مع الركب الحسيني من المدينة الى المدينة- الجزء 2
التجميع الإمام الحسين عليه السلام
الکاتب الشيخ نجم الدين الطبسي
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404



مقدمة مركز الدراسات الإسلاميّة

التابع لممثليّة الولي الفقيه في حرس الثورة الإسلامية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه الذي جعل الحمد مفتاحاً لذكره، ودليلاً على نعمه وآلائه، والصلاة والسلام على أشرف الخلائق محمّد وآله الطيِّبين الطاهرين.

وبعد، فهذا الكتاب هو الجزء الثاني من سلسلة أجزاء الدراسة التاريخية التفصيلية« مع الركب الحسيني من المدينة إلى المدينة »، ويختص هذا الجزء بالمقطع الثاني من مقاطع هذه الدراسة، وهو مقطع« الأيّام المكيّة من عُمر النهضة الحسينية » ، أي الأيّام التي أقام الإمام الحسينعليه‌السلام فيها بمكّة المكرَّمة، بعد إعلانه عن رفضه مبايعة يزيد، بعد موت معاوية بن أبي سفيان.

وفترة الأيام المكِّيّة من عمر النهضة الحسينية، من أصعب أيّام هذه النهضة المباركة على صعيد المتابعة التاريخية؛ لأنّها أقلّ مقاطع هذه النهضة المقدّسة من حيث كمِّيّة الوثائق التاريخية التي تحدّثت عنها، مع أنّ هذه الفترة هي أطول مقاطع النهضة الحسينية؛ إذ بلغت ما يُقارب مئة وخمسة وعشرين يوماً، ولاشكّ أنّها كانت مليئة بالمهمِّ من وقائع حركة الإمامعليه‌السلام ؛ لأنّ مكّة المكرّمة في تلك الأيّام كانت محطَّ ومُلتقى جموع المعتمرين والحُجّاج.


ولذا فقد عمد مؤلّف هذا الكتاب - من أجل سدِّ ثغرة قلَّة وثائق هذه الفترة - إلى دراستها من خلال مُتابعات ثلاث:

الأُولى: هي متابعة حركة الإمامعليه‌السلام .

والثانية: متابعة حركة السلطة الأُمويّة في مواجهة حركة الإمامعليه‌السلام .

والثالثة: هي متابعة حركة الأُمَّة إزاء قيام الإمامعليه‌السلام .

فجاءت هذه الدراسة غنيّة وجديدة بمعنى الكلمة، من حيث النظم والمحتوى، والالتفاتة البكر، والاستنباط الذكيّ الرائع، والتبويب المغني عن عناء المتابعات المرهقة.

ومؤلِّف هذا البحث هو سماحة الشيخ المحقّق الأستاذ نجم الدين الطبسي، صاحب الخبرة الطويلة في ميدان التحقيق العلمي والتاريخي؛ إذ هو أحد مُحقّقي موسوعة:« معجم أحاديث المهدي عليه‌السلام » ، ومن مؤلَّفاته القيّمة: كتاب« موارد السجن في النصوص والفتاوى » ، وكتاب« النفي والتغريب » ، وكتاب« الوهابية: دعاوى وردود » .

ولا يسعنا هنا إلاّ أن نتقدّم إلى شيخنا المحقّق، مؤلّف هذا الكتاب بالشكر الجزيل، على ما بذله من جهد متواصل وعناء كبير؛ من أجل إنجاز هذا البحث القيّم، داعين له بمزيد من الموفَّقية والنجاح في ميدان خدمة الحقّ والحقيقة ونصرة دين الله تعالى. كما نتقدّم بالشكر الجزيل إلى الأخ الأستاذ المحقّق علي الشاوي الذي آزر مؤلّف الكتاب مؤازرة صميمية، وبذل جهداً كبيراً مشكوراً، في مراجعة ونقد وتنظيم هذا البحث القيّم، داعين له بمزيد من الموفَّقية في ميدان التحقيق ومؤازرة المحقّقين، وفي مواصلة عنايته الكبيرة في خدمة الأجزاء الباقية من هذه الدراسة القيّمة.

مركز الدراسات الإسلاميّة          

لممثليّة الولي الفقيه في حرس الثورة الإسلامية


مقدِّمة المؤلِّف

الأيّام المكيّة من عُمر النهضة الحسينية



مقدِّمة المؤلِّف

الأيّام المكيّة من عُمر النهضة الحسينية

ارتحل الإمام الحسينعليه‌السلام عن المدينة المنوّرة - سنة ستِّين للهجرة - إلى مكّة المكرّمة، بعد موت معاوية بن أبي سفيان؛ على أثر إعلانه رفض البيعة ليزيد، وكانعليه‌السلام قد أقام في مكّة المكرّمة منذ اليوم الثالث من شعبان إلى اليوم الثامن من ذي الحجّة من نفس السنة، أي ما لا يقلّ عن مئة وخمسة وعشرين يوماً، وهي فترة طويلة نسبيَّاً في إطار حساب عمر النهضة الحسينيّة المباركة، غير أنّ هذه الفترة - برغم طولها - تُعتبر الفترة المجهولة من عمر هذه النهضة المباركة، إذا قورنت مع فتراتها الأُخرى، من حيث الوقائع والأحداث التي سجَّلها التاريخ عنها؛ ذلك لأنَّ كُتب التاريخ مرَّت على هذه الفترة المكِّيّة مرور الكرام.

فعدا وقائع أيّام ما قُبيل خروج الإمامعليه‌السلام من مكّة، التي حظيت بنوع من العناية التاريخية التفصيلية، نُلاحظ أنّ التاريخ لم يُسجّل عن بقيّة هذه الأيّام المكيّة الطويلة إلاّ ملاحظات عامّة، هي أقرب إلى الغموض منها إلى الوضوح.

هذا مع أنّ دراسة النهضة الحسينيّة، واستيعاب أبعادها، وفهم أسرارها، منال لا يبلغ منه المحقِّق أقصى غايته، بمعزل عن معرفة مُجريات وقائع هذه الأيَّام المكِّيّة، ودراسة الأجواء والتحرُّكات المؤيّدة والمضادَّة، التي كانت تعايشها النهضة الحسينيّة والإمامعليه‌السلام في مكّة.

وتتزاحم في ذهن المتأمِّل في هذه الفترة المكيّة أسئلة كثيرة، قد يكون أوّلها


هو السؤال عن علّة ارتحال الإمام عليه‌السلام من المدينة المنوَّرة إلى مكّة المكرّمة لا إلى سواها. هل أراد الإمام عليه‌السلام أن يتّخذ من مكّة مركزاً لانطلاق الثورة على الحكم الأُمويّ؟ أم كان عليه‌السلام يُريد استثمار أشهُر الحجِّ في مكّة المكرّمة؛ لإيصال صوت هذه النهضة المباركة، والتعريف بأهدافها إلى كلّ العالم الإسلامي آنذاك؟

وكان يمكن للمتأمّل أن يُجيب بالإيجاب على محتوى الشقّ الأوّل من السؤال، أو يتبنَّى الجمع بين مُحتوى الشقّين الأوّل والثاني معاً، لو كان في مكّة المكرّمة قاعدة شعبية كبيرة موالية لأهل البيتعليهم‌السلام ، ولكن هل كانت هذه القاعدة الشعبية الموالية موجودة فعلاً آنذاك؟

من المؤسف أنَّ مثل هذه القاعدة الشعبية الموالية لم تتوفَّر للإمام الحسينعليه‌السلام ، ولا لأخيه الإمام الحسنعليه‌السلام من قبله، ولا لأبيهما الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام من قبلهما؛ بسبب ما تركته معارك الإسلام الأُولى - كبدر وأُحد وغيرهما - في قلوب بطون قريش من أحقاد على أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام خاصة، وعلى أهل البيتعليهم‌السلام ، فأضبَّت على عداوتهم وأكبَّت على مُنابذتهم؛ ذلك لأنّها لا تنسى عليّاًعليه‌السلام الذي ناوش ذؤبانها وقتل صناديدها، وكيف تنساه « وهو صاحب لواء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله والمهاجرين »(١) ؟!

كيف تنسى قريش علياًعليه‌السلام وقد أورد أوّلها النار، وقلّد آخرها العار على حدّ قول الإمام زين العابدينعليه‌السلام وابن عبّاس(٢) ؟! كيف تُحبّه وقد قتل في بدر وأُحد من ساداتهم سبعين رجلاً تشرب أنوفهم الماء قبل شفاههم؟! هكذا قال ابن عمر لأمير المؤمنين عليّعليه‌السلام ، الذي ردَّ عليه قائلاً:

____________________

(١) البحار، ١٩: ٢٠٦.

(٢) البحار، ٢٩: ٤٨٢.


ما تركتْ بدرُ لنا مُذيقاً

ولا لنا من خلفنا طريقاً(١)

عن عليّ بن الحسن بن فضّال، عن أبيه، عن أبي الحسنعليه‌السلام ، قال: سألته عن أمير المؤمنينعليه‌السلام : كيف مال الناس عنه إلى غيره، وقد عرفوا فضله وسابقته ومكانه من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ فقالعليه‌السلام :

« إنّما مالوا عنه إلى غيره وقد عرفوا فضله؛ لأنَّه قد كان قتل من آبائهم وأجدادهم، وإخوانهم وأعمامهم، وأخوالهم وأقربائهم المحادّين لله ولرسوله عدداً كثيراً؛ وكان حقدهم عليه لذلك في قلوبهم، فلم يُحبّوا أن يتولَّى عليهم، ولم يكن في قلوبهم على غيره مثل ذلك؛ لأنّه لم يكن له في الجهاد بين يدي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله مثل ما كان له؛ فلذلك عدلوا عنه ومالوا إلى سواه » (٢) .

وقد مارس ساسة السقيفة ومؤيُّدوهم عملاً إعلامياً مدروساً ومتواصلاً؛ لتأجيج ثائرة قريش على عليّعليه‌السلام ولترسيخ حقدها عليه، فها هو عمر بن الخطّاب - مثلاً - ينظر إلى سعيد بن العاص، فيقول له: « مالي أراك كأنّ في نفسك عليَّ شيئاً، أتظنّ أنّي قتلت أباك؟! والله، لوددت أنّي كنت قاتله! ولو قتلته لم أعتذر من قتل كافر، ولكنّي مررت به في يوم بدر فرأيته يبحث للقتال كما يبحث الثور بقرنه، وإذا شدقاه قد أزبدا كالوزغ، فلمّا رأيت ذلك هبته ورغتُ عنه! فقال: إلى أين يا بن الخطّاب؟! وصمد له علي فتناوله، فوالله، ما رمت مكاني حتى قتله »(٣) .

وكان عليعليه‌السلام حاضراً في المجلس، فقال:

____________________

(١) البحار، ٢٩:٤٨٢ عن المناقب لابن شهر آشوب، ٣:٢٢٠.

(٢) البحار، ٢٩:٢٨٠ - ٢٨١، رقم ٢ عن علل الشرائع وعيون أخبار الرضا عليه‌السلام .

(٣) أنساب القرشيين: ١٩٣.


« اللّهُمَّ غفراً، ذهب الشِرك بما فيه، ومحا الإسلام ما تقدّم، فمالك تُهيِّج الناس عليَّ؟! » (١) .

وقد لخَّصت سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراءعليها‌السلام علّة كراهية قريش لعليّعليه‌السلام أمام نساء المهاجرين والأنصار، اللواتي جئن لعيادتها في مرضها قبل شهادتها، حيث قالتعليها‌السلام :

« وما الذي نقموا من أبي الحسن؟! نقموا منه - والله - نكير سيفه، وقلّة مُبالاته بحتفه، وشدّة وطأته، ونكال وقعته، وتنمّره في ذات الله » (٢) .

وما برح أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يشكو إلى الله ما فعلت به قريش، من غصب حقّه، وتصغير عظيم شأنه، حتى مضى شهيداً، ومن شكايا بثِّه إلى الله تعالى في هذا قولهعليه‌السلام :

« مالنا ولقريش؟! وما تُنكر منّا قريش، غير أنّا أهل بيت شيّد الله فوق بُنيانهم بُنياننا، وأعلى فوق رؤوسهم رؤوسنا، واختارنا الله عليهم، فنقموا على الله أن اختارنا عليهم، وسخطوا ما رضي الله، وأحبُّوا ما كره الله، فلمّا اختارنا الله عليهم شركناهم في حريمنا، وعرّفناهم الكتاب والنبوّة، وعلّمناهم الفرض والدين، وحفّظناهم الصُحف والزُّبر، وديّناهم الدين والإسلام، فوثبوا علينا، وجحدوا فضلنا، ومنعونا حقّنا، وأَلتونا(٣) أسباب أعمالنا وأعلامنا، اللّهم، فإنّي أستعديك على قريش، فخُذْ لي بحقّي منها، ولا تدع مظلمتي لديها، وطالبهم - يا ربّ - بحقّي، فإنّك الحَكَم العدل؛ فإنّ قريشاً

____________________

(١) البحار، ١٩: ٢٨٠ - ٢٨١ عن الإرشاد للمفيد:.

(٢) البحار، ٤٣: ١٦٠، باب ٧، حديث ٩، الاحتجاج، ١: ١٤٧.

(٣) ألَتَهُ يَألِتهُ: إذا نقَصَهُ - النهاية، ٥٨:١.


صغّرت عظيم أمري... » (١) .

ويقولعليه‌السلام في نفثة أُخرى - وهو يدعو الله تعالى على قريش -:

« فأَجْزِ قريشاً عنّي بفعالها، فقد قطعت رحِمي، وظاهرت عليَّ، وسلبتني سلطان ابن عمّي... » (٢) .

ويُجيبعليه‌السلام أخاه عقيلاً في كتاب إليه:« فدعْ عنك قريشاً وتركاضهم في الضلال، وتجوالهم في الشقاق، وجماحهم في التيه؛ فإنّهم قد أجمعوا على حربي كإجماعهم على حرب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قبلي، فجَزَت قريشاً عنِّي الجوازي، فقد قطعوا رحِمي، وسلبوني سلطان ابن عمي... » (٣) .

ويُلخّصعليه‌السلام موقفه في صبره على الطامّة الكُبرى، في انحراف الأمّة عن وصيّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وغصب قيادة السقيفة حقّه الإلهي في الخلافة:

« ما رأيت منذ بعث الله محمّداً صلى‌الله‌عليه‌وآله رخاءً، والحمد لله. والله، لقد خفت الله صغيراً وجاهدت كبيراً، أُقاتل المشركين وأُعادي المنافقين حتى قبض الله نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله فكانت الطامّة الكبرى، فلم أزل حذراً وجلاً، أخاف أن يكون ما لا يسعني معه المقام، فلم أرَ - بحمد الله - إلاّ خيراً، والله، ما زلت أضرب بسيفي صبيَّاً حتى صرت شيخاً، وإنّه ليُصبِّرني على ما أنا فيه أنَّ ذلك كلّه في الله... » (٤) .

____________________

(١) البحار، ٢٩: ٥٥٩، حديث ١٠، عن العدد القوية: ١٨٩، حديث ١٩.

(٢) البحار، ٢٩: ٦٢٨، حديث ٣٨ عن الإمامة والسياسة: ٥٥ تحت عنوان: (خروج عليّ من المدينة).

(٣) البحار، ٢٩: ٦٢١، حديث ٣١، ونهج البلاغة: ٤٠٩، رقم ٣٦.

(٤) البحار، ٢٩: ٥٥٦ - ٥٥٧، حديث ٧ عن إرشاد المفيد:١٥١.


مكّة المكرَّمة والتركيبة القبلية فيها:

إنّ تركيبة مكّة المكرّمة الاجتماعية آنذاك تركيبة قبليَّة، فهي بيوتات وعشائر وبطون، وتتألَّف قريش من خمسة وعشرين بطناً(١) ، و« ما أن أعلن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله نبوّته رسميَّاً، واختياره لوليّ عهده، حتى وقفت قريش وقفة رجل واحد بقيادة البيت الأُموي، وأعلنت رفضها المطلق للنبوّة والكتاب وولاية العهد، وصرّحت بأنَّها ستُجنِّد كلّ طاقاتها الماديّة والمعنوية؛ لصدّ أهل مكّة خاصة والعرب عامة عن اتِّباع محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله والدخول في دينه، وانقسم المجتمع المكِّي إلى قسمين:

الأوّل: وهو الأكثر عدداً ومدداً ظاهرياً، ويتألّف من ثلاثة وعشرين بطناً من بطون قريش ومَن والاهم من الموالي والأحابيش.

الثاني: وهو الأقلّ عدداً، ويتألّف من رسول الله محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ومن بطنه الهاشمي وبطن بني المطّلب بن عبد مناف، ومَن والى هذين البطنين من الموالي والأحابيش، مُضافاً إليهم الذين اعتنقوا الدين الإسلامي »(٢) .

وقد « قرّرت البطون استعمال كلّ الوسائل لعزل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله عن الهاشميين، فإن هم أصرّوا على عدم التخلّي عنه فلابدّ من عزل الهاشميين أنفسهم عن البطون، وفرض مُحاصرتهم ومُقاطعتهم، فإن لم تُجدِ هذه الوسائل تعيّن على البطون أن تختار رجالاً منها يشتركون جميعاً في قتل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله فيضيع دمه بين البطون، ولا يقوى الهاشميون على المطالبة بدمه، وإن لم تنجح مُحاولة القتل، وجب ملاحقة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومُحاربته حتى يتمّ القضاء التامُّ عليه وعلى دعوته »(٣) .

____________________

(١) راجع مروج الذهب، ٢: ٢٧٥.

(٢) كتاب خلاصة المواجهة مع الرسول وآله: ٢٣ و ٢٤.

(٣) نفس المصدر السابق.


لكنّ هذه البطون المناوئة للدعوة المحمّدية، أحسّت بالخيبة، وبقوّة الصدمة، وشدّة النكسة، وهول ما أصابها من بني هاشم عامة ومن عليّ بن أبي طالبعليهما‌السلام خاصة، بعد تعاظم أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله واشتداد شوكته، خصوصاً بعد معركة بدر الكبرى، التي عبّأت فيها قريش كلّ قواها، إذ « ما بقي أحد من عظماء قريش إلاّ أخرج مالاً لتجهيز الجيش، وقالوا: مَن لم يخرج نهدم داره »(١) .

ويرى أبو سفيان، أنّ لوازم المواجهة مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله تقتضي العداء إلى آخر الدهر، ها هو يُخاطب الرجل الجهني - وهو يستقصيه أخبار جيش النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قُبيل وقعة بدر الكبرى - قائلاً: « واللات والعُزّى، لئن كتمتنا أمر محمّد لا تزال قريش لك معادية آخر الدهر؛ فإنّه ليس أحد من قريش إلاّ وله شيء في هذا العِير »(٢) .

لقد ترسّخ حقد قريش على بني هاشم عامة، وعلى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهما‌السلام خاصة، منذ انجلت بدر الكبرى عن انكسار قريش واندحارها، وإنّها لتعلم أنّ علياًعليه‌السلام هو السبب الرئيس في انهزامها وخسارتها المفجعة، فهو الذي قتل الوليد، ثمّ شرك في قتل عُتبة وشيبة، ولقد تفرّدعليه‌السلام بقتل خمسة وثلاثين رجلاً ببدر - على ما أثبتهُ رواة العامّة والخاصة معاً - سوى مَن اختلفوا فيه، ومن شرك أمير المؤمنينعليه‌السلام غيره في قتله(٣) . وهوعليه‌السلام صاحب الموقف الفذِّ الفريد في الشجاعة والثبات يوم أُحد.

وكشاهد على هذا الموقف العُجاب، ننقل من ميدان موقعة أُحد هذه اللقطة: « قد كانت راية قريش مع طلحة بن أبي طلحة العبدري من بني عبد الدار، فبرز ونادى:

____________________

(١) البحار، ١٩: ٢١٧.

(٢) البحار، ١٩: ٢٤٧.

(٣) البحار، ١٩: ٢٨١.


يا محمّد، تزعمون أنكم تُجهزونا بأسيافكم إلى النار ونُجهزكم بأسيافنا إلى الجنّة، فمَن شاء أن يلحق بجنَّته فليبرز إليَّ. فبرز إليه أمير المؤمنينعليه‌السلام وهو يقول:

يا طلحُ إنْ كنتم كما تقول

لكم خيول ولنا نصولُ

فاثبت لننظر أيّنا المقتولُ

وأيّنا أَولى بما تقول

فقد أتاك الأسدُ الصؤول

بصارم ليس به فلول

ينصره القاهر والرسول

فقال طلحة: مَن أنت يا غلام؟

قال:( أنا عليّ بن أبي طالب ) .

قال: قد علمتُ يا قُضْم(١) أنَّه لا يجسرُ عليَّ أحدٌ غيرك!

فشدَّ عليه طلحة فضربه، فاتّقاه أمير المؤمنينعليه‌السلام بالحَجَفة، ثمّ ضربه أمير المؤمنينعليه‌السلام على فخذيه فقطعهما جميعاً فسقط على ظهره، وسقطت الراية، فذهب عليّعليه‌السلام ليُجهز عليه فحلّفه بالرحِم فانصرف عنه، فقال المسلمون: ألا

____________________

(١) «... عن هشام، عن أبي عبد الله عليه‌السلام أنَّه سُئل عن معنى قول طلحة بن أبي طلحة لما بارزه عليّ عليه‌السلام ياقضم؟ قال:« إنّ رسول الله كان بمكّة لم يجسر عليه أحد لموضع أبي طالب، وأغرَوا به الصبيان، وكانوا إذا خرج رسول الله يرمونه بالحجارة والتراب، وشكا ذلك إلى عليّ عليه‌السلام ، فقال: بأبي أنت وأُميّ، يا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، إذا خرجت فأخرجني معك. فخرج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ومعه أمير المؤمنين عليه‌السلام ، فتعرّض الصبيان لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله كعادتهم، فحمل عليهم أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وكان يقضمهم في وجوههم وآنافهم وآذانهم، فكان الصبيان يرجعون باكين إلى آبائهم ويقولون: قضمنا عليّ، قضمنا عليّ، فسُمّي لذلك القُضَم » . (البحار: ٢٠: ٥٢). قال ابن الأثير:.. ومنه حديث علي عليه‌السلام : « كانت قريش إذا رأته قالت: احذروا الحُطَم، احذَروا القُضم. أي الذي يَقضِم الناس فيهلِكهُم ». (النهاية: ٤: ٧٨).


أجهزتَ عليه؟! قال:( قد ضربته ضربة لا يعيش منها أبداً ) .

ثمَّ أخذ الراية أبو سعيد بن أبي طلحة، فقتله عليّعليه‌السلام ، وسقطت رايته إلى الأرض، فأخذها عثمان بن أبي طلحة فقتله عليّ، وسقطت الراية إلى الأرض، فأخذها مسافع بن أبي طلحة، فقتله عليّعليه‌السلام ، وسقطت الراية إلى الأرض. فأخذها الحارث بن أبي طلحة، فقتله عليّعليه‌السلام ، وسقطت الراية إلى الأرض، فأخذها عُزير بن عثمان، فقتله عليّعليه‌السلام ، وسقطت الراية إلى الأرض، فأخذها عبد الله بن جميلة بن زهير فقتله عليّعليه‌السلام وسقطت الراية إلى الأرض، فقتل أمير المؤمنين التاسع من بني عبد الدار وهو أرطأة بن شرحبيل مُبارزة، وسقطت الراية إلى الأرض، فأخذها مولاهم صوأب فضربه أمير المؤمنينعليه‌السلام على يمينه فقطعها، وسقطت الراية إلى الأرض، فأخذها بشماله، فضربه أمير المؤمنينعليه‌السلام على شماله فقطعها، فسقطت الراية إلى الأرض، فاحتضنها بيديه المقطوعتين، ثمَّ قال: يا بني عبد الدار، هل أُعذرت فيما بيني وبينكم؟ فضربه أمير المؤمنينعليه‌السلام على رأسه فقتله، وسقطت الراية إلى الأرض... »(١) .

فبنو عبد الدار يُعادون بني هاشم عامة وعلياً وآل عليّعليهم‌السلام خاصة، ويُبغضونهم إلى يوم الدين، حتى وإن عرفوا أنّ علياً « أحد الأربعة الذين أمر الله نبيّه أن يُحبّهم »(٢) ، أو سمعوا أنّه يقول فيه:( لا يُحبّه إلاّ مؤمن ولا يبغضه إلاّ منافق ) (٣) ، أو أنّه( أحبّ الخلق إلى الله ) (٤) ، أو أنَّه( وليُّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في الدنيا والآخرة ) (٥) .

____________________

(١) البحار، ٢٠: ٥٠ - ٥١.

(٢) مُسند أحمد بن حنبل، ٥: ٣٣٣.

(٣) مُسند أحمد، ١: ٨٤، وسُنن الترمذي، ٥: ٦٣٤.

(٤) سُنن الترمذي، ٥: ٦٣٤.

(٥) مسندُ أحمد، ١: ٣٣٠، انظر: ميزان الاعتدال، ١: ٨٢.


ولبطون قريش الأُخرى نصيبها من القتلى الذين مضوا إلى جهنّم بسيف أمير المؤمنينعليه‌السلام في بدر وأُحد ومعارك الإسلام الأُخرى، هذا فضلاً عمّن قُتل منهم في حربي الجَمل وصِفّين، وأُولاء عدا من حدَّه عليّعليه‌السلام لفسقه، أو فرَّ من طائلة عدل عليّعليه‌السلام وقصاصه.

لذا؛ فقد كان أهل مكّة وكثير من أهل الحجاز لا يميلون إلى بني هاشم عامة، وإلى عليّ وآل عليّعليهم‌السلام خاصة، ومالوا إلى قيادة السقيفة، ثمّ إلى بني أميّة بعدهم، يقول الإمام علي بن الحسينعليهما‌السلام كاشفاً عن تلك الحقيقة:

( ما بمكّة والمدينة عشرون رجلاً يحبّنا... ) (١) .

ويقول أبو جعفر الإسكافي في هذا الصدد: « أمّا أهل مكّة، فكلّهم كانوا يُبغضون علياً قاطبة، وكانت قريش كلّها على خلافه، وكان جمهور الخلق مع بني أميّة عليه»(٢) .

لقد كان لحركة النفاق بجميع فصائلها دَور مدروس ومُخطّط، وذو أثر بالغ في تأجيج ضغائن الجاهلية، ضدَّ أهل البيتعليهم‌السلام عامة، وضدَّ أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام خاصة، ولما تسلّم الحزب الأُموي قيادة حركة النفاق بزعامة معاوية بن أبي سفيان، الذي ما برح يبكي على قتلى مُشركي قريش في بدر حتى لحظات احتضاره(٣) ، كان الهمُّ الأكبر للأُمويين هو فصل الأمَّة عن أمير المؤمنين عليعليه‌السلام حتىّ على الصعيد الوجداني، فأمر معاوية بسبّه ولعنه والبراءة منه، واضطهد مُحبّيه معيشيَّاً وسياسيَّاً

____________________

(١) الغارات: ٣٩٣، وشرح النهج لابن أبي الحديد، ٤:١٠٤، وبحار الأنوار، ٤٦:١٤٣.

(٢) شرح النهج لابن أبي الحديد، ٤:١٠٤.

(٣) ( عن إسماعيل بن عامر بإسناده: أنّ معاوية لما احتضر بكى، فقيل له: ما يُبكيك؟ فقال: ما بكيتُ جزعاً من الموت، ولكنِّي ذكرتُ أهل القليب ببدر! ) (شرح الأخبار، ٢: ١٥٤).


اضطهاداً رهيباً(١) .

من كلّ ما مضى؛ تتأكَّد لنا حقيقة أنّ أهل البيتعليهم‌السلام لم تكن لهم قاعدة شعبية في مكَّة المكرّمة خاصة، قاعدة شعبية واسعة تتولاَّهم وتدعم مواقفهم وتنصرهم، أو تُحبّهم على الأقلّ، والأمر كما وصفه الإمام السّجادعليه‌السلام :

( ما بمكّة والمدينة عشرون رجلاً يحبّنا ) !!

ومن هنا أيضاً؛ تتأكّد لنا حقيقة أنّ الإمام الحسينعليه‌السلام لم يقصد من توجّهه إلى مكّة المكرّمة أهل هذه المدينة بالأساس، بل كان قصده الرئيسي في التوجّه إليها، هو إبلاغ وفود العالم الإسلامي من المعتمرين والحُجّاج بقيامه ونهضته للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ طلباً للنصرة وإتماماً للحجّة على الناس.

ومن هنا؛ نُرجِّح أنّ ما ورد في بعض الروايات من أنّ أهل(٢) مكّة فرحوا بالإمامعليه‌السلام فرحاً شديداً، أو عكف الناس بمكّة يفدون إليه، ويجلسون حواليه، ويستمعون كلامه، وينتفعون بما يسمعون منه، ويضبطون ما يروون عنه... ليس المراد بذلك جلّ أهل مكّة بالذات، بل المراد بذلك هم جموع الوافدين على مكّة من مُعتمرين، وحجّاج ونزر قليل جدَّاً من المكيّين، الذين استوطنوا مكّة بعد فتحها وبعد انتشار الإسلام؛ وممَّا يؤكّد ما ذهبنا إليه، أنَّ التاريخ لم يُحدّثنا أنّ أحداً من المكِّيين قد التحق بالإمامعليه‌السلام وسار معه إلى العراق.

والأيّام التي قضاها الإمام أبو عبد الله الحسينعليه‌السلام في مكّة المكرّمة تُشكِّل

____________________

(١) راجع: سليم بن قيس: ٢٠٣ - ٢٠٤، وشرح نهج البلاغة، ١٦:١١ و١٤٤:٢.

(٢) كمثل رواية ابن الصبَّاغ المالكي في الفصول المهمّة: ( دخل الحسين مكّة المشرّفة ونزل بها وأهلها يختلفون إليه ويأتونه، وكذلك مَن بها من المجاورين والحاجّ والمعتمرين من سائر أهل الآفاق ) (الفصول المهمة: ١٨٣).


المقطع الأطول من عُمر النهضة الحسينيّة المقدّسة، ولا شكَّ أنّ ما يُقارب المئة وخمسة وعشرين يوماً مساحة زمنية، حفلت ثناياها بكثير من الاتِّصالات واللقاءات، والمحاورات والمراسلات، وأنشطة أُخرى متعدّدة غيرها، كان الإمام أبو عبد الله الحسين عليه‌السلام قد قام بها، ولو كان التأريخ قد سجّل لنا جميع تلك الوقائع وتفاصيلها، لكان أغنى المؤرِّخين والمتتبِّعين المحققّين بمادّة تاريخية مهمّة، ولأعانهم عوناً كبيراً على كشف كثير من الغموض المحيط ببعض الأحداث والمواقف، الواقعة في إطار تأريخ هذه النهضة المباركة.

لكنَّ المؤسِف فعلاً - كما قلنا في بداية هذه المقدّمة - أنّ التأريخ لم يُسجِّل لنا عن هذه الأيّام المكّيّة إلاّ ملاحظات عامّة، غضّت الطرف وأغمضته عن كثير من التفاصيل التاريخية، اللازمة في الإجابة على كثير من التساؤلات التي تنقدح في ذهن المتأمِّل حول تلك الفترة، وما جرى فيها وبعدها.

ويمكن للمتتبِّع أن يُحدّد المحاور العامة التي سجَّلها التأريخ لهذه الفترة المكِّيّة بما يأتي:

١- انشداد الناس في مكّة إلى الإمامعليه‌السلام واحتفاؤهم به، وتضايق عبد الله بن الزبير والسلطة الأمويّة المحلّية في مكّة لذلك.

٢- مُحاولات بعض وجهاء الأمّة لثني الإمامعليه‌السلام عن التوجّه إلى العراق، في إطار لقاءات ومُحاورات النصح والمشورة، وبعض المكاتبات في هذا الصدد.

٣- رسائل أهل الكوفة إلى الإمامعليه‌السلام ، ورسائل الإمامعليه‌السلام إليهم وإلى أهل البصرة.

٤- إرسال الإمامعليه‌السلام مسلم بن عقيلعليه‌السلام إلى أهل الكوفة.

٥- خطب الإمامعليه‌السلام قُبيل مُغادرة مكّة، والمحاولات الأخيرة لثنيِه عن التوجُّه


إلى العراق.

ومجموع الروايات التاريخية الواردة في إطار هذه المحاور، تُعتبر نزراً قليلاً جدّاً، إذا قيست إلى ما يُمكن أن تتضمّنه فترة لا تقلّ عن مئة وخمسة وعشرين يوماً من وقائع وأحداث، خصوصاً في مدينة مكّة المكرّمة، وفي أيّام كانت هذه المدينة قد غصّت بجموع غفيرة، من مُعتمرين وحجّاج وفدوا إليها من شتَّى أنحاء العالم الإسلامي، وفيهم شخصيّات مهمّة كثيرة، يستبعد المتأمّل ألاّ تكون لها لقاءات كثيرة وطويلة مع الإمام الحسينعليه‌السلام ، الذي هو آنذاك الرمز الديني والروحي لهذه الأمّة.

ومن أجل جبران هذا النقص في المادّة التاريخية، لفترة الأيّام المكيّة من عُمر النهضة الإسلامية؛ رأينا أن نُتابع وقائع وأحداث هذه الفترة، من خلال الزوايا الثلاث التالية:

١- حركة الإمام الحسينعليه‌السلام في هذه الفترة.

٢- حركة السلطة الأُمويّة في مواجهة الإمامعليه‌السلام .

٣- حركة الأمّة إزاء قيام الإمامعليه‌السلام .

وقد حاولنا - فضلاً عن الروايات المبذولة في إطار هذه الزوايا الثلاث - أن نلتقط كلّ الشوارد والإشارات التاريخية المتفرّقة في كُتب التأريخ والتراجم وغيرها، ونجمعها في مُتَّجهاتها؛ كي ما نزيح بأضواء جديدة بعض الغموض الجاثم على مساحة كبيرة من تلك الفترة، لنكون بذلك قد قدّمنا جديداً في إطار هذه الدراسة التاريخية التحليلية النقدية.

تُرى هل وفِّقنا إلى ذلك؟

التقييم في ذلك متروك إلى القارئ الكريم.


وفي الختام:

أودُّ أن أتقدَّم بالشكر والتقدير الفائق، إلى صاحب الفضيلة الأستاذ المحقّق علي الشاوي المحترم؛ حيث أتحفنا بملاحظات قيِّمة، مع بذل غاية جُهده في تنظيم وترصين هذا الجُهد المتواضع: كتاب « الأيام المكيّة من عُمر النهضة الحسينيّة » فله الفضل عليَّ والأيادي.

واستميح سيّدي الوالد المرحوم آية الله الطبسي عذراً؛ إذ لم أوفَّق حتّى الآن لتنفيذ ما أوصى به إلينا، من تحقيق وطبع ونشر مؤلَّفه القيّم - المخطوط - مقتل الإمام الحسينعليه‌السلام ، وعسى أن يكون هذا الجُهد المتواضع بداية خير لإنجاز ما طلبه منّا في قريب عاجل إن شاء الله تعالى.

نجم الدين الطبسي

قم المقدّسة     

١٩/ محرّم الحرام/١٤١٩ هـ. ق


الفصل الأول

حركة الإمام أبي عبد الله الحسين عليه‌السلام في مكَّة



الفصل الأول

‏حركة الإمام أبي عبد الله الحسين عليه‌السلام في مكَّة

ورود الإمام الحسين عليه‌السلام مكّة المكرّمة:

سار الإمامعليه‌السلام بالركب الحسينيّ من المدينة المنوَّرة حتى وافى مكّة المكرّمة، فلمّا نظر إلى جبالها من بعيد جعل يتلو هذه الآية الكريمة:( وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ ) (١) ، وذلك ما قاله رسول الله موسى بن عمرانعليه‌السلام حينما خرج من مصر إلى مَدْين.

وقيل: إنَّه لما قدم مكّة قال:« اللّهمَّ، خِرْ لي واهدني سواء السبيل » (٢) . وقد دخلعليه‌السلام مكّة ليلة الجمعة، لثلاث مضين من شعبان(٣) . أو دخلهاعليه‌السلام يوم الجمعة(٤) ، ومكث فيها أربعة أشهر وخمسة أيّام.

الاستقبال الحافل والحفاوة البالغة:

قال ابن كثير: « وعكف الناس بمكّة يفِدون إليه، ويجلسون حواليه،

____________________

(١) سورة القصص: الآية ٢٢.

(٢) الفتوح، ٦: ٢٥; وروضة الواعظين: ١٧٢.

(٣) إعلام الورى: ٢٢٣; والبداية والنهاية: ١٦٠; وأنساب الأشراف، ٣:١٢٩٧.

(٤) مقتل الحسين عليه‌السلام للمقرَّم: ١٤١.


ويستمعون كلامه، وينتفعون بما يسمعون منه، ويضبطون ما يروون عنه »(١) .

وقال الشيخ المفيد (قدس سره): « فأقبل أهلها يختلفون إليه، ومَن كان بها من المعتمرين وأهل الآفاق... »(٢) .

وقال ابن الصباغ: « فأقبل الحسين حتى دخل مكّة المشرّفة ونزل بها، وأهلها يختلفون إليه ويأتونه، وكذلك مَن بها من المجاورين والحُجَّاج والمعتمرين من سائر أهل الآفاق »(٣) .

وذكر بعض المؤرّخين: أنّ أهل مكّة فرحوا بهعليه‌السلام فرحاً شديداً، وجعلوا يختلفون إليه بُكرة وعشيّاً.(٤) .

ويبدو أنّ بعض المتتبِّعين المعاصرين - كباقر شريف القرشيّ - قد استفاد من مجموع مثل هذه النصوص، أنّ المكّيّين أنفسهم هم الذين احتفوا بالإمامعليه‌السلام وكانوا يختلفون إليه بُكرة وعشياً، فأطلق القول هكذا: « وقد استُقبِل الإمامعليه‌السلام استقبالاً حافلاً من المكِّيّين، وجعلوا يختلفون إليه بُكرة وعشيّاً، وهم يسألونه عن أحكام دينهم وأحاديث نبيّهم »(٥) .

لكنَّنا نرجّح - كما قدّمنا في مقدِّمة الكتاب - أنّ الذين احتفوا بالإمام الحسينعليه‌السلام وكانوا يفِدون إليه، ويجلسون حواليه، ويستمعون كلامه، وينتفعون بما يسمعون منه، ويضبطون ما يروون عنه، هم أهل الأقطار الأُخرى من

____________________

(١) البداية والنهاية، ٨: ١٥٣.

(٢) الإرشاد: ٢٢٣.

(٣) الفصول المهمَّة: ١٨٣.

(٤) راجع: الفتوح، ٥: ٢٦; وإعلام الورى: ٢٢٣.

(٥) حياة الإمام الحسين عليه‌السلام ، ٢: ٨٠٣.


المعتمرين والحجَّاج المتواجدين آنذاك في مكّة، وفيهم من المكِّيين القليل، ممَّن ليسوا من بطون قريش، ممَّن سكن مكّة بعد الفتح وبعد انتشار الإسلام في الأرض؛ ذلك لأنّ قريشاً توارثت العداء لعليّ وآل عليّعليهم‌السلام ، والظاهر أنّ جُلَّ المكِّيّين آنذاك هم من قريش، ولا ننسى قول الإمام السجاد عليه‌السلام :

( ما بمكَّة والمدينة عشرون رجلاً يُحبّنا... ) (١) .

منزل الإمام الحسين عليه‌السلام بمكّة:

صرّح الذهبي: بأنّ الإمام الحسينعليه‌السلام « نزل بمكّة دار العبّاس »(٢) ، وكذلك قال المزّي(٣) ، ومن قبلهما ابن عساكر(٤) ، غير أنّ بعضاً آخر من المؤرِّخين ذكروا: أنَّهعليه‌السلام « نزل في شِعب عليّعليه‌السلام »(٥) ، ولا مُنافاة بين القولين؛ ولأنّ دار العبّاس بن عبد المطلب كانت في شِعب عليّعليه‌السلام .

لكنَّ السؤال الذي قد يفرض نفسه هنا، هو: لماذا اختار الإمام الحسينعليه‌السلام دار العبّاس بن عبد المطّلب؟

هل هناك غرض سياسي أو اجتماعي أو تبليغي من وراء ذلك؟ أم أنَّهعليه‌السلام لم يُرد أن يكون لأحد عليه منّة بذلك، أو أنّهعليه‌السلام خشي أن ينزل على أحد فيُكلّف المنزول به ثمناً باهضاً وحرجاً شديداً؛ لأنّ السلطة الأُموية بعد ذلك سوف تضطهد صاحب المنزل بأشدّ عقوباتها، أو أنَّهعليه‌السلام لم يُرِد أن يمنح رجلاً من أهل

____________________

(١) الغارات: ٣٩٣; وشرح النهج لابن أبي الحديد، ٤:١٠٤.

(٢) تأريخ الإسلام: حوادث سنة ٦١، صفحة ٨.

(٣) تهذيب الكمال، ٤: ٤٨٩.

(٤) تأريخ دمشق، ١٤: ١٨٢.

(٥) الأخبار الطوال: ٢٢٩، وحياة الإمام الحسين ٢: ٣٠٨.


مكّة بنزوله عنده اعتباراً اجتماعياً، ومنزلةً في قلوب الناس لا يستحقّها، أو يستثمرها بعد ذلك لمنافعه الخاصة.

أم أنّ الإمامعليه‌السلام لم ينزل من دور بني هاشم في مكّة إلاّ دار العباس بن عبد المطلب؛ لأنّ بني هاشم لم تبقَ لهم دار في مكّة إلاّ دار العبّاس؛ ذلك لأنّ عقيل بن أبي طالب كان قد باع دور المهاجرين من بني هاشم خشية أنّ تستولي عليها قريش وتُصادرها؛ لأنّ قريشاً عمدت حينذاك إلى مُصادرة منازل المهاجرين من المسلمين إلى المدينة انتقاماً وإرهاباً، ولم يكن العبّاس بن عبد المطلب قد هاجر آنذاك - على فرض إسلامه حين هجرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله - فسلمت داره من المصادرة.

يقول الواقدي: « قيل للنبي: ألا تنزل منزلك من الشِّعب؟ قال:( فهل ترك لنا عقيل منزلاً؟! ) . وكان عقيل قد باع(١) منزل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومنزل إخوته من الرجال والنساء بمكّة »(٢) .

ويُعلِّل السيد علي خان الشيرازي هذه المصادرة قائلاً: « كان عقيل قد باع دور بني هاشم المسلمين بمكّة، وكانت قريش تُعطي مَن لم يُسلم مال مَن أسلم، فباع دور قومه حتى دار رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلمّا دخل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مكّة يوم الفتح قيل: ألا تنزل دارك يا رسول الله؟ فقال:( وهل ترك لنا عقيل من دار؟! ) (٣) .

أمّا الشيخ الطوسي، فيُعلّل هذه المصادرة بسبب الهجرة لا بسبب الإسلام فقط؛ حيث يقول: «... قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم فتح مكّة وقد قيل له: ألا تنزل دارك؟ فقال:

____________________

(١) ولعلَّ عقيلاً قد قام بذلك برضا أصحاب المنازل من بني هاشم، أو مُحرزاً لرضاهم وتوكيلهم إيّاه؛ لأنّ عقيلاً أجلُّ شأناً وأنزه من أن يدفع غصباً بغصب.

(٢) المغازي ٢: ٨٢٩.

(٣) الدرجات الرفيعة: ١٥٤. وراجع الذريعة ٨: ٦٠.


( وهل ترك لنا عقيل من رَبْع؟! ) ؛ لأنّه كان قد باع دور بني هاشم لما خرجوا إلى المدينة... »(١) .

وفي الإجابة عن السؤال المثار حول سبب اختيار الإمامعليه‌السلام دار العبّاس بن عبد المطّلب نقول: ممّا لا شكّ فيه، أنّ سبب هذا الاختيار لا ينحصر في كون دار العبّاس هي الدار السانحة آنذاك؛ وذلك لأنّ الإمامعليه‌السلام كان مُقتدراً ذا سعة، وكان بإمكانه - بل من اليسير عليه - أن يُهيِّأ داراً أو أكثر من دار في مكّة له ولغيره من أفراد الركب الحسينيّ، ونرى ألاَّ مُنافاة بين جميع الدواعي المعقولة لهذا الاختيار، سواء التي ذكرناها في معرض التساؤل أم التي لم نذكرها، فمن الممكن أن يجتمع السبب السياسي مع السبب الاجتماعي مع السبب التبليغي مع الأسباب الأُخرى، وتتعاضد جميعها في مُتَّجه واحد لتُشكِّل العلَّة التامّة لهذا الاختيار.

رسائل الإمام عليه‌السلام إلى الولايات الأُخرى:

رسالته عليه‌السلام إلى البصرة:

كانت الشيعة - بعد استشهاد الإمام الحسن المجتبىعليه‌السلام - على صلة بالإمام أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام ، رغم الاضطهاد والإرهاب والمراقبة الشديدة من قِبَل الحُكم الأُمويّ على مُحبِّي أهل البيتعليهم‌السلام ، فكانت الشيعة في أنحاء البلاد الإسلامية تبعث إلى الإمام الحسينعليه‌السلام المكاتيب، وتسأله عمّا يُهمّها من أمور دينهم، وكان للبصرة نصيبها من الصلة بالإمامعليه‌السلام ، وقد أثبت التأريخ بعض رسائل شيعتها إليه، كالرسالة التي بعثوا بها إلى الإمامعليه‌السلام ، يسألونه فيها عن معنى الصَّمَد، وبعث إليهم

____________________

(١) التبيان ٩: ٣٦٩، ومجمع البيان ٩: ١٤٧.


بجوابها...(١) .

لكنّ الملفت للانتباه في الرسالة التي بعث بها الإمامعليه‌السلام إلى أشراف البصرة ورؤساء الأخماس(٢) فيها، هو أنَّ الإمامعليه‌السلام كان البادئ بالمكاتبة، وقد دعا فيها أولئك الأشراف والرؤساء ومَن يتبعهم من أهل البصرة إلى نُصرته، في وقت لم يكن أحدٌ من أولئك قد بعث من قبل إلى الإمامعليه‌السلام بكتاب يدعوه فيه إلى القيام والنهضة ضدَّ الحكم الأُموي، كما فعل أشراف الكوفة ووجهاؤها، وكثير من أهلها الذين كانت رسائلهم تنهال على مكّة، حتى بلغت في يوم واحد ستّمئة رسالة!

فما هي علّة مُبادرة الإمامعليه‌السلام إلى الكتابة إلى أشراف البصرة ورؤسائها؟ لا يشكُّ مُطّلع على التأريخ الإسلامي، بالأهمّية الخاصة التي كانت تتمتّع بها كلٌّ من ولايتي الكوفة والبصرة، وأثرهما البالغ على حركة أحداث العالم الإسلامي آنذاك، خصوصاً وأنّ هاتين الولايتين المهمَّتين لم تنغلقا لصالح الحكم الأُموي، كما انغلق الشام تماماً لصالحه آنذاك، فمُحبّوا أهل البيتعليهم‌السلام وشيعتهم في كلٍّ من هاتين الولايتين - برغم الإرهاب والقمع الأمويّ - كانت لهم اجتماعاتهم ومنتدياتهم السرِّيّة، وتطلّعاتهم إلى يوم الخلاص من كابوس الحكم الأُمويّ.

نعم، هناك فارق واضح بين الكوفة والبصرة، من حيث تأريخ كلّ منهما في نصرة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، ومن حيث عدد الشيعة في كلٍّ منهما، ومن حيث درجة

____________________

(١) راجع: مكاتيب الأئمّة ٢: ٤٨ نقلاً عن التوحيد: ٩٠ / وكذلك: سيَر أعلام النبلاء ٣:٢٩٣.

(٢) أخماس البصرة: كانت البصرة قد قسّمت خمسة أقسام، ولكلِّ خمس منها رئيس من الأشراف. (وقعة الطف: ١٠٤) / وأخماس البصرة خمسة: فالخُمس الأوّل: العالية، والخُمس الثاني: بكر بن وائل، والخُمس الثالث: تميم، والخُمس الرابع: عبد القيس، والخُمس الخامس: الأزد. (لسان العرب: مادة خَمَسَ: ٦: ٧١).


تحفّزهم للتحرّك ضدَّ الحُكم الأمويّ.

ويُضافُ إلى ذلك، أنّ البصرة آنذاك كانت تحت سيطرة والٍ قويّ وإرهابي مستبدّ هو عبيد الله بن زياد الذي كان قد هيمن على إدارة أمورها، وأحكم الرقابة الشديدة على أهلها، في وقت كانت الكوفة قد تراخت أزمّة أمورها بيد وال ضعيف يميل الى العافية والسلامة هو النعمان بن بشير، فكان الشيعة في الكوفة أقدر على الحركة والفعل من الشيعة في البصرة عموماً؛ ممّا قد يفسّر سبب مبادرة أهل الكوفة وبهذا الكمّ الكثير إلى المبادرة في الكتابة إلى الإمامعليه‌السلام ودعوته إليهم، في وقت لم تصل إلى الإمامعليه‌السلام رسالة من أهل البصرة يدعونه فيها إليهم أو يظهرون فيها استعدادهم لنصرته.(١)

فبادر الإمامعليه‌السلام إلى الكتابة إلى أهل البصرة عن طريق أشرافها ورؤساء الأخماس فيها؛ لأنّ أهلها - عدا خلّص الشيعة منهم - لا يتجاوزون أشرافهم في اتخاذ موقف وقرار، فكان لابدّ من مخاطبتهم عن طريق أشرافهم ورؤساء الأخماس، وإن كان بعض هؤلاء ممن يميل إلى بني أميّة، وبعضهم ممن لا يؤتمن، وبعضهم ممن لا تتّسق مواقفه باتجاه واحد..

ولعلّ الإمامعليه‌السلام أراد إلقاء الحجّة على الجميع،(٢) مع ما قد تُثمر رسالته من صدّ

____________________

(١) هذا هو المشهور الثابت، لكنّ الشيخ محمد السماوي في كتابه إبصار العين يقول: «وبلغ أهل البصرة ما عليه أهل الكوفة، فاجتمعت الشيعة في دار مارية بنت منقذ العبدي - وكانت من الشيعة - فتذاكروا أمر الإمامة وما آل إليه الأمر، فأجمع رأي بعض على الخروج فخرج، وكتب بعض بطلب القدوم..» (إبصار العين: ٢٥).

لكنه لم يذكر من الذي كتب ولا ماذا كتب! كما لم يذكر عمّن أخذ هو هذا القول!

(٢) يقول الشيخ باقر شرف القرشي: «إنّ رسالة الحسين إلى أهل البصرة ترينا كيف كان يعرف مسؤوليته وبمضي معها، فأهل البصرة لم يكتبوا إليه ولم يدعوه إلى بلدهم كما فعل أهل الكوفة، ومع =


المتردّد من الأشراف ورؤساء الأخماس عن الانضمام إلى أيّ فعل مضاد لحركة الإمام عليه‌السلام ، وما تثمره هذه الرسالة أيضاً من إعلام البصريين الراغبين في نصرته بأمر نهضته وتعبئتهم لذلك، من خلال أشرافهم الموالين لأهل البيتعليهم‌السلام كمثل يزيد بن مسعود النهشلي وأمثاله.

نصّ رسالة الإمام عليه‌السلام إلى أهل البصرة

قال الطبري: «قال أبو مخنف: حدّثني الصقعب بن زهير، عن أبي عثمان النهدي، قال كتب الحسين مع مولى لهم يقال له سليمان، وكتب بنُسخة إلى رؤوس الأخماس بالبصرة وإلى الأشراف، فكتب إلى مالك بن مسمع البكري، وإلى الأحنف بن قيس، وإلى المنذر بن الجارود، وإلى مسعود بن عمرو، وإلى قيس بن الهيثم، وإلى عمرو بن عبيد الله بن معمر.

فجاءت منه نسخة واحدة إلى جميع أشرافها:

أمّا بعد، فإنّ الله اصطفى محمّداً على خلقه وأكرمه بنبوّته، واختاره لرسالته، ثم قبضه الله إليه، وقد نصح لعباده وبلّغ ما أرسل به، وكنّا أهله وأولياءه وأوصياءه وورثته وأحقّ الناس بمقامه في الناس، فاستأثر علينا قومنا بذلك، فرضينا وكرهنا الفُرقة، وأحببنا العافية، ونحن نعلم أنّا أحقّ بذلك الحقّ المستحقّ علينا ممن تولاه، وقد أحسنوا وأصلحوا وتحرّوا الحقّ، فرحمهم الله وغفر لنا ولهم. (١)

____________________

= هذا فهو يكتب إليهم، ويعدّهم للمجابهة المحتومة، ذلك أنّه حين قرّر أن ينهض بتبعات دينه وأمّته كان قراره هذا آتيا من أعماق روحه وضميره، وليس من حركة أهل الكوفة ودعوتهم إيّاه» (حياة الإمام الحسين عليه‌السلام ٢: ٣٢٢).

(١) لا يبعد أن تكون فقرة (وقد أحسنوا وأصلحوا وتحرّوا الحق..) مدخولة من قِبل بعض المؤرّخين =


وقد بعثت رسولي إليكم بهذا الكتاب، وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه، فإنّ السنّة قد أميتت، وإنّ البدعة قد أحييت، وإن تسمعوا قولي وتطيعوا أمري أهدكم سبيل الرشاد، والسلام عليكم ورحمة الله). (١)

وقد نقل ابن نما الكتاب باختصار واختلاف قائلاً:

«كتبعليه‌السلام كتاباً إلى وجوه أهل البصرة، منهم الأحنف بن قيس، وقيس بن الهيثم، والمنذر بن الجارود، ويزيد بن مسعود النهشلي.

وبعث الكتاب مع زرّاع السدوسي، وقيل مع سليمان المكنّى بأبي رزين فيه:

(أدعوكم إلى الله وإلى نبيّه، فإنّ السنّة قد أميتت، فإن تجيبوا دعوتي وتطيعوا أمري أهدكم سبيل الرشاد). (٢)

نماذج من أشراف البصرة الذين كتب إليهم الإمام عليه‌السلام

مَن هم أولئك البصريون الذين كتب إليهم الإمامعليه‌السلام رسالته؟ هل كانوا جميعاً من محبّي أهل البيتعليهم‌السلام أو شيعة لهم؟ أم كانوا جميعاً على هوى واحد لبني أميّة؟ أم كانوا مختلفين في الميل والهوى؟

يحسن منا هنا أن نلقي ضوء - وإن كان يسيراً - يكشف لنا عن هوية نماذج من هذه الشخصيات ومتجهات ميولها، لعلّنا بذلك نتعرّف على حقيقة الوضع النفسي والاجتماعي لولاية البصرة آنذاك، كما يساعدنا ذلك على معرفة سبب كون رسالة

____________________

= على أصل متن الرسالة. أو أنّ الإمام عليه‌السلام اضطرّ إلى ذلك؛ تأليفاً لقلوب المخاطبين بهذه الرسالة، ودفعاً لشرّهم، ومنعاً لتفرّق المسلمين خصوصاً وهو يعلم أنّ جلّ المخاطبين بها ليسوا من شيعته.

(١) تاريخ الطبري ٣: ٢٨٠، وراجع الفتوح ٥: ٤٢.

(٢) مثير الأحزان: ٢٧.


الإمام عليه‌السلام بذلك النصّ بالتحديد؛ لأنّ نوع المخاطب مؤثّر في نوع الخطاب، فمن هذه الشخصيات المؤثرة في حياة المجتمع البصري آنذاك:

١ - مالك بن مسمع: كان رأيه مائلاً إلى بني أميّة، وكان مروان بن الحكم قد لجأ إليه يوم الجَمل، وكان مالك بن مسمع يأمر الناس بعد واقعة الطف وقتل الإمام الحسينعليه‌السلام بتجديد البيعة ليزيد بن معاوية.(١)

٢ - الأحنف بن قيس: قيل إنّه ولد في عهد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ولم يدركه، ومات عام ٦٧ هـ، وقد روى فضائل عليّعليه‌السلام عن أبي ذر، وعندما قرأ ابن عبّاس كتاب عليّعليه‌السلام على أهل البصرة كان الأحنف أوّل رجل أجابه وقال: نعم، والله لنجيبنّك... وهو الذي اقترح على أمير المؤمنينعليه‌السلام أن يجعله حكماً، وقد وجّهه عليّعليه‌السلام إلى الخوارج.

وهو الذي بعث إلى عليّ قائلاً: إن شئت أتيتك في مئتي فارس فكنت معك، وإن شئت اعتزلت ببني سعد فكففت عنك ستّة آلاف سيف. فاختار عليّعليه‌السلام اعتزاله.(٢)

وعلى ضوء هذه المواقف يراه الرجالي المعروف المامقانيّ حسناً.(٣)

ويقول رجاليّ آخر وهو النمازي: «يظهر منه كماله وحكمته ورضاية أمير المؤمنينعليه‌السلام به، وأنه من السفراء الفصحاء».(٤)

ولكن أليس الأحنف بن قيس هو القائل بعد أن دعاه الإمام أبو عبد الله الحسين

____________________

(١) راجع كتاب الغارات: هامش صفحة ٢٦٦، (والهامش للمرحوم عبد الزهراء الخطيب).

(٢) الجمل (للمفيد): ١٥٨، وقاموس الرجال ١: ٦٩١.

(٣) تنقيح المقال ١: ١٠٣.

(٤) مستدركات علم الرجال ١: ٥٢٠.


إلى نصرته ولم يجبه: «قد جرّبنا آل أبي الحسن فلم نجد عندهم إيالة للملك، ولا جمعاً للمال، ولا مكيدة للحرب».(١)

أليس الأحنف بن قيس هو الذي ساعد مصعب بن الزبير على قتل المختار،(٢) وكان على خمس تميم في قتل المختار.(٣)

أليس هو القائل في صِفّين - وهو مع عليّعليه‌السلام - «هلك العرب».(٤)

وفي هذا مؤشّر على ضعف اعتقاد الأحنف بأمير المؤمنينعليه‌السلام وبالحسنينعليهما‌السلام ، إذ لو كان له اعتقاد راسخ بهمعليهم‌السلام ؛ لكان سلماً لِمن سالمهم وحرباً لِمن حاربهم، ولَما همّه بعد ذلك، هلكَت العرب في حقّ أو بقيت.

ولذا لم يرتض رجاليّ آخر وهو التستري(٥) تحسين المامقاني له، كما سكت الخوئي(٦) في المعجم عن تأييده أو تضعيفه.

ومن المواقف الدالّة على عدم رسوخ اعتقاده بأمير المؤمنينعليه‌السلام ، بل الدالّة على تردده وضعف يقينه ووهْن موقفه في وجوب نصرة أهل الحقّ، وخذلان أهل الباطل: أنّه حينما قرأت رسالة معاوية على أهل البصرة؛ لتحريضهم على أمير المؤمنينعليه‌السلام تحت شعار الأخذ بثأر عثمان أنّ الأحنف قال: «أمّا أنا فلا ناقة

____________________

(١) قاموس الرجال ١: ٦٩١.

(٢) تاريخ الطبري ٦: ٩٥، وقاموس الرجال ١: ٦٩١.

(٣) قاموس الرجال ١: ٦٩١.

(٤) وقعة صِفّين: ٣٨٧.

(٥) قاموس الرجال ١: ٦٩١.

(٦) معجم رجال الحديث ٢: ٣٧٢.


لي في هذا ولا جَمل، واعتزل أمرهم».(١)

٣ - مسعود بن عمرو بن عدي الأزدي: وهو أحد قادة الأزد في معركة الجَمل في جيش عائشة وطلحة والزبير،(٢) وهو الذي أجار ابن مرجانة لما نابذه الناس ومنعه منهم،(٣) ومكث ابن مرجانة تسعين يوما بعد موت يزيد، ثم خرج إلى الشام، وبعث معه مسعود بن عمرو مئة من الأزد عليهم قرّة بن قيس حتى قدموا به إلى الشام، وكان ابن زياد قد استخلف مسعود بن عمرو على البصرة حينما تركها متوجهاًَ إلى الشام.(٤)

٤ - قيس بن الهيثم السلمي: لما استنصر عثمان بأهل البصرة، قام قيس فخطب وحرّض الناس على نصر عثمان، فسارع الناس إلى ذلك، وأتاهم قتل عثمان فرجعوا،(٥) وكان قيس هذا والياً لعثمان على خراسان،(٦) وقد ولي شرطة البصرة على عهد معاوية لعبد الله بن عامر، ثم بعثه والياً على خراسان سنتين حيث عزله عنها بعد ذلك وعاقبه وسجنه،(٧) وكان من أخواله فتشفّعت فيه أمّه فأخرجه(٨) ... ثم عطف على قيس فاستخلفه على البصرة... ثمّ ولّى معاوية على البصرة زياد بن سميّة سنة ٤٥ هـ، فبعث قيس بن الهيثم على مرود الروذ والفارياب والطالقان، ثم

____________________

(١) الغارات: ٢٦٣.

(٢) تاريخ الطبري ٥: ٥٠٥.

(٣) نفس المصدر ٥: ٥٢٥.

(٤) نفس المصدر ٥: ٥١٩ و ٥٢٢ و ٥٢٥ - وقعة الطفّ: ١٠٦.

(٥) تاريخ الطبري ٥: ٣٦٩.

(٦) تاريخ الطبري ٥: ١٧٢ و ٢٠٩.

(٧) نفس المصدر.

(٨) تاريخ الطبري ٥: ٢١٠.


انعزل قيس بعزل يزيد لعبد الرحمان بن زياد، فلمّا هلك يزيد كان قيس بالبصرة.

وكان قيس هذا على المقاتلة لابن الزبير في مُقاتلة مثنّى بن مخربة الداعي إلى المختار سنة ٦٦هـ، وكان على خُمس أهل العالية مع مصعب بن الزبير لمقاتلة المختار سنة ٦٧هـ، وكان قيس سنة ٧١هـ يستأجر الرجال ليقاتلوا معه خالد بن عبد الله، داعية عبد الملك بن مروان مُعيناً وناصراً لابن الزبير، وكان يُحذّر أهل العراق من الغدر بمصعب(١) .

٥- المنذر بن الجارود العبدي: ولاّه الإمام عليّعليه‌السلام بعض أعماله فخان فيه، فكتبعليه‌السلام إليه:

( أمّا بعد، فإنّ صلاح أبيك غرَّني منك، وظننت أنّك تتّبع هدْيه وتسلك سبيله، فإذا أنت فيما رُقي إليَّ عنك لا تدع لهواك انقياداً، ولا تُبقي لآخرتك عتاداً، أتُعمِّر دنياك بخراب آخرتك؟! وتصِل عشيرتك بقطيعة دينك؟! ولئن كان ما بلغني عنك حقَّاً لجَمَل أهلك وشسع نعلك خيرٌ منك، مَن كان بصفتك فليس بأهل أن يُسدَّ به ثغر أو يُنفذ به أمر أو يُعلى له قدر أو يُشرَك في أمانة أو يؤمَن على جباية، فأقبِل إليَّ حين يصلُ إليك كتابي هذا إن شاء الله ) (٢) .

وقالعليه‌السلام في المنذر بن الجارود هذا أيضاً:

( إنّه لنظّارٌ في عطفَيه، مختالٌ في بُردَيْه، تفَّال في شِراكَيْه ) (٣) .

____________________

(١) راجع: وقعة الطف: ١٠٦.

(٢) نهج البلاغة: ٤٦١ - ٢٦٢، كتاب رقم ٧١.

(٣) بحار الأنوار ٣٣: ٥٠٦.


أي أنَّه ذو زهْوٍ، مُعجَب بنفسه ومظهره، مُتكبِّر، همّه في نظافة ظاهره، لا في طهارة الباطن، وتزكية النفس وتهذيب المحتوى والعروج إلى آفاق المعنويات السامية.

و« كان عليّعليه‌السلام ولاّه فارساً فاحتاز مالاً من الخَراج... وكان المال أربعمئة ألف درهم، فحبسه عليّعليه‌السلام ، فشفع فيه صعصعة وقام بأمره وخلّصه »(١) .

ولقد شفّع المنذر بن الجارود خيانته في الأموال بخيانته في النفوس، حيث قدّم نسخة رسالة الإمام الحسينعليه‌السلام إليه مع رسول الإمامعليه‌السلام سليمان بن رزين إلى عبيد الله بن زياد؛ تقرُّباً إليه وطمعاً في الزُّلفة منه، وكانت نتيجة هذه الخيانة أن قُتل رسول الإمامعليه‌السلام صبراً.

ولقد كافأ ابن زياد ابن الجارود على خيانته؛ فولاَّه السنْد حيث توفِّي فيها سنة ٦١ هـ(٢) ، فلم يهنأ بجائزته إلاَّ شهوراً قليلة.

هذه صورة موجزة لمجموعة من أشراف البصرة آنذاك، قد تُمثِّل جلُّ أشراف البصرة المعروفين يومها، ورأيناها مؤلّفة من ذي هوىً أُموي خالص كمالك بن مسمع، ومعادٍ لأهل البيتعليهم‌السلام كمسعود بن عمرو، وقيس بن الهيثم السلمي، أو ذي معرفة بحقّ أهل البيتعليهم‌السلام ضعيف اليقين مُتردِّد واهن المواقف كالأحنف بن قيس، أو طالب للدنيا مُتكبّر، مُعجَب بنفسه، مُتملّق للأُمراء غير مؤتمَن كالمنذر بن الجارود العبدي.

وكما قلنا من قبل، فقد اضطرّ الإمامعليه‌السلام إلى الكتابة إلى هؤلاء؛ لأنَّهم المنْفَذ الوحيد إلى جُلِّ أهل البصرة، الذين كانوا تبعاً لأشرافهم في فهْم الأحداث وتبنِّي

____________________

(١) بحار الأنوار ٣٤: ٣٣٣، و الغارات: ٣٥٧.

(٢) الغارات: ٣٥٨ (الهامش).


المواقف، وكان لابدّ من إلقاء الحجّة على الجميع من خلال هذا الطريق، فلعلَّ ثمّة مَن يهتدي ويُسعد بإبلاغ الحجّة.

وهنا لابدّ من التنبيه؛ أنّ من أشراف البصرة مجموعة تعرف حقّ أهل البيتعليهم‌السلام وتواليهم، ولها مواقف كريمة ورائعة في المبادرة إلى نصرة الإمام الحسينعليه‌السلام ، كمثل يزيد بن مسعود النهشلي، الذي دعا قومه إلى نُصرة الإمامعليه‌السلام وعبّأهم روحياً بهذا الاتِّجاه، وهو من الأشراف الذين كتب إليهم الإمامعليه‌السلام بتلك النسخة أيضاً، وسيأتي تفصيل موقفه في فصل حركة الأمّة فيما يأتي من البحث، وقد دعا له الإمامعليه‌السلام بهذا الدعاء المبارك:

( ما لكَ؟ آمنك الله يوم الخوف، وأعزّك وأرواك يوم العطش الأكبر ) (١) .

وكيزيد بن ثبيط العبدي، وهو من أشراف البصرة أيضاً، ومن الشيعة، وقد بادر - بعدما علم بما عزم عليه الإمام الحسينعليه‌السلام - إلى الالتحاق بركب الإمامعليه‌السلام في مكّة، مع ولديه عبد الله وعبيد الله وجماعة آخرين من الشيعة البصريين، ورُزقوا الشهادة بين يدي الإمام أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام في كربلاء يوم العاشر من المحرَّم(٢) .

الشهيد الأوّل في الثورة الحسينيّة:

يُطلق لقب (الشهيد الأوّل) في الثورة الحسينية عادةً على مولانا مسلم بن عقيلعليه‌السلام ، وهو المشهور، وهذا صحيح إذا أردنا بذلك الشهيد الأوّل من شُهداء بني هاشم في هذه الثورة المقدّسة، ولكنّنا إذا أردنا (الشهيد الأوّل) من شهداء هذه الثورة المقدّسة عموماً، فإنّ رسول الإمام الحسينعليه‌السلام إلى أشراف البصرة ورؤساء

____________________

(١) اللهوف: ١٩ - انظر: ص٣٥٨ من هذا الكتاب.

(٢) راجع: كتاب إبصار العين: ١٨٩ - ١٩٢.


الأخماس فيها هو ذلك الشهيد الأوّل رضوان الله تعالى عليه، الذي قتله عبيد الله بن زياد، قبل يوم من تركه البصرة مُتوجِّهاً إلى الكوفة؛ وذلك بسبب خيانة المنذر بن الجارود العبدي، الذي زعم(١) أنّه خاف أن يكون الكتاب دسيساً من عبيد الله بن زياد - وكانت بحرية بنت المنذر زوجة لعبيد الله بن زياد - فأخذ عبيد الله بن زياد الرسول فصلبه(٢) ، أو قدّمه فضرب عنقه(٣) .

وقد ذهب جُلّ المؤرّخين إلى أنّ اسم هذا الرسول هو سليمان، إلا أنّ ابن نما ذكر - على قول - أنَّ اسمه زرَّاع السدوسي، حيث قال: « وبعث الكتاب مع زرَّاع السدوسي، وقيل: مع سليمان المكنّى بأبي رزين.. »(٤) ، لكنّ السلام الوارد عليه في زيارة الناحية المقدّسة يؤكّد أنّ اسمه سليمان:( السلام على سليمان مولى الحسين ابن أمير المؤمنين، ولعن الله قاتله سليمان بن عوف الحضرمي ) (٥) ، ويُكنَّى سليمان بأبي رزين، وقيل: إنّ أبا رزين « هو اسم أبيه، وأمّه كبشة، جارية للحسينعليه‌السلام ، فتزوَّجها أبو رزين فولدها سليمان »(٦) . لكنّ المحقّق السماوي ضبط اسم هذا الشهيد هكذا: سليمان بن رزين(٧) .

وكان سليمان قد خرج مع الإمام الحسينعليه‌السلام من المدينة إلى مكّة، ثم بعثه

____________________

(١) راجع: تاريخ الطبري ٣: ٢٨٠.

(٢) اللهوف: ١٩.

(٣) تاريخ الطبري ٣: ٢٨٠.

(٤) مُثير الأحزان: ٢٧، ولواعج الأشجان: ٣٦.

(٥) البحار ١٠١: ٢٧١ / ولعلّ سليمان بن عوف هو المباشر لقتله بأمر ابن زياد.

(٦) وقعة الطف: ١٠٤.

(٧) إبصار العين: ٩٤.


الإمام عليه‌السلام برسالته إلى البصرة(١) ، وهذا كاشف عن ثقته به واعتماده عليه ومنزلته الخاصة عنده.

اجتماع الإمام عليه‌السلام برُسل أهل الكوفة ومبعوثيهم:

بعد أن علم أهل الكوفة بامتناع الإمامعليه‌السلام عن البيعة ليزيد، وأنّهعليه‌السلام قد صار إلى مكّة، تقاطرت رسائلهم الكثيرة إليه بلا انقطاع، وقد أبدوا فيها استعدادهم لنُصرته والقيام معه، ودعوه فيها إلى القدوم إليهم، « وتلاقت الرُّسل كلّها عنده، فقرأ الكُتب، وسأل الرُّسل عن الناس... »(٢) ، وكان هاني بن هاني وسعيد بن عبد الله الحنفي آخر الرُّسل القادمين عليه. « فقال الحسينعليه‌السلام لهاني وسعيد بن عبد الله الحنفي:

( خبِّراني مَن اجتمع على هذا الكتاب الذي كُتب معكما إليّ؟ ).

فقالا: يا أمير المؤمنين(٣) ، اجتمع عليه شبث بن ربعي، وحجّار بن أبجر، ويزيد

____________________

(١) قال السيد عبد المجيد الشيرازي الحائري في كتابه ذخيرة الدارين: (.. قال أبوعلي في رجاله: سليمان المكنّى بأبي رزين مولى الحسين بن علي، قُتل معه. وقال المحقِّق الإسترابادي في رجاله: سليمان بن أبي رزين، مولى الحسين، قُتل مع الحسين عليه‌السلام .

أقول:.. ظاهر كلامهما أنّ سليمان استُشهد مع الحسين في وقعة الطف، وهو خلاف ما ذكره أهل السيَر والمقاتل، من أنّه قُتل بالبصرة، وليس في الزيارة دلالة على ذلك، نعم، ويمكن حمل كلامهما على أنّ مَن قُتل لأجل الحسين بن علي في الكوفة أو البصرة، كسائر أصحابه الذين قُتلوا معه يوم الطف وإن لم يُقتلوا بين يديه ). (ذخيرة الدارين: ١٧٢ / المطبعة المرتضوية - النجف - ١٣٤٥هـ.ق).

(٢) الإرشاد: ٢٠٤.

(٣) لا يبعد أن يكون هذا التعبير من ابن أعثم الكوفي صاحب الفتوح أو من الناسخ؛ لأنَّ المأثور أنّ =


ابن الحارث، ويزيد بن رويم، وعروة بن قيس، وعمرو بن الحجّاج، ومحمد بن عمير بن عطارد(١) .

قال: فعندها قام الحسينعليه‌السلام فتطهّر وصلّى ركعتين بين الركن والمقام، ثمّ انفتل من صلاته وسأل ربّه الخير فيما كتب إليه أهل الكوفة، ثمّ جمع الرُّسل فقال لهم:( إني رأيتُ جدّي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في منامي، وقد أمرني بأمر وأنا ماضٍ لأمره، فعزم الله لي بالخير، إنَّه وليّ ذلك والقادر عليه إن شاء الله تعالى ) (٢) .

رسالة الإمام الحسين عليه‌السلام إلى أهل الكوفة:

«... ثمَّ كتب مع هاني بن هاني وسعيد بن عبد الله(٣) ، وكانا آخر الرُّسل:

____________________

= الأئمة عليهم‌السلام كانوا يرفضون أن يُخاطبوا بهذا اللقب؛ لاختصاص أمير المؤمنين علي عليه‌السلام به، ففي الأثر: ( دخل رجلٌ على أبي عبد الله عليه‌السلام فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين. فقام أبو عبد الله عليه‌السلام قائماً وقال: ( مَهْ، إنّ هذا الاسم لا يصلح لأحد إلاّ لأمير المؤمنين... ) (مستدرك الوسائل ١٠: ٤٠٠ حديث رقم ٥ ».

(١) ستأتي ترجمة جُلّ هؤلاء الذين كتبوا إلى الإمام عليه‌السلام فيما يأتي من المقاطع الأُخرى من هذا البحث / وفي تاريخ الطبري (طبعة دار الكتب العلميّة - بيروت):٣:٢٧٨ ورد: يزيد بن الحارث بن يزيد بن رويم، وورد أيضاً عزرة بدل عروة، أمّا طبعة مؤسسة الأعلمي - بيروت:٤:٢٦٢ ففيها: يزيد بن الحارث ويزيد بن رويم، أمّا في كتاب الإرشاد: ٢٠٣ ففيه: يزيد بن الحارث بن رويم.

(٢) الفتوح ٥: ٣٤.

(٣) ذكر صاحب المناقب أنّ، هذه الرسالة بعثها الإمام عليه‌السلام مع مسلم بن عقيل عليه‌السلام إلى أهل الكوفة لا مع هانئ وسعيد (مناقب آل أبي طالب ٤: ٩٠).

لكنّ المامقاني ذهب إلى أنّ الإمام عليه‌السلام بعثها إلى أهل الكوفة مع هاني وسعيد قبل مسلم بن عقيل، ثمّ قال: ( أمّا هاني هذا فهو مجهول الحال، وليس هو ابن هاني بن عروة، فإنّ ابن ذاك يحيى، وقد نال الشهادة بالطّف » (تنقيح المقال ٣: ٢٩٠).

ويظهر من ترجمة المزّي ليحيى بن هاني، خلاف ذلك، وأنَّ يحيى كان حيَّاً بعد والده، قال: ( وكان من =


بسم الله الرحمن الرحيم

من الحسين بن عليّ إلى الملأ من المؤمنين والمسلمين:

أمّا بعدُ: فإنّ هانياً وسعيداً قدما عليّ بكُتبكم، وكانا آخر مَن قدم عليّ من رُسلكم، وقد

____________________

أشراف العرب، وكان أبوه ممَّن قتله عبيد اللّه بن زياد في شأن الحسين بن علي.. عن شعبة أنّه كان سيّد أهل الكوفة. وزاد أبو حاتم: صالح من سادات أهل الكوفة ) (تهذيب الكمال، ٢٠: ٢٤٦).

أمّا سعيد بن عبد الله الحنفي، فهو في أعلى درجة الوثاقة والجلالة، ومن أفاضل شهداء الطفّ، وهو الذي جعل نفسه وقاية لمولانا الحسين صلوات الله عليه يوم عاشوراء حين الصلاة ). (مُستدركات علم الرجال ٤: ٦٨).

ولو لم يكن إلاّ ما ورد في زيارة الناحية المقدّسة في حقّه، لكفى في الكشف عن ثقته وجلالته، ففي الزيارة:( السلام على سعيد بن عبد الله الحنفي، القائل للحسين - وقد أذن له في الانصراف -: لا والله، لا نُخلّيك حتى يعلم الله أنّا قد حفظنا غيبة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فيك، والله، لو أعلم أنّي أُقتل، ثمَّ أُحيى، ثمّ أُحرق، ثمّ أُذرى، ويُفعل بي ذلك سبعين مرّة ما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك، وكيف أفعل ذلك وإنّما هي موتة أو هي قتلة واحدة، ثمّ بعدها الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً. فقد لقيتَ حِمامك وواسيت إمامك، ولقيت من الله الكرامة في دار المقامة، حشرنا الله معكم في المستشهدين، ورزقنا مُرافقتكم في أعلى علّيين ) .

كما ازداد شرفاً بوقايته الحسين عليه‌السلام عند الصلاة، كما روى الطبري أنّه لما صلّى الحسين عليه‌السلام الظهر صلاة الخوف، اقتتلوا بعد الظهر فاشتدّ القتال، ولما قرب الأعداء من الحسين عليه‌السلام وهو قائم بمكانه استقدم سعيد الحنفي أمام الحسين عليه‌السلام ، فاستُهدف لهم يرمونه بالنبل يميناً وشمالاً وهو قائم بين يدي الحسين عليه‌السلام ، يقيه السهام طوراً بوجهه وطوراً بصدره وطوراً بجنبه، فلم يكد يصل إلى الحسين عليه‌السلام شيء من ذلك، حتى سقط الحنفي إلى الأرض وهو يقول: اللّهم، العنهم لعن عاد وثمود، اللّهم، أبلغ نبيّك عنِّي السلام، وأبلغه ما لقيت من ألم الجراح، فإنِّي أردت ثوابك في نُصرة نبيّك. ثمّ التفت إلى الحسين عليه‌السلام فقال: أوفيت يا بن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ قال: ( نعم، أنت أمامي في الجنّة ) . ثمّ فاضت نفسه النفيسة ) (تنقيح المقال ٢: ٢٨).


فهمت كلّ الذي اقتصصتم وذكرتم، ومقالة جُلّكم: إنّه ليس علينا إمام؛ فأقبِل لعلّ الله أن يجمعنا بك على الحق والهدى. وإنّي باعث إليكم أخي وابن عمّي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل، فإن كتب إليَّ أنَّه قد اجتمع رأي ملأكم وذوي الحِجى والفضل منكم على مثل ما قدمتْ به رُسلكم وقرأت في كتبكم، فإنِّي أقدم إليكم وشيكاً إن شاء الله، فلَعَمري، ما الإمام إلاّ الحاكم بالكتاب، القائم بالقسط، الداين بدين الحق، الحابس نفسه على ذات الله، والسلام ) (١) .

سفير الإمام الحسين عليه‌السلام إلى الكوفة:

« ودعا الحسينعليه‌السلام مسلم بن عقيل، فسرّحه مع قيس بن مُسَّهر الصيداوي(٢) ، وعمارة بن عبد الله السلولي(٣) ، وعبد الله وعبد الرحمان ابني شدّاد الأرحبي(٤) ، وأمره

____________________

(١) الإرشاد: ٢٠٤، وتاريخ الطبري ٣: ٢٧٨. والأخبار الطوال: ٢٣١ وفيه( ليعلم لي كُنه أمركم... ) .

(٢) قيس بن مُسَّهر الصيداوي: تأتي ترجمته في متن البحث فيما يأتي.

(٣) عمارة بن عبيدالله السلولي:

قال النمازي: ( عمارة بن عبد الله السلولي: لم يذكروه، هو حامل كتاب أهل الكوفة إلى مولانا الحسين عليه‌السلام ، ورجع مع مسلم إلى الكوفة ) (مُستدركات علم الرجال ٦: ٢٠).

وقال التستري: ( عمارة بن عبيد السلولي: في الطبري، مرض هاني فجاءه ابن زياد عائداً، فقال له عمارة: إنَّما جماعتنا وكيدنا قتل هذا الطاغية.. فقد أمكنك الله منه فاقتله! قال هاني: ما أُحبّ أن يُقتل في داري.

وهو (أي عمارة) من أواسط رُسل أهل الكوفة إلى الحسين عليه‌السلام ، حملوا معه ومع قيس بن مُسهَّر وعبد الرحمان الأرحبي نحواً من ٣٥٠ صحيفة، وأرسل الحسين عليه‌السلام معهم مسلماً، كما في الطبري أيضاً ).

(قاموس الرجال ٨: ٥٤).

(٤) عبد الله وعبد الرحمان ابني شدّاد الأرحبي:

قال النمازي: ( عبد الرحمان بن شدّاد الأرحبي: لم يذكروه، هو وأخوه عبد الله بن شدّاد =


____________________

= رسولان من قِبَل أهل الكوفة إلى مولانا الحسين صلوات الله عليه، ثمّ أرسلهما الحسين عليه‌السلام مع ابن عمّه مسلم إلى الكوفة. كما عن المفيد في الإرشاد ). ( مُستدركات علم الرجال ٤: ٤٠١).

وقال التستري: ( عبد الرحمان بن عبد الله الأرحبي: عدّه الشيخ في رجاله في أصحاب الحسين عليه‌السلام ، وذكر أهل السير: أنّه أحد الأربعة الذين مضوا إلى مكّة ومعهم نيّف وخمسون صحيفة، ودخلوا مكّة لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، وهو أحد مَن وجّههم الحسين عليه‌السلام مع مسلم، فلمّا قُتل مسلم ردَّ هذا من الكوفة إلى الحسين عليه‌السلام حتى استُشهد، وورد التسليم عليه في الناحية والرجبية.

أقول: إنّما هذا من رُسل أهل الكوفة في الوسط، والطبري جعلهم ثلاثة: هذا، وقيس، وعمارة السلولي، لا أربعة، وورودهم في اليوم الذي قال غير معلوم، وإنّما قال الطبري في الرُّسل الأولين، وكان قدومهم لعشر مضينَ منه، وكان تسريح هؤلاء بعد الأوّلَين بيومين، وأمّا يوم قدومهم فلم يذكره، ولم يُعلم كون سيرهما واحداً، وذكر الطبري أيضاً بعث الثلاثة مع مسلم: وأمّا رجوع هذا إليه عليه‌السلام قبل قتل مسلم أو بعده، فلم أقف عليه، والزيارتان تضمّنتا السلام عليه ). (قاموس الرجال ٦: ١٢٣الرقم ٤٠٢٦).

وقال السماوي: ( هو عبد الرحمان بن عبد الله بن الكدن بن أرحب... وبنو أرحب بطن من همدان، كان عبد الرحمان وجهاً تابعيّاً شجاعاً مقداماً.

قال أهل السيَر: أوفده أهل الكوفة إلى الحسين عليه‌السلام في مكّة مع قيس بن مُسهَّر ومعهما كُتب نحو من ثلاث وخمسين صحيفة.. وكانت وفادته ثانية الوفادات، فإنّ وفادة عبد الله بن سبع وعبد الله بن والٍ الأُولى، ووفادة قيس وعبد الرحمان الثانية، ووفادة سعيد بن عبد الله الحنفي وهاني بن هاني السبعي الثالثة..

وقال أبو مخنف: ولما دعا الحسين مسلماً وسرّحه قبله إلى الكوفة، سرّح معه قيساً وعبد الرحمان وعمارة بن عبيد السلولي، وكان من جملة الوفود. ثمَّ عاد عبد الرحمان إليه، فكان من جملة أصحابه، حتى إذا كان اليوم العاشر ورأى الحال استأذن في القتال، فأذن له الحسين عليه‌السلام ، فتقدّم يضرب بسيفه في القوم وهو يقول:

صبراً على الأسياف والأسنّة

صبراً عليها لدخول الجنّة


بالتقوى، وكتمان أمره، واللطف، فإن رأى الناس مُجتمعين مستوسقين عجّل إليه بذلك.. »(١) .

ماذا يعني كتمان الأمر هنا؟ هل يعني أن يكتم مسلم بن عقيلعليه‌السلام أمر سفارته ما دام في الطريق حتى يصل إلى الكوفة؟ أم يعني أن يتّبع مسلم بن عقيلعليه‌السلام الأسلوب السرِّي في تعبئة أهل الكوفة للنهضة مع الإمامعليه‌السلام ؟ أم يعني أن يكتم أمر مكانه وزمان تحرُّكاته ومواقع مخازن أسلحته وأشخاص قياداته ومُعتمديه من أهل الكوفة وكلمة السرّ في وثبته؟ أم غير ذلك؟

وماذا يعني اللطف هنا؟ هل هو اللطف مع الناس وهو من أخلاق الإسلام؟ أم اللطف هنا بمعنى عدم المواجهة المسلّحة مع السلطة المحلّية الأُمويّة في الكوفة، حتى يصل إليها الإمامعليه‌السلام أو يأذن بذلك؟ وهل كانت مهمّة مسلم بن عقيلعليه‌السلام - على ضوء هذه الرواية - مُنحصرة في معرفة الرأي العام الكوفي، ومعرفة صدق أهل الكوفة فيما كتبوا به إلى الإمامعليه‌السلام ؟

هناك رواية أُخرى تقول: إنّ رسالة الإمامعليه‌السلام إلى أهل الكوفة حوَت أيضاً هذه العبارات:

(... وقد بعثت إليكم أخي وابن عمِّي مسلم بن عقيل بن أبي طالب، وأمرته

____________________

= ولم يزل يُقاتل حتى قُتل. رضوان الله عليه). (إبصار العين: ١٣١ - ١٣٢).

وهكذا ذهب المامقاني أيضاً إلى أنّه: عبد الرحمان بن عبد الله بن الكدن الأرحبي، وقال فيه أيضاً: ( وهو أحد النفر الذين وجَّههم الحسين عليه‌السلام مع مسلم، فلمّا خذلوا أهل الكوفة وقُتل مسلم ردَّ عبد الرحمان هذا إلى الحسين عليه‌السلام من الكوفة، ولازمه حتى نال شرفي الشهادة وتسليم الإمام عليه‌السلام في زيارتي الناحية المقدَّسة والرجبية رضوان الله عليه ). (تنقيح المقال ٢: ١٤٥).

(١) الإرشاد: ٤٤.


أن يكتب إليَّ بحالكم وخبركم ورأيكم ورأي ذوي الحِجى والفضل منكم، وهو متوجّه إليكم إن شاء الله، ولا قوّة إلاّ بالله، فإن كنتم على ما قدمتْ به رُسلكم وقرأتُ في كُتبكم، فقوموا مع ابن عمّي وبايعوه ولا تخذلوه، فلعمري، ما الإمام العامل بالكتاب القائم بالقسط كالذي يحكم بغير الحقّ ولا يهتدي سبيلاً... ) (١) .

ومن هذا النصّ؛ يتجلّى لنا أنّ مهمّة مسلم بن عقيلعليه‌السلام في الكوفة لم تنحصر في استطلاع الرأي العام الكوفي ومعرفة حقيقة ومصداقية التوجُّهات فيها، بل كانت مهمَّته الأساسية فيها هي الثورة بأهل الكوفة ضدَّ السلطة المحلّية الأُمويّة فيها والتمهيد للقضاء على الحكم الأُموي كلّه؛ والدليل على هذا قولهعليه‌السلام :

( فقوموا مع ابن عمّي وبايعوه ولا تخذلوه... ).

ويتابع ابن أعثم الكوفي روايته التاريخية قائلاً: « ثمّ طوى الكتاب، وختمه، ودعا بمسلم بن عقيل، فدفع إليه الكتاب، وقال:

« إنّي موجّهك إلى أهل الكوفة، وسيقضي الله من أمرك ما يحبّ ويرضى، وأنا أرجو أن أكون أنا وأنت في درجة الشهداء، فامضِ ببركة الله وعونه حتى تدخل الكوفة، فإذا دخلتها فانزل عند أوثق أهلها، وادعُ الناس إلى طاعتي، فإن رأيتهم مُجتمعين على بيعتي فعجِّل عليَّ بالخبر؛ حتى أعمل على حساب ذلك إن شاء الله تعالى. ثمَّ عانقه الحسين عليه‌السلام وودّعه وبكَيا جميعاً » (٢) .

ومن هذه الرواية نستفيد؛ أنّ « كتمان الأمر » في الرواية الأُولى لا يعني اتّباع

____________________

(١) الفتوح ٥: ٣٥، ومقتل الخوارزمي ١: ١٩٥ - ١٩٦.

(٢) الفتوح ٥: ٣٦، ومقتل الخوارزمي ١: ١٩٦.


مسلم بن عقيل أُسلوب العمل السرِّي في الدعوة إلى طاعة الإمام عليه‌السلام ؛ ذلك لأنّ ظاهر قوله عليه‌السلام ( وادعُ الناس إلى طاعتي ) ، هو العلانية في العمل.

نعم، قد يلزم الأمر أن تكون البداية والمنطلق من أهل الثقة والولاء، وهذا ما يُشعر به قولهعليه‌السلام :( فإذا دخلتها فانزل عند أوثق أهلها ) .

ويُستفاد من هذه الرواية أيضاً؛ أنّ الإمامعليه‌السلام قد أشعر مسلم بن عقيلعليه‌السلام أو أخبره بأنّ عاقبة أمره الفوز بالشهادة؛ من خلال قولهعليه‌السلام :( وأنا أرجو أن أكون أنا وأنت في درجة الشهداء! ) .

والعلم بأنّ المصير هو القتل لا يمنع من المضيّ في أداء التكليف، إذا كان الأمر مُتعلِّقاً بإحدى مصالح الإسلام العُليا.

ومما يدلّ على أنّ مسلم بن عقيلعليه‌السلام قد علم من قول الإمامعليه‌السلام أنّه متوجّه إلى الشهادة، وأنّ هذا آخر العهد بابن عمّه الإمام الحسينعليه‌السلام هو أنّهما تعانقا وودّع أحدهما الآخر وبكيا جميعاً! وتقول رواية تاريخية: « فخرج مسلم من مكّة في النصف من شهر رمضان، حتى قَدِم الكوفة لخمسٍ خلون من شوّال... »(١) .

مَن هو مسلم بن عقيل عليه‌السلام :

إنّه مسلم بن عقيل بن أبي طالب، من أصحاب عليّ والحسنينعليهما‌السلام ، وقد تزوّج رقيّة(٢) بنت الإمام عليّعليه‌السلام ، وكان على ميمنة جند أمير المؤمنينعليه‌السلام يوم صِفِّين مع الحسن والحسينعليهما‌السلام وعبد الله بن جعفر(٣) .

____________________

(١) مروج الذهب ٢: ٨٩.

(٢) المجدي في أنساب الطالبيين: ١٨، وأنساب الأشراف ٢: ٨٣٠.

(٣) بحار الأنوار ٤٢: ٩٣.


قال الخوئي: « وكيف كان، فجلالة مسلم بن عقيل وعظمته فوق ما تحويه عبارة، فقد كان بصِفِّين في ميمنة أمير المؤمنينعليه‌السلام ... »(١) .

وعليه؛ لا يُعقل أن يكون عمره الشريف يوم بعثه الإمام الحسينعليه‌السلام إلى الكوفة ٢٨ سنة على ما قاله المامقاني(٢) ؛ لأنّ صِفِّين كانت عام ٣٧ للهجرة، ومعناه أنَّ عمره يوم صِفِّين كان أقلَّ من عشر سنين!!.

هذا، وقد أخبر النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله علياًعليه‌السلام بأنّ مسلماًعليه‌السلام سوف يُقتل في محبّة الحسينعليه‌السلام ، فقد روى الصدوق (قدّس سرّه) في أماليه: قال عليّعليه‌السلام لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :( يا رسول الله، إنّك لتُحبّ عقيلاً؟ قال: إيْ والله، إنِّي لأُحبّه حبَّين: حبَّاً له، وحبّاً لحبّ أبي طالب له، وإنّ ولده لمقتول في محبَّة ولَدك، فتدمع عليه عيون المؤمنين، وتُصلّي عليه الملائكة المقرّبون، ثمّ بكى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حتى جرت دموعه على صدره، ثمّ قال:إلى الله أشكو ما تلْقى عترتي من بعدي ) (٣) .

وكان مسلمعليه‌السلام مثالاً سامياً في الأخلاق الإسلامية عامة، وفي الشجاعة والجُرأة والبأس خاصة، وقد شهدت له ملحمته في الكوفة بتلك الأخلاقية السامية عامة، وتلك الشجاعة خاصة، حتى قال عدوّه محمد بن الأشعث - وهو يصفه لابن زياد -: «.. أوَ لم تعلم - أيُّها الأمير - أنّك بعثتني إلى أسد ضرغام! وسيف حسام في كفِّ بطل هُمام من آل خير الأنام...! »(٤) .

« ونُقل عن بعض كُتب المناقب: أنّ مسلم بن عقيل كان مثل الأسد، وكان من

____________________

(١) معجم رجال الحديث ١٨: ١٥٠.

(٢) تنقيح المقال ٣: ٢١٤.

(٣) أمالي الصدوق: ١١١، المجلس ٢٧، حديث رقم ٣، وعنه البحار: ٢٢:٢٨٨.

(٤) نفَس المهموم: ١١١.


قوّته أنّه يأخذ الرجل بيده فيرمي به فوق البيت »(١) .

وفي بعض كتب المناقب: أرسل الحسينعليه‌السلام مسلم بن عقيل إلى الكوفة، وكان مثل الأسد(٢) .

ومن مواقفه الكاشفة عن شجاعته الهاشمية الفذّة، موقفه أمام معاوية أيّام حكمه، وقد طلب منه ردّ المال وأخذ الأرض، حيث قال له مسلم: مَهْ، دون أن أضرب رأسك بالسيف!(٣) .

هل طلب مسلم الاستعفاء من السفارة؟!:

روى الطبري في تأريخه، والشيخ المفيد (قدس سره) في إرشاده: أنّ مسلم بن عقيلعليه‌السلام بعث إلى الإمام الحسينعليه‌السلام أثناء طريقه إلى الكوفة، يطلب منه أن يعفيه من مهمَّة السفارة إلى أهل الكوفة، في قصّة هي على رواية الطبري كما يلي:

« فأقبل مسلم حتى أتى المدينة، فصلّى في مسجد رسول الله، وودَّع مَن أحبّ من أهله، ثمّ استأجر دليلين من قيس فأقبلا به، فضلاَّ الطريق وجارا، وأصابهم عطش شديد، وقال الدليلان: هذا الطريق حتى تنتهي إلى الماء، وقد كادوا أن يموتوا عطشاً « وفي رواية الإرشاد: ومات الدليلان عطشاً »، فكتب مسلم بن عقيل - مع قيس بن مُسهَّر الصيداوي - إلى الحسين، وذلك بالمضيق من بطن الخُبيت « وفي رواية الإرشاد: بطن الخبت »: أمّا بعدُ، فإنّي أقبلت من المدينة معي دليلان لي، فجارا عن الطريق وضلاَّ، واشتدّ علينا العطش، فلم يلبثا أن ماتا، وأقبلنا حتى انتهينا

____________________

(١) نفس المصدر.

(٢) راجع: البحار ٤٤: ٣٥٤.

(٣) راجع البحار ٤٢: ١١٦.


إلى الماء، فلم ننجُ إلا بحشاشة أنفسنا، وذلك الماء بمكان يُدعى المضيق من بطن الخبيت، وقد تطيّرتُ من وجهي هذا، فإن رأيت أعفيتني منه وبعثت غيري، والسلام.

فكتب إليه الحسين:

( أمّا بعدُ، فقد خشيت ألاّ يكون حملك على الكتاب إليَّ في الاستعفاء من الوجه الذي وجّهتك له إلاَّ الجُبن، فامضِ لوجهك الذي وجَّهتك له، والسلام عليك ).

فقال مسلم لمن قرأ الكتاب «وفي رواية الإرشاد: فلمَّا قرأ مسلم الكتاب قال:»: هذا ما لستُ أتخوّفه على نفسي... »(١) .

إنّ مَن يُراجع ترجمة حياة مسلم بن عقيل - على اختصارها في الكُتب - وله معرفة بالعُرف العربي آنذاك عامة، وبالشمائل الهاشمية خاصة لا يتردّد في أنّ هذه القصّة مُختلَقة، وأنّها من وضع أعداء أهل البيتعليهم‌السلام لتشويه صورة وسُمعة هذا السفير العظيم؛ فإنّ مسلماًعليه‌السلام كان أحد قيادات ميمنة جيش أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام ، وهو الذي خاطب معاوية - وكان آنذاك الطاغية ذا اليد المطلقة في العالم الإسلامي -: مَهْ، دون أن أضرب رأسك بالسيف! وهو الذي ودّع الإمام الحسينعليه‌السلام وداع فراق لا لقاء بعده إلاّ في الجنّة، بعد أن عرف أنّه مُتوجّه إلى الشهادة لا محالة من قول الإمامعليه‌السلام له:( وأنا أرجو أن أكون أنا وأنت في درجة الشهداء ).

____________________

(١) تاريخ الطبري ٣: ٢٧٨، والإرشاد: ٢٠٤، والأخبار الطوال: ٢٣٠.


تُرى، هل تخشى الموت نفس مُطمئنّة بالسعادة بعده؟! وهل تتطيّر من لقاء الموت نفس مُشتاقة إلى لقاء الله ولقاء رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله والأحبّة الماضين من أهل البيتعليهم‌السلام ؟! وهل فارقت الطمأنينة نفس مسلمعليه‌السلام لحظة ما؟! وهذه سيرته في الكوفة تشهد له بثبات وطمأنينة مُستيقن من أمره، لا يفوقه في مستوى ثباته إلاّ الإمام المعصومعليه‌السلام . وهل يعقل العارف المتأمّل أو يقبل أنّ الإمام الحسينعليه‌السلام يُرسل في هذه السفارة الخطيرة مَن يعتوره جُبن، أو يتطيّر من وجْهته لعارض من المألوف أن يُصيب كثيراً من المسافرين في تلك الأيام؟! ثمّ، هل من الأدب الحسيني أنّ يُخاطب الإمامعليه‌السلام ابن عمّه مسلماًعليه‌السلام بهذا النوع من الخطاب ويتّهمه بالجُبن؟!

يقول السيّد المقرَّم (قدس سره): « فإنّ المتأمّل في صكِّ الولاية الذي كتبه سيد الشهداء لمسلم بن عقيل، لا يفوته الإذعان بما يحمله من الثبات والطمأنينة ورَباطة الجأش، وأنّه لا يهاب الموت، وهل يعدو بآل أبي طالب إلاّ القتل الذي لهم عادة وكرامتهم من الله الشهادة؟! ولو كان مسلم هيّاباً في الحروب؛ لَما أقدم سيد الشهداء على تشريفه بالنيابة الخاصة عن التي يلزمها كلّ ذلك.

فتلك الجملة التي جاء بها الرواة، وسجّلها ابن جرير للحطِّ من مقام ابن عقيل الرفيع، مُتفكِّكة الأطراف واضحة الخلل!

كيف، وأهل البيت ومَن استضاء بأنوار تعاليمهم لا يعبأون بالطيرة ولا يُقيمون لها وزناً؟!

وليس العجب من ابن جرير إذا سجّلها؛ ليشوّه بها مقام شهيد الكوفة، كما هي عادته في رجالات هذا البيت، ولكنَّ العجب، كيف خفيت على بعض أهل النظر والتدقيق حتى سجّلها في كتابه، مع أنّه لم يزل يلهج بالطعن في أمثالها ويحكم


بأنّها من وضع آل الزبير ومَن حذا حذوهم؟! »(١) .

ويظهر أنّ السيّد المقرّم يرى صحّة أصل الحادثة وموت الدليلين، وأنّ مسلم ابن عقيلعليه‌السلام بعث برسالة إلى الإمامعليه‌السلام وأنّ الإمامعليه‌السلام قد بعث إليه بجواب، ولكن المضمون الذي يُنسب فيه التطيّر والجُبن إلى مسلم بن عقيلعليه‌السلام هو من الموضوعات المختلقة التي لا صحّة لها(٢) .

غير أنّ الشيخ باقر شريف القرشي يُنكر أصل الرسالة والجواب، ويراهما من الموضوعات حيث يقول:

١- « إنّ مضيق الخبت الذي بعث منه مسلم رسالته إلى الإمام يقع ما بين مكّة والمدينة حسب ما نصّ عليه الحموي (معجم البلدان ٢: ٣٤٣)، في حين أنّ الرواية تنصّ على أنّه استأجر الدليلين من يثرب، وخرجوا إلى العراق، فضلّوا عن الطريق ومات الدليلان. ومن الطبيعي أنّ هذه الحادثة وقعت ما بين المدينة والعراق، ولم تقع ما بين مكّة والمدينة.

٢- إنّه لو كان هناك مكان يُدعى بهذا الاسم يقع ما بين يثرب والعراق لم يذكره الحموي، فإنّ السفر منه إلى مكّة ذهاباً وإياباً يستوعب زماناً يزيد على عشرة أيّام، في حين أنّ سفر مسلم من مكّة إلى العراق قد حدّده المؤرّخون فقالوا: إنّه سافر من مكّة في اليوم الخامس عشر من رمضان، وقَدم إلى الكوفة في اليوم الخامس من شوّال، فيكون مجموع سفره عشرين يوماً، وهي أسرع مدّة يقطعها المسافر

____________________

(١) مسلم بن عقيل: ١٣٨.

(٢) راجع نفس المصدر: ١١١ - ١١٣.


من مكّة إلى المدينة « ثمّ إلى الكوفة »(١) وإذا استثنينا من هذه المدّة سفر رسول مسلم من ذلك المكان ورجوعه إليه، فإنّ مدّة سفره من مكّة إلى الكوفة تكون أقلّ من عشرة أيّام، ويستحيل - عادة - قطع تلك المسافة بهذه الفترة من الزمن.

٣- إنّ الإمام اتّهم مسلماً - في رسالته - بالجُبن، وهو يُناقض توثيقه له: من أنّه ثقته وكبير أهل بيته، والمبرّز بالفضل عليهم، ومع اتّصافه بهذه الصفات، كيف يتّهمه بالجُبن؟!

٤- إنّ اتّهام مسلم بالجُبن يتناقض مع سيرته، فقد أبدى هذا البطل العظيم من البسالة والشجاعة النادرة ما يُبْهر العقول؛ فإنّه حينما انقلبت عليه جموع أهل الكوفة قابلها وحده، من دون أن يُعينه أو يقف إلى جنبه أيُّ أحد، وقد أشاع في تلك الجيوش المكثّفة القتل؛ ممّا ملأ قلوبهم ذُعراً وخوفاً، ولما جيء به أسيراً إلى ابن زياد لم يَظهر عليه أيّ ذلٍّ أو انكسار، ويقول فيه البلاذري: إنّه أشجع بني عقيل وأرجلهم (أنساب الأشراف ٢: ٨٣٦)، بل هو أشجع هاشمي عرفه التأريخ بعد أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام .

إنّ هذا الحديث من المفتريات الذي وضِع للحطِّ من قيمة هذا القائد العظيم، الذي هو من مفاخر الأمّة العربية والإسلامية »(٢) .

ولذا؛ فنحن نُرجِّح رأي القرشي على رأي المقرّم في هذه المسألة، ونذهب للذي ذهب إليه، في أنّ أصل الرسالة والجواب لا صحّة لهما، والظنُّ قويّ في أنّ الحادثة أيضاً لا صحّة لها.

____________________

(١) ما بين القوسين ليس من الأصل، ولكنّ الصحيح هو هكذا.

(٢) حياة الإمام الحسين عليه‌السلام ٢: ٣٤٣ - ٣٤٤.


مسلم بن عقيل عليه‌السلام في الكوفة:

كان الإمام الحسينعليه‌السلام قد أوصى مسلم بن عقيلعليه‌السلام - كما مرَّ بنا - أن يكون نزوله في الكوفة، عند أوثق أهلها( فإذا دخلتها فانزل عند أوثق أهلها ) (١) ؛ ذلك لأنّ من الطبيعي أن تكون انطلاقة عمله السياسي الثوري، في دعوة الناس إلى طاعة الإمامعليه‌السلام وتعبئتهم للقيام معه، وتخذيلهم عن آل أبي سفيان، من منزل يكون صاحبه من أوثق أهل الكوفة في الولاء لأهل البيتعليهم‌السلام .

قال ابن كثير في تأريخه: « فلمّا دخل الكوفة نزل على رجل يُقال له: مسلم بن عوسجة الأسدي(٢) .

____________________

(١) الفتوح ٥: ٣٦.

(٢) مسلم بن عوسجة الأسدي: ويُكنَّى أبا حجل، الأسدي السعدي، كان رجلاً شريفاً سريَّاً عابداً مُتنسِّكاً. وكان صحابياً ممّن رأى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكان فارساً شجاعاً، له ذكر في المغازي والفتوح الإسلامية.

قال أهل السير: إنّه ممّن كاتب الحسين عليه‌السلام من الكوفة ووفّى له، وممَّن أخذ البيعة له عند مجيء مسلم بن عقيل إلى الكوفة. ولما دخل عبيد الله بن زياد الكوفة، وسمع به مسلم بن عقيل خرج إليه ليُحاربه، فعقد لمسلم بن عوسجة على ربع مذحج وأسد، و...، فنهدوا إليه حتى حبسوه في قصره، ثمّ لما دارت رحى الأحداث على غير ما يتمنّاه أنصار الحق، وقُبض على مسلم بن عقيل وهاني بن عروة اختفى مسلم بن عوسجة مدّة، ثمّ فرّ بأهله إلى الحسين عليه‌السلام فوافاه بكربلاء، وفداه بنفسه رضوان الله تعالى عليه. وهو القائل للإمام عليه‌السلام لما رخّص أنصاره ليلة العاشر بالانصراف عنه: أنحن نُخلّي عنك ولم نُعذر إلى الله في أداء حقّك؟! أم والله، لا أبرح حتى أكسر في صدورهم رُمحي وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه بيدي ولا أُفارقك، ولو لم يكن معي سلاح أُقاتلهم به، لقذفتهم بالحجارة دونك حتى أموت معك. ولمزيد من معرفة فضائل وتأريخ هذا الشهيد المقدّس راجع ترجمته في كتاب ( إبصار العين في أنصار الحسين عليه‌السلام : ١٠٧ - ١١١).


وقيل: نزل في دار المختار بن أبي عبيد الثقفي(١) ... »(٢) .

____________________

(١) المختار بن أبي عبيد بن مسعود الثقفي: ولِد عام الهجرة، وحضر مع أبيه بعض الحروب، وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وكان يتفلَّت للقتال فيمنعه عمّه، فنشأ مقداماً شجاعاً لا يتَّقي شيئاً، وتعاطى معالي الأمور، وكان ذا عقل وافر، وجواب حاضر، وخِلال مأثورة، ونفس بالسخاء موفورة.

وهو الذي فتك بمُعظم الذين شركوا في دم الإمام الحسين عليه‌السلام وزعمائهم أيّام ولايته التي دامت ثمانية عشر شهراً، وقُتل على يد مصعب بن الزبير وعمره ٦٧ سنة.

وقد اختلفت الروايات فيه، فبعضها مادحة، وبعضها ذامَّة، والذامّة منها ضعيفة السند، ومنها قاصرة الدلالة، أو صدرت تقيّة، والمادحة فيها روايات صحيحة. كما اختلفت الأقوال فيه، ويكفينا هنا قول خمسة من المعاصرين:

١- الخوئي: ( يكفي في حُسن حال المختار إدخاله السرور في قلوب أهل البيتعليهم‌السلام ؛ بقتله قَتَلَة الحسين عليه‌السلام ، وهذه خدمة عظيمة لأهل البيتعليهم‌السلام يستحقُّ بها الجزاء من قِبَلهم. أفهل يُحتمل أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل البيتعليهم‌السلام يغضُّون النظر عن ذلك، وهم معدن الكرم والإحسان...؟! وهذا محمد بن الحنفيّة، بينما هو جالس في نفر من الشيعة وهو يعتب على المختار - في تأخير قتله عمر بن سعد - فما تمّ كلامه إلاَّ والرأسان عنده، فخرَّ ساجداً وبسط كفَّيه وقال: اللّهمَّ، لا تنسَ هذا اليوم للمختار، وأجزِأه عن أهل بيت نبيّك محمّد خير الجزاء، فو الله، ما على المختار بعد هذا من عتب... ). (معجم رجال الحديث ١٨: ١٠٠).

٢- المحدّث القمّي: الروايات في المختار الثقفي مُختلفة، لكنَّ المسلّم بأنّه أدخل السرور والفرح إلى قلب الإمام زين العابدين، بل إنّه أدخل السرور والفرح إلى قلوب آل الرسولعليهم‌السلام والثَّكالى واليتامى، الذين استُشهد آباؤهم مع الإمام الحسين عليه‌السلام ، فخمس سنوات كان العزاء والحزن يُخيِّمان على بيوت أصحاب المصيبة، فلم تُرَ مُكحَّلة ولا خاضبة ولا دخانٌ يتعالى من بيوتهنّ حتى شاهدن رأس عُبيد الله بن زياد، فخرجن من العزاء. وبالإضافة إلى ذلك، فإنّ المختار أشاد البيوت التي هُدمت، وبعث بالعطايا إلى المظلومين، فهنيئاً للمختار الذي بعمله هذا أدخل الفرح إلى قلوب أهل بيت رسول اللهعليهم‌السلام المطهّرين ( وقايع الأيّام ص ٤٠).

٣- النمازي: ( والمختار - يعني الذي أنا أختاره - أنّه المختار لطلب الثار، شفى الله به صدور =


____________________

= الأطهار، وسرَّ به قلوب الأبرار، وينجو بشفاعة سيدنا الحسين صلوات الله عليه من درك النار، جزاه الله خيراً من لطف الغفّار). ( مُستدركات علم الرجال ٧: ٣٨٥).

٤- الأميني: ( مَن عَطَفَ على التأريخ والحديث وعلم الرجال نظرة تشفعها بصيرة نفّاذة، علم أنّ المختار في الطليعة من رجالات الدين والهدى والإخلاص، وأنّ نهضته الكريمة لم تكن إلاَّ لإقامة العدل باستئصال شأفة الملحدين، واجتياح جذوم الظلم الأمويّ، وأنّه بمَنزح من المذهب الكيساني، وأنّ كلّ ما نبزوه من قذائف وطامّات لا مقيل لها من مستوى الحقيقة والصدق … وقد أكبره ونزّهه العلماء الأعلام منهم: ابن طاووس في رجاله، والعلاّمة في الخلاصة، وابن داود في الرجال، والفقيه ابن نما فيما أفرد فيه من رسالته.. والمحقِّق الأردبيلي في حديقة الشيعة، وصاحب المعالم في التحرير الطاووسي، والقاضي نور الله في المجالس، وقد دافع عنه الشيخ أبوعلي في مُنتهى المقال (٦: ٢٤٠) وغيرهم … ). (الغدير ٢: ٣٤٣).

٥- المامقاني: ( … ولا إشكال في إسلامه، بل كونه إماميّ المذهب، بل الظاهر اتّفاق الخاصة والعامة عليه، بل الحق أنّه كان يقول بإمامة مولانا السّجاد عليه‌السلام .. فتلخّص من جميع ما ذكرنا، أنّ الرجل إماميّ المذهب، فإنّ سلطنته برخصة الإمام، وإنّ وثاقته غير ثابتة. نعم، هو ممدوح مدحاً مُدرِجاً له في الحسان … ). (تنقيح المقال ٣: ٢٠٦).

هذا، وقد توقّف المجلسيّ في شأنه، فلم يمدحه ولم يذمّه.

وإذا ثبت تاريخياً نزول مسلم بن عقيل عليه‌السلام دار المختار - كما صرّح بذلك المؤرّخون - فإنَّ ذلك يُثبت وثاقته، بل يُثبت أنّه من أوثق أهل الكوفة؛ وذلك لأنّ الإمام الحسين عليه‌السلام أمر مسلماً عليه‌السلام أن ينزل عند أوثق أهلها فنزل عند المختار؛ فيكون هذا النزول من باب تعيين المصداق لكلام الإمام الحسين عليه‌السلام ، إن لم يكن هذا النزول بأمر من الإمام نفسه عليه‌السلام ، والله العالم.

ولعلّ هناك علّة أُخرى لاختيار مسلم دار المختار دون غيرها - مع فرض ثبوت ذلك - وهو أنّه كان صهراً للنعمان بن بشير، حاكم الكوفة يومها - أي كان زوجاً لابنته عمرة - فلا تُمدُّ يد سوء إلى مسلم عليه‌السلام طالما هو في بيت صهر والي الكوفة.

(٢) البداية والنهاية ٣: ٢٧٩.


وقال الشيخ المفيد (قدس سره): «... ثمّ أقبل مسلم حتى دخل الكوفة، فنزل في دار المختار بن أبي عبيدة، وهي التي تُدعى اليوم دار مسلم بن المسيّب، وأقبلت الشيعة تختلف إليه، فلمّا اجتمع إليه منهم جماعة، قرأ عليهم كتاب الحسينعليه‌السلام وهم يبكون، وبايعه الناس حتى بايعه منهم ثمانية عشر ألفاً، فكتب مسلم إلى الحسينعليه‌السلام يُخبره ببيعة ثمانية عشر ألفاً، ويأمره بالقدوم... »(١) .

لكنّ مسلم بن عقيلعليه‌السلام بعد قدوم عبيد الله بن زياد إلى الكوفة والياً عليها من قِبَل يزيد، وحصول التطوُّرات السريعة المتلاحقة التي أدّت إلى ضرورة تحوّل عمل مسلم بن عقيل من حالة العلانية إلى السرِّ، اضطرّ إلى تغيير مقرِّه؛ فتحوّلَ إلى دار هاني بن عروة(٢) زعيم مُراد وشيخها، وهو شريف من أشراف الكوفة ومن

____________________

(١) الإرشاد: ٢٠٥، وتاريخ الطبري ٣: ٢٧٩ بتفاوت يسير.

(٢) هاني بن عروة المرادي: كان هاني من أشراف الكوفة وأعيان الشيعة ومن رؤسائهم، وشيخ مُراد وزعيمها، يركب في أربعة آلاف درع وثمانية آلاف راجل. روي: أنّه أدرك النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وتشرّف بصحبته، واستُشهد وله من العمر تسع وثمانون سنة (انظر: سفينة البحار ٨: ٧١٤ و قاموس الرجال ٩: ٢٩٢ / الطبعة القديمة).

ويشهد على كماله وجلالة قدره وعظيم شأنه الزيارة التي نقلها السيّد ابن طاووس له:( سلام الله العظيم وصلواته عليك يا هاني بن عروة، السلام عليك أيُّها العبد الصالح، الناصح لله ولرسوله ولأمير المؤمنين والحسن والحسين عليهما‌السلام ، أشهد أنّك قُتِلت مظلوماً، فلعن الله مَن قتلك واستحلَّ دمك، وحشا الله قبورهم ناراً، أشهد أنّك لقيت الله وهو راضٍ عنك بما فعلت ونصحت، وأشهد أنَّك قد بلغت درجة الشهداء، وجعل روحك مع أرواح السعداء بما نصحت لله ولرسوله مجتهداً، وبذلت نفسك في ذات الله ورضائه، فرحمك الله ورضي عنك، وحشرك مع محمد وآله الطاهرين، وجمعنا وإيّاكم معهم في دار النعيم، وسلام عليك ورحمة الله... ) ( بحار الأنوار ١٠٠: ٤٢٩، نقلاً عن مصباح الزائر والمزار الكبير ومزار الشهيد ).

كما أنّه شارك في حرب الجَمل بين يدي أمير المؤمنين، ومن شِعره فيها: =


____________________

يا لكِ حرباً حثَّها جمَّالُها

قائدة ينقصها ضُلاّلها

هذا عليٌّ حوله أقيالُها

(البحار ٣٢: ١٨١).

* مؤاخذات وردود:

رغم الموقف المشرّف لهاني، وتضحيته بنفسه الزكيّة دون سفير الحسين عليه‌السلام لم يسلم هذا الشهيد البطل من المؤاخذات والانتقادات، وأهمّ هذه المؤاخذات:

الأُولى: إنّ دفاعه عن مسلم بن عقيل عليه‌السلام لم يكن عن بصيرة دينية، بل لمجرّد الحميّة وحفظ الذمام ورعاية حقّ الضيف، فهو مثل مدلج بن سويد الطائي، الذي يُضرب به المثل، فيُقال: أحمى من مُجير الجُراد. وقصته معروفة، وهي: أنّه خلا ذات يوم في خيمته، فإذا بقوم من طيء ومعهم أوعيتهم، فقال: ما خطبكم؟ قالوا: جُراد وقع بفنائك فجئنا لنأخذه. فركب فرسه، وأخذ رمحه، وقال: والله، لا يتعرّض له أحد منكم إلاّ قتلته، أيكون الجُراد في جواري ثمّ تُريدون أخذه؟!

ولم يزل يحرسه حتى حميت عليه الشمس فطار، فقال: شأنكم الآن به، فقد تحوّل عن جواري! (راجع مجمع الأمثال ١: ٣٩٣، والكُنى والألقاب ٣: ١٥٢).

قد أُجيب على هذه المؤاخذة أنّه: ( اتّفقت الأخبار على أنّ هانياً قد أجار مسلماً وحماه في داره، وقام بأمره، وبذل النصرة وجمع له الرجال والسلاح في الدور حوله، وامتنع من تسليمه لابن زياد، وأبى كلّ الإباء واختار القتل على التسليم، حتى أُهين وضُرب وعُذِّب وحُبس وقُتل صبراً على يد الفاجر اللعين، وهذه كافية في حُسن حاله وجميل عاقبته، ودخوله في أنصار الحسين وشيعته المستشهدين في سبيله، ويدلّ عليه أُمور:

١- قوله لابن زياد: فإنّه قد جاء مَن هو أحقّ من حقّك وحقّ صاحبك.

٢- قوله: لو كانت رجْلي على طفل من أطفال أهل البيت ما رفعتها حتى تُقطع.

٣- قول الحسين عليه‌السلام لما بلغه قتله وقتل مسلم : ( قد أتانا خبرٌ فظيع، قتل مسلم وهاني وعبد الله بن يقطر ).

٤- بعدما أُخبر الحسين عليه‌السلام بقتل مسلم وهاني استعبر باكياً، ثمّ قال: ( اللّهم، اجعل لنا ولشيعتنا منزلاً كريماً، واجمع بيننا وبينهم في مُستقرّ رحمتك ). =


____________________

= ٥- زيارته المعروفة التي ذكرها أصحابنا رضوان الله عليهم. (تنقيح المقال ٣: ٢٨٩).

أقول: قد تضمّنت هذه الإجابة على دلائل ومؤكَّدات، على أنَّ ما فعله هاني كان عن بصيرة دينية، لا مُجرّدحميّة وحفظ للذمام ورعاية لحقّ الضيف.

الثانية: دخول هاني على ابن زياد حين أتى الكوفة، واختلافه إليه فيمَن اختلف إليه من أعيانها وأشرافها حتى جاء مسلم، ممّا يدلّ على أنّه كان مع السلطة.

وقد أُجيب عنها بأنّ: ( هذا أيضاً لا يُعدُّ طعناً فيه؛ لأنّ أمر مسلم كان مبنيّاً على التستر والاستخفاء، وكان هاني رجلاً مشهوراً يعرفه ابن زياد ويُصادفه، فكان انزواؤه عنه يُحقِّق عليه الخلاف، وهو خلاف ما كانوا عليه من التستُّر؛ فلذا ألزمه الاختلاف - أي المراودة - إليه؛ دفعاً للوهم. فلمّا لجأ إليه مسلم انقطع عنه خوفاً، وتمارض حتى يكون المرض عذراً، فجاءه من الأمر ما لم يكن في حسابه ). (تنقيح المقال ٣: ٢٨٩).

الثالثة:أنّ هانياً نهى مسلماً عن الخروج على ابن زياد!

وأُجيب عنها: ( فلعلّه رأى أنّ المصلحة في التأخير حتى يتكاثر الناس وتكمل البيعة، ويصل الحسين عليه‌السلام إلى الكوفة، ويتهيّأ لهم الأمر بسهولة، ويكون قتالهم مع الإمام مرّة واحدة ). (تنقيح المقال ٣: ٢٨٩).

الرابعة: أنّ هانياً منع مسلماً من قتل ابن زياد في داره!

وأُجيب عنها: ( فقد عرفت اختلاف الأخبار في ذلك؛ إذ في بعضها: أنّه هو الذي أشار بقتله، وتمارض لابن زياد حتى يأتيه عائداً فيقتله مسلم، وأنّه عاتبه على ترك قتله بعد تهيُّؤه له بسهولة، وقد اعتذر مسلم تارة: بتعلّق المرأة وبكائها في وجهه ومُناشدتها في ترك ما همّ به. وأُخرى: بحديث الفتك. وهو المشهور عنه، وأشار إليه المرتضى في تنزيه الأنبياء ). (تنقيح المقال ٣: ٢٨٩).

