالخصوص ،  بقاء العترة ببقاء القرآن ، فما دام القرآن باقٍ فالعترة باقية ، وإلاّ لافترقا ، كما  هو واضح للمتأمل.

وهذا له عمقه الدلالي لمن أراد الوصول إلىٰ الله تعالىٰ ، وألقىٰ السمع  وهو شهيد.

زـوبعدها ألا يعني قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثقل ما ذكر في حديث  الثقلين؟!

فتارةً ينفي الضلال باتّباعهما ، واُخرىٰ بالأمر بالأخذ بهما والتمسك  بهما ، وثالثة بالسؤال من الاُمّة عن كيفية مراعاة ما خلّفه فيها تشجيعاً لهم ،  وتشويقا للتمسك بهما مع تأكيده لهم بأنّهما لن يفترقا حتىٰ يردا عليه

__________________

(1) الاصول العامة للفقه المقارن / السيدمحمد تقي الحكيم : 63.


الحوض.

فلنرجع لانفسنا ونتساءل بيننا عن مقدار تمسكنا بوصيّة حبيبنا  رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

حـولعلَّ جملة« لن يفترقا حتىٰ يردا عليّ الحوض » اشارة إلىٰ انّ ما مرَّ علىٰ أحد هذين الاثنين بعد الوجود المقدّس لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قد مرَّ علىٰ الآخر.

ومهجورية كل واحد منهما ، مهجورية للآخر(1) .

          

__________________

(1) صحيفة الثورة الاسلامية ، نص الوصية السياسية الالهية / السيد الخميني : 8 ط وزارة الثقافة والارشاد  الاسلامي.



 

تتمة في

عصمة فاطمة الزهراءعليها‌السلام

إنّ الفارق بين عالم الدنيا وعالم الآخرة ، وفق كلّ دقائق التعابير التي  أطلقها أعيان المتألهين ، والحكماء المدققين ، والفقهاء الراسخين هو انّ  هذا العالم تغلب فيه الصورة علىٰ السيرة ، فمن الممكن ان يكون أحدٌ ما  ذئباً في باطنه ، ولكنّ صورته هي صورة انسان سويّ ، فلا تختلف الصور  هنا أصلاً.

ولكنّ الوضع سينقلب في الآخرة ، فبعض يقول عنهم الباري عزّ وجلّ :  ( وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ) وبعضٌ يقول فيهم :( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ  نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) .

وهكذا سيظهر وجه من قال :( إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً  وَلَا شُكُورًا ) عند الحشر بصورة( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ...) ف‍( ذَٰلِكَ الْيَوْمُ  الْحَقُّ ..) و( الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للهِ ...) .

عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :« تُحشر ابنتي فاطمة وعليها حلّة الكرامة  قد عجنت بماء الحيوان ، فينظر اليها الخلائق فيتعجبون منها ،  ثم تكسىٰ أيضاً من حلل الجنة ألف حُلّة ، مكتوب علىٰ كلِّ  حلّة بخط أخضر : أدخِلوا بنت محمد الجنّة علىٰ أحسن  


الصورة ، واحسن الكرامة ، وأحسن منظر.. (1) » .

من المستحيل ان يتخلّف قانون نظام العدالة في الوجود ، ذلك اليوم ،  ولا يمكن ان تكون الصورة التي تعطى للبشر إلاّ انعكاسا لسيرهم في  الدنيا ، فيحظىٰ بالصورة الأجمل والأكمل والأمثل من جاء بالسيرة  الأجمل والأكمل والأمثل ، فان لم يكن المرء علىٰ الصعيد العلمي أفضل  العلماء ، وعلىٰ الصعيد الخُلقي أفضل المتخلقين ، وعلىٰ الصعيد العملي  أفضل العبّاد ، فمن المستحيل ان يرد يوم القيامة علىٰ أحسن صورة..

وليس هذا بكثير علىٰ من قال فيها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :« فاطمة بضعة منّي » (2) « فاطمة روحي التي بين جنبيّ » (3) .

وحتىٰ عائشة قد التفتت إلىٰ هذا التشابه العجيب بين حبيب اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبضعته الزهراءعليها‌السلام ، إذ قالت : (ما رأيت أحدا كان أشبه سمتاً ، وهدياً ودلاً.. وحديثاً وكلاماً برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من فاطمة كرّم الله وجهها)(4) .