( وراجع: في أنّ هانياً هو الذي أشار بقتل ابن زياد: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٦: ١٠٢).

الخامسة: قوله لابن زياد: والله، ما دعوته إلى منزلي، ولا علمت بشيء من أمره حتى جاءني يسألني النزول، فاستحييت من ردّه وداخلني من ذلك ذمام... =


____________________

= وأُجيب عنها بـ: ( أنّه قال ذلك يُريد التخلُّص منه، ومن البعيد أن يأتيه مسلم من غير ميعاد ولا استيثاق، ويدخل في أمانه وهو لا يدري به ولم يعرفه ولم يختبره، وكذا عدم اطّلاع هاني - وهو شيخ المصر وسيّده ووجه الشيعة - على شيء من أمره في تلك المدّة، حتى دخل عليه بغتة وفاجأه باللقاء مرّة ). (تنقيح المقال ٣: ٢٨٩).

السادسة: تصريح صاحب - (روضة الصفا) و(حبيب السير): بأنّ هانياً قال لمسلم حين دخل عليه: لقد أوقعتني في عناء وتكليف، ولولا أنّك دخلت داري لرددتك!

أقول:إنّ سائر الكتب المعتبرة خالية من هذا القول، فهما قد تفرّدا بهذا النقل، ولم يثبت ذلك.

السابعة:ولعلّها من أشدّ المؤاخذات عليه، وهي أنّ هانياً كان مُروِّجاً ومُبلّغاً لولاية عهد يزيد في الكوفة على عهد معاوية؛ استناداً إلى ما أورده ابن أبي الحديد في شرح النهج: ( وفد أهل الكوفة على معاوية حين خطب لابنه يزيد بالعهد بعده، وفي أهل الكوفة هاني بن عروة المرادي وكان سيّداً في قومه، فقال يوماً في مسجد دمشق والناس حوله: العجب لمعاوية! يريد أن يقسرنا على بيعة يزيد، وحاله حاله، وما ذاك والله بكائن! وكان في القوم غلام من قريش جالساً، فتحمّل الكلمة إلى معاوية، فقال معاوية: أنت سمعت هانئاً يقولها؟ قال: نعم. قال: فاخرج فأتِ حلقته، فإذا خفّ الناس عنه فقل له: أيُّها الشيخ، قد وصلت كلمتك إلى معاوية، ولستَ في زمن أبي بكر وعمر، ولا أُحبّ أن تتكلّم بهذا الكلام؛ فإنّهم بنو أميّة، وقد عرفت جرأتهم وإقدامهم، ولم يدعني إلى هذا القول لك إلاّ النصيحة والإشفاق عليك. فانظر ما يقول فإتني به. فأقبل الفتى إلى مجلس هانئ، فلمّا خفّ مَن عنده دنا منه فقصّ عليه الكلام، وأخرجه مخرج النصيحة له. فقال هاني: والله، يا بن أخي، ما بلغت نصيحتك كلّ ما أسمع، وإنّ هذا الكلام كلام معاوية أعرفه! فقال الفتى: وما أنا ومعاوية! والله، ما يعرفني. قال: فلا عليك، إذا لقيته فقل له: يقول لك هاني: والله، ما إلى ذلك من سبيل. انهض - يا بن أخي - راشداً. فقام الفتى فدخل على معاوية فأعلمه، فقال: نستعين بالله عليه. ثمّ قال معاوية بعد أيّام للوفد: ارفعوا حوائجكم - وهانئ فيهم -، فعرض عليه كتابه فيه ذكر حوائجه، فقال: يا هاني، ما أراك صنعت شيئاً! زِدْ. فقام هاني، فلم يدع حاجة عرضت له إلاّ وذكرها، ثمّ عرض عليه الكتاب، فقال: أراك قصّرت فيما طلبت! زِدْ. فقام هاني، فلم يدع حاجة لقومه ولا لأهل مصره إلاّ ذكرها، ثمّ عرض =


وجوه الشيعة فيها.

رسالة الإمام عليه‌السلام إلى محمد بن الحنفية ومن قِبَله من بني هاشم:

روى ابن عساكر وابن كثير: أنّ الإمامعليه‌السلام بعث إلى المدينة (وهو في مكّة) يستقدم إليه مَن خفّ من بني هاشم، فخفَّ إليه جماعة منهم، وتبعهم إليه محمد

____________________

= عليه الكتاب، فقال: ما صنعت شيئاً! زِدْ.

فقال: يا أمير المؤمنين، حاجة بقيت! قال: ما هي؟! قال: أن أتولّى أخذ البيعة ليزيد بن أمير المؤمنين بالعراق!

قال: افعل، فما زلت لمثل ذلك أهلاً.

فلمّا قدم هاني العراق قام بأمر البيعة ليزيد بمعونة من المغيرة بن شعبة، وهو الوالي بالعراق يومئذ ). (شرح النهج ١٨: ٤٠٨).

وقد أُجيب عن هذه المؤاخذة من وجوه:« أولاً: أنّها قصّة مُرسلة تفرَّد الحديدي بنقلها، ولم يذكر لها مأخذاً، رغم أنّ طريقته غالباً نقل المأخذ والمستند. ثانياً:المتن يُستظهر منه الكذب؛ إذ كيف يقول هاني بملأ من قومه وأهل الشام جهراً: إنّ معاوية يُريد أن يقسرنا على بيعة يزيد، ثمّ يكون هو الطالب للقيام ببيعة يزيد؟!!. ثالثاً:إنّ ما ختم به لهاني من ردِّه بيعة يزيد وقيامه بنصر الحسين عليه‌السلام حتى قُتِل، يأتي على كلّ ما فرط منه قبل ذلك لو كان، وما أشبه حاله بحال الحرّ؛ إذ تاب وقُبِلت توبته بعدما وقع وصدر ما صدر، وقد كان الأمر فيه أشدّ، وفي هاني أهون، فهو إلى القبول أقرب ). (تنقيح المقال ٣: ٢٨٩، وانظر الفوائد ٤: ٤١، ونفَس المهموم: ١١٥).

ويُلاحظ في كلّ الردود التي أوردناها عن صاحب تنقيح المقال: أنّه ينقلها عن السيد الطباطبائي، وهو بحر العلوم (ره).).

الثامنة: وقوفه بوجه عليّ عليه‌السلام واعتراضه عليه، حينما عزل الأشعث بن قيس عن رئاسة كندة ونصّب حسّان بن مخدوج مكانه، حيث قام إلى عليّ عليه‌السلام وقال: إنّ رئاسة الأشعث لا تصلح إلاّ لمثله! وما حسّان مثل الأشعث …

وأُجيب عنها: أولاً:لم يكن هو المعترض فحسب، بل كان الأشتر، وعدي بن حاتم الطائي، و... ضمن المعترضين. ثانياً:أنّهم رجعوا عن قولهم ورضوا بما فعله أمير المؤمنين عليه‌السلام كما يظهر من نص ( وقعة صِفِّين: ١٣٧).


ابن الحنفية، ولكنّ الرواية لم تُحدّد مَن همْ أفراد هذه الجماعة الهاشمية(١) .

وقال الذهبي: « بعث الحسينعليه‌السلام إلى المدينة، فقدم عليه مَن خفَّ معه من بني عبد المطّلب، وهم تسعة عشر رجلاً، ونساء... »(٢) .

ومفاد ذلك، أنّ هؤلاء لم يرافقوا الحسينعليه‌السلام حين خروجه من المدينة، بل التحقوا به بعد الدعوة التي حملتها تلك الرسالة إلى المدينة.

لكنّ المصادر التاريخية الشيعية، روت أنّ الإمام الحسينعليه‌السلام بعث من مكّة إلى أخيه محمد بن الحنفية، ومن قِبله مِن بني هاشم في المدينة رسالة موجزة العبارة، عظيمة الدلالة، هي من روائع رسائلهعليه‌السلام .

ففي رواية عن الإمام الباقرعليه‌السلام : « أنّ الإمام الحسينعليه‌السلام كتب هذه الرسالة من مكّة ونصّها:

بسم الله الرحمن الرحيم

من الحسين بن عليّ، إلى محمّد بن عليّ، ومِن قِبله من بني هاشم.

أمّا بعدُ: فإنّ مَن لَحِق بي استُشهد، ومَن لم يلحق بي لم يُدرك الفتح، والسلام (٣) .

كما رويت رواية هذه الرسالة بتفاوت يسير عن الإمام الصادقعليه‌السلام ، وظاهرها

____________________

(١) راجع تاريخ ابن عساكر (ترجمة الإمام الحسين عليه‌السلام / تحقيق المحمودي: ٢٩٨ ح ٢٥٦)، والبداية والنهاية ٨: ١٧٨.

(٢) تأريخ الإسلام: حوادث سنة ٦١ ص٩.

(٣) كامل الزيارات: ٧٥ باب ٢٤ حديث رقم ١٥، ومُثير الأحزان: ٣٩ بتفاوت يسير.


أنّ الإمام الحسين عليه‌السلام كتبها بعد خروجه من مكّة(١) .

معنى مُحتوى الرسالة:

قال المجلسي « قدّس سرّه » في تعليقة له على هذه الرسالة: «( لم يبلغ الفتح ). أي: لم يبلغ ما يتمنّاه من فتوح الدنيا والتمتّع بها، وظاهر هذا الجواب ذمّه. ويُحتمل أن يكون المعنى: أنّهعليه‌السلام خيّرهم في ذلك؛ فلا إثمَ على مَن تخلّف »(٢) .

فالمجلسي (قدّس سرّه) فسَّر الفتح بالمكاسب والفتوح الدنيوية والتمتّع بها، كما احتمل أن يكون المعنى أنّ الإمامعليه‌السلام خيّر بني هاشم في مسألة الالتحاق به؛ فلا إثم على مَن تخلّف عنه ولم يلتحق به!!

لكنّ القرشيّ فسّره بفتح من نوع آخر، لم يكن ولا يكون لغير الإمام أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام مدى العصور وإلى قيام الساعة، فقال:

« لقد أخبر الأسرة النبوية: بأنّ مَن لحقه منهم سوف يظفر بالشهادة، ومَن لم يلحق به فإنّه لا ينال الفتح، فأيُّ فتح هذا الذي عناه الإمام؟ إنّه الفتح الذي لم يحرزه غيره من قادة العالم وأبطال التأريخ، فقد انتصرت مبادئه وانتصرت قيمه، وتألّقت الدنيا بتضحيته، وأصبح اسمه رمزاً للحق والعدل، وأصبحت شخصيته العظيمة ليست ملكاً لأمّة دون أمّة ولا لطائفة دون أُخرى، وإنّما هي ملك للإنسانية الفذَّة في كلّ زمان ومكان، فأيّ فتح أعظم من هذا الفتح؟! وأيّ نصر أسمى من هذا النصر؟! »(٣) .

وقد يُفسّر هذا الفتح بتفسير آخر: وهو أنّ المراد بهذا الفتح هو التحوُّلات

____________________

(١) بصائر الدرجات: ٤٨١ حديث رقم ٥، كما رواها عن الإمام الصادق عليه‌السلام محمد بن يعقوب الكليني (ره) في كتاب الرسائل (راجع بحار الأنوار ٤٤: ٣٣٠، و٤٥: ٨٤).

(٢) بحار الأنوار ٤٢: ٨١ - مثله القمّي في سفينة البحار ٧:٤٢٩.

(٣) حياة الإمام الحسين عليه‌السلام ٣: ٤٥.


والتغيرات الحاسمة لصالح الإسلام، الناشئة عن شهادته عليه‌السلام في عصره وفي العصور المتعاقبة إلى قيام الطالب بدمه الإمام المهدي عليه‌السلام ، الذي يُمثِّل قيامه الفصل الأخير من نهضة جدّه الحسين عليه‌السلام ، والذي يُمثّل ظهوره على كلّ الأرض ظهور الدين المحمديّ على الدين كلّه، وذلك هو الثمرة الأخيرة لنهضة عاشوراء(١) .

ولعلّ المرحوم السيّد المقرّم ذهب إلى بعض أبعاد هذا المعنى بقوله: « كان الحسينعليه‌السلام يعتقد في نهضته أنّه فاتح منصور؛ لما في شهادته من إحياء دين رسول الله، وإماتة البدعة، وتفظيع أعمال المناوئين، وتفهيم الأمّة أنّهم أحقّ بالخلافة من غيرهم، وإليه يُشير في كتابه إلى بني هاشم:( مَن لحِقَ بنا منكم استُشهد، ومَن تخلّف لم يبلغ الفتح ) .

فإنّه لم يرد بالفتح إلاّ ما يترتّب على نهضته وتضحيته من نقض دعائم الضلال، وكسح أشواك الباطل عن صراط الشريعة المطهّرة، وإقامة أركان العدل والتوحيد، وأنّ الواجب على الأمّة القيام في وجه المنكر.

وهذا معنى كلمة الإمام زين العابدينعليه‌السلام لإبراهيم بن طلحة بن عبيد الله، لما قال له - حين رجوعه إلى المدينة -: مَن الغالب؟! فقال السجّادعليه‌السلام :

( إذا دخل وقت الصلاة فأذّن وأقِم تعرف الغالب! ) (٢) .

فإنّه يُشير إلى تحقُّق الغاية التي ضحّى سيد الشهداء نفسه القدسية لأجلها، وفشل يزيد بما سعى له من إطفاء نور الله، وما أراده أبوه من نقض مساعي الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإماتة الشهادة له بالرسالة بعد أن كان الواجب على الأمّة في

____________________

(١) راجع: الجزء الأول من هذه الدراسة: مقالة (بين يدي الشهيد الفاتح).

(٢) انظر: أمالي الشيخ الطوسي: ٦٧٧، ح١٤٣٢، وبحار الأنوار ٤٥: ١٧٧.


الأوقات الخمس الإعلان بالشهادة لنبيّ الإسلام... »(١) .

وقد راجعنا موارد كلمة الفتح في القرآن الكريم، فوجدناها اثني عشر هي:

١ -( ... فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ... ) (٢) .

٢ -( ... فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ... ) (٣) .

٣ - ( إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ... ) (٤) .

٤ -( وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) (٥) .

٥ -( قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لاَ يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ... ) (٦) .

٦ -( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِينًا ) (٧) .

٧ -( ... فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً ) (٨) .

٨ -( فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً ) (٩) .

____________________

(١) مقتل الحسين عليه‌السلام / للمقرّم: ٦٦.

(٢) سورة النساء، الآية ١٤١.

(٣) سورة المائدة، الآية ٥٢.

(٤) سورة الأنفال، الآية ١٩.

(٥) سورة السجدة، الآية ٢٨.

(٦) سورة السجدة، الآية ٢٩.

(٧) سورة الفتح، الآية ١.

(٨) سورة الفتح، الآية ١٨.

(٩) سورة الفتح، الآية ٢٧.


٩ -( فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) (١) .

١٠ -( ... لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ) (٢) .

١١ -( وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ... ) (٣) .

١٢ -( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ) (٤) .

ومعنى الفتح في هذه الموارد: إمّا فتح مكّة، أو فتح بلاد المشركين، أو فتح الله لمحمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله على جميع خلقه، أو بمعنى نصر محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أو النصر بمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أو بمعنى القضاء والحُكم، أو القضاء بعذاب المشركين في الدنيا، أو الحكم بالثواب والعقاب يوم القيامة(٥) .

وورد في تفسير القمّي في( وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ... ) ، يعني: في الدنيا بفتح القائم.

وأيضاً قال: فتح مكّة(٦) .

وورد في كتاب تأويل الآيات، عن الإمام الصادقعليه‌السلام في قوله تعالى:( قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ) (٧) ، أنّه قال:

( يوم الفتح يوم تُفتح الدنيا على القائم، لا ينفع أحداً تقرُّبٌ بالإيمان، ما لم يكن قبل ذلك مؤمناً وبهذا الفتح موقناً، فذلك الذي ينفعه إيمانه، ويعظم عند الله

____________________

(١) سورة الشعراء، الآية ١١٨.

(٢) سورة الحديد، الآية ١٠.

(٣) سورة الصفّ، الآية ١٣.

(٤) سورة النصر، الآية ١.

(٥) انظر مجمع البيان ٣: ٢٠٧ و ٤: ٥٣١، و٨: ٣٣٢، و٩: ٢٣٣، و١٠: ٥٥٤.

(٦) تفسير القمّي، ٢:٣٦٦، تفسير الصافى، ٥:١٧١، نور الثقلين، ٥:٣١٨، البحار، ٥١:٤٩.

(٧) سورة السجدة، الآية ٢٩.


قدره وشأنه، وتزخرف له يوم البعث جنانه، وتُحجب عنه نيرانه، وهذا أجر الموالين لأمير المؤمنين وذرّيته الطيّبين صلوات الله عليهم أجمعين ) (١) .

والمتأمِّل يجد أنّ الفتح في رسالة الإمام الحسينعليه‌السلام - بأيّ معنىً كان من معانيه القرآنية - لا ينسجم مع ما ذهب إليه العلاّمة المجلسي (قدّس سرّه)، في أنّ المراد به في هذه الرسالة هو ما يُتمنّى من فتوح الدنيا والتمتّع بها!

رسالة أُخرى من الإمام الحسين عليه‌السلام :

روى صاحب الفتوح: أنّ يزيد بن معاوية كتب من الشام كتاباً إلى أهل المدينة من قريش وبني هاشم، وأرفق مع كتابه أبياتاً من الشعر، يُخاطب فيها الإمام الحسينعليه‌السلام أساساً، ويُفهم من سياق رواية ابن أعثم الكوفي، أنّ الرسالة وصلت إلى المدينة والإمامعليه‌السلام في مكّة، كما يقوِّي هذا الظنَّ قول ابن أعثم بعد ذكره الأبيات الشعرية: « فنظر أهل المدينة إلى هذه الأبيات، ثمّ وجّهوا بها وبالكتاب إلى الحسين بن عليّعليهما‌السلام ».

والأبيات هي:

( يا أيُّها الراكبُ الغادي لطيَّته

على عذافرة في سيره(٢) قحمُ

أبلغ قريشاً على نأي المزار بها

بيني وبين الحسين اللهُ والرحمُ

ومـوقف بـفناء البيت ينشده

عـهد الإله وما توفي به الذممُ

غـنَّيتم قـومكم فـخراً بأمِّكمُ

أمٌّ لـعمْري حـصان برَّة كرمُ

____________________

(١) نفس المصدر ٥: ٣٤٥ رقم ١٧٨٢.

(٢) هكذا في الأصل، والصحيح هو: ( في سيرها )؛ لأنّ العذافر الجَمل الشديد الصلب، والعذافرة هي الأنثى (الناقة).. (راجع لسان العرب: مادّة عذفر).


هـي الـتي لا يُـداني فضلها أحدٌ

بنت الرسول وخير الناس قد علموا

وفـضلها لـكم فـضلٌ وغـيركم

مـن يـومكم لـهم في فضلها قسمُ

إنِّـي لأعـلم حـقَّاً غير ما كذبٍ

والـطرف يـصدقُ أحياناً ويقتصمُ

أن سـوف يُـدرككم ما تدَّعون بها

قـتلى تـهاداكم الـعُقبان والرخمُ

يا قومنا لا تشبُّوا الحرب إذ سكنتْ

تـمسَّكوا بحبال الخير واعتصموا

قد غرَّت الحرب مَن قد كان قبلكم

مـن الـقرون وقد بادت بها الأُممُ

فـأنصِفوا قـومكم لا تُهلكوا بذخاً

فرُبَّ ذي بذخ زلَّت به قدم ) (١) .

وتقول الرواية: إنّ الإمام الحسينعليه‌السلام لما نظر في الكتاب، علم أنّه كتاب يزيد بن معاوية، فكتبعليه‌السلام الجواب:

« بسم الله الرحمن الرحيم: ( وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ) (٢) ، والسّلام » (٣) .

ومن ظاهر هذه الرواية، لا يُمكن القطع بأنّ الإمام كتب الجواب ليزيد أو أرسله إليه، وإن كان المخاطَب فيها هو يزيد؛ إذ قد يكون الإمامعليه‌السلام بعث بالجواب إلى أهل المدينة، الذين وجّهوا بالكتاب وبالأبيات إليه، ثمّ هُمْ بعد ذلك يوصلونه أو ينقلون مُحتوى الجواب إلى يزيد.

ولم تذكر هذه الرواية مَن هُمْ أهل المدينة من قريش وبني هاشم، الذين أرسل إليهم يزيد الكتاب، لكنَّ ابن عساكر قال: كتبه يزيد إلى عبد الله بن العباس، وذكر

____________________

(١) الفتوح ٥: ٧٦.

(٢) سورة يونس: ٤١.

(٣) الفتوح ٥: ٧٦.


الأبيات الشعرية بتفاوت(١) .

والمتأمّل في أبيات يزيد وفي جواب الإمامعليه‌السلام يرى سُنن الله تُكرَّر نفسها في المواجهات بين الربّانيين والطواغيت، فهذا يزيد بمنطق الطاغوت في أبياته، يُهدّد الإمامعليه‌السلام بالاضطهاد والقتل في الدنيا! وذلك قُصارى ما يستطيعه الطغاة، أمّا الإمامعليه‌السلام فبمنطق الرَّبانيّين، فيصرّح بانفصام الآصرة بين عمل المهتدين وعمل الضالِّين وبالبراءة بينهم، تصريحاً يستبطن التهديد بالجزاء الأُخروي وبعذاب الله الذي لا فتور فيه ولا انقطاع.

وفي متن الجواب ازدراء كامل بيزيد؛ إذ لم يذكر الإمامعليه‌السلام اسمه ولم يُلقّبه بلقب، ولم يُسلّم عليه؛ ممّا يُفهم منه أنّ يزيد «لعنه الله» مصداق تامٌّ للمكذّب بالدين وبالرُّسل والأوصياءعليهم‌السلام .

إرساله عليه‌السلام قيس بن مُسهَّر إلى الكوفة مرَّة ثانية:

يظهر من النصوص التاريخية، أنّ الإمام الحسينعليه‌السلام بعث قيس بن مُسهَّر الصيداوي إلى الكوفة مرّتين؛ إذ كان قد بعثه في المرّة الأُولى مع مسلم بن عقيلعليه‌السلام فدخل الكوفة(٢) ، ثمّ بعثه مسلمعليه‌السلام سفيراً عنه إلى الإمام الحسينعليه‌السلام ، ثمّ بعثه الإمام الحسينعليه‌السلام إلى الكوفة مرَّة ثانية، ليستعلم خبر مسلم بن عقيلعليه‌السلام ، فاعُتقل في الطريق وجرى عليه ما جرى.

ففي التذكرة: « ثمّ دعا مسلم بن عقيل فبعثه مع قيس بن مُسهَّر الصيداوي... »(٣) . وفيها أيضاً: « كان الحسينعليه‌السلام قد بعث قيس بن مُسهَّر إلى مسلم بن عقيل؛ ليستعلم

____________________

(١) انظر: تأريخ ابن عساكر ١٤: ٢١٠.

(٢) انظر: مروج الذهب ٢: ٨٦، ووقعة الطف: ٩٩.

(٣) تذكرة الخواص: ٢٢٠.


خبره قبل أن يصل إليه، فأخذه ابن زياد وقال له: قمْ في الناس واشتم الكذّاب ابن الكذّاب - يعني الحسين عليه‌السلام -!

فقام على المنبر وقال: أيُّها الناس، إنّي تركت الحسين بالحاجز، وأنا رسوله إليكم لتنصروه، فلعن الله الكذّاب بن الكذّاب ابن زياد. فطُرح من القصر فمات »(١) .

مَن هو قيس بن مُسهَّر الصيداوي؟

لم نعثر على ترجمة وافية لهذا البطل الفذّ، رغم التتبع والاستقصاء! فجميع مَن ترجموا له اكتفوا بأنّه حمل كتاباً من أهل الكوفة إلى الإمام الحسينعليه‌السلام ، وأنّه رجع مع مسلم إلى الكوفة،

ثمّ إنّه حمل كتاباً من مسلم إلى الإمامعليهما‌السلام في الطريق إلى الكوفة، ثمَّ إنّه حمل كتاباً من الإمامعليه‌السلام إلى أهل الكوفة، وتعرّض أثناء الطريق إليها إلى الاعتقال في القادسية، ثمّ كان منه ذلك الموقف الصلب الذي عبّر عن شجاعته وولائه وعظمته.

إنّه: « قيس بن مُسَهَّر بن خالد بن جندب... الأسديّ الصيداوي، وصيدا بطن من أسد.

كان قيس رجلاً شريفاً في بني الصيدا شجاعاً، مُخلصاً في محبّة أهل البيتعليهم‌السلام .

قال أبو مخنف: اجتمعت الشيعة بعد موت معاوية في منزل سليمان بن صرد الخزاعي، فكتبوا للحسين بن عليعليهما‌السلام كُتباً يدعونه فيها للبيعة، وسرّحوها إليه مع عبد الله بن سبع وعبد الله بن وال، ثمّ لبثوا يومين فكتبوا إليه مع قيس بن مُسهَّر الصيداوي وعبد الرحمان بن عبد الله الأرحبي، ثمّ لبثوا يومين فكتبوا إليه مع سعيد

____________________

(١) نفس المصدر: ٢٢١.


ابن عبد الله وهاني بن هاني...

فدعا الحسينعليه‌السلام مسلم بن عقيل وأرسله إلى الكوفة، وأرسل معه قيس بن مُسهّر وعبد الرحمان الأرحبي، فلمّا وصلوا إلى المضيق من بطن خبت - كما قدّمنا - جار دليلاهم فضلّوا وعطشوا، ثمّ سقطوا على الأرض، فبعث مسلم قيساً بكتاب إلى الحسينعليه‌السلام يُخبره بما كان، فلمّا وصل قيس إلى الحسين بالكتاب أعاد الجواب لمسلم مع قيس وسار معه إلى الكوفة(١) .

قال: ولما رأى مسلم اجتماع الناس على البيعة في الكوفة للحسين، كتب إلى الحسينعليه‌السلام بذلك، وسرّح الكتاب مع قيس وأصحبه عابس الشاكري وشوذباً مولاهم، فأتوه إلى مكّة ولازموه، ثمّ جاءوا معه.

قال أبو مخنف: ثمّ إنّ الحسين لما وصل إلى الحاجر من بطن الرمّة، كتب كتاباً إلى مسلم وإلى الشيعة بالكوفة وبعثه مع قيس، فقبض عليه الحُصين بن تميم، وكان ذلك بعد قتل مسلم، وكان عبيد الله نظَّم الخيل ما بين خفّان إلى القادسيّة وإلى القطقطانة(٢) وإلى لعلع(٣) وجعل عليها الحُصين، وكانت صورة الكتاب:

( من الحسين بن علي إلى إخوانه من المؤمنين والمسلمين: سلام عليكم. فإنِّي أحمد إليكم الله الذي لا إله إلاّ هو. أمّا بعدُ: فإنّ كتاب مسلم جاءني يُخبرني

____________________

(١) فيما مضى من هذا الكتاب كنّا قد ناقشنا صحّة أصل وقوع هذه القصّة وتفاصيلها. ويبدو أنّ صاحب (إبصار العين) يرى هنا صحّة أصل القصّة، ولا يرى صحّة أنّ مسلماً طلب من الإمام عليه‌السلام أن يعفيه، أو أنّ الإمام عليه‌السلام اتّهم مسلماً بالجُبن (حاشاهما).

(٢) بضم القاف وسكون الطاء موضع فوق القادسية، في طريق مَن يُريد الشام من الكوفة. (إبصار العين: ١١٤)؛ وعن الحموي: إنَّه قُرب الكوفة من جهة البرية بالطف، به كان سجن النعمان بن المنذر (معجم البلدان ٤: ٣٧٤).

(٣) بفتح اللام وسكون العين، جبل فوق الكوفة. (إبصار العين: ١١٤) ; وانظر معجم البلدان، ٥: ١٨.


فيه بحُسن رأيكم واجتماع ملئكم على نصرنا والطلب بحقّنا، فسألت الله أن يحُسن لنا الصنع، وأن يُثيبكم على ذلك أحسن الأجر، وقد شخصتُ إليكم من مكّة يوم الثلاثاء، لثمانٍ مضين من ذي الحجَّة يوم التروية، فإذا قدم رسولي عليكم فانكمشوا في أمركم وجدّوا، فإنِّي قادم عليكم في أيّامي هذه إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ) .

قال: فلمّا قبض الحُصين على قيس بعث به إلى عبيد الله، فسأله عبيد الله عن الكتاب، فقال: خرَّقته.

قال: ولم؟!

قال: لئلا تعلم ما فيه!

قال: إلى مَن؟

قال: إلى قوم لا أعرف أسماءهم.

قال: إنْ لم تُخبرني فاصعد المنبر وسبّ الكذّاب ابن الكذّاب. يعني: به الحسينعليه‌السلام . فصعد المنبر فقال:

أيُّها الناس، إنّ الحسين بن عليّ خير خلق الله، وابن فاطمة بنت رسول الله، وأنا رسوله إليكم، وقد فارقته بالحاجر، فأجيبوه.

ثمّ لعن عبيد الله بن زياد وأباه، وصلّى على أمير المؤمنين، فأمر به ابن زياد، فأُصعد القصر، ورُمي به من أعلاه، فتقطّع ومات.

وقال الطبري: لما بلغ الحسينعليه‌السلام إلى عذيب الهجانات، في ممانعة الحرّ


جاءه أربعة نفر ومعهم دليلهم الطرمّاح(١) بن عديّ الطّائي، وهم يجنبون فرس نافع المرادي، فسألهم الحسين عليه‌السلام عن الناس وعن رسوله، فأجابوه عن الناس، وقالوا له: رسولك مَن هو؟

قال: ( قيس! ).

فقال مجمع العائذي:

أخذه الحُصين، فبعث به إلى ابن زياد، فأمره أن يلعنك وأباك، فصلّى عليك وعلى أبيك، ولعن ابن زياد وأباه، ودعانا إلى نصرتك، وأخبرنا بقدومك، فأمر به ابن زياد، فأُلقي من طمار القصر، فمات رضي الله عنه.

فترقرقت عينا الحسينعليه‌السلام وقال:

( ( فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ... ) ، اللّهمَّ، اجعل لنا ولهم الجنّة منزلاً، واجمع بيننا وبينهم في مُستقرّ رحمتك ورغائب مذخور ثوابك ) (٢) .

____________________

(١) عدَّة الشيخ الطوسي في رجاله، في أصحاب علي عليه‌السلام قائلاً: رسوله عليه‌السلام إلى معاوية، وفي أصحاب الحسين عليه‌السلام وكان الطرمّاح مع الحسين عليه‌السلام حتى سقط بين القتلى، فحمله قومه وبه رمق، وداووه، فبرئ.

ولكنَّ التستري يرى خلاف ذلك؛ حيث قال: بل لحقه عليه‌السلام في الطريق واستأذنه للرواح إلى أهله ثم رجع، فأذن عليه‌السلام له فرجع فسمع نعيه - عليه‌السلام - في الطريق (قاموس الرجال، ٥: ٥٦٠ عن الطبري، ٥: ٤٠٤).

وعن النمازي: ( من أصحاب أمير المؤمنين والحسين صلوات الله عليهم، في غاية الجلالة والنبالة، وهو رسول أمير المؤمنين إلى معاوية. وله كلمات شريفة ظريفة، فصيحة بليغة مع معاوية، بحيث أظلم الدنيا في عينيه... وذكر شهادته يوم الطف في الناسخ، ويظهر من المامقاني أنّه سقط جريحاً، فأخذه قومه وحملوه وداووه، فبرئ وعوفي » ( مُستدركات علم الرجال، ٤: ٢٩٤) و(انظر: مُعجم رجال الحديث، ٩: ٢٦١).

(٢) إبصار العين: ١١٢ - ١١٤.


فهو رضوان الله تعالى عليه من شهداء الثورة الحسينيّة في الكوفة، وليس من شهداء الطف، لكنّه شريكهم في الأجر والشرف؛ ولذا خُصَّ بالسلام عليه في زيارة الناحية المقدّسة والرجبية(١) .

وليس صحيحاً ما ورد في المناقب: أنّه كان حاملاً رسالة الإمام الحسينعليه‌السلام من كربلاء إلى سليمان بن صرد والمسيّب بن نجبة ورفاعة بن شدّاد وعبد الله بن وال وآخرين.

وذلك؛ لأنّ قيساً قُتل قبل ورود الإمامعليه‌السلام كربلاء(٢) .

نعم، لقد كان قيس بن مُسهّر رضوان الله تعالى عليه رسولاً أساسيّاً بين مكّة والكوفة، أو على وجه الدقّة بين الإمام الحسين ومسلمعليهما‌السلام ، فقد بعثه الإمامعليه‌السلام مع مسلم في النصف من شهر رمضان، وعلى فرض صحّة أصل وقوع حادثة المضيق من بطن الخبت، فقد أرسله مسلم إلى الإمامعليه‌السلام ، ثمّ حمل جواب الإمامعليه‌السلام إلى مسلم. ثمَّ « لما رأى مسلم اجتماع الناس على البيعة في الكوفة للحسين كتب إلى الحسينعليه‌السلام بذلك، وسرّح الكتاب مع قيس وأصحَبه عابساً الشاكري وشوذباً مولاهم، فأتوه إلى مكّة ولازموه، ثمّ جاؤوا معه »(٣) ، ثمّ بعثه الإمامعليه‌السلام من بطن الرمّة في الثامن من ذي الحجّة أو بعده.

رسالة مسلم بن عقيل إلى الإمام عليه‌السلام :

روى الطبري: أنّ مسلم بن عقيلعليه‌السلام كان قد كتب إلى الإمامعليه‌السلام من الكوفة قبل أن يُقتَل لسبع وعشرين ليلة:

____________________

(١) انظر: تنقيح المقال ٢: ٣٤.

(٢) انظر: قاموس الرجال ٨: ٥٥٠، والبحار ٤٤: ٣٨١ - ٣٨٢.

(٣) تاريخ الطبري ٣: ٢٧٧، وإبصار العين: ١١٢.


( أمّا بعدُ، فإنّ الرائد لا يُكذب أهله، إنّ جمعَ أهل الكوفة معك، فأقبِل حين تقرأ كتابي، والسلام عليك ) (١) .

وفي رواية ابن نما:

( أمّا بعدُ، فإنّ الرائد لا يُكذب أهله، وإنّ جميع أهل الكوفة معك، وقد بايعني منهم ثمانية عشر ألفاً، فعجّل الإقبال حين تقرأ كتابي، والسلام عليك ورحمة الله وبركاتُه ) (٢) .

وفي رواية الدينوري:

«... فأقدم، فإنّ جميع الناس معك، ولا رأي لهم في آل أبي سفيان » (٣) .

وتقول الرواية التاريخية: إنّ قيس بن مُسهّر الصيداوي حمل هذه الرسالة إلى الإمامعليه‌السلام في مكّة، وأصحَبه مسلم عابسَ الشاكري وشوذباً مولاه(٤) .

وقد كان الإمام الحسينعليه‌السلام قد علّق عزمه في التوجّه إلى الكوفة، على تقرير مسلم عن حال أهل الكوفة، وقد صرّحعليه‌السلام لأهل الكوفة في رسالته الأُولى إليهم بذلك حيث قال:

(... فإن كتب إليَّ أنَّه قد اجتمع رأي ملأكم وذوي الحِجى والفضل منكم على مثل ما قدمتْ به رُسلكم وقرأتُ في كتبكم، فإنِّي أُقدم إليكم وشيكاً إن

____________________

(١) تاريخ الطبري ٣: ٢٩٠.

(٢) مثير الأحزان: ٣٢.

(٣) الأخبار الطوال: ٢٤٣.

(٤) إبصار العين: ١١٢.


شاء الله... ) (١) .

وعلى ضوء رسالة مسلمعليه‌السلام عقد الإمام الحسينعليه‌السلام عزمه على التوجّه إلى الكوفة، وكتب رسالته الثانية إلى أهلها(٢) في الحاجر من بطن الرمّة(٣) ، وحملها قيس بن مُسهَّر إلى الكوفة، لكنّه قُبض عليه أثناء هذه السفارة في الطريق، فمزّق الرسالة كي لا تقع في أيدي الأعداء.

خُطَبُ الإمام عليه‌السلام في مكّة المكرّمة:

من المؤسف، أنّ التأريخ لم يُسجّل لنا طيلة مكث الإمامعليه‌السلام في مكّة المكرَّمة إلاَّ خُطبته المشهورة، التي ورد فيها قولهعليه‌السلام :( خُطّ الموت على وِلد آدم مَخطَّ القِلادة على جِيد الفتاة ) ، وهي الخُطبة التي خطبها قبل خروجه من مكّة، وخُطبة أُخرى قصيرة، تضمّنت باقة من قصار الحِكم!!

ويصعب على المتأمِّل، أن يقتنع بأنّ الإمامعليه‌السلام طيلة ما يُقارب مئة وخمسة وعشرين يوماً في مكّة، وفي أيّام موسم الحجّ آنذاك، لم يخطب في محافل مكّة إلاّ هاتين الخُطبتين، مع ما حدّثنا به التأريخ، أنّ الناس كانوا يجتمعون إليه ويلتفُّون حوله، ويأخذون عنه، ويضبطون ما يسمعونه منه!

فهل يُعقل أنّ الإمامعليه‌السلام لم يستثمر تلك الأجواء الدينية القدسية في بيت الله الحرام، للتبليغ بالحقّ، والتعريف به، وبنهضته المقدّسة؟!

____________________

(١) الإرشاد: ٢٠٤.

(٢) أوردناها في ترجمة قيس بن مُسهَّر الصيداوي، فراجع.

(٣) ويضبطها بعضهم (الحاجز)، وبطن الرمّة: منزل يجمع طريق البصرة والكوفة إلى المدينة المنوَّرة. (راجع: إبصار العين: ٢٨).


إنَّها ثغرة من ثغرات التأريخ المبهمة، وعثرة من عثراته المؤلمة!

الخُطبة الأُولى:

قال المحقّق المتتبّع الشيخ السماوي (قدس سره): « ولما جاء كتاب مسلم إلى الحسين عزم على الخروج، فجمع أصحابه في الليلة الثامنة من ذي الحجّة فخطبهم... »(١) .

غير أنّ السيد ابن طاووس (قدس سره) لم يذكر أنّه خطبها في أصحابه، بل قال: « ورُوي أنّهعليه‌السلام لما عزم على الخروج إلى العراق قام خطيباً... »(٢) .

وقال ابن نما (قدس سره): « ثمّ قام خطيباً... »(٣) .

وقد يُستفاد من نصّ ابن طاووس وابن نما: أنّ الإمامعليه‌السلام خطب هذه الخُطبة في الناس في مكّة لا في خصوص أصحابه.

والخطبة هي:

( الحمد لله، ما شاء الله، ولا قوّة إلاّ بالله، وصلّى الله على رسوله، خُطّ الموت على ولْد آدم مَخطَّ القلادة على جِيد الفتاة، وما أولَهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخِيرَ لي مصرع أنا لاقِيه، كأنِّي بأوصالي تُقطِّعها عُسلان الفلَوات بين النواويس وكربلا، فيملأن منِّي أكرُشاً جُوفاً وأجرِبة سُغباً، لا مَحيص عن يوم خُطَّ بالقلم، رضا الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه ويوفِّينا أجر الصابرين، لن تشذَّ عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لُحْمته، وهي مجموعة له في حظيرة القُدس، تقرُّ بهم عينه، وينجز بهم وعده، مَن كان باذلاً فينا مُهجته

____________________

(١) إبصار العين: ٢٧.

(٢) اللهوف: ١٢٦.

(٣) مُثير الأحزان: ٤١.


وموطّناً على لقاء الله نفسه، فليرحل معنا فإنِّني راحل مُصبحاً إن شاء الله تعالى ) (١) .

____________________

(١) اللهوف: ٢٦، ومُثير الأحزان: ٤١، وكشف الغمّة ٢: ٢٩.

قال الشيخ السماوي:

( مَخطّ القلادة ): يعني موضع خطّ القلادة، وهي في الحقيقة الجِلْد المستدير من الجِيد، فكما أنّ ذلك الجِلد لازم على الرقبة، كذلك الموت على ولْد آدم! هذا إذا قلنا: إنّ مخطّ اسم مكان، وإن قلنا: إنَّه اسم مصدر. بمعنى خطٌّ، فيعني به: أنّ الموت دائرة لا يخرج ابن آدم من وسطها، كما أنّ القلادة دائرة لا يخرج الجِيد منها في حال تقلّده.

( ما أولهني ): - يعني ما أشدَّ شوقي، والولَه شدّة الشوق.

( خِيرَ لي ): - يعني خار الله لي مصرعاً، أي اختاره. ويمضي على بعض الألسنة وفي بعض الكتب ( خُيِّر ) بالتشديد وهو غلط فاحش.

( عُسلان الفلوات ): بضم العين وسكون السين، جمع عاسل، وهو المهتزّ والمضطرب، يُقال للرمح وللذئب وأمثالهما، والمراد هنا المعنى الثاني.

لا يُقال: إنّ العُسلان لا تتسلّط على أوصال صفوة الله، لطفاً من الله وإيثاراً له.

لأنّا نقول: إنّ الكلام جرى على القواعد العربية والأساليب الفصيحة، كما يقول قائلهم: عندي جفنة يقعد فيها الخمسة، يعني: لو كانت ممّا يُفعل به ذلك لقعد فيها خمسة رجال.

فيكون معنى الكلام: لو جاز ذلك على أوصالي لفُعِل بها. وهذا كناية عن قتله وتركه بالعراء.

( النواويس ): - جمع ناوس في الأصل، وهو القبر للنصراني، والمراد به هنا القرية التي كانت عند كربلاء.

( جُوفاً ): - بضم الجيم وسكون الواو، جمع جوفاء، وهي الواسعة، ويجري على بعض الألسن تحريك الواو أو تشديدها وهو غلط.

( أجرِبة سُغُباً ): أجرِبة جمع جراب، كأغلمة وغلام، والمراد به البطن مجازاً، وسُغباً: جمع سغبى من السَغَب وهو الجوع. ورأيت في نسخة ( أحوية )، فكأنّه جمع لـ حوية البطن وهي أمعاؤها، والمعروف حوايا، فإن وردت أحوية فما أحسبها إلاّ خيراً من أجربة. =


مُلاحظات مُستفادة من هذه الخُطبة الشريفة:

١- شبَّه الإمامعليه‌السلام حتميّة عدم انفلات الإنسان من طوق قهرية الموت، بعدم انفلات عنق الفتاة من طوق القلاد المحكَم، وتشبيه الموت بالقلادة على جيد الفتاة وهي زينة لها، إلفاتة رائعة، إلى أنّ الموت خطوة تكاملية في مسار حركة الإنسان التكوينية، وهو زينة للمؤمن خاصة في مسار حركة المصير؛ لكونه معبراً للمؤمن من دار العناء والتزاحم والابتلاء والشدائد إلى دار النعيم والجزاء الأوفى والسعادة الأبدية، ولا شكَّ أنّ الشهادة - وهي أفضل وأشرف الموت - أحرى بحقيقة الزينة من مطلق الموت، ولا يؤتاها إلاّ ذو حظّ عظيم.

٢- في قولهعليه‌السلام :( خِيرَ لي مصرع أنا لاقيه ) ، إشارة إلى أنّ هذا المصرع اختيار إلهي، لا على نحو القهر والجبر طبعاً، بل على نحو التشريف بكرامة التكليف، في الظروف الصعبة الخاصة المؤدّية إلى أنْ يتحرّك الإمامعليه‌السلام نحو هذا المصرع؛ تعبّداً وامتثالاً لأمر الله تعالى في أداء هذا التكليف في مثل تلك الظروف. كما أنّ في قوله هذا إشارة إلى علمه بمصيره ومآل أمره.

٣- في قولهعليه‌السلام :( لا محيص عن يوم خُطّ بالقلم ) ، إشارة جليَّة إلى حتميّة وقوع هذا المصرع، وتحقّق ذلك المصير قضاء من الله تعالى، لا على نحو القهر والجبر كذلك، بل على نحو أنّ حركة الأحداث في علم الله تبارك وتعالى، ستؤول في النهاية بمشيئة الله تعالى إلى تحقّق هذا المصرع، وبالكيفيّة التي وقع بها.

٤- في هذه الخطبة ركّز الإمامعليه‌السلام على أنّ مصيره في التوجّه إلى العراق هو القتل، وأشار إلى بشاعة القتلة، بأنّ أوصاله تُقطّعها عُسلان الفلوات بين النواويس

____________________

= ( لن تشذّ ): - لن تنفرد وتتفرّق.

لُحمته: - بضمّ اللام وهي القرابة. (إبصار العين: ٤٢ - ٤٣).


وكربلاء، ولعلّ في قوله عليه‌السلام :( بين النواويس وكربلاء ) ، إشارة إلى امتداد الجيش الأُموي وكثافته الشديدة على امتداد ما بين هاتين المنطقتين..

وشرط على مَن يلتحق به أن يكون باذلاً في موالاة أهل البيتعليهم‌السلام مُهجته، وموطّناً على لقاء الله نفسه، أي لا مصير إلاّ القتل والصبر على السيوف والأسنّة!

فماذا أراد الإمامعليه‌السلام من وراء ذلك..؟ ولماذا؟

إنّ القائد الرباني في حركته نحو تحقيق أهدافه، يسعى كغيره من القادة إلى تهيأة العدّة والعدد، ويتوسّل إلى ذلك بالأسباب الظاهرة المألوفة، ولكنّه يختلف عن القادة الساعين إلى تحقيق النصر الظاهري فقط، في أنّه لا يبتغي الأعوان كيفما كانوا، بل القائد الربّاني يبتغي أعواناً ربّانين من نوعه، هدفهم الأساس في كلّ ما هم ساعون إليه مرضاة الربّ تبارك وتعالى، أعواناً هادين مهديِّين، مُصرِّين على المضيّ في طريق ذات الشوكة مع علمهم بمصيرهم.

ومن أولئك تتشكَّل العدّة الحقيقية للقائد الربّاني، التي يرسم بحسبها خطَّة الفعل ونوع المواجهة، فهو لا يعتمد في رسم خُطط ونوع المواجهة على كلّ مَن التحق به، وكثير منهم الطامعون وأهل الريبة والعصيان، فلابدّ من تمحيصهم، ولابدّ من تنقية الركب الحسينيّ من كلّ أولئك، قبل الوصول إلى ساحة المواجهة؛ ولذا كان لابدّ من أن يختبر حقيقة النيّات والعزائم، بالإعلام والتأكيد على أنّ المصير هو القتل والصبر على السيوف والأسنّة، وأنّ ذلك لا يقوى عليه إلاّ باذل في حقيقة الموالاة مُهجته، موطِّن على لقاء الله نفسه!! وهذا الاختبار من سُنن منهج القيادة الربانيّة.

وقد حدّثنا القرآن الحكيم عن هذه السنَّة في اختبار النهر على يد طالوتعليه‌السلام :

( فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ


مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) (١) .

يُضاف إلى ذلك، أنّ القائد الربّاني حينما يُطلِع أنصاره على ما سوف يلقى ويلقونه من مصير، وما سوف يواجهونه من شدائد ومكاره، يكون بذلك قد فتح لهم باب علِّو الدرجة وسمّو المنزلة، والمثوبة العُليا عند الله تبارك وتعالى في حال إصرارهم على المضيّ على طريق الجهاد في سبيل الله.

والمتأمِّل في تفاصيل حركة الإمام الحسينعليه‌السلام يرى أنّ الإمامعليه‌السلام كان قد دأب على الإخبار بمصرعه منذ أن كان في المدينة، وفي الطريق إلى مكّة، وفي مكّة، وفي منازل الطريق منها إلى العراق، مُغربلاً بذلك الركب الحسيني من جميع مَن أرادوا الدنيا من وراء الالتحاق به، ولم يكتفِ بذلك، بل عرّض حتى الصفوة الخالصة من أنصاره لهذا الاختبار، لتعلو بثباتهم درجاتهم الرفيعة عند الله تبارك وتعالى، وهكذا كان، حتى رأوا منازلهم في الجنّة عياناً تلكم العشيّة، ثمّ في الغد الرهيب نراهعليه‌السلام قد رسم خُطّته الحربية على أساس قوّته الحقيقية، المؤلّفة من تلكُم الصفوة القليلة الخالصة من كل شائبة!

٥ - في قولهعليه‌السلام :( لن تشذَّ عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لُحمته، وهي مجموعة له في حظيرة القُدس، تقرُّ بهم عينه، وينجز بهم وعده... )، إشارة إلى أنّ مسار أهل البيتعليهم‌السلام امتداد لمسار رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهمْ معه في درجته ومنزلته، وتقرُّ عين الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله بما

____________________

(١) سورة البقرة: ٢٤٩.


جعل الله لهم وخصَّهم به من كرامة الدنيا والآخرة(١) . ولعلَّ في قوله عليه‌السلام :( ويُنجز بهم وعده ) ، إشارة إلى أنّ الوعد الإلهي بإظهار دين الله على الدين كلّه، على كلّ الأرض، سيتحقَّق في النهاية على يد رجل من أبناء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومن أبناء الحسين عليه‌السلام هو الإمام المهدي المنتظر عليه‌السلام (٢) .

الخُطبة الثانية:

إنّ التأمّل في محتوى الخُطبة الثانية، وعدم ارتباط مضامينها بمضامين الخُطبة الأُولى، يقوّي الظنّ في أنّ مُناسبة الخُطبة الثانية بعيدة عن مُناسبة الخُطبة الأُولى زماناً ومكاناً، غير أنّ الحائري صاحب كتاب معالي السبطين، أورد الخُطبة الأُولى نقلاً عن اللهوف لابن طاووس، ثمّ قال بعدها: « وخطب بعدها هذه الخُطبة... »، وأورد الخُطبة الثانية، علماً بأنّ اللهوف لم يحتوِ لا على هذه الإشارة ولا على الخُطبة الثانية نفسها! والله العالم عن أيّ مصدر أخذ صاحب معالي السبطين هذه الخُطبة وتلكم الإشارة.

ونحن نورد هذه الخُطبة هنا بعد الخُطبة الأُولى؛ لأنّ هذا الفصل يختصّ بكلّ

____________________

(١) عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر وجعفر بن محمدعليهما‌السلام يقولان:( إنّ الله تعالى عوّض الحسين عليه‌السلام من قتله أن جعل الإمامة في ذرِّيته، والشفاء في تُربته، وإجابة الدعاء عند قبره، ولا تُعدُّ أيّام زائريه جائياً وراجعاً من عمره ) .

قال محمد بن مسلم: فقلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : هذه الخلال تُنال بالحسين عليه‌السلام ، فماله في نفسه؟ قال: ( إنّ الله تعالى ألحقه بالنبيّ، فكان معه في درجته ومنزلته ) ، ثمّ تلا أبو عبد الله عليه‌السلام :( وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ... ) الآية ). (البحار ٤٤: ٢٢١).

(٢) والروايات في هذا المعنى كثيرة، يجدها مَن أرادها في الكُتب المؤلّفة في غيبته عليه‌السلام ، كالغيبة للطوسي، والغيبة للنعماني، وكمال الدين للصدوق، ويحتويها بشكل مجموع كتاب مُعجم أحاديث المهدي عليه‌السلام . فراجع.


ما يرتبط بحركة الإمام عليه‌السلام في مكّة المكرّمة؛ ولأنّ من المحتمل أن يكون الإمام عليه‌السلام قد أشار عقيب الخُطبة الأُولى بالإشارات الأخلاقية، التي تضمَّنتها مقاطع الحِكم القصار، التي احتوتها الخُطبة الثانية.

والخطبة الثانية هي:

( إنّ الحِلم زينة، والوفاء مروَّة، والصِلة نعمة، والاستكبار صلَف، والعَجلة سفَه، والسفه ضعف، والغلوّ ورطة، ومُجالسة أهل الدناءة شرٌّ، ومُجالسة أهل الفِسق ريبة ) (١) .

يوم الخروج من مكّة المكرّمة:

روى الشيخ المفيد (قدس سره)، وكذلك الطبري روى عن أبي مخنف: أنّ يوم خروج الإمام الحسينعليه‌السلام من مكّة مُتّجهاً إلى العراق، كان يوم الثامن من ذي الحجّة: « ثمّ خرج منها لثمان مضين من ذي الحجّة، يوم الثلاثاء، يوم التروية، في اليوم الذي خرج فيه مسلم بن عقيل »(٢) ، وهذا هو المشهور.

لكنّ المزّي وابن عساكر ذكرا أنّ خروجهعليه‌السلام من مكّة كان في يوم الاثنين، في العاشر من ذي الحجّة سنة ستّين: « فخرج مُتوجِّهاً إلى العراق في أهل بيته وستّين شيخاً من أهل الكوفة، وذلك يوم الاثنين في عشر من ذي الحجّة سنة ستّين »(٣) .

لكنّ السيّد ابن طاووس (قدس سره) قال: « كان قد توجَّه الحسينعليه‌السلام من مكّة يوم

____________________

(١) معالي السبطين ١: ٢٥١، ورواها الشبلنجي في نور الأبصار: ٢٧٧، ولم يذكر قول صاحب معالي السبطين: ( وخطب بعدها هذه الخُطبة )، ورواها الأربلي في كشف الغمّة ٢: ٢٤٢، ووردت في الفصول المهمّة: ١٧٨.

(٢) الإرشاد: ٢١٨، و تاريخ الطبري ٣: ٣٠١ و ٢٩٣.

(٣) تهذيب الكمال ٤: ٤٩٣، وتاريخ دمشق ١٤: ٢١٢.


الثلاثاء لثلاث مضين من ذي الحجّة »(١) .

وأمّا سبط ابن الجوزي، فقد قال في تذكرة الخواص: « وأمّا الحسينعليه‌السلام ، فإنّه خرج من مكّة سابع ذي الحجّة سنة ستِّين... »(٢) .

ولا يخفى أنّ المشهور هو الصحيح والقول الفصل؛ لأنّه ورد عن لسان الإمامعليه‌السلام نفسه في رسالته الثانية إلى أهل الكوفة، حيث قال فيها:

(... وقد شخصت إليكم من مكّة يوم الثلاثاء، لثمانٍ مضين من ذي الحجّة يوم التروية... ) (٣) .

وروى ابن كثير في تاريخه، عن الزبير بن بكّار، عن محمد بن الضحاك، أنّ الإمام الحسينعليه‌السلام لما أراد الخروج من مكّة إلى الكوفة مرّ بباب المسجد الحرام وقال:

( لا ذعرتُ السوام في فَلق الصُّبح

مُغيراً ولا دُعيت يزيدا

يوم أُعطي مخافة الموت ضيماً

والمنايا يرصدنني أن أحيدا ) (٤)

____________________

(١) الملهوف: ١٢٤.

(٢) تذكرة الخواص: ٢١٧.

(٣) تأريخ الطبري ٣: ٣٠١.

(٤) البداية والنهاية ٨: ١٦٧، وشرح الأخبار ٣: ١٤٤، وتاريخ دمشق ١٤: ٢٠٤. لكن هناك رواية عن أبي سعيد المقبري (أو المنقري) مفادها: أنّ الإمام عليه‌السلام تمثّل بهذين البيتين في المدينة المنوّرة، حين دخل مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال أبو سعيد: ( والله، لرأيت الحسين وإنّه ليمشي بين رَجُلين، يعتمد على هذا مرّة، وعلى هذا مرّة، وعلى هذا أُخرى حتى دخل مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو يقول من الخفيف - أي وزن الشِعر الذي تمثَّل عليه‌السلام به - فعلمت عند ذلك أن لا يلبث إلاّ قليلاً حتى يخرج، فما لبث أن خرج حتى لحق بمكّة... ). ( مُختصر تاريخ دمشق ٧: ١٣٦ )


لماذا أصرَّ الإمام عليه‌السلام على مُغادرة مكّة أيّام الحج؟

في حركة أحداث النهضة الحسينية هناك مجموعة من الوقائع مُلفتة للانتباه

____________________

= أقول: لا مانع من تكرُّر تمثُّله عليه‌السلام بهذين البيتين في الموضعين، كما أشار إلى ذلك القاضي نعمان المصري، بعد شرح مفردات البيتين حيث قال:

( السوام: النعم السائمة، وأكثر ما يقولون هذا الاسم على الإبل خاصة. والسائمة: الراعية التي تسوم الكلأ إذا داومت رعْيه، وهي سوام، والرعاة يسومونها أي يرعونها. وفي رواية أُخرى: تُمثّل بهذين البيتين بالمدينة. وهذان البيتان لابن المفرغ الحميري، تمثّل بهما الحسين عليه‌السلام .. (ثمّ قال:) وقد يكون قال ذلك في الموضعين جميعاً ). (شرح الأخبار ٣: ١٤٥).

وهناك رواية أوردها الشيخ عباس القمِّي هكذا: ( روي ): عن ابن عبّاس قال:( رأيت الحسين عليه‌السلام قبل أن يتوجّه إلى العراق على باب الكعبة وكفّ جبرئيل عليه‌السلام في كفّه، وجبرئيل يُنادي: ( هلمُّوا إلى بيعة الله عزّ وجلّ ) (نفس المهموم: ١٦٣) ).

ولا يخفى على متأمّل، أنّ ما ورد في متن هذه الرواية ليس بعزيز على الإمام عليه‌السلام ولا مُستغرب، وهو زين السماوات والأرض، كما ورد عن لسان جدّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وجبرئيل عليه‌السلام والملأ الأعلى يتشرّفون بخدمته، لكنَّ الملاحظ على هذه الرواية قول ابن عبّاس ( رأيت ) فهل كانرضي‌الله‌عنه مؤهَّلاً لمثل هذه الرؤية ( رؤية جبرئيل عليه‌السلام )؟ أم أنّه رآه بإذن خاص من الإمام عليه‌السلام في تلك الواقعة؟ أم أنّه رآه مُتمثّلاً بشراً سويّاً، ثمّ عرّفه الإمام عليه‌السلام أنّ هذا الذي رآه هو جبرئيل عليه‌السلام ؟ أو أنّ الإمام عليه‌السلام أخبر ابن عباس ثمّ بعد ذلك حكاه ابن عباس للناس.

ومُلاحظة أُخرى: إذا كان ابن عباسرضي‌الله‌عنه قد شاهد هذا الأمر، فهل بايع؟ وإذا كان قد بايع فكيف أطاق التخلُّف عن الالتحاق بركب سيّد الشهداء عليه‌السلام ؟ حتى على فرض معذوريّته في ذلك.

ومُلاحظة أُخرى: هل انكشف أمر هذه الرؤية لابن عبّاسرضي‌الله‌عنه فقط؟ أم أنّ: ( هلمّوا إلى بيعة الله عزّ وجلّ ) كاشفة عن أنّ الخطاب موجّه للناس الآخرين؟ فهل سمعوا النداء؟ وماذا كانت الإجابة؟!

أم أنّ تلكم الرؤية كانت رؤيا منام؟ وهناك تساؤلات أُخرى.


ومُثيرة للاستغراب، وداعية إلى التساؤل عن العلّة من ورائها، ومن أبرز هذه الوقائع خروج الإمام الحسين عليه‌السلام من مكّة في يوم التروية، وللمؤرّخين والمحقّقين والفقهاء تعاليق وآراء في صدد هذه الواقعة، نورد منها هنا ثلاثة أقوال: أحدها للعلاّمة المجلسي (ره)، والثاني للشيخ التُّستري (ره)، والثالث للسيّد المرتضى (ره)، ولنا بينها رأي وإيضاح:

تعليقة العلاّمة المجلسي (قدّس سرّه):

قال العلاّمة المجلسي في بحار الأنوار: « قد مضى في كتاب الإمامة وكتاب الفتن أخبار كثيرة، دالّة على أنّ كلاًّ منهمعليهم‌السلام كان مأموراً بأمور خاصة، مكتوبة في الصُّحف السماوية النازلة على الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فهم كانوا يعملون بها. ولا ينبغي قياس الأحكام المتعلّقة بهم على أحكامنا، وبعد الاطّلاع على أحوال الأنبياءعليهم‌السلام ، وإنّ كثيراً منهم كانوا يُبعثون فرادى على ألوف من الكفرة... ويدعونهم إلى دينهم، ولا يبالون بما ينالهم من المكاره والضرب، والحبس والقتل، والإلقاء في النار وغير ذلك، لا ينبغي الاعتراض على أئمّة الدين في أمثال ذلك، مع أنّه مع ثبوت عصمتهم بالبراهين والنصوص المتواترة لا مجال للاعتراض عليهم، بل يجب التسليم لهم في كلّ ما يصدر عنهم.

على أنّك لو تأملت حقّ التأمّل علمت أنّهعليه‌السلام فدى نفسه المقدسّة دين جدّه، ولم يتزلزل أركان دولة بني أميّة إلاّ بعد شهادته، ولم يظهر للناس كفرهم وضلالتهم إلاّ عند فوزه بسعادته. ولو كانعليه‌السلام يُسالمهم ويوادعهم كان يقوى سلطانهم، ويشتبه على الناس أمرهم، فتعود بعد حين أعلام الدين طامسة، وآثار الهداية مندرسة، مع أنّه قد ظهر لك من الأخبار السابقة أنّهعليه‌السلام هرب من المدينة


خوفاً من القتل إلى مكّة، وكذا خرج من مكّة بعدما غلب على ظنّه أنّهم يريدون غيلته وقتله، حتّى لم يتيسّر له - فداه نفسي وأبي وأمِّي وولدي - أن يُتمّ حَجّه(١) ، فتحلَّل وخرج منها خائفاً يترقَّب، وقد كانوا لعنهم الله ضيّقوا عليه جميع الأقطار، ولم يتركوا له موضعاً للفرار.

ولقد رأيت في بعض الكُتب المعتبرة أنّ يزيد أنفذ عمرو بن سعيد بن العاص في عسكر عظيم، وولاّه أمر الموسم، وأمّره على الحاجّ كلّهم، وكان قد أوصاه بقبض الحسينعليه‌السلام سرّاً، وإن لم يتمكّن منه يقتله غيلةً، ثمّ إنّه دسَّ مع الحاجّ في تلك السنة ثلاثين رجلاً من شياطين بني أُميّة، وأمرهم بقتل الحسينعليه‌السلام على أيّ حال اتّفق، فلمّا علم الحسينعليه‌السلام بذلك حلّ من إحرام الحجّ وجعلها عمرة مُفردة(٢) .

وقد روي بأسانيد، أنّه لما منعهعليه‌السلام محمد بن الحنفية عن الخروج إلى الكوفة قال:

( والله، يا أخي لو كنت في حُجر هامَّة من هوامِّ الأرض لاستخرجوني منه حتى يقتلوني! ) (٣) .

بل الظاهر أنّه صلوات الله عليه لو كان يُسالمهم ويُبايعهم لا يتركونه؛ لشدّة عداوتهم وكثرة وقاحتهم، بل كانوا يغتالونه بكلّ حيلة، ويدفعونه بكلّ وسيلة، وإنّما كانوا يعرضون البيعة عليه أوّلاً، لعلمهم بأنّه لا يوافقهم في ذلك، ألا ترى إلى مروان لعنه الله كيف كان يُشير على والي المدينة بقتله قبل عرض البيعة عليه، وكان عبيد الله بن زياد عليه لعائن الله إلى يوم التنادِ يقول: إعرضوا عليه، فلينزل على أمرنا ثمّ نرى فيه رأينا. ألا ترى كيف أمّنوا مسلماً ثمّ قتلوه!!

____________________

(١) و(٢) سيأتي في ص٩٣، أنّ الدليل التاريخي والفقهي يُثبت أنّه عليه‌السلام أحرم منذ البدء لعمرة مفردة لا لعمرة التمتُّع.

(٣) انظر تاريخ الطبري ٣: ٢٩٦ و ٣٠٠.


فأمّا معاوية لعنه الله، فإنّه مع شدّة عداوته وبُغضه لأهل البيتعليهم‌السلام كان ذا دهاء ونكراء وحزم، وكان يعلم أنّ قتلهم علانية يوجب رجوع الناس عنه، وذهاب مُلكه، وخروج الناس عليه، فكان يُداريهم ظاهراً على أيّ حال؛ ولذا صالحه الحسنعليه‌السلام ولم يتعرَّض له الحسين؛ ولذلك كان يوصي ولده اللعين بعدم التعرّض للحسينعليه‌السلام ؛ لأنّه كان يعلم أنّ ذلك يصير سبباً لذهاب دولته... »(١) .

تعليل الشيخ جعفر التُّستري (قدّس سرّه):

وللشيخ التُّستري كلام عميق، في تفسير سرّ إصرار الإمام الحسينعليه‌السلام على مُغادرة مكّة أيّام الحجّ والخروج إلى العراق، يقول (قدس سره):

« كان للحسينعليه‌السلام تكليفان واقعي وظاهري:

أمّا الواقعيّ الذي دعاه للإقدام على الموت، وتعريض عياله للأسر وأطفاله للذبح مع علمه بذلك، فالوجه فيه أنّ عتاة بني أُميّة قد اعتقدوا أنّهم على الحق، وأنّ علياً وأولاده وشيعتهم على الباطل(٢) ، حتى جعلوا سبّه من أجزاء صلاة الجمعة، وبلغ الحال ببعضهم أنّه نسي اللعن في خُطبة الجمعة فذكّره وهو في السفر فقضاه! وبنوا مسجداً سمّوه « مسجد الذِكر »، فلو بايع الحسينعليه‌السلام يزيد وسلّم الأمر إليه لم يبقَ من الحقّ أثر، فإنّ كثيراً من الناس يعتقد بأنّ المحالفة لبني أُميّة دليل استصواب رأيهم وحُسن سيرتهم، وأمّا بعد مُحاربة الحسينعليه‌السلام لهم، وتعريض نفسه المقدّسة وعياله وأطفاله للفوادح التي جرت عليهم، فقد تبيّن

____________________

(١) بحار الأنوار ٤٥: ٩٨ - ١٠٠.

(٢) الأمر ليس كما ذهب إليه الشيخ التُّستري (ره)، بل بنو أُميّة عرفوا الحقّ، وأنّ أهله محمد وآلهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولكنّهم جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم؛ حسداً لأهل البيتعليهم‌السلام لما فضّلهم الله به على الناس أجمعين، فأصرّوا على الصدّ عن الحق بكل ما أوتوا من حيلة وقوّة.


لأهل زمانه والأجيال المتعاقبة أحقيّته بالأمر وضلال مَن بغى عليه.

وأمّا التكليف الظاهري ، فلأنّهعليه‌السلام سعى في حفظ نفسه وعياله بكلّ وجه فلم يتيسّر له، وقد ضيّقوا عليه الأقطار، حتى كتب يزيد إلى عامله على المدينة أن يقتله فيها، فخرج منها خائفاً يترقّب، فلاذ بحرم الله الذي هو أمْنُ الخائف وكهف المستجير، فجدّوا في إلقاء القبض عليه، أو قتله غيلةً ولو وجد مُتعلّقاً بأستار الكعبة، فالتزم بأن يجعل إحرامه عمرة مُفردة وترك التمتُّع بالحجّ، فتوجّه إلى الكوفة؛ لأنّهم كاتبوه وبايعوه، وأكّدوا المصير إليهم، لإنقاذهم من شرور الأمويِّين، فألزمه التكليف بحسب الظاهر إلى موافقتهم، إتماماً للحجّة عليهم؛ لئلاَّ يعتذروا يوم الحساب: بأنّهم لجأوا إليه واستغاثوا به من ظُلم الجائرين، فاتَّهمهم بالشقاق ولم يُغثهم.

مع أنّه لو لم يرجع إليهم، فإلى أين يتوجّه وقد ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وهو معنى قوله لابن الحنفية:( لو دخلتُ في جُحر هامَّة من هذه الهوامِّ لاستخرجوني حتى يقتلوني! ) (١) .

تمام الحق في القول...

وأقول: لا شكّ في دقّة جُلّ المضامين التي طرحها الشيخ التُّستري أعلى الله مقامه، خصوصاً في الإلفات إلى أنّ للإمامعليه‌السلام تكليفين: أحدهما ظاهري، وآخر واقعي، هما في طول بعضهما ولا تنافي بينهما، وقد أجاد (قدس سره) في تفصيل هذه الالتفاتة التي هي من جديد ما قدّمه الشيخ التُّستري في وقته، لكنّ لنا تحفُّظاً على قوله (قدس سره): ( مع أنّه لو لم يرجع إليهم - أي إلى أهل الكوفة - فإلى أين يتوجّه وقد ضاقت عليه الأرض بما رحبت... )؛ ذلك لأنّ هناك أكثر من رواية تاريخية، تُفيد أنّه كان بإمكانهعليه‌السلام أن يتوجّه إلى اليمن مثلاً ومناطق أُخرى غيرها، فهذا محمّد بن

____________________

(١) الخصائص الحسينية: ٨٣.


الحنفية يقول له:

« تخرج إلى مكّة، فإن اطمأنّت بك الدار بها فذاك، وإن تكن الأُخرى خرجت إلى بلاد اليمن، فإنّهم أنصار جدّك وأبيك، وهم أرأف الناس وأرقّهم قلوباً وأوسع الناس بلاداً، فإن اطمأنّت بك الدار وإلاّ بالرمال وشعوب الجبال، وجزت من بلد إلى بلد، حتى تنظر ما يؤول إليه أمر الناس، ويحكم الله بيننا وبين القوم الفاسقين » (١) .

وهذا الطرمّاح يقول له:

« فإن أردت أن تنزل بلداً يمنعك الله به حتى ترى من رأيك، ويستبين لك ما أنت صانع، فسرْ حتى أُنزلك مِناع جبلنا الذي يُدعى (أجأ)، فأسير معك حتى أُنزلك (القُرَيّة) » (٢) .

وفي نصّ آخر: « فإن كنت مُجمعاً على الحرب فانزل «أجأ»؛ فإنّه جبل منيع، والله، ما نالنا فيه ذلٌّ قطّ، وعشيرتي يرون جميعاً نصرك، فهم يمنعونك ما أقمت فيهم »(٣) .

إذن؛ فالحقّ في هذه النقطة ليس كما ذهب إليه الشيخ التُّستري (قدس سره)، في أنّهعليه‌السلام لم يكن له ملجأ يتوجّه إليه من مكّة إلاّ الكوفة.

ولعلّ الصواب في هذه المسألة - إضافة إلى ما تفضّل به العلاّمة المجلسي(قدس سره) والشيخ التُّستري (قدس سره) هو: أنّ الإمامعليه‌السلام أراد أن «ينجو» من أن يُقتل في المدينة أو

____________________

(١) الفتوح ٥: ٢٢.

(٢) تاريخ الطبري ٣: ٣٠٨.

(٣) مُثير الأحزان: ٣٩ - ٤٠.


في مكّة خاصة، قتلةً يُقضى بها على ثورته في مهدها، وتُهتك بها حُرمة البيت:

( يا أخي، قد خفت أن يغتالني يزيد بن معاوية في الحرم؛ فأكون الذي يُستباح به حُرمة هذا البيت ) (١) ، حيث يتمكّن الأُمويون في كلّ ذلك أن يدّعوا أنّهم بريئون ممّا جرى على الإمامعليه‌السلام - سواء في المدينة أم في مكّة أم في الطريق - فيُحافظوا بذلك على الإطار الديني لحكمهم، أو أن تزداد المصيبة سوءاً حين يُطالبون هم بدم الإمامعليه‌السلام ، فيقتلون مَن أمروه هم بقتله! أو يتّهمون بريئاً ليقتلوه! فيخدعون الناس بادعائهم أنّهم أصحاب دمه الآخذون بثأره، فيزداد الناس انخداعاً بهم ومحبّة لهم وتصديقاً بما يستظهرون من التدين والالتزام، فتكون المصيبة على الإسلام والأمَّة الإسلامية أدهى وأمرّ!!... فحيث إن لم يُبايع يُقتل، فقد سعىعليه‌السلام ألاّ يُقتل في ظروف زمانية ومكانية، وبكيفية يختارها ويُخطِّط لها ويعدُّها العدوُّ، وسعىعليه‌السلام بمنطق الشهيد الفاتح أن يتحقّق مصرعه الذي لابدّ منه على أرض يختارها هو، ولا يستطيع العدوّ فيها أن يُعتِّم على مصرعه، فتختنق الأهداف المرجوّة من وراء هذا المصرع، الذي سيهزّ الأعماق في وجدان الأمّة، ويُحرّكها بالاتجاه الذي أراده الحسينعليه‌السلام ، كما سعىعليه‌السلام أن تجري وقائع المأساة في وضح النهار، لا في ظلمة الليل ليرى جريان وقائعها أكبر عدد من الشهود، فلا يتمكّن العدوّ من أن يُعتِّم على هذه الوقائع الفجيعة ويُغطّي عليها؛ ولعلّ هذا هو الهدف المنشود من وراء العامل الإعلامي والتبليغي في طلب الإمامعليه‌السلام عصر تاسوعاء أن يُمهلوه إلى صبيحة عاشوراء! »(٢) . فتأمّل!

____________________

(١) اللهوف: ٢٧.

(٢) راجع الجزء الأوّل من هذا الكتاب: مقالة بين يدي الشهيد الفاتح: ١٥٦.


قول السيّد المرتضى ( قدّس سرّه ):

وللسيّد الشريف المرتضى أعلى الله مقامه، في سرّ إصرار الإمامعليه‌السلام على التوجّه إلى الكوفة رأي غريب؛ حيث قال « قدّس سرّه »: « فإن قيل: ما العُذر في خروجه صلوات الله عليه من مكّة بأهله وعياله إلى الكوفة، والمستولي عليها أعداؤه، والمتأمِّر فيها من قِبَل يزيد اللعين، مُنبسط الأمر والنهي؟! وقد رأى صنع أهل الكوفة بأبيه وأخيه صلوات الله عليهما، وأنّهم غادرون خوّانون، وكيف خالف ظنّه ظنّ جميع نصحائه في الخروج، وابن عبّاس رحمه الله يُشير بالعدول عن الخروج! ويقطع على العطب فيه! وابن عمر لما ودَّعهعليه‌السلام يقول له: ( أستودعك الله من قتيل ) إلى غير ذلك...

الجواب: قلنا: قد علمنا أنّ الإمام متى غلب على ظنِّه أنَّه يصل إلى حقّه والقيام بما فُوِّض إليه بضرب من الفعل، وجب عليه ذلك، وإن كان فيه ضرب من المشقّة يُتحمّل مثلها، وسيّدنا أبو عبد اللهعليه‌السلام لم يسرْ طالباً الكوفة إلاَّ بعد توثّق من القوم، وعهود وعقود، وبعد أن كاتبوهعليه‌السلام طائعين غير مُكرهين، ومُبتدئين غير مُجيبين، وقد كانت المكاتبة من وجوه أهل الكوفة وأشرافها وقرّائها، تقدّمت إليه في أيّام معاوية، وبعد الصلح الواقع بينه وبين الحسنعليه‌السلام ، فدفعهم وقال في الجواب ما وجب. ثمّ كاتبوه بعد وفاة الحسنعليه‌السلام ومعاوية باقٍ، فوعدهم ومنّاهم، وكانت أيّام معاوية صعبة لا يُطمَع في مثلها، فلمّا مضى معاوية وأعادوا المكاتبة، وبذلوا الطاعة وكرّروا الطلب والرغبة، ورأىعليه‌السلام من قوّتهم على ما كان يليهم في الحال من قِبل يزيد، وتسلّطهم عليه، وضعفه عنهم ما قوي فيه ظنُّه أنَّ المسير هو الواجب، تعيّن عليه ما فعله من الاجتهاد والتسبُّب، ولم يكن في حسبانهعليه‌السلام أنّ القوم يغدر بعضهم، ويضعف أهل الحقّ عن نصرته، ويتّفق ما اتّفق من الأمور الغريبة، فإنّ


مسلم بن عقيل، لما دخل الكوفة أخذ البيعة على أكثر أهلها!... »(١) .

وواضحٌ أنّ جواب السيد الشريف المرتضى « قدّس سرّه » قائم على مبنى أهل التسنُّن، في أنّ الإمامعليه‌السلام كغيره من الناس، يعمل على أساس ما يؤدّي إليه الظنّ، وهو مأجور على اجتهاده أخطأ أم أصاب، إلاّ أنّ أجره على الصواب أجران! وأنّ الإمام لم يكن يعلم منذ البدء بمصيره! وأنّه إنّما قام بسبب رسائل أهل الكوفة!

ويبدو أنّ الشريف المرتضى « قدّس سرّه » - وهو من أكابر مُتكلّمي الشيعة - قد اعتمد هذا اللون من الإجابة على تلك التساؤلات؛ ليُخاطب به العقل السنّي في بغداد آنذاك، والمتسنّنون آنئذٍ هم الأكثرية فيها..

وإلاّ فإنّ هذا الجواب مُخالف لاعتقاداتنا بالإمامة، وأنّ الأئمّةعليهم‌السلام يعلمون ما كان وما هو كائن وما يكون إلى يوم القيامة، علماً موهبيّاً من الله تبارك وتعالى، هذا فضلاً عن الروايات التأريخية الكثيرة، التي مفادها أنّ الإمامعليه‌السلام كان يعلم بمصيره ومصرعه، وأنّه كان يُخبر عن ذلك حتى في أيّام طفولته.

ثمّ إنّ قيام الإمام الحسينعليه‌السلام ورفضه البيعة ليزيد، لم يكن بسبب رسائل أهل الكوفة إليه بعد موت معاوية؛ ذلك لأنّ الثابت أنّ هذه الرسائل لم تصل إليه إلاّ بعد رفضه البيعة، وقيامه وخروجه من المدينة ووروده مكّة، وهي لم تصل إليه إلاّ بعد حوالي أربعين يوماً من أيّامه في مكّة!

____________________

(١) بحار الأنوار ٤٥: ٩٦ - ٩٨ عن كتاب تنزيه الأنبياء للسيّد المرتضى ( ره).


عُمرة التمتُّع أم عُمرة مُفردة؟

هل بدّل الإمام عليه‌السلام إحرامه من عمرة التمتّع إلى العمرة المفردة؟

أم أنّهعليه‌السلام ابتداءً دخل في إحرام العُمرة المفردة؛ لعلمه بأنّ الظالمين سوف يصدّونه عن إتمام حجّه؟

إنّ الذي يظهر من بعض المتون التاريخية(١) ومن صريح أقوال بعض المحدّثين: هو أنّ الإمامعليه‌السلام قد بدّل إحرامه من الحجّ أو من عُمرة التمتُّع إلى العُمرة المفردة.

ولكنّ ظاهر بل صريح بعض النصوص - ومنها نصوص صحيحة - هو أنّ الإمام الحسينعليه‌السلام قد دخل في إحرام العُمرة المفردة ابتداءً، ولم يكن ثمّة تبديل في الإحرام، وقد تبنّى هذا القول من الفقهاء السيّد محسن الحكيم « قدّس سرّه » والسيّد

____________________

(١) ( قال الطبرسي: لما أراد الخروج إلى العراق، طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة، وأحلّ من إحرامه وجعلها عُمرة؛ لأنّه لم يتمكّن من إتمام الحجّ؛ مخافة أن يُقبض عليه بمكة... ). ( إعلام الورى:٢٣٠).

( وقال ابن فتّال: وأحلَّ من إحرامه وجعلها عمرة؛ لأنّه لا يتمكّن من إتمام الحج... ). ( روضة الواعظين: ١٧٧).

وظاهرهما أنّ الإمام عليه‌السلام قد بدّل نيّة إحرامه لعُمرة التمتّع إلى المفردة.

ولكنَّ عبارة الشيخ المفيد ( ره ) في ( الإرشاد: ٢١٨): ( لأنّه لم يتمكّن من تمام الحجّ ).

لا تُفيد أنّه أحلّ إحرام الحجّ. وقد فرّق بعض المحقّقين المعاصرين بين عبارتي ( تمام ) و ( إتمام )، فذهب إلى أنّ مفاد الإتمام أنّه عليه‌السلام قد تلبّس بإحرام الحج، حيث قال: ( لأنّ كلمة الإتمام تُفيد أنّه عليه‌السلام قد تلبّس بإحرام الحج دون كلمة تمام الحجّ ). ( وقعة الطف: ١٤٩).


الخوئي « قدّس سرّه » والسيد السبزواري « قدّس سرّه»، وأشار إليه بعض المؤرّخين(١) .

لقد تعرّض الفقهاء لهذا البحث، في مسألة حكم الخروج من مكّة، لمن أتى بالعُمرة المفردة، فأقام إلى هلال ذي الحجّة، فقد ذهب بعضهم إلى القول: بوجوب أداء الحجّ، فيما لو أدرك يوم التروية، وهو رأي ابن البرّاج(٢) وهو قول نادر.

كما ذهب بعض آخر إلى القول بالاستحباب، خصوصاً إذا أقام إلى هلال ذي الحجّة، ولاسيّما إذا أقام في مكّة إلى يوم التروية وهو اليوم الثامن، وهو قول صاحب الجواهر(٣) .

وبعض الروايات التي مفادها حرمة الخروج حُملت على الكراهة؛ استناداً إلى روايات أُخرى، منها خبر اليماني: في أنّ الإمام الحسينعليه‌السلام خرج قبل يوم التروية بيوم، وقد كان مُعتمراً.

وفيما يلي النصوص ثمّ كلمات الفقهاء:

١- الكليني: « علي بن إبراهيم، عن أبيه، ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أنّه سُئل عن رجل خرج في أشهُر الحجّ مُعتمراً، ثمّ رجع إلى بلاده؟ قال:( لا بأس، وإن حَجَّ في عامه ذلك وأفرد الحجّ، فليس عليه دم، فإنّ الحسين بن علي عليهما‌السلام خرج

____________________

(١) قال الشيخ باقر شريف القرشي: ( وهذا - أي التبديل - لا يخلو من تأمّل، فإنّ المصدود عن الحجّ يكون إحلاله بالهدْي، حسب ما نصّ عليه الفقهاء، لا بقلب إحرام الحجّ إلى عُمرة، فإنّ هذا لا يوجب الإحلال من إحرام الحج ). ( راجع: حياة الإمام الحسين بن عليعليهما‌السلام ٣: ٥٠).

(٢) راجع: المهذّب ١: ٢٧٢ ( مَن اعتمر عُمرة - غير متمتّع بها إلى الحج - في شهور الحج، ثمّ أقام بمكّة إلى أن أدرك يوم التروية، كان عليه أن يُحْرم بالحج ويخرج إلى مِنى... ).

(٣) راجع: جواهر الكلام ٢٠: ٤٦١، وانظر: الدروس ١: ٣٣٦.


قبل التروية بيوم إلى العراق، وقد كان دخل مُعتمراً ) (١) .

ومفاد هذا الخبر: أنّ الإمام الحسينعليه‌السلام لم يكن يوم خروجه من مكّة مُحْرماً حتى بإحرام العُمرة، بل كان قد أحرم للعُمرة يوم وروده مكّة المكرّمة. فتأمّل.

وقد عبّر المجلسي في المرآة عن هذا الحديث بالحسن كالصحيح(٢) .

ولقد روى الشيخ الطوسي هذا الحديث في التهذيب عن الكليني، غير أنّ فيه:( إنّ الحسين خرج يوم التروية ) (٣) .

وعبّر المجلسي عنه أيضاً في ملاذ الأخيار بالحسن الصحيح(٤) .

وقال صاحب الجواهر: « وفي التهذيب: خرج يوم التروية، ولعلّه الأصحّ لصحيح معاوية... »(٥) .

٢- الكليني: « علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن إسماعيل بن مرّار، عن يونس، عن معاوية بن عمّار، قال: قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : من أين افترق المتمتّع والمعتمر؟

فقال:( إنّ المتمتّع مرتبط بالحجّ، والمعتمر إذا فرغ منها ذهب حيث شاء، وقد اعتمر الحسين بن علي في ذي الحجّة، ثمّ راح يوم التروية إلى العراق والناس يروحون إلى منى، ولا بأس بالعُمرة في ذي الحجّة لمن لا يُريد الحجّ ) (٦) .

____________________

(١) الكافي ٤: ٥٣٥ حديث رقم ٣ وعنه الوسائل ١٤: ٣١٠ باب ٧ حديث رقم ٢ / و١٠:٢٤٦.

(٢) مرآة العقول ١٨: ٢٣٤.

(٣) التهذيب ٥: ٤٣٦ حديث رقم ١٦٢، والاستبصار ٢: ٣٢٧ رقم ١١٦٠.

(٤) ملاذ الأخيار ٨: ٤٥٩.

(٥) جواهر الكلام: ٢٠:٤٦١.

(٦) الكافي ٤: ٥٣٥ حديث رقم ٤ باب العُمرة المقبولة في أشهر الحجّ. وعنه الوسائل ١٤: ٣١٠ باب ٧ حديث رقم ٣ ( باب أنّه يجوز أن يعتمر في أشهُر الحج عُمرة مُفردة ويذهب حيث شاء، =


وعبّر عنها المجلسي في الملاذ: « مجهول » وقال: « قوله: وقد اعتمر: لعلّ المراد أنّ عمرة التمتُّع أيضاً إذا اضطرّ الإنسان يجوز أن يجعلها عُمرة مُفردة، كما فعله الحسينعليه‌السلام ، ويحتمل أن يكونعليه‌السلام ؛ لعلمه بعدم التمكّن من الحجّ نوى الإفراد، ولعلّه من الخبر أظهر »(١) .

إذن فالمجلسي يرى في الحديث احتمالين:

الأوّل: التبديل من عُمرة التمتّع إلى عُمرة مُفردة.

الثاني: أنّهعليه‌السلام منذ البدء قد نوى الإفراد، وليس ثَمّ تبديل.

ويرى المجلسي أنّ الاحتمال الثاني أظهر من الخبر، لكنّه في البحار يُصرّح بالاحتمال الأوّل، حيث يقول: « ولقد رأيت في بعض الكُتب المعتبرة... حلّ من إحرام الحجّ وجعلها عُمرة مفردة »(٢) .

وقال في نفس الصفحة من كتابه قبل هذا: « وكذا خرج من مكّة بعدما غلب على ظنِّه أنّهم يُريدون غيلته وقتله، حتى لم يتيسّر له - فداه نفسي وأبي وأمّي وولْدي - أن يُتمّ حجّهُ، فتحلّل وخرج منها خائفاً يترقّب... »(٣) .

كلمات بعض الفقهاء:

١- قال السيد محسن الحكيم في مُستمسك العروة الوثقى: «... وأمّا ما في

____________________

= ويجوز أن يجعلها عُمرة التمتّع إن أدرك الحج ).

(١) ملاذ الأخيار ٨: ٤٦١، وعن التُّستري: ( فالتزم بأن يجعل إحرامه عُمرة مُفردة، وترك التمتّع بالحج ) ( الخصائص الحسينيّة: ٣٢).

(٢) البحار ٤٥: ٩٩.

(٣) نفس المصدر.


بعض كُتب المقاتل، من أنّه عليه‌السلام جعل عُمرته عُمرة مُفردة، ممّا يظهر منه أنّها كانت عمرة تمتّع وعدل بها إلى الإفراد. فليس ممّا يصحّ التعويل عليه في مُقابل الأخبار المذكورة، التي رواها أهل البيتعليهم‌السلام »(١) .

٢- ويقول السيد السبزواري « قدّس سرّه » في مهذّب الأحكام: «... كما يسقط بهما - أي رواية اليماني ورواية معاوية بن عمار - ما في بعض المقاتل، من أنّ الحسينعليه‌السلام بدّل حجّة التمتّع إلى العُمرة المفردة، لظهورهما في أنّهعليه‌السلام لم يكن قاصداً للحجّ من أوّل الأمر، بل كان قاصداً للعُمرة المفردة، فلا يبقى موضوع للتبديل حينئذ »(٢) .

٣- وقال السيّد الخوئي في مُعتمد العروة الوثقى: « لا ريب في أنّ المستفاد من الخبرين، أنّ خروج الحسينعليه‌السلام يوم التروية كان على طبق القاعدة لا لأجل الاضطرار(٣) ، ويجوز ذلك لكلّ أحد، وإن لم يكن مُضطرّاً، فيكون الخبران - أي خبر اليماني وخبر معاوية - قرينة على الانقلاب إلى المتعة قهراً والاحتباس بالحجّ إنّما هو فيما إذا أراد الحجّ، وأمّا إذا لم يُرد الحجّ، فلا يحتبس بها للحجّ، ويجوز له الخروج حتى يوم التروية »(٤) .

وممّا يضعّف القول بوقوع التبديل إلى العُمرة المفردة، قول المشهور بعدم جواز التبديل إلى العمرة المفردة.

____________________

(١) مُستمسك العروة الوثقى ١١: ١٩٢.

(٢) مهذّب الأحكام ١٢: ٣٤٩ / ومثله علماء آخرون، انظر: كتاب الحج: تقريرات السيّد الشاهرودي: ٢:٣١٢، وتقريرات الحج للگلبايگاني:١:٥٨، والمحقّق الداماد:كتاب الحج:١:٣٣٣.

(٣) خلافاً لما احتمله المجلسي في مرآة العقول ١٨: ٢٣٤ حيث قال: ( وفي رواية عمر بن يزيد، إذا أهلّ عليه هلال ذي الحجّة، ويُحمل على الندب؛ لأنّ الحسين عليه‌السلام خرج بعد عمرته يوم التروية وقد يُجاب: بأنّه مُضطّر ).

(٤) مُعتمد العروة الوثقى ٢: ٢٣٦.


قال الشيخ الوالد « قدّس سرّه»: « المشهور بين الأصحاب رضوان الله عليهم، أنّ مَن دخل مكّة بعمرة التمتّع في أشهُر الحج، لم يجُزْ له أن يجعلها مُفردة، ولا أن يخرج من مكّة حتّى يأتي بالحجّ؛ لأنّها مرتّبة « مرتبطة » بالحجّ.

نعم، عن ابن إدريس القول: بعدم الحرمة، وأنّه مكروه. وفيه أنّه مردود بالأخبار »(١) .

كما يُضعَّف أيضاً القول: بوقوع التبديل إلى العمرة المفردة، هو أنّه لو كان لأجل الصدّ ومنع الظالم. فإنّ المصدود عن الحجّ يكون إحلاله بالهدي، كما أشار إليه الشهيد الأوّل في الدروس(٢) والشهيد الثاني في المسالك(٣) .

فلابدّ إذن؛ من تأويل العبارات التي ظاهرها التبديل، والمهمّ المعوَّل عليه، هو عبارة الشيخ المفيد « قدّس سرّه » في الإرشاد: « لأنّه لم يتمكّن من تمام الحج ».

وأمّا القول الوارد في بعض الكتب من أنّهعليه‌السلام : « لم يتمكّن من إتمام الحجّ »، فهو ممّا ورد بعد زمان كتاب « الإرشاد » للشيخ المفيد « قدّس سرّه»؛ ولعلّه وقع بسبب تصحيف غير مقصود، أو بسبب تصرّف مقصود، قام على عدم التفريق بين « التمام » و« الإتمام »، والله العالم.

هل خرج الإمام عليه‌السلام من مكّة سرّاً؟

قال المرحوم المحقّق الشيخ السماوي في كتاب « إبصار العين»: « ولما جاء كتاب مسلم إلى الحسين، عزم على الخروج، فجمع أصحابه في الليلة الثامنة من

____________________

(١) ذخيرة الصالحين ٣: ١٢٤.

(٢) ( قال الشهيد الأول: إذا منع المحرمَ عدوٌّ من إتمام نُسكه كما مرّ في المحصَر، ولا طريق غير موضع العدوّ.. ذبح هدْيه أو نَحَرَه مكان الصدّ بنيّة التحلُّل، فيحلُّ على الإطلاق ) ( الدروس ١: ٤٧٨).

(٣) مسالك الأفهام ٢: ٣٨٨.


ذي الحجّة، فخطبهم فقال:... »(١) . ثمّ أورد خُطبته المعروفة بعبارتها الشهيرة:( خُطَّ الموت على وِلْد آدم مخطَّ القلادة على جِيد الفتاة ) . والتي ورد في آخرها قوله عليه‌السلام :( فمَن كان باذلاً فينا مُهجته، موطِّناً على لقاء الله نفسه، فليرحل معنا، فإنِّني راحل مُصبحاً إن شاء الله تعالى ) .

وقد يُستفاد من قول الشيخ السماوي « قدّس سرّه»: « فجمع أصحابه... »، أنّ هذه الخُطبة التي أعلن فيها الإمامعليه‌السلام عن موعد ارتحاله عن مكّة لم تكن أمام محضر عام، بل كانت في اجتماع خاص، اقتصر على أصحابهعليه‌السلام فقط، فموعد السفر لم يعلم به إلاّ أصحابه، ولم يخرج الموعد - إذن - عن كونه سرَّاً من أسرار حركة الركب الحسيني من مكّة، أي أنّ الإمام الحسينعليه‌السلام كان قد خرج بركْبه من مكّة إلى العراق سرّاً!

لكنّ الملفت للانتباه، أنّ الشيخ السماوي « قدّس سرّه » لم يذكر المصدر الذي أخذ عنه قوله: « فجمع أصحابه... »، كما أنّنا لم نعثر على مصدر من المصادر التاريخية المعروفة والمعتبرة - والتي يُحتمل أنّ الشيخ السماوي « قدّس سرّه » قد أخذ عنها - كان قد ذكر هذه العبارة « فجمع أصحابه... ».

بل إنّ المصادر التي ذكرت هذه الخُطبة بالذات لم تذكر تلكم العبارة.

ففي اللهوف: « وروي أنّهعليه‌السلام لما عزم على الخروج إلى العراق قام خطيباً فقال:... »(٢) .

وفي مُثير الأحزان: « ثمّ قام خطيباً فقال:... »(٣) .

وفي كشف الغمّة: « ومن كلامهعليه‌السلام لما عزم على الخروج إلى العراق، قام خطيباً فقال:... »(٤) .

____________________

(١) إبصار العين: ٢٧.

(٢) اللهوف: ١٢٦.

(٣) مُثير الأحزان: ٤١.

(٤) كشف الغمّة ٢: ٢٤١ / دار الكتاب الإسلامي - بيروت.


هذه هي المصادر الأساسية التي نعلم أنَّها ذكرت هذه الخُطبة..

ومع هذا، فإنّ خروج الإمامعليه‌السلام من مكّة لم يكن سرّاً، حتى على فرض أنّ الإمامعليه‌السلام كان قد خطب هذه الخُطبة في أصحابه فقط؛ ذلك لأنّ الذين كانوا مُلتفّين حول الإمامعليه‌السلام - وهو في مكّة - كثيرون، وفيهم مَن يريد الدنيا وفيهم مَن يريد الآخرة، ولم يُغربَل هذا الجمع الكبير إلاّ في منازل الطريق إلى العراق، منزلاً بعد منزل، حتى لم يبقَ معه إلاّ الصَّفوة التي استُشهدت بين يديه في الطف. فمن البعيد جدَّاً، أن تكون حركة الركب الحسيني من مكّة إلى العراق سرّاً، والمحيطون بالإمامعليه‌السلام في مكّة آنذاك خليط من أُناس نواياهم شتّى، ثمّ هل يُتصوَّر أنّ حركة الركب الحسيني وهو كبير نسبياً في مكّة المكرّمة وهي آنذاك صغيرة نسبياً - بكلّ ما تستلزمه حركة مثل هذا الركب الكبير من مقدّمات واستعدادات - تخفى عن أعين السلطة، الذين كانوا يتحسَّسون الصغيرة والكبيرة من حركة الإمامعليه‌السلام ؟!

يذهب بعض المحقّقين المتتبّعين إلى عكس ما أورده الشيخ السماوي « قدّس سرّه »، حيث يقول: « ولما عزم الإمامعليه‌السلام على مُغادرة الحجاز والتوجّه إلى العراق، أمر بجمع الناس ليُلقي عليهم خطابه التأريخي، وقد اجتمع إليه خَلق كثير في المسجد الحرام من الحجّاج وأهالي مكّة، فقام فيهم خطيباً، فاستهلّ خطابه بقوله... »(١) ، ثمّ أورد تلكم الخُطبة نفسها.

ومن الأدلّة على أنّ خروج الإمام الحسينعليه‌السلام من مكّة لم يكن سرّاً، أنّ والي مكّة يومئذ عمرو بن سعيد بن العاص، أمر صاحب شرطته باعتراض الركب الحسيني عند الخروج، يقول التأريخ: « ولما خرج الحسين من مكّة اعترضه صاحب شرطة أميرها عمرو بن سعيد بن العاص في جماعة من الجُند.

____________________

(١) حياة الإمام الحسين بن عليعليهما‌السلام ٣: ٤٧.


فقال: إنّ الأمير يأمرك بالانصراف، فانصرف وإلاّ منعتك.

فامتنع عليه الحسين، وتدافع الفريقان، واضطربوا بالسياط.

وبلغ ذلك عمرو بن سعيد، فخاف أن يتفاقم الأمر، فأرسل إلى صاحب شرطته يأمره بالانصراف »(١) .

إذن؛ فخروج الركب الحسينيّ من مكّة لم يكن سرّاً، وهذا لا يُنافي الحقيقة

____________________

(١) الأخبار الطوال: ٢٤٤ / وراجع: الكامل في التاريخ ٢: ٥٤٧ وفيه: ( ثمّ خرج الحسين يوم التروية، فاعترضه رُسل عمرو بن سعيد بن العاص... ). وتاريخ الطبري ٣: ٩٦ وفيه: ( لما خرج الحسين من مكّة اعترضه رُسل عمرو بن سعيد … ). لكنّ ابن عبد ربّه في كتابه العقد الفريد ٤: ٣٧٧ تفرّد بهذا النقل الغريب: ( ثمّ خرج - أي عمرو بن سعيد - إلى مكّة، فقدمها قبل يوم التروية بيوم، ووفدت الناس للحسين يقولون: يا أبا عبد الله، لو تقدّمت فصلّيت بالناس فأنزلتهم بدارك! إذ جاء المؤذّن بالصلاة. فتقدّم عمرو بن سعيد فكبّر، فقيل للحسين: اخرج أبا عبد الله إذ أبيت أن تتقدّم. فقال: ( الصلاة في الجماعة أفضل ). قال: فصلّى، ثمّ خرج، فلمّا انصرف عمرو بن سعيد بلغه أنّ حسيناً قد خرج، فقال: اطلبوه، اركبوا كلّ بعير بين السماء والأرض فاطلبوه! قال: فعجب الناس من قوله هذا، فطلبوه فلم يُدركوه ).

وهذه الرواية مع مُخالفتها لحقائق تاريخية عديدة، أهمّها أنّ التأريخ الموثّق لم يروِ أنّ الإمام الحسين عليه‌السلام قد صلّى خلف أحد ولاة يزيد بن معاوية في جماعة أبداً، نراها تضطرب اضطراب خيال الأطفال، فتصوّر أنّ الإمام عليه‌السلام ما إنْ يخرج من المسجد حتى يختفي مع الركب الحسيني الكبير، في خروجه من مكّة، إلى درجة أنّ عمرو بن سعيد لما انصرف من نفس الصلاة التي كان الإمام عليه‌السلام معه فيها! ( على فرض الرواية ) طلب من جلاوزته أن يطلبوا الإمام عليه‌السلام على كلّ بعير بين السماء والأرض فلم يُدركوه!!

يقول العلاّمة الأميني ( ره ) في كتابه الغدير ٣: ٧٨ ( قد يحسب القارئ لأوّل وهلة أنّه - أي العقد الفريد - كتاب أدب لا كتاب مذهب، فيرى فيه نوعاً من النزاهة، غير أنّه متى أنهى سَيره إلى مُناسبات المذهب تجد مؤلّفه ذلك المهوّس المهملج، ذلك الأفّاك الأثيم ).


التاريخية، في أنّ الإمام الحسين عليه‌السلام قد استبق الأحداث والزمان، فخرج من مكّة مُبادراً قبل أن يغتاله الحُكم الأُمويّ فيها أو يُقبَض عليه؛ لأن خروج الإمام عليه‌السلام من مكّة بالركب الحسيني الكبير نسبيّاً وقتذاك، كان على امتناع وأُهبة واستعداد لكلّ احتمال، في وقت لم يكن من مصلحة الحُكم الأُموي أن تواجه سلطته المحلّية في مكّة - على فرض امتلاكها القوّة العسكرية الكافية(١) - الإمام الحسين عليه‌السلام مواجهة حربية علنيّة في مكّة أو في أطرافها؛ لأنّ الأُمويين يعلمون ما للإمام الحسين عليه‌السلام من مكانة سامية عزيزة، وقُدسية بالغة في قلوب جموع الحجيج الذين لا زالوا آنذاك في مكّة، فهم يخافون من انقلاب الأمر وتفاقمه عليهم.

ولعلَّ رواية الدينوري السابقة، تُشعر بهذه الحقيقة، حيث تقول: «... وبلغ ذلك عمرو بن سعيد، فخاف أن يتفاقم الأمر، فأرسل إلى صاحب شرطته يأمره بالانصراف ».

وعلى ضوء ما تقدّم؛ تتأكّد صحّة ما تقدّم في الجزء الأوّل(٢) من هذا الكتاب « مع الركب الحسيني من المدينة إلى المدينة »: أنّ خروج الإمام الحسينعليه‌السلام من مكّة المكرّمة « وكذلك من المدينة » في السحَر، أو في أوائل الصبح في ستر الظلام، من أجل ألاّ تتصفّح أنظار الناس في مكّة « وكذلك في المدينة » في وضح النهار حرائر

____________________

(١) ( فقد روي أنّه لما كان يوم التروية، قدم عمرو بن سعيد بن العاص إلى مكّة في جُند كثيف، قد أمره يزيد أن يناجز الحسين عليه‌السلام ( إن هو ناجزه!) أو يُقاتله ( إن قدر عليه!)، فخرج الحسين عليه‌السلام يوم التروية ) ( نفس المهموم: ١٦٣)، ويُلاحظ على هذه الرواية - وهي تؤكّد وجود قوّة عسكرية كثيفة لدى السلطة الأُمويّة المحلّية في مكّة - أنّها لا تقطع بأنّ هذه القوّة العسكرية، تملك القدرة على إنزال الهزيمة بقوّة الإمام عليه‌السلام ، بدليل قول الرواية: ( إن قدر عليه). كما أنّ هذه الرواية تؤكّد أنّ السلطة الأُموية لا تريد مُناجزة الإمام عليه‌السلام ( في قتال علَني ) في مكّة، إلاّ إذا اضطرّت إلى ذلك؛ بدليل قول الرواية ( إن هو ناجزه). فتأمّل.

(٢) الإمام الحسين عليه‌السلام في المدينة المنوّرة:٣٩٩ - ٤٠١.


بيت العصمة والرسالة، والنساء الأُخريات في الركب الحسيني؛ وهذا هو السبب الأقوى - إن لم يكن السبب الوحيد - في مجموعة الأسباب التي دفعت الإمام عليه‌السلام إلى الخروج في السحَر أو في أوائل الصبح، وهذا ما يتناسب تماماً مع الغيرة الحسينية الهاشمية.

لماذا حمل الإمام عليه‌السلام النساء والأطفال معه!؟

في السحَر الذي ارتحل فيه الإمام الحسينعليه‌السلام خارجاً عن مكّة إلى العراق، كان أخوه محمد بن الحنفية « رض » قد هرع إليه، حتى إذا أتاه أخذ زمام ناقته التي ركبها، « فقال له: يا أخي، ألم تعدْني النظر فيما سألتك؟!

قالعليه‌السلام :( بلى ) .

قال: فما حداك على الخروج عاجلاً؟!

فقالعليه‌السلام :( أتاني رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله بعدما فارقتك فقال: يا حسين، اُخرج فإنّ اللّه شاء أن يراك قتيلاً! ) .

فقال له ابن الحنفية: إنّا لله وإنّا إليه راجعون! فما معنى حمْلك هؤلاء النساء معك وأنت تخرج على مثل هذه الحال؟!

فقال لهعليه‌السلام :( قد قال لي: إنّ الله قد شاء أن يراهنّ سبايا! ) . وسلّم عليه ومضى »(١) .

وفي إحدى مُحاوراتهعليه‌السلام مع ابن عباس « رض»:

____________________

(١) اللهوف: ١٢٨.


قال له ابن عبّاس: « جُعلتُ فداك يا حسين، إن كان لابدّ من المسير إلى الكوفة، فلا تَسِرْ بأهلك ونسائك، فو الله، إنّي لخائف أن تُقتل...

فقالعليه‌السلام :يا ابن العمّ، إنّي رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في منامي، وقد أمرني بأمر لا أقدر على خلافه، وإنّه أمرني بأخذهم معي، إنّهنّ ودائع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولا آمن عليهنّ أحداً، وهنّ أيضاً لا يُفارقنني... »(١) .

وفي محاورتهعليه‌السلام مع أمّ سلمةرضي‌الله‌عنه في المدينة:

كانعليه‌السلام قد قال لها:( يا أُمّاه، قد شاء الله عزّ وجلّ أن يراني مقتولاً مذبوحاً ظلماً وعدواناً، وقد شاء أن يرى حرمي ورهطي ونسائي مُشرّدين، وأطفالي مذبوحين مظلومين مأسورين مقيّدين، وهم يستغيثون فلا يجدون ناصراً ولا مُعيناً ) (٢) .

لقد علّل الإمامعليه‌السلام حمله لأهله ونسائه معه - في مُحاوراته مع ثلاثة من أشدّ الناس إخلاصاً له - بأنّ ذلك تحقيق لمشيئة الله سبحانه، وامتثال لأمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنّهعليه‌السلام يخاف أن تتعرّض ودائع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله للأذى والمكروه من بعده إذا فارقْنَه وبقين في المدينة، أو في مكّة! كما علّل ذلك بإصرارهنّ على الخروج معه!(٣) .

____________________

(١) مدينة المعاجز، ٣: ٤٥٤.

(٢) بحار الأنوار، ٤٤: ٣٣١.

(٣) بعدما أنهى الإمام عليه‌السلام قوله لابن عبّاسرضي‌الله‌عنه :(... وإنّهنّ ودائع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ولا آمن عليهنّ أحداً وهنّ أيضاً لا يُفارقنني ) . سمع ابن عبّاس بكاءً من ورائه وقائلة تقول: ( يا بن عبّاس، أتُشير على شيخنا وسيّدنا أن يُخلّفنا هاهنا ويمضي وحده؟! وهل أبقى الزمان لنا غيره؟! لا والله، بل نحيى معه ونموت معه! ). (راجع: مدينة المعاجز، ٣: ٤٥٤).


فكيف نفهم ملامح الحِكمة في هذه المشيئة الإلهية وهذا الأمر النبوي، وفي مخافة الإمامعليه‌السلام على ودائع النبوّة، وفي إصرارهن على الخروج معه؟

ماذا سيجري على عقائل بيت الرسالة لو بقين خلاف الإمامعليه‌السلام في المدينة أو في مكّة مثلاً؟

يرى الشيخ المرحوم عبد الواحد المظفّر في كتابه: « توضيح الغامض من أسرار السنن والفرائض » أنّ: « الحسينعليه‌السلام لو أبقى النساء في المدينة لوضعت السلطة الأُموية عليها الحَجْر، لا بل اعتقلتها علناً وزجَّتها في ظلمات السجون، ولابدّ له حينئذ من أحد أمرين خطيرين، كلّ منهما يشلُّ أعضاء نهضته المقدّسة!

إمّا الاستسلام لأعدائه وإعطاء صفقته لهم طائعاً؛ ليستنقذ العائلة المصونة، وهذا خلاف الإصلاح الذي يَنشده وفرض على نفسه القيام به مهما كلّفه الأمر من الأخطار، أو يمضي في سبيل إحياء دعوته ويترك المخدّرات اللواتي ضرب عليهنَّ الوحي ستراً من العظمة والإجلال، وهذا ما لا تُطيق احتماله نفس الحسين الغيور.

ولا يردع أميّة رادع من الحياء، ولا يزجرها زاجرٌ من الإسلام، إنّ أميّة لا يُهمّها اقتراف الشائن في بلوغ مقاصدها وإدراك غاياتها، فتتوصّل إلى غرضها ولو بارتكاب أقبح المنكرات الدينية والعقلية!

ألم يطرق سمعك سجن الأُمويين لزوجة عمرو بن الحمق الخزاعي، وزوجة عبيد الله بن الحرّ الجعفي، وأخيراً زوجة الكُميت الأسدي؟! »(١) .

____________________

(١) حياة الإمام الحسين بن علي عليه‌السلام ، ٣٠٠:٢؛ وروي أُطلق من سجن الحجّاج ثلثمئة ألف ما بين رجل وامرأة - ومات في حبسه خمسون ألف رجل وثلاثون ألف امرأة، منهن ستّة عشر ألفا مُجرّدات، عاريات، (حياة الحيوان ١: ٩٦ و ٢٤١). وأنّ أمّ خالد ( الأحمسية) حُبست بأمر من يوسف =


وهذا الاحتمال الذي نظر إليه الشيخ المظفّر (ره) وارد بقوّة؛ لأنّ السلطة الأُمويّة كانت تريد منع الإمامعليه‌السلام من القيام والخروج إلى العراق بكلّ وسيلة، حتى وإن كانت هذه الوسيلة اعتقال الودائع النبويّة من نساء وأطفال يعزُّ على الإمام الحسينعليه‌السلام تعرّضهم للأذى والإهانة والسجن، فيضطّر إلى التحرّك لإنقاذهم، الأمر الذي يشلّ حركة النهضة أو يقضي عليها!

وإمكان إقدام السلطة الأموية على مثل هذه الفعلة لا يحتاج إلى أدنى تأمّل، لقد كان ضغط السلطة الأُموية على المناهضين لها، وإحراجها إيّاهم من خلال إيذاء عوائلهم وإرهابها وسجنها سُنّة من سنن الحُكم الأُموي، وإضافة إلى الأمثلة التي قدّمها الشيخ المظفّر (ره)، فإنّ ما قامت به السلطة الأُمويّة في واقعة الحَرَّة من انتهاك حُرمات الأعراض واستباحتها، بل ما فعلته السلطة الأُموية بالودائع النبوية نفسها في السبي، بعد استشهاد الإمامعليه‌السلام دليل على سهولة مثل هذه الجسارة العظيمة عند طغاة بني أميّة.

وبهذا قد يتجلّى لنا هنا بُعدٌ من أبعاد الحِكمة في الأمر النبوي بحملهن! وهذا المحذور - حدث تعرُّض الودائع النبوية للأذى والسجن - سواء وقع قبل خروج الإمامعليه‌السلام «من المدينة أو مكّة »، أم بعد خروجه «وقبل استشهاده»، سيكون حدثاً خارجاً عن مسار حركة أحداث النهضة وأجنبيّاً عنها، وذا أثر مُضادّ لمتَّجه آثارها، بخلاف ما إذا وقع هذا الحدث في إطار حركة أحداث هذه النهضة وفي مسارها المرسوم؛ إذ إنَّه يكون حينذاك امتداداً لها، وتبليغاً بحقائقها، وتحقيقاً لغاياتها.

____________________

= بن عمر - حاكم العراق - ثمّ أيّام ثورة زيد - ثمّ أمر بها فقُطعت يداها. (انظر: مُعجم رجال الحديث، ٤: ١٠٩).

فكان لابدّ للإمامعليه‌السلام من حمْل هذه الودائع العزيزة ونسائه معه؛ كي لا يُعوِّق العدوُّ من خلالها على مسار النهضة المقدّسة.

ومع تفويت الإمامعليه‌السلام الفُرصة على أعدائه بذلك - والحمد لله الذي جعل أعداء أهل البيتعليهم‌السلام من الحمقى - كان الإمامعليه‌السلام عالماً منذ البدء بضرورة حمل هذه الودائع النبوية معه؛ تحقيقاً «لمسيرة التبليغ الكبرى» - بعد استشهاده - بدواعي النهضة الحسينية، وبأهدافها، وبمظلومية أهل البيتعليهم‌السلام وأحقِّيتهم بالخلافة، وبحقيقة كفر آل أميّة ونفاقهم وعدائهم للإسلام الحقّ وأهله.

كان الإمامعليه‌السلام عالماً منذ البدء بضرورة هذه المسيرة الإعلامية التبليغية الكبرى من بعده، والتي ينهض بأعبائها بقيّة الله الإمام السجّادعليه‌السلام وودائع النبوّة في أيّام السبي والترحيل من بلد إلى بلد؛ إذ لولا هذه المسيرة الإعلاميّة التبليغية، لما كان يمكن للثورة الحسينية أن تُحقّق كامل أهدافها في عصرها وفي ما بعده من العصور إلى قيام الساعة، ولعلّ هاهنا مكمن السرّ في:( إنّ الله قد شاء أن يراهنّ سبايا ) ، وفي الأمر النبوي بحملهنّ.

إذن؛ فحمل الإمامعليه‌السلام لودائع النبوّة معه ضرورة من ضرورات نجاح الثورة الحسينية، وكان لابدّ للإمامعليه‌السلام أن يقوم بذلك، حتى ولو لم يكن هناك احتمال لتعرّض هذه الودائع النبوية للأذى والسجن، إذا بقين خلاف الإمامعليه‌السلام في المدينة أو مكّة! فما بالك واحتمال سجنهنّ وارد بقوّة؟! والمتأمّل في تفاصيل ما جرى على بقيّة الركب الحسيني بعد استشهاد الإمامعليه‌السلام حتى عودتهم إلى المدينة المنوّرة، يُشاهد بوضوح الأثر العظيم المترتِّب على العمل الإعلامي والتبليغي الكبير، الذي قام بأعبائه أعلام بقيّة الركب الحسيني،


ويؤمِن أنّ الثورة الحسينية لم تكن لتصل إلى تمام غاياتها، لو لم تكن تلك الودائع النبوية في الركب الحسيني(١) .

____________________

(١) يقول المرحوم المحقّق الكبير السيّد المقرّم: ( إنّ الكلمة الناضجة في وجه حمل الحسين عياله إلى العراق، مع علمه بما يُقدم عليه ومَن معه على القتل هو أنّه عليه‌السلام لما علم بأنّ قتْلَته سوف تذهب ضياعاً؛ لو لم يتعقّبها لسان ذرِب وجنان ثابت يُعرِّفان الأمّة ضلال ابن ميسون وطغيان ابن مرجانة باعتدائهما على الذرّية الطاهرة، الثائرة في وجه المنكر، ودحض ما ابتدعوه في الشريعة المقدّسة.

كما عرف ( أبيّ الضيم ) خوف رجال الدين من التظاهر بالإنكار وخضوع الكلّ للسلطة الغاشمة، ورسوف الكثير منهم بقيود الجور، بحيث لا يمكن لأكبر رجل الإعلان بفظاعة أعمالهما، وما جرى على ابن عفيف الأزدي يؤكّد هذه الدعوى المدعومة بالوجدان الصحيح.

وعرف سيد الشهداء من حرائر الرسالة الصبر على المكاره، وملاقاة الخطوب والدواهي بقلوب أرسى من الجبال، فلا يفوتهنّ تعريف الملأ المغمور بالترهات والأضاليل نتائج أعمال هؤلاء المضلِّين، وما يقصدونه من هدم الدين، وإنّ الشهداء أرادوا بنهضتهم مع إمامهم قتيل الحنيفية إحياء شريعة جدّه صلى‌الله‌عليه‌وآله .

والعقائل من آل الرسول وإن استعرت أكبادهنّ بنار المصاب وتفاقم الخطب عليهنّ وأشجاهنّ الأسى، لكنَّهنّ على جانب عظيم من الأخذ بالثأر والدفاع عن قدس الدين.

وفيهن ( العقيلة ) ابنة أمير المؤمنينعليها‌السلام التي لم يرُعْها الأسر وذلَّ المنفى، وفقد الأعزَّاء وشماتة العدوّ، وعويل الأيامى، وصراخ الأطفال، وأنين المريض، فكانت تُلقي خواطرها بين تلك المحتشدات الرهيبة أو فقل بين المخلب والناب غير مُتلعثمة، وتقذفها كالصواعق على مُجتمع خصومها، فوقفت أمام ابن مرجانة ذلك الألدّ، وهي امرأة عزلاء، ليس معها من حماتها حميٌّ ولا من رجالها وليّ، غير الإمام الذي أنهكته العلّة ونسوة مُكتنفة بها، بين شاكية وباكية، وطفل كظّه العطش، إلى أخرى أقلقها الوَجَل، وأمامها رأس علَّة الكائنات ورؤوس صحبه وذويه، وقد تركت تلك الأشلاء المقطّعة في البيداء تصهرها الشمس، والواحدة من هذه تهدُّ القوى وتُبلبل الفكر.

لكنّ ( ابنة حيدرة ) كانت على جانب عظيم من الثبات والطمأنينة، فأفرغت عن لسان أبيها بكلام أنفَذ من السهم، وألقمت ابن مرجانة حجراً؛ إذ قالت له: ( هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل، فبرزوا =


____________________

= إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتُحاجُّ وتُخاصم، فانظر لمن الفَلَج ثكلتك أمّك يا ابن مرجانة ).

وأوضحت للملأ المتغافل خُبثه ولؤمه، وأنّه لن يرحض عنه عارها وشَنارها، كما أنّها أدهشت العقول وحيّرت الفكر في خُطبتها بكناسة الكوفة، والناس يومئذ حيارى يبكون لا يدورن ما يصنعون ( وأنَّى يرحض عنهم العار بقتلهم سليل النبوة ومَعدِن الرسالة، وسيّد شباب أهل الجنّة، وقد خاب السعي وتبّت الأيدي، وخسرت الصفقة، وباءوا بغضب من الله وخزي في الآخرة، ولعذاب الله أكبر لو كانوا يعلمون ).

وبعد أن فرغت من خطابها، اندفعت فاطمة ابنة الحسين بالقول الجزل، مع ثبات جأش، وهدوء بال، فكان خطابها كوخز السنان في القلوب، ولم يتمالك الناس دون أن ارتفعت أصواتهم بالبكاء، وعرفوا عظيم الجناية والشقاء فقالوا لها: حسبك يا ابنة الطاهرين، فقد أحرقت قلوبنا وانضجعت نحورنا!

وما سكتت حتى ابتدرت أمّ كلثوم، زينب بنت علي بن أبي طالب عليه‌السلام فعرّفت الحاضرين عظيم ما اقترفوه، فولول الجمع وكثر الصراخ، ولم يُرَ إذ ذاك أكثر باكٍ وباكية.

فهل يا ترى، يمكنك الجزم بأنّ أحداً يستطيع في ذلك الموقف الرهيب الذي تحفّه سيوف الجور أن يتكلّم بكلمة واحدة مهما بلغ من المنعة في عشيرته؟! وهل يقدر أحد أن يُعلن بمُوبقات ابن هند وابن مرجانة، غير بنات أمير المؤمنين عليه‌السلام ؟... كلاَّ.

إنّ على الألسن أوكية! والأيدي مغلولة! والقلوب مُشفقة!

على أنّ هذا إنّما يقبح ويُستهجن إذا لم يترتب عليه إلاّ فوائد دنيوية مثارها رغبات النفس الأمّارة، وأمّا إذا ترتّبت عليه فوائد دينيّة أهمُّها تنزيه دين الرسول عمّا ألصقوه بساحته من الباطل، فلا قُبح فيه عقلاً ولا يستهجنه العُرف، ويُساعد عليه الشرع.

والمرأة، وإن وضع الله عنها الجهاد ومُكافحة الأعداء، وأمرها سبحانه وتعالى أن تقرَّ في بيتها، فذاك فيما إذا قام بتلك المكافحة غيرها من الرجال، وأمّا إذا توقَّف إقامة الحقّ عليها فقط، بحيث لولا قيامها لدُرِست أُسُس الشريعة، وذهبت تضحية أولئك الصفوة دونه أدراج التمويهات، كان الواجب =


أمّا قولهعليه‌السلام :( وهنّ أيضاً لا يُفارقنني! ) ، الحاكي عن إصرارهنّ على السفر معه ومُلازمته في رحلة الفتح بالشهادة، فيمكن أن يُفسّر بأنّ الودائع النبوية «خصوصاً بنات أمير المؤمنينعليه‌السلام وعلى رأسهنّ زينب الكبرىعليها‌السلام » كنّ قد أصررن على ملازمة الإمامعليه‌السلام في نهضته لأنَّهنّ - إضافة إلى البُعد العاطفي والتعلّق الروحي بالإمامعليه‌السلام - كنّ يعلمن بأهمِّية الدور الإعلامي والتبليغي الذي بإمكانهنّ القيام به في مسار النهضة، خصوصاً بعد استشهاد الإمامعليه‌السلام ؛ إذ من المحتمل جدّاً أنّ(١) الإمامعليه‌السلام كان قد أطلعهنَّ على تفاصيل ما يجري عليه وعلى مَن معه، وكشف لهنّ عن أهمّيّة الدور الذي يُمكنهنّ أن يضطلعن بأعبائه من بعده، وإن كان من الثابت عندنا أنّ العقيلة زينبعليها‌السلام كانت تعلم كلّ ذلك بالعلم اللدُنيّ، موهبة من الله تبارك وتعالى، فقد وصفها الإمام السجّادعليه‌السلام ذات مرّة بأنّها:( عالمة غير مُعلّمة وفَهِمَة غير مُفهّمة! ) (٢) ، ولقد كشفت هيعليها‌السلام عن علمها حتى بما يجري

____________________

= عليها القيام به؛ ولذلك نهضَت سيدة نساء العالمين ( الزهراء )عليها‌السلام للدفاع عن خلافة الله الكبرى، حين أخذ العهد على سيد الأوصياء بالقعود، فخطبت في مسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله الخطبة البليغة في مُحتشد من المهاجرين والأنصار.

على أنّ الحسين عليه‌السلام ، كان على علم بإخبار جدّه الأمين، بأنّ القوم وإن بلغوا الغاية وتناهوا في الخروج عن سبيل الحميّة لا يمدّون إلى النساء يد السوء، كما أنبأ عنه ( سلام الله عليه ) بقوله لهنّ ساعة الوداع الأخيرة:( البسوا أُزرَكم، واستعدّوا للبلاء، واعلموا أنّ الله حاميكم وحافظكم وسيُنجيكم من شرِّ الأعداء، ويجعل عاقبة أمركم إلى خير، ويُعذّب أعاديكم بأنواع العذاب، ويعوّضكم عن هذه البليّة بأنواع النِعم والكرامة! فلا تشكوا ولا تقولوا بألسنتكم ما يُنقص من قدركم ) ، ( مقتل الحسين عليه‌السلام : ١١٥ - ١١٨).

(١) بل كان الإمام أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام قد أطلع زينبعليها‌السلام على جميع ما يجري عليها (راجع: كتاب زينب الكبرى: ٣٦).

(٢) الاحتجاج، ٢: ٣١.


على جثمان أخيها عليه‌السلام إلى قيام الساعة، حينما رأت الإمام السجّاد عليه‌السلام يجود بنفسه حزناً وهو ينظر إلى مصارع شهداء الطفّ، فقالت:( ما لي أراك تجود بنفسك، يا بقيّة جدّي وأبي وإخوتي؟! فوالله، إنّ هذا لعهدٌ من الله إلى جدّك وأبيك، ولقد أخذ الله ميثاق أُناس لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض، وهم معروفون في أهل السموات أنّهم يجمعون هذه الأعضاء المقطّعة والجسوم المضرّجة، فيوارونها وينصبون بهذا الطفّ عَلَماً لقبر أبيك سيّد الشهداء، لا يُدرَس أثَرُه ولا يُمحى رسمه، على كرور الليالي والأيّام، وليجتهدنَّ أئمة الكفر وأشياع الضلال في محوِه وتطميسه، فلا يزداد أثره إلاّ علوّاً! ) (١) .

____________________

(١) كامل الزيارات: ٢٥٩، باب ٨٨ فضل كربلاء وزيارة الحسين عليه‌السلام .



الفصل الثاني

حركة السلطة الأُموية في الأيّام المكّيّة من عُمر النهضة الحسينية



الفصل الثاني

حركة السلطة الأُموية

في الأيّام المكّيّة من عُمر النهضة الحسينية

وصل الإمام الحسينعليه‌السلام إلى مكّة المكرّمة بعد أن استطاععليه‌السلام النفاذ من حصار خطّة «البيعة أو القتل» في المدينة المنوّرة، تلك الخُطّة التي أرادها يزيد، وتمنَّاها وسعى إلى تنفيذها مروان بن الحكم، لكنَّ الوليد بن عُتبة والي المدينة آنذاك تردّد في تنفيذها وتمنّى النجاة من تبعاتها.

وبذلك كان الإمام الحسينعليه‌السلام بدخوله مكّة المكرّمة قد اخترق المرحلة الأُولى من الحصار العام، الذي بادرت السلطة الأُمويّة إلى فرضه عليه.

ولقد انتاب السلطة الأُمويّة خوف شديد، واعتراها اضطراب لا تماسك معه، وقلق لا استقرار فيه، حينما علمت بدخول الإمامعليه‌السلام مكّة المكرّمة في الأيّام التي تتقاطر إليها جموع المعتمرين والحجّاج من جميع أقطار العالم الإسلامي آنذاك؛ فهرعت هذه السلطة على جميع مستوياتها، إلى اتِّخاذ التدابير اللازمة لمواصلة فرض الحصار على حركة الإمامعليه‌السلام من جديد، ولمنع انفلات الأُمور في الولايات المهمّة عامة، وفي الكوفة منها خاصة.

فما إن رُفعت إلى يزيد تقارير جواسيسه في الكوفة، عن ضعف موقف والِيها النعمان بن بشير في مواجهة التحوّلات الناشئة عن تواجد مسلم بن عقيلعليه‌السلام فيها، حتى اجتمع يزيد مع مُستشار القصر الأُمويّ سرجون النصراني؛ ليتلقَّى منه


تعليماته في كيفيّة معالجة مُستجدّات الأُمور، قبل انفلاتها وفقدان السيطرة عليها.

وينتهي الاجتماع باتِّخاذ قرارات خطيرة، شملت عزل بعض الولاة ونشر سلطة بعض آخر، وتوجيه رسائل إلى بعض وجهاء الأمّة، تدعوهم إلى التدخُّل ومُمارسة الضغط على الإمامعليه‌السلام وبذل قُصارى سعيهم لإخراج السلطة الأمويّة من مأزقها الكبير، ورسائل أُخرى أيضاً تضمّنت تهديداً وإنذاراً لأهل المدينة عامة وبني هاشم خاصة، تُحذّرهم من مغبّة الالتحاق بالإمامعليه‌السلام والانضمام إلى حركته. ومن قرارات هذا الاجتماع أيضاً، أن خطّطت حركة النفاق الحاكمة أن تغتال الإمامعليه‌السلام في مكّة، وقد بعثت جمعاً من جلاوزتها بالفعل إلى مكّة لتنفيذ هذه المهمّة، إذا لم تُوفّق هذه الزمرة الغادرة بمساعدة السلطة المحلّية في مكّة، في مُحاولة لإلقاء القبض على الإمامعليه‌السلام وإرساله إلى دمشق، هذا على صعيد قرارات السلطة المركزية في الشام.

ولم يقلَّ حال السلطات المحلّية في المدينة ومكّة، والكوفة والبصرة، في خوفها وقلقها واضطرابها، عن حال السلطة المركزية في الشام، ففي مكّة يجتهد واليها في مُتابعة الصغيرة والكبيرة من حركات الإمامعليه‌السلام ، ويطلب منه البقاء في مكّة، ويبذل له الأمان والصلة ويتعهّد له بذلك، ثمّ حيث يُصرُّ الإمامعليه‌السلام على الخروج، نرى هذا الوالي يبعث بقوّة عسكرية لمنع الإمامعليه‌السلام من ذلك، ثمّ يكفُّ عن منع الإمامعليه‌السلام خشية من تفاقم الأمر وانقلابه عليهم.

وفي البصرة نرى ابن مرجانة يُبادر إلى تهديد أهلها ويحذّرهم من مغبّة التمرّد والاستجابة لنداء الإمامعليه‌السلام والانضمام إلى حركته، كما يُبادر ابن مرجانة قُبيل تركه البصرة إلى قتل سليمان بن رزين (قدس سره) رسول الإمامعليه‌السلام إلى أشراف البصرة ورؤساء الأخماس فيها، ثمّ يُبادر مُسرعاً لا يثنيه شيء في سفره إلى الكوفة؛ ليستبق الزمن والأحداث في الوصول إليها، وليُدير دفَّة الأُمور هناك في أصعب


أيّامه، والكوفة تكاد تسقط حينها في يد سفير الإمام عليه‌السلام مسلم بن عقيل رضوان الله تعالى عليه.

نشر ابن مرجانة في الكوفة جوّاً رهيباً، من الرعب والخوف وحبس الأنفاس، من خلال أعمال منوَّعة بادر إليها، منها خُطب وبيانات التهديد والوعيد بالتعذيب والتنكيل، ومنها حملة واسعة من مُمارسات القمع والاعتقالات، ومنها مُحاولات اختراق صفوف الثوّار، بواسطة جواسيس ذوي خبرة وفنّ من أجل الوصول إلى مكان ومخبأ قيادة الثورة في الكوفة، ومنها سلسلة من الإعدامات، كان من أبرز ضحاياها نخبة من سفراء النهضة الحسينية، مثل مسلم بن عقيلعليه‌السلام ، وقيس بن مُسهّر الصيداويرضي‌الله‌عنه ، وعبد الله بن يقطررضي‌الله‌عنه ، ومن أبرز ضحاياها أيضاً الوجيه الكوفي الصحابي الشيعي المبرز هاني بن عروة المراديرضي‌الله‌عنه .

هذا استعراض مُجمل لأهمِّ معالم تحرّك السلطة الأُموية، في مواجهة حركة الأحداث الناشئة عن قيام الإمام الحسينعليه‌السلام في الأيام المكّيّة من عُمر نهضته المباركة.

وفي المتابعة التاريخية لتفاصيل حركة السلطة الأمويّة، في مواجهة قيام الإمام الحسينعليه‌السلام يحسن بنا - على ضوء التسلسل التاريخي - أن نقرأ حركة الأحداث في إطار الترتيب التالي:

١- حركة السلطة الأمويّة المحلّية في الكوفة.

٢- حركة السلطة الأمويّة المركزية في الشام.

٣- حركة السلطة الأمويّة المحلّية في البصرة.

٤- حركة السلطة الأمويّة المحلّية الجديدة في الكوفة.

٥- حركة السلطة الأمويّة المحلّية في مكّة.


حركة السلطة الأمويّة المحلّية في الكوفة:

كان والي الكوفة حينما دخلها مسلم بن عقيلعليه‌السلام هو النعمان بن بشير(١) ، فلمّا رأى النعمان استقبال أهل الكوفة الكبير لمسلمعليه‌السلام وحفاوتهم البالغة به وتجاوبهم الرهيب معه، خرج إلى المسجد وخطب في الناس يُحذّرهم من إثارة الفتنة والفُرقة وشقّ عصا الأمّة.

يقول الطبري: «... عن أبي الودّاك قال: خرج إلينا النعمان بن بشير فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أمّا بعدُ، فاتّقوا الله عبادَ الله، ولا تُسارعوا إلى الفتنة والفُرقة؛ فإنّ فيهما يهلك الرجال وتُسفك الدماء وتُغصب الأموال - وكان حليماً ناسكاً يُحبّ العافية! -. قال: إني لم أُقاتل مَن لم يُقاتلني، ولا أثب على مَن لا يثب عليَّ، ولا أُشاتمكم، ولا أتحرّش بكم، ولا آخذ بالقرف(٢) ولا الظنّة ولا التُّهمة، ولكنّكم إنْ أبدَيتم صفحتكم لي ونكثتم بيعتكم، وخالفتم إمامكم، فو الله الذي لا إله غيره، لأضربنّكم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، ولو لم يكن لي منكم

____________________

(١) النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، ولِد في العام الثاني من الهجرة - أو عام الهجرة - وعُدَّ من الصحابة الصبيان، وكان من أُمراء معاوية، فولاَّه الكوفة مدّة، ثمّ ولّيَ قضاء دمشق، ثمّ ولّي إمرة حمص، وقيل: إنّه لما دعا أهل حمص إلى بيعة ابن الزبير ذبحوه. وقيل: قُتل بقرية بيرين - من قرى حمص - قتله خالد بن خَلي بعد وقعة مرج راهط، في آخر سنة أربع وستّين. (راجع: سير أعلام النبلاء، ٣: ٤١٢). وهو الذي أخذ أصابع نائلة امرأة عثمان التي قُطعت، وقميص عثمان الذي قُتل فيه وهرب إلى معاوية بالشام، ولم يكن مع معاوية في صِفِّين من الأنصار إلاَّ هو ومسلمة بن مخلّد الأنصاري. (راجع: وقعة صِفِّين: ٤٤٥ و ٤٤٨; ومُستدركات علم الرجال، ٨: ٧٩).

(٢) قرف فلان فلاناً: إذا عابه واتَّهمه. (مجمع البحرين، ٥: ١٠٨).


ناصر، أما إنِّي أرجو أن يكون مَن يعرف الحقّ منكم أكثر ممّن يُرديه الباطل.

قال: فقام إليه عبد الله بن مسلم بن سعيد الحضرمي(١) - حليف بني أميّة - فقال: إنّه لا يُصلح ما ترى إلاَّ الغشم، إنّ هذا الذي أنت عليه فيما بينك وبين عدوّك رأي المستضعفين!!

فقال: أن أكون من المستضعفين في طاعة الله أحبُّ إليَّ من أن أكون من الأعزّين في معصية الله.

ثمّ نزل،...

وخرج عبد الله بن مسلم، وكتب إلى يزيد بن معاوية:

أمّا بعدُ، فإنّ مسلم بن عقيل قد قدم الكوفة، فبايعته الشيعة للحسين بن عليّ، فإن كان لك بالكوفة حاجة فابعث إليها رجلاً قوياً، يُنفذ أمرك، ويعمل مثل عملك في عدوّك، فإنّ النعمان بن بشير رجلٌ ضعيف أو هو يتضعَّف!

فكان أوّل مَن كتب إليه، ثمّ كتب إليه عمارة بن عقبة(٢) بنحو من كتابه، ثمّ كتب

____________________

(١) عبد الله بن مسلم بن سعيد الحضرمي: كان أحد الذين شهدوا للإيقاع بالشهيد البطل حُجر بن عديرضي‌الله‌عنه . (راجع: وقعة الطف: ١٠١، وتاريخ الطبري ٥: ٢٦٩).

(٢) هو أخو الوليد بن عقبة بن أبي معيط، خرج هو وأخوه الوليد من مكّة إلى المدينة، يسألان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يردّ عليهما أختهما أمّ كلثوم المهاجرة بعد الحديبية، فأبىصلى‌الله‌عليه‌وآله . وكان منزل عمارة مع أخيه الوليد برحبة الكوفة، وكانت ابنته أمُّ أيّوب تحت المغيرة بن شعبة، فلمّا مات تزوّجها زياد بن أبيه، وعمارة هو الذي سعى عند زياد على عمرو بن الحمقرضي‌الله‌عنه ، وكان حاضراً في القصر يوم مقتل مسلم، وهو الذي سعى على المختار عند ابن زياد يوم خروج مسلم. (راجع: وقعة الطفّ: ١٠٢).


إليه عمر بن سعد بن أبي وقّاص(١) بمثل ذلك »(٢) .

____________________

(١) عمر بن سعد بن أبي وقّاص الزهري، المدنيّ، ولِد سنة ٢٣ للهجرة يوم مات عمر بن الخطّاب، فيكون عمره يوم كربلاء سنة ٦١ للهجرة ٣٨ سنة. وهو الذي أطمع أباه في حضور التحكيم، وقال له: يا أبت، اشهدهم، فإنّك صاحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأحد الشورى، فاحضر فإنّك أحقّ الناس بالخلافة!!، وهو ممَّن شهد على حجر بن عدي، وقد أفشى لابن زياد وصيّة مسلم بن عقيل عليه‌السلام التي أسرَّ إليه بها قبل قتله، فوبّخه ابن زياد قائلاً: لا يخونك الأمين، ولكن قد يؤتمن الخائن. وقد أراد ابن الأشعث أن يؤمّره على الكوفة بعد قتل ابن زياد، فجاء رجال بني همدان متقلّدين السيوف، وجاءت نساؤهم يبكين حسيناً عليه‌السلام ، وقد بعث إليه المختار أبا عمرة فقتله وجاءه برأسه، ثمّ قتل ابنه حفص بن عمر. وقال المختار: والله، لو قتلت ثلاثة أرباع قريش ما وفوا بأنملة من أنامل الحسين عليه‌السلام . وبعث برأسيهما إلى المدينة إلى محمد بن الحنفية. (راجع: وقعة الطف: ١٠٢) و(تاريخ الطبري، ٣: ٤٦٥).( وروى عبد الله بن شريك العامري قال: كنت أسمع أصحاب عليّ عليه‌السلام إذا دخل عمر بن سعد من باب المسجد يقولون: هذا قاتل الحسين بن علي عليهما‌السلام . وذلك قبل أن يُقتل بزمان. وروى سالم بن أبي حفصة قال: قال عمر بن سعد للحسين: يا أبا عبد الله، إنّ قِبَلنا ناساً سفهاء يزعمون أنّي أقتلك. فقال له الحسين عليه‌السلام : ( إنّهم ليسوا بسفهاء، ولكنّهم حُلماء، أما إنّه تقرُّ عيني أن لا تأكل من بُرِّ العراق بعدي إلاّ قليلاً ) . (الإرشاد: ٢٥١، وتهذيب الكمال، ١٤: ٧٤).

و( عن الأعمش قال: سمعت أبا صالح التمّار يقول: سمعت حذيفة يقول: سمعت الحسين بن علي يقول:( والله، ليجتمعنّ على قتلي طغاة بني أميّة ويَقدمهم عمر بن سعد ) . - وذلك في حياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله -. فقلت له: أنبأك بهذا رسول الله؟ قال:( لا ) . فأتيت النبيّ فأخبرته، فقال:( علمي علمه، وعلمه علمي، وإنّا لنعلم بالكائن قبل كينونته ) . (دلائل الإمامة: ٧٥).

( وعن أصبغ بن نباتة قال: بينا أمير المؤمنين عليه‌السلام يخطب الناس وهو يقول:( سلوني قبل أن تفقدوني؛ فو الله، لا تسألونني عن شيء مضى ولا عن شيء يكون إلاّ أنبأتكم به ) . فقام إليه سعد بن أبي وقّاص فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني كم في رأسي ولحيتي من شعرة؟! فقال له:( أما والله، لقد سألتني عن مسألة حدّثني خليلي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّك ستسألني عنها، وما في رأسك ولحيتك من شعرة =

(٢) تاريخ الطبري، ٣: ٤٦٥، وراجع الإرشاد: ٢٠٥.


وفي رواية الدينوري، أنّ مسلم بن عقيلعليه‌السلام لما وافى الكوفة، نزل في دار المختار، فكانت الشيعة تختلف إليه، وهو يقرأ عليهم كتاب الإمام الحسينعليه‌السلام ، « ففشا أمره بالكوفة حتى بلغ ذلك النعمان بن بشير أميرها، فقال: « لا أُقاتل إلاَّ مَن

____________________

=إلاّ وفي أصلها شيطان جالس، وإنّ في بيتك لسخلاً يقتل الحسين ابني... ) . (البحار، ٤٤: ٢٥٦ رقم ٥ عن أمالي الصدوق: ١١٥ المجلس ٢٨، حديث رقم ١).

و( روي عن محمد بن سيرين، عن بعض أصحابه قال: قال عليّ لعمر بن سعد:( كيف أنت إذا قُمت مقاماً تُخيَّر فيه بين الجنّة والنار فتختار النار ) . (تهذيب الكمال، ١٤: ٧٤).

وكان عمر بن سعد قد تعوّد من قبْل على الظلم والقسوة والغشم، و( عن أبي المنذر الكوفي: كان عمر بن سعد بن أبي وقّاص قد اتّخذ جعبة، وجعل فيها سياطاً نحواً من خمسين سوطاً، فكتب على السوط عشرة، وعشرين، وثلاثين، إلى خمسمئة على هذا العمل، وكان لسعد بن أبي وقّاص غلام ربيب مثل ولده، فأمره عمر بشيء فعصاه، فضرب بيده إلى الجعبة، فوقع بيده سوط مئة فجلَده مئة جلدة، فأقبل الغلام إلى سعد دمه يسيل على عقبيه، فقال: مالك؟! فأخبره، فقال: اللّهم اقتل عمر، وارسل دمه على عقبيه. قال فمات الغلام وقتل المختار عمر بن سعد ). (تهذيب الكمال ١٤: ٧٤).

و( عن الفلاس قال: سمعت يحيى بن سعيد القطّان، وحدّثنا عن شعبة وسفيان، عن أبي إسحاق، عن العيزار بن حُريث، عن عمر بن سعد. فقام إليه رجل (أي إلى القطّان) فقال: أما تخاف الله؟! تروي عن عمر بن سعد!! فبكى وقال: لا أعود أُحدّث عنه أبداً! (تهذيب الكمال، ١٤: ٧٤).

وممَّا يؤسَف له، أنّ بعض الرجاليين السنيّين من أهل التعصُّب الأعمى، يترجم لعمر بن سعد قاتل الحسين عليه‌السلام كما يُترجم لمؤمن تقيّ من أهل الجنّة!! هذا الذهبي يقول: ( ابن سعد أمير السريّة الذين قاتلوا الحسين، ثمّ قتله المختار، وكان ذا شجاعة وإقدام، روى له النسائي، قُتل هو وولداه صبراً! ) (سير أعلام النبلاء، ٤: ٣٥٠)، ويقول ابن عبدون العجلي: ( كان عمر بن سعد يروي عن أبيه أحاديث، وروى عنه الناس، قَتَل الحسين، وهو تابعي ثقة!! ). (تهذيب الكمال، ١٤: ٧٣ رقم ٤٨٢٨)، انظر إلى هذا الأحمق الأعمى قلبه، كيف يوثّق قاتل سيّد شباب أهل الجنّة؟!!

( قال أحمد بن زهير: سألت ابن معين: أعمَرُ بن سعد ثقة؟ فقال: كيف يكون من قتل الحسين ثقة؟! ) (ميزان الاعتدال، ٣: ١٩٨)، و(القاموس، ٨: ٢٠٠).


قاتلني، ولا أثِب إلاّ على مَن وثب عليَّ، ولا آخذ بالقرفة والظنّة، فمَن أبدى صفحته ونكث بيعته ضربته بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، ولو لم أكن إلاّ وحدي ». وكان يُحبّ العافية ويغتنم السلامة.

فكتب مسلم بن سعيد الحضرمي وعُمارة بن عقبة - وكانا عيني يزيد بن معاوية - إلى يزيد يُعلمانه قدوم مسلم بن عقيل الكوفة داعياً للحسين بن عليّ، وأنّه قد أفسد قلوب أهلها عليه، فإنْ يكن لك في سلطانك حاجة فبادر إليه مَن يقوم بأمرك، ويعمل مثل عملك في عدوّك، فإنّ النعمان رجل ضعيف أو مُتضاعف، والسلام »(١) .

أمّا البلاذري، فقد قال في روايته: « فكتب وجوه أهل الكوفة: عمر بن سعد بن أبي وقاص الزهري، ومحمّد بن الأشعث الكندي(٢) ، وغيرهما إلى يزيد بخبر مسلم

____________________

(١) الأخبار الطوال: ٢٣ ١.

(٢) محمّد بن الأشعث الكندي: وهو ابن الأشعث بن قيس، الذي أُسِرَ في الكفر مرّة وفي الإسلام ( مُنافقاً) مرّة أُخرى، وقد اعترض الأشعث على بعض كلام أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام ، فخفض عليه‌السلام إليه بصره ثمّ قال:( ما يُدريك ما عليَّ ممّا لي؟! عليك لعنة الله ولعنة اللاعنين، حائك ابن حائك! منافق ابن كافر! والله، لقد أسرك الكفر مرّة والإسلام مرّة أُخرى! فما فداك من واحدة منهما مالك ولا حسبك! وإنّ امرءاً دلَّ على قومه السيف، وساق إليهم الحتف، لحريٌّ أن يمقته الأقرب، ولا يأمنه الأبعد! ) (نهج البلاغة، ضبط صبحي الصالح: ٦١ - ٦٢ رقم ١٩)، وقد اشترك هذا الأشعث اللعين في المؤامرة المتعدّدة الأطراف لقتل أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام .

فمحمّد بن الأشعث هذا، أخو جَعدة بنت الأشعث، التي سمّت الإمام الحسن عليه‌السلام ، ومحمد هذا وأخوه قيس ممّن ساهم مُساهمة قياديّة فعّالة في قتل الإمام الحسين عليه‌السلام ، ولمحمّد هذا دور قيادي بارز في قتال مسلم بن عقيل عليه‌السلام في الكوفة.

وروي عن أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام أنه قال: ( إنّ الله لعن أقواماً، فسرت اللعنة في أعقابهم، منهم


____________________

=الأشعث... ) (تنقيح المقال، ٢: ٨٣).

وكان محمّد بن الأشعث ضعيف النفس، يتملّق للسلطان حتى مع مُخالفة الأدب، فيعرّض نفسه للإهانة ولا يُبالي، فقد ( وقف الأحنف بن قيس، ومحمد بن الأشعث بباب معاوية، فأُذن للأحنف، ثمّ أُذن لابن الأشعث، فأسرع في مشيته حتى تقدّم الأحنف ودخل قبله، فلمّا رآه معاوية غمّه ذلك وأحنقه، فالتفت إليه فقال: والله، إنِّي ما أذنت له قبلك! وأنا أُريد أن تدخل قبله، وإنّا كما نلي أموركم كذلك نلي آدابكم، ولا يزيد متزيّد في خطوِه إلاّ لنقص يجده من نفسه! ) (العقد الفريد، ١: ٦٨).

وقال عبيد الله بن زياد في مدحه محمّد بن الأشعث: ( مرحباً بمن لايُستَغشُّ ولا يُتَّهم! ). (البحار، ٤٤: ٣٥٢).

كيف لا؟! فقد كان ابن الأشعث من سواعد ابن زياد في جلّ جرائمه، في مواجهة مسلم عليه‌السلام ، وفي مواجهة الحسين عليه‌السلام ، وفي مواجهة عبد الله بن عفيفرضي‌الله‌عنه وجموع الأزد الذين دافعوا عنه، وفي المكر بهاني بن عروة واستقدامه إلى ابن زياد، وفي رفع راية أمان ابن زياد الكاذبة لمن جاءه من الناس في الكوفة بعد انتفاضة مسلم عليه‌السلام ، ومن قبلُ في البحث عن حجر بن عدي (أيّام معاوية) لإلقاء القبض عليه، وغير ذلك من مواطن ومواقف السوء والخزي!

وقيل في موت عدوّ الله هذا - وقد كان على رأس ألف فارس في جيش ابن سعد في كربلاء -: إنّه خاطب الإمام عليه‌السلام يوم عاشوراء قائلاً: ( يا حسين بن فاطمة، أيَّة حُرمة لك من رسول الله ليست لغيرك؟! فتلا الحسين هذه الآية:( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحاً وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ) الآية، ثمّ قال:( والله، إنّ محمداً لمن آل إبراهيم، وإنّ العترة الهادية لمن آل محمد، مَن الرجل؟ ) . فقيل: محمد بن الأشعث بن قيس الكندي، فرفع الحسين عليه‌السلام رأسه إلى السماء فقال:( اللّهم، أرِ محمّد بن الأشعث ذلاًّ في هذا اليوم لا تُعزَّه بعد هذا اليوم أبداً ) . فعرض له عارض، فخرج من العسكر يتبرّز، فسلّط الله عليه عقرباً فلدغته، فمات بادي العورة. (البحار، ٤٤: ٣١٧).

وقيل: إنّه جاء ( فقال: أين الحسين؟فقال: ( ها أنا ذا ) . قال: أبشِر بالنار ترِدها الساعة.قال: ( بل أُبشَّر بربٍّ رحيم وشفيع مُطاع، مَن أنت؟ ) . قال: أنا محمّد بن الأشعث.قال: ( اللّهمّ، إن كان عبدك كاذباً


وتقديم الحسين إيّاه إلى الكوفة أمامه، وبما ظهر من ضعف النعمان بن بشير وعجزه ووهْن أمره»(١) .

تأمُّلٌ ومُلاحظات:

١) - سكون ما قبل العاصفة في الكوفة:

أحدث دخول مسلم بن عقيلعليه‌السلام مدينة الكوفة داعياً للإمام الحسينعليه‌السلام

____________________

=فخُذه إلى النار، واجعله اليوم آية لأصحابه! ) . فما هو إلاّ أن ثنى عنان فرَسه فرمى به، وثبتت رجله في الركاب فضربه حتّى قطَّعه ووقعت مذاكيره في الأرض... ) (البحار، ٤٥: ٣١).

لكنّ جلّ المؤرّخين يذكرون أنّ محمّد بن الأشعث بقي إلى ما بعد ثورة المختار، فهرب منه وانضمّ إلى مصعب بن الزبير، وقُتل محمد بن الأشعث في المواجهة بين جيش مصعب وجيش المختار. (راجع: الكامل في التاريخ، ٣: ١٣، وتاريخ الطبري، ٣: ٤٩٦، والأخبار الطوال:٣٠٦، والمعارف: ٤٠١).

ويبدو أنّ صاحب قاموس الرجال (التُّستري) يميل إلى أنّ محمد بن الأشعث لم يشترك في معركة كربلاء في مواجهة الإمام الحسين عليه‌السلام ، حيث يقول: ( ورد في خبر أنّ محمّد بن الأشعث شرك في دم الحسين عليه‌السلام ، إلاّ أنّ الخبر أعمُّ من شهوده حربه! وذكر أهل السير أنّ أخاه قيس بن الأشعث شهد حربه، وأمّا محمد فإنّما أعطى مسلماً الأمان، ولم يُجِزْه ابن زياد فسلّم (أي رضي وقبل) وأنّ أخاه قيس بن الأشعث قال يوم الطفّ للحسين عليه‌السلام : أوَلا تنزل على حكم بني عمّك؟! فإنّهم لن يُروك إلاّ ما تُحبّ ولن يصل إليك منهم مكروه.

فقال له الحسين عليه‌السلام :( أنت أخو أخيك! أتُريد أن يطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل... ) (قاموس الرجال، ٩: ١٢٣).

ومع أنّ استفادات صاحب القاموس (ره) في هذه المسألة لا تنهض إلى مستوى الدليل على ما يميل إليه؛ فإنّ ما يميل إليه خلاف ظاهر النصوص بل خلاف صريحها.

(١) أنساب الأشراف، ٢: ٨٣٦.


تحوّلاً كبيراً في ظاهر الحياة السياسية في تلك المدينة بعد أن « انثالت الشيعة على مسلم تُبايعه للإمام الحسين عليه‌السلام ، وكانت صيغة البيعة الدعوة إلى كتاب الله وسنّة رسوله، وجهاد الظالمين، والدفع عن المستضعفين وإعطاء المحرومين، وقسمة الغنائم بين المسلمين بالسويّة، وردّ المظالم إلى أهلها، ونُصرة أهل البيتعليهم‌السلام ، والمسالمة لمن سالموا، والمحاربة لمن حاربوا... »(١) ، حتى كان عدد مَن بايعه من أهلها على أقل التقادير ثمانية عشر ألفاً، وعلى أعلاها أربعين ألفاً.

وكأنّ الكوفة - على أساس هذا التحوّل الظاهري - كانت قد سقطت سياسياً وعسكرياً أو تكاد، في يد سفير الإمام الحسينعليه‌السلام ، ولم يبقَ دون أن يتحقّق ذلك فعلاً إلاّ أن يأمر مسلم بن عقيلعليه‌السلام بهبوب عاصفة الثورة والتغيير، لكنّ التزام مسلمعليه‌السلام بحدود صلاحياته التي رسمها الإمامعليه‌السلام حال دون هبوب العاصفة التي تنتزع الكوفة فعلاً من يد الحُكم الأُموي، فظلّت الكوفة تعيش أيّامها تلك في سكون يُنذر باحتمال هبوب العاصفة في أيّة لحظة إذا ما أخلّ بذلك السكون سبب غير مُحتسب.

٢) - ( الغَشْم ) وسيلة خروج الأُمويين من مأزقهم الكبير!

فزع الأُمويّون - وعملاؤهم وجواسيسهم - من تجاوب الرأي العام في الكوفة مع مسلم بن عقيلعليه‌السلام ، ورأوا أنّ زمام الأمور سيكون بيد الثوّار تماماً، إن لم تُبادر السلطة الأُموية المحلّية في الكوفة إلى اتّخاذ التدابير اللازمة، الكفيلة بإعادة الوضع الكوفي إلى سابق عهده، أو منع تدهوره إلى حدّ سقوط الكوفة فعلاً بيد الثوّار.

ولعلم الأُمويين « بالحالة النفسية الكوفية » العامة آنذاك، ولخبرتهم الطويلة في التعامل معها، كان رأيهم أنَّه لا وسيلة لهم للخروج من هذا المأزق الكبير إلاّ

____________________

(١) حياة الإمام الحسين بن عليعليهما‌السلام ، ٢: ٣٤٥ - ٣٤٦.


« الغشم » وهو الظلم والغصب، وأنّه لابدّ للكوفة من حاكم أُمويّ « غشوم » وهو الظالم المبادر بالظلم، الآخذ بالقهر كلَّ ما قدر عليه.

وقد أرادوا من النعمان بن بشير ذي التأريخ الأسود في مُعاداة أهل البيتعليهم‌السلام أن يكون هو هذا الحاكم الغشوم المنشود، وطلبوا إليه - بعد أن أنكروا عليه تراخيه في مواجهة مُستجدّات الأحداث(١) - أن يُبادر إلى تهديد الكوفيين وإرهابهم وقمعهم.

لكنّ الأُمويين وعملاءهم في الكوفة، أحسّوا بالخيبة حينما خطب النعمان بأهل الكوفة خطبته، التي كشف فيها عن ضعفه أو تضاعفه، وجرّأ الكوفيين على مواصلة التعبئة للثورة والتأهُّب لها، فبادروا - وهم على خوف من تسارع الأيّام والأحداث - إلى رفع تقاريرهم إلى السلطة المركزية في الشام، والتي طلبوا فيها من يزيد أن يُسارع إلى إقالة النعمان بن بشير، وتعيين حاكم آخر غشوم، يأخذ أهل الكوفة بالاحتيال والقوّة والقهر.

٣) - سرّ التراخي في موقف النعمان بن بشير:

للنعمان بن بشير بن سعد الخزرجي - ولأبيه بشير - تأريخ أسود طويل، في نصرة حركة النفاق بعد وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فإنّ أباه بشير بن سعد الخزرجي؛ لحسده سعد بن عبادة على موقعه المرموق في الخزرج خاصة والأنصار عامة، ولبُغضه لأهل البيتعليهم‌السلام ، كان أوَّل مَن بادر إلى مُبايعة أبي بكر في السقيفة، وظلّ موالياً لحزب السلطة ومُعادياً لأهل بيت النبوّةعليهم‌السلام ، وابنه النعمان « كان قد ولاَّه معاوية الكوفة بعد عبد الرحمان بن الحَكم(٢) ، وكان عثمانيّ الهوى، يُجاهر ببُغض عليّعليه‌السلام

____________________

(١) راجع: حياة الإمام الحسين بن عليعليهما‌السلام ، ٢: ٣٥٠.

(٢) هرب هو وأخوه (يحيى) يوم الجمل، بعد أن شُجِّجوا بالجراحات، فأجارهم عصمة بن أبير


ويُسيء القول فيه، وقد حاربه يوم الجمل وصِفِّين، وسعى بإخلاص لتوطيد الحُكم لمعاوية، وهو الذي قاد بعض الحملات الإرهابية على بعض المناطق العراقية، ويقول المحقّقون: إنّه كان ناقماً على يزيد، ويتمنّى زوال الملك عنه شريطة أن لا تعود الخلافة إلى آل عليّعليهم‌السلام ... »(١) .

ويُروى أنّ سبب نقمة النعمان على يزيد، هو أنّ يزيد كان يُبغض الأنصار بُغضاً شديداً، ويُغري الشعراء بهجائهم، الأمر الذي أثار حفيظة النعمان بن بشير، فطلب من معاوية قطع لسان الشاعر الأخطل النصراني الذي هجاهم، وأجابه معاوية إلى ذلك، لكنّ يزيد أجار الأخطل عند أبيه، فعفا معاوية عن الأخطل بدعوى أنّه « لا سبيل إلى ذمّة أبي خالد - يعني يزيد - »، وكُبت بذلك النعمان، فلم يزل ناقماً على يزيد(٢) .

ويروي التاريخ، أنّ عمرة بنت النعمان بن بشير كانت زوجة المختار بن أبي عبيدة الثقفي، الذي نزل عنده مسلم بن عقيلعليه‌السلام ، ويرى بعض المتتبِّعين أنّ هذه الصلة أيضاً كانت سبباً في تراخي موقف النعمان من الثوَّار، إضافة إلى السبب الأهمّ وهو نقمته على يزيد(٣) .

ولعلّ بإمكاننا هنا، أن نُضيف سبباً آخر إلى أسباب تراخي موقف النعمان من الثوّار، وهو أنّ النعمان وإن كان أنصارياً، إلاّ أنه كان أحد أفراد حركة النفاق، عُرف عنه أنّه عثمانيّ الهوى، مُتفانٍ في حُبّ بني أميّة، ومُتبَنٍّ لسياسة معاوية في قيادة

____________________

= حولاً. (راجع: تاريخ الطبري، ٣: ٥٦).

(١) حياة الإمام الحسين بن عليعليهما‌السلام ، ٢: ٣٤٩.

(٢) راجع: حياة الإمام الحسين بن عليعليهما‌السلام ، ٢: ١٨٨ - ١٩٠.

(٣) راجع: نفس المصدر، ٢: ٣٤٩.


حركة النفاق تبنِّياً تاماً، وكان من معالم هذه السياسة أنّ معاوية كان يتحاشى المواجهة العلنية مع الإمام الحسين عليه‌السلام ، وأنّ معاوية لو اضطرّ إلى مواجهة علنيّة، أي إلى قتال ضدّ الإمام الحسين عليه‌السلام ، وظفر بالإمام عليه‌السلام لعفا عنه، وليس ذلك حبَّاً للإمام عليه‌السلام ؛ وإنّما لأنّ معاوية - وهو من دُهاة السياسة النكراء والشيطنة - يعلم أنّ إراقة دم الإمام عليه‌السلام علناً وهو بتلك القُدسية البالغة في قلوب الأمّة كفيل بأن يفصل الأمويّة عن الإسلام، ويذهب بجهود حركة النفاق عامة والحزب الأُموي خاصة أدراج الرياح، خصوصاً الجهود التي بذلها معاوية في مزج الأُموية بالإسلام في عقل الأمّة وعاطفتها، مزجاً لم يَعُدْ أكثر هذه الأمّة بعدها يعرف إلاّ (الإسلام الأُموي)، حتّى صار من غير الممكن بعد ذلك الفصل بين الإسلام والأُموية إلاّ إذا أُريق ذلك الدم المقدّس - دم الإمام عليه‌السلام - على مذبح القيام ضدّ الحُكم الأموي(١) .

ولقد صرّح معاوية بذلك حتى للإمام الحسينعليه‌السلام نفسه قائلاً: «... ولكنَّني قد ظننتُ - يا بن أخي - أنّ في رأسك نزوة، وبودِّي أن يكون ذلك في زماني فأعرف لك قدرك، وأتجاوز عن ذلك، ولكنَّني - والله أتخوّف - أن تُبلى بمَن لا ينظرك فواق ناقة »(٢) .

وقال في وصيّته لابنه يزيد بصدد الإمام الحسينعليه‌السلام : «... ولن يتركه أهل العراق حتى يُخرجوه، فإنْ خرج وظفرت به فاصفح عنه؛ فإنّ له رحِماً ماسّة وحقّاً عظيماً وقرابة من محمّد »(٣) .

____________________

(١) وقد كشف النعمان عن معرفته بموقف معاوية من قتل الإمام الحسين عليه‌السلام في مُحاورته مع يزيد (كما في رواية الصفحة التالية).

(٢) شرح نهج البلاغة، ١٨: ٤٠٩.

(٣) الكامل في التأريخ، ٢: ٥٢٣.


وكان النعمان بن بشير مؤمناً بصحّة نظر معاوية في هذا الصدد، وقد أراد أن يُذكّر يزيد نفسه بذلك، حينما استدعاه يزيد إلى القصر بعد مقتل الإمامعليه‌السلام ، وبعد نصب الرأس المقدّس بدمشق، فلمّا جاءه سأله يزيد قائلاً: كيف رأيت ما فعل عبيد الله بن زياد؟

قال النعمان: الحرب دُوَل.

فقال يزيد: الحمد لله الذي قتله!

قال النعمان: قد كان أمير المؤمنين - يعني به معاوية - يكره قتله(١) .

ولا شكّ أنّ معاوية - كما قلنا من قبل - يكره قتل الإمامعليه‌السلام في مواجهة علنية، أمّا في مواجهة سرِّيّة فما أكثر مَن قتلهم معاوية بالسّم أو الاغتيال، ومنهم الإمام الحسن المجتبىعليه‌السلام ، فمعاوية لا يتورّع قيد أنمُلة في المبادرة إلى قتل الإمام الحسينعليه‌السلام في مواجهة سرّية، بسمّ أو اغتيالاً ما دعته الضرورة إلى ذلك.

من كلّ ما تقدّم؛ نُرجّح أنّ موقف النعمان بن بشير من الثوّار ومن بوادر الثورة، إنّما اتّسم ظاهراً باللين والتسامح؛ لأنّه كان يرى - إيماناً بنظرة معاوية - أنّ المواجهة العلنيّة مع الإمام الحسينعليه‌السلام ليست في صالح الحُكم الأُموي.

فلم يكن النعمان ضعيفاً، بل كان يتضعّف مكراً وحيلة، معوّلاً على الأُسلوب السرّي والخدعة الخفيّة للقضاء على الثورة، والتخلّص من مسلم بن عقيلعليه‌السلام ، بل حتى من الإمام الحسينعليه‌السلام .

فالنعمان لم يكن « حليماً ناسكاً يُحبّ العافية! » كما صوّرته رواية الطبري، أو « يُحبّ العافية ويغتنم السلامة! » كما صوّرته رواية الدينوري، بل كان شيطاناً يحذو

____________________

(١) راجع: مقتل الحسين عليه‌السلام للخوارزمي، ٢: ٥٩ - ٦٠.


حذو معاوية، كبيرهم الذي علّمهم الشيطنة في رسم الخُطط الماكرة، لكنّه أخطأ هذه المرّة في حساباته، تماماً، كما صوّرت ذلك التقارير المرفوعة إلى يزيد من عُملاء وجواسيس الحُكم الأمويّ في الكوفة؛ لأنّ الزمن آنذاك كان يجري في صالح النهضة الحسينية، وكان لابدّ من المسارعة إلى عزل النعمان والإتيان بوالٍ غشوم كعبيد الله بن زياد، يُبادر إلى اتّخاذ الإجراءات اللازمة، التي تقلب مسار حركة الأحداث في العاجل لصالح الحُكم الأُموي، وهكذا كان.

ونحن - مع هذا - لا ننفي احتمال أن يكون لسخط النعمان على يزيد، ولوجود صلة المصاهرة بينه وبين المختار تأثير على موقفه من الثوار، لكنّنا نُرجّح أنّ السبب الذي بيّناه كان هو السبب الأهمَّ.

حركة السلطة الأُمويّة المركزية في الشام:

لنَعُدْ إلى متابعة حركة الأحداث حسب تسلسلها التاريخي، وننظر ماذا صنعت في دمشق التقارير التي رفعها إلى يزيد من الكوفة الأُمويون فيها، مثل عمارة بن عقبة، وعملاؤهم مثل عمر بن سعد بن أبي وقّاص، وجواسيسهم مثل عبد الله بن مسلم بن سعيد الحضرمي!

يُتابع الطبريّ رواية القصّة قائلاً: « فلمّا اجتمعت الكتب عند يزيد، ليس بين كتبهم إلاّ يومان، دعا يزيد بن معاوية سرجون(١) مولى معاوية.

____________________

(١) هو سرجون بن منصور الرومي (النصراني): كان كاتب معاوية وصاحب سرّه، ثمّ صار كاتب يزيد وصاحب سرّه أيضاً بعد موت معاوية. (راجع: تاريخ الطبري، ٣: ٢٧٥ و٢٨٠ و٥٢٤، والكامل في التاريخ، ٢: ٥٣٥، والعقد الفريد، ٤: ١٦٤)؛ ويقول ابن كثير: كان كاتب معاوية وصاحب أمره (البداية والنهاية، ٨: ٢٢ و ١٤٨)؛ وكان يزيد يُنادم على شرب الخمر سرجون =


فقال: ما رأيُك؟ فإنّ حسيناً قد توجّه نحو الكوفة، ومسلم بن عقيل بالكوفة يُبايع للحسين، وقد بلغني عن النعمان ضعفٌ وقول سيِّئٌ - وأقرأه كتبهم - فما ترى؟ مَن أَستعمل على الكوفة؟

وكان يزيد عاتباً على عبيد الله بن زياد.

فقال سرجون: أرأيت معاوية لو نُشر لك أكنت آخذاً برأيه؟

قال: نعم. فأخرج عهد عبيد الله على الكوفة.. فقال: هذا رأي معاوية، ومات وقد أمر بهذا الكتاب.

فأخذ برأيه، وضمّ المصرين إلى عبيد الله، وبعث إليه بعهده على الكوفة »(١) .

ثمّ يُتابع الطبري رواية القصّة قائلاً:

____________________

= النصراني (الأغاني، ١٦: ٦٨). فهو - إذن - مُستشاره وصاحب سرّه وأمره ونديمه على الإثم، وهكذا كان المبرَّزون من رجال فصيل مُنافقي أهل الكتاب في خدمة أهداف حركة النفاق، يعملون تحت ظلّ فصائل حركة النفاق الأُخرى، مثل فصيل حزب السلطة، وفصيل الحزب الأُموي، مُقرّبين من الحُكّام ومُستشارين لهم وندماء!

يقول ابن عبد ربَّه: ( سرجون: كتب لمعاوية، ويزيد ابنه، ومروان بن الحكم، وعبد الملك بن مروان، إلى أن أمره عبد الملك بأمر فتَوانى فيه، ورأى منه عبد الملك بعض التفريط، فقال لسليمان بن سعد كاتبه على الرسائل: إنّ سرجون يُدّل علينا بضاعته، وأظنّ أنَّه رأى ضرورتنا إليه في حسابه، فما عندك فيه حيلة؟ فقال: بلى، لو شئت لحوّلت الحساب من الرومية إلى العربية. قال: افعل. قال: أنظرني أُعاني ذلك. قال: لك نظرةٌ ما شئت. فحوّل الديوان، فولاّه عبد الملك جميع ذلك. (العقد الفريد، ٤: ١٦٩، عنوان: من نبل بالكتابة وكان خاملاً).

(١) تاريخ الطبري، ٣: ٢٨٠، والإرشاد: ٢٠٦ بتفاوت يسير.


« ثمّ دعا مسلم(١) بن عمرو الباهلي وكان عنده، فبعثه إلى عبيد الله بعهده إلى البصرة، وكتب إليه معه: أمّا بعدُ، فإنّه كتب إليَّ شيعتي! من أهل الكوفة يُخبرونني أنّ ابن عقيل بالكوفة يجمع الجموع لشقّ عصا المسلمين، فَسِرْ حين تقرأ كتابي هذا حتى تأتي أهل الكوفة، فتطلب ابن عقيل كطلب الخرزة حتى تثقفه، فتوثقه أو تقتله أو تنفيه. والسلام.

فأقبل مسلم بن عمرو حتى قدم على عبيد الله بالبصرة. فأمر عبيد الله بالجهاز والتهيؤ والمسير إلى الكوفة من الغد »(٢) .

هذا، وقد نقل الموسوي الكركي في كتابه «تسلية المجالس» رسالة يزيد إلى ابن زياد بتفاوت مُهمّ، ونصّها: « سلام عليك.

أمّا بعد: فإنّ الممدوح مسبوب يوماً، والمسبوب ممدوح يوماً، ولك ما لك، وعليك ما عليك، وقد انتميت ونُميتَ إلى كلّ منصب كما قال الأوّل:

رُفِعتَ فجاوزتَ السحاب برفعة

فمالك إلاّ مقعدُ الشمسِ مقعَدُ

____________________

(١) مسلم بن عمرو الباهلي: كان مع زياد بن أبيه في البصرة، وجيهاً في قبيلة باهلة، عريفاً عليها في ولاية زياد بن أبيه سنة ٤٦هـ (راجع تاريخ الطبري، ٥: ٢٢٨)، ثمّ سكن الشام فكان بصرياً شامياً، ورجع من الشام إلى البصرة بكتاب يزيد إلى ابن زياد، ثمّ سافر معه إلى الكوفة، وتكلّم مع هاني بن عروةرضي‌الله‌عنه حينما أُدخل على ابن زياد ليُقنعه بتسليم مسلم عليه‌السلام إلى ابن زياد، وهو الذي شتم مسلم بن عقيل عليه‌السلام حين انتهائه إلى باب القصر وطلبه الماء.

ثمّ ازدلف إلى مصعب بن الزبير، فكان كالوزير لمصعب، وكان يُحبّ المال حبّاً جمّاً، وبعثه مصعب إلى حرب ابن الحرّ فهُزم. (راجع وقعة الطف:١٠٣، الهامش).

(٢) تاريخ الطبري، ٣: ٢٨٠.


وقد ابتُلي زمانك بالحسين من بين الأزمان، وابتُلي بلدك دون البلدان، وقد أخبرتني شيعتي من أهل الكوفة أنّ مسلم بن عقيل في الكوفة، يجمع الجموع ويشقّ عصا المسلمين، وقد اجتمع إليه خلق كثير من شيعة أبي تراب، فإذا أتاك كتابي هذا فسِرْ حين تقرأه حتى تَقدم الكوفة فتكفيني أمرها، فقد ضممتها إليك، وجعلتها زيادة في عملك، فاطلب مسلم بن عقيل طلب الخرز، فإذا ظفرت به فخُذْ بيعته أو اقتله إن لم يُبايع، واعلم أنّه لا عذر لك عندي دون ما أمرتك، فالعَجَل العَجَل، الوحا الوحا، والسلام »(١) .

وقد روى الوالد (قدس سره) في كتابه «مقتل الإمام الحسينعليه‌السلام » - نقلاً عن كتاب ناسخ التواريخ - أنّ يزيد في رسالته لابن زياد قال: « بلغني أنّ أهل الكوفة قد اجتمعوا على البيعة للحسين، وقد كتبت إليك كتاباً، فاعمل عليه؛ فإنّي لا أجد سهماً أرمي به عدوّي أجرأ منك، فإذا قرأت كتابي هذا فارتحل من وقتك وساعتك، وإيّاك والإبطاء والتواني، واجتهد ولا تُبقِ من نسل عليّ بن أبي طالب أحداً، واطلب مسلم بن عقيل، وابعث إليَّ برأسه »(٢) .

تأمّل وملاحظات:

١) - سرجون النصراني.. والاقتراح المتوقَّع!

في إطار حركة النفاق - بعد وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله - كان فصيل منافقي أهل الكتاب يرى أنّ غاية وجوده وعلّة تأسيسه هي دعم خطّ الانحراف عن أهل البيتعليهم‌السلام ، وتكفي نظرة عابرة على سيرة أمثال: كعب الأحبار، وتميم الداري،

____________________

(١) تسلية المجالس، ٢: ١٨٠.

(٢) مقتل الإمام الحسين عليه‌السلام للمرحوم آية الله الشيخ محمد رضا الطبسي (مخطوط): ١٣٧.


ووهب بن مُنبّه، ونافع بن سرجس مولى عبد الله بن عمر، وسرجون مُستشار معاوية ويزيد، وأبي زبيد مُستشار الوليد بن عقبة؛ دليلاً على منهج هذا الفصيل في نوع حركته على أساس العداء لأهل البيتعليهم‌السلام .

فكان من المتوقّع بما يُشبه اليقين - على ضوء التحليل التأريخي والنفسي - أن يُبادر سرجون نفسه فيقترح على يزيد تعيين عبيد الله بن زياد والياً على الكوفة بدلاً من النعمان بن بشير، لمواجهة المستجدّات الصعبة هناك؛ لِما يعلمه سرجون من حقد عبيد الله على أهل البيتعليهم‌السلام وبُغضه الشديد لهم، وهذا أهمّ مزايا عبيد الله في نظر سرجون؛ ولما يعلمه فيه من عدم التورُّع عن الغشم والظلم والقتل، وقدرة إدارية عمادها المكر والحيلة، فهو الرجل المناسب لإدارة الأمور في الكوفة في ذلك الظرف الاستثنائي المعقّد.

لكنّ سرجون يعلم أيضاً، أنّ هذا الاقتراح قد لا يقبله يزيد؛ لأنّه كان يُبغض عبيد الله بُغضاً شديداً(١) أو كان عاتباً عليه(٢) ، فسعى سرجون إلى دعم هذا الاقتراح بكتاب معاوية - الذي أمر به قُبيل وفاته - بتولية عبيد الله بن زياد على الكوفة، مؤكّداً بذلك مطابقة رأي معاوية لرأيه في هذه المسألة أو العكس.

فسرجون - وهو ممثِّل فصيل منافقي أهل الكتاب في البلاط الأمويّ - لم يكن غير ذي رأي في المسألة، بل كان قد اقترح ما يراه هو - بطريقة غير مباشرة - في إطار رأي معاوية في نفس المسألة.

وما يُدرينا؟! فلعلّه كان قد أشار على معاوية أيضاً بنفس هذا الرأي فتبنّاه معاوية، ثمّ أظهره سرجون ليزيد في الوقت المناسب على أنّه رأي أبيه! والله العالم.

____________________

(١) راجع: تذكرة الخواص: ٢١٨.

(٢) راجع: تاريخ الطبري: ٢: ٢٨٠.


٢) - ماذا يعني عهد معاوية - أواخر أيّامه - لعبيد الله على الكوفة؟!

لقد أحسَّ معاوية بن أبي سفيان قُبيل وفاته بإرهاصات تمرّد الكوفيين على الحُكم الأُموي؛ ذلك لأنّ عامة أهل العراق بنوع خاص نتيجة ما لمسوه من فداحة الظلم الأُموي، صاروا يرون بُغض بني أميّة وحُبّ أهل البيتعليهم‌السلام ديناً لأنفسهم(١) ؛ فكان لابدَّ للكوفة خاصة من إدارة قويّة تُمسك بأزمّة الأمور فيها، الأمر الذي لم يوفّق فيه النعمان بن بشير واليها وقتذاك، فبادر معاوية إلى استباق الأحداث وعهد إلى عبيد الله بن زياد بالولاية على الكوفة؛ ليضبط الأمور فيها، لكن الموت أدرك معاوية قبل التنفيذ العملي لهذا العهد، وبقي كتاب هذا العهد محفوظاً عند مُستشاره سرجون النصراني، الذي ربّما كان هو الذي حرّك معاوية باتِّجاه اتِّخاذ مثل هذا القرار.

هذا، وهناك رأي آخر يقول: إنّ قرار معاوية - بمشورة سرجون - بتعيين عبيد الله بن زياد والياً على الكوفة، يُعتبر الخطوة العملية الأُولى لقتل الإمام الحسينعليه‌السلام ؛ ذلك لأنّ معاوية يعلم أنّ الإمامعليه‌السلام - بعد موت معاوية - لن يُبايع ليزيد، ولابدّ له من القيام، ولابدّ لأهل الكوفة من تأييده ودعوته إليهم، فلابُدَّ - إذن - من المواجهة العلنية مع الإمامعليه‌السلام .

ومعاوية يعلم أنّ يزيد وعبيد الله بن زياد بما يحملانه من حقد شديد على أهل البيتعليهم‌السلام واعتساف في معالجة الأمور وقلّة في التدبّر والدهاء والصبر، سوف يُقدمان على قتل الإمام الحسينعليه‌السلام ، بل كان معاوية قد أخبر الإمامعليه‌السلام بذلك في إحدى رسائله إليه(٢) .

____________________

(١) راجع: الفتنة الكبرى: ٢٩٥.

(٢) راجع: شرح نهج البلاغة: ١٨: ٤٠٩.


إذن فمعاوية بهذا مُشارك فعّال في جريمة قتل الإمامعليه‌السلام !

ونقول: إنّ هذا صحيح من حيث النظر إلى النتيجة العملية، وقد أدرك معاوية هذه النتيجة في حياته، في إصراره على البيعة لابنه يزيد وليّاً للعهد من بعده - وتولية يزيد على كلّ البلاد أهمّ من تولية عبيد الله على الكوفة - وكان معاوية يعلم بأنّ يزيد سيرتكب تلك الجريمة - التي تحاشا معاوية أن يرتكبها هو في حياته -؛ لأنّه يعلم أنّ قتل الإمامعليه‌السلام في مواجهة علنيّة، سوف يقضي بالنتيجة على الحُكم الأُموي نفسه، وعلى كلّ جهود حركة النفاق منذ وفاة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، إلى موت معاوية؛ ولذا كان معاوية إذا تأمّل في النتيجة العملية تأكلُ قلبه الحسرة، إزاء ضعفه أمام عاطفته ليزيد وهواه فيه، فكان يقول: « ولولا هواي في يزيد لأبصرت رُشدي وعرفت قصدي... »(١) .

وقد حاول معاوية قبل موته أن يحتاط لهذا الأمر، وأن يحول دون أن يرتكب يزيد من بعده حماقة قتل الإمام الحسينعليه‌السلام في مواجهة علنية، فأوصاه بذلك(٢) ، ولعلّه أكّد عليه في هذه المسألة بأكثر من سبيل، ولات حين فائدة!!

٣) - يزيد يستخدم أسلحة أبيه في الإرهاب الديني!!

من التضليل الديني الذي ابتدعه معاوية لتثبيت مُلكه، ولاستخدامه في إرهاب الأمّة إرهاباً دينيّاً من أجل تحذيرها وتخديرها عن التفكير بالقيام ضدّه، الأحاديث الكثيرة التي وضعها له وافتراها على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عملاؤه، من صحابة وتابعين،

____________________

(١) الفتوح، ٤: ٣٤٤، والبداية والنهاية، ٨: ١٢٦.

(٢) وقد رويت هذه الوصيّة في مصادر الفريقين مع تفاوت في الألفاظ: راجع مثلاً: تاريخ الطبري، ٣:٢٦٠، والكامل في التاريخ، ٢: ٥٢٣، وأمالي الصدوق: ١٢٩ المجلس ٣٠، حديث رقم ١.


معروفين بنفاقهم وتهالكهم على دنيا معاوية، كأبي هريرة، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن عمر، والمغيرة بن شُعبة، وسُمرة بن جُندب، وغيرهم من النفعيين، الذين تفنّنوا في وضع مُفتريات تدعو الأمّة إلى الصبر على ظلم الحاكم الجائر والخضوع له وعدم الخروج عليه، فمن مُفتريات ابن عمر - على سبيل المثال لا الحصر - « ستكون هنات وهنات، فمَن أراد أن يُفرِّق أمر هذه الأمّة وهي جمع فاضربوه بالسيف كائناً ما كان » و« مَن رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه، فإنّ مَن فارق الجماعة شبراً فمات إلاَّ ميتة جاهلية! » و« أدّوا إليهم حقّهم - أي الحكّام - واسألوا الله حقّكم! »(١) وأمثال ذلك.

فأراد يزيد أن يعزف على نفس النغمة في رسالته إلى عبيد الله بن زياد بقوله: « فإنّه كتب إليَّ شيعتي! من أهل الكوفة، يُخبرونني أنّ ابن عقيل بالكوفة يجمع الجموع لشقّ عصا المسلمين... »، وكأنّ يزيد أراد أن ينبِّه ابن زياد ليقوم باستخدام تُهمة « شقّ عصا المسلمين » في مواجهة مسلم إعلامياً، ويُعرّفه أن عقوبة هذه التُّهمة هي القتل، وما يجري على مسلم من التُّهم عند الأُمويين يجري بالضرورة على سيّده الإمام الحسينعليه‌السلام ، بل لقد وجّه الأُمويون هذه التُّهمة إلى الإمامعليه‌السلام بشكل سافر، لما أرادوا منعه عن الخروج من مكّة المكرّمة فأبى عليهم، حيث نادوه: « يا حسين، ألا تتَّقي الله؟! تخرج من الجماعة، وتُفرِّق بين هذه الأمّة!! »(٢) .

ولقد أسرف ابن زياد في استخدام هذه التُّهمة إعلامياً ضدّ مسلم بن عقيلعليه‌السلام والثوّار في الكوفة؛ لتنفير الناس عنهم، وخاطب مسلماًعليه‌السلام بهذه التُّهمة مُباشرة، بعد أن تمكّنوا منه وأحضروه في القصر قائلاً: « يا عاقّ، يا شاقّ، خرجت على إمامك! وشققت عصا المسلمين! وألقحت الفتنة! ». لكنّ البطل الشجاع مسلم

____________________

(١) راجع: ثورة الحسين عليه‌السلام ظروفها الاجتماعية وآثارها الإنسانية: ١٠٥ - ١١٤.

(٢) تاريخ الطبري، ٣: ٢٩٦.


بن عقيل عليه‌السلام ردّ عليه قائلاً: ( كذبت يا بن زياد، إنّما شقّ عصا المسلمين معاوية وابنه يزيد، وأمّا الفتنة فإنّما ألقحها أنت وأبوك زياد... )(١) .

٤) - مَن هو عبيد الله بن زياد!؟

كان زياد بن أبيه قبل استلحاق معاوية إيّاه وادعّائه أنّه أخوه من أبيه، يرى نفسه من الموالي؛ لأنّه ولِد على فراش عبيد الرومي(٢) ، فكان زياد يحنو على الموالي ويُدافع عنهم ويدرء عنهم الغوائل، كما فعل في ردّ عمر بن الخطاب عن خطّته في الفتك بالموالي والأعاجم، التي كتب بها إلى أبي موسى الأشعري(٣) .

ولعلّ هذا العامل النفسي كان أقوى عوامل انتماء زياد بن أبيه إلى صفّ أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام والعمل تحت لوائه حينذاك.

وكان معاوية - بدهائه وخُبثه ومعرفته بنفسية زياد بن أبيه - قد انتبه إلى هذا العامل النفسي المؤثّر جدّاً في نوع انتماء زياد فكرياً وسياسياً، فبادر إلى القول بتلك الدعوى المختلقة، دعوى الاستلحاق؛ ليُطلق زياداً من عقدة انتمائه إلى الموالي، وينسبه إلى نسبه «إلى أبيه» أي إلى بيت معروف من بيوتات قريش، وبهذا ضمن معاوية - بما له من معرفة بزياد - تحوّله إلى صفّه وباطله.

وهكذا كان، فبعد أن تحوّل زياد إلى باطل معاوية مُتحرِّراً من عُقدة الموالي بطش بالموالي أشدّ البطش، وكان جلّ الشيعة منهم، وساعده على ذلك معرفته السابقة بهم وبأشخاصهم ورموزهم وأمكنتهم.

____________________

(١) اللهوف: ١٢١.

(٢) وقيل: هو أبو عبيد عبد بني علاج من ثقيف (نهج الحق وكشف الصدق: ٣٠٧).

(٣) راجع: تفصيل القصّة في كتاب سليم بن قيس: ١٧٤ - ١٧٩.


وفي الرسالة الاحتجاجية الشاملة، التي بعثها الإمام الحسينعليه‌السلام إلى معاوية أشارعليه‌السلام إلى هذا البُعد النفسي من وراء الاستلحاق، إضافة إلى مُخالفة هذا الاستلحاق للشريعة المقدّسة، تأمّل في قولهعليه‌السلام في هذه الرسالة:

( أوَ لستَ المدّعي زياد بن سميّة المولود على فراش عبيد ثقيف؟! فزعمت أنّه ابن أبيك، وقد قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : الولَد للفراش وللعاهر الحجَر. وتركت سُنّة رسول الله تعمّداً وتبعت هواك بغير هُدى من الله، ثُمَّ سلّطته على العراقَين، يُقطِّع أيدي المسلمين وأرجلهم، ويُسمّل أعيُنهم، ويُصلِّبهم على جذوع النخل، كأنّك لست من هذه الأمّة وليسوا منك... ) (١) .

ولقد نشأ عبيد الله بن زياد في ظلّ الاعتزاز بالنسَب السفياني، وكان يفخر به(٢) ، وأجّج فيه وهمُ هذا الانتساب نيران حقد شديد على أهل البيتعليهم‌السلام خاصة والشيعة عامة، فسجّل له التاريخ ملفَّاً أسود مليئاً بأبشع الجرائم التي يندى لها جبين التاريخ نفسه!

وروي أنّ عبَيد الله ولِد سنة ٢٠هـ(٣) ، وكانت أمّه مرجانة مجوسيّة معروفة بالبغاء، فارقها زياد وتزوّج بها شيرويه «الأسواري»(٤) ، ودفع زياد إليها عبيد الله، فنشأ في بيت شيرويه «ولم يكن مسلماً» وتربّى في بيته، فكانت فيه لكْنة لا يستطيع

____________________

(١) اختيار معرفة الرجال، ١: ٢٥٢ - ٢٥٩ رقم ٩٩.

(٢) فقد قال لأهل البصرة مثلاً: (... وقد استخلفت عليكم عثمان بن زياد بن أبي سفيان ) (تاريخ الطبري، ٣: ٢٨١).

(٣) راجع: تاريخ الطبري، ٣: ٢٤٦.

(٤) الأساورة: قوم من العجم بالبصرة نزلوها قديماً... والإسوار والأسوار. الواحد من أساورة فارس وهو الفارس من فرسانهم المقاتل... (راجع: لسان العرب، ٤: ٣٨٨).


بسببها أداء بعض الحروف العربية كما هي، فكان يقول للحروري مثلاً: هروري، فيضحك سامعوه(١) .

وهلك أبوه زياد سنة ٥٣هـ، فوفد ابنه عبيد الله على معاوية فولاَّه خراسان سنة ٥٤ هـ(٢) ، ثمّ ولاَّه البصرة سنة ٥٥ هـ، فترك على خراسان أسلم بن زرعة الكلابي ورجع إلى البصرة(٣) . ولمَا مات معاوية كان عبيد الله لم يزل والياً عليها.

ومع أنّ حقد عبيد الله بن زياد على أهل البيتعليهم‌السلام كان كافياً في دفعه إلى ارتكاب جريمة قتل الإمام الحسينعليه‌السلام ، لكنّ خوفه من نقمة يزيد عليه وبغضه له، ورغبة عبيد الله في ترضية يزيد والتودّد إليه، شكّلا دافعاً مضافاً في العزم على قتل الإمامعليه‌السلام وإظهار الإخلاص التام ليزيد(٤) .

وكان يزيد قد استخدم مع عبيد الله نفس سلاح أبيه معاوية مع زياد، في تهديده بسحب هوية النسَب الأُموي المكذوب منه، فيعود كما هو عبداً لثقيف، حينما حثّه على امتثال أمره في قتل الإمامعليه‌السلام ؛ إذ كتب إليه: « إنّه قد بلغني أنّ حسيناً سار إلى الكوفة، وقد ابتُلي به زمانك من بين الأزمان، وبلدك بين البلدان، وابتُليت به من بين العمّال، وعنده تُعتق أو تعود عبداً. فقتله عبيد الله وبعث برأسه وثِقله إلى

____________________

(١) راجع: سير أعلام النبلاء، ٣: ٥٤٥، والعقد الفريد، ٢: ٤٧٧، والملحمة الحسينية، ٣:١٤٠.

(٢) راجع: تاريخ الطبري، ٣: ٢٤٢ و٢٤٦.

(٣) نفس المصدر.

(٤) ولعلّ بُغض يزيد لعبيد الله (كما في تذكرة الخواص: ٢١٨) أو عتبه عليه (كما في تاريخ الطبري، ٣: ٢٨٠) كان نتيجة لبُغض يزيد لزياد أبي عبيد الله؛ بسبب ما كان يراه زياد من عدم لياقة يزيد للخلافة بسبب افتضاح فسقه وفجوره، وكان زياد يَثنى معاوية عن الإقدام على أخذ البيعة بولاية العهد ليزيد، ويُحذّره من عواقب ذلك.


يزيد »(١) .

وكان عبَيد الله قبيح السريرة، فاسقاً ظالماً غشوماً جباناً إذا ضعف، جبّاراً إذا تمكّن، قال الحسن البصري: « قدم علينا عبيد الله، أمّره معاوية غلاماً سفيهاً، سفك الدماء سفكاً شديداً.. وكان عبيد الله جباناً »(٢) .

« وكان الحسن البصري يُسمّيه الشابّ المترف الفاسق، وقال فيه: ما رأينا شرّاً من ابن زياد! »(٣) .

و« جيء إليه بسيّد من سادات العراق، فأدناه منه ثمّ ضرب وجهه بقضيب كان في يده حتى كسر أنفه وشقّ حاجبيه، ونثر لحم وجنته، وكسر القضيب على وجهه ورأسه »(٤) .

« وغضب على رجل تمثّل بآية من القرآن، فأمر أن يُبنى عليه ركن من أركان قصره! »(٥) .

« وكان يقتل النساء في مجلسه، ويتشفّى بمُشاهدتهنّ يُعذَّبن وتُقطّع أطرافهن! »(٦) .

« عاش مكروهاً عند أهل العراق »(٧) و« مهيناً عند أهل الحجاز »(٨) .

____________________

(١) العقد الفريد، ٤: ٣٨٢.

(٢) راجع: سير أعلام النبلاء، ٣: ٥٤٩.

(٣) أنساب الأشراف، ٥: ٨٣.

(٤) مروج الذهب، ٢: ٤٤; ولعلّ ذلك السيّد الوجيه هو هاني بن عروةرضي‌الله‌عنه .

(٥) المحاسن والمساوئ، ٢: ١٦٥.

(٦) بلاغات النساء: ١٣٤; وأنساب الأشراف، ٥: ٢٨٩.

(٧) الإمامة والسياسة ٢: ١٦.

(٨) الأغاني، ١٨: ٢٧٢.


« لما مات يزيد أغرى بعضَ البصريّين أن يُبايعوه، ثمّ جبن عن مواجهة الناس فاستتر ثمّ هرب إلى الشام.. وكان عبيد الله من الأكلة، كان يأكل جديّاً أو عناقاً يُتخيَّر له في كلّ يوم فيأتي عليه! وأكل مرّة عشر بطّات وزبيلاً من عنب، ثمّ عاد فأكل عشر بطّات وزبيلاً من عنب وجديّاً!! »(١) .

« قال التنوخي: إنّ عبيد الله بن زياد لما بنى داره البيضاء بالبصرة بعد قتل الحسين، صوّر على بابها رؤوساً مُقطّعة، وصوّر في دهليزها أسداً وكبشاً وكلباً، وقال: أسد كالح، وكبش ناطح، وكلب نابح.

فمرّ بالباب أعرابي، فرأى ذلك فقال: أما إنّ صاحبها لا يسكنها إلاّ ليلة واحدة لا تتمَّ!

فُرفع الخبر إلى ابن زياد، فأمر بالأعرابي فضُرب وحُبس، فما أمسى حتى قدم رسول ابن الزبير إلى قيس بن السكون ووجوه أهل البصرة في أخذ البيعة له، ودعا الناس إلى طاعته فأجابوه، وراسل بعضهم بعضاً في الوثوب عليه في ليلتهم «أي على ابن زياد»، فأنذره قوم كانت له صنائع عندهم، فهرب من داره في ليلته تلك، واستجار بالأزد فأجاروه، ووقعت الحرب المشهورة بينهم وبين بني تميم بسببه، حتى أخرجوه فألحقوه بالشام، وكُسِر الحبس فخرج الأعرابي، ولم يَعُدْ ابن زياد إلى داره، وقُتل في وقعة الخازر »(٢) .

ولما رأى ابن زياد - بعد فاجعة كربلاء - أنّه لم يجنِ إلاّ غضب الله وسخط الناس عليه(٣) سعى إلى التنصّل من مسؤولية قتل الإمامعليه‌السلام ، فكان يدّعي قائلاً: « أمّا

____________________

(١) أنساب الأشراف، ٥: ٨٦.

(٢) راجع: الفَرَج بعد الشدّة، ٢: ١٠١.

(٣) زار ابن زياد عبد الله بن مغفل الصحابي في مرضه، وقال له: أتعهد إلينا شيئاً قال: لا تُصلِّ عليَّ


قتلي الحسين، فإنّه أشار إليَّ يزيد بقتله أو قتلي فاخترتُ قتله! »(١) .

ولما جاء نعي يزيد هرب عبيد الله بعد أن كاد يؤسَر، واخترق البرّية إلى الشام، وانضمّ إلى مروان وقاتل معه، فلمّا ظفر مروان ردّه إلى العراق، فلمّا دخل أرض العراق وجّه المختار إليه إبراهيم بن مالك الأشتر، فالتقوا بقرب الزاب، وقتل إبراهيم بن الأشتر عبيد الله بن زياد بضربة نجلاء، قدَّه بها نصفين، وكان ذلك في يوم عاشوراء سنة ٦٧هـ(٢) .

« وأُنفذ رأس عبيد الله بن زياد إلى المختار ومعه رؤوس قوّاده، فأُلقيت في القصر، فجاءت حيّة دقيقة فتخلّلت الرؤوس حتى دخلت في فم عبيد الله بن زياد ثمّ خرجت من منخره، ودخلت في منخره وخرجت من فيه، فعلت هذا مراراً، أخرج هذا الترمذيّ في جامعه »(٣) .

وكانت جثّته قد أُحرقت بعد قطع رأسه(٤) .

وهلك هذا الطاغية حين هلك ولم يكن له عقب(٥) .

____________________

= ولا تقُم على قبري. (سير أعلام النبلاء ٣: ٥٤٩). وقالت له أمّه مرجانة: يا خبيث، قتلت ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟! لا ترى الجنّة أبداً (الكامل في التاريخ ٣: ٨).

وقال أخوه عثمان وهو يسمع: لوددتُ أنّه ليس من بني زياد رجلٌ إلاّ وفي أنفه خزامة إلى يوم القيامة وأنَّ حسيناً لم يُقتل. (تاريخ الطبري ٣: ٣٤٢، والكامل في التاريخ ٢: ٥٨٢).

(١) الكامل في التاريخ، ٢: ٦١٢.

(٢) راجع: المعارف: ٣٤٧، وسير أعلام النبلاء، ٣: ٥٤٩.

(٣) الكامل في التاريخ، ٣: ٨، وقد أخرجه الترمذي في المناقب من سُننه، ٥: ٦٦٠ رقم ٣٧٨٠، وقال: حسن صحيح. كما أورده الذهبي في سير أعلام النبلاء، ٣: ٥٤٩ وصحّحه.

(٤) الكامل في التاريخ، ٣: ٨.

(٥) راجع: المعارف: ٣٤٧.


ومع أنّنا نجد في كتاب الله الحكيم، أنّ الله تعالى لعن المفسدين في الأرض القاطعين الرحِم في قوله تعالى:( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ) (١) ، ولا نظنّ أنّ مسلماً عاقلاً عالماً، يشكّ في أنّ يزيد وعبيد الله بن زياد وأضرابهم كانوا المصداق الأتمّ لمفهوم المفسد في الأرض والقاطع الرحم، كيف لا، وقد قتلوا عامدين ريحانة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الإمام الحسينعليه‌السلام شرّ قتلة مع أنصاره من أهل بيته وأصحابه وسبوا حريم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على أفجع حالة، يتصفّح وجوههنّ الأعداء والغرباء من كربلاء إلى الشام؟! وهل هناك عند الله وعند المؤمنين رَحِم أعزّ وأولى بالصلة من رحم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟! وهل هناك إفساد مُتصوَّر أكثر وأكبر وأنكر ممَّا اجترحه يزيد وعبيد الله وأضرابهم؟!

مع كلّ هذا، يقول الذهبي في شدّة ورع وتقوى!!: « الشيعي لا يطيب عيشه حتى يلعن هذا ودونه، ونحن نبغضهم في الله! ونبرأ منهم ولا نلعنهم، وأمرهم إلى الله! »(٢) .

ونقول: شنشنة أعرفها من أخزمِ!!(٣) .

هل غيّرت السلطة الأُموية المركزية والي مكّة؟

يذهب بعض المؤرّخين إلى أنّ معاوية مات حين مات: « وعلى المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وعلى مكّة يحيى بن حكيم بن صفوان بن أميّة(٤) ، وعلى

____________________

(١) سورة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله : الآية ٢٢ و ٢٣.

(٢) سير أعلام النبلاء، ٣: ٥٤٩.

(٣) عجز بيت شِعر قديم، مضى مثلاً للقضية المعروف أصل سببها.

(٤) يحيى بن حكيم بن صفوان بن أميّة: وهو من بني جمح الذين كانوا مع عائشة يوم الجَمل، فقُتل منهم اثنان وهرب الباقون، وكان يحيى هذا ضمن الذين هربوا ونجا بنفسه، ويُروى أنّ أمير المؤمنين


الكوفة النعمان بن بشير الأنصاريّ، وعلى البصرة عبيد الله بن زياد »(١) .

وهذا يعني أنّ السلطة الأُموية المركزية في دمشق، قد عزلت يحيى بن حكيم عن ولاية مكّة، وأحلّت مكانه عمرو بن سعيد الأشدق، ضمن الإجراءات الجديدة التي اتّخذتها على أثر وصول الإمام الحسينعليه‌السلام إلى مكة المكرّمة.

غير أنّ مؤرّخين آخرين، روَوا أنّ عمرو بن سعيد بن العاص الأشدق هو الذي كان والياً على مكّة حين مات معاوية(٢) ، ثمّ جمع له يزيد الولاية على مكّة والمدينة، بعد عزله الوليد بن عتبة عن منصب الولاية في المدينة.

وممّا يؤيّد هذا ما روي أنّ الإمام الحسينعليه‌السلام لما ورد مكّة قال له عمرو بن سعيد: ما إقدامك؟! فقالعليه‌السلام :( عائذاً بالله وبهذا البيت ) (٣) . فتأمّل.

عزْل الوليد بن عُتبة عن ولاية المدينة:

كان الوليد بن عتبة(٤) أُمويّاً مُخلصاً كلّ الإخلاص للحُكم الأمويّ عن وعي تامٍّ؛

____________________

= علياً عليه‌السلام لما مرَّ بقتلى موقعة الجَمل بعد انتهائها قال:(... لقد كنت أكره أن تكون قريش قتلى تحت بطون الكواكب! أدركت وتْري من بني عبد مناف وأفلتني أعيار بني جُمح... ) (شرح نهج البلاغة، ١١: ١٢٣، وروى ابن أبي الحديد: أنّ يحيى هذا عاش حتى استعمله عمرو بن سعيد الأشدق على مكّة، لما جمع له يزيد الولاية على مكّة والمدينة، فأقام عمرو بالمدينة ويحيى بمكّة، راجع ١١: ١٢٥).

(١) الأخبار الطوال: ٢٢٧.

(٢) راجع: تاريخ الطبري، ٣: ٢٧٢، والكامل في التاريخ، ٢: ٥٢٩.

(٣) تذكرة الخواص: ٢١٤.

(٤) راجع عنوان (شخصية الوليد بن عتبة) في الجزء الأول من هذا الكتاب (مع الركب الحسيني من المدينة إلى المدينة): ٣٦١ - ٣٦٥.


لانتمائه القبلي وحرص بالغ على تقديم بني أميّة على مَن سِواهم، وكان في نفس الوقت يتمنّى أن لا يصطدم مع بني هاشم عامة وأهل البيت خاصة، ويطلب العافية من ذلك ويرجوها.

وفي صدد الموقف من الإمام الحسينعليه‌السلام خاصة، كان الوليد يتبنّى نظرة معاوية الذي كان يرى أنّه ليس من مصلحة الحُكم الأُموي أن يدخل في مواجهة علنيّة مع الإمام الحسينعليه‌السلام ، مع ما روي أنّ الوليد كان يرى لأهل البيتعليهم‌السلام حُرمة ومنزلة عند الله تعالى! ولذا؛ فقد اتّسم موقفه من رفض الإمام الحسينعليه‌السلام بالتسامح واللّين؛ الأمر الذي أغضب السلطة الأُموية المركزية في دمشق، وأسخطها على الوليد، فقام يزيد بعزل الوليد عن ولاية المدينة في شهر رمضان من نفس السنة(١) ، وأضاف ولاية المدينة لعمرو بن سعيد الأشدق مع ولاية مكّة المكرّمة.

رسالة يزيد إلى عبد الله بن عبّاس:

ومن الإجراءات التي بادرت إليها السلطة الأُموية المركزية في الشام، بعد وصول الإمام الحسينعليه‌السلام إلى مكّة، إرسال الكُتب إلى مَن يُحتمل أن يكون له تأثير على موقف الإمام الحسينعليه‌السلام من بني هاشم خاصة، أو من وجهاء الأمّة الإسلامية عامة(٢) ، وقد سجّل لنا التأريخ في هذا الإطار قصّة الرسالة التي بعث بها يزيد إلى عبد الله بن عباس، يطلب إليه فيها أن يردَّ الإمامعليه‌السلام عن الخروج على النظام

____________________

(١) راجع: تاريخ الطبري، ٣: ٢٧٢، والبداية والنهاية، ٨: ١٥١، وتاريخ الخليفة: ١٤٢.

(٢) نظنّ ظنّاً قويّاً، تدعمه دلائل تاريخية أنّ حماسة عبد الله بن عمر في مُحاولاته ردّ الإمام عليه‌السلام عن القيام، ونهيه عن الخروج إلى العراق، كانت بدفع من السلطة الأُموية، لكنّنا لم نعثر على وثيقة تاريخية تنهض بهذا الظنّ القويّ إلى مستوى القطع، ونُذكِّر هنا بأنّ معاوية في وصيّته ليزيد يقول: ( - فأمّا عبد الله بن عمر فهو معك فالزمه ولا تدعه... ) (أمالي الصدوق: ١٢٩، المجلس ٣٠ حديث رقم ١).


الأُموي، وأن يُحذّره من مغبّة ذلك، ويُمنّيه بالأمان والصلة البالغة والمنزلة الخاصة عند السلطان الأُموي!

« قال الواقدي: ولما نزل الحسين مكّة، كتب يزيد بن معاوية إلى ابن عباس:

أمّا بعدُ: فإنّ ابن عمّك حسيناً وعدوّ الله ابن الزبير التوَيا ببيعتي، ولحقا بمكّة مرصدَين للفتنة، مُعرّضين أنفسهما للهلكة، فأمّا ابن الزبير، فإنّه صريع الفناء وقتيل السيف غداً، وأمّا الحسين فقد أحببت الإعذار إليكم أهل البيت ممّا كان منه، وقد بلغني أنّ رجالاً من شيعته من أهل العراق يُكاتبونه ويُكاتبهم، ويُمنّونه الخلافة ويُمنّيهم الإمرة.

وقد تعلمون ما بيني وبينكم من الوصلة وعظيم الحُرمة ونتايج الأرحام، وقد قطع ذلك الحسين وبتّهُ، وأنت زعيم أهل بيتك وسيّد أهل بلادك، فالْقه فاردُده عن السعي في الفُرقة، وردّ هذه الأمّة عن الفتنة، فإنْ قبل منك وأناب إليك فله عندي الأمان والكرامة الواسعة، وأُجري عليه ما كان أبي يُجريه على أخيه، وإنْ طلب الزيادة فاضمن له ما أراك الله أنفذ ضمانك، وأقوم له بذلك، وله عليَّ الأيمان المغلّظة والمواثيق المؤكّدة بما تطمئنّ به نفسه ويعتمد في كلّ الأمور عليه.

عجّل بجواب كتابي وبكلّ حاجة لك إليَّ وقِبَلي، والسلام »(١) .

وأضاف صاحب تذكرة الخواص قائلاً:

« قال هشام بن محمد: وكتب يزيد في أسفل الكتاب:

يا أيُّها الراكب الغادي لمطيَّته(٢)

على عذافرة في سيرها قحمُ

____________________

(١) تذكرة الخواص: ٢١٥.

(٢) هكذا في الأصل، والصحيح ( لطيّته ) كما هو في رواية الفتوح، ٥: ٧٦.


أَبـلغ قـريشاً على نأي المزار بها

بـيني وبـين الحسين اللهُ والرحمُ

ومـوقف بـفناء الـبيت أنـشده

عـهد الإلـه غـداً يوفى به الذممُ

هـنـيتمُ قـومكم فـخراً بـأمِّكمُ

أُمٌّ لـعَمري حـسانٌ(١) عفَّة كرمُ

هـي الـتي لا يُـداني فضلها أحدٌ

بنت الرسول وخير الناس قد علموا

إنّــي لأعـلم أو ظـنّاً لـعالمه

والـظنّ يـصدق أحـياناً فينتظمُ

أنْ سـوف يـترككم ما تدَّعون به

قـتلى تـهاداكم الـعقبان والرخمُ

يا قومنا لا تشبُّوا الحرب إذ سكنتْ

وأمـسكوا بحبال السلم واعتصموا

قد غرَّت الحرب مَن قد كان قبلكمُ

مـن الـقرون وقد بادت بها الأُممُ

فـأنصفوا قـومكم لا تهلكوا بذخاً

فَرُبَّ ذي بذخ زلَّت به القدمُ »(٢)

مُلاحظات حول هذه الرسالة:

١) - هناك مُشتركات نفسية أساسية بين متن الرسالة وبين أبيات الشعر التي قال (هشام بن محمّد): إنّ يزيد أرفقها مع الرسالة، وأهمُّ هذه المشتركات هو أنّ كليهما تضمّن الترغيب والترهيب معاً، ومُخاطبة الإمامعليه‌السلام عن طريق ابن عبّاس الذي عبّر عنه يزيد بـ (قريش) في الشِعر، وهناك مُشترك نفسي آخر فيهما، وهو أنّ يزيد اجتهد في هذه الرسالة أن يُمسك بزمام حنقه وغضبه، وهو الناصبيّ الفظّ

____________________

(١) هكذا في الأصل، وفي رواية الفتوح، ٥: ٧٦ (حصانٌ) وهو الصحيح.

(٢) تذكرة الخواص: ٢١٥ - ٢١٦.


الغليظ الجلف الذي لا يتناهى عن منكراته(١) ، وهذا التماسك فرضته الضرورة السياسية على مزاج يزيد الذي تعوّد الاستهتار، ولا يبعد أن تكون هذه الموازنة في الترغيب والترهيب من تأثير وإملاء سرجون المستشار النصراني المعتَّق، صاحب الخبرة في الحرب النفسية، ومعالجة الأزمات السياسية منذ عهد معاوية.

٢) - ونقف في هذه الرسالة مرّة أخرى أيضاً، أمام نفس النغمة التي يعزفها الحُكم الأمويُّ بوجه المعارضة، وهي التحذير من شقّ عصا الأمّة، وتفريق كلمة المسلمين وإرجاعهم إلى الفتنة وما إلى ذلك.

هذا السلاح الذي ابتكره معاوية، واستخدمه في وجه مُعارضيه، بعد أن روّج له في الأمّة من خلال أحاديث مُفتريات على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله تدعو الأمّة إلى الخنوع للحاكم الظالم والصبر على جَوره، وتدعو إلى قتل كلّ مَن ينهض للخروج على الحُكّام الجائرين بتُهمة شقّ عصا الأمّة وتفريق كلمتها.

فليس من المستغرب أن يُخاطب يزيد ابن عبّاس بذلك فيقول: ( فالقَه فاردُده عن السعي في الفرقة، ورُدَّ هذه الأمّة عن الفتنة! )، وليس بمُستغرب أن يُخاطب ابن زياد مسلم بن عقيل قائلاً: ( أتيتَ الناسَ وهم جميع فشققتَ بينهم! وفرّقتَ كلمتهم! وحملت بعضهم على بعض! )(٢) ، فمن قبل كان معاوية يدسُّ تلك التُّهم إلى الإمام الحسينعليه‌السلام ويعزف نفس النغمة، من خلال تحذيره بألاّ يشقّ عصا هذه الأمّة وألاّ يردّها في الفتنة، وكان الإمام أبو عبد الله الحسينعليه‌السلام يُجيبه قائلاً:(... فلا

____________________

(١) يقول الذهبي في يزيد: ( كان ناصبياً، فظّاً غليظاً، جلفاً، يتناول المسكر ويفعل المنكر.. وقال فيه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله :( لا يزال أمرُ أمّتي قائماً حتى يثلمه رجل من بني أميّة، يُقال له: يزيد... ) (سير أعلام النبلاء، ٣: ٣٧).

(٢) الإرشاد: ٢١٦، وعنه البحار، ٤٤: ٣٥٧.


أعرف فتنة أعظم من ولايتك عليها، ولا أعلم نظراً لنفسي وولْدي وأمّة جدّي أفضل من جهادك، فإن فعلتُه فهو قربة إلى الله عزّ وجلّ، وإن تركته فأستغفر الله لذنبي وأسأله توفيقي لإرشاد أموري... ) (١) .

٣) - سعى يزيد في هذه الرسالة إلى اتِّهام الإمامعليه‌السلام بأنّ غاية خروجه طلب الملك والدنيا؛ ولذا فقد طلب في الرسالة إلى ابن عبّاس أن يُمنّي الإمامعليه‌السلام - في حال تخلّيه عن القيام - بالأمان والكرامة الواسعة! وإجراء ما كان معاوية يُجريه على أخيهعليه‌السلام ! وأنّ له ما يشاء من الزيادة على ذلك!

ويزيد يعلم تمام العلم أنّ الإمامعليه‌السلام لم يقُمْ ولم يخرج أشِراً ولا بطراً، ولا ظالماً ولا مفسداً، وإنّما خرج لطلب الإصلاح في هذه الأمّة المنكوبة بكارثة الحُكم الأُموي الجاثم على صدرها سنين طويلة، لكنّها عادة الطغاة في مواجهة الثائرين، وعادة الضلال في مواجهة الهدى، فمن قبل سعى أبو سفيان جدُّ يزيد وأعلام جاهلية قريش إلى اتِّهام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بتُهمة طلب الملك والدنيا، وشرطوا لأبي طالبعليه‌السلام أن يُحقِّقوا لهصلى‌الله‌عليه‌وآله كلّ ما يتمنّاه من ذلك فيهم، إذا هو تخلّى عن دعوته، لكنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ردّ على إغرائهم وتُهمتهم بقاطعيّة يخلُد ذِكرها ما خلد الدهر:( يا عم، والله، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر ما تركته، حتى يُظهره الله، أو أهلَك فيه، ما تركته ) (٢) .

٤) - ومع ما قدّمناه من ملاحظات حول متن هذه الرسالة، ينبغي أن نُلفت الانتباه إلى أنّ الواقدي الذي رويت عنه قصّة هذه الرسالة، قد تأمّل علماء الرجال فيه أو رموه بالكذب، فقد قال الذهبي: « قال البخاري: سكتوا عنه، تركه أحمد وابن

____________________

(١) الاحتجاج، ٢: ٢١.

(٢) السيرة النبوية، ١: ٢٨٥.


نمير، وقال أسلم وغيره: متروك الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة. وقال الشافعي: كُتُب الواقدي كَذِب. وقال ابن معين: ليس الواقدي بشيء. وقال مرّة: لا يُكتب حديثه. وقال أحمد بن حنبل: الواقديّ كذّاب. وقال إسحاق: هو عندي يضع الحديث. وقال النسائي: المعروفون بوضع الحديث على رسول الله أربعة.. والواقدي ببغداد. وقال أبو زرعة: ترك الناس حديث الواقدي. وروى عبد الله بن علي المديني، عن أبيه قال: عند الواقدي عشرون ألف حديث لم أسمع بها. ثمّ قال: لا يُروى عنه وضعّفه »(١) .

هذا عند رجاليّي العامة، وأمّا عندنا فلم يتعرّضوا له بمدح أو ذم(٢) ، وإن حاول المامقاني جعله في سلك الحسان(٣) ، كما تفرّد ابن النديم في نسْبته إلى التشيّع.

هذا فضلاً عن أنّ الرواية مُرسلة؛ لأنّ الواقدي وراوي الرسالة ولِد بعد المئة والعشرين للهجرة، والرسالة - على الفرض التاريخي - تكون قد صدرت عام ستِّين للهجرة.

والظاهر أنّ أوّل مَن ذكر أنّ هذه الرسالة كانت موجّهة إلى ابن عباس هو ابن عساكر المتوفّى سنة ٥٧١ هـ(٤) ، وبعده سبط ابن الجوزي المتوفَّى ٦٥٤ هـ، ثمَّ المزّي المتوفَّى ٧٤٢هـ، أمّا الكُتب التاريخية التي هي أقدم من هذه الكُتب، كالفتوح، وتاريخ الطبري، فهي خالية من هذه الرسالة، والأبيات الشعرية التي أوردها سبط ابن الجوزي في ذيل الرسالة أوردها صاحب الفتوح، على أنّ المخاطب بها همْ أهل

____________________

(١) سير أعلام النبلاء، ٩: ٤٦٢.

(٢) مُعجم رجال الحديث، ١٧: ٧٢.

(٣) تنقيح المقال، ٣: ١٦٦.

(٤) مُعجم المؤلّفين، ٧: ٦٩.


المدينة - وسيأتي ذكرها - ممَّا يُثير الشبهة في أنّ هذا الكتاب - الرسالة - ربّما كان من مُفتعلات مُرتزقة التاريخ، الساعين في خدمة الشجرة الملعونة؛ ظنّاً منهم أنّ ذكر مثل هذه الرسالة يُشكّل تبريراً لموقف يزيد، بأنّه قد بادر وكتب إلى ابن عبّاس «بني هاشم» وخاطب الحسين عليه‌السلام من خلالهم، وأنّه قد أعذر من أنذر!

رسالة يزيد إلى (القرشيّين) في المدينة:

ويروي التاريخ أيضاً، أنّ يزيد بعث برسالة إلى أهل المدينة تتضمّن أبياتاً من الشعر - وهي التي مرّ ذكرها - تحتوي على تهديدهم وتحذيرهم من أيِّ تحرُّك يتنافى ومصالح السلطة الأمويّة، فعن ابن أعثم الكوفي: « وإذا كتاب يزيد بن معاوية قد أقبل من الشام إلى أهل المدينة على البريد - من قريش وغيرهم من بني هاشم، وفيه هذه الأبيات..

قال: فنظر أهل المدينة إلى هذه الأبيات، ثمّ وجّهوا بها وبالكتاب إلى الحسين بن عليّ - رضي الله عنهما - فلمّا نظر فيه، علم أنّه كتاب يزيد بن معاوية، فكتب الحسين الجواب:

( بسم الله الرحمن الرحيم:

( وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ) .(١) والسلام ) (٢) .

ويظهر من قول المزّي، أنّ يزيد كان قد كتب هذه الأبيات إلى ابن عبّاس، وإلى مَن كان في مكّة والمدينة من قريش، حيث يقول: « كتب بهذه الأبيات إليه وإلى مَن

____________________

(١) سورة يونس عليه‌السلام : الآية ٤١.

(٢) الفتوح، ٥: ٧٧.


بمكّة والمدينة من قريش »(١) .

والملفت للانتباه هنا، أنّ جواب الإمامعليه‌السلام كاشف عن ازدرائهعليه‌السلام الكامل ليزيد؛ إذ لم يذكر في الجواب اسمه، كما لم يُلقِّبه بلقب، ولم يُسلِّم عليه؛ ممّا يتبيّن منه أنّ يزيد لعنه الله مصداق تام للمكذِّب بالدين وبالرُّسل والأوصياءعليهم‌السلام ، وقد فصّلنا القول في التعليق على هذه الرسالة في الفصل الأوّل فراجع.

التخطيط لاغتيال الإمام عليه‌السلام أو اعتقاله في مكّة:

ومن الإجراءات السرّية التي اتّخذتها السلطة الأُموية المركزية في الشام، بعد فشل خُطّتها الرامية إلى اعتقال الإمامعليه‌السلام أو قتله في المدينة المنوّرة(٢) ، هو قيامها بالتدابير اللازمة لاغتيال الإمامعليه‌السلام أو اعتقاله في مكّة المكرّمة.

وخُطّة السلطة الأُموية لاغتيال الإمامعليه‌السلام في مكّة المكرّمة أو اعتقاله، من المسلّمات التاريخية، التي يكاد يُجمع على أصلها المؤرّخون، وكفى بتصريح الإمام الحسينعليه‌السلام لأخيه محمّد بن الحنفية:

( يا أخي، قد خفتُ أن يغتالني يزيد بن معاوية بالحرم؛ فأكون الذي يُستباح به حُرمة هذا البيت! ) (٣) .

وقولعليه‌السلام للفرزدق:( لو لم أُعجِّل لأُخذت ) (٤) .

____________________

(١) تهذيب الكمال، ٤: ٤٩٣، والبداية والنهاية، ٨: ١٦٧.

(٢) راجع الجزء الأول من هذه الدراسة (مع الركب الحسيني من المدينة إلى المدينة): الفصل الرابع، عنوان: لماذا لم يبقَ الإمام عليه‌السلام في المدينة المنوّرة؟ ص٣٧٣ - ٣٧٦.

(٣) اللهوف: ١٢٨.

(٤) الإرشاد: ٢٠١.


ذكرت بعض المصادر التاريخية: « أنّ يزيد أنفذ عمرو بن سعيد بن العاص في عسكر، وأمّره على الحاجّ، وولاّه أمر الموسم، وأوصاه بالفتْك بالحسين أينما وجِد... »(١) .

ويقول مصدر آخر: « وبعث ثلاثين من بني أميّة مع جمع، وأمرهم أن يقتلوا الحسين »(٢) .

ويقول آخر: « إنّهم جدُّوا في إلقاء القبض عليه وقتله غيلة، ولو وجِد مُتعلّقاً بأستار الكعبة »(٣) .

ومن الوثائق التاريخية الكاشفة عن هذه الحقيقة، رسالة ابن عباس إلى يزيد، والتي ورد فيها: «... وما أنسَ من الأشياء، فلست بناس اطّرادك الحسين بن علي من حرم رسول الله إلى حرم الله، ودسّك عليه الرجال تغتاله... فأكْبِر من ذلك ما لم تُكْبِر حيث دسست عليه الرجال فيها ليُقاتَل في الحرم... »(٤) .

وفي هذا القدر من المتون التاريخية كفاية في الدلالة على خُطّة السلطة الأُمويّة المركزية في الشام؛ لإلقاء القبض على الإمامعليه‌السلام أو اغتياله في مكّة المكرّمة.

____________________

(١) مقتل الحسين عليه‌السلام للمقرّم: ١٦٥.

(٢) تذكرة الشهداء: ٦٩.

(٣) الخصائص الحسينية: ٣٢، طبعة تبريز.

(٤) تاريخ اليعقوبي، ٢: ٢٤٨ - ٢٤٩، والبحار، ٤٥: ٣٢٣ - ٣٢٤، وفي تذكرة الخواص: ٢٤٨ ( أنسيت إنفاذ أعوانك إلى حرم الله لقتل الحسين... ).


حركة السلطة الأُمويّة المحليّة في البصرة:

كان عبيد الله بن زياد مدّة ولايته على البصرة قد هيمن على ظاهر الحياة السياسية والاجتماعية فيها؛ لِما عُرف عنه من قدرة على الغَشم والظلم والجَور، والتفريق بين القبائل، وخَلْقِ الكراهية بين الوجهاء والأشراف، وما إلى ذلك من فنون المكر في إدارة شؤون الأمّة التي تعرف فساد حكّامها وفسقهم، وتنطوي على كرههم.

لكنّ باطن الحياة السياسية والاجتماعية في البصرة آنذاك، كان يشهد أمراً آخر، وهو النشاط السرّي للمعارضة الشيعية بشكل أساسي، فقد كان للشيعة في الخفاء منتدياتهم الخاصة، التي يتداولون فيها الأخبار ووقائع الأحداث ومستجدّات الأمور، ويتشاورون بصددها فيما بينهم، وكان ابن زياد على علم إجمالي بمثل هذه الحركة الخفيَّة، وكان يتوجّس منها؛ والدليل على ذلك لحن الخطاب الأخير، الذي ألقاه في البصرة قبل سفره منها إلى الكوفة.

تلقّى ابن زياد رسالة يزيد التي حملها إليه مسلم بن عمرو الباهلي، والتي ولاّه فيها على الكوفة إضافة إلى البصرة، ودعاه فيها إلى المبادرة - حين قراءة الرسالة - إلى التوجّه إلى الكوفة؛ ليطلب مسلم بن عقيل طلب الخرزة حتى يُثْقِفه فيُوثقه أو يقتله أو ينفيه.

وما إنْ قرأ ابن زياد الرسالة حتى أمر بالجهاز والتهيُّؤ والمسير إلى الكوفة من الغد(١) ، لكنّ المفاجأة التي أذهلته قُبيل سفره إليها، هي معرفته بأنّ الإمامعليه‌السلام قد أرسل رسولاً إلى البصرة إلى الأشراف ورؤساء الأخماس فيها، يدعوهم فيها إلى تأييده والانضمام إليه في قيامه « وإن كان المتيقّن أنّ عبيد الله بن زياد قد اطّلع

____________________

(١) راجع: تاريخ الطبري، ٣: ٢٨١.


بالفعل على نسخة رسالة الإمام عليه‌السلام إلى المنذر بن الجارود فقط، لكن ممّا لا ريب فيه، أنّ خبرة ابن زياد الإدارية والسياسية، تجعله على يقين بأنّ المنذر بن الجارود كان واحداً من الأشراف الذين كتب إليهم الإمام عليه‌السلام ، ولم يكن الوحيد فيهم ».

ولم يُحدّثنا التاريخ - بل لم نقع على وثيقة تُحدّثنا - أنّ ابن زياد قد سعى إلى معرفة الأشراف الآخرين الذين كتب إليهم الإمامعليه‌السلام ، أو سعى إلى مُطاردتهم واضطهادهم مثلاً؛ ولعلّ ذلك بسبب ضيق الوقت والعجالة التي كان عليها في عزمه على السفر إلى الكوفة، وهي الساحة الأهمّ والمضطربة الأحداث آنذاك؛ أو لأنّه كان مُطمئنّاً لولاء أكثر هؤلاء الأشراف للحُكم الأمويّ.

لنَعُدْ إلى مجرى حركة الأحداث في البصرة قُبيل يوم واحد من سفر ابن زياد إلى الكوفة..

وصلت نسخة من رسالة الإمام الحسينعليه‌السلام إلى أشراف البصرة، بيد رسوله سليمان بن رزين إلى المنذر بن الجارود - الذي كانت ابنته بحرية زوجة لعبيد الله بن زياد - فلم يُخفِ أمر الرسالة كما فعل الآخرون، ولم يحفظ الأمان للرسول، بل عزم على الخيانة التي تعوّدها من قبل، فأقبل بالرسالة وبالرسول إلى عبيد الله بن زياد؛ زعماً منه(١) أنّه خاف أن يكون الكتاب دسيسة من عبيد الله نفسه، فصلبه عبيد الله بن زياد(٢) ، أو قدّمه فضرب عنقه على رواية أُخرى(٣) . ثمّ صعد عبيد الله منبر البصرة، وقلبه يرتعد خيفة من استجابة أهلها لنداء الإمامعليه‌السلام ، ويعتصره القلق من انتفاضة المعارضة الخفية وقيامها مع الإمامعليه‌السلام ،

____________________

(١) راجع: تاريخ الطبري، ٣: ٢٨٠.

(٢) راجع: اللهوف: ١١٤.

(٣) راجع: تاريخ الطبري، ٣: ٢٨٠، وإبصار العين: ٢٧.


فكان خطابه مليئاً بالتهديد والوعيد، كاشفاً بذلك عن قلقه وخوفه، وعن قوّة المعارضة التي يخشاها، فقد قال في خطابه - بعد أن حمد الله وأثنى عليه -: « أمّا بعدُ، فو الله، ما تُقْرَنُ بي الصعبة(١) ، ولا يُقعقع لي بالشّنان(٢) ، وإنّي لَنَكِلٌ(٣) لمن عاداني، وسمٌّ لمن حاربني، أنصف القارَّة مَن راماها(٤) .

يا أهل البصرة، إنَّ أمير المؤمنين ولاّني الكوفة، وأنا غادٍ إليها الغداة، وقد استخلفتُ عليكم عثمان بن زياد بن أبي سفيان(٥) ، وإيّاكم والخلاف والإرجاف،

____________________

(١) الصعبة: الناقة صعبة القياد.

(٢) القعقعة: الصوت، كأنّه يقول: لا أدَع الناس يتكلّمون ببُغضي وكراهتي.

(٣) نكل: أي مُعذِّب لمن عاداني، من النكال: أي العذاب والانتقام.

(٤) أنصف القارّة مَن راماها: رجز لرجل من قبيلة (القارّة)، وكانوا حُذَّقاً في الرماية، فالتقى رجل منهم بآخر من غيرهم، فقال له القارَّي: إنْ شئتَ صارعتك، وإنْ شئت سابقتك، وإنْ شئت راميتك. فقال الآخر: قد اخترتُ المراماة.

فقال القارّي:

قد أنصف القارَّة مَن راماها

إنّا إذا ما فئة نلقاها

نردُّ أُولاها على أُخراها

فرماه بسهم فشكَّ به فؤاده.

فكأنّ ابن زياد أراد أن يدّعي: أنّ بني أميّة حُذَّق في أمور السياسة والمواجهات السياسية، وأنّ مَن أراد مواجهتهم - وقد أنصفهم - لابدّ أنّه سيخسر في المواجهة.

(٥) عثمان بن زياد بن أبيه: أخو عبيد الله، توفِّي شابَّاً وله ثلاث وثلاثون سنة. (راجع: تاريخ الإسلام للذهبي: حوادث سنة ٦١ إلى ٨٠: ص ٥). وقد استخلفه أخوه عبيد الله على البصرة حين ذهب إلى الكوفة (راجع: البداية والنهاية، ٨: ١٦٠).

ويبدو أنّه كان أهون من أخيه عبيد الله بكثير، وكان إدراكه لعواقب الأمور فيه بقية من بصيرة، حيث قال في محضر أخيه عبيد الله: (... ولوددت والله، إنّه ليس من بني زياد رجلٌ إلاّ وفي أنفه خزامة =


فو الذي لا إله غيره، لئن بلغني عن رجل منكم خلافٌ لأقتلنّه وعريفه ووليّه، ولآخُذنّ الأدنى بالأقصى حتى تستمعوا لي ولا يكون فيكم مُخالفٌ ولا مشاقٌّ، أنا ابن زياد، أشبهته من بين مَن وطَأ الحصى ولم ينتزعني شَبهُ خالٍ ولا ابن عمّ »(١) .

ويُلاحِظ المتأمّل هنا أيضاً، أنّ عبيد الله بن مرجانة مع كلّ ما أظهره من استعداد للظلم والغَشم والقتل، الكاشف عن خوفه وتوجُّسه من قدرة المعارضة الخفيّة على التحرّك لنصرة الإمام الحسينعليه‌السلام ، كان قد افتخر بانتسابه الموهوم إلى أبي سفيان؛ حيث قال: ( وقد استخلفتُ عليكم عثمان بن زياد بن أبي سفيان )، ومراده من هذا الافتخار تحذير أهل البصرة وتخويفهم، بتذكيرهم أنّه وأخوه امتداد لعائلة معروفة بالحيلة والمكر والدهاء، وبسابقة طويلة في الممارسة السياسية.

حركة السلطة الأُمويّة المحلِّية الجديدة في الكوفة:

السفر السريع إلى الكوفة:

بعد أن تسلّم عبيد الله بن زياد رسالة يزيد التي حملها إليه مسلم بن عمرو الباهلي، أمر بالجهاز من وقته والمسير والتهيُّؤ إلى الكوفة من الغد(٢) ، فلم يبقَ في البصرة بعدها إلاّ يوماً، قتل فيه سليمان بن رزينرضي‌الله‌عنه رسول الإمام الحسينعليه‌السلام إلى أشراف البصرة، وألقى فيه خطاباً على منبر البصرة، أعلن فيه لأهلها عن استخلافه أخاه عثمان بن زياد عليها، وهدّد فيه أهل البصرة وحذّرهم من الخلاف والإرجاف! وتوعّدهم على ذلك، وفي غد ذلك اليوم خرج من البصرة إلى الكوفة.

____________________

= إلى يوم القيامة وأنّ حسيناً لم يُقتل ). (البداية والنهاية، ٨: ٢١٠).

(١) تاريخ الطبري، ٣: ٢٨٠، وتذكرة الخواص: ٢١٨، والأخبار الطوال: ٢٣٢.

(٢) راجع: الإرشاد: ٢٠٦.


تقول رواية تاريخية: « وأقبل إلى الكوفة، ومعه مسلم بن عمرو الباهلي، وشريك بن الأعور الحارثي(١) ، وحشمه وأهل بيته، حتى دخل الكوفة وعليه عمامة سوداء وهو مُتلثّم... »(٢) .

____________________

(١) شريك بن الأعور الحارثي: كان من شيعة عليّ، وكان ساكناً بالبصرة (سفينة البحار، ٤: ٤٢٤ - الغارات: ٢٨١)، وكان من رؤوس الأخماس، وكان على خُمس العالية، وقدم معهم برفقة ابن عبّاس إلى عليّ عليه‌السلام تلبية لدعوته لحرب معاوية (وقعة صِفِّين: ١١٧).

كان اسم والده الحارث، ومن ثَمَّ يُطلق على شريك: الحارثي. (مُعجم رجال الحديث، ٩: ٢٤). وكان من خواص أصحاب عليّ عليه‌السلام ، شهد معه الجَمل وصِفِّين، وكان قويّ الإيمان صُلب اليقين، وكان ردءاً لجارية بن قدامة في مُحاربة ابن الحضرمي بالبصرة، ولمعقل بن قيس الرياحي في مُحاربة الخوارج بالكوفة، وهو في ثلاثة آلاف مقاتل من أهل البصرة.

جاء من البصرة مع ابن زياد إلى الكوفة فمرض، فنزل دار هاني أيّاماً، ثمّ قال لمسلم بن عقيل: إنّ عبيد الله يعودني، وإنّي مُطاوله الحديث، فاخرج إليه واقتله...

وعن المحدّث القمّي: أنّه مات قبل شهادة مسلم وهاني، ودُفِن في الكوفة.

وله حوار صاخب مع معاوية، أغضبه في الحوار فخرج من عنده وهو يقول:

أيشتمني معاوية بن صخر

وسيفي صارم ومعي لساني

فلا تبسط علينا يا بن هند

لسانك أن بلغت ذُرى الأماني

وإنْ تَكُ للشقاء لنا أميراً

فإنّا لا نقرُّ على الهوانِ

وإنْ تكُ في أميّة من ذراها

فإنّا من ذُرى عبد المدانِ

(راجع: سفينة البحار، ٤: ٤٢٦; ومُستدركات علم الرجال، ٤: ٢٠٩).

استُعمل على اصطخر فارس فبنى مسجداً عام ٣١ هـ. ق، وولي كرمان من قِبَل عبيد الله بن زياد عام ٥٩ هـ. ق، ولبث بعد وصوله الكوفة أيّاماً فمات، فصلّى عليه ابن زياد. (تاريخ الطبري، ٥: ٣٦٤).

(٢) الإرشاد: ٢٠٦; وقال المزّي في تهذيب الكمال، ١٤: ٧٥ ( وبلغ مسيره - أي الحسين عليه‌السلام - عبيدَ الله بن زياد وهو بالبصرة، فخرج على بغالهم هو واثنا عشر رجلاً حتى بلغ الكوفة ).


وتقول رواية أُخرى: « فتعجّل ابن زياد المسير إلى الكوفة مع مسلم بن عمرو الباهلي، والمنذرُ بن الجارود، وشريك الحارثي، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، في خمسمئة رجل انتخبهم من أهل البصرة، فجدَّ في السير، وكان لا يلوي على أحد يسقط من أصحابه، حتى إنّ شريك بن الأعور سقط أثناء الطريق، وسقط عبد الله بن الحارث رجاء أن يتأخّر ابن زياد من أجلهم، فلم يلتفت ابن زياد إليهم؛ مخافة أن يسبقه الحسينعليه‌السلام إلى الكوفة، ولما ورد القادسية سقط مولاه مهران. فقال له ابن زياد: إنْ أمسكتَ على هذا الحال، فتنظر القصر فلك مئة ألف.

قال: والله، لا أستطيع.

فتركه عبيد الله، ولبس ثياباً يمانية وعمامة سوداء وانحدر وحده، وكلّما مرّ «بالمحارس» ظنّوا أنّه الحسينعليه‌السلام فقالوا: مرحباً بابن رسول الله. وهو ساكت، فدخل الكوفة ممَّا يلي النجف »(١) .

ونتابع القصَّة على رواية الطبري، حيث يقول: « والناسُ قد بلغهم إقبال الحسين إليهم، فهم ينتظرون قدومه، فظنّوا حين قدم عبَيد الله أنّه الحسين، فأخذ لا يمرّ على جماعة من الناس إلاّ سلّموا عليه(٢) وقالوا: مرحباً بك - يا بن رسول الله -! قدمت خير مقدم. فرأى من تباشيرهم بالحسينعليه‌السلام ما ساءه، فقال مسلم بن عمرو - لما أكثروا -: تأخّروا، هذا الأمير عبيد الله بن زياد!

فأخذ - حين أقبل - على الظَهر(٣) ، وإنّما معه بضعة عشر رجلاً. فلمّا دخل

____________________

(١) مقتل الحسين عليه‌السلام للمقرّم: ١٤٩ - دار الكتاب الإسلامي.

(٢) وفي رواية (الأخبار الطوال: ٢٣٢): ( فكان لا يمرّ بجماعة إلاّ ظنّوا أنّه الحسين، فيقومون له ويدعون، ويقولون: مرحباً بابن رسول الله، قدمت خير مقدم! ).

(٣) الظَهر: أي ظهر الكوفة وهو النجف.


القصر، وعلِم الناس أنّه عبيد الله بن زياد، دخلهم من ذلك كآبة وحزن شديد، وغاظ عبيد الله ما سمع منهم، وقال: ألا أرى هؤلاء كما أرى! »(١) .

إنّ المتون التاريخية، التي وصفت الطريقة التي دخل بها ابن مرجانة الكوفة، تكشف لنا أنّ حالة التأهُّب «بل الغليان!» والتوتُّر، التي كانت تعيشها الكوفة، وهي تنتظر قدوم الإمام الحسينعليه‌السلام ما كانت تسمح لأيِّ مبعوث أُموي أن يدخلها علناً وبسهولة؛ لأنّ الأمّة مُنتفضة على السلطة الأُمويّة أو تكاد، فكان لابدّ لأيِّ مبعوث أو مسؤول أُموي من التخفّي والتنكّر ومُخادعة الناس، فيأتي من طريق غير الطريق التي يأتي منها المسؤولون الرسميّون في العادة، ويتنكّر في زيّ آخر، ويُشبّه على الناس أنّه محبوبهم الذي ينتظرون قدومه بكلّ اشتياق؛ كي يستطيع العبور بسلام والوصول إلى القصر، ليُباشر منه التخطيط والقيام بالإجراءات اللازمة، للقضاء على انتفاضة الأمَّة في الكوفة أوّلاً، ثمّ القضاء على محبوب الأمّة القادم إليها.

خدعة ابن زياد تنطلي حتى على النعمان بن بشير!

وتواصل الرواية التاريخية قصّة خدعة ابن زياد، فتقول: « وسار حتى وافى القصر بالليل، ومعه جماعة قد التقوا به لا يشكّون أنّه الحسينعليه‌السلام ، فأغلق النعمان بن بشير الباب عليه وعلى خاصته، فناداه بعض مَن كان معه ليفتح لهم الباب، فاطّلع عليه النعمان وهو يظنّه الحسينعليه‌السلام .

فقال: أنشدك الله إلاّ تنحَّيت، والله، ما أنا بمُسلّم إليك أمانتي، وما لي في قتالك من أرب. فجعل لا يُكلّمه.

ثمّ إنّه دنا وتدلَّى النعمان من شرف القصر، فجعل يُكلّمه..

____________________

(١) تاريخ الطبري، ٣: ٢٨١، وانظر مقتل الحسين عليه‌السلام للخوارزمي، ١: ٢٩٠، والإرشاد: ٢٠٦.


فقال: افتح لا فتحت، فقد طال ليلك!

وسمعها إنسان خلفه، فنكص إلى القوم الذين اتَّبعوه من أهل الكوفة على أنَّه الحسينعليه‌السلام ، فقال: يا قوم، ابن مرجانة، والذي لا إله غيره!

ففتح له النعمان، فدخل وضربوا الباب في وجوه الناس وانفضّوا »(١) .

هذا النصّ كاشف تماماً عن درجة الضعف المذهل، التي كان عليها ممثّلو النظام الأمويّ في الكوفة يومذاك، فابن بشير يلبد في القصر، ويخشى الخروج منه لمقابلة القادم الذي ظنّ أنّه الحسينعليه‌السلام ، وعبيد الله - وهو بين مجموعة من أهل الكوفة - يخشى حتى من إظهار صوته مخافة أن يُعرف.. فما أقوى دلالة هذا النصّ على حالة «الانقلاب» التي كانت الكوفة تعيشها في رفضها النظام الأمويّ، وانتظارها لوصول القيادة الشرعية القادمة إليها.

الخطاب الإرهابيّ الأوّل:

ما إن دخل ابن مرجانة القصر، وهدأت أنفاسه المضطربة من الخوف والتعب، حتى أمر الناس بالاجتماع في المسجد ليُعلن لهم عن وصوله، وعن بداية قرارات الغشم الإرهابية.

تقول الرواية التاريخية: « لما نزل القصر نودي: الصلاة جامعة. قال: فاجتمع الناس، فخرج إلينا، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: أمّا بعدُ، فإنّ أمير المؤمنين أصلحه الله ولاّني مِصركم وثغركم، وأمرني بإنصاف مظلومكم وإعطاء محرومكم، وبالإحسان إلى سامعكم ومُطيعكم، وبالشدّة على مُريبكم وعاصيكم، وأنا مُتّبع فيكم أمره، ومُنفّذ فيكم عهده، فأنا لمحسنكم ومُطيعكم كالوالد البَرّ، وسوطي وسيفي على مَن ترك أمري وخالف عهدي، فليُبقِ امرؤ على

____________________

(١) الإرشاد: ٢٠٦; وعنه بحار الأنوار، ٤٤: ٣٤٠.


نفسه. الصدق ينبئ عنك لا الوعيد! ثمّ نزل »(١) .

إشارة:

تُلفت انتباه المتأمّل في هذه الخُطبة، دعوى ابن مرجانة بأنّ يزيد أمره فيما أمره به « بالإحسان إلى سامعكم ومُطيعكم! » فمع أنّ هذه الدعوى لم تُصدّقها وثائق التاريخ، وهي أكذوبة من أكاذيب ابن زياد الكثيرة، وهذا الإحسان - لو تحقَّق - مشروط بالانقياد التام والخنوع للسلطة الأموية، فإنّ موعدة الإحسان الكاذبة هذه جاءت مُتأخّرة جدّاً، بعد سنين مُتمادية، تعمّد فيها طاغية الأُمويّين الأكبر معاوية أن يُذيق أهل الكوفة الضيم والجوع والحرمان، وأن يجعلهم وقود حروبه في الثغور وفي مواجهة الخوارج، عقوبة لولائهم لعليعليه‌السلام ، وكان معاوية لا يعبأ بشكاية أهل الكوفة، بل يردّ على مَن يحمل إليه الشكوى منهم أسوأ الردّ، ويُعامله بالاستخفاف والقسوة.

هذه سودة بنت عمارة تأتيه من العراق، وتشكو إليه جور ولاته الذين حكّمهم في رقاب وأموال أهل الكوفة، فتقول: « لا تزال تُقدم علينا مَن ينهض بعِزّك ويبسط سلطانك، فيحصدنا حصاد السنبل، ويدوسنا دياس البقر، ويسومنا الخسيسة ويسألنا الجليلة، هذا ابن أرطاة قدم بلادي، وقتل رجالي وأخذ مالي... »(٢) .

فما كان جواب الطاغية إلاّ أن قال لها: « هيهات، لمَظكم ابن أبي طالب الجُرأة! »(٣) .

وقالت له عكرشة بنت الأطرش: « إنّه كانت صَدَقاتنا تؤخَذ من أغنيائنا فتُرَدُّ

____________________

(١) تاريخ الطبري، ٣: ٢٨١، والإرشاد: ٢٠٢.

(٢) العقد الفريد، ٢: ١٠٤.

(٣) نفس المصدر.


على فقرائنا، وإنّا قد فقدْنا ذلك، فما يُجبَر لنا كسير ولا يُنعَشُ لنا فقير، فإنْ كان ذلك عن رأيك فمثلك مَن انتبه عن الغفلة وراجع التوبة، وإنْ كان عن غير رأيك، فما مثلك مَن استعان بالخونة ولا استعمل الظلمة! »(١) .

فما كان جواب معاوية إلاّ أن قال لها: « هيهات يا أهل العراق، نبَّهكم عليّ بن أبي طالب، فلن تُطاقوا... »(٢) .

فلم تكن الكوفة تنتظر من السلطة الأمويّة المركزية، ولا من ولاتها إحساناً ورأفة ورفقاً، طيلة سنين مُتمادية، جرّعها فيها معاوية كأس الهوان والمذلّة والحرمان.

لكنّ بُركان الكوفة لما فارت أعماقه بالحِمم، ودوّت في فمه صرخة النُذُر بالتمرّد والقيام مع الحسينعليه‌السلام ضدّ الحُكم الأُموي، عزف الوالي الجديد ابن زياد نغمة الإحسان لتهدئة ثورة البركان المتأزّم بقذائف الحِمم، بعد سنين طويلة، فلعلّ وعسى! ولكن أيّ إحسان هو؟! إنّه الإحسان الخاص للمنقادين السامعين الطائعين فقط.

الإجراء الإرهابي الأوّل:

ثمّ إنّ عبيد الله بن مرجانة، أتبع خطابه الإرهابي الأوّل بعمل إرهابي كان الأوّل

____________________

(١) نفس المصدر، ٢:١١٢.

(٢) العقد الفريد، ٢: ١١٢; وهناك وافدات أُخريات وفدن على معاوية بالشكاة والتبرّم من جَوره وجَور ولاته، منهنّ: الدارمية، وأمّ الخير، وأروى بنت عبد المطلب، وأم سنان، والزرقاء، وبكارة الهلالية (راجع: العقد الفريد، ٢: ١٠٢ - ١٢١). وظاهرة وفود النساء دون الرجال على معاوية بالشكوى والتظلّم، كاشفة عن أنّ الإرهاب الأُموي بلغ آنذاك حدّاً من التعاظم على رجال الكوفة، إلى درجة أنّ أحداً منهم لم يكن ليستطيع التشكّي والتظلّم؛ خوفاً من قسوة العقوبة والنكال.