والتفتت إلىٰ كرامتها عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إذ روت : (كانت إذا دخلت  عليه قام إليها ، فأخذ بيدها ، وقبّلها ، وأجلسها في مجلسه...)(5) .

__________________

(1) تاريخ دمشق / ابن عساكر 12 : 86. مقتل الحسين / والخوارزمي 1 : 52.

(2) مسند أحمد بن حنبل 4 : 5 و 323 و 328. وصحيح البخاري 5 : 92 و 150. وصحيح مسلم 4 :  1902. وسنن الترمذي 5 : 698. والمستدرك 3 : 154 و 158.

(3) بحار الأنوار 27 : 63 / 21 كتاب الإمامة و 28 : 38 / 1 كتاب الفتن والمحن.

(4) البخاري 5 : 26 ، 7 : 47. ومسلم 7 : 141. ومسند أحمد 4 : 323 ، 328 ، 332.

(5) سنن الترمذي 5 : 700. والمستدرك 3 : 160.


فإذا كانت في كلِّ ذلك كذلك ، فحريٌّ بها أن تكون ممن لا يفارق الحق  في شيء أبداً ، ولا يكون كذلك إلاّ المعصوم.

وثمّة أدلة اُخرىٰ تهتدي بها إلىٰ مثل هذه النتيجة ، منها :

1 ـ دلالة آية التطهير :

قال تعالىٰ :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ  تَطْهِيرًا ) .

وقد تقدم البرهان علىٰ أنّها تدلّ علىٰ عصمة من تشير إليه ، وقد اتّفق  المؤرِّخون والرواة انّ من جملة أهل البيت الزهراء فاطمةعليها‌السلام بل كان يؤكد  ذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبظرف ستة أشهر محتوىٰ هذه الآية المباركة عند  مروره للمسجد للصلاة.

2 ـ دلالة حديث الثقلين :

فكما دلّت الآية المباركة السابقة علىٰ دخولها في جملة أهل البيتعليهم‌السلام نستدلّ بذلك علىٰ دخولها في هذه الرواية المباركة وقد تقدم البرهان في  دلالتها علىٰ العصمة ، فتكون مشمولة بالدليل.

3 ـ « إنّ الله ليغضب لغضبك ، ويرضى لرضاك »(1) .

__________________

(1) الشافي / السيد المرتضى : 235 الطبعة الحجرية. وتلخيص الشافي / الشيخ الطوسي 3 : 122 ط  النجف الاشرف. وأمالي الشيخ الصدوق / الشيخ الصدوق : 230 أول المجلس الحادي والستين. ومعاني الاخبار / باب معنىٰ الشجنة باسناده عن ابن عباس. ومجالس الشيخ المفيد / الشيخ المفيد  


« من آذىٰ فاطمة فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذىٰ الله (1) » .

فتعليق غضب الله علىٰ غضبها ، واللههو الحق يقتضي ان يكون غضبها  حقّاً ، دائماً وكذلك نقول في الرضا فيقتضي ذلك عصمتها.

وقد يرد في الأذهان السؤال : إنّ الله يرضىٰ لرضا المؤمن ويغضب  لغضبه فهذه خصوصية ليست متعلقة بالزهراءعليها‌السلام فقط ، فإذن لا تكون  دليلاً علىٰ العصمة.

ولكن هذا الاشكال يرتفع من أساسه بالتمعن في الحديثين ، لان  الغضب الالهي والرضا الالهي متعلّقان بنفس الزهراء بما هي ، أي بذاتها ،  لو رضيت علىٰ أي حال سيرضىٰ الله ، ولو غضبت غضب ، فبذا يكون  غضبها ورضاها مطلقاً صرف الحق.