أيضاً في سلسلة أعماله القمعية: « فأخذ العُرفاء والناس أخذاً شديداً، فقال: اكتبوا إليّ الغرباء، ومَن فيكم من طلبة(١) أمير المؤمنين، ومَن فيكم من الحرورية(٢) ، وأهل الريب الذين رأيهم الخلاف والشقاق، فمَن كتبهم لنا فبريء، ومَن لم يكتب لنا أحداً فيضمن لنا ما في عرافته ألاّ يُخالفنا منهم مُخالف، ولا يبغي علينا منهم باغٍ، فمَن لم يفعل برئت منه الذمّة، وحلال لنا ماله وسفك دمه، وأيُّما عريف وُجدَ في عرافته من بُغية أمير المؤمنين أحد لم يرفعه إلينا صُلب على باب داره، وأُلغيت تلك العرافة من العطاء، وسُيّر إلى موضع بعُمان الزارة(٣) »(٤) .

إشارة:

كانت العرافة من وظائف الدولة؛ لمعرفة الرعيّة وتنظيم عطائهم من بيت المال، وقد كان في الكوفة مئة عريف، وكان العطاء يُدفع إلى أُمراء أرباع الكوفة الأربعة، فيدفعونه إلى العرفاء والنقباء والأمناء، فيدفعونه هؤلاء إلى أهله في دورهم، وكان يؤمر لهم بعطائهم في المحرّم من كلّ سنة، وبفيئهم عند طلوع الشعرى في كلّ سنة حيث إدراك الغلاَّت.

وكانت العرافة على عهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله (٥) ، « وكانت الدولة تعتمد على العرفاء، فكانوا يقومون بأمور القبائل ويوزّعون عليهم العطاء، كما كانوا يقومون بتنظيم السجلاَّت العامة التي فيها أسماء الرجال

____________________

(١) أي الذين يطلبهم يزيد ويبحث عنهم ليُعاقبهم.

(٢) أي الخوارج، نسبة إلى حروراء من نواحي الكوفة، أوّل موضع اجتمع فيه الخوارج في مُنصرفهم من صِفّين قبل وصولهم إلى الكوفة.

(٣) وهي المعروفة على ساحل الخليج قرب عمان، وهي شديدة الحرارة؛ ولذا يوعد ابن مرجانة بتبعيد المخالفين إليها لشدّة وصعوبة العيش فيها (راجع: معجم البلدان، ٤: ١٥٠).

(٤) تاريخ الطبري، ٣: ٢٨١، والإرشاد: ٢٠٢، وتذكرة الخواص: ٢٠٠.

(٥) وقعة الطفّ: ١١٠.


والنساء والأطفال، وتسجيل مَن يولد ليُفرض له العطاء من الدولة، وحذف العطاء لمن يموت، كما كانوا مسؤولين عن شؤون الأمن والنظام، وكانوا في أيّام الحرب يندبون الناس للقتال ويحثّونهم على الحرب، ويُخبرون السلطة بأسماء الذين يتخلّفون عن القتال، وإذا قصّر العرفاء أو أهملوا واجباتهم، فإنّ الحكومة تُعاقبهم أقسى العقوبات.

ومن أهمّ الأسباب في تفرّق الناس عن مسلم بن عقيل، هو قيام العرفاء بتخذيل الناس عن الثورة، وإشاعة الإرهاب بين الناس، كما كانوا السبب الفعّال في زجِّ الناس لحرب الإمام الحسينعليه‌السلام »(١) .

قتْل عبد الله بن يقطر(٢) الحميريرضي‌الله‌عنه

إنّ المشهور عند أهل السيَر(٣) هو أنّ الإمام الحسينعليه‌السلام سرّح عبد الله بن يقطررضي‌الله‌عنه إلى مسلم بن عقيلعليه‌السلام ، بعد خروجه من مكّة في جواب كتاب مسلمعليه‌السلام إلى الحسينعليه‌السلام يسأله القدوم ويُخبره باجتماع الناس، فقبض عليه الحُصين بن نمير(٤) «أو بن تميم»(٥) بالقادسية.. إلى آخر قصّة استشهادهرضي‌الله‌عنه .

ولذا؛ فقصّة استشهادهرضي‌الله‌عنه من مُختصّات تأريخ فترة وقائع الطريق بين مكّة

____________________

(١) حياة الإمام الحسين بن عليعليهما‌السلام ، ٢: ٤٤٧.

(٢) ضبطه التُّستري: بقطر، وقال إنَّ يقطر غلط. (راجع: قاموس الرجال، ٦: ٦٦٦)، وقال المحقِّق السماوي: ( ضبطه الجزري في الكامل بالباء الموحّدة، لكنّ مشيختنا ضبطوه بالياء المثنّاة تحت ) (إبصار العين: ٩٤).

(٣) راجع: إبصار العين: ٩٣.

(٤) راجع: الإرشاد: ٢٢٣.

(٥) راجع: إبصار العين: ٩٣.


وكربلاء، أي من مُختصّات «الجزء الثالث» من هذه الدراسة.

لكنَّ هناك روايتين تُحدّثتا في قصّة قتلهرضي‌الله‌عنه مفادهما: أنّه قُتل في الفترة التي كان فيها الإمام الحسينعليه‌السلام في مكّة المكرّمة؛ ولذا، فنحن نتعرّض لهاتين الروايتين هنا في هذا الموقع.

الرواية الأُولى: وهي رواية ابن شهر آشوب، وفيها: أنّ عبيد الله بن زياد بعد أن زار شريك بن الأعور الحارثي في مرضه «في بيت هانئ بن عروة»، وجرى ما جرى من حثّ شريك مسلماًعليه‌السلام على قتل عبيد الله من خلال رمز ( ما الانتظار بسلمى أن تُحييها... )، فأوجس عبيد الله منهم خيفة فخرج.

« فلمّا دخل القصر أتاه مالك بن يربوع التميمي، بكتاب أخذه من يدي عبد الله بن يقطر، فإذا فيه: ( للحسين بن علي: أمّا بعدُ، فإنِّي أُخبرك أنّه قد بايعك من أهل الكوفة كذا، فإذا أتاك كتابي هذا فالعَجل العَجل؛ فإنّ الناس معك، وليس لهم في يزيد رأي ولا هوى ) فأمر ابن زياد بقتله »(١) .

أمّا الرواية الثانية: وهي رواية محمّد بن أبي طالب في كتابه «تسلية المجالس»، فتُفصّل القصّة هكذا: أنّه بينما كان عبيد الله يتكلّم مع أصحابه في شأن عيادة هاني: «إذ دخل عليه رجل من أصحابه يُقال له: مالك بن يربوع التميمي.

فقال: أصلح الله الأمير، إنِّي كنت خارج الكوفة أجول على فرَسي، إذ نظرتُ إلى رجل خرج من الكوفة مُسرعاً إلى البادية، فأنكرته. ثمّ إنّي لحقته، وسألته عن حاله فذكر أنّه من أهل المدينة! ثمّ نزلت عن فرسي ففتّشته فأصبت معه هذا الكتاب.

فأخذه ابن زياد ففضّه فإذا فيه: ( بسم اللّه الرحمن الرحيم: إلى الحسين بن علي: أمّا بعدُ، فإنّي أُخبرك أنّه بايعك من أهل الكوفة نيِّفاً على عشرين ألف رجل،

____________________

(١) مناقب آل أبي طالب، ٤: ٩٤، وعنه البحار، ٤٤: ٣٤٣.


فإذا أتاك كتابي فالعَجل العَجل؛ فإنّ الناس كلّهم معك، وليس لهم في يزيد هوى... ).

فقال ابن زياد: أين هذا الرجل الذي أصبت معه الكتاب؟

قال: هو بالباب. فقال: ائتوني به. فلمّا وقف بين يديه قال: ما اسمُك؟

قال: عبد اللّه بن يقطين.

قال: من دفع إليك هذا الكتاب؟

قال: دفعته إليَّ امرأة لا أعرفها!

فضحك ابن زياد وقال: اخْتَر أحد اثنين، إمّا أن تُخبرني مَن دفع إليك الكتاب أو القتل! فقال: أمّا الكتاب فإنّي لا أُخبرك، وأمّا القتل فإنّي لا أكرهه؛ لأنّي لا أعلم قتيلاً عند الله أعظم أجراً ممّن يقتله مثلك!

قال فأمر به، فضربت عنقه »(١) .

فهذا الشهيدرضي‌الله‌عنه في هاتين الروايتين - وخلافاً للمشهور - هو رسول من مسلمعليه‌السلام إلى الإمام الحسينعليه‌السلام (٢) ، وهو في رواية «تسلية المجالس» ابن يقطين

____________________

(١) تسلية المجالس، ٢:١٨٢.

(٢) وقال بهذا أيضاً ابن قتيبة وابن مسكويه، أي: أنّ الذي أرسله الحسين قيس بن مُسهّر.. وأنّ عبد اللّه بن يقطر بعثه الحسين عليه‌السلام مع مسلم، فلمّا رأى مسلم الخذلان قبل أن يتمّ عليه ما تمَّ، بعث عبد اللّه إلى الحسين يُخبره بالأمر الذي انتهى، فقبض عليه الحصين وصار ما صار من الأمر عليه. =


وليس ابن يقطر أو بقطر.

وهنا قد ينقدح في الذهن احتمال أنّ عبد الله بن يقطر هو غير عبد الله بن يقطين هذا، بقرينة:

اختلاف اسم الأب أوّلاً.

وثانياً: اختلاف اسم الرجل الذي ألقى القبض على ابن يقطر، وهو حسب المشهور الحصين بن نمير «أو ابن تميم» عن اسم الرجل الذي ألقى القبض على ابن يقطين هذا، وهو مالك بن يربوع التميمي.

وثالثاً: أنّ الأوّل أُلقيَ عليه القبض خارج الكوفة.

ورابعاً: أنّ الأوّل كما هو مشهور قُتل برميهِ من فوق القصر، بينما الثاني ضُربت عنقه.

ويُمكن أن يُردّ على هذه المرتكزات التي يقوم عليها هذا الاحتمال:

أولاً: أنّ هناك ظنّاً قوياً في أن يكون اسم يقطين تصحيفاً لاسم يقطر، خصوصاً في الكُتب المخطوطة قديماً، ويقوّي هذا الظنّ أنّ اسم يقطين لم يرد إلاّ في كتاب تسلية المجالس، كما أنّ اسم الأب في رواية ابن شهر آشوب المشابِهة لهذة الرواية هو يقطر(١) وليس يقطين،

هذا فضلاً عن أنّ رواية كتاب تسلية المجالس نفسها تذكر أنّ عبد الله هذا رجل من أهل المدينة، والتأريخ لم يذكر لنا رجلاً من شهداء النهضة الحسينية من أهل المدينة بهذا الاسم «من غير بني هاشم» سوى عبد الله بن يقطر.

وثانياً: أنّه لا يمنع من وحدة الشخص أنّ الأوّل ألقى القبض عليه الحصين بن

____________________

= (راجع: إبصار العين: ٩٤).

(١) ويُستفاد من كلام السيد الخوئي أنّه يرى عبد الله بن يقطر شخصاً واحداً في روايات القصّة المشهورة، وفي رواية ابن شهر آشوب الشاذّة عن المشهور، حيث يقول: ( وقد ذكر قصّة قتله غير واحد من الأعلام، إلاّ أنّ ابن شهر آشوب ذكر أنّه كان رسول مسلم إلى الحسين عليه‌السلام وأنّ مالك بن يربوع أخذ الكتاب منه ). (مُعجم رجال الحديث، ١٠: ٣٨٤).


نمير (أو تميم) وأنّ الثاني ألقى القبض عليه مالك بن يربوع التميمي؛ إذ قد يكون مالك بن يربوع أحد مأموري الحصين، فتصحّ عندئذ نسبة إلقاء القبض إلى كليهما.

وثالثاً: أنّ قول مالك بن يربوع كما في رواية تسلية المجالس: « كنت خارج الكوفة أجول على فرسي، إذ نظرت إلى رجل خرج من الكوفة مُسرعاً يُريد البادية... ». قد يعني أنّه نظر إلى رجل أقبل من ناحية الكوفة مُسرعاً يُريد البادية، ولا يُنافي ذلك أنّه نظر إليه في القادسية أو قريباً منها (من ناحية الكوفة)، حيث تنتشر قوّات الرصد الأُموي على اتِّساع تلك المنطقة.

ورابعاً: أنّه لا مُنافاة في الإخبار عن قتله: بأنّه ضُربت عنقه. في حين أنّ ابن يقطررضي‌الله‌عنه رُمي به من فوق القصر فتكسّرت عظامه وبقي به رمق ثمَّ ذبحه اللخمي كما هو مشهور؛ ذلك لأنّ هذا التفاوت في التعبير عن القتل غير مُستغرب في الاستعمال العرفي، وهو ليس في مستوى دقّة التعبير الفقهي أو الرياضي كما نعلم، ثمّ إنّ رواية ابن شهر آشوب ذكرت فقط أنّ ابن زياد أمر بقتله، ولم تتعرّض لطريقة القتل.

مَن هو عبد الله بن يقطر الحميري؟

« كانت أمّه حاضنة للحسينعليه‌السلام ، كأمّ قيس بن ذريح للحسنعليه‌السلام ، ولم يكن رضع عندها، ولكنّه يُسمَّى رضيعاً له لحضانة أمّه له.

وأمُّ الفضل بن العبّاس لبابة كانت مربِّية للحسينعليه‌السلام ولم تُرضعه أيضاً، كما صحّ في الأخبار أنّه لم يرضع من غير ثدي أمّه فاطمة صلوات الله عليها، وإبهام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله تارة، وريقه تارة أُخرى »(١) .

____________________

(١) إبصار العين: ٩٣ لكنّ هناك روايات تذكر أنّه عليه‌السلام لم يرتضع حتى من ثدي أمّه فاطمةعليها‌السلام :منها =


وذكر ابن حجر في الإصابة: أنّ عبد الله بن يقطر كان صحابياً؛ لأنّه لِدَةٌ للحسينعليه‌السلام (١) .

وكان عبد الله بن يقطر رضوان الله تعالى عليه من أهل اليقين والشجاعة الفائقة؛ إذ لما أمره ابن مرجانة قائلاً: « اصعد القصر والعن الكذّاب ابن الكذّاب، ثمّ انزل حتى أرى فيك رأيي »(٢) . صعد هذا البطل القصر « فلمّا أشرف على الناس قال: أيُّها الناس، أنا رسول الحسين بن فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إليكم لتنصروه وتوازروه على ابن مرجانة وابن سميّة الدعيّ ابن الدعيّ! »(٣) .

والظاهر أنّ عبد الله بن يقطر رضوان الله تعالى عليه، قُتل قبل قيس بن مُسهّر الصيداوي رضوان الله تعالى عليه، الذي قُتل بعد قتل مسلمعليه‌السلام ، بدليل أنّ خبر مقتل عبد الله ورد إلى الإمامعليه‌السلام بـ (زُبالة) في الطريق إلى العراق في نفس خبر مقتل مسلمعليه‌السلام وهاني رضوان الله تعالى عليه، فنعاهم الإمامعليه‌السلام قائلاً:( أمّا بعدُ، فقد أتانا خبر فظيع، قُتِل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة وعبد الله بن يقطر، وقد خذلنا

____________________

= عن الإمام الصادق عليه‌السلام : (... ولم يرضع الحسين من فاطمة عليها‌السلام ولا من أُنثى، كان يُؤتى به النبيّ فيضع إبهامه في فيه فيمصّ منها ما يكفيه اليومين والثلاث، فنبت لحم الحسين عليه‌السلام من لحم رسول الله ودمه ) . (الكافي، ١: ٤٦٥، الحديث رقم ٤).

وعن الإمام أبي الحسن الرضا عليه‌السلام :( أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله كان يؤتى به الحسين فيُلقمه لسانه، فيمصّه فيجتزئ به، ولم يرتضع من أُنثى ) (الكافي، ١: ٤٦٥).

لكنّ العلامة المجلسي رمى هاتين الروايتين بالإرسال. (مرآة العقول، ٥: ٣٦٥)، وللسيد عبد الحسين شرف الدين فيهما نظر (راجع: أجوبة موسى جار الله).

(١) إبصار العين: ٩٣.

(٢) نفس المصدر.

(٣) نفس المصدر.


شيعتنا... ) .(١)

وبذلك يكون عبد الله بن يقطر رضوان الله تعالى عليه ثاني رُسُل الإمام الحسينعليه‌السلام الذين استُشهدوا أثناء أداء مُهمّة الرسالة، بعد شهيد النهضة الحسينية الأوّل سليمان بن رزين رضوان الله تعالى عليه، رسول الإمامعليه‌السلام إلى أشراف البصرة، بل إنّ عبد الله بن يقطر هو الشهيد الثاني في النهضة الحسينية المباركة، إذا ثبت تاريخياً أنّه قُتِل قبل قيام انتفاضة مسلمعليه‌السلام في الكوفة.

اضطهاد رجال المعارضة وحبْسهم وقتْلهم:

« إنّ ابن زياد لما اطّلع على مكاتبة أهل الكوفة الحسينعليه‌السلام حبس أربعة آلاف وخمسمئة رجل من التوّابين، من أصحاب أمير المؤمنين وأبطاله الذين جاهدوا معه، منهم سليمان بن صرد، وإبراهيم بن مالك الأشتر و... وفيهم أبطال وشُجعان، ولم يكن له سبيل إلى نصر الحسينعليه‌السلام ؛ لأنّهم كانوا مُقيّدين مغلولين، وكانوا يوماً يُطعَمون ويوماً لا يُطعمون »(٢) .

وينقل المحقّق الشيخ باقر شريف القرشي، عن كتاب «المختار مرآة العصر الأُموي»: أنّ عدد الذين اعتقلهم ابن زياد في الكوفة اثنا عشر ألفاً، كما ينقل عن كتاب «الدرّ المسلوك في أحوال الأنبياء والأوصياء» أنّ من بين أولئك المعتقلين سليمان بن صرد الخزاعي، والمختار بن أبي عبيد الثقفي وأربعمئة من الوجوه والأعيان(٣) .

____________________

(١) نفس المصدر: ٩٤.

(٢) تنقيح المقال، ٢: ٦٣، وانظر: قاموس الرجال، ٥: ٢٨٠.

(٣) راجع: حياة الإمام الحسين بن عليعليهما‌السلام ، ٢: ٤١٦، وقال المحقِّق القرشي: ( وقد أثارت هذه الإجراءات عاصفة من الفزع والهلع، لا في الكوفة فحسب، وإنّما في جميع أنحاء العراق، وقد ابتعد الكوفيُّون عن التدخُّل في أيّة مشكلة سياسية، ولم تَبْدُ منهم أيّة حركة من حركات المعارضة، وأيقنوا =


وذكر الطبري: أنّ ابن زياد « أمر أن يُطلب المختار وعبد الله بن الحارث(١) ، وجعل فيهما جُعلاً، فأُتي بهما فحبسا »(٢) .

وقال البلاذري: « أمر ابن زياد بحبسهما - المختار وابن الحارث - بعد أن شتم المختار واستعرض وجهه بالقضيب فشتر عينه، وبقيا في السجن إلى أن قُتل الحسين »(٣) .

« ثمّ إنّ الحصين(٤) - صاحب شرطة ابن زياد - وضع الحرس على أفواه

____________________

= أنّ لا قدرة لهم على الإطاحة بالعرش الأمويّ، وظلّوا قابعين تحت وطأة سياطه القاسية ) (نفس المصدر، ٢: ٤١٦).

ولنا تأمّل في هذا القول، ولعلّنا نُناقشه في فصل حركة الأُمّة من هذا الكتاب، إن شاء الله تعالى.

(١) عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب: وهو الذي أنفذه الحسن عليه‌السلام إلى معاوية، وله رواية عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في فضل فاطمة، وهو الذي حبسه ابن زياد مع المختار وميثم. (مُستدركات علم رجال الحديث، ٤: ٥٠٨).

ولِد في حياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، واجتمع أهل البصرة عند موت يزيد على تأميره عليهم، وقال الزبير بن بكّار: هو ابن أخت معاوية بن أبي سفيان، واسمها هند، اصطلح عليه أهل البصرة فأمّروه عند هروب عبيد الله بن زياد، وكتبوا إلى ابن الزبير بالبيعة له فأقرّه عليهم، خرج هارباً من البصرة إلى عمان خوفاً من الحجّاج عند فتنة عبد الرحمان بن محمد بن الأشعث، فمات بها عام ٨٤هـ، (راجع: سير أعلام النبلاء، ١: ٢٠٠) ; وكان من سادة بني هاشم. (نفس المصدر، ٣: ٥٣١).

(٢) تاريخ الطبري، ٣: ٢٩٤.

(٣) أنساب الأشراف، ٥: ٢١٥; عنه مقتل الحسين عليه‌السلام للمقرّم: ١٥٧.

(٤) الحصين بن نمير: ( ملعون خبيث، من رؤساء جُند ابن زياد، وكان من أتباع معاوية ) (الغدير، ١٠: ٢٩٥)، وكان مأموراً من قِبل يزيد لقتال ابن الزبير بمكّة. (البحار، ٣٨: ١٩٣ ومُستدركات علم رجال الحديث، ٣: ٢٢١).


السكك، وتتبّع الأشراف الناهضين مع مسلم، فقبض على عبد الأعلى بن يزيد الكلبي(١) ، وعمارة بن صلخب الأزدي(٢) فحبسهما، ثمّ قتلهما، وحُبس جماعة من

____________________

(١) عبد الأعلى بن يزيد الكلبي: فارس شجاع من الشيعة بالكوفة، بايع مسلماً وكان يأخذ البيعة له وللحسين عليه‌السلام ، فلمّا قُتل مسلم حبسه ابن زياد، وأمر بقتله فقُتل. (مُستدركات علم رجال الحديث، ٤: ٣٦٦).

قال الطبري: ( ثمّ إنّ عبيد الله بن زياد لما قتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة دعا بعبد الأعلى الكلبي، الذي كان أخذه كثير بن شهاب في بني فتيان، فأُتي به فقال له: أخبرني بأمرك. فقال: أصلحك الله، خرجت لأنظر ما يصنع الناس، فأخذني كثير بن شهاب. فقال له: فعليك وعليك من الأيمان المغلّظة إن كان أخرجك إلاَّ ما زعمت. فأبى أن يحلف! فقال عبيد الله: انطلقوا بهذا إلى جبّانة السبع فاضربوا عُنقه. قال: فانطلقوا به، فضُربت عنقه ). (تاريخ الطبري ٣: ٢٩٢).

وفي رواية أُخرى للطبري عن أبي مخنف قال: ( حدّثني أبو جناب الكلبي: أنّ كثيراً ألفى رجلاً من كلب يُقال له: عبد الأعلى بن يزيد. قد لبس سلاحه يريد ابن عقيل في بني فتيان، فأخذه حتى أدخله على ابن زياد، فأخبره خبره، فقال لابن زياد: إنّما أردتك. قال: وكنت وعدتني ذلك من نفسك! فأمر به فحُبس ). (تاريخ الطبري، ٣: ٢٨٧).

(٢) عمارة بن صلخب الأزدي: ذكر أهل السير أنّه كان فارساً شجاعاً، من الشيعة الذين بايعوا مسلماً، وكان يأخذ البيعة للحسين عليه‌السلام ، فلمّا تخاذل الناس عن مسلم أمر ابن زياد بقبضه وحبسه، ثمّ بعد شهادته أمر بضرب عُنقه فضرب رضوان الله عليه. (تنقيح المقال، ٢: ٣٢٣).

وقال الطبري: ( وخرج محمد بن الأشعث حتى وقف عند دور بني عمارة، وجاءه عمارة بن صلخب الأزدي وهو يُريد ابن عقيل، عليه سلاحه، فأخذه فبعث به إلى ابن زياد فحبسه ). (تاريخ الطبري، ٣: ٢٩٢).

ثمّ إنّ عبيد الله - بعد قتل مسلم وهاني - ( أخرج عمارة بن صلخب الأزدي، وكان ممَّن يريد أن يأتي مسلم بن عقيل بالنُّصرة لينصره، فأُتيَ به أيضاً عبيد الله، فقال له: ممَّن أنت؟ قال: من الأزد. قال: انطلقوا به إلى قومه. فضُربت عُنقه فيهم ). (تاريخ الطبري، ٣: ٢٩٢).


الوجوه استيحاشاً منهم، وفيهم الأصبغ بن نُباتة(١) ، والحارث الأعور الهمداني(٢) »(٣) .

حبس ميثم التمّار:

يُستفاد من ظاهر بعض المتون، التي تروي قصّة مقتل الشهيد الفذّ ميثم التمّاررضي‌الله‌عنه ، أنّ قتله كان في أواخر شهر ذي الحجّة سنة ستِّين للهجرة، كقول الشيخ المفيد (ره): « وحجّ في السنة التي قُتل فيها »(٤) ، وتُصرّح بعض المتون أنّهرضي‌الله‌عنه قُتل قبل وصول الإمام الحسينعليه‌السلام إلى العراق: « وكان مقتل ميثم قبل

____________________

(١) الأصبغ بن نباتة: مشكور، من خواصّ أصحاب أمير المؤمنين والحسنينعليهم‌السلام ، وروى عنه عهد الأشتر ووصيّته إلى ابنه محمد بن الحنفية، وهو من شَرطة الخميس، الذين ضمنوا له الذبح وضمن لهم الفتح. وعدّه أمير المؤمنين عليه‌السلام من ثقاته العشرة، وهو الذي أعانه على غُسل سلمان الفارسي، وممّن حمل سرير سلمان لما أراد أن يُكلّم الموتى. وكان الأصبغ يوم صِفِّين على شَرطة الخميس وقال لعلي عليه‌السلام : قدّمني في البقية من الناس؛ فإنّك لا تفقد لي اليوم صبراً ولا نصراً. قال عليه‌السلام :( تقدّم باسم الله والبركة ) . فتقدّم وأخذ رايته وسيفه، فمضى بالراية مُرتجزاً، فرجع وقد خضّب سيفه ورمحه دماً، وكان شيخاً ناسكاً عابداً، وكان إذا لقي القوم لا يَغمد سيفه، وكان من ذخائر علي، ممّن قد بايعه على الموت، وكان من فرسان العراق، وهو الذي يقول: حفظت مئة فصل من مواعظ أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وحفظت من خطاباته كنزاً لا يزيده الإنفاق إلاّ سعة وكثرة. (مُستدركات علم رجال الحديث، ١: ٦٩٢).

(٢) الحارث الأعور الهمداني: كان من أولياء أمير المؤمنين، وعدّه عليّ عليه‌السلام من ثقاته العشرة، وعن ابن أبي الحديد: وكان أحد الفقهاء. توفِّي عام ٦٥ هـ. ق (مُستدركات علم رجال الحديث، ٢: ٢٦٠).

( وعن الطبري: كان من مُقدّمي أصحاب عليّ في الفقه والعلم بالفرائض والحساب ) (قاموس الرجال، ٣: ١٤).

وثّقهُ العامّة ومدحوه، ونقلوا الروايات عنه في الصحاح وغيرها. (الغدير، ١١: ٢٢٢).

(٣) مقتل الحسين عليه‌السلام للمقرّم: ١٥٧.

(٤) الإرشاد: ١٧٠.


قدوم الحسين بن عليعليهما‌السلام إلى العراق بعشرة أيّام »(١) ، بل تُصرّح أُخرى قائلة: « وشهادته قبل يوم عاشوراء بعشرين يوماً أو عشرة أيام »(٢) .

وعلى أيٍّ من هذه الأقوال؛ يكون ميثم التمّاررضي‌الله‌عنه قد قُتل فيما بعد خروج الإمام الحسينعليه‌السلام من مكّة، وفي أثناء أيّام الرحلة إلى العراق.

أمّا حبسهرضي‌الله‌عنه في سجن ابن زياد، فهناك إشارة تاريخية، يُمكن الاستفادة منها أنه حُبس مع المختار في وقت معاً، كما في قول الشيخ المفيد (ره): « فحبسه وحبس معه المختار... »(٣) ، أي قبل مقتل مسلمعليه‌السلام ، وعلى هذا؛ يكون حبسهرضي‌الله‌عنه في الفترة التي كان فيها الإمامعليه‌السلام بمكّة المكرّمة.

ميثم التمّار رضوان الله تعالى عليه:

يندُر أن ترى كتاباً يتناول تأريخ النهضة الحسينية وفاجعة عاشوراء، يذكر ميثم التمّاررضي‌الله‌عنه في جُملة شهداء فترة تأريخ تلك النهضة المقدّسة، مع أنّهرضي‌الله‌عنه من طليعة الأبرار وخواصّ الأولياء، الذين استُشهدوا في تلك الفترة؛ لولائهم لأهل البيتعليهم‌السلام وعدائهم للحُكم الأمويّ، ولشهادته نفسها خصوصية تجعلها في العلياء من روائع تأريخ وقائع الاستشهاد في سبيل الله تعالى، وفي القمّة من نوادره.

هو ميثم بن يحيى - أو عبد الله - التمّار الأسديّ الكوفي، وهو من حواريّ أمير المؤمنين والحسن والحسين صلوات الله عليهم، والروايات في مدحه وجلالته، وعظم شأنه وعلمه بالمغيّبات كثيرة لا تحتاج إلى البيان، ولو كان بين

____________________

(١) إعلام الورى: ١٧٤، وعنه تنقيح المقال، ٣: ٢٦٢، وانظر أيضاً: الإرشاد: ١٧١.

(٢) مُستدركات علم رجال الحديث، ٨: ٤٤.

(٣) الإرشاد: ١٧١.


العصمة والعدالة مرتبة وواسطة لأطلقناها عليه(١) .

كان ميثمرضي‌الله‌عنه لمنزلته الخاصة عند الله تبارك وتعالى وعند أهل البيتعليهم‌السلام قد رُزِق علم المنايا والبلايا، وقد شاعت عنه إخباراته بمُغيّبات كثيرة، ومنها أنّه أخبر حبيب بن مظاهر باستشهاده في نُصرة الحسينعليه‌السلام ، وأنّه يُجال برأسه في الكوفة، كما أخبر المختار بأنّه ينجو من سجن ابن زياد، ويخرج ثائراً مُطالباً بدم الحسينعليه‌السلام فيقتل ابن زياد ويطأ بقدميه على وجْنتَيه(٢) ، بل أخبر ابن زياد نفسه بأنّه يقتله، وبالطريقة التي يقتله بها، وأنّه أوّل مَن يُلجَم في الإسلام(٣) .

روي « أنّ ميثم التمّار كان عبداً لامرأة من بني أسد، فاشتراه أمير المؤمنينعليه‌السلام منها فأعتقه، فقال له:( ما اسمك؟ ) .

فقال: سالم.

فقال:( أخبرني رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّ اسمك الذي سمّاك به أبواك في العَجم ميثم ) .

قال: صدق اللّه ورسوله وصدقت يا أمير المؤمنين، والله، إنّه لاسمي!

قال:( فارجع إلى اسمك الذي سمّاك به رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ودعْ سالماً ) .

فرجع إلى ميثم واكتنى بأبي سالم.

فقال له عليّعليه‌السلام ذات يوم:( إنك تُؤخذ بعدي فتُصلب وتُطعن بحربة، فإذا كان اليوم الثالث ابتدر منخراك وفمك دماً يُخضّب لحيتك، فانتظر ذلك الخضاب، فتُصلب على باب

____________________

(١) راجع: مُستدركات علم رجال الحديث، ٨: ٤٤، وانظر: تنقيح المقال، ٣: ٢٦٢، فقد قال المامقاني أيضاً: ( بل لو كانت بين العصمة والعدالة مرتبة واسطة لأطلقناها عليه ).

(٢) راجع: بحار الأنوار، ٤٥: ٣٥٣.

(٣) كما سيأتي في نفس رواية الإرشاد الآتية.


عمرو بن حُريث عاشر عشرة، أنت أقصرهم خشبة، وأقربهم من المطهّرة، وامضِ حتى أُريك النخلة التي تُصلَب على جذعها ) .

فأراه إيّاها. وكان ميثم يأتيها فيُصلّي عندها ويقول: بوركتِ من نخلة! لكِ خُلِقتُ، ولي غُذِيتِ، ولم يزل يتعاهدها حتى قُطعت، وحتى عرف الموضع الذي يُصلب عليها(١) بالكوفة.

قال: وكان يلقى عمرو بن حُريث فيقول له: إنّي مُجاورك فأحسن جواري!

فيقول له عمرو: أُتريد أن تشتري دار ابن مسعود أو دار ابن حكيم؟

وهو لا يعلم ما يريد.

وحجّ في السنة التي قُتل فيها، فدخل على أمّ سلمة رضي اللّه عنها.

فقالت: مَن أنت؟

قال: أنا ميثم.

قالت: واللّه، لربّما سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله يذكرك ويوصي بك عليّاً في جوف الليل.

فسألها عن الحسينعليه‌السلام ، فقالت: هو في حايط له.

قال: أخبريه أنّني قد أحببت السلام عليه، ونحن مُلتقون عند ربّ العالمين إن شاء اللّه تعالى(٢) .

____________________

(١) هكذا في الأصل، والصحيح (عليه).

(٢) في قول الشيخ المفيد (قدّس سرّه): ( وحجّ في السنة التي قُتِل فيها )، وفي قوله: ( فسألها عن الحسين عليه‌السلام ، فقالت: هو في حايط له.

قال: أخبريه أنّني قد أحببت السلام عليه، ونحن مُلتقون عند ربّ العالمين... ) مُدعاة للاستغراب والتأمّل! =


فدعت أمّ سلمة بطيب وطيّبت لحيته، وقالت له: أما إنّها ستُخضّب بدم!

فقدم الكوفة، فأخذه عبيد اللّه بن زياد لعنه الله، فأُدخل عليه

فقيل له: هذا كان من آثر الناس عند عليّ!

قال: ويحكم! هذا الأعجميّ!

قيل له: نعم!

قال له عبيد اللّه: أين ربّك؟!

قال: لبالمرصاد لكلّ ظالم، وأنت أحد الظلمة!

قال: إنّك على عُجمتك لتبلغ الذي تريد! ما أخبرك صاحبك أنّي فاعل بك؟!

قال: أخبرني أنّك تصلبني عاشر عشرة، أنا أقصرهم خشبة، وأقربهم إلى المطهّرة.

قال: لنُخالفنّه.

____________________

= تُرى كيف يكون قد حجّ في تلك السنة، ولم يكن قد رأى أو التقى الإمام عليه‌السلام في مكّة المكرّمة طيلة المدّة الطويلة التي كان الإمام عليه‌السلام فيها بمكة؟!

الراجح أنّ مراد الشيخ المفيد (قدس سره) من قوله: ( وحجّ ) أصل زيارة بيت اللّه الحرام، وإن كانت هذه الزيارة عُمرة، ولدينا في رواية أُخرى تصريح من ابنه وهو حمزة بن ميثم ( يصف أحداث نفس هذه الزيارة ) يقول فيه: ( خرج أبي إلى العمرة... ) (بحار الأنوار، ٤٢: ١٢٩). فهذه الزيارة كانت عمرة. والراجح أيضاً، أنّ وصوله إلى المدينة المنوّرة كان قبل شهر رجب سنة ستّين أو فيه، فيما قبل وصول نبأ موت معاوية إلى المدينة، أي قبل مُطالبة السلطة الأُموية الإمام الحسين عليه‌السلام بالبيعة ليزيد؛ ذلك لأنّ الظاهر من تأريخ ما بعد ذلك إلى خروج الإمام عليه‌السلام من المدينة هو أنّ الإمام عليه‌السلام لم يخرج إلى حائط له خارج المدينة.


قال: كيف تخالفه؟! فوالله، ما أخبرني إلاّ عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله عن جبرئيل عن الله تعالى، فكيف تخالف هؤلاء؟! ولقد عرفت الموضع الذي أُصلب عليه أين هو من الكوفة، وأنا أوّل خلق اللّه أُلجم في الإسلام!

فحبسه وحبس معه المختار بن أبي عبيدة، قال له ميثم: إنّك تفلِت وتخرج ثائراً بدم الحسينعليه‌السلام فتقتل هذا الذي يقتلنا.

فلمّا دعا عبيد اللّه بالمختار ليقتله، طلع بريد بكتاب يزيد إلى عبيد الله، يأمره بتخلية سبيله فخلاّ عنه(١) ، وأمر بميثم أن يُصلب، فأُخرج.

فقال له رجل لقيه: ما كان أغناك عن هذا يا ميثم؟!

فتبسّم وقال - وهو يومي إلى النخلة -: لها خُلِقتُ، ولي غُذِّيتْ!

فلمّا رُفع على الخشبة، اجتمع النّاس حوله على باب عمرو بن حُريث. قال عمرو: قد كان واللّه، يقول: إنّي مُجاورك! فلمّا صُلب أمر جاريته بكنس تحت خشبته ورشّه وتجميره، فجعل ميثم يُحدّث بفضائل بني هاشم، فقيل لابن زياد: قد فضحكم هذا العبد! فقال: ألْجِموه. وكان أوّل خلق الله أُلجم في الإسلام، وكان قَتْلُ ميثم رحمة الله قبل قدوم الحسين بن عليعليه‌السلام بعشرة أيّام، فلمّا كان اليوم الثالث من صلبه طُعن ميثم بالحرْبة، فكبّر، ثمّ انبعث في آخر النهار فمه وأنفه دماً »(٢) .

____________________

(١) إنّ المتأمّل في دلالة هذا، يستنتج أنّ المختار كان طليقاً قبل وصول الإمام عليه‌السلام إلى العراق - لأنّ ميثم قُتل قبل وصول الإمام عليه‌السلام إلى العراق - وهذا خلاف المشهور؛ وعليه يُمكن القول: لعلّ المختار (ره) كان تحت رقابة شديدة أو إقامة جبرية منعته من الالتحاق بالإمام عليه‌السلام ، والله العالم.

(٢) الإرشاد: ١٧١.


التجسُّس لمعرفة مكان قيادة الثورة:

لما علم مولانا مسلم بن عقيلعليه‌السلام بالإجراءات الإرهابية المتسارعة، التي اتّخذها عبيد الله بن زياد، « وما أخذ به العرفاء والناس، خرج من دار المختار حتى انتهى إلى دار هانئ بن عروة فدخلها، فأخذت الشيعة تختلف إليه في دار هانئ على تستّر واستخفاء من عبيد اللّه، وتواصوا بالكتمان.

فدعا ابن زياد مولى له يُقال له: معقل. فقال: خُذْ ثلاثة آلاف درهم، واطلب مسلم بن عقيل والتمس أصحابه، فإذا ظفرت بواحد منهم أو جماعة فأعطِهم هذه الثلاثة آلاف درهم، وقل لهم: استعينوا بها على حرب عدوّكم، وأعلمهم أنّك منهم؛ فإنّك لو قد أعطيتهم إيّاها لقد اطمأنّوا إليك ووثقوا بك، ولم يكتموك شيئاً من أمورهم وأخبارهم، ثمّ اغْدُ عليهم ورُحْ حتى تعرف مُستقرّ مسلم بن عقيل وتدخل عليه.

ففعل ذلك، وجاء حتى جلس إلى مسلم بن عوسجة الأسدي في المسجد الأعظم وهو يُصلّي، فسمع قوماً يقولون: هذا يُبايع للحسين، فجاء وجلس إلى جنبه حتى فرغ من صلاته، ثمّ قال: يا عبد الله، إنّي امرؤ من أهل الشام، أنعم الله عليَّ بُحبّ أهل البيت وحبّ مَن أحبّهم. - وتباكى له - وقال: معي ثلاثة آلاف درهم، أردت بها لقاء رجل منهم بلغني أنّه قدم الكوفة يُبايع لابن بنت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فكنت أُريد لقاءه فلم أجد أحداً يُدلّني عليه، ولا أعرف مكانه، فإنّي لجالس في المسجد الآن، إذ سمعت نفراً من المؤمنين يقولون: هذا رجل له علم بأهل هذا البيت. وإنّي أتيتك لتقبض منّي هذا المال، وتُدخلني على صاحبك؛ فإنّي أخ من إخوانك وثقة عليك، وإن شئت أخذت بيعتي له قبل لقائه.

فقال له ابن عوسجة: أحمُد الله على لقائك إيّاي، فقد سرّني ذلك، لتنال الذي تُحبّ، وليَنصرنّ اللّه بك أهل بيت نبيّه عليه وعليهم السلام، ولقد ساءني معرفة الناس إيّاي بهذا الأمر قبل أن يتمّ؛ مخافة هذا الطاغية وسطوته.


فقال له معقل: لا يكون إلاّ خيراً، خذ البيعة عليَّ!

فأخذ بيعته، وأخذ عليه المواثيق المغلّظة ليُناصحنّ وليكتمنّ، فأعطاه من ذلك ما رضي به، ثمّ قال له: اختلف إليَّ أيّاماً في منزلي، فإنّي طالب لك الإذن على صاحبك.

وأخذ يختلف مع الناس، فطلب له الإذن فأُذِنَ له، وأخذ مسلم بن عقيل بيعته، وأمر أبا ثمامة الصّائدي بقبض المال منه، وهو الذي كان يقبض أموالهم وما يُعين به بعضهم بعضاً، ويشتري لهم به السلاح، وكان بصيراً وفارساً من فرسان العرب، ووجوه الشيعة، وأقبل ذلك الرجل يختلف إليهم، فهو أوّل داخل وآخر خارج، وحتى فهم ما احتاج إليه ابن زياد من أمرهم، فكان يُخبره به وقتاً فوقتاً »(١) .

حبس هاني بن عروة المرادي:

ولما كثر تردُّد الرجال من أهل الكوفة على مسلم بن عقيلعليه‌السلام في بيت هاني بن عروة، أوجس في نفسه المحذور « وخاف هاني بن عروة عبيد الله على نفسه، فانقطع عن حضور مجلسه وتمارض، فقال ابن زياد لجُلسائه: ما لي لا أرى هانياً؟!

فقالوا: هو شاكٍ.

فقال: لو علمتُ بمرضه لعُدتُه.

ودعا محمّد بن الأشعث، وأسماء بن خارجة، وعمرو بن الحجّاج الزبيدي، وكانت رويحة بنت عمرو تحت هاني بن عروة، وهي أمّ يحيى بن هاني.

فقال لهم: ما يمنع هاني بن عروة من إتياننا؟

فقالوا: ما ندري، وقد قيل: إنّه يشتكي.

قال: قد بلغني أنّه قد برئ وهو يجلس على باب داره! فالقوه ومُروه ألاّ يدع ما عليه من حقّنا؛ فإنّي لا أُحبّ أن يفسد عندي مثله من أشراف العرب.

____________________

(١) الإرشاد: ٢٠٧، وعنه البحار، ٤٣: ٣٤٢ - ٣٤٣.


فأتوه حتى وقفوا عليه عشيّة وهو جالس على بابه.

وقالوا له: ما يمنعك من لقاء الأمير؛ فإنّه قد ذكرك، وقال: لو أعلم أنّه شاكٍ لَعُدْتُه.

فقال لهم: الشكوى تمنعني.

فقالوا له: قد بلغه أنّك تجلس كلّ عشيّة على باب دارك، وقد استبطأك، والإبطاء والجفاء لا يحتمّله السلطان، أقسمنا عليك لما ركبت معنا.

فدعا بثيابه فلبسها، ثمّ دعا ببغلة فركبها، حتى إذا دنا من القصر، كأنّ نفسه أحسّت ببعض الذي كان.

فقال لحسّان بن أسماء بن خارجة: يا ابن الأخ، إنّي واللّه لِهذا الرجل لخايف، فما ترى؟

فقال: يا عمّ، والله، ما أتخوّف عليك شيئاً ولم تجعل على نفسك سبيلاً.

ولم يكن حسّان يعلم في أيّ شيء بعث إليه عبيد الله.

فجاء هاني حتى دخل على عبيد الله بن زياد وعنده القوم، فلما طلع قال عبيد الله: أتتك بخاينٍ(١) رجْلاه! فلمّا دنا من ابن زياد، وعنده شُريح القاضي(٢) ، التفت نحوه، فقال:

____________________

(١) هذا مَثَلٌ معروف، وقد ضبطه المحقّق السماوي هكذا: ( أتتك بحائن رجلاه تسعى ): الحائن الميّت، من الحَيْن بفتح الحاء وهو الموت. (إبصار العين: ١٤٣).

(٢) شُريح القاضي: ( هو شُريح بن الحارث بن المنتجع الكندي، وقيل: اسم أبيه معاوية، وقيل: هانئ وقيل: شراحيل، ويُكنّى أبا أُميّة.

استعمله عمر بن الخطاب على القضاء بالكوفة، فلم يزل قاضياً ستِّين سنة. لم يتعطّل فيها إلاّ ثلاث سنين في فتنة ابن الزبير امتنع من القضاء، ثمّ استعفى الحجّاج في العمل فأعفاه، فلزم منزله إلى أن مات، وعمّر عمراً طويلاً، قيل: إنّه عاش مئة وثماني سنين. وقيل: مئة سنة، وتوفِّي سنة سبع وثمانين، وكان خفيف الروح مزّاحاً... وأقرّ عليٌّ شُريحاً على =


____________________

= القضاء مع مُخالفته له في مسائل كثيرة من الفقه مذكورة في كتب الفقهاء، وسَخَطَ علي عليه‌السلام مرّة عليه فطرده عن الكوفة، ولم يعزله عن القضاء وأمره بالمقام ببانقيا، وكانت قرية قريبة من الكوفة أكثر ساكنيها اليهود، فأقام بها مدّة حتى رضي عنه، وأعاده إلى الكوفة. وقال أبو عمرو بن عبد البرّ في الاستيعاب: أدرك شريح الجاهلية ولا يُعَدُّ من الصحابة بل من التابعين... ) (راجع البحار، ٤٢: ١٧٥، وشرح النهج لابن أبي الحديد، ١٤: ٢٩).

( روى الأعمش، عن إبراهيم التميمى، قال: قال علي عليه‌السلام لشريح، وقد قضى قضيّة نَقَم عليه أمرها:( والله، لأنفينّك إلى بانقيا شهرين تقضي بين اليهود ) . قال: ثمّ قُتِل علي عليه‌السلام ومضى دهر، فلمّا قام المختار بن أبي عبيد قال لشريح: ما قال لك أمير المؤمنين عليه‌السلام يوم كذا؟ قال: إنّه قال لي كذا. قال: فلا والله، لا تقعد حتى تخرج إلى بانقيا تقضي بين اليهود. فسيّره إليها فقضى بين اليهود شهرين ). (راجع: شرح النهج لابن أبي الحديد، ٤: ٩٨).

و(... يُقال: إنّه من أولاد الفُرس الذين كانوا باليمن. أدرك النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ولم يلقه على الصحيح... استقضاه عمر على الكوفة، وأقرّه علي بن أبي طالب عليه‌السلام وأقام على القضاء بها ستِّين سنة، وقضى بالبصرة سنة. ويُقال: قضى بالكوفة ثلاثاً وخمسين سنة، وبالبصرة سبع سنين... مات وهو ابن مئة وعشر سنين. وفي رواية أُخرى، مئة وعشرون سنة، قيل: مات سنة سبع وتسعين... ) (تهذيب الكمال، ٨: ٣١٨).

وقال الذهبي: ( عزل ابن الزبير شُريحاً عن القضاء، فلمّا ولي الحجّاج ردّه،.. إنّ فقيهاً جاء إلى شريح فقال: ما الذي أحدثت في القضاء؟ قال: إنّ الناس أحدثوا، فأحدثت... ) (سير أعلام النبلاء ٤: ١٠٣)

وقال المامقاني: (... وقد ذكر المؤرِّخون أنّه ممّن شهِد على حجر بن عدي الكندي بالكفر والخروج عن الطاعة، وكتب زياد شهادته إلى معاوية مع سائر الشهود، وأراد أمير المؤمنين عليه‌السلام عزله فلم يتيسَّر له؛ لأنّ أهل الكوفة قالوا: لا تعزله؛ لأنّه منصوب من قِبل عمر، وبايعناك على أن لا تُغيّر شيئاً قرّره أبو بكر وعمر... وقد أساء الأدب مع أمير المؤمنين في مقامات، مثل طلبه البيّنة منه عليه‌السلام على درع طلحة، وصياحه وا سنّة عُمَراه! عند نهيه عن صلاة التراويح، إلى غير ذلك ممّا تُغني شهرته عن =


____________________

= النقل ) (تنقيح المقال، ٢: ٨٣).

( وروى الطبري عن أبي مخنف ( أنّ الناس قالوا للمختار: اجعل شريحاً قاضياً. فسمع الشيعة يقولون: إنّه عثماني، وإنّه ممّن شهِد على حُجر، وإنّه لم يُبلّغ عن هاني ما أرسله به، وإنّ علياً عليه‌السلام عزله عن القضاء ) (تاريخ الطبري، ٦: ٣٤).

روى في الحلية عن إبراهيم بن زيد التميمي، عن أبيه، قال: وجد علي عليه‌السلام درعاً له عند يهودي التقطها، فعرفها، فقال:( درعي سقطت عن جَمل لي أورَق ) . فقال اليهودي: درعي وفي يدي! ثمّ قال اليهودي: بيني وبينك قاضي المسلمين. فأتوا شريحاً ( إلى أن قال: ) فقال شُريح لعلي عليه‌السلام : صدقت، ولكن لابدّ من شاهدين، فدعا قنبراً مولاه والحسن، وشهدا أنَّه درعه، فقال شريح: أمّا شهادة مولاك، فقد أجزناها، وأمّا شهادة ابنك لك فلا نُجيزها! فقال:( ثكلتك أمّك! أفلا تُجيز شهادة سيد شباب أهل الجنّة به! والله، لأوجِهنّك إلى بانقيا تقضي بين أهلها أربعين يوماً ) . ثمّ قال عليه‌السلام لليهودي:( خُذْ الدرع ) . فقال اليهودي: أمير المؤمنين جاء معي إلى قاضي المسلمين فقضى عليه ورضي! صدقت والله، إنّها لدرعك، سقطت لك عن جَمل، التقطتها، أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمداً رسوله. فوهبها له عليٌّ عليه‌السلام وأجازه بتسع مئة، وقُتِلَ في يوم صِفّين ) (راجع حلية الاولياء، ٤: ١٣٩ وقاموس الرجال، ٥: ٤٠٨).

وروى الشيخ الصدوق (قدّس سرّه): ( أنّ علياً عليه‌السلام كان في مسجد الكوفة، فمرّ به عبد اللّه بن فضل التميمي، ومعه درع طلحة فقال عليه‌السلام :( هذه درع طلحة أُخذت غلولاً يوم البصرة ) . فقال: اجعل بيني وبينك قاضيك! فقال شريح له عليه‌السلام : هات بيّنة! فأتاه بالحسن عليه‌السلام فقال: هذا واحد ولا أقضي بشاهد حتى يكون معه آخر، فأتى عليه‌السلام بقنبر، فقال: هذا مملوك ولا أقضي بشهادة المملوك!فغضب عليه‌السلام ، وقال: ( خذوا الدرع! فإنّ هذا قضى بجَوْر ثلاث مرّات! ) . فقال شريح: من أين؟!قال: ( قلتُ لك: إنّها درع طلحة أُخذت غلولاً يوم البصرة. فقلت: هاتِ بيّنة، وقد قال النبيُّ: ( حيثما وجد غلول أُخذت بغير بيّنة )، ثمّ أتيتك بالحسن فقلت: لا أقضي حتى يكون معه آخر، وقد قضى النبي بشاهد ويمين، ثمّ أتيتك بقنبر فقلت: هذا مملوك، وما بأسٌ بشهادة المملوك إذا كان عدلاً؟! ) . ثمّ قال: ( يا شُريح، إنّ إمام المسلمين يؤتَمن في أمورهم على ما هو أعظم من هذا ) (مَن لا يحضره الفقيه، ٣: ٦٣).

قال المجلسي الأوّل بعد نقل هذه الرواية: ( فتحوّل شُريح عن مجلسه وقال: لا أقضي بين =


أُريد حياته ويُريد قتلي

عَذيرك من خليلك من مُراد

وقد كان أوّل ما قدم مُكرِماً له مُلطفاً، فقال له هاني: وما ذاك أيُّها الأمير؟!

قال: إيهٍ يا هاني بن عروة! ما هذه الأمور التي تربّص في دارك لأمير المؤمنين وعامّة المسلمين؟ جئت بمسلم بن عقيل، فأدخلته دارك وجمعت له السلاح والرجال في الدور حولك، وظننت أنّ ذلك يخفى عليَّ؟!

قال: ما فعلت ذلك، وما مسلم عندي.

قال: بلى قد فعلت.

فلمّا كثر ذلك بينهما وأبى هاني إلاّ مُجاحدته ومُناكرته، دعا ابن زياد معقلاً ذلك العَين، فجاء حتى وقف بين يديه فقال: أتعرف هذا؟

قال: نعم! وعلم هاني عند ذلك أنّه كان عيناً عليهم، وأنّه قد أتاه بأخبارهم، فأُسقط في يده ساعة، ثمّ راجعَته نفسه.

فقال: اسمع منّي وصدّق مقالتي، فو الله، لا كَذَبت، والله، ما دعوته إلى منزلي، ولا علمت بشيء من أمره، حتّى جاءني يسألني النزول فاستحييتُ من ردّه، ودخلني من ذلك ذمام فضيّفته وآويته، وقد كان من أمره ما بلغك، فإن شئت أن

____________________

= اثنين حتى تُخبرني من أين قضيتُ بجَورٍ ثلاث مرّات؟! ).

قال المجلسي: أمّا تحوّل شريح عن مجلسه، فيدلُّ على كفره، كما هو ظاهرٌ من ردّ قول المعصوم مُستخفّاً. (روضة المتقين، ٦: ٢٦١).


أُعطيك الآن موثقاً مُغلّظاً ألاّ أبغيك سوءاً ولا غائلة، ولآتينّك حتّى أضع يدي في يدك، وإنْ شئت أعطيتك رهينة تكون في يدك حتى آتيك، وأنطلق إليه فآمره أن يخرج من داري إلى حيث شاء من الأرض، فأخرُج من ذمامه وجواره!

فقال له ابن زياد: والله، لا تُفارقني أبداً حتّى تأتيني به.

قال: لا والله، لا أجيئك به أبداً، أجيئك بضيفي تقتله؟!

قال: والله، لتأتينّي به.

قال: لا والله، لا آتيك به.

فلمّا كثر الكلام بينهما قام مسلم بن عمرو الباهلي - وليس بالكوفة شامي ولا بصري غيره - فقال: أصلح الله الأمير، خلّني وإيّاه حتى أكلّمه.

فقام فخلا به ناحية من ابن زياد، وهما منه بحيث يراهما، فإذا رفعا أصواتهما سمع ما يقولان. فقال له مسلم: يا هاني، أنشدك الله أن تقتل نفسك، وأن تدخل البلاء في عشيرتك، فو الله، إنّي لأنفس بك عن القتل، إنّ هذا الرجل ابن عمّ القوم، وليسوا قاتليه ولا ضائريه، فادفعه إليهم؛ فإنّه ليس عليك بذلك مخزاة ولا منقصة، إنّما تدفعه إلى السلطان!

فقال هاني: واللهِ، إنّ عليَّ في ذلك الخزي والعار أن أدفع جاري وضيفي وأنا حيٌّ صحيح، أسمع وأرى، شديد الساعد كثير الأعوان، والله، لو لم أكن إلاّ واحداً ليس لي ناصر لم أدفعه حتّى أموت دونه! فأخذ يُناشده وهو يقول: والله، لا أدفعه إليه أبداً!

فسمع ابن زياد ذلك، فقال: اُدنوه منِّي.


فأدنوه منه، فقال: والله، لتأتينّي به أو لأضربنّ عنقك!

فقال هاني: إذنْ، لكثُر البارقة حول دارك!

فقال ابن زياد: وا لهفاه عليك! أبالبارقة تخوّفني؟! - وهو يظنّ أنّ عشيرته سيمنعونه - ثمّ قال: اُدنوه منّي.

فأُدني منه، فاعترض وجهه بالقضيب، فلم يزل يضرب به أنفه وجبينه وخدَّه، حتى كسر أنفه وسالت الدماء على وجهه ولحيته، ونثر لحم جبينه وخدِّه على لحيته، حتى كُسر القضيب، وضرب هاني يده إلى قائم سيف شرطيّ، وجاذبه الرجل ومنعه.

فقال عبيد الله: أحروريّ ساير اليوم؟! قد حلّ لنا دمك، جرّوه!! فجرّوه، فألقوه في بيت من بيوت الدار وأغلقوا عليه بابه.

فقال: اجعلوا عليه حرساً. ففُعِل ذلك به »(١) .

أعوان السلطة.. والخُدعة المشتركة!

في قصّة حبس هاني بن عروةرضي‌الله‌عنه هناك دَور مُريب لعمرو بن الحجّاج الزبيدي، الذي تفانى في امتثال أوامر ابن زياد وابن سعد في كربلاء، مع أنّ هانياً كان صهراً له! فالرواية التاريخية التي قصّت علينا واقعة حبس هاني، ذكرت أنّ عمرو بن الحجّاج كان أحد الذين أتوا هانياً إلى باب منزله وألحّوا عليه بإتيان عبيد الله، فالظاهر أنّه شهِد ما جرى على هاني في لقائه مع عبيد الله، لكنّ سياقها بعد ذلك يُلفتُ الانتباه؛ حيث تقول: « وبلغ عمرو بن الحجّاج أنّ هانياً قد قُتِل، فأقبل في

____________________

(١) الإرشاد: ٢٠٩.


مذحج حتى أحاط بالقصر ومعه جمع عظيم، ثمّ نادى: أنا عمرو بن الحجّاج، وهذه فرسان مذحج ووجوهها لم نخلع طاعة ولم نُفارق جماعة، وقد بلغهم أنّ صاحبهم قُتل فأعظموا ذلك.

فقيل لعبيد الله بن زياد: هذه مذحج بالباب!

فقال لشُريح القاضي: ادخل على صاحبهم فانظر إليه، ثمّ اخرج وأعلمهم أنّه حيّ لم يُقتل! فدخل شُريح فنظر إليه، فقال هاني لما رأى شريحاً: يا لله! يا للمسلمين! أهلَكَت عشيرتي؟! أين أهل الدين؟! أين أهل المِصر؟! - والدماء تسيل على لحيته إذ سمع الرجّة على باب القصر - فقال: إنّي لأظنّها أصوات مُذحج وشيعتي من المسلمين، إنّه إن دخل عليَّ عشرة نفر أنقذوني! فلمّا سمع كلامه شُريح خرج إليهم فقال لهم: إنّ الأمير لما بلغه مكانكم ومقالتكم في صاحبكم أمرني بالدخول إليه، فأتيته فنظرت إليه، فأمرني أن ألقاكم وأُعرِّفكم أنّه حيّ، وأنّ الذي بلغكم من قتله باطل!

فقال له عمرو بن الحجّاج وأصحابه: أمّا إذا لم يُقتل فالحمد لله. ثمّ انصرفوا »(١) .

فإذا كان المتأمّل في هذا النصّ، لا يشكّ في الدَور الخياني الذي لعبه شُريح القاضي، في مُمارسته التورية؛ حيث أظهر لمذحج وكأنّ هاني بن عروةرضي‌الله‌عنه هو الذي أمره بلقاء مذحج وأن يُعرّفهم بأنّه حيّ لا بأس عليه، فإنّ المتأمّل ليشكّ كثيراً في نزاهة الدور الذي لعبه عمرو بن الحجّاج، الذي ربّما كان قد شهِد ما فعله ابن زياد بهاني في القصر، حسب ما يُستفاد من السياق الأوّل للرواية.

____________________

(١) الإرشاد: ٢١٠.


متى خرج عمرو بن الحجّاج من القصر؟!

وكيف تصدّى لقيادة مذحج وأتى بجموعها في وقت قصير نسبيّاً؟! ولماذا اكتفى بقول شُريح ولم يدخل - وهو من المقرّبين لابن زياد - ليرى بنفسه هانياً وحقيقة ما جرى عليه داخل القصر؟!

إنّ استمرار ولاء عمرو بن الحجّاج الزبيدي لابن زياد، حتى بعد مقتل هاني بن عروةرضي‌الله‌عنه ؛ ليُقوِّي الريب في أنّ هذا الرجل كان قد تعمّد التصدّي لجموع مذحج، التي أقبلت إلى القصر مُعترضة على حبس هاني، ليركب موجتها ثمّ ليخدعها وليصرفها عن إخراج هاني من القصر بقوّة السلاح، مُتواطئاً في ذلك مع عبيد الله بن زياد وشُريح القاضي في تنفيذ الخدعة المشتركة لتضليل مذحج.

تسخير الأشراف لتخذيل الناس عن مسلم عليه‌السلام :

لما علم مولانا مسلم بن عقيلعليه‌السلام باعتقال هاني قام في الكوفة على ابن زياد، وأعلن عن بدء الثورة، وحاصر القصر بجموع مَن اتَّبعه من أهل الكوفة، أغلق ابن زياد أبواب القصر عليه وعلى مَن كان معه في القصر، من أشراف الناس ومن شرطته وأهل بيته ومواليه، وقبع فيه خائفاً يأكل قلبه الرعب، وأبى من الجبن أن يخرج بمَن معه لمواجهة قوّات مسلمعليه‌السلام .

يقول الطبري: « فلمّا اجتمع عند عبيد الله كثير بن شهاب ومحمد «أي ابن الأشعث» والقعقاع فيمَن أطاعهم من قومهم، فقال له كثير - وكانوا مُناصحين لابن زياد -: أصلح الله الأمير! معك في القصر ناس كثير من أشراف الناس، ومن شُرطك، وأهل بيتك، ومواليك، فاخرج بنا إليهم. فأبى عبيد الله... »(١) .

لكنّ عبيد الله - في ساعات خوفه - لجأ إلى تسخير الأشراف الذين كانوا معه في القصر، وأمرهم بتخذيل الناس عن مسلم.

يقول التاريخ: « فبعث عبيد الله إلى

____________________

(١) تاريخ الطبري، ٣: ٢٨٧.


الأشراف فجمعهم إليه، ثمّ قال: أشرفوا على الناس، فمنّوا أهل الطاعة الزيادة والكرامة، وخوّفوا أهل المعصية الحرمان والعقوبة، وأعلموهم فصول الجنود من الشام إليهم »(١) .

يقول شاهد عَيان كان مع الناس خارج القصر - وهو عبد الله بن حازم الكبري من الأزد من بني كبير -: « أشرف علينا الأشراف، فتكلّم كثير بن شهاب أوّل الناس، حتى كادت الشمس أن تجب، فقال: أيُّها الناس، الحقوا بأهاليكم! ولا تعجلوا الشرّ! ولا تُعرِّضوا أنفسكم للقتل؛ فإنّ هذه جنود أمير المؤمنين يزيد قد أقبلت، وقد أعطى الله الأميرُ عهداً، لئن أتممتم على حربه ولم تنصرفوا من عشيّتكم أن يحرم ذرّيتكم العطاء، ويُفرّق مقاتلتكم في مغازي أهل الشام على غير طمع، وأن يأخذ البريء بالسقيم، والشاهد بالغائب، حتى لا يبقى له فيكم بقيّة من أهل المعصية إلاّ أذاقها وبال ما جرّت أيديها.

وتكلّم الأشراف بنحو من كلام هذا، فلمّا سمع مقالتهم الناس، أخذوا يتفرّقون وأخذوا ينصرفون »(٢) .

تفتيش دور الكوفة بحثاً عن مسلم عليه‌السلام :

وبعد أن آل أمر مولانا مسلم بن عقيلعليه‌السلام إلى أن يبقى وحيداً مُتخفّياً، قد تفرّقت عنه جموع مَن كانوا معه من أهل الكوفة، وبعد أن اطمأنّ عبيد الله بن زياد إلى أنّ القوم قد تفرّقوا، وأنّ المسجد قد خلا تماماً من أنصار مسلمعليه‌السلام ، عمد « ففتح باب السدّة التي في المسجد، ثمّ خرج فصعد المنبر وخرج أصحابه معه، فأمرهم فجلسوا قُبيل العُتمة، وأمر عمرو بن نافع فنادى: ألا برئت الذمّة من رجل من الشُرَط والعُرفاء والمناكب أو المقاتلة، صلّى العُتمة إلاّ في المسجد. فلم يكن إلاّ

____________________

(١) تاريخ الطبري،: ٢٨٧.

(٢) نفس المصدر.


ساعة حتى امتلأ المسجد من الناس، ثمّ أمر مُناديه فأقام الصلاة، وأقام الحرس خلفه وأمرهم بحراسته من أن يدخل عليه أحدٌ يغتاله، وصلّى بالناس، ثمّ صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: أمّا بعدُ، فإنّ ابن عقيل.. قد أتى ما قد رأيتم من الخلاف والشقاق، فبرئت ذمّة الله من رجل وجدناه في داره، ومَن جاء به فله ديّته، اتّقوا الله عباد الله، والزموا طاعتكم وبيعتكم، ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلاً.

يا حصين بن نمير، ثكلتك أمّك إن ضاع باب سكّة من سكك الكوفة، أو خرج هذا الرجل ولم تأتني به، وقد سلّطتك على دور أهل الكوفة، فابعث مراصد على أهل السكك، وأصبح غداً فاستبرئ الدور وجِس خلالها، حتى تأتيني بهذا الرجل... »(١) .

تجميد الثغور وتوجيه عساكرها إلى حرب الحسين عليه‌السلام :

ومن الإجراءات المهمّة والخطيرة التي اتّخذها ابن زياد، تجميده حركة عدد كبير من الجيوش المتوجّهة نحو الحدود لتُرابط فيها؛ ليُعبّئها تحضيراً لحرب الإمام الحسينعليه‌السلام .

يروي الطبري: « عن شهاب بن خراش، عن رجل من قومه: كنتُ في الجيش الذي بعثهم ابن زياد إلى حسين، وكانوا أربعة آلاف يُريدون الديلم، فصرفهم عبيد الله إلى حسين »(٢) .

____________________

(١) الإرشاد: ٢١٣، والأخبار الطوال: ٢٤٠.

(٢) تاريخ دمشق، ١٤: ٢١٥.


حركة السُّلطة الأُمويّة المحلّية في مكّة المكّرمة:

قَلقُ الوالي من تواجد الإمام عليه‌السلام في مكّة:

ذُعِر عمرو بن سعيد بن العاص«الأشدق» (١) والي مكّة آنذاك من دخول الإمام

____________________

(١) عُرِف هذا الجبّار الأمويّ بنصبه وبُغضه الشديد لأمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام وكثرة شتمه إيّاه، ولُقّب بالأشدق لأنّه أصابه اعوجاج في حلقه لإغراقه في الشتم! (راجع: مُعجم الشعراء: ٢٣١).

لقد كان عمرو بن سعيد الأشدق شديد التعصّب لأُمويّته، شديد البُغض لبني هاشم عامة ولأهل البيتعليهم‌السلام خاصة، وكان فظّاً غليظاً، جبّاراً مُتكبّراً، لا يُبالي ولا يستحي من قلب الحقائق وادّعاء ما ليس أهلاً له، ومن خُطبه - التي كشف منها عن اعتزازه بجاهليّته وأُمويّته وبُغضه لأهل البيتعليهم‌السلام ، وفظاظته وغلظته وتجبُّره - ما رواه لنا ابن عبد ربّه الأندلسي عن العتبي قال:

( استعمل سعيد بن العاص وهو والٍ على المدينة، ابنه عمرو بن سعيد والياً على مكّة، فلمّا قدم لم يلقه قرشيٌّ ولا أُموي إلاّ أن يكون الحارث بن نوفل. فلمّا لقيه قال: لِمَ يا حارِ؟! ما الذي منع قومك أن يلقوني كما لقيتني؟!

قال: ما منعهم من ذلك إلاّ ما استقبلتني به! والله، ما كنّيتني ولا أتممتَ اسمي! وإنّما أنهاك عن التكبّر على أكفَّائك؛ فإنّ ذلك لا يرفعك عليهم ولا يضعهم لك.

قال: والله، ما أسأت الموعظة ولا أتّهمك على النصيحة، وإنّ الذي رأيت منّي لخُلق!!

فلمّا دخل مكّة قام على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: أمّا بعدُ، مَعشر أهل مكّة، فإنّا سكنّاها حُقبةً، وخرجنا عنها رغبةً، وكذلك كنّا إذا رُفعت لنا لهوة - عطيّة - بعد لهوة، أخذنا أسناها ونزلنا أعلاها، ثمّ شَدَخ أمرٌ بين أمرين فقتلنا وقُتلنا، فو اللهِ، ما نُزعنا ولا نُزع عنّا، حتى شرب الدم دماً، وأكل اللحم لحماً، وقرع العظم عظماً، فَوَلي رسول الله برسالة الله إيّاه، واختياره له.

ثمّ ولي أبو بكر لسابقته وفضله، ثمّ ولي عمر، ثمّ أُجيلت قداح نُزعن من شُعب حول نبعة، ففاز بحظِّها أصلبها وأعنفها، فكنّا بعض قداحها، ثمّ شَدَخ أمرٌ بين أمرين، فقتلنا وقُتلنا، فو اللهِ، ما نُزعنا ولا نُزع عنّا حتى شرب الدم دماً، وأكل اللحم لحماً وقرَعَ العظم عظماً، وعاد الحرام حلالاً، وأسكت كلُّ ذي حسٍّ عن ضرب مُهنّد، عَرْكاً عَرْكاً، وعسفاً عسفاً ووخزاً ونهساً، حتى طابوا عن حقّنا نفساً، واللهِ، ما أعطوه عن هوادة، ولا رضوا فيه بالقضاء، أصبحوا يقولون: حَقُنا غُلبنا عليه! فجزَينا هذا بهذا وهذا في هذا! =


الحسين عليه‌السلام مكّة المكرّمة ومن تواجده فيها، ومن تقاطر الوفود عليه والتفاف الناس حوله، فلم يُطِق الوالي صبراً، ولم يجد بُدَّاً من أن يسأل الإمام عليه‌السلام عن سِرّ قدومه إلى مكّة، « فقال له عمرو بن سعيد: ما إقدامك؟!

فقال:( عائذاً بالله وبهذا البيت! ) (١) .

وفي جواب الإمامعليه‌السلام دلالة قاطعة، على أنّ السلطة الأُمويّة كانت قد أرادت بالإمامعليه‌السلام سوءاً في المدينة المنوّرة، كأن تفرض عليه الإقامة الجبرية مثلاً، أو تغتاله، أو تُلقي عليه القبض، فتدفع به إلى يزيد؛ ولذا فقد خرج منها خائفاً يترقّب، وقد أشرنا من قبل إلى أنّ خوفه على نفسه، وإن كان سبباً في خروجه منها، إلاّ أنّه يقع في طول السبب الأهمّ؛ وهو خوفه على ثورته من أن تؤسَر في حدود المدينة، أو تُخمد في مهدها قبل اندلاعها، فلا تصلُ إشعاعاتها المباركة إلى حيث أرادعليه‌السلام . هذا فضلاً عن حرصهعليه‌السلام ألاّ تُهتك حُرمة حَرم الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله بقتله.

____________________

= يا أهل مكّة، أنفسكم أنفسكم، وسفهاءكم سفهاءكم، فإنّ معي سوطاً نكالاً، وسيفاً وبالاً، وكلّ مصبوب على أهله. ثمّ نزل ). (العقد الفريد، ٤: ١٣٤).

وكان هذا الأشدق من جملة أولئك الذين أظهروا ولاءهم ليزيد في حياة أبيه معاوية، وهذا بلا شكّ من جملة الأسباب التي أبقت هذا الأشدق والياً على مكّة حتى بعد موت معاوية، بل أضاف إليه يزيد الولاية على المدينة بعد عزل الوليد بن عتبة. تقول رواية تاريخية: ( لما عقد معاوية ليزيد البيعة قام الناس يخطبون، فقال لعمرو بن سعيد: قم يا أبا أُميّة. فقام، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: أمّا بعدُ، فإنّ يزيد بن معاوية أملٌ تأملونه وأجل تأمنونه، إن استضفتم إلى حِلمه وَسِعكم، وإن احتجتم إلى رأيه أرشدكم، وإن افتقرتم إلى ذات يده أغناكم جَذَع قارح، سُوبق فَسَبق، ومُوجِد فَمَجد، وقورِع فقرع، فهو خَلف أمير المؤمنين ولا خَلَف منه.

فقال له معاوية: أوسعت أبا أميّة فاجلس ). (العقد الفريد، ٤: ١٣٢).

(١) تذكرة الخواص: ٢١٤.


سفر الأشدق إلى المدينة المنوّرة وتهديده أهلها:

تتحدَّث روايات تاريخية عديدة، عن قدوم عمرو بن سعيد الأشدق إلى المدينة المنوّرة في شهر رمضان، سنة ستّين للهجرة، والظاهر أنّ سفر هذا الطاغية إلى المدينة كان بعد عزل الوليد بن عتبة عن منصب الولاية عليها في شهر رمضان نفسه، والأظهر أنّ سفر هذا الطاغية الأمويّ إلى المدينة كان من مكّة إليها؛ لأنّ جُلّ المؤرّخين ذكروا أنّه كان والياً على مكّة عند موت معاوية، وأُضيفت إليه ولاية المدينة بعد عزل الوليد عنها.

و« قدم عمرو بن سعيد بن العاص الأشدق المدينة أميراً، فخرج إلى منبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقعد عليه وغمّض عينيه، وعليه جُبّة خَزّ قرمز، ومُطرَف خزّ قرمز، وعمامة خزّ قرمز، فجعل أهل المدينة ينظرون إلى ثيابه إعجاباً بها، ففتح عينيه، فإذا الناس ينظرون إليه، فقال: ما بالكم يا أهل المدينة؟! ترفعون إليَّ أبصاركم، كأنّكم تُريدون أن تضربونا بسيوفكم! أغرّكم أنّكم فعلتم ما فعلتم فعفونا عنكم! أما إنّه لو أُثبتُم بالأُولى ما كانت الثانية! أغرّكم أنّكم قتلتم عثمان فوافقتم ثائرنا منّا رفيقاً، قد فَني غضبه، وبَقي حِلمه! اغتنموا أنفسكم، فقد - والله - ملكناكم بالشباب المقتبَل، البعيد الأمل، الطويل الأجل، حين فرغ من الصغر، ودخل في الكبر، حليمٌ حديدٌ، ليّن شديد، رقيق كثيف، رفيق عنيفٌ، حين اشتدّ عَظْمهُ، واعتدل جسمه، ورقى الدهرَ ببصره، واستقبله بأسره، فهو إن عضَّ نهس، وإن سطا فرس لا يُقلقل له الحصى، ولا تُقرَع له العصا، ولا يَمشي السُّمَهى. قال: فما بقيَ «أي يزيد» بعد ذلك إلاّ ثلاث سنين وثمانية أشهُر حتى قصمه الله! »(١) .

« وعرض في خطابه لابن الزبير فقال: فو الله، لنغزونّه، ثمّ لئن دخل الكعبة

____________________

(١) العقد الفريد، ٤: ١٣٢.


لنُحرقنّها عليه، على رغم أنف مَن رغم..

ورعف الطاغية على المنبر، فألقى إليه رجل عمامة، فمسح بها دمَه، فقال رجل من خثعم: دم على المنبر في عمامة! فتنة عمّت وعلا ذكرها، وربِّ الكعبة! »(١) ، وقد أُثر عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال:( ليرعفنّ على منبري جبّار من جبابرة بني أُميّة، فيسيل رعافه! ) »(٢) .

وقال ابن عبد ربّه الأندلسي: « قدم عمرو بن سعيد أميراً على المدينة والموسم، وعزل الوليد، فلمّا استوى على المنبر رعف، فقال أعرابي: مَهْ! جاءنا بالدم!

فتلقّاه رجل بعمامته، فقال: مَهْ! عمَّ الناسَ، واللهِ!

ثمّ قام فخطب فناولوه عصا لها شُعبتان، فقال: تشعّبَ، واللهِ... »(٣) .

والملفتُ للانتباه هنا، هو أنّ الأشدق في هذه الخطبة بعد تهديده أهل المدينة وإرعابهم(٤) ، وتذكيرهم بِتِرَةِ دم عثمان الذي قتله الصحابة(٥) ، وبعد مدحه يزيد وثنائه عليه وتحذير أهل المدينة من بأسه، نراه لا يتطرّق بشيء إلى قضية الإمام

____________________

(١) حياة الإمام الحسين بن عليعليهما‌السلام ٢: ٣١٦ - ٣١٧ ; وقد أخذ متن الخُطبة عن تأريخ الإسلام للذهبي، ٢: ٢٦٨، وقصّة الرعاف عن سمط النجوم العوالي، ٣: ٥٧.

(٢) مجمع الزوائد، ٥: ٢٤٠.

(٣) العقد الفريد، ٤: ٣٧٦.

(٤) حيث ضرب عبيد الله بن أبي رافع مئتي سوط، ثمّ شفع فيه أخوه. (راجع: المعارف: ١٤٥)، و( ذكر محمّد بن عمر، أنّ عمرو بن سعيد بن العاص الأشدق قدم المدينة في رمضان سنة ستّين، فدخل عليه أهل المدينة، فدخلوا على رجل عظيم الكبر... فأرسل إلى نفر من أهل المدينة فضربهم ضرباً شديداً! ) (تاريخ الطبري، ٣: ٢٧٢).

(٥) أورد الشيخ الأميني في كتابه الغدير، ٩:١٩٥ - ١٦٣، قائمة بأسماء ستّين صحابيّاً شاركوا في قتل عثمان.


الحسين عليه‌السلام بصورة مُباشرة، وإن كان تهديده أهل المدينة كاشفاً عن خوفه من تأييد أهل المدينة للإمام عليه‌السلام خاصة ولكل مُعارض عامة؛ ولعلّ سبب عدم تعرّضه مُباشرة لقضية الإمام عليه‌السلام هو معرفته بمكانة الإمام عليه‌السلام وقُدسيته في قلوب الأمّة، فهو يخشى أن يُهيّج قلوب الناس على السلطة الأُموية بما يدفع الناس عملياً نحو الالتفاف حول الإمام عليه‌السلام .

ثمّ نرى الأشدق يُعلن صراحة عن عزم السلطة على قتل ابن الزبير، ولعلّ علمه بأنّ ابن الزبير لا يتمتّع بمكانة ومنزلة خاصة في قلوب الناس هو الذي جرّأه على تلك الصراحة، لكنّنا نجد هذا الجبّار الأُموي لا يتورّع عن سحق مشاعر الأمّة في إجلالها لحُرمة الكعبة، حين يُهدّد بإحراقها على رغم أنف مَن رغم! وفي هذا مؤشر واضح على الدرجة الخطيرة، التي بلغها مرض الشلل النفسي والروحي في كيان الأمّة، حيث تسمع مثل هذا التحدّي لمشاعرها في مُقدّساتها ولا تثور على مثل هذا الجبّار العنيد!

تنفيذ أمر يزيد باعتقال الإمام عليه‌السلام أو اغتياله في مكّة:

قلنا - فيما مضى في مُتابعتنا لحركة السلطة الأُموية المركزية في الشام تحت عنوان «التخطيط لاغتيال الإمامعليه‌السلام أو اعتقاله في مكّة» -: إنّ هذه الخطّة من المسلّمات التاريخية، التي يكاد يُجمع على أصلها المؤرّخون، وقدّمنا هناك مجموعة كافية من الدلائل التاريخية على وجود هذه الخطّة، التي كانت السبب الصريح لمبادرة الإمامعليه‌السلام إلى الخروج من مكّة يوم التروية، كما هو المشهور والصحيح، إضافة إلى الأسباب الأُخرى الداعية إلى مُبادرة الخروج، والتي تقع في طول ذلك السبب الصريح.

ويُهمّنا هنا، في متابعتنا لحركة السلطة الأُموية المحلّية في مكّة المكرّمة، أن نتعرّف على حدود مسؤولية هذه السلطة المحلِّية في تنفيذ خطّة السلطة المركزية لاغتيال الإمامعليه‌السلام ، أو إلقاء القبض عليه في مكّة المكرّمة.


إنّ المتأمّل في النصوص الواردة عن الإمامعليه‌السلام نفسه في هذا الصدد، يرى أنّهعليه‌السلام يُلقي بمسؤولية هذه الخطّة على النظام الأُموي ككلّ، وينسب هذه المسؤولية صراحة إلى يزيد، كما في قوله لأخيه محمد بن الحنفيةرضي‌الله‌عنه :( يا أخي، قد خفت أن يغتالني يزيد بن معاوية بالحرم؛ فأكون الذي يُستباح به حُرمة هذا البيت ) (١) ، وفي قولهعليه‌السلام للفرزدق:( لو لم أُعجِّل لأُخذتُ ) (٢) .

وفي قولهعليه‌السلام لابن الزبير:( لأن أُقتل خارجاً منها بشِبرين أحبُّ إليّ من أن أُقتل خارجاً منها بشبر، وأيمُ الله، لو كنت في جُحر هامّة من هذه الهوامّ لاستخرجوني حتى يقضوا بي حاجتهم! ) (٣) .

لكنّ متوناً تاريخية أُخرى تُصرِّح، بأنّ المكلّف بتنفيذ هذه الخطّة والإشراف عليها في مكّة، هو واليها عمرو بن سعيد بن العاص «الأشدق»، يقول الطريحي في تعليله لعدم أداء الإمامعليه‌السلام مناسك الحج تلك السنة: «... وذلك لأنّ يزيد أنفذ عمرو بن سعيد بن العاص في عسكر عظيم، وولاّه أمر الموسم، وأمّره على الحاجّ كلّه، وكان قد أوصاه بقبض الحسين سِرّاً، وإن لم يتمكّن منه يقتله غيلة. ثمَّ إنّه لعنه الله دسّ مع الحجّاج في تلك السنة ثلاثين رجلاً من شياطين بني أميّة، وأمرهم بقتل الحسين على كلّ حال اتّفق... »(٤) .

ومن قبله كان السيّد ابن طاووس (قدس سره) قد أشار إلى ذلك قائلاً: « فلمّا كان يوم التروية، قدم عمر بن سعد بن أبي وقاص إلى مكّة في جُند كثيف، قد أمره يزيد أن

____________________

(١) اللهوف: ١٢٨.

(٢) الإرشاد: ٢٠١.

(٣) نور الأبصار: ٢٥٨.

(٤) المنتخب: ٢٤٣، والبحار، ٤٥: ٩٩.


يُناجز الحسين القتال إن هو ناجزه، أو يُقاتله إن قدر عليه، فخرج الحسين يوم التروية »(١) .

ولا شكّ أنّ تصحيفاً وقع من سهو النُّسَّاخ في بعض نُسخ كتاب السيّد ابن طاووس (قدس سره)، حيث ورد فيه اسم «عمر بن سعد بن أبي وقّاص» بدلاً من «عمرو بن سعيد بن العاص»؛ ذلك لأنّ الثابت والمشهور تاريخياً أنّ عمر بن سعد كان في الكوفة في الأيّام التي كان فيها الإمامعليه‌السلام في مكّة(٢) .

ويذكر السيّد المقرّم (ره): « أنّ يزيد أنفذ عمرو بن سعيد بن العاص في عسكر، وأمّره على الحاج، وولاّه أمر الموسم، وأوصاه بالفتك بالحسين أينما وجِد... »(٣) .

ممّا مرّ يتّضح أنّ والي مكّة آنذاك - عمرو بن سعيد بن العاص «الأشدق» - كان مأموراً بتنفيذ خطّة اغتيال الإمامعليه‌السلام ، أو إلقاء القبض عليه في مكّة سرّاً، أو في مواجهة عسكرية علنيّة.

لكنّ لنا تحفّظاً على هذه المتون في نقطتين هما:

١) - أنّ المستفاد من متون تاريخية أُخرى، هو أنّ عمرو الأشدق كان في مكّة

____________________

(١) اللهوف: ١٢٧.

(٢) كان عمر بن سعد في الكوفة في الأيّام التي كان فيها مسلم بن عقيل عليه‌السلام ، منذ كان النعمان بن بشير والياً عليها؛ لأنّه أحد الذين كتبوا إلى يزيد حول ضعف النعمان ليستبدله بوالٍ غيره، وبقي عمر في الكوفة إلى يوم التروية وما بعده؛ لأنّه كان في مجلس عبيد الله حينما جيء بمسلم عليه‌السلام أسيراً، وقد أوصى إليه مسلم عليه‌السلام لكنّه خان الوصية، فالثابت أنّ عمر كان في القصر ساعة مقتل مسلم عليه‌السلام .

(٣) مقتل الحسين عليه‌السلام للمقرّم: ١٦٥.


منذ أوّل يوم دخل إليها الإمام الحسين عليه‌السلام (١) ، وقد كان هذا الأشدق والياً على مكّة منذ أيّام معاوية، وعلى هذا جُلّ المؤرّخين. ولم نعثر على نصّ تأريخي يُفيد أنّ الأشدق سافر إلى الشام ثمّ عاد إلى مكّة في المدّة التي كان الإمام عليه‌السلام فيها بمكّة.

ولذا؛ فإنّ ما ورد في نصّ الطريحي: أنّ « يزيد أنفذ عمرو » يحمل على معنى أنّ يزيد أمر عمرو، وما ورد في نصّ ابن طاووس: أنّ عمرو قدم إلى مكّة يوم التروية. قد يُحمل على عودته من المدينة إلى مكّة بعد أن سافر إليها لإرعاب أهلها.

ومع هذا؛ فإنّ من المستبعد جدّاً، أن يعود الأشدق إلى مكّة يوم التروية ويتركها أياماً طويلة والإمامعليه‌السلام فيها، ووفود الناس تُقبل عليه وتلتفّ حوله!

٢) - ورد في بعض هذه المتون أنّ يزيد أنفذ الأشدق في عسكر عظيم، أو في جُند كثيف.

لكنّ المستفاد من دلائل تاريخية أُخرى، هو أنّ والي مكّة الأشدق لم تكن لديه تلك القوّة العسكرية المبالغ فيها، بل كان لديه جماعة من الجُند والشرطة، قد تكفي لضبط الأمور الإدارية داخل مكّة، ولتنظيم حركة الحجيج آنذاك وحراسة السلطان فقط، وسنأتي على ذكر بعض هذه الدلائل التاريخية لاحقاً، في مُتابعتنا لمحاولة عمرو بن سعيد الأشدق منع الإمامعليه‌السلام من الخروج عن مكّة.

ويؤكّد صحّة ما نراه: أنّ الأشدق لم يُحقِّق ما أُمِر به من إلقاء القبض على الإمامعليه‌السلام داخل مكّة، أو الفتك به سِرّاً، أو جهراً في مواجهة علنيّة!

ولعلّ قائلاً يقول: إنّ وجود الحماية الكافية التي كان الإمامعليه‌السلام يتمتّع بها حيثما حلّ في مكّة؛ كان السبب في عجز الأشدق عن تنفيذ ما أُمِر به!

ولا يخفى، أنّ هذا القول اعتراف ضمنيّ بعدم كفاية القوّة الأُمويّة!

____________________

(١) راجع مثلاً: تذكرة الخواص: ٢١٤.


أو يقول: إنّ عمرو بن سعيد الأشدق تحاشى الفتك بالإمامعليه‌السلام في مواجهة علنية؛ لأنّه يخشى من تفاقم الأمر على السلطة الأُمويّة؛ بسبب تواجد جموع الحجيج العامرة قلوبهم بحُبّ الإمامعليه‌السلام وتقديسه!

ولا يخفى، أنّ هذا القول صحيح، لو لم تكن هناك أوامر صريحة وصارمة من قِبل يزيد بضرورة تنفيذ المؤامرة، أو أنّ عمرو الأشدق لم يكن ذلك الطاغية الجبّار الأرعن، الذي لم يتورّع أمام أهل المدينة عن إعلان استعداده لحرق الكعبة، إذا تحصّن بها ابن الزبير رغم أنف مَن رغم! غير مُبالٍ بقداسة الكعبة وحُرمتها، ولا بمشاعر الأمّة!

ويؤيّد ما نراه أيضاً، ما ورد في نفس نصّ ابن طاووس (ره)، أنّ يزيد أمر الأشدق بمُناجزة الحسينعليه‌السلام «إن هو ناجزه!» أو يُقاتله «إن هو قدر عليه!»، وفي هذا إشعار كافٍ بخوف يزيد من عدم كفاية القوّة الأُموية، فأين - إذن - ذلك العسكر العظيم والجند الكثيف.

وينبغي التأكيد هنا: أنّ كلّ ما قدّمناه لا يُنافي كون أنّ هذه الخطّة والمؤامرة، كانت السبب الصريح في مُبادرة الإمامعليه‌السلام إلى الخروج من مكّة يوم التروية «قُبيل الشروع بمراسم الحج»؛ وذلك لأنّ أعوان السلطة وعملائها، قد يتمكَّنون من اغتيال الإمامعليه‌السلام أثناء الحجّ حيث يكون هو وأنصاره، وجميع الحجيج عُزّلاً من السلاح.

مُحاولة عمرو الأشدق لمنع الإمام عليه‌السلام من الخروج عن مكّة:

يُحدّثنا التأريخ عن أُسلوبين، سلكتهما السلطة الأمويّة المحليّة في مكّة لمنع الإمامعليه‌السلام من الخروج عن مكّة، أحدهما كان أُسلوباً سلميّاً، عرض فيه عمرو بن سعيد الأشدق الأمان والبِرِّ والصلة للإمامعليه‌السلام في رسالة وجَّهها إليه، والآخر كان


أُسلوباً قمعياً وعسكرياً، حيث تصدّت جماعة من جُند السلطة للركب الحسيني لمنع حركته في الخروج عن مكّة.

ويبدو أنّ الأسلوب الأوّل - أي أسلوب بذل الأمان والصلة - كان قبل الأسلوب القمعي، كما هي العادة في مثل هذه الوقائع.

تقول رواية تاريخية: إنّ الأشدق لما بلغه عزم الحسينعليه‌السلام على مُغادرة مكّة، بعث إليه رسالة ورد فيها: « إنّي أسأل الله أن يُلهمك رُشدك، وأن يصرفك عمّا يُرديك، بلغني أنَّك قد عزمت على الشخوص إلى العراق! وإنّي أُعيذك بالله من الشقاق، فإنّك إن كنت خائفاً فأقبل إليَّ، فلك عندي الأمان والبِرّ والصلة! »(١) .

قد يُستفاد من قوله: « بلغني أنّك قد عزمت على الشخوص... »، أنّ هذه الرسالة كتبها الأشدق والإمامعليه‌السلام في مكّة قبل شخوصه إلى العراق.

لكنّ قوله الآخر فيها: « فإنّك إن كنت خائفاً فأقبل إليّ »، مُشعر بأنّ الأشدق قد كتبها إلى الإمامعليه‌السلام ، وقد خرج بالفعل عن مكّة.

لكنّ رواية الطبري تُصرّح، بأنّ الأشدق بعث بهذه الرسالة إلى الإمامعليه‌السلام بعد خروجه، باقتراح من عبد الله بن جعفر، وأنّ الذي تولّى أمر كتابة هذه الرسالة بالفعل هو عبد الله بن جعفر، ثمّ ختمها الأشدق بختمه.

يقول الطبري: « وقام عبد الله بن جعفر إلى عمرو بن سعيد بن العاص فكلّمه، وقال: أكتبُ إلى الحسين كتاباً تجعل له فيه الأمان، وتمنّيه فيه البرّ والصلة، وتوثّق له في كتابك، وتسأله الرجوع، لعلّه يطمئن إلى ذلك فيرجع. فقال عمرو بن سعيد: اكتُبْ ما شئت واتني به حتى أختمه. فكتب عبد الله بن جعفر الكتاب(٢) ، ثمّ أتى به عمرو بن سعيد،

____________________

(١) البداية والنهاية، ٨: ١٦٥.

(٢) إنَّ العارف بشخصية عبد الله بن جعفررضي‌الله‌عنه وبسيرته وعلاقته ومعرفته بالإمام الحسين عليه‌السلام ، =


فقال له: اختمه وابعث به مع أخيك يحيى بن سعيد؛ فإنّه أحرى أن تطمئنّ نفسه إليه ويعلم أنّه الجدّ منك. ففعل »(١) .

ويُتابع الطبري روايته قائلاً: «... فلحقه يحيى وعبد الله بن جعفر، ثمّ انصرفا بعد أن أقرأه يحيى الكتاب، فقالا: أقرأناه الكتاب وجهدنا به، وكان ممّا اعتذر به إلينا أن قال:( إنّي رأيت رؤيا فيها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأُمرتُ فيها بأمرٍ أنا ماضٍ له عليَّ كان أو لي! ) . فقالا له: فما تلك الرؤيا؟ قال:( ما حدّثت بها أحداً، وما أنا مُحدّث بها حتى ألقى ربّي! ).

قال: وكان كتاب عمرو بن سعيد إلى الحسين بن عليّعليه‌السلام :

« بسم الله الرحمن الرحيم

من عمرو بن سعيد إلى الحسين بن علي: أمّا بعد، فإنّي أسأل الله أن يصرفك عمّا يوبقك، وأن يهديك لما يُرشدك، بلغني أنّك قد توجّهت إلى العراق، وإنّي أُعيذك بالله من الشقاق، فإنّي أخاف عليك فيه الهلاك، وقد بعثت إليك عبد الله بن جعفر ويحيى بن سعيد، فأقبِل إليَّ معهما فإنّ لك عندي الأمان والصلة، والبرّ وحسن الجوار، لك الله عليّ بذلك شهيد وكفيل ومراعٍ ووكيل. والسلام عليك »(٢) .

ولا يخفى على ذي بصيرة، ما في هذه الرسالة وأشباهها من رسائل السلطة الأُموية الظالمة، من مفردات مُتكرّرة مقصودة، فالخروج على النظام الظالم فيها من الموبقات، ومن الشقاق، وسعيٌ في تفريق كلمة الأمّة والجماعة، وما إلى ذلك من أسلحة إعلامية؛ لمواجهة كلّ قيام للحق والعدل والإصلاح!

____________________

= والمتأمِّل بمُحتوى هذا الكتاب، يستبعد كثيراً أن يكون هذا الكتاب من إنشاء عبد الله بن جعفر؛ لما فيه من مضامين الجسارة والجهل بمقام الإمام عليه‌السلام .

(١) تاريخ الطبري، ٣: ٢٩٧.

(٢) تاريخ الطبري، ٣: ٢٩٧.


ويذكر الطبريّ أنّ الإمامعليه‌السلام كتب إليه:

(... أمّا بعدُ: فإنّه لم يُشاقق الله ورسوله مَن دعا إلى الله عزّ وجلّ وعمِل صالحاً، وقال: إنّني من المسلمين. وقد دعوتَ إلى الأمان والبرّ والصلة، فخير الأمان أمان الله، ولن يؤمن الله يوم القيامة مَن لم يَخفه في الدنيا، فنسأل الله مخافة في الدنيا، توجب لنا أمانه يوم القيامة، فإن كنت نويت بالكتاب صلتي وبرِّي، فجُزيت خيراً في الدنيا والآخرة والسلام ) (١) .

ويبدو أنّ الأشدق لما آيس من أسلوب عرض الأمان(٢) على الإمامعليه‌السلام لجأ

____________________

(١) تاريخ الطبري، ٣: ٢٩٧.

(٢) ولا شكّ أنّ الإمام عليه‌السلام أعرف من سواه بحقيقة ومصداقية الأمان الذي يبذله بنو أميّة؛ إذ طالما خان معاوية عهد الأمان الذي بذله لمعارضيه، كمثل حجر بن عديرضي‌الله‌عنه ، إنّ الأمان عند حكّام بني أميّة وولاتهم خدعة من خدع مصائدهم، أفلم يُرسل ابن زياد إلى هاني مَن يؤمنه ويُرغّبه في زيارته ثمّ اعتقله وعذّبه وقتله؟! أوَ لَمْ يخن ابن زياد الأمان الذي بذله لمسلم عليه‌السلام مُمثّله محمّد بن الأشعث؟!

إنّ الأشدق وهو طاغية وجبّار من جبابرة بني أُميّة، لا يختلف عن ابن زياد في قدرته على الغشم والظلم والفتك والغدر. ويُحدّثنا التأريخ أنّ ابن زياد أرسل إلى الأشدق مَن يُبشّره بقتل الإمام الحسين عليه‌السلام ، والأشدق هو الذي أعلم الناس بالمدينة بقتل الإمام الحسين عليه‌السلام ، وأظهر فرحه لذلك ودعا ليزيد، ولما سمع واعية بني هاشم في دورهم على الحسين عليه‌السلام حين سمعوا النداء بقتله، تمثّل الأشدق بقول عمرو بن معدي كرب:

عجَّت نساء بني زياد عجَّةً

كعجيج نسوتنا غَداة الأرنبِ

ثمّ قال: هذه واعية بواعية عثمان. (راجع: مُستدركات علم رجال الحديث، ٦: ٤١; والإرشاد: ٢٤٧; والبحار، ٤٥: ١٢٢; وسفينة البحار، ٦: ٤٦٥).

وروي أنّه لما انهزم الناس في وقعة مرج راهط، قال له عبيد الله بن زياد: ارتدف خلفي. فارتدف، فأراد عمرو بن سعيد أن يقتله، فقال له عبيد الله بن زياد: ألا تكفّ يا لطيم الشيطان؟!! (العقد الفريد، ٤: ٣٩٧).


إلى ما تعوّد عليه من الأساليب القمعية في المواجهة، فقد روى الطبري عن عقبة بن سمعان قال: « لما خرج الحسين من مكّة، اعترضه رُسلُ عمرو بن سعيد بن العاص عليهم يحيى بن سعيد، فقالوا له: انصرف، أين تذهب؟! فأبى عليهم ومضى، وتدافع الفريقان فاضطربوا بالسياط. ثمّ إنّ الحسين وأصحابه امتنعوا منهم امتناعاً قويّاً، ومضى الحسين عليه‌السلام على وجهه، فنادوه: يا حسين، ألا تتّقي الله، تخرج من الجماعة وتُفرّق بين هذه الأمّة؟! فتأوّل حسين قول الله عزّوجلّ:( لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ) »(١) .

وتقول رواية الدينوري: « ولما خرج الحسين من مكّة، اعترضه صاحب شرطة أميرها عمرو بن سعيد بن العاص في جماعة من الجند، فقال: إنّ الأمير يأمرك بالانصراف، فانصرف وإلاّ منعتك!

فامتنع عليه الحسين، وتدافع الفريقان واضطربوا بالسياط.

وبلغ ذلك عمرو بن سعيد، فخاف أن يتفاقم الأمر، فأرسل إلى صاحب شُرَطهِ يأمره بالانصراف! »(٢) .

والمتأمّل في هذين النصّين، يستشعر بوضوح أنّ القوّة العسكرية الأُموية لم

____________________

= وقد ذاق هذا الأشدق في نهاية مطاف حياته مرارة الغدر الأُموي نفسه، بعدما بذل له عبد الملك بن مروان (الأمان الأُموي!) حيث قتله بيده ذبحاً (راجع: قاموس الرجال، ٨: ١٠٣). وقد روى الذهبي تفصيل قصّة قتله أنّه: ( استخلفه عبد الملك على دمشق لما سار ليملك العراق، فتوثّب عمرو على دمشق وبايعوه، فلمّا توطّدت العراق لعبد الملك وقُتِل مصعب، رجع وحاصر عمرواً بدمشق، وأعطاه أماناً مؤكّداً!! فاغترّ به عمرو، ثمّ بعد أيّام غدر به وقتله. (سير أعلام النبلاء، ٣: ٤٤٩).

(١) تأريخ الطبري، ٣: ٢٩٦.

(٢) الأخبار الطوال: ٢٤٤.


تكن كافية لمنع الإمام عليه‌السلام من الخروج، والمفروض في مثل هكذا مواجهة تقع خارج حدود المدينة مع الركب الحسيني الكبير نسبياً حتى ذلك الوقت» أن يستعمل الأشدق كلّ ما لديه من قوّة في مواجهة الإمام عليه‌السلام لمنعه من الخروج، غير أنّ الحال لم تعدُ أن تدافع الفريقان واضطربوا بالسياط، ثمّ خاف الأشدق من تفاقم الأمر! وأمر «رُسله» أو «جماعة من جنده» بالانصراف خائبين.


الفصل الثالث

حركة الأمّة في الأيّام المكيّة من عُمر النهضة الحسينية



الفصل الثالث

حركة الأمّة

في الأيّام المكيّة من عُمر النهضة الحسينية

سجّل لنا التأريخ في المدّة التي قضاها الإمام الحسينعليه‌السلام في مكّة المكرّمة، وقائع كثيرة وصوراً مهمّة، لحركة الأمّة أفراداً وجماعات، على صعيد مواقفهم التي اتّخذوها إزاء قيام الإمام الحسينعليه‌السلام - سلباً أو إيجاباً - في أهمّ مُدن العالم الإسلامي، التي يمكن آنذاك فيها لحركة المعارضة إذا اشتدّت شوكتها أن تؤثّر في تغيير مجرى حركة الأحداث، أو ترسم للعالم الإسلامي مُستقبلاً آخر.

وعدا دمشق ومُدن الشام الأُخرى التي كانت مُغلقة سياسياً وإعلامياً - بشكل عام - لصالح الحُكم الأمويّ، فإنّ أهمّ مُدن قلب العالم الإسلامي، التي يمكن أن تتحرّك فيها المعارضة السياسية آنذاك بصورة خطيرة هي الكوفة والبصرة والمدينة ومكّة.

وفي مُتابعتنا هنا لحركة الأمّة في الأيّام المكيّة من عمر النهضة الحسينية، نرى من الأفضل - رعاية لترتُّب بدء التحرُّك تاريخياً - أن نبدأ أوّلاً في قراءة حركة الأمّة في الحجاز (في أهمّ مُدنه: مكّة والمدينة)، ثمّ نُتابع هذه الحركة في الكوفة، ثمّ في البصرة.


حركّة الأمّة في الحجاز:

سجّل لنا التأريخ على صعيد حركة الأمّة في الحجاز، مجموعة من حوادث ووقائع وصُوَر، في أهمّ حاضرتين فيه آنذاك، وهما مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة، نقرأها هنا على النظم التالي:

احتفاء الناس في مكّة المكرّمة بالإمام عليه‌السلام :

استقبل الناس(١) في مكّة المكرّمة خبر قدوم الإمام الحسينعليه‌السلام استقبال البُشرى، واحتفُّوا به حفاوة بالغة، فكانوا يفِدون ويختلفون إليه ويحوطونه دون غيره؛ إذ كانعليه‌السلام يومذاك بقيّة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله في هذه الأمّة، وسيّد العرب والحجاز خاصة، وسيّد المسلمين والعالم الإسلاميّ عامة، فما كان ثَمَّ مَن يُنازعه يومذاك من الناس سموّ مرتبته، وعلوّ مقامه وشرف منزلته في قلوب المسلمين.

يقول ابن كثير: « فعكف الناس على الحسين يفدون إليه، ويقدمون عليه، ويجلسون حواليه، ويستمعون كلامه، حين سمعوا بموت معاوية وخلافة يزيد، وأمّا ابن الزبير، فإنّه لزم مُصلاّه عند الكعبة، وجعل يتردّد في غبون ذلك إلى الحسين في جملة الناس، ولا يُمكنه أن يتحرّك بشيء ممّا في نفسه مع وجود الحسين؛ لما يعلم من تعظيم الناس له وتقديمهم إيّاه عليه.. بل الناس إنّما ميلهم إلى الحسين؛ لأنّه السيّد الكبير وابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فليس على وجه الأرض يومئذ أحد يُساميه ولا يُساويه... »(٢) .

____________________

(١) قدّمنا في مقدّمة هذا الكتاب وفي الفصل الأول، أنّ المراد بالناس في النصوص التي تتحدَّث في حفاوة الناس في مكّة بالإمام عليه‌السلام هم جموع الوافدين من المعتمرين والحجّاج، ونزر من أهل مكّة قليل من الذين لا يحملون بُغضاً لعليّ وآل عليّعليهم‌السلام ، فراجع تفصيل هذه الحقيقة في موقعها هناك.

(٢) البداية والنهاية، ٨: ١٥١.


وقال الدينوري: « واختلف الناس إليه، فكانوا يجتمعون عنده حلقاً حلقاً، وتركوا عبد الله بن الزبير، وكانوا قبل ذلك يتحفّلون إليه، فساء ذلك ابن الزبير، وعلم أنّ الناس لا يحفلون به والحسين مُقيم بالبلد، فكان يختلف إلى الحسين رضي الله عنه صباحاً ومساءً »(١) .

وجهاء الأُمّة.. مَشورات ونصائح:

طيلة المدّة التي أقام الإمامعليه‌السلام فيها بمكّة المكرّمة كانعليه‌السلام ، قد التقى مجموعة منوّعة المشارب والميول والأفكار، من وجهاء مرموقين ومعروفين في أوساط الأمّة الإسلامية، وقد عرض هؤلاء على الإمامعليه‌السلام مشوراتهم ونصائحهم واعتراضاتهم، كلٌّ منهم على هَدي مشربه وميله وطريقة تفكيره، ولئن اختلفت تلك المشورات والنصائح والاعتراضات في بعض تفاصيلها، فقد اشتركت جميعها في منطلق التفكير والنظرة إلى القضية؛ إذ إنّ جميعها كان يرى الفوز والنصر في تسلّم الحُكم والسلامة والعافية والأمان الدنيوي، ويرى الخسارة والانكسار في القتل والتشرّد والبلاء والتعرّض للاضطهاد؛ فمن هذا المنطق، انبعثت جميع تلك الاعتراضات والمشورات والنصائح.

وكم هو الفرق كبير والبَون شاسع بين هذا المنطق، وبين منطق العمق، الذي كان قد جعل أساس حساباته مصير الإسلام والأمّة الإسلامية، ولم يغفل في نظرته إلى مُتّجه حركة الأحداث عن « أنّ معاوية بن أبي سفيان (الذي انتهت إليه قيادة حركة النفاق آنذاك)، قد أضلّ جُلّ هذه الأمّة إضلالاً بعنوان الدين نفسه! حيث عتّم على ذكر أهل البيتعليهم‌السلام وعلى ذكر فضائلهم تعتيماً تامّاً، وافتعل من خلال وُضّاع

____________________

(١) الأخبار الطوال: ٢٢٩.


الأحاديث - افتراءً على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله - قداسة مكذوبة(١) له ولبعض مَن مضى مِن الصحابة، الذين قادوا حركة النفاق أو ساروا في ركابها، وتآزروا على غصب أهل البيتعليهم‌السلام حقّهم الذي فرضه الله لهم، وخدّر معاوية بن أبي سفيان الأمّة المسلمة عن القيام والنهوض ضدّ الظلم، من خلال تأسيس فرق دينية تُقدِّم للناس تفسيرات دينية تخدم سلطة الأُمويين وتُبرّر أعمالهم، كما في مذهب الجبر ومذهب الإرجاء، وأعانه على ذلك ما بذله من جُهد كبير في تمزيق الأمّة قبلياً وطبقياً، وفي اضطهاد الشيعة اضطهاداً كبيراً.

ومع طول مدّة حكمه، انخدع جُلّ هذه الأمّة بالتضليل الديني الأمويّ، واعتقدوا أنّ حُكم معاوية حُكم شرعي، وأنّه امتداد للخلافة الإسلامية بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنّ معاوية إمام هذه الأمّة، وأنّ مَن ينوب عنه في مكانه إمام هذه الأمّة وامتداد لأئمتها الشرعيّين!!

ومن المؤسف حقّاً، أنّ جُلّ هذه الأمّة خضع خضوعاً أعمى لهذا التضليل وانقاد له، فلم يَعُدْ يُبصر غيره، بل لم يعُدْ يُصدّق أنّ الحقيقة شيء آخر غير هذا!!... ولقد كان أضمن السبل لتحطيم هذا الإطار الديني، هو أن يثور عليه رجلٌ ذو مركز دينيّ مُسلَّم به عند الأمّة الإسلامية، فثورة مثل هذا الرجل كفيلة بأن تُمزّق الرداء الديني، الذي يتظاهر به الحُكّام الأُمويون، وأن تكشف هذا الحُكم على حقيقته، وجاهليته، وبُعده الكبير عن مفاهيم الإسلام، ولم يكن هذا الرجل إلاّ الحسينعليه‌السلام ، فقد كان له في قلوب الأكثرية القاطعة من المسلمين رصيد كبير من الحُبّ والإجلال والتعظيم... ولو لم تكن واقعة كربلاء؛ لكان

____________________

(١) قال ابن تيمية:... طائفة وضعوا لمعاوية فضائل ورووا أحاديث عن النبيّ في ذلك كلّها كذب.

وقال الشوكاني: اتّفق الحُفّاظ على أنّه لم يصحّ في فضل معاوية حديث. (انظر: الفوائد المجموعة: ٤٠٣ - ٤٠٨).


الأُمويون قد واصلوا حُكم الناس باسم الدين، حتى يترسَّخ في أذهان الناس بمرور الأيّام والسنين، أنّه ليس هناك إسلام غير الإسلام الذي يتحدّث به الأُمويون ويؤخذ عنهم!! وعلى الإسلام السلام!

لو لم تكن واقعة عاشوراء، لما كان بالإمكان فصل الإسلام والأُموية عن بعضهما البعض، ممّا يعني أنّ زوال الأمويّة يوماً ما كان سيعني زوال الإسلام أيضاً! ولكانت جميع الانتفاضات والثورات التي قامت على الظلم الأمويّ، تقوم - حين تقوم - على الإسلام نفسه! لكنّ الفتح الحسيني في عاشوراء، هو الذي جعل كلّ هذه الانتفاضات والثورات التي قامت بعد عاشوراء، إنّما تقوم باسم الإسلام على الأُموية! »(١) .

إشارة:

ونُلفت الانتباه هنا، إلى أنّ الإمام الحسينعليه‌السلام في الوقت الذي كان يتحرّك بالفعل على أساس منطق العمق هذا - منطق الفتح بالشهادة - كان يتعاطى أيضاً بمنطق الحُجج الظاهرة في تعامله مع منطق الظاهر، منطق تكلُّم المشورات والنصائح، كما أنّهعليه‌السلام كان يُراعي في ردوده وإجاباته، في مُحاوراته مع أصحاب تلك المشورات والنصائح نوع المخاطَب، من حيث قدر عقله ومستوى بصيرته، ودرجة ولائه لأهل البيتعليهم‌السلام ، ونوع اعتقاده بهم ومدى علاقته بأعدائهم.

فنراهعليه‌السلام - مثلاً - يردُّ على أمّ سلمةرضي‌الله‌عنه ومحمد بن الحنفيةرضي‌الله‌عنه وعبد الله بن عبّاسرضي‌الله‌عنه ردوداً، تختلف عن ردوده على عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن مطيع العدوي وأمثالهم.

____________________

(١) راجع الجزء الأوّل، عنوان: (آفاق الفتح الحسيني): ١٧٢ - ١٧٦.


هذه الحقيقة لابدّ من استحضارها وعدم الغفلة عنها في قراءتنا لمحاوراتهعليه‌السلام ؛ حتّى نفهم سرّ التفاوت الظاهري في إجاباته وردودهعليه‌السلام .

تحرُّك عبد الله بن عبّاس:

سجّل لنا التأريخ أكثر من مُحاورة تمَّت بين الإمامعليه‌السلام وبين عبد الله بن عبّاس، وقد كشفت هذه المحاورات في مجموعها، عن أنّ ابن عبّاسرضي‌الله‌عنه كان قد تحرّك في حدود السعي لمنع الإمامعليه‌السلام من الخروج إلى العراق - لا من القيام والثورة على الحُكم الأُمويّ - ، وكانت حجّته في اعتراضه على خروج الإمامعليه‌السلام إلى الكوفة، أنّ على أهل الكوفة - قبل أن يتوجّه إليهم الإمامعليه‌السلام - أن يتحرّكوا عملياً لتهيئة الأمور وتمهيدها للإمامعليه‌السلام ، كأن يطردوا أميرهم الأمويّ أو يقتلوه، وينفوا جميع أعدائهم من الأُمويّين وعملائهم وجواسيسهم في الكوفة، ويضبطوا إدارة بلادهم، وآنئذٍ يكون من الرشاد والسداد أن يتوجّه إليهم الإمامعليه‌السلام ، وإلاّ فإنّ خروج الإمامعليه‌السلام إليهم - وهم لم يُحرّكوا ساكناً بعدُ - مُخاطرة لا تكون نتيجتها إلاّ القتل والبلوى.

وممّا قاله ابن عبّاس للإمامعليه‌السلام في صدد هذه النقطة: « أخبرني رحمك الله، أتسير إلى قوم قد قتلوا أميرهم، وضبطوا بلادهم، ونفوا عدوّهم؟! فإن كانوا قد فعلوا ذلك فَسِرْ إليهم، وإن كانوا إنّما دعوك إليهم وأميرهم عليهم قاهر لهم، وعمّاله تجبي بلادهم، فإنّما دعوك إلى الحرب والقتال، ولا آمن عليك أن يغرّوك ويُكذّبوك ويُخالفوك ويخذلوك، وأن يُستنفروا إليك، فيكونوا أشدّ الناس عليك! »(١) .

____________________

(١) تاريخ الطبري، ٣: ٢٩٤.


وقال له أيضاً: «... فإن كان أهل العراق يُريدونك - كما زعموا - فاكتب إليهم، فلينفوا عدوّهم ثمّ أقدم عليهم، فإن أبيت إلاّ أن تخرج فَسِرْ إلى اليمن، فإنّ بها حصوناً وشعاباً، وهي أرض عريضة طويلة، وتبثّ دعاتك، فإنّي أرجو أن يأتيك عند ذلك الذي تُحبّ في عافية »(١) .

هذه أهمّ نقطة أثارها عبد الله بن عبّاس في مجموع مُحاوراته مع الإمامعليه‌السلام ، وهي كاشفة عن محور أساس في تفكير ابن عبّاس، يتلخّص في تأييده لقيام الإمامعليه‌السلام واعتراضه فقط على الخروج إلى العراق قبل تحرّك أهله وقيامهم، وهذا فارق كبير من مجموع الفوارق بين موقف ابن عباس وموقف عبد الله بن عمر، الذي كان يعترض على أصل القيام ضدّ الحاكم الأُموي الجائر.

لكنّ هذه النقطة بالذات، كاشفة - أيضاً - عن انتماء ابن عباس إلى مجموعة الناصحين والمشفقين، الذين نظروا إلى القضية بمنظار النصر الظاهري، الذي لم تكن مُتطلّباته لتخفى على الإمامعليه‌السلام لو كان قد تحرّك بالفعل للوصول إلى ذلك النصر.

والآن، فلنأتِ إلى نصوص مُحاورات ابن عباس مع الإمامعليه‌السلام :

المحاورة الأُولى:

وهي مُحاورة ثلاثية كان عبد الله بن عمر، الثالث فيها، ويبدو أنّ هذه المحاورة حصلت في الأيّام الأُولى من إقامة الإمام الحسينعليه‌السلام في مكّة المكرّمة، وكان بها يومئذ ابن عباس وابن عمر «وقد عزما أن ينصرفا إلى المدينة»، ونحن نركّز هنا على نصوص التحاور فيها بين الإمامعليه‌السلام وبين ابن عباس؛ لأنَّنا

____________________

(١) تاريخ ابن عساكر (ترجمة الإمام الحسين عليه‌السلام ): ٢٠٤، رقم ٢٥٥.


بصدد تشخيص أبعاد موقفه وتحرّكه.

وقد ابتدأ ابن عمر القول في هذه المحاورة، مُحذّراً الإمامعليه‌السلام من عداوة البيت الأُموي وظلمهم وميل الناس إلى الدنيا، وأظهر له خشيته عليه من أن يُقتل، وأنّه سمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول:( حسين مقتول، ولئن قتلوه وخذلوه، ولن ينصروه؛ ليخذلهم الله إلى يوم القيامة ) (١) ، ثمّ أشار على الإمامعليه‌السلام أن يدخل في صلح ما دخل فيه الناس، وأن يصبر كما صبر لمعاوية!!(٢) .

فقال له الحسينعليه‌السلام :( أبا عبد الرحمان! أنا أُبايع يزيد وأدخل في صُلحه؛ وقد قال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فيه وفي أبيه ما قال؟! ) .

فقال ابن عباس: صدقتَ أبا عبد الله، قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في حياته:( ما لي وليزيد؟! لا بارك الله في يزيد!، وإنّه يقتل ولدي وولَد ابنتي الحسين عليه‌السلام ، والذي نفسي بيده، لا يُقتل ولدي بين ظهراني قوم فلا يمنعونه؛ إلاّ خالف الله بين قلوبهم وألسنتهم! ) .

ثمّ بكى ابن عباس، وبكى معه الحسينعليه‌السلام ، وقال:( يا بن عباس، تعلم أنّي ابن بنت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ؟! ) .

فقال ابن عباس: اللّهمّ نعم، نعلم ونعرف أنّ ما في الدنيا أحد هو ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله غيرك، وأنّ نصرك لفرض على هذه الأمّة، كفريضة الصلاة والزكاة، التي لا يقدر أن يقبل أحدهما دون الأُخرى!

قال الحسينعليه‌السلام :( يا بن عباس، فما تقول في قوم أخرجوا ابن بنت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله من داره وقراره ومولده، وحرم رسوله، ومُجاورة قبره، ومولده،

____________________

(١) الفتوح، ٥: ٢٦ - ٢٧.

(٢) سوف نكشف عن سِرّ منطق ابن عمر هذا في تحليلنا لشخصيّته، فتابع.


ومسجده، وموضع مهاجره، فتركوه خائفاً مرعوباً لا يستقرّ في قرار ولا يأوي في موطن، يريدون في ذلك قتله وسفك دمه، وهو لم يُشرك بالله شيئاً، ولا اتّخذ من دونه وليّاً، ولم يتغيّر عمّا كان عليه رسول الله؟! ) .

فقال ابن عباس: ما أقول فيهم: إلاّ( ... أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى... ) (١) ،( ... يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً * مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاَءِ وَلاَ إِلَى هَؤُلاَءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ) (٢) ، وعلى مثل هؤلاء تنزل البطشة الكبرى، وأمّا أنت يا بن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فإنّك رأس الفخار برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وابن نظيرة البتول، فلا تظنّ - يا بن بنت رسول الله - أنّ الله غافل عمّا يعمل الظالمون، وأنا أشهد أنّ مَن رغب عن مُجاورتك، وطمع في مُحاربتك ومُحاربة نبيّك محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله فماله من خَلاق.

فقال الحسينعليه‌السلام :( اللّهمَّ اشهد ) .

فقال ابن عباس: جُعلتُ فداك يا بن بنت رسول الله، كأنّك تُريدني إلى نفسك، وتُريد منّي أن أنصرك! والله الذي لا إله إلاّ هو، أن لو ضربتُ بين يديك بسيفي هذا حتّى انخلعَ جميعاً من كفّي، لما كنت ممَّن أُوفِّي من حقّك عُشر العُشر، وها أنا بين يديك مُرْني بأمرك.

وهنا يتدَّخل ابن عمر ليُغيّر مجرى الحوار - حين أحسَّ أنّ الكلام بلغ الدرجة الحرجة بقول الإمامعليه‌السلام :( اللّهمّ اشهد ) ، أنّ الحُجّة قائمة على المخاطَب، وصار الحديث على لسان ابن عباس، الذي أدرك مغزى( اللّهمّ اشهد ) في وجوب نُصرة الإمامعليه‌السلام ووجوب الانضمام إلى رايته في القيام ضدِّ الحُكم الأُموي، الأمر الذي

____________________

(١) سورة التوبة، الآية ٤٥.

(٢) سورة النساء، الآية ١٤٢.


يعني أنّه «أي ابن عمر» مقصود أيضاً بالامتثال لهذا الواجب - فقال لابن عباس: مهلاً، ذرْنا من هذا يا بن عباس!!

ثمّ عطف يُخاطب الإمامعليه‌السلام ، داعياً إيّاه إلى الرجوع إلى المدينة والتخلّي عمّا عزم عليه من القيام، وطالباً منه الدخول في صلح القوم، والصبر حتى يهلك يزيد!!.

ويدّعي ابن عمر هنا، أنّ الإمامعليه‌السلام متروك ولا بأس عليه إن هو ترك القيام حتى وإنْ لم يُبايع!!

وهنا يُظهر الإمامعليه‌السلام تبّرمه من منطق ابن عمر، ثمّ يُلزمه بالتسليم لحقيقة أنّ ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في طُهره ورُشده ومنزلته الخاصة، ليس كيزيد بن معاوية، ويُعلمه أنّ الأُمويين لا يتركونه حتى يُبايع أو يُقتل، ثمّ يدعوه إلى نُصرته، فإن لم ينصره فلا أقلّ من أن لا يُسارع بالبيعة!! ثمّ أقبل الإمام الحسينعليه‌السلام على ابن عباس رحمه الله..

فقال:( يا ابن عباس، إنّك ابن عمّ والدي، ولم تزل تأمر بالخير منذ عرفتك، وكنت مع والدي تُشير عليه بما فيه الرشاد، وقد كان يستنصحك ويستشيرك فتُشير عليه بالصواب، فامضِ إلى المدينة في حفظ الله وكلائه، ولا يَخفَ عليَّ شيءٌ من أخبارك، فإنّي مُستوطنٌ هذا الحرم، ومُقيمٌ فيه أبداً ما رأيتُ أهله يُحبّوني وينصروني، فإذا هم خذلوني استبدلتُ بهم غيرهم، واستعصمتُ بالكلمة التي قالها إبراهيم الخليل عليه‌السلام يومَ أُلقي في النار: ( حسبي الله ونِعْمَ الوكيل ) ،فكانت النار عليه برداً وسلاماً... ) .

فبكى ابن عباس وابن عمر في ذلك الوقت بكاءً شديداً، والحسينعليه‌السلام


يبكي معهما ساعة، ثمّ ودّعهما، وصار ابن عمر وابن عباس إلى المدينة(١) .

تأمُّل ومُلاحظات:

١) - أكّد ابن عباسرضي‌الله‌عنه - في أوّل ما نطق به خلال هذه المحاورة - أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كان قد بلّغ الأمّة بأنّ يزيد قاتل الحسينعليه‌السلام ، وأنّ على الأمّة أن تحمي الإمامعليه‌السلام وتنصره، وقد حذَّرصلى‌الله‌عليه‌وآله الأمّة بأنّ الإمامعليه‌السلام لا يُقتل بين ظهراني قوم فلا يمنعونه، إلاّ خالف الله بين قلوبهم وألسنتهم! وقد أكّد ابن عمر أيضاً على وقوع هذا التحذير والإنذار النبوي، حيث قال: إنّه سمع الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول:( حسين مقتول، ولئن قتلوه وخذلوه، ولن ينصروه؛ ليخذلهم الله إلى يوم القيامة ) .

وهذا يعني أنّ الأمّة كان قد شاع في أوساطها خبر ملحمة مقتل الحسينعليه‌السلام ، وأنّ يزيد قاتله، وأنّ على الأمّة التحرُّك لحماية الإمامعليه‌السلام ونُصرته!! لكنّ الأمّة بعد خمسين سنة من ارتحال الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله أعمتها أضاليل حركة النفاق عامة، وفصيل الحزب الأُموي منها خاصة، فتناءت عن وصايا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وتحذيراته، الأمر الذي استشعر ابن عباس مرارته ونتائجه الخطيرة فبكى، وشاركه الإمامعليه‌السلام في البكاء!

٢) - أكّد ابن عباسرضي‌الله‌عنه في هذه المحاورة على معرفته بمقام الحسينعليه‌السلام ، وضرورة موالاته ونصرته، بدليل قوله: «... وأنّ نصرك لفرض على هذه الأمّة كفريضة الصلاة والزكاة... »، وفي قوله: «... لو ضربتُ بين يديك بسيفي هذا حتى

____________________

(١) راجع: الفتوح، ٥: ٢٦ - ٢٧ ومقتل الحسين عليه‌السلام للخوارزمي، ١: ٢٧٨ - ٢٨١ / لقد تفرّد ابن أعثم الكوفي في كتابه ( الفتوح ) برواية تمام هذه المحاورة، ونقلها عنه الخوارزمي في كتابه ( مقتل الحسين عليه‌السلام )، وقد تضمّنت هذه المحاورة بعض الفقرات التي لا يمكن للمتتبِّع المتأمّل إلاّ أن يتحفّظ حيالها، إنْ لم يقطع بكذبها ورفضها، خصوصاً في بعض نصوص التحاور بين الإمام وبين ابن عمر، وقد أرجأنا الكلام فيها إلى حيث موقع دراسة موقف ابن عمر ونوع تحرّكه وحقيقة انتمائه.


انخلع جميعاً من كفّي، لما كنت ممّن أوفِّي من حقّك عُشر العُشر... ».

٣) - كما أكّدرضي‌الله‌عنه على معرفته بكفر الأُمويّين ونفاقهم، وأنّهم ومَن أطاعهم في مُحاربة الإمامعليه‌السلام ممّن لا نصيب لهم من الخير في الآخرة.

٤) - قد يُستفاد من قولهرضي‌الله‌عنه : « كأنّك تُريدني إلى نفسك، وتُريد منّي أن أنصرك... - إلى قوله: - وها أنا بين يديك مُرْني بأمرك »، أنّه وإن كان كبير السنّ يومذاك، لكنّه كان صحيح القُوى سليم الجوارح، وإلاّ لما عرض استعداده للنُّصرة والجهاد، فلم يكن مكفوف البصر مثلاً - كما يُستفاد ذلك من رواية لقائه بأمّ سلمةرضي‌الله‌عنه بعد سماع صراخها تنعى الحسينعليه‌السلام (١) - نعم، يُمكن القول: إنّ الإمامعليه‌السلام في جميع مُحاوراته مع ابن عباس، لم يطلب منه الالتحاق به ونُصرته، ممّا يقوّي القول: بأنّه كان ضعيف البصر جدّاً أو مكفوفاً آنذاك، ومعذوراً عن الجهاد، إلاّ أنّهرضي‌الله‌عنه عرض للإمامعليه‌السلام استعداده للجهاد والتضحية بين يديه؛ استشعاراً منه لوجوب نُصرة الإمامعليه‌السلام والذبِّ عنه، وإنْ كان معذوراً.

٥) - وقد يُستفاد أيضاً من أحد نصوص هذه المحاورة، أنّ الإمامعليه‌السلام رخّص لابن عباسرضي‌الله‌عنه بالبقاء وعدم الالتحاق بركبه، حيث قالعليه‌السلام له:( فامضِ إلى المدينة في حفظ الله وكلائه، ولا يَخفَ عليَّ شيء من أخبارك ) .

٦) - أخبر الإمامعليه‌السلام ابن عباسرضي‌الله‌عنه - في الأيّام الأُولى من إقامته في مكّة المكرّمة - أنّ الأُمويّين يُريدون قتله وسفك دمه! والإمامعليه‌السلام بهذا ربّما أراد أن يُخبر عن وجود خطّة وضعتها السلطة الأُموية المركزية بالفعل لقتله في المدينة أو في مكّة، أو أراد أن يُخبر عن حقيقة أنّه(ما لم يُبايع يُقتل) ، مؤكِّداً بذلك على عدم صحّة دعوى بعض مَن يقول - كابن عمر مثلاً -: إنّهعليه‌السلام لا بأس عليه ولا خطر، إن

____________________

(١) أمالي الطوسي: ٣١٤ - ٣١٥، المجلس ١١، الحديث ٦٤٠/ ٨٧.


ترك المعارضة وصبر حتى وإن لم يُبايع!

٧) - ومع علمهعليه‌السلام بأنّه ما لم يُبايع يُقتل! ومع إصراره على أن لا يكون هو الذي تُستباح بقتله حُرمة البيت الحرام! يمكننا أن نفهم قولهعليه‌السلام لابن عباسرضي‌الله‌عنه - في ختام هذه المحاورة -:( فإنّي مُستوطن هذا الحرم، ومُقيمٌ فيه أبداً ما رأيت أهله يُحبّوني وينصروني، فإذا هم خذلوني استبدلت بهم غيرهم... ) . أنّهعليه‌السلام أراد أن يُطمئن ابن عباس « والمحاورة في أوائل الأيّام المكيّة» أنّه باقٍ أيّاماً غير قليلة في مكّة، وأنّ هنالك مُتّسعاً من الوقت، وإلاّ، فإنّ الإمامعليه‌السلام قد جعل استيطانه الحرم مشروطاً بحبّ أهله إيّاه ونُصرتهم له! وهوعليه‌السلام يعلم أنّه ليس في «المكيّين» إلاّ نزر قليل جدّاً ممّن يُحبّ أهل البيتعليهم‌السلام (١) ، فليس له في مكّة قاعدة شعبية تحميه وتنصره في مواجهة السلطة الأموية.

المحاورة الثانية:

ويبدو أنّ هذه المحاورة حصلت بين ابن عباسرضي‌الله‌عنه وبين الإمامعليه‌السلام بعد رجوع ابن عباس من المدينة إلى مكّة المكرّمة مرّة أُخرى؛ إذ تقول الرواية التاريخية: « وقدم ابن عباس في تلك الأيّام إلى مكّة، وقد بلغه أنّ الحسين عزم على المسير، فأتى إليه ودخل عليه مُسلِّماً.

ثم قال له: جُعلتُ فداك، إنّه قد شاع الخبر في الناس وأرجفوا بأنّك سائر إلى العراق! فبيّن لي ما أنت عليه(٢) .

____________________

(١) عن الإمام السجّاد عليه‌السلام أنّه قال:( ما بمكّة والمدينة عشرون رجلاً يُحبّنا... ) ، (كتاب الغارات: ٣٩٣، وشرح النهج لابن أبي الحديد، ٤: ١٠٤).

(٢) في تاريخ الطبري، ٣: ٢٩٤؛( فبيّن لي ما أنت صانع ) .


فقال:( نعم، قد أزمعتُ على ذلك في أيّامي (١) هذه إن شاء الله، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم ) .

فقال ابن عباس: أُعيذك بالله من ذلك، فإنّك إنْ سرت إلى قوم قتلوا أميرهم، وضبطوا بلادهم، واتّقوا عدوّهم(٢) ، ففي مسيرك إليهم - لعَمري - الرشاد والسداد، وإن سرت إلى قوم دعوك إليهم وأميرهم قاهر لهم، وعمّالهم يجبون بلادهم(٣) ، فإنّما دعوك إلى الحرب والقتال! وأنت تعلم أنّه بلدٌ قد قُتل فيه أبوك، واغتيل فيه أخوك، وقُتِل فيه ابن عمّك وقد بايعه أهله «!» وعبيد الله في البلد يفرض ويُعطي، والناس اليوم عَبيد الدينار والدرهم، فلا آمن عليك أن تُقتل، فاتّقِ الله والزَمْ هذا الحرم، فإن كنت على حال لابدّ أن تشخص، فَصِرْ إلى اليمن، فإنَّ بها حصوناً لك، وشيعة لأبيك، فتكون مُنقطعاً عن الناس.

فقال الحسينعليه‌السلام :( لابُدَّ من العراق! ) .

قال: فإن عصيتني فلا تُخرِج أهلك ونساءَك، فيُقال: إنّ دم عثمان عندك وعند أبيك، فو الله، ما آمَنُ أن تُقتل ونساؤك ينظرن كما قُتل عثمان.

فقال الحسينعليه‌السلام :( والله، يا بن عمّ، لئن أُقتَل بالعراق أحبّ إليَّ من أن أُقتل بمكّة، وما قضى الله فهو كائن، ومع ذلك أستخير الله وأنظر

____________________

(١) وفيه أيضاً:( قد أجمعتُ المسير في أحد يوميّ هذين... ) .

(٢) وفيه أيضاً: ( أخبرني رحمك الله أتسير إلى قوم... ونفوا عدوّهم، فإنْ كانوا قد فعلوا ذلك فَسِرْ إليهم... ).

(٣) في تاريخ الطبري، ٣: ٢٩٤، (... وعمّاله تجبي بلادهم، فإنّهم إنّما دعوك إلى الحرب والقتال، ولا آمن عليك أن يغرّوك ويُكذّبوك ويُخالفوك ويخذلوك، وأن يُستنفروا إليك فيكونوا أشدّ الناس عليك... ).


ما يكون ) (١) .

تأمُّلٌ ومُلاحظات:

١) - يُمكن تشخيص تأريخ هذه المحاورة - من قرائن متون روايتها - أنّها حصلت في الأيّام الأخيرة من إقامة الإمامعليه‌السلام في مكّة؛ بدليل قولهعليه‌السلام :( قد أزمعتُ على ذلك في أيّامي هذه... ) ، أو أنّها حصلت في اليوم الأخير أو اليوم الذي قبله؛ بدليل قولهعليه‌السلام - كما في رواية الطبري -:( قد أجمعتُ المسير في أحد يوميّ هذين... ) .

٢) - تؤكّد نصوص هذه المحاوُرة، أنّ تصميم الإمامعليه‌السلام على التوجّه إلى العراق قد شاع في الناس في مكّة وغيرها، خصوصاً في الأيّام الأواخر من إقامته فيها، وهذا لا يُنافي أن يبقى موعد السفر سرِّيّاً لو أراد الإمامعليه‌السلام ذلك، مع أنّ نفس موعد سفر الركب الحسيني من مكّة لم يكن سرّيّاً؛ إذ كان الإمامعليه‌السلام قد أعلن عنه في خُطبته قُبيل سفره حين قال فيها:(... مَن كان باذلاً فينا مُهجته، ومُوطّناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا، فإنَّني راحل مُصبحاً إن شاء الله تعالى ) (٢) .

٣) - في هذه المحاورة يتجلّى المحور الأساس في تفكير ابن عباسرضي‌الله‌عنه ، وموقفه من قيام الإمامعليه‌السلام فهو مع القيام، وضدِّ الخروج إلى العراق قبل أن يتحرّك أهله عملياً لترتيب وتهيئة الأوضاع وتمهيدها؛ استقبالاً لمقدم الإمامعليه‌السلام إليهم، وهذه المقولة صحيحة في حدود منطق النصر الظاهري، الذي كانت تنطلق منه مشورات ابن عباسرضي‌الله‌عنه ونصائحه.

والملفت للانتباه، أنّ الإمامعليه‌السلام لم يُخطِّئ

____________________

(١) الفتوح، ٥: ٧٢; وعنه مقتل الحسين عليه‌السلام للخوارزمي، ١: ٣٠٩ - ٣١٠ ورواها الطبري في تأريخه، ٣: ٢٩٤ بتفاوت أشرنا إلى المهمّ منه.

(٢) مُثير الأحزان: ٣٨; وقد بيّنا في الفصل الأوّل أنّه عليه‌السلام خطب هذه الخُطبة في عامة الناس.


مثل هذه المشورة والنصيحة في جميع المحاورات التي طُرحت فيها من قِبل ابن عباس وغيره(١) ، بل كان يُعلّق عليها بما يُشعِر بصحّتها في حدود منطق الظاهر(٢) .

٤) - في ضوء منطق «الظاهر»، يُمكن للمتابع المتأمّل أن يُفسّر قول الإمامعليه‌السلام :( لابدّ من العراق ) ، أنّ إصرارهعليه‌السلام على التوجّه إلى العراق كان بسبب رسائل أهل الكوفة إليه؛ إذ شكّلت هذه الرسائل حجّة على الإمامعليه‌السلام في وجوب الاستجابة لهم والتوجّه إليهم، خصوصاً بعد وصول رسالة مسلم بن عقيلعليه‌السلام إليه، وقد أخبره فيها بأنّ عدد المبايعين له في الكوفة بلغ ثمانية عشر ألفاً «أو أكثر»، وطالبه فيها بالقدوم إليهم؛ ويؤيّد هذا ما روي عنهعليه‌السلام أنّه قال لابن عباس - في مُحاورة أخرى -:(... وهذه كُتب أهل الكوفة ورُسلهم وقد وجب عليَّ إجابتهم، وقام لهم العذر عليَّ عند الله سبحانه ) (٣) .

أمّا في ضوء منطق « العمق » فإنّ قولهعليه‌السلام :( لابدّ من العراق ) ، مع علمه بأنّ أهل الكوفة سوف يقتلونه ومَن معه من أنصاره - وتصريحات الإمامعليه‌السلام بأنّه سوف يُقتل كثيرة مُتظافرة - لابدّ أن يُفسّر بأنّ الإمامعليه‌السلام يعلم أيضاً أنّ العراق هو الأرض المختارة للمصرع المختار، وميدان الواقعة الحاسمة، واقعة « الفتح بالشهادة »، الواقعة التي تكون نتائجها جميعاً لصالح الإسلام المحمّدي الخالص وأهل البيتعليهم‌السلام إلى قيام الساعة؛ ذلك لأنّ الشيعة في العراق آنئذٍ أكثر منهم في أيّ

____________________

(١) كعمر بن عبد الرحمان المخزومي، وعمرو بن لوذان، ومحمد بن الحنفيةرضي‌الله‌عنه .

(٢) فقد قال عليه‌السلام لابن عباس في مُحاورة أُخرى بعدها (تأتي)، وقد طرح فيها نفس المشورة:( إنِّي - والله - لأعلم أنّك ناصح مُشفق! ) ، وقال عليه‌السلام لعمر بن عبد الرحمان - وقد عرض نفس هذه المشورة -:( فقد - والله - علمت أنّك مشيت بنصح وتكلّمت بعقل! ) ، وقال عليه‌السلام لعمرو بن لوذان - وقد قدّم نفس هذا الرأي -:( يا عبد الله، ليس يخفى عليَّ الرأي، ولكنّ الله تعالى لا يُغلَب على أمره! ) .

(٣) معالي السبطين، ١:١٥١.


إقليم إسلامي آخر؛ ولأنّ العراق لم ينغلق إعلامياً ونفسيّاً لصالح الأُمويين كما هو الشام، بل لعلّ العكس هو الصحيح، فالعراق آنذاك هو أرض المصرع المختار؛ لما ينطوي عليه من استعدادات للتأثُّر بالحدث العظيم « واقعة عاشوراء » والتغيّر على هدْي إشعاعاتها.

ويؤيّد هذا التفسير «في العمق» أنّ الإمامعليه‌السلام ظلّ مُصرّاً على التوجّه إلى الكوفة، حتى بعد انتفاء حجّة أهل الكوفة عليه عملياً، حين بلغه خذلانهم لمسلمعليه‌السلام الذي أمسى وحيداً وجاهد وحيداً حتى قُتِل!

٥) - ورد في هذه المحاورة قول ابن عباسرضي‌الله‌عنه للإمامعليه‌السلام : «... وأنت تعلم أنّه بلدٌ قد قُتِل فيه أبوك، واغتيل فيه أخوك، وقُتِل فيه ابن عمّك وقد بايعه أهله!... »، ولا شكّ أنّ المراد بـ (ابن عمّك) هو مسلم بن عقيلعليه‌السلام ، ولذا؛ فإنّ هذه العبارة شاذّة ومُخالفة للمشهور الثابت؛ ذلك لأنّ خبر مقتل مسلمعليه‌السلام أتى الإمام الحسينعليه‌السلام بعد خروجه من مكّة في منزل من منازل الطريق «زرود»، ولعلّ هذه العبارة قد أُدخلت إدخالاً على أصل متن هذه المحاورة عمداً أو سهواً، والله العالم.

كذلك الأمر في قول ابن عباسرضي‌الله‌عنه للإمامعليه‌السلام : «... فاتّقِ الله والزَم هذا الحرم... »؛ ذلك لأنّ فيه من سوء الأدب في مُخاطبة الإمامعليه‌السلام ما يبعد صدوره جدّاً عن ابن عباسرضي‌الله‌عنه العارف بمقام الإمام الحسينعليه‌السلام خاصّة، وبمقام أهل البيتعليهم‌السلام عامّة.

٦) - يُمكن حمل قول الإمامعليه‌السلام :(... لئن أُقتل بالعراق أحبُّ إليَّ من أن أُقتل بمكّة... )، على أصل إصرار الإمامعليه‌السلام ألاّ يكون هو القتيل في مكّة، الذي تُستحلّ به حرمة هذا البيت، ويمكن حمل هذا القول أيضاً على حقيقة علمهعليه‌السلام بأنّ العراق هو أفضل أرض للمصرع المختار - كما قدّمنا قبل ذلك -؛ ولأنّ الواقعة التي يُقتلعليه‌السلام


فيها على أرض العراق سوف تكون إعلامياً وتبليغياً «على الأقلّ» في صالح الإمام عليه‌السلام تماماً بحيث لا يتمكّن العدوّ فيها أن يُعتّم على مصرعه، فتختنق الأهداف المرجوّة من وراء هذا المصرع الذي سيهزّ الأعماق في وجدان هذه الأمّة، ويُحرّكها بالاتجاه الذي أراده الحسين عليه‌السلام ، وهذا بخلاف ما لو قُتِل الإمام عليه‌السلام بمكّة غيلة في خفاء أو علانية، قتلة يمكن للعدوّ أن يُغطّي عليها ويتنصّل من مسؤوليته عنها، بل يستفيد من نفس الحادثة لصالحه إعلامياً؛ إذ يقتل القاتل - الذي كان قد أمره هو بقتل الإمام عليه‌السلام - فيظهر للأمّة بمظهر المطالب بدم الإمام عليه‌السلام الثائر له، فتنطلي اللعبة على أكثر الناس، وتبقى مأساة الإسلام على ما هي عليه، بل تترسّخ المصيبة وتشتدّ.

٧) - في ختام هذه المحاورة نقف أمام قول الإمامعليه‌السلام :( وما قضى اللّه فهو كائن، ومع ذلك أستخير الله وأنظر ما يكون ) ، وقد تكرّر قولهعليه‌السلام :( أستخير الله ) ، في بعض مُحاوراتهعليه‌السلام مع ابن الزبير وابن مطيع، وفي ردّه على كتاب المسور بن مخرمة.

فهل عنى الإمامعليه‌السلام بالاستخارة طلب معرفة ما فيه الخيرة من الأمور؟! وهل يعني هذا أنّ الإمام الحسينعليه‌السلام لم تكن لديه خطّة على الأرض في مسار نهضته منذ البدء، ولم يكن لديه علم بما هو قادم عليه من مصير في مُستقبل أيّامه وأنّ بَوْصَلَة الاستخارة هي التي كانت توجّه حركته؟!

وهل يوافق هذا: الاعتقاد الحقّ بالشرائط اللازمة للإمامة المطلقة المتجسّدة في شخصيّات أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام بعد النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، خصوصاً على صعيد «علم الإمامعليه‌السلام »؟!

وهل يُصدّق هذا التراث الروائي الكبير المتظافر المأثور عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله


وعنهمعليهم‌السلام في إخباراتهم عن «الملاحم والفتن» إلى قيام الساعة، وخصوصاً الإخبارات المأثورة عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعن عليّ والحسن والحسينعليهما‌السلام بصدد «ملحمة عاشوراء»؟!

قبل الإجابة يحسُن بنا أن نتعرّض هنا إلى معنى الاستخارة لُغةً واصطلاحاً.

معنى الاستخارة:

الاستخارة لُغةً: طلب الخِيرَة في الشيء، واستخار الله: طلب منه الخيرة، و: اللّهمّ خِر لي. أي: اختر لي أصلح الأمرين(١) .

وهي اصطلاحاً - كما ورد في الروايات - على معانٍ:

١- بمعنى طلب الخِيَرة من الله، بأن يسأل الله في دعائه أن يجعل له الخير ويوفّقه في الأمر الذي يُريده.

٢- بمعنى تيسّر ما فيه الخِيَرة. وهو قريب من الأوّل.

٣- طلب العزم على ما فيه الخير، بمعنى أن يسأل الله تعالى أن يوجِد فيه العزم على ما فيه الخير.

٤- طلب معرفة ما فيه الخِيَرة، وهو المتداول في العُرف(٢) .

____________________

(١) لسان العرب، ٤: ٢٦٦ - ٢٦٧.

(٢) راجع: مفتاح الكرامة، ٣:٢٧٢; والحدائق الناضرة، ١٠:٥٢٤ وقال صاحب الجواهر: ( فيه معنيان: الأول:أن يسأل من الله أن يجعل الخير فيما أراد إيقاعه من الأفعال. والثاني:أن يوفّقه لما يختاره له ويُيسّره له. ولمعرفة الثاني طُرق، ولعلّها تتبع إرادة المستخير بالمعرفة:

١- أن يوجد فيه العزم على الفعل.

٢- أن يوقع ما يختاره له على لسان المستشار =


لنرجع إلى أصل المسألة..

لا شكّ أنّ مراد الإمامعليه‌السلام من الاستخارة ليس معناها المتداول في يومنا هذا، وهو: طلب معرفة ما فيه الخيرة، وأنّهعليه‌السلام كان يُريد استكشاف الغيب بطريق الرجاء بلا جزم ويقين!!

إذ إنّ هذا يُنافي الاعتقاد الحقَّ بأنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمّةعليهم‌السلام عندهم علم ما كان وما هو كائن وما يكون إلى قيام الساعة، موهبة من الله تبارك وتعالى، كما يُنافي هذا روايات أخبار (الملاحم والفتن) الكثيرة المأثورة عنهمعليهم‌السلام ، والكاشفة عن علمهم بمسار وتفاصيل حركة أحداث العالم إلى قيام الساعة، وخصوصاً أخبار (ملحمة عاشوراء) المأثورة عن الخمسة أصحاب الكساء، الذين نزلت فيهم آية التطهير صلوات الله عليهم أجمعين(١) .

____________________

= ٣- يُعيّنه بالرقاع، السبحة، أو المصحف ) (راجع: جواهر الكلام، ١٢: ١٦٢).

وقال السبزواري: ( والظاهر أنّ ما ذُكِر في هذه الأخبار من السبحة والحصى والمشورة وحدوث العزم وغيرها - ممّا مرّ - من باب الغالب والمثال لا الخصوصية، ومُقتضى الأصل جواز استكشاف خيرة الله تعالى بكلّ وجه أمكن ذلك ما لم يكن فيه نهي شرعي، أو عنوان محرّم أو مكروه؛ إذ لا دليل على حرمة استكشاف الغيب بلا جزم ويقين، بل بطريق الرجاء. وقد كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يُحبّ الفأل ويكره الطيرة ). (مهذّب الأحكام، ٩: ١٠٠).

(١) ولقد كان الإمام الحسين(علي ه السلام) خاصة يُنبِّئ عن نهضته وعن مصرعه، وعن قاتليه منذ طفولته، فعن حذيفة بن اليمان قال: ( سمعت الحسين بن علي يقول:( والله، ليجتمعنّ على قتلي طُغاة بني أميّة، ويقدمهم عمر بن سعد ) . - وذلك في حياة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ! - فقلتُ: أنبّأك بهذا رسول الله؟قال: ( لا ) . فأتيت النبيّ فأخبرته، فقال: ( علمي علمه، وعلمه علمي، وإنّا لنعلم بالكائن قبل كينونته ) . (دلائل الإمامة: ١٨٣ - ١٨٤).

لا يُقال: كيف يمكن هذا في حقّ الحسين عليه‌السلام ؟! هذا من الغلوّ فيه وفي أهل البيتعليهم‌السلام !! =


إذن؛ فمعنى الاستخارة هنا من الممكن أن يكون هو الدعاء إلى الله تبارك وتعالى، في أن يجعل لهعليه‌السلام الخِيَر في مسعاه، ويوفّقه في الأمر الذي يُريده، أو أن يُيسّر له ما فيه الخير بتذليل كلّ الصعوبات والعوائق؛ لبلوغ ما يبتغيهعليه‌السلام في طريق نهضته المقدّسة، أو الدعاء إلى الله تبارك وتعالى في طلب المزيد من العزم، والتصميم على ما فيه الخير وجزيل المثوبة.

ولا شكّ أنّ المتابع المتأمّل، يُدرك أنّ الإمامعليه‌السلام - في جميع مُحاوراته التي ذكر فيها أمر الاستخارة - أراد بذلك أن يُسكت المخاطَب عن الإلحاح في نهيه عمّا هو عازم عليه.

ولا يُنافي ما قدّمنا، إذا حدّثنا التأريخ أنّ الإمامعليه‌السلام لجأ لقطع إلحاح المحاور إلى الاستفتاح بالقرآن - وهو يعلم نتيجة الاستفتاح مُسبقاً - كما فعل ذلك مع ابن عباس نفسه، فقد روي: « أنّ ابن عباس ألحّ على الحسينعليه‌السلام في منعه من المسير إلى الكوفة، فتفأَّل بالقرآن لإسكاته، فخرج الفأل قوله تعالى:( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ... ) (١) .

فقالعليه‌السلام :( إنّا لله وإنّا إليه راجعون، صدق الله ورسوله -. ثمّ قال: - يا بن عباس، فلا تُلحَّ عليَّ بعد هذا؛ فإنّه لا مردّ لقضاء الله عزّ وجلّ ) (٢) .

المحاورة الثالثة:

يقول التاريخ: « فلمّا كان من العشيّ أو من الغد، أتى الحسين عبد الله بن

____________________

= ذلك؛ لأنّ القوم يعتقدون بهذا لحذيفة بن اليمانرضي‌الله‌عنه ، ويروون عنه من هذا القبيل، بل أكثر من هذا، فقد رووا عنه أنّه قال: ( والله، إنّي لأعلم الناس بكلّ فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة ). (راجع: سير أعلام النبلاء: ٢:٣٦٥ - عن أحمد ومسلم).

(١) سورة آل عمران، الآية ١٨٥.

(٢) ناسخ التواريخ، ٢:١٢٢; ووسائل الشيعة، ٤:٨٧٥.


عباس...

فقال: يا بن عم، إنّي أتصبَّر ولا أصبر، إنّي أتخوّف عليك في هذا الوجه الهلاك والاستئصال، إنّ أهل العراق قوم غدر، فلا تقربنَّهم، أقمْ بهذا البلد؛ فإنّك سيّد أهل الحجاز، فإن كان أهل العراق يُريدونك - كما زعموا - فاكتب إليهم فلينفوا عدوّهم، ثمّ أقدم عليهم، فإنْ أبيت إلاّ أن تخرج، فَسِرْ إلى اليمن فإنّ بها حصوناً وشعاباً، وهي أرض عريضة طويلة، ولأبيك بها شيعة وأنت عن الناس في عزلة، فتكتب إلى الناس وتُرسل وتبثُّ دُعاتك، فإنّي أرجو أن يأتيك عند ذلك الذي تُحبّ في عافية!

فقال له الحسينعليه‌السلام :( يا بن عم، إنّي - والله - لأعلم أنّك ناصحٌ مُشفق، ولكنّي قد أزمعت وأجمعت على المسير! ) .

فقال له ابن عباس: فإن كنت سائراً، فلا تَسِرْ بنسائك وصبيتك، فو الله، إنّي لخائف أن تُقتلَ كما قُتِل عثمان ونساؤه وولْده ينظرون إليه!

ثمّ قال ابن عباس: لقد أقررت عين ابن الزبير بتخليتك إيّاه والحجاز والخروج منها، وهو اليوم لا ينظر إليه أحدٌ معك، والله الذي لا إله إلاّ هو، لو أعلم أنّك إذا أخذتُ بشعرك وناصيتك حتى يجتمع عليَّ وعليك الناس أطعتني لفعلتُ ذلك!!

قال: ثمّ خرج ابن عباس من عنده، فمرَّ بعبد الله بن الزبير فقال: قرّت عينك يا بن الزبير!

ثمّ قال:


يالك من قُنبُرَة بمَعمْرِ

خلا لك الجوُّ فَبيِضي واصفري

ونقّري ما شئتِ أن تُنقّري

هذا حسينٌ يخرج إلى العراق! وعليك بالحجاز! »(١) .

____________________

(١) تاريخ الطبري، ٣:٢٩٥ وقد روى ابن عساكر هذه المحاورة بتفاوت غير يسير، وأهمّ تفاوت فيها: (... فكلّمه ليلاً طويلاً وقال: أنشدك الله أن تهلك غداً بحال مضيعة، لا تأتِ العراق، وإن كنت لابدّ فاعلاً فأقمْ حتىْ ينقضي الموسم وتلقى الناس وتعلم على ما يصدرون، ثمّ ترى رأيك. وذلك في عشر ذي الحجّة سنة ستيّن - فأبى الحسين إلاّ أن يمضي إلى العراق... ). (راجع: تاريخ ابن عساكر (ترجمة الامام الحسين عليه‌السلام )، تحقيق المحمودي: ٢٠٤، رقم ٢٥٥).

ولا يخفى، أنّ تأريخ المحاورة الذي ذكره ابن عساكر لا يتوافق مع المشهور الثابت، في أنّ الإمام عليه‌السلام قد ارتحل عن مكّة في اليوم الثامن من ذي الحجّة.

ورواها أيضاً ابن أعثم الكوفي باختصار وتفاوت، وفي آخرها ( فقال الحسين: فإنّي أستخير الله في هذا الأمر وأنظر ما يكون. فخرج ابن عباس وهو يقول: وا حسيناه! )، كما روى الشعر الذي خاطب ابن عباس به ابن الزبير هكذا:

يا لك من قُنبرة بمعمرِ

خلا لك الجوُّ فبيضي واصفري

ونقّري ما شئت أن تُنقِّري

إن ذهب الصائد عنك فابشري

قد رُفع الفخّ فما من حذر

هذا الحسين سائر فانتشري

(راجع الفتوح، ٥:٧٣; ورواها عنه الخوارزمي في المقتل، ١: ٣١١).

وقد روى العلاّمة المجلسي (ره) في البحار، عن الشهيد الثاني (ره) بإسناده عن ابن قولويه (ره)، بإسناد عن الإمام الصادق عليه‌السلام ، عن أبيه عليه‌السلام أنّه:( لما تجهّز الحسين عليه‌السلام إلى الكوفة أتاه ابن عباس فناشده الله والرحم أن يكون هو المقتول بالطفّ، فقال: أنا أعرف بمصرعي منك، وما وكدي من الدنيا إلاّ فراقها... ) . (البحار، ٧٨: ٢٧٣، باب ٢٣، حديث ١١٢).

والوكد: المراد والقصد.


المحاورة الرابعة:

روى الطبري «الإمامي» عن عبد الله بن عباس قال: لقيتُ الحسين بن عليّ وهو يخرج إلى العراق.. فقلت له: يا بن رسول الله، لا تخرج!

قال: فقال لي:( يا بن عباس، أما علمتَ أنَّ مَنيّتي من هناك وأنّ مصارع أصحابي هناك؟! ) .

فقلتُ له: فأنّى لك ذلك؟

قال:( بسِرٍّ سُّرَّ لي وعِلمٌ أُعطيتُه! ) (١) .

إشارة:

لا يخفى على المتأمّل في ما عثرنا عليه، من متون مُحاورات عبد الله بن عباسرضي‌الله‌عنه مع الإمام الحسينعليه‌السلام ظهور حقيقة - ما قدّمناه من قبل - أنّ المحور الأساس في تفكير ابن عباسرضي‌الله‌عنه هو تأييده لقيام الإمامعليه‌السلام ، ومُعارضته لخروجه إلى العراق قبل تحرّك أهله عملياً لنصرته.

ولم نعثر - حسب تتبُّعنا - على نصٍّ منسوب إلى ابن عباسرضي‌الله‌عنه ، يُفيد أنّه كان مُعارضاً لقيام الإمامعليه‌السلام ، أو أنّهرضي‌الله‌عنه نهى عن القيام، إلاّ ما ورد في كتاب «أسرار الشهادة» للدربندي (ره) نقلاً عن كتاب «الفوادح الحسينية»(٢) ، عن ابن

____________________

(١) دلائل الإمامة: ٧٤.

(٢) هناك كتابان بهذا الاسم ذكرهما صاحب الذريعة: الأول:هو (الفوادح الحسينية والقوادح البينية) المشهور بمقتل العصفور، للشيخ حسين العصفور ابن أخي صاحب الحدائق، المتوفَّى ليلة ٢١ شوال ١٢١٦ هـ ق، وهو على نهج مُنتخب الطريحى، وضعه لأن يُقرأ في عشرة المحرّم يوماً وليلة؛ ولذا


عباسرضي‌الله‌عنه ، أنّه قال للإمام الحسين عليه‌السلام في ختام واحدة من مُحاوراته - بعد أن بكى بكاءً شديداً -: « يعزُّ - واللّهِ - عليَّ فراقك يا بن العم »، « ثمّ أقبل على الحسين وأشار عليه بالرجوع إلى مكّة والدخول في صلح بني أميّة!! ».

فقال الحسينعليه‌السلام :( هيهات! هيهات! يا بن عباس، إنّ القوم لم يتركوني، وإنّهم يطلبونني أين كنت حتى أُبايعهم كُرهاً ويقتلوني، والله، لو كنتُ في جُحر هامّة من هوامّ الأرض لاستخرجوني منه وقتلوني، واللّه، إنّهم ليعتدُون عليَّ كما اعتدت اليهود في يوم السبت، وإنّي ماضٍ في أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، حيث أمرني، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون ) (١) .

ونقل صاحب كتاب « معالي السبطين » هذه المحاورة قائلاً: « وفي بعض الكُتب: جاء عبد الله بن عباس إلى الحسينعليه‌السلام ، وتكلّم معه بما تكلّم، إلى أن أشار عليه بالدخول في طاعة يزيد وصلح بني أميّة!! ».

وفي نقله إضافة إلى نقل الدربندي: أنّ ابن عباس قال للإمامعليه‌السلام بعد ذلك: يا بن العمّ، بلغني أنّك تُريد العراق، وإنّهم أهل غدر، وإنّما يدعونك للحرب؛ فلا تعجل، فأقم بمكّة!

فقالعليه‌السلام :( لإنْ أُقتل - والله - بمكان كذا أُحبّ إليَّ من أن أُستحلُّ بمكّة، وهذه كُتب أهل الكوفة ورُسلهم، وقد وجب عليَّ إجابتهم وقام لهم العُذر عليَّ عند الله سبحانه!

____________________

= رتّبه على عشرين مُصيبة بعدد الأيّام والليالي.

والثاني:هو (الفوادح الحسينية) للشيخ نمر بزّة، طُبع بمطبعة العرفان بصيدا، ٣٣ صفحة في تسعة مجالس، كلّ مجلس حاوٍ لحديث ومرثيّة. (الذريعة، ١٦: ٣٦٤).

والظاهر أنّ الكتاب الذي نقل عنه صاحب أسرار الشهادة هو الأوّل.

(١) أسرار الشهادة: ٢٤٦ - ٢٤٧.


فبكى عبد الله حتى بُلَّت لحيته، وقال: وا حسيناه، وا أسفاه على حسين »(١) .

والملاحِظ المتأمّل يرى:

١) - أنّ ما ورد في هذين الكتابين، من دعوى « أنّ ابن عباسرضي‌الله‌عنه أشار على الإمامعليه‌السلام بالدخول في صلح بني أميّة وطاعة يزيد » شاذّ غريب، مُخالف للمشهور الوارد في الكتب المعتبرة.

٢) - أنّ صاحب أسرار الشهادة، ينسب هذه الدعوى إلى كتاب الفوادح الحسينية ( لا نعرفه في الكتب المعتبرة )، وصاحب معالي السبطين ينسبها إلى (بعض الكُتب!)، ولا يخفى أنّها نسبة ظاهرة الضعف.

٣) - أنّ عبارة الدعوى نفسها ليست قولاً نطق به ابن عباس فنُقل عنه، بل هي من إنشاء صاحب أسرار الشهادة وصاحب معالي السبطين.

٤) - وهناك أيضاً تعارضٌ بيِّن بين عبارة صاحبي أسرار الشهادة ومعالي السبطين، ففي الأُولى: ( وأشار عليه بالرجوع إلى مكّة )، أي أنّ المحاورة حصلت بعد خروج الإمامعليه‌السلام من مكّة، وفي الثانية: ( فلا تعجل فأقم بمكّة ) أي أنّ المحاورة حصلت في مكّة.

كما لا يخفى أنّ القول: بأنّ المحاورة حصلت بعد خروج الإمامعليه‌السلام من مكّة أشدّ شذوذاً من أصل الدعوى نفسها؛ لأنَّ المشهور الثابت أنّ ابن عباسرضي‌الله‌عنه لم يلتقِ الإمامعليه‌السلام بعد خروجه من مكّة المكرّمة.

خُلاصة القضية: إنّ هذه الدعوى الشاذّة لا تستند إلى دليل مُعتبر يمكن الاطمئنان إليه، بل لا دليل عليها، ويبقى الأصل المستفاد من المتون المعتبرة

____________________

(١) معالي السبطين، ١:١٥١.


صحيحاً، في أنّ موقف ابن عباسرضي‌الله‌عنه يتلخّص في تأييده لقيام الإمام عليه‌السلام ، ومُعارضته لخروجه إلى العراق قبل تحرّك أهله عملياً لنُصرته. نعم، هناك قول للسيّد ابن طاووس (ره) مُبهم الدلالة، وهو: وجاء عبد الله بن عباس رضوان الله عليه، وعبد الله بن الزبير فأشارا إليه بالإمساك. فقال لهما:( إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قد أمرني بأمر وأنا ماضٍ فيه ) . قال فخرج ابن عباس وهو يقول: وا حسيناه! »(١) .

ولا دلالة في هذه العبارة الغامضة: « فأشارا عليه بالإمساك » على أنّ ابن عباس أشار على الإمامعليه‌السلام بترك القيام، بل الأقوى دلالتها على ترك الخروج إلى العراق، بقرينة المتون التفصيلية الأُخرى ذات المضمون نفسه، التي أجاب فيها الإمامعليه‌السلام ابن عباسرضي‌الله‌عنه بأنّه ماضٍ إلى العراق بأمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

لماذا تخلَّف ابن عباسرضي‌الله‌عنه عن الإمام عليه‌السلام ؟!

عبد الله بن العبّاس بن عبد المطلّب بن هاشم رضي الله عنهم أجمعين، كان مؤمناً بإمامة أئمّة أهل البيت الاثني عشرعليهم‌السلام من بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (٢) ، عارفاً

____________________

(١) اللهوف: ١٠١.

(٢) ويكفي في الدلالة على ذلك متن المحاورة - التي رواها سليم بن قيس - بين معاوية وعبد الله بن جعفررضي‌الله‌عنه وعبد الله بن عباسرضي‌الله‌عنه بمحضر الحسنينعليهما‌السلام (راجع: كتاب سليم بن قيس: ٢٣١ - ٢٣٨ / دار الفنون - لبنان)، وما رواه الخزاز القمّي في كفاية الأثر من روايات مُسندة عن ابن عباسرضي‌الله‌عنه في الأئمة الاثني عشر، وفي أسمائهمعليهم‌السلام (راجع: كفاية الأثر: ١٠ - ٢٢ / انتشارات بيدار)، ويكفي هنا أن ننتقي منه هذه الرواية عن عطا قال: ( دخلنا على عبد الله بن عباس، وهو عليل بالطائف، في العلّة التي توفِّي فيها، ونحن زهاء ثلاثين رجلاً من شيوخ الطائف، وقد ضعف، فسلّمنا عليه وجلسنا، فقال لي: يا عطا مَن القوم؟ قلت: يا سيّدي، هم شيوخ هذا البلد: منهم عبد الله بن سلمة بن حضرمي الطائفي، وعمارة بن أبي الأجلح، وثابت بن مالك، فما زلتُ أعدُّ له واحداً بعد واحد، ثمّ =


بحقّهم، موقناً بأنّ نصرهم والجهاد تحت رايتهم فرض كفرض الصلاة والزكاة(١) ، وكانت سيرته مع الإمام أمير المؤمنين والإمام الحسن والإمام الحسينعليهما‌السلام كاشفة عن هذا الإيمان، وهذا اليقين، وهذه المعرفة(٢) ، وكانرضي‌الله‌عنه لا يتردّد في إظهار

____________________

= تقدّموا إليه فقالوا: يا بن عمّ رسول الله، إنّك رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وسمعت منه ما سمعت، فأخبرنا عن اختلاف هذه الأمّة، فقوم قد قدّموا عليّاً على غيره، وقوم جعلوه بعد ثلاثة!

قال: فتنفّس ابن عباس، وقال: سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول:( عليٌّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ، وهو الإمام والخليفة من بعدي، فمَن تمسّك به فاز ونجا، ومَن تخلّف عنه ضلّ وغوى. بلى، يُكفّنني ويُغسّلني ويقضي دَيني، وأبو سبطيَّ الحسن والحسين، ومن صُلب الحسين تخرج الأئمة التسعة، ومنّا مهديّ هذه الأمّة ) .

فقال له عبد الله بن سلمة الحضرمي: يا بن عمّ رسول الله، فهل كنت تُعرِّفنا قبل هذا؟!

فقال: والله، قد أدّيت ما سمعت، ونصحت لكم، ولكنَّكم لا تُحبّون الناصحين!

ثم قال: اتّقوا الله عباد الله، تقيّة مَن اعتبر بهذا... واعملوا لآخرتكم قبل حلول آجالكم، وتمسّكوا بالعُروة الوثقى من عترة نبيّكم؛ فإنِّي سمعتهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول:( مَن تمسّك بعترتي من بعدي كان من الفائزين ) .

ثمّ بكى بكاءً شديداً، فقال له القوم: أتبكي ومكانك من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مكانك؟!

فقال لي: يا عطا، إنّما أبكي لخصلتين: هول المطّلع، وفِراق الأحبّة!

ثمّ تفرّق القوم، فقال لي: يا عطا، خُذْ بيدي واحملني إلى صحن الدار. ثمّ رفع يديه إلى السماء وقال: اللّهمّ، إنّي أتقرّب إليك بمحمّد وآله، اللّهمّ، إنّي أتقرّب إليك بولاية الشيخ علي بن أبي طالب. فما زال يُكررّها حتى وقع على الأرض، فصبرنا عليه ساعة، ثمّ أقمناه فإذا هو ميّت رحمة الله عليه ) (كفاية الأثر: ٢٠ - ٢٢; وانظر اختيار معرفة الرجال: ٥٦، الرقم ١٠٦).

(١) مرّ بنا في المحاورة الأُولى أنّهرضي‌الله‌عنه قال للإمام عليه‌السلام : ( وأنّ نصرك لفرض على هذه الأمّة، كفريضة الصلاة والزكاة التي لا يقدر أن يقبل أحدهما دون الأُخرى ).

(٢) قال العلاّمة في الخلاصة: ( عبد الله بن العباس من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كان مُحبّاً لأمير المؤمنين عليه‌السلام وتلميذه، حاله في الجلالة والإخلاص لأمير المؤمنين أشهر من أن يخفى... )، =


____________________

= (ص١٠٣، ذكره في القسم الأوّل من كتابه / وانظر مُستدركات علم الرجال: ٥: ٤٣).

( وقد علم الناس حال ابن عباس في مُلازمته له - أي عليّ عليه‌السلام - وانقطاعه إليه، وأنّه تلميذه وخرّيجُه، وقيل له: أين علمك من علم ابن عمّك؟ فقال: كنسبة قطرة من المطر إلى البحر المحيط... ). (شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ١: ١٩)، وقال الشيخ حسن بن الشهيد الثاني: ( عبد الله بن العباس حاله في المحبّة والإخلاص لمولانا أمير المؤمنين والموالاة والنُّصرة له، والذبّ عنه والخصام في رضاه والموازرة، ممّا لا شُبهة فيه... ). (التحرير الطاووسي: ٣١٢).

وبعد أن أنهى الإمام الحسن عليه‌السلام خُطبته في الناس بعد وفاة أمير المؤمنين عليه‌السلام قام عبد الله بن عباس بين يديه فقال: ( معاشر الناس، هذا ابن نبيّكم ووصيّ إمامكم؛ فبايعوه... ) (كشف الغُمَّة:٢:١٥٩ وراجع: مقاتل الطالبيين: ٣٣).

وكانرضي‌الله‌عنه والياً للإمام الحسن عليه‌السلام على البصرة، كما كان والياً لأمير المؤمنين عليه‌السلام عليها.

وقد حاول أعداء أهل البيتعليهم‌السلام الطعن في هذه الشخصية الهاشمية الجليلة، فافتروا عليه أكذوبة اختلاس أموال بيت المال في البصرة، أيّام كان والياً عليها في حياة أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وقد انبرى مُحقِّقون كثيرون من علمائنا لتفنيد هذه الأكذوبة، ولتنزيه ساحة حَبر الأمّة من أدرانها. ويحسن هنا أن ننتقي بعض المتون الواردة؛ دفاعاً عن ساحة ابن عباسرضي‌الله‌عنه :

( دخل عمرو بن عبيد على سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس بالبصرة، فقال لسليمان: أخبرني عن قول عليّ عليه‌السلام في عبد الله بن العباس: يُفتينا في النملة والقملة، وطار بأموالنا في ليلة! فقال له: كيف يقول هذا؟! وابن عباس لم يُفارق علياً حتى قُتِل، وشهد صلح الحسن عليه‌السلام ! وأيّ مال يجتمع في بيت مال البصرة مع حاجة عليّ عليه‌السلام إلى الأموال، وهو يُفرِّغ بيت مال الكوفة في كلّ خميس ويرشَّه، وقالوا: إنّه كان يُقيل فيه! فكيف يترك المال يجتمع بالبصرة؟! وهذا باطل! ) (أمالي المرتضى، ١: ١٧٧).

وقال السيّد الخوئي: ( هذه الرواية - أي رواية اختلاس أموال البصرة - وما قبلها من طُرق العامة، وولاء ابن عباس لأمير المؤمنين وملازمته له عليه‌السلام ؛ هو السبب الوحيد في وضع هذه الأخبار الكاذبة وتوجيه التهم والطعون عليه، حتى إنّ معاوية لعنه الله كان يلعنه بعد الصلاة! مع لعنه عليّاً =


____________________

= والحسنين وقيس بن سعد بن عبادة والأشتر، كما عن الطبري وغيره... والمتحصّل ممّا ذكرنا:أنّ عبد الله بن عباس كان جليل القدر، مُدافعاً عن أمير المؤمنين والحسنين عليهم‌السلام كما ذكره العلاّمة وابن داود ) (مُعجم رجال الحديث، ١٠: ٢٣٩).

وقال ابن أبي الحديد: ( وقال آخرون وهم الأقلّون: هذا لم يكن، ولا فارق عبد الله بن عباس عليّاً عليه‌السلام ولا باينه ولا خالفه، ولم يزل أميراً على البصرة إلى أن قُتِل عليّ عليه‌السلام ... ويدلّ على ذلك ما رواه أبو الفرج علي بن الحسين الأصفهاني، من كتابه الذي كتبه إلى معاوية من البصرة لما قُتل عليّ عليه‌السلام . قالوا: وكيف يكون ذلك ولم يخدعه معاوية ويجرّه إلى جهته، فقد علمتم كيف اختدع كثيراً من عمّال أمير المؤمنين عليه‌السلام واستمالهم إليه بالأموال، فمالوا وتركوا أمير المؤمنين عليه‌السلام ، فما باله وقد علم النبوّة التي حدثت بينهما، لم يستمل ابن عباس ولا اجتذبه إلى نفسه، وكلّ مَن قرأ السير وعرف التواريخ يعرف مُشاقّة ابن عباس لمعاوية بعد وفاة عليّ عليه‌السلام ، وما كان يلقاه به من قوارع الكلام وشديد الخصام، وما كان يُثني به على أمير المؤمنين عليه‌السلام ويذكر خصائصه وفضائله، ويصدع به من مناقبه ومآثره، فلو كان بينهما غبار أو كدر، لما كان الأمر كذلك، بل كانت الحال تكون بالضدّ، لما اشتهر من أمرهما. وهذا عندي هو الأمثل والأصوب ) (شرح نهج البلاغة، ٤: ١٧١).

وقال التُّستري: ( الأصل في جعلهم هذا الخبر - اختلاس أموال البصرة - في ابن عباس، إرادتهم دفع الطعن عن فاروقهم باستعماله في أيّام إمارته المنافقين والطُلقاء - كالمغيرة بن شعبة ومعاوية - وتركه أقرباء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ... ) (قاموس الرجال، ٦: ٤٤١).

ويحسن هنا أن ننظر إجمالاً في سندَي خبرَي الاختلاس، اللذين أوردهما الكشّي: سند الخبر الأوّل:( قال الكشّي: روى عليّ بن يزداد الصائغ الجرجاني، عن عبد العزيز بن محمّد بن عبد الأعلى الجزري، عن خلف المحرومي البغدادي، عن سفيان بن سعيد، عن الزهري قال: سمعت الحارث يقول:... ) (اختيار معرفة الرجال، ١:٢٧٩، رقم ١٠٩).

ويكفي هذا السند ضعفاً وجود سفيان بن سعيد (الثوري) فيه، الذي هو ليس من أصحابنا، وورد في ذمّه أحاديث صحيحة. (راجع: مُنتهى المقال، ٣: ٣٥١).

هذا فضلاً عن عدائه لعليّ عليه‌السلام ، ولا ننسى قوله المعروف: ( أنا أبغض أن أذكر فضائل علي! ) =


____________________

= ( سير أعلام النبلاء، ٧: ٣٥٣).

وفي السند أيضاً: الزهري الذي عُرف بأنّه كان يُدلِّس عن الضعفاء (راجع: تهذيب الكمال،٣٠:٤٧١ وميزان الاعتدال،٢:١٦٩ وتهذيب التهذيب، ١١: ٢١٨).

وعُرِف الزهري بأنّه أفسد نفسه بصحبة الملوك، وترك بعضهم حديثه؛ لكونه كان مُداخلاً للخلفاء! (راجع: سير أعلام النبلاء، ٥: ٣٣٩).

أمّا سند الخبر الثاني فهو:

( قال الكشّي: قال شيخ من أهل اليمامة، يذكر عن مُعلّى بن هلال، عن الشعبي قال:... ) (اختيار معرفة الرجال، ١:٢٧٩، رقم ١١٠).

ونقول:

١) - لكلمة الشيخ إطلاقات عديدة: منها: مَن له إلمام بالحديث، الزعيم الديني، رئيس القبيلة. لكنّ هذا العنوان لا محالة مُهمل ولا يمكن الاعتماد عليه؛ إذ لا يخرج عن الإبهام والترديد.

٢) - مُعلّى بن هلال: قال فيه أحمد بن حنبل: متروك الحديث، حديثه موضوع كذب. وقال فيه ابن معين: هو من المعروفين بالكذب ووضع الحديث. وقال فيه أبو داود: غير ثقة ولا مأمون. وقال سفيان: هذا من أكذب الناس.

وقال في المغني: كذّاب بالاتّفاق. ( راجع: ميزان الاعتدال، ٤:١٥٢. وتهذيب التهذيب، ١٠: ٢٤١).

٣) - الشعبي: وهو عامر بن شراحيل، قال الشيخ المفيد (ره): وبلغ من نُصب الشعبي وكذبه أنّه كان يحلف بالله، أنّ عليّاً دخل اللحد وما حفظ القرآن، وبلغ من كذبه أنّه قال: لم يشهد من الجَمل من الصحابة إلاّ أربعة، فإن جاؤوا بخامس فأنا كذّاب... كان الشعبي سكّيراً خمّيراً مُقامراً، روي عن أبي حنيفة أنّه خرَّق ما سمع منه لما خمّره وقمّره. (راجع: الفصول المختارة: ١٧١ وقاموس الرجال، ٥: ٦١٢).

وروى أبو نعيم، عن عمرو بن ثابت، عن أبي إسحاق قال: ثلاثة لا يُؤمَنون على عليّ بن أبي طالب: مسروق، ومرّة، وشُريح، وروي أنّ الشعبي رابعهم. (انظر: شرح نهج البلاغة لابن أبي =


اعتزازه وافتخاره بما أنعم الله عليه به، من موالاتهم وحبّهم، والانقياد لهم والامتثال لأمرهم.

ومن جميل ما يُروى في ذلك، أنّ مُدرك بن زياد اعترض على ابن عباس، حين رآه ذات يوم وقد أمسك للحسن والحسينعليهما‌السلام بالركاب وسوّى عليهما، قائلاً: « أنت أسنُّ منهما تُمسك لهما بالركاب؟!

فقال: يا لُكع، وتدري مَن هذان؟! هذان ابنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أو ليس ممّا أنعم الله به عليَّ أن أُمسك لهما وأسوِّي عليهما؟! »(١) .

وكان ابن عباسرضي‌الله‌عنه قد حفظ ما سمع من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومن أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام ، ما أخبرا به حول مقتل الإمام الحسينعليه‌السلام ، والأرض التي يُقتل فيها، وأسماء أصحابه، فها هو يروي قائلاً: « كنت مع أمير المؤمنينعليه‌السلام في خرجته إلى صِفِّين، فلمّا نزل بنينوى وهو بشطّ الفرات قال بأعلى صوته:( يا بن عباس، أتعرف هذا الموضع؟! ) .

قلت له: ما أعرفه يا أمير المؤمنين!

فقالعليه‌السلام :( لو عرفته كمعرفتي لم تكن تجوزه حتّى تبكي كبكائي! ) .

قال: فبكى طويلاً حتّى اخضلّت لحيته، وسالت الدموع على صدره، وبكينا

____________________

= الحديد، ٤: ٩٨).

قال الشهيد الثاني: ( جملة ما ذكره الكشّي من الطعن فيه - أي ابن عباس - خمسة أحاديث كلّها ضعيفة السند... ). (انظر: سفينة البحار، ٦: ١٢٨).

وقال العلاّمة الحلّي: (... وقد ذكر الكشّي أحاديث تتضمّن قدحاً فيه، وهو أجلّ من ذلك، وقد ذكرناها في كتابنا الكبير وأجبنا عنها ) ( خلاصة الأقوال: ١٠٣).

وقال التفرشي: ( وما ذكره الكشّي من الطعن فيه ضعيف السند ) ( نقد الرجال، ٣: ١١٨).

(١) مناقب آل أبي طالب، ٣:٤٠٠ ؛ وفيات الأعيان ٦:١٧٩.


معاً وهو يقول:( أوه أوه، ما لي ولآل أبي سفيان؟! ما لي ولآل حرب، حزب الشيطان وأولياء الكفر؟! صبراً يا أبا عبد الله، فقد لقي أبوك مثل الذي تلقى منهم ) (١) .

وكان ابن عباسرضي‌الله‌عنه يقول: « ما كُنّا نشكُّ، وأهل البيت مُتوافرون، أنّ الحسين بن عليّ يُقتل بالطفّ! »(٢) .

إذن، لِمَ لم يلتحق ابن عباسرضي‌الله‌عنه بالركب الحسيني؛ ليفوز بشرف نُصرة سيد المظلومينعليه‌السلام وبشرف الشهادة بين يديه؟! هل اثَّاقل إلى الأرض وآثر الدنيا على الآخرة، بعد عمر شريف عامر بالجهاد ونصرة الحق؟! إنّ العارف بسيرة ابن عباسرضي‌الله‌عنه قد يرفض حتى التفكير في مثل هذا السؤال! أوليس ابن عباس هو القائل في مُحاورته الأُولى مع الإمام الحسينعليه‌السلام في مكّة في شعبان سنة ٦٠ للهجرة: « جُعلت فداك، يا بن بنت رسول الله، كأنَّك تُريدني إلى نفسك، وتُريد منّي أن أنصرك! والله الذي لا إله إلاّ هو، أنْ لو ضربتُ بين يديك بسيفي هذا حتّى انخلع جميعاً من كفّي لما كنت ممَّن أُوفِّي من حقّك عُشر العُشر! وها أنا بين يديك مُرْني بأمرك »؟

إذن، هل كان تقادم العمر به قد أعجزه عن القدرة على النصرة؟!

إذا علمنا أنّ ابن عباسرضي‌الله‌عنه توفِّي سنة ٦٨ للهجرة أو ٦٩ وله من العمر سبعون عاماً أو واحد وسبعون(٣) ، أدركنا أنّ عمره سنة ٦٠ للهجرة كان اثنين وستِّين

____________________

(١) أمالي الصدوق: ٤٧٨، المجلس ٨٧، حديث رقم ٥.

(٢) مُستدرك الحاكم، ٣:١٧٩.

(٣) راجع: اختيار معرفة الرجال (رجال الكشِّي)، ١:٢٧٢، وأُسد الغابة، ٣:١٩٥.


عاماً أو ثلاثة وستّين عاماً، فهو أكبر من الإمام الحسين عليه‌السلام بحوالي خمسة أعوام، إذن؛ فقد كان قادراً على الجهاد مع الإمام عليه‌السلام من حيث السلامة البدنية، خصوصاً وأنّه لم يُروَ أنّ ابن عباس كان مريضاً آنذاك، كما روي بصدد محمّد بن الحنفيةرضي‌الله‌عنه مثلاً.

فما هي علّة تخلّفه إذن؟!

لعلّ المتأمّل في موضوع علّة عدم التحاق ابن عباسرضي‌الله‌عنه بالإمامعليه‌السلام في نهضته المقدّسة، يلاحظ - قبل الوصول إلى الجواب - نقطتين مُهمّتين تُساعدان على الاطمئنان أنّه كان معذوراً، وهما:

١- في جميع ما روي من لقاءات ومُحاورات ابن عباس مع الإمام الحسينعليه‌السلام في مكّة سنة ستّين للهجرة، لا يجد المتتبّع أنّ الإمامعليه‌السلام قد دعا ابن عباس دعوة مُباشرة إلى نُصرته، كما صنع مثلاً مع ابن عمر، وحتى حينما قال الإمامعليه‌السلام في مُحاورته الأُولى مع ابن عباس وابن عمر:( اللّهمّ اشهد ) (١) أدرك ابن عباس مغزى قول الإمامعليه‌السلام ، وبادر إلى إظهار استعداده للنُّصرة والجهاد بين يدي الإمامعليه‌السلام ، وعدا هذا لا يجد المتتبِّع أيّة إشارة من قريب أو بعيد، مؤدّاها أنّ الإمامعليه‌السلام قد دعا ابن عباس إلى نُصرته.

٢- لم نعثر - حسب تتبُّعنا - على نصّ تأريخيّ عن أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام ، يُفيد أنّ ابن عباس كان مُقصِّراً وملوماً ومُداناً على عدم التحاقه بالإمام الحسينعليه‌السلام ، بل لم نعثر على نصّ تأريخي عام يُشير إلى إدانته(٢) ، سوى هذا النصّ الذي نقله ابن

____________________

(١) راجع نصّ المحاوُرة الأُولى لفهم المراد في جوّ المحاورة نفسها، في صفحة ٢١٣ - ٢١٧.

(٢) بل ورد عن الصادق عليه‌السلام أنّ الإمام الباقر كان يُحبّه حُبّاً شديداً. انظر: اختيار معرفة الرجال: ٥٧، الرقم ١٠٧.


شهر آشوب مُرسلاً: ( وعُنِّفَ ابن عباس على ترْكه الحسين، فقال: إنّ أصحاب الحسين لم ينقصوا رجلاً ولم يزيدوا رجلاً، نعرفهم بأسمائهم من قبل شهودهم! )(١) ، ويظهر من هذا النصّ، أنّ ابن عباس لم يكن معذوراً في تركه الإمام عليه‌السلام ، لكنّ إرسال هذا الخبر، ومجهوليّة المعنِّف، ومعلوميّة ولاء ابن عباسرضي‌الله‌عنه لأهل البيتعليهم‌السلام ، كلّ ذلك يفرض عدم الاطمئنان إلى صدر هذا الخبر، أي ( وعُنِّف ابن عباس! ).

بعد هذا، ينبغي أن نُذكّر بأنّ ابن عباس قد كُفَّ بصرُه آخر عمره، وهذا متّفقٌ عليه عند المؤرّخين، وأنّ سعيد بن جبير كان يقوده بعد أن كُفَّ بصره(٢) ، وتعبير: ( كُفَّ بصره ) مُشعرٌ بأنّ الضعف كان قد دبّ إلى بصره حتى استفحل عليه فكفّه عن رؤية الأشياء، ولعلَّ هذا الضعف كان قد دبّ إلى بصره منذ أيّام معاوية ( ويحتمل أنّ بصر ابن عباس قد كُفَّ أواخر سنين معاوية )، هذا ما يُشعر به قول ابن قتيبة في المعارف، حيث يقول: « ثلاثة مكافيف في نسق: عبد الله بن عباس، وأبوه العباس بن عبد المطلّب، وأبوه عبد المطلب بن هاشم. قال: ولذلك قال

____________________

(١) مناقب آل أبي طالب،٤:٥٣ / ولعلّ ابن شهر آشوب نقل هذا عن كتاب التخريج، الذي نقل عنه رواية قبل هذه الرواية.

(٢) ( إنّ سعيد بن جبير كان يقوده بعد أن كُفّ بصره» (تنقيح المقال، ٢: ١٩١).

وقال الذهبي: ( إنّما أخَّر الناس عن بيعة ابن عباس - أن لو شاء الخلافة - ذهاب بصره ). (سير أعلام النبلاء، ٣: ٣٥٦). و( خطب ابن الزبير بمكّة على المنبر وابن عباس جالس مع الناس تحت المنبر، فقال: إنّ ها هنا رجلاً قد أعمى الله قلبه كما أعمى بصره... فقال ابن عباس لقائده سعيد بن جبير: استقبل بي وجه ابن الزبير، وارفع من صدري، وكان ابن عباس قد كُفَّ بصره... ) ( انظر: قاموس الرجال، ٦:٤٧٠ وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ٢٠: ١٣٠ و١٣٤، وسير أعلام النبلاء، ٣:٣٥٤، ومُنتهى المقال، ٤: ٢٠١).


معاوية لابن عباس: أنتم - يا بني هاشم - تُصابون في أبصاركم. فقال ابن عباس: وأنتم يا بني أميّة تُصابون في بصائركم! »(١) ، فلولا أنّ بصر ابن عباسرضي‌الله‌عنه كان قد ضعف جدّاً، أو قد كُفَّ بصره آنذاك لما كان لقول معاوية مُناسبة ولا داع.

ويقول مسروق: « كنتُ إذا رأيت عبد الله بن عباس قلتُ: أجمل الناس. فإذا تكلّم قلتُ: أفصح الناس. فإذا تحدَّث قلتُ: أعلم الناس. وكان عمر بن الخطّاب يُقرّبه ويُدنيه ويُشاوره مع جلّة الصحابة، وكُفَّ بصره في آخر عمره »(٢) .

فإذا علمنا أنّ مسروقاً هذا قد مات سنة ٦٢ أو ٦٣ للهجرة(٣) ، أمكن لنا أن نقول: إنّ ابن عباس كان مكفوفاً قبل سنة ٦٢ أو ٦٣ على الأظهر، هذا على فرض أنّ عبارة ( وكُفّ بصره في آخر عمره ) من قول مسروق أيضاً.

وهناك رواية يمكن أن يُستفاد من ظاهرها، أنّ ابن عباسرضي‌الله‌عنه كان ضعيف البصر جدَّاً أو مكفوفاً أوائل سنة إحدى وستِّين للهجرة، في الأيّام التي لم يكن خبر مقتل الإمام الحسينعليه‌السلام قد وصل بعد إلى أهل المدينة المنوّرة.

هذه الرواية يرويها الشيخ الطوسي (ره) في أماليه، بسند إلى سعيد بن جبير ( وهو الذي كان يقود ابن عباس بعد أن كُفَّ بصره )، عن عبد الله بن عباس قال: « بينا أنا راقدٌ في منزلي، إذ سمعتُ صراخاً عظيماً عالياً من بيت أمّ سلمة زوج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فخرجت يتوجّه بي قائدي إلى منزلها! وأقبل أهل المدينة إليها الرجال والنساء، فلمّا انتهيتُ إليها قلت: يا أمّ المؤمنين، ما بالك تصرخين وتغوثين؟! فلم تُجبْني، وأقبلتْ على النسوة الهاشميات وقالت: يا بنات عبد المطلّب، أسعدنني

____________________

(١) المعارف: ٥٨٩.

(٢) اختيار معرفة الرجال،١:٢٧٢; وتنقيح المقال،٢:١٩١.

(٣) سير أعلام النبلاء،٤:٦٨.


وابكين معي، فقد - واللّهِ - قُتل سيّدكُنّ وسيّد شباب أهل الجنّة، وقد - واللّه - قُتل سبط رسول اللّه وريحانته الحسين.

فقيل: يا أُمَّ المؤمنين، ومن أين علمتِ ذلك؟!

قالت: رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في المنام الساعة شَعثاً مَذعوراً، فسألته عن شأنه ذلك، فقال: ( قُتل ابني الحسين وأهل بيته اليوم فدفنتهم، والساعة فرغت من دفنهم ).

قالت: فقمتُ حتّى دخلتُ البيت وأنا لا أكاد أن أعقل! فنظرتُ فإذا بتُربة الحسين التي أتى بها جبرئيل من كربلاء - فقال:( إذا صارت هذه التربة دماً فقد قُتل ابنك! ) ، وأعطانيها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله

فقال:( اجعلي هذه التربة في زجاجة - أو قال: في قارورة -ولتكن عندك، فإذا صارت دماً عبيطاً فقد قُتل الحسين ) - فرأيت القارورة الآن وقد صارت دماً عبيطاً تفور.

قال: وأخذت أمّ سلمة من ذلك الدم فلطَّخت به وجهها، وجعلت ذلك اليوم مأتماً ومناحة على الحسينعليه‌السلام ، فجاءت الركبان بخبره، وأنّه قد قُتل في ذلك اليوم... »(١) .

فقول ابن عباسرضي‌الله‌عنه : ( فخرجت يتوجّه بي قائدي إلى منزلها ) كاشف - على الأقوى - عن مكفوفيّة بصره آنذاك (أو عن ضعف شديد جدّاً في بصره)؛ لحاجته إلى قائد يقوده هو، وليس إلى قائد يقود دابّته - كما قد يُحتمل - وذلك لقُرب المسافة؛ بدليل أنّه سمع الصراخ بأُذنيه، وشخّص أنّ الصراخ كان ينبعث من بيت أمِّ سلمةرضي‌الله‌عنه .

مما مضى؛ نكاد نطمئنّ إلى أنّ ابن عباسرضي‌الله‌عنه كان يُعاني من ضعف شديد

____________________

(١) أمالي الطوسى: ٣١٤ - ٣١٥، المجلس ١١، الحديث ٦٤٠/٨٧.


في بصره، أو كان مكفوفاً بصره أواخر سنة ستّين للهجرة - وبالذات في الأيّام التي كان فيها الإمام الحسين عليه‌السلام في مكّة المكرّمة - الأمر الذي أعجزه عن القدرة على الالتحاق بالإمام عليه‌السلام والجهاد بين يديه، فكانرضي‌الله‌عنه معذوراً. ولعلّ هذا هو السرُّ في عدم دعوة الإمام عليه‌السلام إيّاه للانضمام إليه، وترخيصه إيّاه في العودة إلى المدينة ليرصد له أخبار السلطة الأموية والناس فيها حيث يقول عليه‌السلام :( يا بن عباس، إنّك ابن عمّ والدي، ولم تزل تأمر بالخير منذ عرفتك، وكنتَ مع والدي تُشير عليه بما فيه الرشاد، وقد كان يستنصحك ويستشيرك فتُشير عليه بالصواب، فامضِ إلى المدينة في حفظ الله وكلائه، ولا يَخفَ عليَّ شيءٌ من أخبارك... ) (١) .

ولا يقدح بما نطمئنّ إليه، ما أورده المسعودي في مروج الذهب، حيث يقول في ابن عباسرضي‌الله‌عنه : « وكان قد ذهب بصره لبكائه على عليٍّ والحسن والحسين...»(٢) ؛ إذ لا يُستفاد من هذا النصّ بالضرورة أنّه صار مكفوفاً بعد مقتل الحسينعليه‌السلام ، بل الظاهر من هذا النصّ، أنّ الذي سبّب ذهاب بصره هو كثرة بكائه المتواصل لفقد أمير المؤمنين عليّ(٣) والحسن والحسينعليهما‌السلام ، ومؤدّى ذلك، أنّ الضعف قد دبّ إلى بصره لكثرة بكائه منذ أيّام فقده لأمير المؤمنينعليه‌السلام ، ثمّ لفقده الحسنعليه‌السلام (٤) ، ثمّ الحسينعليه‌السلام ، ولا يخفى أنّ ابن عباسرضي‌الله‌عنه كان يبكي بكاءً

____________________

(١) الفتوح،٥:٢٧; ومقتل الحسين عليه‌السلام للخوارزمي،١:٢٨١.

(٢) مروج الذهب،٣:١٠٨.

(٣) ورد في بعض المتون أنّ ذهاب بصره في آخر عمره، كان بسبب البكاء على أمير المؤمنين علي عليه‌السلام (انظر سفينة البحار،٦:١٢٨ عن حديقة الحكمة).

(٤) ولعلّ هذا الضعف الذي دبّ إلى بصره بسبب هذا البكاء المتواصل منذ فقده أمير المؤمنين عليه‌السلام ، كان قد اشتدّ واستفحل بعد فقده الإمام الحسن عليه‌السلام ، فكان ابن عباس قريباً من العَمى أواخر عهد معاوية - فيما بعد شهادة الإمام الحسن عليه‌السلام - فلمّا التقى معاوية في تلك الأيّام، كان ضعف بصره =


شديداً للحسين عليه‌السلام وهو بعدُ لم يخرج ولم يُستشهَد؛ لعلمه بما سيُصيب الإمام عليه‌السلام من شديد المحنة ولعلمه بمصيره، والدلائل التاريخية على ذلك كثيرة مُتوافرة.

رسائل ابن عباسرضي‌الله‌عنه إلى يزيد:

تروي لنا بعض كُتب التأريخ، أنّ الإمام الحسينعليه‌السلام لما نزل مكّة، كتب يزيد بن معاوية إلى ابن عباس رسالة(١) طلب إليه فيها أن يتوسّط في الأمر؛ ليثني الإمام الحسينعليه‌السلام عن عزمه على القيام والخروج على الحُكم الأمويّ، وعرض فيها يزيد من الإغراءات الدنيوية ما يتناسب وضعف نفسيّته هو! - أي يزيد - وتقول هذه المصادر التاريخية: « فكتب إليه ابن عباس: أمّا بعدُ: فقد ورد كتابُك تذكر فيه لحاق الحسين وابن الزبير بمكّة، فأمّا ابن الزبير، فرجل مُنقطع عنّا برأيه وهواه، يُكاتمنا مع ذلك أضغاناً يُسرُّها في صدره، يورِي علينا وري الزناد، لا فكَّ اللّه أسيرها، فآرأ في أمره ما أنت رائه.

وأمّا الحسين، فإنه لما نزل مكّة وترك حرم جدّه ومنازل آبائه، سألته عن مقدمه، فأخبرني أنّ عُمّالك في المدينة أساؤا إليه وعجّلوا عليه بالكلام الفاحش، فأقبل إلى حرم الله مُستجيراً به، وسألقاه فيما أشرت إليه، ولن أدَع النصيحة فيما يجمع الله به الكلمة ويُطفئ به النائرة، ويُخمد به الفتنة ويحقن به دماء الأمّة، فاتّقِ الله في السرّ والعلانية، ولا تبيتنّ ليلة وأنت تريد لمسلم غائلة، ولا ترصده بمظلمة، ولا تحفر له مَهواة، فكم من حافر لغيره حفْراً وقع فيه! وكم من مؤمّل أملاً لم يُؤتَ

____________________

= الشديد هذا هو الذي دفع معاوية إلى القول - ساخراً -: ( أنتم - يا بني هاشم - تُصابون في أبصاركم! ).

(١) راجع متن الرسالة كاملاً في فصل حركة السلطة الأُموية (ضمن عنوان حركة السلطة المركزية).


أمله! وخُذ بحظّك من تلاوة القرآن ونشر السُنّة! وعليك بالصيام والقيام لا تشغلك عنهما ملاهي الدنيا وأباطيلها؛ فإنّ كلَّ ما شُغلتَ به عن اللّه يضرّ ويفنى، وكلّ ما اشتغلت به من أسباب الآخرة ينفع ويبقى، والسلام »(١) .

وقد روى المزّي جواب ابن عباس مُختصراً هكذا: « فكتب إليه عبد الله بن عباس: إنّي لأرجو أن لا يكون خروج الحسين لأمر تكرهه، ولست أدَعُ النصيحة له في كلّ ما يجمع الله به الألفة ويُطفئ به الثائرة »(٢) .

ويبدو من نصّ هذه الرسالة - جواب ابن عباس - على فرض صحّة الرواية، أنّ هذه الرسالة كانت بعد لقاء ابن عباس مع الإمام الحسينعليه‌السلام في مكّة لقاءه الأوّل، الذي عاد بعده إلى المدينة (بعد الفراغ من العمرة )، كما يُستفاد من نصّها، أنّ ابن عباس قَبِل القيام بدور الوساطة بين الإمامعليه‌السلام وبين يزيد! كما يظهر من نصّها أيضاً، أنّ ابن عباس اعتمد أسلوب الملاينة دون التقريع، حتى في نهيه عن ارتكاب الظلم واجتراح المآثم!

والعارف بعبد الله بن العباسرضي‌الله‌عنه ، وبولائه لأئمّة أهل البيتعليهم‌السلام وبجرأته في الذَوْدِ عنهم، وبشدّته وقاطعيّته في المحاماة عنهم في مُحاوراته مع رجال بني أميّة، لا يستبعد أن يكون نصّ هذه الرسالة - جواب ابن عباس - من إنشاء الواقدي نفسه الذي يرويها(٣) ، (ونقلها عنه سبط ابن الجوزي في كتابه تذكرة الخواص)،

____________________

(١) تذكرة الخواص: ٢١٦.

(٢) تهذيب الكمال،٤:٤٩٢.

(٣) الواقدي: وهو محمد بن عمر بن واقد الأسلمي، وقد اتّهمه جُلُّ رجاليّي العامة بالكذب والافتراء، وأنّه متروك الرواية، وقد فصلّنا القول في هذا (راجع: الفصل الثاني: الملاحظة الرابعة من الملاحظات حول رسالة يزيد إلى عبد الله بن عباس ص ١٥٠).


ذلك؛ لأنّ نَفَسَ هذا الجواب مُغايرٌ تماماً لنَفَسِ ابن عباس في مواقفه قِبال بني أميّة.

ها هو ابن عباسرضي‌الله‌عنه في بلاط معاوية يُخرس مُحاوريه: معاوية، وعمرو بن العاص، ومروان بن الحَكم، وعتبة بن أبي سفيان، وزياد بن سميّة، وعبد الرحمان بن أمّ الحَكم، والمغيرة بن شعبة، بعد أن دحض ادّعاءاتهم وبَهَرهم بالحجّة الدامغة، ويقول ليزيد بن معاوية نفسه في قصر أبيه: « مهلاً يزيد! فو اللّه، ما صفت القلوب لكم منذ تكدّرت بالعداوة عليكم، ولا دنت بالمحبّة إليكم مُذْ نأت بالبغضاء عنكم، لا رضيت اليوم منكم ما سخطت بالأمسِ من أفعالكم، وإن تَدُلْ الأيّام نستقض ما سُدَّ عنّا، ونسترجع ما ابتُزَّ منّا، كيلاً بكيل، ووزناً بوزن، وإن تكن الأُخرى فكفى بالله وليّاً لنا، ووكيلاً على المعتدين علينا »(١) .

وها هو ابن عباسرضي‌الله‌عنه يُجيب يزيد -(٢) بقارعة أُخرى من قوارعه - في رسالة كتبها إليه قائلاً: « من عبد الله بن عباس إلى يزيد بن معاوية: أمّا بعدُ، فقد بلغني كتابُك بذكر دعاء ابن الزبير إيّاي إلى نفسه، وامتناعي عليه في الذي دعاني إليه من

____________________

(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ٦:٣٠٢.

(٢) ( أخذ ابن الزبير عبد الله بن عباس بالبيعة له، فامتنع عليه، فبلغ يزيد بن معاوية أنّ عبد الله بن عباس قد امتنع على ابن الزبير، فسرّه ذلك، وكتب إلى ابن عباس: أمّا بعدُ، فقد بلغني أنّ الملحد ابن الزبير دعاك إلى بيعته، وعرض عليك الدخول في طاعته؛ لتكون على الباطل ظهيراً وفي المأثم شريكاً، وأنّك امتنعت عليه، واعتصمت ببيعتنا وفاء منك لنا، وطاعة للّه فيما عرّفك من حقّنا، فجزاك الله من ذي رحم بأحسن ما يجزي به الواصلين لأرحامهم، فإنّي ما أنسَ من الأشياء، فلستُ بناس برّك وحُسن جزائك وتعجيل صلتك بالذي أنت منّي أهله في الشرف والطاعة والقرابة بالرسول، وانظر - رحمك الله - فيمن قِبَلَك من قومك، ومن يطرؤ عليك من الآفاق ممّن يسحره الملحدُ بلسانه وزُخرف قوله، فأعلِمهم حُسن رأيك في طاعتي والتمسّك ببيعتي، فإنّهم لك أطوع ومنك أسمع منهم للمحلّ الملحد، والسلام. فكتب إليه عبد الله بن عباس... ). (تاريخ اليعقوبي، ٢: ٢٤٧ - ٢٤٨).


بيعته، فإنْ يكُ ذلك كما بلغك فلستُ حمَدك أردتُ ولا وُدَّكَ، ولكنّ الله بالذي أنوي عليم، وزعمتَ أنّك لستَ بناسٍ ودّي، فلعمري، ما تؤتينا ممّا في يديك من حقّنا إلاّ القليل، وإنّك لتحبس عنّا منه العريض الطويل، وسألتني أن أحثّ الناسَ عليك وأُخذّلهم عن ابن الزبير، فلا ولا سروراً ولا حبوراً، وأنت قتلت الحسين بن عليّ! بفيك الكُثْكُث(١) ! ولك الأثلب(٢) ! إنّك إنْ تُمنِّك نفسك ذلك لعازب الرأي، وإنّك لأنت المفند المهوّر.

لا تحسبني - لا أباً لك! - نسيتُ قتلك حسيناً وفتيان بني عبد المطلّب، مصابيح الدُّجى، ونجوم الأعلام، غادرهم جنودك مُصرّعين في صعيد، مُرمّلين بالتراب، مسلوبين بالعراء، لا مكفَّنين، تسفي عليهم الرياح، وتعاورهم الذئاب، وتُنشي بهم عُرج الضباع، حتّى أتاح الله لهم أقواماً لم يشتركوا في دمائهم، فأجنّوهم في أكفانهم، وبي - والله - وبهم عززتَ وجلستَ مجلسك الذي جلست يا يزيد.

وما أنسَ من الأشياء، فلستُ بناسٍ تسليطك عليهم الدعيَّ العاهر(٣) ابن العاهر، البعيد رحماً، اللئيم أباً وأمّاً، الذي في ادّعاء أبيك إيّاه ما اكتسب أبوك به إلاّ العار والخزي والمذلّة في الآخرة والأُولى، وفي الممات والمحيا؛ إنّ نبيّ الله قال:( الولد للفراش وللعاهر الحجَر ) . فألحقه بأبيه كما يُلحَقُ بالعفيف النقيّ ولدُه الرشيد! وقد أمات أبوك السُنّة جهلاً! وأحيى البِدَع والأحداث المظلّة عمداً!

وما أنسى من الأشياء، فلستُ بناس اطّرادك الحسين بن عليّ من حَرم رسول

____________________

(١) بفيك الكُثْكُث: أي بفمك التراب والحجارة. (راجع: لسان العرب، ٢: ١٧٩).

(٢) ولك الأثلب: كناية عن الخيبة، والأثلب أيضاً معناه التراب والحجارة. (راجع: لسان العرب، ١: ٢٤٢).

(٣) يعني به عبيد الله بن زياد ابن أبيه.


الله إلى حَرم الله، ودسّك إليه الرجال تغتاله، فأشخصته من حرم الله إلى الكوفة، فخرج منها خائفاً يترقّب، وقد كان أعزّ أهل البطحاء بالبطحاء قديماً، وأعزّ أهلها بها حديثاً، وأطوع أهل الحرمين بالحرمين لو تبّوأ بها مقاماً واستحلّ بها قتالاً، ولكن كره أن يكون هو الذي يستحلّ حرمة البيت وحرمة رسول الله، فأكْبِر من ذلك ما لم تُكبر؛ حيث دسست إليه الرجال فيها ليُقاتَل في الحرم، وما لم يُكبَر ابن الزبير حيث ألحد بالبيت الحرام وعرّضه للعائر وأراقل العالم.

وأنت! لأنت المستحلّ فيما أظنّ، بل لا شكّ فيه، أنّك للمحرِّف العريف، فإنّك حلف نسوة، صاحب ملاهٍ، فلمّا رأى سوء رأيك شخص إلى العراق، ولم يبتغك ضراباً، وكان أمر الله قدراً مقدوراً.

ثمّ إنّك الكاتب إلى ابن مرجانة أن يستقبل حسيناً بالرجال، وأمرته بمُعاجلته، وترك مُطاولته والإلحاح عليه، حتى يقتله ومَن معه من بني عبد المطلّب، أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرّهم تطهيرا، فنحن أولئك، لسنا كآبائك الأجلاف الجُفاة الأكباد الحمير.

ثمّ طلب الحسين بن عليّ إليه الموادعة وسألهم الرجعة(١) ، فاغتنمتم قلّة أنصاره، واستئصال أهل بيته، فعدوتم عليهم، فقتلوهم كأنّما قتلوا أهل بيت من التُّرْك والكُفر، فلا شيء عندي أعجب من طلبك ودّي ونصري! وقد قتلت بني أبي، وسيفك يقطر من دمي، وأنت أخْذ ثأري، فإن يشأ لا يُطلّ لديك دمي ولا

____________________

(١) لعلّ ابن عباسرضي‌الله‌عنه يُشير بهذا إلى - ما روي من - قول الإمام الحسين عليه‌السلام :( دعوني فلأذهب في هذه الأرض العريضة حتى ننظر ما يصير أمر الناس ) (تاريخ الطبري، ٣: ٣١٢).

أو( أيّها الناس، إذ كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم إلى مأمني من الأرض ) (تاريخ الطبري، ٣: ٣١٨).


تسبقني بثأري، وإن سبقتني به في الدنيا فقبلنا ما قُتِل النبيّون وآل النبيّين، وكان الله الموعد، وكفى به للمظلومين ناصراً، ومن الظالمين مُنتقماً، فلا يُعجبنّك أن ظفرت بنا اليوم! فو الله، لنظفرنّ بك يوماً.

فأمّا ما ذكرت من وفائي، وما زعمت من حقّي، فإن يكُ ذلك كذلك، فقد - والله - بايعتُ أباك(١) ، وإنّي لأعلم أنّ ابنَي عمّي وجميع بني أبي أحقّ بهذا الأمر من أبيك، ولكنّكم - معاشر قريش - كاثرتمونا، فاستأثرتم علينا سلطاننا، ودفعتمونا عن حقّنا، فبُعداً على مَن يجترئ على ظلمنا، واستغوى السفهاء علينا، وتولّى الأمر دوننا! فبُعداً لهم كما بعُدت ثمود، وقوم لوط، وأصحاب مَدْين، ومُكذّبو المرسلين.

ألا ومن أعجب الأعاجيب، وما عشت أراك الدهرُ العجيبَ، حمْلك بنات عبد المطلّب، وغُلمة صغاراً من ولْده إليك بالشام كالسبي المجلوب، تُري الناس أنّك قهرتنا، وأنّك تأمر علينا، ولعمري، لئن كنت تُصبح وتُمسي آمناً لجرح يدي، إنّي لأرجو أن يعظم جراحك بلساني ونقضي وإبرامي فلا يستقرّ بك الجدل، ولا يُمهلك الله بعد قتلك عترة رسول الله إلاّ قليلاً، حتّى يأخذك أخذاً أليماً، فيُخرجك الله من الدنيا ذميماً أثيماً، فَعِشْ - لا أباً لك - فقد والله، أرداك عند الله ما اقترفت، والسلام على مَن أطاع الله »(٢) .

____________________

(١) وفي هذا إشارة إلى أنّه لم يُبايع يزيد، بل كان قد بايع معاوية بعد الصُّلح، لكنّ نصّ هذه الرسالة المرويّ بتفاوت كثير في بحار الأنوار:٤٥:٣٢٣ عن (بعض كتب المناقب القديمة) فيه: ( فقد - والله - بايعتك ومَن قبلك... )، وهذا كما هو ظاهر لا يتلائم مع نفس متن الرسالة الطافح بالتبرّي من يزيد وفعلته.

(٢) تأريخ اليعقوبي،٢:٢٤٨ - ٢٥٠; وانظر: بحار الأنوار، ٤٥: ٣٢٣.


تحرُّك محمد بن الحنفيةرضي‌الله‌عنه :

يشترك محمد بن الحنفية(١) مع عبد الله بن عبّاس رضي الله عنهما في

____________________

(١) هو محمّد بن علي بن أبي طالب عليه‌السلام ، كُنيته أبو القاسم، وقد اشتهر بلقب أمّه خولة الحنفية: (ابن الحنفية)، وقيل: إنّها من سبي اليمامة (الذين سُبوا لولايتهم لعليّ عليه‌السلام بذريعة امتناعهم عن أداء الزكاة)، فأرادوا بيعها، فصارت إلى عليّ عليه‌السلام فتزوّجها. (راجع: تنقيح المقال، ٣:١١٤; والخرايج والجرائح،٢:٥٨٩; وقاموس الرجال،٩:٢٤٦; والبحار،٤٢:٨٤، رقم ١٤; وانظر: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ١: ٢٤٣). قيل: إنّها كانت أمَة لبني حنيفة، ولم تكن من أنفسهم (راجع: المعارف: ٢١١).

وكان أمير المؤمنين عليه‌السلام يقذفه في لهوات حروبه ولا يسمح في ذلك بالحسنينعليهما‌السلام ، وكان يقول:( هو ولدي وهما ابنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ، وتوفِّي محمد بن الحنفية سنة ثمانين أو إحدى وثمانين (راجع: تنقيح المقال، ٣:١١١ - ١١٢)، أو سنة أربع وثمانين (على ما في كمال الدين وتمام النعمة، ١: ٣٦). والملفت للانتباه، أنّنا لم نجد في ما أُثر عن الإمام علي عليه‌السلام - حسب تتبُّعنا - أنّه لقّب ولده محمداً بـ (ابن الحنفية)، كما أنّ الإمام الحسين عليه‌السلام لم يذكره بهذا اللقب إلاَّ في موضعين: الأوّل:في وصيّته إليه، وفيها: ( إلى أخيه المعروف بابن الحنفية ) (الفتوح، ٥: ٢٣ والبحار، ٤٤: ٣٢٩). والثاني:في ذكره عليه‌السلام لحادثة كان فيها محمد، حيث يقول عليه‌السلام : ( وأخي محمّد بن الحنفية ) (البحار ٦٢: ١٩٣)، كما ورد لقبه هذا على لسان سلمان الفارسي أيضاً (البحار، ٢٧: ٣٣). لكنّ هذا اللقب تركّز على لسان الأصحاب والشيعة. نعم، أكثر مَن استعمل هذا اللقب من الأئمةعليهم‌السلام في ذكر محمد بن الحنفية هو الإمام الباقر عليه‌السلام ، ثمّ الصادق عليه‌السلام .

ولعلّ السرّ في تلقيبه بهذا اللقب منذ حياة أمير المؤمنين عليه‌السلام حتى صار معروفاً به في زمن الإمام الحسين عليه‌السلام ، هو معرفة أهل بيت العصمةعليهم‌السلام بأنّ أُناساً من هذه الأمّة سوف يدّعون المهدوية والغيبة لابن الحنفية، وأنّه هو المهديّ الموعود، سيّما وأنّ اسمه محمّد، وكُنيته أبو القاسم على ما سمّاه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ ولذا كان تأكيدهمعليهم‌السلام ( خصوصاً الباقر والصادقعليهما‌السلام اللذين اقترن زمانهما بتلك الدعوى ) من أجل دفع هذه الشبهة؛ لأنّ المهديّ عليه‌السلام من ولْد فاطمةعليها‌السلام - كما هو الثابت المشهور في الروايات المأثورة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل البيتعليهم‌السلام -، ومحمّد هذا وإن اشترك مع المهديّ عليه‌السلام بالاسم، إلاّ أنّه ليس من ولْد فاطمةعليها‌السلام .


الموقف من قيام الإمام الحسين عليه‌السلام بنفس المحورين الرئيسين، اللذين هما:

١- تأييد قيام الإمامعليه‌السلام .

٢- الاعتراض على خروج الإمامعليه‌السلام إلى الكوفة، وترجيح اليمن كقاعدة لانطلاق الثورة الحسينية إلى جميع البلاد الإسلامية.

كما يشتركان أيضاً، في أنّ نظرتهما التي انبعثت منها اقتراحاتهما ومشوراتهما، كانت ترتكز على حسابات النصر الظاهري وشرائطه ولوازمه، وتتجلّى هذه الحقيقة للمتأمّل إذا نظر في مُحاورات الإمامعليه‌السلام مع كلّ منهما.

وكان محمّد بن الحنفيةرضي‌الله‌عنه قد قدّم رأيه بين يدي الإمامعليه‌السلام في المدينة المنوّرة قائلاً: « يا أخي، أنت أحبّ الناس إليَّ، وأعزّهم عليَّ، ولستُ أدّخر النصيحة لأحد من الخَلق إلاّ لك، وأنت أحقّ بها، تنحَّ ببيعتك عن يزيد بن معاوية وعن الأمصار ما استطعت، ثمّ ابعث رُسلك إلى الناس فادعهم إلى نفسك، فإن بايعك الناس وبايعوا لك حمدت الله على ذلك، وإن اجتمع الناس على غيرك لن يُنقص الله بذلك دينك ولا عقلك، ولا تذهب بذلك مروّتك ولا فضلك، إنّي أخاف عليك أن تدخل مصراً من هذه الأمصار فيختلف الناس بينهم، فمنهم طائفة معك، وأُخرى عليك، فيقتتلون فتكون لأوّل الأسنّة غرضاً، فإذا خير هذه الأمّة كلّها نفساً وأباً وأمّاً أضيعها دماً وأذلّها أهلاً!! »(١) .

وقال له أيضاً: « انزل مكّة، فإن اطمأنّت بك الدار بها فسبيل ذلك، وإن نبتْ بك لحقت بالرمال وشعف الجبال، وخرجت من بلد إلى بلد، حتى تنظر إلى ما يصير أمر الناس إليه، فإنّك أصوب ما تكون رأياً حين تستقبل الأمر استقبالاً »(٢) .

____________________

(١) الإرشاد: ٢٠١ - ٢٠٢.

(٢) المصدر السابق.


وفي رواية الفتوح: « اُخْرُجْ إلى مكّة، فإن اطمأنّت بك الدار فذاك الذي تُحبّ وأُحبّ، وإن تكن الأُخرى خرجت إلى بلاد اليمن، فإنّهم أنصار جدّك وأخيك وأبيك، وهم أرأف الناس وأرقّهم قلوباً، وأوسع الناس بلاداً، وأرجحهم عقولاً، فإن اطمأنّت بك أرض اليمن وإلاّ لحقت بالرمال وشعوف الجبال، وصرت من بلد إلى بلد، لتنظر ما يؤول إليه أمر الناس، ويحكم بينك وبين القوم الفاسقين »(١) .

ثمّ تحرّك محمد بن الحنفيةرضي‌الله‌عنه من المدينة إلى مكّة للقاء الإمام الحسينعليه‌السلام قبل خروجه إلى العراق(٢) .

ويُحدّثنا التأريخ عن لقاء تمَّ بينهما في مكّة، في الليلة الأخيرة التي خرج الإمامعليه‌السلام في صبيحتها عن مكّة.

يقول السيّد ابن طاووس (ره): « رويتُ من كتاب أصل لأحمد بن الحسين بن عمر بن بريدة الثقة، وعلى الأصل أنَّه كان لمحمّد بن داود القمّي، بالإسناد عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال:( سار محمّد بن الحنفية إلى الحسين عليه‌السلام في الليلة التي أراد الخروج في صبيحتها عن مكّة، فقال: يا أخي، إنّ أهل الكوفة مَن قد عرفتَ غدرهم بأبيك وأخيك، وقد خفت أن يكون حالك كحال مَن مضى، فإن رأيت أن تُقيم فإنّك أعزّ مَن في الحرم وأمنعه.

فقال عليه‌السلام : يا أخي، قد خفت أن يغتالني يزيد بن معاوية في الحرم، فأكون

____________________

(١) الفتوح، ٥:٢٠ - ٢١.

(٢) تقول بعض المصادر التاريخية: إنّ تحرّك محمد بن الحنفية من المدينة إلى مكّة للقاء الإمام الحسين عليه‌السلام كان على أثر الرسالة التي بعث بها الإمام عليه‌السلام إلى المدينة، والتي خفَّ إليه على أثرها جماعة من بني هاشم وتبعهم محمد بن الحنفية (راجع: البداية والنهاية،٨:١٦٧ وتاريخ ابن عساكر (ترجمة الإمام الحسين عليه‌السلام ، تحقيق المحمودي): ٢٠٤، رقم ٢٥٦); وإن حاول بعض المعاصرين إنكار ذلك، وأنّه لم يتمّ لابن الحنفية أيّ لقاء مع الحسين في غير المدينة.


الذي يُستباح به حرمة هذا البيت .

فقال له ابن الحنفية: فإن خفت ذلك، فَسِرْ إلى اليمن أو بعض نواحي البّر؛ فإنّك أمنع الناس به ولا يقدر عليك أحد!

فقال عليه‌السلام : أنظرُ فيما قلتَ. ولما كان السحر ارتحل الحسين عليه‌السلام ، فبلغ ذلك ابن الحنفية، فأتاه فأخذ زمام ناقته التي ركبها، فقال له: يا أخي، ألم تعِدني النظر فيما سألتك؟!

قال عليه‌السلام : بلى.

قال: فما حداك على الخروج عاجلاً؟!

فقال عليه‌السلام : أتاني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بعد ما فارقتك، فقال: يا حسين، اخْرُج؛ فإنّ الله قد شاء أن يراك قتيلاً!

فقال له ابن الحنفية: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، فما معنى حملك هؤلاء النساء معك وأنت تخرج على مثل هذه الحال؟!

فقال عليه‌السلام له: قد قال لي: إنّ الله قد شاء أن يراهنّ سبايا! وسلّم عليه ومضى ) (١) .

إشارة:

كنّا في آخر الفصل الأول - تحت عنوان «لماذا حمل الإمامعليه‌السلام النساء والأطفال معه؟ » - قد تناولنا بعض ملامح الحكمة في قول الإمامعليه‌السلام عن لسان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله :( فإنّ الله قد شاء أن يراك قتيلاً! ) و( إنّ الله قد شاء أن يراهنّ سبايا! ) ،

____________________

(١) اللهوف: ١٢٧.


ونودُّ أن نُشير هنا إلى:

١) - أنّ من أبعاد خشية الإمامعليه‌السلام من اغتيال السلطة الأُمويّة إيّاه في مكّة المكرّمة - إضافة إلى جميع الأبعاد التي مرَّ ذكرها فيما مضى في ثنايا هذا الكتاب - هو أنّ هناك روايات مأثورة عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله تُندِّد بالمقتول القرشيّ في مكّة، الذي تُنتهك وتُستباح به حُرمة البيت الحرام، وأنّ ذنوب هذا الرجل لو وزنت بذنوب الثقلين لوزنتها، وأنّ عليه نصف عذاب العالم(١) ، ومعلوم أنّ السلطة الأُمويّة سوف تُطبّق هذه الروايات على الإمام الحسينعليه‌السلام لتستفيد منها إعلامياً في تنفير الناس من الإمامعليه‌السلام فيما لو تمكّنت من قتله في مكّة المكرّمة.

٢) - لم يُحدّد الإمامعليه‌السلام في قوله:( أتاني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بعد ما فارقتك )، نوع هذا المجيء، هل كان في يقظة أو في منام؟ وإنْ كانت النتيجة واحدة؛ لأنّ رؤية الإمامعليه‌السلام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في المنام كرؤيته في اليقظة، ومستوى التكليف الذي يوجّهه واحد - سواء في يقظة أم في منام - ولا ينحصر هذا في رؤية الإمامعليه‌السلام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، بل يشمل رؤية المؤمن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أيضاً؛ إذ قد أُثر عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال:( مَن رآني في منامه فقد رآني، فإنّ الشيطان لا يتمثّل في صورتي، ولا في صورة أحد من أوصيائي، ولا في صورة أحد من شيعتهم، وإنّ الرؤيا الصادقة جزء من سبعين جزء من النبّوة ) (٢) .

فلا يبقى مجال - إذن - للتشكيك بأنّ الثورة الحسينية وخروج الإمامعليه‌السلام ، كانا قد

____________________

(١) راجع: سير أعلام النبلاء،٣:٣٧٧; وانظر: قاموس الرجال،٦:٣٥٤.

(٢) البحار،٥٨:١٧٦; ولا يخفى أنّ قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله قد شمل حتى رؤية المؤمن أحداً من أوصيائهعليهم‌السلام ، أو أحداً من شيعتهم رضوان الله تعالى عليهم، وقد عقد العلاّمة المجلسي (ره) باباً ( في رؤية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وأوصيائه وسائر الأنبياء في المنام )، وفيه بيانات وتعاليق مهمّة، فراجع: البحار، ٥٨: ٢٣٤.


ارتكزا على رؤيا منام لا اعتبار لها! كما تُسطِّر ذلك بعض الأقلام المأجورة والعقول الضعيفة(١) .

لماذا تخلّف محمّد بن الحنفية عن الإمام عليه‌السلام ؟!

لم نعثر - حسب تتبُّعنا - على مأثور عن أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام ، بصدد علّة تخلّف محمد بن الحنفيةرضي‌الله‌عنه عن الالتحاق بالإمام الحسينعليه‌السلام ، سوى هذه الرواية، التي يرويها ابن فروخ صاحب « بصائر الدرجات »، بسند عن حمزة بن حمران، عن الإمام الصادقعليه‌السلام ، يقول حمزة: « ذكرنا خروج الحسين وتخلُّف ابن الحنفية عنه.

قال: قال أبو عبد اللهعليه‌السلام :( يا حمزة، إنّي سأُحدّثك في هذا الحديث ولا تسأل عنه بعد مجلسنا هذا: إنّ الحسين لما فصل مُتوجّهاً دعا بقرطاس وكتب: بسم الله الرحمن الرحيم:

من الحسين بن عليّ إلى بني هاشم، أمّا بعدُ، فإنّه مَن لحق بي منكم استُشهِد معي، ومَن تخلّف لم يبلغ الفتح، والسلام ) (٢) .

وقد علّق العلاّمة المجلسي (ره) على هذه الرواية تعليقتين قائلاً:

في الأُولى: « قولهعليه‌السلام :(... لم يبلغ الفتح... ) ، أي لم يبلغ ما يتمنّاه من فتوح الدنيا والتمتُّع

____________________

(١) انظر: كتاب شهيد آگاه: ١٧٤.

(٢) بصائر الدرجات،١٠:٤٨١، باب ٩، حديث٥، وقد رواها ابن قولويه (ره) في كامل الزيارات: ٧٥، باب ٢٤، حديث ١٥ بسند عن زرارة، عن الإمام الباقر عليه‌السلام قال:( كتب الحسين بن علي من مكّة إلى محمّد بن علي: بسم الله الرحمن الرحيم: من الحسين بن علي، إلى محمّد بن عليّ ومَن قِبَله من بني هاشم، أمّا بعدُ، فإنّ مَن لحق بي استُشهد، ومَن لم يلحق بي لم يُدرِك الفتح، والسلام ) .وقد رويت أيضاً عن كتاب الرسائل للكليني، بسند آخر عن حمزة بن حمران، عن الإمام الصادق عليه‌السلام ، وفيها: ( يا حمزة، إنّي سأُخبرك بحديث لا تسأل عنه بعد مجلسك هذا... ) (البحار،٤٤:٣٣٠ باب ٣٧).


بها، وظاهر الجواب ذمُّه، ويُحتمل أن يكون المعنى أنّهعليه‌السلام خيّرهم في ذلك، فلا إثم على مَن تخلّف! »(١) .

وفي الثانية: (... ومَن تخلّف لم يبلغ مبلغ الفتح... ) ، أي لا يتيسّر له فتح وفلاح في الدنيا أو في الآخرة، أو الأعمّ، وهذا إمّا تعليل بأنّ ابن الحنفية إنّما لم يلحق؛ لأنّه علم أنّة يُقتل إن ذهب بإخبارهعليه‌السلام ، أو بيان لحرمانه عن تلك السعادة، أو لأنّه لا عُذر له في ذلك لأنّه أعلمه وأمثاله بذلك! »(٢) .

ونقول: إنّ نصّ هذه الرسالة الشريفة - بغضّ النظر عن حقيقة المراد بالفتح(٣) فيها - يُقرّر بلا شكّ أنّ مَن لم يلتحق بالإمامعليه‌السلام محروم من مبلغ الفتح هذا، سواء كان معذوراً أم غير معذور، فلا دليل من نفس النصّ على أنّ كلّ مَن تخلّف غيرُ معذور ويُذمُّ، كما هو المستفاد من ظاهر تعليقتَي العلاّمة المجلسيّ (ره)(٤) ، من أنّ كلّ مَن بلغته هذه الرسالة ليس بمعذور؛ لأنّ الإمامعليه‌السلام أعلمه فيها بالمصير!(٥) . هذا

____________________

(١) بحار الأنوار، ٤٢:٨١، باب ١٢٠، حديث ١٢.

(٢) نفس المصدر،٤٤:٣٦٠، باب ٣٧.

(٣) لقد مضى القول بالتفصيل في معنى هذا الفتح، في الجزء الأوّل من هذا الكتاب في مقالة (بين يدي الشهيد الفاتح)، كما تعرّضنا له في هذا الجزء أيضاً في الفصل الأوّل منه، عند ذكرنا لهذه الرسالة من ( رسائل الإمام عليه‌السلام ) وتعليقتنا عليها.

(٤) لا يخفى على المتأمِّل في تعليقة العلاّمة المجلسي الثانية ما فيها من قسوة - نراها غير مقصودة - بحقّ ابن الحنفية، ذلك البطل الذي كان أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام يُلقيه في لهوات حروبه، فما يرهب الموت والقتل، وكان مُعتقداً بإمامة الحسنينعليهما‌السلام وإمامة السجّاد عليه‌السلام ، عارفاً بحقّهم، وقد أجمع علماء الرجال الشيعة على مدحه والثناء عليه.

(٥) يبدو أنّ التغليب هو المراد بقوله عليه‌السلام :(... مَن لحق بي استُشهد... ) ؛ إذ إنّ أفراداً هناك ممّن التحقوا به عليه‌السلام لم يُستشهدوا وسلموا من القتل كالحسن المثنّى وغيره، هذا إذا كان المراد هنا من الاستشهاد: =


فضلاً عن المناقشة الموجودة في سند هذه الرواية(١) .

ولعلّ الإمام الصادقعليه‌السلام أراد أن يصرف اهتمام المتذاكرين في سبب تخلّف ابن الحنفية إلى ما هو أهمّ من أن يكون المتخلّف معذوراً أو غير معذور، وهذا الأهمّ هو أصل الحرمان من بلوغ منزلة « أنصار الحسينعليه‌السلام » الذين لم يسبقهم

____________________

= القتل في سبيل الله، والله العالم.

(١) فالرواية على فرض دلالتها على توبيخ المتخلّف، سيّما ابن الحنفيةرضي‌الله‌عنه - كما استفاد منها العلاّمة المجلسي (ره) والوحيد البهبهاني (ره) - فهي مورد نقاش في السند؛ لأنّ في سندها مروان بن إسماعيل وهو مهمل؛ إذ لم يرد له ذكر في الكتب الرجالية أصلاً، وفيه أيضاً حمزة بن حمران الشيباني، الذي لم يرد فيه توثيق إلاّ أنّه من مشايخ ابن أبي عمير وصفوان من أصحاب الإجماع، وقيل: إنّ هذا مشعرٌ بوثاقته (كما عن تنقيح المقال، ١: ٣٧٤)، لكنّ هذا المبنى مورد للنقاش والردّ (كما عن مُعجم رجال الحديث، ٦: ٢٦٦)، والتجأ البعض إلى طُرق أُخرى لتوثيقه، وهي أيضاً مخدوشة (انظر: قاموس الرجال، ٤: ٢٨)، كما أنّ السيد محمد بن أبي طالب صاحب كتاب (تسلية المجالس) نقلها عن كتاب الرسائل للكليني، ولا يُعلم طريقه إليه.

ومن الجدير بالذكر، أنّ المامقاني يتبنّى رأي الوحيد البهبهاني، في أنّ نفس الذمّ الذي قد يُستفاد من هذه الرواية بحق ابن الحنفية، قد يكون مقصوداً لمصلحة ما كان الإمام عليه‌السلام ناظراً إليها، يقول المامقاني: ( وأمّا تخلّفه عن الحسين عليه‌السلام فلعلّه كان لعذر أو مصلحة، والرواية الواردة في ذمّة (ولعلّه يقصد نفس هذه الرواية) إن كانت صحيحة، فلعلّه أيضاً كانت لمصلحة، كما نبّه على ذلك المولى الوحيد(قدّس سرّه ) ) (تنقيح المقال، ٣: ١١٥).

ويرى المامقاني أيضاً، بعد عرضه لجواب العلاّمة الحلّي عن سؤال السيد مهنّا، أنّ مرض ابن الحنفية - إن صحّ - فهو عند رجوع أهل البيت إلى المدينة لا عند ذهاب الحسين عليه‌السلام ، ويُعلّق تعليقة طويلة (هي مورد تأمُّل ونقاش تحقيقي مُفصّل! )، ومن الجدير بالذكر أنّه (ره) ضمن تعليقته هذه يرى صحّة هذه الرواية (راجع: تنقيح المقال، ٣: ١١٢).


سابق في سموّ مرتبتهم ولا يلحق بهم لاحق، كما قرّر ذلك أمير المؤمنين عليه‌السلام (١) ؛ إذ المعذور وغير المعذور من المتخلّفين سواء - من حيث النتيجة العملية لا من حيث الحساب والجزاء - في حرمانهم من ذلك الشرف الذي لا يُضاهى والمجد الذي لا يُدانى، وحَقَّ لكلّ مؤمن «غير أنصار الحسين عليه‌السلام » أن تذهب نفسه حسرات أسفاً، على حرمانه من ذلك الفوز العظيم كلّما ردّد: ( يا ليتني كنت معكم، فأفوز واللّه فوزاً عظيماً!! ).

مع هذا، فإنّ من علمائنا مَن روى ونقل أنّ سيّدنا محمد بن الحنفيةرضي‌الله‌عنه كان مريضاً أيّام خروج الإمام الحسينعليه‌السلام ، إلى درجة أنّه كان لا يقوى على حمل السيف!

وفي طليعة هؤلاء الأعلام السيّد ابن طاووس «قدّس سرّه »، فقد أورد في كتابه: عن أبي مخنف قوله: « وقد كان محمد بن الحنفية موكوعاً(٢) ؛ لأنّه أُهدي إلى أخيه الحسينعليه‌السلام درع من نسج داود على نبيّنا وعليه السلام، فلبسه ففضل عنه ذراع وأربعة أصابع، فجمع محمّد بن الحنفية ما فضل منه وفركه بيده فقطعه، فأصابته نظرة، فصارت أنامله تجري دماً مدّة، ولهذا لم يخرج مع الحسينعليه‌السلام يوم كربلاء؛ لأنّه ما كان يقدر أن يقبض قائم سيف ولا كعب رمح »(٣) .

ومن هؤلاء الأعلام أيضاً العلاّمة الحلّي (ره)، ففي إجابته عن سؤال: « ما يقول سيّدنا في محمّد بن الحنفية؟ هل كان يقول بإمامة أخويه وزين العابدينعليهما‌السلام أم لا؟ وهل ذكر أصحابنا له عذراً في تخلّفه عن الحسينعليه‌السلام وعدم

____________________

(١) بحار الأنوار،٤١:٢٩٥، باب ١١٤، حديث رقم ١٨.

(٢) الوكع: مَيْل الأصابع قِبَل السبّابة حتى تصير كالعّقفَة، خِلقةً أو عرضاً. (راجع لسان العرب،٨:٤٠٨، مادّة وكع).

(٣) كتاب (حكاية المختار في أخذ الثار برواية أبي مخنف ): ٣٣; المطبوع مع كتاب اللهوف في قتلى الطفوف ; منشورات المطبعة الحيدرية في النجف الأشرف.


نصرته له أم لا؟ وكيف يكون الحال إن كان تخلّفه عنه لغير عذر؟ وكذلك عبد الله بن جعفر وأمثاله؟ ». قال العلاّمة الحلّي (ره): « قد ثبت في أصول الإمامة، أنّ أركان الإيمان: التوحيد والعدل والنبّوة والإمامة، والسيّد محمّد بن الحنفية وعبد الله بن جعفر وأمثالهم، أجلّ قدراً وأعظم شأناً من اعتقادهم خلاف الحق وخروجهم عن الإيمان، الذي يحصل به اكتساب الثواب الدائم والخلاص من العقاب. وأمّا تخلّفه عن نُصرة الحسين عليه‌السلام فقد نُقل أنّه كان مريضاً، ويُحتمل في غيره عدم العلم بما وقع لمولانا الحسين عليه‌السلام من القتل وغيره، وبنوا على ما وصل من كُتب الغَدَرَةِ إليه، وتوهمّوا نصرتهم له! »(١) .

____________________

(١) المسائل المهنّائية: ٣٨، المسألة رقم ٣٣.

لكنّنا نقول: إن احتمال عدم علم محمد بن الحنفيةرضي‌الله‌عنه بمصير الإمام الحسين عليه‌السلام - كما احتمله العلاّمة الحلّي (ره) - مُستبعدٌ جدّاً؛ لوجود الروايات الكثيرة المنتشرة آنذاك والمخبرة بمقتل الإمام الحسين عليه‌السلام ، المرويّة عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعن أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وعن الإمام الحسين نفسه عليه‌السلام ، ولا يُحتمل أنّ محمّد بن الحنفية لم يكن على علم ببعضها على الأقلّ! كيف، وقد روي عن محمّد نفسه حول أصحاب الإمام الحسين عليه‌السلام قوله: ( وإنّ أصحابه عندنا لمكتوبون بأسمائهم وأسماء آبائهم! ). (مناقب آل أبي طالب، ٤: ٥٣)؟!

هذا فضلاً عن الروايات التي تقول: إنّ الإمام الحسين عليه‌السلام كان قد أخبر أخاه محمّداً بذلك، ومنها الرواية المرويّة عن الإمام الباقر عليه‌السلام ، والتي تُخبر أنّ الإمام عليه‌السلام بعث برسالة إلى محمد بن الحنفية ومَن قِبَله من بني هاشم يقول فيها:(... مَن لحق بي استُشهِد... ) . (كامل الزيارات: ٧٥، باب ٢٤، حديث ١٥)، والرواية الأُخرى المرويّة بأسانيد مُتعدِّدة، والتي تقول: إنّ الإمام عليه‌السلام قال لمحمّدرضي‌الله‌عنه :( والله - يا أخي -، لو كنت في جُحر هامّة من هوامّ الأرض، لاستخرجوني منه حتى يقتلوني ) . (البحار:، ٤٥:٩٩، باب ٣٧)، ومع اعتقاد محمّد بن الحنفية بإمامة الحسين عليه‌السلام ، فإنّ أخذه عنه أخذ عن صادق مُصدَّق، خبره الخبر اليقين الذي لا ريب فيه. لكنّ الذي يُهوّن الخطب، أنّ احتمال العلاّمة في غير ابن الحنفية - على الأظهر - وإلاّ فإنّ ابن الحنفية كان مريضاً.


كما أورد الدربندي في «أسرار الشهادة»، نقلاً عن أبي مخنف مُحاورة في المدينة بين الإمامعليه‌السلام وبين أخيه محمّد، كان منها قول محمّد: « إنّي والله ليحزنني فراقك، وما أقعدني عن المسير معك إلاّ لأجل ما أجده من المرض الشديد، فو الله، يا أخي ما أقدر أن أقبض على قائم سيف ولا كعب رمح، فو الله، لا فرحت بعدك أبداً.

ثمّ بكى شديداً حتى غُشي عليه، فلمّا أفاق من غشيته قال: يا أخي استودعك الله من شهيد مظلوم! »(١) .

كما تعرّض الشيخ حبيب الله الكاشاني لهذا، وذكر أنّ ابن الحنفية كان مُصاباً بألم، فلم يقدر على حمل السيف والجهاد(٢) ، بل ذكر أنّ المشهور هو أنّ ابن الحنفية كان مريضاً في المدينة(٣) .

وجدير بالذكر: أنّ محمّد بن يزيد المبّرد في كتابه «الكامل»، روى قصّة محمد بن الحنفية مع الدرع قائلاً: « وكان عبد الله بن الزبير يُظهر البُغض لابن الحنفية إلى بُغض أهله! وكان يحسدُه على أيْدِهِ « أي قوّته »، ويُقال: إنّ عليّاً استطال درعاً فقال: لينقص منها كذا وكذا حلْقة، فقبض محمّد بن الحنفية بإحدى يديه على ذيلها، وبالأُخرى على فضلها، ثمّ جذبه فقطعه من الموضع الذي حدَّه أبوه، فكان ابن الزبير إذا حُدِّث بهذا الحديث غضب واعتراه له أَفْكَلٌ « أي رعدة »! »(٤) .

____________________

(١) أسرار الشهادة: ٢٤٦; ومعالي السبطين،١:٢٣٠.

(٢) تذكرة الشهداء: ٧١.

(٣) نفس المصدر: ٨٢.

(٤) الكامل،٣:٢٦٦ / دار الفكر العربي - القاهرة.


زيادة.. ربّما كانت أُمويّة!

ادّعى ابن عساكر في تأريخه، ومن بعده المزّي، والذهبي، أنّ ابن الحنفية لما يأس في مكّة من تغيير عزم الإمام الحسينعليه‌السلام ومنعه من الخروج إلى العراق، منع وِلْدَه من الالتحاق بالإمامعليه‌السلام ؛ حيث قالوا: « وبعث الحسين إلى المدينة، فقدم عليه مَن خَفّ معه من بني عبد المطّلب، وهم تسعة عشر رجلاً، ونساء، وصبيان، من إخوانه وبناته ونسائهم. وتبعهم محمّد بن الحنفية، فأدرك حسيناً بمكّة، وأعلمه أنّ الخروج ليس له برأي يومه هذا، فأبى الحسين أن يقبل [ رأيه ]، فحبس محمّد بن علي وُلْده [ عنه ]، فلم يبعث معه أحداً منهم، حتى وجَد حسين في نفسه على محمّد وقال [ له ]: ( أترغب بولْدك عن موضع أُصاب فيه؟! ).

فقال محمّد: وما حاجتي أن تُصاب ويُصابون معك؟! وإن كانت مُصيبتك أعظم عندنا منهم! »(١) .

أقول: لم نعثر على هذا - أي حبس محمّد أولاده عن الالتحاق بالإمامعليه‌السلام - في كُتبنا، بل في تواريخ غيرنا أيضاً، سوى ما أورده ابن عساكر، ثمّ المزيّ(٢) ، ثمّ الذهبي(٣) ،

وقد أورد الذهبي هذه الرواية مُرسلة، وكذلك أوردها المزّي، ولعلّهما أخذاها عن ابن عساكر الذي أوردها بسند، فيه أكثر من مجهول، وفيه مَن اتّهمه ابن عساكر نفسه برقّة دينه كالبزّاز!(٤) ، وفيه مَن هو ليس بالقويّ في حديثه، كابن

____________________

(١) تاريخ ابن عساكر ( ترجمة الإمام الحسين عليه‌السلام ) تحقيق المحمودي: ٢٠٤ - ٢٠٥، رقم ٢٥٤.

(٢) تهذيب الكمال،٤:٤٩٣.

(٣) تاريخ الإسلام، حوادث سنة ٦١، صفحة ٩.

(٤) وهو أبو بكر محمّد بن عبد الباقي البزّاز (راجع: سير أعلام النبلاء، ٢٠: ٢٥).


فَهْم(١) .

فضلاً عن هذا، فإنّ مثل هذا الأمر لو كان قد حصل فعلاً، لكان سُبّةً وسَوْءةً يُعيَّر بها ابن الحنفية وأبناؤه، ولكان لهذا الحدث آثار مُمتدّة يُعرف من خلالها، كأنْ يُعاتب ابن الحنفية أو أبناؤه مِن قِبَل واحد من أهل البيتعليهم‌السلام أو أكثر مثلاً، أو مِن قِبَل أحد الهاشميين، أو من قِبَل بعض الناس، فيردّ محمّد - أو أبناؤه - مُدافعاً عن موقفه في منع أولاده من الالتحاق بالإمامعليه‌السلام .

ولا شكّ أنّ جميع هذه الآثار - أو بعضها - سوف تنطبع على صفحة التأريخ، فنقرأها في المطبوع منه أو في المخطوط.

لكنّنا لا نجد شيئاً من هذا على صفحة التأريخ، ولا في المأثور عن أهل البيتعليهم‌السلام بصدد نهضة الإمام الحسينعليه‌السلام ، أو بصدد محمد بن الحنفية نفسه، بل ولا نجد له أثراً في المأثور عن ابن الحنفية نفسه وعن أبنائه.

من هنا؛ نرى أنّ ما رواه ابن عساكر بهذا الصدد، زيادة مكذوبة، ولا يبعد أن يكون أحد الرواة في سندها ذا ميل أُمويّ(٢) ، فأراد أن يُشوِّه وحدة الصفّ الهاشمي في الموقف من نهضة الإمام الحسينعليه‌السلام ، ويُسيء بالخصوص إلى محمد بن الحنفيةرضي‌الله‌عنه ، الذي كان مُعتقداً بإمامة الحسنينعليهما‌السلام ، وبإمامة زين العابدينعليه‌السلام

____________________

(١) وهو حسين بن فَهْم الفقيه، قال الدار قطني: ليس بالقويّ (راجع: سير أعلام النبلاء،١٣:٤٢٧ وتاريخ بغداد، ٨: ٩٣).

(٢) في سند رواية ابن عساكر هذه: محمد بن عمر الواقدي، الذي قال فيه الشيخ المفيد (ره): ( إنّ الواقدي كان عثماني المذهب بالميل عن علي أمير المؤمنين ) ( كتاب الجمل: ٥٤).

وكان الواقدي يقول: ( الكرخ مفيض السُّفَّل! )، وقد عنى بذلك مواضع يسكنها الرافضة! (تاريخ بغداد، ٣:٣ وقاموس الرجال: ٩: ٤٩٢).

وقد اتّهمه جُلُّ رجاليّي العامّة بالكذب (راجع: الفصل الثاني، الملاحظة الرابعة من الملاحظات حول رسالة يزيد إلى ابن عباس، ص:١٥٠ - ١٥١).


أئمّة له في حياته بعد أمير المؤمنين عليه‌السلام .