أما في حديث المؤمن فرضا الباري عزّ وجل متعلِّق برضاه ما دام  مؤمناً ، وغضبه متعلّق بغضبه كذلك ، لأنّ المؤمن بما هو مؤمن لا يرضىٰ ولا يغضب إلاّ للهوما هو حق ، فلذا تعلّق غضب الباري ورضاه بغضبه  ورضاه ، وأمّا هو ذاتاً فليس كذلك. أي لا يقتضي الاطلاق بالنسبة إلىٰ

__________________

باسناده عن الإمام الباقرعليه‌السلام في المجلس الحادي عشر عن أبي حمزة الثمالي. والمستدرك / الحاكم  النيسابوري 3 : 154 باب مناقب فاطمة ، وهو صحيح علىٰ شرط الشيخين. ومجمع الزوائد 9 : 203  باب مناقب فاطمةعليها‌السلام والذخائر / المحب الطبري في ترجمة فاطمة. وأُسد الغابة / ابن الاثير في  ترجمة فاطمة. ومجمع البيان / الطبرسي 2 : 453 ورد (إنّ الله ليغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها).

(1) صحيح البخاري / كتاب بدء الخلق ، باب منقبة فاطمة أورده في محلين كتاب النكاح ، باب ذب  الرجل عن ابنته. وصحيح مسلم / كتاب فضائل الصحابة ، باب فضائل فاطمة مسند أحمد 4 : 328. وكتاب الترمذي / الجامع الصحيح 5 : 698 كتاب المناقب فضل فاطمة بنت محمد.


الذات ، بل إلىٰ المشتق. بينما في الأول هو متعلّق بالذات لا بالمشتق.

وهذا فرقٌ جوهري ، فما كان ذاتا لا يرتفع إلاّ بانعدام الذات ، وأمّا  ما كان متعلّقاً بشيء عارض فيمكن ان يرتفع المتعلق لارتفاع العارض.

وهذا واضحٌ بحمد الله تعالىٰ.

وختاماً نقول : إنّ للعصمة ادلّتها المفصَّلة ، بحيث لا يستطيع الإنسان  أن يرفع يده عنها ، مهما أُوتي من جُرأةٍ علىٰ مخالفة العقل والكتاب  والنّقل ، لوجود اخبار آحادٍ قد لا تفيد ذلك لعلل كثيرة ، أو لاستبعاد  العقول القاصرة التي تقيس كلَّ شيء ، علىٰ ما يحيطها ، وعلىٰ من هي  موجودة فيه.

إذ ليس هذا الاستبعاد إلاّ ظنٌ ، والظن لا يُغني من الحق شيئاً. والظن  لا يقابل الحُجة الدامغة مهما أوتي من قوّةٍ. فحينئذ يجب ان نرفع اليد عن  هذه الظهورات ، ونُسلِّم بما منح الله تعالىٰ قوماً مخصوصين ، لطفاً لهم  ولنا ، وتفضيلاً وتفضّلاً ، وكرامة لهم ومزيدا.

 

والحمد للهالذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله

وآخر دعوانا ، أن الحمد للهرب العالمين





 

المحتويات

العصمة حقيقتها ـ أدلّتها....................................................... 1

مقدمة المركز :............................................................. 5

المقدِّمة..................................................................... 7

الفصل الأول.............................................................. 11

تعريف العصمة............................................................. 11

العصمة لغةً :............................................................ 11

العصمة اصطلاحاً :...................................................... 11

الفصل الثاني.............................................................. 21

الأقوال في العصمة........................................................ 21

أقوال علمائنا في عصمة الأنبياء والأئمة عليهم‌السلام :.............................. 24

الفصل الثالث............................................................. 33

الأدلة العقلية علىٰ العصمة.................................................. 33

توطئة خاصة :........................................................... 33

الأدلة العقلية............................................................. 40

قول وفعل وإقرار المُرسَل والإمام عليهما‌السلام هل هو حجّة أم لا؟!................... 46

حصر العصمة في حال التبليغ والفتيا :...................................... 47

تذييلات................................................................ 54

الأول : مسألة السهو لنبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالخصوص :.............................. 54

الثاني : النوم :........................................................... 61

الثالث : العصمة في الغضب والرضا :....................................... 63


الفصل الرابع.............................................................. 65

أدلة العصمة من الكتاب والسُنّة............................................. 65

المبحث الأول : أدلة العصمة من القرآن :................................... 65

المبحث الثاني : أدلّة العصمة من السُنّة :.................................. 120

تتمة في................................................................ 133

عصمة فاطمة الزهراء عليها‌السلام............................................... 133