تحرّك عبد الله بن جعفررضي‌الله‌عنه :

لم يُحدّثنا التأريخ عن شيء من تحرُّك عبد الله بن جعفررضي‌الله‌عنه (١) طيلة أيّام

____________________

(١) عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضوان الله تعالى عليهم أجمعين: ولِد بأرض الحبشة، أيّام هجرة أبيه إليها، وأمّه أسماء بنت عميس، وكان عبد الله جليل القدر عظيم الشأن، وآية في الحِلم والجود والكرم، وهو من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأمير المؤمنين عليه‌السلام ، والحسنينعليهما‌السلام ، وقد شهِد صِفِّين مع أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وكان على الخيل، وقد ورد في مدحه روايات من طريق الفريقين، وهو من رواة حديث الغدير، وقد احتجّ على معاوية بذلك بعد شهادة عليّ عليه‌السلام ، ومات عبد الله بن جعفر سنة ثمانين وأربع أو خمس، عن تسعين أو أزيد، ومن أولاده: عون، ومحمد، وهما من شهداء الطّف، وزاد المجلسيّ (نقلاً عن أبي الفرج الأصبهاني) ثالثاً: وهو عبد الله أو عبيد الله من الشهداء.. (راجع: مُستدركات علم الرجال،٤:٥٠٢، وانظر خلاصة الأقوال للحلِّي: ١٠٣، ومُنتهى المقال للحائري،٤:١٦٧، ونقد الرجال للتفرشي، ٣: ٩٣).

وقال الذهبي: ( عبد الله بن جعفر، السيّد العالم، كفله النبيّ ونشأ في حِجره، كان كبير الشأن كريماً جواداً يصلح للأمامة... وقد دعا النبيّ له قائلاً:( اللّهم، بارك له في تجارته ) ، وكان يوم صِفِّين على قريش وأسد وكنانة ) (سير أعلام النبلاء، ٣: ٤٥٦).

وكان عبد الله بن جعفررضي‌الله‌عنه جريئاً فيقول الحق، فقد روي أنّ عمرو بن العاص نال من عليّ أمير المؤمنين عليه‌السلام في مجلس معاوية، بمحضر عبد الله بن جعفر فـ ( التمع لونه واعتراه أفكَلٌ حتى أرعدت خصائله، ثمّ نزل عن السرير وحسر عن ذراعيه وقال: يا معاوية، حتّامَ نتجرَّع غيظك؟! وإلى كم الصبر على مكروه قولك وسيّئ أدبك وذميم أخلاقك؟! هبلتك الهبول! أما يزجرك ذمام المجال عن القذع لجليسك؟! أما والله، لو عطفتك أواصر الأرحام، أو حاميت على سهمك في الإسلام، لما أرعيت بني الإماء أعراض قومك، فلا يدعونّك تصويب ما فَرط من خطئك في سفك دماء المسلمين ومُحاربة أمير المؤمنين عليه‌السلام إلى التمادي في ما قد وضح لك الصواب في خلافه. فأقسم عليه معاوية =


النهضة الحسينية إلاّ في ثلاث قضايا:

الأولى: - كتابته الرسالة التي بعث بها من المدينة إلى الإمامعليه‌السلام في مكّة، بعد انتشار الخبر في أهل المدينة، بأنّ الإمام الحسينعليه‌السلام يُريد الخروج إلى العراق «على ما في رواية الفتوح»، أو بعثها إليه من مكّة بعد خروجهعليه‌السلام منها «على ما في رواية الطبري».

والثانية: - وساطته بين والي مكّة والمدينة - يومئذ عمرو بن سعيد الأشدق - وبين الإمامعليه‌السلام بُعَيْدَ خروجه من مكّة.

____________________

= وجعل يترضّاه ويسكّن غضبه، وقال له فيما قال: أنت ابن ذي الجناحين وسيّد بني هاشم! فقال: كلاّ! بل سيّد بني هاشم الحسن والحسينعليهما‌السلام لا يُنازعهما في ذلك أحد ). (قاموس الرجال،٦:٢٨٤، وانظر: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد،٦:٢٩٥ - ٢٩٧).

وروى الشيخ الصدوق (ره) بسندين عن سليم بن قيس الهلالي، عن عبد الله بن جعفر الطيّار يقول: ( كنّا عند معاوية أنا والحسن والحسين، وعبد الله بن عبّاس، وعمر بن أبي سلمة، وأسامة بن زيد، فجرى بيني وبين معاوية كلام، فقلت لمعاوية: سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول:( أنا أَولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثمّ أخي عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام أَولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا استُشهد عليٌّ فالحسن بن عليّ أَولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثمّ ابنه الحسين بعدُ أَولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا استُشهد فابنه عليّ بن الحسين الأكبر أَولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثمّ ابني محمد بن عليّ الباقر أَولى بالمؤمنين من أنفسهم، وستُدركه يا...، ثمّ تكملة اثني عشر إماماً تسعة من ولد الحسين رضي‌الله‌عنه ... ) . (الخصال، ٢:٤٧٧، باب ١٢، رقم ٤١).

وهذه الرواية دالّة - بلا ريب - على إمامية مذهب عبد الله بن جعفررضي‌الله‌عنه .

يقول السيّد الخوئي (ره): ( أقول: جلالة عبد الله بن جعفر الطيّار بن أبي طالب بمرتبة لا حاجة معها إلى الإطراء، وممّا يدلّ على جلالته، أنّ أمير المؤمنين عليه‌السلام كان يتحفّظ عليه من القتل، كما كان يتحفّظ على الحسن والحسينعليهما‌السلام ومحمد بن الحنفية... ) (مُعجم رجال الحديث،١٠:١٣٨، رقم ٦٧٥١).


والثالثة: - إرساله ولَدَيه محمّداً وعوناً لنُصرة الإمامعليه‌السلام .

أمّا في قضية الرسالة، فتقول رواية الفتوح:

«... واتّصل الخبر بالمدينة، وبلغهم أنّ الحسين عزم على الخروج إلى العراق، فكتب إليه عبد الله بن جعفر الطيّار:

« بسم الله الرحمن الرحيم: للحسين بن علي، من عبد الله بن جعفر: أمّا بعدُ، فإنّي أنشدك الله أن تخرج عن مكّة؛ فإنّي خائف عليك من هذا الأمر الذي قد أزمعت عليه أن يكون فيه هلاكك وأهل بيتك، فإنّك إن قُتلتَ أخاف أن يُطفأ نور الأرض وأنت روح الهدى، وأمير المؤمنين، فلا تعجل بالمسير إلى العراق؛ فإنّي آخذٌ لك الأمان من يزيد وجميع بني أميّة، على نفسك ومالك وولْدك وأهل بيتك، والسلام »(١) .

فكتب إليه الحسينعليه‌السلام :

( أمّا بعدُ، فإنّ كتابك ورد عليَّ فقرأته وفهمت ما ذكرت، وأُعلمك أنّي قد رأيت جدّي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في منامي، فخبّرني بأمر وأنا ماضٍ له، لي كان أو عليَّ، والله - يا بن عميّ - لو كنت في جُحر هامّة من هوامّ الأرض لاستخرجوني ويقتلوني! واللّه - يا بن عمّي - ليعدَينّ عليَّ كما عدَت اليهود على السبت. والسلام ) (٢) .

أمّا الطبري، فقد روى أنّ عبد الله بن جعفررضي‌الله‌عنه كان قد بعث برسالته هذه إلى الإمامعليه‌السلام من مكّة بعد خروجهعليه‌السلام منها، وقد رواها عن علي بن

____________________

(١) الفتوح،٥:٧٤ وعنه الخوارزمي في المقتل بتفاوت،١:٣١١ - ٣١٢.

(٢) المصدر السابق.


الحسين عليه‌السلام قال:( لما خرجنا من مكّة كتب عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، إلى الحسين بن عليّ مع ابنيه عون ومحمد: أمّا بعدُ، فإنّي أسألك باللّه لما انصرفت حين تنظر في كتابي، فإنّي مُشفق عليك من الوجه الذي تُوجَّه له أن يكون فيه هلاكك، واستئصال أهل بيتك، إنّ هلكت اليوم طُفئ نور الأرض؛ فإنّك عَلَم المهتدين ورجاء المؤمنين، فلا تعجل بالسير؛ فإنّي في أثر الكتاب، والسلام ) (١) .

تأمُّل ومُلاحظات:

١) - يُستفاد من نصّ رواية الفتوح، أنّ هذه الرسالة كتبها عبد الله بن جعفررضي‌الله‌عنه من المدينة إلى الإمامعليه‌السلام ، بعد أن شاع في المدينة نفسها خبر عزم الإمامعليه‌السلام على التوجّه إلى العراق، أي في أواخر الأيام المكّيّة من عُمر النهضة الحسينية، بل المستفاد من رواية الطبري، أنّ هذه الرسالة كُتبت بعد خروج الإمامعليه‌السلام من مكّة، أي بعد انتهاء الأيّام المكيّة من عُمر النهضة الحسينية.

وعلى كِلا الاحتمالين، قد يستشعر المتأمّل أنّ تحرّك عبد الله بن جعفررضي‌الله‌عنه جاء مُتأخّراً كثيراً قياساً إلى بداية حركة أحداث النهضة الحسينية، هذا على ضوء المتون التاريخية المتوفّرة، والله العالم.

أمّا ابن عساكر، فقد أشار إلى هذه الرسالة فقط بقوله: « وكتب عبد الله بن جعفر بن أبي طالب إليه كتاباً يُحذّره من أهل الكوفة، ويُناشده الله أن يشخص إليهم »(٢) ، كما لم يَروِ من جواب الإمامعليه‌السلام إلاّ:( إنّي رأيت رؤيا، ورأيت فيها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله

____________________

(١) تاريخ الطبري،٣:٢٩٧، والكامل في التأريخ،٢:٥٤٨، والإرشاد: ٢١٩.

(٢) تاريخ ابن عساكر (ترجمة الإمام الحسين، تحقيق المحمودي): ٢٠٢، وانظر: البداية والنهاية،٨:١٦٩، وتهذيب الكمال، ٤: ٤٩١).


وأمرني بأمر أنا ماضٍ له، ولستُ بمُخبر بها أحداً حتى أُلاقي عملي ) (١) .

٢) - يظهر من نصّ رسالة ابن جعفررضي‌الله‌عنه ، أنّه يشترك مع ابن عبّاسرضي‌الله‌عنه وابن الحنفيّةرضي‌الله‌عنه وغيرهم، في النظرة إلى قيام الإمامعليه‌السلام من زاوية النصر أو الانكسار الظاهريّين، هذه النظرة التي كانت مُنطلق مشوراتهم ونصائحهم، وخوفهم أن يُقتل الإمامعليه‌السلام في الوجهة التي عزم عليها؛ ولذا فقد كان الإمامعليه‌السلام يُجيبهم بأنّ منطقه الذي يتحرّك على أساسه غير هذا، من خلال الرؤيا التي رأى فيها جدّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنّه مأمور بهذا النوع من التحرُّك؛ امتثالاً لأمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

٣) - كما يظهر من نصّ رسالة عبد الله بن جعفررضي‌الله‌عنه أنّه كان يعتقد أو يأمل - من خلال الوساطة - أن تتحقَّق المتاركة بين السلطة الأُمويّة وبين الإمامعليه‌السلام ، إذا انثنى عن القيام والخروج وإن لم يُبايع!

ولذا؛ فقد ردّ الإمامعليه‌السلام على هذا الوهم، بأنّه ما لم يُبايع يُقتل لا محالة؛ ولأنّه لا يُبايع يزيد أبداً؛ فالنتيجة لا محالة هي:( لو كنت في جُحر هامّة من هوامّ الأرض لاستخرجوني حتى يقتلوني!... ) ، وفي هذا ردٌّ أيضاً على تصوّر عبد الله بن جعفر - على فرض صحّة رواية الفتوح - بأنّه يستطيع أخذ الأمان من الأُمويين للإمامعليه‌السلام ولمالِه وأولاده وأهله!

ولا يخفى على العارف، أنّنا هنا إنّما نُناقش معاني مُستوحاة من نصّ الرسالتين، وإلاّ فإنّ الإمامعليه‌السلام لم يكن لينثني عن قيامه ونهضته، حتّى لو أُعطي الأمان مع عدم المبايعة؛ ذلك لأنّه لم يخرج لفقده الأمان، بل لطلب الإصلاح في أمّة جدّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويسير بسيرة جدّه وأبيه صلوات الله عليهما وآلهما.

____________________

(١) راجع: المصادر السابقة.


أمّا قصّة وساطته بين عمرو الأشدق وبين الإمامعليه‌السلام ...

فالظاهر من رواية الطبري، أنّ عبد الله بن جعفررضي‌الله‌عنه لم يكتفِ بمُراسلة الإمامعليه‌السلام ، بل ترك المدينة مُسرعاً إلى مكّة؛ لتحقيق وعده بتحصيل الأمان الأُموي للإمامعليه‌السلام !

ويُستفاد من هذه الرواية أيضاً، أنّ عبد الله بن جعفررضي‌الله‌عنه حينما توسّط في الأمر، كان الإمامعليه‌السلام قد تحرّك بالفعل خارجاً عن مكّة المكرّمة...

تقول الرواية: « وقام عبد الله بن جعفر إلى عمرو بن سعيد بن العاص فكلّمه، وقال: أكتبُ إلى الحسين كتاباً تجعل له فيه الأمان، وتُمنيِّه فيه البرّ والصلة، وتوثّق له في كتابك، وتسأله الرجوع، لعلّه يطمئنّ إلى ذلك فيرجع.

فقال عمرو بن سعيد: اكتُبْ ما شئت، وأتني به حتّى أختمه.

فكتب عبد الله بن جعفر الكتاب، ثمّ أتى به عمرو بن سعيد، فقال له: اختمه وابعث به مع أخيك يحيى بن سعيد؛ فإنّه أحرى أن تطمئنّ نفسه إليه، ويعلم أنّه الجدّ منك.

ففعل... فلحقه يحيى وعبد الله بن جعفر، ثمّ انصرفا بعد أن أقرأه يحيى الكتاب، فقالا: أقرأناه الكتاب وجهدنا به، وكان ممَّا اعتذر به إلينا أن قال:« إنّي رأيت رؤيا فيها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وأُمرت فيها بأمر أنا ماضٍ له، عليَّ كان أو لي! » .

فقالا له: فما تلك الرؤيا؟!

قال:« ما حدّثتُ أحداً بها، وما أنا مُحدِّث بها حتى ألقى ربّي! » .

قال: وكان كتاب عمرو بن سعيد إلى الحسين بن عليّ:

بسم الله الرحمن الرحيم. من عمرو بن سعيد إلى الحسين بن عليّ:


أمّا بعد، فإنّي أسأل الله أن يصرفك عمّا يوبقك، وأن يهديك لما يُرشدك، بلغني أنّك قد توجّهت إلى العراق، وإنّي أُعيذك بالله من الشقاق، فإنّي أخاف عليك فيه الهلاك، وقد بعثت إليك عبد الله بن جعفر ويحيى بن سعيد، فأقبل إليَّ معهما، فإنّ لك عندي الأمان والصلة والبرّ وحُسن الجوار، لك الله عليَّ بذلك شهيدٌ وكفيلٌ ومُراعٍ ووكيل، والسلام عليك »(١) .

تأمُّل ومُلاحظات:

١) - توحي هذه الرواية - كما أوحت ذلك من قبل أيضاً رسالة عبد الله بن جعفر إلى الإمامعليه‌السلام التي رواها صاحب الفتوح - بأنّ عبد الله بن جعفر كان يعتقد أنّ الإمامعليه‌السلام إنّما خرج لفقده الأمان على حياته، لا لأمر آخر وراء ذلك، فهو هنا يقول للأشدق: أكتبُ للحسين كتاباً تجعل له فيه الأمان، وتُمنّيه فيه البرّ والصلة... لعلَّه يطمئنّ إلى ذلك فيرجع!

كما توحي أيضاً، بأنّه كان يرى إمكان تحقُّق المتاركة بين السلطة الأُموية وبين الإمامعليه‌السلام في حال عدم مُبايعته ليزيد! الأمر الذي لم يكن يراه محمّد بن الحنفية وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما، كما هو المستفاد من مُحاوراتهما مع الإمامعليه‌السلام .

ونحن نستبعد جدّاً أن يكون عبد الله بن جعفررضي‌الله‌عنه ذا اعتقاد كهذا! وهو ابن عمّ الإمامعليه‌السلام ، القريب منه الحميم العلاقة به، والمعتقِد بإمامته وعصمته، العارف بنظرته إلى الأمور، البصير بمشربه.

ونعتقد أنّ قلّة الوثائق التاريخية المتعلّقة بأخبار وتفاصيل موقف ابن

____________________

(١) تأريخ الطبري:٣:٢٩٧، والكامل في التأريخ:٢:٥٤٨.


جعفررضي‌الله‌عنه من قيام الإمام عليه‌السلام ساعدت كثيراً على مظلوميّته!

والنزر القليل جدّاً من الروايات التاريخية المتوفّرة في هذا الصدد قد شوّه الصورة الناصعة لهذا الهاشمي العظيم، الذي وردت روايات فيه أنّه أشبه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خلقاً وخُلقاً(١) .

٢) - وتدّعي هذه الرواية أيضاً، أنّ رسالة الأشدق إلى الإمامعليه‌السلام كان قد كتبها عبد الله بن جعفررضي‌الله‌عنه . وهذا من مظلوميته التاريخية أيضاً؛ ذلك لأنّ المتأمّل في متن هذه الرسالة، يرى فيها كثيراً من سوء الأدب في مُخاطبة الإمامعليه‌السلام ، كمثل: « أسأل الله أن يصرفك عمّا يوبقك، وأن يهديك لما يُرشدك... وإنّي أُعيذك بالله من الشقاق! »، وهذا مُستبعد صدروه من رجل مؤمن بإمامة الإمام الحسينعليه‌السلام ، ويراه: « نور الأرض » و« أمير المؤمنين » و« روح الهدى »(٢) .

ومن الجدير بالذكر هنا: أنّ ابن أعثم الكوفي في كتابه الفتوح(٣) قد ذكر هذه الرسالة التي بعثها الأشدق إلى الإمامعليه‌السلام ، ولكنّه ذكر أن عمرو بن سعيد الأشدق هو الذي كتبها، وليس عبد الله بن جعفررضي‌الله‌عنه ، كما ذكر أنّ حاملها إلى الإمامعليه‌السلام كان يحيى بن سعيد وحده - أي لم يكن عبد الله بن جعفررضي‌الله‌عنه معه!

كما أنّ الشيخ المفيد (ره) روى نفس قصّة هذه الرسالة - كما رواها الطبري - لكنّه لم يذكر أنّ عبد الله بن جعفررضي‌الله‌عنه هو الذي كتبها(٤) ، بل قال: « فكتب إليه

____________________

(١) انظر: سير أعلام النبلاء،٣:٤٥٦.

(٢) كما ورد ذلك في رسالة عبد الله بن جعفر إلى الإمام عليه‌السلام على ما في رواية الفتوح،٥:٧٥، وكذلك تأريخ الطبري،٣:٢٩٦.

(٣) الفتوح،٥:٧٥ وعنه الخوارزمي في المقتل،١:٣١٢ / لكنّه ذكر أنّه كتبها إليه من المدينة.

(٤) وهكذا في الكامل لابن الأثير،٢:٥٤٨، وفي البداية والنهاية،٨:١٦٩.


عمرو بن سعيد كتاباً... »(١) ، فتأمّل!

وأمّا قصّة التحاق ابنَيه عون ومحمّد(٢) بالإمامعليه‌السلام ...

فإنّ ظاهر القرائن التاريخية يُفيد أنّهما كانا مع أبيهما، ثمّ التحقا بالإمامعليه‌السلام وانضمّا إلى الركب الحسيني بعد خروجه من مكّة، بعلم من أبيهما وبإذنه، يقول الشيخ المفيد (ره): « فلمّا آيَس منه عبد الله بن جعفر (ره) أمر ابنَيه عوناً ومحمّداً بلزومه والمسير معه والجهاد دونه، ورجع مع يحيى بن سعيد إلى مكّة »(٣) .

وقد كان ابناه محمد وعون حاملي رسالة أبيهما إلى الإمامعليه‌السلام قبل ذلك، على ما في رواية الطبري والمفيد(٤) ، وإن كان سياق القصّة على ما في رواية الفتوح أنّه بعثهما برسالته من المدينة إلى الإمامعليه‌السلام في مكّة(٥) ، وهذا ما ذهب إليه ابن الصبّاغ أيضاً في الفصول المهمّة، حيث قال: « ثمّ إنّه وردت على الحسينعليه‌السلام كتب من أهل المدينة، من عند عبد الله بن جعفر على يدي ابنيه عون ومحمّد، ومن سعيد بن العاص، ومعه جماعة من أعيان المدينة... »(٦) .

وإرسال عبد الله بن جعفررضي‌الله‌عنه ولَدَيه عوناً ومحمّداً؛ ليُجاهدا دون

____________________

(١) الإرشاد: ٢١٩.

(٢) عون وأمّه زينب بنت عليّعليهما‌السلام ، ومحمّد وأمّه الخوصاء بنت حفصة بن ثقيف بن ربيعة... بن بكر بن وائل (راجع: إبصار العين: ٧٥ - ٧٧).

(٣) الإرشاد: ٢١٩.

(٤) تأريخ الطبري،٣:٢٩٧، والإرشاد: ٢١٩.

(٥) الفتوح،٥:٧٥، والخوارزمي في المقتل،١:٣١١.

(٦) الفصول المهمّة: ١٨٧، ونور الأبصار: ٢٥٨. أمّا ابن عبد ربّه، فعلى عادته في قلب الحقائق، قال في كتابه: ( أرسل عبد الله بن جعفر ابنيه عوناً ومحمّداً ليردّا حسيناً! فأبى حسين أن يرجع! وخرج ابنا عبد الله بن جعفر معه! ) (العقد الفريد: ٤: ٣٧٧).


الإمام عليه‌السلام وليُستشهدا بين يديه؛ دليل تامٌّ على تأييده النهضة الحسينية، وهنا يلمح المتأمّل، أنّ عبد الله بن جعفر يشترك مع ابن الحنفية وابن عباس، في أصل تأييد قيام الإمام عليه‌السلام ، وفي أصل معارضة خروجه إلى العراق..

ومن الروايات الكاشفة عن تأييدهرضي‌الله‌عنه لقيام الإمامعليه‌السلام ، ما رواه الشيخ المفيد (ره) قائلاً: « ودخل بعض موالي عبد الله بن جعفر بن أبي طالبعليهم‌السلام فنعى إليه ابنيه، فاسترجع. قال أبو السلاسل « أبو اللسلاس »(١) ، مولى عبد الله: هذا ما لقينا من الحسين بن عليّ!

فحذفه عبد الله بن جعفر بنعله، ثم قال: يا بن اللخناء! أللحسينعليه‌السلام تقول هذا؟! والله، لو شهدتُه لأحببتُ أن لا أُفارقه حتى أُقتل معه! والله، إنّه لممّا يُسخِّي نفسي عنهما، ويُعزّي عن المصاب بهما أنَّهما أُصيبا مع أخي وابن عمّي مواسيَين له، صابرَين معه.

ثمّ أقبل على جلسائه فقال: الحمدُ للّه! عزَّ عليَّ مصرع الحسين! إن لا أكُنْ آسيت حسيناً بيدي، فقد آساه ولداي »(٢) .

وجدير بالذكر هنا، أن نُضيف أنّ أبا الفرج الأصبهاني روى، أنّ لعبد الله بن جعفررضي‌الله‌عنه ولداً آخر اسمه عبيد الله، وأمّه الخوصاء بنت حفصة بن ثقيف، قُتل أيضاً في كربلاء بين يدي الإمام الحسينعليه‌السلام ، وهو أخو محمد بن عبد الله بن جعفررضي‌الله‌عنه لأمّه وأبيه(٣) .

____________________

(١) كما ضبطها المحقّق السماوي (راجع: إبصار العين: ٧٦).

(٢) الإرشاد: ٢٤٧، والكامل في التأريخ:٢:٥٧٩، والطبري:٣:٣٤٢.

(٣) راجع: مقاتل الطالبيِّين: ٦١، وعنه البحار، ٤٥:٣٤.


لماذا لم يلتحق عبد الله بن جعفررضي‌الله‌عنه بالإمام عليه‌السلام ؟!

لم نعثر - بحسب تتبُّعنا - على مَن تأمّل في جلالة عبد الله بن جعفررضي‌الله‌عنه ، لا في كُتبنا ولا في كُتب السنّة، فكأنّ جلالة قدر عبد الله بن جعفررضي‌الله‌عنه أمرٌ مُتسالم ومُتّفق عليه.

فالعلاّمة الحلّي (ره) - على سبيل المثال لا الحصر - يقول فيه وفي محمّد بن الحنفية رضوان الله عليهما: « والسيّد محمّد بن الحنفية، وعبد الله بن جعفر وأمثالهم أجلُّ قدراً وأعظم شأناً من اعتقادهم خلاف الحقّ وخروجهم عن الإيمان... »(١) .

ويقول السيّد الخوئي (ره): « جلالة عبد الله بن جعفر الطيّار بن أبي طالب بمرتبة لا حاجة معها إلى الإطراء... »(٢) .

ويقول الذهبي: « عبد الله بن جعفر، السيّد العالم... كان كبير الشأن، كريماً جواداً، يصلح للإمامة... »(٣) .

ولا شكّ أنّ المتتبّع العارف بسيرة عبد الله بن جعفررضي‌الله‌عنه ، وبأخباره، وبمواقفه الجريئة في الدفاع عن الحق ودحض الباطل، وبانقطاعه إلى عمّه أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام والحسنينعليهما‌السلام من بعده، وبمعرفته بأئمته الذين فرض الله طاعتهم وولايتهم(٤) ، وبعلاقته الحميمة بالإمام الحسينعليه‌السلام وبقُربه منه، يقطع مطمئنّاً بأنّ هذا السيّد الهاشميّ الإماميّ، الشجاع البصير، المنقطع إلى الإمام

____________________

(١) المسائل المهنّائية: ٣٨، المسألة ٣٣.

(٢) مُعجم رجال الحديث:١٠:١٣٨، رقم ٦٧٥١

(٣) سير أعلام النبلاء:٣:٤٥٦.

(٤) راجع: الخصال:٢:٤٧٧، باب ١٢، رقم ٤١.


الحسين عليه‌السلام كان عارفاً بفرض امتثال أمر إمامه عليه‌السلام ، وبوجوب نُصرته، فلابدّ أنّه كان معذوراً في عدم التحاقه بالركب الحسيني، وكيف يتخلّف بلا عذر، وقد خرجت زوجته وابنة عمّه المكرّمة زينب الكبرى بنت عليّعليهما‌السلام ، وخرج ولداه - أو أولاده - مع الإمام عليه‌السلام في رحلة الفتح بالشهادة؟!

إنّ مَن يواسي الإمامعليه‌السلام بأعزّ ما عنده من أهل بيته، لابدّ وأن يكون تخلُّفه عن الإمامعليه‌السلام على كُرْه منه، بسبب عُذر قاهر!

يقول المامقاني (ره): « وقد واساه بوِلْده عون ومحمّد وعبد الله، قُتلوا معه بالطفّ، لمَا كان هو معذوراً في الخروج معه »(١) .

أمّا ما هو عذره في عدم الالتحاق بالإمامعليه‌السلام ، فإنَّنا لم نعثر - مع تتبُّع غير يسير- على مصدر يُشخِّص نوع هذا العذر، إلاّ ما وجدناه في كتاب «زينب الكبرى» للمحقّق الشيخ جعفر النقدي، حيث يقول: « أمّا عدم خروجه مع الحسينعليه‌السلام إلى كربلاء، فقد قيل: إنّه مكفوف البصر! »(٢) .

____________________

(١) تنقيح المقال: ٢:١٧٣.

(٢) زينب الكبرى: ٨٧.


عبد الله بن الزبير.. والنصائح المتناقضة!

لم يستثقل عبد الله بن الزبير(١) وجود الإمام الحسينعليه‌السلام من قبلُ في أيّ مكان

____________________

(١) عبد الله بن الزبير بن العوّام: وأمّه أسماء بنت أبي بكر، وقيل: إنّه ولِد في السنة الأُولى أو السنة الثانية من الهجرة، وقد عُدَّ من صغار الصحابة (راجع: سير أعلام النبلاء، ٣: ٣٦٤)، وهو الذي قال له النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله - حين شرب دم حجامته -:( ويلٌ للناس منك! ) . وهو الذي كان يُخالف السنّة الثابتة ويواصل في الصوم سبعة أيّام. وإن حاول الذهبي الاعتذار عنه بقوله: لعلّه ما بلغه النهي عن الوصال! (راجع: سير أعلام النبلاء، ٣: ٣٦٦)، وهو الذي ركع فقرأ في ركوعه البقرة وآل عمران والنساء والمائدة، مع النهي الوارد عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله . وإن حاول الذهبي أيضاً الاعتذار عنه بقوله: بأنّ ابن الزبير لم يبلغه حديث النهي! (راجع: سير أعلام النبلاء، ٣: ٣٦٩).

وقد وصفه أمير المؤمنين عليه‌السلام في واحد من أخباره بالمغيّبات قائلاً:( خَبٌّ، ضبٌّ، يروم أمراً ولا يُدركه، ينصب حبالة الدين لاصطياد الدنيا، وهو بعدُ مصلوب قريش! ) . (شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ٧: ٢٤).

وكان ابن الزبير قد رغّب عثمان بن عفّان - أثناء الحصار - بالتحوُّل إلى مكّة، لكنّ عثمان أبى ذلك قائلاً: إنّي سمعتُ رسول الله يقول:( يُلحد بمكّة كبش من قريش اسمه عبد الله، عليه مثل نصف أوزار الناس ) . (راجع: سير أعلام النبلاء:٣: ٣٧٥).

وقد حذّره عبد الله بن عمرو بقوله: ( إيّاك والإلحاد في حرم الله! فأشهد لسمعتُ رسول الله يقول:( يُحلّها - وتُحلُّ به -رجل من قريش لو وزِنت ذنوبه بذنوب الثقلَين لوزنتها ) ، (سير أعلام النبلاء، ٣: ٣٧٨).

وكان عبد الله بن الزبير من أهمّ العوامل التي أثّرت في تغيير مسار أبيه، وفي هذا يقول أمير المؤمنين عليه‌السلام :( مازال الزبير منّا حتّى نشأ ابنه عبد الله! ) (بحار الأنوار، ٣٤: ٢٨٩)، وهو الذي حرّض عائشة على مواصلة المسير إلى البصرة، حين قصدت الرجوع بعد نباح كلاب الحوأب عليها، وهو الذي بقي أربعين يوماً لا يُصلّي على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في خُطبته حتى التأَتْ عليه الناس، فقال: إنّ له أهل بيت سوء! إذا ذكرته اشرأبّت نفوسهم إليه وفرحوا بذلك، فلا أُحبّ أن أقرَّ أعينهم بذلك! (راجع: العقد الفريد،٤:٤١٣، وبحار الأنوار، ٤٨: ١٨٣)، وهو الذي دعا ابن عباس ومحمّد بن الحنفية وجماعة من =


- بعد وقعة الجَمل - كما أستثقله في مكّة المكرّمة أيّام تواجد الإمام عليه‌السلام فيها، بعد رفضه البيعة ليزيد؛ ذلك لأنّ ابن الزبير كان قد نوى - منذ البدء - أن يتّخذ مكّة المكرّمة منطلقاً للتمرّد على السلطة الأموية، ومركزاً لإدارة أمور البُلدان الأُخرى في حال نجاحه في مسعاه؛ ولذا فقد كان في حاجة ماسّة إلى أن يخلو له وجه مكّة من أيّ مُنافس، وتصفو له من كلّ مزاحم، فما بالك بمزاحم ومُنافس لا يرى الناس ابن

____________________

= بني هاشم إلى بيعته، فلمّا أبوا عليه جعل يشتمهم ويتناولهم على المنبر.. ثمّ قال: لتُبايعُنّ أو لأُحرقنّكم بالنار! فأبوا عليه، فحبس محمد بن الحنفية في خمسة عشر من بني هاشم في السجن (العقد الفريد،٤:٤١٣، وانظر: مروج الذهب:٣:٨٦/الطبعة الميمنيّة).

وقد كان ابن الزبير يُبغض بني هاشم ويلعن عليّاً عليه‌السلام ويسبّه، وكان حريصاً جدّاً على الإمارة والسلطة، وكان يدعو الناس إلى طلب الثأر قبل موت يزيد، فلمّا مات طلب الملك لنفسه لا للثار. (راجع: مُستدركات علم الرجال، ٥: ١٨).

وكان ابن الزبير هذا مُتصّفاً بصفات وخِلال تُنافي أخلاقيات الرئاسة، ولا يصلح معها للخلافة؛ إذ كان بخيلاً، سيّئ الخُلق، حسوداً، كثير الخِلاف؛ ولذا تراه أخرج ابن الحنفية، ونفى ابن عباس إلى الطائف (راجع: فوات الوفيات، ١: ٤٤٨).

وقد عانى الناس أيّام سلطته القصيرة أنواع البؤس والجوع والحرمان، وخصوصاً الموالي، فقد لاقوا منه أنواع الضيق، حتى أنشد شاعرهم فيه:

إنَّ الموالي أمست وهي عاتبة

على الخليفة تشكو الجوع والسغبا

ماذا علينا وماذا كان يُرزؤنا

أيُّ الملوك على من حولنا غلبا

(راجع: مروج الذهب، ٣: ٢٢).

وكان تصنّعه النُّسك والتقشُّف والتقوى لصيد البسطاء، وإغراء السذَّج من هذه الأمّة، ويُنقل أنّ زوجة عبد الله بن عمر ألحَّت عليه أن يُبايع ابن الزبير؛ لما رأت من ظاهر طاعته وتقواه، فقال لها ابن عمر: أما رأيتِ بغلات معاوية التي كان يحجُّ عليها الشهباء؟! فإنّ ابن الزبير ما يُريد غيرهنّ!! (راجع: حياة الإمام الحسين بن عليعليهم‌السلام ،٢:٣١٠ عن المختار: ٩٥).


الزبير قباله شيئاً مذكوراً؟! ولا يعبأون بحضوره أو بغيابه إذا حضر ذلك الشخص المبجّل عندهم؟!

فمع وجود الإمام الحسينعليه‌السلام في مكّة المكرّمة، كانت الأرض قد ضاقت على ابن الزبير بما رحبت، وضاقت عليه حرجاً أنفاسه كأنّما يَصَّعدُ في السماء، لكنّه كان يُداري حراجة تلك الأيّام باستظهار هدوء مُفتعل، وصبر مُصطنع، ويتكتّم على حسده وغِلّه ونواياه بما هو فوق طاقته! يقول التأريخ:

« واشتدّ ذلك على ابن الزبير؛ لأنّه كان قد طمع أن يُبايعه أهل مكّة، فلمّا قدم الحسين شقّ ذلك عليه، غير أنّه لا يُبدي ما في قلبه إلى الحسين، لكنّه يختلف إليه ويُصلّي بصلاته، ويقعد عنده ويسمع حديثه، وهو يعلم أنّه لا يُبايعه أحدٌ من أهل مكّة والحسين بن عليّ بها؛ لأنّ الحسين عندهم أعظم في أنفسهم من ابن الزبير »(١) .

« وأمّا ابن الزبير، فإنّه لزم مُصلاّه عند الكعبة، وجعل يتردّد في غبون ذلك إلى الحسين في جملة الناس، ولا يُمكنه أن يتحرّك بشيء ممّا في نفسه مع وجود الحسين؛ لِما يعلم من تعظيم الناس له وتقديمهم إيّاه عليه... بل الناس إنّما مَيلهم إلى الحسين؛ لأنّه السيّد الكبير، وابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فليس على وجه الأرض يومئذ أحدٌ يُساميه ولا يُساويه... »(٢) .

من هنا؛ كان كلُّ همِّ عبد الله بن الزبير وأقصى أُمنيته، أن يُخرِج الإمام الحسينعليه‌السلام من مكّة لتخلو له، وكان ابن الزبير يظنّ أنّ ما يُضمره خافٍ على

____________________

(١) الفتوح،٥:٢٦، وإعلام الورى: ٢٢٣، وانظر البداية والنهاية،٨:١٥٣، وكذلك روضة الواعظين: ١٧٢.

(٢) البداية والنهاية،٨:١٥٣، وانظر: تأريخ الإسلام: ٢٦٨.


الإمام عليه‌السلام وعلى الآخرين من وجهاء الأمّة وأعلامها، غير أنّ أمره كان أظهر من أن يخفى على ذي فطنة كابن عباس مثلاً، فما بالك بالإمام عليه‌السلام ؟!

يروي الطبري، أنّ ابن الزبير أتى الإمام الحسينعليه‌السلام - بعد خروج ابن عباسرضي‌الله‌عنه من عند الإمامعليه‌السلام ! - فحدّثه ساعة، ثمّ قال: ما أدري ما تركنا هؤلاء القوم وكفّنا عنهم، ونحن أبناء المهاجرين وولاة الأمر دونهم؟! خبّرني ما تُريد أن تصنع؟

فقال الحسينعليه‌السلام :( واللّه، لقد حدّثت نفسي بإتيان الكوفة، ولقد كتب إليَّ شيعتي بها وأشراف أهلها، وأستخير الله ) .

فقال له ابن الزبير: أما لو كان لي بها مثل شيعتك ما عدلتُ بها!

ثمّ خشي أن يتّهمه فقال: أما إنّك لو أقمت بالحجاز ثمّ أردتَ هذا الأمر ها هنا ما خولف عليك إن شاء الله!

ثمّ قام فخرج من عنده.

فقال الحسينعليه‌السلام :( ها إنّ هذا ليس شيء يؤتاه من الدنيا أحبّ إليه من أن أخرج من الحجاز إلى العراق، وقد علم أنّه ليس له من الأمر معي شيء، وأنّ الناس لم يعدلوه بي؛ فودَّ أنّي خرجت منها لتخلو له ) (١) .

ويروي ابن عساكر عن معمر، عن رجل أنّه سمع الإمام الحسين بن عليّعليهما‌السلام يقول لابن الزبير: ( أتتني بيعة أربعين ألفاً يحلفون لي بالطلاق والعتاق

____________________

(١) تأريخ الطبري،٣:٢٩٥، وانظر: الكامل في التأريخ،٢:٥٤٦، والبداية والنهاية،٨:١٧٢، وشرح الأخبار،٣:١٤٥.

وقال المزي في تهذيب الكمال،٤:٤٨٩: ( وكان ابن الزبير يغدو ويروح إلى الحسين ويُشير عليه أن يقدم العراق، ويقول: هم شيعتك وشيعة أبيك! ).


من أهل الكوفة - أو قال من أهل العراق - ).

فقال له عبد الله بن الزبير: أتخرج إلى قوم قتلوا أباك وأخرجوا أخاك؟! »(١) .

ويروي الطبري أيضاً، عن عبد الله بن سليم والمذري بن المشمعّل الأسديين أنّهما رأيا - يوم التروية! - فيما بين الحجر وباب الكعبة كُلاًّ من الإمام الحسينعليه‌السلام وعبد الله بن الزبير قائمين عند ارتفاع الضحى، وسمعا ابن الزبير يقول للإمامعليه‌السلام :

« إنْ شئت أن تُقيم أقمتَ فَوُلِّيتَ هذا الأمر، فآزرناك وساعدناك ونصحنا لك وبايعناك!

فقال له الحسينعليه‌السلام :( إنّ أبي حدّثني أنّ بها كبشاً يستحلّ حُرمتها! فما أُحبّ أن أكون أنا ذلك الكبش! ) .

فقال له ابن الزبير: فأقم إن شئت وتولّيني أنا الأمر، فتُطاع ولا تُعصى!

فقالعليه‌السلام :( وما أريد هذا أيضاً! ) (٢) .

أمّا الدينوري فيروي قائلاً: « وبلغ عبد الله بن الزبير ما يَهمُّ به الحسين، فأقبل حتى دخل عليه، فقال له: لو أقمت بهذا الحرم، وبثثت رُسُلك في البلدان، وكتبت إلى شيعتك بالعراق أن يقدموا عليك، فإذا قوي أمرك نفيتُ عمّال يزيد عن هذا

____________________

(١) تاريخ ابن عساكر ( ترجمة الإمام الحسين / تحقيق المحمودي ): ١٩٤، رقم ٢٤٩.

(٢) تأريخ الطبري،٣:٢٩٥. والملفت للانتباه في هذه الرواية أيضاً، أنّ هذين الراويين الأسديين في ختام هذه الرواية قالا: ( ثمّ إنّهما أخفيا كلامهما دوننا، فمازالا يتناجيان حتى سمعنا دعاء الناس رائحين مُتوجّهين إلى منى عند الظهر، فطاف الحسين بالبيت وبين الصفا والمروة، وقصّ من مشعره، وحلّ من عمرته، ثمّ توجّه نحو الكوفة، وتوجّهنا نحو الناس إلى منى! ).وهذا خلاف المشهور في أنّ الإمام عليه‌السلام خرج من مكّة أوائل الصبح يوم التروية، وخلاف قول الإمام الحسين نفسه عليه‌السلام : (... فإنّي راحل مصبحاً... ) فتأمّل!


البلد، وعليَّ لك المكانفة والمؤازرة، وإن عملتَ بمشورتي طلبتَ هذا الأمر بالحرم، فإنّه مجمع أهل الآفاق ومورد أهل الأقطار، لم يُعدمك بإذن الله إدراك ما تُريد، ورجوتُ أن تناله! »(١) .

وفي رواية أُخرى، عن أبي مخنف، عن أبي سعيد عقيصا(٢) ، عن بعض أصحابه، قال سمعت الحسين بن عليّ وهو بمكّة وهو واقف مع عبد الله بن الزبير فقال له ابن الزبير: « إليَّ يا بن فاطمة!

فأصغى إليه، فسارّه، ثمّ التفت إلينا الحسينعليه‌السلام

____________________

(١) الأخبار الطوال: ٢٤٤.

(٢) وهو دينار، وكُنيته أبو سعيد، ولقّب بعقيصا لشعر قاله، وعدّه جماعة من علماء الرجال الشيعة في أصحاب عليّ عليه‌السلام وأصحاب الحسين عليه‌السلام (راجع: مُعجم رجال الحديث،٧:١٤٧ رقم ٤٤٦١، وتنقيح المقال،١:٤١٩، ومُستدركات علم الرجال، ٣: ٣٧٥) وقد روى الصدوق (ره) بإسناده عنه، عن الحسين عليه‌السلام رواية شريفة عظيمة في الفضائل (راجع: البحار، ٣٩: ٢٣٩)، وروى عن الإمام الحسن المجتبى عليه‌السلام ردَّه على مَن لامه على صُلحه مع معاوية، ردّاً حوى بيانات مُهمّة في الإمامة وفي القائم عليه‌السلام (راجع: كمال الدين:١:٣١٥، باب ٢٩، رقم ٢)، وفي ذلك دلالات على حسن أبي سعيد عقيصا وكماله. قال المامقاني في ثنايا ترجمته لعقيصا: (... وظاهره كونه إمامياً... لكن لم يرد فيه مدحٌ يُدرجه في الحسان، فهو إماميٌّ مجهول الحال ) (تنقيح المقال، ١: ٤١٩).وقد عنونه الخطيب البغدادي بلفظ عقيصا، وروى عنه خبر العين في طريق صِفِّين، وأنّ الراهب قال لأمير المؤمنين عليه‌السلام : ( لا يستخرجها إلاّ نبيٌّ أو وصيّ )، ونقل البغدادي عن يحيى بن معين أنّه ذكر رشيد الهجري، وحبّة العرني، والأصبغ بن نباتة بسوء المذهب!! وقال: عقيصا شرٌّ منهم!! (تاريخ بغداد: ١٢: ٣٠٥).

قال التُّستري - تعليقاً على كلام ابن معين -: ( ذنبهم عند يحيى تشيُّعهم ( وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) (قاموس الرجال، ٤: ٢٩٨).

أقول: غاية ما وصل إلينا عنه أنّه شيعيٌّ، وأمّا عدالته، وسرّ عدم التحاقه بالإمام الحسين عليه‌السلام فالتأريخ ساكت عنه، ولم يُعرف عنه شيء!


فقال:( أتدرون ما يقول ابن الزبير؟! ) .

فقلنا: لا ندري، جُعلنا فداك!

فقال:( قال: أَقِمْ في هذا المسجد أجمعُ لك الناس! ) .

ثمّ قال الحسينعليه‌السلام :( والله، لئن أُقتل خارجاً منها بشِبر أحبُّ إليَّ من أن أُقتل داخلاً منها بشِبر! وأيمُ الله، لو كنت في جُحر هامّة من هذه الهوامّ لاستخرجوني حتى يقضوا فيّ حاجتهم! والله، ليعتدُنَّ عليَّ كما اعتدت اليهود في السبت! ) (١) .

أمّا ابن قولويه (ره) فيروي «بسند» عن سعيد عقيصا قال:

سمعت الحسين بن عليّعليهما‌السلام وخلا به عبد الله بن الزبير فناجاه طويلاً، ثمَّ أقبل الحسينعليه‌السلام بوجهه إليهم وقال:( إنّ هذا يقول لي: كن حَماماً من حَمام الحرم، ولإن أُقتل وبيني وبين الحرم باعٌ أحبّ إليَّ من أن أُقتل وبيني وبينه شبر، ولإن أُقتل بالطفّ أحبُّ إليَّ من أن أُقتل بالحرم ) (٢) .

ويروي ابن قولويه (ره) أيضاً عن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال:

( قال عبد الله بن الزبير للحسين عليه‌السلام : ولو جئت إلى مكّة فكنتَ بالحرم! (٣) .

____________________

(١) تاريخ الطبري،٣:٢٩٥، والكامل في التاريخ،٢:٥٤٦.

(٢) كامل الزيارات: ٧٢ وعنه البحار،٤٥:٨٥، رقم ١٦.

(٣) قد يُستفاد من قول ابن الزبير: ( ولو جئت إلى مكّة )، أنّ هذه المحاورة ليست من وقائع مكّة، غير أنّ من المحتمل أيضاً، أن يكون ابن الزبير قد شيّع الإمام عليه‌السلام إلى أطراف مكّة، ثمّ قال له هذا القول فيكون معناه (لو عُدتَ إلى مكّة)، وهذا ما تُشعر به الرواية التي بعد هذه.


فقال الحسين عليه‌السلام : لا نَستحلُّها، ولاتُستحلُّ بنا، ولإن أُقتل على تلّ أعفر (١) أحبّ إليَّ من أن أُقتل بها ) (٢) .

ويروي ابن قولويه (ره) أيضاً، عن الإمام أبي جعفرعليه‌السلام :( أنّ ابن الزبير شيّع الإمام الحسين عليه‌السلام :

فقال: يا أبا عبد الله، قد حضر الحجُّ وتدَعه وتأتي العراق؟! فقال: يا بن الزبير، لإن أُدفن بشاطئ الفرات أحبُّ إليَّ من أن أُدفن بفناء الكعبة! ) (٣) .

وروى السيّد ابن طاووس (ره) أنّ عبد الله بن العبّاسرضي‌الله‌عنه وعبد الله بن الزبير جاءا إلى الإمامعليه‌السلام فأشارا عليه بالإمساك، فقال لهما:( إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قد أمرني بأمر وأنا ماضٍ فيه! ) (٤) .

ويبدو أنّ ابن الزبير - من جملة مُحاوراته مع الإمامعليه‌السلام ، ومن مجموع الإخبارات المتناقلة آنذاك عن مصرع الإمامعليه‌السلام - كان يعلم أنّ الإمامعليه‌السلام سوف يُقتل في سفره هذا إلى العراق لا محالة، وأنّ ذلك آخر العهد بهعليه‌السلام ، فحرص في اللحظات الأخيرة على الاستفادة من علم الإمامعليه‌السلام ، فسأله قائلاً: « يا بن رسول الله، لعلّنا لا نلتقي بعد اليوم، فأخبرني متى يرث المولود ويورَث؟ وعن جوائز السلطان، هل تحلّ أم لا؟ ».

فأجابهعليه‌السلام :( أمّا المولود، فإذا استهلّ صارخاً.. وأمّا جوائز السلطان فحلال ما لم يغصب الأموال ) (٥) .

____________________

(١) تلّ أعفر: موضع من بلاد ربيعة (راجع: البحار: ٤٥: ٨٦).

(٢) كامل الزيارات: ٧٣ وعنه البحار:٤٥:٨٥ - ٨٦، رقم ١٧.

(٣) كامل الزيارات: ٧٣ وعنه البحار:٤٥:٨٦، رقم ١٨.

(٤) اللهوف: ١٠١.

(٥) راجع: حياة الإمام الحسين بن عليّعليهما‌السلام ٣:٥٢ عن مرآة الزمان في تواريخ الأعيان.


تأمُّل ومُلاحظات:

١) - في مُحاوراته مع الإمامعليه‌السلام كان ابن الزبير يُناقض نفسه في نصائحه ومشوراته، فمرّة يستظهر خلاف ما يستبطن، فيُشير على الإمامعليه‌السلام بالبقاء في مكّة! وأُخرى يغفل عن تصنّعه، فتظهر أُمنية قلبه في فلتات لسانه فيحثّ الإمامعليه‌السلام على الخروج إلى العراق!

وقد يُعارض نفسه في المحاورة الواحدة، فيُشير في أوّلها بالخروج، ثمّ يستدرك فيُشير بالبقاء؛ خوفاً من أن يُتّهم بما يُكنُّ في نفسه! وقد ينسى نفسه وما حوله، فيطلب من الإمامعليه‌السلام أن يوليّه الأمر!!

٢) - ويُلاحظ على ابن الزبير أيضاً أنّ « حُبّ الرئاسة » قد طغى على قلبه، وهيمن على تفكيره، إلى درجة أنساه عندها حتى الفرق الهائل بين قعر الوهدة وذروة القمّة، حين تعامى عن الفرق الكبير بينه وبين الإمامعليه‌السلام ! فعدَّ نفسه - كما الإمامعليه‌السلام ! - من ولاة الأمر وأصحاب الحقّ بالخلافة؛ حيث يقول: « ونحن أبناء المهاجرين وولاة الأمر دونهم! »، بل يغلب حبُّ الرئاسة على عقله إلى درجة يفقد عندها توازنه، فيعمى عن حقائق الأشياء وموازينها - فيما يمكن وما لا يمكن - فلا يرى مانعاً من أن يكون هو الخليفة، حتّى مع وجود الإمامعليه‌السلام حيث يُخاطبه قائلاً: « فأَقم إن شئت وتولّيني أنا الأمر..!! ».

٣) - ويُلاحظ المتأمّل في جميع هذه المحاورات، الأدب الجمَّ والخُلق السامي، الذي تعامل به الإمامعليه‌السلام مع عبد الله بن الزبير، مع معرفته التامّة بما انطوى عليه ابن الزبير، من بُغض لأهل البيتعليهم‌السلام ، فكان صلوات الله عليه يُسارّه كما يُسارّ الودود المخلص في وداده، ويُحاوره كما يُحاور الناصح الصادق في نُصحه، ومع كلّ هذا الخُلق العظيم، فقد حرص الإمامعليه‌السلام في مُحاوراته مع ابن الزبير على أمرين هما:


الأوّل: التأكيد على حُرمة استحلال البيت وانتهاك حُرمته؛( إنّ أبي حدّثني أنّ بها كبشاً يستحلّ حرمتها! فما أُحبّ أن أكون أنا ذلك الكبش! ) . و( والله، لئن أُقتل خارجاً منها بشبر، أحبّ إليَّ من أن أُقتل داخلاً منها بشبر! ) . و( لأَن أُقتل وبيني وبين الحرم باعٌ، أحبُّ إليَّ من أن أُقتل وبيني وبينه شبر! ) . و( لا نستحلُّها ولا تُستحلُّ بنا، ولأن أُقتل على تلّ أعفر أحبّ إليَّ من أن أُقتل بها! ). ولا يخفى على المتأمّل، أنّ الإمامعليه‌السلام أراد من خلال هذا التأكيد أيضاً، نهي ابن الزبير ألاّ يكون هو أيضاً ذلك الكبش القتيل إقامة للحجّة عليه، مع علمهعليه‌السلام بأنّ ابن الزبير هو ذلك المستحِلُّ لحرمة البيت الحرام!

الثاني: تأكيد الإمامعليه‌السلام على نفي أيّ ارتباط بينه وبين ابن الزبير، ويظهر حرص الإمامعليه‌السلام على ذلك كلّما أحسّ أنّ هناك مَن يراهما أثناء التحاور ويُنصت لهما، حيث يكشف الإمامعليه‌السلام لأولئك المراقبين عن ما يُسرّه إليه ابن الزبير، كمثل قولهعليه‌السلام :( إنّ هذا يقول لي: كن حَماماً من حمام الحرم... ) . وقولهعليه‌السلام كاشفاً عن أمنية ابن الزبير:( ها إنّ هذا ليس شيء يؤتاه من الدنيا أحبّ إليه من أن أخرج إلى العراق... ) .

٤) - ويُلاحظ أيضاً أنّ الإمامعليه‌السلام أكّد لابن الزبير ولسامعيه الآخرين، أنّه لا محالة مقتول، حيث قالعليه‌السلام :( وأيمُ الله، لو كنت في جحر هامّة من هذه الهوامّ لاستخرجوني حتى يقضوا فيّ حاجتهم! والله، ليعتدُنّ عليّ كما اعتدت اليهود في السبت! ) ، كما أشارعليه‌السلام تلميحاً إلى مكان مصرعه في قوله:( ولأن أُقتل بالطفّ، أحبّ إليّ من أن أُقتل بالحرم! ) ، و( يا بن الزبير، لأَن أُدفن بشاطئ الفرات، أحبّ إليّ من أن أُدفن بفناء الكعبة! ) ، ولعلّ الإمامعليه‌السلام أراد بذلك إلقاء الحجّة على ابن الزبير وعلى مَن كان يسمع تحاورهما بوجوب الخروج معه


لنُصرته والجهاد بين يديه.

٥) - ممّا لا يخفى - على مَن له أدنى اطّلاع على تأريخ النهضة الحسينية - أنّ مشورات ونصائح ابن الزبير المتعارضة - وإن استمع إليها الإمامعليه‌السلام بأدبه السامي العظيم - لم يكن لها أيّ تأثير على الإمامعليه‌السلام ، الذي كان عارفاً بحقيقة ما يستبطنه ابن الزبير من عداوة وبغضاء لآل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وبكذب ما يستظهره من نُصح ومودّة لهم؛ ولذلك فلم يكن لرأي ابن الزبير أيّ أثر على حركة أحداث النهضة الحسينية، لا من قريب ولا من بعيد.

من هنا؛ حقَّ للمتأمّل أن يُعجب كثيراً من سخيف ما ذهب إليه ابن أبي الحديد، من أنّ الإمام الحسينعليه‌السلام خرج إلى العراق؛ عملاً بنصيحة ابن الزبير له بذلك، فغشّه!

يقول ابن أبي الحديد: « واستشار الحسينعليه‌السلام ، عبد الله بن الزبير وهما بمكّة في الخروج عنها، وقصد العراق ظانّاً أنّه ينصحه، فغشّه، وقال له: لا تُقمْ بمكّة، فليس بها مَن يُبايعك، ولكن دونك العراق، فإنّهم متى رأوك لم يعدلوا بك أحداً، فخرج إلى العراق حتى كان من أمره ما كان! »(١) .

وأسخف من قول ابن أبي الحديد، قول محمّد الغزالي، في الدفاع عن ابن الزبير، واستبعاده أن يكون ابن الزبير قد أشار على الإمامعليه‌السلام بالخروج إلى العراق ليستريح منه، قائلاً: « فعبد الله بن الزبير أتقى للّه وأعرق في الإسلام من أن يقترف مثل هذه الدنيّة! »(٢) .

____________________

(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:١٦:١٠٢.

(٢) حياة الإمام الحسين بن عليّعليهما‌السلام : ٢:٣١١.


عبد الله بن عمر.. والمشورة المريبة!

تميّز عبد الله بن عمر(١) عن جميع وجهاء الأمّة وأعلامها من الرجال الذين

____________________

(١) عبد الله بن عمر بن الخطّاب العدويّ القرشيّ: وأمّه زينب بنت مظعون الجمحيّة، وقيل: إنّه ولِد سنة ثلاث من المبعث النبوي، ومات وله سبع وثمانون سنة، (راجع: الإصابة في معرفة الصحابة: ٢: ٣٣٨ رقم ٤٨٣٤)، وروي عن أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام أنّه قال فيه:(... لقد كان صغيراً وهو سيّئ الخلُق، وهو في كبره أسوأ خُلقاً! ) (راجع: شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد:٤:٩ و ١٠)، وكان شبقاً في شهوته الجنسية، فكان له وطئ على كلّ إفطار، وكان يفخر بذلك (راجع: سير أعلام النبلاء: ٣: ٢٢٣)، وكان أبوه يعرف هذا التهالك على الجنس فيه، حتى قال له - حين أستأذنه في الجهاد -: أي بُنيّ، إنّي أخاف عليك الزنا! (راجع: الغدير:١٠:٣٧ عن سيرة عمر بن الخطّاب لابن الجوزي: ١١٥ أو ١٣٨)، وكان يأكل الدجاج والفراخ والخبيص، ويلبس المطرف الخزّ ثمنه خمسمئة درهم (راجع: سير أعلام النبلاء: ٣: ٢٣٩ و ٢١٢).

وكان ابن عمر يُكثر الرواية عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ويُكثر في الفُتيا، ويُخطئ في كليهما أخطاءً فاحشة، تكشف عن بلادة ذهنه وقلّة عقله وفقهه، وقد كشفت عائشة عن كثير من اشتباهاته في الرواية والفُتيا (راجع: الغدير: ١٠: ٣٧ - ٥٨ / أخبار ابن عمر ونوادره)، ومن طريف ما يُروى في هذا، ما أخرجه الطبراني من طريق موسى بن طلحة، قال: بلغ عائشة أنّ ابن عمر يقول: إنّ موت الفجأة سخط على المؤمنين!فقالت: يغفر الله لابن عمر! إنّما قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : ( موت الفجأة تخفيف على المؤمنين وسخط على الكافرين ) . (الغدير:١٠:٤٢ عن الإجابة للزركشي: ١١٩). وروى ابن عمر عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : ( إنّ الميّت يُعذَّب ببكاء أهله عليه! ). فقضت عائشة عليه بأنّه لم يأخذ الحديث على وجهه: مرَّ رسول الله على يهودية يبكي عليها أهلها، فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : ( إنهم يبكون عليها، وإنّها تُعذَّب في قبرها ) . وظنّ ابن عمر العذاب معلولاً للبكاء!

وظنّ الحُكم عامّاً على كلّ ميّت! (راجع: الغدير:١٠: ٤٣ عن كتاب الإنصاف لشاه صاحب ).

ويكفي ابن عمر جهلاً، أنّه ما كان يُحسن طلاق زوجته، وقد عجر واستحمق (كما في صحيح مسلم ٣: ٢٧٣ ح٧ كتاب الطلاق)، ولم يكُ يعلم أنّه لا يقع إلاّ في طهر لم يواقعها فيه! وفي لفظ مسلم=


____________________

= أنّه طلّق امرأته ثلاثاً وهي حائض (مسلم: ٣: ٢٧٣)؛ ولذلك لم يره أبوه أهلاً للخلافة بعدما كبر وبلغ مُنتهى الكهولة! إذ قال عمر - ردّاً على رجل اقترح عليه أن يستخلف عبد الله بن عمر -: قاتلك الله! واللّه، ما أردت اللّه بها! أستخلفُ مَن لم يُحسن أن يطلّق امرأته؟! (راجع: تأريخ الطبرى ٤: ٢٢٨ والكامل لابن الأثير: ٢: ٢١٩)، وكان ابن عمر يقول: لا أُقاتل في الفتنة وأُصلّي وراء مَن غلب! (راجع: الطبقات الكبرى: ٤: ١٤٩)،

فهو يرى شرعيّة الغالب بالقوّة، وإن كان فاسقاً فاجراً عدوّاً لله ولرسوله، كيزيد والحجّاج وأمثالهما! من المؤسف، أنّ الفقه السنّي - الذي يعتبر ابن عمر فقيه الأمّة! - قد تبنّى هذه النظرة الخاطئة، وكان ولا يزال مُتأثّراً بها إلى يومنا هذا.

وقال ابن حجر في (فتح الباري: ١٣: ٤٧): ( كان رأي ابن عمر ترك القتال في الفتنة، ولو ظهر أنّ إحدى الطائفتين مُحقّة والأُخرى مُبطلة! )، وهذا مُخالف لصريح القرآن في وجوب قتال الفئة التي تبغي! وقال ابن كثير في (تأريخه: ٩:٨ / حوادث سنة ٧٤): ( كان - أي ابن عمر - في مدّة الفتنة لا يأتي أميراً إلاّ صلّى خلفه! وأدّى إليه زكاة ماله! ).فهو مع الأمير دائماً وإن كان ظالماً فاجراً!

لكنّ ابن عمر لم يلتزم بما ادّعى الالتزام به من تلك المتبنيّات في موقفه من الأمير الحقّ عليّ عليه‌السلام ؛ إذ لم يرَ شرعيّته حتى بعد انتصاره في موقعة الجمل! ولم يُبايعه وقعد عنه! ولما ( دخل عبد الله بن عمر، وسعد بن أبي وقّاص، والمغيرة بن شعبة مع أُناس معهم، وكانوا قد تخلّفوا عن عليّ، فدخلوا عليه فسألوه أن يُعطيهم عطاءهم - وقد كانوا تخلّفوا عن عليّ حين خرج إلى صِفيّن والجَمل - فقال لهم عليّ: ( ما خلّفكم عنّي؟! ) . قالوا: قُتل عثمان، ولا ندري أحَلّ دمه أم لا؟ وقد كان أحدث أحداثاً ثمّ استتبتموه فتاب، ثمّ دخلتم في قتله حين قُتل، فلسنا ندري أصبتم أم أخطأتم؟ مع أنّا عارفون بفضلك يا أمير المؤمنين وسابقتك وهجرتك!فقال عليّ: ( ألستم تعلمون أنّ اللّه عزّ وجلّ قد أمركم أن تأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر، فقال: ( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ... ) ؟! ) . قال سعد: يا عليّ، اعطني سيفاً يعرف الكافر من المؤمن! أخاف أن أقتل مؤمناً فأدخل النار! فقال لهم عليّ:( ألستم تعلمون أنَّ عثمان كان إماماً بايعتموه على السمع والطاعة؟! فعلامَ خذلتموه إن كان محسناً؟! وكيف لم تُقاتلوه إذ كان مسيئاً؟! فإن كان عثمان أصاب بما صنع فقد ظلمتم إذ لم تنصروا إمامكم، وإن كان مُسيئاً فقد =


=ظلمتم إذ لم تُعينوا مَن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وقد ظلمتم إذ لم تقوموا بيننا وبين عدّونا بما أمركم الله به، فإنّه قال: ( فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ... ) ) . فردّهم ولم يُعطهم شيئاً ) ( وقعة صِفِّين: ٥٥١).

ومن المضحك قول ابن عبد البرّ في ابن عمر: ( وكان رضي الله عنه لورعه قد أُشكلت عليه حروب عليّ رضي الله عنه وقعد عنه! ) (الاستيعاب ٣: ٨١). فإنّ ابن عمر الورع التقيّ هذا كان قد رفض أن يُعطي أمير المؤمنين عليّاً عليه‌السلام حتى كفيلاً على شرطهِ ومدّعاه؛ إذ لما ( أمر أمير المؤمنين بإحضار عبد الله بن عمر فقال له:( بايع ) . قال: لا أُبايع حتى يُبايع جميع الناس!!

فقال له عليه‌السلام :( فأعطني حميلاً حتى تبرح! ) . قال: ولا أُعطيك حميلاً! فقال الأشتر: يا أمير المؤمنين، أَمِنَ هذا سوطك وسيفك فدعني أضرب عنقه!فقال: ( لست أُريد ذلك منه على كُره، خلّوا سبيله ) . فلمّا انصرف قال أمير المؤمنين: ( لقد كان صغيراً وهو سيّئ الخلُق، وهو في كِبَره أسوأ خُلقاً! ) (شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد: ٤: ٩)، ويتمادى ابن عمر في تمرّده وتطاوله، حين يأمَن سطوة أهل الحق؛ إذ ( لما بايع الناس عليّاً، وتخلّف عبد الله بن عمر، وكلّمه في البيعة، أتاه في اليوم الثاني فقال: إنّي لك ناصح! إنّ بيعتك لم يرضَ بها كلُّهم، فلو نظرت لدينك ورددت الأمر شورى بين المسلمين!فقال عليّ: ( ويحك! وهل كان عن طلب منّي؟! ألم يبلغك صنيعهم؟! قمْ عنّي يا أحمق! ما أنت وهذا الكلام؟! ) (شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:٤:١٠). ويُروى أنّ ابن عمر أظهر في أواخر عمره ندمه، على عدم نُصرته لأمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام في حروبه!! فكان يقول: ما أجدني آسى على شيء فاتني من الدنيا، إلاّ أنّي لم أُقاتل مع عليٍّ الفئة الباغية!! وفي لفظ آخر: ما آسى على شيء، إلاّ ترْكي قتال الفئة الباغية مع عليّ رضي الله عنه!! (راجع: الطبقات الكبرى: ٤: ١٨٧، والاستيعاب: ٣: ٨٣، وأُسد الغابة: ٣: ٣٤٢، والرياض النضرة: ٣: ٢٠١).

ولو صحّ هذا الندم، فلابدّ أنّ حصوله كان لما حضرت ابن عمر الوفاة حيث يندم المجرمون ولاتَ ساعة مندم؛ ذلك لأنّه كان يُصلّي أواخر عمره خلْف الحجّاج في مكّة، وخطباء الحجّاج لعنه الله ولعنهم كانوا يسبّون عليّاً عليه‌السلام ويلعنونه! بل كان ابن عمر يُصلّي أيضاً خلف نجدة بن عامر الخارجيّ! (راجع: الطبقات الكبرى: ٤: ١٤٩، والمحلّى: ٤: ٢١٣). =


التقوا مع الإمام الحسين عليه‌السلام في مكّة المكرّمة، وعرضوا عليه نصائحهم ومشوراتهم بموقفه الرافض لأصل القيام والنهضة! وبدعوته الإمام عليه‌السلام إلى الدخول في ما دخل فيه الناس! وإلى مُبايعة يزيد! والصبر عليه كما صبر لمعاوية من قبل!

وكان هذا النهي عن القيام والخروج، والدعوة إلى مُبايعة يزيد، والدخول في ما دخل فيه الناس، خطّاً ثابتاً لابن عمر في لقاءاته الثلاثة(١) مع الإمام الحسينعليه‌السلام منذ ابتداء قيامه المبارك.

ولم يُسجّل لنا التأريخ - في الأيّام المكّيّة من عُمر النهضة الحسينية - شيئاً عن موقف ابن عمر من قيام الإمامعليه‌السلام ، سوى آرائه ومشوراته، التي أبداها في المحاورة الثُّلاثية بينه وبين الإمامعليه‌السلام وبين ابن عباسرضي‌الله‌عنه .

وقد نقلنا هذه المحاورة في حديثنا، عن تحرّك ابن عبّاسرضي‌الله‌عنه مُركِّزين

____________________

= وقد أذلّ الله ابن عمر وأذاقه وبال أمره - بامتناعه عن مُبايعة عليّ عليه‌السلام - إذ لما أراد أن يُبايع لطاغية زمانه على يد ممثّله الحجّاج، مدَّ إليه هذا المتجبّر رجْله بدلاً من يده؛ احتقاراً له، ثمّ سلّطه الله عليه فقتله وصلّى عليه! (راجع: الاستيعاب: ٣: ٨٢، وأُسد الغابة: ٣: ٢٣٠، وانساب الأشراف ١٠: ٤٤٧ و ٤٥٢).

(١) روى التاريخ ثلاثة لقاءات لعبد الله بن عمر مع الإمام عليه‌السلام ، منذ رفض الإمام عليه‌السلام البيعة ليزيد، اللقاء الأوّل في الأبواء بين المدينة ومكّة، بين ابن عمر وابن عبّاس (أو ابن عيّاش) من جهة وبين ابن الزبير والإمام عليه‌السلام من جهة (راجع: تأريخ ابن عساكر / ترجمة الإمام الحسين عليه‌السلام / تحقيق المحمودي: ٢٠٠ رقم ٢٥٤).

وقد مرَّ في الجزء الأول من هذه الدراسة، أنّ هذا اللقاء لم يقع؛ لأنّ الإمام عليه‌السلام وابن الزبير لم يجتمعا في الطريق بين المدينة ومكّة. أمّا اللقاء الثاني فهو في مكّة، وأمّا الثالث فهو بعد خروجه من مكّة، كما في (تاريخ ابن عساكر / ترجمة الإمام الحسين عليه‌السلام / تحقيق المحمودي: ١٩٢ - ١٩٣ رقم ٢٤٦).


على نصوص التحاور بين الإمام عليه‌السلام وبين ابن عباسرضي‌الله‌عنه ، وننقلها هنا مُركِّزين على نصوص التحاور بين الإمام عليه‌السلام وبين عبد الله بن عمر...

تقول الرواية التاريخية: « وأقام الحسينعليه‌السلام بمكّة باقي شهر شعبان ورمضان، وشوّال وذي القعدة، وبمكّة يومئذ عبد الله بن عبّاس وعبد الله بن عمر بن الخطّاب، فأقبلا جميعاً حتى دخلا على الحسينعليه‌السلام وقد عزما على أن ينصرفا إلى المدينة...

فقال له ابن عمر: أبا عبد الله، رحمك الله اتّق الله الذي إليه معادك! فقد عرفت من عداوة أهل هذا البيت لكم وظلمهم إيّاكم، وقد ولي الناس هذا الرجل يزيد بن معاوية! ولست آمن أن يميل الناس إليه لمكان هذه الصفراء والبيضاء، فيقتلونك ويهلك فيك بشرٌ كثير؛ فإنّي قد سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو يقول:( حسين مقتول، ولئن قتلوه وخذلوه ولن ينصروه ليخذلهم الله إلى يوم القيامة )، وأنا أُشير عليك أن تدخل في صلح ما دخل فيه الناس، واصبر كما صبرت لمعاوية من قبل، فلعلّ الله أن يحكم بينك وبين القوم الظالمين!

فقال له الحسينعليه‌السلام :

( أبا عبد الرحمن! أنا أُبايع يزيد وأدخل في صُلحه وقد قال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فيه وفي أبيه ما قال؟! ).

وهنا يتدخّل ابن عبّاس في الحوار؛ ليُصدّق قول الإمامعليه‌السلام ، ويروي عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال:( ما لي وليزيد! لا بارك الله في يزيد! وإنّه ليقتل ولدي وولد ابنتي الحسين عليه‌السلام ، والذي نفسي بيده، لا يُقتل ولدي بين ظهراني قوم فلا يمنعونه؛ إلاّ خالف الله بين قلوبهم وألسنتهم ).

ثمّ يبكي ابن عبّاس، ويبكي معه الإمامعليه‌السلام ويسأله: أليس يعلم أنّه ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ فيشهد ابن عبّاس بذلك ويؤكّد


أنّ نصرة الإمام عليه‌السلام فرض على هذه الأمّة كالصلاة والزكاة!

ثمّ يسأله الإمامعليه‌السلام عن رأيه في الأُمويّين، الذين أخرجوه عن حرم جدّهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأرادوا سفك دمه بلا جُرم كان قد اجترحه.

فيُجيبه ابن عبّاس: بأنّ هؤلاء قوم كفروا بالله ورسوله، وعلى مثلهم تنزل البطشة الكبرى، ثمّ يشهد ابن عبّاس أنّ مَن طمع في مُحاربة الإمامعليه‌السلام والرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله فماله من خَلاق! وهنا يقول الإمامعليه‌السلام :( اللّهمّ، اشهد! ) ، فيُدرك ابن عباسرضي‌الله‌عنه أنّ الإمامعليه‌السلام قصده وابن عمر بطلب النُّصرة! فيُبادر ابن عباس ويُظهر استعداده لنُصرة الإمامعليه‌السلام والجهاد بين يديه، ويقول: إنّه لا يوفِّي بذلك عُشر العُشر من حقّهعليه‌السلام !

وهنا يُحرج ابن عمر؛ لأنّه مقصود أيضاً بالخطاب! فيتدخّل ليحرف مسير الحوار عن الاتّجاه الذي أراده الإمامعليه‌السلام ، فيقول لابن عباس: مَهْلاً! ذرنا من هذا يا بن عبّاس!

ثمّ أقبل ابن عمر على الحسينعليه‌السلام فقال: أبا عبد الله، مهلاً عمّا قد عزمت عليه! وارجع من هنا إلى المدينة، وادخل في صلح القوم! ولا تغِبْ عن وطنك وحرم جدّك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولا تجعل لهؤلاء الذين لا خلاق لهم على نفسك حجّة وسبيلاً، وإن أحببت أن لا تُبايع فأنت متروك حتى ترى برأيك، فإنّ يزيد بن معاوية عسى أن لا يعيش إلاّ قليلاً، فيكفيك اللّه أمره!

فقال الحسينعليه‌السلام :

( أُفٍّ لهذا الكلام أبداً مادامت السماوات والأرض! أسألك بالله يا عبد الله! أنا عندك على خطأ من أمري هذا؟! فإن كنتُ عندك على خطأ فردّني فإنِّي أخضع وأسمع وأُطيع! ) .

فقال ابن عمر: اللّهمّ لا، ولم يكن الله تعالى يجعل ابن بنت رسوله على خطأ،


وليس مثلك من طهارته وصفوته من الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله على مثل يزيد بن معاوية باسم الخلافة، ولكن أخشى أن يُضرب وجهك هذا الحَسن الجميل بالسيوف، وترى من هذه الأمّة ما لا تُحبّ، فارجع معنا إلى المدينة، وإن لم تُحبَّ أن تُبايع فلا تُبايع أبداً واقعد في منزل!

فقال الحسينعليه‌السلام :

( هيهات يا بن عمر! إنّ القوم لا يتركوني، إن أصابوني وإن لم يُصيبوني، فلا يزالون حتى أُبايع وأنا كاره، أو يقتلوني! أما تعلم يا عبد الله أنّ من هوان هذه الدنيا على الله تعالى أنّه أُتي برأس يحيى بن زكريّا عليه‌السلام إلى بغيّة من بغايا بني إسرائيل والرأس ينطق بالحجّة عليهم؟! أما تعلم أباعبدالرحمن أنّ بني إسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس سبعين نبيّاً ثمّ يجلسون في أسواقهم يبيعون ويشترون كلّهم، كأنّهم لم يصنعوا شيئاً، فلم يُعجّل الله عليهم، ثمّ أخذهم بعد ذلك أخذ عزيز مُقتدر! اتّقِ الله أبا عبد الرحمن ولا تدعنّ نُصرتي! واذكرني في صلاتك! يا بن عمر، فإن كان الخروج معي ممّا يصعب عليك ويثقل فأنت في أوسع العذر، ولكن لا تتركنّ لي الدُعاء في دُبر كلّ صلاة، واجلس عن القوم، ولا تُعجِّل بالبيعة لهم حتى تعلم إلى ما تؤول الأمور! ) .

ثمّ أقبل الإمامعليه‌السلام على ابن عبّاسرضي‌الله‌عنه فأثنى عليه، ورخّصه بالمضيّ إلى المدينة وأوصاه بمواصلته بأخباره، وأظهرعليه‌السلام أنّه مُستوطن الحرم ما رأى أهله يُحبّونه وينصرونه، وأنّه يستعصم بالكلمة التي قالها إبراهيمعليه‌السلام يوم أُلقي في النار:( حسبي الله ونِعْمَ الوكيل ) ، فكانت النار عليه برداً وسلاماً.


فبكى ابن عبّاسرضي‌الله‌عنه وابن عمر بكاءً شديداً، وشاركهما الإمامعليه‌السلام بكاءهما ساعة، ثمّ ودّعهما وصارا إلى المدينة(١) .

تأمُّل ومُلاحظات:

١) - سبق أن قلنا(٢) : إنّ ابن أعثم الكوفي كان قد تفرّد برواية نصّ هذه المحاورة المفصّلة في كتابه الفتوح، ونقلها عنه الخوارزمي في كتابه مقتل الحسينعليه‌السلام .

والملفت للانتباه، أنّ هذا النص قد احتوى على عبارات مُتعارضة، وأُخرى لا تنسجم مع نظرة أهل البيتعليهم‌السلام إلى بعض أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله سواء في حياتهصلى‌الله‌عليه‌وآله أو بعد رحلته.

ومثال على المتعارضات قولهعليه‌السلام لابن عمر:( اتّق اللّه أبا عبد الرحمان، ولا تدعنّ نُصرتي! ) وقوله بعد ذلك:( فإن كان الخروج معي ممّا يصعب عليك ويثقل فأنت في أوسع العُذر! ) .

ومثال على الأُخرى قوله:( فو الذي بعث جدّي محمداً صلى‌الله‌عليه‌وآله بشيراً ونذيراً لو أنّ أباك! ) ، وقوله:( واذكرني في صلاتك! ) ، وقوله:( ولكن لا تتركنّ لي الدعاء في دُبر كُلّ صلاة! ) .

والظنّ قويٌّ: أنّ العبارة التي تُرخِّص لابن عمر في عدم نُصرة الإمامعليه‌السلام وتجعله في أوسع العذر! والعبارة التي تُثني على بعض الصحابة بما لم يفعله ( والوثائق التاريخية تؤكِّد خلاف ذلك! )، والعبارة التي تدّعي عناية الإمامعليه‌السلام بصلاة ابن عمر أو بدعائه - على فرض صحّة رواية هذه المحاورة أصلاً - قد

____________________

(١) راجع: الفتوح: ٥: ٢٦ - ٢٧، ومقتل الحسين عليه‌السلام / للخوارزمي: ١: ٢٧٨ - ٢٨١، وقد روى بعضها السيد ابن طاووس (ره) في اللهوف: ١٠٢.

(٢) راجع حاشية آخر هذه الرواية في عنوان (تحرّك عبد الله بن عباس) في أوائل هذا الفصل، ص٢٣١.


أُدخلت على أصل النصّ، وأُقحمت عليه إقحاماً من قِبل بعض الرواة أو النُّسَّاخ من أجل تحسين صورة البعض على لسان الإمام عليه‌السلام !!

٢) - اعترف ابن عمر بأنّ نُصرة الإمام الحسينعليه‌السلام والانضمام إليه واجب شرعيّ؛ حين قال: إنّه سمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول:( حسينٌ مقتول! ولئن قتلوه وخذلوه ولن ينصروه ليخذلهم الله يوم القيامة! ) .

ويتأكّد لابن عمر هذا الواجب الشرعيّ المقدّس، حين يسمع من ابن عباس أيضاً أنّه سمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول:

( ما لي وليزيد؟! لا بارك الله في يزيد! وإنّه ليقتل ولدي وولد ابنتي الحسين عليه‌السلام ! والذي نفسي بيده، لا يُقتل ولدي بين ظهرانيّ قوم فلا يمنعونه، إلاّ خالف الله بين قلوبهم وألسنتهم! ) .

ويُلقي الإمامعليه‌السلام الحجّة صريحة بالغة تامّة على ابن عمر؛ حيث يقول له:( اتّقِ الله أبا عبد الرحمن ولا تدعنّ نُصرتي! ) .

ومع كلّ هذا، نرى عبد الله بن عمر يقعد ويتخلّف عن نُصرة الإمام الحسينعليه‌السلام عامداً بلا عُذر! ولا يكتفي بذلك، بل يُلحُّ بإصرار على الإمامعليه‌السلام ليترك القيام، ويرجع إلى المدينة، ويدخل في صلح القوم! ويصبر على يزيد!

٣) - ونُلاحظ ابن عمر أيضاً يُحاول - وكأنّه ناطق رسميّ أُمويّ! - أن يوهِم الإمامعليه‌السلام بأنّ المتاركة بينه وبين يزيد أمرٌ مُمكن، وأنّه لا بأس على الإمامعليه‌السلام إنْ ترك القيام حتى وإن لم يُبايع! فيقول له: « وإن أحببت أن لا تُبايع فأنت متروك حتّى ترى برأيك! »، ويقول: « وإن لم تُحبّ أن تُبايع فلا تُبايع أبداً واقعد في منزل! ».

تُرى، هل كان ابن عمر مؤمناً حقّاً بإمكان هذه المتاركة؟!


كيف يكون مؤمناً بها، وقد روى هو نفسه أنّه سمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول:( حسين مقتول!... ) ؟! ويسمع ابن عباس أيضاً يروي عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله : بأنّ يزيد قاتل الحسينعليه‌السلام ؟!

وإذا لم يكن مؤمناً بإمكان هذه المتاركة! فلماذا كان يُصرّ على دعوى إمكانها، وكأنّه ينطق عن لسان الحُكم الأُمويّ؟!

هل كان ابن عمر يُريد - بلسان المشورة والنصيحة - أن يوقِع الإمامعليه‌السلام في شِباك صيد يزيد، بعد نزع فتيل الثورة قبل اندلاعها؟!

وهل يستبعد المتأمّل أن يصدر هذا من ابن عمر؟!

لعلّ التأمّل في أبعاد الملاحظة التالية يكشف لنا عن الجواب!

٤) - أكّد ابن عمر في هذه المحاورة، اعترافه بعداوة الأُمويين لأهل البيتعليهم‌السلام وبظلمهم إيّاهم! وبأنّ الأُمويين - وعلى رأسهم يزيد هم - « القوم الظالمون »! وأنّهم « لا خَلاق لهم » عند الله! وأكّد على خوفه من أن يميل الناس إليهم؛ طمعاً في ما عندهم من الذهب والفضة « الصفراء والبيضاء »!

لكنّنا نجد أنّ ابن عمر هذا، كان ممّن تسلّم هذه الصفراء والبيضاء من معاوية رشوة، أيّام تمهيده ليزيد بولاية العهد من بعده! حيث أرسل إليه معاوية مئة ألف درهم فقَبِلها!(١)

ونجد ابن عمر قد بادر إلى بيعة يزيد! مع أنّ الإمامعليه‌السلام كان قد طلب إليه في

____________________

(١) يقول ابن كثير: ( وبعث إليه معاوية بمئة ألف، لما أراد أن يُبايع ليزيد... ) (البداية والنهاية: ٨: ٨٣).

ويقول ابن الأثير: ( عزم معاوية على البيعة لابنه يزيد، فأرسل إلى عبد الله بن عمر مئة ألف درهم فقبلها... ) (الكامل في التأريخ: ٢: ٥٠٩).


هذه المحاورة - على الأقلّ! - ألاّ يُعجِّل بالبيعة ليزيد، حتّى يعلم ما تؤول إليه الأمور! هذا مع اعتراف ابن عمر بأنّ يزيد رجل ظالم ولا خَلاق له عند الله!

ثمّ نجد ابن عمر - وقد انتفضّت الأمّة في المدينة على يزيد وخلعته لفسقه وفجوره - يُصرُّ على التمسُّك ببيعة يزيد؛ مدّعياً أنّها كانت بيعة للّه ولرسوله!! وينهى أهله عن التنكّر لهذه البيعة، معلناً براءته ممّن تنكّر لها منهم!

يقول التأريخ: لما خلع أهل المدينة بيعة يزيد « جمع ابن عمر بنيه وأهله ثمَّ تشهَّد، ثمّ قال: أمّا بعدُ، فإنّا قد بايعنا هذا الرجل على بيعة الله ورسوله! وإنّي سمعت رسول الله يقول: ( إنّ الغادر يُنصب له لواء يوم القيامة، يقال: هذا غدر فلان )، فإنّ من أعظم الغدر - إلاّ أن يكون الشِرك بالله - أن يُبايع رجل رجلاً على بيعة الله ورسوله ثمّ ينكث بيعته! فلا يخلعنّ أحدٌ منكم يزيد! ولا يُسرفنّ أحد منكم في هذا الأمر، فيكون الفيصل بيني وبينه - رواه مسلم، وقال الترمذي: صحيح »(١) .

فهل يُعقل أن تكون البيعة لرجل ظالم فاسق لا خَلاق له عند الله تعالى بيعة لله ولرسوله؟!

أوَ ليسَ ممّا أجمعت الأمّة عليه أنّ العدالة من شروط الإمامة؟!(٢)

ومَن هو الغادر الذي يُنصب له لواء يوم القيامة! الذي بايع الفاسق مع علمه بفسقه منذ البدء - كما فعل ابن عمر! - أم أهل المدينة الذين انتفضوا على يزيد بعد أن تيقّنوا من فسقه وخلعوا بيعته؟!

ثمّ لماذا لا يرى ابن عمر كُلاًّ من طلحة والزبير ومَن معهما غادرين تُنصب لهم ألوية غدر يوم القيامة! حيث نكثوا بيعتهم لرمز العدالة أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام ؟! أم

____________________

(١) سُنن الترمذي: ٤: ١٤٤.

(٢) راجع: الجامع لأحكام القرآن: ١: ١٨٧ / الشرط الحادي عشر من شروط الإمامة.


يتوقّف ابن عمر في هذا الأمر، فيبتدع مُغالطة أُخرى من مُغالطاته الكبيرة الكثيرة؟!

لقد كان عبد الله بن عمر لساناً من الألسنة التي خدمت الحُكم الأُمويّ، بل كان بوقاً أُمويّاً حرص على عزف النغمة النشاز في أنشودة المعارضة! وسعى إلى تحطيم المعارضة من داخلها، ولا يُعبأ بما صوّره به بعض المؤرّخين من أنّه كان رمزاً من رموزها؛ لأنّ المتأمّل المتدبّر لا يجد لابن عمر هذا أيّ حضور في أيّ موقف مُعارض جادٍّ! بل يراه غائباً تماماً عن كلّ ساحة صدق في المعارضة! وإذا تأمّل المحقّق مليّاً وجد عبد الله بن عمر ينتمي انتماءً تامّاً - عن إصرار وعناد - إلى حركة النفاق، التي قادها حزب السلطة منذ البدء، ثمّ لم يزل يخدم فيها حتى في الأيّام التي آلت قيادتها فيها إلى الحزب الأُموي بقيادة معاوية ثمّ يزيد!

هذه هي حقيقة ابن عمر، وإن تكلّف علاقات حَسنة في الظاهر مع وجوه المعارضة عامّة، ومع الإمام الحسينعليه‌السلام خاصة.

وحقيقة ابن عمر هذه، يكشف عنها معاوية لابنه يزيد في وصيّته إليه بلا رتوش نفاقية، حيث يقول له: «... فأمّا ابن عمر فهو معك! فالزمه ولا تدعه! »(١) .

الأوزاعي.. والنهي عن المسير إلى العراق!

روى ابن رُستم الطبري، في كتابه «دلائل الإمامة» قائلاً:

« حدّثنا يزيد بن مسروق، قال: حدّثنا عبد الله بن مكحول، عن الأوزاعي، قال: بلغني خروج الحسين بن عليّ بن أبي طالبعليهما‌السلام إلى العراق، فقصدتُ مكّة فصادفته بها، فلمّا رآني رحَّب بي وقال:« مرحباً بك يا أوزاعي، جئت تنهاني عن المسير،

____________________

(١) أمالي الصدوق:٢١٥ / المجلس الثلاثون، حديث رقم ١.


وأبى اللّه عزّ وجلّ إلاّ ذلك، إنّ من هاهنا إلى يوم الإثنين منيّتي (مبعثي)! » .

فسهدتُ في عدّ الأيّام، فكان كما قال! »(١) .

تُرى مَن هو هذا الأوزاعيّ، الذي أهمّه أمر الإمام الحسينعليه‌السلام ، حتى قصد مكّة لينهاه عن المسير إلى العراق؟ وما هو دافعه في ذلك؟ وما معنى قول الإمامعليه‌السلام :« إنّ من هاهنا إلى يوم الإثنين منيّتي (مبعثي)!» ؟

أمّا مَن هو هذا الأوزاعي؟ فانّ هناك جماعة من الرجال عُرِفوا بهذا اللقب(٢) لكنّ الاحتمال الأقوى هو أنّ المراد بهذا الأوزاعيّ: أبو أيّوب، مغيث بن سمي

____________________

(١) دلائل الإمامة: ١٨٤: رقم ١٠٢ / ٣.

(٢) فمن هؤلاء: عبد الرحمان بن عمرو بن يُحمَد: أبو عمرو الشامي، وهذا الأوزاعي وُلِد عام ٨٨ هـ ق يعني بعد سبع وعشرين سنة من استشهاد الإمام الحسين عليه‌السلام ، وتوفِّي عام ١٥٧ هـ، وقد سكن الأوزاع بدمشق، والمعروف عنه أنّه قال: ( ما أخذنا العطاء حتى شهدنا على عليّ عليه‌السلام بالنفاق وتبرّأنا منه، وأُخذ علينا بذلك الطلاق والعتاق ) (راجع: سير أعلام النبلاء: ٧: ١٠٩).

وعليه؛ فهذا الأوزاعيّ لم يُدرك الإمام الحسين عليه‌السلام .

وقد ظنّ المامقاني، أنّ لقب الأوزاعي مُنحصر في عبد الرحمان هذا، حيث قال: ( إنّ هذا اللقب مُنحصر في عبد الرحمان المعروف بالأوزاعي ولم نَرَ غيره قطُّ ) (تنقيح المقال: ٣: ٤٦).

والأمر ليس كذلك؛ إذ منهم أيضاً: مُغيث بن سُمّي الأوزاعي، أبو أيّوب (راجع: الأنساب للسمعاني: ١: ٢٢٧).

وقد أوردنا ذكره في المتن؛ لأنّنا نُرجّح أنّه هو المراد بالأوزاعي في هذه الرواية.

ومنهم أيضاً: نهيك بن يريم الأوزاعي، وهو من الطبقة الرابعة، ويروي عن الأوزاعي المعروف - عبد الرحمان بن عمرو - (راجع: تهذيب الكمال:١٨: ٢٩٤).

وعليه؛ فلا يمكن أن يكون هذا مُعاصراً للإمام الحسين عليه‌السلام .

ومنهم أيضاً: أبو بكر، عمرو بن سعيد الأوزاعي، ولم نعثر له على ترجمة. وقال السمعاني في (الأنساب: ١: ٢٢٧): ( هذه النسبة إلى الأوزاع وهي قرى مُتفرّقة فيما أظنّ بالشام فجُمعت وقيل لها: الأوزاع. وقيل: إنّها قرية على باب دمشق، يقال لها: الأوزاع. وهو الصحيح ). (وانظر: معجم البلدان: ١: ٢٨٠).


الأوزاعي: الذي يُقال: إنّه أدرك زهاء ألف من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (١) ، وقد روى عن ابن الزبير وابن عمر، وابن مسعود، وكعب الأحبار، وأبي هريرة، وهو من الطبقة الثانية من تابعي أهل الشام، وقد وثّقه ابن حبّان، وأبو داود، ويعقوب بن سفيان(٢) . ولكن لم يرد له ذكر في كُتبنا الرجاليّة على ما حقّقنا.

أمّا ما هو دافعه في التحرُّك، حتى قصد مكّة لينهى الإمامعليه‌السلام عن المسير إلى العراق، فذلك ممّا لا نستطيع أن نُحدّده من متن الرواية - ومن عدم معرفتنا بتأريخ هذا الرجل وسيرته - إلاّ أنّ ترحيب الإمامعليه‌السلام به، قد يكشف عن أنّ هذا الأوزاعي كان مُشفقاً على الإمامعليه‌السلام من القتل في مسيره إلى العراق، وإن كان ظاهر النصّ صريحاً في أنّه كان ناهياً لا ناصحاً!

وأمّا ما هو المراد من قولهعليه‌السلام :« إنّ من هاهنا إلى يوم الإثنين منيّتي (مبعثي)!» . فلا يخفى على المتأمّل أنّ فيه غموضاً وتشابهاً! فهل أراد الإمامعليه‌السلام أن يقول للأوزاعي: إنّ لك أن تعدَّ مِن هذه الساعة إلى يوم الإثنين الذي أُقتلُ فيه؟! ولذا يقول الأوزاعي: فسهدتُ «أي سهرتُ» في عدّ الأيّام، فكان كما قال! وعلى هذا؛ يكون الإمامعليه‌السلام قد قُتل في يوم الإثنين! وهذا ما لا يتّفق مع المأثور أنّ يوم عاشوراء كان يوم الجمعة أو يوم السبت(٣) .

____________________

(١) الأنساب / للسمعاني: ١: ٢٢٧.

(٢) تهذيب الكمال: ١٨: ٢٩٤.

(٣) ومن هذا المأثور: - على سبيل المثال لا الحصر -١- قول الإمام الحسين عليه‌السلام لمؤمني الجنّ: ( ولكن تحضرون يوم السبت وهو يوم عاشورا - في غير هذه الرواية يوم الجمعة - الذي في آخره أُقتلُ... ) (اللهوف: ٢٩ /المطبعة الحيدرية - النجف ).

٢- قول أبي جعفر عليه‌السلام :( يخرج القائم عليه‌السلام يوم السبت، يوم عاشوراء الذي قُتل فيه الحسين عليه‌السلام ) . (كمال الدين: ٢: ٦٥٣ باب ٥٧ حديث ١٩).


أم أنّ الإمامعليه‌السلام أراد أن يقول للأوزاعي: إننّي باقٍ في مكّة إلى يوم الإثنين، وبعده (أي يوم الثلاثاء) يكون مبعثي إلى العراق، أي سفري إليه؟!

ونرى أنّ هذا هو الأقوى احتمالاً؛ لأنّ الإمامعليه‌السلام قد خرج من مكّة بالفعل يوم الثلاثاء، بدليل قول الإمامعليه‌السلام نفسه في رسالته الأخيرة، التي بعثها إلى أهل الكوفة مع قيس بن مُسهَّر الصيداويرضي‌الله‌عنه ، حيث يقول فيها:(... وقد شخصت إليكم من مكّة يوم الثلاثاء، لثمانٍ مضين من ذي الحجّة يوم التروية... ) (١) .

وعلى أساس هذا التقويم؛ يكون يوم عاشوراء الجمعة إذا كان ذو الحجّة تسعة وعشرين يوماً، أو السبت إذا كان ثلاثين يوماً، وهذا ما يتّفق مع المأثور بصدد يوم عاشوراء.

عمر بن عبد الرحمن المخزومي.. والنصيحة الصائبة!

روى الطبري، عن عمر بن عبد الرحمان بن الحارث بن هشام المخزومي، أنّه قال: « لما تهيّأ الحسينعليه‌السلام للمسير إلى العراق أتيته، فدخلت عليه، فحمدت الله وأثنيتُ عليه، ثمّ قلت: أمّا بعدُ، فإنّي أتيتك يا بن عم لحاجة أُريد ذكرها نصيحة، فإن كُنتَ ترى أنّك تستنصحني وإلاّ كففتُ عمّا أُريد أن أقول!

فقال الحسينعليه‌السلام :

( قلْ، فو الله، ما أظنّك بسيّئ الرأي، ولا هو للقبيح من الأمر والفعل! ).

فقال: إنّه قد بلغني أنّك تُريد المسير إلى العراق، وإنّي مُشفق عليك من مسيرك، إنّك تأتي بلداً فيه عُمَّاله وأمراؤه، ومعهم بيوت الأموال، وإنّما الناس عبيد

____________________

(١) تأريخ الطبري: ٣: ٣٠١، والارشاد: ٢٢٠


لهذا الدرهم والدينار! ولا آمن عليك أن يُقاتلك مَن وعدك نَصره، ومَن أنت أحبُّ إليه ممَّن يُقاتلك معه!!

فقال الحسينعليه‌السلام :( جزاك الله خيراً يا بن عمّ، فقد - والله - علمتُ أنّك مشيتَ بنصح وتكلَّمت بعقل، ومهما يُقضَ من أمر يكنْ، أخذتُ برأيك أو تركته، فأنت عندي أحمد مُشير وأنصح ناصح! ) (١) .

تأمّل ومُلاحظات:

١) - هذه المحاورة كاشفة عن منزلة حَسنة جدّاً لعمر بن عبد الرحمان المخزومي عند الإمامعليه‌السلام ؛ حيث أثنى عليه ثناءً رائعاً في قولهعليه‌السلام :( قُلْ، فو الله، ما أظنّك بسيّئ الرأي، ولا هو للقبيح من الأمر والفعل! ) ، وفي تعبير آخر:( ما أنت ممّن يُستغشُّ ولايُتَّهم، فقلْ ) (٢) ، وفي تعبير آخر:( قُلْ، فو الله ما أستغشُّك، وما أظنّك بشيء من الهوى! ) (٣) ، وقال له في ختام هذه المحاورة:( فأنت عندي أحمدُ مُشير وأنصح ناصح! ) ، وفي تعبير آخر:( ولم تنطق عن هوى! ) (٤) ، وجميع ذلك كاشف عن متانة هذا المخزومي وصدقه وحبّه للإمام الحسينعليه‌السلام .

ولم يرد لعمر بن عبد الرحمان المخزومي هذا ذكر في كُتبنا الرجالية، لكنّه معدود من رجال الصحاح الستّة، وأحد الفقهاء السبعة بالمدينة، وحدّث عن عمّار بن ياسر، وأمّ سلمة، وعائشة، وأبي هريرة، ومروان... وقد استصغر يوم الجَمل فرُدَّ، وعن ابن سعد: أنّه ولد في خلافة عمر، ومات سنة الفقهاء، وقيل: سنة خمس

____________________

(١) تاريخ الطبري: ٢٩٤:٣، والفتوح: ٥: ٧١.

(٢) تاريخ ابن عساكر (ترجمة الإمام الحسين عليه‌السلام / تحقيق المحمودي): ٢٠٢ رقم ٢٥٤.

(٣) الكامل في التأريخ: ٢: ٥٤٥.

(٤) الفصول المهمّة / لابن الصبّاغ: ١٨٥.


وتسعين(١) ، وكان يُقال له: راهب قريش؛ لكثرة صلاته، وكان مكفوفاً، وهو من سادات قريش(٢) .

٢) - إنّ المشورة التي قدّمها عمر بن عبد الرحمان المخزومي، تُشبه تماماً في مبناها مشورة لابن عبّاسرضي‌الله‌عنه (٣) ، وأُخرى لعمرو بن لوذان في هذا الصدد(٤) ، ويتلخّص مبنى هذا المشورات الثلاث، في أنّ الصحيح أن يتحرّك أهل الكوفة عملياً قبل توجّه الإمامعليه‌السلام إليهم، فيثوروا على السلطة في الكوفة، وينفوا عمّال يزيد وأتباعه، ويُسيطروا على الأوضاع فيها، وعندها يتوجّه الإمامعليه‌السلام إليهم، وهذا هو الرأي الصواب عندهم! ولكن على أساس منطق الفتح القريب والنصر الظاهري وتسلّم الحُكم.

ومن هنا؛ نجد الإمامعليه‌السلام لا يُخطّي هذه المشورات، بل نراه يُثني على أصحابها، ومع هذا يُخالفها ولا يعمل بها؛ لأنّه كان يتحرّك على أساس منطق آخر هو منطق (الفتح بالشهادة)! الفتح المبين العميق الشامل الدائم، الذي يحفظ الإسلام المحمديّ الخالص، نقيّاً من كلّ الشوائب إلى قيام الساعة.

٣) - ربّما يُقال: إنّ ما ورد في متن هذا الخبر من قول المخزومي: « لما تهيّأ الحسينعليه‌السلام للمسير إلى العراق... ». لا يدلّ بالضرورة على أنّ هذا اللقاء قد تمَّ في مكّة؛ لأنّ هناك روايات لبعض اللقاءات مع الإمامعليه‌السلام حملت مثل هذه الإشارات، مع أنَّ المؤكَّد أنَّها تمَّت في المدينة، كلقائهعليه‌السلام مع أمّ سلمةرضي‌الله‌عنه ، فهل ثَمَّ دليل آخر على أنّ لقاءهعليه‌السلام مع المخزوميّ تمّ في مكّة؟

____________________

(١) راجع: سير أعلام النبلاء: ٤: ٤١٨.

(٢) راجع: تهذيب التهذيب: ٢: ٣٠.

(٣) تأريخ الطبري: ٣: ٢٩٥.

(٤) الإرشاد: ٢٤٨.


فنقول: لم ينتشر خبر عزم الإمامعليه‌السلام على السفر إلى العراق، إلاّ في أواخر أيّام مكثه في مكّة المكرّمة، وحينما كان الإمامعليه‌السلام في المدينة المنوّرة، لم يكن قد أطلع أحدٌ على نيّته في التوجّه إلى العراق سوى خاصة الخاصة، كمثل محمّد بن الحنفيةرضي‌الله‌عنه وأمّ سلمةرضي‌الله‌عنه ، وأمّا غير هؤلاء الخواصّ، فإنّ الإمامعليه‌السلام غالباً ما كان يُشير إليهم أنّه متوجّه إلى مكّة في أيّامه تلك، ثمّ يستخير الله في أمره.

وعليه؛ فإنّ أمثال عمر المخزوميّ هذا لم يكونوا على علم بنيّة الإمامعليه‌السلام في التوجّه إلى العراق منذ البدء.

هذا فضلاً عن أنّ لهذا الخبر تتمّة - في رواية الطبري - على لسان المخزومي أنّه « قال: فانصرفت من عنده، فدخلت على الحارث بن خالد بن العاص(١) - والي مكّة - فسألني: هل لقيتَ حسيناً؟ فقلت له: نعم.

فقال: فما قال لك، وما قلت له؟ قال: فقلت له: قلتُ كذا وكذا، وقال كذا وكذا. فقال: نصحته وربّ المروة الشهباء! أما وربّ البنيّة، إنّ الرأي لما رأيته، قَبِلَه أو تركه... »(٢) ، وفي هذا دلالة كافية، على أنّ هذا اللقاء كان قد حصل في مكّة المكرّمة.

لقاء جابر بن عبد الله الأنصاريرضي‌الله‌عنه مع الإمام عليه‌السلام :

روى ابن كثير خبراً مُرسلاً، أنّ جابر بن عبد الله الأنصاريرضي‌الله‌عنه (٣) ، كان قد

____________________

(١) لم يذكره الرجاليون، والقول: بأنّه كان والي مكّة آنذاك قول نادر وضعيف؛ إذ إنّ المشهور الأقوى أنّ والي مكّة آنذاك هو عمرو بن سعيد الأشدق.

(٢) تأريخ الطبري: ٣: ٢٩٤ ومروج الذهب: ٣: ٧٠.

(٣) جابر بن عبد الله الأنصاريرضي‌الله‌عنه : من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأمير المؤمنين والحسن والحسين والسجّادعليهم‌السلام . وقد شهد بدراً وثماني عشرة غزوة من غزوات النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو من شرطة =


التقى الإمام عليه‌السلام وكلّمه ليردّه عن القيام والخروج على يزيد: « قال جابر بن عبد الله: كلّمتُ حسيناً، فقلت: اتّق الله! ولا تضرب الناس بعضهم ببعض، فو الله ما حمدتم ما صنعتم. فعصاني! ».

____________________

= الخميس، وكان مع عليّ عليه‌السلام في الجمل وصِفِّين، وهو من النُّقباء الاثني عشر، انتخبهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بأمر جبرئيل عليه‌السلام ، وعدّه الإمام الصادق عليه‌السلام من الذين لم يُغيّروا ولم يُبدّلوا بعد نبيّهم وتجب ولايتهم، ومن الذين وفُّوا لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فيما أخذ عليهم من مودّة ذي القُربى. وهو الذي ألقى نفسه على أيدي الحسنينعليهما‌السلام وأرجلهما يُقبّلها، ويُبيِّن فضائلهما. وهو الراوي عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أسماء الأئمة الاثني عشر صلوات الله عليهم، وفضائلهم ومناقبهم، وأنّ مَن أطاعهم فقد أطاع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومَن عصاهم فقد عصى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنّ بهم يُمسِك الله السماء أن تقع على الأرض، وهو الذي ضمن الإمام الباقر عليه‌السلام له الشفاعة يوم القيامة (راجع: مُستدركات علم الرجال:٢: ١٠١).وهو أوّل زائر لقبر الحسين عليه‌السلام ، وصاحب الزيارة المعروفة التي من نصّها: ( أشهد أنّك ابن النبيّين وابن سيّد الوصيّين، وابن حليف التقوى، وسليل الهُدى، وخامس أصحاب الكسا، وابن سيّد النُّقباء، وابن فاطمة سيّدة النساء، ومالك لا تكون هكذا وقد غذَّتك كفّ سيّد المرسلين، ورُبيت في حِجر المتّقين، ورضعت من ثدي الإيمان، وفُطمت بالإسلام؟! فطبت حيّاً، وطبت ميّتاً، غير أنّ قلوب المؤمنين غير طيّبة لفراقك، ولا شاكّة في حياتك، فعليك سلام الله ورضوانه، وأشهد أنّك مضيت على ما مضى عليه أخوك يحيى بن زكريا... ) (راجع: بشارة المصطفى: ٧٤)، وقد أثنى عليه علماؤنا، ووثّقوه في أعلى مراتب الوثاقة، فعلى سبيل المثال:

١) - قال المجلسي (ره): ( ثقة، وجلالته أجلُّ من أن يحتاج إلى بيان ) (رجال المجلسي: ١٧٣).

٢) - وقال المامقاني (ره): ( فالرجل من أجلاّء الثقات بلا مرية... وقال الوحيد: لا يخفى أنّه من الجلالة بمكان لا يحتاج إلى التوثيق ) (تنقيح المقال: ١: ١٩٩).

٣) - وقال الخوئي (ره): ( إنّه من الأربعة الذين انتهى إليهم علم الأئمة! ) (مُعجم رجال الحديث: ٤: ١٥).


ولا يخفى على ذي أدنى معرفة بجابر بن عبد الله الأنصاريرضي‌الله‌عنه ، أنّ أصل اللقاء هذا إذا كان مُحتملاً، فلا سبيل إلى احتمال محتواه! لأنّه بعيد كلّ البُعد أن تصدر مثل هذه الجسارة على الإمامعليه‌السلام ومثل سوء الأدب هذا، عن هذا الصحابي الجليل القدر، العارف بحقّ أهل البيتعليهم‌السلام !

والظنّ قويّ جدّاً، في أن يكون محتوى هذا الخبر من مُفتعلات مُرتزقة الإعلام الأُموي؛ من أجل الإساءة إلى النهضة الحسينية وتخطئتها!

وممّا يؤيِّد كون هذا الخبر من الموضوعات؛ أنّ ابن كثير أورده مُرسلاً دون أن يذكر له طريقاً.

نعم، روى عماد الدين أبو جعفر محمد بن عليّ الطوسي(١) المعروف بابن حمزة في كتابه « الثاقب في المناقب » لقاءً لجابر الأنصاريرضي‌الله‌عنه مع الإمامعليه‌السلام يفوح منه عطر حُسن الأدب في مُخاطبة الإمامعليه‌السلام ، والمعرفة بحقّ أهل البيتعليهم‌السلام ، والصدق في موالاتهم ومحبّتهم والتشيّع لهم:

« عن جابر بن عبد اللهرضي‌الله‌عنه قال: لما عزم الحسين بن عليّعليهما‌السلام على الخروج إلى العراق، أتيته فقلت له: أنت ولَد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأحد سبطيه، لا أرى إلاّ أنّك تُصالح كما صالح أخوك الحسنعليه‌السلام ، فإنّه كان موفّقاً راشداً.

فقال ليعليه‌السلام :

( يا جابر، قد فعل أخي ذلك بأمر الله تعالى ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإنّي أيضاً أفعل

____________________

(١) هو الشيخ الفقيه العالم الواعظ: أبو جعفر محمد بن عليّ بن حمزة الطوسي المشهدي، من أعلام القرن السادس، له تصانيف منها: الوسيلة، الواسطة، الرايع في الشرايع، المعجزات - واسمه الآخر الثاقب في المناقب - مسائل في الفقه. (أنظر: مُعجم المؤلّفين:١١:٤ وأمل الآمل: ٢: ٢٨٥ وتنقيح المقال: ٣: ١٥٥ ومُعجم رجال الحديث:١٦: ٣٢٦).


بأمر الله تعالى ورسوله، أتُريد أن أستشهِد لك رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله وعليّاً وأخي الحسن عليهما‌السلام بذلك الآن! ) .

ثمّ نظرتُ، فإذا السماء قد انفتح بابها، وإذا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعليّ والحسنعليهما‌السلام وحمزة وجعفر وزيد(١) ، نازلين عنها حتّى استقرّوا على الأرض، فوثبت فزعاً

____________________

(١) الواضح من المتن أنّ زيداً هذا من سادات الشهداء أولي المنزلة الرفيعة جدّاً، بقرينة أنّه في الرواية كان مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعليّ والحسن وحمزة وجعفرعليهم‌السلام ! ولا نعلم شهيداً ذا منزلة رفيعة جدّاً باسم ( زيد ) حتى ذلك الحين سوى اثنين، هما:

الأول: زيد بن حارثة، الذي قال فيه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : ( أنت أخونا ومولانا ) ، وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قد اشتراه بمال خديجة، فلمّا أظهر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله الدعوة أسلم زيدٌ، فاستوهبه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله من خديجة ليُعتقه، فوهبته له وأعتقه، وبعد أن رفض زيدٌ الالتحاق بأبيه، تبرّأ أبوه منه، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : ( يا معاشر قريش، زيدٌ ابني وأنا أبوه ) . فاشتهر في أوساط قريش بزيد بن محمّد، على عادة قريش في تسمية الأدعياء إلى نزول الآية، التي أمرت بأن يُدعى الأدعياء إلى آبائهم. وهو الذي خرج مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى الطائف، وقد استخلفه الرسول على المدينة في بعض غزواته، وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله في حقّه:( خير أُمراء السرايا زيد بن حارثة ) . وقد رأى النبيّ ليلة المعراج جارية تنغمس في أنهار الجنّة، فقال لها:( لِمَن أنتِ يا جارية؟ ) . فقالت: لزيد بن حارثة. فبشّرهصلى‌الله‌عليه‌وآله بها في الصباح، وهو الذي أمّره النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله على جيش المسلمين في غزوة مؤتة، وقد استُشهد فيها، فخرج من فمه نورٌ ساطع أضوأ من الشمس الطالعة، حتى صار الليل المظلم كالنهار! (راجع: البحار: ٢٠: ٣٧٢ و١١٥ / ١٩: ٢٢ و ١٧٤)، وابنه أسامة بن زيد، الذي أمّره رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على الجيش الإسلامى، الذي بعثه إلى الشام، فتكلّم المنافقون في إمارته وقالوا: أمّر غلاماً جلّة المهاجرين والأنصار. فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :( إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبل، وإنّه لخليق للإمارة وكان أبوه خليقاً لها ) (راجع: الكامل في التأريخ: ٢: ٢١٥). والمشهور الثابت، أنّ أبا بكر وعمر ممّن تخلّفوا عن جيش أُسامة، وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :( جهّزوا جيش أُسامة، لعن الله المتخلّف عن جيش أُسامة! ) (نهج الحق وكشف الصدق: ٢٦٣). =


مذعوراً!

فقال لي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :

( يا جابر، ألم أقل لك في أمر الحسن قبل الحسين، لا تكون مؤمناً حتّى تكون لأئمتّك مُسلّماً ولا تكون مُعترضاً؟! أتُريد أن ترى مقعد معاوية، ومقعد الحسين ابني، ومقعد يزيد قاتله لعنه اللّه؟! ) .

قلت: بلى يا رسول الله!

فضرب برجله الأرض فانشقّت، وظهر بحر فانفلق، ثمّ ضرب فانشقّت هكذا حتى انشقّت سبع أرضين، وانفلقت سبعة أبحُر، فرأيتُ من تحت ذلك كلّه النار فيها سلسلة قُرن فيها الوليد بن المغيرة وأبو جهل ومعاوية الطاغية ويزيد، وقُرن بهم مردة الشياطين، فهم أشدّ أهل النار عذاباً.

ثم قالصلى‌الله‌عليه‌وآله :( ارفع رأسك! ) .

فرفعتُ فإذا أبواب السماء مُفتّحة، وإذا الجنّة أعلاها! ثمّ صعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومن معه إلى السماء، فلمّا صار في الهواء صاح بالحسين:( يا بُنيّ، الحقْني ) .

فلحقه الحسين وصعدوا حتى رأيتهم دخلوا الجنّة من أعلاها!

____________________

=والثاني: هو زيد بن صوحان العبدي، أخو صعصعة، كان من الأبدال، وقُتل يوم الجَمل، وقيل: إنّ عائشة قد استرجعت يوم قُتل! وعن الإمام الصادق عليه‌السلام :( لما صُرع زيدٌ يوم الجَمل جاءه أمير المؤمنين حتى جلس عند رأسه فقال: رحمك الله يا زيد! قد كنت خفيف المؤونة عظيم المعونة! ) . وذكر النبيّ زيد بن صوحان فقال:( زيد وما زيد! يسبق منه عضو إلى الجنّة ) (راجع: سفينة البحار: ٣: ٥٦٥).وعن النبيّ الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ( مَن سرّه أن ينظر إلى رجل يسبقه بعض أعضائه إلى الجنّة، فلينظر إلى زيد بن صوحان ) (تاريخ بغداد: ٨: ٤٤٠)، وكان قد قُطعت يده يوم نهاوند في سبيل الله (البحار: ١٨: ١١٢).


ثمّ نظر إليَّ من هناك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقبض على يد الحسينعليه‌السلام وقال:( يا جابر، هذا ولدي معي ها هنا، فسلّم له أمره ولا تشكَّ لتكون مؤمناً ) .

قال جابر: فعميت عيناي إن لم أكن رأيتُ ما قُلت من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله »(١) .

لولا تقارب الأشياء وحبوط الأجْر لقاتلتهم بهؤلاء!

روى ابن رستم الطبري (ره) قائلاً: « حدّثنا أبو محمّد سفيان بن وكيع، عن أبيه وكيع، عن الأعمش، قال: قال لي أبو محمّد الواقدي وزرارة بن جلح: لقينا الحسين بن عليّعليهما‌السلام قبل أن يخرج إلى العراق بثلاث ليال، فأخبرناه بضعف الناس في الكوفة، وأنَّ قلوبهم معه وسيوفهم عليه! فأومأ بيده نحو السماء، ففُتحت أبواب السماء، ونزل من الملائكة عدد لا يُحصيهم إلاّ الله، وقال:

( لولا تقارب الأشياء وحبوط الأجر لقاتلتهم بهؤلاء، ولكن أعلم علماً أنّ من هناك مصعدي، وهناك مصارع أصحابي، لا ينجو منهم إلاّ ولَدي عليٌّ! ) (٢) .

تأمُّلٌ ومُلاحظات:

١) - مَن هو هذا الواقدي في سند هذه الرواية؟ ومَن هو زرارة هذا؟

أمّا الواقدي، فإن كان هو محمّد بن عمر بن واقد، أبو عبد الله الأسلمي المدني

____________________

(١) الثاقب في المناقب: ٣٢٣ حديث ٢٦٦، ومدينة المعاجز:٣: ٤٨٨، ونفس المهموم: ٧٧.

(٢) دلائل الإمامة: ١٨٢ حديث رقم ٩٨/٣، وعنه السيد ابن طاووس (ره) في اللهوف: ١٢٥، وفيه ( وزرارة بن خلج )، وفيه أيضاً: ( قبل أن يخرج إلى العراق فأخبرناه... ولكن أعلم يقيناً أنّ هناك مصرعي ومصرع أصحابي... )، وبحار الأنوار:٤٤: ٣٦٤ عن اللهوف، وفيه ( زرارة بن صالح ).


الواقدي، فولادته سنة عشرين بعد المئة، فهو لم يُدرك عصر الحسين عليه‌السلام !(١) .

وإن كان هو واقد بن عبد الله التميمي الحنظلي، فقد توفِّي أيّام عمر بن الخطاب(٢) ، فهو لم يُدرك أيضاً أيّام النهضة الحسينية عام ستّين للهجرة!

وأمّا زرارة، فهو مُهمل، سواء كان ابن خلج او حلح «كما في دلائل الإمامة» أو صالح!

وعن النمازي في مُستدركات علم الرجال: أنّ ابن خلج من أصحاب الحسينعليه‌السلام ورأى مُعجزته وإخباره إيّاه بشهادته وشهادة أصحابه.

وأمّا ابن صالح، فقد تشرّف بلقاء الحسينعليه‌السلام قبل خروجه إلى العراق بثلاثة أيّام!(٣) لكنّ النمازي (ره) لم يأتِ بأكثر ممّا في رواية الطبري، ولم يخرج زرارة هذا عن الجهالة والإهمال! وربَّما كان في السند حذف وإرسال، وكان اللذان التقيا بالإمامعليه‌السلام هما غير الواقدي وزرارة، وقد حُذف اسماهما، والله العالم.

٢) في متن هذه الرواية صورة من صور الإرادة والقدرة التكوينية، التي يتمتّع بها الإمام المعصومعليه‌السلام ، وهذا من صُلب اعتقاداتنا، فالإمامعليه‌السلام إذا أشار إلى جبل لزال من مكانه، كما في الحديث الوارد عن الإمام الصادقعليه‌السلام (٤) ، وأنّ الكون -

____________________

(١) سير أعلام النبلاء ٩: ٤٥٤.

(٢) مُستدركات علم الرجال ٨: ٩٨.

(٣) مُستدركات علم الرجال ٣: ٤٢٥ وراجع: تهذيب الكمال ٦: ٢٩٧ و١٩: ٣٦٣.

(٤) عن الحسن بن عطية، قال: كان أبو عبد الله عليه‌السلام واقفاً على الصفا، فقال له عبّاد البصري: حديث يُروى عنك؟ قال: ( وما هو؟ ). قال: قلتَ: ( حُرمة المؤمن أعظم من حُرمة هذه البنيَّة ). قال: ( قد قلت ذلك، إنَّ المؤمن مَن لو قال لهذه الجبال: أقْبِلي. أقبلت ). قال: فنظرت إلى الجبال قد أقبلت! فقال لها: ( على =


أعمّ من العالم العلويّ والسُّفلي - تحت تصرُّف الإمام عليه‌السلام تفضُّلاً من الله تبارك وتعالى، والأئمّةعليهم‌السلام مُختلف الملائكة، تتنزّل عليهم وتطوف بهم، وأمّا في نهضة الإمام أبي عبد الله الحسين عليه‌السلام فقد نزلت إليه أفواج من الملائكة في طريقه من المدينة إلى مكّة، وعرضت عليه استعدادها لنُصرته والقتال بين يديه(١) !

أمّا ما هو مراده صلوات الله عليه في قوله:( لولا تقارب الأشياء وحبوط الأجر )؟ فلعلّ من مرادهعليه‌السلام في ( تقارب الأشياء )، أنّه لو توسّل في تحقيق أهدافه بالخوارق والمعاجز، دون الأسباب الطبيعية، لتحقّق له ذلك عاجلاً وعلى أحسن وجه - والله غالب على أمره - لكنّ ذلك خلاف للإرادة الإلهية في امتحان الخلق وابتلائهم في مجاري الأسباب والاقتضاءات والعلل الطبيعية العادية، ليهلك مَن هلك عن بيّنة ويحيى مَن حيَّ عن بيّنة؛ ولتكون الحجّة البالغة للّه على خلقه.

هذا فضلاً عن أنّ الأعمال والإنجازات العظيمة، التي يُمكن للناس جميعاً أن يتأسّوا بها هي الأعمال والبطولات، التي تتمّ في إطار السنن الطبيعية والمجاري العادية المألوفة، لا الخوارق والمعاجز - التي لا يُلجأُ إليها إلاّ إذا دعت الضرورة إليها - ذلك لأنّ استخدام المعاجز وخوارق العادة ليس ميسوراً لجميع الناس، وامتحان الخلق - في إطار التأسيّ بالقادة الربّانيين - إنّما يصحُّ إذا كان الاختبار والتكليف بما يستطيعونه لا بما يعجزون عنه.

ويؤيِّد هذا قولهعليه‌السلام لمؤمني الجنّ الذين عرضوا عليه نُصرتهم قائلين:

( يا مولانا، نحن شيعتك وأنصارك، فمُرْنا بما تشاء، فلو أمرتنا بقتل كلّ عدوّ

____________________

= رسلِك، إنّي لم أُرِدْك ). (الاختصاص: ٣٢٥).

(١) راجع: اللهوف: ١٢٩ / الهامش; وعنه البحار ٤٤: ٣٣٠.


لك وأنت بمكانك لكفيناك ذلك! ) (١) .

فجزاهّم خيراً، وقال لهم فيما قال:

(... فإذا أقمتُ في مكاني فبمَ يُمتحن هذا الخلْق المتعوس؟! وبماذا يُختبرون؟! ومَن ذا يكون ساكن حفرتي؟ وقد اختارها الله تعالى لي يوم دحا الأرض، وجعلها معقلاً لشيعتنا ومُحبِّينا، تُقبل أعمالهم وصلواتهم، ويُجاب دعاؤهم، وتسكن شيعتنا فتكون لهم أماناً في الدنيا وفي الآخرة... ) (٢) .

أمّا مرادهعليه‌السلام من « حبوط الأجر » فلا شكّ أنّ الأجر مرتبط بالنيّة ودرجة المشقّة ومستوى أثر العمل، ولا شكّ أنّ العمل الذي يتمّ بالخوارق والمعاجز، ليس كالعمل المتحقِّق في إطار السنن الطبيعية، من حيث درجة المشقّة فيه! كما أنّ الأثر والفتح المترتِّب على شهادتهعليه‌السلام هو أعظم أثر وفتح متصوَّر، من حيث النتائج والبركات المترتِّبة عليه بالنسبة إلى الإسلام والأمّة الإسلامية، والإنسان المسلم خاصة، والإنسانيّة عامة! ولعلّ هذا من أسرار قول الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله لهعليه‌السلام :( يا حسين اُخْرُج! فإنّ الله قد شاء أن يراك قتيلاً! ) (٣) ، و( وإنّ لك في الجنّة درجات لا تنالها إلاّ بالشهادة! ) (٤) .

____________________

(١) و(٢) اللهوف: ١٢٩ / الهامش.

(٣) اللهوف: ١٢٨ / ونُذكِّر أنّ هذا الاستظهار إنّما هو بحسب فهمنا القاصر، ومن الأكيد أنّ ثمّة معاني ومقاصد فيه هي فوق منال أفهامنا القاصرة.

(٤) أمالي الصدوق: ١٣٠ المجلس ٣٠، حديث رقم ١.وقال العلاّمة المجلسي (ره) في (البحار ٤٥: ٧٤): قوله عليه‌السلام : ( لولا تقارب الأشياء ) أي قرب الآجال، أو إناطة الأشياء بالأسباب بحسب المصالح، أو أنّه يصير سبباً لتقارب الفرج وغلبة أهل الحقّ ولما يأتِ أوانه.

وفي بعض النُسخ لولا تفاوت الأشياء، أي في الفضل والثواب. انتهى.


ولأبي سعيد الخدري مشورة أيضاً:

روى ابن كثير: أنّ أبا سعيد الخدري (ره) لقي الإمام الحسينعليه‌السلام وحذّره من أهل الكوفة، إذ قال: « جاءه أبو سعيد الخدري فقال: يا أبا عبد الله، إنِّي لكم ناصح، وإنِّي عليكم مُشفق، وقد بلغني أنّه قد كاتبك قوم من شيعتكم بالكوفة، يدعونك إلى الخروج إليهم، فلا تخرج إليهم! فإنِّي سمعتُ أباك يقول بالكوفة:( والله، لقد مللتهم وأبغضتهم وملّوني وأبغضوني! وما يكون منهم وفاء قطّ! ومَن فاز بهم فاز بالسهم الأخيب، والله، ما لهم نيّات ولا عزم على أمر، ولا صبرٌ على السيف! ) (١) .

وروى ابن كثير أيضاً نصّاً آخر، عن لسان أبي سعيد الخدري (ره) أنّه قال: « غلبني الحسين على الخروج، وقلت له: اتّقِ اللّه في نفسك! والزم بيتك ولا تخرج على إمامك!! »(٢) .

تأمّلٌ ومُلاحظات:

١) - هذان النصّان لم يرد أيّ ذكر لهما في التواريخ الشيعية، فهما سُنيّا المنبع، وإذا كان المتأمّل لا يجد بأساً في قبول النصّ الأوّل، مع ما فيه من بعض الهنات، فإنّه يقف ذاهلاً مُتحيِّراً في دهشته إزاء النصّ الثاني؛ لأنّه يُشبه تماماً في محتواه - من حيث الجسارة وسوء الأدب في مُخاطبة الإمامعليه‌السلام - خطابات قتلة الإمامعليه‌السلام الذين تألّبوا وتآزروا على قتله في كربلاء! أمثال شمر وعزرة بن قيس وغيرهم من مسوخ هذه الأمّة! الذين اتّهموا الإمامعليه‌السلام بالخروج على (إمامهم!) يزيد.

____________________

(١) البداية والنهاية ٨: ١٦٣ - وتأريخ الإسلام / حوادث سنة ٦٠، ص٩ - وتهذيب تأريخ دمشق ٨: ١٣٨ / ويظهر من كلامه أنّ هذا اللقاء كان في المدينة وعلى عهد معاوية، لكنّ ابن كثير وغيره ذكروه ضمن حوادث مكّة.

(٢) البداية والنهاية ٨: ١٦٣.


ولذا؛ فالمتأمّل المنصف العارف لا يتردد في - بل يقطع - أنّ النصّ الثاني من مكذوبات مُرتزقة الإعلام الأُمويّ، أعداء أهل البيتعليهم‌السلام ليُزيّنوا للسُذَّج من هذه الأمّة، أنّ جمعاً من صحابة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ذوي المكانة المرموقة، قد أنكروا على الإمام الحسينعليه‌السلام خروجه وقيامه، واتّهموه بشَقِّ عصا الطاعة وتفريق كلمة الأمّة! فهذا نصّ مُفترى على أبي سعيد الخدري (ره)، ومرّ بنا من قبل هذا نصٌّ مفترىً آخر على جابر بن عبد الله الأنصاري (ره)، والأمثلة كثيرة!

٢) - ولكي يطمئنّ القارئ تماماً، إلى أنّ هذا النصّ مكذوب على أبي سعيد ومُفترىً عليه، يحسن هنا أن نُقدّم صورة مُباركة موجزة عن هذا الصحابي الجليل، العارف بحقّ أهل البيتعليهم‌السلام ، المتأدّب في محضر مَن شهد منهم:

إنّه سعد بن مالك بن سنان الخزرجي، من مشاهير أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ونجباء الأنصار وعلمائهم، شهد مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله اثنتي عشرة غزوة أوّلها الخندق، وتوفِّي عام ٦٤ أو ٧٤هـ.(١)

وولاؤه لأمير المؤمنين عليّعليه‌السلام معروف، فهو من السابقين الذين رجعوا إليه، ورواياته في فضائل عليّعليه‌السلام كثيرة، وكذلك رواياته عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في فضائل وأسماء الأئمة الاثني عشرعليهم‌السلام (٢) .

كما ورد عن الإمام الصادقعليه‌السلام في مدحه أنّه:( رُزِق هذا الأمر، وكان مُستقيماً ) (٣) .

____________________

(١) راجع: سير أعلام النبلاء ٣: ١٧١ وسفينة البحار ٤: ١٦١.

(٢) انظر: بحار الأنوار ٣٩: ٢٨٩ و٤٠:٩ و٢٧: ٢٠١ و٣٦: ٢٩٠، والكافي ٣: ١٢٥ حديث رقم ١ كتاب الجنائز، وكفاية الأثر: ٢٨ - ٣٤.

(٣) رجال الكشّي: ٣٨ رقم ٧٨ وبحار الأنوار: ٨١: ٢٣٧ رقم ١٨.


كما ذكره الإمام الرضاعليه‌السلام ضمن مَن لم يتغيّروا ولم يُبدّلوا(١) ، فهو من الذين تجب ولايتهم، والمستفاد من هذا وثاقته وجلالته.

هذا، وقد مدحه علماء الرجال والتراجم:

فقد قال فيه الشيخ عبّاس القميّ (ره): « كان من السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين، وكان من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكان مُستقيماً »(٢) .

وذكر السيّد الخوئي (ره) إطراء الرجاليّين وثناءهم عليه، ولم يذكر أي قدح فيه أو ذمّ له!(٣)

وقد دافع التُّستري عنه - حينما عدّه المسعودي فيمَن تخلّف عن بيعة أمير المؤمنينعليه‌السلام - قائلاً: « إلاّ أنّه بعد اتّفاق أخبارنا على استقامته، وقوله بإمامة أمير المؤمنينعليه‌السلام وجب القول: إمّا باستبصاره بعدُ، أو باشتباه المسعودي وأنّه رأى تخلُّف سعد بن مالك - أي سعد بن أبي وقّاص - فتوّهمه الخدري! - فكلٌّ منهما سعد بن مالك - »(٤) .

٢) - قد ينقدح في ذهن المتأمّل سؤال، حول سرّ عدم التحاق أبي سعيد بالإمامعليه‌السلام ، مع ماله من معرفة بحقّ أهل البيتعليهم‌السلام وولائه لهم؟

وهل يمكن القول: إنّ ذلك لا يضرُّ بحسنه واستقامته؟!

قال النمازي: « ولا نعلم علّة عدم حضوره لنُصرة الحسينعليه‌السلام ، فلا يضرُّ ذلك

____________________

(١) عيون أخبار الرضا عليه‌السلام ٢: ١٢٥ باب ٣٥حديث رقم ١.

(٢) سفينة البحار ٤: ١٦٠.

(٣) مُعجم رجال الحديث ٨: ٤٧.

(٤) قاموس الرجال ٥: ١٦.


في حُسنه واستقامته »(١) .

وقال المامقاني: « إنّ بعض الأواخر قد استشكل في حُسن عاقبة الرجل، بكونه لم يشهد مع الحسينعليه‌السلام طفّ كربلاء، مع أنّه ممَّن سمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول:( الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة ) . وهذا إشكال واهٍ ضعيف؛ إذ لم يُحرز علمه بخروجهعليه‌السلام إلى كربلاء! ولا عُلِمَ عدم عذره لو كان عالماً، وليس كلّ مُتخلِّف عنهعليه‌السلام هالكاً. نعم، لا ينال تلك الدرجات الرفيعة المعدّة لأصحابه، وقد نبّهنا على ذلك في فوائد المقدّمة »(٢) .

كلام المامقاني (ره) في الفائدة السادسة والعشرين:

ويحسن هنا أن نقرأ ما قاله المامقاني (ره)، في الفائدة السادسة والعشرين:

قال (ره): « إذا ثبت حسنُ حال الرجل أو عدالته وثقته، لم يمكن المناقشة في ذلك بحياته في زمان وقعة الطفّ وتركه الحضور لنُصرة سيّد المظلومينعليه‌السلام ؛ ضرورة أنّ عدم الحضور فعل مُجمل لا يحمل على الفاسد، إلاّ إذا أُحرز فيه جهة الفساد، وسبب الحمل على الصحّة في ذلك واضح لائح؛ ضرورة أنّ الرجل إن كان كوفياً، فإنّ ابن زياد قد حبس أربعمئة وخمسين رجلاً من الشيعة والموالين حتى لا يحضروا النصرة! فلعلّ الرجل كان فيهم.

وأيضاً، فقد صدَّ على الطرق حتى لا يصل أحدٌ إلى كربلاء! ومَن حضر الطفّ: بين مَن كان معه، ومَن خرج في عسكر ابن سعد، ولما بلغ

____________________

(١) مُستدركات علم رجال الحديث ٤: ٢٢.

(٢) تنقيح المقال ٢: ١١.


كربلاء انصرف إلى الحسين عليه‌السلام .

ولعلّ مَن لم يحضر لم يلتفت إلى إمكان هذه المكيدة الحسنة: أعني الخروج بعنوان عسكر ابن سعد واللحوق في كربلاء بالحسينعليه‌السلام ، وإن كان الرجل من غير أهل الكوفة؛ فلأنّه مضافاً إلى رصد الطرق، لم تطل المدَّة ولم يُمهل ابن زياد حتى يبلغهم الخبر، فإنّ أسباب وصول الخبر يومئذ من البريد والبرق لم يكن مُتهيِّئاً، ورصد الطرق أوجب تأخير وصول الخبر؛ ولذا لم يدرِ الأغلب بالوقعة إلاّ بعد وقوعها؛ فعدم الحضور غير قادح في الرجل بعد إحراز وثاقته أو حسن حاله، إلاّ إذا ثبت علمه بالحال وقدرته على الحضور وتخلّفه عنه كما لا يخفى.

وأمّا المتخلّفون عنه عند حركته من المدينة؛ فلأنّ الحسينعليه‌السلام حين حركته وإن كان يدري هو وجمع من المطّلعين على إخبار النبيّ الأمين - بمُقتضى خبرهصلى‌الله‌عليه‌وآله - أنّه يُستشهد بالعراق، إلاّ أنّه في ظاهر الحال لم يكن ليمضي إلى الحرب حتى يجب على كلّ مكلّف مُتابعته، وإنّما كان يمضي للإمامة بمُقتضى طلب أهل الكوفة، فالمتخلّف عنه غير مؤاخذ بشيء! وإنّما يؤاخذ لترك نُصرته مَن حضر الطفّ، أو كان قريباً منه على وجه يمكنه الوصول إليه ونصرته، ومع ذلك لم يفعل وقصّر في نصرته، فالمتخلّفون بالحجاز لم يكونوا مُكلّفين بالحركة معه حتى يوجب تخلّفهم الفسق؛ ولذا فإنّ جملة من الأخيار الأبدال، الذين لم يكتب الله تعالى لهم نيل هذا الشرف الدائم بقوا في الحجاز، ولم يتأمّل أحدٌ في عدالتهم كابن الحنفية وأضرابه! »(١) .

____________________

(١) تنقيح المقال ١: ٢١٢.


مناقشة كلام المامقاني (ره)

١) - إنّ الإخبارات الكثيرة التي أُثرت عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعن أمير المؤمنينعليه‌السلام ، (ومنها قليلٌ عن الحسنعليه‌السلام )، وعن الحسينعليه‌السلام نفسه، كانت قد شخّصت زمان استشهادهعليه‌السلام ، ومكان الوقعة التي يُستشهد فيها، بل وشخّصت الحاكم الآمر بقتلهعليه‌السلام وهو يزيد، وأمير جيشه عمر بن سعد، بل وشخّصت حتى صفة القاتل المباشر للذبح شمر بن ذي الجوشن، وكانت هذه الإخبارات على كثرتها ووفرة تفصيلاتها، قد انتشرت في أوساط الصحابة خاصة، وفي كثير من أوساط الأمّة عامة؛ فمن البعيد ألاّ يكون المخلصون من الصحابة (فضلاً عن سواهم من الصحابة الذين كانوا يعملون في خطّ حركة النفاق) قد علموا - أو توقّعوا على الأقلّ - أنّ الإمامعليه‌السلام في خروجه من المدينة ثمّ في خروجه من مكّة إلى العراق ماضٍ إلى حرب وقتال!

نعم، قد يُعذر المتخلّفون عنه عند خروجه من المدينة، بأنّهم ربّما لم يعلموا بخروجه؛ لأنّ خروجه من المدينة تمّ بسرعة، ولم يعلم به إلاّ المقرّبون منهعليه‌السلام ؛ أو لأنّهم لم يكونوا آنذاك في المدينة، ولكن ما عذرهم في عدم الالتحاق بهعليه‌السلام في مكّة، وقد أقام فيها ما يقرب من مئة وخمسة وعشرين يوماً؟! خصوصاً وأنّه قد شاع في أواخر تلك الأيّام بين الناس في الحجاز أنّ أهل الكوفة قد كاتبوه، وأنّهعليه‌السلام عازم على التوجّه إلى العراق، بما يكفي لمن يُريد الالتحاق به أن يلتحق به، حتى وإن تحرّك إليه من المدينة.

٢) - من هنا وجب أن نبحث عن عذر كلّ واحد من هؤلاء المخلصين في تخلّفه عن الالتحاق بالإمامعليه‌السلام على حدة، فإن علمنا عذره في عدم التحاقه بالإمامعليه‌السلام فبها ونِعْمَتْ، وإن علمنا بأنّه لا عذر له في تخلّفه وأنّه قصّر عن نصرة الإمامعليه‌السلام وقعد عن الجهاد معه عمداً، فلا يُمكننا حينذاك أن نقول بحسنه وعدالته، وإن لم نعلم بعذره أو عدم عذره استصحبنا حسن حال الرجل أو عدالته


ووثاقته، إذا ثبت ذلك من مجموع تأريخ سيرته، خصوصاً إذا أثنى عليه‌السلام الإمام زين العابدين علي بن الحسينعليهما‌السلام أو أحد ممّن جاء من بعده من الأئمةعليهم‌السلام .

٣) - لم ينجُ أحدٌ من أعلام الأمّة ممّن بقي في الحجاز، ولم يلتحق بالإمامعليه‌السلام من التأمّل في عدالته من خلال التساؤل عن سرّ عدم التحاقه، ولعلّ أكثر مَن تعرّضوا للتأمّل في عدالتهم المتخلّفين من بني هاشم، كابن عبّاس وابن جعفر وابن الحنفيّة، ولعلّ الأخير أكثر المتعرّضين لهذا التأمّل منذ أيّام الأئمةعليهم‌السلام (١) وإلى الآن، مع أنّ المأثور أنّ ابن الحنفيّةرضي‌الله‌عنه أقعده وأعجزه المرض عن الالتحاق بالإمامعليه‌السلام ، وورد أنّ ابن جعفر كان مكفوفاً، وتحقّق عندنا أنّ ابن عبّاسرضي‌الله‌عنه كان عذره في كونه مكفوفاً أو ضعيف البصر جدّاً آنذاك(٢) .

فالأمر ليس كما ذهب إليه المامقاني (ره) بقوله: «... ولم يتأمّل أحدٌ في عدالتهم كابن الحنفية وأضرابه! ».

٤) - أمّا فيما يتعلّق بأمر أبي سعيد الخدري (ره)، فقد وردت روايات عن الإمامين الصادق والرضاعليهما‌السلام تُثني عليه وتمدحه، كقول الإمام الصادقعليه‌السلام فيه:( رُزِق هذا الأمر، وكان مُستقيماً ) (٣) ، وعدّه الإمام الرضاعليه‌السلام فيمن لم يُغيّروا ولم يُبدّلوا، وهذا يكفي في الاطمئنان إلى حُسن حاله ووثاقته وعدالته.

____________________

(١) راجع: بصائر الدرجات ١٠: ٤٨١ باب ٩ حديث ٥: والبحار ٤٤: ٣٣٠ باب ٣٧.

(٢) راجع بحث تحرّك كلٍّ من هؤلاء الثلاثةرضي‌الله‌عنه فيما تقدّم من هذا الفصل.

(٣) ولقد حسّن العلاّمة المجلسي (ره) هذه الرواية (راجع: مرآة العقول ١٣: ٢٨١).


رسالة المِسْور بن مخرمة:

روى ابن عساكر، أنّ المسور بن مخرمة كتب إلى الإمام الحسينعليه‌السلام رسالة يقول فيها: « إيّاك أن تغترَّ بكتُب أهل العراق، ويقول لك ابن الزبير: الحق بهم فإنّهم ناصروك! إيّاك أن تبرح الحرم؛ فإنّهم إن كانت لهم بك حاجة فسيضربون إليك آباط الإبل حتّى يوافوك! فتخرج في قوّة وعدّة »(١) .

« فجزّاه الحسين خيراً وقال: « أستخير الله في ذلك! »(٢) .

تأمّلٌ ومُلاحظات:

١) - إنّ محتوى هذه الرسالة، كاشف عن أنّ المِسْور بن مخرمة بعث بها إلى الإمامعليه‌السلام في مكّة، بدليل قوله: « إيّاك أن تغترّ بكتب أهل العراق! ويقول لك ابن الزبير: الحق بهم فإنّهم ناصروك! »؛ ذلك لأنَّ كُتب أهل الكوفة لم تصل إلى الإمامعليه‌السلام إلاّ في مكّة، كما أنّ ابن الزبير لم يُشر على الإمامعليه‌السلام بالتوجّه إلى العراق إلاّ في مكَّة المكرّمة، هذا فضلاً عن الدليل الواضح في قوله: « إيّاك أن تبرح الحرم! ».

٢) - صاحب هذه الرسالة هو المِسْور بن مخرمة بن نوفل القرشي الزهري، وأمّه عاتكة أخت عبد الرحمان بن عوف وهي زهرية أيضاً، ولِد بعد الهجرة بسنتين، وكان من صغار الصحابة، قدم دمشق بريداً من عثمان يستصرخ معاوية، وكان ممّن يلزم عمر بن الخطّاب ويحفظ عنه، وقد انحاز إلى مكّة مع ابن الزبير وسخط إمرة يزيد، وقد أصابه حجَر منجنيق في الحصار فبقي أيّاماً ومات، وكانت

____________________

(١) و (٢) تاريخ ابن عساكر (ترجمة الإمام الحسين عليه‌السلام / تحقيق المحمودي ): ٢٠٢ رقم ٢٥٥; وراجع تهذيب تاريخ دمشق ٧: ١٤٠ والبداية والنهاية ٨: ١٦٥.


الخوارج تغشاه وتنتحله(١) .

وأمّا عندنا، فهو مجهول، وذكر السيّد الخوئي (ره) أنّ الشيخ عدّه في أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله تارة، وأُخرى في أصحاب عليّعليه‌السلام قائلاً: المِسْور بن مخرمة، كان رسولهعليه‌السلام إلى معاوية(٢) ، وقد روى الشيخ الطوسي رحمه الله في الأمالي رواية يُشَمُّ منها ضعف المسور بن مخرمة(٣) ، ونقل القرشيّ عن كتاب الإصابة أنّه كان من أهل الفضل والدين(٤) ، كما نقل الأميني (ره) عن كتاب أنساب الأشراف قائلاً: « وكان مسور بن مخرمة الصحابيّ ممّن وفد إلى يزيد، فلمّا قدم شهد عليه بالفسق وشرب الخمر، فكُتب إلى يزيد بذلك، فكتب إلى عامله يأمره أن يضرب مسوراً الحدَّ، فقال أبو حرّة:

أيشربُها صهباء كالمسكِ ريحها

أبو خالد والحدَّ يُضربُ مسورُ »(٥) .

٣) - قد يُستفاد من بعض الأقوال التي أوردناها في النقطة الثانية، أنّ المسور بن مخرمة كان عمريّ الميْل عثماني الهوى، كما قد يُستفاد من نقل الشيخ (ره) أنّه كان رسول عليٍّعليه‌السلام إلى معاوية، ومن رواية البلاذري أنّه شهد على يزيد بالفسق وشرب الخمر، ومن قول الذهبي أنّه سخط إمرة يزيد، أنّ المسور بن مخرمة ربّما كان ذا شيء من التديُّن؛ وعلى هذا يحتمل أنّه كتب رسالته إلى الإمامعليه‌السلام بدافع الشفقة والخوف عليه من غدر أهل الكوفة، ويُساعد على هذا الاحتمال ما ورد في

____________________

(١) راجع: سير أعلام النبلاء ٣: ٣٩٣ والإصابة: ٣: ٤١٩.

(٢) مُعجم رجال الحديث ١٨: ١٦١ رقم ١٢٣٥٩.

(٣) أمالي الشيخ الطوسي: ٧٢٧ مجلس ٤٤ حديث رقم ١٥٣٠/٥، وفي خلاصة الرسائل العشر للميلاني ص٤٠: أنّه كان إذا ذكر معاوية صلّى عليه!!

(٤) حياة الإمام الحسين بن عليعليهما‌السلام ٣: ٢٤ / الهامش.

(٥) الغدير ١٠: ٣٣ / والصهباء: الخمر، وأبو خالد يعني يزيد.


آخر رواية ابن عساكر أنّ الإمام عليه‌السلام جزّاه خيراً.

هذا على فرض صحّة الرواية أصلاً!! كما يظهر من متن الرسالة أنّ المسور كان عارفاً بمكر ابن الزبير؛ حيث يقول: « ويقول لك ابن الزبير: الحق بهم فإنّهم ناصروك! ».

لكنّ العجيب، أنّ الذهبي يذكر أنّه انحاز بعد ذلك إلى مكّة مع ابن الزبير، وقتله حجر منجنيق أصابه في الحصار!

رسالة عمرة بنت عبد الرحمان:

وروى ابن عساكر أيضاً قائلاً: « وكتبت إليه عمرة بنت عبد الرحمان، تُعظّم عليه ما يريد أن يصنع [ من إجابة أهل الكوفة ]، وتأمره بالطاعة ولزوم الجماعة! وتُخبره أنّه إنّما يُساق إلى مصرعه وتقول: أشهد لحدّثتني عائشة أنّها سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: ( يُقتل حسين بأرض بابل!). فلمّا قرأ [ الحسينعليه‌السلام ] كتابها قال: ( فلا بُدَّ لي - إذَنْ - من مصرعي! ) ومضى »(١) .

إشارة:

عمرة بنت عبد الرحمان بن سعد الأنصارية المدنية، لم يرد لها ذكر في كُتبنا الرجالية ولا التراجم، لكنّ كُتب السنّة ترجمت لها بإطراء وثناء عليها! فها هو الذهبي يقول فيها: « الفقيهة، تربية عائشة وتلميذتها... كانت عالمة، فقيهة، حجّة، كثيرة العلم، وحديثها كثير في دواوين الإسلام، توفِّيت عام ثمان وتسعين »(٢) .

____________________

(١) تاريخ ابن عساكر (ترجمة الإمام الحسين عليه‌السلام / تحقيق المحمودي): ٢٠٢ رقم ٢٥٥; وانظر: تهذيب الكمال ٤: ٤٩; وتاريخ الإسلام (حوادث عام ٦٠) ص٩; وتهذيب تاريخ دمشق لابن منظور ٧: ١٤٠.

(٢) سير أعلام النبلاء ٤: ٥٠٩; وانظر: تهذيب التهذيب ١٢: ٤٦٦.


ويُغنينا قول الذهبي فيها: إنّها تربية عائشة وتلميذتها عن كلّ تعليق!

ذلك؛ لأنّ كراهية عائشة لأهل البيتعليهم‌السلام وحقدها عليهم أمر أوضح من الشمس في رابعة النهار، فعن أمير المؤمنينعليه‌السلام :( وأمّا، فلانة فأدركها رأي النساء وظغن غلا في صدرها كمِرجل القَين! ) (١) .

ولم تتورّع عائشة عن إعلان هذه الكراهية في مواقف كثيرة، وهل يُنسى منعها دفن الإمام الحسنعليه‌السلام إلى جوار جدّهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقولها: « تُريدون أن تُدخلوا بيتي من لا أهوى ولا أُحبّ! »(٢) ، وقولها: « نحّوا ابنكم عن بيتي! »(٣) .

فإذا كان هذا حال الأستاذة فما حال مُريدتها وربيبتها؟! وهل يُتوقَّع منها غير أن تأمر الإمامعليه‌السلام بإطاعة يزيد وعدم شقّ عصا الجماعة! والقعود عن أيّ قيام في وجه الطاغوت!

حركة الأمّة في الكوفة:

كان الكوفيُّون يُكاتبون الإمام الحسينعليه‌السلام - بعد استشهاد الإمام الحسنعليه‌السلام - باذلين له الطاعة، ويدعونه إلى القيام والنهضة ضدّ معاوية، فقد روى البلاذري أنّه: « لما توفِّي الحسن بن عليّ اجتمعت الشيعة، ومعهم بنو جعدة بن هبيرة بن أبي

____________________

(١) نهج البلاغة: ٢١٨ الخطبة ١٥٦ / ويقول ابن أبي الحديد: (... ثمّ ماتت فاطمة، فجاء نساء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كُلهنَّ إلى بني هاشم في العزاء إلاّ عائشة، فإنّها لم تأتِ، وأظهرت مرضاً! ونُقل إلى عليّ عليه‌السلام عنها كلام يدلّ على السرور! ) (راجع: شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد ٩: ١٩٨).

(٢) أمالي الطوسي:١٦١ المجلس ٦ حديث رقم ٢٦٧ / ١٩; وعنه البحار ٤٤: ١٥٣.

(٣) الكافي ١: ٣٠٢; وعنه البحار ٤٤: ١٤٣.


وهب المخزومي(١) ، وأمُّ جعدة أمّ هاني بنت أبي طالب، في دار سليمان بن صرد، وكتبوا إلى الحسين كتاباً بالتعزية، وقالوا في كتابهم: إنّ الله قد جعل فيك أعظم الخلف ممَّن مضى، ونحن شيعتك المصابة بمُصيبتك، المحزونة بحزنك، المسرورة بسرورك، المنتظرة لأمرك.

وكتب إليه بنو جعدة، يُخبرونه بحُسن رأي

____________________

(١) جعدة بن هبيرة المخزومي: هو ابن أخت أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام ، وأمّه أمُّ هاني بنت أبي طالب عليه‌السلام ، وُلِد جعدة في عهد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فهو من الصحابة، ونزل الكوفة، وكان فارساً شجاعاً، شريفاً فقيهاً، وكان والياً على خراسان من قِبل أمير المؤمنين عليه‌السلام . وقال له عتبة بن أبي سفيان: إنّما لك هذه الشدّة في الحرب من قِبل خالك - يعني عليّاً عليه‌السلام - فقال له جعدة: لو كان لك خال مثل خالي لنسيتَ أباك!

وله رواية عن أمّه، حول قصّة الهجرة ومبيت أمير المؤمنين عليه‌السلام في فراش الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويروي بعض قضايا يوم شهادة عليّ عليه‌السلام .

قال عتبة بن أبي سفيان في يوم من أيّام صِفِّين: إنّي لاقٍ بالغداة جعدة بن هبيرة! فقال له معاوية: بخٍ بخٍ! قومه بنو مخزوم، وأمّه أمّ هاني بنت أبي طالب، وأبوه هبيرة بن أبي وهب، كفؤ كريم... (راجع: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٨: ٣٠٨ ومُستدركات علم الرجال ٢: ١٣٠).

وكان لجعدة في قريش شرف عظيم، وكان له لسان، وكان من أحبّ الناس إلى عليّ عليه‌السلام . (راجع: وقعة صِفِّين: ٤٦٣).

ويبدو من ظاهر خبر الاجتماع في دار سليمان بن صرد، أنّ جعدة أيّام النهضة الحسينية لم يكن في الأحياء، بدليل الإشارة إلى أبنائه فقط ( ومعهم بنو جعدة بن هبيرة... ).

أمّا أبناؤه، فيحيى ( وله رواية عن الحسين عليه‌السلام وهو من رواة الغدير )، وعبد الله (وهو الذي فتح القهندر وكثيراً من خراسان)، وقيل: إنّ له ولداً آخر اسمه عمر. (راجع: مُستدركات علم الرجال ٢: ١٣١ و٨: ١٩٣ وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٨: ٣٠٨).

ولم نعثر على خبر تأريخي يُحدّثنا عن بني جعدة، وما حلّ بهم في الفترة ما بين انعقاد هذا الاجتماع في دار سليمان بن صرد إلى يوم عاشوراء، يوم مقتل الإمام عليه‌السلام ، وبهذا تبقى أسئلة كثيرة تتدافع في صدر المتتبّع حولهم بلا جواب.

هذا وعن البلاذري في الانساب: ٣: ٣٧٧: إن جعدة بعث إبنه برسالة الى الحسين  يحذّره من أقول: وهذا اخطأ ولعله تصحيف عون بن عبد الله بن جعفر وقد مرّ الحديث عنه.


أهل الكوفة فيه، وحبّهم لقدومه، وتطلّعهم إليه، وأن قد لقوا من أنصاره وإخوانه مَن يُرضى هديه ويُطمأنّ إلى قوله، ويُعرف نجدته وبأسه، فأفضَوا إليهم ما هم عليه من شنآن ابن أبي سفيان والبراءة منه، ويسألونه الكتاب إليهم برأيه... »(١) ، وكذلك نقل الشيخ المفيد (ره) عن الكلبي والمدائني وغيرهما من أصحاب السير، أنّهم قالوا: « لما مات الحسن عليه‌السلام تحرّكت الشيعة بالعراق، وكتبوا إلى الحسين عليه‌السلام في خلع معاوية، والبيعة له... »(٢) ، وكان الإمام الحسين عليه‌السلام في كلّ ذلك يمتنع عليهم، ويذكر لهم أنّ بينه وبين معاوية عهداً وعقداً لا يجوز له نقضه حتى تمضي المدّة، فإذا مات معاوية نظر في ذلك.

لكنّ الثابت - من قرائن تأريخية عديدة - أنّ نبأ موت معاوية وصل إلى أهل الكوفة بعد وصول الإمام الحسينعليه‌السلام إلى مكّة المكرّمة، أو وهو في الطريق إليها، ومعنى هذا: أنّه لم تصل إلى الإمامعليه‌السلام وهو في المدينة - في غضون أيّام إعلانه رفض البيعة ليزيد إلى حين خروجه عنها - أيّة رسالة من أهل الكوفة تُنبئ عن علمهم بموت معاوية، وعن دعوتهم الإمامعليه‌السلام إليهم، ولا من أهل مكّة أيضاً، ولا مَن سواهما(٣) .

____________________

(١) أنساب الأشراف ٣: ١٥١ - ١٥٢ حديث ١٣.

(٢) الإرشاد: ٢٠٠.

(٣) هناك ثلاث روايات، يوحي ظاهرها بأنّ الإمام عليه‌السلام كانت قد وصلت إليه رسائل في المدينة في الأيّام التي أعلن فيها عن رفضه البيعة ليزيد، بعد وصول نبأ موت معاوية: الأُولى:رواية ابن عساكر للقاء عبد الله بن مطيع العدويّ مع الإمام عليه‌السلام ، في الطريق من المدينة إلى مكّة، حيث ذكر ابن عساكر في جملة اعتراضية أنّ الإمام عليه‌السلام ذكر للعدويّ فيها أنّه كتب إليه شيعته بها ( أي مكّة! ) (راجع: تاريخ ابن عساكر ( ترجمة الإمام الحسين عليه‌السلام ) / تحقيق المحمودي: ٢٢٢ حديث رقم ٢٠٣ / مجمع إحياء الثقافة الإسلامية - قم ). والثانية:رواية ابن عبد ربّه الأندلسي في (العقد الفريد ٤: ٣٥٢ / دار إحياء =


أوّل اجتماع للشيعة في الكوفة بعد هلاك معاوية:

روى الطبري قائلاً: « فلمّا بلغ أهل الكوفة هلاك معاوية، أرجف أهل العراق بيزيد، وقالوا: قد امتنع حسينٌ وابن الزبير ولحقا بمكّة، فكتب أهل الكوفة إلى حسين... ».

وروى أيضاً عن أبي مخنف، عن الحجّاج بن عليّ، عن محمّد بن بشر الهمداني(١) ، قال: « اجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد(٢) ، فذكرنا هلاك

____________________

=التراث العربي)، وهي رواية خَلَط فيها الراوي بين اللقاء الأوّل لعبد الله بن مطيع العدويّ مع الإمام عليه‌السلام ، في الطريق من المدينة إلى مكّة، وبين لقائهما الثاني بعد خروجه عليه‌السلام من مكّة إلى العراق! ممّا يوهم القارئ أنّ الإمام عليه‌السلام قبل وصوله إلى مكّة، كان قد أخبر العدويّ عن رسائل كثيرة وصلت إليه من أهل الكوفة! والثالثة:هي الرواية التي حكاها صاحب كتاب (أسرار الشهادة: ٣٦٧)، عن بعض الثقات الأُدباء الشعراء من تلامذته العرب - حسب قوله! - وأنّ هذا الثقة قد ظفر بها في مجموعة تنسب إلى فاضل أديب مُقرئ! فنقلها عنه! وفيها يقول الراوي: ( خرجت بكتاب من أهل الكوفة إلى الحسين عليه‌السلام ، وهو يومئذ بالمدينة، فأتيته فقرأه وعرف معناه، فقال: ( أنظرني إلى ثلاثة أيّام )، فبقيت في المدينة، ثمّ تبعته إلى أن صار عزمه بالتوجّه إلى العراق... )، ولقد نوقشت هذه الروايات الثلاث نقاشاً تحقيقياً في الجزء الأوّل من هذه الدراسة (الركب الحسيني من المدينة إلى المدينة) أثبت عدم جدارتها للاعتماد على ما ورد فيها بهذا الصدد، فراجع الجزء الأوّل ٤٢٣ - ٤٢٦ / عنوان: هل وصلت إلى الإمام عليه‌السلام رسائل قُبيل رحيله عن المدينة؟

(١) محمد بن بشر الهمداني: كان في الكوفة في جمع قرأ عليهم مسلم كتاب الإمام الحسين عليه‌السلام ، ولم يقل شيئاً!

وقع في طريق (سند) الشيخ الصدوق (ره) في كتاب التوحيد، باب معنى الحُجزة عن أبي الجارود، عنه، عن محمّد بن الحنفية، عن أمير المؤمنين عليه‌السلام .

وفي سند غيبة الطوسي ص٢٧٧، عن أبي الجارود، عن محمد بن بشر، عن أمير المؤمنين عليه‌السلام . (راجع: مُستدركات علم الرجال ٦: ٤٨٠).

وروى أبو مخنف، عن الحجّاج بن علي، عن محمّد بن بشر - كما في تأريخ الطبري - قصّة =


-

____________________

= اجتماع الشيعة في منزل سليمان بن صُرَد لدعوة الحسين عليه‌السلام إليهم في الكوفة، وإرساله عليه‌السلام مسلماً عليه‌السلام ، وأنّ مسلماً عليه‌السلام قرأ كتاب الحسين عليه‌السلام إليهم، فقام عابس الشاكري، ثمّ حبيب بن مظاهر، ثمّ سعيد بن عبد الله الحنفي، وأخبروا عن أنفسهم بالجدّ في الجهاد معهم.

وقال الحجّاج: فقلتُ لمحمّد: فهل كان منك قول؟ فقال: إن كنتُ لأحبُّ أن يُعزَّ الله أصحابي بالظفر، وما كنت لأُحبَّ أن أُقتلَ، وكرهتُ أن أكذب!! (راجع: الطبري ٥: ٣٥٢ وقاموس الرجال ٩: ١٣٤).

(٢) سليمان بن صُرد الخزاعي: من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومن أصحاب أمير المؤمنين عليّ والحسن والحسينعليهم‌السلام وكان اسمه في الجاهلية يساراً، فسمّاه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله سليمان، وكان خيّراً فاضلاً، سكن الكوفة وابتنى بها داراً في خزاعة، وكان نزوله بها في أوّل ما نزلها المسلمون، وكان له سنٌّ عالية وشرف، وقدر كلمة في قومه، شهد مع عليّ صِفِّين، وهو الذي قتل حوشباً ذا ظليم بصفِّين مُبارزة، ثمّ اختلط الناس يومئذ (راجع: الاستيعاب: ٣: ٢١٠ رقم ١٠٦١).

وروى نصر بن مزاحم في كتابه عن عبد الرحمان بن عبيد بن أبي الكنود: أنّ سليمان بن صرد الخزاعي دخل على عليّ بن أبي طالب بعد رجعته من البصرة، فعاتبه وعذله وقال له:( ارتبتَ وتربّصتَ وراوغت! وقد كنت من أوثق الناس في نفسي، وأسرعهم - فيما أظنّ - إلى نصرتي، فما قعد بك عن أهل بيت نبيّك؟! وما زهّدك في نصرهم؟! ) .

فقال: يا أمير المؤمنين، لا تردنّ الأمور على أعقابها، ولا تؤنّبني بما مضى منها: واستبقِ مودّتي يُخلص لك نصيحتي، وقد بقيت أمورٌ تعرف فيها وليّك من عدوّك. فسكت عنه، وجلس سليمان قليلاً، ثمَّ نهض فخرج إلى الحسن بن عليّ وهو قاعد في المسجد، فقال: ألا أُعجِّبك من أمير المؤمنين وما لقيتُ منه من التبكيت والتوبيخ؟فقال له الحسن: ( إنّما يُعاتَب مَن تُرجى مودّته ونصيحته ) . فقال: إنّه بقيت أمور سيستوسق فيها القنا ويُنتضى فيها السيوف، ويُحتاج فيها إلى أشباهي، فلا تستغشّوا عتبي، ولا تتّهموا نصيحتي.

فقال له الحسن:( رحمك الله، ما أنت عندنا بالظنين ) (وقعة صفِّين: ٦ - ٧).

وراوي هذه القصّة عبد الرحمان بن عبيد - أو عبد - بن أبي الكنود: مجهول الحال (راجع: =


____________________

= تنقيح المقال ٢: ١٤٥)، وذكره رجاليون آخرون دون التعرُّض له بمدح أو بذم (راجع: قاموس الرجال ٦: ١٢٥ ومعجم رجال الحديث ٩: ٣٣٥ و ٣٣٧ رقم ٦٣٩٢ و ٦٤٠٠ ومُستدركات علم الرجال ٤: ٤٠٧).

وقد روى ابن عبد ربّه رواية نفس هذا العتاب بتفاوت وإجمال مُرسلة ( وهي رواية عاميّة ) (راجع: العقد الفريد ٤: ٣٣٠).

لكنّ المامقاني أنكر تخلّف سليمان يوم الجمل، واستدلّ بقول ابن الأثير: إنّه شهد مع عليّ عليه‌السلام مشاهده كلّها (راجع: تنقيح المقال ٢: ٦٣)، وقد قال ابن سعد أيضاً: إنّه شهد الجمل وصِفِّين مع عليّ عليه‌السلام (راجع: الطبقات الكبرى ٤: ٢٩٢).

لكنّ التُّستري ردَّ إنكار المامقاني، مُعتمداً على رواية كتاب وقعة صفِّين. (قاموس الرجال: ٥: ٢٧٩).

كما ذهب المامقاني إلى أنّ ابن زياد لما اطَّلع على مكاتبة أهل الكوفة للحسين عليه‌السلام حبس أربعة آلاف وخمسمئة من أصحاب أمير المؤمنين وأبطاله، منهم سليمان بن صرد، وإبراهيم الأشتر، وصعصعة، ولم يكن لهم سبيل إلى نصرة الحسين عليه‌السلام (راجع: تنقيح المقال ٢: ٦٣).

ونقل القرشي أيضاً عن كتاب (الدرّ المسلوك في أحوال الأنبياء والأوصياء ١: ١٩٠ / مخطوط) أنّ سليمان بن صرد الخزاعي، والمختار، وأربعمئة من أعيان ووجوه الكوفة، كانوا من بين المعتقلين في سجون ابن زياد (راجع: حياة الإمام الحسين بن عليعليهما‌السلام ٢: ٤١٦).

ويُمكن أن يُردَّ على ذلك: أنّ الأمر إذا كان كذلك، ولم يكن له ذنب وتقصير في تخلّفه عن نصرة الإمام الحسين عليه‌السلام ، ففيم كانت توبته ولماذا كانت قيادته لحركة التوّابين؟!

إنّ المتأمّل في خُطب سليمان - في جموع التوّابين - لا يجد أيّة إشارة إلى أنّه كان مُعتقلاً! بل يجد سليمان يُدين نفسه وأصحابه بالتواني والتقصير والعجز والمداهنة والتربُّص! ها هو يقول: (... إنّا كُنّا نمدُّ أعناقنا إلى قدوم آل بيت نبيّنا محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله نُمنيّهم النصر، ونحثّهم على القدوم، فلمّا قدموا ونَينا وعجزنا وأدهنّا وتربّصنا حتى قُتل ولد نبيّنا وسلالته وعصارته وبضعة من لحمه ودمه... ) (الكامل في التأريخ ٣: ٣٣٣ وانظر: تأريخ الطبري ٣: ٣٩١). =


____________________

= وقد يُردُّ على ذلك، بأنّ كُتب التواريخ والتراجم السنِّيّة هي التي اتّهمت سليمان بن صرد بالتقصير والشكّ والمداهنة والعجز، فإضافة إلى ما أورده الطبري وابن الأثير، يقول الذهبي: ( قال ابن عبد البرِّ: كان ممّن كاتب الحسين ليُبايعه، فلمّا عجز عن نصره، ندم وحارب... ) (سير أعلام النبلاء ٣: ٣٩٥).

وقال ابن سعد: ( وكان فيمَن كتب إلى الحسين عليه‌السلام يسأله القدوم عليهم الكوفة، فلمّا قدم الحسين الكوفة اعتزله فلم يكن معه، فلمّا قُتل الحسين ندم مَن خَذَله وتابوا من خذلانه... ) (الطبقات الكبرى ٦: ٢٥).

وقال أيضاً: ( وكان فيمَن كتب إلى الحسين بن عليّ أن يقدم الكوفة، فلمّا قدمها أمسك عنه ولم يُقاتل معه، كان كثير الشكّ والوقوف، فلما قُتل الحسين ندم... ) (الطبقات الكبرى ٤: ٢٩٢ وانظر الوافي بالوفيّات ١٥: ٣٩٣).

لقد كانت ثورة التوّابين ردَّ فعل خالصاً لثورة الإمام الحسين عليه‌السلام ؛ إذ لم يكن لغير ثورة الإمام الحسين عليه‌السلام أثرٌ فيها، وقد انبعثت نتيجة الشعور بالإثم والندم والحسرة على عدم نصرة الإمام الحسين عليه‌السلام ، وقد رأى الثوّار فيها أنّه لا يغسل عارهم والإثم عنهم إلاّ قتل مَن قتل الإمام عليه‌السلام ، أو القتل في هذا الأمر، وكان زعيم هذه الثورة سليمان بن صرد الخزاعي، وقد ابتدأ الإعداد لهذه الثورة اجتماعياً وعسكرياً بعد عاشوراء، سنة إحدى وستِّين للهجرة، وكان هذا الإعداد سرِّيّاً حتى مات يزيد، فخرجوا بعد موته من السرّ إلى العلن، فتوجَّهوا سنة خمس وستِّين للهجرة إلى قبر الإمام الحسين عليه‌السلام ... ثمّ توجّهوا إلى الشام والتحموا مع كتائب الجيش الأُمويّ في منطقة (عين الوردة)، في وقعة دمويّة رهيبة، هزّت نتائجها الفادحة أركان الحُكم الأُموي هزّاً عنيفاً (راجع: الركب الحسيني من المدينة إلى المدينة / الجزء الأوّل: ١٧٩ وتاريخ الطبري ٣: ٤٠٨).

وقد قُتل التوّابون جميعاً في هذه المعركة التي دامت ثمانية أيّام، في مواجهة مئة ألف فارس كانوا مقدّمة للجيش الأُموي. وقد نقل المامقاني، أنّ سليمان رأى في المنام في الليلة الثامنة خديجة الكبرى وفاطمة الزهراء والحسن والحسينعليهم‌السلام ، فقالت له خديجة: شكر الله سعيك يا سليمان ولإخوانك، فإنّكم معنا يوم القيامة. وقالوا له: أبْشِر؛ فأنت عندنا غداً عند الزوال. ثمّ ناولته إناءً فيه ماء وقالت: أفِضه على جسدك! فانتبه فرأى إناءً عند رأسه فيه ماء، فأفاضه على جسده، وترك الإناء إلى جنبه فالتحمت جراحاته، واشتغل يلبس ثيابه وغاب القدح فكبّر، فانتبه أصحابه من تكبيره، وسألوه =


معاوية فحمدنا الله عليه.

فقال لنا سليمان بن صرد: إنّ معاوية قد هلك، وإنّ حسيناً قد تقبّض على القوم ببيعته، وقد خرج إلى مكّة، وأنتم شيعته وشيعة أبيه، فإن كنتم تعلمون أنّكم ناصروه ومُجاهدو عدوّه فاكتبوا إليه، وإن خفتم الوهل والفشل فلا تغرّوا الرجل من نفسه!

قالوا: لا، بل نُقاتل عدوّه ونقتل أنفسنا دونه!

قال: فاكتبوا إليه.

فكتبوا إليه: بسم الله الرحمن الرحيم.

لحسين بن عليّ، من سليمان بن صرد، والمسيّب بن نجبة(١) ، ورفاعة بن

____________________

= عن السبب فبيّن لهم، فلمّا أصبحوا قاتلوا جيش ابن زياد حتى قُتلوا عن آخرهم... (راجع: تنقيح المقال ٢: ٦٣).

وقال المامقاني في ختام كلامه: ( وقد تلخّص من جميع ما سطّرناه، أنّ سليمان بن صُرَد شيعي مُخلص في الولاء، وأنا اعتبره ثقة مقبول الرواية، وأسأل الله تعالى أن يحشرني معه ومع أصحابه بجاه الحسين عليه‌السلام ). (تنقيح المقال ٢: ٦٣).

ونختم هذا المقام بهذه الرواية:

روى نصر بن مزاحم المنقري، في كتابه عن عون بن أبي جُحيفة، قال:

( أتى سليمان بن صُرد عليّاً أمير المؤمنين بعد الصحيفة ووجهه مضروب بالسيف، فلمّا نظر إليه عليٌّ قال:( ( فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) ،فأنت ممّن ينتظر وممّن لم يُبدّل ) . فقال: يا أمير المؤمنين، أما لو وجدتَ أعواناً ما كتبت هذه الصحيفة أبداً! أما والله، لقد مشيتَ في الناس ليعودوا إلى أمرهم الأوّل، فما وجدتَ أحداً عنده خيرٌ إلاّ قليلاً! ) (وقعة صِفِّين: ٥١٩).

(١) المسيّب بن نجبة: كان من التابعين الكبار ورؤسائهم وزهّادهم، وكان من رؤساء الجماعة الذين خفّوا لنصرة عليّ عليه‌السلام من الكوفة إلى البصرة، ووجهّه الإمام عليّ عليه‌السلام مع بشر كثير من قومه لمقاومة =


شدّاد(١) ، وحبيب بن مظاهر(٢) ، وشيعته من المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة.

سلام عليك.

فإنّا نحمد إليك اللّه، الذي لا إله إلاّ هو.

أمّا بعدُ: فالحمد لله الذي قصم عدوّك الجبّار العنيد، الذي انتزى على هذه الأمّة فابتزّها وغصبها فيأها، وتأمّر عليها بغير رضاً منها، ثمّ قتل خيارها واستبقى

____________________

= غارة عبد الله بن مسعدة الفزاري. وكان قائد التوّابين بعد سليمان بن صُرد، وقُتل معهم سنة ٦٥ هـ (راجع: رجال الكشّي: ٦٩ وتاريخ الطبري ٤: ٤٤٨ و٥: ١٣٥).

(١) رفاعة بن شدّاد: كان قاضياً من قِبَل أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام على الأهواز، وكان على جناح عسكره يوم صِفِّين، وروي أنّه لما ورد الإمام الحسين عليه‌السلام إلى كربلاء دعا بدواة وبيضاء وكتب إلى أشراف الكوفة منهم رفاعة بن شدّاد.

وذهب المامقاني إلى أنّ رفاعة كان يوم الطفّ محبوساً أو مُعتقلاً في سجن ابن زياد، فلم يستطع الخروج إلى الحسين عليه‌السلام ، ولم يسمع واعيته.

وهو من الذين وفّقوا مع مالك الأشتر لتجهيز أبي ذرّ وتكفينه ودفنه. (راجع: مستدركات علم الرجال ٣: ٤٠٢).

(٢) حبيب بن مُظهَّر (مظاهر)، أبو القاسم، الأسدي الفقعسي، كان صحابيّاً رأى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكان من أصحاب عليّ والحسن والحسينعليهم‌السلام ، وصحب عليّاً في حروبه كلّها، وكان من خاصّته وحملة علومه، وكان عنده علم المنايا والبلايا، وهو قرين ميثم التمّار ورشيد الهجري في غاية الجلالة والنبالة، وكان حبيبرضي‌الله‌عنه ممَّن كاتب الحسين عليه‌السلام . وكان حبيب ومسلم بن عوسجة يأخذان البيعة للحسين عليه‌السلام في الكوفة، حتى إذا دخل عبيد الله بن زياد الكوفة وخذّل أهلها عن مسلم وفرَّ أنصاره، حبسهما عشائرهما وأخفياهما، فلمّا ورد الحسين كربلاء خرجا إليه مُختفين يسيران الليل ويكمنان النهار حتى وصلا إليه. وذكر الطبري وغيره (المفيد في الإرشاد والدينوري في الأخبار الطوال): أنّ حبيباً كان على ميسرة الحسين عليه‌السلام .وروى أبو مخنف: أنّه لما قُتل حبيب بن مظهّر هدَّ ذلك الحسين عليه‌السلام وقال: ( عند الله أحتسب نفسي وحماة أصحابي ) . (راجع: إبصار العين: ١٠٠ - ١٠٦ ومُستدركات علم الرجال ٢: ٣٠٢).


شِرارها ، وجعل مال الله دولة بين جبابرتها وأغنيائها، فبُعداً له كما بعُدت ثمود.

إنّه ليس علينا إمام، فأقبل لعلّ الله أن يجمعنا بك على الحقّ، والنعمان بن بشير في قصر الإمارة، لسنا نجتمع معه في جمعة، ولا نخرج معه إلى عيد، ولو قد بلغنا أنّك قد أقبلت إلينا أخرجناه حتى نُلحقه بالشام إن شاء الله، والسلام ورحمة الله عليك »(١) .

رُسُل الكوفة إلى الإمام عليه‌السلام :

« ثمّ سرّحوا بالكتاب مع عبد الله بن مسمع الهمداني(٢) ، وعبد الله بن وال(٣) ،

____________________

(١) تأريخ الطبري ٣: ٢٧٧، والإرشاد: ٢٠٣، ووقعة الطفّ: ٩٢، كما رواها السيد ابن طاووس في اللهوف: ١٠٤ بتفاوت، وروى البلاذري هذه الرسالة أيضاً بتفاوت في أنساب الأشراف ٣: ٣٦٩ / دار الفكر - بيروت.

(٢) عبد الله بن مسمع الهمداني: لم يرد له ذكر في الكُتب الرجالية، ولا في التواريخ سوى ما ذكره الطبري والشيخ المفيد (ره) أنّه وعبد الله بن والٍ حملا كتاب أهل الكوفة إلى الإمام عليه‌السلام ، وذكره ابن كثير: ( عبدالله بن سبع الهمداني ) (البداية والنهاية ٧: ١٥٤).

(٣) عبد الله بن والٍ (وألٍ): كوفيٌّ من بني تميم، وقيل: من آل بكر بن وائل، من وجوه الشيعة بالكوفة، ومن خيار أصحاب عليّ عليه‌السلام (أنظر: الغارات:٢٢٦ / الهامش).

وقيل: هو عبد الله بن وأل التيمي من بني تيم اللاّت بن ثعلبة. (البحار ٤٥: ٣٥٥).

وهو الذي كان يقول: ( اللّهمّ، إنّي لعليٍّ وليٌّ، ومن ابن عفّان بريء ) (الغارات: ٣٦٤).

وهو الذي بعثه عليٌّ عليه‌السلام بكتابه إلى زياد بن خصفة - في قصّة بني ناجيه - يقول هو: فأخذت الكتاب منه - وخرجت من عنده - وأنا يومئذ شابٌّ حدث، فمضيت به غير بعيد، فرجعت إليه فقلتُ: يا أمير المؤمنين، ألا أمضي مع زياد بن خصفة إلى عدوّك إذا دفعتُ إليه الكتاب؟فقال: ( يا بن أخي، افعل، فو الله، إنّي لأرجو أن تكون من أعواني على الحقّ، وأنصاري على القوم الظالمين ) . فقلت: يا


وأمروهما بالنجاء، فخرجا مُسرعَين حتى قدما على الحسين عليه‌السلام بمكّة، لعشر مضين من شهر رمضان »(١) .

وقال ابن كثير: « فكان أوّل مَن قدم عليه عبد الله بن سبع الهمداني، وعبد الله بن وال، ومعهما كتاب فيه السلام والتهنئة بموت معاوية... »(٢) .

____________________

= أمير المؤمنين، أنا والله كذلك، ومن أولئك، وأنا واللّه حيث تُحبّ!

قال ابن وأل: فو اللّه، ما أُحبّ أنّ لي بمقالة عليّ عليه‌السلام تلك حُمر النعم! ) (الغارات: ٢٢٩)، وحُمر النعم: الإبل الحمراء، وهي أنفس الأموال يومئذ، والمثل هذا يُضرب في كلّ نفيس.

وكان عبد الله بن وأل من أُمراء التوّابين، قال ابن الأثير - يصف لقطة من لقطات معركة التوّابين ضدّ الجيش الأُموي -: ( فلمّا كان المساء تولّى قتالهم أدهم بن محرز الباهلي، فحمل عليهم في خيله ورَجِله فوصل ابن محرز إلى ابن وأل وهو يتلو:( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً... ) الآية، فغاظ ذلك أدهم بن محرز، فحمل عليه فضرب يده فأبانها، ثمّ تنحّى عنه، وقال: إنّي أظنّك وددت أنّك عند أهلك!

قال ابن وأل: بِئْسَما ظننت، والله، ما أُحبّ أنّ يدك مكانها، ألاّ يكون لي من الأجر مثل ما في يدي ليعظم وزرك ويعظم أجري! فغاظه ذلك أيضاً، فحمل عليه وطعنه فقتله وهو مُقبل ما يزول! وكان ابن وأل من الفقهاء العُبّاد... ) (الكامل في التأريخ ٢: ٦٤١ وانظر قاموس الرجال ٦: ٦٤٤ وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٣: ١٣٢).

وفي رواية أُخرى: ( وتقدّم عبد الله بن وأل فأخذ الراية، وقاتل حتى قُطعت يده اليسرى، ثمّ استند إلى أصحابه ويده تشخب دماً، ثمّ كرّ عليهم وهو يقول:

نفسي فداكم اذكروا الميثاقا

وصابروهم واحذروا النفاقا

لا كوفة نبغي ولا عراقا

لا بل نُريد الموت والعتاقا

وقاتل حتى قُتل ) (البحار ٤٥: ٣٦٢)

(١) الإرشاد: ٢٠٢ وتأريخ الطبري: ٣: ٢٧٧.

(٢) البداية والنهاية ٧: ١٥٤.


وروى ابن الجوزي، عن الواقدي صيغة أُخرى للرسالة الأُولى التي بعث بها أهل الكوفة - ولعلّها رسالة أُخرى - قائلاً: « ولما استقرّ الحسين بمكّة، وعلم به أهل الكوفة، كتبوا إليه يقولون: إنّا قد حبسنا أنفسنا عليك! ولسنا نحضر الصلاة مع الولاة، فأقْدِم علينا فنحن في مئة ألف! وقد فشا فينا الجور، وعُمل فينا بغير كتاب اللّه وسنّة نبيّه، ونرجوا أن يجمعنا الله بك على الحقّ، وينفي عنّا بك الظلم، فأنت أحقّ بهذا الأمر من يزيد وأبيه الذي غصب الأمّة فيئها، وشرب الخمر ولعب بالقرود والطنابير، وتلاعب بالدين.

وكان ممّن كتب إليه سليمان بن صُرد والمسيّب بن نجبة ووجوه أهل الكوفة »(١) .

____________________

(١) تذكرة الخواص: ٢١٥.ويحسن هنا أن نُذكِّر، أنّ تعاطي معاوية الخمر ولعبه بالقرود والطنابير، وتلاعبه بالدين أمرٌ مفروغ منه ومسلّم به تأريخياً، وقد صرّح بذلك أحمد في مُسنده ٥: ٣٤٧، وابن عساكر في تأريخه ٧: ٢١١، وورد ذلك أيضاً في أُسد الغابة ٣: ٢٩٩، وتأريخ بغداد ٧:٢١٣، وقد جمعها العلاّمة الأميني في الغدير ١٠: ١٨٣، ومعاوية هو الذي وصفه عليٌّ عليه‌السلام بأنّه ( ظاهر غيّه ومهتوك ستره ) ، وقد علّق ابن أبي الحديد على هذا الوصف قائلاً: ( فأمّا قوله في معاوية: ( ظاهرٌ غيّه... ) ، فلا ريب في ظهور ضلاله وبغيه، وكلّ باغٍ غاوٍ، وأمّا (... مهتوك ستره ) ، فإنّه كان كثير الهزل والخلاعة، صاحب جُلساء وسُمّار، ومعاوية لم يتوقّر ولم يلزم قانون الرياسة إلاّ منذ خرج على أمير المؤمنين واحتاج إلى الناموس والسكينة، وإلاّ فقد كان في أيّام عثمان شديد الهتك، موسوماً بكلّ قبيح، وكان في أيّام عمر يستر نفسه قليلاً خوفاً منه، إلاّ أنّه كان يلبس الحرير والديباج، وكان حينئذ شابّاً وعنده نزق الصبا وأثر الشبيبة، وسكر السلطان والإمرة.

ونقل الناس عنه في كُتب السيرة، أنّه كان يشرب الخمر في أيّام عثمان في الشام، وأمّا بعد وفاة أمير المؤمنين واستقرار الأمر له فقد اختلف فيه، فقيل: إنّه شرب الخمر في ستر. وقيل: إنّه لم يشرب! ولا خلاف في أنّه سمع الغناء وطرب عليه، وأعطى ووصل عليه! ) (شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٦: ١٦٠).

إذن؛ فمعاوية في تهتّكه وفسقه ليس بأقل من ابنه يزيد شهرة وافتضاحاً.


إشارة:

لا يخفى على المتأمّل في محتوى الرسائل التي بعث بها أهل الكوفة إلى الإمامعليه‌السلام ، وفي تعبير ابن كثير: « ومعهما كتاب فيه السلام والتهنئة بموت معاوية » أنّ جوّاً نفسياً طافحاً بالابتهاج والفرحة عمَّ الشيعة في الكوفة لموت معاوية، الذي كان قد أذاقهم الويلات في جميع جوانب حياتهم، وجثم على صدورهم سنين عجاف طويلة مريرة، يخنق أنفاسهم ويُحصيها عليهم، ويرصد الشاردة والواردة من حركاتهم، ويُجرّعهم مرارة الفقر وعذاب مُكابدة حروبه في الداخل والخارج، وكان يُضاعف في فظاعة هذا الكابوس، وفي شوقهم إلى يوم الخلاص منه، أنّهم كانوا كلّما كاتبوا الإمامعليه‌السلام يدعونه إلى القيام والنهضة ردّ عليهم يوصيهم - لحكمته البالغة - بالتزام الصبر ومواصلة الانتظار مادام معاوية حيّاً، فلمّا مات معاوية شعر أهل الكوفة وكأنّهم أُطلقوا من عقال وأفاقوا، وقد تحرّرت ألسنتهم وأيديهم بعد أن زال عنهم ذلك الكابوس المطبق، فتباشروا فرحاً وتبادلوا التهاني والسرور بموت الطاغية، وأعينهم كقلوبهم تنظر بلهفة إلى ماذا سيفعل الإمامعليه‌السلام مُنتظرة إشارته.

لكنّ الصادقين منهم قليل؛ إذ كان الشلل النفسي ومرض ازدواج الشخصية، وحبّ الدنيا وكراهية الموت قد تفشّى في حياة هذه الأمّة، وكان بدء نشوئه في السقيفة وتعاظَمَ فيما بعدها، حتى نُكِسَ جُلُّ الناس على رؤوسهم، فصارت قلوبهم مع الإمامعليه‌السلام وسيوفهم عليه، فكان انقلابهم وتخاذلهم عن مواصلة النهضة مع مسلم بن عقيلعليه‌السلام ، ذلك الانقلاب الذي يُحارُ فيه المتأمّل المتدبّر ويذهل من سهولة وسرعة وقوعه! ثمَّ كانت نكسة هذه الأمّة الكبرى بقتلها الإمامعليه‌السلام في عاشوراء.


دُفعة أُخرى من الرُسُل والرسائل!

قال الشيخ المفيد (ره): « ولبث أهل الكوفة يومين بعد تسريحهم بالكتاب، وأنفذوا قيس بن مُسهَّر الصيداوي، وعبد الله وعبد الرحمان ابني شدّاد الأرحبي، وعمارة بن عبد الله السلولي، إلى الحسينعليه‌السلام ، ومعهم نحو مئة وخمسين صحيفة، من الرجل، والاثنين، والأربعة... »(١) .

ثمّ دُفعة أُخرى!

قال الشيخ المفيد (ره) أيضاً: « ثمَّ لبثوا يومين آخرين وسرّحوا إليه هاني بن هاني السبيعي(٢) ، وسعيد بن عبد الله الحنفي(٣) ، وكتبوا إليه: بسم الله الرحمن الرحيم.

للحسين بن عليّعليهما‌السلام من شيعته من المؤمنين والمسلمين:

أمّا بعدُ، فحيَّ هلاّ ًفإنّ الناس ينتظرونك، ولا رأي لهم في غيرك، فالعَجل العَجل، ثمّ العَجل العَجل، والسلام »(٤) .

ثمّ ما برحت الرسائل تترى على الإمامعليه‌السلام من أهل الكوفة « يسألونه القدوم عليهم، وهو مع ذلك يتأنّى ولا يُجيبهم، فورد عليه في يوم واحد ستّمئة كتاب، وتواترت الكُتب حتى اجتمع عنده منها في نُوَب مُتفرّقة اثنا عشر ألف كتاب »(٥) .

____________________

(١) الإرشاد: ٢٠٣ / وقد مضت ترجمة قيس في ص٦٩ - ٧٣، ومضى الكلام حول ابني الأرحبي، وكذلك السلولي في ص٤٢، فراجع.

(٢) هاني بن هاني السبيعي: مضى الكلام حوله في الفصل الأوّل ص٤٠.

(٣) سعيد بن عبد الله الحنفي: مضت ترجمته في الفصل الأول ص٤١.

(٤) الإرشاد: ٢٠٣ والبداية والنهاية ٨: ١٥٤، مع تفاوت يسير في الأسماء، وتاريخ اليعقوبي ٢: ٢٤١.

(٥) اللهوف: ١٠٥ / ويحسن أن نذكر هنا، أنّ صاحب كتاب (تذكرة الشهداء) كان قد نقل في =


-

____________________

= ص٦٤ منه عن مقتل الإسفراييني رسالة من أهل الكوفة إلى الإمام الحسين عليه‌السلام ، يشكون إليه فيها جور يزيد! وتجبُّره على سائر البلاد! كما يشكون إليه عبيد الله بن زياد! وأنّه أظلم وأطغى! ويدعونه إلى القدوم عليهم، وأنّه أحقّ من يزيد وأبيه بالخلافة.

ويُلاحظ على نصّ هذه الرسالة ركّة تعابيرها، حتّى ليشكّ القارئ أنّها من إنشاء إنسان لا يُحسن العربية تماماً في أيّامنا هذه!!

كما يُلاحظ أنّ محتواها مُخالف لحقائق التأريخ؛ لأنّهم يشكون فيها جور يزيد وتجبّره، ولم يكن ليزيد والإمام عليه‌السلام في مكّة إلاّ أشهُر قليلة في الحُكم، ولم تتغيّر الأحوال على أهل الكوفة في هذه الأشهُر شيئاً ما يُذكر، بل العكس ربّما كان صحيحاً؛ لأنّ الوالي عليهم آنذاك النعمان بن بشير، كانت قبضته قد تراخت عليهم بعد موت معاوية، وأظهر ضعفاً واضحاً في إدارة أمورهم. هذا فضلاً عن أنّ ابن زياد لم يأتِ الكوفة، إلاّ بعد فترة من دخول مسلم بن عقيل عليه‌السلام إلى الكوفة لتعبئة أهلها.

والغريب في رواية هذه الرسالة، أنّها تحكي أنّ الإمام عليه‌السلام بعد أن قرأ الكتاب رماه من يده وطرد الرسول!

ولا ريب أنّ هذا ليس من أخلاق الإمام عليه‌السلام ، فلم يروِ التأريخ أنّ الإمام عليه‌السلام ألقى بكتاب أُرسِل إليه ولم يردّ عليه إلاّ كتاب ابن زياد الذي دعاه فيه إلى النزول لحُكمه وأمره فيه! هذا، ويحسن هنا أيضاً، أن نذكر أنّ الحائري في كتابه (معالي السبطين ١: ١٤٠) قد نقل - عن كتاب (التبر المذاب في المواعظ) للسيّد عبد الفتّاح بن ضياء الدين الأصفهاني (راجع: الذريعة ٣: ٣٧٢) - نصَّ رسالة من أهل الكوفة إلى الإمام الحسين عليه‌السلام - ولعلّ النقل بالمعنى - قال: ( كثرت عليه الكُتب، وتواترت عليه الرُّسل، وكتبوا إليه: إنّك إن لم تصلْ إلينا فأنتَ آثمٌ!! لوجود الأنصار على الحقّ وتمكّنك من القيام به، فإنّك أصله وعموده وأهله ومعدنه! ).

ولا يخفى على المتأمّل البصير ما في نصّ هذه الرسالة المدّعاة من تهافت! إذ كيف يأثم مَن هو أصل الحقّ وعموده وأهله ومعدنه؟! وهل يمكن لأحد من أهل الكوفة يؤمن - على الأقلّ - بأحقيّة الإمام عليه‌السلام بالخلافة، أو يؤمن بأنّه الإمام المفترض الطاعة، أن يتجاسر مثل هذه الجسارة، فيحكم عليه بالإثم إنْ لم يأتِ الكوفة؟! =


ولقد روى السيّد ابن طاووس (ره)، نفس الرسالة التي حملها إلى الإمامعليه‌السلام هاني بن هاني السبيعي، وسعيد بن عبد الله الحنفي، ولكن بتفاوت وإضافة مُفصّلة، ويرى السيّد (ره) أنّ هذه الرسالة كانت آخر ما ورد على الإمامعليه‌السلام من أهل الكوفة، ولعلَّ من الأفضل أن ننقل متن هذه الرسالة أيضاً، كما رواها السيد ابن طاووس (ره)، وهي:

« بسم الله الرحمن الرحيم. للحسين بن عليّ أمير المؤمنينعليه‌السلام ، من شيعته وشيعة أبيه أمير المؤمنينعليه‌السلام . أمّا بعد، فإنّ الناس ينتظرونك، لا رأي لهم غيرك، فالعَجل العَجل يا بن رسول الله، فقد اخضّرت الجنّات، وأينعت الثمار، وأعشبت الأرض، وأورقت الأشجار، فأقْدِم علينا إذا شئت، فإنّما تُقدم على جُند مُجنّدة لك، والسلام عليك ورحمة الله وعلى أبيك من قبلك »(١) .

دَور المنافقين في موجة الرسائل:

ركب المنافقون - والذين في قلوبهم مرض - موجة الرسائل التي بعث بها أهل الكوفة إلى الإمامعليه‌السلام ، فشاركوا فيها، أو كتبوا إليه مُستقلّين عن غيرهم، يدعونه أيضاً إلى القدوم عليهم، مُدّعين الطاعة له والاستعداد لنصرته!

روى السيّد ابن طاووس (ره) أنّ الإمامعليه‌السلام ، بعد أن قرأ الكتاب الذي حمله إليه هاني بن هاني وسعيد الحنفي سألهما قائلاً:

____________________

= نعم، ربّما يُحتمل أن تكون هذه الرسالة من إنشاء واحد أو أكثر من مُنافقي أهل الكوفة، غير أنّ من البعيد أن يوفّق المنافق إلى مثل هذا التعبير: فإنّك أصله - أي الحقّ - وعموده وأهله ومعدنه! أو لعلّها من إنشاء جاهل بمقام الإمام عليه‌السلام وموقفه. والله العالم.

(١) اللهوف: ١٠٦.


( خبّراني: مَن اجتمع على هذا الكتاب الذي كُتب به إليّ معكما؟ ) .

فقالا : يا بن رسول الله، شبث بن ربعي، وحجّار بن أبجر، ويزيد بن الحارث، ويزيد بن رويم، وعروة بن قيس، وعمرو بن الحجّاج، ومحمّد بن عمير بن عطارد! »(١) .

لكنّ الشيخ المفيد (ره) ذكر أنّ هؤلاء - المنافقين - كتبوا إلى الإمامعليه‌السلام رسالة مُستقلّة عن رسائل غيرهم، فقال: « ثمّ كتب شبث بن ربعي(٢) ، وحجّار بن أبجر(٣) ،

____________________

(١) اللهوف: ١٠٧ / وفي نقل الطبري: يزيد بن الحارث بن يزيد بن رويم، وفيه أيضاً: عزرة بن قيس بدلاً من عروة بن قيس (تأريخ الطبري ٣: ٢٧٨ / طبعة دار الكتب العلمية - بيروت).

أمّا في كتاب الإرشاد:٢٠٣ ففيه: يزيد بن الحارث بن رويم.

(٢) شبث بن ربعي التميمي: كان مؤذّن سجاح التي أدّعت النبّوة (الطبري ٢: ٢٦٨)، ثمّ أسلم، وكان فيمَن أعان على عثمان، ثمّ صار مع عليّ فهدم بأمره دار حنظلة بن الربيع، وله موقف من معاوية، ثمّ صار من الخوارج ثمّ تاب، ثمّ حضر قتل الحسين، ثمّ كان ممّن يطلب دم الحسين مع المختار!! وكان على شرطته!! ثمّ حضر قتل المختار، ومات بالكوفة حدود الثمانين. (راجع: تقريب التهذيب ١: ٣٤٤).

وما زعمه العسقلاني، من أنّ شبث بن ربعي ممّن طلب دم الحسين مع المختار، وكان على شرطته شاذٌّ وغريب جدّاً، وقد تفرّد بهذا الزعم الذي لم يقل به غيره! والمعروف المشهور، أنّ المختار (ره) لم يستعن بأحد ممّن شارك في قتل الحسين عليه‌السلام ، بل طاردهم جميعاً، فلم ينجُ من سيفه وعذابه إلاّ أقلّ القليل. نعم، لقد استعان بقياداتهم عبد الله بن الزبير! ولذا استغرب الرجاليُّ المحقّق التُّستري من زعم العسقلاني فقال: ( وما عن التقريب، في كونه ممّن أعان على عثمان، وفي شرطة المختار لم أتحقّقه! ) (قاموس الرجال: ٣٩٠).

وشبث من أصحاب المساجد الأربعة الملعونة، التي جُدّدت بالكوفة فرحاً واستبشاراً بقتل الحسين عليه‌السلام ، مع أنّه كان قد حضر صِفِّين في صفِّ عليّ عليه‌السلام (راجع: قاموس الرجال ٥: ٣٨٨ والكافي ٣: ٤٩٠ والتهذيب ٣: ٢٥٠ وتاريخ خليفة بن خياط:١١٥ وسير أعلام النبلاء ٤: ١٥٠ ووقعة صِفِّين: =


ويزيد بن الحارث بن رويم(٤) ، وعروة بن قيس(٥) ، وعمرو بن الحجّاج الزبيدي(٦) ،

____________________

= ١٩٩ - ٢٠٥). والغريب أنّ ابن حبّان أورده في كتابه (الثقات ٤: ٣٧١) وقال: ويُخطئ! وأورده المزّي في كتابه (تهذيب الكمال ٨: ٢٦٦) ولم يطعن فيه!

(٣) حجّار بن أبجر: أو بن أبحر العجلي السلمي، وهو ممّن كتب إلى الحسين عليه‌السلام ، ثمّ صار إلى ابن زياد، فبعثه ليُخذّل الناس عن مسلم بن عقيل عليه‌السلام ، ثمّ انضمّ إلى الجيش الأُموي بقيادة ابن سعد لقتال الحسين عليه‌السلام ، ثمَّ صار من جند عبد الله بن مطيع العدوي لقتال المختار، وكان أبوه نصرانيّاً! وكان هو ممّن شهد على حِجر بن عديرضي‌الله‌عنه ، ورفع راية الأمان لابنه يوم خروج مسلم، وأنكر كتابه للإمام يوم عاشوراء، ثمّ حارب المختار، ثمّ حارب عبد الله بن الحرّ لمصعب فانهزم أمامه، فشتمه مصعب وردّه، ثمّ كان فيمَن كتب إليهم عبد الملك بن مروان من أهل الكوفة، فشرطوا عليه ولاية اصبهان، فأنعم بها لهم كلّهم! ولكنّه كان قد خرج مع مصعب مُتظاهراً بقتال عبد الملك... وكان حيّاً إلى سنة ٧١ هـ، ثمّ لم يُعلم أثره (راجع: مُستدركات علم الرجال ٢: ٣١٠ ووقعة الطفّ ٩٤).

(٤) يزيد بن الحارث بن يزيد بن رويم: أبو حوشب الشيباني، أنكر كتابه يوم عاشوراء، فلمّا هلك يزيد، وخلّف عبيد الله بن زياد على الكوفة عمرو بن حُريث، فدعا إلى بيعة ابن زياد، قام يزيد بن الحارث هذا فقال: الحمدُ لله الذي أراحنا من ابن سميّة، لا ولا كرامة! فأمر به عمرو بن حريث أن يُسجن فحالت بنو بكر دون ذلك، ثمّ صار من أصحاب الخطمي الأنصاري لابن الزبير، فكان يحثّه على قتال سليمان بن صرد وأصحابه قبل خروجهم! ثمّ كان يحثّه على حبس المختار! ثمّ بعثه ابن مطيع إلى جبّانة مراد لقتال المختار، ووضع رامية على أفواه السكك فوق البيوت، فمنع المختار من دخول الكوفة، ثُمَّ ثار على المختار في إمارته ببني ربيعة فانهزم بأصحابه... ثمّ أمَّره مصعب على المدائن، ثمّ ولي الريّ لعبد الملك بن مروان، فقتله الخوارج (راجع: الطبري ٣: ٤٤٣ وو٥٠٦ ووقعة الطف: ٩٤).

(٥) عزرة بن قيس الأحمسي: كان من الشهود على حِجر، ولهذا كتب إلى الإمام عليه‌السلام ليُكفِّر عن ذلك، ولقد استحيى أن يأتي الإمام عليه‌السلام من قِبَل عمر بن سعد ليسأله ما الذي جاء به! ولقد أجابه زهير بن القين عشيّة التاسع من المحرّم يُعرّض به: أما والله، ما كتبتُ إليه كتاباً قطّ، ولا أرسلتُ إليه رسولاً قطّ، ولا وعدته نُصرتي قطّ. =

= مُستدركات علم الرجال ٦: ٣٢).


- - -

____________________

= وكان عزرة عثمانياً، وجعله ابن سعد على الخيل يوم عاشوراء، وكان يحرسهم بالليل، وكان فيمَن حمل الرؤوس إلى ابن زياد. (راجع: وقعة صِفِّين: ٩٥).

وقد ورد ذكره في (الإرشاد: ٢٠٣)، وفي (الفتوح ٥: ٣٤) باسم عروة بدلاً من عزرة، لكنّ (تأريخ الطبري ٣: ٢٧٨) ذكره باسم عزرة، وكذلك (أنساب الأشراف ٣: ١٥٨)، وكذلك أورده ابن عدي في (الضعفاء ٥: ٣٧٧)، والذهبي في (ميزان الاعتدال ٣: ٦٥)، والمزيّ في (تهذيب الكمال ١٣: ٣٤). فالظاهر أنّ اسم هذا الرجل هو عزرة، ولعلّ عروة تصحيف لذلك الاسم.

(٦) عمرو بن الحجّاج الزبيدي: وهو من الذين شهدوا زوراً وكذباً على حُجر بن عديرضي‌الله‌عنه بالكفر بالله، وهو ممّن كتبوا إلى الإمام عليه‌السلام يدعونه إلى القدوم إلى الكوفة، وهو الذي هدّأ حركة قبيلة مذحج بأسلوب مُريب، وأرجعهم عن قصر ابن زياد حينما أتوا لاستنقاذ هاني بن عروة، وهو الذي بعثه عمر بن سعد في خمسمئة فارس على المشرعة، وحالوا بين الإمام الحسين عليه‌السلام وأصحابه وعيالاته وبين الماء، وكان مع ابن مُطيع ضدّ المختار، ولما غلب المختار هرب عمرو فأخذ طريق شراف وواقصة، فلم يُعلم له أثر بعد ذلك. (راجع: تأريخ الطبري ٣: ٢٧٧ و٢٧٨ و٢٨٦ و٣١١ و٤٤٥ و ٤٥٩). وكان على ميمنة ابن سعد يوم عاشوراء، وحمل على ميمنة أصحاب الإمام عليه‌السلام بمَن معه، وهو الذي اقترح أن يُرمى الإمام عليه‌السلام وأنصاره بالحجارة بدل المبارزة! وهو الذي كان يُحرّض عساكر أهل الكوفة على الإمام عليه‌السلام وأنصاره قائلاً: يا أهل الكوفة، الزموا طاعتكم وجماعتكم، ولا ترتابوا في قتل مَن مرق من الدين وخالف الإمام!!فقال الحسين عليه‌السلام : ( يا بن الحجّاج، أعليَّ تُحرّض الناس؟! أنحن مرقنا من الدين وأنتم ثبتُّم عليه؟! والله، لتعلمنّ أيُّنا المارق من الدين، ومَن هو أولى بصِليِّ النار! ) . وكان عمرو ممّن حمل الرؤوس من كربلاء إلى الكوفة. (راجع: البحار ٤٥: ١٣ و١٩ و ١٠٧).

وكانت رويحة بنت عمرو بن الحجّاج هذا زوجة لهاني بن عروةرضي‌الله‌عنه وهي أمّ يحيى بن هاني، وكان هاني بن عروةرضي‌الله‌عنه قد انقطع عن زيارة قصر ابن زياد وحضور مجلسه - بعد أن نزل مسلم بن عقيل عليه‌السلام عنده - بدعوى أنّه مريض، فأرسل ابن زياد إليه عمرو بن الحجّاج الزبيدي ومحمد بن الأشعث وأسماء بن خارجه ليأتوا به إليه. (راجع: الإرشاد ٢٠٨).

وذكر النمازي، أنّ عمرو هذا من مجاهيل الصحابة، وذكره باسم عمر بدلاً من عمرو (راجع:


ومحمّد بن عمرو التيمي(١) : أمّا بعدُ، فقد اخضرَّ الجناب، وأينعت الثمار، فإذا شئت فأقبِل على جنُد لك مُجنّدة »(٢) .

التعاطُف الكبير مع سفير الحسينعليهما‌السلام :

بعد أن عمّت الفرحة الكوفة، وشاع أريجُ الابتهاج فيها لموت معاوية بن أبي سفيان، كان همُّ أكثر أهل الكوفة - بعد أن علموا بامتناع الإمام الحسينعليه‌السلام عن مُبايعة يزيد وارتحاله إلى مكّة المكرّمة - استنهاض الإمامعليه‌السلام للقيام ودعوته إلى التوجّه إليهم، فكانت رسائلهم الكثيرة إليه.

ولم تزل قلوبهم وأعينهم ترقب الأنباء القادمة إليهم من مكّة؛ إذ لعلّ طالعاً بالخير يحمل إليهم نبأ البُشرى بقدوم الإمامعليه‌السلام ، أو قدوم نائب عنه يسبقه إليهم، فلمّا أفاقوا ذات يوم على خبر مجيء مسلم بن عقيلعليه‌السلام إليهم، ونزوله دار المختار بين ظهرانيهم سفيراً عن الحسينعليه‌السلام ، هبّوا للقائه ولتقديم البيعة

____________________

(١) محمد بن عمرو التيمي، أو محمد بن عمير بن عطارد (كما في اللهوف: ١٠٧)، أو محمد بن عمير التميمي (كما في تاريخ الطبري ٣: ٢٧٨): وكان أحد أُمراء الجند في صِفّين مع عليّ عليه‌السلام ! (راجع: لسان الميزان ٥: ٣٢٨)، وهو ممّن سعى في دم عمرو بن الحمق الخزاعيرضي‌الله‌عنه عند زياد حتى لامه على ذلك عمرو بن حريث وزياد (راجع: تاريخ الطبري ٣: ٢٢٥)، وكان ممّن شهد على حِجر بن عديرضي‌الله‌عنه ، وكان على مضر في مُحاربة المختار، ثمّ بايع المختار فبعثه والياً على آذربيجان، وكان مع الحارث بن أبي ربيعة والي الكوفة لابن الزبير في قتال الخوارج، وكان ممّن كاتبه عبد الملك بن مروان من أهل الكوفة، ثمّ ولاّه همدان، ثمّ رجع إلى الكوفة، فكان بها في ولاية الحجّاج عام ٧٥ هـ، ثمّ لم يُعلم أثره (راجع: وقعة الطفّ: ٩٥).

(٢) الإرشاد: ٢٠٣.


للإمام عليه‌السلام على يديه، وكان أقلّ عدد ذكره المؤرّخون لمن بايع مسلماً عليه‌السلام منهم اثني عشر ألفاً.

قال ابن عساكر: « كان مسير الحسين بن علي من مكّة إلى العراق، بعد أن بايع له من أهل الكوفة اثنا عشر ألفاً على يدي مسلم بن عقيل، وكتبوا إليه في القدوم عليهم... »(١) .

وقال المحقّق المقرّم (ره): « وأقبلت الشيعة يُبايعونه، حتى أحصى ديوانه ثمانية عشر ألفاً، وقيل: بلغ خمسة وعشرين ألفاً »(٢) .

وعن ابن نما (ره): « إنّ أهل الكوفة كتبوا إليه: إنّا معك مئة ألف! وعن داود بن أبي هند، عن الشعبي قال: بايع الحسينعليه‌السلام أربعون ألفاً من أهل الكوفة على أن يُحاربوا مَن حارب ويُسالموا مَن سالم »(٣) .

ولا شكّ، أنّ هذا العدد - سواء في أقلّ تقدير له أم أعلى تقدير - حاكٍ عن انتفاضة شعبية، وتحرّك جماهيريّ واسع النطاق؛ تأييداً للإمامعليه‌السلام ، ورفضاً للحُكم الأُمويّ، بل يُستفاد من رسالة مسلم بن عقيلعليه‌السلام إلى الإمامعليه‌السلام أنّ الكوفة كلّها كانت مع الإمامعليه‌السلام ! فإنَّ نصّ الكتاب:( أمّا بعدُ، فإنّ الرائد لا يَكْذِب أهله، وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفاً، فعجِّل الإقبال حين يأتيك كتابي هذا، فإنّ النّاس كلّهم معك! ليس لهم في آل معاوية رأيٌ ولا هوى، والسلام ) (٤) .

____________________

(١) تاريخ دمشق ٧: ١٤٤.

(٢) مقتل الحسين عليه‌السلام / للمقرّم: ١٤٨ وانظر: مناقب آل أبي طالب ٤: ٩١.

(٣) مُثير الأحزان: ٢٦.

(٤) تاريخ الطبري ٣:٢٩٠.


الاجتماع الأوّل مع سفير الإمام عليه‌السلام :

روى الطبري يقول: « ثمّ أقبل مسلم حتّى دخل الكوفة(١) ، فنزل دار المختار بن أبي عُبيد، وهي التي تُدعى اليوم دار مسلم بن المسيّب، وأقبلت الشيعة تختلف إليه، فلمّا اجتمعت إليه جماعة منهم، قرأ عليهم كتاب حسين، فأخذوا يبكون! فقام عابس بن أبي شبيب الشاكري(٢) ، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: أمّا بعدُ، فإنّي لا أُخبرك عن الناس، ولا أعلم ما في أنفسهم، وما أغرّك منهم! واللّهِ، أُحدّثك عمّا أنا موطِّن نفسي عليه، واللّه، لأُجيبنَّكم إذا دعوتم، ولأُقاتلنَّ معكم عدوّكم، ولأضربنّ بسيفي دونكم حتّى ألقى اللّه، لا أُريد بذلك إلاّ ما عند اللّه!

فقام حبيب بن مظاهر الفقعسي، فقال: رحمك الله، قد قضيت ما في نفسك بواجز من قولك! ثمّ قال: وأنا - والله الذي لا إله إلاّ هو - على مثل ما هذا عليه! ثمّ قال الحنفيّ مثل ذلك! »(٣) .

إشارة:

لهذه الرواية تتمّة، تتحدّث عن جوّ آخر غير الجوّ الحماسيّ الحسيني، الذي تجلّى في مقالات ومواقف رجال مؤمنين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، أمثال عابس بن أبي شبيب الشاكري، وحبيب بن مظاهر الأسدي، وسعيد بن عبد الله الحنفي، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.

جوّ آخر يُخفي نفسه - على استحياء - في الأجواء الحماسية فلا يُبيِّن! وإن

____________________

(١) ومعه أصحابه الثلاثة: قيس بن مُسهَّر الصيداوي، وعمارة بن عبيد السلولي، وعبد الرحمان بن عبد الله بن الكدن الأرحبي (وقعة الطفّ: ٩٩).

(٢) تأتي ترجمة عابس بن أبي شبيب الشاكري (قدّس سرّه) في الملتحقين بالإمام عليه‌السلام في مكّة المكرّمة ص٣٨٢.

(٣) تاريخ الطبري ٣: ٢٧٩ / والمراد بالحنفي هنا هو سعيد بن عبد اللهرضي‌الله‌عنه .


كان تأثيره هو التأثير الأقوى والفاعل، في تحديد ورسم مواقف أكثر الناس من أهل الكوفة يومذاك، إنّه جوّ الشلل النفسي، الذي تفشّى في أكثر الناس آنذاك وطغى عليهم، حتى تنكّروا لبصائرهم، فاستحبّوا العَمى على الهدى، وخالفت أيديهم قلوبهم، فأطاعت سيوفهم مَن كرهوا! فقتلت أعزَّ مَن أحبّوا! وما ذاك إلاّ للوهن الذي أصابهم، حين كرهوا الموت وأحبّوا الحياة الدنيا، فصاروا من خوف الموت في ذلّ! فازدوجوا وتناقض الظاهر مع الباطن فيهم، وكذلك يستحوذ الشيطان على مَن يؤثر الدنيا على الآخرة!

يقول الحجّاج بن عليّ - الذي يروي عنه أبو مخنف قصّة هذا الاجتماع -: فقلت لمحمّد بن بشر - الهمداني الذي كان حاضراً هذا الاجتماع وروى قصّته -: فهل كان منك أنت قول؟

فقال: إنّي كنتُ لأُحبُّ أن يُعِزّ الله أصحابي بالظفر، وما كنت لأُحبّ أن أُقتلَ، وكرهتُ أن أكذب!!(١) .

الكوفة بانتظار الحسين عليه‌السلام :

في غمرة التفافها حول مسلم بن عقيلعليه‌السلام ، وعدم مُبالاتها بواليها يومذاك النعمان بن بشير، الذي ضعف قبال موجة انتفاضة الأُمّة أو كان يتضعّف! كانت أعيُن أهالي الكوفة ترقب طريق القوافل القادمة من الحجاز، وقلوبهم بأيديهم بانتظار لحظات القدوم المبارك، قدوم الإمام الحسينعليه‌السلام ، ليفرشوا تلك القلوب زرابيَّ مبثوثة على تراب طريق مقدم ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

____________________

(١) تأريخ الطبري ٣: ٢٧٩.


وذات يوم، أبصرت أعيُن أهل الكوفة رجلاً مُتلثّماً، مُعتمَّاً بعمامة سوداء، وعليه ثياب يمانيّة، قادماً وحده، راجلاً مُمسكاً بزمام بغلته! فظنّوا أنّه الإمام الحسينعليه‌السلام ! - ويا لسذاجة هذا الظنّ! - « فقالت امرأة: اللّه أكبر! ابن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله وربِّ الكعبة! فتصايح الناس، وقالوا: إنّا معك أكثر من أربعين ألفاً! وازدحموا عليه حتّى أخذوا بذنب دابّته، وظنّهم أنّه الحسينعليه‌السلام ... »(١) .

فكان لا يمرّ على جماعة من الناس إلاّ سلّموا عليه وقالوا: مرحباً بك - يا بن رسول اللّه -! قدمتَ خير مقدم!، وجعل يمرّ بالمحارس، فكلّما نظروا إليه لم يشكّوا أنّه الإمام الحسينعليه‌السلام ! فيقولون: مرحباً بك يا بن رسول الله! وهو لا يُكلّمهم! وخرج إليه الناس من دورهم وبيوتهم! يسايرونه طريقه إلى قصر الإمارة، وهو لا يُحيِّيهم ولا يُكلّمهم!

وسمع النعمان بن البشير بالصخب القادم على الطريق، فأغلق عليه وعلى خاصته القصر! وهو لا يشكُّ - أيضاً - أنّ هذا القادم هو الحسينعليه‌السلام ومعه الخلق يضجّون! مُلتفّين حوله، فلمّا انتهى إليه قال له النعمان: أنشدك اللّه إلاّ تنحيّت! فما أنا بمسلّم إليك أمانتي! وما لي في قتالك من أرب!

والقادم لا يُكلّمه! حتى دنا وتدلّى النعمان بين شرفتين قريباً جدّاً منه، فقال هذا القادم: افتح لا فتحتَ! فقد طال ليلك! فسمعها إنسان كوفيّ خلفه، فانكفأ إلى الناس وقد أخذته الدهشة وهو يقول: أي قوم! ابن مرجانة! والذي لا إله غيره! فاندهش الناس، وقالوا - وهم يتشبّثون بظنّهم الساذج -: ويحَك! إنّما هو الحسين!(٢) وفي رواية ابن نما (ره): «... فحسر اللثام وقال: أنا عبيد الله! فتساقط القوم، ووطئ

____________________

(١) مثير الأحزان: ٣٠.

(٢) راجع: تأريخ الطبري ٣: ٢١٨.


بعضهم بعضاً، ودخل دار الإمارة... »(١) .

فالقادم - إذن - لم يكن الإمامعليه‌السلام ، بل كان عبيد الله بن زياد وابن مرجانة لعنهم الله، الوالي الذي أرسلته السلطة الأُموية المركزية في الشام، بمشورة من سرجون النصرانيّ إلى الكوفة، للسيطرة على طوارئ حركة الأمّة فيها؛ لما له من معرفة بخصائص النفسية الكوفية، وخبرة إدارية شيطانية، وقدرة على الظُّلم والغشم.

أهل الكوفة.. والمبادرة المطلوبة:

هناك مجموعة من العوامل والشرائط اللازمة، لنجاح أيّ تحرُّك ثوري يهدف إلى تغيير الأوضاع السياسية في بلد ما من البُلدان، ينبغي لقيادة هذا التحرّك الانتباه إليها، والعمل على تحقيقها لضمان نجاح هذا التحرّك في الوصول إلى أهدافه المنشودة.

والمتأمّل في تحرّك أهل الكوفة بعد موت معاوية - في رفضهم خلافة يزيد بن معاوية، ومكاتبتهم الإمام الحسينعليه‌السلام في مكّة، باذلين له الطاعة، وطالبين منه القدوم إليهم - يرى أنّ هناك مجموعة من الشرائط اللازمة لنجاح هذا التحرّك، كان ينبغي لوجهاء وأشراف أهل الكوفة الذين تصدّوا لهذا العمل أن يسعوا إلى تحقيقها وتوفيرها، حتّى يُوفَّقَ هذا التحرُّك وهذه الانتفاضة في بلوغ الأهداف المنشودة.

ومن أهمِّ وأوّل الأمور، التي كان ينبغي للعقل الكوفي المعارض أنْ يُعدِّ العدّة لتحقيقه، ويستبق الأيّام للقيام به، المبادرة إلى السيطرة على الأوضاع في الكوفة قبل

____________________

(١) مُثير الأحزان: ٣٠.


مجيء الإمام عليه‌السلام إليها، وذلك مثلاً باعتقال الوالي الأُمويّ، وجميع معاونيه وأركان إدارته، ومن عُرف من عيونه وجواسيسه، ومنع الخروج من الكوفة إلاّ بإذن خاص، وذلك لحجب أخبار ما يجري فيها عن مسامع السلطة الأُموية أطول مدّة مُمكنة؛ من أجل تأخير تحرّكها لمواجهة الانتفاضة في الكوفة قبل وصول الإمام عليه‌السلام ، حتّى يصل الإمام عليه‌السلام ، فيُمسك بزمام الأمور، ويقود الثورة إلى حيث كامل الأهداف.

والاهتداء إلى ضرورة القيام بمثل هذه المبادرة ليس بدعاً من الأمر، أو من الأفكار التي لا يهتدي إليها إلاّ الأوحديّ من الناس، بل هو من إدراكات الأذهان العامة، ها هو عبد الله بن العبّاسرضي‌الله‌عنه يتحدّث عن ضرورة القيام بهذه المبادرة قائلاً للإمامعليه‌السلام : « فإن كان أهل العراق يُريدونك - كما زعموا - فاكتب إليهم فلينفوا عدوّهم، ثمّ أقدم عليهم »(١) ، وهذا عمر بن عبد الرحمان المخزومي يقول للإمامعليه‌السلام أيضاً: « إنّك تأتي بلداً فيه عمّاله وأمراؤه، ومعهم بيوت الأموال، وإنّما الناس عبيد لهذا الدرهم والدينار، ولا آمن عليك أن يُقاتلك مَن وعدك نصره، ومَن أنت أحبّ إليه ممّن يُقاتلك معه »(٢) ، وهذا عمرو بن لوذان يُخاطب الإمامعليه‌السلام قائلاً: « وإنّ هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤنة القتال، ووطّأوا لك الأشياء فقدمت عليهم، كان ذلك رأياً، فأمّا على هذه الحال التي تذكر، فإنّي لا أرى لك أن تفعل! »(٣) .

والإمامعليه‌السلام لا يُخطِّئ مقولات هؤلاء، بل يُقرِّرعليه‌السلام أنّ ذلك من النصح والعقل والرأي! فهو يقول لابن عبّاس:( يا بن عمّ، إنّي - واللّه - لأعلم أنّك ناصح

____________________

(١) تاريخ الطبري ٣: ٢٩٥.

(٢) تاريخ الطبري ٣: ٢٩٤.

(٣) الإرشاد: ٢٢٣; والكامل في التأريخ ٢: ٥٤٩.


مُشفق! ) (١) ، ويقول للمخزومي:( فقد - واللّه - علمتُ أنّك مشيت بنصح وتكلّمت بعقل! ) (٢) ، ويقول لعمرو بن لوذان:( يا عبد الله، ليس يخفى عليَّ الرأي! ) (٣) .

ومن الملفت للانتباه أيضاً: أنّه ليس في رسائل الإمامعليه‌السلام إلى أهل الكوفة، ولا في وصاياه لمسلم بن عقيلعليه‌السلام ما يمنع أهل الكوفة من القيام بهذه المبادرة التي أقرَّ الإمامعليه‌السلام أنّها من العقل والرأي! بل لقد دعاهمعليه‌السلام إلى القيام مع مسلمعليه‌السلام ؛ حيث قالعليه‌السلام في رسالته الأُولى إليهم - على رواية ابن أعثم -:( فقوموا مع ابن عمّي وبايعوه وانصروه ولا تخذلوه! ) (٤) .

وفي رسالته الثانية، التي بعثها إليهم بيد قيس بن مُسهَّر الصيداويرضي‌الله‌عنه - والتي لم تصل إليهم؛ لأنّ ابن زياد كان قد قبض على الرسول - دعاهم الإمامعليه‌السلام إلى السرعة والعزم على الأمر والجدّ فيه، حيث قالعليه‌السلام فيها:( فإذا قدم عليكم رسولي فاكمشوا أمركم وجدّوا! ) (٥) ؛ إذ الكمْشُ في الأمر هو العزم عليه والسرعة فيه!(٦) .

إذن؛ ما هي علّة عدم مُبادرة الشيعة في الكوفة إلى السيطرة على الأوضاع فيها؟! مع أنّ فيهم عدداً يُعتدُّ به من رجال ذوي خبرات عريقة في المجالات

____________________

(١) تاريخ الطبري ٣: ٢٩٥.

(٢) تاريخ الطبري ٣: ٢٩٤.

(٣) الكامل في التاريخ ٢: ٥٤٩.

(٤) الفتوح ٥: ٣٦.

(٥) تأريخ الطبري ٣: ٣٠١.

(٦) لسان العرب ٦: ٣٤٣ / وفيه: الكمش: الرجل السريع الماضي. رجل كمش وكميش: عزوم ماض سريع في أموره. وفي الحديث: واكمش في فراغك قبل أن يقصد قصدك..) أيّ شمِّر وجدّ في الطلب..) (مجمع البحرين ٤: ١٥٣).


العسكرية والسياسية والإجتماعية! ولا شكّ أنّ التفكير بمثل هذه المبادرة قد طرأ على أذهانهم أكثر من مرّة! فلماذا لم يبادروا!؟

لعلّ الإجابة على هذا السؤال من أصعب ما يواجه المتأمّل في حركة أحداث النهضة الحسينية المقدّسة، ومع هذا فإنّ من الممكن هنا أن نتحدّث باختصار في أهمّ الأسباب التي أدّت إلى عدم مبادرة الشيعة في الكوفة إلى السيطرة على الأوضاع فيها قبل مجيء الإمامعليه‌السلام إليها، وهي:

١) - لم يكن للشيعة في الكوفة - وهم من قبائل شتّى - خصوصاً في فترة ما بعد الإمام الحسن المجتبىعليه‌السلام عميد من شيعة أهل الكوفة، يرجعون إليه في أمورهم وملمّاتهم، ويصدرون فيها عن رأيه وقراره وأمره.

نعم، هناك وجهاء وأشراف متعدّدون من الشيعة في الكوفة، لكلّ منهم تأثيره في قبيلته، لكنهم لا تصدر مواقفهم إزاء الأحداث الكبرى المستجدّة عن تنسيق بينهم وتنظيم يوحد بين تلك المواقف، وينفي عنها التشتّت والتفاوت.

ولقد ترسّخت هذه الحالة في شيعة الكوفة خاصة نتيجة السياسات التي مارسها معاوية - بتركيز خاص على الكوفة خلال عشرين من السنوات العجاف الحالكة - في خلق الفرقة والتناحر بين القبائل، والإرهاب والقمع، والمراقبة الشديدة التي ترصد الأنفاس، والاضطهاد المرير والقتل الذي تعرّض له كثير من الشيعة ومن زعمائهم خاصة، الأمر الذي زرع بين الناس على مدى تلك السنين العشرين العجاف الحذر المفرط والخوف الشديد من سطوة السلطان، وضعف الثقة وقلّة الاطمئنان فيما بينهم، والفردية في اتخاذ الموقف والقرار.

ويكفي دليلاً على كلّ ما أشرنا إليه من التعددية والتشتّت نفس المنحى الذي تمّت فيه مكاتبة أهل الكوفة الإمام الحسينعليه‌السلام في مكّة، فلو لا التعددية في مراكز


الوجاهة والزعامة لما تعدّدت الرسائل والرُسل منهم إلى الإمام عليه‌السلام .

فلو كان لهم زعيم واحد يصدرون عن رأيه وأمره لكفى الإمامعليه‌السلام منهم رسالة واحدة تأتي من زعيمهم، لا اثنا عشر ألف رسالة!، ولما احتاج الإمامعليه‌السلام إلى أن يسال آخر الرُسل: «خبّراني من اجتمع على هذا الكتاب الذي كتب به إليّ معكما؟ ».(١)

كما يكفي دليلاً على ضعف الثقة والاطمئنان، والفردية في اتّخاذ الموقف والقرار، قول الشهيد الفذّ عابس بن أبي شبيب الشاكريرضي‌الله‌عنه بين يدي مسلم بن عقيلعليه‌السلام : «أمّا بعد، فإنّي لا أخبرك عن النّاس، ولا أعلم ما في أنفسهم، وما أغرّك منهم! والله أحدّثك عمّا أنا موطّن نفسي عليه، والله لأجيبنّكم إذا دعوتم، ولأقاتلنّ معكم عدوّكم، ولأضربنّ بسيفي دونكم حتّى ألقى الله، لا أريد بذلك إلاّ ما عند الله ».(٢)

٢) - هناك ظاهرة عمّت القبائل العربية التي استوطنت الكوفة، وهي ظاهرة انقسام الولاء في أفرادها، ففي كلّ قبيلة إذا وجدت من يعارض الحكم الأمويّ أو يوالي أهل البيتعليهم‌السلام ، فإنّك تجد أيضاً قبالهم من يوالي الحكم الأمويّ ويخدم في أجهزته، ولعلّ الموالين للحكم الأموي في جلّ هذه القبائل أكثر من المعارضين له عامة والموالين لأهل البيتعليهم‌السلام خاصة.

وهذه المشكلة ربّما كانت هي المانع أمام زعماء من الشيعة كبار في قبائلهم الكبيرة من أن يثوّروا قبائلهم ضد الحكم الأمويّ علانية، وينهضوا بهم للقيام بمثل تلك المبادرة المطلوبة؛ ذلك لأنّ أفراداً كثيرين هناك في نفس القبيلة ممّن

____________________

(١) اللهوف: ١٠٧.

(٢) تأريخ الطبري: ٣: ٢٧٩.


يخدمون في أجهزة الأمويين ويوالونهم سيسارعون إلى أخبار السلطة الأموية بما عزم عليه زعيم قبيلتهم الشيعيّ، فيُقضى على ذلك العمل قبل البدء فيه، كما يُقضى على الزعيم الشيعيّ وعلى أنصاره أيضاً، ففي قبيلة مذحج الكبيرة في الكوفة مثلاً، كما تجد زعيماً شيعياً رائداً مثل هاني بن عروةرضي‌الله‌عنه تجد إزاءه أيضاً زعيماً آخر - أو أكثر - مثل عمرو بن الحجّاج الزبيدي، يتفانى في خدمة الأمويين إلى درجة أن يؤثِر مصلحة الأمويين حتى على مصلحة مذحج نفسها، حينما قام بدوره المريب في ركوب موجة انتفاضة مذحج وقيامها لإطلاق سراح هانيرضي‌الله‌عنه ، فردّهم عن اقتحام القصر وصرفهم وفرّق جموعهم، بمكيدة منه ومن شريح وابن زياد.

وهذه الظاهرة تجدها في بني تميم، وبني أسد، وكندة، وهمدان، والأزد، وغيرها من قبائل أهل الكوفة.

إذن فقد كان من العسير عملياً على أيّ زعيم كوفي شيعي أن يقود جموع قبيلته في عمل ما ضدّ الحكم الأمويّ؛ وذلك لوجود زعماء آخرين من نفس القبيلة موالين للحكم الأمويّ، باستطاعتهم التخريب من داخل القبيلة نفسها على مساعي الزعيم الشيعي، أو من خارجها بالاستعانة بالسلطة الأموية نفسها.

٣) - يضاف إلى السببين الأوّل والثاني - وهما أهمّ الأسباب - سبب ثالث وهو تفشيّ مرض الشلل النفسي، وازدواج الشخصية، والوهن المتمثّل في حبّ الدنيا والسلامة وكراهية الموت، في جلّ أهل الكوفة آنذاك خاصة، ومن أوضح الأمثلة على ذلك ما عبّر به محمّد بن بشر الهمداني - الذي روى تفاصيل اجتماع الشيعة الأوّل مع مسلم بن عقيلعليه‌السلام في دار المختار، وروى مقالة عابس الشاكري ومقالة حبيب بن مظاهر ومقالة سعيد بن عبد الله الحنفي رضوان الله عليهم، في استعدادهم للتضحية والموت في نصرة الإمامعليه‌السلام - حينما سأله الحجّاج بن عليّ


قائلاً: فهل كان منك أنت قول؟

أجاب قائلاً: إنّي كنت لأحبّ أن يعزّ الله أصحابي بالظفر، وما كنت لأحبّ أن أقتل، وكرهت أن أكذب!(١)

ومن الأمثلة الواضحة على ذلك أيضاً، قول عبيد الله بن الحرّ الجعفي مخاطباً الإمامعليه‌السلام : «والله إني لأعلمّ أنّ من شايعك كان السعيد في الآخرة، ولكن ما عسى أن أغني عنك ولم أخلّف لك بالكوفة ناصراً!؟ فأنشدك الله أن تحملني على هذه الخطّة، فإنّ نفسي لم تسمح بعد بالموت! ».(٢)

وكان زعماء الشيعة الكوفيون قد أدركوا خطورة انتشار هذا المرض، وتفطّنوا لأثره السيّئ على كلّ نهضة وقيام، فكانوا يحسبون لخذلان الناس في أيّ مبادرة جهادية ألف حساب، نلاحظ ذلك مثلاً في قول سليمان بن صرد الخزاعي في اجتماع الشيعة الأوّل: «فإن كنتم تعلمون أنكم ناصروه ومجاهدو عدوّه فاكتبوا إليه، وإن خفتم الوهل والفضل فلا تغرّوا الرجل من نفسه!».(٣)

ونلمح أيضاً هذا الإدراك والمعرفة بتفشّي هذا المرض في قول عابس الشاكريرضي‌الله‌عنه وهو يخاطب مسلماًعليه‌السلام : «فإنّي لا أخبرك عن الناس، ولا أعلم ما في أنفسهم، وما أغرّك منهم!... ».(٤)

وبعد: فلعلّ هذه الأسباب المهمة الثلاثة التي ذكرناها تشكلّ إجابة وافية عن علّة عدم مبادرة زعماء الشيعة في الكوفة إلى السيطرة على الأوضاع فيها قبل مجيء الإمامعليه‌السلام .

____________________

(١) راجع: تاريخ الطبري ٣: ٢٧٩.

(٢) الأخبار الطوال: ٢٥١.

(٣) تاريخ الطبري ٣: ٢٧٧.

(٤) تاريخ الطبري ٣: ٢٧٩.


حركة الأمّة في البصرة

كان ظاهر الحياة السياسية والاجتماعية في البصرة سنة ستين للهجرة، يوحي بأنّ عبيد الله بن زياد كان قد هيمن هيمنة سياسية وإدارية كاملة على مجاري أمورها وعلى حركة الأحداث فيها؛ لما اتّصف به من قدرة على الغشم والظلم والجور، وبراعة شيطانية في التفريق بين القبائل، وخلق الكراهية بين الوجهاء والأشراف فيها، وما سوى ذلك من فنون المكر والخداع لمواصلة إخضاع وإذلال الأمّة التي عرفت فساد الطغاة الأمويين وولاتهم.

ويساعد على هذا الإيحاء في الظاهر أيضاً، وجود مجموعة كبيرة من أشراف ووجهاء البصرة ورؤساء الأخماس(١) فيها ممن لهم علاقات ودّية حميمة مع الحكّام الأمويين عامة، وعبيد الله بن زياد خاصة.

أمّا باطن الحياة السياسية والاجتماعية في البصرة آنذاك فكان يشهد أمراً آخر؛ إذ كان في البصرة أشراف ووجهاء ورؤساء أخماس آخرون - وإن كانوا قلّة - يعرفون حقائق الأمور ويحبّون الحقّ وأهله! كما كان في عمق الحياة البصرية نشاط سريّ لمعارضة شيعيّة، لها منتدياتها واجتماعاتها في الخفاء، تتداول فيها الأخبار ومستجدّات الأحداث، ولها نوع من الارتباط والعلم بأنشطة المعارضة الشيعية في الحجاز وفي الكوفة، وكان عبيد الله بن زياد على علم إجمالي بوجود هذه المعارضة الشيعية في البصرة، وكان يتوجّس منها ويحذرها.

ويمكننا هنا أن نتابع حركة الأمة في البصرة من خلال:

____________________

(١) مرّ بنا من قبل معنى الأخماس في الفصل الأول ص ٢٨ فراجع.


ردّ رؤوس الأخماس والأشراف على رسالة الإمام عليه‌السلام

١) - ردّ الأحنف بن قيس: كتب الأحنف بن قيس ردّاً على النسخة التي وصلته من كتاب الإمام الحسينعليه‌السلام إلى رؤساء الأخماس في البصرة وأشرافها قائلاً: «أمّا بعد: فاصبر إنّ وعد الله حقّ ولا يستخفنّك الذين لا يوقنون»،(١) ولم يزد على الآية(٢) شيئاً! فكأنّ الأحنف قد رأى أنه أدّى واجبه وتكليفه إزاء دعوة الإمامعليه‌السلام للنهضة؛ لإحياء سنّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فهو يكتفي بأن يوصي الإمامعليه‌السلام بالصبر! وأن لا يستخفّه الذين لا يوقنون!

ولا يخفى على العارف بسيرة الأحنف بن قيس أنّ هذا الرجل كان من أوضح مصاديق (الذين لا يوقنون)، فموقفه هذا في جوابه هذا كاشف عن تردّده عن نصرة الإمامعليه‌السلام مع علمه بأحقيّة الإمامعليه‌السلام بالخلافة وقيادة الأمّة، وموقفه الآخر من قبل في البصرة أيضاً في فتنة عبد الله بن عامر الحضرمي الذي دعا أهل البصرة - بعد صِفّين - إلى نكث بيعة أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام مرّة أخرى، حيث قال الأحنف ردّاً على ما دعا إليه الحضرمي رسول معاوية: «أمّا أنا فلا ناقة لي في هذا ولا جَمل! »،(٣) بدلاً من أن يهبّ للدفاع عن أمير المؤمنينعليه‌السلام ، ويدعو أهل البصرة في المقابل إلى الثبات على البيعة والسمع والطاعة!، وله موقف آخر من قبل ذلك أيضاً نمّ عن تردّده وضعف يقينه؛ إذ بعث إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام يقول: «إنّي مقيم على طاعتك في قومي فإن شئت أتيتك في مئتين من أهل بيتي فعلت، وإن شئت حبست عنك أربعة آلاف سيف من بني سعد!. فبعث إليه أمير المؤمنينعليه‌السلام :بل

____________________

(١) مثير الأحزان: ٢٧.

(٢) الآية رقم ٦٠ من سورة الروم.

(٣) الغارات ٢: ٣٨٤ / وراجع: ترجمة الأحنف بن قيس في الفصل الأول: ص ٣٢ - ٣٤ / الحاشية.


احبِس وكفّ.. »(١) .

٢) - خيانة المنذر بن الجارود: وكان هذا أيضاً من البصريين الذين كتب إليهم الإمامعليه‌السلام ، فلمّا أتاه رسول الإمامعليه‌السلام سليمان بن رزينرضي‌الله‌عنه بالكتاب قرأه، ثم أخذ الكتاب والرسول إلى عبيد الله بن زياد؛ زاعماً(٢) أنه خشي أن يكون الكتاب دسيسة من ابن زياد!، فقتل ابن زياد الرسول! ثمّ صعد المنبر فخطب وتوعّد أهل البصرة على الخلاف وإثارة الإرجاف!(٣)

كان عبيد الله بن زياد صهراً للمنذر بن الجارود؛ إذ كانت بحرية بنت المنذر «أو أخته»(٤) زوجة له، وقد كافأ ابن زياد، المنذر على جريمته النكراء هذه مكافئة كان يصبو إليها المنذر، الذي كشف تماماً في هذه الواقعة عن سوء عنصره وحقارته، حيث ولاّه السند من بلاد الهند، لكنّه لم يهنأ طويلاً بجائزته على خيانته تلك، إذ هلك في السند سنة ٦٢ هـ.(٥)

ودعوى ابن الجارود أنه خشي أن يكون الكتاب دسيسة من ابن زياد دعوى كاذبة، إذ لم يكن طريق معرفة حقيقة الأمر منحصراً بتسليم الرسول والكتاب إلى ابن زياد!، لقد كان بإمكان المنذر بن الجارود - لو كان صادقاً - أن يعرف صدق الرسول بأبسط تحقيق معه، لا بتسليمه ليقتل!.

٣) - يزيد بن مسعود النهشلي.. والموقف المحمود: ما إن وصلت إلى يد يزيد بن

____________________

(١) كتاب الجمل والنصرة لسيّد العترة: ٢٩٥ / في الجزء الأول من موسوعة مصنّفات الشيخ المفيد.

(٢) راجع: تأريخ الطبري ٣: ٢٨٠.

(٣) راجع: اللهوف: ١١٤؛ والبحار ٤٤: ٣٣٧.

(٤) راجع: إبصار العين: ٤٠.

(٥) راجع: الإصابة ٣: ٤٨٠.


مسعود النهشليّ نسخته من رسالة الإمام الحسين عليه‌السلام فقرأها حتى جمع بني تميم وبني حنظلة وبني سعد، فلمّا حضروا قال: يا بني تميم، كيف ترون موضعي منكم وحسَبي فيكم؟

فقالوا: بخّ بخّ! أنت والله فقرة الظهر، ورأس الفخر، حللت في الشرف وسطاً، وتقدّمت فيه فرطاً!

قال: فإني قد جمعتكم لأمر أريد أن أشاوركم فيه وأستعين بكم عليه.

فقالوا: والله إنّا نمنحك النصيحة، ونجهد لك الرأي، فقل نسمع.

فقال: إنّ معاوية قد مات، فأهوِن به والله هالكاً ومفقوداً، ألا وإنّه قد انكسر باب الجَور والإثم، وتضعضعت أركان الظلم، وقد كان أحدث بيعة عقد بها أمراً وظنّ أنه قد أحكمه، وهيهات والذي أراد!، اجتهد والله ففشل، وشاور فخذل، وقد قام ابنه يزيد، شارب الخمور، ورأس الفجور، يدّعي الخلافة على المسلمين، ويتأمّر عليهم بغير رضا منهم، مع قصر حِلم، وقلّة علم، لا يعرف من الحقّ موطئ قدمه.

فأُقسم بالله قسماً مبروراً، لَجهاده على الدّين أفضل من جهاد المشركين، وهذا الحسين بن عليّ، ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ذو الشرف الأصيل، والرأي الأثيل، له فضل لا يوصف، وعلم لا ينزف، وهو أولى بهذا الأمر؛ لسابقته وسِنّه وقدمه وقرابته، يعطف على الصغير ويحنو على الكبير، فأكرم به راعي رعيّة وإمام قوم وجبت لله به الحجّة، وبلغت به الموعظة، فلا تعشوا عن نور الحقّ، ولا تسكّعوا في وهدة الباطل، فقد كان صخر بن قيس انخذل بكم يوم الجَمل، فاغسلوها بخروجكم إلى ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ونصرته، والله لا يقصّر أحدٌ عن نصرته إلاّ أورثه الله الذلّ في ولده، والقلّة في عشيرته، وها أنا قد لبست للحرب


لامَتها، وادّرعتُ لها بدرعها، من لم يقتل يمت، ومن يهرب لم يفت، فأحسنوا رحمكم الله ردّ الجواب.

فتكلّمت بنو حنظلة فقالوا: يا أبا خالد، نحن نبْل كنانتك، وفرسان عشيرتك، إن رميت بنا أصبت، وإن غزوت بنا فتحت، لا تخوض والله غمرة إلاّ خضناها، ولا تلقى والله شدّة إلاّ لقيناها، ننصرك والله بأسيافنا، ونقيك بأبداننا فانهض لما شئت.

وتكلّمت بنو سعد بن زيد فقالوا: يا أبا خالد، إنّ أبغض الأشياء إلينا خلافك والخروج عن رأيك، وقد كان صخر بن قيس(١) أمرَنا بترْك القتال، فحمدنا أمرنا وبقي عزّنا فينا! فأمهلنا نراجع المشورة ونأتك برأينا.

وتكلّمت بنو عامر بن تميم فقالوا: يا أبا خالد، نحن بنو أبيك وحلفاؤك، لا نرضى إن غضبت، ولا نقطن إن ظعنت، والأمر إليك، فادْعُنا نجبك، ومُرنا نطعك، والأمر إليك إذ شئت.

فقال: والله يا بني سعد لئن فعلتموها لا يرفع الله السيف عنكم أبداً، ولا يزال سيفكم فيكم!

ثمّ كتب إلى الحسينعليه‌السلام : بسم الله الرّحمن الرّحيم. أمّا بعد: فقل وصل إليّ كتابك، وفهمت ما ندبتني إليه ودعوتني له، من الأخذ بحظّي من طاعتك والفوز بنصيبي من نصرتك، وإنّ الله لا يُخلي الأرض من عامل عليها بخير، أو دليل على سبيل النجاة، وأنتم حجّة الله على خلقه، ووديعته في أرضه، تفرّعتم من زيتونة أحمديّة هو أصلها وأنتم فرعها، فاقدِم سعدت بأسعد طائر، فقد ذلّلت لك أعناق

____________________

(١) والمراد به الأحنف بن قيس / راجع: سير أعلام النبلاء ٤: ٨٥، وأسد الغابة ١: ٥٥.


بني تميم، وتركتهم أشدّ تتابعاً لك من الإبل الظمّاء يوم خمسها لورود الماء، وقد ذلّلت لك رقاب بني سعد، وغسلت لك دَرَن صدورها بماء سحابة مُزن حين استهلّ برْقها فلَمع.

فلمّا قرأ الحسينعليه‌السلام الكتاب قال:

( آمنك الله يوم الخوف، وأعزّك، وأرواك يوم العطش الأكبر. ) (١) .

وفي رواية ابن نما (ره) قال: «فلمّا تجهّز المشار إليه للخروج إلى الحسين صلوات الله وسلامه عليه، بلغه قتله قبل أن يسير، فجزع لذلك جزعاً عظيماً لما فاته من نصرته. »(٢) .

ملاحظات وتأمّل:

١) - كان الإمام الحسينعليه‌السلام قد كتب نسخة واحدة إلى رؤساء الأخماس في البصرة وإلى الأشراف فيها، وذكر الطبري(٣) ، أنّ الإمامعليه‌السلام كتب إلى مالك بن مسمع البكري، والأحنف بن قيس، والمنذر بن الجارود، ومسعود بن عمرو، وقيس بن الهيثم، وعمرو بن عبيد الله بن معمر.

لكنّ التأريخ لم يُسجّل أنّ أحداً من هؤلاء قد أجاب على رسالة الإمامعليه‌السلام ، أو ردَّ ردّاً حميداً، فالأحنف بن قيس ردّ على رسالة الإمامعليه‌السلام يوصيه بالصبر! وألاّ يستخفّه الذين لا يوقنون! أمّا المنذر بن الجارود، فقد سلّم الرسالة والرسول إلى ابن زياد الذي قتل الرسول! وأمّا مالك بن مسمع البكري، فقد كان أُمويّ الهوى(٤) ،

____________________

(١) اللهوف: ١١٠، ومُثير الأحزان: ٢٧ - ٢٩.

(٢) مُثير الأحزان: ٢٩.

(٣) تأريخ الطبري ٣: ٢٨٠; وراجع: الفتوح ٥: ٤٢.

(٤) راجع: ترجمته في الفصل الأول: ص٣٢.


ولم يُسجّل التأريخ أنّه أجاب على رسالة الإمام عليه‌السلام ! وأمّا قيس بن الهيثم، فقد كان عثماني الهوى، مُتباعداً عن أهل البيتعليهم‌السلام إلى آخر عمره(١) ، ولم يذكر التأريخ أيضاً أنّ قيس بن الهيثم قد أجاب على رسالة الإمام عليه‌السلام ! وأمّا عمر «أو عمرو» بن عبيد الله بن معمر، فلم تذكر له كُتب التواريخ والتراجم أيّة علاقة طيّبة مع أهل البيتعليهم‌السلام ، بل عُرف عنه ولاؤه لابن الزبير أيّام سلطانه، وكان على ميمنة مصعب بن الزبير في قتال المختار، ثمّ انقلب ولاؤه لعبد الملك بن مروان! فكان يأتمر بأمره، حتّى وفد عليه بدمشق، فمات عنده بالطاعون سنة ٨٢ هـ(٢) ، ولم يذكر التأريخ أيضاً، أنّ هذا الرجل قد أجاب على رسالة الإمام الحسين عليه‌السلام ! وأمّا مسعود بن عمرو الأزدي، فقد كان أيضاً مُجانباً ومُعادياً لأهل البيتعليهم‌السلام ، وصديقاً حميماً وناصراً وحامياً لابن زياد، حتى بعد مقتل الحسين عليه‌السلام (٣) ، ولم يذكر التأريخ أيضاً، أنّ مسعود بن عمرو الأزدي هذا قد أجاب على رسالة الإمام الحسين عليه‌السلام !(٤) .

____________________

(١) راجع: ترجمته في الفصل الأوّل ص٣٤ - ٣٥.

(٢) راجع: البداية والنهاية ٩: ٤٩ و٨: ٢٩ و٢٩٦ / والمعارف: ٤١٤ / وتاريخ الطبري ٣: ٣٧٧ و ٤٠٧ و ٤٨٤ و ٥٤١ / وكان المحقّق السماوي (ره) قد ذكره باسم: عبد الله بن عبيد الله بن معمر التيمي، تيم قريش. (راجع: إبصار العين: ٤١).

(٣) راجع: ترجمته في الفصل الأوّل ص٣٤.

(٤) لكنّ المحقّق السماوي (ره) قال في مسعود هذا: ( وهو الذي جمع الناس وخطبهم لنُصرة الحسين فلم يتوفّق، ويمضي في كُتب المقاتل أنّه يزيد بن مسعود النهشلي، وهذا تميميٌّ يُكنّى بأبي خالد، وليس من رؤساء الأخماس، ولعلّه مكتوب إليه أيضاً، والذي يُستظهر من الخطبة والكتاب إلى الحسين عليه‌السلام أنّ الذي جمع الناس هذا، لا مسعود، ولكنّ الطبري وغيره من المؤرّخين لم يذكروا الثاني ). (إبصار العين: ٤١). ولا يخفى، أنّ ما ذهب إليه الشيخ السماوي (ره) اشتباه محض، لا تُساعد عليه سيرة مسعود بن عمرو الأزدي المعادي لأهل البيتعليهم‌السلام ، ولعلّ مردّ هذا الاشتباه هو ظنّ الشيخ السماوي (ره) أنّ الذين كتب إليهم الإمام عليه‌السلام هم رؤساء الأخماس لا سواهم، وأنّهم الذين ذكرهم =


فإذا كان جلُّ رؤساء الأخماس في البصرة وأشرافها بين متباعد عن أهل البيتعليهم‌السلام مجانب لهم، وبين متردّد متذبذب في حبّه إياهم وموقفه منهم، وبين مُتربّص خائن طامع في دنيا أعدائهم، فما هو السرّ في كتابة الإمامعليه‌السلام إلى مثل هؤلاء؟!

لعلّ مجموعة الأسباب التالية هي التي دعت الإمامعليه‌السلام إلى كتابة هذه الرسالة إلى رؤساء الأخماس والأشراف في البصرة:

أ - كانت مُخاطبة القبائل في ذلك الوقت لا تتمُّ ولا تُثمر، إلاّ من خلال رؤسائها وأشرافها؛ ذلك لأنّ أفراد كلِّ قبيلة كانوا لا يتجاوزون رؤساءهم وأشرافهم في اتِّخاذ أيِّ موقف وقرار، والمتأمّل في خطبة يزيد بن مسعود النهشلي في بني تميم وبني حنظلة وبني سعد، وردّهم عليه يرى هذه الحقيقة واضحة جليّة.

ب - إلقاء الحجّة على جميع أهل البصرة، بما فيهم رؤساؤهم وأشراف

____________________

= الطبري فقط! والأمر ليس كذلك: أولاً:لأنّ عبارة الطبري صريحة في أنّ الإمام الحسين عليه‌السلام بعث بنُسخ من رسالته إلى أشراف في البصرة ليسوا من رؤساء الأخماس؛ حيث قال: ( وكتب بنسخة إلى رؤوس الأخماس وإلى الأشراف... ) (تأريخ الطبري ٣: ٢٨٠). وثانياً:لأنّ يزيد بن مسعود النهشلي كان من أشراف البصرة وكبار وجهائها، وإن لم يكن من رؤساء الأخماس فيها، وقد ذكر مؤرّخون آخرون في غاية الاعتبار - كالسيّد ابن طاووس (ره) في كتابه (اللهوف: ١١٠) وابن نما (ره) في كتابه (مُثير الأحزان: ٢٧ - ٢٩) -: أنّ يزيد بن مسعود النهشلي ممّن كتب إليهم الإمام الحسين عليه‌السلام . وأمّا قول الشيخ السماوي (ره) في ترجمته للشهيد الحجّاج بن بدر التميمي السعدي: ( كان الحجّاج بصرياً من بني سعد بن تميم، جاء بكتاب مسعود بن عمرو إلى الحسين، فبقي معه وقُتل بين يديه ) (إبصار العين: ٢١٢) فناشئ من نفس هذا الاشتباه، ولا دليل عليه! بل كان الحجّاج هذارضي‌الله‌عنه رسول يزيد بن مسعود النهشلي على ما ذكره بعض أهل المقاتل، ولقد ذكر السماويّ نفسه هذا في (إبصار العين: ٢١٣).


قبائلهم، خصوصاً وأنّ البصرة برغم سيطرة ابن زياد عليها - ما يزيد على خمس سنين حتى ذلك الوقت - لم تكن قد انغلقت لصالح الأُمويين كما هو حال مُدن الشام؛ إذ كان فيها أشراف ورؤساء يعرفون حقّانية أهل البيتعليهم‌السلام ، وأفئدتهم تهوي إليهم، كما كان في البصرة مُعارضة شيعية لها اجتماعاتها ومُنتدياتها السرّيّة.

إذن؛ ففي مُبادرة الإمامعليه‌السلام في الكتابة إلى كلّ هؤلاء، إلقاء للحجّة عليهم، وقطع العذر عليهم بالقول: إنَّهم لم ينصروا ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ لأنّهم لم يعلموا بقيامه ونهضته.

ج - قد تُثمر رسالة الإمامعليه‌السلام صدّ المتردّد من الأشراف ورؤساء الأخماس عن الانضمام إلى أيّ فعل مُضادّ لحركة الإمامعليه‌السلام ، وقد يعتزل هو وكثير من أفراد قبيلته فلا ينصرون الحُكم الأُمويّ، وهذا على أيّة حال أفضل من اشتراكهم في القتال ضدّ الإمامعليه‌السلام .

د - من ثمرات هذه الرسالة إعلام البصريِّين الراغبين في نُصرتهعليه‌السلام بأمر نهضته، وتعبئتهم لذلك من خلال أشرافهم الموالين لأهل البيتعليهم‌السلام كمثل يزيد بن مسعود النهشلي وأمثاله.

٢) - في قصّة رسالة الإمام الحسينعليه‌السلام إلى رؤساء الأخماس في البصرة وإلى أشرافها، لم يوفّق أحدٌ منهم إلى الموقف المحمود، إلاّ يزيد بن مسعود النهشلي (ره)، الذي كشفت خطبته في بني تميم وبني حنظلة وبني سعد، ورسالته إلى الإمامعليه‌السلام ، عن أنّه كان مؤمناً بمقام أهل البيتعليهم‌السلام عامة وبمقام الإمام الحسينعليه‌السلام خاصة، وكان عارفاً بحقّهم، ويكفيه مجداً وفخراً موقفه الرائع هذا، كما يكفيه سعادة دعاء الإمامعليه‌السلام له:( آمنك اللّه يوم الخوف، وأعزّك، وأرواك يوم العطش الأكبر! ) .


لكنّ ممّا يؤسف له، أنّنا لم نعثر في كُتب التواريخ والتراجم على ما يزيدنا معرفة بهذا الرجل الشريف، الوجيه الماجد، عدا ما ورد في قصّة هذه الرسالة، وعدا أنّه أرسل جوابه إلى الإمامعليه‌السلام مع الحجّاج بن بدر التميمي السعديرضي‌الله‌عنه ، الذي أوصل الرسالة إلى الإمامعليه‌السلام بمكّة، وبقي معه ورافقه إلى كربلاء واستُشهد بين يديه يوم عاشوراء(١) .

٣) - قال يزيد بن مسعود النهشلي (ره) في خطبته: « إنّ معاوية مات، فأهْوِنْ به واللّه هالكاً ومفقوداً، ألا وإنّه قد انكسر باب الجور والإثم، وتضعضعت أركان الظلم... ».

والظاهر من طبيعة هذه العبائر، أنّ يزيد النهشلي (ره) كان يُقرّر لجموع بني تميم حقيقة مُسلَّمة عندهم وعند جميع أهل البصرة، في أنّهم كانوا قد عانوا الأمرّينَ من ظلم وجور ومآثم معاوية وولاته عليهم.

إنّ الكوارث التي أصابت البصريّين على يد ولاة الأُمويّين، لم تكن أقلّ من تلك التي أصابت الكوفة طيلة حوالي عشرين من السنوات العجاف، من بعد شهادة أمير المؤمنين عليٍّعليه‌السلام .

هذا سمرة بن جندب مثلاً(٢) ، كان « في زمن ولايته البصرة يخرج من داره مع

____________________

(١) راجع: إبصار العين: ٢١٣ - ٢١٤.

(٢) سمرة بن جندب: روي أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال:( آخر أصحابي موتاً في النار! ) ، فبقي سمرة بن جندب - حليف الأنصار - بالبصرة، وأبو محذورة بمكّة، وكان سمرة يسأل مَن يقدم من الحجاز عن أبي محذورة، وكان أبو محذورة يسأل مَن يقدم من البصرة عن سمرة، حتى مات أبو محذورة قبله. (راجع: أنساب الأشراف ١: ٥٢٧)، وقال ابن الأثير: ( توفِّي سنة تسع وخمسين، بالبصرة، وسقط في قدر مملوءة ماءً حارّاً، كان يتعالج بالقعود عليها من كزاز شديد أصابه، فسقط فيها فمات ) (أُسد الغابة ٢: ٣٥٥)، لكنّ ابن أبي الحديد قال: ( كان - أي سمرة بن جندب - من شرطة ابن زياد، وكان أيّام مسير الحسين عليه‌السلام إلى العراق يحرّض الناس على الخروج إلى قتاله) (شرح نهج البلاغة ٤: ٧٤)،=


____________________

= وكذلك صرّح ابن قتيبة في كتاب (المعارف: ١٧٢) أنّ سمرة مات سنة بضع وستّين. وعليه، فلا يُلتفت إلى قول ابن الأثير: بأنّ سمرة هلك سنة تسع وخمسين بالبصرة.

لقد كان سمرة بن جندب من شرار مَن صحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وخدم طيلة حياته في خطِّ حركه النفاق، وكان لا يعبأ بالحرمات، ففي (الكافي ٨: ٣٢٢ ح ٥١٥) أنّه ضرب على رأس ناقة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فشجّها! فخرجت إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فشكته!وكان يُجاهر بمعصية الله ورسوله! ففي (التهذيب ٧: ١٤٧) عن زرارة، عن الإمام الباقر عليه‌السلام : أنّ سمرة بن جندب كان له عذق في حائط لرجل من الأنصار، وكان منزل الأنصاريّ بباب البستان، وكان يمرّ به إلى نخلته ولا يستأذن! فكلّمه الأنصاري أن يستأذن إذا جاء، فأبى سمرة! فجاء الأنصاري إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فشكا إليه فأخبره الخبر، فأرسل إليه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وخبّره بقول الأنصاري وقال: ( إذا أردتَ الدخول فاستأذن ) .

فأبى! فلمّا أبى ساومه حتى بلغ به من الثمن ما شاء، فأبى أن يبيعه!

فقال: ( لك بها عذقٌ مُذلَّلٌ في الجنّة ) . فأبى أن يقبل! فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله للأنصاري: ( اذهب فاقلعها وارمِ بها إليه، فإنّه لا ضرر ولا ضِرار ) .

وروى الطبري عن أبي سوار العدويّ قال: ( قتل سمرة من قومي في غداة سبعة وأربعين رجلاً قد جمع القرآن ) (تأريخ الطبري ٥: ٢٣٧).

وروى أيضاً عن عوف قال: ( أقبل سمرة من المدينة، فلمّا كان عند دور بني أسد، خرج رجل من بعض أزقّتهم ففاجأه أوّل الخيل، فحمل عليه رجل من القوم فأوجره الحربة! ثمّ مضت الخيل، فأتى عليه سمرة وهو مُتشحّطٌ بدمه فقال: ما هذا؟! فقيل: أصابته أوائل خيل الأمير. فقال: إذا سمعتم بنا ركبنا فاتّقوا أسنّتنا ) (تأريخ الطبري ٥: ٢٣٧).

وكان سمرة من المأجورين الذين استخدمهم معاوية للكذب على الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقد روي أنّ معاوية بذل له مئة ألف درهم على أن يروي أنّ آية:( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا - إلى قوله تعالى: -وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ ) ، نزلت في عليّ عليه‌السلام ، وأنَّ آية( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ) ، نزلت في ابن ملجم، فلم يقبل! فبذل له مئتي ألف فلم يقبل! فبذل ثلاثمئة ألف فلم يقبل! فبذل أربعمئة ألف فقبل! (راجع: شرح نهج البلاغة لابن أبي =


خاصّته ركباناً بغارة، فلا يمرُّ بحيوان ولا طفل، ولا عاجز ولا غافل إلاّ سحقه هو وأصحابه بخيلهم! وهكذا إذا رجع! ولا يمرُّ عليه يوم يخرج به إلاّ وغادر به قتيلاً أو أكثر! »(١) ، و« قتل من أهل البصرة ثمانية آلاف رجل من الشيعة في ستّة أشهُر، وهي أيّام إمارته على البصرة! »(٢) .

ويروي الذهبي، عن عامر بن أبي عامر قال: « كنّا في مجلس يونس بن عبيد، فقالوا: ما في الأرض بقعة نشفت من الدم ما نشفت هذه - يعنون دار الإمارة - قُتل بها سبعون ألفاً!

فسألتُ يونس، فقال: نعم، من بين قتيل وقطيع!

قيل: مَن فعل ذلك؟!

قال: زياد وابنه وسمرة... »(٣) .

____________________

= الحديد ٤: ٧٣).

وعن الطبري: أنّ معاوية أقرّ سمرة بعد زياد ستّة أشهر ثمّ عزله، فقال سمرة: لعن الله معاوية! والله، لو أطعتُ الله كما أطعتُ معاوية ما عذّبني أبداً! (تأريخ الطبري ٥: ٢٣٧).

ومع كلّ هذا، فإن تعجب فعجبٌ قول الذهبي: ( إنّ سمرة من علماء الصحابة، له أحاديث صالحة!! )!! ولعلّ الذهبي قصد بها الأحاديث المكذوبة، التي اختلقها سمرة في ذمّ عليّ عليه‌السلام خدمة لحركة النفاق!

كما ينقل الذهبي عن ابن سيرين قوله: ( كان سمرة عظيم الأمانة صدوقاً!! ). ويقول الذهبي في قصّة هلاكه: ( إنّ سمرة استجمر، فغفل عن نفسه حتى احترق... فهذا إن صحّ فهو مُراد النبيّ، يعني نار الدنيا! ) (راجع: سير أعلام النبلاء ٣: ١٨٦).فالذهبي يأبى إلاّ أن يُحرّف صريح مراد قول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله : ( آخِر أصحابي موتاً في النار ) ؛ ليكون معناه: آخر أصحابي يموت احتراقاً بالنار!! تُرى، كم هو الفرق كبير وشاسع بين صريح مراد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وبين مُدّعى هذا المذهوب بنور بصره وبصيرته؟!

(١) تنقيح المقال ٢: ٦٢.

(٢) تنقيح المقال ٢: ٦٩.

(٣) سير أعلام النبلاء ٣: ١٨٦.


وروى الطبري، عن محمّد بن سليم قال: « سألتُ أنس بن سيرين: هل كان سمرة قتل أحداً؟

قال: وهل يُحصى مَن قتلهم سمرة؟! استخلفه زياد على البصرة وأتى الكوفة، وقد قتل ثمانية آلاف من الناس! فقال له زياد: هل تخاف أن تكون قتلت أحداً بريئاً؟ قال: لو قتلت مثلهم ما خشيت! »(١) .

من هنا؛ يمكننا أن نستفيد بُعداً آخر ودافعاً جديداً، يُضاف إلى مجموعة الدوافع التي كانت من وراء كتابة الإمامعليه‌السلام رسالته إلى أهل البصرة، وهو أنّ أهل البصرة - كما أهل الكوفة - أَولى من غيرهم في مجال المبادرة إلى النهوض مع الإمامعليه‌السلام ، والجهاد بين يديه لإزالة الظلم والجور وإحقاق الحقّ؛ لأنّهم عانوا الأمرَّين من جور وظلم بني أميّة الذين قتلوا الآلاف منهم، ولعلّ يزيد بن مسعود النهشلي (ره) كان أيضاً قد أراد هذا المعنى، في مخاطبته بني تميم، حينما ابتدأ خطبته بتذكيرهم بهذه الحقيقة.

المؤتمر الشيعيّ السرّيُّ في البصرة:

روى الطبري، عن أبي مخارق الراسبي قال: « اجتمع ناسٌ من الشيعة بالبصرة في منزل امرأة من عبد القيس يقال لها: مارية(٢) ابنة سعد - أو - منقذ أيّاماً، وكانت

____________________

(١) تأريخ الطبري ٥: ٢٣٦.

(٢) قال المامقاني: ( مارية بنت منقذ أو سعيد العبدية: يُستفاد كونها إماميّة تقيّة، ممّا روي عن أبي جعفر عليه‌السلام من أنّها كانت تتشيّع، وكانت دارها مألفاً للشيعة يتحدّثون فيها... ) (تنقيح المقال ٣: ٨٢)، وعلّق على قوله التُّستري قائلاً: ( أقول: المصنّف رأى كلام بعضهم: أنّ أبا جعفر قال: مارية كانت تتشيَّع. فتوّهم أنَّ مراده بأبي جعفر أبو جعفر الباقر عليه‌السلام ، مع أنّ مراده أبو جعفر الطبري ). (قاموس الرجال ١١: ٣٥ / الطبعة الأُولى - مكتبة الصدوق)، وقال النمازى: (قيل: إنّ المراد بأبي جعفر: الطبري لا =


تتشيّع، وكان منزلها لهم مألفاً يتحدّثون فيه!

وقد بلغ ابن زياد إقبال الحسين، فكتب إلى عامله بالبصرة أن يضع المناظر ويأخذ الطريق!

قال: فأجمع يزيد بن نبيط(١) الخروج وهو من عبد القيس إلى الحسين، وكان له بنون عشرة، فقال: أيّكم يخرج معي؟ فانتدب معه ابنان له: عبد الله وعبيد الله، فقال لأصحابه في بيت تلك المرأة: إنّي قد أزمعت على الخروج، وأنا خارج. فقالوا له: إنّا نخاف عليك أصحاب ابن زياد. فقال: إنّي - واللّه - لو قد استوت أخفافهما بالجُدد لهان عليَّ طلب مَن طلبني!

قال: ثمّ خرج فقويَ في الطريق حتّى انتهى إلى حسينعليه‌السلام فدخل في رحله بالأبطح... »(٢) .

إشارة:

شهدت البصرة في السرّ انعقاد هذا المؤتمر الشيعيّ فيها، في الأيام التي كانت تشهد أيضاً في العلانية تحرّكات رؤساء الأخماس والأشراف، على أثر وصول رسالة الإمامعليه‌السلام إليهم، وكان الفارق كبيراً جدّاً بين المشهدين؛

____________________

= أبو جعفر الإمام عليه‌السلام ). (مُستدركات علم الرجال ٨: ٥٩٨).

(١) يزيد بن نبيط العبدي: ذكره المحقّق السماوي (ره) في (إبصار العين: ١٩١) باسم يزيد بن ثبيط، وقال: ويمضي في بعض الكُتب: ثبيث ونبيط، وهما تصحيف. وهو مع ابنيه رضوان الله تعالى عليهم من شهداء الطفّ، وقد ورد السلام عليه في زيارة الناحية المقدّسة باسم: يزيد بن ثبيت، كما ورد السلام على ولديه فيها أيضاً، وسيأتي ذكرهم تحت عنوان (الملتحقون بالركب الحسيني في مكّة المكرّمة).

(٢) تأريخ الطبري ٣: ٢٧٨.


ذلك لأنّها شهدت في تحرّكات الرؤساء والأشراف: تردّداً في نصرة الإمامعليه‌السلام ، وشهدت إعراضاً عنه، وخيانة وغدراً! اللّهمّ، إلاّ ما شهدته في تحرّك يزيد بن مسعود النهشلي (ره) من تحريك وتوجيه المشاعر القبلية - من خلال مزجها بمشاعر دينيّة - باتّجاه نصرة الإمامعليه‌السلام .

لكنّ ما شهدته البصرة في السرّ، كان شهوداً من نوع آخر!

إذ شهدت اجتماعاً استمرّ أيّاماً في السرّ، لم يقم على أساس الانتماء القبلي، فالمجتمعون كانوا من قبائل شتّى، بل قام على أساس الولاء لأهل البيتعليهم‌السلام والبراءة من أعدائهم، وقد تذاكر فيه المجتمعون أمر الإمامة وما آلَ إليه الوضع الراهن يومذاك(١) ، وتداولوا ما يجب عليهم القيام به؛ أداءً للتكليف الديني « فأجمع رأي بعض على الخروج فخرج، وكتب بعض بطلب القدوم »(٢) ، وبالفعل فقد نتج عن هذا المؤتمر المبارك، أن انطلقت كوكبة كريمة من البصريين، برغم أعين الرصد وحواجز الحصار، تتجّه مسرعة إلى مكّة المكرّمة؛ لتلتحق بالركب الحسيني ولتفوز الفوز العظيم.

خمسمئة من البصريين في سفر ابن زياد إلى الكوفة!

روى الطبري، عن عيسى بن يزيد الكناني قال: « لما جاء كتاب يزيد إلى عبيد الله بن زياد، انتخب من أهل البصرة خمسمئة، فيهم عبد الله بن الحارث بن

____________________

(١) راجع: إبصار العين: ٢٥.

(٢) إبصار العين: ٢٥ / لكنّنا لم نعثر على أثر تاريخي يُفيد بأنّ بعض الشيعة في البصرة كتب إلى الإمام عليه‌السلام في مكّة، يطلب منه القدوم إلى العراق عامة أو البصرة خاصة، ولعلَّ الشيخ السماوي (ره) كان قد عثر على مثل هذا فقال به!


نوفل(١) ، وشريك بن الأعور(٢) ، وكان شيعة لعليّ، فكان أوّل من سقط بالناس شريك، فيُقال: إنّه تساقط غمرة ومعه ناس، ثمَّ سقط عبد الله بن الحارث وسقط معه ناس، ورجَوا أن يلوي عليهم عبيد الله ويسبقه الحسين إلى الكوفة! فجعل لا يلتفت إلى مَن سقط، ويمضي حتّى ورد القادسية، وسقط مهران مولاه فقال: أيا

____________________

(١) عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلّب بن هاشم، القرشي الهاشمي، أبو محمد، لقبه: ببّه، وأمّه هند بنت أبي سفيان أخت معاوية... ولِد على عهد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فحنّكه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وتحوّل إلى البصرة، واصطلح عليه أهل البصرة بعد موت يزيد بن معاوية، فأقرّه عبد الله بن الزبير.

قال ابن حبان: توفِّي سنة تسع وسبعين، قتلته السَّموم، ودفن بالأبواء.

وقال محمد بن سعد: توفِّي بعمان سنة أربع وثمانين، عند انقضاء فتنة عبد الرحمان بن الأشعث، وكان خرج إليها هارباً من الحجّاج. (راجع: تهذيب الكمال ١٠: ٧٤)، و( كان رسول الحسن بن عليعليهم‌السلام من المدائن إلى معاوية... وكان من أفاضل المسلمين، تحوّل إلى البصرة فسكنها وبنى بها داراً، ولما كان أيّام مسعود بن عمرو وخرج عبيد الله عن البصرة، واختلف الناس بينهم، وأجمعوا أمرهم فولّوا عبد الله بن الحارث صلاتهم وفيأهم، وكتبوا بذلك إلى عبد الله بن الزبير، وقالوا: إنّا رضينا به.

فأقرّه ابن الزبير على البصرة، فلم يزل عاملاً عليها سنة، ثمّ عزله، وخرج عبد الله بن الحارث إلى عمان فمات بها... وكان ظاهر الصلاح، وله رضاً في العامة، وأراده أهل البصرة على التعسُّف لصلاح البلد، فعزل نفسه وقعد في منزله... (راجع: تاريخ بغداد ١: ٢١٢ وسير أعلام النبلاء ١: ٢٠١).

وقال المامقاني: ( وإن وثّقه الثلاثة - أي أبو موسى الأصفهاني، وابن منده، وابن عبد البرّ - إلاّ أنّ مبناهم في التوثيق غير معلوم، وبعد استفادة كونه إمامياً من ظاهر كلام الشيخ (الطوسي) نجعل توثيق الجماعة إيّاه مدحاً، مُدرجاً له في الحسان ). (راجع: تنقيح المقال ٢: ١٧٦).

وقال النمازي: ( أنفذه الحسن عليه‌السلام إلى معاوية، وحبسه ابن زياد مع المختار وميثم... جملة من رواياته المفيدة حسنة ). (مُستدركات علم الرجال ٤: ٥٠٨).

(٢) شريك بن الأعور: مرّت بنا ترجمة مُختصرة له في ص١٥٩.


مهران، على هذه الحال إن أمسكتَ عنك حتى تنظر إلى القصر فلكَ مئة ألف! قال: لا واللّه، ما استطيع.

فنزل عبيد اللّه، فأخرج ثياباً مُقطّعة من مُقطّعات اليمن، ثمّ اعتجر بمعجرة يمانية، فركب بغلته ثمّ انحدر راجلاً وحده... »(١) .

إشارة:

يبدو من ظاهر نصّ هذا الخبر، أنّ عدد الشيعة الذين صحبوا ابن زياد إلى الكوفة في هذا السفر لم يكن قليلاً - إن لم يكونوا هم الأكثر - فقد تساقط شريك الحارثي ومعه ناس! وكذلك تساقط عبد اللّه - يتأخّر - بن الحارث ومعه ناس! راجين أن يتأخّر ابن زياد لأجلهم، فلا يسبقُ الإمامعليه‌السلام في الوصول إلى الكوفة!

تُرى، هل كان هذا التساقط أفضل الوسائل لتعويق ابن زياد، ومنعه من دخول الكوفة قبل الإمامعليه‌السلام ؟! وإذا كان شريك ومَن معه من الشيعة، يعرفون الدور الخطير، الذي سيقوم به ابن زياد؛ لاستباق حركة الأحداث في الكوفة وإدارتها لصالح يزيد! أفلم يكن من الراجح أن يقتلوا ابن زياد بأيّة صورة، سرّاً أو علناً، وإن أدّى ذلك إلى قتل أحدهم أو جماعة منهم أو جميعهم بعد ذلك، ترجيحاً لمصلحة الإسلام العُليا؟!

أم إنَّنا هنا أيضاً أمام صورة أُخرى من صور الوهن والشلل النفسي، الذي أصاب الأمّة وتفشّى فيها، فأصاب هؤلاء أيضاً، فرأوا أنّ أقصى ما يمكنهم المبادرة إليه هو التساقط في الطريق فقط! مُتمنّين للإمامعليه‌السلام أن ينصره الله على أن لا تتعرّض دنياهم لأيّ ضرر أو خطر؟!

إنّنا لا نشكُّ في إخلاص شريك وأمثال شريك من شيعة عليّعليه‌السلام ، ولكنّنا

____________________

(١) تأريخ الطبري ٣: ٢٨١; وانظر: مقتل الحسين عليه‌السلام للمقرّم:١٤٩.


نعجب من اقتصارهم على التفكير في التساقط فقط! وعدم تدبيرهم لخطّة يتخلّصون بها من ابن زياد، ويُخلّصون الأمّة منه في ثنايا الطريق من البصرة إلى الكوفة! وربّما كان قتل ابن زياد بتدبير خفيٍّ غامض في ليلة ظلماء في هذه الرحلة، أيسر بكثير - من حيث الاعتبارات العرفيّة والتبعات - من قتله في بيت هاني بن عروة، على ضوء الخطّة التي اقترحها شريك نفسه يومذاك!

نقول: هذا كلّه بحسب الموازين والحسابات الظاهرية، ونعلم أنّ إرادة الله وتقديراته شيء آخر!

الملتحقون بالركب الحسينيّ في مكّة المكرّمة:

التحق بالإمام الحسينعليه‌السلام في مكّة المكرّمة، مجموعة من أخيار هذه الأمّة وأبرارها، فانضمّوا إلى الركب الحسينيّ المتشكّل آنذاك ممّن كان قد قدم مع الإمامعليه‌السلام من المدينة المنوّرة، ومنهم مَن لازم الإمامعليه‌السلام حتّى استُشهد معه في كربلاء يوم عاشوراء، ومنهم مَن أرسله الإمامعليه‌السلام فقُتل أو عاد إليه، ويُمكننا أن نصنّفهم، حسب الأمكنة التي انطلقوا منها للالتحاق بالإمامعليه‌السلام في مكّة المكرّمة إلى:

١) - الملتحقون بهعليه‌السلام في مكّة من أهل المدينة.

٢) - الملتحقون بهعليه‌السلام في مكّة، ولم تُحدِّد التواريخ والتراجم أمكنة انطلاقهم.

٣) - الملتحقون بهعليه‌السلام في مكّة من أهل الكوفة.

٤) - الملتحقون بهعليه‌السلام في مكّة من أهل البصرة.


١) - الملتحقون به عليه‌السلام في مكّة من أهل المدينة:

روى ابن عساكر قائلاً: « وبعث الحسين إلى المدينة، فقدم عليه مَن خفَّ معه من بني عبد المطلّب وهم تسعة عشر رجلاً، ونساء وصبيان من إخوانه وبناته ونسائهم... »(١) .

ولا يخفى، أنّ متن هذه الرواية لا يُحدِّد لنا أسماء هؤلاء الملتحقين من بني هاشم! كما أنّه « لم يرد في الكُتب التاريخية ذكر تفصيليٌّ لأسماء الهاشميين في الركب الحسينيّ، القاصد من المدينة إلى مكّة المكرّمة، بل ورد في أغلب هذه الكُتب ذكر إجمالي لمن خرج من الهاشميين مع الإمامعليه‌السلام من المدينة... »(٢) .

ولذا؛ فقد يعسر تماماً على المتتبّع أن يُحدّد بدقّة كاملة أسماء جميع بني هاشم، الذين خرجوا مع الإمامعليه‌السلام من المدينة، فيعرف على ضوء هذا أسماء مَن التحقوا بهعليه‌السلام في مكّة.

ولذا؛ فالمسألة بهذا الصدد تبقى على إجمالها وإبهامها!

نعم، تُشير مجموعة من الدلائل التاريخية(٣) ، إلى أنّ الإمامعليه‌السلام كان قد خرج من المدينة المنوّرة بجميع أبنائه، وجميع أبناء أخيه الإمام الحسنعليه‌السلام ، وجميع بقيّة إخوته لأبيه، عدا محمّد بن الحنفيّةرضي‌الله‌عنه ، وعدا عمر الأطراف، كما هو الظاهر من سيرته(٤) .

____________________

(١) تاريخ ابن عساكر (ترجمة الإمام الحسين عليه‌السلام / تحقيق المحمودي): ٢٩٨ رقم ٢٥٦; وانظر: البداية والنهاية ٨: ١٧٨.

(٢) راجع: الجزء الأول من (الركب الحسيني من المدينة إلى المدينة): ٤٠٤ - ٤٠٦.

(٣) راجع: الإرشاد: ٢٠١ والأخبار الطوال: ٢٢٨ والفتوح ٥: ٢١ وتاريخ الطبري ٣: ٢٧١.

(٤) راجع: قاموس الرجال ٨: ٢١٤ وانظر: تنقيح المقال ٢: ٣٤٦.


وتُشير هذه الدلائل(١) أيضاً، إلى أنّ مسلم بن عقيلعليه‌السلام كان معه أيضاً في خروجه من المدينة. ومع هذا، فإنّ ذلك لا يُخرج القضية من الإجمال إلى التفصيل التام؛ ذلك لأنّنا مثلاً لا نستطيع القول - على ضوء ما عندنا من وثائق تاريخية - بالنسبة إلى آل عقيل الذين كانوا مع الإمامعليه‌السلام في مكّة: مَن منهم التحق به في مكّة، ومَن منهم جاء معه من المدينة.

نعم، تُفيد بعض المصادر التاريخية، أنّ ولدي عبد الله بن جعفر - عوناً ومحمّداً - كانا مع أبيهما في القدوم إلى مكّة للقاء الإمامعليه‌السلام ، ثمّ التحقا بالركب الحسيني أوائل خروجه من مكّة المكرّمة(٢) ، وتُفيد مصادر أُخرى، أنّ أباهما أرسلهما من المدينة إلى مكّة بكتاب إلى الإمامعليه‌السلام ، وفي مكّة التحقا بالإمامعليه‌السلام (٣) .

هذا غاية ما اتّضح لنا حول مَن التحق بالإمامعليه‌السلام في مكّة المكرّمة من بني هاشم. أمّا من غير بني هاشم، فلا نعلم أنّ أحداً التحق بالإمامعليه‌السلام في مكّة، قادماً إليه من المدينة المنوّرة، سوى ما نظنّه ظنّاً بالنسبة إلى جُنادة بن كعب بن الحرث الأنصاري الخزرجيرضي‌الله‌عنه ، الذي التحق مع عائلته بالإمامعليه‌السلام في مكّة المكرّمة؛ ذلك لأنّنا لم نعثر في التواريخ على أنّه كان من سكنة مكّة، أو الكوفة، أو البصرة، أو حاضرة أُخرى من حواضر العالم الإسلامي آنذاك، وربّما كان مع عائلته من المعتمرين، أو ممّن أراد الحجّ سنة ستّين للهجرة، فالتحق بالإمامعليه‌السلام في مكّة وصحبه إلى كربلاء، وكذلك الأمر بالنسبة إلى عبد الرحمان بن عبد ربّ الأنصاري الخزرجيرضي‌الله‌عنه ، لكنّنا صنّفناهما مع عمّار بن حسّان الطائيرضي‌الله‌عنه تحت

____________________

(١) راجع: الإرشاد: ٢٠٢ / مُحاورته عليه‌السلام مع مسلم في إصراره عليه‌السلام على سلوك الطريق الأعظم.

(٢) راجع: الإرشاد: ٢١٩ وتأريخ الطبري ٣: ٢٩٧

(٣) راجع: الفتوح: ٥: ٧٥ ومقتل الحسين عليه‌السلام للخوارزمي ١: ٣١١.


العنوان التالي، مع أنَّنا نظنّ ظنّاً قوّياً أيضاً، أنّ عمّار بن حسّان الطائيرضي‌الله‌عنه كان من سكنة الكوفة.

٢) - الملتحقون به عليه‌السلام في مكّة ولم تُحدّد التواريخ والتراجم أمكنة انطلاقهم:

* جنادة بن كعب بن الحرث الأنصاريّ الخزرجي رضي‌الله‌عنه : قال المحقّق السماوي (ره): « كان جنادة ممّن صحب الحسينعليه‌السلام من مكّة، وجاء معه هو وأهله، فلمّا كان يوم الطفّ تقدّم إلى القتال فقُتل في الحملة الأُولى »(١) .

وذكرته بعض المصادر التاريخية باسم «جنادة بن الحارث الأنصاري»(٢) ، كما ذكرت ابنه الذي استُشهد بعده في الطفّ باسم «عمرو بن جنادة».

أمّا السماويّ (ره) فقد ذكر ابنه باسم «عمر بن جنادة»(٣) .

لكنّ السماوي (ره) لما ذكر أسماء أنصار الإمامعليه‌السلام الذين التحقوا بالإمامعليه‌السلام مع عوائلهم، ذكر جنادة هذا باسم «جنادة بن الحرث السلماني»(٤) .

ويرى النمازي اتِّحاد جنادة بن الحرث الأنصاري، مع جنادة بن كعب بن الحارث الأنصاري، ويراه غير جنادة بن الحارث السلماني الأزدي، الذي عدّه المامقاني من أصحاب الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وأمير المؤمنينعليه‌السلام ، ولم يجد النمازي في زيارة الناحية المقدّسة أو في الرجبية ذكراً لاسم جنادة - خلافاً لما قال المامقانيّ(٥) -

____________________

(١) إبصار العين:١٥٨.

(٢) مقتل الحسين عليه‌السلام للخوارزمي ٢: ٢٥ ومناقب آل أبي طالب ٤: ١٠٤.

(٣) إبصار العين: ١٥٩.

(٤) إبصار العين: ٢٢٠ / (الفائدة الثالثة).

(٥) قال المامقاني: ( وسلّم الحجّة عليه‌السلام عليه بقوله:( السلام على جنادة بن كعب بن الحارث =


بل وجد في الموضعين: السلام على حيّان بن الحارث السلماني الأزدي(١) ، وهذا هو الوارد في متن الزيارتين بالفعل(٢) .

وروي في بعض الكُتب، أنّ جُنادةرضي‌الله‌عنه قُتل بين يدي الإمامعليه‌السلام في الحملة الأُولى(٣) ، كما روي في بعض كُتب المقاتل هكذا: « ثُمّ خرج من بعده - أي بعد نافع بن هلالرضي‌الله‌عنه - جنادة بن الحرث الأنصاري وهو يقول:

أنـا جـنادة أنـا ابن الحارث

لـسـتُ بـخوّار ولا بـناكثِ

عـن بيعتي حتى يقوم وارثي

من فوق شلْو في الصعيد ماكثِ

فحمل، ولم يزل يُقاتل حتى قُتل.

ثمّ خرج من بعده عمرو بن جنادة، وهو يُنشد ويقول:

أضِقْ الخناق من ابن هند وارمه

فـي عـقره بفوارس الأنصار

ومُـهاجرين مُخضّبين رماحهم

تـحت الـعجاجة من دم الكفّار

خـضبت على عهد النبيّ محمّد

فـاليوم تُـخضب من دم الفُجّار

واليوم تُخضب من دماء معاشر

رفضوا القُران لنُصرة الأشرار

طـلبوا بـثأرهم بـبدر وانثنوا

بـالمرهفات وبـالقنا الـخَطّار

والـلّهِ ربِّـي لا أزال مُضارباً

لـلـفاسقين بـمـرهف بـتَّار

هـذا عـليَّ الـيوم حقٌّ واجب

فـي كـلّ يـوم تعانقٍ وحوارِ

____________________

=الأنصاري وابنه عمرو بن جنادة ) . (تنقيح المقال ١: ٢٣٤).

(١) راجع: مُستدركات علم الرجال ٢: ٢٣٩.

(٢) راجع: الإقبال ٣: ٧٩ وعنه البحار ٩٨: ٢٧٣.

(٣) إبصار العين: ١٥٨.


ثُمَّ حمل فقاتل حتى قُتل »(١) .

وقال السيد المقرّم (ره): « وجاء عمرو بن جنادة الأنصاري، بعد أن قُتل أبوه، وهو ابن إحدى عشرة سنة، يستأذن الحسين فأبى وقال:( هذا غلامٌ قُتِل أبوه في الحملة الأُولى، ولعلّ أُمّه تكره ذلك ) . قال الغلام: إنّ أمّي أمرتني! فأذن له، فما أسرع أن قُتِل ورُمي برأسه إلى جهة الحسينعليه‌السلام ، فأخذته أمّه ومسحت الدم عنه وضربت به رجلاً قريباً منها فمات! وعادت إلى المخيّم فأخذت عموداً وقيل سيفاً وأنشأت:

أنا عجوز في النسا ضعيفة

خاوية بالية نحيفة

أضربكم بضربة عنيفة

دون بني فاطمة الشريفة

فردّها الحسين إلى الخيمة بعد أن أصابت بالعمود رجُلين »(٢) .

ولعلّ عمرو بن جنادة هو الشابّ المقصود في الرواية التالية - لمشتركاتها الكثيرة مع الرواية السابقة - تقول هذه الرواية: « ثمّ خرج شابّ قُتِل أبوه في المعركة، وكانت أمّه معه، فقالت له أمّه: اُخْرُج يا بُنيَّ وقاتل بين يدي ابن رسول الله! فخرج، فقال الحسينعليه‌السلام :( هذا شابٌّ قُتل أبوه، ولعلَّ أمّه تكره خروجه ) . فقال الشابّ: أمّي أمرتني بذلك! فبرز وهو يقول:

أمـيري حسينٌ ونِعم الأمير

سـرور فؤاد البشير النذير

عـلـيٌّ وفـاطمةٌ والـداه

فـهل تعلمون له من نظير

له طلعةٌ مثل شمس الضحى

لـه غُـرّة مـثل بدر مُنير

وقاتل حتّى قُتِل، وجُزَّ رأسه ورُمي به إلى عسكر الحسينعليه‌السلام ، فحملت أمّه رأسه وقالت: أحسنتَ يا بُنيَّ! يا سرور قلبي ويا قُرّة عيني. ثُمَّ رمت برأس ابنها

____________________

(١) مقتل الحسين عليه‌السلام للخوارزمي ٢: ٢٥ وانظر البحار ٤٥: ٢٨ عن مناقب آل آبي طالب ٤: ١٠٤.

(٢) مقتل الحسين عليه‌السلام للمقرّم: ٢٥٣.


رجُلاً فقتلته، وأخذت عمود خيمة، وحملت عليهم وهي تقول:

أنا عجوزٌ سيّدي ضعيفة

خاوية بالية نحيفة

أضربكم بضربة عنيفة

دون بني فاطمة الشريفة

وضربت رجُلين فقتلتهما!

فأمر الحسينعليه‌السلام بصرفها، ودعا لها »(١) .

* عبد الرحمن بن عبد ربّ الأنصاري الخزرجي رضي‌الله‌عنه : قال المحقّق السماوي (ره): « كان صحابياً، له ترجمة ورواية، وكان من مُخلصي أصحاب أمير المؤمنينعليه‌السلام . قال ابن عقدة: حدّثنا محمد بن إسماعيل بن إسحاق الراشدي، عن محمّد بن جعفر النميري، عن عليّ بن الحسن العبدي، عن الأصبغ بن نباتة، قال: نشد عليٌّعليه‌السلام الناس في الرحبة:( مَن سمع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله قال يوم غدير خمٍّ ما قال إلاّ قام، ولا يقوم إلاّ مَن سمع رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول ) . فقام بضعة عشر رجلاً، فيهم أبو أيّوب الأنصاري، وأبو عمرة بن عمرو بن محصن، وأبو زينب، وسهل بن حنيف، وخزيمة بن ثابت، وعبد الله بن ثابت، وحبشي بن جنادة السلولي، وعبيد بن عازب، والنعمان بن عجلان الأنصاري، وثابت بن وديعة الأنصاري، وأبو فضالة الأنصاري، وعبد الرحمان بن عبد ربّ الأنصاري، فقالوا: نشهد أنّا سمعنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول:( ألا إنّ اللّه عزّ وجلّ وليِّي، وأنا وليّ المؤمنين، ألا فمَن كنت مولاه فعليٌّ مولاه، اللّهمّ، والِ مَن والاه وعادِ مَن عاداه، وأحبّ مَن أحبّه وابغض مَن أبغضه، وأعِنْ مَن أعانه ) (٢) .

وقال صاحب الحدائق: وكان عليُّ بن أبي طالبعليه‌السلام هو الذي علّم

____________________

(١) البحار ٤٥: ٢٧ - ٢٨، وانظر: مقتل الحسين عليه‌السلام للخوارزمي ٢: ٢٥ - ٢٦، ومناقب آل أبي طالب ٤: ١٠٤.

(٢) إبصار العين: ١٥٧ - ١٥٨.


عبد الرحمن هذا القرآن وربّاه(١) .

وكان عبد الرحمان جاء مع الإمام الحسينعليه‌السلام فيمَن جاء معه من مكّة، وقُتل بين يديه في الحملة الأُولى(٢) .

* عمّار بن حسّان الطائي رضي‌الله‌عنه : قال المامقاني (ره): « هو عمّار بن حسّان بن شريح، قال علماء السير: إنّه كان من الشيعة المخلصين في الولاء، ومن الشجعان المعروفين، صحب الحسينعليه‌السلام من مكّة، ولازمه حتى أتى كربلاء، فلمّا شبّ القيام يوم الطفّ تقدّم واستُشهد بين يديه رضوان الله عليه، ومع شرف الشهادة، نال شرف تخصيصه بالسلام عليه في زيارة الناحية المقدّسة »(٣) .

وقال المحقّق السماويّ (ره): « كان عمّار من الشيعة المخلصين في الولاء، ومن الشجعان المعروفين، وكان أبوه حسّان ممَّن صحب أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وقاتل بين يديه في حرب الجَمل، وصِفِّين، فقُتل بها، وكان عمّار صحب الحسينعليه‌السلام من مكّة ولازمه حتى قُتل بين يديه. قال السروي: قُتل في الحملة الأُولى(٤) .

وورد السلام على عمّار في زيارة الناحية المقدّسة هكذا:( السلام على عمّار

____________________

(١) راجع: الحدائق الورديّة: ١٢٢، وانظر: تنقيح المقال ٢: ١٤٥، ومُستدركات علم الرجال ٤: ٤٠٤ وقاموس الرجال: ٦: ١١٩، والإصابة ٣: ٣٠٧.

(٢) إبصار العين: ١٥٨ /، وقال السماوي (ره): ومن أحفاد عمّار: عبد الله بن أحمد بن عامر بن سليمان بن صالح بن وهب بن عمّار هذا، أحد علمائنا ورواتنا، صاحب كتاب قضايا أمير المؤمنين عليه‌السلام ، يرويها عن أبيه عن الرضا عليه‌السلام . (إبصار العين: ١٩٧ - ١٩٨).

(٣) تنقيح المقال ٢: ٣١٧.

(٤) مناقب آل أبي طالب ٤: ١١٣.


بن حسّان بن شريح الطائي ) (١) ، وكذلك في الزيارة الرجبيّة وقد احتمل التستري(٢) ، اتّحاد عمار بن حسّان الطائيرضي‌الله‌عنه مع عمّار بن أبي سلامة الدالانيرضي‌الله‌عنه ، لكنّ هذا الاحتمال غير وارد؛ لأنّ السلام قد ورد في زيارة الناحية المقدّسة على كلٍّ منهما باسمه(٣) .

٣) - الملتحقون به عليه‌السلام في مكّة من أهل الكوفة:

* بُريرُ بن خُضير الهمداني المشرقي رضي‌الله‌عنه : كان بُرير شيخاً تابعياً ناسكاً، قارئاً للقرآن، من شيوخ القُرّاء، ومن أصحاب أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وكان من أشراف أهل الكوفة من الهمدانيين، وقال أهل السير: إنّه لما بلغه خبر الحسينعليه‌السلام سار من الكوفة إلى مكّة؛ ليجتمع بالحسينعليه‌السلام ، فجاء معه حتى استُشهد.

وروى الطبريّ، عن السرويّ: أنّ الحرّ لما ضيّق على الإمام الحسينعليه‌السلام جمع الإمامعليه‌السلام أصحابه فخطبهم بخطبته التي قال فيها:( أمّا بعدُ، فإنّ الدنيا قد تغيّرت... ) . فقام إليه جماعة من أنصاره، فتكلّموا وأظهروا استعدادهم وإصرارهم على الموت دونه، وكان بُرير من هؤلاء المتكلّمين، حيث قام فقال: واللّه، يا بن رسول الله، لقد مَنّ اللّه بك علينا أن نُقاتل بين يديك، تُقطَّعُ فيك أعضاؤنا، حتى يكون جدّك يوم القيامة بين أيدينا شفيعاً لنا، فلا أفلح قوم ضيّعوا ابن بنت نبيّهم! وويل لهم! ماذا يلقون به الله؟! وأُفٍّ لهم يوم يُنادَون بالويل والثبور في نار جهنّم!

وقال أبو مخنف: أمر الحسينعليه‌السلام في اليوم التاسع من المحرّم بفسطاط فضُرب، ثمّ أمر بمسك فميث في جفنة عظيمة، فأُطلي بالنورة، وعبد الرحمان بن

____________________

(١) الإقبال ٣: ٧٩ و٣٤٦ وعنه البحار ٤٥: ٧٢.

(٢) راجع: قاموس الرجال ٨: ٧.

(٣) راجع: الإقبال ٣: ٧٩ وعنه البحار ٤٥: ٧٢ و٧٣.


عبد ربّه، وبُرير على باب الفسطاط تختلف مناكبهما، فازدحما أيّهما يُطلي على أثر الحسين عليه‌السلام ، فجعل بُرير يُهازل عبد الرحمان ويُضاحكه.

فقال عبد الرحمان: دعنا، فوَاللّه، ما هذه ساعة باطل!

فقال بُرير: والله، لقد علم قومي أنّي ما أحببت الباطل شابّاً ولا كهلاً، ولكنّي - والله - لمستبشرٌ بما نحن لاقون، واللّه، إنَّ بيننا وبين الحور العين إلاّ أن نحمل على هؤلاء فيميلون علينا بأسيافهم، ولوددتُ أن مالوا بها الساعة!(١) .

* عابس بن أبي شبيب الشاكري رضي‌الله‌عنه : وورد اسمه في زيارة الناحية المقدّسة والزيارة الرجبية هكذا:( عابس بن شبيب الشاكريّ ) (٢) .

« كان عابس من رجال الشيعة، رئيساً شجاعاً خطيباً ناسكاً مُتهجّداً، وكانت بنو شاكر من المخلصين بولاء أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وفيهم يقولعليه‌السلام يوم صِفِّين:( لو تمّت عدّتهم ألفاً لعُبِد اللّه حقّ عبادته! ) . وكانوا من شجعان العرب وحماتهم، وكانوا يُلقّبون فتيان الصباح »(٣) .

ولما كتب مسلمٌعليه‌السلام إلى الإمامعليه‌السلام من الكوفة، يطلب إليه التعجيل بالقدوم، أرسل كتابه مع عابسرضي‌الله‌عنه وصحبه شوذب مولاهرضي‌الله‌عنه ، ثمّ بقيا مع الإمامعليه‌السلام في مكّة، وصحباه في مسيره إلى كربلاء، واستُشهدا بين يديه. وروى أبو مخنف: أنّه لما التحم القتال في يوم عاشوراء، وقُتل بعض أصحاب الحسينعليه‌السلام جاء عابس الشاكري ومعه شوذب.

____________________

(١) راجع: إبصار العين: ١٢١ - ١٢٢، وتأريخ الطبري ٣: ٣٠٧ و٣١٨.

(٢) راجع: الإقبال ٣: ٧٩ و٣٤٥ والبحار:٩٨: ٢٧٣ و٣٤٠.

(٣) إبصار العين: ١٢٦ - ١٢٧.


فقال لشوذب: « يا شوذب، ما في نفسك أن تصنع؟

قال: ما أصنع؟! أُقاتل معك دون ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حتّى أُقتل!

فقال: ذلك الظنّ بك، أمّا الآن فتقدّم بين يدي أبي عبد اللّه، حتّى يحتسبك كما احتسب غيرك من أصحابه، وحتّى أحتسبُك أنا، فإنّه لو كان معي الساعة أحدٌ أنا أولى به منّي بك لسرّني أن يتقدّم بين يدي حتى أحتسبُه؛ فإنّ هذا يوم ينبغي لنا أن نطلب الأجر فيه بكلّ ما نقدر عليه، فإنّه لا عمل بعد اليوم، وإنّما هو الحساب! »(١) .

ولما تقدّم عابسرضي‌الله‌عنه إلى الإمامعليه‌السلام يستأذنه في القتال قال: « يا أبا عبد اللّه، أما واللّه، ما أمسى على ظهر الأرض قريب ولا بعيد أعزَّ عليَّ ولا أحبّ إليَّ منك، ولو قدرت على أن أدفع عنك الضيم والقتل بشيء أعزّ عليَّ من نفسي ودمي لفعلته. السلام عليك يا أبا عبد اللّه، أشهد أنِّي على هداك وهدى أبيك. ثمّ مشى بالسيف مصلَتاً نحو القوم وبه ضربة على جبينه »(٢) .

وروى أبو مخنف، عن ربيع بن تميم الهمداني أنّه قال: « لما رأيتُ عابساً مُقبلاً عرفته، وكنت قد شاهدته في المغازي والحروب، وكان أشجع النّاس فصحت: أيّها الناس، هذا أسدُ الأُسود! هذا ابن أبي شبيب! لا يخرجنّ إليه أحدٌ منكم! فأخذ عابس يُنادي: ألا رجلٌ لرجل؟!

فقال عمر بن سعد: ارضخوه بالحجارة! قال: فرُمي بالحجارة من كلّ جانب، فلمّا رأى ذلك ألقى درعه ومغفره! ثمّ شدَّ على الناس، فوالله، لرأيته يكردُ(٣) أكثر من مئتين من الناس! ثمّ إنّهم تعطّفوا عليه من كلّ جانب فقُتل. قال: فرأيت رأسه في

____________________

(١) تأريخ الطبري ٣: ٣٢٩.

(٢) تاريخ الطبري ٣: ٣٢٩.

(٣) كَرَدَ القوم: أي صرفهم وردّهم/ مجمع البحرين ٣: ١٣٦.


أيدي رجال ذوي عدّة! هذا يقول: أنا قتلته. وهذا يقول: أنا قتلته!

فأتوا عمر بن سعد فقال: لا تختصموا، هذا لم يقتله سنان واحد! ففرّق بينهم »(١) .

* شوذب بن عبد اللّه الهمداني الشاكري رضي‌الله‌عنه : وهو مولى لشاكر(٢) ، « وكان شوذب من رجال الشيعة ووجوهها، ومن الفرسان المعدودين، وكان حافظاً للحديث حاملاً له عن أمير المؤمنينعليه‌السلام .

قال صاحب الحدائق الوردية: وكان شوذب يجلس للشيعة فيأتونه للحديث، وكان متقدّماً في الشيعة «وجهاً فيهم» »(٣) .

وقد صحب شوذب عابس بن أبي شبيب الشاكري مولاه، من الكوفة إلى مكّة، بعد قدوم مسلم الكوفة، بكتاب لمسلم ووفادة على الحسينعليه‌السلام عن أهل الكوفة، وبقي معه حتى جاء إلى كربلاء(٤) ، ولما التحم القتال حارب أوّلاً، ثمّ دعاه عابس، فاستخبره عمّا في نفسه، فأجاب بحقيقتها - كما مرَّ - فتقدّم إلى القتال، وقاتل قتال الأبطال، ثمّ قُتل رضوان الله تعالى عليه(٥) .

* قيس بن مُسهَّر الصيداوي رضي‌الله‌عنه : هو قيس بن مُسَهَّر بن خالد بن جندب... بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة، الأسدي الصيداوي، وصيدا بطنٌ من أسد، كان قيس رجلاً شريفاً في بني الصيدا، شجاعاً مُخلصاً في محبّة أهل البيتعليهم‌السلام ،

____________________

(١) تأريخ الطبري ٣: ٣٢٩.

(٢) تأريخ الطبري ٣: ٣٢٩.

(٣) راجع: إبصار العين: ١٢٦ - ١٣٠ والحدائق الوردية: ١٢٢.

(٤) ولا يصحّ هنا ما قاله النمازي في (مُستدركات علم الرجال ٤: ٢٢١): إنّه ذهب إلى مكّة - بعد خذلان مسلم - ولحق بالحسين عليه‌السلام حتى استُشهد بين يديه.

وذلك؛ لأنّ الإمام عليه‌السلام كان آنذاك قد خرج عن مكّة، وكان في الطريق.

(٥) راجع: إبصار العين: ١٢٩ - ١٣٠.


وكان رسول أهل الكوفة مع الأرحبي والسلولي إلى الإمام عليه‌السلام في مكّة، في الدفعة الثانية من رسائلهم إليه، وقد فصّلنا القول في قصّته وترجمته في الفصل الأوّل(١) .

* عبد الرحمان بن عبد الله الأرحبي رضي‌الله‌عنه : هو عبد الرحمان بن عبد الله بن الكدن بن أرحب... وبنو أرحب بطنٌ من همدان، كان عبد الرحمان وجهاً تابعياً شجاعاً مقداماً.

قال أهل السير: أوفده أهل الكوفة إلى الحسينعليه‌السلام في مكّة مع قيس بن مُسهَّر، ومعهما كُتب نحو من ثلاث وخمسين صحيفة... وكانت وفادته ثانية الوفادات؛ فإنّ وفادة عبد الله بن سبع وعبد الله بن وال الأُولى، ووفادة قيس وعبد الرحمان الثانية، ووفادة سعيد بن عبد الله الحنفي وهاني بن هاني السبعي الثالثة.

وقال أبو مخنف: ولما دعا الحسين مسلماً وسرّحه قبله إلى الكوفة، سرّح معه قيساً وعبد الرحمان وعمارة بن عبيد السلولي، وكان من جملة الوفود، ثمَّ عاد عبد الرحمان إليه، فكان من جملة أصحابه(٢) .

وقال المامقاني: « وهو أحد النفر الذين وجَّههم الحسينعليه‌السلام مع مسلم، فلمّا خذلوا أهل الكوفة وقُتل مسلم ردَّ عبد الرحمان هذا إلى الحسينعليه‌السلام من الكوفة، ولازمه حتى نال شرفي الشهادة وتسليم الإمامعليه‌السلام في زيارتي الناحية المقدّسة والرجبية رضوان الله عليه »(٣) .

وعلى هذا؛ يكون لعبد الرحمان الأرحبيرضي‌الله‌عنه التحاقان بالإمامعليه‌السلام ، الأوّل:

____________________

(١) راجع: الصفحات: ٦٩ - ٧٣.

(٢) راجع: إبصار العين: ١٣١ - ١٣٢.

(٣) تنقيح المقال ٢: ١٤٥، ولكنّ التُّستري ذكر أنّه لم يقف على تاريخ رجوع عبد الرحمان الأرحبيرضي‌الله‌عنه إلى الإمام عليه‌السلام ، في كونه قبل أو بعد قتل مسلم عليه‌السلام ، راجع: (قاموس الرجال ٦: ١٢٣).


في مكّة، والثاني: بعد خروجه عليه‌السلام من مكّة؛ لأنّ مقتل مسلم عليه‌السلام كان عند أوائل خروج الإمام عليه‌السلام منها إلى العراق.

« حتى إذا كان اليوم العاشر، ورأى الحال، استأذن في القتال، فأذن له الحسينعليه‌السلام ، فتقدّم يضرب بسيفه في القوم، وهو يقول:

صبراً على الأسياف والأسنّة

صبراً عليها لدخول الجنة

ولم يزل يُقاتل حتى قُتل رضوان الله عليه »(١) .

وقد ورد في زيارة الناحية المقدّسة:( السلام على عبد الرحمن بن عبد الله بن الكدر الأرحبي ) (٢) ، أمّا في الزيارة الرجبية، فقد ورد السلام هكذا:( السلام على عبد الرحمان بن عبد الله الأزدي ) (٣) ، والظاهر اتّحادهما؛ لأنّه ليس في شهداء الطفّ إلاّ رجل واحدٌ اسمه عبد الرحمان بن عبد الله. فتأمّل.

هذا، وقد تفرّد الشيخ المفيد (ره) في ذكر أنّ الذين بعثهم أهل الكوفة إلى الإمام الحسينعليه‌السلام في ثاني وفادة هم: قيس بن مُسهَّر الصيداوي، وعبد الله وعبد الرحمان ابنا شدّاد الأرحبي، (بدلاً من عبد الرحمان بن عبد الله الأرحبي )، وعمارة بن عبد الله السلولي، كما قال الشيخ المفيد (ره): إنّ الإمامعليه‌السلام دعا مسلماًعليه‌السلام فسرّحه إلى الكوفة مع هؤلاء أيضاً(٤) .

وهو خلاف ما ورد في سائر التواريخ، وخلاف الوارد في زيارتي الناحية والرجبية.

____________________

(١) إبصار العين: ١٣٢.

(٢) الإقبال ٣: ٧٩.

(٣) البحار ٩٨: ٣٤٠.

(٤) راجع: الإرشاد: ٢٠٣.


* الحجّاج بن مسروق الجُعفي رضي‌الله‌عنه : وهوالحجّاج بن مسروق بن جعف بن سعد العشيرة المذحجي الجعفي، وكان الحجّاج من الشيعة، صحب أمير المؤمنينعليه‌السلام في الكوفة، ولما خرج الحسينعليه‌السلام إلى مكّة خرج من الكوفة إلى مكّة لملاقاته، فصحبه وكان مؤذّناً له في أوقات الصلوات، وهو الذي أرسله الإمامعليه‌السلام مع يزيد بن مغفل الجعفي في منطقة قصر بني مقاتل إلى عبيد الله بن الحرّ الجعفي يدعوانه إليهعليه‌السلام .

وقال ابن شهر آشوب وغيره: لما كان اليوم العاشر من المحرّم ووقع القتال، تقدّم الحجّاج بن مسروق الجعفي إلى الحسينعليه‌السلام واستأذنه في القتال، فأذن له، ثمّ عاد إليه وهو مُخضّب بدمائه، فأنشده:

فدتك نفسي هادياً مهديّا

اليوم ألقى جدّك النبيّا

ثمّ أباك ذا الندى عليّا

ذاك الذي نعرفه الوصيّا

فقال له الحسينعليه‌السلام :( نعم، وأنا ألقاهما على أثرك ) .

فرجع يُقاتل حتّى قُتل رضي اللّه عنه(١) .

* يزيد بن مغفل الجعفي رضي‌الله‌عنه : وهو يزيد بن مغفل بن جعف بن سعد العشيرة المذحجي الجعفي، فهو ابن عمّ الحجّاج بن مسروقرضي‌الله‌عنه ، ولقد كان يزيد بن مغفل أحد الشجعان من الشيعة، ومن الشعراء المجيدين، وكان من أصحاب عليّعليه‌السلام ، حارب معه في صِفِّين، وبعثه إلى حرب الخريت من الخوارج، فكان على ميمنة معقل بن قيس عندما قتل الخريت.

وروى عبد القادر البغدادي صاحب كتاب خزانة الأدب:(٢) أنّه كان مع

____________________

(١) راجع: إبصار العين: ١٥١ - ١٥٣.

(٢) راجع: خزانة الأدب ٢: ١٥٨.


الحسين عليه‌السلام في مجيئه من مكّة، وأرسله مع الحجّاج الجعفي إلى عبيد الله بن الحرّ الجعفي عند قصر بني مقاتل.

وقال المرزباني في مُعجم الشعراء: كان من التابعين، وأبوه من الصحابة(١) .

لكنّ المامقاني ذكر: « أنّه أدرك النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وشهد القادسية في عهد عمر، وكان من أصحاب أمير المؤمنين يوم صِفِّين، ثمّ بعثه في وقعة الخوارج تحت إمارة معقل بن قيس »(٢) .

وذكر أهل المقاتل والسير: أنّه لما التحم القتال في اليوم العاشر، استأذن يزيد بن مغفل الحسينعليه‌السلام في البراز فأذن له، فتقدّم، وهو يقول:

أنـا يـزيد وأنـا ابـن مغفلِ

وفي يميني نصل سيف منجل

أعلو به الهامات وسط القسطل

عـن الحسين الماجد المفضّل

ثمّ قاتل حتى قُتل(٣) .

إذن؛ فمجموع الأبرار من هذه الأمّة من أهل الكوفة، الذين التحقوا بالإمامعليه‌السلام في مكّة - على ضوء هذه المتابعة - سبعة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.

وقد ذكر الشيخ باقر شريف القرشي: أنّ الصحابي الجليل أنس بن الحارث الكاهليرضي‌الله‌عنه - وهو من سكنة الكوفة - قد لازم الحسينعليه‌السلام وصحبه من مكّة(٤) .

ولعلّ الشيخ القرشي، عثر على وثيقة تاريخية تقول بذلك، أو لعلَّ هذا من سهو قلمه الشريف؛ لأنّ الذي عليه أهل السير، أنّ أنس بن الحارث الكاهلي قد التحق

____________________

(١) راجع: إبصار العين: ١٥٣.

(٢) تنقيح المقال ٣: ٣٢٨.

(٣) راجع: إبصار العين: ١٥٣ - ١٥٤.

(٤) راجع: حياة الإمام الحسين بن عليعليهما‌السلام ٣: ٢٣٤.


بالإمام عليه‌السلام بعد خروجه من مكّة «في العراق»(١) ، أو عند نزوله كربلاء(٢) .

٤) - الملتحقون به عليه‌السلام في مكّة من أهل البصرة:

ومن أهل البصرة كوكبة تتألّف من تسعة من أبرار هذه الأمّة، كانوا قد التحقوا بالإمام الحسينعليه‌السلام في مكّة المكرّمة، وهم:

* الحجّاج بن بدر التميمي السعدي رضي‌الله‌عنه : وهو من أهل البصرة، من بني سعد بن تميم، وكان قد حمل رسالة جوابية من يزيد بن مسعود النهشلي (ره)(٣) إلى الإمام الحسينعليه‌السلام في مكّة، فلمّا وصل إلى الإمامعليه‌السلام بقي معه حتّى قُتل بين يديه في كربلاء(٤) .

قال صاحب الحدائق:(٥) قُتل مُبارزة بعد الظهر. وقال غيره: قُتل في الحملة الأُولى قبل الظهر(٦) .

* قعنب بن عمر النمري رضي‌الله‌عنه : « كان قعنب رجلاً بصريّاً، من الشيعة الذين بالبصرة، جاء مع الحجّاج السعدي إلى الحسينعليه‌السلام ، وانضمّ إليه، وقاتل في الطف

____________________

(١) راجع: إبصار العين: ٩٩.

(٢) راجع: أُسد الغابة ١: ١٢٣.

(٣) ولم يكن قد حمل رسالة إلى الإمام عليه‌السلام من مسعود بن عمرو، كما قال بذلك المحقّق السماوي (ره) في أوّل ترجمته للحجّاج (إبصار العين: ٢١٢)، وقد حقّقنا ذلك في حاشية الصفحة: ٣٦٣ - ٣٦٤، فراجع.

(٤) راجع: إبصار العين: ٢١٣ - ٢١٤.

(٥) الحدائق الورديّة: ١٢٢.

(٦) إبصار العين: ٢١٤.


بين يديه حتّى قُتل. ذكره صاحب الحدائق(١) . وله في القائميات ذكر وسلام(٢) »(٣) .

* يزيد بن ثبيط العبدي وابناه عبد الله وعبيد الله رضي‌الله‌عنه : كان يزيد من الشيعة، ومن أصحاب أبي الأسْود الدؤلي، وكان شريفاً في قومه، وكان ممّن حضر المؤتمر السرّي الشيعي، في بيت المرأة المؤمنة مارية بنت منقذ العبدية، التي كانت دارها مألفاً ومُنتدى للشيعة في البصرة، يتحدّثون فيه ويتداولون أخبار حركة الأحداث آنذاك، وقد كان ابن زياد قد بلغه عزم الإمام الحسينعليه‌السلام على التوجّه إلى العراق، ومكاتبة أهل الكوفة له، فأمر عمّاله أن يضعوا المراصد ويأخذوا الطريق.

وقد عزم يزيد بن ثبيطرضي‌الله‌عنه على الخروج إلى الإمامعليه‌السلام ، وكان له بنون عشرة، فدعاهم إلى الخروج معه.

وقال: أيّكم يخرج معي مُتقدّماً؟

فانتدب له اثنان هما: عبد اللّه، وعبيد اللّه.

فقال لأصحابه في بيت مارية: إنّي قد أزمعت على الخروج، وأنا خارج، فمَن يخرج معي؟

فقالوا له: إنّا نخاف أصحاب ابن زياد!

____________________

(١) الحدائق الورديّة: ١٢٢.

(٢) ورد السلام عليه في زيارة الناحية المقدّسة:( السلام على قعنب بن عمر التمري ) (الإقبال ٣: ٧٨).

(٣) إبصار العين: ٢١٥ - ٢١٦.


فقال: إنِّي واللّه، أن لو قد استوت أخفافها بالجُدد(١) لهان عليَّ طلب مَن طلبني.

ثمّ خرج وابناه، وصحبه عامر ومولاه، وسيف بن مالك، والأدهم بن أميّة، وقوي في الطريق حتى انتهى إلى الحسينعليه‌السلام وهو بالأبطح من مكّة، فاستراح في رحله، ثمّ خرج إلى الإمام الحسينعليه‌السلام إلى منزله.

وبلغ الإمامعليه‌السلام مجيئه، فجعل يطلبه حتى جاء إلى رحله، فقيل له: قد خرج إلى منزلك. فجلس في رحله ينتظره!

وأقبل يزيد لما لم يجد الإمام الحسينعليه‌السلام في منزله، وسمع أنّه ذهب إليه راجعاً على أثره، فلمّا رأى الإمام الحسينعليه‌السلام في رحله قال:( قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ) ، السلام عليك يا بن رسول اللّه.

ثمّ سلّم عليه، وجلس إليه وأخبره بالذي جاء له، فدعا له الإمام الحسينعليه‌السلام بخير، ثمّ ضمّ رحلِه إلى رحله، وما زال معه حتّى قُتل بين يديه في الطفّ مُبارزة، وقُتل ابناه في الحملة الأُولى.

وفي رثائه ورثاء ولَدَيه، يقول ولده عامر بن يزيد:

يـا فَـرْو قومي فاندبي

خـير البريّة في القبور

وابـكـي الشهيد بعَبرة

من فيض دمع ذي درور

واِرثِ الحسين مع التفجّع، والـتـأوّه، والـزفير

قـتلوا الحرام من الأئمّة فـي الحرام من الشهور

____________________

(١) الجدد: صلب الأرض، وفي المثل: من سلك الجدد أَمِنَ العثار.


وابـكي يـزيدَ مُـجدَّلاً

وابـنَيْه في حرّ الهجير

مُـتـزمّلين دمـاؤهم

تجري على لُبَب النحورِ

يـا لهف نفسي لم تَفُزْ

معهم بجنّات وحور(١)

* الأدهم بن أميّة العبدي رضي‌الله‌عنه : كان الأدهم من الشيعة البصريّين، الذين يجتمعون في بيت مارية بنت منقذ العبدية (ره)، وكان قد عزم على الخروج إلى الإمام الحسينعليه‌السلام في مكّة مع يزيد بن ثبيطرضي‌الله‌عنه ، فصحبه، وانضمّ إلى الركب الحسيني في مكّة، ثمّ استُشهد بين يدي الإمامعليه‌السلام يوم عاشوراء. وقيل: قُتل في الحملة الأُولى مع مَن قُتل من أصحاب الحسينعليه‌السلام (٢) .

وذهب النمازيّ إلى أنّ الأدهم بن أميّةرضي‌الله‌عنه كان صحابياً(٣) .

* سيف بن مالك العبدي رضي‌الله‌عنه : كان سيف من الشيعة البصريّين، الذين كانوا يجتمعون في دار مارية بنت منقذ العبدية (ره)، فخرج مع يزيد بن ثبيطرضي‌الله‌عنه فيمَن خرج معه إلى الإمام الحسينعليه‌السلام في مكّة، وانضمّ إليه وما زال معه حتى قُتل بين يديه في كربلاء مُبارزة بعد صلاة الظهر(٤) .

* عامر بن مسلم العبديّ ومولاه سالم رضي‌الله‌عنه : كان عامر من الشيعة في البصرة، فخرج هو ومولاه سالم مع يزيد بن ثبيطرضي‌الله‌عنه فيمَن خرج معه إلى الإمام الحسينعليه‌السلام في مكّة المكرّمة، وانضمّا إلى الركب الحسيني في جملة كوكبة الأبرار، الذين أتوا مع يزيد بن ثبيطرضي‌الله‌عنه ، ولم يُفارقا الإمامعليه‌السلام حتى استُشهدا

____________________

(١) راجع: إبصار العين: ١٨٩ - ١٩٠.

(٢) راجع: إبصار العين: ١٩٢.

(٣) راجع: مُستدركات علم الرجال: ١: ٥٣٣.

(٤) راجع: إبصار العين: ١٩٢.


بين يديه في كربلاء يوم عاشوراء. وقيل: قُتلا في الحملة الأُولى(١) .

* * *

هذا، والحمد لله على توفيقه لإنجاز هذه السطور المتواضعة من كتاب (الأيّام المكّيّة من عُمر النهضة الحسينيّة)، وأنا العبد الخاطئ، الراجي ربّه، نجم الدين بن العلاّمة الفقيه الشيخ محمد رضا الطبسي النجفي، عفا الله عنه وعن والديه بحُرمة السادة أصحاب الكساء.

تم بحمد الله

____________________

(١) نفس المصدر: ١٩١.



فهرس

المصادر التي أخذنا عنها مباشرة

١ - القرآن الكريم.

٢ - إبصار العين: للشيخ محمد بن طاهر السماوي توفي في سنة ١٣٧٠ هـ، نشر مركز الدراسات الإسلامية لحرس الثورة.

٣ - إثبات الهداة: محمد بن الحسن الحر العاملي ت ١١٠٤ هـ، المطبعة العلمية، قم المقدسة.

٤ - إثبات الوصيّة: علي بن الحسين المسعودي، المؤرخ، توفّي في سنة ٣٤٦ هـ، نشر الرضي، قم المقدسة.

٥ - أجوبة مسائل جار الله: للسيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي، توفّي في سنة ١٣٧٧ هـ، مطبعة العرفان، صيدا.

٦ - أحسن التقاسيم: محمد بن أحمد البنّاء البشّاري المقدسي، توفي في سنة ٣٨٠ هـ دار إحياء التراث العربي، بيروت.

٧ - إحقاق الحق: للقاضي نور الله الحسيني، الشهيد ت ١٠١٩ هـ، نشر مكتبة النجفي، قم المقدسة.

٨ - اختيار معرفة الرجال: «المعروف برجال الكشّي» أبو عمرو الكشّي توفّي في سنة ٣٨٥ هـ، نشر جامعة مشهد المقدّس.

٩ - أسرار الشهادة: للآخوند ملا آقا الشهير بالدربندي، توفّي في سنة ١٢٨٦ هـ منشورات الأعلمي، طهران.


١٠ - إعلام الورى: أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي، توفي في ّسنة ٥٤٨ هـ دار المعرفة، بيروت.

١١ - أعيان الشيعة: للسيد محسن الأمين العاملي توفي فّي سنة ١٣٧٠ هـ، دار التعارف، بيروت.

١٢ - أمل الآمل: محمد بن الحسن الحر العاملي، توفي فيّ سنة ١١٠٤ هـ، دار الكتاب الإسلامي - قم المقدّسة.

١٣ - أنساب الأشراف: لأحمد بن يحيى البلاذري توفّي في سنة ٢٧٩ هـ دار الفكر، بيروت.

١٤ - أنساب القرشيين: لموفق الدين المقدسي توفي في سنة ٦٢٠ هـ عالم الكتب، مكتبة النهضة العربية، بيروت.

١٥ - الاحتجاج: لأحمد بن أبي طالب الطبرسي - من علماء القرن السادس - مكتبة المصطفوي، قم المقدسة.

١٦ - الأخبار الطوال: لأحمد بن داود الدينوري توفّي في سنة ٢٨٢ هـ الطبعة الأولى، القاهرة.

١٧ - الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد: لمحمد بن محمد بن النعمان - الملقب بالمفيد - توفّي في سنة ٤١٣ هـ مكتبة البصيرتي - قم المقدسة.

١٨ - الاستبصار: لمحمد بن الحسن الطوسي - شيخ الطائفة - توفي في سنة ٤٦٠ هـ المكتبة المرتضوية، طهران.

١٩ - الاستيعاب في معرفة الأصحاب: لأبي عمرو القرطبي توفّي في سنة ٤٦٣ هـ دار الكتب العلمية، بيروت.


٢٠ - أُسد الغابة في معرفة الصحابة: لابن الأثير الشيباني، توفّي في سنه ٦٣٠ هـ، المكتبة الإسلامية، طهران.

٢١ - الإصابة: لابن حجر العسقلاني توفّي في سنة ٨٥٢ هـ دار الكتاب بيروت.

٢٢ - الأغاني: لأبي الفرج الأصفهاني ٥٧٦ هـ دار الفكر، بيروت.

٢٣ - الإقبال بالأعمال الحسنة: للسيد رضي الدين ابن طاووس، ٦٤٠ هـ، مكتب الإعلام الإسلامي قم المقدسة.

٢٤ - الأمالي: لمحمد بن علي بن الحسين المعروف بالصدوق، توفي في سنة ٣٨١ هـ دار الأعلمي، بيروت.

٢٥ - الأمالي: لمحمد بن الحسن الطوسي، توفي في سنة ٤٦٠ هـ مؤسسة البعثة قم المقدسة.

٢٦ - الأمالي: لمحمد بن محمد بن النعمان، توفي في سنة ٤١٣ هـ نشر جماعة المدرّسين، قم المقدسة.

٢٧ - الإمامة والسياسة: لابن قتيبة الدينوري، توفي في سنة ٢٧٦ هـ نشر الشريف الرضي، قم المقدسة.

٢٨ - الأنساب: لعبد الكريم السمعاني، توفي في سنة ٥٦٢ هـ، دار الفكر بيروت.

٢٩ - بحار الأنوار: للمولى محمد باقر المجلسي، توفي في سنة ١١١١ هـ، مؤسسة الوفاء، بيروت.

٣٠ - البداية والنهاية: لابن كثير الدمشقي، ٧٧٤ هـ، دار الفكر، بيروت.

٣١ - بشارة المصطفى: أبو جعفر محمد بن أبي القاسم الطبري - من علماء القرن السادس - نشر جماعة المدرّسين، قم المقدسة.

٣٢ - بصائر الدرجات: سعد بن عبد الله القمّي، توفي في سنة ٢٩٠ هـ، مكتبة النجفي قم المقدسة.


٣٣ - بلاغات النساء: أحمد بن طاهر المعروف بابن طيفور، توفي في سنة ٣٨٠ هـ، مكتبة البصيرتي، قم المقدسة.

٣٤ - البلدان: أحمد بن يعقوب، الشهير باليعقوبي، توفي في سنة ٢٨٤ هـ، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

٣٥ - بهجة الآمال: ملاّ علي العلياري، توفي في سنة ١٣٢٧ هـ، المطبعة العلميّة، قم المقدسة.

٣٦ - تاريخ الإسلام: شمس الدين الذهبي توفي في سنة ٧٤٨ هـ دار الكتاب العربي، بيروت.

٣٧ - تاريخ الأمم والملوك: أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، توفي في سنة ٣١٠ هـ دار الكتب العلمية، بيروت.

٣٨ - تاريخ بغداد: للخطيب أبي بكر البغدادي، توفي في سنة ٤٦٣ هـ دار الكتب العلميّة، بيروت.

٣٩ - تاريخ خليفة ابن خياط: أبو عمر خليفة بن خياط العصفري توف،ي في سنة ٢٤٠ هـ، دار الباز مكة المكرّمة.

٤٠ - تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس: للديار بكري، توفي في سنة ٩٦٦ هـ مؤسسة شعبان، بيروت.

٤١ - تاريخ دمشق: لابن عساكر، توفي في سنة ٥٧١ هـ، دار الفكر بيروت.

٤٢ - تاريخ اليعقوبي: لابن واضح الأخباري، توفي في سنة ٢٨٤ هـ، دار صادر بيروت.

٤٣ - التبيان في تفسير القرآن: للشيخ الطوسي، توفي في سنة ٤٦٠ هـ، مكتب الإعلام الإسلامي، قم المقدسة.


٤٤ - التحرير الطاووسي: المستخرج من كتاب حل الإشكال في معرفة الرجال لابن طاووس، توفي في سنة ٦٦٤ هـ، للشيخ حسن بن زين الدين الشهيد الثاني، توفي في سنة ١٠١١ هـ، دار الذخائر، قم المقدسة.

٤٥ - تذكرة الخواص: لسبط ابن الجوزي، توفي في سنة ٦٥٤ هـ، مؤسسة أهل البيت، بيروت.

٤٦ - تذكرة الشهداء: ملا حبيب الله الشريف الكاشاني، توفي في سنة ١٣٤٠ هـ، بإشراف السيد فخر الدين إمامت.

٤٧ - تسلية المجالس: محمد بن أبي طالب الكركي - من علماء القرن العاشر - نشر مؤسسة المعارف الإسلامية، قم المقدسة.

٤٨ - تفسير الصافي: للمولى محسن «الفيض الكاشاني»، توفي في سنة ١٠٩١ هـ، مؤسسة الأعلمي بيروت.

٤٩ - تفسير القمّي: علي بن إبراهيم بن هاشم القمّي، توفي في القرن الثالث هـ، مكتبة العلامة، قم المقدسة.

٥٠ - تفسير نور الثقلين: عبد علي بن جمعة العروسي الحويزي - توفّي في سنة ١١١٢ هـ، مؤسسة إسماعيليان، قم المقدسة.

٥١ - تنزيه الأنبياء: للسيد مرتضى علم الهدى، توفي في سنة ٤٣٦ هـ، مكتبة البصيرتي - قم المقدسة.

٥٢ - تنقيح المقال: للشيخ عبد الله المامقاني، توفي في سنة ١٣١٥ هـ، المطبعة المرتضوية، النجف الأشرف.

٥٣ - تهذيب الأحكام: للشيخ الطوسي، توفي في سنة ٤٦٠ هـ، دار الكتب الإسلامية - طهران.


٥٤ - تهذيب التهذيب: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، توفي في سنة ٨٥٢ هـ، دار صادر بيروت.

٥٥ - تهذيب الكمال: لأبي الحجاج جمال الدين المزي، توفي في سنة ٧٤٢ هـ، دار الفكر، بيروت.

٥٦ - التوحيد: محمد بن علي بن الحسين الصدوق، توفي في سنة ٣٨١ هـ، نشر مكتبة الصدوق، طهران.

٥٧ - الثاقب في المناقب: عماد الدين أبو جعفر الطوسي، توفي في سنة ٥٦٦ هـ، نشر مؤسسة أنصاريان، قم المقدسة.

٥٨ - ثورة الحسين ظروفها الاجتماعية وآثارها الإنسانية: محمد مهدي شمس الدين، دار المثقّف المسلم، قم المقدسة.

٥٩ - الجامع لأحكام القرآن: أبو عبد الله القرطبي، توفي في سنة ٦٧١ هـ، دار الكاتب العربي، القاهرة، سنة الطبع ١٣٧٨ هـ.

٦٠ - الجامع الصحيح: محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، توفي في سنة ٢٩٧ هـ، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

٦١ - الجمل والنصرة لسيد العترة: محمد بن محمد بن النعمان - المفيد - توفي في سنة ٤١٣ هـ، من موسوعة مصنفات الشيخ المفيد.

٦٢ - جمهرة أنساب العرب: لابن السائب الكلبي، توفي في سنة ٢٠٤ هـ، تحقيق محمود العظم.

٦٣ - جواهر الكلام: محمد الحسن النجفي، توفي في سنة ١٢٦٦ دار الكتب الإسلامية، طهران.

٦٤ - الحدائق الناضرة: للشيخ يوسف البحراني، توفي في سنة ١١٠٧ هـ، نشر جماعة المدرّسين، قم المقدسة.


٦٥ - الحدائق الورديّة: لأبي الحسن حميد بن أحمد المحلي، توفي في سنة ٦٥٢ هـ، جامع النهرين، صنعاء.

٦٦ - حكاية المختار في أخذ الثار: برواية أبي مخنف - المطبوع مع اللهوف في قتلى الطفوف - المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف.

٦٧ - حلية الأبرار: للسيد هاشم البحراني، توفي في سنة ١١٠٧، مؤسسة المعارف الإسلامية، قم المقدسة.

٦٨ - حلية الأولياء: لأبي نعيم الأصبهاني، توفي في سنة ٤٣٠ هـ، دار الفكر بيروت.

٦٩ - حياة الإمام الحسينعليه‌السلام : للشيخ باقر شريف القرشي، نشر مدرسة الأيرواني، قم المقدسة.

٧٠ - حياة الحيوان: محمد بن موسى الدميري الشافعي «أبو البقاء كمال الدين»، توفي في سنة ٨٠٨ هـ، دار الاعتصام، بيروت.

٧١ - خزانه الأدب: لعبد القادر بن عمر البغدادي، طبع مصر عام ١٢٩٩ هـ.

٧٢ - الخصال: للشيخ الصدوق، توفي في سنة ٣٨١ هـ، محمد بن علي بن الحسين بن بابويه، نشر جماعة المدرّسين، قم المقدسة.

٧٣ - الخصائص الحسينيّة: للشيخ جعفر التستري، توفي في سنة ١٣٠٣ هـ، دار السرور - بيروت.

٧٤ - خلاصة الرسائل العشر: السيد علي الميلاني.

٧٥ - خلاصة المواجهة مع الرسول وآله: المحامي أحمد يعقوب حسين، نشر مؤسسة المعارف الإسلامية قم المقدسة.

٧٦ - الخرائج والجرائح: قطب الدين الراوندي، توفي في سنة ٥٧٣ هـ، مؤسسة الإمام المهديعليه‌السلام ، قم المقدسة.


٧٧ - چشم اندازي از حكومت حضرت مهدي: نجم الدين الطبسي، منظمة الإعلام الإسلامي، طهران.

٧٨ - الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة: للسيد علي خان الشيرازي، توفي في سنة ١١٣٠ هـ، مؤسسة الوفاء - بيروت.

٧٩ - الدروس الشرعية: شمس الدين العاملي «الشهيد الأول»، توفي في سنة ٧٨٦ هـ، نشر جماعة المدرّسين، قم المقدسة.

٨٠ - دلائل الإمامة: لأبي جعفر محمد بن جرير بن رستم، توفي في سنة القرن الرابع هـ، منشورات الشريف الرضي، قم المقدسة.

٨١ - ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى: لمحب الدين الطبري، توفي في سنة ٦٩٤ هـ، دار المعرفة بيروت.

٨٢ - ذخيرة الدارين فيما يتعلق بالحسين وأصحاب الحسينعليه‌السلام : للسيد عبدالحميد الحسيني الشيرازي الحائري كان حياً ١٣٤٥هـ.

٨٣ - ذخيرة الصالحين في شرح تبصرة المتعلمين: - مخطوط - للشيخ الطبسي - السيد الوالد، توفي في سنة ١٤٠٥هـ.

٨٤ - الذريعة إلى تصانيف الشيعة: للشيخ آقا بزرگ الطهراني، توفي في سنة ١٣٨٩ هـ، نشر المكتبة الإسلامية، طهران.

٨٥ - ربيع الأبرار: لأبي القاسم الزمخشري، توفي في سنة ٥٣٨هـ، نشر الشريف الرضي، قم المقدسة.

٨٦ - رجال المجلسي: لشيخ الإسلام محمد باقر المجلسي، توفي في سنة ١١١١هـ، مؤسسة الأعلمي، بيروت.

٨٧ - روضه المتقين: لمحمد تقي بن مقصود الأصفهاني المجلسي، توفي في سنة ١٠٧هـ، نشر مؤسسة كوشانپور، طهران.


٨٨ - روضة الواعظين: محمد بن الفتّال النيسابوري الشهيد، توفي في سنة ٥٠٨ هـ، نشر الشريف الرضي، قم المقدّسة.

٨٩ - رياحين الشريعة في ترجمة عالمات نساء الشيعة: للشيخ ذبيح الله المحلاتي، توفي في سنة ١٤٠٣هـ، دار الكتب الإسلامية، طهران.

٩٠ - الرياض النضرة: لمحب الدين الطبري توفي في سنة ٦٩٤ هـ، نشر دار الكتب العلميّة، بيروت.

٩١ - زينب الكبرى: للشيخ جعفر النقدي، كان حياً ١٣٥١هـ.

٩٢ - كتاب سليم بن قيس: لسليم بن قيس، توفي في سنة ٧٠هـ، دار الفنون، بيروت.

٩٣ - سير أعلام النبلاء: لشمس الدين الذهبي توفي في سنة ٧٤٨ هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت.

٩٤ - السيرة النبوية: لابن هشام، توفي في سنة ٢١٣هـ، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

٩٥ - سفينة البحار: للشيخ عباس القمّي، توفي في سنة ١٣٥٩ هـ، نشر جماعة المدرّسين، قم المقدسة.

٩٦ - شرح الأخبار: لنعمان بن محمد التميمي، توفي في سنة ٣٦٣ هـ، نشر جماعة المدرّسين، قم المقدسة.

٩٧ - شرح نهج البلاغة: لابن أبي الحديد المعتزلي، توفي في سنة ٦٥٦هـ، دار الكتب العلميّة، قم المقدسة.

٩٨ - شهيد آگاه: للشيخ لطف الله الصافي الكلبايكاني، مكتبة الصدر، طهران.

٩٩ - صحيح البخاري: لمحمد بن إسماعيل البخاري، توفي في سنة ٢٥٦هـ، دار المعرفة بيروت.


١٠٠ - صحيح مسلم: لمسلم بن الحجاج القشيري، توفي في سنة ٢٦١ هـ، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

١٠١ - الطبقات الكبرى: محمد بن سعد البصري، توفي في سنة ٢٣٠هـ، دار صادر، بيروت.

١٠٢ - عبدالله بن عباس: للسيد علي الفاني، توفي في سنة ١٤٠٩هـ، المطبعة قم المقدسة.

١٠٣ - عبدالله بن عمر بين السياسية والدين: محمد عصمت بكر، الدار الإسلامية، بيروت.

١٠٤ - العدد القوية لدفع المخاوف اليوميّة: لعلي بن يوسف بن المطهّر الحلّي - من أعلام القرن الثامن - نشر مكتبة النجفي، قم المقدسة.

١٠٥ - العقد الفريد: لابن عبد ربه الأندلسي، توفي في سنة ٣٢٧ هـ، دار الكتاب العربي، بيروت.

١٠٦ - علل الشرائع: لمحمد بن علي بن الحسين، الصدوق، توفي في سنة ٣٨١هـ، المكتبة الحيدرية، النجف الأشرف.

١٠٧ - عمدة الطالب في نسب آل أبي طالب: للسيد الداودي، توفي في سنة ٨٢٨ هـ، نشر بمبي - الهند.

١٠٨ - العوالم: للشيخ عبدالله البحراني الأصبهاني، نشر مدرسة الإمام المهدي، قم المقدسة.

١٠٩ - عيون أخبار الرضاعليه‌السلام : لمحمد بن علي بن بابويه القمّي في سنة ٣٨١هـ، نشر مكتبة طوس، قم المقدسة.

١١٠ - الغدير: لعبد الحسين الأميني، توفي سنة ١٣٩٠هـ، دار الكتاب العربي بيروت.


١١١ - فتح الباري بشرح صحيح البخاري: لابن حجرالعسقلاني، توفي في سنة ٨٥٢هـ، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

١١٢ - الفتنة الكبرى: طه حسين المصري، دار المعارف بمصر.

١١٣ - الفتوح: لأحمد بن أعثم الكوفي، توفي في سنة ٣١٤هـ، دار الكتب العلميّة بيروت.

١١٤ - الفرج بعد الشدّة: للمحسّن بن علي التنوخي، توفي في سنة ٣٨٤هـ، دار صادر، بيروت.

١١٥ - الفصول المهمة: لابن الصباغ المالكي، توفي في سنة ٨٥٥هـ، نشر الأعلمي، طهران.

١١٦ - الفهرست: لابن نديم محمد بن إسحاق بن محمد، توفي في سنة ٣٨٠هـ، نشر دار المعرفة، بيروت.

١١٧ - الفهرست: للشيخ الطوسي، توفي في سنة ٤٦٠هـ، للشوكاني، توفي في سنة ١٢٥٠هـ، دار الكتب العلميّة، بيروت.

١١٨ - الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة: للشوكاني، توفي في سنة ١٢٥٠هـ، دار الكتب العلميّة، بيروت.

١١٩ - الغارات: أبو إسحاق، إبراهيم بن محمد الثقفي، توفي في سنة ٢٨٣ هـ، دار الأضواء بيروت.

١٢٠ - قاموس الرجال: لمحمد تقي التستري، توفي في سنة ١٤١٥هـ، نشر جماعة المدرّسين، قم المقدسة.

١٢١ - القواعد والفوائد: لمحمد بن مكي العاملي - الشهيد الأول - توفي في سنة ٧٨٦هـ، مكتبة المفيد، قم المقدسة.

١٢٢ - الكافي: محمد بن يعقوب الرازي الكليني، توفي في سنة ٣٢٨ هـ، المطبعة الإسلامية، طهران.


١٢٣ - كامل بهائي: لعماد الدين الطبري - القرن السابع - المكتبة المرتضوية طهران.

١٢٤ - الكامل في التاريخ: لعز الدين المعروف بابن الأثير، توفي في سنة ٦٣٠هـ، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

١٢٥ - كامل الزيارات: لأبي القاسم ابن قولويه القمّي، توفي في سنة ٣٦٨هـ، مكتبة الوجداني، قم المقدسة.

١٢٦ - كشف الغمّة في معرفة الأئمةعليهم‌السلام : لأبي الحسن الأربلي، توفي في سنة ٦٠٢هـ، دار الكتاب الإسلامي، بيروت.

١٢٧ - كشف اليقين في فضائل أمير المؤمنينعليه‌السلام : للعلاّمة الحلّي، توفي في سنة ٧٢٦هـ.

١٢٨ - كفاية الأثر للخزاز القمّي: من علماء القرن الرابع - نشر بيدار - قم المقدّسة.

١٢٩ - الكنى والألقاب: للشيخ عباس القمّي، توفي في سنة ١٣٥٩ مكتبة الصدر، طهران.

١٣٠ - الكُنى والأسماء: لأبي بشر الدولابي، توفي في سنة ٣١٠هـ، دار الكتب العمليّة، بيروت.

١٣١ - كمال الدين وتمام النعمة: للشيخ الصدوق، توفي في سنة ٣٨١هـ، نشر مكتبة الصدر، طهران.

١٣٢ - لسان العرب: لابن منظور الأفريقي، توفي في سنة ٧١١هـ، أدب الحوزة، قم.

١٣٣ - لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف: لزين الدين الحنبلي، توفي في سنة ٧٩٥هـ، دار ابن كثير - دمشق.

١٣٤ - اللهوف على قتلى الطفوف: لرضي الدين بن طاووس، توفي في سنة ٦٦٤هـ، دار الأسوة، قم المقدسة.

١٣٥ - لواعج الأشجان: للسيد محسن الأمين العاملي، توفي في سنة ١٣٧٠هـ، مكتبة البصيرتي، قم المقدسة.


١٣٦ - مثير الأحزان: لابن نما الحلي، توفي في سنة ٦٥٤هـ، مدرسة الإمام المهدي، قم المقدّسة.

١٣٧ - المجدي: لنجم الدين العلوي - من أعلام القرن الخامس - مكتبة النجفي، قم المقدسة.

١٣٨ - مجمع البيان «تفسير»: للطبرسي، أبو علي الفضل بن الحسن، توفي في سنة ٥٤٨ هـ، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

١٣٩ - مجمع الأمثال: لأبي الفضل النيسابوري الميداني، توفي في سنة ٥١٨ هـ، دار الجبل، بيروت.

١٤٠ - مجمع البحرين: لفخر الدين الطريحي، توفي في سنة ١٠٨٥هـ، المكتبة المرتضوية، طهران.

١٤١ - مجمع الزوائد: لعلي بن أبي بكر الهيثمي، توفي في سنة ٨٠٧هـ، دار الكتاب العربي، بيروت.

١٤٢ - المحاسن والمساوئ: لإبراهيم بن محمد البيهقي - كان حياً ٣٢٠هـ، دار صادر، بيروت.

١٤٣ - المحبّر: للهاشمي البغدادي، طبع دائرة المعارف العثمانية حيدر آباد، عام ١٣٦١.

١٤٤ - مختصر بصائر الدرجات: عز الدين الحسن بن سليمان الحلّي، من أعلام القرن التاسع، المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف.

١٤٥ - مختصر البلدان: أبو بكر أحمد بن محمد الهمداني «ابن الفقيه»، توفي في سنة ٣٦٥هـ، إحياء التراث العربي، بيروت.

١٤٦ - مختصر تاريخ دمشق: محمد بن مكرم «ابن المنظور»، توفي في سنة ٧١١ هـ، دار الفكر - دمشق.


١٤٧ - مدينة المعاجز: للسيد هاشم البحراني، توفي في سنة ١١٠٧هـ، مؤسسة المعارف الإسلامية قم المقدّسة.

١٤٨ - مرآة الحرمين: اللواء إبراهيم رفعت باشا، كان حياً ١٣٢٥هـ، دار الكتب المصرية، قاهرة.

١٤٩ - مرآة العقول: محمد باقر المجلسي، توفي في سنة ١١١١هـ، دار الكتب الإسلامية، طهران.

١٥٠ - مروج الذهب: للمسعودي، علي بن الحسين، توفي في سنة ٣٤٦ دار الكتب العلميّة، بيروت.

١٥١ - المسائل المهنائية: للعلاّمة الحلّي، توفي في سنة ٧٢٦هـ ن مطبعة الخيام. قم المقدّسة.

١٥٢ - مسالك الأفهام: لزين الدين الجبعي «الشهيد الثاني»، توفي في سنة ٩٦٥هـ، مؤسسة المعارف الإسلامية قم المقدّسة.

١٥٣ - المستدرك على الصحيحين: الحاكم النيشابوري، توفي في سنة ٤٠٥ هـ، دار الفكر، بيروت.

١٥٤ - مستدرك الوسائل: للميرزا محمد حسين النوري، توفي في سنة ١٣٢٠هـ، مؤسسة آل البيت، قم.

١٥٥ - مستدركات علم الرجال: الشيخ على النمازي الشاهرودي، توفي في سنة ١٤٠٥ هـ، المطبعة الحيدرية طهران.

١٥٦ - مستمسك العروة الوثقى: للإمام الحكيم، توفي في سنة ١٣٩٠ هـ، مكتبة النجفي، قم المقدسة.

١٥٧ - مسلم بن عقيل: للمقرّم، توفي في سنة ١٣٩١ هـ، نشر الرضي، قم المقدّسة.

١٥٨ - مسند أحمد: لأحمد بن حنبل، توفي ٢٤١هـ، دار الفكر بيروت.


١٥٩ - المعارف: عبدالله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، توفي في سنة ٢٧٦ هـ، نشر الشريف الرضي.

١٦٠ - معالي السبطين: الشيخ محمد مهدي المازندراني، تبريز، بازار صفا.

١٦١ - معجم أحاديث الإمام المهديعليه‌السلام : لنجم الدين الطبسي، بالاشتراك - نشر مؤسسة المعارف الإسلامية، قم المقدسة.

١٦٢ - معجم البلدان: أبو عبدالله ياقوت الحموي، توفي في سنة ٦٢٦هـ، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

١٦٣ - معتمد العروة الوثقى: تقرير أبحاث الإمام الخوئي بقلم السيد رضا الخلخالي، المطبعة العلميّة قم.

١٦٤ - معجم رجال الحديث: السيد أبو القاسم الخوئي، دار الزهراء، بيروت.

١٦٥ - معجم الشعر والشعراء: لأبي عبدالله المرزباني، توفي في سنة ٣٨٤هـ، مكتبة القدسي، القاهرة.

١٦٦ - معجم المؤلفين: عمر رضا كحالة، نشر دار إحياء التراث العربي.

١٦٧ - معجم ما استعجم: لعبدالله البكري الأندلسي ٤٨٢هـ، عالم الكتب بيروت.

١٦٨ - المغازي: للواقدي، محمد بن عمر بن الواقدي، توفي في سنة ٢٠٧هـ، نشر عالم الكتب، بيروت.

١٦٩ - المغني في الضعفاء: لأبي عبدالله الذهبي، توفي في سنة ٧٤٨هـ، دار المعارف، حلب.

١٧٠ - مفتاح الكرامة: محمد جواد العاملي، توفي في سنة ١٢٦٦ هـ، مؤسسة آل البيت، قم المقدسة.

١٧١ - مقاتل الطالبيين: لأبي الفرج الأصفهاني، توفي في سنة ٣٦٥ هـ، نشر الرضي، قم المقدسة.


١٧٢ - مقتل الحسين: لأبي المؤيد الخوارزمي، توفي في سنة ٥٦٨ هـ، نشر أنوار الهدى، قم المقدسة.

١٧٣ - مقتل الحسين: للطبسي، توفي في سنة ١٤٠٥ هـ، مخطوط.

١٧٤ - مقتل الحسين: للمقرّم، عبدالرزاق الموسوي، توفي في سنة ١٣٩١ هـ، نشر الشريف، قم.

١٧٥ - مكاتيب الأئمة: محمد بن المحسن الكاشاني، ١٣٧٨ هـ، نشر مكتبة الوزيري، يزد.

١٧٦ - ملاذ الأخيار: للعلامة المجلسي، ت ١١١١ هـ، مكتبة المرعشي، قم المقدسة.

١٧٧ - الملحمة الحسينية: للشهيد المطهري، المركز العالمي للدراسات الإسلامية.

١٧٨ - مناقب آل أبي طالب: أبو جعفر محمد بن علي بن شهر آشوب، توفي في سنة ٥٨٨ هـ، نشر العلاّمة، قم.

١٧٩ - المنتخب: للشيخ فخر الدين الطريحي، توفي في سنة ١٠٨٥هـ، دار الكتب العلميّة، بيروت.

١٨٠ - المنتظم: لأبي الفرج ابن الجوزي، توفي في سنة ٥٩٧هـ، دار الكتب العلمية، بيروت.

١٨١ - منتهى المقال: لأبي علي الحائري المازندراني، توفي في سنة ١٢١٦هـ، مؤسسة آل البيت، قم المقدسة.

١٨٢ - من لا يحضره الفقيه: محمد بن علي بن الحسين «الصدوق»، توفي في سنة ٣٨١هـ، دار الكتب الإسلامية، طهران.

١٨٣ - من مجالس عاشوراء: للأحسائي النجفي، نشر الرضي، قم.

١٨٤ - منهاج الدموع: للشيخ علي قرني.

١٨٥ - مهذب الأحكام: للسيد عبد الأعلى السبزواري، توفي في سنة ١٤١٤هـ، مؤسسة المنار، قم.


١٨٦ - المهذب البارع: لابن فهد الحلّي، توفي في سنة ٨٤١هـ، نشر جماعة المدرّسين، قم المقدسة.

١٨٧ - المهذب: لابن البرّاج الطرابلسي، توفي في سنة ٤٨١ هـ، جماعة المدرّسين، قم المقدّسة.

١٨٨ - موارد السجن: لنجم الدين الطبسي، مركز الإعلام الإسلامي، قم المقدسة.

١٨٩ - موسوعة أطراف الحديث: أبو هاجر زغلول، المكتبة التجارية، الباز.

١٩٠ - الموسوعة الفقهية الميسرة: للشيخ محمد علي الأنصاري، مجمع الفكر الإسلامي، قم المقدسة.

١٩١ - ميزان الاعتدال: شمس الدين الذهبي، توفي في سنة ٧٤٨هـ، دار المعرفة، بيروت.

١٩٢ - ناسخ التواريخ: لمحمد تقي الكاشاني «سپهر»، توفي في سنة ١٢٩٧هـ، المكتبة الإسلامية، طهران.

١٩٣ - نثر الدرر: لأبي سعد منصور بن الحسين الآبي، توفي في سنة ٤٢١هـ، الهيئة المصرية العامة الكتاب.

١٩٤ - نسب قريش: لمصعب بن عبدالله الزبيري، طبع في مصر ١٩٥٣م.

١٩٥ - نَفَس المهموم: للشيخ عباس القمّي، توفي في سنة ١٣٥٩ هـ، دار المحجّة البيضاء، بيروت.

١٩٦ - نقد الرجال: للسيد مصطفى التفرشي، من أعلام القرن الحادي عشر، مؤسسة آل البيت، قم المقدسة.

١٩٧ - نهاية الإرب في فنون الأدب: لشهاب الدين النويري، توفي في سنة ٧٣٣هـ.

١٩٨ - النهاية في غريب الحديث: المبارك بن محمد الجزري، توفي في سنة ٦٠٦ هـ، مؤسسة إسماعيليان، قم المقدسة.

١٩٩ - نهج البلاغة: جمع الشريف الرضي، صبحي صالح.


٢٠٠ - نهج الحق: للعلاّمة الحلّي، ٧٢٦هـ، مؤسسة دار الهجرة، قم المقدسة.

٢٠١ - نور الأبصار: للشبلنجي، توفي في سنة ١٢٩٠هـ، دار الفكر، بيروت.

٢٠٢ - وفيات الأعيان: لأحمد بن محمد بن خلّكان، توفي في سنة ٦٨١هـ، دار صادر بيروت.

٢٠٣ - وقايع الأيام: للشيخ عباس القمّي، توفي في سنة ١٣٥٩هـ، دار البلاغ، بيروت.

٢٠٤ - وقعة صفين: لنصر بن مزاحم، توفي في سنة ٢١٢ هـ، مكتبة النجفي قم المقدسة.

٢٠٥ - وقعة الطف: للشيخ هادي اليوسفي، نشر جماعة المدرّسين، قم المقدسة.

٢٠٦ - وسائل الشيعة: للشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي، توفي في سنة ١١٠٤هـ، مؤسسة آل البيت قم المقدسة.

٢٠٧ - ينابيع المودّة: لسليمان بن إبراهيم بن القندوزي، توفي في سنة ١٢٩٤ هـ، مطبعة أختر إسلامبول.

٢٠٨ - الوافي: للفيض الكاشاني، توفي في سنة ١٠٩١هـ، نشر مكتبة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، في أصفهان.

٢٠٩ - الوافي بالوفيات: لصلاح الدين الصفدي، توفي في سنة ٧٦٤هـ، جمعية المستشرقين الألمانيّة.


فهرس

مواضيع الجزء الثاني

مقدِّمة المؤلِّف

مقدِّمة المؤلِّف: الأيّام المكيّة من عُمر النهضة الحسينية ٧

مكّة المكرَّمة والتركيبة القبلية فيها: ١٢

وفي الختام: ٢٠

الفصل الأول

الفصل الأول: ‏حركة الإمام أبي عبد الله الحسين عليه‌السلام في مكَّة ٢٣

ورود الإمام الحسين عليه‌السلام مكّة المكرّمة: ٢٣

الاستقبال الحافل والحفاوة البالغة: ٢٣

منزل الإمام الحسين عليه‌السلام بمكّة: ٢٥

رسائل الإمام عليه‌السلام إلى الولايات الأُخرى: ٢٧

رسالته عليه‌السلام إلى البصرة: ٢٧

نصّ رسالة الإمام عليه‌السلام إلى أهل البصرة ٣٠

نماذج من أشراف البصرة الذين كتب إليهم الإمام عليه‌السلام.... ٣١

١- مالك بن مسمع: ٣٢

٢- الأحنف بن قيس: ٣٢

٣- مسعود بن عمرو بن عدي الأزدي: ٣٤

٤- قيس بن الهيثم السلمي: ٣٤

٥- المنذر بن الجارود العبدي: ٣٥

الشهيد الأوّل في الثورة الحسينيّة: ٣٧

اجتماع الإمام عليه‌السلام برُسل أهل الكوفة ومبعوثيهم: ٣٩

رسالة الإمام الحسين عليه‌السلام إلى أهل الكوفة: ٤٠

سفير الإمام الحسين عليه‌السلام إلى الكوفة: ٤٢


ماذا يعني كتمان الأمر ٤٤

مَن هو مسلم بن عقيل عليه‌السلام: ٤٦

هل طلب مسلم الاستعفاء من السفارة؟!: ٤٨

قول السيّد المقرّم (قدس سره): ٥٠

مسلم بن عقيل عليه‌السلام في الكوفة: ٥٣

رسالة الإمام عليه‌السلام إلى محمد بن الحنفية ومن قِبَله من بني هاشم: ٦٠

معنى مُحتوى الرسالة: ٦٢

رسالة أُخرى من الإمام الحسين عليه‌السلام: ٦٦

إرساله عليه‌السلام قيس بن مُسهَّر إلى الكوفة مرَّة ثانية: ٦٨

مَن هو قيس بن مُسهَّر الصيداوي؟ ٦٩

رسالة مسلم بن عقيل إلى الإمام عليه‌السلام: ٧٣

خُطَبُ الإمام عليه‌السلام في مكّة المكرّمة: ٧٥

الخُطبة الأُولى: ٧٦

مُلاحظات مُستفادة من هذه الخُطبة الشريفة: ٧٨

الخُطبة الثانية: ٨١

يوم الخروج من مكّة المكرّمة: ٨٢

لماذا أصرَّ الإمام عليه‌السلام على مُغادرة مكّة أيّام الحج؟ ٨٤

تعليقة العلاّمة المجلسي (قدّس سرّه): ٨٥

تعليل الشيخ جعفر التُّستري (قدّس سرّه): ٨٧

تمام الحق في القول... ٨٨

قول السيّد المرتضى ( قدّس سرّه ): ٩١

عُمرة التمتُّع أم عُمرة مُفردة؟ ٩٣

هل بدّل الإمام عليه‌السلام إحرامه من عمرة التمتّع إلى العمرة المفردة؟ ٩٣

كلمات بعض الفقهاء: ٩٦

هل خرج الإمام عليه‌السلام من مكّة سرّاً؟ ٩٨

لماذا حمل الإمام عليه‌السلام النساء والأطفال معه!؟ ١٠٣


الفصل الثاني

الفصل الثاني: «حركة السلطة الأُموية في الأيّام المكّيّة من عُمر النهضة الحسينية»  ١١٥

حركة السلطة الأمويّة المحلّية في الكوفة: ١١٨

تأمُّلٌ ومُلاحظات: ١٢٤

١- سكون ما قبل العاصفة في الكوفة: ١٢٤

٢- ( الغَشْم ) وسيلة خروج الأُمويين من مأزقهم الكبير! ١٢٥

٣- سرّ التراخي في موقف النعمان بن بشير: ١٢٦

حركة السلطة الأُمويّة المركزية في الشام: ١٣٠

تأمّل وملاحظات: ١٣٣

١- سرجون النصراني.. والاقتراح المتوقَّع! ١٣٣

٢- ماذا يعني عهد معاوية - أواخر أيّامه - لعبيد الله على الكوفة؟! ١٣٥

٣- يزيد يستخدم أسلحة أبيه في الإرهاب الديني!! ١٣٦

٤- مَن هو عبيد الله بن زياد!؟ ١٣٨

هل غيّرت السلطة الأُموية المركزية والي مكّة؟ ١٤٤

عزْل الوليد بن عُتبة عن ولاية المدينة: ١٤٥

رسالة يزيد إلى عبد الله بن عبّاس: ١٤٦

مُلاحظات حول هذه الرسالة: ١٤٨

رسالة يزيد إلى (القرشيّين) في المدينة: ١٥٢

التخطيط لاغتيال الإمام عليه‌السلام أو اعتقاله في مكّة: ١٥٣

حركة السلطة الأُمويّة المحليّة في البصرة: ١٥٥

حركة السلطة الأُمويّة المحلِّية الجديدة في الكوفة: ١٥٨

السفر السريع إلى الكوفة: ١٥٨

خدعة ابن زياد تنطلي حتى على النعمان بن بشير! ١٦١

الخطاب الإرهابيّ الأوّل: ١٦٢

إشارة: ١٦٣


الإجراء الإرهابي الأوّل: ١٦٤

إشارة: ١٦٥

قتْل عبد الله بن يقطر الحميري رضي‌الله‌عنه.... ١٦٦

الرواية الأُولى: ١٦٧

الرواية الثانية: ١٦٧

مَن هو عبد الله بن يقطر الحميري؟ ١٧٠

اضطهاد رجال المعارضة وحبْسهم وقتْلهم: ١٧٢

حبس ميثم التمّار: ١٧٥

ميثم التمّار رضوان الله تعالى عليه: ١٧٦

التجسُّس لمعرفة مكان قيادة الثورة: ١٨١

حبس هاني بن عروة المرادي: ١٨٢

أعوان السلطة.. والخُدعة المشتركة! ١٨٨

تسخير الأشراف لتخذيل الناس عن مسلم عليه‌السلام: ١٩٠

تفتيش دور الكوفة بحثاً عن مسلم عليه‌السلام: ١٩١

تجميد الثغور وتوجيه عساكرها إلى حرب الحسين عليه‌السلام: ١٩٢

حركة السُّلطة الأُمويّة المحلّية في مكّة المكّرمة: ١٩٣

قَلقُ الوالي من تواجد الإمام عليه‌السلام في مكّة: ١٩٣

ترجمة ابن الأشدق. ١٩٣

سفر الأشدق إلى المدينة المنوّرة وتهديده أهلها: ١٩٥

تنفيذ أمر يزيد باعتقال الإمام عليه‌السلام أو اغتياله في مكّة: ١٩٧

مُحاولة عمرو الأشدق لمنع الإمام عليه‌السلام من الخروج عن مكّة: ٢٠١

عرض الأمان وموقف الامام عليه السلام ٢٠٤


الفصل الثالث

الفصل الثالث: «حركة الأمّة في الأيّام المكيّة من عُمر النهضة الحسينية» ٢٠٩

حركّة الأمّة في الحجاز: ٢١٠

احتفاء الناس في مكّة المكرّمة بالإمام عليه‌السلام: ٢١٠

وجهاء الأُمّة.. مَشورات ونصائح: ٢١١

إشارة: ٢١٣

تحرُّك عبد الله بن عبّاس: ٢١٤

المحاورة الأُولى: ٢١٥

تأمُّل ومُلاحظات: ٢١٩

المحاورة الثانية: ٢٢١

تأمُّلٌ ومُلاحظات: ٢٢٣

معنى الاستخارة: ٢٢٧

أنواع الاستخارة: ٢٢٧

المحاورة الثالثة: ٢٢٩

المحاورة الرابعة: ٢٣٢

إشارة: ٢٣٢

ملاحِظات و تأمّلات.. ٢٣٤

لماذا تخلَّف ابن عباس رضي‌الله‌عنه عن الإمام عليه‌السلام؟! ٢٣٥

التعرف بإبن عباس. ٢٣٥

رسائل ابن عباس رضي‌الله‌عنه إلى يزيد: ٢٤٧

تحرُّك محمد بن الحنفية رضي‌الله‌عنه: ٢٥٣

التعرف بابن الحنفيّة ٢٥٣

إشارة: ٢٥٦


لماذا تخلّف محمّد بن الحنفية عن الإمام عليه‌السلام؟! ٢٥٨

رأي علمائنا حول رسالة الامام عليه السلام ٢٦٠

زيادة.. ربّما كانت أُمويّة! ٢٦٤

التعرف بالواقدي. ٢٦٥

تحرّك عبد الله بن جعفر رضي‌الله‌عنه: ٢٦٦

شخصية عبد الله بن جعفر ٢٦٦

تأمُّل ومُلاحظات: ٢٦٩

تأمُّل ومُلاحظات: ٢٧٢

لماذا لم يلتحق عبد الله بن جعفر رضي‌الله‌عنه بالإمام عليه‌السلام؟! ٢٧٦

عبد الله بن الزبير.. والنصائح المتناقضة! ٢٧٨

التعرف بعبد الله بن الزبير. ٢٧٨

التعرف بأبي سعيد عقيصا ٢٨٣

تأمُّل ومُلاحظات: ٢٨٦

عبد الله بن عمر.. والمشورة المريبة! ٢٨٩

من هو عبد الله بن عمر ٢٨٩

تأمُّل ومُلاحظات: ٢٩٦

الأوزاعي.. والنهي عن المسير إلى العراق! ٣٠٠

من هو الاوزاعي. ٣٠١

عمر بن عبد الرحمن المخزومي.. والنصيحة الصائبة! ٣٠٣

تأمّل ومُلاحظات: ٣٠٤

لقاء جابر بن عبد الله الأنصاري رضي‌الله‌عنه مع الإمام عليه‌السلام: ٣٠٦

ترجمة جابر بن عبد الله الانصاري. ٣٠٦

من هو زيد؟ ٣٠٩

لولا تقارب الأشياء وحبوط الأجْر لقاتلتهم بهؤلاء! ٣١١

تأمُّلٌ ومُلاحظات: ٣١١


ولأبي سعيد الخدري مشورة أيضاً: ٣١٥

تأمّلٌ ومُلاحظات: ٣١٥

كلام المامقاني (ره) في الفائدة السادسة والعشرين: ٣١٨

مناقشة كلام المامقاني (ره) ٣٢٠

رسالة المِسْور بن مخرمة: ٣٢٢

تأمّلٌ ومُلاحظات: ٣٢٢

رسالة عمرة بنت عبد الرحمان: ٣٢٤

إشارة: ٣٢٤

حركة الأمّة في الكوفة: ٣٢٥

التعريف بجعدة وابنائه ٣٢٦

هل وصلت من الكوفة رسائل الى المدينة ٣٢٧

ترجمة سليمان بن صرد ٣٢٩

ترجمة رفاعة بن شداد ٣٣٣

ترجمة حبيب بن مظاهر ٣٣٣

ترجمة عبد الله بن مسمع. ٣٣٤

ترجمة عبد الله بن وأل. ٣٣٤

معاوية وقانون السياسة ٣٣٦

أوّل اجتماع للشيعة في الكوفة بعد هلاك معاوية: ٣٢٨

رُسُل الكوفة إلى الإمام عليه‌السلام: ٣٣٤

إشارة: ٣٣٧

دُفعة أُخرى من الرُسُل والرسائل! ٣٣٨

ثمّ دُفعة أُخرى! ٣٣٨

رسالة أهل الكوفة برواية الاسفراييني. ٣٣٩


دَور المنافقين في موجة الرسائل: ٣٤٠

ترجمة شبث بن ربعي. ٣٤١

ترجمة حجار بن احجر ٣٤٢

ترجمة يزيد بن الحارث.. ٣٤٢

ترجمة عزرة بن قيس.. ٣٤٣

ترجمة عمرو بن الحجاج. ٣٤٣

ترجمة محمد بن عمرو التميمي. ٣٤٣

التعاطُف الكبير مع سفير الحسين عليهما‌السلام: ٣٤٤

الاجتماع الأوّل مع سفير الإمام عليه‌السلام: ٣٤٦

إشارة: ٣٤٦

الكوفة بانتظار الحسين عليه‌السلام: ٣٤٧

أهل الكوفة.. والمبادرة المطلوبة: ٣٤٩

حركة الأمّة في البصرة ٣٥٦

ردّ رؤوس الأخماس والأشراف على رسالة الإمام عليه‌السلام.... ٣٥٧

١- ردّ الأحنف بن قيس: ٣٥٧

٢- خيانة المنذر بن الجارود: ٣٥٨

٣- يزيد بن مسعود النهشلي.. والموقف المحمود: ٣٥٨

ملاحظات وتأمّل: ٣٦١

من هو صاحب الموقف المحمود ٣٦٢

ترجمة سمرة بن جندب.. ٣٦٥

المؤتمر الشيعيّ السرّيُّ في البصرة: ٣٦٨

إشارة: ٣٦٩

خمسمائة من البصريين في سفر ابن زياد إلى الكوفة! ٣٧٠

إشارة: ٣٧٢


الملتحقون بالركب الحسينيّ في مكّة المكرّمة: ٣٧٣

١) - الملتحقون به عليه‌السلام في مكّة من أهل المدينة: ٣٧٤

٢) - الملتحقون به عليه‌السلام في مكّة ولم تُحدّد التواريخ والتراجم أمكنة انطلاقهم: ٣٧٦

١- جنادة بن كعب بن الحرث الأنصاريّ الخزرجي (رض). ٣٧٦

٢- عبد الرحمن بن عبد ربّ الأنصاري الخزرجي (رض). ٣٧٩

٣- عمّار بن حسّان الطائي (رض). ٣٨٠

٣) - الملتحقون به عليه‌السلام في مكّة من أهل الكوفة: ٣٨١

١- بُريرُ بن خُضير الهمداني المشرقي (رض). ٣٨١

٢- عابس بن أبي شبيب الشاكري (رض). ٣٨٢

٣- شوذب بن عبد اللّه الهمداني الشاكري (رض). ٣٨٤

٤- قيس بن مُسهَّر الصيداوي (رض). ٣٨٤

٥- عبد الرحمن بن عبد الله الأرحبي (رض). ٣٨٥

٦- الحجّاج بن مسروق الجُعفي (رض). ٣٨٧

٧- يزيد بن مغفل الجعفي (رض). ٣٨٧

٤) - الملتحقون به عليه‌السلام في مكّة من أهل البصرة: ٣٨٩

١- الحجّاج بن بدر التميمي السعدي (رض). ٣٨٩

٢- قعنب بن عمر النمري (رض). ٣٨٩

٣- يزيد بن ثبيط العبدي وابناه عبد الله وعبيد الله (رض). ٣٩٠

٤- الأدهم بن أميّة العبدي (رض). ٣٩٢

٥- سيف بن مالك العبدي (رض). ٣٩٢

٦- عامر بن مسلم العبديّ ومولاه سالم (رض). ٣٩٢